######OpenITI# #META# URI: 1362CabdCazizBishri.Qutuf.Hindawi92028080 #META# Tags: literature #META# ID: 92028080 #META# Title: قطوف البشري #META# AuthorID: 82863939 #META# Author: عبد العزيز البشري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # أيام في الريف‏ # أعظم يوم في تاريخ العالم‏ # في الهجرة‏ # خواطر تلهمها ذكرى الهجرة‏ # يسر الإسلام‏ # في الحروب‏ # كتاب مفتوح‏ # كتاب مفتوح‏ # رمضان‏ # سعد الرجل‏ # غدوة وروحة‏ # بين الحرب والسلام‏ # كيف نتقي أهوال الحرب‏ # هل يكتب لفرنسا العظيمة بعث جديد‏ # إصلاح‏ # في الإصلاح أيضا‏ # في الطفولة المشردة‏ # في الإجراءات‏ # خواطر في الصيف‏ # في التليفون‏ # كيف نمشي في الطرق‏ # الانتقام اللذيذ‏ # بين الصفارة والريف‏ # الأفندي‏ # في الضمير العام‏ # فن الإعلان‏ # التأمين على الموت‏ # شركة تنشيف الريق‏ # بين الأدب والحرب‏ # عبرة العبر‏ # أسعفوا التاريخ‏ # قبلة‏ # مأساة‏ # مسألة‏ # كيف كان الشباب يزوجون (1)‏ # كيف كان الشباب يزوجون (2)‏ # الأدب الفج‏ # ذكريات‏ # مهم الأديب في الشرق‏ # عباقرة الفن‏ # تقاليد الفن في مصر‏ # فن الحزن‏ # الموسيقى المصرية‏ # بلاغة التلحين‏ # في السياحة‏ # الحكاءون (1)‏ # الحكاءون (2)‏ # الحكاءون (3)‏ # مع ذبابة‏ # عواطف‏ # علي إبراهيم في المرآة‏ # أحب أولادي وأكرههم‏ # الشحاذون المودرن‏ # الكذب الفني‏ # مقدمة‏ # أيام في الريف‏ # أعظم يوم في تاريخ العالم‏ # في الهجرة‏ # خواطر تلهمها ذكرى الهجرة‏ # يسر الإسلام‏ # في الحروب‏ # كتاب مفتوح‏ # كتاب مفتوح‏ # رمضان‏ # سعد الرجل‏ # غدوة وروحة‏ # بين الحرب والسلام‏ # كيف نتقي أهوال الحرب‏ # هل يكتب لفرنسا العظيمة بعث جديد‏ # إصلاح‏ # في الإصلاح أيضا‏ # في الطفولة المشردة‏ # في الإجراءات‏ # خواطر في الصيف‏ # في التليفون‏ # كيف نمشي في الطرق‏ # الانتقام اللذيذ‏ # بين الصفارة والريف‏ # الأفندي‏ # في الضمير العام‏ # فن الإعلان‏ # التأمين على الموت‏ # شركة تنشيف الريق‏ # بين الأدب والحرب‏ # عبرة العبر‏ # أسعفوا التاريخ‏ # قبلة‏ # مأساة‏ # مسألة‏ # كيف كان الشباب يزوجون (1)‏ # كيف كان الشباب يزوجون (2)‏ # الأدب الفج‏ # ذكريات‏ # مهم الأديب في الشرق‏ # عباقرة الفن‏ # تقاليد الفن في مصر‏ # فن الحزن‏ # الموسيقى المصرية‏ # بلاغة التلحين‏ # في السياحة‏ # الحكاءون (1)‏ # الحكاءون (2)‏ # الحكاءون (3)‏ # مع ذبابة‏ # عواطف‏ # علي إبراهيم في المرآة‏ # أحب أولادي وأكرههم‏ # الشحاذون المودرن‏ # الكذب الفني‏ # | قطوف البشري # | قطوف البشري # تأليف # عبد العزيز البشري # | مقدمة # أما أهله الأقربون وذوو مودته من الأصدقاء والخلان، فيذكرونه كما كانت الخنساء ~~تذكر صخرا أخاها، وتذوب أنفسهم حسرات كلما ذكروه، حتى يكاد الحزن ينتهي بهم إلى ~~اليأس ms001 ، كما كانت الخنساء تلقى وتشقى كلما ذكرت أخاها صخرا، وكما صورت الخنساء ذلك أحسن ~~تصوير وأبعده أثرا في النفوس وأشده وقعا في القلوب حين قالت: # يذكرني طلوع الشمس صخرا # وأذكره لكل غروب شمس # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أسلي النفس عنه بالتأسي # صنع الله لأهله الذين يذكرونه حين تطلع الشمس وحين تزول وحين تهوي إلى مغربها، ~~ولأصدقائه الذين يذكرونه في تلك الساعات التي كانوا يلقونه فيها، في ساعات العمل ~~وجه النهار، وفي ساعات الفراغ من آخر النهار، وفي تلك الساعات الحلوة من أول الليل حين ~~يتخفف الناس من أعمال النهار وأثقاله، وحين يرسلون أنفسهم على سجيتها، فتفرح وتمرح، ~~وتعبث وتمزح، وتخوض في كل فن من فنون القول، وتجول في كل ميدان من ميادين التفكير. # فقد كان عبد العزيز رحمه الله أبا برا، وأخا وفيا، وصديقا حميما، وكان من أجل ~~هذا كله محببا إلى النفوس، أثيرا في القلوب، عزيزا على الأهل والأصدقاء جميعا. # والشمس تشرق وتغرب في كل يوم، والليل يغمر الكون وينجلي عنه كل يوم أيضا، وفي اختلاف ~~الليل والنهار وفي تتابع الأيام والأشهر والسنين ما يجلو عن النفوس غمراتها، ويفرج عن ~~القلوب حسراتها، ويعزي الأحياء عن الأموات، وينسي الأحياء بعضهم بعضا. ولكني أعتقد ~~أن اختلاف الليل والنهار، وتتابع الأيام والأشهر والسنين، وتعاقب الأحداث الجسام والخطوب ~~العظام، واشتغال الناس بما يسرهم وما يسوءهم من شئون الحياة - كل ذلك وأكثر من ذلك ~~ليس من شأنه أن يعزي عن عبد العزيز أهله الأقربين وذوي مودته من الأصدقاء ~~والأخلاء؛ فقد كان عبد العزيز رحمه الله من هذه القلة القليلة النادرة التي امتازت بخفة ~~الروح وعذوبة النفس ورقة الشمائل، والتي ظفرت من هذه الخصال بحظ غريب في طبعه وفي جوهره ~~ومادته، إن صح هذا التعبير، بحيث لا يبلو الإنسان أقله إلا كلف به أشد الكلف، وافتتن به ~~أشد الافتتان، وأصبح لا يستطيع له نسيانا، ولا يجد عنه سلوا مهما يلم به من الخطوب، ~~ومهما يختلف عليه ms002 من الظروف. # وقد عرفت أنا من هذا الطراز قلة قليلة استأثر الله ببعضها، وأرجو أن يطيل الله بقاء ~~بعضها الآخر. ومن هذه القلة التي آثرها الله بجواره الكريم ثلاثة نفر كانوا أخلاء فيما ~~بينهم، وكانوا أصدقاء لكل من عرفهم أو اتصلت به أسبابهم من الناس، وهؤلاء الثلاثة ~~هم: شاعر النيل حافظ إبراهيم، وكاتب النيل عبد العزيز البشري، وطبيب النيل علي ~~إبراهيم. # كلهم كان عذب النفس، حلو الروح، كريم السجية، مهذب الطبع، مترف ~~الذوق، مرهف الحس، رقيق الشمائل. وهم من أجل ذلك كانوا متوادين متحابين، ~~لا يفترقون إلا ليلتقوا، ولولا أن خطوب الحياة كانت تفرقهم على كره منهم لما آثروا ~~على اجتماع شملهم شيئا. وكانوا على ذلك أصدقاء للناس جميعا، لا يعرفون البغض ولا تطمئن ~~نفوسهم إليه؛ لأن نفوسهم خلقت من معدن الحب وفطرت على سجية الإخاء والوفاء وحسن ~~المعاشرة؛ ولذلك لا أعرف أحدا من الذين عرفوا هؤلاء الثلاثة - وما أكثر من عرفهم ووصل ~~أسبابه بأسبابهم - قد تعلق على واحد منهم بكلمة مؤذية أو خطة مؤلمة أو عمل يحزن أو ~~يسوء. وإنما نحن نذكرهم جميعا فيمزق الأسى قلوبنا، وتفرق اللوعة نفوسنا، ولا نكاد ~~نذكرهم مجتمعين أو متفرقين حتى يأخذنا الشجا لفقدهم، وتبتسم نفوسنا الباكية لما تذكر من ~~أعمالهم وأقوالهم، فهم كانوا ابتساما على ثغر الحياة في مصر مهما يكن حظ الحياة في مصر من ~~العبوس والحرج ومن النكر والضيق. # وهم كانوا كغيرهم من الناس يحسنون ويسيئون، ولكنهم لم يسيئوا تعمدا للإساءة قط، ولم ~~يسيئوا إلا كانت إساءتهم - مهما تقس في أول أمرها - مصدر رضا وغبطة وفكاهة ودعابة ~~بعد وقت يقصر أو يطول. # وكلهم نفع الناس في حياته كأحسن ما يستطيع الإنسان أن ينفع الإنسان، وكلهم وجد في نفع ~~الناس لذة ومتاعا، ولم يحفل بما جنى الناس عليه ولا بما جرعوه من فنون الألم وضروب ~~الشقاء. كانوا لا يغضبون إلا ليرضوا، ولا يبتئسون إلا ليبتهجوا، ولا يعبسون إلا ليبسموا. ~~فطرت نفوسهم على التفاؤل أو خلقت نفوسهم من التفاؤل، فلم يعرف التشاؤم إليها ms003 سبيلا، ولم ~~يلق الناس منهم إلا خيرا. # كان حافظ يمتع الناس ويحيي نفوسهم بشعره الرائع، وكان علي إبراهيم ينفع الناس ويحيي ~~نفوسهم وأجسامهم بفنه البارع وعلمه الواسع وتفوقه الرفيع، وكان عبد العزيز يسحر قلوب الناس ~~ويستهوي ألبابهم، ويملك عليهم أمرهم، وينسيهم صروف الحياة، ويعزيهم عن آلامها بمحضره ~~دون أن يتكلم، فإذا تكلم فقد كان يرقى بهم من عالم إلى عالم، وينقلهم من حياة إلى حياة، ~~فإذا كتب ونشر فقد كان يأخذ عليهم سبل الإعجاب، ويضطرهم إلى أن يقرءوا ويقرءوا منفردين قد ~~خلوا إليه دون غيره من الناس، فإذا لقي بعضهم بعضا تحدثوا عما قرءوا ثم أعادوا القراءة، ~~ثم أخذوا يذهبون من الإعجاب بما يقرءون كل مذهب، يسلكون من هذا الإعجاب سبل الجد وسبل ~~الفكاهة، وربما شغلوا أنفسهم بذكر عبد العزيز في مجلسهم كله حتى يتفرقوا ولم يقضوا منه ~~العجب. # أما أهله الأقربون وذوو مودته من الأصدقاء والخلان، فيذكرونه مصبحين ~~ويذكرونه ممسين، لا ينسونه ولا يتعزون عنه، فليس إلى نسيانه أو إلى التعزي ~~عنه سبيل. # وأما هذه الكثرة الكثيرة من المثقفين الذين لم يلقوه ولم يستمتعوا بمحضره، ولو ~~يقولوا له ولم يسمعوا منه، ولم ينعموا بفكاهته الحلوة ودعابته الرائقة ونادرته الحاضرة، ~~وإنما سمعوا عنه من بعيد أو قرءوا له بين حين وحين؛ فإن أمرهم معه كأمرهم مع غيره من ~~الكتاب والشعراء والعلماء، يستمتعون حين يتاح لهم المتاع، ويرضون عما استمتعوا به ~~عجلين، ثم ينصرفون إلى غيره عجلين أيضا، يطلبون إليهم كثيرا أكثر مما يطيقون، ولا ~~يعطونهم من أنفسهم إلا قليلا أقل مما يستطيعون. # إن المثقفين جميعا يؤمنون بأن حافظا كان شاعرا فحلا، وبأن عبد العزيز كان كاتبا ~~ممتازا، وبأن علي إبراهيم كان جراحا متفوقا. قد أقروا ذلك في أنفسهم، وسجلوه في قلوبهم، ~~وآمنوا به عن علم أو عن غير علم، ثم لم يزيدوا على ذلك، فكم عدد الذين يطيلون القراءة فيما ~~نظم حافظ، وما كتب عبد العزيز، ويطيلون التفكير فيما امتاز به علي إبراهيم. # لم يمض ربع قرن على وفاة حافظ ms004 ، والناس يعدونه الآن شاعرا من الشعراء البارعين ~~كما يعدون الشعراء القدماء، ولم تمض إلا أعوام قليلة على وفاة عبد العزيز والناس يعدونه ~~كاتبا مجيدا كما يعدون غيره من الكتاب القدماء، ولم يدر العام بعد على وفاة علي ~~إبراهيم والناس يؤمنون له بالتفوق في الجراحة والطب، ثم لا يزيدون على ذلك شيئا. # وقد يكون هذا ملائما لطبيعة الأشياء، فالموت يلغي الزمن بالقياس إلى الموتى، ومن مات ~~مات. وافهم من هذه الجملة ما تستطيع أن تفهم. مات بالقياس إلى نفسه، ومات بالقياس إلى أكثر ~~الناس، وربما مات بالقياس إلى أشد الناس اتصالا به وقربا منه. مات ولم تبق منه إلا هذه ~~الذكرى التي تظل مضطرمة متأججة في بعض القلوب حتى تخمد حين تكف هذه القلوب عن الخفقان، ~~وتظل في سائر القلوب أشبه شيء بهذه الأسماء التي تكتب على اللافتات، ينظر الناس إليها ~~أحيانا، ويمرون بها معرضين عنها في أكثر الأحيان. لا يتعمدون النظر إليها إلا إن ~~احتاجوا إليها ليستعينوا بها على التماس ما يبتغون من طريق، فالذين يؤرخون الأدب الحديث ~~سيتعمدون تذكر حافظ وعبد العزيز وإطالة التفكير فيهما، والذين يؤرخون الجراحة الحديثة ~~سيتعمدون تذكر علي إبراهيم وإطالة الوقوف عنده، وأولئك وهؤلاء سيقفون عند هؤلاء الأشخاص كما ~~يقف المتجول في مدينة القاهرة عند هذه اللافتة أو تلك ليتبين طريقه إلى الغاية التي يريد أن ~~يصل إليها. # ولست أدري أخير هذا أم شر، ولكني أعلم أنه الحقيقة الواقعة من جهة، وأكاد أعتقد ~~أنه العقوق، وأن هذا النوع من العقوق قد ركب في طبائع الناس، فهم يسرعون إلى نسيان من ~~أحسن إليهم، وهم يضيعون على أنفسهم بهذا النسيان منافع كثيرة ومتاعا عظيما. وآية ذلك ~~أنك تقرأ الأثر القديم الذي مضت عليه القرون الطوال من آثار الأدباء والعلماء، فتجد اللذة ~~كل اللذة، والنعيم كل النعيم، وترثي للذين لم يقرءوا هذا الأثر من هذه الأجيال التي لا ~~تحصى؛ لأنهم لم يقرءوه ولم يستمتعوا به، فالذين لا يقرءون اليوم حافظا ولا عبد العزيز قد ~~دفعوا إلى هذا العقوق ms005 الذي ركب في طبيعة الناس، فأضاعوا على أنفسهم شيئا كثيرا، ما ~~أجدرهم - لو أحسنوا التفكير والتقدير - أن يستدركوه ولا يفرطوا فيه. # وقد كنت من المفتونين بحديث عبد العزيز حين يتحدث، ومن المفتونين بآثاره حين يكتب، وقد ~~توسلت إليه حين أزمع نشر «المختار» أن يأذن لي بتقديمه إلى الناس، وشهد الله ما تكلفت ولا ~~تزيدت، وشهد الله ما جاملت وما صانعت، وإنما علمت فقلت بعض ما علمت، ورضيت فقلت أيسر ~~ما يوجبه الرضا. # وإني لأراني مع عبد العزيز في تلك الغرفة التي كان صديقنا علي عبد الرازق قد استأجرها في ~~ربع من ربوع خان الخليلي، وكنا نلتقي فيها حين نتفرق عن دروس الفقه وحين يرتفع الضحى ~~لنقرأ بعض كتب الأصول أو بعض كتب البلاغة، وكان عبد العزيز يلهينا بدعابته وفكاهته عن جد ~~البلاغة والأصول، ثم لم يلبث أن ضاق بهذا الجد فانسل كما تنسل الشعرة من العجين، ~~ودون أن يلقى كيدا. وأقمنا نحن على هذا الجد ننفق فيه حياتنا، ونزعم لأنفسنا أننا كنا نغذو ~~به العقول والقلوب، وإني لأراني مع عبد العزيز وعلي عبد الرازق في هذه الغرفة نفسها بعد أن ~~نصلى العصر، نقرأ معا كتاب الكامل للمبرد، نحصل بهذه القراءة الأدب كما كنا نحصل ~~البلاغة والأصول بقراءة الضحى. وكان مزاح عبد العزيز وتندره يصرفاننا عن هذا التحصيل ~~كما كانا يصرفاننا عن ذاك. ثم لم يلبث أن انسل من هذا التحصيل كما تنسل الشعرة من العجين ~~ودون أن يلقى كيدا؛ ذلك لأنه، رحمه الله، كان أقل الناس حبا للاستقرار وميلا إلى ~~الإمعان في طريق واحدة. # فطر على حب التنقل، على حب التنقل المادي والمعنوي جميعا، فكنت تراه مصبحا في هذا الحي ~~من أحياء القاهرة في الأزهر أو قريبا منه، فإذا صليت الظهر رأيته في حي آخر من أحياء ~~القاهرة ملما بدار الكتب أو قريبا منها في قهوة من قهوات باب الخلق، فإذا صليت العصر ~~رأيته في حي آخر من أحياء القاهرة في قهوة من القهوات التي كان الأدباء يختلفون إليها في ms006 حي ~~الأزبكية، فإذا صليت العشاء الآخرة رأيته في غير حي من أحياء القاهرة، تلقاه عند آل عبد ~~الرازق في عابدين، وتلقاه عند غيرهم من ذوي المكانة والجاه، وقد تلقاه في قهوة من قهوات ~~الناصرية مع جماعة من الأدباء صدرهم حافظ إبراهيم رحمه الله. # كل ذلك حين كنا طلابا قبل أن تشب الحرب العالمية الأولى، وقبل أن تتغير الدنيا ويتحضر ~~هذا الجيل من أجيال المصريين بعد انقضاء الحرب الأولى وشبوب الثورة الوطنية واشتجار الخلاف ~~بين السعديين والعدليين، وانتقال مركز النشاط لهذا الجيل إلى مكان آخر من مدينة القاهرة، ~~فكنت ترى عبد العزيز في ذلك الوقت في «بار اللواء» أثناء الأصيل، وفي «الكافيه ريش» حين ~~يقبل الليل، وفي الأهرام أو غير الأهرام من دور الصحف حين يتقدم الليل، وربما رأيته ~~أثناء النهار أو أثناء الليل عند هذا العظيم أو ذاك من عظماء العدليين. # ثم تتغير الدنيا مرة أخرى، ويأتلف المختلفون ويتفق المختصمون، فإذا عبد العزيز يغشى مجالس ~~السعديين وأنديتهم كما كان يغشى مجالس العدليين وأنديتهم. ولكنه على كل هذا التنقل وعلى كل ~~هذا الاضطراب بين أحياء القاهرة كان يثبت على مكان واحد يختلف إليه مهما تكن الظروف ~~والأحداث ليلقى فيه علي إبراهيم وأصحابه ساعة من ليل. # وفطرت نفسه على حب التنقل المعنوي، فكان يشارك في علوم الأزهر طائعا أو كارها، ~~وماذا يصنع وهو ابن شيخ الإسلام وقد سلكه أبوه رحمه الله مع الأزهريين في نظام واحد. ~~وكان يشارك في أدب القدماء وفي أدب المحدثين، وكان يلم بالأدب الأجنبي إلماما ~~قصيرا من بعيد. وكان يحاول أن يتعلم اللغة الفرنسية ويعرف منها أطرافا ويتندر بها في ~~حديثه العذب. وكان قد أدمن قراءة «الأغاني»، ففصح لسانه إلى أبعد غاية من غايات الفصاحة، ~~وآثر في حديثه جزالة اللفظ، وأعانه صوته المتين المليء على التضخيم والتفخيم والترصين. وكان ~~من أروع ما يروعك حين تسمع إليه متحدثا بلغة الجاحظ وأبي الفرج أن تستخفك اللفظة الفرنسية ~~قد انزلقت من بين هذا الكلام العربي الرصين المتين من حيث لا تدري ms007 أنت ولا يدري هو. # ثم يريد الله أن تعدو العوادي، وأن تدلهم الخطوب، وأن نفقد عبد العزيز على غير ~~توقع لفقده، وإذا نحن نحرم هذا المتاع الغريب النادر الذي كنا نجده حين نتحدث إليه ~~ونستمع له، وإذا نحن مضطرون إلى أن نستحضر حديثه بقراءة ما ترك لنا من الآثار، نقرأ ويخيل ~~إلينا أننا نسمعه يتحدث، فنجد في ذلك مزاجا غريبا من اللذة الأليمة والسرور ~~الحزين. # ثم يتحدث إلي أحد أصدقائي ذات يوم بأن لعبد العزيز آثارا لم تجمع في كتاب، نشر ~~بعضها في المجلات وأذيع بعضها في «الراديو» وأعد بعضها للنشر أو للإذاعة، وكان عبد ~~العزيز يهيئها كلها لتجمع في سفر أو سفرين، فأعجله الموت عن ذلك، فلا أكاد أسمع ~~هذا النبأ حتى ألح على صديقي في أن يصل الأسباب بيني وبين هذه القطوف، فيتاح لي ذلك، ~~فلا أقرأ ولا أستقصي، وإنما أزمع نشر هذه الفصول؛ وفاء بما لهذا الأديب العظيم من حق، ~~ورعاية لما لهذا الصديق الكريم من حرمة. # لا أقرأ ولا أستقصي إجلالا لآثار عبد العزيز أن تقرأ أو تستقصى قبل أن تقدم إلى ~~المطبعة، فقد كان راضيا عنها، وهذا يكفي. ثم تطبع هذه القطوف وترسل إلي في فرنسا، فأخلو ~~إليها في هذه القرية النائية من قرى الجبل أياما، فلا أشك في أني لم أخطئ حين وثقت برأي ~~عبد العزيز في قطوفه، فهي الأدب كل الأدب، وهي الفن كل الفن، وهي الكلام الذي يجمع إلى ~~رصانة الأدب القديم وجزالته خصب الأدب الحديث وثروته. وهي على ذلك كله - إذا ضمت إلى ~~ما جمع من آثار عبد العزيز - صورة فذة لا نظير لها في الأدب المعاصر، فهي فصل مستقل من ~~تاريخنا الأدبي، يصور لونا من ألوان هذا التاريخ لا نجده عند كاتب آخر من كتابنا ~~المعاصرين، لا أكاد أستثني منهم إلا صديقنا المازني. # فعبد العزيز أشد كتابنا المعاصرين عكوفا على حياتنا المصرية، وعلى حياة القاهرة خاصة، ~~وعلى حياة الطبقة الوسطى من أهل القاهرة بنوع أخص، وهو أشد كتابنا نفوذا إلى ms008 دقائق هذه ~~الحياة وسرائرها، وأشدهم تمثلا لخلاصتها، قد خالطت نفسه، ومازجت دمه، وانطلقت على لسانه ~~حين كان يتحدث، وجرت مع قلمه حين كان يكتب، فهي أصدق مرآة وأصفاها للحياة المصرية في عصر ~~الانتقال. وقد كان عبد العزيز رحمه الله يحب أن يصور المعاصرين ويجلو صورهم في فصول رائعة ~~كانت تنشر بعنوان «في المرآة» ثم جمعت بعد ذلك في سفر أرجو ألا يكون قد انقطع من أيدي ~~الناس. # فاقرأ «قطوفه» هذه، فسترى في كل فصل من فصولها مرآة مصقولة صافية صادقة أدق الصدق، لا ~~تعكس صورة فرد من الأفراد، وإنما تعكس صورة بيئة من البيئات، أو جماعة من الجماعات، أو لون ~~من ألوان التفكير المصري، أو فن من فنون السيرة المصرية في هذا الطور أو ذاك من أطوار ~~الحياة، فإذا فرغت من قراءة هذه «القطوف» فقد استقرت في نفسك صورة كاملة شاملة دقيقة ~~لحياة مصرية ذهب أكثرها وبقي أقلها، ولحياة مصرية جديدة ناشئة لم يتم تكوينها بعد، ~~ولكن عبد العزيز سبق بذكائه النافذ وملاحظته الدقيقة إلى التنبؤ بحقائقها وبما سيختلف عليها ~~من الأطوار. # وكنت أقدر أن رعاية حرمة الأدب والوفاء بحق الصديق هما اللذان قد دفعاني إلى نشر هذا ~~السفر، فإذا أنا أقرأ ثم لا أشك في أني قد أهديت بنشره طرفة من أقوم الطرف ~~وأشدها إمتاعا إلى المثقفين من قراء العربية عامة وإلى الشباب منهم خاصة، فما أعرف أن ~~كاتبا من الكتاب المعاصرين أتيح له من التوفيق مثل ما أتيح لعبد العزيز في هذه الفصول التي ~~تسجل من حياتنا ما كاد يضيع، وتسجله في أروع لفظ وأبرعه وأجزله وأمثله. وما أشك في أن ~~كثيرا من هذه القطوف لو ترجم إلى بعض اللغات الأوربية لفتن به كثير من أهل الغرب ~~فتونا. # ولو علمت أني أستطيع أن أشير على وزارة المعارف فتسمع مني وتقبل مشورتي لأشرت عليها في أن ~~تجعل كتب عبد العزيز البشري، وهذا الكتاب منها خاصة، بين الكتب التي تدرس في المدارس ~~الثانوية، فما أعرف أقدر منه على تحبيب الأدب ms009 العربي إلى الشباب وتزيينه في قلوبهم، ~~وإقناعهم بأن لغتنا الفصيحة القديمة تستطيع أن تؤدي من المعاني والأغراض ما تقتضيه الحياة ~~الحديثة دون أن يمسها من ذلك نصب أو لغوب. # رحم الله عبد العزيز، وهيأ للأدب العربي من يقوم مقامه، ولولا الثقة بالله لقلت كما ~~قال الجحاف في العصر القديم: «وما أراه يفعل»، ولكن قدرة الله وسعت كل شيء، ورحمته ~~وسعت كل إنسان، فليعوض الله من عبد العزيز خيرا، وليسبغ الله على عبد العزيز رحمة ~~ونعمة وثوابا. # طه حسين # ميرولس - يوليو 1947 # | أيام في الريف # لقد طال عهدنا بالريف حتى كاد ينكرنا وحتى كدنا ننكره، ولست أزعم أنني ولدت في الريف أو ~~أنني نشأت فيه، على أنني كنت أكثر من انتيابه والعيش فيه كلما تهيأ لي انتيابه والعيش فيه، ~~ولكن الدهر الماكر قد قطع السبب إليه فحرمني غشيانه سنين عددا، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله! # وإذا نحن قلنا: الريف؛ قلنا: الطبيعة، أو أدنى الأشياء إلى الطبيعة، والطبيعة، مهما يكن ~~لون حياتنا هي مصدرنا، وهي اللاصقة بخلقنا، وإذا رددنا ساعة إلى نفوسنا، لم نجد غير الطبيعة ~~بين أيدينا وعن الأيمان والشمائل جميعا، ولقد يبعد بنا طول العيش في المدن، ولقد يمعن بنا ~~في شتى السبل حتى ننسى الطبيعة أو نكاد ننساها، ويرجح الظن بأنه قد انحسم بيننا وبينها كل ~~سبب، وانقطعت جميع وشائج الرحم، ولا نزال منها على هذا، ولا تزال منا على ذاك إلى أن نغشى ~~الريف، فإذا السبب موصول، وإذا الرحم ما برحت واشجة، وإذا العطف يعتلج في الصدور، وإذا ~~الحنان يترقرق في النفوس، وإذا لهوات القلوب تتفتح، فلو أمكن لها لحست هذه الطبيعة ~~حسوا. # وهل كان عجبا أن يحس المرء أبلغ الغبطة والأنس، إذا آب إلى أمه الحنانة الرءوم بعد طول ~~النوى؛ مهما يكن قد ضرب في الأرضين وتقلب في شتى الأقطار، وعايش أصناف الخلق، وتوسم مختلف ~~الوجوه، وهفا قلبه إلى من هفا من الناس؟ # اللهم إن عيش الطبيعة هو الموصول بفطرنا، واللاصق بطباعنا لأننا - كما قلت - عنها ms010 صدرنا ، ~~فإذا أحال المقام في المدن أساليب عيشنا، ولون في فنون حياتنا، وأوال لنا صورا من صور، ~~وأبدل مناهج متعنا بمناهج أخر فإن شيئا من هذا لم يقطع ما بيننا وبين الطبيعة، ولم يخرجنا ~~منها أو ينزعها منا وإنما يشغلنا عنها، فإذا نحن طالعناها لم يزل شأننا على الحالم إذا ~~استيقظ، والغريب إذا آب واستقر به القرار بين الأهل والصحاب! # وكذلك كنت من الطبيعة حين هبطت الريف، وامتد بصري في الآفاق وأحاط بي الزرع والماء، وما ~~كدت أسلخ بضع ساعات حتى استشعرت أنسا كأنني كنت في وحشة، ووجدت من الألف ما يجد الآئب من ~~الغربة، وما لي لا أجد هذا وأستشعر هذا، وقد رجعت إلى أصلي ونزعت إلى طبعي، وخلعت عن نفسي ~~كل كلفة، وامتلختها من كل ما غرست من تصنع استكرهت عليه مناهج تلك الحياة، وما أجدر الطبيعة ~~بأن تقهر الصنعة وإن طال بها الزمان! # هذه سماء كبيرة بعيدة الآثار، وهذه أرض مبسوطة تشقها الأنهر والترع، وتنعطف فيها الجعافر ~~والخلجان، وقد لبست حلتها الخضراء فأصبحت نهيا للعيون من حسن وجمال. # ثم هذا الفلاح جاهد في حرث الأرض وفلحها، ولا زال كدأبه معها، ولا زالت كدأبها معه من ~~الزمان القديم: كلما غذاها بالسماد ورواها بالماء، أمدته بالخير ووصلته بالنعماء. # ولعل أول صناعة عالجها الإنسان في هذه الحياة هي استنبات الأرض واستخراج ما تجود به من ~~ألوان الثمرات، وستظل على التحقيق هذه الصناعة قائمة إلى غاية الزمان. # عاش الفلاح للأرض وعاشت الأرض للفلاح، وعاشت كلاهما للخلق أجمعين. # هذا عيش الريف في النهار، فإذا جن عليه الليل نامت الطبيعة ونام معها الإنسان والحيوان، ~~فلا تسمع فيها حسا إلا ما نسمع من نباح كلب أو عواء ذئب، أو نقيق ضفدع، ولقد تسمع في بعض ~~الليل عزيف بندقية يطلقها بعض عسس القرية، أو حراس البيادر - الأجران - أو الزروع إذا أدركت ~~الثمار، فإذا كانت الليالي قمراء، تجاوبت الكروان بالتنغيم والتغريد، وأطالت الأنفاس بالشدو ~~والترديد. # وناهيك بليالي القمر في الريف، هذا وجهه قد تغرد في الأفق ms011 جميعه ، تفرد ملك لا يشركه أحد ~~في الحكم والسلطان على أنه مفيض على الأرض ما أعطاه الله من حسن وبهاء، وهذه منحه المتصلة ~~من اللجين المذاب، وقد ديغت بخضره النبات، فخرج من اجتماعهما لون هو سحر في السحر وفتنة في ~~الفتنة، منظر وإن كان يوحي بالشعر لا يتعلق بوصفه الشعر، يضيء النفس ويملأ الصدر ألين الفرح ~~وأرفقه، ويحرك عواطف حلوة لذيذة هادئة، دونها ما ترى في أمتع الأحلام. # يحرك في صدرك ألوانا من العواطف تشعرك بأنك بت أسعد الناس عواطف، وإن كانت جديدة لا عهد ~~لك بها من قبل، سرعان ما يعتريك الشعور من قرارة نفسك، بأن هذا هو الشيء الذي طالما حاولت ~~الاستشراف له، فتحول بينك وبينه ظلمة النفس واختلال أداة الحس، بما جشمتها من كلفة في وسائل ~~الحياة. # فإذا كانت ليالي السرار، فالأفق كله كتلة واحدة من الفحم الحالك السواد، هيهات أن ينفذ ~~فيه النظر، ولو أبى فتر من الأفتار: # ظلمات بعضها فوق بعض ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور # 1 # صدق الله العظيم. # هذا حديث موجز عن الطبيعة ماثلة في ريف مصر، أما الحديث عن الفلاح المصري في هذه الأيام، ~~فمما يردع ويهول: فقر لا يعد له فقر، وبؤس لا يلحقه بؤس، مال غائب، ومطالب لا تبرح حاضرة، ~~ومن أين للمسكين بالمال يواتي به بعض الحاجة أو يدافع المطالب الملحة من كل جانب؟ # هذه غلات أرضه مكدسة بين يديه، لا يجد لها في أسواق الأرض منصرفا ولا مفيضا، لقد سجنتها ~~الحرب وأبطل حركتها الكساد العام. # هذا شأن ملاك الأرض ومستأجريها، كبارهم وصغارهم في ذاك بمنزله سواء، فكيف بالأكرة ~~والمتكسبين بكد الأبدان؟ # أما أولاد الفلاحين فشخوص وأشباح بالية تغدو وتروح في أسمال بالية، تكشف من الأبدان أكثر ~~مما تستر، وتبدي من اللحوم - أستغفر الله - بل من العظام والجلود أعظم مما تحجب، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # وكيفما كانت الحال، فإنك قل أن ترى الفلاح مع ms012 كل ذلك ، متسخطا أو مهتاج النفس، بل إنك ~~لتراه راضيا برغم حزنه الشديد! # ولعل مرد هذا الرضا إلى أن آماله كلها مجموعة في أرضه، وأرضه لم تخنه ولم تخلف له موعدا، ~~ولقد أقبلت عليه من فنون الغلات بما تقبل به كل عام، فإذا كان بؤس من أثر حصار أو كساد عام، ~~فذلك ما لا شأن لأرضه به على كل حال، نسأل الله تعالى اللطف بالعباد، فهو القادر على أن ~~يجعل لنا من هذا الضيق مخرجا، ويبدلنا من هذه الشدة فرحا: # فإن ~~مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا ~~، ولن ~~يغلب عسر يسرين كما روي عن الرسول الأعظم # صلى الله عليه وسلم ~~. # بقي ما يظن أن يتأذى به المهاجرون في الريف من منكر الأصوات، ووالله لقد رضينا أن نسمع ~~عامة الليل والنهار نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونعيب الغراب، وطنين الذباب، وما شئت من ~~نقيق ونهيق، وثغاء ومواء وفحيح وخوار، # 2 # على أن تعفى آذاننا من ... صفارة الإنذار! # | أعظم يوم في تاريخ العالم # لا شك عندي في أن أعظم يوم في تاريخ العالم على الإطلاق، هو اليوم الذي هاجر فيه محمد # صلى الله عليه وسلم # وصاحبه من مكة إلى المدينة، فإذا كنت في حاجة إلى دليل، فسيطالعك بعد قليل. # يرى المستعرض لتاريخ الأديان ودعوة الرسل أنها جازت بمراحل ثلاث، طوعا لتطور الإنسان من ~~البساطة والغفلة والوحشية إلى أن أصبح كفؤا للحياة المفكرة المدبرة التي تطلب السمو، وتنشد ~~السعادة في ظل الأمن والنظام. # الطور الأول: # ففي الطور الأول كانت بعثة الرسل مقصورة على الدعوة إلى الإيمان بالله ~~ورسوله، والأمر بأمهات الفضائل، والنهي عن كبريات الرذائل، كما كان وعيد ~~المخالفين الكائدين وتقذيعهم وإرسال العبرة بهم بالغا غاية الروعة في الفتك ~~والعطف والتنكيل. # فلقد أهلك الله قوم نوح، بعد إذ عصوه وتحدوا دعوته، بإغراقهم أجمعين. # قال تعالى: # حتى إذا جاء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما ~~آمن معه إلا قليل * وقال اركبوا ms013 فيها ~~بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى ~~نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل ~~يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين ~~. # 1 # ومن هؤلاء المخالفين من أهلكوا بالريح العاصفة. # قال تعالى: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية * سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى ~~لهم من باقية ~~. # 2 # وقال تعالى: # كذبت عاد فكيف كان عذابي ~~ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا ~~في يوم نحس مستمر * تنزع الناس ~~كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان ~~عذابي ونذر ~~. # 3 # وأما ثمود فأهلكوا بالصواعق والزلازل. # قال تعالى: # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين ~~. # 4 # وقال تعالى: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم ~~يغنوا فيها ~~. # 5 # وقال تعالى: # وفي ثمود إذ قيل لهم ~~تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ~~ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ~~. # 6 # أما قوم لوط فانظروا ماذا أخذوا به من العقاب الشديد: # قال تعالى: # فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~منضود * مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد ~~. # 7 # وقال تعالى: # فأخذتهم الصيحة مشرقين ~~* فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين ~~. # 8 # ونكتفي بهذا القدر اليسير في الاستشهاد بما كان يؤخذ به العصاة الكائدون من ~~ألوان العصف والخسف والتنكيل والتدمير. # وقبل أن نتحول إلى الحديث في الطور الثاني نرى من الخير أن ننبه إلى أن ~~انقسام التاريخ إلى مراحل أو أطوار، ليس معناه أن مرحلة تبدأ من حيث تنتهي ~~سابقتها على الضبط والتحديد، ولا أن التطور من حال إلى حال يحدث دفعة واحدة، بل ~~إن المراحل ليتداخل بعضها في بعض كما أن التطور لا يكون إلا بالتغير من طرفيه ~~جميعا بالنقص من هذا أو بالزيادة ms014 من هذا، حتى يتلاشى القديم ويحل محله الجديد ~~وهكذا، وكذلك يكون التطور في كل شيء في هذا العالم. # الطور الثاني: # أما الطور الثاني فمن أظهر مظاهر الترفق بعض الشيء في النذر، والتخفيف في ~~فنون العقوبات وسعة الدعوة وتبسط التشريع، سواء في العبادات أو في المعاملات ~~بين الناس، وفي هذا الطور أيضا كانت تعتمد الدعوة - بقدر كبير - على التحدي ~~بالمعجزات حتى لقد انتهى هذا الطور بكف العقوبات وتفرد المعجزات. # أما الترفق في النذر والتخفيف في ألوان العقاب، فلقد كان هذا التخفيف يتناول ~~الكم أو الكيف أو يتناولهما جميعا. # قال الله تعالى: # ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون # إلى قوله: # فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ~~ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه إذا هم ينكثون ~~. # 9 # وقال تعالى: # ولقد أوحينا إلى موسى أن ~~أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم ~~فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى ~~. # 10 # فأنت ترى أن ما أصاب آل فرعون من الجدب ونقص الثمرات، وما أرسل عليهم من ~~الطوفان والجراد ... إلخ، لم يبلغ من الشدة والروع بعض ما يبلغ العصف والدمدمة ~~والخسف والتدمير، أما إغراق فرعون ومن اتبع بني إسرائيل من جنده فلعصمة الفارين ~~من كيدهم وبطشهم، والأمر لا يعدو هنا وقع الأذى على كل حال، على أن عددهم ~~بالنسبة لجمهرة الكافرين الكائدين جد قليل، وأما المعجزات فحسبك منها معجزات ~~موسى - عليه السلام - إذ ألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفك الساحرون، وإذ ~~ضرب بها الحجر فانبعثت منه اثنتا عشرة عينا، وإذ ضرب بها البحر فانفلق فكان ~~كل فرق كالطود العظيم، وحسبك منها معجزات عيسى - عليه السلام. # قال تعالى: # ورسولا إلى بني إسرائيل أني ~~قد جئتكم بآية من ms015 ربكم أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين ~~. # 11 # الطور الثالث: # وبعد فإن بمعجزات عيسى - عليه السلام - قد ختم هذا الضرب من الخوارق التي ~~تجري على أيدي الرسل، يتحدون بها المخالفين المعاندين، ويثبتون بها أن ما جاءوا ~~به إنما هو من عند الله، وكيف لا وقد أيدهم منها بما يخالف سنن الكون ونير على ~~طبائع الخلق! # أما بعثة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ففوق أنها تشارك بعثة عيسى - عليه السلام - في ~~تجردها من الأحداث التي مر بك بعض وصفها، فلا عصف ولا خسف، ولا رياح عاصفة، ~~ولا زلازل مدمدمة، ولا شيء من هذا ولا ما دونه مما يزعج النفوس ويدخل الروع على ~~القلوب، فإن معجزة محمد # صلى الله عليه وسلم # تمتاز بأمرين؛ الأول: أنها لا خلاف فيها لسنن ~~الكون ولا مغايره فيها لطبائع المخلوقات. والثاني: أنها باقية مستمرة لا تنقطع ~~على طول الزمان، وقد عرفت من غير شك أن هذه المعجزة هي «القرآن». # وكذلك جعلت الدعوة الإلهية تتطور وتنمو بتطور الإنسانية ونموها على ~~الأحقاب. # | في الهجرة # بين الحق والقوة # قصة هي أضخم قصص الحياة جميعا؛ لأنها تروي أضخم أحداث التاريخ جميعا؛ على أنها قصة لم ~~يلفقها الخيال، ولم يبتكر لها الأبطال، ولم يخترع لها الوقائع اختراعا، ولم يبتدع لها ~~النتائج ابتداعا، ومع هذا فهي أجمل ما روى أصحاب القصص وأبدع، وأفخم ما حال خيال ~~الروائيين وأروع، هي قصة إذا لم تكن من نسج الخيال، فإن الحقيقة فيها قد سمت على محلق ~~الخيال! # هي شيء لولا أنه وقع لما صدق أحد أنه يقع، ولولا أنه كان لما ارتاب أحد في أنه لا يمكن ~~أن يكون، ولقد جرت حوادث هذه القصة في صدر القرن السابع لميلاد المسيح - عليه السلام - وأما ~~موضوعها فالصراع بين الحق والقوة، وأما مكانها فمكة فبيثرب ثم مكة، وأما أبطالها فمحمد ms016 بن ~~عبد الله، وأما أشخاصها فصحبه من ناحية، وقبائل قريش من ناحية أخرى. # هي قصة طويلة جدا، فقد استهلكت حوادثها العتيقة الرائعة نيفا وعشرين سنة، وهي مبسوطة ~~مفصلة في كتب التاريخ وفي كتب السير، وما كنت لأطمع بالضرورة في أن آتي عليها في مثل هذا ~~المقال، على أن في تلخيص الملخصين لها ما دعت المناسبات الغنى والكفاية. # على أنني اليوم متعمد بعض مواقفها التي أرى فيها أشد مواطن العبرة، وخاصة ما يومئ منها ~~إلى ما يجوز بالعالم في هذه الأيام، فلعل فيه قدوة لقوم يتفكرون. # إذن فلا بد من قتله وعلى ذلك اجتمعوا، ولم ينشز منهم على هذا الرأي أحد. # ثلاث عشرة سنة مضت وهو لا يفتأ يوالي إيذاءهم وإضرام الغيظ في صدورهم بتقريعهم وتسفيه ~~أحلامهم، وتهاون دينهم، والزراية على آلهتم، ودعوتهم في غير فتور ولا وناء، إلى الالتفات ~~عما وجدوا عليه آباءهم وآباء آبائهم، مما استولى منهم على مجامع الشعور، وملك عليهم أقطار ~~الفكر، وجرى في الأعراق مجرى الدم، إذ هم قوم غلاظ شداد الطبع، تعميهم الأفقه والحفاظ فلا ~~يهتدون بين يديهما طريقا! # فلما رأوا أن عمه وكافله قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إليه ~~فقالوا: يا فلان إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن ~~تكفه وإما أن تخلي بيننا وبينه. # ثم إنهم مشوا إليه مرة أخرى فقالوا له: يا فلان إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد ~~استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا وتسفيه ~~أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا ~~عنه. # فلما قالوا له هذه المقالة بعث إلى ابن أخيه فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني ~~فقالوا لي كذا وكذا، الذي كانوا قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا ~~أطيق. # فظن هو أنه قد بدا لعمه فيه ms017 بداء، أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، ~~فقال: يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى ~~يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. # 1 # نعم. لقد طالما آذوه بعد ذلك وأسرفوا في الأذى، وكادوه وأمعنوا في الكيد له، وأذكوا عليه ~~من يسبه، وتارة من يؤذيه في بدنه، ومن يلون للمستضعفين من صحبه العذاب تلوينا، فما زاده كل ~~ذلك إلا إمعانا في الدعوة وإيغالا في التحدي، وشدة الدأب على ما وجه إليهم، وتقريعهم على ~~انصرافهم عنه ونفورهم منه، وعدم أخذهم به وصدهم عن سبيله. # لقد أعجزهم أمره حقا، ولم يغن شيء من ذلك كله في كف دعوته والحد من سعيه، فكيف الحيلة ~~فيه وكيف السبيل إليه؟ # إذن لم يبق بد من قتله والخلاص منه، على أن قتله ليس بالأمر اليسير، فللرجل وإن قام ~~بدعوته فردا أهل وعشيرة، وهؤلاء الأهل والعشيرة هم في الجبهة من الأمة لجلالة موضعهم، وشرف ~~أحسابهم وضخامة ماضيهم إلى ما لهم من عز ومنعة، وما فيهم من بأس وقوة، وإذا كانت كثرتهم ~~الكثيرة لم تستجب لدعوته ولم تصغ لدينه، فإن لهم حفاظا، وفيهم عصبية تتعالى بهم عن أن ~~يقتل رجل منهم، مهما يكن سبب قتله ويكن بأس قاتله وهم قيام ينظرون، فهم ولا ريب آخذون بثأره ~~لا يقتل قاتله وحده، بل كل من يقع بين أيديهم من أهله ومعشره الأقربين والأبعدين، وقد يتعصب ~~لهذا القبيل قوم، ويتعصب لهذا القبيل قوم فتكون الفتنة لا يخمد لها ضرام، أو تأتي على ~~اليابسة والخضراء! # فلتشترك جميع عشائر الشعب إذن في قتله واحتمال وتره، فلا يقوى معشره مهما يكن لهم من ~~العزة والبأس على أن يقاتلوا الشعب كله، وكذلك أخرج كل قبيل لقتل البطل فتى من أقوى فتيانه ~~وأشدهم بأسا، وتواعدوا باب داره إذا كان السحر. # ويجيئه الخبر بما ائتمر القوم ولكن من أين جاءه؟ هذا ما لا يعلم به أحد! # ثم يخرج من داره وهم وقوف، ويسرع إلى ms018 التواري في دار صاحبه فيفوتهم دركه، ولو قد أرخى ~~زمام إرادته لشجاعته لثبت لهم وقاتلهم ، فقتل منهم على الأقل قبل أن يقتل، فلقد كان أشجع ~~الناس، ومن كان هذا شأنه لا يهاب الموت، ولا يخشى من أي ناحية أصابه، ولكنه يعلم أن له في ~~هذه الحياة مهما لا يقوم به أحد من العالمين. # وتمت هجرته إلى البلد الذي سبقت كثرة أهله إلى اعتناق ما دعا إليه، والذي يعلم أنهم معزوه ~~وناصروه ومؤيدو دعوته، مهما يجشمهم من التضحية بالأنفس والأموال. # ولم يمض أكثر من عشر سنين حتى يرى البطل على رأس جيش لجب لا يدرك الطرف آخره، في طريقه ~~إلى البلد الذي خرج منه ذلك المخرج الرهيب! # وإذا القوم لا يقاتلون، ولا يجمعون نية على النضج عن الوطن، ولا الذياد عن الحريم، بل ~~إنهم ليسلمون ويسألون صفحا كريما من مالك كريم، فسرعان ما يسجح ويعفو، ويهيب بالمغلوبين ~~المقضي عليهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء!» # ولقد عرفت أن هذا البطل الأعظم هو محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وبجل وعظم، وشرف وكرم، وأما عدوه القاتل ~~لدعوته، الصارف بكل حوله من دينه، فشعب قريش كله، وأنت خبير مما لهذا الشعب من قوة وبأس، ~~ومن أنفة وحفاظ. # وبعد، فإن من ينظر إلى تلك البداية، ثم يثب ذهنه إلى هذه النهاية، ليكاد تتفرق نفسه من ~~الحيرة، وتطير من العجب كل مطير. # ولكنه الصبر! الصبر الذي يغذوه الإيمان بالحق، وما دام الإيمان بالحق قويا، فقد هان ~~لقاء أشد الشدائد ومعاناة أهول الأهوال، ولا تزال هذه الشدائد في قتالها للحق والصبر، تضعف ~~وتتضاءل على الزمن رويدا رويدا، حتى تلقي السلاح وتسلم أمرها لعدوها وأنفها في ~~الرغام! # ومما يسترعي الانتباه أن الكتاب العزيز لم يحض على خلة قدر ما حض على الصبر، فلقد دارت ~~هذه السمة ومشتقاتها فيه أكثر من مائة مرة، وهذه سيرة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، خير مصداق لما يدعو ~~إليه القرآن العظيم. # وبعد، فليت هؤلاء الذين غصب عليهم حقهم، والذين خرجوا أو أخرجوا ظلما من ديارهم، ليتهم ms019 ~~يبنون أنفسهم على الصبر، ويروضونها على شدة الاحتمال في سبيل الحق، ففي حديث الهجرة أصدق ~~الخبر، وفيه أحسن العظات وأبلغ العبر. # | خواطر تلهمها ذكرى الهجرة # ليس ما يضرب فيه القلم اليوم بحثا قامت في الذهن حدوده، وبانت طرقه، واتضحت معالمه، ~~واستشرقت مقدماته لنتائجه، إن هي إلا خواطر تجول بها ذكرى الهجرة الشريفة، هي خواطر تتوالى ~~على النفس كما توالى مناظر الخيالة - السينما - في جريدة الأخبار مثلا، على أنها قد تجيء ~~بحكم تداعي المعاني، وبحكم أضعف المناسبات وأدنى الملابسات. # وبعد، فليس من شك في أن مما يستدعي العجيب، بل مما يكاد يستهلك كل العجب؛ شأن أولئك العرب ~~إلى آخر جاهليتهم، وما صاروا إليه بعد إسلامهم بيسير من الزمان: لقد كانوا في جملتهم قوما ~~أميين جهالا، لم تفتتح عيونهم على علم ولم يتذوقوا فنا، اللهم إلا فن الكلام، وهو غير ~~مغن في قيام الأمم إذا أغنى إلا قليلا. # لقد كانوا جاهلين حقا لا يرتبطهم بأي لون من ألوان الحضارة أي سبب، ولا تنفذ عقولهم إلى ~~شيء مما وراء تلك البوادي التي يسكنون، حتى لو اضطربوا فيما يجاورهم من البلاد التي أخذت ~~بحظ من الحضارة، بحكم التجارة ونحوها، رجعوا إلى قومهم وكأنهم لم يشهدوا شيئا غريبا من ~~شأنه أن يلفت أنظارهم ويحرك أفكارهم، كأنما غلقت الأذهان وغلقت القلوب، # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور # 1 # صدق الله العظيم! # على أنهم لم يسلخوا في الإسلام إلا صدرا يسيرا من الزمن حتى حذقوا علوم من سبقوهم إلى ~~الحضارة وفنونهم، بل سرعان ما أنشئوا هم علوما واستحدثوا فنونا أوفوا بها على حضارة ~~الزمان! # ولا ينبغي في هذا المقام، أن يذهب عن الفكر أن ما نقل العرب من علوم غيرهم وفنونهم قد ~~طبعوه أولا بطابع الفكر العربي، وسووه حتى مرئ في مساغ الذوق العربي أيضا، وهذا فوق ما ~~وسعوا في آفاق هذه العلوم والفنون، واستحدثوا فيها من القضايا التي ذهبت ms020 بها إلى أبعد ~~الغايات. # وأنت خبير بأنه إنما يبعث على العجب في أمثال هذه الغرائب، هو غفلة الذهن عن وصل الأسباب ~~بالمسببات، ولهذا قيل: إذا عرف السبب بطل العجب ... # ففي الحق إن العربي على ما كان فيه بحكم البيئة من الجفاء والانصراف عن إرسال الفكر في ~~شيء من دواعي الحضارة التي يشهد أو يترامى إليه أمرها ... الحق أنه - مع هذا - حديد الفطنة، ~~سليم الطبع، مستقيم الفطرة. فلما جاءه الإسلام، وهو دين الفطرة أذكى مواهبه وحرر فكره، ~~وأجلى ما كان يرين على قلبه، فإذا إنسان كفء أي كفء لأسمى النظر وعلاج جلي العظيمات في ~~الحياة، وكذلك يمضي طلقا إلى ابتغاء المجد الحق من كل سبيل! # ولقد كان من المتعين على مفكري العرب وقد دخلوا في الإسلام أن يكون أبلغ سعيهم، وأول ما ~~تنقلب فيه أذهانهم؛ هو هذا الدين طلبا لحفظ أصوله وتفصيل أحكامه، فجد منهم من جد في جمع ~~أحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~؛ بطريق الرواية عن الثقات من التابعين أو تابعيهم، ثم عن الصحابة ~~راويا بعد راو إلى من سمع منهم بأذنه أو رأى بعينه «ففعل النبي # صلى الله عليه وسلم # وإشارته كذلك من ~~السنة.» # ولقد أفنى جامعو الحديث أعمارهم في شدة التحري والتحقيق والتثبت والتأكيد، للتمييز بين ~~صحاح الأحاديث وموضوعاتها؛ بل للتمييز بين الصحاح وتبيين حظ كل منها من القوة طوعا لحظ ~~رواتها من الثقة والدراية، ثم كان من أثر هذا أن نشأ علم جديد، هو علم «مصطلح الحديث» ولعله ~~كان من الخير أن يدعى علم «نقد الحديث». # وفي الوقت نفسه اجتهد آخرون في استنباط الأحكام الشرعية من هذه الأصول الأربعة: الكتاب، ~~والسنة، والإجماع، والقياس؛ مهتدين جميعا بسلامة الفطرة، وحدة الفطنة، وصحة التفكير، ودقة ~~الإحساس، حتى لقد ارتجلوا - في هذا الباب - قواعد وقضايا تخلب باختصارها ووضوحها ودقتها ~~أبرع المشرعين، ولأسيق طائفة منها على جهة التمثيل: الضرورة تقدر بقدرها - الأصل بقاء ما ~~كان على ما كان - إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل - ما جاء على أصله لا ms021 يسأل ~~عن علته - لا اجتهاد مع النص - الاعتراف حجة قاصرة - اليد دليل الملك - المعروف عرفا ~~كالمشروط شرطا - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ... إلخ. # ولعمري لم يكن كل هذا الإبداع والابتكار أثرا لدرس مدرس أو تقليب للفكر في كتاب مكتوب، ~~إن هو كما قلنا من فضل سلامة الفطر، وحدة الذكاء وصحة التفكير. # وإذا كان علماء العرب قد نقلوا بعد ذلك علم المنطق إلى لغتهم عن اليونانية، فإنهم سرعان ~~ما أجالوا في قضاياه هذه الأذهان الحادة وأراقوا عليها تلك الأفكار الخصبة، فابتكروا ما ~~ابتكروا، واستحدثوا ما شاء الله أن يستحدثوا، طلبا لوفاء هذا العلم على الغاية من الهداية ~~إلى صحة التفكير، وابتغاء النتائج الحق من صحاح المقدمات. # ثم لم يكفهم هذا، فلقد نقلوا عن اليونانية أيضا علم «آداب البحث والمناظرة» وغاية هذا ~~العلم تنظيم وسائل المجادلة بين المتجادلين، والتزام كل من الطرفين حدة في الخصام، وبيان ~~الطرف للإدلاء بحجته، أو إدحاض حجة خصمه وكذلك تضحي المناظرة مجدية منتجة، تظهر الحق على ~~الباطل بقيام الحجة الواضحة غير مضيعة بين سفسطة ومهاترة، أو نقل لموضوع النزاع، على أن ~~العرب كذلك قد طبعوه بطابعهم، وأفاضوا عليه من سابغ تفكيرهم، ووصلوه بفنونهم، وأجروا فيه ~~الأمثلة والشواهد مما يعرض لما يعالجون من العلوم. # أما وقد عرضنا للقضايا المسلمة، وللمنطق، ولآداب البحث والمناظرة، فقد حق علينا أن نقف ~~وقفة قصيرة لعلنا نرفه بها عن القارئ بعض الترفيه. # لا غرو علي إذا زعمت أن تسعين في المائة، إن لم أقل تسعة وتسعين في المائة، من ~~المناقشات والمجادلات التي تدور بيننا، نحن المصريين، سواء أكانت باللسان في المجالس ~~الخاصة، أم بالقلم في الصحف السيارة، لا يمكن أن تنتهي بالتسليم من أحد المتحاورين، ذلك ~~بأننا - حتى الكثير من متعلمينا - قل أن يعنوا في جدلهم بترتيب المقدمات المنطقية الترتيب ~~الذي يفضي بها في صحيح القياس إلى النتائج الصحيحة، ولقد يدفعنا الحافز للنفس، والرغبة في ~~الفلج والخصم إلى تنكر القضايا المسلمة، أما نقل موضوع النزاع إذا سطت بنا حجة الخصم، ms022 فهذا ~~ما يقع عندنا بغير حساب! # ودعنا الآن من المجادلات العلمية أو الفنية، وخد بنا في ألوان الحوار التي تجري كل ساعة ~~بين الأصدقاء وغير الأصدقاء. # يقول لك فلان: إن فلانا صنع كيت وكيت مما يتعاظمك ويروعك لضخامته أو لتعذر أسبابه، فإذا ~~باديته ولو بالشك فيما يزعم ابتدرك بقوله: «وليه لأ؟» كأن الأصل أن تضاف إلى الناس الأفعال ~~أو الأقوال، وعلى المنكر أن يقيم هو الدليل على العكس، أي: العدم أو استحالة الوقوع، ناسين ~~أبسط القضايا وأوضحها «البينة على من ادعى!» # ويقول لك آخر: إن فلانا يرتكب كذا وكذا من المؤثمات، فإذا أنكرت منه هذا القول قال في ~~غير ورع ظانا أنه يقيم الحجة عليك: كيف وأنا أقارف معه تلك المؤثمات؟ وقد فاته أن ~~الاعتراف حجة قاصرة على النفس، فإذا أشرك الغير كان دعوى تحتاج إلى دليل! # ولقد تروي، في بساطة، ما انتهى إليك من خبر نشرته إحدى الصحف، أو جعلت تردده المجالس من ~~أن فلانا اتهم في كذا، فيبادرك رجل من شيعته طبعا: حضرتك مبسوط من كده ... وترى أن الخبر قد ~~التبس على الغبي بالأمنية، اللهم إلا أن يكون فاسد الضمير فاجر النية! # ومما يضحك ويبكي نقل موضوعات النزاع، إما فرارا من لزوم الحجة، أو طلبا للكيد والأذى، ~~أو جهلا وشدة غباء. # وأذكر نموذجا واحدا مما وقع لي في ذلك الباب على جهة التمثيل أيضا، ولم يكن ثمت موضع ~~نزاع، بل كان هناك سؤال استحال في غير موجب إلى نزاع. من بضعة أيام طلبت عيادة طبيب ~~الأسنان؛ ليخلع ضرسا ألح علي ألمه، وورم لي صدغي ... وبينما أنا في غرفة الانتظار ريثما ~~ينتهي الطبيب من علاج من تقدمني، إذا رجل حسن السمت أنيق البزة، ويبدأ بالتحية، فأردها ~~بأحسن منها ... وما يكاد يأخذ مجلسه حتى يطارح الحديث كعادتنا نحن المصريين إلى من نعرف ومن ~~لا نعرف، فماددته الحديث على ما بي - في الأسباب العامة طبعا - ومن حديثه أدركت أنه رجل ~~مزخرف الثقافة مذوق اللسان، ثم إذا هو يفاجئني بهذا السؤال: حضرتك ms023 من أهل الريف؟ فأجبته من ~~فوري: لا يا سيدي، فأنا مولود في القاهرة، وما زالت موطني إلى الآن، فرد علي في ثورة عنيفة: ~~ليه هيه العيشة في الريف وحشة؟ # لقد ثار ثائري ونهضت لتوي وخرجت مسرعا إلى داري، مؤثرا وجع الضرس وضرباته على هذا اللون ~~من الحوار! # إذن؛ لقد كان علي أن أخلق قبل أن أخلق، وأن أولد قبل أن أولد حتى إذا بلغت من التمييز في ~~النشأة الأولى؛ كان على القدر أن يخيرني الولادة في الريف أو الحضر، فأختار أول الأمرين، ثم ~~أتبخر في الأثير، ثم أبعث في الريف من جديد، وإلا كنت امرأ آثما يستحق اللوم ~~والتأنيب! # وبعد هذه الوقفة المريحة أو المتعبة المعنية، نرجع سياقة الحديث على اسم الله: # لقد اقترنت عناية السابقين في الإسلام بعلوم الدين؛ بعناية غيرهم بعلوم اللسان، من نحو ~~وصرف وأدب وبيان، وذلك لأنها الوسيلة إلى فهم لباب الدين. # وفي أعقاب هذا أو على الأدق في أثنائه، التفت مفكرو العرب إلى المنطق على أنه مما ينظم ~~الفكر وييسر الطرق لاستنباط الأحكام الشرعية على الوجه الصحيح، ثم اتجهوا كذلك إلى نقل ~~قوانين البحث والمناظرة على ما تقدم به الكلام. # لم يمنع اشتغال مفكري العرب بهذا وهذا وذلك من أن يلتفتوا إلى علوم الدنيا من رياضة ~~وهندسة وطب وفلك وغيرها، فسرعان ما جادوا وما برعوا، وسرعان ما أجلوا ووسعوا، وما ابتكروا ~~واخترعوا ... وينسلخ من الزمن غير يسير بالإضافة إلى أعمار الأمم، حتى صارت هذه العلوم إليهم ~~وكادت تقطع صلتها بغيرهم، فأصبحوا هم المتحدثين فيها، والمتحدثين عليها بين أمم الأرض ~~جمعاء، وكذلك أنشئوا أجمل حضارة وأزكاها في هذا العالم! # فإذا تعاظمتك تلك النهضة في مثل ذلك الزمن، فإن مما يدفع عنك العجب أنه قد لاقت تلك ~~الفطرة العربية دين الفطرة ... دين صاحب الهجرة. # | يسر الإسلام # لقد يملك كثرة الناس العجب من تمام عظمة الإسلام في هذا الصدر اليسير من الزمن وبلوغه ما ~~بلغ في غير عنف ولا مطاولة يكافئان هذا المجد كله ولا معظمه. # ولست الآن ms024 بصدد ترديد ما آثر التاريخ، وما دون المؤرخون في فتوح الإسلام وانتشاره السريع ~~العجيب في قواصي الأقطار وأدانيها، وما كان لأهله في كل مكان من منعة وعزة وسلطان، فذلك شيء ~~قد فاضت به الكتب، واحتفلت بتفصيله الأسفار الضخام، وبحسبي - فيما جردت له هذا الكلام ~~القصير - أن ألفت القارئ إلى أن أمة بادية جاهلة صائلة يكون منها في هذا الزمن ما كان من ~~العرب بفضل الإسلام. هذا فتح وهذه سيادة وهذا تعمير وتثمير، وهذي علوم وفنون وصناعات، وهذي ~~حضارة لا تتعلق بأذيالها أعلى حضارات التاريخ! # لعمري ما هذا كله؟ وكيف كان؟ وكيف تأتى بهذه السرعة لدولة الإسلام؟ # اللهم إن أوثق يقيني أن مرجع هذا أجمعه إلى ما في هذا الدين من يسر عظيم، الدين يسر وبفضل ~~هذا اليسر كان من دولة الإسلام ما كان! # ستقول: إن الإسلام ما ساد إلا لأنه حق. وأقول لك: وهل ثمة أيسر من الحق أو أعسر من ~~الباطل؟ ومتى احتاج الحق في تجليته إلى عنف أو إلى جهد؟ إن الباطل هو الذي يحتاج إلى هذا ~~وهذا، وقل أن يثبت له معهما قرار! # وإذا قيل: إن الإسلام دين الفطرة، فمعنى هذا أنه دين اليسر؛ لأن ما جاء على حكم الفطرة لا ~~عسر فيه ولا مشقة، أما ما جاء على جهة التكلف والتصنع فذلك الذي يقتضي كثيرا أو قليلا من ~~الجهد والعناء. # الدين يسر، وإن هذا اليسر ليغمره من جميع أقطاره، أرأيت أيسر من دعوته «لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله.» # وأي شيء لعمري في هذه الجملة ينشر على الفهم، بل أي شيء فيها يتعثر فيه الذهن وتضيق عنه ~~مساحة أدنى التفكير؟ # هذا اليسر في هذا الحق الذي ليس وراءه حق، هو الذي سلك أقطار الأرض بدعوة الإسلام، ~~واستفتح لها قلوب الأمم والجماعات في غير علاج ولا استكراه؟ # هذه الدعوة اليسيرة الواضحة لقد تغنت بنفسها عن العنف والاضطرار: # لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~. # 1 # بل لقد استغنت عن استدراج الناس بفنون الإغراء والاستهواء. ms025 # وهذه تكاليف الإسلام، ما قامت فيها مشقة إلا قامت بإزائها رخصة، ولا كان في أحدها على أحد ~~عسر إلا ذلل بين يديه طريق العذر، وهل بعد ذلك اليسر كله يسر؟ قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن ~~الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.» # وقال تعالى في كتابه الكريم: # وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج # 2 # صدق الله العظيم. # لم يقتض الإسلام أحدا احتمال ما لا طاقة له باحتماله، فهذه تكاليفه من استطاع القيام ~~بها، وإلا تخفف منها في حدود أحكام الشرع الكريم، حتى تكافئ طاقته ويتسع لها ذرعه، ولا ~~يتحرج بها وسعه، مقبولا عذره مكفولا عند الله أجره. # ولعل من الخير أن أنبه في هذا المقام إلى شيء حقيق بالانتباه: ذلك بأن من القواعد المسلمة ~~أن الضرورات تبيح المحظورات، # فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه # 3 # فالتفريط في غير ضرورة، والتخفف من أحكام الشرع من غير داع جدي إثم من الآثام، ~~ومن القواعد الأصولية المقررة أن الضرورة تقدر بقدرها، ولا شك بعد هذا في أن تتبع الرخص ~~وتلمس المعاذير إنما هو ضرب من الاحتيال للتهرب من تكاليف الدين وهيهات لا ينطلي على الله ~~محال! # ومن يسر هذا الدين أنه لم يقم بينك وبين ربك أية واسطة. # وليس من شك في أن ما نستطيع تناوله إلا بواسطة غير ... فإذا زلت بك القدم وقلبك الشيطان في ~~المنكر، أقبلت على ربك وسألته قبول توبتك، والعفو عما أسلفت من ذنبك؛ مطمئنا إلى: # إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~. # 4 # ليس بك حاجة إلى من يمهد بين يديك سبيل المعذرة، ولا من يعاني لك استخراج العفو ~~والمغفرة. # وبعد، فإن من يسر هذا الدين شدة تسامحه، ولا يذهب عنك أن هذا التسامح إنما كان من أبلغ ~~الأسباب في عظمته. # لا يدعوك الإسلام إلى كراهة ما يصدر عن مخالفك في الدين؛ لأنه يخالفك في الدين بل يدعوك ~~إلى أن تكره منه ما يكره، وتقر منه ما يحب ويؤثر، فهو ms026 وأخوك المسلم في هذا بمنزلة ~~سواء. # ولقد ثبت أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لبس جبة رومية. # وقال تعالى في كتابه الكريم: # وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم ~~. # 5 # ولا ريب في أن لهذا ولهذا دلالة كان لها أعظم الآثار في نهضة الإسلام! # لم ينفر المسلمون من مخالفيهم في الدين ولا في الجنس، ولم يحجز بهم تعصب عن مخالطتهم ~~والاتصال الوثيق بهم، والانتفاع بكفاياتهم والأخذ عنهم، ولم يكد يستقيم أمر الملك لهم حتى ~~أقبلوا على علوم من سبقوهم فترجموها إلى لغتهم، وجعلوا يترددونها ويشيعون الأذهان فيها، ~~ويطبعونها على غرار عقولهم، ويزيدون فيها ما فتق الرأي والذكاء لهم، كذلك كان شأنهم في ~~الفنون، فقد حذقوها أتم الحذق وبرعوا فيها أعظم البراعة، وأداروها على أذواقهم حتى اتسق لهم ~~منها فن خاص، وناهيك بالفن العربي الذي ما برحت آياته مسطورة على جبين الزمان. # أرجو أن تكون قد اطمأننت بعد هذا إلى أن اليسر في الإسلام كان من أبلغ الأسباب في عظمة ~~الإسلام. # | في الحروب # بماذا كان ينتصر الإسلام # ما وقع حدث من أحداث هذه الحرب، وخاصة في ألبانيا التي أصبحت معتركا حامي الوطيس بين ~~دولة صغيرة، قليلة العدد ضئيلة الموارد كل همها من العيش أن تحظى داخل حدودها بالأمن ~~والسلام، قانعة باليسير مما أفاءت عليها الطبيعة، وما يعالجه أبناؤها النشيطون من فنون ~~الصناعات، وما يروجونه إلى أسواق العالم المختلفة من ألوان التجارات، لها من كل أولئك مقنع ~~وليس لها فيما وراءه أي مطمع، فإذا كان لها جيش أو كان لها أسطول فبقدر ما تؤمن الحدود ~~وتمنع الثغور ولو إلى حين، أما الطرف الثاني من هذا المعترك فدولة عظيمة، قوية بعددها، ~~قوية بعددها، قوية بصناعاتها وبتجاراتها، قوية بمستعمراتها الواسعة الشاسعة التي ضمنت ~~أرضوها من الكنوز المعدنية ما يغني في كل شيء من أسباب الحياة القوية الفنية ليس أعز منها ~~في هذا العالم حياة، ومع هذا فإننا نرى أن هذه الدولة الصغيرة الدقيقة في كل شيء؛ لا تفتأ ~~تضرب هذه الدولة ms027 العظيمة الضخمة في كل شيء، كلما طلعت الشمس ضربة وتركلها كلما غربت الشمس ~~ركلة، وبين ذلك لا تفتأ في كل ساعة تجرعها من الصاب والعلقم ما يفري الحناجر، ومن الغسلين ~~ما يذيب الأحشاء، وتلون لها المهانات ما أجراها مثلا للخزي على ألسن العالمين. # لعمري ما وقع حدث من هذه الأحداث إلا أذكرني سير العرب السابقين وأحضرني شأنهم في فتوحهم ~~ومغازيهم فلم يكن هؤلاء في الأكثر الأغلب أكثر من عدوهم عددا، ولم يكونوا كذلك أقوى منه ~~عددا، ولم يفوقوه في تنظيم الجيوش وتنسيق الكتائب، وتدبير المكايد، وإحكام خطط الحرب، ~~وتدبير وسائل الكر والفر، بل فقد كانوا أضعف وأهون شأنا في كل أولئك جميعا! ومع هذا فإنهم ~~ما صارعوا إلا صرعوا ولا قارعوا إلا قرعوا، ولا شدوا إلا ظفروا، ولا حملوا إلا قهروا، ولا ~~هجموا إلا انتصروا، ففتحت بين أيديهم أبواب المعاقل، ومهدت لهم السبل إلى أمنع المدائن، ~~وحشدت لهم أضخم المغانم، واستأسر لهم من المقاتلة أضعاف أضعافهم في يسر يلفت عين الدهر. ~~وكذلك لم تجهد دورة الفلك إلا قرنا واحدا حتى دانت لهم مناكب الأرض، وذلت نواحي البر والبحر. # 1 # إذن لم يظفر العرب في حروبهم كل هذا الظفر، ولم يتهيأ لهم ما دوخوا من البلاد. وما ملكوا ~~من الأقطار، وما فتحوا من هذه الفتوح العظيمة في قواصي الأرض وأدانيها لأنهم كانوا أكثر من ~~عددهم عددا، ولا أمضى سلاحا، ولا أعلم بفنون الحرب وأخبر بأساليبها ومكايدها، بل لقد علمت ~~أنهم كانوا دائما دونه في جميع أولئك بما لا يجوز فيه تشبيه ولا يصح معه القياس. # وبعد، فلعمري، ما مشى النصر بين أيديهم أنى قاتلوا في شرق الأرض وفي غربها، بالغا ما بلغ ~~من الضآلة عددهم، وواقعا حيث وقع من الضعف سلاحهم، إلا بأسباب ثلاثة: ~~(1) # الإيمان. ~~(2) # الرحمة. ~~(3) # العدل. # فالإيمان ييسر على النفس التضحية مهما جلت، بل لقد يغري بها ويدفع بها في المطلب ~~الجسام. # ولا تنس أن من أثر الإيمان بناء النفس على الصبر عند معاناة الشدائد وخوض المكاره، فإن ~~إصابة الغرض ms028 الذي يدفع المجاهد إليه إيمانه لحقيقة بأن تحد من عزمه، وتشد من متنه فلا ~~يعتريه خور ولا خذلان، وأنت خبير بأن الصبر هو مفتاح النصر، وصدق من قال: الشجاعة صبر ساعة، ~~والأمثلة على هذا مما لا يحيط به الحساب! # وبعد هذا أحسب أن العجب قد أخذ فيك بادئ النظر، من نظم الرحمة والعدل في أسباب الظفر في ~~الحروب والتنكيل بالأعداء، والواقع أنهما قد يكونان أمضى من السيف في كسب الحروب، وذلك بأن ~~القسوة وغلظة الكبود لا تجدي على المقاتل شيئا البتة؛ بل إن شهرته بين مقاتليه بالرأفة إذا ~~تمكن والمعدلة إذا حكم، لمما يخذلهم عن الاجتهاد في قتاله، ويشيع فيمن وراءهم قلة الاستحماس ~~لهم وثقل القادرين على القتال عن نجدتهم، بل لقد يرجون النصر لهذا العدو ليخرجوا من ظلمهم، ~~وينعموا في ظلال حكم ملائكة الرحمة والرقة والعدل والإحسان. # وكذلك ساد العرب الدنيا، وما هداهم إلى هذا إلا دينهم العظيم ... # والشواهد على هذا في حروب المسلمين مما لا يبلغه كذلك الإحصاء. # وبحسبنا أن نورد في هذا الباب مثلين يسيرين، أولهما: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~قال في وصاة له لأسامة بن زيد قائد أحد جيوشه ولأصحابه، وهم مرتحلون إلى الحرب التي وجههم ~~إليها: «لا تخونوا ولا تغدروا ولا تملثوا، # 2 # ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تتبعوا موليا، ولا تعقروا ~~نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل، ~~وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ... إلخ.» # أسمعت حديثا في المرحمة بالعدو المقاتل والرقة له أبلغ من هذا الحديث؟ # ذلك بأن الإسلام لا يبغي بالحرب كيدا ولا شفاء ضغن! إنما يبغي بالحرب أعلى المثل، فإما ~~دفع أذى، وإما بسط حق والخير والفضيلة في هذا العالم. # قال الله تعالى يخاطب رسوله الكريم: # وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ~~. # 3 # صدق الله العظيم. # ولقد قال تعالى في كتابه العظيم: # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى ms029 وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ~~. # 4 # وكيف ظنك بدين يأمر بالإحسان حتى في القتل! قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا قتلتم فأحسنوا ~~القتلة.» # أما التمثيل حتى بالحيوان فقد أغلظ هذا الدين في النهي عنه، واشتد في الوعيد عليه، فقد ~~روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أنه قال: «من مثل بحيوان فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين.» # وتلك كانت سنة الغزاة والفاتحين في صدر الإسلام. # وإن تعجب فعجب أن يكون ذلك أدب الإسلام في عصر كان من السائغ المألوف فيه سوم المحكومين ~~المقهورين ألوان الخسف من إهدار الدماء، وتخريب الدور، واستصفاء الأموال، في غير جرم يقترف ~~أو إثم يجترح، حتى كاد يكون ذلك شرعا مشروعا وواجبا مفروضا! # وأما المثل الثاني فأجلوه لك في حادثين مأثورين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهذان ~~الحادثان معروفان شائعان، وما كنت لآتي بهما لولا أنه قد اقتضى الإلمام بهما نظم المقال، ~~وأولهما ما حكي من أن جبلة بن الأيهم، وكان آخر ملوك بني غسان، أسلم وخرج إلى مكة، فلما كان ~~في بعض طوافه داس رجل من فزارة على طرف ردائه فحل أزراره فلطمه جبلة، فاستدعى الرجل عليه ~~عمر، فدعا به وخيره بين أن يترضى الرجل أو يقيد له منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أتقيده مني ~~وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: ولكن الإسلام سوى بينكما! # وأما الحادث الثاني، فما حكي عن رجل من أهل مصر قدم على عمر، فقال: عائذ بك يا أمير ~~المؤمنين! فقال - رضي الله عنه: عذت بمعاذ! فقال: لقد ضرب ولد عمرو بن العاص ولدي - وكان ~~عمرو يومئذ عامله في مصر - فأرسل في طلبه معه ولده واستقاد من الولد والوالد جميعا، ثم ~~أقبل على عمرو وقال: يا عمرو، بماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ # هذه الأمثلة على قلتها، تريك مبلغ ما يدعو إليه الإسلام من الرحمة بالمقهور والرقة له، ~~وإقامة العدل بين الناس، مهما يكن الفرق بين الظالم والمظلوم، وأخيرا توطيد الحرية ~~وتوكيدها على أنها ms030 حق طبيعي للإنسان، كائنا من كان. # أما الحرب في هذا العصر، فقد صارت إلى ما ترى، وهي إن امتازت بشيء فأبرز ما في وجوه هذا ~~الامتياز أن ضحاياها وصالي حرها من المستأمنين الوادعين، أصبحوا أكثر كثيرا ممن تجردوا ~~للقتال، واستنفروا للكفاح والنزال، بل لقد تعدل الموبقات القواصف من الطائرات عمدا عن ~~المسالح ومستودعات الذخائر وثكنات الجند، وغير ذلك من أسباب الحرب إلى دور المستأمنين، حيث ~~المرأة ترضع ولدها وحيث الرجل الذي نام ليستجم للعمل من بكرة الصباح إلى غاية النهار ~~الأطول، سعيا على الأم الشيخة والزوج والطفل الثلاث أو الأربع، وحيث المريض المدنف يتلوى ~~على الجنبين من ألم وعذاب، لقد تعدل تلك المدمرات القواصف إلى هؤلاء عمدا، وتزلزل عليهم ~~الأرض زلزلة وتدمر الدور تدميرا، فإذا هؤلاء أجزاء تتناثر، وأشلاء تتطاير فمن سلم منهم على ~~الموت، فليستقبل حياة شرا من الموت. # فإذا جاءك أن الإسلام فتح كل هذا الفتح، وملك كل هذا الملك، وانبسط له على وجه الأرض كل ~~هذا السلطان في أقل من قرن واحد، فإن السر لا يعدو ما قدمناه لك من قوة الإيمان، وإشاعة ~~العدل بين الناس وإيثار الرقة والرحمة بالإنسان وبالحيوان! # وإذا طلعت عليك الأنباء في كل صباح وكل مساء بأن الجيش اليوناني الصغير الضئيل لا يفتر ~~لحظة واحدة عن صفع الجيش الطلياني الضخم الكثيف باليد، وركله بالرجل إذ لا يكاد يرى فيالقه ~~وكتائبه إلا من الأقفاء من انهزام بعد انهزام، إذا طالعتك الأنباء كل ساعة بهذا فصدق، وأحل ~~الأمر كله على قوة الإيمان بحق الوطن المعتدى عليه بغير إثم ولا عدوان! # فإذا قال لك قائل: لقد ذهب عنك ما فعلت القوة القوية من اجتياح للممالك وقبض على نواحي ~~الشعوب، واستصفاء لأموال الأمم، وامتصاص لدمائها واتخاذها عبيدا فقل له: لا تعجل بالحكم، ~~فإن الله ليملي للظالم، ولتعلمن نبأه بعد حين. # | كتاب مفتوح # من عمر المختار إلى الماريشال جرزياني # عزيزي الماريشال # أكتب إليك هذا وأنا حق واثق من أنك لم تنسني، بل حق واثق من أنني وخاصة في ms031 هذه ~~الأيام، أتمثل لك سواد الليل وبياض النهار، ومهما يكن من أمر فإن آخر لقائنا لم يمض ~~عليه من الزمان ما ينسي الصديق عهد الصديق ! # أتذكر، يا عزيزي ذلك اليوم الذي جاءوك بي وأنا مقرن في الأصفاد، فتقدمت إلى أحراسك أن ~~يلقوني في الطيارة التي أشرت بإعدادها لمهم لم تقم به طيارة من قبل، وسرعان ما حلقت بي ~~تشق أجواز الجو طبقة بعد طبقة حتى كادت تصك وجه الشمس، ثم قذف بي من ذلك الحالق قذف ~~النواة، لا رحمة ولا إشفاق! # وإن أعجب لشيء وإن أفرح بشيء فبطيارتكم التي بلغت هذه السرعة الهائلة، بحيث تحمل ~~المرء من هذه الدنيا فتبلغه جنة عدن فيما دون عشر دقائق! # ولئن عاب أهل الدنيا طياريكم، معشر الطليان، بأنهم لا يحسنون إصابة الأهداف، لقد ~~اضطرب هذا الحكم عليهم بين الجهل والتجني فطياروكم أحسن الطيارين تسديدا إلى المرامي ~~وإصابة للأهداف، ما دامت القذيفة شيخا في حدود المائة، والهدف ظهر الصحراء! # عزيزي الماريشال! # لقد انعقد إجماع أهل العلم على أن الشجاعة تلازمها الرقة للضعيف ورحمة من ليس له ~~بالكفاح يدان، وكذلك كان شأنكم، يا معشر قادة الجنود، فإنكم لا تؤذون الأسرى وتسرعون ~~إلى مداواة الجرحى من عدوكم، كما تداوون جرحاكم سواء بسواء، وتلقون الجميع بالبشاشة، ~~وتعاملونهم بالإكرام، فما بالك قد صنعت بي أنا الشيخ الفاني، ذلك الذي لم يسمع بمثله ~~أحد طول الزمان، هذا الذي لا ترضى بفعله الحجارة، لو كانت الحجارة تشعر وتريد. # لقد التمست لك وجه العذر يا عزيزي الماريشال، ولا تعجب لأن ألتمس أنا العذر لك أنت، ~~فإنني في دار لا نحس فيها حقدا ولا يجد الضغن إلى قلوبنا سبيلا. # ألم يقل الله تعالى في كتابه الكريم: # ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل # 1 # الآية. # وجه العذر - فيما أرى - أنكم معشر الطليان، أو معشر الفاشت، على الأصح، وقد جمعتم ~~العزم على فتح أفريقيا؛ لتستنقذوها من الجهالة، وتخرجوها إلى نور الحضارة، رأيتم سلفا ~~أن تشهدوا العالم على مبلغ ما أحرزتم أنتم من حضارة وعطف على ms032 الإنسان، وليس من شك بعد ~~هذا في أن فعلتك تيك إنما كانت أصدق نموذج - عينة - لحكمكم إذا ملكتم نواحي الأرض، ~~وبلغتم منيتكم في استعادة ملك الرومان ! # ولعلك أيها الماريشال الشجاع جدا، ساعة تقدمت بإعدامي على تلك الصورة قدرت أنني لن ~~أتعذب أكثر من دقيقة واحدة، فإنني كنت أجهل مصيري حتى إذا قذفوا بي في الجو خفق قلبي ~~خفقة أو اثنتين ثم استشعرت صدمة هل علمت خطرة البرق؟ ثم لم أدر شيئا ولم أحس شيئا، ~~حتى رأيتني في الجنة بين الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. # ولعل هذا مما كان داخلا في تقديرك أيضا، فأبت همتك إلا أن تسدي إلي هذا الجميل ~~أجزاك الله عني أعظم الجزاء! # هناك يا صديقي سؤال يضطرب في صدري ولا يجد له متنفسا من جواب: لقد كنت أعلم وأنا من ~~أهل الدنيا وازددت يقينا حين صرت إلى الآخرة أن السيد المسيح - عليه السلام - كان أكبر ~~مظاهر رسالته الرفق والرحمة، والمحبة والسلام، والعفو عمن جنى والصفح عمن أساء، ولقد ~~كان عليه السلام، أول رسول لم يؤيد بمعجزة من عصف أو خسف، وإغراق أو دمدمة، أو ريح ~~عاصفة، أو رجفة قاصفة، وإنما كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتي بإذن الله. وليس ~~وراء هذه الرحمة رحمة، وليس أبلغ من هذا في باب العطف على الإنسان، فهل من الفضائل ~~المسيحية التي تتشادق بها أنت ومعشرك، والتي تزعمون أنكم ما شهرتم هذه الحرب على خصومكم ~~إلا لتسودوها في العالمين - هل من هذه الفضائل أن تمثلوا بشيخ مثلي هذا التمثيل، ~~وتقتلوه بصورة لم تعهد في تاريخ التذبيح والتقتيل؟ # لا والله! لقد برئ منكم المسيح الرحيم النبيل، وبرئت منكم التوراة والإنجيل! # وبعد، فاعلم يا هذا الرجل ولعلك الآن إن شئت تعلم، اعلم أن الله تعالى يمهل ولا يهمل، ~~وهو للظالمين بالمرصاد وإنه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. # ولقد أملى لك وأمهلك وما أمهلك ولا أملى لك، إلا ليزيد لك في العقاب، ويضاعف لك ~~العذاب ففسح لك في الأمل، وأدنى منك كرائم المنى ms033 وقطع في نفسك جميع علائق الشك في أن ~~ستكون الغازي الفاتح الذي يرد لقومه ملك الرومان القديم في غير مشقة ولا جليل عناء، حتى ~~خلت نفسك كذلك، وتسلقت الزهو به، وتقبلت الهناء عليه. # نعم، لقد أذنت وأذن معشرك لا في بلادكم وحدها، بل في جميع رقاع العالم، بأن مصر ~~والقناة التي تسلكها بين البحرين، وأن السودان من قسمكم، كما أضحت الحبشة والصومال ~~والأريتريا من حر ملككم، لا ينازعكم على ذلك منازع، ولا يستطيع أن يدافعكم عن شيء منه ~~مدافع، ولقد سكنتم إلى هذا واطمأننتم إليه، وخلتم أنكم قد فرغتم من الشغل به وما لكم ~~تشغلون البال بما حصل في أيديكم، ومكنت لكم القوة الساطية منه تمكينا؟ # أمهلك الله وقومك وأملى لكم، حتى بلغتم من حسن الظن بالأيام هذا المدى، أليس أعداؤكم ~~الإنجليز قد خشوا بأسكم فسبقوا إخلاء وجه الصومال لكم، كما خلوا بينكم وبين السلوم ~~وسيدي براني، فاحتللتموهما في غير جهد ولا قتال؟ # إذن لقد تم الأمر لكم، فأنتم ولا محالة بالغو قصارى مناكم في يسير من الزمان، حتى لقد ~~واعد كثير من جندكم خطيباتهم قضاء شهر العسل، بعد أسابيع أو بعد أيام على ضفة النيل، ~~والنعيم في واديه الجميل. # ثم ما فعل الله يا ماريشال بإمبراطورية الرومان؟ # هذا قرينك «ويفل» يضربك في كل نهار ضربة، فلا يقنع بأن يسترجع منك سيدي براني ~~والسلوم، بل إنه ليغير على ملككم في لوبيا، فتفتح بلادها مدينة بعد مدينة، وليتولى على ~~حصونها واحدا بعد آخر، ويأسر حامياتها التي حشدت فيلقا بعد فيلق، ويغنم من المدافع ~~والدبابات والذخائر وسائر آلات الحرب وعتادها لو كنتم تعاقدتم من قبل مع إنجلترا على أن ~~تورده مصانعكم إليها بالثمن العاجل، لعجزت في هذه الفترة عنه ولم تستطع على شدة حاجتها ~~إلى المال الوصول إليه! # ولقد بلغ من خذلان الله لكم أن تظل طائراتكم - وهي تعد بالآلاف - جاثمة في أفاحيصها - ~~مطاراتها - التي تعد بالمئات، في انتظار الطائرات البريطانية التي تصبحها وتمسيها كل ~~يوم، حتى إذا أصلتها ضربا أو تمزيقا، ms034 وأوسعتها تدميرا وتحريقا، عادت إلى حظائرها ~~وكأنها لم تعان غزوا، ولم تلاق عدوا! # أفتراك يا ماريشال، قد تعهدت للإنجليز بأن تعينهم على تمرين طياريهم في إصابة الأهداف ~~وتسديد المرامي، فنثرت لهم الطيارات في كل مطار؛ ليتعلموا فيها الرماية في كل ليل وفي ~~كل نهار؟ # ألا خبرني بعيشك؟ لماذا حشدت كل هذه الجيوش؟ وهي لا تضطلع من أعباء الحرب بأكثر من ~~التسليم! ولماذا أقمت كل تلك الحصون؟ وهي لم تقم بأكثر من تفتيح الأبواب للغازي المغير! ~~ولم أرصدت كل هاتيك الموبقات الفواتك من آلات الحروب؟ إذ هي لم تصنع أكثر من أن تعد ~~نفسها غنيمة للعدو باردة برود الثلج! # ثم ماذا كنت تصنع أنت يا ماريشال؟ # لم يسمع أحد قط أنك قمت بهجمة، أو تحركت لاتقاء صدمة، أو أمددت فيلقا رق حبله، أو ~~أنجدت جيشا انهد حيله! # أتراك قد جئت إلى شمال أفريقيا لتتفرج في هذه الحرب، لا شأن لك بوضع خطة، أو تدبير ~~مكيدة أو سن منهج أو إصدار أمر أو المشورة، ولو ساعة الضيق برأي؟ # صدقني يا ماريشال فنحن أهل الجنة لا نكذب أبدا صدقني إذا قلت لك: إنك لو كنت ~~ماريشالا في رواية مسرحية وجرى في أحداثها بعض هذا الذي يجري في لوبيا، لكان لك من ~~الأثر في عالم الحقيقة أكثر مما رأى العالم منك في هذه الحرب، إذ لم يكن أقل من أن يصدع ~~الماريشال الممثل كرسيا، أو يكسر طبقا أو يمزق ولو بأسنانه ستارا! # صدقني يا ماريشال إنك لو كان في موضعك هر لصارع أو حمام لدافع وقارع، أو طفل لنضح ~~أو جدي لنطح! # على أنك لم تصنع شيئا من ذلك قط يا حضرة الماريشال الغازي الفاتح العظيم. # جرزياني لقد قتلتني مرة واحدة، وها أنت ذا تذوق أمر ألوان القتل كل يوم عشرين ~~مرة! # ها أنت ذا يا سند إيطاليا ومعقل آمالها في ملك روما القديمة لا تفتأ تبوء بالفشل بعد ~~الفشل، ولا تفيق من لطمة إلا لتلقى لطمة، ولا تجوز بفضيحة إلا لتستقبل فضيحة، أرأيت ms035 ~~عذابا أشد من هذا العذاب وعقابا على الظالم أوجع من هذا العقاب؟ # اللهم إنني لم أكتب إليك هذا شفاء لحقد، أو بذلا لضغن، فقد علمت أننا معشر أهل الجنة ~~لا نحقد ولا نطغن، ولكن بسطا للعظة وضربا للعبرة، وفي الختام أرجو يا حضرة الماريشال ~~أن تنوب عني في إزجاء أخلص التهنئات إلى صديقك موسوليني قيصر الرومان العظيم! # جنة عدن في 2 من المحرم عام 1360 ~~(طبق الأصل) # | كتاب مفتوح # من جرزياني إلى القائد السيد عمر المختار # سيدي المختار # السلام عليك ورحمة الله، ولا شك أن هذا إخبار لا دعاء، فأنت من مثواك في الجنة في ~~رحمة دونها كل رحمة، وفي سلام ليس يعدله سلام. # وإني أشكرك شكرا جليلا على كتابك الذي فرضت لي فيه ضميرا، إذ ظننت أنني أتمثلك في ~~مسائي وفي صباحي، وفي غدوي وفي رواحي بما أسلفت إليك وما أجرمت عليك، إذ الواقع أنك لم ~~ترد لي على خاطر ولم تسنح لي قط في بال، اللهم إلا ساعة فضضت كتابك، وأزلفت عيني إلى ~~توقيعك، في هذه اللحظة ذكرتك لأول مرة وذكرت ما كان مني إليك. # على أني جد مشغول عن مثل هذا الذي كان مني لك ولغيرك ممن تمكنا من نواصيهم، وسلطتنا ~~القوة عليهم، مشغول عن هذا كله بالجزع على ما كان إلى الآن، والهول والذعر مما يكون بعد ~~الآن. # ولقد تكشفت لنا - نحن قادة الفاشست - في ميادين الحرب والسياسة جميعا، تلك الحقائق ~~القاسية الأليمة بعد طول احتجاب، ومن هذه الحقائق أننا لم نخلق لحرب ولا لقتال، بل لقد ~~عوضنا عن هذا بما طبعنا عليه من الفن الجميل، وما رزقنا من نصيب فيه جليل، فنحن أدق ~~الناس إذا أحفرنا أو صورنا، ونحن أجود الخلق إذا غنينا أو عزفنا، وأبرع العالمين إذا ~~رقصنا أو قصفنا، وأمهرهم وعدنا فأخلفنا، وما لنا وراء ذلك بالحرب ولا بغير الحرب ~~يدان! # على أن الشيطان زين لنا الفتح والاستعمار، ويسر لأنفسنا الحرب في سبيلهما، وقد وفى ~~بادئ الرأي بعهده وبر بوعده، فقادنا أولا إلى ms036 بلاد لا يزال أهلها يعيشون عيش الحيوان، ~~ولا يزال كثير منهم يسكن الغابات كما يسكنها الحيوان، ولا يأكلون إلا بما يأكل هذا ~~الحيوان، أما اللباس إن كان لا بد من لباس، فشقة تواري السوءة، وأما السلاح فسيوف أو ~~حراب، إن لم يستغن عنها بالمخالب والأنياب! # وقد صبحنا هؤلاء بما عندنا من كل فاتك قاصف، ومدمدم عاصف وبكل ما يتطاير بالحمم، ~~ويرمي عزيفه بالصمم. فسرعان ما سلموا واستكانوا وسرعان ما خضعوا ودانوا، وبعد لأي ~~أطبقنا على طرابلس، ثم ما يليها من صحراء لوبيا، حيث القوم أهل بادية؛ الشعير طعامهم، ~~والخيام مثواهم ومنامهم، وأما مسعدهم من السلاح فظبي السيوف وأسنة الرماح، فإذا كان في ~~أيدي بعضهم شيء من البنادق القديمة، فمما لا غناء فيه ولا أضحت له قيمة، وأما مركبهم ~~إذا اضطربوا في صحاريهم، فالإبل المهزولة تحمل معهم متاعهم وزادهم، وعدتهم وعتادهم، لقد ~~أطبقنا على هؤلاء ثم على هؤلاء، وصببنا عليهم من النار ما لا يثبت له الحديد المصفى - ~~الفولاذ - فكيف بالإنسان! # ثم رمتنا أهل هذه البلاد بكل متعطل في بلادنا ومن لا يجد فيها إلى القوت سبيلا، ~~وكلما شام هؤلاء المرتزقون رقعة من الأرض تنطق ولو بالنزر من الماء، وتخرج حتى الرقيق ~~من النبات، أجلوا أولئك المساكين عنها ودعوهم إلى بطن الصحراء! # ثم بعد سنين غير طوال أغرنا على معاهدتنا الحبشة وزميلتنا في عصبة الأمم، وسلطنا على ~~أهلها كل ما أخرج العلم من الفاتكات المدمرات، ولم نتأثم من أن ننضح على العدو الغاز ~~السام وغاز الخردل، إذ هم لا يعلمون من أمر ذلك شيئا، ولا يدرون من أسباب الوقاية منه ~~والعلاج من أذاه كثيرا ولا قليلا. # وكذلك أصبحت لنا إمبراطورية، ولكنها ليست كل إمبراطورية الرومان! وأخيرا فهذه جارة ~~صغيرة، تشرف علينا ونشرف عليها عبر البلطيق، ولقد آمناها من كل غارة وكفلنا لها السلامة ~~من بغي أية جارة، حتى إذا سكنت واطمأنت بهذا العهد؛ جعلنا نتربص بها الغفلة ونرتصد ~~للغرة، حتى إذا أخذ عينها الكرى، أخذناها بجيوشنا وأساطيلنا وطياراتنا بياتا، فهبت ~~مذعورة ms037 لا تدري أين المفر، ولا كيف السبيل إلى النجاة! ولعمري لم نرحم حتى النفساء، # 1 # ولم نشفق على وليدها الذي لم يفتح عينه على الدنيا إلا منذ ليلة واحدة ~~ونهار! # إذن فنحن دولة عظيمة؛ لا نقل عن أعظم دول الأرض في البأس والسلطان، فليت شعري لماذا ~~لا يمضي السيف ونمضي على اسم الإمبراطورية الرومانية، غازين فاتحين ذات الشمال وذات ~~اليمين؟ # وترى ما الذي يعوزنا لنكون كذلك؟ وهذه جيوشنا المدربة على خير الأساليب العسكرية تعد ~~بالملايين، وقد زودت بأكفأ الأسلحة وأمضاها في الحروب الحديثة، وهذه طياراتنا إن شئنا ~~حجبنا بها وجه الشمس عن العالم، وهذه أساطيلنا تغطي ثبج البحار غادية رائحة؛ لا تخشى ~~صولة ولا تهاب عادية حتى لقد أضحى البحر المتوسط - بفضلها - بحيرة إيطالية، لا يدافعنا ~~عن سلطاننا فيها إنس ولا جان! # ثم هذه حلل ماريشالات وجنرالات وأمبرالات وكولونيلات ... إلخ، قد «فصلها» خياطونا ~~المهرة «تفصيلا» بديعا، ومن العجيب أنها حين أفرغت على قادتنا في البر والبحر ~~والهواء، بدوا فيها وكأنهم ليوث الغاب، قد سلخوا الأعمار في الصيال والضراب، وشقوا ~~الصفوف وتجسدوا في الجلى مواقع الحتوف، فأوقعوا بالعدو وعزموا أو رضوا بالموت وما ~~سلموا! # وهذه فرنسا فلنضربها الضربة القاصمة ولو من الخلف، ولو في ساعة قدر عليها الانهيار، ~~فذلك في تحقيق الحلم الروماني لا ميزان له ولا عيار. # إذن فهلم يا ماريشالات، وهلم يا جنرالات، وهلم يا أمبرالات، وهلم يا سائر الضباط، ~~وهلم يا رجال الفاشت، هبوا هبا للقتال، وامضوا للكفاح وللنضال. # ثم إذا فرنسا تسقط سقوط البقلة الذابلة، وما جرد أصحابنا سيفا ولا شرعوا رمحا، وإذن ~~فلقد عقد لهم النصر على فرنسا العظيمة، وحقت لهم المغانم التي لا يبلغها حصر، وكفلت لهم ~~تونس والجزائر، جزاء هذا النصر الباهر! ولا تنس أن تونس والجزائر تقعان في رقعة الحلم ~~الروماني العظيم! # وهذه اليونان على رمية حجر من مستعمرتنا الجديدة ألبانيا، ولا شك أن اكتساحها بجيشنا ~~الباسل، وسلاحنا الفاتك القاتل وعدتنا المجلجلة وآلات حربنا المزلزلة، لا يستهلك أكثر ~~من أسبوع واحد من عمر ms038 الزمن، ولكي تقطع عليها سبيل العذر، فلننذرها في السحر أنها إن لم ~~تجبنا دهمناها عند الفجر! # أما باقي الحلم الروماني فقد عقد الأمل في تحقيقه بسيف داعيكم الماريشال جرزياني ~~وعسكره الذي لم يتهيأ مثله عدة وعددا، لا للإسكندر الأكبر ولا لهنيبال ولا ~~لبونابرت. # إذن فلنفتح مصر حالا، وليسلك منها فورا إلى السودان، والملتقى مع دوق داوست في حدود ~~الحبشة بمشيئة الدوتشي لا بمشيئة الله! # ثم ماذا بعد هذا؟ # لقد أبت هذه اليونان الصغيرة الضعيفة لا تفتأ تولينا نكبة بعد نكبة، ولا تألونا كل ~~يوم مائة ضربة وضربة، وكأنما لقطت الأرحام في بلادنا الأولاد ليستأسروا لجنودهم، وكأنما ~~قامت مصانعنا هذه السنين ذات العدد على صب المدافع الثقيلة والخفيفة، وصنع الدبابات ~~والسيارات وسائر أسباب الحرب؛ لنكون مغانم لهم، وهذه ألبانيا تسلم لهم أمنع ما فيها من ~~حصون ومعاقل، كانت أقوى درع لمن وراءها من الكتائب والجحافل! # أما أفريقيا وما أدراك ما أفريقيا! أفريقيا وا خيبتاه، هي مناط الحلم العظيم. # فأما شمالها فهذه لوبيا قد طارت، وهذه بني غازي قد طاحت، وهذا طريق النصر الذي عبدناه ~~لاجتياح مصر، لقد أضحى لنا طريق الهزيمة والفرار! وربما سلمت طرابلس قبل أن يصل إليك ~~هذا الكتاب، وكذلك يخرج عن أيدينا آخر معقل على شط بحر الروم أو بحر الإنجليز؛ لا بحر ~~الطليان على كل حال! # وأما ملكنا الكبير في الأريتريا والحبشة والصومال، فهذا ويفل الجنرال بالكفاية لا ~~بالبذلة العسكرية، هل جاء نبأ النمر الجائع وقد تمكن من فريسة يحمل لها الشر ويضمر ~~الاضطعان؟ ها هو ذا يبقر بطنها بمخلبه، وينهش رأسها بأنيابه، وتارة يضغم كتفها حتى ~~تلتقي أسنانه، ويلعق عظمها حتى يدمي لسانه، وكذلك يمزق ويفل ملكنا كل هذا التمزيق، أو ~~شرا من هذا التمزيق! # أرأيت يا سيدي المختار أن الحلم الروماني إنما كان حقا؟ على أننا نهب اليوم من ~~نومتنا تيك أهول هبوب! # تقول لي في كتابك: إنك لو كنت ماريشالا في رواية تمثيلية لكسرت على الأقل طبقا أو ~~صدعت كرسيا، أو قرضت بأسنانك ستارا! ms039 ألا فاعلم يا سيدي أن الله قد عقد لساني في هذه ~~الحرب، ورمى يدي بالشلل وهيهات الفعل أو القول لأشل اليد معقود اللسان! # وأخيرا، فإذا كانت هذه الأهوال الكارثة قد علمتنا - نحن معشر الفاشست - شيئا فقد ~~علمتنا شيئا واحدا، هو أن الحرب ليست جيوشا تزم الأفق، ولو زودت بجميع الفواتك ~~المهلكات من مدافع وبنادق ودبابات، ولا هي أساطيل تزحم نواصي البحار، ولا هي طيارات تسد ~~جو السماء، إنما الحرب أولا وآخرا هي ... رجال! # ولقد أذكرني هذا ما روي عن ذلك الشجاع العربي - يعني عمرو بن معد يكرب - وقد تهادن ~~ابن الخطاب سيفه يعني الصمصامة، وقد طارت لها شهرة عظيمة، فقال له أمير المؤمنين: لقد ~~رأيت الصمصامة ولكنك لم تر اليد التي تشرب بها؟ # سيدي المختار! # لي إليك حاجة ليس قضاؤها عليك بالأمر العسير، تلك بأنكم أهل دار سؤلهم مقضي ودعاؤهم ~~مستجاب، فادع ربك أن يقبضني ولكن على فراشي، فإنني لا أرى من العدل أن أموت كما يموت ~~الجندي في ميدان القتال! # وإذا تفضلت وكتبت إلي فعنواني الجديد: وادي لظى - جهنم يحفظ بشباك البوستة. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # 17 من يناير سنة 1941 # المخلص # جرزياني ~~(ترجمة طبق الأصل) # | رمضان # أدركنا رمضان وأهل مصر يستصبحون بالشمع إلى أن طغى عليه اتخاذ الكيروسين، ثم نحن هؤلاء ~~اليوم نستضيء بالكيروسين وبالغاز وبالكهرباء، فكيف كان حظ رمضان من الأضواء والأنوار في ذلك ~~الزمان، وكيف كان حظه منهما في هذا العام؟ # لقد كانت القاهرة والإسكندرية وسواهما من الحواضر الكبرى تستحيل إذا جن الليل في رمضان ~~كتلة من النور، النور في أفنية الدور وفي غرفها وحجراتها، وعلى رءوس الأبواب. ثم في الشوارع ~~من المصابيح العامة، ومن المصابيح التي يضطرب بها الأولاد صبية وصبايا، وأولئك يغنون: «ياما ~~دللوك، يا وردة في السوق، وباعوك يا وردة ...» إلخ، وهؤلاء يغنين: «وحوي، وحوي، إياحة، بنت ~~السلطان إياحة، لابسة القفطان...» إلخ. # ولا تنس أن السيدات كن إذا برزن إلى الطريق في رمضان لزيارة الأهل والصديقات سعين وبين ~~أيديهن الخدم يحملون المصابيح ms040 الكبيرة يتألق كل منها بطائفة من الشموع، فتزيد الطريق نورا ~~على نور! # أما نوافذ المناظر فمفتحة، ينبعث منها نور المصابيح، كما ينبعث منها النور الأعظم، أعني ~~ترتيل القرآن الكريم، ولا تنس حظ المساجد الكبيرة على وجه خاص، من ذلك النور والإشراق في ~~طرفي الليل جميعا، ففي صدر الليل صلاة العشاء، ثم صلاة التراويح، ثم تلك الأناشيد البديعة ~~التي يتغنى بها المؤذنون فرادى وجماعات، فإذا كان السحر فتحت أبواب المساجد وأضيئت فيهما ~~الثريات، وأقبل عليها الناس بعد الفراغ من سحورهم، فانتظموا في حلق يستمعون إلى دروس ~~العلماء في تفسير كتاب الله، وفي حديث رسول الله وفي أحكام الشرع الحكيم، حتى إذا قال ~~العلماء: «والله أعلم»، إيذانا بختام الدرس، أسرع الناس فانتظموا صفوفا؛ مولين وجوههم شطر ~~الدكة في بهرة المسجد؛ ليسمعوا صوت أشهر قارئ في الحي، وناهيك بالشيخ حنفي برعي في مسجد ~~السيدة فاطمة النبوية، وبالشيخ أحمد ندا في مسجد السيدة زينب - رضي الله عن السيدتين ~~الكريمتين - ورحم الشيخين العظيمين! # وما دام حديث رمضان قد استدرجني إلى ذكر الشيخ أحمد ندا فلا بد لي من أن أقول فيه كلمة. # 1 # لقد ولدت في حي السيدة زينب، وساخت فيه مدة الفتوة، وصدرا من سني الشباب، ولست أذكر أني ~~من عهد الصبا تخلفت في ليلة من ليالي رمضان، إذا كان السحر عن طلب مسجد السيدة زينب - رضي ~~الله عنها - أستمع أولا إلى درس الحديث من أستاذنا العلامة الجليل الشيخ محمد السمالوطي ~~عليه رحمة الله، حتى إذا فرغ منه في الوقت المقسوم، استوى الشيخ ندا على الدكة، وأنشأ يقرأ: ~~بسم الله الرحمن الرحيم # طه * ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى ~~. # 2 # وقد انصقل بقراءة الليل صوته، وحلا نبره، وسلس له منه ما كان جامحا، ولأن ما كان في أول ~~الليل عاصيا، وأطلقه في آي السورة الكريمة أبيض ناصعا كأنما صبغ من ذوب الفضة، أو كأنما ~~اعتصر من صفحة البدر ليلة تمامه، لقد أسمعه في سورة طه كل ليلة، وفي كل ليلة يخيل ms041 إلي أن ~~جبريل ينزل من جديد، بسورة طه على محمد # صلى الله عليه وسلم # وهو يجول في فنون النغم فارسا خلا من هيبة ~~الميدان، وتوارى الكماة خشية الضراب والطعان، ولا يزال كذلك حتى يملأ الآذان طربا، ويشيع ~~في النفوس ما شاء الله أن يشيع من لذة وأريحية وفرح حتى إذا كان من مطلع الفجر على دقائق، ~~نهض فوقف على الدكة، وصاح في مقام الست بأعلى صوته، «يا أمة خير الأنام ومصباح الظلام، ~~ورسول الله الملك العليم العلام، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح ~~الأعمال.» # وهنا يطمئن الشيخ اطمئنانة قصيرة، أرجو ألا تحسبها استراحة من ذلك الجهد العنيف، وإنما هي ~~استجمام للجهد الأعنف، أستغفر الله؛ أرأيت إلى الليث كيف يجتمع للوثاب؟ وكذلك كان الشيخ - ~~عليه رحمة الله - فسرعان ما تراه قد وقف على أصابع رجليه كأنه يريد أن يطول ما لا يطال، ~~ويستأنف الدعاء: «وأدخلنا وإياكم الجنة.» فإذا صارت إلى حلقه كلمة «إياكم» يجعل يرتفع في مد ~~«الياء» ثم يرتفع؛ ثم يرتفع ثم يرتفع، متحديا ما رسم أصحاب الفن لنهايات الأصوات في سموها، ~~إذ الناس شاخصون بأبصارهم إلى السماء لينظروا مشدوهين إلى أي مدى يبلغ الشيخ، حتى إذا جاز ~~هذه الطبقات جميعا، وبلغ «الجنة»، زر حلقه على نونها فعصرها عصرا شديدا، وكأنه لا يتكلف ~~في هذا الجهد المهول شيئا حتى إذا بلغ هذا المدى خيل إلى الناس أنهم والمسجد الذي يضمهم ~~بأرضه وسمائه، وعمده ودككه ومنبره ومقاصيره، قد ارتفعوا كتلة واحدة حتى وصلوا إلى جنة ~~عدنان، ونالوا أعظم ما ينال مؤمن من الرضوان! # ثم يهوي من فوره إلى القرار فيقول: «بمنه وكرمه وجوده، دار السلام بسلام» ثم يعود إلى ~~محلقه فيصيح: «طلع الفجر!» الله أكبر! الله أكبر! ماذا صنعت لعمري أيها الشيخ؟ لقد رن رنة ~~ملأت الآفاق جميعا، حتى لو أنه أطلقها في غسق الليل لانفجر من حلقة الفجر، ولحق على ~~المؤمنين أن يخفوا لصلاة الصبح، وما شاء الله كان! # ثم هتف في صوت هادئ وادع: «فاستقبلوا الآن واستمعوا الأذان ms042 بعده ...» ثم أذن للصلاة ~~... # هذه بعض الأنوار التي كانت تموج فيها ليالي رمضان حسا ومعنى، ولست أحب أن أقارن بين ما ~~كان يكون في ذلك الزمان، وبين ما صارت إليه ليالي رمضان في هذا الزمان، إنما قصدت إلى ~~العبرة في المقارنة بين أضواء ليالي رمضان في عصر الشمع والكيروسين وبين لياليه في هذا ~~العام؛ أي في عصر الغاز والكيروسين والكهرباء. # لا يخيم الليل حتى يكاد يستحيل ما بين آفاق الأرض منجما من مناجم الفحم، ظلمة وسوادا، ~~وعالم كأنما قد غط في المداد، لإعلان أبشع ألوان الحداد. # ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم ~~يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # 3 # صدق الله العظيم. # وهذا فوق عواء الصفارة، إيذانا بمقدم الغارة. # وبعد، فهذا ما صنعت هذه الحرب، وهو على ثقله كأهون ما تبتلى به الحروب غير المقاتلين في ~~هذا الزمان. # على أننا لا ينبغي أن نبتئس بمجرى القدر في هذا الشهر العظيم فهو شهر الصيام، والصيام كف ~~النفس عن الطعام والشراب، أي: عن غذاءي الحياة بعد التنفس في الهواء، وذلك - والله أعلم - ~~ابتلاء للمؤمنين، وامتحان لمبلغ جهدهم واحتمالهم في طاعة الله، وتعويدهم الصبر على معاناة ~~المشاق في هذه الحياة، فلا يفسدهم طول الترف والتقلب في المناعم والاسترسال في معاطاة ~~اللذائذ، فإن هذا العيش أدعى إلى تكسر النفوس، واسترخاء العزائم وعدم القدرة على احتمال ~~الشدائد، وإن أمة يصير بها الأمن والرخاء إلى هذا المصير، لحقيقة بالتقلص والضمور ~~فالانقراض، والعياذ بالله! # ونحن ذيادا عن الشرف والاستقلال والحرية قد نلقى المشاق وأكثر من المشاق، فمن الخير لنا ~~- لو تدبرنا - أن نمرن النفس من الآن في خوض المشاق ومعاناة الشدائد، حتى إذا كان يوم الردع ~~- لا أذن الله - لاقيناه في رشد وعزم وصدق يقين: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ~~من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون # 4 # صدق الله ms043 العظيم. # | سعد الرجل # ولست أعني بالرجل من ليس امرأة ولا غلاما أو فتاة، ولست أعني بالرجل كل من يضعون هذه ~~الألوان من الثياب التي ينمازون بها عن النساء في كل مكان، إنما أعني بالرجل ذلك الكفء لأن ~~يحمل هذا الاسم الضخم؛ هذا الاسم النادر في ضواحي الزمان. # إنما نعني بالرجل ذلك الواثق بوجوده؛ المؤمن برجولته المتكئ على نفسه، الذي لا يسمع إلا ~~بأذنه ولا يرى إلا بعينه، ولا يفكر إلا بعقله، ولا يمضي في الأمر إذا مضى إلا بوحي من سلطان ~~العقل والضمير. # وأخيرا فإنما أعني بالرجل، ذلك الذي لا يتجاوز عن رجولته لأي غرض، ولا ينزل عن سلطان ~~نفسه لأي اعتبار، بل إنه ليمضي لوجهه مطلقا، ولو كان صفا وحده، والناس جميعا بإزائه ~~صفا آخر، وكذلك سعد زغلول، لقد كان - رحمة الله عليه - رجلا كل الرجل كان رجلا بأضفى ~~معاني هذه الكلمة، فأصبح من حقه أن يفسح له مكان في أعلى جبهة التاريخ. # وبعد، فليست الرجولة شيئا يدرك بالكسب، أو هي مما يضفيه الناس على المرء، إنما هي غريزة ~~كسائر الغرائز يفطر الله عليها من يشاء من خلقه، فهي من نفسه الباطنية بموضع جوارحه ~~الظاهرة، ما له في وجودها ونشأتها رأي ولا خيار! # نعم، لقد تنمو هذه الغريزة وتشتد بطول المعالجة والمراس، ومعاناة الصحاب ومواجهة شدائد ~~الحياة، لقد يكون الأمر كذلك ولكنها - كما قلت - لا تنال بالكسب، ولا تجعل بالجعل ولا تكون ~~بعد أن لم تكن، ولا يسبغها الناس ولم يأذن بها الله! # ولقد كان سعد زغلول رجلا بأوسع ما يترامى إليه الذهن في معنى هذه الكلمة، ولقد تجلت فيه ~~هذه الرجولة من أول نشأته إلى غاية حياته، ولا محيص من أن يكون الأمر كذلك، اللهم إلا أن ~~يتبدل الخلق، ويحول الطبع وتنصل الغرائز نصول الخضاب، وهذا في سنة الكون مما يتصل ~~بالمحال! # لم أعرف شيئا عن نشأة هذا الرجل في الكتاب، ولكني أعرف غير قليل عن نشأته في الأزهر، وما ~~أعرفه في هذا الباب فرواية عن لداته وقرنائه ms044 الذين لابسوه وعايشوه، وانتظموا معه في حلق ~~الدروس، وذاكروه في العلوم صدر الليل وأعقاب النهار، وهم ولا ريب ثقات عدول، وقد وكد الثقة ~~برواياتهم ما شهدت بنفسي بعد ذلك، أيام كان يواتيني الحظ بشهود مجالس هذا الرجل ~~العظيم. # وقبل أن أعرض لرجولة سعد طالبا في الأزهر، أحب أن أقرر شيئا لعله ينفع في هذا المقام ~~وغير هذا المقام: ذلك بأن جمهرة الناس في كل مكان، درجت على أن تجري أحكاما معينة على ~~قضايا معينة، لا ينحرفون بها عنها ذات اليمين ولا ذات الشمال، ولا يجادلون فيها البتة ولا ~~يرونها موضع الجدال، كما نشئوا على عادات وتقاليد تنزل بعضها من نفوسهم منزل التقديس، على ~~أنهم لم يعتنقوها ويلتزموها عن تدبير أو تفكير، وإنما اتخذوها وحرصوا عليها الحرص الشديد؛ ~~لأن من تقدمهم ومن حولهم قد اتخذوها وحرصوا عليها الحرص الشديد، وتلك القضايا تدعى في عرف ~~أهل العلم بالمسلمات وناهيك بأهل الأزهر خاصة في التسليم بهذه المسلمات! على أن رجولة سعد ~~الطالب الأزهري أبت عليه أن يخضع بادي الرأي لما يخضع له من حوله، ويسلم بما يسلم به من ~~يأخذ العلم معهم، ومن يأخذ العلم عنهم، فجعل يناقش كل قضية تعرض له من قضايا العلم، سواء ~~منها المسلمات وغير المسلمات، ويجيل فيها الذهن الحر لم يقيده قيد، ولم يحد من جولاته في ~~العلل والأسباب حد، وهكذا حتى يخرج له الحكم الذي هداه إليه البحث والتدبير، وهكذا كان سعد ~~من المثل الأولى في الاتكاء على الذهن أولا، ثم في حرية النظر والتفكير، ثم في الجهر بما ~~يعتقده هو لا بما يعتقده غيره من العالمين. # ولست أشك في أن هذه الرجولة وإن شئت قلت: هذه الألمعية، أو قلت: هذه الحرية التي طبعه ~~الله عليها هي التي عدلت به إلى دروس السيد جمال الدين، وكذلك لست أشك في أنه لقي بهذا ~~وبهذا في مطلع حياته عنتا كبيرا، على أن هذا العنت لم يثنه قط عن وضح السبيل. # ولا شك عندي أيضا في أن هذا: طول النظر، ms045 وتقليب الذهن، وإثارة المناقشة فيما اطمأنت إليه ~~جمهرة الناس واعتنقته بظهر الغيب هو الذي قوى روح الجدل فيه، حتى بلغ منه غاية الغاية، فلقد ~~كان سعد - رحمة الله عليه - أحد الناس قولا وأسطاهم في الحوار حجة. # وهنا لا أجد علي حرجا في رواية نكتة ظريفة عند سعد، فلقد كان - رحمه الله - يحب النكتة ~~في موضعها، ويرتاح إليها في مقامها ويرسلها جزلة نافذة، حتى وهو في أحد سورة الخطاب! # حدثني المرحوم محمد باشا صالح - المستشار السابق في محكمة الاستئناف - وكان من لدات سعد ~~الذين يحضر دروس الأشياخ معهم ويستذكرها وإياهم، قال: وعرض ذكر سعد وشدة جدله، فقلت له ذات ~~يوم: يا شيخ سعد! إن هذه المناقشات الكثيرة تضيع من وقتنا، وتستنفذ قدرا كبيرا من جهدنا ~~فلا تكاد تبقي لنا فضلا للمطالعة والاستذكار، فهلا تركناها وأقبلنا على استذكار ما بين ~~أيدينا من دروس؟ # فأجاب من فوره: وهل تظن أن هذه المناقشات أقل جدوى في تفتيق الأذهان، والفسح في الملكات ~~وطبع الذهن على النظر والتماس العلل من استذكار الدروس؟ فقلت له: كلا! بل هي مضيعة للوقت، ~~صارفة عن طلب العلم! فقال: ما دام هذا رأيك فهلم إذن نتناقش في هل المناقشة ضارة أو ~~نافعة! # وحسبنا هذا القدر في رجولة سعد طالبا في الأزهر، ونخلص منها إلى رجولته في المحاماة، ~~فلقد كان في رجولته وجرأته في الجهر بقوله الحق مضرب الأمثال، أما رجولته قاضيا - مستشارا ~~في محكمة الاستئناف - فقد يعتمد في قضائه الحق ولا يعتمد غير الحق، ويحكم بالعدل ولا يحكم ~~بغير العدل، لا يبالي غضب من يغضب، بل لا يبالي أن يخالف رجال القضاء إلى غير ما اطمأنوا ~~إليه من فهم ظاهر القانون؛ لأنه إنما تهدى إلى تحقيق العدل بفهم روح القانون، أما سعد ~~الوزير - الناظر - فلقد كان الأسد حق الأسد، وإن شئت تعبيرا أشد وأقوى قلت: كان الرجل كل ~~الرجل! # لقد أبت عليه رجولته أن يخضع لقول المعارف «دنلوب» كما خضع له جميع الوزراء - النظار - من ~~قبل، بل لقد سطت هذه الرجولة ms046 بدنلوب وما زالت به لا تألوه ردا وصدا، حتى قبع من الديوان ~~في أفحوصة، لا يسمع له قول ولا يمضي له في شأن المعارف رأي! # أما رجولة سعد في الزعامة فهذا ما أدع تفصيل القول فيه لأصحابه الذين كانوا لاصقين به في ~~كفاحه العظيم، وإن كنت أعرف من ذلك الشيء الكثير. # لقد كان سعد زغلول رجلا حقا، رجلا يعز أكفاؤه في التاريخ الطويل وصدق شوقي بك - رحمه ~~الله - في قوله: «والرجال قليل.» # | غدوة وروحة # لقد يئسوا منه كما استيأس هو منهم، وبلغ برمهم به واصطغاؤهم عليه غاية المنتهى، ولم يبق ~~في علاجه بما يريحهم منه حيلة، فلقد عرضوا عليه أن يملك عليهم، أو أن يصفوه بجلائل أموالهم ~~فأبى إلا مضيا في شأنه، إذن فلا بد من أمر يكفيهم كل هذا، ويكفل الدعة والراحة لهم، وها ~~هم أولاء يحشرون في ناديهم ليأتمروا به، وهذا الشيخ النجدي يطلع عليهم من غير موعد فيكون ~~نصيحهم وجماع أمرهم، وأقبل بعضهم على بعض يتشاورون، فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد، ~~وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من هذ الموت حتى يصيبه ما أصابهم، فلا يرى ~~الشيخ النجدي هذا الرأي! # ثم يقول آخر: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ~~ذهب ولا حيث وقع، إذ غاب عنا وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت، وإذا الشيخ ~~النجدي لا يرى هذا الرأي أيضا! # ثم يقول ثالث: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا # 1 # فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها فيقتلوه ~~فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر معشره على حرب ~~القوم جميعا، ويقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره، يتفرق ~~القوم على ذلك وهم مجمعون له. # وينزل الله تعالى على رسوله # صلى الله عليه وسلم # في هذا اليوم: # وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ms047 ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ~~. # 2 # ويقول - عز وجل: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # 3 ~~* قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ~~. # 4 # ولما هبط الليل جرد أولئك الفتيان إلى داره في أيديهم سيوفهم مشهورة، وأقاموا يرتصدون له ~~على بابها حتى يخرج، ثم إذا هو يخرج فيعفر بالتراب وجوههم، وفي غشية أبصارهم يتسلل إلى دار ~~صديقه ما يراه منهم أحد. # فإذا صار في بيت صاحبه أخبره بأنه مهاجر لساعته وآخذه معه، فإذا سأل صاحبه عن وجهه تعذر ~~أولا؛ لأن بنتيه حاضرتان، ثم اطمأن فباداه بمهجره. # وخرجا من خوخة في ظهر الدار، ولم يمضيا قدما إلى وجههما، فإن الأقوام لا بد طالبوهما في ~~كل سبيل، بل عدلا إلى غار يعصمهما من العيون حتى تسكن حدة الطلب ويترسل بينهما وبين البلد ~~بعض الأبناء ويأتونهما بالطعام، ويفضون إليهما بما يتسمعون في شأنهما على الأعداء. # ولما فتر حد الطلب بعد ثلاث أيام انطلقا ومعهما دليل يبتغي بهما من السبل، ويسلك من ~~الدروب ما لا يبتغي السيارة ولا يسلكون، بل ما لعل جمهرة الناس لا يعرفون. # وبعد بضع عشرة ليلة طال فيها الترقب وحذر الطلب، يبلغ وصاحبه المأمن وهذا المأمن المعز ~~المانع هو يثرب. # وكذلك كان خروج محمد # صلى الله عليه وسلم # من بلدة مكة بعدما عانى من قومه ما عانى، واحتمل من أذاهم ~~وعنتهم ما احتمل، وكذلك أنجاه الله - تعالى - من القتل الذي بيتوا، لم تخالجهم فيه رحمة ولم ~~تحشمهم منه رحمة! # نحن الآن في يثرب وقد مضى على تلك الهجرة المهولة ثمان سنين، ثمان سنين لا أكثر، فليت ~~شعري ماذا نرى وماذا نسمع؟ # نرى شيئا لا يكاد يتسع له البصر، ونسمع جلجلة لا ~~تكاد تحتمل موقعها طبلة الأذن ... # هذه صلصلة السيوف وهذه قعقعة اللأم # 5 # والدروع، وهذا صهيل الخيل، وهذا هدير الإبل، وهذا لجب يحكي جرجرة الآذي # 6 # في اليوم العاصف، وهذه الرايات المرفوعة، وهذي كتائب الجند تتلوها الكتائب من ~~رجال وفرسان كأنهم لم يخلقوا إلا ms048 للقراع والطعان، وعلى كل كتيبة علم من أعلام القادة؛ ~~وكمي من الكماة الزادة والغطاريف السادة، وهذا محمد صاحب تلك الهجرة على جيش كثيف من ~~المهاجرين والأنصار: # يمشون في زعف كأن متونها # في كل معركة متون نهاء # بيض تسيل على الكماة نصولها # سيل السراب بقفرة بيداء # فإذا الأسنة خالطتها خلتها # فيها خيال كواكب في ماء # أبناء موت يطرحون نفوسهم # تحت المنايا يوم كل لقاء # ولكن أين الطلبة وأين المنتهى؟ الله ورسوله أعلم! # وما لأحد يسأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن هذا، وهو إما قاتل فناقض من بناء الشرك حجرا، ومقيم ~~في صرح التوحيد حجرا، وإما مقتول وقد علم أن الجنة تحت ظلال السيوف؟ # ثم تتبين الطلبة ويسفر الوجه، فإذا هو البلد الذي خرج منه النبي ذلك المخرج منذ ثمان ~~سنين، هو مكة مثوى قريش الذين آذوه وصدوا عن سبيله، وكادوا له ولصحبه الأقربين، بكل ما اتسع ~~له ذرعهم من الكيد، وائتمروا أخيرا بقتله وتفريق دمه في القبائل فلا يطلب بالثأر له ~~أحد! # ومكة البلد الحرام الذي يقوم فيه بيت الله العتيق، وهو قبلة المسلمين في صلواتهم أنى ~~كانوا من شرق الأرض وغربها، والذي فيه وما حوله تقام فرائض الحج، التي أوجب الله تعالى على ~~كل مستطيع من المسلمين. # ترى ما عسى أن تصنع قريش، وقد قدم إليهم في عقر دارهم عدوهم القديم؟ # تالله لقد كانوا أضعف من أن يخرجوا لحربه، وأذل من أن يناصبوه كيدا أو عداوة، بل لقد ~~ابتغوا النجاة بأنفسهم من حيث أومأ هو إلى مواطن النجاة، فكانوا بين ثلاثة رجال: إما لائذ ~~بالبيت الحرام، وإما عائذ بدار أبي سفيان، وإما مغلق بابه عليه، فهو حلس الخدر للنساء! # 7 ~~«الله أكبر! الله أكبر! أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.» وهكذا قام ~~بلال يرفع بها صوته في قلب البيت الحرام بعيون آلهة القوم - أصنامهم - وأسماعها إذا كانت ~~لها عيون وكانت لها آذان! # الله أكبر الله أكبر، إن في ذلك لعبرة العبر! # انظر كيف ms049 خرج محمد من بلده وكيف عاد إليه ولم يطو من عمر الدهر أكثر من ثمان ~~سنين! # لم يرق جيشه اللجب دما، اللهم إلا نطاقا قطرتها حماقة بضعة نفر لم يكونوا أكفاء لحياة ~~الإسلام! # لقد طالما تحدت قريش رسول الله وسألوه أن يسأل ربه أن يمتحنهم بالآيات الكبرى، التي امتحن ~~بها الأمم قبلهم، ولكن الرسول لم يفعل بل لقد آثر احتمال الكيد والأذى، علما منه بأن ~~رسالته أجل من أن تزيد بالخسف والدمدمة والعصف والتدمير التي كانت أليق بخوالي العصور، بل ~~هي رسالة الحجة والمنطق وخطاب العقل ولغته إلى ألوان العبر، وتمييز النفع من الضر، والتفريق ~~بين الخير والشر وهكذا. # على أن من هؤلاء الذين سألوا محمدا # صلى الله عليه وسلم # أن يدعو ربه أن يهلكهم، ويأخذهم بما أخذ به ~~الأمم قبلهم؛ مبالغة منهم في التحدي وإظهار التكذيب للدعوة، من هؤلاء من جاهدوا في الله حق ~~الجهاد، وأبلوا في سبيل هذه الدعوة أحسن البلاء. # أما أولادهم جميعا وحفداتهم فهم رافعو راية الإسلام، ومذكو حضارته الغالية النبيلة في كل ~~مكان. # ولعمري لم تفتح السرايا ولا الجيوش كل هذا الفتح، وإنما كان الفاتح الأول هو ~~القرآن. # | بين الحرب والسلام # لست أرتاب، ولعل كثيرين من القراء لا يرتابون كذلك في أن دعاية تقوم الآن في مصر، تحفزها ~~إلى الدخول عاجلا في الحرب، وهذه الدعاية تظهر قوية آنا وضعيفة آنا؛ صريحة حينا وقائمة ~~على التعريض حينا آخر. # ولست أرتاب في أن هذه الدعاية مصرية خالصة؛ لا يستروح منها أي ريح أجنبية. # ولست أرتاب في أنه ما بعث هؤلاء الدعاة إلى دعايتهم إلا الشعور بالكرامة القومية. # ولعمري؛ ما دعاني أن أقرر أن هذه الدعاية مصرية خالصة، إلا أن المصدرين لها ممن لم تحص ~~عليهم في وطنيتهم شبهة، ولم تلحقهم تهمة، بل إن منهم لمن له ماض في الجهاد جليل. # إذن فالأمر لا يعدو - أولا - الأنفة والشعور بالكرامة الوطنية والعزة القومية، وكيف لا ~~يثور - بادئ الرأي - شعور المصري الحر، وهو يشهد الجيش الإنجليزي يقوم وحده بقتال من ms050 ~~يحاولون غزو بلاده واقتحام أرض الوطن، إذ أبناء هذا الوطن نفسه قابعون في أعقار دورهم، ~~قانعون بهذا الضرب الرخيص من السلامة من أذى الحروب! # ولو أننا نكتفي بهذا الموقف؛ موقف المتفرج بشهور الصراع بين المتجمع لغزو وطننا وبين ~~مدافعة عن هذا الوطن ، لو أننا نقف هذا الموقف فحسب، لهان الخطب بعض الشيء، ولنا في ~~المستضعفين في رقاع الأرض بعض الأسوة ولكننا لا نفتأ في نهارنا وليلنا نتشادق بدعوى ~~الكرامة، ونتغنى بما أصبنا من الاستقلال والحرية! # فإذا أضفنا إلى هذا تلك الأناشيد الحماسية التي بني أكثرها من لفظ بارد، وجرى في تلحين ~~فاتر، تتكثر فيها أصوات المنشدين وتسترخي وتتزايل تزايلا ينبو عنه أصلب راقص مخناث، هذه ~~الأناشيد التي تصبحنا وتمسينا كل يوم مرات ومرات، تدعونا إلى تقلد السلاح والهرولة إلى ~~الصراع والكفاح، إذا أضفنا هذا إلى هذا، كان شأننا في هذه الدنيا عجبا! # وبعد، فلست أشك في أنه ما بعث أولئك الداعين إلى الحرب المستنفرين أبناء وطنهم للقتال، ~~إلا الشعور القوي بأن هذا الموقف لا يليق بالرجال، ولا يتسق لهذه الدعوى العريضة في الحرية ~~والاستقلال! # هي - فيما أرى - دعاية قد سمت على كل اعتبار، دعوى أثارها مجرد الشعور بالكرامة، والحر ~~إذا أحس أن كرامته قد خمشت، أو أنها معرضة لأن تخمش هب للصراع دونها، ما يتربص لتفكير ولا ~~تدبير ولا يدير الذهن في فرض أو احتمال، ولا ينتظر ما يخرجه له القياس من نتيجة الصراع ~~والقتال: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا! # وإذا كانت الدعوة إلى دخول مصر في الحرب من غير إبطاء هي المثل الأعلى للحفاظ للكرامة ~~الوطنية، فإن من الخير أن نجرد صدرا من همنا لدرس المسألة من الجهة العملية. # وقبل أن أعرض لما سقت له هذا الحديث؛ أقرر أن مصر لن تعبأ بما عسى أن يجول في وهم واهم من ~~أن إيطاليا إذا غزتها - لا أذن الله - فإنها لا تغزوها كيدا لها أو طمعا فيها، ولكن قهرا ~~للإنجليز! # وإنه لوهم سخيف وضيع! فالغزو ms051 هو الغزو، وإذا اختلفت الأسباب ولو قدرنا أن إنجلترا أجلت ~~عسكرها عن مصر، ونحت أساطيلها عن مياهها، ما أعوزت الطليان الحجة في المبادرة إلى احتلالها، ~~ولو بدعوى التمكن من قناة السويس؛ لتسد في وجه الإنجليز الطريق! # وهل من الحزم أن أقف مكتوف اليدين؛ لأنني لست المقصود بالحجارة التي أرشق بها، إذ المقصود ~~بها غيري من الناس؟ # لقد حق علينا الآن أن ننصرف عن هذا الفكر السخيف الوضيع، ونقبل على ما هو أحق بشغل العقول ~~والأفهام. # وبعد، فهناك مسألة أو مسائل خطيرة ينبغي درسها ولو درسا سريعا قبل البت في هذا الحدث ~~الجسام، على أن تكون الكرامة الوطنية من هذا الدرس في أسمى مكان. ~~(1) # هل حان الوقت الذي تدخل فيه مصر الحرب مع الطليان أو غير الطليان؟ # اللهم إن مصر لحريصة شديدة الحرص على الوفاء بعهودها لحليفتها العظيمة، ومن ~~هذه العهود أن تشترك معها في الدفاع في داخل حدود البلاد، فهل وطئ الطليان أرض ~~مصر حتى تهب طوعا للعهد المسئول، للنضال والكفاح؟ ~~(2) # لندع هذا العهد فهو موفى - إن شاء الله - إذا وطئ عدو حدود هذه البلاد - لا ~~أذن الله - ولننظر نظرة أسمى وأخلق بأمة تنشد المجد، وتضرب على التضحية في سبيل ~~الكرامة أبلغ الأمثال. # ندع هذا العهد ونقبل على أنفسنا بهذا السؤال أترى هذا مما يتسق لكرامتنا ~~القومية أن تظل في موقف المتفرج على هذا الصراع بين من يحاول الإغارة على أرض ~~وطننا، وبين من يدافع بقوة السلاح عنها، إلى أن ينكشف له بعض الثغور، فتقتحم ~~جيوشه علينا اقتحاما وحينئذ نهب للقتال والصيال! فإذا لم يكتب لهذا المغير فتح ~~ولا غزو، بل لقي اندحاره في جوف الصحراء فماذا يكون شأننا بعد ذلك وبأي وجه - ~~لعمري - تلقى الأمم العزيزة، والأمة الإنجليزية على وجه خاص؟ ~~(3) # وأخيرا، ترى هل فكر أولئك الداعون إلى إعلان الحرب فيما تستهلك هذه الحرب من ~~جليل الأموال؟ وإذا كانت إنجلترا تنفق في سبيلها الملايين في كل صباح ومساء، ~~فلا أقل من أنها تقتضينا كل يوم مئات الآلاف أو عشراتها ms052 على أوضح تقدير! # إني لأرجو أن يكون أولئك الدعاة إلى الحرب قد فكروا في هذه الناحية وأحسنوا ~~التقدير. # هذه هي أمهات المسائل التي ينبغي ان تدرس ولو درسا سريعا قبل البت في هذا الحدث ~~الجسام. # ولعل خير ما يصنع أن تسرع الحكومة إلى عقد مجلس ينتظم الأقطاب من رجال الحكم، وقادة ~~الحرب، وزعماء الرأي، حتى إذا انتهوا بعد تشاور إلى رأي، مضت على اسم الله والبلاد من ~~ورائها صفا واحدا، مزودا بالفوز العظيم سواء في الحرية أو في السلام. # كتبت في بوش في 19 أغسطس سنة 1940 # | كيف نتقي أهوال الحرب # حين أعلنت هذه الحرب، ودخل في التقدير العام أن مصر قد تكون هدفا من أهدافها، جعلت أفكر ~~وأطيل التفكير فيما عسى أن تدرأ به عن نفسها، وتدافع المغير عن أرضها، وتكفل بالأمن ~~والسلامة للوادعين الساكنين من أذى ما يعتريهم من الجو في هذه الحروب الحديثة من كل مدمدمة ~~قاصفة، ومزلزلة خاسفة، ومن كل كاوية حارقة، ومن كل سامة خانقة. # جعلت أفكر في هذا وأطيل التفكير، وكان أول ما انحط إليه الفكر بالضرورة هو إعداد العدة، ~~واتخاذ الأهبة من تجييش الجيوش، وإمدادها بالسلاح والعتاد وتغذيتها بالوسائل التي نضح بها ~~العقل، وتمخضت عنها التجارب وانتهى إليها الفن الحربي، سواء في إلحاق الأذى بالعدو وفي ~~اتقاء أذى العدو. # وهذا ما تمضي فيه الحكومة جادة جاهدة فوق ما تأخذ به الأهلين من الرياضة على النظام في ~~أوقات الشدة، وتدريب الكثيرين منهم على حسن المعونة في الأحداث؟ # ثم ماذا؟ ... # اللهم إن هذا كله وأضعاف أضعافه لا يقي البلاد، ولا يكفل السلامة والنجاء، وإلا لكان أضمن ~~لهذا وأكفل، أولئك الذين أعدوا للحرب والسلامة من ويلات الحرب، ما لا يتصوره العقل ولا يكاد ~~يتعلق به الخيال، وهذه الطائرات المغيرة تدمدم عليهم في أعز مآمنهم، فتنسف الدور عليهم ~~نسفا، ولا تألو حتى الشيخ والمرأة والطفل فتكا وعصفا! # إذن فلا نجاء ولا سلامة، وإذن فلا بد من أهوال تذكر أهوال القيامة؟ # يا ويلتا! أترى العقل الإنساني قد عجز ms053 عن أن يستحدث ما يقي حتى الوادعين من غير المقاتلين ~~ذلك البلاء، ويعصمهم من هذه المحن والأرزاء؟ # هذا العقل البشري الذي استحدث في الزمن اليسير، كل تلك الفواتك المدمرات القاصفات سواء ~~منها ما يتخذ سبيله سويا في جحر، وما يزلزل الأرض، وما يرمي الخلق بما لا تبلغه ثورة ~~البراكين وما يدمر حتى الحديد المصفى من جو السماء - أترى العقل البشري قد عجز حقا عن أن ~~يبتكر ما يكفل الأمن والعافية، ولو لهؤلاء الوادعين العاجزين عن الخروج إلى معترك ~~القتال! # إذن فقد أصبح هذا العقل البشري أداة لا تصلح البتة إلا للافتنان في ألوان الشرور والآثام! ~~وإذن فقد حق على الإنسان أن يسخر من أنه إنسان، وأن يتمنى لو يكون حيوانا من بعض ~~الحيوان! # ترى أوصلت الإنسانية إلى هذا الحد، وبلغ العقل الإنساني هذه المنزلة من العجز؟ # أظن أننا نظلم العقل الإنساني إذا نحن أنزلناه هذه المنزلة وألزمناه هذا المكان ~~الوضيع. # فمن القدم فكر الإنسان في دفع مثل هذا الأذى واتقاء هذه المكاره بمقابلة القوة بالقوة ورد ~~العدوان بالعدوان، على أنه في العصر الحديث زاد من أسباب الوقاية على قدر زيادة الموبقات في ~~معدات القتال، فإنه فوق دفع شرور الطائرات المغيرة بالطائرة الحارسة فقد استحدثت المدافع ~~المضادة للطائرات، كما استحدثت المخابئ لمواراة سكان المدن، وأجدت القناعات الواقية، وضوعفت ~~الهمة في وسائل الإنقاذ والإسعاف. # على أن هذا كله لا يغني الوادعين - إن أغناهم كثيرا - إذن فلا زالت كفة الشر هي الراجحة، ~~وصفقة البلاء هي الرابحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # وبعد، فحين يئست في هذا الباب، من الاتقاء بالوسائل المادية، التفت إلى الوسائل المعنوية، ~~فإذا هناك ما هو أحصن وأمنع وأكفى وأدنى وأجل وأعظم وأجمل وأكرم. # بين هذه القوى المعنوية قوة لو أن الجماعات والأفراد أخذت النفوس وراصتها عليها لأمكنها ~~في سهولة ويسر أن تتقي كثيرا من الأخطار، وتخفف كثيرا من المضار وتهون ما حتمته ~~الأقدار. # هذه القوة المعنوية التي كثيرا ما تقهر القوى المادية وتظفر بها، وتفسد عليها ms054 حسابها ~~وتغلق دون الفوز أبوابها هي الصبر والاحتمال، فبالصبر يقهر الجيش من هم أكثر منه عددا، ~~وأجزل عددا، وأوفى مددا، وقديما قيل: «الشجاعة صبر ساعة.» # على أننا كيف قلبنا النظر لا نجد أن شدة انجلت، وأزمة انفرجت، ولا أن مسعى نجح، وعملا ~~كتب له الفلاح، إلا إذا كان الصبر هو العدة، وهو الزاد، وهو المتكأ. # أرني عالما أو مؤلفا، أو مستحدثا أو مستكشفا وصل إلى مراده فنفع الناس، وزاد في بناء ~~الحضارة وأجدى بأثره على الإنسانية جميعها، دون أن يكون الصبر هو عدته وملاكه؟ # أروني غنيا وصل إلى الغنى وأغنى من طريقه المعبد، إلا ببناء النفس على الصبر ~~الطويل؟ # في الحق أن الصبر من أجل ما أنعم الله على من أنعم من الناس، فليس أدفع للشر منه. # قلب نظرك في جميع أسباب هذه الدنيا تجد للصبر أثرا في كل ما تحمد غاياته، ولحرج الصدر ~~نصيبا في كل ما تسوء مغباته. # 1 # ومما يسترعي النظر حقا أن القرآن الكريم لم يهتف بخلة كما هتف بخلة الصبر، تكررت فيه ~~ولم يدع إلى فضيلة على كثر ما يدعو إلى الفضائل، كما دعا إلى فضيلة الصبر، حتى لقد تكررت ~~فيه كلمة الصبر ومشتقاتها من: صبر، يصبر، اصبر، الصابرون ... إلخ، مائة مرة ومرة، تدور في ~~أربع وأربعين سورة وحسب الصبر فضيلة. # أن يقول الله تعالى: # وبشر الصابرين ~~. # 2 # ويقول فيه: # والله يحب الصابرين ~~. # 3 # ويقول كذلك فيه: # والله مع الصابرين ~~. # 4 # و # إن الله مع الصابرين ~~. # 5 # وناهيك بمن كان الله معه ولا شك أنه حقيق بأن يكفى الشر كله ويلقى الخير أجمعه. # والواقع أن القرآن العظيم ما كرر حديث الصبر هذا التكرير، ولا وكد الدعوة إليه كل هذا ~~التوكيد؛ إلا لأنه مادة الفوز وعدته في الدنيا والآخرة جميعا. # وإذا لم تكن سبيلنا في هذا المقال هي حصر فضائل الصبر، واستقصاء مزاياه، فلنقصر الحديث ~~على ما يشاكل ما يعانيه العالم في هذه الأيام. # والآن فانظر كيف يقول الله تعالى قوة الصبر وبأس الصابرين من المقاتلين: ms055 # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون ~~. # 6 # ثم انظر كيف يقول: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ~~وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين ~~. # 7 # فقد رأيت أن المجاهد المؤمن الصابر يغلب عشرة من عدوه، فإذا كان فيه ضعف غلب اثنين بإذن ~~الله القوي العظيم. # وقال تعالى في كتابه العزيز: # يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~. # 8 # وأنت ترى كيف قدم الحث على الصبر والمصابرة على المرابطة والاستعداد للقاء العدو، وذلك ~~إشادة بفضل الصبر، ولما يعلم الحكيم العليم من أن كل استعداد للقتال مهما يعظم شأنه إذا لم ~~يكن مقرنا ببناء النفس على الصبر وأخذها بشدة الاحتمال لا خير منه ولا غناء فيه. # وبعد، فلو قد مضى الكاتب في ترديد الآيات الكريمة التي تحض على أخذ النفس بالصبر، وخاصة ~~في ساعات الروع، وجعل يضيف إليها الحكم والأسباب، ويردفها بالظروف والملابسات لاتسع كثيرا ~~نطاق الكلام عن المساحة المقسومة لمثل هذا المقال، وفي القدر الذي قدمناه الكفاية إن شاء ~~الله. # على أنه لا يفوتنا أن نزن مبلغ حاجتنا إلى الصبر في الأيام التي نخوضها الآن، وفيما عسى ~~أن نلقى في مستقبل الأيام. # نحن نتوقع غارات تعترينا من جو السماء، وقد تلحق بنا من الأذى قليلا أو كثيرا. # ومن ظن ممن يلاقي الحرو # ب بألا يصاب فقد ظن عجزا # ولنقدر - لا أذن الله - أن يأخذنا الهلع والفزع، فماذا تكون الحال؟ # لعمري، ليس شرا على نفسه وشرا على غيره من الهلوع الذي ضل رشده، وفقد صوابه، وكيف ~~لمثل هذا بالنخاس أحسن السبل لاتقاء الأذى والنجاة منه، أو استنقاذ الغير أو إسعاف المنكوب ~~بما يهون من بلائه ويعصم عليه الحياة؟ # اللهم ليس لهذا السليب العقل المستطار اللب بشيء من ذاك يدان، بل إنه بهلعه واضطرابه ~~وتخبطه ms056 هنا وهناك لحقيق بأن يوقع نفسه في خيلاء، وقد يكون بعيدا عنه ويزيد في ويل سواه، ~~وقد يكون على شرف الخلاص منه، والأمثلة على هذا أكثر من أن يلحقها العد أو يحيط بها ~~الإحصاء. # أما هذا الذي أخذ نفسه بالصبر فجمع في ساعة الروع رشده، وملك ناحية تفكيره وتدبيره، فهو ~~الجدير أن يحكم التقية قبل نزول البلاء، ويلتمس المخرج وقت وقوعه، ويسرع إلى نجدة المكروبين ~~ممن عسى أن يكونوا قد أحيط بهم، وإلى إسعاف من عسى أن يكون قد مسهم الضر بما يرد الآلام، ~~ويعصم من العواقب الجسام! # وأخيرا، فإذا كانت الأمم المتحاربة الآن تحسب حسابا كبيرا لما يدعونه الطابور الخامس، ~~فليس عندي أي شك في أن الهلع والذعر في مثل هذه الأوقات، هما أخر هذا الطابور وأنفذ ~~وأفتك. # الهلع والذعر، هما من أفتك الآلات في يد العدو، بل لعلهما أفتك من كل ما تطوله يده من عدة ~~وسلاح، ولا غرو علي إذا دعوتهما من الآن بالطابور السادس. # فعلينا أن ندرع بالصبر والاحتمال، ولا ندع للجزع إلى أنفسنا السبيل، وأن نستبقي الرشد ~~مهما يجشمنا من جهد، فهذه هي وسيلة النجاة والتخفيف من ويلات هذه الحياة. # أسأل الله - تعالى - أن يثبت قلوبنا، ويشد متوننا ويكشف عنا هذا البلاء، ويهون علينا ~~مواقع الأرزاء، إنه سميع قريب مجيب الدعاء. # | هل يكتب لفرنسا العظيمة بعث جديد # لم يجر قلمي قط طوال حياتي بكلمة واحدة في شأن من الشئون الخارجية، اللهم إلا ما كان ~~سوقا لعبرة، أو ضربا لمثل من أحداث الزمن الغابر، على أن كارثة فرنسا بهذه السرعة قد ~~رجتني كما رجت الناس جميعا، وكيف لا ترجني وترج غيري، والعالم كله - أعني قواصيه وأدانيه - ~~إذا ذكر في أية رقعة منه «العالم» تمثل الغرب، وإذا ذكر الغرب حضرت على الفور فرنسا، ففرنسا ~~هي لب العالم الحديث وجوهره، وهي روحه ومصاصه، هي مثابة العلم وموطن الحضارة، وهي منبع الفن ~~وهي حصن الحرية والمساواة. # اللهم إن من شأن هذا، بل من شأن بعض هذا أن يبعث الذهن ms057 مع التفكير والتدبير، ففرنسا تسلم ~~السلاح بهذه السرعة العجيبة، ولا يزال لها من حليفتها العظيمة عدة أية عدة ومدد أي مدد؟ ومن ~~ذا الذي يلقي السلاح بين يدي العدو، ويحكمه في عنق الدولة كل هذا التحكيم؟ هم كبار القواد ~~الذين شابت نواصيهم في خوض المعامع، وقضوا العمر تحت ظلال السيوف! # لقد فكرت برغمي كما فكر الناس، ولقد قدرت كما قدر الناس، فخرج لي من هذا التفكير ما يهول ~~من الاحتمال وما يروع. # وأرجو ألا تتعجل فتظن أن هذا الذي يهول ويروع هو اندحار فرنسا عسكريا، فإن الاندحار ~~العسكري مما يجري على الأمم جميعا، وهو مع ذلك إذا حط من هيبتها، أو تنقص من مالها، أو قبض ~~من سلطانها سنين، طالت أو قصرت فإنها مستردة هيبتها، متعوضة عن مالها، باسطة سلطانها، مهما ~~تكن قد أنزلت بها تلك الحرب من خسارة ودمار، وهذه المثل كثيرة منها الحاضر للأذهان، ومنها ~~ما لا يزال ماثلا للأعيان، ففرنسا التي ضربت الضربة القاصمة في سنة 1870 وسلخ من إيالاتها ~~ما سلخ، وفرض عليها من الغرم ما فرض، قد ظهرت على ضاربها في سنة 1918، وضربته الضربة ~~القاضية، وفرضت عليه ما فرضت من ذخيرة ومال، وضربت عليه ما ضربت من سوء حال بل مهانة ~~وإذلال، لا يقدر انبعاثه بعدها أجيالا إثر أجيال، ومع هذا لم تمض بضع وعشرون سنة حتى صنع ~~بها هذا المغلوب ما شهدنا، وليس يعلم إلا الله تعالى كيف يكون المصير! # وكيفما كان الأمر، فإن انهزام فرنسا بمثل هذه السرعة حربيا إذ هو هال وراع، فإن مما ~~يعزى فيه أن هذه سنة الحروب في طول الزمان: # فيوم علينا ويوم لنا # ويوم نساء ويوم نسر # ولا بد أن تنجلي غمرتها بعد حين، ولقد مر عليك من الأمثال ما فيه مقنع للمعتبرين! # إذن، فلست أخشى ما أخشاه على فرنسا من هذه الناحية، ولكني أخشى على هذه الدولة العظيمة ما ~~هو أجل وأعظم، وما هو أكرث وأفدح. # اللهم إني لأخشى أن يكون هذا التسليم إيذانا بانحلال هذه الأمة ms058 إلى آخر الزمان أو إلى ~~بعيد من الزمان. # ولست أحيل هذا الخوف على ضرب من التنبؤ، أو على لون من الحدث والتخمين، إنما هي المقدمات ~~الواضحة التي تفضي إلى النتائج الواضحة، فإن يكن قد ند علي ضبط بعضها، فلي إلى العذر ~~سبيل! # وبعد، فليس عندي أي شك في أن للأمم أعمارا، كما للإنسان والحيوان والنبات أعمار، وهذه ~~الأعمار تطول وتقصر أولا في الحدود المقسومة لكل نوع من الأنواع، وأما بالنسبة للأشخاص في ~~كل منها، فيرجع طول العمر وقصره إلى أسباب وعوامل لا يكاد يحيط بها الإحصاء. # وعلى كل حال، فإن نشأة الأمم تبدأ بطفولة كطفولة الإنسان، فإذا قدر لها الاطراد في النمو ~~صارت إلى فتوة فشباب، فكهولة فشيخوخة، فهرم فانحلال ففناء، هذه أطوار كل أمة ولكل أمة ~~أجل. # وإنما يكون الانحلال والفناء إذا بلغت الأمة الغاية من الحضارة، واتجهت بأجل العزم إلى ~~الغلب في فنون الترف والنعيم، وهذه الشواهد ما تزال ماثلة في الأمم الغابرة، ولا أريد في ~~التمثيل على أمم اليونان، والرومان والعرب في الشرق وفي الغرب معا. # فليت شعري، هل حان حين فرنسا اليوم كما حان حين تلك الأمم جميعا، وهل تراها قد دخلت في ~~دور الانحلال والفناء، كما جرى على من تقدمها من الأمم الانحلال والفناء؟ # هذا هو السؤال الذي يشغل الهم، ويضطرب بين جوانب النفس. # وأرجو ألا يظن قارئ أن حظ أمة مهما يكن عظيما من العلم والفن والصناعة والمال، وغير ~~أولئك من وسائل العظمة؛ مما يعصمها من هذا المصير، فإنه لم يقض على من سبق من الأمم جهل ~~ولا ركود حس ولا خمود عاطفة ولا شلل أيد ولا إعواز، إنما قضت عليها عوامل أخرى ترجع كلها ~~إلى شيء واحد هو الأخلاق! # وإنما أعني من الأخلاق، أولا وقبل كل شيء تلك الصفات أو الأصح تلك الفضائل، التي تصل بين ~~المرء والمجموع من إيثار المنفعة العامة والتضحية والفناء في النهاية، في هذه المجموع ~~وهيهات لأمة تستحق هذا الاسم أن تكون كذلك، إلا إذا كان مجموع أفرادها كذلك، ms059 فإذا أقبل كل ~~على شأن نفسه، وآثر الدعة والتقلب في ألوان الترف، بقدر ما يتهيأ له، وخص بأجل مساعي الحياة ~~النفس والولد! انفرط ولا ريب عقد المجموع وأصبح الأفراد نثارا يغدون ويروحون على وجه ~~الأرض، وهؤلاء لا يمكن أن تعدهم أمة، وإن حصروا في رقعة معينة من الأرض، وإن ضمتهم جنسية ~~واحدة، وإن أخذوا جميعا بقانون واحد أو بطائفة من القوانين! # ونعود فنتساءل: هل كان انهزام فرنسا وإسراعها بالتسليم إلى عدوها انهزاما عسكريا فحسب، ~~أو أن هذا الانهزام والتسليم إنما كان عرضا من أعراض الشيخوخة التي تضرب أعضاء الجسم بفنون ~~العلل والأسقام، والتي لا رجاء معها في قوة ولا احتمال صدام، بل إنها النذير الحق بالموت ~~الزؤام؟ # لقد انتصرت فرنسا في حروبها وانهزمت مرات، كما انتصر غير من الأمم وانكسر مرات، ومع هذا ~~فسرعان ما استردت الأمم المقهورة قوتها، ووالت سعيها الحثيث في سبيل الحياة، وذلك بفضل ~~حيويتها وما انطوت عليه من الرغبة القوية في إعزاز الوطن والتضحية بالنفس والولد والمال في ~~سبيل مجدها، وإنكار الذات، بل إفناؤها في المجموع. # وإنما حرك في نفسي هذه المرة ذلك السؤال، وشب فيها كل ذلك الشبوب، ما استشرى في كثرة ~~الفرنسيين في السنين الأخيرة من إيثار الدعة، والإفراط في حب الذات وعد الاكتراث، وقلة ~~المبالاة بالمنفعة الوطنية من قريب أو من بعيد، والظن بالتضحية في هذه السبيل بقدر كبير. # 1 # وأخيرا فإن علينا ألا ننسى روح النشوز والتمرد التي طغت بنوع خاص على طبقة العمال # 2 # والشواهد على هذا وهذا وهذا مما يفوت جهد الإحصاء! # ذلك هو السؤال، فهل لي أن أطمع من بعض العالمين في جواب؟ # | إصلاح # من بضعة أيام وجه صديقي الكاتب الجليل القدر الأستاذ محمد توفيق دياب في صحيفة الأهرام ~~كتابا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس الوزراء، وهذا الكتاب يدور حول «الشئون ~~الاجتماعية». ولا أكتم القراء أن هذا الكتاب لم يعجبني فحسب، بل إنني لا أجد حرجا من القول ~~بأنه أطربني؛ لأنه أحسن الترجمة عن خاطر طالما شغل ms060 نفسي، واجتاز صدرا من همي. # ولا بد أن يكون كثيرا من قراء «الثقافة» قد قرءوا هذا الكتاب على أنني ألخص موضوعه ~~تلخيصا شديدا لمن عسى أن تكون قد فاتتهم قراءته؛ ليكون حديثنا بعد ذلك بينا، واضح ~~المعارف بين يدي الجميع. # استهل الكاتب بشكر صاحب المقام الرفيع على عنايته الجليلة بالشئون الاجتماعية في بلادنا، ~~حتى أنشأ لعلاجها وزارة خاصة، وبلادنا أشد ما تكون حاجة إلى العناية «بالشئون الاجتماعية»؛ ~~ففي الحق إننا محتاجون من هذه الناحية إلى فنون كثيرة من الإصلاح. # على أنه ذهب في كتابه إلى أن الإصلاح المادي لا يكفي وحده في إدراك الغرض المنشود؛ بل ~~لا بد من الإصلاح الروحي أيضا، ويعني به إعداد نفوس الشعب لتقبله وتجريد العزائم لتحقيقه ~~والمعاونة عليه، وضرب لذلك الأمثال مشتقة من الواقع المشاهد الملموس. # ومن هذه الأمثال أنه لا يكفي أن يصدر تشريع بوجوب ردم البرك، لعصمة الفلاحين من أذى ~~الأمراض التي يعتريهم بها البعوض، فإنه إذا قدر وردمت البركة أو البرك حول القرية، فسرعان ~~ما يحتفر سكانها بأيديهم غيرها لصنع الآجر أو لحاجة زروعهم إلى التراب يخلط بالسماد! # ولا يكفي أن يجري الماء النقي إلى دورهم ليشربوا منه، ويتقوا كثيرا من الأمراض والأسقام ~~التي تصيبهم من شرب الماء الكدر الذي كثيرا ما يلوث بألوان المكروبات، ففي الغالب أنهم ~~سيعدلون عنه إلى التروي من هذا الماء الكدر، إيمانا بأن الماء إذا صفا من الطين لا يجدي ~~على الأبدان. # ولا يكفي أن تقام المرافق في القرى ليكفل للفلاحين قضاء حاجاتهم وتطهرهم، وكف الكثير من ~~عاديات الأمراض عنهم، فأكبر الظن أن الفلاح متول في قضاء حاجته إلى الخلاء، مؤثر الاستحمام ~~في الترعة أو الجعفر الصغير إذا طلب يوما ما الاستحمام وهكذا! # إذن، لا بد من أن يقترن هذا الإصلاح المادي بالإصلاح النفسي، الذي يرمي إلى ترسيخ ~~الاعتقاد في نفس الفلاح والعامل جميعا بأن هذا الإصلاح الذي يراد له أمر نافع جدا، لا بد ~~منه ولا محيص عنه لمن يريد الحياة السعيدة، ولو بمقدار الحياة الخالصة ms061 من التعاسة والأسقام ~~والأكدار ولو بمقدار. # هذا الإصلاح الذي يطبع الفلاح والعامل على إدراك ما ينفعه وما يضره ويستكرهه استكراها؛ ~~بدافع من نفسه لا بقوة خارجية، على ترك ما ألف من مكروه العادات، ولو كان هذا الإلف إرثا ~~منحدرا من ألوف السنين. # وأخيرا، هذا الإصلاح الذي يشعر الفلاح والعامل، أو في الشعور أنه عضو بكل معنى الكلمة في ~~هذا المجتمع، لا خير له إلا في خيره، ولا سعادة لشخصه إلا بسعادته، يشعره أنه عضو حقا في ~~هذا المجتمع، ويملأ قلبه إيمانا بأن عضوا من الأعضاء لا يمكن أن يكون صحيحا إذا كان ~~البون معتلا سقيما. # فإذا جرى هذا الإصلاح في طريقه وسلك من النفوس مسالكه، فحينئذ لا يخشى أن يقاوم الفلاح أو ~~العامل ما يراد لعيشه من حماية وترقية وإسعاد، بل لا يخشى أن يعتل على هذا أو يتثاقل عن ~~الاستجابة لدعوة العاملين المصلحين، بل إنه ليرجى حينئذ أن يطلب الإصلاح جاهدا إذا أبطأت ~~عنه رسائله وإنه ليعين على تحقيقه بكل ما يمتد إليه عزمه، بل إنه ليوجه السعي في الحياة. أو ~~يوجه صدرا عظيما من السعي في الحياة إلى ما يجدي المجموع، وأن كل خير يصيب هذا المجموع هو ~~خير له، ولو لم يعد على شمله من الجهة المادية بكثير ولا قليل! # وبعد، فلقد يأخذك أشد العجب إذ ترى بلادنا - والحمد لله على السراء - سباقه إلى اقتباس ~~أحسن النظم في أكثر مرافق الحياة، وسن أحكم القوانين وأدق اللوائح، ووضع أجل المشروعات في ~~مختلف نواحي الإصلاح، مما من حقه أن يكفل لنا الأمن، والدعة، والرغد، والغنى، ورفع المستوى ~~العلمي والثقافي، وتحريك الأيدي المعلقة، ومنع التشرد والتسول ... إلخ. مما لا تطمع أمة على ~~ظهر الأرض في مزيد عليه، أو تتطلع إلى سعادة تتراءى وراءه، ومع ذلك فنحن نحن والحمد لله على ~~الضراء، لا نكاد نتزحزح في شيء أو نريم. # سر هذا في مذهب الأستاذ دياب أن الإصلاح لا يجدي إلا إذا تهيأت لتقبله النفوس، بحيث ~~يتلقاه الجمهور راضيا مغتبطا. # وهذا حق ms062 لا ريب فيه، على أن هناك علة جوهرية تتقدم هذه العلة وهي التي أقيس عليها بقية ~~الكلام، وهذه العلة هي أن الخمسين أو الستين عاما؛ التي عشناها محرومين السلطان، معفين من ~~الاضطلاع بالعظائم مقالين بالضرورة من احتمال التبعات، هذه السنون الطوال التي عشناها عيشا ~~آليا أضعفت فينا الشعور الحق بالواجب إلى حد كبير! # نعم، لقد أضعفت فينا هذه السنون الشعور الحق بالواجب إلى حد أن أصبح العامل منا إذا عمل، ~~سواء في الأسباب العامة أو الخاصة لا يكاد يشعر بأنه يؤدي واجبا، وإنما يسوقه إلى علاج ما ~~يعالج خوف المسئولية وحسبان العواقب المادية، وكذلك جعل سعينا يتحول إلى الأشكال والأوضاع، ~~ما دامت هذه الهياكل تسقط عن المرء التكاليف! أما اجتماع النفس، وحد العزم، وتجريد الهمة ~~لإدراك الأغراض، وإصابة الأهداف التي شرع لها المقنن ما شرع، وأعد لها المصلح ما أعد، فلقد ~~صرنا من ذلك أبعد ما نكون. # الأمر كله لا يزيد عندنا مع الأسف العظيم على ملء الاستمارة، أو سد «الخانة» أو «تخليص ~~القلم» كما يقولون، وعلى ذلك يستحيل كثير مما نعد من وسائل الإصلاح هياكل لا يدب فيها شيء ~~من الحياة، ولأضرب لك يا سيدي القارئ بعض الأمثال، لا أعدو فيها ما يقع لسمعك وبصرك في كل ~~صباح وفي كل مساء. # تصدر الأوامر المشددة إلى رجال البوليس بمنع التسول في الطريق، وكف الغلمان المشردين من ~~جامعي الأعقاب ونحوهم، فإذا الشرط يجدون ويجهدون، حتى تكاد تشعر بأن القاهرة مثلا قد خلت ~~من كل متشرد أو شحاذ، وقد تظل على هذا الشعور أياما، وقد تظل كذلك أسبوعا، ثم إذا ~~المتسولون والمتشردون يظهرون لعينيك رويدا رويدا، وهم يقومون بمهمتهم الشريفة بعين جندي ~~البوليس. # ذلك بأن رئيسه كان يشدد عليه ويطالعه الحين بعد الحين، فلما فتر عنه فتر هو الآخر عن ~~الآخرين. # يقضي النظام الحكومي بأن يحضر الموظفون إلى مكاتبهم في وقت معين، وألا ينصرفوا عنها إلا ~~في وقت معين، بحيث يجزى من تأخر عن الأول ومن تقدم على الثاني، وقد تضبطهم بدفتر ms063 أو «بساعة» ~~ترقم وقت حضورهم مثلا، وذلك رغبة في سرعة إنجاز ما تعالجه المصالح من وجوه الأعمال، وإنهم ~~لينفذون هذا النظام راضين أو كارهين، ولكنك مع هذا تجد المسألة ليس من شأنها أن تشغل من وقت ~~الموظف ساعة أو بعض الساعة، تلبث بين يديه الأيام بل الأسابيع، بل الشهور في بعض الأحيان، ~~وكذلك تعوق المصالح العامة، وكذلك تعطل مصالح الناس. # ذلك بأننا نحضر في الميعاد وننصرف كذلك في الميعاد، ألسنا قد خرجنا من العهدة، وأمنا حتى ~~سوء المقال؟ # ولقد يكون بعض الموظفين مرهقين بكثرة ما يعالجون من الأعمال، ولكنهم ليسوا كثرة على كل ~~حال. # وقس على هذين المثالين ما تهيأ لك القياس على أنني لا أحب أن أدع الكلام في هذا المقام ~~قبل أن أضرب مثلا ثالثا قد يجهله كثير من القراء، ولعل فيه ما يروح عنهم بعد ذلك الحديث ~~الأليم، وإن كان هو أيضا لا يخلو من العظمة والاعتبار. # زعموا أنه في عهد «السلطة» صدرت الأوامر إلى رجال الإدارة بمصادرة جميع الأسلحة التي ~~يحرزها الأهلون، فجعل حضرات رجال الإدارة وعلى رءوسهم حضرات مأموري المراكز يتبارون في ~~تنفيذ هذا الأمر، استباقا إلى إدراك الحظوة، وتبوء منزلة الرضا عند من في يدهم ~~السلطان. # ويسمع المأمور أن زميله فلانا جمع من بلاد مركزه خمسة آلاف بندقية في خلال الشهر، فيأتي ~~هو إلا أن يجمع ستة آلاف، وهكذا ويستمر التنافس بين حضرات المأمورين في جمع البنادق حتى ~~أقبلوا على العمد والأعيان يكلفونهم الهبوط إلى القاهرة لشراء كل ما تيسر لهم شراؤه من ~~الأسلحة القديمة في سوق السلاح! # وأخيرا عز على أحدهم ألا يعزهم جميعا، ويظفر دونهم من الحظوة بأعلى مكان، فحشر إليه كل ~~النجارين والحدادين في مركزه، وكان في الوجه القبلي، وتقدم إليهم بأن يتفرغوا من كل ما ~~بأيديهم إلى صنع بنادق لا تزيد على كعوب وأنابيب وشيء يشبه الزناد، وكذلك تم له أن يورد في ~~خلال عام وبعض العام، نحو مائة ألف بندقية مصادرة من الأهلين! # ويشاء الله أن يرقى هذا المأمور ms064 في إثر ذلك إلى منصب وكيل مديرية، وما شاء الله ~~كان! # وبعد، فأعزز على أن أجلو عن نفوسنا هذه الخلال! وما بي - شهد الله - إلا أن نتفطن إلى ~~أمراضنا لنسعفها بالدواء الناجع إن شاء الله، ولله در القائل: «أمر مبكياتك لا أمر ~~مضحكاتك.» فإن من أبكاك اليوم أضحكك في الغد، وإن من يضحكك اليوم لمبكيك طول الأبد. # على أنني لست اليوم متشائما، بل إنني لمتفائل - والشكر لله - أعظم التفاؤل، متفائل لأننا ~~أنشأنا ندرك واجبنا، ونمهد لألوان التبعات عواتقنا من يوم صار إلينا السلطان في بلادنا، ~~متفائل لأننا جعلنا ندرك ما فاتنا في تلك السنين الطوال، فرحنا نستدركه في قوة وعزم، وأرجو ~~لها مزيدا على الأيام، متفائل لأننا الآن ولا ريب في نهضة ترسل الحياة دراكا في جميع ~~نواحي الحياة، وحسبنا أن كنا إذا سيق الشاب من أبنائنا إلى الجندية، شيعته أمه وإخوته ~~وعماته وخالاته، كما يشيع أعز الموتى، وماذا بعد النواح والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب. ~~حيث لا حرب ولا قتال، ولا توقع حرب ولا قتال، إن هو إلا تدريب عسكري لاستعراض في هذا ~~المهرجان أو ذلك المهرجان؟ # أما اليوم والسيوف مسلولة وأفواه المدافع مفغورة، والموت يتخطف بلا حساب من البر والبحر ~~والهواء، فهؤلاء شبابنا بل هؤلاء كهولنا يتبارون جاهدين في إدراك الشرف بحمل السلاح، فإذا ~~شيعهم أهلوهم فكما تزف العروس، وماذا أبعد أرن «الزغردة» وأحلى الغناء؟ # نحن في نهضة قومية جليلة، أرجو أن تجدي علينا أول ما تجدي قسوة شعورنا بالواجب، ومسارعتنا ~~بباعث من أنفسنا إلى القيام به؛ لأنه الواجب لا طمعا في ثواب ولا خوفا من عقاب، وأن يكون ~~ذلك الفتح في القريب جدا إن شاء الله. # | في الإصلاح أيضا # سمعت من الراديو في ليلة من ليالي هذا الأسبوع أن زعماء الأحزاب في إنجلترا وقادة الرأي ~~فيها، قد اجتمعت نيتهم على أن يقوموا بحملة شديدة في جميع أرجاء الجزيرة يشرحون فيها للشعب ~~الإنجليزي أغراض الحلفاء من الحرب، وكيف خاضوها ولماذا غامروا فيها؟ # أما أن زعماء الأحزاب على اختلاف ms065 مذاهبهم وتفرق نزعاتهم، يتفقون على هذا ويبادرون إليه، ~~فذلك ما لم يقع عندي موقع عجيب؛ لأن وطنية الإنجليز هكذا وخاصة في الأيام الشداد؟ وإنما ~~الذي استرعى كل عجبي أن الشعب الإنجليزي المثقف المستنير، ما برح في حاجة إلى من يقفه على ~~السبب الذي حمل دولته على الاشتباك مع الألمان في هذه الحرب الضروس. # على أن عجبي لم يطل، فإن الحلفاء إنما أعلنوا الحرب باسم الديموقراطية، وإنما حشدوا جميع ~~قواهم وكل كيدهم لقمع الدكتاتورية الصائلة المعربدة في الأرض، والتي إذا تركت وشأنها لا ~~تنتهي عربدتها وعصفها بالأمم الوادعة عند حد، فمن حق هذه الديمقراطية على الرجال المسئولين ~~أن يراجعوا الشعب نفسه، ويدلوا إليه بحجتهم فيما أقدموا عليه، وما يجشمونه في سبيله من ~~التضحيات الضخام، وأن يبينوا للناس ما عسى أن يكون قد تبهم عليهم من العلل والأسباب حتى ~~يحيطوا بالجليل والدقيق مما لا يضر في علم الجمهور به وظهوره عليه، وفي هذا فوق ذلك ما فيه ~~من زيادة الاستحماس للحرب، والشد على العزائم للقضاء على العابثين بالحضارة والمفسدين، ~~وأقول زيادة لأنه بحسب وطنية الإنجليز أن يسمع من حكومته وبرلمانه النفير إلى القتال ليركب ~~رأسه أو يحتويه ميدان، سواء في البحر أو في الأرض أو في السماء! # ولا يذهب عنا بعد ذلك أن من أخطر الأسلحة التي يقاتل بها الألمان إن لم يكن أخطرها ~~جميعا، هو سلاح الدعاية الذي لا يتحبس ولا يتوقف، ولا يسكن ولا يبرد ولا يهدأ ولا يفتر، ~~والذي يسلكون به كل بلد ويرمون به كل قرية، وينفذون به بالراديو إلى كل بيت ووسيلتهم فيه هي ~~الكذب المتوالي، والإفك المتدارك مصورا في صور ومجلوا على أشكال وأوضاع، قصدا إلى توهين ~~العزائم وإظلال النفوس باليأس، ولا تنس النصيحة الترابية القاتلة: اكذب، ثم اكذب، ثم ~~اكذب! # وإذا كان الإنجليز هو آخر من تبلغ فيه مثل هذه الدعاية أو تنال من عزمه الجبار على ~~الصراع، وخاصة إذا كان صراعا لمجد الإمبراطورية فلا شك في أن من الخير ألا يترك هذا الوطني ~~الشجاع ms066 المتطوع، وفي نفسه من أغراض الحرب التي يحتسب فيها بدمه شيء أو أشياء! # إذن فليس من العجيب أن يجرد من زعماء الأحزاب الإنجليزية وغيرهم من أعلام الرأي حملة لهذا ~~الغرض أو حملات، ولكن العجيب كل العجب ألا نصنع نحن مثل هذا ونحن أحوج إليه بأكثر من ~~الكثير! # وإني أبادر فأقرر أن حملاتنا التي من هذا الطراز لا يحتاج - والحمد لله - إلى تظاهر ~~الزعماء السياسيين واشتراكهم في هذا السعي؛ لأننا لسنا بحاجة إلى من يدلي إلينا بالأغراض ~~التي من أجلها دخلنا الحرب؛ لأننا لم ندخل بعد حربا، أما استحماس الجماهير وشد عزائمه لخوض ~~الحرب إذا أذن النفير فإنه ليغنينا في ذلك: «يا قاعد في دارك والعالم في نار.» وأخواتها فقد ~~انتفخنا استحماسا بكثرة الاستماع إليها كل يوم، في الصبح والظهيرة والأصيل ومغرب الشمس، ~~وفي جوف الليل، حتى أصبحنا لا ندري أين ننفث بعض هذا الذي يغلي في صدورنا من شدة ~~الاستحماس! # اللهم إن الحملات التي تحتاج إليها بلادنا أشد الاحتياج إنما هي حملات اجتماعية بحتة لا ~~صلة لها بالحرب، ولا سبب لها إلى الحزبية ولا الأحزاب. # نحن ألقينا حربا أم لم نلق حربا محتاجون إلى الإصلاح في شتى نواحي الحياة، وإذا كان ~~توقع الحرب والاستعداد بكل ما في الطاقة للحرب لم يلفت نهضاتنا العظيمة عن التطلع إلى كثير ~~من النواحي، ولم يثن القائمين على الإصلاح عن معالجة ألوان من المشروعات، قصدا إلى الإصلاح ~~المنشود، والحقيق بأمة تتوثب للمجد توثبا وتبقى الحياة كما ينبغي أن تكون الحياة، إذا كان ~~هذا هكذا، فإن من الحق علينا ألا نغفل أولا وقبل كل شيء حقيقة ثابتة؛ هي أساس كل بناء ~~وجوهر كل إصلاح، وهذه الحقيقة هي الثقة، فإذا لم تكن ثقة فلا بناء ولا تعمير ولا إصلاح ولا ~~فلاح. # وأحوج ما يحتاج إلى بث الثقة وعقدها في النفوس هي بلاد الريف على وجه خاص. # وبعد، فأنت خبير بأن أي علاج بعمل أو بتشريع يراد به إصلاح شأن الجماعات، ورفع مستواها ~~العقلي والخلقي، والحط من أعباء ms067 تكاليف العيش عنها، وإيتاؤها حظا من أسباب السلوى ~~والرفاهية لا يمكن أن يؤتي ثمرته ناضجة أو فجة في بعض الأحيان إلا إذا تعاونت عليه الجماعة، ~~ولا يمكن أن تتعاون الجماعة على عمل ما إلا إذا سادت الثقة. ثقة الأفراد بالأفراد، وثقة ~~الأفراد بالجماعة، وثقة الجماعة بالمجموع، وهذا كلام بديهي لا يحتاج إلى نظر واستدلال على ~~تعبير أصحاب المعقول، وإلا فكيف يتهيأ للأفراد أن يتعاونوا على خير يعمهم، ويعود على شملهم، ~~في حين لا يثق أحد منهم بأحد ولا يقدر فيه صدق النية، ولا رغبة الخير لغيره فردا كان أو ~~جماعة؟ # وهنا أرى من واجبي الوطني أن أصارح بحقيقة مؤلمة، ولكنها هي الحقيقة، الحقيقة الواقعة، ~~التي لا يجدي في زوالها تجاهلنا، تخففا من ألم الشعور بها أو تظاهرا بالوطنية المزيفة ~~المزورة، هذه الحقيقة هي أن حكم الاستبداد والظلم الذي خلت به القرون الكثيرة، قد طبعته على ~~سوء الظن وفقدان الثقة، سواء بالأفراد أو بالجماعات أو الحكومات، ولذلك تراه شديد الحذر في ~~غير موضع لأي حذر، حتى لقد يستشيرك في بعض شأنه، فتشير عليه بالرأي صادقا مخلصا، فيعدل ~~فوره إلى عكسه لأنه لم يقدر فيك إلا غشا وخديعة وكيدا، إذن فالخير كله في العدول إلى ما ~~نهيته عنه وحذرته منه. # ولا شك في أن أبلغ ما يقعد بالفلاحين المصريين عن التعاون على ما يجديهم، ويدفع الأذى ~~عنهم ويعود بالخير الكثير عليهم، هو فقدان الثقة بينهم، ولقد تراهم يساهمون في أعمال ~~تعاونية، ولكننا نكون كذابين وغشاشين، ومدافعين لكل إصلاح اجتماعي يراد إذا زعمنا أنهم ~~يخفون إليها من تلقاء أنفسهم، أو بباعث من شعورهم وتقديرهم لما فيها من نفع وخير، ولكن فتش ~~عن العمدة ثم فتش عن المأمور، ثم فتش عن المدير، ولعلك محتاج إلى التفتيش أيضا عما وراء ~~المدير! # ولعلي في غنى من إيراد الأمثلة على هذا، فهي من الكثرة والحضور بحيث يعد إيرادها ضربا من ~~العبث ليس فيه غناء! # على أنني أروي في هذا الباب حكاية لا تخلو من تفكيه، أرى القارئ ms068 محتاجا إليه بعد كل هذا ~~الجد الأليم، وهو على كل حال من باب «وشر البلية ما يضحك» ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم! # من ثلاثين سنة أو تزيد قليلا بدا لبعض مديري الأقاليم، أو أنه في أغلب الظن قد أوعز إليه ~~بعض السلطات العليا أن يدعو من قبله من الأهلين إلى المساهمة في عمل ذي صيغة اقتصادية، تغل ~~المائة من رأس ماله أربعة في العام، ويلح المدير كما هي العادة على مأموري المراكز، ويلح ~~هؤلاء على عمد القرى، ويلح هؤلاء على الأهلين ولم يكن في يد هؤلاء فاضل من مال إذ لم تكن ~~السنة سنة رخاء، فماذا لعمري يصنعون ليتعاونوا على هذا الخير الاقتصادي العظيم؟ # اللهم لا حيلة لهم إلا في أن يعوذوا بالمرابين، فيقترضوا منهم المائة بخمسة عشرة، ~~وبعشرين، وبثلاثين؛ ليثمروها في هذا المشروع المبارك الذي تغل مائته في العام الأربعة لا ~~تزيد! # وهذه الحكاية - ولا ريب - ستذكرك حديث جمع السلاح في عهد السلطة، وقد أوردته عليك في ~~«الثقافة» من بضعة أسابيع، وهذه وتلك إذا اختلفتا في الموضوع فكلتاهما تلتقيان في الدلالة ~~على الأسلوب الذي يجري عليه حكام الأقاليم في تنفيذ المشروعات التي يراد بها الإصلاح من أي ~~نوع كان، وهذا من شأنه حتما أن يزيد خلة سوء الثقة التي طبع عليها الفلاح المصري من الزمان ~~البعيد! # ومن أغرب الحوادث التي صادفتني في هذا الباب أنني ذات عشية، وذلك من نحو اثني عشر عاما ~~طلبت ميدان السيدة زينب - رضي الله عنها - لأستقل الترام إلى محطة مصر؛ إذ كنت أسكن في خط ~~المطرية، فرأيت خلقا كثيرين ينتظرون وتبين أن الترام تعطل في بعض الطريق لأمر ما، وطال ~~انتظار الناس وكلما تقدم الزمن كثر المنتظرون، وجعلوا ينتظمون جماعات يتحدثون في أمر الترام ~~ثم في غير الترام، وفيما هم كذلك إذ يقبل اثنان من الفلاحين تضطرب أسنانهما بين الأربعين ~~والخمسين، فيسأل أحدهما أول رجل من أول مجموعة يلقاها عن موقف الترام الشاخص إلى باب ~~الحديد، فيدله عليه ويشير بيده إليه ms069 فيسأل من يليه السؤال نفسه فيجيبه بالجواب نفسه، ثم ~~يسأل من يليه كذلك، فيكون الجواب بالضرورة كذلك، حتى إذا فرغ من سؤال هذه المجموعة فردا ~~ففردا، تولى عنها وأقبل على غيرها يسألها هكذا وهكذا، وأنا في أثناء ذلك ألاحظه ودمي يغلي ~~من الغيظ في عروقي، ورأيت من الخير أن أبعث الطمأنينة في نفسه ونفس صاحبه ، فأكسب الأجر في ~~هداية السائل الضال من جهة، وأريح نفسي من شهود هذا الإلحاح الشنيع من جهة أخرى. # وتقدمت إلى الرجل وأخذت بيده، وجررته إلى الموضع الذي كنت أنتظر فيه، وقلت له: يا سيدي! ~~أنا أيضا ذاهب إلى باب الحديد فاركب أنت وصاحبك معي، وسننزل في الميدان معا، ويشاء الله ~~ويقبل الترام ويثب الناس إليه وثبا متسابقين في إحراز المجالس، ويثب الفلاحان كذلك، وصادف ~~أن وقع مجلسهما في الدكة التي أمامي من المركبة مباشرة، ولم يكد يستقر بهما المقام حتى مال ~~ذلك الرجل السآل إلى من على يمينه يقول له: صحيح ياخويا العربية دي رايحة باب الحديد؟ ~~فيجيبه جاره: أن نعم ... فيمط عنقه إلى الجالس بجواره ويوجه إليه السؤال نفسه، فيبادره ~~بالجواب نفسه، فينتقل بالمسألة إلى الدكة التي أمامه، حتى إذا قر الجالسين عليها بالسؤال ~~واحدا فواحدا لم يرعني إلا محاولته التعلق بمتكأ الدكة التي أمامه ليبلغ رأسه التي ~~أمامها، فجذبته من فضل عباءته وقلت له: يا رجل! ألم أقل لك: إنني أنا أيضا ماض إلى باب ~~الحديد؟ فاطمئن وكن حيث أكون! # ووالذي بيده نفسي لقد كان جوابه الحاضر العاجل: «ومنين جاني إن ذمتك نضيفة؟» # ولقد يكون هذا الرجل غاليا مسرفا في سوء الظن بالعالم كله، ولكن هذه الخلة على أي حال ~~شائعة في سواد الفلاحين المصريين. # وبعد، فيا أيها العاملون! إذا كنتم تبغون الإصلاح حقا، ولست أشك في أنكم تبغونه حقا، ~~فعليكم أولا أن تقنعوا الفلاح على وجه خاص أنه ليس وحدة منفصلة مستقلة، بل إنه عضو من ~~المجموع، شأن اليد أو الأذن أو الأنف من الجسم؛ يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويموت بموته، وينعم ms070 ~~بنعيمه، ويشقى بشقائه، ويعز بعزه، ويذل بذله! # وعليكم ثانيا أن تشيعوا الطمأنينة في نفس الفلاح، وتردوا الثقة بالناس عليه فلا يعود ما ~~يرى أحدا من الناس إلا قدر فيه عدوا يكذبه ويغشه، ويسعى جاهدا إلى المكر به والكيد له ~~ما وجد إلى ذلك سبيلا! # وعليكم ثالثا أن تكونوا موضع الحكام من قلبه، فلا ينظر إليهم نظر الضحية للجزار، أو نظر ~~الطير للصائد على تعبير الزعيم الأعظم - رحمة الله عليه - بل ينظر إليهم على أنهم كافلو ~~أمنه، ومتعهدو رفاهيته ويسره، ومرشدوه إلى طرائق خيره ونفعه. # فهلم، جردوا الحملات من الدعاة القادرين، حتى يمتلخوا من صدور الفلاح ما غرست عهود الظلم ~~والاستبداد، فإذا بلغتم هذا الذي فانتظروا من مساعيكم خير الثمار، والله تعالى نصير ~~العاملين. # | في الطفولة المشردة # من بضع ليال خلت سمعت من الراديو صدرا من الأحاديث القيمة والأزجال الطريفة التي ألقيت ~~في حفلة «الطفولة المشردة»، وما إن انصرف الراديو إذاعة أخرى، حتى شغل حدث هؤلاء الأطفال ~~المشردين ذهني، وملك على نفسي. # هذا بصري يتعثر فيهم في كل شارع من شوارع القاهرة، وكل جادة من جوادها، وكل زقاق من ~~أزقتها، لا يخلو منهم مكان في ليل أو نهار! # ناحلو الأجسام، بادو العظام، حتى كأنما شدت الجلود عليها شدا، فلم نفسح بينهما لغير ~~العروق مسلكا، وهذه وجوه مغبرة كأنها بعثرت لتوها من جدث، وهذه عيون حيرى لا تكاد تقع على ~~شيء حتى تتحول مسرعة، خشية أن يعتريها المكروه من الناحية الأخرى، فهي في فزع دائم وروع ~~مقيم، دائمة الوثب والتواري خلف الجدران، تحسب كل صيحة عليها ولا تحسب عينا مفتوحة إلا ~~لتصيبها، ولا رجلا ماشية إلا لتركلها، ولا يدا مرسلة إلا لتتهيأ للبطش بها. # ولقد تحسب، في بعض الحين أنها أصابت من هذا العدو - جمهرة الناس - الفرة ووافقت منه ~~الغفلة، فسرعان ما تنقض انقضاض العقاب على عقبة سيجارة، فإذ هي التقطتها ولت مسرعة تضرب ذات ~~اليمين وذات الشمال، فرارا من الطلب الدراك ليس له انتهاء، ولقد تراها في تلك اللحظة - ~~لحظة الأمن ms071 - وهي تنبش الزبل في وعائه القائم في بعض الطريق، لعلها تصيب كسرة أو فضالة من ~~طعام! # هي أشباح تغدو وتروح كأنها أضغاث حلم ثقيل! وكثيرا ما تسمع منها سعالا ينبيك عما يمزق ~~الرئه ويتطلع منها إلى الضلوع! # جرم يجن أخبث الأمراض، عليه خرقة تحمل بذور أفتك الأمراض، فشأنه شأن ضغث من الهشيم ~~قد اشتعلت فيه النار، والرياح ترمي بشرره هنا وهناك، فلا تأتي عليه النار إلا وقد تسعرت في ~~كل ما حولها من الأشياء. # مخلوقات معذبة، وهي في الوقت نفسه حشرات سامة تفشي العلل والأوباء في جماعات ~~الأصحاء. # والآن يحسن بنا أن نلم إلمامة يسيرة بالناحية الخلقية من هؤلاء الطفل المشردين، فليس ~~الخطب في الصحة بأشد من الخطب في الأخلاق، وأنت خبير بأن هؤلاء لا يخرجون إلا من أحط ~~البيئات وأشدها جهلا، وأعظمها إمعانا في الفقر والإعواز، وهل يبعثهم على عيش التشرد إلا ~~أن كافليهم قد ثقلوا بهم، وصفرت أيديهم عما يرزقهم ويجمع شملهم؟ ولقد يكون هؤلاء لكافلون من ~~الآباء أو الأعماء أو الأخوال أو الإخوة الكبار أو أزواج الأمهات، قد يكونون ممن يؤثرون ~~الدعة، ولا يجشمون النفس سعيا، فلا يرون إلا أن يتركوا هؤلاء الأطفال في الطرق ليشحذوا ~~ويجمعوا أعقاب السجاير، ويسلبوا من جيوب الغافلين ما تطوله أيديهم ليظلوا هم في أكسار ~~الأكواخ ضاجعين هانئين! # لم تفتح قط عين مخلوق من هؤلاء على دين أو على خلق أو قانون أو أي شيء من آداب السلوك في ~~هذا العالم، فهو إنسان - إن صدق هذا التعبير - مفقود الضمير، هو مخلوق لا يفرق بين الخير ~~والشر، ولا بين الفضيلة والرذيلة ولا يميز الحرام من الحلال، ولا يعرف ما يسوغ في العرف وما ~~لا يسوغ، وإذا كان مسوقا بحكم الغريزة الحيوانية إلى ما يسد الجوع، فإنه يلتمس القوت بكل ~~ما يتهيأ له من الوسائل، من تكد وجمع ما يعود على شمله من أعقاب السجاير، والفحص عن فضلات ~~الطعام ولو في المزابل، والسرقة ما وجد إليها السبيل، فإذا رأيته مكفوفا عن السرقة والتلصص ~~في ms072 وقت ما، فما كان ذلك لأن له ضميرا يزجره، ويخوفه عاقبة السرقة عند الله وعند الناس؛ بل ~~لأنه يرى بعينه أن من يؤخذ في سرقة، يعاقب بالحبس المرهق أو بالجلد الموجع الأليم! # ولقد ترى هذا المخلوق إذا خلا بأمثاله يكاثر بما اكتسب في يومه من الرذائل من سرقة أو غش ~~أو إيقاع أذى بمن لم يلحقه منه أذى، أو بتضليل من استهداه السبيل، يفعل هذا في زهو يشبه ~~الافتتان! # فإذا رأيت هذا منه فاعذره، فهو لا يدري البتة أنه يجرم، بل إنه لا يدري البتة ما ~~الإجرام؟ # وبعد، فإذا جاشت في صدر هذا المخلوق عاطفة، فالحقد الشديد على هذا المجتمع الأثيم الذي لا ~~ينفك يؤذيه أو يحاول أذاه أنى وجده، ويجهد في الحيلولة بينه وبين الكسرة يمسك بها الرمق، ~~ولو التمسها في وعاء السرجين، وينفس عليه حتى بالضجعة في ظل جدار على عذار الطريق! # هو مملوء حقدا واضطعانا على هذا المجتمع ولو وجد السبيل لحرقه بنار السعير، فإذا كتبت ~~السلامة من العلل لهذا الشقي الصغير، وقدر له أن يشب ويكبر فانظر أي صائل فاتك من هذا ~~الغلام يكون؟ فاتك حاشا له أن يزجره عن أعظم الإجرام زاجر من ضمير أو دين أو من رحمة أو من ~~قانون! # وبعد، فإن هذا الصنف من الأطفال يشغلون مع الأسف العظيم نسبة غير يسيرة من مجموع الأمة، ~~فلا ينبغي أن يزهينا اطراد الزيادة في العدد، إذا كان قدر عظيم من الزائدين من هذا ~~الطراز! # على أنه لو تيسر لنا أن نسقط جميع هؤلاء من التعداد؛ لأنه لا جدوى منهم على الأمة؛ بل ~~لأنهم غير أكفاء للحياة، لو تيسر لنا أن نسقطهم من الحساب لهان الخطب، ولكنهم في جسم الأمة ~~عضو متآكل لا يلبث أن يمتد بالفساد وأسباب العطب إلى ما حوله من الأعضاء، فهم أداة متنقلة ~~جوالة لنشر الأوبئة في الصحة وفي الأخلاق إلى ما يؤذون به غيرهم من السرقة والعدوان. # إذن فكيف الحيلة في دفع هذا البلاء الكبير عن البلاد؟ # اللهم إنني لا ms073 أظن أن العلاج النافذ في أن نبث الجمعيات، ونجمع الأموال لنتلقط هؤلاء ~~الغلمة من الطرق والأزقة، ونحشرهم في الملاجئ والمصحات. # نعم، ليس يجدينا هذا كثيرا في دفع هذا البلاء؛ ما دامت هذه البيئات قائمة على هذه ~~الصورة، وما دامت الأرحام فيها تدفع الأطفال من غير حساب! # إن الداء لا يحسم بتلقط هؤلاء المشردين وحشرهم ذلك المحشر، مهما تتهيأ لنا الملاجئ ويحصل ~~في أيدنا من جلائل الأموال. # لست أزعم أن إنقاذ هؤلاء الأطفال بإيوائهم إلى الملاجئ، وتعليمهم ما يفتح عقولهم، وينير ~~بصائرهم، ويوقظ ضمائرهم، وتمرينهم في ألوان من الحرف تجديهم إذا انحدروا إلى ميدان الحياة، ~~لست أزعم أن هذا القدر لا يجدي ولا يفيد، بل أزعم أنه يفيد بعض الفائدة على أن هذه الفائدة ~~لا تعدو تلطيف العرض، ولكنها لا تحسم العلة ولا تجتث جرثومة الداء. # إن من تدفع الأرحام كل يوم من هذه البيئات هم أضعاف أضعاف من يستطيع الخيرون السعي إلى ~~إنقاذهم على هذا الوجه، بحيث يرى المصلحون أن سيلهم سيظل متدفقا على المدن لا ينقطع له ~~مدد. # والرأي الذي أرى، أن يبدأ المصلحون العاملون ببحث هذه المعضلة الخطيرة من عند أولها، لا ~~من عند آخرها، بالنظر في رفع المستوى العقلي والصحي في تلك البيئات الوخيمة، وتقييد الزواج ~~بالقدرة على كفالة الولد، أو السعي إلى منع تسرب الولد إلى هذه الحياة، ما دامت هذه سبيله ~~في الحياة، على أنه يجيز ذلك أئمة الشرع الكريم ولا ضير؛ بل من الخير أن يظل هذا الإنقاذ ~~قائما حتى يكتب لجسم الأمة البرء والشفاء، من هذه العلل والأدواء. # | في الإجراءات # في آخر تقرير أصدره اللورد كرومر، المعتمد البريطاني عن مصر، وكان ذلك على ما أذكر في سنة ~~1905 أو 1906، أراد أن يشهر بالإدارة المصرية تشهيرا قاسيا، فروى الحادثة الآتية، قال: ~~ضلت أتان صغيرة لرجل من أهل قرية في الصعيد الأعلى، فبادر بإبلاغ العمدة، وهذا أبلغ ~~«النقطة» وهذه أبلغت المركز، وأنشأ المركز يتخذ الإجراءات اللازمة في مثل هذه الحال من ~~التحقيق مع الرجل أولا، ms074 ومع الجيران ثانيا، ومع من عسى أن يكون قد رأى من الناس أو سمع ~~ثالثا، ثم جعل يراسل المراكز الداخلة في سلطان المديرية، وهذه تراجع في الأمر ما دونها من ~~نقط البوليس، وبعد لأي جعل يراسل بواسطة المديرية، المحافظة والمديريات الأخرى، وهذه ~~تراجع ما يدخل في سلطانها من الأقسام والمراكز، وهذه تراجع ما دونها من نقط البوليس فعمد ~~القرى وهكذا، ويدوم البحث عن الأتان الضالة على هذا الأسلوب بضع سنين! ولقد فاتني أن أذكر ~~لك أن صاحب الأتان قومها في أثناء التحقيق بثلاثين قرشا صاغا لا تقل مليما! # ولقد بدا للورد كرومر أن يحصر الجهود والأموال التي بذلتها الحكومة في هذا السبيل، وكيف ~~سوت أكواما من الملفات «الدوسيهات»، وما بري فيها من الأقلام، وما نفد من المداد، وما سود ~~من الورق، وما اضطرب به البريد في أرجاء البلاد، وما استهلك من وقت الموظفين الذين لا يحصون ~~عدا، ومع هذا لم تهتد الإدارة إلى تلك الحمارة، وهذا مع الأسف العظيم. # وحدثني الثقة الصادق وذلك من ثمانية عشر عاما قال: ضلت حمارة - أيضا - لرجل يقيم في ~~قرية من أعمال إحدى المديريات في الوجه البحري، فأسرع إلى إبلاغ المركز، وهذا أحال التحقيق ~~على أحد حضرات معاني الإدارة، ولم يمض غير قليل حتى قدم إلى ديوان المركز رجل آخر وهو يقود ~~حمارة قال: إنه رآها على «السكة الزراعية»، وليس يقودها أو يسوقها أو يرعاها أحد، فأحيل ~~التحقيق في هذا البلاغ على حضرة معاون إدارة آخر، وظل ذلك يحقق ابتغاء الاهتداء إلى ~~الحمارة، كما ظل هذا في الحجرة المجاورة يحقق ابتغاء الاهتداء إلى صاحب الحمارة، وطالت ~~الحال على هذا أشهرا، ولعلها كانت تطول سنين، لولا أن المصادفة السعيدة وحدها كشفت عن ~~الصلة بين الحمارة وفاقدها، فردت إليه بعد استيفاء الإجراءات أيضا! # وألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # وإليكم، يا معشر القراء، ما هو ألذ وأبدع ... # لاحظ مأمور قسم ثاني أوقاف وذلك في سنة 1911، وكنت يومئذ موظفا في سكرتارية ديوان ~~الأوقاف، لاحظ ms075 هذا المأمور أنه كلما مر في ميدان العتبة الخضراء وجد دكانا بعينه مغلقا، ~~وهذا الدكان داخل في وقف المكاتب والمدارس، فلما كثر ذلك وطال عليه الزمن، كتب إلى الديوان ~~العام يسأل عن السبب في انغلاق هذا الدكان تلك المدة الطويلة، في حين أنه مما يغل أغلى ~~الأجور؟ # وانتهت المكاتبة إلى القسم المختص، ولكنه بعد البحث والتفتيش الأسابيع أو الأشهر ذات ~~العدد، لم يهتد إلى السبب أيضا، فجعل يراجع الأقسام الأخرى التي يقدر فيها علما بالخبر ~~واحدا بعد واحد، فلم تهتد هي الأخرى إلى شيء أبدا! # وأخيرا، وأخيرا جدا، تنبه أحد الموظفين إلى أن دكانا من دكاكين وقف المكاتب والمدارس ~~في العتبة الخضراء كان يقوم في شأنه نزاع بين الديوان وبين المستأجر، وهو من رعايا إحدى ~~الدول الأجنبية. # وهنا جد القسم في الطلب، وأنشأ يقص الأثر أعني أثر الورق، حتى انتهى إلى أن ذلك النزاع ~~رفع إلى المحكمة المختلطة وموضوعه تأخر المستأجر عن أداء الكراء، وبعد الحكم ابتدائيا ~~عليه بأداء المتخلف والإخلاء، رئي أن الرجل قد يبعد أجل التسليم بإطالة مدة النزاع، ولا ~~يعرف له مال يرجع عليه، وهو لم يدع في الدكان إلا بضعة كراسي ونضدا - ترابيزة - من القش، ~~وكل ذلك لا يقوم بأجر أسبوع واحد من أجر هذا الدكان، فرأى قسم القضايا، اقتضابا لهذه ~~الخسائر أن يصالح هذا المستأجر على تسلم الدكان، أما المتأخر من الكراء فالعوض فيه على ~~الله! # المفتاح في الدسييه # ولما اهتدي أخيرا إلى حضرة المحامي الذي تولى الصلح عن الديوان، وسئل كتابة عن ~~مفتاح الدكان، وقع «أشر» على الورق - رحمة الله عليه: «المفتاح في الدسييه.» وكذلك تهيأ ~~فتح الدكان، بعدما أصدأ غلقه طول الزمان! # على طرف وقفه # على أن الرواية لم تتم فصولا، فإنه لم تمض بضعة أسابيع على هذا الكشف الأثري الخطير ~~«المفتاح في الدسييه» حتى رفعت إلى المجلس الأعلى مذكرة توج جبينها بهذا العنوان: «أطلب ~~رفع مبلغ ... على طرف وقفه» وهذا تعبير مصطلح عليه، كلما عرض ما يدعو إلى التجاوز عن قدر ~~من ms076 المال عجز الديوان عن تحصيله لإفلاس أو هرب أو نحو ذلك. # أتدرون يا سادتي القراء ما مقدار هذا المبلغ الذي رفع على طرف وقفه في هذه القصة ~~الطريقة؟ إنه لا يزيد على بضع عشرات وأربعمائة وألف جنيه فقط لا غير! # ولقد كان هناك إلى وقت قريب، تقليد مأثور، مقدس مرعي عند الكثرة من موظفي الحكومة، ~~وهذا التقليد المقدس هو «ركن» الورق في الأدراج قبل إنجازه والنظر فيه، وهذا «الركن» ~~تتفاوت مدته بتفاوت العوامل التي تضطر الموظف إلى استخراجه وتحريكه، فإذا ما بادر أحد ~~الموظفين بإنجاز ما بين يديه من غير قوة مرغمة قاهرة، اتهم من هذه الكثرة بالغفلة، وعد ~~«غشيما» حينا، ومجازفا أحيانا! # وبسبب تعطل مصالح الناس، بحكم هذا الحال، وضياع المنافع عليهم في بعض الظروف، نجمت في ~~مصر مهنة لا أحسبها معروفة لأية أمة من أمم العالم، وكانت تدر على محترفيها المال بقدر ~~غير يسير. # ذلك بأنك إذا طفت في الصباح بالمقاهي التي تقرب من دواوين الحكومة، رأيت طوائف من ~~الأفندية يجلسون وعيونهم تشك كل صادر ووارد من الناس، ومن سكان الريف على وجه خاص وهم ~~يدعون: «الأفندية اللي يجروا ورا الورقة.» # فإذا ما كانت لأحد حاجة في بعض الدواوين أتحف أحد هؤلاء بريال أو بنصفه مقدما «ليجري ~~عنه وراء الورقة»، وسرعان ما يشمر عن ساعده، ويهبط على حضرة الموظف الذي بين يديه ~~المسألة، أو على الصحيح في درج مكتبه، ولا يزال به حتى يستخلص الأوراق منه، ثم يمضي ~~وراءها إلى موظف آخر ثم إلى آخر، وهكذا لا يزال يحجل بين سي مرسي أفندي، وسي عبد التواب ~~أفندي، وسي خلة أفندي، وسي متى أفندي يلح في رجاء هذا مرة، ويضحك هذا مرة، ويروي لذاك ~~حديثا طريفا، ويتشفع إلى آخر بأحب الناس إليه وأكرمهم عليه، حتى يفضي بالمسألة إلى ~~الرئيس المختص، وكذلك ينتهي الأمر بسلام، ويشتري الرجل وقته ومنافعه وكرامته التي تبتذل ~~كلما طلع على موظف بين يديه أمره يشتري الرجل كل هذا بدراهم معدودات، ويستخرج حقه من ~~لهوات الآساد، ms077 والله على كل شيء قدير. # وبعد فلقد كان هذا كله، وكان أعجب من هذا كله في وسائلنا الإدارية إلى وقت قريب، أما ~~الآن فلا أدري ولا أظن، فإذا كانت قد بقيت منه بقيه فأحرى بهذه النهضات القوية أن ~~تكتسحه بين يديها، وتطهر الدواوين الحكومية من هذا التعفن الذي يضرب في مصالح الناس ~~بهذا القدر الجسيم. # | خواطر في الصيف # بين الصيف والحر # قبل كل شيء ينبغي أن نفرق بين الصيف والحر، فالصيف هو صدر من العام له من الأيام مبدأ ~~ونهاية رسميان يعرفهما أصحاب الفلك، وتدل عليهما التقاويم، أما الحر فهو وقدة الجو وسخونة ~~الهواء، على أن بين الصيف والحر علاقة هي أن الصيف ظرف والحر مظروف، أعني أن الحر يقع عادة ~~في فصل الصيف، كما يقع البرد عادة في فصل الشتاء، وإن كانت تختل هذه العادة في بعض الأحيان، ~~فيلفح الحر في هذا كما يقرس البرد في ذاك. # وإنني أنتهز هذه الفرصة فأقرر أن من التجوز الشديد تقسيم الفصول في بلادنا إلى أربعة، ~~أسوة بكثير من البلاد الأخرى: صيف، فخريف، فشتاء، فربيع. وأقول: من التجوز الشديد؛ لأننا لا ~~نكاد نحس هنا إلا حرا وإلا قرا، فإذا اعتدل الجو في بعض الأيام فذلك نادر لا يستقيم به ~~القياس في الأحكام، وإلا فخبرني بعيشك أين الربيع في مصر؟ اللهم إن أكثره لمحدود في وقدة ~~الحر، وصدره منكمش في قبضة الشتاء! # ثم أين الخريف؟ أستغفر الله، فالخريف في بلادنا أعرف من أن تلتمس له وجوه التعريف، فهذه ~~الحميات أشكال وألوان، وهذه الأوباء صنوان وغير صنوان، من تيفود وتيفوس، ومن أنفلونزا تقصف ~~الأعمار وتخترم النفوس. # الصيف # ولقد تسألني: أي الفصلين أحب إلى أهل مصر؟ فأجيبك من فوري غير متردد ولا متفتر: ~~إن أحب الفصلين إلى المصريين على وجه عام هو الصيف، الموسرون والبائسون في هذا الإيثار ~~بمنزلة سواء، وإن اختلفت فيه السبل وتباينت الأسباب والعلل. # فالموسرون يحبون الصيف؛ لأنهم يشدون فيه الرحال إلى أوروبا ليصيبوا من اللهو واللذة ~~إلى منتهى الجهد، ويبلغوا الصبا أو ms078 التصابي غاية الأثر، فإذا صرفهم عن الشخوص إلى الغرب ~~صارف، فهناك المتسع في قصور الرمل، والتقلب في المتع على سيف البحر - البلاج. # وأما ثلاثة أرباع الموسرين وأنصافهم، وأعني جمهرة الموظفين فيحبون الصيف؛ لأنهم ~~يتحررون فيه من كد العمل، ويخرجون فيه بالإجازات السنوية إلى الغرب أو إلى الثغور ~~المصرية ليصيبوا ما يصيب الموسرون، فمن لم يستطع هذا ولا هذا فحسبه الراحة والدعة، ~~وهيهات أن تضيق به الدنيا وفي الضواحي سعة، وطلاب العلم وسائر التلاميذ، ففي الصيف ~~عتقهم من رق المذاكرة والدرس، وإطلاقهم من إسار الجسم وإسار النفس. # هذا ما كان من أمر الموسرين وأشباه الموسرين، والوجه في إيثارهم للصيف وتعجلهم لمقدمه ~~طوال العام، أما المقترون البائسون فلعل حبهم للصيف أشد وإيثارهم له أعظم، فقد علمت - ~~حفظك الله - أن برد الشتاء يحتاج إلى التدثر وتلفيف عامة الجسم بمختلف الثياب، وقد لا ~~يغني منها إلا المتين الصفيق، كما يحتاج إلى اتخاذ الفراش وإثقال الغطاء، والتماس وسائل ~~الدفء خلاصا من حدة البرد وتفاديا من أذى الضر. # ثم إن البرد كما تعلم، يفتح اللهاة ويهيج الشهوة إلى الطعام ويسرع بالهضم، وتدعو ~~الطبيعة فيه إلى موالاة الأكل تحريكا للدم، وبعثا للحرارة في الجسم، وكيف للمعسر إذا ~~واتى نفسه بكل هذا بمواتاة الولد، وسد جوعهم ونهمهم ومطاوعة شرههم وقرمهم؛ إلى ما يقتضي ~~من النفقة في الثوب والرداء، والفرش والغطاء والقدة والاصطلاء؟ # أما الصيف وحبذا وقدة الحر في الصيف، فهي كما تعلم أيضا مما يسد اللهاة، ويقبض شهوة ~~الطعام ويفتر الجسم ويخذل المعدة، ويأبى عليها الحركة إلا بقدر يسير، فهي في هضم الطعام ~~محتاجه إلى الزمن الطويل، فإذا زاد الطعام في المقدار أو أكثر فيه الدسم أثقلها ~~وأبهظها، وأغناها بالوجبة الواحدة في اليوم الأطول. # وأما الرداء فخيره أخفه وأشفه، وأما المنام فعلى جلدة السطح أو بين يدي الباب، وإلا ~~ففي عذاري الطرق متسع للجميع. # أصدقت الآن أن الصيف أحب إلى الفقراء أيضا، وآثر عندهم لرفقه في أبواب المعيشة بهم، ~~وتخفيفه في وجوه النفقات عنهم، ولا تظن أن وقدة ms079 الحر ترهقهم كما ترهقك، وأن شدة القيظ ~~تبلغ منهم بعض ما تبلغ منك، فإنه لا يصنع بك هذا إلا تعود الترف وإرسال النفس في فنون ~~النعيم، وحسبك أن تتفضل بزيارة شارعنا في منتصف الساعة الثالثة بعد ظهر يوم حلقت حرارته ~~إلى السادسة والأربعين؛ لترى هذا الذي يحمل على رأسه هرما من البرتقال أو الموز أو ~~التفاح ، وهذا الذي يدفع بين يديه قطارا من «الشمام» أو «العجور» أو «الخيار»، وذاك ~~الذي يقود برذونا يجر عربة بترول، وهو لا يفتأ يلهبه بالسوط ليتحرك؛ لأن هذا البغل ~~إنما يضيق بالحر ويتخاذل به بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن صاحبه، حبذا لو جزت بشارعنا ~~في تلك الساعة وسمعت من حناجرهم ذلك الصريخ؛ لتشفق على النوام من سكان الأرض والأيقاظ ~~من سكان المريخ، ولجزمت من أن واحدا من هؤلاء لو كان يستشعر قيظا أو يحس حرا، ما ~~استطاع دفعا ولا استطاع جرا، ولكان جهده نفثا وصياحه لهثا! آمنت بالله ~~المعين! # مصايف # على أن الله الذي قدر الأرزاق على بعض عباده قد مد لهم أسبابا من المتاع والسلوى ~~والتفرج من كد الأيام، وإن للمعسرين من أهل القاهرة وغيرها من كبريات المدن لمصايف ~~جميلة لا يكلفهم غشيانها من النفقة جليلا، بل إن شاءوا لا يجشمهم فتيلا، وحسبك أن ~~تسلك في ساعة الغروب من أيام الصيف هذه «الكباري» التي تصل بين القاهرة؛ لترى أفاريزها ~~تموج موجا بالواقفين المطلعين على النيل المتنسمين نسيمه العليل، وأكثرهم الشباب ~~وأكثرهم هؤلاء تجدهم! # Chacun avec sa chacune # ومن سنين ~~يسيرة كنت ترى جميع هذه «الشاكينات» ملففات في الملاء، أما الآن فترى كل ملاءة قد ~~انحسرت عن فستان أو شبه فستان! # وقلت لك: إن هذه المصايف لا تجشم الرواد شيئا، فالرجل هي المركب في الغدو والرواح، ~~والمرتع ظهر «الكوبري» فإذا أتحفت «الشكينة» من الحلوى بما يساوي «تعريفة»، فحبذا ~~الهدية الثمينة والتحفة الطريفة! # وأخيرا فإنني لا أحب أن أنصرف عن هذه الخواطر العجلى دون أن أثبت ملاحظة، أو على ~~الأصح دون أن أدل على ظاهرة طبيعية ms080 اختص الصيف بها مصر دون سائر بلاد الله. # هذه الظاهرة العجيبة أن هناك اتفاقا وثيقا لا شك أنه أوثق من اتفاق دولتي المحور، ~~بل إنه لأشد وثاقة من الاتفاق بين إنجلترا وفرنسا القائم في هذه الأيام، وهذا الاتفاق ~~الوثيق المتين معقود بين الطبيعة و«وابورات» الثلج في مصر، ومقتضاه أنه بمجرد ارتفاع ~~درجة الحرارة إلى الحد المرهق تنكسر «وابورات» الثلج من تلقاء نفسها كسرا لا يجبره إلا ~~اعتدال الجو وابتراد الهواء، وبرغم أصحاب تلك «الوابورات» وبرغم الثلاجين المساكين ~~يرتفع ثمن «اللوح» إلى العشرين والثلاثين والأربعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # أصدقت الآن أن هذا الاتفاق أوثق خمسين مرة من الاتفاق بين من ذكرنا من الدول! # وحاشا أن يبلغ اتفاق الساسة مهما كانوا من الأبرار، اتفاقا تعقده الطبيعة وتبرمه ~~الأقدار! # | في التليفون # لقد أدركنا من صدر نشأتنا جمعيات كانت هنا وهناك من أحياء القاهرة وغيرها من المدن ~~الكبرى، وهذه الجمعيات كان يغشاها كل من يشاء، إذ تلقى فيها الخطب وتعقد المناظرات، يتولى ~~أطرافها في الغالب متقدمو الطلاب، وحديثو العهد بالتخرج من المعاهد والمدارس. # ولعل أهم الأغراض من قيام تلك الجمعيات، إذا لم أقل غرضها الفذ، إنما كان التمرين في ~~الخطابة، وتعويد الألسن الانطلاق في المجامع والمحافل، فكنت تسمع المحاضرة في منافع الهواء، ~~وفي مزايا الشمس وفي فضل الماء على الخليقة مثلا، كما تسمع المناظرة في المفاضلة بين السمك ~~واللبن، ولا تنس «فيض المنن في تفضيل السمك على اللبن»، والموازنة بين القطار والتلغراف ~~«السلك والوابور». # وأرجو أن تصدقني إذا زعمت لك أنه كانت تعقد المناظرات أيضا في المفاضلة بين العلم ~~والجهل، على أنه كان يتقدم للكلام في تفضيل الجهل على العلم من يظن أنه أنطق المتناظرين ~~لسانا، وأطلقهما بيانا وأسطاهما قولا وأحضرهما حجة، حتى إذا ما ظهر على خصمه، وأدحض على ~~فضل العلم دليله، كان ذلك دليلا على فضله هو وسبقه في حلبة البيان! وما ضر ما دام الغرض ~~التمرين في الخطابة، وشحذ ملكة الجدل والتماس وجوه الأدلة على صحة ms081 الرأي واقعا حيث وقع من ~~الصواب والسداد، أو من البطلان والفساد؟ # وبعد، فلا ريب في أنه أصبح سمجا كل السمج بكاتب أن يقول اليوم في منافع التليفون، وما ~~يوفر من الوقت في الكثير من قضاء الحوائج، وما يسرع بالإسعاف في الكوارث، ويعين على ضبط ~~الأمن وكف العوادي، ويؤذن بالأسعار لوقتها في التجارات الهامة فلا يغبن بائع ولا شار، ~~وييسر المشافهة بين الأقرباء، والأصدقاء، والأحباء على بعد المسافة وطول المدى ... إلخ. إلخ. ~~إلخ. # إذا كان سمجا بكاتب أن يعرض لمثل هذا في الزمن الذي نعيش فيه، فما أحسب أنه سمج بأحد أن ~~يشكو التليفون، وما يبلغ من أعصاب الناس هذا التليفون! # ولعل قائلا يقول: ما بال فلان يعبر عن هذه الأداة بكلمة «تليفون»، ولا يعبر عنها ~~«بالإرزيز» التي اختارها المجمع اللغوي، وهو أول الناس باتباع ما يقر المجمع من ~~تسميات؟ # وفي الحق، لقد كانت هذه الكلمة شؤما على المجمع، وكانت مفتاحا لكل ما أمطر من تندر ~~وتقليس لا أشك في أنهما كادا يعوقان سعيه، إذا لم يكونا قد عاقا منه بقدر عظيم أو يسير، إذ ~~المجمع بريء بريء بريء، فلا هو أطلق على التليفون إرزيز، ولا هو نظر قط في لفظة «إرزيز»، ~~ولا عرض ولا عرض إلى هذه الساعة لتسمية التليفون وكيف يدعوه، وكل ما في الأمر أن للمجمع ~~مجلة يصدرها طوعا لحكم المرسوم الصادر بإنشائه، وهذه المجلة مقسومة إلى قسمين: قسم رسمي، ~~وينشر فيه ما يصدره المجمع من قرارات، وما ينتهي إليه رأيه في التسميات والتعبير عن ~~المصطلحات، وقسم غير رسمي يكتب الكاتبون فيه من أعضاء المجمع وغيرهم ما بدا لهم من بحوث ~~لغوية، ويقترحون فيه ما يشاءون من تسميات ومصطلحات ولا يعد المجمع مسئولا، ولا يمكن أن يعد ~~مسئولا عن شيء من هذا، ولا يقال: إنه صادر عنه بحال، وكلمة «الإرزيز» خيبة الله عليها هي ~~من هذه المقترحات في القسم غير الرسمي لا أكثر ولا أقل، أما «شاطر ومشطور وبينهما طازج» ~~وأخواتها، فهي من بدع النكتة ومن خلق المقلسين! ms082 # نعود بعد هذا إلى التليفون ورزاياه، بعد أن آمن كل الناس بمنافعه ومزاياه: التليفون: عصمك ~~الله من كل مكروه - كما تعرف - أداة سريعة للتخاطب، سواء في قضاء الحوائج أو في دفع ~~الكوارث، أو في الاستنجاد في الأحداث أو نحو ذلك، على أن الكثيرين منا نحن المصريين ~~والسيدات على وجه خاص لا يفرضون له ذلك البتة، بل إن بعضهم وبعضهن لينظمونه في جملة الآلات ~~الموسيقية، كالعود والقانون والبيان، كما دعاه المجمع اللغوي، والكمان مثلا، فإذا أنعم ~~الله على سيد أو سيدة من هؤلاء بالتليفون في دار صديق أو غير صديق، جعل يتحدث ويتحدث ما يكل ~~ولا يمل، ولا يتعب ولا ينصب ولا تقفه شهقة، ولا يختلج له فك، ولا ينقطع له نفس، بل لعله في ~~لذته واستمتاعه أمرح من مستمع إلى عود صناع، أو قانون ضارب حسان! # ومما حدثني به الثقة الصادق أن سيدة من صديقات أسرته، تختلف إليها للزيارة في أكثر ~~الأيام، وما بلغت الدار قط إلا عدلت من فورها إلى التليفون، فتكلمت ثم تكلمت حتى إذا أذن ~~الله للكلام بختام، رفعت السماعة ثانيا، وافتتحت مع آخرين حديثا آخر، وهكذا حتى إذا تمت ~~لها ثمانية أحاديث أو عشرة قامت فجلست إلى صواحبات الدار، وما إن نفرغ من شرب القهوة بعد ~~السلام وبث الأشواق وما إلى ذلك، حتى تهرع إلى التليفون أيضا، فنعيد ما بدأت وتستأنف من ~~الأحاديث ما قطعت وهكذا! # قال صاحبي: ولقد أقبلت هذه السيدة ذات يوم وأنا جالس في غرفة قريبة من آلة التليفون، بحيث ~~أسمع برغمي الحديث في يسر، فأنا أشد الناس كراهة للتسمع على الناس، ورحت أعد «النمر» التي ~~تطلبها، فإذا هي ست عشرة قد استهلكت جملة الأحاديث فيها ما يقرب من الساعتين، وإني أستطيع ~~مطمئنا على ديني وضميري أن أحلف لك بكل ما يحلف به البار والفاجر، على أنه ما سقطت إلى ~~أذني من كل ذلك كلمة واحدة تدعو إليها ضرورة، أو تبعثها حاجة أو تنفع في أي شيء أو تضر في ~~أي شيء، أو ms083 يترتب عليها في يوم من الأيام أي شيء! # وحدثني صديق من الظرفاء قال: كنت جالسا في مقهى - كذا - وكان ذلك في شهر يوليو، وكان ~~اليوم شديد الحر وبدا لي أن أتحدث في التليفون إلى صديق في شأن عاجل، فإذا مقصورة التليفون ~~مشغولة برجل يتحدث جاهدا، ويهز رأسه هزا عنيفا، كأنما يوقع به على نبر الكلام، أو يمسك ~~«الواحدة» على تعبير أصحاب الموسيقى، وانتظرت طويلا عله ينتهي فلم ينته، فعدت إلى مجلسي ~~حتى مضى نصف ساعة أيضا، ثم نهضت فنقرت له على الزجاج أتعجله فالتفت إلي وإن كان فمه لم ~~يلتفت، وجمع أطراف أنامله وأشار إلي بالتمهل فأمهلته، حتى سمعته يحيي صاحبه تحية الختام، ثم ~~لم يرعني إلا أن يستأنف الحديث فيقول لصاحبه: «إلا قل لي» ويمتد الحديث شوطا آخر، فإذا أذن ~~الله وسمعت منه «نهارك سعيد بقى» مثلا فتنفست الصعداء - كما يقولون - عاد فقال: «لكن ما ~~قلتليش على كذا»، وهكذا حتى كدت أخرج من جلدي، ولم يغظني أكثر من أن أسمعه يقول في وداعه ~~لمحادثه: «بكره إن شاء الله نتقابل في محل كذا.» فاقتحمت عليه المقصورة، وقلت له: «يا أخي! ~~لقد سرقك الكلام فلقد صرنا بعد بكرة.» # ولا تظنن أن هذا الرجل وتلك السيدة من الشواذ فينا نحن المصريين، وأرجو ألا يغيب عنك أن ~~هذه الإطالة التليفونية قد تجر أحيانا إلى أخطار، بل لقد تجر إلى أشد الأخطار، فلقد يطلبك ~~قريب أو صديق، أو أي إنسان بينك وبينه عمل؛ ليحدثك في أمر عاجل فلا يصل إليك، حتى يفوت ~~الوقت وتفلت الفرصة، وتضيع المنفعة أو تقع المضرة! # ولقد يحدث لبعض أهل الدار حادث من جرح ينزف الدم أو يكسر العظم، أو تسمم أو نحو ذلك، ~~فيلتمس طبيب الأسرة في المقهى الذي اعتاد أن يقضي فيه بعض الليل، فإذا التليفون يئن الساعات ~~الطوال، ما يسكن في أثنائها لحظة ولا ينقطع، ذلك بأن «دغفا» من زبائن القهوة يحدث ~~صديقا ... فإذا شاء الله وبدا له أن ينتهي تلقفه منه آخر من طرازه وضربه، وهكذا ms084 ... # هذه بعض رزايا التليفون من ناحية الإطالة في الحديث في غير جدوى ولا ضرورة أبدا. # وهناك رزايا أخرى، نعرض نماذج يسيرة منها، والله المستعان: # لقد يدق جرس التليفون في الصباح الباكر وأهل الدار نيام في السادسة إذا كان الوقت شتاء، ~~وفي الخامسة إذا كان صيفا، فيهبون مذعورين وقد وجفت قلوبهم، وزاغت أبصارهم وتداركت ~~أنفاسهم؛ لأن التليفون في مثل هذه الساعة لا يمكن أن يفضي بخير، بل قل أن يفضي فيها إلا ~~بالشر الكبير والعياذ بالله، ويتقدم أشجع أهل الدار ويتناول السماعة بيد مرعشة، ويقف سائرهم ~~وقفة منتظري الحكم في الجنايات الخطيرة، ثم إذا هم يسمعون: «لا، النمرة غلط»، فينصرف كل ~~منهم إلى سريره، أو إلى بعض شأنه ما يتكلمون، فقد عقد الذعر ألسنتهم واشتف دماءهم، فما يقوى ~~أحد منهم على الكلام. # وكل ذلك؛ لأن البارد السمج يطلب التليفون في هذا الوقت، لا يجشم نفسه التحري عن الرقم ~~المطلوب، ثم إدارة الآلة طوعا له، فيكفي الآمنين كل هذا البلاء! # ولقد يدق جرس التليفون فتجيبه، فيجري الحديث هكذا: ~~- أنت س عطوة؟ ~~- لا. ~~- أمال أنت مين؟ ~~- أنا مش س عطوة وبس! ~~- طيب ما تقول أنت مين؟ ~~- يا أخي، أنا لست س عطوة الذي تطلبه وكفى! ~~- ده مش محل فلان؟ (ويعين متجرا أو مصنعا). ~~- لا يا سيدي، هذا منزل! ~~- منزل مين؟ ~~- منزل لا شأن لك به يا سيدي! ~~- أما شيء بارد! أما ابن ... صحيح! ويسرع إلى قطع طريق الحديث، والحمد لله! # ولقد يطلبك الطالب، فيسألك: أأنت فلان؟ فإذا سألته اسمه أبي أن يجيبك، أو تبدأ أنت أولا ~~بالجواب عما سأل، وتراجعه في هذا فيلح ويأبى، إذ العرف واللياقة يقضيان بأن يفضي باسمه هو ~~أولا؛ ليدع لك الخيار في حديثه أو الانصراف عنه. # ومما يتصل بهذا المعنى أن يطلبك طالب، فإذا سأله الخادم عن اسمه كان جوابه: بس قل له واحد ~~عايزك، ولا يأذن باسمه أبدا! # ومما يتظرف به الكثير أن يطلبك بعضهم، وقد تكون مشغولا جدا، فإذا استوثق من شخصك، بدأك ~~بالتحية فتحييه بأحسن ms085 منها أو مثلها، ثم كررها على ألوان وصور شتى، ولا يسعك إلا أن ترد ~~عليه التحية بالتحية، ثم ما يروعك إلا أن يفاجئك بهذا السؤال: طيب أنا مين؟ ~~- يا سيدي، قل لي حضرتك مين! ~~- بقى مش عارف أنا مين؟ ~~- بماذا تأمر يا سيدي؟ ~~- لازم تقولي أولا أنا مين! ~~- لعل خللا في أسلاك التليفون يغير من صوتك، فاعمل معروف وقل لي من أنت؟ ~~- طيب افتكر كده؟ # ولا يزال يلون لك هذا العذاب، أو تخبره من هو أو بعبارة أخرى لتلقنه اسمه، وتقدم إليه ~~شخصه وتعرفه نفسه! # وكيفما كان الحال فقد أضاع وقتك وأثار أعصابك، وأفسد تفكيرك وأحبط سعيك، وحال بينك وبين ~~معاودة عملك، وهكذا يكون التظرف وكذلك يكون الظرفاء! # أما حوادث الخدم، إذا كنت غائبا عن الدار أو كان متعذرا. # عليك الوصول إلى التليفون لوقتك، أما حوادثهم في تسجيل أسماء المتكلمين في ذاكراتهم، وفي ~~تسجيل رسائلهم، وفي التبرع بالأجوبة عنك، فأيسرها ما يكدر بين الأخوين، ويفسد ما بين ~~الصديقين، ويحبط ما عسى أن يكون لك من سعي، ويبطل ما عملت من عمل، لعلك نطت به أعظم الأمل، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # وبعد، فإذا كان لي أن أسأل الله لمجموعنا شيئا، فإني أسأله أن يعلمنا كيف نمشي في الطرق ~~الحافلة بأسباب الدوس والصدام، وأن نلتزم في التليفون القصد والدقة وأدب الكلام. # وما ذلك على الله بعزيز! # | كيف نمشي في الطرق # من الملاحظات، أو التشهيرات التي كان يتحفنا بها اللورد كرومر في تقاريره السنوية، أن ~~أكثر الركبان في المدن - يعني ركاب الدواب من الجمال والحمير - إنما يسيرون على الطوار - ~~الرصيف. # أما الرجال - الذين يمشون على أقدامهم - فلا يحلو لأكثرهم السعي إلا في وسط ~~الطريق! # ولو قد بسط في عمر اللورد إلى هذه السنين لرآنا قد برئنا - الحمد لله - من نصف هذه العلة، ~~وليس بمستنكر على الله أن يبرئنا من النصف الآخر في بضع سنين! # وإذا كنت أعرض للأخطار التي يستهدف لها السابلة في القاهرة على وجه خاص، فليس معنى ms086 هذا ~~أنني أعض الساقة على اختلاف آلاتهم من المسئوليات، فهذا سائق سيارة يطير طيرا، لا يبالي ~~أحدا ولا يبالي شيئا، كأن الله تعالى قد بسط هذه الأرض كلها له وحده، وصقل له وجهها ~~مستقلا، فلا تعترضه حفرة ولا نتوء، ولا يعوقه شجر ولا حجر، وما تقوله في ساقة السيارات ~~تقول أشنع منه في قادة «الموتوسيكلات»، وأما الغلمان الذين يحجلون بالدراجات فأولئك ندع ~~حديثهم إلى القول في سالكي الطرق على وجه عام. # أما الترام وما أدراك ما الترام، فكثيرا ما يرى «الكمسارية» بعينيه الرجل، وقد يكون ~~شيخا كبيرا وقد يكون رجلا مريضا، وقد تكون امرأة حاملا، وقد يراها تحمل طفلا، وتأخذ ~~بيد آخر قد يرى بعينيه أحدا من هؤلاء يهم بالصعود إلى المركبة، إذ رجله الثانية لما تزل ~~ثابتة على الأرض، فيسرع إلى النفخ في صفارته، وسرعان ما يتحرك القطار، وأنف وأرواح الناس، ~~وسلامة جوارحهم من البتر والتهشم، راغم! # ودعنا من سائق السيارة يضرب بجهد سرعته في زحمة الناس؛ إذ هو مقبل بالحديث على من بجانبه ~~أو مول ظهره وجه الطريق، مستغرقا في الحديث مع من في داخل العربة. # هذا كله معروف مشاهد لا نرى محلا للإطالة فيه وإقامة الأدلة عليه، وما لهذا سقنا ~~الحديث، إنما سقناه لهذه الكثرة الكثيرة التي لا يحلو لها السعي إلا في وسط الطريق برغم ~~احتشاده بالمهلكات المتلفات. # ولقد يلتمس ملتمس لهؤلاء عذرا بأن الطوارات - الأرصفة - في القاهرة أكثر حفرا من وسط ~~الطريق، فهي أدنى إلى عثرة القدم، ولعل آخر يلتمس العذر في أن طواراتنا دائما أشد وساخة ~~وأكثر قاذورات من عرض الطريق، وهذا - مع الأسف العظيم - ما لا أحسبه يقع في بلد آخر! ~~وكيفما كان الأمر، فإن هذا وهذا لا يصلح عذرا للتعرض على هذه الصورة لكل ذلك البلاء ~~المحيق! # وإذا تمثلنا هذه الكوارث التي تقع كل يوم في شوارع القاهرة وجوادها، فإن من الظلم الواضح ~~أن نضيفها كلها إلى جنون السائقين أو إلى عجلتهم أو إلى قلة كفايتهم، بل إن من الإنصاف أن ~~نفرض ms087 قسطا كبيرا من أسبابها إلى أولئك الساعين على الأقدام، وإلى أولئك الذين يحجلون ~~بالدراجات في مزدحم الطريق. # وبعد، فلعل بعض قراء «الثقافة» ما برحوا يذكرون أنني ختمت مقالي السابق «في التليفون» ~~بالابتهال إلى الله - تعالى - أن يعلمنا كيف نمشي في هذه الطرق الحافلة بأسباب الدوس ~~والصدام، كما يعلمنا في التليفون القصد والدقة وأدب الكلام، والآن أعرض نماذج مما يجري في ~~طرقاتنا وبعضها مما «يشيب الطفل من قبل المشيب». # ولقد عرفت بل لقد رأيت إن كنت من سكان القاهرة أو ممن يغشونها كيف يهجر الساعون مع ~~أقدامهم الطوارات، ويتدفقون في عرض الطريق تدفقا، ما يبالي أكثرهم ما عسى أن يعتريه من ~~قدامه أو من وراء ظهره، أو من يساره، أو من يمينه من تلك الفواتك بالأعمار والمفرقات ~~للأعضاء، والمحيلات للأجسام الصحيحة في لحظة أشلاء بجانب أشلاء؟ # ولقد ترى الماشي بين شريطي الترام وهو يسمع دويه وراء ظهره، إذ السائق جاهد في دق الجرس ~~وموالاة هذا الدق، وصاحبنا لا يعدل ولا يتحول كأنه استحال هو أيضا تراما لا يستطيع السير ~~إلا على الشريط، وفي اللحظة الأخيرة؛ اللحظة التي يعقبها البلاء الفاتك، يسمح حضرته بالتحنس ~~في تثاقل عظيم ثم تراه يعود إلى سبيله وهكذا ... # وكثيرا ما ترى ناسا يمشون في يمنى الطريق وتقبل السيارة في جريها من ورائهم، والسائق ~~ينبههم جاهدا إلى إخلاء السبيل بالاعتصام بالطور، أو على الأقل بالمشي بجانبه؛ ينبههم ~~جاهدا بالبوق مرة، و«بالكلاكس» مرة، فلا يسمعون ولا يحفلون؛ إذ السائق المسكين أحيانا بين ~~ثلاث: إما أن يسرع إلى وقف السيارة فجأة، وقد تنقلب في هذه الحالة وخاصة إذا كانت مسرعة، ~~وفي ذلك هلاكه وهلاك من معه من الراكبين، وإما أن يعدل هو عن الطريق مفاداة لهذه العمد ~~الساعية على الأرض، وقد يصطدم بجدار أو حامل مصباح، أو يدوس من لا جناية له من السائقين، ~~وإما أن يتوكل على الله ويدوس في طريقه من يدوس من هذه العمد، ولعل هذا أرفق الحلول إذا لم ~~يكن من إحدى تلك الحالات الثلاث محيص؟ ms088 # ولقد أذكر أنني كنت ذات صباح شاخصا إلى الجيزه، فإذا الترام مزدحم جدا، وأكثر زاحميه ~~من الطلاب الذاهبين إلى مدارسهم ومعاهدهم هناك، فلم أصب لي مكانا إلا وقفة بجانب السواق، ~~ولم يرعني ونحن في بعض الطريق إلا أن أرى رجلا مقبلا على الترام من قدامه، وقد تحرى المشي ~~بين الشريطين، والسائق يجهد في دق الجرس له، وهو لا يعدل ولا ينحرف ولا ينثني، حتى إذا ~~اقترب منه الترام - أو على الأدق - حتى إذا اقترب هو من الترام اقشعر جسدي ووقف شعر رأسي؛ ~~فأسرعت إلى المفتاح. ورجعته في عنف ليقف القطار، فالتفت إلي السائق وقال لي في شيء من ~~الغضب: ما الذي دعاك إلى هذا؟ قلت له: ألم تر كيف أن الرجل كان عازما على أن يدوس القطار ~~في غير إشفاق؟! فاشكر لي أن نجيتك كما نجيت نفسي وسائر الركاب من هذا الخطر العظيم! # أما الذين يحاولون قطع الشارع من العبر للعبر، فأولئك شأنهم أعجب وأغرب، وصنيعهم ألذ ~~وأطيب، ومن الظواهر التي تسترعي للنظر حقا في هذا الباب أنك تجد هؤلاء دائما مستعجلين ~~جدا وشجعانا مقاديم، لا يهابون أشنع الموتات في سبيل ... لا شيء مطلقا من الأشياء! # يريد أن يعبر الشارع، فسرعان ما يعبره ما يجشم نفسه الالتفات ذات اليمين ولا ذات الشمال، ~~ولعل أكثرهم يفحص عينيه من وقت العبور؛ لكيلا يرى الفواتك الجارية من هنا ومن هنا، وهذا ~~ممكن ولعله في بعض الأحيان حسن، على أن هناك أمرا غريبا لا بد أن يكشف العلم عن سره في ~~يوم من الأيام، ذلك بأن الإنسان يستطيع أن يفحص عينيه لكيلا يرى، فهل ترى لآذان هؤلاء الناس ~~جفون أيضا يستطيعون أن يطبقوها؛ لكي يستريحوا من استماع دوي الترام وجرسه، وزمر الأتومبيل ~~وكلاكسه؟ # وإنك يا سيدي القارئ لترى في كل شارع، في كل يوم، وفي كل ساعة، وفي كل دقيقة من لا يرضون ~~أن يطمئنوا في مواقفهم حتى يجوز الترام أو تجوز السيارة مهما تكن سرعتها وقربها منهم، بل ~~لا بد من القفز أمامها ms089 وقطع الشارع فورا، ولماذا ينتظر المرء دقيقة أو بضع ثوان، والوقت ~~كما تعرف من ذهب؟ # ولقد كنت في يوم من أيام الأسبوع الماضي أمشي في شارع قصر ابن العيني على الطوار طبعا، ~~وإذا بالترام القادم من ميدان الإسماعيلية يجري بآخر جهده، وإذا بشيخ مرسل اللحية؛ مخفوض ~~الشارب، يضع على قبائه - قفطانه - معطفا، وعلى رأسه طربوشا، وفي يمينه عكازة وفي يساره ~~مسبحة تتلقط أنامله حباتها دراكا، وأنت خبير بما تفعل مع ذلك شفتاه أما ما يشغل قلبه فلا ~~يعلمه إلا الله! أقول وإذا هذا الشيخ يقفز من بين يدي الترام قفزة عنيفة نجا بها - والحمد ~~لله - وإذا كان ظله القصير لم ينج من وطء العجلات الأولى، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله! # ولقد لحقت به، وقلت له: يا عم! قد يجوز أن حسابك دقيق مضبوط في قياس سرعة الترام، ومقدار ~~المسافة التي عليك أن تقطعها بين يديه، ومدى جهدك في القفز، والمدة التي تحتاج إليها في ~~ذلك، لقد يكون حسابك في كل أولئك دقيقا مضبوطا، ولكنك لم تدخل في هذا الحساب عثرة الرجل ~~مثلا، أو اعتراض سيارة مفاجئة من شطر الطريق الذي تطليه، فكيف كانت تكون الحال؟ # فأقبل علي وقال: أي والله يا ابني! صدقت، ولكن ... ربنا يستر! ... آمنت بالله! # وأرجو ألا تنسى أن هذه الكلمة «ربنا يستر»، هي في هذه البلاد شعار كل ملق بنفسه إلى ~~التهلكة، أو بغيره إلى الهلاك. # ومن بضع عشرة سنة كنت أركب الترام، وكان مجلسي خلف السائق مباشرة، وبينا كان يجري بأقصى ~~سرعته في شارع كلوت بك إذا فتى يجوز من أمامه، ولولا أن السائق أسرع فضبط العجلات ~~«بالفرامل» ضبطا عنيفا رج الركب رجا عنيفا وأزعجهم ازعاجا شديدا، لصار هذا الفتى ~~«المستعجل» للحظته أنقاضا على أنقاض. # إذن لقد وقف القطار، ومر الفتى لم يكلم أي عضو من أعضائه كلما، بل لقد امتاز على هؤلاء ~~الراكبين بالدعة، فما وجف له قلب ولا نبض فيه عرق، ولا امتقع لونه ولا جف ريقه، ولقد بدا لي ~~أن أنزل ms090 فأتبعه لأرى ما الذي أعجله من جلى الأحداث العالمية، حتى خاطر بحياته بهذا القدر ~~المرعب المهول. # وأتبعه حتى بلغ الطوار الثاني، فإذا هو فتى متشرد من هؤلاء الفتيان المتشردين، خلق الثوب، ~~حافي القدم، وسخ الوجه والقفا، ثم وقف بحذاء دكان تبيع الشمال، # 1 # وجعل يحك قفاه بيده ثم قبض على دابة، قصعها بين ظفري إبهامه، ثم انكفأ يريد ~~الطوار الثاني، فقلت في نفسي: لا بد أن يكون قد صدر قانون بتوقيع أشد العقاب على من يقصع ~~ال ... على غير هذا الطوار! # بقي الحديث في راكبي الدراجات، وأكثرهم - كما ترى - من الغلمان الحفاة، وهو - ولا ريب - ~~حديث يطول، ولا يعود يحتمله هذا المقال بعد كل الذي مضى من الكلام، ومبلغ القول فيهم أن ~~الغلام الحافي من هؤلاء ما كاد يحصل على «قرش تعريفه» يهيئ له استئجار دراجة ساعة أو بعض ~~الساعة، حتى يفرض أن شوارع القاهرة وجوادها وميادينها، وحواريها، وأزقتها، ومسالكها ~~ودروبها، قد أخليت له إخلاء كاملا، ونفض من فيها من الناس والدواب وسائر وسائل المواصلات ~~نفضا، فإذا لم يكن هذا متيسرا فلا أقل من أن يقف كل سائر، ويتربص في مكانه كل عابر، ويجمد ~~كل متحرك حتى يجوز هو بسلام، ما تكلف أن يدق جرسا أو يرفع بالتنبيه والإنذار صوتا! # ولقد ترى الحافي من هؤلاء راكبي الدراجات، وقد اعترضته في سبيله سيارة من نوع «البويك» أو ~~«الاستوديو بيكر» أو «الدملر» بل «الرولز رويس»، وهي تجري في سرعة عظيمة، إلا بسط إحدى ~~ذراعيه إلى سائقها يشير إلى بالوقوف أو بالتمهل، على الأقل حتى يجوز هو، فله حق التقدم على ~~كل حال بها، وسنده رجله الحافية بلا نزاع ولا جدال! # وكثيرا ما يفسد هؤلاء الغلمان الأمر على السائقين، ويقعونهم في الحيرة والارتباك، لقد ~~يفضيان أحيانا إلى الأخطار الجسام. # وبعد، فإني أعود فأرغب إلى الله - تعالى - أن يخلصنا من هذه الآفات، ويعلمنا - بفضله - ~~كيف نحسن السعي في الطرقات، آمين. # | الانتقام اللذيذ # لقد تعرف أن من أسماء الله الحسني «المنتقم»، ولكن إياك أن تظن ms091 أن انتقام الله تعالى ~~كانتقام الخلق، أخذ بالثأر، وإرضاء للحقد، وشفاء لغلة الصدر، فلقد تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا، بل إن المراد من الانتقام بالإضافة إليه - جل مجده - هو لازمة من التأديب وبسط ~~العقاب المستحق، وإطلاق العبرة البالغة. # والانتقام قد يكون الأناسي، وقد يكون الحيوان، وقد يكون مما يعقل ولا يحسن من سائر ~~الأشياء، وأرجو ألا تعجل بالعجب فستعلم نبأ هذا بعد حين! # وأحب، يا سيدي القارئ أن أؤكد لك أنني بحمد الله تعالى ما انطويت قط على حقد، ولا بت قط ~~على ضغن ولا سرتني قط مساءة إنسان ولا حيوان، فلقد وقى الله بفضله صدري من هذا الداء، ~~ونجاني برحمته من ذلك العناء. # على أنني - ولا أكتمك - أجد في بعض الانتقام، وأعني انتقام الله تعالى لذة وطربا، نعم ~~لقد أحس لبعض ألوان الانتقام لذة لا أكاد أحسها للفرج بعد الضيق، وللين بعد الشدة، بل لا ~~أكاد أحسها وقد جلست في ساعة اطمئنان النفس وهدوء البال للاستماع إلى غناء حلو يلتقي ببارع ~~النبر على عود حسان صناع. # إذن فمن الانتقام ما يلذ ويطرب، كما أن من الانتقام ما يروع ويهول! # ولقد تقدمت إرادة الله في هذه الأهوال العالمية المهولة بانتقامين بديعين لذيذين، لا ~~أخفيك أن نفسي قد أصابت منهما قسطا كبيرا من الراحة والمتاع. # أما أول هذين الانتقامين البديعين فمن بغض الناس، وأما ثانيهما فمن بعض الأشياء وإليك ~~البيان: ~~(1) # لقد جرت عادة الكثير من الموسرين وأنصاف الموسرين من سكان القاهرة وغير ~~القاهرة أن يقضوا أشهر الصيف في رمل الإسكندرية، كما جرت عادة أصحاب الدور في ~~هذا الرمل ومن في حكمهم من مستأجري دورهم للمدد الطويلة أن يشطوا في الأجور، ~~ويبالغوا فيها مبالغة لم يكن يعبأ بها المصيفون بجانب استراحتهم إلى المصيف، ~~واستمتاعهم وأولادهم بماء البحر وتنسم الهواء العليل، بعدما عانوا في عامهم، ~~كبيرهم من كد السعي والعمل، وصغيرهم من كد الدرس والاستذكار، فلا بأس مع هذا ~~بأن ينفق المرء في كراء البيت ضعفي ما يستحقه، ولا بأس بأن يشتري ms092 الخبز، ~~واللحم، والسمك واللبن، والفاكهة، والجبن، والبصل ... إلخ، بأكثر مما يعلم أن ~~جاره الإسكندري يشتري به بحجة أنه غريب «مصيف» ينبغي أن يستغله التجار والباعة ~~بعض الاستغلال! # بل لا بأس على ساكن القاهرة مثلا إذا قال للفاكهاني الإسكندري بكم الوقة من ~~هذا التفاح، وأرجوك أن تقرأها بكسر الواو، وبإبدال القاف بالهمزة - على نطق أهل ~~القاهرة - لا بأس على ساكن القاهرة إذا وجه إلى الفاكهاني في هذا السؤال، فكان ~~جوابه: «بعشرة جروش». ثم يهبط إسكندري فيسأله: «بكم الوجه»؟ فيكون الجواب: ~~«باربعتاشر جرش» «يعني تعريفه»، يعني سبعة قروش صاغ لا أكثر! # لا بأس بهذا كله، فهو استغلال رقيق محتمل على كل حال! # أما الذي به كل الناس، والذي استحق من الله كل هذا الانتقام البديع اللذيذ، ~~فهو أن ملاك الدور في الرمل ما كادوا يطمئنون إلى أن أحدا من المصريين لا ~~يستطيع قضاء الصيف هذا العام في أوروبا، حتى أعلنوا تأرجهم في الأجر واشتطاطهم ~~في الكراء إلى الحد المرهق المضني، فمن لم يطلب في كراء داره أربعة أضعاف ما ~~كان يقتضيه في الأعوام السابقة، اقتضى ثلاثة أضعاف، أشدهم قناعة وزهدا فمن ~~يرضى بالضعفين والنصف! # سكان القاهرة وغيرهم مضطرون هذا العام إلى اتخاذ المصايف المصرية؛ لأنهم لا ~~يستطيعون تخطيها إلى البلاد الأجنبية، ويا لها من فرصة عظيمة تؤتي الغنى، وتجلب ~~الوقت الوفر العاجل! أليس لنا البحر وشواطئه البديعة؟ أليس الله قد ورثنا نسيمه ~~العليل؟ فما لنا نبذله في غير شيء لهؤلاء الفارين من حر القاهرة وغير القاهرة، ~~وطالبي الاستجمام في هذا الجو المريح بعد العناء والكد في العام الأطول؟ ما لنا ~~لا نقتضيهم عن روحه الموجة وهبة النسمة، ولو عصرناهم عصرا وبعناهم النظرة إلى ~~الأفق شبرا فشبرا؟ # هكذا شاءوا وعلى هذا جمعوا النيات والعزائم، وهكذا نسوا دورة الفلك الدوار، ~~ونسوا أنهم يقدرون فتضحك الأقدار! # ولقد علمت أن المصريين جميعا وأعني مياسيرهم ومتوسطي الحال منهم، قد أمسكوا ~~عن الشخوص إلى الإسكندرية هذا العام، نزولا على أمر الحالة الحاضرة ودور الرمل ~~المهيأة للتأجير خزيانة تنظر! ms093 بل لقد علمت بعد هذا أن كثرة مالكيها ممن تضطرهم ~~هذه الحالة الحاضرة إلى الهجرة إلى الريف، حيث يؤدون هم أجور السكن كارهين ~~مرغمين! # أرأيت عدلا أحلى من هذا العدل، وانتقاما ألذ من هذا الانتقام؟ ~~(2) # هذا ما كان من أمر الانتقام من بعض الناس، أما ما كان من الانتقام من بعض ~~الأشياء فإليك الحديث: أنت - ولا ريب - تعلم أن القاهرة هي أجمل المدن المصرية، ~~بل من أجمل مدن العالم كافة، ولعلي لم أحسن التعبير عن الواقع تماما، فأي جو ~~غير جو القاهرة خانق يفر منه، وينبغي لبس القناعات الواقية فيه على ~~الأقل؟ # وإذا كنت في شك من هذا الكلام، فارجع إلى شأن تسعة وتسعين في المائة، أو ~~تسعمائة وتسعين في الألف من موظفي الحكومة في الأقاليم نجدهم يصلون الليل ~~بالنهار جادين جاهدين في التماس النقل إلى القاهرة، فمن لم يسع له أبوه عند ~~كبار الحكام سعت له أمه عند نسائها، وهذه أم فلان تبكي حتى تستعبر بين يدي زوج ~~الحاكم أو بنته أو أخته، فيرد عليها غربة ولدها المسكين الذي لا طاقة له ~~بالغربة، فلم يألفها في حياته ولم يعرفها. # ولا تجد أحدا منا - نحن الموظفين - يعدم الحجة على طلب النقل إلى القاهرة، ~~فمن ليس له أولاد في المدارس، فإن له - بحمد الله - أبا في «الاسبتالية»، ومن ~~ليس له أم ضربها الفالج فإن له إخوة تربى على العشرة ... وهكذا! # وأما النقل من القاهرة فمصيبة دونها عندنا - نحن الموظفين - جدع الأنف وفقء ~~العين، وصلم الأذن، وقطع اليد اليمنى التي نأكل بها ونشرب ونكتب، ونتناول بها ~~أهم الأسباب، ونبسطهم لمصافحة الأهل والصحاب! ... # وصدقني إذا قلت لك: إن هذه الغربة تبتدئ عندنا نحن معشر المصريين من قليوب ~~إلى الإسكندرية شمالا، ومن الجيزة إلى الدر جنوبا، كلها غربة تستدعي الحسرة، ~~وتثير الزفرة، وتبعث العبرة، بل لا أكتمك إذا قلت لك: إن بعض من نقلوا من ~~الأرياف إلى شبرا مثلا استأنفوا السعي لينقلوا إلى دائرة قسم عابدين ... # أصدقتني الآن في أن كل جو غير جو ms094 القاهرة، بل سرة القاهرة، خانق وجدير ~~بالفرار، أو لبس القناعات الواقية على الأقل كما ذكرت؟ # والآن، أين الريف الريف يا عالم؟ ومن لنا به؟ وكيف السبيل وا حسرتاه ~~إليه؟ # الريف البديع هواؤه، العذب ماؤه، الجميل رواؤه، من لنا به؟ من لنا به؟ # أعوذ بالله! لا أنكر وجه القاهرة، وما أخبث مناخها، وأوخم هواءها، كيف كانت ~~حكمة الله الباهرة، وكيف انتقم للريف المسكين من هذه القاهرة؟ # | بين الصفارة والريف # مما يجري على ألسنة المصريين في دعاء بعضهم على بعض «روح جتك غارة!» وكنا نحسب أن القدر ~~كان يرد هذا الدعاء أولا فأولا، فلا يحل في موضع الاستجابة أبدا. # وها نحن أولاء نرى الآن أننا في هذا الحسبان كنا جد مخطئين، فإن القدر إنما كان يجمع هذه ~~الدعوات ويحفظها، ولا يرد واحدة منها حتى إذا حل الوقت المقسوم، استجاب دعوة الجميع على ~~الجميع! # كل يوم عواء صفارة ينذر بمقدم الغارة، فعلينا ونحن نجني ثمرات دعائنا بعضنا على بعض أن ~~نثبت ونتجلد ونصبر، فإن الله مع الصابرين. # وفي الحق إن صوت هذه الصفارات كريه جدا، وثقيل على الأسماع جدا، ومضعضع للأعصاب ~~جدا، حتى ليؤثر المرء وقوع الغارة نفسها على هذا النذير في صوته المزعج النكير. # وقد لا يحق لنا أن نطمع في أن تشد الحكومة إلى حناجر هذه الصفارات أوتار عود أو قانون، أو ~~أن تقيم في كل حي فرقة موسيقية، أو أن تطيف بالبلد كلما جاء النذير بمقدم الغارة، كبار ~~المغنيات والمغنيين، يهيبون بنا بأصواتهم العذبة على النبر الحلو والتنغيم البديع، أن ~~احذروا والتمسوا المخابئ واطلبوا النجاة بقدر ما تستطيعون! # ولكن ألا من سبيل إلى التخفيف من هذا النكر ولو بعض الشيء، أو الاستغناء عن هذه الصفارات ~~والتعويض عنها بالكثير ممن نسمع في هذه السنين من مغنيات ومغنين؟ # وإذا زعمت أن من هؤلاء من هو أقسى حنجرة وأنكر صوتا، فلا يذهب عنك أن آذاننا قد ألفت هذا ~~الغناء من بضع سنين، ولا شك أن الإلف والاعتياد يلطفان كثيرا من موقع الأهوال ~~الجسام! ms095 # بقي أن نراجع أنفسنا في شيء من الصفاء والدعة، وهما موفوران في عامة النهار - والحمد لله ~~- نراجع أنفسنا ونسألها، أمن الحق أن صوت هذه الصفارات كريه بهذا القدر مزعج إلى هذا الحد؟ ~~أم أن اقترانه بتوقع الأحداث المزعجة هو الذي يخلع عليه هذا الوصف، ويحله من الأعصاب في هذا ~~المكان؟ # إن شئت الإنصاف في القول، والعدل في الحكم، رأيت لهذا التعليل نصيبا من الحقيقة غير ~~يسير، بدليل أنك لا تجد للصوت المؤذن بانتهاء الغارة من الاستكراه والنبو على الآذان وشدة ~~شك الأعصاب ما تجده في الآذان بمقدم الغارة، إذ الصفارة واحدة والحلق الذي ينطلق منه العواء ~~واحد! إذن فللظروف والملابسات دخل في الأمر كبير، ولو أن الصوت في الحالين نكير نكير ~~نكير. # إذن فلا مفر من الفرار ولا من صفارات الإنذار وطلب السلامة للأعصاب من كل هذه الأوصاب، ~~وأين لعمري يلتمس الفزع والملجأ الحصين إلا في ريف مصر الجميل الأمين؟ # وإذا كان أصحاب الأعمال في المدن لا يستطيعون أن يتركوا أعمالهم، فلا أقل من أن ينزح ~~آباؤهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم، فلا تنالهم في الغالب الغارات، ولا تؤذيهم النذر ~~بالغارات، وبعض الشر أهون من بعض. # وكذلك أشخص من أحملهم من الأهل والولد إلى الريف، يتقدمهم ما يحتاجون إليه في عيشهم ~~الجديد من المتاع والعتاد. # ويشاء الله الكريم ألا تضيق صدورهم بالوحدة، ففي مكان قريب أهل وأصهار وأولياء كرام، كما ~~شاء الله - تعالى - ألا يستوحشوا إذا جن الليل عليهم، فالريف ينام من العشاء الأولى، فأنسهم ~~بالراديو يغنيهم ويفاكهم ويحاضرهم ويسامرهم، وينبئهم مختلف الأنباء، فالقرية على دقة جرمها ~~وقلة سكانها تستصبح لحسن الحظ بالكهرباء، يبعثها «وابور» كبير أقامه المجلس القروري هناك، ~~فالحمد لله الذي قرن ما أجرى من القضاء بلطفه، وأردف ما قدر من البلاء بكرمه وعطفه، وصدق ~~المثل العامي القائل: «قبل ما يبلي يدبر!» # ولا بد لي من أن أراهم وأشهد مثواهم، وأشركهم في عيشهم الطريف ولو حينا بعد حين، وأتوكل ~~على الله فأشد الرحال إليهم، لا بل أستقل من القاهرة القطار ms096 السريع، وبعد جري غير طويل ~~أنقلب إلى القطار البطيء، وسواء أكنت في هذا أم في هذا، فلقد كان شغل عيني وشغل نفسي طول ~~الطريق هذه السيارات الكبيرة والصغيرة التي تقل المهاجرين من المياسير وغير المياسير، ~~وسيارات النقل الكبيرة تحمل أمتعة النازحين، بل عربات «الكارو» يجرها جواد، وقد يجرها حمار ~~لا يعلم إلا الله مبلغ جهده في هذا السفر الطويل الثقيل! # أما إذا كان هذا الحمار عاشقا قد شفه الوجد وبراه طول القلى والصد، فقد أولاه المبيت في ~~العراء خير ما يسعد العاشق المهجور على بلواه، ويبرد من حرقة جواه بمناجاة النجم الساهر، ~~وشكوى صد الحبيب الغادر، فإذا تعذرت عليه رؤية الحبيب وقد قلى فهو ولا شك رأيته في صفحة ~~البدر إذا تجلى، ولقد يحمل البدر رسالة الوله والشوق إلى الأتان، والبدر خير من يبلغ ~~الرسالة ويؤدي الأمانة. # أليس في هذا بعض الفرجة من ذلك الضيق، والتلطيف من تلذيع سوط السائق طول الطريق؟ # وكيفما كانت الحال فلقد يستطيع الشاعر أن يشبه السكة الزراعية بعقد وإن كان متلاحم ~~الحبات، فإنه لم تنظمه يد جوهري صناع، فهذي لؤلؤة صغيرة إلى جانب خزفة كبيرة، وهذي حبة من ~~ذهب تليها أخرى من خشب وسبحان مقسم الحظوظ والأرزاق! # وكيفما كان الأمر، فسرعان ما أحضرني هذا المشهد قول المتنبي - رحمة الله عليه: # وهجان على هجان تواتي # ك عديد الحبوب في الأقواز # صفها السير في العراء فجاءت # فوق مثل الملاء مثل الطراز # حقا، لقد انتفضت القاهرة انتفاضة عنيفة، فتطاير عنها أهلها «تطاير الشعراء عن ظهر ~~البعير إذا انتفض» وراحوا يطلبون المثوى ذات اليمين وذات الشمال، ولعل بينهم من لم يتخيروا ~~المأوى، ولعل منهم من لا يعرفون الوجه، وإنما هم يهيمون هيمانا حتى يأذن الله لهم بالمستقر ~~والمقام! # هذه - ولا ريب - حالة جد مؤلمة، وخاصة إذا كان هؤلاء النازحون ممن يجرون بأيديهم غلمانهم، ~~أو يحملون على أكتافهم أطفالهم الصغار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! # على أنه بقليل من التسامح، ويسير من التضحية يمكن إيواء كل هؤلاء الفارين، وإنالتهم ms097 ~~المأمن ومعونة المحتاج إلى المعونة منهم، «والناجي يأخذ بيد أخيه». # هذه شدة عامة ينبغي أن تتظاهر على دفعها الأيدي عامة، فمن كان في بيته سعة فلا ضير عليه ~~في أن يودي إليه من لا يجد المأوى، ومن كان في حالة فضل، فلا بأس عليه إذا رزق من فضل ماله ~~بعض من لا يجد إلى القوت سبيلا، وإذا كان عدد هؤلاء كثيرا، فإن عدة سكان القرى واللاجئين ~~من الموسرين أكثر كثيرا. # على أن ترك المعونة للمصادفات والحظوظ ليس من الحكمة في شيء، بل لا بد من الإعداد ~~والتنظيم المحكم، فلا يتعذر المثوى على لاجئ، ولا يسرف الجوع على أحد من المهاجرين. # نعم، إن أهل الريف هذه السنين في بؤس ظاهر وفقر بين، على أنه لن يتكابد أعيانهم ومتوسطي ~~الحال منهم أن يخرجوا لهؤلاء العائذين بالريف ما يمسك الرمق ويعصم الحياة، فإذا بسطت ~~الحكومة ولو يسيرا من المعونة لهم أينما كانوا فقد هان الخطب، وكفيت البلاد الشرور ~~الكبار. # وإذا كان لي ما أقترحه في هذا الباب، فإنني أرى التعجيل بفرض ضريبة على تجار الريف لا ~~يعفى منها كبارهم ولا صغارهم، على أن ما يجيء من ذلك يرصد لتلك المعونة، فتجار الريف أصبحوا ~~يجنون من الربح بفضل النازحين من الموسرين وأنصاف الموسرين، ما لم يكن يدخل منهم في ~~الحسبان! # وبعد، فلقد كنت أحب أن أتحدث عن الريف، وهذين اليومين اللذين قضيتهما في الريف، ولكن لم ~~يبق في مساحة المقال متسع، فلنرجئه إلى مقال آخر إن شاء الله رب العالمين. # | الأفندي # لا أحسب أن كلمة صارت من أعز العز إلى أهون الهوان كما صارت هذه الكلمة في مصطلح ~~الزمان! # وقبل كل شيء لعلك تعرف أن كلمة «أفندي» معناها السيد، وهي من ألفاظ التشريف التي انحدرت ~~إلينا عن سادتنا القدماء أعني الأتراك، وعلى الرغم من أننا خلعنا عنا، أو خلعت عنا السيادة ~~التركية، وعلى الرغم من أننا قد ظفرنا باستقلالنا، فإن أكثر ألقاب التشريف في بلادنا ما ~~برحت تركية، «فأفندي» تركية، و«بك» تركية، و«باشا» تركية ms098 أيضا! # وكل ما صنعنا في هذا الباب، عندما اختلعنا من سيادة تركيا أننا أصرنا في توجيه الخطاب، ~~هذه الألقاب إلى النهج العربي، أما جوهرها فباق كما هو تركي وابن تركي، فبدلا من أنه كان ~~يقال مثلا: «عزتلو أفندي»، أصبح يقال: «صاحب العزة» وبدلا من أنه كان يقال: «سعادتلو ~~أفندي حظر تلري» أصبح يقال: «حضرة صاحب السعادة»، على أن تلحق الأولى بلقب «بك»، والثانية ~~بلقب «باشا». # أما «أفندي» فلقد علمت أن معناها السيد، وأما الميم التي توصل بها أحيانا فهي أداة ~~الإضافة للمتكلم، «فأفندم» معناها «سيدي»، ولهذا كان ولي الأمر إذا وجه الخطاب إلى رئيس ~~«النظار»، أو إلى من يقوم مقامه في المناسبات المختلفة لا يكتب مطلقا: «دولتلو أفندم»، أو ~~«عطوفتلو أفندم» بل يكتب: «دولتلو باشا»، أو «عطوفتلو باشا»، لما تعلم من أنه أجل محلا من ~~أن يدخل في سيادة أحد على أي وجه من الوجوه. # ونعود إلى كلمة «أفندي»، فنقول: إن أصحابها الترك كانوا يضنون بها أعظم الضن، ويغلون ~~قدرها أيما إغلاء، وذلك على العكس من كلمة «بك» فإن كل رجل ... هناك يكاد يكون «بك»، وأرجو أن ~~تنطق بالكاف باء، فذلك هو المنطق الصحيح، أما «أفندي» فكانت لقب ولي عهد المملكة العثمانية ~~ووارث منصب الخلافة الإسلامية، كما كانت لقب أعضاء البيت المالك هناك، كذلك كانت لقب شيخ ~~الإسلام. # ولما كان منصب قاضي القضاة في مصر لا يتولاه إلا تركي بحكم السيادة العثمانية إلى سنة ~~1914، كان يقال له أو عنه: «قاضي أفندي»، وقد نضح العرف هذا اللقب على القضاة المصريين ~~أيضا، وأعني بالضرورة القضاة الشرعيين، على أن هذا اللقب ظل محصورا في دائرة هذا القضاء، ~~ولا أدري أبقيت منه بقية إلى الآن، أم عفي عليه فيما عفي هذا الزمان؟ # نعم؛ لقد كان يدعى المخاطب في درج الحديث «بك أفندي»، ولكن «أفندي» مطلقة لا تكون كما ~~أسلفنا، إلا لأمثال من ذكرنا من سادة السادات وأعظم العظماء. # أما في مصر، وأعني في العصر الذي شهدنا أطرافه، فإن لقب «أفندي» وإن لم يكن له ms099 هذا الخطر ~~ولا بعضه، فلقد كان له حظ من الإجلال غير يسير، فهو في الغالب الكثير لقب الموظف في ~~الحكومة، وناهيك بالموظف الحكومي في تلك الأيام! لقد كان هذا «الأفندي» موضع إجلال أهل الحي ~~وإعجابهم، وكان أكثرهم يعود من «الديوان» وقد رشق قلمه البسط رشقا أفقيا في أعلى أذنه ~~اليمنى إيذانا للناس بما صرف من الأمر، وما قضى في حقوق الرعايا وأرزاقهم؛ إذن فإنه يقضي ~~في دمائهم وأعناقهم، ولهذا كنت تراه يمشي متمهلا متتايها، يتلقى نظرات الاحترام ~~والإعجاب. # ولم يكن حي من أحياء القاهرة تخلو رقاعه الكبيرة من بيت «ست أم الأفندي»، وبيت «ست أم ~~الأفندي» هذا كان شرعة الرائدات ومثابة القاصدات، إليه يحج نساء الحي، وله يطلبن لا يرحل ~~الناس إلا نحو حجرته، كالبيت يفضي إليه ملتقى السبل وكان لسائر البيوت الصوى والمنار، فإذا ~~استخبرت سيدة عن أحد المنازل، دلتها صاحبتها عليه ببيت «ست أم الأفندي»، فتقول لها مثلا: ~~اجعلي بيت «ست أم الأفندي» على يمينك، ثم انعطفي في أول زقاق على يسارك وعدي من اليسار ~~بيتين، الثالث هو البيت الذي تطلبين. # ولقد كان هناك أيضا بيت «ست أم البك» على أن هذه البيوت كانت نادرة جدا، بحيث لا يقع ~~في الحي كله إلا اثنان منها أو ثلاثة على الأكثر. # وكيفما كان الأمر فإنني أرجو ألا يميل بك الظن إلى أن «ست أم البك» كنيت بذلك؛ لأن ابنها ~~«البك» موظف في الحكومة كشأن «ست أم الأفندي»، العفو! العفو! وهل كان يبلغ الموظف مرتبة ~~«البكوية» في الحكومة وأمه لا تزال على ظهر هذه الأرض؟ بحسبه أن يسعى سعادته سعي الأحياء، ~~وإن ضربته السنون بمائتي داء! «فست أم البك» إذن لم تكن أم موظف، ولكن كانت في الغالب ~~مرضعا لولد من أولاد الذوات! ولكي تزداد علما بموضع كلمة «أفندي» من جمهرة الشعب، أذكر لك ~~ما روي لي من أنه من نحو خمسين سنة، أراد بعضهم أن ينشئ في حي الحسين - رضي الله عنه - ~~«قهوة» فخمة عصرية «مودرن»، تليق بمجالس الخاصة والمترفين ms100 من الناس، فلم يجد أكرم ولا أعظم ~~ولا أفخم من أن يدعوها ويكتب على جبينها بالخط الطويل العريض الجميل «قهوة أفندية!» # وبعد، فذلك بعض العز الذي ناله لقب «أفندي» في الزمان الطويل، أما الآن فكفاك الله شر ~~الهوان، وعصمك من الاستكانة بعد السلطان، وحفظ مجدك من غدر الزمان! # أفندي! وهل أصبح يطيقها موظف أو طالب أو فتى يعيش بفضل إرث أو شاب تجري عليه وظيفة من ~~وقف؟ فإذا دعوت أحدهم «بالأفندي» تجهم لك، وانعقد ما بين عينيه ألما وغضبا، وربما ابتدرك ~~من القول أو الإشارة بما يسوءك، فإذا هو قبلها منك لشأنك ولموضعك، فهو إنما يتجرع ولا يكاد ~~يسيغ! # ولقد أضحى الجميع يتداعون بلقب «البك»، صغارهم وكبارهم في هذا بدرجة سواء! ولا بأس بهذا ~~وليكن شأننا فيه شأن إخواننا الأتراك. # بقيت «الأفندي» التي ذلت في هذا العصر وهانت ولم يبق لها من أمل تعيش عليه إلا في جماعات ~~الحجاب والسعادة في الدواوين، فهم الذين يرضونها ويطمئنون بها، ويستريحون إليها دون سائر ~~المطربشين. # أستغفر الله! فلقد نسيت عسكري الدورية، وهل يستطيع حوذي من أي صنف، أو بائع من هؤلاء ~~المترفقين بأبدانهم، أو نحو هذين ممن يرهبون سطوة جندي النوبة أو يدعوه بيا عسكري، أو يا ~~جاويش، إنهم جميعا ليدعونه «بيا أفندي» وكثيرا ما تكون هذه الدعوة المحببة سببا في ~~الإغضاء، أو التلطف في القضاء! # أرأيت كيف صحت العبارة العامية في هذه الكلمة: «يقطع من هنا ويوصل من هنا!» # ولا أرى قبل أن أختم هذه الكلمة بدا من الإشارة إلى كلمة أخرى، بعثها السعد من الأرض ~~وعلا بها على السحاب، فأضحت لأجل أصحاب المناصب أجل الألقاب. # لا أدري إن كنت تدري أو لا تدري أن ألقاب التشريف كانت تجري صعدا على النحو الآتي: ~~حميتلو «بتشديد الياء»، وهذه لأصغر طبقات الموظفين. فرفعتلو، فعزتلو، فسعادتلو، فعطوفتلو، ~~فدولتلو. وترجمتها على التوالي: صاحب الحمية، صاحب الرفعة، صاحب العزة ... إلخ. # فترى أن هذه الرقعة قد طارت من هذا المكان، وحلقت حتى أمست أعظم تشريف لرئيس الحكومة ~~ولرئيس ms101 الديوان! # آمنت أن من الألقاب ما يهبط ومنها ما يصعد، ومنها ما يشقي ومنها ما يسعد، «وكذلك الدهر ~~حالا بعد حال» ولله الأمر من قبل ومن بعد. # | في الضمير العام # يعتريك البياع من هؤلاء البياعين المضطربين في الطرق بسلعهم فيطرحها لنظرك، وقد تجيلها ~~يده بين ذقنك وفخذك إن كنت جالسا حتى يحك بالوعاء: صندوقا أو عدلا أو سلة، صدرك. وقد ~~تنازعك نفسك إلى أن تشتري، فتسأله الثمن فتراه يحلف لك مبتدئا مرتجلا متبرعا محتسبا، ~~ولم تكن قد باديته بشك في قوله أو جرح في ذمته، يحلف لك بكل مؤثمة من الأيمان أنه إنما ~~اشترى بعشرة قروش، ولا يطمع في أكثر من قرش واحد أو نصفه ربما لا يقوم بشيء من طول سعيه ~~وكده، وإنه لا يتحرج من أن يدخل في يمينه الطلاق وفقد الولد، وذهاب البصر، وبطلان الشق ~~بضربة الفالج ... إلخ! وتعرض عليه ثلاثة قروش مثلا أو ما دونها، فيتأبى ويعتذر، وقد يتركك ~~ويمضي مهرولا مغذا، ليدخل في وهمك أنه لم يكن غاليا في عرضه ولا متأربا فإن راجعته ~~وإلا ظل في هرولته حتى يغيب عن نظرك، ثم لا يلبث أن ينقلب إليك، فيحط الثمن إلى ثمانية، ~~فإلى ستة، وهكذا لا يزال يتدلى حتى يصل إلى ما عرضت عليه أول الأمر، وكذلك تعقد الصفقة في ~~سراح ورواح! # إن ما يستدعي البحث حقا، بل إن ما يشير الفزع حقا أن يحاول هذا الرجل أن يغشك ثم لا ~~يلبث أن تنكشف محاولته، وأن يحلف بكل ما يحلف به، وسرعان ما يظهر كذبه ومينه وحنثه، ومع هذا ~~وهذا لا يبض جبينه بقطرة واحدة من خجل أو حياء؛ بل إنه ليقاومك في ألوان من الحديث كأن لم ~~يحمل وزرا ولم يقترف إثما، ولم يأت أي شيء مما يعاب به الناس! # وإن مما يستدعي العجب الأعجب، بل إن مما يثير الفزع الأفزع أن أكثر الناس حتى المتعلمين ~~المثقفين منهم، لا ينكرون هذا على أولئك الباعة ولا يزجرونهم، ولا يظهرون الاشمئزاز منهم، ~~ولا ينهونهم عن العودة ms102 لمثله! # وإن اطراد ذلك من جمهرة الباعة، واطراد هذا من جمهرة المشترين ليبعث على الحكم، مع الخجل ~~الشديد بأن الغش والكذب والحنث بأغلظ الأيمان، هو من العرف المعروف في هذه البلاد. # ومن الحق الذي لا يعتريه شك الحق المؤلم الموجع، أن هذه الطبقة الدنيا في بلادنا - على ~~وجه عام - لا تشعر البتة بشيء يدعى الضمير؛ يغشك البائع في السلعة، وإذا استطاع طفف الكيل ~~أو أخسر الميزان، ثم تراه يكذب في القول ويحنث في اليمن، ما يجد لشيء من ذلك ألما، ولا يحس ~~له خجلا ولا ندما، إنه لا يحس شيئا من ذلك البتة، بل إن نجاحه في غشه وزيفه واستراحة ~~الناس إلى كواذب أيمانه لمما يبعث فيه عجبا وأريحيه، حتى إذا خلا إلى أمثاله وأكفائه جعل ~~يباهي بذلك ويكاثر كما يتبارون هم أيضا في التباهي والتكاثر بما وقع لكل منهم من ~~مثله! # هذا هو الخطر الأعظم، يجرم المجرم ولا يرى أنه أتى شيئا، ولو قد شعر حتى أضعف الشعور بأن ~~في الجرم إثما، وأنه أمر مكروه لا يليق بالإنسان أن يقارفه، فإنه ولا ريب مما ييسر السبل ~~إلى إصلاح هذه النفوس، فإن بعث الضمائر من الرقود أهون على الداعين من خلقها من العدم، قلت: ~~إن غش الباعة وحنثهم بأغلظ الأيمان هو من العرف المعروف في هذه البلاد، وأذكر أن من قرابة ~~ثلاثين سنة، إذا كان موسم الخيار وأقبل الليل، صف باعته عرباتهم بجوار مسجد السيدة زينب - ~~رضي الله عنها - وعلى كل منها مصباح كبير وجعل كل منهم يصيح ملء لهاته بسمع مأمور القسم ومن ~~قبله من رجال الشحنة: «بالحلال خمسة وبالحرام ستة، يا جمع العصاري يا لوبية.» # ولقد رأيت هذا بعيني وسمعته بأذني، وإنما خصصت هذا المكان؛ لأن حي السيدة هو الحي الذي ~~نشأت فيه، ولا بد أن الأمر كان كذلك في سائر الأحياء. # بالحلال خمسة وبالحرام ستة! ولست بحاجة إلى أن أبين أن المراد بالحرام الوزن الناقص، ~~ومعنى هذا أن إخسار الميزان مما يجوز أن يقع عليه التعاقد بين ms103 البائعين والمشترين! وأحسب أن ~~هذا ما لا يقع له شبيه في أي بلد آخر من بلاد الله. # وأغلب الظن أن إمساك الباعة الآن عن عرض التصافق على الحرام، إنما مرجعه إلى خوف العقوبة ~~القانونية التي تغلظ عليهم هذه السنين في النقص من الموازين. # ولقد أبرزت في هذا الحديث جماعات البياعين؛ لأنهم يطالعون الناس في كل ساعة ويعترضونهم ~~بكل سبيل، على أننا لو بسطنا في آفاق النظر لراعنا أن نرى ما نرى من أكثر جماعات الصناع ومن ~~يعالجون ألوان الحرف في هذه البلاد، أما خلف المواعيد فهذا قدر مشترك بين الجميع. # وأما استبدال مادة رديئة بأخرى جيدة - وهي المتفق عليها في عقد الصفقة - وأما قلة العناية ~~بتجويد صنعة، وعدم التأنق فيها طوعا لمطالب الفن، فهذه الخلال يقع فيها الاختلاف بين ~~جماعات الصانعين. # وهذا الاختلاف يرجع في الغالب إلى يقظة المستصنع من جهة، وإلى كفاية القائم على شأن ~~الصناع ومبلغ حرصه على السمعة من جهة أخرى، أما الضمير، الضمير وحده فلا غرو عليك إذا ~~أسقطته من الحساب! # وبعد، فإن العلة الحقيقة لمعظم ما نشكو من التدهور الخلقي هي شيوع الكذب، وإن شئت الدقة ~~قلت: هي أننا على الجملة لا ننزل الكذب المنزلة الحقيقة به من الإنكار والاستفظاع، ولا ~~نحتفل للنهي عنه فضلا عن المبادرة بالعقوبة عليه. # وشيوع الكذب - مع الأسف العظيم - ليس مقصورا على الطبقة الدنيا من الناس؛ بل لقد عدا على ~~الكثير ممن أخذوا بحظ من العلم والتهذيب حتى لقد ترى الرجل أو الفتى يكذب في غير حاجة ملجئة ~~إلى الكذب، أو لدفع ما إن دفعه بالصدق والصراحة لم يمسه من غوائله شر كبير ولا صغير! # ولو أننا ننزل الكذب منزلته التي مهدتها له قواعد الأخلاق ما أسفناه في هذا اليسر ~~العظيم! # وأثر الكذب وعدم الاكتراث بالإقدام عليه يختلف باختلاف الناس، وحظ كل منهم من التربية ~~والتفكير والنظر إلى عواقب الأمور، ولهذا تراه في بعضهم يسهل ارتكاب أفظع الجرائم إذ هو لا ~~يعدو في سواها إلا على التافه من المخالفة لقواعد ms104 الأخلاق، وبين هذين الحدين مراتب تتفاوت ~~طوعا لتلك الخلال في الناس. # البيئة عندنا لا تحارب الكذب بل لا تكاد تنكره، وإني لأكره أن أقول: إن كثيرين من الآباء ~~والأمهات في بلادنا يحملون الولد عليه، وقد يضطرونهم إليه. # وإذا قدرت أن قوام عيش الجماعات هو الثقة، فانظر كيف يعيش معشر لا ثقة لأحد فيهم بأحد؛ ~~لأنهم بين كاذب ومكذب لا يركن من صاحبه إلا على حذر وارتياب! # فالنجدة، النجدة! يا معشر القائمين على تربية النشء وعلى حراسة الأخلاق. # | فن الإعلان # وهل بقي من لا يؤمن بأن الإعلان أصبح فنا له كسائر الفنون، قواعد وأصول؟ بلى! هو فن له ~~أثر وله خطر، يتدارسه طلابه ويستذكرون مسائله وقضاياه، ويراجعون الأساتيذ في ما يتبهم ~~عليهم من تلك المسائل، ويتبارون في حذقه وتجويده، حتى يبلغ بعضهم فيه رتبة العبقرية ~~والنبوغ. # وما لفن الإعلان لا يكون له هذا الشأن وأجل من هذا الشأن، وهو الوسيلة الفذة إلى تحريك ~~التجارات ونفاق الأسواق، وإيثار الفتى، وذهاب الصيت في كل مكان، بل لقد يكون إحسان الإعلان ~~أهم الداعيات إلى ميل جماعات الدول إلى دولة، وصفو قلوب الأمم إلى أمة، واصطفافها على عدوها ~~مهما يكن خطبه، ومن شأن هذا العطف وهذا البغض أن يبعث على الإمداد بألوان المعونة المادية ~~من جهة، والكيد بالمنع والمضارة من الجهة الأخرى، مما يساعد على النصر ويعجل للخصم الغلب ~~والقهر. # وروي أن سائلا سأل المثري العظيم المستر فورد صاحب مصانع السيارات المعروفة باسمه: لو ~~تجردت من الغنى ولم يبق في يدك إلا ألف جنيه، فما عسى أن تصنع؟ فقال: أخرج منها أولا ~~سبعمائة وخمسين للإعلان وأستأنف السعي في الحياة بالباقي! # ولقد أدركت مصر حظ فن الإعلان وأثره البعيد في المطالب الخاصة والعامة، فجعل سكانها أو من ~~يعنيهم الأمر من سكانها، يتبارون في تجويد الإعلان ومد رواقه، وبسط آفاقه حتى بذوا ~~الأمريكان، وكانوا مضرب المثل في هذا الشأن! # وأرجو ألا تتعاظمك هذه الدعوى، فتعجل بالحكم علي بالتزيد أو الغلو، فسأقيم لك الدليل، ~~إن شاء الله! # ولنمض ms105 أولا فيما كنا فيه من أثر الإعلان، سواء في استخراج الأموال، أو في استدراج ~~العواطف بشتى الأساليب، ولقد تكون ماضيا في طريقك، ما بك أن تشتري أي شيء، فيميل بصرك إلى ~~معرض من معارض بعض الدكاكين - الفترينات - فيستهويك بعض السلع المعروضة بجمال شكلها، بل ~~بجمال وضعها في بعض الأحيان، فتتقدم لابتياعها مهما يجشمك الثمن، وهذا كما أسلفنا من أثر ~~جودة الإعلان. # ولست بحاجة إلى من يقول لك: إن جميع مدن المملكة المصرية، لا فرق بين كبيرها وصغيرها، ~~دانيها وقاصيها أصبحت تزخر بفنون الإعلانات، فهذه الصحف السيارة والمجلات الدورية وغير ~~الدورية، تسيل أنهارها بالإعلان وهذه جدران المباني العامة والخاصة لا يكاد يعرى متر مربع ~~فيها من الإعلان، بين مطبوع على الأوراق أو مكتوب على الحائط، أو متألق في أعلى المباني ~~بنور الكهرباء، دع آلاف الإعلانات التي يلقاك بها الموزعون في كل سبيلها، والإعلانات ~~الصوتية - الميكرفون - التي تجول بها السيارات في الطرق والأسواق ... إلخ. # ومن أظرف ما يذكر في هذا المقام أن للحكومة معهدا كبيرا يقع على شارع من الشوارع ~~الرئيسية في قلب القاهرة، وسور هذا المعهد يمتد إلى مسافة كبيرة من جانب الشارع، وقد بدا ~~للقائمين على تكليسه - بياضه - أن يبالغوا في تزيينه وتبهيجه بتقسيمه إلى مربعات متساوية ~~المساحة، ولم يمض على هذا التزيين والتبهيج بضعة أسابيع بل بضعة أيام، حتى كانت جميع هذه ~~المربعات محلاة بالإعلانات المختلفة، ما خلا مربعا واحدا لا أدري لماذا ترك المسكين ~~عريان، لا أثر للنقش ولا للكتابة فيه! # فهناك المهلك، والمبيد، والبط، وورنيش العمدة، وطربوش النسر ... إلخ. ومن العجيب أنها كلها ~~مكتوبة بالحبر الأسود وبأردأ الخطوط، حتى يخيل إليك أنها منضوحة بوعاء الحبر نضحا لم تجر ~~بها أنامل، أستغفر الله بل أكف الكاتبين! # وطال الزمن على هذا ثم طال، وأخيرا يظهر أن القائمين على شأن هذا المعهد الحكومي قد عز ~~عليهم أن يبقى ذلك المربع فذا بين سائر المربعات، فاستخاروا الله وكتبوا فيه: «ممنوع لصق ~~الإعلانات.» # ولقد زعمت لك أن مصر قد برعت أمريكا فضلا ms106 عن أوروبا في فن الإعلان، واستنظرتك الدليل ~~فهاكه الآن. # لعلك تعرف ولعلك لا تعرف أن الأطباء لا يعلنون عن شأنهم بأية وسيلة من الوسائل في بعض ~~البلاد الأوروبية، ولا شك في أن هذا من الجهل بفن الإعلان الناشئ عن الجهل بفوائد الإعلان، ~~فإذا أحلت الأمر على أن القانون في تلك البلاد يحظر الإعلان على الأطباء، فما كان عسيرا ~~عليهم لو أرادوا السعي إلى إلغاء هذا القانون؛ ليفيدوا ما شاء الله من طيبات ~~الإعلان. # أما عندنا ففوق إعلانات الأطباء والمحامين في الصحف السائرة وغير السائرة، فلقد ترى ~~«اليافطة» الطويلة العريضة مرفوعة على ساريتين تطاولان السحاب، وهذه على جانب الشارع ~~الرئيسي، ثم أخرى على مدخل الشارع الفرعي، ثم ثالثة على ناصية المنعطف، ثم رابعة على صدغ ~~العمارة، وكلما انعطف بك السلم رفعت لبصرك «يافطة»، وهكذا حتى تبلغ باب العيادة أو المكتب، ~~فإذا هو مرصع بجمهرة من «اليافطات»، المختلفة الأشكال والخطوط والأحجام. # ولا يبعد أن يتقدم فن الإعلان في بلادنا حتى يخترع شباكا سحرية تصطاد الزبائن، وتسحبهم ~~في لطف ودعة، حتى نصل بهم إلى العيادة أو المكتب في أمان، وما شاء الله كان! # وأبدع من هذا وأبرع أن يعلن الطبيب أنه إذا لم يكشف عن المرض في 48 ساعة فقط، فإنه يرد ~~إلى العليل ما دفع من النقود. # أرأيت مثلا أبلغ من ذلك في الكفاية والثقة بالنفس، والتمكن من الفن والقدرة المستيقنة ~~على شفاء العلل، مهما تعاصت في 48 ساعة لا تزيد ولو دقيقة واحدة من الزمان؟ # ولولا فضل الإعلان ما تسنى للذين ضربتهم العلل، وقست عليهم الأسقام وألحت الأوجاع والآلام ~~أن يبرءوا من عللهم، ويتخلصوا من آلامهم وأوجاعهم في مثل هذا الزمن اليسير، والشفاء مكفول، ~~وإلا فالمال مردود، وموفى غير منقوص. # ومن الآيات التي تشهد لمصر بالبراعة والفوقان في فن الإعلان، أنك ترى صاحب مصنع الأثاث ~~مثلا، يجلو صورته هو بدل أن يجلو عليك صورة كرسي، أو سرير، أو ثريا، أو صندوق، أو منضد ~~«ترابيزة»، فإن الإنسان، من غير شك، أكرم وأشرف ms107 من كل ما على وجه الأرض من صنع الإنسان، ثم ~~إنه من غير شك أيضا، أحسن خلقا وأجمل شكلا من كل ما أخرجت مصانع الشرق والغرب من فاخر ~~السرر والكراسي والصناديق والثريات والأنضاد، أليس قد قال الله تعالى في كتابه الكريم: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ~~، # 1 # صدق الله العظيم. # أما التبريز في العبقريات وإصابة غاية الغايات، ففي التفات صاحب المطعم عن أن يصور في ~~إعلانه عن طعامه حملا مشويا، أو أرنبا بريا، أو ديكا روميا، أو سمكا طريا، أو ~~طاجنا «فرنيا»، أو ثمرا جنيا، أو كامخا شهيا، أو نحو ذلك مما يزعمون أنه يبعث ~~الشهوة إلى الطعام، ويحفز المعدة للازدراد والالتقام، بل تراه لا يلتفت في إعلانه عن هذا ~~الكلام الفارغ، ويصور شخصه هو وعلى ثغره ابتسامة أحلى وأشهى من كل ما أنضجت الأفران من حلوى ~~وسمك ولحمان، ومن كل ما حملت الأغصان من فاكهة ونخل ورمان. # أصدقت بعد هذا أننا قد بززنا الأمريكان في فن الإعلان؟ # | التأمين على الموت # وسيأخذك العجب حين يقع بصرك على هذا العنوان، وستوجه الأمر على الخطأ، فتظن أنني أردت أن ~~أقول: «التأمين على الحياة» فقلت: «التأمين على الموت» فبين الحياة والموت تضاد، والتضاد من ~~أقوى العلاقات، وقد يتبادر إليك الظن بأنني أعبث أو أمزح بقلب المعنى، والدلالة بالنقيض على ~~النقيض! # أنني أؤكد لك يا سيدي القارئ أنني لم تلحقني خطأ، ولم يزلقني غلط فقد تحريت هذا القول ~~تحريا وتعمدته تعمدا، وأؤكد لك ثانيا أنني لا أقصد إلى عبث ولا إلى مزاح، فالأمر أجل من ~~ذلك وأعظم، وستعلمن نبأه بعد حين! # فإذا استشرفت نفسك إلى علالة تبل بها الصدا، أو لمجة - تصبيرة - تشد بها المتن حتى يأتي ~~الوقت المقسوم للبيان، فلا بأس علي بذاك، إذن فاعلم علمك الله الخير وحجب عنك المكروه أنه ~~لن يطوى من الزمن طويل حتى تقوم في مصر شركات «للتأمين على الموت» بجانب شركات «التأمين ~~على الحياة»! # ولأول مرة تسبق مصر العالم جميعا في ابتكار هذا اللون من النظم ms108 المالية، بل إنها ستثتأثر ~~بهذا النظام دون العالم جميعا! # وبعد، فلقد تعلم أن في مصر أزمة زواج تشتد عاما بعد عام، وهذه الأزمة تنحصر في المدن، لم ~~تطرق القرى والحمد لله! # ولقد زعمت في بعض مقامات الكلام - لا أدري أفي الراديو أم في بعض الصحف أم فيهما كليهما - ~~زعمت أن هذه الأزمة ترجع إلى أسباب عدة، أهمها ما أصبحت تقتضي حياة الزوجية في هذا العصر من ~~جليل النفقات. # كانت البنت من أوساط الناس إذا تزوجت لا تكاد تجشم الزوج أو أولياءه شيئا، فطعامها من ~~طعام أهل الدار، وكسوتها إزاران ورداءان في العام، وما حاجتها إلى حذاء وهي حلس خدرها طوال ~~الأيام؟ إذن في الكوث - الشبشب - على رأي أستاذنا العلامة الشيخ مهدي خليل، إذن ففي الكوث ~~والقبقاب غنى وكفاية. # ثم إنها توفر على الأحماء أجور الخدم وسائر تكاليفهم بما تقوم به من العجن والخبز، ~~والطهي، وغسل الثياب، وكنس الأرض، ونفض الأثاث، وتقديم القهوة للزائرات، وصنعها للزائرين، ~~وخدمة الطفل الصغار ... إلخ. # والآن لا تحسن البنت الحضرية شيئا من هذا وقد لا تعرفه، وإن عرفته وأحسنته لا ترضى بأن ~~تعالجه أنفة وحفظا للكرامة، ودعنا من الأنفة والكرامة، وحدثني بعيشك متى تضطلع البنت أو ~~الزوجة الحضرية بهذا أو ببعضه، ولا بد لها كل يوم من غشيان السينما وغيرها من دور التسلية ~~والترويح؟ ولا بد لمن يسهر الليل من أن ينام صدرا من النهار، ولقد يتصرم سائره في الاختلاف ~~إلى الخياطة، ومتاجر الثياب والزينة، وزيارة الأصدقاء والأتراب، والتفرج في المنتزهات في ~~صحبة الزواج أو بعض ذوي الأرحام، واستقبال الضيفان، وناهيك بما يستهلك من الوقت بعض النهار ~~ومهبط الليل في التجمل والتزين، وتصفيف الشعر طوعا لآخر بدع - مودة - سواء جرى ذلك في ~~البيت أو في دكان الحلاق، ولا بد أن يكون لقراءة الروايات من مساحة اليوم حظ غير ~~قليل. # ثم إن هذا وهذا وهذا لقد ضاعف نفقات الزوجية أضعافا كثيرة، فللسينما وسواها من دور ~~التسلية أجر، والركوب في الغدو والرواح أجر، ولتنظيم شعر الرأس # coiffure # أجر، ms109 ولا تنس تشذيب أصابع اليدين وصبغهما # manicure ~~، فلذلك كذلك أجر. # وإياك أن تسقط من الموازنة بين نفقات المعيشة اليوم ونفقاتها بالأمس، إن تلك المخدورة في ~~الدار طوال الأيام في غير حاجة إلى الاستكثار من الثياب ولا تعديد الألوان ولا الإغلاء في ~~الأثمان، أما سيدة اليوم وفتاته فإن موجبات الأناقة، أو على التعبير العامي الشائع ~~«الشياكة» لتقتضيها ألا تختلف عليها الأنظار وهي في ثوب واحد، بل لو استطاعت لاتخذت كل يوم ~~من الثياب والأحذية جديدا، ولبست مستحدثا طريفا، بل إن من السيدات لمن تأنف أن تضع عليها ~~من الثياب في الليل ما وضعت بالنهار. # والحاصل أنك إذا جمعت هذه النفقات الهائلة إلى الخسارة المالية الناشئة عن هجر السيدات ~~للقيام بتدبير المنزل، ونفورهن من الاطلاع بشئون البيت، تجلى لك وجه العذر في إعراض الشبان ~~عن الزواج في هذه الأيام، وكيف لهم بالمال الذي يكافئ هذه النفقات الجسام فوق ما تجشمهم ~~تكاليف السكن ونفقات الطعام! # نعم، لقد أعرضت عن الزواج كثرة الشبان الذين يجرون على عرق من التثقيف والتهذيب؛ لأن ~~عائداتهم - أو مواردهم بالتعبير الحديث - لا تفي بحاجاتهم الكثار الثقال في هذا الزمان، ~~فإذا فكر أحدهم في تحصين نصف دينه اقترن هذا التفكير بالتماس الزوج ذات المال؛ لتعينه ~~بمالها على شأنه وتضع عنه بعض حمله، فإذا لم يكن لها مال حاضر فحسبه غنى الأب أو الأم ~~وإنهما إذا لم يعينا في الحاضر، ففي ميراث أحدهما أو كليهما عزاء وشد للمتن، وعون على ~~موالاة السير في طريق هذه الحياة. # وإنني أعرف أن كثيرين من الشبان لم تطلب نفوسهم بتوثيق عقدة الزواج إلا بعد أن أخرج لهم ~~الأحماء حجج أملاكهم، إن أطيانا زراعية وإن أبنية قائمة، فاطمأنوا إلى صحتها واستيفائها ~~لشروط عقود الملكية، وربما مضى أحدهم في سر من أولياء الفتاة إلى المحكمة المختلطة، فاستخرج ~~الشهادات العقارية الدالة على خلو الأعيان من كل رهن أو اختصاص أو امتياز، حتى يقبل مطمئن ~~الضمير على الزواج. # ولكن! ... آه ولكن! ... ولكن من ذا الذي يضمن أن تقصر آجال ms110 هؤلاء الأصحاء، لتحق التعزية ويعجل ~~المقدور بالرجاء؟ وما يدرينا لعل أعمارهم تطول وتطول، حتى يقيموا هم المناحات على البنات ~~وأبناء البنات؟ # إذن فينبغي أن يضاف إلى الاطمئنان على صحة عقود الملكية الاطمئنان إلى أن الرجل قد أسن ~~وهرم، وتزاحفت عليه العلل من كل جانب؛ ليضمن العريس أن أيام حميه في الدنيا غير محدودة، وأن ~~خطاه إلى الضريح أصبحت إن شاء الله معدودة ! # وإني لأعرف رجلا واسع الغنى ذا وقار ودين، له بنت أوفت على غاية من الجمال والرشاقة وحسن ~~الأدب، وقد أخذت بحظ من علوم العصر وفن تدبير المنزل، وأسرة هذا الرجل على استنارتها وقوة ~~ثقافتها ما برحت تحافظ على جميع التقاليد التي تحرص عليها كل أسرة تشعر بالكرامة والاحترام ~~في هذه البلاد. # ويتقدم شاب موظف في الحكومة لخطبة الفتاة وترضى الأم في سر من بعلها بإخراج أسانيد ~~الملكية للخاطب، وأنت خبير بلهفة الأمهات على تزويج البنات، وبعد إجراء اللازم من فحص هذه ~~المستندات ومراجعة دفاتر المحكمة المختلطة، والاطمئنان إلى أن الأعيان نظيفة لم يعلق بها ~~شيء من الحقوق وحينئذ صرف عنان السعي إلى تفقد صحة حميه العزيز. # وأول ما بدا له من هذا أن يجعل لإحدى خدم الدار جعلا على أن تريه مناديل البك التي في ~~طريقها إلى الغسل، فتظاهرت الخادم بالرضى وواعدته زمانا ومكانا، ومضت من فورها إلى سيدتها ~~فأخبرتها الخبر، فأشارت إليها أن افعلي، وحذرتها مطالعة سيدها بذاك. # وما أشد خيبة المسكين إذ يبسط المناديل كلها ظهرا وبطنا، ويحد النظر في خيوطها خيطا ~~فخيطا، حتى يكاد من شدة التحديق ينقض نسجها نقضا، فلا يرى في أيها أثر الدم من نفثة صدر، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # وما له ييأس؟ وما له يقنط؟ أفكتب على الناس ألا يموتوا إلا بذات الصدر؟ وإذا كان السل ~~معجلا للآجال، فلا شك في أن السكر والزلال من حبائل عزرائيل. # وهنا تقوم مشكلة، فإن أخذ النماذج - العينات - من بول الرجل لتحليلها يقتضي ولا بد علمه ~~ورضاه فليس للأبوال شأن المناديل، ms111 إذن لم يبق إلا اتخاذ الصراحة، ولا شك أن كل زواج لا ~~تقوم وسائله على الصراحة لا خير فيه، بل قل أن يكفل له بقاء. وما كاد الرجل يسأل في هذا ~~حتى ثار ثائره وجن جنونه، وهم بالبطش بالرسول لولا أن أسعفته ساقاه بالفرار، وأرسل البك في ~~دعوة ابن أخيه غير المتعلم وعقد له على ابنته لساعته. # وبعد، فليس كل الناس بقادر على أن يرغم ابنته على الزواج من قريبه، واقعا شأنه في الحياة ~~ومن هوى الفتاة حيث وقع، وليس كل الناس بقادر إذا طاب له على أن يعضل ابنته حتى تشيخ وتعنس، ~~وليست الآجال بأيدي الخلق حتى يعجل الآباء الموسرون بآجالهم؛ ليتقدم لبناتهم الخاطبون من ~~شباب هذا الزمان. # إذن لم يبق إلا حل واحد لهذه المشكلة الاجتماعية التي تعانيها مصر في هذه السنين، حل ~~واحد يستدرج الشبان للزواج، ولا بأس به على البنات ولا على آباء البنات، بل إنه فوق هذا ~~وهذا ليفسح في النظام الاقتصادي ويضيق من مساحة العطلة في البلاد. # وهذا الحل الفذ الذي لا حل قبله ولا بعده، هو أن تؤسس في مصر شركة أو شركات للتأمين على ~~الموت تقوم بجانب شركات للتأمين على الحياة، وهذه شركات التأمين على الموت - وقاك الله ~~البليات، وعصمك من خطبة الشباب للبنيات - تجري في معاملاتها على عكس ما تجري عليه شركات ~~التأمين على الحياة، وإليك البيان. # يؤمن الشاب الخاطب على موت حميه الموسر أو حماته الموسرة بمبلغ معين، يؤديه هو للشركة إذا ~~حم القضاء وحل إرث الأحماء، وذلك لقاء قسط شهري أو سنوي معين، تؤديه الشركات للشاب المؤمن، ~~وهذا القسط يقل ويكثر طوعا لمبلغ التأمين من جهة، وصحة الحم العزيز أو الحماة المحبوبة من ~~جهة أخرى، وبهذا النظام يكفل اليسر العاجل للشاب، والمغنم الآجل للشركة في حين لا يوتر ~~المرحوم أو المرحومة في زيف ولا صحيح، اللهم وهو ملحود في الضريح، وإن من قد دس في التراب ~~لفي شغل بحساب غير هذا الحساب! # ولعلك قد وفقت على هذا النظام المالي ms112 البديع في غير حاجة إلى من يزعم أن أحسن «زبائن» ~~الشركة وأولاهم بالأغلاء في الأقساط وأجورهم بعدم المبالغة في مقدار التأمين، وهم الذين ~~شاعت فيهم الأسقام وألحت عليهم العلل ومن خنقتهم الذبحة أو أبطلهم الشلل، فإذا كان في البول ~~سكر أو زلال فقد تراءت المنى وتدانت الآمال، وإذا كان مع السكر أستون # acétone # فالحظ مكفول مضمون، وإذا كان في الزلال سلندر # cylindre ~~، فذلك السعد الذي لا يقدر، إذن فقد حق اليسر والبسط ~~وهبط التأمين وارتفع القسط، والله يرزق من يشاء بغير حساب، ولو من طريق العلل والأسقام ~~والأوصاب! # فليبتهل إلى الله من شاء من ذوي اليسار أن ينعم عليه بالعلل التي تقصف الأعمار، حتى يفرح ~~بالأكفاء الظرفاء من الأصهار، دون أن يوثر من درهم ولا دينار، فاللهم قنا الغنى في الدنيا ~~وقنا في الآخرة عذاب النار. # | شركة تنشيف الريق # أكثرت الصحف في هذه الأيام من ذكر مقابلات لحضرة صاحب المعالي وزير الأشغال، خاصة بتخفيض ~~ثمن المياه في القاهرة، كما تردد خبر اجتماعات اللجنة المؤلفة لهذا الغرض من قديم الزمان ~~وسالف العصر والأوان؟ ولقد زعم لي زاعم من المؤرخين أصحاب الإحصاء أن اجتماعها الأخير كان ~~الاجتماع ال 411. # فترى هل آن أن ينجح المسعى وتحط الشركة من أثمان الماء، فقد مضى على سكان القاهرة ستون ~~عاما، وستون عاما غير قليل، وهم يغصون بماء النيل، وكأن الشاعر كان ينظر بلحظ الغيب إلى ~~القاهريين وما يعانون من شركة المياه حين قال: # نفر إلى الشراب إذا غصصنا # فكيف إذا غصصنا بالشراب؟ # ترى هل ينجح السعي هذه المرة، ويحق لساكن القاهرة أن يتمثل بقول الشاعر: # فساغ لي الشراب وكنت قبلا # أكاد أغص بالماء الفرات؟ # يا قومنا، أقسم لكم بالله - تعالى - غير حانث ولا آثم، إن الشركة ليست تأتينا بالماء من ~~إفيان، ولا من إكس ليبان، ولا من فيشي ولا من بلاد اليابان حتى يلتمس لها العذر، بنفقات ~~النقل في البر والبحر، أجور الحزم واللف والتعبئة والصف، والتأمين خوف الغرق والحريق، وما ~~عسى أن يدركه من العطب ms113 في أثناء الطريق، وناهيكم بحساب ما قد يكسد في الأسواق منه، وما قد ~~يبور في المتاجر بانصراف الهواة عنه، ومن يدري فلربما ظهرت «ماركة» ماء جديد، أو «موديل» ~~سنة 1938 أو 1939 فيها من المزايا ليس في هذا الماء، في ري العطاش وبل صدى الظماء! # ليست تجيء بشيء من هذا حتى تغلو هذا الغلو في الأسعار، توقيا للنفقات وتوقيا للخسائر، ~~إنما تدفع إلينا الماء من نيلنا الذي يشق مدينتنا، والذي يجري بين أيدينا، والذي طالما طفى ~~وزاد حتى أغرق البلاد، وأهلك العباد وأتى على اليابسة والخضراء، وألقى بربات الخدور إلى متن ~~العراء، بل إن من يرى متدفقه في دمياط أو في رشيد ليحسب أنه ماض لري العالم القديم والعالم ~~الجديد، وتراه يغذو في شمالنا وجنوبنا ألف ترعة، فإذا جاز بنا ضيقت الشركة ذرعه، وباعتنا ~~ماءه «بالشربة» والجرعة! حتى أصبحنا ونحن نغدو على حفتيه ونروح، نتناشد قول ~~الشاعر: # يا سرحة الماء قد سدت موارده # أما إليك طريق غير مسدود؟ # حقا يا سيدتي الشركة، لقد سامتنا «عداداتك» رهقا وعذابا، وجرعتنا من نيلنا علقما ~~وصابا، وكان من قبل سكرا مذابا، وكان شهد أو جلابا، لقد ساغ وردا وحلا شرابا! # حقا يا سيدتي الشركة، إنك لتروقين الماء ولكنك تعكرين النفوس، وتملئين الآنية ولكنك ~~تخلين الجيوب حتى من الفلوس! # يا سبحان الله، يا شركة! تعطيننا الماء وتقتضين الذهب، ولو كان مالنا نيلا لجف يا شركة ~~من كثرة النزع ونضب! # ارحمينا، يا شركة واعملي معنا بالمثل الذي قالته العامة من قديم الزمان: «المية ما تفوتش ~~على عطشان!» # وبعد، فعندي يا سيدتي الشركة أكثر من هذا، ولكن في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ~~ماء؟ # ونرجع إلى سياقة الحديث فنقول: أما آن لوزارة الأشغال أن تنجز الوعود، ولشركة المياه أن ~~تعدل عن دلها المعهود، فتترفق في ثمن الماء، وتخفف عن كواهلنا ما يهددها من الأعباء، فقد ~~اعترانا الداء من ناحية الدواء ولله در شاعر الغبراء: # من غص داوى بشرب الماء غصته # فكيف حال الذي قد غص ms114 بالماء؟ # فإن فعلت، وإلا فقد طابت الهجرة إلى البراري والقفار، لنتعوض عن ماء النيل ماء الآبار ~~والأمطار، وإني لأخشى أن تلاحقنا الشركة هناك، وتبسط علينا سوط الاشتراك، بعد أن تحوز ماء ~~الغمام في مواسير، وتختم بالعداد على كل بير، فالشركة وراءنا ولو تعلقنا بالسحاب أو تدسسنا ~~في التراب، وأمرنا إلى من له المرجع والمآب! # أرجو أن تنصفينا يا شركة المياه، وتفرجي عنا من هذا الضيق، وإلا لاضطررنا إلى أن ندعوك ~~«شركة تنشيف الريق» والسلام. # | بين الأدب والحرب # لا غرو علي إذا زعمت أن الأدب ليس مدينا لشيء من الأشياء بقدر ما هو مدين للحروب، ~~هو مدين لها في قوته وازدهاره وسعة آفاقه، وكثرة تصرفه في فنون المعاني وتقلبه في شتى ~~الأغراض. # لقد دخل حديث الحروب وأسبابها وما يتصل بها في أكثر أبواب الأدب، واحتل منها المكان ~~الأوقع بما له من شدة القول وجزالة اللفظ، وتلاحم النسيج، وإشراق الديباجة، ورقة التشبيه، ~~وبراعة التخييل، ولك أن تقلب النظر في أبواب الأدب لتدرك كيف أمد حديث الحروب وغذى، وكيف ~~أعز وأغنى، وما ولد من المعاني واستحدث من الصيغ وأجد من رائع الكلام، وإنك لتجري هذا الحكم ~~بدرجة سواء على أبواب الوصف والفخر وما إليه من الحماسة والمديح، والرثاء والهجاء حتى ~~الغزل، وأي شيء لعمري وراء ذلك من أبواب الآداب؟ # ولم يقتصر تصرف البلاغات الحربية على أحد الفنين، بل لقد شاعت في النظم والنثر جميعا، ~~وكان في الذروة بالضرورة منها ما جاء به القرآن الكريم، ويأتي بعد ذلك كلام النبي - عليه ~~الصلاة والسلام. # وبعد، فلقد قالت العرب وقال المستعربون في وصف الحروب وجياد الخيل، والسلاح، ووصف ~~الشجعان، والخوارين الجبناء، كما قالوا في الصبر والإقدام، والمكيدة في الحرب، والتحفظ على ~~العدو، وناهيك ما تفاخروا به من الشجاعة وتكاثروا، وما تذاموا به من الجبن وتعايروا، وما ~~مدحوا به الكماة فأبعوا في الثناء، وما رثوا به قتلى الحروب فأفلقوا في الرثاء، وذلك إلى ما ~~أثر في هذه الأبواب من حكم الحكماء، وما سار من أوامر القادة ووصايا ms115 الأمراء ... إلخ. # وإذا كان استقصاء ما قيل في الحروب وأسبابها وما يتصل بها مما يتجاوز جهد الطاقة، وإذا ~~كان الإتيان على ما جاءت به كتب الأدب والتاريخ والسير مما لا يحتمله مقال، بل إن محله ~~الأسفار الصخام، فإن من الحق علينا أن نأتي بألوان من النماذج في هذه الأبواب، ولنبدأ ببعض ~~ما ورد في القرآن العزيز: # بسم الله الرحمن الرحيم # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ~~. # 1 # وقال جل وعلا: # كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~. # 2 # وقال: # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ~~أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ~~. # 3 # وقال: # والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا ~~أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو ~~خير الرازقين ~~. # 4 # وقال: # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ~~، # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم # 5 # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ~~. # 6 # وقال: # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ~~ وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ~~. # 7 # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~. # 8 # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم ~~من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~. # 9 # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم ~~. # 10 # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~. # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم ~~. # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~حتى إذا أثخنتموهم # 11 # فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع الحرب أوزارها ~~. # 12 # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن ~~يولهم يومئذ ms116 دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~. # 13 # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم لعلهم يذكرون * وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين ~~. # 14 # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ~~. # 15 # يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم ~~. # 16 # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح ~~مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~. # 17 # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين ~~. # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه ~~. # 18 # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا ~~لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا ~~شديدا ~~. # 19 # ونختتم ما أوردنا من آي الجهاد بما وصف القرآن به جياد الخيل في الغارة، قال - جل ~~مجده وتعالى ذكره: # والعاديات ضبحا # 20 ~~* فالموريات قدحا # 21 ~~* فالمغيرات صبحا # 22 ~~* فأثرن به نقعا # 23 ~~* فوسطن به جمعا ~~. # الله أكبر! هذه بلاغة تقطع دونها علائق ~~الأفلام، وليت شعري هل يعدل كلام الله كلام! # في الشجاعة والإقدام # والآن ننتقل إلى ما قيل في الشجاعة والإقدام، ونبدأ بما كان من خير الأنام، عليه ~~الصلاة والسلام: # روى الإمام البخاري بسنده أن رجلا سأل البراء ~~بن عازب - رضي الله عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ قال: نعم! لكن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # لم يفر، ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء، وأبو سفيان آخذ بلجامها، ~~والنبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: أنا النبي ms117 لا أكذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب. قيل: فما رئي ~~يومئذ أحد أشد منه، إلى أن قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يركض بغلته نحو الكفار. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: إنا كنا إذا حمي البأس، واحمرت الحدق، التقينا برسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي # صلى الله عليه وسلم # وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا، وقيل: كان الشجاع هو ~~الذي يقرب منه # صلى الله عليه وسلم # إذا دنا العدو لقربه منه. # وقال له أبي بن خلف حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك ~~عليها، فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: أنا أقتلك إن شاء الله! # فلما رآه يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاعترضه رجال من المسلمين، ~~فقال رسول الله: هكذا، أي: خلوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة، فانتفض بها ~~انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه في عنقه ~~طعنة قد أدى منها عن فرسه مرارا، فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمد، وهم يقولون: ألا بأس ~~بك، فقال: لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم! أليس قد قال: أنا أقتلك، والله لو بصق ~~علي لقتلني. # وهلك الخاسر في قفون قريش إلى مكة. # ومن أبلغ ما قال الشعراء في الشجاعة قول العباس بن مرداس السلمي: # أشد على الكتيبة لا أبالي # أحتفي كان فيها أم سواها # وقول المتنبي: # شجاع كأن الحرب عاشقة له # إذا زارها فدته بالخيل والرجل # وقول البحتري: # معشر أمسكت حلومهم الأر # ض وكادت لولاهم أن تميدا # فإذا الجدب جاء كانوا غيوثا # وإذا النقع ثار ثاروا أسودا # وكأن الإله قال لهم في ال # حرب: كونوا حجارة أو حديدا # وقول آخر: # قوم شراب سيوفهم ورماح # هم في كل معترك دم ms118 الأشراف # رجعت إليهم خيلهم بمعاشر # كل لكل جسيم أمر كاف # يتحننون إلى لقاء عدوهم # كتحنن الآلاف للآلاف # ويباشرون ظبى السيوف بأنفس # أمضى وأقطع من ظبى الأسياف # وقول آخر: # الضاربين بكل أبيض مخذم # والطاعنين مجامع الأضغان # في الجهاد والصبر على الشدائد # ومن أحسن ما قيل في فضل الجهاد والصبر على شدائده، قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الروحة ~~والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها.» و«الجنة تحت ظلال السيوف.» و«والذي ~~نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم ~~عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل ~~الله، ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل.» # وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يوم صفين، وقد قيل له: أتقاتل أهل الشام ~~الغداة، وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟ فقال: أبالموت تخوفونني؟ فوالله ما أبالي أسقطت ~~على الموت أم سقط الموت علي! بقية السيف أنمى عددا، وقيل له: إن درعك لا ظهر لها، ~~فقال: إذا استمكن عدوي من ظهري فلا يبقى! # وقال خالد بن الوليد عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع إلا فيه طعنة ~~برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت ~~البعير، فلا نامت أعين الجبناء! # وقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب: إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه، ~~إنا والله لا نموت حتفا، ولكن قعصا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف! # وقيل للمهلب بن أبي صفرة: إنك لتلقي نفسك في المهالك! فقال: إن لم آت الموت مسترسلا ~~أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، وتمثل بقول الحصين بن ~~الحمام: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد # لنفسي حياة مثل أن أتقدما # وهي قصيدة مشهورة منها: # فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا # ولكن على أقدامنا تقطر الدما # نفلق هاما ms119 من كرام أعزة # علينا وهم كانوا أعق وأظلما # وقال جرير: # قل للجبان إذا تأخر سرجه: # هل أنت من شرك المنية ناجي # وقال حبيب بن أبي أوس الطائي: # فأثبت في مستنقع الموت رجله # وقال لها: من تحت أخمصك الحشر # وقد كان فوت الموت سهلا فرده # إليه الحفاظ المرد الخلق الوعر # غدا غدوة والحمد نسج ردائه # فلم ينصرف إلا وأكفانه الآجر # تردى رداء الموت حمرا فما أتى # لها الليل إلا وهي من سندس خضر # في وصف الحرب # ومن أبلغ ما قيل في وصف الحرب: مشت الفحول مشي الوعول، فلما تصافحت السيوف، فغرت ~~المنايا أفواهها، وقول الشاعر: # كأن الأفق محفوف بنار # وتحت النار آساد تزير # وقول الآخر: # ويوم كأن المصطلين بحره وإن # لم يكن حجر وقوف على حجر # صبرنا له حتى تجلى وإنما # تفرج أيام الكريهة بالصبر # وقول حسان: # إذا ما غضبنا بأسيافنا # جعلنا الجماجم أغمادها # وقول التنوخي شاعر اليتيمة: # في موقف وقف الحمام ولم يزغ # عن ساحتيه وزاغت الأبصار # فقنا تسيل من الدماء على قنا # بطوالهن تقصف الأعمار # ورءوس أبطال تطاير بالظبى # فكأنها تحت الغبار غبار # وقول الشاعر: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية # هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # وقول بشار: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهادى كواكبه # ومن أبدع ما وصف به السيف قول البحتري: # يتناول الروح البعيد مناله # عفوا ويفتح في الفضاء المقفل # ماض وإن لم تمضه يد فارس # بطل ومصقول وإن لم يصقل # يغشى الوغى فالترس ليس بجنة # من حدة والدرع ليس بمعقل # مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى # لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل # وقول ابن المعتز: # ولي صارم فيه المنايا كوامن # فما ينتضي إلا لسفك دماء # ترى فوق متنيه الفرند كأنه # بقية غيم رق دون سماء # ومن أبدع ما قيل في الريح قول ابن تمام: # أنهيت أرواحه الأرماح إذا شرعت # فما ترد لريب الدهر عنه يد # كأنها وهي في الأوداج والفة # وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد # من كل أزرق نظار بلا نظر # إلى المقاتل ms120 ما في متنه أود # كأنه كان خدن الحب مذ زمن # فليس يعجزه قلب ولا كبد # ومن أروع ما قيل في الحرب، قصيدة أبي تمام التي مطلعها: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف # متونهن جلاء الشك والريب # وهي مشهورة ومنها: # لقد تركت أمير المؤمنين بها # للنار يوما ذليل الصخر والخشب # غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى # يشله وسطها صبح من اللهب # حتى كأن جلابيب الدجى رغبت # عن لونها أو كأن الشمس لم تغب # ضوء من النار والظلماء عاكفة # وظلمة من دخان في ضحى شحب # فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت # والشمس واجبة من ذا ولم تجب # تصرح الدهر تصريح الغمام لها # عن يوم هيجاء منها طاهر جنب # في الجبن والفرار # ومن أحسن ما ورد في صفة الجبن، والتعيير بالفرار والذعر قول حسان بن ثابت - رضي الله ~~عنه: # إن كنت كاذبة الذي حدثتني # فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة لم يقاتل دونهم # ونجا برأس طمرة ولجام # وقال المتنبي: # يرى الجبناء أن الجبن حزم # وتلك خديعة الطبع اللئيم # وقال غيره: # يفر جبان القوم عن عرس نفسه # ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه # وقال آخر: # وضاقت الأرض حتى إن هاربهم # إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # وقال جبان يتحدث عن نفسه: # قامت تشجعني هند فقلت لها: # إن الشجاعة مقرون بها العطب # لا والذي منع الأبصار رؤيته # ما يشتهي الموت عندي من له أرب # للحرب قوم أضل الله سعيهم # إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا # وقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدم، فقال: # وقالوا: تقدم، قلت: لست بفاعل # أخاف على فخارتي أن تحطما # فلو كان لي رأسان أتلفت واحدا # ولكن رأس إذا زال أعقما # وقال مثله: # تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها # فكيف أعدو إليها عاري الكفن # وقيل لأعرابي: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت ~~على فراشي، فكيف أمضي إليه ركضا؟ # وقيل لزيد: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ms121 إذا رأيت ~~شخصا بالليل فكن للإقدام عليه أولى منه عليك، فقال: أخاف أن يكون قد سمع الحديث قبلي ~~فأقع معه فيما أكره، وإنما الهرب خير. # وقالت عائشة - رضي الله عنها: إن لله خلقا قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت ~~معها، فأف للجبناء أف للجبناء! # ولقي غلام أعرابيا فارا من القتال فقال له: كيف تفر يا عم من لقاء العدو؟ قال: ~~يا بن أخي، كيف يكونون لي عدوا وما أعرفهم ولا يعرفونني؟ # وعير آخر الفرار فقال: لأن يقال: فر لعنه الله، خير من أن يقال: قتل رحمه ~~الله! # وكان أبو حية النميري من أجبن الناس وأكذبهم، وكان له سيف يسميه «لعاب المنية» ليس ~~بينه وبين الخشب فرق، روى بعضهم أن جارا لأبي حية حدثه فقال: # دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا، فأشرقت عليه وقد انتضى سيفه «لعاب المنية» ~~وهو واقف في وسط الدار، وهو يقول: أيها المغتر بنا المجترئ علينا بئس والله ما ~~اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به مشهورة ضربته لا ~~تخاف نبوته، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إني أدع قيسا إليك لا ~~تقم لها! وما قيس؟ تملأ والله الفضاء لفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله! ما ~~أكثرها وأطيبها! فبينما هو كذلك إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك ~~كلبا، وكفاني حربا! # في الغزل # ومن أجود ما أوصف صور الحرب إلى الشعراء في باب الغزل ما قال المتنبي: # يا بنت معتنق الفوارس في الوغى # لأبوك ثم أبر منك وأرحم! # وقال ابن هانئ الأندلسي: # لفتات لحظك أم سيوف أبيك # وكئوس خمر أم مراشف فيك؟ # أجلاد مرهفة وفتك محاجر # لا أنت راحمة ولا أهلوك! # يا بنت ذي البرد الطويل نجاده # أكذا يكون الحكم في ناديك؟ # وقال الشاعر: # رمتني وستر الله بيني وبينها # عشية آرام الكناس رميم # رميم التي قالت لجارات بيتها: # ضمنت لكم ألا يزال يهيم # ألا رب يوم لو رمتني رميتها # ولكن عهد بالنضال قديم # وقال عنترة: # ولقد ذكرتك والرماح ms122 نواهل # مني وبيض الهند تقطر من دمي # فوددت تقبيل السيوف؛ لأنها # لمعت كبارق ثغرك المتبسم # هذه نماذج يسيرة جدا جدا إذا أضيفت إلى ما قيل في الحرب وآلاتها وسائر أسبابها، ~~على أنها فيما أرى كافية حق الكفاية في الإبانة عن مبلغ ما أجدت الحروب على ~~الآداب. # وبعد، فلقد قال السابقون في الفوارس المعلمة والخيل المسوقة، والقسي الموتورة، ~~والسهام المنصولة، والقنا الحظية، والسيوف الهندوانية، كما قالوا في خزف المقاليع ورمي ~~المجانيق، وذلك كل ما شهدوا في زمانهم، وأدركوا من آلة حربهم وقتا لهم، ومع هذا فقد ~~أطالوا وأكثروا وأبدعوا فيما خيلوا وصوروا، وانتظموا البديع من الفصيح، وآتوا بالعاجب ~~من الصيغ، فضاعفوا ثروة العربية وأبعدوا آفاقها إلى غاية المدى. # فهل لنا أن ننظر من كتابنا وشعرائنا اليوم مثل هذا، وقد أجد العلم للحرب ما أجد مما ~~لا يكاد يحصيه عد، ما بين مزمزمات في جو السماء، ومدمدمات على متن الغبراء، وغائصات في ~~جوف الماء وسابحات على وجه الدأماء، وقاذفات من اللهب بأمثال الشهب وناضحات بالغاز ~~الخانقة، وراميات بالقنابل الناسفة والحارقة ... إلخ. ما أعد المعلم المجرم ولاكراته من ~~أهوال تشهد العالم أهوال القيامة. # | عبرة العبر # هذه الشمس تطالع العالم بجفنيها من جانب الأفق، وما تلبث أن تسلل منه رويدا رويدا، حتى ~~يستوي إطارها على متنه، وما تزال في خلال ذلك تضاعف ما ترسل على وجه الأرض من خيوطها ~~العسجدية، وكذلك ما تزال تمطل فيها وتبسطها من الشرق إلى الغرب، وهكذا تظل تحبو في مدرجها ~~إلى قبة الفلك، وكلما خطت بالزمن خطوة رأيتها تشتد وتترعرع ويسطع ضوءها، ويحمي وهجها إلى أن ~~تبلغ الندوة وتسوي على أعلى الأوج. # وأنت خبير بأنه ليس بعد الصعود إلا الهبوط، فهذه سنة الله تعالى في كونه، وكذلك تجري سنته ~~على هذا الكائن العظيم، فليس بعجيب أن يدعو الفلكيون هذه اللحظة، أعني لحظة استواء الشمس في ~~أعلى الأوج بالزوال، إذا كان بدء الزوال هو غاية الكمال! # وهذه الشمس تمشي إلى الغرب في منحدرها كذلك رويدا رويدا، كما تتداخلها الشيخوخة فالهرم ms123 ~~رويدا رويدا، حتى إذا كان اصفر لونها وبردت السن من جرمها، جعلت تتدلى في قبرها من مغرب ~~الأفق مستمهلة مستأنية، وهكذا تغيب في لحدها غير تاركة من التراث إلا صبابة من الذهب ~~المذاب، سرعان ما تتبخر في حلك الظلام، وقد تترك تراثها الغض على صفحة القمر، يرفد العلم به ~~بعض ليالي الشهر. # تلك سيرة الشمس كل يوم: ميلاد فترعرع ففتوة، فتباب وفراهة وقوة، وكهولة فشيخوخة فهرم، ~~فتدس في النهاية تحت الرجم، وسبحان الحي الذي لا يموت! # على أنها في جميع مراحل حياتها عاملة جادة جاهدة؛ لا تني عن السعي لحظة واحدة، فها هي ذي ~~تستنبت الأرض وتزكي الزرع وتبسق الشجر وتنضج الثمر، وتفتح من أكمامه الزهر، ثم ها هي ذي - ~~في عنفوانها - ما تفتأ تجتذب البخار عذبا سائغا من أجاج البحار، # 1 # حتى إذا انعقد سحابا سح فأخضل قفرا وأعشب يبابا، وهذه الأنهار الجارية ~~سموتها في أقطار الأرض تبعث أسباب الحياة لكل متهيئ للحياة، وكذلك لا ننسى أنها ما تبرح ~~تعمل عامة النهار في تطهير الأرض، مما يعلق بجسدها من الأخباث والأوضار، فأي عنصر لعمري من ~~حياة هذا العالم يمكن أن يغني عن الشمس؟ ألا إنها لمصدر الحياة جميعا، فحق للعالم أن يقول: ~~إنما الحياة الشمس وإنما الشمس الحياة! # أيتها الشمس! ما أحسنك وأجملك، وما أطيبك وأكرمك! تعملين لأول الدهر إلى غاية الدهر في ~~غير وني ولا سأم ولا ضجر ولا برم، ولا صلف ولا استعلاء، ولا زهو ولا كبرياء، ولو شاء الله ~~لأهلك بحرك بعض الأقوام، ولو قد شاء لأهلك بطول حجبك جميع الأنام! # وبعد، فما أخلق الذين يمسهم حظ من المجد في هذه الدنيا والذين يمسون صدرا من السلطان ~~فيها أن يبتغوا لسيرهم من سيرة هذه الشمس أعلى المثل، فيعملوا كل في محيطه للنفع العام في ~~جد ودأب مؤمنين كل الإيمان أن الموهبة والسلطان إنما ينبغي أن يكونا ملكا خالصا للمجموع ~~لا لأحد من الناس ولا لشيء من الأشياء. # على أن مما يفجع حقا أن كثرة من هؤلاء ms124 الذين ينالون مجدا ويولون سلطانا، سواء أكان ~~أقام من ثم لهم هذا في جماعة أم في شعب أم في شعوب، سرعان ما ينسون كل شيء؛ لأن الأثرة قد ~~ملكت من نفوسهم كل شيء فنفوسهم هي المبدأ، ونفوسهم هي الغاية حتى إذا أجالوا الفكر في منافع ~~الجماعات، فلا لأنهم يؤثرون لهذه الجمات نفعا أو يبتغون لها خيرا؛ بل لأنهم إنما يطلبون ~~من هذا السعي مراما لأنفسهم لا لشيء آخر، وقد يكون هذا المرام في أعف الصور هو إحراز ~~المجد، أما ما يقع من خير المجموع أو ما يحتمل أن يقع، فليس أكثر من طريق! # وكيفما كان الأمر، فإنه ما يكاد أحد هؤلاء يحس مجده ويستشعر سلطانه، حتى يورم أنفه، ~~ويتداخله من الصلف المخيلة ما يملأ اعتقادا بأن الرأي في الأمر ليس إلا ما يرى هو، وأن ما ~~سواه لا صلاح له ولا خير فيه، بل لقد يكون كله شرا وفسادا. # ولقد يشتد طغيان هذه الخلة على المرء، فيرى أن الناس لا ينبغي أن ينظروا إلا بعينيه، ولا ~~يسمعوا إلا بأذنه بل إنه ليرى أن من العبث الضار أن يجري فكرهم بغير ما يجري به فكره، وأن ~~تنتهي آراؤهم على غير ما ينتهي إليه رأيه فإذا خالفه امرؤ إلى غير هذا كان بين اثنين: إما ~~ملتاث ممخرق وإما معاند مكابر يجب أن يعجل له سوء العذاب! # وفي الحق أن أكثر من يغمرهم هذا الطغيان، إنما يرون ما يرون ويفعلون ما يفعلون عن ثبات ~~إيمان ورسوخ اعتقاد! # وما ظنك بمن تطبعهم شدة الأثرة على الإيمان بأنهم مبعوثون من لدن رب السموات لإصلاح ما ~~فسد في رقعة من الأرض أو في رقاع الأرض جميعا؟ فإليهم وحدهم عهد الله بالاضطلاع بهذا ~~المهم، وعليهم وحدهم تقع تبعة التقصير في علاجه، والراضي في إمضائه وإكمامه! # وهؤلاء لا يطلبون الأعوان والأنصار ليعاونوهم بصادق الرأي وصالح المشورة، ولكن ليعاونوهم ~~بقوة المظهر وإمضاء ما قضى به الوحي الذي لا يخطئ أبدا! # فإذا تعاظمك ما يختلف على هذا الرأي من عصور ms125 العتو والطغيان تخرب العامر، وتدمر القائم ~~وتقفر الآهل، وتراق فيها الدماء بغير حساب، وتزهق النفوس لغير سبب من الأسباب؛ إذا تعاظمك ~~هذا في عصور الدهر المتتابعة، فاعلم أن علته تلك الخلة الفاجرة في الإنسان! # وأمسى، لقد أتمت دورة الشمس حولا سلكته في عقد التاريخ أيضا، وآذنت العالم بفجر حول ~~جديد. # وإن ذاك العام المدبر وهذا العام المقبل، لهما - كما تعلم - من أعوام الهجرة، هجرة محمد # صلى الله عليه وسلم # وصاحبه من مكة إلى المدينة، وقد ساد بها الإسلام، فعد بسلطانه الأنام. # وبعد، فلست بحاجة إلى أن أحدثك عما كان قد غشي الأرض من ظلم وفساد، وتصدع في النفوس ~~وتضعضع في الأخلاق، حتى كاد يقضي على الأمم بعدم الصلاحية للبقاء، إلى أن بعث محمد من عند ~~الله حقا، فبلغ رساته إلى الناس كما أوحى إليه بهاربه حقا، فكان ما شهد التاريخ من ذلك ~~الفتح والإصلاح والإسعاد. # ولا أحب أن أطيل في وصف ذلك الإصلاح والإسعاد، فبحسبهما أن تنزل بآياتهما وحي كريم من عند ~~الله العلي العظيم. # وإنما أقف وقفة قصيرة عند سيرة من خلفوا محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يؤيد أحد منهم بوحي سماوي، ~~ولا حبي بالعصمة التي حبي بها الأنبياء، إنما هم أناس مثل سائر الناس. # وإذا كان خلفاء الرسول قد ارتفعوا على سائر الناس، فبأنهم إنما ساروا سيرة هذه الشمس التي ~~تطالعهم كل صباح وتغرب عنهم كل مساء، على أنها هي تعمل لعالم الأحياء والأجرام، أما هم ~~فيعملون لعالم النفوس والأرواح. # يعملون جادين جاهدين لا يبتغون من سعيهم نفعا، ولا يريدون من ورائه فخرا ولا ذكرا؛ ~~لأنهم أشد أمانة من أن يقتطعوا لأنفسهم أو لذويهم شيئا مما ينبغي أن يجرد كله للنفع ~~العام. # يعملون لا مستبدين بالرأي ولا مستأثرين، بل مشاورين مصغين مسرعين، حتى إذا اتسق لهم الرأي ~~الذي يرون فيه منفعة المجموع، أسرعوا إلى إمضائه ولو جاء من أصغر الجميع. # أما رأي الجماعة فشرع عندهم مشروع وقضاء مبرم محتوم، يعملون صادقين مخلصين لله وللنفع ~~العام لا كبر ms126 ولا مخيلة، ولا استئثار بمنفعة من المنصب والجاه، بل ليس عندهم إلا الإيثار ~~والتواضع، والرقة للضعفاء، وهيهات أن يؤثروا أحدا على أحد إلا بطاعة الله وما قدم من الخير ~~للمجموع. # ولعمري، لتلك أعلى صور الديموقراطية التي يحلم بها أجل الفلاسفة من قديم الزمان. # إذا كان هؤلاء الخلفاء قد انعقد لهم أعظم المجد، المجد الخالد على الدهر، فلأنهم لم ~~يريدوه ولم يسعوا إليه، ولم يشغل هو جزءا من نفوسهم جليلا ولا دقيقا! # وبعد، فلا أشك أن مما أصفاهم لطلب النفع العام، وتجافى بهم عن الاستئثار حتى بالنفع الخاص ~~هو طول الذكر بالموت، وكيف لهم بنسيانه وهذه الشمس العظيمة، باعثة الحياة والحركة في العالم ~~تموت كل يوم بمرأى منهم بعد أقوى الحياة، ولكل شيء نهاية ولكل سائلة قرار! # وإذا كانت الشمس تعود كل يوم فتوالي سعيها في النفع والتجديد والإحياء، فإن زعيما لن ~~يعود بعد موته، ولو لإصلاح ما عسى أن يكون قد أفسد وتعمير ما عسى أن يكون قد خرب، فما له ~~بعد الموت بالأمر يدان. # هذا بعض ما يلهمه حديث الهجرة، وإن فيه لعبرة. # | أسعفوا التاريخ # ليت شعري - لو سألت - بعد عشر سنين مثلا شابا ممن سينضحهم العصر يومئذ، بل لو سألت ~~اليوم شابا ممن هم في الثلاثين فما دون، أن يجلو عليك صورة من الحياة المصرية، وأعني حياة ~~المدن قبل ثلاثين سنة فقط، فكيف تراه يقول؟ # أخشى ألا يقول شيئا قط؛ لأنه لا يكاد يعرف منها شيئا قط! # لقد حالت الكثرة الكثيرة من أساليب حياتنا في هذه المدة القصيرة بسرعة لا أحسبها كانت مما ~~يدخل في حساب مؤرخ ولا عالم اجتماعي، ولا غير هذين من سائر المفكرين وبحسب المرء منا أن ~~يلتفت بالذاكرة إلى ما قبل أربعين سنة خلت أو ثلاثين، ويقلبها في نواحي حياتنا لترجع إليه ~~بصفة قوم غير القوم، وناس لا يكاد يرتبطهم شبه بهذا الناس! # لقد تغيرنا سريعا جدا في أخلاقنا، وآدابنا، وأسلوب سكنانا، وطعامنا، ولبسنا، وسمرنا؛ ~~ولهونا، وغنائنا، وزواجنا، وأعراسنا، ومآتمنا، وسائر أسبابنا، فلم يبق ms127 ثابتا من ذلك فينا ~~إلا الأقل من القليل، ولا شك أنه كذلك في طريق التطور والتحوير. # وكذلك تختفي من الوجود صورة أمة؛ لتحل في موضعها صورة أخرى إذا قدر لحياتنا قرار ~~قريب. # وإذا كان «لكل سائلة قرار» كما يقول الشاعر، فلا شك في أننا نسلك الآن برزخا بين عيشين ~~مختلفين أشد الاختلاف مفترقين أبلغ الافتراق، عيشين لا يكاد يتسع التصور لأنهما لأمة واحدة، ~~وخاصة في مثل هذا الزمن القصير! # وليس يتسع هذا المقام - بالضرورة - لاستقصاء كل ما تناوله التطور الشديد في بلادنا، ~~ويكفينا أن نعرض الآن نموذجا واحدا يصلح أن يكون مثلا للجميع. # كان نساء الطبقتين العليا والوسطى في هذا العهد القريب، لا يتدلين في الطريق إلا مقنعات ~~محجوبات أمنع حجاب، فللرأس غطاء وللوجه غطاء ولسائر الجوارح غطاء، بحيث لا يظهر منهن إلا ~~العيون من خلل البراقع، وأطراف البنان في قبضهن على مصاريع الملاء. # وكانت هذه الأغطية تختلف باختلاف البيئات، فالسيدة أو الفتاة المتوسطة الحال، تتلفف في ~~الملاءة الغالية نوعا، وقد تكون من الحرير «الكريشة»، وكيفما كان الأمر فهي تلبسها على زي ~~خاص لا ترسلها كما ترسلها نساء الطبقة الدنيا، بل إنها لتضيق على مدار الخصر، وتضفي على ما ~~دونه حتى الكعبين. # وأما قناع الوجه فالبرقع الأسود، يرسل من أسفل الجبين إلى غاية الصدر، ويحلى من وسط أعلاه ~~بحلية من الذهب غالبا، أو من الفضة المموهة بالذهب أحيانا، وتدعى هذه الحلية «عروسة» ~~البرقع ولا حاجة إلى وصفها، فلا يزال يضعها بعض «بنات البلد». # وأما الطبقة «العثمانلي» فيتخذن في العادة الحرير «الحبر»، وأما الوجوه فيسترنها بقناع ~~أبيض لا «عروسة» له ولا سواها من الحلي، وربما وضعن بدل القناع «اليشمق»، وهذا كان خاصا ~~بالطبقة الأرستقراطية جدا، لا يشركهن فيه غيرهن، وربما اتخذ نساء الطبقة الوسطى الحرير ~~«الحبر» إذا دعت بعض المناسبات كحضور الأعراس والزيارات ذات الخطر. # ولم يكن التجمل بالمساحيق وما يؤدي مؤداها إلا نادرا جدا، وأكثر ما يكون ذلك في ~~الأعراس ونحوها، وكان الإفراط فيه والمداومة عليه معيبا، وكانت السيدة التي ms128 تلزمه موضع ~~حديث السيدات وإنكارهن، وكثيرا ما يتخذنها موضعا للأسمار! # وكيفما كانت الحال، فإن هذا الضرب من التبهج - أعني تلوين الوجوه - لم يكن ليؤذن به قط ~~لفتاة، بل لست أغلو إذا زعمت أنه كان منكرا من سيدة ليست ذات بعل، وإن فتاة تفعل هذا لهي ~~حقيقة بإرسال الألسن وذهاب الأقاويل، وإقفال بيوت الأشراف في وجهها، وانقباض المجالس دونها ~~وتحرجها بغشيانها! # والآن - وبهذه السرعة السريعة - لقد تجرد نساء ~~هاتين الطبقتين وفتياتهما من أرديتهن الخارجية جملة، ونضون الأقنعة فلا قناع البتة، وقصرن ~~الثياب وربما حسرن عن الأذرع، حتى لقد يبلغ النظر أعلى الكتف وأسفلها جميعا، ولست ترى ~~هؤلاء باديات في الطرق إلا كذلك، وأما صقل العوارض ودهانها بالمساحيق البيضاء وصبغ الشفاة ~~بالأحمر القاني أو الأحمر الضارب إلى الصفرة، فلقد أصبح هذا وأمسى من ضرورات السعي في ~~الطريق، بل كاد يصبح ويمسي مما تعاب المرأة بتركه، وتعير إذا هي تخلت عنه! # ولقد تصادفك البنت في الطريق، وهي لما تتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، وقد صبغت ~~شفتيها بالأحمر صبغا، ولا أقول: دبغتها دبغا! ولقد كثر ذلك وشاع وفشا حتى أضحى لا يلفت من ~~الناس شيئا من العجب، وخاصة عند الناجمين الذين لم يشهدوا الأمهات والأخوات منذ بضع عشرات ~~من الأعوام. # ولقد كان التيار جارفا إلى حد أن سيدة لم تستطع أن تثبت في طريقه أو تثبت ابنتها، وأن ~~رجلا مهما يكن محافظا شديد الحرص على التقاليد، لم يستطع أن يملك عن جرف التيار امرأته أو ~~فتاته، بل إن بروز المرأة اليوم في الطريق ملففة مقنعة، هو الذي يسترعي النظر وقد يستدعي ~~العجب! # بل إنك لقد تجد في طريقك السيدة وقد ذرفت على الستين أو طعنت في السبعين؛ أي ممن نشأن في ~~الحجاب، وتوارين في شتى الألفاف دهرا غير قصير، لقد تراهن اليوم سافرات الوجوه مبديات ما ~~أبقى المقص من شعر الرءوس، بارزات الأذرع والنحور، مقصرات الثياب إلى ما يتجاوز أعلى السوق، ~~وقد بالغن في التبهج والتجمل بألوان الصبغ والدهان! # وأرجو من القارئ ألا ms129 يفهم أنني أسوق هذا الكلام على جهة الإنكار، أو أنني أبغي وعظا أو ~~أطلب نصحا، إنما أنا في هذا الحديث مؤرخ واصف لا أكثر ولا أقل، أذكر ما كان في بعض أسباب ~~عيشنا من ثلاثين عاما فقط، وما صرنا إليه بعد هذه الأعوام، وصفوة القول: أننا في هذه المدة ~~القصيرة جدا في مراحل تحول الأمم قد تطورنا تطورا شديدا، وتغيرنا تغيرا كبيرا، ومع ~~هذا فإنه لم تستقر بنا الحال بعد إلى إقرار! # وبعد، فلقد أصبح من الواجب الحتم والحال ما ذكرنا، أن يشمر جماعة من مشيخة الكاتبين في ~~تسجيل هذا التاريخ القريب في مدته، وقد شهدوه وعاشوا فيه، وعرفوا الجليل والدقيق من مظاهر ~~الحياة في إبانه، وإلا عفت معالمه ومحت رسومه وعز على الناس بعد أربعين أو خمسين عاما أن ~~يلتمسوه ويتصوروه كاملا واضحا؛ لأنهم لا يجدون إليه السبيل. # ولقد قلت: «القريب في مدته»؛ لأنه أضحى بعيدا جدا في شخصه وصورته، وقد أحضرني هذا ~~المعنى قول متمم بن نويرة في أخيه مالك: # فلما تفارقنا كأني ومالكا # لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # اللهم إن أخشى ما أخشاه أن نتهاون قرب العهد بهذا الصدر من التاريخ الذي شهدنا أطرافه، ~~فيصرفنا هذا التهاون عن تدوينه وتسجيله ووصف مظاهر الحياة المصرية فيه، ثم يلتفت إلينا ~~أبناؤنا أنفسهم، ولا أقول: أحفادنا، فلا يصيبون في التماسه وتمثله إلا عنتا كثيرا! # هذا عصر محمد علي الكبير وما تقدمه بقليل، ولا أمعن في التاريخ متقهقرا إلى عهود ~~المماليك، فالأيوبيين، فالفاطميين فمن قبلهم، أقول: لولا بعثة الحملة الفرنسية، ولولا ~~المستر لين الإنجليزي ما عرفنا كثيرا من عادات الأجداد، بل ما عرفنا ماذا كانت تلبس ~~الجدات! # إن إعمال التاريخ لقرب العهد به كثيرا ما يجني على حقائق التاريخ، وخاصة إذا أعقبته رجات ~~وطفرات كهذه الرجات والطفرات التي جازت بنا، وكادت تأتي على كل شيء من أخلاقنا وآدابنا ~~وتقاليدنا وعاداتنا وسائر أسبابنا. # وإن من رحمة الله بهذا التاريخ القريب أن كان فيه «الفوتغراف» يسجل الصور، وأن قام فيه ~~«الفوتغراف» يسجل ms130 الأصوات، وأن شاعت فيه الصحافة فسجلت أهم الأحداث، على أن هذا كله لا يغني ~~عن التسجيل البياني يصف ما أخطأته تلك الوسائل، ويتدسس إلى ما لا تسلكه من بواطن ~~الأشياء. # أرجو أن يشمر بعض مشيخة الكاتبين في هذا؛ تفقيها لأبنائنا وبرا بتاريخنا لا ينقطع على ~~هذه الصورة، وتيسيرا لسعي المصلحين الاجتماعيين. # | قبلة # قال لي صاحبي في بعض حديثه عن خطبه: «... لا أدري أكانت أحلى قبلة أصبتها في حياتي، أم كانت ~~أمر ما ذقت في هذه الحياة جميعا؟ أكانت ألذ ما ظفرت به من لذائذ الدنيا، أم كانت أوجع ما ~~أوجعني وآلم ما برح بي من كل ما لقيته من الآلام والبرح؟ أكانت بردا على كبدي وسلاما أم ~~كانت لهبا وضراما؟ # لقد أصبت من جميع أنواع القبل التي يتهيأ للمرء أن يصيب، قبلت الأم وقبلت الولد في جميع ~~حالاته، وقبلت الزوجة وغير الزوجة، وقبلت الصديق آب من سفر مخوف بعيد، وقبلته وقد أبل من ~~علة رجحت فيه كفة الموت على كفة الحياة، على أنني لم أجد لمذاق هذه القبلة نظيرا ولا ~~لطعمها بين كل أولئك شبيها، هي غير أولئك كله وأشد وأعنف من أولئك جميعا! # لقد كانت قبلة طويلة استغرقت مني كل معاهد الحس، واستهلكت كل مجامع الشعور؛ حتى ولو ~~وخزوني بالإبر أو لذعوني بالنار، ما شعرت بشيء ولا أحسست شيئا! # ثم لا أدري بعد ذلك أبدلت في هذه القبلة ما كان قد بقي من عصارة كبدي وحشاشة قلبي، أم ~~ترشفت بها ما عوضني عما اعتصر من حشاشة قلبي، وعصارة كبدي؟ # ثم لا أدري أهي التي شاعت في نفسي وملكتها من جميع قطارها، أم أن نفسي هي التي استمالت، ~~بشدة الوجد، قبلة من القبل؟ # ثم لا أدري أكنت أغدو بها حياء أم كنت أستمد منها الحياة؟ # وسواء أكان الأمر هكذا أم هكذا، فلم تكن هناك نفس وقبلة، فلقد صارتا شيئا واحدا، لك أن ~~تسميه قبلة ولك أن تدعوه نفسا! # يا لها من قبلة هائلة، ولو كانت أحلى ما التذ به إنسان ms131 في جميع هذا العالم!» # إلى هنا انتهى صاحبي من حديثه الموجع الأليم، وإذا كنت قد بدأت هذا الحديث من منتهاه، ~~فاعذرني يا سيدي القارئ، فلقد أعداني صنيع قصاص هذا العصر، فكثرتهم إنما يبدءون القصة من ~~وسطها أو من مآخيرها؛ ليبعثوا في قرائهم غريزة التشوق والاستشراف، فأخذت في رواية هذا ~~الحديث أخذهم ونهجت نهجهم. # أما أول القصة، فإن لي صديقا كريم المنزلة عندي أعرف فيه رهافة الحس، ووضاءة النفس وطيبة ~~القلب وشدة العطف، وهو شديد الكلف بأولاده، عظيم العطف عليهم، حتى لا يكاد ينتهي منتهاه في ~~ذلك أحد، وهو لا يفتأ يدللهم ويرفه بكل ما اتسع له الجهد عليهم، ويسلي بشتى الوسائل عنهم، ~~وكثيرا ما يستخفه ذكرهم حتى في المجلس الجامع لمن يتحشم ومن لا يتحشم، فيروي من أحاديث ~~كبارهم ومن لغو صغارهم ما يبالي أظن الناس به ولها وعطفا، أم ظنوا به حمقا ~~وسخفا. # ولقد هاجر هذا صاحبي إلى الريف فيمن هاجروا فرارا بنفسهم، أو على الصحيح، فرارا بولدهم، ~~ثم انكفأ بهم إلى القاهرة بعد قضاء الأشهر الطويلة، ولقيته بعد مقفلة فإذا هو هزيل مغبر ~~الوجه، فلم أشك في أنه قد لحقته علة فسألته عن حاله وما به فقص علي القصة التي سمعت آخرها ~~وهاك أولها. # قال صاحبي - كان الله له: «هبطت القاهرة لألي بعض العمل وتركت ولدي في أتم خير وعافية، ~~فرحين بعيش الريف الذي لم يعرفوه من قبل، وقضيت في مهبطي ليلتين اثنتين ثم عدت وقد حملت ~~إليهم ما أقدرني الله عليه من التحف والألطاف، وكنت طول الطريق أتمثل لقاءهم، ورؤيتهم في ~~هرجهم ومرجهم، وما عسى أن أدخل من السرور عليهم، فأجد لذلك لذة لا تكاد تعد لها لذة. # على أنني ما كدت أن أتخطى عتبة البيت؛ حتى رأيت جمودا لم آلفه ووجوما لا عهد لي به، ~~فهرولت إلى السلم وما عرجت بعض الدرج حتى سمعت أنينا مؤلما يتخلله صراخ مزعج، فجعلت أطوي ~~الدرج مثنى وثلاث، ثم انتهيت إلى مبعث الصوت فإذا صغرى ابنتي هي التي تئن وهي ms132 التي تصرخ، ~~وإذا من حولها بين باك ينشج نشيجا عنيفا، وبين حاقن للبكاء إلا ما تنتضح به الجفون برغمه ~~من قطرات الدموع، وبين واجم شديد الوجوم، وبين متحير العينين من شدة الذعر والهلع! # فسألت في جزع ولهفة عن الخبر، فأجابني من قوي على الكلام منهم: لقد شعرت الفتاة فجأة في ~~أصيل أمس بآلام شديدة في الجنب الأيمن، فظن بادئ الرأي أن ذلك من أثر برد، وعلى ذلك عولجت ~~بالعلاجات المنزلية المعروفة، حتى إذا تقدم الليل واشتدت عليها الآلام جئنا من الحاضرة ~~بفلان، وهو طبيب مشهور فظل يعالجها ويحاول تخفيف آلامها، حتى انجلى عمود الصبح، ولم تخب ~~البرح ولا خفت الآلام! # ورأيت المسكينة لا تطيق أن تسكن إلى وضع من الأوضاع، فهي تسأل أن يجلسوها فما تكاد تجلس ~~حتى تصرخ، وتسأل إرقادها على الجنب الأيمن وسرعان ما تصرخ سائلة إرقادها على الأيسر وهكذا! ~~وهي كلما أنت أحسست كبدي تذوب شعبة بعد شعبة، وينفطر سلاؤها قطرة بعد قطرة، فإذا صرخت ~~أحسست قلبي يتوثب في صدري، كأنه كره تتقاذفها الصبية. # وهي تفتأ تستغيث بمن حولها واحدا بعد واحد؛ كأنها تظن أنهم قادرون على أن يرحموها مما ~~تجد، ويدفعوا عنها هذا العذاب الأليم! وإنها لتستنجد بي فإذا بي أضرع إلى الله، وأسأله أن ~~يحول ما بها إلي ثم أسرع فأستعيذ به تعالى من نزغ الشيطان، فالله أكرم وأبر وأرحم من ألا ~~يدفع الأذى عن عبد من عبيده إلا إذا قذف به عبدا آخر، وأستغفر الله العظيم! # وتفترق جمهرة الأطباء الذين اختلفوا إليه، فمن قائل: إنه التهاب في المصير الأعور، # 1 # ومن ذاهب إلى أنه مغص في الكلية، ومن حائر متردد لا يقطع برأي ولا يرجح ~~شيئا! # وأطمئن إلى الرأي الثاني طوعا لما قيل: إنه لو كان ثمة التهاب في المصير، لظهر من أعراضه ~~كيت وكيت، وشيء من ذلك لم يظهر البتة. # وتعالج على هذا أياما وهي لا تزداد إلا برحا وآلاما. # وفي ذات ليلة من ليالي آخر الشهر سوداء فاحمة قد اشتد بردها، وللريح ms133 عزيف يزعج ويروع، ~~أسرني الطبيب بأن لا بد من نقلها في الحال إلى الحاضرة؛ لإدخالها المستشفى فالأمر حق خطير؛ ~~إذ لم يبق عنده ما جد من الأعراض الحادة؛ أي شك في صحة الرأي الأول، وأقول له: أليس في ~~نقلها في مثل هذه الساعة وهي على هذه الحال، وفي مثل هذا الجو وقطعها أكثر من اثني عشر ~~كيلومترا مجازفة؟ فأجاب: لا شك أنها مجازفة خطيرة، ولكن مبيتها هنا أشد خطرا! # وماذا عسى أن أصنع يا رب غير أن أطيع، ولله الأمر من قبل ومن بعد. # وأعد الذاهبون بها والذاهبات من الأهل عدتهم وجهزوا متاعهم ولم يبق إلا أن تحمل الفتاة ~~المعذبة المذعورة إلى السيارة. # وحين أذن المؤذن بالرحيل، تغايرت في نفسي فنون من أعنف العواطف، منها ما ينطف رقة ورحمة ~~ويترقرق جوى وإشفاقا، ومنها ما يشق الصدر من الأسى شقا، ويدق المنن من الجزع دقا، ومنها ~~ما يتنظر لي بصور وأشباح تطير الألباب، وتمزق الفكر وتفقد الصواب أرسخ ذوي الصواب! # جمعت شملي وشددت على التحطم عزمي، حتى ثنيت على السرير صدري، وقبلتها قبلة التوديع للهول. ~~ا.ه.» # وإنما يعني صاحبي تلك القبلة التي وصفها، أو التي عجز عن وصفها وقد قدمت هذا الوصف في صدر ~~الحديث. # فاللهم يا من أذكى في الصدور حب الأبناء إلى هذا القدر، ووكد الرقة لهم في الكبود كل هذا ~~التركيب، ارحم بفضلك الوالدين فإنك أنت الرحمن الرحيم. # | مأساة # قال لي صاحبي وهو في بعض حديثه: ~~... ولم يكن سيد عشيرته فحسب، بل لقد كان زعيم الإقليم كله وكان - رحمه الله - ألمعيا ~~شديد الفطنة، بعيد النظر، صادق الحكم، يظل القوم في مجلسه يتحاورون ويتناقشون ويتنازعون، ~~حتى إذا فرغوا من شأنهم جلى موضع النزاع في يسر، وحكم فيه أعدل حكم. # على أنه كان عصبيا شديد العصبية إلا أنه كان قادرا على أن يأخذ نفسه بالحلم فلا يستفزه ~~شيء، بل لقد كان يضحك أو يتضاحك مما يغيظ أحكم الحكماء، ولعل ذهنه كان يزخر بالمعاني، فإذا ~~أراد الحديث تزاحمت على لسانه فجعل ms134 يضطرب بينها ويتردد حتى ما يكاد يبين! # وداره واسعة متعددة الأبنية وهي تقع في حديقة واسعة جدا، وهذه الدار لا تخلو مطلقا من ~~عشرات الناس في ليل أو نهار، فمن طالب رفد، ومن صاحب حاجة تدعو إلى قوة المسعى، ومن ~~متنازعين على مال أو على منصب يختصمان إليه، وجميعهم يأكل أحسن الطعام إذا جاء وقت الطعام، ~~ومن طلب منهم المنام فله ذلك، فالدار كما قلت واسعة والفرش فيها كثيرة، وهي على الجملة ~~كرحبة مالك بن طوق ظلت مضرب الأمثال من قديم الزمان، وما طالعت هذه الدار إلا حضرني قول ~~مسلم بن الوليد في ممدوحيه: # لا يرحل الناس إلا نحو حجرته # كالبيت يفضي إليه ملتقى السبل # وأما حكمه بين الخصوم فهو أمضى من أي حكم نهائي تصدره أية محكمة؛ لأن الخصوم في ذلك قد ~~يعوقون التنفيذ بشتى الحيل، أما حكمه هو فلا تعويق فيه ولا احتيال؛ لأن أحدا في الإقليم لا ~~يجرؤ على أن يسر لهذا الرجل عداوة، فضلا عن أن يصارح بها، بل إن أحدا لا يرضى لنفسه أن ~~يسوء رأي هذا الرجل العظيم فيه. # وكان يؤثرني ويحبني ويعطف علي عطفا عزاني عن فقد الأب أحسن العزاء، ولا يرضى فراقي له ~~إلا مكرها، ولولا أنني رجل موظف في الحكومة يؤذيني في رزقي انقطاعي عن عملي لأمسكني على ~~الدهر ولم يرسلني أبدا، فإذا طال إبطائي عنه في القاهرة بعث من يستدرجني إليه بشتى ~~الوسائل. # وقد بدا لي أنه لا بد كان يلاحظني وأنا على طعامه؛ لأنني رأيت أنه كلما استطبت ألوانا من ~~ألوان الطعام فأكثرت الإصابة منه، قرب إلى في اليوم الثاني هذا اللون نفسه فإذا هو أطيب ~~وأجود، وهكذا حتى يلاحظ إعراضي عنه وإقبالي على غيره. # أحببته أكثر مما أحبني أو مثل ما أحبني، فإنني أشك في أن حبه لي وعطفه علي مما يحتمل ~~المزيد! # وفي يوم أسود رجعت من عملي بعد الظهر، وما أن بلغت الدار حتى تقدمت بإعداد غدائي كنت ~~جائعا متعبا، وفيما أنا في الانتظار إذ رن ms135 جرس التليفون، وإذا الأذان بأن الحديث من بلدة ~~كذا وإذا المتحدث أكبر أولاده، قال في سرعة: احضر يا فلان حالا، فوالدي في حال شديد جدا، ~~بحيث لا يجرؤ أحد على كلامه أو الدنو منه، فلعلك أنت لوضعك منه الذي يستطيع أن يستدرجه ~~لحديث وأرجو أن نفرج عنه بعض الفرج، فقلت له: ما الخبر ويحك! فقال: إن فلانة، يعني صغرى ~~إخوته جميعا قد غابت وانقطع الخبر عنها من ثلاثة أيام، ولم يجد البحث والتفتيش وقلب ~~البلاد ظهرا لبطن في طلبها فتيلا، فهتفت من فوري بأهل الدار أن يمسكوا عن إعداد الطعام ~~ويعدوا حالا جعبة السفر، وأرسلت في طلب سيارة أبلغتني المحطة في آخر لحظة، وتدليت هناك ~~فإذا سيارة الباشا في انتظاري، وبلغت الدار وما كدت أطلع على الحديقة حتى تعاظمني منظر هذه ~~الجماهير من الناس شغلت كل رقعة، واحتلت ظل كل شجرة وجزت إلى فناء الدار فإذا خلق كثير ~~جدا، وكلهم جالس مطرق لا ينبس أحد منهم بكلمة، وقد اغبرت الوجوه جميعا والباشا جالس على ~~طرف دكة لا يشغلها معه أحد، فلما طلعت على المجلس أومأ إلي أن أجلس بجانبه، فجلست وما ~~سلمت عليه ولا هو حياني، وأطرقت كما أطرق سائر الناس. # ولقد قلت لك: إنه ساكت لا يتكلم، ولكنه كان في كل فترة يزفر زفرة حرى، لقد كانت ولا شك ~~بخارا من لهيب يتسعر في الأحشاء، وجلسنا على هذا يومين، وفي الصباح الباكر لليوم الثالث ~~أومأ إلي بأن أسافر، فنزلت على إشارته ورجعت إلى القاهرة؛ لأني أعمل فيها، ولم أتردد لحظة ~~واحدة في الفكرة التي اعترتني من اللحظة الأولى، هذه الفكرة التي يوحي بها أبسط واجبات الحب ~~والولاء وعرفان الجميل لهذا الرجل العظيم؛ وتلك أن أطلب إجازة طويلة أقضيها في التقلب في ~~البلاد، باحثا مفتشا منقبا على بنته العزيزة، ولو دعا الأمر إلى التنكر والاضطراب في ~~مختلف الأزياء، ولقد اشتد بي الوجد مما دهى صديقي العزيز، وقد علت به السن وتشرف على نهاية ~~العمر ولا حول ولا قوة إلا بالله ms136 العلي العظيم! # وقبل أن أسترسل إلى غاية هذا الحديث أصف لك وصفا موجزا هذه البنت المختفية من بضعة ~~أيام: # لقد كانت سنها بين الرابعة والخامسة، حلوة جميلة جدا، بيضاء الجسم ذهبية الشعر، بالغة ~~غاية الأناقة في ثوبها الغالي الثمين، تراها فتخالها دمية فرت من معرض نماذج «فترينة» لغالي ~~الثياب، خفيفة الروح حلوة الحديث، وخاصة إذا عادت ما يلقى عليها من كلام خيالي يراد به ~~الإطراف والإضحاك، ولي معها في هذا مواقف كلها ضحك وإغراب! وكانت لذلك تتعلق بي كلما هبطت ~~إلى دارهم، وكنت أحبها كحب ولدي الأعزين، وكانت قرة عين لأبيها وناهيك بأصغر الأولاد، وخاصة ~~إذا كانت مثل هذه الدرة في الحلاوة والنقاء. # هبطت القاهرة، وقد جمعت النية الصادقة الماضية على ما أسلفت عليك، وسألت الإجازة لشهر ~~ونصف الشهر، ومضى يومان وأنا في انتظار الإذن لي فيها على أنني أوالي السؤال بالتليفون كل ~~ساعة، فإذا مصير البنية ما يزال في الغيب المحجوب، وإذا والدها المسكين على حاله، ولم يزل ~~يعاني في ذلك العذاب المضني الأليم. # وانقلبت الدار في اليوم الثالث قافلا من عملي، وتقدمت بإعداد غدائي فإذا جرس التليفون ~~يرن وإذا ولد صاحبي يدعوني في فرح ظاهر أن أحضر لأهنئ أباه الشيخ، فلقد عثر على أخته فلانة ~~والحمد لله، فقلت مسرعا: وكيف عثر عليها وأنى كان ذلك؟ قال: لقد أمر وزير الأشغال حين ~~انتهى إليه احتمال غرقها؛ بتجفيف بحر «كذا»، وكذلك ألفينا جثتها في الموضع الفلاني - وهو ~~يقع على بضعة أمال من الدار - وقد أكرمها الله تعالى، فلم ينل من جسمانها السمك كثيرا ولا ~~قليلا. # وأسرعت بإعداد جعبة السفر وجففت إلى لقاء صاحبي، فإذا جموع كثيرة تلغو وتتقاول في مرح ~~واغتباط، وإذا صاحبي يظهر عليه طيب النفس وانبساط أسارير الوجه، ولم يكد يراني حتى خف ~~للقائي في بعض طريقي إليه، وما أن توافقنا حتى عانقني وجعل يقبلني وجعلت أقبله وأنا أشعر أن ~~الدنيا لا تكاد تسعه من سرور ومراح! # ثم جعل يحدثني كعادته أحاديث هذه الدنيا حتى إذا انصرف من ms137 مجلسه، قافلين إلى ديارهم أو ~~ثاوين في داره إلى فراشهم، وحينئذ جذبني إلى حجرة جلوسه الخاصة، ودعا بالنرد ورحنا نتلاعب ~~به إلى ما بعد انتصاف الليل، وهو كلما انتهى دست يقبل علي بحديث طريف على أنه لا يلم بشيء ~~من حديث بنته الغرقى لا من قريب ولا من بعيد! # الله أكبر! الله أكبر! إذن لم يكن هذا الوجد كله، ولا هذا الوله المرعب المهول من أن ~~البنت قد أدركها الغرق أو أنها ماتت على أي شكل من الأشكال، وإنما الجزع كله من أن تعيش في ~~ولاية خاطف مجرم من النساء أو الرجال! # ترى ماذا عسى أن يكون مصير الفتاة؟ # هنا تتطاير أشأم الظنون كل مطار، وهنا يغلي صدر هذا الطود غليان القدر حتى لتكاد تتصدع ~~الأضلاع، لولا ما كان يروح عنها من ذلك الزفير تتنفس به نار السعير! # لقد أصابها منية، وإذن لقد سلم الشرف وحبه، فالشرف هو كل شيء في هذه الحياة! # أكرمك الله يا حبيبي ميتا كما أكرمك حيا، وأمتعك بملاعبة ابنتك الحلوى في دار ~~النعيم. # وهنا جعل صاحبي يبكي وينشج حتى لم يعد يقوى على كلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون! # | مسألة # نحن ضعاف - ما في هذا شك - والغربيون أقوياء وما في هذا شك أيضا، وإنا لنبغي أن يكون لنا ~~مثل حظهم أو جليل من حظهم من القوة والعظمة، ولكن كيف السبيل؟ اللهم إن السبيل واضحة لا عوج ~~فيها ولا أود هي أن نأخذ أخذهم، ونسعى سعيهم، ونحذو في وسائل الحياة حذوهم، وبذلك نبلغ ~~كثيرا مما بلغوا إذا لم يقدر لنا أن نصبح مثلهم، وأرانا بحمد الله فاعلين بل أرانا في هذا ~~جادين جاهدين، ها نحن أولاء نتعلم علومهم وننقل فنونهم، ونتروى ما تنتضح به قرائحهم في ~~آدابهم، ونمرن أيدينا في تقليد صناعاتهم، وننهج في تجارتنا نهجهم، نستن في أسبابنا المالية ~~والاقتصادية سبلهم، ونطبع جيشنا على غرار جيشهم، ونعد من آلات الحرب ما يعدون لأنفسهم، ~~ونجري في أنظمة الحكم ms138 وسياسة الجماعة على طرائقهم، ونشيد دورنا على طرز دورهم، ونتخذ لها من ~~الأثاث كل جديد من أثاثهم ونتزيى بأزيائهم، ونتخلق بأخلاقهم ونتأدب بآدابهم، ونصطنع عاداتهم ~~ونفكر على أساليب تفكيرهم، ونسلك في فنون النقد مسالكهم، والخلاصة أننا بتنا نقلدهم في كل ~~كبير وصغير ونترسم أثرهم في كل دقيق وجليل، لا نستثني على هذا إلا بعض ما تحتمه علينا قواعد ~~ديننا في زواجنا وطلاقنا، وما إلى ذلك من أسبابنا، وإلا ما لا تزال تمسك علينا العادات ~~المستأصلة من آلاف السنين حتى كادت بذلك تتصل بالخلق وتلصق بالطبع، على أنها في طريق التحول ~~والنصول ولا بد لها يوما أن تحول. # نحن صائرون إلى حياة غريبة لا شك فيها، وما لم يأخذه منها لنفعه ونحاكيه ابتغاء ثمرته، ~~أخذناه جريا على سنة الطبعية في تقليد الضعفاء للأقوياء ومحاكاتهم - بظهر الغيب - لهم دون ~~تمييز بين ما ينفع وما يضر، ولا نقد لما يسوء مما يسر. # نحن صائرون في عامة أمورنا إلى هذا العيش، ما لنا إلى غير ذلك حيلة وإن شئت قلت: ما لنا ~~من ذلك بدا! على أن هنا أمرا جليل الخطر، أو على الأدق من أجل الأمور خطرا، قد سقط في ~~هذه الوثبة من حسابنا، وأخشى إذا هو تخلف أن تكون مشيتنا في حضارتنا الجديدة عرجاء، وكيف ~~للأعرج بمسايرة المغذين الأقوياء؟ # فقد رأيت أن كل عناصر الحياة عندنا غربي خالص، اللهم إلا عنصرا واحدا لا غناء عنه ولا ~~سداد بدونه، ومن ينكر أن اللغة من مقومات حياة الأمم، فهو كمن ينكر الشمس في وضح النهار كما ~~يقولون! # كل سبب من أسبابنا أضحى غريبا، وما لم يستغرب بعد فهو ولا مراء في طريق الاستغراب اللهم ~~خلا اللغة، فلغتنا ما برحت العربية التي تحدث بها الجاهليون من آلاف السنين! # إذن، أبات علينا لكي يتسق أمرنا ويستقيم منطقنا، لغتنا، كما ينضي الثوب الخليق، ونتخذ ~~للساننا لغة غربية تستطيع أن تحيا مع هذا العيش الجديد؟ # لست - علم الله - أمازح ولا أعابث، فإن المقام من الجسد الذي لا يحتمل ms139 العبث ولا ~~المزاح! # هناك علوم تستوعب جميع سبل الحياة، وهناك فنون منها ما يتصل بصلب العيش، ومنها ما يسعى ~~للتسلية والترفيه والتنعيم، وهناك آلات وعدد، وهناك مصنوعات لا يملكها عدو، وهناك ما لا ~~يحصى من المستحدثات التي أصبح لا غنى عنها للناس، أستغفر الله، فإنما أعني المتحضرين من ~~الناس، لا غنى لهم عنها في قضاء لباناتهم وتناول جميع أسبابهم. # وهذه العلوم والفنون وهذه الآلات والعدد، وهذه المستحدثات التي لا غنى عنها لأحد، هذه ~~كلها أصبح طلبها والتفقه فيها وتجويدها كما يجودها أهلها هو همنا وشغل نفوسنا ومرامنا ~~الأقصى ، ومثلنا الأعلى فكيف لنا بها ولغتنا لا تحيط بها، بل لا تكاد تلم منها بكثير ولا ~~بقليل؟ # لقد كانت لغتنا لغة العلوم والفنون التي جاءت بها حضارتنا عفى على اللغة كما أتى على تلك ~~العلوم والفنون، ونحن الآن إنما نطلبه علوما جديدة، وفنونا حديثة، ومبتكرات طريفة ولكل ~~منها في الإفرنجية اسم، ولكل منها تعبير يؤديه في غير عسر ولا التواء، فكيف لنا بهذا كله ~~ولغتنا كما عرفت في هذا التقلص والانقباض؟ # لا بد لنا من تناول العلم والفن، ومن تناول وسائل الرقي والقوة والعظمة جميعا، وتناول ~~هذا في لغة ضرب من المحال، وتناوله في لغة قاصرة من معضل الأشكال! # وهنا تتصدع الآراء وتفترق الطرق؛ فقوم منا يذهبون إلى أخذ العلوم والفنون وسائر حاجات ~~الحضارة في لغاها، وتناولها في أسمائها المعروفة ومصطلحاتها المقسومة في تلك اللغى حرصا ~~على سلامة العلوم والفنون، واختصارا للزمن وتوثيقا للصلات بيننا وبين ينابيع الحضارة في ~~بلاد الغربيين، وأرفق هؤلاء من يقولون بالتعريب في كل شيء حتى فيما له تعبير عربي ~~قديم! # ويخالف هؤلاء آخرون إلى وجوب تناول كل شيء بالعربية الصميمة لا أثر فيها لأي استعجام، ~~مهما يكن المعني مما لا عهد للعربية به في يوم من الأيام. # ينبغي أن يكون كل شيء عربيا مخلصا، فإذا كان بين أصحاب هذا الرأي مسرف في المرونة ~~والترخص رضي بأن يصار إلى التعريب إذا عيت وسائل العربية جميعا بإصابة المعني المطلوب، ms140 ~~وهيهات أن تعيا في ظن الكثيرين. # وهؤلاء إنما يذهبون هذا المذهب ويتشددون هذا التشدد إيمانا منهم بأن اللغة من أقوى ~~مقومات الأمة، ومن أخص مشخصاتها، فإذا هي حالت ذهبت الأمة ولم يبق لها بين سائر الأمم ~~كيان، وإذا كانت الإفرنجية هي لغة العلوم والفنون وسائر أسباب الحضارة، ولم يبق للعربية ~~إلا تناول التافه في الأسباب الدائرة بين الناس، فقل العفاء والسلام على لغة القرآن لغة ~~الإسلام! وعلى الجملة فإننا لو ذهبنا مذهب أولئك المعربين لأضحت لغتنا والمالطية بمنزلة ~~سواء والعياذ بالله! # في العلوم والفنون والمستحدثات من مختلف الأشياء ، وللنبات والأزهار مئات الآلاف من ~~الأسماء والصيغ والمصطلحات، فإذا نحن عربنا هذا كله طغى أشد الطغيان على سائر اللغة، وأنت ~~خبير بأن ما يدور من صيغ العربية على ألسنة نصحاء الخطباء وأقلام بلغاء الكتاب، وما يتحدث ~~به الخاصة في مجالسهم، ويجري في مقاولاتهم ومحاوراتهم، وما تنتضح به رسائلهم، كل ذلك لا ~~يزيد على بضعة آلاف، وكيف لهذا بأن يقوم بإزاء ذاك؟ كيف له بأن يعيش بجانبه، ويحقق ما تحقق ~~اللغات لها من كيان؟ # هذه هي المسألة كما يقول شكسبير، فليت شعري ماذا يكون المصير، فاللهم اللطف بنا فيما جرت ~~به المقادير. # | كيف كان الشباب يزوجون (1) # أسوق حديثي هذه المرة للخطبة والزواج في مصر إلى مؤخرات الجيل الماضي، ولقد أعرض عليك ~~صورا ما برح بعضها قائما إلى الآن، وبعضها وإن اختفى فإنه ما زال متمثلا للأذهان، وذلك ~~أنني أحب أن أعرض مجموعة كاملة واضحة من صورة الخطبة والزواج قبل أن تحول، أو تعتريها ~~الأيام بالنصول. # وتراني في ترجمة هذا الحديث قد عبرت بصيغة البناء للمفعول، فقلت: «كيف كان الشباب ~~يزوجون»، ولم أقل: «كيف كانوا يتزوجون»، وإنني لأقصد هذا وأعنيه؛ لأن الشباب لم يكونوا ~~يتزوجون، وإنما كانوا يزوجون لا رأي للشاب أو للفتى في متى يتزوج ولا كيف يتزوج ولا بمن ~~يتزوج، وإنما يزوجه أولياؤه فيتزوج «وكان الله يحب المحسنين!» # كان الزواج مرحلة من مراحل الحياة لا بد للشباب منها مهما تكن الأحوال، كان ms141 شيئا لا بد ~~منه ولا محيص عنه، اللهم إلا لنقص داخل على الخلقة، وهذا من النادر الذي لا يجري على سياقه ~~الحكم العام. # فإذا ترعرع الفتى وبلغ الحلم، جعل أهله يفكرون في أمر تزويجه وأكثر هؤلاء هما بذلك ~~وحديثا فيه وتدبيرا له هو أمه، تبادي به أباه ولا تني عن مراجعته فيه، والإلحاح عليه في ~~التعجيل به، وكلما «اعتل عليها بعلة»، أو أنهض لها في التأخير عذرا، هونت عليه الصعب ويسرت ~~له العسير، فإذا كان العذر في قلة المال، وكان هذا هو أبلغ الأعذار وأشيعها، عرضت بيع ~~أعلاقها وحليها، فإذا لم يكن فيها غناء ففي بيع «حصة» من البيت، أو في الاقتراض ~~غناء! # تريد الأم أن «تفرح» بولدها وتزوجه من أي سبيل، وهنا ينبغي أن تعلم على جهة اليقين أن ~~تعلم الولد أو انقطاعه عن الدرس، أو نجاحه في أي ميدان من ميادين الحياة أو فشله، أو ~~اشتغاله بأي عمل من الأعمال، أو تفرغه أو تبطله؛ اعلم أن شيئا من هذا لا يدخل، ولا يجوز أن ~~يدخل في حساب تزويجه، أو يقام له أي وزن في هذا الباب، ذلك بأن تزويج الشاب أو الفتى - كما ~~أسلفت عليك - مرحلة لا بد منها في اجتياز مراحل الحياة! # ولعل أهم ما كان يسهل أمر زواجه على والديه أن الزوجة لا تكاد تجشم أولياءه شيئا من ~~النفقة، فهي تسكن في دارهم وتأكل مما يأكلون منه وتشرب مما يشربون، فإذا كانت مطالع الأعياد ~~جيئت بكسوة لا تعيي على رب الدار في كثير ولا في قليل! # وكيفما كان الأمر فإننا إذا استثنينا مهر العروس وما إليه من الهدايا والألطاف، وإذا ~~استثنينا معه نفقات العرس وأسبابه، فإن هذا الضيف الجديد لا يجشم وظيفة دائمة، ولا نفقة ~~راتبة أو على التعبير الإفرنجي، لا يكلف أي # consommalion ~~. # ولا ننسى - مع ذلك - أنها ستقوم بنصيب جليل في خدمة الدار إن لم تستقل بها جميعا: كالعجن ~~والخبز، والطبخ، وغسل الثياب، وجندرتها، وكنس الدار، ونفض الأثاث، وصنع القهوة وتقديمها ~~للضيفات ... إلخ. # وقد ms142 يكون من قسمها أيضا القيام على خدمة الصغار من إخوة الزوج وأخواته، إذا كان له إخوة ~~أو أخوات صغار! # الخطبة # وفي النهاية سيرضى الأب بتزوج ابنه وأنفه في السحاب، أو أنفه في التراب! وسرعان ما ~~تذكي الأم الخاطبات محترفات أو صديقات في التماس العروسة الحلوة في بيوت الأكفاء، حتى ~~إذا عدن إليها بالخبر أرسلت إلى أم العروس من تعين معها موعدا لرؤية فتاتها، وفي هذا ~~الوعد تمضي الأم وبنتها المتزوجة وأختها، وقد تستصحب بعض جاراتها من الصاحبات ~~والمواليات، ولا تسقط من عدة الوافدات الخاطبة المحترفة إذا كانت الريادة لخاطبة محترفة ~~يمضي كل هؤلاء إلى دار العروس، وقد أخذن زينتهن وتحلين بأغلى حليهن وأضفين عليهن برود ~~الحبر، فإذا لم يكن لهن شيء من ذلك استعرنه من بعض الصديقات المترفات. # ويحسن بنا وقد بلغنا هذا الموضوع أن نسلخ بعض الحديث للفتاة المخطوبة، قبل أن ينالها ~~الوافدات بالتوسم والتصفح والقياس والتقليب. # قل من كانوا يدفعون بناتهم للتعليم في المدارس، بل لم يكن هناك تعليم مدرسي للبنات ~~البتة قبل خمسين عاما؛ أي قبل قيام المدرسة السنية، فالطبقة الأرستقراطية كانت تعلم ~~بناتها في القصور، أما الطبقة الوسطى وهي الطبقة التي ندير عليها الكلام في هذا الحديث، ~~فأكثر أهليها كانوا يشخصون بناتهم الصغار إلى «المعلمة»، وهذه «المعلمة» امرأة تخيط ~~الثياب لمن شاء من أهل الطبقتين الوسطى والدنيا، وتتخذ من دارها شبه مدرسة تعلم البنات ~~فيها هذه الصناعة بقدر، فإذا ربت الفتاة وبلغت سن المراهقة كفها أولياؤها في الخدر ~~تعالج فيه مع أمها شئون البيت، ولا تزال كذلك في انتظار «العدل»، و«العدل» بفتحتين، ~~يعني به النساء الزوج الكفء، الذي يكفل ويغني ويسعد ويهني، ومن هذا الوادي قولهم: «ربنا ~~ما يعطي القحف عدل.» يدعون على الجلف الوضيع الفظ بألا يمكنه الله من جاه ولا سلطان؛ ~~لأنه إنما يتخذهما أداة للسلاطة والعدوان! # يتلقى أهل البيت الواردات بأحسن مظاهر التأهيل والترحيب، وقد سبقوا فنظفوا الدار ~~وأحسنوا تنضيض الأثاث، ودفعوا فتاتهم إلى الحمام فأحسنوا جلاءها وصقلوا عارضيها، وقلموا ~~أظافرها ورتلوا شعر ms143 رأسها ومشطوه، ونضدوا على الجبين مقدمه، وضفروا سائره ضفيرتين ثم ~~ألبسوها أجمل الثياب، وحلوها ما أسابوا من لبات وأساور وأقراط وخواتم. # ويبدأ بتقديم «الشربات» تطوف به امرأة أو شابة أو فتاة من فتيات الدار، أو خادم من ~~خدمة البيت، أو من خدم الجار. # ثم لا تزال الأنظار تطلع إلى ناحية الباب ترقبا لطلعة العروس، ثم إذا هي مقبلة تمشي ~~على استحياء وقد أسبلت جفنيها، وهي تحمل فنجان القهوة تقدمه إلى السيدة الكبيرة أولا، ~~ثم تعود بالثاني إلى الثانية وهكذا. والأنظار تتناهبها من كل جانب؛ هذه تتوسم وجهها ~~وهذه تتفقد عنقها وصدرها، وأخرى تسرح النظر في شعرها ورابعة تلاحظ خطوها لعل فيها ظلعا ~~أو شكا، # 1 # لا يدعن في جسمها رقعة إلا أوسعنها تفقدا وتصفحا وتأملا، ولا يفوتهن - ~~مع هذا - أن يلاحظن مبلغ مهارتها في حمل فنجان القهوة، وكان كما تعلم يعتمد على ظرف ~~دقيق القاعدة، فإذا أبلغته ولم تسل منه على امتلائه قطرة كان دليلا على المبارة وحسن ~~الخدمة أي دليل! # فإذا فرغن من هذا دعونها إلى الجلوس، فجلست على طرف كرسي في طرف الغرفة في خفر بعضه ~~متكلف مصنوع، ثم رحن يستدرجنها إلى الحديث، لعل في لسانها حبسة أو عقدة أو رمة، أو ~~لعل في بعض لفظها لثغة، فإذا اطمأنن على سلامة اللسان ونصاعة الأسنان ظللن برهة يسيرة ~~يمدحن فهيا جمال الفتاة وحسنها، ويشدن بأدبها ولطف موردها، ثم استأذن في الانصراف ~~وأقبلن على أمها وسائر من حضرن مسلمات مودعات مقبلات، وأذكين على الفتاة أدقهن حسا ~~وأنفذهن أنفا، فانفلتت إليها تحييها وتبالغ في تدليلها وإعزازها وإظهار الحب لها ~~والكلف بها، وراحت تواليها - تحت هذا العنوان - تقبيلا وضما والتزاما وشما، وهي ~~إنما تفعل في تمهر لا يخفى زيفه على أحد؛ قصدا إلى تشمم فيها لعل فيه بخرا، وإبطها ~~لعله يفوح دفرا، ولا تألوها لمسا ومسا، وغمزا وجسا، طائفة باليد على جوارح ~~الجسد، لعل منها ما عراه الرهل أو أصابه الأود! # ولربما طفن من غدهن ببيت فلان وبيت فلان، ثم بعد غد ms144 ببيت فلان وبيت فلان، حتى يستعرضن ~~السوق كلها وينثلن الكنانة نثلا، ما يدعن فيها سهما ولا نصلا! # ولربما رجعن إلى بعض من وردن لإعادة النظر، أو على الأصح لإعادة الفحص والتنقيب، ~~والإمعان في الفر والتقليب، ما يرى أولياء الفتاة بذلك بأسا ولا يجدون في أنفسهم منهم ~~حرجا! # فإذا أذن الله واجتمع الرأي على فتاة من هؤلاء خطبت إلى الأم أولا، فإذا اتفقت ~~الأمان على المهر وإلا صار الأمر إلى الأبوين ومن إليهما من الأولياء، ولربما استعان ~~ولي الزوج بعض الظاهرين من الجهة على ولي العروس في سبيل الحظ من مقدار الصداق المطلوب، ~~فإذا لم يبق موضع لخلاف من هذه الناحية، قرأ الجماعة فاتحة الكتاب في خفوت تبركا ~~واستكمالا لفضل الله العظيم، وكذلك يشيع بين نساء الحي وفتياته أن فلانة قد قرئت ~~فاتحتها، وليس وراء الفاتحة إلا قبض مقدم الصداق، فالعقد في الأعراس يتخلل هذه الفترة ~~ألوان من الهدايا تساق الفينة بعد الفينة إلى دار العروس، وتدعى هذه الهدايا بالنفقة ~~وعلى قدر هذه النفقة يعلق النساء أبلغ الأحكام، ومثلتهن السائرة في هذا الباب «العريس ~~يبان من نفقته» وهذه الهدايا لا تعدو النقل والحلوى، والسمك، والشياه، إذا طلع العيد ~~الكبير. # ولقد جهد بي - يا سيدي القارئ - ولعله قد جهد بك أيضا، فلقد طال المقام وتجاوز القدر ~~المقسوم له، فلنرجئ الحديث في حفلات العرس إلى يوم آخر إن شاء الله. # | كيف كان الشباب يزوجون (2) # قد مضى قولنا في الخطبة وأسبابها، ولم يبق بين أيدينا إلا العقد فالأعراس، ويحسن بنا قبل ~~أن نتناول شيئا من هذا بالحديث أن نعود فنؤكد لك أن البنت على وجه خاص لم يكن لها أي رأي ~~في أمر زواجها، ولا فيمن يتزوجها ولا يسوغ لها أن تتطلع ولو إلى مجرد العلم بشيء من ذلك، ~~إنما الأمر كله إلى أمها وأبيها يزوجانها متى شاءا وممن أرادا. # أما الزوج فيختلف شأنه في هذا بعض الاختلاف، فهو في الكثير الغالب لا رأي له في الأمر ولا ~~خيار، على أنه قد يعلم عن ms145 عرسه الكثير أو القليل عن طريق أمه أو أخته أو خالته، وإنما يهيئ ~~له الاستماع والاستخبار ما هو مفروض له من جراءة مهما ضعفت، فإنها لا تصل إلى خفر فتاة ~~عذراء! # وقلت لك: «في الكثير الغالب»؛ لأنه في القليل النادر قد يكون الولد مدللا مرهفا، وحينئذ ~~يكون له في الأمر رأي ولو بمقدار. # وكيفما كان الأمر فلقد كان محظورا على الخطيبين أن يتراءيا حتى بعد العقد إلى أن تحين ~~ساعة الزفاف، بل لقد كانت الفتاة إذا خطبت إلى ابن عمها أو ابن خالها، أو ابن عمتها أو ابن ~~خالتها ، ممن نشأت معهم وشبت ولاعبتهم في صغرها؛ أسرع أولياؤها فحجبوها عنه وبالغوا في ~~حجابها إلى يوم الزفاف، شأن الأجنبية سواء بسواء، وكان لذلك حكمة لا تخفى على فطنة ~~الفطناء! # وتحل ساعة العقد فلا يكون وكيل العروس إلا أباها أو عمها عند فقده أو أخاها وكلته أو لم ~~توكل، تكلمت أو عقد الحياء لسانها عن الكلام. # وبعد أشهر تقضى في إعداد الجهاز الذي قد يكون موضوع مساومة عنيفة بين أولياء العروسين، ~~يعين يوم العرس أو «ليلة الدخلة» في تعبير النساء! # وتسير «زفة» الجهاز من بيت العروس إلى بيت العريس تتقدمها الموسيقى، ومن ورائها حملة ~~التحف والآنية الثمينة باسطين تحتها أيديهم، فهذا يحمل ديباجة من الحرير موشاة بأسلاك الذهب ~~والفضة، وهذا يحمل طشتا وإبريقا من خالص الفضة، أو من النحاس المموه بالذهب والفضة، وهذا ~~علبة تنكشف عن بضعة أكواب من الفضة، وهذا طاس حمام كذلك، ولقد ترى آخر يحمل بين يديه ~~قبقابا مكفتا بالصدف والفضة! # ثم يلي هؤلاء رتل من «عربات الكارو» لا يدرك الطرف آخره، قد بسط الجهاز عليها بسطا ومط ~~فوقها مطا، فهذه حشية - مرتبة - قد خص بها مركبة وهذه خمس وسائد قد أفرد لها عربة وقائد، ~~وهذا «كنسول» عليه مرآة قد قصرت العربية عليه دون سواه، وهذا نضد - ترابيزة - قد شجر ~~بالزهور، وهذا «دولاب» قدت أبوابه من البلور وهذه لحف مبسوطة وهذه نمارق مبثوثة، وهذه أريكة ~~بين يديها شجاب، وهذان ms146 كرسيان قد نشر عليهما ستر باب وهكذا! وهكذا! # ولا تزال هذه العربات تجوز بك وهي في كلاءة الأحراس، حتى يختم الموكب بفضل الله بعربة ~~النحاس وكان في عربتين كفاية، وفي ثلاث فضل ولكن لا تنسى أن للتباهي حكمة، وللتكاثر غرمه ~~وغنمه! # ولقد ترى أن شيئا من هذا لا يزال قائما إلى الآن، ولكنه أضحى مقصورا على الطبقة الدنيا ~~من الأهلين وكيفما كان الأمر، فلعلك لم تنس أنني قلت في الحديث السابق: إنني أحب أن أجلو ~~الصورة كلها قبل أن تحول، أو يلحقها النصول. # وترسل الدعوة لوليمة العرس إلى الأصدقاء والجيران والمحبين، وهي رقعة في حجم الكف تكتب ~~صيغة الدعوى فيها بماء الذهب، وتبدأ عادة ببيتين أو ثلاثة من الشعر وكانوا يدعونها الملحق؛ ~~ولكيلا أشق عليك في إشاعة تخمينك فيما عسى أن يكتب في هذا الملحق، أعرض عليك نموذجا ~~منه: # من دعي فليجب # ليالي الأنس قد طابت ورقت # وطير الصفو غرد بالسرور # وجاد الدهر بالبشرى علينا # وداعي السعد وافى بالحبور # فهيا يا أحبة شرفونا # بأنسكمو ومنوا بالحضور # بمشيئة الله تعالى سيحتفل فلان في يوم كذا من شهر كذا سنة كذا بتأهيل نجله على كريمة ~~فلان، وذلك بمنزله الكائن بجهة كذا. # فالمرجو التشريف ليتم بكم الأفراح وتزول عنا الأتراح، والحضور الساعة 10 عربي نهارا ~~والعاقبة عندكم في المسرات. # وقبل أن أخوض بك في ليالي العرس، فكثيرا ما كان الاحتفال بالعرس يستغرق ليالي لا يقتصر ~~على ليلة واحدة، قبل أن أخوض بك في هذا، أقرر أن المصريين كانوا دائما أهل كرم وإيثار، فما ~~كانوا قط يستأثرون في أعراسهم ونحوها بأسباب تلذيذهم وتطريبهم، بل لقد كانوا يبسطونها ~~ويبذلونها في الطريق العام، قصدا إلى أن يشركهم فيها كل من شاء من الناس. # ولقد قلت لك: إن الاحتفال بالعرس كثيرا ما كان يستغرق ليالي لا يقتصر على ليلة واحدة، ~~وهذه الليالي كانت في الغالب ثلاثا: اثنتين منها تدعيان بالصمم - بضم ففتح - أما ~~الثالثة وأعني بها الأخيرة فليلة «الزفة» أو ليلة «الدخلة»، ليلة تولم الولائم ويقرب لجمهرة ms147 ~~المدعوين شهي المطاعم. # وأولى هذه الليالي تخص بخيال الظل، وهو عبارة عن دكة كبيرة تعلو واجهتها شاشة بيضاء تقرب ~~مساحتها من شاشة السينما الآن، أما جوانبها الأخرى فتحجب بألواح من الخشب يداخل بعضها في ~~بعض، وفيها باب لدخول اللاعبين وخروجهم، وفيها يضيئون مشاعل قوية لتجلو على النظارة ما ~~يعرضون من الصور في وضوح وجلاء. # أما هذه الصور فلأناس، ودواب، وطيور، وأشياء، وتسوى هذه الصور من الجلد ونحوه، تصبغ ~~بمختلف الأصباغ لتحاكي ألوان ما يبدو من الأجسام والثياب. # ويمثل خيال الظل رواية قوامها عشق وصبابة بين فتى مصري صميم، وفتاة بنت راهب مسكنها مع ~~أبيها الدير! ويتخلل هذه الرواية صور استعراضية متنوعة، وكل من يحرك صورة من صور هذه ~~الأناسي يجري الكلام على لسان صاحبها في دقة وبراعة تقليد، حتى كأنها هي التي تتحدث بأسماع ~~الناس، فهناك المغربي، والسوري، والبربري وابن البلد المصري، ومن هؤلاء، ونسمع ما شاء الله ~~من رائع النكت، وقد يكون بعضها من عفو الارتجال. # ولقد كان أفخم خيال للظل هو الذي يديره المعلم حسن قشاش، وكان سيد أصحاب النكتة فيه غير ~~مدافع هو المرحوم ناجي، وقد رآه كثير من أهل هذا الجيل ممثلا بشخصه في الأعراس، أو في دور ~~التمثيل في الفصل المضحك الأخير، أما دور ناجي في خيال الظل، فكان تمثيل الغلام بولس شقيق ~~علم، والترسل بينها وبين صاحبها تعاتير حتى يصل بينهما الزواج، وكان - رحمه الله - يرسل ~~بالنكتة بعد النكتة في خفة روح ولطف إيقاع، حتى يكاد يشق أضلاع النظارة من شدة الضحك ~~المتواصل بغير انقطاع. # وقد ذهب عني أن أقول لك: إن الطبل البلدي كان له مجلس بين يدي الخيال ليعزف في أوقات ~~الاستراحة أو ليرقص على توقيعه من يرقص من أشخاص الخيال. # أما الليلة الثانية فيبعث السمر فيها أبو رابية، وأبو رابية علم على تلك الفرق التي كانت ~~تمثل بأشخاصها في مقدمات ليالي الأعراس، إذ كانت تصف الدكك والكراسي على عذاري الطريق لجلوس ~~النظارة إذ يترك وسطها مسرحا لاضطراب هذه الطائفة من المفلسين، ms148 وكانت هذه الفرق تمثل كذلك ~~روايات إذا أسفت مطالبها وسخفت مغازيها، فلقد كانت سرية بما يشيع فيها من بارع النكتة، ولقد ~~كانت الحال تدعو إلى ظهور امرأة في بعض الرواية، على أن امرأة لم تكن تظهر أبدا فكان يتخذ ~~لهذا الدور إما مخناث محترف، وإما رجل يحسن تقليد النساء. # ولا شك أن سيد هؤلاء المفلسين كان المرحوم الحاج أحمد الفار الكبير، والعجيب أن هذا الرجل ~~على خصوبة بديهته، وتدفقه بالنكتة يشق الناس لها ثيابهم من ضحك ومن انبهار لم يكن يبتسم ~~أبدا، بل لقد كان يتكلف الجد إلى حد أنك تراه دائم العبوس. # ومما يحسن في هذا المقام ذكره أن هؤلاء المفلسين كانوا يعتمدون رجلا من صلب أصحاب العرس ~~أو من حواشيهم، ولعل ذلك كان بالاتفاق معهم، فيتخذون منه عامة الليل هدفا للنكتة حتى ما ~~يدعو فيه أديما صحيحا والناس يضحكون، والرجل معهم من الضاحكين. # وحسبنا هذا اليوم، وسنفرد ليوم العرس حديثا خاصا إن شاء الله. # | الأدب الفج # كان من مزايا صديقنا شاعر النيل حافظ بك إبراهيم - عليه رحمة الله - مطاوعة البديهة، ~~وحضور النكتة، يتصرف فيها ويفتن لكل مقام، ما تتعاصى عليه ولا تتعثر على لسانه ~~أبدا. # وكان إلى هذا يحفظ أظرف النوادر وأطرفها وأدعاها للعجب وأبعثها للضحك. # وقد سمعت منه - رحمه الله - النادرة الآتية قال: # قبل أن يوصل ما بين منيل الروضة والقاهرة بالجسور - الكباري - كان الناس يتخذون ~~الفلك - المعدية - في طلبهم العبر من العبر. # وجاء رجل من المدينة ليعبر إلى الروضة من ساحل فم الخليج، وكان الليل قد تقدم ~~فوجد الملاحين يغطان في نوم ثقيل من تحشيش الليل وكد النهار، فما زال بهما حتى ~~بعثهما، ونهض أحدهما إلى موضع المجاذيف، وتولى الثاني الدفة، وأنشأ صاحب المجاذيف ~~يضرب بمجذافيه جبت الماء على أنه ما كاد يفعل مرتين أو ثلاثا حتى تبهر وانقطع ~~نفسه، وانخذلت قواه وأحس شدة جفاف الحلق من أثر الحشيش، فتناول الكوز ولم يكن يعلم ~~أن زميله كان قد أذاب فيه ملحا ليعالج به أذنه، واغترف به ms149 من النهر غرفة وأصاب من ~~الماء، فإذا هو ملح أجاج فصاح من فوره بزميله صاحب الدفة: يا ريس عويس! ~~- هو! ~~- إيدك! دخلنا المالح! # ولقد أذكرني هذه الحكاية بعد نسيانها السنين الطوال، شأن أبنائنا من رادة الأدب في هذه ~~الأيام، وحرصهم على الظفر بالشهرة، بل بالبطولة والمجد والخلود بعد علاج منظوم أو منثور في ~~بضعة أشهر أو في بضعة أسابيع، وأخشى أن أقول في بضعة أيام في بعض الأحيان! # وقبل أن أخوض في لجة الموضوع أرى من الخير أن أنقل إلى قراء «الثقافة» صدرا من حديث ~~لمتحدث إذاعة بالراديو في غاية الأسبوع الماضي، كان بعضه يطوف بهذا الموضوع، قال: # لا ريب أن ما نسمع الآن من المقطوعات الغنائية إنما هو من النوع الواطي الرديء، ~~الذي لا قيمة له ولا وزن، ألفاظ سوقية مبتذلة، وتراكيب سقيمة مفككة، ومعان منحطة، ~~وأخيلة ظاهرة التزييف والترفيع، فإذا عدت هذه الأناظيم من الأدب على أي وجه من ~~الوجوه، فهي من الأدب الفسل الوضيع، أو على التعبير العامي الشائع من الأدب ~~«الفلصو» الذي لا محل له بين كرائم الآداب. # وإنني أشك في أن أكثر هؤلاء الناظمين قد أصابو حظا من اللغة، أو جروا على عرق ~~ولو ضئيل من آدابها، إنني أشك في أن أيهم حفظ شيئا من شعر البحتري أو أبي نواس أو ~~أبي تمام، بل إنني لأشك في أن أيهم شق ديوان المتنبي أو أرسل النظر يوما في ديوان ~~ابن المعتز أو في ديوان مسلم بن الوليد، وما أحسب أحدا منهم طالع ولو بنظرة واحدة ~~كتاب البيان والتبيين إذا كان قد سمع باسم الجاحظ، درى بأن لهذا الجاحظ كتابا يدعى ~~«البيان والتبيين». # وما له - لعمري - يقرأ وما له يكد النفس ويعنيها في الحفظ والمراجعة، وما له ~~يستهلك الزمن في تقليب النظر في روائع الآداب، وترشف ألوان البلاغات كما يترشف ~~الماء الزلال ذو الغسلة الصديان؟ ما له يعاني كل هذا أو بعض هذا ولقب الأديب ولقب ~~الشاعر مكفول له من غير كد ولا مطاولة ولا مفارقة جهاد؟ ms150 ... إلخ. # وبعد، فلقد يكون في هذا الكلام شيء من القسوة، ولكنه لا يعدو الرغبة في الخير على كل حال، ~~وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.» # وكيفما كان الأمر فإن هذا الضرب من الأدب قد انحط في الجملة، بل لقد هوى إلى قرار سحيق، ~~وإن ما تسمع من هذه المقطوعات الغنائية ليشعرك حقا بأن كثرة هؤلاء الناظمين قد ارتجلوا ~~حرفة الأدب ارتجالا، وانتحلوها انتحالا ما عناهم في سبيلها جهد ولا تحصيل، وإن من لا يبذل ~~في سعيه إلا الجهد الرخيص لحقيق بأن لا يظفر إن ظفر إلا بالحظ الرخيص، وليس أدل على هذا من ~~أن الكثرة الكثيرة من هذه المنظومات الغنائية لا يكتب لها العيش إلى اليوم الثاني، ولا أدري ~~كيف لا يكون من هذا وحده لأولئك الناظمين؟ # 1 # ولو قد تفقدنا السبب الحق في تدلي المستوى - في بعض أسبابنا - وأعني مستوى الأدب - على ~~وجه خاص - إلى الحد الذي يضر ويؤذي، لأصبناه في هذا الطائف الذي يطوف بنا في هذه السنين، ~~وهو ضعف العزائم وقلة الصبر وتعجل الثمرات، وابتغاء النتائج من غير تقديم ما يحتم المنطق ~~وتقضي الطبيعة بتقديمه من المقدمات! # هؤلاء ناس يحبون المال ويشتهون الغنى، ولكنهم لا يبتغون المال من وسائله، ولا يطلبون ~~الغنى من طريقه المقسوم من حسن القصد، وموالاة السعي والتخفف مما لا حاجة إليه من النفقات، ~~وموالاة الجمع والتثمير، ولكنهم لا يجدون في أنفسهم الكفاية من الوسائل المقدرة لإصابة ~~الغاية، ولا من قوة الصبر والانتظار ولا من احتمال الجهد في سبيل الجمع والادخار، ولا شيء ~~من هذا الذي يدرك به في العادة الغنى واليسار، إذن فليقامر فلقد يكون إقبال الدنيا في ~~القمار، والقمار - حرسك الله وعصم عليك مالك - وإن قل، سبيل ميسرة لكل إنسان، فمن ثقل عليه ~~أن يستوي إلى إحدى موائده الخضراء لهوان شأنه وضيق يده، فلا يثقل عليه أن يخاطر في حلبة ~~السباق، أليس الجواد «الفلاني» قد أغل الريال عليه مائتي جنيه؟ ومن ثقل عليه أن يؤدي ms151 نصاب ~~الرهان على الخيل فليشارك في النصاب، وإلا ففي ورقة اليانصيب متسع للجميع، وفيها المائة ~~والمائتان والخمسمائة والألف والآلاف، وهكذا يجيء الغنى عفوا بلا سعي ولا كد ولا عناء! ثم ~~إذا كف المسكين صفر، سواء في آخر الليل أو في آخر النهار! # وإذا كان هناك فرق بين هذا الذي يطلب الغنى من غير سبيله، وذلك الذي يشتهي أن يجني ثمرات ~~الأدب من غير سبيله، فإن الحظ محتمل لذلك ولو بنسبة 1 / 100000 أما هذا فغير مقدور له حظ ~~أبدا. # لا، لا، يا بني، لا تظن أن المنزلة في الأدب أو في غير الأدب تواتي بمثل هذا اليسر كله، ~~فالأدب يغتضبك مهما تكن قد رزقت الموهبة أن تسهر الليالي في حفظ الروائع التي جاد بها من ~~سبقوك من أئمة البيان، وفي تقليب الذهن في بلاغات من تقدموك من كفأة أصحاب البلاغات، وشدة ~~المطاولة في محاكاتهم، والتشبه بهم في منازع بلاغاتهم، فإذا تهيأ لك أن تستحدث طريفا أو ~~تبتدع في الفن جديدا، فأنت الأديب الموهوب بفضل الله، أما أن تطلب الطفرة وتلتمس النتيجة ~~من غير مقدمات، فالطفرة - لو علمت - محال، لن تكون أكثر من أديب مرتجل، أو بالتعبير العامي ~~أديب شيطاني ما دمت تقنع من السعي بأن تنظم كلاما فارغا مليخا، تلفقه تلفيقا لا براعة ~~فيه من كلمات جمال الطبيعة والأشجار والأزهار والأطيار، والعبير، والغدير، والهدير، والقمر ~~والنجوم، والسحاب والغيوم، فإذا وصلت بسلامة الله إلى «لحف الخلود» فقد أديت «رسالة الأدب» ~~وحق أن يذهب لك صيت وذكر في التاريخ، وما شاء الله كان! # لا، لا يا بني، لا يكفي أن تؤلف، أو على الصحيح أن تلفق من هذه الكلمات، أو منها ومن ~~سواها، كلاما بائخا مليخا، لا طعم له في مساغ النظام ثم تطلع به على مغن حدث أو مغنية ~~حدثة لتصك بترديد أسماع الناس صكا، لا يكفي هذا في ابتغاء الرزق من الأدب والمنزلة في ~~الأدباء. # وسامحني يا بني إذا قلت: إنك وأمثالك من أصحاب هذا الأدب الفج - العجر - لتجنون على ms152 ~~أنفسكم أولا، وتجنون ثانيا على الأدب في هذه البلاد وغير هذه البلاد! # وأرجو ألا تصغي إلى أصحابك ولداتك الذين ينصحونك بالثناء نصحا، فيصفونك بالعبقرية ~~ويضيفون منظموتك إلى الخلود، وكذلك يوم أنفك وكذلك يطمعونك في المنزلة بين السماكين، وكذلك ~~تقطع كل سبب بينك وبين مساعي الحياة، إذ كفك صفر وإذا أنت لا تزال هائما في القفر، فأنت ~~إذن «كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»، وصدق رسول الله. # أما أن يصدق هؤلاء الناشئون أنهم قد رزقوا الموهبة جميعا، فلا حاجة لأحد منهم بسعي ولا ~~تحصيل ولا جهد كثير ولا قليل، فليعلموا أن الناس لا يمطرون المواهب بمثل هذه الفداحة ~~الفادحة، وإذا كانت أمثال هذه المواهب مما يباع ويشرى، لما ابتغت لها معرضا أليق من سوق ~~العصر. # هذه - شهد الله - نصيحة صادقة مخلصة يسديها إلى جمهرة الناشئين من الناظمين، من لا يشعر ~~لهم إلا بعطف الوالد على الولد. # فإذا أصروا بعد هذا على أنهم بضربتين من المجذاف «قد دخلوا المالح»، فأمرهم وأمر الأدب ~~إلى الله. # | ذكريات # بيني وبين حافظ إبراهيم # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل: لن نتصدعا # فلما تفارقنا كأني ومالكا # لطول افتراق لم نبت ليلة معا # وبعد فما أدري ما خير «الهلال» في أن تريدني على الكتابة فيما كان بيني وبين شاعر النيل ~~حافظ بك إبراهيم - عليه رحمة الله؟ # لا أدري ما خيرها في هذا، وما الذي يغريها به ويدفعها إليه، وكلما اعتذرت ردت الاعتذار، ~~وكلما حاولت التملص سدت علي المنافذ، وأخذت بين يدي المذاهب، ويا عجبا! ماذا يكون بيني ~~وبين حافظ إلا ما يكون في العادة بين جميع الأصدقاء، أو بين جميع الأعداء! # كنت أصحب حافظا ويصحبني، وكنت ألقاه ويلقاني، وكنت أسمر معه ويسمر معي، على أنني لم أكن ~~وحدي الذي ظفر بهذا الحظ من حافظ إبراهيم، فمن صاحبوه ولازموه كثير ومن غشوا مجالسه، ~~واستمتعوا بملحه وطرائفه أكثر، وحافظ لم يكن متحجبا ولا منقبضا عن الناس، ولا برما ~~بلقائهم وغشيان مجالسهم وفسح مجالسه لهم، والتبسط بألوان الحديث ms153 معهم، بل لقد كان فياضا ~~ثرا متدفقا يسمح بطرائفه، كما يسمح بماله وبطعامه ما يضن على أحد بما طالت يده ولا بما ~~يطول لسانه، ففيم إيثاري بالتحدث عنه، وفيم اختصاصي بالقول فيما كان بيني وبينه؟ على أنني ~~ما برحت مقروح الكبد لفقده، ما ترقأ لي عليه دمعة، ولا تبرد لي كلما ذكرته لوعة، فكيف لي مع ~~هذا بالخوض فيما يروق من شأنه، كل ما يعجب وما يسر من حديثه وما يطرب؟ # في الحق إن تكليفي هذا دون الناس جميعا عجب من العجب! # وبعد، فإذا كانت «الهلال» إنما تحرص على إيثاري بهذا؛ لأنها تحسب أنني كنت أوثق أصدقاءه ~~به وأقربهم محلا من نفسه، فقد خالفها الظن وأخطأها الحسبان. # عاشرت حافظا وصاحبته ولازمته أكثر من خمس وعشرين سنة متوالية متصلة، حتى مضى إلى فضل ~~الله ورحمته، ومع هذا لا أدري أكان لي أصدق الأصدقاء، أم كان لي أعدى الأعداء؟ ولا أدري من ~~جانبي أيضا أكنت له أصدق الأصدقاء، أم كنت له أعدى الأعداء؟ وهل كان يحبني أشد الحب، ويضمر ~~لي أخلص الود، أو كان يكرهني أشد الكره، ولا ينطوي لي إلا على أبلغ المقت؟ كذلك لا أدري إذا ~~كنت أحبه أشد الحب، ولا أكن له إلا أصدق الود، أو أنني أكرهه أعنف الكره، ولا أنطوي له إلا ~~على أقسى الحقد والبغض؟ أكان يكبرني ويجل موضعي وكنت أكبره وأجل محله، أم كان يزدريني ~~وأزدريه، ويرى ألا فضل لي وأرى ألا خير فيه؟ # وترى أنه كان لا يبغي لي إلا النفع والخير، ولا أبغي له إلا النفع والخير، أو أنه كان لا ~~يرجو لي إلا الأذى والضر، ولا أرجو له إلا السوء والشر! # ما زلت - لعمري - بين الأمرين في أحير الحيرة وأضل الضلال! # كنت لا استطيع صبرا على فراق حافظ، وكان حافظ لا يستطيع صبرا على فراقي، ولا أستطيب ~~طعاما شهيا إلا إذا كانت يده مع يدي، ولا تطيب له نزهة مفرجة إلا إذا كانت رجلي مع رجله، ~~وهل مهد لإتيان مجلس غناء أو ms154 لهو أو سمر فاستوى فيه، واطمأن إلى موضعه منه، إلا إذا كان ~~صاحبه معه واحتل من المجلس موضعه، لا يحقن أحدنا عن الآخر سرا، ولا يكتمه من مداخل أمره ~~أمرا. # ولقد يدعوني بعض الأمر إلى الشخوص إلى الإسكندرية على أن أبيت فيها ليلة، فيثبط من همتي ~~ويدغدغ من عزمي، ويهون علي من خطب طلبتي، وينطلق يذم الإسكندرية ورطوبة الإسكندرية، وضيق ~~مساحة الإسكندرية، حتى لتلقى من تكره في اليوم الواحد عشرين مرة في الإسكندرية، فإذا أصاب ~~مني العزم والإصرار، زم متاعه ومضى معي إلى الإسكندرية ما يفتر لسانه طول الطريق لحظة واحدة ~~عن لومي وتقريعي، والإبانة عن سوء رأيي وفساد ذوقي، يفعل هذا وهو متجهم الوجه بادي الغيظ! ~~ولقد تدعوه بعض الحاجة إلى سفرة كهذه السفرة، فأفعل معه مثل هذه الفعلة، وسرعان ما أرزم ~~حوائج السفر وأمضي معه متى استيقنت من عزمه وإصراره! # وكيفما كان الأمر فإنني أعود فأقرر أن حافظا - رحمة الله عليه - كان لا يستطيع على فراقي ~~صبرا ولا أستطيع على فراقه صبرا، ومع هذا فإنه ما جمعتنا خلوة إلا جعل يصارحني ببغضه ~~وأباديه بمقته، ويذكرني ما أسلفت من أذاه، وأذكره ما أسلف من الكيد لي، ولا نزال على هذا ~~حتى يبدو ناجذ الفتنة ويهيج هائج الشر، ومع هذا لا توسوس لأينا نفسه بالفرقة وطلب الخلاص من ~~هذا البلاء! # لا أذكر أنه ضمني به مجلس قط سواء كان فيه من نعرف أو من لا نعرف، وكان فيه من نعلي ~~أقدارهم ونجل أخطارهم، أو كان فيه من نتهاون شأنهم، ولا تضمر أنفسنا إلا استحقارهم والزراية ~~عليهم، لا أذكر أنه ضمني به مجلس قط إلا جلا له مداخلي وبذل بين يديه أكره مكارهي، فإذا ~~أعوزته المكاره خلقها خلقا وارتجلها من عفو الخاطر ارتجالا. # ولقد يوغل في الكيد ويمعن في الأذى! فيشرك نفسه معي فيما يرميني به من ألوان التهم، ولو ~~قد صح أكثرها لأفضت بنا كلينا إلى محكمة الجنايات والعياذ بالله، فيقول: لما فعلت أنا وفلان ~~كذا ولما افترقنا كذا وكذا ms155 ... وكل هذا ليؤكد على التهمة ويوثق الجريمة، وتراه يضع في هذا ~~الموضع نفسه، ويبلغ منها به ما لا يبلغ أعدى عدوها؛ ليرضي نقمته مني واضطعانه علي ولا أجر ~~الله القائل: # فاقتلوني ومالكا # واقتلوا مالكا معي # انظر يا سيدي كيف يكون غيظي حتى لأكاد أخرج من جلدي، ثم فكر فيما يرمي به لساني منكر ~~القول، مستكره اللفظ نضحا عن نفسي وشفاء لصدري! ثم تدبر بعد هذا ما يعتريني من الألم، وما ~~يلحقني عليه من واخز الندم: ولعنة الله على الغضب وما يفعل الغضب! # ولقد يتوافق رأيانا في رجل، فنذكره بما نحسب فيه من ثقل الظل، أو شدة البخل، أو الكذب ~~والتزيد، أو التنفج وعرض الدعوى، أو غير ذلك مما يكره الناس أن يذكروا به، فيلقاه في سر ~~مني، ويقول له: «إن فلانا يرميك بكيت وذيت فتعال معي أسمعك بأذنك.» ويواريه في غرفة مجاورة ~~أو يدسه من حيث لا أرى خلف ستار أو تحت سرير، ثم يقبل علي فيستدرجني إلى حديثه، وما عسى ~~أن نكون قد أرسلنا من النكات على خلاله تيك، فإذا بلغ من هذا كل ما أراد سل صاحبنا من حيث ~~كان، فطلع علي مغبر الوجه، متكرش الجبين، محمر الحدق، بارز الناب! # وانظر يا رعاك الله أي جهد يجب أن أبذله وقد يعينني حافظ بإنقاذ الموقف - كما يقولون - ~~وصرف الأمر كله إلى النكتة، حتى يسكن غضب الرجل وينفرج غمه وتطيب نفسه، ويشيع البشر في ~~وجهه، على أنني إذا خرجت من ثائر شره على سلم، واطمأننت منه إلى الأمن، فإني لأقضي بقية ~~نهاري وسواد ليلي قلق النفس مقشعر الجلد مما عسى أن كان يكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # ومن أعجب العجب وإن شئت قلت: «من بركة العجز» أن هذه الحوادث قد انتهى أكثرها، إذا لم يكن ~~قد انتهى جميعها، إلى استيثاق الصلة، وعقد الإلف بيننا وبين هؤلاء الذين كان يغريهم حافظ بي ~~ويثير حفائظهم علي بما يسمعهم من حديثي فيهم، وتناولي لمكارههم، وقد يزداد هذا الإلف على ms156 ~~الأيام حتى يصبح صداقة متينة وودا خالصا! # وأغلب الظن في هذا أننا لم نكن نعرفهم حق المعرفة، ولم نخالطهم حتى نقلب عن يقين حقيقة ~~شأنهم فنسرع إلى الحكم عليهم بما نرى من ظواهرهم أو بما نسمع من خصومهم عنهم، حتى إذا ~~عرفناهم وبلوناهم تجلت لنا فضائلهم ومزاياهم، وإذا ما ذهبنا إليه إنما كان أوهاما في أوهام ~~لم نخرج منها وا حسرتاه إلا بالمناكر والآثام! اللهم اغفر لنا خطايانا وتب علينا واعف عنا، ~~إنك أنت التواب الرحيم! # على أن مما يعزينا في هذا الباب أننا ما تناولنا - والحمد لله - عرضا، ولا اتهمنا أحدا ~~في ذمة، ولا رميناه بكبيرة، إنما هي الشهوة إلى التندر على الناس والسلام! # ولقد كان حافظ يعرف مني شدة الخوف مثلا من سرعة السيارات، فيستدرجني إلى إحداهن لنزهة أو ~~لعدة، ولا أركب حتى أستوثق من أن السائق لا يفعل، وإذا هو قد أوصاه، وربما رشاه، فما يكاد ~~الخنزير يبعث عجل السيارة، حتى يجريها في سرعة الكوكب الهاوي، أو البرق الخاطف ما يبالي ~~زحمة الطريق، ولا مواجهة الترام ولا يطامن منه أنه يرقى تلعة، أو يمشي على حافة ترعة أو نحو ~~هذا مما يغلب توقع التلف فيه على توقع السلامة! # وبعد، فأرجو ألا تظن أنني كنت أتمثل مع حافظ على شيء من هذا بالحكمة الرفيقة القائلة: ~~«المسامح كريم»، فإنني ما كنت أجزيه إلا شرا بشر وغيظا بغيظ، وكيدا بكيد! ولعلي كنت ~~أخبر الناس بما يخبث نفسه ويكدر صفوه، ويذكي همه وغمه ويسود نهاره، ويقض الليل مضجعه، فما ~~حرمت شيئا من هذا شهوة الحقد أبدا، والبادي أظلم! # هذا ولا نتفارق؛ لأننا كلينا لا نستطيع على الفراق صبرا. # وإذا أردت أن تعرف بالضبط والتدقيق لون الصلة التي كانت بيني وبين حافظ، فالتمسها فيما ~~كان يصفني به ويردده على الأسماع عني: «فلان ضرر لا بد منه.» وكان ذلك رأيى فيه أيضا - ~~رحمه الله، وألحقني به على الإيمان إن شاء الله. # وأرجو إذا كان في العمر فسحة أن آتي بشيء من التفصيل عن ms157 بعض ما كان بيني وبينه من هذا ~~القبيل. # | مهم الأديب في الشرق # أن يكون أديبا شرقيا # ولست أعني بالأديب كل من يجيد سبك الشعر أو يحسن تزويق الكلام، إنما أعني بالأديب الأديب ~~حقا، وذلك الذي استنارت بصيرته، ورهفت حسه، ولطفت مشاعره، وأضحى له من حد النظر في بواطن ~~الأشياء وما ينقطع دونه جهد الأنظار، إنما أعني بالأديب ذلك المفتن الذي يلمح بالنظرة ~~المومضة ما لا أدركه أنا ولا أنت ولا يقع عليه حسي ولا حسك مهما أذكينا من الذهن وشحذنا من ~~الإحساس. # لست أعني بالأديب هذا الذي يشمر في اختلاف الأخيلة لم تنتظر لنفسه، وفي تلفيق الصور ما ~~تجلت على حسه، إنما أعني بالأديب ذلك الذي اتسع أفقه ونفذت إلى الأطواء بصيرته، فهو يرى ~~بعينه الباطنة ما لا يرى غيره، فإذا تعاظمك ما جلا عليك من غريب الصور، وما سوى بين يديك من ~~طريق الخيال، فلا تظن أنه ملفق أو مزور أو مختلق، بل إنه ليحدثك بما تتحدث به نفسه، ويجلو ~~عليك ما يرى هو وما يسمع وما يشعر في غير زيادة ولا نقصان. # ولعلك قد أدركت من هذا أن ذلك الأديب النير الحساس لا يجدي الأدب ولا الناس إذا لم يكون ~~متمكنا من ناحية البلاغة، حتى يستطيع أن يكون أمينا ودقيقا ورائعا فيما ينفضه عليك من ~~صور البيان. # وبعد، فإن مهم الأديب في الشرق جليل الخطر بعيد الأثر، مهمه الأول أن يوجه حسه إلى الشرق، ~~وأن يحرر عاطفته كلها للشرق، فقد استدرج الغرب إليه حس أدباء الشرق وعواطفهم جميعا، أستغفر ~~الله بل لقد سطا بها سطوا، وانتزعها من بيئتها انتزاعا. # اللهم إن أعظم أدبائنا الشرقيين قدرا، وأجلهم خطرا لا يكادون يطرحون النظر إلا على ~~الغرب، لا يكادون يتصورون الأشياء إلا بذهن الغرب ولا يكادون يصورون ما يجدون إلا على أسلوب ~~الغرب بل لا تكاد أعرافهم تلين وتنفع! إلا لما يقبل عليهم من ناحية الغرب، لقد استهوتهم ~~حضارة الغرب، وفتنهم جمال الغرب وملك فكر الغرب عليهم كل مذهب، فلم تبق ms158 فيهم فضلة لتقليب ~~النظر في هذا الشرق، ولا لتصفح وجهه والتدسس إلى ما تحت السطوح مما كثرت القرارات وأجنت ~~الأطواء! # ولعل عذرهم كان في أنهم نشئوا في لغات ميتة، وآداب ميتة، وحضارة ميتة، وأفكار ميتة، وجو ~~كله موت لا تترقرق فيه نسمة من نسمات الحياة! وما ظنك بمن أحس الاختناق لفساد الجو، أفلا ~~تراه يجري لالتماس الهواء الطلق يتفرج به ويملأ منه رئتيه كلتيهما ليرد به على نفسه ما مضى ~~عنها الحياة، وكذلك صنع أدباء الشرق، وكانوا فيما صنعوا حق معذورين! # في الحق إن الغرب قد استولى على أدبنا، وأعني أدبنا الحي أو أدبنا الذي يزعم لنفسه ~~الحياة، كما استولى على أرضنا وعلى علمنا وفننا، وتجارتنا أو صناعتنا وكل سبب من أسباب ~~الحضارة في هذا العالم، لقد استولى الغرب على كل شيء عندنا حتى على الأدب، وأصبحنا في جميع ~~وسائلنا أشبه بالمكارين يسعون سعيهم لحساب أصحاب الأموال. # ولقد يتعاظمك ويشبع فيك العجب ما زعمت من أن الغرب قد استولى على أدبنا فيما استولى، ولقد ~~يكون أهم الداعيات على إنكارك ما ترى كل يوم لكتابنا المجلين من لفظ عربي رشيق في نظم عربي ~~أنيق، وما تجد من منازع بلاغات تطاول أذكى بلاغات العربية في أزهى العصور، فليس الأدب حلاوة ~~لفظ وتلاحم نسج وإشراف ديباجة فحسب، بل إنه قبل ذلك لوضاءة نفس ودقة شعور، ورهافة إحساس، ~~ونفوذ نظر، وتهيؤ فطري لبراعة التصور، ثم قدرة قادرة على براعة التصوير، وفي هذا المظهر ~~الأخير إنما يحتاج إلى براعة النظم وصحة البيان! # وأرجو بعد هذا أن تحدثني بعيشك، كيف يكون أدبنا شرقيا وكيف يعد أدباؤنا أدباء شرقيين، ~~وهم متغيرون لبيئتهم منكرون كل الإنكار لما يحيط بهم، لا حظ للشرق، ولا لطبيعة الشرق، ولا ~~لشيء من أسباب الشرق فيما يتصورون وفيما يصورون؟ # وبعد، فللشرق أرضه وسماؤه، وله هواؤه، له جباله ووديانه، وأنهاره وخلجانه، نباته وحيوانه، ~~وله سهله ووعره، ومعمورة وقفره، وله صحاريه، وناهيك بصحاريه، وما ألهمت من الشعر في قديم ~~الزمان! وللشرق عاداته وأخلاقه، وله أفكاره ms159 وأذواقه ... # للشرق جماله وفتنته وسحره، وله جلاله ورهبته، وهذا تاريخه الضخم، لقد احتشد بعوامل القوة ~~والعظمة، كما سال بآثار الفلسفة والعلم والفن جميعا، ولقد أزل لنا هذا التاريخ من مجالي ~~عظمة الشرق ما يحير الألباب، سواء منه ما طاول السحاب وما دسا في التراب! # ولعمري، أليس في هذا كله ما يبعث العاطفة ويستجيش الحسن، ويلين أبدع الصور تتراءى في أبدع ~~البيان؟ # لقد كان الشرق مهبط الشعر كما كان مهبط الوحي وفيه رقي بيان الأرض كما تنزل بيان ~~السماء. # ولقد كان لأجلاء أهل البيان عذرهم الذي أسلفت، فما عذرهم الآن وقد انبعثت اللغة، وحي ~~الأدب، وذكا الشعور، ورهف الحس، وراح منا خلق يعالجون ما يعالج أدباء الغرب من تحليل ~~الأشياء، والنفوذ إلى الأطواء، واستظهار الطريف البديع من مختلف الصور في شتى مظاهر ~~الحياة. # ما لنا وقد بلغنا هذا القدر ولو بفضل تروينا من أدب الغرب لا نوجه إحساسنا وعواطفنا إلى ~~هذه البيئة التي نعيش فيها، فنتصفحها ونمعن في تصفحها ونتوسمها ونطيل في توسمها، فإنها ~~قمينة بأن توحي إلينا أبلغ مما نرجو من ابتهار ومن روعة وجمال! # اللهم إن أكثر أدبائنا العظام إنما يغذون أرواحهم بآداب الغرب في الكتب والرسائل، وفيها ~~يقلبون الذهن ولها يفتحون الأعراق، وفيها يغرقون الحس وبها يذكون العاطفة، فأضحت هي متاعهم ~~الروحي لا يزاحم نفوسهم عليها متاع، وهي في الغاية سبيل إنشائهم ومادة إنتاجهم، إليها يردون ~~وعنها يصدرون! فيتهيأ لنا مع هذا أن نزعم أن هناك أدبا شرقيا وأن هناك أدباء شرقيين؟ # 1 # إن مهم الأديب في الشرق - وما وقعت في كلمة الشرق في هذا المقال إلا تمثلت مصر أولا ~~وجمهرة البلاد العربية ثانيا - أقول: إن مهم الأديب في الشرق أن يفطن نفسه إلى بيئته أولا ~~ويشعرها أو في الشعور بأنه إنما يعيش في بلاده، فيها يدور الفكر ويجول التصور، ومنها يشتق ~~التخييل ويستنزل الإلهام، وكذلك يكون لنا نحن المصريين أدب مصري وأدباء مصريون، وكذلك يكون ~~لجارتنا سورية أدب سوري وأدباء سوريون، وكذلك يكون للعراق أدب عراقي وأدباء ms160 عراقيون، وهكذا، ~~فإذا فرقت بين هذه الآداب بعض العوامل المحلية المختلفة من طبيعة البلاد ومناظرها وتاريخها ~~وعرفها ونحو ذلك، فلا بأس بهذا فسيجمعها ذلك الطابع العربي العظيم، أما الآن فلا شك في أن ~~هذا الأدب غريب فينا أو نحن في هذا الأدب غرباء! # أستغفر الله أن أدعو إلى هجر أدب الغرب ونحرم قراءته وترويه، أو عدم استعانته في التحليل ~~والإنتاج والتصوير، أستغفر الله أن أدعو إلى هذا أو أشير به، فإنني إذن آثم في حق أدبنا ~~أعظم الآثام، وأجرم عليه أبشع الإجرام! # بل كل ما أريد أن ما نصيب من أدب الغرب وما نتذوق ، لا ندعه يطغى هذا الطغيان على أدبنا ~~الشرقي، فإن الخير كل الخير أن نسيغه ونهضمه ونغذي به أدبنا على أن لا يبدل خلقه ولا ينكر ~~صورته، كدأب الأمم التي تعتد بآدابها وتريغ لها قوة الحياة من كل سبيل. # فقد عرفت أن المهم الأول للأديب في الشرق أن يكون أديبا شرقيا مصريا إذا كان في مصر، ~~وسوريا إذا كان في سوريا، وعراقيا إذا كان في العراق، وهكذا يشعر بأنه يعيش في بلاده - ~~كما أسلفت - أو في الشعور، ومما يحيط به يشتق التصور ويستنزل الإلهام، فإذا كان الأديب ~~الشرقي كذلك بعث من عواطف قوية كل ممكن، واستخلص من بواطن النفوس كل دفين، واتخذ من أخلاقهم ~~وعاداتهم مادته في الفحص والتحليل، ومن ميولهم ومنازع نفوسهم أداته في التصوير والتخييل ~~وشاد بجليل مفاخرهم، وتغنى بسالف مآثرهم، وكذلك يبعث الأدب الحق ويبعث الشعور القومي ~~جميعا. # اللهم إن الأمم العربية لتجد في السعي إلى تحرير الأوطان، فمتى تسعي إلى تحرير الآداب فلا ~~يكون للغرب عليها هذا السلطان؟ # | عباقرة الفن # قبل أن نقص ما هيأناه لهذا المقال من القصص، نعيد ما سبق لنا أن ذكرنا في مثل هذا المقام ~~من أن الكذبة الفنيين ليسوا جميعا على غرار واحد، ولا يلزمون موضوعا مشتركا، بل إن منهم ~~لأخصائيين تجرد كل منهم في مطلب، وحبس سعيه وجده عليه لا يعدوه إلى غيره، أما رأيت الأطباء ~~كيف ms161 يتخصصون، هذا للأمراض الباطنية، أو لأمراض المعدة منها، أو لأمراض الصدر دون غيرها، ~~وهذا للأعصاب وهذا للجراحة، وهذا للحنجرة والأنف، وهذا للعيون ... إلخ. وكذلك عباقرة الفن ~~منهم من اختصت عبقريته بالحديث في الطعام، ومنهم اختص بالبطولة والفروسية في القتال ~~والصدام، ومنهم لا يعدل وله النساء عليه وغرامهن به أي غرام، وهو يضن على الآلاف منهن ~~بالنظرة، ولا يبرح يقدم في صدورهن نار الغيرة ويذيب كبودهن من شدة الوجد والحسرة، والمسكين ~~وخمسة من سكرتيرية قد استهلك نهارهم وليلهم، ففي الرسائل الغرامية يسطع أريجها ويتضوع في ~~الحي والأحياء المجاورة عبيرها، حتى لو صبت أوعية أكبر «فابريقات » الروائح العطرية في ~~العالم ما فعلت في الجو فعله، ولا نشرت في الأفق العريض مثل شذاها وطيبها، وهذه الرسائل ~~كلها قد جادها الشغف والولوع، بالعارض الهتان من سخين الدموع، حتى إذا فرغ المسكين المرهق ~~بإلحاح ربات الحجال المضني بمطاردة جميع ملكات الجمال، تراه قد أرخى حفنة، ورمى بنظرة ساحرة ~~تسلك أعصى الكبود وتذيب الحجر الجلمود! # وهنا لا أخصائيون في غير هذا أو ذاك، على أن هذا لا ~~ينفي أن هناك من عباقرة الفن من لم يلتزموا موضوعا، ولم يتخصصوا في أمر فهم كبعض أطباء ~~الريف المصري، يعالجون كل مرض ويطيبون كل علة، فمن رمديين إلى التهاب جلد إلى شق دمل إلى ~~تجبير عظم إلى توليد حامل إلى انسداد أنف، إلى تمدد كبد، إلى التهاب صدر، إلى وجع بطن! ~~فهؤلاء الفنانون العموميون - إن صح هذا التعبير الشائع - يضربون في كل مجال، ويأتون في كل ~~مقام بأبدع المقال، فهم أغنى الناس إذا ذكر الغنى وهم أشجعهم إذا دار الحديث في الشجاعة، ~~وهم الأجزل سائدة والأشهى طعاما إذا مال القول إلى الطعام والدسم، وما يحدث الكظة ويدعو ~~إلى البشم، وهم أشغل الناس لقلوب النساء إذا جرى ذكر الهوى وما تفعل الفرقة والنوى، وكيف ~~تصنع بالعاشقات تباريح الهوى، فإذا جاء حديث أولياء الأمور وكبار الحكام فخذ ما شئت من ~~تهافتهم عليه، وتباريهم في الزلفى إليهم واستنارتهم برأيه في المهمات، واتباعهم ms162 لنصحه في ~~الأحداث الملمات وهكذا ... # والعجيب في أمر هؤلاء جميعا أنك تجدهم حاضري الذهن، حافلي الخاطر، مستيقظي الذاكرة، لا ~~يند عنهم كبير ولا صغير، ولا تنشز عليهم شاردة ولا واردة، ولا يغيب عن ذاكرتهم شيء مما وقع ~~لهم في الماضي الطويل، مهما دق أمره وهان قدره، فما يكاد أحدهم يسمع في المجلس الكلمة يهتف ~~فيها هاتف بتقدم أحد في باب من هذه الأبواب، إلا انبرى من فوره يشيد بما له من السبق ~~والتقدم، ويستشهد على هذا بالقصص المسبوكة المحبوكة، يرويها متدفقا غير متحبس ولا متوقف ~~ولا متلجلج ولا متتعتع، ولا مستعين متنحنح ولا يتعسل ، كأنما يصدر حديثه عن المؤنس - موسيقى ~~القرب - لشدة اتصاله، وعدم الشعور بانقطاعه ولوحدة جرم النفس! # وكان لي صديق - رحمة الله عليه - يتمالح بهذا الكذب، وما برح من نشأته يوالي هذا ويدأب ~~عليه حتى صار له عادة وجبلة، وكثيرا ما سمعت أنه إذا لم يكذب لا يستريح عامة يومه! على أن ~~كذبه كان حلوا عذبا يشعر من فوره بأنه كذب. # كنت أتمشى معه في صدر إحدى الليالي وقت الغلس والجو أدنى إلى الظلمة، وكان وقتئذ طالبا ~~في إحدى المدارس العليا، إذا نصب عليه رجل لا أدري ولا يدري هو من أين طلع ولا من أين هبط، ~~بادره بطلب دين عليه وقبل أن يتم الرجل مسألته، عاجله صاحبي مقسما على أنه ليس معه إلا ~~الريال مسحة الجزمة، فانصرف الرجل عنا وهو يضرب كفا بكف! يا لطيف! # واشترى ذات يوم قميصا وأرانيه، وجعل يدلني على جودة قماشه وحسن تفصيله، فقلت له: بكم ~~اشتريته؟ قال: بجنيه مصري! ولكنني رأيت مكتوبا على عنقه: P.T. ~~50 ~~، فقلت له: يا أخي إن الثمن خمسون قرشا، فأجاب فورا: بل هي خمسون ~~نصف فرنك. # وسافر في بعض السنين إلى أوروبا يقضي أشهر الصيف وسلخ أكثر المدة في إنجلترا، ثم عاد ~~سالما وجعل يروي ما وقع له من طرائف الحوادث، وهي كثيرة جدا تثقل العد والحساب، وكان ~~أطرفها حقا أن إحدى نجوم السينما في لندن - وهي ms163 ممثلة زائعة الشهرة بالجمال والفن معا - ~~أحبته وكلفت به كلفا شديدا، فكانت تقصر عليه كل أوقات فراغها، تصاحبه في نزهاته وفي ~~غشيانه لدور الملاهي، وتمضي معه لشهود ما يجتمع لشهوده من المعاهد والمعابد والمكتبات ونحو ~~ذلك، حتى لقد تركت قصرها الفخم لتبيت معه في نزله، فلما آذن الصيف بالإدبار طالعها بنية ~~السفر والقفول إلى بلاده، فتعلقت به وجعلت تبكي وتستعير، وتنشج أشد النشيج وأوجعه وتضرع ~~إليه أن يبقى، على أن تعوضه مما يخسر من ترك عمله في مصر عشرات الأضعاف، وهو يتأبى ويتجنى ~~حتى إذا يئست من مقامه، صممت على ترك عملها في إنجلترا والشخوص إلى مصر، رجلها مع ~~رجله! # وما زال بها يدفعها عن هذه النية الخطيرة فلا تتقلقل ولا تتململ إلى أن خوفها نقض ~~التزامها للشركة التي تعاقدت معها، وما يلزمها من تعويضات جسيمة، ثم سكتت على أن تلحق به ~~إلى مصر بمجرد انتهائها من عملها، وكذلك استطاع أن ينفلت من بين يديها، وكذلك خلا له وجه ~~الطريق إلى مصر. # انتظروا يا معشر القراء، فإن الرواية لم تتم فصولا. # بعد قدومه ببضعة أشهر لقيته ذات يوم فقال: ألم أحدثك حديث ممثلة السينما الإنجليزية؟ ~~فجمعت ذاكرتي ثم قلت: بلى. قال: لقد ذهبت ليلة أمس في جماعة من صحبي إلى دار سينما «كذا» ~~فإذا صاحبتنا تمثل في إحدى الروايات المعروضة، وما أن رأتني حتى انفلتت من موقفها في ~~الرواية، وأقبلت نحوي حتى ملأت وحدها وجه الشاشة، وحجبت كل ما يليها وانحنت انحناءة بديعة ~~وهي تبتسم ابتسامة أبدع، ثم جمعت أطراف بنانها ولثمتها لثمة طويلة ثم فرقتها مومئة إلي بها ~~ما تبالي النظارة ولا أصحاب الدار، ولا أولياء الشركة في سبيل الغرام، أرأيت يا فلان ~~إخلاصا كهذا الإخلاص وغراما كهذا الغرام؟ # فحلفت له بكل مؤثمة من الأيمان بأنه كان من يوم أرسل آدم وحواء إلى الأرض إلى اليوم، ولا ~~يكون من اليوم إلى ساعة ينفخ في الصور إخلاص يداني هذا الإخلاص، ولا غرام يبلغ عشر هذا ~~الغرام! # ولندخل الآن في البطولات ms164 الاختصاصية - إذا صح هذا التعبير - ولتجعل حديثنا الأول منها في ~~البطولة العسكرية، فهي الأشكال بحال العالم في هذه الأيام: # فلان بك - رحمة الله عليه - انحدر من ناحيتيه من أصل تركي، أو تركي وشركسي، وكان أبوه ~~الباشا ممن حكموا في مصر، واقتنوا الضياع وشيدوا القصور، وتركوا لورثتهم فوق ذلك جلائل ~~الأموال، وحصل صاحبنا من العلم في أول نشأته ما لا أظنه يزيد على ما تلقته المدارس ~~الابتدائية، اللهم إلا ما حصله من اللغة التركية فلقد كان يحذقها كدأب أمثاله من أولاد ~~الذوات في ذلك العهد بحكم بيئتهم وكثرة حديثهم بهذه اللغة مع آبائهم، وأمهاتهم، وجواريهم ~~وأغواتهم. # وقضى أبوه وأزل له بالإرث ما قضى الشرع من تلك الضياع والبيوت والمجوهرات والدنانير، وكان ~~ذلك شيئا كثيرا، # 1 # وكان كلفا شديد الكلف بالدولة التركية، لا يرى جيشا أقوى من جيشها، ولا ~~أسطولا أضخم من أسطولها - وإن كان محجوبا عن الأنظار الآن - ولا سياسة أحكم من سياستها، ~~أما الحديث في «المايين» ورجال «المايين» والسلطان وما أدراك ما السلطان، فذلك شيء لا ~~تتطاول إلى وصفه الأقلام. # شغل هذا ذهن الرجل حتى استغرقه وملك عليه جميع حواسه، واستهلكها استهلاكا فلا يحتويه ~~مجلس في داره أو في دار غيره، أو في المقهى، أو في قطار السكة الحديد، إلا تحدث في هذا ~~وأسرف في وصف ما رأى من عظمة تركيا، ودهاء ساستها، وقوة جيشها، وضخامة أسطولها ~~أيضا! # ثم بدا له فجمع نحو أربعين غلاما أفرغ عليهم ثيابا عسكرية تركية، ودعا برجل من أساتذة ~~الموسيقى، فقام على تعليمهم وتمرينهم في فنون الموسيقى التركية، وجاءهم بأحسن الآلات، ~~وزودهم بأكثر ما دون من «النوتات» وأقام لهم دارا واسعة في إحدى ضياعه، فإذا أقبل عيد جلوس ~~السلطان أو عيد ميلاده أو غير ذلك من المناسبات، دعا بالموسيقى إلى القاهرة فجعلت تطوف ~~عازفة بشوارعها الكبرى، وهو يتقدمها وعليه الحلة العسكرية التركية على أنه كان متواضعا؛ ~~فلا يضع على كتفه إلا شارة أمير اللواء «ميرالاي» التي نالها بكل استحقاق في أثناء خدمته في ~~الجيش العثماني، ms165 وما أبلى في حروبه الكثيرة بعد تخرجه من المدرسة الحربية هناك، متفوقا على ~~الأقران في الامتحان! # وهنا أرجوك يا سيدي القارئ ألا تكون فضوليا فتسأل: متى كان سعادته في القسطنطينية، ومتى ~~انتظم في المدرسة الحربية ومتى غزا وقاتل إذ هو لم يغب عن عيون أهل مصر في يوم من الأيام؟ ~~لا تكن بالله فضوليا، فتوجه إلى نفسك أو إلى غيرك مثل هذه الأسئلة، وأنت على كل حال حر في ~~تقبل الحديث وفي رده، ولا ضير في هذا الرد على أحد، ولله در العامة إذ يقولون في مثل هذا ~~المقام: «البايرة على بيت أبوها!» # وبعد، فقد عرفت أن صاحبنا قائد عسكري من أمهر قادة الجيش التركي، وما عرض أحد بين يدي ~~مجلسه لذكر موقعة حربية حديثة، إلا هتف بما أبلى فيها وجاهد، ونازل وجالد، وما نصب للعدو من ~~كمين، وما أوقع بهم من الشمال ومن اليمين. # على أن من واجب الإنصاف أن نقرر أن الرجل لم يكن قائدا عسكريا بريا فحسب، بل لقد كان ~~في بعض الأحيان قائدا بحريا من أمهر أمراء البحر، ولقد أذكر أنه ضمنا به مجلس في قيام ~~الحرب الكبرى الماضية، وجرى ذكرى الغواصات وكيف يعصف «تربيدها» بالسفن عصفا؟ فقال: اسمعوا: ~~لقد كنت أقود ذات يوم طرادا تركيا في الدردنيل، فرمته إحدى غواصات الحلفاء «بتربيد» فنسف ~~وغرق من فيه في الحال، ولم يبق منه إلا أنا ونرجيلتي - الشيشة - يحملنا لوح من الخشب، ~~ولبثنا على هذه الحال اثنتي عشرة ساعة حتى أنقذتنا سفينة عابرة، وكانت الشيشة هي سلوتي في ~~هذه الساعة المهولة! # فقال له خبيث من الحاضرين: ألم تنطفئ الشيشة يا فلان بك في كل هذه المدة؟ فأجاب من فوره، ~~ما أنا كنت بكركر فيها! # ومن أروع عبقرياته التي لا تلحق أبدا والتي تعز على طول الزمان، وتعصى، أننا كنا في بعض ~~الأمسية نسمر في دار قريب له، وكان معه أكبر أولاده، وكان ذلك في أثناء حرب البلقان سنة ~~1913 على ما أذكر، وجعل الحاضرون يهتفون بفضل رءوف بك ms166 قائد الطرادة حميدية، ويشيدون بجرأته ~~ومهارته وفعله الأفاعيل بطرادته، فقال: ألا تعرفون أن رءوفا هذا هو ابني؟ فلم يتداخلنا شك ~~في أنه يعني أنه تلميذه، تخرج عليه في مدرسة البحرية فلعله كان أستاذا فيها أيضا ومن ~~يدري؟ فلما قلنا له في ذلك، قال: بل ابني من صلبي لا تلميذي، فقال ابنه: وكانت سنه تبلغ نحو ~~الثامنة عشرة: وهل سبق لك يا أبي أن تزوجت غير «نينتي»؟ فأجابه في عنف وغضب بل هو ابني من ~~أمك، اخرس بقى واخرج من هنا فتولى الفتى ساكتا مبهوتا؟ # وأظن أن هذا أيسر جزاء لمن لا يعرف شقيقه الأكبر! # رحمه الله ومن مات من رصفائه الأجلاء، وبسط في أعمار تلاميذهم من الأحياء، حتى يبلغ الفن ~~على ألسنتهم ما هو مقدور له من القوة والنماء. # | تقاليد الفن في مصر # وكانت مصر إلى عهد قريب حريصة شديدة الحرص على التقاليد، فكانت من هذه الناحية أشبه ~~بإنجلترا، إذا لم يكن أهلها أشد محافظة من الإنجليز. # والتقاليد - ولا ريب - من مشخصات الأمة، وعنصر من عناصر مقوماتها في الحياة، على أننا ~~جعلنا من أعقاب الحرب العظمى إلى الآن نهدمها بأيدينا هدما، وننسفها بكل ما يدخل في طاقتنا ~~نسفا، إما لمجرد المحاكاة والتقليد، وإما لمحض الإغراب والإتيان الجديد، ولو كان هذا ~~الجديد الغريب شمجا مليخا ناشزا على الأوراق! # وليس يتسع هذا المقال بالضرورة للحديث عن جميع تقاليدنا التي كنا نعتنقها إلى ذلك العهد ~~القريب، ولا عن أكثرها فذلك شيء يطول على الإحصاء، ولهذا أجرد مقال اليوم للحديث عن واحد ~~منها، وأعني به الغناء. # وقبل أن أخوض في لجة الموضوع أنبه إلى أن مصر من أكثر الأمم، إن لم تكن أكثرها جميعا ~~تلوينا للتغني والترنيم، فهي تتغنى بقراءة القرآن الكريم، وبالأذان للصلاة وما يتقدم أذان ~~الفجر من أهازيج السحر، وكذلك تتغنى بالمولد النبوي الشريف، وتتغنى بالإنشاد وفي حلق ~~الأذكار وأنت خبير بأن غناءها الرسمي هو التخت، وللعامة الغناء البلدي أو المحلاوي يوقعه ~~موقعوه على صوت المزمار البلدي المتخذ من القصب الفارسي - الغاب. ms167 # ولا تنس غناء الصهبة وهذا خاص بجماعات الحشاشين يوقعونه في مقدمات الأعراس، وقد زاد العصر ~~الحاضر على كل هذا المنولوج وما إليه. # أما الموسيقى الآلية فعندنا منها النحاسية المعروفة والطبل البلدي ولا زال معروفا أيضا، ~~والنقارية أو النقرزان، وكانوا ينقرون عليه فوق ظهور الجمال بين يدي موكب العروس، ولا ~~يزالون يضربون به في ذي المحمل الشريف، وقد زادنا للعصر الحديث الموسيقى الوترية - ~~الأركسترا. # وقد تجاوزت ألوانا غير يسيرة من الموسيقى؛ لأن شأنها غير كبير. # وبعد فلست أدعي العلم بتقاليد كل لون من هذه الألوان، ولا بما كان يأخذ به أصحابه أنفسهم، ~~ويلتزمونه ولا يعدونه في كبير من شأنهم ولا صغير، ولكنني أعرف شيئا من آداب بعض هذه الفنون ~~منها ما شهدته بنفسي، ومنها ما أرويه عن الثقات الصادقين، ومن هذا وهذا ما عفى عليه الزمان، ~~ومنها ما لا يزال قائما إلى الآن. # فمن آداب تلاوة القرآن الكريم، أو من التقاليد المرعية في ترتيله إذا صح هذا التعبير، أن ~~قارئا له قدر ووزن لا يمكن أن يبدأ ترتيله إلا جاء في نغمة البياتي حتى إذا قضى فيها وقتا ~~طويلا أو قصيرا، ثنى ... فلبث فيها ما شاء أن يلبث، ثم أقبل على غيرها وهكذا، لا يزال ينصب ~~في فنون النغم كلما بدا له أو كلما توسم في إحداها الاستراحة وحدة التطريب، وقد يعود في ~~أثناء القراءة إلى نغمة البياتي فيصيب منها أيضا ما شاء أن يصيب، وكيفما كان الأمر فإنه ~~حين يؤذن الوقت بالانتهاء لا بد له من أن يختم بهذه النغمة، مهما يجشمه التحول إليها من ~~النغم البعيد وكثيرا ما يكون هذا التحول سريعا وداعيا إلى الإعجاب! # فمتقدمو القراء في مصر لا يبدءون قراءتهم إلا من البياتي وبه دائما يختمون، وكذلك تسمع ~~القرآن عن طريق الراديو من المشايخ العظام، محمد رفعت، وعلي محمود، وعبد الفتاح الشعشاعي، ~~ومحمد الصيفي، وطه الفشني وغيرهم من مشاهير المرتلين. # على أنني لا أدري من أين جاء مصر هذا التقليد، ولا متى كان مهبطه من الزمان القريب ms168 أو ~~البعيد! ولعل ذلك يرجع إلى أن هذا البياتي هو نغمة البلد الأصيلة، أو هو من أصل النغم، التي ~~تتقلب فيها حناجر المصريين، ففي الحق أن هذه النغمة فوق سعة آفاقها، وتقبلها لكثرة التصرف ~~والتلوين فإن المصري يجد من الاستراحة إليها والأنس بها ما لا يجد لكثير، أو لعله يرجع إلى ~~هدوء في طبيعتها يلين للحناجر قبل أن تصقل وتجلى، ثم يتلطف لها بعدما نهكها الجهد ~~الشديد. # هذا ما كان وما لا يزال قائما من أدب ترتيل القرآن الكريم عند كبار المرتلين، أما أهازيج ~~السحر التي تتقدم أذان الفجر، وهي أناظيم فيها استغفار وفيها تشفع بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفيها ~~توسل بآل بيته تسليمات الله عليهم، ويدعوها العامة الأولة فهذه كان لها في القاهرة تقليد ~~جميل. # ولقد تعرف أن القاهرة كانت إلى عهد غير بعيد لا تشغل إلا رقعة ضيقة من الأرض، وكانت ~~المساجد والزوايا تتمتع فيها بنسبة كبيرة من عدد المباني، فأنى اضطربت رفعت لك المساجد ~~الأثرية الجميلة والزوايا اللطيفة المتواضعة التي لا يكاد يخلو منها زقاق من الأزقة أو درب ~~من الدروب. # وقد حدثني الثقات الصادقون من مشيخة القارئين أن جميع مؤذني المساجد في القاهرة كانوا إذا ~~ظهروا المآذن للهتاف بالأولى أو الأولة وقفوا وقد أرهفوا آذانهم، وعلقوا أنفاسهم في ~~انتظار الأمر الذي يصدر اليهم عن مئذنة الشيخ صالح أبي حديد بالنغمة التي يجرون فيها ~~الأهازيج لليلتهم، فإذا جلجل مؤذن الشيخ صالح بنغمة الرصد مثلا، أسرع مؤذن المساجد حوله ~~بالصياح بها، وأخذ أخذهم مجاوروهم ومن تقع للأسماع أصواتهم، وهكذا فلا تمضي دقائق إلا ~~والقاهرة كلها تجلجل بنغمة الرصد، وإذا بدأ بالبياتي، أو بالحجاز، أو بالسيكاه ... إلخ. فهكذا ~~وما شاء الله كان! # وهذا إذا دل من ناحية على القصد إلى ضبط المؤذنين لأصواتهم، وتحكمهم في نبراتهم، وعدم ~~تأثرهم بالأنغام الأخرى وإلا اضطروا إلى الخطأ، ودفعوا برغمهم إلى النشوذ - النشاز - إذا دل ~~هذا على هذا فإنه في الموقف نفسه دليل على أن أهل مصر، أو سكان القاهرة على الأقل ms169 كانوا ~~أصحاب فن وأهل ذوق وعشاق تطريب! # وقبل أن أعرض لما أعرف من أدب الإنشاء على الذكر أرى من الخير الكثير أن أنبه إلى أن ~~المنشدين الذين يجرون من الصنعة على عرق، لا يمكن أن يفسحوا في حناجرهم إلا على ذكر السادة ~~الليثية، نسبة إلى الإمام الليث بن سعد المصري - رضي الله عنه - وذلك لأن أهل هذه الطريقة ~~أصحاب فن موسيقي بقدر كبير، ففي طرائقهم بالهتاف باسم الله - تعالى - «لا إله إلا الله! ~~الله الله!» ما يمكن للمنشد المفتن من أن يلقي أهازيجه، موشحة كانت أو دورا أو مقطوعة ~~شعرية أو مواليا غير متعثر ولا متحير، بل لقد يكون ذكر الذاكرين لاسم الله تعالى على ~~أساليب هذه الطريقة، خير يعينه على الإنشاد ويهديه في سبيله السبيل. # وإن أنس لا أنسى السيد علي الركبي - رحمة الله عليه - وكان قائد الذكر الليثي، أو ضابط ~~الإيقاع في تعبير هذه الأيام، وقد أدركته شيخا تقدمت به السنون مرسل اللحية البيضاء، ~~وقسماته تنبئ عن طيبة قلب، ولطف نفس، فإذا جلس أعلام المنشدين لشأنهم في صدر المجلس، جعل ~~يدير أساليب التنغيم بالذكر تنغيما فنيا يهيئ لأولئك المنشدين أداء مهمتهم على أدق ~~القواعد وأحسن الوجوه، ولقد يصرفهم هو في فنون النغم بتوجيه الذاكرين إلى هذه الناحية أو ~~هذه الناحية، مسرعا مرة ومتمهلا أخرى ضابطا الوحدة بنقرة بخاتمه الفضي على حق سعوطه ~~النحاسي، فكان بحق أكفأ «مايسترو» رأته العيون في هذه البلاد. # والأدب أو التقليد الذي أحصيه لهؤلاء القوم، أنه إذا جلست الجماعة للإنشاد ثم فرغوا مما ~~استفتحوا به مجتمعين، جعل كل منهم يتغنى فردا مستغيثا بالنبي - صلى الله عليه وسلم وآل ~~بيته - تسليمات الله عليهم، ثم عاد إلى التغني ببيت أو بيتين من الغزل الرقيق، والذي أسوق ~~له القول هو أن أول من يبدأ بالإنشاد يجب أن يكون أعلى الحاضرين سنا، ولو كان أنكرهم ~~صوتا ثم يليه من يكبر سائرهم وهكذا، وقد كان يجيء المرحوم الشيخ يوسف المنيلاوي في بعض ~~الأحيان، آخر المتغنين وهو غير مدافع ملك ms170 المنشدين! # | فن الحزن # لأول مرة في حياتي أدس قلمي بين قلمين يتحاوران ويتنازعان في قضية من قضايا الدنيا أو ~~الدين، وحين كنت قاضيا لم يكن يحرج صدري بقضية قدر حرجه بقضية يقتحم فيها على المتخاصمين ~~ثالث، فتتشعب به وجوه الخلاف، ويطول أمد النزاع ويجتاز صدرا كبيرا من هم القاضي في البحث ~~والتحري عما إذا كان هذا الخصم الثالث جادا في دعواه، جاريا على عرق من الحق في مطلبه، ~~أو هو متواطئ مع أحد الخصمين ليدفع يده عن بعض حقه، أو ليدفعها عن حقه كله؟ ولقد بان لي بعد ~~امتحاني بمنصب القضاء بزمن يسير أن أكثر قضايا المحاكم الشرعية التي يقتحمها هؤلاء الخصوم ~~هي قائمة على التواطؤ مع أحد الطرفين، كيدا وعنتا وأذى للطرف الآخر بغير حق ولا سبب ~~مشروع! على أن ذلك لا يعفي القاضي من البحث والتحري وشدة التدقيق، فلعل هذا الخصم الثالث ~~جاد ولعله صاحب الحق دون المتنازعين جميعا! # ولقد كان من أثر هذا في نفسي أن أكره إليها الدخول بين متجادلين، ولو في شأن عام ولو في ~~قضايا العلوم والفنون والآداب، فيما يقع عليه الخلاف بين الباحثين والكتاب، ولكني رأيت أن ~~حجتي في هذه المرة واضحة وأن سلطاني في الأمر مبين، بحيث لا يستطيع أحد المتنازعين أن ينكره ~~أو يكابر فيه، ويعتريه بشيء من الشك كثير أو قليل، إذن فمن الإثم أن أسكت وخاصة إذا كان ~~النزاع إنما يتعلق بالشأن العام، وعلى الأخص إذا لم يكن بيني وبين أحد الطرفين نزاع أو ~~خصام! # ولقد كتب صديقي الأستاذ المحقق أحمد أمين في «الثقافة» مقالا ممتعا، يدعو فيه إلى ~~استغلال فن السرور ومما جاء فيه: # مع الأسف ألاحظ أن كمية السرور في الشرق قليلة، كما لاحظت من قبل أن كمية الحب في ~~مصر والشرق قليلة، وليست تنقصنا الوسائل فجونا جميل، وخيراتنا كثيرة، وتكاليف ~~الحياة هينة، ووسائل العيش يسيرة، ومصايب الشرق من الحرب أقل منها في الغرب، ومع ~~هذا كله لا تزال كمية السرور في الشرق أقل. # أكبر سبب لذلك ms171 في نظري أن الحياة فن، والسرور كسائر شئون الحياة فن، فمن عرف كيف ~~ينتفع بالفن استغله واستفاد منه وحظي به، ومن لم يعرفه لم يعرف أن يستغله وشقي ~~به. # وسرعان ما انبرى له صديقي العظيم الدكتور طه حسين «بك»، فأثنى على الفكرة بادي الرأي، ثم ~~راح يشكك في إمكان تحقيقها، ثم ما لبث أن أطلق العنان لمداعباته العذبة الفخمة، التي ~~تسح في الوقت نفسه فنا وأدبا، وجعل يتساءل عن الجماعة التي ينبغي أن تضطلع بتنظيم ~~«فن السرور»، وهل تكون من بين علماء النفس أو من بين علماء الاجتماع؟ وبعد أن دوخ الفكرة ~~بشدة الترجيح بين هاتين الفئتين، انطلق يحيرها بين «جهات الاختصاص»، إذا صدق هذا التعبير ~~الديواني، فإذا هي قد ضلت المسالك جميعا، فلن تجد إلى مثابتها السبيل! # وأخيرا وأخيرا جدا رأى الدكتور طه حسين «بك» أن يعدل بالحديث إلى ما هو أرفق وأقوم، ~~وأجدى وأنفع، وأيسر كلفة، وآكد تحقيقا قال - حفظه الله: # ومن المحقق أني لم أكد أفرغ من قراءة مقال الأستاذ أحمد أمين وأتخيل الآفاق ~~البعيد التي تمتد أمام اقتراحه أو أمام فكرته، حتى أخذني الحسد ورغبت في ألا يستأثر ~~من دوني بإنشاء فن السرور، وأبيت إلا أن أكون مثله صاحب فكرة خطيرة، وداعيا إلى ~~إنشاء فن خطير فأمليت هذا المقال لأدعو به إلى إنشاء فن الحزن، وأنا أبرع من ~~الأستاذ أحمد أمين وأمهر في التصور، والفن الذي أريد إنشاءه لا يكلف مشقة ولا ~~جهدا، ولا يحتاج إلى تأليف لجان، ولا إلى تحديد اختصاص ولا إلى نشر مقالات، وإنما ~~يحتاج إلى شيء واحد يسير جدا، وهو أن تنظر في الحياة المصرية، ثم تعود إلى نفسك ~~لتفكر فيما رأيت، وأنا ضامن لك بأنك ستجد في هذا النظر وفي هذا التفكير مصادر حزن ~~لا تنقضي وألم لا يزول. # وإذا كان السرور خيرا؛ لأنه يرفه على النفس، ويحبب إليها الناس فقد يكون الحزن ~~خيرا أيضا؛ لأنه يدعو إلى العمل ويدفع إلى محاولة الإصلاح. ا.ه. # وبعد، فلست أعرض لما اقترح الأستاذ أحمد ms172 أمين من إنشاء فن السرور، ولا أمتدح الفكرة ولا ~~أهجنها، وعلى ذلك فليس بيني وبينه أي نزاع وقد كفيت المئونة من هذه الناحية والحمد لله ~~بقيت الناحية الأخرى، أعني فكرة الدكتور طه «بك» حسين، وهي التي تدعو أو يدعو هو بها إلى ~~إنشاء فن الحزن فهي التي نكثر عليها الحديث، والله المستعان. # وفي رأيى أن صديقي الدكتور طه قد غلط مرتين لا مرة واحدة، غلط بدعوته أولا إلى إنشاء فن ~~الحزن، وغلط بزعمه ثانيا أن إنشاء هذا الفن لا يكلف مشقة ولا جهدا، ولا يحتاج إلى تأليف ~~لجان ... إلخ. # ولا أدري كيف غاب عن صديقي أن فن الحزن فن قديم ولعله من أقدم الفنون، وما لنا نسافر إلى ~~التاريخ البعيد، فنتقرى الأخبار من نقوش الآثار، وحسبي أن يعلم الدكتور أكثر مما أعلم أن ~~الحزن كان في صدر الإسلام فنا له خطر غير قليل، وأظن أن أحدا لا ينازعني في أن المراد ~~بالحزن في هذا المقام إثارته وإذكاؤه؛ لأن أحدا لا يرتجل الحزن ارتجالا ولا يستحدث الشجن ~~استحداثا. # أعود فأقول: إن الدكتور أعلم مني بأن «الحزن» على هذا المعنى، كان في صدر الإسلام فنا ~~له خطر، والدكتور أعلم مني بأن ابن سريج، وأن الغريض كانا كلاهما نائحين قبل أن يكونا ~~مغنيين، وهما من نعلم جلالة فن وجودة صنعة، وبراعة أداء، وابن سريج والغريض بعد إذا غنيا ~~وذهب لهما في الغناء صيت وذكر، لم يكن أحد منهما ولا من أضرابهما ليخرج من تلحين الأصوات؛ ~~لتنوح بها النائحات في جلى الحادثات. # وهذه كتب الأدب العربي بأخبار النياحات، فلندع إذن هذا الحديث المعاد. # أما مصر فلها في فن الحزن عرق عريق وخاصة في العصر الحديث، ولا يزال هذا الفن قائما إلى ~~الآن، وإن جعل يقبل على الدثور مع الأسف العظيم، ما دمنا نرانا بحاجة إلى إنشاء فنون ~~الأحزان! # لا يزال في مصر إلى الآن الندابات، # 1 # ولا يزال فيها النائحات أو بالتعبير الشائع المعددات، # 2 # أعاذنا الله وأعاذ القراء جميعا من الحاجة إلى هؤلاء ms173 وإلى هؤلاء. # أما الندابات فجماعة من النساء يلقين ترانيمهم على نقر الدفوف في قوة وعنف، إذ النساء من ~~أهل الميت يثبن على هذا النقر وثبا، ويوقعن على هذا النبر لا ضربا على أوتار العود بل ~~لطما على الخدود، حتى يفرى أديمها وتهرى لحومها. # وأما النائحات المعددات فلا دفوف في أيديهن ولا يصوتن بالعديد إلا فرادى، وكلما انتهين ~~إلى موقف عج النساء جميعا بالصياح وبكين فاستعبرن، سواء في ذلك أهل الميت ومن لا شأن لهن ~~به من المعزيات، ويظل هذا ثلاثة أيام من وفاة الميت وكل يوم خميس، ثم تختم هذه النياحات ~~بيوم الأربعين. # ولقد فاتني أن أقول لك: إن المعددات منهن المحترفات ومنهن الهاويات، وإن جماعات الهاويات ~~ليفعلن هذا احتسابا أو مجاملة لأهل الميت، أو مصانعة لعواطفهن إذا كان الدهر قد امتحنهن ~~أيضا في كريم، أما الندابات فلا يكن إلا محترفات. # ولكي تعرف مبلغ فن الحزن في مصر والإسراف في إذكاء عاطفة الأسى والشجن، أنك كنت إذا سعيت ~~صباح يوم الخميس في أي حي من أحياء العاصمة، رأيت الجماعات من النساء عليهن السواد وقد ضربن ~~بالخمر السود على رءوسهن وعوارضهن، وفي أيديهن المناديل السود، وهن يمشين على غير هدى، حتى ~~تصادفهن مناحة فينزلقن إليها، ما يعرفن الميت أو الميتة ولا لهن عهد بأحد من أهلهما أبدا، ~~وذلك كلة انتهازا للفرصة السعيدة في البكاء الحار وسفح الدمع السخين. # ولقد تجاوز فن الحزن المصري نطاق التبكي على الموتى إلى سائر مواجع النساء، حتى لترى ~~كثيرات ممن يطلبن المناحات إنما يطلبنها ليعولن ويطرحن أثقالا من الدموع على ما لا سبب له ~~إلى الموت ولا إلى الأموات، فما تكاد النائحة تؤذن بفترة الاستراحة # entr’acte # بعد الفصل، حتى تقبل عليها النساء من كل جانب فيلقين في حجرها ~~بالدراهم، ويدعوها العامة «النقوط» هذه تسألها أن تقول فيمن هجرها زوجها وهذه فيمن اتخذ ~~عليها الضرة، وهذه فيمن مال بخت بنتها بزواجها من المضار غير الكفء، أو بكيد حماتها وكثرة ~~إيذائها، وتلك في خيبة سعي ولدها وأخرى في ms174 سرقة حليها، وما ادخرت من المال في الدهر الأطول ~~لليوم الأسود ... إلخ. # وعند النائحة المعددة الكفء ما يزكي نار الأسى على كل هذا، ويستدر الدمع الغزير، فإذا لم ~~يكن حاضرها شيء منه ارتجلته ارتجالا، حيث تصيح صاحبة الشأن صياحا متداركا، أو تبكي وتنشج ~~حتى تسكن عاطفتها وترضى! # والآن، والآن فقط لقد تفطنت إلى أنني ظلمت صديقي الجليل القدر الدكتور طه حسين فيما لعلي ~~قد عزوت إليه من قريب أو من بعيد، تجاهله قيام فن للحزن متين القواعد، ثابت الأصول، مفصل ~~الفصول، فالدكتور طه «بك» أجل من أن يتجاهل شيئا ليعاز صاحبه في الحوار! # وأكبر الظن أن الدكتور على علمه الواسع بفن الحزن القديم، وعلمه الضيق بفن الحزن القائم ~~في مصر إلى الآن، لم ير شيئا منهما قادرا على أن يؤدي مطالب العصر الحديث، وكذلك أسقطهما ~~من الحساب؛ لأن العصر الحديث عصر الجماعات والشركات والقوميات لا عصر الفرديات التي لا ~~تتجاوز أقطار الأشخاص، هو العصر الذي ينبغي أن تندب فيه المواقف العامة وتبكي المنافع ~~القومية، وهذا حق لا ريب فيه وهذا هو الأشبه بتفكير أمثال الصديق العظيم. # بقي أن الدكتور مع هذا تراه يتهاون فن الحزن، ذاهبا إلى أنه يكفي أن ينظر المرء في ~~الحياة المصرية، ثم يعود إلى نفسه ليفكر فيما رأى حتى يجد في هذا النظر وهذا التفكير مصادر ~~حزن لا تنقضي وألم لا يزول. # لا يا سيدي الدكتور، فليس الأمر بهذا الموضع من اليسر اليسير فكلنا ينظر في الحياة ~~المصرية، وكلنا يعود إلى نفسه فيفكر فيما رأى ومع هذا فلم يشق أحد منا حنجرته بصيحة، ولا صك ~~له خدا، ولا تبادر له دمع غزير ولا رقيق! # إذا لم يبق لنا بد من قيام فن للحزن قوي محكم، عظيم الخطر، بليغ الأثر ما دامت المصالح ~~العامة في مصر لا تستقيم قناتها إلا بثوران الأحزان وغليان الأشجان. # وإذا كان الفن القائم لا يواتي مطالب العصر ولا يحسن الترجمة عن حاجاته، فلنعالج تحويله ~~في رفق أو في عنف حتى يستطيع أن ms175 يقضي الحاجة، ويبلغ الطلبة، وينيل الأرب، وذلك بإطلاق أصوات ~~النياحة في الأسباب العامة، بدل إرسالها في الشئون الخاصة، ولنوع الندبة والتعديد في ثكل ~~الولد، وهجر الزوج، واتخاذ الضرة، وسوء بخت البنت في زواجها، وشقوة الولد وضياع السبد ~~واللبد ... إلخ. # ونصوغ الأناظيم في انحطاط مستوى التعليم، وتدهور الأخلاق، وتعطل الشبان من حملة عليا ~~الشهادات، وإهمال الانتفاع بمساقط مياه الخزان والأعراض عن الجد في استغلال الثروة ~~المعدنية، ومشكلة القطن، والغلاء المصطنع، وأزمة الزواج بين الشباب، وإيثار المحسوبيات على ~~الكفايات، ولا بأس بفرض أنشودة للموظفين المنسيين في زوايا المصالح والدواوين ... إلخ. مما لو ~~طرى الناظمون نسجه، ورققوا لفظه وجود الملحنون لحنه، وأجروه في نغم بائس حزين كالصبا والرمل ~~مثلا، ثم أحسن النائحات أو النائحون ترتيله وتوقيعه لأحزن وأبكى، وأشجن وأشجى، وهيج ~~الزفرة، واستدر العبرة! # وكذلك ترقى سريعا مرافق البلاد، وتزول عنها أسباب الضعف والفساد! # وأرجو ألا تكون شخصية اللجنة التي يعهد إليها بهذا الإصلاح العظيم أو جهة الاختصاص، مما ~~يكف عن مباشرته أو يعوق تحقيقه. # ولعل من الخير في هذا الباب أن يعجل بإنشاء كرسي لفن الحزن الحديث في كلية الآداب. # | الموسيقى المصرية # قديم وجديد # من بضعة أسابيع سمعت من الراديو حديثا لصديقي المحقق الأستاذ أحمد أمين، أذاعته علينا ~~محطة لندن. # وقد تناول الأستاذ في هذا الحديث وفي حديث قبله قديم الأدب وجديده، وعرض في الأخير عرضا ~~يسيرا للموسيقى، خلص فيه إلى أنها تحتاج إلى نبي جديد كما أصبح الشعر يحتاج إلى نبي ~~جديد. # وإذا كان الأستاذ المحاضر لم يطل الكلام في الموسيقى، ولم يجره على جهة التفصيل فلغير ~~الموسيقى كان مساق الحديث. # وأرجو أن يأذن لي أن أتبسط بعض التبسط في حديث الموسيقى، وأن أتولى ما أجمل بشيء من ~~التفصيل. # الموسيقى في حاجة إلى نبي جديد، لو أن الأنبياء يبعثون لتقويم الأذواق وهدايتها الصراط ~~المستقيم! # الموسيقى في أشد الحاجة إلى زعيم مصلح يهدي إلى الرشد، أو إلى قائد يفتح بالسيف ما استغلق ~~على جهد الكلام! # في الحق لقد أضحت حالنا من هذه ms176 الناحية في أشد الحاجة إلى الفتح المبين. # ولست أذهب بك يا سيدي القارئ في التدليل إلى بعيد فلقد فتحت أخيرا إحدى كبريات الصحف في ~~مصر بابا تنشر فيه آراء الناس في محطة الإذاعة المصرية، ولو قد اطلعت على هذه الآراء فيما ~~تذيعه المحطة من ألوان الموسيقى وفنون الغناء، لتعاظمك الأمر وراعك وحير لبك وذهب بك منه ~~العجب كل مذهب، وذلك بأن الكاتبين جميعا ساخطون متبرمون متأففون، وليس عجبا أن يتوافق ~~جمهور الناس على السخط والتبرم، فإن من الأشياء ما لا يعجب جميع الناس، بل إن منها لما يعجب ~~أحدا من الناس، بل إن مناط العجب هو أن نصف هؤلاء الساخطين المتبرمين، إنما يسلقون المحطة ~~والقائمين عليها بأحد الأقلام؛ لأنها تردد على أسماعهم الغناء البالي القديم، ولا تصغي ~~الوقت كله للمستحدث الجديد! # أما النصف الآخر فيسلق المحطة أيضا بأحد الأقلام ويرميها بكل عاب وذام؛ لأنها تصدع ~~آذانهم وتفرق أذواقهم بأسماعهم هذا المستحدث الجديد ولا تتحرر وقت الغناء كله للعتيق ~~القديم! # ولقد تفترق أذواق الناس ولقد تتغاير أحكامهم على الأشياء، وخاصة في هذه الفنون الجميلة، ~~التي يقصد بها إلى التطريب والتلذيذ، لقد يقع ذلك وهو واقع في كل زمان ومكان، ولكن اختلاف ~~الآراء واختلاف الأحكام على ما يتنغم به من فنون الموسيقى الآن، ليس له شبيه في أي زمان ولا ~~في أي مكان! # ذلك بأن المجموع في كل أمة مهما اختلفت فيه أذواق الأفراد وافترقت مذاهبهم في ألوان ~~الموسيقى، فإن هناك ذوقا عاما يجمع شملهم ويضم جمعهم، فهم إذا افترقوا أو اختلفت ~~مذاهبهم، فاختلافهم إنما يكون في حدود هذا الذوق العام، ومن هنا نجد الاختلاف في هذا الباب ~~يسيرا والافتراق رفيقا كان يفضل هذا كذا على كذا، ويستريح هذا إلى كذا أكثر مما يستريح ~~إلى كذا، أما أن ما ينشز على سمع هذا مما يشيع الطرب في ذاك ويدخل عليه الأريحية وبالعكس ~~كما هو الشأن فينا الآن، فهذا كما زعمت لك مما لم يقع له شبيه في أي زمان ولا في أي ms177 ~~مكان! # وإن شئت بعد هذا أن تثبت كل شيء في موضعه، وتجري عليه حكمه الصحيح الصريح، فقل في غير ~~تردد ولا خشية: إن الذوق الموسيقي العام قد فقد فقدا في هذه الأيام، فإذا أبيت إلا رفقا ~~في الحكم فقل إن الذوق العام الآن في حال من الثورة والاضطراب ليس من اليسير أن ينتهي معها ~~إلى قرار. # كان يغني البلد في أعقاب الجيل الماضي من أعلام المغنين المرحومين عبده الحمولي، ويوسف ~~المنيلاوي، ومحمد عثمان، ومحمد الشنتوري، وعبد الحي حلمي، وسلامة حجازي، وغيرهم. وكان لكل ~~من هؤء طريقته في الغناء وأسلوبه، ولكل منهم شيعته ومؤثروه على غيره، يلتمسون مجلس غنائه ~~أنى كان ، ويطلبونه مهما جشمهم الأمر من الجهد والمشقة، ويرددون تنغيمه إذا خلوا إلى أنفسهم ~~أو إذا خلا الصحاب من أهل المراح إلى الصحاب، ومع هذا لم يزعم أحد أن غناء غير من يؤثر ينشز ~~على سمعه أو يخمش مزاجه، أو يفرق ذوقه، كما هو حادث الآن؛ بل لقد كان يسمع جميع الناس من ~~جميع هؤلاء فيستريحون إلى غنائهم، وقد يذهب بهم الطرب كل مذهب، وذلك بأن اختلافهم إنما كان ~~في حدود هذا الذوق العام فهو لا يعدو إيثار فن على فن، واستجادة مذهب أكثر من استجادة غيره، ~~على أنه في كل حال مستملح مستجيد، كانت تلاحين الملحنين قارة مطمئنة تجري على قوانين ~~مرسومة، وتجول في حدود معلمة مقسومة، وكانت الأذواق كذلك قارة مطمئنة لا حئول فيها ولا ~~اضطراب، فلا يكاد غناء المغني المجيد يقرع السمع حتى تراه قد سال من فوره في النفس، ونفذ ~~إلى مجامع العاطفة، فأشاع طربا وبعث أريحية أو حرك شجى وأثار شجنا. # وأرجو ألا تفهم من كلامي هذا أن الغناء في ذلك العهد كان جامدا لا يتحرك، واقفا لا ~~يتقدم، عاتيا لا يلين لتلوين ولا تجديد، بل لقد كان مفتنا متلونا متجددا، ولكن في تلك ~~الحدود التي رسمها الذوق العام، ولهذا كان التجديد يجري في لباقة ورفق، فلا ينشز على ~~الأسماع، ولا تأذى به الأذواق، وناهيك بما ms178 صنع عبده الحمولي في هذا الباب، وما صنع جد ~~كثير! # وكيفما كان الأمر، فلقد كان بين ذلك الغناء وبين الذوق المصري إلف وبينه وبين النفس ود، ~~حتى لكأنه لاحق بالفطرة، موصول بالطبع! # الموسيقى الحديثه # والآن حق علينا أن نميل بالحديث إلى صفة الجديد، وكيف جاءنا هذا الجديد؟ # لهذا الانقلاب العنيف في الموسيقى المصرية سببان: # أحدهما طبيعي، والآخر صناعي، أما الطبيعي فهو تلك الثورة التي زلزلت عندنا كل شيء، ~~فلم تدع شيئا من العادات، والتقاليد، والأخلاق، وآداب السلوك، والأزياء، والفن والأدب، ~~وغير ذلك من مظاهر حياتنا إلا ترجمته بقدر كبير، وجمهور الناس مهرول مغذ إلى تقليد ~~الغربيين في كل جليل ودقيق ، فكان من الطبيعي أن يقلدوهم في موسيقاهم، كما يقلدونهم في ~~غيرها من شئون الحياة. # أما السبب الصناعي، فقد انبعث في هذا البلد شاب موسيقي جمع إلى العلم بالفن رهافة ~~الحس، ودقة الشعور، والقدرة القادرة على الابتكار والتجديد وأعني به المرحوم الشيخ سيد ~~درويش. # كان المرحوم سيد درويش يلمح النبرة تقع في بعض التنغيم الأجنبي، شرقيا كان أو ~~غربيا، فيدرك أنها مما لو سوي بعض التسوية لأمكن إدماجها في موسيقانا، ولكان لها ~~حلاوة في الآذان وطرب للنفوس، وعلى ذلك أدخل على موسيقانا كثيرا من التناغيم الأجنبية ~~وطبعها فيها، وسرعان ما تقبلتها الأذواق في غير قلق ولا نفور. # كذلك أراد - رحمة الله عليه - أن يترجم بالموسيقى عن بعض المحسوسات فتقدم، وكان علاجه ~~لما عالج من هذا في غاية الرفق والتواضع، وكذلك قدر له فيما أراد النجاح، ويطوي الردى ~~سيد درويش، ويطوف بالبلاد طائف ذلك الانقلاب العنيف، ويأبى الملحنون والمغنون إلا ~~الموسيقى إفرنجية لا يشوبها شيء مما ألفت الآذان من قديم الزمان، وعلى ذلك راحوا يحاكون ~~الموسيقى الغربية التي يسمعونها هنا وهناك، ولكن كيف يحاكونها ولا علم لأكثرهم الكثير ~~بما تتكئ عليه هذه الموسيقى الإفرنجية من القواعد والأصول؟ # يحاكونها بأن يبدءوا بصياح مثل صياحهم، ثم عدم الإذن للترانيم بأن تأخذ سمتها، بل ~~المبادرة إلى ليها عن وجهها حتى تصك الأسماع صكا وتطير الأمزجة ms179 تطييرا، فإذا بلغت ~~غاية الجهد من الاضطراب ذات اليمين وذات الشمال، وبين فوق وتحت، ووراء وقدام، وصلت بها ~~صرخة تحكي ما يختم الموسيقى الغربية من الأذناب والأذيال، وكذلك تظن جمهرة ملحنينا ~~ومغنينا أنهم يجيئوننا بموسيقى غربية لا يلحقها شك ولا ارتياب، وما شاء الله ~~كان! # وبعد فأما تنكير النغم، وأما ليه عن وجهه، وأما الصراخ في أوله وفي آخره، فذلك مما ~~لا يعنى على أحد؛ لأنه لا يحتاج إلى علم ولا صلة له بفن، ولا علاقة له بذوق، فإذا هو ~~احتاج إلى شيء من فساد الذوق فذلك موفور والحمد لله! # ومن هنا كثر الملحنون في بلادنا كثرة أصبحت تجهد العدد ، فلا تكاد تسمع مغنيا حدثا ~~أو مغنية ناشئة إلا قيل: إن هذه الأغنية من تلحينها أو من تلحينه، وكذلك رخص التلحين ~~وأصبح ميسورا لكل من شاء! # وعلى هذا تفتحت آذان وكذلك استدرجت اسم الموسيقى الغربية أهواء، وأرى الغربيين إذ ~~يكتب عليهم أن يسمعوها إلا أشد تأذيا بها منا نحن المصريين! # تلحين رخيص وموسيقى رخيصة وفن رخيص، أما التحزن والتفجع في هذه التلاحين، وأما التميع ~~وشيوع التخنيث، فذلك ما نسأل الله السلامة منه للرجولة في هذه البلاد! # ولقد تقول للرجل من كبار الملحنين في ذلك، فيجيبك في خجل عظيم: وماذا نصنع، وهذه ~~البضاعة هي الرائجة في سوق الغناء في هذه الأيام؟ وكذلك جعل هؤلاء الملحنون أنفسهم ~~يتبارون في هذا التشويه، يجنون به عامدين على الفن وعلى الأذواق معا ما دام القوت يأتي ~~من هذه السبيل! # ولكي تدرك مبلغ رخص هذه التلاحين وهوانها، لاحظ أنك لا ترى شيئا منها يعيش حتى إلى ~~اليوم الثاني، وكيف لما ولد ميتا أن يعيش؟ # أما الذين لا يزال هواهم إلى القديم، فهم في برم دائم وملل لا يريم، فإن ما يسمعونه ~~اليوم هو الذي سمعوه أمس، وسمعوه من سنة خلت ومن عشر سنين مضت، ومن شيوخهم من سمعه من ~~ثلاثين وأربعين من السنين يتردد هذا الدهر الأطول على أسماعهم بنصه وفصه، ولفظه ~~وتلحينه، وكل نبرة وتنغيمة ms180 فيه، وكل ذرة للحلق على موقف من مواقفه، وكل تركيشة تختم بها ~~كل فاصلة من فواصله، اللهم إلا ما يدخله عليه المغنون من الخطأ والتشويه! # ليس هكذا أيها السادة يكون إحياء القديم، وليس بهذا التكرير الممل إلى حد الإزعاج ~~ترضون هوى أصحاب القديم إلى القديم. # المراد بالقديم يا أيتها المطابع أو الأسطوانات هو الفن المصري القديم، الفن السلس ~~السهل الذي يتفجر رجولة ويسيل طربا، والذي يتحدث إلى كبد المصري في غير عسر ولا حاجة ~~إلى ترجمان، فيحرك فيه من ألوان العواطف ما شاء الله أن يتحرك، ويثير فيه من الأريحية ~~ما شاء الله أن يثور. # هذا الفن الذي لا يفتأ يتطلع إلى التجديد الرفيق، لا ينشز على الآذان ولا تأذى به ~~الأذواق، وناهيكم بصنعة عبده وعثمان والمسلوب وأضرابهم - عليهم رحمة الله ~~أجمعين. # وبعد، فالحق إننا الآن في حال من البلبلة واضطراب الأذواق هي في أشد الحاجة إلى مبعوث ~~للموسيقى جديد، فليت شعري هل يطول بعثته على الزمان؟ # | بلاغة التلحين # كنا وما برحنا نشكو من هذه التطرية التي لحقت الغناء المصري في السنين الأخيرة، بل لا ~~غرو علي إذا قلت عن شيوع التخنيث في هذا الغناء، لا نستثني على ذلك نظم المقطوعات ~~الغنائية في بعض الأحيان، ولا تلحينها في كثير من الأحيان، ولا أساليب أدائها في أكثر ~~الأحيان. # تسمع المغني وكأنك تستمع إلى أنين عليل أو جريح أو حشرجة محتضر إذا استثنيت الصرخة ~~الإفرنجية الأخيرة التي لا بد من أن تختم بها الأصوات في هذه الأيام، ولعلها الصرخة الأخيرة ~~التي تشبه من المحتضر إيماضته الخمود! # ذل، وتوجع، وتميع، وتسايل، وتزايل، واسترخاء لا يليق بامرأة فضلا عن صدوره من ~~الرجال! # ومن العجب العجيب أنك لا تجد أثرا مطلقا لهذا التخنيث في غناء مغنياتنا، وأعني مغنيات ~~الطبقة الأولى - على وجه خاص - فإن غناءهن تشيع فيه القوة والرجولة، اللهم إلا ما يستكرهن ~~عليه بعض السادة الملحنين! أما التميع والتزايل، فأكثر ما تجده الآن في أغاني الرجال، ومن ~~أعجب العجب أن يكون صوت المغني بطبيعته ms181 قويا شديد الأسر، فيأبى هو إلا أن يتكلف تطريته ~~وإلانته، يحبس جوهره في الحلق، وصوغ صوت له من سقف الحنك، ولا يذهب عنك أن الأصوات مما يمكن ~~أن يصنع ويصاغ، وكذلك يتهيأ للمغني أن يلين ويسترخي ويسيل، وإنني أؤكد لك يا سيدي القارئ أن ~~أكثر من تسمع الآن من هذا الضرب من المغنين، إنما يتنغمون بأصوات مستعارة لا بالأصوات ~~الطبيعية التي تجري في الحلوق! # وأرجوك، ألا تعجل بلوم محطة الإذاعة ولا بلوم هؤلاء المغنين، فهم إنما يواتون نزوة تعتلج ~~في الصدور في هذه السنين مع الأسف الشديد ولست أكتمك أنني من بضعة أسابيع سمعت نشيدا ~~حماسيا جعل رئيس الجماعة يتكسر في إنشاده، ويتزايل في إلقائه، ويلين من صوته، ما أسعدته ~~القدرة على التليين حتى لقد ظننت في أول الأمر أن هذا النشيد «الحماسي» إنما يغنى لحث الجند ~~على الفرار! لا لحثهم على الإقدام لولا ما فطنت إليه أخيرا من أنه لا يصلح لهذا أيضا؛ ~~لأنه يرخي الجوانب ويخذل الشوق، وهيهات لمنخذل الساق الفرار! وكل هذا إنما يتكلفه المغني ~~مطاوعة لذلك الطائف الكريم. # وبعد، فإذا كان هذا سائغا فيما خلا من الزمن وهو غير سائغ في أمة من الأمم، في أي زمن من ~~الأزمان، فإنه على كل حال غير سائغ في هذا الوقت الذي نستنفر فيه الشباب لحمل ~~السلاح. # ليس سائغا البتة في هذا الوقت الذي ندعو فيه الأمة شيبها وشبابها، رجالها ونساءها ~~وأطفالها إلى الحياة العسكرية التي لا تعرف ترفا ولا لينا، حتى تستطيع أن تلقي الشدائد ~~مهما يكن لونها، بالصبر والقوة والعزم الحديد. # وأخيرا، يظهر أن أولياء الغناء في مصر تفطنوا إلى أن هذا، ولكن في الأناشيد الحماسية ~~فحسب أمر سخيف مليخ، فماذا صنعوا يا رعاك الله؛ ليخرجوا أناشيد ترج النفوس رجا، وتستحمس ~~الشباب أيما استحماس، ولا تذر في البلاد كلها فتى ولا شابا، ولا كهلا ولا شيخا إلا قذفت ~~به إلى الميدان؛ ليروي غلته إلى الضرب والطعان ما يبالي أن يقع من الموت الزؤام أو أين يقع ~~من ms182 الموت الزؤام! # أتدري ماذا صنعوا في سبيل إدراك هذا المطلب الجسام؟ لقد شمروا عن سواعدهم وشدوا متونهم، ~~وقووا عزائمهم، ووحدوا أنيابهم أرأيت الليث وقد تهيأ للوثاب، أو «آخر نبق لينباع» كما يقول ~~أئمة اللغويين، وأطلقوا الحناجر بأصوات ترعب سكان المريخ، لو كان في المريخ سكان! # وليت لي حظا من البلاغة يهيئ لي أن أصف لك بعض هذه الأناشيد الحماسية! ولكني عاجز أبلغ ~~العجز عن أن أفعل، وكل ما أستطيع أن أصورها به لنفسي أن أذكر أيام كنا أطفالا، وكانت ~~العجائز يسلين عنا بفنون الأحاديث «الحواديت»، حتى إذا انتهين إلى «أم الغولة» ونهوضها ~~لافتراس العابر المسكين في جوف الفلاة، جوفن أصواتهن أشد التجويف وفخمن لفظهن أعظم التفخيم، ~~وقلن يحاكين زمزمتها ساعة قرمها وافتراسها: «هم أكلك منين؟» # وأرجو أن أكون بهذه الصورة قد أجدت التعبير عن أكثر هذه الأناشيد. # وصدقوني يا سادتي القراء إذا قلت لكم: إن بعض هذه الأناشيد قد ألقى ذات يوم وأنا جالس، ~~وولدي الصغير بين يدي وهو الآن في طريقه إلى الثانية عشرة، حتى إذا فرغ المنشدون من نشيدهم ~~الحماسي أقبل علي وقال: «يعني يا بابا متحمثناث» وفي سينه وشينه لثغة، فأجبته من فوري: ~~«الحق علينا يا ابني اللي متحمسناش، يا لله بنا نتوكل على الله ونتحمس!» # ما هذا أيها الإخوان الملحنون، وما هذا أيها الإخوان المنشدون؟ ولله أبو الشاعر ~~يقول: # أوردها سعد وسعد مشتمل # ما هكذا تورد يا سعد الإبل # وما هكذا يكون الاستحماس، ولا استنفار الشباب للقتال، بل إنه لا شبه بما كان يدخل به ~~الذعر على قلوب الأطفال في سالف الأجيال. # وبعد، فليست البلاغة مقصورة على فن الكلام، بل إن لكل فن جميل بلاغة، فللتصوير بلاغة، ~~وللموسيقى كذلك بلاغة، وهكذا، فإذا خلا الفن من هذه البلاغة، خرج سميحا مؤذيا، أو سخيفا ~~باردا، كما هو الشأن في الكلام الفسل الركيك، الضعيف التأليف سواء بسواء. # وأنت بعد، خبير بأن البلاغة قوامها الذوق ورعاية المقام، وهنا قد يقول قائل: إذا جاز لك ~~أن تنكر من الملحنين تلك الأناشيد ms183 الحماسية التي يشيع فيها اللين والاسترخاء، فكيف لك ~~بأفكار هذه الأناشيد التي وصفتها بالقوة فيما تقدم من الكلام؟ # والواقع أن الأناشيد الحماسية كما تحتاج في لفظها إلى الجزالة، تحتاج في نظمها إلى ~~المتانة، وتحتاج أخيرا في تلحينها إلى القوة نعم، تحتاج إلى القوة القوية فذلك هو الأشبه ~~بأيام البأس والدعوة إلى ملاقاة الأهوال، ولكن لعله ذهب عن ذلك القائل: إن العنف لم يكن على ~~الدوام دليلا على الشدة، ولا كان الصراخ عنوانا لقوة الأقوياء! بل لقد يدل هذا وهذا على ~~الضعف والخور في كثير من الأحيان، وإن من يظن أن المعنى الشديد لا يؤدى إلا باللفظ الصاخب ~~العنيف، وإن من يحسب أن الموسيقى الحماسية لا تصور إلا في التلحين الصاخب العنيف، لهو واقع ~~في خطأ عظيم، ولأضرب لناشئة المتأدبين في هذا الباب مثلا من أبلغ الأمثال: كلمة هادئة ~~رقيقة وادعة، قالها رجل هادئ رقيق وادع، ولعله لم يبرعه في هذه الخلال أحد بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإذا صح أن هذا الرجل كان ممن شك السل صدورهم، فقدر مبلغ حظ هذه الكلمة من الظرف ~~والرقة واللين، فليس أرق ولا ألين ولا أخف على الأذن من حديث مسلول ومع هذا لو تفطنت فإنك ~~واجد هذه الكلمة من الترجمة عن القوة والسطوة والسلطان ما لا يكاد يدانيها في ذلك ~~الكلام. # وجه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان على جيش إلى الشام، وخرج يشيعه ~~راحلا، فتعاظم الأمر يزيد فقال: يا أمير المؤمنين إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال له ~~الصديق: ما أنا براكب وما أنت بنازل! ثم أنشأ يقول: إن هي إلا خطى أحتسبها لله وفي الله ... ~~إلخ. # لعلك استشعرت ما وراء هذه الكلمة الرقيقة الوادعة من سطوة وسلطان، فإذا تعاظمك - مع هذا - ~~أنها خلت حتى من صيغة الأمر والنهي، فاعلم أن من أسباب قوتها وبأسها إذا لم يكن السبب ~~الوحيد في قوتها وبأسها هو خلوها من ذاك، وكذلك يخبر قائده إخبارا بأن إرادته قد مضت ms184 بما ~~سيكون، فليس له بتغيير الأمر يدان! # ونعود إلى القول بأن التدليل على القوة لا يحتاج البتة إلى عنف، ولا إلى صراخ واصطخاب، ~~فمن لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ هذه الأناشيد في قوة تنزه عن مثل هذا الصراخ الحقيق ~~بتخويف الصبيان؟ # من لنا بذلك الملحن البليغ الذي يصوغ لنا هذه الأناشيد في لحن قوي يشيع فيه الطرب وأقول: ~~الطرب؛ لأنه شرط أساسي في مثل هذه الأناشيد، فالطرب مما يثير الأريحية ويدعو إلى ~~الإقدام. # ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن القوة والطرب كانا إلى وقت قريب، هما الطابع المصري لما ~~يصاغ من التلاحين في هذه البلاد، كشأن التلاحين الشامية والتركية جميعا! # وأخيرا فلست أشك في وجود الملحنين القادرين على هذا، ولكن يظهر أنه قد جرفهم هم الآخرين ~~هذا التيار مع الأسف العظيم. # | في السياحة # أذاع حضرة «صاحب العزة أحمد صديق بك» مدير مصلحة السياحة في مؤخرات الشهر الماضي حديثا ~~قيما، رمى فيه إلى حض المصريين على اتخاذ المصايف المصرية، وإيثار بلادهم بالأموال الجليلة ~~التي ينفقونها في البلاد الأجنبية في كل عام، وقد قدر هذه الأموال بأربعة ملايين من ~~الجنيهات! # وقد عرض في حديثه لمنشأ هذه البدعة بدعة خروج المصريين إلى البلاد الأجنبية لسلخ ما يتهيأ ~~لكل منهم سلخه من أيام الصيف، وعلى وجه الخصوص في أوروبا، ورد هذه البدعة التي استحالت عادة ~~إلى أن مصر لما كانت داخلة في ملك الدولة العثمانية، كان من المتعين على الحكام وأصحاب ~~الأخطار في البلاد أن ينتجعوا الفينة بعد الفينة مثوى الخلافة للأغراض المختلفة، وإذا كان ~~جو القسطنطينية لا يوائمهم في الشتاء، فكان من المعقول أن يحرروا فصل الصيف لهذه الهجرة، ~~فجو الآستانة فيه جميل وهواؤها عليل، وجرى من دون هؤلاء على سنة هؤلاء بحكم المحاكاة ~~والتقليد، ثم تحولت دفة المهاجرين شيئا فشيئا إلى بلاد الغرب، حتى بلغت عدتهم عشرات ~~الألوف في كل عام، وأصبح ما ينفقونه يعد بالملايين، وما أحوج بلادنا إلى هذه الأموال، وخاصة ~~في هذه السنين! # ولقد حمل الأستاذ صديق ms185 بك حملة صادقة على أولئك الذين يهجرون بلادهم في مطلع كل صيف، ~~شادين الرحال إلى أوروبا في غير حاجة تدعوهم إلى ذلك من طلب علم أو استقصاء بحث، أو تحريك ~~تجارة، أو إنماء صناعة، أو غير ذلك مما يخرج الناس من ديارهم، ويضرب بهم في غيرها من بلاد ~~الله. # وإنني أؤيد حضرته بكل ما أملك من يقين، وأؤكد أننا إذا استثنينا طلاب العلوم والفنون وبعض ~~الأساتذة والأطباء، لا نصيب أكثر من واحد في كل مائة من هؤلاء الذين يطلبون أوروبا في كل ~~عام، وهذا على أسخى تقدير. # أقول: لا نصيب أكثر من واحد في المائة يضطره أي أمر من أمور الدنيا أو الآخرة إلى تلك ~~البدعة التي تستهلك هذه الأموال في كل عام. # أربعون ألف مصري يطلب أكثرهم أوروبا في صيف كل عام، إذن فتعالوا نتحاسب ولنكن في حسابنا ~~حق صرحاء وحق صادقين. # كم مصريا في العام يمضون إلى أوروبا ليستقصوا بحثا يفتح في العلم أو الفن فتحا، وينقض ~~بعض القواعد المسلمة فيهما نقضا، ويطيرهم العلماء في شرق الأرض وغربها كل مطير! ~~العفو! # ثم كم مصريا من هؤلاء الأربعين ألفا يطلبون أوروبا ليفتحوا بين يدي التجارة المصرية ~~أسواق الغرب، فلا تلبث حتى تغزوها غزوا، وتدفع ما سواها من التجارات دفعا؟ العفو؟ # ثم كم مصريا بين هؤلاء الأربعين ألفا من يشخص إلى الغرب لينقل عنه إلى بلاده أدق ~~الصناعات وأفخمها، بحيث لا تستغني بصنع أيديها عما يرد إليها من الغرب والشرق فحسب، بل ~~لتغمر بهذه الصناعة الأسواق في غيرها من البلدان؟ العفو أيضا؟ # ثم كم مصريا في أولئك الأربعين ألفا من تعاصت علته على جمهرة الأطباء في مصر وطنيين ~~وأجانب، حتى حلفت الطبيعة بكل مؤثمة من الأيمان، أن هذه العلة لا برد لها إلا في فيشي أو ~~إكس ليبان؟ # حقا، لقد نجد بين هذه الجموع الكثيفة التي تتدفق على أوروبا في كل عام من تبعثه تجارته، ~~ومن تستدرجه الرغبة إلى تحسين صناعته، ومن قد أثقلته العلة حتى تحير فيها طب الأطباء ms186 في هذه ~~البلاد، فلم يجدوا بدا من الإشارة على العليل بالشخوص إلى الغرب، حيث الطبيب الاختصاصي ~~العالمي أو حيث الينبوع الذي عقد الشفاء بمائه ونحو ذلك، ولكن قل لي بعيشك: كم عدة جميع ~~هؤلاء وأولئك من النازحين إلى الغرب في كل عام! عشرة! عشرون! ثلاثون! أربعون! أي: بحساب ~~واحد في الألف لا واحد في المائة، على ما قدرنا أسخياء في بعض هذا المقال! # أستغفر الله! لقد فاتني أن أقدم السبب الرئيسي لهجرة هذا القدر الضخم من المصريين إلى ~~الغرب في كل عام، وهذا السبب تطالعنا به الصحف السيارة في كل عام، وهل يقع لك عدد من جريدة ~~في مصر طوال أشهر الصيف إلا قرأت فيه: «يبحر «فلان» إلى أوروبا تبديلا للهواء، أو ترويحا ~~للنفس من عناء الأعمال»، أو نحو ذلك مما يدخل في باب الترفيه والاستجمام! # وليت شعري هل تستحيل بلادنا في الصيف فرنا تشوي فيه الوجوه شيا، وتفري الجنوب فريا؟ ~~أليس في بلادنا الطويلة جدا والتي يسلكها النيل من أولها لآخرها، والتي تطل على بحرين لا ~~بحر واحد - أليس في هذه البلاد كلها متنفس في الصيف، ولا متفرج من وقدة حره، ومنتبذ عن أذاه ~~وضره؟ وأخيرا، أليس مصايفنا من وسائل التسلية واللهو ما يريح النفس، ويهيئ الاستجمام! بلى! ~~إن فيها هذا كله وفيها غيره من مطالب رواد الغرب في كل عام! # إذن فما سر هذا التجني والبطر الجريء على البلاد وعلى مصايف البلاد؟ # ودعني أزعم لك أيها القاعد أن الكثرة الكثيرة من هؤلاء المهاجرين لا يطيب لهم العيش، إلا ~~في هذه الرحلات الغربية كما تتصور أنت، وكما يصورون لك، بل إني لأتقدم غير متزيد ولا غال، ~~فأزعم لك أن كثيرا منهم لا يجدون فيها إلا ضيقا ورهقا، فإن في الغربة أولا لضيقا وإن ~~في تغيير أسباب المعيشة فجاءة لعنتا ورهقا، وناهيك بازدراء أطعمة لم تألفها، والاضطراب في ~~بيئات لم تعرفها، والتزام عادات لا عهد لك بها، وأخذك النفس بأمور لم يسبق لك علاجها ولا ~~التمرين فيها، وكيف بالمرء مع ms187 هذا إذا كان لا يحذق لغة القوم الذين يعيش فيهم ويضطرب ~~بينهم؟ # وهذا إلى الهم بترك الوطن والبعد عن الأهل والولد وطول شغل النفس بإهمال العمل، إذا كان ~~المهاجر من أصحاب العمل، وهذا وهذا إلى ما يجشم هذه الهجرة من ألوان النفقات، وما تستخرج من ~~جليل الأموال التي قد يستعان عليها بالاستدانة، أو الانطواء في سبيلها على الضيق والعسر في ~~سائر شهور العام! # ولقد يسقط الكثير من هؤلاء إلى باريس، فباريس قبلة الكثرة من هؤلاء المهاجرين، فيثوي في ~~أحد فنادقها لا يغادره إلا إلى مقهى، أو ملعب من الملاعب أو مباءة من مباءات العبث، ويظل ~~مضطربه بين هذه المواطن الثلاثة أو الأربعة طول مدة الإقامة هناك؛ حتى يأذن الله في عودته ~~ولقد يوالي الهجرة إلى باريس عشرين عاما وهذا شأنه، ما يرى من باريس غير ما رأى، ولا يعرف ~~عنها أكثر مما عرف. الفندق، والمقهى، والملعب، وما عسى أن تنزلق إليه رجله من مباءات العبث، ~~وليس وراء عبادان بلد! # وبعد، فإذا طلبت حقيقة السبب في هجرة كثرة هؤلاء المهاجرين إلى الغرب على ما فيها من كثرة ~~النفقة، وعظم المشقة، واحتمال ما وصفت لك من فنون الضيق والعنت، فهو لا يعدو الرغبة في ~~التكاثر والظهور بالأبهة والفخفخة وتقليد المترفين من أصحاب الثراء، فالشخوص إلى أوروبا ~~أصبح عند هؤلاء بمثابة الرتب وألقاب الشرف، ولولا بقية من حياء لطبع هؤلاء على رقاع ~~الزيارة: # فلان الفلاني # سافر إلى أوروبا # على أن في ترديد اسم أوروبا كلما جلسوا إلى الناس، ولما سافرت إلى أوروبا وسنة ما كنا في ~~أوروبا، وبينما كنا في باريس ... إلخ. مما تعي به الطاقة، ما يغني في التعريف عن ألف بطاقة ~~وبطاقة! # على أن مما نحمد الله عليه أنه على تضاعف عدد الذين يخرجون عن البلاد وازدياد عدتهم سنة ~~بعد سنة، فقد قل ولو في النسبة عدد الحكائين منهم. # وللحكائين من هؤلاء في الجيل الماضي عما رأوا في رحلاتهم إلى الآستانة ولبنان حديث يروق ~~ويشوق، ولعلنا نطالع القراء بنماذج منه فهو ms188 حقيق بأن يسلي عنهم بعض التسلية، ويرفه عليهم في ~~وقدة الصيف بعض الترفيه. # وإلى الملتقى إن شاء الله. # | الحكاءون (1) # رجوت في غاية مقال «في السياحة» أن ألم بحديث الحكائين ممن كانوا يطلبون البلاد الأجنبية ~~إذا كان الصيف، ولعلك تذكر أنني زعمت في ذلك المقال أن غريزة المحاكاة والتقليد كان لهما في ~~تلك البدعة الأثر البعيد. # كان الكبراء من رجال الحكم ومن على شاكلتهم يشدون الرحال إلى الآستانة في مطالع الصيف ~~وعلى رأسهم ولي الأمر نفسه، وجعلت العدوى تسري حتى أصابت أهل الطبقة الوسطى فمن دونهم، فمن ~~عز عليه السفر إلى الآستانة اكتفى بالشخوص إلى الشام، وكانت كلمة الشام تطلق في مصر على ما ~~ندعوه الآن سوريا، ولبنان، وفلسطين ... إلخ. # وكيفما كانت الحال، فإن السائح إذا عاد إلى مصر جلس في داره أياما للهناء، وربما سبق ~~أهله فزينوا باطن الدار وظاهرها فرحا بسلامة القدوم، وترى الناس يقبلون عليه أفواجا يبدون ~~له فرحهم بعودته سالما، وغبطتهم له بظهر الغيب على ما رأى وما شهد، ولا يلبثهم هو حتى ~~يسألوه عن شيء من ذلك، بل إنه ليعاجلهم بالحديث الطويل، كلما أقبل فوج من الناس أعاد الحديث ~~وكرره، وهكذا حتى تنقضي أيام الهناء، إذا يخرج للقاء الناس فلا يضمه بهم مجلس، بلى لا يكاد ~~يلوح له اثنان يتحاوران في شأن لهما حتى يفسح لنفسه بينهما مجلسا، ثم طفق يتحدث فيما رأى ~~في رحلته وما شهد، وما أكل وما شرب، ولقد تكون رحلته من يوم تحمله إلى يوم مهبطه مصر قد ~~استهلكت ثلاثين يوما فقط، ولكنه مستهلك في الحديث عنها ثلاثين عاما! # ولقد ضاق بهذا جماعة من أهل الأدب والظرف وبرموا به برما شديدا، وكان على رأسهم ~~المرحومان السيد محمد المويلحي «بك»، والسيد محمد البابلي «بك»، وغيرهما ممن لا يزالون في ~~الحياة وصل الله في أعمارهم، وأسبغ عليهم العافية، فقعد والجماعة الحكائين كل مرصد، وكلما ~~تحركت في مجالسهم شفتا حكاء، راحوا يوبخونه ويتلقونه بالنكتة الكاوية من جميع أقطاره حتى ~~يعصروه عصرا، وما زالوا بجمهرة الحكائين ms189 كذلك حتى أزعجوهم عن هذه الخلة، وعقدوا ألسنتهم عن ~~الخوض في هذا الحديث السمج المعاد! فالفضل في كف هذا البلاء عن المجالس لهم، جزاهم الله خير ~~الجزاء! # والعجيب أن الحكاء من هؤلاء سواء تحدث عن اصطنبول أو الشام فإنه قل أن يلم في حديثه ~~الطويل العريض بالطبيعة، وما آثرت تلك البلاد من فتنة وجمال! # وقبل كل شء ينبغي أن نفرق بين حكائي الشام وحكائي اصطنبول، فالحديث عن كل منهما مختلف عن ~~الآخر أشد الاختلاف، وسترى هذا من عرض الكلام. # وبعد، فقد لا يكون من أخلاق الحكاء الكذب، وقد لا يكون من خلاله التزيد، فإذا آنست من ~~حديثه شيئا من التزيد أو العلو الذي ينبو على كل تقدير، فاعذره فما كان الرجل ليضرب في ~~الأرض، ولا ليعاني من ألوان المشقات ما يعاني، ولا ليبذل في وجوه النفقات ما يبذل ولا ~~ليحتمل من آلام الغربة والغيبة عن الأهل والولد ما يحتمل، كل هذا ليقول لك: إنه مشى على أرض ~~كالأرض التي تمشي عليها، أو رأى السماء كالسماء التي تنظر كل يوم إليها، أو أكل عنبا كالذي ~~يأكله، أو يشرب ماء كالماء الذي تشربه ... إلخ. # اللهم إن هذا الرحالة الجواد بالمال والنفس إذا دعت الحال في سبيل الترف وتلذيذ النفس ~~بأسباب الرفاهية؛ ليرى نفسه ملزما بأن يأتيك بالجديد، ويطالعك بالطريف، بل مما يذهلك ويدخل ~~عليك الدهش والعجب. # ولنبدأ بحديث رواد الشام، وما أصابوا في بلاد الشام: أما العنب فالعنبة لا تقل في حجمها ~~عن بلحة الزغلول، ولهذا ترى القطف منه أكبر وأضخم من عذق النخل، فإذا أنت قشرتها وعرضتها ~~للهواء استحالت قمعا من السكر لا يميز بينهما إلا البذر، فإذا لم يكن ثم بذر فالتمييز ضرب ~~من المحال! # وهناك أنهار وجداول، ماؤها أحلى من العسل وأبرد من الثلج إلى آخر ما انتهى إلينا من صفة ~~الكوثر في الجنة، وهناك التفاح وما أدراك بالتفاح؟ لقد تلقي بالتفاحة في النهر أو الجدول، ~~وسرعان ما تتناولها مقشرة وقد شطرها لك الماء أربعة شطور، فإذا قذفتها في ms190 فمك استحالت ~~شرابا ولكنه زلال، وخمرا ولكنه حلال! # وأما الخوخ، فلا يقل في الحكم عن ثمر الجوز الهندي، وهل تراك تحرك فكا لتمضغه مضغا؟ بل ~~إنك لتترشفه ترشفا وتعب من عسله عبا! وأما البطيخ فمما تنوء واحدته بالعبقريين ~~الشداد! # وأما المشمش، وأما التين، وأما الكمثرى، وأما وأما مما تخرج الأرض وما تعالج الأيدي من ~~ألوان الفطائر والحلوى، فعد ذلك مما يتجاوز الجهد ولا يتسع له نطاق الكلام. # ولقد زعمت لك في بعض هذا المقال أن الحكاء من هؤلاء قل أن يلم في حديثه الطويل العريض ~~بالطبيعة، والآن ذكرت، وأستغفر الله مما عراني من النسيان، فإنهم يعرضون للطبيعة وفضل ~~الطبيعة، فإن أحدهم ليصف لك ما كان يصيب في وجبته من لحم الضأن والطير والسمك والخضر ~~والحلوى والنقل والفاكهة ... إلخ. حتى ليخيل إليك أنه قام وحده بالتهام مطعم كامل، أو أنه طهي ~~له سوق خضار تزاد عليه صواني الكنافة والبسبوسة والهريسة، وما شئت أو لم تشأ من الفطائر ~~والحلوى، وإياك أن تنسى صينية «الكبة الشامي» التي تقرب إليك في صدر الطعام! # وبعد أن يعرض على سمعك لا على عينك ولا على شفتك هذه القوائم أو هذه «المونيهات» # menus # تراه يحلف لك بالمؤثمات من الإيمان، أنه لا يكاد ~~يمضي نصف ساعة على كل هذا الذي خضم وقضم، وافترس والتهم حتى يحس إلحاح الجوع، بل حتى يحس أن ~~معدته تتنزى في جوفه تنزيا بعد أن اعتصرها شدة التحلب على الطعام! # ولعمري، هل كان هذا كله إلا بفضل جودة الهواء؟ أعود فأستغفر الله! فلقد كان هؤلاء ~~الحكاءون يذكرون الطبيعة؛ بل لقد كانوا يشيدون بفضل الطبيعة، ولكن في العون على سرعة هضم ~~الطعام! يا سبحان الله! وهل ثمة شيء وراء الطعام؟ # وبعد، فلقد خرج لنا مما مضى من القول أولا: أن بدعة قضاء جمهرة المصريين الصيف أو فترة ~~من الصيف، إنما كان منجمها شهوة المحاكاة والتقليد، اللذين ما برحا شائعين في خلالنا مع ~~الأسف الشديد مهما عادا بالضر العظيم، وثانيا: شدة الرغبة في الأطراف والأغراب بالتزيد ms191 ~~والإفراط في المبالغات إظهارا للاستئثار دون القاعدين، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب إنسان! وثالثا: إفراد الطعام وكل ما يتصل بشهوة البطن، واختصاصها بالوصف بين ~~كل ما يرى المرء وما يصيب من السياحة في بلاد الشام، ولو قد جعلوا شطرا من حديثهم لوصف ما ~~حبا الله تلك البلاد من سحر وفتنة، أو لما وثقوا من حبال المودة بيننا وبين جيرتنا الكرام، ~~أو لذكر ما يلقى القوم من عنت ورهق وأذى تحت الحكم التركي في تلك الأيام، لما كان لحديث ~~الحكائين شيء من تلك الفسولة والإبرام! # ولقد رأيت أن حديث الحكائين من رواد الشام قد استغرق المساحة المقسومة للمقال، فلنرجئ ~~حديث رواد اصطنبول إلى وقت آخر، أرجو أن يكون قريبا إن شاء الله. # | الحكاءون (2) # اصطمبول (1) # وترى أنني خالفت الكاتبين إلى رسمها بالصاد لا بالسين، وذلك لأجاري منطق الناس كافة، لثقل ~~النطق بالطاء بعد السين الساكنة، ولقد يكتبونها في بعض الأحيان «اسلامبول»، فإذا نسبوا ~~إليها - في الكتابة لا في النطق - كتبوا «الإسلامبولي» على أنهم إذا تكلموا قالوا: «رأيت سي ~~محمد اصطمبولي»، «وسافر سي حسين اصطمبللي» ... إلخ. # ومن أسماء هذا البلد القصطنطينية، والآستانة، وفروق - وهذه لا أعرفها إلا من شعر شوقي ~~«بك» عليه رحمة الله - ودار السعادة على ألسن الترك و«در سعادت» على ألسن الترك ~~والمتتركين، وحقيق بمثوى الخلافة الإسلامية أن يكون كل هذه الأسماء، ولا تنس مثوى الخلافة ~~الإسلامية في عهد العباسيين، فلقد كان من أسمائها: بغداد، بغداذ، بغذاد، بغدان، مدينة ~~المنصور، مدينة السلام ... إلخ. ولقد قال المتقدمون: إن كثرة الأسماء دليل على شرف ~~المسمى. # وبعد فلقد علمت أن كثيرا من المصريين كانوا يحجون في مطالع الصيف من كل عام إلى دار ~~الخلافة، ثم يعودون إذا عادوا، فيحكون شأن رصفائهم من رواد بلاد الشام. # على أن الحديث - كما قلت لك في المقال السابق - مختلف بين الفريقين جد الاختلاف، فإنك قل ~~أن تسمع من رواد اصطمبول حديث «البقلاوة» أو «البلنج ضلمة» أو «الأمام يبلدي»، وأرجو أن ~~تفخم اللام ms192 في هذه بكل ما تستطيع من التفخيم. # إذن لم تكن جمهرة أحاديث هؤلاء مما تتحلب له الشفاء، ويتنزى على ذكره عصير المعد، بل لقد ~~كان حديث «حكائيهم» في السياسة العليا، وفي شوكة السلطان، أو الخليفة، أو «الياديشاه» وما ~~له من قصور تزخر بالعين الحور، وما تخرج يلدز للمقربين من موائد تعد في كل يوم بالآلاف، ~~تجمع كل واحدة منها عشرات الصحاف ... إلخ. # أما جنود السلطان وفيالقه وجيوشه وكتائبه، فمما «لو رمي بواحدة منها مناكث الأرض لم تثبت ~~على قدم!» # وناهيك بما أصاب هؤلاء الرواد من متع دونها ما وصف، نعيم أهل الجنة، وناهيك بما وقفوا ~~عليه من أسرار السياسة، سياسة الباب العالي التي سيدين لها العالم، وتحشر بين يديها دول ~~الأرض في قريب من الزمان! # وقبل أن أعرض عليك نماذج من أحاديث أولئك الحكائين، ~~أرى لزاما أن أقرر أن عيش الحر في تلك البلاد في عهد السلطان عبد الحميد لم يكن إليه سبيل ~~بحال من الأحوال، ويحسب المرء أن يرفع بصره إلى قصر من القصور السلطانية، أو يحرك لسانه ~~بكلمة واحدة في السياسة أو يذكر الجيش ولو بالخير، أو ينطق باسم عبد الحميد يريد به أي ~~إنسان كان يحسبه شيء من هذا ونحوه لتخطفه «الخفية» # 1 # خطف العقبان، وسرعان ما تلقي به في مطق # 2 # يظل يتخلج في ظلامه الأيام الطوال، حتى يأذن الله بطلعة المستنطق # 3 # فإذا قضى أياما أخر بين السين والجيم وقف المسكين على مفترك الحظوظ، فإما ~~إطلاق وهذا هو الفوز الأكبر، وإما أمر بترك البلاد إذا لم يكن من أهلها، وهذا هو الفوز نمرة ~~2، وإما ترك له في السجن ونسيان، حتى يأذن الله بالفرج بعد عام أو أعوام، وإما نفي في بعض ~~قواصي الولايات، وإما إلقاء في البسفور حيث يفرح له في بطون الحيتان! # والعجب أن عثمانيا لم تطل خلافته كما طالت خلافة عبد الحميد، والأعجب أن استبدادا ~~وعسفا وتخريبا لم يقس في تلك المملكة كما قسا الاستبداد والعسف والتخريب في عهد عبد ~~الحميد، ولم يخرج ms193 عنها من ولاياتها ولم يقتطع من أملاكه كما خرج واقتطع في عهد عبد الحميد، ~~وأعجب الأعجب بعد هذا كله أن جمهرة المصريين لم يحبوا أحدا كما أحبوا عبد الحميد، ولم ~~يدينوا بالولاء الحاد للإنسان كما دانوا لعبد الحميد، ولولا بقية تمسكهم من دين لعبدوه مع ~~الله أو لعبدوه من دون الله، والعياذ بالله، وأستغفر الله العظيم! # وذلك الحب المتمكن من النفوس، والمتغلغل في القلوب ~~يرجع إلى أسباب لا محل لبسطها في هذا المقال، وكيفما كان الأمر فإن السلطان عبد الحميد لقد ~~بلغ من نفوس المصريين على الخصوص موضع التقديس والتنزيه، حتى إذا لاح في خاطر المرء لائح من ~~الأفكار لبعض حكمه وتصريفه، أسرع فرده واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم! # ولم يكن أعوان السلطان على إدارة الشئون وتصريف ~~الأمور هم الوكلاء - الوزراء - ولا من دونهم ممن يشغلون عليا المناصب في الدولة، بل لقد كان ~~الرأي قسمة بين السيد أبي الهدى الصيادي - من مشايخ الطرق الصوفية - والشيخ ظافر «شرحه» ~~وعزت «باشا» العابد، ولا أدري ماذا كان منصبه، ولا تنس نفوذ الباش مصاحب - الباش أغا - أو ~~كبير الخصيان في قصر السلطان، أما آخر من يتحدث عن أي أمر من الأمور، أو يرجع إلى رأيه في ~~شأن من الشئون فهو صاحب الفخامة الصدر الأعظم، وكان يتقدم بحكم البروتوكول على خديوي مصر في ~~تلك الأيام، ولهذا ظل المرحوم خليل رفعت «باشا» صدرا أعظم في أكثر عهد السلطان عبد الحميد؛ ~~لأنه لم ينطق في الشئون العامة بكلمة واحدة! # وعلى الجملة، فلقد أثمر هذا النظام كل ثمراته من إشاعة الدس والكيد، والسعاية والوقيعة، ~~والبطش والتنكيل، وإهلاك أصحاب الكفايات أو إبعادهم، وتقريب الجواسيس، # 4 # وإطلاق أيديهم في أرزاق الناس وأعمارهم، وأضحت الرشوة هي السبيل إلى نيل الحقوق ~~وإلى غصب الحقوق على السواء، وتبع ذلك ما ينبغي أن يتبعه من جذب العقول، وفقر الجيوب، وتقلص ~~الأفكار، وضمور الحريات، وأسرع الفساد إلى جميع المرافق ولحق الخراب عامة البلاد، ولم يبق ~~عامرا في الدولة كلها إلا «الجيب الهمايوني» الذي تعصر له ms194 الرعية عصرا كل صباح ومساء، في ~~ضرائب لا يتناولها الحصر ولا يدركها الإحصاء! # ولقد جرى الولاة في ولاياتهم على هذه الأساليب، وكذلك المتصرفون في متصرفياتهم، والسناجق ~~في سناجقهم، وسائر العمال في أعمالهم، وكيف لهم بالعيش إذا كانت وظائفهم وأرزاق من قبلهم من ~~الجند تحبس عنهم الأشهر بل السنين. # وولي هذا ما يجب أن يليه من ضعف الدولة ووهنها، وعجزها عن حماية أرضها، وتمكين سلطانها من ~~ملكها، فجعلت ولايتها تنسلخ منها واحدة في إثر واحدة، حتى بلغت عدة الولايات التي خرجت عن ~~حكمها في عهد السلطان عبد الحميد وحده قرابة الثلاثين! # ومع هذا وهذا وذلك يأبى الحكاءون إلا أن يشيدوا في المجالس بما أصابوا في دار السعادة من ~~المتاع وما تقلبت فيه أعطافهم من النعيم، وما شهدوا من مجد الدولة وسلطانها، وما اطلعوا ~~عليه من أسباب قوتها وبأسها، وما انتهى إلى علمهم من أسرار سياستها التي تعيي الأفكار وتعز ~~على الأفهام، وإن كانت ثمراتها الضخام ستجنى بعد أعوام أو بعد أيام! # ولقد استهلكت هذه المقدمات التي لا بد منها القدر المقسوم لهذا المقال، فلنرجئ عرض نماذج ~~الحكائين الاصطمبلليين إلى آخر إن شاء الله. # | الحكاءون (3) # اصطمبول (2) # كان بائع غرابيل يجول في الطريق هاتفا بغرابيله، فدعا به رجل واستنزله حمله وسأله أن يحل ~~وثاقه، وينثر الغرابيل بين يديه نثرا، ففعل الرجل وجعل «الزبون» يعجمها واحدا بعد واحد، ~~ويطيل النظر في تفقدها ويكثر من جسها وغمزها، حتى إذا أتى عليها جميعا عاد إلى تفقدها ~~وجسها وامتحانها، وما زال يفعل ذلك ويكرره حتى استهلك فيه الساعات الطوال، والرجل ينظر إليه ~~في غيظ وحنق، لما أضاع من وقته وامتهن من سلعته، حتى إذا انتهى اختياره إلى أصلبها خشبا، ~~وأجودها جلدا، وألحمها نسجا، وأحكمها شدا، قال له: بكم هذا الغربال يا شيخ؟ فرأى الرجل ~~أن يكافئ كل هذا العناء بالإغلاء في الثمن، فقال: بخمسة وعشرين قرشا! فقال له في دعة ~~وفتور: بثلاثة قروش تعريفة! فثار ثائر الرجل، وضرب الأرض بإطار الغربال فوثب حتى صك ناصيته، ~~فأعاد الضربة ms195 بأشد مما ضرب فصك الغربال ناصيته بأشد مما صك، وما برح الغيظ يفعل به هذا، ~~والسابلة يجتمعون حوله من كل مذهب ليطالعوا هذا المشهد العجب، حتى شدخ الغربال رأسه وأسال ~~دمه، فصاح فيهم: أيها الناس! أمنتظرون أنتم حتى يقتلني هذا الغربال؟ # ولا أكتمكم يا معشر القراء أن هذا القلم كثيرا ما ينشز علي ويجمع، وتستعصب على سياسته ~~وضبط عنانه، ولقد أسوقه في طريق فيخالفني إلى غيره، ولقد أرسم للمقال نهجا محدودا، فيأبى ~~إلا تعدي الحد والعدول إلى نهج آخر حتى ينتهي في بعض الأحيان إلى الغاية التي يبغيها هو لا ~~الغاية التي أطلبها أنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! # ومن هذا البلاء الذي امتحنت به من هذا القلم الجامح المتمرد، أنني بدأت مقال الحكائين على ~~أن يجري كله لحال أو قصر في فنون من التسلية والتندر في هذا الحر وهذه الحرب، خيبة الله ~~عليهما جميعا، وإن كنت لا أتزيد ولا أعدو الصدق أبدا، فإذا هو يتنظر لي بشبح عبد الحميد ~~وحكم عبد الحميد، وحكايات من كانوا ينتابون الآستانة في عهد عبد الحميد ثم إذا هو يمعن في ~~هذا الطريق إمعانا لم يدخل لي يوم بدأت الحديث في تقدير ولا تصوير! # والآن كيف الرجوع إلى النهج الذي بدأنا بسلوكه، وكان بحمد الله بين الحدود واضح ~~الأعلام؟ # كيف لنا بهذا وقد التوت السبل، وغشت السياسة وجه الطريق بما هو أحد من الحسك ومن شوك ~~القتاد؟ # أفترانا نستعدي على جماح هذا القلم جمهرة القراء، كما استعدى النظارة على غرباله صاحب ~~الغرابيل؟ # أريد مفاكهة وتندرا، ويأبى علي القلم إلا خوضا في ظلمات عبد الحميد، وما كان يعاني من ~~ظلمة رواد الآستانة من المصريين وغير المصريين؟ # اللهم إنه ليس من الرأي التصدي لكبحه وهو حمى ثورته، بل الرأي كل الرأي في مجاراته وإلانة ~~قياده وإظهار المطاوعة له حتى تفطر حدته، ويطامن من جماحه، وحينئذ يتهيأ صرف عنانه إلى وضح ~~الطريق، وكذلك نمضي في المقال على اسم الله العلي العظيم. # ولقد حدثتك في ms196 المقال السابق عن بعض ما جرى من المحن على دولة الخلافة باستبداد عبد ~~الحميد وظلم عبد الحميد، حتى لقد انسلخ عنها في ذلك العهد الأشأم قرابة ثلاثين ولاية، وإن ~~شئت قلت: ثلاثين مملكة. # وقلت لك: إن المصريين لم يحبوا أحدا كما أحبوا عبد الحميد، ولم يدينوا بالولاء لأحد كما ~~دانوا لعبد الحميد، حتى لقد خالط حبه اللحم ولصق بالعظم، وجرى في أعراقهم مجرى الدم، فلم ~~تجر بسوء حكمه على الإسلام محنة إلا جعلوها موضع منة، ولا دب إلى جسم الدولة بظلمه فساد إلا ~~أحالوه على صلاح، فإذا غم عليهم الأمر ولم يهدهم إلى الرأي طول التعسف في التأويل والتعليل، ~~أحالوا الأمر إلى الحكم التي تعلو على أفهام العباد! # وإن من الإنصاف أن نقرر أن أشد الناس كانوا استحماسا في هذا الباب هم سلالة الترك ~~المتمصرين، وكان زعيم هؤلاء جميعا شيخا واسع الغنى يسكن في بعض أطراف القاهرة، ولا أسميه ~~ولا أعين مسكنه لكيلا أدل عليه - رحمه الله وغفر لنا وله. # كان هذا الرجل أو هذا الزعيم العظيم حين أدركناه في حدود السبعين، وكانت داره الواسعة ~~مثابة القصاد ونجعة الرواد، يؤمها في كل ليلة جماعات الظماء إلى أخبار الباب العالي، وما ~~عسى أن يكون قد أجد لدولة الإسلام من مفاخر ضخام! # فإذا كان عيد الجلوس السلطاني رصعت الدار بمصابيح تخطف الأبصار، ووشيت بأذكى الورود وأنضر ~~الأزهار، وصدحت الموسيقات بأحلى الأنغام، وقرب للفقراء أشهى الطعام من لحوم الأنعام، ووقف ~~البك بالباب يستقبل جماعات المهنئين الداعين لجلالة الخليفة بالبقاء على السنين حتى يربو ~~عمره على المئين، وغنى في الليل أعلام المغنين، ونثرت بدر الدراهم على الجماهير المحتشدين ~~من المعوزين وغير المعوزين! # وقلت: إنه يقف بالباب في تلقي الهناء من الوافدين، وإنه ليكافئ هناءهم بالشكر والدعاء، ~~كما يصنع أي امرئ في أسباب مسراته الخاصة وأمزاحه العائلية، وذلك لما يشعر به أو ما يريد أن ~~يشعره الناس من أن له سهما ولو ضئيلا من شئون السلطان أو من شئون الدولة، يهيئ له تقبل ~~الهناء والإثابة ms197 عليه بالشكر والدعاء، وكيف لا وقد كثر كل حبه وولائه وإخلاصه على ~~الياديشاه، وهو عند الباب العالي مطلع الرأي ومتنزل السر، على الرغم من بعد الديار وشط ~~المزار! # ولا تظن أن هذا الرجل كان في هذا الباب فذا منقطع النظير في فتح داره لجماعات ~~الاصطمبلليين، فلقد كان نظائره كثيرين وإنما أفردناه بالذكر؛ لأنه كان أكبرهم سنا، ~~وأبعدهم شهرة، وأوسعهم غنى، وأقدرهم على الوصف وتفخيم التصوير. # وبعد، فما يكاد يخيم الغسق حتى تحتشد دار صاحبنا ودور أمثاله بالوافد للاستخبار، ~~والاضطلاع على ما أجد الباب العالي من جلائل الآثار! # واعلم أولا أن كل شيء يجري على الدولة لا بد وأن يكون برأي السلطان وتدبيره، ودهائه ~~وجبروت حيلته ولو بدا لك في هذا الأمر كارثة، ورأيت منه مصيبة واقعة وبلية لاحقة، وهل بعد ~~قوة السلطان قوة أو وراء دهائه دهاء؟ # ولعمري، ما جاءت البشرى بانسلاخ ولاية من تلك الولايات الثلاثين، أو وقعت على الدولة بلية ~~من إحدى الدول الغربية، كما احتلت الجنود الفرنسية بعد جماركها أو تذعن لبعض المطالب ما حدث ~~شيء من ذلك ونحوه إلا قال قائلهم: «دي سياسة أفندم!» فيزر صاحبه على إحدى عينيه ويهز رأسه ~~ويقول: «دي سياسة كبير» فيصيح الثالث: أمال أفندم، لازم يا ديشاه هو اللي عاوز كده، إذا كان ~~مش عاوز ما كانش يحصل، إيش عرفنا إحنا؟ دي سياسة فوق عقول!» # وسرعان ما تشرق وجوه الجماعة ويتطارح الهناء وتتصافح الأيدي وتتضام الصدور إلى الصدور، ~~وتبسط الخدود لتحيات الثغوب. # والآن وقد هدأت ثورة هذا القلم بما ناله من الجهد والتعب، نستطيع بحمد الله أن نصرف عنانه ~~إلى حيث نشاء، فهلم إذن إلى معاودة الحديث في الحكائين والله المستعان، وإذا كنت سأقتصر على ~~إيراد حكاية واحدة، فلعلك واجد فيها أفخم وأضخم وأبلغ وأعظم من كل ما انبث وانبسط، وشاع ~~وذاع، وملأ الطباق، وسطع في الآفاق وعلى جميع ألسن الحكائين من يوم عبد الحميد إلى يوم ~~الدين. # احتشد الجمع على العادة في دار صاحبنا، وجعلوا يتقاولون في أمر الدولة، وعظمة ms198 الدولة، ~~وقوة جيوش الدولة، وسياسة عبد الحميد، وشدة دهائه، وبعيد مراميه ... إلخ. # وبدا لبعض الحاضرين - وكان مصريا - أن يسأل سؤالا، فخاف وجبن والسؤال لا غنى عنه، ~~ولا مفر من العلم بالجواب عليه، فحط المسكين إلى الزعيم عنقه، وقال: «ولكن بس، بس!» أما ~~باقي الكلام فكان يضطرب في حنجرته اضطرابا «لا يرتقي صدرا عنها ولا يرد.» فقال له: «بس ~~ماذا؟ ما لك لا تتكلم؟» فأعرض الرجل جفنيه، وحد عزمه وقال، وكان صوته هجس هاتف يجيء من وراء ~~الأفق: «بس مسألة الدوننمة» # 1 # يعني أن الدولة ليست معتنية بالدوننمة!» وسرعان ما استلقى الزعيم على ظهره ~~مقهقها وهو يقول في نبرات مليئة بالتهكم والاستهزاء: «نعم! معك الحق. إن الدولة لا تعنى ~~بأمر الدوننمة.» ثم اعتدل وألبس وجهه ثوب الجد، وجعل يدير طرفه في الحاضرين وتراه يتلفت ذات ~~اليمين وذات الشمال، ويرفع بصره إلى فوق وإلى تحت وإلى قدام وإلى وراء، ثم قال: «فيكم من ~~يكتم السر؟» فأجابوا جميعا في نفس واحد: «في بير!» ~~«إذن فاسمعوا لقد زرت المابين ذات يوم، وأبديت لفخامة الصدر الأعظم مثل هذه الملاحظة، ~~فأظهر الموافقة لي والندامة على تقصير الدولة في أمر الدوننمة، وغمز لي بعينه غمزة خفيت على ~~جميع حاضري المجلس، فلما هم الجميع بالانصراف ضغط على يدي واستبقاني، حتى إذا خلا له وجهي ~~ولم يبق معنا أحد قال لي: «إذا انتصف الليل فامض إلى شارع كذا، فإذا بلغت الموضع الفلاني ~~فخذ على يمينك في أول شارع، ثم خذ على يسارك في ثالث حارة، ثم عد ثلاث حارات وادخل في ~~الرابعة، وستلقى زقاقا على يسارك فاسلكه حتى تنتهي إلى خربة على يمينك، وستجد على مدخل هذه ~~الخربة رجلا شحاذا رث الثياب، مقنع الوجه، فافعل ما يأمرك!» # ومضيت في الميعاد وإذا الشحاذ في الانتظار، فما أن رآني حتى أجال طرفه في الأرض والسماء، ~~ولما أمن عيون الإنس والجن، ودابة الأرض وحدق الطير في أوكارها أسرع إلى زاوية في الخربة، ~~وظل يفحص عن الأرض إلى أن انكشف له غطاء من ms199 الحديد فرفعه، ودفعه إلى ما دونه وتدلى ورائي ~~وأعاد الغطاء فوقه، وتدلينا في سلم عددت له 127 درجة، ثم انتهينا إلى دهليز طويل، سلكنا منه ~~إلى دهليز آخر أعرض وأطول، وما زلنا ننعطف من دهليز إلى آخر حتى أفضت بنا خاتمة السعي إلى ~~فضاء يزيد على التسعين ألف فدان، وقد ازدحم «بالورش والترسخانات» العظيمة الهائلة التي لا ~~نظير لها في جميع الدنيا، وإذا خلق من الناس لا يحصيهم إلا خالقهم. ~~«ويكشف الشحاذ النقاب عن وجهه فإذا هو صاحب الفخامة خليل رفعت باشا الصدر الأعظم بنفسه! ~~وإذا في هذا العالم ثلاثون مليونا من الصناع معهم نساؤهم وأولادهم - يولدون أو يستولدون - ~~لا يرى أحد منهم صفحة السماء أبدا ، وكلما أتموا بناء مدرعة أو نسافة أو «فرديت»، أو خطاف «دردبو» # 2 # من شباك البحر «لا من شاف، ولا من سمع» حتى يأتي اليوم المعلوم وحينئذ تخرج ~~الدوننمة للقضاء على أساطيل الدول جميعا! # الله أكبر! الله أكبر! ما شاء الله! نصر الله السلطان آمين آمين! # وسلام على فلان بك في الحكائين ورحمة الله عليهم أجمعين. # | مع ذبابة # قال لي صاحبي في مستهل حديثه، ولقد رويت لقراء «الثقافة» أحاديث عن صاحبي هذا، ولكنني لم ~~أقل لهم من هو؟ ولا ما صفته؟ ولم أكشف لهم عن أية خلة فيه، ولم أشر إلى أي شيء يعطي القارئ ~~ولو فكرة ضئيلة عنه، حتى يحل أحاديثه من نفسه في الزواية التي تكافئها من التقدير، وفي الحق ~~أنني في هذا معذور فالرجل صديقي من عهد طويل، وما نكاد نفترق إلا على نية لقاء، فليس من ~~اليسر أن أهتف من صفته بما عسى أن يكره وكيفما كان الأمر، فإنني أكتفي في تقديمه اليوم ~~بأنه رجل حاد الذكاء وحاد المزاج مرهف الحس، دقيق الملاحطة، سريع الخاطر، حاضر الحكم على كل ~~ما يسنح له من الأشياء، وكثيرا ما يكون حكمه نقدا لاذعا تدفعه ثورة النفس، وأنه بهذه ~~الخلال ليشقى الشقاء كله، ويتعب صاحبه التعب أجمعه! # يغضبه ويثيره أتفه شيء يلحظه من الناس مما ms200 لا يبعث انتباهي ولا انتباهك، ولو كان هذا ~~الشيء مما لا يعنيه ولا يتصل به بأي حال، فإذا رأى مثلا بائعا من هؤلاء الباعة الجوالين ~~يحلف لمساومه بأنه باعه بأقل مما اشترى، ثار ثائره وجعل يرغي ويزبد، ويرثي لحال الزمان من ~~لؤم أبناء الزمان! وإذا أصاب ثلاثة يقفون في غير حاجة على الطوار - الرصيف - فيعوقون ~~السابلة، وقد يلجئون بعضهم إلى التدلي في الشارع؛ ليمضوا لطياتهم فيتعرضون بذلك لتلك ~~الفواتك العابرة التي أصبح لا ينقطع لها في طرق القاهرة مرد، رأيته يقف بهم فيلومهم ~~ويبكتهم، ويضرب لهم أبلغ الأمثال على سوء عملهم، وقلة ذوقهم، وفداحة جنايتهم في وقفتهم ~~السمجة، على من لا جناية لهم من الناس، غير مبال بما يلقى من مثل أولئك الأرذال! # على أنه - مع هذا - طيب القلب، صافي النفس، لا يحتاج في رده إلى الرضاء إلا إلى أيسر قدر ~~من الاعتذار، مهما يقع على شخصه هو من أسباب الإعنات والأغضاب، وإن ليلة واحدة لكفيلة بأن ~~تغسل صدره من كل ما أجن لامرئ من الحقد والاضطغان! # هذا صاحبي، وبحسبك اليوم معرفة هذا القدر من خلاله، ~~فلنمض في حديثه على اسم الله. # زارني ذات يوم من أيام هذا الأسبوع، فكان أول ما لحظته منه اطمئنان الوجه، ووداعة النفس، ~~ورفق الحديث، وهذه أشياء عهدي بها منه أقل من القليل. # وسألته عن حاله كما يسأل الصديق عن حال الصديق، فقال بعد أن حمد الله وأثنى على جليل ~~فضله: لقد خضت عشية أمس ساعات ثقالا جدا، لقد غاظتني وأبرمتني وفرقت نفسي، وأطارت لبي ~~حتى جازت بي أقصى حدود الصبر، وعصفت بكل ما يقدر للمرء من الاحتمال، فقلت له: «شنشنة أعرفها ~~من أخزم»، ولكن قل لي: كيف كان ذاك؟ # قال: استويت للعشاء، وكنت شديد الجوع، وبي من الشهوة للطعام ما لا أجده في أكثر الأيام، ~~وطعامي كما تعلم قل وكثر إنما يوضع بين يدي جملة لأصيب من أي ألوانه ما أشاء في أية لحظة ~~أشاء، وما كدت أسمي الله وأحور يدي إلى الصفحة بأول ms201 لقمة حتى رأيت ذبابا قد هوى إلى مهوى ~~أصابعي من الصحفة، فذبيته فعاد لتوها إلى موضعه وجعل يلغ كما كان يلغ، فعدت إلى زجره فعاد ~~كذلك، فأدرت الصحفة لأصيب مما لم يصب، فسرعان ما دنب إلى حيث أرسل يدي وأقبل من فوره على ~~شأنه، ما دفع إلا رجع، ولا زجر إلا عاد، فلم يسعني إلا أن أرفع هذه الصحفة الملوثة ~~الموبوءة، وأنحيها بعيدا وأقرب غيرها، وعوضي على الله، على أنه لم يعفها ولم يعفني، فلقد ~~هبط منها مهبطه من أختها، فأدرت الطبق كذلك فدار معه حتى استقر منه في منحدر يدي، وكان ~~الغيظ قد بلغ في قصارى قصاراه، فأهويت بكفي عليه لأقتله وأخلص من لؤمه وأذاء، فتكسر الطبق ~~شظايا وتناثر الطعام على الخوان، وأصاب وجهي وثوبي منه رشاش، أما الذباب فلم يكفه الإفلات ~~من هذه الضربة الساحقة، بل لقد راح يمرع في هذا الذي تطاير على الخوان! فقمت عن المائدة ~~وأنا أحلف بكل مؤثمة من الإيمان ألا أذوق في ليلتي أي طعام! # أويت إلى فراشي، أرجو بهجعة خفيفة أن أستريح ولو من ~~بعض ما أجد ولكن كيف لي بالنوم وقد قيل: «لا نوم لجائع»، ولو دار الأمر على الجوع وحده لهان ~~الخطب، فإن وراء الجوع نار الغيظ وثورة الغضب، وهذان وحدهما زعيمان بنفي المنام الليالي ~~الطوال. # وأفكر، وفيم لعمري أفكر إلا في الذباب، ولؤم الذباب، وتهافت الذباب، وأذى الذباب، وخطر ~~الذباب، وما يجلبه الذباب من علل وأسقام، وأرزاء جسام! # وجعلت في مطرحي أسائل نفسي وقبل كل شيء أنبهك يا صديقي إلى ما تعلم من أنني عظيم الإيمان ~~بالله تعالى، وثيق الاعتقاد بظهر الغيب في بالغ حكمته في كل جليل ودقيق من خلقه. # رحت أسائل نفسي: ترى ما حكمة الله الحكيم في بث هذا ~~الذباب، وهو على ما ترى لا يحمل إلا قذرا، ولا يولي إلا أذى وضررا؟ ولكم يهدم بفرط تهافته ~~الأعصاب، ويشيع ما لا يحصى من العلل والأوصاب، ويبلغ وحده ما لا تبلغ الحروب من أسباب ~~الدمار والخراب، ومع ms202 هذا لم يظهر العلم له أية ثمرة ولو دقت، ولم يجل طول الزمان له منصفة ~~ولو هانت، بل إنه لشر كله وأذى مستمر في أوله وآخره، وبلاء عظيم في ظاهره وباطنه، لا يدع ~~الإنسان في لحظة من نهار في اطمئنان ولا قرار، وكلما زاده عن وجهه أو يده، أو عن طعامه أو ~~شرابه، عاد من فوره فأثبت رجله حيث كانت ما تنحرف قيد 1 / 1000 من الشعرة؛ لا من وراء ولا ~~من قدام، ولا ذات اليمين ولا ذات الشمال، بحيث لو استعان المرء بأدق الآلات الهندسية ~~والفلكية ما بلغ هذا المدى في تحديد المكان، ولقد يبلغ من شدة تهافته أن يقع في الطعام أو ~~الشراب، فإذا ترك وشأنه مات من الاختناق، بل إنه على حدة حسه ليقع في فنجان القهوة، وهي ~~لم تزل تتنفس بالحر الشديد من البخار، وما أرى أنه خرج من هذه المنية الشنيعة بشيء إلا أنه ~~أغثى نفسك ونغص عليك مزاجك! # وبعد، فأنت خبير بما يحمل هذا الطائر اللئيم من ملايين المكروبات، لا تفتأ تفرخ أشد العلل ~~وأفتك الأوباء في حين تعيا السلامة منه، ويعجز الأمن من أذاه، فإذا زعمت أن من الفواتك ما ~~يقتله، فذاك بقدر ما تظل الأبواب والنوافذ محكمة الإغلاق، حيث يغمر الغرفة ظلام ويدعو ~~التنفس في جوها إلى الاختناق حتى إذا فتحت النوافذ والأبواب لتجديد الهواء دخل من الذبان ~~أكثر مما خرج، وتطاير منها في الغرفة أعظم مما هلك! # اللهم إن هذا بعض ما ابتلي الناس من الذباب من قديم الزمان أو من أول الزمان، فترى أيكشف ~~العلم فيه مزية، ويقع منه على منفعة تكافئ هذا القدر الهائل من الضر والفساد؟ # وجعل الذهن - برغمي - يدور في هذا ملتمسا موطن الحكمة في هذا الخلق الضار الشديد، وكلما ~~طلبت التفرج بالفكر في شيء آخر، رأيت الأمر يتعاصى علي، فقد استغرق حديث الذباب كل تفكير، ~~وملك على الذهن جميع مذاهب التصور والتقدير! # وفيما أنا من ذلك إذ قرع مسمعي طنين ذباب، ولكنه أشبه ما يكون في ms203 عنفه وقوته، بهمهمة فهد ~~أو زئير أسد، فحولت وجهي وأرسلت بصري، فإذا ذباب في جرم الغراب، ثم لم يرعني إلا أن جعل ~~ينتفخ وينتفش حتى صار مثل الديك الرومي، ثم ما زال ينتفخ وينتفش حتى صار في حجم النعامة، ~~لولا أن جسمه كله كاس بالريش لا يعرى منه شيء، ولولا أن رأسه موصول بما بين كتفيه لا يفصل ~~بينهما عنق، فإذا حرك رأسه فمن أعلى إلى أسفل ثم من أسفل إلى أعلى، كأنما وصل بين رأسه ~~وكتفه بمفصلة، ولولا أنه مزود في مقدم صدره بخراطيم على حين ليست للنعامة خراطيم. # ويقبل هذا الذباب الضخم علي وهو يرفع رأسه ويخفضه، فتداخلني من الذعر ما أزاغ البصر، ~~وكاد يخلع شعبة من شعب القلب، فبادرني بقوله في لسان عربي صحيح: لن تراع! لن تراع! فإن ~~الشيطان إذا كان قد أزلق فكرك إلى هذا فإنه ما زالت تعصمك قوة إيمانك، فقلت: الحمد لله رب ~~العالمين. قال: فلو عملت بقول الله في كتابه الكريم: # وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع ~~عليم # فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. قال: ~~والآن فاسمع يا هذا: ما أشد ذهابكم، يا بني آدم، بأنفسكم وافتتانكم بعقولكم، وتباهيكم بهذا ~~القدر الضئيل الذي تعلمون من ظاهر الحياة الدنيا # وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا ~~. # نتساءل يا هذا في حكمة الله - جل مجده - في خلق الذباب وبثه، وتنكر ما يلون للناس من ~~الأذى في صحتهم وفي حياتهم، وقد ذهب عنك أيها الأبله أن هذا الذي تنكر من فعل الذبان هو بعض ~~حكمة الحكيم في خلق الذبان، فلقد تعلم أنه لولا شيوع الأمراض والعلل لما مات أكثر من يموت ~~من الناس في كل يوم وفي كل ساعة، وإذن لاطردت الزيادة في عدتكم يا بني آدم حتى تضيق بكم ~~مساحة الأرض، ويعجز بطنها وسائمتها عن مواتاتكم بما يكفي لبعض طعامكم وكسوتكم، فلا مفر لكم ~~من التناحر والتقاتل في التماس أسباب العيش، حتى ليقتل الوالد ولده وتأكل الأم طفلها، ms204 طوعا ~~لغريزة استبقاء الحياة، وكذلك لا يلبث العالم كله أن تسوده الفوضى وهي أهم عوامل الفناء، ~~فالموت إذن أيها الأبله هو أبلغ أسباب الحياة! # 1 # ثم إذا كنتم تنكرون أيها الأغفال ما ينشر الذباب فيكم من أسباب الأمراض والعلل، وتتمنون ~~على الحياة لو تعيشون الدهر في صحة وعافية، فمن أين لعمري تعيش هذه الجيوش الجرارة من ~~الأطباء والممرضين، والممرضات وخدم العيادات والمستشفيات، والصيدليين وعمال الصيدليات، ~~وأصحاب مصانع الأدوية والعاملين فيها، ومنتجي المواد الأولية للعقاقير الطبية، ومن وراء كل ~~هؤلاء مممن يعولونهم، ويعودون بهذا السعي على شملهم! # ثم لا تنس العاملين في أسباب الموت من «الحانوتية» واللحادين - التربية - وباعة ~~الأكفان، وسواقي عربات الموت، وغير أولئك ممن لا يصيبون الأرزاق والأقوات إلا بفضل الموت ~~والأموات! # وسكت برهة، ثم قال: أفآمنت الآن أن ذبابا واحدا أجدى على العالم، وأعود بالخير على ~~نظامه منك ومن عشرة من أمثالك؟ # فقلت: آمنت بالله. # ثم لم يرعني إلا أن أرى هذا الخلق الكبير، جعل يصغر ويضمر حتى عاد ذبابا في جرم سائر ~~الذباب، ثم طار فوقع على رميق عيني وجعل يفحصه برجله فحصا غير رقيق، وما كدت أتهيأ للقيام ~~حتى أدركت أنني كنت في أحكم الأحلام! # وفرغ صاحبي من حديثه، فقلت له: إذن فقد آمنت بأنك في هذه الحياة لا تساوي ذبابا؟ قال: ~~ولا عشر ذباب، وكذلك يكفيني الله شرور الغرور والافتتان، وهما أشد مهالك الإنسان فقلت: رحم ~~الله امرأ عرف قدر نفسه. # | عواطف # لم أعثر في معجمات، ولا فيما وقع لي من تعبيرات المتقدمين أنهم كانوا يطلقون كلمة «عاطفة ~~- عواطف» على ما يطلقها عليه أهل هذا العصر الحديث، وأعني هذا الاطلاق العريض، فأصل العطف ~~على وجه عام، الالتفات ومنه عطف إليه: مال، وعطف الشيء: أماله وحناه وتعطف عليه، رق له ~~وبره، وعطفت الناقة على ولدها: حنت ودر لبنها، ومن هذا المعنى - فيما أظن - جعلت هذه اللفظة ~~تتسع في إطلاقها حتى أصبحت تدل على نوازع النفس وأهواء القلب جميعا، وكذلك تتطور الألفاظ ~~مع اطراد الزمان حتى تكاد ms205 تلابس في كل عصر معنى جديدا. # وإذا كانت لفظة «العواطف» تدل اليوم أكثر ما تدل على خوالج القلوب ولواعج الكبود من هوى ~~وصبابة، ووله لاحق، وغمز على الحشا من عشق وتبريح غرام، فإن هذه العواطف كثيرا ما يكون لها ~~مثوى آخر غير القلوب وغير الكبود! # نعم، لقد يكون لها مثوى آخر وإن كانت جمهرة الناس لم تأبه له ولم تلتفت إليه، على أن من ~~هذه العواطف ما هو أشد وأعنف، ومنها ما هو أطغى وأجرف ولكن أكثر الناس لا يعلمون! # لقد يروعك مرأى عاشق أدنفه الحب، وبرحت به الصبابة وقد هجره المحبوب قلى أو تجبنا، فبات ~~المسكين يساهر النجم ولا يغمض جفنه عن تصفح وجه البدر، لعله يصيب فيه بعض الغناء عن وجه ~~الحبيب، ولعمري ما هو بمغن عنه شيئا وإلا فما هذه الأنفاس الحرى كأنما يتفرج بها من الحشا ~~سعير بركان! # تشهد هذا المشهد، فيخيل إليك أن هذا العاشق المسكين لا يرى الوردة وقد تخرجت من كمها، ~~والنرجسة وقد ضنت على ثدي أمها، والنسيم وقد تلطف، والجدول في الروض وقد تعطف، والأرج وقد ~~شاع في الجو وتردد، والهزار وقد شدا على الأيك وتغرد، اللهم إنه لا يشهد شيئا من ذلك إلا ~~ذكر به الحبيب، بل إنه ليرى هذا كله من بهاء الحبيب، ولولا أنه أعار الطبيعة كلها بعض جماله ~~ما سطع فيها بدر ولا تأرج زهر ولا ضحكت الورود على الأغصان، ولا صدحت الفواخت على الأفنان، ~~كلا! بل لشاه كل جميل، ولاستحال دبورا هذا النسيم العليل! بل إنه لا يرى الحياة كلها إلا ~~جحيما لا يطاق فيه العذاب، ولا يرجي على الدهر منه ثواب. # لقد يروعك الأمر، إذ تشهد هذه العواطف ويتعاظمك، وسرعان ما ترثي للقلب وترثي للكبد، أو ~~سرعان ما تغبط القلب والكبد، إذ استاثر من دون سائر الجوارح بجولان هذه العواطف التي تشقي ~~المرء كل هذا الشقاء، وتسعده أحيانا بجميع ذلك الهناء! # وإنني أؤكد أن من ظن هذا فقد ضل ضلالا بعيدا! # ولقد أسلفت عليك أن هناك ms206 ألوانا من العواطف تثوي إلى غير الكبود وغير القلوب، وإن منها ~~ما هو أشد وأعنف، ومنها ما هو أطغى على المرء وأجرف، وإني ملم اليوم منها بثلاث فحسب؛ ~~أولها: عواطف البطن، وثانيتها: عواطف الغرام بالدرجة، وهذه مقصورة علينا نحن معشر الموظفين ~~الحكوميين دون سائر العالمين، أما ثالثتها: فحب الشهرة وذهاب الصيت. # ولعلك تظن بي القصد إلى المزاح حين أزعم لك أن للبطن والدرجة والشهرة عواطف تجيش وتترقرق، ~~بل إني لأزيد أنها قد تبلغ من بعض الناس ما لم يبلغ غرام قيس بن الملوح بليلاه، ولا هيام ~~قيس بن ذريح في لبناه! # وأرجو ألا تظن أن هذا العاشق المهجور الذي طوى ليله وهو يساهر النجم، ويتصفح صفحة البدر ~~ويذكر به الحبيب ، ويتمنى عليه اللقاء القريب بأشد حرقة، ولا أعظم لوعة من هذا الذي يتشهى ~~الأكلة الشهية، ويتمنى الوجبة الجنية، وإنه ليتمثل صينية البطاطس وقد ديفت بالطماطم والبصل، ~~ورصعت بالثوم ترصيعا، أما ما جللت به من مزع اللحم السمين، فجدير أن يزدرد بالشمال ~~وباليمين! # ولا تنس هذا الطاجن الذي حشي رزا معالجا بالزبد، وقد دفن الحمام السمين فيه دفنا، ~~وظل في الفرن الهادئ ساعات حتى نضجت قشرته، واحمرت بشرته! # وأما صفحة الكنافة فما أروع دلالها وأحلى وصالها، خصوصا إذا فاضت سمنا وسكرا، وحشيت ~~زبيبا وفستقا وصنوبرا، وغشي وجهها بالقشدة الخالصة، وما شاء الله! وسبحان من أحسن وتفضل، ~~والشكر لمن أنعم وتطول. # اللهم إن هذا العاشق الصب ليقضي ليله الأطول في تمثل هذا وتمنيه، وله من شدة اللوعة زفير ~~أحمى من نار السعير. # ولقد يعمد في هيامه إلى باب الحاني وكبرى المطاعم، فيجد ما يسطع من ريح القنا أزكى مما ~~تجد أنت من النسيم جاز بالروضة المعطار! # أفليس هذا وأمثاله محبين عاشقين، بل محبين والهين لا يفتئون يشكون لوعة البطون، كما يشكو ~~غيرهم لوعة الكبود؟ # أما حب الدرجة وما أدراك ما الدرجة! الله أكبر! هل سمعت بالسيل الجارف لا يصده حد، ولا ~~يثبت بين يديه سد؟ وهل سمعت بالريح الصرصر العاتية، تدمدم رائحة ms207 أو غادية فتمتلخ في مغارسها ~~الأشجار، وتقتلع من مبانيها الأحجار، وتأتي على كل قائم بالخراب والدمار! # هو كل شغل القلب، أستغفر الله! بل إنه لحب قد استولى على كل نوازع النفس، وملك جميع أقطار ~~الحس حتى لقد تقول للصب المتيم: لقد اشتد البرد يا فلان في هذه الأيام، فيجيبك من فوره: ~~يشاع أن «لجنة الترقيات» ستعقد في صدر هذا الأسبوع المقبل! # ولقد تقول لمتيم آخر: ما أهول هذه الحرب وما أروع فظائعها، فلا يكون جوابه إلا: أيجوز أن ~~يرقى فلان إلى الدرجة الرابعة ولما يمض عليه أكثر من خمس سنين في الخامسة، في حين أنني سلخت ~~فيها ثمانيا؟ # ولقد تقول لأحد هؤلاء المتيمين الوالهين على الدرجة: إن فلانا رجل فكه حاضر البديهة، حسن ~~الحديث فيكون رده: لقد رقي إلى الدرجة الثالثة في العام الماضي، وهكذا! # وما له لا تكون الدرجة كل شغله، وما له لا يجعل في الدرجة حديثه أجمعه، أليست الدرجة هي ~~عينه التي بها ينظر، وأذنه التي بها يسمع، ورجله التي بها يسعى، ويده التي يعالج بها ما ~~تعالج أيدي الناس؟ # ولقد يكون العاشق المدنف من أصحاب القلم، أو من المنتحلين لصناعة القلم، فلا يستحي إذا ~~لاح له شبح الدرجات من أن يكتب للناس: هل أدلكم على أكبر أديب وأعلم عالم؟ إنه والله الوزير ~~القائم، ولقد عقدت له إمارة البيان فأضحى ولا يتعلق بغباره فهيا إنس ولا جان، وأما من يليه ~~في هذه الإمارة، فهو ولا ريب سعادة وكيل الوزارة! وهكذا كلما انصرف وزير ووكيل، وخلفهما ~~وزير ووكيل، ولو تصرم الجيل بعد الجيل! # ولعمري، لو قد ذكر الله تعالى أحد هؤلاء بعض ذكره للدرجة، لرقي في الآخرة درجة الصديقين، ~~وتبوأ مجلسه معهم في أعلى عليين! # وأما غرام الشهرة فشأنه أعجب وأغرب، وإن في هؤلاء المتيمين بالشهرة وذهاب الصيت لمن يرجو ~~أن تعيد الحكومة شنق المجرمين في الميادين العامة، حتى إذا عدم وسيلة إلى بعد الصيت، ~~وسيرورة الذكر أدعى على نفسه جرما لم يقترفه، وقتلا عمدا لم يجترحه؛ ليحظى ms208 بالشنق على ~~أعين الآلاف المؤلفة من الرجال والنساء والأطفال. # ولهذا غرام الشهرة مذاهب وفنون لا يتسع للتصرف فيها هذا المقال، ولعل من أبدع وأروع ما قد ~~رأينا في الماضي القريب، أن خلقا من الخلق مغرمون متيمون بأن يشتهروا بالعلم والأدب، في ~~حين ليست لهم وسيلة إلى شهرة في العلم والأدب، ولا ينعتهم أحد بعلم ولا أدب، إذن فليزجوا ~~إلى الصحف المقال بعد المقال لا يضمن شيئا إلا تزكية أنفسهم، والإشادة بفضلهم، والهتاف ~~بتفردهم بالأدب والبيان، وبراعتهم في هذا كل إنسان! # على أنه أيضا لم تظهر لهم شهرة، ولم يسر لهم ذكر ولم ينعتهم بشيء منه أحد، إذن فكيف ~~الحيلة يا ناس في إطفاء هذه اللوعة، وإبراد هذا الغرام؟ # لم يبق من سبيل إلى هواه إلا أن يهدم كل من يظن أنهم بسابقتهم وموضعهم من أهل الفضل ~~والأدب، يحولون بينه وبين مناه حتى يصبح وإياهم بدرجة سواء. # ولكن أنى له ذلك كذلك، وليست له ساق يقوم عليها لهدم ولا لبناء؟ # يا سبحان الله! وهل لا بد للتطاول من قدم وساق؟ اللهم إن له في النباتات المتسلقة كاللوف ~~واللبلاب لمثلا جليلا، وإذن فليتسلق على كل مرتفع عال من الناس، فإذا عدم الهدم لخذلان ~~يده لم يعدم أن يؤذن بعلمه وفضله، وأدبه وبيانه من هذا المرتفع السابق! # أصدقت يا سيدي القارئ، أن هناك عواطف ليس جماعها القلوب ولا الكبود، وأن هناك غراما غير ~~ما يعهد الناس من الغرام له سعير أحمى من كل سعير وضرام ألذع من كل ضرام؟ # | علي إبراهيم في المرآة # لا شك أن المعروف عن جماعات الأطباء أنهم أهل إيثار وطيب نفس بالتضحية، بالغة ما بلغت، في ~~سبيل الواجب. ولكنني أراهم اليوم قد ظهروا بأشد مظاهر الأثرة وحب الذات، فلقد أبوا إلا أن ~~يستأثروا دون سائر الناس بالدعوة إلى تكريم الدكتور علي «باشا» إبراهيم! # اللهم إن الطب من مزايا الدكتور علي إبراهيم حقا، ولكنه ليس جميع مزاياه، فإذا كان ~~للأطباء أن يحتفلوا به في يوم من الستين فإن من حق ms209 العلماء الموسرين من الثقافة الثمينة ~~الغالية أن يحتفلوا به أيضا، كذلك من حق نقده الفنون الجميلة أن يفرد لهم نصيب جليل في ~~الاحتفال بزعيم الناقدين، ولا تنسوا الدعاة إلى الإصلاح الاجتماعي، وإخوانهم المضطلعين ~~بإثارة النشاط الاقتصادي، فإن هؤلاء وهؤلاء ينبغي أن يخصوا بحظ من هذا التكريم كبير، وكذلك ~~القول في العاملين على إشاعة البر والنجدة، والإسراع إلى معونة الضعفاء العافين. # ولا ريب في أن ممن ظلموا بهذه الأثرة ظلما بينا أصحاب البداءة من أولاد النكتة النافذة، ~~فما كان ينبغي أن يحرموا كذلك الاشتراك في تكريم هذا الأستاذ العظيم! # وكيفما كان الأمر، فإنه إذا كان حضرات الأطباء قد أبوا إلا حبا للذات، واستئثارا ~~بالدعوة إلى إقامة هذا الاحتفال، فإن الأعياد السبعينية والثمانينية وما يليها قادمة إن شاء ~~الله، وحينئذ تستطيع هذه الطوائف المحرومة المظلومة أن ترد لحضراتهم الجميل! # وبعد، فلا ريب في أن من ترامت إلى علمه عبقريات الدكتور علي إبراهيم، وآثاره الضخام في ~~الجراحة على وجه خاص، ولم يكن قد رأى شخصه أو طالع اسمه، لا يمكن أن يتصوره إلا عملاقا ضخم ~~الجسم فارع الطول، لا يحيط النظر بمساحته جملة، ولكنه إنما يدركه بالتقسيط، ولكن الله قادر ~~على كل شيء، قد أودع كل هذه الصروح الشمخرة من العبقريات في هذا الجسم اللطيف ~~الدقيق. # وليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # وما شاء الله كان! # سيداتي، سادتي # لا تنتظروا مني أن أبسط القول في مواهب الدكتور علي «باشا» إبراهيم، فقد كفاني ~~المئونة في هذا حضرات الخطباء والشعراء الكرام، ولكنني أذكر حادثة واحدة تدل على ~~مبلغ دقة هذا الرجل العظيم، وحرصه الغريب على أداء الواجب على وجهه، دون أن يفته ~~منه مقدار خردلة واحدة. # ذلكم بأننا من بضع سنين كنا في الإسكندرية، وفي ذات عشية تواعدنا على اللقاء في ~~الساعة السادسة من صباح اليوم التالي لنسافر معا إلى القاهرة على طريق الصحراء؛ ~~ليدرك امتحان كلية الطب وفي الوقت متسع كبير. # وسرنا على اسم الله في سيارته طبعا، وفي صحبتنا نجلاه ms210 الدكتوران العزيزان، وهنا ~~لا أحد من إيراد هامش يسير من هوامش هذه الرحلة. وذلك أنه اعترضنا في جهة الدخيلة ~~منعرج كان يعالج بالرصف؛ لأن أرضه قد هشت وأعلن مجتازوه بوجوب تخفف السيارات من ~~راكبيها، إلا أن يكون واحدا مثلا حتى لا تسيخ عجلاتها في الرمال، ونظر بعضنا إلى ~~بعض وتهيأنا للنزول، ولكن الأسطى عبده كان على ما يظهر قد سبق إلى زنة الحمل، فمضى ~~قدما ولم يرعنا إلى أن يجوز بنا الرمل، ولم تكد العجلات ترسم فيها أثرا! # ولقد حمد الله على أنني كنت معهم ولولا هذا لاستحالت السيارة بالونا، وطلبوا ~~القاهرة بطريق الجو الذي يفزع الدكتور من ذكر اسمه، كما أن لي الشرف بأن أشاطره ~~الفزع من هذا الاسم الكريم! # بلغنا بسلامة الله محطة شل، فأفطرنا وأخذنا قسطا من الراحة، ثم استأنفنا السير ~~واندفعت السيارة في طريقها، حتى إذا صرنا على نحو ثلاثين كيلومترا من مينا هاوس ~~فوجئنا بما لم يدخل قط في الحسبان، فلقد وقفت السيارة فجأة، وأومأ الأسطى عبده إلى ~~دخان يتنفس به خزان الماء دليلا على أن المروحة قد تعطلت، فجعل الماء يغلي فيه ~~غليانا وتدلى فكشف الغطاء، فإذا السير قد انقطع فشمر للعلاج بوصله وسرعان ما ~~استحال الدكتوران حسن وعلي، ممرضين يسعفان الدكتور عبده بمطالبه في إجراء هذه ~~العملية، هذا يناوله المخراز وهذا يثقف له السلك المثنى، ثم واصلت السيارة سيرها ~~حتى إذا قطعت كيلومترا أو بعضه توقفت ثانيا، فوصلوا السير من جديد ثم مضينا بضع ~~مئات من الأمتار، ثم توقفت إذ لم يبق في السير فضل لوصل ولا التئام، فجاءوا بحبل ~~من تلك الحبال التي شدت بها سلال الفاكهة وأقاموه مقام السير، ولكن لم تمض السيارة ~~طويلا حتى استرخى الحبل وفتر عن إدارة المروحة، وتدلينا كلنا أيضا لمعالجة الأرض ~~والتماس الحيل. # وقف الدكتور ووقفت بجانبه، وإذا كان لي أن ألاحظ في هذه الوقفة شيئا، فذلكم أنني ~~على طول عشرتي للدكتور علي «باشا» إبراهيم، فإنني لم أره قط في حالة عصبية كالحال ~~التي كان فيها ms211 ذلك اليوم، بل إنني لم أكد أراه في حالة عصبية مطلقا. # ساكت لا ينبس بكلمة واحدة، وإن كانت شفتاه دائمتي الاختلاج إذ يده لا تفتأ تخرج ~~الاسعة من جيبه ثم تسرع إلى ردها إليه، ثم تخرجها ثم تدسها وكذلك ظلت هذه الحركة ~~الميكانيكية السريعة بغير توقف ولا لبث ولا فتور. # على أنني شككت في أن يكون هذا النظر الشارد كان يفضي إلى صاحبه بموضع العقرب من ~~الساعات بل الدقائق، وأذن الله وانطلقت بنا السيارة بفضل بعض الحيل الميكانيكية ~~التي أحمد الله على أنني لا أعرف فيها شيئا! # سيداتي، سادتي # إلى تلك الساعة، كنت أعتقد أن الدكتور علي «باشا» إبراهيم ذاهب ليشرف على شأن ~~الامتحان في كلية الطب، ويتفقد النظام، حتى أقنعني ذلك الموقف بأنه إنما كان ذاهبا ~~لأداء الامتحان، وأن أخشى ما كان يخشاه أن يفوته الميعاد المقسوم لحضور الطلاب، فلا ~~يؤذن له بالدخول فتفوت عليه سنة كاملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # وانحدرنا إلى شارع الهرم حيث سيارات الأجرة لا يحصيها العدد، ولا يقوى عليها ~~العداد، ولكن الكيادة التي أبت كذلك إلا أن تحرن في جوف الصحراء، أبت كذلك إلا ~~أن تجمح في الطريق العامر المأهول حتى كاد السائق لا يستطيع لعنانها ضبطا! # إذن لقد ضمن صاحبنا أن يصل إلى طلبته في الميعاد بل قبل الميعاد، ولكن لقد غشي ~~الجميع وجوم شديد، وثنوا رقابهم حتى توسدت الذقون الصدور! # وهنا لاح لخاطري شبح مرعب مهول: فصاحبي قادم على امتحان شاق عسير وكيف له بحسن ~~الإجابة وهو على هذه الحال من ضيق الصدر، وتكدر النفس وتفرق الفكر؟ وبأي وجه تلقى ~~مصر الأمم إذا رسب - لا قدر الله - علي «باشا» إبراهيم في الامتحان، وعلى الخصوص ~~إذا لم يكن له ملحق يتعوض به ما فات؟ # إذن فلا بد لهذه الحال من إسعاف، أو من إنقاذ الموقف كما يقولون! # ويعينني الله على أن أرفع رأسي، وأنادي بقوة لم تعهد لمثلي: يا «باشا»، فرفع رأسه ~~ورفع ولداه رأسيهما وقال في فتور: ماذا؟ فقلت له ms212 في حدة المغيظ المحنق: أؤكد لك ~~أنني لا أعود إلى ركوب سيارتك هذه إلا إذا جئتني بشهادة حسن السير ... ~~والسلوك! # وسرى عنه، وطابت نفسه، وجعل يضحك أو يتضاحك إلى أن افترقنا ... # ولا أدري إذا كان نجح في ذلك الامتحان أو لم ينجح، على أن مما يطمئنني على نجاح ~~صديقي أنني أرى جمهرة الأطباء العظام، وعصارة أهل الفضل وأرباب الأخطار في البلاد ~~يحتفلون اليوم ببلوغه الستين. # ومما يزيدني اطمئنانا أن الاحتفال معقود في صميم الجامعة المصرية لا بجوار كشك ~~الموسيقى بحديقة الأزبكية! # سيداتي، سادتي # إن الله الذي حبا مصر بهذا النيل، ووهبها هذا الجو الصافي الجميل، وأطلع شمسها ~~على الدوام آلقة وضية، وجعل أرضها على طول الزمان، منجبة سخية، لقد حباها كذلك ~~بالدكتور علي إبراهيم. # وإذا كان الدكتور علي «باشا» إبراهيم إنسانا كسائر الناس، فإنه إنسان مخلد خلود ~~هذه النعم الظاهرة، فهو مخلد في آثاره مخلد في بنيه وتلاميذه، ثم في أبنائهم ~~وتلاميذهم، وهكذا إن شاء الله إلى يوم الدين، وتبارك الله أحسن الخالقين! # 1 # | أحب أولادي وأكرههم # أحبهم # تدعوني «الهلال» إلى أن أنشئ في هذا الموضوع مقالا، كأن لي في أمر الولد شأنا غير ~~شأن الآباء جميعا، إذ شأني فيه شأن الناس جميعا، اللهم إلا أن تكون قد تفضلت فنصبتني ~~نائبا عن كل والد في الأرض، من يوم كان الإنسان إلى يوم يخلو وجه الأرض من هذا ~~الإنسان! # إذا كان الأمر هكذا، فإنني باسم من تشرفت بالنيابة عنهم أقول: إنني أحب أولادي أشد ~~الحب، وأعطف عليهم أبلغ العطف، وأجد لهم من الرقة والرحمة والحنان ما لا أجد لأحد في ~~العالمين؛ أحبهم لأنني أحب نفسي وهم بعض نفسي، بل إنهم عندي لخير ما في نفسي، هم عصارة ~~قلبي وحشاشة نفسي وكبدي، وأجمل ما يترقرق في صدري من منى وآمال، وأبهج ما يطوف برأسي من ~~حلم وخيال، وقد تجسد كل أولئك أناسي تغدو على الأرض وتروح! # وإنني لأرى أولادي إذا حضروا، وأذكرهم إذا غابوا فأجد من اللذة والسعادة والمتاع، ما ~~لا تعد ms213 له كل ما في هذه الدنيا من لذة وسعادة ومتاع! # أحبهم لأنني أحب نفسي وأتمنى لو يكتب لها الخلود في هذه الدنيا، وإذا كان الموت حقيقة ~~لا مناص منها أبدا، فأولادي هم واصلو حياتي، ومطيلو أجلي ومادو ذكري والمثبتون على ~~الزمان لاسمي. # أحبهم لأنهم أول من يعينني في ضعفي، ويسرع إلى الاستجابة لي في شدتي، ويرفه عني في ~~شيخوختي، ويواسيني في علتي، ويتلقى في العزاء إذا هم القضاء بين الزفرة والبكاء. # أحبهم لأن اسمي من يوم أموت لا يرد على خاطر أحدهم، أو يجري بسمعه على أي لسان، إلا ~~بادر فسأل الله لي الرحمة وإسكاني أعلى الجنان. # وولد لي ولد وكان عندنا بواب أربت سنه على المائة، فلما لقينى وقد انتهى إليه الخبر ~~كانت دعوته لي: «الله يبقيه حتى يحل عقدة كفنك!» ووالله ما دعي لي بدعوة كانت أبرد على ~~كبدي، ولا أحلى موقعا في نفسي من هذه الدعوة، ويا ليتها قد أجيبت ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم! # ولقد قال بعض السابقين: إن القرآن الكريم على كثرة ما أوصى الولد بالوالدين، وأمره ~~بشدة البر بهما والعطف عليهما والطاعة لهما، لم يوص الوالد بشيء من هذا للولد ولا مرة ~~واحدة، وذلك بأن الوالد غير محتاج إلى الوصية أبدا، فالإنسان يحب ولده كما يحب نفسه، ~~بل لقد يؤثره في أكثر الأحيان على نفسه. # قال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى - رضي الله عنهم: إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ~~ورضيني لك فلم يوصني بك. # الوالد يسعى في الحياة ويجهد ويكد؛ ليستريح الولد ويسعد وينعم، وإذا ألمت بالولد ~~وعكة، استحالت في قلب الوالد علة. وإذا ضربته العلة مات أبوه كل يوم عشرين موتة، ضارعا ~~إلى الله في صدق وإخلاص أن يحول ما بولده إليه إذا لم يكن من الفدية مناص! # ولقد أرى الصغير صحيحا معافى، ما به أثر لجهد أو وعك، ولكن نفسي لا تستريح إلا إذا ~~أكثرت من حبه وعد نبضات عرقه، ولقد يخرج إلى الطريق لبعض ms214 شأنه، فيمثل لي الشيطان اللئيم ~~مكروها أصابه، فأحس قلبي يتمشى في صدري. # وأخيرا، فإننا معشر الناس مهما تصف نفوسنا، وتطب قلوبنا ونترك من خلة الأثرة فينا، ~~ونرض أخلاقنا على وصاة الدين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، إننا مهما نبلغ هذه ~~المنزلة الرفيعة من الفضائل، لا نستطيع أن نحب لغيرنا أكثر مما نحب لأنفسنا، اللهم إلا ~~أن يكون الولد، ومما يحسن أن يذكر في هذا المقام أنه مما جاء في القرآن الكريم ترغيبا ~~في الإيمان وتحبيبا فيه إلى القلوب قول الله - جل مجده: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم وما ألتناهم # 1 # من عملهم من شيء ~~. # 2 # وقال تعالى ذكره في الحض على التقوى والتخويف من معصية الله، والتحذير من مجانبة ~~العدل والصواب: # وليخش الذين لو تركوا من ~~خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا ~~. # 3 # وقد رأيت كيف أن الله تعالى في الآيتين الكريمتين قد رغب بمحبة الولد وأرهب، وبغض ~~بالخوف عليهم وحبب. # وروي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «ريح الولد من ريح الجنة.» وقال لأحد ابني بنته: «إنكم ~~لتجبنون، وإنكم لتبخلون، وإنكم لمن ريحان الله.» وورد أنه حين جاءته البشرى بمولد فاطمة ~~- رضي الله عنهما - قال: «ريحانة أشمها ورزقها على الله.» # ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: «من هذه؟» فقال: «هذه ~~تفاحة القلب.» # وقيل لبعضهم: «أي ولديك أحب إليك؟» فقال: «هما مني بمنزلة السمع والبصر!» # وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، فلامه الناس فيه فقال: # يديرونني عن سالم وأديرهم # وجلدة بين العين والأنف سالم # ومن أحسن ما قال الشعراء في حب الولد قول أعرابي وهو يرقص ولده: # أحبه حب الشحيح ماله # قد كان ذاق الفقر ثم ناله # إذا يريد بذله بداله # وقول أعرابية: # يا حبذا ريح الولد # ريح الخزامى بالبلد # 4 # وقول أعشى سليم: # نفسي فداؤك من وافد # إذا ما البيوت لبسن الجديدا # كفيت الذي كنت أرجى له # فصرت أبا لي وصرت ms215 الوليدا # وهذه الأبيات المنسوبة إلى حطان بن المعلى: # لولا بنيات كزغب القطا # 5 # حططن من بعض إلى بعض # لكان لي مضطرب واسع # في الأرض ذات الطول والعرض # وإنما أولادنا بيننا # أكبادنا تمشي على الأرض # لو هبت الريح على بعضهم # لامتنعت عيني من الغمض # وقول بعضهم: # لقد زاد الحياة إلي حبا # بناتي إنهن من الضعاف # مخافة أن يرين البؤس بعدي # وأن يشربن رنقا # 6 # بعد صاف # وأن يعرين إن كسي الجواري # فتنبو العين عن كرم عجاف # 7 # وأخيرا قول أعرابي يرثي ابنته: # يا شقة النفس إن النفس والهة # حرى عليك ودمع العين منسجم # قد كنت أخشى عليها أن تقدمني # إلى الحمام فيبدي وجهها العدم # 8 # فالآن نمت فلا هم يؤرقني # تهدا العيون إذا ما أودت الحرم # وبعد، فهذا ما يملك قلبي من الترجمة عن بعض حب الولد، وإن مما يتدسى من العواطف في ~~أطواء الجنان ما لا يستطيع أن يبلغه القلم أو اللسان، وذلك غير ما استعنت به من أقوال ~~صدر من أعلام البيان، وعلى رأسهم سيد الأنام - عليه الصلاة والسلام. # أكرههم # نعم! وأكرههم بقدر ما أحبهم؛ أكرههم لأنهم لو لم يكونوا ما جهدت هذا الجهد في السعي ~~عليهم، ولا تعنيت هذا العناء في تربيتهم والترفيه عنهم، بلى لبقي لي فضل أتمتع به في ~~الحياة وأنعم. # أكرههم لأنهم لا يجزون من العطف علي والرقة لي، ولو بنسبة واحد في المائة من عطفي ~~عليهم ورقتي لهم. # أكرههم لأنني إن استنظرتهم لم يصبروا، وإذا واتيتهم لم يشكروا. # أكرههم لأنهم قد يدفعونني إلى سوء الخلق والتحيف من المروءة، وحسبي في هذا قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الولد مبخلة مجبنة.» # أكرههم لما يحز من الآلام في قلبي كلما شكا أحدهم أو ألمت به علة، فكيف بما هو أكثر ~~من ذلك مما يطير اللب، ويخلع شعب القلب، والعياذ بالله! # أكرههم لكثرة ما ألهب الذهن بطول التفكير في حاضرهم، وما يفري القلب من الإشفاق عليهم ~~في مستقبلهم. # أكرههم لأنهم كثيرا ما يتعذرون على نصحي، ويخالفونني ms216 إلى بعض ما أنهاهم عنه مما ~~يؤذيهم ولا يجديهم، ويضرهم ولا ينفعهم، ويبادونني بالغيظ والحقد إذا قمت لتأديبهم وبسط ~~العقوبة الحق عليهم. # وبعد، فأرجو إذا حققت النظر فيما قلت أن تستيقن أنني لا أكره ولدي كل هذا الكره؛ إلا ~~لأنني أحبهم كل هذا الحب. # | الشحاذون المودرن # قيل - والعهدة على الراوي: إن مركبا اشتدت به الريح في يوم عاصف، فجعلت تتقاذفه الأمواج، ~~وهو يتمايل ذات اليمين وذات الشمال، ويغترف من ماء اللج ما يثقله، حتى لم يشك السفر في أنه ~~لا محالة غارق بهم، فراحوا يعجون بالدعاء إلى الله تعالى، ويسألونه النجاة من هذا الهلاك، ~~وكان أشدهم اجتهادا في الدعاء والضراعة والابتهال رجل يقول في ابتهاله: يا رب، ماذا عسى لو ~~هلكت أن يكون مصير زوجتي وأولادي السبعة، وليس فيهم من يتكسب، ولا من بلغ سن التكسب؟ ثم ~~ماذا عسى أن يكون مصير أختي المطلقة وولديها الصغيرين؟ ثم من ذا الذي يعول أختي الأرملة ~~وأولادها الأربعة وأنا أحمل الجميع؛ لأنه ليس فيهم من يستطيع أن يعود على الشمل ولو بدرهم ~~واحد؟ # أنا لا تعنيني الحياة، ولكن كيف الحيلة بعد موتي في كل هؤلاء؟ # وما برح يرفع الصوت بهذه الضراعات حتى كاد يشغل سائر السفر بشأنه عن شأنهم، وحتى كادت ~~تذوب كبودهم من الرقة لحال عياله، وسائر من يعول من آله، ويشاء الله أن تهدأ الريح ويسكن ~~الموج، ويسكن وجه الماء وتبلغ السفينة الشاطئ بسلام. # وما كادت قدم هذا الرجل تطأ الأرض حتى صاح: «والله العظيم، ما كانت لي قط زوجة ولا ولد، ~~ولا لي أخت أرملة ولا مطلقة، وما علت أحدا في الحياة غير نفسي»، وخيبة الله على الجاهل ~~الأحمق المأفون! # ولقد سبق لي من بضع سنين أن أجريت كلاما في الراديو في الشحاذين التقليديين، واستنظرت ~~السامعين الحديث في الشحاذين المحدثين - المودرن. # وإذا كانت عدة هؤلاء تزداد في هذه الأيام بنسبة هائلة، وأساليبهم في الكذبة تتنوع وتتلون، ~~فقد حق علينا أن نلم بحديثهم في مقال. # على أننا قبل أن ندخل في ms217 هذا، نرى من الخير أيضا أن نطوف ببعض القول في الشحاذين ~~التقليديين، وقد كادوا ينقرضون ويخلو وجه المدن الكبيرة منهم، حتى يخلو على الناشئ على وجه ~~خاص صورتين واضحتين للعهدين، يستطيع بهما المقارنة بين الفنين: القديم والحديث، وليقدروا ~~مبلغ التطور العظيم في أسلوب الشحاذة، هذا التطور الذي أصبح يكافئ بحق سائر نهضاتنا ~~العظام! # كان الشحاذون، ولا زالت منهم بقية قليلة يعتمدون في المسألة على إلحاح الجوع، والعجز عن ~~السعي والعود على الشمل، بألوان من الأمراض والأسقام، والنقص في الخلقة والآفات المقعدة ~~للمرء عن السعي والحركة في أسباب الرزق، فكان دعاؤهم في الطرق، وعلى أبواب الأضرحة وفي ~~الجبانات في الجمع والمواسم من نحو: اللقم تمنع النقم! هنيئا لك يا فاعل الخير! عشا ~~الغلابة عليك يا رب! سيد كريم أو ست كريمة تحن على العاجز يا محسنين! ... # ولا جدال في أن دعوى الجوع والعجز عن الرفق بالبدن في سبيل الرزق، تحتاج إلى اصطناع ما ~~يثبتها من بلي الثوب وبلي الجسم، وقد تعصب العينان لو شك ذهاب البصر بالرمد، وقد يظهر ~~النقص في الخلقة بفقد الذراع الأيمن، أو فقد أحد الساقين أو فقدهما جميعا، فلا يسع الشحاذ ~~المسكين إلا أن يزحف على الأرض زحفا، فإذا لم يكن المولى جلت قدرته قد من عليه بهذه ~~النعمة أو تلك، مضى إلى رجل أخصائي كان مثواه في بولاق، وكانوا يدعونه الربيط، فإذا كتب لك، ~~أو كتب عليك أن تجوز بدكانه في الصباح الباكر رأيت خلفا مزدحمين ببابه، هذا يطلبه ليربط ~~ساقه ربط العرج، أو ساقيه ربط الكساح، وهذا ليثني ذراعه حتى لا يشك رائيه في أنه قد فقد ~~الذراع، وهذا ليشد له بعض جسده ويرخي منه بعضا، فهو ومن ضربه الفالج وأبطل نصفه بمنظر سواء ~~وهكذا! # وأنت خبير بأنه إذا كانت الأسقام والعلل والنقص الطارئ على الخلقة هي رأس مال هؤلاء ~~القوم، ووسيلتهم إلى الرزق، بل إلى الجمع والادخار وإحراز الغنى، وإدراك اليسار قدرت مبلغ ~~تحاسدهم على العلل والآفات، حتى لتسمع من بعضهم إذا غبط آخر: ms218 «اللي بلاه يبلينا يا سيدي!» ~~وتسمع من غيره وقد أخذته الموجدة على غيره: «بيتكبر على إيه، هو ما حدش انشل إلا هوه؟ آدر ~~ربنا يحرمه من الشلل من طرفة عين، ويشمت فيه العدو!» # هذا، بالاختصار كان سبيل الشحاذين القدامى أو الشحاذين التقليديين، وتلك كانت وسيلتهم في ~~فنهم وسعيهم في الرزق ولجمع المال، أما الآن وفي عصر النهضة، فمن النادر جدا أن تسمع مثل: ~~اللقم تمنع النقم ... إلخ. أو تسمع رغيف عيش وصحن طبيخ! أو تسمع: عشا العاجز عليك يا رب ... ومن ~~النادر جدا أن تسمع مثل هذا أو ذلك، فإذا قدر لك أن تسمعه ففي الأزقة والدروب التي لا ~~تسلكها عين البوليس، ولا تقع الأصوات منها لسمعه وإلا لكان - لا سمح الله - في الملجأ ~~الكافل المثوى والمأكل والملبس متسع للجميع! # وإذا كان شحاذو الأمس لا يظهرون إلا في بلي الثوب وبلي الجسم، فشحاذو اليوم لا يظهرون إلا ~~في نضارة الشباب، وبضاضة الأهاب، وأناقة الثياب هم «ذوات» قد انحدرت النعمة عنهم، أو أنهم ~~ما برحوا يتقلبون في النعمة، ولكن كرثهم من الطوارئ العاجلة ما أحوجهم إلى المعونة العاجلة، ~~وأمثال هؤلاء لا يسألون رغيفا ولا «صحن طبيخ» حاشا لله! إنما يسألون نقودا، ونقودا قد ~~تكون في بعض الأحيان كثيرة، وماذا لعمري يجدي الرغيف على من هبط القاهرة من الإسكندرية ~~مثلا، واستل الطرارون - النشالون - كيس نقوده، وماذا يغني صحن الطبيخ من مات عنده ميت لا ~~يجد ما يجهزه به ويحمله إلى مرقده في مقبرة؟ وماذا ينفع هذا أو هذا في إكمال قسط المدرسة ~~وقد حل، وأوشكت إدارتها أن تطرد الولد طردا، وتدعه عن طلب العلم دعا؟ ثم ماذا يفيد هذا ~~أو هذا في معونة مدرسة تعلم اليتامى وأبناء الفقراء بالمجان، ما تقتضيهم على التعليم ~~والطعام قرشا؟ وهكذا! ... # وهؤلاء لا يلقون الناس بالضرورة في الثوب الخلق، ولا بالوجه الشائه ولا بالجلد المتقيح، ~~بل إنه كلما عظمت أناقتهم، وجمل سمتهم ونضر خلقهم، كانوا أدنى إلى الصدق في المسألة وأدر ~~لعطف المسئول، ولا يذهب عنك أنه ms219 قد ورد في الأثر: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس.» # وهؤلاء كذلك لا يتسكعون في الأزقة، ولا يزحفون في الدروب؛ لأن سكانها لا يجودون إلا ~~باللقمة، ولا يخرجون للكشكول السائل إلا فضالة الطعام، وذلك عهد قد مضى - بحمد الله - ~~وانقضى بل لا تراهم إلا منخرطين في أعلى الشوارع وأحفلها بعلية الناس # وكثرة هؤلاء لا يتعبون أنفسهم في طلب الزبائن والاختلاف إليهم في دورهم، بل إنهم ليرتصدون ~~لهم في المقاهي أو على لقم الطريق، حتى إذا جاز الزبون بهم دعوه كما تدعو بائع التفاح، أو ~~الخيار، أو بائع الفجل أو غيرهم من هؤلاء الباعة المترفقين بأبدانهم السريحة سواء ~~بسواء! # ومن هؤلاء من يعترضك في الطريق، ولا يستحي من أن يقول لك: «والله أنت ابن حلال لقد قضيت ~~أكثر من ثلاثة أشهر في البحث عنك، وها أنا ذا قد أصبتك والحمد لله!» ثم يفضي إليك بالمسألة، ~~وثلاثة أشهر وهو يبحث عنك ولا يصيبك، حتى أذنت المصادفة وحدها باللقاء! ولا والله ما زاد ~~على أن جعلك متشردا ليس لك عمل ولا لك محل إقامة، أو أنك فار من وجه العدالة، أو أنك هارب ~~من اللومان والعياذ بالله! # ولقد يقع أن يعتريك أحد هؤلاء الشحاذين «المودرن» في دارك، أو في مثوى عملك أو في المقهى، ~~إذا كنت ممن يثوون إلى المقاهي، وقد بسط يده وفيها حفنة من الدراهم، ويباديك بأن ما في يده ~~هو أقصى ما في جهده من قسط المدرسة، وأنت أبر وأكرم من أن تدع الولد يطرد من المدرسة ويحرم ~~من نعمة العلم في شيء يسير لا يضرك ولا يتحيف مما أفاء الله عليك من النعم! # ومن أظرف ما سمعت، والعهدة على الراوي، أن هذا الشحاذ الغيران على تعليم ولده وتثقيفه قد ~~لا تكون في يده هذه المصيدة، وأعني بها المائة والخمسين قرشا، والمائة والسبعين التي تنقص ~~باقي القسط فيستعيرها من بعض رصفائه، كما كان فساد أولاد البلد يستعرن من الجارة الغربال ~~والمعجن - ماجور العجين - على أن يرد إلى أصحابه بعد قضاء ms220 الحاجة منه! # وقد حدثني من لا أشك في خبره أنه كان ذات يوم ساعيا مجدا في الطريق، فلمحه رجل من ~~هؤلاء يعرفه فركض خلفه حتى أدركه، وحلف له بكل محرجة من الإيمان أنه قد مضى عليه وزوجه ~~وأولاده الخمسة ستة أيام ما ذاق أحد منهم لقمة واحدة، فقطب صاحبي وجهه واصطنع الجد، وقال في ~~حدة وعنف: اسمع يا هذا! إنني إذا أطعمتك وأهلك وولدك أكون أكبر مجرم في العالم. # فقال له الرجل: وكيف ذلك؟ قال: أنت تعلم أنني لن أعولكم أبد الدهر، وكل ما يسعني هو أن ~~أمدكم بثمن وجبة أو وجبتين، قال الرجل: ولسنا نطمع في أكثر من هذا، فقال صاحبي: أبعد أن ~~عانيتم في طريق الموت جوعا ما عانيتم، حتى لم يبق بينكم وبينه إلا ساعات معدودة تبلغكم ~~نهايتها الراحة الكبرى من هذه الحياة الأليمة، أردكم إلى الحياة ثانيا لتعانوا في طريق ~~الموت ما عانيتم، وتعاودوا هذه الآلام التي جازت بكم؟ أفصدقت أنني إن فعلت أكون أكبر مجرم ~~في العالم! # ومن أعجب ما يذكر في هذا الباب أنه في أحد العشايا من الأسبوع الماضي، قد اعترضني في بعض ~~الطريق رجل لا يخلو سمته من تجمل، وثيابه من تأنق وحلف لي بكل مؤثمة من الإيمان، أنه قد ~~احتسب ولده في الصباح الباكر ولا يزال مسجى في البيت؛ لأنه لم يجد نفقة تجهيزه ودفنه، وأسرع ~~تأكيدا لقوله، فدس في يدي ورقة فإذا هي ترخيص بدفن «فلان» ولم يرعني إلا أن تاريخ هذا ~~الترخيص يرجع إلى أكثر من ستة أشهر. # حقا لقد راعني وهالني، وكاد يذيب كبدي، أن تظل جثة هذا الغلام المسكين رهن البيت، هذه ~~المدة الطويلة، ومن يدري فلعلها تظل كذلك مدة أطول؟ وانطلقت لوجهي وأنا ألعن بلساني وقلبي ~~قسوة هذا الإنسان، حتى على الأموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وبعد، فإنني الآن أستطيع بدوري أن أحلف في غير إثم ولا حرج على أنه ما قدم قادم من ~~الإسكندرية فاستل الطرارون كيس نقوده، ولا كان ولد ms221 في المدرسة حل القسط من نفقات تعليمه، ~~ولا قامت مدرسة تعلم اليتامى وأبناء الفقراء بالمجان أو بغير المجان، ولا كان هناك زوجة ولا ~~خمسة أولاد جياع أو غير جياع، ولا ولد في الدار ميت ولا من الأحياء ... إلخ. إن هي إلا شهوة ~~التبطل، والعيش، وإصابة اللذائذ، وإدخال المسرح على النفس بفنون المكيفات وكل أولئك على ~~حساب العاملين، وقد يكون فيهم العليل المكدود، وقد يكون فيهم من يعييه ويرهقه السعي على ~~الأهل والولد، وقد يكون فيهم من يجهده المعروف بصلة المحتاج من ذوي القربى أو المسكين حقا ~~أو اليتيم المحروم! # فعليكم أيها العاملون أن تضاعفوا السعي مهما يجهدكم السعي، وأن تقبضوا أيديكم عن الإنفاق ~~على الأهل والولد، وألا تبسطوها للمحتاجين من ذوي القربى أو تمدوها بالمعروف لليتيم ~~المحروم، وإن كل ما تجمعونه بالسعي والكد ينبغي أن تحفظوه في أيديكم عامة نهاركم وصدرا من ~~ليلكم، حتى إذا أوقعت المصادفة على أحدكم عين شرخ من هؤلاء المتبطلين أسرع فادفعه إليه غير ~~مأجور ولا مشكور! # | الكذب الفني # لا شك في أن الكذب يعد من الرزائل في كل زمان وفي كل مكان، بل لا شك في أنه من أخبث ~~الرذائل جميعا، بل لا غرو على من يذهب إلى أنه أخبث الرذائل جميعا. # لست أسوق هذا الحديث درسا في الأخلاق فأشرح مزايا الصدق ومحاسنه وأورد مقابح الكذب ~~ومآثمه، فذلك أمر مفروغ منه من الأزمان الطوال. # وإنما أريد أن أتحدث في هذا حديثا يسيرا لعله يجدي فيما قصدت إليه بإنشاء هذا ~~المقال. # وبعد، فأنت خبير بأن من يأخذ نفسه بفضيلة الصدق ويطبع عليها لسانه، تراه يتأثم من مقارفة ~~الكثير من الرذائل، ويتحرج من إتيان ما يعيب الرجل المربئ: ذلك لأنه يخشى إن هو سئل الوقوع ~~بين أمرين خيرهما شر وأحلاهما مر، وهما التورط في الكذب، وقد علم أنه رذيلة الرذائل، وإما ~~الصدق الذي يكشف من أمره ما لا يجب أن يصله الناس به، ويعهدوه عليه. # أما من راض نفسه على الكذب، وأسلم زمام لسانه لهذه الرذيلة فهذا، ms222 ولا ريب من وطن نفسه على ~~مقارفة ما يشاء من المقابح، ومعاطاة كل ما يلذه من المآثم، مستمدا الخلاص من الكذب، وهو ~~في ظنه لا ينضب معينه ولا ينفد مدده غافلا على أن جعل الكذب كما قيل قصير، وأنه بحسب المرء ~~أن تحصى عيه كذبة ثم كذبة؛ ليتمثل دائما للناس كذابا لا يصدق أبدا ولو صدق، ولا ينطق ~~الحق مطلقا وإن نطق! # وهذا من الجهة الفردية، أما من جهة المجموع فالأمر أجل وأخطر، وأرجو أن تستحضر في ذهنك ~~الآن قضية مسلمة سهلة واضحة، وهي أن نظام الجماعات كله قائم على صحة النقل، وفرض صحته سواء ~~أكان المتحدث مترجما عما في نفسه أو راويا عن غيره، على هذا يدور نظام الجماعات في كل ~~زمان وفي كل مكان، إذ إن الأصل أن يصدق المتكلم، كما أن الأصل أن يصدق السامع، وعلى هذا ~~الأساس تجري المعاملات بين الناس في مختلف الأسباب، وكذلك ينتظم شأن الجماعة، ويقوم التعاون ~~بين الأفراد على الاضطلاع بأعباء الحياة، بحيث تنتظم منها وحدة يكون الأفراد منها بمنزلة ~~الأعضاء من جسم الإنسان. # ولنقدر أن جماعة شاع فيها الكذب، وقل فيها الصدق ومطابقة الأخبار للواقع، فإن مما يلزم ~~هذا ويتبعه فورا أن يسود التكذيب الجماعة، فلا يصدق أحد أحدا أو لا يكاد يصدقه ويركن إليه ~~قوله. # فلعمري، ماذا يكون شأن الجماعة في هذه الحال؟ وكيف ينهض الناس بالأعمال المشتركة، وكيف ~~يتم التعاون بين الأفراد، والحياة الاجتماعية، كما تعرف، إنما هي تعامل وتبادل وتقارض، ~~ومدار هذا كله الثقة العامة، فإذا فقدت هذه الثقة والعياذ بالله انهدم كيان الجماعة، وأصبح ~~بنيانها الشاهق أنقاضا على أنقاض! # هذا والكذب على قبحه قد يساغ في بعض المواطن إذا دعت إليه ضرورة، والضرورات - كما قالوا - ~~تبيح المحظورات، وشأنه في هذا شأن غيره، فإن الضرر الكثير لا يخلو من نفع قليل، والشر ~~الكبير لا يخلو من خير صغير، بل لقد يكون الكذب محمودا في بعض الأحيان. # ومن المواضع التي يسوغ فيها الكذب، الكذب على الصغير، إذا لم يكن ms223 من ذلك بد لتسكين ثورة ~~نفسه والترفيه عنه، وإدخال السرور عليه، ومن تلك المواضع الكذب للإصلاح بين الزوجين أو بين ~~الصديقين، على ألا ينجم عن ذلك ضر. # ومن المواضع التي يحمد فيها الكذب، بل التي ينبغي فيها اتخاذه وتعمده والإلحاح فيه، الكذب ~~في مكايد الحروب وخدعها، فإن الصدق في هذا حيث يستغله العدو ويسلك منه إلى الظفر مما يلحق ~~بالخيانة والإجرام، على أن من الناس من لا يأذنون لألسنتهم بالكذب مهما يكن الأمر، ولقد ~~يعوذون في مثل هذه المقامات بالتوريات، وقد قيل: في المعاريض مندوحة. # وعلى الجملة فإننا نستطيع أن نشبه الكذب بالسم، فإنه إذا كان في طبيعته القتل والفتك، ~~فلقد ينتفع بقليله في شفاء العلل وإبراء الأسقام في بعض الأحوال! # وبعد، فإنما يجر الناس إلى الكذب أسباب شتى ، كما تختلف صور الكذب نفسه باختلاف طبائع ~~الكذابين، ومن أهم ما يدعو إلى الكذب، وفي الصغار على وجه خاص، الخوف والتخلص من ~~المسئوليات، ومن أهم ما يدعو إليه فيمن ارتفعت بهم السن، على وجه خاص أيضا، حب الظهور ~~بألوان البطولات الزائفة لا ينفق في سبيلها شيء من جهد أو مال، أو استهداف لخطر أو تعرض ~~لأذى من أي نوع كان، وقد يدعو إلى ذلك حب التجمل للناس واستئلافهم والظهور بالإسراع إلى ~~قضاء حوائجهم. # وكيفما كان الأمر، فإن الكذب كثيرا ما يضحى غريزة وجبلة يعمد إليه من ابتلي به في غير ما ~~رغبة ولا رهبة، ويصطنعه في غير ابتغاء منفعة أو دفع مضرة، بل لقد يعقل هذا وهو يعلم أنه ~~يضره ولا ينفعه، وإذا عرفت غلبة العادة التي تضعف بالطبع واتصلت بالغريزة عرفت أن مثل هذا ~~مجبور ما له في الأمر خيار! وبعد، فالحديث في الكذب وقبحه والكذبة وإثمهم شيء يطول في غير ~~طائل، وما للكذب المعتاد أعني مجرد رواية غير الواقع سقنا هذا الحديث، وإنما سقناه لغرض آخر ~~جليل يستحق أن يقابل به مطلع أبريل! # وأرجو أن تعلم أن من الكذب كذبا فنيا، وإنني أعني هذه الكلمة بكل ما تحمل من ms224 معنى، بل ~~إنني لأمضى إلى أبعد من هذا فأقرر أن هذا «الكذب الفني» مما يمكن أن يضاف بحق إلى طائفة ~~الفنون الجميلة، ويوضع في صفها وينظم في سلكها، إذ لا نجده يقصر عما يعطيك النحت أو التصوير ~~أو الموسيقى من الأنس واستراحة النفس، وما تثير فيك في بعض الأحيان من الطرب، وما تبعث من ~~الأريحية، بل ما تذكي من حسك وتنفذ من فطنتك. # نعم، هذا اللون من الكذب له فن جميل، له كل ما للفنون الجميلة من رائع الأثر، وبالغ ~~الخطر! هو فن جميل لا يجيده ولا يبرع فيه إلا من رزق الطبع وأوتي الموهبة، فإذا تكلفه من لم ~~يؤت ذلك خرج سمجا باردا ثقيلا كشأن سائر الفنون الجميلة في هذا، سواء بسواء. # وأول ما يبنى عليه هذا الفن أن الاختلاق والتزيد فيه لا يضر بشيء ولا يؤذي أحدا، على أنه ~~بالغ الغاية من الإعجاب والإطراف والإضحاك، ولعل من مميزاته الواضحة أنه لا يحاول قهرك على ~~التسليم بأنه أمر واقع لا ريب فيه، بل إنه ليعرض نفسه عليك عرضا بسيطا، وقد يتكئ في معرضه ~~على يمين متجلجلة متخلخلة، ولك في النهاية حكمك في الرد أو في القبول. # وهذا الكذب الفني ليس ابن اليوم، ولا ابن الأمس القريب، بل إنه قائم معروف، وأصحابه ~~المبرزون فيه معروفون كذلك من الزمان البعيد، ومن ذا الذي ينكر أبا حية النميري مثلا ~~أو ينكر فنه العظيم، ومن ذا الذي يزعم أن صنعة هذا الرجل مما يستطيع أن يتكلفه من شاء من ~~العالمين؟ # أليس من التحف الفنية الجميلة قوله يحدث عن نفسه: سنح لي ذات يوم غزال فرميته بسهم، ~~فتيامن الغزال فتيامن السهم وراءه، فتياسر الغزال فتياسر السهم وراءه وما زال في عدوه، ~~يراوغ السهم بالتيامن مرة وبالتياسر مرة أخرى، والسهم يلاحقه كذلك حتى أدركه ببعض الجبانات ~~فصرعه! # ولا شك أن من القطع الفنية الرائعة ما حدث به هذا أبو حية قال: عن لي ظبي فرميته بسهم، ~~فانطلق الظبي وانطلق السهم وراءه، ثم ذكرت بهذا الظبي ms225 حبيته لي فعدوت وراء السهم حتى قبضت ~~عليه قبل أن يبلغه! # وإذا كانت حكاية القزان والكرنبة أو السمكة لا يزال لها رونق في بعض الأسمار، فاعلم أن ~~هذا المعني مسبوق من العصر القديم، قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: أعلمت أن طول رمح رستم ~~كان سبعين ذراعا من حديد مصمت # 1 # في غلظ الراقود # 2 # فقلت: ها هنا أعرابي له معرفة، فاذهب بنا إليه فحدثه بهذا، فذهبت به إلى ~~الأعرابي فحدثه، فقال الأعرابي: قد سمعت بذلك، وبلغنا أن رستم هذا كان هو واسفندريار أتيا ~~لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائما ورأسه في حجر أمه، فقالت لهما: ما شأنكما؟ فقالوا: ~~بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه، فانتبه فزعا من كلامهما فنفخهما، فألقاهما إلى أصبهان ~~فقبرهما اليوم بها، فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك ! قال: يا ابن أخي ما بيننا من شيء إلا ~~وهو دون الراقود! # وما أبدع روائع النفاجين، # 3 # ما روي أن عاملا في روسيا في مصنع لتقديد اللحم، لقي فرنسيا يعمل في بلاده ~~في مثل هذا المصنع، فجعل كل منهما يكاثر بمصنعه ويهتف بعظمته وقوة آلاته حتى قال الروسي: إن ~~مصنعنا تساق إليه قطعان الخنازير من هذه الناحية فلا تلبث بضع ثوان حتى تخرج من الناحية ~~الأخرى لحوما مقددة مصففة في العلب، عليها اسم المصنع وشعاره! # فقال الفرنسي: وما هذا؟ فإن مصنعنا ليزيد على ذلك بأنه إذا خرج بعض العلب فاسدا ردت ~~ثانيا، فخرجت من الناحية الأولى خنزيرا حيا سويا! # ومثل هذا ما قيل من أن فرنسيا أقبل على صاحبه الروسي، وجعل يحدثه عن شدة البرد في ~~بلاده، قال: خرجت في يوم من أيام الشتاء إلى إحدى الغابات فاعترضني أسد فأسرعت وتسلقت شجرة ~~باسقة، وجلست على رأسها، وكان خنجري قد سقط عند أصلها، وظل الأسد رابضا إلى جذع الشجرة في ~~ارتصادي وترقب افتراسي، ومن شدة الخوف قطر مني ماء ما لبث أن انعقد من عظم البرد قضيبا ~~ثلجيا، فتناولت به الخنجر وتدليت فشققت به صدر الأسد! # فقال له صاحبه الروسي: ms226 وما ذاك؟ إن هذا ما يكون عندنا في وقدة القيظ، أما إذا كان الشتاء ~~وخرج الناس في الصباح الباكر لطياتهم، أقبل بعضهم على بعض بالتحيات المعتادة، ولكن الكلام ~~ينعقد على شفاههم فلا يهجس منه حرف واحد، فإذا طلعت الشمس وخفت حدة القر، رأيت آفاق الجو ~~كله تتصايح ب «صباح الخير - أسعد الله صباحك - أرجو أن تكون بعافية - صحتي جيدة وأنت - إلى ~~أين - الحمد لله - صاحبك التوفيق ... إلخ.» # وبعد، فلقد كنت أحب أن أتحدث عن عباقرة الفن الحديث ممن أدركناهم وممن لا يزالون قائمين ~~في الحياة وأعرض لخواص فنهم وأشهر ما جادوا فيه من الطرف، لولا أن الكلام قد طال، فإذا كان ~~في العمر فسحة فلعلنا موفقون إلى هذا في أبريل المقبل إن شاء الله. ms227