######OpenITI# #META# URI: 1362CabdCazizBishri.FilMiraa.Hindawi24029742 #META# Tags: literature #META# ID: 24029742 #META# Title: في المرآة #META# AuthorID: 82863939 #META# Author: عبد العزيز البشري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # تمهيد‏ # في حضرة الرئيس1‏ # زيور باشا‏ # عدلي يكن باشا‏ # سعد زغلول باشا‏ # عبد الخالق ثروت باشا‏ # إبراهيم الهلباوي بك‏ # الدكتور محجوب ثابت‏ # الدكتور محجوب أيضا1‏ # الدكتور علي بك إبراهيم‏ # أحمد لطفي السيد بك‏ # إسماعيل سري باشا‏ # عبد الحميد سعيد بك‏ # فكري أباظة‏ # أحمد مظلوم باشا‏ # طلعت حرب بك‏ # حافظ رمضان بك‏ # إبراهيم وجيه باشا‏ # حافظ إبراهيم بك‏ # هدى هانم شعراوي‏ # إسماعيل صدقي باشا‏ # علي الشمسي باشا‏ # الشيخ أبو الفضل الجيزاوي‏ # عزيز عزت باشا‏ # أبو نافع باشا أو عمدة سان استفانو‏ # شوقي‏ # محمد محمود باشا‏ # مختار «التمثال»‏ # الشيخ1 ...‏ # شيخ السوق‏ # إهداء الكتاب‏ # تمهيد‏ # في حضرة الرئيس1‏ # زيور باشا‏ # عدلي يكن باشا‏ # سعد زغلول باشا‏ # عبد الخالق ثروت باشا‏ # إبراهيم الهلباوي بك‏ # الدكتور محجوب ثابت‏ # الدكتور محجوب أيضا1‏ # الدكتور علي بك إبراهيم‏ # أحمد لطفي السيد بك‏ # إسماعيل سري باشا‏ # عبد الحميد سعيد بك‏ # فكري أباظة‏ # أحمد مظلوم باشا‏ # طلعت حرب بك‏ # حافظ رمضان بك‏ # إبراهيم وجيه باشا‏ # حافظ إبراهيم بك‏ # هدى هانم شعراوي‏ # إسماعيل صدقي باشا‏ # علي الشمسي باشا‏ # الشيخ أبو الفضل الجيزاوي‏ # عزيز عزت باشا‏ # أبو نافع باشا أو عمدة سان استفانو‏ # شوقي‏ # محمد محمود باشا‏ # مختار «التمثال»‏ # الشيخ1 ...‏ # شيخ السوق‏ # | في المرآة # | في المرآة # تأليف # عبد العزيز البشري # تريك المرايا الخلق فيهن ماثلا # وهذي تريك الخلق والنفس والطبعا # حافظ إبراهيم # | إهداء الكتاب # إلى هؤلاء السادة الذي بعثت القول فيهم، إنما استوحيت في هذه «المرايا» خلالكم، ~~واستلهمت نزعات أنفسكم، فأنتم أحق الناس بأن تهدى إليهم. فمن أصاب نفسه في «مرآته» ~~فأعجبته صورته، فليوجه الحمد لله تعالى الذي سواه على هذا، فليس لي من الأمر غير النقل ~~والاحتذاء. والسلام عليكم ورحمة الله. # المخلص # محرر المرآة # | تمهيد # سألني صديق لي كريم المنزلة عندي أن أتخير له صورا من تلك «المرايا» التي أرسلتها في ~~«السياسة الأسبوعية»؛ ليطبعها ويسويها للناس كتابا. وتعذرت عليه دهرا لأنني إنما أعانيها ~~على أنها بنت ساعتها وحديث يومها، لا على أنها مما يثبت في الزمان، لتردد الأنظار واعتياد ms001 ~~الأفكار. وما برح يعتريني بإلحاحه الكريم ، ويملك علي مذاهب الحجج في مطاولته حتى لم أجد لي ~~مفيضا من التسليم. فجمعت منها طائفة وضممت إليها ما كتب في هذا الباب شاعر مصر الكبير حافظ ~~بك إبراهيم في حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل، وما كتب أديب آخر في حضرة صاحب الفضيلة شيخ ~~الجامع الأزهر. وجعلت أعود على تلك «المرايا» بألوان التهذيب، فأرم ما رث بالطبع، وأستدرك ~~ما عسى أن تكون قد فوتت العجلة من فنون المعاني، وأعالج ما أضعفت السرعة من القول وأوهت من ~~نسج الكلام. وأضفت إلى هذه المجموعة طائفة أخرى من رسائل شتى كان قد جرى بها القلم، على ~~أنها كلها مما يدخل في معنى تلك «المرايا» ويتصل بجنسها. ثم لقد اعتمدت من ألفاظ هذا الكتاب ~~كل ما يحتاج إلى الضبط فضبطته بالشكل، وكل ما يحتاج إلى المراجعة ففسرته؛ تدريبا للناشئين ~~على المنطق الصحيح. وأمدني بأصدق العون في هذا كله وفي تصحيح طبع الكتاب، الأديبان اللغويان ~~الأستاذ أحمد زكي العدوي والأستاذ محمد صادق عنبر، وصلهما الله عن الأدب بخير ~~الجزاء. # وصدرت كل «مرآة» بصورة صاحبها «الكاريكاتورية» من رسم الفنان الأشهر الأستاذ «سنتيز». أما ~~صورة الغلاف فقد تفضل بوضعها الأستاذ الفنان المبدع مصطفى بك مختار محرم، مد الله في عمر ~~أناملهما رحمة بالفن الجميل. # ولست أتحدث عن مطبعة دار الكتب، فإن كل آثارها تحدثك وحدها عما أوفى على الغاية من الدقة ~~والجمال والإحسان. ولا يفوتني في هذا المقام أن أنوه بما لحضرة محمد نديم أفندي، ملاحظ ~~المطبعة، من همة وخبرة يزينهما حسن الخلال. # وقد راعيت في ترتيب هذه «المرايا» تواريخ نشرها في «السياسة الأسبوعية»، فلا تأخذني، بعد ~~هذا، بتقديم زيور باشا في «رجال السياسة» على سعد زغلول، ولا بتقديم الدكتور محجوب ثابت في ~~«الطب» على علي بك إبراهيم، ولا بتقديم الأستاذ فكري أباظة في «الوطنية» على حافظ بك ~~رمضان! ~~••• # والغاية التي تذهب إليها «المرآة» هي تحليل «شخصية» من تجلوه من الناس، والتسلل إلى مداخل ~~طبعه، ومعالجة ما تدسى من خلاله، ونفض ms002 هذا على القارئ في صورة فكهة مستملحة. وهذا النوع من ~~البيان إنما ترويناه عن كتاب الغرب، وما فتئنا نقلدهم فيه تقليدا. على أن بعض كتاب العرب ~~من أمثال الإمام الجاحظ قد سبقوا إلى شيء من هذا التصوير البياني، إلا أنهم لم يعدوا فيه ~~تسقط هنات المرء والصولة عليها بألوان التندر والتطريف. أما التوسل بمظاهر خلال المرء إلى ~~مداخل نفسه ومنازع طبعه، وإجراء هذا على أسلوب علمي وثيق Psyc ~~Hologigue ~~، فذلك ما لم أقع عليه في منادراتهم، ووجوه تطرفهم. # ولا يذهب عنك أن شأن الكاتب في هذا الباب كشأن المصور «الكاريكاتوري»؛ فهو إنما يعمد إلى ~~الموضع الناتئ في خلال المرء، فيزيد في وصفه، ويبالغ في تصويره بما يتهيأ له من فنون ~~النكات. وأنت خبير بأن مرد النكتة إلى خلل في القياس المنطقي بإهدار إحدى مقدماته أو ~~بتزييفها أو بوصلها، بحكم التورية ونحوها، بما لا تتصل به في حكم المنطق المستقيم، فتخرج ~~النتيجة على غير ما يؤدي إليه العقل لو استقامت مقدمات القياس. وهذا الذي يبعث العجب، ويثير ~~الضحك والطرب. فالنكتة بهذا ضرب من أحلى ضروب البديع. ولا يعزب عنك كذلك أن «النكتة» إذا لم ~~تكن محكمة التلفيق، متقنة التزييف، بحيث يحتاج في إدراكها إلى فطنة ودقة فهم، خرجت باردة ~~مليخة لا طعم لها في مساغ الكلام. # ولعلك آخذي بأنني أسف أحيانا إلى العامية الشائهة فأوردها في درج الكلام. وعذري في ~~ذاك ما تعرف من أننا نكتب بلغة، ونتناول أسبابنا الدائرة بلغة أخرى، وهيهات لك أن تجلي على ~~القارئ صورة كاملة من حديث قوم في مناقلاتهم ومنادراتهم، وما تطارحوا من فنون النكات، إلا ~~بأن تورده كما نطقوا به، وبخاصة إذا كان يجري في التعبيرات التي تشيع على ألسن الناس، وتذهب ~~عندهم مذهب الأمثال، فإذا حاولت أن تؤدي هذا بفصيح اللغة؛ فسد الغرض، واختل نظم الكلام. ~~وللإمام الجاحظ في هذا المعنى قول جليل، فراجعه إن شئت في كتابه «البخلاء». ~~••• # وبعد، فالرأي ألا تتناول الأقلام بمثل هذا النوع من الحديث إلا أمرا يقوم على ms003 شأن عام، ~~على ألا تتره حقا، ولا تضيف إليه ما ليس له، وعلى ألا تتدسس إلى مكارهه، ولا تطلب من ~~مستور هناته ما لا يتصل بالشأن العام. فإذا هي اعترته بعد هذا بألوان التندر؛ كان حقيقا ~~بها ألا تصرف وجه القول إلى الرغبة في تهاونه والتهزؤ به والكيد له. وهذا ما تحريته فيما ~~عالجت من هذه «المرايا»، فإن يكن قد ند القول بعض الحين، فإنني امرؤ ينبو على القلم، وتزل ~~بي القدم، وإني أستغفر الله وأسأله العافية. # | في حضرة الرئيس1 # ملء السمع، ملء القلب، ملء البصر. لو حاول بكل جهده ألا يكون رجلا عظيما؛ ما استطاع، ~~وهيهات لامرئ أن يملك عن نفسه ما شاء لها الله! وقد سوى الله له هذه العظمة من يوم مدرجه، ~~فكان طالبا عظيما، وكان مدرها عظيما، وكان قاضيا عظيما، ثم تناهت إليه زعامة أمة، ~~فهو فيها ملء السهل والجبل. # بحسبك أن تراه لتعرف أنه سعد، ولو لم يومئ إليك أحد بأنه سعد: وكيف يختلط عليك أمره وهذه ~~يد القدرة قد دلت عليه بدلائل تنبئك بأنه، وإن كان من الناس، إلا أنه أعظم الناس. # بسطة في العلم والجسم، بسطة في العقل والحلم، وعزم تتزايل الجبال دون أن يتزلزل، ويقين ~~تتحول الأرض عن مدارها ولا يتحول، ومنطق يصول في الجلى حتى لتحسبها الجحافل قد تداكت ~~بسيوفها وعواليها، ويلطف في السمر حتى لتتمثل أسراب الكواعب، وسوست حليها، وتضوعت منها ~~غواليها. # وما إن رأيت ولا سمعت برجل فسح الله تعالى له في البيان، وأمكنه من نواصي الحجة، كما فسح ~~لسعد ومكن لسعد. ولقد تتقدم لمباراته في الأمر تظن أنك قد بلغت منه الغاية، ووقعت على ~~الصميم، وتمنعت منه بالحصن القوي، فما هو إلا أن يرسل عليك الحجة حتى ترى أنه ملك الرأي ~~عليك من جميع أقطارك، وإنك سرعان ما وقعت أسيرا في يديه تتقلب فيهما تقلبا، وهيهات لك ~~الخلاص إلا بأن تنزل في أمرك على الإذعان والتسليم! # وإن أنس، لا أنس ليلة مضت من عشر سنين حاور فيها مستشارا ms004 كان في محكمة الاستئناف، ~~معروفا بشدة الجدل، في مسألة فقهية، وكلما انحط الرجل فيها على رأي أزعجه سعد فطار إلى ~~غيره، حتى إذا ظن أنه تمكن في أفحوصه # 2 # ثار عليه بالحجة فوثب إلى سواه، وما زال به صدرا من الليل ينشره ويطويه، ~~وينقله من رأي إلى رأي، ويحوله من قول إلى قول، حتى داخ الرجل ووهن، ولم يبق فيه فضل لحوار ~~ولا جدل! # ولا أدري أكان ذاك من سعد مجرد تهد للرأي، وتعقب لموطن الصواب، أم أنه إنما كان يتلعب ~~بالرجل تلعبا لينزله على معرفة قدره، ففي نفس ذلك المستشار غرور وفي أنفه ورم! أم هي المخيلة # 3 # تبعثها في النفس شدة التمكن من النفس، وإنه ليلذ لها أحيانا ألا تمتعك بذلك ~~الواقع الذي اطمأننت به، والحق الذي استرحت إليه. فما هو إلا أن تصول بالحجة عليك حتى ترى ~~أنك إنما كنت تقبض على الهواء، وأن صرحك الذي أقمته تفرق عنك تفرق الهباء، فتتولى منخذلا ~~عن يقينك وقد ضربك الشك: أكنت مخدوعا عن الواقع؟ أم أن هذا الواقع دون قوة سعد فهو يصرفه ~~بحجته كيف يشاء؟ لا أدري يومها ماذا كانت إربة الجبار. والله أعلم! # وسعد قد علت به السن وشاب رأسه، على أنه، بسط الله في عمره، ما زال يمرح من فطنته القوية ~~في أفتى الفتوة وأمرع الشباب. ولو كتب لك الظفر ساعة بمجلس هذا الذي دوت الدنيا كلها ~~بمجده؛ لنعمت بما لا يلحقه الوصف من عذوبة طبع في عذوبة مجلس، وحديث كأنه قطع الروض رف # 4 # آسه ونسرينه، وتضوع ورده وياسمينه، وبديهة كأنه يقرأ منها في كتاب، وكأنها ~~تستوحي الغيب فليس بينها وبين الغيب حجاب، ونادرة تشيع فيك الطرب، وتهزك من أعجاب ومن عجب، ~~إذ هو فيما يرسل من القول، في جده ومزاحه، لا يعدو ما ينبغي له من تحشم ووقار. # وإنه ليقبل عليك بكل لطفه حتى يفرخ روعك، ويفسح لك في جوانب القول لتقول، وإنه ليباريك في ~~منزعك، ويدارجك في حديثك، إلى أن يرسلك على سجيتك ms005 ويسترسل معك، حتى إذا اطمأننت إليه، وظننت ~~أنك في مساجلة رجل مثلك ، خانته عبقريته، فوثب به ذهنه إلى ما لا يتعلق به ذهنك، فإذا أنت قد ~~طرت كل مطير، وإذا الطبيعة تأبى برغمك ورغمه إلا أن تشعرك أنك في حضرة سعد زغلول! # يا لله من هذا الرجل! وإنه ليعرض في الأمر فيقول فيه مقالا، وإنك لتقدر له بادئ الرأي ~~غاية ما تعاهد الناس من حجة، وأقصى ما تعارفوا من دليل، فإذا هو قد وقع في تدليله على ما لم ~~تقع عليه ظنون الناس، وارتفع إلى ما لم تتعلق به أذهانهم، ففتح في المنطق فتحا جديدا وأتى ~~بما يبهر ويروع، وكيف لسعد ألا يرتفع على مذهب حجة الناس، وقد رفعه الله على الناس؟ # وسعد وافر الشعور بعظمته، مزدحم الشعور بأنه إنما يتحدث على آمال أمة، فهو مهما بارى ~~المجلس في فنون أحاديثه، ومهما تدلى به السمر إلى تلك الأسباب الدائرة بين الناس، يرفه بذاك ~~عن نفسه وعن صحبه، يطفر الفينة بعد الفينة إلى حديث الوطن، فيشك فيه معنى جليلا، ثم يعود ~~فيصيب ما شاء الله من حديث القوم. أعلمت أن سعدا لا يصلح إلا للوطن، وأن الوطن لا يصلح إلا ~~بسعد؟ # أريد أن أكتب عن سعد، ومن الغرور أن أظن بقلمي الوفاء بوصف سعد مهما تفرج له في جوانب ~~البيان، فإن البيان إنما يجري في غايته إلى ما تعاهده الناس من الطبيعة ومن الناس! أما تلك ~~النفحات الإلهية التي يرسلها الله تعالى في العصور الطوال ثنيا # 5 # بعد ثني ليقيل أهل الأرض الزلة، ويهديهم من الضلة، فذلك ما تعجز عنه اللغى ~~ويقصر من دونه البيان. # وبعد، فإذا أردت أن تصف للناس سعدا، فلن تستطيع أن تصفه بأبرع من لفظة «سعد»، فقد جمعت ~~من وجوه المعاني ما لا يبلغه الكلام، وإن قدرته العقول وتعلقت به الأفهام. # | زيور باشا # أما شكله الخارجي، وأوضاعه الهندسية، ورسم قطاعاته ومساقطه الأفقية؛ فذلك كله يحتاج في ~~وصفه وضبط مساحاته إلى فن دقيق وهندسة بارعة. والواقع، أن زيور ms006 باشا رجل - إذا صح هذا ~~التعبير - يمتاز عن سائر الناس في كل شيء ، ولست أعني بامتيازه في شكله المهول طوله ولا عرضه ~~ولا بعد مداه، فإن في الناس من هم أبدن منه، وأبعد طولا، وأوفر لحما، إلا أن لكل منهم ~~هيكلا واحدا. أما صاحبنا فإذا اطلعت عليه، أدركت لأول وهلة أنه مؤلف من عدة مخلوقات لا ~~تدري كيف اتصلت، ولا كيف تعلق بعضها ببعض، وإنك لترى بينها الثابت وبينها المختلج، ومنها ما ~~يدور حول نفسه، ومنها ما يدور حول غيره، وفيها المتيبس المتحجر، وفيها المسترخي المترهل. ~~وعلى كل حال فقد خرجت هضبة عالية مالت من شعابها إلى الأمام شعبة طويلة، أطل من فوقها على ~~الوادي رأس فيه عينان زائغتان، طلة من يرتقب السقوط إلى قرارة ذلك المهوى السحيق! # وإنك لتجد ناسا يصفون زيور بالدهاء وسعة الحيلة، بينما ترى آخرين ينعتونه بالبساطة، وقد ~~يتدلون به إلى حد الغفلة. كما تجد خلقا يتحدثون بارتفاع خلقه وتنزهه عن النقائص، إذ غيرهم ~~ينحطون به إلى ما لا تجاوره مكرمة، ولا يسكن إليه خلق محمود! # كذلك زيور عند الناس مجموعة متباينة متناقضة متشاكسة، فهو عندهم كريم وبخيل، وهو شجاع ~~ورعديد، وهو ذكي وغبي، وهو طيب وخبيث، وهو داهية وغر، وهو عالم وجاهل، وهو عف وشهوان، وهو ~~وطني حريص على مصالح البلاد، وهو مستهتر بحقوق وطنه، يجود منها بالطارف والتلاد! # كل أولئك زيور، وكل هذا قد يضيفه الناس إلى زيور، فلا تكاد تسعهم مجالسهم بما يأخذهم فيه ~~من الدهشة والاستغراب. وإذا كان هذا مما لا يمكن في الطبيعة أن يستقيم لرجل واحد فقد غلط ~~الناس إذ حسبوا زيور رجلا واحدا. والواقع أنه عدة رجال، وعلى الصحيح هو عدة مخلوقات، لا ~~تدري كما حدثتك، كيف اتصلت ولا كيف تعلق بعضها ببعض! فإذا أدهشك التباين في أخلاقه، وراعك ~~هذا التناقض في طباعه، فذلك؛ لأن هذا الجرم العظيم الذي تحسبه شيئا واحدا مؤلف في ~~الحقيقة من عدة مناطق، لكل منها شكله وطبعه وتصوره وحظه من التربية والتهذيب. فمنها العاقل ms007 ~~ومنها الجاهل، ومنها الحكيم ومنها الغر، ومنها الكريم ومنها البخيل، ومنها المصري ومنها ~~الجركسي، ومنها الفرنسي، ومنها الإنجليزي، ومنها المالطي ... إلخ؛ كل منها يجري في مذهبه ~~ويتصرف في الدائرة الخاصة به، فلا عجب إذا صدر عن تلك المجموعة الزيورية كل ما ترى من ضروب ~~هذه المتناقضات! # لإنقاذ ما يمكن إنقاذه! # والظاهر أن زيور باشا برغم حرصه على كل هذه المتملكات الواسعة، عاجز تمام العجز عن ~~إدارتها وتوليها بالمراقبة والإشراف، وما دامت الإدارة المركزية فيه قد فشلت كل هذا الفشل، ~~فأحرى به أن يبادر فيعلن إعطاء كل منها الحكم الذاتي على أن تعمل مستقلة بنفسها على التدرج ~~في سبيل الرقي والكمال، وحسب عقله في هذا النظام الجديد، أن يتوافر على إدارة رجليه وحدهما، ~~ولعله يستطيع أن يسيرهما في طريق الأمن والسلام! ~~••• # وإني أورد عليك طائفة يسيرة تدلك على ما في هذه المجموعة الغريبة من ضروب المتناقضات التي ~~تجزم منها بأن ذلك الخلق ليس شيئا واحدا، وإنما هو في الحقيقة عدة أشياء. # فزيور باشا معروف بالقناعة والتعفف عن الابتذال في إحراز الأموال، ولكنهم في الوقت نفسه ~~يقولون إن جميع نفقات الولائم التي أقامها في مصر وفي أوروبا قد تناولها من «المصاريف ~~السرية»، بينما هو يقبض من خزانة الدولة ألف جنيه لهذا الغرض في كل عام! # ومما يحسن ذكره في هذا الموضوع، ما تحدثوا به من أنه لما زار أوروبا في الصيف الماضي، طاف ~~بجميع المفوضيات المصرية هناك، فسل كل ما فيها من «المصاريف السرية» حتى إذا علم أنه قد أتى ~~على كل ما في مفوضية باريس من هذه الأموال، ولم يدع لها قرشا ولا بارة، أرسل تلغرافا إلى ~~مفوضية لندن لتسعفه بكل ما عندها من النقود! # ولقد تعلم أحيانا عن زيور باشا حرصه على مصالح الدولة، على أنك إذا عاتبته على إسراف ~~الحكومة في عهده وابتذالها لأموال الدولة بهذا الأسلوب الفادح، أجاب من فوره: «إن مصر غنية» # l’Egypte est riche ~~. # ولقد تعرف في زيور باشا طيبة في القلب، وسلامة في الخلق، ثم ms008 لقد يظهر لك فيه من المكر، ~~وترى له من أنواع الدس ما يعيا بمثله أخبث الشياطين . ولقد ذكروا أنه كلما التقى بسعدي، أنب ~~قومه على اتفاقهم مع «ألد أعدائهم» الأحرار الدستوريين، وإذا أصاب حرا دستوريا، قال له: ~~كيف يصح أن تتحدوا مع أولئك «المجانين المخربين»! # ولقد كان شديد الشكوى من نشأت باشا وبسطة يده في كل مصالح الحكومة، فإذا قيل له: وكيف لا ~~تكفه عن هذا وأنت رئيس الحكومة؟ بسط كفيه ورفع رأسه إلى السماء وأجاب: وهل يستطيع أحد أن ~~يعمل شيئا؟ فلما أقيل نشأت باشا من السراي، جعل زيور يقبل على كل من لقيه يتمدح بأنه هو ~~الذي أخرجه، ووقى البلاد شرا عظيما! # وقد يعرف عنه بعض الناس قلة الخير، ومع ذلك فإن له صاحبا ورفيقا من رفقاء الصبا هو «ص ~~بك غ»، وله ولد يطلب العلم في باريس، فعينه في مفوضية باريس في وظيفة غير موجودة! # وعلى هذا الصديق دين لبعثة المرسلين الأفريقيين في مصر، وقد استبهظ الربح، فوسط في الأمر ~~صديقه زيور باشا الذي قصد إلى روما في تجواله بأوروبا في العام الماضي. ومع ما يعرف عن ~~دولته من أنه خريج مدارس الجزويت، وأنه أخذ عنهم الدهاء والمكر وبعد غور النفس؛ فقد طلب ~~مقابلة قداسة البابا نفسه، وخاطبه في الأمر، وسأله التخفيف من دين صاحبه. والبابا أحاله على ~~وزير خارجيته الكاردينال جاسباري، وبعد أن سمع هذا من رئيس وزراء مصر، كل ما أراد أن يقول، ~~هز كتفيه وقال له: # Chi recevato paga # أي: «على من أخذ أن ~~يدفع.» وكان على زيور باشا أن يعرف ذلك! # تلك بعض آثار هؤلاء الذين يدعونهم زيور باشا، فإذا تمثلوا شخصا وبدوا للعيون رجلا ~~واحدا، فذلك مصداق قول أبي نواس: # ليس على الله بمستكر # أن يجمع العالم في واحد # وإن أهل مصر ليأخذون زيور باشا كله بما لا يحصى من الجرائم على القضية الوطنية، وإنهم ~~ليعدون عليه سفهه في أموال الدولة واستهتاره بمصالحها. وإنهم ليحسبون عليه إيثاره الأهل ~~والأقربين، والأصحاب والمحبين، وذوي ms009 أرحامهم بمناصب الدولة ومنافعها. وقد يكون لمجلس النواب ~~مع هؤلاء الرجل شأن إذا أقبل يوم الحساب! # وإن ظلما أن يؤخذ البريء بجريرة الآثم، وإن عسفا أن يعاقب المظلوم بما أجرم الظالم، فقد ~~يكون الذي اقترف كل هذه الآثام هو كوع زيور باشا الأيسر، أو القسم الأسفل من «لغده»، أو ~~المنطقة الوسطى من فخذه اليمنى، أو غيرها من تلك الكائنات التي تجمعت في هيكله العظيم، فما ~~شأن تلك المخلوقات كلها تجر إلى مواطن الاتهام، وتعاقب بما ارتكب بعضها من الجرائر ~~والآثام؟! # إن الحق والعدل ليقضيان أن يؤلف مجلس النواب، إن شاء الله، لجنة تقوم بعمل التحقيق في جسم ~~صاحب الدولة، فتسأل أعضاءه عضوا عضوا، وتحقق مع أشلائه شلوا شلوا، حتى يفرق منها بين ~~المحسن والمسيء، ولا يخلط في العقوبة بين المجرم والبريء. # ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخ زيور باشا، فما أحسبه ~~شارك ولا دخل في شيء من كل ما حصل! ~~••• # وبعد، فإذا كان هناك وصف جامع وخلة مشتركة لهذه الخلائق التي تجمعت لجسم زيور باشا، حتى ~~انتظمت فيه شعبا واحدا، فذلك أنه قسيس جزويتي في جلد رئيس وزراء مصري، فقد تربى زيور باشا ~~في مدارس الجزويت كما قلت لك، وتخرج عليهم وتخلق بأخلاقهم. فإذا رأيت في طبعه سهولة، وفي ~~نفسه بساطة، فذلك لبعد غوره حتى ليخفى عليك ما في نفسه من مكر ودهاء! # وفيه صفة أخرى جامعة أيضا، هي شدة احترامه «للبرنيطة»، وعمله على إرضائها بكل الوسائل، ~~فما عرف أن زيور رد في حياته طلبا «لبرنيطة» مهما كان حاملها في الناس، حتى لقد زعموا أن ~~بعض كبار علمائنا الأعلام، مصابيح الدجى وعمد الإسلام، بعدما أعياه الكد والجهد وشدة الطلب، ~~والسعي وطول الوقوف بالأبواب، والتردد بين مختلف الأحزاب، في سبيل وظيفة خالية، عزم أخيرا ~~على لبس القبعة لعله يحظى في هذه الأيام # 1 # بمعونة زيور على إفتاء الديار أو مشيخة الإسلام، ومولانا الشيخ المذكور بوجه ~~خاص، لا يعدم ألف فتوى من الشريعة، تحل له ms010 هذه الذريعة. # | عدلي يكن باشا # أسمر اللون في شحوب، إلا أن ما يخالط سمرته من صفرة حلو مستعذب. يمتاز بقليل من الطول ~~وكثير من العرض، فهو بعيد ما بين الكتفين حتى لتعرفه موليا كما تعرفه مقبلا. مستوي معارف ~~الوجه، حديد البصر، إذا قدر لك أن يحدق فيك، شعرت أن نظره لا يستقر على سطحك، بل إنه ~~ليتغلغل في أطوائك، ويصل من نفسك إلى كل ما تضن به على الابتذال، وادع ساكن، تتجلجل الدنيا ~~من حوله وهو ثابت ثبات الهرم الأكبر. ولقد تجلس إليه تحدثه في شئون الدنيا، فتطالعه بأجل ~~أحداثها، فلا يتقبض ولا يختلج، # 1 # إلا أنه يستلقي على كرسيه ثم يدس يسراه في جيبه ويدير بيمناه رزمة من المفاتيح. ~~وتحسب أن ذهنه ليس عندك، إذ هو عندك كله لا يفوته من حديثك قليل ولا كثير. # وكانت لجنة الدستور، وزاره بمحضري رجل من أعضائها، فسأله: ماذا صنعتم اليوم؟ فقال له: كنا ~~نتناقش في موضوع «كذا». فاستوى عدلي على كرسيه، ولبث ساعة يتدفق بالحديث في ذلك الموضوع، ~~ويورد كل مذاهب علماء الدستور فيه، يعلل كل رأي، ويوجه كل مذهب في بلاغة وفصاحة قول ودقة ~~تعبير، وخرجنا وصاحبي يضرب كفا بكف، ويزعم لي أنه لو حلف بكل مؤثمة من الأيمان أن عدلي ~~كان حاضر لجنتهم، ما حنث ولا أثم! # شديد القصد في حديثه، فإذا أذن الله وتكلم، فهو حلو الحديث، رخيم الصوت، بارع المطلع، ~~رائع المقطع، يصيب المحز ويقع من فوره على اللباب. تشعر أنه خلص إلى الغاية، وأصاب من ~~النزاع، دون أن يعلق بقوله شيء من وضر الجدل، وما لا تدعو إليه حاجة الكلام. # لا معني بكل شيء ولا # كل عجيب في عينه بعجيب # لعل عدلي قد جاوز الستين، وأحلف بدوري أن مصر لو كانت عاشت عيشا طبيعيا خاليا من ~~الأحداث والعظائم، ما كان له في الدنيا أثر، ولا جرى له على لسان جمهرة المصريين ذكر ولا ~~خبر، فلقد نجم عدلي باشا في مناصب الحكومة كما نجم غيره من الناس موظفا ms011 صغيرا في وزارة ~~الداخلية، وما برح يتقلب في فنون الأعمال العامة حتى أصبح وكيل مديرية، فمديرا، فمحافظا ~~للعاصمة، فمديرا لديوان الأوقاف ، فمتقاعدا في داره، فوكيلا للجمعية التشريعية، فوزيرا ~~للمعارف، لا يمتاز في شيء من ذلك إلا بالنبل والكبر على الصغائر، والترفع عن سفساف الأمور، ~~وكل ما كان له فيما عالجه من الأعمال من صحة الرأي، وصدق التدبير، وحسن التنظيم، فما كان ~~ليذكر له شيء منها إلا بألسن من شارفوه ومن عملوا معه. أما عظمة عدلي وأما شهرته الخالدة ~~على الزمان، فهو مدين بهما للجلى وللأحداث العظام، فلولا جسيمات الأمور؛ لكان عدلي رجلا ~~مدرجا في عداد سائر الرجال. # ولقد كان وزيرا للمعارف في وزارة رشدي باشا في سنة 1918، وتهادنت الدول المحتربة الهدنة ~~العامة، وشمرت لعقد الصلح، وتوقع المتطيرون أن تكون مصر من حصة إنجلترا في سلب تركيا ~~المقهورة، فنهض رشدي ومعه صاحبه عدلي وناجيا الإنجليز بأنهما يريدان أن يشخصا إلى إنجلترا؛ ~~ليراجعاها في حقوق مصر التي ضحت بما ضحت من الرجال والأموال في نصرة قضية الحلفاء. وتثاقل ~~الإنجليز عنهما وتعللوا باشتغال ساستهم عن لقائهما بالاستعداد لمؤتمر الصلح، وخاف رشدي ~~وعدلي أن تفلتهما الفرصة، وكرها الصبر على الهضيمة، فنفخا في الحركة الوطنية من روحهما ~~القوى، وراحا يؤازران الوفد المصري ويشدان عضده من جهة، ويشرعان الإضراب للموظفين، ~~ويستحمسان الجمهرة من جهة أخرى، حتى كان من أمر النهضة المصرية في سنة 1919 ما كان. وتلك ~~أولى عزائم عدلي التي يحصيها له الجمهور. # وهبط ملنر مصر والوفد قائم في باريس، ودارت اللجنة هاهنا وهاهنا لعل أحدا يعاطيها أو ~~يقاولها، فاستمسك الناس كلهم عنها، ولم يواتها منهم أحد، فعاذت في النهاية بالثلاثة ~~الأعلام: رشدي وعدلي وثروت، فصارحوها بأنها إن أرادت الجد، فلا تفاوض في شأن مصر غير ~~الوفد، فلتمض إلى باريس فهناك الحديث، أما في مصر فلن تجد مهما طال بها المقام، ثلاث قطط ~~تحدثها في شأن البلاد! # وانكفأت لجنة ملنر إلى لندن، واستشرفت حقا لمفاوضة الوفد، إذ الوفد لا يتحول إلى لندن ~~دون أن يستبين ms012 موضع خطوه، ويريد، وبين يديه رجاء أمة، أن يعرف فيم مذهبه وأين يقع حديثه، ~~وكيف تكون غاية أمره. فدارت الأنظار كل مدار ، فلم تقع لهذا المهم إلا على عدلي، فدعاه الوفد ~~فلبى الدعاء وشخص إلى باريس فلندن، فمهد الطريق، ووطأ أكناف السياسة هناك، وكان خير معوان ~~للوفد على أداء مهمه الخطير. # وألف الوزارة في صدر سنة 1921، وشخص إلى لندن في وفد رسمي، وفاوض كرزن وأدلى إليه بحقوق ~~مصر وأمانيها كلها، وأبى أن ينزل على ما أراد الإنجليز أن ينزلوا مصر عليه، فقطع المفاوضة، ~~وعاد من فوره مرفوع الرأس، موفور الكرامة. وما كادت تستقر قدمه، حتى استقال من منصب الوزارة ~~استقالته الكريمة النبيلة. # واليوم وقد تحرجت الأمور، وتصدت القوة بكل ما عندها لتنال مصر، فلا يلتفت زعيمها الأكبر ~~إلا إلى صديقه عدلي. وكذلك كان شأن عدلي دائما تلتفت مصر إليه كلما نزلت بها الأحداث ~~الجسام. # وبعد، فلقد تحسب عدلي رجلا عظاميا تلقى المجد عن آبائه العظام الفاتحين. والواقع أن ~~عدلي يكن رجل عصامي بأجمع معاني الكلمة، وقد لا يعدله في عصاميته هذه رجل آخر في ~~البلاد. # فأنت تعرف أنه ابن نعمة، نشأ في الحسب، وتقلبت أعطافه في الترف، وأغناه الله عن طلب العلم ~~وكدح الذهن ومطاولة حوادث الدهر، ولداته # 2 # كثير، وأكثرهم - وبخاصة في الزمن الذي نجم فيه عدلي - لا يقع على هواه إلا على ~~مهارشة الديكة، ونطاح الكباش والملاعبة بالحمام، ومعاشرة المتبطلين، والافتنان في وجوه ~~اللذات، والغباء الكامل عن كل ما يعني البلاد، فهل صدقتني أن عدلي رجل عصامي حقا؟ إذ خرج ~~عن هذه البيئة، فكون نفسه كل هذا التكوين، وعارك من الحوادث ما عارك حتى أصبح من أعظم ~~الذخائر التي تعتد للجلى في البلاد؟ وحسبه ما وصفه به صحفي من أكبر الصحفيين في أوروبا: ~~إنك حين تلقى عدلي باشا فكأنك في حضرة أعظم الوزراء في «دوننج استريت» # 3 # أو في «كيدروسيه». # 4 # وإن من يعرفون عدلي ليعدون له عيوبا، ويحصون عليه آثاما وذنوبا، وسبحان من تفرد ~~بالكمال. # ومن ذا ms013 الذي ترضى سجاياه كلها # كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # فهم يحسبون على طباعه أنه ما برح «ابن ذوات» فهو قليل الاتصال بالناس، شديد التحفظ بنفسه ~~عنهم، لا يزورهم ولا يستزيرهم ولا يستريح إلى مجالستهم. ومهما توافى له إنسان وتعلق بحبه، ~~فهو لا يطالعه بالهناء إذا دخلت عليه نعمة. ولا بالمواساة إذا مسه الضر. ولا يعوده إذا مرض، ~~ولا يشيع جنازته إذا مات! وإذا طلبه صاحبه لحاجة عامة أو خاصة حيره وشتت سعيه، فإذا أراده ~~في البيت قالوا له في «الكلوب»، وإذا وثب إلى «الكلوب» قالوا في البيت. ويحلفون على أن ~~اقتحام قلعة للألمان وقت الحرب العظمى أيسر من زيارته في بيته! # ولو قد كتب لي أن أصبح هيئة سياسية، واحتجت في شأن البلاد إلى سعي عدلي باشا، لوكلت به ~~«عصبة» من أولاد البلد، أولي القوة والفتوة، فتسلموه في صباح كل يوم، وأرادوه على المشي ~~ساعتين في الأحياء الوطنية، وأكرهوه على أن يفشي السلام، ويومئ بالتحية لكل من لقيه؛ حتى ~~إذا جهد به ردوه فأجلسوه في البهو، وفتحوا الأبواب بين يديه، وكلما دخل عليه زائر ~~بعثوا وجهه بالهشاشة، ويديه بالتحية، ولسانه بنحو: «أهلا وسهلا ومرحبا. زارنا النبي. ~~شرفتنا. آنستنا ...» إلخ، ثم صفق بيديه فدعا بالقهوة وعرض على الزائر «نرجيلة»، فإذا ردها، ~~قدم له سيجارة فسيجارة فثالثة. فإن كان الضيف موظفا سأله عن عمله ودرجته ومرتبه، وأظهر له ~~التوجع على تأخره وتقدم أقرانه، وإن كان زارعا أقبل عليه فسأله عن القطن وما عسى أن يكون ~~قد اعتراه من الآفات، والمناوبات وشح المياه ومناطق الأرز وإطفاء الشراقي وسعر كيلة البرسيم ~~اليوم! ... وإذا حضر وقت الغداء - وهنا الكلام - وهم الضيف بالانصراف، أمسك بطرف ثوبه وعزم ~~عليه ليتغدين معه. وحلف جاهدا أنه لا يجد في ذلك كلفة، ولا يتجشم في سبيله مشقة. وأنا بعد ~~ذلك ضامن لدولة الباشا أن الضيف منصرف غير لابث، معتلا بالمرض وضعف البنية، أو بالضيف ~~ينتظره في داره، أو غير ذلك من وجوه التعاليل، ولا يحتمل الباشا من هذه «الكركبة» ms014 كلها إلا ~~حسن الذكر وسيرورة الأخبار، بما له من رائع الآثار، فإذا ذكرت الشجاعة قالوا إنه عنتر عبس، ~~وإذا ذكر الحلم حلفوا أنه الأحنف بن قيس، وإذا عرض حديث المكارم، أقسموا أنه أجود من حاتم، ~~فإذا كان الكلام في الفصحاء والمقاول زعموا أنه أخطب من سحبان وائل. # فأما إذا ظل سابحا في السماء، فما أقل حظ أهل الغبراء من عدلي باشا في الزعماء. # | سعد زغلول باشا # رزقه الله بسطة في الرزق والجاه، فهو ملء العيون، ملء الصدور. بلغ في دنياه ما دون التحية، # 1 # وأدرك ما وراء الأمنية. إذا غشي مجلسا وفيه قوم جلوس، رأى القوم أنفسهم وقوفا ~~ولم يريدوا، وتنحوا عن الصدر ولم يقصدوا، وخاطبوه بالرياسة ولم يتعمدوا، ورأى سعد نفسه ~~رئيسا ولم يتطلع. فما جلس سعد مجلسا فأقيم عنه لغيره. وكذلك كان يقول الأحنف عن نفسه. ~~فسعد طالب العلم الخامل الذي لا يعرفه غير شجرائه، وسعد الزعيم النابه الذي تعرفه الأعاظم ~~والعظائم سواء. # إذا وقف سعد يخطب الناس، وثبت الألفاظ من مكامنها، وأسفرت المعاني عن وجوهها، وتغايرت في ~~السبق إلى ذهنه ولسانه، فلو أن كاتبا كتب ما يرتجله ذلك الخطيب؛ لوقعت منه على أسلوب سري ~~رائع ينقطع دونه تنميق الأقلام. فإذا جلس سعد إلى الإنشاء، وقعت منه على أسلوب لا يغبط عليه ~~كاتبه، فلو أن حالفا حلف أن سعدا الخطيب هو غير سعد الكاتب لبرت يمينه. # يطلع سعد على الناس وهم يرتقبون طلعته ارتقاب المدلج # 2 # الحائر طلوع القمر، فيدانيهم وهو يكاد يتهدم ضعفا، على وجهه تجاعيد من أثر ~~السنين، فلا يكادون يتلقونه بالتهليل والتصفيق حتى ترى ذلك الشيخ وقد طوى ماضيه القهقرى ~~فالتقى بشبابه وكأنما وثب من الشيخوخة إلى الصبا، وإذا بتلك التجاعيد وقد امحت، وتلك ~~الأسارير وقد أشرقت، فيخطبهم ما يشاء، حتى إذا أفاق من سكرة ضعفه وأسكر سامعيه بخمر فصاحته، ~~انكفأ بين التصفيق والهتاف إلى داره، فقضى فيها ساعة أو ساعتين من ساع الشباب، ثم عاوده ~~الضعف شيئا فشيئا حتى يدخل في شيخوخته كما كان. ms015 ومن لم يعرف ذلك الرجل العظيم الذي علت ~~سنه وتكامل تمييزه ولم يلابسه في أطوار حياته، لا يشك في أنه إنما كان يتمارض «أو يتصنع ~~المرض كما يقولون.» # ارتاح سعد لمهنة المحاماة لأجل الخطابة، وارتاح للزعامة لأجل الخطابة، وهو يرتاح لكل ما ~~فيه منفذ للخطابة. ولا غرو، فقد من الله عليه بموهبة عظيمة لا يمن بها على كثير من ~~عباده، فهي لا تفتأ تتطلع للظهور فأنى أصابت منفذا أطلت منه، فلو أنك عرضت على سعد ملك ~~الرشيد على أن يهجر الخطابة لنأى عنه بجانبه، ولرجع مهرولا إلى الزعامة، فإن أفلتته فإلى ~~المحاماة. # نقل إلي بعض خاصته الذين يحجبون بابه أنه استأذن يوما لوفد من الوفود، وكان سعد في ذلك ~~اليوم لقس # 3 # النفس، متبرما بالناس لكثرة ما لاقى منهم، فقال له: اعتذر، فقال إنهم يلحون، ~~قال: فأذن لهم على أن يسلموا وقوفا وينصرفوا، فأدى إليهم الرسالة ودخلوا، وأقسم لي ~~الحاجب أنهم لبثوا في حضرته ساعة وبعض ساعة وهو لا ينقطع عن الخطابة. # كنت بحضرته يوما، وقد مثل أمامه وفد من الوفود فمد بصره إليهم، وقال: من خطيبكم؟ فلما لم ~~يصب فيهم خطيبا كاد يعرض عنهم لولا حاجته إلى مناصرتهم. # لذلك تقربت إليه الوفود بالخطباء، وشاع في نفوس النشء حب الخطابة تشبها بسعد، فكثرت ~~الخطباء، وفي كثرتهم مظهر من مظاهر النهضة الوطنية المباركة، فسعد مدرسة لا تقفل أبوابها، ~~يؤمها الطلاب من أنحاء القطر. # إنه يتشدد في الحق ولا يترخص فيما يعتقد أنه حق، ذلك كان شأنه قبل الزعامة، فلما ملك يومه ~~وأصبح الزعيم الأكبر، أبت عليه طبيعة السياسة أن يأخذ دائما بذلك التشدد، فهو إذا وقفت به ~~الحربية بين الصواب وبين هوى العامة، لا يلبث أن يعدل إلى الثانية تمكينا لسلطانه عليهم. ~~يفعل ذلك، وهو يعدها في نفسه على نفسه قبل أن يعدها خصومه عليه. # ودعاك حسدك الرئيس وأمسكوا # ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا # خلفت صفاتك في العيون كلامه # كالخط يملأ مسمعي من أبصرا # نزل سعد إلى ميدان السياسة وهو يظن أنها ms016 كالقضاء سبيلها الحق والعدل، فلما خاض غمارها ~~ورأى ما راعه فيها من أساليب المداجاة وأفانين الخداع هم بالنكوص. لولا أن إيمانا رسخ في ~~قلبه ويقينا ملأ أنحاء نفسه ، أن صاحب الحق هو صاحب الغلب، حملاه على الثبات فتدرع بهما، ~~ووطن نفسه على الكفاح، وقصاراه أن يشهد بعينه دستور مصر وقد سلم لمصر، وأن يرى وطنه ~~مستقلا تحت ظل الله، فهو يعمل لهذا المقصد الأسمى. ولشد ما يتكئ في هذا العمل على نفسه، ~~وما كان ذلك لضعف في ثقته بمن حوله، ولكنه رجل قد بني على الجد والعمل. # أبت الناس إلا أن سعدا ضيق الصدر. وكيف لا يضيق صدره وإن كان رحيبا وهو مدفوع بحكم ~~الزعامة أن يقابل كل من يصبه عليه أفق السياسة من الزائرين والقاصدين. وفيهم ثقيل الظل جامد ~~النسيم، والملح الذي يكاد يستل بإلحاحه خيط النخاع، والمتربح بزيارته، وذلك الذي تخرج من ~~حديثه ركضا إلى طبيب الآذان، وذلك الذي يقتلع الكلام من فمه اقتلاعا حتى لكأن نفسك تطلع ~~منه على حشرجة، لا على استماع حديث. دع الجاهل المتصدر، والأمي الذي يدعي فهم ما غاب عن ~~بسمرك من السياسة، وما خفي على نابليون في تعبئة الجيوش من الكياسة. وإن جلسة واحدة إلى ~~الشيخ «فا ...» لتبغض الحلم إلى الأحنف، ولتزهد الزعيم في كرسي الزعامة. ولو أن أعداءنا فطنوا ~~لذلك، لرموا سعدا في كل يوم بمثل هذا البغيض حتى يفر من الميدان، ونخسر بفراره قضية ~~الأوطان. # دخل عليه ذات يوم في داره بمسجد وصيف شاب من المفتونين، فسلم عليه سلام الأكفاء، وجلس معه ~~على بساط المساواة، ولم يحتشم ذلك المفتون في جلسته، فقد جعل يصفر بفمه ويلاعب الجو بسلسلة ~~ذهبية كانت في يده، ولما قضى شهوته من العبث بحضرة ذلك الشيخ الجليل، التفت إليه وقال: ~~يقولون إنك خشن الملمس، قريب الغضب، ولا أرى فيك إلا حليما. فأجابه سعد وعلى فمه ابتسامة ~~الكاظم لغيظه: وكأنك ما جشمت نفسك السفر وجئت لي إلا لتستثير غضبي! قم فلست هناك. # وزاره في بدء الحركة الوطنية ms017 أحد المتطرفين، فتجادل في أمر من الأمور وحمي الجدال، فأغلظ ~~المتطرف القول، فقال له سعد: أتجبهني بمثل هذا وأنت في بيتي! قال: لم أكن في بيتك! قال: ~~ففي بيت من إذن؟ قال: في بيت الأمة. فسري عن سعد وقال له: صدقت إنه بيت الأمة! ومن ذلك ~~الحين أصبح بيت سعد بيت الأمة. # وإن صدرا يتسع لما يضيق عن بعضه صدر الدهر لخليق أن يسمى حامله حليما. # وهو كثير الذهاب بنفسه، ولم يجئه ذلك من ناحية الزهو كما يزعمون، ولكن جاءه من ناحية ~~التمكن من النفس. # جلس إليه أحد أقرانه، وكانت بينهما وحشة لشيء قد بلغه عنه، فقال له سعد وهو يحاوره: اعلم ~~يا هذا أنني معجب بنفسي، وكيف لا أعجب بنفسي وأنا لا أرى من يعمل غيري. # يسره أن يؤكل طعامه، وأن تغشى داره، ولكن قلما يسره أن يخالف رأيه، اللهم إلا إذا لمح ~~بعين بصيرته أن من وراء تلك المخالفة إجماعا. # يجلس سعد إلى مناظره وفي يد مناظره الحجة قائمة، فلا يزال به يستلها من يده شعرة شعرة، ~~حتى تصير الحجة في يد سعد فيقيمها على مناظره. # يسوءه النقد إلا إذا كان نزيها، وأنى لهذا البلد بالنقد النزيه! إن سعدا يكلف الناقدين ~~شططا، أنسي أن نصيبه من ذلك نصيب كل نابغة مشهور، وكل عظيم مذكور. وقد جاء في الأمثال: إذا ~~قيل عنك إنك نابغة، فودع الراحة. # نشأ سعد وفي ثوبه عظيم، كان في المحاماة رأس المحامين، وكان في القضاء رأس القضاة، وكان ~~في الوزارة رأس الوزراء، ولم يكن في كل أولئك بالرئيس الرسمي، اللهم إلا في وزارته ~~الأخيرة. # فسعد عظيم وهو ابن عشرين، وفوق العظيم وهو ابن سبعين. وقد قال أديب من صفوة أدباء مصر: # عظماء الرجال أمثال الجبال، لا تنتقص الكهوف ما لها من العظمة والجلال. # حافظ إبراهيم # | عبد الخالق ثروت باشا # لطيف الحجم، دقيق الجسم، لولا بدونة دخلت عليه في السنين الأخيرة، طلق الوجه، عذب الروح، ~~فكه الحديث. ولو أنه قدر لك أن تصحبه عشرين عاما دون ms018 أن يقيض لك اسمه، ما عرفت قط ~~أنك في صحبة هذا الذي لا يبلغه العجب. # ويترك في الدنيا دويا كأنما # تداول سمع المرء أنمله العشر # فلقد تحضر مجلسه ، فيقبل عليك يحدثك فلا يرتفع بك إلى نفسه، وإنما يتدلى بكل حديثه إلى ~~نفسك، فتراه يدارجك في قولك، ويكلمك من جنس كلامك، ويباريك على قدر فهمك حتى تنصرف عنه وقد ~~هيأ لك وهمك أنه مثلك، هذا إذا لطف الله بعقلك فلم يهيئ لك أنه دونك! # وإنه إذ يتحدث إليك لتختلج معارف وجهه حتى ليتمثل لك في شخص تلميذ في السنة الرابعة ~~الابتدائية! وإن حدقتيه لتضطربان في حركة أفقية، على أنك لو تفطنت لأدركت أنها ليست حركة ~~الحائر المتردد، بل إنها لحركة المتعرف المتقري الذي يريد أن يستل منك ذات نفسك. وإنه ~~ليجسها من جميع أقطارها؛ ليبلوها أيها أهون عليه. # ولقد يخيل إليك لطف ثروت، وتبسطه في حديثه معك، أنك مستطيع أن تدسه في جيبك، إذ هو قد دسك ~~من أول المجلس تحت نابه! فاحذره أطلق ما يكون وجها، وأنعم حديثا. # أبو الهول: # لي في ضمير الدهر سر كامن # لا بد أن تستله الأقدار # لعل ثروت باشا أبعد المصريين نفسا، وأعمقهم ضميرا، وقد حدثني من طالت به صحبته أنه من ~~شباب سنه قد جعل يمرن نفسه على إخفاء نياته، ويأخذ معارف وجهه بألا تنم على ما في قرارة ~~نفسه، وإنك لتحدثه في الجلى ويحدثك فيها وهو متطلق الوجه ضاحك السن حتى ليكاد يملأ عليك ~~المجلس أنسا ومراحا، والله وحده يشهد ما في جوف هذا الهيكل من ثوائر تهد أعصى الرجال، ~~وتدك أشمخ الأجبال، حتى لقد دعاه بعض أصدقائه، وهو ما برح في مطلع مناصبه «بطرس ~~المسلمين»! # ولقد بالغوا في صمت أبي الهول وقدروا أن من خلف هذا الوجوم الطويل سرا طويلا. أما ~~ثروت، فإنه أحذر من أبي الهول وأحرص على دخيلة نفسه؛ فإن وجهه الضاحك منك لا لك ليقنعك بأن ~~هذا الخلق لا يحقن من السر كثيرا ولا قليلا. # ولو أن إنسانا حدثك ms019 بأن لسان ثروت لم يسقط من ثلاثين سنة بكلمة واحدة لا يريد هو أن ~~يطلقها بكل معناها، وما تتصرف إليه من وجوه المغازي، لما كان في قوله متزيدا ولا ~~غاليا. # ولقد تعوزه موهبة الخطابة والتفجر بالقول، على أنه إذا ارتجلت عليه طارئة خطاب الجمهرة ~~أرسل الكلام، في أدق المواقف وأحرجها، بليغا سلسا نيرا، يروعك برشاقته في التحرف عن كل ~~ما لا يؤذن به للسياسي وإن فسح فيه للخطيب. # وهو بعد رجل حسن الملقى، كريم المقال، وافر الأدب. # جم التواضع والدنيا بسؤدده # تكاد تهتز من أطرافها صلفا # وإنه ليقبل عليك بكل ما عنده من الرقة وإظهار المودة وشدة المواتاة، حتى لتجدنه قد أصبح ~~قطعة من قلبك، ولتحسبن أنك أصبحت أيضا قطعة من قلبه، ولعلك لست منه في شيء أبدا! # وسبحان من قسم الحظوظ، فلو أن لي أمنية في خلق الله لتمنيت عليه تعالى أن يمزج عدلي ~~بثروت، على نحو ما تمتزج بعض النقابات والبنوك، حتى إذا اتحدا وتمت «لخبطتهما» أحدهما ~~بصاحبه، شق هذه العجينة إلى شخصين، وسوى منهما رجلين، إذن لخرجا أحسن الرجال، ولتحقق كل ما ~~عقد بهما من الآمال، اللهم آمين! ... ~~••• # وقد بدت مخايل النجابة على عبد الخالق ثروت طفلا، حتى إذا استوى لسن التعليم سلك في ~~المدرسة التوفيقية، فكان يملك «الأولية» غالبا على سائر لداته التلاميذ، وأحرز ~~«البكالوريا» في سنة 1888، وخرج في أوائل من أحرزوها لعامه. وقد حدثني من رآه تلميذا في ~~مدرسة الحقوق يزور مع والده المرحوم إسماعيل باشا عبد الخالق عالما من أجل علماء عصره، ~~فإذا هذا الفتى يجادله في أمور من أمور الدين مجادلة الأكفاء، ويحاوره في تعاليل أحكامه ~~محاورة النظراء، حتى انبعث لسان الشيخ العظيم بتسبيح من خلق هذا الغلام! # وبعد إذ تخرج في مدرسة الحقوق نابغة رائعا، اتصل بلجنة المراقبة القضائية، وعين سكرتيرا ~~للمستشار القضائي، فكان كل التشريع المصري قرابة ثلاثين سنة من وضع عبد الخالق أو باشتراكه، ~~فليس عجيبا أن يدعى عبد الخالق ثروت في هذا البلد أبا القانون. # وكان مستشارا في الاستئناف، ms020 وكان مديرا لأسيوط، وكان نائبا عموميا، ثم كان وزيرا ~~للحقانية في وزارة رشدي من صدر سنة 1914 إلى صدر سنة 1919، ثم استقال مع صحبه الذين ~~استقالوا مشايعة للثورة وحفاظا لنهضة الوطن. فكان في كل المناصب التي وليها لا يعمل إلا ~~بالقانون، ولا يؤثر إلا حكم القانون مهما اختلفت عليه ألوان الاعتبارات، فقد اتصل القانون ~~بعصبه وجرى في نفسه مجرى دمه، ولعل ما أخذ به ثروت باشا بعد إذ اضطلع بأثقل عبء سياسي من ~~تردده في بعض مواطن الإقدام، إنما كان الوزر فيه كله على حرصه على القانون، وتحريه ألا ~~يتحرف عنه في كل مذاهبه، فإن للسياسة أحيانا سبيلا غير سبيل القانون، وعلى كل حال فإذا ~~عدت السياسة هذا على ثروت، فسيعتدها له النبل ومعالي الخلال. # وكان ثروت وزيرا للداخلية في وزارة عدلي باشا «سنة 1921»، وقائما مقام رئيس الوزراء في ~~أثناء غيابه في مفاوضة اللورد كرزن، فلما قطع عدلي باشا هذه المفاوضات عاد إلى مصر، فقدم ~~استقالة الوزارة. واستوحش ما بين مصر وإنجلترا، وسكت المنطق من حيث تكلم الحديد والنار، ~~وانطلقت القوة تفعل في هذا البلد ما تشاء، وفتنت الأحلام في مصر وإنجلترا معا، وعميت على ~~الناس مذاهب الرأي هنا وهناك. ولا بد من حل، فلكل سائلة قرار، فأبى داهية الرجال أن يكون ~~هذا الحل على حساب الضعيف! ... # لا أدري، ولعل أحدا - غير الله - لا يدري كيف كان أبو الهول يقلب الرأي، وما كانت ~~تجن خلجات وجهه من فنون الحيل، حتى إذا استوى له الرأي كله تجمع، فضرب تلك الضربة ~~الهائلة التي صدعت قيود مصر وأطلقتها في الدول دولة مستقلة ذات سيادة وسلطان، وسرعان ما ~~آذنت إنجلترا الدول بانتهاء حمايتها على مصر، وسرعان ما آذنها جلالة الملك باستقلال البلاد. ~~وشرع ثروت باشا يسن للدولة دستورا قويا؛ لأن مصر الفتاة تأنف العيش إلا في كنف ~~برلمان. وهذا البرلمان يعمل وسيعمل إن شاء الله حتى تحيا مصر أعلى الحياة. # على أنه ما برح بيننا وبين إنجلترا مسائل جليلة، وإن رجالا فيها ليتربصون الفرص ms021 ~~ليتحيفوا من حقوقنا، فما أحوجنا في أمرنا معها إلى عزم الأبطال. وما كان الله ليخيب رجاء ~~مصر وفيها سعد، وفيها عدلي، وفيها ثروت، وفيها من يحف بهم من رجالات عظام. # فلتحي مصر ولتبلغ كل أمانيها في ظل ائتلافها النبيل. # | إبراهيم الهلباوي بك # ما صدق أولئك النفر من العلماء حين زعموا أن هناك تشابها بين النفس والجسم، وتشاكلا بين ~~الروح والهيكل الذي يحتويه، وإلا كان الهلباوي هذا من أحلى الناس وجها وأبهاهم طلعة؛ فإنه ~~ولا مرية من ألطف خلق الله نفسا وأخفهم روحا. # شيخ يتزاحف على السبعين إن لم يكن قد اقتحمها فعلا. لم توجه الطبيعة أية عناية في تكوينه ~~إلى شكله ودله، فإذا أنت جلست إليه مع هذا خلبك بلطفه، وشعرت بأنه تسرب في كل نواحي قلبك ~~حتى أصبح قطعة من نفسك. وإنه ليذكرك بخفة روحه التي تكاد تطير، أثناء حديثه، بأطراف جسمه - ~~قول أبي تمام: # ماذا تقولين في شيخ فتى أبدا # وقد يكون شباب غير فتيان # وأنا إذا تحدثت عن الهلباوي أشعر ويشعر الناس معي، برغم أنفي وأنف غيري، أننا في رجل غير ~~عادي، أو بعبارة أخرى: في رجل عبقري. # ولعله لم يفترق الناس في هوى امرئ - إذا استثنينا إسماعيل باشا صدقي - افتراقهم في ~~الهلباوي، فقد عاش مدى عمره يحبه الناس أشد الحب، ويبغضه ناس أشد البغض، إلا أن هؤلاء ~~وهؤلاء لا يسعهم جميعا إلا التسليم بأنه رجل عبقري، بل لعله لم يجتمع له في القلوب كل هذا ~~الحب وكل هذا البغض، إلا لأنه رجل عبقري! # ثورة في هيكل رجل! # طويل القامة، عظيم الهامة، بائن الطول، مفتول العضل، شديد المنة، # 1 # قوي البنية. رأيته يخطب الناس عصر يوم قدم في صباحه من أعلى الصعيد. والهلباوي ~~إذا خطب خطب بكله: بلسانه، وبعقله، وبنخاعه، وبعصبه، وبرأسه، وبيديه، وبرجليه أيضا! وله ~~صياح يقد أصفق الحناجر. ثم تدلى عن المنبر بعد أربع ساعات كاملات في كل هذا البلاء ~~وهو أشد وأفتى من أكثر من سمعوه إن لم يكن أفتى ممن سمعوه جميعا. وما ms022 شاء الله كان! ~~... # شديد العقل، حاضر البديهة، قوي الذاكرة، ملتهب الذكاء، على أنني لا أدري أتفي كل هذه ~~بحاجات لسانه أم لا؟! ... # محام أي محام، وخطيب أي خطيب! لقد يقف في الجمهرة والناس أكثرهم على غير رأيه فيما يجول ~~فيه، فما يزال يدور على مواطن إحساسهم يجسها من ههنا ومن ههنا في رشاقة وخفة قول، ولطف ~~شاهد، وبراعة نكتة، حتى إذا آنس من الآذان تطامنا من جماح، واسترخاء بعد عصيان، هجم منها ~~بكله على النفوس، فظل يهزها هزا، ويرجها رجا. فما الفحل إذا هدر، ولا الليث إذا زأر، ~~ولا البحر إذا زخر، بأشد صولة على الأسماع من الهلباوي يتدفق في الكلام، فما يروعك من هذه ~~الجماهير الواجمة إلا أن تراها، برغمها، قد أرسلت حناجرها بالهتاف، وبعثت أكفها ~~بالتصفيق! # والهلباوي خطيبا يشتري هوى سامعيه بأي ثمن: فهو يجد ويهزل، ويثب ويحجل، ويضحك ويبكي، ~~ويعلو ويسف، ويثقل ويخف، ويكثف ويشف، وينظم الدرر، ثم يرمي بالشرر. وبينا تراه في وداعة ~~العصفور، إذا به في شراسة النمور. كذلك يتشكل هذا الشيخ في خطبه ويتلون لكل مواقع ~~الكلام! # وإذا كان الهلباوي خطيبا عظيما فهو ممثل أعظم! ~~••• # نجم الهلباوي من أسرة في الغربية كريمة العرق، إلا أنها رقيقة الحال، فلما يفع قذفت به ~~إلى الأزهر، فعكف على مدارسة علومه، وقد عرف بين لداته، من صدر أيام الطلب، بالفطنة وحدة ~~الذهن والإكباب على تحصيل الدرس. وعلوم الأزهر، كما تعرف، تقوم على الجدل والمكاثرة بألوان ~~التدليل، وكان الهلباوي فوق «أزهريته» تيك، عنيدا في رأيه، ملحا حتى على أشياخه في ~~حواره، جريئا على مخاصمتهم في كثير مما تسقط عليه أفهامهم في مذاهب الكلام. # وهبط المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني مصر، فاتصل به الهلباوي كما اتصل به كثير من أهل ~~المواهب والذكاء، وكان يعلمهم مسائل من الحكمة، ويلقنهم فصولا من فلسفة اليونان كما نقلها ~~العرب عنهم. وقد مد السيد الأفغاني أذهان طلبته إلى كثير مما يحيط بهم، ففجر عقولهم، وجرأ ~~قلوبهم، ودرب ألسنتهم على المنطق والمغالبة بفنون الجدل، وعودهم الجهر ms023 بالرأي دون الخوف من ~~أحد. وفي ثنايا هذا كله كان يبعث في نفوسهم دعوة سياسية جريئة. # وخرج الهلباوي بعد هذا إلى ميدان العمل، فاتصل اتصالا أوفى بالبيئات التي تفهمت حياة ~~الغرب، وتروت علومه الحديثة، وأخذت أحلامها بمنطقه الطريف. وهكذا أصبح الهلباوي خليطا من ~~كل ما تقلب فيه من أطوار الحياة! # وما اجتمعت هذه الأسباب كلها في نفس إلا اضطرمت وثارت، فلا تعود تستريح إلى قرار. فلا عجب ~~إذا كان الهلباوي ثورة دائمة في هيكل رجل، والبركان دائم الفوران، فهو ينفجر من حين إلى حين ~~وإن احتقن إلى حين. # ولقد يكون ما يظنه كثير من الناس ترددا في الهلباوي أثرا من آثار هذه الثورة النفسية، ~~فإن الثورة لا تعرف نظاما ولا تستوي في شبوبها لطريق. # ولعل موقفه يوم دنشواي كان مظهرا من مظاهر هذه الثورة، على أنها هذه المرة كانت أدنى إلى ~~تحدي الجمهور منها إلى ما اعتاد من تحدي السلطاء من أهل الحكم، وفي كل حال فقد كانت منه ~~كبيرة، ولعلها كانت سقطة الرجل العظيم. # على أن أحدا لم يجرؤ على أن يحيل تردد الهلباوي، الذي قالوا، على طلب منفعة شخصية من ~~منصب أو جاه أو مال. ~~••• # وقد صحب القضاء المصري الحديث، ودارجه من أول نشأته إلى اليوم، فلم تكد تقع قضية ذات شأن ~~في البلاد إلا دعي لها الهلباوي، فافتن وأبدع، وله في هذا الباب جولات معدودة له على وجه ~~الزمان. فلا عجب إذا عد صحيفة من أحفل صحف القضاء المصري وأظهرها حواشي ومتونا. # وقضى هذا الزمن الطويل محاميا واضحا أمينا مجدا في عمله، حريصا على أداء واجبه، لم ~~تحص عليه كرة واحدة مما يخمش وجه المحاماة. # ثم هو في علاقاته الشخصية شديد التوافي لأصدقائه، حريص على مودتهم، لا يقصر في أداء أي ~~واجب لأي كان منهم. ولا أحسب الهلباوي قد عادى أحدا أو عاداه من الناس أحد إلا في شأن ~~عام. # وإني كلما جاش في نفسي الحقد على الهلباوي بك، هرولت إلى مجلس النواب فشفيت صدري برؤيته، ~~بعد ms024 كل ذلك! وقد امتثل حقا لحكم النظام، فهو يرفع إصبعه بطلب الإذن كلما أراد القعود أو ~~القيام، وكلما أراد السكوت أو الكلام، وكلما طلع أو نزل، وكلما عطس أو سعل ، وكلما تحرف أو ~~تخطى، وكلما تثاءب أو تمطى، وكلما دلك أكارعه، أو فتل أصابعه. ولا بد من الخضوع والطاعة لكل ~~من ينتظم في سلك الجماعة، وإلا ساء النظام، واضطرب حبل الأحكام! # وكذلك أخمدت الحياة النيابية هذه الثورة الشيخة الفتية. # وإني إذا لم أصفه في موقفه الجديد بأنه أصبح «كالوحش يستدنيه للقنص المحل»، فإني أقول له: ~~«ولا بد دون الشهد من إبر النحل!» # | الدكتور محجوب ثابت # لا شك في أن الدكتور محجوب ثابت يعد بحق، في ميراثنا القومي، ولو - لا أذن الله - جرى ~~عليه القدر، لكان لا بد للأمة من «دكتور محجوب ثابت» بأي طريقة من الطرق. نعم، هو في ~~ميراثنا القومي لا يقل عن آثار سقارة، وجامع السلطان حسن، ومقابر الخلفاء. ولقد أصبح على ~~الزمان جزءا من تقاليدنا الأهلية كحفلة المحمل، ووفاء النيل، وركبة الرؤية، وشم النسيم! ~~ولما فكر المرحوم محمود بك رشاد في جعل العلم المصري محلى بصور بعض الآثار القديمة، فرعونية ~~وإسلامية، لم ير المصور بدا من أن يرسم بجانب الهرم وأبي الهول وجامع برقوق وحضرة سيدي ~~أبي السعود، صورة الدكتور محجوب ثابت. # والدكتور في المصريين كإنجلترا في الأمم، كل منهما يرى عليه للآخرين تبعات لا تنقضي على ~~وجه الأيام! فإذا كان الكلام في النيل وما عسى أن يجتازه عن مصر خزان مكوار تولى «الدكتور» ~~الكلام، وملكه على جمهرة المهندسين! وإذا كانت الثورة تصدر الدكتور لجنة الوفد المركزية، ~~وكلما انتشرت في البلد مظاهرة كان ناظورتها # 1 # الدكتور، وكلما ساروا «بضحية حرية» كان الدكتور أول المشيعين، فإذا كان اجتماع ~~في الأزهر كان الدكتور فارسه المعلم وعذيقه المرجب. فإذا تعانق الهلال والصليب، استأثر ~~الدكتور من عناق الأب سرجيوس بأكبر نصيب. # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # فإذا وجد دهماء المصريين على الأرمن، وهم بعضهم بإيقاع الأذى بهم، ms025 طاف الدكتور بعربته ~~«ومكسوينيه» على دورهم فنقلهم وعيالهم وأثاث بيوتهم إلى مأمنهم. فإذا غضب الأروام من أن بعض ~~الرعاع أصابوا منهم على وهم أنهم أرمن، شخص الدكتور في الركب الحافل إلى دار قنصلهم فخطب ~~جمعهم باسم مصر ومادهم حبال المودة، وعقد معهم، باسم الأمة والحكومة أيضا، فنون المعاهدات. ~~وإذا كان جمع الأموال للوفد أغلق الدكتور عيادته «بالضبة»، وهاجر إلى قنا فلبث الأشهر ~~الطوال يجمع ما تحتاج إليه القضية من جليل الأموال. فإذا كانت مشاكل العمال أبى الدكتور إلا ~~أن يتفرد بها من دون الناس جميعا، فانتفض نقيبا لعمال العنابر، ولفافي السجاير، وسواقي ~~الأتومبيلات، وشيالي المحطات، وندل # 2 # الفنادق والقهوات، وجميع طائفة المعمار، وأصحاب الحوانيت من كل بدال وبقال ~~وجزار، وعمال المطابع، وكناسي الشوارع، وصناع الخيم، ومساحي «الجزم»، ولو فكرت طوائف ~~الجرذان والسنانير، وجماعات الجعلان والصراصير، في أن تتخذ لها نقابات، لتمثل الدكتور ثابت ~~فيها خطيبا، ثم استوى لها بفضل الله نقيبا! # وفي الحق إن الدكتور يرى نفسه مسئولا عن كل ما في البلد من هابط وصاعد، وقائم وقاعد، ~~وغاد ورائح، وسانح وبارح، ودارج على متن الغبراء، وسابح في جوف الماء، وطائر في جو السماء. ~~فإذا كانت هنالك منطقة خارجة عن اختصاص الدكتور محجوب فهي عيادته فقط! ذلك بأنه ليس برجل ~~أثرة، بل هو رجل إيثار، يعنى من أمر قومه بكل دقيق وجليل، أما خاصة شأنه فلا يعنيه ~~منها كثير ولا قليل. # ولا أحسب رجلا في مصر ولا في إنجلترا مشغولا بالسودان شغل الدكتور ثابت، # 3 # فحديث السودان يجري منه مجرى النفس، ولو هيئ له، أو لو هيئ لك أنت، على الأصح، ~~أن تستمع له لحدثك في شأن السودان ثلاثين عاما متصلة لا ينقطع ولا يتحبس، ولا يتلجلج ولا ~~يتلعثم، ولا يمل ولا يكل، ولا يبطئ ولا يزل. # وللدكتور في مشكلة السودان نظرية طريفة جدا، فإنه يرى أن كل العقدة فيها إنما هي في ~~إقناع المصريين وحدهم بقبوله وإدخاله بلا قيد ولا شرط في ملكهم الخالص، فهو كلما رأى رجلا ~~أو ms026 امرأة أو صبيا أو وليدا أقبل عليه «يقنعه» في قوة وحماسة بقبول السودان، وتدفق ما شاء ~~الله أن يتدفق بألوان الحجج لحق مصر في السودان وحاجة مصر إلى السودان، وما أنفقت مصر على ~~فتوح السودان، ومن أبلى من أبناء مصر في حروب السودان. ولو أن رجلا مسح السودان شبرا ~~شبرا، وذرعه فترا فترا، ما كان أعلم به من الدكتور ثابت، على أنه لم يره ولم يزره طول ~~حياته مرة واحدة. وقال له بعضهم يوما: لقد جعلت السودان شغلك يا دكتور حتى أصبحت رمزه في ~~هذه البلاد، فهلا زرته وتفقدت أهله؟ ففتل عثنونه وقال: لا حاجة بنا إلى هذا، فقد عرفناه ~~وخبرناه ... ولا أدري أكان هذا من الدكتور ورعا أم كسلا! # ويظهر أن الدكتور ظن بعد لأي أن المصريين غير مقتنعين بضرورة «أخذ» السودان، فشخص إلى ~~سوريا ليقنع أهلها بضرورة «أخذ» المصريين للسودان! فقد بلغني أن ذلك كان حديث الدكتور هناك ~~في مسائه وصباحه، وغدوه ورواحه، وموضوع مفاكهاته وأسماره، في مقامه وتسياره. # ورأى الدكتور في «أخذ» السودان أبدع من رأي ذلك الفلاح المكاري، إذ قال لإخوانه يوما: ~~كيف لا تهنئوني؟ فقالوا: بماذا؟ فقال: بأنني سأتزوج بنت السلطان! فقالوا له: وهل قضي الأمر؟ ~~قال: بل نصفه، فإنني وأبي قد رضينا ولم يبق إلا هي وأبوها! ... أما الدكتور - أعزه الله - ~~فإنه لا يرى بين المصريين وبين أخذ السودان كاملا بلا قيد ولا شرط، ومن فوقه ملحقاته ~~وملحقات ملحقاته، إلا أن يرضوا هم! ... وقد قلت له يوما: ألا جعلت بعض همك إقناع الإنجليز ~~أيضا بترك السودان لأصحابه المصريين؟ فأجابني بكل قوة وثقة: لا! ما يقولوش حاجة! # حقا، إن هذا الرجل أمة وحده، وإنه لعبقري لا يتدلى إلى منطق الناس وأسباب تصورهم، فإن ~~له قياسه وتقديره، وله منطقه وتفكيره، وله أسلوبه وتدبيره. وأظهر صفاته في هذا الباب أنه لا ~~يحفل بما لا يسمونه الواقع كثيرا ولا قليلا، فحسبه أن يشتهي الأمر فيقدره واقعا، أمكن ~~ذلك الأمر أو استحال، ومثله من تخيل ثم خال. ولقد كان ms027 في سنة 1921 يسعى جاهدا في أن ينتظم ~~عضوا في الوفد المصري، وقد وسوس له شيطان من الإنس بأن عدلي باشا فكر في تعيينه مستشارا ~~في الوفد الرسمي لولا أن انتهى إليه أن سعد باشا سيلحقه بالوفد المصري، فكان جوابه على ~~الفور: مافيش مانع يا سيدي! وهكذا طمع الدكتور في أن يكون عضوا، معا، في الوفدين ~~المتقاتلين سنة 1921! # وأذن الله ودخل الدكتور في الوفد المصري طبعة ثالثة أو رابعة بعد ما عصفت القوة بجلة ~~رجاله سنة 1922، ثم بدا له، لأمر ما، أن «يشلحه» فكانت تخرج النداءات والمنشورات ممهورة ~~بتوقيعات رجال الوفد وليس اسم الدكتور فيها، إذ الدكتور مصمم على أنه ما برح عضوا في الوفد ~~يلتمس «لعضويته» المعاذير بأنه ربما دعي للتوقيع فغاب، أو أرسل إليه فلم يبلغه الكتاب، على ~~حد قول الشاعر: # نحن قوم إذا دعينا أجبنا # وإذا ننس يدعنا التط ... # ونقل علنا دعينا فغبنا # وآتانا فلم يجدنا الرسول! # وظل الدكتور برغم طول المدى وذيوع الأخبار «بشلحه» مصمما على أنه ما زال عضوا في الوفد. ~~وقد جادله بمحضري في ذلك قوم، فكانت كل حجته أن محمدا أفندي - كذا - قابله يوما فحياه، ~~وقال له: «يعني ماحدش بيشوفك يا دكتور؟!» ومحمد أفندي هذا يزور السيد حسين القصبي أحيانا، ~~فلا بد أن يكون سمع هذا من الوفد، فكيف تزعمون بعدها أنني لم أبق عضوا في الوفد؟ # هذا كلام له خبيء # معناه: ليست لنا عقول # ومن أظرف نوادره، أنه في غيبة الرئيس الجليل حدثت بينه وبين بعض رجال الوفد جفوة، فانقطع ~~عن زيارة بيت الأمة، فقيل له: إن السيدة أنيسة الرشيدي نازلة بدارك، وهي تستقل كل يوم ~~مركبتك إلى الأمة، والناس كلهم يعرفون «مكسويني» وإنهم ليرونه هناك فلا يشكون في أنك ~~الزائر! فقال: لقد نبهنا على الأوسطى «علي» إذا نزلت السيدة أن يقف على الرصيف الثاني ~~احتجاجا! # وكانوا يرشحون لمناصب المفوضين والقناصل لتمثيل مصر في البلاد الأجنبية، فتقدم الدكتور، ~~فقيل له: ولكنك حذقت الطب. أما التمثيل السياسي فشيء آخر. فقال: ومن أخبر به ms028 منا يا ولدي! ~~لقد عجناه وخبزناه، فقد كنا في «جنيف» وكان يجلس معنا أحيانا على بعض قهواتها سكرتير ~~قنصل إنجلترا وتناول الشاي معنا مرارا! ... ~~••• # والدكتور محجوب ثابت عريض الألواح بعيد مدى العظام لولا أن في جسمه رهولة، أميل إلى ~~الطول، فإذا مشى خلته أحدب وما به حدبة، ولكنه انحناء الظهر من ثقل التبعات لا من ثقل ~~السنين. عريض الجبهة إلا أن أسفل وجهه أعرض من أعلاه. يرسل سبلته وعثنونه وشعر عارضيه في ~~هيئة لطيفة مقبولة، وله عينان رقيقتان ترتسم في بياض كل منهما دائرة تحيط بدائرة حتى تنتهي ~~إلى إنسانها، وهما دائمتا الحركة والاختلاج. وهو بعد طيب القلب، مكفوف الأذى، عذب الروح، ~~حلو الحديث، ضحوك السن، يتحرى في قوله غريب اللغة، ويلتمس الشاهد من مأثور شعر العرب، وقد ~~يجيء به أحيانا مكسورا غير متزن. أما قافاته فحدث عنها ولا حرج. جزت بداره مرة فرأيت ~~بنتين صغيرتين تتلاعبان، فقالت إحداهما للأخرى: هذا بيت الدكتور، فسألتها: ومن الدكتور؟ ~~فقالت لها: ألا تعرفين الدكتور الذي يقول يا بنت هاتي القبرة! «الإبرة». # وفيه ذكاء حاد، يديم القراءة والنظر في الكتب وكأنه يحفظ بظهر الغيب كل ما يقرأ، تعرف هذا ~~من علمه الواسع الذي يكاد يستغرق كل ما في الدنيا وكل أسبابها، إلا أن علمه - مع الأسف - ~~يختلط بعضه ببعض، حتى ليخيل إليك أن رأسه «كتبخانة مدشوتة». ولو قد ملكت أمره، وكانت لي ~~بسطة في المال والسلطان لدعوت بمستشرق ألماني فني؛ لينظم هذه المكتبة العظيمة فيضم كل شكل ~~إلى شكله، ويجمع كل جنس إلى جنسه، ويرد كل معنى إلى بابه، ويصف كل فن في «دولابه». # ومن أخص صفات الدكتور ثابت، أنه لا يكاد يشعر بمرور الزمن، وإذا كان من آية يوشع أن الشمس ~~رجعت له مرة، فإن من آية دكتورنا عند نفسه أن الشمس تثبت له موضعها على طول الزمان، فأنت ~~إذا دعوته ليتناول الغداء معك أقبل عليك الساعة 5 بعد الظهر حتما في غير ورع ولا اعتذار. ~~ولقد دعاه صديق لي وله لتناول الإفطار ms029 في رمضان ولبثنا ننتظره برهة، فلما أيسنا منه أفطرنا، ~~وفي نحو الساعة الحادية عشرة أقبل الدكتور مشمرا للفطور، وما كان أشد دهشته «يقينا» إذ ~~علم أننا أفطرنا من أربع ساعات فانطلق يزمجر و«يزوم»، ويعتب ويلوم! # ومما يذكر للدكتور في هذا الباب أنه ما أدرك قط القطار الذي يعتزم السفر فيه، حتى تقرر ~~عند جميع أصدقائه أنه إذا آذنهم بالسفر إلى بورسعيد في قطار الساعة 7 صباحا شخصوا إلى ~~المحطة لتوديعه في قطار الساعة 11، وإذا آذنهم بالسفر إلى الإسكندرية في قطار المفتخر، ~~كانوا في وداعه بقطار الساعة 7 مساء. # وسافر مرة إلى الإسكندرية لوداع الآنسة سنتيا موير الصحفية الأمريكية، وأخذ تذكرة للذهاب ~~والإياب على أن يعود من يومه، فلبث هنالك قرابة شهرين ونصف شهر. # ولو قد ذهبنا نعدد لطائف الدكتور محجوب وبدائعه، لما اتسع للحديث مثل هذا المقال. وإنه ~~ليجمل بنا في موضع الإنصاف أن نقرر أن الرجل شريف النفس، عفيف الجيب، جمع للنهضة المصرية من ~~مديريتي جرجا وقنا قرابة خمسة عشر ألف جنيه، أبلغها كلها محلها، لم يقتطع منها درهما ~~واحدا حتى ولا لأجرة القطار وسائر نفقات السفر وهي غير قليلة، فضلا عما احتسب عند الله من ~~خراب الأجزاخانة، ودمار العيادة، وفرار الزباين، وسرقة شبابيك الدار. # وهو لا يتعمل للدرهم ولا يجري وراءه؟ أما إذا سقط الدرهم إلى جيبه فلا إلى رجعى، فمثله في ~~ذلك مثل المصيدة لا تجري وراء الفأر، فإذا سقط إليها الفأر، فهيهات ليس له منها فرار. وله ~~في هذا الباب أحاديث مذكورة وأفاكيه منشورة. ~~••• # وبعد، فالدكتور محجوب ثابت أمة وحده بما اجتمع له من الصفات، وما احتشد لديه من فنون ~~المعلومات، وما تكدس عليه من ألوان التبعات. وهو إذا اعتبر لنفسه حق التحدث على كل شيء، ~~والدخول في كل دقيق وجليل من شئون البلاد، فقد وجب بإزاء هذا أن يكون لكل مصري فيه نصيب. ~~وإني لأقترح على الحكومة أن تصدر قرارا بنزع ملكيته وإضافته إلى المنافع العامة، ولعلها ~~بعد العمر الطويل تجعله من نصيب دار الآثار، ms030 حتى يظل رمزا لتلك العبقرية الفريدة على طول ~~الأعصار؟ # | الدكتور محجوب أيضا1 # وإن الحديث ليحلو دائما في الدكتور محجوب راسبا في الانتخاب، وعضوا في مجلس النواب. ~~كما يحلو فيه ملحا في طلب السودان، ومشغولا عنه بالكلام في السماط والخوان. وإني لأوفر ~~هذا الحديث على عتاب صديقي صاحب «الكشكول» على قسوته هذه الأيام على الدكتور وإغلاظه القول ~~فيه بعض الأحيان. والأستاذ فوزي يداين صاحبه بقسط كبير من نجاحه في الانتخاب، فلقد طالما ~~أيده بشديد القول في جريدته القوية، كما آزره بشخصه في الإسكندرية إذ حزبه الأمر وأعوزه ~~النصير. # والأستاذ إنما ينقم من الدكتور أنه حين استوى على كرسي في مجلس النواب تكرش لسانه في شدقه ~~وتقبض. فلم يعد يهتف بالسودان، ولا بملحقات السودان، ولا بشيء مما يمني به ناخبيه، ويصدع به ~~رءوس المختلفين إلى «صولت»، وقهوة الشيشة، ونقابة العمال، ومطعم «الكوارع»، وحلواني محطة ~~الرمل، والمترددين على عيادته من كل أرمد العين، ومضروب بالفالج، ومقروح الكبد، ومن خرج به ~~جرب أو برص، وشاك مرض القلب وخفقانه، أو وجع الضرس وضربانه، ومصدورة تدارك بالعلة زفيرها، ~~وماخض علا صياحها وزحيرها. وحين أظفره ناخبوه بمقام النيابة نسي وعوده المعالجة بالسمن ~~والعسل، وخفر عهوده لأهل مينا «البصل» وترك حديث السودان في مجلس النواب، وأقبل على حديث ~~«الكنافة» والكباب، وترديد ذكر الفطائر المدحوة، والقطائف «المحشوة»، والدجاج والسكابيج، ~~والدراج والطهابيج، واللحمان المحمرة، «والطواجن المعمرة»، وكل ما يعالج بالسمن أو بالزيت، ~~وما يصنع في السوق وما يطهى في البيت! # وما خفر الدكتور بالذمة، ولا خاس بعهده للأمة، فإنما كل هم الدكتور كان من أمر السودان أن ~~«يقنع المصريين بضرورة أخذه»، وقد سعى الرجل في هذا ودعا ولبث في دعوته تيك سنين طوالا لا ~~يكل ولا يمل، ولا ينقطع ولا يحتبس، ولا يتتعتع ولا يعثر، ولا يسكن ولا يفتر. حتى إذا آتت ~~دعوته أكلها «واقتنع» المصريون كلهم «تقريبا» بأن السودان ضروري لهم وبأنهم لا غنى لهم عن ~~ماء النيل، شمر ذيله وطار إلى سوريا وظل دهرا يفشي فيها دعوته، حتى ms031 إذا آمن السوريون كذلك ~~بأن السودان ضروري للمصريين عاد فأمسك عن القول في السودان وملحقات السودان، وما له يقول ~~فيه بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة؟ ولو كنت لعمري مكانه، لطلبت إلى الأمة إحالتي على ~~المعاش، وأثبت في بطاقة زيارتي: # الدكتور محجوب ثابت # مطالب بالسودان سابقا، وعضو مجلس النواب حالا # وحسب الرجل خدمة للأوطان أن «أقنع» المصريين بحاجتهم إلى النيل وحاجتهم إلى السودان! ~~و«الوطنية» كما تعلم فنون، ولله في خلقه شئون! # | الدكتور علي بك إبراهيم # رقيق الجسم، أدنى إلى أن يكون هزيله، أسمر اللون، مستطيل الوجه، غليظ الشفتين في غير قبح، ~~واضح الثنايا، لعينيه بريق وفيهما جمال. متفخم اللفظ، تاؤه بين التاء والطاء، وزايه بين ~~الزاي والظاء، وادع النفس، هادئ السعي، خفيف الروح، ظريف المجلس، لا يجد العنف إلى عواطفه ~~سبيلا، يقصد في طربه، كما يقصد في غضبه. # فيه حد الفتى وحلم المزكى # وحجى الكهل وارتياح الغلام # ولعل هذا الهدوء العجيب من أبلغ العناصر في نجاحه في عمله المرعب الدقيق، وشأنه كشأن جميع ~~النوابغ في الدنيا: ليس لهم من مظاهرهم ما يدل على أخطارهم، إلا أنك لا تستطيع ألا تلحظ أن ~~لهذا الرجل أصابع ليست من جنس أصابع سائر الناس، فإنها تسترعيك بطولها وسراحتها وانسجام ~~خلقها، على أنه إذا تحدث رأيته يستعين دائما بسبابته ووسطاه، فما تزالان كالمقص في انفراج ~~والتئام إلى أن يفرغ من حديثه، حتى إنك لتعرفه من أصابعه كما تعرفه من وجهه، ولو قدر لمصور ~~أن يرسم أصابعه وحدها لدلت عليه إلى غاية الزمان. # لقد تسنم غارب المجد، وبلغ من الشهرة ما تتقطع دونه علائق الآمال، وهو مع هذا لا يحفل قط ~~بما كان ولا بما سيكون ولا بما سوف يكون، ولا تحسبه يطمع في أكثر من أن يعيش في غمر الناس ~~كسائر الناس. # فيه شفاء للناس. # يا له من رجل! لقد تكون في مجلسه معه غيرك، ولقد تكون معه وحدك وأنت مفيض أسبابه ومطلع ~~سره، فتعرض ذكرى فلان الجراح فيقول لك: «بالك فلان ده، ويومئ لك ms032 بأصبعيه سالفتي الذكر، ده ~~والله جراح ما له مثيل! ده شيء من فوق التصور! لو كان للجدع ده بخت ماكانش حد زيه في ~~الدنيا!» يقول هذا في رضا وصدق نفس وراحة أعصاب! ... والواقع أنني لا أدري أكان هذا كله قد ~~جاءه من طبيعة صفاها الله من كل ما يتداخل أرباب الفنون، أم أنه تمكن من نفسه واستوثق من ~~أنه لن يتعلق أحد بغباره مهما افتن لإخوانه الجراحين في ألوان الشهادات! # ثم هو شديد العطف على إخوانه الأطباء عامة، عظيم العون لجماعتهم، رطب اللسان فيهم. # ومن أظرف نوادره، أن رجلا من كبار الأغنياء قدم إليه يشكو علة لا تتصل بالجراحة، فقال ~~له: يا عم لا شأن لي بمرضك، فاذهب إلى الدكتور فلان أو الدكتور فلان أو الدكتور فلان، فهم ~~الذين يحسنون «تشخيص» علتك، ويقدرون على علاجك. فقال الرجل: بل إنما قصدت إليك أنت ولست ~~أرضى أحدا يداويني غيرك، وجئت معي بكذا وكذا من الأموال فخذ مني، على أن تعالجني، ما تشاء! ~~فقال له الدكتور: وأنت إذا أعطيتني ما تشاء فلن أداوي علتك؛ لأنها ليست من عملي ولا تتصل ~~بفني، إنما أنا رجل جراح. فألح الرجل وتضرع، فلما أعياه أمره قال له: اسمع يا عم، لو تلف ~~«كالون» بيتك، هل تجيء له بنجار أم بكواليني؟ فقال: بل بالكواليني. فقال له: مرضك هذا أنا ~~لا أعرف فيه. قال الرجل: فماذا تصنع إذن؟ قال له: أنا أفتح لك كرشك، أكسر رجلك، أقطع رقبتك! ~~وهذا الذي أعرفه. فانصرف الرجل مقتنعا راضيا! # ولست أحاول أن أصف لك قدر الدكتور علي إبراهيم ولا نبوغ مبضعه، فحسبه أن سلم الناس ~~إجماعهم له بأنه مفخرة من مفاخر هذه البلاد. ولقد قلت لأحد الأطباء يوما: صف لي براعة ~~الدكتور علي إبراهيم، فقال لي: أعرف أنك تحب الغناء وتهوى الموسيقى، ولو كان لك عرق في فن ~~الجراحة وقدر لك أن تشهد «عملياته»، لوجدت لأنامله من الطرب ما لا تجده لأنامل «العقاد» وهي ~~منطلقة في أوتار قانونه الحنان الطروب. # على أن نبوغه ms033 لم ينته إلى حذق الطب، والمهارة البارعة في فن الجراحة، بل إن له في كثير من ~~«العمليات» ابتكارات من ذلك النوع الذي يؤثر ويدرس ويحدث في نظريات الفن أحداثا. # وإنهم ليروون عنه جهدا عظيما في متابعة الحركة الطبية في العالم، فهو كثير القراءة ~~والنظر فيما يخرج في هذا الباب من المجلات والكتب والرسائل، حتى إذا وقعت له نظرية حديثة ~~فاستوت لذهنه، أقدم على تطبيقها بنفسه، فكان نجاحه دائما كعزمه قويا جليلا. ~~••• # وبعد، فإن جهلا أن يظن امرؤ أن للعبقريات في العالم أسبابا معينة معروفة، فما كان هؤلاء ~~العبقريون أصح من غيرهم أبدانا، ولا أكثر قراءة، ولا أعكف من سواهم على الدرس والتجريب ~~وتقليب النظر، ولا أطلب ممن عداهم لتلك الأسباب المفروضة للبراعة والتبريز، فلقد كان ~~البحتري شاعرا في سن العشرين كما كان شاعرا في سن السبعين، وكان ابن المقفع كاتبا وهو ~~ابن الثماني عشرة كما كان كاتبا حين قبض وهو في الثامنة والعشرين، وكان رفاييل مصورا ~~رائعا يوم جالت يده بالنقش كما كان مصورا في غاية عمره. وكذلك كان علي إبراهيم جراحا أول ~~منجمه كما هو جراح اليوم، إنما هي مواهب من الله تعالى يتخير لها من يشاء من عباده، لم ~~يتكشف العلم عن كنهها ولا سببها إلى اليوم. # وإنك لتجد الطبيب يصيب دائما في تشخيص العلة إلا قليلا، وإنك لتجد الآخر يخطئ دائما في ~~تشخيصها إلا قليلا، ووسائلهما في الفن واحدة، وحظهما من العقل والعلم وسائر الأسباب ~~متكافئة! # ذلك أن هنالك حسا دقيقا غير تلك الأحساس المعروفة يكاد يتفطن به من آثره الله به إلى ~~مطاوي الغيب، فيقع الشيء في نفسه يحسبه إلهاما؛ لأنه لا يعرف له علة ولا يحيط منه بسبب، ~~ومن هؤلاء الذين اصطنعهم الله لهذه الموهبة الدكتور علي بك إبراهيم. # ومما يذكر له أنه في سنة 1902 لوحظت كثرة الوفيات في قرية موشة، من أعمال مديرية أسيوط، ~~فندبه مدير الصحة، وكانت له به ثقة عظيمة، ليحقق الأمر، وكان بعد فتى ناشئا، فأدرك أنها ~~الكوليرا، فكتب إلى ms034 الصحة بهذا، وأرسل رجيع بعض المصابين لتحلله، فلم يره «التحليل» أثرا ~~للكوليرا، فراجعها وأرسل غيره، فكان الأمر كذلك. فصمم الفتى واستبد من ناحية، وصمم أطباء ~~مصلحة الصحة وكيماويوها من ناحية أخرى، ثم أبى العلم وأبى «التحليل» الصحيح إلا أن يظهر رأي ~~علي إبراهيم على تلك الآراء جميعا، وكانت الكوليرا التي عصفت سنة 1902 بالبلاد عصفا ~~شنيعا، والتي أبلى هو فيها، حتى تقلص ظلها، بلاء عظيما. ~~••• # وسبحان من يقرن قضاءه باللطف، فإنه في الوقت الذي بث فيه هذا الترام في شوارع البلد ~~وأزقته يدك الرءوس، ويحصد النفوس. وأطلقت آلاف الأوتومبيلات، واللوريات، والموتوسيكلات، تقد ~~المتون، وتبعج البطون، وتأبى «الشفقة» على سائقها أن يرسلوها على خلق الله قبل أن يحشوا ~~معاطسهم بالكوكايين، والهارويين، وغيرهما من البلاء المبين، حتى «يغيبوا» عن مشاهدة ما تنسف ~~سياراتهم من الهام، وما تفري من الأجسام، وما ترسل على الناس من الموت الزؤام! ولا تنس، جعل ~~الله لك في كل خطوة ألف سلامة، تلك السيارات العاصفة، ما لها من دون الله كاشفة. وتيك التي ~~يتخذها أبناء الذوات ومن انحدرت إليهم النعمة، وهي تنطلق انطلاق السهام، في أجساد الأنام، ~~كان مهمتها في هذا البلد صنع أرامل وتخريج أيتام - سبحان الذي حين يبتلي البلد بكل هذا، ~~يرسل فيه الدكتور علي إبراهيم، يجمع من أعضاء الناس ما تفرق، ويرم من أحشائهم ما تخرق، ويضم ~~من أشلائهم ما تمزق، حتى أوشك أن يقطع على عزريل، رزقه من فنه الوبيل! # ولقد رأيت صديقا لي من أهل الأخطار، لا يرى الدكتور علي إبراهيم يجوز في طريق أو يغشى ~~ناديا إلا صف قدميه، ووقف «زنهار»، ورفع يده بالسلام العسكري، فقلت له في هذا، فقال: ~~«علشان ياخد باله مني يوم أحمل إليه»، فقلت له: يا لك من رجل مبالغ، فكان جوابه: على كيفك، ~~لك ترمواي يترد عليه! ~~••• # وجل من تعالى على النقص وتنزه عن العيب، فإن جراح الشرق كله لا يملك مستشفى يليق بجلالة ~~محله، ولا بآلاف «المجاريح» الذين يطلبون مستشفاه من كل مكان، فقد سلطت عليه ms035 شهوة اقتناء ~~«السجاجيد»، وألوان الطرف، وإحراز ما أبدعت يد كل فنان، وما افتن فيه كل صنع حسان، ومن كل ~~ما رثت فيه العصور ونصل عليه لون الزمان، من دمى وتماثيل، وتصاوير وتهاويل، ونمارق ووسائد، ~~ومعاضد وقلائد، وخشب منجورة ، وأحجار محفورة، ومزاليج أبواب، وسروج دواب، وشرفات دور، ~~و«شواهد» قبور، وضباب مصبرة، وجرار مكسرة ... إلخ، ولو نفض عنه بعض ما يحرزه من ذاك؛ لابتنى ~~مستشفى يليق حقا بشيخ الجراحين! على أننا نترك الكلمة في هذا للمجلس الحسبي! # وبعد، فإن حقا على أهل مصر جميعا، ومياسيرهم بنوع خاص، أن يسجدوا لله تعالى سجدة الشكر ~~كلما أطلت شمس الصباح عليهم؛ اغتباطا بأن علي إبراهيم غير ولوع بجمع المال، فلو كانت لغيره ~~تلك الأصابع التي «تسرق الكحل من العين»، لآثر أن يكون «نشالا»، إذن والله لسل الآلاف، ~~ولأحرز أكثر مما تجدي «الجراحة» أضعاف الأضعاف، ولما أبقى في جيب على كيس، ولا هنئ الناس ~~بكريم ولا نفيس، ولكن قدر فكان، وسبحان من «يعطي الحلقة للي بلا ودان!» # | أحمد لطفي السيد بك # لا أدري، أعلمه أوفر من عقله، أم عقله أوفر من علمه؟ إلا أنه أوفى بهما كليهما على ~~الغاية. وهو عالم واسع العلم، وعاقل واثق العقل، وذكي متسعر الذكاء. له عينان حديدتان ~~كأنما تمدهما أشعة «إكس»، فلا يكاد يقوم بينهما وبين ما تريدان حجاب. وإنه ليحاول أن يستر ~~عنك إدراك هذا منه بمنظاره الأسود، كما حاولت الطبيعة أن تكتمه على الناس بما ضيقت في ~~محجريهما تضييقا! # وأحمد لطفي السيد قد بان خطره من يوم نجم، فكان طالبا في مدرسة الحقوق، لا تعنيه مدارسة ~~القانون المدني، ولا يحتفل لقانون تحقيق الجنايات، ولا يهمه أين تقع «نمرته» من سلك ~~التلاميذ في امتحان غاية العام قدر ما تعنيه مدارسة المنطق والفلسفة وعلوم الاجتماع، على ~~أنه كان مجليا في الأولى كما كان مجليا في الثانية. وبهذا، خرج لطفي على غير ما ~~يخرج سائر التلاميذ، خرج وله عرق في الحكمة والمنطق وسائر علوم النظر، لا يتسق في العادة ~~لإخوانه «الحقوقيين». # درج ms036 مدرج نظرائه في الحياة العلمية حتى كان نائبا أو رئيس نيابة، على أن خطبه في ذاك لم ~~يكن جليلا، فقد انصرف همه، إلا أقله، إلى تحصيل العلم والأدب، وأخذ العقل بالتدبير وصدق ~~النظر، وأخذ اللسان والقلم بفصاحة القول وقوة البيان بالحديث والخطابة، وبالترجمة والتأليف، ~~وتارة بالكتابة في الصحف في ألوان الموضوعات. # من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما ~~معا فعليه بالعلم. # ثم كان حزب الأمة وكانت «الجريدة»، وتهاوت الأنظار على من يقوم بها كفاء لمهمها ~~الجسام، فوقعت كلها عند لطفي السيد، وتولى الجريدة فكان كاتبا لا يبارى كما كان صحفيا لا ~~يضارع. وبانت له موهبة جديدة أحوج ما يكون إليها امرؤ يتولى تلك «الجريدة» في ذلك العصر، ~~وهي شدة الطبع والصبر على الخصومة وطول الكفاح. وناهيك بمن يصمد للقتال إذ شيخ الكتاب ~~علي يوسف يتولاه عن يمينه، وإذ فتى الوطنية مصطفى كامل ينقض عليه أحيانا من شماله، وإذ ~~أمامه، ولا أسمي، من لا يشق في الكيد غباره، ولا تصطلى في الجلى ناره، ومهما زعموا أن ~~وراء حزب الأمة كانت قوة تعضده وتشد متنه، فما كان من شأن هذه القوة أن تقرب إلى هوى الناس ~~جريدة، وكانت في الوقت نفسه تتحدث على أماني البلاد، وتطلب أن يسودها حكم الدستور، وإن ~~طلبته دستورا «متواضعا» كما كان يهتف أستاذنا الجليل، ومع هذا فقد تهيأ لمقدرة لطفي أن ~~تستدرج الخاصة وأشباه الخاصة في عامة البلاد، وأضحت دار «الجريدة» منتدى أهل العلم والأدب ~~والرأي الصحيح ينتجعونها من كل مكان. # لم يكن لطفي في سنيه تيك صحفيا فحسب، بل كان أستاذا يشرع في العلم والفلسفة وفنون ~~الاجتماع، وكان له طلاب من الشباب أهل المواهب والذكاء، فما راقك اليوم من علم فلان، وما ~~أعجبك من عقل فلان، وما راعك من أدب فلان، فأولئك، في الحق، أكثرهم من صنعة لطفي السيد في ~~تلك الأيام. # وهو رجل له، أو كانت له، شخصية قوية: له نظره، وله تدليله، وله أسلوبه الكتابي، بل وله ~~إيماءته وحديثه. ms037 وإن كثيرا ممن كانوا يطوفون به ليقلدونه في كل ذلك، فمن أعيا عليه تفهم ~~علمه وأدبه راح يقلده في شكله ودله، ويحاكيه في لهجته ومخرج حروفه. # ومن ظريف ما يروى في هذا الباب، أن فتى من أبناء الحكام أصحاب لطفي كان يعجب به هو الآخر ~~طوعا لإعجاب الناس، فكان جهد حيلته في بلوغ بعض شأو لطفي أن ينسل إلى حلاقه، فيسأله أن ~~يسوي له رأسه كما يفعل بشعر الأستاذ سواء بسواء، ثم يغدو على الناس بعد ذلك يقبض صوته ~~ويرسله، ويلويه ويعدله، ويفككه ويلحمه، ويرققه ويفخمه، ويثني عطفيه من زهو واستكبار، ويهز ~~كتفيه من استنكاف واستنكار، ثم يعود إلى نفسه فيراها قد استوت «لطفي السيد» في غير جهد ولا ~~عناء! ... وما دام العلم والفلسفة كلها إنما تتصل «بالحلاقة»، فلماذا يقف صاحبنا عند هذا ~~الحد؟ وإني لأراه يغذ # 1 # السير فأسأله: إلى أين يا فلان؟ فيقول: إلى الحلاق فقد اعتزمت اليوم أن أحلق ~~«مونتسكييه» أو «أوجست كونت» أو «جان جاك روسو» أو غير أولئك من ضخام الرجال. ومثل هذا ~~عندنا، لو لاحظت الناس، كثير! # ونعود إلى الأستاذ لطفي، فقد ظل في كفاحه وجلاده؛ إذ خاصة الناس كل يوم عليه في إقبال، ~~حتى ضعضعت أفاعيل السياسة حزبه فكان آخر من ألقى السلاح. ثم عاد إلى النيابة فلم يتصل شأنه ~~فيها بجلالة شأنه حتى كانت سنة 1919، فضحى بالمنصب في سبيل الثورة، وانتظم في الوفد المصري ~~عضوا فكان فيه عنصرا قويا. وكانت أداته في أكثر ما يخرج للناس من بيان مكتوب. وانطلق ~~مع الوفد إلى أوروبا ولبث معه عاملا نافذا، ما شاء الله أن يلبث، ثم عاد مع من عادوا أول ~~الأمر. وتظهر بوادر الشقاق فيبدو له أن يتحفظ فيتحفظ، ثم يستفحل الخطب فيهديه عقله إلى أن ~~يتسلل إلى داره في رفق فيفعل، فيبقى حلس # 2 # بيته سلما كله، حتى يطلب لما هو أليق به وأكرم، فيتولى دار الكتب المصرية ينظر ~~في شأنها بعض اليوم، وينظر في شأن العلم سائره. وكان من حظ «نصف ms038 العزلة» هذه، أو من حظ ~~العلم منها، أن أتم ترجمة كتاب الأخلاق لأرسطاطاليس «إلى نيقوماخوس»، وما كان الإبداع في ~~ترجمة هذا الكتاب بأبلغ من الإبداع في الإقدام على إخراجه في مثل تلك الأيام! # ولقد فاتني أن أقول لك إن هذا الرجل الذي ضحى بالمنصب في سبيل الثورة، قد عاد فضحى ~~بالثورة في سبيل المنصب، فأصبح كما يقول أصحاب الميسر «كيت»؛ لا له ولا عليه، وإلى هنا ~~ينتهي عندي تاريخ ذلك الرجل العظيم! # وعساك تتحداني بأنه أصبح الأستاذ الأعظم الرسمي في كل البلاد من يوم أصبح «مدير الجامعة»، ~~فأجيبك بأني «ماعنديش خبر» بشيء من هذا كله، وكيف تريدني على أن أصدق أن الأستاذ لطفي السيد ~~كله أصبح مدير الجامعة المصرية، في حين لم أسمع بأنه أفاض على الطلاب درسا أو ألقى محاضرة ~~في العلم واحدة! فإن كنت تريد «بمدير الجامعة» ذلك الموظف الذي ينكسر همه على طلب كسى ~~الحجاب والسعادة، و«تسوية» أجور البوابين والجناينية، و«العرض» لوزارة المعارف عمن يلزم ~~ترقيتهم من جماعة الكتاب، فليس ذلك بالرجل الذي يعنينا في مثل هذا المقال. # الحق أن لطفي أستاذي، وإنه ليسوءني أن يختم حياته في هذه «الجامعة» من حيث يجب أن تبتدئ ~~الحياة القوية لعظماء الرجال! # والواقع، أن الداء «الأجنبي» قد تغشى تلك الجامعة، في حين لم نر لذلك «الحكيم» قولا ولا ~~عملا! ولو كان هذا المقام مقام تفصيل في هذا الباب لباديت أستاذي العظيم بكثير! ~~••• # ولطفي بك يجمع إلى عذوبة الروح عذوبة الحديث، وهو أديب تام يحفظ صدرا عظيما من متخير ~~شعر العرب ومأثور أقوالهم، إلى فقه في متن اللغة ورعاية لدقائقها، وبخاصة إذا كتب أو حاضر ~~أو خطب. وله في أبواب البيان والترسل أسلوب خاص به، حاول كثير من الكتاب أن يتكلفوه ~~فانقطعوا دونه. وهو شديد الحرص على أن يريك أنه لا يعبأ بتجويد العبارة ولا يتحرى اللفظ ~~الرشيق إذ هو في الواقع يجهد في هذا، رغم عنايته بالمعاني والتكثر من إيراد مصطلح العلماء، ~~ويتعمل له إلى ما دون التعسف. # وهذه الصفة ms039 في لطفي السيد، إنما تتصل بأخلاقه جملة، فهو رجل قد أخذ نفسه من كل أقطارها ~~بألوان التكلف: يتكلف في مراح الشباب ثقل الشيوخ، ويتكلف في مجلس اللهو هيئة الجد، ويتكلف ~~عدم الاكتراث لأعظم ما يكرثه من الأمر ، بل إنه ليتكلف الكلام «بالجاف» إذ هو قد نجم في بيئة ~~لم يعد يرتبطها بأهل الريف سبب! # نعم، لقد أخذ نفسه بهذا التكلف كله، حتى أصبح له طبعا وسجية. وأكبر ظني أنه لو شاء يوما ~~أن يرسل نفسه على سجيتها لتكلف في هذا كثيرا. # ولطفي بك أول من رفع راية «الديموقراطية» في مصر في هذا العهد الحديث، وهو الذي نفخها في ~~روح الشباب وأجرى كلمتها على ألسنتهم، وعصارة الحزب الديموقراطي من تلاميذ لطفي ولا جدال، ~~وإنك لتراه مع هذا أرستقراطي الفكر، شديد الأثرة للرأي! ولقد تخالفه إلى غير وجهه فيأبى إلا ~~أن يغلبك، ولقد يغلبك بمحض الجدل يتحرف فيه تحرفا. وهو رجل يملك حجته ويعرف كيف يصول بها ~~عليك في الحوار. فإذا كنت أنت الآخر جدلا متمكنا من حجتك، وأحس منك السطوة برأيه، رأيت في ~~وجهه تغيرا، وآنست من نفسه عنك انقباضا. # ولا أدري، أكان هذا من أثر تمكنه من نفسه وشدة إيمانه بحقه وكراهته أن تنزل من الرأي على ~~باطل، أم أن للمسألة وجها آخر؟! ~~••• # وإذا كنت لم أقع من لطفي على أجل فضائله، فلعلي قد تهديت إلى أجل مكارهه إن كان ما هتفت ~~به يعد في المكاره، وإني لأرجو بهذا أن أصيب رضاه كاملا. ولقد دخل رجل من الناس على بعض ~~الحكماء، فأقبل عليه يمدحه ويعدد محامده. فقال له الحكيم: «هذا أولى لك؟ وإن إكبارك لما ترى ~~في من فضل لدليل على أنك لا تراني كفئا له، فلو قد دللتني على هناتي! فتلك التي ليست بكفء ~~لي.» # أسأل الله تعالى أن يعيننا على خدمة أساتيذنا وأحبابنا، فنحن في حقوقهم من هذه الناحية جد ~~مقصرين! # | إسماعيل سري باشا # طويل القامة كبير الهامة، عريض «الوجهة» ناتئ الجبهة، ضخم الأنف، مرسل اللحية والحاجبين، ~~له ms040 عينان متحيرتان، دائمتا الحركة والدوران، نفضت الطبيعة على هيكله كل جلال الشيوخ، ويأبى ~~هو إلا أن ينفض على لسانه كل خفة الشباب. فإذا أنت رأيته، كدت تعلق نفسك من روعة وإكبار: ~~جلالة علم في جلالة منصب في جلالة مشيب، حتى إذا سمعته يخوض في بعض من لا يحبهم ويستريح ~~إليهم، لم تكد تملك نفسك من الاستنكار أو ما هو أشد من الاستنكار! # وسري باشا مهندس رائع، كفء، في بابه، لكل عظيمة. وهو شيخ المهندسين المصريين وإمامهم غير ~~مدافع. وإن له فوق هذا لشهرة عالمية، فقد دفعه خطره، وسعة علمه، وصحة تقديره، وقوة ماضيه ~~إلى أن يسلك بحق في زمرة كبار المهندسين في العالم. # وسري باشا ولد في عائلة رقيقة الحال في قرية «ريدة» من أعمال مركز المنيا، ونزح والده إلى ~~قصبة ذلك الإقليم لا يتكئ إلا على بدنه فيما يكون أرد على شمله، فاستخدم في ديوان المديرية ~~في عمل لا يتسق لذكائه ولا لقوة استعداده، فتطلعت نفسه إلى ما هو أولى به وأجدى، ولم يلهه ~~عمله المضني عن أن يتعلم القراءة والكتابة، وما زال دائبا حتى أحسنهما وحتى عين كاتبا في ~~مديرية الفيوم، ولأمر ما نفي عمدة المنيا إلى السودان فعين بدله محفوظ أفندي، وأدخل ولده ~~«إسماعيل» في مدرسة المنيا مع حسن فتحي الذي صار بعد مفتشا للري، وظهرت مخايل النجابة على ~~ولده هذا إسماعيل، وبرع أقرانه، وما برح له السبق عليهم حتى اصطفي فيمن اصطفتهم الحكومة ~~«للإرسالية»، فمضى إلى فرنسا واتصل بكلية «سنترال» حيث درس الهندسة، وخرج منها بأعلى ~~شهاداتها. # لا أبالي إزاء نفع الأقارب والأصهار، أجف النيل أم ذوت الثمار! # وعاد إسماعيل سري، فاتصل بخدمة الحكومة مهندسا صغيرا، وتدرج بكفايته في مناصب وزارة ~~الأشغال حتى أصبح مفتشا لعموم المشروعات، ومن ذلك اليوم رنت الآفاق باسم إسماعيل بك سري في ~~المهندسين العظام. # وفي الحق إن ما متع به كبد الصعيد «مديرية المنيا وطرفا أسيوط وبني سويف» من ري ~~صيفي، فإقبال زرع، فسعة ثروة، إنما كان من صنعة إسماعيل سري، ms041 مهما عدوا على تلك «المشروعات» ~~من العيوب. # وفي الحق أيضا إنه - بعد أن طويت من صحيفة وزارة الأشغال أسماء المهندسين المصريين حين ~~أودى الردى بعلي باشا مبارك وإسماعيل باشا محمد وبهجت باشا وأشباههم من النواظير الأوالى - ~~كان إسماعيل باشا سري أول من بعث على الألسن أسماء المصريين مع ديبوي ووليم جارستن ~~وأكفائهما من المهندسين الإنجليز. ~~••• # ولو قد ترك إسماعيل باشا سري في عمله الفني البحت لأجدى بعلمه على البلاد كثيرا، ولكن ~~الرزية كلها في المناصب - وقاتل الله المناصب - فقد قلد الوزارة، والوزارة سياسة أكثر مما ~~هي فن، والرجل لا يحذق السياسة ولا يفهم منها إلا القدر الذي يعصم عليه منصبه، ويستديم له ~~أبهة الوزارة وما إليها من الراتب، والجدوى على الأولاد والأقارب. # ويبالغ صاحبنا في الإخلاص لهذا المعنى ويفرط في الحرص عليه إلى حد أن يسخر، إذا دعت ~~الضرورة، كل ما أوتي من علم وفن لخدمة السياسة، ولو أودى في هذا السبيل بكل وادي النيل، حتى ~~ظفر في عهد اللورد كتشنر - إن عد هذا من الظفر - بتلغراف تأييد من حكومة إنجلترا يضمن له ~~السلامة «والنغنغة» في المنصب والجاه على طول الزمان! # وإني لأعرف طائفة من المصريين كانوا، ولعلهم ما زالوا، يراءون أهل السلطة من الإنجليز ~~ويتجملون لهم ويظاهرونهم بالمودة والعطف استخراجا للمنافع، إذ قلوبهم لا تنطوي من ذاك على ~~كثير. أما إسماعيل سري باشا فهو لا يماري القوم في هذا، ولا يرائيهم، فإنه مخلص الحب لهم، ~~صادق الصبابة فيهم، يواليهم بالهوى في سره، كما يتشيع لهم في جهره. لا يتحرج في ذلك ولا ~~يتأثم، والإخلاص - لو علمت - فنون! ~~••• # ومن أظهر صفات هذا الرجل أنه وصول لرحمه، دائب جاهد في غير ملل ولا سأم على كل ما يعود ~~بالخير على ولده وأصهاره وسائر عشيرته. ولو مد له في الحكم وبسط له في السلطان «لرفت» جميع ~~موظفي الحكومة، وجمع إلى كل فتى من أهله 457 وظيفة في آن واحد، حتى يستطيع أن يقصر وظائف ~~الدولة عليهم فلا يتولى واحدة منها خارج عنهم. ms042 وإن له في دسهم في الوظائف والقفز بهم إلى ~~عليا المناصب لأحاديث تجمع وتنشر، وأفاكيه تروى وتؤثر. وحسبك أن تردد النظر في دواوين ~~الحكومة وسائر مصالحها؛ لتقع في كل واد على أثر من ثعلبة. ولقد بدا يوما لبعض الحسدة أن ~~يجمع ما يجبيه «آل سري» من أموال الدولة، فخرج له منها ما يقوم بنفقات مصلحة كاملة «وعين ~~الحسود فيها عود» حصنت آل سري برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر ~~النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد. # ومن طريف ما يروى له، وكل ما يروى له في هذا الباب طريف، أن وزيرا كان من زملائه له قريب ~~في وزارة الأشغال، فسأله أن يرقيه إلى بعض مناصبها الخالية؛ لأنه قد «استحق الترقية» فتثاقل ~~عنه سري باشا وتعذر عليه، وتوسط في الأمر بعض إخوانهما من الوزراء، فقال لهم معالي «وزير ~~الأشغال»: ولماذا أرقي له قريبه وعنده قريبي «فلان» لا يرقيه! فقيل له: ولكنه لم يحن بعد ~~أوان ترقيته؟ قال: إذن نتربص بقريبه حتى يجيء الدور على قريبي. وتعلم - أيدك الله - أن صاحب ~~الحاجة أرعن، فبادر الوزير الآخر بترقية قريب سري باشا بالاستثناء في سبيل ترقية قريبه وهو ~~بحكم الدور! # وجاءه مرة أحد زملائه الوزراء من هذا الباب، فسأله أن يرقي أحد صنائعه درجة على أن يرقي ~~هو أحد أقرباء الباشا في ديوانه درجة، فدار بذهنه «الرياضي» الكبير في «الحسبة»، فرآها ~~«تفرق» 240 قرشا في كل شهر، فتوقف أو يوفاها «على داير القرش»، وتعاصى الأمر، وتعذر الحل، ~~وأخيرا، وبعد طول محادثات ومفاوضات، توسط أحد الوزراء أيضا في الأمر، على أن يزيد قريبا ~~لسري باشا في وزارته هو مائتي قرش، على أن هذا كل ما تبلغه طاقته ويدخل في جهده، وذلك كله ~~تفاديا من وقوع أزمة وزارية # Crise Ministérielle ~~، وبعد ~~لأي رضي سري باشا بهذا الحل محتسبا عند الله 40 قرشا في كل شهر، كانت - لو أن في ~~البلاد عدلا وإنصافا - تعود على بعض الولد أو الأصهار ms043 أو الأقرباء، بشيء ولو قليل، من ~~اليسر والسعة والرخاء! وكانت تضحية من نفس سري باشا هائلة استحق بها أن يقام له تمثال يخلد ~~به «المثل الأعلى» للتضحية والإيثار على تطاول الأيام والليالي! # | عبد الحميد سعيد بك # عبقري حقا كما تعني اللغة بهذا اللفظ، فهو طويل بائن الطول، عريض وافر العرض، وافي ~~العنق، بعيد ما بين المنكبين، شديد المنة، مفتول العضل، إذا تمثل إليك حسبته بقية من هياكل ~~سليمان! ضخم الرأس والوجه، تدور من حوله لحية كأنها أحد الآجام، بسقت حول بعض الآكام، لم ~~يقم عليها منجل البستاني بالتقليم والتشذيب، ولم يتعهدها مقصه بالتسوية والتهذيب. ولو قد ~~رفعت النظر إلى أعلى وجهه ثم تراخيت به إلى أسفل ذقنه، لرأيت ثم مثلثا متساوي الساقين! أما ~~روحه الذي بين جنبيه، وأما عزمه الصائل في نفسه، فأشبه بسكان هياكل سليمان، منهما بغرائز ~~بني الإنسان. فهو مارد النفس والقوة، مارد العزم والفتوة! # نشأ منشأ بني الأعيان يدليهم أهلوهم إلى المدارس ليحرزوا الشهادات، ثم يخرجوا إلى خدمة ~~الحكومة، وتلك الغاية عند جمهرة أعياننا تشد إليها الرحال، وتتناهى عندها مرسلات الآمال. ~~على أن التلميذ عبد الحميد سعيد لم تكد تتفتح نفسه لفهم ما في الدنيا حتى كان له في أسباب ~~الحياة غير ذلك الرأي، لم ير الزاد كله في أن يرسم خريطة إيطاليا، وأن يجيد الجزر التكعيبي، ~~وأن يستظهر من «الكتاب الرابع» بابي الاشتغال والتنازع؛ ليخرج في النهاية، «في العشرة ~~الأول»، بل أدرك من شباب سنه أن له وطنا، وأن هذا الوطن يتحكم في شأنه غير أهله، وأن ~~واجبه، ما دامت بلاده محتلة مضيعة الحق، أن يكون جنديا لمصر قبل أن يكون طالب علم في مصر. ~~وعلى ذلك، اتصل هذا الفتى بدعاة الوطنية، وصرف أعظم قسط من الوقت المقسوم لمراجعة الدرس إلى ~~حديث الوطن. وإذا كان عبد الحميد سعيد قد أحرز الشهادة الثانوية، وأحرز بعدها إجازة الحقوق ~~«ليسانس»، فقد اختلس الدرس والمذاكرة لهما من وقت «الوطنية» اختلاسا! # من أطاق التماس شيء غلابا # واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # ويهاجر ms044 صاحبنا إلى باريس يدعو لمصر، ويرفع للعالم حجتها، ويجاهد في سبيلها بما يملك من ~~المال واللسان والقلم، ويتخذ هنالك بيتا يصبح مثابة لدعاة مصر خاصة ودعاة أمم الشرق ~~المظلومة عامة، يجتمعون فيه الفينة بعد الفينة ليأتمروا في شأنهم ويستفصحوا للدعوة ~~مناهجهم. # وتنهد # 1 # دول البلقان كافة لحرب الدولة العلية، وتجرد عليها كل مهلكة من آلات القتال، ~~كما تحرك عليها كل ما تغلي به صدور القوم من التعصب الديني، فيركب عبد الحميد إلى البلقان ~~جناح النعامة، وإذا هو جندي في لباس العسكر وسلاحهم، وإذا هو يأبى إلا أن يقاتل دائما في ~~الصف الأول، حتى يقع ذات ليلة في إحدى الوقائع جريحا يترسب # 2 # في دمه إذ قد انحسر عنه قومه وأقبلت خيل البلغار، فما زال يتخلج من دونها ~~ويتحرف عنها، يتستر بالظلام ويتوارى في جذوع الدوح لا يبالي ما ينزف من دمه المهراق حتى ~~يبلغ على هذه الحال خطوط الترك، ولولا هذا العون من الله، ما وقعت عين على وكيل مجلس نواب ~~21 نوفمبر سنة 1925! # وتدور بعد أولئك الأيام رحى الحرب العظمى فينخرط عبد الحميد في جندها يتحول من ميدان إلى ~~ميدان، كلما أهابت به دواعي الجلاد والطعان، حتى إذا تهادنت الأمم المحتربة، وظهر الحلف ~~الإنجليزي، وتكسرت دول الحلف الألماني، وانطلقت يد إنجلترا في ملك الله تفعل ما تشاء، هام ~~صاحبنا في فضاء الأرض يتبلغ بالكسرة، ويتروى بالصبابة، وهو سليل بيت نشأ في الترف، ~~وتقلب في النعمة، لا يعنيه من أمره إلا أن يدعو حيث كان لمصر، ويهتف، أنى وقع به القضاء، ~~باستقلال مصر. # وما أنس لا أنس منظره يوم 21 نوفمبر وقد جردت دولة زيور باشا كل ما عندها من جيوش وخيول ~~مهرية، ورماح سمهرية، وقنى خطية، وكل عازفة مهمهمة، وكل قاصفة مدمدمة، لتحول بين ~~نواب الأمة وبين اجتماعهم، ويخرج عبد الحميد سعيد متسلحا بعصاه التي تزن 73 كيلو، وقد تهيأ ~~للحرب والطعان في سبيل اقتحام الصفوف إلى البرلمان، فكان منظره يومئذ «كالتانك» سواء ~~بسواء! # وهو اليوم عضو في مجلس ms045 النواب، إذا تحيفت السن من بعض فتوته، وطامن حكم الأيام شيئا من ~~جماحه، فترك حديث مصوع وهرر، فما زالت له قوة على الوثب إلى بلاد الأحباش، للبحث عن نهر الجاش # 3 # دعك من أمر سنار، ومن خزان مكوار! ~~••• # وبعد، فقاتل الله العلم، وقاتل الله الاختراع الحديث، فلولا ما أخرجا للناس من بنادق ~~ومدافع، وآلات ساحقة، وغازات خانقة، وطيارات تحلق في السماء، تمطر الجيوش ألوان البلاء، ~~ومدرعات وطرادات، ونسافات وغواصات، ترمي بكل فاتك وبيل، من قذيفة وطربيل، لكان لعبد الحميد ~~سعيد اليوم شأن لا يقل عن شأن الزناتي خليفة، وأبي زيد الهلالي سلامة، والبردويل بن راشد، ~~وآصف شراب الدماء، وأكفائهم من أبطال الحرب والطعان، الذين سارت بشهرتهم الركبان، وسجل ~~«التاريخ» بطولتهم على وجه الزمان! ... ولكن من سوء حظ عبد الحميد بك سعيد أنه يعيش في القرن ~~العشرين، ولا أدري أكان بهذا قد ظلم التاريخ، أم قد ظلمه التاريخ؟! # | فكري أباظة # متكور الوجه، أخيف العينين في ضيق محاجر، مقرون الحاجبين، كأنما شق عن فمه بعد أن استوى ~~خلقه، متوافر اللحم في غير بدونة بينة، ولو قد أطلق - مع قصره - للشحم العنان لتمت عليه ~~نعمة الله كلها! ولو رأيته في إخوته لحسبته بعض تلك النباتات التي تخرج وحدها فلم يتعهدها ~~منجل البستاني بالتسوية والتشذيب! # وفكري، على هذا! على هذا كله! يكاد من خفة الروح يطير، ولعل مما يساعده على هذا «الطيران» ~~شكله «البالوني» الخفيف! حلو النفس، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع «النكتة»، لو هيئ لك أن ~~تجلس إليه عشرين سنة ما أحسست ضجرا ولا سأما، يسرك حتى في غضبه وحتى في خصامه! وإن هذه ~~الطرف البديعة التي يطالع الجمهور بها في الصحف لقطع من نفسه الفنانة اللعوب يرسلها على ~~القرطاس إرسالا في غير كلفة ولا مطاولة ولا عناء، ولعلها بهذا وحده تشيع في الأنفس كل ما ~~تجد لها من أريحية ولذة وطرب. # وهو ذكي متعلم، تام الاستعداد، على أنه صرف كثيرا من هذا إلى تمرين تلك الموهبة العظيمة ~~فيه، حتى أدركت كل هذا ms046 الإدراك، وحتى استأثر بهذا الفن البديع من البيان إن لم يكن قد خلقه ~~في بلاد العربية خلقا! # وأخشى ألا يعجب هذا الكلام الأساتذة: علام سلامة، ومصطفى صادق الرافعي، ومهدي خليل، وصادق ~~عنبر، وأضرابهم من أصحاب اللغة. ولا أقول لهم إن لغتكم لا تتسع لهذا الضرب من «النكتة» ~~وأسباب التظرف، ولكني أقول لهم: إذا أبيتم ألا يتندر الناس إلا بالفصيح الصحيح، فعليكم ~~أولا بتحفيظ الأمة كلها المعلقات السبع، والملحمات السبع، والمذهبات السبع، والمنتقيات ~~السبع ... إلخ، إلى استظهار الكامل للمبرد، والأمالي للقالي، وصحاح الجوهري، ومخصص ابن سيده، ~~والأساس للزمخشري ... إلخ إلخ! وأنا زعيم لكم بأن الناس لن يعودوا يسمعون في أعراس «أولاد ~~البلد» في خلل الغناء في «قافية أسماء الشوارع» مثلا: اللي على جتتك! اشمعنى؟ الضرب لحمر! ~~بل سيسمعون بدلها إن شاء الله: هذا البادي على جثمانك! ما باله؟ من أثر المشق ~~بالسياط! # قبل ما يلعب! ... # وعلى ذلك، فقد حق على هؤلاء وأمثالهم أن يطلقوا للناس حرية القول والكتابة في طرفهم وسائر ~~حاجاتهم حتى يتهيأ للأمة أن تستحيل كلها «شناقطة» و«حماميز فتوح الله»، بإذن الله! # نعم، لقد «تخصص» الأستاذ فكري أباظة في هذا النوع من البديع وبرع فيه أيما براعة، وهذا ~~اسمه يرن به باعة الصحف صباح كل يوم وظهره ومساءه، ولو اجتمع لامرئ في بلاد الغرب هذا ~~«الفن» إلى هذه الشهرة لخرج في أصحاب الملايين، ولكننا ما زلنا في طريق تقدير الفنون، على ~~أننا كنا نتهزأ بها وبأهلها من عهد قريب! # وإذا كان الفن أجدى عليه شيئا فقد أجدى عليه حقا عضوية مجلس النواب، وذلك الحظ العظيم. ~~وعلى ذكر البرلمان أهمس في أذن صديقي الأستاذ فكري بكلمة صادق مخلص: اعلم يا عزيزي، وفقك ~~الله، أن وسائل النجاح في شيء لا تصلح دائما وسائل للنجاح في شيء آخر، فإذا كان كل ما أعده ~~الأستاذ فكري للبرلمان هو نفس ما يعده للصحف بلا زيادة ولا نقصان، فأرجو ألا يتكئ كثيرا ~~على عيشه الجديد! وليعلم «أن له ناخبين يتردد عليهم» وليس معنى هذا أن ms047 فكري قصر في أداء ~~واجبه النيابي، أو أنه لم يكن له في الأمر كفاية، ولكنا إنما نطمع في أن يكون للبلد منه في ~~البرلمان مثل ما لها منه في عالم البيان. # على أنه مما يعزينا في هذا الباب أنه ما برح يتهجى «البرلمانية» في مجلس النواب، وذلك باب ~~يحتاج إلى ممارسة وطول اختبار وتمرين، أسأل الله أن يمد في عمري وعمره حتى أراه في «سنة ~~رابعة» شيوخ، خطيبا «برلمانيا» لبقا، لكن لا كالشيخين المحترمين: عزير ميرهم، ولويس ~~فانوس! ~~••• # ولقد نسيت أن أذكر لك أن فكري أباظة يشتغل بالمحاماة أيضا، وأنه محام من الطراز الجيد، ~~وأن له مكتبا في مدينة الزقازيق يطلبه الناس، وفيهم الجباه # 1 # والسروات، لتولي مهمهم والدفاع في قضاياهم، وأنه مجد في مهنته، إن صح أن هذه ~~مهنته، لبق، حسن التصرف، مبسوط العلم بمداخل القانون. ومن هنا تعلم أن النبوغ في فن لا ~~يستهلك دائما سائر مواهب المرء الأخرى، ولا أدري أيكون من الخير أن يوزع الأستاذ فكري قواه ~~على أمرين معا أو على ثلاثة، إذا حسبنا «البرلمان» شغلة ثالثة؟ أم أن الخير كله في أن ~~يتجرد لتربية تلك الموهبة الجليلة التي لم يشاركه فيها كثير، على حين يشاركه ويبرعه في ~~غيرها كثير؟! # والأستاذ فكري خرج من عائلة كبيرة جدا، كل أفرادها متعلم. وكلهم كسائر المتعلمين له في ~~السياسة رأي، ولكني لا أحصي في هذه الآلاف - ما شاء الله - حزبا وطنيا إلا فكري، ولعل ~~هذه من إحدى طرفه كذلك! # على أن الأخلق به ألا يكون حزبا وطنيا من الطراز ~~الجديد # Moderne ~~، بل أن يكون وطنيا قديميا محجوبيا لا يقنع بالسودان من منبعه ~~إلى مصبه ومعه الملحقات، وملحقات الملحقات، فإن في الشرق القريب والبعيد بلادا ضافية ~~الأطراف، واسعة الأكناف، أولى بمصر أن تتولاها وصاية وانتدابا ما دام الإنجليز، على رأي ~~الدكتور ثابت، ولعل الفرنسيين أيضا «ما يقولوش حاجة!» # ذلك هو الأخلق بطريف الخيال، وليسعد التمني إن لم تسعد الحال. # منى إن تكن حقا تكن أعذب المنى # وإلا فقد عشنا ms048 بها زمنا رغدا # | أحمد مظلوم باشا # لعمري لو وقفت على عنق # 1 # من الناس فحاجيتهم: ما أطول الحظوظ في أطول الأعمار في أطول الأجسام؟ ~~لأجابوك في نفس واحد: «مظلوم»! وجه طويل، على عنق طويل، على جسم طويل. ولو رأيته يمشي ~~ولم تكن بعد عرفته لخيل لك أنه «زفة بهلوان» وقف فيها رجل على كتفي رجل! وفي ~~الحق أنه لو قدر - لا سمح الله - وأزيل عنقه وما فوقه عن كتفيه وما دونهما لتمثل ~~منهما رجلان! أشبه ما يكون كل منهما بخلق مظلوم! # أسطواني الرأس، ساهي العينين، لو تأملت فيهما ما أعطتاك إلا أن وراءهما عدا كبيرا ~~وزيفا في أرقام كثيرة! مرسل الأنف، رحب الفم، ممدود الذقن، طويل اليدين والساقين، وإني ~~لأخشى أن ينكشف الزمن، ولو بعد حين عن أن مظلوما هذا رجلان «اقتصاديان» اتصلا بحيلة ~~لطيفة حتى خرجا للناس في صورة رجل واحد توسلا بهذا إلى ألا يدفعا عند السفر إلا ثمن ~~تذكرة واحدة، وفي الفندق - الأوتيل - إلا أجر سرير واحد، وفي المطعم إلا عشاء رجل واحد، ~~وللخياط إلا ثمن بدلة واحدة، والواقع أن من شهدوا مظلوما وهو يتعشى لا يشكون في أن ~~«جماعة» بأسرها تأكل، فان كان ولا بد، رجلا واحدا فهو إنما يجتر ليومه الثاني! # ونعمة صارت إلى كارنز # كم حجة فيها لزنديق # وحدثتك بأنه طويل الحظ، فقد خاض به حظه أهل الكفايات وأصحاب العلم والاختبار في عصره، ~~فتخطى به رقابهم إلى الوزارة، ويظل وزيرا أو «ناظرا» للمالية في عهد اللورد كرومر ~~قرابة ثلاث عشرة سنة إلى أن دالت الأيام لعهد السير غورست، وانحرف وجه السياسة فهدت ~~تلك الوزارة هدا. # ومظلوم أكفأ الإنس والجن لأن يظل «ناظرا» للمالية ثلاث عشرة سنة لا يلى أمرا، ولا ~~يراجع في مسألة، ولا يبدي رأيا، ولا يقرأ سطرا، ولا يكتب كلمة، ولا ينطق بحرف، حتى ~~يقال له خذ متاعك لقد سقطت الوزارة، فلا يجد ما يحمله معه إلا أنفه وإلا يديه ورجليه، ~~أستغفر الله! وإلا الختم! فنحن إذا أردنا أن نترجم لمظلوم باشا ms049 في حياته الوزارية فإنما ~~نترجم عن الختم، والله يعلم ما تعب إلا الختم، ولا جهد إلا الختم، ولا استحق المعاش ~~الكامل «1500 جنيه» في الواقع إلا هذا الختم، فطالما دار في غفلة مولاه وبرم، وطالما نقش ~~وبصم، وبدل من أحوال الدولة أحوالا، وبدد أعلاقا وأموالا، وبسط للشركات الأجنبية في ~~أرضها بسطا ، وأخرج عنها جلائل أملاكها قسطا فقسطا. فإذا حملتم للباشا أيها المصريون على ~~هذا حمدا أو لوما فاصرفوه كله إلى هذا الختم وحده؛ فإن الباشا - والله - لكاسمه ~~مظلوم! # ويدسي بعد هذا في «المعاش» وقد نيف على السبعين، وينقطع عن الناس خبره فلا يدرون ~~أيكتبونه في جريدة الأحياء أم يدرجونه في سجل الأموات، ولكن يأبى له حظه الكبير إلا أن ~~يبعثه بعد هذا بعثا كبيرا فيتولى صهره ووارثه محمد سعيد باشا رياسة الوزارة، ويستقيل ~~المغفور له الأمير حسين كامل - السلطان حسين - من رياسة الجمعية التشريعية، فيجيء لها سعيد ~~بصهره ومورثه «بعد 500 سنة» إن شاء الله مظلوم، فيزيد في الإرث بمقدار ثلاثة آلاف جنيه في ~~العام مرتب رياسة الجمعية، من فوقها خمسمائة بدل ولائم، وسعيد كان أكيس من أن يظن أن ~~مظلوما «يقل عقله» ويصنع في عمره لأي كان وليمة واحدة! وتدخل الحرب العامة وتقف الجمعية ~~التشريعية، ويظل مظلوم «يحز» على الحكومة ثلاثة آلاف وخمسمائة جنيه كل عام، حتى يأذن الله ~~ويعلن حلها في آخر عام 1924 من حيث بدأت حياة البرلمان، على أن حظ مظلوم لم ينحل بانحلال ~~الجمعية التشريعية، فقد انزلق أيضا إلى مجلس النواب بل أضحى له رئيسا، ثم صار وزيرا ~~للأوقاف أيضا يقتضي من الراتب ما يقتضي الوزراء! # ومظلوم باشا غني فظيع الغنى، يجري وراء الدنيا والدنيا تجري وراءه حتى لم تجد بين أولئك ~~الملايين الذين يحرزون سندات بلدية باريز عائلا مسكينا محتاجا تحبوه نمرتها الرابحة ~~«10000 جنيه» إلا أحمد مظلوم! وله عمارات هائلة، وأطيان تعيي مصلحة المساحة، وأوراق مالية ~~يخطئها العد، ونقود في المصارف لا تكاد تحيط بها الأرقام، إذ هو في وسط كل هذا «يتيم» ms050 ~~فرد لا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت ولا ولد، ولكنه رجل شديد البر بأهله من أولاد الإخوة ~~وأولاد الأخوات، فإنه ليضن على نفسه بالدانق والسحتوت، ويقمع نفسه عن التطلع إلى شيء مما ~~تتطلع إليه أنفس الناس من ملاذ الدنيا ومتعها إيثارا لهؤلاء، فهل رأيت برا أعظم من ~~هذا البر، وإيثارا أبلغ من هذا الإيثار؟! # وكان له بيت يسكنه في محطة «مظلوم» بالرمل، فلاحظ أحد أصدقائه أنه اتخذ لجلوسه غرفة لا ~~تصلح لهذا في حين قد امتلأ البيت بأحاسن الغرف، فراجعه في هذا حتى فطن إلى أن الباشا إنما ~~اتخذ هذه الغرفة لمجلسه؛ لأن مصباح الشارع يقوم بإزائها فلا تجشمه نفقة المصباح! # وقد عمد إلى كل قصوره فشق في كل جوانبها الحوانيت ومخازن التجارة حتى انتهى به الأمر إلى ~~العيش في «أوتيل كونتننتال» على أن يأكل في «كلوب» محمد علي، فإن الأكل فيه أضفى ~~وأمرأ وأرخص! # وقد بنى له أخيرا بيتا صغيرا «فيللا» بإزاء كلوب محمد علي، أقامها من طبقة واحدة، ~~ويتساءل الناس لماذا لم يقمها من طبقتين، الأولى حوانيت ومخازن، والثانية للسكن؟ فأجاب أحد ~~الظرفاء بأنه سيبني الدكاكين هذه المرة في الطبقة العليا حين يعم نظام الطيارات إن شاء ~~الله! # وبعد فما أعرف أحد أمتن صبرا ولا أطول بالا من هؤلاء المساكين ورثة مظلوم، فقد انتظروا ~~أدهارا والأعمار تتصرم، والأنفس تتخرم، والباشا - أحياه الله الحياة الطيبة - لا ~~يزداد على الأيام إلا قوة، ولا يكسبه طول السن إلا شبابا وفتوة. ولو كنت مكانهم لقطتعه ~~في أحد البنوك بحطيطة عشرة أو عشرين في المائة كما تقطع الكمبيالات، ويحيا مظلوم باشا بعد ~~هذا كما يشاء! # | طلعت حرب بك # لا أحسبك تستطيع أن تتصور «بنك مصر» دون أن تتصور معه طلعت حرب، ولا أحسبك تستطيع أن ~~تتصور اسم طلعت حرب دون أن يتمثل لذهنك في الحال «بنك مصر». # وكذلك شاء القدر أن يقرن اسم هذا الرجل بأجل الأعمال. # ولو أن رجلا حدثك من عشر سنين بأن سيكون في مصر «بنك» يقوم على ms051 أموال مصرية، وتقوم عليه ~~أيد مصرية، لرددت حديثه من فورك إلى التزيد في التمني والمبالغة في التخييل! ذلك أننا، ولا ~~أكتمك أشد ما ألح علينا من العلل، إنما كنا نتكئ في كل مهمنا على محض التمني وعقد الآمال ~~بما عسى أن يصنع الغير لنا! أما أن نضطلع بعبئنا ونعالج شأننا بأيدينا، فذلك ما لم تكن ~~تطيقه أذهاننا! ولقد طالت علينا هذه الحال حتى دبت إلينا الظنون بأننا لا نصلح لمعالجة عمل ~~قومي، لا من عجز عن العمل، ولكن من توهم العجز عن العمل، حتى توهنت نفوسنا، وانبرت عزائمنا، ~~وانخذلت هممنا، وشاع فينا ضعف الثقة، والثقة وحدها متكأ كل ما ترى من عظيمات الأمور. وإذا ~~كنا قد عالجنا كثيرا من المشروعات القومية ففشلنا فيها كلها، فذلك لأننا إنما كنا نقدر هذا ~~الفشل بحكم ما ملك علينا أنفسنا من ضعف الثقة. وذلك شأننا كان في كل ما نتطلع إليه من مطالب ~~الحياة. # وأذن الله تعالى لنا بالعافية وأحسسنا، بعد يأس، دبيبها في أنفسنا في سنة 1919، وهببنا ~~أمة تطلب ما تطلب الأمم، وتهيئ كتفيها لتنهض بما تنهض به في سبيل مجدها الأمم. # الوطنية الصحيحة تعمل كثيرا ولا تعلن عن نفسها. «قاسم أمين». # ولست اليوم بسبيل ما قام به أبطال النهضة الوطنية جملة، ولكنني إنما أطوف بالحديث اليوم ~~حول قطعة منه وهي النهضة المالية، وحول بطل من أولئك الأبطال وهو طلعت حرب. وهيهات أن أصف ~~قدر هذا الرجل الفاتح بأبلغ ولا أصدق من أنه أقام لمصر «بنكا» عظيما يقوم على أموال كلها ~~مصرية، وتقوم عليه أيد كلها مصرية، وما شاء الله كان! # وإذا كان طلعت قد أقدم على هذا كله بعد إذ تخاذل الناس، وأصبحنا ولا تظن نفس بنفس خيرا، ~~فقدر أنت مبلغ ما تسلح به هذا الرجل من عزم وثقة حسبهما أن ملآ كل هذه النفوس عزما ~~وثقة! # وإذا كان طلعت حرب قد أفاد في سبيله بنهضة سنة 1919 واستغل اشتغال النفوس بالوطنية، ~~وتنادي الناس بالعمل على أسباب القومية، فقد أضاف إلى العزم ms052 حزما، وجمع إلى الثقة ~~والإقدام بصيرة وعلما، ذلك أنه عرف كيف يتخير أسعد الساعات وأكفأها لنجاح مشروعه ~~العظيم. # ولم يكن نجاح بنك مصر مقصورا على ذلك المدى الذي تدور فيه منافع البنوك، ولكن كان له ~~نجاح أوفى وأبلغ، هو أنه بث فينا الثقة وردنا في جليلات الأعمال إلى أنفسنا، وأقنعنا بالحس ~~الصادق أننا في مجال العمل، غير أهل للخذلان، ولا للفشل، فهذه شركات جليلة يقوم بها طلعت ~~حرب كذلك، ويرفدها بنك مصر أيضا، وقد قامت كلها قياما كريما، ونجحت كلها نجاحا ~~عظيما. # هذه شركة للحليج، وهذه شركة للملاحة، وهذه شركة للطبع، ولعله ستتبعها شركة للغزل والنسيج، ~~وأخرى لصنع الزجاج، حتى إني لأخشى إذا تمادى طلعت في هذه الشركات الناجحة، أن يظن جمهرة ~~الناس، أن لا نجاح لسعي الجماعة إلا إذا قام عليه طلعت حرب، وإلا إذا سانده بنك مصر، وفي ~~هذا مساءة قد تستغرق ذلك الإحسان، فليتدبر طلعت وليتدبر رجال الأعمال. ~~••• # وبعد، فطلعت بك حرب وإن لحقته السن، ما برح له عزم الشباب؛ حضور ذهن، وقوة تصور، ومتانة ~~ذاكرة، وجودة رأي، وصبر وجلد على معاناة كل ما يليه من أعمال جسام! # وهو ربعة بين الطول والقصر، غير متسق الجوارح، مستطيل الوجه، لا بالقسيم # 1 # ولا الوسيم. لا يرضيك ظاهره، فإذا لابسته تكشف لك عن حسن محاضرة، ولطف روح، ~~وسلاسة نفس، على خلاف الظن به والرأي بادئ الرأي فيه! # وإذا استحال هذا الرجل شعرا ما عدا أن يكون قصيدة في ديوان أبي تمام، لا تعجبك مطالعه، ~~على أنك تقع بعدها على أروع المعاني وأشرف الكلام. # ولقد تلقاه يوما فيطالعك بكل ما تملك نفسه من أنس وبشر حتى لتحسب أنه أضحى قطعة من نفسك ~~إذا كنت أنت لم تصبح قطعة من نفسه، ولقد تلقاه يوم آخر فيتولاك بوجه عبوس تكاد تتمثل فيه ~~غيما ورعدا ومطرا، حتى لتشعر أنك في حضرة «زلزلة» لا في حضرة رجل، تعينه على ذاك الأذى ~~عين خيفاء، فإن ترفقت بها قلت عين حواء، حتى لتطرق وأنت تبتهل إلى ms053 ربك وتسأله أن يلغى ~~المال من الدنيا لكيلا تحتاج إلى رؤية طلعت حرب! ولقد تتبحث الأمر وتتبينه فإذا هذا «الحرب» ~~سلم كله، وإذا هذا التجهم في هذا الوجه لا يدل على أية غضاضة في تلك النفس! إنما الأمر جميع ~~الأمر أن الرجل تنوء به جلائل من الأمر فيها ما يسر وما يسوء، وفيها ما يبسط أسارير الوجه ~~وفيها ما يربد ضواحيه، ويعكر