######OpenITI# #META# URI: 1362MuhammadMustafaHihyawi.MisrFiThulthayQarn.Hindawi30903736 #META# Tags: history #META# ID: 30903736 #META# Title: مصر في ثلثي قرن #META# AuthorID: 35186285 #META# Author: محمد مصطفى الههياوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # المقدمة‏ # القسم الأول‏ # 1 - وطنية الفلاح وآماله‏ # 2 - مصر وتركيا‏ # 3 - الحكم الذاتي‏ # 4 - روح الأمة‏ # 5 - القومية واللغة‏ # 6 - الرقي الاقتصادي‏ # 7 - الصناعة‏ # 8 - التجارة‏ # 9 - الاجتماع والصحة‏ # 10 - الإدارة‏ # 11 - سياسة التعليم‏ # 12 - الرأي العام‏ # القسم الثاني‏ # 13 - نظرة إجمالية‏ # 14 - درس في الحكم الذاتي‏ # 15 - درس في القضاء‏ # 16 - درس في الإدارة‏ # 17 - دروس مصر لنفسها‏ # 18 - نظراؤنا في الحياة‏ # خاتمة‏ # إهداء الكتاب‏ # المقدمة‏ # القسم الأول‏ # 1 - وطنية الفلاح وآماله‏ # 2 - مصر وتركيا‏ # 3 - الحكم الذاتي‏ # 4 - روح الأمة‏ # 5 - القومية واللغة‏ # 6 - الرقي الاقتصادي‏ # 7 - الصناعة‏ # 8 - التجارة‏ # 9 - الاجتماع والصحة‏ # 10 - الإدارة‏ # 11 - سياسة التعليم‏ # 12 - الرأي العام‏ # القسم الثاني‏ # 13 - نظرة إجمالية‏ # 14 - درس في الحكم الذاتي‏ # 15 - درس في القضاء‏ # 16 - درس في الإدارة‏ # 17 - دروس مصر لنفسها‏ # 18 - نظراؤنا في الحياة‏ # خاتمة‏ # | مصر في ثلثي قرن # | مصر في ثلثي قرن # | بين الماضي والحاضر # تأليف # محمد مصطفى الههياوي # | إهداء الكتاب # إلى روح «محمد فريد بك» # تهدى الأعمال الصالحة إلى الأرواح الطاهرة، فإن كان كتابي هذا عملا صالحا - وأرجو ~~أن يكون كذلك - فهو هديتي إلى روحك الطاهر. # محمد مصطفى الههياوي # | تمهيد # بقلم محمد مصطفى الههياوي ~~«لا ترضى إنكلترا بتقدم مصر ورقيها» # الوزير الإنكليزي «بلمرستون» # الله القاهر فوق عباده، إن مسنا الضر فهو كاشفه، وإن مسنا الخير فهو المنعم به، ~~والطاعة لله فيما أمر: # يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون # وله التصديق ~~فيما قال: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين ~~. # هذه «مقالات» أنشرها متضامة بين هاتين الدفتين - وقد نشرها «وادي النيل» متفرقة - ولست ~~أزعم أنها كل ما يؤدي به الكتاب المصري فرض البيان والإرشاد لأمته في وقت شدتها، وحين ثورة ~~آمالها العظمى، ولكني أزعم أنها مرآة عسى أن تحملها اليد فلا تضعها، وتسرح فيها العين فلا ~~تنتقل عنها إلا عند ختامها، أرجو أن نكون كذلك، لا لشيء، إلا أن بها صورة صغرى ms01 من صور ~~الماضي، تنبئ النفس بعجره وبجره، وتصدم الأذن والعين بوضره ودفره. وإني لأعلم أنها صورة ~~مؤلمة، ولكني كذلك أردت، وكذلك أريد، فإن الآلام تحيي من القلوب ما أماتته الغفلة. # ولعلنا ندرك أن الأمنية التي يطلبها كل مصري الآن لأمته ونفسه، لم تعد مطلوبة كما تطلب ~~اللذات المعنوية، لعلنا لا نطلب الاستقلال التام لنتمتع بلذة الشعور المعنوي بأننا مستقلون، ~~فقد عظم الأمر حتى تجاوز المعنويات فصارت الأمنية، أمنية الحياة، حياة المصريين في هذا ~~العصر، وحياة أبنائهم إلى الأبد. # ولئن لم يبلغ الأمر تمامه لحقت على أصحابه كلمة الشقاء السرمد، اللهم إن أحببتنا فهيئ لنا ~~المصير الذي لا نريده غيره، فإن سبق منا التفريط فيما نحب وكان جزاؤنا عندك أن يسبق منك ~~القضاء بما نكره، فاقبضنا إليك، وضمنا إلى جوارك، ولكن الله أرحم من أن يخذل مجاهدا في ~~حق مسلوب، والله مع الصابرين. # | المقدمة # انظر في تاريخ مصر الحديث، منذ بدأت نهضتها التي وافقت أعظم نهضات الأمم نشأة وغاية؛ تجد ~~في صفحاته وبين سطوره بثورا كبثور المرض الجلدي، ثم تبينها وقل بعد ذلك: أليست هي فقاقيع ~~تملؤها جراثيم السياسة الغادرة؟ # في الوقت الذي ثارت فيه فرنسا ثورتها الكبرى، فدكت صرح الظلم، ومزقت حجب الجهالة، وأطلعت ~~شمس حريتها لتستقبل حياتها طيبة، في ذلك الوقت بعينه كان محمد علي يخطو بمصر خطوات الجبار ~~الذي يرمي ببصره إلى غاية يأبى إلا أن يدركها، وقد لا تجد تناسبا بين أمة جاءها رجل واحد ~~فوكزها لتصحو ثم ساقها لتتقدم، وأمة أخرى وقف الموت بروحها بين شفتيها فجمعت من اليأس قوة ~~أطفأت نار الظلم ودقت عنقه. # قد لا تجد تناسبا بين الأمة المصرية يوم جاءها محمد علي حاكما مطلقا يوقظها من النوم ~~ويرفعها من الضعة، والأمة الفرنسوية يوم ثارت بنفسها تذيب قيود الاستبداد وأغلاله بنار ~~الحقد والضغينة، ولكن محمد علي كان زارعا جديدا، وكان طامعا في ملك عريض ومجد باذخ، فلا ~~عجب أن يكون همه أن يبني الملك العظيم في شعب له من عظمة المجد التاريخي ما ms02 ليس ~~لغيره. # وكأنما كان محمد علي يريد أن يكتب بيده صفحة تاريخه فلا يدع بين سطورها مكانا يكتب فيه: ~~إن هذا الجندي الألباني الصغير لم يكن وارث الملوك، ولا ربيب العروش فكيف لا تصيبه الخيبة ~~كما أصابت كثيرين غيره خرجوا من دهماء العامة يطمعون في العرش والتاج. كأنما كان هذا الجندي ~~يريد أن تضيق سطور تاريخه عن أن تسع مثل هذه الوصمة، فكتب صفحته بيده، وأبى أن تغلبه ~~الحوادث على أمره، فبلغ ما أراد على كره من الأيام. # إن مثل مصر بين الناس كمثل السفينة على غوارب البحر الهائج، تسلمها لجة إلى لجة، ولكنها ~~قوية على متن البحر فلا تغرق، وكأنها الحبة الوسطى في عقد الممالك، كل أحد يريدها، وكل أحد ~~يصرفه عنها طمع غيره فيها، ولم يكن محمد علي يجهل أن هذه مكانة بلاده عند الناس. وماذا كان ~~يصنع إلا أن يعوذها بتعاويذ السياسة ويرقيها برقى الختل والخداع ليداوي الداء بالداء ~~ويبرد الحديد بالحديد، وكان أخوف ما يخافه أن تتهيأ الفرصة للإنكليز فيظهروا ما أبطنوا ~~ويعلنوا ما أضمروا، وكانت عقارب السياسة تدب بين فرنسا وإنكلترا في خفاء، فتحذر كلتاهما أن ~~تغلبها الأخرى على مصر، ولكن فرنسا كانت بصيرة في الطمع معتدلة في الشراهة، فمال إليها محمد ~~علي لأنها أخف ثقلا ولأن سياستها أقل سماجة، على أن إنكلترا مع هذا لم ترد عقارب سياستها ~~إلى الوكر. # الرجل الذي أراد أن يبني الملك العريض على أساس من عزمه استطاع أن يرفع له صرح ملك يضرع ~~النجم، وما كان ليتم له ذلك إلا لأنه اختار لبنائه أرضا يستقر عليها البناء، ولولا أنه ~~كان كمثل الزارع لما وجب أن يقال إنه اختار أخصب تربة وأصفى جو لزرعه فأصبح بهيجا، ففي ~~ربع قرن جعل اليابس رطبا، والقحل خصبا، والجهل علما، والفقر غنى، والخراب عمارا، ~~والليل نهارا. وفي ربع قرن أحيا الصناعة، ونشر التجارة، وأنشأ الأسطول، وسد الثغور، وحشد ~~الجيوش، وكان يعتمد على شعب مرن في الخير، بصير بما ينفع، متطلع للحياة الطيبة والمجد ~~العطر، ms03 وكان له من هذا الشعب ومن الوطن المختص بمواهب الثروة ومزايا الغنى قوة حسية ومعنوية ~~تغنيه عن الناس وتلقي في روعه أن الناس مفتقرون إليه أو حاقدون عليه أو طامعون فيه، ولم ~~تستعص على الجندي العصامي أسباب العظمة في هذا الوطن العظيم، فكل شيء هيئ سريعا كأنه ~~شذوذ في سنة تكوين الأمم، أو كأنه ظاهرة غريبة بين ظواهر الاجتماع البشري، ولم يسترخ ~~الزمن بمحمد علي طويلا حتى قام يفتح الأقطار بجيشه المصري، وأسطوله المصري، وماله المصري، ~~وذخائره المصرية، وقد استفحل أمره وعظم شأنه، فخافته الدول وهابته الممالك، وقذف الله به ~~الرعب في قلب أوربا القوية بجيوشها وأساطيلها، الغنية بأموالها وصناعتها وتجارتها، المالكة ~~زمام النصر بالعلم المنشور والفضل المأثور. # هذا إجمال تاريخ النهضة المصرية أيام محمد علي الجندي الألباني الصغير، وقد ذكرنا أنها ~~وافقت النهضة الفرنسوية، والذي ينظر في تاريخ النهضتين يوم ابتدأتا لا يسعه إلا أن يحكم أن ~~نهضة مصر كانت أوفر نشاطا وأوسع خطوة؛ إذ لم تكن تتعثر في طريقها بما كانت تتعثر به نهضة ~~فرنسا وهي طفلة، فكان يجب أن تؤدي مقدمة النهضة المصرية إلى نتيجة كالتي أدت إليها مقدمة ~~النهضة الفرنسوية إن لم تكن أعظم منها، فلماذا لم يكن ذلك؟ # يوم طلع فجر النهضة المصرية فرسم نوره على أفق العالم خطا أبيض يجلو سعادة مصر ~~وأبنائها، كانت أفعى السياسة تملأ شدقيها سما، وكانت ترصد الغفلات فتنفث من هذا السم ~~قطرات تصيب جديد حظنا فيصدأ، فكم مرة قتلتنا هذه الأفعى، وكم مرة قعدت لنا منذ القدم ~~مقاعد الشر لتقتلنا! # ولكن الجندي الألباني كان يقظا، غير أن أفعى السياسة مكرت بغيره فآذته بهذا المكر، ويذكر ~~التاريخ من أمثلة ذلك قصة إحراق الأسطول المصري التي لم تزل مكتوبة في تاريخ السياسة ~~الروسية بقلم العار، وقد كان يتاح لروسيا أن تنال فخر إحراقه بقوتها وإرادتها معا، لو أنها ~~كانت غير مسخرة للسياسة التي وصفت بالغدر في أول سطر من تاريخ العالم السياسي، غير أن ~~جندينا الصغير كان في أمته أعظم من ms04 أصحاب العروش وحملة التيجان. # مضى لنا منذ تولي محمد علي ولاية مصر نحو قرن وربع قرن، فلنقسم هذا الزمن ثلاثة عهود: ~~الأول عهد محمد علي، الثاني عهد خلفائه إلى سنة 1882، الثالث عهد الاحتلال الإنكليزي من سنة ~~1882 إلى اليوم. وقد يعتقد الناس أننا قطعنا ما قطعنا من العهد الأخير برقي يناسب حركة ~~العالم في التقدم العصري، وتقتضيه طبيعة روح الحياة إبان شباب الإنسانية، وإذا كان الحق ~~خلاف ذلك فإن هذا الحق لا يثبت عند من يجهلونه ومن خدعتهم أضاليل السياسة إلا بعنف وعناء؛ ~~فإن العقل البشري لا يكاد يصدق أن أمة لزمت الجمود على حال واحدة فلم يطرأ عليها جديد من ~~أسباب الحياة غير ما كان لها منذ قرن وربع قرن اللهم إلا ما بلغته بنفسها وهي تتحرك تحت ~~الأثقال وتعاني ما أصابها من القيود والأغلال، فنحن لذلك نعالج عنف الإقناع وننهض بعناء ~~الإثبات بالبرهان القاطع، حتى إذا سطع نور الحق لم نعد نشعر بعنف ولا نجد عناء. # أول ما تدعيه السياسة الإنكليزية أنها أفاضت على مصر حياة حسية لم تكن تحلم بها من ~~قبل، فإذا سئلت أي شيء هي هذه الحياة الحسية؟ وأين مجراها من عروق الأمة؟ قالت هذه السياسة ~~مفتخرة: ليس بعد الزراعة وبهجتها ونظام الري ودقته من حياة. أما مجراها من عروق الأمة فبين ~~أجساد الفلاحين الذين يسبحون بحمد المصلحين بكرة وأصيلا!! # هذه هي الدعوى التي ترى السياسة أنها في مكان التصديق من النفوس لأنها تزعم أن الحس شاهد ~~عليها، ولكن السياسة أخطأت حين ظنت أن حقائق التاريخ الحديث مجهولة، أو أنها تملك أن تمحوها ~~من الصدور إذا ملكت أن تمحوها من السطور، وستظل مخطئة هذا الخطأ إذا ظلت ظانة ذلك ~~الظن. # إن الزراعة في بهجتها منذ أحياها محمد علي، ولو لم يكن هناك دليل على ذلك إلا تاريخه ~~الحربي لكان دليلا قاطعا، فالرجل حارب أقوى الدول بجيوش كثيفة، وارتحل عن بلاده إلى ~~الأقطار البعيدة بذخائر وأساطيل، ولم يكن يعتمد على غير بلاده، فهل كان يتخذ من ms05 الحصى ~~نقودا، ومن التراب خبزا وماء؟ أم ماذا كان يفعل لجيوشه في الحرب الطويلة إذا لم تكن ~~زراعته نضيرة وغلاته وفيرة؟ ثم كيف كانت نضرة الزرع ووفرة الغلات إذا لم تكن الزراعة في محل ~~العناية العظمى علما وعملا؟ # ينهض هذا الدليل إذا لم يكن هناك نص صريح في أن ما نراه اليوم هو ما فعله محمد علي، ~~وعندنا مصادر كثيرة مستفيضة بالنصوص التاريخية، ولكن الدليل الذي لا يستطيع الخصم إنكاره ما ~~كان قائما من ناحيته أو ما كان له حظ في إقامته، ونحن نجد هذا الدليل في تقرير «لجنة ~~التجارة والصناعة»، وليست قيمته في أن اللجنة حجة ثقة عند الحكومة لأنها هي التي ألفتها، بل ~~في أن بين أعضاء اللجنة ثلاثة من كبار الإنكليز هم المستر «سدني ويلز» مدير إدارة التعليم ~~الفني والصناعي والتجاري، والمستر «كريج» الذي كان مراقبا لقلم الإحصاء العام بوزارة ~~المالية، والمستر «ف. مردوخ» من أرباب الصناعات بمدينة «المنصورة». # والدليل الذي نشير إليه هو قول اللجنة في الفصل الأول من الباب الثاني من تقريرها: ~~«وكان همه الأكبر - تريد محمد علي - متجها إلى ترقية الزراعة والصناعة، وتحقيقا ~~لهذا الغرض السامي رأى أن يستعين بمدنية أرقى من مدنية بلاده، كما أنه مهد للشعب سبيل ~~الحصول على حاجته من التعليم، وبث فيه الرغبة في طلب العلم ووضع كذلك المشروع العظيم ~~لأعمال الري والترع والقناطر وبدأ في تنفيذه فتكللت أعماله بالنجاح». # 1 # لم يحدث في العهد منذ سنة 1882 شيء جديد للزراعة المصرية، لم تزد أنواعها، ولم تتغير ~~أساليبها، اللهم إلا شيء واحد جديد، هو نقص متوسط المحصول وكثرة الآفات، وإرهاق الفلاح ~~بالمغارم المتنوعة. # ولم يحدث شيء جديد للري، اللهم إلا نظام يهلك الزرع ظمأ، ويملأ قلب الفلاح كمدا وغيظا، ~~كلما وقف أمام زرعه فرآه يموت بنار القيظ الشديد، ونار الظمأ الشديد، والماء حرام عليه وهو ~~على قيد شبر منه. # لم نعرف أثرا لهذا العهد في احتفار ترعة أو بناء خليج، ولسنا من يكتم الحق إذا قيل إن ~~«خزان أسوان» أثر ms06 خالد للاحتلال الإنكليزي، ولكن لا ينبغي لأحد أن يكتم الحق أيضا إذا قلنا ~~إن هذا الأثر العظيم قام حدا فاصلا بين مصر وسودانها فأصبح محبس الماء عن الوادي، فلا ~~يرسله إلا بقدر معلوم، ولا يجري هذا القدر إلا بمشيئة مطلقة، تعطي وتمنع، لا بخلا ولا ~~كرما، بل تحكما وإكراها على الإذعان. # كل الأنهار والترع والجسور والقناطر والدساكر كانت قبل هذا العهد، وفلاح مصر اليوم هو ~~فلاحها منذ القدم، لم يتعلم جديدا غير أسلوبه الموروث، ولم يتناول بذرا جديدا غير بذره ~~المعروف، والأرض هي الأرض، والهواء هو الهواء، والشمس هي الشمس، وفصول السنة لم تتغير فهي ~~التي تمر بنا منذ خلق الله الزمان، فماذا حدث؟ أين الحياة الزائدة؟ أو أين القدر الزائد في ~~الحياة؟ # إذا لم تبلغ مصر حظها الحسي الذي بلغته الآن، لوجب ألا تكون من الأرض التي يعمرها ~~البشر، على أنها لم تبلغ حظها من الحياة التي ارتقى إليها العالم بخطواته الواسعة؛ لأنها ~~قيدت بينا كان العالم طليقا! ولكن موطن النظر هو هل كانت تبقى جامدة لو أنها كانت ~~طليقة؟ هذا الذي نريد أن نعرفه الآن. # أنشأ محمد علي وخلفاؤه المصانع لكل شيء، فبقيت المصانع إلى أن طغى على مصر سيل العهد ~~الأخير. وأنشأوا القلاع ليذودوا الطارق المغير عن الثغور والسواحل، فبقيت قلاعهم إلى أن دخل ~~على مصر ليل العهد الأخير. وأنشأوا المدارس لكل علم وفن، فبقيت مدارسهم إلى أن نشبت بمصر ~~أظافر العهد الأخير. فماذا أصاب مصر في هذا العهد الأخير؟ # هدمت المصانع فأصبحت مصر عالة على غيرها تستجديه أحقر الحاجات، ودرست الصناعات والفنون ~~فأطبقت على الأمة جهالتها، وهدمت القلاع، وأبيحت السواحل والثغور، فصارت البلاد كالدار ~~المهجورة يدوسها كل طارق، أو كالحمى المباح ينتهكه كل راع، وهدم بعض المدارس وبقي منها ~~ما تتم الخدعة ببقائه بعد أن مسخ فأصبح صورة جوفاء. # وهيهات أن تفتخر علينا يد الإصلاح بشيء، اللهم إلا سياسة تشهد بالعجز قبل أن تشهد بسوء ~~النية، ويا ويل العلم والإصلاح والتمدين ممن يعالجها ستا وثلاثين سنة ms07 ثم يقول بنفسه في ~~نفسه إن الدواء كان داء، ومن العجب أن يتمرن الطبيب ستا وثلاثين سنة فيختمها بالخيبة، ~~ثم يطلب أن يتمرن مدة مثلها!! ويا رحمتا لمريض عملت مشارط طبيبه المتمرن ومقاريضه في جسمه ~~كل هذه المدة لا لشيء إلا أن الطبيب يتمرن! # أما المدارس العالية، فالحمد لله، لا تستطيع السياسة الإنكليزية أن تدعي أنها أنشأت منها ~~واحدة في عهد الاحتلال، فكلها قبله. على أنها تستطيع أن تقول إنها ألغت بعضها، وإنها جاهدت ~~لتقضي على «جامعة الأمة»، ولا ندري فلعل ذلك كان في سبيل التعليم أيضا!! # إلى هنا يسهل على القارئ أن يعرف العهد الأول والعهد الثالث من ثلاثة العهود التي مضت منذ ~~تم الأمر في مصر لمحمد علي، ومتى عرفهما بما وصفنا سهل عليه أن يفاضل بينهما ليرى أيهما ~~يفضل الآخر، وسهل عليه بعد ذلك أن يبصر بعينه ويلمس بيده حقيقة هائلة تنطوي في أحرف هذا ~~السؤال: هل كنا نكون في مثل حالنا الحاضرة إذا دامت بنا الحياة على نحو ما كان لعهد محمد ~~علي وعباس الأول وسعيد وإبراهيم وإسماعيل؟ وبعبارة أخرى: هل تقدمنا أو تأخرنا؟ # يجري قلم السياسة في كتابة التاريخ أحيانا، ولكن للسياسة قلما غير القلم الذي يكتب ~~الحقائق الصريحة ويمحص مسائل التاريخ فمثل القلم الذي حملته يد اللورد كرومر حين وضع كتابه ~~«مصر الحديثة» لا يكون مقبول الشهادة أمام العدل التاريخي؛ لأنه مغموس في مداد السياسة، وقد ~~لا يجد الكاتب السياسي غضاضة إذا حمل هذا القلم وهاجم به الحقائق، بل قد لا يجد عيبا في ~~ذلك وإن حمله بيد ترعشها الشيخوخة كيد اللورد كرومر يوم أملت عليه أضغانه السياسية ~~ذلك الكتاب. # وليس كثيرا في لغة السياسة أن يقعد الرجل إلى مسألة يبحثها وهو يعرف الحق في أمرها، ولا ~~عجيبا في أخلاق السياسة أن يجلس صاحبها جلسة ربما كانت طويلة، ليستخرج العلل والأسباب كما ~~يهوى لا كما تهوى الحقيقة. # هكذا كان اللورد كرومر في كتابه، فقد جلس يبحث أسباب احتلال الإنكليز مصر، وجعل يحاول ~~إقناع الناس ms08 بأن الاحتلال كان خطبا جسيما على إنكلترا تحملته بشمم وشرف وإباء، لا لشيء ~~إلا أن تنقذ مصر وتسعدها! فكانت في ذلك كالأب الرحيم، يتعب ليريح أبناءه. # ولم يقنع الرجل بهذا التضليل فجعل مسألة الاحتلال تبعة كانت محل النظر بين المحافظين ~~والأحرار، وكان كل فريق يلقيها على الآخر ويترفع عن أن تنسب إليه، ثم وقف موقف الحكم بين ~~الخصمين فقال في الفصل التاسع من كتابه: ~~«وسيظهر من الفصول القادمة من هذا الكتاب أن جل التبعة في وقوع الاحتلال راجع إلى ~~ما فعلت حكومة المستر غلادستون لا إلى تدابير الحكومة التي رأسها اللورد سلاسبوري ~~قبله». # ولا ريب أن من يلمون أقل إلمام بتوفق السياسة الإنكليزية أمام المسألة المصرية في كل ~~أطوارها، يعلمون كيف يقع التناقض بين زعم الشعور بالتبعة ومحاولة الفرار منها، وبين النيات ~~التي استكنت في صدر السياسة الإنكليزية حتى ظهرت يوم بدأت إنكلترا وفرنسا تتحرشان بالخديو ~~إسماعيل. # غير أن شر التناقض ما قصد به إخفاء الحقائق بتشويه سمعة الرجال تنفيرا من النظر في ~~سيرتهم؛ حتى لا يظهر فضل أيامهم على أيام سواهم، وهذا الذي يجب الالتفات إليه خاصة، فقد جهد ~~اللورد كرومر كما جهد غيره في النيل من عباس باشا الأول وسعيد وإسماعيل، فألقى عليهم ~~صورة الوحوش، ومن ذا الذي يظن أن للوحش عقلا حتى ينتظر أن يرى له مأثرة في الإصلاح؟ ولكن ~~الحق لا يخفى، وقد قلنا قبل إن السياسة لا تستطيع أن تمحو الحقائق من الصدور، إذا استطاعت ~~أن تمحوها من السطور، وهذه أمثلة من تناقض الحق والسياسة. # قال اللورد كرومر في عباس باشا الأول: ~~«أما عباس فكان عاتيا شرقيا من أردأ الأنواع، تروى حكايات لا تعد عن قسوته ~~التي تنفر منها النفوس ولم يكن له مع هذه السيئات حسنة مثل أسلافه، بل إن صفاته كانت ~~قبيحة من جميع الوجوه». # ويقول التاريخ الصحيح إن من أعمال عباس باشا الأول على قصر عهده أنه «أرسل بعوثا ~~علمية إلى أوربا عدد طلبتها 48 طالبا أنفق عليهم 82933 جنيه»، فلعل اللورد ms09 كرومر يعد ~~هذا العمل إحدى سيئاته التي لم يكن له معها حسنة واحدة!! ولعله لم ينس حين كتب ما كتب أن ~~عهده في مصر كان عهد قضاء على البعوث العلمية!. # وقال هذا اللورد في سعيد باشا: ~~«إنه كان أقل غلظة وتوحشا من سلفه، ولكنه أتى أعمالا في منتهى القسوة ~~والشناعة». # وقال أيضا إن المستر ولن قنصل إنكلترا في القاهرة كتب إلى المستر سينيور سنة ~~1855: ~~«إن سعيد باشا طائش متهور مجنون فقد صوابه من مداهنة الأجانب المحيطين به». # وتقول لجنة التجارة والصناعة في تقريرها: ~~«وقد جنى أعقابه - تريد محمد علي - ثمار أعماله العظيمة ولم يألوا جهدا في أن يحذوا ~~حذوه ويقتفوا أثره غير مدخرين وسعا في أعمال التحسين والتكميل، وكان لسعيد باشا ~~وإسماعيل باشا قصب السبق في هذا الميدان». # أما إسماعيل باشا فلا يحتاج أبناء الجيل الحاضر إلى تكذيب ما تتقوله عليه السياسة؛ فإنهم ~~لم يزالوا مغمورين بآثاره يرونها في كل شيء، وتقابلهم في كل مكان، فكل شيء في المدن ~~والأقاليم وطرقها وشوارعها ناطق بهذه الآثار، ولا يظن أحد أن سليلا من سلالة هؤلاء الرجال ~~المصلحين يسلم من تلك اللدغات إذا وقف في طريق الأفعى السياسية. # ولعلنا في حاجة إلى أمر لا بد لنا أن نذكره قبل ختام هذه الكلمة؛ فإنا نحسب أن الأذهان ~~غير ملتفتة إليه: # يسمع المصريون أحيانا ذكر أسماء رجال النهضة الحديثة من مصريين وأوربيين، أما رجالنا ~~وشباننا فإنهم يعرفون تلك الأسماء، وأما ناشئتنا الحديثة فهي لا تعرفها؛ لأنها لم تعد تسمع ~~ذكرها بعد أن كانت من المدارس في مكان الأساتذة، ومن الألسنة في محل التمجيد. # رجالنا يعرفون أمثال رفاعة، ومصطفى مختار، ومظهر، وعلي مبارك باشا، وعبد الله فكري، وبهجت ~~باشا، ومحمود الفلكي باشا وإسماعيل الفلكي باشا من العلماء والمهندسين، ومحمد الدري باشا ~~وعلي إبراهيم باشا وعيسى حمدي باشا من الأطباء، والقواد الذين فتحوا السودان قبل أن يفتحه ~~الجيش المصري الفتح الأخير، ثم ينسب ذلك إلى اللورد كتشنر ويكون به قائدا من عظماء الرجال ~~يعرف رجالنا هؤلاء وإخوانهم ms10 الكثيرين بآثارهم الماثلة فيما تركوا من الأعمال والمؤلفات ~~والمترجمات، ويعرفهم شباننا بأسمائهم فقط؛ لأن إرادة خاصة طوت آثارهم العلمية، وقطعت صلة ~~النسب بين أسمائهم وآثارهم العملية، ولا تعرفهم ناشئتنا لأن هذه الإرادة الخاصة أزالت ذكرهم ~~من كل شيء أمام الناشئة. # ويعرف رجالنا وشباننا غير هؤلاء العلماء الوطنيين، العلماء الأوربيين من أبناء فرنسا ~~وإيطاليا وسواهما، أمثال كلوت بك وكياني ولينان موجل وهامنت ولمبير ... إلخ إلخ. # فقل لمن يعرفون هؤلاء وهؤلاء، ولم يذكرونهم بأثر قائم أو حديث مروي: هل رأت مصر أمثالهم، ~~مصريين أو غير مصريين أثناء العهد الذي طغى عليها ستا وثلاثين سنة؟ ثم سل نفسك بعد أن ~~تسمع الجواب، وسل كل إنسان: لماذا لم تر مصر أمثالهم؟ ألأن العلم رفع من الأرض؟ أم لأن ~~الدنيا خلت من العلماء؟ أم لا لهذا ولا لذاك، بل لشيء آخر؟! # هل يقدر أن ترى مصر أمثال هؤلاء العلماء؟ نعم ذلك مقدور إذا عاد جوها كما كان ~~صالحا لهم، ومن يعيد صلاح الجو غير أبنائها؟! # اللهم إن الأمل كل الحياة، وحوادث الأيام غذاء الأمل ولا أمل إلا بالثقة، ولا ثقة إلا أن ~~يغلب الحذر سلامة النية، أما الحذر فهو هنا، هنا تحت كل حرف من حروف هذا البيت: # أسأت مذ أحسنت ظني بكم # والحذر سوء الظن بالناس # | هوامش # | القسم الأول # الفصل الأول # | وطنية الفلاح وآماله # «فلما انتصرنا في الحرب فوجئنا بعصيان أيقظنا من النوم، وظهر لنا أن المصريين لا ~~يحبوننا، ولا يريدون الانتفاع بنا» ~~(المستر أرثرهور) # نكتب هذه المقالات مستمدين حقائقها من الكتاب الذي رقمته يد الزمن خلال ثلث قرن ~~اجتازته مصر ووقفت اليوم على طرفه، تريد أن تستأنف عهدا غيره، وتغلق بابه لتفتح لها ~~باب حياة خير من حياتها فيه. # وإذ كانت الحجة القوية لخصوم مصر السياسيين أن المصري قضى ذلك العهد راضيا، بل ~~مقدسا للذكر مسبحا بالحمد، لا يجد سبيلا للشكر غير الاعتراف بالعجز عن الشكر، ~~وكانوا لا يرون هذا المصري الراضي المطمئن إلا في شخص الفلاح؛ حسن أن نبدأ الكلام في ~~حال ms11 الفلاح وآماله، وشعوره ووجدانه، بل حديثه لنفسه وهواجس الرجاء الذي يناجي به قلبه ~~وربه في خلوته وساعة ينبطح على أرض الحقل، وحين يتصل بصره بالسماء، فيرى جمال الجو ~~ونعمة النيل وفيض الخير الدافق، فيقول في نجواه: يا رب لماذا لا يكون لي - أنا المصري - ~~هذا الوطن الجميل خالصا؟ # قال المستر «أرثر هور» مكاتب جريدة «التيمس» في الشرق الأوسط في أولى مقالاته التي ~~كتبها عن «الاضطراب في مصر»: ~~«فلما انتصرنا في الحرب فوجئنا بعصيان أيقظنا من النوم، وظهر لنا أن المصريين لا ~~يحبوننا ولا يريدون الانتفاع بنا». # كذلك قال هذا الكاتب، وفي قوله معنى يدل عليه مفهوم عبارته، فكأنه أراد أن يقول: إن ~~العصيان لم يكن منتظرا لأنهم فوجئوا به؛ أي إن المظنون بل المعتقد كان خلافه، وقد كان ~~هذا العصيان عاما، وكان مفاجأة، فلا بد أن يكون الشعور بأسبابه الطبيعية عاما ~~أيضا، ولا بد أن يكون الذين فوجئوا به على خطأ في جهل أسبابه أو تجاهلها؛ إذن: لم ~~يكن الفلاح الذي كان شديدا في هذا العصيان راضيا ولا مطمئنا، ولم يكن يجد من نعمة ~~التمتع بحرية الوطن بديلا. # بل يدل المفهوم على معنى أكبر من هذا المعنى، ففي العبارة ما ظهر من أن المصريين لا ~~يحبون معارضيهم السياسيين، ولا يريدون الانتفاع بهم فكأن عدم الحب كان خفيا على هؤلاء ~~المعارضين من قبل، وكأنهم يريدون أن يقولوا الآن: إن ما زعمناه من أن الفلاح حامد شاكر، ~~وأن نور التقديس يسطع في جوانب نفسه كان زعما باطلا. # ولا نظن المستر «أرثر هور» يرى بعد هذا أن يكون الحب ضربا من ضروب الطاعة التي تقضي ~~بها محكمة أو مجلس، أما إرادة عدم الانتفاع فإن لها سببا تراه كل عين في الصورة التي ~~تشهد بها حالة مصر العلمية والتجارية والصناعية والاجتماعية والأدبية؛ فإن لهذه الصورة ~~لسانا ينطق فصيحا بشرح قيمة الانتفاع في ثلث قرن كامل. # وقد لا نعدم معترضا يقول: إن هذا الكلام نظري، أو أثر حالة محدودة جاءت في الزمن ~~الأخير اضطرارا أو ms12 خطأ بغير قصد. إذن نرجع إلى الحقائق في حينها البعيد ~~والقريب. # استقبلت مصر أياما قضى بها الزمن منذ سنة 1882، ولم تكد تجتاز حوادث تلك السنة ~~والسنتين قبلها حتى بسطت يدها للعمل، ورفعت صوتها بالحجة، وما كانت يدها المبسوطة في ~~معاهد المدن بأسبق حركة منها في حقول الريف، ولا كان صوتها المرفوع في قصور العواصم ~~بأعلى منه في أكواخ القرى، وكم بين هذا الزمن الذي نحن فيه الآن وبين الوقت الذي وقعت ~~فيه حادثة «الجيش» يوم استعرضه سمو الخديو عباس في الحدود؟ لقد كان ذلك الوقت في أول ~~عهدنا بما قضي به علينا، فليسألوا الحق: لماذا جر كبراء المصريين مركبة الخديو عباس ~~يومئذ؟ ولماذا أغدق عليه البريد والبرق رسائل الشكر من أرجاء القرى وأعماق الريف؟ أما ~~جواب الحق فهو أن وطنية الفلاح العريقة أرته موطن الشكر من الوجوب فأعرب عن شكره ~~برسائله، وأن وطنية المتحضرين الراسخة أرتهم موطن الحمد من اللزوم، فجروا مركبة ~~أميرهم الشاب. # كان الفلاح يخرج من داره إلى حقله وفي يده حبل ماشيته، فيلذ له أن يقف وتقف الماشية ~~وراءه، إذا اتفق أن رأى قارئا من أبناء القرية يطوي صحيفة في يده، وما كان يقف ليسأله ~~ما بها من الأخبار لأول مرة، بل ليسأله: أية الصحف هي أمن الصحف الوطنية؟ فإذا علم أنها ~~ضالته استحلف صاحبه أن يقرأ ليسمعه آية الإخلاص لمصر، غير قانع بالسؤال عن أخبارها، ~~وإذ ذاك يتهافت الفلاحون فيقف قارءوهم موقف المعلم، ولكنه لا يلقي درسا، بل يتذاكر ~~وإياهم سورة الوطنية المشتركة وآية الإخلاص للوطن. # يتناول وصف الفلاحة أعيان البلاد ووجهاءها وعمدها، أولئك الذين يشتركون في صحف السوء ~~بما يشبه الأمر المقضي به، غير أن مكاتب البريد في أرجاء القطر تعلم كيف كانوا يرفضون ~~هذه الصحف كلما وقع حادث يهيج شعور الوطنية، بينما كانت تلك الصحف لا تخجل أن تؤلمهم ~~بقحة، وتجرح شعورهم بجرأة. # وفي الحادثة المحزنة التي حملت وزرها سنة 1906، تجلت وطنية الفلاح المصري مشوبة ~~بالكمد، ممزوجة بالدمع الذي جرى مجرى الدم المراق، فكانت ms13 القرى كالمرجل تغلي بنار ~~الوطنية، وكان ضوء هذه النار يسطع في الصحف جمعاء، وكان بريقها يلمع على أسلاك البرق، ~~وضوء هذه الوطنية هو الذي نفذ إلى أقطار الغرب كافة فبدد ما نسجت يد التضليل، ~~واستقامت به الحقيقة التي حرفت عن موضعها . # ولم تكد شمس الوطنية تتوارى بحجابها بين جوانح الفلاح المصري، حتى أشرقت يوم النكبة ~~بفقد المغفور له مصطفى كامل، ولعل المأتم الذي أقامته الأمة كلها حزنا عليه أنطق دليل ~~على أن المصري الفلاح وغير الفلاح لا يرضى غير مصره، ولا يحب سوى أمته. # لم يكن مصطفى نبيا أمر الله بطاعته، ولا كان ملكا يستوجب الطاعة على العباد ~~بالجبروت المطلق، ولا كان ذا جاه يرهب الناس بجاهه، ولا مال يستهوي النفوس بماله، ولكن ~~الأمة أطاعته وأحبته، وسمعت منه ووثقت به، على حين أن بينها الأمراء ممن لم يبلغ ~~إمارتهم، وأصحاب النفوذ ممن لم تكن له سطوتهم، وخزنة الأموال ممن لم تكن له أموالهم، ~~ولم يكن مصطفى ساحرا ولا ماكرا، فكيف وجد النصر والتأييد في القرى والمدن؟ وكيف هتف ~~الفلاح وابنه وامرأته باسمه وراء المحراث، وفي طريق القرية وعلى سطح الدار؟ كان ذلك وهو ~~حي بيننا، لأنه نفذ إلى مقر الوطنية في القلوب، ولأنه هتف باسم مصر وهو أحب الأسماء ~~إلينا وأغلاها عندنا، فهتفنا باسمه في كل مكان، أما جنازته يوم مات فقد شيعها في ~~القاهرة آلاف الفلاحين الذين جاءوا من أبعد قرى الريف في شمال القطر وجنوبه، بل كانوا ~~يرون أن حرمته عليهم وحقهم في تشييعه، يقضيان أن يطلبوا بألسنة البرق تأخير الجنازة حتى ~~يدركوها، وأما مأتمه فقد كان مأتم الأمة، فلا مدينة ولا قرية إلا كانت حزينة مكتئبة، ~~ولا دار ولا معبد إلا وجبت فيه التعزية والبكاء، وعقدت مجالس الترحم والدعاء، وقد لبثت ~~القرى والمدن في مأتمه أربعين يوما. # ليس صعبا أن يراجع الناس صحف مصر في عشر سنوات بين عام 1904 و1912؛ فإنهم إذا فعلوا ~~رأوا الفلاح المصري ظاهرا أبدا بين جماهير المحتجين على ما وقع خلال هذه ms14 السنوات، ~~وليسأل المنصفون: كيف كانت قرى الريف وبلدانه تفور بالوطنية أيام حادثة «الكاملين» وما ~~تلاها من سوق الوطنيين إلى المحاكم كما يساق القتلة السافكون، وجرمهم هو جرمهم الذي ~~لا يزالون يقترفونه، بل الذي تقترفه الأمة كلها اليوم، هو الألسنة الوطنية والأقلام ~~الوطنية، ثم ليسألوا كيف كانت قرى الريف وبلدانه تفور وطنية يوم عرضت مسألة «القناة» ~~ووقف نواب الأمة لها موقفهم التاريخي المشهود. # أكان الفلاح خلال هذه الأيام كلها راضيا أم غاضبا؟ نعم كان راضيا، ولكنه رضا ~~المؤمن يقبل القدر ويسأل الله اللطف فيه. # كابد الفلاح المصري من نظام الري ما أصابه بالنكبة في خصوبة الأرض، وجودة الزرع، ولم ~~ينقطع عهد الفلاح بما كان لأرضه من الخصوبة، ولزرعه من الجودة، قبل الزمن الذي جاء فيه ~~هذا النظام، فالفلاح يعلم اليوم أنه أصيب في المقتل من حياته الاقتصادية، بعلم أن بطن ~~الأرض امتلأ ماء ففسد، وأن متوسط محصول الفدان من القطن أصبح ثلاثة قناطير، وقد كان في ~~أيامه الماضية ستة قناطير، ويعلم أن الأرض الواسعة لم تزل بورا في وطنه وهو في حاجة ~~إليها، ويعلم أن الآفات سلطت على زرعه لا نقمة من الله بل أثرا لازما لفساد ~~الطرق التي اتخذت لتوزيع الماء. # يعلم الفلاح أن زينة الظاهر تنبئ بخبر مكذوب، وأن وراء هذا الظاهر باطنا هو الذي ~~يعرفه؛ لأنه هو الذي يشقى به، ويصلى ناره، على أن هذا الفلاح أدرك أن العلم حق مباح ~~له منذ كان المغفور له محمد علي باشا يأخذ ابنه ليعلمه، ثم تلفت حوله فإذا هو محروم من ~~العلم؛ لأن سياسة التعليم قضت أنه ليس أهلا للإنسانية التي يتخذ العلم زينة ~~لها. # هذا بعض ما كابده الفلاح فيما قبل السنوات الخمس الأخيرة، وهذه وطنيته وشعوره، فإن ~~كان بعد ذلك راضيا محبا مغرما، كانت مسألة فيها نظر! # الفصل الثاني # | مصر وتركيا # «ولكن عروة العواطف التي تربط مصر بتركيا كانت على وجه عام أقوى مما كان مظنونا، ~~وذلك رغم عدم الرغبة في سيادة الأتراك» ~~(المستر أرثر هور) # كلما تحرك ms15 المصريون في سبيل آمالهم، استطابت الصحف واستطاب بعض الكتاب والساسة أن ~~يقولوا: إن هذه الحركات ليست إلا حنينا لتركيا، وإن هذا الحنين ليس إلا فورة المنزع ~~الديني! ولكن الكلام عن آمال المصريين في حركاتهم، لم يكن خاصا بصحف إنكلترا ~~وكتابها وساستها، وإنما كان خاصا بهم أن يتجانفوا الحق في وصفها. # إن مصر الإسلامية تعلم من حكمة الإسلام وعدله ما يجمع لها الاستقلال المدني على أتم ~~وجوهه، والتبعية الروحية على أتم وجوهها أيضا، وقد أنصف المستر «أرثر هور» مراسل ~~التيمس في الشرق الأوسط الحقيقة والتاريخ إذ قال: «ولكن عروة العواطف التي تربط مصر ~~بتركيا كانت على وجه عام أقوى مما كان مظنونا، وذلك رغم عدم الرغبة في سيادة ~~الأتراك». # غير أن المسألة تحتاج إلى بيان تنحسر به شبهة الباطل عن وجه الحق، فالذين يعرفون مصر ~~وشعبها، والذين وقفوا على تاريخ النهضة المصرية منذ كانت لمصر قضية في تاريخ السياسة، ~~يشهدون أن الشعب المصري لم يكن يأبى سيادة الأتراك المدنية ليقبل أية سيادة أخرى، ~~ولكنه كان يأباها ليكون سيد نفسه وصاحب أمره، وهكذا كان الحكم الذي شرع الله له، لا ~~فضل لأحد على أحد إلا بالعدل والتقوى، وهيهات أن يرضى شعب لنفسه ما يرضى للسلعة تنتقل ~~من يد إلى يد بثمن أو بغير ثمن، فكيف بالشعب المصري وهو يحفظ قول «ابن الخطاب» حين ~~اقتص لأحد المصريين من ولد «لعمرو بن العاص»: «متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ~~أحرارا». # إذا كان المستر «أرثر هور» لا يرى غير أن يشير إلى أن مصر تأبى السيادة التركية، فإن ~~مصر نفسها تجهر بأنها تأبى كل سيادة لأحد، بل أولى بهذا الإباء أن يكون ضرورة بديهية؛ ~~لأن عروة العواطف القوية لم تصرفه عن تركيا، فمن البديهي ألا ينصرف عن غيرها لا سيما ~~إذا انضم إليه ضعف العواطف أو عدمها كما يشهد المستر «أرثر هور» نفسه بقوله: «فلما ~~انتصرنا في الحرب فوجئنا بعصيان أيقظنا من النوم، وظهر أن المصريين لا يحبوننا ولا ~~يريدون الانتفاع بنا». # وقد لا يقتنع ms16 المعارضون إلا ببرهان أكثر وضوحا وأوسع بيانا. فإن كانوا كذلك قلنا: ~~إن الإسلام يأبى أن يعيش محلول العروة، غير مستند إلى ركن ليس أرفع منه إلا الله، ولا ~~يد فوقه إلا يد الله، وقد علم المسلمون في مصر وغيرها هذا الحكم من شريعتهم ، وهم ينظرون ~~اليوم كما نظروا منذ سبعة قرون فيجدون بقية هذا الركن في تركيا، ولا منافاة بين أن ~~يجتمع الإخلاص للدين في حدوده المشروعة، والإخلاص للوطن في حدوده القومية، فالمصريون ~~كغيرهم يريدون أن تبقى للمسلمين خلافة لا يتوسط بينها وبين الله شيء غير عنصر الإسلام، ~~لتتم الولاية الروحية، وتستقيم عباداتهم وأوامر دينهم فيما بينهم وبين الله، ويريدون ~~ألا تكون لأحد سيادة مدنية عليهم؛ ليشعروا بنعمة الحرية، وهي أعظم نعمة في ~~الحياة. # نعم، يقول المصريون: نحن في عمل الدنيا المحض أولياء أنفسنا، وفي عمل الآخرة المحض ~~تابعون إلى ولاية المسلمين الروحية العامة، فنحن نريد أن تكون هذه الولاية، وأن تبقى ~~مصونة عن أن تكون فوقها يد غير يد الله، وليس لمن له بصيرة أن يتأول هذا المعنى ~~ليصرفه عن موضعه إلى الشحناء الدينية، فإن المثل قائم في المسيحية نفسها، فهناك ديوان ~~الفاتيكان يأبى إلا أن يكون مستقلا، ويأبى الكاثوليكيون في كل بقاع الأرض إلا أن تكون ~~له السيادة الروحية عليهم، وأن يكون محفوظ الكيان قوي السلطان، فهل قال أحد إن هذه ~~العروة الوثيقة التي تربط أهل الكثلكة بالبابوية نزعة منهم إلى الشحناء الدينية أو ~~تفريط في سؤددهم القومي؟! # على أن السيادة التركية المدنية التي ألح عليها الزمن وجعل ينقصها من أطرافها حتى ~~كانت في آخر العهد بها كالخيط دقة وكالطيف مثالا، لم تكن قليلة الأثر في مدافعة ~~الأيام، فقد كانت على ما بها من ضعف ووهن عقبة في سبيل الحالة الجديدة، # 1 # وكانت النتيجة الضرورية لانقطاع ذلك الخيط الدقيق - لو أنه انقطع قبل الحرب ~~الكبرى - أن تقف مصر وحدها مجاهدة لنفسها حيث لا تعينها قوة المشاكلة في الشعوب الأخرى، ~~ولا ترفع يدها بحجة المبادئ والوعود التي خلقتها الحرب، ms17 فبقاء تلك السيادة إلى الوقت ~~الذي خاضت فيه تركيا غمار الحرب أفاد القومية المصرية فائدة لا يختص بها مسلم دون ~~قبطي. # في مصر أمة تعرف أنها كانت سيدة، وتعرف أن صاحب السيادة يأنف أن يكون مسودا، وفي مصر ~~المسلمون يأخذون بأيدي إخوانهم في الوطنية ، عاملين جميعا لغاية واحدة، هي أن يكونوا ~~سادة أنفسهم في وطنهم، فلا المسيحي يشعر في وطنه بأنه مسود، ولا المسلم يشعر بأن ~~هناك سيدا له ولابن وطنه الآخر، أما النجوى الروحية فلكل أن يناجي بها من شاء، ولكل أن ~~يعترف بها في حدودها ومعناها لمن أراد، هذا سر العروة القوية التي تربط عواطف مصر ~~بتركيا، وإن التاريخ ليشهد أن المصريين وقفوا أمام العثمانيين مواقف كثيرة يطلبون فيها ~~استقلالهم المدني، بينا كانوا يحرصون كل الحرص على الخلافة، ويجيبونها إذا دعتهم لأمر ~~جليل لا يزيد سلطانها المدني عليهم، فهل غريب أن يقفوا هذه المواقف أمام غير ~~العثمانيين؟ إنها إذن مشكلة لا تفهم! # | هوامش # الفصل الثالث # | الحكم الذاتي # «إنه لا يمكن قط أن تقوم حكومة حسنة مقام حكومة أهلية» # المستر لويد جورج # الأشكال التي تتخذها صور الحكم في الشعوب تتلون بألوان من الخصائص الفطرية، أو ~~الملكات المكسوبة بالوراثة، أو بتحدي التاريخ، أو العادة المألوفة التي لم يذهب بها طول ~~أمد الإهمال. # وإن المشاهدة لتدل على أن الناس مفترقون في ذلك، فالجماعة التي لم تعرف من خصائص ~~الحياة إلا الشعور الساذج بأنها موجودة على قدر المكان الذي يحتويها والزمان الذي ~~يشتملها، لا يصلح فيها حكم يعتمد على إرشادها لنفسها؛ فإن مثلها كمثل الطفل تعوزه ~~الرعاية في حركاته، والتقويم في انتقال خطاه، ولكنك لا تجد تلك الجماعة إلا فيمن تهبط ~~بهم «الصدفة» من رءوس الجبال، أما الذين تحملهم أرض المدائن ويكتنفهم عمران الحياة فإن ~~مجرد اجتماعهم على هذا النحو بجعلهم أهلا لأن يستقلوا بشأنهم، ويعيشوا بإمرة أنفسهم لا ~~بإمرة سواهم، وقد لا تكون صلاحيتهم للمثل الأعلى من الكمال تامة، ولكنهم لا يدركون هذا ~~المثل الأعلى إلا أن يتركوا لأنفسهم ترفعهم لجة ms18 وتهبطهم لجة، حتى يجيدوا السباحة فوق ~~غوارب بحر الحياة. # في العالم الآن أمم هي المثل الأعلى للحكم الذاتي في أجل معانيه، ولم يزل التاريخ ~~ناطقا أن هذه الأمم لم تصل إلى ذلك إلا بعد أن تركت لنفسها، ولم يقل التاريخ قط إن أمة ~~مغلوبة خرجت من يد أمة غالبة ظافرة منها بالتدريب على الحكم الذاتي الكامل، ولا قال ~~التاريخ إن أمة فقدت حواسها وهي مقهورة حتى لم يوقظها القهر إلى ما تجهل مما يجب أن ~~يكون لها، كل الأمم التي وعاها صدر التاريخ وكانت مغلوبة شعرت في غلبتها بأن الغالب ~~سلط عليها بحكمه وأن سبيل نجاتها أن تحكم نفسها، وكان هذا الشعور مفتاح باب التفكير ~~في الحكم الأصلح، أليس ذلك كافيا لإثبات أهليتها لأن تكون لنفسها، وأن تعيش لنفسها، ~~وأن تنفصل عمن عداها لتنال الحق الطبيعي، وهو أن تبقى للوطن ويبقى الوطن لها؟ # متى علم الرومانيون والدانماركيون الشعب الإنكليزي أن يحكم نفسه بنفسه؟ ومتى علم ~~الإنكليز الأمريكيين أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؟ ومتى تلقى البولونيون والفنلنديون ~~والقوقازيون وشعوب الملايا وغيرهم دروس الحكم الذاتي عن قياصرة روسية؟ ومتى وعت شعوب ~~أمريكا آيات هذا الحكم عن الإسبانيين؟ بل متى طلعت شمس الحرية في فرنسة بإرادة الغالبين ~~الذين تلقفتها أيديهم جيلا بعد جيل؟ # التاريخ تجارب صادقة إن لم يكن قواعد تبنى عليها الأحكام الصحيحة، وإلى جانب ~~التاريخ الطبائع المكسوبة والتقاليد الموروثة، ولا ينكر حكم هذه الأقضية الثابتة إلا ذو ~~غاية يمقتها العدل، أو جهل يبرأ منه العلم، أو عقل أعمى لا يبصر الحقائق. # والتاريخ يشهد أن مصر كانت لنفسها مستقلة أكثر ما عاشت من عمر الدهر، وكانت لها تجارب ~~في حكم الشورى أكثر ما رأت من الأحكام في حياتها، وكانت تقاليدها الشورية متصلة الحلقات ~~بماضيها البعيد وعهدها الحاضر، فإن لم يقتنع المعاندون بشهادة التاريخ فليقتنعوا بدلالة ~~التجربة، وإم لم يقتنعوا بهذه فليقتنعوا بآثار الملكة النفسية التي استلزمتها التقاليد ~~الموروثة، وإن لم يقتنعوا بهذه أيضا فلا أقنع المعاند إلا الله. # ليست سطور التاريخ هي التي ms19 شهدت وحدها بأن مصر كانت في أقدم أيامها شورية على أكمل ~~مثال، بل شهدت الآثار الناطقة بذلك أيضا؛ فقد صح أن قصر «لابيرنت» الذي كان في إقليم ~~الفيوم وكان مؤلفا من ثلاث آلاف غرفة لم يكن إلا الدار التي يجتمع فيها «مجلس ~~الأعيان» للنظر في شئون البلاد كافة، ولما دخل الإسلام مصر دخل وفي يمينه علم الشورى ~~فقضى أن تكون سبيل حكم الناس. وبقيت مصر إسلامية تقرأ كتابها الكريم وتعي أحكام شريعتها ~~القويمة، ولم تنسخ آية الشورى من كتابها، ولا رفعت أحكامها من شريعتها، وإذا كانت ~~الأديان تطبع النفوس على غرارها، وتستجد لها كيفيات وملكات لم تكن من قبل؛ وجب أن ~~تقضي الضرورة أن الدين الإسلامي أكسب المصريين ملكة الحكم الذاتي وطبع نفوسهم عليها، ~~هذا أهون الحكمين، أما الحكم العظيم الذي جاء به الإسلام