######OpenITI# #META# URI: 1361CabdAllahHusayn.TarikhMinQablTarikh.Hindawi85315384 #META# Tags: history #META# ID: 85315384 #META# Title: تاريخ ما قبل التاريخ #META# AuthorID: 95373730 #META# Author: عبد الله حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # شعار المؤلف‏ # 1 - ما هو تاريخ ما قبل التاريخ؟‏ # 2 - قبل الحياة على الأرض‏ # 3 - الحياة على الكرة الأرضية‏ # 4 - عصر الزواحف‏ # 5 - عصر اللبونات‏ # 6 - عصر القردة والإنسان الناقص‏ # 7 - الإنسان الحقيقي الأول‏ # 8 - التطور والتدهور‏ # 9 - العصور الچيولوچية وعصور المصنوعات المعدنية‏ # 10 - قصص آدم وحواء وجنة عدن والطوفان ونوح‏ # 11 - الدين والتأليه‏ # 12 - السحر والشعوذة‏ # 13 - العقل والعلم والتعليم‏ # 14 - المثيولوچيا: الأساطير والأدب‏ # 15 - اللغة والكتابة والطباعة‏ # 16 - الفلسفة‏ # 17 - الصناعة‏ # 18 - الفن‏ # 19 - التنقيب عن الآثار‏ # 20 - الزراعة‏ # 21 - العواطف الجنسية‏ # 22 - العادات: طعام الأمم القديمة وغيره‏ # مراجع الكتاب‏ # كلمة المؤلف‏ # شعار المؤلف‏ # 1 - ما هو تاريخ ما قبل التاريخ؟‏ # 2 - قبل الحياة على الأرض‏ # 3 - الحياة على الكرة الأرضية‏ # 4 - عصر الزواحف‏ # 5 - عصر اللبونات‏ # 6 - عصر القردة والإنسان الناقص‏ # 7 - الإنسان الحقيقي الأول‏ # 8 - التطور والتدهور‏ # 9 - العصور الچيولوچية وعصور المصنوعات المعدنية‏ # 10 - قصص آدم وحواء وجنة عدن والطوفان ونوح‏ # 11 - الدين والتأليه‏ # 12 - السحر والشعوذة‏ # 13 - العقل والعلم والتعليم‏ # 14 - المثيولوچيا: الأساطير والأدب‏ # 15 - اللغة والكتابة والطباعة‏ # 16 - الفلسفة‏ # 17 - الصناعة‏ # 18 - الفن‏ # 19 - التنقيب عن الآثار‏ # 20 - الزراعة‏ # 21 - العواطف الجنسية‏ # 22 - العادات: طعام الأمم القديمة وغيره‏ # مراجع الكتاب‏ # | تاريخ ما قبل التاريخ # | تاريخ ما قبل التاريخ # تأليف # عبد الله حسين # | كلمة المؤلف # حين أعددت كتابي عن «السودان من التاريخ القديم» للطبع في عام 1935، كنت أرجو أن يكون ~~مقدمة لمؤلفات أخرى تتناول حياة مصر السياسية والبرلمانية ونهضتها الاجتماعية والاقتصادية ~~وبحوثا علمية أخرى. # غير أن أحداثا حدثت وشواغل عرضت، لعل في مقدمتها أن حالتي الصحية كانت مهددة بالإعياء بل ~~بالانهيار على أثر طبع كتابي «السودان والمسألة الحبشية»، مما كان من عاقبته أن عمدت إلى ~~التخفف من أعبائي والتحلل من تبعاتي إلى ما يتفق وحالتي الصحية المجهدة. # ثم إنه قد أعقب هذا أن الحياة السياسية المصرية، التي كنت أعتزم أن أتناولها بالبحث ~~والتأريخ والتأليف قد قل نشاطها على أثر المفاوضات التي انتهت بعقد ms001 معاهدة الزعفران، معاهدة ~~التحالف والصداقة بين مصر وبريطانيا العظمى في العاصمة البريطانية في 26 أغسطس سنة 1936، ~~ومعاهدة مونترو التي قضت بإلغاء الامتيازات الأجنبية في 8 مايو 1937. # كذلك نجم خلف سياسي كان من جرائه أن أعيد تأليف وزارة مصطفى النحاس باشا الرابعة في 3 ~~أغسطس 1937، وأن بدت في إثر ذلك أزمة سياسية حادة انتهت باعتزال الوزارة الحكم في 30 ديسمبر ~~1937، وبتأليف وزارة محمد محمود باشا الثانية. وعلى أثر قبول استقالتها في 18 أغسطس 1939 ~~تألفت وزارة علي ماهر باشا الثانية، ثم إنه في 3 سبتمبر 1939 قامت الحرب بين الحلفاء وبين ~~ألمانيا وأعلنت الأحكام العرفية المصرية وفرضت الرقابة على الصحف، واستقالت الوزارة ~~الماهرية الثانية في 23 يونيو 1940 وفي 28 يونيو قبلت استقالتها، وخلفتها وزارة حسن صبري ~~باشا، وعلى أثر وفاة دولته إذ كان يلقي خطاب العرش في 14 نوفمبر 1940، تألفت وزارة حسين سري ~~باشا في 15 نوفمبر 1940، ولما استقالت الوزارة السرية خلفتها الوزارة النحاسية الخامسة في 6 ~~فبراير 1942، فالوزارة النحاسية السادسة في 26 مايو 1942. # كان من جراء هذه الأحداث مع ما تخلل هذا من الغارات الجوية على البلاد واقتحام حدودها ~~الغربية وانتشار الظلام، واضطراب الأفكار، وغلاء الورق، والانتقال في سرعة من طور إلى آخر، ~~أنني آثرت إرجاء طبع مؤلفاتي إلى ما بعد الحرب. # غير أنه، وقد مضى على الحرب أعوام خمسة، مستقبلة عامها السادس، مرجئة ولا شك حين تضع ~~أوزارها أسباب الاستقرار السامي أعواما أخرى، اعتزمت أن أمضي في إعداد مؤلفاتي للطبع، وكان ~~باكورتها هذا الكتاب «تاريخ ما قبل التاريخ». # أما موضوعه فإنه يتناول تلك العصور البعيدة التي سبقت الحضارات التاريخية القديمة ~~المعروفة، مبتدئا بالكون وظهور الحياة على الكرة الأرضية عارضا للتقلبات الطبيعية ونشوء ~~الإنسان وغرائزه وإنتاجه المادي والعقلي. ولما كان هذا الموضوع يتطلب من الاستقصاء ~~والاستيعاب ما تقصر عنه هذه الصفحات، كان حماداي أنني جمعت أصوله ونسقت فصوله وأوجزت ~~تفاصيله، ميسرا للمستزيدين أن ينهلوا من مراجعه المدونة في آخره، معتمدا على فطنة ~~القارئين في استدراك الأخطاء المطبعية واللغوية، وفي ms002 إدراك الألفاظ الأجنبية من ترجمتها ~~العربية، داعيا أبناء مصر والعروبة إلى استكمال بحث هذا الموضوع. # عبد الله حسين # | شعار المؤلف # كل كتاب جديد لا يضيف جديدا إلى المعرفة، إما أن يكون رجعا لصدى غيره أو لغوا غير جدير ~~بعناء القراءة. # الفصل الأول # | ما هو تاريخ ما قبل التاريخ؟ # قلنا في «مقدمة الكتاب» إن موضوعه «يتناول تلك العصور البعيدة التي سبقت الحضارات ~~التاريخية القديمة المعروفة، مبتدئا بالكون وظهور الحياة على الكرة الأرضية، عارضا ~~للتقلبات الطبيعية ونشوء الإنسان وغرائزه وإنتاجه المادي والعقلي». # ونقول هنا إن هذا الموضوع يتناول الكثير من البحوث الفلكية والأرضية - الچيولوچية - ~~والأثرية والنظريات الفلسفية، والعلوم النظرية والتطبيقية، ومن الدراسات المتصلة بالآداب ~~والفنون والسياسة والغرائز والعواطف الحيوانية والبشرية، كما سنجلوه على القارئ الكريم في ~~الفصول التالية، فليس بعجيب أن يتعاون الفلكيون والأرضيون والمؤرخون والأثريون والفلاسفة ~~وعلماء الطبيعة والاجتماع والزراعة والاقتصاد والصناعة والطب والكيمياء على إيضاح سر الكون ~~وأصل الخليقة، أو شيء من هذا؛ لأن ما أدركوه إلى الآن ليس يبلغ من بحر الحقيقة إلا قطرة ومن ~~بستانها إلا زهرة. # ولما كان «التاريخ» يتناول ما وقف عليه المؤرخون منذ مطلع نشوء الحضارات القديمة ممثلة في ~~الممالك ذات التيجان والإمبراطوريات ذات العروش، مبتدئة بحادث أو يوم معين أو بسنة بعينها، ~~آثرنا أن نطلق على الحوادث التي جرت قبل «التاريخ» اسم «تاريخ ما قبل التاريخ»؛ إذ إننا ~~لسنا حيال ممالك وإمبراطوريات وأشخاص بأسمائهم وذواتهم، بل إننا قبل «التاريخ» المدون ~~المعروف، بإزاء عصور طويلة وتقلبات عديدة ونظريات معقولة أو غريبة، مرغمين على أن نضرب في ~~بيداء الظنون وأن نلجأ إلى المنطق؛ لنصل إلى النتائج من مقدماتها. # يقول المؤرخون إن «التاريخ» هو عرض الحوادث أو قل إنه الحوادث ذاتها، وإنه كان - في أصله ~~- بحثا وبسطا. أما في العصر الحديث فإن «التاريخ» هو تلك الظاهرة الإنسانية التي تؤلف أو ~~تعين على أن تؤلف موضوع الحوادث ذلك أننا إذا أردنا أن نعرض «لتاريخ مصر» كان لا معدى لنا ~~عن أن نتحدث عن ملوكها وحكامها. # وثمة معنى أوسع ms003 منحى من معنى ظاهرة حياة الإنسان وأسره المالكة. ذلك أن الحوادث التي ~~ينبغي أن يتناولها «التاريخ» يجب أن تشتعب كل ما في الدنيا الطبيعية ذاتها وما يحيط بها، ~~فيتحدث عن كل شيء في الكون والكرة الأرضية يكون هدفا للتقليب والتغيير. ولما كان ليس ثم ~~شيء في هذا الكون ثابتا، كان للكون كله ولكل جزء فيه «تاريخ»، فلقد كان من أثر كشف ~~«الأثير» أن غير العلماء رأيهم في العالم الطبيعي، بأن تطور البيان الحسابي الثابت إلى ~~معنى الحركة الدائمة التغيير في الكون، وبأن انتقلت الصخور والمعادن من مرحلة التحليل ~~والتبلور إلى مرحلة التسلسل والتطور، فأصبح علم الطبيعة وعلم الحياة - البيولوچيا - من بحوث ~~«التاريخ». # لقد كان الناس يقيمون المباني لتخليد ذكرى ملوكهم وحكامهم. أما الآن فالمباني تقام في ~~المناسبات وللمنفعة الشخصية ولوقت محدود. # ولما كان لم يسن للأدب والفلسفة والسياسة والأخلاق والنقد والتجربة في العصور القديمة، ~~مقاييس أو معايير - فإن التاريخ حقيق بأن يردنا إلى الصواب، حين نعمد إلى نقد شاعر كشاكسبير ~~محتجين بأنه قد خالف قوانين الدرامة. ~~(1) تدوين التاريخ # كان اليونانيون الأقدمون يعنون «بالتاريخ» البحث عن الحقيقة في أوسع نطاقها، وكان ~~«هيرودوت» المؤرخ اليوناني الكبير في القرن الخامس قبل الميلاد وصافا لأحوال الأمم ~~وخاصة مصر، والحروب القديمة التي قامت بين البلاد اليونانية وبين إيران، وكان كاشفا ~~رحالة طلعة حالته قلعة في غيرما إجادة أو دقة، وجاء «ديودور الصقلي» في القرن الأول ~~للميلاد يصف مصر كما رآها يومئذ مماثلا لهيرودوت. وكان التاريخ، على عهد «أرسطو» ~~والعرب، نوعا من الأدب. أما في العصر الحديث فإن «التاريخ» يتألف من عنصرين: أولهما ~~البحث، وهو الجانب العلمي، وثانيهما العرض الأدبي ذلك أن «تاريخ» التاريخ يدل على أن ~~نهضة التاريخ كانت مسايرة للنهضة الأدبية والفنية؛ إذ كان المؤرخ لا غنى له عن: (1) ~~التفكير. و(2) عن الخيال. و«التاريخ» الذي ~~يدونه عالم غير أديب، لا يكون تناوله قريبا كما أن أسلوبه لا يكون جذابا وحوادثه ليست ~~مشرقة خلابة؛ لأن العالم الباحث لا يحتفل للفظ، فالمعنى هو كل ما يعنيه. ms004 # من أجل هذا كان البون كبيرا بين التاريخ في عصر بيتيكلر ومؤلفات هيرودوت ~~وتكسيديديس وفيدياس، وبين تاريخ يضعه السير ويليام فليندرز بيتري العالم البريطاني ~~الأثري الكبير الذي توفي في 28 يوليو سنة 1942 عن 86 سنة، وهو واضع قواعد علم التنقيب ~~عن الآثار؛ لأن تاريخ الأولين طابعه أدبي، وخالد على الدهر. # ولما كان التاريخ - في معناه الأعم - يتناول، كما قلنا، كل شيء؛ كان هناك تاريخ ~~سياسي، وتاريخ للتجارة، وللمدن، وللقانون، وللعلم، والفلسفة؛ الفلسفة في ذاتها وفلسفة ~~التاريخ التي تتحدث عن الحقائق التي سيطرت على حوادثه. # ومما يجدر بالذكر أن الناس كانوا - قبل إتقان الكتابة وانتشارها - يتناقلون الحوادث ~~التاريخية مشافهة، وكانت هذه الحوادث ممتزجة بالأساطير والأناشيد والشعر والنثر وأنباء ~~البطولة والآلهة، وكانت الأسر اليونانية تعنى بتدوين أنباء رجالها على اللوحات، كذلك ~~حفظ لنا كتاب «مانيثون» تاريخ الأسر المصرية القديمة. و«مانيثون» هذا كان كاهنا ~~مصريا من سمنود، أمره ملك مصر بطليموس فيلادلفوس بأن يجمع البيانات المتصلة بتلك ~~الأسر. # وبعد الشاعر والأديب جاء الكاهن فدون الحوادث في المعابد والكنائس، فقد كان بونتفيكس ~~ماكسيموس في عهد الجراكي (131ق.م) يؤرخ الحوادث سنويا في ألواح من الخشب. # وهناك تقاويم سنوية مختلفة ظهرت في عصر التاريخ وقبله، فقد كان اليونانيون يؤرخون ~~التاريخ تبعا لدورات الألعاب الرياضية (الأولومبية)، والرومان ببناء مدينة روما أو حكم ~~أباطرتهم، والعرب بعام الفيل. ولعل تقسيم السنة إلى 12 شهرا قمريا يرجع إلى ما قبل ~~التاريخ؛ لأن الإنسان الأول عرف القمر يدور حول الأرض 12 مرة في السنة. وكان روملس منشئ ~~روما يجعل السنة 10 شهور. ~~(2) خصوم التاريخ # وقبل أن نختتم هذا الفصل، لا معدى لنا عن أن نذكر أن للتاريخ، إلى مزاياه وآثاره في ~~العلم والتعليم والتربية والحياة الإنسانية، خصوما في أوروبا ومصر، ذلك أن عندهم أن ~~المفتريات والدعايات وألوان التزيد والغلو قد تدسست إلى المرويات التاريخية، وحسبهم من ~~الشواهد على هذا أن يشيروا إلى أن مئات الحوادث قد تباينت فيها الوقائع، وأن ما يجري ~~تحت أعيننا، ونحن نزعم أننا في عصر العلم ms005 والنور والحرية والمطبعة، لا يذكر ولا ينقل ~~مشافهة أو كتابة على حقيقته، مع أنه سيكون الأساس الذي يقيم عليه المؤرخ المقبل تاريخ ~~هذه الأيام. وعلى رأس خصوم التاريخ من المصريين، عبد العزيز فهمي باشا رئيس محكمة النقض ~~الأسبق، فقد نشرت مجلة «المصور» في 13 نوفمبر 1942 لمعاليه الحديث التالي: # إنك مصدر من مصادر التاريخ المصري للحركة الوطنية الأخيرة، فهل تسمح بأن ~~تتحدث عن هذا التاريخ ؟ # لست من المؤمنين بالتاريخ بل إني من الكافرين بآلهة التاريخ؛ لأنه مملوء ~~بالكذب. وإذا حدثتك عن يوم 13 نوفمبر فقد يكون ما أرويه لكم اختلاقا؛ لأنه ~~رواية والرواية خبر من الأخبار، والخبر كما يقول علماء اللغة: يحتمل الصدق ~~والكذب، أو كما يقول الشرعيون: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. وقد زادوا كلمة ~~«لذاته»؛ لئلا يتناول الأنبياء وهم معصومون عن الكذب أما غيرهم فيجوز لهم ~~الكذب، بل إن الكثيرين يكذبون في التاريخ وليس هناك حقيقة تاريخية تكون صدقا ~~صرفا. # ولكن حادثة ذهابك أنت وسعد باشا وعلي باشا شعراوي إلى سيرونجت حقيقة صادقة ~~صرفة؟ # قد يكون أننا ذهبنا إلى سيرونجت بدار المعتمد البريطاني، ولكن هل يعلم أحد ~~حقيقة ما حدث في اجتماعنا به؟ وإذا رويت أنا هذه الحادثة كما وقعت، فإن روايتي ~~تحتمل الصدق والكذب، كما أن رواية كل من زميلي تحتمل ذلك، فأينا يكون ~~الصادق؟ # الفصل الثاني # | قبل الحياة على الأرض # الكون والوجود والطبيعة والخليقة والعالم والدنيا ألفاظ تطلق - لغة واستعارة واصطلاحا ~~في اللغة العربية واللغات الأخرى - على معان عامة ومدلولات شائعة. # والناس قد يذكرون أو يتعاورون اللفظ من هذه الألفاظ على أن معناه هو المعنى ذاته الذي تدل ~~عليه الألفاظ الأخرى أو بعضها، وحسبنا أن نذكر هنا أنهم قد يتحدثون عن «العالم»، ومعناه ~~لغة: الخلق كله أو صنف من صنوفه، وهم يريدون أن يعرضوا «للدنيا»، ومعناها هذه الحياة ~~الدانية القريبة منا؛ أي التي نشهدها وتلابسنا. # ولا مرية في أن الإنسان القديم والجديد، جاهلا كان أم مثقفا صبيا كان أم شيخا، قد ~~خطر بباله هذا «الكون» نشوءا ms006 وبقاء، وتمنى أن يقف على سره ومصيره. # فأما الذين استهواهم هذا الموضوع واسترعت عقولهم عجائب الكون وغوامضه، فقد وقفوا حياتهم ~~على حل معمياته وتوضيح مشكلاته، غير أنهم لم يوفقوا إلا إلى كشف القليل جدا من حقائق ~~الدنيا، وجملة ما يقال أن المتأخرين قد أصابوا من المعرفة أضعاف أضعاف ما وفق إليه ~~المتقدمون. # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # قرآن كريم. # ففي مستهل القرن الثامن عشر الميلادي ، لم يسهم للناس أن يعرفوا من تاريخ الدنيا ما يزيد ~~على 3000 سنة. بل إنه عند بعض الدارسين أن الدنيا قد خلقت فجأة في عام 4004 قبل الميلاد، ~~على أنهم قد اختلفوا في هل وقع هذا في فصل الربيع أو في فصل الخريف! # أما مصدر الاختلاف فيرجع إلى اختلاف في تأويل بعض ما ورد في «التوراة»، وإلى تفسير بعض ~~الأقوال والروايات التي انتهت إليهم! # وقد أسميت الأرض الكرة الأرضية؛ لأنها تماثل الكرة على وجه تقريبي. غير أنها تشبه ~~البرتقالة؛ لأن كرة الأرض مضغوطة من طرفيها. أما طول قطرها فهو 8000 ميل. # ولم يدرك كبار العلماء - وما كان أقلهم - هذه الكروية إلا منذ 2500 سنة تقريبا. فقد كان ~~الناس قبل هذا - كما يبدو من التاريخ المدون - يعتقدون أن الأرض مستوية منبسطة. بل إن هناك ~~رأيا عصريا، وإن كان لا يزال شاذا، يقرر أن الأرض غير كروية. # وهي تتابع الدوران حول محورها في خلل الليل والنهار؛ أي في الساعات الأربع والعشرين. ثم ~~إنها تدور حول الشمس في السنة دورة بيضوية الشكل على مبعدة منها تختلف مسافة بين 91 مليونا ~~ونصف ميل وبين 94 مليون ونصف، هذا ويدور القمر حول الأرض في دائرة تبعد عن سطحها مسافة ~~239000 ميل. ~~(1) انفصال الأرض عن الشمس # هذا ويقال إن الأرض كانت قطعة من الشمس ~~انعزلت عنها منذ ألفي مليون سنة تقديرا. أما عن مرجع هذا الانفصال فالآراء متضاربة: ~~منها أن نجما كبيرا اقترب من الشمس محدثا زيادة قوة الجذب بينهما؛ الأمر الذي نشأ ~~عنه خروج لسان من مادتها إلى الفضاء ms007 منفصلا عن الشمس مبتعدا عنها دائرا حولها، ومن ~~اللسان تألفت الأرض والكواكب وأشباهها دائبة الدوران حول الشمس، ثم إن هذه الكتلة ~~الغازية الملتهبة قد تحولت إلى سائل، تجمد بعضه وتألفت القشرة ~~الأرضية بما عليها من الجبال والسهول ~~والبحار، وانفصل القمر كما انفصلت أقمار أخرى من كواكبها. # ومن الآراء أيضا أن الأرض انفصلت عن الشمس من غير أي احتكاك بين الشمس وجسم آخر. أما ~~دوران الأرض حول الشمس فهو يجري في فلك قريب الشبه بالإهليلجي في سرعة قدرها 18 ميلا ~~ونصف الميل في الثانية. ويقرب نصف قطر هذا الفلك من 93 ميلون ميل، وتستغرق المدة التي ~~تمضيها الأرض في قطع محيطه سنة. وعند «چينز» أن الأرض ليست إلا ذرة تافهة في الفضاء ~~الفلكي العام ولا ترى إلا بالمجهر. # يقال إن «كوبرنيكس» في القرن السادس قبل الميلاد، كان أول من قال إن ما يبدو من حركة ~~الشمس والقمر والنجوم من الشرق إلى الغرب حول الأرض قد نشأ عن دوران الأرض حول محورها ~~من الغرب إلى الشرق؛ إذ إن الأرض والكواكب السيارة ليست إلا أجراما، تدور حول ~~الشمس. # وقد تتابعت آراء الدينيين والعلماء عامة والفلكيين خاصة من منددة بنظرية كوبرنيكس إلى ~~مقرة بها مستوعبة لتفاصيلها بعد التردد. وشاهدنا على هذا أن بطليموس وحكماء اليونان، ثم ~~البوزجاني والبيروني والبتاني والصوفي وأضرابهم من فلكيي العرب، ذهبوا إلى أن الأرض ~~ملكة الكون ومركزه، تحيط بها الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وملحقاتها دائرة من فوقها ~~نهارا ومن تحتها ليلا. ~~(2) وزن الأرض # ثقل المادة هو مقدار جاذبية الأرض لها، وجميع المواد تتجاذب، فإذا أخذنا كرة صغيرة من ~~الفلين مع كرة أكبر منها من الرصاص تسنى لنا أن نقيس مقدار جذب كل منها للأخرى، أما ~~الكرة الكبرى فهي أقوى جذبا من الصغرى، ثم إن مقدار جاذبية الأرض للكرة الصغرى (أي ثقل ~~الكرة الصغرى) هو أضعاف مقدار جاذبية كرة الرصاص لكرة الفلين؛ أي إن الأرض هي أثقل من ~~كرة الرصاص بعدد تلك الأضعاف، فإذا عرفت وزن كرة الرصاص فاضربه في عدد ms008 تلك الأضعاف يكن ~~لك وزن الكرة الأرضية. # هذا وثمة طريقة أخرى وهي أن يؤخذ حجم الكرة الأرضية طبقا لقواعد هندسة الأجسام أو ~~الهندسة الفراغية، ثم تؤخذ كرة صغيرة من مادة نسبة كثافتها إلى كثافة الماء 5,52 وتقيس ~~حجمها ثم تستخرج النسبة بين هذا الحجم وحجم الكرة الأرضية، ثم تضرب هذه النسبة في ثقل ~~الكرة الصغيرة فيكون من ذلك ثقل الكرة الأرضية؛ إذ إن متوسط كثافة الكرة الأرضية هو ~~5,52 أضعاف كثافة الماء. وعند الفلكي (چينز) أن وزن الأرض 5885516 ألف ألف ألف ألف ألف ~~طن. # وعند الدكتور والي الأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية أن القشرة الأرضية لا تزيد على ~~64 كيلومترا، وأن تحتها مواد أصلب من الفولاذ كثافتها 1800 ميل، وعند قلب الأرض حديد ~~مصهور حار جدا. ~~(2-1) جوف الأرض # أما جوف الأرض فإن ما تحمله البوصة المربعة من الصخور والمواد المختلفة يزن أكثر ~~من 300 طن على عمق 100 ميل، أما الحرارة فتزيد درجة سنتيجرادية في كل مائة ~~قدم. ~~(2-2) عمر الأرض # وأما عمر الأرض فقد عكف الرياضيون والفلكيون والأرضيون (علماء طبقات الأرض) على ~~تقدير هذا العمر منذ القرن السابع عشر، مستخدمين نظريات وطرقا، منها قياس ما ~~يستغرق من الزمن في بناء طبقات الأرض أو نقل الأملاح الذائبة من الأنهار والسيول ~~إلى المحيطات أو برودة القشرة، أو معرفة كمية هذه الأملاح في المحيطات، وهناك من ~~عمد إلى قياس الزمن الذي يمضي على تحول اليورانيوم والثوريوم والراديوم والعناصر ~~المعدنية الأخرى إلى رصاص، أو تقدير ينبوع الحرارة ومصدر النشاط الإشعاعي لهذه ~~العناصر. # هذا ويتابع هؤلاء الاستقصاء. ~~(2-3) الفضاء المحيط بالأرض # أما الفضاء المحيط بالأرض فيتألف من طبقة جوية من النيتروچين والأوكسيچين، ومن ~~قليل من الأركون وثاني أوكسيد الكربون والهيدروچين، ثم الكريبتون والنيون والهليوم ~~وغيره من الغازات النادرة. # وبعد ستة أميال فوق الأرض تقل كثافة الهواء ويلطف، وينبغي على الطيار حينئذ أن ~~يستنشق الأوكسيچين الصناعي. هذا والجو طبقات قد تصل إلى مائتي ميل. وبعد عشرين ~~ميلا فوق الأرض يوجد غاز الأوزون الذي يمتص ms009 الأشعة فوق البنفسجية للشمس والنجوم، ~~ويحول دون إضرارها بالإنسان. # وتنعكس أشعة الشمس إلى كل الجهات فتضيؤها حين تقع الأشعة على ذرات الهواء وغباره ~~وعلى الأجسام الأرضية. ~~(2-4) قلب الأرض وحرارتها # يقول الدكتور ليسون آدمز مدير المعمل الچيوفيزكي في معهد كارنيجي في واشنطون: إنه ~~يؤخذ من دراسة أمواج الزلازل وحقائق طبقات الأرض أن على سطح الأرض قشرة ثخانتها بين ~~25 و30 ميلا، وفي قلبها كرة ضخمة قطرها حوالي 4000 ميل، وما بينهما طبقة متوسطة ~~ثخانتها ألفا ميل، وأن الكرة المركزية كثيفة ومحشوكة جدا لضغط القشرة وتقلص كتلة ~~الأرض ولوجود مادة يرجح أنها معدن الحديد، ذلك أن الحديد رابع المعادن وفرة في ~~القشرة الأرضية، وهو كثير في الرجم والنيازك، ومفروض وجوده في الشمس كما يبدو من ~~دراسة طيفها. أما حرارة مركز الأرض، فمع أن (آدمز) يبدي ما يواجه تقديرها من صعوبة، ~~فإنه يقدرها بثلاثة آلاف درجة مئوية. ~~(3) الشمس # يبلغ حجم الشمس مليون وثلاثمائة ألف مرة مثل حجم الأرض. ولئن كانت تبدو لنا أكبر ~~الأجسام السماوية لقربها منا. غير أن بين هذه ما يكبرها بمئات الألوف من مثلها. ولا يسع ~~أسرع الطائرات أن يصل إليها في أقل من عشرين سنة؛ إذ إن المسافة بين الشمس والأرض 93 ~~مليون ميل تقديرا. أما درجة الحرارة على سطح الشمس فهي ستة آلاف درجة ~~سنتيجرادية. # هذا ويشاهد الفلكيون على الشمس كلفا، وهي بقع سوداء، ويذهبون إلى أنها من أثر إشعاع ~~الشمس وخروج حرارة جوفها أو برودة في قشرتها. # وعند «چينز» أن الشمس تفقد أكثر من أربعة ملايين طن في الثانية. ~~(3-1) الكلف الشمسية # الكلف الشمسية هي المناطق القاتمة على سطح الشمس كما يوضحها المنظار. أما أول ~~كاشف لها فهو جاليليو العالم الفلكي المشهور في سنة 1610، وقد كان ذلك بعيد استنباط ~~المرقب (التلسكوب). والكلف كثيرة جدا تبدو كأنها حفر هائلة تسع كل ما في الكرة ~~الأرضية، وهي تختلف حجما فإن بعضها لا يزيد قطره على ألف ميل، في حين أن قطر البعض ~~الآخر قد يبلغ مائة ألف ميل. ms010 والكلف تكثر وتقل في كل إحدى عشرة سنة؛ ولظهورها ~~واختفائها علاقة بمغناطيسية الأرض وبوقوع الأمطار والخصب والجدب، بل بوقوع كثير من ~~حوادث العالم من حروب ومجاعات وأمراض وما إلى ذلك. # هذا ولا يزال العلماء يجهلون حقيقة هذه الكلف. والمظنون أنها مواد مصهورة غازية ~~تخرج من جوف الشمس، وتنتشر على سطحها في فترات محددة يبلغ متوسطها 11,39 سنة. ويكون ~~فيها كهربائية مغناطيسية قوية. ~~(3-2) عمر الشمس وطيفها # أما عمر الشمس فهو 7550000 مليون سنة. وتفقد بالإشعاع أكثر من أربعة ملايين طن في ~~الثانية. هذا وقد يحتجب نور الشمس عنا فيسمى (الكسوف). # وهناك آلات فلكية توضح كيماوية الشمس والنجوم، منها آلة كاشفة للطيف ~~«السبكترسكوب». أما الطيف فهو شريط ملون ينشأ من مرور شعاع النور الأبيض، كضوء ~~الشمس، على منشور ثلاثي زجاجي، من شأنه أن يدع الأشعة تنفذ منه وتتحلل. ومتى وقعت ~~على حاجز أبيض، ظهرت الأشعة النافذة عليه كشريط ملون طرفه الأسفل أحمر والأعلى ~~بنفسجي، وما بين اللونين يقع البرتقالي فالأصفر فالأخضر فالأزرق فالنيلي. وقد استدل ~~من هذه الخطوط الشعاعية على غاز الهليوم وغيره، وعلى أن في الشمس عناصر أرضية، ~~كالهيدروچين والهليوم والكبريت والنيكل والكلسيوم والكربون والصوديوم والحديد ~~والنحاس. # هذا وقد تم في أمريكا بناء منظار كبير - تلسكوب - قطر مرآته خمسة أمتار، وقد أعان ~~الفلكيين على كشف نجوم جديدة. ~~(4) المجرات # تستطيع العين المجردة أن ترى حوالي تسعة آلاف نجم. أما المراصد الفلكية فتستطيع أن ~~ترى أكثر من مائة ألف مليون، ومن كل مجموعة من النجوم يتألف ما يسمى «المجرة». والمجرات ~~تختلف عن الأرض أبعادا بين 30 مليون سنة ضوئية ومائة مليون. # وهذه النجوم المتجمعة تكون على صورة قرص مستدير منفوخ غيمي كالرغيف، ثخانته ثلث قطره، ~~نصفها في الليل من الشمال إلى الجنوب تسمى درب التبان عند العرب، وعند الأوروبيين ~~الطريق اللبني، وفي دائرته تقع المجرة. وهناك مجرات أخرى في الفضاء اللانهائي. والمجرة ~~التي منها الكرة الأرضية يطلق عليها «قارة» أما المجرات الأخرى فهي متجمعة بيضويا، ~~وتسمى جزرا. # ويقول الدكتور هبل مدير مرصد ms011 جبل ويلسون في أمريكا إن في الكون مائة مليون مجرة في ~~نطاق قطره 500 سنة ضوئية. أما السنة الضوئية فهي المسافة التي يجوزها الضوء في سنة في ~~سرعة قدرها 186 ألف ميل في الثانية. # هذا وقد صنع في أمريكا تلسكوب كبير وبدئ به كشف مجرات لم تكن معروفة قبل الآن كما ~~قدمنا. # وعند چيمس چينز الفلكي الإنجليزي أن عمر الكائنات كلها عشرة ملايين مليون سنة. أما ~~الدكتور بوك الفلكي في مرصد هارفارد الأمريكية، فيقدر عمر الكون بعشرين ألف مليون سنة؛ ~~أي بجزء من 500 جزء من تقدير چينز. # وعند هنري منيور الفلكي الفرنسي أن المجرة لا تزال في طفولتها فإن عمرها لا يزيد على ~~20 ألف مليون سنة. أما الكون فعمره نحو ألف ألف ألف مليون سنة. ~~(4-1) السديم # هو مجموع كبير من المادة الغازية اللطيفة جدا تتقلص تدريجا، وتتألف منها ~~الأجسام والنجوم ثم تنفصل منه. # وهناك سدم تتألف من الغازات الملتهبة الحارة جدا، وخاصة من غازي الأيدروچين ~~والهليوم. ~~(4-2) الهيولى والبروتون # الهيولى معربة معناها الهباء المنبث في جو الغرفة يوضحه خط ضوء الشمس، أو هو ~~المتناثر من القطن. وقد أطلق هيولى على طينة العالم. والعالم الهيولي أو الهيولاني ~~هو العالم المادي. # أما البروتون فهو أحد أركان العنصر (أو الجوهر الفرد) أو الومضة الموجبة، التي ~~تدور مع الومضة السلبية (الإيلكترون) حول نواة العنصر كما تدور الكواكب حول ~~الشمس. ~~(5) القمر # لكل كوكب من الكواكب السيارة ملحق أو تابع أو أكثر يتقيد بها ويدور حولها. فأما تابع ~~الأرض فهو القمر وهو أقرب الأجرام السماوية إلى الأرض، مع أنه من أصغر الأجرام، وهو ~~أصغر من الأرض نحوا من خمسين مرة، ويبعد عنها 85000 فرسخ ويدور حول الأرض في 29 يوما ~~ونصف اليوم، وهذه الدورة تؤلف الشهر القمري، الذي يقال إنه كان أصل التقاويم السنوية ~~قبل الحضارات التاريخية المعروفة، وإن بعض هذه الحضارات، ومنها الحضارة الإسلامية، قد ~~أخذته عما قبل التاريخ؛ لأن حركة القمر ضمورا وظهورا استرعت، ولا شك، الإنسان ~~البدائي، الذي كان لا ms012 يفتأ ينظر إلى السماء مفكرا معجبا بضوء نجومها وبأمر هذا القمر ~~يتقلب رويدا بين المحاق والبدر، ومن أجل هذا كان القمر من آلهة الأقدمين الذين كانوا ~~يعزون إليه الكثير من خير الدنيا وشقائها. # هذا ويبلغ متوسط بعد القمر عن الأرض نحو 240 ألف ميل متأرجحة بين 222 ألفا، وبين ~~253 ألفا؛ لأن المدار ليس دائريا، ولأن الأرض تنحرف قليلا عن مركزها إلى بؤرتها. ~~أما قطره فيزيد قليلا على ربع قطرها؛ أي 2200 ميل، أما كثافة مادته فسدس مادة ~~الأرض. # ويبدو أنه ليس حول الوسط المحيط بالقمر غازات أو ماء، وأن جباله وفجواته على فطرتها، ~~وأن على سطحه مساحات واسعة مظلمة أطلق عليها اسم البحار مع عدم وجود الماء بها، هذا وقد ~~درس الفلكيون القمر دراسة واسعة، وخاصة فيما يتصل بأثره في الجاذبية وإحداث الجزر والمد ~~والخسوف. كذلك تغنى الشعراء والكتاب بوصفه وتشبيه الجمال ببدره، وسير الركب على ~~ضوئه. ~~(5-1) الحياة على القمر # هذا وقد تباينت آراء الفلكيين حول احتمال وجود الحياة بالفعل أو في المستقبل في ~~هذا القمر؛ إذ إن الناظر إلى القمر يلمح على سطحه أشياء تبدو كأنها الجبال ~~والوديان. على أن هناك من يقطع بأنه ليس ثمة حياة على وجه القمر، وللفريقين من ~~النظريات والحجج ما لا يتسع المقام لإيرادها. ~~(5-2) الوصول إلى القمر # هذا ويتحدث بعض الفلكيين والطيارين عن احتمال الوصول من الأرض إلى القمر، على أن ~~الذي يحول دون تحقيق هذا أنه على بعد ~~مائتي كيلومتر من سطح الأرض، توجد منطقة ~~لا هواء فيها، ثم إن جاذبية الأرض تمنع الخروج من محيطها الهوائي. # ومما خطر ببال بعض الفلكيين والرياضيين والطيارين إعداد قذيفة صاروخية من المدفع ~~كرسالة من الأرض إلى القمر! ~~(6) الكواكب السيارة # وثمة كواكب سيارة أخرى كعطارد والزهرة تماثل الأرض والقمر في طوافها حول الشمس على ~~مبعدة 36 مليون ميل و67 مليون من الشمس. أما كواكب المريخ والمشتري وزحل وأورانوس ~~ونبتون، فتدور حول الشمس على مبعدة 141 مليون ميل و483 مليونا و886 مليونا و1782 ~~مليونا و2793 ms013 مليونا على التوالي. # هذا ويقع مركز الأرض على عمق 4000 ميل من سطحها. أما الحياة، فإلى أنه لم يتحقق ~~وجودها في غير الكرة الأرضية، فإنها لم تعرف إلا على مبعدة ثلاثة أميال إلى جوف الأرض. ~~أما على سطحها فهناك متسع للصعود إلى عشرات الأميال في المستقبل القريب. # ومنذ القرن الماضي نهض العلماء الباحثون لكشف عمر الكرة الأرضية، ثم التنقيب عن بداية ~~الحياة النباتية فالحيوانية فالبشرية فيها، وكلما امتد هذا البحث، غلا المنقبون في ~~تحديد هذا العمر. ولكل باحث الأداة التي يستند إليها والفروض التي تخطر بباله والنتائج ~~التي ينتهي إليها بحثه. وكلها، على ما يبدو إلى الآن، ظنون لم تبلغ مرتبة اليقين ~~والجزم، فعند بعض الباحثين أن الأرض تدور، ككوكب سيار، حول الشمس منذ 2000000000 سنة أو ~~أكثر ، وأن الشمس والأرض والكواكب الأخرى والأقمار والنجوم كانت كلها دوامة من المادة ~~المتناثرة الشائعة في الفضاء. ذلك أن المرقب (التلسكوب) يبين لنا سحبا حلزونية مضيئة ~~من المادة، السدم اللولبي، الذي يبدو أنه يدور حول مركز ما. # ومما يظنه الكثيرون من الفلكيين أن الشمس وكواكبها السيارة كانت لولبية على النحو ~~المتقدم، وأن مادتها قد كثفت وتركزت في الشكل الحاضر في غضون دهور تعاقبت بعد أن تأججت ~~هذه المادة وصهرت عند سطحها، وكانت الشمس ذاتها تبدو شعلة أكبر مما صارت إليه ~~الآن. # ثم إنه يفترض أن الأرض أدنى إلى أن تكون تنورا متفجرة أو سطح حمم قبل أن تبرد، وأن ~~الماء كان بخارا حارا جدا في جو عاصف من الغازات الكبريتية والمعدنية، وأن تحت هذا ~~يغلي ويدور محيط من المادة الصخرية المصهورة، وأن ومض الشمس والقمر المتحركين في سرعة، ~~يكتسح في طريقه كل شيء كما تندفع ألسنة اللهب، وأن هذه النار المندفعة قد فقدت تأججها، ~~وأن الأبخرة قد صارت أمطارا، وأن الأقراص الصخرية المتجمدة البطئية شرعت تبدو على سطح ~~البحر المنصهر ثم تهبط فيه وتحل أخرى محلها، مؤلفة هذه الكرة الأرضية بعد أن برد الجو ~~الذي كان تغشاه تلك السحب والأبخرة، وبعد أن جرت ms014 خطوط من الماء الحار على الصخور ~~المتبلورة، ومن البحيرات والأخاديد التي كانت تستقبل ما يجيء به ذلك الماء الجاري الحار ~~من الرواسب والمواد المتفتتة. # في ذلك الزمن البعيد جدا الذي لا يحصي العد قرونه، لم تكن هناك حياة ما على وجه ~~الأرض؛ إذ كانت الحياة مستحيلة يومئذ؛ لأن الأمطار الغزيرة كانت تهطل، ولأن الرياح كانت ~~شديدة جدا وحارة جدا، والسحب كانت دائمة والسماء غائمة. # أما كيف عرفنا أن الأرض كانت هكذا قبل أن تعرف الحياة فيها، فإنا نعيد القول هنا بأن ~~كل ما قدمنا لم يزل من الفروض والظنون، ذلك أنه لم يصل إلينا ما يعد حقا لا ريب فيه، ~~إنما هي آراء خرجت من نظراتنا الفاحصة فيما تركت لنا الدهور، وفيما تخلف في الأرض من ~~الآثار في بعض البقاع. # أما الكواكب السيارة الأخرى فإن مدة دورانها حول الأرض بين 88 يوما أرضيا أو سنة ~~كوكبية، وبين 48 سنة أرضية وسنة كوكبية (حسب الكوكب وبعده). ~~(6-1) المريخ # المريخ أكبر من الأرض ثلاثمائة مرة، وتستغرق دورته حول الشمس 12 سنة أرضية وسنة ~~واحدة مريخية. ويبدو أن قلب المريخ كرة صخرية فوقها محيط من الماء البارد المتجمد، ~~وأن على قشرته زوابع وأن جوه غائم جدا، وأن له أقمارا كثيرة عرف منها 11 ~~قمرا. ~~(7) نور النجوم # نجم ألفا قنطورس هو - بعد الشمس - أقرب النجوم إلينا يصل نوره إلينا مرة في أربع ~~سنوات وربع السنة. أما نجم النسر الطائر فإن نوره يصل إلينا في 14 سنة ونصف، والسماك ~~الرامح في 50 سنة، ومنذ ألوف السنين خرج نور السدائم والمجموعات النجومية، فقد وصل نور ~~سديم الدجاجة إلينا منذ 5000 سنة، وهناك نور سديم خرج قبل 1700 سنة. ومن السدائم ما ~~يستغرق وصوله إلينا 140 مليون سنة. ~~(7-1) مقاييس الفلكيين # يعتمد الفلكيون في نتائج رصدهم على قياس زاوية الاختلاف في النجوم القريبة من ~~الأرض، وقياس مسافات المجموعات النجومية من سير النظام الشمسي في الفضاء، وقياس ~~المسافة من مقارنة نور النجم المطلوب تحديد مسافته بنور النجم المعروفة ms015 مسافته، ~~والآلة الكاشفة للطيف «السبكترسكوب». ~~(8) النيازك # في شهر سبتمبر سنة 616ق.م سقط حجر من السماء وقتل عشرة أشخاص وحطم عربات، وفي القرن ~~العاشر سقطت أحجار نارية أحرقت بيوتا، وفي شهر نوفمبر من القرن التاسع عشر سقط حجر ~~انفجر عند قلعة لوزير أحرق محصول القمح والأغنام. # وفي 1832 شاهد عمال فرنسيون شهبا لامعة منقضة، وفي 1846 سقط حجر في (هوت كارون) أحدث ~~دويا وأحرق حاصلات وأغناما. وفي 1872 سقط نيزك كان يبدو كالموقد المشتعل. وفي 1908 ~~سقط في سيبريا نيزك كبير أحدث سقوطه دويا وعطبا إلى مسافة 100 ميل. # ولم يبدأ في دراسة سقوط هذه الأحجار السماوية إلا منذ أن انقض جسم كبير في أوائل ~~القرن التاسع عشر على إحدى مدن فرنسا، فقد مضى العلماء والمجمع العلمي الفرنسي في بحث ~~هذه الأجسام وبواعث سقوطها، وقد تبين أنها كتل نارية من المادة تسير حول الشمس في سرعة ~~كبيرة قابلة للقياس، قيل إنها أكثر من 25 ميلا في الثانية جذبت إلى فلك الأرض حين ~~اقتربت منها. # والقطعة الصغيرة من هذه الأجسام تسمى شهبا. أما الكبيرة فأسماها (نيزك) وحرارة هذه ~~الأجسام كبيرة جدا ومحدثة زيادة في كثافة الهواء والحرارة، ويبقى الشرر بضع دقائق بعد ~~احتراق النيزك، وبينما يبقى سطح النيزك حارا يكون داخله باردا. وكلما انفجر قبل ~~وصوله إلى الأرض، ضعف ولم يغر فيها. # هذا ويرجح أن تكون النيازك والشهب مواد تقذفها الكواكب السيارة أو من بقايا السديم ~~الأصلي الذي تألفت منه الشمس والكواكب، وحين حللت هذه الأجسام وضح أن بها أكثر من ~~ثلاثين معدنا كالحديد والنحاس والنيكل والبوتاس والكلسيوم والصوديوم والقصدير ~~والأوكسيچين والسيليكون والمغنسيوم والكوبلت والكبريت، ويقال إنها من غير الأنواع التي ~~على الأرض. # ولما أحميت، خرج منها غاز الهيدروچين والنيتروچين والهيدروكاربون وأول أوكسيد ~~الكاربون وغيرها. # هذا ويبلغ عدد النيازك التي تنفصل من كواكبها خمسة عشر مليون نيزك في كل أربع وعشرين ~~ساعة. ولكن أكثر هذه النيازك يحترق وهو بعيد جدا من الأرض فلا يصل إلى سطحها بل يتبدد ~~في الفضاء، ومن الشذوذ ms016 أن يبلغ النيزك سطح الأرض، ولكن هذا نادر الحدوث، ففي ولاية ~~كنساس الأمريكية قد لا يقتل بسبب سقوط نيزك إلا واحد في كل أربعة عشر ألف سنة. وقد سقط ~~النيزك الكبير في سيبريا الشمالية في سنة 1908، فأحدث حريقا هائلا في غاباتها أتلف ما ~~مساحته مائة ميل مربع مسببا أمواجا هوائية. # وقد صار نيزك سيبريا إلها تعبده بعض القبائل المقيمة هناك؛ إذ تزعم أنه إله هبط من ~~السماء ليوقد ناره في الفجرة والعصاة. # وقد أخمدت إحدى الثورات على أثر سقوط نيزك في أمريكا الوسطى، فإن النيزك قتل زعيم ~~ثورة إحدى الطوائف فخاف الثوار وتفرقوا. # ويغلب سقوط الأجسام ليلا خاصة بعد منتصف الليل. وفي متحف نيويورك نيزك حجمه 385 ~~قدما، ووزنه 36 ونصف طنا، وأكبر نيزك هو الذي سقط قريبا من فانوفارا في سيبريا فإن ~~وزنه 136 طنا. # على أن ما ينزل على الأرض من الأجسام ~~يقدر بألوف المرات مما يشاهده الفلكيون والناس. وقد كان لسقوط الأجسام أثره قديما ~~وحديثا. ~~(9) القرآن ونشوء الكرة الأرضية # آثرنا - إتماما للحديث عن نشوء الأرض - أن نورد هنا بعض الآيات القرآنية التي عرضت ~~لهذا الموضوع: # جاء في سورة الأنبياء: # أولم ير الذين كفروا أن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون * وجعلنا ~~في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا ~~لعلهم يهتدون ~~. # وعند المفسرين أن السماوات والأرض كانتا مرتوقتين؛ أي مضمومتين؛ لأن الرتق هو الضم ~~والالتحام؛ أي كانتا شيئا واحدا، ففتقهما الله؛ أي فتحهما فصارتا أفلاكا وطبقات ~~وأقاليم وأقساما منوعة تفتح بعضها بالماء والمطر والإنبات. كذلك جعل الله في الأرض ~~ثابتات كراهة أن تميد؛ أي تضطرب، كما جعل فيها فجاجا؛ أي مسالك. # وجاء في سورة المؤمنون: # وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به ~~لقادرون * فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها ~~تأكلون ~~. # وجاء في سورة النور: # الله نور السماوات والأرض ~~مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة ms017 كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو ~~لم تمسسه نار نور على نور ~~. # كوكب دري؛ أي مضيء متلألئ. # وجاء في سورة البقرة: # إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون ~~. # وفي سورة آل عمران: # إن في خلق السماوات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب ~~. # وجاء في سورة الروم: # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون * ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم ~~بشر تنتشرون * ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين * ~~ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من ~~فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ~~ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من ~~السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون # إلى قوله تعالى: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من ~~رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون ~~. # وجاء في سورة لقمان: # ألم تر أن الله يولج الليل ~~في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون ~~خبير ~~. # وجاء في سورة فاطر: # والله خلقكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير * وما ~~يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم ms018 تشكرون ~~. # وجاء في سورة ص: # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك ~~الأحزاب ~~. # وجاء في سورة الدخان: # وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~. # وجاء في سورة الجاثية: # إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين ~~. # وجاء في سورة الحجرات: # إن الله يعلم غيب السماوات ~~والأرض والله بصير بما تعملون ~~. # وفي سورة ق: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم ~~وعندنا كتاب حفيظ ~~. # وجاء في هذه السورة أيضا: # كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب ~~الرسل فحق وعيد * أفعيينا بالخلق الأول ~~بل هم في لبس من خلق جديد ~~. # وفي سورة الحديد: # سبح لله ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم * له ملك ~~السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء ~~قدير * هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم ~~. # وجاء في سورة الدهر: # هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا ~~. # إن الاستفهام بهل في هذه الآية الكريمة هو استفهام تقرير وتقريب؛ ولذلك فسر ~~بقد. # وجاء في سورة يونس: # وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون ~~. # الفصل الثالث # | الحياة على الكرة الأرضية # من العسير تعريف «الحياة» ماهيتها. وعند جمهرة الفسيولوچيين أن الحياة نوع من التوازن بين ~~الأفعال الكيمائية والطبيعية المعقدة. وكلما نجم حافز يضيع هذا التوازن، بادر البروتوبلازم ~~إلى إعادته، أما إذا عجز، مات الكائن حتما، ووجب أن نرجع هذا العجز إلى أن الحافز كان من ~~القوة بحيث أصبح فقدان التوازن كبيرا لا يمكن إعادته. # هذا وقد استنبطت أداة جديدة يطلق عليها اسم «ثرموبيل» لقياس الحرارة التي تطلقها العضلة ~~حين تنقبض إلى أربعة أجزاء من مليون جزء من درجة مقياس سنتيجراد. وثمة كواشف كيمائية أبانت ~~أن هذا الانقباض لا يرجع إلى تأكسد السكر في الخلايا، بل إلى تكون مادة «الفوصفچين» التي ~~يحل محلها الحامض ms019 اللبنيك بتحول الفوصفچين إلى العناصر التي تؤلفه، ثم إن الحامض اللبنيك ~~يتحول بالتأكسد إلى ثاني أوكسيد الكربون والماء. # هذا والمفروض أنه حين بردت القشرة الأرضية وهدأت الأمطار والعواصف والرياح الشديدة، وذاب ~~ماء البخار والغازات ونفذت أشعة الشمس رقيقة هينة، أصبحت الأرض صالحة لبدء الحياة فيها، ~~فنبت النبات واخضر العود، ثم برز الحيوان من تربة الأرض ثمرة للتفاعل بين بعض موادها، بعد ~~أن تدرج في مراحل عدة في ملايين السنين، ثم انتهى المزج والتفاعل بين: (1) الحيوان. (2) ~~والنبات. (3) ومواد الأرض. أو من أحد هذه العناصر الثلاثة إلى خلق الإنسان. # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم ~~بشر تنتشرون ~~(قرآن كريم). # غير أن الفيلسوف آرينيوس يذهب إلى أن قوة الدفع في الضوء قد دفعت جراثيم الحياة إلى ~~الأرض، ذلك أن هذه الأشعة تدفع الجسم الذي تهبط عليه، ثم تعود فتنسحب كما أن المدفع يعود ~~إلى الوراء بعد الانطلاق. أما قوة الدفع فهي أقل من عشرة جرامات في الهكتار المربع، ومن ثم ~~كانت قوة الدفع في الأشعة الشمسية على سطح الأرض مائة مليون كيلوجرام، وهي قوة تدفع جراثيم ~~الحياة من الفضاء إلى الأرض، على أنه ليس من البعيد أن بعض هذه الجراثيم التي وصلت إلى ~~الأرض قد انتقلت إلى بعض الأجرام الفلكية الأخرى، وعلى هذا تصل الحياة من الأرض إلى المريخ ~~في عشرين يوما، وإلى المشتري في ثلاثة أشهر، وإلى نبتون في أربعة عشر شهرا. # ولما صعد منذ عشر سنوات العالم الأمريكي «سيتل» في منطاد إلى طبقة الستراتوسفير في الجو ~~العالي، أبدت الخلايا المكروسكوبية، التي كان العالم قد وضعها على مقدمة المنطاد، نشاطا ~~غريبا، وزاد توالدها في وسط الهواء الرقيق والجو البارد جدا والأشعة التي وراء البنفسجية ~~المالئة الفضاء، وقد عادت الجراثيم حية إلى الأرض. # وعند الفيلسوف كيزرلنج أن الحياة أزلية تنتقل في الفضاء من جرم فلكي إلى آخر ومن مكان إلى ~~مكان، وجراثيم هذه الحياة لا تفتأ تنتقل في الفضاء الفاصل بين هذه الأجرام إلى أن تهبط إلى ~~الأجرام والأماكن التي ms020 تصلح حالتها الجوية والطبيعية لإيوائها ونموها وتكاثرها. وقد أيد ~~العالم البريطاني الكبير اللورد كلفن هذه النظرية قائلا إنه يحتمل جدا أن تكون الحياة قد ~~وصلت إلى أرضنا من أجرام أخرى. ذلك أن المفروض أن النبات الذي في الأرض جزء من نبات يكسو ~~سطح الكثير من الأجرام الفلكية. # غير أن علماء آخرين يذهبون إلى أن هذه الأجرام بعضها مستقل عن بعضها الآخر، وعلى هذا لا ~~يكون مصدر الحياة فيها جميعا واحدا. أما الأستاذ روچيه سيمونه الكاتب العالم في مجلة ~~ميروار دي موند، فيرى أن عزلة بعض الأجرام عن بعضها الآخر عزلة خيالية، ذلك أن الكثير من ~~الرجم والنيازك يهبط إلى الأرض من أجرام أخرى، وأن من المحتمل أن تصحب جراثيم الحياة ما يصل ~~إلينا من الرجم، وإن كان من الرجم ما يصل إلينا مصهورا على أثر احتكاكها بالهواء الذي ينشئ ~~على سطحها حرارة تكاد تجعل الحياة مستحيلة. # وعندي أن هناك برودة شديدة جدا من شأنها وقاية الجراثيم من أسباب الفناء كما أثبته ~~«سيتل» فيما قدمنا. # وعند الأستاذ روچيه أنه إذا أخذنا بهذه النظرية - نظرية وصول جراثيم الحياة إلى الأرض - ~~وجب القول بأن هذه الجراثيم قد وصلت إلينا على دفعات، على حين أنه قد ثبت أن الحياة ظهرت ~~على الأرض، ومضت في سلك الارتقاء رويدا وتدريجا، فكانت الكائنات الحية حلقات متتابعة في ~~خط واحد. ~~••• # تقلبت الحياة على الأرض في مراحل كثيرة. على أن العنصر الأول الباعث على الحياة إنشاء ~~وبقاء، هو الحرارة التي تستمدها من الشمس. أما حرارة جوف الأرض فقليلة وتافهة الأثر في ~~الحياة وعند الأرضيين «الچيولوچيين - علماء طبقات الأرض»، أن عمر الأرض بين 1500 مليون سنة ~~إلى ألفي مليون، وأنها ستعيش مثل هذا العمر أو أطول منه. # ويقال إن العصر الحاضر - ويقدر بالألوف من السنين - هو فترة تقع بين عصرين جليديين؛ أي ~~إنه يحتمل أن تتجه الأرض نحو البرودة طويلا اتجاها، من شأنه أن يغطي الجزء الكبير من كندا ~~والولايات المتحدة الأمريكية وإسكنديناوة بطبقة من الجمد المشتق من ماء المحيطات، ms021 مما يفضي ~~إلى قلته فإلى انحسار الماء عن الأجزاء البحرية غير العميقة. غير أنه قد يحدث أن تزداد ~~الحرارة ازديادا من شأنه أن يذيب الجليد، ومن ثم يزداد ماء المحيطات مغطيا الأراضي ~~القليلة الارتفاع. # أما الجنس البشري فإن عمر حياته على الأرض بين 300 ألف سنة و400 ألف. وأما النوع الإنساني ~~فإن عمره 50 ألف سنة. وقد وسع الإنسان أن يتحكم في الأوساط المتباينة والطقوس المتغايرة ~~تحكما لم يسهم مثله للحيوان؛ ذلك لأن الإنسان استطاع استخدام القطن والكتان والصوف والفحم ~~والحديد والبترول والنحاس والقصدير والرصاص والمعادن. # وعند الأرضيين أنه بعد أن عاشت ال «بلاسينتاليا» - وهي نوع من الحيوان المشيمي الثديي - ~~بين أكثر من مليوني سنة وثلاثة ملايين؛ انقرضت، وكذلك انقرضت الجياد ذوات الأصابع الثلاث ~~والجمال ذوات الأربع. ~~(1) العصر الآزويكي # هذا ولا نزال نستند في وقوفنا على مظاهر الحياة الأولى وأسبابها. إلى ما تخلف على ~~الأرض من العلامات والأحافير وبقايا الأشياء الحية في صخور منسقة طبقة فوق أخرى، ففي ~~الأحجار الكلسية والرملية والأردوازية كشفت عظام وقشر وألياف ونسيج وفاكهة وجذوع أشجار ~~وآثار أقدام وخدوش محفورة إلى جانب العلامات المتموجة، الناشئة عن المد والجزر وعن سقوط ~~الأمطار في العصور القديمة جدا. # ومن فحص هذه الأشياء كلها في جلد ودقة وقف العلماء على جانب من تاريخ الحياة على ~~الأرض، ذلك أن رواسب الصخور قد لا تكون منسقة طبقة فوق طبقة، بل قد تتخذ مكانا منحرفا ~~وطريقا معوجا بعضها مختلط بالبعض الآخر، مما يجعل الفحص شاقا مرهقا. # ويقدر عمر هذه الصخور والبقايا ببليون و600 مليون