######OpenITI# #META# URI: 1362AminArslan.AsrarQusur.Hindawi83515363 #META# Tags: novels #META# ID: 83515363 #META# Title: أسرار القصور: سياسية، تاريخية، غرامية، أدبية #META# AuthorID: 60697529 #META# Author: أمين أرسلان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الرابعة‏ # 1 - هدية رمضان‏ # 2 - حمام الطوبخانة‏ # 3 - فطور ملوكي‏ # 4 - بعد مضي 16 سنة‏ # 5 - بطل المستقبل‏ # 6 - عائشة هانم‏ # 7 - صيرورة السرية سلطانة‏ # 8 - وصول الإمبراطورة أوجيني إلى الأستانة‏ # 9 - حمامتان‏ # 10 - سراي جراغان‏ # 11 - عرس صلاح الدين‏ # 12 - تعيين محمود باشا خلفا لعالي باشا‏ # 13 - مقدمة الثورة‏ # 14 - مراد أفندي «ولي العهد»‏ # 15 - ليلة 30 أيار 1876م‏ # 16 - موت السلطان عبد العزيز‏ # 17 - مجلس الوزراء‏ # 18 - الجزاء‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة الرابعة‏ # 1 - هدية رمضان‏ # 2 - حمام الطوبخانة‏ # 3 - فطور ملوكي‏ # 4 - بعد مضي 16 سنة‏ # 5 - بطل المستقبل‏ # 6 - عائشة هانم‏ # 7 - صيرورة السرية سلطانة‏ # 8 - وصول الإمبراطورة أوجيني إلى الأستانة‏ # 9 - حمامتان‏ # 10 - سراي جراغان‏ # 11 - عرس صلاح الدين‏ # 12 - تعيين محمود باشا خلفا لعالي باشا‏ # 13 - مقدمة الثورة‏ # 14 - مراد أفندي «ولي العهد»‏ # 15 - ليلة 30 أيار 1876م‏ # 16 - موت السلطان عبد العزيز‏ # 17 - مجلس الوزراء‏ # 18 - الجزاء‏ # | أسرار القصور # | أسرار القصور # | سياسية، تاريخية، غرامية، أدبية # تأليف # أمين أرسلان # | مقدمة الطبعة الأولى # كثر في الشرق الميل إلى مطالعة الروايات الأدبية، وكثر المشتغلون في كتابتها بين ~~معرب ومصنف، لكن أكثر هؤلاء الكتبة اختار منها النوع الغرامي المحض الذي لا ~~شيء فيه سوى الفكاهة، ولم يشتغل منهم بالروايات التاريخية إلا أفراد قلائل ~~يعدون على الأصابع، في حين أن الروايات التاريخية تمتاز عما سواها بما تجمعه من ~~لذة الفكاهة وفائدة التاريخ. # ولما كان أعظم ما يهمنا من التاريخ ما تعلق بنا وقرب عهده منا، وكان له مساس ~~حسي في أحوالنا الحاضرة ولا سيما السياسي منها، رأيت أن أقدم لقراء العربية ~~عموما وللعثمانيين خصوصا هذه الرواية التي اشتملت على ملخص تاريخ السلاطين ~~العثمانيين الثلاثة سلفاء جلالة السلطان الحالي، وهم: عبد المجيد وعبد العزيز ~~ومراد، وأن أودعها أنباء كثيرة من أميالهم الشخصية ومذاهبهم السياسية، ولمعا ~~كافية عن كبار رجال السلطنة في عهدهم، وقد دعوتها «أسرار القصور»؛ لأنها حوت ~~كثيرا من الأسرار غير المعلومة ms01 إلا لأفراد قليلين، وأملي كبير أنها ستحوز ~~رضاء قرائها الكرام. # من باريس في الثلاثين من شهر أيار سنة 1897م. # أمين أرسلان # | مقدمة الطبعة الرابعة # لما نشبت الحرب بين دولتنا العلية والدولة الإيطالية، وأجمعت الجالية العثمانية ~~في الديار الأرخنتينية على وجوب تعزيز بحريتنا بابتناء غواصة باسم جاليتنا ~~المحبوبة تضم إلى أسطولنا، فكرت طويلا بطريقة أعضد بها هذا المشروع الوطني ~~الجليل، فعن لي ساعتئذ أن أعيد طبع هذه الرواية التي صادفت ما صادفته من ~~استحسان القوم، وأن أضيف ريعها إلى تعزيز ذلك المشروع. # وقد أجهدت نفسي طويلا في هذه الأيام الأخيرة للحصول على نسخة من إحدى الطبعات ~~الثلاث، فأعياني البحث ولم أظفر بواحدة منها إلا بعد طول التساؤل، مما دلني على ~~أن اهتمام القوم بالكتاب كان متواليا حتى نفدت كل طبعاته مما لم يسبق له مثيل ~~في تاريخ الروايات الشرقية على ما أظن. # وبالطبع إن الذي ساعد كثيرا على نشر الرواية هذا الانتشار الغريب هو السلطان ~~المخلوع عبد الحميد الذي لما بلغه رنينها قام لها وقعد، ولشدة جبنه حسب قوائم ~~عرشه تهتز لدى حقائقها التاريخية وهو في إبان صولته وعلى منصة مجده. فأوفد من ~~قبله الوفود، وبث العيون والأرصاد، وظل مقتفيا آثارها حتى عثر أخيرا على أكثر ~~نسخها، فاستحضرت إلى الأستانة، وهنالك أمر بحرقها - قيل على مشهد منه - ووهم ~~حينئذ أنه قد طمس ذكرها ... وكأنما فاته أن أحب شيء إلى الإنسان ما منعا، وبعد ~~زمن عاد الناس يلهجون بذكر الرواية، وتضاعفت رغبة الجمهور إلى مطالعتها، فاندفع ~~بعضهم رغبة بالكسب فأعادوا طبعها مرتين دون علم مني. # هذا، وأحسبني بإقدامي على إعادة نشرها للمرة الرابعة أخدم كل ذي فكر حر، وأجيب ~~رغبة الكثيرين ممن فاتهم درس الكتاب، واستيعاب حوادثه التاريخية التي ستكون ~~بمثابة مثال أورده إلى القراء الكرام عن تقييد الأفكار والأقلام في الدور ~~الحميدي المشئوم، وعن هلع ذلك السلطان لدى أقل تلميح إلى الحرية والإصلاح، ولدى ~~نشر أية الحقائق على أبسط علاتها. # فإلى العالم العربي أزف هذه الرواية رافلة بثوبها القديم، ومتشحة بالحلة ms02 التي ~~ألبستها إياها منذ أربع عشرة سنة، وأنا مقصي عن بلادي في إحدى زوايا عاصمة ~~الفرنسيس، آملا أن تروق لقرائها اليوم كما راقت لهم بالأمس. # والله ولي الصادق الأمين. # عن بونس أيرس في 20 تشرين الثاني سنة 1911م. # أمين أرسلان # الفصل الأول # | هدية رمضان # كان ابتداء قصتنا يوم عيد رمضان المبارك من عام 1268 للهجرة، وكان قد انقضى شهر ~~ذلك الصوم المجيد في فصل الشتاء، فاحتفل به أهل الأستانة كثيرا، وأطلقت ~~المدافع برا وبحرا إجلالا وتبشيرا، وزينت البوارج والدوارع الراسية في ~~البوسفور، ورفعت الأعلام العثمانية تخفق فوق رءوس المآذن الشاهقة ~~العديدة. # وكان الجو في ذلك اليوم أدكن، والسحائب سوداء، والمطر يتدفق كمن أفواه القرب، ~~ولكن هذا كله لم يحل دون ازدحام الطرق والشوارع، وقد زادها ازدحاما تكاثر ~~الحمالين الناقلين على رءوسهم الأغنام المذبوحة والخدمة الحاملة أطباق الحلوى ~~المغطاة بالشفوف الحريرية الوردية اللون. # وانقضى ذلك العيد في مبادلة التهاني، وتزاور العائلات بين رجال وسيدات، فكانت ~~النساء تبسطن بعضهن لبعض هدايا أزواجهن في ذلك العيد من الحلي والجواهر ~~والجواري يتحدثن ويتفاخرن بكرم مواليهن وسادتهن، وقد أكثرن جميعهن من أكل ~~الحلوى والتدخين، وشارك الفقير الغني في أفراح ذلك العيد. ذلك من فضل تلك ~~العادة القديمة التي هي أن يذبح كل غني أو وجيه عددا معينا من الأغنام أمام ~~عتبة داره ويفرقها على الفقراء تبريكا وإحسانا. ~~••• # وكان في أعلى محلة «الطوبخانة» بيت خشبي حقير تعصف ريح الشتاء في جوانبه، ويشعر ~~الناظر إليه بأن أفراح ذلك العيد لم تطرقه، وكان في الغرفة الكبيرة منه شيخ هرم ~~قد جلس مع امرأة عجوز حول مصطلى للنار يصطليان، وليس فيه إلا الرماد، وكان ~~الصمت سائدا بين العجوزين، فلما أطلقت مدافع الغروب، وصعد المؤذنون يدعون ~~المؤمنين إلى الصلاة صاح الشيخ بامرأته قائلا: أي فاطمة من كان يقول إنا سنصل ~~يوما إلى هذا الحد من الشقاء والفقر المدقع؟ ها قد دخلنا في اليوم الثاني، ~~ونحن بلا طعام نغتذي به، ولا نار نصطلي حرارتها. لم منعتني هذا الصباح من ~~الذهاب إلى ms03 دار رشيد باشا؟ فلو تركتني لمكنتك الساعة من الاقتيات بقليل من ~~اللحم، ولكن آه من النفوس إذا كانت كبارا، أنسيت أن الشبيبة قد فارقتنا، وأن ~~الدهر قد حط بنا؟ فوالله ليشق علي أن أراك في هذه الحال ضئيلة هزيلة صفراء ~~اللون ... فقاطعته امرأته الكلام قائلة: خفض عنك يا عثمان، فإن الموت خير لدي ~~من أن أراك تمد يدك للسؤال والاستعطاء ... لا وألف لا؛ إن كريمة يوسف باشا لا ~~تأكل خبز التسول، وزوجها لا يطرق أبواب الناس ينتظر كالكلاب قطعة من اللحم. ~~فتنهد الشيخ من قلب مقروح، وقال بصوت منخفض: آه من الجنون. نعم، إن الحب جنون ... ~~نعم، هذا الشقاء كله إنما هو ثمرة الحب: # الحب كالكأس قد طابت أوائله # لكنه ربما مجت أواخره # ثم صاح آه يا ربي لم عرفتني بها؟ كانت غادة غنية سعيدة هنية تركت كل شيء، ~~وتبعتني وأنا لا أملك من حطام الدنيا إلا قلبا محبا كان لها مهرا ... والآن ~~هي تموت جوعا، ولا يمكنني أن أغذيها. فصاحت به العجوز: ما هذا القول يا عثمان؟ ~~أتجدف علي اسم الخالق؛ لأنه جمعنا سويا ...؟ أي ذنب عليك؟ لو لم يحط بنا ~~الدهر لكنا في أحسن حال وأنعم بال، ولكن هذا كله قضاء وقدر ... أخذ أولادنا ~~وفلاذ أكبادنا، وأضاع أموالنا، ولا يحق لنا مع هذا إلا حمده على كل حال في ~~السراء وفي الضراء، والمحن إذا تناهت انتهت، والرزايا إذا توالت تولت، ولا بد ~~أن يجعل بعد العسر يسرا، فدع عنك هذه الأوهام وقم بنا للصلاة، فها مدافع ~~الغروب قد أطلقت وقد مضى النهار، فلم يذكرنا صديق ولا جاءنا أنيس مباركا. ~~هذه سنة الله في أرضه، والذي نرجو رحمته ورضاه ... # قالت العجوز هذا ونهضت للحال، فتوضأت بالماء البارد رغما عن البرد القارس، ~~والتفت بمنديلها، وبسطت سجادتها، وشرعت تصلي بحرارة وخشوع، واقتفى زوجها أثرها ~~وصلى بعدها. فلما فرغا عادا إلى حول مصطلى النار يصطليان، وأخذت العجوز تحرك ~~الرماد لعلها تجد فيه جذوة نار، فلم تجد إلا رمادا برماد، وجاء الليل بظلامه ms04 ~~الدامس، ولم يكن عندهما نور فبقيا تحت جنح الظلام، وأخذت الشفقة الشيخ على ~~امرأته فنزع فروته وألقاها على منكبيها وقاية لها من البرد، وساد الصمت مرة ~~ثانية، وغاص كل في أفكاره يتأمل شقاء حاله ... # وكانت تلك الليلة عاصفة والرعود قاصفة فتلمع سيوف البرق على صفحات الأفق فتنيرهم ~~من آن إلى آخر. وكانت الموسيقى العسكرية تعزف بألحانها الشجية في الثكنة ~~القريبة منهما فتثير أشجانهما، وتزيد في قلبيهما الحسرات، وبينما هما على تلك ~~الحالة وإذ طرق الباب بعنف شديد، فذعرت العجوز وقالت: أسمعت طرق الباب؟ قم ~~مسرعا يا عثمان وانظر من الطارق، فقام الشيخ يتحسس في الظلام حتى اهتدى إلى ~~زلاج الباب ففتحه فلم يجد أحدا، والتفت في الطريق ذات اليمين وذات الشمال، فلم ~~يلق فيه عابرا أو زائرا، وكانت امرأته قد تبعته فسألته: ما هذا؟ ~~- لا أعلم، فإني لم أجد أحدا. # ثم حدق بعينيه فوجد شيئا كبيرا ملقى أمام الباب، وأبرقت السماء حينئذ فرأى ~~طبقا كبيرا مغطى بشف وردي، فصاح: هذه «هدية رمضان»، وخال له ولامرأته في ~~الوهلة الأولى أن الحمال قد غلط عن الطريق وأضاع العنوان؛ لأنها كانت هدية رجل ~~كبير، وهما لا يعرفان أحدا من كبار القوم، أو أن لصا قد اختطف تلك الهدية ~~وخاف أن يكتشف فألقاها أمام بابهما، ولما رفع عثمان الشف وجد ورقة مطوية فقال: ~~لا بد من معرفة المهدي والمهدى إليه، ثم التفت إلى امرأته، وقال: ألا يوجد ~~عندك شمع؟ ~~- بلى فيما أظن. ~~- أسرعي بعود. # فأسرعت وعادت فأشعلت واحدا، وفض الشيخ الورقة وقرأها فكان فيها ما نصه: «رمضان ~~مبارك على فاطمة هانم الفاضلة. يصلك كل عيد في رمضان مثل هذه الهدية إذا اعتنيت ~~بالشيء الثمين الذي أودعه إلى عنايتك، وأسلمه إلى مروءتك، ولا حاجة إلى ~~التوصية بإفراغ الجهد حرصا عليه.» # ورفع الشيخ المنديل الحريري عن الطبق، وإذا به يرى فيه طفلا صغيرا ابن أمسه على ~~صدره كيس مملوء ذهبا، فعرت الدهشة العجوزين، وأخذا يتساءلان ما يكون من وراء ~~هذا السر، ولكن الجوع كان آخذا من ms05 الطفل فطفق يبكي، فقالت العجوز: وا حيرتاه! ~~كيف أغذيه هذا المساء؟ ثم فكرت قليلا وصاحت: إن جارتنا قد ولدت منذ عهد قريب ~~فسأذهب إليها وأرجوها المعونة، والتفتت إلى زوجها فقالت له: أما أنت فاذهب إلى ~~السوق قبل أن يقفل، واشتر لنا ما نحتاج إليه من الطعام والنور والتدفئة. # وهكذا في أقل من ساعة من الزمن تبدلت حالة ذلك البيت وسكانه إلى حال أخرى، واتصل ~~الخبر سريعا بمسامع الجيران، فتقاطروا يهنئونهم بتلك الهدية، ويتلطفون عناية ~~بذلك الطفل الرضيع، وجلس الشيخ في السلاملك (قاعة الاستقبال) مع جيرانه، وكل ~~يدعي صداقته، وهو يفكر في تقلبات الدهر، ويقول: # والليالي من الزمان حبالى # مثقلات يلدن كل عجيبه # وإذا بامرأته أطلت من دائرة الحرم، وقالت له: قد نسيت الحلوى يا عثمان، فاذهب ~~وابتع لنا شيئا وافرا منها إكراما لضيوفنا، فخرج عثمان للحال ملبيا الطلب، ~~وفيما هو عائد إلى البيت إذا به يسمع وقع حوافر خيل، ثم أبرقت السماء فرأى ~~خصيا من خصيان السراي السلطانية ممتطيا جوادا عربيا كريما، ومعه عبد ~~أسود من سياس القصر، فمرا من أمام عثمان، وتفقدا ما هو حامل بيده، وأخذا ~~يبحثان ويتلفتان كمن أضاع في التراب خاتمه، ثم صاح الخصي بالخادم قائلا: قد ~~أضعت أثره «يا أحمد»، ويستحيل أن يكون قد جاء إلى هذا الزقاق، ثم أعمل المهماز ~~في شاكلة الجواد، وخرج من الزقاق والعبد يعدو وراءه كالكلب. فعرف الشيخ للحال ~~أن البحث جار عن الطفل، وأدرك خطورة الأمر؛ لأن البحث كان من السراي، فلما وصل ~~البيت طلب من الجلاس الصمت، وأسدل السجوف خشية أن يستلفت أنظار المارة، وكان ~~كلما سمع حركة أو همسا ظن أنهم جاءوا يطالبونه بالطفل، ويذيقونه ألوان العذاب ~~جزاء ذنب لم يرتكبه، وندم على إطلاع جيرانه على سره، وعرف فساد رأيه وأن أقل ~~وشاية كافية لهلاكه، فأسرع في وضع الخوان ودعا ضيوفه إلى الطعام، ثم قدم القهوة ~~والتبغ، وجلس يفكر في هذا الحادث، وهو يحاول عبثا إزالة علامة ارتباكه، وقد ~~لحظ أحد الجلاس عليه ذلك فقال له: ما ms06 لك مفكرا كأن ليس العيد عيدك؟ ~~- قد مضت علي مدة لم أذق بها طعم التبغ فأتلذذ به الآن، فضلا عن أن أيام الشبيبة ~~قد مضت. # ثم تربص ريثما فرغت امرأته من إقراء ضيوفها فصرفهم جميعا، ولم يبق منهم إلا ~~التي أرضعت الطفل، فساومتها امرأته أجرتها عن سنة واتخذتها للحال ظئرا له، ~~ولكن تلك الهدية في تلك الحالة قد أدهشتهم إلى حد أن أذهلتهم عن معرفة الطفل ~~إذا كان ذكرا أو أنثى، فقالت العجوز: سأعطيها اسم ابنتي عائشة، ما قولك يا ~~عثمان؟ ~~- بالحق نطقت عسى تكون سلوى مصابنا. # والآن أرجو القارئ الكريم أن يعود بي إلى ذكر حادثة جرت قبل ستة أشهر من هذا ~~العهد. # الفصل الثاني # | حمام الطوبخانة # لا يخفى أن يوم الذهاب إلى الحمام عند النساء التركيات من الأيام المعدودة عندهن ~~للنزهة والسلوى؛ ولذا يغتنمن أقل فرصة للتملص من ربقة الاحتجاب، فيأخذن منذ ~~الصباح بالتهيؤ والاستعداد فيحضرون المناشف المعطرة والثياب الحريرية الملونة، ~~ويجلين الطاسات الفضية، ويشترين الأثمار اللذيذة والحلويات العديدة، ويعتنين ~~خصوصا بالسجائر التركية؛ لأنها سلوتهن الوحيدة في مقاصيرهن، وما تكون ترى ~~سلوى الطيور في أقفاصها، فيلبسن بعد الغداء «فراجياتهن»، # 1 # وينتشرن في الأسواق أزواجا ~~وفرادى، ويقفن أمام كل واجهة من مخازن الحلي والأقمشة؛ لمشاهدة السلع كالأولاد ~~الصغار، وقد اشتهر منذ عشرين سنة بين حمامات الأستانة العديدة حمام اسمه ~~«الطوبخانة» حتى كاد يزاحم حمام «غلطه سراي» بشهرته، وما ذلك إلا لشهرة ~~غسالاته اللائي كن يكثرن من وصف الأدوية المختلفة للحمل وأمراض العقل والبدن، ~~وعبثا كان الإنسان يحاول إقناع النساء بخرافة ما يسمعن وأضرار ما تصف لهن ~~الغسالات من الأدوية، فإنه كان كمن يضرب في حديد بارد، وكان هذا الحمام فخيم ~~البناء على الهندسة العربية له باب عظيم من الرخام الجميل. # فحدث أن في غرة جمادى الأولى من تلك السنة؛ أي قبل ستة أشهر من عيد رمضان، اكتظ ~~ذلك الحمام على اتساعه بالمستحمات، وكان بين غسالاته امرأة عجوز اسمها فاطمة ~~لا ينظر إليها أحد بعين الاهتمام؛ لفقرها المدقع أولا ولأنفة ms07 نفسها خصوصا، ~~فبقيت ذلك النهار بلا عمل على الرغم من كثرة الزائرات، فجلست تنظر بعين الحسد ~~إلى زميلاتها وهن منهمكات وهي مكتوفة اليدين، وإذ رفع ستار الباب ودخلت جارية ~~زنجية تحمل صرة ثياب وراءها امرأة في مقتبل العمر جميلة الصورة معتدلة القوام ~~على سذاجة في الملابس، فظن الحاضرات أنها زوجة «أفندي عادي»، ولا سيما لأنها لم ~~تكن مصحوبة إلا بجارية واحدة، والنساء التركيات يفاخرن بكثرة الجواري والعبيد ~~والخصيان. فقامت فاطمة للقائها مؤملة أن تلقى منها التفاتا وإقبالا وقالت ~~لها: هانم أفندي قد أخذت جميع المحلات في هذا الطابق، فهل تريدين الصعود إلى ~~الطابق الأعلى؟ ~~- لا بأس. # فتقدمتها فاطمة تدلها، وأدخلتها إلى مخدع جميل، وبسطت فيه سجادة عجمية، وساعدتها ~~على نزع «فراجيتها»، ثم سألتها أتريدين غسالة أو تنوب الجارية منابها؟ ~~- بل أريد غسالة ... وأريد أيضا أدوية ... وصبغ الحياء وجهها ... # فقالت فاطمة العجوز في نفسها ... وأي دواء تريد هذه المرأة الجميلة ذات البنية ~~القوية؟ ثم قادتها إلى صحن الحمام الذي ينحصر فيه البخار، فدهشت المستحمات من ~~جمال تلك الزائرة الجديدة، واعتدال قوامها، وبياض بشرتها الناصع، وقد سدلت ~~شعرها الحالك على منكبيها فأزعجها تصويب الأنظار إليها، وطلبت غرفة مستقلة، ~~فقادتها الغسالة إلى مخدع جميل وأجلستها على مقعد من رخام، وشرعت تسعى في تهيئة ~~ما يلزم لها، وأما الجارية فبقيت في الطابق الأعلى تحرس ثياب سيدتها، فجلست ~~المرأة، ثم تنهدت الصعداء من قلب مقروح، ووضعت رأسها بين يديها مفكرة وقد كبر ~~الهم عليها. # فلما رأت الغسالة حالة تلك السيدة، رأت من باب الملاطفة أن تسألها عن حالها، ~~فقالت لها: هانم أفندي ما لك حزينة كئيبة؟ هل ينقص هذا الجمال الفتان شيء من ~~السعادة والهناء؟ ~~- وا حسرتاه، أي سعادة وأي هناء! إني أشقى خلق الله، كأني من عبر عنه الشاعر ~~بقوله: # ولو كان هم واحد لاحتملته # ولكنه هم وثان وثالث # فأجابتها العجوز: لو تعلمين شقائي لعرفت أنك سعيدة، وأن في الدنيا من هو أشقى ~~منك بكثير. ~~- أحقا أنت تعيسة نظيري، أخبريني مصابك، فإني أشعر بميل ms08 وانعطاف إلى كل ~~مسكين. # فشرعت العجوز تغسلها وتدلك بدنها، وتقص عليها ما أصابها في حياتها من الشقاء، ~~وكيف أن الدهر قد أخنى عليها إلى حد أن اضطرت أن تكون غسالة في الحمامات بعد أن ~~كان عندها العبيد والجواري. فلما فرغت من حديثها قالت المرأة: أحقا قد احتملت ~~كل هذا الشقاء، وأصابك كل هذه المصائب؟ نعم، إنه لمصاب عظيم أن تسقط امرأة ~~شريفة نظيرك إلى هذا الحد من الفقر والمسكنة، ثم تبسمت وقالت: نحن في يد ~~العناية كحبات الرمال إذ تتلاعب بها ريح السموم. # ولما فرغت من الاستحمام وقفت، وارتدت ملابسها الحريرية، وسارت إلى غرفة الاستراحة ~~تطفئ ظمأها بشرب المثلجات والمبردات والتدخين، وأمرت بمثل ذلك إلى العجوز، ثم ~~جلست وقد عاودها الهم وبدا على وجهها الاضطراب، وأرادت أن تطلب الدواء فمنعها ~~الحياء، ولكن ما عتمت أن استأنست من العجوز لطفا، فتغلبت على حيائها، وأمسكت ~~بيد العجوز، وقربت فمها من أذنها، وقالت لها همسا بعد أن صبغ الحياء وجهها: ~~يقولون إنك ماهرة في وصف الأدوية ... فأرجوك أن تصفي لي دواء ... ولم تجسر أن ~~تسميه أو تعنيه. # فقالت العجوز وقد فهمت ما تريد: لا أشير عليك بأخذه؛ لأنه يعرضك لخطر الموت، وأنا ~~الوحيدة في هذا المكان التي تعارض هذه العادة السيئة. # فخجلت الهانم من هذا الكلام، وغطت وجهها بيديها حياء، وطفقت تبكي. ~~- لا أريد هانم أفندي توبيخك، وقد عرفت سبب حيائك وخوفك، فتلك إرادة الله لا يحق ~~لأحد معارضتها. # فأجابتها هذه باكية: قد قلت الحق، ولكن لا بد لي من شرب ذلك الدواء؛ لأني هالكة ~~على الحالين، فإذا ما هيأته لا أدري إذا كان عندي جرأة كافية لتجرعه. قالت هذا ~~وضجت بالبكاء والنحيب. ~~- ما معنى هذا البكاء ... عفوا على جرأتي مولاتي ... وإنما أريد مشاطرتك مصابك، ~~فقلبي منعطف بكليته إليك. ~~- إن من الفؤاد إلى الفؤاد سبيلا، أنا شقية، ولا أجسر أن أبوح بشقائي لأحد في ~~العالمين على أنه: # فلا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يؤاسيك أو يسليك أو يتوجع # وقد عيل اصطباري وطفح ms09 كيل همومي، ثم صمتت هنيهة، وقالت: أعيريني سمعك ... إني ~~مذنبة لدى مولاتي، ثم تداركت قولها فقالت: لدى الهانم أفندي وأنا مدينة لها بكل ~~شيء، ولكن النصيب قد قدر فكان ... فالباشا متغيب الآن، ولا يمكنه أن يحول دون ~~انتقام الهانم مني، وقد عرفت هي ذنبي، وتروم مني إخفاءه ... قبل رجوع زوجها. وهل ~~للهانم أولاد؟ ~~- لا، وهذا مما زاد في حنقها. # ففكرت العجوز قليلا، وعضت على شفتها السفلى مفكرة. # فقالت لها الهانم: حاولت عبثا إخفاء إثمي والتكفير عن ذنبي، ولكن هذا ذنب لا ~~يمحى إلا بالإثم، نحن وا أسفاه البنات الشركسيات يتركنا آباؤنا منذ نعومة ~~أظفارنا، فيلتقطنا الغرباء لجمالنا، فنقضي حياتنا وليس لنا أهل ولا ولد، فإذا ~~شعرنا بمولود في أحشائنا كان ذلك عزاءنا الوحيد، وموضوع حبنا، وكعبة آمالنا، ~~ندافع عنه بأزواجنا، ولكن وا حسرتاه هو كالزهرة لا تكاد تفتح حتى تقطف، ~~وكالغصن لا يثمر حتى يقصف، وأنا مع شقائي أشعر بلذة بما أنا فيه. # فاغرورقت عينا العجوز أسفا لحالة المرأة. ~~- آه، قد رق قلبك لحالي ورثيت لمصابي ... جزيت عني خيرا ... هذه هي المرة الأولى ~~التي شعرت فيها بحي يشاركني في عواطفي ... والآن أرجوك أن تقنعيني بالعدول عن ~~عزمي والإقلاع عن جرأتي ... آه إني مدفوعة إلى هذا الطلب ... مرغمة عليه ... آه قد ~~وهنت قواي وحلت عزائمي. قالت هذا وانطرحت بين ذراعي العجوز تجهش ~~بالبكاء. # فأخذت العجوز تقبلها وتهدئ روعها تخفيفا لمصابها، ثم قالت: لا يحق لي أن أعلم ~~بأكثر مما علمت، ولا أن أعرف اسم سيدك، وأصرح لك بامتناعي عن أن أمد يدا لصنع ~~ذلك الدواء المخالف لذمتي ولمشيئة الخالق - سبحانه وتعالى - فتشجعي يا بنية، ~~واعتصمي بالصبر الجميل؛ فالله القادر على كل شيء ينجيك، ويمكنك التخلص من ~~انتقام الهانم إذا تظاهرت بالخضوع لها والامتثال لأمرها. أما أنا فمقيمة في ~~محلة الطوبخانة في بيت خشبي حقير في الزقاق المعروف «بالشبوقجي»، ومهما كان ~~بيتي صغيرا حقيرا فهو يسعك وولدك، والبيت الضيق يسع ألف صديق، فثقي بإخلاصي ~~وصفاء نيتي، واعلمي أن لك في قلبي محلا ms10 رحيبا. ~~- جزيت خيرا يا فاطمة، وأخذت يد العجوزة فقبلتها اتباعا للعادة التركية، ثم ~~قالت سأذكرك ما دمت حية، وسأتبع نصائحك، وأسأل الله أن يباركك؛ لأنك لم تخيبي ~~رجاء «إقبال» المسكينة. # ثم لبست ثيابها، وخرجت مطمئنة الفؤاد قليلا، فتقدمت الجارية، وقالت للعجوز: هل ~~لك أن تخبري «أحمد» أن يتقدم بالعربة، فخرجت العجوز إلى باب الحمام وصاحت يا ~~أحمد، فتقدم عبد أسود كبير؛ فقالت له: أخبر الحوذي أن يتقدم بعربة الهانم، ~~فأشار إلى الحوذي. ولما دنت العربة من أمام الباب رأت العجوز الطغراء العثمانية ~~منقوشة على العدة، فأخذتها الدهشة لما عرفت أن تلك المرأة ليست جارية لأحد ~~الباشاوات، بل إنها من الحرم السلطاني ثم تقدمت الهانم «إقبال» بردائها البسيط، ~~ونقدت العجوز دينارا عثمانيا، وشكرتها كثيرا، وركبت فسارت بها الخيل تنهب ~~الأرض نهبا. # وفي المساء عادت العجوز إلى بيتها، وأخبرت زوجها بما رأت من أمر تلك الفتاة ~~التركية، وأخذ العجوزان يتساءلان من تكون هذه؟ وما هو شأنها؟ # ثم مضت الأيام والأسابيع والشهور على تلك الحادثة فنسياها تماما، وذهب الصيف ~~والخريف وجاء الشتاء بقره حتى كان ما كان من أمر عيد رمضان والهدية. فلما ~~أخبرها زوجها بالتقائه بخصي السراي، وما سمعه لما نادى الخادم «أحمد» فكرت بهذا ~~الاسم لما نادته هي في الحمام كما تقدم. # فتأكدت حينئذ أن الطفلة هي ابنة إقبال بعينها، وأنها قد حفظت وصيتها، ورأت هي ~~وزوجها من باب الحكمة والصواب أن يهجرا محلة «الطوبخانة» خوفا من بث العيون ~~والأرصاد أو من وشاية الجواسيس والحساد، فذهبا مختبئين في قرية في أعالي ~~البوسفور يقال لها بايكوس في ناحية أسكي دار، وأفرغت المرأة جهدها اعتناء ~~بالطفلة. # ومما زاد العجوز اقتناعا بأن الطفلة هي ابنة إقبال أن وجدت في طاقيتها خاتما ~~ذهبيا مرصعا بحجر كريم من الزمرد رأته في خنصر إقبال لما جاءت مستحمة، ~~ودرءا للشبهة ومنعا لاقتفاء الأثر أشاع الشيخ في محلته أنه عازم على الإقامة ~~في إستامبول في محلة «شيخ زاده باشي» ولم يصحبه معه إلا الظئر التي رضيت أن ~~تكون للطفلة ms11 مقام أمها. # وشرعت فاطمة من ذلك العهد تفرغ الجهد سعيا وراء معرفة مقر إقبال في القصر ~~السلطاني؛ لتخبرها عن مقامها الجديد، ولكن قد كان دون ذلك أهوال؛ إذ كيف يتسنى ~~لها معرفتها بين مئات من السراري والجواري في ذلك القصر العظيم. ففكر زوجها ~~الشيخ طويلا، فرأى أن أحسن وسيلة هي أن يذهب كل يوم إلى نواحي القصر السلطاني ~~متنزها يترقب خروج الخدم والخصيان ورجوعهم؛ حتى يعثر بالخصي أو الخادم (أحمد) ~~الذي لقيهما أثناء رجوعه إلى البيت مساء عيد رمضان، فتزيا بلباس بائع حلويات، ~~واشترى علبة نقالة، وملأها من أنواع الحلوى المختلفة، وصار يتأبطها كل صباح، ~~فيعبر البوسفور قاصدا سراي «طلمه بغجه» التي كان يفضلها السلطان عبد المجيد ~~على جميع قصوره. # وكان الخدم والخصيان يكثرون من الترداد إلى ميدان السراي، فيجيء عثمان بعلبته ~~ويقف في الطريق المؤدية إلى شارع «بشكطاش إلى أورطه كي»، فلم يلبث طويلا حتى ~~أصبح جميع خدم السراي وحشمها من معارفه ومعامليه، وكان هو يتفحصهم واحدا بعد ~~واحد، فتحقق أخيرا أن الخصي وأحمد ليسا بينهم، وكانت صورتهما قد رسخت في ذهنه، ~~ولئن كان لم يشاهدهما إلا لحظة واحدة لما برقت السماء، ولكي يبالغ في التأكيد ~~ادعى يوما أن خصيا اشترى منه حلوى بالأمس بثلاثين بارة لم ينقده إياها، فجاء ~~الخصيان بعضهم بالبعض وهو يتفحصهم جيدا، فتأكد أن الخصي الذي يطلبه ليس بينهم، ~~فعزم حينئذ على الانتقال إلى سراي أخرى، وظل على هذا المنوال من البحث ~~والتنقيب مدة ثلاثة أسابيع يجتاز البوسفور كل صباح، ويقف على قارعة الطرق تحت ~~المطر الوابل في ذلك الشتاء القارس؛ حتى عثر أخيرا على ضالته المنشودة، فرجع ~~ذات يوم إلى قريته فرحا مسرورا، وألقى علبته في زاوية البيت، وقال لامرأته: ~~من تأنى نال ما تمنى، وكل من سار على الدرب وصل، لا حاجة لي بهذه العلبة بعد ~~الآن، فقد عرفت السراي، ولقيت الباب، وجاء دورك، وعليك تدبير حيلة نسائية ~~للوصول إلى إقبال. أما الحيلة فهين تدبيرها؛ فعند أي هانم هي؟ ~~- عند السلطانة علية هانم ms12 عمة مولانا السلطان وقرينة محمود باشا داماد. ~~- يا رباه ... أهي عند تلك السلطانة الظالمة ... أقسى امرأة خلقها الله في ~~آل عثمان؟! # ثم قالت: عسى أن تكون الأيام والسنون قد دمثت شيئا من أخلاقها، ولكن مهما يكن من ~~أمرها فلا بد من الوصول إلى إقبال وعلى الله الاتكال . ~~- إن شاء الله. # الفصل الثالث # | فطور ملوكي # إذا سرح الناظر طرفه في مباني الأستانة ومناظرها وجد أن من أبدع قصورها ~~وسراياها جمالا؛ القصر الكائن على شاطئ البوسفور عند مدخل الأستانة المعروف ~~باسم «صالح بازار» تطل إحدى وجهاته على الطريق المؤدية إلى «طلمه بغجه» وتشرف ~~الأخرى على بحر مرمرا، فيرى الناظر منه الأستانة بمبانيها وقبب جوامعها ~~ومآذنها، ويرى أمامه الزوارق العديدة ماخرة بين شاطئي أوروبا وآسيا، هذا هو قصر ~~السلطانة علية هانم. # ففي مساء ليلة من شهر صفر كانت السلطانة المشار إليها جالسة في غرفتها مفكرة في ~~أمر مهم تقلب بيدها سبحة من حب العنبر، والجواري من حولها واقفات صامتات ~~مكتوفات الأيدي خاشعات البصر ينتظرن أقل إشارة تبدو من سموها ليتسابقن إلى ~~امتثالها. وكانت الريح عاصفة والرعود قاصفة، وأمواج البوسفور تتلاطم فيتضاعف ~~دويها في ذلك الليل البهيم، والسلطانة معيرة أذنها كأنها تنتظر أمرا ~~كبيرا. # ثم دقت الساعة الرابعة من الليل، فرأت السلطانة أن قد طال السهر، فأشارت إلى ~~الجواري والسراري بالانصراف، فانصرفن وقد مشين القهقرى، ولكن تقدمت سرية شركسية ~~الأصل بارعة الجمال طويلة القوام وتجاسرت بأن سألت السلطانة إذا كانت تأمر ~~بمساعدتها على نزع ثيابها. ~~- لا يا إقبال هانم لا أريد أحدا. انصرفي حالا؛ لأني أروم انتظار الباشا وحدي ~~هذا المساء. # فامتثلت إقبال الأمر، وخرجت منكسة الرأس، وقد طار قلبها هلعا، وعادت السلطانة ~~فغاصت في بحار التأملات، وكانت قد كبرت وشاخت، وذهب ما كانت عليه في أيام صباها ~~من الجمال القليل، على أنها كانت مع ذلك تتزين وتتبرج كأنها تريد أن تعود إلى ~~أيام الصبا، ولكن هيهات؛ فلا يصلح العطار ما أفسد الدهر. # فلما ابتعدت الجواري رفع ستار باب مجاور، وبرز منه خصي لم ms13 تشعر به حتى صار ~~أمامها فسألته: ما وراءك يا علي؟ ~~- لقد صدق مولاتي الباشا بقوله؛ فهو مدعو هذا المساء للطعام عند الصدر ~~الأعظم. ~~- ثم. ~~- قد أفرغت الجهد امتثالا لأمر سموك في البحث عن الأمر الذي يهمك، ولكني لم أقف ~~له على أثر، وأرى من العبث إتمام البحث . ~~- أتظنني واهمة أو مخدوعة؟ ~~- كلا مولاتي، ولكن أخصامنا أو بالحري أخصام سموك يخفون عنك الحقيقة إلا إذا ~~بحثت عنها من صاحبها ... ~~- أمجنون أنت؟ أتظن أن ليس عندي جرأة كافية على الانتقام ممن يمس شرفي أيا ~~كان؟ ~~- لم أرد هذا بقولي مولاتي. # ثم تقدم خطوتين إلى أمامها، وقال لها خافضا صوته: يتعذر، لا بل يستحيل معرفة ~~الحقيقة من إقبال، وقد جربت فوجدت أن الوعد والوعيد لم يفيدا شيئا، ولا ~~يمكنك بعد هذه الساعة الوقوف على الحقيقة إلا من دولة الباشا نفسه. # أما السلطانة فاكتفت بهز رأسها استخفافا. فقال لها الخصي: لا أجهل يا مولاتي أنه ~~متى كان صاحيا من سكره لا يقر بشيء؛ لأنه شديد الميل إلى إقبال، ولكن متى ~~لعبت الخمرة برأسه سهل عليك الوقوف على أسراره، وسيرجع هذا المساء مترنحا ~~... # فقاطعته الكلام، وقد انتبهت إلى قوله فصاحت به: أصبت ... وحزرت ... سر حالا إلى ~~الحرم، ولا تدع أحدا من السراري أو الجواري أن يقلق راحتي بعد هذه الساعة، ~~وبلغ أمري إلى أغا دولته أن يخبر مولاه بأني في انتظاره، وأني آمرة له ~~بالدخول علي في أية ساعة رجع. # فانحنى الخصي ممتثلا للأمر الكريم، وخرج فرحا مسرورا. # ولا شك أن القارئ قد عرف أن هذا الخصي هو الذي ذهب إلى محلة الطوبخانة مع أحمد ~~للبحث عن الطفلة مساء عيد رمضان. # ولم تمض ساعة من الزمن على ذلك الانتظار حتى سمعت السلطانة وقع حوافر الخيل في ~~صحن الدار، فعرفت أنها عربة الباشا زوجها، أما هو فلم ينحدر منها حتى تقدم إليه ~~الأغا، وبلغه أمر السلطانة، فعلا وجهه الاضطراب، وخاف وقلق، وظن سوءا، ولكنه ~~تجلد وصعد إلى غرفة السلطانة، وهو يكاد لا يقف على قدميه من ms14 السكر، فلما ~~دخل عليها ووجدها باسمة زال عنه القلق، وسرت هي لما رأته في تلك الحالة، ~~فتقدم إليها مسلما كما يسلم العبد على مولاه، أما هي فأعطته يدها فقبلها ~~مرارا، ثم قالت له: تفضل باشا أفندي حضرتلري. ~~- أمرت سموك الأغا أن يبلغني أمرك السامي بشرف المثول بين يديك أية ساعة رجعت، ~~فأقلقني هذا الأمر خوفا من أن يكون قد أصاب صحتك الثمينة انحراف. ~~- أي عزيزي محمد، ألا تظن سببا لرؤيتك إلا المرض، فهل تكرهني إلى هذا ~~الحد؟ # فأندى جبين الباشا من العرق، ولم يفهم حرفا من هذا السؤال؛ فتقدمت إليه ومسكت ~~بيده متلطفة قائلة: لقد أخطأت نحوك وأذنبت لديك؛ فها قد مضى ستة أشهر وأنا ~~حردة عليك، ولقد أسأت الظن بك، وندمت الساعة فأبعدت الجواري لألتمس منك ~~عفوا عن قساوتي الماضية وظلمي ... ثم لصقت بجانبه وسألته قائلة: أفي قلبك بعد ~~أثر من الحب لي؟ ~~- مولاتي قد غمرتني لطفا، أتلتمسين مني العفو وأنا المذنب المسيء؟ ~~- إذن تعترف بأنك مذنب أيضا، لقد زدت في عيني اعتبارا وفي قلبي حبا بهذا ~~الإقرار، وتعترف أيضا أني لست بمذنبة ... أي محمد، ألا ترى بكائي؟! ومسحت دموعا ~~كاذبة. # أما الباشا فكان قد أعماه السكر، وظن نفسه في منام؛ لأن السلطانة لم تعوده ~~منذ اقترن بها هذا اللطف، ولم تسمعه من قبل مثل هذا الكلام. # وغلب عليه السكر والنعاس فقال لها: خففي عنك مولاتي لقد كنت مصيبة في غيرتك ~~وحنقك ... وأنا وحدي المذنب لديك وأنت الملاك الكريم. # فتجلدت السلطانة، وأخفت غيظها، ثم تنهدت، وقالت: أعفو عنك على شرط أن تقر ~~بالحقيقة كلها، وألا تخفي علي شيئا، ومدت يدها إلى الباشا فقبلها ~~مرارا. ~~- لم أخف الحقيقة عنك، وإنما عنفوانك حال دون إبلاغك الحقيقة، ولقد كنت تناسيت ~~تلك الحادثة لو لم تأخذني الشفقة على تلك المسكينة ... # فانتفضت السلطانة حنقا من هذا الكلام كما ينتفض العصفور بلله القطر، ولكنها ~~تجلدت رغبة منها في معرفة السر المكنون، فاتكأت على كتف زوجها، وقالت له ~~باسمة: إلى أين أرسلت هدية رمضان؟ لم لم ms15 تكل إلي تربية المولود ... فقد كنت ~~بذلت جهدي اعتناء به، ولا سيما لأني لم أرزق ولدا. # فحدق الباشا بها، وظن نفسه في منام أو ما يسمعه أضغاث أحلام، فسألها مبهوتا ~~حائرا: كيف ... أنت ... تتنازلين ... إلى تربيته، من أخبرك؟ ~~- عرفت كل شيء، ولم تخفني خافية، ولهذا أسامحك لأني عرفت أن الخوف من انتقامي ~~حال دون إقرارك بالحقيقة، ولهذا السبب وضعت المولود بمساعدة إقبال في طبق ~~العيد، وأرسلته إلى محلة الطوبخانة ... # فأشار الباشا برأسه مصادقا على قولها، ثم تلجلج لسانه، وقال: صحيح سلمه أحمد ... ~~ورأت السلطانة أن النعاس قد استولى عليه وغلبه السكر فلم يعد يحتمل النطق، ~~فأخذت تهزه وتقول له: أفق قليلا ... تذكر إلى من سلمه أحمد. ~~- لا أذكر ... شيئا ... وأقسم لك إني ... لا أعرف ... إلا اسم العجوز ... # ودمدم كلمة لم تفهمها السلطانة، وانقلب على المقعد، وبدأ يغط غارقا في سبات ~~عميق. # وعند ذلك بلغ هياج السلطانة حده، فدفعت باب الغرفة التي كان الخصي بانتظارها فيها ~~وصاحت به: لقد أصبت فيما ظننت، ثم جلست وقد زفرت زفرة شديدة من الغضب، وتلجلجت ~~شفتاها، واصطكت أسنانها، وجحظت عيناها، وانتفخت أوداجها؛ فقال لها الخصي: خير ~~إن شاء الله. ~~- قل شر؛ لقد اعترف الباشا بكل شيء في سكره وقد سخرت إقبال بي، فهي لم تشرب ~~الدواء الذي أمرتها بشربه يوم أرسلتها إلى حمام الطوبخانة، ولكن سترى عاقبة ~~مخالفة أمري، ثم ضحكت ضحك الحنق المغتاظ، وصاحت: أي نعم هي الولود وأنا العقيم ~~... فسألها الخصي: وأين المولود؟ ~~- هو في المكان الذي ذكرت. نقله أحمد يوم العيد مع هدايا رمضان، ويظهر أن السعد ~~قد خدم تلك الشقية؛ لأنها قد وضعت حملها يوم العيد أثناء تغيبي في السراي ~~الهمايونية، فأرسلوا الولد إلى الطوبخانة قبل رجوعي. ~~- خففي عنك مولاتي، فلا بد من وجود المولود، ويمكنك الانتقام. ~~- نعم، أريد انتقاما هائلا، أنكون سلطانات ويكون لنا ضرائر؟ إذا ترمل أزواجنا ~~فلا يحق لهم من بعدنا الزيجة، ومتى رفعنا رجلا إلى شرف حبنا لا يحق له أن ~~يلتفت إلى سوانا أحياء كنا أو ms16 أمواتا ... ثم التفتت إلى الغرفة التي كان راقدا ~~زوجها فيها، وصاحت: والله سأنتقمن يا محمد وأي انتقام ... # وأفاق محمد باشا في الغد عند الظهيرة غير واع شيئا من حديث الأمس، ولا غرابة ~~فكلام الليل يمحوه النهار. وكان قد ازدحم الزوار عند بابه، وفي قاعة استقباله، ~~وجلهم من كبار المأمورين وطلاب الوظائف؛ لأن السلطان عبد المجيد كان في ذلك ~~العهد مريضا قليل العناية بشئون دولته، وكان محمد باشا صهره من المقربين إليه ~~النافذين لديه، والناس في الشرق قد اعتادوا أن يدوروا مع الزمان كيفما دار. ~~فخرج يقتبل زواره بالبشاشة التركية، وصرفهم جميعا مطيبا خواطرهم بالجواب ~~التركي المشهور الذي ذهب مثلا وهو «بقالم»؛ أي سنرى. # ثم دخل عليه الخصي، وعرض أن عجوزا في الباب تريد التشرف بناديه. # قل لها أن تنتظرني في دائرة الحرم، وأعد لي الطعام، فقد استولى علي الخوار، ولا ~~أؤجلن طعاما من أجل أحد، فكيف من أجل عجوز ... # فعاد الخصي على أعقابه، وقاد العجوز إلى دائرة الحرم، وأمرها بانتظاره، وقد عرف ~~القارئ لا شك أنها «فاطمة» بعينها، فسألت الخصي: أسمو السلطانة في ~~السراي؟ ~~- كلا قد خرجت في هذا الصباح. ~~- ألا يمكني مقابلة أحد من الجواري أو السراري؟ ~~- قد رافقنها جميعهن. ~~- أجميعهن ...؟ ~~- نعم ... جميعهن. # فتفاءلت العجوز من هذا الجواب، وقالت عساه خيرا، ثم جلست تنتظر المثول بين يدي ~~الباشا قلقة، وقد وطدت عزيمتها على إطلاعه على كل شيء، فلم تلبث طويلا حتى ~~دخل الباشا عليها، وسألها قائلا: هانم أفندي ماذا تريدين مني؟ ~~- باشا أفندي حضرتلري ربما لا يجهل دولته اسمي ... أنا فاطمة ابنة يوسف باشا المصري ~~وقرينة عثمان باشا الحلبي. # فحدق الباشا بنظره إليها مستفهما. فقالت: ربما خفي عليك هذا الاسم ... أنا التي ~~كنت مقيمة في الطوبخانة لما وصلني في مساء عيد رمضان ... فقاطعها الباشا متخوفا، ~~وصاح بالله عليك لا تنبسي ببنت شفة. أتجهلين أنك في دائرة الحرم وهو موضوع سوء ~~الظن والتجسس، ثم خفض صوته، وقال لها: ماذا جاء بك إلى هنا؟ أخفي عليك أنك ~~تعرضين «إقبالا» إلى الهلاك؟ ms17 ~~- لا تخش أمرا مولاي، فقد كنت دبرت حيلة من غير أن تبعث أحدا إلى سوء الظن، ~~ولكن لم تجد شيئا؛ لأن سمو السلطانة قد خرجت هذا الصباح. ~~- فصاح بها الباشا مستفهما: أخرجت؟ وإلى أين؟ ~~- لا أعلم، فهكذا أخبرني الخدم والخصيان، وأخشى أن يكون من وراء ذلك شر . # فقلق الباشا وهب لساعته يطوف في السراي يستدعي الخدم، فيسألهم عن سبب خروج ~~السلطانة، فأجابوه جميعا بأنها سارت إلى السراي الهمايوني منذ الصباح مصحوبة ~~بجميع جواريها وسراريها. فعاد إلى الغرفة وقد غلب عليه الاضطراب، وعلت على وجهه ~~أمارات الاكتئاب. ثم جلس مفكرا وقد عاد إلى ذهنه ما كان منها في المساء، ثم ~~قال لها: لا شك أنها خدعتني، واحتالت علي حتى عرفت موضع سري. ~~- وهل أطلعتها عليه وعرفت بولادة عائشة ومقرها؟ ~~- نعم ... وا أسفاه. ~~- كيف كان ذلك ...؟ وماذا قلت لها مولاي؟ # تبا للسكر تبا للخمرة، ولعنة الله عليها وعلى شاربيها، هي السبب ... نعم هي ~~كل السبب ... كنت مدعوا بالأمس إلى العشاء عند الصدر الأعظم فشربنا منها ~~كثيرا، ولما عدت، وكان قد دب دبيبها في رأسي، استدعتني السلطانة، وأخذت ~~تتملقني وتلاطفني حتى خدعت فاعترفت بذنبي، وأظنني صرحت باسمك أيضا ... وهي ~~كانت عالمة بمقرك. ~~- يا للمصاب ... يا للداهية الدهماء ... الله أعلم أية مكيدة تكيد لي ولها ... ~~- نعم، الله أعلم ... وبظلمها أدري وقلقي شديد؛ لأنها قد استصحبت «إقبالا» معها، ~~ثم صمت قليلا، وقال: هانم أفندي، أرجوك الرحيل من هذا المكان ريثما يتسنى ~~لإقبال الذهاب لرؤية طفلتها. ~~- قرب لله ذلك اليوم مولاي ... وشفعنا برحمته. ~~- اتكلي على الله وثقي بي ... سأكون لك ولها سندا وعضدا ... وبالمناسبة ماذا سميت ~~الطفلة؟ ~~- عائشة يا مولاي؛ على اسم ابنتي المفقودة، فإذا كنت تريد أن أدعوها باسم آخر، ~~فلك الأمر وعلي الامتثال. ~~- لا يهمني الاسم كثيرا ... سأذكر عائشة، وأفضالك عليها، وعنايتك بها. # وإذا بالخادم دخل يدعو مولاه إلى الغذاء، وأرادت العجوز أن تطيل الحديث معه، ولكن ~~لما رأته قلقا مضطربا، قالت له: أفندم، قد انتقلنا الآن إلى قرية بايكوس لا ~~يعرف مقرنا إلا ms18 الله أمام جامع «أينكيار أسكه مني» فإذا رأيت من الصواب الرحيل ~~والابتعاد إلى مدينة أخرى فأنا رهينة الإشارة، فأية مدينة تراها بمعزل عن شك ~~السلطانة وانتقامها. ~~- أرمينيا أفضل الولايات لدي من هذا القبيل؛ فهي بعيدة الشقة كثيرة المشقة عسرة ~~الاتصال، فإذا أقمت في قرية بجوار أرضروم مثلا كنت في مأمن من كل غدر ~~وخيانة. ~~- الأمر أمرك مولاي، فسأرحل من غد. # ثم انحنت مسلمة، وعادت على أعقابها إلى قريتها تتهيأ للسفر. # وقام الباشا إلى مائدة الطعام، فجاء خادم بصدر فضي كبير، ووضعه على «اسكملة» ~~منقوشة أحسن نقش، وجاء خادم آخر بطست بهي المنظر وصابونة عطرية، فغسل الباشا ~~يديه ونشفهما وجلس أمام الصدر. وإذا برئيس الخصيان قد دخل وعليه أمارات ~~الاضطراب، فسأله الباشا: ألا تعلم سبب سفر زوجتي الهانم؟ ~~- تريد لا شك أن تقول سمو السلطانة ...؟ قد دعتها والدتها للذهاب إلى السراي ~~الهمايوني؛ فلم تر وجوبا لإعلامك، ولم تأذن لي بإخبارك بالسبب. ~~- إذن تعرف السبب وتريد إخفاءه عني؟ ~~- نعم، على أسف مني. # فكاد الباشا يتميز غيظا لهذا الجواب المهين، وقال: حتى الخصيان صاروا يحتقرونني، ~~فصمت. ثم انتهره قائلا: جئني بالطعام حالا. # فخرج الخصي، وعاد حاملا صحفة كبيرة مغطاة بقبة فضية منقوشة نقشا بديعا، فوضعها ~~الخصي على الصدر أمام الباشا، وقال: هذه الصحفة تخبر دولتك عن سبب سفر سموها ... ~~ثم ابتعد، ولم يرفع الغطاء الفضي اتباعا للعادة. فحملق الباشا فيه وكاد لا ~~يصدق أذنيه، ثم مد يديه وهي ترتجف حنقا، ورفع الغطاء بحده، ثم طرحه وصاح ~~مذعورا صيحة دوت لها جوانب السراي، وتراكض من أجلها جميع الخدم والخصيان، وقد ~~جمد الدم في عروقهم لما وجدوا رأس «إقبال» غائصا بدمها الطري موضوعا في تلك ~~الصحفة الفضية، وعينيها النجلاوين مفتوحتين قليلا، وهي باسمة الفم دلالة على ~~أن رأسها قد حز غيلة، وشعرها الطويل يكلل ذلك الوجه الجميل. ولبث الباشا ~~يصرخ ويصيح وا غوثاه! فلا من سميع ولا من مغيث. وأخيرا تقدم إليه أحمد العبد ~~ورفعه من منكبيه، وأدخله إلى غرفة ثانية، وهناك أجهش الباشا بالبكاء ms19 والنحيب ~~متمثلا في صورة تلك الغادة الهيفاء، وهو يقول: وا حسرتاه عليك يا إقبال! ~~مسكينة أنت ... ذهبت غيلة وظلما! ثم فتح ذراعيه إلى السماء، وقال: أسألك اللهم ~~أن تنجي طفلتها من الهلاك ... أنت القدير على كل شيء ... # الفصل الرابع # | بعد مضي 16 سنة # وحدث بعد ذلك العهد؛ أي بعد انقضاء 16 سنة، أمور كثيرة كانت الأحوال قد تبدلت ~~فيها تبدلا كليا، فكان السلطان عبد المجيد قد انتقل إلى رحمة ربه منذ ست ~~سنوات، وجاء أخوه ولي العهد عبد العزيز أفندي، فحقق آمال العثمانيين به، وكان ~~هذا السلطان كل أيام ولاية عهده حتى يوم تسنم عرش أجداده منقطعا عن الأمور ~~السياسية معتزلا الأشغال العمومية مقيما في مزرعة «جفتلك» بجوار قرية بايكوس ~~عائشا عيشة الفلاحين البسيطة مصوبا عنايته إلى الفلاحة والزراعة، فأحبه ~~الجميع لحسن أخلاقه وأحوال معيشته. # وبينما كانت السراي السلطانية الهمايونية مكتظة بالجواري الحسان والسراري ~~الشركسيات المجلوبة من جميع أطراف المملكة رغما عن عجز السلطان عبد المجيد ~~ومرضه، كان ولي العهد عبد العزيز أفندي في مقتبل الشباب وعنفوان العمر مكتفيا ~~بسرية واحدة شركسية الأصل بديعة الجمال اختارها قرينة لنفسه، فلم تعرف لها ضرة. ~~وبينما كان السلطان عبد المجيد يرقد إلى الظهر ولا يقابل وزراءه في الشهر مرة، ~~كان عبد العزيز ينهض مع الشمس لمراقبة مزرعته، وقد جاء بمهندس زراعي بارع من ~~سويسرا، وجلب منها ثيرانا كبيرة وتقاوي جيدة من جميع الحبوب حتى صار يضرب ~~المثل بجودة ذلك الحقل، وصار أنموذجا في البلاد العثمانية، وتعاظم ميل الناس ~~إليه، وغدا مدحه أنشودة كل شفة ولسان. # ولما تسنم عبد العزيز عرش آل عثمان طفحت قلوب العثمانيين فرحا وسرورا، وتفاءلوا ~~به خيرا، وجاءت السنون الأولى من ملكه محققة للآمال، مصدقة لذلك التفاؤل، ~~مبشرة بحسن مستقبل الأيام ونهضة الدولة من حضيض الانحطاط. # وكانت فاتحة أعماله أن أخذ يرأس مجلس الوزراء كل مرة بنفسه في السر عسكرية فيقضي ~~ليله ساهرا معهم على النظر في شئون المملكة الدقيقة، مهتما براحة رعاياه، ~~الأمر الذي لم يسبقه إليه أحد من ms20 أسلافه. # وكانت العادة قد جرت في السراي كما لا يخفى أن تقدم والدة السلطان كل عام في أول ~~شهر رمضان سرية إلى جلالة ابنها، فرغب السلطان عبد العزيز إلغاء تلك العادة، ~~وإبدالها بتقديم جارية إلى امرأته السلطانة، ثم صوب اعتناءه إلى افتتاح المدارس ~~المجانية لجميع الملل والنحل بقطع النظر عن الأديان والأجناس، وساعد كثيرا على ~~انتشار العلوم والمعارف من ماله الخاص، وشاد المستشفيات الطبية والجمعيات ~~الخيرية وغيرها من الأعمال المفيدة. # وخصه الله بمعرفة قدر الرجال، فانتقى من بين وزرائه اثنين هيهات أن يأتي الزمان ~~بمثلهما، امتازا في دولة آل عثمان بالذكاء ودقة الفهم وشدة الوطنية والبراعة في ~~السياسة، أعني بهما عالي باشا وفؤاد باشا؛ اللذين شهدت لهما رجال الغرب بالسبق ~~والفضل، فساعدا السلطان كثيرا على إنهاض المملكة. # وكانت الملابس التركية باقية إلى ذاك العهد على زيها القديم، فأبدلها السلطان ~~بالزي الأوروبي الحديث بعد أن نقحه كما يليق؛ إلا النساء، فقد بقين محافظات ~~على «اليمشق والفراجية»، وإنما خففن كثيرا من كثافة المنديل، فصار شفافا يزيد ~~الوجه حسنا وجمالا. واقتنى الوزراء والكبراء العربات الأوروبية، وجاءوا من ~~عواصم أوروبا بالرياش الفاخرة والأمتعة الثمينة، وحدث بجملة القول في ذلك العهد ~~ثورة تقليدية عظيمة للمعيشة الأوروبية، الأمر الذي سر كثيرين ممن كانوا قد ~~تلقوا العلوم واللغات الأوروبية، وكانوا من دعاة الحرية والمدنية. وقد بلغ ~~الفرح والسرور منهم حده لما تحققوا أن السلطان قد عزم على نسخ العادة القديمة ~~وهي عادة التقيد ضمن حدود ملكه، وأنه عازم على تفقد البلاد المصرية أولا ~~ترويحا للنفس، ثم على زيارة العواصم الأوروبية متفرجا ومستكشفا سر التقدم ~~الأوروبي، ومستطلعا أسباب رقي الشعوب. فخيل لهم حينئذ أن تركيا قد بلغت أوج ~~التمدن والفلاح، ووهموا أنه سيعود من السياحة في تلك البلدان منبع الثروة ~~والفنون حاملا من المدنية لآلئ يقلد بها جيد عرشه، وناشرا أعلام الرقي ~~والحضارة في كافة أرجاء مملكته المترامية الأطراف. وقد استصحب السلطان معه في ~~تلك الرحلة وزير خارجيته فؤاد باشا المشهور وولدي أخيه مراد أفندي؛ ولي العهد ~~وشقيقه ms21 عبد الحميد (السلطان المخلوع)، وسر الشعب من ذلك، وعدوه برهانا جديدا ~~على دقة أفكار السلطان وسمو مبادئه، حيث قد جرت العادة أن يقصي السلطان أولياء ~~العهد في قصور بعيدة يملؤها من النساء والسراري الحسان بعيدين عن جميع الناس ~~جاهلين أحوال المملكة التي ستلقى مقاليدها إليهم. فكان استصحاب عبد العزيز ~~لولدي أخيه دليلا على أنه يريد إفادتهما من مدنية أوروبا كي يحذوا حذوه ~~بترقية المملكة العثمانية في معارج التقدم والفلاح من بعده، ولذا كان يوم سفره ~~إلى باريس يوما حافلا مشهودا. # وقد أناب عنه في إدارة شئون المملكة الصدر الأعظم عالي باشا، وأطلق له حرية العمل ~~في تدبيرها أثناء غيابه كما ترتئي حكمته، وكان مركز الدولة يومئذ حرجا؛ إذ ~~ظهر فرقة من المشايخ الذين أعماهم التعصب، وانضم إليهم المعزولون من رجال ~~السلطان عبد المجيد، فألفوا حزبا قويا لمعاكسة الحزب الجديد الذي سر من ~~هذه الحركة المدنية الجديدة، ومن اندفاع السلطان إليها، وهذا الحزب هو الذي ~~عرف باسم «تركيا الفتاة»، وقد خال للجميع يومئذ أن الظفر سيبقى لهذا الحزب ~~(حزب الإصلاح) لو لم تمد النساء أيديهن الضعيفة القوية آخذا بناصر الحزب ~~القديم الذي كان مبدؤه وشعاره «بقاء القديم على قدمه»، وللنساء في تركيا - كما ~~في جميع أنحاء المعمور - نفوذ شديد، إلا أنهن في الشرق وراء الحجاب لا يمكن ~~الوصول إليهن، ولكن قد أخطأ من قال إن لا نفوذ للنساء في الشرق. # ولما تقرر سفر السلطان في جلسة الوزراء رسميا قدم بعض كبار المشايخ ~~استعفاءاتهم، فقبلها السلطان حالا، فاتخذ الحزب الديني ذلك إهانة لهم، وأما ~~العظماء وغيرهم من نجباء الأمة فقد سروا من عزم السلطان، وعدوه أمرا ~~سياسيا مهما، ولكن المشايخ كانوا بالعكس، فثاروا وحاولوا إحباط ذلك المسعى، ~~فأقنعوا السلطانة والدته أن مصير ابنها إلى الهلاك إذا ظل صاغيا إلى حزب ~~«تركيا الفتاة». # وحاولت والدته إقناعه بالعدول، فذهبت أتعابها أدراج الرياح، وإنما وعدها السلطان ~~وعدا شافيا ألا يطيل تغيبه عن عاصمته أكثر من شهر. ~~••• # ففي اليوم الرابع والعشرين من شهر تموز (يوليو) لعام ms22 1284 للهجرة ورد نبأ برقي من ~~فارنا إلى فخامة الصدر الأعظم مبشرا بقدوم جلالة السلطان على يخته صباح غد ~~عائدا من رحلته الأوروبية. # ولم ينشر هذا النبأ في أنحاء الأستانة حتى هب سكانها على اختلاف أجناسهم ~~وأديانهم يستعدون للزينة والاحتفال برجوع مليكهم المحبوب، ولما نشر ضوء الصباح ~~في الأفق سرادقه ركب الوزراء والعلماء والكبراء والقواد بواخر الشركة الخيرية، ~~وساروا إلى لقاء جلالة السلطان عند فم البحر الأسود. وركبت والدة جلالته ~~والسلطانة قرينته يختا ملوكيا مصحوبة بجميع الأميرات والسراري لاستقبال ~~جلالته أيضا. # وكانت شمس تموز لامعة الضياء، والجو صافيا والهواء عليلا، فلم تطل الباخرة ~~المقلة جلالته حتى بدأت حصون الأستانة ومعاقلها في جميع أطرافها بإطلاق المدافع ~~تبشيرا بقدوم البادشاه، وكان الهتاف «بادشاهم جوق يشا» (فليعش سلطاننا ~~كثيرا) يدوي بين شاطئ القارتين آسيا وأوروبا، ويعجز القلم عن وصف عظمة ذلك ~~الاحتفال وبهائه، فإنه كان مشهدا بالغا حد الأبهة والجلال أثر بجلالة ~~السلطان كثيرا؛ إذ استدل منه على تعلق الشعب به وآماله فيه. # ووقف يخت السلطان قليلا ريثما صعد إليه المستقبلون، ثم أكمل مسيره بعظمة وبهاء ~~يختال في مشيه كأنه عالم بعظمة من يقل، ويتبعه عشرون باخرة، وبعد أن استقبل ~~السلطان حرمه المصون عاد إلى ظهر المركب؛ حيث كان عالي باشا بانتظار جلالته، ~~وكل منهما متشوق لرؤية الآخر؛ هذا للسؤال عن أحوال مملكته، وذاك لمعرفة التأثير ~~الذي كان لتلك الرحلة في أفكار مولاه، فبعد أن سأله السلطان قليلا عن أحوال ~~المملكة عموما تجاسر عالي باشا فقال له: عسى أن يكون قد سر مولاي من هذه ~~الرحلة. ~~- نعم، سررت جدا، إنما أشكر الله تعالى أني لست بمليك أوروبي تابعا لديانة ~~مخالفة تماما لديانتنا. ~~- هل أتجاسر على سؤال مولاي، أي شيء أثر في جلالته من أخلاق الأوروبيين ~~وعوائدهم، وأي شيء أعجبه في المدن التي شرفها بسياحته؟ ~~- لا مشاحة في أن المدن الأوروبية جميلة المباني، وإنما مراكزها لا تساعدها على ~~الحسن كمنظر الأستانة مثلا؛ فضلا عن أن الإنسان يشعر فيها للحال أن تلك ~~الحركة الشديدة هي ms23 من أجل السعي وراء المال، وهي الغاية الوحيدة التي تطمح ~~إليها أنظار الأوروبيين ... أما النساء فحدث عنهن ولا حرج، يخرجن إلى المراقص ~~متلعات الأعناق مكشوفات الأكتاف مفتوحات الصدور مشدودات الخصور، يلففن أذرعهن ~~بقحة غريبة بأذرع الرجال على مرأى من أزواجهن الذين ينظرون إليهن بدون أقل ~~غيرة أو اكتراث. ~~- نعم، قد أصبت مولاي، للتمدن الأوروبي عادات لا تنطبق على عاداتنا، ومخالفة ~~للدين المحمدي الشريف، ولكن رغما من تلك الحرية الظاهرة فإنهن على الغالب ~~أمهات شقيقات، وزوجات محصنات، والتربية تساعدهن كثيرا على هذا. ~~- ولكن ما هذه المدنية إذا كان الفقر والجوع يميت في مدينة كعاصمة لندره مثلا ~~ألوفا من الخلق في العام ... فهل قرأت إحصاءات الجرائم والمسجونين في تلك البلاد ~~الصناعية؟ ~~- نعم قرأتها، وإنما يجازون في أوروبا جميع الجرائم بلا استثناء، أما في الأستانة ~~فالعدالة غير تامة، فإن المجرم ينجو كثيرا من العقاب. ~~- ولكنه لا ينجو من عقاب الله. ~~- أرى أن جلالتك لم تسر كثيرا من رحلتك الأوروبية. ~~- بلى سررت، خصوصا لإقدامي عليها، لكني لا أخفي عليك أني كنت أستعد للرجوع إلى ~~الأستانة، فإن تلك العيشة المملوءة من الحركة الدائمة لا تروق لي؛ لأن الملك ~~نفسه هناك كتلميذ مدرسة ليس له ساعة فراغ، فهو عبد الشعب مع أن الشعوب خلقت ~~لتكون عبيدنا. # فالتفت عالي باشا إلى من حوله خوفا من أن يكون قد سمع أحد ذلك الكلام من فم ~~السلطان الذي أتم كلامه فقال: إن الشعوب الأوروبية كثيرة الاهتمام بالأمور ~~التافهة كالفنون والصناعة والزراعة والتجارة والسياسة، ويغفلون عن أهم شيء في ~~هذه الدنيا ألا وهو الحرص على السلامة. # فتنفس عالي باشا الصعداء لهذا الكلام، وعرف أن السلطان لم ينظر إلا لحال الضعف في ~~الأوروبيين، وأنه لم يستفد شيئا جليلا من رحلته هذه فقال: ولكن لا بد قد ~~أعجبتك المتاحف والمشاهد، وخصوصا لتضافر الأفراد على رفع منار بلادهم. ~~- لا، وإنما أشد شيء أثر بي قباحة وجوه الأميرات الملوكيات، فلم أر فيهن ~~امرأة جميلة إلا الإمبراطورة أوجيني والإمبراطورة اليصابات، مع أني أرى أن ~~الملك ms24 إذا تزوج يجب أن يختار أجمل امرأة في مملكته، أما هم فبالعكس يكتفي ~~الواحد منهم بأن تكون المرأة من عائلة ملوكية، ولا يهمه قبحها أو جمالها مع أن ~~هذا هو الحمق بعينه. # ومر اليخت السلطاني أمام سراي «أميرجيان» الخاصة بإسماعيل باشا خديوي مصر، فصوب ~~جلالته منظاره إليها، واغتنم عالي باشا تلك الفرصة فأرسل نظره باحثا عن فؤاد ~~باشا فوجده يتحدث مع مراد أفندي ولي العهد، فقال السلطان ساخرا: حديقة إسماعيل ~~باشا جميلة، فهي على الطراز الأوروبي، ويريد أن يتقلدنا. ~~- كلا مولاي؛ هو ولوع بتقليد الأوروبيين. ~~- تريد أن تقول المسيحيين. ~~- لا، ولكن لا تنكر جلالتك على إسماعيل باشا الذكاء. ~~- هذه كل بضاعته. ~~- هي كافية مولاي. ~~- أتعرف أني لما زرت مصر وجدت لباس جنوده أحسن من لباس جنودي؟ ~~- ليس الجندي بلباسه بل بقواده. ~~- تعال غدا بعد السلاملك لأطلعك على مشروع الإصلاح الذي وضعته. ~~- الأمر أمرك أطال الله عمرك. ~~- اصحب معك فؤاد. ~~- هذا جل متمناي. # وجاء أحد الخصيان فعرض على جلالته أن والدته بانتظاره، فقام السلطان عاجلا، وبقي ~~عالي باشا وحده على ظهر الباخرة، وقد غلب عليه الأسف واليأس؛ لأن أحوال كريت ~~كانت على أهبة الثورة والعصيان، فلما رأى فؤاد باشا الصدر الأعظم وحده تقدم ~~إليه لمصافحته، فتبادلا التحية، ثم سأله بلهفة: كيف أحوال كريت؟ ~~- تلك مسألة كنت أحب سماعها من السلطان. # فتقدم إليه فؤاد وقبض على يده، وهمس في أذنه قائلا: تريد أن تقول السلطنة ... ~~الويل يا عالي لتركيا يوم نسقط. ~~- إذن أنت مقتنع بأن السلطان عبد العزيز كأسلافه. ~~- نعم، لا يزيد ولا ينقص عنهم بشيء. ~~- وهل سمعت حكمه على أوروبا؟ ~~- سمعت أكثر من ذلك، فقد قال لي إنه أكثر مدنية من الفرنسيين والإنجليز ~~والبروسيانيين، وقال أرى نفسي في غنى عنهم وعن مدنيتهم، ولم يعجبني في فرنسا ~~شيء، ثم رفس الأرض برجله، وقال: أقسم بالله العلي العظيم لا أكون سلطانا إذا ~~كنت لا أجد امرأة شبيهة بالإمبراطورة أوجيني، وإذا كنت لا أشيد في إنجلترا ~~نفسها أسطولا أمنع من أسطولهم. ~~- وهل هذه كانت ms25 نتيجة رحلته؟ ~~- نعم وا حسرتاه على تركيا، وقد بدأت أقتنع بأن لا بد من ظهور نجم جديد في أفق ~~السياسة يستلفت إليه أنظار تركيا الفتاة. ~~- وأي هو؟ # فالتفت فؤاد إلى مؤخر الباخرة حيث كان يوجد حلقة من كبار رجال الدولة ووزرائها، ~~وقال انظر إلى أبسطهم هيئة وأكثرهم بشرا. ~~- من أمراد أفندي؟ ~~- نعم هو بعينه، وأتنبأ لك أنه سيكون سبب سقوط السلطان عبد العزيز. ~~- تريد أن تقول سبب وفاته؛ إذ لا تسقط السلاطين إلا بوفاتها. # وحينئذ سمعا صوتا من ورائهما يقول: تتغير العادات بتغير السنين والأيام، ~~فالتفتا إلى ما ورائهما مذعورين خوفا من أن يكون قد سمع حديثهما أحد، وإذا ~~بهما رأيا شيخا مهابا بشوشا قد تقدم إلى عالي باشا، ومد إليه يده وقال: ~~صافحني بالأكف كي أقول إني جئت بعادة جديدة من جيراننا، وكان ذلك القادم شيخ ~~السلطان خير الله أفندي، وقد اشتهر بحدة الذكاء وحرية الفكر وحب الإصلاح ~~والمدنية. # فقابله عالي باشا بمزيد الترحاب، وهنأه بسلامة الوصول، ثم سأله قائلا: ماذا تريد ~~بعبارتك: تتغير العادات بتغير الأيام؟ ~~- تلك فاتحة عملي بمصافحتي إياك بالأكف. # فقال له فؤاد: وهل تعلق كبير أمر على تلك المصافحة؟ ~~- نعم؛ لأني نسخت بها عادة ثلاثين سنة، وهذه المصافحة الأوروبية هي العربون الذي ~~يجب أن يكون بين تركيا والدول المتحابة، وهكذا برهنت لكما أني من رأيكما بوجوب ~~الاتفاق من أجل سلامة المملكة ونجاحها؛ إذن إن العادات تتغير بتغير السنين ~~والأيام، فأجابه فؤاد: لا تتغير لسوء الحظ إلا السنون. ~~- لا شيء يرضيك باشا أفندي حضرتلري. ~~- لا غرابة فقد صرت كهلا ... # ثم صعد السلطان إلى ظهر يخته يتبعه أركان حربه وكبار حاشيته، وكان الربان قد أوقف ~~اليخت أمام سراي طلمه بغجه، وانحدر السلطان منه إلى زورقه المذهب البديع حتى ~~أسفل سلم السراي، وكان العلماء والوزراء والكبراء قد احتشدوا من مدخل القصر حتى ~~القاعة الكبرى؛ لتقديم واجبات التهنئة لجلالة السلطان بالعود المجيد من تلك ~~الرحلة الأوروبية الجديدة في تاريخ آل عثمان. # الفصل الخامس # | بطل المستقبل # بينما كان السلطان عبد ms26 العزيز يستقبل وفود المهنئين أرجو القارئ الكريم أن يتبع ~~فارسين قد أعمل كل منهما المهماز في شاكلة جواده وهما ينهبان الأرض نهبا ~~مسرعين نحو محلة «أورطه كي» أحدهما: شاب في الثانية والعشرين من عمره أسمر ~~اللون خفيف العارضين اسمه «صلاح الدين بك» من ياوران جلالة السلطان ونجل أحد ~~قواد الدولة المتقاعدين، والثاني: شاب يافع شركسي الأصل اسمه «حسن» لا يعرف له ~~أصل ولا نسب ولا أهل إلا شقيقة فتاة ربتها والدة السلطان في حرمها، وقد ارتبط ~~هذا مع صلاح الدين بك بمودة شديدة، وكان والده مقيما على هضبة بالقرب من قرية ~~«أورطه كي» في بيت بسيط تحيط به حديقة فيها كثير من أشجار الفاكهة ~~المختلفة. # فلما وصلا البيت قفز صلاح الدين عن جواده كالغزال، وأول سؤال وجهه إلى خادمه كان ~~عن صحة والده الشيخ الجليل، ثم سار إلى السلاملك يصحبه صديقه حسن، فضمه والده ~~حميد باشا إلى صدره وعانقه شديدا، ثم أمره بالدخول إلى الحرم لتقبيل يدي ~~والدته نعمت هانم، وكانت جالسة مع السراري تنتقي زهر الورد لطبخه بالسكر، وكانت ~~منذ سمعت إطلاق المدافع تبشيرا بقدوم السلطان تنتظر وصول ابنها بذاهب الصبر، ~~فكانت ترسل كل هنيهة إحدى جواريها تتفقد وصوله، وكان صلاح الدين هذا وحيدا ~~لوالديه، وموضوع حبهما، قد تلقى علومه في كلية فينا الكبرى، وانتقل منها إلى ~~فرنسا حيث أكمل دروسه الحربية في مدرسة «سان سير»، فأخذ عن الفرنسيين ما اشتهر ~~عنهم من الظرف واللطف ورقة المعاشرة، ولم تطمح أنظاره إلا لخدمة وطنه وأمته، ~~فانخرط في سلك دعاة الحرية والمصلحين، وكان ورعا من غير تعصب جريء القلب بطلا ~~مقداما، وقد سر جدا لما عرف أن جلالة السلطان قد انتقاه ليكون من ياورانه ~~ورفيقا له في رحلته الأوروبية، وقد علق على هذه الرحلة كبير أمل من التأثير ~~على أفكار السلطان؛ ليدفعه إلى الصعود في معراج التمدن والحرية. فلما دخل الحرم ~~أخذ يدي والدته يقبلهما بشوق، وقامت الجواري والسراري فرحات مسرورات يقبلن طرف ~~ثوبه، وأكثرهن كن يعددن لرجوعه الأيام والساعات، وقد ms27 أملن جميعا أنهن يحظين ~~بالتفات منه، أما هو فاستقبلهن بلطف، ثم تحول عنهن، وانطرح على الديوان بالقرب ~~من والدته يقص عليها أخبار رحلة السلطان. # ولبث ساعتين يروي ظمأ اشتياقه، وإذا بجارية دخلت وأبلغته أن والده الباشا قد ~~اضطر للخروج من أجل رد بعض زيارات، وأن صديقه حسن باق وحده في ~~السلاملك. # فهب صلاح الدين حالا إليه يعتذر عن قصوره، فوجده واقفا بالقرب من النافذة ينقر ~~زجاجها بأصابعه تسلية وإضاعة للوقت، فتقدم إليه صلاح الدين وقال: أرجوك العذر ~~لقلة أدبي ... ولكن من غاب عن والدته شهرا كان الشهر عنده دهرا. ~~- أصبت ... ثم تنهد، وقال: طوبى لمن له عائلة ... أما أنا فإني يتيم وحيد أشعر بثقلي ~~أين ذهبت وكيف اتجهت؟ ~~- ما هذا القول يا حسن ...؟ أتجهل محبة أصدقائك، واعتبارهم لك؟ والأصدقاء الصادقون ~~هم كالأهل، بل خير منهم؛ إذ الإنسان له فيهم خيار الانتقاء. # إذا كان يحق للإنسان انتقاء أخ فأنت أخي الوحيد. ~~- عزيز علي يا حسن ألا يكون عندي شقيقة تثبت لك صدق قولك، ولكن أنت تعلم أني وحيد ~~لوالدي. ~~- وأما أنا فلي شقيقة يا صلاح الدين أحبها حبا شديدا، اجتزت وإياها منذ خمس ~~سنوات بلادنا الشركسية يوم قادونا كالأغنام للبيع في الأستانة، فقدر النصيب أن ~~اشترت والدة السلطان شقيقتي - مهرى - ووضعتها في حرمها ... وهكذا حرمت من ~~مشاهدتها كل حين، ولا يسعدني الحظ بذلك إلا متى انتقل الحرم السلطاني إلى ~~المصيف. ~~- ولكن سمعت اليوم من رئيس الخصيان أن جميع السراري قد ذهبن للاستحمام في البحر ~~عند قصر «بكلربك» الذي هو قبالتنا. ~~- فأبرقت أسرة حسن فرحا، وقال: أحقيقي ما تقول؟ وكيف يمكننا تحقيق ~~ذلك؟ ~~- أمر سهل لا يكلفنا كبير عناء ... تعال نكتري زورقا، ونذهب لتحقيق ذلك، فنسأل ~~رئيس الخصيان إذا كانت شقيقتك بين السراري أو إذا كانت بقيت في السراي ~~الهمايوني، وكيفما كان الحال نكون قد قضينا نزهة لطيفة. ~~- ما أكرم أخلاقك وألطف طباعك ...! هيا بنا. ~~- هذا من واجباتي؛ فقد تركتك وحدك منذ ساعتين وأنا أتنعم بلذة مشاهدة والدتي، ~~فوجب علي الآن التعويض، ms28 واكتريا زورقا للحال واجتازا البوسفور، فوصلا في أثناء ~~عشر دقائق إلى شاطئ آسيا إلى بيكلربك، وهي القرية التي بنى السلطان فيها قصرا ~~على شاطئ البحر في غاية من الظرف، فصعد الصديقان إلى باب السراي، فلما رأى ~~الخدم والحشم صلاح الدين عرفوا من ملابسه أنه من ياوران جلالة السلطان، فسأل ~~حسن أحد الخصيان عن مهرى هانم فأجابه أنها في السراي وأنه يمكنه مشاهدتها؛ فسر ~~كثيرا، ثم التفت إلى صديقه صلاح الدين، وقد أخذته الحيرة بوجوده، وقال: ما ~~العمل؟ ~~- خفض عنك، فإني سأتمشى على هذه الطريق المحاذية لحديقة السراي حتى تشماليجة، ثم ~~أعود إلى هذه الساحة أنتظرك في قهوتها فلا تضيع وقتك، واعلم أني أكون مسرورا ~~إذا كنت سهلت عليك هذا الاجتماع، وسأنتظرك بسرور مهما طال اجتماعك، ثم مد يده ~~فصافحه، وتبع حسن الخصي وعاد صلاح الدين وحده متجها نحو الطريق التي سار ~~إليها، فلما صعد إلى أعلى الهضبة وقف أمام بستان السراي يحيط به شجر الجوز ~~الكبير وحائط رفيع لا يرى منه إلا رءوس الأشجار، فوقف يسرح الطرف في ذلك ~~المشهد البديع، وإذا به يسمع صوتا رخيما مناديا. ~~- مهرى هانم ... مهرى هانم ... تعالي التقطي الخوخ ... # وسمع في الوقت نفسه هز شجرة صوت الثمار تتساقط على العشب الأخضر، فرمى بنظره إلى ~~الشجرة فرأى غادة تركية قد تسلقتها كالسنجاب وقد تطاير منديلها الشفاف عن ~~رأسها، فأبان وجها صبوحا وعينين نجلاوين وشعرا حالكا مسترسلا على أكتافها ~~غدائر، وكانت أوراق الشجرة وأغصانها الملتفة حجابها الوحيد، ويظهر أن السبب في ~~مناداتها لرفيقتها بصوت عال كان استلفاتا منها لنظر صلاح الدين الذي لما سمع ~~الصوت ورأى الغادة وقف مبهوتا ذاهلا من جمالها الفتان، وهي لما رأت مركزها ~~الحرج حاولت عبثا الاختباء وراء الأغصان والأوراق، ثم سمع صوتا من أرومة ~~الشجرة يقول: عائشة هانم لم لا تلقين الخوخ؟ ~~- لم يبق ثمر في الشجرة. ~~- إليك هذا الغصن المدلى على الطريق، فقد رزح من كثرة الثمر، فمدت عائشة يدها ~~اللطيفة إلى الغصن فهزته بعنف وتساقط الخوخ على الطريق أمام صلاح ms29 الدين، فهم ~~بالتقاطه، وفي الحال فتح باب صغير للحديقة، وخرجت منه فتاة تركية مسرعة ~~لالتقاطه أيضا، فلما رأت صلاح الدين أمامها صاحت مذعورة، وهرولت ناكصة على ~~أعقابها تاركة الأثمار غنيمة باردة له، واغتنمت عائشة فرصة انحناء الرجل ~~لالتقاط الثمر فانحدرت عن الشجرة بعجل، ولم يكد صلاح الدين يتم التقاط الثمر ~~حتى مر به خصي، فنظر إليه نظرة المرتاب، وأراد الدخول إلى البستان، فوجد الباب ~~موصدا، ولم يفتح له حتى عرف بنفسه فقال بصوت عال: مهرى هانم جاء أخوك حسن ~~إلى السراي يريد مشاهدتك. ~~- ها أنذا ... ها أنذا حاضرة. # فابتعد صلاح الدين قليلا احتراما، وإذا بالباب قد فتح، وخرجت منه مهرى يتبعها ~~الخصي ثم أقفل على مهل ريثما تمكن صلاح الدين من النظر إلى عائشة قليلا، ووقفت ~~هي تبسم له ابتسامة الممازحة، فتظاهر هو بأنه عابر طريق، فأخذ في مسيره قليلا، ~~ولكنه عوض أن ينحدر إلى القرية كما كان عزمه صعد إلى الأكمة ثانية، ومنعا ~~للريبة عرج إلى طريق ضيقة محاذية لسياج البستان، ولما ابتعد عن الطريق العامة ~~تسلق شجرة توت كبيرة ملتفة الأغصان، فجعلها مرصدا له يترقب من خلالها الشارد ~~والوارد في الداخل والخارج. # والحب أول ما يكون مجانة # فإذا تمكن صار شغلا شاغلا # دفعت الرغبة صلاح الدين إلى معرفة تلك الغادة الفتانة التي جذبت فؤاده من أول ~~نظرة «وما الحب إلا نظرة بعد نظرة»، وقد أحس في الحال بشعور غريب وعاطفة جديدة ~~لم يلامسا بعد قلبه الخالي. # ولما صار في أعلى الشجرة رأى أن عائشة ليست وحدها في البستان، بل يصحبها أربع من ~~رفيقاتها السراري، وقد جلسن جميعا أمام جدول ماء نمير تحف به أشجار بديعة ~~الائتلاف والاصطفاف مكللة بآلاف من الفاكهة المتنوعة الأصناف، والنهر بفرط ~~صفائه ورقة مائه ينم عما بأسفله من رمله وحصبائه، وكلهن يدخن التبغ اللذيذ، ~~ويأكلن أنواع الفاكهة النادرة، ورأى في آخر الحديقة بيتا خشبيا صغيرا قد ~~أخفته الأشجار الملتفة. # فرأى صلاح الدين من مرصده أن الغادة التي جذبت قلبه واختلبت لبه كانت تقف من ms30 حين ~~إلى آخر على طرفي قدميها، فترمي بنظرها إلى الطريق الصاعدة أو تتطلع من خلال ~~السياج كأنها تنتظر مرور شخص، ثم تعود فتجلس مقطبة الوجه، فعرف صلاح الدين أنه ~~هو الشخص المنتظر، وكان يسر كلما رآها جلست عابسة الوجه مقطبة الجبين، ثم ~~تولتها السآمة فقامت وتركت رفيقاتها لتجمع باقة زهر ، وبدأت تتوغل في البستان ~~تقتطف أنواع الزهور حتى وصلت إلى أسفل الشجرة التي كان مختبئا فيها صلاح ~~الدين، فأخذ للحال أثمار الخوخ التي التقطها من الطريق، ورمى بها أمام عائشة، ~~فدهشت لما رأت أن التوت قد أثمر خوخا يتساقط على قدميها، فرفعت نظرها إلى ~~الشجرة، فذعرت مبهوتة لما رأت صلاح الدين جاثما كالطير في أغصان الشجرة، ~~وصاحت صوتا يتخلله الخوف والفرح اهتز له قلب صلاح الدين طربا، فقفز من أعلى ~~الشجرة، وصار في أقل من لمح البصر أمام قدميها، فصاحت به الفتاة: ما هذه ~~الجسارة بك أفندي؟ # ثم أخذت منديلها ولفت وجهها الجميل، ثم قالت: أمن أجل ابتسامة تقتحم حدائق الناس ~~وتتسلق الأشجار ...؟ ابتعد حالا وإلا ناديت والدتي ... تأديبا لك. ~~- مهلا هانم أفندي ... إني أعجب كيف يخرج هذا الكلام القاسي من هذا الفم الجميل ... ~~وليس مولاتي الذنب ذنبي؛ فإن جمالك الفتان هو الذي دفعني إلى هذه الجسارة، وإذا ~~كان في وسعك منعي من العود إلى هذا المكان فليس في طاقتك منع قلبي من أن يهواك، ~~وأن يكون بكليته لك. ~~- لا أفهم ما تقول ... ولكن أرى أنك واهم ... لست بجارية لأرضى بمثل هذا الحب. ~~- أصبت فيما قلت، وإنما أرجوك المعذرة؛ لأن جمالك قد أضاع صوابي، واسمحي لي أن ~~أعرفك بنفسي ... إنني أدعى صلاح الدين، وحميد باشا المقيم في «أورطه كي» ~~والدي، وشقيق مهرى هانم صديقتك يخبرك عني طويلا إذا رغبت المزيد، وأعلل ~~النفس برؤيتك مرة أخرى. # فلم تجب الفتاة ببنت شفة، ولكن لمح صلاح الدين أن عينيها تضحكان سرا ... فحياها ~~التحية التركية قائلا: أي والله هانم أفندي. ~~- أي والله. # ثم تسلق الحاجز وقفز إلى الطريق وهو يقول: لله درها ما أفتن ms31 جمالها! وأكملت عائشة ~~مسيرها تقول في نفسها لله دره ما أنضر شبابه وأرشق عبارته! # وعاد صلاح الدين عند ذلك إلى القهوة فوجد صديقه حسنا بانتظاره، فلما رآه ابتسم ~~له قائلا: قد رأتك شقيقتي الساعة. ~~- وكيف عرفتني؟ ~~- كنت أريتها رسمك؟ وقلت لها: انظري هذا الأخ اللطيف الذي لي، وقد أعجبها جمالك ~~وشبابك. ~~- هذا ولا شك لطف منها. ~~- وأنت هل رأيتها؟ ~~- كلا لم أتجاسر على رفع نظري إليها؛ فضلا عن أنها كانت محجبة بيشمق ~~كثيف. ~~- نعم، هذه إرادة السلطانة؟ إذ لا يخفاك أنها معاكسة للأفكار الجديدة. ~~- وهي أفكار السلطان أيضا، فإنه عاد من رحلته الأوروبية أكثر تعصبا من ذي قبل، ~~وأشد استبدادا. # فلم يجب حسن على هذا الكلام؛ لأنه كان من حزب تركيا القديم الكاره للأفكار ~~الجديدة والإصلاحات الأوروبية. # وكان السلطان عبد العزيز يفضل سراي بيكلر بك على جميع قصوره بعد سراي «طلمه ~~بغجه»، فكان ينتقل إليها مدة فصل الصيف تاركا شئون الدولة ملقيا مهام ~~المملكة على عاتق الصدر الأعظم عالي باشا الذي كان صارفا جل اهتمامه في إخماد ~~ثورة كريت. # وبينما كان السلطان محتجبا في قصره ~~معتزلا أشغال الدولة التي كان مصوبا إليها أولا جل اهتمامه كان هوبار باشا ~~محاصرا سيرا بالأسطول العثماني، وفؤاد باشا يقدح زناد فكره آناء الليل وأطراف ~~النهار في سبيل مرضاة سفراء الدول في الأستانة، وكان مدحت باشا واليا لولاية ~~الطونة، فاستدعي إلى الأستانة، وقلد رئاسة شورى الدولة. # ولا يختلف اثنان في أنه لو سلمت مقاليد الدولة في ذلك العهد إلى هؤلاء الوزراء ~~الثلاثة لسلمت من العطب، وأمنت العثار، واستغنت عن السلطان عبد العزيز الذي كان ~~قد بدأ فيه حب الأثرة والاستبداد، وصرح بأن ما أظهره قبلا من الميل إلى الحرية ~~والإصلاحات ليس إلا سياسة منه اكتسابا للأميال وتهدئة للأفكار الثائرة. # ففي صباح شهر سبتمبر 1867م (الواقع في 4 شعبان) أمر السلطان أن يسرج له جواد ~~عربي يخرج عليه للنزهة، فسار وحده بين البساتين والحدائق صعدا، يتبعه من بعيد ~~أحد يورانه حتى وصل إلى أعلى الأكمة، فوقف ms32 في المكان الذي وقف فيه قبله صلاح ~~الدين منذ شهرين يسرح الطرف في ذلك المنظر الجميل، وإذا به يسمع حديثا همسيا ~~داخل البستان، فدفعته الرغبة والريبة إلى معرفة المتحدثين ورؤيتهم، فدخل ~~البستان من الباب الصغير. ~~••• # وكانت عائشة جالسة على العشب الأخضر متكئة على صدر رفيقة لها شركسية جميلة الوجه ~~بهية المنظر، وأمامها امرأة عجوز راقدة في ظل شجرة. # فتنهدت الشركسية، ثم أكملت حديثها قائلة: نعم إني أحب السلطان، ولا أتجاسر على ~~رفع نظري إليه، فإذا نظرته ارتجفت أعضائي ... ثم أخذت يد رفيقتها، وقالت لها: ضعي ~~يدك على قلبي فتسمعي دقات اختلاجه ... ثم قالت: ما الذي جاء به إلى هنا يا ترى ~~هذا الصباح ...؟ وهو كسول لا ينهض من رقاده حتى الظهر. ~~- لعله عرف بمجيئك إلى هنا، ويحتمل أن يكون قد جاء يبحث عنك. ~~- كفاك هزءا وسخرية ... أنت سعيدة بحبك لألطف شاب في تركيا فهنيئا لك، أما أنا ~~فقد تطاولت في حبي إلى ما وراء الآمال، وبنيت قصورا شاهقة لأوهامي. ~~- لا ... ألست بربة الجمال ...؟ وأنت في حرم والدة السلطان، تتسنى لك رؤية السلطان ~~كل يوم. ~~- نعم، فإني كل يوم «أشاهد معنى حسنه فيلذ لي»، ولكن نحن السراري والجواري نعد ~~هنا بالعشرات والمئات وكلنا جميلات، وهو مع ذلك قليل الاكتراث بنا جميعا ~~وخصوصا بي، مع أن نظري لا يقع عليه مرة حتى أنتفض «كما انتفض العصفور بلله ~~القطر». ~~- ما أشد حبك وأعظم تعلقك مهرى ...! بمثل هذا الحب تعلقت بصلاح الدين بك منذ شهرين، ~~واشتد بك الوجد والهيام إلى درجة أن دبت في قلبي عقارب الغيرة، ثم صرت هائمة ~~بحب السلطان، وسنرى إذا كان لهذا الحب دوام. ~~- ما الحيلة يا عزيزة ... وقد حكم علينا الدهر بهذه المعيشة؛ فلا بد أن يتعلق قلبنا ~~بشيء سواء كان أهلا له أو لم يكن ... تذكرين القصة التي قصتها فاطمة قادين على ~~مسامعنا ... أتظنين أن تلك المسكينة أحبت ذلك الباشا السمين الغليظ الكبد الذي ~~مات متخوما؟ ~~- فأجابت عائشة: وا حسرتاه ... لقد كانت ولادتي سببا لورودها حتفها، وهذا سيكون ms33 ~~شؤما علي كل أيام حياتي، ولم تتم عائشة هذا الكلام حتى صاحت مهرى هانم ~~مذعورة؛ لأنها لمحت عيني رجل ينظر إليهن من خلال سياج الورد كأنه يتلصص لسماع ~~حديثهن، وانذعرت القادين من رقادها الهني، فقامت تنظر من ذا الذي تجاسر أن يرسل ~~نظره إلى الحرم السلطاني. ~~••• # وكان صلاح الدين يمر كل يوم من ذلك المكان، فيلقي من فوق السياج باقة من الزهر ~~الجميل إلى عائشة مليكة قلبه، وكانت العجوز جاهلة أو متجاهلة حادثة الخوخ حتى ~~كتمتها عن الجميع، ولم تخبر بها إلا رفيقتها مهرى هانم الشركسية. # أما صلاح الدين فكان قد أباح بسره إلى والدته نعمت هانم، وكشف لها عن لواعج ~~غرامه، وكانت تعرف جميع عائلات الأستانة الكبيرة، فأخذت تسعى منذ ذاك العهد ~~وراء معرفة أصل عائشة هانم التي هام ابنها بحبها، فقصدت جميع العائلات، فلم ~~يهدها أحد إلى خبرها، فسارت إلى الحمامات، وهي - كما لا يخفى في الشرق - جرائد ~~المدينة يقف الإنسان فيها على جميع الحوادث المحلية، وغاسلاتها يعرفن جميلات ~~البلاد أصلا وفصلا، لكنها لم تستفد شيئا. فكلف صلاح الدين صديقه حسنا بأن ~~يستعلم شقيقته مهرى هانم، فتجاهلت ولم تخبره أمرا، وأخيرا عزمت والدته على أن ~~تقصد العجوز فاطمة قادين والدة الفتاة. # فقامت ذات يوم قاصدة سراي «بيكلر بك» متخذة ~~حجة بسيطة، وسألت مقابلة الباش قادين؛ أي رئيسة الحرم، وكانت من أعز صديقاتها، ~~فاقتبلتها بمزيد الأنس والترحاب، فكشف لها نعمت هانم غمتها، والتمست منها أن ~~تسمح لمهرى هانم بمرافقتها إلى بيت عائشة هانم، فأجابتها الصديقة: ابقي هنا إلى ~~ما بعد صلاة الظهر، حيث نتناول الطعام معا، وسنخرج اليوم جميعا إلى البستان، ~~وهناك ربما يتسنى لك معرفة ما تريدين من مهرى، أو أننا نخرج بحجة النزهة إلى ~~كرم العنب، فتذهبين إلى بيت عائشة وهي كما لا يخفاك جارتنا؛ فقبلت نعمت هانم ~~هذه الدعوة بمزيد الشكر والامتنان. # ولم يكن مدعوا إلى تلك النزهة إلا نعمت هانم، فخرجن إلى البستان، وجلست السراري ~~والجواري على شكل دائرة منتظمة، ولما كانت مهرى قد امتازت ms34 عنهن بمعرفة ضرب ~~القيثارة وبالصوت الرخيم طلبن إليها جميعا أن تطربهن. # وكانت جميع السلطانات في جهة أخرى من البستان يفرق بينهن وبين السراري فرقة من ~~الخصيان. فلما فرغت مهرى من توقيع ألحانها صفقن لها وامتدحنها، واغتنمت نعمت ~~هانم الفرصة فتقدمت إليها، وأطنبت في الثناء عليها، ثم أخذتها بيدها ممازحة، ~~وساقت الحديث إلى صديقتها عائشة، فأجابتها مهرى بكل صراحة وحرية ضمير على ما ~~تريد، لكن لم تلبث طويلا حتى صمتت ولم تنبس ببنت شفة. فقالت لها نعمت هانم: ~~لم هذا الصمت يا حبيبتي؟ وأنت تعلمين بأن ابني هائم بحب تلك الفتاة، ويريدها ~~زوجة له، أيوجد سر غامض في ذلك البيت؟ # فأجابت مهرى متنهدة: نعم. ~~- أرجوك إذن يجب إطلاعي عليه؛ نعم، إن ابني لا يهمك أمره، ولكن لي الأمل ألا ~~تخيبي رجاء والدة ابنها هو وحيدها وفلذة كبدها، فأستحلفك بحرمة والدتك ألا تخفي ~~عني شيئا؛ لأن عليها تتوقف سعادة صلاح الدين، وعليه تتوقف سعادتي ~~وحياتي. ~~- لا أعرف لي أما، فإننا نحن الشركسيات لا نعرف لحب العائلات والوالدات معنى، ~~وأرجوك أن لا تلحي علي بالأسئلة؛ إذ لا يمكنني الجواب. # فصمتت نعمت هانم برهة حزينة كئيبة، وقد أثر فيها الكلام، فقالت لها مهرى: لا غرو ~~أن أدهشك كلامي، ولكن متى علم السبب بطل العجب: إني غائرة من عائشة. ~~- كيف ذلك؟ إذن أنت تحبين أيضا صلاح الدين. ~~- لا كنت قد أحببته قبلا، وأما الآن فقد تخليت عنه لعائشة وحدها، وخلفه في قلبي ~~آخر لا أبدله بأحد في العالمين وروحي وحياتي فداه. ~~- أتحب عائشة يا ترى ذلك الآخر؟ ~~- كلا هي لا تحبه ... وإنما قد استلفتت أنظاره، وهذا كاف لإيقاد نيران غيرتي؛ ~~لأنها متى عرفته لا تستطيع الثبات أمامه. ~~- إذن يوجد طريقة سهلة للتخلص منها، وهي أن يتزوج صلاح الدين بها، فيخلو لك الجو ~~وحدك. ~~- لا ... يجب تأجيل هذه الزيجة إلى أجل ما؛ حبا بصالح عائشة وصالحي. ~~- هذا لغز معمي يعسر علي حله ... ولكن من يقدر يا ترى على معاكسة هذا ~~الاقتران؟! ~~- أنا ... # فكادت نعمت هانم تتميز ms35 غيظا من هذه القحة، فصاحت بمهرى يظهر أنك قد نسيت كونك ~~جارية، فتجاسرت على مثل هذا الكلام، ثم ذهبت إلى صديقتها الباش قادين وقصت ~~عليها الحديث، وقالت لها: تحذري من هذه الفتاة. ~~- خففي عنك، فإني سأعيد إليها صوابها ... ولكن اغتنمي الآن فرصة وجودك، فسيري إلى ~~البستان المحاذي الخاص بعائشة هانم، واستخبري عما تريدين منها رأسا ... إذ لا ~~أخالها تخفي على والدة محبها شيئا. # فقامت نعمت هانم للحال مسرعة إلى البستان فدخلته، فلم تجد إلا جارية سوداء وبعض ~~السيدات يتنزهن، فسألتها: من هي صاحبة البستان من الخواتين؟ ~~- لا نعلم، فلم نجد فيه أحدا لما دخلناه. # فرأت نعمت هانم بيتا صغيرا في آخر البستان، فقصدته، وقرعت الباب فوجدته موصدا، ~~فعادت بخفي حنين. # وإذا بها التقت برجل طاعن في السن يظهر عليه من ملابسه أنه أحد الخدم، فسألها: ~~ماذا تريدين هانم أفندي؟ ~~- كنت أرغب في مقابلة عائشة هانم. # فنظر إليها الخادم نظرة المرتاب، وقال لها: لعلك تكونين من السراي؟ ~~- كلا، لست إلا زائرة، وأنا مقيمة في «أورطه كي». ~~- أأنت والدة صلاح الدين؟ ~~- نعم، أنا نعمت هانم. ~~- بارك الله فيك ... خرجت مولاتي هانم أفندي ووالدتها هذا الصباح، ولا يرجعان إلا ~~بعد خمسة عشر يوما. ~~- جزيت خيرا. ~~- أرجوك أن تخبري صلاح الدين بك بذلك. ~~- لا بد ... ولكن هل لك أن تفيدني عن سبب هذا التغيب؟ ~~- لا أعلم. # فعادت نعمت هانم إلى السراي فوجدت الجميع في لهو وزهو ورقص وطرب. # وفي ذلك المساء بعينه لما جاءت الباش قادين لافتقاد السراري في أسرتهن وجدت ~~سرير مهرى هانم فارغا، لم يفرش بعد، فاستشاطت غيظا، وقد وهمت أن مهرى خالفت ~~النظام، لكن لما سألت الخصي قال لها: إن السلطان قد استدعاها. # فقلب هذا الالتفات الشاهاني حال مهرى من شيء إلى شيء؛ إذ بعد أن كانت جارية تتزلف ~~إلى الخادم والخصي والجارية والرئيسة أصبحت في ليلة واحدة الآمرة المطاعة ~~يتزاحم من في السراي للتزلف إليها؛ لأنه إذا أسعدها الحظ فحملت يوما تصبح ~~حالا من سلطانات آل عثمان ... # ولم يعد أحد ms36 يذكر عائشة هانم بشيء، كأن سعد رفيقتها مهرى قد حجب سعدها. # الفصل السادس # | عائشة هانم # إذا رام محب أن يقف على مقام حبيبته ومليكة فؤاده سهل عليه ذلك؛ لأن قلبه ~~كثيرا ما يكون هاديا له ودليلا. فلم تنقض الخمسة عشر يوما التي ضربها أحمد ~~لنعمت هانم حتى كان صلاح الدين قد عرف مكان حبيبته ومقامها، فقد كلفت هي خادمها ~~أحمد هذا أن يخبر صلاح الدين بعدم استطاعتها الرجوع إلى «تشيمالجه» وببقائها في ~~بايكوس تمرض والدتها، فأخبر أحمد صلاح الدين بذلك، ورجاه أن يبقي الخبر ~~مخزونا في أعماق فؤاده، فقال له صلاح الدين: أنت تعلم مقدار حبي لعائشة هانم ~~وكفى ... ولا أطلب منك مزيدا، وأعدك بألا أطلع أحدا على مقرها حتى ولا ~~والدتي. ~~- أي بك أفندي أرجوك عفوا إذا وجدتني قلقا ملحا بوجوب كتمان السر ... إذ لو علم ~~الأعداء المحيقون بهذه الفتاة المسكينة التي أوصاني والدها بالاعتناء بها قبل ~~وفاته لعذرتني. ~~- ولكن من الغريب أن يكون لهذه الفتاة السليمة القلب أعداء ألداء وأخصام أقوياء ~~... ~~- نعم وا أسفاه ... لو كنت على الأقل زوجها لحسن حظها ... إن قلبي يرتجف جزعا كلما ~~فكرت بأن فاطمة هانم أصبحت عجوزا هرمة، وأن الموت يترصدها كل هنيهة ... فإلى من ~~نكل أمر تلك المسكينة بعد ذلك يا ترى؟ ~~- خفف عنك ستكون - إن شاء الله - عائشة قرينة لي إذا رضيتني بعلا لها، أدفع عنها ~~الأخصام، وأحميها من طوارق الحدثان، وغدر الأعداء. ~~- وأي أعداء ... إن أسماءهم لتحرق الشفاه. ~~- ولكن لسنا والحمد لله في عهد السلطان محمود ... فالعدالة مرعية في تركيا ~~الآن. ~~- لا عدالة إلا في السماء مولاي. ~~- هذه أفكار قديمة العهد. ~~- أي بك أفندي أنت شاب ترى كل شيء حسنا زاهيا، وقد رأيت السراي الهمايوني ~~مفروشا بالدمقس الأوروبي فوهمت، لكن البكاء والصراخ ملآ جوانب القصر فلا يصل ~~إلينا شيء من الفظائع التي تجري تحت طي الأطالس. ~~- تلك خرافات قديمة، والذي تربى نظيري في العواصم الأوروبية لا يعيرها كل ~~سماعه. ~~- هذا هو السبب يا مولاي في جسارتي على هذا الكلام؛ لأني ms37 قضيت عمري بين أحذية ~~الباشاوات، وفي زوايا السرايات، وأقسم لك إنا لا نزال كما كنا في أيام عثمان ~~الفاتح. # فأثر في صلاح الدين هذا الكلام الخارج من فم خادم ساذج عرك الدهر طويلا، وذاق ~~حلوه ومره، فقال له: أتظن إذن أن خطرا يتهدد عزيزتي الهانم؟ ~~- نعم يا مولاي، عسى أن يشفق الله على تلك المسكينة. # وأراد أن يكمل حديثه، فرأى أنه قد تجاوز الحد. فقال: لا أريد تكديرك، فكفى ما ~~صرحت لك به، ولا تنس أن فاطمة هانم ترغب في مقابلتك ... ففي أي يوم تريد؟ ~~- هذا المساء بعد صلاة الغروب. ~~- إذن أنتظرك عند موقف البواخر. # ثم ودعه وانصرف، وانقلب صلاح الدين إلى بيته يفكر فيما يكون ذلك الخطر الذي ~~يتهدد حبيبته ومليكة فؤاده. # وفي العشاء وصل صلاح الدين في الموعد المضروب متنكرا، وقد ارتدى ثوبا رمادي ~~اللون، فكان أحمد في انتظاره، فسار أمامه في طرق بايكوس الضيقة حتى وصل إلى ~~أمام بيت خشبي صغير، فتناول أحمد مفتاحا كبيرا، ودعا الضابط إلى ~~السلاملك. # وكان ذلك البيت الصغير ملكا لفاطمة هانم تمكنت من مشتراه من فضلات نعم المرحوم ~~محمد باشا داماد وعطاياه، وفي هذا البيت أخفت عائشة منذ ست عشرة سنة خوفا ~~عليها من انتقام السلطانة علية هانم، وكان الحزن والفرح يتلاعبان بقلب صلاح ~~الدين؛ تارة يتغلب عليه الحزن خشية من مفاجأة موانع قوية تحول دون مرامه، ~~وطورا يسود على قلبه الفرح؛ لأنه أصبح ومليكة فؤاده تحت سقف واحد، وإذا بفاطمة ~~هانم دعته إلى دخول غرفتها في الحرم، وكانت قد تربعت على ديوان من الحرير ~~الدمشقي وتقنعت بمنديل ناصع البياض، ولما رأت صلاح الدين يتردد في الدخول ~~صاحت به: تفضل بك أفندي أنا، عجوز لا خوف علي من محادثة الرجال، وإذا كنت قد ~~استدعيتك لمفاوضتك خلافا للعادة التركية التي تقضي على الأم ألا تتظاهر ~~بالاهتمام في تزويج ابنتها فذلك الأمر مهم، وإذا كنت فضلت مقابلتك على مقابلة ~~والدتك التي تنازلت إلى زيارتي، فهو لأن الوقت ضيق والأمر مستعجل حرج ... إني ~~شاعرة بك ms38 أفندي بدنو أجلي، ثم التفتت إلى الباب لترى إذا كان وراءه منصت، وجلس ~~صلاح الدين على طرف الديوان باحترام خافض النظر يتساءل إذا كانت تلك العجوز هي ~~والدة مليكة فؤاده حقيقة أو أن سرا يرفرف فوقها. فقال لها صلاح: قد أحسنت ~~بما فعلت من حيث استدعائي، والله أسأل أن يطيل عمرك ويحفظك طويلا لابنتك، أما ~~أنا فإني مستعد للإقدام على كل شيء برهانا على اعتباري لك وامتثالي لأوامرك، ~~وخصوصا لحبي الشديد لعائشة هانم. ~~- إذن أنت تحب الابنة بإخلاص تام. ~~- نعم، أحبها حبا شديدا من كل جوارحي. ~~- وهل ترى من نفسك قوة لاقتحام الأخطار المحدقة بها توصلا إلى الاقتران؟ ~~- نعم، لا شيء يثنيني عن حبها. ~~- إذن حبك متين، وليس حبا زائلا يتكسر في أول ساحل. ~~- أجل هانم أفندي حبي أصدق مما تظنين، وأمتن ما ضرب في الحب عهود، فهو ولئن نشأ ~~عن نظرة لا يقل شيئا عما لو كان تولد عن أيام وسنين، فكأن الشاعر أنشد لسان ~~حالي حين قال: # وما هي إلا لحظة بعد لحظة # إذا نزلت في قلبه رحل العقل # جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي # فأصبح لي عن كل شغل بها شغل # فقالت العجوز: ولكن أتعرف من هي عائشة؟ ~~- هي جميلة وطاهرة، وقد اختارها قلبي عروسا لي وكفى. ~~- ألا تخشى أن تكون من بيت وضيع. ~~- بيتها كيفما كان هو خير عندي من قصور الملوك والأمراء. ~~- جزيت خيرا ووقيت ضيرا ... قد تحقق الآن لدي ما كنت سمعته من الثناء عليك، ~~وكشفت لي ما أنت تطويه من الشهامة والمروءة التي أقر لك بها أعداؤك قبل ~~أصدقائك، وكفاك فخرا فإن الفضل ما شهدت به الأعداء. ثم تبسمت وقالت: أتظنني ~~كنت جاهلة جولانك حول البستان، وكيف كنت وعائشة تتسارقان الحديث؟ كلا، كنت ~~واقفة على كل شيء؛ إذ لا شيء يخفى على لب والدة، أو بالحري على صديقة مخلصة، ~~فقد أزف الوقت الذي يجب أن أبوح لك فيه بسري ... ثم صمتت قليلا والتفتت إلى ~~الباب، ثم قالت همسا ... أي بك أفندي نعم لست ms39 بوالدة عائشة ... # فلم يجب صلاح الدين بشيء؛ لأنه كان قد خامره الريب بذلك، فقالت: يجب أن أقص عليك ~~الخبر، وأطلعك على كل شيء؛ لتعرف كم كلفت الحورية التي أحببتها من الدم والدمع ~~... وشرعت تقص عليه مأساة إقبال هانم - كما ذكرناها سابقا - فارتجف قلب صلاح ~~الدين من تلك القسوة البربرية، وطار قلبه شعاعا لما فهم خبر مقتل والدة حبيبته ~~بالتفصيل فصاح: ولكن أيمكن ارتكاب مثل هذه الفظائع في أيامنا هذه؟ ~~- نعم ... الانتقام هائل، وأشد هولا منه متى كان لا مرد له. ~~- من يعلم هانم أفندي إذا كان لا يأتي يوم يخشى فيه السلاطين رعاياهم. ~~- لسنا بعد لسوء الطالع في أوروبا، والسلطان لا يزال الآمر المطلق بلا قيد ولا ~~نظام ... هذه مشيئة الله. ~~- كلا إن الله - سبحانه وتعالى - لا يرضى بخراب مملكته، فهي صائرة إلى الخراب ~~والاندثار إذا بقيت في أيدي الظلمة العتاة. ~~- أرجوك بك أفندي بإلحاح ألا تتداخل في الأحزاب السياسية ... دع التقادير تجري في ~~أعنتها، ودع الرجال يسيرون كيفما شاءوا، وأنت إذا شئت أن تكون عائشة عروسا لك ~~إياك إياك والانضمام إلى الحزب الذي يلقب نفسه بحزب الإصلاح، أولئك الذين عادوا ~~من أوروبا وقد ملئوا رءوسهم من الأفكار الحرة الجديدة التي يستحيل إجراؤها، ~~فيجب على الإنسان أن يحب الله قبل عائلته وعائلته قبل وطنه ... ~~- لا هانم أفندي لا أخالك تشترطين علي جحود وطني ... ولكن خفضي عنك: فلي يمين ~~أساعد بها وطني، وقلب أحب به امرأتي ... ~~••• # وعاد صلاح الدين إلى «أورطه كي» عند منتصف الليل، فقضى ثلاثة أرباع الساعة في ~~البوسفور؛ لأن الهواء كان معاكسا، فلما وصل إلى قرب البيت وجد الأنوار تتدفق ~~من جميع نوافذه، فظن أن زائرا كريما جاءهم في أثناء غيابه، فلما دخل ~~السلاملك وجد صناديق سفره وأمتعته توضع فيها باعتناء، فصاح بالخدم: ما هذا؟ ~~ولمن هذا الاستعداد؟ ~~- لسفر سعادتك. ~~- لسفر من؟ ~~- لسفر سعادتك؛ إذ ميعاد السفر الساعة واحدة، وها قد أزفت الساعة. # فحار صلاح الدين في أمره، وظن نفسه في منام، أو أن الخدم اعتراهم الجنون، فدفع ms40 ~~باب غرفة الاستقبال فوجد والده الشيخ مع صديقه حسن الشركسي وبعض الجيران ~~بانتظاره يتحدثون. فصاح به والده قد أطلت الغيبة ونحن هنا جميعا بانتظارك، ~~وقام حسن يصافحه، وهو يقول: إني بانتظارك منذ ساعتين، وقد جئت ناقلا إليك ~~إرادة سنية تقضي عليك بالسفر الساعة مع ك ... باشا الذي سيركب الباخرة «سلطانية» ~~إلى مرسيليا قاصدا باريس لتقديم أربعة رءوس من الجياد العربية هدية إلى ~~الإمبراطور نابليون الثالث، وقد اختار جلالة السلطان أن تكون بمعية ~~الباشا. ~~- ولكن من ذا الذي أشار على السلطان باختياري لهذه المهمة، فلا أخفي عليك بأني ~~مستاء من هذه البعثة خصوصا في الظروف الحاضرة. ~~- أعرف ذلك ... ولكن لا أدري سبب هذا الاختيار، ومهما كان الأمر فغيبتك ستكون قصيرة ~~الأجل إن شاء الله. ثم انزوى مع صديقه وقال له همسا: بلغني أن السبب في هذه ~~البعثة هو أن السلطان قد باغتك صباح يوم تحدث فتاة مسلمة على قارعة الطريق ... ~~طريق بيكلر بك ... أتذكر ذلك، وأنت تعلم صرامة السلطان في وجوب الحرص على عوائد ~~المسلمين ... وقد جاء من أوروبا أكثر صرامة من ذي قبل. ~~- ولكن هذه الفتاة هي خطيبتي ... وستكون عن قرب امرأتي. ~~- السلطان يجهل هذا على كل حال، ولكن العقاب ليس بصارم ... ~~- فتنهد صلاح الدين من قلب مقروح؛ لأنه كان مضطرا للسفر إلى أوروبا دون أن يمتع ~~طرفه برؤية مليكة فؤاده ووداعها، ثم التفت إلى صديقه، وقال له: أي حسن أنت ~~صديقي وخليلي، وأنت سندي وعمادي، وأنت عالم بحبي لعائشة، فهل أحتاج بعد الآن ~~إلى توصيتك بها ... كن لها أخا وسندا؛ لأن أعداءها قديرون. ~~- لا تخش شيئا، وضع ثقتك بأخيك، وتوكل على الله. ~~- إذن لم يبق علي إلا وداع والدتي، انتظرني قليلا ... سنعود إلى إستانبول ~~سوية. # ودخل صلاح الدين إلى الحرم يقضي لدى والدته واجب الوداع، وعاد حسن إلى السلاملك ~~والناس يبالغون في ملاطفته، ويهنئونه بترقية رتبته إلى أميرالاي؛ إذ علموا أن ~~السبب كان حظوة شقيقته مهرى في عين السلطان عبد العزيز، وكانت قد أحست الباش ~~هانم في السراي الهمايوني ms41 بعد أن كانت جارية فيه. # وركب في ذلك المساء بعينه ك ... باشا وصلاح الدين بك الباخرة «سلطانية» فأقلعت في ~~الحال. # وبعد ثمانية أيام وصل إلى وزارة الخارجية في الأستانة التلغراف الآتي الذي ضرب ~~في إيجازه المثل، وطاف العواصم الأوروبية، وهو بنصه وفصه: # نحن ~~والبهائم وصلنا بصحة جيدة. # الفصل السابع # | صيرورة السرية سلطانة # لا غرو أن تشوق القارئ إلى معرفة الكيفية التي توصلت بها مهرى إلى صيرورتها محظية ~~السلطان عبد العزيز ... على أن السبب بسيط: # وإذا أراد الله نصرة عبده # كانت له أعداؤه أنصارا # والحظ إذا ساعد الإنسان أوصله إلى معارج العز والفخار، وهذا رفع مهرى هانم إلى ~~مقام سلطانات آل عثمان بعد أن كانت إحدى جواري والدة السلطان. أما الواقعة فهي ~~أن السلطانات رغبن في يوم قد صحا جوه واعتل هواؤه أن يتغذين في بستان ~~بيكلربك، وصادف ذلك النهار أن خرج السلطان إلى نفس البستان، ودخل في أحد ~~الكشكات الجميلة المتفرقة في أنحاء الحديقة، وقد التفت حوله الأشجار الكثيفة ~~والرياحين والأزهار بأبهى مشهد وأحسن منظر. # ولم يكن السلطان في تلك الساعة مهتما بتسريح طرفه في تلك المناظر البهجة التي ~~يحق له أن يفاخر بها ملوك الأرض طرا. بل كان واقفا وراء ستار حريري مرسلا ~~بنظره إلى الطريق كأنه ينتظر مرور شخص تهمه معرفته، فبعد أن انتظر قليلا عيل ~~صبره، فالتفت إلى خصيه ونديمه الخاص وقال: قد بكرنا بالمجيء فحرارة الشمس ~~لاذعة، ولا أظنهما تخرجان الساعة. ~~- كلا بل قد خرجتا مثل هذه الساعة الاثنين الفائت. ~~- وهل أنت واثق أنهما غاية في الجمال والبهاء، وأنهما تحبانني؟ ~~- نعم، إنهما غاية في الحسن ونهاية في الجمال، وإن إحداهما صرحت بهيامها ~~بجلالتك. ~~- وهل أنت واثق من أنها صرحت بذلك عفوا من غير قصد ولا أمل أن يسمعها أحد فينقل ~~كلامها إلي. ~~- نعم، باغتها تبوح بسرها همسا إلى رفيقتها دون أن تراني أو تشك بي. ~~- كنت أحب أن أسمع هذه النجوى بأذني، فقد سمعت النساء كثيرا يقسمن بحبي، لكن لا ~~أعرف إن كن يبحن بحقيقة ما ms42 يضمرن. ~~- ولكن هذه مولاي من حرم جلالة السلطانة الوالدة. ~~- وكيف لم ألمحها حتى الآن؟ ~~- يصعب تمييز الجمال متى كثر ... ولكن ها هي قادمة لتفتح الباب الصغير لصديقتها ~~وجارتنا. ~~- فأطل السلطان فوجد عائشة قد دخلت وطوقتها مهرى بذراعيها فتعانقتا طويلا، ثم ~~دخلتا البستان سوية فنادى السلطان الخصيان أن يتبعوه، وكان كلما سار خطوة وقف ~~يلهث من التعب؛ لشدة سمنه وضخامة جثته، لكنه كان على الرغم من ذلك باقيا لذلك ~~العهد جميل الصورة بهي الطلعة مهاب المنظر، فلما وصل إلى أمام الباب تقدم إلى ~~الطريق، وعاد على أعقابه غاضبا مذعورا، فصاح الخصي: ما بال جلالتك؟ ~~- لسنا وحدنا في القنص. # فتقدم الخصيان فوجدوا فارسا مرتديا حلة ياوران واقفا ينظر إلى الفتاتين ~~المتعانقتين، وكان هذا الفارس صلاح الدين، فلما أبصرته مهرى ورأت السلطان ~~يباغتهما أيضا أفلتت يدها من صديقتها، واحتجبت وراء غيضة ترتجف خوفا، وما إن ~~لمحت عائشة صلاح الدين حتى تقدمت إليه ومدت له يدها فقبلها مرارا، ثم اتكأت ~~على حصانه، وكشفت نقابها عن محياها الجميل تبسم له، وقد رقص فؤادها ~~طربا. # فوقف السلطان خمس دقائق ينظر إلى ذلك المشهد الحبي الذي لم يكن قد شاهده من قبل، ~~ولربما أخذته الغيرة من صاحبه، وحسده على حبه وشغف قلبه بحبيبته، وقد لمحت مهرى ~~ذلك فكادت تذوب غيرة وحسدا. # ثم أقفل السلطان الباب بعنف قائلا: أهكذا تثقف بناتنا المسلمات وأولئك الشبان ~~الذين نرسلهم إلى أوروبا، هم الذين يحملون إلينا هذه العادات المذمومة، ~~ويسمونها التقدم والمدنية فيدوسون شريعتنا المقدسة. قال هذا وسار في ~~طريقه. # فتقدم خصي السلطان الخاص إلى مهرى، وكان قد شاهدها وانتهرها قائلا: أتعرفين ~~«إقبال» هذه؟ # فانتفضت مهرى عند سماعها هذا الاسم (إقبال) وأجابت: لا أعرف ماذا تعني بقولك ~~هذا؟ ~~- منذ كم من الزمان هذه الفتاة مقيمة في بيكلربك؟ ~~- لا أعلم بالتمام. ~~- أخطيبة صلاح الدين بك هي؟ ~~- لا أظن. ~~- كيف لا تظنين، أنت صديقتها وخليلتها وموضع سرها، وتجهلين هذه الأمور ~~كلها؟ # فصمتت مهرى ولم تجب بحرف. فقهقه الخصي وقال: من الحمق سؤالك؛ لأني عالم ms43 بكل شيء، ~~ثم تركها وانصرف. # فوقفت مهرى مبهوتة تنظر إلى ما حولها مفكرة بما شاهدت وما سمعت، وظنت أنها في ~~منام وقد تجاذب قلبها عاملان؛ الصداقة والغيرة؛ إذ إن كلمة واحدة منها كانت ~~كافية لهلاك صديقتها أو لنجاتها، لكن غلبت الصداقة الغيرة، فاستدعت إحدى ~~جواريها المخلصات لها، وقالت لها: أتحبينني يا زعفران ؟ ~~- لم هذا السؤال مولاتي؟ ~~- أريد منك القيام بخدمة هامة. ~~- مري بما تريدين. ~~- يجب أن تعديني بكتمان السر. ~~- ثقي واطمئني. ~~- يجب أن تكوني حريصة. ارتدي ملاءتك بالعجل، وخذي غرشا بيدك، فإذا سألك أحد إلى ~~أين تخرجين أجيبي أنك ذاهبة لمشترى حلوى. ~~- وبعد ذلك. ~~- فإذا وصلت إلى طريق بيكلر بك المؤدية إلى تشماليجة تيممين بستان فاطمة ~~العجوز. ~~- والدة صديقتك عائشة. ~~- هي بعينها فتدخلين عليها، وتهمسين في أذنها قائلة: أرسلتني مهرى إليك لأخبرك ~~بأن الخصي عليا عالم بكل شيء، وبوجودك في بيكلربك. ~~- أهذا كل ما تريدين؟ ~~- نعم، أتذكرين ما قلت؟ ~~- نعم أذكره جيدا. ~~- العجل العجل يا عزيزتي، وإذا صرت يوما ما سلطانة ... # فوقفت الجارية وقالت: ماذا تعملين لي ...؟ ~~- أتحفك بالهدايا والعطايا ... العجل العجل. ~~••• # وبقي السلطان ذلك النهار بطوله مقطب الوجه، لا شيء يسره ولا المملكة تشغله، ~~فلما غابت الشمس وطلع القمر يرسل أنواره اللجينية على مياه البوسفور، وقد سكن ~~الهواء، وساد السكون قام السلطان إلى شرفة قصره، واتكأ على الحاجز الحديدي ~~مسرحا طرفه في ذلك الفضاء، فانتعش فؤاده وارتاحت نفسه، وإذا به يسمع صوتا ~~حنونا رخيما ساعده سكون الهواء على سماع إيقاعه وألحانه وكلامه جميعا، فرقص ~~له فؤاده طربا واهتزت جوارحه، وكانت الأنشودة غرامية صادرة عن قلب قرحه ~~الحب وبرحه الشوق، فانتصب السلطان وكاد يقطع أنفاسه كي لا تفوته نغمة من ~~أنغامه، ثم نادى خصيه وقال له: تعال واستمع. ما هذا الغناء في ~~البستان؟ ~~- لا بد أنه صوت جارية من جواري حرم والدة جلالتك، فقد دعت السلطانات هذا المساء ~~للعشاء في البستان. ~~- اذهب وجئني بها فقد أعجبني غناؤها. # وانقطع الصوت، فقام الخصي مهرولا إلى أعلى البستان امتثالا لأمر مولاه، فوجد ~~السراري ms44 جميعا قد أحطن بمهرى إحاطة الهالة بالقمر، وقد ظللنها بالأزهار ~~والرياحين لحسن غنائها، فلما أطل الخصي صحن به جميعا تعال واستمع غناء ~~مهرى، فأجاب: صوتها أرخم من بعيد. ~~- لا لا هو أرخم بكثير من قريب. ~~- تعالي مهرى لنذهب إلى ما وراء هذه الغيضة فيتحققن قولي، فصحن جميعهن لا بأس ~~اذهبي يا مهرى ، وسنبقى نحن هنا لنرى من المصيب. # فأخذ الخصي بيدها وسار بها قاصدا الكشك الذي كان السلطان بانتظارها فيه، فلما ~~ابتعدا قليلا خافت مهرى من طروء أمر ما، فقالت للخصي بصوت مرتجف إلى أين ~~تقودني؟ ~~- جلالة «البادشاه» يرغب في سماع غنائك، فأفرغي الجهد في الإجادة، فلما وصل إلى ~~أمام الباب دفعها أمامه، وقال: هذا هو الكناري يا مولاي. # فلم يتمالك السلطان من إخفاء إعجابه بجمال تلك الغادة الهيفاء، وقد صبغ الحياء ~~وجهها فزادها جمالا، وكانت القيثارة ترتجف بين يديها، فقال لها السلطان ~~متلطفا باسما ادخلي يا بنية ... لا تخافي، وتناول الخصي وسادة من المخمل وطرحها ~~وراء مهرى قائلا لها: اجلسي وأنشدي نشيدك المشهور «ذهب العاشق»، فجلست مهرى ~~وقد اصفر لونها وشرعت تنظم أوتار قيثارتها بيد مرتجفة، ولكن لما أرادت ~~الغناء خانها جلدها، فأجهشت في البكاء فدهش السلطان، وقال: الله ما هذه الفتاة؟ ~~وما معنى هذا البكاء؟ # فقال الخصي: هذه هي مهرى الفتاة التي شاهدناها مع صديقتها هذا الصباح في البستان، ~~ثم همس في أذنه: وهي الهائمة بحب جلالتك. # فحدق السلطان بها وزاد إعجابه بجمالها على إعجابه ببكائها، والنساء أشوق ما يكن ~~إذا بكين، ثم أخذ في ملاطفتها حتى ثاب إليها وعيها، فبدأت بنشيدها المذكور بصوت ~~مطرب خارج من صميم فؤادها، فاهتزت له جوارح السلطان طربا ورقص فؤاده فرحا ~~وأخذه الهوس، فتناول من خنصره خاتما كريما على فص من حجر ماس كبير، وتناول ~~مهرى وألبسها إياه بيده، فقبلت طرف ثوبه وهي لا تكاد تصدق ما هي عليه ... ~~••• # وأخبر في الغد الخصي رفقاءه بهذه الحادثة، وختمها قائلا: هكذا تصير السرية ~~سلطانة ... # الفصل الثامن # | وصول الإمبراطورة أوجيني إلى الأستانة # كانت الأستانة في ms45 7 سبتمبر 1869م في قيام وقعود استعدادا لاستقبال زائر كبير ~~وضيف عظيم، وكانت ألوف من الزوارق ومئات من البواخر مكتظة بالمتفرجين ~~والمستقبلين تشق عباب البوسفور ذهابا وإيابا، وكان أهالي الأستانة كبارا ~~وصغارا يتسابقون ويحتشدون بين شاطئ أوروبا وآسيا لانتظار ذلك القادم العظيم، ~~وقد رفعت الحرم من مقاصيرهن الحواجز الشبكية، وصوبن نظاراتهن نحو بحر مرمرا ~~يستطلعن تلك الباخرة التي تقل ذلك المنتظر، وقد حق لهم جميعا ذلك الانتظار ~~وذلك الاحتفال؛ لأن الزائر ذلك اليوم كان الإمبراطورة أوجيني قرينة نابوليون ~~الثالث، وكان نابوليون الثالث في ذروة مجده وقمة سؤدده، وكانت تلك هي المرة ~~الأولى التي جاءت فيها إمبراطورة فرنسوية إلى عاصمة الشرق زائرة حالة ضيفة ~~كريمة عند سلطان آل عثمان. # وكان السلطان عبد العزيز - كما ذكرنا - ميالا إليها معجبا بجمالها، فبالغ في ~~الاحتفال بقدومها، والاحتفاء باستقبالها حتى إنه أمر بتجديد فرش السراي كله، ~~وبأن يجلب من باريس أثاث للغرفة التي أعدها للإمبراطورة كأثاث غرفتها في قصر ~~التويلري تماما حتى لا يخال لها أنها خرجت من سرايها، وأنشأ زورقا يبهر ~~الأنظار بقبته المذهبة وستائره المخملية ومقاعده الحريرية، وكل ذلك لنقلها بضعة ~~أذرع من الباخرة إلى السراي ... وغير ذلك من الاستعداد الدال على الكرم الشرقي ~~والبذخ التركي. وكانت الشمس ذلك اليوم ساطعة والجو صحوا والهواء بليلا، فلم ~~يلبث الناس طويلا في الانتظار حتى أطلت الباخرة «النسر» الباهرة تقل جلالة ~~الإمبراطورة، فبدأت الحصون والمعاقل بإطلاق المدافع تبشيرا بقدومها، وسارت ~~الدوارع التركية إلى لقائها، فأحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم، وقد صعد البحارة ~~إلى أعلى السواري يصيحون «لتحيا الإمبراطورة أوجيني». # فلما وصلت الباخرة أمام سراي بيكلربك المعد لنزول الإمبراطورة ألقت مرساتها، ~~وانحدر السلطان بنفسه إلى لقائها، وأخذت الموسيقى تصدح بأنغامها، فلم يطأ السلم ~~حتى رفعت الباخرة العلم العثماني يخفق مع العلم الفرنساوي المثلث ~~الألوان. # ولم تمض برهة يسيرة حتى أطل السلطان عبد العزيز من أعلى السلم مرتديا ثوبا ~~مثيرا، وذراع الإمبراطورة ملتف بذراعه، وهي لابسة ثوبا جميلا ناصع البياض ~~يزيدها حسنا وجمالا، وقد أثر بها ذلك المشهد ms46 البديع والاحتفاء الشائق. # وأجلسها السلطان في الزورق عن يمينه، وكان السفراء والوزراء والأمراء والعلماء ~~وكبار المملكة جميعا بانتظار جلالتها في سراي بيكلربك، فقدمهم السلطان إليها، ~~ثم عاد إلى سراي «طلمه بغجه» حيث كان قد أعد لها مأدبة شائقة للمساء. # وكان بين ذلك الجمع المزدحم شاب جميل الصورة شركسي المنظر برتبة أميرالاي يحاول ~~عبثا الوصول إلى الإمبراطورة فيحول دونه الزحام، ثم رأى بين ذلك الجمع وجها ~~يعرفه، فبرقت أسرة وجهه فرحا؛ إذ رآه يتبسم له ويشير إليه بالتقدم منه، فلما ~~وصل إليه مد له يده وصافحه قائلا: كيف حالك يا صلاح الدين؟ قد أنقذتني الآن؛ ~~لأني كدت أموت خنقا من الزحام. ~~- انتظر قليلا لأقدمك إلى جلالة الإمبراطورة، فإن سفيري روسيا والنمسا يحيطان ~~بها الساعة. ~~- مسكين أنت يا صلاح الدين، من كان يقول إنك ستقضي سنتين في سفارة باريس، وأنت قد ~~سرت للقيام فيها بضعة أيام. ~~- نعم، قد طال غضب السلطان علي، وبحجة ترقيتي أبعدوني قصيا، ولكن لم أعدم ~~لحسن الحظ الأخبار السارة، فهي التي ساعدتني على احتمال مصابي، على أن الفضل ~~عائد إليك يا حسن وإلى كتبك المتواصلة ... في كل حال. ~~- لم أقض إلا واجب الصداقة والإخاء ... ويا حبذا لو أمكنني المزيد. ~~- أنا معترف بجميلك ذاكر معروفك. ثم التفت نحو الإمبراطورة، فقال: تعال لأقدمك ~~إلى جلالتها؛ إذ الفرصة مناسبة. # ولما كان صلاح الدين قد عين حاجبا خاصا للإمبراطورة حق له تقديم صديقه ~~حسن الذي كان يجهل اللغة الفرنسوية. # فاستقبلته الإمبراطورة بلطفها المعهود، والتفتت إلى صلاح الدين قائلة: اعذرني ~~أمام مواطنيك لجهلي اللغة التركية؛ إذ يعسر على مجاوبتهم على تهانيهم، وليس ~~لدي ترجمان أبرع منك وأنت تحسن اللغتين. فانحنى الضابطان احتراما وامتنانا، ~~ورجعا القهقرى مسلمين، ومن ثم انحدر الصديقان إلى زاوية البستان عند شاطئ البحر ~~يتحدثان. # فقال حسن: لا شك أن مأموريتك قد جعلتك أسيرا، فمتى يتسنى لك يا ترى الذهاب إلى ~~أورطه كي؟ ~~- لا أعلم، لكن لا بد من ذلك فقد صافحت والدي للساعة بين القوم، ولم أتمكن بعد من ~~معانقة ms47 والدتي، وإني أنظر البيت فهو لم يتغير من ظاهره شيء، ثم حدق بنظره ~~إليه قليلا، وقال: الحمد لله، ثم الحمد لله ها أنا في تركيا، ويخال لي أني كنت ~~في منام وما شاهدته أضغاث أحلام، وقد عزمت على الإقامة هنا، ولو كلفت ~~الاستقالة؛ لأني أريد الاقتران. ~~- قد أحسنت وأصبت. # وأدرك حسن أن صديقه سيلقي عليه أسئلة يريد التملص منها، ويثقل عليه الجواب عنها، ~~فقال صلاح الدين مستأنفا: لم تذكر لي شيئا يا حسن في كتابك الأخير المؤرخ في ~~10 مارس عن فاطمة هانم، وقطعت منذ ذلك العهد أخبارك، فلم هذا الصمت؟ ~~- بلى حررت لك مرتين من ذلك التاريخ، ألم يصلك شيء مني؟ ~~- لا، ولكن كيف حال فاطمة هانم وعائشة؟ ~~- عائشة هانم هي بكل خير وعافية، أما فاطمة هانم فكنت واهما أنك عالم منذ ~~شهرين. ~~- بأي شيء؟ ~~- بوفاتها. ~~- أماتت؟! لا إله إلا الله ... وقد بقيت عائشة وحدها مع أحمد، ولكن لم لم تأخذها ~~والدتي إلى أورطه كي؟ مسكينة ... لا شك أنها اتهمتني بالصد والجفا، ويحق لها ~~الشكوى. # وتضايق حسن من هذا الحديث، وأراد التخلص منه فقاطعه الكلام قائلا: خصي شقيقتي ~~مهرى سلطانة يدعوني، فصاح صلاح الدين مدهوشا: مهرى سلطانة؟ ~~- ألا تعلم أنها رزقت ابنا؟ ~~- عرفت أن قد رزق السلطان ابنا، ولم أعلم أن مهرى والدته. فقال حسن مودعا: أي ~~والله، ثم تركه وانصرف. # وغادر حسن صلاح الدين وحده يتعثر بأذياله، ويفكر بما سمع وما رأى، ويتساءل كيف ~~أن فاطمة هانم قد ماتت ولم تعتن والدته بعائشة، ولم تأخذها إلى منزلها بعد أن ~~عاهدته قبل سفره على ذلك، ولم كان وجه والده عبوسا في الصباح؟ وكيف لم يذكر ~~له حرفا عن خطيبته وهي مع ذلك لا تزال على قيد الحياة كما أكد له حسن، وكان ~~يشتد قلقه واضطرابه كلما فكر في أن مليكة فؤاده هي على بعد بضع خطوات منه في ~~بايكوس، وهو لا يستطيع الطيران إليها مقيد بخدمة الإمبراطورة، ثم قام إلى ~~السراي، فجعل يطوف غرفها ليرى إذا كان لا يزال ms48 والده حميد باشا بين المهنئين، ~~فوجد أنه كان في مقدمة المنصرفين، فانطرح على متكأ وقد علت وجهه أمارات ~~الاضطراب تشاؤما من أمر جلل حدث في أثناء غيابه، وإذ تذكر أن الإمبراطورة ~~مدعوة في المساء إلى العشاء في «طلمه بغجه»، وعليه السير في معيتها قطع كل أمل ~~من الذهاب إلى بايكوس، ومشاهدة مليكة فؤاده. # ثم سمع حفيف ثوب فذعر، وأنصت بسمعه مبهوتا، وإذا به وجد الإمبراطورة أوجيني ~~واقفة أمامه وهي في ثوبها الحريري الباهر، والجواهر تتلألأ عليها كالكواكب، ~~فرأت على وجهه أمارات الاضطراب والاكتئاب، فقالت له باسمة متلطفة: كنت أظن ~~وصولنا إلى البوسفور يملأ قلبك فرحا وسرورا، فإذا بي أراك حزينا ~~آسفا. ~~- مولاتي، ليس السبب إلا عائلي. ~~- ألم يطمئنك والدك هذا الصباح؟ أرى أن والدتك لا تزال على قيد الحياة، وأنك ذائب ~~شوقا إلى مشاهدتها، فبرقت أسرة صلاح الدين لهذا السؤال، وأدركت الإمبراطورة ~~فرحه فقالت له: أعفيك من الخدمة هذا المساء، فإلى غد «مسيو صلاح ~~الدين». ~~- ألف منة وشكر لنعم جلالتك. # فحيته الإمبراطورة بابتسامة، وسارت تتبعها حاشيتها. # فطار صلاح الدين بأقل من طرفة عين إلى الشاطئ، وقفز إلى أحد الزوارق ليس لمشاهدة ~~والدته كما وهمت الإمبراطورية، بل إلى بايكوس لمشاهدة خطيبته ومليكة فؤاده؛ لأن ~~عوامل الغرام أشد فعلا من عوامل الحب البنوي. فلم يصل إلى بايكوس إلا بعد ~~ساعة، وكانت الشمس قد غابت واشتد الظلام، فلم يهتد إلى الطريق وأضاع السبيل؛ ~~لأنه لم يكن يعرف بايكوس إلا مرة جاءها مساء، وكان أحمد دليله فحاول عبثا ~~الوصول إلى بيت عائشة والاهتداء إليه؛ لأنه فضلا عن مضي سنتين على زيارته ~~الأولى كانت حريقة هائلة قد دمرت قسما كبيرا من القرية، فارتعدت فرائصه خوفا ~~من أن تكون النار التهمت بيت حبيبته، وبينما هو يطوف طرقاتها الضيقة، وإذا به ~~عرف البيت في منعطف طريق، ووقف يطرق الباب وهو لا يسمعه إلا دقات قلبه، فجاء ~~شيخ جليل بيده شمعة وفتح له، فقال صلاح الدين: عفوا أيها الشيخ الجليل من ~~إزعاجي إياك، أليس هنا بيت أحمد أفندي؟ ms49 ~~- أيهما تريد؟ أأحمد الشاب الذي تزوج منذ عهد قريب أو أحمد الدرويش؟ ~~- لا هذا ولا ذاك؛ بل أريد أحمد أفندي خادم المرحوم محمد باشا التونسي، أليس هذا ~~«قناق» (منزل) فاطمة هانم؟ ~~- تريد القادين العجوز؟ ~~- نعم. # ألا تدري أنها ماتت منذ شهرين ... ولكن تفضل بك أفندي، واشرب فنجان قهوة. # فدخل صلاح الدين رغبة الوقوف على ما جرى، فعرف للحال أن البيت بيع بعد وفاة فاطمة ~~هانم، وأن عائشة وأحمد هاجرا بايكوس منذ أواخر شهر تموز (يوليو) فشكر صلاح ~~الدين الشيخ على إفادته، وعاد إلى زورقه مسرعا قائلا للنوتيين وقد وجدهما ~~ملتفين بالعبي راقدين: العجل العجل إلى أورطه كي، فنهضا للحال وشرعا بالتجديف، ~~واتكأ صلاح الدين على وسادة، ثم رفع رأسه إلى السماء وقد رصعتها النجوم، فقال ~~في نفسه: يا له من بله لا شك أن عائشة هي عند والدتي، وكان يجب أن أذهب أولا ~~إلى معانقتها، ولكن الحمد لله فهم يعرفون أني مقيد بخدمة الإمبراطورة، وإلا ~~لقلقوا من أجلي كثيرا. # وأخذ يفكر في أحواله مستغرقا، وظن النوتيان أنه قد رقد، فلم ينبسا ببنت شفة حتى ~~وصلا إلى أورطه كي، فنادى به أحدهما: بك أفندي قد وصلنا، فنفحهما صلاح الدين ~~أجرة مضاعفة، وقام إلى بيته مهرولا، وكانت الأزقة خالية والصمت تاما، فلما ~~أطل على البيت وجده مظلما، فقال في نفسه: «وقد رقدت الحبيبة وقطعت الأمل من ~~مجيئي». ثم طرق الباب بمطرقته الحديدية بعنف، فهرول الخدم للقائه، ولما عرفوه ~~أخذوا يهنئونه بسلامة الوصول، فسألهم عن والده فأجابوا أنه في الحرم. فسار إليه ~~وطرق الباب، فسمع صوت جارية تقول: من هذا؟ فقال: أنا صلاح الدين. فعلت صيحة ~~الجواري فرحا وسرورا بقدومه، وقامت والدته للقائه، ولم يكد الباب يفتح له حتى ~~انطرح بين يديها يقبلهما، وهي تضمه إلى صدرها وتقول مكررة: الحمد لله قد شاهدتك ~~سالما معافى بعد غيبة سنتين، ولكني رأيت هذا اليوم أطول من العامين؛ لأنك كنت ~~قريبا مني وبعيدا عني. # وأراد صلاح الدين أن يسألها عن عائشة، وسبب عدم وجودها معها، لكنه ms50 تربص ريثما ~~فرغت من معانقته وتهنئته، ثم سألها: أين عائشة؟ فتصامت والدته أولا عن هذا ~~السؤال، فكرره ثانية، فحدقت إليه بنظرة كئيبة تطير منها صلاح الدين، فصاح ~~مذعورا: أين عائشة يا أماه؟! فكان جوابها أن أجهشت بالبكاء؛ فصرخ صلاح الدين: ~~أماتت، يالله يا للمصاب! وكادت العبرات تخنقه. # فأجابه والده بصوت مهيب، وكان قد وطئ عتبة الباب: لا لم تمت. ~~- إذن تزوجت؟ ~~- لا لم تتزوج. ~~- إذن ماذا أصابها إذا كانت لم تمت ولم تتزوج وهي ليست هنا، أخانت عهدي يا ~~ترى؟ # فأجابت والدته: لو كان الأمر كذلك لما بكت والدتك ابنة خانت عهد ولدها. ~~- فأين هي الآن إذن؟ ~~- هي في السراي. # فعض صلاح الدين على شفته حنقا وغيظا، لكنه تجلد وقال: أتعرفين السبب ~~والتفصيلات؟! ~~- اجلس لأخبرك يا ولداه بما حدث، ثم مسحت دموعها وشرعت تقص عليه ما جرى في ~~غيابه ... # الفصل التاسع # | حمامتان # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فقالت: أي ولدي العزيز؛ عدني ألا تتألم مما ستسمعه، وأن تعتصم بالصبر الجميل، ~~وتستسلم إلى القدر متكلا على الله المتعال ... أنت تعلم أن لا شيء كان أحب لدي ~~من أن تراني اليوم مقدمة لك حبيبتك قائلة: هذه يا صلاح الدين خطيبتك، قد عاشت ~~في حرم والدتك، وبعنايتها ربيت، وهي لا تزال طاهرة نقية كالثلج ... ولكن: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # ذهبت في غد سفرك إلى بايكوس، وبلغت فاطمة وعائشة امتثالك للأمر الشاهاني، وأمر ~~بعثتك إلى باريس ورجوعك قريبا منها ... ولا أخفي عليك أني دهشت لما شاهدت ذلك ~~الجمال البارع الذي ازدانت به عروسك، وزدت بها حبا لما رأيتها تذرف الدموع ~~السخينة عندما بلغها خبر سفرك الفجائي، واشتداد حزنها لغيابك وبعادك ... وكنت ~~أتردد إلى بايكوس المرة بعد المرة لا يصحبني إلا ظئرك (مينور) التي تعرف ~~إخلاصها لنا، وأما صديقك حسن بك الشركسي فكان أولا قليل التردد على بايكوس، ~~ولا أعرف بأية صدفة التقى بعائشة يوما من الأيام في «السلاملك»، أما هي ms51 ~~فاحتجبت بسرعة، ولم يلحظها هو إلا لحظة واحدة كانت كافية لأن تشعل قلبه حبا ~~وهياما بها، فأكثر حيئنذ من ترداده؛ وهذا هو السر عندي في تظاهره بصداقة ~~أحمد، وكان يجيء كل مرة بحجة أنه مرسل من قبل شقيقته السلطانة مهرى للسؤال عن ~~عائشة حاملا لها الأزهار المختلفة والأثمار المتنوعة، ثم حمل إليها مؤخرا بعض ~~الحلي الثمينة، فأدركت فاطمة هانم السبب فرفضتها، وأظهرت له عائشة الجفاء بعد ~~ذلك حتى اضطرته إلى الانقطاع عن الذهاب إلى بايكوس. # وكان المرض قد بدأ ينخر فاطمة هانم يوما بعد يوم، وشعرت هي بدنو أجلها، فكانت ~~تقول لي مرارا: «آه ... لو كان على الأقل صلاح الدين بك هنا!» # ثم جاءني أحمد في صباح شهر أغسطس مذعورا، وقال: اشتد المرض على فاطمة هانم ~~فأرجوك العجل. فهرولت إلى بايكوس مسرعة فوجدتها تحتضر، أما هي فجمعت قواها ~~الخائرة لما أبصرتني، وحاولت أن تسند رأسها وقالت لي: عائشة ... عائشة أرجوك ~~العناية بها ... احرصي عليها من علية سلطانة ... وانطرحت عائشة عليها تبكي ~~وتنتحب، فقبلتها فاطمة قبلة لفظت بها روحها الكريمة. وللحال اجتمعت نساء ~~الجيرة، وبدأن يصحن ويولولن، وعائشة تزيد في البكاء والنحيب، وقلت لظئرك ~~أخيرا أن تضع ملاءة وفراجية على فاطمة لأعود بها في الحال. # وفيما نحن على ما سمعت، وإذا بعربة وقفت أمام الباب، ودخل علينا خصي هائل في ~~الكبر، وشق الجمع بيديه مناديا: سمو السلطانة علية ... فلما سمعت هذا الاسم ~~اضطربت حواسي، وخفت من أمر مفاجئ، واختبأت عائشة ورائي، واختفى أحمد وراء ~~الجميع، فتقدم الخصي وهو علي اللعين إلى فراش الميتة، وقال: فاطمة هانم؛ سمو ~~السلطانة علية شرفتك بزيارتها، فأجابته النسوة: هي ميتة. # فصاحت السلطانة مذعورة: ميتة ...! إلى أين قدتني يا علي؟! تعال نخرج سريعا فقد ~~أخافني هذا الموت. أما الخصي فكان كالغراب الذي لا يلذ له إلا نهش لحوم ~~الأموات، فأخذ يدير ألحاظه بين الحاضرين حتى وقع على أحمد فعرفه، فتقدم إليه ~~غاضبا وأمسكه بعنقه، وتقدم به إلى السلطانة قائلا: هذا هو أحمد الخائن قد شاب ~~شعره منذ ms52 ست عشرة سنة، ولكن لم يزل على خبثه، وأحمد الذي تعرف سكون جأشه في ~~الملمات ضاع هداه في تلك الساعة أمام السلطانة، وموت فاطمة، وذلك المشهد ~~الرهيب، فقالت السلطانة: نعم هو هو بعينه قد عرفته الآن، وهو الذي ساعد سيده ~~على خيانتي، ثم سألته: أين بنت محمد باشا؟ وماذا فعلت بها ...؟ # فأجاب دون أن يرفع رأسه: قد ماتت. # فصاحت السلطانة: كيف ماتت وهي في زهرة شبابها، ومقتبل عمرها، وخطيبة صلاح ~~الدين؟ ~~- نعم ماتت، ولا أعرف كيف. # أما النساء الحاضرات فلم يفهمن شيئا من هذا الحديث، وكان علي يحدق بنظره إلينا ~~ليعرف أين عائشة؛ لأنه لم يرها إلا مرة، وكان نقابها كثيفا، فلم يعرفها، ~~وكدنا نخلص من ذلك المركز الحرج. وقد أملت أن كذبة أحمد تنجينا، ولكن لا ~~نصير إذا لم ينصر القدر. # فإنه لما يئس من الحصول على نتيجة من أحمد تضايقت السلطانة وهمت بالخروج، ولكن لم ~~تصل الباب حتى كان السلطان قد أنفذ رجلا خرب جميع ما بنيناه من الآمال. فصاح ~~الخصي: أهلا وسهلا بحسن بك، تعال وانظر ما حصد الموت. # فانحنى حسن تسليما للسلطانة، ثم قال: نعم، عرفت الساعة بوفاة فاطمة هانم، فهرولت ~~مقدما خدماتي إلى عائشة هانم التي خان خطيبها عهدها. # فصاح صلاح الدين: يا للخيانة! فقالت له والدته: مهلا يا ولداه، اسكت ريثما تعرف ~~النتيجة، فلما رأيت وعائشة حسن بك عرفنا سوء المصير، ونظر إلينا أحمد نظر ~~الأسيف البائس، ووقفت السلطانة تنظر ماذا يكون؟ فقال علي: إذن كذب هذا الخائن ~~بقوله إن عائشة قد ماتت، فأجاب حسن: لا وألف لا، فقد أكد لي بعض الجواسيس أنهم ~~شاهدوها بالأمس في هذا المكان، وهي لا تزال حية ترزق. فتقدم الخصي إلى أحمد ~~ولكمه بجمع يده قائلا: أما ترى كذلك أيها الخائن الماكر؟ فأجاب أحمد: لم أقل ~~إلا الحق ... فأجابه حسن بحنق: كذبت وخسئت أين أخفيت عائشة، قل أين هي الآن وإلا ~~قتلتك في الحال، وألقيتك في السجن حيث تلاقي من أنواع العذاب أشكالا وألوانا، ~~فأجابه أحمد: افعل ما ms53 تشاء، فلا أعرف أين هي. فضحك حسن وقال: إني في غنى عنك، ~~ثم تقدم إلى الباب ونادى امرأة فاقتربت وإذا بها سنية خادمتنا التي طردتها منذ ~~مدة، فقال لها: تعالي وأخبريني من هي مولاتك ومن هي عائشة. فلما سمعت النساء ~~الحاضرات هذا الكلام استولى عليهن الرعب؛ فانذعرن وانفلتن من كل جهة، فحاولت ~~الفرار وأمسكت بذراع عائشة لتتبعني. وإذا بالخادمة تقدمت إلينا وقالت مشيرة ~~إلي هذه نعمت هانم وهذه عائشة وراءها. وللحال تقدم حسن إلى الباب ومنعنا من ~~الخروج، فصعد الدم إلى رأسي، وكدت أتميز من الغيظ، فصحت بصديقك: ابتعد يا خائن، ~~بأي حق تمنعني عن الخروج؟ فأجاب متظاهرا بالاحتشام: لا أريد هانم أفندي منعك ~~بل منع الهانم التي معك. # فقلت: هذه ابنتي وخطيبة ابني صلاح الدين بك وهي في حماي. # والويل لمن يمسها، فأجابني الخصي: سهي عن بالك هانم أفندي أن سمو السلطانة مشرفة ~~هذا المكان، وأن عائشة هي ابنة إحدى جواريها ومن صلب زوجها محمد باشا، فهي إذن ~~تخصها. فقلت: ولكن ستصير زوجة لابني، فقاطعني حسن الكلام ساخرا ستصير ولكن لم ~~تصر بعد، فمتى عاد صلاح الدين بالسلامة يمكنك طلبها من سموها إذا سمحت ~~بها. # فقالت عائشة حيئنذ: لا أريد الذهاب مع هذه السلطانة، فقد خضبت يديها بدم ~~والدتي. # فأجابها الخصي: هي جنت على نفسها بخيانتها، فصحت حينئذ: سيجزيكم الله على ~~أعمالكم، وشعرت من نفسي بقوة للنضال، ولكن أنى لنا ذلك ونحن امرأتان مع عجوز ~~ضد رجلين، وقد تجمع خدم السلطانة فملئوا البيت لما سمعوا صياحنا، فالتفتت ~~السلطانة إلي وقالت: تهديدك لا يفيدك، ثم أدارت وجهها إلى الخدم وقالت: احملوا ~~هذه الابنة، فهجموا علينا كالذئاب الخاطفة، وحاول أحمد إنقاذنا، فأمسكوه ~~وقيدوه، ونزعوا من بين يدي عائشة قهرا وجبرا، وأنا أصيح ولا معين، وأستغيث ~~ولا مجير، أخيرا خانتني قواي فأغمي علي، ولم أعد أعي ما حدث، ولكن لما أفقت ~~وصحوت من إغمائي وجدت نفسي وحيدة مع الميتة؛ فاستولى علي الرعب وقمت في الحال ~~مهرولة إلى الطريق مسرعة إلى الشاطئ، وركبت، ms54 كذات جنة، زورقا حتى وصلت ~~إلى أورطه كي، وتولاني الحزن والكآبة، وذهب أبوك في الغد إلى السراي يريد ~~الاستئذان بالدخول على السلطان، فلم يؤذن له وأشار عليه أصدقاؤه أن يترك ~~المسألة ريثما تعود من غيبتك، وزد على ذلك أن لا أحد يتجاسر الآن أن يشكو من ~~حسن بك وهو نديم السلطان وشقيق السلطانة مهرى التي امتلكت قلبه، واستولت على ~~لبه، وهي الآمرة المطاعة. أما عائشة فقد تمكنت مع ذلك من الكتابة إلي وهي التي ~~أخبرتني بأن أحمد مسجون في أيك سراي جزاء أمانته لمولاته، والذي أعرفه وأنا ~~واثقة منه أن عائشة لا تزال على حبك وعهدك، وبانتظار رجوعك ... ولكن فهمت أيضا ~~أن حسنا سيقترن بها عن قريب جزاء خيانته ... هذا ما جرى في أثناء غيابك يا ~~ولداه، وهذا هو السبب الذي من أجله لم تر عائشة هذا المساء في هذا ~~المكان. # فالتفت حميد باشا والده، وقال له: وماذا تقول في هذا كله؟ وماذا يحدث من جراء ~~ذلك؟ # فأجاب صلاح: أقول إن قطرة واحدة تكفي أحيانا لأن يفيض الكأس، وأن عدالة الشعب يد ~~قوية كافية لسحق الملوك وكئوس مسراتهم وبطرهم ... # هي الدنيا تقول بملء فيها # حذار حذار من بطشي وفتكي # فلا يغرركم مني ابتسام # فقولي مضحك والفعل مبكي # الفصل العاشر # | سراي جراغان # إذا أراد القارئ الكريم معرفة قدر هذا القصر العظيم وفخامته فليتمثل قصرا باذخا ~~عربي الهندسة، مشيدا على ضفة البوسفور، قائما على ألوف من الأعمدة الرخامية، ~~منقوشا أظرف نقش، وحسبك أن قد بلغت نفقة بنائه مائة وخمسين مليونا، وقد اعتنى ~~بفروشة وتزيينه أبرع مهندسي أوروبا وفراشيها. # ومنذ تولت السلطانة مهرى على فؤاد السلطان عبد العزيز زادت مصاريف الدولة وتجاوزت ~~ميزانيتها الحد، وحاول عبثا كل من فؤاد وعالي ومدحت إقناع السلطان بالعدول ~~عن ذلك البذخ المفرط والإسراف الزائد، والالتفات إلى حاجات الدولة، ومعدات ~~الجند، وأهبة الحرب، فكانوا كمن ينفخ في رماد أو يصرخ في بطن واد، فإن أقل ~~لفظة من إحدى محظيات السلطان كانت كافية لإنفاق القناطير المقنطرة من الأموال. ~~ورغبت ms55 مهرى في تشييد قصر جديد يزري في بهائه وفخامته بسراي جراغان، وقد أرادت ~~بذلك أن تبرهن أن السلطانة الجديدة لا تقل قيمة عن السلطانات اللائي تقدمنها، ~~وأنها هي الآمرة المطاعة، وسعت والدة السلطان، فنجحت بإبعاد من عرف بانتمائه ~~إلى حزب المصلحين والأحرار، وأبدلتهم برجال الحزب القديم المشهور بتعصبه وجهله، ~~وهكذا أقصي من الوظائف جميع من كان من حزب تركيا الفتاة، وكان واضعا جل آماله ~~في الوزراء الثلاثة المذكورين، ولكن المنية داهمت لسوء بختهم فؤادا وعاليا، ~~فخسروا وخسرت الدولة بهم أعظم وزرائها وأقوى مساعديها. # ولما زارت الإمبراطورة أوجيني حرم السلطان في جراغان ارتدت مهرى ثوبا مزركشا ~~باللآلئ والجواهر ما تبلغ قيمته ستة ملايين حتى كانت تبهر الأنظار، وكانت ~~نساؤها وجواريها كذلك تتلألأ بالحجارة الكريمة، كأن اللباس الظاهر يغشي ما هن ~~عليه من العبودية، مع أنك لو سألت أية امرأة أوروبية لفضلت الحرية على جميع ~~زخرف الشرق وبهائه، كأن الشاعر الهونكاري عبر عنهن بقوله: شيئان في هذه الأرض ~~يحبباني بالحياة: الحرية والحب، أفدي حبي بحياتي، ولكن أضحيه من أجل حريتي. ~~(وهذا هو الأصل الفرنسي): # Deux choses lei-has me font aimer le ~~jour: # La liberté, l’amour Pour l’amour je donnerai ma ~~vie, # Mais pour la liberté je donnerai ~~l’amour. # وقد ترجمها أحد الشعراء العصريين؛ صديقنا الدكتور جورج أفندي صوايا، فأجاد حيث ~~قال: # شيئان في الدنيا هما قد حببا # لي ذي الحياة: الحب والحرية # أفدي حياتي دون حبي إنما # حبي فدى حريتي الشخصية # وجاءت الإمبراطورة أوجيني أولا إلى سراي طلمه بغجه لزيارة والدة السلطان ~~والسلطانة الأولى قرينته والدة نجله الأكبر يوسف عز الدين أفندي، ومن ثم سارت ~~إلى جراغان لزيارة السلطانة مهرى التي كانت نائلة حظوة السلطان، فجاءت بقية ~~السلطانات بنات عبد المجيد وغيرهن من العائلة السلطانية يستقبلن الإمبراطورة ~~عندها وبمعيتها تزلفا إليها واكتسابا لرضاها، وجاءت السلطانة علية وبمعيتها ~~سراريها وبينهن عائشة هانم التي لما أبصرتها مهرى تقدمت إليها وأخذت تقبلها ~~ناسية مقامها، وسألتها كيف عادت، فوقعت في يد حماتها، أما عائشة فلم ترد ms56 ~~جوابا، وقد دهشت لما شاهدت صديقتها القديمة فيما هي عليه من العز والفخر، ~~وفكرت بحالها وكيف مضى عليها سنتان تقاسي ألم فراق حبيبها تحت سلطة امرأة قاسية ~~غليظة الفؤاد، وكيف ساعد الحظ صديقتها فصارت سلطانة، ونالت أكثر مما تمنت من ~~الحب والعز والعلى والفخار، وكيف تقلب الدهر فصير الأمة سلطانة والحرة ~~أمة. # وأخذت السلطانة مهرى يد صديقتها وقادتها إلى غرفة مجاورة تستطلعها خبرها وما حدث ~~لها، فأخذت تقص عائشة على مسامعها ما جرى لها منذ نالت هي حظوة السلطان ... إلى ~~آخر ما كان من شقيقها حسن بك. فقالت مهرى: ولكن هذا السلوك عجيب من مثل حسن بك، ~~وقد بدأت أفهم الآن سبب صمته أخيرا لما كنت أسأله عنك وعن أحوالك ... أواه من ~~الحب ... كيف يدفع الإنسان إلى ارتكاب المنكرات، ولكن سامحيه يا عزيزة، فهو لا شك ~~يحبك كثيرا. ~~- ولكنني أقسمت يا ذات الجلالة ألا أكون عروسا إلا لصلاح الدين. ~~- إذن لا تزالين على حبك. ~~- كحبك لجلالة السلطان. ~~- ثقي بأنني كنت جاهلة كل ما أتيته، وإلا لما تأخرت البتة سعيا وراء إنقاذك ... ~~ألم أنجيك قبل اليوم من علي (الخصي) ... ولكن لم لم تطلبي مقابلتي؟ ~~- ليس الدنو منك من الهنات الهينات، فالصعوبات والموانع أكثر مما تظنين، وزيدي ~~على ذلك العزة والأبهة، فكيف يتسنى لجارية أسيرة مثلي الدنو إليك والاقتراب ~~منك، ولولا هذه الصدفة الخارقة العادة كزيارة سلطانة الفرنسيس لما أسعدني الحظ ~~بالتشرف برؤيتك. ~~- ولكن صلاح الدين قد عاد الآن، وسيفرغ جهده، ولا شك في استمالة رضى السلطانة ... ~~فخفضي عنك يا عزيزة، وثقي أن لك بي صديقة مخلصة، وأنا التي قلت لنعمت هانم إن ~~من الصعب إزواجك من صلاح الدين يومئذ؛ حيث كان يعرضكم جميعا لانتقام السلطانة ~~علية؛ فضلا عن أن الخصي كان يتجسس والدة خطيبك، وهي ولا شك كانت السبب في ~~شقائك على الرغم منها. ~~- لا مولاتي وألف لا ... حب نعمت هانم لا يقل عن حبها لابنها ووحيدها، وقد أرادت أن ~~تفديني بروحها لو تمكنت من إنقاذي من يد الظلمة الطغاة ... ثم ms57 استدركت قولها ~~فقالت من أيدي خدمة السلطانة ... ~~- ولكن الحمد لله قد تيسرت لي رؤيتك في هذا النهار. ~~- مولاتي أقبل قدميك، وأرجوك أن تحنني قلب السلطانة علي ... أنقذيني من عذابي لا ~~تدعيهم يقسروني على الزواج من حسن بك ... أنقذيني أنقذك الله من كل ضير. # وترامت عائشة على قدمي مهرى تقبلهما، فتأثرت الشركسية لما رأت صديقتها القديمة ~~منطرحة بين قدميها، فأنهضتها وطيبت خاطرها، ووعدتها بالمساعدة، فاطمأن فؤادها ~~قليلا. # وفي الساعة السادسة مساء أقبل الزورق الخاص يتلألأ مقلا الإمبراطورة، فلما وصل ~~إلى سلم سراي جراغان امتلأت النوافذ من السراري يشاهدن تلك الزائرة العظيمة ~~الغريبة، وهكذا تسنى لعائشة أن تشاهد من وراء ستار شفاف حبيبها صلاح الدين ~~الذي كان بمعية الإمبراطورة، وكان مرتديا ثيابه الرسمية المذهبة يقدم برشاقة ~~باريسية ذراعه للسيدات اللائي كن بمعية الإمبراطورة؛ فلم تمتلك نفسها من البكاء ~~لما شاهدت مليك فؤادها على بضعة خطوات منها، وهو لا يمكنه مشاهدتها والدنو ~~منها، بين أن النساء الأوروبيات يكلمنه بحرية ويصافحنه، فتنهدت من قلب قرحه ~~الهوى، وقالت: «آه، يا ليتني كنت أوروبية.» # وكان السلطان قد أعد للإمبراطورة مائدتين؛ الأولى: أوروبية محضة صحفها من معمل ~~«سفر» الشهير، ومناشفها من معمل «أساكس»، وكئوسها البلورية من «بوهيميا»، ~~والطعام على اختلاف الألوان والأشكال من الطبخ الإفرنسي، وكانت المائدة الأخرى ~~شرقية محضة مؤلفة من أطباق كبيرة فضية منقوشة أبدع نقش موضوعة على «إسكملات» ~~مرصعة بعرق اللؤلؤ، والخوان من الحرير المقصب، والصحف من ذهب خالص، وحول ~~الأطباق مساند مخملية مطرزة بالقصب، فتقدمت السلطانة مهرى وخيرت الإمبراطورة ~~بين المائدتين، فاختارت الشرقية تلطفا منها ورغبة في معرفة الغريب، وجلست ~~وحاشيتها من حولها وراء الأطباق على الأرض، وجلست السلطانات حول المائدة ~~الأوروبية على الكراسي، وقد سررن جميعهن مما أكلن وشربن. # ثم قامت الإمبراطورة إلى قاعة كبرى تدخن التبغ التركي المعطر، وتشاهد الرقص ~~الشرقي وتسمع الغناء التركي، وكانت البرنسس نازلي هانم كريمة المرحوم البرنس ~~مصطفى فاضل باشا مؤسس حزب تركيا الفتاة ترجمانها، وهي تحسن التكلم بأكثر اللغات ~~الأوروبية. # وفي الساعة العاشرة دخل السلطان الحرم، ms58 فهرعت السلطانات لتقبيل ثوبه، وكان في ذلك ~~المساء بشوشا طربا، وزاده سرورا إطناب الإمبراطورة بكرمه وفخامة قصره، ~~وخصوصا بجمال نسائه، وحسن ضيافته، وأكثرت من مديح جمال السلطانة مهرى، فأراد ~~السلطان أن يري الإمبراطورة أن مهرى لم تتميز بجمالها فقط، بل إن الغناء من ~~جملة محاسنها، ومن ثم التفت إلى مهرى وطلب إليها أن تنشد فامتثلت للحال، ولكن ~~خانها صوتها لسوء حظها في ذلك الوقت فلم تحسن الغناء، ولربما كان ذلك من تأثرها ~~أو لسبب آخر فلم يسر السلطان منها ، وشعرت هي باستيائه منها، ورغبت في التعويض ~~فاستدعت صديقتها عائشة، وكان صوتها مطربا للغاية، وطلبت إليها أن تنشد نشيدا ~~عربيا، وأتتها باثنتي عشرة راقصة مصرية، فطربت الإمبراطورة من اللحن العربي، ~~وسرت من رشاقة الرقص، وعاد السلطان إلى بشاشته. # ثم أديرت القهوة والأشربة، وقدر لعائشة إذ ذاك أن تقدم إلى السلطان فنجانه، فحملت ~~إليه الطبق الذهبي، وجثت أمامه على قدم واحد، وأمعن السلطان فيها النظر فإذا هي ~~بارعة الجمال، فأخذ الفنجان يشربه على مهل، وهو يقلب فكره قائلا إني شاهدت هذا ~~الوجه الفتان، ولكن قد غاب عني الزمان والمكان، ولاحظت مهرى والسلطانة علية ~~افتتانه بجمال عائشة وانجذابه لها، فذابت مهرى حسدا وغيرة، وطارت السلطانة ~~علية فرحا وسرورا، ثم أعاد السلطان الفنجان وشكرها خلافا لعادته؛ وللحال ~~عزمت مهرى أن تزوج عائشة من صلاح الدين، وتقصيها مع زوجها إلى إحدى الولايات؛ ~~لتبقى بعيدة عن أعين السلطان. وقالت السلطانة علية: الحمد لله قد اجتذبت ~~السلطان، فتلك خير وسيلة للانتقام، والحصول على الرضى والإنعام، واستطالت مهرى ~~تلك الحفلة ولا سيما لما رأت أن السلطان يكثر من الالتفات نحو عائشة، فلما ~~انتصف الليل قامت الإمبراطورة تريد الانصراف، فشيعها السلطان حتى زورقها، ومن ~~ثم ركب هو زورقه قاصدا طلمه بغجه من غير أن يرى السلطانة مهرى ... # فقلقت مهرى، وقالت على مسمع من السلطانة علية: نحن بالاسم سلطانات وبالفعل إماء ~~ترفعنا لحظة وتسقطنا لفتة، فطوبى للسلطانات الأوروبيات إذا لبسن التاج مرة أمن ~~عليه من السقوط، فأجابتها: لا، لا نزال ms59 نحن أسعد منهن حالا. نعم إن سعادتنا ~~تتوقف على رضى رجل واحد لا يتبع إلا هواه، ولكن الأوروبيات يتعلقن برضى الشعب ~~كله، فلم تفهم مهرى ماذا تريد بقولها. ولم يؤثر هذا الكلام بها، ولما انصرف ~~الجميع كتبت إلى شقيقها حسن ما يأتي: # يا حسن يجب أن تحب شقيقتك، وتضع ~~سعادتها فوق هواك، وأقول لك ذلك لأنك بصنيعك ستجلب ويلا ~~عظيما ... أي سقوط مهرى العزيزة لديك، فإن السلطان قد أكثر من ~~الالتفات إلى عائشة، وعليه فلا يصح أن يراها بعد الآن ... أفهمت ~~صريحا؟ أريد أن تقترن عائشة في الحال من صلاح الدين، وغدا ~~يتعين هو متصرفا في أحد الأقضية البعيدة، ويؤمر بالسفر العاجل ~~إلى مأموريته. هذه هي إرادتي وأمر ~~شقيقتك. # السلطانة ~~مهرى # ولما وصل السلطان إلى سراي طلمه بغجه استدعى خصيه الخاص، وقال له: التقيت هذه ~~الليلة بفتاة فتانة، وهي التي شاهدتها في طريق بيكلربك مرة أتتذكر ذلك؟ فكيف هي ~~في السراي إذا كانت مخطوبة؟ ~~- نعم، أذكر هذا، وهي من أسرار علي خصي عمة جلالتك السلطانة علية. ~~- وهل هي تخصها؟ ~~- نعم. # وإذا برئيس الخصيان دخل ينتظر أمر السلطان، فأجابه لا أريد أحدا هذا المساء ... ثم ~~قام إلى نافذة، وجلس يفكر في أمره ... # الفصل الحادي عشر # | عرس صلاح الدين # وكانت الأعياد والولائم تتوالى احتفالا بالإمبراطورة أوجيني، وصلاح الدين ~~مضطرا لحضورها مقيدا بخدمة الإمبراطورة؛ الوجه منه باسم والقلب كسير. # وفي 13 أكتوبر غادرت الإمبراطورة الأستانة شاخصة بالعز والإقبال إلى مصر لحضور ~~افتتاح برزخ السويس؛ حيث كان إسماعيل باشا خديوي مصر معدا لها ما أدهش العالم ~~بأسره، فطلب صلاح الدين رخصة شهر، فنالها وحاز في أي عمل يقضيه، ورام أولا ~~الانتقام من صديقه حسن بك الذي خان عهده، ونكث وده، وأعاد مليكة فؤاده إلى ~~حماتها، لكنه رأى هذا عمل رعونة وجهل يجلب عليه وعلى والده الشيخ وآله أجمعين ~~الويل والخراب؛ ومن ثم حرمانه الدائم من خطيبته، فرأى أن انتظاره خير وأبقى ~~قائلا رب صدفة خير من ميعاد، ولم يعرف أن شرا أشد هولا كان ms60 حائما فوق ~~رأس حبيبته. # وكانت عائشة هانم قد هرعت، فبشرت نعمت هانم بما توقع لها، وبحديثها مع السلطانة ~~مهرى، ووعدها باقترانها بابنها، أما صلاح الدين فلم يصدق شيئا من ذلك الفعل، ~~قال: هذا كذب وخداع من الشركسية، فأي خير ترجوه من إغاظة شقيقها حسن ~~بك؟! # ثم إن عائشة أنفذت في 6 أكتوبر رسولا مخصوصا إلى نعمت هانم تخبرها بأن السلطانة ~~علية قد وهبتها إلى السلطانة مهرى إجابة لطلبها، وأنها ستنتقل إلى سراي ~~جراغان. فقال صلاح الدين: ومن يعلم ما طبخته لنا هذه الشركسية، وإذا كانت لا ~~تريد التعجيل بإزواجها من حسن بك. فقالت له والدته معترضة، ولكنها لم تصرح لها ~~بألا ترضى بسواك بعلا، فلا يجب يا بني إساءة الظن إلى هذا الحد واليأس من رحمة ~~الله، ألا يكفي عائشة أنها تخلصت من نير تلك المرأة القاسية الغليظة القلب، ~~وأصبحت سعيدة آمنة عند مولاة لها تحبها، وقد كانت صديقتها؛ فيجب ألا تكفر ~~بالنعمة فإن الكفر يدعو إلى زوالها، فاقتنع صلاح الدين بكلام والدته، وسر ~~كثيرا لما عرف أن السلطان قد أنفذ حسن بك إلى كريت بمهمة يقضيها، ويضطر بها ~~إلى الإقامة في تلك الجزيرة ستة أشهر، وطار فرحا لما وصل إلى والدته في 10 ~~أكتوبر الكتاب الآتي: # هانم أفندي ~~المحترمة # أنا ~~الآن بمعية السلطانة مهرى تعاملني كصديقة لا كجارية، وقد سافر ~~حسن بك إلى كريت متغيبا بمهمة إلى مدة، وقد وعدتني جلالتها ~~بالاقتران من ابنك المحبوب بعد برهة يسيرة، ريثما تتغلب على ~~جميع الموانع؛ إذ لا يزال يظهر عوائق كما لا يخفاك، وقد أرتني ~~جلالتها أن أدعوك للمجيء إلى جراغان لمشاهدتك وتقبيل ~~يدك. # عائشة # ولنترك الآن صلاح الدين يبني قصور آماله، ولنعد إلى حديث جرى بين خصيين: الأول: ~~خاص بالسلطان عبد العزيز، والثاني: بالسلطانة علية، وكانا يتنزهان صباح يوم في ~~ظل أشجار البستان، فقال الخصي علي سائلا زميله: وهكذا قد حجزت كتاب السلطانة ~~مهرى إلى شقيقتها، وتظن أنك قد أحسنت سياسة. ~~- لا شك عندي بذلك؛ إذ لو كان يجب إطاعة ms61 هوى كل جارية تصير سلطانة أو غيرتها ~~لتعذرت علينا المعيشة في هذا المكان. ~~- أما سمو السلطانة علية فقد سرت كثيرا من هدية جلالة السلطانة مهرى، وأدركت ~~السبب، وهو أن تتنازل لها عن جاريتها عائشة. ~~- نعم، ولكن يدهشني في هذه المسألة طلب السلطانة مهرى أخذ عائشة إلى جراغان مع ~~معرفتها بإعجاب السلطان بها. ~~- إذا كنت كتوما للأسرار بحت لك بأمر هام، وهو أنه يجب عليك مراقبة السلطانة ~~مهرى، فقد سمعتها تتحدث همسا مع مولاتي السلطانة علية، وكنت مختفيا وراء ستار ~~الباب، فسمعت مهرى تقول: وهل أنت واثقة من أن هذا السم يشوه الوجه بدون أن ~~يفتك بالحياة؟ فأجابتها: أنا واثقة من الأول، ولكن لا أكفل الحياة، فقالت لها ~~حينئذ السلطانة مهرى: لا بأس هذا يكفيني، وإذا بعائشة دخلت فانقطع الحديث. فقال ~~الخصي: أشكرك جدا لهذا الخبر، ولكني لا أصدق أن السلطانة مهرى تريد الموت ~~لصديقتها. ~~- ولكن قد أصبحت الآن خصيمتها. ~~- أنت تسيء الظن كثيرا بالنساء. ~~- لأني قضيت حياتي معهن. ~~- عيشة رغيدة. ~~- وقد رأيت أعمالهن وحيلهن بعيني. ~~- ولكن يتراءى لي أنك كنت تكره عائشة قديما، والآن تريد مني حمايتها من غدر ~~السلطانة. ~~- أنا لست بكاره ولا بمحب لها، بل ككلب الصياد عليه متابعة طريدته، فلما كانت ~~مولاتي مطاردة لها أفرغت جهدي حتى وجدتها. ~~- أصبت، هكذا يجب أن يكون الخادم الأمين، وافترق الخصيان عند هذا الكلام. ~~••• # وجاءت نعمت هانم إلى جراغان، فقابلتها عائشة مترحبة، ولكن وجهها كان قد تورم، ~~فشوه جمالها، فضمتها نعمت هانم إلى صدرها وعانقتها طويلا، ثم جاءت السلطانة ~~مهرى متلطفة، وقالت لها: يجب أن تستعدي لعرس صلاح الدين، فقد زالت كل ~~الموانع ... # ولكن لم يمض الأسبوع الأول حتى عيل صبر صلاح الدين، وأخذ يلح على والدته بالزواج ~~والعود إلى السراي لاستصحاب حبيبته. فسارت ووجدتها لسوء حظها بأسوأ حال لما ~~تقاسي من ألم عينيها، وقد تنفخت وملئ وجهها ورما، وكانت عائشة حزينة حتى الموت ~~من جراء ما أصاب وجهها من التشويه، ولم ترغب في مشاهدة حبيبها على تلك الحالة، ~~ولكن طمأنتها ms62 نعمت هانم كثيرا، وأقنعتها بأن تلك بثور الصبا فلا تلبث حتى تزول ~~تماما. فقالت عائشة: ولكن لا أريد أن يشاهدني صلاح الدين على هذه الحالة خشية ~~أن يصيبه ما أصاب السلطان. فقالت نعمت هانم: وما أصابه؟ قالت: تنازل جلالته ~~فدعاني لخدمته ذات يوم، فلما شاهدني أدار وجهه عني اشمئزازا، ولا تسألي عما ~~أصابني من الغم والخجل؛ وضحكت السلطانة مهرى من ذلك، ولكن لو كان صلاح الدين ~~عوضا عن السلطان لمت في الحال حزنا وغما. فأخذت نعمت هانم تطيب خاطرها، ~~وتخفف عنها استياءها ، وقالت: إننا ننتظر إبلالك وشفاءك حتى يعود جمالك، وهو ~~عائد قريبا إن شاء الله. # ومنذ أظهر السلطان اشمئزازه من عائشة أخذت مهرى تضاعف اعتناءها بها، وسعت بتعيين ~~صلاح الدين متصرفا، فسمي على سالونيك وأعطى ألف جنيه مهرا لامرأته. # ولم ينتشر هذا الخبر بين أصحاب صلاح الدين ومعارفه حتى جاءوا يهنئونه من كل صوب ~~على تلك الحظوة؛ لأن التزوج من إحدى سراري السراي يعد التفاتا عاليا كما لا ~~يخفى، ولكن المرض كان يزداد على عائشة، وهي تزداد رفضا للزواج. أما صلاح الدين ~~فقد ذابت الروح منه اشتياقا، ونفدت جعبة صبره من الانتظار، وظن أن تمنع ~~عائشة هو غنج ودلال على حد قول الشاعر: «عرف الحبيب مقامه فتدللا.» فأنفذ ~~والدته تطلب عائشة لاصطحابها معها إلى حرمها تتمرض فيها ريثما تنال الشفاء ~~التام، فسارت إلى السراي، وتمكنت من إقناع عائشة بأن مناخ مدينة سالونيك يعجل ~~شفاءها، فرضيت وقد اشترطت ألا يشاهدها صلاح الدين إلا بعد شفائها. # وأذنت السلطانة مهرى بذلك فشكرتها عائشة كثيرا، ودعت لها طويلا قائلة: جازاك ~~الله عني جزاء عملك معي ... وأفضالك علي ... فارتعشت مهرى من هذا الدعاء ... وخافت ~~سوء العاقبة وإجابة الطلب. # وسر صلاح الدين من وجود حبيبته تحت سقف بيته، وإنما ساءه تحجبها الشديد عنه طول ~~مدة إقامتها، فدخل ذات يوم على والدته غاضبا، وألقى طربوشه على الديوان، وقال: ~~أأنت مؤكدة يا أماه من أن عائشة تحبني بعد الآن؟ ~~- ما هذا السؤال يا صلاح الدين، وهل أنت ms63 في ريبة من ذلك؟ ~~- نعم فقد بدأت أشك بحبها؛ إذ ما معنى ذلك التأجيل، فإن العرس كان منتهى آمالها، ~~وقد حالت دونه الموانع الكثيرة، فماذا تريد من هذا الانتظار الآن سوى رجوع حسن ~~بك حتى نعود إلى ما كنا عليه، ناهيك عن أني لا يسعني بعد احتمال هذه المعيشة، ~~أأراها تحت سقف بيتي، وأسمع كل يوم صوتها، ولا أقدر أن أمتع نظري بمحياها؟ لقد ~~عيل صبري! فبلغيها أنه لا يبعد إذا كلمتني مرة من وراء الباب كعادتها أن أحطمه، ~~وأدخل عليها ناسيا حقوق الضيافة وقداسة الشرائع والعوائد. ~~- ولكن قد تغيرت المسكينة كثيرا. ~~- وماذا يهمني؟ ذلك نفاط يزول قريبا كما أكد لي جميع الأطباء، وهل يجوز تأجيل ~~هذا العرس من أجل غنج فتاة معجبة بجمالها؟ فإني أحبها وتحبني، وكفى تأجيل، ~~فأكدي لها ذلك، وأقنعيها أن هذا الامتناع من قلبها يخفف حبي لها، وأني لست ~~بغر لأعلق كبير أهمية على مثل تلك المسائل التافهة. # ونقلت نعمت هانم حديث ابنها إلى عائشة، فخافت من وعيد حبيبها وهجرها، فرضيت بما ~~طلب، وبمباشرة احتفال العرس، وطار قلب صلاح الدين فرحا، ونسي السياسة والأحزاب ~~والإصلاح، وغفر ما كان للسلطان من الذنوب والمعائب، ولا غرابة فعين الرضى عن كل ~~عيب كليلة. # وضربوا موعدا للاحتفال بمراسم العرس 15 ديسمبر، فاكتظ البيت بالمهنئين ~~والمهنئات، وكان حميد باشا الذي رافق ابنه إلى سالونيك يستقبل في السلاملك وفود ~~المهنئين، ونعمت هانم تستقبل النساء اللائي كن يساعدنها على تزيين عائشة ~~المسكينة فألبستها ثوبا حريريا ناصع البياض مطرزا بالقصب، وأسبلن قناعا ~~طويلا على وجهها، وأديرت المرطبات والحلويات، وتمت جميع الطقوس والعوائد ~~الجارية في تلك البلاد. ولما كانت العادة كما لا يخفى أن يدخل العريس ويقود ~~عروسه إلى الغرفة المعدة لهما، دعي صلاح من السلاملك للدخول إلى الحرم، فقام ~~وقلبه مفعم فرحا، ولما قدم إليها يده قال لها همسا: الحمد لله أنت لي منذ ~~الآن؟ فقالت له عائشة بصوت مرتجف: وهل تبقى على حبك؟ فأجابها: إلى آخر نسمة من ~~حياتي. فقالت: إذن وقد أمر ms64 الله تعالى بذلك فاكشف قناعي. فمد صلاح الدين يده ~~بلهفة، ورفع القناع وهم بتقبيلها، فلما شاهد وجه حبيبته على تلك الحالة من ~~التشويه نفر منها وصاح مذعورا وقد غطى وجهه بكلتا يديه أهكذا أعطيت لي؟ فكاد ~~الغم يخنق عائشة فتقدمت إلى حبيبها، وقالت له: ألا تريد أن تقبل عائشة ~~المسكينة؟ فرفع صلاح الدين وجهه يريد تقبيلها، ولكن لما شاهد البثور والندوب في ~~وجهها لم يقدر أن يملك نفسه من التردد والاشمئزاز، وخاف أن يسوءها، فأراد إصلاح ~~خطأه، ولكن هيهات، فإن عائشة لما رأت ذلك النفور من حبيبها ركضت إلى النافذة، ~~وألقت بنفسها إلى البحر قائلة: لا أكون لك عروسا بلا حب، وهب صلاح الدين يريد ~~مسكها ومنعها، فلم يتمكن إلا من مشاهدة جثة حبيبته تخبط في اليم. # فصاح صيحة تراكضت لها النساء، فوجدنه يحاول إلقاء نفسه في البحر، فأمسكنه وتعلقن ~~به، وهو يحاول التملص من أيديهن جاحظ العينين ضائع الهدى، والنساء يصرخن ~~ويستغثن، وإذ بيد من حديد قبضت على صلاح الدين وصوت يقول له: هذه ساعة الرجولة ~~فإن عائشة كانت مائتة لا محالة، إن غبار الماس سم الأستانة هو سبب هلاكها، فيجب ~~أن تعيش لتأخذ بثأرها، وهذا رجاء والدتك إليك ودعاء عائشة أيضا. كان ذلك الصوت ~~صوت والدته، فانتبه صلاح الدين لهذا الكلام كمن أفيق من سبات عميق، وقال: حقا ~~نطقت ... وصدقا قلت. # الفصل الثاني عشر # | تعيين محمود باشا خلفا لعالي باشا # من أصعب الأمور على رجل عادي أن يخلف رجلا عظيما اشتهر بسمو الأفكار، وتوقد ~~الذهن، والدهاء السياسي في منصبه، وهكذا صعب على محمود باشا الذي ولاه السلطان ~~عبد العزيز الصدارة العظمى خلفا لذلك الوزير الخطير الذي هيهات أن يأتي الزمان ~~بمثله في تركيا. وقد تبوأ محمود باشا منصة ذلك المنصب الرفيع، ولم ينظر إلى ~~عواقبه ونتائجه؛ لأن فخامته كان من مذهب القائلين: «ومن بعدي الطوفان» لا هم له ~~إلا ملء كيسه وزيادة ثروته، ومن ثم اكتساب ثقة السلطان ورضى حاشيته، ولم يكن ~~يقدر لغيرهم قدرا، بل لم يكن ms65 يهمه أحد ما دام السلطان الآمر المستبد. وكان حزب ~~تركيا الفتاة يحرق الإرم لدى كل مظلمة، وعند كل قرض، وعلى الأخص لما شرع الصدر ~~باضطهاد رجاله، فنفى منهم كثيرا وعزل جميع المأمورين الذين اتهموا بالانتماء ~~إلى الحرية والإصلاح، وبدأت زوبعة تلك الثورة بإلغاء الجرائد وتقييد الأقلام ~~والضغط على الأفكار، وكان الكدر يتعاظم ويشتد، ولكنه كان كالنار كامنا تحت ~~الرماد. # هكذا كانت حالة تركيا في أواخر عهد السلطان عبد العزيز في صدارة محمود باشا، وكان ~~سفير روسيا شديد التمسك به رغما عن مقاومة الوزراء له، فتمكن بدهائه من إقناع ~~السلطان بأنه الوزير الوحيد في تركيا الذي يوافق بقاؤه حرصا على تركيا وحفظا ~~لصوالحها. وكانت روسيا مشاهدة بأن كل سنة من صدارة محمود باشا تنقص خمسين ~~عاما من عمر تلك الدولة التي طالما تمنت وحاولت ابتلاعها. وبعد أن كانت ~~أحوال الدولة قد تحسنت في بداءة عهد السلطان عادت فسقطت، وانحط اسمها ومقامها ~~في أوروبا، واضطرمت نيران الثورة في أنحائها، ولم يكن الصدر الأعظم المذكور ~~معتمدا على سفير روسيا في الأستانة فقط، بل على الحرم السلطاني أيضا؛ لأنه ~~كان متزوجا من شقيقة السلطان عبد العزيز نفسه، وكانت كلما مرت الأيام تزداد ~~الأحوال سوءا، فصارت تركيا على شفيرها والسلطان محتجب لا يخرج من سرايه إلا كل ~~جمعة للصلاة في جامع طلمه بغجه المحاذي لقصره، ويخرج في المساء فيختبئ في إحدى ~~مقصورات بستانه يقتل الوقت، ويزيل السآمة بشرب العرق ومسامرة الندماء. # ففي مساء يوم الجمعة (26 أبريل 1876) طلب الصدر الأعظم من السلطان الدخول عليه، ~~وكانت قد تغيرت سحنته كثيرا واشتد سمنه وشاب مفرقه، واستولت عليه الكآبة ~~وخامره سوء الظن والريبة بمن كان يقرب منه، فلما وجد محمود باشا مولاه على تلك ~~الحالة من الضجر والقلق أخذ يحاول تسليته وترويح فؤاده، فيسرد على مسامعه ~~النكات الظريفة والفكاهات اللطيفة، وهو يائس لا يلذ له شيء، وكان السلطان ~~مغرما في مشاهدة مقاتلة الديوك فصار يكرهها، وأخيرا تجاسر الصدر الأعظم، فقال ~~لمولاه مخاطبا: أي مولاي لم تسيء الظن إلى ms66 هذا الحد برعيتك؟ فقد أرسل إلي ~~ناظر الشرطة هذا الصباح تقريره مبشرا بأن الأمن في غاية ما يكون من الاستتباب ~~والراحة شاملة جميع طبقات الرعية الداعية لك بالتأييد والنصر، ومع ذلك فإن ~~جلالتك لا تخرج من القصر إلا نادرا محتاطا بالجنود محترسا متحفظا. # فأجابه السلطان: ومع ذلك ألا يوجد إلا هم لحماية سلطانهم عند الشدة؟ ~~- لم يا مولاي هذه الأفكار والهواجس؟ ألا تعلم أنك أعظم سلطان تنسم عرش آل ~~عثمان ...؟ روسيا عدوتنا اللدودة قد انقلبت تتزلف إلينا ودانت لنا صاغرة ... هذه ~~الأستانة قاعدة السلطنة صارت تضاهي أعظم عواصم أوروبا ... ها أوروبا قد أصبحت ~~بأجمعها تتزاحم لاكتساب رضانا، فهل تريد من مزيد يا مولاي؟ # فانتصب السلطان واقفا عند سماعه هذا الكلام، وقال: أنت خادم أمين يا محمود، ~~وتريد أن تخفف قلقي واضطرابي، ولكن هل تخالني جاهلا أن عدوي في بلادي نفسها، ~~وأن حزب تركيا الفتاة يترقب وفاتي لتنصيب مراد ابن أخي؟ # فقال الصدر بهيئة الساخر: ولكن يا مولاي أنت تقدر لهذا الحزب أهمية كبرى وهو لا ~~يزال في مهد الطفولية، ولا بد أن ينتظر طويلا إذا كانت هذه أمانيه وما دمت أنا ~~في الصدارة، فسأستأصل شأفتهم إن شاء الله، وأجعلنهم عبرة لمن اعتبر، فصمت ~~السلطان عند هذا الكلام، وأظهر ارتياحه إليه، لكنه قام في الغرفة يتمشى ذهابا ~~وإيابا كالأسد في عرينه، ثم قال: وليس هذا الحزب سبب قلقي واهتمامي الوحيد، ~~فإن السلطانة وهواجسها شاغلة أفكاري، فإن قلبها يحدثها منذ أيام بدنو شر أو ~~مصاب كبير قريب، فقال الصدر: ولكن يا مولاي أظن أن حملها هو السبب في هذه ~~الأفكار والأوهام، وقد عرفت ذلك من زوجتي، فأجاب السلطان: لا يا محمود ليس ~~الأمر كذلك، فأنا أعلم الناس بمهرى وطباعها، فهي ليست قط من النساء الجبناء ~~اللائي يتطيرن من الحوادث والصدف ويتشاءمن من الأخبار ويصدقن خرافات العرافات، ~~ولكن قد تسبب كل هذا القلق منذ وفاة عمتي السلطانة علية، وكانت وفاتها لسوء ~~الحظ فجأة، وفي الحرم عند مهرى، فإنها بينما كانت تضحك وتهزل كعادتها ms67 وإذا بها ~~قطبت حاجبيها وحملقت بنظرها، ثم صاحت مذعورة، وقالت: إن جارية وأمها كانتا ~~عندها، وقد توفيت الأولى بعد الأخرى بست عشرة سنة، وجاءت تختطف روحها، فخافت ~~وانذعرت، وأخذت تستغيث وتصرخ، وخافت السلطانات الحاضرات، وظنن أنها قد مست ~~بعارض من الجنون، وبقيت عمتي المسكينة تصيح عائشة ... إقبال ... (وهما اسما ~~جاريتيها) أرجوكما ... ابعدا ... لا تقربا ... الدم ... الدم ... النطع ... وغير ذلك من ~~العبارات المتقطعة، وعيناها جاحظتان، وقد انتفش شعرها وضاع صوابها، وكلما اقترب ~~منها أحد صاحت لا لا ابعد ... خنقوني ... قتلوني ... فقد فتحوا قبري، ثم نظرت إلى ~~مهرى أخيرا، وحملقت فيها بنظرها، وصاحت بها ... # الحذر يا مهرى، إن دورك قريب ... فأغمي على مهرى عند سماعها هذا الكلام، ولبثت عمتي ~~المسكينة على تلك الحالة، وهي تتمرغ على الأرض، وسلمت روحها قائلة: قد اختطفها ~~عزرائيل. # فتأثر الصدر عند سماعه هذه الحادثة، وقال: حقا إن تلك ميتة غريبة. فقال ~~السلطان: وتراكض الأطباء من كل جانب، فوجدوا جثة بلا روح، وحكموا أن سبب الوفاة ~~انفجار شرايين القلب عقب نوبة عصبية هائلة ... وقد مر يا محمود على تلك الحادثة ~~ثلاثة أشهر ولا تزال مرسومة لحد الآن في مخيلة مهرى تتمثلها آناء الليل وأطراف ~~النهار، وهي لا تجسر على النوم في الليل، وقد تولاها السهاد، ولا تتجرأ على ~~البقاء وحدها في غرفة النهار، فرغبت إليها أن تذهب أين شاءت لتبديل الهواء، ~~فلم ترض، وجوابها الوحيد أن خطرا يتهددني، وأنها لا تريد أن تفارقني، فقال ~~الصدر: ولا شك أن جلالتك قد تأثرت من تلك الحادثة الغريبة، ولكن يخشى من عدوى ~~تلك الأفكار والوساوس إلى عظمتك. # فقال السلطان: بلى وأنا أخشى ذلك أيضا، وهذا سبب قلقي وعلة اضطرابي. # قال الصدر: إذن أرى من الحكمة الابتعاد عن الحرم، فهذا خير علاج، فأجاب السلطان ~~متنهدا: وهذا هو السبب في كدري، فإني أشرب هذا الشراب المحرم تبديدا لتلك ~~الأفكار السوداء ... # بينما هما كذلك، وإذا بأحد الحجاب استأذن بالدخول على السلطان لعرض غرض مهم، فأذن ~~له السلطان في الحال وقد قلق، وإذا هو حسن ms68 بك شقيق مهرى قد دخل على السلطان ~~أصفر الوجه غير مرتب الثياب، فسأله السلطان بلهفة: ما وراءك يا حسن؟ أأصاب مهرى ~~شر؟ # وارتجف الصدر عند رؤية حسن بك داخلا على تلك الحالة، فقال: أعوذ بالله خبر ~~الشراكسة. فأجاب: حسن لا يا مولاي، ليت على مهرى كان قلقي فهو على راحة جلالتك ~~... إني يا مولاي قادم من إستانبول ... حيث يتآمرون على جلالتك. فالتفت السلطان إلى ~~الصدر، وقال له: أرأيت ... وسمعت ...؟ فأجاب الصدر مقاطعا حسن بك: ولكن هذا بعيد ~~بك أفندي إن لم يكن مستحيلا. فصاح حسن بك: كيف هو بعيد ومستحيل، وأنا أقول ~~لك: إني قادم منها، وقد حضرت ساعة المؤامرة من بدئها إلى آخرها، وأنا أرتجف ~~حنقا وغيظا، وقد أنهكني التعب. فقال له السلطان: اجلس واسترح قليلا وقل ما ~~تشاء. فقال: أعداؤك يا مولاي لا يحصون، وهم يتآمرون عليك في المجالس الخصوصية ~~والمحافل الماسونية والجوامع ... # فصاح السلطان مذعورا ... في الجوامع؟! نعم في الجوامع، أجاب حسن بك. فاعترض الصدر ~~قائلا: لا صحة لهذا القول، فإن لي جواسيس بين الماسون والمأمورين والسفطاء وهم ~~أمناء، ولا تخفى عليهم خافية، فقال حسن بك: ربما أن جواسيسك هم أيضا جواسيس ~~تركيا الفتاة، وإنما يقبضون منك رواتبهم. # فقال الصدر: فإذن أنت يا بك تشك بصدق عبوديتي أمام جلالته. فانتهره السلطان ~~قائلا: دعه يا محمود يتكلم ... # فقال حسن: أستأذن من جلالتك بأن أعرض التفاصيل على المسامع العالية؛ لأنها واجبة ~~جلاء للحادثة، وأرجو فخامة الصدر ألا يشك بصدق عرضي. فقال له السلطان: قل ما ~~تريد. فشرع حسن يقص ما رأى، فقال: مولاي مررت هذا المساء بجامع شاه زاده باشى، ~~فعرجت للصلاة، فوجدته مكتظا بألوف من المصلين، وقد تجمع أكثرهم حول الميضأة ~~يتوضئون، فانتظرت ريثما جاءت نوبتي، على أنني فيما كنت منتظرا رأيت إماما ~~يتقدم متظاهرا بتفقد المياه فيقترب من البعض فيلمس أكتافهم بخفة، وكان يجيبه ~~الكثيرون برفع أيديهم اليسرى إلى جبهتهم دون أن يلتفتوا إليه، فلم أعبأ لأول ~~وهلة بتلك الإشارة، ولكني لما شاهدتها تكررت، قلت في نفسي ms69 تلك إشارة التعارف، ~~فلا بد لي من الوقوف على دخيلة المسألة فتقدمت للوضوء، وإذا بالإمام المذكور ~~تقدم إلي ولمس كتفي بحجة افتقاد الماء، فأعطيت الإشارة فتقدم حينئذ إلى أذني، ~~وهمس قائلا هذه الكلمات الثلاث: «الليلة بعد الصلاة»، وابتعد معيدا تلك ~~الإشارة ومكررا تلك العبارة. فدخلت الجامع وقد غص بالمصلين وأنا قلق مما ~~سيكون، على أن الأنوار كانت لحسن الحظ ضعيفة، وقد خفت أن يعرفني أحد فنكست ~~طربوشي على عيني، وانزويت جانبا دفعا لكل ريبة، ولما فرغت الصلاة خرج البعض ~~وبقي الأكثر، وللحال أقفلت أبواب الجامع، وشرع الأئمة والمشايخ والسفطاء ~~يتفاوضون همسا بما لم أسمعه، وأخذ يرقى المنبر كل بعد الآخر، وعوضا عن ~~الاستشهاد بالآيات القرآنية كانوا يحثون الناس على المناداة بالحرية وإطلاق ~~الجرائد من قيود المراقبة الصارمة وتحطيم سلاسل العبودية قائلين: يجب على ~~السلطان أن يخضع لإرادة الشعب، وأن يعجل بإجابته إلى مطالبه حفظا للدولة ~~وصونا للملة والأمة كي تعود المملكة إلى مركزها القديم وتلحق بالدول الأوروبية ~~العزيزة، وقالوا: إن ولاياتنا متسعة الأطراف ممتدة إلى جميع جهات القارات ~~الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وأرضنا أخصب أرض الله وأغناها، نملك خمسة أبحر ~~ونسود ثلاثين أمة مختلفة ... ولكن لم نحن في مؤخرة الشعوب؟ ولم ماليتنا في ~~عجز ومقامنا في انحطاط ...؟ كل هذا لأن اليد القابضة على زمام المملكة لم تحسن ~~إدارتها. # هذه يا مولاي قحة منهم لم يسبقهم إليها أحد، فقد دفعهم الجنون حتى إلى التطاول ~~على أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين ... أما أنا فكنت أحرق الإرم غيظا، ~~ولكنني كنت عاجزا عن الدفاع والانتقام من أولئك الخطباء الفجار، وكان يزداد ~~غيظي خصوصا لما كنت أرى السامعين يقابلونهم بمزيد الاستحسان، وقد انتهت تلك ~~الجلسة التي تمكنت فيها من معرفة جميع أعداء جلالتك، وهم ليسوا بقلائل، وقد ~~استلفت نظري خصوصا واحد امتاز عن الجميع بحدة لهجته وشدة عداوته. فقال الصدر: ~~وما اسمه؟ فتردد حسن في الجواب، ثم قال: لا يمكنني إباحة اسمه الآن، ولكن إذا ~~قبضت على المؤتمرين كان هو في طليعتهم. # وكان السلطان ms70 غائصا في بحار التأملات، فلم يفهم سؤال الصدر ولا جواب حسن، فلما ~~صمت حسن بك انتبه السلطان فقال: وهل هذا كل ما رأيت؟ فأجاب: نعم، ثم بعد أن فرغ ~~الجميع من الكلام، فتحت الأبواب، فخرجت مسرعا، وفكرت أولا في الذهاب إلى ~~نظارة الشرطة، ولكني عدت فعدلت، وقلت الأولى أن أعرض المسألة على مسامع جلالتك ~~رأسا. # فالتفت السلطان إلى الصدر، وقال له ساخرا: أرأيت هذا الأمن العظيم؟ ها هم ~~يتجاسرون على ذمي وثلبي في قلب بلادي وداخل عاصمتي، فكيف يفعلون في الخارج؟ ~~فحار الصدر في الجواب وتلجلج لسانه رعبا، ثم قال: مولاي أخذت على نفسي مسئولية ~~ما يحدث في المملكة، وتعهدت لجلالتك بدفع كل شر تخشاه من أعدائك ما دمت في ~~الصدارة العظمى، وعليه أتعهد لجلالتك الآن أنه لا يأتي الغد إلا وقد تشتت أولئك ~~الشبان في أقاصي البلاد؛ فإني أرى في ثورة الهرسك حجة سديدة لإبعادهم، فسأنظم ~~من هؤلاء الأحرار جيشا، وأدفعهم إلى ساحة الحرب، حيث يتجرعون كأس حتفهم لا ~~محالة فدية عن وطنهم، وهكذا نتخلص من شرهم. فوافق السلطان على هذا الرأي، فقال ~~حسن بك: يا مولاي إذا أمهل الانتقام أخطأ الغرض. فأجاب الصدر: دم الشباب يغلي ~~في صدر حسن بك، وهو يجهل ولا شك المثل العربي القائل: من تأنى نال ما تمنى. ~~فقال السلطان: اليوم خمر وغدا أمر. ثم أمر بترقية حسن بك إلى رتبة ياور أول ~~لكبير أنجاله يوسف عز الدين أفندي، وأنعم عليه بالوسام المجيدي جزاء اجتهاده، ~~ثم فكر قليلا وهز رأسه قائلا: بدأت مخاوف مهرى تتحقق. وقلق السلطان جدا لما ~~شاهد أحد ياوري وزير الحرب قادما بسرعة نحو السراي، كأنه ناقل خبرا خطيرا، ~~وقبل أن يستأذن الياور بالدخول أمر هو بذلك فدخل للحال، ولما عرفه حسن بك أنه ~~صلاح الدين انتفض لمرآه، واحتجب وراء الستار كي لا يقع نظره عليه، وقال في ~~نفسه: لا بد من خبر شؤم وإلا لما نقله صلاح الدين بك. فقال السلطان: ما وراءك ~~...؟ فانحنى صلاح الدين إلى الأرض تعظيما، وقال: ms71 لدي هذه الرسالة البرقية من ~~درويش باشا. ثم قدمها للصدر وهذا رفعها إلى السلطان، فلم يقع نظره عليها حتى ~~تقطب حاجباه وأكمد وجهه، وبقي صلاح الدين رابط الجأش تقدح عيناه شررا حقدا ~~وانتقاما، ثم أشار إليه السلطان بالانصراف، فقفل راجعا حتى غاب عن الأنظار، ~~فتقدم حسن حينئذ وتلا الرسالة، وإذا هي من قومندان الجيش من ساحة الحرب، وهذه ~~صورتها: # موستار 15 أفريل 76 (محرمانه ~~خصوصى) # احتاطت ~~بي جيوش الثورة، فاضطررت أن أعود القهقرى بعد أن خسرت ستمائة ~~جندي وثمانية مدافع، أما خسارة الأعداء فقليلة، عجلوا ~~بإمدادي بالمال والزاد ... # درويش # فصاح الصدر فرحا: إن درويش باشا يطلب نجدة فحبا وكرامة، وسأنفذ له غدا نخبة ~~رجال تركيا الفتاة؛ لأرى هل يحسنون عقد المؤامرات ... ونشرت الجرائد المحلية هذه ~~الرسالة، وعلقت على جدران المدينة بعد أن حورت قليلا كما سيرى القارئ، ~~فصارت هكذا: # موستار في 15 ~~أفريل # دحرت ~~الثوار فعادوا بالفشل بعد خسائر جسيمة، واستشهد من رجالنا ستة ~~بعد أن غنمنا زادا وافرا وذخيرة ~~كثيرة. # درويش # فطار السذج لهذا الخبر فرحا وسرورا، وصاحوا ليحيا السلطان، أما الذين كانوا ~~يعرفون حقائق الأمور فأخذوا يتساءلون قائلين: «تلك أعجوبة آخر زمان كلما ظفرنا ~~في معركة هبطت أوراقنا المالية.» فقال البعض: هذا يسمونه في تركيا نشر الأخبار ~~الحقيقية ... # الفصل الثالث عشر # | مقدمة الثورة # بينما كانت الكتائب والفيالق تزحف من الولايات لإخماد ثورة البوسنة والهرسك كانت ~~الاجتماعات السرية تتوالى في الأستانة ليلا، ثم عدل المتآمرون عن الاحتجاب ~~وراء ستار الليل والتعارف بالإشارات، وأخذوا يجاهرون بأفكارهم في المحافل ~~والجوامع، وخشي بقية السكان من غير المسلمين في الأستانة من تلك المظاهرات التي ~~لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا، واشتد قلقهم كثيرا، وكان السفطاء والأئمة ~~يطيبون خواطرهم ويهدئون روعهم، مؤكدين لهم أنهم لا يريدون بأحد شرا، وإنما ~~غايتهم تغيير الأحكام الجائرة بإصلاحات عادلة. # وقلق السفراء أيضا، فجاءوا الصدارة يستعلمون عن سبب تلك الاجتماعات، وينددون بما ~~لها من العواقب الوخيمة، فكان الصدر يجيبهم: لا تخشوا شيئا، فهي مؤامرة على ~~الحكومة فقط. فلم ms72 يهدأ بال الأوروبيين لهذا الكلام، وأخذوا يرحلون أفواجا ~~أفواجا. وكان محمود باشا عارفا بأن سخط الأهالي عليه عظيم، وأنهم يريدون عزله ~~وعزل شيخ الإسلام معه. وعرف الوزراء الباقون ذلك، فالتمسوا من السلطان أن يبدل ~~الصدر إرضاء للرأي العام الهائج، ولكن الصدر كان قد تمكن من إقناع السلطان بأنه ~~إذا أقصاه وضع نفسه في أيدي أعدائه، وأصبحت حياته من ثم في خطر، فزاد السلطان ~~به تمسكا وثقة، وكان سفير روسيا أشد عضد له يشجعه على الثبات والاعتقاد به، ~~وكانت سياسته هذه خشية من فقدان ثمرة أتعابه التي كان يعانيها منذ عشر سنوات ~~وهي تعجيل انحلال تركيا. وكانت الثورات قد هبت من كل جهة لتقرض تركيا وتنخر ~~عظامها بسرعة. وكانت ثورة واحدة في الأستانة يذبح فيها بعض المسيحيين كافية ~~لأن تتخذها روسيا حجة للزحف على تركيا بدعوى أنها حامية نصارى الشرق، وكانت ~~الألسنة تلهج في جميع المحافل النصرانية يومئذ بأن الدولة الصديقة لتركيا على ~~أهبة تامة من الزحف على الأستانة؛ لترفع علمها فوق مآذن جامع أجيا ~~صوفيا. # وهذا ما حدا بالسفطاء والأئمة والعلماء للقيام والسعي تغييرا لتلك الأفكار. وقد ~~أرادوا أن يضطروا حكومتهم إلى انتهاج سياسة جديدة وإجراء إصلاحات عامة، وكانت ~~روسيا معاكسة لكل إصلاح حقيقي عدوة لكل نهضة، وقد نجحت فألفت لنفسها حزبا عرف ~~يومئذ بالحزب الروسي تحت رئاسة الصدر الأعظم محمود باشا الذي لقب باسم ~~«محمودوف»، وكان معاكسا له حزب تركيا الفتاة. وكان يرأس هذا مدحت باشا وحسين ~~عوني باشا ورديف باشا، وكانت غايتهم إنهاض الدولة وحفظها من السقوط غنيمة باردة ~~بين مخالب الدب الأبيض ... # وهكذا بقيت تلك الأزمة تشتد يوما بعد آخر، والأخبار تتوالى متناقضة، والأفكار ~~قلقة حائرة، وقد توقفت الأشغال وتعطلت التجارة، ثم نقل البرق في 7 أيار سنة ~~1876 خبر ذبح قنصلي فرنسا وروسيا في سالونيك، واتهم الناس الحكومة التركية ~~بمشاركة الذابحين. فقامت أوروبا لهذا النبأ وقعدت، وكان سبب تلك المذبحة أن ~~امرأة بلغارية كانت قد اعتنقت الإسلام، لكنها لم تلبث طويلا حتى ثقل عليها ~~الاحتجاب، ولم ms73 تطق معيشة الحرم، فعادت إلى سالونيك ملتجئة إلى قنصل روسيا. ~~وعرف بعض الإروام موعد وصولها، فساروا إلى المحطة للقائها، وأنفذت الحكومة ~~نفرا من الشرطة أيضا، فلما وصلت وكانت لا تزال على الزي الإسلامي أراد الشرطة ~~أن تقودوها إلى الإمام؛ لتنزع عنده رداءها وتقر أمامه بارتدادها، فعارضهم ~~الإروام وانتزعوها قوة واقتدارا من بين أيديهم، وحملوها إلى دار رجل من ذوي ~~قرباها بلغاري الأصل، وكان أيضا وكيلا لدولتي روسيا وأمريكا، فجرح في تلك ~~المناوشة عند المحطة بعض الأتراك البلغاريين، وطار الخبر في المدينة فاستولى ~~على سكانها القلق والجزع، وبلغ الهياج حدا عظيما بين المسلمين الذين قاموا ~~يطالبون بالمرأة البلغارية بحجة أنها لا يحق لها سكنى بيت مسيحي ما دامت لم ~~تنزع رسميا ثوبها الإسلامي. # وكان قنصلا فرنسا وروسيا شابين متصاهرين محبوبين في المدينة، فظنا أن خروجهما بين ~~الجمع يهدئ ثائر الأفكار، فأخبرا الوالي بذلك، وخرجا إلى الجامع حيث كان قد ~~اكتظ بالهائجين، فلما شاهد الثوار القنصلين زاد هياجهم فنزعوا القضبان الحديدية ~~من النوافذ، وهجموا عليهما على الرغم من معارضة الوالي، وأخذوا يضربونهما حتى ~~قتلوهما أشنع قتلة. ~~••• # وتجمع بعد تلك الحادثة ببضعة أيام خلق كثير من السفطاء، وذهبوا إلى جامع بشكطاش ~~صباح يوم جمعة ينتظرون خروج السلطان إلى الصلاة؛ ليرفعوا إليه عرضا بمطالبهم. ~~فعرف السلطان خبر تجمعهم، فتمارض ولم يخرج ذلك النهار خائفا على حياته، وحاول ~~عبثا إخماد لهيب تلك الثورة. أما السفطاء فعادوا على أعقابهم فشلا من طول ~~الانتظار، لكنهم انتشروا في الغد في الأسواق يشترون الأسلحة بفاحش الأثمان، ~~فقلق الجميع لهذه التأهبات حتى إن بعض السفراء نقلوا عيالهم وأثمن مقتنياتهم ~~إلى بوارجهم، ولكن لم يحدث في ذلك الليل ما شوش الأفكار، وعاد الجميع إلى ~~أشغالهم كالعادة ... وعند الساعة العاشرة من الصباح التالي تجمهر السفطاء مرة ~~أخرى وساروا إلى غلطه، فلم يقفوا فيها إلا ريثما استراحوا من عناء السير ~~وانتظار بعضهم البعض، ثم وصلوا طلمه بغجه، فخرج للقائهم حسن بك ياور كبير أنجال ~~السلطان يوسف عز الدين أفندي، وسألهم قائلا: ماذا تريدون؟ ms74 فأجابوه بصوت واحد: ~~نريد مقابلة السلطان. فأجابهم جلالته منحرف الصحة، وقد أمرني أن أبلغ عبيده ~~الأمناء أن يصرحوا لي برغائبهم؛ لأرفعها إلى جلالته فصاحوا ... لا، لابد من ~~مقابلته ... فأجاباهم حسن بك بصوت الحزم والشدة ... قلت لكم: إن جلالته منحرف ~~المزاج، فإذا شئتم صرحوا بما تريدون ... فتردد السفطاء قليلا، ثم تشاوروا مدة ~~فيما بينهم، وقالوا بصوت واحد: نريد عزل الصدر الأعظم وشيخ الإسلام. فأجابهم ~~حسن: سأرفع طلبكم إلى جلالته ودخل السراي ... وبقي السفطاء خارجا ينتظرون ~~الجواب. فلم يمض ربع ساعة حتى عاد حسن إليهم باسما ابتسامة الغيظ والكدر، ~~وقال: جلالته يبلغكم امتنانه من ثقتكم به، وقد أصغى لاستماع شكوى عبيده ~~الأمناء، وهو يأمركم بالذهاب إلى الباب حيث يتبعكم الفرمان. فهلل السفطاء فرحا ~~وسرورا، وصاحوا كثيرا ليعش سلطاننا زمنا مديدا، وعادوا إلى إستانبول وهم لا ~~يكادون يصدقون بنجاح مسعاهم ... # ولم يكن السلطان مريضا، بل كان في الحرم قلقا مضطربا حائرا في أمره يتمشى ~~تارة ويقعد أخرى، ويضرب الفضاء بمجموع كفه حنقا، وكانت والدته مع السلطانة ~~مهرى تحاولان عبثا تهدئة باله وتطييب خاطره، وتشجعانه على رد مطالب ~~السفطاء. # فكانت والدته تقول: الساعة ساعة الحزم والثبات، فلا يسوغ الإصغاء إلى مطالب هؤلاء ~~المجانين؛ لأنك إن أظهرت الضعف سقطت من عيون شعبك وهلكت ... # والسلطان يجيبهما بصوت أنيس: ولكن يقولون إن عنادي سيكون سببا لهلاكي. فقالت له ~~السلطانة مهرى معترضة: ولكن هذا قول الأعداء، وهل يعمل أحد برأي عدوه أو ~~بقوله؟ # فقالت له والدته: ألا تعلم أن محمود باشا هو أخلص الناس إليك، فإذا عزلته فعلى من ~~تتكل من بعده ...؟ فأجاب السلطان: ولكني لا أعرض بنفسي للهلاك من أجل وزيري، ~~فكثيرا ما يضطر الملوك التظاهر بغير ما يريدون اتباعا لرغائب شعبهم ... # ثم دخل خصي وقال: مولاي حسن بك بانتظار الجواب، فأجابه السلطان: قل له أن يجيبهم ~~أن الفرمان سيتبعهم إلى الباب العالي قبل مضي ساعة من الزمن. # وهكذا أراد السلطان عبد العزيز أن يقوم بما وعد به، فأنفذ أحد حجابه إلى الوزراء ~~يبشرهم بتعيين محمد رشدي ms75 باشا صدرا أعظم، وتعيين خير الله أفندي الشيخ المشهور ~~بحرية أفكاره شيخا للإسلام. فقابل الجمهور هذه البشرى بمزيد الفرح والسرور ~~والتهليل العظيم، وملئوا أحياء الأستانة هتافا «بادشاه جوق بشا». # وقام الصدر الجديد إلى طلمه بغجه مسرعا يحف به السفطاء من كل جانب؛ ليرفع واجب ~~شكره وامتنانه إلى السلطان، فقابله ببردوة فأدرك الصدر حالا أن السلطان كان ~~مضطرا إلى تعيينه غير مختار. وقد أبى السلطان أيضا أن يطل من شرفة القصر ~~لاستقبال تهليل الشعب له، وهكذا عاد الصدر وانقلب السفطاء غاضبين ~~حانقين. # وقد وهم السلطان عبد العزيز أنه قد أرضى الأمة بعزله الصدر الأعظم، وأن ذلك يعفيه ~~من إجراء الإصلاحات؛ فأبقى جميع الذين كانوا صنيعة محمود باشا في الوظائف بنوع ~~أن حزبه بقي مستلما شئون الدولة كعادته، وهذا هو الحزب الذي كان يحاول رجال ~~تركيا الفتاة إبادته فوجدوه ثابت الأركان ... وكان السلطان يوالي طلب الدراهم من ~~الصدر الأعظم، وكانت الخزينة فارغة تماما والوزارة حائرة كيف تدفع للجنود ما ~~تأخر لهم من رواتبهم القديمة بقطع النظر عن الجديدة؛ ولذا تعذر على الصدر إجابة ~~طلب السلطان بالمال للاحتفال بتزويج إحدى شقيقاته ومشترى الأحجار الكريمة لها، ~~وبلغ كدر السلطان من الصدر حده؛ لأن تلك كانت المرة الأولى التي تجاسر فيها صدر ~~أن يرد طلب السلطان، فاستدعاه إليه ووبخه على ذلك بقارص الكلام، فعاد الصدر إلى ~~مجلس الوزراء وأبلغهم ما جرى له، وأنه عازم على الاستقالة؛ فقام الوزراء لذلك ~~وقعدوا، والتمسوا منه البقاء خوفا من إثارة حرب أهلية تغتنمها روسيا فرصة ~~لامتلاك البلاد، وقرروا أن ينفذوا من قبلهم ثلاثة من الوزراء الجريئين؛ لأجل ~~إقناع السلطان بالعدول عن إسرافه وبذخه، وإجراء الإصلاحات. # فسار في صباح 20 أيار كل من الصدر محمد رشدي باشا وحسين عوني باشا ورديف باشا، ~~واستأذنوا السلطان بالدخول، وكان في ذلك النهار معكر المزاج لم تذق عيناه ~~طعم الكرى، وكان قد تواتر على مهرى ظهور الأشباح والخيالات الهائلة، فوجدوا ~~السلطان مستلقيا على كرسي وبيده سبحة من عنبر وعلى وجهه أمارات التعب ~~والاكتئاب، فانحنوا ms76 إلى الأرض مسلمين، فلم يتنازل إلى تحريك شفتيه لرد ~~السلام، فقدم لهم الخصيان كراسي، وجلسوا بكل خضوع منكسي الرءوس، وبقوا صامتين ~~حتى وجه السلطان إليهم الخطاب، فالتفت إلى وزير الحرب شذرا وقال: ما أخبار ~~الحرب؟ # فأجاب الوزير: مولاي لقد أظهرت جنود جلالتك بسالة غريبة، ولكن يظهر أن الهرسك ~~أمنع من عقاب الجو ... فالثائرون يقاتلون من وراء الصخور وقنن الجبال ومنعطفات ~~الطرق، فلا يلتقون بجنودنا المظفرة حتى يفروا من أمامهم. # فقال السلطان: كلاب ... ~~- نعم، ويجب إبادتهم عن آخرهم واستئصال شأفتهم، فإنهم هم سبب جميع ~~مصائبنا. # فقطب السلطان وجهه وقال: وأي مصائب تعني ...؟ # فقال الصدر: مولاي، حالتنا المالية هي في أسوأ مركز، فالتجارة قد تعطلت والزراعة ~~متأخرة والشقاء عام ... # فقاطعه السلطان قائلا: بلى، قد فكرتني وأنا أشقى سكان مملكتي منذ قطعوا عني دفع ~~«الرانت» ألا يرد على الخزينة نقود هذا الأسبوع؟ # فتردد الصدر ثم قال: بلى يا مولاي ستصلني ضرائب ولايتي أنقرة وإيدين وهما أحسن ~~ولايات الدولة. # وأجاب السلطان: لا تنس إذن أن تدفع لي حالا «كوبون الرانت» وهي قيمة زهيدة لا ~~تزيد عن 18 ألف ليرة فقط، وكان قد تعهد لي محمود باشا لما عقد المعاهدة المالية ~~التي خفض بها فائض الرانت أن يبقى ما يخصني على حاله ... # فأجفل الصدر لهذا الكلام، ولكنه تمالك نفسه، وقال: نعم مولاي إن القيمة زهيدة ~~جدا لسلطان عظيم كجلالتك، ولكنني بانتظار ستين ألف ليرة حال كونه يجب علي ~~أن أدفع ستمائة ألف ليرة؛ ولذا تراني مضطرا لإرسال ما أنتظره إلى الهرسك ~~حالا، فإن جنودنا هنالك حفاة عراة يتضورون جوعا ... # فقاطعه السلطان قائلا: أنا أقول لك إني محتاج إلى المال ... # فأجاب الصدر: فهمت أمر جلالتكم، وأكرر العرض بأن جنودنا تتضور جوعا، وجرحانا ~~يموتون من عدم الاعتناء بهم؛ لأننا لم نقدر على إرسال المستشفيات النقالة حتى ~~الآن ... # فقال السلطان غاضبا: تلك حجج فارغة لم أسمعها من أحد من سلفائك. # فأجاب الصدر: إنني آسف لذلك يا مولاي، على أني أرى من الحكمة إخماد حنق الشعب ~~بإرضاء الجيش. # فقال ms77 السلطان: لم يهتم أحد من قبلك في إرضاء هذا الشعب، وأنا أعرف الآن دواءه ~~الوحيد وهو حز رقاب رؤسائه فتبرد حرارة بقية الأعضاء ... # فقال الصدر: نعم، ولكن ذلك هواء قديم لا يجدي الآن، فضلا عن أنه يستحيل إجراء ~~ذلك. # فصاح السلطان مستفهما: أمستحيل؟ وأي متى حرمت حق التصرف بأرواح عبادي وأملاك ~~رعيتي؟ # فأجاب الصدر بصوت ثابت: منذ عدتنا روسيا من الدول المتمدنة. # فصاح السلطان وكاد يتميز من الغيظ: هذه والله أفكار حزب تركيا الفتاة. فعض الصدر ~~على شفتيه حنقا، فقال حسين عوني باشا، ساعتئذ، مولاي إن الغاية من تشرفنا ~~اليوم في أعتابك الجليلة هي عرض مسألة مهمة يتوقف عليها نجاح الدولة. # فقال السلطان: ما هي؟ فقال: الحرب الأهلية تتهددنا، فإن أكثر من عشرين ألف مسلم ~~ينتظرون أقل سبب ليخضبوا الأستانة بالدم إذا لم تجب مطالبهم. # فوقف السلطان عند هذا الكلام يرتجف غضبا وقد شد على السبحة بيده ففرطها، فتشاور ~~الوزراء بألحاظهم وصمموا على الثبات. فقال رديف باشا: الشعب يطلب عزل الولاة ~~المتصرفين والمأمورين المذكورة أسماؤهم في هذه اللائحة، ثم قام ورفعها إليه ~~... # فأخذها السلطان بعنف وألقى عليها نظرة غضب، فوجد فيها أسماء جميع المأمورين ~~الذين نصبهم محمود باشا الصدر السابق، وكان السلطان واضعا ثقته فيهم، فلما فرغ ~~من تلاوتها التفت إلى الوزراء وقال ساخرا: أهذا كل ما تريدون؟ فأجابوه: ~~نعم. # فقال السلطان: أجيبوا إذن هذا الشعب أني لا أجيب طلبه هذه المرة وقد أجبت طلبه ~~المرة الأولى فطمع؛ ولذا لا أجيز عزل أحد من هؤلاء المأمورين، وسأبقي هذه ~~اللائحة في جيبي؛ لأني عرفت بها المأمورين المخلصين لي، والآن يريد الشعب أن ~~أضحي له أخصائي ... لا وألف لا. قال هذا وانطرح على كرسيه يرتجف غضبا. # فمد حسين عوني باشا يده متوسلا قائلا: مولاي تلك إصلاحات واجبة لخير الأمة ... ~~انظر حالة الدولة، الأعداء تحيط بنا من كل جانب، وعوضا عن أن نفكر بالدفاع عن ~~أنفسنا والذود عن حوضنا نقضي أيامنا وساعتنا بالنزاع والخصام. فقال الصدر: نعم ~~يا مولاي هذه الإصلاحات لازمة لفلاح ms78 الدولة ولإحياء همة الأمة، وسيكون تأثيرها ~~حسنا في جميع الأنحاء. # فضحك السلطان وقال: إي حضرات الباشاوات، أما فرغتم بعد من إلقاء مواعظكم وإعطاء ~~نصائحكم، والله لم يبق لي إلا أن أتلقى أوامركم وأسلمكم زمامي ... # فقال الصدر: نحن نتكلم من أجل صالح الدولة وباسم الأمة. # فصاح السلطان غاضبا: أنا الدولة وأنا الأمة، والحق لي وحدي في معرفة ما يوافقها، ~~فأنتم؛ أنتم الذين زرعتم الخصام بيني وبين رعيتي توصلا إلى مراكزكم، وأنا في ~~غنى عن البحث لمعرفة أسباب الهياج، فقد كشفت أطماعكم لي عنها النقاب تتخذون ~~الشعب حجة فتقولون كل مرة الشعب يريد كيت وكيت ويطلب كذا وكذا، فأي متى كان ~~سلطان آل عثمان يتلقى أوامره من عبيده؟ # فأجابه الوزراء: ولكن قد مضت تلك السنون وأهلها، والآن المركز حرج. # فقال السلطان: نعم، المركز حرج لأني لم أفتح عيني جيدا، ولكن هذه اللائحة هي ~~مفتاح الدسائس والمؤامرات، فأصدقاؤكم يرغبون في تجريدي من أصحابي ... لا، انزعوا ~~هذه الأوهام من رءوسكم، وإني أعلمكم في الختام بأني سأعيد محمود باشا إلى ~~الصدارة، فإنه على الأقل لا يخشى من انتقام الشعب وحنقه. # فوقف الوزراء وكادوا يتميزون. فوقف السلطان حينئذ هائجا مزبدا وصاح بهم: ~~اخرجوا أيها الخونة، فإن تجاسرتم على المثول أمامي لأحزن رءوسكم حزا. ~~فخرج الوزراء القهقرى وقلوبهم تتقد حنقا وغضبا. # الفصل الرابع عشر # | مراد أفندي «ولي العهد» # وخرج الوزراء إلى الصدارة للاجتماع بزملائهم الذين كانوا بانتظارهم لمعرفة نتيجة ~~مفاوضتهم مع السلطان، فلما علموا بما جرى، وبالإهانة التي لحقت بالصدر والوزراء ~~أكبروا الأمر، وتذمروا من تجاوز السلطان الحد، وكانوا جميعهم قد فكروا منذ ~~مدة بأن لا أمل بالإصلاح إلا بخلع السلطان، ولكن لم يكن الخلع عادة متبعة في ~~تركيا، فلم يبق لديهم إلا القتل وهي الواسطة الوحيدة لتولي مراد أفندي عرض ~~السلطنة على أنه لم يكن يتجاسر أحد من الوزراء على الاقتراع على قتل السلطان. ~~فتفاوضوا مدة أربع ساعات، وقلبوا المسألة على وجوهها المختلفة، فقرروا بعد ~~البحث والجدال باستفتاء شيخ الإسلام خير الله أفندي؛ إذ لا يخفى ms79 أنه لا يمكن ~~خلع السلطان بغير تلك الفتوى الشرعية، فأنفذوا إليه مع ياورهم على ثقة من ~~إخلاصه سؤالين مختومين من جميع الوزراء هما: ~~(1) # ما قولكم دام فضلكم: إذا عجز سلطان ~~عن القيام بشئون مملكته بسبب خلل في شعوره، أيجوز خلعه ~~أم لا ...؟ أفيدوا ولكم الأجر ~~والثواب. ~~(2) # إذا أسرف سلطان في ~~أموال الأمة وبددها على ملاذه الشخصية دون أن تعود ~~بأدنى فائدة على الشعب. أيجوز خلعه أم لا ...؟ أفيدوا ~~ولكم الأجر والثواب. # ولبث الوزراء بانتظار فتوى شيخ الإسلام كأنهم على مقالي الجمر، ولكن لم يطل ~~اصطبارهم كثيرا حتى عاد إليهم الجواب في ذيل ذينك السؤالين، وهذا ~~نصه: # بسم الله الرحمن ~~الرحيم # بلى يجوز خلع ~~السلطان إذا خرب بلاده بعناده وإسرافه؛ لأن السلطان هو أب ~~لرعيته وليس بظالمهم، غفر الله له ولنا إنه الرحمن ~~الرحيم. # الختم # خير ~~الله # فلما وصلت هذه الفتوى الشرعية إلى الوزراء لم يبق عليهم إلا إجراء تنفيذها، على ~~أن ذلك لم يكن من الهنات الهينات، كانوا يعرضون به حياتهم للهلاك، لكنهم قرروا ~~أخيرا وجوب خلع السلطان في يوم «30 أيار» عند الظهيرة، وتولية ولي العهد مراد ~~أفندي ابن أخيه بدلا منه. # وكان صلاح الدين بك منذ وفاة حبيبته قد استقال من وظيفته في سالونيك، وتعين ~~رئيسا لأركان حرب المشير حسين عوني باشا، وكان هو رئيس العصابة المتآمرة على ~~خلع السلطان يذوب حقدا، ويزداد رغبة في الانتقام، وقد ثقلت عليه الحياة منذ ~~ذلك المصاب، فكان يسعى وراء كل غواية، ويبحث عن كل مهلكة أخذا بثأره، وكان ~~حسين عوني باشا عالما بهذا كله، فكان يعهد إليه بالأمور الجسام فيقوم بها حق ~~القيام حتى صار موضع سره، وركن اعتماده، وعليه قرر الوزراء أن يعهد إلى صلاح ~~الدين بإيصال الخبر إلى ولي العهد بقرب توليه العرش، ولا يخفى أن تلك مهمة من ~~أخطر المهمات وأوعرها طريقا وأصعبها مراسا، فطار صلاح الدين فرحا لما عرف ~~ذلك، ولا غرابة فإنه كان قد مضى عليه سبع سنوات يعلل النفس بتلك الآمال ألا وهي ~~الانتقام والأخذ ms80 بالثأر، ومن ثم تحرير العرش من ربقة الظلم والظالمين، وقد قربت ~~تلك الساعة ودنا ذلك اليوم العظيم، فدبر أولا الحيلة للوصول إلى ولي العهد. ~~فسار إلى محلة ألبيرا، وقصد خياط مراد أفندي، وسأله بكل هدوء وحزم عما إذا كان ~~ثوب سمو مراد أفندي قد جهز. # فأجابه الخياط: كلا، فهو لم يفصل بعد؛ لأن سموه أمره بتفصيل غيره. # فقال صلاح الدين: لا بأس وهل ينجز نهار الجمعة؟ # فأجابه: نعم، وقبل ذلك. # فقال صلاح الدين: إن سموه يرغب في الاطلاع على «مثل» الأجواخ الصيفية، فهل ~~يمكنك إعطائي أحسن ما عندك منها مع بيان أثمانها ؟ # فقام الخياط يسعى على العجل قائلا: سمعا وطاعة. ودبر له ما طلب، وقد وهم أنه من ~~خدم ولي العهد. فبعد أن استلم صلاح الدين ما أراد سار إلى سراي جراغان حيث كان ~~مراد أفندي مقيما في بناية صغيرة شادها له السلطان عبد العزيز؛ ليبقى دائما ~~تحت سيطرته. ~~••• # لا تخفى على القراء الكرام الشهرة التي نالها إسماعيل باشا خديوي مصر بعد افتتاح ~~برزخ السويس وإعجاب أوروبا به، فهذه الشهرة كبرت مطامعه، وأكسبته صداقة ~~السلطان وميل الباب العالي، فسعى وراء إلغاء وراثة العهد الإسلامية المبنية على ~~أن يكون كبير العائلة وريثها وولي عهدها، مريدا بذلك الاقتداء بملوك أوروبا. ~~فنجح وحصل على الفرمان الشهاني بأن يكون أبناؤه من بعده ورثاء عهده وحدهم، ~~وهكذا حرم أخوه مصطفى فاضل باشا من حقوقه، وقد سر الأوروبيون من ذلك، وزاد ~~إعجابهم بالخديوي، وعدوا عمله ضربا من الإصلاح واتباعا للتمدن الأوروبي. ~~أما المسلمون في تركيا والبلاد الإسلامية فقد ساءهم خرق تلك العادة، ولا سيما ~~لما علموا أن أمير المؤمنين وخليفة المسلمين لم يرض بخرقها في الخديوية ~~المصرية فقط بل في السلطنة العثمانية أيضا؛ حيث أعلن أن ابنه يوسف عز الدين ~~البالغ من عمره يومئذ عشر سنوات هو وريثه وولي عهده، مريدا بذلك حرمان ابن ~~أخيه مراد أفندي وراثة العرش؛ فازداد لذلك ميل الناس إلى مراد أفندي، وصار ~~موضوع حب الجميع ومحجة آمالهم. # كان السلطان عبد العزيز ms81 معطيا - والحق يقال - الحرية التامة لأولاد أخيه في أمر ~~معيشتهم وتصرفهم إلى حين سفره إلى أوروبا حيث استصحبهم معه، فلما عاد أمر ~~بحجزهم ومراقبتهم وخصوصا مراد أفندي، وكانت قد دبت في قلبه عقارب الحسد لما ~~رأى احتفاء الملوك والأمراء به، وإعجابهم بذكائه، وعدم اكتراثهم بابنه يوسف عز الدين. # وكان لمراد أفندي مزرعة جميلة في جزيرة «برنكبو» تشبه بتنسيقها المزارع الأوروبية ~~تماما، وكان يقضي فصل الصيف فيها بعيشة ساذجة، فيتزاور مع جيرانه، ويقطع ~~أوقاته بالموسيقى أو باستقبال ضيوفه، وكان هؤلاء يعجبون من اللطف الغريب ~~والإكرام العجيب اللذين كان يبذلها لهم ذلك الأمير الذي سيكون يوما ما سلطانا ~~لمملكة آل عثمان. # فلما بدأ السلطان يفكر في نزع ولاية العهد منه، وتحويلها إلى نجله بدلا عنه، ~~أصدر أمره بمنعه من الاصطياف في الجزيرة، ولم يسمح له أن يقيم في الصيف إلا في ~~كشك صغير في «حيدر باشا»، ومنع الناس من زيارته إلا من كان هو على ثقة منهم. ~~فأمر بتبديل خدمه وحشمه وخصيانه، وأقام الجواسيس يراقبون كل حركة من حركاته ~~وأقل لفتة من لفتاته، وكان مراد أفندي كما قلنا ولوعا بفن الموسيقى يتلقاه عن ~~أستاذ إيطالي، فأمر السلطان بطرد الأستاذ وحجز أوراق الموسيقى عن مراد، وضغط ~~عليه بغير ذلك من أمور التضييق والمراقبة حتى ضاقت الدنيا في عينيه، وتغلبت ~~عليه السويداء، وعرته السآمة والملل من كل شيء، فكان يشتهي كل يوم لو ولد ~~فلاحا حرا لا أميرا من آل عثمان سجينا في قصره محروما من كل لذة في ~~الحياة مقصيا عن الهيئة الاجتماعية، وازدادت المراقبة عليه والحجز على حريته ~~لما هب حزب تركيا الفتاة يطالب بالإصلاح، فضاق صدره جدا حتى صار يقول ~~لحاشيته: فليقتلوني وإلا اختلت شعوري ... # وفي صباح الاثنين الواقع في 29 أيار كان مراد أفندي جالسا تجاه أحد خصيانه ~~يلاعبه بالنرد؛ ليضيع الوقت كعادته، وكان في ذلك النهار قلقا مضطربا على أنه ~~لا يدري لذلك سببا، فكان يضرب الزهر بلا فكر، ثم سمع ضجة وجلبة في أحد غرف ~~الخدم، وطرق أذنه ms82 صوت غريب، وجم منه خوفا، فقال لشيخين كانا جالسين في زاوية ~~القاعة يدخنان، أن يذهب أحدهما لاستطلاع الخبر، فأجاب: ما لك ولهم خدم ~~يتخاصمون. فتأفف مراد أفندي، وقال: لكن ألا يسوغ معرفة السبب وموجب تلك ~~الجلبة؟! # فخرج أحدهما وعاد ووراءه رجل أرمني زري المنظر، فسلم على الحاضرين ببلاهة قبل أن ~~يسلم على مراد أفندي، فضحك الجميع من بلاهته، فقال الخصي: هذا أمازجيان خياط ~~سموك معه مثل (عينات) أجواخ. فقال مراد أفندي في نفسه سيرحمونني حتى اللباس؟ ~~ثم قال للخصي: خذ منه المثل وقام عن الديوان وجلس، لكن الخياط هب عاجلا ~~وقدمها بنفسه، ووقع نظر مراد أفندي عليه، فعرفه للحال أنه صلاح الدين بك، وأنه ~~يريد بتخفيه إبلاغه أمرا مهما، فصمت وتمالك نفسه وتناول المثل وتفحصها ~~قليلا، ثم قام إلى النافذة يظهر رغبته بفحص ألوانها على النور، فوجد بينها ~~ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط سري أنه سينادى به سلطانا في الغد؛ فجزع مراد أفندي ~~لهذا النبأ الفجائي، وطار قلبه شعاعا، وخاف من مؤامرة وقتل، وأراد أن يخفي ~~حاساته عن الجميع، فأشار إلى أحد الخدم أن يخرج مع الحاضرين فامتثلوا، وحينئذ ~~رفع صلاح الدين طربوشه الذي كان مخفيا به سحنته، وانحنى إلى يدي ولي العهد ~~يقبلهما، فقال له مراد أفندي: أي عزيزي صلاح الدين أأنت الذي عهدوا إليك بنقل ~~هذا الخبر إلي؟ فإذن خلاصي قريب. # فأجابه: أي نعم يا مولاي، إن غدا ليوم عظيم ستهتز له تركيا طربا وسرورا، ~~وإن غدا ليوم الانتقام. # فقال مراد: أي صديقي العزيز، قد بلغني خبر مصابك وتفاصيل شقائك لما منعوا عني ~~جميع الأخبار السارة. فصمت صلاح الدين برهة لذلك التذكار، ثم قال: مولاي الفرصة ~~أثمن من أن تضاع، لا تفكر بي؛ لأني لست بعد ذلك المصاب إلا آلة للانتقام والأخذ ~~بالثأر، فعش سعيدا، وغدا نحطم قيود أسرك وسلاسل سجنك، وأسأل الله أن يمنحك ~~عمرا طويلا وملكا سعيدا. # فأجابه مراد حزينا: لا تقل هذا يا صلاح الدين بك، فقد أنهكوا قواي، وإني شاعر ~~باختلال شعوري، ثم قال: ms83 وماذا تفعلون بعمي عبد العزيز؟ فأجابه: يخلع ثم ينفى. ~~فقاطعه مراد أفندي قائلا: لا، يجب ألا ينفى، واحرصوا على حياته خصوصا، ~~وأستحلفكم بأغلظ الأيمان ألا تلطخوا العرش بالدم وألا تبللوه بالدمع، فإني صافح ~~عما قاسيته منه، وأريد أن أعامله بالخير بدل الشر. وما عتم أن قال ذلك حتى دخل ~~بعض الخصيان الجواسيس، فانحنى صلاح الدين بك قائلا: مولاي سينجز غدا كل شيء ~~اتباعا لأمرك، فشكره مراد أفندي وصرفه. وخاف أن تخونه قواه فدخل إلى الحرم ~~إخفاء لحاساته، وشكر الله على نجاته بعد أسر ست عشرة سنة. # الفصل الخامس عشر # | ليلة 30 أيار 1876م # تلك ليلة من ليالي الدهر مشهورة، وستبقى في تاريخ آل عثمان إلى الأبد مسطورة، كان ~~الجو فيها صافيا، والسكون تاما لا يتخلله إلا جري بعض الرسل الذين كانوا ~~يذهبون ويجيئون من كل جانب. # ولما كان أهل الأستانة قد تعودوا رؤية مثل أولئك الرسل يتراكضون من جهة إلى أخرى ~~امتثالا لأوامر الحرم والسراري؛ لم ينتبه أحد إليهم على أنهم كانوا ينقلون في ~~ذلك المساء أخطر الأوامر وأشدها أهمية وهولا. ثم وصل أمر إلى بارجتين كبيرتين ~~كانتا راسيتين في قرن الذهب بأن توقدا مراجلهما وتتأهبا للسفر، وسلم إلى الربان ~~أمر مختوم لا يحق له فضه إلا على بعد عشرين ميلا في بحر مرمرا، وصدر أمر سري ~~آخر من وزير الحربية إلى قومندان حرس السلطان الخاص أن يجيء بخيله ورجله ~~وجميع معداته إلى الترسخانة، فامتثل وجاء بجنوده على عجل واهما أن ذلك أمر ~~السلطان، فنقلوا جميعا إلى ظهر البارجتين. # وعند الساعة العاشرة رفع الجسر وخرجت البارجتان مقلتان أخلص الجنود والقواد ~~للسلطان عبد العزيز، وارتاح الوزراء المتآمرون من شرهم، وأمنوا من إفشاء السر، ~~وبدأت تباشير دسيستهم تبشر بالنجاح التام. وكان السلطان عبد العزيز في ذلك ~~المساء متأثرا جدا مما حدث في الصباح بينه وبين وزرائه، وكانت والدته ~~والسلطانة مهرى تشجعانه على الحزم والعزم وإلا جلب على نفسه الويل والشر. ~~وأخيرا غلب على السلطانتين النعاس فرقدتا، وبقي السلطان وحده مسهدا قلقا ~~مفكرا ms84 في الاحتياطات الصارمة التي كان عازما على اتخاذها في الغد، فقال: لا ~~بد لي من أن أحذو حذو والدي، فقد ذبح في ليلة واحدة خمسمائة من زعماء ~~الانكشارية، فارتاح وأراح البلاد من شرهم، وأنا لا بد لي من ذلك، فقد صدقت مهرى ~~في قولها: إن الضعف مجلبة للهلاك. وما انتهى من هذا الفكر حتى سمع دوي مخر ~~مراكب كبيرة تعج عجيجا شديدا. فقال في نفسه: ما هذه المراكب الخارجة الساعة؟ ~~واشتد قلقه كثيرا؛ لأنه كان ممنوعا خروج المراكب ليلا مهما كان، فقام إلى ~~النافذة وفتحها فوجد البارجتين خارجتين فدهش من ذلك؛ لحصوله بغير إذنه، وظن في ~~الأمر دسيسة، فصاح والله يا حسين عوني لا أبقاني الله إذا بقيت إلى غد ونظرت ~~مغيب شمسه. وخرج حنقا من غرفته إلى غرفة الياوران، وأمرهم على الفور أن يطيروا ~~لاستدعاء وزير الحربية إليه، فطار رئيسهم على جواد كان مسروجا دائما لسرعة ~~تنفيذ الأوامر، وطفق ينهب الأرض إلى السر عسكرية، وكان حسين عوني باشا مع اثنين ~~من الوزراء يتآمرون والسرور طافح على وجوههم؛ لنجاح مسعاهم في إبعاد حرس ~~السلطان الخاص. فلما وصل ياور السلطان انقلب سرورهم إلى رعب، وخافوا أن يكون ~~أفشي السر وخان بعض المتآمرين، فقال حسين عوني باشا للياور: سر إلى السلطان ~~وأخبره أني مقتف أثرك على عجل وأنفذ في الحال رسلا إلى بقية الوزراء يدعوهم ~~للاجتماع به، فهرعوا إليه من كل جانب وقد ارتعشت قلوبهم وجلا، فقص عليهم حسين ~~عوني باشا أن الياور أخبره بأن السلطان كان يكرر لشدة حنقه كلمات الخيانة ~~والمؤامرة والدسيسة، وأخذوا يتشاورون فيما يعملون، وكاد الوقت يمضي وهم لم ~~يجزموا بشيء فوقف أخيرا مدحت باشا خطيبا فيهم وقال: إن من الجنون التردد في ~~العمل بعد الآن وإلا هلكنا جميعا في الغد بلا مشاحة، فلا يصح بعد ذلك احتمال ~~أعمال هذا السلطان الجنونية؛ إذ لا بد من إنقاذ البلاد، وقد تم نصف ظفرنا ولا ~~بد أن تتكلل مساعينا بالنجاح التام مع قليل من البسالة والإقدام. # فقالوا: ولكن ما الحيلة؟ ms85 # قال: يجب التعجيل بخلع السلطان هذا المساء عوضا عن الغد، ويجب ألا تبزغ شمس غد ~~إلا والسلطان عبد العزيز مخلوعا والسلطان مراد متسنما عرش آل عثمان. # فقال حسين عوني: قد قلت الحق ونطقت بالصواب، لكن ما الطريقة لذلك في هذا المساء ~~ولسنا على أهبة تامة. # فأجابه مدحت باشا: نعم أنا عالم بخطورة المسألة، غير أن الوطن في خطر، وكل منا ~~حامل على عاتقه قسما هائلا من المسئولية، ولا ينال العلى من لم يركب الخطر، ~~فلا بد من إنقاذ تركيا من وهدة الهلاك، وعليه أرى أن يعهد إلى عوني باشا أن ~~يذهب الساعة لإيقاظ ولي العهد ، واستحضاره إلى السر عسكرية، ونحن نستدعي شيخ ~~الإسلام، ويذهب رديف باشا إلى ثكنة طلمه بغجه فيأمر بتوقيف الضباط والجنود ~~الباقية فيها للحراسة، ويسلم قيادة الجنود التي اخترناها لمحاصرة السراي إلى ~~صلاح بك، ويتخذ وزير البحرية مثل هذه الوسائل في الدوارع الراسية أمام طلمه ~~بغجه، وبعد أن يتم كل شيء بالحذر والحكمة والجسارة والإقدام يذهب رديف باشا ~~فيبلغ السلطان خبر خلعه ويخرجه من سرايه إلى السراي القديمة، ونجري نحن ~~المبايعة للسلطان الجديد، وهكذا لا يبزغ فجر غد حتى تنتقل تركيا إلى طور جديد ~~سعيد إن شاء الله. # فصادق الجميع على هذا الرأي، وعلى وجوب العمل به حالا. # وعند نصف الليل تماما خرج رديف باشا يصحبه صلاح الدين بك مع 30 ضابطا من ~~المتآمرين كانوا معهما، وقصدوا ثكنة طلمه بغجه، فلما رأى الضباط والجنود الوزير ~~خفوا للقائه والتسليم عليه، فأبرز رديف أمرا من السر عسكرية بتوقيف الضباط ~~فأوقفهم بلا ممانعة، وعهد صلاح الدين إلى بقية الضباط الذين استصحبهم معه ~~باستلام مراكزهم، واستلم هو القيادة الكبرى، فأمر الجنود أن تتهيأ للمسير بكامل ~~معداتهم، فلم تمض عشر دقائق حتى تجمع الجنود في ساحة الثكنة مدهوشين من ~~إيقاظهم في تلك الساعة، فتناول صلاح الدين مسدسه واستعرض كل نفر منهم فردا ~~فردا؛ ليعرف إذا كان بينهم خائن أو جاسوس، فلما فرغ خاطب الجنود قائلا: الوطن ~~في خطر، أترون هذا المسدس فكل ms86 من ينبس منكم ببنت شفة مات في الحال، وأمري ~~الوحيد إليكم الصمت التام ... فلم يجب أحد بشيء، وحينئذ استل رديف باشا ~~حسامه ومسدسه بيده، وسار والجنود تتبعه بقيادة صلاح الدين بك، وانحدروا حتى ~~سراي طلمه بغجه، وكان يظهر أن الجمع هنالك نيام والسكوت تام والظلام دامس شديد ~~الحلك، فتقدم رديف إلى الباب الحديدي، وقبل أن يسأل الحارس من القادم تقدم إليه ~~ضابط مصوبا مسدسه إلى صدره فأعطاه كلمة التعارف، ثم أمر الضباط بتوقيف الحارس ~~وإبداله بغيره، وظل يفعل مثل هذا مع كل حارس حتى فتحت جميع الأبواب، فدخلت ~~الجنود وأحاطت بالسراي إحاطة السوار بالمعصم، وبقيت - والحق يقال - الجنود ~~جاهلة السبب في هذا كله، وقد وهموا أنهم يعملون بأمر السلطان. فوزع صلاح الدين ~~الضباط على المراكز، وأخذ على نفسه أخطرها؛ أي حراسة الباب الكبير، وهناك اتكأ ~~على سيفه المسلول، ورفع رأسه إلى نوافذ السراي، وقال: أي سلطانة مهرى قد أزفت ~~ساعة الانتقام. # فلما رأى رديف باشا أن جميع الاحتياطات قد أخذت من الخارج تقدم إلى السلم الكبرى ~~فصعدها وثلاثة من الضباط تتبعه، وسار إلى قاعة الخصيان، فذعر هؤلاء لما شاهدوا ~~أولئك الزوار في تلك الساعة، ولم يعرفوهم لأول وهلة، فصاحوا ماذا جاء بكم إلى ~~هنا؟ ومن أين دخلتم؟ ومن أنتم؟ وماذا تريدون؟ فأجابهم رديف: لا ثرثرة ولا هذيان ~~أنا رديف باشا أريد مقابلة السلطان لأمر مهم، فليذهب أحدكم وليخبر رئيس الخصيان ~~أن يدخلني عليه الساعة بلا إبطاء. فقالوا: أفندم الجميع نيام في الحرم، فصاح به ~~رديف اذهب وقل كما أمرتك. # فخاف الخصي وسار إلى رئيسه يخبره بما كان، فقام مهرولا وكان عبدا أسود طويل ~~القامة هائل الجثة. فلما وصل قال غاضبا: أي رديف، ماذا أصابك حتى جئت توقظني ~~في مثل هذه الساعة، ولو لم يخبرني هذا العبد بأن المسألة هامة لما جئت. # فأجابه رديف عابسا: قد أحسنت بمجيئك، وإلا لكنت ذهبت بنفسي وأيقظتك بحد هذا ~~الحسام، والآن سر وأخبر مولاك أني أريد مقابلته الساعة بلا تأخر ولا ~~إمهال. # فصاح الخصي: أي ms87 رديف، أجننت؟! أو أنت راغب في حز رأسك حتى تجاسر على هذا الكلام ~~وإيقاظ جلالة السلطان؟! إذن هو نائم، نعم، قد رقد الساعة. ~~- اعلم إذن أن تركيا بعد الآن قد تملصت من نير الحرم والخصيان، وهذه الليلة هي ~~آخر ليالي الظلم والاستبداد، وإذا كنت في شك مما أقول فتقدم. ثم تناول الخصي من ~~يده وسار به إلى شرفة، وقال له: انظر الجنود المحيقة بالسراي؛ فذعر الخصيان ~~ورعبوا، وصاروا يولولون كالنساء. # فانتهرهم رديف قائلا: كل من يرفع صوته أخطف نفسه، فصمتوا للحال كأن على رءوسهم ~~الطير، فقال رديف لرئيسهم وقد جمد الدم في عروقه من الخوف: اذهب وأخبر السلطان ~~بما سمعت وشاهدت، وإني أريد مقابلته الساعة ... # فأجاب الخصي: «آمان أفندمز» لا أتجاسر على ذلك؛ لأنه يحز رأسي. # فقال له رديف: لا تخش شيئا خذ هذا القنديل وسر أمامي، فقال الخصي: ألست عازما ~~على قتله على الأقل ...؟ فأجابه بازدراء: لست بسفاح. سر بنا. أين ~~الطريق؟ # فسار الخصي صاعدا السلم الرخامية يتبعه رديف وضباطه الثلاثة، فاجتازوا رواقات ~~وقاعات كبيرة فارغة حتى وصلوا غرفة السلطان، ولم يتجاسر الخصي على فتح الباب، ~~فوقف وأخذ يتوسل إلى رديف باشا بإعفائه من هذه المهمة فصوب رديف المسدس إلى ~~صدره وقال: إذا لم تمتثل أخمد أنفاسك هذه الساعة. فطار قلب الخصي ذعرا وهلعا، ~~وقال: انتظرني هنا على الأقل؛ لأن السلطان ليس وحده. فقال رديف: لا بأس فأنا ~~بانتظاره. # وهكذا دخل الخصي وقام رديف باشا بكل رباطة جأش يشعل قناديل الغرفة وشموعها، ولم ~~يكد يفرغ منها حتى أطل السلطان على عتبة باب غرفته، فتقدم إلى وزيره بوجه ~~عابس، وقال له بصوت يرتجف غضبا: ماذا تريد الساعة مني حتى تجرأت على إيقاظي. ~~فانحنى رديف باشا بكل احترام ووقار مسلما، وقال: أمرت جلالتك يا مولاي، ~~باستدعاء السر عسكر ولما كان منهمكا في شئون الدولة والأمة لم يتمكن من ~~الامتثال لأمرك الكريم. ~~- أو هذا كل ما تريده؟ وهل جئت لتعتذر عن ذلك المجنون الذي تجاسر على إنفاذك ~~إلي في مثل هذه الساعة؟ ms88 ~~- لا يا صاحب الجلالة، لو كان الأمر كذلك فقط ما كنت أقلقت راحة جلالتك، وإنما ~~هنالك أمر أهم وكل دقيقة تمر تزيده خطرا. ~~- قل إذن ماذا تريد؟ أمن مؤامرة علي؟ ~~- نعم، لقد أصبت. # فصاح السلطان: من وأين وكيف، وماذا جرى؟ # فانحنى رديف باشا قائلا: هذا الكتاب المنفذ إليك من جلالة ابن أخيك ينبئك ما ~~تريد؟ # فتناول السلطان الكتاب وهو يظن نفسه في منام، ولم يكد يتصفح العبارة الأولى منه ~~حتى امتقع لونه، وطار صوابه، وصاح أيها الخونة اللئام والأدنياء الطغام، ~~أظننتموني أخشى وعيدكم أو يروعني تهديدكم، أتطلبون مني الرضوخ لسلطان جديد، فمن ~~ذا الذي تجاسر على خلعي من عرشي؟ # فأجابه رديف باشا بسكون جأش: الشعب والجند والعلماء والأئمة، وإذا كنت جلالتك في ~~ريب من ذلك، فما عليك إلا أن تشرف من نوافذ قصرك فترى جند البر والبحر قد ~~انصاعوا لأوامرنا، وأن ليس لك من مهرب أو مغيث، ولا لديك حيلة إلا التسليم ~~للقضاء والطاعة للسلطان الجديد، فضج السلطان وصخب لما رأى الجنود محيقة به، ~~وأخذ يصيح كذي جنة يا للخيانة يا للسفالة ... يا لقومي يا لجنودي ... فقال له رديف ~~باشا: مولاي الفرصة أثمن من أن تضاعظن أرجوك ألا تعرض حياتك للخطر، فإن ~~حراسك وقوادك موضع ثقتك وركن اعتمادك هم الآن على بعد عشرين ميلا في بحر ~~مرمرا. فعرف السلطان حينئذ أن لا خلاص ولا مناص ولا حيلة إلا بالرضوخ ~~والامتثال، فقال: العزل خير من تولي شعب خائن وجيش عاق. # وكانت السلطانة مهرى قد استطالت غيبة السلطان فقلقت، ثم سمعت الجلبة فضجت وأعولت، ~~وأخذت تنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور. فصاح بها السلطان أن تصمت فصمتت. ~~وطفقت تبكي وتنوح، وتراءت لديها عمته السلطانة علية وميتتها، فازداد رعبها ~~ونحيبها. # ووقف السلطان برهة يتأمل في تلك الساعة الهائلة، ثم التفت إلى الخصي، وأمره أن ~~يأتيه بردائه فألقاه على كتفيه، وعهد إليه بالسلطانة مهرى خاصة، والتفت إلى ~~وزيره قائلا: هيا بنا إلى أين المسير. فأجابه رديف: إن على الباب زورقا، وإذا ~~بامرأة هجمت على الحاضرين، ms89 واعترضت خروج السلطان، وصاحت أيها الخونة اللئام ~~إلى أين تسيرون بسلطانكم وولي نعمتكم؟ فقال لها السلطان: أي مهرى العزيزة، ~~دعينا نسير على خيرة الله، ولا تزيدي قلقي ومصابي، ولا تعرضي حياتك وحياتي ~~للخطر. سلمي أمرك لله كما سلمته أنا نفسي، فإنه ولا شك سيجازي الخونة على ~~خيانتهم، وهو على كل شيء قدير. # فأجهشت مهرى بالبكاء قائلة: وهل أراك بعد الآن؟ # فأجابها رديف: نعم بعد ساعة تجتمعين به فلا يفرقكما أحد بعد ذلك. # وانحدر السلطان يلعن وزراءه وضباطه وجنده، وخصوصا نجله يوسف عز الدين؛ لأنه كان ~~رئيس حرسه، وكان في تلك الليلة نائما لم يعرف شيئا ... # وعادت مهرى تبكي وتنتحب وتندب سوء حظها. وإذا بصوت يقول: الوقت أثمن من أن يضاع ~~بالبكاء والنحيب، فيجب أن نعلم بقية السلطانات والحرم بسرعة التأهب؛ لأنه يجب ~~مفارقة السراي قبل بزوغ الفجر. فرفعت السلطانة نظرها ومسحت دموعها، وإذا القائل ~~رئيس الخصيان، فصاحت به أو هذه تعزيتك لي الساعة؟ ~~- مولاتي البكاء لا يرد الفائت، والحكمة تقضي بالنظر في المستقبل. ~~- آه يا ليتني مت قبل الساعة، وكنت نسيا منسيا ... وبعد فهل تعرف إلى أين ساروا ~~بالسلطان؟ ~~- سمعت رديف لما ركب مع السلطان الزورق الذي أعدوه له يأمر البحارة بالاتجاه إلى ~~أسكى سراي. ~~- أو هذه هي السراي التي اختاروها منفى لسلطانهم في عاصمته نفسها، آه يا رباه ... ~~صوب انتقامك إلي، وأوقفه عندي، فأنا وحدي المسيئة وأنا وحدي المذنبة. # وطاف الخصيان يوقظون الحرم والنساء، ويعلمونهم بالتأهب للخروج من السراي، فلما ~~عرفن السبب أخذن يولولن ويصخبن، فيملأن جوانب السراي بكاء ونحيبا، وقد تأهبن ~~للمسير فجمعن أثمن ما عندهن من المال والجواهر، وأخذ الخدم ينقلونهن إلى ~~الزوارق. وهكذا أخلين تلك السراي في أقل من ساعة من الزمان. # وركبت والدة السلطان مع السلطانة مهرى، وبقية السلطانات وأولادهن في زورق خاص ~~استلم صلاح الدين دفته بيده غير آذن لأحد باستلامه، فلما ابتعد الزورق عن ~~السراي تنهدت مهرى من أعماق قلبها، فتبسم لها صلاح الدين ابتسامة خفيفة دلالة ~~على الظفر، فأدارت مهرى وجهها كي ms90 لا تراه، وقضت السلطانات تلك المسافة بالبكاء ~~والنحيب، واستمطار اللعنات على الخائنين، فلما وصلن إلى السراي التي خصصت ~~للسلطان عبد العزيز عهد صلاح الدين بالدفة إلى أحد البحارة، وانحدر قبل الجميع ~~يساعد السلطانات على الانحدار إلى الرصيف، ولكن السلطانات رفضن مساعدته، وفضلن ~~عليها خطر السقوط في البحر، وقابلنه بالشتائم. وجاءت مهرى آخر الجميع متكئة على ~~ذراع جاريتها، فزلت قدم الجارية فسقطت وكادت تجر السلطانة مهرى معها، فذعرت ~~هذه وصاحت مستغيثة، وإذا بيد قوية نشلتها فأنجتها من السقوط، ووضعتها على ~~الرصيف سالمة، فالتفتت إلى صلاح الدين، وقالت له: جزاك الله جزاء ما فعلت معي. ~~ودخلت السراي التي انتقوها منفي لذلك السلطان العظيم الشأن. ~~••• # ولم يبزغ فجر 30 أيار حتى بدأت المدافع تدوي في أرجاء الأستانة مبشرة بإبدال ~~السلطان بغير إهراق نقطة من الدم أو حدوث أقل مناوشة أو خصام، الأمر الذي لم ~~يسبق له مثيل في تاريخ آل عثمان منذ نشأتهم إلى يومنا هذا. # وقد أوجبت تلك الثورة السلمية التي لم تطل أكثر من ليلة دهشة العالم قاطبة، ~~وأعجب بها الأوروبيون خاصة، وقابل الشعب خلع السلطان عبد العزيز وتولي ابن ~~أخيه السلطان مراد الخامس بمزيد الفرح والسرور، وتوسموا في أميرهم الجديد طلائع ~~الحرية والإصلاح، وهب السكان يريدون المظاهرة بفرحهم، فبلغهم أن السلطان الجديد ~~خارج من السر عسكرية إلى سراي طلمه بغجه فامتلأت بهم الشوارع والطرق على اختلاف ~~أجناسهم وأديانهم يهنئون بعضهم بعضا بذلك العهد الجديد. # وعند الساعة الثالثة من النهار ركب السلطان عربة فاخرة وحده، ولبس في يديه قفازا ~~أبيض، وكانت تلك المرة الأولى التي لبس فيها سلطان القفاز في مثل تلك الساعة، ~~فقابله الناس بالتهليل والدعاء، وطفق هو يحييهم مبتسما، وملامح الأنس واللطف ~~بادية على محياه فاجتذب أفئدة الجميع. وكان الياوران يحيطون به من كل جانب تحت ~~رئاسة صلاح الدين بك الذي كاد لا يصدق أن يرى ما يرى فاجتاز الموكب جسر قره ~~قوى، ثم غلطه سراي حتى طلمه بغجه. وقبل أن تجتاز العربة الباب تقدم ضابط يعرفه ~~السلطان، ورفع ms91 إليه كتابا مختوما، فتناول السلطان الكتاب بتلهف؛ لأنه عرف من ~~حامله حسن بك أنه من عمه، وتشوق الناس لمعرفة فحوى الكتاب، وإذا بجرائد المساء ~~صدرت ناشرة صورته، فعرف الناس حينئذ اعتراف السلطان المخلوع بتولي ابن أخيه، ~~ورضوخه له، وتسليمه أمره إليه، وهذه صورة الكتاب: # شوكتلو ~~عظمتلو أفندم # اسمح لأحقر رجل من رعيتك أن يكون في ~~مقدمة المهنئين لك، سائلا الله المتعال أن يطيل ملكك، ويجعل ~~لك مستقبلا سعيدا، ورجائي الوحيد إليك أن تحرص على حياتي، ~~وأن تأذن لي بالإقامة مع عائلتي في القسم الذي بنيته لجلالتك ~~في سراي جراغان. # وأسأل الله أن يلهمك بحكمته ~~السامية ما فيه خير الأمة والدولة. وإذا كنت أتجاسر على تقديم ~~رأيي فهو ألا تضع ثقتك في جيشك، فقد ضحيت كل شيء من أجله وهو ~~الذي خانني. وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يهبك عمرا طويلا ~~وعيشا هنيئا. # هذا دعاء أخلص عبيدك وأشدهم لك ~~احتراما. # عبد ~~العزيز # وذكرت الجرائد بعد نشرها هذا الكتاب أن جلالة السلطان مراد أمر في الحال بإجابة ~~طلب عمه. # وقد دهش الجميع من رضوخ ذلك السلطان الجبار وطاعته، وتفاءلوا خيرا وأمنوا على ~~حياته؛ لأنه - كما قلنا - كانت العادة الجارية لذلك العهد قتل السلاطين لا ~~خلعهم، كما أنهم كانوا يقتلون أولياء عهدهم لراحتهم. # ولما جاء المساء انجلت الأستانة كالعروس بزينتها البهية، وبالغت في ذلك حتى كانت ~~كأنها شعلة نار، وكان السلطان مراد في القاعة الكبرى يقابل وفود المهنئين، وقد ~~أمر بدخول جميع الناس عليه، وكانوا على اختلاف طبقاتهم يرون منه مزيد اللطف ~~والإيناس. # الفصل السادس عشر # | موت السلطان عبد العزيز # قلنا: إنه كان للكتاب الذي أنفذه السلطان عبد العزيز إلى السلطان مراد رنة عظيمة ~~في محافل الأستانة ونواديها، وقد علق عليه حزبه القديم أهمية كبرى، وظنوا أنها ~~حيلة لإخماد الضغائن، وتسكين الخواطر، وتدبير وسيلة للانتقام متى عاد فتغير ~~الرأي العام. فلما نقل السلطان عبد العزيز إلى سراي جراغان، وأبدلوا له خدمه ~~وحشمه وخصيانه جميعا بغيرهم ممن عرفوا بإخلاصهم للسلطان الجديد، أدرك أن ms92 لا ~~أمل من العود إلى العرش، واستولى عليه اليأس والقنوط، فعرف حينئذ صعوبة السقوط ~~وزوال النعمة. ولما كان لا نفس كبيرة في صدره تشجعه على احتمال الأرزاء ومصائب ~~الدهر وتقلبات الأيام، كبر عليه مصابه، وتغلبت عليه طبيعته الفطرية، فتغيرت ~~أطواره، وتبدلت أخلاقه، وصار يقضي ليله ونهاره بالسباب والشتائم، واستمطار ~~اللعنات على جميع الناس يبكي عرشه المنثل، وينوح على عزه السابق ومجده القديم، ~~وكانت والدته مع بقية نسائه وحرمه يحاولن عبثا تطييب خاطره وتهدئة باله، وهو ~~يزداد حنقا وغضبا حتى خشي عليه من الانتحار؛ لعدم احتمال معيشة الأسر في إحدى ~~زوايا قصره، وفي نفس عاصمته، ولا يخفى أن النفي يثقل جدا على الملوك فكيف ~~السجن إذا كان على أبواب قصورهم، وخصوصا إذا كان السجين كالسلطان عبد العزيز ~~معدودا في مقدمة ملوك المشرق في حب الأثرة والملك؛ ولذا ثقلت عليه هذه الحياة، ~~ففارق عينيه الرقاد، واستولى عليه السهاد، وبقي خمسة أيام لا يلذ له طعام ولا ~~شراب، وهو لم يذق غمضا، ولم تلامس جنبه أرضا ... # وبزغ فجر الأحد الأول من شهر حزيران والسلطان عبد العزيز جالس على ديوان ينظر ~~بعين جامدة بهاء ذلك النهار، ووالدته إلى جانبه تنظر بعين حزينة إلى ما صار ~~إليه ولدها بعد الإقبال والسؤدد، والسلطانة مهرى تصك أسنانها ملتحفة في فراشها ~~ليس من البرد، بل من جراء نوبة عصبية كانت تثيرها عليها الهواجس والأحزان وسوء ~~المآل. # ولما طلعت الشمس قام السلطان يتمشى في غرفته ذهابا وإيابا كالأسد السجين في ~~قفصه الحديدي، وكانت أقدامه لا تكاد تقوى على حمل جسمه، ثم التفت إلى والدته ~~فقال: أتتذكرين يا أماه أني لما أمرت ببناء هذا القسم قال المهندس: إن هذا ~~المكان كان قبرا لأحد الدراويش من ذوي الكرامات، وإن ذلك يعود علينا بشر، ~~أتتذكرين ذلك؟ فأجابته: نعم أتذكر، وأذكر كيف أن مهرى أيضا سخرت من نبوءته ~~وألحت بوجوب إتمامه ... # فانتبهت مهرى لهذا الكلام قائلة: هذا قضاء وقدر. فلم يجب السلطان إلا بالتأوه ~~والحسرات. # فقالت له والدته حينئذ: دع عنك يا ولداه ms93 هذه الأفكار السوداء، واحترس على صحتك ~~وحياتك فقد أصبحت خيالا. # فأجابها: خففي عنك فإن الفرح قريب إن شاء الله، وهو سيرزقني قوة كافية للنجاة. ~~فلم تفهم والدته ما يعني بقوله هذا، فأجابت: نعم، إنه الرحمن الرحيم، وهو لا شك ~~سينتقم لك من الخونة، ويعيدك إلى عرشك. # فهز السلطان رأسه استخفافا وقال: هل سمعت أو رأيت ملكا عاد إلى عرشه بعد ~~ائتمار شعبه عليه؟ # فقالت له مهرى: كلا ليس شعبك هو الذي خانك، بل تلك إحدى الدسائس الجارية في ~~الأستانة، وقد أخبرني حسن بك أن الدسائس هذه لا تزال على قدم وساق، وأن الذي ~~يظن نفسه ثابتا في عرشه ... لا يلبث عليه طويلا. فصاح بها السلطان اصمتي يا ~~مهرى ودعي هذا الكلام ... فلا أريد بعد الآن سماع ألفاظ المؤامرات والأصحاب ~~والأعداء، ولا أريد معرفة شيء، ولا رغبة لي إلا في الراحة والسكينة ... فقد سئمت ~~الحياة ... آه يا رباه قد قضي علي ألا أذوق طعم الراحة والعزلة، فلا يمكنني ~~البقاء دقيقة إلا محتاطا بالجواسيس والخدم الخونة والنساء الكثيرات الهوس. ~~فقالت له والدته ومهرى وقد خافتا أن يتكدر منهما: أتريد أن نبتعد عنك قليلا ~~التماسا لراحتك؟ ~~- نعم، دعوني أرتاح قليلا على هذا الديوان. # فنهضتا للحال وتأهبتا للخروج، وقالت له مهرى: إذا احتجت أمرا مر باستدعائي في ~~الحال، وأرجوك أن تطرد عنك كل هذه الأفكار السوداء. فقال لها باسما: كوني ~~براحة بال فإسماعيل بك في الغرفة المجاورة لمراقبتي ... وأرسلي لي مرآة ومقصا ~~فإني أريد تسوية لحيتي. فخرجت مهرى ووالدته وقلبهما في اضطراب شديد؛ لشدة ما ~~أحسا من القلق عليه، ودخلتا غرفة مجاورة؛ لتكونا على مقربة منه، وأرسلت له مهرى ~~مع جارية المرآة والمقص. # وكانت مهرى ترسل بعض الجواري من حين إلى آخر لافتقاده، وكانت تطمئن لما كن ~~يخبرنها بأنه جالس على الديوان أمام المرآة مهتم بتسوية لحيته، وأن إسماعيل بك ~~في طرف الغرفة يتصفح الجرائد. فقالت مهرى: إذن ليس هو وحده فالحمد لله، وقالت ~~والدته: وأنا قد أخفيت عنه جميع الأسلحة خوفا عليه من ms94 الانتحار، فقالت مهرى: ~~ولكن لماذا أمر بإبعادنا عنه ...؟ فإني قلقة عليه، فأجابتها والدته: ما الحيلة ~~الله كريم ... ولم تتم هذه الكلمة حتى سمعت ضجة وخصاما بين اثنين، فذعرتا ~~وصاحتا يا الله ماذا جرى؟ هرولتا إلى غرفة السلطان، فوجدتا منظرا هائلا ترتجف ~~منه الأبدان فصعقتا لهوله. كان السلطان عبد العزيز ملقى على الديوان مخضبا ~~بدمه المتدفق من أرساغه ومعاصمه مكفهر الوجه وقد انحنى رأسه على كتفه، وإسماعيل ~~بك يحاول عبثا الضغط على الجراح لمنع الدم من الانفجار، فصرخت السلطانتان ~~وأعولتا، فتراكض إليهما جميع من في السراي من رجال ونساء، وانطرحت والدته ~~والسلطانة مهرى تبكيانه وتكلمانه، وكسرت بقية النساء نوافذ الغرف وملأن الفضاء ~~صراخا وعويلا يستغثن ولا من مجيب، ويستصرخن ولا من معين، وكان هدير البوسفور ~~الجواب الوحيد، وإذا بالطبيب العسكري جاء يصحبه بعض الخصيان، فتقدم من السلطان ~~مرتجفا وقد طوقته الأنظار، وتعلقت الآمال على شفتيه، فانحنى وأخذ يتفحص ~~الجراح، ثم نهض وطلب الآلة التي كانت سبب الموت فأعطته مهرى المقص، وصاحت لقد ~~مات من يدي وأغمي عليها، فلم يتمكن الطبيب إلا من تحقيق الموت، فأحاط الحاضرون ~~بإسماعيل بك يتهددونه بتمزيق جسمه وقد اتهموه بقتل السلطان، وأخذ هو يحاول ~~تبرئة نفسه ويقص عليهم ما جرى، وأنه لم ينتبه إلى عمل السلطان ومحاولته فتح ~~شرايينه إلا بعد أن قضي الأمر، فهرع إليه حينئذ يحاول نزع المقص منه، ولكن ~~السلطان كان قد سقط ميتا، فلم يصدقوه وهجموا عليه يضربونه، ولكنه تمكن أخيرا ~~من النجاة من بين مخالبهم فأركن إلى الفرار. # وستبقى هذه المسألة العويصة لغزا غامضا في التاريخ؛ إذ لم يتمكن أحد حتى الآن ~~الجزم فيما إذا كان السلطان عبد العزيز مات مقتولا أو منتحرا. # ولما بلغ السلطان مراد خبر وفاة عمه وتفصيل موته، استولى عليه عارض عصبي فأخذ ~~يبكي وينوح، وقد خاف أن يتهمه الناس بأن له في مقتل عمه يدا، وكانت تلك الساعة ~~بداية اختلال شعوره. ثم جاءوا باثني عشر طبيبا من إفرنج وأتراك ومعهم أطباء ~~السفراء للكشف عن سبب القتل، فأصدروا ms95 تقريرا نشرته جرائد ذلك العهد من مقتضاه ~~أن الجراح يمكن أن تكون مسببة عن الانتحار، وجرى دفن السلطان عبد العزيز في ~~الغد بلا احتفال خوفا من مظاهرة الشعب؛ إذ كان لخبر وفاته تأثير عظيم عند جميع ~~الناس حتى عند أعدائه وخصومه. # ونشرت الجرائد بعد مضي خمسة عشر يوما من وفاة السلطان الخبر ~~الآتي: # انتقلت إلى رحمة ربها تعالى السلطانة ~~مهرى وهي على أهبة الولادة، وذلك من شدة تأثرها على فقد زوجها ~~العظيم الشأن، وقد اشتد عليها الحزن إلى درجة أن وقعت في مرض ~~عضال عجزت عنه حيل الأطباء، فذهب بحياة تلك السلطانة البارعة ~~الجمال، وسيحتفل غدا بدفنها في يكى جامع تغمدها الله برحمته ~~ورضوانه. # وفي 20 يوليو «تموز» اجتمع السادة الأعلام والأئمة والمشايخ للاحتفال بمشهد ~~السلطانة مهرى، فساروا أمامه يرتلون، وسار الناس وراء النعش، وكان مغطي بشال ~~كشميري ثمين يتبعه بعض الباشاوات والوزراء، وكان الخصيان والأغاوات يتناوبون ~~حمله اتباعا للعادة الشرقية في مآتمهم إلا ضابطا كان يحمل ويرفض إخلاء مركزه، ~~وكان ذلك الضابط مرتديا بدلته العسكرية، فعرفه الناس إنه حسن بك شقيق ~~المتوفاة، وكانت عيناه تتقدان نارا تطفئهما من آن إلى آخر دمعة أحر من الجمر، ~~وكان يجيب كل من يطلب إليه الراحة: لم يبق لي إلا هذه اللحظة اليسيرة لحمل هذه ~~الشقيقة العزيزة فلا تحرموني منها. # ولما وصل الناس إلى تربة السلطان أيوب وأروا الجثة في حفرة، وبعد أن أقاموا عليها ~~الصلاة، وكرروا عبارات التعزية لشقيقها الحزين عاد كل إلى عمله، وبقي شقيقها ~~وحده على القبر متكئا على جذع شجرة غائصا في بحار التأملات والأفكار، فلم يفق ~~إلا وقد وجد نفسه وحيدا على ذلك الضريح، وقد خيمت عليه رهبة الموت وهيبة ~~الأبدية، فتنهد من قلب مقروح، ثم صاح: أي مهرى العزيزة، لأقسمن بضريحك إني ~~لأجعلن عظامك تهتز طربا عندما تشعر بمرور جثت أعدائك، فإذا سمعت تلاوة الصلوات ~~والآيات تذكري شقيقك؛ لأنه لا يطيل عليك بعاده، فهو لاحق بك عن قريب، وهذا ~~البدر لا يصير هلالا حتى تحفر حفرتي إلى ms96 جانبك ... # قال هذا ونهض وانتفض منتعش الفؤاد لذلك اليمين، وخرج من التربة صابرا، فدهش جميع ~~من رآه، وأعجبوا من صبره واحتماله مصابه ... # الفصل السابع عشر # | مجلس الوزراء # كانت وفاة السلطان عبد العزيز الضربة الأولى على عقل السلطان مراد كما قلنا، وقد ~~بلغ منه التأثر حدا أعدمه لذة الرقاد وتناوبته الحمى، فأشار الأطباء بوجوب ~~انقطاعه عن النظر في شئون الدولة واللهو بالتنزه والتسلية. # وهكذا تعذر على الوزراء الاجتماع في السراي، فصاروا يعقدون جلساتهم تارة في الباب ~~العالي، وطورا في السر عسكرية، وأحيانا في دار مدحت باشا. # ثم شعر حسين عوني باشا بهياج بين الحزب العسكري القديم وبميل إلى نجل السلطان ~~عبد العزيز، فعزم على نفي رؤسائه وفي مقدمتهم حسن بك زعيمهم، فرقاه أولا إلى ~~رتبة قومندان الفيلق السادس المقيم في بغداد، ثم أصدر أمره إليه باتباع فيلقه، ~~فأبى حسن بك الرضوخ، فأمر السر عسكر بسجنه، فبعد أن عقل أربعة أيام مسجونا ~~تظاهر بالرضوخ والامتثال، فأخلوا سبيله بعد أن شرطوا عليه السفر في الغد، وهكذا ~~خرج من سجنه فسار أولا إلى منزله فارتدى بدلته العسكرية، وأخفى تحتها مسدسين ~~وخنجرا، واكترى زورقا، وسار إلى تربة السلطان أيوب فدخلها، وسار إلى قبر ~~شقيقته فجثا وصلى، ثم عاد إلى زورقه قاصدا أسكى دار. ولا يخفى أن أعيان ~~الأستانة وعظماءها قد اختاروا ذلك القسم الآسيوي من الأستانة مقاما لهم. وكان ~~لحسين عوني باشا فيها دار جميلة فيممها حسن بك حتى وصلها، فأخبره الخدم أن ~~الوزير قد سار إلى إستانبول لحضور مجلس الوزراء الذي سيعقد في ذلك المساء عند ~~مدحت باشا، فعاد حسن على أعقابه حتى وصل بزورقه إلى أسكلة «سركجى» فانحدر إلى ~~البر، وأخذ يسير في الطرق العوجاء الضيقة، وكانت الشمس قد غربت وأسدلت الظلماء ~~نقابها الحالك، فقال حسن: ها قد بدأ الاجتماع وآذنت الساعة، فخف عاجلا حتى صار ~~أمام الدار فوجد الخدم قد فرغوا من طعام المساء، وأخذوا يشربون القهوة ويدخنون ~~بكل سرور وهناء، فلما عرفوا حسن بك خفوا للقائه والتسليم عليه، وصعد السلم ~~فلم ms97 يعارضه أحد، وكان أحد الأغاوات جالسا في أعلاه ينتظر أوامر الوزراء، فلما ~~رأى حسنا عرفه فتقدم إليه وسأله مدهوشا: أي حسن بك، أي حظ ساقك إلى ~~هنا؟ ~~- إني مسافر غدا؛ ولذا رغبت في مقابلة وزير الحربية لمفاوضته في أمر هام. ~~- إن دولته في المجلس الآن، وأشار إلى القاعة حيث كان الوزراء مجتمعين، وقد أسدل ~~على الباب ستار من حرير. ~~- ولكن لا بد من مفاوضته الساعة. ~~- أتريد إذن أن أعلم ياوره بذلك؟ ~~- من هو الآن؟ ~~- توفيق بك. ~~- وأين صلاح الدين؟ ~~- ذهب هذه الساعة إلى الباب العالي، وأرجوك أن تبتعد قليلا حتى أستدعي لك توفيق ~~بك. # فتظاهر حسن بالامتثال وابتعد إلى النافذة، فانحدر الأغا يبحث عن ياور الوزير، ولم ~~يكد يغيب عن الأنظار حتى تقدم حسن الهوينا مشيا على رءوس قدميه، ورفع ستار ~~الباب بخفة فوجد الوزراء مجتمعين حول منضدة، وأوراق كثيرة مكدسة أمامهم وهم ~~يتباحثون بصوت عال، فأدار لحظة قليلا متفحصا مراكزهم، وتناول المسدسين من ~~جيبه وسقط عليهم كجلمود صخر حطه السيل من عل، فتقدم أولا إلى حسين عوني باشا ~~مصوبا مسدسه إليه، وانتهره قائلا: حسين عوني إياك أن تتحرك خذها وأطلق عليه ~~رصاصة أصابته في صدره، فتمكن رغما من ذلك من النهوض، ولكن حسنا عاجله بضربة ~~خنجر جندله بها قتيلا فذعر الوزراء، وقاموا يطلبون النجاة إلا رشيد باشا، ~~وكان ضعيف القلب والبنية، فأغمي عليه وبقي في كرسيه، وتمكن مدحت باشا مع بعض ~~الوزراء من الفرار من باب سري يؤدي إلى الحريم، وحاول أحمد باشا مدة القبض على ~~حسن، ولكن أصابته رصاصة في كتفه فتركه وفر هاربا، وأدار حسن لحظه في القاعة ~~فلم يجد إلا حسين عوني قتيلا ورشيد باشا مغمى عليه في كرسيه، وكان لا يريد ~~قتله، ولكن الغضب قد أعماه وبغير أن يدرك ما هو فاعل تقدم إليه وصوب بمسدسه إلى ~~أم رأسه وأطلقه فمات لساعته منتقلا من غيبوبة الإغماء إلى الموت بدون ألم. ثم ~~تراكض توفيق بك والخدم لما سمعوا إطلاق الرصاص وصراخ الوزراء، فوجدوا حسن بك ~~وحده ms98 في الغرفة مع جثتي الوزيرين يحاول خلع باب الحريم الذي مر منه بقية ~~الوزراء، فاستل توفيق بك حسامه وهجم على الشركسي وضربه ضربة انفجر بها دمه، ~~ولكن حسنا التفت إليه، وقال: تعلم يا توفيق الضرب، وعاجله بضربة واحدة خر ~~بها قتيلا لساعته وذعر الخدم، فلم يتجاسر أحد أن يتقدم إليه، وعاد هو يحاول ~~خلع الباب والنساء يولولن من الداخل والخدم من الخارج، فتجمع الجند وهجموا ~~عليه، وهو يدافع عن نفسه دفاع الأسود فقتل منهم اثنين، وأصيب هو بجراح كثيرة، ~~فسال دمه وانحطت قواه. ورأى أحد الأغاوات ذلك، فقال: ضربة واحدة كافية للإجهاز ~~عليه، وإذا بصوت هائل يصيح من الخارج: لا ... لا تقتلوه إنما القتل فخر للأبطال، ~~فهو لا يستحق موت الحسام، بل الشنق بالحبال. فالتفت حسن إلى ذلك الصوت فرأى ~~صلاح الدين هاجما عليه يريد اعتقاله وشد وثاقه، فصاح به حسن: ويك يا صلاح ~~الدين ... إلى الوراء ... إياك أن تتقدم، وصوب مسدسه إليه، فصاح به صلاح الدين: ~~خسئت من نذل مهان، وإذا برصاصة أصابت صلاح الدين في صدره فوقع يختبط بدمه، وكان ~~قد احتال بعض الضباط في تلك البرهة على حسن، فشدوا وثاقه، وأخذوا يضربونه، فخرج ~~مدحت باشا ومنعهم من قتله، وقال: دعوه حيا لمحاكمته. # وطار الخبر للحال في الأستانة فقامت لهذا النبأ وقعدت، وكانت تلك الحادثة الضربة ~~القاضية على عقل السلطان مراد، فاختل شعوره تماما، وتخلى مضطرا عن العرش إلى ~~أخيه عبد الحميد أفندي (السلطان الحالي). # الفصل الثامن عشر # | الجزاء # وتجمع في غد ذلك النهار المشئوم خلق كثير من رجال ونساء في ساحة السر عسكرية حتى ~~ضاقت بهم على رحبها، وذلك قبل أن تطلع الشمس، وخرجت الباعة والأولاد كأنه عيد ~~رمضان، ثم رفع العلم ودقت الطبول، واصطفت الجنود، وفتح باب السجن، وظهر من ~~ورائه عدد من الضباط يحيطون برجل بقميص أبيض، فقال الناس: ها هو ... وأخذوا ~~يتساءلون لم هو على هذه الحالة، فكان يجيبهم بعض العارفين البعض قد حوكم مساء ~~أمس فحكم عليه بالإعدام بعد تجريده من رتبته، ثم ms99 نقلوه إلى عربة، وخرجت من ~~الساحة الداخلية إلى الفسحة الخارجية، ووقفت أمام الأشجار التي تظللها، فانحدر ~~منها حسن الشركسي ضعيفا هزيلا متكئا على ذراعي اثنين من الشرطة، وساد الصمت ~~على الناس كأن على رءوسهم الطير، ثم قرعت الطبول ثانية، وتقدم إمام فرقته، ~~وتلا على مسامعه حكم الإعدام فلم يصغ حسن إليه، وكان قد علق حبل في أحد ~~أغصان شجرة قديمة، فلما فرغ الإمام من تلاوة الحكم قرأ بعض آيات قرآنية، وقدم ~~إليه المصحف فقبله، والناس مدهوشون كيف تمكن رجل بذلك الهزال من الإقدام على ~~تلك الأعمال الغريبة، وأخيرا تقدم وهو ساكن الجأش، فوضعوا عقدة الحبل في عنقه، ~~ورفعوا الكرسي من تحت قدميه، فتدلى جسده، وبدأت رقبته تمتد، والناس متأثرون ~~من كيفية نزاع ذلك البطل. فلما خمدت أنفاسه تقدم واحد وعلق على صدره صورة ~~الحكم، وقد كتبوا عليها: # ولكم في القصاص حياة ~~يا أولي الألباب ~~، وتركوه طول ذلك النهار ~~معلقا. ~~••• # ومرت في تلك الساعة عربة قادمة من أسكى قبور، وفيها شيخ هرم معه تابوت من خشب ~~السرو، وكان ذلك الشيخ أحمد خادم عائشة الذي لبث سبع سنوات في سجنه جزاء أمانته ~~لمولاته ... وكانت جثة صلاح الدين في ذلك التابوت ينقلها ذلك الشيخ إلى سالونيك؛ ~~ليدفنها قرب عائشة حبيبته عملا بوصيته، وكأننا بهما وقد تعذر عليهما الاقتران ~~في الحياة كانا يودان ألا يحرمانه بعد الممات، ثم أطل ذلك الشيخ رأسه من نافذة ~~العربة، وتأمل في جثة حسن معلقة والناس من حولها وقوف يتأملون، فتنهد وقال: ~~اللهم قد سبق عدلك جزاك ... فأنت العادل وأنت الرحمن الرحيم. # انتهت ~~«وكان الفراغ من تسويد هذه الرواية في باريس مساء 30 أيار سنة 1897م.» # أمين أرسلان ms100