######OpenITI# #META# URI: 1362MuhammadKamilHajjaj.BalaghatGharb.Hindawi25397371 #META# Tags: literature #META# ID: 25397371 #META# Title: بلاغة الغرب: أحسن المحاسن وغرر الدرر من قريض الغرب ونثره #META# AuthorID: 51425862 #META# Author: محمد كامل حجاج #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المعرب‏ # فيكتور هوجو1‏ # ألفونس دو لا مارتين1‏ # ألفريد دوموسيه1‏ # أندريه شينييه1‏ # الكونت ألفريد دوفيني1‏ # فرنسوا كوبيه1‏ # إيدمون روستان1‏ # ألفونس دوديه1‏ # تييوفيل جوتييه1‏ # بيير كورنيي1‏ # جان راسين1‏ # مقدمة المعرب‏ # فيكتور هوجو1‏ # ألفونس دو لا مارتين1‏ # ألفريد دوموسيه1‏ # أندريه شينييه1‏ # الكونت ألفريد دوفيني1‏ # فرنسوا كوبيه1‏ # إيدمون روستان1‏ # ألفونس دوديه1‏ # تييوفيل جوتييه1‏ # بيير كورنيي1‏ # جان راسين1‏ # | بلاغة الغرب # | بلاغة الغرب # | أحسن المحاسن وغرر الدرر من قريض الغرب ونثره # تعريب # محمد كامل حجاج # | مقدمة المعرب # بسم الله الرحمن الرحيم # حمدا لمن أنشأ الإنسان، وميزه بفضيلتي النطق والبيان؛ ليترجم عما يوحيه إليه ~~الشعور الشريف والوجدان، وصلاة وسلاما على نبراس العلم والعرفان، من خص بالحكمة ~~وفصل الخطاب، وأوتي من جوامع الكلم ما سحر الألباب؛ حتى ساد قومه مجدا وفخرا، ~~وإن من البيان لسحرا. # وبعد، فهذه نخب أقتطفها من معجز بلاغة الغرب؛ لنرى - معشر العرب - ما أحرزه ~~الغربيون من قصبات السبق في مضمار التحرير والإنشاء، وما لهم من سلامة الذوق وحسن ~~التعبير في الوصف والإعراب عن الشعور والعواطف بما يحس به الوجدان دون كلفة. # يقع شعرهم ونثرهم على الآذان كنغمات الموسيقى بما يشجي السامع من: رقة الوصف، وسلاسة ~~التركيب، وأوانس الألفاظ، وغرر البيان، وبعد الكلام عما تعقد من المعاني، وخلوه من ~~الخياليات المتشعبة والتنقل فيها بما يذهب بالسامع كل مذهب، فيركب متن الشطط، ويصعب ~~عليه الفهم؛ فلذلك يعقله الفكر لأول وهلة دون إمعان وإجهاد قريحة. # وقد سلكت في تعريب هذه المقتطفات مسلك الأمين حرصا على المعاني لإبرازها بمشرب ~~الكاتب؛ لنعرف أسلوبه وروحه في الإنشاء، وصغتها في قالب عربي سهل العبارة قريب التناول؛ ~~لأزف إلى الناطقين بالضاد عرائس نظم الغرب ونثره رافلة في الحلل العربية، وعساني أكون ~~أديت بعض الواجب الاجتماعي، وخدمت الناشئة بعمل نموذج لهم للترجمة والإنشاء؛ ليجمعوا ~~بين الأصل والتعريب، ويعلموا كيف يسيرون فيه ويصوغون المعاني في القالب العربي اللائق ~~بها والذوق السليم الملائم لها. وإن ساعدني الحظ وصادف عملي نجاحا وإقبالا من معشر ~~قراء العربية، شمرت عن ساعد الجد، واستمررت في عملي هذا ناشرا ms01 أجزاء تباعا كلما ~~سنحت الفرص وسمحت أويقات الفراغ والسلام. # | فيكتور هوجو1 # كان القرن التاسع عشر طفلا في حوله الثاني حينما تمخضت الأيام بمولود «بيزانسون»، وهو ~~ابن الكونت «سيجيسبير هوجو» من مشاهير القواد والكتاب الحربيين، ثم طوحت به في كل شرق وغرب ~~كحبة تذروها الرياح حيث تشاء. # نشأ من دم بريطاني ولوريني؛ فأصبح هذا الصبي واسطة عقد شعراء القرن الماضي، بل إمام شعراء ~~الغرب على الإطلاق. # 2 # ولما ولد في عام 1802 كان القريض الفرنسي منحطا تغلب عليه الضعف؛ حتى كاد يودي ~~به، وقد مضى وقتئذ على قتل «أندريه شينييه # André Chenier ~~» ~~الشاعر النابغة ثماني سنين، فلم يبق من خيرة الأدباء إلا «شاتوبرييان # Chateaubriand ~~»، فإنه أتى بنثر رقيق متين تزينه روح ~~الشعر. # وإذا استثنينا بعض الكتاب مثل: «أندريو # Andrieux ~~»، ~~و«كولين دارلوفيل # Colin d’Aarleville ~~» اللذين مهرا في ~~الروايات التمثيلية من نوع «الكوميدي»، والشعر البسيط المألوف؛ فإن الباقي من الأدباء لا ~~يصلحون إلا لنظم الروايات المحزنة «التراجيدي»، التي كان يضرب الكل فيها على نغمة واحدة، والملاحم # 3 # الساذجة والأدوار المنظومة وغيرها مما تجرد جميعها من سحر البيان وغرر الإبداع، ~~فكان نصيبها من القصاص أن طرحت في زوايا النسيان. # وكان من بين الأدباء في هذا العصر من يحسن الوزن، وتأتيه القوافي طوعا، ولكن نظمه خال ~~من روح القريض ك «ديليل # Délille ~~». ويقال: إنه كان يفتخر في ~~أواخر أيامه بأنه نظم في الإبل اثنتي عشرة قصيدة، وأربعا في الكلاب، وثلاثا في الخيل، ~~وستا في النمور، واثنتين في القطط، وواحدة لكل من الشطرنج والنرد والضامة والبليار، ~~وعددا عظيما في الشتاء والصيف والربيع وغروب الشمس والفجر؛ حتى ضل في عددها، ولما ظهر ~~الجزء الأول من ديوان فيكتور هوجو المسمى «أود ~~وبلاد # Odes et Ballades ~~» # 4 # الذي بدأ به وهو في السادسة عشرة من عمره سنة 1818 سنة 1828، كان بردا قشيبا ~~للبلاغة بعدما بلي ثوبها، وبدرا تما في سماء البيان غاب لظهوره كل نجم، ولم يكد يبلغ ~~العشرين حتى أدهش الناس بحميته وحماسته وقوة خياله وغزارة مادته وطلاوة ms02 إنشائه وانتظام وزنه ~~وسلاسة تركيبه. # وقد قويت وعظمت هذه الصفات في الأجزاء التالية من ديوانه، وفيها: «الشرقيات» سنة 1829، ~~و«أوراق الخريف» سنة 1831، و«أناشيد الشفق» سنة 1835، و«أصوات الضمير» سنة 1837، «والأشعة ~~والظلم» سنة 1840. # وكما أنه مهد للشعر سبلا جديدة، وحل أصفاده # 5 # التي رسف فيها حينا من الدهر، فإنه أتى بمعجزات المنثور وعنوان البيان وآية ~~البراعة في كتابه «نوتردام دو باري # Notre-Dame de Paris ~~» ~~سنة 1831، الذي جمع فأوعى من شتات اللغة، فكان له القدح المعلى # 6 # في دولة النثير كالنظيم. # نظر إلى فن التمثيل، وقد هوى إلى الدرك الأسفل من الحطة والعوز، فصال عليه واستطال؛ حتى ~~هذبه ورفع شأنه وبعثه بعثا جديدا. # ومن مشاهير رواياته التمثيلية التي سارت بذكرها الركبان، وسحبت على غيرها ذيل النسيان، ~~ولم تفارق للآن أعظم المراسح ما وضعها شعرا مثل: «إيرناني»، و«ماريون دولورم» سنة 1830، ~~و«الملك في لهوه» سنة 1832، و«روي بلاس» سنة 1838، و«ليبورجراف» سنة 1843 وغيرها، وما كتبه ~~نثرا مثل «لوكريس بورجيا» و«ماري تودور» سنة 1833، و«أنجيلو» سنة 1835 وغيرها، وقد كتبها ~~بنظم محكم السبك ونثر متين الحبك. # وقد انتخب في المجمع العلمي الفرنسي سنة 1841، ومنح رتبة «بيردو فرانس» سنة 1845، ~~ثم خاض غمار السياسة إلى أن صار رئيسا لحزب الشمال الديمقراطي وخطيبه الأعظم، ثم حارب ضد ~~لويس بونابرت، فحملته يد الاستبداد سنة 1851 إلى بروكسيل، حيث نفته هناك، ثم انتقل إلى ~~جيرسيي، ومنها إلى جيرنزيي - وهما جزيرتان إنكليزيتان في بحر المانش - ولبث في منفاه ثماني ~~عشرة سنة، ولم يرجع إلى وطنه إلا في سنة 1870، حيث بر بقسمه بأن لا يطأ أرضه ما قامت لعرش ~~الملك قائمة. # ولقد أسعده النفي بنفحات مدهشات البيان، فراق له جو الخيال، وأوحت إليه الموجودة ببدائع ~~البدائه وأحاسن المحاسن؛ فزف إلى القراء من بنات أفكار النظم والنثر ما خلب العقول وسحر ~~الألباب، فنظم كتابه الذي وسمه ب «نابليون الصغير»، وكتاب «العقوبات» سنة 1853؛ فكان ~~كأفعى تنفث سما زعافا فاغرة فاها نحو نابليون الثالث، ولم يجر يراع كاتب في الحقد ~~والضغن بمثل ما أتى به قلمه في هذا الكتاب، ms03 ثم وضع كتاب «المشاهدات» سنة 1856، و«سير ~~القرون» سنة 1859، وهو من أبلغ ما خطه بنان الشاعر. حشر فيها سير القرون الخوالي من ~~أغلب الأمم؛ مما يدل على سعة اطلاعه في التاريخ، وأظهر فيها رقي الأمم من طور إلى طور، ~~وتدرجهم في الكمال، ثم كتاب «البؤساء» سنة 1862، وهو نثر وخير ما كتب في درس الإنسانية ~~والحياة الاجتماعية، مما تذوب له القلوب حنانا ورحمة وتذرف لهول بؤسه العيون الجامدة دما، ~~وما لم يستطع كاتب أن يأتي بمثاله أو ينسج على منواله، و«عملة البحر» سنة 1866، و«الرجل ~~الضاحك» سنة 1869، و«ثلاث وتسعون» وغيرها. # ولما آب إلى وطنه بعد سقوط المملكة وضع كتاب «العام الأسود» سنة 1872، ثم الحلقة الثانية ~~من «سير القرون» سنة 1877، والحلقة الثالثة منها في سنة 1883، و«تاريخ جناية»، وقد ذكر فيه ~~حوادث الهيئة الاستبدادية وغيرها من كتب: تاريخية، وفلسفية، وقصصية، ورسائل، وأفكار، ~~وخواطر. وصار من رؤساء الحزب الجمهوري، وكان يطربهم بخطبه الشائقة في العدل والإنسانية ~~والتقدم الأدبي والاجتماعي إلى أن توفي بباريس سنة 1885، وهو في الثالثة والثمانين من عمره، ~~ومشى في جنازته ألوف مؤلفة؛ مما دل على عظم مكانته في قلوب قومه وتمجيدهم له. # نابليون الثاني # Napoléon II # 7 # سنة 1811: عام وما أدراك ما العام؟! ماجت فيه أمم لا يدركها الحصر، وقد أضجرهم ~~الانتظار وفني منهم الصبر. يظلهم غمام مكفهر. مبتهلين إلى الله أن يستجيب دعوتهم ~~وينيلهم أمنيتهم. # وكانوا يشعرون أن هذا الملك الواسع الأكناف المترامي الأطراف، يمتد تحت أرجلهم ~~رعبا، ويرتعد خشية ورهبا، محدقين بأبصارهم إلى قصر اللوفر، وقد زمجر فوقه الرعد حتى ~~كاد يدكه كطور سيناء، مطرقين كجواد بصر بصاحبه يقول بعضهم لبعض: ستتمخض الأيام بمولود ~~ذي شأن ينتظره هذا الملك العظيم ليليه ويأخذ بزمامه. # ليت شعري! ما الذي أعده الجد لهذا الرجل الذي يفوق قيصر ورومية؟ ومن سيضيف حظوظ البشر ~~إلى حظه فيسعدون بسعده ويشقون بشقائه؟! # وبينما هم يتحدثون إذ انقشع الغيم المربد، # 8 # وأشرقت السماء رافلة في حلتها اللازوردية. يتلألأ في كبدها بدر هذا ~~المولود الذي اختاره القادر؛ ليقبض على صولجان ms04 هذا الملك الفخم، فما كان لهذا الشعب الصاخب # 9 # إلا أن صمت واستكان لظهور هذا المولود في عالم الوجود. # نفخت ريح هذا الرضيع في قبة دار العجزة، # 10 # فخفقت فيها الأعلام المسجونة، واهتزت كالسنابل حركتها الرياح، وكان صياحه ~~الرخيم هو الذي أطلق من المدافع المتربعة ببابه أصواتها المزعجة. # نفخت الكبرياء بعرنين والده الأشم، # 11 # وكان مطبقا بذراعيه على صدره ثم فتحهما، تحوط يده ابنه الذي تنبعث من ~~عينيه أنوار أضاءت ما حوله، وارتد عنها كل طرف كليلا. ~~••• # ولما عرض الأب وارث عرشه على رءوس الأشهاد من أمم تابعة وملوك خاضعة، هاجت به شجونه # 12 # ونظر شزرا وازدراء لمن حوله من الملوك؛ إذ لم ير غير ابنه كفؤا لهذه ~~المملكة الشاسعة، كنسر حط من عل # 13 # فوق قلة # 14 # صائحا مستبشرا بصوت ملؤه الكبرياء والعظمة: المستقبل لي وحدي وطوع بناني! ~~كلا ثم كلا، فالمستقبل ليس لأحد بل لله الواحد القهار، ولا تمر ساعة إلا وتودعنا ~~الكائنات. المستقبل سر مكنون، والأرض وما عليها من مجد وسعادة وقوة وتيجان ونصر متنازع ~~لطمع أشعبي حقيق، وهذه المنح كلها عواري # 15 # كطير حط على دورنا فما هو إلا لمحة ويطير. # مهما بلغ المرء من الحول والقوة، ومهما ضحك وقهقه، أو بكى وأعول لا يستطيع أن يطلع ~~على الضمائر والسرائر، ولا أن يقضي على أحد قبل أجله وساعته. ~~••• # أيها الخيال الأخرس والطيف الملثم! يا من هو أتبع لنا من ظلنا! يا من يدعونك ~~الغد. # إنما الغد حارت فيه الأفهام، وضلت في مفاوزه الظنون والأحلام. يبذر الإنسان السبب، ~~فينضجه القادر غدا؛ فيستحيل من عالم الذر إلى عالم الظهور والقوة. غدا برق محتجب، ~~ونجم مستتر في السحب، وخائن يزيح اللثام، ومنجنيق يدك الحصون والمعاقل، وكوكب ينتقل من ~~منطقته وباريس تتبع بابل. غدا تنوب # 16 # العرش واليوم مخمله، غدا جواد يخوض المعامع مرغيا مزبدا. غدا - أيها ~~الفاتح - تلتهب موسكو في الليل الحالك كالمصباح في يد المدلج. غدا تغطي جثث حرسك ~~القديم السهول والبطاح. غدا واترلو. غدا القديسة هيلانة. غدا ms05 الرمس! # إنك لتستطيع أن تطأ المدن بسنابك خيل فرسانك، وتحل مشكلات الحروب بصمصامك، وتسد نهر ~~التاميز والنصر حليفك بحولك وقوتك، وتحطم الأبواب المغلقة بسطوتك وقدرتك، ثملا بنشوة ~~الظفر، يرنح عطفيك صوت نفيرك، ساحبا ذيل النسيان على كل صيت طائر. # أمد الله في أيامك ! إنك لقادر أن لا تترك من الأرض ذراعا، وأن تنزع أوروبا من ~~شارلمان، وآسيا من آل سام، ولكن هيهات أن يخضع لك الغد إلى الأبد. ~~••• # يا للنائبات الواعظات! لما أخذ شبل هذا الأسد تاج رومية بدل اللعب حتى ذاع شأنه، ولما ~~أظهره أبوه للملأ وجبينه الملوكي يهتز، دهشوا لعظمة هذا الصغير وهيبته. # وقد ظفر والده لأجله بوقائع عديدة وفتوحات عظيمة، فجلس بجانب سرير طفله مبتسما بادي ~~البشر، وقد كان كبان يعرف كيف يؤسس بناءه؛ إذ أجهز على الدنيا بضربة معول فأقبلت ~~خاضعة طائعة حسب أمانيه. # ولما أتم الوالد ما أعده ليمهر الطفل الحقير بالعظمة الدائمة. هيأ له قصرا وطيد ~~الأساس متين الدعائم؛ ليحفظ حياة ابنه من العوادي والغوائل. # ولما ظمئ النسر وجد أمام فرنسا كأسا مفعمة # 17 # بخندريس # 18 # الأمل، وقبل أن يدني هذا السم المموه من شفتيه ويذوقه انقض فارس من القوزاق ~~على الطفل انقضاض العقاب على الظبي، وأردفه خلفه على الجواد، وفر كالسهم قذفته ~~القوس. # وفي ذات ليلة كان المضرحي # 19 # صافا # 20 # في القبة الزرقاء إذ اكتنفته ريح صرصر عاتية كسرت جناحيه، فهوى إلى الغبراء ~~هوي الصواعق، وانقضت عليه الذئاب الضارية عند وكنه تتقاسمه وتنهشه بأنياب حداد، ~~فكان من نصيب إنكلترا القشعم # 21 # والنمسا الهيثم. # 22 # لم يغب عنك ما فعل بهذا العظيم الهائل، فقد زج به في أعماق السجون ست سنين وراء ~~أفريقية والبحار. # النفي ممقوت كافر! كان هذا البطل العظيم متربعا في قفصه، منحنيا تلعب أسنانه ~~بركبتيه، ولو كان قلب هذا الطريد خلوا لكان أنعم بالا، ولكن قلوب الآباء لهي قلوب ~~الآساد؛ إذ كان ابنه آخذا بشغاف قلبه، ولم تبق له الدنيا إلا ذخيرتين في عرينه: ~~صورة ابنه وخريطة الدنيا، وبعبارة أخرى ms06 مرمى فكره ولبه وجميع قلبه. # وفي المساء كان يسرح الطرف في مخدعه؛ إذ كانت تدور في رأسه الصلعاء أعماله وفتوحاته ~~الماضية، وكان السجانون والديادبة له بالمرصاد ليل نهار ليقرءوا ما يرتسم على جبهته من ~~الفكر والآمال. # ما كان يفكر ساعتئذ في ملحمة كتبها بظبة حسامه؛ إذ يصف أركول وأوسترلنز ومونميراي. # 23 # لا ولا الأهرام وباشا القاهرة وصافناته الجياد التي عضضن صدور خيله. لا ولا ~~الجلل والمدافع التي لبثت تحت قدميه عشرين سنة وأذكت الوغى بقتامها وسحبها السود، ولما ~~هبت ريحها على هذا اليم الهائج كانت الأعلام الخافقة مائلة في الملحمة الشعواء. # لا ولا مجريط # 24 # أو قصر الكرملين # 25 # أو الفنار، لا ولا موسيقاه تعزف في الصباح لإيقاظ الجند. لا ولا جنوده ~~المعسكرة في السهول من خيل ورجل بملابسهم الحمراء كزهور أرجوانية نابتة في حقل من ~~الحنطة. # بل كان شغله الشاغل عسجد شعر طفله الجميل، وورد خدوده وهو نائم مطمئن بفم يكاد ينطبق ~~وهو كالشرق في بهائه وحسنه، وقد انحنت عليه مرضعة متهللة تلقمه ثديها ضاحكة. # رزح الوالد تحت أثقال همومه وشجونه، وقد تيمه حب ابنه، فأسند بمرفقيه إلى كرسيه، ~~وهاجت بقلبه تأوهات مستعرة؛ فتفجر الدمع من آماقه واسترسل على خدوده. # بوركت # 26 # من طفل مسكين أثلجت شعوب رأسه، وإنك وحدك القادر على تسلية أبيه وعزائه ~~لملك ضاع وأفلت من بين يديه. ~~••• # أناخ الدهر بكلكله على النسر وفرخه فألحقهما بخبر كان، فيا له من زمان قاس ابتدأ ~~بقهار الجبابرة، وغلاب القياصرة! ثم ختمه بعظام رفات نخرة، وقد كفت عشر سنين لنسج أكفان ~~الأسد وشبله. # احتوى اللحد مجدا وصبا وكبرياء، والمرء يود لو يترك له الموت خلفا، ولكنه لا يسمع ~~له نداء، وكل عنصر يرجع لأصله: فالهواء يأخذ الدخان، والأرض الرماد، والنسيان ~~الاسم. ~~••• # يا للهياج والاضطراب الذي أجهله، وأنا أحقر الملاحين إذ لا أدرك كنه ما يعمله القادر ~~في الغياهب تحت اللجج # 27 # الهائجة الحاقدة عليك الهازئة بك. وأسرار الخالق غامضة يضل فيها النهى. ليت ~~شعري أهذه الأمواج الثائرة، وأصوات هذه ms07 الحفر المرة المزمجرة، وهذا التيار الدوار ~~بمخالبه الهائلة، والبرق ولألاؤه، والرعد وقصفه ودويه، أليست اللهم صالحة لدرر ~~البحار؟! # وهذه الأنواء والعواصف المخوفة لترتعد أمامها الخلائق من أمير وحقير. يا لليم من أعمى ~~أصم أضل من شعب ثائر هائج، وماذا ينفعك نشيدك يا شاعري وأغانيك التي يمليها عليك الخيال ~~ويرددها الصدى في هذه اللجج الحائرة المضطربة، وقد صمت آذانها؛ فلا تسمع لك نداء ولا ~~غناء، ويذهب صوتك صرخة في واد. # وأنت أيها الطير المسكين الذي تتقاسم ريشك الرياح، وأنت تغني فوق زبد ذلك الجبار ~~العتيد على سارية جارية # 28 # ضلت سبيل النجاة! ليل طويل. وعذاب مستمر، وسماء مكفهرة لا يرى بها ركن ~~رائق، وقد اختلطت الأشياء بالناس اختلاط الحابل بالنابل، # 29 # وهووا في مهاوي الفناء، وابتلعهم الخضم الغشمشم فكانوا من المغرقين. # كل من عليها من ملوك وأمراء ونابليون العظيم والصغير طوتهم الأرض في جوفها طي السجل ~~للكتب، ومحتهم كما تمحو اللجة اللجة، و # كل من عليها فان ~~* ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام ~~. # الغريق # Le Naufragé # واأسفا للمرء المسكين تلعب به الكائنات والعوالم لعب الشمأل بالشجر، ثم تفترسه ~~كالسنور يلاعب الفأرة ريثما تنبه منه شهوة الطعام، ثم يمزقها كل ممزق بأنياب حداد ~~وأظافر كالأسنة. تصعقه الزرقاء # 30 # وتبتلعه الغبراء # 31 # ضعيف تعس منكود، ولد محاطا بنحس يثقل كاهله، ويحني عاتقه، يسترشد عقله ~~فيضله ويغره، وإن أبرق له الإلهام ببعض أشعة ضئيلة ليهتدي بها في حنادس ضلاله، أدركها ~~القضاء الغامض فطفق يجالدها وتجالده حتى تنطفئ وتنعدم. # أنعم النظر في البحر، واعطف على رابية من الصفا ناتئة من الماء فوقها كوخ حقير لصائدي ~~الأسماك. عرشه من بقايا السفن التي حطمتها الأمواج الثائرة، يحيط به الماء إحاطة ~~السوار بالمعصم، وتضمه اللجج ضما عنيفا كالأفعوان # 32 # يلتوي على فريسته ببأس حتى يكاد يهشم منها الأضلاع، تود لو تزعزع الصخر من ~~مكانه لتفترس الصائد. # انكمش هذا البائس الضعيف في كوخه، فاصطلحت عليه الأنواء والأعاصير؛ فلم يستطع أن يبرح ~~مكانه ليكدح لرزقه. عظم واتسع أمامه المحيط لينصب ms08 له شراكه. اكفهرت السحب فخاف منها كل ~~نسر قشعم، واسود من الفضاء الإهاب، ثم أومض البرق، وقصف الرعد، وصفرت العواصف، وهاجت ~~الأمواج، وطفقت تحطم في جدار هذا المنكود، وما وراء هذا الفضاء وعظمته والليل وظلمته ~~إلا الحتف المميت. # ماذا تفكر أيها الشقي البائس لتنجو من مطاردة هذه العوالم الحاقدة عليك وأنت عدوها ~~الألد؟ أتتخذ لك نفقا في الأرض أم سلما في السماء؟! أتراك تستطيع الصعود وقد حالت ~~دونه العواصف والأنواء، وأنى لك وأنت ترتعد مكانك من هول المنظر؟! وإني لا أخالك ~~إلا مقبورا ضليلا طريدا. ليت شعري كيف تنازل هذه القوى العظيمة التي ما لها من نفاد ~~وأنت أسير حفرتك؟! # حسبك دفاعا مع العظمة التي أقبرتك في كوخك، وأهاجت عليك السماء وما حوت والأرض وما ~~وعت حتى اغبر وجه الكون عليك أسفا، وأظلمت الدنيا حدادا؛ فاخضع أيها الغريق للقضاء ~~واستسلم لهذا اليم الجبار العتيد. # وهذه الشمأل # 33 # العاتية التي أوشكت أن تقوض أركان مأوالك، وهذا الوابل الذي كاد يجرف ذراك. # 34 # وتلك الغياهب التي تهلع لها القلوب تبذل الوسع لمحوك وفنائك، وهذا الليل ~~المقبل بالويل الذي ترتعد منه رعبا سيصب فوق رأسك الأعاصير الهوج # 35 # مع الظلمات؛ فاجمع أعضاءك والتصق بالأرض، وطأطئ رأسك لما يهب فوقها من ~~العلا دون أن تسأل السماء المعتمة عن السبب، ودع الهلاك يسيل فوق أعضائك التي تثلجت من ~~الهول؛ إذ لا قوة لك ولا حول. # إن ~~للرمال للينا خائنا كلين النساء Pour le sable comme pour la femme il y’a une finesse perfide # يشاهد في بعض المواطن من شواطئ بريطانيا الفرنسية واسكتلندا أن المسافر أو الصائد ~~يأخذ طريقه في مستنقع بعيد عن الشاطئ، لا يكاد يظهر ماؤه على الصعيد # 36 # فيلاحظ بغتة أنه منذ هنيهة يحس بثقل قدميه، وأن العراء # 37 # تحتهما كالفار # 38 # تلتصق به نعلاه، بيد أنه لم يصادف بللا في طريقه ينذره بما يضمر له من ~~السوء هذا الرمل الناعم الذي يفوق في الفتك خضراء الدمن، # 39 # وكلما خطا خطوة غارت قدمه ms09 قليلا وتركت أثرا لا يلبث أن يمتلئ ~~ماء. # نبع هذا الماء لينذره بسوء المنقلب، ولكن أسبل القضاء على عينيه سترا فلم يبصره. ~~أمامه الشاطئ الرحب سهل ساكن لا يفرق بين صلبه ورخوه، فأخذ يواصل سيره ليبلغ الشاطئ، ~~كاد يعتريه القلق، ولأي أمر يقلق؟ غاية ما هنالك أنه أخذ يشعر أن قدميه تزدادان ثقلا ~~كلما خطا خطوة، وعلى حين غفلة يجدهما غائرتين في الرمل أصبعين أو ثلاثة. # أوشك أن يشعر الآن بضلاله؛ فألقى عصا الترحال ليبحث عن الطريق الأمين، ثم نظر فجأة ~~إلى قدميه فوجدهما غائصتين في الرمل. نزعهما راجعا القهقرى، ولكنهما غابتا ثانية إلى ~~الكعبين. تخلص وارتمى يسرة فأخذه الرمل إلى نصف ساقه. انتشلهما وانطرح يمنة، فغاص إلى ~~ركبتيه. تحقق الآن من ضلاله فسقط في يده، وكاد يقطع سبابته من شدة الندم. عرف أن قد غره ~~السراب، وتقطعت به الأسباب، فوقع في حبالة هذا الوسط الهائل الذي لا تثبت عليه الأقدام، ~~بل لا تستطيع أن تسبح فيه الأسماك. # يحار الكاتب في تسميته، ليس ببر ولا ببحر، أخذ يفكر في سبيل للنجاة، فرأى أن يطرح ~~حقيبته كالسفين، أخذها الموج من كل مكان، فقذف الركب عرض البحر ما تحمله من كل مرتخص ~~وغال لينجوا بأنفسهم. جعل يعالج النجاة وقد أعيته الحيل، فابتلعه الرمل إلى ركبتيه. طفق ~~يصيح مستغيثا مشيرا بمنديله، ولكن الرمل مستمر في اختطافه. فإن كان الشاطئ مقفرا، ~~والديار بعيدة، وعدم النصير؛ فقد حم القضاء، وذهب صرخة في واد فريسة لهذا القبر ~~السحيق، مستمرا في هويه البطيء في جوف الأرض، التي لم تمهله وابتلعته واقفا حرا في ~~عنفوان صبوته وشرخ شبابه، كلما عالج وقاوم واشتد في صياحه وصراخه أسرعت الأرض في ~~ابتلاعه. # بخل الثرى بالتعجيل بالتقامه ليترك له من الوقت ما يكفيه لوداع هذا العالم ليزداد ~~حسرة على حسرة ومصابا فوق مصاب. أخذ يسرح الطرف، فرأى أمامه الأفق والأشجار والرياض ~~الزاهرة ودخان القرى يتصاعد كالسحب وشرع السفن الماخرة في عباب البحر والطير الصادح ~~والشمس المشرقة والسماء اللازوردية. ~~••• # وهذه الرمال لهي القبر ms10 خرج من بطن الثرى على شكل مستنقع خفي ليختطف الأحياء ~~الأصحاء. # يحاول هذا التعس الوقوف والقعود والاستلقاء بغير طائل. بل كل حركة يفعلها تزيد في ~~غرسه، فيزأر كالأسود وينهب الأرض بذراعيه من اليأس، حتى إذا التقمه الرمل إلى صدره رفع ~~ذراعيه وزاد زئيره. ينشب أظافره في الرمل، ويتكئ على مرفقيه لينسل من هذه الهاوية، ولا ~~يزال الرمل حتى يصل إلى كتفيه ثم إلى عنقه، فلا يرى منه إلا الرأس، لم يبق منه إلا فم ~~يصيح ويستغيث، ولكن حنق عليه الرمل فألجمه وسده؛ فلا تسمع له همسا ولا لمسا. بقيت ~~عيناه تتوسلان بذرف العبرات، ولكن سئم منهما الرمل فأقفلهما، وصار يتخبط في ليل أليل، ~~بقي منه شعر يلعب به الهواء، ثم خرجت من الرمل يده، واختلج بعض خلجات فاضت بعدها روحه ~~فكان من الهالكين، وإن هي إلا هنيهة التأم فيها الرمل، وعاد كما كان سويا، وطوت الأرض ~~في جوفها بائسا كأنه لم يك شيئا. # طرفة من الموسيقي # Un Peu de Musique # أرعني سمعك، وانظر هذا الغاب، وأصخ # 40 # لتغريد الطيور في أوكارها المحجوبة عن الأبصار، وهذه الجلبة تقترب منا، من ~~ضحك، وأصوات، ووقع أقدام منبعثة من أعماق هذه الأدغال السحيقة، وقد رمى البدر لألاءه ~~الفضي على سوادها، وفيها يسمع رخيم نغمات مزاهر جبال «انسبروك»، التي تمتاز بجلجل ~~مقبضها التي ترن فيه حبة من الرمل، فيختلط هناك صوت الإنسان بهذه النغمات مما يحدث أشبه ~~بلحن مبهم. # هيا إن أردت أن نتيه في عالم الأحلام، فنركب جوادين من حسان الخيل المطهمة، وإنك ~~لتجذبين إليك قلبي إذ أريد أن أنتشلك من بين أسرتك. # نحن سائران يطربنا شجي شدو العنادل # 41 # في هذا الغاب إذ أنا سيدك وفريستك، فلنسافر فقد اقترب النهار من الرحيل، ~~وسيكون جوادي الفرح وجوادك الحب، وسيسيران جنبا لجنب ورأسا لرأس، وسنطعمهما في رحلتنا ~~هذه الشائقة قبلا بدل الشعير، وإنهما يترافسان إذ يضرب فرسي برجله في أحلامي، ومهرك ~~يرفس في كبد السماء، ونحن في سفرتنا هذه في حاجة لرحل يتركب من دعواتنا ms11 وسعادتنا وبؤسنا ~~والزهرة التي في شعرك الجميل. # خيم الظلام واسودت أشجار البلوط، وقد ضحك منا الشحرور ساخرا من وسواس # 42 # السلاسل التي ربطت بها قلبي، وليس الذنب ذنبي إن لم تهمس إلينا الأدغال # 43 # والأطواد، ونحن سائران متكاتفين قائلة: فلنحب. # كوني لينة حنونة. فما أبهج الغاب المبلل وقد نجيت # 44 # أغصانه على أجمل شكل! # أرى الفراش يتبع أنفاسك الشذية، وطيور الليل الحواسد يفتحن عيونها المستديرة وقد ~~أكمدها الحزن والحور، # 45 # وقد أملن آنيتهن مبتسمات في المغاور متسائلات: «هل أصبنا في عقولنا؟» فهذان «لياندر # 46 # وهيرو» إذ انسكب ما حملناه من الماء ، ونحن منصتات لحديثهما الشجي. # فلنعرج على النمسا، ونستقبل سنا القمر بجباهنا، وسأكون عظيما وأنت غنية، حيث ربطنا ~~الحب بعرى متينة لا انفصام لها، ولنسر على الأرض بمهرينا الجميلين، ثم نطير في الفضاء ~~بل في الأسرار بل في الذهل، ثم نعوج بالخان وننقد صاحبه أجره من ابتسامك، وناهيك ~~بابتسام العذارى ومن سلامي، وحبذا سلام التلميذ، وستكونين سيدة وأكون «كونت»، وسيفتح ~~قلبي لما ستقصينه من الحديث، كما تتفتح الزهرة من كمها ونحن نسامر نجوم الليل ~~المتألقة. # النغم شجي يتردد صداه تحت الخمائل # 47 # التي ازرقت من لألاء القمر، ثم يضعف اللحن فينعدم النغم ويخمد صوت الصادح، ~~كطير حط وسكن صامتا. # أما وقد وضع شفتي Puisque J’ai mis ma lévre # أما وقد وضعت شفتي على كأسك الدهاق # 48 # وأسندت بجبهتي الشاحبة بين يديك؛ فاستنشقت عرف زفير روحك الشذي الذي غيب