سنة. ويطلق على العصر الأول لها اسم ~~العصر «الآزويكي» أو عدم الحياة. وفي شمال أمريكا صخور آزوكية يقدر الأرضيون (علماء ~~طبقات الأرض) أنها ترجع إلى 800 مليون سنة، أما قبل هذا التاريخ فإنه ليس ثمة ما يبين ~~كيف استقل الماء عن اليابسة؛ إذ ليس هناك علامات حياة لأي نوع من الكائنات. ~~(2) عصر البليزويك الأدنى # كلما اقتربنا من عصر التاريخ، زاد وقوفنا على الحياة الماضية، فيبدأ عصر البليزويك ~~الأدنى؛ أي ms022 العصر الذي وضحت فيه أمارات الحياة، كبقايا أنواع الحيوان البسيطة والدنيئة، ~~وقشر المحار والقواقع وجذوع الحيوانات المائية ورءوسها والأعشاب البحرية وبقايا الديدان ~~البحرية والقشريات. # ثم ظهرت مخلوقات دنيئة كقمل النبات وكالزواحف التي تطوي أنفسها فيما يشبه الكرة وذوات ~~الفصوص الثلاثة. وبعد بضع ملايين من السنين ظهرت العقارب البحرية، التي كان طول بعضها ~~تسعة أقدام. وليس هناك علامات عن أي نوع من الحياة على الأرض، نباتا كان أم حيوانا ~~كالسمك والفقريات. فإن كل ما خلفه لنا ذلك العصر من النبات والكائنات الحية هو ~~الدنيئيات الجزرية المطمورة. ولتقريب فهم حالة هذه البقايا، علينا أن نضع، تحت المجهر، ~~نقطة من الماء المأخوذ من بركة صخرية أو حفرة مرغوة. # ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن الألوف والملايين مما كان يعيش قبل عصر التاريخ لم ~~تتخلف منه آثار تدل عليه؛ لأن ما احتفظت به الطبيعة للتاريخ هو ما تصلب وتجمد وما في ~~وسعه أن يكسو نفسه بغطاء ما أو قشرة. على أن الأرضيين - علماء طبقات الأرض - قد يعنيهم ~~أن يقعوا على شيء من شتيت الفحم أو رشاشه لدراسته والأنباء عنه. ~~(3) هل ظهرت الحياة فجأة أو تطورا # وهناك نظريات متباينة حول نشوء الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية على الأرض، ~~وحسبنا أن نذكر هنا النظريتين الأساسيتين، فإن أولهما تذهب إلى أن الحياة ظهرت فجأة؛ أي ~~إنه حين استقلت الأرض برقعتها برزت هضابها ووديانها وزرعها وحيوانها وإنسانها؛ إذ إنه ~~ليس ثمة دليل علمي صحيح لا يتداخله شك، يؤكد لنا أن الحياة بدأت دنيئة هينة رقيقة ~~نباتا ثم حيوانا فإنسانا بدائيا فمتحضرا؛ أي تطورت «تطورا عضويا». # أما ثانية النظريتين فتذهب إلى نقيض النظرية الأولى، ذلك أن الحياة مؤلفة من الفرديات ~~الكيانية، التي تتحد بمواد أخرى أو تتخذها غذاء، والتي تتوالد وتنتج ما يخلفها، وقد ثبت ~~أن الخلف يحمل، إلى صفات مشتقة من السلف، أشياء أخرى مختلفة عنها، وأن انتقال النبات ~~والكائنات الحية إلى أماكن أخرى، يغير من طباعها أو من صفاتها. وعند العالم الروسي ~~«سينتسين» أن الحياة ترجع إلى الذرات ms023 الترامكروسكوبية التي تملأ فضاء الكون، وأن هناك ~~جراثيم تقاوم الحرارة والسموم، وجراثيم تعيش من غير الأوكسيچين. ~~(4) عصر السمك # هذا وقد بدأت الأسنان والمخالب قليلة في الكائنات البحرية، كالعقارب البحرية، ثم ظهر ~~جيل آخر تخلقت فيه الأعين والأسنان تامة والأعضاء المساعدة على العوم، وهذه هي أنواع ~~الحيوان الفقري، والسمك البدائي، وكان يعرف باسم الفقريات. ثم زادت الأسماك ونمت ~~وانتشرت في الصخور الديفونية، وعرف عصرها «بعصر السمك»، ومنها ما ينتسب إلى المعروف ~~اليوم بالأرش أو القرش وكلب البحر وكانت هذه الأنواع البائدة تجري في الماء وتفقز وتثب ~~في الهواء، وتأكل الغصون والأوراق الخضراء بين الأعشاب، وأحدث نشوؤها حياة جديدة في ~~الماء العالمي بعد هدوئه الطويل، وكان أطولها لا يزيد على عشرين قدما والقليل بين ~~قدمين وثلاثة والأكثر صغير جدا. # وقد استقصى الأرضيون معرفتهم الحالية بها عن طريق فحص الخلف، واستيعاب تدرج نشوء بيضه ~~ونموه، وكان سلف هذه الأنواع البائدة كائنات دنيئة سابحة ناعمة البدن، منشئة شيئا ~~صلبا كالأسنان، كما كانت أسنان الورنك وكلب البحر تغطي فمه متصلة عند الشفة بالقشر ~~المحدب فيما يشبه الأسنان كاسيا أكثر الجسم. ~~(5) على اليابسة # عند الأرضيين أن الحياة بدأت في الماء ثم انتقلت إلى اليابسة خلال الملايين من ~~السنين، فكان هناك رءوس الصخور والمرتفعات العارية تحت الشمس والأمطار، ولم يكن هناك ~~تربة لأن دودة الأرض التي تساعد على وجودها وخصبها لم تنشأ بعد، وليس هناك نبات يفتت ~~الأرض إلى طمي، ولم يكن هناك طحلب ولا حشائش أو شيبة أو أشنة. ~~(6) عصور الجليد # وقد استهدفت الأرض لصنوف من الطقس لأسباب لم تعرف على وجه اليقين بعد، لتغيير في شكل ~~مدارها وأشكال القارة بل قد يكون في حرارة الشمس ذاتها، مما أفضى إلى تعرض المساحات ~~الواسعة إلى عصور من الجليد (الجمد) وبعدئذ ظهر الدفء. # ويبدو أن الأرض قد انشقت وانبعثت منها خطوط بركانية ومرتفعات، وأن البحار قد زادت ~~عمقا، وأنه بعد أن هدأت طويلا نزلت الثلوج وهطلت الأمطار على قمم الجبال والهضاب، ~~مفتتة الرواسب الآجرية «الطينية» وناقلة إياها إلى ms024 البحر مخفضة عمقه، وعلى هذا شهدت ~~الكرة الأرضية عصورا بلغت فيها المرتفعات أعاليها والبحار أبعد أغوارها، كما شهدت ~~مرتفعات أقل علوا وبحارا أقل غورا. # على أن سطح الأرض قد احتفظ ببرودته الشديدة طويلا، فكان ثمة عصور ثلجية في العصر ~~الآزويكي «عديم الحياة». ~~(7) عصر البرمائيات # أخذت الحياة تدب على الكرة الأرضية منذ ظهرت البحار القريبة الغور والمستنقعات، ~~فانتقلت الحياة إلى اليابسة. وبعد أن اجتازت هذه الحياة الملايين من السنين في الماء ثم ~~على اليابسة اتخذت لها صورة أوضح، فبدأت الحياة النباتية ثم تبعتها الحياة الحيوانية. ~~كان النبات في بداية ظهوره على شكل نسيج خشبي يكفل له وظيفة السيقان وامتصاص الماء، ~~ويظهر على الصخور نبات السرخس والطحلب والأمسوخ. ثم تبع هذه ألوان من الحيوان الدنيء ~~مثل: أم أربعة وأربعين، والدودة الألفية الأرجل، والحشرات البدائية. وكذلك ما يمت بصلة ~~إلى السرطان (أبو جلمبو) والعقارب التي تطورت إلى العناكب والعقارب البرية ثم ~~الفقاريات. وكان من الحشرات البدائية فراشة يبلغ طولها 29 بوصة. وقد أعدت هذه الدنيئيات ~~نفسها لتتنفس الهواء؛ إذ كانت وهي في الماء تتنفسه من الماء ذاته، وذلك بنشوء غطاء ~~للخيشوم البدائي لوقف التبخر، أو بمد مجار أو أي أعضاء تنفسية داخل الجسم وترطبها ~~إفرازات مائية، وصارت المثانة السابحة للسمكة عضوا تنفسيا مستكنا؛ أي الرئة، مشتقة ~~من الزور. ثم زالت شقوق الخيشوم إلا واحدا أصبح طريقا للأذن وطبلتها. وهنا استطاع ~~الحيوان أن يعيش في الهواء على أن يعود إلى حافة الماء لكي يضع بيضه ويفقسه، ومن ثم ~~كانت البرمائيات التي تعيش في الماء وعلى اليابسة، والورل هي الأولى على اليابسة وكانت ~~تعيش إلى جوار المستنقعات وفي الأماكن الرطبة. وكانت الأشجار ذاتها برمائية؛ أي تعيش ~~على اليابسة وفي الماء، وكانت غير مثمرة واضعة بذرتها في الماء. # هذا هو عصر الكاربون (الفحم)، عصر البرمائيات، موطنه المستنقعات والماء الضحل. أما ~~التلال والمرتفعات فكانت لا تزال عارية لا حياة فيها. ~~(8) المادة في الحياة # عند علماء الإنسان البدائي أن المادة في الحياة تتألف من عنصر واحد، في رأي ms025 بعضهم أنه ~~الماء وعند آخرين أنه الهواء أو النار، ثم جاء علماء المصريين والصينيين منذ 1500ق.م ~~فقدروا أن العناصر أربعة هي التراب والهواء والنار والماء. وجاء فيثاغورس في 600ق.م، ~~فصاغ نظرية العناصر الأربعة صياغة علمية جديدة، ذاكرا أن لهذه العناصر صلة وثيقة ~~بالحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف، وقفا آخرون قفو فيثاغورس مقابلين بين العناصر ~~الأربعة وبين ما في الكون من الفصول الأربعة، وأركان الأرض الأربعة والرياح الأربع ~~وأنهار الجنة الأربعة، والأرواح الأربعة والملائكة الحارسة الأربعة. # ولعلنا في غنى عن القول بأن هذا التقدير لم يصب شاكلة الصواب. فإن العناصر تبلغ نحو ~~المائة. ~~(8-1) توالد المادة # هذه الظاهرة المشهودة في الحياة ترجع إلى توالد المادة ذات العناصر العديدة، فمن ~~اندماج بعضها في بعض ينشأ النبات والحيوان ويتكاثران، فتنبض الدنيا بالحركة وتعمر ~~بالتوالد والتكاثر. # وفي أدنى أنواع الحيوان؛ أي «الأميبيا»، يحدث التكاثر والتوالد بانقسام الحيوان ~~إلى قسمين، ومن الحيوان ما يبدأ الجنين على الجسم الأصلي نتوءا مطرد النمو إلى أن ~~يستوي حيوانا مستقلا. أما في الهيدرا أو أخطبوط الماء العذب فإن الجنين يكون ~~متصلا بأمه إلى أن يستكمل نموه. أما أكثر الأنواع في النبات والحيوان، فيحدث ~~التوالد والتكاثر فيها باندماج نواة الخلية المذكرة بنواة الخلية المؤنثة في خلية ~~الزيجوت. وهناك التكاثر البكري في الحيوان والنبات، وهو أن يتم التوالد بنواة ~~الخلية المؤنثة وحدها، وهي البيضة، كما في الحيوان المائي «اللفاف» الذي يعيش في ~~المستنقعات. أما برغوث الماء فهناك أفراد مذكرة وأخرى مؤنثة، ومن هذه: المخصب ذو ~~القشرة الصلبة وغير المخصب البكري. وتتلاقح حشرة المن في أوقات خاصة كالخريف. ومن ~~التكاثر البكري بيض النحل، ذلك أن الملكة تجتمع بقرينها مرة واحدة في العمر فتودع ~~الخلايا المنوية كيسا ينفتح في قناة يمر فيها البيض إلى الخارج بارتخاء العضلات ~~وانقباضها. وفي نبات النوشيرنا، الطحلب الأخضر، تنمو كل من الخلية المذكرة والخلية ~~المؤنثة، فيكونا فردا. # هذا ومن النبات ما يعيش على نبات آخر كالمزلتو الذي ينمو في فرنسا وإنجلترا ~~متطفلا على شجر التفاح، إذ تتعمق ممصاته في ms026 أنسجته، ممتصة الماء والأملاح الذائبة ~~فيه، ذلك أن النبات يتناول غذاءه إما من الأرض بامتصاص جذوره محاليل الأملاح، وإما ~~من الجو بامتصاص الأجزاء الخضر (الكولوروفيل) من النبات غاز الكربونيك الذي يؤلف مع ~~الماء المادة السكرية. # على أن من النبات ما يأكل الحيوان، مثل نبات الجرة في بلاد الملايو، وفي حديقة ~~الزهرية بالقاهرة وحامول الماء في الواحات الخارجة المصرية، ففي بعض أوراق النبات ~~هذه ما ينطوي انطواء يشبه الجرة إلى مسافة عشرة سنتيمترات، مفرزة سائلا متخمرا ~~ورحيقا يجذب الحشرة إليه، فتنزلق إلى القاع، وهنا يبتلعها النبات. # الفصل الرابع # | عصر الزواحف # أعقب عصر البرمائيات، عصر الفحم «الكاربون» جيل أو دورة من العصور الجافة المريرية، كما ~~يؤخذ مما خلفته الأحافير القليلة من رواسب الأحجار البلاطية والرملية. فقد طغت على اليابسة ~~برودة ثلجية أمدا طويلا، وكان من عواقبها زوال نبات المستنقعات الذي أسلفنا الكلام عليه، ~~وابتداء كبس سطح الأرض وتعدينها، وكان من شأن هذا أن تألفت الرواسب الفحمية. ثم إن انقشاع ~~البرودة الثلجية رويدا رويدا، أفضى إلى دفء ورطوبة أعانا على إنتاج سلالة جديدة من النبات ~~والحيوان الفقري، الذي قبل أن يفقس بيضه، ينمو دعموصه (أنثى الضفدع) داخل البيضة نموا ~~يعينه على التنفس توا عوضا عما كانت عليه حال دعموصه من الحاجة إلى البقاء في الماء؛ لكي ~~يتنفس هواءه قبل أن يستطيع تنفس الهواء من غير وساطة الماء، وفي هذا العصر لم يبق للحيوان ~~خيشوم. أما شقوق الخيشوم فقد لازمت الجنين الحيواني قبل خروجه إلى الحياة، هذا هو عصر ~~الزواحف الذي أعد اليابسة للحياة الحيوانية والنباتية، تاركا لظهورها الظروف المواتية ~~والفرص الملائمة. أما الأشجار البذرية؛ أي التي تنتج من البذور، فقد وسعها أن تنمو مستقلة؛ ~~أي في غنى عن تلمس ماء المستنقع والبحيرة، وظهر نبات السرخس والنبات الصنوبري؛ أي الذي يحمل ~~ثمارا مخروطية الشكل. أما الزهور والحشائش فلم توجد بعد، وظهرت الخنافس قبل النحل ~~والفراش. # هذا وتقدر المدة التي تم خلالها تنوع القشرة الأرضية على الصورة، التي هيأت الحياة المشار ~~إليها بمائتي ألف سنة، ms027 ويطلق على هذه المدة «الزمن الميزويكي» تمييزا لها عن الزمنين ~~الآزويكي والبالازويكي، ومدتها نحو بليون سنة و400 ألف سنة، وكانا سابقين عليه، ويسمى ~~«الكانوزيكي»؛ أي الزمن الجديد للحياة أو عصر الزواحف الذي انتهى منذ 80 ألف سنة. وقد بقي ~~من عصر البرمائيات نسل قليل، ومن الزواحف أكثر منها كالثعابين والسلاحف البرية والبحرية ~~«الترسة» والتماسيح الإفريقية والأمريكية والسحالي؛ أي أنواع الحيوان الذي لا غنى له عن ~~الحرارة والدفء طول العام. ومن الزواحف المنقرضة ما هو أكبر حجما من خلفه، كالدناصير ~~والقياطس والحيتان والديبلودوكاس كارنيجي، وهي سحالي هائلة طولها 84 قدما، ثم ~~الجيجانتوسوراس وطوله مائة قدم، والتيراتوسوراس أكبر من ذلك وهو هائل جدا ومرعب جدا، ~~وظهرت أيضا الطيور الفقرية كالبتيروداكتيل قافزة واثبة بين أشجار الغابة، ومن زواحف ~~اليابسة ما عاد إلى البحر كالموموسور والبليسيوسور والأشتيوسور وأجسامها كبيرة وبدينة ذات ~~مجاذيف، تستطيع السباحة والزحف في الماء الضحل، ورأسها تستند إلى عنق يشبه عنق الأفعى وأكبر ~~من عنق الأوز العراقي، متغذية بالأسماك وبما تقتات به الطيور. وقصارى القول أن الحيوان ~~البري كان أضخم مما نعرفه. # أما في البحر فلم تبلغ كائناته هذا النمو وقد قنعت بالتنوع، وقد انقرضت كلها ولم يبق من ~~نظائرها سوى النوتيلوس في أمواه المنطقة الحارة، والسمك الذي خف قشره وزاد نعومة. # ومن الزواحف فصائل أعدت نفسها للهجرة والطيران هاربة من نظائرها المطاردة لها لاجئة إلى ~~التلال والسواحل؛ أي إلى أمكنة أشد برودة من الغابات، متخذة ما يشبه الريش والأجنحة، متعلمة ~~كيف تحتضن بيضها إلى أن يفقس بعد أن كانت - كالزواحف - لا تحتفظ ببيضها، تاركة إياه للشمس ~~والطقس، مقتاة بالسمك الصغير، وكانت سيقانها الأمامية مقاذيف كطائر العلموت أو البطريق، ~~وكالطائر الكيوي النيوزيلندي ذي الريش القليل جدا، الذي ظهر في الطيور وتبعه ظهور ~~الأجنحة. وقد عرفنا نوعا مجنحا من الطيور ذا ذيل وأسنان من ذيول الزواحف وأسنانها. ~~(1) الأحافير الحيوانية # عثر الدكتور لوج كوخ الأرضي الدنمركي في جرينلند على أحافير أسماك ستيجوسيفال التي ~~تعيش في البر والبحر، وهو جد الضفادع ويوجد في بحار ms028 أفريقيا وأستراليا. # وقد كشفت في صخور قاع المضيق الكبير في ولاية آريزونا الأمريكية، أحافير السمكة ~~الهلامية - المسماة فانوس البحر - التي تعيش في المحيط ويتألف جسمها من كتلة هلامية ~~شفافة، إذا عصرت لم يبق منها شيء، ويرجع تاريخ هذه الصخور إلى مليون سنة على الأقل. أما ~~السمكة فترجع إلى ألف مليون سنة. # وبين أحافير الأسماك المتحجرة في متحف جامعة كاليفورنيا الأمريكية، أسماك متحجرة ~~عمرها لا يقل عن 120 مليون سنة، عثر عليها في بعض السواحل الأمريكية في طبقة من الأرض ~~ترجع إلى عصر الطباشير «الكريستاس»، الذي يقدر عهده بين 55 مليون سنة و120 مليونا، وقد ~~انقرضت خلاله أنواع من الحيوان والحشرات والزواحف الكبيرة كالديناصور وفي متحف جامعة ~~هارفرد هيكل عظمي لحيوان الديناصور المنقرض وطوله 18 قدما، ووجد على مقربة من ورتميورغ ~~الألمانية، وكان يأكل اللحوم منذ 160 مليون سنة. أما البلوشتيريوم (وحش بلوخستان)، فهو ~~من نوع وحيد القرن انقرض مند 25 مليون سنة وكان وزنه عشرة أطنان وطوله 10 أمتار ~~وارتفاعه 6. ومن الحيوان المنقرض «الهرمالدوتيم» الذي كان يعيش في أحد العصور ~~الچيولوچية في أمريكا الجنوبية، وهو يشبه الثور بعض الشبه ولكنه قبيح الشكل. # الفصل الخامس # | عصر اللبونات # كانت اللبونات؛ أي الحيوانات ذات الثدي، في عصر الزواحف الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق، ~~الفصل الرابع، صغيرة جدا لا تلفت النظر، وسابقة في الظهور على الفصائل الأولى للطيور، وقد ~~تكون المنافسة بين نظائرها قد دفعتها لإعداد أنفسها لمواجهة البرودة والاستقلال بالاستدفاء، ~~فظهر فيها الشعر عوضا عن ريش الطير، وعاشت أجنتها داخل أجسامها إلى أن اكتمل نحوها عوضا ~~عن استوائها داخل البيضة. وقد أصبح أكثرها الآن لبونا مكتملا؛ أي بأن تلد أبناءها حية حال ~~خروجها من بطون أمهاتها. هذا ولأكثر اللبونات ثدي أو أكثر ترضع منه صغيراتها. وقد بقي ~~اثنتان من اللبونات تفقسان بيضهما وترضعان صغيراتهما بأفراز من تحت جلودهما، وهما ~~البلاتيياس والإيخدية الشوكية، التي تضع بيضا جلديا ثم تودعه كيسا تحت بطنها محتفظة ~~بالدفء إلى أن تنفقس. # بقي عصر اللبونات - كما هو المظنون ms029 - 80 مليون سنة، متدهورا في مدته الأخيرة، فاستحال ~~على أنواع حيوانه أن يعيش بعدئذ إلا ما وسعهما أن تعد نفسها للتقلبات الجمدية ~~(الثلجية). ~~••• # كان زمن الكاينوزويك الحيواني الأخير هو عهد النشاط البركاني والتقبب، فظهرت جبال الألب ~~والهيملايا، ورسمت المعالم الأولية للقارات والمحيطات بما يشبه ما صارت إليه الآن. وقد ~~انقضى منذ بدأ ذلك الزمن إلى الآن ما بين ثمانين مليون سنة وأربعين مليونا. ~~وكان طقس الدنيا عبوسا، ثم أصبح ساخنا إلى ~~الدرجة المعتدلة، غير أنه قد أعقب هذا دورات باردة؛ العصور الجليدية التي يبدو أننا بدأنا ~~نخرج منها. وقصارى القول أننا لا ندري في الواقع هل نحن مقدمون على عصر حار أم على عصر ~~جليدي آخر؛ إذ ليس في مكنة العلم ما ييسر لنا التنبؤ بما ستصير إليه شئون الأرض. ~~••• # ولما أن ظهرت الأعشاب والكلأ والمراعي للمرة الأولى، ارتقت اللبونات بما أفادته من ~~المراعي، وكذلك ظهرت الضواري آكلة لحوم الحيوان، الذي أصبح وثيق الرابطة بأفراد جنسه، أداة ~~التفاهم بينهن النوح والصراخ، وأدمغتهن أوسع إدراكا من أسلافهن تبعا لفوارق المناخ ~~والمرعى؛ فوحيد القرن، الخرتيت، يبلغ إدراكه أكثر من عشرة أمثال إدراك سلفه ~~التيتانوتيريام. ~~••• # ارتقت الحياة الاجتماعية عند الحيوان، فأصبح قطعانا وأسرابا أو قبائل يحذر بعضها بطش ~~البعض الآخر، وتقلد صغارها كبارها، وتتبادل أفرادها الحب والعواطف، وتتشارك. مصلحة غريزتها، ~~تدفعها إلى هذا أكثر مما تحملها عليه بيئتها. أما الزواحف والأسماك في هذه الحقبة فلئن عرفت ~~الحياة الاجتماعية فإنها كانت أقل رقيا. # الفصل السادس # | عصر القردة والإنسان الناقص # الرئيسيات هي أرقى اللبونات وتشمل القرد والنسناس والليمور - قرد مدغشقر - والميمون ~~والبابون؛ أي القرد الأفريقي، ثم القرد الراقي الذكي كالغوريلا والشمبانزي، وكانت تعيش في ~~الغابات، وقد بدأت أسلافها الأولى منذ أربعين مليون سنة، ولم تخلف لنا الرواسب، إلا قليلا ~~منها، وقد وجدت الأسلاف البدائية لهذه اللبونات في الزمن الكاينوزويكي، الحيواني؛ أي منذ ~~أربعين مليون سنة. وحين انتهى الصيف العالمي العظيم، ومدته ملايين السنين، تلاه صيفان ~~عظيمان آخران؛ أي زمنان حاران وهما: صيف المستنقعات الفحمية وصيف ms030 عصر الزواحف، وبعد هذا ~~انحرفت الكرة الأرضية نحو عصر جليدي وكان فرس البحر يتمرغ في أرض مخضرة خصيبة ريانة، وكان ~~النمر أكبر حجما من نمر اليوم. أما نابه فكان كالسيف حدا. ثم أعقب هذا الزمن، عصر عبوس ~~بارد، تلته عصور أشد منه، فانقرضت أنواع، وأعد فرس البحر والماموث ثم الحيوان الذي يعد ابن ~~عم الجمل، أنفسها لهذا الطقس البارد بما كان يكسوها من الصوف. هذا والجبون والأورانج أوتان ~~من القردة العليا التي تستخدم في المسارح. وهي ضخمة الدماغ قلما تمشي بأيديها. ~~(1) عصور الجليد الأربعة # هذا ويقسم الأرضيون أطوار الجليد إلى ~~أربعة عصور، يتخلل كلا منها فترة من الدفء والاعتدال. فأما عصر الجليد الأول فقد ~~انقضى منذ 600 ألف سنة، في حين أن عصر ~~الجليد الأخير بلغ أقصى مرارته وشدته منذ خمسين ألف سنة. وقد ظهر الإنسان الأول، ~~الإنسان الناقص، في خلال ذلك الشتاء العالمي الطويل؛ أي العصر الجليدي. كما ظهرت معه ~~وقبله قردة فكها وعظام ساقها قريبة الشبه بأمثالها في الإنسان. هذا ويدرس معهد تنيريف ~~في جزر كناري طباع القردة قريبة الشبه بالإنسان الناقص. # لم يخلف ذلك الإنسان الناقص في أوروبا ~~منذ مليون سنة، عظاما بل أدوات كالأحجار الصوانية التي شقت وشحذت لتصلح للطرق أو الحث ~~أو الحرب، وأطلق على هذه الأدوات اسم «إيؤوليث؛ أي أحجار الفجر». ~~(2) الإنسان القردي السائر # أما في جاوا فقد وجدت منذ أكثر من خمسين سنة في ترينيال، قطعة من جمجمة وبعض الأسنان ~~والعظام لما يمكن أن يسمى «الإنسان القردي»؛ لأن وعاء دماغه أكبر مما يوجد لدى أي فرد، ~~كما أنه يبدو أنه كان يستطيع السير منتصبا؛ ومن أجل هذا أطلق الأرضيون عليه اسم ~~«بيتيكانتروباس إيريكتاس»؛ أي الإنسان القردي السائر. وكان كاشف «إنسان جاوا» هذا، ~~الدكتور أوچين دونوا الهولندي الذي كشف بعدئذ عظام فخذ متحجرة يقول عنها «إيليوت سميث»: ~~إنها دليل على صحة نظرية الحلقة المفقودة. ~~(3) إنسان هايدلبرج # وكلما ابتعدنا عن ذلك العصر، وضحت لنا المعالم التي خلفها الإنسان الناقص؛ الإنسان ~~القردي السائر أو المنتصب، فنعثر ms031 على أدوات أكبر عددا وأدل على المهارة، وخاصة منذ ربع ~~مليون سنة وما بعده، فقد وجد في غور رملي مطمور في هايدلبرج عظام فك لشبيه بالإنسان من ~~غير ذقن، أثقل وزنا من فك الإنسان الحقيقي وأضيق، الأمر الذي يدل على أن نطق ذلك ~~الإنسان لم يكن واضحا. # وعند العلماء أنه كان كائنا ثقيل الوزن بل ماردا بشريا أو وحشا إنسانيا، ويسمى ~~«إنسان هيدلبرج» وكان سمته يشير إلى أنه كان يناضل الوحوش في الفيافي والمجاهل. ~~(4) إنسان الفجر # وهناك إنسان ناقص أو إنسان حيواني آخر يدعى «إيؤنثروباس»؛ أي «إنسان الفجر»؛ أي ~~الإنسان الذي ظهر عند بزوغ فجر التاريخ، ذلك أنه قد وجد بيلتداون في ساسيكس، رواسب تدل ~~على زمن بين مائة ألف سنة وبين مائة وخمسين ألفا. وعند أقلية العلماء أنه وجد قبل هذه ~~المدة وقبل «إنسان هايدلبرج» غير أن إنسان الفجر يمتاز بكثرة أدواته وتنوعها كالمثقاب ~~والمقشطة والسكين والرمح والسهم والبلطة. ~~(5) الإنسان النيانديرتالي # منذ خمسين ألف سنة أو ستين ألفا، في عصر الجليد الرابع كان هناك إنسان خلف لنا ~~جماجمه وعظامه وأدواته، وعرفنا أنه كان يستطيع أن يوقد النار وكان يسكن الكهوف ويلبس ~~الجلود. أما فكه فقد كان ثقيلا وبارزا وأما جبهته فكانت منخفضة جدا، خطوط حاجب ~~عينيه عظيمة جدا ورقبته لا تستطيع التحرك إلى الخلف، وإبهامه كانت إلى جانب أصابعه ~~غير مواجهة إياها؛ أي على نقيض إبهامنا، وكان رأسه لا يتجه إلى فوق بل أماما وتحتا ~~وعظام فكه من غير ذقن؛ أي مماثلة «لإنسان هايدلبرج»، وأسنان وجنتيه كانت أكثر تعقيدا ~~من أسناننا فلم يكن لها أنيابنا الطويلة. أما جمجمته فتماثل جماجمنا، ولكن مخه كان أكبر ~~من الخلف وأوطأ في مقدم الرأس. أما كفايته العقلية فتباين كفايتنا، وهو - في الجملة - ~~لا يعد جدا لنا. وقد وجدت جماجم هذا الإنسان وعظامه في «نيانديرتال» في أوروبا؛ ولهذا ~~فقد لقب «بالإنسان النيانديرتالي» و«النيانديرتالي». # وكان الطقس مختلفا عن طقسنا؛ أي أبرد، فقد كان الجليد يغطي شمال أوروبا إلى نهر ~~التيمس وأواسط ألمانيا وروسيا، ولم يكن ms032 هناك قناة تفصل الأراضي البريطانية عن فرنسا، ~~وكان البحر المتوسط والبحر الأحمر وديانا عظيمة ذات بحيرات، وكان هناك بحر داخلي يبدأ ~~من البحر الأسود مجتازا جنوبي روسيا إلى آسيا الوسطى. وكان الطقس المعتدل لا وجود له ~~في إسبانيا وفي أوروبا، وإنما كان يبدأ من شمال أفريقيا. وفي المدرجات الباردة وأوروبا ~~الجنوبية كان نبات المنطقة المتجمدة قليلا متفرقا، وكان يتجمع أنواع حيوان صعب المراس ~~كالماموث ووحيد القرن المكسوين بالصوف والثيران والإبل، وكان «النيانديرتالي» - إنسان ~~نيانديرتال - يهيم على وجهه يأكل ما يحصل عليه من الحب والفاكهة والجذور؛ إذ إنه كان في ~~الأصل نباتيا وإن كان يتناول قليلا من الصيد الصغير. ولم تكن أسلحته، في الجملة ~~لتصلح للفتك بالوحوش، وإن كان يستخدم الرماح في الهجوم عليها في المعابر النهرية ~~العصية، أو يفتح الحفر لكي تهوي إليها الضواري متتبعا قطعانها متغذيا بموتاها. # ويبدو أن «النيانديرتالي» غزير شعر الجسم، وأن نظراته كانت غير إنسانية وأن قامته لم ~~تكن تامة الانتصاب، وأن مفاصل يده كان يستعين بها إلى جانب أقدامه حين يريد القيام ، ~~وأنه كان يسير منفردا أو مع جماعته، ويبدو من تركيب فكه أنه لم يكن يستطيع النطق ~~مثلنا. وقد عاش طويلا في أوروبا في خلال ألوف السنين. ~~(6) إنسان شتاينهيمر # وقد وفق معهد التاريخ الطبيعي في «ورثمبورغ» في ألمانيا إلى العثور على بقايا عديدة ~~من عصر ما قبل التاريخ. فقد وقع مدير المعهد الدكتور بركهيمر في ضواحي «ستوتجارت» ~~الألمانية، على جمجمة يقدر عمرها بمائتي ألف سنة أو ثلاثمائة، أطلق عليها اسم «إنسان ~~شتاينهيمر» وتشبه جمجمة إنسان نيانديرتال في بروز قاعدة الحاجبين وسعة المنخرين وضخامة ~~الفك الأعلى، وتختلف الأولى عن الأخيرة في أن زاوية الوجه أدنى إلى زاوية وجه الإنسان ~~الحاضر منها إلى الوجه النياندرتالي. كذلك كشف «بركهيمر» على مقربة من الجمجمة، بقايا ~~فيل من أفيال أوروبا قبل نهاية العصر البليستوسيني الجليدي. وعند «بركهيمر» أن ~~الجمجمتين لسلالتين من البشر من جد واحد لم يعرف بعد. ~~(7) إنسان روديسيا # وبعد زمن بين الثلاثين ألفا والخمسة والثلاثين ألف سنة؛ ms033 أي بعد أن زاد الطقس دفئا، ~~ظهرت كائنات بشرية أذكى وأعرف بالحياة وأقدر على النطق والتفاهم والتعاون، زاحفة من ~~الجنوب أو الشرق إلى دنيا النيانديرتاليين، طاردة إياهم من كهوفهم أو مبددة لهم، متغذية ~~بالطعام الذي كانوا يتناولونه. ومن المرجح أن تكون هذه الكائنات من دمنا وقرابتنا؛ أي ~~أصولا للإنسان الحقيقي، فإن وعاء مخ أفرادها وإبهامها وعنقها تماثل ما لدينا من ذلك ~~المماثلة كلها، فقد وجدت جماجم في «كروماجنون» و«جريمالدي» تدل على هذا، ثم إن قطعانا ~~من الجياد أخذت تظهر في المدرجات حالة محل أيل فرنسا وإسبانيا، وأصبح الماموث نادرا في ~~جنوب أوروبا عديم الوجود شمالا. # على أنه قد وجدت في صيف 1921 جمجمة، وإلى جانبها أجزاء من جمجمة أخرى في «بروكين هيل» ~~في جنوب أفريقيا. وجاء الفحص دالا على أنه كان هناك إنسان آخر وسط بين ~~«النيانديرتالي» وبين الإنسان الحقيقي. أما وعاء مخ الإنسان الآخر، فيدل على أن مخه كان ~~عند مقدم الرأس أكبر من النيانديرتالي وأصغر عند الخلف مما عنده، والجمجمة منتصبة على ~~العمود الفقري كما في الإنسان التام، وإن كان يبدو أن الوجه كان مماثلا لوجه القرد وأن ~~خطوط حاجب العين غزيرة. وهناك خط بارز في وسط الجمجمة. وهذا هو الإنسان الذي أطلق عليه ~~اسم «إنسان روديسيا». # وقد عثر الدكتور دارت أستاذ التشريح في جامعة ويتواتر ستراند في جوهانسبرغ على أدوات ~~من عصر الحجر في روديسيا. وهذه البقايا تدل على أن سكانها كانوا يجمعون المنجنيز تحت ~~إشراف المصريين الذين يرسلونه إلى مصر، وتستعمله المصريات في الزينة وتزجيج ~~الحواجب. ~~(8) إنسان بيكين والترنسفال وبلتدون وكينيا وفلسطين # أبانت الأحافير عن بقايا عظام وهياكل في جهات مختلفة: فوجد من هذه البقايا في بيكين ~~ما يدل على وجود إنسان قديم أسماه العلماء أخيرا «إنسان بيكين»، وقد كان يعيش في ~~مرتفعات الصين في بداية عصر الجليد الأكبر؛ لأن المرتفعات كانت خالية من الجليد، وكان ~~هناك جماعات بشرية منتشرة في آسيا ومتفاوتة التطور. # وعند الدكتور (فيدنريخ) الألماني أن إنسان بيكين من أكلة لحوم البشر؛ لأنه ms034 وجدت ~~بقاياه في كهف صيني مع بقايا 24 من الصغار. # وفي الهند بقايا عظام من عصر البليوسين. ولكن ليس معروفا هل هي للحيوان أو ~~للإنسان. # وفي جاوه آثار تشير إلى أن الإنسان كان حيا قبل عصر البليستوسين، وقد سمي «إنسان ~~جاوة». # أما إنسان (الترنسفال)، وهو المسمى باسم موطنه، فقد وجد الدكتور بروم مدير متحف ~~الترنسفال بقاياه مطمورة في إحدى مغارات بريتوريا، فإذا الزاوية الوجهية للحلقة وبقايا ~~الأسنان أقرب إلى الإنسان منها إلى القرد، وهذا الإنسان الترنسفالي كان في عصر الحجر ~~الأولي. # هذا وقد وجدت في كل من بلتدون وكينيا وفلسطين بقايا عظام وهياكل بشرية، فأسميت على ~~التوالي باسم «إنسان بلتدون» و«إنسان كينيا» و«إنسان فلسطين». # ولما كان التنقيب عن بقايا الإنسان الناقص والإنسان التام القديم لا يزال جاريا، كان ~~من غير البعيد أن نعثر على أنواع أخرى للسلالات البشرية. # الفصل السابع # | الإنسان الحقيقي الأول # وجدت الأمارات والآثار البعيدة عن الحياة البشرية التي تماثل حياتنا أو تتصل بها في ~~أوروبا الغربية خاصة فرنسا وإسبانيا، من هذه الآثار عظام وأسلحة وخدوش على العظام والصخور ~~وأجزاء عظامية منقورة ونقوش في الكهوف وعلى سطح الصخر منذ ثلاثين ألف سنة أو أكثر، وتعد ~~إسبانيا أغنى البلاد مخلفات وبقايا بشرية. # غير أن التنقيب عن آثار الإنسان الحقيقي البدائي أو ما ~~قد يسمى جدنا، لما يتم بعد، ولا تزال بعثات ~~الجمعيات الأرضية - الچيولوچية - والجماعات ~~الأثرية تعمل جاهدة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا، بل في كل مكان، للعثور على الحلقات ~~القديمة المتعاقبة في الحياة البشرية. ويبدو أن مضيق بهرنج كان أرضا تصل بين الدنيا ~~القديمة والجديدة، وأن أفرادا من البشر في نهاية عصر الحجر القديم قد اجتازوا هذه الأرض ~~إلى الدنيا الجديدة - أمريكا، وأن الإنسان الأوروبي يرجع إلى أصلين، أو أكثر، أحدهما طويل ~~القامة كبير المخ، فقد وجدت جمجمة نسوية أكبر من جمجمة رجل اليوم، كما كان طول الهيكل ~~العظمي للرجل أكثر من ستة أقدام؛ أي مماثلا لهنود أمريكا الشمالية، وكان أفراده يسمون ~~كروماجناريين؛ لأن أصولهم وجدت في كروماجنون ms035 وهم همجيون لونهم يضرب إلى السمرة جاءوا من ~~الشمال أو الشرق. أما ثاني الأصلين فقد وجدت بقايا أفراده في كهف الجريمالدي، وكانوا أقرب ~~إلى الزنوج كأفراد قبائل البوشمان والهوتنتوت في أفريقيا الجنوبية، ويرجع موطنهم إلى منطقة ~~خط الاستواء، لونهم ضارب إلى السواد. # عاش هؤلاء الهمجيون منذ أربعين ألف سنة، وكانوا يعرفون العقد والقلادة المصنوعة من الصدف ~~المنقور، ويصنعون صورا لأنفسهم من العظام والحجر، ويخدشون رسوما حيوانية على الصخر وعلى ~~الجدران الناعمة في الكهوف. أما أدواتهم فكانت أصغر وأشد إتقانا من أدوات النيانديرتاليين. ~~وقد أودعت صنوف منوعة من أدوات الهمجيين المتاحف. وكانوا في الأصل يحترفون الصيد متعقبين ~~الجواد المتوحش والمهر البدائي ذا اللحية الصغيرة في المرعى، وكانوا يعرفون البيزون، وهو ~~حيوان بري أمريكي شبيه بالثور، والماموث الذي كانوا يصورونه ويقتلونه. وكان سلاحهم الرمح ~~والأحجار المقذوفة. أما القوس فلم يعرفوه ومن المشكوك فيه أنهم ألفوا الحيوان. ولم يكن ~~لديهم كلاب. # ومما خلفوه رسم لرأس جواد، ورسمان يشيران إلى جواد حول رأسه ما يشبه ربطة اللجام، ولكنهم ~~لم يمتطوا صهوة الجواد، وربما استخدموه في الجر. وليس يبدو أنهم عرفوا حلب لبن الحيوان أو ~~المباني؛ إذ كانوا يتخذون من الخيام الجلدية بيوتا ومن الطين صورا لا فخارا وكانوا عرايا ~~إلا ما يضعونه من أثواب جلدية وفروية وكانوا لا يعرفون الزراعة ولا صنع السلال ولا نسيج ~~الأقمشة، وقد عاشوا في المدارج المكشوفة في أوروبا مئات القرون. ولما أخذ الطقس يرطب ويعتدل ~~ارتد الأيل ثم البيزون إلى الشمال والشرق، وحل الغزال الأحمر محل الجواد والبيزون، وتحولت ~~المدارج إلى غابات، وتنوع صنع الأدوات وطرق استخدامها وشاع الصيد من البحيرات والأنهار. قال ~~دي موتييه: «إن الإبرة المصنوعة من العظام في ذلك العصر أعلى مرتبة مما صنع بعدئذ، بل مما ~~صنع في الأزمنة التاريخية، فإن سكان روما لم يصنعوا مثلها.» # ظهر بعدئذ؛ أي منذ 12 ألف سنة أو 15 ألفا، «الآزيليون» وهم عنصر جديد جاءوا إلى إسبانيا ~~تاركين رسوما تصورهم على وجه الصخور، وهم ينسبون إلى «كهف ماس الأزيل»، ms036 ويبدو من هذه الصور ~~أنهم كانوا يعرفون القوس، وكانوا يضعون غطاء جلديا على رءوسهم. ثم إن رسومهم أخذت تضؤل ~~حجما فكان الإنسان يصور كالسمكة الصغيرة أو كالخط العمودي يتصل به خطان أفقيان آخران، ~~مما قد يشير إلى فجر فكرة الكتابة. وهناك رسوم يبدون فيها كالصيادين، ورسوم يبدو فيه رجلان ~~يبخران عش النحل. وكان هذا في العصر الباليوليتيكي؛ أي عصر الحجر الأول. ومنذ عشرة آلاف سنة ~~أو أكثر قليلا، استطاع الإنسان أن يصقل أدواته الحجرية ويشحذها بعد أن كان قانعا ~~بتشقيقها. كذلك عرف الزراعة في العصر النيوليتيكي؛ أي عصر الحجر الجديد، الذي سنتحدث عنه في ~~«الفصل التاسع». # ومما يجدر بالذكر، أنه منذ قرن كان يعيش في تاسمانيا عنصر إنساني أحط من الناحيتين ~~البدنية والعقلية من أقدم العناصر البشرية. ويبدو أن هذه الكائنات البشرية قد عزلتها ~~التقلبات الطقسية عن العالم، فأدركها الانحطاط عوضا عن الارتقاء، وكان أفرادها يتغذون ~~بالمحار والصيد الصغير، وكانوا جوالين لا سكنى لهم. # هذا وقد عثر العلماء والأمريكيون على فك إنسان وقواطع حيوانية منقرضة في طبقة من الأرض من ~~عصر الجليد؛ أي في زمن بين 15 ألف سنة وثلاثين ألفا، وعند أحد العلماء الفرنسيين أن ~~الإنسان في العصر الحجري كان يستعمل الخشب - إلى جانب الحجر - في صنع أدواته. ~~••• # وقد وقفت البعثة الأثرية الجوية الإنجليزية فوق قمة جبل إفريست، أعلى جبال هيمالايا ~~الهندية على أن هذه الجبال كانت في عصر الجليد في تطور، وعلى أن إنسان عصر الحجر كان يسكن ~~في كهوفها، ووجدت سهامه وقواطعه الحجرية وعظام الحيوان المنقرض. ~~(1) عناصر حجم الإنسان وتاريخ الإنسان وتفوقه # يتألف جسم الإنسان الذي وزنه 71 كليوجراما من 10 جالونات من الماء و25 رطلا من ~~الكربون و7 أرطال من الكلس، و3 أرطال من الفسفور، وأوقية من ملح الطعام، ونصف أوقية من ~~الحديد، وربع أوقية من السكر، وخمسة أرطال من النيتروچين، و14 رطلا من الأيدروچين ~~والأوكسيچين الخالص من الماء، ثم قليل جدا من البوتاس والكبريت والمغنسيوم والفلورين ~~واليود. # هذا هو الجانب المادي للإنسان. أما الجانب الآخر ms037 فهو العقل أو الروح أو النفس، وقد ~~تباينت آراء العلماء في أنها شيء واحد أو أشياء مختلفة وفي وصف كل منهما. ويوصف العقل ~~بأنه نشاط خلايا الدماغ ونتيجة حركاتها. وفي الدماغ، وهو شيء مادي في الرأس، مركز ~~الذاكرة والحواس. # أما السطح الأعلى الخارجي لدماغ الإنسان، فيغطيه غشاء يعرف بالمادة السنجابية، سمكه ~~بين عشر البوصة وربعها. أما غشاء دماغ الحيوان فواقع في باطن دماغه. # هذا ويبدو أن الشعر كان يكسو جسم الإنسان البدائي، وكان الشعر يغطي الفيل ووحيد القرن ~~(الكركدن) اتقاء للبرد في عصر الجليد وعند القطب. # لخص «أناتول فرانس» تاريخ الإنسان في كلمات ثلاث: «إنه يولد، ويتعذب، ويموت.» # وافترض العالم الطبيعي «آرثر كومبتون» الحائز لجائزة ~~نوبل - تيسيرا وتلخيصا لفهم تاريخ حياة ~~البشر على الأرض - أن الإنسان عاش عليها عامين، وبعد أن تساءل كيف أمضاهما الإنسان، ~~أجاب على هذا قائلا: # منذ بدء العام الأول حتى بدء الأسبوع الماضي مضى يتعلم كيف يصنع من الأغصان ~~والأحجار معاول وأدوات. وفي الأسبوع الماضي تعلم كيف ينحت الأحجار ويجعل منها ~~كهفا يأوي إليه. ثم في أول من أمس استطاع أن يبتكر رسوما وأشكالا تعبيرا عن ~~آرائه ومشاعره. # وأمضى النصف الأول من أمس في اختراع الحروف الهجائية. أما النصف الثاني فقد ~~أنفقه اليونانيون (الإغريق) في إنشاء فنونهم ووضع علومهم، وقد سقطت روما ليلة ~~أمس. وفي الساعة الثامنة والربع من صباح اليوم وضع جاليليو نظرياته الفلكية، ~~وفي الساعة العاشرة أعدت أول آلة بخارية. وفي الساعة الحادية عشرة نظمت قوانين ~~الكهربائية والمغناطيسية. # وبعد نصف الساعة ولجت الكهرباء باب الصناعة فاستحدث التلغراف والتليفون، وفي ~~الساعة الحادية عشرة والدقيقة الأربعين كشفت أشعة إكس. ومنذ خمس عشرة دقيقة ~~طفقت السيارة تجري في الطريق، ومنذ خمس دقائق صعدت الطيارة إلى الفضاء. وفي ~~الدقيقة الأخيرة اخترع الراديو وملأ صوته الآذان. والآن - وقد انتصف النهار - ~~يجاهد العلم في سبيل توحيد البشرية المفككة، وجمع أطرافها ~~المتنافرة. # وعند الأستاذ رينيه تنفيان العالم الفرنسي أن الأرض كان يسكنها منذ عشرين ألف سنة أو ~~أكثر نوع من الإنسان ms038 المتفوق (السوبرمان)، وقد زال هذا الجيل من الإنسان على أثر نكبة، ~~وكانت حضارته وعلومه الطبيعية والفلكية من أسمى طراز، ذلك أن ما خلفته لنا الآثار ~~والأساطير قليل جدا مما كان للأقدمين. هذا إلى أن عصر الجهل الذي أعقب السوبرمان قد ~~أضاع الأكثر، وخلط الباقي بالشعوذة والسحر واضطهد المفكرين. # الفصل الثامن # | التطور والتدهور # (1) التطور # لعل مما يرتبط بموضوع «تاريخ ما قبل التاريخ»، تسلسل مراتب الحياة كما أوضحناه في عصر ~~البرمائيات والزواحف والقردة والإنسان الناقص إلى الإنسان التام، وتقلب الحياة الأرضية ~~من البرودة إلى الحرارة، هذا كله مندرج في «مذهب التطور». والتطور هو الانتقال من طور ~~إلى طور؛ أي من حال إلى حال. وعند بعض علماء اللغة والصرف أنه لا يجوز اشتقاق «تطور» من ~~«طور»، ونحن نخالفهم في هذا إذ ليس ما يمنع هذا الاشتقاق ولو كان غير سماعي. وكيفما كان ~~الأمر فإن الأشياء إما أن تحدث فجأة، فيسمى حدوثها «ثورة» أو «انقلابا»، وإما أن ~~تتوالد وتتكاثر وتتسلسل وتتدرج وتتغير إلى الزيادة والنمو وإلى الارتقاء والأحسن رويدا ~~وتدريجا، فيسمى هذا «تطورا» وإما أن يكون الانتقال والتغيير إلى النقصان والضمور أو ~~الزوال فيسمى «تقهقرا» أو «تدهورا». # وعند الأستاذ چيمس ساللي أن التطور هو التاريخ الطبيعي للكون، شاملا الكائنات ~~العضوية بادية في الأساليب الطبيعية كعملية ميكانيكية. أما في المذهب الحديث فإن التطور ~~يعني أن تدرج نظام الكون يبدو كنتيجة طبيعية للمادة الأولية وقوانينها، ذلك أن جميع ~~مراتب الحياة على الأرض هي نتيجة طبيعية لعمليات طبيعية معينة مندرجة في التغيير ~~التدريجي للأرض. ويعد تقدم البشر في التاريخ وقبل التاريخ النتيجة العليا والمعقدة ~~جدا للتطور الطبيعي والعضوي، ومن هنا تدخلت نظرية التطور الحديثة في شئون الفلسفة ~~والأرض والشمس والنظام الشمسي وتقدم العالم والعلوم الكيماوية والعضوية وغير العضوية ~~وطبقات الأرض، وأصول السلالات البشرية والدراسات التاريخية، ذلك أن الناس كانوا منذ ~~أبعد العصور معنيين بمنشأ الكون وظواهره ومواده وتفاعلاتها. # ومن العجب أن نظرية النشوء الهندية تماثل نظرية التطور، ذلك أن «يراهما» معدود أنه ~~كائن خالد قائم بنفسه، يبين ms039 نفسه للعالم تدريجا بأشياء مادية من الأثير والماء والنار ~~والأرض والعناصر، وهو يشمل روح العالم. # أما فلاسفة اليونان الطبيعيون الأقدمون من أمثال ثيلز وأنا كسيماندر وأنكسيمنز، ~~فيذهبون إلى أن الأرض شيء طبيعي وتغييراتها طبيعية وإلى أنه ليس للقوة الإلهية دخل ~~فيها، وأنها أشكال منوعة لمادة واحدة أصلية أو قل إنها قد نشأت شكلا مؤلفا من العناصر ~~العديدة. # هذا وقد حاول الكثيرون معالجة هذا الموضوع في العصور اليونانية والمسيحية والقرون ~~الوسطى، وممن عرض له من علماء الإسلام الفارابي وابن سينا، ولعل فلاسفة اليونان القديمة ~~كانوا أول من عالج البحث في فلسفة التطور، فقد أشار إليه أو تحدث عنه أناكسيماندر ~~وإمبدوكليس وزينوفينيس وأرسطو ولوكريتس. فقد ذهب زينوفينيس إلى أن ما رآه من بقايا ~~الأحافير الحيوانية المتحجرة يدل على وجود حيوان قديم قد انقرض، الأمر الذي ينبغي أن ~~يحمل على دراسة أصلها وحياتها عوضا عن النظريات والمنطقيات. # ثم جاء «لوكريتس» الفيلسوف الشاعر، فذهب إلى أن غريزة الافتراس عند الضواري هي التي ~~أعدت لها أسباب البقاء في جميع الأجواء والأوساط، وأما الحيوان الأليف فقد أبقاه حاجة ~~الإنسان إليه، وأن الأجناس تتعاقب ولا يبقى إلا أقواها. ~~(1-1) فلسفة سقراط # وثمة أشياء تتصل بالتطور في فلسفة «سقراط» الذي ولد في سنة 470 قبل الميلاد، ونشأ ~~على ما كان يشب عليه الأثينيون من تلقي الموسيقى وتعلم الألعاب الرياضية، ودرس على ~~السفسطائيين متعلما التنجيم والهندسة والفلسفة واللهجات. غير أنه لما ضاق ذرعا ~~بمذاهب السفسطائيين ونظرياتهم، آثر أن يدرس التصورات والتأملات والقضايا المنطقية ~~التي تدور حول الوقائع بدلا من دراسة الوقائع ذاتها. وقد امتاز بمتابعته تحليل كل ~~ما يقنع به هو الناس أن يقوله، وبالصبر وبشجاعته حين كان جنديا. وقد آثر أن لا ~~يشتغل بالسياسة، آبيا أن يسوغ محاكمة بعض القواد وأن ينفذ الأمر الصادر باعتقال ~~الأبرياء. # ويعتقد هذا الفيلسوف أنه تلقى رسالة من الله، وأنه يبحث عن رجل أكثر حكمة وأن ~~غايته هي أن ينهض بمواطنيه. ولما حوكم، لما عزي إليه من إفساد الشبيبة والأدلاء ~~بآراء دينية شاذة ms040 وبإغفال آلهة أثينا أبى أن يدافع عنه أحد، ومضى يخطب قضاته خطبة ~~كانت مثالا للبساطة. فقد أوضح فيها حياته مبينا أن ما أصابه من الاضطهاد ~~والمحاكمة إنما يرجع إلى الحقد السياسي. ولما صدر الحكم عليه بالموت طلب حكام أثينا ~~إليه أن يقترح عقابا آخر بديلا من الموت، طبقا لما كانت تجري به العادة من سؤال ~~المحكوم عليهم أن يقترحوا عقوبة أخرى، فأبى أن يقترح شيئا وانتهى الأمر بأن سجن ~~أياما ثم شرب كأس السم ومات. # وعند «سقراط» أن الفضيلة هي المعرفة وأن الرذيلة هي الجهل، ومن ثم كانت الطيبة ~~الصادقة هي التي تستند إلى المعرفة التامة بالطبيعة ومواهب الروح الإنسانية. وعلى ~~هذا كان الرجل الشجاع هو الذي يعرف ما ينبغي وما لا ينبغي خشيته. ~~(1-2) التطور في فلسفة أرسطو # ولد «أرسطو» في استاجيرا المقدونية في سنة 384ق.م وتوفي في سنة 322ق.م، وقد احترف ~~الطب في مفتتح حياته العملية وله فيه كتاب يسمى «الصحة والمرض»، ثم التحق بأستاذه ~~«أفلاطون» ولبث معه عشرين سنة في أثينا. غير أنه بينما كانت فلسفة «أفلاطون» تقوم ~~على التصورات المستندة إلى الأفكار والتأملات؛ أعني على التفكير العقلي والمنطق، ~~فإن فلسفة «أرسطو» يبدو أنها تقوم على المشاهدات والمحسوسات التي قوامها التجارب ~~والمقارنات. # هذا وقد اختار «فيليب» ملك مقدونيا «أرسطو» مربيا لابنه «الإسكندر»، الذي كان ~~يساعد أستاذه بالمال والرجال في جلب عجائب الحيوان والنبات لدراسة طبائعها. وقد ~~استنتج أرسطو من دراستها أن ثم خطا وراثيا متصل الحلقات، فهو يصل بين ~~(البوليب) ذلك الحيوان البحري الرقيق وبين الإنسان. ومن حكم (أرسطو) أن الفرق بين ~~العالم والجاهل كالفرق بين الحي والميت، وأن الأمل حلم اليقظان، وأن لا فضيلة إلا ~~في التوسط. وكان يقول: لنحفظ حب سقراط وأفلاطون، ولكن لنحب الحقيقة أكثر ~~منهما. # هذا وقد شارك (أرسطو) في جميع العلوم والمعارف لعهده، ويعد واضع أساس علوم النفس ~~والطبيعة والأعضاء، والممهد لنظرية التطور بكتابه (تاريخ الحيوان). ومن كتبه ~~(أورجانون) في علم المنطق، و(علم الأخلاق) و(علم السياسة). وقد نقل الفيلسوف العربي ~~(ابن رشد) ms041 المتوفى في سنة 595 هجرية فلسفة أرسطو الملقب بالمعلم الأول، إلى العالم ~~وأوروبا. ~~(1-3) أقوال أخرى للفلاسفة # من هؤلاء الفيلسوف المؤرخ ثاكسيديديس الأثيني الذي ولد في سنة 460ق.م من أسرة ~~غنية في تراقيا. وكتب ثمانية كتب عن الحرب التي قامت بين أثينا واسبرطة طوال 27 سنة ~~إلى سنة 44ق.