نواحيه، وذلك الحظ الذي يدفعك إليه وهو في إحدى الحالين. فلو ~~ابتغيت قبل أن تطالعه عرافا أو ضارب تخت رمل أو «فاتحة كوتشينة» لكان أرفق بك وأبين لحظك ~~معه! ~~••• # وإذا كان في بعض طلعت حرب ما لا يعجب بعض الناس فلأنهم لم يفهموه، وإذا كان فيه ما لا ~~يجمل بالرجل العظيم، فذلك أيضا من خلال الرجل العظيم! # وإن تعجب لشيء في شأنه فالعجب كله أنه عضو في مجلس الشيوخ تعرض عليه ميزانية الدولة، ~~وتعرض عليه كل المرافق المالية والاقتصادية في الدولة، فيجول فيها لويس فانوس، ويصول فيها ~~الشيخ حسن عبد القادر، ويضرب فيها شيخ العرب يس أبو جليل بجرانه، وطلعت حرب مدير بنك مصر ~~وأبو المشروعات المالية والاقتصادية في مصر لا تؤثر عنه فيها طول «الدورة البرلمانية» كلمة ~~واحدة! # ولعل هذا أنه يريد أن يربأ بنفسه، أو بعبارة أخرى يريد أن يربأ ببنك مصر وملحقاته عن أي ~~نزاع سياسي على العموم أو حزبي على الخصوص، طلبا للسلام وإيثارا للعافية. # تعالى الله يا سلم بن عمرو # أذل الحرص أعناق الرجال # | حافظ رمضان بك # لو أنك لم تكن رأيت محمد حافظ رمضان بك، وبدا لك أن تتمثل رئيس الحزب الوطني القائم على ~~المطالبة بمصر والسودان، مضافا إليهما الملحقات، سواء منها ما في يد الإنجليز، وما في يد ~~الطليان، وما في يد الأحباش، وجلاء الجيش الإنجليزي بلا قيد، ولا شرط، ولا مساومة، بل ولا ~~مفاوضة ولا اتفاق، ولا، ولا ... إلخ، لما استطاع ذهنك أن يتمثله إلا رجلا عنيفا حاد الطبع، ~~ثائر الأعصاب، إذا قاولك وبخاصة في شأن عام، تفجر عن مثل ms054 بركان! ولكن ما أعظم خيبة الخيال ~~حين تقع عينك على حافظ رمضان بك، ويضمك مجلسه، فإنه لا يروعك إلا أن ترى رجلا وادعا هادئ ~~السعي، بطيء الحركة إلى حد الجمود، تكاد تقطع بأنه قد فقد كل اتصال بين أعصابه وبين معارف ~~وجهه، حتى لتوشك ألا يتغير عليها شيء من مظاهر العواطف المختلفة، وإنه ليتحدث إليك في ~~القانون، ويتحدث إليك في السياسة، ويتحدث إليك في جميع الأسباب الدائرة بين الناس، فيجيد ~~الحديث إجادة ينقطع من دونها الوصف، جزالة علم، وصحة رأي، ومتانة حجة، وقوة بيان، في حلاوة ~~نبرة وعذوبة صوت، وإنه ليثير عواطفك، وإنه ليبعث معارف وجهك على التشكل طوعا لما أثار ~~حديثه فيك من عاطفة. أما هو نفسه فساكن وادع، فتنصرف عنه وأنت تكاد تحسب أنك إنما كنت تسمع ~~الحديث من «فونغراف» متقن بديع، يدور في هيكل إنسان! # والواقع أن الله تعالى قد وهب هذا الرجل قصدا واعتدالا في كل شيء، فهو معتدل الخلق ~~والتكوين، معتدل الأخلاق والسجايا، معتدل الحركة والسعي، معتدل الحديث والرأي، وهو في الوقت ~~نفسه، رئيس الحزب الوطني! ومبدؤه المطالبة بمصر والسودان والملحقات، وجلاء الجيش الإنجليزي ~~عن جميع البلاد بلا مساومة ولا مفاوضة ولا اتفاق! # وجه مصطفى ووجه فريد. كلاهما لازم لوقت «الشغل» فقط. # الحق أني لو كنت في موضع حافظ رمضان بك لكانت مهمتي أشق مهمة رجل في العالم، على أن حافظ ~~بك يضطلع بها في غير كلفة ولا عناء! وللعظيم العظائم. ~~••• # ومحمد حافظ رمضان ابن المرحوم حافظ بك رمضان، وكان رجلا منقطع النظير في العلم المالي ~~يوم لم يكن لمصري في هذا الباب خطر، وكانت أعظم المصارف الأجنبية بالضرورة، ترجع إلى رأي ~~حافظ بك في أدق مسائل الفن وأبعدها أثرا. # وأنجب عدة أولاد، وأحسن تأديبهم وتعليمهم، فخرجوا جميعهم رجالا ممتازين، فيهم القاضي ~~وفيهم المحامي وفيهم الجندي، وها أنت ذا ترى أحدهم، وهو الذي نعقد له هذا الحديث، في كبار ~~المحامين ورئيس حزب جليل الشأن في البلاد. # نعم، لقد بانت مواهب حافظ من يوم درج لطلب ms055 العلم، وما برح يبرع فيه أقرانه حتى ~~أحرز إجازة الحقوق - ليسانس - وأقبل على المحاماة مجدا أمينا حتى تمت كفايته، وبعد ~~فيها صيته ولما يزل بعد في فوعة # 1 # الشباب، يعينه فيها علم غزير، وعقل شديد، وبديهة حاضرة، وحجة قاهرة وبلاغة ~~ساحرة. كل أولئك في صوت كأنما تختلج به أوتار عود. وكذلك كان حافظ بك خطيبا رائعا ~~جليلا . # وقد اتصل من صدر أيام الشباب بفقيد الوطن المغفور له مصطفى كامل باشا، وظل معه إلى أن قبض ~~إلى رحمة الله، فكان شأنه كذلك مع المغفور له فريد بك، إلى أن شطت به النوى، فما برح هو ~~كذلك موصول الاسم بالحزب الوطني، حتى اختير له رئيسا. # ومما يذكر له في هذا الباب، أنه كان دائما شديد التوافي لأساطين الأحزاب الأخرى حتى في ~~الأوقات التي كان السيد وفيق يرميهم بالمقذعات في جريدة الحزب من غير حساب! # ولقد يبدو لك حافظ رمضان بك كسولا لا يحب أن يجشم نفسه من الأمر جليلا، على أنه إذا جد ~~الجد، كان أنشط من الكوكب السيار! # ومن أعجب ما يؤثر له من هذه الناحية، أنه قد بدا له في صيف العام الماضي، إذ هو في ~~أوروبا، أن يتسلق قمة جبال الألب # Mont Blanc ~~، وعبثا يحاول صدقانه # 2 # أن يصرفوه عن هذه النية، والعبث بالعروج إلى قمة الألب إنما هو ضرب من العبث ~~بالحياة نفسها. ويجمع حافظ همته وعناده معا، ويخوض مهاوي الموت خوضا، حتى يبلغ غايته، ثم ~~يتدلى عن قمة الجبل «بالسلامة»، والموت خزيان ينظر! ويظفر بتلك الشهادة - شهادة المعراج إلى ~~قمة الألب، ولم يظفر بها من المقاديم إلا قليل، فكان أيضا حق # Sport ~~، رغم ما يرمى به من فرط الكسل وشدة ~~الخمول! # وهو شديد الولع بالشطرنج، حتى لقد يجلس إلى رقعته خمس ساعات متواليات لا يلحقه ~~فيها ضجر ولا يتداخله سأم. # ولقد يظل طوال هذه المدة وفم «الشيشة» في فمه، أو فاغرا فاه، فلا تسمع منه إلا تنغما ~~يهمس به أحيانا، أو «كش مات» في غاية كل دست ms056 ينعقد له فيه الظفر! # وبعد، فلا أدري أكان حافظ رمضان بك في قرارة نفسه، ومطاوي حسه، شاعرا يحلق في أجواز ~~الخيال أم لا؟ على أن جلسته الطويلة يوسد فيها خده على كفه، مهدل الشفة، ثابت المحجرين في ~~جانب الأفق، لقد تدلك على أنه شاعر بعيد الخيال، ولعل هذا المعنى فيه هو الذي يتخطى سائر ~~مواهبه، فيعقد الصلة بينه وبين مبادئ الحزب الوطني! # ومع هذا كله، فلا محيص من أن تقع المشاكل بين حافظ بك وبين نفسه كلما «زنقته» الحوادث ~~بينه وبين مطالب حزبه، ولكن حافظ بك كما أسلفت عليك، رجل خراج ولاج، لا يغم عليه مشكل ولا ~~يعيبه أمر جسام، فإذا حزبه من ذلك شيء عمد إلى حل بسيط، سهل، معقول، مقبول، وهو أن تعجله ~~مسألة «فيحط كتف» على أوروبا معذورا مشيعا بطيب التمنيات! أليس هذا حلا سائغا ~~معقولا؟! # وبعد، فإذا كان التطرف في الرأي السياسي ضربا من الشعر، فما أعذب هذا الشعر، وما أحوج ~~تكافؤ النزعات السياسية إليه، على أنه إذا تجاوز حده، وخرج عن أفقه فقد أصبح له في توجيه ~~سياسة البلاد شأن آخر. # ولو كان لي من الأمر شيء لدعوت بشركة «حافظ رمضان - عبد الحميد سعيد أخوان» فخيرتها ~~أمرين: إما ترك التغالي في الاستجوابات والعوض على الله، ولو مؤقتا، في الملحقات، وإما أن ~~تتولى الوزارة، وعندها مهلة شهرين لتجيء فيها بالنيل من منبعه إلى مصبه، والملحقات وملحقات ~~الملحقات، والجلاء الكامل بلا مساومة، ولا مفاوضة، «وكمان» بلا اتفاق، على شرط أن تؤخذ ~~عليها التعهدات بعدم «حططان الكتف» على أوروبا وقت الأزمات! # | إبراهيم وجيه باشا # طويل، ضافي الجسم، متراخي الأطراف، تتسرح العين منه في منظر غير مؤتلف ولا متسق، ~~وبعبارة أخرى إن عينك لا تكاد تسقط عليه حتى تشعر بما بين خلقه وبين «قيافته» من سوء ~~التفاهم! فهو شديد العناية بهذه «القيافة». وهو لا يعنى بشيء من مظاهر الدنيا عنايته ~~بها. وإنه ليخيل إلي أنه يطوي عامة ليله وصدرا من نهاره في مطالعة مجلات ~~«المودة» ونشرات «الشيك»، وكلما سقط ms057 فيها على طريف أسرع إليه فتجمل به وتأنق، وتحلى ~~به وتألق: فمن خواتيم تلمع في الخناصر والبناصر، من شتى الألوان في شتى الجواهر. ومن ~~رباط للرقبة - كرافات - تحتار العين في أزرقه وأسوده وأحمره، وأبيضه وأخضره وأصفره؛ حتى ~~كأنما قد من أنوار بستان، ففيه من كل زهرة زوجان، تجري كلها في مذاهبها حتى تلتقي عند ~~لؤلؤة بيضاء، أو زمردة خضراء، أو ياقوتة حمراء، فكأن هذا «الدبوس» من تلك الألوان، ملتقى ~~العشاق ومجتمع الخلان. ومن حلة محبوكة؛ «محذقة» مسبوكة؛ كأنما موه بها جلده تمويها، ~~فإذا تبدى لك فيها حسبته عاريا وهو كاس! إلى حذاء، وناهيك بهذا الحذاء! ليس يتخذ الباشا ~~حذاءه من مصر كلها، ولا من أفريقيا أجمعها، ولا من كل ما يدلى من سلع الغرب إلى ~~الشرق، بل إنه ليفصل له تفصيلا من مصنع # Lob # الشهير في ~~لندن، وثمن الزوج، على ما يروي الباشا نفسه، تسعة جنيهات إنجليزية «طبعا». أما الحذاء ~~نفسه، كما شهدناه، فدقيق لطيف، رقيق خفيف، قاس، على نعومته، شديد القسوة حتى ليأبى ~~إلا أن يخرج أسيرته - رجل الباشا - صغيرة دقيقة هيفاء! # فإذا أنت ارتفعت بالنظر إلى طرفه الآخر رأيت على رأسه طربوشا طويلا ضيقا أيضا، ~~على أنه - ولله الحمد - على رأسه متسق مسبوك! # وهو يميله دائما إلى ناحية من رأسه فيصور لك من فضل جبينه زاوية لا أدري مقدار حظها ~~من الهيبة أو الجمال! # ولو تمثلته وقد بعد ما بين كتفيه، وتقارب ما بين كشحيه، وما يزال يتقارب في ~~منازله إلى مستدق حذائيه، لرأيت منه مخروطا معكوسا، أو على الأصح قمعا ~~مكفوءا! # على مفوضينا وقناصلنا في جميع أقطار العالم موافاتنا تلغرافيا ~~بآخر «مودة»! # قلت لك في صدر هذا الحديث إن بين خلق وجيه باشا وبين «قيافته» افتراقا وسوء تفاهم، ~~وأكر على هذا الآن فأقول لك: إنه مع كل هذا التأنق، وكل هذا التجمل، وكل هذه النفقات، ~~وكل هذه التكاليف، لا يزيدك في مرآه على أميرالاي في المعاش! ~~••• # وإبراهيم وجيه باشا رجل طيب القلب لا يصدر عن أذى ولا ms058 يصدر عنه أذى، متواضع النفس، ~~متواضع التفكير. لقد أصبح في الواقع وكيلا لوزارة الخارجية في الدولة، ولكن أدبه وتواضعه ~~لا يطاوعانه قط على الترافع إلى هذا المعنى؛ وإنهما ليغضان حتى من تفكيره في مقتضيات ~~ذلك المنصب الرفيع! # إنه لرجل متواضع حقا في كل شيء! ولو أنك داخلته مهما داخلته، ولابسته مهما لابسته، لا ~~يمكنك أن تحس منه أي اعتداد بالنفس يشعرك أنه أصبح وكيلا لدائرة، فضلا عن أنه أصبح ~~وكيلا لوزارة خارجية الدولة نفسها. وأيسر الدلائل على هذا موقفه العتيد في مجلس النواب ~~يوم ثار حديث «بيوت هوس» وما اقتضى خزينة الدولة من نفقات جسام. # وهو كذلك رجل متواضع الحديث، لقد يستغرق المجلس بالحديث عن نفسه لا عن مركزه في الحكومة، ~~ولا عما يعتري الدولة من مشاكل ومتاعب في جغبوب، ولا مما يراد من فرض امتيازات لإخواننا ~~الشوام أيضا في مصر، بله المفاوضات المقبلة في تقرير مصير الدولة - بل إنما يحدثك عن ~~المفاوضات المقبلة بينه وبين طاهيه. وإن له لطاهيا عظيما، وإن طاهيه لعبقري؛ يصدع ~~بعبقريته حدود الفن، أليس الطهاة جميعا يقربون، يوم الوليمة إلى الضيفان، «البامية» ~~بعد رأس الطعام «الحمل أو الدندي أو السمك؟» # ولكن طاهيه قرب مرة لضيفانه بعد رأس الطعام صفحة من الفاصوليا الخضراء مباشرة! ~~أليس هذا عبقرية تستحق كل إعجاب وإطراء؟! # سبحان من أودع كل قلب ما شغله، وإذا كان قلب وجيه باشا مشغولا بأشياء وأشياء، فإن ~~قلبه من شئون الدولة كلها هواء. # يهرول في الصغير إذا رآه # وتعجزه مهمات كبار # وقد نسيت أن أذكر لك أن للباشا شاربا لبقا هو الآخر، ظريفا، دائم التشكل والتكيف ~~بحسب «آخر مودة» فتراه مرفوعا ومرة مخفوضا، وتارة مفتولا وتارة منقوضا، وآنا مرسلا ~~وآنا «مكويا»، وحينا مستقيما وحينا ملويا، وأسود يوما ويوما أغبر، وأصفر طورا ~~وطورا أحمر. # ولا نحب أن نتر الرجل حقه، فقد أحرز إجازة الحقوق - ليسانس - في غير عسر ولا تأخر ~~في الطلب، ثم دلف إلى مناصب القضاء فرقي في درجها واحدة بعد واحدة معروفا بالاستقامة ~~والنزاهة والنشاط ms059 وعدم الميل مع الهوى، وزامل ثروت باشا في نشأته كما زامله في بعض المناصب ~~التي تولاها، وفي النهاية عين مستشارا في محكمة الاستئناف المختلطة. فكان خير مثال ~~للكفاية والاستقامة؛ فمستشارا ملكيا. وهنا بدأ القلق يدب إلى حظه من التوفيق في ~~مناصبه الحكومية. # وإذا كان قد نفض عن القضاء جملة وقلد منصبا سياسيا «وكالة الخارجية» وبخاصة في ~~العهد الحاضر - عهد المسئوليات الكبرى - فلم يتمكن منه تمكنه من منصب القضاء فليس ~~الوزر عليه هو، ولكن على من أخطأهم فيه التوفيق! # | حافظ إبراهيم بك # وجاءت نوبة صديقي حافظ في «المرآة»، ولم تغن عني المطاولة، ولا كثرة الدفاع، كذلك حتم ~~أصحاب «السياسة الأسبوعية»، وبذلك جزم القضاء: # فإنك كالليل الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # إذن، سأجلو حافظا في هذه «المرآة»، وأرمي فيه بالقول، وإذن سأدخل في الورطة وتحق علي ~~الكلمة في كل حال! ويح نفسي من عنت أهل العنت من القراء، فإنني إن قلت فيه خيرا قالوا: ~~شهادة صديق لصديق، فهي متهمة مهدرة، وإن قلت شرا قالوا: ما أنكره للود وما أكفره! # وما لي لا أعوذ من ألسن هؤلاء بالحق، فالحق أجدى من مصانعة هؤلاء. وعلى هذا، فإني سأطلق ~~كلمة الحق في صديقي حافظ، وأعوذ بالله تعالى أن يلحقني فيه قول ذلك الحكيم: «إن قول الحق لم ~~يدع لي صديقا.» ولا تنس بعد هذا يا سيدي القارئ مبلغ ما يضحي به الكاتب المسكين في سبيل ~~رسالة يؤديها قلمه إليك لتلهو بها خمس دقائق أو ستا، وهو لا يطمع منك في أكثر من أن تقصد ~~في حكمك، وتترفق في نقدك وشتمك، والتضحية في هذه المرة ليست بجسم يتعب، ولا بمال يغصب، ولا ~~بقلم يغلب، ولا بسب يجلب، إنما هي باستهداف ود دام إحدى وعشرين سنة للجلجلة بله ~~الزوال، وهي كانت متن الصبا، وهي كانت نضرة العمر، وهي هي الذكرى الباقية لحلو الحياة لمن ~~أبرمه مر الحياة! # فإن لم تك «المرآة» أبدت وسامة # فقد أبدت «المرآة» جبهة ضيغم # ما لي قد غشيني من ms060 هذه العواطف المحزونة الوالهة، حين عرض لي اسم حافظ ما لم يغشني قبل ~~لاسم إنسان؟ وفيم كل هذا ولعلي لا أصيب في صديقي إلا خيرا! حقا، إني لأخشى أن أكون اليوم ~~مريضا، وأن الأمر كله من لوثة الأعصاب. فإن كنت معافى صادق الوزن، فإنني أرجو أن يكون ~~صديقي حين تقع له هذه المقالة معافى، متزن الأعصاب. ~~••• # حافظ إبراهيم شاعر، فهو يحب الجمال ويجتمع له، ويكره القبح وينعى على أهله، يجابه بذاك ~~مجابهة، لا يتقي في القول ولا يتحرف، وما إن طلع عليه فتى دميم الخلق، غير مستوي معارف ~~الوجه إلا قال له: يا فتى، ليس الوزر عليك بل على أبيك لأنه لم يؤد مهرا! وإذا اطردت نظرية ~~حافظ، فلا شك في أن المرحوم والده تزوج على الطريقة الإفرنجية فلم «يدفع» مهرا، بل هو الذي ~~أخذ «الدوطة». # جهم الصوت، جهم الخلق، جهم الجسم، كأنما قد من صخرة في فلاة موحشة، ثم فكر في آخر ساعة ~~في أن يكون إنسانا، فكان «والسلام»! أما ما يدعى فمه فكأنما شق بعد الخلق شقا، وأما ~~عيناه، فكأنما دقتا بمسمارين دقا. وأما لون بشرته، والعياذ بالله، فكأنما عهد به إلى ~~«نقاش» مبتدئ تشابهت عليه الأصباغ والألوان، فداف أصفرها في أخضرها في أبيضها في ~~«بنفسجيها»، فخرج مزجا من هذا كله لا يرتبط من واحد بسبب، ولا يتصل بنسب. وإنك لو نضوت ~~عنه ثيابه وألبسته دراعة من دونها سراويل، وأفرغت عليه من فوقها جبة ضافية، وتوجته ~~بعمامة عظيمة متخالفة الطيات، لخلته من فورك دهقانا من دهاقين الفرس الأقدمين! فإذا جردته ~~كله وأطلقته في البر حسبته فيلا، أو أرسلته في البحر ظننته درفيلا! ولكن! ولكن اكشف بعد ~~هذا عن نفسه التي يحتويها كل ذلك، فلا والله ما النور بعد الظلام، ولا العافية بعد السقام، ~~ولا الغنى بعد البؤس، ولا إدراك المنى بعد طول اليأس، بأشهى إليك، ولا أدخل للسرور عليك من ~~هذا حافظ إبراهيم! # خفيف الظل، عذب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة، إذا كتب لك ms061 ~~يوما أن تشهد مجلسه، أخذك عن نفسك، حتى ليخيل إليك أنك في بستان تعطفت جداوله، وهتفت على ~~أغصانه بلابله، وأشرق نرجسه وتألق ورده، فأذكراك طلعة الحب: تانك عيناه وهذا خده! وتنفس فيه ~~النسيم بسحر هاروت، فأعجب لمن ينشره هذا النسيم كيف يموت! والبدر في ملكه بين المجرة ~~والجوزاء، يخلع على الروض حلة فضية بيضاء، فلا تدري أأمست السماء في الروض، أم أمسى الروض ~~في السماء؟ # ولم أر قط رجلا أسرع منه حفظا ولا أثبت حافظة، ولقد تقع له المقالة الطويلة أو القصيدة ~~الضافية، فترى نظره يثب فيها وثبا حتى يأتي على غايتها، وإذا هو قد استظهر أكثر جملها، أو ~~أبياتها إن كانت قصيدا، وإذا هي ثابتة على قلبه على تطاول السنين. كذلك لم أر قط رجلا ~~اجتمع له من متخير القول ومصطفى الكلام مرسلا ومقفى مثل ما اجتمع لحافظ إبراهيم، فكان ~~حقا له من اسمه أوفر نصيب. وإذا كنت ممن يجري في صناعة الكلام على عرق وهيئ لك أن يحاضرك ~~حافظ في الأدب، لصب على سمعك عصارة الشعر العربي، وأبدع ما انتضحت به القرائح من عهد امرئ ~~القيس إلى الآن. ويمكنك أن تعد بحق حافظا أجمع وأكفى كتاب لمتخير الشعر العربي عرف إلى ~~اليوم. وليتهم، إذ يشرف على السن، بدل إحالته على المعاش يحيلونه على أحد «دواليب» القسم ~~الأدبي في دار الكتب، إذن لعصموا عليها ذخيرة هيهات أن تعوض على وجه الزمان. # وإذا أردت أن تتعرف لون شعره، وإلى أي واد من أودية الكلام ينتسب، فارجع إلى أكثر ما ~~يهتف به ويردده من شعر من قبله من الشعراء، وإنه في هذا الباب ليؤمن قبل كل شيء بالصنعة ~~والديباجة ونسج الكلام، وما بعد هذا عنده ففضل. وهو يرى، ولقد يرى معه كثير، أن جلال الشعر ~~وبهاءه ليسا في التعليق بدقائق المعاني وإن تزايلت من دونها الألفاظ، وأن أدق المعاني ~~وأجلها لقد تقع للدهماء في حوارهم ومنازع كلامهم، أما إشراق الديباجة وفصاحة القول وتلاحم ~~النسج ورصانة القافية فذلك الشعر. أليس يبهرك ويروعك ms062 ويشيع فيك كل الطرب قول البحتري ~~مثلا: # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا # مقصرا في ملامة أو مطيلا # لم يكن يومنا طويلا بنعما # ن ولكن كان البكاء طويلا # وقوله: # وقفة بالعقيق نطرح ثقلا # من دموع بوقفة في العقيق # وقول الشاعر: # يا ليت ماء الفرات يخبرنا # أين تولت بأهلها السفن # وقول الشاعر العربي: # فسائل بني جرم إذا ما لقيتهم # وسعدا إذا حجت عليك بنو سعد # فإن يخبروك الحق عني تجدهم # يقولون أبلى صاحب الفرس الورد # وغير هذا من رائع الشعر ما لا يتناوله الحصر. # وبعد، فأي معنى في مثل هذا يرتفع على ما تبتذل به العامة في أحاديثهم وأسمارهم وفنون ~~مناقلاتهم! إنما خطره كله في لطف الصياغة وشدة القول وقوة الأسلوب، ولو قد ذهبت تؤدي بلغة ~~أخرى أفخر ما نظم البحتري وأبو تمام وأضرابهما من أعيان الشعراء ما خرجت من ذاك بجليل، بل ~~لو أنك تعمدت أبلغ ما قالوا فنقضت غزله ونثرت نظمه، ما عدا أن يكون كلاما من أوسط ما ~~اعتاده الناس من الكلام! # هذا رأي حافظ في الشعر، وتلك أيضا صورة من شعره! مشرق الديباجة، جزل اللفظ، صافي القول، ~~محكم النسج، رصين القافية، ترى معناه في ظاهر لفظه، فإذا أقبل عليك ينشدك من شعره، أبصرت ~~البيت يستشرف وحده للقافية استشرافا حتى لتقبض عليها بذهنك قبل أن ينطق بها حافظ ~~إبراهيم. # وحافظ، كما أسلفت عليك، مؤمن كل الإيمان بالصنعة، ولقد يسنح له المعنى الدقيق فيحاول أن ~~يشكه بالقريض، فإن أصابه في غير قلق ولا إعنات للفظ أو إخلال بقوة النظم، وإلا صرف لغيره ~~وجه القريض، ولربما أصاب المعنى الرفيع فيسره للنظم تيسيرا، حتى يخيل لك، إذ تتلوه، أنك في ~~كلام من جنس سائر الكلام! # وهو، كما حدثتك، حاضر البديهة، رائع «النكتة»، يتعلق فيها بأدق المعاني في جميع فنون ~~القول، فلا يحتويه مجلس إلا رأيته يتنزى تنزيا من ضحك ومن طرب ومن إعجاب، وهو ~~كذلك شديد الفطنة، حلو الملاحظة، لا يكاد يعرض لسمعه أو لبصره شيء إلا وجه عليه رأيا ~~طريفا يصوغه ms063 في «نكتة» عجيبة قد تستقر على سطوح الأشياء، وأحيانا تتغلغل إلى الصميم حتى ~~تتكشف الأيام منها لا عن طرفة متطرف ولكن عن رأي حكيم! وهو لا يتحامى في تطرفه ولا ~~يتحرج، فتراه يقتحم عليك بتندره كل مداخلك أنى سنحت له اقتحاما، فيصيب من خلقك ومن ثيابك ~~ومن أثاث بيتك ومن طعامك، على أنه في كل هذا مرضيك ومؤنسك وباسط أسارير وجهك إن لم يفرج ~~بالضحك من ثناياك، فأما إذا كنت رجلا ضيق العطن متزمت النفس، فلا خير لك في مجلس حافظ ~~إبراهيم. # وهو أجود من الريح المرسلة، ولو أنه ادخر قسطا مما أصابت يده من الأموال لكان اليوم من ~~أهل الثراء، على أنه ما فتئ طوال أيامه يشكو البؤس حتى إذا طالت يده الألف جن جنونه، أو ~~ينفقها في يوم إن استطاع، فإذا استغلقت عليه أحيانا وجوه السبل لإتلاف الأموال، عد هذا ~~أيضا من معاكسة الأقدار! ولعل هذا من أنه نضجت شاعريته في باب «شكوى الزمان»، وقال فيه ما ~~لم يتعلق بغباره شاعر، فهو ما يبرح يطلب البؤس طلبا ويتفقده تفقدا؛ إيثارا لتجويد الصنعة ~~والتبريز في صياغة الكلام، وتلك دعوة كانت للمرحوم الشيخ محمد عبده أحسب حافظا يحققها بيده ~~إذا قصرت في تحقيقها الأيام. وإنه لفنان # Artiste # حقا، ~~وإن فيه لكل أخلاق الفنانين، توله بالطعن من جميع أقطاره، فقد يسامحك ويتراخى ~~بالصفح عنك، أما أن تتولى فنه وتسلك بالطعن صنعته، فذلك الكسر الذي لا يجبر، وذلك الذنب ~~الذي لا يغفر، وذلك مثار الدمع ما يزال هاميا، وذلك متنزى الجرح ما يفتأ على الزمان ~~داميا. # والعجب أن حافظا نفسه ضيق العطن، قليل الصبر، سريع الغضب، ويا ويل الأرض منه والسماء إذا ~~تعجل أمرا فألبث دونه دقيقة واحدة، إذن لهاج هياج الصبي، فما يجدي فيه التصبير ولا ~~التعليل، وما أبدع غضبته وما أحلاها ساعة يهم بركوب مركبة في الطريق، فيرى الخيل قد خلعت ~~عنها أرسانها، وهناك تسمع منه وهو يكاد يتميز من الغيظ، أبدع النكات وأدقها، وقد ~~عجلت إليه الشيخوخة قبل السن، ms064 وضربته أعراض السبعين، إذ هو لم يذرف كثيرا على الخمسين، ~~ففاض من أنسه غير قليل، وشغل بالمرض أو بتوهم المرض، فما يلقاك إلا أبثك علة طارئة وطالعك ~~بشكاة جديدة، وتتقسم أوهامه مراجعة الأطباء والمتطببين، وترديد النظر في كتب الصحة ~~والأقرباذين، فما سمع بعلة إلا أحس أعراضها، ولا وقع على عقار من العقاقير إلا اتخذه وتداوى ~~به! # ومن أظرف نوادره، أن صديقا له لقيه مرة في الطريق، وهو منقبض النفس متربد الوجه، فسأله ~~ما به، فقال له: إن المصران الأعور عندي ملتهب، فقال له صاحبه: وبماذا تشعر؟ فقال: أشعر ~~بوجع شديد هاهنا، وأشار بيده إلى جنبه الأيسر، فقال له: إن المصران الأعور إنما يكون في ~~الجنب الأيمن لا الأيسر! فأجابه حافظ من فوره: يمكن أكون أنا يا سيدي أعور شمال! ~~••• # ولا أحسب شاعرا يجيد الإنشاد كما يجيده حافظ، وإن له لصوتا جهيرا، فخما، رائع ~~المقاطع، فإذا هو وقف ينشد الجماهير هزها هزا، ورفع بالترتيل حظ الكلام درجات على ~~درجات. # ولا ننس لحافظ يدا جليلة على اللغة العربية بما نظم وما نثر إنشاء وترجمة، فلقد طالما ~~استخرج من مجفوها صيغا طريفة بليغة أدت كثيرا من الأسباب الدائرة بين الناس، مما ~~تتحرك معانيه في الأنفس ويعيي أداؤه على الأقلام. # وحافظ إبراهيم - ولا شك - من مفاخر هذا العصر ومن مباهجه معا. أسأل الله أن يبسط في ~~عمره، وأن يرزقه العافية، على أن يقتنع هو أنه في عافية! # وبعد، فإذا كنت يا صديقي قد وترتك بعض حقك ولم أعرض جميع مزاياك؛ فلكيلا أجعل لأحد سبيلا ~~إلى الاتهام، وإذا ظن بي شانئ أني لم أتسقط كل هناتك، إن كانت لك هنات أخرى، فما ~~كان الود ليريني إلا الخير في أصدقائي، على أنني أعتذر إليك في الأولى، وأعتذر إلى القراء ~~في الثانية، وأستغفر الله في الحالين، وأسأله تعالى أن يصرف عني محنة الكتابة، ويتوب علي من ~~فن الكلام. # | هدى هانم شعراوي # لقد تعرف أن العرب إنما أخذوا علم المنطق عن اليونان وعربوه تعريبا، ودونوا فيه الكتب، ~~وأشاعوا ms065 البحوث وضربوا الأمثلة، على أنهم في كل ذلك لم يخرجوا عن الأفق الذي رسمه اليونان ~~حدا للمنطق تدور فيه قضاياه، وتتكيف أقيسته في أشكاله المقسومة، وكل أولئك مرده عندهم إلى ~~العقل، وإلى العقل وحده. فأما القضايا الوجدانية، وأما الأقيسة الشعرية، فلا اعتبار لها ولا ~~اعتداد بها في معرض الاحتجاج. # وبهذا أضحى المنطق شبيها بالرياضة إن لم يكن شعبة منها. وأما الفلسفة الحديثة، فلسفة ~~الغرب، فقد تبسطت قواعدها حتى تناولت نجوى القلب وحديث الوجدان! وأدخلت هذا في جملة الأقيسة ~~التي تعتبر نتائجها، ولقد يكون هذا من الحق، فإن شعور النفس أحيانا لا يقل صوابا عن حساب ~~الذهن، بل لقد يسبق الوجدان أحيانا، ويستشرف إلى ما لا يهتدي إليه العقل، وينقطع من دونه ~~جهد التفكير، فليس عدلا وليس حقا أن يسقط الإنسان هذه الأداة القوية النافذة من أسباب ~~تعرفه واستكناهه لحقائق الأشياء! # على أن هذا أيضا لا يسلم من الخطل، فكثيرا ما يكون موقع الرأي في الوجدان أثرا من آثار ~~الهوى، أو حكم البيئة، أو الظرف الخاص، أو طول الاعتياد أو نحو ذلك مما تتجه به نزعات النفس ~~دون أن يكون للحقائق في نفسها أي اعتبار. # وإنما سقت هذه المقدمة الطويلة، المملة أيضا، لأقرر أنني، في مسألة المرأة، رجل رجعي، لا ~~أرد هذا إلى قياس منطقي عقلي، على الطراز القديم، إنما مرد الأمر كله إلى قياس وجداني على ~~الطراز الحديث. نعم، لا أدعي أنني حركت في الأمر عقلي فأثبت لي بعد ترتيب الأقيسة المنطقية، ~~أن «نهضة المرأة المصرية» غير ميسورة أو غير صالحة، إنما هي نزوة الوجدان لا تلهمني من هذا ~~إلا أسى وتطيرا! ~~••• # وأهاب بي صديق: «فيما تقصر مراياك على الرجال، وفي النساء من هن أفضل من كثير؟» وأول من ~~تنظرت لي من سيدات العصر، من غير تردد، هدى هانم شعراوي، ولكن! سرعان ما مثل لي تداعي ~~المعاني أيضا مسألة «النهضة النسوية»، إذن، سأكتب في السيدة هدى هانم شعراوي، وإذن، سأعرض ~~برغمي لحديث «النهضة النسوية». # على أنني لم أر السيدة النبيلة، ms066 ولا بد لي قبل أن أريها مرآتي أن أراها، ولا بد لي قبل أن ~~أتحدث عنها أن أتحدث إليها، فكيف السبيل إلى كل ذلك؟ ذلك أن أتشفع إليها بصديق لأسألها في ~~مسألة خيرية. # وهمها في العلا والمجد ناشئة # وهم أترابها في اللهو واللعب # ولقد تفضلت السيدة الكريمة وأذنت لي في التمثل لها في قصرها الفخم القائم بإزاء دار ~~الآثار، أو القائمة بإزائه دار الآثار. # مضيت إلى الموعد ورأسي يزدحم بجلائل الأفكار عن هذه السيدة النبيلة، المزدحم تاريخها ~~بجلائل الأعمال، ولقد ثار المصريون في صدر سنة 1919 يطلبون نصيبهم في الحياة، وأبت كرائم ~~السيدات أن يتخلفن في الخدور، فنفرن في خفة إلى الجهاد، وفي طليعتهن كانت السيدة هدى هانم ~~شعراوي. ولقد يسيغ الرجل الرجعي «مثلي» هذا؛ لأننا كنا في جهاد، وهل خلا جهاد من أثر ~~للسيدات عظيم؟ وهادننا الإنجليز وهادناهم، وسكت المدفع وتكلمت السياسة، وآبت أكثر العقائل ~~إلى خدورهن تاركات ذاك للرجال، فذلك، في رأيي، من شأن الرجال وحدهم. وأبت هدى هانم، في سرب ~~من ربات الحجال، إلا أن تجول في السياسة مجالا، ولعله عز على بنت سلطان باشا الذي مثل خديو ~~مصر في البلاد يوم حاصر العرابيون الخديو في الإسكندرية وكفوه عن ولاية الحكم، والذي جرد ~~عليه بعض الثائرين السيف فلم يتتعتع عن التشبث بما اعتقده منجاة للوطن، ولعله عز على زوجة ~~علي شعراوي باشا الذي كان ثالث ثلاثة خاضوا، في يوم الروع، مدافع السلطة وأسنتها، وراحوا ~~يقولون لعميدها في شمم وقوة: إن مصر تريد حريتها لأنها لا تطيق حياة الرق، فإذا كنتم ترومون ~~أن تتصلوا بها، فلتكن صلة الأكفاء بالأكفاء لا السادة بالعبيد، لعله عز على هذه السيدة التي ~~خاضت المجد من كل أطرافه أن تسكن أو تبلغ مصر غاية مناها من الحرية والاستقلال. # على أنها ما لبثت في ميدان السياسة أن فطنت إلى أن لها مهمة أخرى لو حررت لها مواهبها ~~العظيمة، لكان ذلك أزد على بني وطنها، بل على قضية هذا الوطن، ولقد اجتمع للسيدة هدى هانم ms067 ~~ما لم يجتمع لكثيرات في هذه البلاد، اجتمع لها الحسب، والغنى، والذكاء، والنشاط، والغيرة ~~الشديدة على النفع العام. # وشاء الله لهدى هانم، أو على الصحيح، شاء لحظ مصر أن تقبل هذه السيدة بكل مواهبها على ما ~~هو أخلق بها، فرأت أن المرأة المصرية مظلومة فحق أن تنصف، محرومة فحق أن تعطى، جاهلة فحق أن ~~تتعلم، وأنفقت ما شاء الله من مالها وجاهها ومساعيها حتى شرعت الحكومة قانونا لسن زواج ~~البنت، وحتى فرضت من عنايتها نصيبا عظيما لتعليم البنات. وما زالت السيدة تلح بمساعيها ~~على الحكومة في شأن المرأة، وما زالت عناية الحكومة تتسع لهذا الإلحاح الكريم. # أما من جهتها هي، فقد راحت تعمل على تهذيب المرأة المصرية وتعليمها، ورفع شأنها بكل دخل ~~في إمكانها من الذرائع: فمن إنشاء مدرسة، إلى إقامة ملجأ، إلى تشييد مشغل، إلى نشر مجلة، ~~إلى إلقاء المحاضرات العامة في شئون التربية والتعليم. # ولم تقنع بكل ذلك، فأقامت مصنعا للخزف؛ تحيي به صناعة وطنية قديمة من جهة، وتعصم به من ~~جهة أخرى طائفة كبيرة من الفتيان المتبطلين من التشرد والاطراد في طرق الشر والإجرام، ويضيق ~~العمل في داخل البلاد عن مساحة همتها، فتهاجر كل عام إلى ديار الغرب؛ لتهتف باسم مصر وتعلي ~~من قدر المرأة المصرية هناك. # وأظن السيدة هدى هانم شعراوي أول سيدة مصرية مثلت بنات جنسها في بلاد الغرب، فقد وفدت على ~~روما من بضع سنين وانتظمت عضوا في المؤتمر النسوي الذي عقد هناك، وألقت بين أهله خطابا ~~نفيسا دل القوم على أنهم كانوا في عقيدتهم في السيدة المصرية جد مخطئين. # ووفدت صيف هذا العام على باريس، ودخلت عضوا تنوب عن نساء مصر في المؤتمر النسوي الذي ~~حضره رئيس الوزارة ووزير المعارف كلاهما، ومما يذكر لها بالإعجاب، أنها لاحظت أنه قد رفعت ~~في قاعة المؤتمر أعلام الدول التي ينتمي إليها الأعضاء جميعا ما خلا مصر، فلم تتوان عن ~~الجهر بما لاحظت، فاعتذر إليها القائمون بشأن المؤتمر، وأكدوا لها جهد قواهم أن الأمر لا ~~يمكن أن ms068 يصرف إلا على مجرد السهو، وبادروا إلى العلم المصري فرفعوه بين التحية والتصفيق، ~~ولما انتخب أعضاء لجنة المؤتمر التنفيذية كان بينهن، ولا فخر، ممثلة نساء مصر هدى هانم ~~شعراوي. # كل هذه الأفكار كانت تساورني في طريقي إلى قصر السيدة هدى هانم شعراوي، إلا أنني، كما ~~أسلفت إليك، في مسألة «النهضة النسوية» رجعي، وإذا كنت أخاف شيئا من وفادتي تلك، فهو أن ~~تغير السيدة هدى هانم رأيي في المرأة، والمرأة المصرية على وجه الخصوص! # وأنت إذا جددت في التفكير، انتهيت إلى أن أكثر ما يستريح إليه الناس وما يختمون عليه ~~قلوبهم في معاقد آرائهم مدين لهذا النوع من الأنانية في الإنسان، وإن المرء ليؤمن بالرأي ~~حتى ليقاتل في سبيله ويبذل مهجته من دونه، وما كان هذا الرأي نتيجة منطق سليم، ولا وليد ~~تفكير صحيح، بل لقد يكون أثرا من آثار التقليد، أو طول الاعتياد، أو حكم الظرف الخاص، أو ~~غير ذلك من مختلف الأسباب، وإن الزمن ليعقد بين المرء ورأيه ألفا ومودة، وتلك العلة في ~~نفورك من كل من يكشف لك عن مواقع الخطأ في رأيك، ويحاول أن يزعجك عنه إلى ما ربما كان ~~الصواب. ولقد لمس المتنبي هذا المعنى في قوله: # خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا # لفارقت شيبي موجع القلب باكيا ~~••• # وبلغت قصر السيدة الفخم، وقادني الخادم إلى غرفة صنعت على «الطراز العربي»، وقد افتنت ~~اليد الصناع في سقفها وجدرانها ومحاريبها وأثاثها وثرياتها وصورها وتهاويلها، حتى خيل ~~إلي أنني إنما أعيش في القرن الرابع عشر لا العشرين. وجاء شاب من قرابة السيدة، فدعاني وسار ~~بي، فخضنا بهوا عظيما هائلا يتحير الطرف في بدائع أثاثه ورائعة تحفه، حتى أفضى بي إلى ~~غرفة مبسوطة الجنبات، أثثت بفراش من طراز لويس السادس عشر، وزينت جوانبها بغوالي الطرف، كما ~~زينت جدرها بأبدع ما جالت به أيدي المصورين. والواقع أن عينك لا تقع، أنى دارت، إلا على ~~مظهر من مظاهر الغنى، إلا أن ذهنك سرعان ما يستغرقه شعورك بما في ذلك النظام من دقة ms069 ذوق ~~وروعة جمال. وهناك استقبلتني السيدة النبيلة مرحبة، وأومأت إلى كرسي كبير - فوتيل - فجلست ~~وجلست. # ولست أعالج من وصف سيدة ما أعالج من وصف الرجال في هذه «المرآة»، إلا أنني لا أكتم القارئ ~~أن هذه السيدة تحيط بها هالة من جلال تحسر النظر عن تصفح ما في معارف وجهها من قسامة وجمال، ~~وذلك البريق في عينيها قل أن يقع على محدثها، بل إنها لتشرد به في ناحية أخرى في فتور طرف، ~~على أنك لو استطعت أن «تنشل» منه في غفلة منها نظرة واحدة، أقنعتك تمام الإقناع بأن نظرها ~~إنما يتجاوز المحيط الذي أنتما فيه ببعيد. والواقع أنها سيدة مفكرة، والظاهر أنها لا تنقطع ~~عن تفكير عميق، محتشمة الثوب، محتشمة المجلس، محتشمة القول، محتشمة الابتسام. # وانتهى دور التحية، ولم يبق لي بد من الكلام، فقلت لها: يا ستي، إنما جئت لأسألك في بعض ~~ما تعانين من الأعمال، فأجابتني في دهشة قد تنطوي على شيء من الإنكار: لقد أخبروني يا سيدي ~~أنك آت لتسألني في مسألة خيرية! ~~- وهل ثم خير أبلغ وأجمع مما تعالجين يا سيدتي من وجوه الأعمال؟ ~~- تفضل فسل عما شئت. ~~- قبل كل شيء لا أكتمك أنني رجل لا أقول بالسفور، ولا أذهب مذهب السفوريين، بل إني أعترف ~~بأكثر من هذا! أعترف بأنني في مسألة «النهضة النسوية» ما زلت رجعيا. ~~- رجعي! ولماذا؟ وما حجتك على هذا الخلاف لجماعة السفوريين؟ ~~- لست أتكلف لهذا حجة، بل لعله رأي طبعتني عليه البيئة بحكم نشأتي في بيت محافظ. # وهنا ابتسمت السيدة النبيلة ودارت ببصرها دورة سريعة، وقالت في بطء يتداخله شيء من العجب: ~~وأين نشأت أنا؟! وكأنها بهذه الكلمة الصغيرة تقول لي بأبلغ البيان: وهل نسيت أنني نشأت في ~~أكبر بيت في الصعيد له كل تقاليده المأثورة، وعاداته القاسية الموروثة؟ فأجبتها من فوري: ~~وهذا يا سيدتي مما يزيد في العجب! ~~- ليس الأمر بدعا كما تظن، فإن أمة تريد أن تحيا وأن تأخذ مكانها تحت الشمس، إنما تعبث ~~بعقلها وكرامة تفكيرها إذا ظنت أنها بالغة ms070 من ذلك ونصفها أشل! وكيف يرقى الرجال إذا لم يرق ~~النساء؟ وكيف ينتظم حال بيت تديره امرأة جاهلة، لا رأي لها في الحياة ولا كرامة ولا خطر؟ ~~وكيف تريد للأمة رجالا صالحين أكفاء للحياة المجيدة القوية، إذا كان يتولاهم في بدء ~~نشأتهم ويطبع تفكيرهم أمهات جاهلات وضيعات التفكير؟ ~~- يلاحظ يا سيدتي أنه في هذا الوقت الذي قويت فيه الدعوة إلى السفور، خرجت كثيرات من ~~السيدات عن آفاقهن سواء في ملبسهن وفي غير الملبس من مطالب الحياة! وترى هل هناك صلة بين ~~الأمرين؟ ~~- إن دعوة السفور ما كانت يوما لتنطوي على هذا التبرج، وهذا السلوك الذي تنكره وننكره ~~كلنا معك. فإذا ظن ظان أن من السفور ما تفعل بعض سيداتنا، مع كثير من الأسف، من الابتذال في ~~مجالس الرجال والرقص ونحوه فهو في أشد الضلال. وإذا كان بعض السيدات قد تطرفن في سلوكهن، ~~فما كان ذلك إلا نتيجة «التطور» الاجتماعي، ونحن إذا دعونا إلى السفور، وعملنا بجهدنا على ~~تحقيقه، فإنما نفعل ذلك لنكبح جماح هذا «التطور»، ونسير بالمرأة الشرقية في الطريق النافع ~~المأمون. ~~- وإنك يا سيدتي لتجاهدين كثيرا في أعمال البر، فهل لك أن تصوري لي شعورك كلما أدركت من ~~عملك نجاحا؟ ~~- إنني إذا كان قدر لي في مساعي نجاح كما تقول، فإن شعوري مشغول عنه بمعالجة ما لم يتهيأ ~~بعد له النجاح، ثم قالت في تواضع عظيم: إن خطانا ما زالت بطاء، وخطى الأيام سراع! ~~- لعلك يا سيدتي لا تزنين تمام الوزن أثر المجهود العظيم الذي بذلته على الأيام، لأن ~~أقل الناس إدراكا لنمو الطفل هما أبواه. ~~- على كل حال، فإنه ما زال بيننا وبين الغاية التي نطلبها بون بعيد، فإذا لم ندركها نحن ~~رجونا أن يدركها من بعدنا من الأجيال. ~~••• # وهنا، استأذنتها داعيا لها بالصحة وطول العمر، وانصرفت لا أدري، أبقيت على رأيي «الرجعي» ~~في النساء أم لا؟ إلا أنني رأيت لساني يردد قول المتنبي: # ولو كان النساء كمن رأينا # لفضلت النساء على الرجال # | إسماعيل صدقي باشا # ما رأيت ms071 رجلا افترقت فيه أهواء الناس كما افترقت في إسماعيل باشا صدقي، فلقد أحبه قوم ~~أشد الحب، وأبغضه قوم أشد البغض، وبقي فيه آخرون متحيري المذاهب، مترجرجي الآراء، وليس ~~يشغل الناس بكل هذا إلا عظيم. # ولقد رزقه الله قصدا في كل ضواحي خلقه؛ فهو ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالبدين ولا ~~بالهزيل، معتدل القامة، متناسب الأعضاء، له وجه لطيف مستدير، وفم حلو تترقرق عليه ابتسامة ~~حلوة، يحدثك في هوادة وظرف، حتى لترى فيه خفر الكاعب وارتياح الغلام، ولا تجده، مهما لج ~~بكما الحديث وتعلق بما يحفز ويثير، إلا وادع النفس، مطمئن القول، عذب الصوت، يقاولك في ~~الجلى كما يقاولك في أتفه الشئون، حتى لتحسبن هذا الهيكل الذي يجتمع عليه نظرك لا ~~يجن إلا طاقات من الزهر، أو قطعا من نسيم السحر، فلا غضب ولا مراح ولا ضغن ولا ~~وجد ولا غريزة من تلك الغرائز التي تتفجر في صدور جميع الأحياء! ولكن، ارفع بصرك إلى ~~عينيه تجد هناك كل ما يصول به اللسان، وتتنزى به في الحادثات جوارح الإنسان! ولصدقي باشا ~~عينان حديدتان، وهما مستديرتان في غير سعة، وقد ركز الله فيهما مظاهر كل ما في الرجل من ~~ألوان العواطف، فإذا استرسلت نفسك منه إلى مثل صفاء الغدير، فاحذر فلعلك بين براثن ليث ~~خادر! # ولصدقي باشا صلعة شديدة الوضوح، تنحدر إلى مؤخر نافوخه حتى لتعرفنه بها موليا كما تعرفه ~~مقبلا. # ويهب الله له دقة في الحس، وصفاء في الذهن لم يهبهما لكثير من الناس. وإليهما يرجع الفضل ~~أعظمه في كل ما أدرك من براعة ونبوغ. ولصدقي باشا كل مواهب الرجل الفني حقا، وإنه لم ~~يعالج من يوم نشأته إلى هذه الغاية موضوعا في هذا الباب إلا برع فيه، وأوفى على نهاية ~~الإحسان. وبهذه المواهب تهيأ لإسماعيل صدقي أن يكون أكبر رجل مالي في البلاد، لا أريد ~~مؤلفا ولا محاضرا، وإنما أريد رجل عمل، أنقذ بمهارته ميزانية الدولة مرة، وكان قد أشرف ~~بها سلفه على الدمار. وما يزال يعالج بتلك العبقرية الفذة ميزانية ms072 الدولة وزيرا وعضوا في ~~مجلس النواب. # من ذخائر الأمم. # وقد تطلعت الآمال من بضع عشرة سنة إلى وضع مشروع جامع لترقية شأن البلاد من الوجهتين: ~~المالية والاقتصادية، وعهد بهذا إلى «لجنة» من أهل الخطر في هذه الأمور، مصريين وأجانب، ~~وتولى صدقي باشا رياستها، فبحث في كل مرافق البلاد، لم يدع دقيقة ولا جليلة في ذاك إلا ~~حررها ودل على مواضع النقص فيها، وكيف تطلب أسباب الكمال لها. وخرج بمشروع عظيم لو أن مصر ~~وفقت إلى الأخذ به والسير بمرافقها على ما رسم فيه، لكان لثروتها المسكينة اليوم شأن ~~آخر! # وهو من أعلى المثل للكفايات الواسعة المشبوبة التي لا تتحرج بمطلب، ولا تنخذل عن الغاية، ~~وأنى شارك في عمل كان المجلي، وكان أول نظره جماع الرأي في النهاية. ومما يؤثر له أن المجلس ~~الاقتصادي - ولا تنس أنه من بعض آثاره في وزارة المالية - انتخبه رئيسا للجنة الفرعية التي ~~عهد إليها وضع النظام الجمركي، فأعد برنامجا بديعا اتخذته اللجنة دستورا لها، وما زالت ~~تترسم آثاره إلى الآن. # ومما يحصى له إن كانت تحصى مفاخر آثاره، تلك المحاضرة الرائعة التي ألقاها في العام ~~الماضي على محامي المحكمة المختلطة في موضوع الامتيازات الأجنبية وعلاقتها بالضرائب، وما ~~كان أعظم انتصاره إذ يضرب تلك الامتيازات في أمنع قلاعها، ثم يتدلى عن المنبر بين تهليل ~~صفوة «الأجانب» وهتافهم الطويل! ~~••• # وأحرز صدقي باشا إجازة الحقوق من مدرسة الحقوق المصرية وسنه لم تتشرف بعد على الثامنة ~~عشرة، وخرج من مراكز النيابة فلم يظهر له فيها كبير خطر، وأي خطر كبير يمكن أن يتهيأ لعضو ~~نيابة محدود السعي، محدود العمل؟ ولكنه ما كاد يولى سكرتيرية المجلس البلدي في ~~الإسكندرية، حتى ظهر نبوغه وظهرت معه تلك الجرأة النادرة. ويقبض رجل مصري لأول مرة على ~~ناصية المجلس البلدي، فيضبط إدارته ويعمل على أن يطهره من أدرانه تطهيرا. # ثم جيء به سكرتيرا عاما لوزارة الداخلية فوكيلا لها، فكان له شأن أكبر من شأن «موظف» ~~مصري في ذلك الزمان. وأنى صار صدقي باشا في ms073 مناصبه صارت معه الدقة والفطنة إلى خفايا الأمور ~~والاضطلاع من مهام الحكم بكل عظيم. # وتولى الوزارة فلم يطل به الحظ فيها، فاعتزلها ولبث في داره بضع سنين، إلى أن ألف الوفد ~~في أعقاب سنة 1918؛ ليتحدث على قضية مصر، فانتظم فيه صدقي باشا، وكان رابع أربعة من رجالاته ~~امتدت إليهم يد السلطة العسكرية فنفتهم عن البلاد إلى جزيرة مالطة، حتى إذا أطلقوا بعد ~~تلك الأحداث الجلى، انطلقوا من فورهم إلى باريس حيث وافاهم سائر أعضاء الوفد، وهناك ~~جعلوا يرفعون صوت مصر ويطرقون بطلبتها كل باب، ويسعون إلى استقلالها ما وجدوا إلى السعي ~~سبيلا. وإذا كانوا رفعوا صوت مصر، فلقد رفعوا كذلك رأس مصر. وإذا كانوا دونوا في إثبات ~~حقها صحائف خالدة على التاريخ، فإن اسم إسماعيل صدقي سيظل في أجل هذه الصحائف خالدا على ~~التاريخ. # وفشت - مع الأسف - فاشية انقبض على أثرها صدقي باشا عن العمل، وصدر أدراجه إلى مصر وبقي ~~في عزلته حتى كانت الوزارة العدلية في أوائل سنة 1921، فتقلد فيها وزارة المالية، وشخص في ~~الوفد الرسمي إلى لندن في تلك السنة. وإذا كان قد شارك في بحث المسألة السياسية فقد انفرد ~~ببحث المسائل الاقتصادية التي تعلقت بها المفاوضات، فكان فيما حرره منها حق لبق، وحق ~~خبير. # وتعلم أن ثروت باشا قد استخرج في سنة 1922 تصريح 28 فبراير، وإعلان مصر دولة مستقلة ذات ~~سيادة. فلا تنس أن صاحبه صدقي باشا كان وزره في هذا السعي وعونه بما جلى من التفاصيل. وما ~~أبدع صدقي يكمل ثروت إذا عرضت عظيمات الأمور، هذا لخطب السياسة الضخم، وذاك لما يتكئ عليه ~~حل المعضلات من دقائق الموضوعات. # فكيف بهذين مع عدلي بعينه العالية ونظره السياسي القدير؟ وكيف بثلاثتهم مع الزعيم الجليل ~~سعد باشا، وما اختصه الله به من شدة نفس وقوة حجة وصلابة عود؟ # ولقد حق للأمم الناهضة بهذا أن تغبط مصر، وإن مصر ببركة هذا الائتلاف المقدس لبالغة غرضها ~~الأسمى إن شاء الله. # وبعد، فلقد لبثت مصر بضع سنين وعيشها السياسي قائم على ms074 تنابذ قادتها وتناحر أحزابها، كل ~~يعمل للقضاء على غيره، حتى إذا خلا له وجه الأمر تولى حل قضية البلاد على ما قدره هو لتحقيق ~~أماني البلاد. ويستحر القتال، ويرمي كل عدوه بما ملكت يده من أسباب الهلاك. ويأبى حارس ~~الكنانة إلا أن يبصر الصفوة من القادة وأعيان أهل الرأي بأنه إذا كان هناك من يستفيد بهذه ~~السياسة الدامية فليست هي مصر على أي حال! # وما إن أهاب بالقوم ذلك الداعي النصيح حتى ألقي السلاح، ونضيت الدروع، وخشعت القلوب، ~~وفاضت العيون بالدموع، ومشى الأخ إلى أخيه يستعتبه فيعتب، وهرع الولد إلى أبيه يستعطفه ~~فيعطف ويحدب، وتبزل الأضغان وتسل الأحقاد، فيجتمع الأحباب من كل ناد، فلا ترى عطفا يملأ ~~الأفئدة، ورحمة تسيل بها الأكباد. # شواجر أرماح تقصف بينها # شواجر أرحام ملوم قطيعها # إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها # تذكرت القربى ففاضت دموعها # وكذلك أصبحت البلاد بنعمة الله صفا واحدا، يرمي في غرض واحد بعد أن كانت صفوفا يرمي ~~بعضها بعضا. وصدقي باشا رجل شديد في رأيه يعمل له بكل ما أوتي من قوة، وهو من أكبر ~~العاملين على ترك سياسة الفرقة إلى سياسة الوئام، وصل الله في عمرها إلى غاية الزمان، فكان ~~شديدا في الأولى كما كان شديدا في الثانية، ومن ينكر عليه هذا فهو لا يدين بمنافع البلاد ~~حيث كانت، ولكن يدين بعبادة الأشخاص حيث تكون! # وهل كان هذا في شرع السياسة بدعا؟ وهذه دول الغرب التي نأخذ عنها أساليب الحكم، ونتروى ~~وجوه التصرف في السياسة، لقد تتعادى أحزابها وتتفانى، وينضح بعضها بعضا بالمكروه، حتى إذا ~~حدثت الأحداث تصافحت الأيدي، واتحدت الكلمة وتلاحمت الصفوف، ودخل رجال من بعضها في وزارة ~~ينمى رئيسها لآخرين، والأمثلة على هذا أوفر من أن يتناولها البيان. # ولقد كان سعد وعدلي وثروت وصدقي من فجر النهضة حزبا واحدا، يدينون برأي واحد، ويسعون ~~لغرض واحد، فهل يعد عليهم اليوم أن تنحسر الفتنة بينهم، وأن يعودوا كما بدءوا قلبا واحدا، ~~وقد جدت الأحداث، لإنقاذ حياة البلاد؟! ~~••• # ولعل صدقي باشا يمتاز ms075 عن أصحابه بشدة العصبية لأهله ومعشره، فلا يفتأ يتفقدهم ويتوافى لهم ~~ويصلهم بكل ما دخل في ذرعه، ولقد يفرط في هذا إلى الحد الذي يبعث ضعاف الأحلام، على إنكار ~~ما أوصت به المكارم من صلة الأرحام! # وصدقي باشا، في بابه، عدة قوية للبلاد، وهو لا يكل من العمل، على فرط ذكائه، ولا يمل. ~~ومما تحدث به عنه أعرف الناس به، أنه حين كان وزيرا للمالية لم يكن يرهق كبار موظفيها بطول ~~المراجعة والاستخبار، بل كان يتكئ على فطنته واختباره وحدهما في مذاكرة ما يدفعونه إليه من ~~الأوراق. ومما تحدثوا به عنه في هذا الباب أيضا، أنه كان في غاية اليوم تحمل إلى داره ~~خرائط ثلاث أو أربع تجن كل ما يجري من الأعمال في وزارة المالية، فيكب على دراستها من ~~الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي فلا تدخل الساعة التاسعة إلا وقد قتلها بحثا ومراجعة، ~~واستوى له في كل منها الرأي النصيح. # وإن خطئا عظيما ألا يستخدم على الدوام للنفع العام، فإذا أخذه شانئوه بهنة فما كان ~~هذا ليتنقص أقدار الرجال، إلا إذا تنقصت الكهوف أقدار الجبال، ولعلهم في هذا أيضا كانوا ~~مسرفين! # من صدقي باشا إلى محرر المرآة # وقد تفضل حضرة صاحب المعالي إسماعيل صدقي باشا، فبعث إلى محرر «المرآة» بالكتاب الآتي: # عزيزي الأستاذ الفاضل # أشكر فضيلتكم كثيرا لمرآتكم الناصعة وإن كنت لا أخفي عنكم أنني لم أتعرف ~~صورتي تماما خلالها، بل أخشى أن تكونوا قد بالغتم في تجميلها وتزيينها. # وأرجو قبول تحياتي. # المخلص # إسماعيل صدقي # 17 يناير سنة 1927 ~~«محرر المرآة»: وليس لي يا مولاي ما أقوله في هذا المقام غير قول الشاعر: # فلو «صورت» نفسك لم «أزدها» # على ما فيك من شرف الطباع # | علي الشمسي باشا # لم يكن علي الشمسي من يوم نشأته منكور المحل، وأول عهد الجمهور به يوم كان في سويسرا يطلب ~~العلوم العالية، فكان طالبا مجدا متفوقا، وكان إلى جانب ذلك حركة وطنية قوية تدعو لمصر ~~المضطهدة وتطلب لها الحرية في صميم بلاد الحرية. ms076 نعم، كان الشمسي في أوروبا أقوى صدى لصوت ~~الحزب الوطني في مصر، وأتم تحصيل علومه ونال عليا الشهادات من أكبر جامعات سويسرا، وعاد إلى ~~بلاده، فظن الناس أن «وظيفة» تمهد في الحكومة لهذا القادم الناجح الجديد، فإذا به يعدل إلى ~~دار الحزب الوطني وينتظم من فوره عضوا في مجلس إدارته. وهكذا كان الشمسي درسا بليغا في ~~التضحية خالصة لوجه الوطن، ومن حيث علم من لم يكن يعلم أن التلميذ يتعلم في مدارس مصر، حتى ~~إذا تاقت نفسه إلى طلب العلم العالي هاجر إلى بلاد الغرب، فلبث سنين طوالا بعيدا عن أهله ~~وأحب الناس إلى قلبه، وأنفق ما شاء الله أن ينفق من مال وعمر، وأدركه ما شاء طلب العلم من ~~كد ذهن وإرهاق عصب، حتى إذا برع وحاز أسمى الألقاب العلمية، عاد إلى بلاده لا ليطلب بهذا ~~كله عند الحكومة مرتزقا، ولكن ليطلب به «وظيفة» جندي مجاهد في سبيل الوطن! # وكان علي الشمسي في الحزب الوطني قوة كبيرة، لا في جهارة الصوت، ولا في كثرة الترائي ~~للجماهير، ولا في سبب من أسباب الظهور، ولكن في صحة الرأي وبعد النظر وسلامة التدبير، حتى ~~إذا بعثته ضرورة الحال للخطابة، أسمع الناس كلام وطني شديد الوطنية، في عبارات سياسي محصه ~~العلم ومرسته تجارب الأيام. # وهنا يحلو لي أن أقرر ملاحظة صغيرة: تلك أنه لم يكد يخرج رجل فينا إلى ميدان السياسة إلا ~~جاز إليه بالحزب الوطني والتشيع بادئ الرأي لمبادئه. والوجه في هذا - على تقديري - أن الحزب ~~الوطني حزب الشباب حقا، وأن مبادئه مبادئ الشباب حقا. # بصير بأعقاب الأمور كأنما # تخاطبه من كل أمر عواقبه # والشباب كله حد # 1 # وقوة: دم فائر، وطبع ثائر، وخيال طائر، وأمل لا يتحسب للصعاب، ولا ينخذل عن ~~الاستشراف للغاية مهما عز الطلاب: # 2 # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا! # وكلما علت السن عدا العقل على الخيال، وقصت التجاريب من حوافي الآمال، وطال النظر وكثر ~~الحساب، وتحير الرأي فيما على طريق الغاية من ms077 عواثير وما فيها من عقاب # 3 # إلى ما تثلم السن من القوة، وتقلم من أظفار الفتوة، وتعجز من تلحقه عن التطلع ~~إلى الطفرة، وتطامن من جماح أمله طلبا للسلامة من العثرة. فاحكم أنت بعد هذا: أكانت فترة ~~الشيوخ عن صحة تدبير وصدق حساب، أم عن تراخ في المنة وعجز عن الوثاب؟! # وجاء الانتخاب «للجمعية التشريعية» فظفر علي بك الشمسي بالعضوية فيها عن مديرية الشرقية، ~~ولا أدري أكان ظفره بذاك، على شدة التنافس وقسوة الخصومة السياسية، لإدراك الناخبين صدق ~~وطنيته وما له من المواهب السامية، أم لأنهم إنما أخرجوه للنيابة عنهم لحسبه، وأصالة عرقه، ~~ومواضع بيته في تلك البلاد؟ # على أنه ما كاد يتبوأ كرسيه في «الجمعية التشريعية»، وكان أصغر أعضائها سنا، حتى انفسح ~~له بين رجالاتها في مكان الرأي والحكمة مكان خطير! # ودارت رحى الحرب العظمى، وظهر للسلطة القوية أن علي الشمسي «من غير المرغوب فيهم» فكفوه ~~عن العودة إلى بلاده، ويلبث في ديار الغرب منفيا طوال زمن الحرب، فاغتنم هو هذا النفي ~~ليدعو فيه لمصر وليستزيد من فضل الوقت لطلب العلم في أعظم جامعات الغرب. # وأراد الله وأغمد السيف، وهتف هاتف السلام، وأذن «للمغضوب عليهم» في العودة إلى بلادهم، ~~فعاد علي الشمسي لا ليستريح من ذلك النصب الطويل، ولكن ليستقبل في قضية بلاده ذلك الجهاد ~~الطويل. # وشخص الوفد المصري إلى أوروبا، فسرعان ما اتصل به علي الشمسي، وظل يمده بجهوده ويصله ~~بصادق الدعوة في مواطن الدعوة، ثم انتظم فيه عضوا. # وبعد، فأنت أخبر بمساعيه للوفد المصري وبخاصة في بلاد الغرب، مما أجدى عليه بقوة ذكائه ~~وعظيم اختباره ووثيق صلاته برجال السياسة هناك أعظم الجدوى. ~~••• # ولقد حدثتك في أول هذا المقال أن علي الشمسي لم يكن من يوم نشأته منكور المحل، وإنما أردت ~~بهذا علم الناس بنشأته في المجد والحسب، وثقتهم بما له من شدة فطنة وواسع علم، وإيمانهم بما ~~أدرك من اختبار وتمرين في السياسة وصدق جهاد في الوطن. أما أنه يصلح لأن يكون وزيرا، وفي ~~وزارة المعارف، يضطلع ms078 بتلك الإدارة الواسعة ويعالج أضخم مشكلة تعترض حياة البلاد، وهي مشكلة ~~التعليم؛ فذلك ما كان محل نظر كبير، إن لم أقل إنه كان موضع خوف كبير! حتى لقد سلم كثير من ~~الناس الأمر لله في هذا وللزعماء تسليما! وحتى قال بعض الصادقين المخلصين حين رأوا إجماع ~~الزعماء على تقليد علي بك الشمسي وزارة المعارف: «اللهم إيمانا كإيمان العجائز!» # وأول ما ظن به أنه سينبعث بهوى السياسة وحدها في عمله الجديد، فلا يرى أثرا إلا عفاه، ~~ولا بناء إلا هدمه، ولا عملا لأسلافه إلا نقضه، ولكن علي الشمسي لم يكن عند رأي أحد من ~~أولئك المتعجلين جميعا! فقد ارتفع به علمه عن أن يغير في نظم التعليم لمجرد الشهوة في ~~التغيير، وارتفعت به وطنيته عن أن يغضب العلم ليرضي السياسة. وحين فارت فورة بعض أعضاء مجلس ~~النواب على ما صنع سلفه، أبت على علي الشمسي كرامته وكرامة العلم عليه أن يشايع بظهر الغيب، ~~بل لقد صارح القوم بأنه لا يستطيع أن يحكم على عمل سلفه إلا بعد أن يراجعه ويصيب فيه مكان ~~الرأي، فما كان منه خيرا أثبته وأقره، وما كان شرا رده إلى الخير. وأسرع لساعته فدعا ~~بالأفذاذ من أقطاب العلماء وأهل البصر في هذا الموضوع، وألف منهم «لجنة» برياسته لمراجعة ~~نظم التعليم بجميع درجاته، ووضع الخطة الحكيمة التي تحقق في العلم أماني البلاد. وها هي تي ~~تعمل جاهدة في هذه السبيل، فلا تنتقل من خطوة إلى خطوة إلا بعد البحث وتقليب النظر وطول ~~المراجعة، حتى لا ترسل خطوتها إلا إلى الثابت المطمئن، مستهدية بالحكمة والاختبار وحاجة ~~البلاد وطبيعة أهلها، وما انتهى إليه رأي علماء التربية في نظم التعليم. وإنا لنرجو الله ~~تعالى أن يوفق هذه «اللجنة» في مهمتها حتى تبلغ غايتها، وبهذا ندعو لعلي باشا الشمسي بتسجيل ~~أبلغ فخر أثبته التاريخ لوزير المعارف في مصر. ~~••• # وعلي باشا الشمسي رجل جم الأدب وافر التهذيب، يروى عنه أنه لا يلقى أصغر عماله إلا باللطف ~~والهشاشة، على أنه مع هذا شديد الحزم، ms079 لا تأخذه هوادة في موطن الحق. يغار على عمله غيرته ~~على أوثق أسبابه، فلا يدع صغيرة ولا كبيرة من أعمال وزارته إلا سلط عليها ذكاءه وقلبها على ~~كل نواحي الرأي، فإن اجتمع فيها وجه المصلحة الخالصة أمضاها وأجازها، وإلا فلأم هوى ~~النفس وهوى «الرجاء» الثكل. # وليت حكامنا جميعا يصلبون على تقبل الشفاعات في غير مواطن الحق، فإن الإفراط في الرجاء ~~أصبح من أعضل أدوائنا الاجتماعية. # وإذا كان الحاكم عدلا صادق الولاية على عمله، فليس هناك معنى «للرجاء» عنده إلا أن يراد ~~به العدول إلى الظلم وتعمد الخلاف للقانون! أرأيت مثل هذا إسفافا في الطباع وفسولة في ~~الأخلاق؟! ... والعجب أنه مع وضوح هذا كله لجماعة المضطربين بفنون الشفاعات عند الحكام، فإن ~~أكثرهم ليطلقون ألسنتهم بمقالة السوء فيمن يعتصم بالحق ولا ينحرف، طوعا لشفاعاتهم، عن حكم ~~القانون. وبهذا أصبح لا يستحق الحمد، في شرع هؤلاء، إلا ظالم متمرد على النظام! # وقال لي صديق من القضاة يوما وهو جزع ثائر النفس: لا يغيظني يا فلان قدر أن يجيئني ~~الشفيع في إحدى القضايا فلا يفتح عليه الإجرام إلا بأن يرجوني «أن أقضي فيها بالعدل!» ومعنى ~~هذا أنني لا أحكم في أقضية سائر الناس إلا بالظلم! ولو سألني أن أقضي في شأن صاحبه بالظلم؛ ~~لكان ذلك أرفق بي وأدل على أنني إذا أرسلت على طبعي لما عدوت مكان الحق! ... # أقول، لو صلب الحكام جميعا على تقبل الرجاء لما استنكفوا الأذى فقط بل لطبعوا، على ~~الأيام، كثرة الناس على حب الحق وإجلال القانون، وما أحوج بلادنا في نهضتها الكريمة إلى أن ~~يتغلغل في القلوب حب الحق، وإجلال القانون. # ونعود إلى علي باشا الشمسي فنقول إنه أظهر في هذه الفترة التي قبض فيها على زمام وزارة ~~المعارف كل مواهب الوزير العظيم، القوي الذهن، النافذ الرأي، الواثق بالنفس، والذي لا يجعل ~~كلمته في أسباب الحكم رهنا بمنصبه، بل يجعل منصبه رهنا بكلمته. # وليس لتعليم علي الشمسي فضل كبير في الحرص على كلمته، بل إن أعظم الفضل في ذاك ms080 لحكم ~~الوراثة، فقد قال أبوه أمين باشا الشمسي أغنى تجار القطن من قبل كلمة، وكان له أن يتحلل ~~منها فلم يفعل، وخسر فيها مئات آلاف الجنيهات. وهكذا إذا كان في نبل الكلمة خسارة في المنصب ~~أو المال، فهي كل الربح يحصيه التاريخ لعظماء الرجال. ~~••• # وعلي باشا الشمسي شاب متين الجسم، مفتول العضل، أدنى إلى القصر منه إلى الطول، أبيض ~~اللون، أزرق العينين، تسترعي نظرك منه تلك الجبهة الواضحة العريضة التي تمثل لك قاعدة مثلث ~~ينتهي بأسفل ذقنه، وما أن راقك منه أدبه وشدة وداعته، فاطلعت منه على تلك الجبهة الهائلة ~~إلا أحسست أنه رجل خلق للكفاح والنضال. # وحدثتك أنه مفتول العضل، ذلك بأنه # Sport # حقا، فهو يجيد ~~السباحة، وركوب الخيل، والملاعبة «بالشيش»، ولا ينطوي عليه يوم إلا فرض منه قسطا للألعاب ~~الرياضية. # وإذا كان في المصريين قوم قد أسفوا أول الأمر على تقليد علي الشمسي وزارة المعارف، فإن ~~هؤلاء اليوم أشد الناس أسفا على أن الوزارة قد حرمت هذه العبقرية من زمان طويل. # | الشيخ أبو الفضل الجيزاوي # ألا من شاء أن يقدر مبلغ التطور الذي دخل على رجال الدين عندنا، ويعرف مدى ~~الطفرة العظيمة التي طفروها في سبيل الحضارة «والرقي»، فليسمع القصة الآتية: # حدثني الثقة الصادق أنه كان في الأزهر من ستين أو سبعين سنة عالم جليل ~~المقدار يدعى الشيخ الإسماعيلي، وكان يسكن جامع المؤيد، وله تلميذ خاص، على عادة ~~كبار العلماء في ذلك الزمان، يقرأ بين يديه درسه إذا أقبل على حلقته، ويتلوه عليه ~~إذا خلا لمذاكرته؛ ويعينه إذا سعى، ويصب له ماء وضوئه؛ ويحمل نعله إذا دخل المسجد ~~... إلخ. وهذا التلميذ كان يدعى الشيخ حسنا. # وكان الشيخ الإسماعيلي رجلا شديد الزهد في الدنيا قوي الرغبة عنها، لا يتعلق ~~منها بسبب إلا ما كان من شأن دينه وتعليم طلبته، وكانت وظيفته كل يوم بضعة رغفان ~~يتبلغ بها وتلميذه، وفي كل شهر ثلاثين قرشا يأتدم بها وصاحبه، ويتجمل بما ~~فضل منها لسائر حاجاتهما. ويدعو أحد التجار ذلك الشيخ ليتغدى عنده ms081 التماسا ~~لبركته فيأبى الشيخ ويعتذر، ويلح الرجل في الدعوة فيلح الشيخ في إبائه واعتذاره. ~~فلما أيس الرجل من إسلاس الشيخ طلب وجه الحيلة في الأمر فاختلى بالشيخ حسن وقال ~~له: إذا رضت لي نفس الشيخ وقدته إلى داري ليفطر عندي في رمضان، وقد أصبحوا ~~من رمضان على أيام، اجتعلت لك على هذا نحيين من السمن، وغرارتين من القمح، ~~وأربعة أعدال من السكر والصابون والشمع والبن. فجمع الشيخ حسن كل عزمه وانصب ~~على شيخه يقبل يديه ورجليه ويسأله ألا يخيب رجاء داعيه، إذ الشيخ ما يزال في ~~نفوره وإبائه، والشيخ يلح في الاعتذار محتجا بأنه ما زال في «خزانته» خبز كثير. ~~ولما طال إلحاح التلميذ فطن الأستاذ إلى أن في الأمر شيئا فقال له: هل اجتعل لك ~~الرجل على هذا جعلا؟ فقال: بلى يا مولاي! لقد جعل لي كيت وكيت وأنا رجل، كما ~~تعلم، ذو زوجة وأولاد، وإني أرجو أن أعود بهذا على شملي وأوسع في النفقة دهرا ~~على عيالي؛ وحينئذ طابت نفس الشيخ الأكبر بإجابة الدعوة رحمة بعيال الشيخ الأصغر، ~~وعين يوما من أيام رمضان ليفطر فيه عند ذلك التاجر. ويطير عم الشيخ حسن إليه ~~يبشره بقبول الشيخ. ويحتفل الرجل للأمر فيدعو بأجود الطهاة ويتقدم إليهم بطهي ~~أزكى الأطعمة، كما يدعو لليوم المعين أعيان التجار والسراة وكل ذي خطر في الحي ~~لينعموا بطلعة الشيخ ويتشرفوا بمؤاكلته. حتى إذا كان عصر ذلك اليوم لاحظ الشيخ حسن ~~على أستاذه فتورا وإغضاء وتربد وجه وانقباضا عن الحديث، حتى إذا تهيأت الشمس ~~للنزول قال لصاحبه: هلم بنا. وانطلقا يطلبان حي الجمالية، مثوى الداعي، وما ~~كادا يتشرفان على حارته حتى أبصرا علائم الزينة من بنود خافقة، وثريات آلقة، ~~ترتجف أثناء ذلك بطاطيخ الزجاج في ألوانها، ورأيا كبار الأعيارن وهم ميممون دار ~~الداعي على أتنهم وبراذينهم الفارهة. فجمد الشيخ واصفر وجهه وتهدلت شفته وأرعشت ~~يداه وصاح في تلميذه: كم اجتعل لك الرجل يا شيخ؟ فقال: جعل لي كيت وكيت. قال: ~~فكم يبلغ ثمنها؟ قال: يا مولاي ms082 حول الاثني عشر جنيها. قال: فقسطها علي كل ~~شهر ثلاثين قرشا! ودار على محوره وجرى طلقا إلى مثواه في جامع المؤيد حيث يبسط ~~خوانه مما ادخر من الخبز في «خزانته». # وفينا اليوم علماء كبار، ولنا اليوم شيخ إسلام جليل المقدار، لم يمنعهم علمهم، ولا دينهم، ~~ولا شدة ورعهم عن أن يفقهوا الدنيا ويجاوروها في مظاهر حضارتها ورقيها حتى لا يطلقوا ~~فينا القالة ولا يبعثوا الألسن بتنقص الدين والقول بأنه يدعو إلى الجمود ومناهضة عوامل ~~الرقي والتقدم في الدنيا إلى حد أن يحيوا ليلة القدر المباركة في «دار الوكالة ~~الإنجليزية في شهر رمضان الماضي!» ولو قد رأيتهم يهرولون في «فروجياتهم» إلى دار الوكالة ~~الإنجليزية إجابة لدعوة العميد وذكرت مرجع ذلك الشيخ الجامد وهربه من تناول طعام لعله قد ~~دخله ما لا يحل - لعرفت حق العرفان مبلغ التقدم الذي بلغه رجال الدين عندنا في مدى ~~ستين أو سبعين من الأعوام. # الحمد لله! لم يبق إلا مائة ألف جنيه و5000 سهم بنك عقاري قديم حتى ~~أنقطع إلى عبادة الله والزهد في الدنيا! # ولو قد استشرفت لك ليلة القدر فكشفت لك عن «خزانة» الشيخ أبي الفضل الجيزاوي شيخ ~~الإسلام لما وقعت عينك فيها على فقار من الخبز، بل لوقعت على الآلاف من «البنك نوت» إلى ~~أمثالها من أسهم الدين الموحد، وشركة السكر، والرنت الفرنسي، والقونسوليد الإنجليزي، ~~وقناة بناما، «ويانصيب» بلدية باريس، إلى وثائق الرهون، والغاروقات، والامتيازات العقارية، ~~والاختصاصات، وأحكام نزع الملكيات، وإن شئت إجمالا قلت إن «خزانة» شيخ إسلامنا - والحمد ~~لله - لا تقل عن خزائن ثلاثة «بنوك» مجتمعات! # وما لنا لا نغتبط بهذا ولا نباهي به وقد كانت كل «العمليات المالية» في أيدي الإفرنج ~~واليهود والأروام والأرمن، وها هي تي الآن تستخلصها من براثن أولئك الأقوام، أيدي سادتنا ~~العلماء الأعلام. ~~••• # والشيخ أبو الفضل الجيزاوي رجل عصامي حقا؛ فقد خرج من بلدته الوراق من أعمال مركز ~~إنبابة إلى الأزهر، وجد في طلب العلم، وكدح في ذلك كدحا عنيفا قام عنده مقام شدة ~~الذكاء وقوة الاستعداد، ms083 وانتهى أمره، لا أدري بأية وسيلة، إلى المرحوم الشيخ العباسي ~~المهدي الذي كره له لقبه فدعاه «أبا الفضل» فذهب له هذا اللقب من ذلك اليوم. ولما استوى ~~عالما مدرسا كان المرحوم العباسي يعتمد عليه في بعض وسائل امتحان العالمية في الأزهر. ~~ورأى الشيخ «أبو الفضل» أن «يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا كما يعمل لآخرته كأنه يموت غدا» ~~فحرص على جمع المال وجد في تثميره من أيسر الوسائل، وكم واسى به عاتيا، وكم فرج به ~~كربة محتاج؛ على أن الله تعالى، الذي لا يذهب العرف بينه وبين الناس، قد أنعم عليه وجازاه ~~فيما أعطى أضعافا مضاعفة. وله في هذه المكارم أحاديث مأثورة، وصحف لا تزال مقروءة ~~منشورة. # وظل الشيخ «المالي» مدرسا في الأزهر معروفا بشدة الاجتهاد والمطاولة في الدرس، وقوة ~~الصبر على التفهم وتصيد الشكوك ومدافعتها، على عادة الأكثرين من علماء الأزهر في ~~عهده، فكان درسه من أحفل الدروس بطلبة هذا النوع من التعليم. # وهو رجل معروف بحب القرآن وتلاوة القرآن، فلم يتبطر وهو عالم كبير، ومالي شهير، على أن ~~يلي مقرأة السلطان الحنفي لقاء ريال في كل شهر، وعشرين رغيفا في كل أسبوع. # ثم ولي مشيخة معهد الإسكندرية وظل فيها إلى أن أفضت إليه مشيخة الإسلام في سنة 1916 أو ~~1917م، وبلغ من حب الرجل للقرآن واحتفاله للقرآن ألا يتنحى عن مقرأة السلطان الحنفي وهو في ~~ذلك المنصب الجليل! ويأبى الله إلا أن يفسح له في الخير ويبسط له في الرزق، فبعد أن كان ~~مرتب شيخ الإسلام ستين جنيها في الشهر أضحى ألفي جنيه في العام، وبعد أن كان ثلاثين ~~رغيفا في اليوم أصبح ثلاثمائة، إلى ما أضيف إلى ذلك من وظائف عدة تجري على مولانا الشيخ ~~الأكبر في كل شهر مكافأة على حضور مجلس إدارة مدرسة القضاء الشرعي، وأخرى لمدرسة دار ~~العلوم، وثالثة على حضور مجلس الأوقاف الأعلى، ورابعة لمجلس البلاط، وخامسة وسادسة وسابعة ~~وثامنة، إلى تلك الأوقاف الواسعة التي دخلت على مشيخة الأزهر والتي لا يعلم حسابها إلا ms084 الله ~~تعالى. وما شاء الله كان. # والشيخ أبو الفضل الجيزاوي متوسط القامة بين الطول والقصر، قصير العنق، عريض ~~الألواح، متوافر اللحم لولا أن رهل لحمه بحكم التسعين؛ أخيف العينين، خفيف شعر ~~العارضين، كوسج اللحية، أرت اللسان، إذا تحدث تمتم فلا تكاد تستبين له إلا ~~بالعناء قولا، وقد أصبح من المرض وتزاحم السنين أشبه بمومياء، حتى لو قد استدرجته يوما ~~إلى دار الآثار ما استطعت أن تستخرجه منها إلا بعد جدال وجهد في الإثبات ... وهو وإن تهدم ~~جسمه، وإن خمد ذهنه، ما يزال فتي الرغبة في المنصب. وإن الحفلة الرسمية لتعقد، ~~وللشيخ كل عذره في التخلف عنها لمعالجة ما هو أشبه بالموت، ولكنه يأبى إلا أن يحمل إلى ~~الحفل حملا إدحاضا لما يتقول على صحته المتقولون. # وللشيخ مزيته التي لا تنكر، فهو شديد الحرص على إطاعة كل ما يؤمر به ممن يستدرج الأمر ~~منهم، إذ الرجل واسع العلم بأحكم الفقه وما تتغير عليه في كل حادث آراء الفقهاء، فلا يعجزه ~~أن يبرئ ذمته في أي حادث بجواب، مهما اختلفت العلل وتنوعت الأسباب. # ومن طريف ما يذكر لمولانا الشيخ في هذا الصدد ويدل على عظيم تصرفه وحاضر حجته أن عالما ~~يمت لنشأت باشا بالصهر، وقد نال إجازة التدريس من الأزهر على أنه شافعي المذهب، وبعد ~~سنين تقدم إلى الامتحان في فقه أبي حنيفة توسلا إلى تقلد منصب القضاء الشرعي، فلما ~~طرح اسمه على لجنة اختيار القضاة الشرعيين، ولم يكن لنشأت باشا في ذلك اليوم شأن ولا خطر، ~~عارض مولانا الأكبر في تعيين ذلك الشيخ بحجة «أنه شافعي». وتدور الأيام ويقبض نشأت باشا ~~على كل السلطة في الحكومة - كما تعرف - فيرد اسم الشيخ صهره على اللجنة، ويتبارى بعض ~~الشيوخ من أعضائها في تزكيته وتبيين مزاياه، ويؤمن على شهادتهم فيه مولانا الأستاذ ~~الأكبر هاتفا بهم: ولا تنسوا أنه مع كونه عالما حنفيا فهو يجيد «فقه الشافعي» ~~أيضا! # والشيخ، على ما أفاء الله عليه من الثراء العريض والنعمة الواسعة، ما زال يتخذ دارا ~~متواضعة في ms085 زقاق ضيق خلاف ميضأة الحنفي، على أنه طالما أتعب سماسرة البلد في المساومة على ~~ما يعرض للبيع من قصور الزمالك، والجزيرة، وقصر الدوبارة، «وجاردن ستي»، فإذا جاءوه بالبيت ~~وكان ثمنه عشرين ألفا طلبه بالخمسة عشر، وإذا كان بخمسة عشر صمم على العشرة، وهكذا ما ~~زال الشيخ جاهدا نفسه وجاهدا معه سماسرة البلد من عشر سنين مضت، فلا هو يشتري ولا يقعد عن ~~التماس القصور، على حد قول الشاعر: «فلا أمل ولا توفي المواعيدا!» وما له ولقصور ~~الدنيا تلك التي تستفتح الخزائن وتستخرج الأموال وتجشم النفقات، وفي الجنة قصور من ~~الزمرد ومن اليواقيت ومما تقوم اللبنة فيه من الفضة وأختها من الذهب وهي لا نفقة ~~فيها؛ فالطيبات كلها وألوان الترف تجري على أصحابها من غير كلفة ولا عناء. ولمولانا الشيخ ~~منها، بعد العمر الطويل، ما لا يحصى جزاء الزهد في الدنيا والرغبة عن قصورها ومتاعها «وهل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان؟» # نسأل الله جل وعلا أن يمط في عمر الشيخ أبي الفضل في الدنيا وأن يسعد في حاله، ويزيد ~~في ماله؛ فلا تقوم بجانبه البنوك، ولا تجوز بغير توقيعه الصكوك، وأن يخصه بكل ما تجبيه ~~الأوقاف والحوانيت والشركات والمصارف، من أول الإسكندرية إلى أقصى القضارف. آمين. # | عزيز عزت باشا # مظلوم من الطبيعة، ومظلوم من الحكومة، ومظلوم من الناس، ومظلوم من نفسه. شاع فيه المرض أو ~~توهم المرض «أو ما تراه أعظما وجلودا؟» فهو يخشى الطعام لئلا يدركه البشم، ويخشى الشراب ~~لئلا يلح عليه السقم، ويخشى المشي خوف تعب القلب وخفقانه، والتلفت اتقاء وجع الجنب وضرباته، ~~والحديث فإنه يرهف العصب، والكتابة فإنها مدعاة للكد والنصب. ولا بد له من أن يطعم ليعيش، ~~فإذا قربوا إليه الطعام دفع صحاف اللحم أبيضه وأحمره، لأن أضراسه لا تقوى على قضمه، ومعدته ~~لا تضطلع بهضمه، وإذا جاءوه بالخضر صدف عن هذا ففيه حديد، وهذا لكثرة ما يحوي من «الأسيد»، ~~وهذا لأنه وشيك التحجر، وهذا لأنه سريع التخمر، وهذا لأنه يستحيل في الأمعاء غازا، وهذا ~~لأنه لا يجد ms086 في «الاثنى عشري» مجازا، ثم مد يده في خوف ووهل # 1 # فتحيف من إحدى الصحاف قطعة من «البطاطس» مسلوقة مدقوقة، قد بالغوا في عركها، ~~وألحوا في فركها، ولم يعالجوها بدهن ولا مرق، حتى إذا أساغها بعد طول مضغ وهرس وترديد على ~~كل ثنية وكل ضرس، مضى يطلب لهضمها من العقاقير كل ما أخرج أطباء الإنجليز والألمان، ~~والفرنسيين والأمريكان مما يدر عصير المعدة، ويحرك الأمعاء، ويشد المصران، ويقوي «الضفيرة ~~الشمسية» ويمنع التخمر، ويشتف الغازات، ويجتاز «الحجاب الحاجز » فلا يضغط القلب، ثم راح يشكو ~~هؤلاء جميعا! # لا يغرنك سهولة المرتقى إذا كان المنحدر وعرا. # وعزيز باشا عزت كبير الرأس، له وجه شاحب طويل على جسم رفيع طويل، لو وقف أمامك ولم يتحرك ~~لخلته عصى خيزرانة ركب عليها مقبض من العاج! # وقد نجم من بيت حسب وغنى، وتعلم في صدر شبابه في مدارس مصر، ثم شخص إلى إنجلترا فتلقى ~~العلم في مدارسها، ثم دخل في جامعة «ولش» العسكرية حتى إذا طوى فيها سنين طالبا مجدا ~~متفوقا، خرج منها ضابطا في الجيش البريطاني، ثم استقال وعاد إلى مصر، فانتظم في خدمة ~~الحكومة المصرية حتى قلد وكالة الخارجية إلى أن كانت وزارة محمد باشا سعيد الأولى، فلم ير ~~أن يبقى في وزارة الخارجية وكيلا، فنزح بأهله إلى لندن وأقام فيها كل هذه السنين. # وهو رجل وافر الذكاء، غزير العلم، جم الأدب، صادق النبل، وبهذه السجايا استطاع أن يحرز في ~~بلاد الإنجليز مكانا رفيعا. # ولما جاء دور اختيار السفراء قلدته حكومة جلالة الملك فؤاد الأول سفارة لندن، وكان ~~اختيارا موفقا من ناحية ما للرجل من سعة العلم وصدق النبل ووفرة الغنى والمنزلة في عظماء ~~الإنجليز، إلا أن الرجل، مع الأسف، كما أسلفت عليك مريض، ولعل المرض هو الذي شغله عن متابعة ~~الحركة المصرية ومدارسة قضيتها، وتفهم ظواهرها وخوافيها، فلم يكن ذلك المعوان الذي يتكئ ~~عليه رجال السياسة في معالجة القضية المصرية كلما جدت عظيمات الأمور. # وفي الحق، إن عزت باشا في خطبه البديعة الرائعة عن السودان ms087 إنما كان رجلا وطنيا أكثر ~~منه رجلا سياسيا، فإن مهمة السفير أن يخاطب الرجال الرسميين لا يتخطاهم إلى خطاب الشعوب. ~~ولعل ظرفنا الخاص هو الذي بعث حرارة عزت باشا وأطلقه في الشعب الإنجليزي بتلك الخطب ~~السوابغ. وكثيرا ما يغتفر في أمثال تلك الرجات القومية تجاوز ما يدعونه بالتقاليد. # ولقد أخذوا عزيز باشا عزت بطول إجازاته، وتركه مثوى عمله الأشهر الطوال إلى سويسرا ~~للتداوي وتارات إلى مصر. والرجل لم يكن متجنيا ولا متبطرا، فإنه وأهله كليهما مريض ، وقد ~~حدثتك أن الطبيعة ظلمته، وأي ظلم أشنع من ظلم المرض، وحدثتك أن الحكومة ظلمته إذ قلدته بادئ ~~الرأي منصبا لا تضطلع صحته بأعبائه، وإنه ليقدم إليها الاستقالة بعد الاستقالة، وهي تأبى ~~إلا أن تردها إليه وأن تمسكه في مركزه رغم أنفه، والناس له في هذا كذلك ظالمون. # ويجمل في هذا الموضوع أن نذكر أن الرجل لم يدل يده إلى تناول راتبه طول مدة إجازته، ~~فهو يردها على خزانة الحكومة ردا. # وأنت تعلم من مناقشات مجلسي البرلمان أنه لم يدخل في شأن «بيوت هوس» بيد ولا رجل. بل لقد ~~أنكر هذه الصفقة أول الأمر وقضاها زيور باشا آخره في سر منه إذ هو في سويسرا. # وإن من الغبن أن يقال إن عزيز باشا عزت «يشتغل» سفيرا لمصر في لندن، ولو سألتني عن ~~وظيفته الحقيقية، لقلت لك إنه «يشتغل عيان»، نسأل الله أن يلقيه العافية. # وبعد، فإذا كان لنا سفير في باريس وسفير في روما وسفير في الآستانة، وحتى لنا سفير في ~~طهران! أفلا يصح أن يكون لنا سفير أيضا في لندن؟! وإذا كانت لنا صلات ببلاد فارس، ولفارس ~~في أسواقنا سجاجيد، «وشيلان كشمير»، وسبح «كهرمان»، فإنني أتخيل أن لإنجلترا في أسواقنا ~~شيئا يدعى الفحم، وآخر يدعى الحديد، وثالثا يدعى الأقمشة على اختلاف أنواعها، ورابعا ~~وخامسا، فإذا لم يكن بيننا وبين إنجلترا مسائل سياسية تستدعي أن نبعث لها سفيرا، فلا أقل ~~من أن نبعثه لما بيننا وبينها من وسائل تجارية! # وإذا لم يكن في مقدور ms088 حكومتنا أن تقبل من عزت باشا ما يقدمه لها من الاستعفاء، فإن في ~~مقدورها أن تعجل له الشفاء! # | أبو نافع باشا أو عمدة سان استفانو # محمد أبو نافع باشا شخصية قوية يحق أن يتولاها الكتاب بالبحث والتحليل. على أنني إذا ~~عجزت عن أن أجلوه تماما في هذه «المرآة» فلأن تلك الشخصية غريبة في بابها، بل لعلها خرجت ~~إلى هذه الدنيا على غير سابق مثال. أما جسمه فيبدأ دقيقا من طرفيه كليهما، ثم ما يزال ~~يتدرج في الغلظ من كلتا الناحيتين حتى يبلغ السمن منتهاه، عند «خط استواه». ثم هو ~~أفوه، غليظ الشفتين؛ حديد العينين، قصير العنق. إذا مشى حسبته هضبة تضطرب في زلزال، ~~وإذا جلس خلته تلعة فصلت عن أحد الأجبال. # عاقل راجح العقل، ذكي مشتعل الذكاء، غني وافر الثراء؛ يجمع من ألوان العلم بتاريخ هذا ~~البلد وأحداثه وأحوال أسره ونفسيات رجالاته ما أحسب أنه لا يتسق لرجل غيره. # وهو عذب الروح، حلو الحديث، بارع المجلس، حاضر النكتة يرسلها في موضعها في توقر ~~واحتشام. وقد دعي - بحق - عمدة «سان استفانو» لأنه ما تكاد تلوح علائم الصيف حتى ~~يشد الرحال إلى الإسكندرية فيتخذ له دارا في الرمل، فإذا كان الصباح من كل يوم خرج إلى ~~«كازينو سان استفانو» فجلس مجلسه إلى يسار الداخل، وفي هذا المجلس يحتشد الجمع الحافل من ~~الوزراء، سابقين ولاحقين، ومن مستشاري الاستئناف، ومن المديرين، ومن كبار الموظفين، ومن ~~الأعيان، ومن أهل العلم والأدب، لأن أبا نافع باشا يدعو كل من جاز به من أصحابه ويعزم ~~عليهم بكل عزيمة، ويأبى إلا أن يقرب إليهم «على حسابه» كل ما يسألونه غلمان ~~الكازينو من ألوان الحلوى والمياه المعدنية وما إلى ذلك، ثم ينطلق في المجلس محاضرا ~~مفاكها محبوك الحديث متزن الكلام إلى أن يحين وقت الغداء فينطلق «وحده» إلى داره، فإذا ~~كان العصر عاد إلى مجلسه وعاد إليه من ذكرت من صدور الناس، فلا عجب إذا دعي أبو نافع ~~باشا بعمدة سان استفانو، ولا بدع إذا دعي مجلسه هنالك «بالمصطبة». ms089 # لا تخف فإني والله خفيف! # وحدثتك أن أبا نافع باشا شخصية غريبة، والواقع أنه قد حيرني فيه، فلم أعد أدري أهو ~~أكرم الناس أم هو أبخل الناس؟ فلقد أرى نفسه تطيب بالإنفاق على كل من استراح إلى مجلسه في ~~سان استفانو بالغا ذلك ما بلغ، حتى ليخيل إلي أنني لو طلبت «على حسابه» كل يوم # Consommation # بمائة جنيه لسخا بها في هشاشة ولطف أداء، ~~على أنه طالما وعدني بأن يدعوني في داره إلى حفلة عشاء يسمعني فيها المرحومة ألمظ، وما برح ~~يطاولني في هذا وينظرني حتى ماتت، فتحولنا بالعدة إلى المرحومة الوردانية فما برح ~~يطاولني وينظرني حتى قضت هي الأخرى إلى رحمة الله، ثم انتقلنا إلى الشهدية، فعبد الحي ~~حلمي، ففلان ففلانة ممن طواهم الردى وأتى الموت على آخرهم حتى وصلنا بالسلامة إلى الآنسة ~~أم كلثوم، مد الله في عمرها، حتى يحقق أبو نافع باشا وعده لي ويحقق رجائي فيه، ولا ~~أظنني أدعو لأحد بالبركة في الحياة وطول العمر كما دعوت للآنسة أم كلثوم بأن يحييها الله ~~تعالى حتى يدعونا لسماعها أبو نافع باشا! كذلك تجري الأحداث في البلد فيهرع المياسير وغير ~~المياسير إلى الاكتتاب بالأموال الجليلة والضئيلة، ولكنك لا تسمع لأبي نافع باشا خبرا، ولا ~~ترى لهم فيهم أثرا؛ على أنك - في بعض الأحيان - تراه يسخو بالآلاف ويعد صادقا بالآلاف ~~وهو في صمت وكراهة للإعلان. # وهو رجل غريب في احتياطه وتحرجه؛ فلا تراه قط يتهافت على شأن عام، ولقد قامت الدنيا ~~وقعدت وانصدع البلد أحزابا وشيعا، ثم كانت الانتخابات يتقاتل الناس عليها ويتناحرون فيها، ~~وأبو نافع باشا جاثم مجثمه لا يحدر إليها طرفا ولا يدا. # وإنك لتجلس إليه والخطب قائم فما يزال يستدرجك ويستخرجك حتى تستريح إليه بمكنون رأيك؛ ~~إذ هو متحفظ دونك ما تتفصد نفسه من الرأي بكثير ولا قليل. فإذا أنت عالجته على أن يفضي ~~إليك في الحدث القائم بحقيقة رأيه ودخيلة اعتقاده، راح يرجحك بفنون من القول يطليها ~~بأفاكيهه العذاب، حتى يختم عليكما المجلس أو تأخذا ms090 في حديث غيره. # وإذا تهيأ لنا أن نلمح جانبا من هذه النفسية الغريبة وأن نصورها للقارئ كما لمحنا ~~وكما يحتمل التعبير، فالوجه في هذا أن الرجل إنما يأخذ نفسه بالاحتياط التام في كل قول، ~~وفي كل عمل، وإن أكثر الناس لينزلقون في الأقوال وفي الأعمال حتى إذا بان لهم وجه الأذى ~~فيما تورطوا فيه راحوا يطلبون الخلاص ويلتمسون لهذا كل ما دخل في ذرعهم من فنون ~~الحيل. # أما أبو نافع باشا فقد طبع نفسه بادي الرأي على ألا يتورط في قول ولا عمل «وكفى الله ~~المؤمنين القتال.» # وأبو نافع باشا وإن كان شيخا موفيا على الهرم إلا أنه ما زال فتي الروح، فهو ~~لا يستريح إلى القعود في الدار استراحة الشيوخ، ولا يرضى لسنه ولمنزلته أن يبتذل بالجلوس ~~على متون القهوات، فكيف يصنع ليرضي شيخوخة سنه وشباب روحه جميعا؟ # لعلك تعرف قهوة «سبلنددبار» وأنها تقع في سرة العاصمة، وأنها مجاز كل غاد ورائح، ~~ومتراءى كل سانح وبارح، وإذا كانت لا تتسق لمجلس أبي نافع باشا فإن قضاء الله المحفوف ~~باللطف ليشق بجوار «سبلنددبار» دكانا للخواجة «سوسيدي» الدخاخني، فلماذا لا يجلس فيها ~~أبو نافع باشا فيكون له كل حظ الجالسين إلى القهوة وليس عليه شيء من تكاليفهم؟! نعم إن أبا ~~نافع باشا لا يدخن ولكن هل هذا يمنعه من أن يبتغى مجلسه في دكان دخان؟ ولقد كان يجلس فيها ~~أبو نافع باشا وبإزائه المرحوم محمد الشريعي باشا من ناحية، ويجلس السباعي بك المصري ~~وبإزائه محمد بك حتاتة من الناحية الأخرى، فكان أربعتهم أشبه بالأربعة السباع القائمة على ~~حفافي كبري قصر النيل. ولقد طالما اشتهيت سجاير سوسيدي فصرفني عن محله هيبتي لأولئك ~~الأربعة من سكان الآجام. # وما كان أوسع صدر هذا الرجل وأبلغ تضحيته: فاثنان من هؤلاء لا يدخنان قط، وهما أبو ~~نافع باشا والسباعي بك المصري، واثنان يدخنان؛ على أن أحدهما لا يؤثر إلا سجاير «جناكليس»، ~~فإذا انتهت سجايره رجا الخواجة سوسيدي أن يبعث بغلامه ليجيء له بعلبة سجاير من محل ms091 ~~جناكليس. # ولا تنس ما للأربعة الأقطاب من التكاليف الكثيرة والمطالب الوفيرة، هذا يشتهي السمك ~~البربون، وهذا يطلب «الملوخية» الجديدة، وهذا يبحث عن سواق للأتوموبيل، وهذا يطلب ~~«سمكريا» لإصلاح صنابير الدار، وهذا يطلب «فكة» ورقة بخمسين جنيها، وليس يجشم كل ~~هذه الخدم إلا الخواجة سوسيدي المسكين! # ولعل كل عزاء الرجل عن هذا البلاء جميعه أن الله قيض لدكانه حراسا أربعة فلا يستطيع ~~اقتحامها أشد سراق الليل ولا أبرع لصوص النهار؛ على أنه حين اقتحم دكانه إحدى ~~الليالي وسرق من خزانته أربعة جنيهات، قرر أن «يخصم» من مرتب الفرسان الأربعة جلوس ~~ثلاثة أيام لبثوها في «ضرب بلطة» على الرصيف حتى أذن الله وانقضى الأجل المحدود. ~~••• # والواقع أن أبا نافع باشا أخذ نفسه بألا يطلع من صور الحياة إلا على نواحيها المفرحة، ~~وإنك لا تراه، مهما جد الجد وأزم الخطب، إلا مرحا طروبا، ولا تراه يعرض ~~للأحداث العامة وغير العامة، مهما جل شأنها، إلا من ناحية ما يستشف فيها من نكتة بارعة ~~ورأي طريف. ولو كان يغامر كما يغامر سائر الناس لامتحن في الحياة محنتهم ولأصاب من ~~مرها ما يصيبون، ولكنه رجل فيلسوف، وإن فلسفته - على أي حال وجهتها - لفلسفة ~~سعيدة. # | شوقي # لو بعث الله الناس كلاما ما عدا أن يكون شوقي نفسه قطعة شعرية جميلة نظمت في الحب ~~والرحمة. دقيق الجرم، لطيف الحجم، متناسق الأعضاء، مستدير الوجه، لا تزال عليه أثارة من ~~ملاحة الصبا وإن تكرشت بعض معارفه بقضاء ما فوق الخمسين. إذا أقبل عليك يحدثك مالت حدقتاه ~~عنك إلى ما على يمينك أو شمالك أو ظلتا تضطربان بينهما، حتى لتحس أنه يوجه على غيرك الحديث. ~~ولقد ينقطع عن المجلس، وهو فيه، المرتين والثلاث، فلا يسمع ولا يرى ما يدور بين يديه، فإذا ~~كان على هذه الحال ورأيت رأسه يختلج، وقد رشق ظفر إبهامه بين ثنيتيه وراح يهمس بالتناغيم ~~يسلخها سلخا، فإياك أن تقتحم عليه شأنه؛ فإنه إنما يتلقى وحي القريض. # وهو خفيف الروح، رفيق النفس، نبيل الخلق واللسان، ترى فيه غبطة ms092 العصفور، وترى فيه وداعة ~~الحمام. وهو، كما قلت لك، قطعة من الحب والرحمة، وإذا كان الحب ضعفا، وإذا كانت الرحمة ~~ضعفا، فلا شك في أن شوقي أضعف الخلق أجمعين. ولم أره يوما غاضبا ولا ممهدا سبيلا ~~للقسوة إلى قلبه أو يده أو لسانه، ذلك أن الله طبعه على أن يتناول بما فيه من الحب كل ما ~~يجري في هذا العالم من الخير، وأن يتناول بما فيه من الرحمة كل ما يجري في هذه الدنيا من ~~أذى وشر . ومن هنا تدرك كيف يشيع ذكر السيد المسيح في شعر شوقي، وكيف يتغزل بأفتن الغزل في ~~سجاياه العذاب! # وما الدهر إلا من رواة قصائدي # إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا # مفرط في حب نفسه، شديد الولع بها، مفرط في حب بنيه، شديد الولع بهم، وإنه بعد ذلك لشديد ~~الرقة للناس جميعا، أضعفه الحب وفل من عزمه، فلا يستطيع أن يشهد مشهدا مؤلما، ولا ~~يستطيع أن يسمع قصة حزينة. ولو قد عرض لسمعه أو لبصره شيء من هذا لولى منه فرارا ولملئ منه ~~رعبا. ولوع بنفسه هيوب من أن تعتريها الأيام بمكروه، وذلك الوجه فيما ترى من دوام رضاه ~~وارتياحه، فلا تلقاه يوما شاكيا ولا برما بالحياة مهما تكدر العيش وتنكر وجه الزمان، ~~فإنه إذا أصابه الخير هش له وفرح به، وإن أصاب المكروه سببا من أسبابه أطار خياله كل مطير، ~~فراح يلتمس له في الضير خيرا وفي المكروه نعمة، ثم جاءك يحدثك بمنة الله عليه وعنايته به، ~~فهو رجل يستخرج الرضا، ويستكره سبب الغبطة على كل حال! وإنه ليسرف في هذا إسرافا شديدا ~~لقد يصل بك أحيانا إلى العجب من أمير الشعراء! ~~••• # وبعد، فلكم عالجت القلم على أن يقول في «شاعرية» شوقي فعصى، ولكم بعثته بالبيان عنها ~~فتعذر وأبى، وإن ظلما أن تريدني «السياسة الأسبوعية» على هذا وأن تقضي به علي اليوم قضاء ~~لزاما! # وليت البيان يعار فأستعير بيان شوقي ليصف شعر شوقي، فليس يتعلق بهذا إلا ذاك. وإني لآخذ ~~في شعر هذا ms093 الرجل فما يزال يشفني ويرفعني، حتى أراني استحلت روحا محضا يطير بي عند ~~السماك، ويحلق محلق الأملاك، فإذا أتيت عليه وعدت إلى نفسي، فإذا أنا ما زلت جسدا رابضا ~~على هذه الأرض. وإذا شعر شوقي ما يزال نورا يترقرق في تلك السماء! # صائد لا يخطئ سهمه، وإنه ليصيب أرفع المعاني من أول رمية، وإنه ليترفع بك إليها أو ينزل ~~بها إليك فتسيغها في غير عسر ولا عناء، وإن كنت حق شاعر بأنه إنما جاءك بما يجاوز تفكيرك ~~ويعلو على مدى تخييلك. # ولقد ضرب في كل قصد، وجال في كل غرض، فبرع وبذ وأتى بالطريف لا تدرك آثاره، ولا يلحق ~~غباره. ومن عجب الزمان أن يخرج شوقي في هذا الزمان! ولا أدري كيف فر هذا الشاعر من شاطئ ~~دجلة إلى شاطئ النيل، ولا كيف تسلل من جيل أبي نواس إلى هذا الجيل؟! # ولقد عارض الفحول من متقدمي الشعراء في أجل قصيدهم، فما قصر عن مداهم، ولا انخذل عن ~~اللحاق بهم، بل لقد زاد عليهم من كل ما فتق العصر في فنون المعاني يرسلها في الكلام الناصح، ~~فلا ينبو عنها الطبع العربي ولا يجد لها عليه نشوزا. # وشوقي هو شوقي من يوم شدن، ومن يوم تحرك بالشعر لسانه، آية من آيات البيان يدوي بها السهل ~~والجبل. ولقد يكون التقدم في السن، والتبسط في العلم، وتجارب الأيام، وطول التمرين على نظم ~~الكلام، قد بسطت في أغراضه وبصرته بكثير من مضارب القلم، إلا أنها لم تزد، وهيهات لها أن ~~تزيد في «شاعريته» كثيرا ولا قليلا، ذلك أن هذه العبقريات إنما تخلق مع المرء خلقا، ~~فلا تنال بكسب ولا تعليم، فإذا كان لشيء من ذلك فضل، ففي مجرد الصقل والتهذيب. # وليس بدعا في سنة الله أن ينتضح طبع شوقي بكل هذا البيان العربي، وهو فتى لا يتصل من ~~أبناء العرب، من أمه وأبيه بسبب، ولا كان محصوله من لغتهم وأشعارهم ومحاضراتهم ومظاهر ~~بلاغاتهم بأوفر من محصول من نشأ فيهم من أهل البيان، فوثب دونهم ورد ms094 بيان بني العباس عليهم، ~~وإلا فمن علم البدر كيف يتألق، ومن علم الغدير كيف يترقرق، ومن علم السحر الجفون، ومن علم ~~الغمامة كيف تسح بالعارض الهتون، ومن علم الوردة كيف تتنفس بالأرج، ومن علم البلبل كيف ~~يتغنى بالرمل والهزج؟ ألا ذلك تقدير العزيز العليم! # وإن طبع شوقي ليجود بالشعر يصيب به أعلى المعاني ما أحسبه يرتصد لها أو يعالجها بالمطاولة ~~والتفكير. ولقد تراجعه في بعض شعره وما يطلب به فيروح يتفهمه معك بمجاهدة الفكر، وطول الشد ~~على العصب، حتى إذا فر هذا الشعر واحتدت فيه الأذهان خرج للناس فيه من وجوه المعاني ما يحير ~~العقول ويذهب بالألباب. فإذا رأيت بعد هذا شوقي ولم تستطع التوفيق بين مجلسه وحديثه في ~~الأسباب الدائرة بين الناس، وبين شعره الذي ينيف بك كلما قرأته، على السماك، فاعلم أن ~~هناك موهبة أو ما يدعونه «عبقرية» ليس من الحتم أن تتسق دائما لسائر غرائز ~~الإنسان! # وإذا رأيت أثر النعمة باديا على شعر شوقي، فلا يتعاظمنك هذا ممن لاغاه إسماعيل طفلا، ~~ورباه توفيق يافعا، وخرجه عباس رجلا، وعاش عمره متقلب الأعطاف في الترف والنعيم. # وقيل يوما لابن الرومي: كيف يسبقك هذا الغلام «عبد الله بن المعتز» إذا وصف، فلا تلحقه ~~أنت ولا أضرابك من مشيخة الشعراء؟ فقال: لأنه إذا تكلم فإنما يصف آنية بيته! # وشوقي لا يحفل كثيرا بنسج الكلام، وتزوير اللفظ، وتزويق الديباجة، فإن طبعه قد انصرف ~~أكثره إلى المعاني، حتى إنه ليحمل اللفظ أحيانا ما يثقله ويبهظه ويكد ذهن القارئ في ~~التماسه وتبيينه، بل إنه في سبيل الوفاء بما قصد له من المعنى ليأتي أحيانا بالغريب الشامس ~~من اللفظ، لا تدرك معناه إلا بعد مراجعة وطول استخبار! # على أنني في هذه المرآة بسبيل تحليل نفس شوقي لا تحليل شعره، فمن كان لم يزل في حاجة إلى ~~التهدي لفاخر شعره، وعيون قصائده، وهي فوق أن يتناولها العدد، فليطلب بعضها في قصيدة صديقه ~~شاعر النيل التي أعدها للحفل الكبير، فليس أقدر على الدلالة على فاخر شعر شوقي ms095 من حافظ ~~إبراهيم. # وقد يسف شوقي كما كان يسف بشار وأبو نواس وأبو تمام والبحتري والمتنبي والمعري، ومن ~~دخل في خللهم من جلة الشعراء، ولا بد للطائر المحلق أن يستريح هنيهة بالإسفاف، وإنك ~~لو وازنت بينهم في نصاحة شعرهم وحبك قريضهم وارتفاع معانيهم، وفي إسفافهم ذاك وتزايل ~~ألفاظهم وفسولة معانيهم؛ لخلتهم إنما يعتمدون هذا اعتمادا استجماما بالعبث أو تجنيا على ~~ما أمكنهم الله من نواصي البيان! # وقلت لك إنني لست بسبيل تحليل شعر شوقي حتى أضرب على ما تقدم به القول مختلف ~~الأمثال. # وشوقي فنان كل الفنان، يكلف بفنه ويغرم بآثاره غراما شديدا، وليس يؤذيه شيء كما ~~يؤذيه أن تتره حقه وتتحيف من قدر صنعته. # ولقد قلت لك إنه ضرب بالشعر في كل قصد، وجال به في كل غرض، فبذ وبرع - أستغفر الله إلا ~~الهجاء فما أحصي عليه فيه بيت واحد، اللهم إلا أن يتندر ويلاعب بالشعر لا يبلغ به الإقذاع ~~ولا يتردى به إلى داعر الكلام، ولا أدري أكان ذلك ترفعا من نبل النفس وكرم النشأة. ~~والنزاهة عن التدسس إلى مكاره الناس؟ أم أنه يرجع أيضا إلى تلك الطبيعة الغريرة والنفس ~~الحلوة. فهيهات للعصفور أن يكون بازيا، وللحمل الوادع أن يستحيل ذئبا عاديا! # وللكتاب شعر تعرفه بجفافه وجريانه في مثل أقيسة المنطق، وللشعراء نثر تعرفه بتزابل ~~لفظه، وانقطاع جمله، وعدم استرسال معانيه. إذا عرفت هذه القاعدة تهيأ لك أن تعرف كيف يكون ~~نثر أمير الشعراء! على أنك واجد لنثر شوقي حلاوة، برغم ما يقيده من أسجاع الكهان، ولكنها ~~حلاوة شعر لا حلاوة كلام مرسل، وكأني به إذا اعتزم الكتابة في بعض الأغراض نظمها أولا في ~~شعر مقفى موزون، ثم كسره تكسيرا وبذره على القرطاس بذرا. # ولسان شوقي لا يفي بمطالب أدبه ولا خياله، وإن فيه فوق هذا لخجلا يمسكه عن الكلام ~~أحيانا في مواطن الكلام، وقل أن تراه يتبسط في حديث إلا إذا خلا إلى نفر من صفوة خلانه، ~~على أنك إذا شهدت مجلسه، ولم يسر إليك أحد بأنه ms096 شوقي، لما سهل عليك أن تدرك أن هذا شوقي ~~الذي ملأ طباق الأرض بيانا! ~~••• # وليس جديدا أن أنبئك بأن العبقرية كثيرا ما تضخم في المرء على حساب ما فيه من الغرائز، ~~وكأني بها تملك عنها قدرا من غذائها حتى ما تدع لبعضها قواما. وتلك العلة، لا شك، فيما ~~تراه وتسمعه من شذوذ جميع العبقريين في العالم، فإذا كنت منكرا على شوقي شيئا من الشذوذ ~~فإنك منكر، من حيث لا تريد ولا تجرؤ، تلك العبقرية الفحلة. وحسبه أن أصبح بها ملء الأرض، ~~وحسبه أن أضحى بها حديثا للتاريخ طويلا. # | محمد محمود باشا # تاريخ كبير في سن صغيرة، وشأن جليل في جسم ضئيل. ولعل محمد باشا محمود لم يذرف # 1 # بعد على الخامسة والأربعين، ولكنك حين تقلب الذهن فيه ينسرح منه إلى مدى عريض. ~~وحسبك أن ترى أرنبة أنفه وهو يشدها إذ يتحدث إليك أو ترفعها له الطبيعة، لتدرك أنه رجل لا ~~يريد إلا أن يكون عظيما، أو على الصحيح، أنه لم يخلق إلا لعظيم. وكذلك كان محمد محمود من ~~يوم أخرجه أبوه للتعليم في مدارس الحكومة، فكان في السنة الأولى أول لداته جميعا، فلما ~~تحول إلى الثانية كان فوق أن يكون أول تلاميذها، فوثب به الناظر إلى السنة الرابعة طفرة. ~~وجاء عاهل وزارة المعارف «دنلوب» ليطالع مدرسة أسيوط ويتشرف على سير التعليم فيها، فلما ~~انتهى إلى تلاميذ السنة الرابعة رأى غلاما دقيقا لا تتصل سنه بأهل تلك السنة، فبعثه من ~~مجلسه، وجعل يسأله، وجعل محمد يحسن الجواب في غير تتعتع ولا ورع، حتى راع دنلوب ~~شأنه، فسأل عنه فنفض له جملة خبره، ففظع بدنلوب أن ينقل تلميذ من السنة الثانية إلى السنة ~~الرابعة طفرة، فعجل العقاب لذلك الناظر المسكين! ولا أدري أكانت فعلة دنلوب حرصا على ~~النظام، أم حرصا على ألا تفسح مدارس الحكومة طريق النبوغ لأهل النبوغ؟! # ويمضي محمد محمود في سبيله إلى المدارس الثانوية بعد إذ يحرز الشهادة الابتدائية، ولا ~~يكون شأنه في الأولى إلا كشأنه في الثانية مجليا ms097 أبدا، حتى إذا ختم علومها وأحرز ~~«البكالوريا» متقدما، مضى إلى إنجلترا وانتظم بها طالبا في جامعة «أكسفورد»، وكان له في ~~جامعة أبناء الأعيان من الإنجليز ما كان له هنا: إكباب على الدرس، وطاعة في عزة نفس، ونبل ~~يمليه الحسب، وكرامة يزكيها ما يفضي له أبوه من مال ونشب. وكذلك عاش محمد محمود مثلا ~~أعلى للكرامة المصرية في أعظم جامعات إنجلترا بين أبناء أعظم أعيان الإنجليز. وتأبى عليه ~~«أرنبة أنفه» كذلك إلا أن يكون بينهم مجليا في إنجلترا كما كان مجليا بين معشره في مصر، ~~حتى أحرز أعلى الشهادات. وينقلب إلى مصر قريرة به عين شيخ جليل طالما صدق في خدمة مصر ~~بلاؤه، وتمحض في هواها إخلاصه ووفاؤه. # وإني من قوم كأن نفوسهم # بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # ودخل محمد في خدمة الحكومة مفتشا - على ما أظن - في وزارة المالية، فسكرتيرا لمستشار ~~الداخلية، وتضيق هذه المساحة عن همته كما تضيق بمطامعه في الحياة، فيغامر في ميدان السياسة، ~~ويغامر فيها بحزب قوي يجمع «أرباب المصالح الحقيقية» ورؤساء العشائر في البلاد، ويقوم «حزب ~~الأمة» عوانا بين الحزب الوطني وحزب القصر في تلك الأيام. وكان الشيخ الجليل محمود باشا ~~سليمان رئيس هذا الحزب، وكان الأستاذ الأكبر لطفي السيد على ترجمانه «الجريدة»، وتألفت ~~إدارته من مشيخة من أهل الرأي والعلم والغنى والحسب في البلاد، وكان لمحمد محمود فيه، من ~~وراء الستار، رأي كبير. # ويضطرب بعض الأمر على اللورد كرومر بشيوع الدعوة الوطنية واطراد قوتها واستفحالها يوما ~~بعد يوم. فيختط له نهجا جديدا، ذلك بأن يستألف رؤساء العشائر و«أصحاب المصالح الحقيقية» ~~ويقيم على المرافق العامة أهل الكفايات من أولادهم اصطناعا لهم من ناحية، واستصلاحا ~~لأسباب الحكم من ناحية أخرى، فقد كاد الأمر يفسد باستخذاء # 2 # رجال الإدارة لصغار المفتشين الإنجليز واستنامتهم في جميع الأمر لهم، إذ ~~تشب في الوقت نفسه حركة وطنية عنيفة تطالب بجلاء الإنجليز جملة، وتسليم مرافق البلاد ~~لأهل الكفايات من أبناء البلاد، فأقام محمد محمود مديرا للفيوم وسرعان ما جمع بين احترام ms098 ~~الإنجليز ورضاء المصريين، وكان «لأرنبة أنفه» فضل عظيم في مدافعة يد المفتش عن معالجة ~~الأمور، إلى قوة عزم، وحسن إرادة، وصلابة في موطن الرأي. ولعلها كانت في ذلك العصر، أول ~~تجربة أجدت على الطرفين جميعا. # ثم عين محافظا للقنال، فمديرا للبحيرة يستقل بالأمر حيثما كان، «ويأنف» من أن يظهر على ~~رأيه رأي إنسان، ولو كان المفتش ولو كان المستشار، وتتحرج من هذه الحال صدور وتضطغن على ~~محمد باشا محمود قلوب، فيتربص به المكروه، حتى كانت حادثة في البحيرة أرادوا أن يجلجلوا ~~فيها المدير، فما استطاعوا إلا أن يستقيل أو يقال من المنصب، وهو لم يزل بعد في ميعة # 3 # الصبا، ضحية للاستقلال بالرأي، أو ضحية «أرنبة الأنف» لا تنزل على المهانة في ~~أي حال. # ويلبث حتى أعقاب سنة 1918 إذ تقف رحى الحرب فيتقدم في أصحابه الغطاريف # 4 # للمطالبة بحق مصر في حريتها واستقلالها، ويؤلفون الوفد المصري ويهيبون بالبلاد ~~فتنهض في آثارهم، فتقبض السلطة القوية عليه مع دولة رئيس الوفد واثنين من أعضائه وتنفيهم ~~إلى مالطة، فيمضون إليها بارزي الصدور، مرفوعي الأنوف، هاتفين ملء أشداقهم: ألا في سبيل ~~مصر، فلتحي مصر! ثم كان من شأن الوفد وعظيم جهاده ما تعرف، ولا محل لمعاودة القول فيه، إلا ~~أن ألمع إلى ما كان لمحمد باشا محمود فيه من كريم المنزلة بشدة عقله، وصحة رأيه، وقوة ~~عصبيته في كبد الصعيد. # ولا يفوتنا في هذا المقام أن ندل على سعيه في أمريكا إذ شخص عن الوفد لبث الدعوة المصرية ~~هناك، فتم له كل ما أراد من الفوز والنجاح. # وهو من أوائل من استراحوا إلى فكرة الائتلاف السعيدة إن لم يكن أولهم جميعا، كما كان من ~~أعظم العاملين على تحقيقها. ~~••• # وإذا كان محمد باشا محمود مدينا بماضيه الشريف القوي «لأرنبة أنفه»، فهو كذلك مدين لها ~~بكل ما يحقد عليه الناس. واسمح لي في هذا المقام يا معالي الوزير أن أضغط على «أرنبة أنفي» ~~أنا الآخر فأرفعها بمقدار 2 سنتيمتر حتى أستطيع أن أصارحك القول وأخاطبك ms099 خطاب الأكفاء ~~للأكفاء: إن خلقا من خلق الله، وأنا مع الأسف منهم، شديدو الموجدة عليك بما يظنون فيك ~~من جنف # 5 # وكبر وتهاون للناس. وإنك لتقتضيهم أن يتوافوا لدعوتك للشئون العامة بكل ما ~~ملكوا من رأي وجاه ومال، حتى لو دعا الأمر إلى ابتذال المهج، والتضحية بالأهل والولد، إذ ~~أنت لا تحتفل لحاضر، ولا تتفقد غائبا، ولا تعود مريضا، ولا تشيع جنازة ميت، ولا تأبه ~~لأصحابك مهما كرثهم من الأمر ونزل بهم من المكروه، حتى في الوقت الذي يحتاج فيه الداعية ~~إلى مصانعة جميع الناس! # وإني لأصارحك بهذا «ورزقي على الله» فإن كنت آخذي على هذه المعتبة بقطع «التليفون» عني، ~~فلا أحوجني الله إليه، أو مجازي بمنعي من السفر في سكة الحديد، فإني «أدق كعب» إذا لم ~~تتهيأ لي الجمال ولا البراذين، أو معاقبي بعدم التخاطب بالبريد، فليست كتبي مما يسر القلب، ~~وتفضل من اليوم بتحويلها إليك فلن ترى فيها إلا مطالبة «بذمامات» متأخرة، وتذكيرا بديون ~~منساة. وعلى كل حال «فالله يغنيها» عن وزارة المواصلات كلها. # والعجب أن محمد باشا محمود، مع هذا التجني كله على خلق الله، رجل شديد الأدب، لطيف ~~المحاضرة، إذا أذن الله وكشف لك عن ليلة القدر فأصبته في داره يجلس مجلسا للناس! ولعل ذلك ~~يفسر ما أقنعني به رجلان فاضلان من أن محمد باشا محمود لا كبر فيه ولا برم # 6 # بالناس، إنما هو المرض الملح المتدارك يجتازه عن كثير مما يرجو من مصانعة الناس ~~وتفقدهم والتجمل لهم. وإني لأقبل هذا التعليل «تحت الحساب»، وأسأل الله أن يمن على معالي ~~الوزير بالعافية كلها لينعم هو بها، وينعم بها الناس، وينعم الوطن. # | مختار «التمثال» # بيضة كبيرة ينتهي سنها بلحية دقيقة مرسلة على شكل مثلث متساوي الساقين. فإذا حسر الطربوش ~~أو القبعة عن رأس «البيضة»، رأيت غديرا في صفاء المرآة وهدوئها، يقوم على حفافيه نبت ~~غزير، وتلك أيضا رأس مختار المثال. وهو كذلك من الرجال الذين تعرفهم بصلعتهم إذا ولوا. وهو ~~أبيض اللون، له تانك الحدقتان المتحيرتان ms100 في عيون أكثر نوابغ العالم. أما أنفه فبائن الطول ~~والانتفاخ في غير كبر ولا تيه، يتدلى على فم لولا غلظ في شفتيه ما بان ولا انكشف. ثم هو بعد ~~هذه «الزحمة» منتظم الجسم، متسق الجوارح، والحمد لله! # ومختار ضخم الصوت، فإذا ارتفع صوته تسلخت بعض شعبه، وإذا تحدث، سواء بالعربية أو ~~الفرنسية، سمعت لفظ مجاور متحذلق في «تطجينة» عامل من سكان الخارطة بجوار سيدي أبو ~~السعود! # والعجب أنه مع هذا كله رجل # Moderne # مطبوع في تفكيره، ~~وذوقه، وأناقته أيضا على آخر طراز، وهو ثائر عنيف الصولة على كل قديم، متعصب شديد الهوى ~~إلى كل جديد. لا يعبأ في طلب هذا لنفسه ولقومه بعادة ولا بتقليد، ولا بما هو أشد من العادة ~~والتقليد. وهو إذ نضا عنه الطربوش واتخذ القبعة، لم يكن مفتاتا على عيشه الذي يكاد يكون ~~أوروبيا خالصا، ومن العجب أيضا أنك تراه مع ذلك يستريح إلى الحياة «البلدية» كلما تهيأت ~~له، فيأكل بكل كفه، ويعلق أسنانه فلا يتعبها بمضغ ولا قضم. فإذا اتصل الحديث في المجلس ~~بألوان المنادرات والمفاكهات، سمعت من مختار المطرب والمعجب من كل نادرة طريفة، «ونكتة» ~~رائعة، حتى ليخيل لك أن سنه تكنز ستين سنة، قضى نهارها في «التربيعة»، وليلها في غشيان ~~الأعراس «الوطنية»، وحضور مجالس «الشعراء» على حواشي القهوات «البلدية» واستماع ما يتطارح ~~به جماعات المتظرفين من فنون النكات! # وهو صافي النفس، عظيم الشجاعة، وافر الذكاء، لا يعنيه شيء في الدنيا قدر عنايته بفنه ~~الجليل. # خلدت «نهضة مصر» فخلدني تمثالها. # وفي الحق، إن مختارا مجموعة # Assortimant # تضم ألوانا من ~~الغرائب والمتناقضات. ولعل ذلك هو الذي هيأ له كل هذا النبوغ العظيم. وإن مثالا - يتروى ~~فنه في بلاد الغرب عن أكبر رجاله، ويظل السنين الطوال في ملابستهم ومحاكاتهم والتفطن إلى ~~مداخل صنعتهم حتى يحذقه ويبرع فيه، ثم ينقلب إلى بلاده فإذا هو بصير بكل عاداتهم وتقاليدهم ~~وأخلاقهم ومحاضراتهم، وما جل ودق من شئونهم على تفرق طوائفهم واختلاف بيئاتهم - لهو جدير ~~بأن يكون في فنه الحسان ms101 كل الحسان. ~~••• # وقد نجم مختار من أسرة كريمة، فلما يفع أخرجته على العادة، للتعليم في المدارس ~~الابتدائية، فمضى في درسه غير وان ولا متخلف، على أنه لم يكد يطوي في الطلب بضع سنين، حتى ~~بدا ميله واضحا للرسم والتصوير، فلا يرى مكبا على درس إكبابه عليه في «حصة» الرسم، ولا ~~يكاد يرى هو نقشا باديا أو صورة معلقة إلا وقف يتصفح ويتأمل ويشيع كل حسه في تقاسيمها ~~ومتخالف خطوطها وتعاريجها، ثم استل ريشته وأدوات رسمه الصغيرة وراح يحكيها بكل ما تهيأ ~~للموهبة الناشئة في ذلك الجرم الصغير، وظل كذلك عدة سنين لا يعدو منه الاجتهاد في طلب العلم ~~على الاجتهاد في تربية تلك الملكة ما استطاع إليها السبيل. # وكانت مدرسة الفنون الجميلة التي أنشأها سمو الأمير البار يوسف كمال، فنزعت إليها نفس ~~مختار، ولعله لقي من أهله في دخولها عنتا، وكيف لا تعنت إليها الأسر الطيبة، في مثل تلك ~~الأيام، إذا رأت ولدها يميل عن طريق الحقوق أو الطب أو الهندسة، إلى طريق لا تنتهي بسالكها ~~إلا أن يكون «مصوراتي» أو حفارا أو نقاشا؟! ... # وعلى كل حال فقد تم لمحمود مختار ما أراد من دخول مدرسة الفنون الجميلة، أو بعبارة أحكم: ~~لقد تم ما أراد الله لمصر من أن ترى نابغة من أبنائها يخلد نهضتها على تطاول ~~الأعصار! # وفي هذه المدرسة جعلت موهبة مختار تتجلى، وجعل أساتيذه يخصونه بعنايتهم لما أنسوا فيه من ~~مخايل تدل على مستقبل عظيم، وبقي هو، طول مدة الطلب، مجليا لا يلحق: إكبابا على الدرس، ~~واجتهادا في التمرين، وتوافيا لكل دقيق من ملاحظات الأساتيذ، حتى إذا برع بقدر ما يمكن أن ~~يبرع طالب في مدرسة الفنون الجميلة في مصر، رأى أن ظمأه للفن لا ينقعه إلا أن يغترفه من ~~أصفى ينابيعه، فشخص من فوره إلى باريس وانتظم في أعظم معاهدها، أشخصه إليها كذلك سمو الأمير ~~يوسف كمال، وظل يتعلم على أكبر أساتيذها عشر سنين متواليات ما أحسبه انحدر في خلالها إلى ~~مصر مرة واحدة، واجتمعت شهادة ms102 أقطاب الفن هناك على أن هذا الفتى «المصري» ولا فخر ينبغي أن ~~يكتب في جريدة كبار المثالين. ويعهد إليه في «معهد جريفان» بمنصب كبير، وما كان هذا ليسوغ ~~لأجنبي قط لولا نبوغ مختار الذي أوفى على كل تقدير. # ويشاء الله لمصر أن تنبعث، ويشاء لها نهضة قوية يلتفت لها العالم كله، فتثور موهبة مختار ~~هناك وتأبى ثورتها أن تهدأ إلا إذا كشف سر أبي الهول الذي ظل محقونا في أطواء صدره المقبوض ~~آلاف السنين، وإذا أبو الهول ناكس الرأس من وجد وأسى على مصر الأسيرة العالية ، وإذا أبو ~~الهول يرفع رأسه وينبعث؛ لأن مصر نهضت تفك أغلالها لتسعى في أرض الله سعي الأحرار. # وكذلك خرج تمثال «نهضة مصر» فتاة فلاحة تبعث أبا الهول فيتحفز للوثاب، ويتهيأ ~~للغلاب. # وما كاد مختار يعرض تمثاله في «صالون باريس» حتى هرع إليه كبار رجال الفن، وأقبلوا على ~~«المثال» المصري بأتم الهناء والإعجاب، وتطايرت الأخبار إلى مصر، فسرعان ما اجتمع من شبابها ~~كل ندب وطني نجيد، وسرعان ما ندوا بالأموال واستندوا أبناء الوطن ليسجلوا «نهضة مصر» ~~ويرفعوا تمثال مختار، ويرفعوا معه اسم مواطنهم النابغة مختار، فجمعوا آلافا من الدنانير ~~إذا لم تغن في العمل الجسيم، فقد مهدت السبيل لأن تتولاه حكومة الشعب، ومن حق حكومة الشعب ~~أن تتولاه. # وقد مضى العمل في تمثال «نهضة مصر» جدا بمعونة الحكومة وعطف الأمة، وهو الآن يستشرف ~~بفضل الله للتمام. # وإذا كان مختار قد لقي بادئ الرأي تجنيا وعنتا من الدهماء وأشباه الدهماء، فتلكم سنة ~~الكون في هؤلاء، وهل قام في الدنيا مصلح إلا قاوموه واعترضوا سبيله؟ وهل نبغ فيهم نابغ إلا ~~ملكهم الحسد من كل جانب فمضوا يتنقصونه بكل ما أحرزوا من جهل وتضليل؟ # ولقد تظاهر الجهل والحسد جميعا على تمثال مختار. أما الجهل فمن أولئك «العلماء الأقطاب» ~~الذين تراهم يقضون بياض نهارهم وسواد ليلهم على متون القهوات العامة، أكفاء لأن يفهموا كل ~~نظرية، ويبتوا في كل قضية، بحيث لا تخفى عليهم خافية من دقائق الفلك والطب والهندسة ms103 ~~والسياسة وعلوم القانون وفن تعبئة الجيوش - التكتيك، وكل ما تنقطع دونه جهود فحول العلماء ~~في جميع العالم! وأما الحسد فمن أولئك الذين يصابون بضعف الهمة وقوة الشهوة، وهم يأبون إلا ~~أن يكونوا عظاما، إذ لم تعدهم مداركهم ولا مساعيهم في الحياة لعظيم. # تظاهر هؤلاء وأولئك على مختار وعلى تمثال مختار، فانطلقوا بكل ما فيهم من «ذكاء» و«إخلاص» ~~ينتقصونه ويتحيفون من قدره، ومن الجهة «الفنية» ما شاء الله أيها «الجدعان»! # وسار هذا الروح الخبيث في البلد تعضده دسائس ممن أدلى إليهم الزمن «الخائر» بمناصب لها ~~شأن في بعض الحكم، ولها جميع الشأن في أمر التمثال. فما زالوا يدافعونه ويعترضونه بألوان ~~العواثير، ومختار ساكن سكون الواثق بأن عبقريته وحدها كفء لما أعد الحسدة وتفيهق ~~الجهال! # وشاء الله أن تقدر هذه العبقرية قدرها، وأن يقرر مجلس النواب، بين التهليل والتصفيق، فرض ~~المال الضخم لإتمام تمثال «نهضة مصر»، وكذلك تم الانتصار لمختار، وإن شئت قلت تم الانتصار ~~للعبقرية الفخمة على حسد الحسدة وعلى جهل الجهال. # وتظفر مصر أخيرا بمثال نابغة من بنيها، وأولئك الذين لا يطيقون أن يسمعوا مقالة الخير ~~في أحد من مواطنيهم، قد أمست أنوفهم في الرغام. # وفي الوقت الذي كان ينكر فيه عبقريو «القهوات» على مختار خطر فنه وخطر أثره، كانت ~~تترادف عليه الدعوات من أكبر معاهد الفن في أوروبا لتستثمر موهبته في عملها الجليل، إذ يأبى ~~مختار أن ينصرف عن تمثال «نهضة مصر» في سبيل المال، وما هو أعز من المال. # وحسبه من الجزاء على هذا التمثال، أنه مخلد نهضة مصر على تطاول الأعصار والأجيال. فهناء ~~ثم هناء «يا سي مخطار»! # | الشيخ1 ... # وما لي لا أمزح وقد كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يمزح، ولكن لا يقول إلا حقا، وسأمزح ~~الليلة، وسأحاول إن شاء الله ألا أقول إلا حقا. سأمزح هذه الليلة لأني أجد في نفسي غبطة ~~ومراحا ونزوعا إلى المزح، وسأفعل في غير تطرف ولا عبث. # على أنني لا أجتث الكلام اجتثاثا، ولا أطلق موضوع حديثي افتلاتا، وإنما ms104 ألتمس له ~~شخصية أو شخصيات جليلة عظيمة أخطأها الكتاب وتجاوزها المؤرخون، وأخشى أن يتمادى الزمن ~~فتطوي الأيام خبرها، ولا تقدر نواشئ الأجيال خطرها، وهذا ظلم لها وللتاريخ معا. # صديقي أو غير صديقي أو هما معا، الأستاذ الشاب أو الكهل أو الشيخ أو كل أولئك في وقت ~~واحد، الشيخ أو السيد فلان! # وأنا أشهد أنه ما اطلع على مجلسي إلا حللت له الحبوة، ولا جلس إلي إلا آثرته بتكرمتي، ~~ولا أرسل يده إلي إلا أسرعت بتقبيلها؛ لأني أرى في الشيخ عظيما وإن لم ير غيري أن فيه ~~عظيما. # هو شيخ طريقة، وهو على صداقته وملازمته لشيخ مشايخ الطرق لا ترى - على ما يزعم شانئوه - ~~لطريقته في سجلات مشيخة الطرق الصوفية عينا ولا أثرا. # ثم هو رجل جمع بين أقصى مطالب الدنيا وأقصى مطالب الدين، فتراه كما يظهر الأصيل في ~~حلقة الذكر يظهر العشاء في بار «أرستومين». # ثم هو سعدي، وعدلي، وحر دستوري، وحزب وطني، واتحادي، ومحايد، ومستقل، وغير هؤلاء ~~جميعا! # ثم هو لا يفتر عن أداء حقوق القصر، ولا يني عن التوافي في كل موسم لدار الوكالة ~~الإنجليزية، ولا يترك جريدة السياسة إلا إلى «بيت الأمة!» # ثم هو يحسن العربية ويحكم الإنجليزية فلا تعرف إن كان غربيا مستشرقا أو كان شرقيا ~~مستغربا! # ثم هو مصري، وهو في الوقت نفسه مطاف الجالية الفارسية في مصر يتحدث على أمورها ويدلي ~~بمهمها في هذه البلاد، فلا تعرف إن كان عربيا مستعجما أو عجميا مستعربا! # ثم هو إذا تقفيت أصله وقصصت منشأه ومنجمه رأيته من المنوفية، ومن الشرقية، ومن ~~البحيرة، ومن الدقهلية، ومن القليوبية، ومن الجيزة، ومن المنيا، ومن أسيوط، ومن جرجا، ومن ~~قنا؛ هو من هؤلاء جميعا، وهو يلاغي بلغاهم جميعا، فترى في لسانه لين حديث أهل البحيرة، ~~وجشوبة منطق أهل الصعيد، فتسمعه إذا نادى «محمدا» قال «يا محم» وإذا عبر عن الفم، قال ~~«الخشم». # هو ولا شك عصبة أمم تجول في قفطان وجبة! # لا أعرف رجلا يحصي من أسماء الناس وألقابهم وكناهم ومعرفة ms105 من يلابس كل إنسان من ~~أصدقائه وأصهاره وأحمائه مثل ما يحصي ذهن الشيخ. # وأقسم لو استعانت به مصلحة الإحصاء إذ تقبل على إحصاء أهل هذه البلاد لتغنت بعلمه ~~وذاكرته عن خمسة آلاف شيخ حارة وعمدة بلد وسجل قديم في الدفترخانة، وموظف طواف في ~~القرى والدساكر لجمع المعلومات، وإثبات الأسماء والصفات. # وإذا حضرك في هذا المقام أن الشياطين تتشكل فلا يذهب عنك أن الملائكة كذلك تتشكل، وأن ~~أولياء الله يتشكلون، وللأقطاب والأبدال في التشكل أحاديث طوال. # وإذا كنا نحتفل في هذه الدنيا بشخصية واحدة ونتخذها موضع الحديث والتحليل والتمثيل فكيف ~~بسبع وثمانين شخصية قوية قد اتسقت كلها لرجل واحد! # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وأقسم ثانيا لو أن صاحبنا قد نجم في عهد الجاحظ أو اطلع عليه علم كارليل ~~لخصت به الرسائل وأفردت له الأسفار، ولكن أنى لنا جزالة قلم الجاحظ أو دقة ذهن ~~كارليل لنقول في الشيخ كل ما ينبغي أن يقال فيه، وإذا كنا عاجزين عن تقصي جميع عبقرياته ~~الحسان، فلا أقل من أن نلم بفضائله في ليلة من «ليالي رمضان!» # | شيخ السوق # لقد دهي هذا البلد بشيخ رومي التبعة، ألماني الطلعة، إنجليزي النزعة؛ له وجه ~~كسنام البعير، ووجنتان كأنما استعيرتا من نار السعير، يفرق بينهما منخران غليظان يقذفان ~~بالحمم، ويروحان على جليسه بأخبث من ريح الرمم. ودونهما فم قد افتن الشيخ في إحكام ~~دباغه، وتجويد أصباغه، فإذا راعتك منه حمرة الشفاه، فاعلم أن ذلك من صنعة «دلمار» لا من ~~صنعة الله. وله عينان دقتا عن الأنظار، فلا تستكشفهما العيون إلا بمنظار؛ على أنهما ~~أبصر من زرقاء اليمامة، وهيهات أن يخطئهما موقع الدرهم من هنا إلى يوم القيامة. وله ~~عنق قد رهلت جلده السنون الطوال، ولولا «البودرة» تمسكه لسال. # ولقد اطلع الشيخ على السبعين، ولكنه لا يرى شيئا من العاب، في أن يبرز في دل ~~الناهد الكعاب؛ فلا تراه إلا مرجل اللمة، «مهندم» العمة؛ يجول في قفطان كأنما قد ~~من فرند سيف، أو نسج من ms106 خيوط الطيف، فترى أحمره يسيل في أخضره، وأزرقه يموج في أصفره، ~~يترقرق فيه مثل العسجد المذاب، أو شعاع الشمس إذا تهيأت للاغتراب، وقد أمعنت «الخياطة» ~~في تقوير أعلاه، فانحسر من صدر الشيخ على مثل المرآة، وقد أطل على حفافيه نهدان ~~كأنما قاما على حراسة هذا الغدير الرقراق، من أعين الحساد وشفاه العشاق، ومن دونهما ~~منطقة - حزام - قد شجرت بالأفنان والأوراق، وحلقت على جداولها كل سجوع من ذوات ~~الأطواق، وقد تأنق الشيخ به في تكوير أردافه، وتدوير أعطافه، فما تدري - إذا ما رأيته - ~~أأنت في «حضرة» شيخ عظيم، أم في مجلس غانية في «الألدرادو» القديم؟! # أما الجبة - وقاك الله الخبيث، وعصمك من فتنة التخنيث - فهي من «الموسلين»، أو «الكريب ~~جورجيت» أو «الكريب دي شين»، وأما ألوانها فالوردي، أو البنفسجي أو «التانجو» أو ~~«البلوكانار». ولقد اختلط رداء الشيخ على العيون، واستعصى علمه على متناول الظنون؛ فما تدري ~~أيخب في عباءة، أم يجلى على الناس في ملاءة؛ أما هذا الذي غاب علمه عن النفوس، ~~فتفصيله عند مدام روا أو مدام كلموس. # 1 ms107