في ~~بطون الغياهب. # وحيث أسعدني الجد بأن تصيخي إلى الكلمات، التي بها تنكشف أسرار القلب الغامضة، ورأيت ~~ثغرك يضحك فوق ثغري، وعينك تبكي فوق عيني، وشاهدت شعاعا يلمع فوق رأسي من كوكبك الدري ~~الذي احتجب، وبصرت بورقة من الورد نزعت من أيامك وسقطت في لجج حياتي؛ فالآن أستطيع ~~أقول للأعوام التي تكر: مري وسيري فلست أخاف الشيخوخة، واذهبي بأزهارك الذابلة فإن لي ~~في الروح زهرة ناضرة يعجز الكل عن اقتطافها، وإن اصطدم جناحك بكأسي التي أرتوي منها فلا ~~يسيل منها شيئا وإن ms12 ملأتها حتى طفحت، وإن روحي لكثيرة النار وأنت خلو من الرماد، ~~وبقلبي من الحب أكثر مما عندك من النسيان. # | ألفونس دو لا مارتين1 # نابغة من شعراء الفرنسيس ولد بماسون سنة 1790، وبدئ بتهذيبه في قصر أبيه ببلدة «ميللي» ~~تحت رعاية أم حنون لم ترد منه إلا أن يكون مستقيما طيبا، وبعدما أتم دراسته في معهد ~~اليسوعيين خرج من بلده سائحا متجولا في إيطاليا وسويسرا سنة 1811، ومكث فيهما سنتين إلى ~~أن سقط عرش الملك، ورجع فانتظم في سلك الحرس، ثم ترك الخدمة عندما أسس «الريستوراسيون # 2 # الثاني»، وبعد بضع سنين عاشها بلا انتظام وضع في سنة 1820 كتاب «تأملات الشعر ~~الأولى»، التي أعلت شأنه ورفعته إلى مصاف فحول الشعراء، ونشر بعده بثلاث سنين «التأملات ~~الجديدة»، ثم «موت سقراط» و«آخر غناء الحج» و«شيلد هارولد»، وفي سنة 1829 ظهر مؤلفه ~~«الانسجام الشعري والديني»، وفي سنة 1830 انتخب في المجمع العلمي الفرنسي، وبعدما تجول ~~في الشرق بترف ورفاهية عين نائبا في مجلس النواب؛ فلعب دورا عظيما في الخطابة والشعر، ~~ولشهامته وعلو أفكاره تبوأ منه المحل الأرفع. # ثم وضع تباعا «رحلة الشرق» سنة 1835، و«جوسلين» سنة 1836، و«هبوط ملاك» سنة 1838، ~~و«التفرغ للقريض» سنة 1839، ثم عرج على التاريخ فوضع كتاب «الجيرونديين» # 3 # سنة 1846، وإن كان كثير الخياليات، لكنه آية في البلاغة ومن الكتب ~~الخالدة. # وبعد قليل كان في رأس الحركة الثورية، ولما أسست الجمهورية الثانية كان عضوا في الهيئة ~~الحاكمة المؤقتة ووزيرا للخارجية، وقد حازت الخطبة التي ألقاها في 25 فبراير ضد الثورة ~~استحسانا وشهرة. # ووجد نفسه في 15 مايو عاجزا عن مقاومة الجمعية العمومية، وقد أجهزت عليه أيام شهر يونيو، ~~فلم يحز في الجمعية التشريعية إلا انتخابا جزئيا، ثم أبعده استبداد شهر ديسمبر عن ~~السياسية نهائيا. # وأشهر مؤلفاته بعد سنة 1848 «المسارات» سنة 1849، و«جينفييف» و«نحات أحجار سان بوان» ~~سنة 1851، و«جرازييلا» سنة 1852، و«دروس علوم الأدب» سنة 1856. # وكانت أواخر أيامه كلها بؤسا متواصلا، وعاقبه كده واجتهاده بالفقر المتواصل، وألجأه نكد ~~الأيام لأن يقبل من الحكومة الملوكية 500000 فرنك هبة يعيش ms13 من ريعها سنة 1867، ومات بعدها ~~بسنتين سنة 1869 في دار بباسي «من ضواحي باريس القديمة» التي منحها من مدينة باريس. # وكان كتابه «تأملات الشعر الأولى» لفرنسا شعرا جديدا خرج من صميم فؤاد الشاعر، حاويا ~~لدقة الصناعة وحماسة اللهجة وسلاسة النظم، ترجم فيه عن انفعالاته وآلامه غير ما حوى من ~~المباحث الفلسفية والدينية، أما كتابه «الانسجام الشعري والديني» فيعوزه كثير من صفات ~~السابق، ولقد بهر الناس بكتابه «جوسلين»، وهو رواية نظمية من أبدع ما كتبه، وإن كان انتقد ~~في بعض مواضع منه لتقصير في صوغ القريض، فإن عددا عظيما من صفحاته كان نموذجا للنظم ~~ومثالا للبلاغة والفلسفة. وأما مؤلفه «التفرغ للقريض » فإن العيوب تشوبه من كل ناحية، وهو ~~غزير المادة عظيم الفكرة، ولكنه ضعيف الصياغة وبه بعض قطع رقيقة العبارة دققية ~~الإشارة. # وقد انتقده أحد الأدباء العصريين «المسيو لانتيلاك» في كتابة «علوم الأدب الفرنسية»؛ ~~فأنحى عليه بمر الانتقاد، ولكنه مصيب في رأيه، حيث قال: «كان لا مارتين نائبا وخطيبا، ~~ولكنه ليس بالرجل السياسي، وكان في آخر عهده بمجلس النواب يجلس بينهم وكأنه في عالم آخر، ~~ويتكلم ويذهب قوله من النافذة أدراج الرياح، ومؤرخا وليس من فرسان ميدان التاريخ، ~~وروائيا كثير التكلف دون أن يكون له صفة في الفن، ومنتقدا وليس للانتقاد أهلا، وناثرا ~~ولم يوهب سلامة الذوق في النثر، ورغما عن تقلبه في جميع هذه الفنون، فإنه لم يتقن غير ~~صناعة القريض التي امتاز بها وحدها، وبرز فيها على الأكثرين من فحول الشعراء.» # كلب المنفرد # Le Chien Du Solitaire # لهفي على من يلج داره القفرة الموحشة، ولا يرى عند اقترابه نافذة مفتوحة، أو تحدثه ~~نفسه بمن يلقاه عند قدومه بالإيناس والترحاب، أو يحفل به من أخت أو حليلة أو أم يرقبن ~~عودته رقبة الأعياد، ويستطلعنه بالطلائع والرواد، ويعددن خطواته، ويتهللن بشرا وفرحا ~~عند إقباله حتى تكاد جدران البيت تنتعش وتدب فيها الحياة لتكلأه # 4 # بصنوف الوقاية والحنان. # شتان بين سعادة هذا وشقاء وحيد منفرد يدخل ذراه صامتا؛ فلا يسمع وقع خطوات ms14 تلقاه أو ~~صوتا يرن في أذنه، أو يجد فردا يشاطره آلامه ويقاسمه شجونه غير هذا الكلب الودود ~~القديم الذي ينبح حينما يسمع خطاك. ولا قلب يفكر فيك وينتظر مجيئك سواه. # وعينه التي تشاهدك في حلك وترحالك وإن كانت لا تستطيع البكاء، لكنه حينما يراك باكيا ~~يفهم حالتك؛ فيكاد يتفطر منه القلب رحمة وحنوا لك، لا يرفع عينه من مرمى نظرك، ولا ~~يحولها عنه، وإن غبت أصبح حائرا يقلب طرفه في أنحاء البيت كأنه ينشد ضالة. وإن هذا ~~ليأخذ بمجامع القلوب، بيد أنه من الغرابة بمكان. # أيها الكلب الأمين! إن الله يعلم ما بيننا من البون الشاسع والفرق البين بين إلهامك ~~وعقل سيدك، وهو وحده الذي يدري سر ارتباطنا. # حياتك في النظر إلى سيدك وموتك في موته، وأي شفقة وحنو منحتهما من الخالق حتى إنك ~~لتحب من يكرههم جميع الناس؟! # وإن كنت - أيها الحيوان - راقدا في مواطئ النعال، فلا أذكر أن قدمي مستك يوما ما ~~احتقارا، كما أني لم أزجرك قط بكلمة تجرح حنانك ورأفتك، لم أرغب عن ملاطفتك أو أمل ~~منها، وما برحت محترما طيبتك وإخلاصك اللذين لا يوصفان، وحامدا الخالق على هذه المنحة ~~التي أودعها فيك وجملك بها. # وكما ينبغي لنا أن نحترم أحقر مخلوقات الله أجد منك بجامع الخلقة والعواطف الشريفة ~~مخلصا وصديقا حميما. # وحينما تقع عينك على عيني تتناجى النواظر وتترجم عن القلوب، وإن ألم بي السهاد، ~~وتجافى جنبي عن الوساد، وأنت بجانب سريري بالمرصاد، يكفي لإيقاظك نفس مضطرب ~~مني. # تقرأ شجوني في عيوني الكسيرة، وتبحث عن همومي في ثنيات أسرة جبيني، وتجتهد في تسليتي ~~بمداعبتي عاضا بلطف يدي المتدلية بجانبك. # وعينك كالمرآة الرائقة إذا واجهتها لا يلبث أن يرتسم فيها حزني وفرحي، ونفسك شريفة ~~عالية، وحبك لا تدركه العقول. # لست في القلوب شيئا وهميا تحتقره العواطف، أو جسما حيا تحركه الملاطفة، يخدع ~~الناظر بحركاته وتصنعه الوداد والرفق. # وحينما تنطفئ هذه العواطف الشريفة من عينك لا أعلم في أي سماء تنشر وتحشر، ولا ريب أن ~~الإنسان والنبات ms15 لا يموتان وتنعدم منهما الروح، بل يميتهما الخالق زمنا ما ليبعثهما ~~بعد أمد، ويجمع بين الأرواح وأجسامها، وقدرته عظيمة تسع جميع الخلائق وسنتحاب في ~~الآخرة كعهدنا في الدنيا. # ومهما كان البون # 5 # عظيما بين الإنسان والعجماوات والنباتات، فإن الحب المتبادل بينه وبينها ~~سيخلد ولا يتغير في الدار الآخرة، كما أن القادر لا يطفئ نوره الذي يتلألأ في نجوم ~~الليل الشائقة، وكذلك نظر هذا الكلب الأندلسي الفاتر الذي يشف عن الحنو والشفقة ~~والأمانة، وهو الذي كان يقود الأعمى الفقير وأودى حزنا على لحده. # تعال أيها الصديق الحميم الذي يأنس ويطرب من وقع أقدامي وأنا داخل البيت، ولا تظن أني ~~سيحمر مني الوجه خجلا أمام الخالق لحبي لك ، هيا جفف مدامع عيني المغرورقة بأسانك، ~~وأدن قلبك من فؤادي لنتمتع بحبنا ونثمل برحيقه. # العزلة # L’lsolement # طالما كنت أجلس في الجبل تحت ظل شجرة من البلوط، وقد خيم الحزن على صدري، فكنت أسرح ~~الناظر في السهول التي نشرت أمامي أحاسن محاسنها يتلو بعضها البعض، وقد أخذت زخرفها ~~وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وقد آذنت ذكاء بالغروب مرتدية حلتها الصفراء تعلوها ~~الكآبة، ولا أدري إن كان ما ألم بها توجعا ورحمة لي أو من ألم البين والفراق. # أمامي النهر يزمجر بأمواجه الزاخرة المزبدة، وينساب كالأفعى وسط الرياض، وهناك ~~البحيرة الساكنة كالمرآة الصقيلة، وقد ارتسم كوكب المساء على صفحات الماء، وكانت الجبال ~~التي تحوطني متوجة بغابات قاتمة رمى عليها الشفق أشعته الأخيرة. # لم تك هذه المناظر الجميلة لتروقني أو تنفحني ببعض سرور ينعش القلب، بل كنت أشاهد ~~الأرض كظل متنقل، كما أن شمس الأحياء لا تدفئ الأموات. # كنت أنقل الناظر من أكمة لأكمة، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب؛ فلم ~~أظفر بهناء يخفف ما بي من ألم الكآبة والوحشة. # ماذا تفيدني هذه الوديان والقصور والأكواخ التي لا أعبأ بها؛ إذ لا أجد فيها ضالتي ~~المنشودة، وما كانت لتشرح صدري هذه الأنهار والصخور والغابات مع ما أنا فيه من الانفراد ~~والعزلة، وإن غاب عن ms16 عيني عزيز واحد فالدنيا بأجمعها تكون أمامي قفرة موحشة. # لا أحفل بشمس تتبعها عيني في مسيرها من الشرق إلى الغرب جارية في سماء صافية أو ~~مكفهرة؛ إذ لا أنتظر شيئا من الأيام. # وإن استطعت أن أتبعها في مجراها لكنت أشرف على الجو والصحاري، ولكني لا أرغب في شيء ~~من جميع ما تنيره ولا أطلب أمرا من هذا العالم العظيم. # ولكن ربما كان بعد هذا الكون عالم آخر تضيئه الشمس وتظله سماء أخرى، ولو تسنى لي أن ~~أترك جثماني في الأرض، وأصعد بروحي إلى السماء لأنظر بعيني ما أراه في الأماني ~~والأحلام، فهناك أنتشي من رحيق المنبع الذي آمله، وأجد ما أتطلبه من الأمل والحب، وهذا ~~غاية ما تشتهيه الأنفس، وليس له اسم في المقام الدنيوي؛ فلم بعد ذاك أمكث في الدنيا دار ~~النفي؛ إذ لا علاقة لي بها ولا شأن لي فيها. # مثلي كمثل الورق الذابل حينما يتساقط من الغابات في المروج، فتحمله الريح إلى ~~الوديان، فاحمليني مثلها أيتها الشمأل العاتية! # الخريف # L’Automne # سلام أيها الغاب المتوج ببقية من الخضرة، وقد اصفرت منك الأوراق وذبلت فتناثرت على ~~العشب. سلام أيتها الأيام الأخيرة من دولة الجمال والهناء، وإني ليروقني النظر إلى حداد ~~الطبيعة على محاسنها التي انقضت وفاتت إذ أجرع ما تجرعه من الألم، وبودي لو أنظر ~~النظرة الأخيرة لشمس باهتة تكاد أشعتها الضئيلة تنير ما تحت قدمي من ظلمة الغاب، وفي ~~هذه الأيام من الخريف التي تحتضر فيها الطبيعة أجد في نظراتها التي يغشاها الموت ~~ارتياحا وابتهاجا، وإن هذا لوداع من حبيب وابتسامة أخيرة من شفتين اقترب منهما دبيب ~~الموت ليطبقهما إطباقا لا انفتاح بعده. # وحري بي وقد كدت أتأهب لفراق أفق الحياة باكيا أياما طوالا وأملا لم أدركه أن ~~أرجع على عقبي، وأشاهد بعين ملؤها الحسد نعما لم أتمتع بها. # أيتها الطبيعة الجميلة الحلوة بأرضها وشمسها ووديانها، لك عندي دمعة أؤديها وأنا على ~~شفا الرمس؛ فالهواء يتضوع نشره والضوء زاه نقي، والشمس تحلو وتجمل في عين ~~المائت. # إني أود ms17 أن لا أبقي في هذا الكم # 6 # قطرة مما امتزج فيه من الرحيق ومرارة العيش، ولكن ربما بقيت في هذه الكأس ~~التي شربت منها الحياة قطرة من العسل، أو ينظر إلى المستقبل بعين عنايته ويرجعني إلى ~~السعادة والهناء، اللذين خاب فيهما الرجاء، أو أجد بين هذه الجموع روحا لا أعرفها علمت ~~جلي حالي فأقبلت لتنيلني مناي. # وحينما تسقط الزهرة ترد طيبها إلى الصبا، وحياتها إلى الشمس، وتودع الدنيا بين ~~يديهما، بينما أموت وروحي وهي في النزع يسمع لها نغم شجي تذرف له العيون وتخفق منه ~~القلوب. # قرية من جبال الألب # Un Village des Alpes # يرى الناظر جبال سافوا الشواهق وقد اكتست بحللها السندسية، وتجلببت برياضها الأريضة ~~الغناء، وسد الصخر مسالكها؛ فلا يشاهد فيها الإنسان غير المهاوي التي ترتعد منها ~~الفرائص، وتقشعر منها الجلود؛ إذ يرى نفسه معلقا في الفضاء، فوقه السماء وتحت قدميه ~~مهوى سحيق تهلع من هول رؤيته القلوب. # لم يترك الصفا محلا للطين إلا الصدوع # 7 # فتكاد تنشب فيها الأشجار جذورها والبزور شطأها، وقد عظم بهذه المواطن ~~القسطل، ورسخت أصوله في فروج # 8 # الصخور، وتدلت أفنانه فوق المهاوي السحيقة المظلمة، وانتثر فيها المنثور ~~وتضوع شذاه. # ترى ما استوى من أعالي الجبال وهي في لونها الأزرق ومسالكها البيضاء، وعلى كثب منها ~~حقول البر على وشك الحصيد، وقد أزرت صفرته بالعسجد، والغابة الحالكة وهي وسطه كنقطة من ~~العنبر في صحيفة من الذهب، وانعكست ألوان السماء على صفحات ماء البحيرات، وهو في سكونه كماوية # 9 # الحسناء، وقد نبت تحت ظلال القسطل # 10 # الوارفة الكلأ # 11 # الأخضر الغض، فترى سوقه التي قرضتها ثنايا الغزلان والأروى؛ فغلظت واخشوشن ~~زغبها، وتخلله قطر الندى كمنثور الدرر أو دمع العاشق. # وفي فصل الربيع - وهو أقصر من ابتسام البرق - يثمل نسيمه من أريج وروده وأزهاره، وقد ~~أحاطت بالأفق جبال من الثلج بيضاء ناصعة، تأخذ بالأبصار كقوارير البلور، وحينما تهدأ ~~العواصف وتظهر قمم الشواهق ترى السماء صافية لابسة ثوبها اللازوردي. # وفي هذه العزلة لا تسمع إلا أصوات الصبيان ms18 وخوار العجول وصوت الجلاجل المعلقة ~~برقابها، فترن من قفزاتها وطفراتها، وخرير السيول المتحدرة من أعالي الأطواد مما ينساه ~~السمع لكونه اعتاده وألفه. وهذه الأصوات بمجموعها أشبه بصوت صادح لا ينقطع غناؤه ~~الجهوري الرنان. # وانتثرت الأكواخ تحت الأشجار في ظلها الظليل من غير نظام ولا ترتيب، وكأنها نبتت كما ~~تهوى مع هذه الغرائس، وترى أهلها المساكين يتقاسمون بينهم الدعة والسكون، راضين بعيشهم ~~الهنيء، وكل يمرح تحت ظل شجرته وأمامه حقله، فتراه في الصباح على باب داره، وفي المساء ~~داخلها وقد اكتنفهم الصفاء وخيم عليهم الهناء. # زهرة جافة في كتاب # A une Fleur séchée dans un album # عاودتني الذكرى فتذكرت يوما اختلسناه وذهبنا إلى شاطئ البحر وقد رقت وراقت السماء، ~~ولم يشب صفاءها غيم ولا إعصار، تظلنا شجرة من البرتقال كاسية من زهرها الأبيض الناصع ~~تضوعت رياها فثملنا من عرفها الشذي. # أمامنا بحر أزرق يعب عبابه ولا يرى له ساحل، وكانت أزهار البرتقال المتناثرة تهاوى ~~على رأسي وتجللني كمطر من الثلج، وقد جمل الكلأ الأرض ببساطه الأخضر وتخللته أزهار ~~جميلة متنوعة ينبعث منها عبق لطيف عطر الأرجاء والأندية بنشره. # أيتها الشجرة النابتة بجانب المعبد الدارس الذي بطش به كر الغداة ومر العشي. لقد توجت ~~هذا العماد بأفنانك النضرة، وازدان هذا الطلل البالي بزهرك المونق، ولقد قطفتك أيتها ~~الزهرة البديعة البيضاء، ووضعتك فوق صدري لأنتعش من استنشاق طيبك ونشرك، والآن وقد ~~انقضى ذاك اليوم بسمائه ومعبده وبحره وشاطئه، وحملت السحب عرفك وسارت به إلى حيث تشاء؛ ~~أجد وأنا أقلب صفحات كتابي رسوما عفت وآثارا درست من يوم جميل هنيء. # | ألفريد دوموسيه1 # نادرة من فحول شعراء الفرنسيس، ولد بباريس سنة 1810، ومات بها سنة 1857، وهو ثاني أنجال ~~«موسيه باتي»، تعلم في كلية هنري الرابع، فكان من أقرانه فيها «الدوق دورليان»، وبعدما تردد ~~بين الحقوق والطب والرسم والموسيقى انقطع لعلوم الأدب. # وفي الثامنة عشرة من عمره ألحق بالمعهد الأدبي عند «نودييه»، وكان مخصصا للمذهب المطلق # 2 # فوضع بعد دخوله بسنتين كتاب «قصص إسبانيا وإيطاليا» سنة 1830؛ فكان ms19 له استحسان ~~عظيم و«دون بايز» و«الأندلسية» وقصيدة في القمر وغيرها، فكانت من نفثات أقلامه وهو في شرخ ~~شبابه، مما سحر الناس برقته المتناهية في الشعر ورشاقته البديعة في صوغ القريض؛ حتى نهض ~~بالمذهب المطلق ورفع شأنه. # وقد حلى طروس «مجلة باريس» ببدائع رواياته مثل: «أدعية لا تجدي»، و«أوكتاف»، و«فكر ~~رفاييل السرية»، ثم ظهرت رواياته التمثيلية: «ليلة في فينزيا»، و«منظر في كرسي» سنة 1832، ~~و«الكأس والشفتان»، و«فيم تحلم الفتيات؟» رواية لطيفة، و«شجرة الصفاف» مرثية، و«نامونا» ~~قصيدة طلية بلهجة تهكم رقيقة. # وعلاوة على اقتداره النادر في بث تأوهاته التي تكاد تسمعها من بين سطوره، فإنه كان يجاري ~~بعض الشعراء في مذاهبهم، لا سيما «بيرون» الشاعر الإنكليزي المشهور، ونخص بالذكر «رولا» ~~سنة 1833؛ فإنها من أسلوب الشاعر السابق، ولها رنة مؤثرة فخم فيها الهيام. # ثم أصابته نوبات وقلاقل حولت ذكاءه من طور إلى طور أرقى منه سببه له الحب؛ إذ أحب «جورج ~~صاند» الروائية الشهيرة وأحبته، وسافر معها في شتاء سنة 1833 إلى إيطاليا متنقلا بين جنوه ~~وفلورنسا وبولونيا وفيرار، ثم ألقى عصا الترحال في فينزيا، وهناك شجر بينهما خلاف شديد أفضى ~~إلى الانفصال بسبب انقلابها وخيانتها عهده؛ فرجع إلى باريس وحده في أبريل سنة 1834، وقد ~~أنهكته الشجون وتيمه الهوى المبرح وسحقته هذه التجارب، ولكن كان لها الفضل لكونها صيرته ~~شاعرا مجيدا من أوائل الشعراء، كما أشار بذلك في عرض كلامه في قصيدة «ليلة من تشرين ~~الأول» حيث قال: # وقصارى الكلام أن بليتك هي التي أنارت قلبك، فالفادحات والأوصاب بمثابة المعلم، ~~والإنسان كالطفل المتعلم وبقدر الرزايا تكون المعارف؛ وإنها لشرعة قاسية ولكنها ~~حكمة بالغة قديمة كالدنيا ونكدها. # ومن سنة 1835 إلى 1840 ظهرت معجزات قريضه ونثره وصوت آلامه في الحب والشك والسلوان، وهي ~~«لياليه الأربعة» التي سارت بذكرها الركبان: «ليلة من أيار» و«ليلة من كانون الأول» و«ليلة ~~من آب» و«ليلة من تشرين الأول». # ففي الأولى يبكي «موسيه» من خيانة حبيبته، ويعرض عن الطيف الذي يدعوه إلى الغناء، وفي ~~الثانية يبحث في العزلة عن شفاء آلامه ms20 وأوصابه، وفي الثالثة يعاود قسمه بأن لا يفتح قلبه ~~للحب، وفي الرابعة يزعم أنه طاب ويود أن يقص أخبار آلامه التي يدعي أنه برئ منها، ولكنه ~~عندما سردها كادت تجهز عليه وطأة الانفعال، فأخذ الطيف عليه موثقا بالغفران ~~والنسيان. # وهذه الليالي مع «رسالته إلى لا مارتين» و«تذكار» هي التي رفعته إلى مصاف فحول الشعراء ~~الذين يشار إليهم بالبنان، ولم يلهم شاعر غيره أن يوفق للإتيان بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا. # يأخذ العجب القارئ لم خص هذا الشاعر وحده بهذه الهبة الجليلة؟! هذا لأنه أحرقه الجوى، ~~وبرى أعظمه الهوى، وأذاب ما على فؤاده من الحجب؛ فاستنار بنور الحب عقله وجنانه، فكان يعبر ~~عن وجدانه وشعوره كما يصف الناظر المرئيات، وغيره لم يجمع بين الوجد المبرح والبلاغة ~~الساحرة ؛ فتراه مهما كان مقتدرا على القريض، وحاول أن يصف الهوى، فإنه لا يصفه إلا وصفا ~~خياليا سمجا تمجه الأذواق وتزدريه الأذهان. # وبعد «الليالي» ظهرت قصيدته «الأمل في الله» ورواية قصصية كبيرة كتبها نثرا وسماها ~~«اعتراف طفل من أبناء الجيل» سنة 1836، سرد فيها الشاعر - وقد قارب الشفاء - ما انتابه من ~~مضض الآلام، ثم «نعمة طيبة» وهي بديعة النظم شائقة المعاني. # وكتب عددا عظيما من الروايات التمثيلية كان لها نصيب وافر من الرقة والبلاغة تماثل في ~~أسلوبها روح شكسبير، منها: «فانتازيو»، و«أهواء ماريان» سنة 1833، و«لورينزاشو»، و«لا يمزح ~~بالحب» سنة 1834، و«باربيرين» سنة 1835 وغيرها. # وفي أواخر أيامه أنهكه التعب والمرض من الإفراط في الملذات # 3 # فضعف ذكاؤه، وفي سنة 1852 انتخب في المجمع العلمي الفرنسي بعدما وهت قواه ~~الجسدية والعقلية، وما فتئ مرعيا في فرنسا بأنه أكبر الشعراء في الحب وأصدقهم وأشدهم ~~تأثيرا. # ليلة من تشرين الأول # La Nuit d’Octobre # الشاعر ~~: # أصبحت والحمد لله لا أتذكر مما تكبدته من الآلام فيما سلف من الأيام. إلا ~~كطيف خيال أو ضباب خفيف أهاجه الفجر، ثم لاحت بعده تباشير الصباح ونفحات النسيم ~~العليل بين الندى البليل. # الطيف ~~: # ما الذي دهاك يا شاعري؟! وأي عناء خفي أن منه قلبك حتى ms21 صرمت حبالي ~~وصرت أتلهف لسبر هذا الداء الكمين الذي طالما أنضب مني الدمع؟! # 4 # الشاعر ~~: # قد كان ألما معروفا بين الخاص والعام، ولكنا إذا شعرنا ببعض السأم حل ~~القلوب تصورنا لقصر العقول أننا أول من أحس بالداء. # الطيف ~~: # إنك لأرفع مما اتصفت به، فالنفس العلية لا تتألم من الحادث الجلل، وما الذي ~~حرك منك الآن أيها الحبيب ما سكن من أليم الذكرى؟! فافتح لي صدرك وخبرني عن ~~موضع دائك فقد لقيت من لا يضيع عنده السر، وإن السكوت لأخو الموت، وفي الشكوى ~~إلى أخي المروءة سلوان وعزاء، كما قد ينجي الكلام من وخز الضمير ~~والندم. # الشاعر ~~: # وحيث لا مناص لي الآن من بث الشكوى، وشرح ما صدع الفؤاد من الهم والبلوى، ~~وإني لأحار في تسمية هذه الآلام أحب أم جنون أم كبرياء؟! ولا أدري إن كان أصاب ~~أحدا قبلي ما أصابني منه، وحيث خلت بنار الدار فاجلس لأقص عليك الحديث وهاك الكنارة # 5 # فأيقظ مني الفكر بنغماتك العذبة. # الطيف ~~: # خبرني يا شاعري قبل سرد أوصابك وأشجانك إن كنت برئت منها وعوفيت، فتكلم ودع ~~الحب والحقد جانبا، ولو فكرت أني وسمت بأحب الأسماء وألطفها ألا وهو ~~المعزي المسلي نافي الأحزان والأتراح؛ فلا يجربك الظن أني كنت قرينك فيما ذهب ~~عنك من الجوى المبرح. # الشاعر ~~: # قد انقشع الداء وتم الشفاء، ولم يبق منه في الذاكرة إلا خيال، وحينما يدور ~~بخلدي ذكر المواطن التي خاطرت فيها بروحي أتخيل أني أرى مكاني إنسانا غيري، ~~وأني لست بطل القصة؛ فهيا نتجاذب أطراف الحديث باطمئنان ونتساجل بث الشكوى، فما ~~أحلى البكاء والابتسام عند تذكار الأوصاب التي يتسنى لنا نسيانها. # الطيف ~~: # أحنو وأعطف على قلبك المنفطر كأم حنون ساهرة بجانب ولدها المحبوب، وإني ~~لأرتعد كالريشة في مهب الريح فوق هذا القلب الذي طالما كاتمني ما انتابه من مضض ~~الوجد ولوعة البين، وهأنا يقظ وكنارتي مهيأة لرقيق النغم وشجية لتتبع لهجة صوتك ~~الحزين علي أنفي عن قلبك ما علق به من الهموم والآلام. # الشاعر ~~: # لا يعد من عمري ms22 إلا ما قضيته في العمل؛ فحبذا الوحدة وحمدا لله الذي حبب ~~إلي الانقطاع عن العالم وانعكافي في غرفة مطالعتي هذه كمسكين بائس، ولكم ~~أقفرت بي الدار، وافترش الغبار المقاعد، ولا أنيس لي إلا المصباح؛ فنعم هذا ~~القصر بل كوني وعالمي الصغير ... وأنت أيها الخيال الخالد، هلم نغني فإني أحب ~~أن أطلعك على أعماق قلبي، وسأقص عليك ما تحدثه المرأة من المصائب، وما رمتني ~~بها إحداهن وربما لا تجهلها. قد سلبتني النهى وصرت لها كالرقيق فاقد الإدارة ~~والقوة. بيد أني كنت أحسبني راتعا في بحبوحة الهناء والسعادة، وكنا نتمشى على ~~كثبان الرمل الفضي على مقربة من الغدير، وأمامنا على مرمى النظر شجر الحور ~~الأبيض، يعبث النسيم بقامته الطويلة الهيفاء، التي كانت بمثابة دليل على الطريق ~~الذي نؤمه، وكنت أرى في ضوء القمر هذا الجسم الجميل يتثنى بين ذراعي كماء ~~الجداول ونحن سكوت والهوى يتكلم. # وما كنت لأفكر لأي شأو تطوح بي السعادة والهناء، ولا ريب أن نار الغضب التي ~~اتقدت في قلوب الآلهة كانت في حاجة لقربان تأكله؛ لأنها حنقت علي واقتصت مني ~~لكوني أردت من باب التجربة أن أكون سعيدا. # الطيف ~~: # إن خيال التذكار الهنيء جاء طارقا ذاكرتك ليخيم في رسومه القديمة، فلم لا ~~ترغب أن يسير سيرته الأولى، وذلك خير من جحود أيامك الحلوة الرغدة، وإن كنت قد ~~عثر بك الجد أيها الفتى فاعمل على شاكلته وابتسم لأيام حبك الأولى. # الشاعر ~~: # كلا فخليق بي أن أبتسم لأيامي المنكودة كما أنبأتك من قبل أيها الخيال، وإني ~~أود أن أقص عليك بلا تأوه ما انتابني من الأماني والآلام والبحران # 6 # والزمان والمكان. # ففي ليلة على ما أذكر من تشرين الأول كئيبة قرة # 7 # هي وليلتنا هذه صنوان أو توأمان، وكانت رياحها تعصف بنغمة واحدة؛ ~~فتحرك من رأسي التي أجهدها النصب ما سكن من مر الشجون والأتراح، وكنت مشرفا من ~~النافذة منتظرا حبيبتي منصتا كأن على رأسي الطير في ظلام حالك؛ فجاش القلق ~~بخاطري وساورتني الظنون والأوهام، حتى مثلت أمامي الخيانة، وكان ms23 الحي الذي ~~أسكنه معتما قفرا لا يرى فيه إلا نفر قليل من السابلة # 8 # بأيديهم مصابيح. # وكان كلما هب النسيم من الباب يسمع له على بعد صوت أشبه بأنين إنسان، وما ~~أدري كيف أعبر عما دار بخلدي من التشاؤم حتى غبت من القلق والحيرة عن الصواب. ~~وأذكر أنه بقي لي مسكة من القوة فلما دقت الساعة اقشعررت وارتعدت فرائصي ولم ~~تقبل بعد؛ فبقيت وحدي مطرق الرأس أسرح الطرف في الطريق، وإني لم أخبرك بعد بأية ~~جرأة أضرمت هذه المرأة المتلونة في قلبي نار الحب؛ إذ كنت لا أحب غيرها في ~~العالم ولا أستطيع أن أحيا بدونها يوما واحدا، فتمثل لي النحس بصورة أبشع من ~~الموت، ولأفصم ما بيني وبينها من عرى الألفة والمحبة لم أدع في جعبة اللعن ~~لفظا أو معنى للغدر والخيانة إلا ووسمتها به، وانتظمت أمام ناظري جميع ~~المصائب التي رمتني بها فلم يفتني العد والحصر؛ فوا أسفا على ذكرى جمالها ~~المشئوم! فكم سببت لي من بث وهم لم يلطفهما سلوان ولا عزاء. # فما عتم أن لاح الفجر وأنا منتظر بغير طائل ولا جدوى، وكنت بجانب الشرفة ~~وقد داعب النعاس عيني فأغفيت، ثم صحوت فرأيت تباشير السحر، فرددت طرفي فجأة في ~~أطراف الطريق الضيق؛ فسمعت وقع أقدام خفيفة فقلت: اللهم تداركني بقوتك، فإني ~~أراها وهي عينها، فدخلت فقلت لها: من أين أقبلت وما فعلت الليلة؟ # أجيبيني.ماذا تبتغين مني؟! وما الذي طوح بك إلي في هذه الساعة؟ وأين استلقى ~~هذا الجسم اللطيف إلى الصباح مع أني لم أبرح مكاني وحيدا ساهرا باكيا؟ أين ~~اضطجعت ولمن جدت بابتسامك؟ يا لك من غادرة خائنة جسورة! أمن الممكن أن تجيئيني ~~لتقديم ثغرك لقبلي؟! فهيهات هيهات لما تبغين، وبأي شوق قبيح تجترئين أن ~~تعانقيني بأذرع مل منها وملت؟! فاذهب واغرب عني يا خيال الخليلة، وارجع إلى ~~رمسك إن كنت أنشرت منه، ودعني أنسى زمن صباي مدى حياتي، وإذا تذكرتك تحققت بأن ~~لست إلا في عالم الأحلام. # الطيف ~~: # ناشدتك الله أن تلطف ما بك؛ ms24 فإني أقشعر من حديثك، وإن جرحك أيها الحبيب مهيأ ~~للانفجار ثانية إذ اندمل على الصديد والأذى، واها لدنيا لا تنسى مصائبها ~~عاجلا إلا بعد كر السنين، فانس جهد استطاعتك مضض الأيام واطرد اسم هذه المرأة ~~التي لا أريد تسميتها من ذاكرتك. # الشاعر ~~: # خزيا لك يا من هي أول من علمتني البغض وأفقدتني الرشد من الغضب والانزعاج. ~~تبا لك أيتها المرأة التي سحرتني بعينيها فوقعت في حبالة هذا الحب المشئوم ~~الذي أقبر ربيعي وأيام هنائي في عالم الخيال، وإن صوتك وابتسامك ونظرك المفسد ~~المضل لهي التي علمتني اللعن والسباب، ورماني في مهاوي اليأس صباك الفتاك ~~وجمالك الفتان. # عار عليك فإني لم أك بعد إلا ساذجا كالطفل، وكان قلبي كزهرة في الفجر لم ~~تتفتح من أكمامها إلا لحبك، ولا ريب أن هذا القلب الذي لم يجد له غوثا ذهب ~~فرطا، ولو تركته براء لكان أسعد حظا، فضحا لك يا علة ضري ووسواسي يا من ~~فجرت ينابيع الدمع من آماقي وجفوني، ولبث سائلا مسترسلا لا مجفف له نابعا من ~~جرح لم يبرأ بعد، ولكني سأتطهر في هذا الينبوع المر علي أترك فيه درن تذكارك ~~الممقوت. # الطيف ~~: # حسبك ما قاسيته من هذه الخائنة، وحيث إن أمانيك لم تلبث إلا عشية أو ضحاها؛ ~~فلا تفضح هذا اليوم حينما تذكرها، وإن أردت أن تحب فاحترم الحب. # خلق الإنسان ضعيفا فتراه لا يقوى على الغفران لمن أساءه إلا بجهد جهيد، ~~فاغنم الراحة من عذاب البغض والحقد، وإن أعوزتك المسامحة فعليك بالنسيان، وكما ~~أن الموتى نائمون هامدون في بطون اللحود يلزمنا أن نخمد عواطفنا في رموس ~~القلوب. وذخائر الأفئدة المغبرة يجب علينا أن لا نمد يدا إلى بقاياها المقدسة، ~~ولم أراك تئن من سرد مصابك وعذابك، وتبتغي أن لا تراه إلا في عالم الرؤيا أو ~~كحب كاذب كبرق خلب. أتخال أن القضاء يسير بغير حكمة ولا سبب، وتظن أن الضربة ~~التي أصابتك ضربة طيش، كلا فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وربما كان ما ~~أصابك واقيا لك ms25 من أعظم منه، وقصارى الكلام أن بليتك هي التي أنارت قلبك؛ ~~فالفادحات والأوصاب بمثابة المعلم، والإنسان كالطفل المتعلم، وبقدر الرزايا ~~تكون المعارف، وإنها لشرعة قاسية ولكنها حكمة بالغة قديمة كالدنيا ونكدها. نحن ~~في حاجة للبكاء لنحيا ونشعر كالحصيد يعوزه الندى ليدرك، والسرور رمزه نبات ~~مقطوع مغطى بأزهار تميل أعناقها من الندى. ألم تشف من جنونك ولم تزل في ~~عنفوان شبابك سعيدا محبوبا؟! وهذه المسرات الصغيرة هي التي ترغب الناس في ~~الحياة، وإذا كنت لم تذق طعم البكاء ماذا تكون حالك؟ أكنت تهنأ بآصال تمرح فيها ~~بين شجيرات الخلنج مع صديق قديم تشربان وتتسامران؟! أكان يسوغ لك كأسك إن كنت ~~لم تذق طعم البشر والفرح؟! ألا تحب الأزهار والمروج والرياض وشعر بترارك # 9 # وتغريد الطيور الصادحة وميكيل إنج # 10 # والفنون الجميلة وشكسبير # 11 # ومحاسن الطبيعة؟! ولولا بعض تأوهات قديمة لما كنت تفهم شجو السموات ~~وطربها الذي لا يوصف، وسكون الليل، وخرير الأمواج، ولو لم تعتورك الحمى والسهاد ~~ما كنت في الراحة الأبدية ولما كانت لك خليلة جميلة تقاسمها صنوف المسرات والملذات. # 12 # الشاعر ~~: # لقد قلت حقا فالحقد ممقوت، وما كان ذاك إلا قشعريرة ملؤها الانزعاج تحدثها ~~هذه الأفعى حينما تزحف في القلوب، فأصخ لي أيها الخيال وكن شهيدا لهذا اليمين: ~~قسما بعيني حبيبتي المزريتين بالزمرد، والجو والسماء، والشمس المشرقة في الأفق ~~كدرة متدحرجة، والطبيعة وعظمتها، والخالق وقدرته، والنور ولألائه، والنجم ~~العزيز عند المسافر، والمروج ونضرتها، والغابات ورهبتها، والحياة وسلطتها، ~~والعالم وحركته، إنني لطاردها من ذاكرتي، وسأعيش مسلوب الحجى من الوجد والشغف. ~~والساعة السعيدة هي التي أنساها فيها وأغفر لها ما قدمت وأخرت، وليعف بعضنا عن ~~بعض، ولنفصم عرى الحب الذي جمعنا أمام الخالق بآخر العبرات التي ستكون وداعا ~~إلى الممات. # والآن أيها الخيال البهي الطلعة أسمعني بعض الأغاني الشجية المطربة، أغاني ~~الأيام الهنيئة السعيدة، إذ الرياض تنفح بأريج شذاها، وقد اقترب الصباح، فهيا ~~أيها الخل الوفي نقتطف أحاسن أزاهير هذه الجنات. تعال نمتع الناظر بمحاسن ~~الطبيعة الخالدة التي تطرح الآن نقاب ms26 النوم، ولنعتبر أننا سنولد الساعة مع أشعة ~~الغزالة. # الفرس الوحشية # La Cavale Sauvage # كاد يودي بها الظمأ في مفازة # 13 # تستعر منها الرمضاء، # 14 # فهامت على وجهها ثلاثة أيام تبحث عن الماء؛ فلم تظفر به في أرجاء هذه ~~البطحاء، ثم أملت أن تجود عليها السماء بوابل يدرأ عنها غاثلة الغلة # 15 # في صحراء افترش الغبار نخلها وركد هواؤها، فترى جريد النخل متدليا لا حراك ~~به، وقد حمي وطيس الشمس، وأضحى الفضاء كتنور أكلبه السجر. # 16 # سارت متخبطة في هذه الجرداء # 17 # ترتاد بئرا تبل منها صداها، وأنى تجدها وقد جففته ذكاء، # 18 # وترى الأسد مضطجعة فوق الصفا # 19 # تحرق الأرم # 20 # من الغيظ. # شعرت هذه المهرة البائسة أنها رزحت تحت كلكل القضاء، وقد غلى الدم في عروقها، وانفجر ~~من منخرها؛ فخانتها قواها ووقعت مغشيا عليها، وشرب الرمل دمها بنهم فارتوى، وعرفت أنه ~~ما ضن عليها بالماء إلا وهو أظمأ منها، ثم تمددت وانطفأ نور عينيها النجلاوين؛ فأسلمت ~~الروح وأدرجت الصحراء فرسها - بل ابنتها - في أكفان من رمالها المضطربة. # أفات فرسنا المنكودة أن ترقب القوافل وهي مارة تحت ظلال الأشجار الوارفة، فما عليها ~~لتفلت من شقائها إلا أن تتبعها مطأطئة الرأس لتجد في بغداد الإسطبلات الرطبة المنعشة ~~والمذاود المذهبة والبرسيم المزهر الغض وآبارا باردة لم ترها السماء. # وإن كان البارئ قد خلقنا من طين واحد؛ فلابد أن يكون عجننا في آنية مختلفة الصلصال ~~وجففنا في شمس تكاد تتميز من الغيظ. # ومهما يكن المخلوق نسرا أو خطافا، فلا يستطيع أن يحني عاتقه أو يخفض جناحيه من ~~الذل؛ إذ ليس له من السعادة والهناء أعظم من كلمة واحدة، وهي الحرية. # زهرة # A Une Fleur # ما تبتغين أيتها الزهرة العزيزة التي هي أحب وألطف تذكار؟ ومن طوح بك إلي وقد بقي ~~فيك مسحة من النضارة والحياة؟! # قطعت طريقا طويلا طي قرطاس مختوم فماذا سمعت؟ وبم همست إليك اليد التي قطفتك من ~~الخمائل؟ # هل أنت إلا ضغث # 21 # يدب فيه الموت؟ أو متهيئ لأن يزهر ms27 مرة أخرى، أم أدرجت فيه فكرة؟ لهفي على ~~زهرتك أيها الضغث التي تماثل ببياضها الوداعة المحزنة. وورقك بلونه يشابه الأمل الخائف ~~المتهيب. # تكلم إن كنت تحمل إلي رسالة فقد لقيت من لا يضيع عنده السر. ليت شعري أخضرتك سر من ~~الأسرار ورياك # 22 # لغة من اللغات؟ فإن كان الأمر كما تحدثني به النفس؛ فناجني أيها الرسول ~~الخفي، وإن لم يك عندك شيء، فابق صامتا ونم على قلبي خفيفا رطبا. # إني لأعرف حق المعرفة هذه اليد التي ملئت فضلا وولعت بالأهواء، وعقدت كمك الباهت ~~بهذا الخيط الناعم، وإن هذه اليد لم يجد «فيدياس ولا براكسيتيل» # 23 # لها أختا؛ ليتخذاها نموذجا لما يصنعان من بديع التماثيل إلا يد الزهرة ~~ربة الجمال. # إنها لزهراء حلوة جميلة صادقة ويقال: إنها ستكون كنزا لمن أسعده الحظ فكانت له ~~عروسا، ولكنها حكيمة قاسية أخاف غضبها وشرها، فصه # 24 # أيتها الزهرة ودعيني أتيه في بيداء الأماني. # لوسيا # Lucie # كنت ذات ليلة جالسا بجانبها ، فانحنت على البيانو وتسربت إليه يدها البيضاء، وهي ~~غارقة في بحار أمانيها؛ فخيل إلي أني أسمع خرير الماء، أو أن النسيم مر على مقصبة # 25 # مشفقا أن يوقظ ما حط عليها من الطير. # وكانت ملذات الليالي الشجية تنبعث حولنا من أكمام الأزهار، وعلى كثب منا حديقة غناء، ~~بها القسطل والبلوط العتيق، تميل منها الجذوع تحت غصونها الميادة، ونحن منصتان لسكون ~~الليل، وكانت النافذة مفتوحة يمر منها أريج الخريف المنعش فعطر غرفتنا، وكانت الرياح ~~ساكنة والسهل قفرا، ونحن وحدنا تساورنا الشجون، ولم يك لنا من العمر إلا خمسة عشر ~~ربيعا. # نظرت إلى لوسيا فإذا هي بيضاء ذهبية الشعر، بعينيين لم أر أجمل منهما، تزريان بصفاء ~~السماء، فسرت في دمي نشوة جمالها؛ إذ كنت لا أهيم بغيرها وحبي لها كحب الأخ لأخته، ~~وكان الحياء يخامر كل بادرة منها. # وبينا نحن سكوت إذ مست يدي يدها؛ فرأيت جبينها الوضاح وقد ارتسم عليه الحزن، وكنت ~~أشعر أن لنضارة الوجه وشباب الفؤاد وهما توأمان ورضيعا لبان تأثيرا عظيما في ms28 شفاء ~~تباريحنا وآلامنا. # أشرق القمر في سماء نقية رائقة، وما لبث أن اشتملته مزنة # 26 # بيضاء كنسيج من اللجين. # 27 # وكانت ترى في صورتها مرتسمة تتلألأ في عيني، ويخيل إلي أن ابتسامها أشبه ~~بابتسام الملائكة، ثم غنت بصوتها الرخيم العذب: ~~... أيتها الموسيقى، إنك لبنت الألم! ولغة ابتدعها العقل لتترجم عن الحب، ~~أنزلها الله من سمائه إلى إيطاليا، ومنها جاءتنا بآياتها البينات، وهي ألطف ~~لسان للقلب يحمل فكره التي هي أشبه بالعذارى الخفرة # 28 # المتهيبة التي تخاف من ظلها وتمشي مختمرة # 29 # دون أن تخشى العيون. # ومن يعلم مبلغ ما يعقله أو يقوله غلام مثلي، حينما يسمع تأوهاتك التي تولدت من الهواء ~~الذي يستنشقه؟ تنهدات لها رنة حزن أشبه بقلبه لطيفة كصوته. # إن فاجأتها وجدتها ساجمة العبرات، وهذا غاية ما تعرفه، والباقي سر يجهله الناس كأسرار ~~اللجج وغياهب الغابات! # كنا وحدنا تخامرنا الشجون وأنا ناظر إلى لوسيا، وقد خيل إلينا أن صدى أنشودتها يكاد ~~يذيب القلوب، ثم أسندت علي رأسها المثقل بالهموم ، فسألتها هل يشعر قلبك أنك في موقف «ديسديمونا» # 30 # فلذلك تغالبك الهموم من كل صوب؟! إنك تبكين أيتها المسكينة، وقد تركت شفتي ~~تلثم ثغرك اللطيف إذ أنت هائمة في مفاوز الشجون؛ فكأنني ما قبلت إلا الحزن، وعانقتك ~~فوجدتك مثلوجة الجسم شاحبة اللون، واليوم ولم يمض إلا شهران أراك رهينة الرمس! # أيتها الزهرة النضرة الطاهرة! أرى موتك قد تمثل ابتساما يماثل حياتك عذوبة ورقة، ~~وأصبحت وقد حملك الله بمهدك إلى رحمته. # يا ما أحيلى سرا منك يسكنه الطهر والعفاف من شجي الأناشيد وأماني الحب وابتسامات ~~تخجل وميض البروق وفعال في السذاجة # 31 # كفعال الأطفال! # وأنت أيها الحب! يا من لم تدرك له العقول كنها، ولا يقدر أن يعتصم منه أحد، ويا من ~~أوقف «فوست» # 32 # مترددا على باب «مرجيريت»، فكيف أصبحت يا صفاء الأيام الأول الهنيئة؟ ~~خيم السكون على روحك أيتها الكاعب! فوداعا لذكراك وسلاما على يدك البيضاء، التي ~~كانت تحدث من «البيانو» في ليالي الصيف تلك النغمات التي لا ms29 يزال رنينها مرفرفا في ~~أركان البيت. # أوصيكم أيها الأحباب الأعزاء أن تغرسوا على قبري شجرة صفصاف؛ فإني أهوى لونها الباهت ~~كالحزين الأسف وأغصانها المرسلة كدمع الباكي، فنعم ظلها الظليل على أرض سأنام فيها نومي ~~الطويل. # | أندريه شينييه1 # واسطة عقد شعراء زمانه، ولد سنة 1762 بالآستانة من أم يونانية وأب فرنسي، كان سفيرا ~~لدولته بالقسطنطينية، فعلمته أمه في صغره اللغة اليونانية، حتى إنه حصل على نصيب وافر منها ~~وطالع في الرابعة عشرة من عمره دواوين شعراء اليونان، وفي السادسة عشرة ابتدأ يترجم الشعر ~~اليوناني إلى الشعر الفرنسي؛ فتشبعت قريحته من روح النظم القديم، فكان شعره يماثل المقيد في ~~الشكل، ولكنه جديد الفكر عصري الخيال. # أتي به إلى فرنسا وهو في حوله الثاني، وأتم دراسته بمدرسة «نافار»، وعالج قرض الشعر ~~مبكرا في شرخ شبابه وهو في السادسة عشرة من عمره، وبعدما قضى بضعة شهور في ستراسبورج وهو ~~ضابط برتبة ملازم ثان أقام طويلا بباريس، ثم اتصل بالسفارة الفرنسية في إنكلترا، ولبث فيها ~~ثلاث سنين ثم آب إلى فرنسا سنة 1790. # كان محبا للفكر الجديدة ومن نصرائها، شديد العارضة ببلاغة ملؤها الحماسة نحو الهيئة ~~الثورية المسماة «لا تيرور # La Terreur ~~»، وقد قبضت هذه ~~الفئة الطاغية على زمام الملك في 31 مايو سنة 1793، وكان رائدها الظلم العسف؛ فأهلكت الحرث ~~والنسل، وضربت أعناق آلاف مؤلفة من نصراء الحرية، الذين انبروا للدفاع عنها في ظرف الثلاثة ~~عشر شهرا، التي مكثتها هذه الطغمة العاتية، وانقشعت بقتل رئيسها «روبيسبيير # Robespierre ~~» في 8 يوليو سنة 1794. # طفق يحارب هؤلاء الجبابرة بنفثات أقلامة في الجرائد تارة وفي الخطابة طورا، مدافعا عن ~~الحرية، معددا مساويهم وعسفهم إلى أن قبضوا عليه في مارس سنة 1794، وسجن في «سان لازار»، ~~ثم ضربت عنقه هو و«روشيه # Roucher ~~» الشاعر في آن واحد، ~~وذهبا كمن سبقهما من الألوف المؤلفة شهيدين للحرية والوطنية في 25 يونيو سنة 1794. # وكان موته خسرانا لفرنسا؛ إذ فقدت به البلاغة والشعر نابغة في عنفوان شبابه، ولم يكد ~~يبلغ الثانية والثلاثين، ولو عاش لأتى بمعجزات البلاغة ms30 ومدهشات القريض، وجر ذيل النسيان ~~على أغلب شعراء قومه من السلف والخلف. # ولم يطبع ديوانه إلا في سنة 1819، وهو يشمل: الغزل، والرثاء، والهجاء، والأناشيد ~~الوطنية، والرسائل، وعدة مقاطيع شعرية من الأهمية بمكان، لا سيما «هرمس # Hermés ~~»، وهي ملحمة فلسفية شائقة. # وكان شينييه أعظم شعراء القرن الثامن عشر، وفلسفته تشابه فلسفة «بوفون # Buffon ~~» # 2 # أو «كابانيس # Cabanis ~~» # 3 # وكان جاحدا لا يتدين بدين. # وقد مهر في الشعر وأتى فيه بآيات بينات، ولم يتفرد بمذهب الشعر المقيد، الذي كان يقلده ~~تقليدا تزينه الرقة والانسجام، وكان له ذوق سليم في الميتولوجيا # 4 # والتعبير عن الكلمات بالجمل؛ لتسع ما يبثه فيها من نفثات البلاغة، ولم يستعمل ~~في كتابته غير الألفاظ الفخمة الفصيحة. # وقد أعاد هذا الشاعر المجيد للقريض الفرنسي شبابه بعدما كاد يودي به الضعف وملأه حمية ~~وحماسة، فجدد الشعر الخلوي بعواطف صادقة تمثل الطبيعة تمثيلا حقيقيا، وأحيا الرثاء بما ~~تمليه إليه نفس أضنتها الآلام، وأصلح الهجاء بنفحات روحه المتوقدة، وهو أول من أنشأ الشعر ~~المطلق وآخر شعراء المذهب المقيد وأعظمهم. # الفتاة الأسيرة # La Jeune Captive ~~«يحترم المنجل السنبلة قبل نضجها غاضا أمامها الطرف، ويرشف جديد الغصون من الكروم ~~ما يهديه إليه الفجر في أيام الصيف من الندى البليل غير خائف من ألم العصر، وإني لجميلة ~~فتية مثلها أكره الموت ولو أني الآن هدف لقلق البال والسأم. # ليطر إلى الموت الزؤام من عصى دمعه من الصبر والجلد وعدم المبالاة، ولكني أنوح والأمل ~~ملء فؤادي، وحينما تهب الشمأل أخفض رأسي حرصا، ثم أرفعها إذا مرت، وإن كان لبعض الأيام ~~مرارة فلغيرها حلاوة تنسي نكدها وتبرئ أوصابها. وهل رأيت شهدا شهيا لا تعافه النفس ~~إن واظبت عليه وبحرا خلوا من الأنواء والأعاصير؟ # تبيض وتفرخ بقلبي الأماني والآمال في سجن تكاد جدرانه تنيخ علي لئلا أفلت منها، ~~ولكن ساء زعمها؛ فإني راكبة جناحي الأمل، كالعندليب تسرب من قفص بائع الطيور القاسي، ~~طائرا منتعشا متهللا في فسيح الخلاء ومزهر الرياض، وقد اكتنفه الهناء من كل صوب، ~~يغرد ثملا ms31 بنشوة الحرية والسعادة. # أيموت مثلي؟ من تنام والدعة غطاؤها، وتسهر والسكون أنيسها، ولم يخالجها توبيخ ~~الضمير في اليقظة ولا في النوم. # وكان حسن لقائي نهارا باديا في العيون، وكأنه يبسم لي ظاهرا على الجباه التي ~~اكفهرت من البؤس والعناء، وقد أنعش مرآي الجميع في هذه الأماكن، وهللهم بشرا ~~وسرورا. # إنني في مبدأ رحلتي الشائقة مسافرة تحت ظلال الأشجار الجميلة، التي تحف طريقي من ~~الجانبين، ولم أكد أمر على أولاها وقد مدت أمامي مائدة الحياة، وما أوشكت أن افتتحها ~~ممسكة كأسا ما فتئت مفعمة إذ لم تكد تنضم عليها شفتاي، ولست إلا في الربيع، وأشتهي أن ~~أدرك الحصاد أو كالشمس تنتقل من فصل لآخر لتتم سنتها. # إني لزهرة متلألئة فوق غصني، مزرية بما حولي من الأزهار في بستان دولة الجمال، ولم ~~تتمتع بأشعة الغزالة إلا عند شروقها، وأبغي أن أحظى بها لغاية غروبها. # أيها الموت! إنك لتستطيع أن تنظرني # 5 # فاغرب عني، واذهب لتريح القلوب التي يفترسها الخزي والرعب ويميتها اليأس، ~~فإن «باليس» # 6 # يعد لي النضر من ملاجئه الخضر، و«أمور» # 7 # المنعش من قبله الحلوة، و«موز» # 8 # الشجي من حفلاتها الموسيقية، ولست أبغي الموت قبل التمتع بهذه الاحتفاءات ~~الهنيئة. ~~••• # كنت مشاطرا لها في الحزن والأسى، فاستيقظت مني مخيلة الشعر، وأصغيت لهذا الصوت ~~الشاكي وهذا الاعتراف الذي تبوح به هذه الكاعب الأسيرة، ثم هززت أثقال الحياة المضنية، ~~ونظمت ما تناثر من فمها اللطيف المحبوب من غرر الدرر في سلك عقود القريض؛ فأصبحت أناشيد ~~تشجي العشاق وسلوانا ولهوا لهم يقتلون بها أوقات فراغهم. # ولقد تساءل من معها من المسجونين من تكون هذه الحسناء التي زانت الرشاقة جبينها ~~وحديثها؟ وإنا لمشفقون أن تنقضي أيامنا، وحبذا لو طال علينا الأبد فما نحن بجانبها إلا ~~في السعادة والهناء لا في السجن والعناء.» # | الكونت ألفريد دوفيني1 # ممن يشار إليهم بأطراف البنان من فحول الشعراء الفرنسيين، ولد بلوش سنة 1797، وتوفي ~~بباريس سنة 1863. # كان سنة 1814 ملازما ثانيا في فرسان الشرطة «الجندرمة»، ثم عين سنة 1815 في حرس ms32 ~~المشاة الملوكي، ورقي سنة 1823 إلى رتبة يوزباشي، وأرسل إلى الحدود مدة حرب إسبانيا، ~~ثم استعفى من الخدمة سنة 1828، وقد تزوج قبل هذا العهد بسنتين بفتاة إنكليزية تسمى ليديا ~~بونبوري. # عاد إلى باريس، وكان من المطبوعين على الشعر المطلق، وابتدأ في نظم الشعر من سنة 1815؛ أي ~~في الثامنة عشرة، وظهر أول مؤلفاته سنة 1822 بعنوان «منظومات»، وفي سنة 1826 طبعه طبعة ~~جديدة وسماه «المنظومات القديمة والحديثة»، وأضاف إليه بعض قطع من ضمنها: «موسى»، ~~و«أيلوا»، و«الطوفان»، و«البوق»، وفي سنة 1837 أتبعها بأخرى وهي: «الجليد»، و«مدام ~~دوسوبيز»، و«الطرادة»، و«باريس»، و«عشاق مونمورانسي». # وقد كتب نثرا «5 مارس» سنة 1826، وهو رواية تاريخية شائقة كانت آية في البلاغة، أجاد ~~فيها وأعطى الحوادث حقها من الاستيفاء، يزينها وصف جميل بطريقة لم يجاره فيها مجار. وقصص في ~~مجلدين سماهما «ستيللو» سنة 1832 و«الاستعباد والعظمة في الجندية» سنة 1835، وعدة روايات ~~منها واحدة نظمية، وهي «مغربي فينيزيا» سنة 1829، و«لا ~~ماريشال دانكر» سنة 1831، و«شاتيرتون» سنة 1835، وقد حازت إقبالا باهرا، ولما مثلت ~~مدام «دورفال» الممثلة الشهيرة دور «كيتي» في هذه الرواية، كانت لها اليد الطولي في زيادة ~~شهرتها؛ إذ اجتمعت مهارة التمثيل ورقة الإلقاء ببلاغة الإنشاء وما حواه من العواطف ~~المؤثرة. # وقد انتخب في المجمع العلمي الفرنسي سنة 1845، وقضى أيامه الأخيرة في العزلة كئيبا ~~كاسف البال، ومات بعد الآلام النفسانية والمتاعب الدنيوية حولا كاملا، وقاسى من نكد ~~الأيام ما ترزح لثقله الأطواد بصبر يحسده الصبر. # وظهر بعد موته جزء ثان من الشعر باسم «الأقدار»، ونشر في مجلة العالمين سنة 1864، ~~و«يومية شاعر»، وهي حاوية لشروح في التراجم وتأملات طبعها «لوي راتيسبون» سنة 1867. # تفرد هذا الشاعر النابغة دون غيره من شعراء المذهب المطلق بأنه شاعر نفسه، فترى جميع ما ~~كتبه نظما كان أو نثرا لا يدور إلا على شكواه من الزمن ووصف ما يقاسيه من الهموم والآلام ~~وتقلبات الدنيا، فترى جميع أقواله مترجمة عن وجدانه وشعوره بمرمى عام لا عن خيال، وجميع ~~رواياته نموذجات لسحر البيان ورقيق العواطف وشدة التأثير. # وكانت الأفكار الرئيسية ms33 لهذا الفيلسوف الحكيم تحوم حول: الوحدة التي تقهر النوابغ، وخلو ~~بال الخلق وجمودهم، وغدر المرأة وخيانتها، وعدم إحساس الطبيعة وتأثرها، والجلد والصبر على ~~هذه المصائب والإحن، والخضوع لإرادة الخالق ومشيئته. # وكان من المجدين حزينا كئيبا، ولم يبلغ حد الكمال في روائع الابتداع ومدهشات الإلهام، ~~ولا تزيد قصائده عن الأربعين، وأغلبها غامض معقد المعاني، ولكن اثنتي عشرة منها سارت بذكرها ~~الركبان، وعدت من روائع البلاغة وسحر البيان، مثل: «موسى»، و«قارورة في البحر»، و«مصرع ~~الذئب»، و«بيت الراعي»، و«جبل الزيتون»، و«غضب شمسون» وغيرها مما سبق ذكره من قصائده، وإن ~~كان هذا الشاعر أقل شهرة من فيكتور هوجو ولا مارتين وألفريد دوموسيه، ولكنه معدود من ~~صفهم. # بيت الراعي # La Maison du Berger # إن كان قلبك يئن من وطأة أثقال الحياة، مضطربا من ألمه كنسر جريح يحاول أن يطير ~~مرفرفا بجناحيه فيقعده ضعفه وتخونه قواه، يحمل كقلبي على جناحه المستعبد عيشا ملئ ~~نكدا؛ فتارة ينيخ عليه بكلكله حتى يكاد يسوي به الأرض، وآونة يثلج # 2 # صدره فيوشك أن يطير فرحا، أو كان لا يدق دون أن يسيل جرحه، أو لم يشعر ~~بالهوى وهو نجمه الذي ينير أمامه الأفق فيهتدي به. # أو كانت نفسك كنفسي أنهكها ما تحمله من: متاعب الدهر، ومرارة الحياة، وهوى إلى الماء ~~مجذاف سفينتك، التي لبست ثوب الحداد؛ فهامت على وجهها في الماء والأمواج تلعب بها كما ~~تشاء. فهناك أطرقي برأسك، ونوحي على نفسك، والتمسي في اللجج طريقا لم يطرق، وانظري ~~وأنت مرتعدة الفرائص إلى كتفك العارية؛ لتقرئي ما خطه الدهر عليها من أسطر القضاء ~~المبرم بأحرف من حديد مصهر. # 3 # أو كان جسمك يقشعر من هول آلامه الخفية؛ فيكاد ينشق منه الفؤاد كمدا، وقد غلب عليه ~~الحياء مما أحاط به من الأنظار، فترينه يبحث عن مكنون الخدور ليواري فيها جماله، وليأمن ~~مما يهينه من الأعين التي أفعمتها القحة. # أوجفت شفتاك من سم المين، # 4 # واحمر جبينك حينما يسبح في يم أحلام دنسة لا يحوم عليها طائر الخيال وهي ~~ناظرة مصغية إليك؟! ms34 فارحلي رابطة الجأش، قوية العزم، واطرحي المدن ظهريا تنعى من ~~بناها، ولا تدعي غبار الطرق يفترش قدميك، وانظري بعين المفكر إلى الأمصار المستعبدة ~~والجبال التي أتعسها الإنسان باسترقاقه، ويممي # 5 # الغاب العظيم والحقول الفسيحة؛ فإنها نعم الملجأ الحر كجزر معتمة يحفها ~~الماء، وسيري بين المروج وبيدك زهرة جميلة؛ فإن الطبيعة تنتظرك بسكوت رهيب. والعشب يرفع ~~على قدميك ما تكاثف من ظله، وأنين وداع الشمس للأرض يؤرجح جميل الزنبق # 6 # كمباخر من لجين، وقد حجبت الدحال # 7 # جذوع أشجارها، التي امتدت على بعد سحيق، واختفى الطود عن الأبصار، واسترسلت ~~أفنان الصفصاف، ونام عسجد الشفق المحبوب في الوادي على بسط العشب الزمردية تحت ظلال ما ~~نبت من الخيزران حول العين المنعزلة، ثم يتمايل الشفق في الأحراش # 8 # الميادة في الأفق، راكبا متن الفرار، باسطا عباءته السوداء على الشواطئ، ~~وقد فتح الظلام سجنه للأزهار. # وكانت على شاهقنا خمائل ملتفة من الخلنج، لا يستطيع الصائد أن يخترقها فترينها وهي ~~أعلى من جباهنا رافعة رأسا تتيه كبرياء وإعجابا، وتؤوي في الليل الراعي والغريب، ~~فتعالي لتستري فيها هواك وزلتك، وإن كان الكلأ مضطربا فيظهرك أو قصيرا فلا يجللك # 9 # فإني أجر إليك بيت الراعي ، فيسير إليك الهوينا على عجلاته الأربع. # 10 # وسقفه ليس بعال عن جبينك وعينيك، وإن لون المرجان وخديك هما اللذان صبغا # 11 # هذه العربة الليلية ومحاور عجلاتها الصامته ومدخله معطر ومخدعه فسيح مظلم، ~~وهناك في هذا الليل البهيم نجد لنا بين الأزاهير سريرا، يحفه السكون ويضم رأسينا ~~اللتين اختلط منها الشعر. # وسنرى إن كنت ترغبين في بلاد الجليد، التي حينما يظهر فيها الكوكب المحبوب يفترس ~~بأشعته ما يجده أمامه من الثلوج فيزهو ويشرق، ومواطن تنتهبها الرياح ويحاصرها الجليد ~~بأسوار منيعة، وبها القطب اللعين وثلوجه الممقوتة، وسنقتفي سير المصادفات الطائش، ولا ~~يهمني ضوء النهار ولا الدنيا إلا إذا راقا في عيني. # من أنت يا حواء؟ أتعرفين كنهك؟ أتعلمين غايتك وواجبك في الدنيا؟ أتدرين أن الخالق ~~ليعاقب الإنسان مخلوقه لعصيانه وأكله من الشجرة التي نهاه ms35 عنها، اقتضت إرادته أن يسلط ~~عليه حبا لذاته لا يسبقه حب آخر في كل الأزمان وأطوار الأعمار، وإذ كان أقصى هنائه ~~شغفه بنفسه ترينه معذبا منغصا منه. # أتعلمين يا أم الخلائق، لم سمحت مشيئة القادر بأن جعلك للرجل قرينة لطيفة؟ ذلك ~~لينظر صورته مرتسمة في مرآة روح أخرى، ويسمع منك هذا الصوت الجميل المزري بتغريد ~~العنادل والذي لا يصدر إلا منك، وليشنف سمعه بصوت رخيم عذب ملؤه الحماس، ولتكوني قاضه ~~ورفيقه فتتولين حياته وتعيشين خاضعة لشريعته. # كلامك اللطيف السار به بعض كلمات استبدادية، وعيناك لهما نفوذ عظيم، ومنظرك ذو رواء # 12 # فخم كما قال ملوك الشرق في أغانيهم، وكل يجتهد أن يحيد عن سهام حكمك ~~العاجلة، ولكن قلبك يكذب هيئتك الجريئة، ويخضع بلا جدال لشقاء الحظ ونكد العيش. # فكرتك لها طفرات # 13 # كالغزلان، ولكنها لا تستطيع السير بغير دليل ولا سند؛ إذ يميت رجليها الثرى ~~وتتعب جناحيها الرياح، تغمض منها العين نهارا بمجرد أن يسفر الصبح، وتارة تصل إلى حالق ~~بوثبة واحدة فتزعجها الرياح، وفكرتك المتحركة لا يتيسر لها أن تسهر وحدها دون خوف ~~وملل. # لم يشب صفاتك التبصر الذي يمليه الجبن # 14 # لأن قلبك يهتز ويرن لسماع صوت المضطر المكروب كا «لأرج » # 15 # في الكنيسة، ساد عليها السكوت والرهبة، فترينه يردد صدى الأنين فيئن كأنه ~~يتوجع لصاحبه. # كلامك كالنيران يهيج الجموع، ودمعك يطهر الإهانة ونكران الجميل، وإنك لتدفعين الرجل ~~من ذراعه فيهم واقفا مسلحا، وإنك لخير من يهرع إليه لبث الشكاوى الكبيرة التي تنبعث ~~من الإنسانية الحزينة بصوت مختنق. # وحينما يكاد القلب يتميز من الغيظ الطاهر ترين هواء المدن يخنقه عند كل ضربة من ~~ضرباته، ولكن أنين عذابها الاجتماعي يشاهد مجتمعا فوق دخانها مكونا كلمة يسمعها من شط # 16 # أو دنا بصوت جلي. # تعالي فما السماء إلا كأنها هالة من نور تحيطك بزرقتها إذ تضيئك وتحميك، وما الجبل ~~إلا معبدك والغاب قبابه، وما الطير يميله الهواء على الغصون الميادة والأزهار وعرفها ~~والعصافير وأنينها إلا لتنعش الهواء الذي تستنشقينه ولتحفه ms36 بالبشر والابتهاج، وما الأرض ~~إلا بساط جميل مد تحت أقدام بنيك اللطيفة. # أحب يا حواء كل شيء في المخلوقات إذ أشاهدها منعكسة في نظرك التائه في مهامه الأماني، ~~والذي يبث أنى تنقل لهبه المزدان بجميع الألوان، وإن استراح بعد تقلبه زاد بهاؤه ~~وانبعث سحره ففاق هاروت وماروت. # هيا ضعي يدك النقية المزرية بدمى # 17 # العاج فوق قلبي المتمزق، ولا تذريني وحدي مع الطبيعة التي أعرفها حق ~~المعرفة لئلا يتطرق إلي الوجل منها، فقد قالت لي بلسان فصيح: # إني لدار تمثيل لا تعرف للتأثر معنى، ولا تضطرب تحت أقدام ممثليها. درجات ~~سلمي من الزمرد، وفناؤها من المرمر الأبيض، ونحتت الآلهة أعمدتها؛ فلا أسمع ~~صراخكم ولا أنينكم، وأكاد أحس بمرور تمثيل رواية المجتمع الإنساني، وأنشد في ~~السماء المتفرجين البكم بلا طائل. # أجوب البلاد كالأعمى الأصم، وأجول بين الأمم التي يخطئها الحصر مزدرية بهم لا ~~أميز بين دورهم وقبورهم، وشتائي يحصد النفوس له قربانا، كما لا يشعر ربيعي ~~بشغفكم به. # كنت قبلك أيها الإنسان جميلة معطرة، تاركة شعري يلعب به الهواء كما يهوى، ~~متتبعة في السموات طريقي الذي اعتدته فوق محورها المنتظم؛ فتميلني المشيئة حيث ~~شاءت يمنة ويسرة ككفتي الميزان، ثم بعدك كنت أخترق الفضاء، الذي يندفع كل فيه ~~سائرة وحدي بوجه باش، وصمت يزينه العفاف شاقة الهواء بجبيني الوضاح ونهدي ~~اللذين ارتفعا شمما وكبرياء. # هذا ما سردته علي الطبيعة بصوت جهوري، لبسته رنة الحزن، وإني لأمقتها وحانق عليها؛ ~~لكوني أرى دمنا يخالط أمواج بحارها وموتانا تحت عشبها، فترين أجسامنا بعد تحول مادتها ~~تمتص جذور الأشجار عناصرها السمادية بشره ونهم، فتنمو وتعظم وتزهو، فكنت أقول لنفسي ~~التي راقها هذا البهاء الممقوت: «خير لك أن تحولي نظرك عنه، ولا تذرفي دمعة واحدة ~~أسفا عليه، بل أحبي ما لا يشاهد إلا مرة واحدة.» # من يسعده الحظ ويشاهد لطفك وحنانك أيها الملاك الجميل الشاكي بصوت خافت كأنما هو محتضر؟ # 18 # من ولد مثلك وولدت معه الملاطفة كأنهما توأمان، إذ نراها تلمع مع ~~البرق الذي يتلألأ في ms37 نظرك الفاتر، وتمايل رأسك اللطيف وقامتك الرشيقة التي لا تكاد ~~تماسك من لينها وتبسمك الذي أنعشه الهوى ونغصه بأوصابه. ~~••• # عيشي وانتعشي أيتها الطبيعة الباردة، وتحكمي فينا كيف شئت فهذه سنتك، وازدري ~~بالإنسان إن كنت في مصاف الآلهة، فما هو إلا عابر حقير جعله الله سلطانا عليك. # أحب عظمة الآلام الإنسانية أكثر من ملكك وفخامته التي لا تجدي نفعا، وإنك لن تؤملي ~~مني حبا. # ألا تبغين أيتها السائحة المكسال أن تسندي بجبينك إلى كتفي لنطير في جو الأماني؟! ~~فتعالي من هذا البيت المتحرك الذي كسي ببردين من دعة وسكون؛ لتشاهدي ما مر وما سيأتي ~~من صور العالم ومناظره التي أحضرتها في ذاكرتي روح طاهرة من الله، وستحيا هذه الصور ~~وتلبسها الأرواح لأجلك أمام هذا الباب، وترين البلاد العظيمة ممتدة أمامك وهي ~~صامتة. # وسنتبع السلف غير مخلفين سوى ظلنا على هذه الأرض الناكرة للجميل، والتي جابها من ~~مات قبلنا، وسنتحادث عنهم في الساعة التي يظلم فيها كل شيء؛ إذ يسرك سلوك منهج عفت ~~رسومه واندرست معالمه، فتسيرين وأنت غارقة في بحار الأماني، مستندة على غصون لا تعلم ~~حقيقتها باكية كإرطميس # 19 # على حافة عيونها حبا صامتا ما فتئ عرضه للحدثان. # مصرع الذئب # La Mort du Loup # كان المزن يمر فوق القمر الملتهب كحريق يتصاعد منه الدخان، وقد حلك الظلام في الغاب ~~وغاب الأفق عن العيون، ونحن سائرون سكوتا على العشب المبلل، تحفنا خمائل كثيفة من ~~الخلنج وشجر التنوب، الذي يكاد يناطح السماء، فلمحنا آثار أظفار كبيرة خطتها أرجل ~~الذئاب السيارة التي أخذنا عليها المسالك. # أصغينا حتى كدنا نقطع التنفس، ولم تهمس منا الأقدام ولا السهل أو الغاب بأدنى صوت غير ~~مزولة الهواء، # 20 # التي كانت تبعث بصريرها في الجو، وكان النسيم يمر على أعالي الأبراج وأشجار ~~البلوط، التي اضطجعت على ما يحيط بها من الصخور. وبينا نحن في هذا السكون والصائدون ~~بالمرصاد؛ إذ لمح شيخ منهم أثرا جديدا لمخالب عظيمة لذئبين وجروين؛ فأنبأنا همسا ~~فجهزنا الخناجر وحشونا البنادق، وسرنا الهوينا فارقين ما ms38 يعترضنا من الغصون المشتبكة، ~~فوقف ثلاثة منا ولبثت مكاني لأرى ما استلفت أنظارهم؛ فلمحت عينين براقتين، ومن أمم ~~أربعة أشباح ترقص في سنا القمر بين خمائل الخلنج كديدنها اليومي، ولما أقبل الرئيس كانت ~~الكلاب متهللة تشبه صغار الذئاب في فرحها ورقصها، ولكن الأخيرة كانت تمرح دون لغط، وقد ~~خيم عليها السكون حذرة لا تنام إلا غرارا؛ إذ على كثب منها الإنسان عدوها ~~اللدود. # وكيف تنام الطير في وكناتها # وقد نصبت للفرقدين الحبائل # وكان الذئب الكبير واقفا، وعلى بعد منه أنثاه مضطجعة على جذع شجرة، كأنها تمثال ~~المرمر الذي كان يعبده الرومان، ممثلا ذئبة حاضنة «ريموس ورومولوس» # 21 # اللذين وضعهما الرومان في مصاف الآلهة الصغيرة. # ثم أقبل الذئب وقعد باسطا ذراعيه منشبا أظافره في الرمل، ولما استيأس وخاب رجاؤه في ~~النجاة؛ إذ سدت عليه طرائقه، أمسك أقوى الكلاب من رقبته بفكين قويين كأنهما قدا من ~~حديد، وجالد قرنه جلاد المستميت، ولم يتركه رغما عما اخترم جسمه من رصاصنا المتدفق من ~~بنادقنا كالمطر وخناجرنا المغمدة في أحشائه، ولم يزل ممسكا خصمه غير مبال بما أصابه؛ ~~حتى دق عنقه وتركه جثة بلا روح، وكانت الخناجر الغائرة في جسمه أشبه بمسامير سمرته على ~~الكلأ، وقد ارتوى العشب من دمه وتحيط به بنادقنا كرزايا قامت على سوقها، وما فتئ ناظرا ~~إلينا وهو يلعق ما سال من دمه حول فمه، وبدون أن يتأمل كيف هلك أطبق عينيه ومات، ولم ~~ينبعث منه صراخ ولا أنين. # أطرقت إلى الأرض مسندا برأسي إلى بندقتي مفكرا بغير وصول لغاية، إذ حدثتني النفس أن ~~أقتفي الذئبة وجرويها التي كانت في انتظاره على ما أظن، ولولا ولداها لما تركت أرملتنا ~~الجميلة الحزينة إلفها يحتسي وحده صاب المصاب، ولكن واجبها حتم عليها أن تحرس صغارها ~~وتكلأها بعين عناينها ولتدربها على النفور من عهود المدن، التي ارتبط بها الإنسان مع ~~الأنعام، التي استخدمها مهما أودى بها السغب؛ فتراها تطارد أمامه أول من امتلك الغاب ~~والجبال لتحصل على ركن تأوي إليه. # أسفي حينما أفكر في ms39 الإنسان ولو طاولت عظمته السماء، فإني أخجل من ذكره لضعفه وخور ~~عزيمته، وإنك وحدك أيتها العجماوات # 22 # الفخمة العظيمة التي تعرف كيف تفارق الدنيا وآلامها، وإن تأمل الإنسان ~~وجد أن أفضل أعماله السكوت، وما سواه ضعف وخور. # لقد عرفت حقيقتك أيها السائح إذ اخترقت نظرتك الأخيرة أعماق قلبي، كأنها تقول لي ~~بلسان فصيح: «إن استطعت أن تبلغ نفسك مبلغ روحي، فثابر على الاجتهاد والتأمل لتصل إلى ~~هذه الدرجة القصوى من الجلد والصبر والإعجاب بالنفس، فإني ولدت في هذه الدحال ونشأت ~~بها، وقد علمتني صروف الدهر أن الصراخ والعويل والتوسل لهي صفات الجبن والعجز، والواجب ~~يقضي عليك أن تقوم بأعباء ما عهد إليك وكلفت به وناداك إليه حظك بعزيمة، تسبق العضب في ~~المضاء مهما بلغ الأمر منتهاه من الشدة والمضض، وبعد اللتيا واللتي كن مثلي كاظما ~~آلامك، ثم مت صامتا دون أن تنبس ببنت شفة.» # | فرنسوا كوبيه1 # نابغة من شعراء وروائيي العصر الفرنسيين ممن يفتخر بهم الشعر المطلق، ولد بباريس سنة ~~1842. # ظهرت أول مجموعة من نظمه بعنوان «صندوق البقايا المقدسة» سنة 1866، وكان أول ظهوره في ~~عالم الشعر عاطلا من مميزاته ونفحاته، فلما صدرت روايته النظمية «جواب الآفاق» سنة 1869 ~~رفعت قدره، واستلفتت إليه الأنظار من كل فج عميق حتى عد من فحول الشعراء، وهي من معجزات ~~نظمه ودرة يتيمة في بابها، لم يأت أحد بمثالها غير ما حوته من رقيق العواطف ودقيق ~~الإشارات. # وكتب عددا عظيما من الروايات التمثيلية والمجموعات الشعرية، ومن أشهر رواياته ~~التمثيلية: «عواد كريمون» سنة 1876، وهي شائقة مؤثرة، و«سيفيروتوريللي» سنة 1883، ~~و«اليعقوبيون» سنة 1885، و«لأجل التاج» سنة 1895، وهي رواية تاريخية نظمية من أبدع ما كتبه ~~الشاعر، سحرت العقول ببلاغتها ومتانة قريضها وما شملته من النفحات العلوية والفيوض ~~الربانية. # ومن نخب شعره: «المودات» سنة 1868، و«المساكين» سنة 1872، و«بين المنازل والنزه» سنة ~~1875، و«الدفتر الأحمر» سنة 1874، و«المقاطيع الشعرية والمراثي» سنة 1878، وعدد وافر من ~~القصائد نشرت على حدة، لا سيما «أوليفييه». # وما كتبه نثرا مثل «القصص»، وهي في خمسة أجزاء، واشتهرت برقة العواطف وجملة روايات ms40 ~~نثرية، وعدد من مجموعات الحوادث التاريخية، منها: «الألم العظيم» سنة 1898، وهي تنبئ بحصول ~~بعض من الانتقال الديني للمؤلف، وقد انتخب في المجمع العلمي الفرنسي سنة 1884، ثم اشتغل ~~بالسياسة، وعين رئيس شرف لحزب «الوطن الفرنسي» سنة 1899، ثم استقال عقب انتخابات سنة ~~1902، ومن هذا الوقت أمسك اللسان وطرح القلم ولم يكتب إلا ما ندر. # وظهر في هذا العهد الأخير له ثلاثة أجزاء: الأول منها «في الصلاة والحرب»، وهو نظم سنة ~~1901، والثاني «قصص لأيام الأعياد» سنة 1902، والثالث «أشعار فرنسية» سنة 1906، وجملة ~~مواضيع وقصائد ظهرت في الجرائد والمجلات وكان لها استحسان باهر. # وقد تبرع للمجمع العلمي الفرنسي بجائزة للشعر قدرها ألف فرنك تمنح كل سنتين. # مهر وبهر شاعرنا هذا في أغلب أنواع الشعر، لا سيما المراثي والملاحم، وكان من الشعراء ~~المحققين، وحاز القدح المعلى في الشعر القصصي المألوف وأنواع الشعر المبتكرة في بابها، وقد ~~أجاد في وصف المناظر الطبيعية كقوله في وصف ضواحي باريس: «أرض فضاء جرداء، وأشجار هيفاء، ~~وطرق سوداء، افترشها ما يلفظه # 2 # دوحها # 3 # من اللحاء، # 4 # ولكن لها نصيب وافر من الشجو والطرب يأخذ بمجامع القلوب.» # وكان مقتدرا في وصف أخلاق القرويين وعاداتهم وصفا صادقا رقيقا شجيا يهز القلوب ~~طربا، حينما يصف البؤس المتواصل والفقر المدقع والفضائل المجهولة؛ فلذلك وسموه ب «شاعر ~~المساكين »؛ لأنه في هذه الطبقة الصغيرة الحقيرة أسعده القريض وحده بنفحات مدهشات قلدته زعامة # 5 # هذا النوع الذي ابتكره. # وقد وفق في التمثيل بين المذهب المطلق والمذهب المقيد؛ فأعطى للأخير العويص الفهم رقة ~~تعبير الأول وسلاسة تركيبه. # وهو في الأدبيات يشبه شعراء المذهب المقيد، لا سيما «كورنيي # Corneille ~~»، وقد رزق منها قسطا وافرا ومكانا رفيعا؛ إذ تعد رواياته ~~التمثيلية من أعظم الروايات الأخلاقية. # وكان من أمهر الناثرين، وكتب في الجرائد في قسمي: الأخبار، والملحقات الروائية نثرا سلس ~~العبارة رقيق التعبير ملؤه العواطف والوجدان الحي، كما أنه أجاد أيضا في المواضيع ~~الفكاهية. # وقد توفي بباريس في 23 مايو سنة 1908، واحتفلوا بجنازته احتفالا شائقا يليق بمقامه ~~الرفيع وبكاه القريض الفرنسي ms41 قبل الشعراء. # جواب الآفاق # Le Passant # رواية تمثيلية ذات فصل واحد ~~(يحتوي المرسح على روض بهيج خلوي، يضيئه القمر، وعلى يمينه بيت جميل، توفرت فيه أسباب ~~السرور بصنوفه، قائم على سفح أكمة، وبجانب الحائط مقعد خشبي قديم، وتظهر من بعد داخل ~~المرسح معالم مدينة فلورنسا، ولا يكاد يحققها الرائي، والسماء صافية تتلألأ في كبدها ~~نجومها.) # سيلفيا ~~(وحدها ترى سيلفيا لابسة ثوبا أبيض عارية الكتفين ~~والذراعين، متكئة على حاجز الممشى، مسرحة نظرها في روضها الجميل) ~~: # لعن الله الحب فقد صير العين جامدة والدمع عصيا. ~~(ثم تنزل ببطء إلى حضيض الأكمة.) # لقد قضيت صباي في سلب العقول واختطاف النهى، وأنا الأميرة الخبيثة، ويقبل ~~يدي الجميع كملكة وهم صاغرون، وكان قلبي لا يشعر ولا يحفل بقبلهم الحارة، فمن ~~يخال أني بعدما بلغت هذا الشأو البعيد أسأم وأمل. # السماء باقية على صفائها الجميل، مضى عليها شهران ولم تمطر، والصيف وسكونه ~~ولياليه المحبوبة، ولا ريب أن الشعراء والمغنين يسعدهم الحظ وينفحهم بتشبيهات ~~سمجة، وأرى اسمي تتقاسمه القوافي مع أسماء الأزهار؛ فلا تكاد تقع عيني على ~~قصيدة إلا وأبصر اسمي فيها، حتى امتلكت القلوب وصرت أغبط على هذه المنحة ~~الجليلة. # وهؤلاء المتملقون الصاغرون لا أنظر إليهم إلا بعين ملؤها الازدراء والاحتقار، ~~وهذا «التوسكاني» بطل الوقائع والحوادث المتقلب في النعم الجزيلة، يطرح تحت ~~قدمي الحلي من ذهب وجوهر، وذاك القاضي يتيه كبرياء وإعجابا، والآخر وزير مال ~~«جنوة» يتنافسان في عرض نفيس الماس وغرر الدرر أمام ناظري؛ لينظرا لمن يكون ~~الغلب والظفر، فيستلفت عيني نحو هديته الغالية، ولكن هيهات لما يؤملون، فإني ~~أبغضهم واحتقرهم، وكل هؤلاء الرجال ذوي القلوب الخوالي ليتهم يحبونني مفاخرة ~~كحبهم لي لقضاء مآربهم. # إنني لأتألم من هذه الحياة؛ إذ الموت خير من حياة بلا حب، وقد أصبحت لا أملك ~~شيئا من ذخائر الحب حتى زهرة جافة أحفظها في كتاب، أو خصلة من شعر، أو كلمة ~~حلوة تسترق القلوب يفكر فيها الإنسان قبل نومه؛ حتى صارت الحياة خلوا من ~~المسرات، كما لا يشوبها ضر أو ms42 فزع أشكو أو أستغيث منه؛ فوا أسفا صرت لا أستطيع ~~البكاء ولو خفية، أواه من حزن ضاق به الصدر ذرعا، وهم يكاد يتفطر منه القلب. ~~(مشيرة إلى المدينة التي تظهر من بعد) # هذه فلورنسا، والليل صافي الأديم، والسماء مقمرة، ولربما نظرني تلميذ مرة فوقع ~~في حبائل غرامي، وغلبه حياؤه فعف وكتم حبه، وجلس بجانب نافذته شاخصا إلى ~~السماء يناجي النجوم، فيصعد الزفرات تارة ويثمل من نشوة أمانيه طورا. # ليت شعري كيف يحفظ العهد لحب لست له أهلا، ولكن لو عثر به الجد ورماه في ~~طريقي المنكود؛ فلا يظن أن قلبي يطاوعني على خذلانه وتركه ليتيه في بيداء ~~هيامه. # وإني لأعاهده على أن يشاطرني آلامي، كما سأهبه وحده نفسي وأضن على كل من ~~يخطبني حبي. # زانيتو ~~(يغني على بعد) ~~: # أحبب بفصل جاء بعد شتاء # فصل الربيع ووصل كل هناء # غارت ذكاء لحسنه فتألقت # ورمت أشعتها على الغبراء # وكذلك الأوكار دب دبيبها # والجو خامره نسيم صفاء # والريش من قمريها أنى مشى # ماش رآه فوق وجه الماء # سيلفيا ~~: # كل ينغصني ويغيظني حتى هذا الصوت الرخيم في الليل البهيم وسرور الخلق يتبعني ~~ويقتفي مني الأثر، فيا لقلب حزين وبال كاسف، وإني وذاك الصادح على طرفي نقيض؛ ~~فأنا ألعن الربيع وهو يترنم بتمجيده. # زانيتو ~~(يغني وقد اقترب صوته) ~~: # فاسلك بنا سبل الفراش لنلتقي # يا ابن الكرام بكاعب هيفاء # فهناك نمرح في ظلال خميلة # بالقرب من عين تروق الرائي # ونشاهد الغزلان غزلان النقى # تروي الصدى في هذه البطحاء # 6 # سيلفيا ~~: # النغم شجي والصوت عذب يستهوي الأفئدة، ولكني لا أعلم حال هؤلاء الذين يدعون ~~الحب؛ فلندخل ولنترك الميدان فسيحا للذين أسعدهم الحظ والهناء. ~~(ثم تصعد إلى بيتها وهي تنظر حائرة إلى الجهة التي ينبعث ~~منها الصوت، ويأتي زانيتو ومزهره # 7 # على كتفه متأبطا عباءته، وطرفها يكنس الكلأ وراءه، ويدخل متهللا ~~دون أن يلمح سيلفيا) # زانيتو ~~(وهو واقف في صحن الدار) ~~: # رعى الله ليالي الصيف التي تمكن المسافر من الرحل الشائقة، إذ يتناول عشاءه ~~في قرية حقيرة تحت ms43 دوالي الكروم، وأمامه منظر الغروب البهيج، ثم يتمم ترحاله في ~~شروق القمر، ولا مطية له إلا قدماه يسير مترنما برقيق الأناشيد كي لا يشعر ~~بالنصب. سقيا لليالي الصيف إذ السماء صافية، تتلألأ بها دراريها مبتسمة ~~للمسافر، لامعة من خلال أشجار الطريق. # عشت ونعشت يا ليالي الصيف أنت والأمل، وهأنذا على مقربة من فلورنسا، وسأعرف ~~غدا إن كان العهد باقيا على حبها لسماع نغام العود وشجي الأغاني الغزلية، ~~ولكني أرى النهار بعيدا وثيابي رقيقة. # ومزهري هذا أحمله على كتفي كضغث على أبالة، وأهل الخان الآن في دعة ~~واطمئنان، يطرق بابهم الطارق حتى يكل ساعده وهم كأنهم صم، وبعد الجهد الجهيد ~~يفتحون وقد علا وجوههم السأم والضجر، فمن لي بركن آوي إليه وأقضي فيه ليلتي ~~هذه. ~~(ثم يلمح المقعد القديم بجانب الحائط.) # هذا مقعد عتيق ولو أنه مضجع خشن لكن الليل هادئ رائق، ونعم العشب من وسادة، ~~وإن شعرت ببرد الليل فستصلح الشمس في الصباح ما أفسده المساء، وما علي إلا أن ~~أرقص قليلا فأدفأ وأستأصل من جسمي شأفة البرد. ~~(ثم يتهيأ للمنام.) # سيان عندي هذا المضجع القض # 8 # وفراش وثير، # 9 # فما أجمل النجوم وما أحلى خان الخالق الذي لا يكلف أجرا! ~~(ثم يمتد على المقعد ملتحفا بعباءته وينام.) # سيلفيا ~~(ناظرة من سفح فناء دارها) ~~: # يا لك من غلام مسكين قد فعل كما قال. كنت أشكو منذ هنيهة من جمال الليل فما ~~أخبثني! ~~(ثم تنزل مسرعة إلى الحضيض.) # 10 # يلزمني أن أدعوه لأني لم أقم بواجب الضيافة ولم يفتني الوقت بعد. يشكو ~~الإنسان من الصيف؛ لأنه يكون فيه عرضة للشجون، ويود لو يكون الليل حالكا ~~معتما، فينسى جميع هؤلاء البؤساء الذين يطوح بهم الحظ المنكود في كل شرق وغرب ~~ولا من يؤويهم ويواسيهم. ~~(ثم تنظر إلى زانيتو وهو نائم.) # إنه لنائم نوما هنيئا سائغا ولا ريب أنه اعتاده وألفه، ولكني صامتة مضطربة ~~أمام هذا المشهد الرهيب من عزلة ووحدة وليل أريج، وغلام نائم بهيج، وإني ليخيل ~~إلي أني أسمع دقات قلبي ms44 وكأن عاملا جديدا يحرك منه ما سكن ويثير ما هدأ حتى ~~كدت أفقد صوابي. ~~(ثم تقترب من زانيتو وتطيل إليه النظر.) # وا أسفا إنه لمماثل لأماني. ~~(ثم تأخذ بيده بلطف.) # هيا استيقظ فإن هواء الليل ضار. ~~(زانيتو يستيقظ ويرى سيلفيا، فيدهش ويأخذه العجب.) # أأنت من بنات الجن؟! لقد كنت الساعة أراك في أحلامي، وكنت أنظر أشباحا ~~بيضاء تمر علي تلو بعضها. # سيلفيا ~~: # واها لك! لم تكن إلا أشعة الكواكب تتخلل الأشجار. # زانيتو ~~: # لا، فما رأيته في عالم الرؤيا هو عين ما أشاهده الآن، وإني لأتصور أنني عرفت ~~صوتك أيضا، ولو أن النائم لا يعي شيئا لكن روحه تسبح في عالم الخيال؛ فترى ~~وتسمع وتتحدث، وكنت أسمع أيضا أنغام موسيقى شجية لم أسمع مثلها في المقام ~~الدنيوي. # سيلفيا ~~: # ما سمعته من الألحان الموسيقية لم تكن إلا الأشجار تعبث بها الصبا؛ فتتمايل ~~غصونها ويسمع حفيفها. # زانيتو ~~: # ولكن من تكونين إذن؟ # سيلفيا ~~: # إنني مفاجئة أعرض عليك طعاما ومأوى إن كنت في حاجة إليهما # زانيتو ~~(وهو مطيل النظر إليها) ~~: # شكرا لك فقد تناولت عشائي متأخرا واستكفيت من النوم. # سيلفيا ~~(تخاطب نفسها على حدة) ~~: # اتقي الله وكوني عفوة أيتها المرأة القاسية! ألا تفكرين أن الكل يؤاخذك بل ~~يصب لعناته عليك إن مس حبك هذا الغلام الغر بسوء. ~~(ثم تخاطبه.) # ألا يحق لي معرفة من ينام تحت نافذتي؟ # زانيتو ~~: # لك ما تبغين فإني لا أروم الخفاء، ومهنتي موسيقار # 11 # واسمي زانيتو، ومنذ طفولتي وأنا أجوب الآفاق، وحياتي أسفار ورياضة، ~~وأذكر أنني لم أبث ثلاثة أيام تباعا تحت سقف، وأعيش من وراء عشرين مهنة صغيرة ~~لا يحتاج إليها، ولكن أحقرها عندي أجلها نفعا. # أعرف كيف أنزل السفينة في البحيرة وكيف أسيرها، وأعلم كيف أنتفي من الحديقة ~~الغناء غصنين لدنين أشد عليهما الشباك بمثابة سرير وثير، وأدري كيف أطلق الكلاب ~~السلوقية مثنى مثنى وراء الصيد، وأعرف كيف أذلل الصعب من الجياد، وأعلم كيف ~~أصوغ القوافي وأنضدها كعقود الجمان في جياد الحسان، وفضلا عما ذكرته من الفضل ~~الذي لا ms45 يدانيني فيه مدان، في حلبة الرهان، أدري كيف أربي البزاة والصقور ~~وأدربها الصيد، وفي الموسيقى - لا سيما المزهر - أعد من الرؤساء ~~الفضلاء. # سيلفيا ~~(وهي باسمة) ~~: # أنت حائز لكل هذه المهن والفنون وتقضي أغلب لياليك طاويا. # 12 # زانيتو ~~: # لقد صدقتك فيما سردت، وإني لا أعرف لنفسي ترتيبا ولا قاعدة أسير عليها، ~~وساعة طعامي ليست محددة إذ طالما نسيتها؛ لأن بلادنا لا تعرف للضيافة حقا، ~~وكثيرا ما أكون بعيدا عن بيوت الهناء والنعيم منزويا في ركن من غابة، وقد ~~رددت قبل مجيئي غائلة السغب # 13 # بقليل من البندق، وذلك جعل في روح السنجاب # 14 # ورشاقته. # وبعد فكان الناس يحسنون وفادتي، ويلقوني بالإيناس والترحاب لأني لا أشغل ~~مكانا عظيما ويكفيني الشيء النزر. # ألج القصور ليلا وأعرض على أهلها أن أشنف أسماعهم برقيق الأغاني وشجي ~~الألحان وهم على المائدة، ثم أصدح بصوتي الرخيم الرنان؛ فأسترق الأسماع ~~والقلوب، وأنال كل مرغوب ومطلوب، ويعطف علي رب القصر وينفحني بذراع من الأروى # 15 # الشهي وطير سمين، وإن اشتهيت شيئا من الصحاف الحارة، فما هي إلا ~~نظرة إليه تكفيني مئونة الطلب، وإن هو إلا لمح البصر أو هو أقرب ويكون أمامي ~~الصنف الذي تاقت نفسي إليه. # سيلفيا ~~: # قد وعيت جميع ما سردته، وأظنك متمما ترحالك إلى فلورنسا. # زانيتو ~~: # سأيممها بلا ريب، ولكن لو اتفق وتقاطع أمامي طريقان أقصد أجملهما وأضرب عن ~~عزمي السابق. أتبع أهوائي في أسفاري وأجوب البلاد كالسحاب أو كالأوراق الذابلة ~~تطير كما تهوى الرياح. لا يعلم من أين أتيت ولا أين ألقي عصا الترحال؛ فمثلي ~~كمثل الشاعر أو المجنون يهيمان في كل واد. أتبع الطير في مسيره وتسمع أغاني ~~مرة واحدة؛ لأني لا أمكث في البلدة إلا ريثما أبتاع بعض الأزهار الجميلة لأزين ~~بها مزهري. # أنا الرحالة العجيب الذي حكم عليه الناس بالخفة والطيش، ويمرح في ربيعه ~~السادس عشر، إن أمطرت السماء استترت تحت الخمائل المتكاثفة ريثما يسكن المطر، ~~ثم أخرج من الغابة المبللة ضاحكا من قوس قزح. # لم أجشم نفسي للحصول على الغنى والسعادة، ms46 كما أنني لم أصادفها قط، وإني ~~كالحاج المسافر في ضوء القمر يشرب من الينبوع المنفجر، ويخوض النهر من المخاضة. ~~مداوم سيره لا يقعده تعب ولا نصب. # سيلفيا ~~: # ألم تفكر قط في الإقامة بعد هذا السير المتواصل الذي تبثه فيك روح النزق ~~والطيش؟! وإنك لتؤمل الأماني والآمال من الغد الخفي المبهم. أما بصرت في ~~ترحالك بمنعطف الطريق ببيت صغير خيم عليه السكون والدعة، وهو في حلته البيضاء ~~الناصعة تكسوه النباتات المتسلقة، التي حوت من أحاسن الأزهار وأريج الورود، ~~وببابه كلب جميل أمين. # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي # بأخرى المنايا فهو يقظان نائم # وبنافذته المفتوحة فتاة هيفاء دعجاء تحييك وأنت مار. # زانيتو ~~: # طالما تيقنت أن أناشيدي أشبه بحجر يقذف به في خميلة؛ فهيج منها ما كمن من ~~الأفاعي كبيرها وصغيرها، وإني أمام هذا المنظر الذي لا يميل إليه إلا كل حوشي ~~سوقة أراني لا آلفه؛ لكوني أحب أن أترك الأسر وشأنهم من الدعة والسكون. # سيلفيا ~~: # ألا تغرق في بحار أمانيك حينما تبتسم لك الفتيات الحسان بما يخجل البدور، ~~ويطرحن عليك من الأزاهير التي يعلقنها بصدورهن؟! # زانيتو ~~: # وما الفائدة من جراء ذلك؟ بل كنت أرسل إليهن قبلة من بعيد وأذهب لشأني، ~~وقد بينت لك أن أثمن الأشياء عندي الحرية، وإن أحببت وأطلقت لنفسي العنان في ~~الحب صرت أسيره وأفقد رحلي الشائقة، وإني الآن خفيف العبء لا أحمل إلا ريشة ~~أزين بها قلنسوتي ومزهري على كتفي، وأما الحب فحمل ثقيل ترزح من ثقله القلوب ~~الشداد. # سيلفيا ~~: # إنك لطير صعب المراس، لا يستطاع إمساكه في قفص ليستأنس ويستألف. # زانيتو ~~: # إن ذلك لمحال. # سيلفيا ~~: # ألا يفكر طيرنا أن يصنع له عشا يوما ما يأوي إليه؟! # زانيتو ~~: # لا لا! فإنني أرتعد خوفا حينما أسمع اسم الحب، وإنك لا تعرفين حلاوة السفر ~~ولذته، كالفراش # 16 # المتنقل على جميل الأزهار لا يلبث على إحداها إلا ريثما يمتص رحيقها. # 17 # سيلفيا ~~: # ليست السعادة ما تظنه. إنك ذاهب إلى فلورنسا ولا أمل يقودك، يرشدك الاتفاق ~~وتأخذ بيدك المصادفات، وقد استعذبت الطريق الجميل، ms47 ونسيم الليل العليل البليل، ~~تتبع خطافا # 18 # طائرا، أو صبا # 19 # سائرا. # زانيتو ~~: # الأمر كما وصفت. # سيلفيا ~~: # قد عرفت سيرك، ولكن غاب عني مقصدك. # زانيتو ~~: # إنه لمبهم. # سيلفيا ~~: # وماذا يكون؟ # زانيتو ~~: # إني لا أعلم ما في الغد. # سيلفيا ~~: # أود أن أمد إليك يد المعونة. # زانيتو ~~: # لست في حاجة إليها، وربما لا أخطو خطوة واحدة بعد جميع ما مضى، وإن نفسي ~~تحدثني بأمر ذي بال، وذاك أن مثلي من لا يعلم له أبا ولا أما لا يبعد أن ~~يكون ابن قروي حقير أو ابن سيد أمير، ولكن يغلب على ظني أني ولدت في صبيحة يوم ~~جميل من أيام الربيع؛ لأن شعاع السرور المرتسم في رأسي يمنعني أن أظنني يتيما، ~~ولغاية الآن، وأنا جائل كالفلو # 20 # فرحا مرحا، لا أطمع في عيش أرقى مما أنا فيه، ولكنني يلزمني أن ~~أبوح لك يا سيدتي بما يخالج صدري لما آنسته منك من اللطف والرقة في مخاطبتي، ~~فقد عاودتني الذكرى القديمة المبهمة، فتذكرت أختالا أعلم الآن خبرها وما فعل ~~بها الدهر. # وحينما أفهمتني حقيقة المأوى الذي تكتنفه السعادة من كل صوب وهو بعيد عن أعين ~~الناس تظله النباتات الجميلة التي اكتست بأبهى الأزاهير، أراني الآن قد ~~ابتدأت أن أشعر بوطأة التعب والنصب مما تكبدته من مشاق الترحال ~~والأسفار. # ولقد تاقت نفسي لما عرضته علي، وأراني منقادا طائعا لنصحك، فكوني طيبة ~~القلب كما أنت جميلة الطلعة، أفلا تجربين إذن أن تحفظي هذا الطير الشارد بجانبك ~~ليألف ويستأنس بعد نفوره؟! # وإني أعاهدك بأن أهجر عيشتي السابقة التي لا نظام لها وأعيش هنا، ولا قصد لي ~~أن أقضي عامة اليوم جالسا على وسادة تحت قدميك، أسامرك بما يقتل الوقت وأشنف ~~منك السمع بأناشيد ترنح منك الأعطاف وترقص ما يجول بخاطرك من الأماني ~~والآمال. # سيلفيا ~~: # ما أنت إلا طفل! ~~(ثم تناجي نفسها على حدة.) # ما لي أراني مضطربة خائفة من أن أحوزه بجانبي وأحوطه بصنوف الاعتناء والحنان، ~~ويستهوي سمعي حينما يناديني: يا حبيبتي، وهنالك محط آمالي! # زانيتو ~~: # فهل لك ms48 فيما بحت به إليك؟! # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # وإن قبلت؟ لا فذاك محال! ولكنه هو الذي عرض علي الأمر بنفسه. # زانيتو ~~: # أعلم يا سيدتي أن هذا منك كريم عظيم، ولكن هل تسمح إرادتك؟ # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # سيعلم غدا من أنا. # زانيتو ~~: # ما رأيك أخيرا؟ # سيلفيا ~~: # لا أستطيعه. # زانيتو ~~: # ولم لا تسطيعينه؟ # سيلفيا ~~: # لست المرأة التي تظنها؛ إذ لا يقوم بأعباء ما تتمني إلا سيدة سرية لتعول ~~أمثالك من الشعراء والموسيقيين وترعاهم بعظيم عنايتها، أما أنا ففقيرة يعوزني ~~المال والرجال. # زانيتو ~~: # أما لك حاجب من الشرفاء؟ # سيلفيا ~~: # لا. # زانيتو ~~: # ولا خادم؟ # سيلفيا ~~: # كلا. # زانيتو ~~: # إنني أقنع بثمرة واحدة أتناولها في العشاء، ويكفيني كرسي أنام عليه. # سيلفيا ~~: # ليس في الإمكان. # زانيتو ~~: # ولكن. # سيلفيا ~~: # إنني أرملة لم تقض أيام حدادها وعائشة وحدها. # زانيتو ~~: # وا أسفاه يا سيدتي، فإني لا أتطلب إلا أن أعيش تحت قدميك. # سيلفيا ~~: # قد طلبت محالا. # زانيتو ~~: # وداعا لحظ سعيد هنيء تمناه القلب واشتاقت إليه النفس، ولكني لا أيأس من رحمة ~~الله؛ فلربما صادفت من سيلفيا من الهناء أسعده ومن النعيم أرغده. # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # ماذا يقول؟ # زانيتو ~~: # حيث استحال العيش بجانبك في الدعة والسكون مما حدثتني به النفس، وأنا مصغ ~~لما سردته علي من الحديث، فعلى الأقل جودي علي برأيك ومحضيني النصح؛ فقد ~~أنبئت منذ أيام أن فلورنسا سيدة لم يثبت أمامها قلب من القلوب، ونظرة منها أشد ~~فتكا من السهم المريش، وكافية لأن تطرح تحت قدميها أشد الرجال بأسا، ولا ريب ~~أنك تعرفين اسمها، وهو «سيلفيا»، ويقال: إنها تعيش ببذخ ورفاهية، والناس تفد ~~عليها من كل فج عميق، والسعيد من وفق لأن يمكث عندها بضعة أيام، وهي تهوى ~~الموسيقى الشجية من يد عالم ماهر، ولا سيما المزهر، وقد صممت أن أيممها. # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # اللهم رحمتك! # زانيتو ~~: # إني لا أستطيع أن أجد لي مهنة في قصرها، ولكن نفسي تثور فيها عواطف الكبرياء ~~والإعجاب، ويشاع أنها ذات جمال ساحر وحسن باهر، ومن عاش بجانبها لا يستنشق إلا ~~نسيما مشئوما مسموما، ms49 وإني لموجس خيفة، فما قولك يا سيدتي وقد ائتمنتك ~~وجعلتك موضع ثقتي؟ # وإنك نبذت ما عرضته عليك، ولكن مهلا؛ فإنك لم تبتي الأمر بعد، وليت شعري ~~لم ارتسمت هذه الفكرة في مخيلتي، وهو أن قلبك نحوي مفعم بحب يفوق حب الأم ~~لولدها، وتودين لي الهناء والسعادة، وإني لتابع لإرشادك ما عشت، فهل أقصد ~~سيلفيا؟ # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # قد فهمت الأمر، وسيعود غدا هذا العابر الذي يسمى الحب بلفظه ومعناه، بل هذا ~~الخفي الذي ملأ قلبي حنوا ورقة، وقد طوح به إلي الحظ، وإن هو إلا السعادة ~~المارة وأنا أطردها! لا لا، فالنفس لا تقوى على إخماد عواطفها الثائرة، وإني ~~أريد أن ... # زانيتو ~~: # ألا تعيرينني سمعك قليلا؟! فإنك التزمت الصمت. # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # إن هذا لعار، ولكني سأعتذر بأن حظينا السيئين اختلطا مع بعضهما. ~~(على مسمع منه.) # أتريد رأيي ونصحي؟ # زانيتو ~~: # أجل. # سيلفيا ~~(بعد سكوت برهة تتكلم بتكلف عظيم وشدة) ~~: # أطعني ولا تقصد هذه المرأة التي تدنست بالعار، وإنك لغر لا تعرف هذه الأمور، ~~حدث سليم القلب بسيطه، لا تدري بما يحفك من الضرر والسوء. # ولو أني لما لم أستطع أن أؤويك وأواسيك؛ كنت والأسف ملء فؤادي أول رافضة ~~لبغيتك، ولكني قادرة أن أنجيك الآن مما سيحيق بك من المكروه لو أنقدت ~~لرأيك. # وكيف وأنت ابن الغاب الذي يسير فرحا مرحا تداعب الصدى، # 21 # وتعدو وراء الطير، ويظلك الغمام، ويرويك الينبوع بزلاله ~~البارد. # أنت الذي تيمتك الطبيعة بمحاسنها؛ حتى خلا قلبك من كل شيء تصنعه يد الإنسان، ~~وتغني متهللا كالطير في سمائه، وأنت مبلل الخدين بالندى تود أن تلج هذه الدار ~~المشئومة المحتقرة. # أتدخل مع شمس الصباح بهوا # 22 # لم تكد تنتهي فيه وليمة الخلان؛ لتدنس شفتيك النقيتين بكأس ~~ابتذلتها الرفاق والإخوان، وتأكل فضلتهم الفاضحة الممقوتة. # أتود أن تقع في مهاوي الفسق بالنظر إلى عينيها اللتين أذبلهما السهر وذهب ~~بطلاوتهما العهر؟! فاتق الله في عينيك المزريتين بصفاء السماء وشعرك البهي ~~العسجدي. # أتطمع أن تنال من سيلفيا طعاما ومأوى بأنشودة أو لحن؟ ms50 فعفوا أيها البريء ~~الطاهر الذيل، فإني أخاطبك بلهجة حادة قاسية مع أني في حاجة إلى العفو ~~والإغضاء، وتراني الآن مضطربة، ولكن ذلك من فرط حبي لك، كطفل تريد أن تنتشله ~~أمه من مخالب الهلاك. # فابق على حالك من جوب البلاد، راتعا في المروج النضرة الزاهرة والرياض ~~الأريضة المونقة، يصدح فيها مزهرك كتول # 23 # من النحل، وإن اكفهرت السماء فما عليك إلا أن تذهب إلى صاحب القصر ~~الهرم أو القروي ريثما يروق الجو، ثم تتمم ترحالك، وإن صادفك في طريقك في يوم ~~باسم الصباح صافي السماء، فتاة حقيرة ضربت من الملاحة والطهارة بسهم وافر، ~~وتليق لأن تكون لك عروسا فعندها تلقي عصا الترحال، وتحط الرحال، وتعيش معها ~~مطمئنا خالي البال، والحصاد مهنتك؛ فهناك ترى السعادة التامة والهناء العميم، ~~والنعيم المقيم. # زانيتو ~~: # إنني لك مطيع، ولكن ربما كانت هذه المرأة براء مما ألصقته بها الألسنة ~~الحداد، ومن أخبرني بنبئها قال لي: إن قصرها يكاد أن يكون هادئا مطمئنا، ~~وإني أعاهدك أن لا أيممها ما دمت تعلمين طلعها # 24 ~~... ~~(يلمح من سيلفيا إشارة تألم.) # عفوا فقد مسست منك جرحا داميا على ما أظن، أما قلت لي منذ هنيهة: إنك ~~تقضين الحداد، وذاك لا يكون إلا لفقد حبيب عزيز أو أخ أو خطيب؟ وربما كان ذهب ~~ضحية لسيلفيا هذه. # ألم يكن ما جاش بخاطري قريبا من الحقيقة؟! فكوني طيبة القلب، وعفوا إذا ~~تصورت أنك تتسرب إليك عقارب الغيرة، ظانة أنني أرمي إلى زواجها. # سيلفيا ~~(وقد أكفهر وجهها.) ~~: # لقد غرك يا صديقي الشك؛ فإني لا آسف على أخ ولا حبيب، ولكنه طبيعي رحمة ~~وشفقة على سيلفيا، عالمة أنها في الحقيقة أهل الآن لكرم يحمي براءتها، ولكن ~~واها لغرض قاس من مسير على الثلوج لا تستطيعه الأقدام! وهي في الباطن تكره ~~الرشيق القوام الطاهر الذيل، فارحل واعلم أن جل نصحي لك أن لا تعرج عليها ~~فهيا اذهب بسلام. ~~(ثم تسمع بلهجة الألم.) # إنك لا تعلم حرج الموقف، وما يشق علي من أمرك، وأجري عظيم إن ضللت ms51 خطواتك ~~عن هذا الطريق، وإني لأستحق على هذا البر الجليل أكثر من الشكر والثناء ~~الجزيل. ~~(على حدة.) # قد قضي الأمر، ولكن وا أسفاه أن وقف على حقيقة أمري. # زانيتو ~~: # إني لا أعرج عليها إذا كنت حكمت عليها بحكمك هذا، وسأرحل ولو أني لا أجد ~~اليوم إلا قليلا من السعادة عما سبق لي من الحياة المشحونة بالوقائع، التي ~~صادفت فيها كل الابتهاج والبشر، وتصعب الراحة والمقام لمثلي؛ لأني لمع لي بارق ~~أمل ضئيل من السعادة. # وحينما رفضت ما عرضته عليك شممت من لهجتك حنوا ورقة، يخالطهما تأثر ~~استنبطت منه أنك تكتمين شجونا عظيمة دليلها القاطع لفظة التأسف ~~الحلوة. # سيلفيا ~~(تناوله خاتما) ~~: # لقد صدق ظنك! فخذ هذا الخاتم تذكارا. # زانيتو ~~(بإشارة رفض) ~~: # لا يا سيدتي، وإنه لعلى طراز قديم من ذهب جيد ومزين بفص كبير من الماس ~~النادر، وهذا ما لا أستطيع قبوله فشكرا لك، وكيف أقبله وأنت أرملة ~~فقيرة. # سيلفيا ~~(على حدة) ~~: # ليت شعري هل عرف جلي حالي، وعلم من أين جاءتني هذه الحلي المشئومة؟ أراه ~~التزم الصمت وينظر إلى نظرة تغض مني الطرف حياء وخزيا. ~~(بصوت عال.) # ماذا تود أن أن أعطيكه؟ # زانيتو ~~: # أشتهي تذكارا لا عطاء وإحسانا، شيئا لا يقوم بقيمة ولكنه عزيز عندك، ~~أبغي هذه الزهرة الذابلة التي كادت أن تجف في شعرك الفاحم. # سيلفيا ~~(تعطيه الزهرة) ~~: # وا أسفاه! فخذها، وقبل طلوع النهار ستذبل هذه الوردة في يدك، وأملي أن تذكرك ~~عهدي بأن تنساني عندما تذبل، وإني أودعك الآن أيها العزيز. # زانيتو ~~(يقترب من سيلفيا وهي تبتعد عنه) ~~: # سيدتي! لي كلمة أقولها والاضطراب يلعثم لساني، وأخاف أن آخذ طريقي الأبدي، ~~وكما يخيل إلي أني ضللت طريق السعادة، ولا مسلك هنا يوصل إليها؛ فعليك اختيار ~~أحب الطرق لأسير فيه، فأمعني الفكرة والبصيرة، وسأستقبل الجهة التي تشيرين ~~إليها متكلا على الله وحسن حظي. # سيلفيا ~~(وقد صعدت إلى وسط سفح البيت، مشيرة إلى الجهة المقابلة ~~للمدينة) ~~: # اذهب إلى ناحية الفجر. ~~(ثم يخطو إلى سيلفيا بعض خطوات ولكنها توقفه بإشارة منها ~~فيذهب ms52 يائسا.) # سيلفيا ~~(وهي وحدها، تمكث آونة متكئة على مرفقها ناظرة إلى زانيتو ~~وهو يبتعد، ثم تغطي وجهها وتبكي بكاء مرا) ~~: # بارك الله في الحب، فإني الآن أستطيع البكاء. # | إيدمون روستان1 # بدر بزغ في سماء الشعر وفن الروايات التمثيلية، ولد بمرسيليا سنة 1868، وقد ابتدأ في ~~عالم التأليف بمجموعة في النظم سماها «اللهو بالترهات والسفاسف» جمعت بين البلاغة ~~والرقة، ثم ظهرت أول رواياته التمثيلية «المولعون بسير أبطال القصص» سنة 1894، وهي نظمية ~~ذات ثلاثة فصول حوت: روح «ماريفو # Marivaux ~~» # 2 # وأسلوب «بانفيل # Banville ~~» # 3 # ثم اتبعها برواية «الأميرة البعيدة» سنة 1895، وهي طلية النظم منسجمة العبارة، ~~استخرجها من سيرة من القرون الوسطى، وبعدها بسنتين مثلت رواية «السامرية»، وهي مستنبطة ~~من الإنجيل بديعة القريض رقيقة العبارة. # وأهم مؤلفاته رواية «سيرانودو بيرجيراك» سنة 1897، وهي شعرية حماسية ذات خمسة فصول، اهتزت ~~لها أعطاف البلاغة طربا، وسارت بذكرها الركبان. أوجد فيها مشربا في الشعر مضادا لمذهب ~~المحققين الفاضحين، الذين يكشفون جميع ما استتر بلهجة تهكم قارصة، وهي في النظم بيت القصيد ~~من شعر المؤلف، تضم بين سطورها حماسة وحمية وشجاعة ومروءة منسجمة القوافي شائقة ~~المعاني. # وفي سنة 1900 كتب رواية «الهيثم»، # 4 # وبطلها «الدوق دوريشتاد»؛ أي نابليون الثاني، وقد صادفت إقبالا عظيما وتحلت ~~بمحاسن السابقة. # وقد انتخب المترجم في المجمع العلمي الفرنسي سنة 1902، وأصبح أمير الشعراء، وله عدة ~~قصائد نشرت على حدة وكان لها استحسان عظيم. # وفي سنة 1890، ظهر ديوان في الشعر لإحدى الآنسات، وهي في ربيعها التاسع عشر، باسم ~~«المزامير»، بديع النظم رائق المعاني، لا يشوبه التكلف؛ فدهش المجمع العلمي حينما قارن بين ~~عمر الفتاة وديوانها العظيم، ومنحها جائزة عظيمة، فتزوجها شاعرنا هذا في السنة التي ظهر ~~فيها ديوانها، وهي السيدة «روزموند أيتيينيت جيرار» من الشعراء المشهورين، ولدت بباريس سنة ~~1871، وهي ابنة «الكولونيل كونت جيرار»، وحفيدة الماريشال «جيرار». ~~(1) ملخص رواية سيرانو # رواية حماسية ذات خمسة فصول، بدئ بتمثيلها بباريس في 28 ديسمبر سنة 1879 بمرسح «بورت ~~سان مارتين»؛ فحازت إقبالا باهرا، وكانت مجدا وفخرا للشاعر؛ لما انطوت ms53 عليه سطورها ~~من: الفكاهات، والهزل الرقيق، والأسلوب الأدبي الطلي، ومتانة القريض، والحماسة الشائقة، ~~والمعاني الرائقة، والروح الفرنسية الصريحة. وهاك الموضوع: # تتبع سيرانو دوبير جيراك - وهو من مشاهير شعراء القرن السابع القرن السابع ~~عشر - إلى «نزل البورجوني»، وهناك احتشدت الجموع من: سكارى، وسراة، وممثلين، ~~وموسيقيين، وغيرهم. ثم نعرج على طاهي الشواء وأصناف الحلوى «راجنو»، وكان ~~شاعرا يضحك من رآه؛ إذ كان يملأ أكياس الورق الذي يلف فيه الحلوى بقصائده، ~~وعندما يأتي مشتر يقف أمامه زمنا طويلا، ريثما يقرأ الطاهي قصائده المكتوبة ~~على الأكياس، وينتقي واحدة منها؛ إذ كان يضن بها وتذهب نفسه حسرات ~~عليها. # وهناك يدري سيرانو أن «روكسان» التي تيمه هواها تميل إلى «كريستيان ~~دونوفييت»؛ فيصطحب مع هذا المنافس المزاحم، ويدعوه ليسمع مع الجميع القصيدة ~~المضحكة التي يصف بها أنفه الكبير؛ فيغرق الجميع في الضحك من هذه القصيدة، التي ~~حوت من الملح والفكاهات أرقها ويزينها الإلقاء البديع والفصاحة التي منحها هذا ~~الشاعر. # وصار سيرانو يساعد كريستيان في استمالة روكسان بأن يمليه الرسائل البليغة ~~لحبيبته؛ حتى اغترت به وظنته أنه هو المحرر لها وازداد حبها له بفضلها. # ثم ننتقل بالقارئ إلى بيت روكسان، فنرى كريستيان واقفا بعد الغروب تحت طنف ~~البيت، وقد علته الكآبة وأكمده الأسف، فينظره سيرانو وهو مار فيستغيث به ~~كريستيان لينتشله من ورطته؛ لأنه كان عيا فظا، وقد أردت روكسان أن يجالسها ~~للسمر، فكان لا يعرف أن يخاطبها بكلمة غير قوله: «أحبك»، وصار يكررها حتى سئمت ~~منه، وقالت له: حدثني عن الحب، وكيف يكون ؟ فلم يحر جوابا، فقالت له: عبر عن ~~وجدانك وشعورك على الأقل. فما كان منه إلا أن لبث أمامها كالبهيمة، لا يدري غير ~~قوله: «أحبك.» حتى ضايقها وطردته. # ثم رق له سيرانو ووعده بالمساعدة، واختبأ تحت الشرفة، وأشار عليه بأن ~~يناديها، فأطلت من نافذة الطنف، وصار يلقنه سيرانو الجواب بعبارة بليغة وإشارات ~~دقيقة؛ حتى أدهشها بفصاحته ومنحته القبلة التي طلبها منها في عرض كلامه، حينما ~~رآها رضيت عنه بعد نفورها وغضبها، ثم تزوجت به بعد ms54 مدة قصيرة. # ثم سافر سيرانو هو وكريستيان إلى معسكر «إخوان الجاسكونيين» ضمن الجند الذين ~~سافروا، وتبعت روكسان زوجها، وهناك قتل كريستيان برصاصة من الأعداء، ودفن ~~معه سر الغش والخداع الذي رتبه سيرانو، ولعب دوره برشاقته المعهودة، وبعد موت ~~كريستيان لبست روكسان ثوب الحداد ودخلت الدير. # وبعد أربعة عشرة سنة التقت بسيرانو، وصار يتردد عليها في بعض الأوقات، ويقص ~~عليها سيرته الماضية وأخباره سنة بسنة، وحبه لها ما فتئ يجري في عروقه مع دمه؛ ~~إلى أن أتى يوما من الأيام وقد اغتاله أحد الخدم، وضربه بالسيف على أم رأسه، ~~فضمد جرحه وذهب إلى روكسان لينظرها النظرة الأخيرة قبل موته، واعترف لها ~~استدراجيا بحبه، وأنه هو الذي لعب هذا الدور الختال، وخلب روكسان، وأنه ما ~~برح كاتما حبه؛ فتأثرت روكسان ورقت له ورثت لما قاساه هذه الأعوام الطوال ~~بسببها، وبكت وكان بودها لو يعيش وتقاسمه هذا الحب العذري والوفاء والإخلاص، ثم ~~قبلته في جبينه، وهو يعترف لها بآخر كلمة إلى أن أسلم الروح بين ~~يديها. ~~(1-1) سيرانود وبيرجيراك # Cyrano de Bergerac # منظر الطنف # Scéne du Balcon # 5 # روكسان ~~: # بخ بخ أهذا أنت؟ قد خيم الظلام، فانتظر إذ ابتعد الجمع والهواء لطيف ~~والطريق قفر، فلنجلس لنتجاذب أطراف الحديث، وهات ما عندك فإني ~~مصغية. # كريستيان ~~(يجلس بجانبها على المقعد وبعد سكوت برهة ~~يقول) ~~: # أحبك. # روكسان ~~(تقفل عينها) ~~: # نعم فحدثني عن الحب. # كريستيان ~~: # أحبك. # روكسان ~~: # هذا هو الموضوع فانسج القول. # كريستيان ~~: # أنا ... # روكسان ~~: # صغ القول. # كريستيان ~~: # أحبك كثيرا ... # روكسان ~~: # بلا شك. ثم ماذا؟ # كريستيان ~~: # ثم ... إنني أكون مبتهجا إذا أحببتني! أجيبيني يا روكسان إذا كنت ~~تحبينني. # روكسان ~~(عابسة الوجه) ~~: # إنك تقدم لي الحساء # 6 # بينا أشتهي الزبدة! فخبرني ببعض كليمات كيف تحبني. # كريستيان ~~: # ولكن ... كثيرا. # روكسان ~~: # أواه! ... صرح بوجدانك وشعورك! # كريستيان ~~(وهو مقترب منها وناظر لعنقها الوضاء بعين ملؤها ~~الشره والنهم) ~~: # بودي لو ألثم جيدك! ... # روكسان ~~: # يا كريستيان! # كريستيان ~~: # أحبك. # روكسان ~~(وقد همت أن تقوم) ~~: # رجعت إلى النغمة الأولى. # كريستيان ~~(وقد أمسك بها) ~~: # لا! فإني ms55 لا أحبك! # روكسان ~~: # إن هذا لمن حسن الحظ! # كريستيان ~~: # أحبك حبا شغف فؤادي. # روكسان ~~(وقد همت واقفة وابتعدت عنه) ~~: # أواه! # كريستيان ~~: # نعم ... فقد صرت أحمق! # روكسان ~~(بخشونة) ~~: # هذا لمما تعافه نفسي، كما أنك تزداد قبحا في عيني من وقت ~~لآخر. # كريستيان ~~: # ولكن ... # روكسان ~~: # هيا اجمع فصاحتك الهاربة المشتتة. # كريستيان ~~: # أنا ... # روكسان ~~: # أعرف جيدا أنك تحبني، فأستودعك الله. # كريستيان ~~: # لا تتسرعي فسأقول لك ... # روكسان ~~(تدفع الباب لتدخل) ~~: # بأنك تحبني ... نعم وأعلم ذلك. لا لا! فاذهب بسلام. # كريستيان ~~: # ولكني ... ~~(ثم تقفل في وجهه الباب.) # سيرانو ~~(وقد دخل منذ هنيهة دون أن يرى) ~~: # هذا فوز باهر! # كريستيان ~~: # أغثني. # سيرانو ~~: # لا يا سيدي. # كريستيان ~~: # إنني أموت إذا لم أحظ منها الساعة بالقبول والرضا. # سيرانو ~~: # وكيف أستطيع أيها الأحمق؟! إذ ليس في الإمكان حتى إرشادك ~~الآن. # كريستيان ~~(وهو ممسك ذراع سيرانو) ~~: # هاك انظر! ~~(يرى نافذة الشرفة مضاءة ~~غرفتها) ~~. # سيرانو ~~(وهو مضطرب) ~~: # نافذتها! # كريستيان ~~(صائحا) ~~: # سأموت! # سيرانو ~~: # خفض صوتك. # كريستيان ~~(بصوت خافت) ~~: # الموت. # سيرانو ~~: # أرى الظلام حالكا ... # كريستيان ~~: # وما العمل؟ # سيرانو ~~: # الأمر متدارك ولكنك لست أهلا له ... فقف أيها التعس أمام الطنف، وإني ~~سأختبئ تحته، وألقنك ما ستخاطبها به من الكلمات. # كريستيان ~~: # ولكن ... # سيرانو ~~: # اصمت. # الحاجبان ~~(وقد ظهرا من بعيد يشيران إلى سيرانو) ~~: # من ذا؟! # سيرانو ~~: # صه! ~~(ثم أشار إليهما بخفض ~~صوتهما) ~~. # الحاجب الأول ~~(بصوت منخفض) ~~: # نحن آتيان من مونفلوري، إذ كنا نترنم تحت نوافذ الحسان على نغم ~~العيدان. # سيرانو ~~(مسرعا في كلامه) ~~: # هيا اكمنا في جوانب الطريق وإن مر أحد مضايق فاضربا لنا ~~لحنا! # الحاجب الثاني ~~: # أي لحن أيها السيد الجاصاندي؟ # 7 # سيرانو ~~: # لحن مطرب إن مرت امرأة. ومحزن إن مر رجل! ~~(يفترق الحاجبان وينزوي كل منهما في ركن من أركان ~~الطريق، ثم يوجه خطابه إلى كريستيان.) # ادعها! # كريستيان ~~: # روكسان! # سيرانو ~~(وهو يلتقط الحصى ليرمي به ألواح زجاج ~~النافذة) ~~: # انتظر ريثما نجمع بعض الحصى. # روكسان ~~(وهي تفتح نافذتها) ~~: # من يناديني! # كريستيان ~~: # أنا. # روكسان ~~: # وما أنا؟ # كريستيان ~~: # كريستيان. # روكسان ~~(باحتقار) ~~: # أهذا أنت؟ # كريستيان ~~: # أريد أن أخاطبك. ms56 # سيرانو ~~(وهو تحت الشرفة مشيرا إلى كريستيان) ~~: # حسنا فتكلم بصوت خافت. # روكسان ~~: # إنك لا تفصح الكلام فاذهب بسلام. # كريستيان ~~: # عفوا ... # روكسان ~~: # لا! فإنك لا تحبني أبدا. # كريستيان ~~(يلقنه سيرانو الجواب) ~~: # يالله! تتهمني بادعاء الحب بينا حبي في ازدياد واشتعال. # روكسان ~~(وكانت عازمة أن تقفل النافذة فتوقفت) ~~: # عجبا! فإن هذا أفصح من ذي قبل. # كريستيان ~~(ملقنا) ~~: # الحب يشب في قلبي متأرجا في مهد روحي الحائرة، فما أقسى هذا الطفل ~~الذي اتخذ روحي مهدا له! # روكسان ~~(وقد تقدمت إلى حافة الطنف) ~~: # هذا من الحسن بمكان! ولكنك أحمق لكونك لم تخنق هذا الحب في مهده إذ ~~وجدته قاسيا! # كريستيان ~~(ملقنا) ~~: # لقد سولت لي نفسي ذلك وهممت به، ولكن بغير طائل؛ فإن هذا الطفل يا ~~سيدتي أشبه بهرقل # 8 # صغير. # روكسان ~~: # ما أحسن هذا القول! # كريستيان ~~(ملقنا) ~~: # حتى إنه خنق ثعباني الكبرياء والشك بدون أدنى مبالاة. # روكسان ~~: # لا فض فوك! ولكن لم تسرعت في الاندفاع في القول دون استدراج؟ ~~فهل أصبت في عقلك؟ # سيرانو ~~(وقد جر كريستيان تحت الشرفة ووقف محله) ~~: # صه! فقد أصبح الموقف حرجا! ... # روكسان ~~: # أراك اليوم تتكلم مترددا في القول فما الذي عراك؟ # سيرانو ~~(متكلما بصوت خافت مقلدا صوت كريستيان) ~~: # قولي متردد؛ لأنه يتخبط في الغياهب باحثا عن أذنك. # روكسان ~~: # ولكن كلماتي لم تتعثر في مخارجها كما تعثر كلماتك. # سيرانو ~~: # ستلقى هذه العثرات في القريب العاجل، وهذا يأتي بطبيعته، وإن فؤادي ~~لواع وحافظ لجميع قولك، وهذا مما يدل على عظم قلبي وصغر أذنك؛ إذ يلقف ~~كلماتك أسرع من البرق، ولكن كلماتي يا سيدتي حينما تصعد إليك يلزمها ~~وقت كاف. # روكسان ~~: # ولكني أجد أنها تصعد إلي منذ هنية أطيب من قبل. # سيرانو ~~: # قد تعودت من هذا التمرين! # روكسان ~~: # إني أحدثك من علو شاهق! # سيرانو ~~: # صدقت وإنك لو رميتني من حالق # 9 # بكلمة قاسية لقتلتني! # روكسان ~~(وقد همت أن تنزل) ~~: # أنزل إليك؟ # سيرانو ~~(بنشاط) ~~: # لا! # روكسان ~~(مشيرة إلى المقعد تحت الطنف) ~~: # أسرع وتسلق المقعد. # سيرانو ~~(وقد زاد اضطرابه) ~~: # دعيني أنتهز ما تنفحني به ms57 الفرص من استطاعة التكلم بلطف دون ~~مشاهدة. # روكسان ~~: # دون مشاهدة؟ # سيرانو ~~: # نعم فإن هذا ليجذب القلوب، وإنك ترين هذا الظلام المعتم وقد مد ~~رواقه، وإني ألمح بياض ثوب من ثياب الصيف، وما أنا إلا الظلمة وأنت ~~الضياء! وإنك لا تدرين فضل هذه الدقائق علي أن انبعثت في بعض الأحيان ~~من فمي الفصاحة والبيان ... # روكسان ~~: # لقد أسعدتك البلاغة بنفحاتها. # سيرانو ~~: # إلى الآن لم يصدر كلامي من فؤادي ... # 10 # روكسان ~~: # ولم؟ # سيرانو ~~: # لأني إنما أخاطبك وأنا بين ... # روكسان ~~: # بين أي شيء؟ # سيرانو ~~: # بين صواب مفقود وفكر ضال، إذ لا يثبت أحد أمام ناظريك! ... # ولكني يخيل إلي أني سأخاطبك الآن للمرة الأولى! # روكسان ~~: # صدقت، فإنك تتكلم بصوت متغير. # سيرانو ~~: # نعم متغير لأني في هذا الليل الأليل الساتر الذي يحميني أستطيع أن ~~أكون أنا نفسي وأستطيع أن ... ~~(ثم يتوقف وقد ~~كاد أن يغمى عليه) ~~. # أين كنت؟ لا أعلم ... كل هذا، عفوا عن اضطرابي؛ فقد ثملت من لذة هذا ~~الموقف ... لأنه لي جديد غريب! # روكسان ~~: # جديد غريب؟ # سيرانو ~~(وقد أنهكه التأثر والاضطراب، وهو مجتهد في تدارك ~~كلماته) ~~: # نعم جديد غريب أن يكون صادقا؛ فإن خوفي من أن يهزأ بي ويسخر مني # 11 # ليلدغني في سويداء قلبي ... # روكسان ~~: # ولم يهزأ بك؟ من عامل جاذب! ... نعم فقلبي يكتسي دائما بعقلي، ونفسي ~~تحدثني بأن أقتلع النجم من سمائه، ولكني أتوقف لغرابة الأمر، وأستبدله ~~بالزهرة. # روكسان ~~: # إن الزهرة جميلة. # سيرانو ~~: # فلنحتقرها الليلة. # روكسان ~~: # إنك لم تخاطبني قط بمثل ما آنسته فيك الليلة من الرقة ~~والبيان! # سيرانو ~~: # آه! إن جرينا شوطا آخر في الكلام فهناك الكنائن # 12 # والشعل والسهام، والنجاة مقرونة بالأشياء الرطبة! ولنشرب ~~نهلا بدلا من التعلل بكأس صغيرة من الذهب الإبريز من ماء «لينيون» ~~العديم الطعم، وإن سولت لنا النفس بأن ترى كيف تروى الروح إن شربت ~~نهلا وغبت من النهر العظيم. # روكسان ~~: # ولكن أين النكات الأدبية اللطيفة؟ ... # سيرانو ~~: # كان ما كان لأطيل مكثك معي، والآن إن تكلمنا كما ترومين؛ فكأننا نهين ~~هذه الليلة، وهذا الطيب الزكي والساعة ms58 الهنيئة بل الطبيعة البديعة مثل: ~~«فواتور # Voiture ~~» وقصائده الصغيرة ~~الرقيقة. # ولندع السماء تجردنا من كل ما تتكلفه من القول بنظرة من دراريها، ~~وإني لمشفق أن يكون في كيميائنا اللذيذة ما يخشى عليه من تبخر ~~العواطف، أو أن النفس تنفد من ملاهيها التي تقتل بها وقتها بغير طائل، ~~وأن لا يكون المكر العظيم غاية الغايات. # روكسان ~~: # ولكن أين النكات الأدبية؟ ... # سيرانو ~~: # إني لأمقت النكات في الحب، وإنه لمن الجرم في الهوى أن يستغرق فيه في ~~المجالدة بالبيض الصفاح، وفضلا عن ذلك فإنه يأتي في بعض الأحيان ~~قسرا، ولا يغني منه حذر. # لهفي على الذين لم يدركوا هذه الأحايين القهرية! التي نشعر فيها ~~بحبنا الشريف، الذي تشجينا منه كل كلمة رقيقة! # روكسان ~~: # وإن وافتنا هذه الأويقات فماذا تخاطبني به من الكلمات؟ # سيرانو ~~: # كل ما يجيئني منها أرمي به إليك مكوما دون تنضيده كباقة الزهر؛ فإني ~~أهواك وأكاد أختنق من الحب، وقد شغفني هواك وجننت منه، وليس في الجهد ~~احتمال أكثر من هذا، واسمك في قلبي كأنه في جلجل، وإني لأرتعد حينما ~~يهتز الجلجل فيرن داخله اسمك. # لم أنس ذكراك ومحب لكل بادرة منك، وأذكر أنني في العام الماضي في ~~اليوم الثاني عشر من شهر أيار رأيتك وأنت خارجة من البيت صباحا، وقد ~~غيرت ترتيب شعرك الذي كنت أستضيء بسناه الساطع مثلما يحدق الإنسان ~~ببصره إلى الشمس، فإنه يرى هالة ذهبية على كل ما يقع طرفه عليه. # روكسان ~~(بصوت مضطرب) ~~: # نعم، فإن هذا من فرط الحب. # سيرانو ~~: # حقيقة فإن هذا الشعور الذي يغالبني لغيور مزعج، ولا مرية أنه ناشئ من ~~الحب وبه كل أوصاف الحدة المحزنة، وفضلا عن ذلك فإنه ليس معجبا ~~متكبرا. # ولو كان ينفعك أن أضم سعادتي وهنائي إلى نصيبك منهما ليكون لك سهم ~~وافر لفعلته؛ لأني أسمع من بعيد ضحك ما تولد منهما مما ضحيته من ~~حظي. # كل نظرة من نظراتك تحدث فضيلة جديدة وتعودني الجرأة، فهل فهمت الآن ~~وصرت على بينة من الأمر؟ أتشعرين بروحي وهي صاعدة إليك في ms59 هذا الديجور؟ ~~وإني لأحار في وصف جمال ليلتنا هذه؟ وإني أقص عليك كل هذا الحديث وأنت ~~مصغية إلي، ولم يحم أملي القانع على أكثر من هذا، ولم يبق لي إلا أن ~~أموت حيث بلغت غاية الغايات من الأماني والآمال! # وإن كلماتي لهي التي هزت منك الأعطاف بين هاتيك الغصون كورقة يحركها ~~الهواء بين أوراق الخمائل، وقد شعرت بارتعادك وعلمت أنه وفق رغبتك إذ ~~نمت أغصان الياسمين المتدلية بارتعاش يدك! ~~(ثم يقبل وهو تائه طرف غصن متدل من ~~الياسمين.) # روكسان ~~: # نعم وإني لأرتعد كالريشة في مهب الريح وأبكي؛ إذ أحبك وأنا لك فقد ~~ثملت من حديثك. # سيرانو ~~: # والآن فليأت الموت! وإني الذي عرفت كيف أحدث هذه النشوة ولا أتطلب ~~سواها إلا شيئا واحدا ... # كريستيان ~~(وهو تحت الشرفة) ~~: # قبلة! # روكسان ~~(ترجع القهقري) ~~: # ماذا تقول؟ # سيرانو ~~: # أواه. # روكسان ~~: # إنك تطلب؟ ... # سيرانو ~~: # نعم أنا ... ~~(ثم يوجه خطابه إلى كريستيان بصوت خافت.) # لقد تسرعت وجريت لأبعد شأو. # كريستيان ~~: # يجب أن ننتهز فرصة اضطرابها وننتفع بها. # سيرانو ~~(مخاطبا روكسان) ~~: # نعم ... طلبت ... حقا ... فيالله! لقد عاودني صوابي، وعلمت أنني زادت ~~جرأتي. # روكسان ~~(وقد انخدعت قليلا) ~~: # ألا تلح بعدها في طلب شيء آخر؟ # سيرانو ~~: # نعم! ألح ... بل بغير إلحاح؛ فإني أرى الهموم تغالب حياءك! وأخيرا لا ~~تمنحيني هذه القبلة! # كريستيان ~~(وقد جر سيرانو من عباءته) ~~: # ولم؟ # سيرانو ~~: # صه يا كريستيان. # روكسان ~~(وقد أطلت من الشرفة) ~~: # ماذا تقول بصوت خافت؟ # سيرانو ~~: # لأني جريت شوطا بعيدا، فزجرت نفسي قائلا: صه يا كريستيان. ~~(يسمع صوت العيدان.) # مهلا! ... فقد جاء مار. ~~(تقفل روكسان النافذة وينصت سيرانو إلى نغم ~~المزاهر.) ~~(وقد ضرب أحد الحاجبين لنا مطربا والآخر لنا ~~محزنا.) # لحن مطرب ولحن محزن؟ ... فما قصدهما؟ هل أتى رجل أم امرأة؟ لا فهذا ~~راهب. ~~(لنضرب صفحا عن دخول هذا الراهب ومحادثته فليس فيها ~~أقل أهمية.) # كريستيان ~~: # نل منها قبلة لي! ... # سيرانو ~~: # لا لا! # كريستيان ~~: # هل فات الوقت أو لم يحن؟ # سيرانو ~~: # ستجيء هذه الآونة التي تنتشيان فيها من لثم الثغور لكونك ذا شارب ~~ذهبي ms60 وهي ذات شفة وردية. ~~(ثم يخاطب نفسه.) # وددت لو كانت هذه القبلة لسبب ... ~~(ثم يسمعان صوت النافذة وهي تفتح، فيختبئ كريستيان تحت ~~الشرفة.) # روكسان ~~(وقد تقدمت إلى الطنف) ~~: # أهذا أنت؟ كنا نتكلم عن ... عن ... # سيرانو ~~: # عن القبلة! وإنها لكلمة لطيفة لا أدري لم لا تستطيع شفتاك النطق ~~بها، وإن أحرقتها فماذا يكون الأمر؟ فلا تزعجي نفسك لأجلها. # أما كنت تتركين بغير أن أشعر المزح، ثم تتسربين دون ارتباك إلى ~~الابتسام متنقلة إلى التأوه ومنه إلى ذرف العبرات، فما عليك إلا أن ~~تنتقلي. برشاقتك المعهودة من البكاء إلى القبلة فما يخشى منها إلا ~~ارتعاد خفيف! # روكسان ~~: # أطبق فاك أيها الأفاك. # سيرانو ~~: # القبلة ما القبلة؟ وما أدراك ما القبلة؟ قسم أو وعد أو اعتراف يحقق ~~أو نقطة وردية توضع تحت باء كلمة الحب، بل سر مكتوم يلقفه الفم بدل ~~السمع، أو لحظة جمعت فأوعت من الهناء ما لا يبلغه الوصف والحصر، لها ~~دوي كدوي النحل، بل تناول طعمه معطر كالأزهار، بل إنها وسيلة يستنشق ~~بها رائحة القلب، ويذاق بها من حافة الشفاه طعم الروح. # روكسان ~~: # مه! # سيرانو ~~: # إن القبلة لأشرف مما تتصورين يا سيدتي، ولقد منحتها ملكة فرنسا لأسعد ~~لوردات الإنكليز. # روكسان ~~: # والنتيجة إذن! # سيرانو ~~: # عندي ما كان عند بوكنجام # 13 # من خفي التباريح والآلام، وإني أحب مثله الملكة وما هي إلا ~~أنت وإن هو إلا أنا مبلبل البال أمين مثله. # روكسان ~~: # أضربت من الملاحة بسهم وافر مثله؟ # سيرانو ~~(على حدة) ~~: # حقا لقد نسيت أني جميل! # روكسان ~~: # هيا اصعد لتقطف هذه الزهرة التي ما لها من نظير ... # سيرانو ~~(دافعا كريستيان نحو الشرفة) ~~: # اصعد! # روكسان ~~: # نعم تذاق منها القلوب ... # سيرانو ~~: # اصعد. # كريستيان ~~(مترددا) ~~: # أرى إنها ليست ملائمة الآن! # روكسان ~~: # نعم لحظة جمعت فأوعت من الهناء ما لا يبلغه الوصف والحصر ... # سيرانو ~~(وقد دفعه) ~~: # اصعد أيها الحيوان الأعجم! ~~(كريستيان يصعد متسلقا المقعد، ثم يمسك بالأغصان ومنها ~~يخطو إلى الطنف.) # كريستيان ~~: # آه يا روكسان! ... ~~(ثم يعانقها ويقبل ثغرها.) # سيرانو ~~: # أواه! أية لدغة غريبة أصابت فؤادي ms61 أيتها القبلة! بل يا مأدبة الحب ~~التي أنا محييها، لقد تساقط علي في هذا الغيهب بعض من فتات هذه ~~المأدبة، نعم يشعر قلبي أنه هو الذي حظي بهذه القبلة؛ حيث إنه على هذه ~~الشفة التي اغترت بها روكسان لتقبل الكلمات التي فهت بها منذ ~~هنية. # | ألفونس دوديه1 # روائي فرنسي من النوابغ الذين يعدون على الأصابع، ولد بمدينة نيم سنة 1840، وتوفي ~~بباريس سنة 1897. # وبعدما لبث أستاذا لكلية «أليه» مدة يسيرة رجع إلى باريس سنة 1857، وفي السنة التالية ~~نشر كتاب «العاشقات»، وهو مجموعة نظمية وإن كانت بها بعض مواضع ضعيفة لكنها من الرقة ~~والسلاسة بمكان. # ومكث نحو عشرة أعوام يحرر في الجرائد وللمراسح، وكتب«رسائل ثرثاري» # 2 # سنة 1866. وأهم قصصه ورواياته: «الشيء الصغير» سنة 1868، «وتارتارين تاراسكون» ~~سنة 1872، و«قصص يوم الاثنين» سنة 1873، و«فرومون الصغير وريزليه البكر» سنة 1874، و«جاك» ~~سنة 1876، و«الناباب» # 3 # سنة 1877، و«الملوك في المنفى» سنة 1879، و«نوماروميستان» سنة 1881، و«كتاب ~~الإنجيل» سنة 1883، و«سافو» سنة 1884، و«تارتارين جبال الألب» سنة 1885، و«الخالد» سنة ~~1888، و«مرفأ تاراسكون» سنة 1898، و«دائرة وظيفة الكاهن الصغيرة» سنة 1895، و«عائل الأسرة» ~~سنة 1890، و«تذكار كاتب»، و«ثلاثون سنة بباريس»، و«خلال حياتي ومؤلفاتي» سنة 1888. # وكتب عدة روايات تمثيلية نخص بالذكر منها: «لارليزيين»، وهي المؤلف الرئيسي للمترجم، وقد ~~طار صيته في عالم الأدب، وزاده جمالا الموسيقي الفرنسي ~~الشهير «بيزيه # Bizet ~~» ~~مؤلف «كرمين»؛ بأن وضع لها موسيقى شائقة شجية ترقص القلوب طربا وترنح الأعطاف بنشوة ~~نغمها. # ويعد كاتبنا هذا في مذهب المحققين حتى إن غالب قصصه تمثل الحقائق مرئية ومحسوسة بعين ~~شاعر، ولو أنصفنا في وصفه لقلنا: إنه شديد التأثير في كتابته، وكان مقتدرا في وصف الأشياء ~~وصفا صادقا، عارفا بالعادات والأخلاق وعلم النفس، ومجيدا في المعاني المبتكرة وفن ~~التمثيل، ولم يظهر في عالم الروايات القصصية في عصرنا هذا مؤلف يفضل «سافو» و«كتاب ~~الإنجيل». # الدرس الأخير # LaDernière Classe # هذا الموضوع وإن كان بسيط الإنشاء، لكنه يضم بين أسطره غيرة وحماسة على اللغة والتمسك ~~بها والتفاني في صيانتها والعناية بها؛ إذ هي مفتاح سعادة الأمة وسلم ترتقي به إلى أوج ~~المجد والفخار، ms62 وقد دعاني لكتابة هذا ما شاهدته من إهمال الناشئة للغتهم العربية، وبذل ~~ما في وسعهم لإتقان الإنكليزية؛ حتى إن كثيرا منهم وإن كانت درجاتهم في العربية أقل ~~بكثير من الإنكليزية فإنما يعطونها بكرم حاتمي. # حدث صبي من الألزاس عن نفسه قائلا: قمت متأخرا صبيحة يوم إلى المدرسة، وقد أخذ ~~الخوف مني كل مأخذ، وخشيت أن يعذرني أستاذي بما يحمر منه الوجه خجلا، ويغض الطرف ~~حياء وخزيا؛ لأنه نبه علينا بحفظ اسمي الفاعل والمفعول، اللذين لا أعرف منهما حرفا ~~واحدا؛ فخالجتني الفكرة بأن لا أذهب إلى المدرسة، وأمرح في الحقول والرياض، وكان الوقت ~~دافئا والسماء رائقة، والشحارير تغرد على الغصون بما ينسي الشجون، وكان الجند ~~الجرمانيون يتمرنون في مرج «ريبير» وراء معمل نشر الخشب، ولكني غالبت نفسي ويممت ~~المدرسة، وحينما مررت على دار العمدة لاحظت جمعا عظيما مزدحما يقرأ إعلانات منشورة، ~~ومنذ عامين وهذه الدار هي التي تنبئنا بأسوأ الأنباء من حروب خاسرة وأوامر جديدة ~~مضايقة، فقلت: ترى ماذا جرى؟ # ثم ذهبت عدوا إلى قاعة الدرس، فرأيت أستاذنا المسيو هامل يمشي جيئة وروحة، ثم قال ~~لي: اغنم مكانك فقد أوشكنا أن نبدأ الدرس دونك يا بني. # فهرولت إلى مقعدي، وقد انصرف عني بعض الروع، وشاهدت أستاذنا لابسا حلته الرسمية، ~~وكان لا يلبسها إلا في يوم الاحتفال بتوزيع الجوائز أو عند قدوم أحد المفتشين. # ورأيت بعضا من أهل القرية جالسين في قاعة الدرس؛ فذهب بي العجب كل مذهب، وشاهدت ~~الجمع ساكتا ساكنا كأن على رءوسهم الطير بوجوه حزينة مكفهرة، ثم صعد المسيو هامل على ~~منبره، وقال بصوت حوى بين الحلاوة والشدة: # أولادي! هذا درسكم الأخير الذي يجمعني وإياكم، فقد صدر الأمر من برلين بتعليم ~~اللغة الجرمانية وإلغاء الفرنسية في الألزاس واللورين ... وسيقدم غدا أستاذكم ~~الجرماني الجديد، وإذ كان هذا درسكم الأخير الفرنسي؛ فأرجو منكم أن تعيروني ~~آذانا صاغية وقلوبا واعية. # فانقطعت نياط قلبي من هذه الضربة الفاجعة، وعلمت فحوى الإعلانات المعلقة بدار العمدة، ~~فوا أسفاه على لغتي الفرنسية! # وأنا الذي لا أحسن ms63 الكتابة قد وقف بي الطالع المنحوس والجد العاثر إلى هذا الحد، وكنت ~~منذ هنيهة أود أن أنقطع عن الدرس وأجوب الخلاء، وكتب اللغة التي كانت تضايقني ظهرت ~~أمامي الآن كأعز صديق لا أقوى على مفارقته، وكما أن المسيو هامل سيفارقنا من الغد ولا ~~نراه بعد فقد نسيب عقابه وضربه. # لبس كسوته الرسمية احتراما واحتفاء بهذا الدرس الأخير، وكذلك حضر رجال القرية آسفين ~~على أن لم ينتابوا المدرسة في أغلب الأحايين؛ وليقدموا واجب الثناء والشكر لهذا الأستاذ ~~الجليل الذي ربى أولادهم وصيرهم رجالا منذ أربعين عاما. # ثم جاء دوري وسألني في درسي، فياليتني كنت ذاكرته، وألقيت الآن أمام هذا المجمع اسمي ~~الفاعل والمفعول بصوت جهوري واضح ولسان فصيح، دون لحن أو خطأ، ولكني تلعثم مني اللسان ~~بعد الكلمات الأولى، وصرت واقفا أهتز بقلب غليظ مطرق الرأس خجلا متوقعا زجر أستاذي ~~إذ قال لي: # لا أعنفك ولا أزجرك يا بني، وإنك لتستحق العقاب، وهاك ما سيحيق بك، تقصرون في ~~حفظ دروسكم وتؤخرون عمل اليوم لغد؛ حتى ألمت بكم هذه الفادحة وهي أعظم فاجعة ~~داهمت الألزاس لتسويف قومه في عمل واجبهم. # اليوم يحق لأعدائنا أن يقولوا لنا كيف تدعون أنكم فرنسيون وأنتم لا تحسنون ~~قراءة لغتكم وكتابتها، ولكنك يا بني لست وحدك الملوم، بل نحن جميعنا. # إن أهلك لم يوجهوا جل عنايتهم لثقيفك، بل كانوا يفضلون أن ينتفعوا من ~~ورائك ببعض دريهمات بأن تشتغل في أحد المغازل أو تفلح الأرض، ويحق لي أن أرشق ~~نفسي بسهام اللوم والتعنيف؛ لأني كنت أعطلك في بعض الأوقات لتروي ~~حديقتي. # ثم انتقل أستاذنا إلى التحدث عن شأن اللغة، وأنها أفضل اللغات الأجنبية وأمتنها، ويجب ~~علينا أن نعض عليها بالنواجذ؛ لأن الأمة إذا نشبت فيها مخالب الاستعباد يكون أملها في ~~الخلاص والسعادة بقدر تقدمها في لغتها وتمسكها بها. # ثم طفق يلقي علينا الدرس ويشرحه، وقد رأيت أني فهمت جميع ما سرده بسهولة لم أعهدها، ~~وأذكر أنني لم أضع مدة وجودي في المدرسة إلى الدرس كذاك اليوم ولم يصبني ms64 ملل، وكأن ~~أستاذنا أراد قبل مبارحته لنا أن يلهمنا جميع معلوماته في درس واحد. # ولما انتهى الدرس ابتدأنا في الكتابة، وهيأ لنا أستاذنا نموذجا جميل الخط كتب عليه: ~~فرنسا. ألزاس. فرنسا. ألزاس. وقد عمل منه جملة صور فرقها علينا. # فكانت أمامنا أشبه بأعلام تخفق، نبهت منا القلوب، وأثارت الشعور، وأهاجت العواطف، ~~وهزت الأفئدة؛ حتى عم السكوت، فكنت لا أسمع إلا صرير الأقلام على الطروس. # وبينما نحن سكوت إذ حط على سقف المدرسة سرب من بنات الهديل، وأنشأ يغني فقلت في نفسي: ~~ليت شعري أيلزمون يوما ما هذه الحمائم بأن تغني باللغة الألمانية أيضا؟ # كنت من وقت لآخر ألمح خفية المسيو هامل، فكان جالسا لا يبدي حراكا، كاسف البال، ~~مرددا طرفه في بيته الصغير بالمدرسة، تعاوده الذكرى القديمة من تمضية أربعين سنة في ~~هذا البيت، وأمامه قاعات الدروس، وبفناء داره شجر الجوز الذي زرعه صغيرا من هذا العهد؛ ~~حتى شمخ وملأ فضاء المدرسة، وبجانبه حشيشة الدينار وقد تسلقت على الحائط وزينت ~~النوافذ، ثم تسربت إلى العرش، وبينما هو على هذه الحالة من أسف لفراق معاهد شابت فيها ~~نواصيه إذ نادته أخته ليساعدها في تجهيز الأمتعة والحقائب ليسافرا في الغد. # ولقد تشجع وأعطانا الدرس إلى نهاية الوقت، ثم دقت ساعة الكنيسة مؤذنة بالظهر، ~~وأعقبتها موسيقى الجرامانيين وهم قادمون من التمرين؛ فوقف أستاذنا وقد علاه الاصفرار ~~وظهر بمظهر العظمة والهيبة قائلا: # أيها الأحباب الأعزاء إني ... # ثم اختنق صوته من شدة انفعاله، ولم يقو على إتمام حديثه، فأخذ قطعة من الطباشير ~~واتجه نحو اللوح الأسود وكتب بحروف متناهية في الكبر: # لتحي فرنسا! # ثم مكث في موضعه ورأسه مسند إلى الحائط، وقد كاد أن يغشى عليه، ثم أشار إلينا بيده ~~دون أن ينبس ببنت شفة بإشارة تؤذن بالانصراف. # | تييوفيل جوتييه1 # من فحول النظم والنثر الفرنسيين، ولد بتارب سنة 1811، وتوفي بنويي سنة 1872، دخل ~~باريس في مقتبل عمره، فعالج أولا فن التصوير، ثم انتقل إلى الشعر وقرض بعض قصائد حازت ~~استحسانا عظيما. # ولقد أعجب به الكاتب الشهير ms65 في الانتقاد «سانت ~~بوف # Sainte Beuve ~~» هو وفيكتور هوجو، ومن وقتئذ أوجد له مكانا رفيعا في عالم الأدب مدة ~~الأربعين سنة التي مرت بعد ظهوره. # وقد حرر في جملة مجلات وجرائد، ووضع عدة كتب، وكان شاعرا وروائيا وكاتبا في ~~الروايات التمثيلية مشهورا، وعالما بالآثار والفنون الجميلة، مما شيد له مجدا حصينا ~~وفخرا رفيعا، وكان له ابنتان إحداهما من مشاهير الكتاب، وهي «جوديت جوتييه» تزوجت بالشاعر ~~العصري الشهير «كاتول منديس # Catule Mendès ~~»، وانفصلت منه ~~سنة 1869، ولها من المؤلفات ما يزيد عن العشرين كتابا. # أما مؤلفات تييوفيل جوتييه فعديدة جدا ومتفرقة، وقد قدرت في ثلاثمائة مجلد، ونخص ~~بالذكر منها الأهم. # ففي الشعر: «ألبيرتوس» سنة 1833، و«رواية الموت» سنة 1838، و«إسبانيا» سنة 1845، و«الفصوص ~~المنقوشة والميناء» # 2 # سنة 1852، وهو من روائع البلاغة متين القريض منسجم العبارة. # ومن أشهر رواياته: «ليجون فرانس» سنة 1833، وفيها يضحك ويهزأ بعنفوان شباب المذهب المطلق، ~~و«مدموازيل دموبين» سنة 1835، وبها مقدمة مؤثرة، و«فورتونيو» سنة 1838، وأخبار وقصص، لا ~~سيما «الملك كاندول وأريا مارشيلا»، و«رواية الجثة المحنطة» سنة 1858، و«القبطان فراكاس» ~~سنة 1863، وهي شائقة مضحكة فريدة في بابها من أسلوب رواية «الرواية المضحكة»، التي وضعها ~~«سكارون # Scarron ~~» الشاعر المشهور وصاحب الروايات ~~الهزيلة. # ووضع في الانتقاد الأدبي: «من يهزأ بهم» سنة 1833، وهو دفاع عن الشعراء الذين كادوا ~~يسقطون من انتقاد «بوالو # Boileau ~~» مثل: «سانت أمان # Saint-Amant ~~»، و«سكارون» وغيرهما. وكان الفضل في إرجاع ~~مكانة هؤلاء الشعراء وقدرهم وشهرتهم راجعا لهذا الكتاب، و«تقرير على القريض الفرنسي» سنة ~~1868، و«تاريخ المذهب المطلق» سنة 1874، و«تاريخ فن وضع الروايات التمثيلية من 25 سنة » سنة ~~1858، وجملة محلقات روائية وتراجم خصوصا للروائي الشهير «بلزاك # Balzac ~~» والشاعر الشهير «بودلير # Bodelaire ~~». # وأنشأ عدة كتب في الانتقاد الفني على معارض الصور والرحل في إسبانيا والروسيا وإيطاليا ~~والآستانة وعددا من الروايات التمثيلية النظمية الصغيرة وغيرها. # وشاعرنا هذا وإن كان في بعض المواضع قليل الفكر والعواطف، لكنه متين الإنشاء رقيقه، ~~ولقريضه شجو جديد، وقد أعاد شباب الشعر المبتكر، وكان كما وصفه «بودلير» شاعرا مجيدا ~~خاليا من العيوب وعالما كاملا أتى ms66 بالمدهشات في عالم الأدب. # حذاء كورنيي # Le Soulier de Corneille # هذه النكتة التاريخية وربما كانت فكاهة خرافية تمثل شاعر الفرنسيس مورنيي، وقد شاخ ~~وافتقر، واقفا أمام حانوت إسكاف حقير؛ ليخصف نعلا لا يملك غيرها ودعاه الحال لينتظرها ~~ريثما يصلحها الإسكاف. # في منعطف طريق بوسط باريس ازدحمت فيه السابلة، وعلت جلبتهم، كان شيخ ماشيا الهوينا ~~بقدم متثاقلة وشكل غريب، غارقا في بحار تأملاته وخياله، غائصا في الوحول وهو غير ~~شاعر، مرتديا بعباءة لم يبق بها مسكة، وكان نظره كنظر النسر، وفوداه # 3 # أبيض من لجين، يمثل بكبريائه وخيلائه الصور القديمة التي ابتدعتها بنان ~~المرة من المصورين، الذين لو رأوه لاختاروا وجهه نموذجا للأوسمة النحاسية التي تمثل ~~وجوه القدماء من المشاهير. # وكان يخيل للناظر أن كل ثنية من ثنيات خده الغائر تدل على فكرة، ويقرأ في ~~عينيه السوداوين ضجر وملل. # أشرقت الشمس بعد احتجابها وصفت السماء، وكانت النواظر تغضي مهابة أمام عطارد الذي ~~يسمونه الدينار، وقد قضى «بوالو» # 4 # لياليه الثمينة في تمجيده، وأتى «منصار» # 5 # بالعجب العجاب للحصول عليه. # ثم وقف كورنيي العظيم أمام حانوت صغير بمكان قذر حافي القدمين منتظرا الإسكاف ريثما ~~يخصف له نعله. # ولقد كان يمشي هوميروس # 6 # في أرضه المباركة على الرمل الذهبي، عاري القدمين في طرق يونية، وهو بثوبه ~~الأبيض الناصع كتمثال من المرمر صنعته يد «فيدياس» مصور التماثيل المشهور. # ولو أتى هوميروس باريس ومشى بخفه دون أن يخشى الفضيحة لألجأه يوم مطير لأن يرقع خفه، ~~كما حصل لمؤلف «أوراس» و«سينا»، وهو الذي بفضله أسعدت إلهة الشعر المصور الطائر الصيت ~~«ميكيل إنج» بنفحاتها العظيمة؛ فأبدع في تصوير عظماء اليونان أيما إبداع. # لويس أيها الملك العظيم! إن هذا القصص الذي يعافه كل ذي ذوق سليم، أو بكلمة واحدة: ~~هذا الحذاء المرقع لتجعل رقعه وصمات في ملكك بينما العشاق ترفل في الدمقس وفي ~~الحرير. # وإني ليحزنني أن أرى كورنيي يعاني البؤس ألوانا، وكيف هذا الحانوت القذر وعرشك ~~الفخيم رفيع العماد، تزينه أزهار الزئبق، ويختال في بردين من زخرف ms67 وبهاء، وطيلسانك من ~~المخمل الأرجواني. فهلا - رعاك الله - تعطفت بشيء على أمير شعراء عصرك وقد أناخت ~~عليه الشيخوخة؛ حتى كاد يموت فقرا في زوايا النسيان، ولقد خلفت نقطة سوداء في صحائف ~~تاريخك البيضاء، وكلفا في وجه شمسك من تركك كورنيي بلا حذاء وموليير بغير قبر. # ولكن علام نغضب إذ ستتساوى الحظوظ ويجمعنا الموت سواء، ويجر النسيان ذيله على ~~الملك، ويطويه في خبر كان، ويبقى ذكر الشاعر حيا خالدا. # وقد حفظ قصر فرساي تماثيل الندماء، وذهب ما كان فيه من التملق، وغاض ماؤه الذي كان ~~يزينه بنوافيره المتنوعة العديدة بعدما كان مقر الملوك؛ فمن خلد بعد موته العظمة أم ~~العقل الراجح؟ طلع الفجر على أحدهما وخيم الظلام على الآخر، وظهر طيف لويس في حديقة ~~فرساي التي اختطها «لونوتر» الشهير هائما على وجهه يتخبط في ليل أليل، وخلد ذكر كورنيي ~~كإله من آلهة القدماء، وما فتئ يرى وهو على منبره النيران والأضواء الموقدة احتفاء ~~بعيده وإعلاء لشأنه. # وحينما يبلى تاج الملك الذهبي ويصير رمادا، نرى غار # 7 # الشاعر معمرا # 8 # ناميا مخضرا، بينا نرى الشاعر على مر الأعوام يعظم ويخلد ذكره، والملك ~~يتضاءل حتى ينسى. # | بيير كورنيي1 # نادرة زمانه وغرة دهره في الشعر، ولد بمدينة روان سنة 1606، ومات بباريس سنة 1684، ~~وقد تلقى دروسه بمسقط رأسه بمدرسة اليسوعيين، ثم أتم دراسة الحقوق. # وأول رواية تمثيلية ظهرت له «ميليت» سنة 1629، وأعقبها برواية «كليتاندر»، و«الأرملة»، ~~و«بهو القصر»، و«التابعة»، و«الميدان الملكي»، وقد اتصفت هذه الروايات بحسن التعبير وشريف ~~العادات. # وفي سنة 1633 قدم كورنيي إلى الكردينال «ريشليو»، وصار ضمن «الخمسة المؤلفين» الذين عهد ~~إليهم الكردينال وضع الروايات التي رتب موضوعها بنفسه، ولكنه انفصل بعد مدة صغيرة لأنه لم ~~يوافق مشربه. # وفي سنة 1635 ظهرت روايته المحزنة «ميديه» ولو أن بها بعض عيوب، ولكنها تضم بين سطورها ما ~~بثه خيال الشاعر وهو في عنفوان شبابه من القوة والحماسة والعظمة. # ولعلمه بفن وضع الروايات التمثيلية الإسبانية وضع تباعا روايتي «الغرور المضحك» سنة ~~1636، وفي السنة نفسها كتب رواية «السيد»، ms68 التي رتب له موضوعها الشاعر الإسباني «جيلهيم ~~دوكاسترو»، وبهذه الرواية افتتحت الروايات المحزنة الفرنسية وأرخت بها، ودخلت في دور كمالها ~~وتهذيبها، ولاتباعه لهذا الشاعر الأسباني صار نابغة في الشعر المقيد وأميره في عصره، وهذب ~~ما كان في المؤلفات الإسبانية من الركاكة والضعف. # وقد قوبلت «السيد» من الجمهور بحماسة وحمية خارقة للعادة، ولكن أغلب الشعراء وكتاب ~~النقد في عصره تألبوا على انتقاده، ودونوا كتابا سموه «النزاع في السيد» انتقدوا فيه على ~~الشاعر؛ لأنه لم يدقق في مراعاة الأصول والقواعد، وإن الموضوع غير متين، ولكن ذلك الانتقاد ~~الموهوم لم يؤثر على فخر الرواية ومجدها الرفيع، والذي حرض الشعراء والمنتقدين على الشاعر ~~هو «ريشليو»؛ لأنه كان يحسده على هذا النجاح والفخر ويغار منه، ولم يقتنع هذا الرجل العظيم ~~الداهية، الذي كاد أن يفترسه الطمع والنهم بالاستبداد بالسيطرة والهيمنة على فرنسا والخفض ~~من الأسرة المالكة النمساوية، التي كانت منها ملكة فرنسا «آن دوتريش»، واضطراب جميع أوروبا ~~أمامه من سياسته ودهائه، بل أراد أن يضم على هذه السعادة والسلطة والعظمة نظم الروايات؛ ~~ليبث فيها ما يهوى من سياسته الجهنمية لتكون معينا وممهدا جديدا في التأثير على العقول ~~وفق إرادته، فابتدأ يعالج نظم بعض روايات، ولكنه لم يفلح ورأى أن رواية «السيد» قد سحبت ذيل ~~النسيان على جميع مؤلفات عصره؛ فالتهب قلبه حسدا وقام محاربا كورنيي بخيله ورجله إذ سلط ~~عليه الشعراء والكتاب. # وقد ثبط هذا الانتقاد همة الشاعر مدة من الزمن، وضن على المراسح برواياته نحو ثلاث ~~سنين، ثم عاد إلى الكتابة ووضع عدة روايات مواضيعها منتظمة استنبطها من التاريخ ~~الروماني. # فابتدأ برواية «أوراس»، و «سينا» سنة 1640، و«بوليوكت»، و«موت بومبيه» سنة 1643، ~~و«رودوجون» سنة 1646، و«إيراكليوس» سنة 1647، و«الكذاب» سنة 1643. # وفي سنة 1647 انتخب كورنيي في المجمع العلمي الفرنسي، وكتب من ذاك الحين: «إندروميد»، ~~و«دون صانش داراجون»، و«نيكوميد» سنة 1651، و«سيرتوريوس» سنة 1662، و«أوتون» سنة ~~1664. # وقد أبعده عن المراسح بضع سنين سقوط رواية «بيرتاريت»، ثم ترجم من اللاتينية شعرا كتاب ~~«تقليد المسيح» سنة 1656؛ وكان له إقبال عظيم ونجاح باهر. # ثم ms69 عاد إلى دور التمثيل بعد أن تركها ست سنين، وظهر على المرسح ومعه رواية «أيديب» سنة ~~1659 قائلا: # إني لأحس بنفس الشعور والجرأة التي انتقدت «السيد» وحاربت «أوراس»، ولكني أجد ~~اليد عينها التي خطت روح «بومبيه» العظيم ودهاء «سينا». # امتاز شاعرنا هذا برنة الحزن المؤثرة في قريضه، ولو أن شعره في بعض المواضع به بعض إهمال ~~ونقص في الطلاوة والبهجة، ولكنه رنان القافية وآية في: الحماسة، والحمية، وشهامة النفس، ~~والإباء، وقوة الإرادة، وثبات العزيمة، والتفاني في حب الوطن؛ مما يدهش السامع ويأخذ بمجامع ~~فؤاده ويحدث له نشوة طرب لا توصف. ~~(1) أوراس # Horace ~~: رواية محزنة «سنة 1640» # الملخص # كان شيخ من رومية يسمى «أوراس»، وله من البنين ثلاثة شبان وفتاة تسمى «كاميي»، ~~وكان في مدينة «ألب» التي كانت قديما المدينة المنافسة لرومية، وقريبة منها شيخ ~~آخر يقال له «كورياس» وله مثل أرواس ثلاثة فتيان وفتاة اسمها «سابين»، وكانت ~~الفتاتان مخطوبتين كل منهما لشاب من هاتين الأسرتين. # ولما انتشبت الحرب بين رومية وألب، وكل منهما تتنازع الصولجان والسلطة، وطالت ~~بينهما الوغى، أرادا أن يجعلا حدا لها ويحقنا الدماء، واتفقا أن ينتخب كل من ~~الفريقين ثلاثة أبطال ينازلون بعضهم، والفريق الغالب تكون لمدينته حق السيادة على ~~الأخرى. # فانتخب عن مدينة رومية أولاد أوراس الثلاثة، وعن «ألب» أولاد كورياس؛ فوقعت ~~الأسرتان في حيص بيص، وتجاذبهما عاملان قويان: أيراعيان أواصر النسب وذمامه ويرفضان ~~طلب الوطن وذاك محال، أم يشهران السيوف في وجه أصهارهم وذاك صعب الاحتمال، وأخيرا ~~فضلا تلبية نداء الوطن. وبينا النضال مستعر بين فتيان الأسرتين كان أوراس الكبير في ~~منزله مع ابنته كاميي وسابين ابنة كورياس ينتظرون بفارغ الصبر نتيجة هذا القتال، إذ ~~دخلت عليهم سيدة رومانية اسمها «جوليا» وهي خليلة الفتاتين لتخبرهم بخبر ~~المعركة. ~~[المنظر] ~~(أوراس الكبير - سابين - كاميي - جوليا) # أوراس الكبير ~~: # ما وراءك يا عصام؟ أجئت يا جوليا مبشرة بالنصر والظفر؟ # جوليا ~~: # كلا! بل بما حاق بهذه المعركة من الشؤم والنحس، إذ أصبحت منه رومية خاضعة ~~لألب بعد هزيمة أولادك وقتلهم إذ ms70 لم يبق منهم غير الخاطب. # أوراس ~~: # يا لخطب عظيم ومصاب أليم وقتال مشئوم أصبحت منه رومية تابعة لألب، ولو ~~جالد لآخر رمق لحماها وصانها. لا لا فذاك محال فقد خدعت يا جوليا؛ إذ لا ~~يتأتى سقوط رومية إلا إذا كان ابني في بطون الرموس، فإني أعرف دمي حق ~~المعرفة وهو يعلم ما يفرضه عليه الواجب. # جوليا ~~: # لقد رآه ألف مثلي من أبطالنا، وأدهش الجموع إقدامه وبسالته قبل موت ~~أخويه، ولكنه لما لبث وحيدا أمام ثلاثة أقران عتاد، وقد أوشك أن يقع في ~~قبضتهم، لم يجد بدا من الهروب لينجو بنفسه. # أوراس ~~: # ألم يجهز عليه ويخمد أنفاسه جندنا المخدوعون؟! أمهدوا له سبيل الفرار من ~~بين صفوفهم؟ # جوليا ~~: # إني لم أرد أن أنظر شيئا بعد هذا الخذلان. # كاميي ~~: # وا حسرتاه على أخوي. # أوراس ~~: # كل ذلك عظيم مقبول فلا تبكي الجميع؛ لأن اثنين منهما تمتعا بحظ جميل ~~يحسدهما عليه أبوهما. جلل الله لحدهما بأفخر الورود والأزهار، وقد استعضت ~~عن فقدهما مجدا وسؤددا، وسعادتهما التي تبعت بسالتهما التي خانها الدهر ~~إن رأوا مدى حياتهما رومية رافلة في حلل الحرية القشيبة، ولم يشاهداها ~~خاضعة لغير أميرها أو تابعة لمملكة بجوارها. # ابكي الآخر ونوحي على ما لحقنا من العار الذي لا يمحى، اندبي فراره ~~الفاضح الذي وصمت به جباهنا، وارثي للشنار الذي دنس أمتنا والفضيحة الدائمة ~~التي التصقت باسم أوراس. # جوليا ~~: # ماذا تبتغي أن يعمل فرد ضد ثلاثة؟ # أوراس ~~: # أبتغي أن يموت أو أن يعتريه يأس جميل فيعضده ويغيثه، هلا أرجأ هزيمته ~~آونة لينظر # 2 # فيها استعباد رومية، ويحفظ وقار شيبي ، وكانت هذه البرهة ثمنا ~~عظيما لحياته، وإنه لمدين لوطنه بدمه إذ كل قطرة يضن بها منه تذهب بنضارة ~~مجده. # وما من لحظة تمر بعد هذا الدور الشائن إلا وتظهر خزيي وعاره للملأ كالشمس ~~في رابعة النهار، وسأقطع هذه الصلة وأصب جام غضبي على ولد ليس للبنوة ~~أهلا، وأريه حق الوالد وأقتص منه بأن أتبرأ منه على رءوس الأشهاد جزاء ~~فعلته هذه. # سابين ~~: # أرعني سمعك وهون ms71 من غلواء حميتك وحماستك، ولا تجعلنا في غاية التعس ~~وسوء الحظ. # أوراس ~~: # يسهل السلوان والعزاء على فؤادك يا «سابين»؛ فإن مصابنا لم يمسك بشيء ~~يذكر ولم تشاطرينا في بؤسنا، وقد نجى الله بعلك وإخوتك، فإن أصبحنا ~~خاضعين مستعبدين فلبلادك إذ ظفر إخوتك حينما خاننا نكد الطالع، وإنك ترين ~~أرفع ذرى # 3 # فخارهم ولا تنعمي النظر فيما لحقنا من الخزي، وهواك المبرح ~~لهذا الحليل # 4 # العرة سيجعلك في القريب العاجل تئنين منه مثلنا، وبكاؤك لأجله ~~دفاع ضعيف، وأطلب من الآلهة العظام وقدرتهم السامية أن تغسل وتطهر عار ~~الرومان بدمه. # ثم يدري أوراس من فالير بالخدعة الحربية التي رتبها ابنه، إذ لم يقصد ~~بهربه إلا تفريق الكورياس الثلاثة، ثم تفرد بهم واحدا بعد الآخر وقتلهم ~~جميعا، ولا يعاب بحيلته هذه فليس في استطاعة الفرد أن يكافح ثلاثة ~~أقران. # ولما رجع ظافرا إلى دار أبيه كان أول من قابله أخته كاميي، وقد أيأسها ~~وقطع آمالها موت حبيبها، ولم تخش بكاءه أمام أخيها، فتوسل إليها أن تفضل ~~حب الوطن على هوى حبيبها؛ لأن الروماني مدين بحياته لوطنه، ولم يولد إلا ~~ليحميه فأجابته بصب اللعنات على رومية. # لعنات كاميي # رومية وهي بيت القصيد في إثاره غضبي وحقدي! رومية التي لأجلها قتلت يدك الأثيمة ~~حبيبي! رومية التي شهدت مولدك وعبدها فؤادك! رومية التي أمقتها لأنها منحتك هذا ~~المجد والشرف! سلط الجبار عليها جيرانها فتعاونوا على تقويض أساسها الذي كاد ينهار، ~~وإن لم تكفها أمم إيطاليا فليتألب عليها أهل المشرقين، بل مائة أمة متحدة من أطراف ~~العالم هي والبحار والأطواد تأتي لتخريبها، ولتنقض عليها أسوارها حتى تمزق ~~بأيديها معالمها ومحاسنها، وأن تمطر عليها غضب القادر المستعر من دعواتي طوفانا من ~~نار متوقدة، وأتاح الله لي أن أشاهد الصواعق تهوي عليها وأرى بعيني دورها وقد ~~استحالت رمادا وغارها # 5 # وقد صار غبارا، وأشاهد آخر روماني وهو يحتضر في النفس الأخير، وأكون ~~أنا وحدي السبب في دمارها، ثم أموت من شدة وطأة السرور. ~~(ثم يعدو أوراس الصغير وراء أخته ms72 والسيف بيده مسلول.) # قد طفح الكيل ولم يبق في القوس منزع، والحق وحده الذي يفسح للصبر مجالا؛ فهيا ~~اذهبي إلى الجحيم لتأسفي هناك على حبيبك كورياس. # كاميي ~~(وهي مجروحة وراء المرسح) ~~: # آه يا لك من خائن غادر! # أوراس ~~(وقد عاد إلى المرسح) ~~: # هذا جزاء وفاق لكل مجترئ مهما بلغ شأنه تجاسر أن يبكي عدوا ~~رومانيا. # ما أعظم الحقيقة تتكلم باطن القلب دون أن تلغط ~~بقول # Que la Vérité ~~parle au dedans du Coeur Sans aucun bruit de paroles # ناجني ناجني يا رباه! فعبدك مصغ لك، مقر بعبوديتي لأني عبدك، وأود أن أكونه ~~وأسير على سننك ليل نهار، أفض علي بروح منك لتعلمني ما تفرضه علي إرادتك ~~العلية القدسية، ووحد رغائبي في سمع فضائلك الكريمة، وجرد بلاغتك الإلهية من ساطع ~~أنوارها وصبها داخل فؤادي بغاية السكون مخضلة بالندى البليل جزيلة لطيفة. # تخشون بلاغة القادر يا بني إسرائيل، وتظنون أن الصواعق والموت تتبعها مدمرة كل ~~شيء، وأنتم الذين لم توفقوا في الصحراء لاستماع كلامه العلي إذ قلتم لموسى: # خاطب ربك والتمس منه أن لا يكلمنا؛ فإننا نخاف أن تعترينا غشية الموت من ~~صوته الجهوري الرنان. # إنني بعيد عن هذا الفزع والرعب؛ فأتوسل إليك ربي إذ أتمنى غير ما تمناه بنو ~~إسرائيل، وقد هرولت إليك والأمن ملء فؤادي لأتضرع إليك مع صموئيل # 6 # بكل خشوع إذ يقول: # ولو أنك الفرد الذي أخشاه لكنك الأحد العلي الذي آمل أن يسمعني: ناجني يا ~~إلهي فعبدك منصت مطيع. # لست في حاجة لموسى ليهديني سبيلك أو لنبي غيره يفسر لي شريعتك؛ إذ أنت الذي ~~تعلمهم وترسلهم ولا أتطلب إلا صوتك العلي، وحيث إنك مصدر ما جاءوا به من الأنوار ~~التي كان لها الفضل في إنارة ضمائرنا؛ ففي استطاعتك إن تمنحني إياها كاملة دون ~~توسطهم فإنهم لولاك لما كانوا شيئا يذكر. # إنهم يستطيعون أن يعيدوا كلامك، ولكنهم لا يقدرون أن يلقوا روح معناه وتأثيره؛ إذ ~~لولاك لكان حديثهم صرخة في واد يهزأ به ويسخر منه. # ومهما صاحوا وأتوا ms73 بالعجائب في حديثهم وصدعوا بأمرك بحمية وعزيمة قوية؛ فإنهم ~~لولا كلامك لدخل قولهم من أذن وخرج من الأخرى دون أن يؤثر على القلوب أو يجد ~~إليها سبيلا، وإنهم يبذرون الكلم الغامض البسيط العاطل، ولكنك تنير البصائر في ~~ظلام الجهالة الحالك، وتفيض من أعلى سمائك على رسالتهم المسئمة المملة روحا تحييها ~~وتجعل لها قوة وتأثيرا. # أفواههم تبلغ رسالتك كالمعميات والأسرار، ولكنك تعلمنا ما خفي من المعاني، ~~ولولا نفحاتك الربانية وفيوضك العلوية لما فهمنا ما يلقونه إلينا من شرعك وسنتك. ~~يدلوننا على الطريق، ولكنك أنت الذي تعطينا من القوة ما تستطيع به أقدامنا سلوكه ~~لنهايته. وكل ما يجيئنا منهم لا يتجاوز إلا الظاهر، ولكن قدرتك تنفذ إلى أعماق كل ~~شيء. # لولاك لما سقوا إلا ظاهر النفس، ولكنها تستمد خصبها من قوتك؛ إذ كل ما ينيرها ~~ويحمسها لا يصدر إلا من قدرتك وإرادتك. # وقصارى القول: إن هؤلاء الأنبياء الذين ملئوا الأرض قولا وصياحا إذا كانوا لا ~~يؤثرون على عقولنا مما أفضت عليهم من نفحاتك القدسية لما عددناهم إلا في عداد ~~الأصوات الصائحة. # صه إذن يا موسى! وتكلم بدله أيها الدائم الثابت. ناجني يا حق؛ لئلا أموت مدفونا ~~في ثلوج تجردي من الفضائل، وإن تزد نعمك العميمة وأفضالك العظيمة رغبتي واشتياقي ~~إلى مناجاتك فالموت خير لي. # وإن لم يؤثر الوعظ على القلوب ولم يمس إلا الظواهر كانت عاقبته وخيمة؛ لأنه يسمع ~~برغبة وقتية، ويعرف من غير أن يحب، ويؤخذ قضية مسلمة دون مناقشة، وهذا مما يميت ~~القلوب؛ ولذلك اقتضت حكمتك وعدالتك أن تعاقب الجاحد وتجازيه جزاء وفاقا. # ناجني إذن يا رباه؛ فعبدك الأمين المخلص قد جمع حواسه وأيقظها لتنصت إلى مناجاتك؛ ~~إذ تجد حلاوة الحياة الدائمة في لهجتك العلية. # ناجني لتعزي نفسا أضنتها الحيرة، ناجني لتقودها إلى ما يرفع شأنها، ناجني إذن ~~فمجدك الرفيع ما زال ناميا ساميا. # قصيدة إلى المركيزة # Stances à la Marquise # إن كان وجهي أيتها «المركيزة» جعده الكبر، فاعلمي أنك لا تفضلينني حينما تبلغين ~~ما بلغت من العمر. ومن شيمة ms74 الأيام سرورها من إهانة # 7 # الإنسان، وستعبث بورد خدودك كما جعدت جبهتي، وكذلك تكون الكواكب ~~بمسيرها أيامنا وليالينا، وقد رآني الناس وأنا مثلك، وسوف تصيرين مثل حالتي ~~الآن. # إني الآن حائز لمحاسن ومفاخر # 8 # شائقة ترد عني غائلة المخاوف والهموم من سطوات الدهر وحملاته، # 9 # وأنت مزدانة بما يحب ويعشق، # 10 # ولكن ما تحتقرينه مني يستطيع أن يستمر على الدوام، بينا يذهب بهاء ما ~~عندك وتنقضي نضرته # 11 # ويقدر على نجاة فخر عينين تروقني ملاحتهما وتخليد ذكر ما يعجبني منك ~~آلافا من السنين. # 12 # وهذه الأمة التي تجلني لا تعتبرك من ربات الجمال إلا بقدر ما قلته فيك، وافتكري ~~أيتها المركيزة الحسناء أنه ولو كانت النواظر تنفر من الشائب؛ فجدير به أن يلاطف ~~ويستمال إذا كان مثيلي. # يجب ~~على الناس أن يساعد بعضهم بعضا # Les hommes doivent ~~s’entre-secourir # تألم وتوجع من عيوب الناس دون أن تنبس بسخط أو شكوى مهما أتوا من كبائر العيوب، ~~واعلم أن كلامنا به منها ما يجعل الناس تئن منه. وإن كان ضعف عزيمتك يضع أمامك من ~~العقبات ما يحول دون أمانيك؛ فكيف تطلب هذه المعجزة من غيرك كما تريد وتهوى؟ # أليس من الظلم البين أن تبتغي من غيرك أن يكون كاملا بينا أنت مغموس في ~~مساوئك، ولا تروم أن تطهر نفسك منها لتكون نموذجا لغيرك؟! # ولو كان الكل كاملا لاستراح الناس ولم يلاقوا في الدنيا ما يتألمون منه ~~ويحتملونه لوجه الله، ولم يجد هذا الصبر المشبع بالفضائل مسوغا له، ولكن حكمة ~~الحكيم اقتضت غير ذلك. # لم يحرز أحد نهاية الكمال في الطيبة والجمال، وما برأنا # 13 # الخالق ليعفينا من أن يحمل البعض عن الآخر أثقاله وأعباءه ~~بدوره. # ما من أحد خال من العيوب وضعف العزيمة، غير محتاج للمعونة، ويكفيه عقله وحده لأن ~~يكون عاقلا كيسا أو عزيمته وحدها لأن يكون قادرا قويا. # فالواجب علينا إذن أن نتحاب ويعلم بعضنا بعضا، ونتعاضد في أعمالنا، ونتبادل ~~اليقظة في سلوكنا ونتعاون في الاستشفاء من الأدواء. # 14 # | جان راسين1 ms75 # نادرة من الشعراء المفلقين الفرنسيين الذين مهروا في الشعر المحزن، ولد بمدينة ~~«لافيرتيه ميلون» سنة 1639، ومات بباريس سنة 1699. مات أبوه وأمه وتركاه يتيما في الرابعة ~~من عمره، وأدخل في العاشرة مدرسة «بوفيه»، وفي السادسة عشرة ألحق بمدرسة ~~«بوررويال» لتتميم دراسته، وكانت أساتذته فيها «نيكول» و«هامون» و«لانسيلو»، وقد صيره ~~هذا الأخير من نوابغ العارفين بأحوال قدماء اليونان وتاريخهم وآدابهم، ثم درس الفلسفة بكلية ~~«أركور». # كان هو و«لافونتين # La Fontaine ~~»، # 2 # و«موليير # Moliére ~~»، # 3 # و«بوالو # Boileau ~~» تربطهم عرى الوداد والصداقة، ~~ففي سنة 1664 مثل له «موليير» هو وجوقه روايته الأولى «لاتيباييد»، ثم أعقبها برواية ~~«إسكندر الأكبر». # وفي سنة 1667 وهو في السابعة والعشرين ظهرت روايته الشهيرة «أندروماك»، وبها طارت شهرته ~~وأثبتت اقتداره الفائق في فن وضع الروايات؛ ومن ذاك الحين تتابعت مؤلفاته، وكلها آيات ~~معجزات تعاقبت في ظرف عشر سنين وهي: «المحامون» سنة 1668؛ رواية مليحة النكات، وست روايات ~~محزنة، وهي: «بريتانيكوس» سنة 1669، و«بيرينيس» سنة 1670، و«باجازيت» سنة 1672، ~~و«ميتريدات» سنة 1673، و«إيفيجيني» سنة 1674، و«فيدر» سنة 1677. # دخل في المجمع العلمي الفرنسي سنة 1673، وكان من المقربين عند الملك لويس الرابع عشر؛ إذ ~~جعله مستشارا له ومؤرخا. # وبعدما بلغ هذا المجد الرفيع اعتزل المراسح وهو في السابعة والثلاثين؛ من حملات الكتاب ~~والشعراء الظالمة على رواية «فيدر»، ورموه بوساوس دينية بالنسبة لعواطفه ووجدانه في ~~اعترافاته في هذه الرواية. # ثم تزوج بفتاة ساذجة تقية تدعى «كاتيرين رومانيه»، ورزق منها بخمس بنات ترهبت منهن ~~اثنتان، وولدين أحدهما «لوي راسين»، وكان من مشاهير الشعراء والكتاب. # لبث هاجرا المراسح اثني عشر عاما، ثم ألحت عليه مدام «مانتينون» بأن يكتب روايتين ~~لفتيات مدرسة «سان سير»، ويكون موضوعهما مستنبطا من التوراة؛ فأجاب طلبها ووضع رواية ~~«إيستير» سنة 1689، و«أتالي» سنة 1690، ومثلتهما بنات المدرسة السابقة؛ فحازت الأولى ~~إقبالا عظيما، ولكن الثانية لم تصادف ما أحرزته الأولى، ولو أنها أبلغ ما خطه بنان ~~الشاعر، والسبب راجع إلى التمثيل؛ لأن الفتيات لم يحسن تمثيلها وأطفئوا بلاغتها ~~المتوقدة. # وكتب نثرا «ملخص تاريخ بوررويال»، وجملة رسائل بليغة وقطعا تاريخية، ويشاع أن ms76 الملك ~~لويس الرابع عشر غضب عليه في أواخر أيامه؛ فاغتم غما شديدا أودى بحياته. # إن قارنا رواياته المحزنة بروايات كورنيي نجدها مطابقة مثلها القاعدة «الواحدة» المتبعة ~~في الشعر المقيد، وهي تشترط في ثلاثة أمور: «بساطة الموضوع»، و«حصوله في يوم واحد»، و«وقوعه ~~في مكان واحد أو مدينة واحدة». # وتماثلها أيضا بقلة أشخاصها؛ إذ كان يهمه أن يمثل موضوعا أدبيا يتجاذب قلب الأبطال ~~تمثيلا صادقا يقرب من الحقيقة، وتفترق روايات راسين عن روايات كورنيي في خمسة أمور: # أولا: # أنها أقل حماسة وتأثيرا، وأشخاصها القريبون من الحقيقة ضعاف العزيمة ~~كأغلب الناس، وعواطفهم ليست دائما شريفة ولا أعمالهم خارقة للعادة؛ فلذلك ~~قال «لا ~~برويير # La Bruyére ~~» # 4 ~~«كان كورنيي يمثل الناس كما يليق ويجدر بهم، وراسين يصورهم كما ~~هم عليه.» # ثانيا: # مؤلفاته كلها ما عدا «إيستير» و«أتالي» مفعمة بالعواطف العادية العامة من ~~حب يختلف بين: الرقة، والحياء، والشدة، والنحس، والجرم. ولكن كورنيي وضع ~~الحب في صف ثانوي، وأتبعه بعواطف راقية شماء كالشرف وحب الوطن، وترى في ~~روايات راسين أن النساء تحرز المكان الأرفع؛ فلذلك تحدث الناس بأبطال ~~كورنيي الذكور وفرسان راسين الإناث. # ثالثا: # أنها لا تثير من النفوس حميتها وحماستها وإعجابها مثل كورنيي، ولكنها ~~تحدث تأثيرا مغايرا كإيقاظ الشفقة في القلوب والهموم والمخاوف، وبث ~~عواطف الحب، ولكن كورنيي ترنم بشعور العظمة والإباء وعزة النفس. # رابعا: # أن كورنيي كان يمنح أشخاص مؤلفاته الذين استنبطهم من العصور القديمة ~~مبادئ الشهامة والمروءة والتبجح بأعمالهم الجليلة، ولكن راسين كانت رواياته ~~مرآة تنطبع فيها أحوال عصره وأخلاقهم وعواطفهم ومبادئهم الاجتماعية تحت حكم ~~لويس الرابع عشر. # خامسا: # إنشاء راسين متين متساوي الأطراف شائق نقي شجي تلبسه جرأة ~~متوارية. ~~(1) نبذة من رواية إيفيجيني # Iphigénie # اختطف «باريس» بن «بريام» - ملك طروادة - «هيلانة»، زوجة «منيلاس» - ملك إسبرطة - ~~فاستشاط غضب اليونان ، وأجمعوا على حصار طروادة وتخريبها، وحشدوا جيشا عظيما، وجهزوا ~~أسطولا في ميناء «أوليس» بقيادة «أجاممنون» أخي «منيلاس» وأبي «إيفيجيني»، ولكن خانتهم ~~الرياح ولم يستطع الأسطول أن يقلع؛ لأنه كان شراعيا فأصبح الكل يتلهب ms77 غيظا لما طال ~~المدى عليهم هم منتظرون بلا طائل، فاستشار أجاممنون الوحي بواسطة العراف «كلكاس»، فرد ~~عليه قائلا: إن الرياح لا تهب إلا إذا ضحت اليونان فتاة من دم يوناني قربانا للآلهة، ~~وظهر له أن هذه الفتاة هي إيفيجيني. # وقد طلب أجاممنون ابنته في المعسكر ليحميها من الهلاك، مدعيا أنه ما طلبها إلا ~~ليزوجها أشيل أعظم أبطال جيشه، ولكنه وبخه ضميره فأرسل أركاس تابعه الأمين ليمنعها عن ~~المجيء، وكان ذلك بعد فوات الوقت؛ إذ حضرت ابنته ووالدتها «كليتيمنيستر» والفتاة ~~«إيريفيل» أسيرة أشيل، وكانت هذه الأخيرة هائمة بهذا البطل؛ فبذلت وسعها لتستحوذ على ~~فؤاده وتنسيه إيفيجيني. # ورغما عما بذله أجاممنون من التكتم، فقد أنبأ أركاس والدة إيفيجيني بأمر الآلهة، ~~وخضع أجاممنون لمشيئة الوحي، وجاء يطلب ابنته بنفسه ليقودها إلى كلكاس. # ولم سمع أشيل هذا الخبر أقسم بأن يدافع عن إيفيجيني، بينا تعاتب كليتيمنيستر زوجها ~~على هذه الخيانة، وكان الملك في أول الأمر متكبرا معجبا غير متأثر، ولكنه رق أخيرا ~~وتعطف على الفتاة وأمها، وأشار عليهما بالهرب لينجوا من هذا المصاب الأليم، ولكن ~~إيريفيل نمت بما تم من أمر الملك إلى اليونان، وبينا إيفيجيني ماشية بعزم قوي إلى ~~المذبح إذ قال العراف كلكاس: بأن إيريفيل من دم يوناني أيضا، وهي التي تجب تضحيتها؛ ~~فانتحرت الفتاة حينما سمعت هذا، ونجت إيفيجيني وهبت الرياح كما اشتهت السفن، وسافر ~~الأسطول واشتفت قلوب أبطاله بعدما يئسوا من الانتظار الممل. ~~[المنظر] ~~(أجاممنون - كليتيمنيستر - إيفيجيني - إيجين) # 5 # كليتيمنيستر ~~: # تعالي بنيتي فإنهم لا ينتظرون غيرك؛ إذ أنت ضالتهم المنشودة. تعالي ~~لتشكري أبا يحبك ويود أن يقودك بنفسه إلى المذبح. # 6 # أجاممنون ~~: # مالي أراك بنيتي ساجمة العبرات غاضة أمامي الطرف؟ ما الذي أثار منك هذه ~~الشجون وأبكاك أنت ووالدتك؟ لقد خانني التعس أركاس. # إيفيجيني ~~: # سكن من اضطرابك وكن هادئ البال يا أبت، فأمرك مطاع عند أول إشارة، وما ~~حياتي إلا من طولك ونعمتك وعارية تريد أن تستردها، ونحن مستمعون لإرادتك ~~بعين قريرة وقلب خاضع، كما قبلت الزوج الذي وعدتني به، ms78 وتراني إذا لم يكن ~~لنا مناص من الأمر ضحية مطيعة، تعرف أن تمد رأسا بريئا إلى سيف كلكاس ~~محترمة هذه الضربة القاضية التي سمحت بها إرادتك لأرد إليك دما ~~منحتنيه. # وإن كنت ترى أن هذا الاحترام والطاعة يستحقان أن يكافآ بجزاء آخر، وإنك ~~مشفق على آلام هذه الأم ورائف بها؛ فإنني أتجرأ أن أقول: إنه ربما صادفني ~~من المجد والشرف ما أحاط بحياتي من كل صوب مما لا يجعلني أتمنى الموت ولا ~~أبغي أن القضاء المبرم يصل طرفي حياتي ويقرب مولدي من مماتي. # أنا ابنة أجاممنون، وأول من ناداك بالوالد، بل بهذا الاسم الجميل، وأنا ~~التي مضى علي ردح من الزمن وأنا قرة عينك، وإنك لهذا الاسم # 7 # كنت تحمد الآلهة على نعمهم، ولأجله كنت تغمرني بملاطفاتك التي ~~ما ألجأك إلى الإسراف فيها إلا موضع الضعف # 8 # من الأبوة وحنانها، وللأسف كنت أسرد والسرور ملء فؤادي أسماء ~~البلاد التي ستدوخها متفائلة بانتصارك على اليون، # 9 # وكنت أعد معدات عيد هذا الظفر، وما كنت منتظرة أن يفتتح بأن ~~تهرق دمي ولا خوفي من هذه الضربة هو الذي يذكرني بطيبتك الماضية. # لا تخش أمرا فإن قلبي ليغار على مجدك وشرفك، ولا يجترئ أن يقترف ما ~~يحمر من أب مثلك الوجه خجلا، ولو كنت لا أفكر إلا في الدفاع عن حياتي ~~لكنت أستطيع أن أحفظ تذكارا جميلا، ولكنك تعلم لسوء حظي وعثار جدي أن ~~هناء أمي وحبيبي مرتبط بي، وأن ملكا يجلك يود لو يرى يوما يشهر فيه ~~زفافنا الفخم. # وثق حبيبي بقلبي الذي وعد بهواه، وقد عد نفسه سعيدا حينما وعدته ~~بزواجي، فما قولك في خوفه وإشفاقه إذ يعلم قصدك، وترى والدتي أمامك تذرف ~~وابل الدمع؛ فعفوا عما سولت لي به الآن نفسي لتدارك عبرات تسيل ~~بسببي. # أجاممنون ~~: # لقد قلت حقا يا بنيتي، وليت شعري لأي جرم يطلب غضب الآلهة قربانا ~~لتكفيره، ودعاك باسمك هذا الوحي القاسي ليهدر دمك على المذبح، وما كان شغفي ~~بك منتظرا توسلاتك للذود عن حياتك، بل طالما ms79 قاومت هذا الأمر. # أتظنين أن هذا الحب الذي تعترفين به بنفسك، وفي هذه الليلة أخبرت ~~بأني أعلنت بطلان هذه الإرادة التي جعلوني أقبلها لفائدة اليونان التي ~~سينالونها منك، وذهب أركاس ليمنعك عن المجيء ولات حين مناص؛ إذ لم تشأ ~~الآلهة أن يصادفك، وخدعوا ما بذله أب تعس سيئ الحظ، يحميك بلا طائل ولا ~~جدوى مما صبوه عليك من العقاب الأليم. # لا تعتمدي على قوتي الضعيفة في حمايتك والدفاع عنك؛ فلا أحد يستطيع أن ~~يوقف حرية شعب عند حد إن أرادت الآلهة رفع نير الاستعباد عن عاتقه؟ # فإذن يجب عليك بنيتي أن تخضعي فقد أزفت ساعتك، وفكري جيدا في أي مرتبة ~~ربيت ونشأت، وإني أعظك بهذه النصية التي لم أكد أتلقاها. واعلمي أن موتك ~~أهون مما سأعانيه بعدك من الحسرات والآلام التي تهد شوامخ ~~الأطواد. # أظهري عند موتك من أين أتيت، وأخجلي الآلهة الذين ظلموك بهذا العقاب ~~الأليم، واذهبي ليعرف اليونان دمي وهو سائل منك حينما يضحونك. # كليتيمنيستر ~~: # إنك لم تكذب أسرة منحوسة مشئومة، ومن أشبه أباه فما ظلم، نعم إنك من دم «أتريه» # 10 # و«تييست». ألم يرق لك يا جلاد ابنته إلا أن تولم بها وليمة ~~فظيعة لأمها وإنك أيها الوحش الضاري الذي دبر هذه الضحية بفنونك وحيلك؟! ~~ألم يمنعك قبح هذا العمل وفظاعته عن قبول هذه الإرادة البربرية ~~القاسية؟! # عجبي منك كيف تتصنع أمام أعيننا بهذا الحزن الكاذب؟ أتفكر أنك تخدعنا ~~بهذه الدموع لتبرهن على حنانك وشفقتك؟! وأي حرب خضعت غمارها لأجل ابنتك أو ~~دم أسلته لها؟ أم أي أثر هنا يدل على مقاومتك أو ميدان غطيته بأشلاء الموتى ~~يلجمني ولا يدع لي وجها للكلام؟ وبأي شهود تثبت أن حبك لها سول لك ~~نجاتها. # حكم القضاء المبرم بقتلها، ولا أظن أن الوحي يؤخذ من ظاهر قوله، وهل الآلهة ~~العدل يشفون أوار غليلهم بهذا الموت الشريف وهذا الدم البريء؟ # وإن كان بجرم هيلانة تؤخذ أسرتك وتنشد «أيرميون» # 11 # والدتها في أرجاء إسبرطة، ويجعل منيلاس يسترد بثمن ناهيك به نصفه # 12 ms80 # الأثيم الذي هام به وتيمه. # عجبي لك! فأي جنون ألجأك لأن تكون ضحية له، وأن تحملنا تبعة جرم أخيك، ولم ~~أدعني أمزق جيوبي غما وأعطيه دمي النقي ثمنا لحبه الأحمق؟ # ماذا أقول في هذا الأمر الذي أثار غيرة الجميع، وتظن أن هيلانة التي عكرت صفو ~~أوروبا وآسيا تستأهل أن تكون ثمنا لحروبك العظيمة؟ كم من مرة حمرت وجوهنا خجلا ~~لأجلها قبل ارتباطها المشئوم بزواج أخيك؛ إذ اختطفها تيزيه # 13 # من أبيها كما علمت، وأنبأك به كلكاس، وائتلف بها سرا وأولدها بنتا ~~أخفتها عن اليونان وكانت برهانا ساطعا لإثمها. # وإني لا أصدق أن حب الأخ وشرفه الموصوم هو الذي دعاك لهذا الاهتمام وعجلت لأجله، ~~كلا بل أمانيك في الملك التي لا تنطفئ من قلبك، والإعجاب برؤية عشرين ملكا تخدمك ~~وتخشاك، ويعهد إليك بمقاليد أمور المملكة التي عبدها فؤادك، وتريد أن تضحي لأجلها ~~ابنتك أيها القاسي الغليظ القلب، ولا يحركك قلبك لترفض هذه الضربة الفاجعة التي ~~تريد أن يكون لك بها فضل وحشي. # تغار على ملك تحسد عليه أن نلته، وتود أن تبتاعه بدمك راغبا أن تفحم كل مجترئ ~~أراد أن ينازعك فيه. أتعد إذن والدا؟ آه! إن فكري يسلم ويقر بقسوة هذه ~~الخيانة. # وذاك الكاهن الذي التفت حوله فئة ممن لا قلوب لهم ولا خلاق يريد أن يمد يدا ~~أثيمة إلى ابنتي، ويمزق أحشاءها، ويستشير الآلهة بعين زائغة وقلب خفاق، وأنا الذي ~~أتيت بها وهي متهللة مستبشرة معجبة بجمال يسلب النهى، أرجع على عقبي وحدي بخفي ~~حنين يائسة بائسة! وأرى الطرق ما برح عرفها الشذي متضوعا مما نثر تحت أقدامها ~~من الأزهار. # كلا فإني لا أقودها إلى العذاب أو تضحى لليونان ضحيتان، ولا خوف أو احترام ~~يستطيع أن يفصلها مني أو ينزعها من بين ذراعي إلا بعد أن يدميهما، يا لك من بعل ~~وحشي وأب قاس ! تعال لتريني كيف تقدر أن تنتشلها من بين يدي أمها؛ فادخلي إذن يا ~~بنيتي وأطيعيني على الأقل للمرة الأخيرة. ~~(2) فيدر Phèdre ~~(2-1) الملخص # رواية محزنة ms81 ذات خمسة فصول، مثلت للمرة الأولى على مرسح «الكوميدي فرانسيز» في ~~أول يناير سنة 1677، وقد مثل فيها راسين غرام فيدر المحرم، وهي زوجة «تيزيه» ~~لابن زوجها «أببوليت»، الذي كان نموذجا للشرف والعفاف والطاعة النبوية، وكان هذا ~~الشاب عاشقا لفتاة تدعى «أريي»، رقيقة العواطف ذكية الفؤاد قوية العزيمة، وكان ~~«تيزيه» يمثل أبا يرثى لحاله لما انتابه من المصائب، كما يمثل «تيرامين» وهو ~~مؤدب أببوليت الفصاحة والبلاغة، و«إينون» مرضع فيدر ذات نفس منحطة تخلص ولو ~~في الاشتراك في الجرم. # وأهم ما تدور عليه الرواية وبيت القصيد فيها هو أحوال فيدر المدهشة، التي ربما ~~كانت الأولى في بابها في جميع الروايات الفرنسية. # كانت عواطف فيدر وغرامها المبرح قاسية شديدة، دارت على جميع أوجه الحب من: توسل، ~~ولعن، وغضب، وغرور، وخرف حقيقي. وكانت فيدر ليست عديمة الضمير بالمرة، بل كان ~~يجعلها تقاوم وتناضل وتتألم وتئن إلى أن تابت قبل موتها، ولا داعي للتطويل في سرد ~~هذه الحوادث؛ لأن أغلبها موجودة في النبذة التي عربناها. ~~(2-2) نبذة من رواية فيدر # المنظر الثالث من الفصل الأول ~~(فيدر - إينون) # فيدر ~~: # فلنقف عند هذا الحد يا عزيزتي إينون؛ فإن جسمي لا يكاد يتماسك، ~~وخانتني قواي المضمحلة، وكل مني الطرف من النور الذي أراه، وترين ~~ركبتي المرتجفتين توشكان أن تختفيا تحتي ولا يحملانني، فوا أسفاه على ~~حالتي ~~(ثم تجلس) ~~. # إينون ~~: # أيها الآلهة القادرون! لترضكم عنا وتسترحمكم دموعنا المنهملة. # فيدر ~~: # ما أثقل علي من هذه الخمر # 14 # والحلي والحلل التي لا طائل منها، ولا أكاد أستطيع ~~حملها؟! وأي يد منغصة عقدت مني الشعر ورتبته فوق جبيني؟ إذ كل شيء أصبح ~~يؤلمني ويؤذيني. # إينون ~~: # يا لهذه الأماني التي خيبت بعضها بعضا، وإنك ساخطة على مقاصدك وهي ~~غير عادلة؛ إذ كنت تحرضيننا على تزيينك، وحينما تعاودك ذكرى قوتك ~~الأولى تريدين أن تظهري للناس وتشاهدي الضوء، وإنك لترينه ويوشك أن ~~يحجبك إذ تكرهينه وأنت التي سعت إليه قدمك وأتيت تطلبينه؟ # 15 # فيدر ~~: # أيها الجد الشريف المجيد لأسرة حزينة بائسة. أنت الذي افتخرت ~~وأعجبت ms82 بك أمي بأن كانت لك ابنة، وربما تخجل مما أنا فيه من ~~الاضطراب، وأنت أيتها الشمس قد أتيت لأتزود منك بالنظرة ~~الأخيرة. # إينون ~~: # ما لي أراك لا تفارقك هذه الرغبة القاسية سائمة من الحياة، مستعدة ~~لها استعدادا مشئوما؟ # فيدر ~~: # أيها الآلهة! ألست الآن جالسة في ظلال الغاب؛ فمتى أستطيع أن تتبع ~~عيني خلال غبار شريف عجلة # 16 # فارة إلى المحجر؟ # إينون ~~: # ما هذا يا سيدتي؟ # فيدر ~~: # ما أحمقني! أين أنا وماذا قلته؟ أين ضلت مني الأماني والحجى؟ فقدت ~~صوابي: والآلهة هي التي نزعته مني. # إن وجهي يا إينون علته حمرة الخجل؛ إذ تركت آلامي المخجلة ظاهرة ~~للعيان، والعين غارقة بعبراتها رغما عني. # إينون ~~: # إذا كنت خجلة فاخجلي من صمتك الذي يزيد في آلامك ومتاعبك، يثور ثائرك ~~أن رعيناك باعتنائنا وتصم أذناك لحديثنا، أتريدين أن تعجلي على ~~البقية الباقية من أيامك دون رحمة؟ أي غضب يحول دونها # 17 # في ميدان السباق عن بلوغ شأوها؟ # خيم الليل ثلاثا وكر عليه النهار ثلاثا فبدده، ولم يطرق الكرى ~~لك عينا مذ رزح جسمك تحت وطأة الألم والسقم دون طعام، ماذا تسول لك به ~~النفس من سيئ المقاصد؟ وبأي حق تريدين أن تفتكي بنفسك، مهينة الآلهة ~~الذين تفضلوا عليك بنعمة الحياة، وتخونين زوجا ربطتك وإياه عرى ~~العهد، والميثاق، وأولادا بؤساء يحملون بعدك نيرا قاسيا. أتؤملين ~~أنه في اليوم الذي فيه تفارقينهم يتعطف عليهم ابن الأجنبية عدوك وعدو ~~أسرتك، هذا الولد التي حملته «إحدى الأمازون» # 18 # في أحشائها وهو إيبوليت. # فيدر ~~: # آه يا رباه! # إينون ~~: # هل يجرح عواطفك هذا العتب؟! # فيدر ~~: # يا له من اسم خرج لسوء الحظ من فمك! # إينون ~~: # إنك محقة في استعار غضبك؛ إذ أحب أن أراك وأنت مرتعدة من سماع هذا ~~الاسم المنكود. عشت وأنعشك الحب والواجب وطالت حياتك؛ لئلا تتألمين ~~من أن يقهر أولادك أحد أبناء «السيت»، # 19 # ويتأمر على أشرف دم في اليونان . تجنبي الكدر والغيظ؛ فإن ~~كل لحظة تودي بحياتك، واجتهدي في إصلاح ما تلف وانتهك من صحتك ~~وقوتك ms83 المضمحلة؛ حيث أوشكت أن تتصرم أيام حياتك ولكنها ستطول وتصبح ~~زاهرة ناضرة. # فيدر ~~: # لقد أطلت كثيرا هذه المدة الأثيمة. # إينون ~~: # هل يمزق فؤادك تعذير السريرة؟ أم أي جريرة أحدثت لك هذا الاضطراب ~~العاجل؟ مع أن يديك لم تنغمسا في دم بريء. # فيدر ~~: # إنني بفضل الله لم تقترف يداي إثما، وربي راض عني لبراءة قلبي ~~كيدي. # إينون ~~: # أي عزم فظيع يرتعد منه قلبك ويرتعد؟ # فيدر ~~: # لقد صرحت بما فيه الكفاية؛ فوفري علي الباقي فإني أود لو أموت ~~لئلا أقر باعتراف مشئوم. # إينون ~~: # موتي إذن وأقبري معك هذا الصمت القاسي، وابحثي عن يد أخرى لتغمض منك ~~العينين؛ إذ لم يبق لك إلا نور ضئيل، وستكون روحي البادئة باللحاق ~~بالموتى؛ إذ أمامي ألف سبيل يوصل إليهم وستختار آلامي أقربها ~~وأقصرها. # متى غرتك ذمتي أيتها القاسية؟ ألا تعلمين أن ذراعي هما اللذان ~~تلقياك عند الوضع؟ أتجهلين أني فارقت وطني وأولادي لأجلك؟ أبذلك ~~تكافئين إخلاصي ووفائي؟! # فيدر ~~: # أي ثمرة تؤملينها من القسوة والشدة؟ وإنك لترتعدين من فظاعة الموقف ~~أن بحت لك بالأمر بعد الصمت. # إينون ~~: # بربك قولي لي من يطاوعه قلبه ويستطيع أن يشاهدك وأنت تسلمين الروح ~~أمام ناظري. # فيدر ~~: # حينما تعلمين إثمي والحظ السيئ الذي يثقل كاهلي، ترين أن ذلك ليس ~~وحده المسبب لموتي، بل علمك بجريرتي يزيدني إثما وجرما. # إينون ~~: # بحق ما ذرفته لأجلك يا سيدتي من العبرات وركبتيك الضعيفتين، اللتين ~~ألثمهما أن تخلصيني من هذا الشك الممقوت. # فيدر ~~: # انهضي فلك ما تبغين. # إينون ~~: # حدثني فإني صاغية. # فيدر ~~: # إلهي ماذا أقول لها؟ وبأي طرف أفتتح الحديث؟ # إينون ~~: # أتحبين؟ # فيدر ~~: # نعم، ومن الحب عراني ما عراني. # أيون ~~: # ولمن؟ # ستسمعين نهاية القبح فإني أحب ... ولهذا الاسم المنكود أرتجف وأرتعد. ~~أحب ... # إينون ~~: # من؟ # فيدر ~~: # ألا تعرفين ابن «الأمازون» هذا الأمير الذي طالما اضطهدته؟ # إينون ~~: # إيبوليت! يا رباه! # فيدر ~~: # أنت التي ذكرت اسمه. # إينون ~~: # اللهم إن جميع دمي تثلج في عروقي؛ فيا لخيبة الأمل والجرم! ويا ~~لأسرة يرثى لها! ورحلة منحوسة هل اقترب منك إذن أيها الشاطئ ms84 ~~التعس؟ # فيدر ~~: # أتاني مصابي من أبعد من ذلك؛ فإني ما كادت تجمعني وابن إيجيه # 20 # روابط الزواج واستتبت راحتي وسعادتي؛ إلا وأظهرت لي ~~«أتينه» عدوي الألد، شاهدته فاحمر وجهي خجلا، ثم صار شاحبا ~~بمرآه. # ثار بنفسي الحائرة ثائر الاضطراب، وأصبحت العين لا تبصر ولا أستطيع ~~التكلم، وكنت أشعر أن جسمي يتثلج تارة ويحترق طورا، وقد عرفت الحب ~~ونيرانه المخوفة وما يطاردني به من العذاب الأليم الذي لا يؤمن شره، ~~وظللت أوالي الدعوات لأحيد عما يؤلمني ويؤذيني. # بنيت للهوى معبدا واعتنيت بتزيينه، وكنت محاطة بالضحايا في كل آونة ~~باحثة بين جوانبهم عن صوابي الضال، ولكن الدواء لا ينجع فيما أزمن ~~واستعصى من الأدواء، وكنت أحرق البخور على المذبح بلا طائل ولا جدوى، ~~وعندما يتوسل فمي إلى الزهرة كنت أكاد أعبد إيبوليت، وأراه بلا انقطاع ~~بجانب المذبح الذي كنت أبخره. # كنت أقدم جميع ما لدي لهذا المعبود من دون الله، ومن لا أستطيع أن ~~أسميه فكنت أتجنبه في كل مكان؛ فيا لمنتهى الشقاء إذ كنت أرى ملامح ~~أبيه مرتسمة في وجهه فأضطرب وأثور. # كنت أبذل الجهد في اضطهاده لأبعد عني عدوا أصبحت أهيم به وأعبده ~~وأتصنع الحزن والهم كعادة نساء الآباء الظالمات مجتهدة في نفيه ~~وإبعاده، والفضل في انتزاعه من أحضان أبيه راجع إلى صياحي ~~المستمر. # وقد استنشقت الحياة منذ غيابه، وقضيت أيامي في الدعة والسكون، خاضعة ~~لبعلي كاتمة عنه قلقي، واستثمرت هذا الثمر من زواجه المشئوم، ولكن لا ~~يغني حذر من قدر! # وحينما ذهبت مع زوجي إلى «تريزين» بصرت هناك بعدوي الذي كنت أفر ~~منه، وانفجر جرحي الذي لم يندمل، وليس الحب مختفيا في عروقي، بل الحب ~~أجمعه الذي اقتنصني غنيمة له ولم أفلت من مخالبه، وقد سبب لي جرمي ~~فزعا عظيما؛ حتى أبغضت الحياة وكرهت الحب، ووددت لو أقضي نحبي لأحفظ ~~مجدي، وأداري غرامي المشئوم عن العيون؛ ولم أستطع أن أوقف دموعك وأدفع ~~مقاومتك ، وقد بحت لك بكل شيء ولا داعي إذن للتوبة حيث أقترب الأجل؛ فلا ~~تؤلميني بعتبك الظالم، ms85 وأن تكفي من إسعادك وغياثك الذي يذكرني بالبقية ~~القليلة من حياتي التي أوشكت أن تنقضي. # المنظر الخامس من الفصل الثاني ~~(فيدر - إيبوليت - إينون) # فيدر ~~(تخاطب إينون داخل المرسح) ~~: # هاك من إذا رأيته يهرع جميع دمي إلى قلبي وأنسى ما أريد أن أفاتحه ~~به. # إينون ~~: # ألا تفكرين في ولد لا أمل له إلا فيك؟ # فيدر ~~(تخاطب إيبوليت) ~~: # يقال إن سفرا عاجلا سيحرمنا منك أيها الأمير، وقد جئت لأشاطرك ~~آلامك وعبراتك ولأشرح لك مخاوفي وإشفاقي على ولد أصبح فاقدا لأبيه، ~~وسيشهد موتي القريب، وإن له بالمرصاد ألفا من الأعداء، يريدون أن ~~يبطشوا بطفوليته، ولا أحد يقدر أن يحميه من مكائدهم غيرك، ولكن في ~~النفس قلق يضطرب منه فكري، وهو خوفي من أن تصم أذناك عن استغاثة ~~ولدي، وأخشى أن تصب عليه جام غضبك العادل وتتبعه بأمه ~~القبيحة. # إيبوليت ~~: # ليست هذه العواطف الدنيئة من شيمتي يا سيدتي. # فيدر ~~: # إن كرهتني فلا أشكو منك أيها الأمير، فقد رأيتني باذلة الوسع في ~~إيذائك، وإنك لا تستطيع أن تقرأ في أعماق فؤادي ما حفظته لك من الضغن ~~والحقد، ولم أستطع أن أجعلك تئن وتتألم ونحن على شاطئ واحد؛ فكدت لك ~~وعملت ما في الجهد سرا وعلنا لأبعدك عني وتفصلنا بحار عجاجة، وأمرت ~~أن لا يذكر أمامي اسمك، فلو قيست الإهانة والحالة هذه بالعقاب، أو كان ~~الحقد وحده يستطيع أن يثير الحقد، لما استحقت مرأة الشفقة والحنان ~~وكانت أهلا لما تفرغه عليها من ضغائنك أيها الأمير. # إيبوليت ~~: # من شيمة الأم أن تكون غيورة على حقوق أولادها؛ فترينها لا تعفو عن ~~ابن زوجة أخرى إلا نادرا، وأعرف حق المعرفة يا سيدتي أن الظنون الشكوك ~~الممقوتة هي ثمرة الزواج الثاني، وقد ينالني من غيرك ما لحقني منك من ~~الإهانة، بل ربما تحملت سواك ولو كانت أشد وطأة. # 21 # فيدر ~~: # أيها الأمير! إنني أستشهد الله الذي سمحت قدرته أن أكون مستثناة من ~~هذه القاعدة العامة ، ولكن قلقا آخر ينغصني ويفترسني! # إيبوليت ~~: # لا أود الآن يا سيدتي أن تزيدين اضطرابا على ms86 اضطراب، وربما كان أبي ~~حيا وتسترحم الآلهة دموعنا المنسجمة ويمنون علينا بأوبته، رعاه «نيبتون» # 22 # بعين عنايته، ولا أظن أن دعاء أبي وتوسله إلى هذا الرب ~~الحفيظ يذهب صرخة في واد. # فيدر ~~: # لا ينظر شاطئ الأموات مرتين أيها الأمير، وحيث رأى «تيزيه» هذه ~~الضفاف السود، فإن أملك في الآلهة برجوعه يذهب أدراج الرياح، وهيهات أن ~~يفلت الحريص أكيرون # 23 # غنيمته. # ماذا أقول؟ لم يمت أبوك قط إذ يحيا، وإني أتصور أني أشاهد بعلي ~~وأحادثه، وقلبي ... قد ضللت وضاع مني النهى أيها الأمير، وظهرت حميتي ~~رغما عني. # إيبوليت ~~: # أرى حبك مبرحا متيما، وإن كان تيزيه أصبح في عداد الأموات، لكنه ما ~~برح نصب عينيك، والحب يحرك دائما ما سكن من آلام نفسك ~~وأشجانها. # فيدر ~~: # أجل أيها الأمير، وإني لأتململ وأحترق لأجل تيزيه، ولست أحبه # 24 # كما رأوه في الجحيم # 25 # متقلبا متغيرا لا ثبات له عاشقا لألف واحدة، ومن ذهب ~~أخيرا ليدنس عرض إله الموتى، بل أهواه أمينا معجبا به شيء من ~~القسوة، يختطف اللب بجماله، فتيا جذابا للأفئدة، متحليا بما توصف ~~به الآلهة أو مثلما أراك رأي العين، كان شبيهك شكلا وقدا وعينا ~~وحديثا، وحياؤك هذا الشريف صبغ وجهه حين خاض غمار اللجج للوصول إلى ~~كريت؛ فكان كفؤا وأهلا لبنات مينوس، فماذا كنت تعمل إذن؟ ولم لم ~~يقع انتخاب أبطال اليونان على إيبوليت؟ ولم كنت صغيرا ولم تستطع أن ~~تركب السفينة التي أقلته وأوصلته إلى شواطئنا، وكنت أنت # 26 # الذي أهلكت وحش كريت # 27 # رغما عن جميع تعاريج مأواه الفسيح. # وقد سلحته أختي بالخيط المشئوم، بل أنا التي سبقتها في هذا العزم؛ ~~لأن الحب أنار بصيرتي. فأنا إذن أيها الأمير التي هدتك السبيل في مسالك ~~«لابيرنت» المضلة، وكم كلفني من الشجون والآلام هذا الرأس الجميل! ولم ~~يك هذا الخيط ليضمن لك حبيبتك وقرينتك في الخطر الذي ذهبت إليه، وقد ~~أردت أن أسير أمامك فتلج معك فيدر «اللابيرنت» لتشاطرك النجاة أو ~~الهلاك . # إيبوليت ~~: # آلهتي! ماذا أسمع؟ أنسيت يا سيدتي أن تيزيه ms87 أبي وزوجك؟ # فيدر ~~: # أتحكم على قول فهت به وأنا فاقدة الصواب أيها الأمير؟ فهل أضعت ~~مجدي وشرفي؟ # إيبوليت ~~: # عفوا سيدتي، وإني مقر والخجل يصبغ وجهي بأني اتهمت حديثك البريء ~~بغير حق، ولا أستطيع من الخجل أن أمكث أمامك فلذلك أبارحك ... # فيدر ~~: # لقد سمعتني طويلا أيها القاسي، وقلت لك ما فيه الكفاية لانتشالك من ~~هذا الضلال! أتعرف إذن فيدر وغضبها: قد شغفني الحب، ولا تفكر أني في ~~الوقت الذي أحبك فيه أعد نفسي بريئة. كلا، وإني واثقة بزلتي، ولا تظن ~~أن مجاملتي الفاضحة هي التي ولدت آلام هذا الحب الذي خلط مني ~~الحجى. # انتقمت مني الآلهة بأن سلطت علي هذا الحب، وإني أمقت نفسي أكثر مما ~~تبغضني كما تشهد الآلهة الذين أشعلوا نار هذا الحب المنكود في دمي. ظن ~~هؤلاء الأرباب أنهم أتوا بمجد عظيم بأن فتنوا فؤاد امرأة ضعيفة ~~فانية. # يذكرك الماضي بأنني كنت أطاردك لأهرب من حبك أيها القاسي، وكنت ~~أستثير حقدك لأقاوم حبك؛ ولكن كل ذلك لم يجد نفعا، فإنك كلما زاد ~~بغضك لي زاد حبي لك وكانت مصائبك لي فتنة وسحرا جديدا. # ضنيت ونحلت من نار الهوى والبكاء، ويكفي لإقناعك أن تشاهدني بعينيك ~~إن استطاعتا أن تحدقا في وجهي؛ فماذا تقول في هذا الاعتراف المخجل؟ وهل ~~تظنه إراديا؟ # جئتك مضطربة راجفة لولد لا أقدر أن أبغضه، متوسلة إليك بأن لا تحقد ~~عليه، ولكن لكون القلب مفعما بالحب أهمل عزمه فلم أتكلم إلا عنك؛ ~~فانتقم واقتص مني لهذا الحب الممقوت، وخلص العالم من وحش يغيظك؛ ~~لتكون أهلا لأبوة بطل عظيم أوجدك في الدنيا. # أتقدم أرملة تيزيه على حب إيبوليت؟ أتظن أنني هذا الوحش الهائل ~~الذي تفر منه. هاك قلبي وهو الموضع الذي يجب على يدك أن تطعنه، فرغ ~~مني الصبر لتكفير الإهانة، وأشعر بأن قلبي يتقدم نحو ذراعك. # اضرب وإلا أن ظننت أنه ليس أهلا لضربتك، أو كان حقدك يحسدني على هذا ~~العذاب الذي أستعذبه وأستمرئه أو كنت تستنكف أن تدنس يدك بدم حقير، ~~فأعرني سيفك إن أعوزني ms88 ذراعك. # إينون ~~: # ماذا تصنعين يا سيدتي؟ قد أقبلت الناس فتداركي أن يلمح أحد على وجهك ~~ما ارتسم عليه من هذه الشهود الممقوتة، فهيا ادخلي واهربي من هذا الخجل ~~البين. # المنظر الثالث من الفصل الثالث ~~(فيدر - إينون) # إينون ~~: # ينبغي لك أن تعدمي من مخيلتك فكرة حب لا طائل منه يا سيدتي، واذكري ~~فضيلتك السابقة؛ فإن الملك الذي ظن أنه مات سيظهر أمام ناظريك إذ أقبل ~~تيزيه، وهو الآن في هذه المواطن، والشعب يحتشد ويعدو لرؤيته، وحينما ~~خرجت اتباعا لإشارتك لأبحث عن إيبوليت شاهدت آلافا من الأصوات بلغت ~~عنان السماء ... # فيدر ~~: # زوجي حي يا إينون وكفى، وقد اعترفت اعترافا دنيئا بحب يهينه ~~ويفضحه، إنه عائش، ولا أبغي أن أعرف أكثر من ذلك. # إينون ~~: # ماذا؟ # فيدر ~~: # لقد أنبأتك به ولكنك لم تصدقيني، وقد تغلب دمعك على تعذير سريرتي، ~~وسأموت هذا الصباح وأكون أهلا لأن تبكيني العيون؛ إذ اتبعت إرشادك، ~~وسأقضي نحبي فاقدة شرفي. # إينون ~~: # تموتين؟! # فيدر ~~: # أيها الإله العادل! ماذا أعمل اليوم؟ سيظهر بعلي وابنه بجانبه، وسأرى ~~كيف يبصرني شاهد غرامي الفاحش وهو متشوق لأن يعرف بأي جبين أستطيع لقاء ~~أبيه، وقلب مفعم بتأوهات جعل في أذنه وقرا عن استماعها، وعين مغرورقة ~~بدموع مل منها وسئم؛ أتظنين أنه مشفق على شرف أبيه ويكتم عنه هذه ~~الحمية التي أهاجت مني كامن الآلام ويسمح بخيانة أبيه وملكه؟ أتراه ~~يستطيع أن يضبط ما عنده من الحقد علي؟ # سيلتزم الصمت بغير جدوى، وإني أعرف خيانتي يا إينون، ولست من النساء ~~المستهترات اللاتي نضب منهن ماء المحيا؛ فلا يبالين بالفضائح ~~والمعرات، ويستمرئن مرعى الجرم، ويذقن فيه الدعة والسلم؛ حتى عرفن أن ~~يحملن جبينا لا يضرجه الخجل. # إني أعلم حدتي وأذكرها، ويخيل إلي أن هذه الجدران والقباب ستنطق ~~وتتهمني منتظرة بعلي لتوقفه على حقيقة الأمر؛ فلنمت لتخلصنا شعوب من ~~جميع هذه الأهوال. # هل الموت مصيبة عظمى؟ كلا؛ فإنه لا يحدث أقل فزع للتعساء ~~المنكودين، ولا يعبئون به، ولست أخشى غير الاسم الذي أتركه بعدي ~~ميراثا مروعا لأبناء عثر بهم ms89 الجد! # إن دم «المشترى» يجب أن يجرئهما؛ إذ يحق لهما أن يفتخرا بنسب عظيم، ~~ولكن إثم الأم عبء ثقيل، وأخاف أن يعيرهما أحد بجرم والدتهما يوما ~~ما؛ فيضاما بهذا الحمل الشنيع، ولا يستطيع أحد منهما أن يرفع عينيه من ~~الخجل. # إينون ~~: # هذا مما لا يريب فيه، وإني مشفقة على كليهما كما أنك محقه بوجلك ~~العادل، ولكنك تعرضينهما لإهانة يا لها من إهانة، وتشهدين على نفسك ~~معترفة بجريرتك. وإن تم ما أنت عازمة عليه يقولون: إن فيدر أتت عظائم ~~الإثم والجرم، وهربت من أمام زوجها المغدور ومرآه المرعب؛ وسيهنأ ~~إيبوليت بموتك؛ إذ به يؤيد قوله، ماذا أستطيع أن أجيب به متهمك؟ إذ ~~سيفحمني بسهولة وأراه متمتعا بهذا النصر الفظيع، ويقص خزيك على من ~~أراد استماعه. آه! أولى بي والحالة هذه أن تمحقني صاعقة من السماء، ~~ولكن اصدقيني إن كان لم يزل عندك معززا، وبأي عين تنظرين هذا الأمير ~~الجريء؟ # فيدر ~~: # أراه أمام ناظري كوحش مزعج. # إينون ~~: # ولم تتنازلين إليه عن نصر تام؟ أتخشينه؟! ألا تطاوعك الجرأة بأن ~~تكوني السابقة في اتهامه بالجرم الذي يستطيع اليوم أن يلصقه بك؟ ومن ~~يفند قولك؟ والكل يعاونك على اتهامه، وحبذا الدليل الذي يؤيد قولك أن ~~ترك لحسن حظك سيفه بين يديك، وعلم أبوه من أمد مديد بما سببه لك من ~~الاضطراب الحاضر والمتاعب والآلام السابقة ونفاه وفقا لإرادتك. # فيدر ~~: # ما أشد جرأتي إذن على اضطهاد البراءة وتعكير صفوها! # إينون ~~: # إن همتي ليست في حاجة إلا لصمتك، وإني مثلك أرتعد من تبكيت الضمير، ~~وستبصرينني مسرعة في اقتحام ألف موتة، وحيث لا سبيل إلى نجاتك من مخالب ~~الموت غير هذا الدواء المحزن، ترينني أضحي لأجل حياتك كل مرتخص وغال. ~~وسأخاطب تيزيه حتى إذا هاج هائجه من إرشادي قصر انتقامه على نفي ابنه، ~~والوالد يا سيدتي حينما يعاقب يكون كما تعهدينه رءوفا رحيما، ويكفيه ~~خفيف القصاص لتسكين غضبه. # ولو قدر وسفك دمه فإنه يكون فداء لشرفك المهدد، وإن الابن لكنز ثمين ~~لا يستطاع الفتك به؛ فأطيعي إذن جميع ms90 ما يتطلبه منك شرفك يا سيدتي؛ إذ ~~لأجل نجاته مما حاق به يجب عليك أن تضحي لأجله كل شيء حتى الفضيلة. قد ~~أقبل الناس وأرى بينهم تيزيه. # فيدر ~~: # آه! إني أشاهد إيبوليت، وأرى فنائي مسطرا في عينه الجامدة ~~الوقيحة، فاعملي ما شئت فقد فوضت إليك الأمر؛ إذ ذهب صوابي من ~~اضطرابي. # المنظر الثاني من الفصل الرابع ~~(تيزيه - إيبوليت) # تيزيه ~~: # آه! ها هو أيها الأرباب العظام! وأي عين لا تنخدع مثلي في هذه الهيئة ~~الشريفة؟ هل تتلألأ على جبين الزاني النجس سيما الفضيلة المقدسة؟! ألا ~~تعرف بالدلائل الصادقة قلوب الخائنين؟ # إيبوليت ~~: # أيتيسر لي أن أسأل الأمير عما كدر صفوه واكفهر منه وجهه الجليل؟ ألا ~~تستطيع أن تثق بي وتأمنني على هذا السر؟! # تيزيه ~~: # أتجسر أيها الخائن أن تظهر أمامي؟ لم تركتك الصواعق أمدا طويلا ~~أيها الوحش الضاري والبقية النجسة من قطاع الطرق الذين طهرت منهم ~~الأرض؟ وبعد أن قادتك حدة حبك الفظيع إلى مضجع أبيك تجترئ أن تريني ~~وجها أقبح من وجه العدو! أتظهر في مواطن ملئت بفضائحك بدلا من أن ~~تبحث لك عن بلد مجهول لم يصله اسمي. اهرب أيها الغادر، ولا تقدم على ~~حقدي وإهاجة غيظ لا أكاد أضبطه، وكفاني عارا أبديا أن أوجدت في ~~الدنيا ولدا أثيما مجرما، وإن قتلك أيضا يكون لي ذكرى مخجلة تدنس ~~مجدي وجليل أعمالي. # اركب متن الفرار إن كنت تريد أن تنجو من قصاص مفاجئ يلحقك بالمجرمين، ~~الذين اقتصت منهم يدي هذه، وحذار أن تراك الشمس التي تضيئنا واطئا ~~بقدمك الجسورة هذه الأماكن، عجل بهربك دون أن تؤمل العودة لتطهر ~~ممالكي من مرآك الشنيع. # وأنت يانيبتون، أتذكر أن شجاعتي التي قطعت بها دابر العرر من سفاكي ~~الدماء وطهرت منهم شاطئك، وقد أردت أن تكافئني على ما بذلته من الجهد ~~بأن تستجيب لي أول دعاء، ولم أتوسل إليك لتنقذني من شدائد السجن ~~القاسي؛ إذ كنت حريصا على معونتك وإسعادك، فأرجأت دعائي وادخرته لما ~~هو أهم وأعظم. فالآن أبتهل إليك أن تنتقم لأب سيئ الحظ، ms91 وقد تخليت عن ~~هذا الخائن وتركته لغضبك؛ فاخنق ما جرى في دمه من وقيح الآمال، وسيعترف ~~تيزيه بأفضالك ونعمك عندما تستشيط غضبا. # إيبوليت ~~: # أتتهم فيدر إيبوليت بحب أثيم؟! يا لمنتهى الفظاعة التي حارت منها ~~النفس، كم من ضربة لم تكن بالحسبان تثقل كاهلي وتلجم لساني وتخنق ~~صوتي. # تيزيه ~~: # أتزعم أيها الخائن أن فيدر تطوي وقاحتك الوحشية في زوايا الصمت ~~الفاضح؟ كان الأجدر بك عندما هربت من أمامها أن لا تترك سيفك؛ إذ هو ~~بين يديها مساعد على نفي قولك، بل كان خليقا بك أن تزيد جرمك بأن تجهز ~~على كلامها وحياتها. # إيبوليت ~~: # لقد هاج غيظك من كذب ممقوت، وكان الواجب علي أن أنطق بالحقيقة أيها ~~الأمير، ولكني أغض الطرف من سر يمسك فيضيق صدري ولا ينطلق لساني؛ فارض ~~بالاحترام الذي يطبق فمي بدون أن تزيد في همومك بيدك، وألق نظرة على ~~حياتي وافحصها وفكر من أنا؟ أفاتك أن الجرائم العظيمة تسبقها أصغر ~~منها؟! ومن يستطيع أن يتعدى الحدود الشرعية، أو يخرق حرمة الحقوق ~~المقدسة؟! والجرم كالفضيلة له درجات؛ إذ لم يسمع أن البراءة الحيية ~~انتقلت فجأة دون استدراج إلى منتهى الوقاحة والضلال، ويوم واحد لا ~~يصير صاحب الفضيلة خائنا قاتلا نذلا يأتي المنكر مع ~~محارمه. # حملتني في أحشائها طاهرة عفيفة من الشجاعة والإقدام بمكان رفيع، فلم ~~أكذب دمها وأظلمها، وكان بيتيه موصوفا بالكياسة والذكاء بين جميع ~~العالم، وقد تفضل بتهذيبي، وإني لا أود أن أصف نفسي بأكثر من ذلك، وأظن ~~يا أميري أن حظي الذي أحرزته من الفضائل هو الذي أشعل الحقد علي؛ ~~فرموني بهذه الكبائر الفظيعة، وإن إيبوليت لمعروف في جميع اليونان بأنه ~~بلغ منتهى الفضيلة، وإنك تعرف من شجوني ثبات عزيمتي في الشدة والجفاء، ~~وليس النهار بأنقى من قلبي؛ أبعد ذلك يريدون من إيبوليت أن يفتن بنار ~~حب دنس؟! # تيزيه ~~: # نعم، وهذا الكبر والإعجاب هما اللذان أوقعاك في شر عملك أيها النذل! ~~وأرى في جفائك وأنفتك المبادئ الشنيعة؛ إذ فتنت فيدر وحدها عينيك ~~الوقيحتين، وكانت نفسك خالية البال ms92 عمن سواها، مستنكفا أن تحترق لأجل ~~حب بريء حلال. # إيبوليت ~~: # لا يا أبت؛ فإن هذا القلب كتم عنك كثيرا هواه البريء، ولم يستنكف أن ~~يلتهب منه، وإني أعترف بين يديك بهفوتي الحقيقية: إني أحب وأهوى رغما ~~عن دفاعك، وقد استرقتني أريسي، وصار ابنك أسيرا لابنة بالانت، شغفني ~~هواها وأصبحت نفسي عاصية لأوامرك، لا تتأوه ولا تحترق إلا لأجلها ~~وحدها. # تيزيه ~~: # أتحبها؟ إلهي! لا لا فتصنعك شنيع: تتظاهر بالجرم وتتكلف لتبرر ~~نفسك. # إيبوليت ~~: # منذ ستة شهور وأنا أتجنبها وأحبها، وقد أقبلت إليك مرتجفا لأطلعك ~~على أمري. عجبا! ما لي أراك لا يؤثر عليك شيء لانتشالك من أوهامك! فأي ~~يمين هائل تصدقه؟ أبالأرض أم السماء أم جميع الدنيا ...؟ # تيزيه ~~: # يلجأ المجرمون دائما إلى الحلف الكاذب، فأقصر ووفر علي حديثا ~~ممقوتا إذا لم يكن لفضيلتك الكاذبة معين آخر. # إيبوليت ~~: # أتظهر لك فضيلتي بأنها كاذبة ومفعمة بالتصنع، مع أن فيدر نفسها ~~يناجيها قلبها بإنصافي وتبريري. # تيزيه ~~: # آه! ما أشد وقاحتك وأقواها تهييجا لغيظي! # إيبوليت ~~: # ما الزمان والمكان اللذان تحددهما لنفيي وإبعادي. # تيزيه ~~: # أتذهب إلى ما وراء «أعمدة السيد»؟ وأظنها قريبة بالنسبة ~~لغادر. # إيبوليت ~~: # إذا كنت أهمل جرما فظيعا تتهمني به، فأي صديق يرثي لحالي إن ~~تخليت عني وهجرتني؟! # تيزيه ~~: # اذهب لتفتش عن صحاب يشرفون الزنا ويستحسنون إتيان المنكر مع المحارم؛ ~~إذ لا يحمي خبيثا مثلك إلا كل خائن كنود عاطل من الشرف والدين. # إيبوليت ~~: # ما برحت تحدثني عن الزنا وهتك المحارم: إني ملازم السكوت، وإن فيدر ~~ولدتها أم، وهي أيها الأمير من دم تعرفه حق المعرفة، وله من الفضائح ~~والمعرات أكثر مما عندي. # تيزيه ~~: # بخ بخ! أتخرجك حدة غضبك أمام عيني عن حد الاعتدال؟ فاغرب من وجهي ~~للمرة الأخيرة. اخرج أيها الخائن الغادر، ولا تنتظر من أب يتميز من ~~الغيظ أن يطردك من هذه الأماكن مهانا مرذولا. # المنظر السادس من الفصل الخامس ~~(تيزيه - تيرامين) # تيزيه ~~: # أهذا أنت يا تيرامين؟ ماذا صنعت بابني وقد عهدت به إليك منذ نعومة ~~أظفاره؟ ولكن ما الذي يسيل منك ms93 هذه العبرات؟ وماذا عمل ابني؟ # تيرامين ~~: # يا لعناية فات وقتها ولا حاجة إليها؟ حنان لا يجدي! إذ فارقكم ~~إيبوليت. # تيزيه ~~: # آلهتي! # تيرامين ~~: # ما رأيت أحدا مات أكثر منه حبا لدى الناس، وأتجرأ أن أقول لك أيها ~~الأمير: إنه أخف الناس ذنبا. # تيزيه ~~: # هلك ابني؟ عجبا! متى أمد إليه ذراعي لمعانقته؟ هل نفد صبر الآلهة ~~وعجلوا بموته؟ أي ضربة اختطفته مني، أم أي صاعقة مفاجئة؟ # تيرامين ~~: # لم نكد نحرج من أبواب تريزين وابنك راكب عجلته وحراسه تعلوهم ~~الكآبة ملتفون حوله مقلدون صمته، فسار وهو فريسة الشجون والهموم في ~~طريق «ميسين»، وقد أرخت يده العنان على ظهور خيله. # ولما كانت جياده الحسان كما عهدها الناس ملئت حمية، لبت صوته وزاغت ~~منها الأبصار، وطأطأت الرءوس يحسبها الإنسان أنها وفق فكرة الحزين؛ إذ ~~خرج من اللجج صوت مزعج عكر صفو الهواء، فأجابت الصافنات الجياد هذا ~~الصياح المرهب بصهيلها، فتثلج دمنا في أعماق أفئدتنا، وانتصب شعر ~~أعراف الخيل، وارتفعت على ظهر اليم لجة كالطود واقتربت، ثم تكسرت وقذفت ~~بين الزبد وحشا هائلا عريض الجبين مسلح الرأس بقرنين مزعجين، وجسمه ~~مغطى بقسور مصفرة، كأنه ثور صعب المراس أو تنين عظيم البأس، التف عجزه ~~فأحدث ثنيات معوجة ملتوية، وقد ارتجف من هول زئيره الشاطئ ومادت ~~الأرض وأوبأ الهواء، وتقهقرت اللجة التي حملته وهي مروعة منه، وهرب ~~الجمع، والتجأ إلى المعبد المجاور دون أن يتسلحوا بشجاعة لا تعني ولا ~~تنفع، ولبث إيبوليت وحده فكان أهلا لأن يكون ابنا لبطل حلاحل. فأوقف ~~خيله وقبض على حرابه وطعن الوحش بيد لا تخطئ طعنة نجلاء أصابته في ~~عطفه طفر من حر ألمها الوحش، ووقع زائرا تحت أقدام الجياد متمرغا ~~مظهرا فما ملتهبا فغطاها بنار ودم ودخان، فأخذها الفزع وصمت ~~آذانها هذه المرة عن استماع الزجر ولم يغن صاحبها ما بذله من الجهد ~~لكبح جماحها؛ حتى كل ساعده وخارت قواه وضرجت الخيل اللجم بما يخرج ~~من أفواهها المزبدة الدامية، ويقال: إنه شوهد في هذا الهرج الهائل إله ~~يضغط على جنوب الخيل المغبرة ms94 بمهمازه وهو بها الوجل بين الصخور ففرقع ~~محور العجلة وانكسر، وشاهد البطل إيبوليت عجلته وهي تتحطم إربا إربا، ~~ووقع هو بنفسه والتفت عليه الأعنة. # فاعذرني لألمي ومصابي، فإن هذا المنظر القاسي سيفجر ينابيع الدمع من ~~شئوني فلا تجف مدى العمر، وقد نظرت أيها الأمير ولدك البائس تجره الخيل ~~التي أطعمها بيده، وكان يود لو يذكرها بحسن صنيعه، ولكن صوته كان يزيد ~~في إزعاجها، واستمرت في عدوها حتى أصبح جسمه داميا كأنه جرح، وقد ~~ملأنا السهل بصياحنا واستغاثتنا، ثم هدأ قليلا جماح الجياد ووقفت على ~~مقربة من المقابر العتيقة التي كانت بالملوك أجداده ذخائر باردة جامدة؛ ~~فهرولت إليه متأوها وتبعني حرسه، وهدانا إليه ما خطه دمه الشريف على ~~الصخور، وأخذ العوسج الممقوت من خيله جلبابا داميا. ولما وصلت إليه ~~ناديته فمد إلي يده وفتح عينا مائتة ثم أطبقها فجأة، وقال: «قضى ~~الإله بأن ينزع مني حياة بريئة فارع بعد موتي «أريسي» الحزينة البائسة ~~بعين عنايتك أيها الصديق العزيز، وإن تبين الرشد من الغي لأبي يوما ~~ما ورثى لمصيبة ابن اتهم كذبا وظلما فقل له إن أراد أن يلطف دمي ~~وخيالي الشاكي فعليه أن يرأف بأسيرته ويعاملها بالرقة والحنان ويرد ~~إليها ...» وعند هذه اللفظة أسلم الروح هذا البطل، ولم يترك بين ذراعي ~~إلا جسما مشوها ممثلا به. فيا لمسكين يرثي له ظفر به غضب الآلهة حتى ~~إن عين أبيه تنكره. # تيزيه ~~: # وا ولداه! وا أسفا على أمل عزيز فجعت به! يالآلهة لا يسكن غضبها ولا ~~ترحم قلوبها ومن استعبدتني أمدا طويلا! مدت في حياتي لتذيقني هذه ~~الحسرات القاتلة! ms95