م، وقد دون تاريخه في دقة ونزاهة وبعد تحر لمواقع المعارك وأشخاصها، ~~وفي وصفه يتجلى مذهبه في الحياة الإنسانية وأشخاصها. # أما في عصر النهضة الأوروبية، فعند «برناردينو تبيسيو» أن الدنيا نتيجة المادة ~~الهالكة والحرارة والبرودة. وعند جوردانو برونو أن الدنيا تخرج روحها بإخراج أشكال ~~أكثر تماما، نتيجة المادة القابلة للتشكيل كالعجين. # وعند «سبينوزا» أن هناك درجات للأشياء تبعا لتعقد تركيبها، وأن الإنسان يفترق عن ~~باقي الطبيعة في الدرجة لا في النوع. # وعند «إيكليس» أن الإنسان خرج من الكهف المظلم إلى النور # وعند الفيلسوف «ديكارت» في القرن السابع عشر، أن العقل الإنساني هو كل شيء، وكل ~~قوة، وأن قوانين الطبيعة ثابتة، وأنه ليس هناك قوة سماوية تسيطر على الحياة ~~الإنسانية، وأن الكشف عن القوانين الطبيعية هو غاية العلم. هذا وفي الجزء الثالث من ~~كتاب «ديكارت» «فيلسوفيا برنشيبايا» أن الدنيا لم تخلق بطريقة ميكانيكية بل إنها ~~كائن طبيعي. # وعند «فونتينيل» أن النهضة الغربية ليست إلا مسايرة للحضارتين اليونانية ~~والرومانية. # وعند «فولتير» أن الإنسان هو الذي يتعلم ويفكر ويتحكم في سير الحياة ويمضي فيها ~~قدما، وأن الحروب والديانات هي التي تعوقه عن التقدم. ~~(1-4) كانت وهيچل # أما «إيمانويل كانت» الألماني الذي ولد في كنجزيرج في 22 أبريل عام 1724 من أسرة ~~فقيرة، جعله فقرها يعول على نفسه في دراسة العلوم الطبيعية والحسابية والفلسفة إلى ~~أن توفي في 12 أبريل 1804، بعد أن امتاز بالبحث الفلسفي العميق؛ فإن عنده أن ما يقع ~~عليه الحس هو اتحاد عاملين: (1) إحساس مادي مستقل عن العقل. و(2) بعض أنواع المعرفة ~~الدفينة في العقل ذاته وهو ما يسميه المقولات، وهذه سامية جدا بمعنى أنها لا ~~تتلقى من التجارب، بل إن التجارب كلها ms042 تأتي منها. وعلى هذا فإننا لن نعلم العالم ~~الحقيقي، فإن ما نعلمه عن العالم إنما يجيء إلينا بعد أن تصنعه المقولات وحين تصبح ~~ظاهرة من الظواهر. # وعلينا أن ندرس عالم الأخلاق إلى دراستنا عالم العالم. علينا أن نطيع عقولنا لا ~~حواسنا وأن تكون إرادتنا حرة، وأن نمضي في البحث من أجل المعرفة. # أما «چورچ ويلهيلم فريدريك هيچل» الألماني المولود في 27 أغسطس 1770 في شتوتجارت، ~~المتوفى في 14 نوفمبر 1831، بعد أن امتاز بنظرياته وبحوثه في الفلسفة المثالية؛ فإن ~~عنده أن طبيعة الكون تتألف من ثلاثة أجزاء: الشيء الثابت المطلق أو الحالة المؤكدة، ~~ونقيضها، واتحاد الاثنين. # وبينما يرى «هيچل» أن الكون مستقل عن أي عقل، فإنه ليس بذي معنى إذا ما جردناه من ~~جميع العقول، ومن ثم كانت الحقيقة عقلية أو روحية. وهو يعبر عنها بالفكرة، وعنده أن ~~الفكرة الكونية مطلقة. وليس لشيء معنى ما إلا إذا قوبل بنقيضه، فالليل والنهار ~~يؤلفان وحدة. # وللكون أجزاؤه الثلاثة: المنطق، وهو علم الأفكار الخالصة؛ وفلسفة الطبيعة، وهي ~~تقدم العالم الحقيقي؛ وفلسفة الروح أو العقل، الذي هو باتحاد الاثنين يؤلف تقدم ~~العالم المثالي كما يصوره علم الأخلاق والدين والفن. ومن ثم كان المطلق ينظر إليه ~~كفكرة خالصة. ثم تمضي من هذه المرتبة إلى نقيضها ثم تنتهي إلى اتحاد الأصل ~~والنقيض. ~~(1-5) مذهب التطور على يد داروين وأنصاره # ولد شارلس روبرت داروين في 12 فبراير سنة 1809 ومات في 19 أبريل سنة 1882، ودفن ~~في مدافن عظماء بريطانيا في وستمنستر آبي في العاصمة الإنجليزية. كان أبوه روبرت ~~داروين طبيبا وعالما طبيعيا. وقد تلقى شارلس دراسته في أدنبره وكامبردچ، وكان ~~يراد توجيهه إلى الدراسة الدينية، غير أنه آثر دراسة العلوم الطبيعية منذ كان يدرس ~~في كامبردچ، وقد وفق في سنة 1831 إلى الالتحاق بعمل وثيق الصلة بهذه العلوم في ~~السفينة «بيچل»، فأتيح له أن يزور بعض جزر المحيط الأطلسي وبعض نواحي أمريكا ~~الجنوبية. # وفي يوليو 1837 مضى جديا في دراسة تقدم الأنواع، وفي 1838 عين سكرتيرا ~~للجمعية الچيولوچية ms043 البريطانية، وفي 1839 بنى بابنة خاله «إماويدجود»، وفي 1841 ~~اعتزل منصب السكرتير. وفي 1842 أقام في بلدة «داون» في إقليم كينت الإنجليزي، وبقي ~~فيها إلى أن رحل عن الدنيا مذكورا بنظرياته في التطور وتقدم الأنواع واختيار ~~الأصلح. # وعند «داروين» أن الأنواع الكثيرة للمخلوقات الحية لم تكن من نتائج أعمال نشوء ~~خاص، وهو ما كان المذهب الشائع المأخوذ به يومئذ، بل إنها على نقيض هذا، قد جاءت من ~~أنواع خاصة مضت قدما مطردة السير متابعة الحياة استنادا إلى ما احتفظت به الطبيعة ~~لها من أوساط ملائمة، وعناصر طيعة لها ومعينة إياها على التقدم والنهوض والازدهار ~~والتلون والتنوع، على حين أن كل انحراف إلى اتجاه غير صالح لهذه الأنواع والأصول لا ~~بد أن يفضي إلى فنائها، فالأصلح للحياة والبقاء هو الذي يبقى؛ ومن ثم جاءت نظرية ~~بقاء الأصلح. # وقد أطلق «داروين» على هذا المعنى اسم «الانتخاب الطبيعي». وفي 24 نوفمبر 1859 ~~طبع داروين كتابه في «أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، أو حفظ الشعوب ~~الممتازة في كفاحها من أجل الحياة والبقاء»، وقد تناول في الفصول الثلاثة الأخيرة ~~من هذا الكتاب بحث قضية التطور. وفي 1868 أخرج بحثه عن تباين أنواع الحيوان والنبات ~~تحت التدجين، موضحا تجاربه عن المادة وما يستند إليه في دعم كتابه سالف الذكر، ~~ومنشئا نظرية تخلق الجنين بصفات والديه والتكوين التناسلي العام، ذاكرا أن كل ~~خلية في الجسم ممثلة في خلايا الجرثومة أو النطفة الملقحة، ومن ثم تؤدي مهمتها في ~~التوالد وإخراج صورة أخرى مطابقة للأصل. # وفي 1871 أخرج كتابه عن انحدار الإنسان والانتخاب فيما يتصل بالجنس، متحدثا عن ~~الأصول والسلالات التي ينتمي إليها الإنسان وبعض أنواع القردة، من غير أن يقرر في ~~جزم أن الإنسان متسلسل من القرد، فقد كان حسبه أن يبين ما هناك من التشابه بين ~~شبيهين للإنسان، وأن يوضح ما سبق أن تحدث عنه في 1858 في نظرية الانتخاب الجنسي. ~~هذا وقد مضى «داروين» يعمل في حديقة داره في «داون» مجربا ومدونا ما أسفرت عنه ms044 ~~التجارب من النتائج وخاصة فيما يتصل بالنبات. وقد كان همه من تجاربه أن يوضح ~~الحقائق كما تبدو له على الصورة التي يشهدها، معنيا بإقامة الدليل في غيرما تعصب، ~~غير حافل بأن يدرس سر الحياة نفسها. # وقد خلف خمسة من الذكور بينهم ثلاثة من العلماء الباحثين الممتازين. # ولقد أحدثت نظريات داروين وبحوثه ثورة علمية واستثارت حربا قلمية، فرمى الرجل ~~بالإلحاد ومكايدة العقيدة الدينية. ولئن كانت هذه الحملة قد خفت حدتها في القرن ~~الحالي، فإنه لا يزال لداروين خصوم من العلماء ورجال الدين، ولا يزال للنظريات ~~الداروينية نظريات أخرى تناقضها، بل لقد بلغت الحملة عليها حدا جعل ولاية تينيسي ~~في الولايات المتحدة الأمريكية تحرم تدريسها في المدارس وإخراج أستاذها منها، ولكن ~~المحكمة العليا الأمريكية قضت بأن هذا القرار باطل وغير دستوري، على أن حسب الرجل ~~أنه أعد الأفكار لشيء جديد جدير بالتمحيص. # خلاصة النظرية الداروينية # عند داروين والداروينيين أن القوى الفعالة في تطور الأحياء هي: ~~(1) # إخلاف الأحياء لنسل كثير؛ أي إن الكثير من الحيوان والنبات، لا ~~يتسنى له من الغذاء والمكان ما يكفل له بلوغ مدى الحياة. ~~(2) # هذا يفضي إلى تنازع البقاء، وتنازع البقاء يفضي إلى: ~~(أ) # زوال الضعيف وبقاء الأقوى. ~~(ب) # وفي الوقت ذاته تظهر صفات جديدة تساعد أصحابها على الفوز ~~في معترك الحياة، فيبقى صاحب الصفة، صفة التباين الجديدة، ~~كما تبقى الصفة مورثة نفسها للأجيال التالية. # ألفريد والاس # كان «ألفريد راسيل والاس» من ~~علماء التاريخ الطبيعي المعاصرين لداروين، فقد ولد والاس في 8 يناير سنة 1823 ~~وقام برحلات إلى منطقة الأمازون. # كذلك وفق إلى الحصول على مجموعات قيمة من الحشرات في أرخبيل الملايو، وهناك ~~درس حياة الحيوان والنبات، كما أنه رسم الخط الفاصل المعروف باسم «خط والاس»، ~~الذي يفصل بين الشرق وبين الجهات الأسترالية. وفي بورنيو دون مقاله المشهور ~~عن القانون الذي يبين نوعا جديدا، صائغا نظرية داروين في بقاء الأصلح. ولما ~~بعث والاس إلى صديقه داروين بنسخة من هذا المقال، تبين فيها أنها نص للنظرية، ~~وتلا داروين هذا النص ms045 مع توضيح له ~~أمام جمعية لينيان في أول يوليو سنة 1858، وقد آثر والاس أن يتعاون مع داروين ~~في دراسة نظرية التطور، فأخرج في سنة 1889 كتابا عنوانه «الداروينية» متحدثا ~~عن هذه النظرية، وقد مات في سنة 1913. # توماس هاكسلي # وجاء «توماس هنري هاكسلي»، وهو بريطاني أيضا كداروين وزميله والاس، فأيد ~~نظرية التطور وأصل الأنواع، غير قانع بما تقوله من أن التطور عملية من عمليات ~~التقدم الطبيعي ليس غير، بل إن هناك قفزات مفاجئة قد مضت بهذا التطور حثيثا. ~~وقد مهد بحثه هذا إلى نظرية النشوء الفجائي. # وقد ولد هاكسلي في 4 مايو 1825 في أيلنج، واعتمد على نفسه في التعلم وتوفي في ~~29 يونيو 1895 بعد أن أخرج الكثير من المقالات والبحوث في علم وظائف الأعضاء، ~~مبينا أنه ليس هناك تدرج من الأسفل إلى الأعلى، بل إن هناك تطورا تاما أو ~~ناقصا لكل نوع، ومما ساعده على دراساته التحاقه بخدمة البحرية في منصب الجراح، ~~وفي سفينة للمساحة، ثم اشتغاله بتدريس العلوم الچيولوچية والطبيعية والعضوية ~~والمورفولوچيا؛ أي علم هيئة الأجسام الحية وتركيبها. # وعند «لوك» أن الدنيا نتيجة عمل إنشائي، ذلك أن المادة محدودة ومخلوقة وهي - ~~إلى هذا - عاجزة عن الحركة المنتجة ولو قيل إنها خالدة. # وعند «هيوم» في كتابه «محادثة عن التاريخ الطبيعي»، وعند العلماء الإنجليز في ~~القرن الثامن عشر أن الدنيا تشبه تكوين الحيوان أو النبات. وعلى هذا فإنها قد ~~وجدت بالتوليد لا بالخلق. # وقد عالج هذا الموضوع علماء فرنسا وألمانيا ك: شوبنهاور، وكانت الذي تحدثنا ~~عنه قبلا، ثم شيلينج، وبوفون، وهارفي، وكومت، وهكسلي، وسانلي. # التحولات الفجائية ومراحل ما قبل التاريخ # وعند «لوتسي» الهولندي، أستاذ علم التناسل في كلية العلوم في جامعة فؤاد ~~الأول المصرية سنة 1931، أن التحولات الفجائية هي نتيجة التنغيل فتظهر الصفات ~~الكامنة. # هذا وقد قام الدكتور مورجون الأمريكي وزملاؤه وتلاميذه، الذين اشتهر بينهم ~~«مولار» الأستاذ في جامعة تكساس الأمريكية بإنشاء المعامل والمستنبتات لتربية ~~ذباب الفاكهة الكثير البيض، مستحدثين تحولات فجائية في هذا الذباب بتوجيه ~~الأشعة السينية - إكس - إلى ms046 الخلايا التناسلية في دور خاص من أدوار انقسامها، ~~فكثر عدد التحولات الفجائية. # لئن كانت «تينيسي» إحدى ولايات جمهورية الولايات المتحدة قد حرمت تدريس نظرية ~~التطور الداروينية، وجاءت المحكمة العليا الأمريكية فقضت ببطلان هذا القرار، ~~وأن هناك ما يعزز هذه النظرية التي نادى بها داروين وباشوفن ومورجان على صورة ~~علمية، فعند «چورچون» أن ما قبل التاريخ أقسام ثلاثة: أولها عصر الهمجية. ~~وثانيها البربرية. وثالثها المدنية. وأن لكل عصر مراحل ثلاثا: (1) المرحلة ~~السفلى. و(2) الوسطى. و(3) العليا، وأن ارتقاء الإنسان في إنتاج وسائل التغذية ~~والتحكم في وسائط الحياة، هو ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية. # ففي عصر الهمجية، وهو الأول، كانت المرحلة الأولى للحياة الإنسانية هي مرحلة ~~الطفولة؛ إذ كان الإنسان لا يزال يعيش حيثما ظهر. أعني في الغابات الحارة ~~وشبهها، معتصما بالأشجار خشية الضواري ولحاجته إلى اتخاذ فاكهتها وبندقها ~~وجذورها طعاما له. وبدأ يخرج أصواتا هي أصول الكلمات الناطقة ومبادئ ~~اللغة. # وفي المرحلة الثانية؛ أي الوسطى، آثر الإنسان أن يمشي على الأرض وعلى ~~الشواطئ، فعرف السمك وعرف النار التي يشوي عليها السمك، ووسعه أن يسير مع مجاري ~~الأنهار منتقلا من مكان إلى آخر، مستخدما النار إلى شواء السمك، في طهي ~~الجذور والخبز في التراب الساخن أو أفران الأرض متخذا من الحجارة أدوات غير ~~مهذبة، وهي أدوات العصر الحجري الأول «البالايوليتيك»، ومبتدعا السلاحين ~~الأولين: الحربة والنبوت، وبهما عرف القنص والصيد وتذوقه. # وأما المرحلة الأخيرة، العليا: فقد ابتدع الإنسان فيها القوس والسهم والوتر ~~بعد تجارب عقلية وصعاب استغرقت الألوف من السنين، وأصبح الصيد أهم وسائل ~~الإنسان إلى الطعام اليومي، وشرع الإنسان في سكنى القرى ومراقبة الطعام وإعداد ~~الأوعية الخشبية، ونسج لحاء الأشجار باليد وعمل السلال من قصب الغاب واللحاء، ~~وتحديد الأدوات الحجرية، فإن النار والفأس الحجري كانا من أدوات الحفر، كما ~~كانت أخشاب الغابات صالحة لبناء الدور. # أما عصر البربرية، وهو العصر الثاني: فتبدأ مرحلته الأولى منذ عرف الإنسان ~~الطين واتخذه غطاء للخشب والأوعية وقاية لها من النار، ثم أدرك أن النار ms047 تجعل ~~الطين ذاته يصلح كأوعية. ومن هنا عرف الفخار وفي هذه المرحلة أخذ الناس ~~يتباينون أقواما تبعا لموارد الأرض الطبيعية، كما شرعوا يدجنون الحيوان ~~ويعرفون النبات في الدنيا القديمة: عرف الحيوان المستأنس والحبوب الزراعية حين ~~كانت أمريكا لا تعرف غير حيوان اللاما والقمح. # وفي المرحلة الثانية، الوسطى: أخذ الشرق يدجن أنواع الحيوان، أما الغرب فقد ~~أخذ يزرع الحبوب ويرويها، ويستعمل الحجارة والطوب المجفف في الشمس في البناء، ~~بينما كان هنود شرقي المسيسيبي لا يزالون في مرحلة البربرية السفلى زارعين ~~مساحات صغيرة من القمح والبطيخ ونبات الحدائق، مقيمين في دور خشبية وحقول ~~مسورة، وكان سكان الشمال الغربي الأمريكي وعلى نهر كولومبيا خاصة في مرحلة ~~الهمجية، وكان هنود البويبلو في المكسيك الجديدة والمكسيكيون وسكان أمريكا ~~الوسطى والبيروفيون في مرحلة البربرية الوسطى، وكان عندهم من الحيوان الأليف ~~اللاما والديك الرومي وبعض الطيور، وبعض المعادن عدا الحديد. # وقد اتسمت مرحلة البربرية الوسطى في الشرق بتدجين الحيوان اللبون ومكتنز ~~اللحم، في حين أن زراعة النبات تأخرت طويلا، وأن استئناس أنواع الحيوان وتحسين ~~نوعه واقتنائه قطعانا، هو - كما يبدو - الذي فصل الآريين والساميين عن الأقوام ~~البربرية، وأن أسماء الحيوان مشتركة بين لغات الأوروبيين ولغات الآريين ~~والساميين، في حين ليس ثمة اشتراك في أسماء صنوف النبات. # وقد أدى اقتناء القطعان إلى الحياة البدوية كما بدت عند الساميين في سهول ~~الدجلة والفرات، وعند الآريين في سهول الهند والدون والدنيير، كما أن تدجين ~~الحيوان بدأ عند ضفاف الأنهر القريبة من مراعي الماشية، والتغذية باللحم واللبن ~~ساعدت الآريين والساميين على الارتقاء، يدل على هذا أن هنود البويبلو الذين سلف ~~ذكرهم، كانوا يأكلون النبات، وكانت دماغهم أصغر من دماغ خلفائهم في المرحلة ~~السفلى البربرية حين أكلوا لحم الحيوان والسمك. # وفي المرحلة العليا: بدأ صهر الحديد واخترعت حروف الكتابة، التي استخدمت في ~~التدوين والرسائل كما حدث في عهد أبطال الإغريق والقبائل الإيطالية التي تقدمت ~~تأسيس روما، كما عرف المحراث الحديدي، وكشفت الغابات واستصلحت للزراعة وللرعي ~~في مساحات كبيرة، وابتدع الفأس والشفرة الحديديتان، ms048 فزاد عدد السكان. # وقد وضعت أشعار إلياذة هوميروس في هذه المرحلة العليا البربرية، ففيها ورد ~~ذكر الأدوات الحديدية المهذبة والمنفاخ وطاحونة اليد والعجلة، وتجهيز الزيت ~~والخمر والعربة والسفن والمدن المسورة والقلاع. # أما في العصر الثالث، عصر المدنية؛ أي الحضارة التي عرفت الأسر المالكة، فقد ~~توسع الإنسان في الزراعة وإجادتها، كما حذق الصناعة وبرز في الإنتاج العقلي ~~بروزا مطرد التقدم منذ بدأت الحضارة إلى اليوم. # طبائع الحياة الثلاث # وعند الفيلسوف العصري المجدد «برچسون» في كتابه «التطور الخالق» أن الحياة ~~ثلاثة فروع: أولها فرع النبات وطبيعته الخمود، وهو لا وعي له ولا حركة ومن ثم ~~لا دراية ولا تردد عنه؛ وثانيها فرع الحيوان الدنيء وأبسطه الحشرة وأرقاه النمل ~~والنحل، وطبيعتها الغريزة، وهي قليلة التردد، ومن ثم كان لها وعي ولكنه ضعيف ~~جدا؛ أما ثالثها فهو نوع الحيوان العالي وأسمى مراتبه الإنسان وطبيعته العقل، ~~ومن ثم كان له وعي وتردد. # ولما كانت الحياة تشتعب هذه ~~الأنواع الثلاثة، كان في الإنسان، وهو كائن حي، هذه الطبائع الثلاث: الخمود، ~~والغريزة، والعقل. وكانت الحياة ترمي - وهي تسير متخطية المادة والعوائق - إلى ~~تحقيق غاية معينة. # وعند «ماكوستون» أستاذ البيولوچيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أنه لما بدأ ~~الناس يظنون، على أثر دراستهم للآثار المتحجرة، أن في نشوء أنواع النبات فعلا ~~تطوريا وتدريجيا؛ قالوا: إنها نشأت بفعل التطور من أحياء بسيطة ذات خلية ~~واحدة. وهذا ما يعرف عند طائفة كبيرة من الناس «بنظرية التطور» الآن. ولكنه في ~~عرف السواد من علماء الأحياء «حقيقة التطور»، وهم لا يحسبونها «نظرية» فقط؛ لأن ~~الأدلة التي تؤيدها كثيرة مستمدة من الچيولوچيا «علم طبقات الأرض» ~~والمورفولوچيا «علم شكل الأحياء»، وعلم تفرق النبات والحيوان وعلم الأجنة، ومن ~~التجارب العلمية في استحداث أصناف جديدة من أنواع النبات والحيوان ~~الداجن. # نمو الجنين يؤيد النظرية الداروينية # ومما اتخذ دليلا على مذهب التطور أنه حين تستقر الخلية المذكرة اللاقحة في ~~الرحم، تنقسم نصفين، وكل منهما نصفين، وهلم جرا، إلى أن تتألف مجموعة من ~~الخلايا تتخصص في الجنين إلى خلايا ms049 الدم وألياف العضل ونسيج العظام، وفي أثناء ~~الانقسام والتخصص تتخلف خلايا صغيرة تحتفظ بمهمة التناسل، وإبقاء مادة الوراثة ~~أو النواة الجرثومية في شكل خيوط يبلغ عددها في النواة الجرثومية للإنسان 48، ~~ينتقل نصفها من الوالدين إلى المولود، وهذا النصف قد يكون هو الذي ينتقل في حمل ~~آخر أو يكون نصفا آخر، وقد يكون حاملا لأكثر الصفات العقلية والشكلية ~~والبدنية لأحد الوالدين أو كليهما أو لأقلهما. ومن هنا يكون التفاوت بين ~~المولود وبين والديه وبين إخوته كبيرا أو صغيرا والمشابهة بينه وبينهم كثيرة ~~أو قليلة، وهذا خليق بأن يفسر لنا انتقال المواهب والنقائص والأمراض لا بين ~~الوالدين وولدهم وحسب، بل بين الأجداد والأحفاد، وتوارث أسباب طول العمر أو ~~قصره أو اعتداله في الأسر، ووجود المماثلة التامة بين توءمين من جنس واحد ~~كذكرين أو أنثيين متى كانا ناشئين عن انتصاف خلية واحدة. # هذا وليس في وسع العلم إلى الآن أن يتحكم في تغليب الصفات الممتازة على غيرها ~~في المادة الجرثومية عند تخلقها، مع أن التهجين قد نجح في الحيوان ~~والنبات. # على أن النواة الجرثومية قد يطرأ عليها تحول مفاجئ ويجعلها تنقل إلى الجنين ~~صفات أخرى غير صفات والديه أو بعضها. هذا ويقال إن مشابهة الولد لأبيه ترجع إلى ~~أن الأم أقوى من الأب. أما مشابهته لأمه فترجع إلى نقيض هذا أي إلى أن الأب ~~أقوى من الأم. والقوة هنا إما أن تكون بدنية أو عقلية أو هما معا. # وتقول «مارجريت شباجلبرت» في كتابها «قصة جنين»: «إن حياة الإنسان تبدأ من ~~«نطفة مذكرة دقيقة - تبلغ من التناهي في الصغر أن لو جمعت كل النطاف اللازمة ~~لإنتاج الجيل المقبل بأمريكا الشمالية لوسعها رأس دبوس - هذه النطفة تصطدم في ~~رحم المرأة ببويضة كاملة النمو، فينشأ من الإخصاب - أي امتزاج النطفة بالبويضة ~~- شخص جديد. وفي الشهر الأول من حمل الجنين، عوضا من أن تنشئ المضغة، العضو ~~على الطراز الذي يستعمله الرجل دفعة واحدة. تنشئه على النمط الذي يوجد في حيوان ~~أدنى كثيرا من الإنسان كالسمك مثلا، ثم ms050 تهمل هذا العضو وتنشئ عضوا آخر كالذي ~~يستعمله حيوان أرقى كالضفدع ثم تعود فتهمله، ومن ثم فلعلها تنشئ عضوها البشري ~~من أطلال هذه الأعضاء السابقة جميعا. ويعلل العلماء هذا التطور العجيب الشائع ~~في نماء كل مراتب الحيوان العليا بأنه تكرار سريع لتاريخ التطور العضوي الطويل. ~~وفي الشهر الثاني تخضع الجوارح لسلسلة مماثلة من التطورات؛ إذ تستطيل براعمها ~~ويتفلطح الطرف المطلق لكل منها، حتى يصبح في مثل صفحة المجداف، ومن هذه الصفحات ~~تتكون راحات الأيدي وأمشاط الأقدام.» ~~••• # ومن آيات التطور أن جواد اليوم ذا الحافر الواحد يرجع أصله إلى جواد ذي أصابع ~~خمس. # التطور والشئون الاجتماعية # عند بعض المشتغلين بالشئون الاجتماعية أن نظرية التطور تصلح علاجا لبعض ~~أمراض المجتمع وعيوب التكوين الإنساني. ذلك بأن تعمد الحكومات والجماعات ~~الإصلاحية إلى منع الذين أصيبوا، عن طريق الوراثة بالأمراض والإجرام، عن ~~التناسل، وذلك بحقنهم بمواد خاصة ثم إلى إيجاد طراز الإنسان الممتاز بدنا ~~وعقلا «السوبرمان»، وإلى التقريب بين الطبقات. ~~(2) التدهور # رأينا فيما تقدم كيف نشأت نظرية «التطور»، ذاكرين في بداية عرضها أنه قد يكون انتقال ~~الأشياء وتغييرها إلى النقصان والضمور أو الزوال، فيسمى هذا الانتقال «تقهقرا» أو ~~«تدهورا»، عوضا من أن يكون إلى الزيادة والنمو والارتقاء، وإلى الأحسن كما هو ~~المشاهد في «التطور» الاصطلاحي الفني. # وقد أشار الفيلسوف اليوناني القديم المعروف «أفلاطون » إلى شيء من هذا التدهور كما ~~سيجيء بعد. ~~(2-1) فلسفة أفلاطون # ولد أفلاطون في سنة 427ق.م في جزيرة أچيفا وتوفي في سنة 347ق.م، كان التلميذ ~~الأول لسقراط وعنه أخذ الفلسفة، وقد زار أفلاطون إيطاليا ومصر وصقلية وأقام في ~~أثينا. # وعنده أن الفلسفة معرفة العموميات والإلمام بالضروريات، وأنها منقسمة أقساما: ~~(1) جدلية، و(2) طبيعية، و(3) أخلاقية. وأن للعقل ثلاث خصائص: الإحساس، والإدراك، ~~والفكر. وأن الناس ثلاثة أقسام: المشرعون أو الفلاسفة الذين خلقوا للسيادة، ~~والمحاربون للحراسة، والصناع للطاعة، أما العبيد فماشية الدولة. وأن الأفكار هي ~~أصول الأشياء وهي عالم مستقل متصل بنا من الله مباشرة، وهي قوالب الأشياء أو ~~نماذجها، والرجل الفاضل هو الذي يعرف ms051 هذه القوالب وروح الإنسان خالدة ومتجددة ~~الميلاد، وهي كامنة في الجسم الذي هو بمثابة سجن لها، ويحاول أفلاطون في «جمهوريته» ~~أن يصف كيف يتعلم الحكام في الدولة المثالية التي ينادي بها ويبين أن الفلاسفة هم ~~الذين ينبغي أن يكونوا ملوكها. # وعند أفلاطون أن الله بعد أن خلق الدنيا سيرها مقدرا لها الفناء بعد أن تعمر 72 ~~ألف سنة، ومن ثم لازمت جرثومة الفساد الإنسان عند نشوئه، هذا وتنعم الدنيا في النصف ~~الأول من عمرها بالمستوى العظيم. أما في النصف الثاني فتهبط إلى هوة الفساد؛ لأن ~~الله يتخلى عن رعاية الدنيا. ثم إنه بعدئذ يعيد إليها الحياة جديدة ويذهب «أفلاطون» ~~إلى أن العصر الحاضر هو عصر التدهور، وأن العصر الذهبي الذي كان متسما بالبساطة قد ~~مضى، خاصة بعد أن فقدت أثينا حريتها. # وعند الرواقيين والأبيقوريين في اليونان أن هذا العصر يبعث على التطير، وعند ~~الرومان أن التاريخ يتداوله الصعود والهبوط مئات المرات. # وعند «باتيسون» أنه لئن صح أن هناك أصلا للأنواع وانتخابا طبيعيا بينها، فإن ~~كثيرا من الفروض والنظريات التي يقوم عليها المذهب الدارويني واهي القاعدة. # وذهب «مندل» القس النمسوي المعاصر لداروين - بعد تجاربه في حديقة الدير بين سنتي ~~1856 و1872 - إلى أنه إذا وجدت الصفتان المختلفتان في النباتين المتزاوجين، فإن ~~الصفة السائدة هي التي تسيطر على نبات الجيل الأول ولا يستطاع التفريق بين وحداتها ~~التي سيكون إنتاجها صريحا وبين التي ستعيد ظهور الصفتين في إنتاجها. # وعند «سانت أوغسطين» في العصور الوسطى أن العالم قد أشرف على النهاية، وأن التقدم ~~الإنساني مستحيل منذ عصى آدم ربه مورثا دم سلالته الإثم والخطيئة. # وعند «بيكون» أن الجماعة البشرية قد شاخت ومن ثم فهي ستهبط إلى أن تفنى. # وعند «دي فريز» النباتي الهولندي أن أصل الأنواع يرجع إلى الطفرة؛ أي إلى تغييرات ~~فجائية. ~~(3) رأي المؤلف # أوردنا فيما تقدم آراء الفلاسفة القدماء والعصريين في نظرية «التطور»، ثم في نقيضها ~~«التدهور»، وعندنا أن الفريقين قد غاليا في آرائهما، ذلك أن نشوء الحياة ونموها أو ~~ضمورها من ms052 المسائل التي أعيت المفكرين، فإذا كان بعضهم، خاصة في نظرية التطور، قد وفق ~~فيما أراد أن يقرره بعد القيام ببعض التجاريب فليس هذا التوفيق يناهض دليلا على تعميم ~~النظرية في كل شيء حتى في الشئون الاجتماعية. # وجملة ما يسعنا أن نقوله: هو أن في حياة الكون أشياء، قد ظهرت فجأة كثوران العواصف ~~والبراكين والزلازل مهما نحاول تعليل حدوثها. # وثم أشياء لا تتكون ولا تنضج إلا بعد تدرجها في سلم الارتقاء كالجنين والعلوم ~~والمستحدثات. كذلك هناك أشياء تنقص وتضعف وتتقهقر وتنمحي من الحياة محوا، كحالة ~~الإنسان حين يمرض أو حين يبلغ الشيخوخة إلى أن يموت، وكحالة الضواري المنقرضة واشتداد ~~البرودة في إحدى البقاع. # وعلى هذا نستطيع أن نقرر أن الحياة مزيج من الثورة والتطور والتدهور، وأنه قد يكون ~~الإنسان البدائي، الذي لم نعرف عنه شيئا ما أو عرفنا عنه شيئا كثيرا، أعظم حضارة ~~من خلفه. أو قد يكون ما نعده الآن أرقى مما مضى ليس تطورا إلى الأرقى، بل هو خروج على ~~الحياة الطبيعية، قد يفضي إلى نهاية غير سارة إذ إننا نقيس الأشياء بعقولنا لا بحقيقة ~~الأشياء، هذه الحقيقة التي أكثرها لا يزال مجهولا. # الفصل التاسع # | العصور الچيولوچية وعصور المصنوعات المعدنية # رأينا في (الفصل الثالث: الحياة على الكرة الأرضية) أن الحياة على الأرض قد تقلبت في ~~مراحل كثيرة، وأنه كان هناك عصر لم تكن فيه حياة ما على الأرض وهو «العصر الآزويكي» كما ~~يؤخذ من الصخور والبقايا التي خلفها، وأن عصر البليزويك الأدنى قد ظهرت فيه أمارات الحياة ~~كقشر المحار والقواقع والدنيئيات والديدان البحرية، وأن الأرض قد استهدفت لصنوف من الطقس ~~خاصة عصور الجليد، وأنه قد تبع هذا ظهور البرمائيات فالزواحف «الفصل الرابع»، فاللبونات ~~«الفصل الخامس»، فالقردة والإنسان الناقص «الفصل السادس»، فالإنسان التام «الفصل ~~السابع». # هذا وقد تتابعت على الأرض أزمنة أو عصور چيولوچية. ~~(1) الچيولوچيا: علم طبقات الأرض ~~«چيولوچيا» يونانية: «چو» أرض و«لوچيا» علم، وعلى هذا كانت الچيولوچيا علم البحث عن ~~التاريخ الطبيعي للأرض. فهو يتتبع التقدم التركيبي للأرض منذ ms053 ابتدائها متمشيا مع ~~عصورها إلى الآن. كذلك يبين حالة تطور مظاهر سطح الأرض وكيف انفصلت بعض القارات عن بعض، ~~وبرزت الجبال وانفتحت الوديان وعرفت رءوس الصخور والمهاوي التي بينها. والچيولوچيا - ~~إلى هذا - توضح حالة النبات والحيوان وسلالاتهما الدائبة التطور. وهناك الچيولوچيا ~~التنجيمية والفلكية التي تتحقق ظواهرها بالمجهر والمرقب الطيفي وبالتحليل الكيمائي فيما ~~يتصل بحالة الأجسام الأخرى السماوية. وهناك الچيولوچيا الكيمائية والنهرية والحيوانية. ~~ولكن الصخور هي في الواقع موضوع الچيولوچيا: تكوينها وتغييراتها. # ومما يقدره الأرضيون أن أفريقيا كانت متصلة برا بأوروبا وفرنسا بإنجلترا وآسيا ~~بأمريكا شمالا. وأن حوادث وأسبابا وتقلبات خطيرة قد أحدثت هذا الانفصال. # هذا والطبقات التي تألفت بالتبريد التدريجي ليس تنضيدها أفقيا في حين أن الصخور ~~التي جاء بها الماء المالح أو العذب كانت أقرب إلى الأفقية. وليس في الأولى بقايا ~~الحيوان والنبات. ومن أمثلة هذه الطبقات الصخرية الجرانيت وحجر السماق «البوفير». أما ~~الثانية فهي الرواسب وهي التي وجد فيها بقايا الحيوان والنبات. # وإلى هذين النوعين - الصخور المنضدة المبردة والرواسب - يوجد نوع ثالث هو الحجر ~~الجيري بأنواعه الثلاثة: (1) المائي العذبي، ~~و(2) الماروني القوقعي، و(3) السليسي. أما النوع الرابع فهو الصخور المبعثرة والرمل ~~والأحجار الرملية والأرض الخصبة والطمي. وهذا النوع الرابع قد ظهر في الزمن الرابع. إذ ~~إن لكل نوع من الأنواع الأربعة زمنه أو عصره. # وجملة القول أن مراتب الطبقات الأرضية من الأسفل إلى الأعلى كما يأتي: (1) الأراضي ~~الأصلية المؤلفة من الصخور النارية المبردة تدريجا، ومنها الصخور الحبوبية والميكا ~~والطلق؛ وهي في الزمن أو العصر الحجري الأول. و(2) الرواسب، وفيها البقايا الحيوانية ~~والفحم الحجري والحجر الجيري السكري وحجر الرمل الأحمر القديم والقوقعي والصغير، والطفل ~~الأخضر والمارد والحجر الرملي الأخضر والطباشير الأبيض - وهي في الزمن أو العصر الثاني. ~~و(3) الحجر الجيري المكون من الماء العذب والحجر الجيري المارني القوقعي والحجر الجيري ~~السلسي وهو في الزمن أو العصر الثالث. و(4) الطبقة الأرضية الظاهرة التي نعيش عليها ~~الآن. # وعند الچيولوچي أن العناصر المتجمعة لديه قد تألفت على صورة منسقة، القديمة منها في ms054 ~~القاع، والجديدة في القمة، يضاف إليها - حين يدرسها - بقايا النبات والحيوان في الصخور، ~~وبقايا البحور والأخاديد ومنثورات البراكين البائدة وعظام الحيوان والقواقع والقشور ~~والنوى، وما يوجد داخل الأشجار والقشور والفحم وحشرات الغابة وآثار الطيور والزواحف ~~والديدان عند الشواطئ؛ إذ بدراستها يعرف عصرها وتغييراتها الجغرافية. # هذا وقد نشأت الجبال من ارتفاع في قشرة الأرض على أثر الغازات الملتهبة وبرودة الجزء ~~المرتفع. أما التربة الزراعية فقد نشأت عن تحلل الصخور بتأثير الماء والهواء وتفاعل ~~العناصر، فوجد الرمل والطفل والسماد الناشئ من تحلل المواد العضوية بإيجاد الآزوت ~~والكربون والأملاح. ~~(1-1) العصر الطباشيري # يقدر علماء الچيولوچيا أن العصر المعروف بالعصر الكريستاسي أو الطباشيري، انتهى ~~منذ مدة تختلف من خمسة وخمسين مليون سنة إلى مائة وعشرين مليون سنة. وقد شهد هذا ~~العصر انقراض الحيوانات والزحافات الهائلة التي كانت تسود الكرة الأرضية، وفي ~~مقدمتها الحيوان المعروف بالديناصور. ولكن علماء الچيولوچيا لا يعرفون شيئا عن ~~الحشرات والهوام في ذلك العصر السحيق. وقد وفق المعهد ~~الشمسوني - هو من أعظم المعاهد العلمية ~~- إلى اقتناء بقتين حجريتين من بق ذلك العصر. ~~(2) عصور المصنوعات المعدنية # عند المؤرخين والچيولوچيين، علماء طبقات الأرض، أن الإنسان في مجتمعه البدائي، كان ~~يستعمل الأدوات الصالحة لمعيشته مما كان يعرفه، وأنه لا بد أن يكون الحجر هو أول ~~المعادن والمواد التي عرفها؛ لأن الحجر بارز على الأرض، فالأدوات المصنوعة من الحجر ~~عرف زمنها باسم «عصر الحجر». وبعدئذ عرف الإنسان النحاس فالبرنز «عصر البرنز»، ولما ~~عرف الحديد استخدمه الإنسان في صنع أدواته فسمي هذا «عصر الحديد». أما عصر الحجر فهو ~~العصر الأول للصناعة؛ إذ كان الإنسان يتخذ من الحجر أدواته يصنعها ساذجة، والحجر هو ~~قطعة منفصلة أو شظية من الصخر فهي تشمل ما على الأرض والطرقات من الجزئيات والحصى في ~~البحر وقاع النهر والشاطئ، وفيما يستعمل في مواد البناء وهي على الأخص تدل على ما يتخذ ~~من الجبال لنحت ما يلزم للقبور والطواحين في شكل خاص وحجم خاص. # أما الأحجار الثمينة فهي تدل على المعادن التي لها بريق ms055 ولمعان ولون أو ندرة ومن ~~خواصها الصلابة. فهي تقوم تبعا لاستخدامها في الحلي. وكذلك تطلق على النوى كنوى البلح ~~والمشمش. # وإذا اختير الحجر للبناء وجب أن يكون صالحا للعلو عليه ولمواجهة الطقس المحلي، وكذلك ~~من ناحية اللون ومقدار ما يوجد منه في المحاجر وثمنه. وقد يصعب الحصول على نوع ~~معين. # ولما كان لكل حجر رطوبته، وجب انتظار جفافه منها ومن أنواعه: الجرانيت المنضد، وحجر ~~البلاط، والكلس. ~~(2-1) عصر الحجر الباليوليتيكي «القديم» # يقسم الأرضيون عصر الحجر ثلاثة أقسام: أولها «عصر الحجر الباليوليتيكي»، وهو أطول ~~من الثاني؛ أي عصر الحجر الأول أو القديم، حين كان الإنسان يشترك مع الماموث ودب ~~الكهف ووحيد القرن ذي الشعر الصوفي وغيره في سكنى أوروبا. وكانت أدوات هذا العصر ~~مصنوعة بالحك خشنة غير مصقولة وضخمة لا فن فيها، والسلاح شحفة من الحجر، تستدق من ~~الطرف ولم يخلف عصر الحجر الأول هذا آثارا للكلب والخروف والفرس والدين. أما في ~~عصر الحجر الأول المتوسط فإن الأدوات والآلات كانت تصنع بالضغط عوضا عن الحك، ~~والأسلحة عفناء. ومن الأدوات القوس والنشاب وآلات تثقيف العيدان والرماح، والرمح، ~~والحربة، والمسطرين، والإبرة العاجية، والفرو، والجلد والرسم، والصور، ومخلدات ~~الميت. # هذا وفي فرنسا وشمال إيطاليا قليل من بقايا إنسان عصر الحجر القديم؛ لأن العظام ~~لم توجد إلا في الكهوف والمخابئ الصخرية؛ إذ إن الدفن لم يكن معروفا. وقد وجد ~~«بوشيه دي برتيه» في سنة 1841، أول أداة حجرية أولية عند أحد السواحل الرملية وفي ~~منشكور، وقد ظهرت كشوف أخرى بعدئذ. # وقد قسم الأرضيون عصر الحجر الأول أقساما تبعا لما عثروا عليه من بقايا الماموث ~~والدب والأيل. ~~(2-2) عصر الحجر النيوليتيكي # كان لورد «أفيبوري» أول من أسماه بهذا الاسم «عصر الحجر الجديد»، فقد أطلق منذ ~~يومئذ على المدة التي كانت فيها الأدوات المصنوعة من الحجر مصقولة ودقيقة على نقيض ~~صناعة الأدوات في المدة الأولى من عصر الحجر أو «عصر الحجر الباليوليتيكي»، عصر ~~الحجر الأول. وقد عرف «عصر الحجر النيوليتيكي»؛ أي الجديد حين كشفت المدافن ~~القديمة، وأغوار البحيرات ms056 السويسرية وبعض أراضي الدنمرك والمغارات التي وجدت بها ~~العظام. هذا ولم يوجد شيء من المعادن سوى الذهب، الذي يبدو أنه كان يستعمل في الحلي ~~أحيانا. ومن ظواهر عصر الحجر الجديد معرفة الزراعة، والفخار والنسيج وتأليف ~~الحيوان، ودفن الموتى في مدافن. وقد قسم الأرضيون هذا العصر أقساما غير ~~قليلة. # هذا ويرجح أن الزمن النيوليتيكي - الحجري الأخير - بدأ بعد عصر الجليد؛ أي منذ 15 ~~ألف سنة، وانتهى منذ 8 آلاف. أما عصر البرنز فقد بدأ منذ انتهاء عصر الحجر الأخير ~~إلى ثلاثة آلاف سنة حين بدأ الحديد. ومن أدوات هذا العصر، زوارق الصيد والأكواخ ~~والفخار والمساكن الخشبية في البحيرات. ومن حيوانه الكلب المستأنس. ~~(2-3) عصر البرنز # هو عصر الصناعة الثاني، هو العصر الذي أعقب عصر الحجر سالف الذكر إذ أخذ الإنسان ~~يستخدم البرنز في صنع أدواته. # والبرنز مؤلف من خليط من النحاس والصفيح في حين أن الحديد يمكن تخليصه من الخام ~~حالا بمطرقة لشكله. وكان الأجدر أن يعرف قبل البرنز، ولكن الآثار تدل على أن عصر ~~البرنز قد سبق عصر الحديد. # هذا وفي أول عصر البرنز لم تكن السيوف والأسلحة والدروع معروفة، فلم يعرف إلا ~~المحور والسكين والحربة. # وكان عصر البرنز أقصر زمنا من عصر الحجر الجديد أو الأخير وأكثر منه ثقافة، أما ~~وجود الأدوات مدفونة مع جثة الميت في عصري الحجر والبرنز، فليس معناه أن الميت ~~سيبعث حيا وسيستعمل هذه الأدوات، ولكن قد يكون معناه كراهة أن يستعملها ~~الحي. # هذا ويقال إن النحاس قد سبق البرنز، فقد وجدت حوالي البحر المتوسط وفي أوروبا ~~الوسطى وأرلنده أدوات من النحاس فقط. أما البرنز فيتألف من جزء من عشرة من الصفيح ~~وتسعة من النحاس. # ويوجد في الصين وكورنوال، مادتا النحاس والصفيح معا. # ومع أنه لا يوجد الصفيح في مصر وأرض الجزيرة فقد وجدت مصنوعات فيهما قبل 3000 ~~و4000 قبل الميلاد. # ولا بد أن خلط النحاس بالصفيح كان في جملة جهات. وليس معروفا من أين جاء إلى ~~مصر. # وعند «و. جولاند» في بحوثه المقدمة إلى ms057 جمعية الآنتيكوراي في لندن في 1899 أن ~~النحاس الخام كان حصى أو صخرا كبيرا سائبا في قاع المجري، حين كان الإنسان في ~~عصر الحجر ينقب عن الحجارة. أما الصفيح فقد كان في قاع النهر. ثم إن مادتي النحاس ~~والصفيح قد صهرتا معا بين حجرين قبل أن يعرف الإنسان الأفران، التي بدأت ثقبا في ~~الأرض يلهبه الهواء إلى أن اخترع المنفاخ فاستخدم في إشعال النار. ~~(2-4) عصر الحديد # هو العصر الثالث الذي عرف فيه الإنسان الحديد وطفق يستخدمه في صنع الأسلحة ~~والأدوات والعدد. على أن هذه العصور الثلاثة، «الحجر والبرنز والحديد»، لم تكن ~~دائما وفي كل الأزمنة والأماكن متسلسلة على هذا النسق. # جزر الباسفيك الجنوبي وفي شمال أمريكا وجنوبها وداخل أفريقيا، بلاد تنقلت من ~~الحجر إلى الحديد دون أن تجوز عصر البرنز. وفي أوروبا ظهر حديد في أواخر عصر ما قبل ~~التاريخ وأوائله. # أما في مصر وكلدة وآشور والصين فقد ظهر فيها الحديد متأخرا؛ أي في ~~400ق.م. # وقد وجد «چاستون ماسبيرو» بعض قطع من الحديد في خلف أهرام أبو صير (الأسرة ~~السادسة)؛ أي 3000ق.م، كذلك ذكر الحديد في نص بيبي الأول في 3400ق.م، واستعمل ~~الحديد في أوروبا الشمالية قبل غزو قيصر. # وفي شمال روسيا وسيبريا عرف الحديد في 800ب.م. وفي جنوب أوروبا عرف الحديد قبل ~~شمالها؛ أي إنه جاء من أفريقيا، يؤيد هذا أنه وجد في الهرم الأكبر الحديد، فقد وجد ~~قليل منه في الآثار المصرية، وكان يعد غير طاهر منسوبا إلى «سيث» روح الشر الحاكم ~~على صحراء أفريقيا الوسطى في رأي المصريين القدماء! # هذا وقد عرف الحديد منذ 5000 سنة على الأقل في الصين. ثم في مصر منذ 4000 سنة. ثم ~~اليونان منذ 2700 سنة. # أما تأخر علم الإنسان بمعدن الحديد مع أنه في الأرض منذ ملايين السنين يرجع إلى ~~لونه وهو خام؛ إذ هو أسود كالحجر الأسود، لا يسترعي النظر على نقيض النحاس؛ كذلك ~~لأن القطع الحديدية خشنة وصغيرة، هذا ولا يلين الحديد الغفل ولا يتطرق حين يدق ~~طويلا ms058 ومكررا على النار. # وقد كشف خنجر من الفولاذ في مقبرة توت عنخ آمون. # أما أنواع الحديد فمنها: الخام والغفل والمشغول والمطروق والمصهور والصلب. ~~والحديد الغفل قسمان: (1) حديد فوسفاتي، و(2) غير فوسفاتي، تقل فيه كمية الفسفور عن ~~3٪، ومن أهم أنواعه الهيماتيت، الذي يكثر في إسبانيا والبحيرات العليا الأمريكية، ~~ثم في كمبرلند وشمال لنكشير في البلاد الإنجليزية التي تعول عليه في صناعتها. ويقال ~~إنه وجد في حضرموت شيء منه. # وقال «چنيزيز»: إن «طوبال كين» وهو السادس بعد آدم هو الذي كشف الحديد، وإن ~~الآشوريين كان لديهم سكاكين ومناشير، وإنها لا بد أن تكون مصنوعة من الحديد الشديد ~~الصلابة، كذلك وجدت أداة حديدية في الأهرام القديم في كفرون 3500ق.م، وعرف تعدين ~~الحديد في عصر تحتمس الثالث 1500ق.م. # الحديد وصناعته في مصر # يقول الدكتور حسن صادق باشا وزير المالية الأسبق: إن الحديد كعنصر مستقل غير ~~متحد بعناصر أخرى قليل الوجود في الطبيعة. وما يوجد منه خالصا إما قطع صغيرة ~~منتشرة في بعض الصخور البركانية، وإما من النيازك أو الشهب التي تهبط سطح الأرض ~~من السماء. وأما مركبات الحديد، ولا سيما أكاسيده، فهي كثيرة الانتشار في ~~الصخور المكونة للأرض. # ولما كان الإنسان في عصوره الأولى غير عالم بسر استنباط المعادن واستخلاصها ~~من خاماتها، فكان عليه أن يعتمد في صناعة آلاته للصيد وللدفاع عن نفسه على ما ~~يتفق له من مواد صلبة تصلح لصنع هذه الآلات. فكان أول ما لجأ إليه الأحجار ~~كالصوان وغيره، ومكث دهورا طويلة لا يعرف سوى الآلات الحجرية، ثم عرف النحاس، ~~ثم سرعان ما وفق إلى العثور على سر صناعة البرنز، وهو خليط من النحاس والقصدير، ~~فكان توفيقه هذا خطوة واسعة نحو تقدم مختلف الصناعات؛ فارتقى درجات عديدة في ~~سلم المدنية. # أما حضارة المصريين القدماء فهي، بحق، مدنية برنزية أو في القول الأصح مدنية ~~نحاسية؛ إذ انفرد المصريون دون غيرهم من الأمم بالوقوف على سر سقاية النحاس ~~وتقسيته بطريقة تجعله من الصلابة، بحيث يصلح لصنع كافة الأدوات والآلات التي ~~تتطلب متانة وصلابة ms059 خاصة. # أما الحديد فلندرة وجوده خالصا في الطبيعة لم يتجه الإنسان القديم إلى ~~استعماله، ومع انتشار خاماته فإن استنباطه منها لم يكن بالسهولة التي للنحاس. ~~هذا إلى أن تهذيبه بعد ذلك غير مستطاع إلا إذا حول إلى فولاذ، وطرق وهو في ~~حرارة الاحمرار، مما كان يتطلب من الإنسان القديم مجهودا لم يكن له قبل به، ~~فتأخر استعمال الحديد عن النحاس آلافا من السنين. # وقد يتعذر علينا أن نقرر على وجه التحقيق الزمن الذي بدأ فيه الإنسان استعمال ~~الحديد، ولا العصر الذي وقف فيه على سر استنباطه من خاماته والشواهد من آثار ~~مصر القديمة غامضة غموضا كبيرا في هذه الناحية. # ومن أقدم ما عثر عليه من قطع الحديد بعض حبيبات من (الخرز) في حفائر جرزة ~~بمديرية الجيزة التي ترجع إلى ما قبل تاريخ الأسرات المصرية الأولى، وقد أثبت ~~تحليلها الكيمائي أنها من حديد النيازك لاحتوائها نسبة مرتفعة من ~~النيكل. # يلي ذلك قطع من آلات حديدية وجدت في آثار بعض الأسرات القديمة على أن صحة ~~انتسابها لما وجدت فيها من آثار محل تشكك أغلب علماء الآثار؛ ولهذا نرى أن نضرب ~~عنها صفحا. وقد وجدت بين الآثار التي كان يحتويها قبر توت عنخ آمون بعض آلات ~~حديدية، منها: خنجر، ومسند مصغر للرأس، وعين ضد الحسد مصنوعة في سوار من ذهب، ~~وأسلحة صغيرة دقيقة ذات أيد خشبية يبدو أن قيمتها كانت دينية؛ إذ لا يعقل أنها ~~كانت ذات فائدة عملية تذكر. ولما كان حديد هذه الآلات المختلفة لما يحلل، فلا ~~يمكن البت في هل صنعت من حديد النيازك أو من حديد مستخلص من خامات أرضية، ~~والغالب أنها كانت مستوردة من الخارج. # ومنذ نهاية الأسرة الثامنة عشرة، التي كان توت عنخ آمون من أواخر ملوكها، ~~زادت الأشياء المصنوعة من الحديد بين آثار المصريين القدماء، حتى إذا وصلنا إلى ~~الأسرة السادسة والعشرين، حوالي سنة 600 قبل الميلاد، شاع استعمال الحديد شيوع ~~النحاس والبرنز، ولبث هذا حتى إذا جاء عام 255 قبل الميلاد كان الحديد قد أصبح ms060 ~~بالكثرة التي سمحت باستعماله في أعمال المحاجر. # وإذ نعلم أن ملوك الأسرة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة كانوا قد قاموا بغزوات ~~موفقة إلى الشام وغرب آسيا، فلا عجب أن يكونوا قد مهدوا الطريق لتسرب الحديد ~~إلى مصر من مواطنه في تلك البلاد. وفي ذلك ما يشير إلى أن استعمال الحديد قد ~~بدأ في تلك البلاد قبل أن يستعمله المصريون. # أما عملية استخلاص الحديد من خاماته فقد أثبت العالم الأثري الأستاذ فلندرز ~~بيتري أن في نوقراتس بشمال الدلتا الغربي، كانت هذه الصناعة قائمة حوالي القرن ~~السادس قبل الميلاد، ويغلب على الظن أن الخام الذي كان يستعمل لذلك مما استورد ~~من وراء البحار. على أنه بعد أن دخلت مصر في حكم الرومان، وكانوا يميزون خامات ~~الحديد ويعلمون سر استنباط الحديد منها، فالدلائل متوافرة على أنهم كانوا قد ~~استغلوا بعض خامات الحديد بالصحراء الشرقية لصناعة ذلك المعدن. على أنها صناعة ~~أهملت بعد ذلك إلى وقتنا هذا. # خامات الحديد في مصر # تكثر خامات الحديد في الصحارى المصرية وعلى حالات مختلفة، وسنأتي على ملخص ~~لأهم هذه الخامات: ~~(1) ~~«في شبه جزيرة سينا» يوجد أوكسيد الحديد مختلطا بأكاسيد ~~المنجنيز في مساحة واسعة، تبلغ نحو 200 كيلومتر مربع على مسافة 20 ~~كيلومترا من شاطئ خليج السويس، وعلى مسافة 120 كيلومترا جنوبي ~~مدينة السويس. والمنطقة التي يوجد بها هذا الخام هي هضبة تعلو عن ~~سطح البحر بنحو 600 متر، تقطعها أودية عميقة وعرة المرتقى، وصخورها ~~من الحجر الرملي تتخللها طبقة من الحجر الجيري، وفي أسفل هذه ~~الطبقة الجيرية الخام الحديدي المنجنيزي. والخام في بعض أجزائه ~~مجموعة من أكاسيد المنجنيز الخالصة، وفي البعض الآخر أكاسيد ~~الحديد، وفي غالبية المنطقة هو خليط من الاثنين معا. # هذه الخامات تستغل الآن على نطاق واسع في هذه المنطقة حول نقطة ~~أم بجعة؛ إذ إن فيها خام المنجنيز. وفي الواقع فإن الشركة القائمة ~~بهذا الاستغلال تقصر استغلالها على الأنواع التي تحتوي نسبة مرتفعة ~~من المنجنيز، تاركة وراءها في الوقت الحاضر خامات الحديد. وقد وصلت ~~الشركة مناجمها ms061 بخط من السلك المعلق على أبراج من الحديد عبر هذه ~~المنطقة الوعرة إلى سفح الجبال، ومنها بخط سكة حديدية إلى ميناء ~~أبي زنيمة، حيث المرفأ الذي تصدر منه إلى الخارج. وإذا اقتصر النظر ~~حتى الآن على إعداد هذه الخامات لمعدن المجنيز، فإنها، كما قدمنا، ~~مصدر محتمل لخام الحديد في المستقبل. # ثم إن الدكتور هيوم المستشار الچيولوچي للحكومة المصرية، قد أشار ~~إلى وجود عروق من المرو في بعض الجبال القائمة في جنوب شبه جزيرة ~~سينا محتوية خام الحديد. وقد حللت بعض نماذج منه فظهر أن بها نسبة ~~تختلف من 96 في المائة إلى 59 في المائة من أوكسيد الحديد، على أنه ~~لا يمكن إعداد تلك المنطقة مصدرا لخام الحديد إلا بعد أن تبحث ~~بحثا مستفيضا؛ للتعرف على مقدار ما تحتويه منه ومتوسط ما بها من ~~معدن الحديد نفسه. ~~(2) ~~«الصحراء الغربية» توجد أكاسيد الحديد والمغرة الحمراء والصفراء ~~في أغلب الواحات الواقعة بصحراء لوبيا، وقد تكون أغناها جميعا ~~الواحة البحرية. فهناك رواسب من خام أوكسيد الحديد الأصفر ~~(الليمونيت) والأحمر مختلطة بأحجار رملية تدل أوصافها وأوضاعها ~~الچيولوچية على أنها رسبت في قاع بحيرة، كانت تمتد فوق تلك المنطقة ~~في أحد العصور الچيولوچية الحديثة، وقد حللت منها بعض النماذج، ~~فظهر أن الخام الأصفر يحتوي 84 في المائة من أوكسيد الحديد؛ أي نحو ~~58,8٪ من معدن الحديد، بينما الأحمر يحتوي 58,7 في المائة من ~~أوكسيد الحديد؛ أي 41,07 في المائة من المعدن نفسه. # وقد قدر الدكتور هيوم مجموع ما بالواحة البحرية من الرواسب ~~الحديدية بنحو 9 ملايين متر مكعب. على أن المسألة في حاجة إلى بحث ~~أدق للوقوف على حقيقة امتداد هذه الرواسب ومتوسط ما بها من حديد. ~~وعلى الجملة فإن مثل هذه المنطقة لا يمكن عدها - في الوقت الحاضر - ~~من المناطق التي لها قيمة اقتصادية كبيرة؛ إذ تعوزها طرق المواصلات ~~إلى البلاد المعمورة، وإنشاء مثل هذه الطرق؛ مما يكلف نفقات كبيرة ~~قد لا تتناسب مع قيمة هذه الخامات، وإذا لم تكن صالحة للاستغلال ~~على أساس ms062 صناعة الحديد نفسها، فقد يجد القائمون بصناعة الألوان ~~والأصباغ في بعض الأكاسيد الحمراء والصفراء في تلك الواحة موردا ~~لبعض حاجتهم. وقد يكون في مستطاعهم في هذه الحالة تحمل تكاليف ~~النقل بالسيارات؛ إذ المقادير قليلة وسعر الأصباغ أعلى كثيرا من ~~سعر الحديد، كذلك توجد في الواحتين الخارجة والداخلة رواسب من ~~أكاسيد الحديد والمغرة ذات ألوان ساطعة يقدرها صانعو الأصباغ، وقد ~~أقبلوا للحصول عليها إقبالا كبيرا في السنين الأخيرة. # ويفسر وجودها في تلك الواحات على أساس أنها رسبت في المياه ~~الأرتوازية التي تنفجر من عيون في مختلف نواحيها. ولما كانت هذه ~~المياه الأرتوازية تخترق في صعودها من باطن الأرض إلى سطحها طبقات ~~من الحجر الرملي الذي يحتوي أكاسيد الحديد، فإنها تحملها معها ~~وترسيها على السطح نقية نظيفة دقيقة الحبيبات جدا. وقد علمت من ~~بعض المشتغلين بهذه الصناعة أن هذه الأكاسيد هي من الجودة بحيث لا ~~يستعملونها وحدها إلا نادرا، والأغلب أن تضاف إلى أصناف أقل جودة ~~منها لتحسين نوعها. ~~(3) # في «الصحراء الشرقية» بين شواطئ البحر الأحمر ووادي النيل، هنا ~~توجد خامات الحديد في نقط عديدة وعلى صور مختلفة بقدر اختلاف ~~الأشكال الچيولوچية في تلك الصحراء الواسعة. وسنقتصر على الإشارة ~~إلى بعض الجهات التي يوجد بها الحديد بشيء من الإيجاز: ~~(1) # عند السفح الشرقي لجبل الجلالة البحرية، حيث يوجد ~~خام الحديد متخللا الطبقات الحجرية الرملية في الوضع ~~الچيولوچي ذاته، الذي توجد فيه خامات الحديد والمنجنيز ~~في المنطقة المقابلة لها من شبه جزيرة سينا. # على أن هذه الخامات لم تحظ حتى الآن بأي عناية من ~~البحث؛ إذ إن ما قد ظهر منها لا يغري بهذا البحث. هذا ~~إلى أن التحليل الكيمائي الجديد أظهر أنها تحتوي 33 في ~~المائة من أوكسيد الحديد؛ أي نحو 23 في المائة من ~~معدن. ~~(2) ~~«وادي العرب» على مسافة 60 كيلومترا من شاطئ خليج ~~السويس، توجد عروق من المرو تحتوي معدن أوكسيد الحديد ~~على صورة قشور رقيقة لامعة غنية بمعدن الحديد. وقد ~~أظهر التحليل الكيمائي أنها تحتوي نحو 78 في المائة من ms063 ~~الأوكسيد؛ وهي لذلك منطقة خليقة بالبحث للوقوف على ~~مقدار صلاحيتها للاستغلال. ~~(3) ~~«وادي أبو غصون» على مقربة من بئر رنجة القريبة من ~~شاطئ البحر الأحمر على مسافة 200 كيلومتر جنوب ميناء ~~القصير. على جانب هذا الوادي توجد بعض الجبال التي ~~تحتوي مقدارا كبيرا من الخام المعدني، أظهر تحليل ~~نموذج منه أن به 55,8 في المائة من أوكسيد الحديد، ~~ونظرا إلى قرب هذه المنطقة من شاطئ البحر، والارتفاع ~~الكبير في أسعار خام الحديد في الوقت الحاضر؛ فقد تنال ~~هذه المنطقة بعض العناية من البحث في وقت قريب. # الحديد في أسوان # وقد تكون هذه المنطقة أهمها جميعا لأسباب ثلاثة: (1) لاتساع مساحتها. و(2) ~~لأنها تستغل الآن بعض الاستغلال لصناعة الأصباغ. و(3) لاشتداد الاهتمام بتوليد ~~القوى الكهربائية من مساقط الماء بخزان أسوان. # ومع أن الدكتور هيوم كان قد أشار عام 1909 إلى وجود أكاسيد الحديد في الأحجار ~~الرملية قرب أسوان، إلا أن فضل اكتشاف هذه المنطقة الكبرى وإقامة البرهان ~~العملي على إمكان الاستفادة من خام الحديد بها من صناعة الأصباغ يرجع إلى جهود ~~المهندس المصري «لبيب نسيم». وقد حفظت له الحكومة حق البحث في المنطقة منذ عام ~~1921 حماية لصناعة الأصباغ، التي كان قد بدأها، والتي بلغت شأنا لا يستهان به، ~~وإن كانت في حاجة كبيرة إلى التشجيع. # هذه المنطقة الواسعة تمتد من حافة الصحراء شرق أسوان إلى خمسين كيلومترا في ~~الصحراء الشرقية، بعرض متوسطه 20 كيلومترا من الشمال للجنوب. وقد قامت مصلحة ~~المناجم والمحاجر عام 1932 حين قام لبيب نسيم وبعض الممولين الآخرين، بفحص هذه ~~المنطقة للتعرف على مقدار ما بها من خام الحديد وتقرير صلاحيته لمختلف الأغراض ~~الصناعية. وسألخص هنا النتائج التي انتهت إليها هذه الأبحاث ~~المختلفة: ~~(1) # تقدر المساحة التي بها الخامات بما يقرب من 500 كيلومتر ~~مربع. ~~(2) # المنطقة تتألف من هضبة يترواح منسوبها ما بين 150 مترا و350 ~~مترا فوق منسوب البحر، مع ملاحظة أن منسوب وادي النيل عند أسوان ~~حوالي 200 متر، وهي على الجملة منبسطة السطوح عدا الوديان التي ~~يبلغ ms064 متوسط عمقها حوالي 20 مترا من سطح الهضبة. ~~(3) # يقطع المنطقة من الشرق إلى الغرب واديان كبيران هما: وادي أبي ~~صبيرة في الشمال، ووادي أبو عجاج في الجنوب، ولهما روافد عديدة ~~تمتد شمالا وجنوبا، مما يجعل من الميسور إيجاد طرق للمواصلات بين ~~مختلف أجزائها. ~~(4) # يوجد خام الحديد في عدة طبقات رقيقة يختلف سمكها في مختلف ~~النواحي من بضعة سنتيمترات إلى متر ومترين تقريبا في بعض الأحيان، ~~وهي طبقات تتخلل طبقات الحجر الرملي الأفقية الوضع تقريبا. ~~(5) # وتختلف طبقات الخام من حيث نوعها؛ فبينما بعضها مؤلف من حجر رملي ~~مشبع بأوكسيد الحديد، فالبعض الآخر وهو الأهم مكون من حبيبات كروية ~~من أوكسيد الحديد الأحمر متماسكة بعضها مع بعض بمسحوق من المعدن ~~نفسه، هذه الطبقات المكونة من حبيبات أوكسيد الحديد هي التي تهمنا ~~في هذا البحث لكبر نسبة أوكسيد الحديد بها. أما الطبقات الرملية ~~فإن نسبة ما بها من الأوكسيد ضعيفة إلى الحد الذي يخرجها من حسابنا ~~في الوقت الحاضر. ~~(6) # أما التحليل الكيمائي لهذه الطبقات المحببة فيختلف اختلافا ~~كبيرا من مكان لآخر بين 54 في المائة من الأوكسيد؛ أي 40 في ~~المائة من معدن الحديد نفسه، إلى 88 في المائة من الأوكسيد؛ أي 60 ~~في المائة تقريبا من معدن الحديد نفسه. ويمكننا أن نعد الخام في ~~المتوسط على أساس أنه يحتوي 75 في المائة من الأوكسيد، وهي نسبة ~~تجعله في مستوى الكثير من الخامات الحديدية المستعملة في صناعة ~~الحديد في شمال فرنسا وفي بعض أجزاء الولايات المتحدة. وقد أجريت ~~تحليلات كيمائية كاملة شملت عددا كبيرا من النماذج. # والذي يهمنا من هذه التحليلات: (1) ارتفاع نسبة الحديد المعدن ~~نفسه، و(2) انخفاض نسبة السليكون ، و(3) ارتفاع نسبة الفسفور ~~قليلا، و(4) انعدام الكبريت. # وجميعها صفات ملائمة إلى حد ما عدا نسبة الفسفور التي تتعارض مع ~~استعمال الوسائل لاستنباط الحديد نفسه، ولو أن هناك وسائل أخرى لا ~~يضيرها وجود الفسفور. ~~(7) # أما مقدار الخام فهو من المسائل التي لا يمكن تقريرها نهائيا؛ ~~إذ إن البحوث العملية التي أجريت لا يمكن ms065 الاعتماد عليها في إعطاء ~~رقم دقيق. وقد قدرها بعضهم تقديرا تقريبيا كما يأتي: # 84 # مليون طن من الخام الظاهر المؤكد الوجود # 260 # مليون طن من الخام المحتمل الوجود تبعا لتقديرات ~~علمية صحيحة # 344 # مليون طن # وهذا عدا ما يرجى وجوده بعد تقدم البحث العملي والاستغلال. ولا ~~أريد أن أقرر قبول هذه الأرقام أو رفضها، ولكني على كل حال أوافق ~~على أن المقدار كبير جدا، وهو بالقدر الذي يحتمل قيام أي عملية ~~استغلالية لمدة طويلة جدا. وأن نجاح مثل هذه العملية أو الفشل ~~فيها لا يكون سببها جهل مقدار الخام. ~~(8) # إن وجود مقدار كبير من الخام على السطح أو قريبا من السطح، يجعل ~~الاستغلال في أول الأمر ميسورا وعند الاضطرار إلى الحفر في باطن ~~الأرض، فإن انتظام الطبقات ووضعها الأفقي، ووجود طبقات من الصخور ~~المتماسكة فوق طبقة المعدن، كل ذلك مما يجعل عملية التعدين نفسها ~~عملية يسيرة إذا قيست بما يقابله مهندسو المناجم عادة من الصعوبات ~~من جراء ميول الطبقات أو العروق المعدنية. كذلك يساعد جفاف المنطقة ~~وعدم الخشية من وجود ماء داخل المناجم على تيسير عملية ~~الاستغلال. ~~(9) # أما النقل من المنطقة إلى وادي النيل، فيقتضي مد خط سكة حديدية ~~أو سلك معلق وهي على كل من العمليات العادية في مثل هذه الحالات، ~~ومتوسط المسافة من وسط المنطقة إلى النيل هو 20 كيلومترا تقريبا. ~~والآن وقد قدرنا مساحة المنطقة ومقدار ما بها من خام الحديد، ~~وأوضحنا نوع هذا الخام وقررنا سهولة استغلاله ونقله، فما الذي يمكن ~~أن نستفيده من هذا الخام؟ إن من الميسور: (استغلال الخام في صناعة ~~الحديد والصلب) وهذه هي الوسيلة التي إذا تحققت وكان تحقيقها ~~متفقا مع القواعد الاقتصادية السليمة، كان لنا في هذه الخامات ~~مصدرا جديدا من مصادر الثروة الأهلية، وكفانا مئونة استيراد ~~الحديد والفولاذ لصناعاتنا الحالية، وأفضى إلى قيام صناعات جديدة، ~~ودفع عنا غائلة المجاعة في هذه المواد في أوقات الحرب. # وربما كان من واجبي أن آني على موجز عن كيفية تحضير الحديد والفولاذ، قبل أن ms066 ~~نخوض في مسألة احتمال قيام هذه الصناعة في مصر، وتقرير الأسس التي يجب أن تقوم ~~عليها. # فاستنباط الحديد من خاماته يقتضي تسخين هذه الخامات إلى درجة مرتفعة من ~~الحرارة لاختزان الأوكسيد، وترك المعدن المنصهر فيصب في قوالب تعرف بماسيح ~~الحديد الظهر، وهو في هذه الحالة يكون مختلطا بعناصر غريبة كالكربون والسيليس ~~والمنجنيز والفسفور وغيرها، مما تجعله قليل المقاومة سهل القصم غير قابل للطرق، ~~وهو ما يستعمل للحديد الظهر المعروف في السباكة. أما تحويل هذه المادة إلى ~~الصلب أو الفولاذ، فيقتضي إعادة وضعه في أفران خاصة للتخلص من الكربون وتكوين ~~الصلب. # ولهذه العمليات وسائل تختلف تبعا لاختلاف أنواع الخامات ولا محل لذكرها ~~الآن. # هذه العمليات تحتاج إلى وقود إما الفحم الحجري وإما الفحم الكوك، وإما الفحم ~~البلدي (فحم الحطب)، وإما إلى الغازات البترولية أو الطبيعية. # ولما كانت بلادنا تعوزها هذه المواد جميعا فلا الفحم الحجري معروف، كما أنه ~~ليست لنا مصانع تنتج الفحم الكربون، وليست لدينا غابات تمكننا من صناعة فحم ~~الحطب. كما أن مناطق البترول حيث الغازات قد تكون متوافرة، بعيدة جدا عن ~~مواطن خام الحديد. فقيامنا على صنع الحديد والفولاذ محليا على أساس استعمال ~~أي نوع من أنواع الوقود معناه استيراد هذا الوقود من الخارج، ونقل الخام من ~~أسوان إلى نقطة متوسطة كالقاهرة مثلا؛ مما يجعل نفقات الصناعة تزيد على ما ~~يمكننا أن نستورد به الحديد والفولاذ في الأوقات العادية. # وقد قام بدرس هذه المسألة الخبير الكيمائي لوزارة التجارة والصناعة، ولم ~~يتردد في أن يقرر أن الإقدام على مثل هذه الصناعة على هذا الأساس مصيره الحبوط ~~المحقق. كما أن الدكتور عباس محبوب - الكيمائي بمصلحة السكة الحديد - قدر ~~تكاليف إنتاج الطن من الحديد الزهر الذي يصنع في وقت السلم بالقاهرة بنحو 383 ~~قرشا، بينما يستورد عادة بأقل من ذلك. على أنني أخشى أن يظهر التمحيص الدقيق ~~أن الفرق على كل حال لا يشجع على الإقدام على صناعة الحديد في مصر على أساس ~~استيراد الفحم من الخارج، ولا سيما أنه ليس ms067 في مصر نفسها من الفنيين أو العمال ~~من يفهم صناعة الحديد، مما يتحتم معه استقدام المهندسين والفنيين بل بعض رؤساء ~~العمال وبعض العمال أنفسهم. وكل ذلك مما يزيد في نفقات الإنتاج. ~~(صناعة الحديد والصلب بالكهرباء) على أن هناك بارقة أمل في الأفق، ذلك ما ~~نراه في زيادة الاهتمام بمشروع هو في نظرنا من أكبر المشروعات الحيوية الصناعية ~~في هذه البلاد؛ ألا وهو توليد الكهرباء من مساقط الماء في خزان أسوان. ~~والكهرباء قد أصبحت من الوسائل التي تستعمل في صناعة الحديد والفولاذ. # ولئن كان استعمال الكهرباء في استنباط الحديد من خاماته، وصناعة الصلب من ~~تماسيح الحديد لم تبدأ إلا في السنين الأخيرة، إلا أنه خطا خطوات واسعة. فأعدت ~~لذلك أفران كهربائية مختلفة تعالج مختلف أصناف الخامات. وقد أصبح الفولاذ ~~الناتج بالطرق الكهربائية يعادل أجود أنواع الصلب التي تصنع بالوسائل الأخرى. ~~وقد قام البرهان على أنه حيث يكون توليد الكهرباء رخيصا، فإن تكاليف إنتاج ~~الفولاذ بالكهرباء تكون أقل كثيرا من تكاليف إنتاجه على أساس استعمال الوقود، ~~وهذا مع الاحتفاظ بجودة الصنف. # فالمنجنيز والكروم والتنجستن والمولبيدينوم والنيكل، وجميعها من المعادن التي ~~تخلط بالحديد في صناعة أنواع من الصلب، بعضها يمتاز بصلابته والبعض يمتاز بعدم ~~قابليته للصدأ وهلم جرا. هذه المعادن جميعا في مصر وبعضها في حالة ~~الاستغلال، فإذا وجد أن صناعة الصلب نفسها ممكنة في أسوان فإن الاستعانة بهذه ~~المعادن قد تكفينا مئونة استيراد الأنواع الخاصة من الصلب. # الفصل العاشر # | قصص آدم وحواء وجنة عدن والطوفان ونوح # لما كانت الكتب السماوية والقصص القديمة قد ذكرت قصة خلق آدم وزوجه حواء، وجنة عدن، وقصة ~~الطوفان وسفينة نوح، رأينا أن نذكر هنا شيئا عنها، لما لهذا من الصلة بنشوء الكون والحياة ~~الإنسانية والحيوانية على الأرض، وهو موضوع «تاريخ ما قبل التاريخ». ~~(1) آدم وحواء # جاء في «التوراة» ما خلاصته أن الله خلق «آدم» من التراب - وآدم في العبرية معناه ~~التراب - ثم نفخ في أنفه نفسا حية، وخلق معه «حواء» لتكون معينا له، بأن أوقع عليه ~~سباتا ms068 فنام، فلما استيقظ وجد إلى جانبه «حواء»، فعاش معها في سعادة وهناء في جنة، فيها ~~الثمار والأزهار ولم يحرم الله عليه وعلى زوجته إلا شجرة واحدة، هي شجرة معرفة الخير ~~والشر، غير أن التحريم قد أثار شهوة الزوجين، وتمثل الشيطان «لحواء» في صورة حية، ~~وأغراها بأكل ثمرة من تلك الشجرة فأصغت إلى كلامه، وأكلت من الثمرة وأعطتها إلى رجلها ~~أيضا فأكل معها، فأثار هذا غضب الله عليهما فطردهما من الجنة ولعن الأرض بسببهما. # هذا ولما عثر المنقبون من رجال البعثة الأمريكية الأثرية، التي يرأسها الدكتور سبينرر ~~في أطلال مدينة «تيب حورا» على قطعة من الفخار منقوش عليها الصورة رجل وامرأة أحنى ~~الحزن ظهريهما، ووراءهما أفعى أكبر من كل منهما حاولت الانقضاض عليهما، فاندفعا - هلعين ~~- للخروج، ذهبوا إلى أن هذه الصورة مثل قصة آدم وحواء؛ ذلك لأن فحص هذا الأثر أبان أن ~~نحاتها كان حيا حوالي 370 قبل الميلاد، أو قبل أن تورد التوراة قصتي الخليقة وآدم ~~وحواء بألفي سنة. # ثم إن البعثة قد عثرت على مدينة «تيب حورا» حين كانت تنقب عن طلال مدينة أور ~~الكلدانيين، والمظنون أنها مسقط رأس إبراهيم الخليل. ~~(2) جنة عدن # وجاء في (سفر التكوين، الإصحاح 8:2) «أن الله غرس جنة في عدن شرقا ووضع فيها آدم ... ~~وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة أنهر: أولها نهر فيشون ~~المحيط بأرض الحويلة، حيث الذهب والمقل وحجر الجزع؛ وثانيها نهر جيحون المحيط بأرض كوش؛ ~~وثالثها حداقل الذي يجري شمال آشور؛ ورابعها نهر الفرات.» # وعند بعض المفسرين أن «فيشون» نهر الهند، ومن ثم كانت جنة عدن في الهند، وعند آخرين ~~أن جيحون هو النيل، وأن هذه الجنة في مصر ، غير أن الكثرة أن «عدنا» كانت فيما بين ~~النهرين. ~~(2-1) في القرآن الكريم # وجاء في سورة الأعراف: # ويا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما ~~الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ~~وقال ما ms069 نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * ~~وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * ~~فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين * ~~قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون ~~. ~~(3) الطوفان # هو فيضان عظيم أو انخفاض وغوران في الأرض أو ذهاب السماء والأرض أو السماء فقط، بحيث ~~عم البلاء والفوضى، هكذا قال المؤرخون الأوروبيون، وثم قصص عديدة عن الفيضان في ~~الأساطير البابلية والهندية والأمريكية القديمة. وقد يكون فيما تضمنته غلو وتزيد. ~~ففي القصص القديمة لسكان أمريكا الشمالية الأقدمين أن الفيضان هو نشوء آخر للأرض في ~~الهندستان وكنعان وبابل. # كذلك وردت قصة الطوفان بين البابليين، وفيها اسم «أوت نابشتيم» بدلا من نوح. # وفي القصة الهندية الواردة في «ساتا ~~باتا براهما» أنه بينما كان «مانو» الرجل الأول ابن إله الشمس فيفسفات يستحم وجد سمكة ~~صغيرة، سأله أن يترفق بها مقابل نجاته في الفيضان الآتي، فأنزلها مانو بعد أن كبرت إلى ~~البحر، واستطاعت أن تنبئه عن موعد الفيضان؛ لكي يتأهب لمواجهته، وأن ينشئ سفينة. فركبها ~~وساعدته السمكة على وثق السفينة بقمة الجبل الشمالي (يظن أنه الهملايا)، وطلبت منه أن ~~يربطها بشجرة وبعد أن غيض الماء نزل من القمة وشاهد امرأة أسمت نفسها ابنته إيدأ إلهة ~~الخصوبة، ولم يرد في القصة أن الباعث على الفيضان هي المعصية. # وهناك القصة الإسرائيلية والقصة البابلية عن الفيضان. # على أن ما يجدر ذكره أنه ليس هناك قصص عن الفيضان إلى 2100ق.م مع أن الفيضان لا بد أن ~~يكون قد ورد ذكره في لوحة أقدم من هذا التاريخ. ~~(3-1) في القرآن الكريم # وجاء في سورة هود: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ms070 يفعلون * ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع ~~الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ~~قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء ~~أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ~~وما آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا فيها ~~بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى ~~نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن ~~مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني ~~من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ~~وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين * ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ~~ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~* قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم ~~إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب ~~إني أعوذ بك أن ~~أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني ~~أكن من الخاسرين * قيل يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم * تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين ~~. # هذا وجاء ذكر الطوفان وقالوا إنه بمعنى الماء الطائف الذي يغشى الأماكن والحروث ~~من مطر أو سيل أو الجدري أو الموتان أو الطاعون. في سورة الأعراف: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين ~~. ~~(3-2) نوح القرن العشرين # ومن طريف ما نذكره أنه في سنة 1938 «أعد ويليام جريتوود» من أوليمبيا الأمريكية ~~سفينة وضع بها مختلف أنواع الحيوان تشبها ms071 بنوح، مطلقا على نفسه اسم نوح، وعلى ~~طوفان الأرض طوفان القرن العشرين! # الفصل الحادي عشر # | الدين والتأليه # (1) الدين # الدين هو الطاعة والانقياد. وفي الجملة هو اسم لجميع ما يعبد به الله، ومثله الديانة ~~وجمع الدين أديان وجمع الديانة ديانات. ودان الإنسان بالإسلام اتخذه دينا والدينونة ~~القضاء. والديان هو القاضي والمجازي، وهي صفة من صفات الله تعالى. أما اللفظ الأوروبي ~~المقابل للدين فله معان كثيرة وفقا للأصل المشتق عنه، فمن معانيه بحث موضوع ما، أو ~~رابطة، أو تفكير حول عبادة الآلهة، أو التزام (مديونية) على الإنسان نحو إله غير منظور؛ ~~أي إن الإنسان مدين للإله بالطاعة. # هذا وقد درس رجال الفقه الإسلامي استنادا إلى ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث ~~النبوية، ما يتضمنه الدين والعبادة من المعاني. أما الأوروبيون وبعض الشرقيين فقد درسوا ~~أشكال العقائد والعبادات عند القبائل والأمم والجماعات الدينية دراسة علمية، عالجوا ~~فيها أصل فكرة الدين والتأليه مقابلين - كما فعل هيوم والبيروني - بين المذاهب ~~اليونانية واليهودية والمسيحية والإسلامية والمنشوكوية والصوفية، وفلسفات الهند وآلهتها ~~والزورادشتانية والبراهمية وما إلى ذلك؛ إما لكي يحصوا عدد الأديان والمذاهب، وإما لكي ~~يردوا جميع الأديان أو بعضها إلى أصل واحد ومبادئ مشتركة، وإما لكي يدرسوا دينا ~~معينا. # وعند «دافيد هيوم» في كتابه «التاريخ الطبيعي للدين» في 1737 أن تقدم الفكرة الطبيعية ~~للدين في المجتمع الإنساني، ترجع إلى البداية الغامضة لعبادة الآلهة مرتقية إلى العقائد ~~الواضحة المحدودة؛ أي إن الفكرة قد تطورت تطور كل شيء آخر في هذا العالم. وعند چ. چ. ~~فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» أن التدين مقتبس من عصر السحر، وأن الدين هو التوفيق بين ~~القوى التي تعلو على الإنسان، تلك القوى التي يعتقد الإنسان أنها توجه الطبيعة والحياة ~~الإنسانية وتحكمها. # وعند «هربرت سبنسر» في كتابه «مبادئ الاجتماع» أن أصل العبادة كلها الرجل الميت. وعند ~~الدكتور جيفونز في كتابه «مقدمة لتاريخ الدين في 1896» أن الدين الأولي يرجع إلى ~~«التيتو تيميزم» عبادة الحيوان. وعند «تايلور» في كتابه «الثقافة الأولية» أن الاعتقاد ~~في الكائنات مسألة ms072 روحية. وعند الدكتور روبرتسون في كتابه «محاضرات عن ديانة الساميين» ~~أن الطقوس الدينية مسألة أولية. أما العقائد والأساطير فمسألة ثانوية، وعند «هويت» في ~~كتابه «القبائل الوطنية في أستراليا الجنوبية الشرقية» أن هذه القبائل تذهب إلى أن ~~القوانين والطقوس الدينية، قد بدأها كائن أعلى مثل «نوراند بيري»، الذين عمل كل شيء على ~~الأرض أو «نوريلي» الذي خلق البلاد بأنهارها وأشجارها وحيوانها. # وعلى الجملة يذهب علماء أوروبا إلى أن «الإله» هو الذاتية التي تتخذ للعبادة، ومن ثم ~~تنطبق على الكائنات التي هي أسمى من الإنسان، والتي تصور في القصص السماوية والأساطير ~~بأنها ذات سلطان على الطبيعة والإنسان ومشخصة في دائرة خاصة من النشاط أو في مادة مرئية ~~أو صنم. فالكائن الأسمى، على وجه عام، هو خالق الكون أو من كان محلا لعقيدة أو عبادة ~~دينية. # ويقول دوركيم في كتابه: «صور أولية للحياة الدينية»: إن الحفلات والأعياد والمجتمعات ~~التي كان الإنسان البدائي يشهدها كانت تبعث في نفسه شعورا بالنشاط والقوة واللذة، ومن ~~ثم يغمره الأمل والزهو، فيحسب نفسه أعلى مرتبة من الأفراد الآخرين. ولما لم يكن عقل ذلك ~~الإنسان قد نضج وأوتي الرجاحة بعد، فقد اعتقد أن هناك قوة فوق طبيعيته تسيطر عليها ~~وتعلو بها عن محيطه. # وهناك جماعات بدائية لم تدرك الفكرة الإلهية على صورة واضحة، فتعددت آلهتها ووظيفة كل ~~إله منها، وشملت الأشباح وجثث الموتى وأنواع الحيوان وما في السماء وما على الأرض، بل ~~شملت - إلى المرئيات والحسيات - المعنويات، منتهية من هذا كله إلى أن هناك قوة أو قوى ~~مجهولة أو سلطات لا حد لها تتحكم في حياة البشر. # ويذهب الفيلسوف الفرنسي «رينان» في كتابه: التاريخ العام للغات السامية ومقاله في ~~الجريدة الآسيوية وكتاب أصل اللغة، إلى أن الجنس في مجموعه ينبغي أن يحكم عليه وفاقا ~~للنتيجة النهائية التي وصل إليها على غرار الشئون الإنسانية، وأن الصبغة العامة للجنس ~~ينبغي أن توضع تبعا لصبغة الشعوب الممثلة لهذا الجنس تمام التمثيل، وأن الجنس السامي ~~هو الواضع لمبدأ التوحيد الإلهي والمبشر به كنتيجة ms073 لاستعداد جنسي خاص، وأن الأمة ~~اليهودية التي تمثل الجنس السامي لم تنتقل من التعدد إلى التوحيد على أثر تفكير طويل في ~~الإلهيات أو تطور عقلي بطيء انتهى إلى تصور أصدق مما سبقه للسبب الأعلى، وأن من هذا ~~الاستعداد الخاص للجنس السامي جاءت غريزة التوحيد الذي جعل هذا الجنس ينعم بنهج خاص من ~~المناهج الدينية، التي تستند إلى فكرة وجود سلطة عليا مطلقة مركزة في ذات واحدة هي التي ~~خلقت السماء والأرض. وأن هذه الفكرة جاءت إلهاما فطريا كالإلهام الذي أفضى إلى خلق ~~الكلام. # على أن «رينان» لا يذهب إلى أن مبدأ التوحيد كان عقيدة الساميين جميعا، بل عقيدة ~~الطبقة العالية في أول الأمر، بل أفراد منها، شأن كل العقائد في بداية الأمر. ثم إن ~~«رينان» يذهب إلى أن سمات الساميين الوثنيين لا يستطاع تفسيرها إلا إذا قلنا إنه كانت ~~لهم غريزة فطرية عن الألوهية تناقض تصور الآريين لها، ومن هنا كان الذي يميز الجنس ~~السامي هو نقاء عقيدته من التعقيدات مع الإحساس المطلق بالوحدة، ذلك أن الوحدة والبساطة ~~هما ميزتاه، ومن ثم فهو جنس غير كامل بسبب بساطته، على أن هذه البساطة قد ساعدته على ~~تبسيط التفكير الإنساني والحيلولة دون التعدد والتعقيد الذي كان ديدن الآريين. ~~(1-1) رأي المؤلف # هذا ما ينادي به «رينان» وعندنا أن التوحيد، كسائر المعتقدات والآراء لا يمكن أن ~~يكون قد جاء دفعة واحدة استجابة للغريزة الفطرية في الجنس السامي وحده، بل إن ~~التوحيد قد جاز مراحل شتى في الحياة البشرية، وأن الكثير من الأحداث والعوامل قد ~~أدى إليه. ذلك أن العرب غير اليهود وهم من الجنس السامي لم يعرفوا التوحيد قبل ~~الإسلام، وأن الآريين، وهم من البشر وإن افترقوا عن الساميين في النشأة وأحداث ~~الحياة ومطالبها، لم يكن هناك ما يدعو إلى أن لا تنبت عندهم هذه الغريزة؛ غريزة ~~التوحيد. ~~(2) التأليه # عند الفلاسفة المتأخرين أن التأليه يرجع إلى ثلاثة مصادر: أولها التأليه الأولي أو ~~الاجتماعي، ومبعثه القصص المتوارثة بين عامة الناس والتربية والعادة، أعني أن ms074 المميز ~~الفاصل لهذا التأليه هو أنه يؤخذ بالتواتر لا عن الروية وإمعان النظر. وثانيها التفلسف، ~~أعني التأليه الناشئ عن العقل الإنساني الذي هو منحة سماوية؛ فتأليه الذوات والأشياء ~~يجيء ثمرة للتفكير والمنطق، وعند أصحاب هذه النظرية أن الإله هو مبدأ كل وجود وتعقل، ~~وأساس كل معرفة يقينية. أما ثالثها الإشراق، فهي حالة روحية نفسانية نورانية شخصية يشعر ~~بها الفرد شعورا داخليا مستقلا عن غيره، فيحس أن هناك إلها قد خلقه وألهمه ووجهه، ~~دون أن يكون مأتى هذا الشعور محاكاة للجمهور كما في التأليه الاجتماعي أو منطقا كما في ~~التفلسف. ~~(2-1) الإلهام والوحي # هناك لحظات يغيب فيها بعض الناس عما بين ظهرانيهم، وبعدئذ تتفجر قرائحهم عن أروع ~~الحكم والشعر وصنوف الإنتاج الفكري والابتكار الفني والصناعي، أو تغمرهم موجة روحية ~~تنتهي بهم إلى أن يعتقدوا أنهم أصحاب رسالة ما في الحياة، وأن عليهم أن يؤدوا هذه ~~الرسالة إلى قومهم أو إلى العالم كله، مهما تكن الشقة بعيدة والعقبات غير ~~مشجعة. # وعند علماء الاجتماع أن أصل الديانات يرجع إلى تقديس الحيوان وعبادته (تيتو ~~تيميزم)، أو تعظيم الأشجار. على أن علماء آخرين يذهبون إلى أن تأليه الحيوان أو ~~الجماد إنما جاء على أنه رمز للإله المعنوي أو الآلهة أو القوى غير المنظورة ~~السامية على الطبيعة. ~~(2-2) عبادة الشمس # عبادة الشمس قديمة جدا، وقد انتشرت بين الأمم الزراعية خاصة؛ لأثرها العظيم هذا ~~في الزراعة. وكان البابليون يعبدون الشمس المؤلهة في شخص إله يدعى شمش، وقد وجدت ~~صورته على لوحة حمورابي. وكان المصريون يعبدونها في شخص الإله رع. وقد حاول أخناتون ~~الفرعون المصري أن يقصر عبادة المصريين عليه فلم يفلح. وكان سكان اليمن والهنود ~~والفرس والمكسيكيون يعبدون الشمس. ويقال إن عبادتها قد نشأت في مصر وانتشرت في ~~العالم . ~~(2-3) ديانة الهندوس # بعد أن تم للآريين الرعاة، الذين هجروا مواطنهم الأول حوالي بحر قزوين، غزو ~~سهول البنچاب الهندية وأسموا أنفسهم الهندوس متغلبين على «الداسيين» السكان ~~الأصليين؛ تجمع الكتاب المقدس الهندوسي المسمى «الفيدا»، وعند الهندوس أنه وحي من ms075 ~~الله إلى الزعماء والأنبياء، وأن الكهنة هم حفظته وسدنته. # ثم ظهرت حركة دينية إصلاحية في الهند أثمرت تعاليم «الفادانتا» التي جاءت على ~~أساس «الفيدا» روحا لا مبنى، و«البوذية» التي تنكر «الفادنتا»، أما «بوذا» فمعناه ~~العالم الذي حصل على «البوذي» وبالسنسكريتية العلم الكامل، ظهر بين القرنين الخامس ~~والسادس قبل الميلاد، وأساس تعاليمه أن الألم من لوازم الوجود، وأن الشهوات هي التي ~~أعادت الإنسان إلى حياته الأرضية الحاضرة، وأن الخلاص من الشهوات هو الوسيلة إلى ~~عدم العودة إلى الدنيا بعد الموت، وأنه يجب أن يبعد الإنسان عن العقبات المانعة من ~~خلاصه. # ثم ظهر كتاب «بيورانا» في القرن السادس للميلاد فكان الكتاب المقدس الهندوسي ~~الممتلئ بالأساطير والقصص، ففيه أن «براهما» هو الإله الخالق، و«فيشنو» الإله ~~الحافظ، و«شيفا» الإله المهلك، أو أن الله تجسد ثلاث مرات. مرة في كل إله من الآلهة ~~الثلاثة، وأكثر الهندوس يدينون بالديانة البرهمية. # وعند الهندوس أن الأرواح تتناسخ؛ أي لا تموت ولا تفنى، بل تنتقل من بدن إلى بدن، ~~وتتطور من الأرذل إلى الأفضل حتى تبلغ كمالها وتتحد بالله، وأن الآلهة تحل بالكون ~~على نقيض اليونانيين الذين يؤمنون بأن الإنسان يحل بالآلهة وبالطبيعة، وبأنه محور ~~الوجود. ~~(2-4) الكونفوشية والطاوية والأرواح المؤلهة # ولد الفيلسوف الصيني «كونغ فونشو» التي حرفت من الصينية إلى «كونفوشيوس» في ~~551ق.م في تسو الصينية، ومات في 479ق.م ومذهبه أقرب إلى الأخلاق منه إلى الفلسفة ~~والدين؛ إذ ليس فيه شيء عن الإله والأرواح والآخرة، وإنما يتحدث عن السلام والنظام ~~واحترام الآباء. ومع هذا فقد عد بعض المؤرخين المذهب الكونفوشي ديانة ما. # قال «كونفوشيوس»: «علقت المعرفة في الخامسة عشرة من عمري، وهام بها قلبي في ~~الثلاثين، وانكشف لي سرها في الأربعين، وتعلمت الشريعة في الخمسين. ولما بلغت ~~الستين صرت أفقه لما أسمع. وفي السبعين تسلطت على عواطفي وأخضعتها لسلطان ~~العدل.» # وقال أيضا: «الفقر لا يستلزم التعس، والغنى بلا فضيلة ظل زائل. لا تحزن لجهل ~~الناس بك، ولكن احزن لجهلك بهم. لا تعاملوا الناس بغير ما تريدون أن يعاملوكم ms076 ~~به.» # أما مذهب الطاوية فينسب إلى لاوتسي الصيني أو إلى إمبراطور الصين في 150م. وأساس ~~الطاوية أن أصل الكون قوة غير واعية لا شخصية لها. # وعند أهل شاطئ الذهب أنه إذا مات أحدهم أحاطوا بجثته، وأخذوا يسألونه عن سبب موته ~~وقد يوبخونه؛ لأنه غادر أصدقاءه وأهله يبكونه، ثم يتضرعون إلى روحه أن تحرسهم ~~وتحميهم من الشر، وكانوا إلى أمد غير بعيد، إذا مات أحد رؤسائهم، ذبحوا بعضا من ~~خدمه ونسائه وأصدقائه ليدفنوا معه؛ ~~زعما منهم أنه يحتاج إلى من يعوله في غربته. قال برتن: «ومن عادات سكان نهر ~~كالابار القديم أنهم إذا فرغوا من جنازة ميتهم بنوا له بيتا صغيرا على ضفة النهر ~~يجعلون فيه كل أمتعته الثمينة وفراشا ينام عليه الروح وبعض أنواع الأطعمة على ~~مائدة.» # ويقدس الفانطيون البحيرات والأنهار وقد يعبدونها. وبعضهم يعد الأفاعي وحيوانات ~~أخرى رسلا بين الناس والأرواح أو أنها تتقمص الأرواح، والبعض يعبدون التمساح ~~والبعض الآخر يحتفظون بالذباب في وعاء لأنه مقدس. # أما أفراد قبيلتي البولوم والتيماني فيحملون مريضهم إلى قرية، غير التي مرض فيها ~~فرارا من الساحر الذي يزعمون أنه سبب له ذلك المرض برقيه، كي لا يبقى لسحره ~~سلطان عليه، فإذا لم تتحسن صحة المريض بذلك الانتقال أسكنوه كوخا في بعض الغابات ~~وكتموا أمره عن كل إنسان، ولا يخفى ما في هذا الانتقال من الفائدة في شفاء الأمراض؛ ~~لأنه يماثل تبديل الهواء عندنا. ويبدو أن مرضاهم كثيرا ما كانت تشفى به وهم يحسبون ~~شفاءها من السحر والوهم. # ومن عادات قبائل الأشانتي في شاطئ الذهب أنهم إذا عزموا على حرب صنعوا خليطا من ~~قلوب أعدائهم ودمائهم، وبعض أنواع العشب المقدس وأطعموا رجالهم من ذلك الخليط، ومن ~~لم يأكل منه خافوا عليه أن يذهب فريسة في أيدي أرواح أعدائهم المقتولين. ~~••• # يمتاز أفراد الشلوك إحدى قبائل السودان بلغة وعادات وأخلاق خاصة بهم، وهم يقيمون ~~على الشاطئ الغربي للنيل الأبيض بين بلدة تسمى «الروه» على 180 ميلا من أم درمان ~~نحو الجنوب، وبلدة «لونقوا» على 20 ميلا ms077 من مصب بحر الغزال من النيل المذكور. وهذا ~~كله على الضفة الغربية للنيل. أما على الشرقية فتنتهي بلاد الدنكة في فشودة، ومنها ~~إلى «كوتام» على نهر سوباط على 20 ميلا من مصبه، وسكانها من الشلوك، وأكثر بلاد ~~الشلك عمران القسم الجنوبي منها. # وهم يعتقدون بإله يسمونه «كوي يكاغو» أو «الجوك» وهو المتسلط على الكون كله، ولا ~~مقر له ولكنه يقبض الأرواح، وله ابن اسمه «لوكاما» يقيم في الماء. وعندهم بيت اسمه ~~«كجور» ويزعمون أنه اسم رجل من الأولياء سكن الأرض في قديم الزمان، فلما مات سكنت ~~روحه الماء، فبنوا له بيتا قدسوه وأسموه باسمه، وأقاموا فيه السدنة والخدمة من ~~المشايخ والعجائز رجالا ونساء، فإذا اختلفوا في أمر استخاروه كما كانت العرب في ~~جاهليتهم يستخيرون هبل، وإذا قتل أحدهم ولم يعرفوا قاتله اجتمع شيوخهم ورؤساؤهم ~~وذهبوا إلى ذلك البيت ومعهم بقرة أو ثور ويرتلون ترتيلة خاصة بذلك، فيخرج خادم ~~الكجور ويستقبلهم واقفا حتى ينتهي نشيدهم، فيعرضون إليه ما جاءوا من أجله، فيدخل ~~الخادم إلى البيت ويجلس داخله، ويضع البخور المختص بالكجور في قارورة معدة لذلك. ~~ويعزم ويرتل فيناجيه صوت من داخل البيت يعتقدون أنه ملاك من الملائكة، فيسأله ~~الخادم: من قتل فلانا؟ فيصف لهم شخص المقتول ثم يصف القاتل، فيقتلون الثور أو ~~البقرة التي جاءوا بها بحرابهم، وينهضون للأخذ بالثأر أو طلب الفدية. وما الفدية ~~عندهم إلا الاستيلاء على كل ما يملكه القاتل من الماشية أو غيرها. # وإذا انقطع المطر عنهم أخذوا ثورا وجلسوا خارج ذلك وجثوا على ركبهم وهم مطرقون ~~وأكفهم على الأرض أمام ركبهم، ثم يرفعونها ويضعونها على الركب، ثم يعيدونها إلى ~~الأرض ويكررون ذلك ثلاث مرات، ثم يمسحون بها وجوههم، ثم تطلب خادمة الكجور من الجوك ~~- وهو الإله عندهم كما تقدم - أن يطردهم ويسقي أرضهم، وبعد التوسل والدعاء يذبحون ~~الثور ويأكلون لحمه هناك، ويرجعون إلى منازلهم وتمطرهم السماء ماء يروي ~~أرضهم. ~~(2-5) ديانة قدماء المصريين # قال «ماسبيرو» العالم الأثري الفرنسي في كتابه «تاريخ الشعوب الشرقية القديمة» ~~كما قال ms078 آخرون: «إن قدماء المصريين كانوا يعبدون إلها واحدا، حاكما في السماوات ~~والأرض، رب كل شيء. أب الآباء وأم الأمهات بصيرا موجودا بنفسه حيا لا يحتويه ~~شيء، لا يفنى ولا يغيب. لم يخلق ولم يتجزأ ولا تراه العيون، يوجد في كل مكان، وليس ~~له شبيه ولا حد.» # غير أن قدماء المصريين قد أخذوا بعدئذ يرمزون للإله بمعبودات مادية، وبعدئذ أصبح ~~المتأخرون منهم يعبدون هذه الرموز، فعبدوا الشمس والقمر والحيوان والنيل، جاعلين ~~لكل منها إلها، كما تعددت الآلهة تبعا للأقاليم وللمدن والأسر، كذلك كانوا يعبدون ~~العجل أبيس ممثلا للإله «فتاح» و«نبرات» إله الحبوب. # وعند «چوستاف لوبون» المؤرخ الاجتماعي الفرنسي في كتابه «الحضارة المصرية»: «إن ~~مصر لم تكن تعرف هذا الإيمان الوجداني في أي عصر من عصور تاريخها، فإن الإنسان ~~يستطيع أن يقلب «كتاب الموتى»، وجميع أوراق البردي دون أن يعثر على شيء يمكن أن ~~يدله على وجود الإيمان الحقيقي بإله واحد. وقد عرفت مصر الوحدة السياسية، ولكنها لم ~~تعرف بتاتا إلها وطنيا واحدا.» بل إن «مارييت» نفسه في الطبعة الجديدة لكتابه ~~قد قال: «إن الآثار تدلنا على أنه كان لكل من الرهبان منذ العائلة الأولى آلهته ~~الخاصة، وهي ثلاث فرق: آلهة الموتى، وآلهة العناصر، والآلهة الشمسية.» وقد يكون ~~هناك أحرار مفكرون في العهد الأوسط يعتقدون أن هناك إلها واحدا، ولكن عبادتهم ~~كانت سرية لا يعرفها العامة. # وترجع المعتقدات الدينية في مصر إلى عصور مختلفة، وهي قد بدأت من عبادة الموتى ~~وقد تبع هذا تأليه الملوك الموتى، كما في عصر بناة الأهرام، وقد أضيفت إلى عبادة ~~الموتى، عبادة الشمس والنيل والقوى الطبيعية، فإله الشمس رع القوي المتلألئ نهارا، ~~وأوزريس الإله الذي يحيي النيل في الظلام وفي الموت الذي هو بمثابة المساء. # وعند هيرودوت أن المصريين كانوا أكثر الناس تدينا، وكانت للديانة عندهم كالهنود ~~والشرقيين، دخل في أعمالهم العامة والخاصة، فلا نهاية لعدد الكائنات والأشياء ~~المقدسة. وصبغة الآلهة المصرية محلية، فكان «أوزريس» في أبيدويس و«فتاح» في ممفيس، ~~و«آمون» في طيبة، و«هوروس» في إدفو، و«هاتور» ms079 في دندرة. وكان للآلهة مراتب بعضها ~~فوق بعض، كما أن بعض الآلهة قد يتفانى في البعض الآخر فتكون إلها واحدا. وكان ~~أكبرهما «مصر» الحياة الآجلة أسوة بالهند، التي كانت الحياة الأرضية عندها ممرا ~~وفترة حقيرة في أمد غير محدود ليس غير. أما رمز الشر الحقيقي المتجسم الكامل في ~~مصر، فكان «أباب»؛ أي الثعبان الذي تدوسه الآلهة. # هذا وحوالي عام 2000ق.م حين عظم شأن طيبة وأصبحت عاصمة الديار، اشتد أزر «آمون» ~~إلهها المحلي وأصبحت له سطوة وخطر، فوقف المصريون إزاء ذلك أمام معضلة كبيرة، ~~وتساءلوا: لمن من الآلهة تكون السيادة السياسية؟ «ألرع» وهو الإله العتيد ذو المجد ~~التالد والتاريخ الحافل أم «لآمون» وهو - على حداثة شهرته - رب طيبة عاصمة الملك ~~وإله الفراعنة الحاكمين؟ ولكنهم لم يكلفوا عقولهم عناء كبيرا، وبإضافة صغيرة بين ~~الاسمين حلت المشكلة فصار الإله الأعظم هو «آمون-رع» يجمع بين مزايا هذا وذاك، مع ~~ما هناك بينهما من تناقض. # وكذلك حين تباينت لديهم العقائد من الموت ومصير الأموات - فكان لكل عقيدة مصدر ~~يغاير المصادر الأخرى وتاريخ يختلف عن تواريخ غيرها، وكفوا أنفسهم مئونة التفكير ~~العميق في اختلاف هذه المصادر والتواريخ، وفي أيها أحق بالتصديق واكتفوا بأن قبلوا ~~هذه العقائد جميعها، وآمنوا بها غير عابئين بما بينها من تنافر واضح. # ولكن أقدم هذه العقائد المختلفة - كما أوضحنا - هي العقيدة في حياة جسدية بحت ~~تلبس الجسم وهو في قبره. وإليها وحدها يرجع الفضل في وجود هذه الكنوز العظيمة ومن ~~بينها كنز «توت-عنخ آمون». # أما أسطورة «أوزريس» فخلاصتها هي أن أوزريس «وهو أحد الآلهة التسعة العظام مؤسسي ~~العالم» كان ملكا عادلا لرعيته، ولكن أخاه «ست» كان يبغضه فتحين الفرص وقتله ~~ثم ألقاه في اليم. غير أن «إيزيس» زوجة «أوزريس» المخلصة استطاعت بتعاويذها أن تعيد ~~الحياة إلى جثة زوجها وساعدها أحد الآلهة فحنطه. ومن ثم صار «أوزريس» إله الأموات ~~وقاضيهم، وأصبح في نظر الشعب المصري المثل الأعلى لكل من يموت، حتى إنهم عدوا كل ~~ميت «أوزريسا»، وأصبحت المومياوات توضع في توابيت منحوته على ms080 هية أوزريس. أما ~~الغرب المقدس «أمنتت» فهو مأوى أوزريس، وكان المصريون يدفنون موتاهم دائما في جهة ~~الغرب؛ لأنهم لاحظوا أن الشمس تحتجب في المغرب، ومن هنا صار الغرب لديهم ~~مقدسا. ~~(2-6) ديانة اليهود إلى الكتاب المقدس # كان العبريون «اليهود» ينطقون بالآرامية القريبة من العربية إلى أن عبروا الصحراء ~~والأردن ونزلوا فلسطين، فتكلموا الكلدانية المختلطة فسميت العبرية وذلك حوالي ~~1400ق.م، وكانت ديانتهم مشوشة إلى أن ظهرت التوراة. # أما الكتاب المقدس فيشمل العهد القديم «التوراة» والعهد الجديد «الإنجيل». ~~والتوراة، في معناها الضيق، تطلق على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم الذي ~~ينسب إلى النبي «موسى»، وهي: سفر التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية. ~~أما «التلمود» فهو مجموع التعاليم الأدبية والدينية في سنة 400 في جزأين: تلمود ~~أوروشليم، وتلمود بابل. غير أن اليهود القرائيين ينكرون «التلمود»، وقد جمع فيما ~~بين القرنين الميلاديين الرابع والسادس، وينقسم قسمين: «مشنا» وهي أحكام شرعية ~~مقاسة على «التوراة»؛ و«جمارا». ~~(2-7) ديانة الإيرانيين # كان الفرس «الإيرانيون» القدماء يعبدون الأوثان إلى أن ظهر في تاريخ يتأرجح بين ~~القرن العاشر والخامس ق.م بينهم «زورادشت»، وعندهم أنه قد عرج إلى السماء وتلقى عن ~~أهورامزدا «الله» الكتاب المقدس «الأفستا». وعند بعض مفسريه أنه يقول بأن رب الكون ~~واحد لا شريك له، وإن يكن في الكون خير وشر يتنافسان. ~~(2-8) ديانة اليونانيين # أوردت الأساطير اليونانية القديمة أسماء آلهة أقيمت لها التماثيل وسكنت جبل ~~أولمبوس، ومن هذه الآلهة «أبولو» إله الشمس، و«فينوس» إله الجمال، و«چوبتر» إله ~~المشتري، و«وزيوس» الخالد إله النهار والضوء وسيد النظام ورب الأرباب وزوجه «هيرا»، ~~و«بلوتو» إله جهنم، «وميركاري» إله عطارد، و«هفيستوس» إله الحدادين، و«أفروديت» ~~إلهة الجمال، و«آثينا» إلهة الحكمة، و«بوزيدون» إله البحر، و«تيميس» إلهة الشريعة، ~~و«أبنوميا» إلهة الحكم الصالح، وإلهات «اليارك»: الأعمار الثلاثة، و«هادويس» سيد ~~العالم الآخر، و«ديانا» إلهة الصيد. # وآلهة اليونان تماثل الإنسان فهي تتزوج وتغضب وتفرح، وهي ذات علاقة وثيقة ~~بالإنسان والطبيعة، ويتوزع بينها العمل والاختصاص! ~~(2-9) الدين والفلسفة # وعند «سعيد زايد» خريج كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول في ms081 القاهرة أن هناك صلة ~~متينة بين الدين والفلسفة، وأنه إذا كان الدين في أول أمره يعتمد على مخاطبة القلب ~~قبل العقل، إلا أن المتدينين لا يلبثون أن يواجهوا مشكلات لاهوتية لا تحل إلا بنور ~~العقل، والسبيل إلى ذلك الفلسفة، فبعد أن استقرت الدعوة الإلهية واستتبت الأمور ~~واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخلت أمم كثيرة متمدينة تحت لواء الإسلام، اتسع ~~الوقت للمناقشة والجدل، وواجه المسلمون أقواما درسوا الفلسفة والمنطق، لا يكفيهم ~~في الإقناع أن يقال لهم: قال الله تعالى كذا، أو قال الرسول # صلى الله عليه وسلم # كيت، لا سيما ~~والله تعالى ورسوله يدعونهم إلى تحكيم العقل فيما يدعون إليه. إزاء هذه الحالة لم ~~ير المسلمون بدا من الإقبال على دراسة الفلسفة والمنطق، ومن أن يطلبوا حكم العقل ~~في أمور الدين، فنشأت فلسفة إسلامية ترمي إلى التوفيق بين العقل والنقل، واصطنع ~~منهج التأويل. # ففي مسألة الوحدة نجد ابن سينا، الذي عني بهذه المسألة عناية واضحة تبدو للمتأمل ~~في مؤلفاته العديدة، ولا سيما في مباحثه الميتافيزيقية - أي المتصلة بما بعد ~~الطبيعة - في واجب الوجود الذي لا يحتاج في وجوده إلى غير ذاته، فهو علة ذاته وعلة ~~كل الممكنات الأخرى؛ نجد المعلم الثالث «ابن سينا» يحاول من ناحيته أن يثبت بالدليل ~~النقلي ما قد أثبته عن طريق الاستدلال العقلي من وحدانية واجب الوجود، غير أنه لا ~~يتيسر له ذلك توا دون الالتجاء إلى تأويل بعض النصوص القرآنية، التي وردت فيها ~~آيات تدلل على أن الله واحد، ولا أظن أن المجال يتيح لنا عرض صور مختلفة لما لجأ ~~إليه ابن سينا من التأويل في كل ما ورد من الآيات فيما يختص بالوحدانية، وإنما يكفي ~~أن نشير إلى تأويلاته في تفسير سورة الإخلاص، متخذين هذا التأويل أنموذجا يوقفنا ~~على مدى ما ذهب إليه المعلم الثالث في تفسيره وتأويله. # قل هو الله أحد # يعود بنا ابن سينا في تفسيره ~~لهذه الآية إلى فلسفته الميتافيزيقية، فيقول: «الهو المطلق هو الذي لا تكون هويته ~~موقوفة على غيره»، أو بمعنى ms082 آخر هو أن وجوده متوقف على ماهيته وذاته، على نقيض ~~الممكن الذي يتوقف وجوده على غيره، وإذا كان وجود «الهو» المطلق متوقفا على ذاته، ~~كان واجب الوجود؛ لأن وجوده هو عين الذات؛ إذ إن اقتران «الهو» بالله يكشف عن أن ~~المقصود «بالهو» هو الهوية الإلهية. # وهذا بحق لازم من لوازم تعريف الألوهية بالوحدانية، لكمال بساطتها وغاية وحدتها. ~~ويعلق ابن سينا على ذكر اللوازم القريبة «للهو هو» بأن ذلك تعريف حقيقي؛ لأن ~~التعريف الحقيقي هو الذي يذكر فيه اللازم القريب للشيء الذي يقتضيه الشيء لذاته، لا ~~لغيره؛ لأنه إذا ذكر فيه اللازم البعيد لا نستطيع أن نقرر أن هذا اللازم معلول ~~للشيء حقيقة، بل كل ما نستطيع أن نقرره أنه قد يكون معلولا لمعلوله. ثم يتطرق ابن ~~سينا في تفسيره إلى أن يفرض سؤالا قد يمكن أن يوجه إليه، وهو أن ماهيته تعالى، إذا ~~كان لا يمكن لغيره معرفتها إلا بوساطة صفات السلوب والإضافات، فلم لم يذكر ذلك ~~واقتصر على ذكر اللوازم؟ ويجيب على هذا السؤال بأن الله بوصفه عاقلا ومعقولا، ~~واحد ليس له مقومات، بل إنه وحدة مجردة، وبساطة محضة لا كثرة فيه، ولا اثنينية هناك ~~أصلا، وعقله لذاته، ولا يعقل من ذاته إلا الهوية المحضة المجردة عن الكثرة؛ ولذا ~~عرفها بلوازمها القريبة، وتأكيده بأنه واحد مبالغة في الوحدة، لعدم وجود التشكك في ~~أنه واحد من جميع الوجوه، وأنه منزه عن الكثرة، سواء أكانت كثرة معنوية كالأجناس ~~والفصول، أم كثرة مقومات كالمادة والصورة والأعراض. # ثم إن ابن سينا في تفسيره «الصمد» يقرر أن لهذه الكلمة تفسيرين: أولهما الذي لا ~~جوف له، وثانيهما السيد. ثم يؤول التفسير الأول بأن الصمد صفة سلوب تنفي الماهية؛ ~~لأن كل ما له ماهية له جوف وباطن، وما لا بطن له وهو موجود لا اعتبار لذاته إلا ~~بالوجود، والذي لا اعتبار له إلا بالوجود يكون غير قابل للعدم، فالشيء من حيث هو ~~موجود، يكون غير قابل للعدم، فالصمد يكون بهذا المعنى واجب الوجود من جميع ~~الوجوه. ms083 # أما التفسير الثاني لكلمة «الصمد» بوصفه سيدا فيؤولها ابن سينا على أن المقصود ~~أنه سيد للكل؛ أي مبدأ الوجود وعليه الأولى ... # ويؤول ابن سينا قوله: # لم يلد ولم يولد # بأنه هو وحده، وأنه وإن كان مصدرا للوجود فإنه لا يفيض بوجوده مثله، حتى يكون له ~~ولد، ولما كان وجوده من ذاته بهويته لم يكن صادرا هو عن غير ذاته. وإذا كان الأمر ~~كذلك؛ أي إذا كان واجب الوجود ماهيته هويته، لا يتولد عن غيره ولا يتولد عنه شبيه ~~له لم يكن هناك في الوجود ما يكافئه ويساويه في قوة الوجود؛ ولذلك قال تعالى: # ولم يكن له كفوا أحد ~~. # ثم يستخلص من هذه السورة أن الله بعدم ذكره المقومات في تعريفه # الله أحد # وذكر اللوازم، قد دل على أنه في ذاته بسيط ~~ليس له ما يقومه، واحد ليس له شريك في هذه الوحدانية. ثم إنه بإرداف الواحدية ~~بالألوهية، قد رتب الأحدية على الإلهية ولم يرتب الإلهية على الأحدية؛ لأن الألوهية ~~هي افتقار الكل به على الإلهية إليه. ومن كانت هذه صفاته كان واحدا مطلقا. # ويذهب إسماعيل مظهر في كتاب «ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء» إلى أنه قد ~~تصدى للنظر في الدين فحول من مفكري القرن الماضي، لو اطلعت على التعاريف التي ~~وضعوها للدين لأيقنت بأن الدين لا يزال كما عهدناه في الإنسان الأول، ظاهرة مرتكزة ~~على الاعتقاد، ظاهرة تطورت الفكرة فيها بتطور عقلية الإنسان، فبلغت حدا عرفنا ~~عنده أن الدين عقيدة تتلخص في أمرين اثنين، لو جمع بينهما الفرد كملت ذاتيته بصفته ~~فردا صالحا من جماعة تضرب في أصول الارتقاء بسهم بعيد. # الأمر الأول: # الاعتقاد بوجود قوة مدبرة حكيمة عاقلة سرمدية، لا تدرك حقيقتها ~~العقول البشرية إلا بقدر ما تستطيع أن تبلغ من إدارك لقوة تدبر ~~عالما، وقف الفكر أمامه معترفا بالعجز. # الأمر الثاني: # أن الدين شريعة أدبية، صلة الفرد بها حاجة للمجموع تؤدي به إلى ~~أبعد غاية من الارتقاء المدني. # وإليك كلمات استجمعها العلامة «بنيامين كيد» لعديد من كبار ms084 المفكرين من معاصريه، ~~ومن تقدمهم في عصور المدنية، نأتي عليها لنظهر الباحث الخبير على آخر حالات تشكلت ~~فيها العقلية الفردية في إدراكها لحقيقة الدين: ~~(1) # الدين معرفة الله والتشبه به «سنيك». ~~(2) # ينحصر الدين في اعتقادنا بأن كل واجباتنا أوامر إلهية «كانت». ~~(3) # إن الدين شرع أدبي ممسوس بالانفعال «ماتيو أونولد». ~~(4) # الدين عبادة الإنسانية «كونت». ~~(5) # إن العاطفة الدينية يكونها الانفعال الهادئ مقرونا بالخوف وحساسية ~~الخضوع للعظمة «إسكندر بابن». ~~(6) # إن دين الإنسانية هو المعبر عن أقصى حالة عقلية يعلل بها الكون، هو ~~المعنى المجمل، بل محصل ما يبلغ إليه إدراك الإنسان، من معرفته لحقيقة ~~الأشياء «إدوارد كايرد». ~~(7) # إن الدين حد المعرفة الذي تدركه النفس المحدودة المتحيرة، من ماهيتها ~~كنفس مطلقة غير متناهية «هيچل». ~~(8) # الدين إجلال المثل الأعلى من الأخلاق، ومحبة العمل على تحقيقه في ~~الحياة «هكسلي». ~~(9) # إن ماهية الدين هي توجيه الانفعالات والرغبات بقوة وصدق عزيمة نحو ~~تحقيق مثل أعلى نقنع بأنه أقصى الجود والخير، وأنه فوق كل الرغبات ~~النفسية التي تسوقنا إليها الأنانية «ميل». ~~(10) # إن الدين هو الشيء الذي يعتقد الإنسان في صحته اعتقادا عمليا. هو ~~الشيء الذي يحسه الإنسان بقلبه، ويأخذه على أنه حقيقة واقعة فيما هو ~~كائن من علاقاته المتعددة بهذا الكون المتعمق في الغموض، الأصيل في ~~الاستغلاق، وفيما يتصل بواجباته في هذه الدنيا، ونهاية هذه الحياة ~~«كارليل». ~~(11) # إن الدين في أول درجاته، وإبان حالاته، هو ما يمكن أن نصفه بأنه عادة ~~مقرونة بشغف دائم «صاحب كتاب الدين الطبيعي». ~~(12) # إن الدين اعتقاد في إله باق قديم؛ أي إرادة قدسية وعقل قدسي يدبران ~~الكون، في حين أن علاقتهما بالنوع البشري أدبية «دكتور ~~مارتينو». ~~(2-10) نشأة الأديان الكبرى # يقدر عدد سكان العالم بنحو ألفي مليون. أما قبل التاريخ فالعدد غير معروف، ويدين ~~بالمسيحية 34٪ من سكان العالم موزعين على مذاهبها هكذا: 16,2 في المائة من ~~الكاثوليك، 10,7٪ من البروتستنتية، 7,1٪ من الأرثوذكس، أما «الكونفوشيوسية» فيدين ~~بها 18,2٪، و«الإسلام» 13,4٪، و«الهندوكية» 12,8٪، و«البوذية» 8,4٪، و«اليهودية» ~~1٪، والباقون إما أنهم يعبدون الحيوان، وإما موزعون بين مذاهب شتى ms085 يتعذر حصرها. أول ~~الأديان الكبرى: البوذية، فالهندوكية، فالكونفوشيوسية، وكلها من القرنين الخامس ~~والسادس قبل الميلاد، فاليهودية، فالمسيحية، فالإسلام. # وقد نشأ الدين الإسلامي في شبه جزيرة العرب، أما المسيحية فقد نشأت بين بيت ~~المقدس وروما. والكونفوشيوسية نشأت في الصين، والبوذية نشأت في الهند. وكذلك نشأت ~~في بادية الشام الديانة اليهودية التي يقرب عدد المتدينين بها من عشرين مليون ~~نسمة. # ويمكن أن يقال إن أكثر الديانات الكبرى نشأت في بيئة صحراوية تتيح للإنسان أن ~~يتأمل الطبيعة الكبرى، ومن أجل هذا كان الشرق مهد الحضارات القديمة، والأديان مظهر ~~من مظاهر الرقي الاجتماعي. ومن هنا سبق الشرق الغرب في ظهور الأديان كما سبقه إلى ~~نور الحضارة والعمران. # هذا وقد عبر المسلمون إفريقية واستوطنوا الأندلس، ولم يكن ثمة ما يمنع أن ينفذ ~~الدين الإسلامي إلى صميم أوروبا غير أنهم انهزموا في معركتي تور وبواتيه، فأقام ~~المسيحيون حاجزا من جبال البرانس حال دون بلوغ الإسلام إلى وسط أوروبا وشمالها. ثم ~~إنه لما سارت جيوش العثمانيين غربا حتى أخضعت دول البلقان، ووقفت على أبواب فينا ~~واتجهت شمالا إلى بولندا وروسيا كان من المرجح أن يشمل الإسلام جميع تلك البقاع ~~الفسيحة جيلا بعد جيل، ولكن العثمانيين لم يوفقوا في حروبهم دائما بل لحقهم الضعف ~~والتفكك. ولو انتصر الأندلسيون على شارل مارتل ووفق العثمانيون في فتوحهم لدانت ~~شعوب أوروبا بالإسلام؛ إذ ليس في أصوله وتعاليمه ما يجعله خاصا بشعب دون ~~شعب. # الدين في القرآن الكريم # وقد آثرنا - إتماما للفائدة - أن نورد هنا بعض الآيات القرآنية في هذا ~~الموضوع: # جاء في سورة آل عمران: # قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~. # وجاء في آل عمران أيضا: # وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~. # وجاء في ms086 سورة المائدة: # الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون ~~. # وجاء في سورة الأنعام: # وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون ~~قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم ~~الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ~~. # وجاء في هذه السورة أيضا: # وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين ~~. ~~(2-11) شعوب لا دين لها # هناك شعوب لا دين لها، فقد ذكر الفيلسوف هربرت سبنسر في الكتاب الرابع «أصول علم ~~الاجتماع» أنه «توجد أدلة على أن الناس، الذين فصلوا عن عالم الأفكار المكتسبة مذ ~~طفولتهم لسبب من الأسباب خلوا من كل فكرة دينية، فقد ذكر الدكتور كيتو - الذي كان ~~أصم - في مؤلفه «الحواس المفقودة» صفحة 200 شهادة سيدة أمريكية ولدت صماء بكماء، ~~ولم تعلم بالطرق الصناعية الخاصة إلا بعد وصولها إلى سن الرشد. قالت - أو قل كتبت ~~بطريقتها إنه لم يخطر على بالها البتة ولا على بال أحد من الصم الكم الذين كانوا ~~معها في دار واحدة أنه لا بد للعالم من خالق». # ثم يقول سبنسر: «فهذا كله يدل على أنه ليس بالشعوب المتمدينة ميل غريزي إلى ~~الدين.» ولدينا براهين تؤيد صحة هذا الاستنتاج، وتثبت أن فكرة الدين مفقودة أصلا ~~بين كثير من الشعوب المتوحشة. فقد قدم السر چون لوبوك أمثلة على شعوب عديدة من ~~هذا القبيل في كتابيه «العصور السابقة للتاريخ» و«أصول المدنية». # وروى المستر هارستون في مجلة «فور تنيتلي ريفيو»، بالمجلد التاسع عشر، أنهم كانوا ~~يعلمون رجلا من قبيلة الودي وهو في السجن، فاتضح أن ليس لديه أي إلمام عن الخالق ~~ولا عن الروح ولا عن عالم آخر. # وقال القس صموئيل سمث الذي عاش 28 سنة مع أناس صم بكم يصف أحدهم «أنه ليس له أي ~~إلمام بالخلود، وأنه لم يعثر على واحد من الصم البكم ممن لم يتعلموا عنده أية فكرة ~~عن قوة عليا خلقت العالم وتدبره». # وذكر شون فورت في مؤلفه «أواسط أفريقيا» ms087 ما نصه: ليس للبنجرس أدنى فكرة عن الخلود ~~وهم يجهلون كل معتقد ديني. وأما الزولو، وهم على شيء من الذكاء، فإنهم برهان واضح ~~على دعوانا هذه وإليك الحديث، الذي دار بين الرحالة «جاردبز» وأحدهم الذي يدعى ~~تباي. # جاردبز ~~: # هل لك إلمام بالسلطة التي خلقت العالم؟ أنت ترى الشمس تشرق ~~ثم تغرب والأشجار تنبت وتنمو، فهل تعلم من يدبر كل هذا؟ # تباي ~~(بعد أن سكت برهة) ~~: # إننا نرى كل هذه الأمور ولا نعلم من أين أتت، ونعتقد أنها ~~أتت من تلقاء نفسها. ~~(راجع كتاب رحلة في بلاد الزولو بأفريقيا للرحالة جاردبز ص72). # ويؤيد ما تقدم أيضا الحديث الذي دار بين السر صموئيل بيكر، وبين رئيس قبيلة من ~~قبائل اللاتوك يدعى كومورو، وإليك نصه: # السر صموئيل بيكر ~~: # هل لكم أي اعتقاد في وجود آخر بعد الموت؟ # كومورو ~~: # وجود آخر! وكيف ذلك؟ هل يمكن الميت أن يخرج من قبره إلا إذا ~~نبش القبر وأخرج منه؟! # بيكر ~~: # هل تظن أن الإنسان مثل الحيوان يموت ثم يندثر أمره؟ # كومورو ~~: # لا شك في هذا، فإن الثور أقوى من الإنسان، ولكنه يموت مع أن ~~عظامه أطول وأقوى من عظام الرجل التي تكسر بسهولة؛ لأنه ضعيف. # بيكر ~~: # أليس الإنسان أذكى من الثور؟ أليس له عقل يدبر أعماله؟ # كومورو ~~: # توجد ثيران أذكى من بعض الرجال، فإن الرجال يزرعون الأرض كي ~~يحصلوا على قوتهم. أما الثور والحيوانات المتوحشة فإنها تحصل على قوتها من ~~غير زرع. # بيكر ~~: # ألا تدري أنه يوجد فيك شيء آخر خلاف الجسم؟ ألا تحلم؟ ألا ~~تذهب إلى مسافات طويلة في أثناء نومك وجسمك لا ينتقل من مكانه؟ فكيف تعلل ~~ذلك؟ # كومورو # باسما ~~: # كيف تعلل أنت ذلك؟ إن هذا الأمر يحصل لي كل ليلة ولكني أجهل ~~أسبابه. # بيكر ~~: # أليس لديك أية فكرة عن الأرواح التي هي أقوى من الإنسان ~~والحيوان؟ أليس لك أقل خوف من عواقب الشر، ودع عنك الخوف من العوامل ~~الطبيعية؟ # كومورو ~~: # إني أخشى الفيلة وحيوانات أخرى حين أسير ليلا في الغابات ~~ولكني لا أخاف شيئا ms088 آخر. # بيكر ~~: # وعلى هذا فأنت لا تعتقد في شيء لا في أرواح الخير ولا في ~~أرواح الشر، وتظن أن كل شيء فيك من جسم وعقل يندثر بموتك. وأنك مثل بقية ~~الحيوانات لا فرق بينك وبينها. # كومورو ~~: # طبعا. # بيكر ~~: # ولكن انظر إلى حبة القمح كيف تعفن بعد أن تبذرها في الأرض، ~~ولكن لا تلبث قليلا حتى تنبت وتنمو منها سنبلة تأتي بحبات كثيرة، فإذا ~~كانت حبة القمح تحيا بعد موتها فمن باب أولى الإنسان الذي هو أعظم ~~المخلوقات. # كومورو ~~: # لقد أدركت قصدك جيدا، ولكن الحبة الأصلية تنعدم بعد الموت ~~فهي تعفن كما يموت الإنسان وينقضي أمرها. أما السنبلة التي تنبت منها فليست ~~الحبة الأصلية بل ثمرتها ونتيجتها. وهكذا حال الإنسان فإني أموت ثم أعفن ~~وينقضي أمري، ولكن نسلي ينمو مثل ثمرة الحبة. وقد لا يأتي الإنسان بنسل كما ~~تفنى الحبة ولا تأتي بثمر. فبعد الموت ينعدم الإنسان كما تنعدم ~~الحبة. # وقال العلامة فيانا دي ليما الدكتور في العلوم الطبيعية والعضو بالمجمع العلمي ~~الفرنسوي في كتابه «الإنسان حسب مذهب التطور» صحيفة 174 وما بعدها ما يأتي: # ليست الفكرة الدينية من طبيعة النوع الإنساني، وليست هي صفة أصلية فيه تميزه عن ~~سائر الأحياء وما هي إلا حالة مر عليها في أحد أطوار ارتقائه. وعلى كل حال فهي ليست ~~لازمة له وليست عامة بين جميع الشعوب؛ إذ توجد شعوب متأخرة لم تصل في أطوار ~~ارتقائها إلى طور الأفكار الدينية. وتوجد فئات كثيرة بين الشعوب المتمدينة فاقت هذا ~~الطور ويزداد عددها كل يوم، وتوجد شعوب أخرى خطت نحو المدنية خطوات تذكر ولم تمر ~~مطلقا بهذا الطور؛ طور التدين والأفكار الدينية. وهذه الشعوب التي لا يدين أفرادها ~~بدين ما يوجد منها في أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوستراليا. وذلك بشهادة الرحالين ~~تومبسون، وفان دير كامب، والقس موفات، والرحالة الشهير لفنجستون، والسر صموئيل بيكر ~~«المتقدم ذكره» والدكتور مونات، ودالتون وليختنشتين، وقد ذكر كل من مورتز فجنر في ~~رسائله الثلاث والسر چون لوبوك في كتابيه «أصول المدنية» و«العصور السابقة للتاريخ» ms089 ~~- المتقدم ذكرهما - عددا كبيرا من الشعوب التي ليست لها أية عقيدة دينية. # روى ليفنجستون الرحالة الكبير في مجلة «الجمعية الأنثروبولوچية الفرنسوية» أن ~~عبادة الأصنام وكل نزعة دينية معدومة بين قبيلة بتشياتا وكثير من قبائل أفريقيا ~~الوسطى. وقد أيد كل من كازاليس والمبشر موفات قول ليفنجستون هذا. فقد قال موفات في ~~كتابه «عشرون سنة في أفريقيا الجنوبية» ما يأتي: «طالما سعيت جهدي في كشف شيء من ~~الأفكار أو الاعتقادات الدينية عند السكان لأتدخل بينهم، فلم أفلح؛ لأنه ليست لديهم ~~أية فكرة من هذا القبيل.» # وقال القس برون مثل هذا القول عن قبيلة الماكولو ببلاد الكفر بأواسط ~~أفريقيا. # وروى المبشر لنجستون هذه الرواية أيضا عن قبيلة ميونجو في أفريقيا. # وروى الأب سلفادور مثل هذه الرواية أيضا عن قبيلة أرافيرس وكثير غيرها من قبائل ~~أوستراليا. # وقال هذا القول أيضا الرحالة ماكليهو مكلي عن سكان جزيرة سلمون، وعن قبائل ~~البابواس التي تعيش على سواحل غينيا الجديدة وعن قبائل خليج بافان. # ولم يعثر المبشر بيسجرت على أي أثر للاعتقاد بالله أو الأصنام أو الخلود أو أي ~~معتقد آخر عند كثير من قبائل كاليفورنيا القديمة. وكذلك الحال عند سكان كاليدونيا ~~الأصليين وقبائل الباشا چوني والفوچيان. # وروى السر چون إيمرسون عن قبائل الفيدا بجزيرة سيلان أنه ليس لهم إلمام بأية ~~عقيدة دينية من أي نوع، وكانوا يسألون السر چون إيمرسون: «أين هذا الأله؟ وعلى أية ~~شجرة أو على أية صخرة يعيش؟» وكذلك حال كثير من زنوج شبه جزيرة ملقا. # وروى السر ميسنجر بردلي مثل هذا عن قبيلة من قبائل أوستراليا والرحالة ديتبورن عن ~~قبائل البوشيمان والإسكيميين، وعن قبائل ليساوخاسياس التي تعيش في شمال ~~الهند. # وفي كتاب «المادة والقوة» للعلامة بختر الألماني صحيفة 251 من الترجمة الفرنسوية ~~ما يأتي: # أثبت كثير من العلماء والسائحين والتجار والمرسلين والمبشرين أنه توجد ~~شعوب عديدة ليس بها أدنى نزعة دينية. وطالما سمعت وقرأت أن الدين أو التدين ~~هو الصفة المميزة للنوع الإنساني، وهو الحد الفاصل بينه وبين بقية ~~الحيوانات. فلا تخلو الحال ms090 من أحد أمرين: إما أن القائلين بهذا القول على ~~خطأ، وإما أنه يوجد عدد كبير من الناس لا شيء يميزهم من الحيوانات. # وقال العلامة بروكا الشهير: «لا ريب عندي في أنه توجد شعوب كثيرة من النوع ~~الإنساني خالية من كل معتقد وعبادة ومن كل فكرة دينية.» # وهنا استشهد بختر بما قال السر چون لوبوك وداروين وغيرهما عن وجود قبائل كثيرة لا ~~تعتقد أي دين مما أشرنا إليه ثم قال: # وأبلغ من هذا كله أن جميع أتباع كونفوشيوس لا دين لهم مطلقا، فهم لا ~~يعتقدون في إله ولا يؤمنون بخلود الروح. وليس ما يسمونه بدين كونفوشيوس سوى ~~مذهب فلسفي عمراني أخلاقي نشره صاحبه وهو فيلسوف صيني قديم، فاتبعته الطبقة ~~المتعلمة في الصين وكثرة سكان اليابان. # وإليك ملخص مذهب كونفوشيوس نقلا عن كتاب «الأطلال» للعلامة فولني صفحة 139: # الحقيقة هي أن كل ما في الوجود وهم وخيال وظواهر باطلة، وليس التقمص ~~الروحي إلا رمزا إلى التقمص الجسمي المادي الحقيقي؛ لأن مادة الجسم - ~~مثلها مثل المواد التي في الكون - لا تفنى بعد الموت، بل تتحلل وتنتشر في ~~الأرض والهواء وتدخل في تراكيب أخرى. وما الروح إلا القوة الحيوية التي ~~تنتج من خواص مواد الجسم وتأثير أعضائه بعضها في البعض مما يجعله يتحرك ~~ويحيا. أما القول بأن هذه القوة الناتجة من تأثير الأعضاء وخواص المادة ~~الملازمة لها، والتي تولد منها وتنمو معها تبقى - أي تلك القوة - بعد موت ~~الجسم لهو قول خيالي وهمي خلقه تصورنا المخدوع، وما الله إلا مجموع القوى ~~الطبيعية غير المنظورة المنتشرة في جميع أجزاء الكون، والتي تحركه أو مجموع ~~النواميس الطبيعية التي تديره. # ولما كانت هذه النواميس الطبيعية في غاية الدقة، وأغلبها خفي على الإنسان ~~برزت للناس كلغز لا يمكن حله، فقالوا: بوجوب الإيمان بها بغير إدراكها ~~وزعموا أنها فوق العقل البشري. ~~... «إن الحكمة هي معرفة النواميس الطبيعية، وإن الفضيلة تقوم في اتباعها ~~والشر والرذيلة في جهلها وعدم السير وراءها.» انتهى كلام فولني عن مذهب ~~كونفوشيوس الذي يسمونه دينا. # هذا ويقول ms091 «ناصيف المنقبادي»: إن هناك شعوبا لم تعرف عقيدة ما، وإن من الشعوب ~~التي لا تدين بدين ما بعض قبائل العرب القديمة، فقد جاء في كتاب «مصادر الإسلام» ما ~~نصه: والعرب الجاهلية أصناف، فصنف أنكر الخالق والبعث وقال بالطبع المحيي والدهر ~~المفني، يؤيد هذا ما ذكره القرآن عنهم في سورة الجاثية: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر ~~. ~~(2-12) عبادة الكواكب # عند «السيد عبد الرزاق الحسيني» من بغداد أن مظاهر الطبيعة وعجائب الكون قد وجهت ~~نظر الإنسان منذ نشأته إلى إكبارها وتعظيمها، فأكبر العاصفة وارتعدت فرائصه للقوى ~~الطبيعية، ورأى في كل تلك المظاهر قوة مدركة وحياة خاصة فاستصغر قواه بجانبها، ~~ووجدها جديرة بالتعظيم والتقديس. ومن هنا نشأت فكرة العبادة لمظاهر الكون واستمر ~~البشر يؤله ما يخاف منه وما تجهل كنهه، أو يرى فيه شيئا غريبا حتى تطورت فكرة ~~الدين بتطور البشر، وأصبحت المظاهر الطبيعية تنضوي قواها تحت قوى محصورة في قوة ~~واحدة، فبعد أن كانت الريح العاصف والشمس المهجرة والنار المتأججة، آلهة تعبد ~~وأربابا تطلب منها المساعدة والمعونة، أصبحت تلك القوى، متمثلة في عدد من الكواكب ~~السيارة وفي قوة تمثلها تلك الكواكب، وتطورت هذه الفكرة فأصبح عدد الكواكب يتضاءل ~~حتى لم يبق إلا إله واحد، وأصبح الخلاف في صفاته بعد أن كان في شركائه ~~وأقرانه. # ولكن على الرغم من هذه التطورات التي طرأت على العقيدة البشرية، فإن جذور تلك ~~الاعتقادات ما تزال باقية وما يزال قسم من البشر يحتفظ بأصول العقائد الأولى وبصفات ~~التفكير القديم، قبل عصر الحضارات ومن هؤلاء الصابئة. # جاء في القرآن الكريم في سورة البقرة: # إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر ~~، الآية، وقد ذهب المفسرون في تفسير كلمة ~~«الصابئة» مذاهب شتى لا نرى داعيا للبحث فيها، غير أننا نقول إن الصابئة الذين ~~ذكرهم الله تعالى في هذه الآية الشريفة قد انقرضوا، فأصبح من المتعذر علينا بيان ~~معتقدهم بالتفصيل. # وذكر أصحاب كتب الملل والنحل نوعا من الصابئة دعوهم ms092 «الصابئة الحرانية»، فظن ~~البعض أن هؤلاء القوم من الصابئة الأقدمين، وهذا وهم وضلال، فقد ذكر ابن النديم في ~~الصفحة ال 320 من فهرسته «طبعة أوروبا» أن المأمون اجتاز في أواخر أيامه ديار مصر ~~يريد غزو بلاد الروم فتلقاه الناس يدعون. وكان بينهم جماعة من الحرانية، وكان زيهم ~~إذ ذاك لبس الأقبية وإرسال اللحى، فأنكر المأمون ذلك عليهم وسألهم هل هم من ~~المسلمين أو اليهود أو النصارى، فأجابوه بالسلب، فسألهم هل لهم كتاب أو نبي، ~~فأجابوه سلبا، فأراد قتلهم مشيرا إلى أنهم أصحاب الرأس في أيام والده الرشيد، ~~فأجابوه بأنهم يدفعون الجزية، فقال لهم: أنتم كفرة ملاحدة والجزية تؤخذ ممن خالف ~~الإسلام من أهل الأديان الذين ذكرهم الله في كتابه المجيد. وطلب إليهم أن ينتحلوا ~~الإسلام دينا لهم أو دينا آخر من الأديان التي جاء ذكرها في القرآن، وأمهلهم إلى ~~عودته من غزو الروم. ويقول ابن النديم إن الحرانيين خافوا على حياتهم، فأسلم بعضهم ~~وقص البعض الآخر شعره وصاروا في ولولة واضطراب، وجاءوا شيخا من شيوخ حران يطلبون ~~نجوة لهم وقدموا إليه النذور والدراهم، فقال لهم: إذا عاد المأمون من رحلته وسألكم ~~عن دينكم فقولوا له: نحن الصابئة، والصابئة اسم لدين ذكره الله في كتابه. # ويزيد ابن النديم على ما تقدم قائلا: إن المأمون مات في سفره «218ه/833م»، ولكن ~~المسلمين عقبوا خطته حتى جعلوا الحراني يتظاهر بالإسلام. فإذا تزوج وولدت له امرأته ~~ذكرا جعله مسلما، وإن جاءت إليه أنثى جعلها حرانية أو صابئة بالمعنى الذي أراده ~~الشيخ الحراني لخلاصهم؛ وخلاصة قول ابن النديم أنه لم يكن في حران يوم اجتاز ~~المأمون ديار مضر لغزو الروم صابئة، وليست للحرانيين الذين خرجوا لاستقباله فجرى ما ~~جرى لهم؛ أية صلة بالصابئة، وهذا هو المراد عندنا . # وقد ذكر المسيو هنري بونيون في كتابه تحت عنوان «الفرقة الدستائية»، وهي ~~المندائية التي اشتهر بها الصابئة الحاليون ما مضمونه: إن صاحب هذه الفرقة كان ~~متسولا، وقد جاء من بلاد ما بين ~~الزابين - يريد الزاب الأكبر والزاب ~~الأصغر، وهما ms093 من أنهار العراق المعروفة - إلى ميسان - يريد جنوبي العراق - وكان ~~مسيحيا اسمه «دبدا» واسم أمه «أم كشطا»، ثم توطن ضفاف نهر القاردن في جنوبي ~~البصرة الحالية، وأسس ديانة جديدة مأخوذا معظمها من المارقيونيين والمانويين ~~والكنتيين وغيرها من الفرق الصابئية القديمة، ثم توسعت هذه الطائفة على مر السنين ~~وسموا بالصابئة؛ أي المغتسلة؛ لأن جميع طقوسهم الدينية لا تتم إلا بالارتماس في ~~الماء الجاري. ا.ه. # تعتقد الصابئة أن المخلوق الأول لله كان روحانيا يدعى «هيي قدمايا»؛ أي الحي ~~القديم، وأن الله خلقه وخلق معه عوالم كثيرة مملوءة بالنفوس المقدسة. ثم خلق الحي ~~الثاني أو المخلوق الثاني وهو «هيي تنيائي»، وخلق معه كذلك عوامل مقدسة لا تحصى، ثم ~~خلق المخلوق الثالث وهو «هيي تليثائي»، وخلق معه ما خلق مع سابقيه، وأن هذه النفوس ~~تنقسم قسمين: «أنزي»؛ أي عوام، و«ملكي»؛ أي ملوك. ثم خلق عوالم سبعة تدعى «آلمي ~~دهشوخا»؛ أي عوالم الظلام، وهي تستمد نورها من الشمس، وسكانها عوام وملوك أيضا، ~~وأرضنا من جملتها. # أما هيئة الأرض فيرونها بشكل مربع وأنها ثابتة غير متحركة، وهي مقامة على هواءين: ~~أحدهما خارجي والآخر داخلي، وتحت الأرض ماء انبسطت عليه، وأما السماء فيعتقدون أنها ~~مكونة من سبع طبقات وأن الشمس تقع في الطبقة الرابعة والقمر في السابعة. ويرون أن ~~الأرض والسماء مركبتان من مادتين هما: النار والماء، وكذلك الكائنات الحية فهي كلها ~~مركبة من هذين العنصرين. ويعتقدون أن الله بعد أن أتم خلق الأرض، أنزلت الملائكة من ~~عالم الأنوار الذي يسمونه «آبي دنهورو» بذورا للأشجار، وفتحت طريقا للهواء ولماء ~~الحياة، وفتحت طريقا آخر للنور تستمد منه الشمس أشعتها لتنير بقية الكواكب ~~بالواسطة. # يسمي الصابئة آدم «كوره قدمايه»، ويقولون إن الله أرسل جبرائيل ويسمونه «إبتاهيل» ~~إلى الأرض ؛ ليخلق آدم على صورته فخلقه على صورته من التراب، وخلق من ضلعه الأيسر ~~حواء، ثم أنزل الروح في جسمي آدم وزوجته، وعلم الملائكة آدم كل ما في الأرض، ثم أمر ~~الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، ويسمونه «هادبيشة» قائلا: خلقتني ms094 من ~~نار وخلقته من تراب فكيف أسجد له؟ فطرده الله من الجنة ولعنه. # وضع الصابئة للعالم تاريخا قدره 5873095 سنة أسندوه إلى أساطير. # وفي فكرة الخير والشر ترى الصابئة وتعتقد أن الخير والشر موجودان من قبل الإنسان، ~~ويحدثان بفعله وأن إرادة الإنسان الجزئية، واختياره المطلق هو الذي يجعله مسئولا ~~أمام الله، وهم يرون فوق ذلك أن الله بين للإنسان طريق الخير وطريق الشر، فله ~~الحرية المطلقة في إتيان ما شاء ونبذ ما يشاء من دون معارض يعارضه. # تعتقد الصابئة أن الموت انتقال لا اندثار، فالروح بعد أن تخرج من الجسد، لا تفنى ~~ولا تنعدم، إنما تنتقل من عالم لآخر حتى تصل إلى عالم الأنوار. وتعتقد أيضا بأن ~~الروح لا تطهر إذا لم تخرج من بدن طاهر، ولهذا وجب غسل الميت وتكفينه ساعة احتضاره، ~~لتخرج الروح من جسده وهو طاهر، فإذا مات الميت نجس وحرم مسه. ومن مات فجأة؛ أي بلا ~~غسل وتكفين، عد كافرا. والبكاء والعويل محرمان على الميت فإن كل دمعة تذرفها العين ~~على الفقيد تكون نهرا كبيرا في طريقه يعجزه عن قطعه. # فإذا مات الميت استقبل روحه ملكان من نقلة الأرواح فيحاسبانه على عمله في دنياه، ~~فإن كان الميت حسنا فإن روحه تذهب إلى عالم الأنوار رأسا، وإن كان سيئا تبقى ~~الروح في العذاب حتى تطهر. # أما صلاة الصابئة فهي وضع أولي للصلاة ثلاث مرات وقوفا وركوعا وجلوسا في غير ~~سجود وأذكار، ولا يصومون وإنما لا يأكلون ~~اللحم 36 يوما، ولهم عادات في الزواج ~~والجنازة والذبح. ولكهنتهم في ذلك نفوذ مطلق. ~~(2-13) رأي المؤلف # أوردنا فيما تقدم الكثير من آراء العلماء والفلاسفة في «الدين والتأليه»؛ لكي يقف ~~القارئ على أصل هذه الفكرة التي رافقت الإنسان قبل عصر التاريخ والحضارات وبعدهما ~~إلى اليوم. # وعندنا أن الإنسان البدائي قبل أن يعرف شيئا اسمه «الدين» أو «الإله» كان يخشى ~~القوة، سواء كانت ممثلة في رجل قوي مسيطر، أو زعيم نافذ الكلمة، أو رب أسرة محترم ~~المقام مهيب الطلعة؛ أم في حيوان ms095 أو وحش؛ أم في شيء في الطبيعة كالشمس والقمر ~~والنجوم والماء، أم في شبح أو حلم. ومن هذه الخشية نشأ الاحترام والإجلال والتهيب ~~فالحب فالتقديس. # كان الإنسان الأول دائب النظر إلى السماء، مأخوذا بحرارة الشمس وكسوفها وضوء ~~القمر وخسوفه والنجوم ونورها، وبالعواصف والسحب والصواعق والبرق والأمطار والبرد - ~~بفتح الراء. # وعندنا أن الإنسان البدائي كان يعبد ما يعبد ويقدس ما يقدس تبعا للأحداث ~~العارضة، وأنه كان ينتقل من عبادة إلى أخرى في سرعة كلما كان الملقن أو الحدث ~~قويا، أو كلما حط عصاه في بلد جديد ذي عبادة أخرى. # وكلما ارتقت الحياة الاجتماعية أحس الأقوياء المسيطرون والمفكرون بحاجة هذا ~~المجتمع إلى رابطة روحية، كما أحس المجتمع ذاته بحاجة إلى هذه الرابطة. ومن هنا كان ~~المجال متسعا لنشر الدين والتفنن في مذاهبه، فتعددت الأديان والآلهة وتطورت إلى أن ~~ظهرت الديانات الكبرى في الحضارات القديمة # ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ~~* إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم # قرآن كريم. # الفصل الثاني عشر # | السحر والشعوذة # (1) السحر # لما كان السحر من أقدم ما عرفه الإنسان البدائي، إنسان ما قبل التاريخ، فقد رأينا أن ~~نعقد له هذا الفصل. هذا والسحر يطلق عامة على قوة الإتيان بالعجائب وممارستها باستخدام ~~عوامل فوق الطبيعة مفروض وجودها عند من يمارسون السحر. وتدور حول السحر نظريات، منها ~~نوعان: النظرية الشخصية، والنظرية الموضوعية. فأما الشخصية فهي المراسم التي يضعها ~~ممارسو السحر له بما يتفق معه، ومن هنا كانت المراسم التي لا تنصبغ بصبغة دينية، تعد ~~سحرا. أما النظرية الموضوعية فتعد السحر مستقلا عن الدين؛ ولهذا كان للسحر خواصه ~~وأصله النفساني، وكان طريقا إلى علم همجي يعتمد على قوانين تخيلية مفروض أنها تعمل على ~~منع سير النظام المستند إلى قوانين الطبيعة . # وعند «إ. ب. تايلور» أن مميزات السحر هو عدم صحتها؛ إذ إنها خليط مشوش من المعتقدات ~~والممارسات التي يؤلف اتحادها كل ما ليس له في الطبيعة سبب ونتيجة. ومن أنواع السحر، ~~العنصر الروحي وهو ينتظم الكائنات الروحية وأشباح ms096 الموتى والشياطين والآلات. أما العنصر ~~غير الروحي فإنه يعتمد على القوى المتصورة واتصالاتها في الطبيعة؛ أي إنها منطق غير تام ~~فهي اتخاذ فكرة غير صحيحة على أنها صحيحة. ~~ومن أمثلتها أن الهندي الأمريكي، إذا ما رسم صورة غزال وصوب إليه سهما أو طلقا، توقع ~~أن يقتل غزالا حقيقيا في اليوم التالي. # ومن قبيل هذا سحر المحاكاة، وهو أن يعمل الساحر عملا يشبه العمل المقصود فإذا أراد ~~استنزال المطر ملأ إناء من الماء ووقف على ربوة وصبه معتقدا أن السماء ستفعل فعله. ~~وإذا أراد أن يقتل خصما له، رسم صورته على ورق أو مثلها في طين ثم يتلفها معتقدا أن ~~ما يحدث للصورة أو التمثال يحدث للشخص نفسه. # أما سحر العدوى فهو أن يأخذ الساحر أو يعهد إلى أحد أن يحضر له شيئا من لباس الشخص ~~المطلوب أذاه فيتلف هذا الشيء فتنتقل عدوى التلف من هذا الشيء إلى الشخص نفسه. وكان ~~المصريون يؤمنون بسحر المحاكاة، فقد وجدت بعثة ألمانية، 290 شقفة من الفخار عليها أسماء ~~أعداء مصر في الخارج والداخل ممن كانوا يحاربون الحكومة أو يخرجون عليها. وعند البعثة ~~أن المقصود من كتابة هذه الأسماء على الفخار هو كسر الفخار وتحطيمه؛ حتى يحدث للأعداء ~~ما يحدث للفخار؛ وهو أن ينهزموا وينكسروا. أما سحر العدوى فإن العامة تمارسه للآن في ~~مصر في الرقية، فإنهم إذا رقوا أحدا من مرض يعتقدون أن العين هي أصله، يأخذون «أثرا» ~~من لباس صاحب العين، ويحرقونه ويرقون به المصاب فيشفى على زعمهم. # وعند «الأثري المصري محرم كمال، أمين المتحف المصري» أن «ما ندعوه الآن بالسحر قد ~~ورثناه عن المصريين القدماء. فقد اشتهرت مصر في قديم الزمان بالسحر، وإلى الآن لا تعدم ~~قرية من قرانا ساحرا تضفي عليه خيراتها وتضع فيه ثقتها، ويستمتع فيها بالنفوذ والثقة ~~اللذين كان ينعم بهما سحرة العصور القديمة». # كان المصري القديم يلجأ إلى الساحر إذا أراد التخلص من عدوه، وتخبرنا النصوص بأن ~~الساحر كان يعذب هذا الشخص بما يطلقه عليه من أحلام مزعجة ms097 وأشباح مرعبة وأصوات مستغربة، ~~بل إن الساحر كان يسلط عليه الأمراض فتنهك قواه وتهد بدنه. وكان الساحر قادرا على أن ~~يجعل النساء يتركن أزواجهن ويتعلقن بأذيال من يريده هو من رجال وإن كانوا موضع كرههن من ~~قبل. وكان الساحر يطلب في مثل هذه الأحوال؛ لكي ينجح عمله أن يؤتى له بقليل من دم الشخص ~~المطلوب أو قلامة من أظافره، أو خصلة من شعره أو قطعة قماش من ثياب يكون قد لبسها؛ فإذا ~~حصل على ما طلب، صنع تمثالا من الشمع بشكل الشخص المطلوب (العمل له)، ووضع في التمثال ~~أو استعمل في صنعه الأشياء التي أخذها، فإذا تم له ذلك ألبس التمثال ملابس كالتي ~~يرتديها الشخص نفسه حتى يشبهه تمام المشابهة، ثم يجري عليه طائفة من الأعمال السحرية، ~~فكان إذ دق مسمارا في التمثال أصيب الشخص بمرض، وإذا قرب التمثال من النار أصابت الشخص ~~حمى خبيثة، وإذا طعن التمثال بسكين قتل الشخص أو جرح. ويظل الساحر يزاول أعماله حتى ~~يقضي على الشخص الذي يريده! وقد ورد في النصوص أن هذا النوع من السحر قد استعمل ضد ~~الملك رمسيس الثالث، ولكنه اكتشف الأمر وقبض على هؤلاء السحرة، وصادر ما وجده لديهم من ~~تماثيل الشمع التي صنعت بشكله، كما أوردته ورقة «هاريس» البردية السحرية وورقة «تورين» ~~البردية القضائية. أفليس هذا النوع من السحر، وعمل التماثيل من الشمع أو الطين، ووخزها ~~بالإبر والدبابيس هو الذي يستعمله الدجالون في القرى والأقاليم الآن؟ # وكل ما لدينا من غرام بالتمائم والتعاويذ والأحجبة كحجاب الحب والكره والحفظ، وآلاف ~~التمائم التي تعلق في رقاب الأطفال حتى تطول أعمارهم، كل هذه إن هي إلا عادات ورثناها ~~عن أجدادنا القدماء الذين كانوا لا يسيرون خطوة إلا والتمائم ترافقهم وتحميهم، وزيارة ~~واحدة للمتحف المصري تطلعكم على آلاف التمائم التي استعملها المصريون القدماء. # ويقرب من هذا اعتقاد العامة اعتقادا جازما بالعين وقوة أثرها. فإذا جلست إلى رجل ~~منهم حدثك كيف أن هناك فئة من الناس لا تكاد ترى شيئا تعجب به حتى يحصل ms098 له حادث ما، ~~ومن هنا نشأت فكرة تعليق الصحون على مداخل المنازل أو قرون الأغنام أو عروسة القمح على ~~الأبواب. كذا طائفة من التمائم نراها معلقة على العربات وسيارات الأغنياء والمثقفين ~~بشكل خرز أو قلائد توضع دفعا للعين، فهذه الخرافة ورثناها أيضا عن مصر القديمة، فقد ~~وجد في مكتبة معبد الإله حوروس في إدفو كتاب مملوء بالرقى والتعاويذ لطرد العين ~~الشريرة. كما أن هناك أنشودة معروفة للإله تحوت يرجع تاريخها إلى الدولة الحديثة، وقد ~~ورد فيها ما يأتي: «أيها الإله تحوت! إذا كنت تحميني لم تبق بي حاجة إلى الخوف من ~~العين.» # ويعتقد العامة المصريون الأحياء أن هناك ساعات من النهار بل أياما معينة لا يحسن ~~بالمرء أن يأتي فيها عملا؛ لأنها منحوسة، فهذا الاعتقاد في الأيام سعدها ونحسها قديم ~~أيضا؛ إذ كان المصريون القدماء يعتقدون أن الأيام تكون سعيدة أو منحوسة طبقا لما وقع ~~فيها من حوادث سعيدة أو كريهة في أساطيرهم الدينية، فاليوم الأول من أمشير الذي رفعت ~~فيه السماء، وكذا اليوم السابع والعشرون من هاتور الذي عقد فيه صلح بين الإلهين حوروس ~~وسيت وتراضيا فيه على اقتسام العالم، كانا يومين كلهما سعد وبركة. أما اليوم الرابع عشر ~~من طوبة الذي بكت فيه إيزيس ونفتيس على أوزريس فقد كان يوما منحوسا. وكان هذا ~~الاعتقاد من القوة في العصر الفرعوني، بحيث إن كثيرا من الأعمال كالبدء في سفر بعيد أو ~~عقد صفقة تجارية أو ما إليها كان يؤجل من أجل هذه الأسباب، وما زلنا الآن بعد مضي خمسة ~~آلاف سنة تؤجل أشياء لهذا السبب عينه. # وقد اعتدنا في ليلة شم النسيم أن نعلق البصل فوق الأماكن التي ننام فيها أو نضعه تحت ~~الوسادة، وفي الصباح نكسر البصل ونشمه. وفي بعض القرى يعلقون هذا البصل على باب المنزل. ~~فهذه العادة مصرية قديمة؛ إذ كان الناس في عيد الإله «سكر» إله الموتى في مدينة منفيس ~~يدورون حول جدران هذه المدينة، وقد علقوا البصل حول رقابهم، كما كانوا يعلقون البصل حول ~~أعناقهم ms099 في الليلة التي تسبق هذا الاحتفال. # وعند «چ. چ. فريزر» أن السحر يقوم على قانون العطف؛ أي على فرض أن أشياء تعمل على ~~نقيضها على مبعدة خلال عروة سرية بسبب وجود التشابه بين شيء وآخر، أو أنهما كانا في وقت ~~ما متصلين أو أن أحدهما كان جزءا من الآخر، وأن السحر نظام قد نشأ في الجماعة ورافق ~~وجودها؛ أي إنه لا ينشأ مع الفرد الواحد؛ إذ إنه لن يعرف السحر في مكان غير ~~مأهول. # أما الطلاسم وهي إحدى فروع السحر، فإن القول بأن حلها يؤدي إلى فتح الكنوز فقد يكون ~~هذا صحيحا؛ لأن هناك رموزا أفضى تفسيرها إلى معرفة أماكن ومناجم معدنية، قبل ما عرف ~~عن مواطن الآثار القديمة وكنوزها ومناجم الذهب والمعادن النفيسة. أما غير هذا فهو ~~احتيال على العقول. # وقد ورد السحر في التوراة حين ذكرت السحرة والنبي موسى، كما ورد في أكثر من آية في ~~القرآن خاصة في قصة موسى، وقد نقل كتاب الفلاحة القبطية إلى العربية من الكلدانية في ~~الدولة العباسية، ووضعت مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صورة الدرج ~~والكواكب، وقد ألف «جابر بن حيان» كتبا في السحر والكيميا، وألف مسلمة بن أحمد ~~المجريطي في الأندلس كتاب «غاية الحكيم» وهو خلاصة كتب ابن حيان. # وعند «ر. ر. ماريت» أن الدين والسحر شكلان لظاهرة اجتماعية غير منظورة، وأن الإنسان ~~الأول كان يخضع لنظام يعالج ما هو فوق الطبيعة. وفي هذا النظام عناصر كل من السحر ~~والدين، اللذين كانا شيئا واحدا ثم افترقا فأصبح الدين هو الأعلى وهو المقر به وهو ~~الأكثر حرمة. غير أنه ما بين ما هو سحر خالص ودين خالص، توجد عناصر غير متميزة. # ويروي «دييري» أن سكان أستراليا الوسطى يجتمعون في حفلة يفتحون خلالها فتحة يقيمون ~~عليها بناء يسع كبار الرجال. أما النساء فإنهن ينظرن إليهم ثم ينسحبن قليلا نحو 500 ~~ياردة. وهنا يتقدم السحرة ويدمون اثنين من الرجال، فيلقيان بأيديهما في الهواء ويأخذ ~~الرجال الآخرون دمهما. أما الدم فرمز للمطر. ~~(2) الشعوذة ms100 # وقد جاء في أحد أعداد مجلة «الهلال» أن الشعوذة في اللغة خفة اليد، وأخذ (بضم ففتح) ~~كالسحر يرى معها الشيء في رأي العين بغير ما عليه أصله. والفرق بين الشعوذة والسحر أن ~~الأخير هو عمل شيء فيه مناقضة لنواميس الطبيعة وخروج على قيودها. والمراد منه في الغالب ~~إخراج الباطل في صورة الحق. وفي بعض كتب اللغة أن السحر هو ما يستعان في تحصيله بالتقرب ~~إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان. على أن العلم ينكر السحر؛ لأنه يقوم على مخالفة ~~نواميس الكون، فإذا كانت هذه المخالفة وهمية أو من قبيل الخداع البصري فهي الشعوذة ~~والخفة. # وبينما يعتمد الساحر على قوة غير منظورة، فإن المشعوذ يعتمد على الخداع وخفة ~~اليد. # والأرجح أن السحر وجد قبل الشعوذة وأنه تحول إليها بمرور الزمن، وأثر السحر ظاهر بين ~~جميع الشعوب الهمجية خاصة قبل عصر التاريخ. فلا تجد قبيلة من القبائل المغرقة في ~~الهمجية وإلا ولها ساحر تحترمه وتنقاد له. بل لقد كان الساحر أو العراف قديما زعيم ~~القبيلة وسيدها المطلق، وهذا ما جعل زعماء القبائل يلجئون إلى الخداع والمخاتلة لضمان ~~زعامتهم على قومهم، ومع قدم الزمن أدرك الناس أن مخالفة نواميس الطبيعة غير ممكنة، ~~فالشمس لا بد أن تشرق في النهار، والنار لا بد أن تحرق ما يلقى فيها، والحديد لا بد أن ~~يغرق في الماء، والسم لا بد أن يقتل من يتناوله. فإذا حدث ما يناقض جميع ذلك فهو شعوذة ~~لا شك فيها. # ولإيضاح ذلك نقول على سبيل التمثيل: إنه لما ذهب كولمبوس إلى أمريكا في القرن الخامس ~~عشر، توغل بعض رجاله بين قبائل الهنود الحمر، فهجم عليهم هؤلاء ليفتكوا بهم، وكان البعض ~~يعلمون أن الشمس ستكسف ذلك اليوم، فتهددوا الهنود إن هم مسوهم بسوء بأن يطلبوا من ~~«معبودهم» الشمس أن يغضب عليهم! ... وما هي إلا دقائق حتى بدأت الشمس تكسف، فذعر الهنود ~~واستولى عليهم الهلع وخيل إليهم أن أولئك البيض آلهة، فأطلقوا سراحهم واستغفروهم وقدموا ~~لهم هدايا وتحفا كثيرة. ولا يزال بعض ms101 هنود أمريكا إلى هذا اليوم يتناولون قصة الآلهة ~~الذين زاروا بلادهم من أحقاب كثيرة وكسفوا الشمس! # فما أتاه أولئك البيض لم يكن سحرا إذ لم يكن فيه خروج على نواميس الطبيعة. ومع ذلك ~~عده الهنود سحرا، ولعله أقرب إلى الشعوذة منه إلى أي شيء آخر؛ إذ ليس في الشعوذة ما هو ~~مناقض لطبائع الأشياء. إلا أن المشعوذ يستغل معرفته لتلك الطبائع ويستعين بخفة يده ~~ومهارته على خداع الناس. # ومما يدل على ما كان لساحر والمشعوذ كليهما من مقام عند الأقدمين (ولم يكن هؤلاء ~~يفرقون بينهما) أن ملوكهم كانوا يحيطون أنفسهم بالسحرة والعرافين، ففي التوراة أنه لما ~~صنع موسى معجزة أمام فرعون استدعى هذا سحرته وعرافيه، وطلب منهم أن يفعلوا مثل ما فعل ~~موسى. وفي التاريخ أن الإسكندر ذا القرنين كان إذا أراد الخروج إلى الحرب استشار السحرة ~~والعرافين. وكذلك كان يفعل الروم والرومان والفرس وغيرهم. ومن أمثلة هذا أن كهان معبد ~~دلفي ببلاد الروم قديما كانوا يشيرون على الملوك وقادة الجيوش، الذين يستشيرونهم ~~بأشياء لا يمكن أن يؤاخذوا عليها مهما جاءت به الحوادث. قيل إن أحد أقيال الروم ~~استشارهم مرة في محاربة الفرس فقالوا له: «إنك ستخرب مملكة عظيمة»، فلما حاربهم انتصروا ~~عليه. وكان تأويل نبوءة الكهان سهلا، فإنهم لم يعينوا الغالب والمغلوب، فكانت النبوءة ~~تحتمل الوجهين. # وقد كان فراعنة مصر يقربون إليهم السحرة والمشعوذين؛ لينبئوهم بالغيب وليفسروا لهم ~~الرؤى والأحلام وليقرءوا لهم الأفلاك ويطلعوهم على المستقبل. وكذلك كان يفعل ملوك بابل ~~وآشور والفرس والروم والرومان. بل لقد بقيت تلك البدعة متمكنة من النفوس حتى الآن. وما ~~عهدنا بشعوذة راسبوتين ببعيد فقد استطاع ذلك الدجال التغرير بعقل قيصرة روسيا وإيهامها ~~أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء؛ لأن له صلة بالعالم غير المنظور. هذا ولا يزال في أوروبا ~~كثيرون حتى من العلماء ممن ينخدعون بالدجل والشعوذة. # ومن أشد دواعي الأسف أن بعض الخبيرين بأسرار الاستهواء؛ أي التنويم المغناطيسي، ~~يستغلون معرفتهم به للتغرير بالناس ولتمويه الحقائق بطلاء الباطل والشعوذة. # ولقد كانت الشعوذة ms102 ولا تزال مرتبطة بالتطبيب والتنجيم ارتباطا وثيقا. فكان الطبيب ~~في أطوار الاجتماع الأول مشعوذا يستعين بقليل من الخبرة وبكثير من الدجل والخداع. فكان ~~إذا دعي لعيادة مريض عمد إلى وصف بعض الأعشاب والمواد وإلى استطلاع النجوم والأفلاك ~~وتنبأ بما سيكون من أمر العليل؛ ولهذا كان لشخص الطبيب عند الأقدمين حرمة كبيرة، وكان ~~الناس ينظرون إليه كما ينظرون إلى شخص مقدس يجب الخضوع له في كل شيء، وكان الطبيب أو ~~المشعوذ يرث مهنته عن أبيه ويورثها له. ومن هنا نشأت طائفة الكهان أو العرافين الذين لم ~~يكونوا في الحقيقة سوى دجالين مشعوذين، صحيح أنهم كانوا في أقدم عصور الاجتماع يؤمنون ~~عن إخلاص بما لهم من قوى خارقة قد ورثوها عن غيرهم، ولكنهم أدركوا مع قدم الزمن أن ~~دعواهم قائمة على الكذب والدجل، وأنهم مجردون من كل قوة خارقة للطبيعة. ويقول علماء ~~النفس: إن أولئك المشعوذين كان لهم في عدة مواقف فضل على قومهم بما كانوا يوقدونه فيهم ~~من نار الحماسة، وما ينفخونه من روح الشجاعة والإقدام. وتفصيل ذلك أن قادة الجيوش ~~الأقدمين كانوا إذا خرجوا للحرب والقتال يستشيرون السحرة والكهان كما تقدم القول، ~~ويذيعون ما يقوله هؤلاء بين الجنود؛ ليشجعوهم ويستثيروا حماستهم. # وفي التوراة أن شاول ملك اليهود استشار روح صموئيل النبي فيما سيئول إليه أمره من ~~محاربة الفلسطينيين فأنبئ بأنه سينكسر وبأن جيشه سيهلك، ومع ذلك لم يعبأ فكانت آخرته ~~وبالا عليه، وليس هذا مجال البحث في كيفية استشارة روح صموئيل، وإنما نقول إنها تمت ~~على يد عرافة مشعوذة. وكان هو نفسه - أي شاول - قد قطع دابر العرافين والمشعوذين في ~~مملكته. ولعله أول ملك في التاريخ حرم العرافة والسحر والشعوذة، فقد كانت هذه المهنة ~~كثيرة الشيوع، بل كانت من مستلزمات الاجتماع في العصور الغابرة ، وكان النساء الرومانيات ~~كثيرات الشغف بالالتجاء إلى المشعوذين لاستطلاع حظوظهن. ولسنا نعلم جيلا من الناس لم ~~تلجأ نساؤه إلى الدجالين والمشعوذين لاستطلاع أنباء الغيب والكشف عن المستقبل، فإن مثل ~~ذلك الاستطلاع في خلق المرأة منذ أقدم ms103 أزمنة التاريخ. # ولنرجع إلى الشعوذة المحضة منذ أقدم الأزمنة، فنرى أنها كانت شائعة عند قدماء ~~المصريين وكانوا يخلطونها بالسحر. وفي سفر الخروج من التوراة أن سحرة مصر (ويراد بهم ~~المشعوذون) تمكنوا من تقليد الآيات التي صنعها موسى أمام فرعون لحمله على إطلاق سراح ~~الإسرائيليين. ومن ضروب الشعوذة التي كانوا يمارسونها أنهم كانوا يحرقون البخور في غرفة ~~مظلمة، فتنعقد في الجو سحب كثيفة من الدخان تظهر عليها صور مختلفة فتدهش الناظرين، ~~وكانت تلك الصور أو المرئيات تنعكس عن مرايا معدنية مقعرة مستورة عن الأنظار. # ومن أعمالهم أيضا أنهم كانوا يرسمون صور الآلهة على جدران الأقباء أو الدهاليز ~~المظلمة المقامة تحت الأرض، وما هي إلا لحظة حتى تلتهب تلك الصور كأنها بقوة سحرية. ~~والمعروف أن تلك الصور كانت من مواد قابلة للالتهاب، فإذا مست النار جزءا منها سرت في ~~سائر الأجزاء وأحدث التهابها دهشة عظيمة! # وهناك ضروب أخرى من الشعوذة كان يمارسها قدماء المصريين. وعنهم أخذ اليونان حتى قيل ~~إن كهنة دلفي وأفسس وغيرهم تلقوا السحر والشعوذة عن المصريين. ومن عادة الرومان أنهم ما ~~كانوا يقيمون وليمة إلا وللشعوذة منها نصيب كبير. # ولم يتفق العلماء حتى الآن على تعليل الشعوذة التي كان يقوم بها كهان دلفي ببلاد ~~اليونان. فقد كان الملوك وقادة الجيوش يقصدونهم إذا عزموا على القيام بغزوة أو حرب، ~~ويستطلعون ما هو مقدر لهم في صحف الغيب كما قدمنا. فإذا ألقوا على أولئك الكهان سؤالا ~~سمعوا أصواتا لا يعلمون من أين هي ردا على سؤالهم. ومن المحتمل أن الكهان كانوا ~~يحسنون إخراج الأصوات من بطونهم؛ وهو ما يعرف اليوم «بالفتيرولوكويسم». # وإذا عدنا إلى العصور المتوسطة رأينا أن الشعوذة كانت منتشرة فيها انتشارا عظيما. ~~فقد أشار تشوسر الشاعر الإنجليزي إلى مرئيات غريبة كانت تظهر في بعض الاحتفالات وتمثل ~~مواقع قتال ومشاهد صيد وحوادث مختلفة. وذكر السر چون مندفيل أنه شاهد مثل ذلك في قصر ~~أحد أقيال الشرق. وروى «تشليني» في أواسط القرن السادس عشر أنه رأى صورا ورسوما مدهشة ~~بارزة على ms104 ستار في الظلام في بناء الكولوسيوم بمدينة روما. والأرجح أن جميع هذه المناظر ~~كانت مما يعرف اليوم بالفانوس السحري. وقد كان البعض يعتقدون أن الفانوس السحري من ~~مخترعات القرن السابع عشر. # ومما يجدر بالذكر أن الفيلسوف ديكارت الذي نبغ في النصف الأول من القرن السابع عشر ~~صنع تمثالا شبيها بالإنسان الميكانيكي، الذي شاع صنعه اليوم في أمريكا والذي يسمى ~~«روبوت» أو «أوتومات»، وكان ينطق بكلمات وعبارات تدهش السامعين. قيل إن ديكارت كان ~~مسافرا ذات يوم في سفينة ومعه هذا التمثال، فلما رآه ربان السفينة تشاءم منه وقذفه إلى ~~البحر وفي أواخر القرن السابع عشر عرض رجل إنجليزي يسمى توماس إبرسون في قصر تشارلس ~~الثاني تمثال رجل يتكلم ويجيب على أسئلة السائلين. وتعليل ذلك أن التمثال كان دقيق ~~الصنع جدا، وكان مجوفا يختفي في داخله رجل ذكي الفؤاد يتكلم عدة ألسنة ويخرج من ~~جوفه أصواتا غريبة كأنها آتية من بعد. ولم تنكشف جلية هذا الاختراع إلا بعد مرور ~~الزمن. # ومن ضروب الشعوذة أن أحدهم قد يدفن نفسه حيا ويظل مدفونا أياما في مكان لا يتطرق ~~إليه النور أو الهواء أو الغذاء حسب الظاهر. ومع ذلك ينتفض بعد أيام من قبره كأنه ينفض ~~عنه غبار الموت. # ومن أعمال مشعوذي الهند أيضا أنهم يمشون حفاة على النار جيئة وذهابا ولا تحترق ~~أقدامهم. ولعل هذا من قبيل الخداع البصري أو لعله يستند إلى الاستهواء؛ أي التنويم ~~المغناطيسي. وأغرب منه ما يفعله بعض دراويش الهند حين يلقي حبلا في الهواء فينتصب ~~الحبل في الجو فيتسلقه الدرويش كأنه يصعد في الجو، ويظل صاعدا صاعدا إلى أن يختفي عن ~~الأنظار. وما هي إلا لحظة حتى يظهر بين الجمهور بغتة. أو قد يتسلق الحبل الممدود في ~~الجو ومعه ولده وبيده سكين، ومتى وصل إلى ارتفاع كبير عمد إلى الولد فذبحه وألقى رأسه ~~بعيدا وظل الدم يسيل غزيرا، فيهيج الجمهور ويريد الفتك بذلك الدرويش، الذي يختفي في ~~الجو فجأة، ومتى هدأت ثائرة القوم ظهر بينهم ومعه الولد المذبوح! # وقد ms105 حاول الكثيرون أن يعرفوا سر هذه الشعوذة فلم يوفقوا إلى ذلك. وحاول بعضهم رشوة ~~بعض دراويش الهند بمبالغ كبيرة؛ ليكشفوا لهم سر تلك الظاهرة فلم يفوزوا بطائل. وعند بعض ~~علماء النفس أن التعليل الوحيد لتلك الظاهرة هو التنويم المغناطيسي؛ أي إن المشعوذ ~~يستهوي الجمهور وينومه تنويما مغناطيسيا ويوهمه أنه يرى ذلك المنظر الغريب. # ومن هذا القبيل ما عرضه منذ سنة تماما رجل هندي من البراهمة في إنجلترا، فإنه كان ~~يثب أمام جمهور النظارة في الهواء ويجلس القرفصاء وهو غير معلق بشيء أو مستند إلى شيء، ~~وكان يظل كذلك مدة وهو مكتوف اليدين، وقد تبين بعد ذلك أنه كان في الحقيقة يجلس على ~~أسلاك حديدية غير منظورة. # ويقول الكاتب: لعل أغرب أنواع الشعوذة في الوقت الحاضر ما يشبه أعمال دراويش الهند من ~~قطع رأس الإنسان أو نثر بعض أعضاء جسمه، ثم إعادة الرأس المقطوع أو الأعضاء المبتورة ~~إلى أماكنها. وليس من السهل شرح هذه الحيلة في مثل هذه العجالة، وإنما نقول: إنها ~~تستلزم استعدادا خاصا وأدوات وآلات خاصة. ~~(3) الخرافة # كان الإنسان البدائي يخاف كل شيء، يحدث له ضررا أو هلاكا كالسيول والأمطار ~~الجارفة والضواري، وأخذ يتوسل لدفع شرها ويتوهم أنها تمثل ذوانا أو قل إنها أشخاص يجوز ~~أن تقدم لها القرابين وأن يلتمس منها كف الأذى، ومن هنا نشأت العبادة والتدين؛ أي ~~إنها انبعثت من رهبة الطبيعة وما فيها وتطورت إلى شعور بالارتياح والشكر حين ينجاب غضب ~~الطبيعة وينتهي أذاها. # وليس ببعيد أن تكون هذه الأحداث موضوع رواية يتناقلها الناس جيلا بعد جيل محشوة ~~بالمبالغات والأوهام، مما يتصوره عقل البدائي الساذج وبما يشهده في حلقات جماعته في ~~دعائهم وشكرهم، وأن يكون من أثر هذا وضع الأناشيد والقصص والأشعار والموسيقى الهمجية ~~الساذجة. # هذا ويسود المرويات الروح المنفصلة؛ أي استقلال الروح، وهي مركز الحياة عن الجسم كما ~~هو المشاهد في القصص الخرافية القديمة، فهي في الواقع متضمنة علوم القدماء وخيالهم ~~وأدبهم وفنهم. ~~(4) الطب والسحر # السامي متفائل بطبعه، راغب في الحياة آخذ بأسبابها، رافض ms106 فكرة الفناء معتقد في الحياة ~~الأخرى وفي الثواب والعقاب، فهو - لهذا - ساع لجعل الحياة سعيدة، ومعني بالصحة وسلامة ~~البدن إلى حد عد هذا عقيدة دينية تطالبه بالطاعة لها. أما ما يحول دون ممارستها فعنده ~~أن ذلك يرجع إلى الأرواح الشريرة، وكان عنده أن السحر وسيلة للعلاج. # وعند صاحب اللسان أن الطب هو السحر، الذي قال فيه ابن الأسلت: # ألا من مبلغ حسان عني # أسحر كان طبك أم جنون ~~(5) رأي المؤلف # لقد أوردنا فيما تقدم آراء العلماء في السحر. وعندنا أن السحر يقوم على عنصرين: ~~أولهما ما ينزل بأعصاب الإنسان البدائي والإنسان المتحضر نفسه من ضعف وفتور حيال قوارع ~~الزمان وأحداثه. ولما كان في كل إنسان، مهما تكن منزلته من التحضر والعلم والرقي، ناحية ~~من السذاجة؛ سذاجة الطفولة التي من أثرها التصديق أو الإيمان ببعض الأقوال، خاصة إذا ما ~~ألقيت إليه على الصورة التي تستهوي النفس وتخلب اللب، وخاصة إذا ما وقع هذا حين ينزل به ~~المكروه، ويعز العلاج ويتلمس المنكوب النجاة؛ كانت النفس الإنسانية متأهبة لتلقي ما ~~يشعرها بقوة الشفاء من ناحية علوية أو خفية غير منظورة بعد أن باء العلاج المادي ~~بالفشل، بل كانت هذه النفس متعطشة لهذا التلويح أو التلميح بالقوة المشار إليها «قوة ~~السحر»، أوليس الإنسان هدفا لألوان الخداع والغش والغبن والاحتيال، حتى إذا لم يزعم ~~المحتال لنفسه قوة سحرية؟ # أما ثاني العنصرين فإنه يقوم على قوة شخصية الخاتل أو الساحر: زعامته في بني قومه، ~~نفوذه الأدبي، ذلك أن نظراته نفاذة وأقواله مؤثرة في نفوسهم، سواء أكانت موجهة عن قصد ~~التأثير والخداع أم عن غير تعمد ذلك. ومن أجل هذا اختلط على الإنسان البدائي ما تنطوي ~~عليه زعامة الزعيم وعلم العالم وسحر الساحر ونسك الناسك وقداسة القديس بل ألوهية الإله، ~~فقد كان هذا الإنسان يتصور هذه القوى متجمعة في إنسان أو جماد ما. وصحيح أن إنسان عصرنا ~~الحاضر قد أصبح يفرق بين هذه القوى ويعرف الكثير عن مصادرها، غير أن النفس البشرية لا ~~تزال تنتظر، إذ تمتحنها ms107 المحن، إلى قوة روحية خفية تنقذها من الخطر، وقد توفق النفس إلى ~~هذه القوة الروحية الصالحة، وقد تخدع بسحر الساحر وتقع في أحبولة المخادع. # بل إننا نكاد نذهب إلى أبعد من هذا، فنقول إنه قد يكون من مصلحة المنكوب اليائس من ~~العلاج الطبيعي أو المادي، أن تقوى روحه المعنوية بشيء من الاستهواء والمخادعة، فلقد ~~طابت نفوس يائسة على أثر زيارتها لضريح ولي واستماعها لدعاء جاهل، أو أقوال قارئ كف أو ~~«عزائم» أو كاتب «تمائم» أو فاتح «رمل أو فنجان» أو المنوم مغناطيسيا أو بعد حفلة ~~«زار». # الفصل الثالث عشر # | العقل والعلم والتعليم # المفترض أنه كان للإنسان البدائي منذ 40 ~~ألف أو أكثر، عقل يفكر، والمظنون أن تفكيره كان ساذجا همجيا يماثل تفكير الطفل ونظرته ~~إلى ما حوله، كما يشبه تفكير أفراد الأقوام الهمجية الذين لا يزالون إلى اليوم يعيشون على ~~الفطرة في أفريقيا وآسيا وأستراليا وأمريكا، وكما يبدو مما خلفه لنا الأقدميون من الآثار ~~والخرافات، ثم مما يفكر فيه ويتناقله الجهلاء في الأمم المتحضرة الآن. وليس ببعيد أن ~~البدائيين كانوا جماعات صغيرة متناثرة، وأن أفراد الأسرة كانوا يخشون أباهم ويحترمون أمهم، ~~وأن الأبوين كانا يغاران على أولادهما، وأن الأم كانت، إلى هذا، المستشار الطبيعي والحامي ~~لهم، وأن الحياة الاجتماعية واجهت المرحلة التي كان فيها الآباء حريصين على استبقاء الأبناء ~~في رعايتهم المتواصلة، في حين أن الأبناء كانوا يجاهدون للتخلص من هذه السيادة وللاستمتاع ~~بشيء من الحرية والاستقلال مع ما كان يساورهم من الخوف من المخاطر وسيئات الوحدة. ولقد أبان ~~عالم السلالات البشرية البريطاني «ز. ز. أتكينسون» في كتابه «القانون البدائي»، كيف أن ~~الكثير من قواعد قانون الهمجيين كقبيلة «الطابو» يدل على إدراك عقلي لحاجات الحياة القبيلية ~~المتطورة. # وعند بعض الباحثين أن الخوف الشديد من الأبوين نهارا كان يتراءى للصغار في أحلامهم ~~ليلا، بل كان يلازمهم بعد موتهما؛ إذ كانوا يعتقدون أنهما لم يموتا بل إنهما قد انتقلا إلى ~~أبدية كبيرة السلطان، ومن هنا نشأ الاعتقاد في الأرواح والآلهة وتجسدهم في ms108 الأفراد، وفي أن ~~الحيوان مماثل للإنسان روحا وتجسدا، وأن من الحيوان الصديق والعدو والإله، وأن للأشجار ~~والنجوم والأنهار والبحار ما للإنسان والحيوان من الاحترام والتقديس، وحق الطاعة والعبادة ~~والخوف والروح وعاطفة الحب والبغضاء. ولقد كان خيال الإنسان البدائي ينسج حول هذا كله من ~~الأساطير والحكايات ما يتناقله الأبناء عن أمهم، بل إن أطفالنا اليوم لا يفتئون يخترعون ~~القصص الغريبة حول الدمى والحيوان الأليف. وكان الإنسان البدائي، على نقيض «النيانديرتالي» ~~الأبكم، يعرف بضعة الأسماء والكلمات ينطق بها في صورة ساذجة، ويكملها بالأصوات والإشارات. ~~ولم يكن للبدائي علم يقوم على القاعدة المنطقية من استخلاص النتيجة من المقدمة. وكان أهم ما ~~يشغله ويقلق باله أن لا يجد الوفير من الطعام وأن يصاب بالأمراض الفتاكة؛ فعند هذا يستصرخ ~~البدائي إنسانا أو حيوانا أو جمادا؛ لكي يجود عليه بالطعام ويرفع عنه المقت والبلاء، كما ~~أن البدائي كان يعتقد في المئات والألوف من وسائل الشعوذة والسحر والتفاؤل والتشاؤم، مما ~~كان من أثره أن نشأت طبقة من المسنين في الجماعة، ينهضون بعبء رجل الدين وتفسير الأحلام ~~والدعاء والصلاة والطب. ومن هنا استأثر هؤلاء بذلك العلم الساذج الهمجي الذي كان أصلا ~~للعلم الحديث. ~~(1) عقل الحيوان # عند بعض العلماء، ولا سيما أنصار مذهب التطور، أن للحيوان أو لبعض أنواعه عقلا يفكر ~~بعض التفكير، وأن القوى العقلية الحيوانية تختلف عن القوى العقلية الإنسانية في الكم لا ~~في الكيف والنوع. أما علماء المنطق فيغلب أنهم إما أن يعدوا العقل الحيواني يختلف عن ~~العقل الإنساني في النوع لا في المقدار، وإما أنهم يذهبون إلى أنه ليس للحيوان عقل ما، ~~وأن كل ما يبدو من الحيوان من معرفة ليس مرجعه ذكاء أو عقل، وإنما مرجعه الغريزة ~~والتكرار الآلي. # هذا ويدرس علماء النفس والعقل الباطن من المدرسة الحديثة أمثال فرود وبونج ومكدوجال ~~وبودوين، الأحلام والخواطر والجنون كما يدرسون العقل الإنساني والأساطير ومنشأ اللغات ~~والأديان. # وعندهم أن العقل الإنساني قد جاز مراحل ثلاث، أولها مرحلة العقل الحيواني؛ ذلك أن ~~الإنسان في بداية ظهوره على الأرض ms109 منذ ملايين السنين كان تفكيره مشربا بعقل الحيوان، ~~فإذا أسلم الإنسان قياده لخواطره فهناك ينساب هذا العقل فيخيل له الأكلة الشهية أو ~~المرأة الجميلة؛ لأن هاتين الشهوتين هما محور الحياة عنده، فتفكير المراهق يتجه إلى ~~المرأة. وهذا يتسق مع ما نراه من إلحاح هذه الشهوة على الحيوان حين تتقاتل الذكور وتموت ~~من أجلها. وإنما تخف هذه الشهوة حين يخرج الإنسان من طور المراهقة إلى الشباب وإلى ~~الكهولة؛ وذلك لأن الإنسان منذ تكونه جنينا إلى أن يحمل إلى القبر يمثل في نفسه تلك ~~الأطوار، التي مرت بالأحياء قاطبة من بدء ظهورها في العالم إلى الآن. فهو في باطن أمه ~~حيوان رابض غائب الذهن أخرس منطرح كالسمك ثم لا هم له بعد أن يولد إلا الطعام. وهذا هو ~~الشأن في تطور أنواع الحيوان كلها، فإنها قضت فترة طويلة وهي لا تعرف الحب، بل لا يزال ~~بين الأسماك ما يلقي الذكر بذره في الماء كما يطرح النخل لقاحه للريح. ثم يظهر الحب ~~والأسرة فيخرج الصبي من الشغف بالحلوى، والنهم للطعام إلى إحساس الحب للجنس ~~الآخر. # ولكن إلحاح هذه الشهوة الجنسية يخف بالتقدم في السن. وكما أن الشاب خرج من طور ~~الطفولة من حيث الطعام فلا يجعل للنهم من السلطة عليه مقدار ما للصحة، كذلك الكهل يخرج ~~من غرام الشباب وإلحاح الغريزة الجنسية إلى تسليط العقل الحديث ومراعاة المصلحة ~~العائلية. # هذا وقد أمضى الإنسان نصف مليون سنة على هذه الأرض بعد الحالة الحيوانية خلال ملايين ~~السنين إلى المرحلة الثانية؛ أي الهمجية، فكان أبكم أو شبيها بالأبكم لا يحمل من ~~الآلات إلا أجفاها، يعيش منعزلا لا يعرف الاجتماع، حظه من الثقافة قد لا يزيد على حظ ~~طفل عمره ثلاث سنوات، يقتل خصمه من أجل جذر من اللفت، ويأكل العصفور أو الصرصور، ويقتل ~~زوجته إذا رآها آثرت نفسها عليه في ثمرة فجة أو بضعة من لحم، ويخشى الظلام والوحوش ~~وينتفض من تهافت ورقة جافة أو من رؤية ثعبان أو قنفذ. # فالخوف هو طابع الإنسان الهمجي، وهو ms110 ~~ما ورثه الإنسان الحاضر عنه. والغيظ أو الحقد كلاهما يعمل في النفس عمل الخمر فتستيقظ ~~كفاياتنا القديمة وتكبت كفاياتنا الجديدة. وقد تمر بنا ساعات نستذكر أو نردد فيها إهانة ~~لحقتنا من أحد الناس، فنرى يدنا تنقبض ونحن لا ندري ثم يجري خيالنا بالعصا الغليظة ننزل ~~بها على أم رأسه ضربا وخبطا، ونحن نصحب هذا الضرب باللعنات الدسمة ونشعر عندئذ ~~بالراحة. والواقع أننا نستريح؛ لأننا نرضى بهذا الخيال، هذا الجد الهمجي القديم الذي ~~يضمره كل منا في نفسه، والذي نكبته أحيانا في يقظتنا فيتغفل عقلنا الواعي ويبدو خواطر ~~لذيذة أو أحلاما نرى فيها هذا الخصم مقهورا أو مقتولا. وقد مضى على هذا الإنسان نحو ~~7000 سنة، وهو يعيش مجتمعا له ثقافة الزراعة ولكنه لما يمح هذا العقل الهمجي ~~القديم. # وبعد العقل الهمجي ظهر تحضر الإنسان بتعلم الصيد والاجتماع ثم بالزراعة وهذه هي ~~المرحلة الثالثة للعقل. وفي هذه المدة تثقف الإنسان بأشياء عديدة فعرف اللغة والكتابة ~~والبناء والمحرمات في الزواج والملكية وعرف الحرب والصناعة والطهي والخبز، ثم نشأت له ~~أديان ونبتت عليها آداب من شعر وقصص وأساطير. هذا هو عقل الحضارة القديمة، عقل ~~الأدب. # وإذا قلت عقل الأدب فإنما أقصد به عقل ~~الخواطر، فإن الأدب يختلف من العلم بأنه يجري مع الخواطر؛ لأنه عند التحليل لا يعدو أن ~~يكون خيالات العقل الباطن تجري في غيرما تكلف أو عناء في قصيدة أو في قصة. ومن هنا ~~كانت الكتب القديمة هي كتب آداب من أشعار وأساطير وليست كتب علوم؛ لأن «هوميروس» صاحب ~~الإلياذة يسبق على الدوام «أرخميدس» صاحب المخترعات والآلات. وهذه قاعدة تجري على ~~إطلاقها عند جميع الأمم. وماذا نعرف نحن عن العربية الجاهلية سوى الأشعار، وماذا نقرأ ~~من مؤلفات المصريين القدماء سوى قصصهم وأساطيرهم. فالأدب هو موضوع كتب الحضارات ~~القديمة؛ لأنه ثمرة الخواطر غير المقيدة التي لا يقفها نقد أو تعوقها مراجعة أو يعتورها ~~تحقيق. # والعقل الأدبي يسبق العقل العلمي. وتجارب الفرد هي صورة مصغرة لتجارب الأمة. ولكن كما ~~أن الكهل يعدو طور ms111 الغرام الملح الذي يغمر نفس الشاب، ويشرع ينظر إلى الحب نظر المصلحة ~~العائلية، كذلك العقل العلمي الذي هو عقل الثقافة الحديثة قد شرع يتغلب على العقل ~~الأدبي. # تابع العقل الأدبي العلمي تطوره ونضجه خلال الحضارات القديمة إلى الحضارات الحديثة، ~~فأصبح عقل الثقافة الحديثة هو العقل الجديد؛ عقل العلم والاختراع والكشف، وخرج من الأدب ~~إلى المجادلات اللفظية التي نرى بذرتها في أرسطوطاليس، والتي تجدها في كتب الغزالي وابن ~~رشد وكتب اللاهوتيين من الأوروبيين. وهذا التحقيق في الألفاظ والتعارف إنما كان رياضة ~~ابتدائية للتحقيق في الحقائق ذاتها. # فالعقل العلمي هو أحد العقول المضمرة في النفس الإنسانية، وهو لذلك أقلها نباتا لم ~~تضرب له عروق ولم تتسق له فروع في أنفسنا. ومن أجل هذا توقظ الحوادث في نفوسنا، عقولنا ~~البائدة أو الخفية الباطنة، مستعيدين غرائزنا الحيوانية والهمجية. وحسبنا من الشواهد ~~على هذا ما يبدو من المخمورين والهاذين والغاضبين والمجرمين والمتضاربين والمتقاتلين، ~~والجائعين من أمارات الحيوانية وضروب الهمجية. ~~(2) العلم والأدب # العلم - في المعنى الواسع - مرادف للمعرفة والتعلم والتلقي. ومن هنا يستطاع إطلاق ~~«العلم» على أي شيء يوصف ويعرف، بتشديد الراء، وعلى الإبانة عن أي فرع يقصد إليه. أما ~~في الإطلاق الاصطلاحي العام، فإن المعنى يكون أكثر تقييدا بأن نميز العلم عن فروع ~~المعرفة تمييزا دقيقا، فيمكن تعريفه بأنه المعرفة المنظمة للظواهر الطبيعية والصلات ~~التي بينها، فهو لفظ موجز للعلم الطبيعي. # هذا وبينما العلم مادته العمل والأثر، ونطاقه دراسة القضايا العامة؛ فإن الفن مادته ~~الفكر والنظر. # فمادة العلم إذن هي الطبيعة أو المادة وقوانينها الثانية المطردة النسق العامة الصبغة ~~المجردة من النوازع الذاتية، وهذا يتطلب تعاون العقول جميعا لإعداد القواعد العامة ~~الثابتة. # أما مادة الأدب: فالطبيعة الإنسانية والخيال العقلي. # هذا وقد شرعت الشعوب القديمة تتحسس «العلم» بما كان يبدو من تتبعها للأحداث الطبيعية ~~وتحديقها في ظواهر الطبيعة، ومن أمثلة هذه: حركة الأجسام السماوية، واتخاذ الأدوات ~~الساذجة الخشنة التي كانت تعاون الإنسان على مضاعفة السهر على سلامته وراحته. ولا بد أن ~~يكون العلم البيولوچي قد بدأ ms112 أيضا عن طريق تتبع حياة النبات والحيوان النافعة للإنسان ~~والجراحة والطب الاختياري والتدجيل. ثم إن الإنسان، حين ارتقى مستواه، قد وسعه أن يحيط ~~بالمعرفة المنظمة مبتدئا بإدارة الأسئلة حول معنى الظواهر وأسبابها، وبإدراك ما بينها ~~من العلاقات. # ويبدو أن الإنسان قد خال أن ما كان يشهده من التغييرات والأحداث، إنما كان من أثر ~~تدخل كائن غير منظور مثل عجلة إله الشمس التي حسبها مسوقة في السماء يوما بعد يوم، كما ~~حسب أن السحب فيها بقر يدر اللبن فينزل من السماء إلى الأرض مغذيا تربتها بالخصوبة! ~~صحيح أن هذه الأساطير صبيانية، لكنها تنم، ولا ريب، عن التقدم نحو الشعور بحاجة الإنسان ~~إلى توضيح ما يرى. إنها فروض هيأت إلى تعرف الجمال والإلهام الشعري والفني، قائمة بمهمة ~~أولية وخطيرة في التمهيد إلى بحث أوفى، مكسبة معرفة مفيدة وعظيمة في التحليل المنطقي ~~قبل أن تتأيد هذه الإيضاحات الأولية. هذا وثم نظريات صحيحة قد لا ينتفع بها في عصر ~~الهمجية، كنظرية «نيوتن» في الثقل، في حين أن النظريات الباطلة كان ينتفع بها يومئذ، ~~وأن النظريات الصحيحة مجدية في عصر الحضارة. # ولعل ظواهر السماء كانت أول ما استرعى نظر الإنسان الأول؛ ولذا كان علم الفلك على رأس ~~العلوم الإنسانية. فقد برهنت آثار ما قبل التاريخ على أن الإنسان البدائي كان يعرف ~~شيئا من الملاحظة التنجيمية، وعلى أن الكلدانيين قد عرفوا شيئا من قوانين الكسوف ~~والخسوف. # وعن آسيا أخذ اليونانيون الأفكار الأولى للعلم، وفي فلسفة ثيلز ميليتاس (580ق.م) ~~وفلاسفة اليونان، يتبين المثل الأول في تقدم النظرة المثيولوچية للطبيعة، ثم جاء ~~أناكسمينز فأيد دوران السماء حول النجم القطبي، ذاكرا أن القبة التي فوقنا نصف دائرة ~~كاملة، وكانت الأساطير تصور الأرض محرومة من قاعدة تمتد إلى الأعماق؛ أي لا عمق لها، ~~وأنها تركت حرة لتكون كأسطوانة سطحت عند مركز الكرة الكستيلية. هذا ويبدو أن أناكسمينز ~~قد عرف أيضا مذهب تناسق الطبيعة القاضي بأن جميع التغييرات المادية لا بد أن يكون لها ~~سبب حقيقي. # بعد هذا جاء الفيثاغوريون فبسطوا ms113 هذه النظريات: فعندهم أن الأرض ذاتها قد تكون دائرة ~~تدور حول نقطة مركزية ثابتة كحجر في طرف خيط، وأن الجزء غير المسكون من الأرض هو النقطة ~~الثابتة. أما الجزء المسكون فهو يواجه الأجزاء المختلفة للسماء. وقد وضعوا في النقطة ~~المركزية الثابتة نارا عامة كنار المذبح تستخدم كمركز لدوران الأرض العابدة. ثم إنه في ~~القرن الرابع قبل الميلاد لم يأت الكشف الجغرافي بما ينبئ عن أية علامة على هذه النار ~~المركزية، بل إن فكرة وجود النار قد ماتت وحل محلها نظرية دوران الأرض حول محورها. وكان ~~عند «أريستارخوس في 280ق.م» أن الشمس أكبر من الأرض، وأنه لا بد أن تكون الأولى دائرة ~~حول الثانية، غير أن أكثر معاصري «أريستارخوس» لم يحفلوا بنظريته، فلبثت الأرض قرونا ~~مركز النشوء. # هذا وفي الوقت الذي ولد فيه علم الفلك، ظهرت مسألة المادة. ذلك أن الفلاسفة الطبيعيين ~~الأبونيين كانوا يتتبعون سير التغييرات من الأرض والمادة إلى تركيب جهاز النبات وأجسام ~~الحيوان. ومن هذا التتبع نشأت نظرية أن المادة لا تفنى. ~~(2-1) الإحصاء وتعداد النفوس # يفسر «معجم ليتراي» لفظة إحصاء بعلم غايته إظهار مساحة البلاد وعدد سكانها ~~ومواردها الزراعية. هذا ويبدو أن باو إمبراطور الصين أمر في سنة 2238 قبل المسيح ~~بإحصاء رعاياه وتقدير مقتنياتهم. أما موسى فقد أحصى الشعب العبراني على ما هو مبين ~~في سفر العدد بالتوراة؛ وذلك قبل المسيح بسبعة عشر قرنا، وأحصي الشعب الفرنسوي ~~سنة 1328. وكان نابليون الكبير شديد العناية بالإحصاء، ففي سنة 1801 أمر بإحصاء ~~الشعب الفرنسوي. ومنذ ذلك الحين اتسعت دائرة الإحصاء، فأول إحصاء قضائي حدث سنة ~~1825، وأول إحصاء تجاري وصناعي تم في سنة 1834، أما أول إحصاء في السكك الحديدية ~~فقد كان في سنة 1846. # هناك نظريتان عن تعداد النفوس والإحصاء، أولهما أن الإنسان البدائي لا يمكن أن ~~يكون قد عرف ذلك. أما النظرية الثانية فلا تجعل معرفته بالتعداد والإحصاء أمرا ~~مستحيلا. يبدو هذا كما ذكرته التوراة من أن داود أحصى شعبه. وكان الغرض من الإحصاء ~~تعداد الرجال للحرب وتقدير الجباية. وكان ms114 الرومانيون، لما طبعوا عليه من النظام، ~~مغرمين بالإحصاء؛ فقد ذكر الإحصاء وتعداد نفوس في عهد أوغسطس إمبراطور ~~الدولة. # أما في القرون الوسطى فكان الإحصاء من أجل تقدير الرجال والمال للأغراض الحربية. ~~أما الإحصاء الحديث فيبتدئ من سنة 1749 حين أحصت السويد سكانها إحصاء لا يختلف عن ~~الإحصاءات التي تجريها الحكومات الآن من حيث المبدأ. وفي سنة 1753 حاولت الحكومات ~~الإنجليزية أن تجري إحصاء فرفض البرلمان؛ لأن الأعضاء شعروا أن الغاية من هذا ~~الإحصاء هو معرفة الزوايا التي تختبئ فيها الثروات بغية فرض ضرائب عليها؛ وذلك لأن ~~في ورقة الإحصاء أسئلة خاصة عن مقدار الدخل وماهية الصناعة وما إلى ذلك. أما ~~الإحصاء العام الآن في جميع البلاد المتدينة فهو يؤخذ مرة كل 10 سنوات أو مرة كل 5 ~~سنوات. ويذكر فيه هل الشخص متزوج أم أعزب، أبله أم عاقل، أعمى أم مبصر، وكذلك قيمة ~~دخله وصناعته وما إلى ذلك. # ونحن في غنى عن بيان ما للتعداد والإحصاء من الفوائد والضرورات. ~~(2-2) علم الطب والصيدلة # ليس من اليسير تقصي فكرة العلاج والطب واتخاذ الأدوية، وإن كانت الأمراض قد صاحبت ~~الإنسان منذ ظهر على الأرض. غير أننا سنذكرها شيئا عن الطب القديم. # النصوص القديمة للطب # تقسم أعضاء الجسم، فنذكر أمراض الرأس ودواءها، وأمراض الصدغين فالأذن فالعين ~~فالصدر، كما نذكر الحمى الباطنية والسعال والبلغم وضيق التنفس وضيق الصدر ~~والأمراض الجنسية والتناسلية والنسوية والأعصاب والعضلات والطفح الجلدي الدموي، ~~والعلاج بالعمليات والرياضيات والتدليك والبخور والحمام الساخن، والأعشاب ~~ومستخرج الأشجار كالتين والكمثرى والثوم والبصل والسمسم والورد والمر، وأنواع ~~الحيوان والطيور والمعادن النحاسية والبرنزية. # أما مناجاة القدماء لإله الطب فكانت تجري في الصيغة التالية: # أيا رب الحكمة وإله المعرفة والجد الأكبر للأطباء وسيد البحار ~~والأمواه والجاعل من الماء كل شيء حي. # هذا وقد قدس الثعبان قديما؛ لأن جلده ثوب يجدد شبابه وحياته فهو خالد لن ~~يموت! # ثم إنه قد وجدت في مكتبة آشور بانييال ملك آشور في القرن الثالث عشر قبل ~~الميلاد نقوش بابلية قديمة تصف الأمراض والعقاقير، ms115 فهناك عمود به الدواء ~~والثاني الداء والثالث استعمال الدواء. ~~(2-3) الأدوية # يقال إن هناك وصفا لدواء يستنشق للشفاء من الزكام على لوح من الحجر تاريخه 3700 ~~قبل الميلاد. ~~(3) التربية والتعليم # كان العلم وقفا على القلة المحدودة من أبناء القبيلة أو الأمة. ومن هنا كانت فكرة ~~التعليم والتدريس ساذجة جاءت مقترنة بالرغبة في أن يطيع المرءوسون والعبيد السادة ~~بعبادة الآلهة والانتظام في الجندية وحضور حلقات الرقص والأناشيد في الأسواق والحفلات. ~~وقد بدأت المدارس في غيرما تنظيم لساعات الدراسة أو تخصيص أمكنة لها، وظهرت مع ظهور ~~الفلاسفة الذين كان يحلو لهم التحدث إلى الأطفال والصغار. # هذا وفي بعض الأساطير والرسوم الأثرية في مصر وآشور وأورشليم «القدس» والصين، ما يدل ~~على أن نشأة التدريس ونظم التربية خاصة العسكرية قد ظهرت قبل عصر التاريخ في صورة أولية ~~غامضة وساذجة. # الفصل الرابع عشر # | المثيولوچيا: الأساطير والأدب # المثيولوچيا علم يبحث عن الموتى وقصص الكون والآلهة والأبطال، وهو أيضا اسم لهذه القصص. ~~فمثيولوچية الآلهة هي مجموع القصص اليونانية عن المقدسات والآلهة. وعلم المثيولوچيا هي ~~المحاولات العديدة لتفسير المرويات القديمة. فقد أحس الناس قبل عصر التاريخ بحاجتهم إلى ~~استيضاح المرويات وتوضيحها، أما في عصر التاريخ فهناك قصص اليونان والآريين الهنود، فيها ~~المعقول وغيره. # يقول «هور»: إن الناس جميعا يحنون إلى الآلهة. # وعند «أرسطو» أن الأساطير من بنات أفكار المشرعين لتحريض الكثيرين ولاستخدامها في تأييد ~~القانون. تراجع: «مثيولوچية الخرافات كما يوضحها التاريخ» تأليف: آبيه بانييه الذي يقول ~~إنها تاريخ. هذا وقد كان البحث في المثيولوچيا يدور قديما حول الناحية الطبيعية والأخلاقية ~~والدينية والتاريخية. فعند «ثياچينز» أن الفلسفة الطبيعية هي في مرويات هومر. ثم إن «ماكس ~~ميلار» قد بحث المثيولوچيا من الناحية اللغوية في كتابه «مقالات مختارة ومحاضرات عن اللغة»، ~~وعنده أن الكلت والزند واللاتين واليونان والألمان يرجعون إلى أصل واحد. # لقد كان الهمجي يرى الأشياء فيحاول تفسيرها فيروي قصة يتناولها آخرون وعند الهمجيين أن كل ~~شيء قابل للتشخيص. ~~(1) القصص اليونانية # أشهرها «الإلياذة والأوديسي» وقد اختلف المؤرخون في حقيقة شخصية ms116 «هوميروس» الذي يعزى ~~إليه تأليف ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسي»، فعند بعضهم أنه شاعر عظيم فقير سليب البصر ~~في آخر أيامه، وأنه ولد حوالي سنة 850ق.م، وأن أباه يدعى «ميون»، وعند آخرين «ف. ا. ~~وولف» الألماني وآخرين أن الملحمتين لم تكونا قصيدتين طويلتين، وإنما كانتا أناشيد ~~وأغاني قصيرة، وأنه إذا فرض جدلا أنه «هوميروس» شخصية حقيقية، فيكون كل جهده فيهما أنه ~~جمع أشتاتهما ونظمهما قصيدتين كبيرتين، كما أن «الأوديسي» تختلف عن «الإلياذة» أسلوبا ~~وقوة معنى. # أما «الإلياذة» فملخصها كما يأتي: ~~«تروادة» مدينة في آسيا الصغرى، ومملكتها تمتد من جنوبها إلى الدردنيل، وكان ~~ملكها «يريام» له ابن يدعي «باريس»، حدث أنه زار «اسبرطة» حين كان ملكها ~~«منيلوس» غائبا، وقد استطاع «باريس» أن يغري «هيلانة» الجميلة قرينة «منيلوس» ~~بالهرب معه إلى «تروادة». فأثارت هذه الخيانة أبطال اليونان، الذين حاصروا ~~«تروادة»، واشتهر بينهم «أجامنون» شقيق «منيلوس» و«أوريس» حاكم أيتاكا، ~~و«أخيلي» و«باتروكليس»، وكانت تساعدهم «هبرا» زوجة «زوس» وابنته «أثينا» إلهة ~~الحكمة. أما الترواديون، فكان على رأسهم القائد هكتور تساعدهم «أفروديت» ملكة ~~الجمال. وبعد أن لبثت الحرب أعواما عشرة، وعجز اليونانيون عن فتح «تروادة» ~~اقترح «أوديسي» عليهم أن يصنعوا جوادا ضخما كبيرا من الخشب، اختبأ في جوفه ~~«أودوسيس» وبعض زملائه المسلحين. ثم تظاهر اليونانيون بالانسحاب، فأسرع ~~الترواديون ليدخلوا إلى مدينتهم هذا الجواد العجيب، الذي سرعان ما خرج الأبطال ~~من جوفه حين جن الليل فقتلوا الحراس وفتحوا أبواب تروادة ودمروها وأحرقوها ~~وأعادوا «هيلانة»، وعاد الأبطال إلى أوطانهم عدا «يوليسير». # أما «الأوديسي» فهي تتحدث عما لقيه «يوليسير» في رحلته ومغامراته من الأهوال ~~بعد حرب «تروادة»، وذلك حين كانت زوجته «بنلوب» وابنه «تلماكس» يترقبان عودته ~~مع صحبه إلى وطنه «أثاكا». # ومن قصص اليونان «أتلانتا»، و«تيساس واريادن»، و«أورفياس» و«برسيوس» و«هرقل» ~~و«أروس» و«كيوبد وسيكة» و«فيتون». ~~(2) القصص المصرية والشرقية # أقدمها في مصر «كتاب الموتى» في عصر بناة الأهرام ونسخته في «متحف لندن»، وهو مشتمل ~~على دعوات للآلهة ورثاء وقصة أوزريس وإيزيس. # وهناك قصص مصرية قديمة في أوراق البردي وعلى جدران المعابد تصور الحياة ms117 القديمة ~~والعواطف والعبادات. # وثمة قصص هندية على رأسها ملحمة ضخمة عن «الفيدا»، الكتاب المقدس عند الهندوس الذين ~~يعتقدون أنه وحي من الله إلى رجال الأمة وأنبيائه، وعن «ماهابهاراتا» التي تتحدث عن ~~وقائع حرب قامت بين قبيلتي «البانجالا والبهاراتا». # وفي فارس «إيران» ظهر «الأفيستا»، الكتاب المقدس المشتمل على قصص وحكم عجيبة. # الفصل الخامس عشر # | اللغة والكتابة والطباعة # (1) اللغة # اللغة هي مجموع الألفاظ التي تنطق بها أمة من الأمم وتشيع بين أفرادها، الذين ~~يستخدمون هذه الكلمات أداة للتعبير عن أخبارهم، وتبادل الأفكار بينهم أو قل إن اللغة هي ~~قوة التعبير عن مشافهة. # هذا وتطلق اللغة على النطق والتكلم والقوة الناطقة كما تطلق على الألفاظ، التي يعبر ~~بها المتكلم عما يخالج نفسه من المعاني الآتية إليه من الإحساس والشعور وقوى التفكير؛ ~~ولهذا تعرف بأنها العمل العقلي المتكرر دائما لإبراز الفكر الإنساني في أصوات منظمة ~~وألفاظ مؤتلفة. # ويرجع هذا الإطلاق إلى «الأنثروبولوچيا»؛ أي علم الإنسان، أو على الأخص إلى دائرة من ~~العلوم الطبيعية «الفيزيولوچيا»، ثم إلى علم النفس الذي هو بحث من بحوث علم اللغات ~~«الفيلولوچيا» وهو الجانب المادي؛ لأنه مجموعات الألفاظ التي تختلف تبعا لاختلاف ~~الأجناس البشرية والأمم والشعوب. وهي إما ألفاظ كانت مستعملة قديما، أو ما زالت في دور ~~الاستعمال كاللغات الحالية. # وعند الكتب المقدسة أنها هبة إلهية وصلت من الرب إلى الإنسان، وثمة مذهب آخر يقول ~~إنها ترجع إلى نشأة طبيعية هي التدرج الفكري المرتبط بطبيعة الإنسان، وتكوين أعضاء ~~النطق فيه من حنجرة وحلق وخيشوم ولسان ~~وأسنان وشفتين، مع ما للقوى الفكرية من أثر في تحريك تلك الأعضاء. # تتحرك هذه الأعضاء المستعدة للحركة عند الإنسان. وبفعل الحركة يدفع أصواتا ساذجة من ~~فمه كأصوات الطفل قبل النطق. وهذه الأصوات الساذجة تساعدها الإشارة باليد والإيماء ~~بالرأس والدلالة بالكتف ؛ أي إن الإشارة بالحركات المتنوعة قد نشأت بتنوع الدواعي ~~والأغراض، وكانت الأصوات تتدرج في النمو والوضوح بتدرج الإحساس والشعور. # ثم بلغت اللغة مرحلة تكوين المقاطع بمحاكاة الطبيعة بما يسمعه الإنسان من الأصوات ~~كحفيف الأشجار وخرير ms118 الماء. ثم جاءت مرحلة تركيب المقاطع فتكونت الكلمات. وظهرت ألفاظ ~~قليلة العدد، زادت تدريجيا. ثم نشأت لها ضوابط باسم القوانين أو القواعد اللغوية، كما ~~ظهرت لها فنون وتوقيع من نثر ونظم. ~~••• # هل هناك لغة واحدة تفرعت عنها سائر اللغات؟ # يرى الباحثون أن الجواب على هذا يرجع إلى تاريخ نشأة الإنسان على الأرض، فإن كانت ~~نشأته في بقعة واحدة كما يرى المذهب الديني، كانت هناك لغة واحدة تفرعت إلى لهجات كثيرة ~~في أعقاب أبناء نوح، بعد تبلبل الألسنة في حادث بناء بابل وبرجها الكبير وفاقا لرواية ~~التوراة. أما إذا كان الإنسان قد نشأ في جهات كثيرة، وهو ما يذهب إليه علم الحياة ~~«البيولوچيا» وأصول الأحياء، فإنه لا توجد له لغة واحدة أولى، بل نشأت له من أول الأمر ~~لغات كثيرة متعددة بتعدد الجهات والجماعات. ~~(1-1) أقسام اللغات # قسم العلماء اللغات الإنسانية عدة مجاميع، اشتركت كل مجموعة منها في خصائص لفظية، ~~وصلات تكوينية في اللفظ والتركيب والأسلوب والقواعد. # أما أقدم اللغات التي وصلت إلينا متمتعة بالقواعد الدقيقة والتنسيق اللفظي ~~والجمال الفني، فهي اللغة المصرية القديمة «الهيروغليفية» والسنسكريتية والإيرانية ~~القديمة والبابلية. ~~(1-2) علم اللغات ~~«الفيلولوچيا» معناها بالعربية علم اللغات والكلمة مؤلفة من «فيلوس»، ومعناها محب ~~أو صديق أو مؤثر و«لوجوس» معناها كلمة أو كلام أو فن. أما «الفيلولوچ» فهو مؤثر ~~الكلمة الباحث فيها. وعلى هذا كان علم اللغة، هو العلم الباحث عن جميع النواحي ~~العقلية الإنسانية لدى كل أمة من الأمم المعنية بدراسة اللغات. ومن أجل هذا كان ~~هناك «الفيلولوچيا» المصرية أو الهندية أو العبرية أو الكلاسيكية؛ أي العالية ~~الرتبة أو المحتذاة التي كان لها بعد عصر النهضة أربعة أدوار: الدور الطلياني من ~~منتصف القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن السادس عشر؛ والثاني الفرنسي إلى أواخر ~~القرن السابع عشر ؛ والثالث الإنجليزي الهولندي إلى آخر القرن الثامن عشر؛ والرابع ~~الألماني. ~~(1-3) مجاميع اللغات # هذا وقد قسم المستشرقون اللغات مجاميع، تشتمل كل مجموعة منها على طائفة من ~~اللغات، التي بين بعضها والبعض الآخر قرابة أو ms119 مشابهة في الألفاظ والتراكيب ~~والقواعد والتفكير، على أن يكون هذا التقسيم تابعا إلى تقسيم النوع الإنساني إلى ~~أجناس بشرية. # وكان أول تقسيم للأجناس البشرية هو تقسيم التوراة التي أرجعت النوع الإنساني، على ~~تعدد قبائله، إلى الأشخاص الثلاثة وهم: سام وحام ويافث. وهناك تقسيمات طبيعية أخرى ~~ترجع في تكوينها إلى طبيعة الإنسان من حيث الألوان والمشخصات الفطرية والأماكن ~~والأوساط. وكيفما كان الأمر، فإنه توجد جماعة متحدة في النشأة والمكان واللون كونت ~~جنسا بشريا عظيما اتصلت شعوبه اتصالا وثيقا، وارتبطت بكل الروابط الطبيعية ~~والاجتماعية التي تجعلها حقيقة جنسا بشريا ممتازا على مبدأ أي تقسيم. ويعرف ~~هذا الجنس في رواية التوراة بالجنس السامي. كذلك الجنس الحامي قد أخذ وضعا مثل ~~الوضع المتقدم للجنس السامي. ومعنى هذا أن الجنسين قد بقيت لهما التسمية والوحدة ~~الجنسية حتى إن بعض المراجع عدهما جنسا واحدا يعرف بالجنس السامي والحامي، لما ~~وجد من الامتزاج بين أمم هذين الجنسين في اللغات وتطور الجماعات. # أما الجنس اليافثي فهو ليس معروفا إلا في تقسيم التوراة؛ أي في التقسيم الديني. ~~أما في النظر الطبيعي فإنه يسمى الجنس الآري أو الهندوجرماني. # كذلك أضاف النظر الطبيعي إلى الأجناس الثلاثة أجناسا أخرى كثيرة كالهندية ~~الصينية، والملايوبو لونيزية، والأدرويدية، والأورالتائية، والأسترالية والأمريكية ~~والباتورية واللغات المنعزلة. # المجموعة السامية # القسم الشرقي ولغاته: البابلية والآشورية والكلدانية الآرامية. والقسم ~~الغربي: الكنعانية والأخلامية والفينيقية والبوتية والآرامية والعبرية، ~~والسريانية، والتذموية، والموأبية، والأمورية. # والقسم الجنوبي (الفرع العربي ولهجاته): العربية القديمة أو الآرامية ~~والقحطانية والحميرية والمعينية والسبئية والعدنانية المصرية، أو القرشية ~~الفصحى. # أما لهجات الفرع الحبشي فهي: الحبشية أو الأثيوبية والجعزية والتيجرية ~~والتجرينائية والأمحارية والهررية. # المجموعة الحامية (القسم الشمالي): اللهجات البربرية في شمال أفريقيا ~~والليبية. القسم المصري القديم: الهيروغليفية أو المقدسة الهيراطيقية ~~والديموطيقية والقبطية. والجنوبي الأثيوبي فروعه: اللهجات الغلية والصومالية ~~والباجية والقلاشية والدنطالية والأجاوية والساهوية والبلينية. # وبعد أن تفرعت عن الأثيوبية الحبشية الحامية اللهجات الحامية المتقدمة، ~~امتزجت بالعربية السامية، وهي اللهجة السبئية، امتزاجا جعل عناصرها الحامية ~~تتلاشى أمام العناصر العربية السامية، فأصبحت الحبشية من ms120 اللغات السامية، هذا ~~واللغة مكتسبة أصولها من محاكاة الأصوات الخارجية، وما يخرجه الإنسان من ~~الأصوات اختيارا أو اضطرارا. # وكانت اللغة أصواتا حيوانية ثم تطورت. فاللغة البدائية أو الهمجية قليلة ~~الكلمات لا تزيد على 300 كلمة، ولغة المتحضرين واسعة، ففي الإنجليزية ربع مليون ~~كلمة. ~~(1-4) ألف باء # ألف باء مأخوذة من اليونانية وهي تعني سلسلة من الرموز المتعارف عليها دالة على ~~صوت مفرد أو أصوات متجمعة. # ولقد كان الفينيقيون يستعملون الهجائية في القرن التاسع ق.م في طلاقة تدل على ~~أنهم قد عرفوها قبل ذلك. ويقال إن الهجائية الفينيقية مأخوذة من الهجائية ~~الهيراطيقية المصرية للمشابهة القائمة بين رموزهما. ~~(1-5) لغة الإشارات # واللغة ليست مقصورة على النطق باللسان، بل إن من اللغة: الإشارة باليد والإيماء ~~بالرأس وهز الكتف، وغض البصر والتحديق بالعين والابتسام بالشفة، والوضع الذي يكون ~~عليه الجسم اعتدالا أو ميلا. وقد اتخذت الأبواق والأعلام وطريقة تحريكها ~~والموسيقى والإشارات، لغة في الجيش و«الشفرة» في المخاطبات الدبلوماسية. # هذا واللغات الحية تختلف عن اللغات السابقة كاللغة السريانية عن الكلدانية ~~القديمة، والإيطالية عن اللاتينية، والقبطية عن المصرية القديمة والسريانية ~~والكلدانية القديمة أو الآشورية لغة واحدة، واليونانية الحديثة واليونانية القديمة ~~لغة واحدة. أما من حيث حيوية اللغة، فعندنا أنها لا تعد حية إلا متى كانت خاضعة ~~للنواميس المتسلطة على الأحياء وأهمها النمو والدثور. فاللغة لا تنمو إلا إذا كانت ~~شائعة على ألسنة العامة. ~~(1-6) هل اللغة هي ميزة الإنسان؟ # عرف المنطقيون الإنسان تعاريف مختلفة، فقالوا إنه «حيوان ضاحك»، فلما وجدوا بعض ~~أنواع القردة تضحك عدلوا عن هذا التعريف، وقالوا إنه «حيوان اجتماعي»، فلما وجدوا ~~بعض أنواع الحيوان كالكراكي وغيرها تجتمع مئات وألوفا في أماكن معلومة في أزمنة ~~معينة، كأنما تعقد مؤتمرا أو مجمعا سياسيا أو ندوة علمية قالوا إنه «هو حيوان ~~منتصب القامة»، فلما وجدوا بعض القردة تنتصب مثل انتصابه، قالوا إنه - الإنسان - ~~«حيوان صانع»، ولما رأوا بين أنواع الحيوان ما يستطيع أن يقوم بصناعات يعجز عنها، ~~قالوا إنه «حيوان كاتب»، ولما اعترض عليها بأن الكتابة ms121 ليست صفة لازمة للإنسان ~~قالوا إذن هو «حيوان ناطق». أما المنطق فلا يراد به مجرد التكلم أو التفاهم إذ قد ~~يكون بين بعض أنواع الحيوان لغة يتفاهم بها أفراده. ولعل نباح الكلب ومواء الهر ~~وخوار الثور وصهيل الفرس، ونهيق الحمار وتغريد الطيور ونقيق الضفدع؛ لغات يتفاهم ~~بها أفراد كل نوع منها فيما بينها؛ إذ لا يشترط في اللغة أن تكون أصواتها ~~مقطعية. # على أن أصوات الإنسان إذن امتازت بتقطعها، ففي بعض أنواع الحيوان خصائص صوتية ~~يقصر عنها الإنسان كأصوات بعض الطيور والهوام، فامتياز أصوات الإنسان بالمقاطع لا ~~يجعلها منفردة، ولا يمنع وقوع التفاهم بين سائر أنواع الحيوان. # فالنطق الذي ميزنا به الإنسان هو غير اللفظ. وربما صح تعريفه بأنه القوى الخاصة ~~بالمتكلمين، أو هو القوى المنطقية التي يدركون بها الأحكام المنطقية كالقياس ~~والبرهان وما جرى مجرى ذلك. على أننا لا نستطيع الجزم بأن الحيوان الأعجم خلو من ~~هذه القوى أو بعضها أو ما يقاربها ويشاكلها. ~~(1-7) رأي في اللغة # عند «الدكتور أحمد زكي بك المدير العام لمصلحة الكيمياء» أن اللغات ليست بالشيء ~~الذي يولد مع الإنسان كأنفه ولونه وسلامة هضمه أو فساده، بل هي من إرث المجتمع، ~~يتعلمه المولود في نشأته كما يتعلم أمور الحياة الأخرى، بديهي أنك لو أخذت طفلا ~~مصريا فأودعته بيئة فرنسية لشب، وهو لا يستطيع أن ينطق الصاد والظاء والعين ثم ~~يكون أخنف النطق، ولو أخذت طفلا فرنسيا فأودعته بيئة مصرية لنطق بكل ذلك كل ~~منطقه من فمه دون أنفه. ولو أخذت طفلا مدنيا وأودعته بيئة قرود لشب يصيت كما ~~تصيت القرود. فاللغة من كسب الفرد في الجماعة، وهي في الجماعات من كسب الأجيال. ~~ويرى العلماء أن الناس جاء عليهم دور في أدوار التطور الأولي لم تكن اللغات ~~المنطوقة فيهم بالشيء المذكور. # وقد فحص بعض العلماء جماجم رجال عثروا عليها في حفائر في الأرض لعصور ما قبل ~~التاريخ؛ رجاء أن يجدوا فيها الدليل على أن أهل تلك العصور لم يكونوا يستطيعون ~~الكلام المنطوق، ومهما يكن من ms122 أمر هؤلاء وما حصلوا عليها من نتائج، فإن اتجاههم هذا ~~نذكره لتوكيد المعنى الذي نريده من أن اللغة الإنسانية المنطوقة شيء مصنوع من ميراث ~~الدهر، يجري عليها ما يجري على المواريث من قلة وكثرة، وضيق واتساع. وقد تتعاون ~~الظروف، أو في مكنة الفكر أن يتصور ظروفا تنعدم فيها لغات الكلم، أو تتضاءل حتى ~~تكون كالعدم، دون أن تؤثر على مطالب الحياة الأولى من طعام وشراب، ومن إنسان يمتد ~~به الوجود ويتسلسل. وبين سكان هذه الأرض آدميون يعيشون في مجتمع لا تزيد أفراده على ~~المئات يتكلمون لغات لا يفهمها مجاوروهم من أهل المجتمعات الصغيرة الأخرى. ولكن أي ~~لغات هذه؟ لا شك أنها لغات كأبسط ما تكون اللغات، ضيقة كضيق حاجات هذه المجتمعات من ~~أمور العيش. # إن لفظة اللغة تنصب أكثر انصبابها على لغة الكلام، وهي لغة قد امتاز بها الإنسان ~~وحده، مازه بها رئة مرنة وعضلات حلق مختلفة متسقة، وأحبال صوت فيه متقاصرة متطاولة، ~~ثم شفة ولسان تتآلف جميعا على إخراج أنواع من أصوات كثيرة لا يكاد الحصر يحصيها. ~~وحسبك من تعددها أن اللغة الواحدة بها ما يقرب من ثلاثين حرفا يحرك كل منها ثلاث ~~حركات أو أكثر، عدا ما يستطيع الفرد أن يحدثه في نغماتها من رفع وخفض على درجات ~~شتى، وترقيق وتغليظ على درجات شتى كذلك، ثم ما يستطيعه من تأليف بينها وصناعة ما ~~نسميه بالكلمات وهي في لغة البشر ألوف مؤلفة. # فلغة الكلام لغة أصوات راقية معقدة، آلتها حناجر راقية معقدة لحيوان راق معقد. ~~حسها الأذن، فهي لغة آذان. # وإلى جانب هذه اللغة توجد لغة أخرى تعتمد على الحركات والإشارات، وهي تحس ~~بالعين؛ ولهذا نسميها لغة العيون. والإنسان في أدنى دركات الترقي تقل لغته الأذنية؛ ~~أي لغة الكلام، وتكثر لغته العينية؛ أي لغة الحركات والإشارات، حتى قيل إن في ~~القبائل الإنسانية قبائل لا تستطيع أن تتفاهم في الظلام. # على أن الإنسان في أرقى مدنيته وأرفع ثقافته، لم يتخلص بعد من لغة العين؛ راقب ~~رجلا يتحدث، لا سيما حديثا ms123 حارا مفعما بالمشاعر، تجد يده لا تفتأ مرفوعة ~~مخفوضة مبسوطة مقبوضة، ترسم في الهواء المستقيمات والمنحنيات وما يخطر على بالك من ~~أشكال وما لا يخطر، وانظر لها تندق على المنضدة اندقاقا، وانظر إلى عضلات وجهه كيف ~~تنبسط وكيف تنقبض، وإلى عينه وحاجبه كيف يضيقان ويتسعان. ومن الناس من لا يكفيه ~~التفاهم بالأيدي فيستعين بالأرجل توكيدا للكلم المسموع. # وقد تتعطل لغة الكلام أصلا عند الإنسان، وتحل مكانها لغة الإشارة؛ لغة العين. ~~تسأل المريض: كيف حالك؟ فيقطب من وجهه ويمد في شفتيه، فتعلم أنه سيئ الحال. وينظر ~~الرجل إلى المرأة نظرة الطلب، فترد عليه بنظرة هي الرفض، واللسان لم يتحرك. ~~والمجرمون في بعض الأمم الحية لهم لغات كلها إشارية عينية، تعددت ألفاظها وكثرت ~~معانيها حتى صارت ترقم وتدون. ولبعض قبائل الهند الغربية لغات بالإشارة أكثر ~~اعتمادهم عليها. والجيوش تتفاهم من بعيد بالرايات يحركونها حركات مختلفات، ~~وبالمرايا يعكسون عليها ضوء الشمس أشكالا. وكل هذه لغات عينية مدروسة، ولغة الخرس ~~لغة أشكال فهي لغة عين. واللغة الهيروغليفية لغة أشكال فهي لغة عين. بل كل ما كتب ~~في الكتب وحبر في الأوراق، إنما هو لغة عين برغم اتصاله الوثيق باللغة ~~المرقومة. # ولا يظنن أحد أن لغة العين هي دائما دون لغة الأذن قيمة أو أقل منها في الأداء، ~~فالصورة الزيتية البديعة يرسمها لك الرسام فتحمل إليك من المعاني ما لا تحمله ~~الكلمات. والنظرة الحبيبة تبعث بها إليك النفس الحبيبة فتعجز عن كامل وصفها عباقرة ~~الشعراء. والنكتة على المسرح تسمعها من المذياع فلا تقع من نفسك موقعها وأنت حاضر ~~المسرح. وكثيرا ما تسمع الضحكات العالية تنطلق في الحاضرين فلا تفهم لها من على ~~الأثير معنى؛ لأنها نكتة إشارة انتقلت إليهم بواسطة العين دونك. # هذا في الإنسان. أما الحيوان فلا شك أن للحيوانات لغة كالإنسان هي لغة أذنية ~~وعينية معا، ولكنها لغة بسيطة بمقدار بساطة تركيب هذه الحيوانات، أو على مقدار ~~بساطة حاجات هذه الحيوانات في الوجود، أو على مقدار ما تجنح إليه هذه الحيوانات من ~~اجتماع. ms124 فمن الحيوان ما يعيش عيشة انفراد وانعزال لا يعرف السرب والثول والقطيع، ~~فهذا لا لغة له، أو لا تكاد تكون له لغة، ومنها ما يعيش أسرابا أثوالا قطعانا، ~~فهذا له لغة؛ لغة أصوات ولغة حركات، وكلما اتخذت هذه الأسراب والأثوال شكل ~~المجتمعات، وكان فيها من التعاون نصيب وافر كالذي يكون في المجتمعات، زادت لغة ~~أفرادها تصنفا واتساعا. ومن هذه الحيوانات النحل والنمل والزنابير. ~~(1-8) الغناء واللغة # يبدو أن الغناء من أول ما عرفه الإنسان قبل عصر التاريخ. وأنه كان لغته الأولى، ~~فقد كان ذلك الإنسان يغني أكثر مما يتكلم، وقد حفظت العصور القديمة الأولى الأغاني ~~التي تضمنت تاريخ الشعوب القديمة، بل إن هذا لا يزال شأن القبائل الهمجية إلى ~~اليوم. وإن الأغنية لتماثل مواء القط ونباح الكلب وتغريد الطير. ~~(1-9) ألفاظ الحيوان في اللغة # للحمام هديل وهدير، وله كذلك سجع ونوح وحنين، ويقال قاقت الدجاجة قوقأة وزقا ~~الديك زقوا، أما صوت الغراب فنعيق ونعيب، وصوت العصفور زرزرة، وصوت الصقر صفير، ~~وصوت النسر نقيض، فيقال انقض النسر أو البازي. ~~(1-10) لغات العالم # تقسم لغات العالم قسمين عظيمين: راقية، وغير راقية. وهذه الأخيرة تشمل أدنى ~~اللغات وفيها اللغات الزنجية، وهي التي يتفاهم بها سكان جنوب أفريقيا، والأمريكية ~~التي كان يتفاهم بها هنود أمريكا، واللغات الصينية وغيرها من اللغات المؤلفة من ~~مقطع واحد ولا فرق فيها بين الاسم والفعل والحرف. # أما الآن فتقسم اللغة ثلاث طوائف كبيرة وهي: السامية، والآرية، والطورانية. أما ~~الطورانية: فتشتمل على اللغات المنغولية والتنقاسية والأوغرانية، وتسمى أيضا لغات ~~غير متصرفة؛ أي إن ألفاظها غير قابلة للتصريف، وإنما يحصل فيها الاشتقاق بإضافة ~~زوائد على أصل مادة الفعل، وأرقى لغات هذه الطائفة اللغة التركية. أما الطائفة ~~الآرية فتشتمل على لغات أوروبا والهند وفارس وكردستان، وتسمى أيضا اللغات ~~اليافثية؛ لأن أغلب المتكلمين بها من نسل يافث، وهي تقسم قسمين عظيمين: جنوبية، ~~وشمالية. فالجنوبية لغات جنوب آسيا، وهي السنسكريتية، وفروعها: الهندية والفارسية ~~والأفغانية والكردية والبخارية والأرمنية والأوستية. # والشمالية: تشمل لغات أوروبا، وتقسم إلى ms125 خمسة أقسام: (1) الكلتية وفيها لغات ~~جزائر بريطانيا أو إنجلترا. (2) الإيطالية وفيها اللاتينية وفروعها، وهي لغات فرنسا ~~وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال. (3) اليونانية، ومنها اليوناني القديم والحديث. (4) ~~الوندية، ومنها لغات روسيا وبلغاريا وبوهيميا. (5) التيوتونية، ومنها لغات إنجلترا ~~وچرمانيا وهولاندا والدنمرك وأيسلاندا. ~~(1-11) قاموس للغة الحيوان # حاول «چورچ شويدنزكي» الألماني الذي وضع منذ سنوات كتاب «هل تستطيع محادثة ~~الشمبانزي؟» أن يبين فيه أن لغة الإنسان قد نشأت وتطورت من أصوات الحيوان، مستدلا ~~على ذلك بأننا نعبر عن بعض الأشياء بالأصوات التي تعبر بها بعض الحيوانات العليا. ~~فالقرد مثلا، حين يغضب أو يثور، يصدر هذه الألفاظ «تس تس تس»، وهي الأصوات ذاتها ~~التي يصدرها الإنسان بلسانه تعبيرا عن غضبه أو دهشته أو امتعاضه. # كذلك حاول «جارنر»، من علماء الحيوان في أمريكا، أن يبين ما بين صوت القرد وحديث ~~الإنسان من صلة وتشابه، فانسل بين غابات أمريكا الوسطى، حيث أمضى بين قرودها ~~المختلفة شهورا؛ ليسجل أصواتها على أقراص الجراموفون. وقد تبين أن للقردة لغة ~~تتألف من ألفاظ وأصوات مختلفة، يعبر كل منها عن معنى معين، فإذا غضب وثار لفظ هذه ~~اللفظة «في في»، وإذا ضحك وابتهج أصدر هذا الصوت «ها ها»، واللفظة الأولى تشبه زفرة ~~الإنسان ساعة ضيقه وتذمره، والصوت الثاني يشبه قهقهته حين مرحه وطربه. وقد استطاع ~~«جارنر» أن يجمع طائفة كبيرة من ألفاظ القردة وأصواتها، وأن يؤلف منها ~~«قاموسا». # ثم ذهب «جارنر» إلى حديقة الحيوان بمدينة لوس أنجليس وأدار أحد أقراص الجراموفون ~~التي سجلت عليها ألفاظ الغضب وأصواته، فإذا بالقردة تثور في أقفاصها صاخبة هائجة، ~~وتزمجر حانقة مغيظة، فلما أدار قرصا سجلت عليه ألفاظ المرح وأصوات الغبطة، هدأت ~~القرود واستكانت ثم تولتها نشوة من الفرح والطرب، فقامت تلهو وتقفز وترقص. واستطاعت ~~قردة الحديقة أن تفهم سائر الأقراص التي سجلت عليها أصوات الحب، والخوف والتهديد، ~~والتحذير. وكشف «جارنر» أن هناك ألفاظا مشتركة بين بعض أنواع القردة ولا سيما ~~الجيبون، وبعض القبائل البدائية التي تسكن الغابات. فمن ذلك لفظة «هيو» ومعناها ~~النمر في لغة الجيبون ولغة ms126 قبائل الغابات في أمريكا الوسطى، بل إن بعض هذه الجماعات ~~الفطرية ليست لها لغة تتألف من ألفاظ كجميع لغات البشر، بل تتفاهم بأصوات مختلفة ~~كهذه التي يتفاهم بها الحيوان. ~~(1-12) لغة النحل وحواسها العجيبة # أثبت «فرتش» الأستاذ بجامعة ميونيخ والنحال العالمي، أن النحل يميز البرتقالي ~~والأصفر والأخضر والبنفسجي، ولكنه لا يميز اللون الأحمر بل يميز الأشعة التي فوق ~~البنفسجي، وهي الأشعة التي يعجز الإنسان عن رؤيتها ولا يتبينها إلا باللوح ~~الفوتوغرافي، وأثبت أن حس الشم فيه دقيق جدا وبه يميز أنواع الزهر بعضها عن بعض، ~~وأن حس الذوق فيه قوي فيميز الحلو عن المر عن الحامض عن المالح، ولكن ما نحسبه ~~حلوا قد لا يكون كذلك في نظره، فالسكرين والدولسين وهما من أنواع السكر المركب لا ~~طعم لهما في ذوقه. # ثم درس لغة النحل. والذي حمله على ذلك التجربة الآتية: وضع قليلا من الحلوى على ~~لوح ووضع اللوح على مائدة في الهواء الطلق، وجعل يراقبه حتى وصلت إليه نحلة وعرفت ~~ما عليه، فلم ينقض وقت طويل حتى كثر النحل على اللوح، وجميعه آت من القفير التي ~~جاءت منه النحلة الأولى، فقال في نفسه: كيف استطاعت النحلة الأولى أن تنبئ سائر ~~النحل في القفير بما اكتشف؟ ثم عمد «فون فرتش» إلى رقم النحل في قفير ما؛كل نحلة ~~رقما خاصا، ثم جعل يراقب ما يقع، فعرف أن النحلة التي تجد اللوح الذي عليه ~~الغذاء تبدأ تأخذ منه ما تقدر عليه وتعود إلى القفير فتفرغ ما في جعبتها، ثم تجعل ~~ترقص رقصا خاصا والنحل من حواليها مأخوذ برقصها يقترب منها ويلمسها بلوامسه، وما ~~تنتهي من رقصها حتى يخرج النحل إلى موقع اللوح الذي عليه الغذاء، وعندما يجده يأخذ ~~منه ما يستطيع ويعود إلى القفير فيفرغ ما في جعبته منه، ثم يرقص فيكثر إقبال النحل ~~على مورد الغذاء . # وقد أثبت «فون فرتش» بالمراقبة الدقيقة أن بين كثرة النحل حول مورد الغذاء والرقص ~~صلة مؤكدة، ثم خطر له أن يبحث كيف يعرف النحل موقع الغذاء ms127 من مجرد الرقص؛ لأنه شاهد ~~أن النحل الذي يذهب إليه يذهب مستقلا لا تابعا للنحلة التي اكتشفته، فوجد أنه ~~إذا كان مورد الغذاء جرة أو لوحا أو أي مصدر للغذاء غير مألوف في حياة النحل فقد ~~يطول الوقت قبلما يكتشفه النحل، فكان الرقص يدله دلالة عامة على موقع المورد دون أن ~~يستطيع التحديد، وقد كان مورد الغذاء في إحدى هذه التجارب جرة من الشراب السكري على ~~بعد كيلومتر من القفير يحول بينه وبين القفير تلال وحدائق. # أما إذا كان مصدر الغذاء طبيعيا مألوفا؛ أي زهرة من الأزهار، فإن النحل بعد أن ~~يشاهد الرقص يسير إليها توا، صادفا عن غيرها من الأزهار، وقد نجح في تطبيق ~~تجربته هذه على جميع الأزهار إلا الأزهار التي لا رائحة لها. # وتفسير ذلك أن النحل يشم رائحة الزهرة العالقة بجسم النحلة الأولى عندما يلمسها ~~بلوامسها وهي ترقص. ~~(2) الكتابة # بدأت الكتابة صورا للإنسان والحيوان وما إليه، ثم اختزلت فكان يرمز بخط عمودي صغير ~~تخترقه شرطة أو شرطتان، ثم صارت كتابة تصويرية مكثفة مألوفة، ولما كانت الكتابة ~~السومرية تدون بالعصا على الطين، سرعان ما اختلفت أوضاع الصور الكتابية عما تمثله من ~~الأشياء، ودعيت بالكتابة المسمارية. # أما الكتابة المصرية القديمة فقد بقيت المماثلة بين الشيء وصورته الكتابية قائمة؛ لأن ~~المصريين كانوا يدونون الكتابة على الجدران، والقطع المستطيلة من قصة البردي، وهو أول ~~نوع للورق. # ثم إن الكتابة سارت خطوة أخرى حين أصبحت الصورة لا تمثل الشيء المصور ذاته بل شيئا ~~يماثله، أما اللغة السومرية فقد أصبحت تتألف من مقاطع مركبة، حين أريد منها التعبير عن ~~الأفكار التي لا تستطيع الصور الدلالة عليها توا. # هذا وقد خطت اللغتان المصرية والسومرية هذه الخطوات مفيدتين من اتصالهما بأمم أخرى ~~عاونت على اختراع الأحرف الهجائية، بعد أن نهلت من فيضهما، وعلى هذا كانت الحروف ~~الهجائية الصحيحة في العالم ثمرة امتزاج الكتابة السومرية بالكتابة الهيروغليفية، أما ~~في الصين فإن الكتابة التصويرية لم تتطور إلى الأحرف الهجائية. # وليس بعجيب أن يفضي اختراع الحروف الهجائية ms128 إلى تقدم الحياة الاجتماعية، وأن يكون من ~~آثاره تدوين الاتفاقات وتسجيل القوانين والأوامر وصيرورة الدول أوسع رقعة وثقافة ويقظة، ~~وأن تنقل أوامر الملك والقسيس وأختامهما إلى غير المكان الذي يقيمان فيه. # وكان السومريون يعنون بصنع الأختام ويتأنقون في زخرفتها، وكان الأشراف والتجار يبصمون ~~بها على الوثائق المحفورة على الطين، فتبقى على الزمن لا تمسها يد العفاء، وفي بابل ~~كانت الكتابة المسمارية هي كتابة سكان بابل؛ لأن حروفها تشبه المسامير شكلا. ~~(3) الطباعة # كان الناس في بيروه القديمة في «أمريكا الجنوبية» يعبرون عما يقصدون في رسائلهم ~~بعقد العقد في الحبال، وتلوينها بألوان ذات معان خاصة، ولا يزال بعض العامة في مصر ~~يعقدون عقدة في المنديل إذا كانوا يخشون النسيان، وبعض الخبازين يحزون العصا حزوزا ~~بمقدار الرغفان، أما السقاءون فيرسمون على باب المنزل خطوطا عريضة كل خط رمز ~~للواحد. # كانت الصور في بداية الصناعة تدل على الفكرة، ثم أخذت تتطور حتى صارت تدل على الصوت ~~المنطوق. # وأخذ التقدم يطرد إلى أن اخترع بعضهم حروفا تدل على الحركة في الكلمة، إذ أمكن ~~بنحو 30 علامة أن تبين أصوات أية لفظة إنسانية، وهذه العلامات هي الحروف الهجائية، ~~والأرجح أن الفينيقيين هم أول من استعمل هذه الحروف؛ لأنهم كانوا أمة تجارية يحتاجون ~~إلى ضبط حسابهم. # وكان الناس يكتبون على مواد عديدة، فكان الآشوريون يكتبون على قوالب من الآجر، وكانت ~~المنشورات الحكومية تكتب على الحجر أو البرنز، وقد استعمل للكتابة أيضا عظم اللوح من ~~البقر والغنم والإبل، وكذلك استعمل الخشب المصقول، وبعض الصفائح المغطاة بالشمع وجلود ~~الحيوان بعد تجفيفها وتلوينها وكانت تسمى رقوقا. # وكانت مصر في ذلك الوقت تستعمل البردي، وهو نبات قد زال الآن من مصر، ولكنه ينبت في ~~بعض أنحاء السودان، وكان اليابانيون والصينيون يصنعون ورقا جيدا قبل الميلاد المسيحي، ~~وكانوا يصنعونه من الخرق والكتان والقطن ولحاء بعض الأشجار، وكانت الكتب تصنع صنعا، ~~فكان الكتاب قطعة ورق مستطيلة تلف حول أسطوانة وتكتب على وجه واحد فقط، وفي القرون ~~الوسطى حدث بعض التطور؛ إذ صارت الكتب ms129 تؤلف من أوراق مربعة مكتوبة على الوجهين، وكانت ~~تلصق معا وتوضع بين دفتين من الخشب أو الرق أو المعدن، وكان كثيرا ما يدعم الناس دفتي ~~الكتاب بقضبان من الفولاذ، فكانت الكتب لذلك ثقيلة كبيرة الخطر على من يتناولها، فقد ~~حدث أن سقط كتاب على بترارك الشاعر فأذاه أذى كبيرا في ساقه، وكان الناس يعتقدون أنهم ~~يحمون الكتب بهذه الطريقة من اللصوص، وقد ثبت في سنة 1515 أن مكتبة البندقية التي كان ~~أسسها الكردينال بيساربون قد فقد منها نحو 400 كتاب؛ أي نصف مجموع ما فيها؛ وذلك لأن ~~المستعيرين لم يردوا ما استعاروه، ولما أراد لويس الحادي عشر أن يستعير من كلية الطب في ~~باريس كتابا عربيا في الطب، رفض أمين المكتبة أن يسلم الكتاب إلا بعد أن أخذ كأسا ~~من الفضة رهنا عليه، وبعد أن يحصل على ضمان رجال حاشيته في رد الكتاب. # ثم إن أدوات الكتابة قد تحسنت بعدئذ فكانوا يكتبون بريش الأوز ثم استعملوا الفرشاة ثم ~~القصب ثم الحديد، وصار الحبر الأسود يستعمل دون غيره وخصص الحبر الأحمر لكتابة ~~العناوين، وكان كاتب العنوان إخصائيا في صناعته لا ينتمي إلى طبقة النساخ الذين ~~يكتبون صفحات الكتاب، ثم هبطت أسعار الورق وعمم استعماله بين الناس، فقد جاء الورق من ~~قلب آسيا، فحمله العرب الذين كانوا وسيلة الاتصال بين الشرق والغرب إلى أوروبا، وقد ~~انتشر بعد الحروب الصليبية في الأقطار المحيطة بالبحر المتوسط، وكانت الأندلس أحد مراكز ~~صناعة الورق، وأقدم أنواع الورق هو الآن في الإسكوريال في إسبانيا، وفي سنة 1221 أمر ~~الإمبراطور فريدريك الثاني موظفيه ألا يكتبوا القوانين على الورق، وإنما يكتبونها على ~~الرقوق، وفي القرن الرابع عشر انتشرت معامل الورق في فرنسا، وقد كان الورق يصنع باليد ~~إلا حيث كان يمكن إدارة المصنع بالماء المنحدر، وكان نسخ الكتاب الواحد يحتاج إلى عدد ~~كبير من النساخ، وقد نسخ كتاب عن الرسوم الإكليريكية فاحتاج نسخه إلى 21 شهرا، فلو ~~حسبنا ما نحتاج إليه من الوقت؛ لكي ننسخ 3000 كتاب مثله لبلغ ms130 5250 سنة؛ ولهذا السبب كان ~~اقتناء الكتب يعد من ضروب الترف ولا يقدر عليه إلا كبار الكهنة والأشراف. # وكان الذي أدى في النهاية إلى اختراع الطباعة الحديثة، كثير من المخترعات التقت معا ~~في نقطة واحدة، فاختراع الطباعة لم يحدث دفعة واحدة، وإنما جاء خاتمة لمخترعات كثيرة ~~جعلت وجوده في حيز الممكنات، وكان أول ذلك انتشار صناعة الورق ثم الطبع بحفر الخشب، فقد ~~كانت لفظة «الطباعة» معروفة في هولندا قبل ظهور الطباعة الحديثة؛ وذلك لأنهم كانوا ~~يطبعون الصور على ورق اللعب، عن أصل من المعدن أو الخشب، قد حفرت فيه الصورة بارزة، ~~وكانت الصور الكبيرة تطبع على هذا النحو ويطبع معها بيتان أو ثلاثة من الشعر، وكان هذا ~~الفن معروفا في كوريا قبل المسيح، وشاع استعماله في النصف الأول من القرن الخامس عشر ~~في أوروبا. # ومما ساعد على اختراع الطباعة فصل الحروف، فإن الحروف كانت تكتب قبلا متصلة، ولكن ~~بعضهم اهتدى إلى طريقة فصلها وصار يصنعها من الخشب أو المعدن، ثم كانت تصف وتضغط ~~بما يشبه المضاغط التي كانت تستعمل في عصر العنب أو الزيتون، وقد كان الرومان يعرفون ~~الحروف المنفصلة ويعلمونها أولادهم، ثم كان القدماء يعرفون الختم ويطبعونه على الشمع ~~فتظهر الصورة والرمز أو الاسم. # على أنه لما ظهرت الطباعة قابلها الناس في غضب وحماسة، أما فئة النساخين فقد تلقتها ~~في سخط ولعنة؛ لأن وجود المطابع كان يقضي على مورد رزقهم، أما سائر طبقات الناس فقد ~~رحبوا بها وعدوها رأس الفنون والعلوم؛ ولذلك كانت المطبعة في بداية ظهورها هدفا ~~للعواطف المتناقضة والآراء المتباينة؛ ذلك أن للطباعة أثرا مهما في الماضي والحاضر ~~والمستقبل؛ إذ هي قبل كل شيء وسيلة حفظ أفكار الأجيال الماضية، فقد حاول الناس منذ ~~الأزمان القديمة أن يخاطبوا أرواح الموتى. # ومن المعارضين للطباعة النساخون الذين ظنوا أنها تقضي على مادة رزقهم؛ لأن الطبع قام ~~مقام النسخ، هذا وقد كان الطباعون في أول عهدهم ينسبون إلى السحر؛ وذلك لأن النسخ ~~المطبوعة تخرج في سرعة هائلة من المطابع مما يدل ms131 على أن يد الشيطان هي التي تفعل ذلك، ~~وكان الاضطهاد يشتد أحيانا حتى كان الطباعون يفرون خوفا، كذلك كان رجال الدين يقاومون ~~هذه البدعة الجديدة؛ لأن الإنسان أحد رجلين: إما أنه ناقل ناسخ وإما أنه مبتدع مجرب. ~~ورجل الدين بحكم وظيفته، يؤثر خطة السلف وسنة القدماء على ابتداع البدع، وكانت الطباعة ~~في نظره بدعة، أما القسم الثالث من المعارضين فكان مؤلفا من الملوك والساسة، فإنهم ~~وجدوا في الطباعة النور الذي يكشف عن ظلمهم وظلامهم، فوضعوا لها قيودا وقواعد وعقوبات، ~~بلغت أحيانا الحكم بالقتل، ومما هو ذو مغزى أن والي فرچينيا في الولايات المتحدة كتب ~~في سنة 1660، حين كان ذلك القطر العظيم لا يزال تابعا لإنجلترا، يقول لملك الإنجليز ~~إنه يشكر الله لأنه ليس في ولايته مدارس حرة ولا مطابع، وصرح برجائه بأنهما لن توجدا ~~قبل 300 سنة؛ لأن انتشار العلوم لم ينفع الناس إلا في نشر الإلحاد والثورة. ~~(3-1) أدوات الكتابة # استعملت الأحجار والجلود والأخشاب والفخار والخزف وورق البردي والكاغد ونوع من ~~الورق الشبيه بالورق الحديث للكتابة عليها، واستخدمت أقلام حجرية وأعواد من القصب، ~~للكتابة بها، كذلك استخدم النقش والحفر ومداد مسحوق الخشب المحروق لإيضاح ~~المكتوب. # أما أدوات الكتابة عند العرب فهي الرق - الجلد، والأقمشة خاصة النسيج المصري ~~المسمى «القباطي»، وعليه كتبت المعلقات السبع وعلقت على أستار الكعبة، وألواح ~~العظام وقطع الخشب والخزف والفخار، وعرفوا ورق البردي بعد فتح مصر، وعرفوا ورق ~~الكاغد في الدولة العباسية ونقلوه عن الصين، وأنشئوا معامل للورق في دمشق وبغداد ~~والأندلس ومنها إلى أوروبا، أما المداد فمن مسحوق الفحم - الخشب المحروق - أو ~~الهباب مدوفا بالصمغ أو بالمادة اللزجة، والأقلام من الصلد ينقشون بها الأحجار ~~وألواح العظام ثم من القصب. # الفصل السادس عشر # | الفلسفة # يبدو أن الفلسفة كانت من المعاني التي استرعت نظر الإنسان البدائي مختلطة بالمعرفة ~~إجمالا، ذلك أنه كان دائب النظر إلى الطبيعة؛ إلى السماء والأرض والماء ، راغبا في الوقوف ~~على سر ما يشهد وتعليل حقيقة ما يحس. # وليس ببعيد ولا بعجيب أن يكون ms132 رئيس الجماعة أو زعيم القبيلة أو رب الأسرة هو ذاته الكاهن ~~والعالم والطبيب والفيلسوف والعراف والساحر وقائد الجند والشرطة، بل الملك. وكلما اقتربنا ~~من عصر التاريخ، وضح التخصص في هذه الأعمال، وأصبح لكل منها أشخاص ينهضون بأعبائها. # وقد اختلف استعمال لفظ «الفلسفة» - ومعناها حب الحكمة - تبعا للبلاد والعصور والعلماء، ~~فقد انتقلت فكرة «الفلسفة» نفسها في اليونان من فكرة المعرفة والثقافة العامة؛ أي من أن ~~الفيلسوف هو من يعرف أي شيء أو كل شيء إلى علم معين، فعند «هيرودوت وثيكيديس» أن فكرة ~~الفلسفة تتبع المعرفة، أما في كتابات «أفلاطون» فهناك فرق بين الرجل الحكيم ومحب الحكمة، ~~وعند «أفلاطون» أن الفيلسوف هو من يدرك أساس الأشياء وحقيقتها على نقيض من لا يعنى إلا ~~بالظواهر ومظاهر الحس، فالفلاسفة عند أفلاطون هم من يستطيعون إدراك الأبدي والثابت، ومن ~~يحبون كل شيء له وجود حقيقي. # وقد ذكر «أرسطو»، رجل دائرة المعارف التاريخية القديمة، حدود النظم الفلسفية، وكان ~~«أرسطو» هو منشئ علوم المنطق والأخلاق والذوق والجمال. # الفلسفة هي معرفة أسرار الكون العام وإدراك نواميس التغيير المستمر فيه، وفهم أصل نشأته ~~ونهاية مصيره، أو قل هي معرفة الظواهر الطبيعية المختلفة وأسباب نشأتها، وتحولها من كون إلى ~~فساد ومن فساد إلى كون، والوقوف على ما وراء تلك الظواهر من الأزل إلى الأبد، وشرط هذه ~~المعرفة إنما هو التحرير الفكري من التقاليد القديمة، والاقتداء بالعادات الموروثة ~~والاعتماد على قوانين الديانات القائمة، بحيث يكون هذا المجهود الفلسفي الحكيم راجعا للعقل ~~البشري الحر الطليق، كما أدركه سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وكانت وإسبنسر. # على أن الفلسفة قد تدرجت في معان وإطلاقات كثيرة في حدود التعريف المتقدم، وكان هذا ~~التدرج في معانيها وإطلاقاتها المختلفة تابعا للتدرج في الموضوعات الرئيسية التي اشتغلت ~~بها، ولانتقالها بعنايتها الكبرى من موضوع إلى موضوع إلى أن وصلت أخيرا، وبعد استقلال ~~العلوم عنها، إلى دائرة بعينها من التفكير، هي دائرة التفكير فيما أنتجته العلوم الطبيعة ~~حسب مهمة كل واحد منها في حدود موضوعه وبطريقته الخاصة به في البحث، بأن ms133 تأخذ الفلسفة تلك ~~المجهودات العلمية العامة، وتجمعها وتؤلف منها - مجتمعة - معرفة عامة، تبحث بها في حدود ما ~~وراء الطبيعة بحثا يصور للعقل فهم اللانهائية والديمومة من الأزل وما فيه إلى الأبد وما ~~سيصير إليه، وما بينهما من تعاقب في عالم الحدوث، وتغيير مستمر في ظواهره بحكم الكون ~~والفساد أو الوجود والعدم، وفي تلك الدائرة الخاصة والنقطة العويصة، وبتلك الطريقة المذكورة ~~تبحث الفلسفة بحثها الفني الاصطلاحي، تاركة الحكمة الأدبية الاجتماعية تأخذ طريقها محدودة ~~في الأدب العام، وفي فنها العلمي المعروف بعلم الأخلاق، بعد أن كانت في هذا الفن فرعا من ~~فروع الفلسفة «أو الحكمة الفنية الاصطلاحية». وباستقلال العلوم عنها استقل أيضا علم ~~الأخلاق أو الحكمة الاجتماعية بما فيها من مأثور الآداب. # نشأت الفلسفة في اليونان في القرن السابع قبل الميلاد، ولئن كانت الأمم الشرقية القديمة ~~قد أنتجت مجهودا حكيما فنيا يذكر في تاريخ الفلسفة، إلا أن هذا المجهود قد ارتبط عند ~~مجموع هاتيك الأمم بالدين ولم ينفصل عن دائرته وحدوده. واليونان، وإن كانوا قد اتصوا بهذا ~~المجهود الفلسفي القديم ووقفوا عليه، وعلى الأخص ما هو مأثور من ذلك عن قدماء المصريين، غير ~~أنهم ما بنوا تفكيرهم الفلسفي على هذا المجهود الأول المكتنف بسياج الدين، بل أهملوا هذا ~~السياج إهمالا تاما، ومنحوا العقل البشري حريته الكاملة، وابتدءوا يفكرون تفكيرهم ~~الفلسفي بفكر حر طليق من أي تقليد أو عادة أو أي تأثير للدين، ومن أجل هذا كانت الفلسفة بنت ~~الفكر اليوناني الحر، وهديته التي لا تقوم مطلقا إلى الإنسانية. غير أن وميض الفلسفة قد ~~ظهر عند «لأوتسه» الفيلسوف الصيني الكبير، وكان هذا الوميض عند لأوتسه المذكور أظهر وأوضح ~~من وميضها، بل إنها ابتدأت به عند «تاليس» الملطي اليوناني المعروف بأبي الفلسفة ~~الأول. # صارت الحكمة الهندية بعد اجتياز الدور الأرسطوري الذي نشأت عنه، وبعد وصولها إلى دور ~~مذاهب البراهمة الفلسفية التصوفية، حكمة دينية لا تقل عن مثيلتها ، الحكمة الفلسفية الدينية ~~التي ابتدأت عند اليونان قبيل المسيح، واستمرت نحو ثمانية عشر قرنا إلى عهد الفلسفة ms134 ~~الحديثة. # وعن الفلسفة الدينية الهندية تفرعت عدة مدارس ومذاهب فلسفية أخرى أساسها الفكر الحر ~~والعقل الطليق، المذهب المادي الجاحد الذي كان من أثر العقل الحر والفكر الطليق، على أن ~~حرية الفكر الباحث عند الهنود - وهي سهلة في دوائر الجحود - لم تقف عند هذا الحد، بل انتقلت ~~إلى ما هو في دوائر الإيمان الديني، واستبعدت منه النظر فيما وراء الطبيعة، وكونت لها ~~نظاما اجتماعيا أو دينا حرا يعتمد على الفضيلة لا على وحي أو رغبة له مثل الدين ~~البوذي. # لهذا كانت الفلسفة اليونانية مشتركة مع الحكمة الهندية مع مذهب لأوتسه الصيني في التفكير ~~الطليق. # والفلسفة اليونانية - إلى هذا - تنفرد عن الفلسفة ~~الهندية في أنها، وهي تتفهم في الوجود في ظواهره وأسراره، تعمد إلى وضع القواعد الثابتة ~~والنظريات المبرهنة والأحكام المسلمة كأساس راسخ للبحث الكلي في المسائل العامة والنتائج ~~الشاملة، فتكونت بهذه الطريقة الفلسفة الحرة اليونانية ومعها مبادئ علمية ما كانت معروفة من ~~قبل، بل وضعها العقل اليوناني وضعا، ولقد نمت هذه المبادئ العلمية شيئا فشيئا حتى صارت ~~علوما مدونة ومبوبة، لكل واحد منها اسمه الخاص به، واستقلاله المنفرد به في موضوعه ومسائله ~~وطريقة البحث فيه، وللمعلم الأول يرجع الفضل الكبير في ذلك، هذا ولا جدال في أن الفلسفة ~~اليونانية - وهي ينبوع فياض قد اتصلت به كل الأمم المفكرة واغترفت منه - كانت الحلقة الأولى ~~في التاريخ الفلسفي، التي نشأت عنها كل علاقاته المحكمة الاتصال. # ثم إن جميع العلوم الإنسانية على اتساعها الآن يرجع، في أصل نشأتها، إلى البذور العلمية ~~الفلسفية الأولى التي نشأت في حجر الفلسفة اليونانية، هذا وما يزال الذوق الأدبي الحاكم في ~~الناس حتى الآن، يستمد روحه الأقوى من الذوق الأدبي اليوناني الذي انبعثت عنه الفلسفة ~~اليونانية. ~~(1) فلسفة سقراط # عند الفلاسفة المتأخرين أمثال تسلر وبترو أن سقراط يعد المؤسس الحقيقي لعلم الأخلاق، ~~الذي مهد له من سبقه من الشعراء والحكماء والفلاسفة بعبارات قوية وتعبيرات دقيقة ~~استمدوها من تجاريبهم في الحياة، وفي سبيل الرد على اعتراضات السفسطائيين وإعداد ~~العقائد والتقاليد، اضطر ms135 سقراط إلى تكوين علم غايته إرضاء مطالب العقل والعقائد القديمة ~~وموضوع هذا العلم «تحديد الماهيات»، أو قل إنه تكوين آراء عامة تحصل من الاستقراء وذلك ~~بانتقاله من الجزئيات إلى الطبائع العامة أو الماهيات الكلية التي يعدها سقراط موضوع ~~العلم، والمعاني العملية والمسائل الإنسانية فكان في أفعاله وفي حياته الأخلاقية هو ~~موضوع تفكيره، يقول إكسانوفون: إن سقراط كان يرمي إلى تحديد ماهية جميع الموجودات. لقد ~~عرف سقراط العدالة بأنها قوانين ثابتة، والتقوى بأنها تقديم ما للآلهة من الاحترام ~~إليها، غير أن هذا التعريف لا يحمل طابعا علميا. لقد كانت المحاورات المعروفة ~~بالسقراطية هي التي تؤرخ شباب أفلاطون، وتمتاز بخلوها من أي أثر لنظرية المثل، فهي تبين ~~أن الفيلسوف يناقش في دقة بعض التعاريف، ولكنه لا يخرج منها بنتيجة مطلقا، فإن لاشيز ~~يفرض بعض التعاريف عن الشجاعة، ولكنه يرفضها كلها. وهذا ما نراه كذلك في هيبياس الأصغر ~~في بعض التعاريف الخاصة بالجمال. # وفي الجملة كانت جميع هذه المحاولات نقدية وحسب، بل إن بروتاغوراس يترك كذلك بعض ~~المسائل معلقة، بل إن في تيتاوس - حيث ~~يتجاوز أفلاطون آراء أستاذه - نرى النتيجة سالبة دائما، هذا ولم يذكر أرسطو أمثلة ~~لتعاريف وضعها سقراط، مع أنه يذكر أن سقراط حاول أن يضع تعاريف عامة إلا أنه لا يذكر هل ~~وفق سقراط في ذلك أم لم يوفق. وعلى الخصوص لم يظهر لنا كيف وفق في ذلك، ويبدو من ~~كل هذا أنه إذا كان سقراط قد أدرك ما يجب أن يكون عليه العلم، إلا أنه لم يوفق في تحقيق ~~الفكرة التي وضعها له، فحدد موضوع العلم تحديدا تاما ولم يستطع تحديد مضمونه، ويبدو ~~أن سقراط نفسه كان يشعر بعدم قدرته على تحقيق العلم كما كان يدركه؛ إذ إنه بحث عن السبب ~~الذي دعا كاهنه دلف إلى القول بأنه أعلم الناس، فأدرك أنه أكثر من غيره علما، غير أنه ~~ظهر أسمى وأقدر منهم جميعا في أنه لا يدعي علم ما يجهله، وكثيرا ما كان يردد سقراط أن ~~أحسن ما يعلمه ms136 هو أنه لا يعلم شيئا، ويذكر في تيتاوس في كلماته الخاصة بأنه غير كفء ~~لتوليد أية معرفة (تيتاوس 1597)، وطبقا للتعريف المشهور للتوليد المذكور في هذه ~~المحاورة يبين منهج سقراط من بحث أفكار غيره؛ أي التعاريف التي يذكرونها، لا أن يضع هو ~~أفكارا وتعاريف. ويقول سقراط إن كل ما يعمله هو إيقاع غيره في الشك والتناقض، وفي ~~المحاورات المختلفة يرفض أن يضع هو نفسه أي مذهب، واكتفى بنقد مذاهب سواه، وكان يرفض ~~دائما الخضوع إلى مراحل السؤال التي كان هو نفسه يخضع لها محدثيه. ويقول أرسطو: إن ~~سقراط كان يسأل ولكنه لم يكن يجيب. ~~(2) السفسطائيون # كلمة يونانية الأصل ومعناها حكيم أو مفكر، ولكن الناس يطلقونها على من يكابر ويغالط ~~في نقاشه، وفي اليونان (450-400ق.م) ظهر جماعة من الفلاسفة أطلق عليهم اسم السفسطائيين؛ ~~أي الحكماء، وكانت مهمتهم أن ينبثوا في أرجاء اليونان ليعلموا الشبان الحكمة، وينبهوهم ~~إلى الحرية، وقد أداهم البحث في تعليم الشبان وتثقيفهم إلى البحث في أصول الأخلاق، ~~وقواعد الدين، فجاءوا فيها بآراء جديدة تركت أثرا ظاهرا في تاريخ الفلسفة، وثار عليهم ~~لهذا كثير من الفلاسفة، منهم أفلاطون الذي انتقد آراءهم انتقادا شديدا. # وكان خصومهم يتهمونهم بالتلاعب بالألفاظ، فيلبسون الباطل ثوب الحق ~~(3) الفلاسفة # نذكر هنا أسماء الفلاسفة الذين عرفهم التاريخ؛ لأنهم كانوا على رأس من بحثوا الحياة ~~الأولى، موردين تاريخ أعمارهم: ~~(3-1) قبل الميلاد # لوسببيوس (450)، أنا كساغوراس (500-428)، السفسطائيون ~~(500-450)، بارمنيدس (530-465)، ~~هيرقليطس (550-475)، ديموقريطس (460-360)، أمبيروفليس (490-430)، سقراط (469-399)، ~~زينو الألباني (450)، أريستبوس (435-356)، أفلاطون (437-347)، أنتيثينيس (440-370) ~~ديوچينس (412-323)، أرسطوطاليس ~~(384-322)، أبيقورس (342-270)، زينون ~~الكلبي (330-264)، لوكريتوس (95-45). ~~(3-2) اللاهوت المسيحي بعد الميلاد # أبيكنانوس (50-125)، مرقس ~~أوريليوس (121-180)، توما الأكويني (225-274)، فرنسيس باكن (1561-1621)، برونو ~~(1549-1600)، دي كارت (1565-1650)، هوبس (1588-1679)، لوك ~~(1632-1704)، سينيوزا (1622-1677)، ~~ليبنتز (1626-1716)، فولتير (1694-1778)، باركلي (1685-1752)، كنديلاك (1745-1780)، ~~هيوم (1711-1776)، كانت (1725-1804)، كندورسي ~~(1745-1794)، فخت (1762-1814)، شيلنغ ~~(1775-1854)، أوغست كونت (1798-1850)، هيچل (1770-1830)، شوبنهور (1788-1860)، چون ~~ستورات ميل (1806-1875)، أرنست رينان (1822-1894)، سبنسر (1806-1873)، ms137 نيتشه ~~(1844-1900)، سنتايانا (1863)، راسيل (1872)، ديوي (1859)، وليم چيمس (1842-1912)، ~~أويكن (1846-1926)، كروس (1866)، برغسن (1859). # الفصل السابع عشر # | الصناعة # عرف إنسان عصر ما قبل التاريخ الصناعة الساذجة كما أوضحنا هذا في بعض الفصول السابقة؛ ومن ~~أجل هذا رأينا أن نتحدث هنا عن نشأة بعض الصناعات، وتطورها إلى العصور التاريخية. ~~(1) النار # يبدو أن الإنسان عرف النار اتفاقا، ذلك أن النار تشتعل في الغابات إذا ما اشتد ~~الجفاف، واحتكت بعض الغصون ببعضها الآخر، وكذلك إذا سقط حجر على حجر سقوطا قويا، ~~اندفعت شرارة، ومن هنا يبدو أن الإنسان البدائي قد عرف النار، إما عن طريق سكناه إلى ~~جوار الغابات مستخدما حريقها الذي أشرنا إليه، وإما عن ضرب حجر بحجر ووضع خرقة مشيطة ~~جافة بين الحجرين، تتقد على أثر انقداح الشرارة. # أما عيدان الكبريت فقد عرفت للمرة الأولى في سنة 1827 في إنجلترا. ~~(2) دفن الموتى # يبدو أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف الدفن أو يمارسه، فكان الميت يترك حيث مات ~~فتفترسه الوحوش أو يبلى لحمه ويبقى عظمه، بل قد يكون الإنسان الأول غير مستطيع التمييز ~~بين الحي والميت، فشخصية الميت كانت لا تزال حية حتى بعد موته، وعلة ذلك أنه كان يراه ~~في الأحلام فيحسب أنه يأتيه في نومه ويعاكسه، فإذا كان عدوا شديد البطش وحدث أنه مات ~~فإن موته لا يخيم هذه العداوة؛ لأن هذا العدو يخطر له في النوم ويفزعه بأحلام مرعبة ~~تملأ حياته نكدا ونغاصة. # لهذا ابتدأ الدفن بتقييد الميت وإلقاء الأحجار الكثيرة عليه حتى لا ينهض في الليل ~~ويقلق الناس وهم نيام؛ إذ إن الغرض من الدفن هو منع الميت من النهوض، فكان أسلافنا ~~يربطون يديه وساقيه، ثم يحفرون له حفرة ويهيلون عليه ويضعون فوقها الأحجار. # ثم نشأ بين الناس الاعتقاد بوجود روح في الجسم، وأن الإنسان يعيش في عالم آخر بعد ~~الموت فنشأ من ذلك فكرتان: الأولى أن الروح تحتاج إلى جسم وطعام وشراب ولباس وأدوات ~~دفاع وزينة، فكانت الأمم التي تعرف أن الجسم يبلى كالمصريين تحنطه، وتلفه في عناية ~~كبيرة ms138 وتضع معه الطعام والشراب وكتاب الموتى حتى يقرأه عند الحساب ولا يخطئ، وقد انتشرت ~~هذه العادة من مصر إلى أقاصي آسيا وأمريكا وأفريقيا. # أما الأمم الأقل ثقافة من المصريين فكان عندها الدفن أبسط، ولا يزال بعض الهمجيين ~~يمارسون طرقا بسيطة في الدفن: فالبوشمان يدفنون الرجل ويضعون عليه حربة، ويضع المازاي ~~مع الميت قرعة مملوءة لبنا، وبعض الهنود يضعون للآن مع فقيدهم كعكة، ويضعون في بورما ~~آنية الطبخ، أما في الأرض الخضراء فيدفنون مع الرجل كلبا من الكلاب التي تجر المزالق، ~~وفي الكونغو يدفنون مع الرئيس إذا مات عددا من عبيده مع بعض النقود، وفي فيجي يدفنون ~~معه بعض زوجاته. # أما الفكرة الثانية فقد جاءت من أنه لما كانت الروح لا تحس وهي القوة العاقلة المدبرة ~~للجسم لم يعد ثم حاجة إلى هذا الجسم؛ لأن العالم الآخر ليس عالم أجسام بل عالم أرواح ~~خلو من المادة، انتشرت بينهم عادة إحراق الجسم، وامتد انتشارها إلى أوروبا حيث عرفها ~~الإغريق واليونان والرومان والروس. والهنود الذين كانوا يحرقون زوجة الرجل المتوفى حتى ~~تشارك روحها روحه في العالم الثاني، بل كانوا يحرقون بعض أدواته التي كان يستخدمها في ~~حياته اعتقادا بأنه يحتاج إلى أرواحها لا إلى أجسامها ومادتها، وقد أبطلت الحكومة ~~الإنجليزية عادة إحراق الزوجة، ولكن الهند وبعض الأمم التي حولها التي أثرت فيهم ~~الثقافة الهندية، لا تزال تمارس عادة إحراق الميت، بل فشا في أوروبا شيء يشبه التحنيط ~~المصري، أما العادات الجنازية فقلما تغير أمة عادتها في حمل الجنازة أو دفن الميت، هذا ~~ولما دخلت المسيحية أوروبا وعاد الاعتقاد ببعث الموتى أبطلت عادة إحراق الجسم وكانت ~~قبلا فاشية في أوروبا؛ لأن المنطق الديني كان يقضي بأن الإنسان سيبعث في جسمه فيجب ~~إذن العناية به. كما نرى في «الكاتاكومب»، وهي المغاور التي تحت الأديار والكنائس، إذ ~~يترك الموتى وقوفا بثيابهم إلى الحيطان وبعضهم يعلق بالسقف، على أن الكثيرين يؤثرون ~~الآن إحراق الموتى لأسباب صحية، وفي معظم عواصم أوروبا محرقات وفي الصحف الأوروبية ~~إعلانات من شركات ms139 الإحراق تغري بها الناس على إحراق موتاهم؛ لأنه أرخص من الدفن. ~~(3) بناء الدور والأسوار # لم يكن للإنسان موطن معين أو سكن، بل كان يهيم على وجهه في الفيافي وبين الغابات، ثم ~~اتخذ من ظلال الأشجار مستظلا ينام تحته، ثم عرف سكنى الكهوف والأكواخ من أغصان ~~الأشجار، ثم البيوت من الحجر والطين والبوص والخشب. # أما بناء الأسوار حول المنازل والبلاد، فعندنا أنه يرجع إلى ما قبل التاريخ المدون، ~~ذلك أن الغريزة الإنسانية كانت تدعو الإنسان الأول إلى الحرص على ما يملكه من المتاع ~~التافه والحيوان، وإلى الخوف من أعدائه، الذين ينبغي - على ما نفترض - أنهم كانوا أكثر ~~من أصدقائه؛ إذ إن الحالة البدائية كانت حربا مستعرة بين الإنسان والإنسان، وبينه وبين ~~الحيوان والشياطين والأشباح، بل إنه لا يبعد أن تكون الأسوار قد اتخذت، على الأيام، ~~تقية وتعويذة ليس غير. # ومن الأسوار التي طالما تحدث عنها الجغرافيون والرحالة والمؤرخون سور الصين العظيم، ~~المعدود إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، فعند أكثرهم أن السور قد أقيم للحيلولة دون ~~غارات سكان شمال الصين، وعند عامة الصينيين أنه قد أنشئ لوقاية بلادهم من الأرواح ~~الشريرة، وعند قلة من الجغرافيين أن سور الصين لم يقم من أجل الدفاع ضد المغيرين أو ~~الأرواح الشريرة، بل إن عادة الصينيين في القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد خاصة، قد ~~جرت ببناء الأسوار لتعيين الحدود ومنع الأهلين من تخطيها إلى غيرها، حين كانت بعض ~~أقاليم الصين منفصلا عن بعضها الآخر، إلى أن وحد الإمبراطور «هوانج تي» البلاد الصينية ~~وأحاطها بالسور العظيم. ~~(4) المرآة # كان الناس قبلا يرون ظلالهم في الماء ولا يزال هذا شأن الهمج من البشر، ثم صنعت ~~المرايا من البرنز المصقول، وفي القرن الرابع قبل الميلاد صنعت من الفضة، وكان العرب ~~يعرفونها باسم «الوذيلة»، هذا وقد صنعت المرايا من الزجاج لأول مرة في البندقية في سنة ~~1300، وكان الزجاج يوضع قبلا على الفضة لصيانتها حتى لا تنخدش، ثم وضع الزئبق وراء ~~الزجاج بعد ذلك. # هذا ولم يكن الإنسان قبل ستة آلاف سنة ms140 يعرف المرايا، وإنما كانت المرأة تنظر صورتها ~~في الماء فتصلح من شأنها بقدر ما ترى من صفحة الماء، ثم عرفت المعادن بعد ذلك؛ النحاس ~~ثم البرنز، فكانت المرايا تصنع منهما، ثم عرفت الفضة فصارت تصنع المرايا منها، وفي ~~العربية لفظة الوذيلة وهي المرآة الفضية، أما مرايا الزجاج فحديثة ولم تعرف إلا بعد ~~كشف الزئبق وطريقة دهن الزجاج به، وقد كان الرومانيون أول من صنعوا الزجاج على صورة ~~تفترق عن صناعة المصريين. ~~(5) الحذاء # يبدو أن الإنسان البدائي كان حافي القدمين مما جعل جلد أخمصيهما غليظا متينا، ثم ~~اضطر إلى أن يتخذ لأقدامه ما يقيها حر الرمال ووعورة الطريق، فاتخذ قطعة من الجلد أو ~~الخشب شدها إلى أخمصي قدميه، ثم جعل يتفنن في صنعها. هذا وقد كان حذاء المصريين القدماء ~~نعالا تشد إلى القدم بسير قصير يمتد مما بين الإبهام والسبابة إلى أعلى القدم، وسير ~~آخر مشدود من طرفيه بجانبي النعال عند أسفل العقب فيمر بأعلى ظهر القدم، فيشد به السير ~~الأول، أما مادة النعال فكانت على الغالب من الجلد، ولكنهم كانوا يحيكونها أحيانا من ~~سعف النخل، أو ألياف القنب أو البردي. # أما أحذية الآشوريين فكانت تختلف عن الأحذية المصرية، فإن نعالها كانت تصنع من الخشب ~~والجلد، وقلما صنعوها من النسيج. وبينما كانت الأحذية المصرية تستطيل من الأمام ثم ~~تنعكف إلى فوق الإبهام، لم تكن الأحذية الآشورية تتجاوز رأس الإبهام من الأسفل، وهي ~~تخالف المصرية بأنها تشد إلى القدم بسيور منحرفة تكسو العقب. # أما أحذية اليونان والرومان فتمتاز بأنها من الجلد غالبا، وأن نعالها تشد بسيور ~~تلف على ظهر القدم والعقب، وتتجاوزهما إلى أعلى الكاحل وأحيانا إلى منتصف ~~الساق. # أما الأمم الأخرى كالفينيقيين والإسرائيليين، فكانت أحذيتهم ترجع إلى بعض هذه ~~الأشكال، وكان العرب لا يلبسون غالبا النعال لتصلب بطون أقدامهم فتقوى على تحمل حر ~~الرمال، ولكنهم إذا ساروا في الجبال الوعرة شدوا إلى أقدامهم نعالا من جلد ~~الغنم. ~~(6) المشروبات المخمرة والمسكرة # يبدو أن الإنسان البدائي قد عرف - اتفاقا - التخمير والمشروبات والأغذية والأعشاب ms141 ~~المخمرة، وهي التي يحدث تناولها ارتخاء أو تخديرا وانتعاشا وانتشاء، وأن المخمورين ~~والسكيرين كانوا من جماعات الإنسان القديم. # وعند أحد علماء الكيمياء الألمان أن المصريين القدماء كانوا ماهرين في صناعة الجعة ~~(البيرة)، فقد فحص هذا العالم جرة مصرية قديمة بوساطة الميكرسكوب، فوجد لاصقا بجدارها ~~من الداخل آثارا من النشاء ومن الخميرة التي لا تزال تستعمل في صناعة البيرة إلى هذا ~~اليوم، أما الماء الذي كان المصريون يستعملونه فكان من ماء النيل لا من ماء الآبار، ~~بدليل أن آثار أعشاب نيلية وجدت لاصقة بجدران الجرة من الداخل. ~~(7) الصابون # يرجح أن الأقدمين استعملوا رماد الخشب والأعشاب لتنظيف أجسامهم، وفي تاريخ بليني أنهم ~~صنعوه من شحم الماعز بإذابته، ومزجه برماد شجر الزان مع الملح. ~~(8) النقود # كان الإنسان البدائي في غنى عن استخدام النقود؛ إذ كان يعمد إلى القوة والسلب في أخذ ~~ما يحتاجه، ثم عرف مبادلة السلعة بالسعة والمقايضة بين الحاصلات والمعادن الخام، هذا ~~وأول من استعمل النقود المعدنية هم أهالي ليديا بآسيا الصغرى، وأول قطعة سكت كانت في ~~سنة 716ق.م، أما عملة الذهب فالمعروف أن أول من أمر بسكها هو قارون (كروسوس) ملك ليديا ~~في سنة 550ق.م، أما الورق فقد بدأ التجار استعماله صكا في الصين وبعض الحضارات ~~القديمة، ثم اتخذ منذ القرن التاسع عشر نقدا يقابل العملة المعدنية، ويحل محلها إلى أن ~~أصبحت له الغلبة في هذا القرن. # هذا وقد كانت الماشية أداة التعامل، ثم اتخذت المعادن أداة للتبادل؛ لما فيها من ~~الثقل والصلابة على هيئة سبائك بأشكال مختلفة، كحلي وأدوات أخرى، وكانت توزن عند كل ~~عملية مقايضة، ثم استنبطوا قطعا معدنية منتظمة محدودة الوزن، ثم تعمد القدماء عند ~~تحديد وزن القطع المعدنية أن يجعلوها ذات قيم صغيرة لتسد حاجة التبادل اليومي، وكانت ~~الصفقات الكبيرة يدفع ثمنها إما بعدد كبير من هذه القطع الصغيرة القيمة من ثلاثة معادن: ~~الذهب والفضة والنحاس، وإما بسبائك من هذه المعادن على هيئة قضبان ثقيلة الوزن توزن ~~بالمين، والتالنت (هي وحدة الموازين الكبيرة. التالنت = 60 مينا). ms142 # وقد قال أرسطو: «لقد تخلصنا به نهائيا من مضايقات الوزن المستمر.» فقد وضع الختم ~~الرسمي للدولة على هذه القطع المعدنية الموزونة، وهذا هو أساس كل نقد حتى أحسن أنواع ~~النقود الذي تطابق قيمته الاسمية القيمة المعدنية تماما، وكان للحكومة الحق في أن تفرض ~~للنقود قوة التعامل، وأن ترغم الناس في كل مكان تحت سلطتها على قبولها، ولم يتحقق ~~استنباط النقود المختومة الرسمية إلا في القرن الثامن وأوائل السابع ق.م، وكل المصادر ~~التاريخية والأثرية تنسب شرف هذا الاختراع إلى الليديين واليونانيين، ثم انتشر عنهما ~~إلى الأمم الأخرى مع انتشار الحضارة اليونانية، وتدل النقوش والمصادر على وجود القطع ~~المعدنية ذات الوزن المحدد من أقدم العصور، ولكن لم نر أثرا للنقود قبل هذا ~~التاريخ. # أما أول عملة فكانت سبيكة بسيطة تحمل نقشا بمثابة ختم رسمي، على أنه وجدت قبل ذلك ~~بعض قطع تحمل أختاما خاصة شخصية كضمان لقيمة المعدن، منها واحدة عليها غزال كتب حوله ~~باليونانية «أنا علامة فانوس» كما في الصين الآن، وكان لكل بلد رمز خاص به، وكان في أول ~~الأمر محفورا في القطعة، ثم صار بارزا على سطحها، وارتقى فنيا حتى صار موضع تنافس ~~المتفننين البارزين في ذلك الوقت، وقد كان الآسيويون يحفرون الرمز على الحجر، ثم يصبون ~~العملة عليه فيظهر على القطعة رمزا بارزا، وقد قلدهم اليونان ثم تناولوه بالتحسين حتى ~~وصل إلى درجة رائعة من الفن. # قال «بولكس» المؤرخ: إن أول من ضرب النقود «فيدون» ملك أرجوس اليوناني أو الليديون، ~~ففي النظرية اليونانية أن «فيدون» أول من ضرب العملة من الفضة في اليونان الأوروبية على ~~شكل سلحفاة بحرية، يؤيد ذلك أنه وهب معبد هيريون بعض السبائك بدون أختام من الفضة على ~~شكل مسلات كانت مستعملة قبله في اليونان، وقد وهبها الملك لذكرى اختراعه العملة، أما ~~النظرية الآسيوية، فهي أن الليديين هم أول من ضربوا النقود من الذهب، ويؤيد ذلك المؤرخ ~~«هيرودوت» إذ يقول: «الليديون على حد معرفتنا هم الأول بين الرجال الذين ضربوا العملة ~~من الذهب والفضة.» وأيده ms143 المؤرخ «أجزنوفان»، واقتبس عنه «بولكس»، أما أول من ضرب الذهب ~~«الكنروم وهو خليط من الذهب والفضة طبيعي» فهم الليديون، وأول من ضرب الفضة في اليونان ~~هو «فيدون»، ولكن أيهما أسبق؟ فإذا عرفنا أن العملة في ليديا ضربت بعد انتهاء دولة ~~مرمناو؛ أي في عهد «چيچة»، وأن تاريخ حكم «فيدون» ملك أرجوس غامض لا يعرف هل هو أول بعد ~~حكم «چيچة»، كان لا بد من الاستشهاد بالآثار نفسها، وإذا درسنا أقدم القطع في ~~المجموعتين الليدية واليونانية، وهما بالتأكيد أقدم ما ظهر من العملة وينتميان إلى ~~النصف الأول من القرن السابع قبل الميلاد، وجدنا أن مظاهر الخشونة وعدم الإتقان تبدو ~~واضحة على القطع اليونانية الفضية، وهي مستطيلة الشكل على هيئة سلحفاة بحرية، بينما ~~النقود الذهبية الليدية مستديرة الشكل، وعلى ظهرها ثلاثة نقوش محفورة في نظام، وفي ~~إحداها صورة ابن آوى، وهو رمز إله الليديين «بساريوس»، وليس على وجهها إلا بعض خطوط أدق ~~نسبيا وأرقى ما تم من الوجهة الفنية، وليس ذلك دليلا على أن العملة اليونانية أقدم ~~من الأخرى؛ إذ يرجع السبب إلى تقدم الليديين لأن الحضارة وارتفاع الفن في آسيا الصغرى ~~سبقا بمراحل الحضارة اليونانية في أوروبا في ذلك الوقت، الواقع أن العملة الليدية تمثل ~~الانتقال بين التبادل بالقطع المعدنية ذات الوزن المحدود بدون ختم رسمي، وبين النقود ~~الحقيقية، فهي سبائك عليها ختم الدولة الرسمي، فاكتسبت بذلك ضمانا قانونيا لوزنها ~~ونوع معدنها. ~~(9) ركوب الماء والسفن # المظنون أن الإنسان عرف مراكب الماء من سفن وقوارب منذ ثلاثين ألف عام وأكثر، وإن لم ~~تكن على الصورة التي وصل إليها صنعها الآن، وأن الإنسان كان يركب الماء جاذفا على ~~الماء في كتلة من الخشب أو جلد منفوخ، وقد وجد في مصر وسومر القارب المشابه للسلة، وهذا ~~النوع من القوارب لا يزال مستعملا في أيرلندا وويلز وألسكا وفي خليج بهرنج، ثم عرفت ~~بعدئذ الكتلة الخشبية المجوفة، ثم تطور صنعها إلى الحالة التي تشبه ما هو قائم من أنواع ~~السفن ذات المجاذيف فذات الشراع، وقد عرفت ms144 السفن الصالحة في البحر المتوسط والخليج ~~الفارسي، ثم البحر الأحمر منذ 7000ق.م، وكان أكثرها للصيد وأقلها للتجارة والقرصنة، وقد ~~بدأ سير السفن في الأمواه الداخلية حينما كان التيار المائي هادئا مدة طويلة، وقد ظل ~~حجم السفن صغيرا، فلم تعرف السفن الكبيرة الضخمة حسنة البزة جيدة التركيب القادرة على ~~مخر عباب المحيطات؛ إلا منذ 400 سنة، فقد كانت السفن الصغيرة قبل هذا تسير بالمجاذيف ~~على مقربة من السواحل، وتسرع إلى الوقوف أو العودة إلى المرسى كلما لاح خطر الأمواج أو ~~العواصف، وكانت الأمم السامية في مقدمة الشعوب استخداما للسفن، فأنشأت الثغور والمراسي ~~البحرية في شرقي البحر المتوسط، وكان سكان صيدا وصور على رأس هذه الأمم ركوبا للبحر ~~محترفين التجارة والغزو والقرصنة، وقد عرفوا باسم «الفينيقيين»، وقد وصلوا إلى إسبانيا ~~طاردين الأيبريين سكان الباسك، وموفدين البعثات ماخرة عباب مضيق جبل طارق، منشئين ~~المستعمرات في شمال أفريقيا، وخاصة قرطاجنة. # وثمة أقوام آخرون متصلون بالمصريين والباسكيين الإسبانيين والبربر كانوا يركبون الماء ~~ويستخدمون القوارب والسفن الصغيرة، وكذلك نوع آخر من سكان الجزر اليونانية في بحر إيجه ~~وآسيا الصغرى سبقوا الحضارة اليونانية، مثل «كنوسوس» في كريت، وهي أقدم ما كشفت عنه ~~الآثار في تلك المنطقة، وهي تماثل الحضارة الفرعونية نشأة وتاريخا، و«كنوسوس» هذه هي ~~قصر للملك أكثر منها مدينة، وقد بقيت غير محصنة إلى أن ظهر الفينيقيون وقراصنة اليونان ~~النازلون من الشمال، وأصبحوا خطرا على البلاد الأخرى. ~~(9-1) الملاحة في مصر # عرف المصريون الملاحة في النيل ثم البحر، ولقد اتخذ المصريون القدماء السفن في ~~حروبهم فترى على جدران معبد مدينة «هابو» منظر معركة بحرية وقعت في عهد رمسيس ~~الثالث، وكانت هذه السفن كبيرة الحجم، تتسع لكتيبة من الجند، وقد كان للمصريين في ~~عهد الدولة الحديثة أسطول تجاري كبير يسير بعضه في نهر النيل، وبعضه في البحرين ~~المتوسط والأحمر، وكانت سفن النيل تحمل الأثقال الكبيرة مثل أحجار الأهرام ~~والمعابد، والمسلات والتماثيل، وعلى جدران معبد الدير البحري سفينة طولها 81 مترا، ~~وعرضها 27 مترا، حملت عليها بعض المسلات ms145 من محاجر الجرانيت بأسوان إلى الكرنك حيث ~~أقيمت، وكانت هذه السفن تسير من غير مجاذيف، تجرها سفن كثيرة يقدمها عظماء الدولة ~~لفرعون، وكانت تسير في النيل كذلك سفن أخرى لنقل الغلال والماشية والأثقال الصغيرة، ~~وقد سيرت الملكة حتشبسوت أسطولا تجاريا في البحر الأحمر، وأوفدته إلى بلاد ~~«بونت»؛ ليأتي للإله آمون بأثمن حاصلات هذه البلاد ولا سيما أشجار البخور الذكي، ~~وترى مناظر هذه البعثة التجارية منقوشة على جدران معبد الدير البحري. ~~(10) المصريون والزجاج # يقال إن صناعة الزجاج الذي قوامه الرمل في مصر البعيدة، قد جاء اتفاقا منذ أربعة ~~آلاف سنة، وقد مهر المصريون القدماء في تلوينه مخرجين أحد عشر لونا في المرحلة الأولى ~~من كشفه، وعرفوا الفسيفساء، وخلف لنا الأقدمون مصنوعات زجاجية في أحد جانبي الغرفة ~~الداخلية للأهرام المدرجة في منفيس، ورسوما تدل عليه في مقابر بني حسين في المنيا، ~~وكان أقدم ما وصل إلينا كرة زجاجية مع بندقية أمنحتب الأول مودعتين متحف أكسفورد، ~~وتمثال رأس الإله هاتور متحف لندن، وألوان من الزهريات والمكاحل والسمك والرءوس، وكان ~~يصنع في طيبة في بداية الأمر في الفيوم فالإسكندرية، ثم انتقل إلى آشور وفينيقيا، ثم ~~إلى روما، فقد أنشأ الإمبراطور نيرون مصنعا للزجاج عماله من المصريين. ~~(11) الطيران # ليس ببعيد أو بمستغرب أو عسير أن يكون الإنسان البدائي قد فكر في الطيران، بل لعل هذا ~~الإنسان مارس الطيران ممارسة غامضة الصورة أكثر مما احتفل له الإنسان المتحضر، ذلك أن ~~الإنسان البدائي كان يعيش مع الحيوان والطيور، وحين كانت الوحوش تطارده، كان يلجأ إلى ~~الأشجار العالية معتصما بها أو متنقلا بينها، ومن المحتمل أنه كان يتخذ جذوعها أذرعة ~~يطير بها قليلا، على مثال شيء من الطيران الشراعي الملائم لتفكير ذلك الإنسان ~~وحاجته. ~~(11-1) فكرة الطيران في مصر السابقة # لقد وجدت بعض النقوش القديمة التي تدل على أن الفراعنة عرفوا سر الهواء وتركيبه ~~واستفادوا من ذلك؛ فقد روى «هيرودوت»، المؤرخ القديم الذي عاصر الفراعنة وسطر عن ~~مدنيتهم الكثير، قصة سمعها من بعض زملائه المتقدمين، وقال إنه يشك ms146 في وقوعها؛ ~~لأنها لم تثبت عنده قطعا، أما القصة فقد جاءت دليلا على أن الفراعنة فكروا في ~~الطيران وبدءوا في تنفيذه، قال: # كنت في طريقي إلى بلدة طيبة حين سمعت من بعض شيوخ الفلاحين قصة من أغرب ~~القصص، تدل على أن عقلنا البشري قد انجلت أمامه الحقائق وسهلت المصاعب. قال ~~الشيخ: إنه بعد أن استولى الملك مينا على الوجه البحري وأصبح ملكا لمصر ~~العليا والسفلي وضم التاجين، أراد أن يوطد ملكه بإكرام العلماء واستغلال ~~عقولهم في ترسيخ أقدام حكمه الجديد، الذي زها عصره، وذهبت إليه وفود ~~العلماء إلا عالما شهيرا اسمه «تاحتب» أبى واستكبر، وحاول الملك استمالته ~~بالطرق كلها فلم يفلح، فأغضب ذلك الملك، فحكم عليه بالموت مرسلا من ~~يحضره. # وتواتر إلى العالم ما اعتزم الملك فهرب إلى قمة جبل عال مستصحبا معه ~~نسرا ضخما قويا فاتحا فاه، وربط نفسه إلى رجليه، ثم ألقى بنفسه معه من ~~فوق الجبل، فبسط النسر جناحيه ماضيا في الفضاء. # وكان الرجل، إذا أراد الانخفاض جذب رأس النسر بيده إلى أسفل، وإذا رغب في ~~الصعود دفعها إلى أعلى، وهكذا طار الرجل في الهواء فوق المدينة بين تهليل ~~الناس وتكبيرهم، وخشي الملك أن يستفحل أمر ذلك العالم الجبار، فأرسل رسله ~~في كل مكان باحثين عنه مادين أيديهم بالهدايا، ولكن ذهبت جهودهم أدراج ~~الرياح. # فهذه القصة التي حرفها بعض الروائيين في قصة «السندباد البحري» تدلنا دلالة واضحة ~~على مبلغ رقي الفراعنة العقلي والعملي، وأن «تاحتب» كان أول ضحايا فكرة الطيران، ~~صحيح أن هيرودوت تشكك في صحة هذه الرواية، لكنها على كل حال تثبت وجود الفكرة عند ~~علماء المصريين القدماء. # وقال الطيار «محمد محفوظ» في كتابه عن «الغزاة في عالم الطيران» إنه قد مضت سنون ~~تطور فيها الفكر والعلم، حتى جاء عصر الأسرة الرابعة التي بنيت في عهد الأهرام، ~~فذكر أن أحد الكهنة تسلق هرم خوفو بعد أن صنع لنفسه جناحين من قماش متين من التيل ~~وطلاهما بطبقة من الشحم؛ ليمنع نفوذ الهواء خلالهما، ثم ألقى بنفسه في ms147 الهواء وأخذ ~~يطير محركا جناحيه، ولكنه كان دائما يهبط إلى أسفل؛ إذ لم تكن لديه القوة اللازمة ~~للارتفاع ... وبعد أن قاوم الهواء فترة يسيرة، انفصل عن جناحه فهوى إلى الأرض وفاضت ~~روحه ، وكان بحق أول ضحايا الطيران الانفرادي، ويذكر بعض المؤرخين أن المهندسين ~~الذين شيدوا الهرم الأكبر استنبطوا النوع الأول من المظلات الواقية، فقد صنعوا ~~نوعا من القماش الخفيف في شكل أسطواني قريب الشبه بالبرميل، وكانوا إذا أرادوا طلب ~~شيء من سفح الهرم نفخوا في هذه الآلة، وربطوا بها رسالة بما يطلبون، ثم يلقونها في ~~مهب الريح، فإذا كانت غايتهم إلى أسفل مباشرة علقوا بها ثقلا، وإذا كانت بعيدة ~~عنهم نوعا خففوا زنة الثقل، فإن كانت بعيدة جدا ألقوها دون ثقل ما، وهذه التجارب ~~تدلنا على أنهم حاولوا الاستفادة من فكرة الطيران (الباراشوت)، ومن عجيب ما وصل ~~إلينا أن قدماء المصريين عرفوا أيضا اتجاه الريح بوساطة جهاز يسمى دليل الريح، فقد ~~كان عصر الأسرة الثانية عشرة عصرا ذهبيا سار الكشف فيه شوطا بعيدا عن طريق ~~السفن البحرية، ولم يكن المصريون القدماء إلى يومئذ قد عرفوا القلع، فكان جل ~~اعتمادهم على المجاذيف، ومما لا شك فيه أن الريح كانت تقاوم سيرهم وتوقف تقدمهم، بل ~~كثيرا ما أوردتهم موارد التهلكة، وفي هذه العصر استنبط أحد العلماء كيسا من ~~القماش الخفيف مفتوح الطرف، طوله يتراوح بين ذراعين وثلاثة، يعلقونه من طرفه في ~~ناحية عالية بمؤخرة السفينة، وكثيرا ما ارتفع الكيس في شكل عمودي؛ لتعبئته بالريح ~~القوية ولكنه لم يأت بالغرض المطلوب، وفطن أحدهم إلى أنه يجب ثقب الكيس؛ كي يمر ~~منه الهواء وفق فكرتهم تماما، وكان هذا الجهاز من أهم عوامل تقدم البحرية ~~الفرعونية، لكنه اندثر واستغني عنه حين استنبطوا القلوع. # وبعد، فنحن لا ننكر أن الغرب أخرج الطائرة إلى حيز الوجود، وأن الطيار «لاتام» ~~كان أول من ركب متن الهواء في سنة 1910، وأن الإيطالي «فرنسسكودي لانا» هو الذي ~~اخترع المظلة الواقية في سنة 1650، وأن الطيار الإنجليزي «هوكر» هو الذي استنبط ~~جهاز الريح ms148 حوالي سنة 1919، لكن لا يجوز لنا أن نتناسى أنه منذ خمسة آلاف سنة فكر ~~المصريون القدماء تفكيرا علميا عمليا صحيحا فيما جعله الغرب حقيقة واقعة في ~~القرن الأخير. # هذا ومنذ عصر الفراعنة حتى قيام الإمبراطورية العربية تجدد البحث في فكرة ~~الطيران، ولكن لم تصلنا دقائق عن تقدم هذا الفن الكبير. ~~(11-2) العرب والطيران: عباس بن فرناس # قال المقري يصف الأندلسيين نقلا عن ابن غالب: «ومن حكاياتهم في الذكاء واستخراج ~~العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس أول من استنبط ~~بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فك بها كتاب العروض للخليل، وأول من فك ~~الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، واحتال في ~~تطيير جثمانه وكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم ~~يحسن الاحتيال في وقوعه، ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنبا، ~~هذا وتوفي ابن فرناس في أوائل القرن العاشر.» # ومما يروى أيضا أن عباس بن فرناس لبس لباسا على هيئة الطائر، وله جناحان مثبت ~~فيهما ريش طويل، فاستطاع بتحريكهما أن يرتفع عن الأرض فترة ما هوى بعدها على مقعده ~~فقتل، وعلى هذا فلا يمكن أن نعده مؤسس الطيران؛ لأن محاولته لم تأت بنتيجة ما؛ لأنه ~~لا صلة بين فكرته والفكرة التي قامت عليها الطيارة الحديثة. # أما من يرجع إليهم الفضل في تأسيس الطيران، ففي مقدمتهم الأخوان الفرنسيان ~~«أورفيل رايط» و«ولبر رايط» فقد صنعا طائرة - ما زالت موجودة في أحد متاحف لندن - ~~من القصب الهندي وكسواها بقماش أشرعة السفن، وطار بها أحدهما لأول مرة يوم 17 ~~ديسمبر سنة 1903، وارتفع بها 852 قدما، وبقي في الجو 59 ثانية؛ أي أقل من دقيقة، ~~وكانت قوتها 10 أحصنة، وفي خلفها مروحتان ضعيفتان، وليس بها مكان يتسع لجلوس ~~الطيار، فكان ينبطح على جناحها. # وهذه أول طائرة يحركها «موتور»، أما البالونات فقد عرفت قبل ذلك، وكانت تملأ ~~بالأيدروچين الذي تقل كثافته عن كثافة الهواء فترتفع، وقد ms149 شهدت القاهرة بالونات ~~تحلق فوقها منذ 140 عاما، أطارها نابليون في أثناء حملته على مصر إرهابا ~~لأهلها. ~~(12) زينة الإنسان البدائي # يبدو أن الإنسان الأول كان يزين جسمه بالحلي قبل أن يكسوه بالملابس، على نحو ما يفعل ~~الهمجيون الآن؛ وذلك لأن الإنسان أطوع لعامل غروره وكبريائه منه لعامل حاجته، أضف إلى ~~هذا أن الإنسان الأول، لما كان له من الشعر الوفير لم يكن في حاجة إلى اللباس، وإنما ~~نشأ هذا من الزينة على توالي الزمن، على أن بعض الهمجيين الآن لا يعرف من اللباس إلا ~~الوزرة التي تستر عورته، أو قد لا يعرفها أحيانا، ولكنه مع ذلك يعرف كيف يزين رأسه ~~بريش الطيور، وكيف يعلق قلائد الصدف والودع حول عنقه، وكيف يحز الحزوز المختلفة حول ~~جسمه، ومنهم أيضا من يعرف الوشم، والحز والوشم كلاهما من ضروب التحلي، وفي إنجلترا ~~تعيش طائفة من الصيادين ببيع الصدف، وهي تصيده للتجار، وهؤلاء يقايضون به زنوج أفريقيا ~~في الغرب على سلعهم المختلفة. # على أن أقدم ما يعرف من الحلي وجد في مصر، فقد كان من عادة المصريين أن يضعوا مع ~~الميت بعض أدواته أو أمثلة مختصرة منها إذا ضنوا بالأصل أن يوضع في القبر، وكانت الحلي ~~المصرية بين أصناف الحلي القديمة، وقد كانت هذه الحلي رمزية في معناها مما يدل على أن ~~القصد لم يكن التحلي ليس غير، وإنما كانت هناك غاية سحرية أخرى كوقاية الجسم مما يضمره ~~عدو أو مرض تجلبه الآلهة، فكانت الأقراط والقلائد والأساور تصنع على جلود الثعابين أو ~~صقور لها وجه إنسان أو غيره، وكان الذهب يستعمل لهذه الغاية، ولم يكن يتحلى به سوى فئة ~~قليلة جدا من الناس، وكان المصريون يستعملون الزجاج الطبيعي الذي كان يتكون من انهيار ~~بعض الأحجار وتبلورها في باطن الأرض، وكانوا يتزينون بقطع صغيرة منه كما نتزين الآن ~~بالجواهر، وقد أبدى المصريون براعة عجيبة في صنع الحلي مع قلة وسائل الصناعة يومئذ في ~~ذلك الوقت؛ إذ لم يكونوا يعرفون الحديد وقد عرفوا النحاس قبيل المسيح بمدة ms150 كبيرة، وكان ~~الفينيقيون جوابين للآفاق بلغوا إنجلترا بسفنهم، وبعضهم يقول إنهم استعمروا جزءا ~~منها. # الفصل الثامن عشر # | الفن # الفن، لغة: النوع أو الحال أو الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون. وافتنان الكلام ~~اشتقاقه في فن بعد فن . والمفتن والمتفنن وذو الفنون والمفن «بكسر ففتح»، الذي يأتي ~~بالعجائب وبضروب فن الكلام. والفنان «بالتشديد» الحمار الوحشي، وإطلاقها على الرجل المفن ~~رجل الفن شائع في لغة الكتاب العصريين، مع أن العرب لم تقل ذلك. # وبينما الفن مادته الفكر والنظر، فإن العلم مادته العمل والأثر، وقد يكون للشيء الواحد ~~علم وفن؛ فالموسيقى «علم» حين ندرس قضاياها العامة كتقسيم النغم، والموسيقى «فن» حين يتصرف ~~المطرب في فنون النغم، والبلاغة «علم» حين تتحدث عن أحكام الفصل والوصل والإيجاز والإطناب ~~وما إلى ذلك، والبلاغة «فن» حين يرسل الكاتب قلمه بالمقال البليغ. # هذا و«الفن» اصطلاحا لفظ مرن، في معناه الأوسع هو كل شيء ليس طبيعيا، بل من صنع ~~الإنسان وهو، على هذا، يشمل المصنوعات والبلاغة والقصة، وكل ما هو نافع أو لذيذ، وما يجمع ~~بين المنفعة واللذة كالميكانيكيات والآداب الرفيعة والهندسة المعمارية والحفر والنقش ~~والزخرفة والرقص والموسيقى والشعر والغناء، أما الفن في معناه الضيق، فهو ما يصنعه أو ما ~~يقوله الإنسان ثمرة للمواهب والكفاية المثلى من أجل المتعة النفسية في ذاتها؛ أي من غير أن ~~يكون وسيلة إلى شيء ينتفع به في الحياة العملية. # وقد عرف الإنسان البدائي ساكن الكهوف الفن قبل عصر التاريخ، فلم يقتصر جهد سكان الكهوف في ~~عصر الحجر، عند صنع الأدوات والأسلحة من الحجر ورءوس السكاكين والقوس من العظام، بل كانوا ~~ينقشون على أيديها العظيمة أشكالا حيوانية كالماموث ووحيد القرن والإبل، ومن هنا نشأت فكرة ~~محاكاة ما في الطبيعة بالنقش والحفر وما إليهما؛ استطابة للذة الفنية ونشدانا للمتعة ~~النفسية. # والفن، على هذا، كل عمل أو مهارة منظمة ترمي إلى تتبع الكائنات النظامية، وإلى أهداف تعرف ~~مقدما اتباعا لقواعد كل عمل واستخداما للمهارة ونتيجتها. # وعند «عبد المنعم أبو بكر» أن الفن كلمة يخص بها عادة ms151 أشياء مختلفة متباينة، فالتمثال ~~قطعة فنية، والنقش قطعة فنية، والرسوم سواء ما كان منها بالزيت أو بالألوان الأخرى قطع فنية ~~أيضا، ثم الموسيقى فن، والشعر فن، والنثر فن، وكذلك التلحين فن، والغناء فن؛ إذن فالفن هو ~~كل ما يخرجه لنا ذوق الإنسان ليرضي به غريزة فيه لا يمكن أن نسميها إلا غريزة الفن، إذا صح ~~هذا التعبير، ونحن إذا أنعمنا النظر في غرائز الحيوان والإنسان رأيناها متشابهة في الأصل، ~~ذلك الأصل الذي يدفع بكل من الإنسان والحيوان إلى هدف واحد وهو البقاء، والمحافظة على ذلك ~~بالأكل والشرب، ثم بالمدافعة عن النفس، ولكن الطبيعة اختصت الإنسان بغريزة أخرى هي «غريزة ~~الجمال»، أو قل غريزة الذوق السليم؛ فالإنسان الذي يصنع مثلا إبريقا من الطين أو الحجر كي ~~يملأه ماء للشرب، كان في بدء حياته الأولى (أقصد بذلك الإنسان الأول) يصنع إبريقا يصلح ~~لاحتواء الماء، أما شكل هذا الإبريق الخارجي فيحتمه الغرض الذي من أجله صنع ثم الآلة التي ~~صنع بها، ولكن سرعان ما تظهر الغريزة الأخرى، غريزة الذوق السليم، فتراه قد طلى هذا الإبريق ~~بلون أحمر، أو أحرقه في النار حتى يكتسب ملاسة لامعة، أو رسم على سطحه الخارجي صورا مختلفة ~~لا علاقة بينها وبين ما يحويه الإبريق. # وأول آثار للفن وصلت إلينا كانت من صنع إنسان عصر الفيضان (الطوفان)، الذي سكن قبل آلاف ~~من السنين المناطق التي خلت من الثلوج، ذلك الإنسان الذي سكن الكهوف في جنوبي فرنسا وشمال ~~إسبانيا، وترك لنا آثارا من الفن أحجم البعض عند أول وهلة أن ينسبه إليه، ترك لنا رسوما ~~نقشها على صخور تلك الكهوف، دلت على مهارة عجيبة في الرسم، وبعد ذلك انتهت حضارة ذلك ~~الإنسان الأول في أوروبا، وظهرت حضارات مختلفة في الشرق الأدنى وشمالي أفريقيا، هذا وفي ~~عصور فجر التاريخ الغابرة حلت بشمالي أفريقيا عوامل طبيعية، جعلتها مغمورة بالثلوج، بينما ~~كانت أوروبا منطقة أمطار غزيرة، وبعد حين انتقلت هذه العوامل الجوية إلى أوروبا فجعلتها ~~مغطاة بالثلوج، بينما كان شمالي أفريقيا منطقة أمطار ms152 غزيرة، وهذا هو السبب الذي من أجله ~~اختفت حضارة الإنسان الأول في أوروبا، وظهرت حضاراته في شمالي أفريقيا والشرق الأدنى، وكانت ~~الآثار الأولى مشابهة الشبه كله لآثار ذلك الإنسان الأول الذي ظهر في أوروبا، ولكنا نجد بعد ~~ذلك أن الشرق الأدنى تقدم في حضارته تقدما محسوسا، حتى إذا ما حل العصر الحجري الحديث ~~رأينا أن الفن في الشرق الأدنى، وخاصة في مصر، قد انتحى ناحية أخرى. # والفن المصري بدأ في عصر فجر التاريخ يطبع بطابع يختلف مظهره عن فنون الأمم المجاورة، ~~وهذا الطابع المصري الذي كونته البيئة المصرية، وعمل على تقدمه وتنميته العقل المصري والفكر ~~المصري، احتفظ بمظهره الخارجي طوال التاريخ المصري؛ أي ما يقرب من أربعة آلاف سنة، ولكنا ~~بعد الدرس والمقارنة سوف نجد أنه ليس من الصعب علينا أن نقسم هذا الفن إلى عصور مختلفة ~~يمتاز كل منها بطابعه الخاص. # اعتقد المصري القديم في الحياة الثانية، واعتقد أيضا أنه عندما يحل الموت تفارق قرينته ~~(روحه) جسده، على أن تعود بعد ذلك إلى هذا الجسد من حين لآخر؛ كي تحيا معه حياة تشابه من كل ~~ناحية الحياة التي اعتاد صاحبها أن يحياها على الأرض؛ ولكي تحيا هذه (القرينة) في المقبرة ~~يجب أن تجد ما كانت تأكله وتشربه وتتمتع به في حياتها الأولى، وليس هذا كل ما يساعدها على ~~الحياة في المقبرة، بل يجب أن تجد جسدها في حالة جيدة لا تهدم فيه ولا انحلال، أما السبب في ~~ذلك فهو أن الحضارة الحديثة والذوق الحديث والعقل الحديث قد تكونت على أسس الحضارة والذوق ~~والعقل الإغريقي القديم، فنحن لا زلنا نفكر ونرى الأشياء كما فكر ورأى الأشياء الإغريقي ~~القديم. # وعلى ذلك بينما نحن نفهم الفن اليوناني بالسليقة، فإننا نحتاج إلى دراسة لفهم الفن ~~المصري، وإذا تمكنا من فهم الفن المصري، فإن إعجابنا به واستساغتنا له واحترامنا لفنانيه ~~سوف يعادل - إذا لم يفق - إعجابنا واستساغتنا للفن اليوناني واحترامنا لفنانيه. ~~(1) تمثال حامل الحرية # من الآثار اليونانية القديمة، تمثال حامل الحرية الذي يمثل الجسم ms153 الإنساني الرياضي ~~القوي الكامل عند اليونانيين، طول قوامه 175 سنتيمترا، وطول دائرة عنقه 40,25 ودائرة ~~صدره 114,75 وخصره 83,25 وكفله 90,5 وفخذه 56,15 ومخلخله 23، أما وزنه فمائة وتسعة ~~وسبعون رطلا إنجليزيا. ~~(2) فن التمثيل # من الفنون القديمة تمثيل الروايات، كان اليونان أول من مثل الحوادث وقلد وقائعها، ~~وأول من فعل ذلك منهم صوازريون ودولون، فقد مثلا رواية في أثينا في سنة 562 قبل ~~الميلاد، وجرى على ذلك من جاء بعدهما من اليونان والرومان، وهذا ما يسمونه فن التمثيل ~~القديم، وكان مقصورا على بعض الألعاب أو تمثيل بعض الوقائع التاريخية أو شبهها ~~المقتبسة من روايات هوميروس وغيره، أما فن التمثيل الحديث، فقد نشأ في أوائل التاريخ ~~المسيحي، وكان في أول عهده محصورا في تمثيل الوقائع الدينية نقلا عن التوراة والإنجيل ~~أو ما يترتب عليهما، وأقدم رواية مثلت على هذا النحو رواية غريغوري نازيانزن أحد ~~رؤساء الكنيسة في سنة 364م مثل فيها «أسلام» المسيح، ومن هذا القبيل تمثيل واقعة الحسن ~~والحسين في عاشوراء، ولتمثيل هذه الوقائع وقع عظيم في النفوس، ثم اتخذ التمثيل الحديث ~~صبغات مختلفة لم يكن لها شأن يذكر، على أن هذا الفن لم يتخذ شكلا قانونيا إلا في ~~القرون الأخيرة وأول من فعل ذلك تريسينو الإيطالي، فقد مثل رواية في رومية بحضور البابا ~~ليون العاشر في سنة 1515م سماها صونوفيسيا، وفي أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس ~~عشر ظهر شكسبير في إنجلترا وموليير في فرنسا، فأحييا هذا الفن وجددا رونقه وألبساه حلة ~~لا يزال خلفاؤهما ينسجون على منوالها إلى هذه الساعة. ~~(3) الأدب: الشعر والنثر # كان إنسان ما قبل التاريخ يتسلق الأشجار وينتقل في الغابات بين الوحوش صائحا: «را. ~~را. را. بو. بو. بو» أو مناديا: «ها. ها. ها. يا. يا. يا»؛ أي إن حديثه كان ألفاظا ~~قصيرة التركيب ومتكررة، ذات نغم موسيقي ووزن شبيه بالأوزان الشعرية؛ لأنه كان إما ~~مناديا أو مستغيثا أو متوجعا؛ أي معبرا عن شعور ما، كما كان يجتمع مع قومه في حلقات ~~للرقص في حماسة للقتال ms154 المستمر، وهذا هو أساس الشعر لفظا ومعنى؛ إذ كان الشعر لفظا، ~~هو الكلام الموزون المقفى، ومعنى، هو الإبانة عما يجيش في النفس من المعاني والخيال، ~~ثم إن هذه النداءات والصيحات البدائية قد تطورت إلى الأوزان الشعرية التي تباينت تبعا ~~للأزمان والأماكن والمهن واللغات. # ومن أجل هذا كان الشعر، عند بعض العلماء، أول مراتب الأدب، أما النثر فقد ظهر حين كثر ~~السكان وتعددت أغراض الحياة وألفاظها، واحتاج الإنسان إلى التوسع في البيان، على أن ~~أسبقية الشعر للنثر ليست أمرا مقطوعا به. # الفصل التاسع عشر # | التنقيب عن الآثار # لما كان في مقدمة ما نستند إليه في الوقوف على حياة الإنسان في العصور التي سبقت التاريخ، ~~هو تلك الآثار التي تخلفت عن هذا الإنسان وأدواته وطبيعة عصره، رأينا أن نتحدث هنا عن علم ~~التنقيب عن الآثار، ذلك العلم الذي قعد قواعده وأصل أصوله، العالم البريطاني الأثري السير ~~ويليام يتري الذي توفي في 1942، هذا ويستند التنقيب عن الآثار إلى ما نوضحه ~~هنا: ~~(1) # دراسة الكتب القديمة ولا سيما التاريخية؛ فقد توضح المناطق التي قامت فيها ~~الدول والحضارات أو تشير إليها، ولا يزال كتاب هيرودوت عمدة الكتب، وكذلك ~~الوقوف على اللغات القديمة وقراءة الرسوم؛ مما يعين على تحقيق هذه ~~الغاية. ~~(2) # ما يتناقله الرواة والسكان الحاليون؛ فقد يلتمس المنقب من أقوالهم وأساطيرهم ~~شيئا يفيده. ~~(3) # ما يشاهده المنقب العالم في رحلاته بين أيدي السكان السذج من أشياء لا يعرفون ~~قيمتها، وإن كانوا قد يعرفون مصدرها في المدافن والمعابد؛ فقد يكون بيد الساذج ~~جمجمة بشرية أو إناء خزفي أو قطعة نقود أو قرط أو عظام. ~~(4) # ما ينتهي علمه إلى العلماء حين تحفر الترع أو تهدم الدور القديمة؛ فقد تبدو ~~صناديق وأكفان وأوان وأدوات. ~~(5) # ما يكشف عنه علم طبقات الأرض (الچيولوچيا) من صخور وأحافير. ~~(6) # ما يكشف عنه علم الطب والعلوم الزراعية والهندسية وغيرها من أسرار حياة ~~الإنسان القديم. ~~(7) # الجهة الغربية من موقع المدينة المطمورة أو موطن آثار الحضارة البائدة؛ إذ ~~إنه يكاد يكون من المحقق وجود مقابرها، خاصة متى كان ms155 العشب الذي ينمو فوقها أشد ~~خضرة من العشب الذي ينمو في مكان آخر. ~~(8) # جس طبقة الأرض أو الطرق عليها حين يظن المنقب أن هذه المنطقة أثرية. ~~(9) # ساعد الطيران المنقبين في كشف المواقع الأثرية، التي عجزوا عن الوصول إليها ~~بوسائل النقل الأخرى. ~~(10) # الاستدلال على المواقع من أشياء صغيرة، إذا استقرأها المنقب، وسعه أن ينقب في ~~الموقع الصحيح، وذلك كأن يتبين أن مطالع الجدران الأثرية رقيقة؛ إذ إن هذا يدل ~~على أنها جدران لدار مؤلفة من طبقة واحدة، أما الجدران الغليظة فإنها تشير إلى ~~أن المنزل كان طبقتين أو أكثر، وكأن يستدل من قياس قاعدة أحد الأعمدة على طول ~~ارتفاع المبنى، وقد استطاع العلماء رسم بناء معبد بعد قياس قاعدة العمود وبقايا ~~أحد جدرانه، وقد رسم قصر الملك أخناتون استنادا إلى هذه الطريقة. # ومما تجلوه بقايا الأطلال وبقايا المقابر ورسومها، بيان مرتبة الحضارة القديمة وحالة ~~السكان من فقر ورغادة وحروب وكوارث ومجاعات، فقد أبانت الحفائر في بلاد الإسكيمو عن حضارة ~~راقية بائدة. # ويستدل من التراب الأرجواني على أن في موقعه إناء فضيا، وقد عمد المنقبون في منطقة أور ~~الكلدانية إلى صب جبس في حفرتين غائرتين، وبعد أن تم جفافه ظهر أنموذج قيثارة يرجح أنها ~~صنعت في 3200ق.م، كما أنه كان على الأرض آثار خطوط ضئيلة هي آثار أوتار القيثارة. # ومما يعين المنقبين والعلماء الباحثين ما خلفه الأقدمون من الأدوات والأواني العديدة إلى ~~جوار الجثث المدفونة، إما من باب إجلال الميت وتقديسه بدفن ما كان لديه معه لكي لا يستخدمها ~~غيره؛ وإما لأن القوم كانوا يذهبون إلى أن الميت سيعيش في مقبرته وسينتفع بما أودع المقبرة ~~من الزاد والأدوات. # وقد تقدم علم الآثار تقدما كبيرا، ورصدت له الحكومات والجمعيات العلمية والأغنياء ~~الأموال الكبيرة، وقد استهوى هذا العلم الألوف من الناس، كذلك مرن على التنقيب الألوف، ~~ومنهم العمال المصريون، فقد رأيناهم - وأكثرهم من «قفط» في قنا - يعرفون بالمران أين توجد ~~الآثار وما نوعها، مرشدين للعلماء المنقبين ذاتهم. # هذا وقد وفق الدكتور كانديلا، الأستاذ بجامعة ms156 بروكلين ~~الأمريكية - كما جاء في العدد 23 من مجلة كرونيك ~~ديچيبت ص41 سنة 1937 - إلى استخراج بقايا الدماء القديمة داخل عظام 130 موميا مصرية تاريخها ~~3300، مودعة متحف بروكلين، وإلى الوقوف على فصيلة الدم في عظام مصريات تاريخهن 1500ق.م؛ أي ~~في الأسرة الثامنة عشرة، ثم إلى أن هنود أمريكا وسكان الباسك في شمال إسبانيا والكلت من ~~الفصيلة الدموية الثانية من الفصائل الأربع التي ينقسم إليها دم الإنسان، أما سكان الهند ~~وقبائل الأمازون في أمريكا الجنوبية فمن الفصيلة الثالثة. # هذا ولما كان قد ثبت أن المادتين (أ) و(ب) اللتين تخولان تقسيم الدم البشري أربع فصائل لا ~~تزالان في عضلات المومياوات وأعضاء أجسامها، فإن: المادة (أ) نسبتها 37٪ بين سكان القاهرة ~~و34٪ في أسيوط الحالية، والمادة (ب) 25٪ في القاهرة و30٪ في أسيوط، وهو ما ثبت وجوده في ~~المومياوات القديمة، ومنها مومياء تاريخها أكثر من 5000 سنة. ~~(1) أدوات التنقيب والاختبار # هي الفئوس والمجارف والمعاول والمقاطف وعربات نقل الأتربة والميكرسكوب والمنظار ~~المكبر، والقواطع والمقصات والسكاكين وفرش لتنظيف الآثار من التراب والمواد الكيمائية ~~لاختبار بعض مواد الآثار، وأقلام الرصاص والدفاتر. # هذا وقد يصحب العلماء المنقبين، المهندسون والمصورون والحاسبون الكاتبون والصحفيون ~~وطلبة الجامعات وكبار رجال الدولة وضيوفها. # الفصل العشرون # | الزراعة # الزراعة هي صناعة أو علم أو فن هدفه استغلال الأرض؛ لكي تنتج وسائل التغذية البشرية، أما ~~في المعنى الأوسع فإن الزراعة تشمل تربية الماشية. # هذا وتاريخ الزراعة هو تاريخ الإنسان منذ أبعد العصور؛ ولهذا كانت الأمم القديمة تنسب ~~الزراعة إلى أصل سماوي: «براهما» في الهند، و«إيزيس» في مصر، و«ديميتر» في اليونان، ~~و«سيريز» في إيطاليا، بوصف أن الآلهة قد خلقت الزراعة. # كانت الزراعة وحشية وصغيرة، وكانت الأقوام تنتقل من أرض إلى غيرها، وقد رافقت الزراعة ~~والرعي الحياة البدوية وشبه البدوية كما وصف سيزار وتاسيتاس القبائل الألمانية، ثم تقدمت ~~حين عرف السماد والحرث؛ إذ كانت الزراعة قبلا تجري بالتجربة والعرف، أما الآن فطبقا ~~للعلم. # ومما يدل على قدم الزراعة، أن مصر عرفتها قديما، وكانت تجري فيها وفاقا لرغبات المالك ~~وحال ms157 المستأجرين والأسرى؛ وذلك لأن ري الأرض كان ميسورا من ماء النيل، وعرفت مصر أيضا ~~المحراث الخشبي. # وكانت اليونان تؤثر زراعة الكروم على الحبوب؛ لأن البلاد اليونانية جبلية. «يراجع تاريخ ~~النبات وأصل النبات تأليف ثيو فراستاس». # أما في بابل فقد قامت الزراعة بين الدجلة والفرات وآشور جنوبا، وكان الإسرائيليون ~~زراعيين، ولهم قانون يوزع الأرض بين البالغين الذين أحصي عددهم قبلا قبيل دخول كنعان، ~~فكانوا 600000. # هذا ويقول السير آرثر العالم «الأنثروبولوچي»: إن الإنسان الكرمانيوني الذي عاش في أوروبا ~~منذ عشرين ألف سنة، وجد القمح مزروعا بريا فجففه وطحنه وتغذى به، هذا وقد وجدت حبات من ~~القمح في بعض المقابر المصرية القديمة. قلنا: إن المفترض والمظنون أن اليابسة قد صلحت ~~لإنبات النبات منذ شرعت القشرة الأرضية تدنو من الدفء والحرارة، ومن هنا كانت الحياة ~~النباتية أسبق عمرا من الحياة الحيوانية؛ لأن الحيوان لا غنى له عن أكل النبات، وإن كان من ~~النبات ما يأكل الحيوان، وجد الإنسان البدائي نباتا بريا وحشيا ينمو من تلقاء نفسه ~~كالأعشاب وثمار الأشجار، فأكل منه وأصبح طعاما اعتياديا له، فإذا هلك النبات أو اختفى ~~لأسباب طبيعية من حالة أتربة الأرض أو الرياح أو الأمطار المدمرة، انتقل الإنسان إلى مكان ~~آخر لعله يصيب فيه نباتا أو ثمرا. # ثم تعلم الإنسان من نظرته إلى ما يأخذ به النبات أو الشجر نفسه من أسباب النمو والاكتمال، ~~كيف يسيطر على الطبيعة ذاتها، فيعمد الإنسان إلى إلقاء البذور عند شواطئ الأنهار أو حيثما ~~ينزل المطر، أما متى بدأ الإنسان يصنع هذا، فإن البحوث العلمية لا تزال قاصرة عن تحديد ~~تاريخه؛ ومن أجل هذا تباينت آراء العلماء، وقد انتهت ظنونهم منذ مطلع هذا القرن إلى أن ~~ثم زراعة عرفها الإنسان منذ 12 ألف سنة أو أكثر إلى عشرين ألفا، حين كان الآزيليون ~~يسكنون جنوب إسبانيا، وكان الباقون من الصيادين البدائيين يذهبون شمالا وشرقا في شمال ~~أفريقيا وغرب آسيا، وحين كان الذين يسكنون وادي البحر المتوسط قبل أن يصبح بحرا مغمورا ~~بالماء، يعرفون منفعة الحيوان ms158 ويؤلفونه، وينتشرون في مراعيه، ويعدون لأنفسهم ولماشيتهم ما ~~يصلح للطعام من خالص إنتاج الأرض، متخذين الأدوات الحجرية المنقورة وناسجين من الألياف ~~النباتية خيوطا وأثوابا ساذجة، وصانعين من الطين أواني فخارية رديئة الشكل. # استقبل الإنسان حينئذ عصرا جديدا في الثقافة الإنسانية، وهو العصر «النيولونيكي» عصر ~~الحجر الجديد على نقيض العصر «الباليوليتيكي» عصر الحجر القديم، وكانت شعوب الإنسان ~~وجماعاته تشمل أقواما عديدة كالآزليين والكروماجناريين والكريماليين، وكلما انتشروا في ~~الأرض وجاسوا خلال وديانها، نشروا ثقافتهم الساذجة في الزراعة والصيد وتأليف الحيوان ~~والنسيج وصنع الأدوات التافهة. # ومنذ 12 ألف سنة كان الإنسان يعرف كيف ينثر البذر على الأرض، وكيف يحرثها ويدرسها ويحصدها ~~ويستخلص حبوبها ويطحنها ويخبزها، مستعينا بحرارة الشمس، فلما عرف كيف يوقد النار كان يعدها ~~في حفرة يضع فوقها العجين منشورا رقيقا جدا، ومستديرا لكي ينضج في سرعة وفي أقل ~~العناء، ولعل هذا هو الأصل فيما نعرفه الآن من الرقاق، ومن المحتمل أن يكون الإنسان قد عرف ~~الطحن قبل أن يعرف الزراعة؛ لأنه كان يحصل على الحبوب برية وحشية من إنتاج الأرض في غير ~~زراعة أو غرس من أحد. # ويقال إن فكرة الزراعة؛ أي نثر الإنسان البذور بيده على الأرض، قد اقترنت بفكرة أخرى، هي ~~التضحية بدم إنسان، وخاصة إنسانا محترما، له منزلة الإله أو الملك أو ابن أو بنت لأحدهما، ~~وذلك حين يقبل موسم الزراعة، كما تحدث عن هذا السير چ. چ. فريزر في كتابه «الغصن الذهبي»، ~~ولم يكن الإنسان قد عرف التقاويم ولا ما هي السنة، ولعله عرف الشهور القمرية من نظرته إلى ~~السماء معجبا بالنجوم أو متخذا منها هاديا في سيره، ثم عرف تحديد المواسم الزراعية، وظهر ~~بين مواطنيه السحرة والمنجمون ورجال الدين. # هذا ويطلق العالمان إيليوت سميث وريفرز اسم «الثقافة الهيليوليتيكية»؛ أي الشمسية ~~الحجرية، على ما كانت هذه الجماعات والأمم الساذجة تعرفه منذ 12 ألف سنة أو 15 ألف على ~~سواحل البحر المتوسط وغرب آسيا، وقد انتقلت جماعات من هؤلاء السكان إلى شرق الباسفيك ثم إلى ~~أمريكا ممتزجين بالمنغوليين ms159 الذين جاءوا من الشمال، وقد زاد المهاجرون علما فعرفوا بناء ~~المساكن والمعابد والأهرام والوشم والختان وتحنيط جثث الموتى وشيئا من الفلك، وقد ظهرت هذه ~~الحضارة البدائية في المناطق المعتدلة والقريبة من الحارة من ستونهينج وإسبانيا إلى المكسيك ~~وبيرو. # الفصل الحادي والعشرون # | العواطف الجنسية # تلك الميول القائمة بين الإنسان والإنسان وبين الذكر والأنثى ، وبين الإنسان وبعض أنواع ~~الحيوان، هذه كلها «عواطف»، على رأسها «العواطف الجنسية»، التي من عواقبها وثمارها الحب ~~والزواج وما يدور بين العاشقين والزوجين من ألوان المخاصرة والمعانقة والقبلة، وبين ~~الأقربين والأصدقاء من صلات المودة، وما يتفتق عن المجتمع الإنساني من حلقات الرقص ومجالس ~~الطرب والموسيقى، وما ينبعث في النفس من آيات السرور والضحك، ومن أجل هذا أرصدنا هذا الفصل ~~لكي نتحدث هنا عن العواطف. ~~(1) الحب # الحب قديم جدا، فهو قائم على رنين ملحق بالجهاز الصوتي، وممتد إلى غور اليد ومعين ~~الذكر على إيجاد منفس له إلى الصرخة المحبة المرددة الفاتنة للأنثى، التي ليس لديها هذا ~~الجهاز، ومن هنا كانت قانعة، بأن تصغي إلى ذلك الصوت وهي بعيدة عن مصدره إلى أن يستولي ~~عليها تأثيره المطرد فتستجيب إلى هذا النداء، أو قل هذه الأغنية؛ إذ إن ذكور جميع أنواع ~~الحيوان ومنه الحشرات تتولى «الإذاعة»، أما إناثه فتصغي إليها، ويحدث مثل هذا في القردة ~~العليا والإنسان؛ إذ تتبع الفتيات نداء الفتى وأغنيته، وفي السادسة عشرة؛ أي في ~~سن البلوغ، تستيقظ الغدد الجنسية وتشرع في ~~تأدية مهمتها، وتبرز مواد كيماوية «الهرمونات»، التي تمضي في مجرى الدم، فتتسع الحنجرة ~~وتتأثر الأحبال الصوتية ويخشن الصوت، ويشعر الفتى البالغ بالحياء حين ينظر إلى الفتاة ~~ويفكر في حبها، وتتسع حنجرتها قليلا. # ويؤدي هذا إلى أن يتبعها، جاهدا في الاستحواذ عليها، وفي الشعوب الهمجية يقترن هذا ~~السعي باستعمال العنف، وقد تقاوم الأنثى إلى أن تستسلم من الإعياء. ~~(2) الزواج # عندنا أن الزواج على الصورة التي نعرفها الآن لم يعرفه الإنسان البدائي، ذلك أن ~~المفروض أنه لم يكن يعرف للأسرة نظاما ثابتا ولا للعلاقات الجنسية حرمة، وليس ببعيد ms160 ~~أو بمستغرب أنه كان يتصل اتصالا جنسيا بأمه وجدته وأخواته وبناته وحفيداته، غير أن ~~غريزة التملك والاستئثار قد هدته، على تعاقب الدهور والقرون، إلى الحرص، ولو إلى وقت ~~قصير، على إحدى النساء باختطافها والهرب بها بعيدا عن مواطنيه ومساكنيه، خاصة حين يكون ~~مرغوبا فيها من أنداده ولداته أو غيرهم. # ولقد كان الإنسان البدائي يعقد زواجه على من يشاء أو من يستطيع أن يقربه من النساء في ~~غيرما تفريق بين الأقارب والأصهار كما قدمنا، فيقترن الرجل بأخته وابنته وأمه وحماته، ~~وقد اقترن «آدم» بامرأة من ضلعه «حواء»، واقترن أولاده بأخواتهم، وتزوج «إبراهيم» من ~~أخته لأبيه، واقترن أخوه «ناحور» بأخت أخيه «حارام» أو بابنة أخته، واقترن «يعقوب» ~~بأختين معا، وكان الأثينيون يجيزون الاقتران بالأخوات لأب والاسبرطيون بالأخوات لأم، ~~والمصريون والآشوريون بالإخوة والأخوات لأب أو أم. # لم يعرف الإنسان قيود الزواج إلا بعد أن ظهرت الشرائع السماوية المنظمة. # هذا ولا يزال الزواج بالإخوة والأقربين جاريا بين الهمجيين في أفريقيا وأمريكا ~~وأستراليا، بل إن عند القليل من الفلاسفة العصريين أنه ينبغي أن يعود الإنسان إلى حياته ~~الطبيعية؛ أي إلى حياته البدائية ونشأته الهمجية فيتزوج ما يطيب له في غيرما قيد ولا ~~حد. # وهكذا تقلبت الصلات بين الرجل والمرأة في مختلف الطرز وألوان العرف، تبعا للضرورات ~~الاقتصادية والدفاعية والهجومية، فاتخذ الزواج من المقدمات والمراسيم والمواثيق ما لا ~~يقف عند حصر قبل التاريخ وبعده إلى العصر الحاضر، فتعدد طوعا للنظم السياسية والدينية ~~القائمة، كالإسلامية والكنسية والمدنية والشيوعية والإلحادية والشرائع الوثنية. # على أن بعض أشكال الزواج البدائية لا تزال قائمة عند هنود أمريكا وسكان أستراليا ~~الأقدمين وزنوج أفريقيا، فعند هنود نهر الأمازون أن طالب الزواج يسعى عند رئيس القبيلة؛ ~~لكي يوافق على زواجه من المرأة التي يختارها، فإذا ما أذن الرئيس، كان على العريس أن ~~يأتي بالعروس إلى الغابة قبل غروب الشمس، وهنا يمضي مصحوبا بشاهدين في ربط العروس بجذع ~~شجرة ثم يلهب عروسه بسوط تطهيرا لها في نظر القوم، وعندئذ تصرخ متألمة فيقبل السحرة ~~محيطين بها ms161 راقصين هاتفين هتافا عاليا مزعجا، ويشعل - في أثناء هذا - أحد الشهود ~~النار في كومة حشائش وحطب عند قدوم الفتاة التي تتلوى متألمة إلى أن يغمى عليها، وعندئذ ~~يسرع الشاهد الآخر إلى حل وثاقها، ويهتف السحرة مهللين فرحين؛ لأن الأرواح الشريرة قد ~~خرجت منها، ثم تحمل العروس إلى كوخ عريسها، وهناك مراسم تجيء بعدئذ. ~~(2-1) المهر # عرف المهر قديما في بابل وآشور واليونان القديمة والبلاد اليهودية، فقد كان ~~الشاب إذا أحب فتاة طلبها له والده أو بعض أقاربه من والدها، ويتراضون على مال أو ~~عقار يدفعه الرجل مهرا لوالد الفتاة، أما الفقير فيقوم بخدمة حميه، فقد ورد في سفر ~~التكوين ص29 : 20 أن يعقوب قد خدم حميه لابان سبع سنوات حتى زوجه ابنته راحيل، ~~وورد في سفر الخروج ص2 : 21، وص2 : 1 أن موسى أقام عند حميه بترو كاهن مديان، يرعى ~~غنمه مهرا لابنته. ~~(3) البغاء # لازم البغاء الإنسان قبل عصر التاريخ وبعده، فقد كان في مصر وآشور وكنعان وفينيقيا ~~والكلدان وإيران شعائر دينية تمارس بضروب الخلاعة والفساد، وكانت معابد إيزيس رمولك ~~والبعل وعشتاروت ومليتة ملآى بالشعائر الشهوانية، وكانت الديانة البابلية تتطلب من ~~المرأة ممارسة البغاء كطقوس دينية، واقتصرت الشريعة اليهودية على حصر البغاء بين ~~الأجنبيات وتحريمه بين اليهوديات، وإحراق بنات الكهنة، وسن صولون قانونا يحصر البغايا ~~في دور خاصة وفي أزياء خاصة. ~~(4) السرور والضحك # رافق السرور والضحك الإنسان البدائي والمتحضر، فهو من الغرائز. عند علماء النفس أن كل ~~ما يحس به الإنسان، يصل إليه إما من الخارج: كما يسمع ويرى ويذوق ويلمس، وإما من ~~الداخل: كالحرارة والبرودة وحركة الدورة الدموية والجهاز التنفسي والأمعاء وأعضاء ~~التناسل وغيرها من الاختبارات. هذا وإن ما يحس به إما أن يسبب له ارتياحا ولذة، أو ~~انقباضا وألما، وهو ما نسميه وجدانا، وهو ذو مظاهر خارجية من احمرار الوجه أو ~~اصفراره، وابتسامته أو عبوسته، وكوقوف الشعر، وخفقان القلب، وانقباض اليدين، وارتعاش ~~البدن؛ أي الانفعالات التي تدل الناس على وجدان صاحبها؛ فالرجل الضاحك المبتسم يوافق ~~وجدانه السرور، هذا وإذا ms162 ما ضمرت أو ماتت عضلات الوجه لقلة الاستعمال، كان هذا سيئ ~~الأثر في الوجدان ذاته، وخاصة أن الانفعالات قد تسبق الوجدان؛ أي إننا نضحك ونحس ~~بالسرور، ونذرف الدمع ثم نحس بالحزن، كما في الحركات البدنية وحلقات الذكر بسبب ~~الانفعالات الدينية، وإذا ما بكى الممثل أو غضب أو خاف تأثر الموقف، ومن يتصنع المرض ~~يكاد يدركه المرض، كما يذهب إلى هذا كارل لانج الدنمركي، ووليم چيمس الأمريكي، وعند ~~علماء الأمراض العصبية أن من يتوهمون أنهم غير مبتسمين ينظرون إلى الدنيا بمنظار أسود، ~~هذا وللمران والعادة الأثر في هذا الميل. # ومن النظريات الوجدانية النظرية المنطقية، وهي أن الجهاز العقلي في تأدية وظيفته، قد ~~يلقى عوائق في طريقه، وهنا يحس صاحبه بالألم أو الانقباض وفي غير هذا يحس بالسرور، أما ~~النظرية المادية فهي أن الألم الناتج عن الانقباض وعدم الارتياح هو نتيجة إتلاف للأنسجة ~~البدنية، أما السرور فهو نتيجة بناء للأنسجة البدنية، فإذا ما وضعت أصبعك في الماء ~~الساخن أحسست بألم، وما هذا الألم سوى نتيجة لازمة لإتلاف أنسجة بدنية متصلة بالأوعية ~~الدموية، وكذلك الألم الذي يجيء عن حزن أو غم، أو غضب، أو كراهية، أو حسد، أما الرجل ~~الذي يغلب عليه الضحك، فإنه يعمل على بناء أنسجة وخليات جديدة في جسمه، والناس الذين ~~يمزجون حديث المائدة بالبسط والمزاح والضحك، ينتفعون بالطعام من المادة الغذائية فيه، ~~ومن بناء الأنسجة بالمرح، وثمة نظرية تكاد تكون مناقضة لسابقتها في الظاهر، ولكنها تؤدي ~~المعنى ذاته، وهي أن الوجدان الذي يتصل به سرور يساعد الجسم على التخلص من الأنسجة ~~الميتة المتراكمة التي لا يحتاج إليها صاحبها، وهذا يفسر ظاهرة الحالة النفسية التي ~~يكون عليها الرجل الذي يتناول كأسا، أو مقدارا معتدلا من الخمر، تكون هذه الكأس ~~سببا في التخلص من الأنسجة المتراكمة، وينتج عن ذلك أن يحس شاربه بالارتياح ~~الوقتي. ~~(4-1) سبب الضحك # لما كان الضحك هو انبساط الوجه الناتج عن حركة عضلات ولا سيما عضلات الشفتين، كان ~~في الواقع حركة أكثر ما تكون غير مقصودة، مع ms163 ظهور العينين بمظهر خاص يشف عن الفرح ~~والانشراح وارتياح النفس، ويكون هذا المظهر مصحوبا بانطلاق الهواء من الرئتين ~~انطلاقا منقطعا وبصوت يخرج من الحلق، فإن لم يكن مصحوبا بصوت وبظهور الأسنان فهو ~~التبسم، الواقع أن الإنسان لا يضحك من حركة واحدة ولا من كلمة واحدة بل من مجموعة ~~حركات أو كلمات، وهذا يحمل البعض على تعليل الضحك بقولهم إنه يجمع بين حركات أو ~~ألفاظ على وجه مبهج غير منتظر، إلا أن ~~هذا التأويل لا يعلل جميع الحوادث والمناظر والأقوال التي تدعو إلى الضحك، كما أن ~~الاختبار يدل على أن الضحك هو عمل نسبي، فقد تضحك أنت من شيء لا يضحك غيرك، وقد ~~تقهقه من نكتة لا يقهقه لها جليسك، وهذا دليل على أن للمزاج أيضا علاقة بالضحك، ~~فأصحاب الأمزجة الباردة لا يتأثرون بالنكات بالسهولة التي يتأثر بها أصحاب الأمزجة ~~العصبية، وقد يكون أصعب عليك أن تضحك الرجل الإنجليزي من أن تضحك الرجل ~~الفرنسي. # وخلاصة القول أن العلماء لم يتفقوا على تعليل الضحك تعليلا صحيحا، وإن اتفقوا ~~على أن غريزة الضحك رافقت إنسان ما قبل التاريخ. ~~(5) القبلة # القبلة: هو ضغط الشفتين أو لمسهما خدا أو يدا أو شفة لآخر استجابة لعاطفة الحب ~~والود والاحترام أو التحية، هذا ويبدو أن القبلة من أقدم العادات البشرية، وكان قدماء ~~اليونان يقولون: إن القبلة مفتاح الجنة. وهناك أنواع للقبلة تبعا للغرض منها؛ فالقبلة ~~على الجبين واليد رمز للاحترام، وعلى الخد دليل على الصداقة والمحبة، وعلى القدم رمز ~~للعبودية، وعلى الفم آية على الغرام. # وقد رافقت القبلة الإنسان البدائي فقد كانت المرأة تقبل صغيرها قبلة الحنان، ثم ~~انتقلت القبلة إلى لثم الراحتين والمخلفات الدينية وإلى إدخالها في الطقوس الدينية ~~وتعميد الأطفال. # هذا والقبلة عند بعض الهمجيين وبعض أنواع الحيوان تكون باللسان، أما قبلة الكلب فهي ~~مسح رأسه في ثياب سيده، وقبلة الفيل بتحريك خرطومه، ومن الأطفال والرجال من يلعقون ~~الجلد وهي صورة من صور القبلة حين تؤخذ بالمعنى الأوسع، وهو اللمس المنبعث من حرارة ~~العاطفة، وهذه ms164 العاطفة الحارة تبعث في نفس ما تنطبع عليه القبلة، نشوة وابتهاجا ~~وتأججا في العاطفة أو الحب. ~~(6) الرقص # الرقص من أقدم العادات التي مارسها الرجل البدائي محاكيا الحيوان في تجمعه وتحركه، ~~والأشجار في اهتزازها، والسيول في جريانها، أو محيطا بالمرأة أو زعيم القبيلة أو رأس ~~الأسرة ابتهاجا أو تحمسا ودفاعا أو احتراما وتقديسا. # والرقص، لغة: مشية فيها تفكك وخطران ينتقل بها الراقص مترددا في وقت الطرب، أما من ~~الوجهة الفلسفية فإن الرقص حركة فطرية ناشئة عن تراكم القوى الحيوية في الجسم وتزايدها ~~إلى درجة يحملها على طلب منفذ لتخفيفها، وعلى هذا كانت الحركات التي يأتيها الطفل هي من ~~قبيل الرقص. # كان الرجل البدائي يقف في حلقة الرقص واثبا وممسكا بالعصا أو سلاح ما يحركه حركة ~~يرمي به إلى التدليل على شجاعته وقوته، والمرأة واقفة أمامه في زينتها وخطرتها ورشاقتها ~~وملاحتها وصباحة وجهها وتبرجها، وكان عرب الجاهلية يعرفون نوعا من الرقص يسمى «الزفن» ~~و«الفنزج»، وفيه يأخذ بعض الراقصين بأيدي البعض الآخر، ويمارسون الرقص في الأعياد ~~والحفلات الدينية، بل إنه كان ملازما للآلهة ونوعا من العبادة. # هذا وقد عرفت مصر الرقص قبل عصر التاريخ وبعده. قال «لوسيان»: «كان الرقص والغناء ~~مقدسين عند قدماء المصريين ومن لوازم احتفالاتهم الدينية، وكانت حركات رقصهم تماثل في ~~سرعتها انحدار الماء وتموج الشعلة النارية في الهواء، وكبرياء الأسد وغضبة الفهد وترنح ~~الغصن.» هذا وكان لهم رقص حربي يمارسه الجند المسلحون، ورقص اعتيادي يمارسه أعضاء ~~الأسرة أو العشيرة، ولكل حالة من حالات النفس عند اليونان رقصة خاصة بها. # أما طبيعة الرقص فهو اهتزاز العضلات ناشطة من تلقاء نفسها بتأثير شعور قوي كفرح ~~اجتماعي أو حفل ديني، واجتماع معين لحركات ظريفة تؤدي للمرح الذي يستمتع به الراقص ~~والناظر إليه، والرقص حركات مرتبة يراد منها محاكاة أعمال بعض الأمم وعواطفها، وتذهب ~~بعض القبائل إلى حد الهوس والجنون، ومحور الرقص (التناسق)، أما في تيجري بالحبشة فالرقص ~~يعقد في دائرة أو حلقة بتحريك الأكتاف، وهز المرفق أماما وخلفا، أما البوشمان فيمسكون ~~العصي (تحت ms165 أسقف دورهم الواطئة)، وبينما أحد القدمين لا تتحرك، ترقص الأخرى رقصا ~~وحشيا، وفي الهند يرقصون زوجين، العين إلى الأرض والذراع قريب من الجسم، وعند نقطة ~~معينة يهز الراقص رأسه فجأة ويديرها، أما نساء البلتوه فيرقصن في دائرة متحركات أماما ~~وخلفا في انحناء. وأحيانا يعبر الرقص عن عاطفة شهوانية، كما في (تسمانيا وأندمان)، ~~أما في نيو كاليدونيا فهو عدة حلقات حول الجسم مع القفز، أما في المكسيك فيمسك الراقصون ~~والراقصات بأيديهم ويعانق بعضهم بعضا والذراع على الرقبة. # هذا ويرقص المئات في رقصة البرفيان، أو يمسكون الأيدي أماما وخلفا 3 درجات، وعند ~~قبائل الزولو وتاهيتي يرقصون ويغنون عند الحرب والصيد، وعند قبائل الإستياك تسأل المرأة ~~ويجيب الرجل، وفي آسيا الشمالية يماثل الرقص حركة الحيوان. ~~(7) الموسيقى # قال إريك بلوم في كتابه بالإنجليزية «الموسيقى في إنجلترا» صفحة 11: # لسنا نعلم متى أصبحت الموسيقى فنا مهذبا في البلاد الإنجليزية بل في غيرها ~~من بلاد العالم أيضا، كذلك لسنا نستطيع أن نذكر كيف اتخذت الموسيقى لنفسها هذا ~~الإهاب والنمط، غير أن من المحقق أن ثمة مدارج قد درجت فيها الموسيقى قبل أن ~~تبدو في شكلها المعروف، مدارج لم تصل أنباؤها إلى التاريخ بعد، إذ إنه منذ آجال ~~بعيدة كان الناس يرقصون ويغنون، ومن بواعث الأسف من الناحية التاريخية، أن ~~الموسيقى كانت تتناقلها الأسماع والتقاليد، بل إنه حين كان هناك شيء من نظام ~~النوتة بقيت أمدا طويلا ناقصة، فلم تكن أكثر من مذكر - بتشديد الكاف - غامض ~~عما كان يعرفه الموسيقيون بالتعليم عن طريق السماع، ولا يزال مجهولا متى وصل ~~الموسيقيون إلى الهرموني في شكله البدائي، وقد أكد المؤرخون أن الأغنية ~~الساذجة، وهي ليست هرمونية، تمثل أولى مراتب الموسيقى كخطوة كبيرة سبقت كشف ~~الهرموني، ومن المظنون أن النماذج بين نوتتين أو أكثر لم يعرفه أحد قرونا ~~طويلة. # الفصل الثاني والعشرون # | العادات: طعام الأمم القديمة وغيره # منذ نشأ الإنسان على الأرض في نظام الجماعة، نشأت معه وله عادات مارسها في طعامه وشرابه ~~ولباسه وحفلاته وقوانينه ومحاكمه، ومن أجل هذا نذكر ms166 هنا شيئا من ذلك. # كان المصريون يأكلون السمك نيئا مجففا بالشمس أو منقوعا في الماء الملح، وكثيرا من ~~اللحوم النيئة كالسلوى والبط، وبعض أنواع الطيور بعد تمليحها، وكانوا يتناولون طعامهم على ~~أنغام الموسيقى، ويجعلون على موائدهم تماثيل صغيرة تمثل أجساما محنطة، كأنهم يريدون بذلك ~~كبح جماح الشهوات بتذكير أصحاب المائدة أن نعيم الدنيا زائل، وقد يطوفون بتمثال جثة محنطة ~~حول المنزل يغنون الأغاني ويقولون: كل واشرب وتمتع بملاذ الدنيا قبل أن يدركك الموت. # وكان البابليون وسكان ما بين النهرين كالمصريين يكثرون من أكل الأسماك، ولكنهم كانوا ~~يزيدون على المصريين أنهم يجففون السمك جيدا ويدقونه بالهاون ثم ينخلونه بقماش ناعم ~~ويصنعونه أقراصا ويخبزونه كالخبز ويتناولونه، أما الفرس فكانوا يأكلون قليلا من اللحم ~~ويتناولون الأثمار كميات قليلة، على دفعات متعددة وكان من أمثالهم: «إن الإغريقي يأكل ليسد ~~جوعه؛ لأنه لو قدم له ما طاب أكله بعد الطعام وقد انقطع عن الأكل، لأكله.» وكانوا يكثرون من ~~شرب الخمر، وكان اليونان في أكثر أزمانهم يتناولون ثمر الأرض ويشربون الماء القراح، ولم ~~يعتادوا تناول اللحوم إلا في بداية حضارتهم، ثم أخذوا يتوسعون في الترف والتأنق بتوسع ~~سلطانهم وانتشار نفوذهم، على أن كثيرين من فقرائهم كانوا يتغذون بالجنادب والفراش وأطراف ~~أوراق الشجر، أما أغنياؤهم فكانوا منغمسين في الترف مكثرين من تناول اللحوم. # وهكذا كان الرومانيون في مبدأ حضارتهم يتغذون بألبان الماشية والبقول، ونوع من الحلوى ~~يصنعونه من الدقيق والماء، فلما اتسعت دولتهم تأنقوا في المآكل والمشارب، وأكثروا من أكل ~~اللحوم وأنواع المطبوخات والمعجونات، وبالغوا في أيام جمهوريتهم في أكل الطيور، وكان بعض ~~أغنيائهم وولاة أمورهم تشتمل مائدتهم على كثير من رءوس الببغاء وأدمغة بعض الطيور الصغيرة ~~النادرة، أما العرب في جاهليتهم فكانوا على حالة من شظف العيش لقحولة بلادهم، وقد ذكر ابن ~~خلدون أنهم كانوا يأكلون العقارب والخنافس، ويفاخرون بأكل العلهز؛ وهو وبر الإبل، يموهونه ~~بالحجارة ويطبخونه في الدم، أما طعامهم الاعتيادي فهو في الجملة اللبن والتمر وبعض أنواع ~~الحبوب، وكثيرا ما كانوا يطبخون دقيق الحنطة ms167 أو الذرة باللبن أو اللحم وما إليه، فيصنعون ~~من ذلك أنواعا من الأطعمة تعد عندهم بالعشرات، وأنواع الحلوى تصنع عادة من الدقيق والعسل ~~أو السمن والعسل أو الحليب والسمن والعسل. ~~(1) عادات مختلفة # مما كان يتناوله الإنسان البدائي اللحم التي مع التوابل أو بغيرها، ورءوس الأسماك ~~وذيولها وزعانف الحيتان وعظامها، هذا ويتحجب بعض الرجال - كما في قبيلة الطوارق إلى ~~اليوم - وقاية للوجه من رمال العواصف ومن حرارة الشمس، ويدهن بعضهم أجسامهم وشعورهم ~~بطين أحمر اللون كالحمرة، ويتخذون منه نقوشا وأنماطا ساذجة. وهناك من يتزوج بعشرات ~~النساء، وخاصة الرؤساء الذين ينكحون ما يطيب لهم مئات أو ألوفا، وهناك المرأة التي ~~تقترن برجال عديدين، ومن يبيع زوجاته أو يبادل عليهن، وفي داهوس يسدد رجال القبيلة ~~سهامهم إلى العروسين، فإذا عجزا أو عجز أحدهما عن اتقاء السهم ألغيت الخطبة، وتضع ~~النساء الأقراط في أنوفهن وذقونهن، ويتحلين بالوشم وبالأخاديد التي تحدثها في وجوههن ~~السكاكين. # ومن عادات الإنسان الأول التفكير في طرد الأرواح الشريرة من الجسم، واختبار قوة ~~الشبان - حين يراد إقامة حفلة أو عقد زواج، أو علاج مرض أو النهوض بعبء الزعامة - ~~بجلدهم بالسياط جلدا متتابعا باعثا على الإعياء والإغماء، أو مفضيا إلى الموت في ~~الحال أو بعد مدة قصيرة، وعند بعض القبائل أن الإنسان يولد صالحا وأن الحياة تفسده ~~وتكرثه وتلبسه شيطانها، وأن اللون الأبيض رمز للطهر والنقاء، والأسود للفساد والخبث، ~~والأحمر للنشاط والحماسة والجمال والسرور، وقد يعمد بعضهم إلى تجريد جثة فقيدهم من ~~بشرتها السوداء لكي تبدو بيضاء تيسر له الانتقال إلى الحياة الثانية، أو إلى تدليك ~~أبدانهم برشاش رماد أسود تتايها أو تضليلا للآخرين. # وحين يدرك صبيان القبيلة سن البلوغ، يحتفل بتعميد رجولتهم وصلاحيتهم للنهوض بالأعباء ~~بختانهم فرادى أو جماعات أو بتر شيء من أجسامهم؛ إذ إن الدم السائل عنوان القوة ورمز ~~التضحية وتقديس الواجب، ومن أجل هذا يجب أن يبتسموا عندئذ، وقد نشأت عادة ربط القدمين ~~رغبة في ستر عاهة الرجل، وكان الصينيون أول من عرف بطاقة الزيارة وبصمة الأصابع لتحقيق ms168 ~~الشخصية، وفي اليابان عادات غريبة لازمتها قبل عصر التاريخ، من ذلك عادة الهارا كيري؛ ~~أي بقر البطن وتنظيمه في شبه حفلة يحضرها الشهود في أحد الهياكل المضاءة بالشموع، ويلبس ~~المنتحر رداء أبيض اللون ويقف أمام الهيكل ثم يتناول خنجرا يغمده في جنبه الأيسر، ثم ~~يديره في جنبه الأيمن باقرا بطنه في شجاعة لا يتلوى من الألم. ~~(2) قراءة الكف، وأكل لحوم البشر # نشأت قراءة الكف في الصين منذ 5000 سنة، فهي إذن خرافة قديمة جدا. # من المفروض أن الإنسان البدائي، وقد كان يعيش مع الضواري وكالضواري، لم يكن يتورع عن ~~أكل اللحم البشري، سواء أكان من جثث الموتى أو الأحياء بعد الهجوم عليهم وقتلهم، بل كان ~~يقتل من يعدهم ملوكا وسادة وآلهة لسبب من الأسباب، كما كان يأكلهم حين يموتون أو ~~يقتلون، ومما نضيفه إلى هذا، أنه لا تزال بعض القبائل الضاربة في أفريقيا وأمريكا تمارس ~~هذه العادة؛ فقد حدث منذ سنوات قليلة أن زعماء أحد القبائل في غابات أمريكا الجنوبية ~~قرروا قتل أحد رجالهم، ومن ثم طرحوا ظهره على الأرض موثقين جسمه، وبعد أن وضعوا جذع ~~شجرة كبيرة على صدره، وقفوا عليه جماعات جماعات إلى أن تصدعت أضلعه وتهشمت عظامه وأسلم ~~روحه. # وفي أثناء هذا أحاط به نساء القبيلة في حلقة هاتفين صائحين صياحا مزعجا منشدين ~~نشيدا همجيا، كأنهم في حفلة عرس، وبعدئذ جاء الرجال فقطعوا أوصاله ومزقوا أشلاءه، ~~ملقين بها في النار؛ تمهيدا لالتهامها على مرأى من زوجة المذبوح، بل بعد إكراهها على ~~الاشتراك في الأكل من لحم زوجها، ثم احتفظوا بذراعه بعد ربط أصابعها ليتخذوها ملعقة ~~وأداة لتناول لحم الزوجة ذاتها بعد قتلها، هذا ومن أفراد القبائل آكلة لحوم البشر من لا ~~تتخذ منها طعاما شهيا ممتازا إلا إذا كان القتيل من الأعداء المأسورين، وكان الدافع ~~إلى الذبح استجابة إلى طقوس دينية، مؤثرين الأذرع والأفخاد واللسان وأصابع اليد والمخ، ~~محجمين عن القدم. ويذهب «دنج» الأثري الإنجليزي إلى أن البريطانيين كانوا من آكلي لحوم ~~البشر إلى ما بعد تدينهم ms169 بالمسيحية في قرونها الأولى. ~~(3) الألعاب الأولمبية والملاكمة # أولمبية مكان في اليونان يتبارى فيها رجال الرياضة، وكانت المباراة تعقد مرة كل أربع ~~سنوات، وكان تاريخ اليونان يحسب بعدد المباريات، وأسماء الفائزين مدونة منذ سنة 776ق.م، ~~ولكن الألعاب كانت تعقد قبل هذا التاريخ، وكانت مدة انعقادها خمسة أيام، ولم تلغ إلا في ~~سنة 394ب.م، وكان لا يجوز القتال مدة انعقادها، وكانت المباريات تحتوي على سباق بالقدم، ~~وسباق بالعربات، والمصارعة، والملاكمة، والقفز، والزرق. وكان للفائز الحق في أن يكلل ~~بإكليل الزيتون وتضمن له مدينته معاشه مدى حياته، وقد أعيدت الألعاب الأولمبية في أثينا ~~في سنة 1900، وعقدت بعد ذلك في كل أربع سنوات في باريس ولندن وستوكهولم وأنفرس وأخيرا ~~في باريس، ولولا الحرب لعقدت في برلين، هذا والملاكمة عرفتها الشعوب القديمة، وقد ذكرها ~~هوميروس في الإلياذة وفرچيل في الأنياد. ~~(4) الصوفية والتطفيل # النسك والتصوف والزهد والرهبنة البدائية مما عرف قديما، أما الصوفية فتقوم على تصفية ~~القلب عن موافقة الخلق ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية ومجانبة ~~الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بعلوم الحقيقة، والصوفي فان ~~بنفسه باق بالله مستخلص من الطبائع متصل بحقيقة الحقائق. # أما التطفيل فهو تعرض المرء لطعام الناس من غير أن يدعى إليه، أما الداخل في شرابهم ~~من غير دعوة فيدعى الواغل، وأما الدعي فهو الداخل في نسب القوم وليس منهم. # يقول «عبد العزيز البشري» في الجزء الثاني من كتاب «المختار» إن «الطفيليين» نسبة إلى ~~رجل يدعى «طفيل العرائس». ~~«وقد زعموا أنه أولهم فإليه كانت نسبتهم، ولكنني أحسب أن التطفيل قديم جدا قدم ~~الشره في الإنسان وهوان نفسه عليه، وتطلعه إلى ما ليس له ولو كان طعاما.» # | مراجع الكتاب # استندنا في إعداد هذا الكتاب إلى عشرات المراجع والوثائق، وقد أشرنا إلى بعضها في غضون ~~فصول الكتاب، ونحن نؤثر أن نذكر هنا أسماء بعض هذه المراجع: # الكتب السماوية: القرآن والإنجيل والتوراة وشروحها. # الآثار الباقية عن القرون الخالية: تأليف ابن الريحان محمد بن أحمد البيروني ~~الخوارزمي. # تاريخ عمر بن الوردي. # تاريخ أبو جعفر ms170 محمد بن جرير الطبري. # تاريخ ابن خلدون ومقدمته. # خطط المقريزي. # الحضارة المصرية القديمة: جوستاف لوبون. # سر تطور الأمم: للدكتور جوستاف لوبون أيضا. # صور أولية للحياة الدينية: تأليف دور كيم. # من القبائل إلى الإمبراطوريات: تأليف دافي. # كتابا التاريخ العام للغات السامية والغصن الذهبي: سير چيمس فريزر. # البريستوريك بالفرنسية «ما قبل التاريخ» تأليف روبير مونرو. # التاريخ الأول لليونان: تأليف أندرسون. # عدم المساواة بين بني الإنسان. # القانون البدائي: تأليف چ. چ. أنكينسون. # تاريخ القبيلة: تأليف هارفي 1902. # قبلات الأتيكيت 1698 في الأرشيف كيربيز لتاريخ فرنسا من 1834 إلى 1890 جزء ~~12. # طبيعة العنصرية: تأليف هنريك رالف. # شعب البحر المتوسط: تأليف جسبي سرجي. # تاريخ الزواج: تأليف الأستاذ وسترمارخ. # شعوب أوروبا: تأليف الأستاذ ريلي. # طفل الشمس: تأليف بيري. # الوطنية في أستراليا الجنوبية الشرقية: تأليف ر. هويت - تسوني جوم. # الكائن الأعلى للخوي خوي: تأليف دكتورة هاهن. (عن الهوتتنوت) تمثل في حرب مع ~~جوناب «الديانة سبقت المثيولوچيا». # عصور ما قبل التاريخ: اللورد وبري سنة 1900. # الأدوات الحجرية في بريطانيا العظمى: تأليف سير چون إيفانس سنة 1897. # الچيولوچي: تأليف سير چون بريستويتش 1886 و1888. # الجماعات القبيلية الفردية في الشرق والغرب: تأليف ه. س. مين. # أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: تأليف أبو عبد الله بن أحمد المقدسي ~~المعروف بالبشاري. # مبادئ المدنية الغربية. # التطور الاجتماعي: تأليف بنجامين كد. # تاريخ النار: الدكتور الأمريكي. # حياة الشرق القديم: تأليف چيمس بيكي. # في داخل آسيا: چون چنتر. # واجب الرجل الأبيض: تأليف چورچ بدمرر والآنسة نانسي كونراد. # الفن في حياة كل يوم: تأليف هارييت وفيتاما كميلان. # تأملات في ثورة عصرنا: هارولد لازكي. # بشر المستقبل: جروندل. # مقالات مختارة ومحاضرات عن اللغة: ماكس ميلار. # الثقافة الأولية: أ. ب. تيلور. # أصل الخرافات الأولية: دورمان. # قصة الأدب في العالم: أحمد أمين وزكي نجيب محمود. # بيان موجز عن أقوام البوشمان: بليك. # المجلات: # المقتطف، الهلال، الرسالة، ~~الثقافة، الأزهر، مجلة الجمعية الآسيوية الملكية (الإنجليزية)، المجلة ~~الجغرافية الوطنية الإنجليزية، إصلاح التقويم، فورم، سكرتير، العصر الحي، ~~أتلانتيك مانثلي، هوبر، نيويورك تايمس مجازين، تايم، لايف مجلة العالمين، ~~كرونيك ديچيبت، ms171 بكتوريال ريفيو، بريطانيا آند سيانس سيرفيس، أمريكان ويكلي، ~~مكول، آوتلوك، لايف ميروار دي موند، آسيا، مجلة المجلات الإنجليزية، مجلة ~~المجلات الأمريكية ديكوار سيون، الآسيوية الفرنسية، الأمريكية، مجلة ناش، لوس ~~أنجليس، مجلة لانست، مجلة سينتيفيك أمريكان، مجلة ويلدون ليدز چورنال، مريان، ~~ليموا، باريد، نيويورك تايم مجازين، رسالة الأخبار العلمية أمريكا، مجلة ~~هاربرز، مجلة هيلت ديچست، سيانس نيوز لنر، ليتراري ديچست، ريدر ديچست، مودرن ~~ثينكر، بوبيلار ميكانيكس ، مجلة كارانت هيستوري سيكولوچي أند أينيسبيريشان، فو، ~~مودرن سيكولوچيست. ms172