فهو أمره لأهله أن يكونوا ~~أولياء أنفسهم صونا لهم من عسف الغريب، وحرصا على ريحهم أن تذهب فيعيشوا أذلاء ~~مقهورين. # يتصل عهد مصر اليوم بأول عهدها بالإسلام، فهي لا تزال إسلامية، وقبل ذلك كانت متصلة ~~بعهد المجد العظيم أيام كانت سيدة العالم، ومفيضة الحياة على الأكوان، ومعلمة الشعوب أن ~~الحكم الذاتي حق لكل شعب حين كان قصر «لابيرنت» مقر شوراها، والآن فعهدها بالحكم الذاتي ~~في أمثلته الحديثة ليس بعيدا. # كان لمصر لعهد محمد علي «مجلس المشاورة الملكي» و«المجلس المخصوص» وهو بمثابة مجلس ~~الوزراء، وكان لها «مجلس نواب» لعهدي إسماعيل وتوفيق، وكان لها «مجلس الشورى» و«الجمعية ~~العمومية» حتى استعيض عنهما بالجمعية التشريعية، وكانت لها مجالس المديريات التي لم تزل ~~باقية، وقد لقي مجلسا النواب ومجلس الشورى والجمعية العمومية من تصاريف السياسة ما ~~لقيت، فإن الأولين قتلا في مهدهما، والأخيرين عاشا يجزيان على الإحسان بالإساءة ~~وعلى الإساءة بالإحسان، كانت كل حجة تصدر منهما على أن الأمة خليقة بالحكم الذاتي ~~الكامل تعد ذنبا يستحقان عليه عقوبة الطعن ونقصا يتخذ دليلا على عكس ~~المطلوب. # 1 # هكذا وقفت السياسة للأمة هذا الموقف الغريب، وكان المنصفون يسخرون من هذا الموقف أكثر ~~مما ms20 يعترضون عليه؛ لأنه كان موقف الرجل يقيم نفسه وليا على آخر فيضمر له ما شاء هواه ~~ثم يعجز عن أن يستقيم على الصدق فيما يقول ويفعل. # لم يخلق الله أمة - منذ خلق الدنيا - لتعلم أمة أخرى كيف تحكم نفسها بنفسها، ~~وما خرجت أمة قط من يد أمة أخرى وفي يدها إجازة هذا الحكم بعد أن تكون قد نالتها ~~بالامتحان، ولكن الذي وجد وقامت عليه شواهد الحس والعلم والتاريخ أن الشعوب تخرج من ~~أيدي غالبيها كما يخرج المريض من فراش المرض ولا تكون قد شفاها دواء من مرضها، بل تكون ~~هي قد علمت الدواء وعلمت أنه محرم عليها فشرعت تطلبه لتستطب به. # إن الأمة التي يقال إنها عليلة تحتاج إلى المعالجة بيد أمة صحيحة ليست بين الأمم التي ~~تعمر الأرض، تلك أمة ضربت في المجاهل مع الوحوش فلها فطرة وحشية، فحاجتها قبل كل شيء أن ~~تستأنس وتراض على طبائع الإنسان، ومثل هذه الأمة لا حيلة في أن تتسلط عليها ~~أمة أخرى، لا حيلة في ذلك ولا واقي لها من أن تبلغ بها غاية المتسلط القاهر وهي الإدماج ~~والتسخير. # يقول المستر لويد جورج: ~~«إنه لا يمكن قط أن تقوم حكومة حسنة مقام حكومة أهلية». # هذا القول حسن، معناه أنه لا بد أن تكون الحكومة التي تقوم مقام الحكومة الأهلية ~~حكومة غير حسنة أي قبيحة. # فهل من إنصاف الحق أن يكون العمل بهذه القضية في مكان دون مكان؟ تلك إحدى ~~عجائبهم! # | هوامش # الفصل الرابع # | روح الأمة # «إن الأمم التي بلغت فيها همة الإنسان منتهاها هي ملجأ الحياة الأدبية الصحيحة ~~حيث تثبت الأخلاق وتبقى المحامد» # إدمون دي مولان # هناك مقياس للحياة غير الثروة والعلم والنشاط في طلبهما، وهذا المقياس هو روح ~~الأمة. # إن المصباح يرسل نوره ضعيفا أو قويا، ولكن العين توحي لصاحبها سبب ضعفه وقوته، ~~توحي له أنها ترى شيئا مكنونا هو زيت المصباح، وأنه يضيء على قدره، فلو أن أمة كانت ~~أمينة على خزائن الأرض، قائمة على بيوت الحكمة والعلم، ثم لم ms21 يكن روحها ذا نور ساطع يدل ~~الناس عليهما لما أغناها العلم والمال أن تلتمس وسيلة يرى الناس في مرآتها جمال ~~الكرامة، وجلال الإباء وعزة النفس، وعظمة الرأي والعمل. وإن مكان الأمة المصرية من هذه ~~المنزلة ليس منكورا، فهو في مثل ضوء الشمس وضوحا والعالم المبصر لا ينكر ما ينكره ~~الأعمى. # مضى عهد غير قصير وقفت فيه مصر موقف السلم الظاهر، ولكنها طوت هذا الزمن كله تحارب ~~الحوادث وتنازل الأيام، ولم تتقلد سلاحا إلا بقية عزم صادق وأنفة صحيحة ويقظة دائمة ~~وعقل يكشف لها عن أفانين الخطط التي يبتدعها الدهر. ولا يقول أحد إن مصر المجاهدة خرجت ~~مقهورة في معركة من معاركها السلمية الدائمة؛ ذلك بأن روحها سليم لم تمرضه الأيام، طاهر ~~لم تدنسه الحوادث، مصقول الجوهر، ينتفع بما يضر، ويهتدي بما يضل. # ما كانت الأمة المصرية قبل العهد الأخير مخلوقات صورية تقبل كل روح ينفخ فيها، ولكنها ~~كانت شعبا تام الخلق، نامي الجسد والروح، ممتازا بخصائصه ومقوماته، كانت شعبا ~~مدركا أين هو من الوجود وأين يستحق أن يكون موقفه بين الشعوب، وكان لا بد لهذه الأمة ~~أن تكون كذلك؛ إذ لم تجهل من تاريخها القديم أن لها على العالم حق الأستاذ على التلميذ، ~~فلا أقل من أن تنال المساواة لغيرها وفاء ببعض هذا الحق، ولا جهلت من تاريخها الحديث ~~أنها تعلمت حتى جعلت تزاحم غيرها، وأثرت حتى جعلت تبلغ الأقطار القاصية بتجارتها ~~وغلاتها ومصنوعاتها، وقويت حتى أخضعت الأشداء وأخافت الأقوياء. # قال المسيو «تييرس» وزير خارجية فرنسا في كتاب إلى المسيو «جيزو» سفير فرنسا في ~~لندن: ~~«إن الباشا - محمد علي - قادر أن يشعل نار الحرب لأي تهديد يقع، أو حصار يحدث، أو ~~أي عمل آخر، فخذ حذرك من ذلك، وأيقن أن محمد علي يجتاز جبال طوروس، ويلقي أوربا في ~~هاوية الخطر إذا هوجمت الإسكندرية أو أية جهة من جهات القطر المصري الهائجة أو التي ~~توشك أن تهيج». # مصر التي لم تجهل هذه الصفحة من تاريخها الحديث لا تقذف إلى الضعة والهوان ms22 إلا ~~أرجعتها خصائصها إلى الرفعة والشرف؛ فإن بينها وبينهما ذمة مرعية ونسبا ~~محفوظا. # جوهرة الأكوان، مصر التي على شاطئ البحر الأبيض، التي عشقها الفرس والرومان والعرب، ~~لم تزل دار الغريب وملجأه لا يجد في الدنيا غيرها بديلا من وطنه، ولا يجد في الأقطار ~~صدرا رحبا، وحضانة بارة كصدرها وحضانتها، مصر هذه تعلم أن لها هذه المنزلة عند الناس ~~فتعلم أن تربتها ذهبية، ونيلها نمير، وأفقها صحو، وشمسها مترفقة. تعلم أن في هوائها ~~شفاء السقم، وفي أخلاقها عزاء الغريب، وأن الذكاء والألفة والثبات والصبر صفات مخلوقة ~~في أبنائها مكسوبة في غيرهم، وقد جعلتها هذه الخصال وطنا يلوذ به من لا وطن له، وكانت ~~كذلك منذ أقدم أيام التاريخ، أفلا تكتسب مصر من جيرانها ومن الوافدين عليها قدرة على ~~تناول الحسن من آرائهم وفعالهم. # نهض «محمد علي» بمصر منذ قرن وربع قرن، ويوم تحرك بنهضتها استقدم العلماء من أوربا ~~مستعينا بهم على ما يبغي، ولم يبن محمد علي لهؤلاء العلماء الذين استقدمهم بروجا ~~يعيشون فيها، ولكنه خلطهم بالأمة، وهم كانوا أوعية علم وخزائن فضل وأمثلة لمحاسن ~~الأخلاق، فهل كان المصريون يومئذ مخلوقين بغير أعين تبصر وآذان تسمع وقلوب تعي؟ أو ~~كانت لهم أعين وآذان وقلوب فانتفعوا بسيرة أولئك الرجال وأضافوا جديد منفعتهم إلى قديم ~~المجد الذي ورثوه عن آبائهم؟ على أن هؤلاء الرجال كانوا بين الأمة أساتذة معلمين، فيكف ~~لا تصقل روحها بصقال العلم الذي أفاضوه عليها، والعمل الذي دربوها عليه؟ وما زال شأن ~~الولاة بعد ذلك كشأن محمد علي، وكان إلى جانب هؤلاء العلماء أهل النشاط والفضل من ~~الأجناس الوافدة على مصر، تتكاتف وإياها على خدمة الوطن الذي تناسل فيه المصريون، والذي ~~رحب صدره لغيرهم فكان لكل غريب وطنا ثانيا أعز عليه من وطنه الأول. # رأت مصر هؤلاء جميعا، ووقفت على ما عندهم من الرأي في الحياة والعمل للسعادة، ونظرت ~~في كتب العلماء وتاريخ الأمم ونهضات الشعوب، وأدركت ما لها من أسباب وعلل، ثم عادت ~~تقارن ذلك بماضيها فإذا هو صورة ms23 منه، فلما شرعت تقارنه بحاضرها هالها بعد المسافة ~~بينهما، على حين أن صفاتها خليقة باتحاد الصورتين، ومنزلتها من الرقي حرية أن تكون ~~بين منازل الأعزاء. # رزقت الأمة روحا سليم التكوين رفيع المكانة كامل الخلق، فكان لها حصنا يرد عنها ~~عادية الزمن، وقوة تصرع الأيام كلما أغارت عليها فترجع مخذولة خزيانة، فروح الأمة ~~المصرية هو الذي أبقاها إلى اليوم فلم تنل منها حيل الأيام شيئا، وهو الذي صان وحدتها ~~فلم تصل إليها يد التمزيق، هو الذي أيقظ فؤادها فلم تنصب لها حبالة إلا تبينت موضعها ~~وقطعت خيوطها. # أكان ينتظر من أمة استأثرت بالذكر الأسمى من جميل ما أسدى المصريون والعرب للمدنية ~~فضربت بسهم وافر فيما أخرجت للعالم مدنية القرن التاسع عشر والقرن العشرين، أن تحمل بين ~~جنبيها روحا متخاذلا، لا يثبت به موقفها أمام الأعاصير والزعازع؟ # يؤثر عن «إدمون دي مولان» قوله: ~~«إن الأمم التي بلغت فيها همة الإنسان منتهاها هي ملجأ الحياة الأدبية الصحيحة ~~حيث تثبت الأخلاق وتبقى المحامد». # وقد شهد الله أن الأمة المصرية إحدى هذه الأمم؛ فإن مبلغ همة إنسانها أن غالب الأيام ~~فغلبها وصادم الحوادث فصدمها على كثرة إلحاحها ودوام انصبابها، ومن سوى هذه الأمة خليق ~~أن يكون ملجأ الحياة الصحيحة؟ وهل يضيرها أن أصابتها المدنية السياسية برشاش الفساد؟ ~~هبها كذلك، ففي الباطن جوهر نقي طاهر. # إن الله شهيد، لئن لم يسلم الناس أن هذه الأمة كذلك فلا كانت كذلك أمة أخرى، وإنها ~~إذن لبدعة تستحق النظر فهل من متعظ؟ # الفصل الخامس # | القومية واللغة # «إن القضاء على لغة أمة قضاء على قوميتها» # ماكس نوردو # إذا صورت القومية جسدا فاللغة روحها، وإذا انفصل الروح عن الجسد فارقته ~~الحياة. # وقد صدقت شواهد التاريخ، ولم يكذب نذيره للناس ألا يناموا عن لغتهم خشية أن تفنى ~~فتفنى قوميتهم معها، في التاريخ شواهد الصدق، فهو يقول: إن أول ما يكون هلاك اللغة أن ~~يتخللها دخيل لغة أخرى، فيحمل معه إلى نفوس أهلها طبائعا غير طبائعهم، وعادات غير ~~عاداتهم، وآدابا غير آدابهم، تمكنها ms24 منها تلك الألفاظ السهلة السيالة التي تخالط لغتهم ~~الأهلية، وكلما قوي هذا الدخيل انبسطت به الألسنة، واعتادت معانيه الأذهان، فتنقبض ~~اللغة الأهلية شيئا فشيئا، ثم تذوب أمام غلبته، وهنالك تودع الأمة قوميتها وتقابل ~~قومية جديدة لا تبصر فيها تاريخا خاصا، ولا خلقا خاصا ، ولا وطنية خاصة. # أين قوميات الأمم القديمة والحديثة التي هضمت لغتها معدات اللغات الزاحفة عليها؟ ~~أين قومية هنود أمريكا وأهل المستعمرات الأوربية من وسط أفريقيا؟ وأين قومية «المغاربة» ~~من أبناء «زنانة» و«كتامة» وورثة «القرطاجيين»؟ وأين قومية غير هؤلاء ممن كانوا قديما ~~وحديثا أصحاب وطن عزيز الجانب ووطنية ناهضة الجناح؟ لقد هضمتها أيدي الغالبين حين هضمت ~~لغاتهم لغاتها، وإنك لتحتال بكل حيلة لترى خيط الصلة بين من يسكنون تلك البقاع اليوم ~~وبين آبائهم الأولين، فلا ترى ذلك الخيط؛ لأنهم كانوا أمما روحها اللغة فانتسخت لغاتهم ~~فمسخوا أمما أخرى. ثم بادت لغاتهم الجديدة فمسخوا مرة ثانية، هكذا يروي التاريخ ~~وتصدق روايته، وإنه ليحدثنا أيضا أن الفاتحين إنما يغلبون الأمم ويخضعونها بسلاحين: ~~اللغة والسيف. # أصبحت اللغة العربية لغة مصر، ومضت عليها القرون الطويلة فصارت وعاء لآداب الأمة ~~وعاداتها وأخلاقها وتاريخها، وصارت قوام شخصيتها ومساك جنسها وصارت لسانها في التأليف ~~والكتابة والمخاطبة، وفي كل حاجة للغة فيها وساطة، ولعل اللغة العربية أقوى اللغات على ~~الذيوع وبسطة السلطان، وأقدرها على الثبات والظفر بالفوز على أحداث الزمن، أما قوتها ~~على الذيوع فلأنها لغة دين بجانب أنها لغة قومية، ولغة الدين لا تحتاج إلى شيء يعينها ~~على إخضاع غيرها من اللغات متى أقبلت النفس على هذا الدين، وأما أنها قادرة على ~~الثبات فلأن لها من بقاء القرآن آخر الدهر نصيرا شديد البأس بجانب القومية وهي النصير ~~العام، وإنك لتدرك مقدار أثر الدين في حفظ اللغة العربية إذا سمعت هذه الدعوى ~~المقلوبة: # قال اللورد دفرين في تقرير خاص بالتعليم في مصر وضعه سنة 1882: ~~«وأخال أن أمل التقدم ضعيف ما دامت العام تتعلم اللغة العربية الفصحى التي هي لغة ~~القرآن». # على رغم أن للأمة المصرية من ms25 لغتها تلك القوة وهذا الثبات، فقد وجدت هذه اللغة في ~~وطنها خلال ثلث القرن الأخير ما لا يجده الخصم من خصمه، ولكن الأمة لم تكن تخضع لما ~~يفسد عليها لغتها ثم ينتهي بفنائها، بل كان كل سهم يرمى به القلب اللغة يجد دواء عاجلا ~~يرد عليها العافية أكثر مما كانت، ويعيد إليها البهجة أعظم مما فقدت، ويزيدها تمكينا، ~~ويزيد نهضتها صعودا، وسوقها رواجا، ولا ريب أن لغة الأمة تمشي الآن بين صفوف من ~~الجلال لم تكن تمشي بينها من قبل. # ظهرت مخاصمة اللغة الوطنية في دور الحكومة فأغفل أمرها في المخاطبات ووضع التقارير ~~وتأليف القوانين واللوائح، ولم يبق لها ظل إلا فيما لا بد منه لإبلاغ الأمة ما تريد ~~الحكومة أن تبلغها من أعمالها، والحكومة مصرية والوطن مصري، واللغة العربية لغة الحكومة ~~الرسمية الوطنية، ولغة الوطن التي لا عوض عنها، ولكن حكومتنا عاشت ثلث قرن تقابل لغتها ~~الرسمية بوجه عابس، وتصافحها بيد مقبوضة، كانت الحكومة تعدل عن لسانها الرسمي إلى لسان ~~آخر أجنبي، ولا نعرف حكومة وطنية لها لغة خاصة تفعل ذلك إلا حكومتنا. # القوانين توضع أعجمية، وتبحث بلسان أعجمي، ويقضى بتنفيذها وطاعتها، وبعد ذلك تترجم ~~بلغة الأمة. فإذا سألت: لماذا يكون ذلك؟ فلا تجد جوابا إلا أن هناك لغة غريبة يراد أن ~~تكون أصلا واللغة الرسمية فرعا، أو رأسا واللغة الوطنية ذيلا، وإذا سألت: لماذا لا ~~يعرف الموظفون الأجانب لغة البلاد لأنهم المحتاجون إلى الوظائف ولأنهم موظفون في حكومة ~~البلاد؟ فلا تجد جوابا إلا أنهم أرادوا عكس الآية وكفى. # وظهرت مخاصمة اللغة العربية في التعليم منذ سنة 1891، فقد كانت اللغة العربية لسان ~~التعليم في المدارس كلها، وفي هذه السنة دخلت اللغة الأجنبية المدارس الابتدائية، ~~وجعلت لسان التعليم في دراسة علمي الأشياء والجغرافيا، وفي سنة 1892 دخلت المدارس ~~الثانوية وجعلت لسان التعليم في دراسة العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا، ولما جاءت ~~سنة 1897 لم يكن للغتنا أثر في التعليم بهذه المدارس. # وإذا كان يشفع في هذا أن إهمال اللغة في الدرجتين ms26 الأوليين من درجات التعليم لا ~~يضيرها كثيرا لأن حضانة الأسر لأبنائها كفيلة بحفظها؛ فإنا ننكر أن إشراب النفوس ~~الناشئة لغة أخرى منذ الحداثة، لا ينزل هذه اللغة من نفوسهم في المكان الذي يجب أن ~~تنزله لغتهم القومية، على أن سياسة التعليم التي رأت أن تنسخ ظل اللغة العربية من ~~التعليم الابتدائي لتنزع جذورها من الصدور نسخت ظلها من التعليم العالي أيضا، والنتيجة ~~المقصودة أن تبقى اللغة بعيدة عن المنهج العلمي فلا تكون لغة علم كما لا تكون لغة ~~قومية. # كانت لغة الأمة لسان التعليم في مدرسة الطب إلى سنة 1897، ثم أغارت عليها اللغة ~~الأجنبية في تلك السنة، كانت لغة البلاد لغة التعليم كله في صغريات المدارس وكبرياتها، ~~فرأينا وقتا طردت فيه لغتنا من مدارسنا كافة، ولولا أن الأمة شديدة الغيرة على ~~قوميتها فهي شديدتها على لغتها، لما عادت اللغة العربية لسانا للتعليم في بعض ~~المدارس. # ومن عجيب ما حدث أن التقرير الذي وضعته لجنة التجارة والصناعة بيانا لنتيجة عملها ~~وضع بلغة أجنبية ثم ترجم إلى العربية، وكان هذا أيضا شأن لجنة التعليم الأولي ~~في تقريرها، وهو شأن كل لجنة تؤلفها الحكومة المصرية لتؤدي عملا. # أما موقف الأمة فيدل على جلاله هذا الفخر الذي وعاه صدر الأيام، والذي استحقته بفضل ~~الغيرة الدائمة على لغتها والجهاد الدائم لنصرتها، وقد ذاعت الصحف الوطنية فأدت ~~نصيبا غير قليل في خدمة اللغة، هذبت الأساليب، وأدتها إلى الأفهام مستقيمة، ونثرت ~~المفردات الفصيحة؛ فوعتها الأذهان وظهرت في التفاهم كتابة ومخاطبة، ومن جميل ما فعلته ~~الصحف الوطنية أن طهرت الأساليب من الألفاظ الفاسدة والتراكيب السقيمة والكلمات التي ~~ينفر منها الذوق، مما دخل به المتمصرون على هذه البلاد. # أما الأدب والتأليف فالفخر بهما عظيم، وإنك لتعد الجم من الشعراء المطبوعين على سلامة ~~الذوق وتجويد اللفظ والمعنى، والكتاب المنشئين ممن يمتعك بيانهم، ويطربك حريف أقلامهم، ~~وإنك لتستقبل كل يوم مؤلفا جديدا أقل ما فيه من الخير أن به من مفردات اللغة ما يدل ~~على مستحدث المعاني ومستجد الأشياء. # هذه غيرة ms27 الأمة على لغتها، وهذا جهادها في سبيل نصرتها، فهل يضيرها بعد ذلك أن تبقى ~~مخذولة بين جدران الدور الحكومية؟ هل يضيرها ألا يرسم بها شيء، وأن توضع أسفل من ~~غيرها في كل ورقة أو بطاقة، وأن يجري بها القلم الحكومي سقيما عليلا، لا ينتسب إلى ~~العربية أكثر مما ينتسب إلى الأعجمية؟ # إن الذي يرى كتابا أو منشورا خارجا من إحدى دور الحكومة لا يرى فيه حكومة مصر في ~~هذا القرن، بل يراها في قرن الاختلاط، فلغتها قبطية لا تنسب إلى عرب ولا إلى ~~عجم. # راجت سوق اللغة وأرغمت أنف البغي، ولا سبيل إلى القضاء على قومية أمة إلا أن يقضى ~~على لغتها، قال «ماكس نوردو» الألماني: ~~«إن القضاء على لغة أمة قضاء على قوميتها». # أما قومية الأمة المصرية فمحال أن يقضى عليها لأن لها لغة أبدية الحياة، فالطمع في ~~ذلك سقطة من سقطات العقل! # الفصل السادس # | الرقي الاقتصادي # «إنا لو رجعنا البصر إلى أبعد الأزمان التي يحدثنا عنها التاريخ؛ لوجدنا أن قدماء ~~المصريين كانوا عائشين في ظل حكومة كاملة النظام، يتنعمون بمزايا حضارة لا تدانيها ~~حضارة سواها» # لجنة التجارة والصناعة # يحسن بنا قبل الكلام فيما بلغته الأمة من الرقي الاقتصادي خلال ثلث القرن الأخير، ~~وقبل النظر في أسباب هذا الرقي ومآخذه، أن نقف قليلا على طلل الماضي نندب فوق قبره ~~مجدا فنيت معاهده، ولم تفن آياته وشواهده. # لنسأل الطلل الدارس: أين الدفائن من أرض مصر تخرجها همة تحشد العلم جيشا وتسوق الدهر ~~خادما؟ وأين السفائن من بحار مصر تغادرها موقرة بالمتاجر مما أنبتت التربة الذهبية، ~~وما أبدعت اليد الصانعة، فتروح بفضل الإحسان للناس بما تحمله إليهم، وتغدو بربح المال ~~لأهلها والثناء على بنيها؟ وأين الحياة الصاعدة إلى منزلة النجم إدراكا لغاية الرقي في ~~كل ضرب من ضروبه؟ أين الزراعة فياضة الغلات، والصناعة باهرة الآيات، والعلم شجرة أصلها ~~في مصر، وظلها في كل مكان؟ # أين هذا كله؟ بل أين مصر ألتي رآها صاحبها وليس في الدنيا قطر يدانيها، ولا في الأرض ms28 ~~رقعة تفضلها، فحسب أن ملكها لا ينبغي لغير إله، ووجد ذلك الإله في نفسه فقال محتجا: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري ~~من تحتي # أين مصر التي أرادها «يوسف» حين قال لصاحبها: # اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ ~~عليم # وأين مصر التي صدق ابن العاص في وصفها حين قال: «إنها زمردة ~~خضراء»؟ # طوي الكتاب وجف القلم، وبقيت عيون السماء شاخصة ترى كيف يتغير الإنسان ولا يتغير ~~المكان، وبقي النيل جاريا ينظر كيف تتبدل ألوان الخلائق ولا يتبدل لونه الفضي، ولكنها ~~أمة لا تبكي الماضي لتجلس على قبره حتى تهلك، وإنما تبكيه لتذكره فتنتفع، وتتمثل جلاله ~~فتتعظ. # كانت مصر منذ أقدم تاريخها كأعظم ما تكون أمة في رقيها الاقتصادي، نقول كانت كذلك من ~~قبل لأنها هوت في أيامها الأخيرة من منزلة رقيها العظيم، ولكن الأبرار من أبنائها ~~تداركوها فجعلوا يقيلون عثرتها فلا ينالهم كلال ولا ملل كلما دكوا عقبة فوجدوا بعدها ~~عقبات، تلك حقيقة لا عناء في الاقتناع بها، فمصر تقول إن صناعتها وتجارتها وزراعتها ~~بارت أشد البوار، وهي حين تقول ذلك تأمن كل اعتراض من جانب اليد التي قامت على منافس ~~الحياة الاقتصادية، فقد جاءت هذه اليد في الزمن الأخير تعترف بأن مصر الاقتصادية لا ~~تتنفس أنفاس الحياة، ولا تنبض نبض الصحة، وكان هذا الاعتراف عملا لا قولا، والعمل لا ~~يكذب إذا جاز أن يكذب القول. # نسمع الآن كما كنا نسمع قبل الآن أن الأمة المصرية مغمورة بفضل الإصلاح الذي تم في ~~ثلث القرن الأخير، فعلينا أن نعرف هذا الجميل لأهله، نعم الأمة المصرية أكرم الأمم ~~أخلاقا وأكثرها سماحة، فهي تعرف الجميل إذا رأته في موضعه أو رأت أنها مقصودة به أو ~~ببعضه وإن لم يقع في موضعه، أما لسان الحكومة فينطق بأن هذا الجميل لم يكن ولم يحصل، ~~فمن الغبن أن تكلف الأمة معرفته، وتعنف على إنكاره، أو يقال إنها جحدته. # أتدرون ماذا يقول لسان الحكومة؟ إنكم تسمعونه في المذكرة التي وضعتها وزارة المعارف ~~المصرية لتطلب إلغاء الشهادة ms29 الابتدائية من مجلس الوزراء، وتسمعونه في الأمر الحكومي ~~الذي قضى بتأليف «لجنة التجارة والصناعة»، وفي الأمر الذي قضى بتأليف «لجنة تعميم ~~التعليم الأولي»، وفي الأمر الذي قضى بتأليف «مجلس التجارة الزراعية»، إنكم تسمعون هذا ~~اللسان في هذه الصور الحكومية المسجلة؛ فإن وزارة المعارف لم تفتقر إلى الشجاعة الأدبية ~~ساعة سجلت على نفسها في مذكرتها أن التجربة دلت على فساد التعليم الابتدائي وعدم ~~جدواه، ولم تأنف السلطة الفعالة أن يشهد الأمر الخاص بلجنة التجارة والصناعة أن صناعة ~~مصر وتجارتها طويتا فأريد نشرهما في الزمن الأخير، ولم تخش أن يعجب الناس حين ~~يسمعون أنها تحركت بعد الجمود الطويل لتنشئ «جامعة أميرية» فلم تكن هذه الجامعة أكثر من ~~ضم المدارس العالية وراء سور واحد، ولم تعبأ بالغرابة التي تفيض بها دعوى إصلاح التعليم ~~بالهيكل العظمي الذي خلق للتعليم الأولي، ولم تأبه للدهشة التي تملك النفوس حين ترى ~~ألفاظ العناية بالتجارة الزراعية مسموعة الآن فقط. # هذا هو لسان الحكومة في مذكراتها وأوامرها، وهو فصيح في الاعتراف بأن التعليم ~~والزراعة والتجارة والصناعة لبثت مرتكسة في هاوية من الإهمال ليس في قرارها إلا الفناء ~~حتى أيقظت الحاجة الوقتية العيون المغمضة فانفتحت بالنظر، النظر الذي لا يتجاوز الإشارة ~~والكلام، على أن هذه الأشياء كانت أثناء تأجج الحرب يوم كان السكون ألزم الأشياء ~~للمتحاربين، والآن فأين هي؟ وما خبرها، اللهم لا أثر ولا خبر، ولعل كل شيء عاد إلى ~~أصله! # الزراعة # ماذا بلغت زراعة مصر من الرقي؟ إن الرقي الذي تضاف إلى الحكومة أسبابه وآثاره ~~يقاس بمقياس العدم فهو لا شيء. أستغفر الله، فإن هناك شيئا عظيما رجعت أسبابه ~~وآثاره إلى النظام الذي ابتلع الأموال العظيمة، هذا الشيء اسمه خيبة الآمال وفساد ~~الأعمال، وله شاهد موجود ناطق، هو طرق الري التي أثبت الفنيون فسادها يوم كانت ~~نظرية لم يجربها العمل، والتي أثبتت التجربة القاسية ما قاله الفنيون فيها، والتي ~~لم تزل باقية إلى الآن. # أما أصل التفكير في الحاجة إلى نظام الري الحديث، ففضله راجع إلى محمد علي ms30 ورجال ~~عهده، ولم يزل عمله في تحقيقه ناطق الآثار، بل أشار «السير ولكوكس» بالرجوع إلى ~~الطرق التي وضعها محمد علي للري، وهي إشارة معناها أن المصلحين في هذه الأيام لم ~~يعرفوا كيف ينظرون بعين ذلك المصلح الكبير، فرضوا لأنفسهم أن يتقهقروا إلى الوراء ~~قرنا وربع قرن ليلتمسوا فضله في الإصلاح. # لم تزل الحياة الزراعية جامدة كأن لم تمر بها الأعوام الطويلة، فإذا لم يكن الري ~~قد صلح بما فعله به فإن الأرض لم تر بذرا جديدا غير ما تعرف من البذور، وهذه ~~البذور القديمة لم تجد عناية لتجويد نوعها، بل وجدت نقيض ذلك إهمالا أصاب بعضها ~~بالرداءة وبعضها الآخر بالانحطاط بجانب مثله من بذور الأمم الأخرى، وهل تفتقر هذه ~~الحقيقة إلى برهان بعد أن رأينا مصيبة القطن بانحطاط درجته، وبعد أن شاهدنا غفلة ~~الحكومة عنه، فلا هي رفعت من هذا الانحطاط بتوليد الأنواع الجيدة، ولا هي دعت ~~الزراع إلى ذلك وحببت إليهم العمل بحسن الجزاء، إنما كانت دلائل العناية أن ~~انصرفوا بكل قوتهم إلى السودان يستنبتونه قطنا يرتفع على القطن المصري ويحتجزون له ~~النيل ليرى نبات مصر وفلاحها أمرا جللا لم يريانه من قبل. # إن الأثر الملموس هو أن محصول القطن زاد في جملته لأن الفلاح زاد الأرض التي ~~يزرعها قطنا ونقص في مقداره الجزئي، فقد أصبح متوسط محصول الفدان الواحد ثلاثة ~~قناطير وكان قبل سنة 1900 نحو ستة قناطير، وما كان لهذا النقص من علة إلا أن الأرض ~~ضعفت بكثرة تداولها في زراعة القطن لكثرة ما تطلبه المصانع الإنكليزية وغيرها منه، ~~وإن نظام الري ملأ بطن الأرض ماء ولم يقم بجانبه نظام الصرف ففسدت تربتها. # أما محصول الغلال فإليك ما قالته لجنة التجارة والصناعة فيه: ~~«إن محصول الغلال المصرية لم يزل على ما كان عليه منذ قرن خلافا للبلدان ~~الكبرى الزراعية فإن محصولاتها تضاعفت وذلك بفضل الأساليب الزراعية ~~الحديثة». # هذا هو الأثر الملموس، وهو الجميل الذي أسدي لمصر فما أعظمه! وما أثقله على ~~رقبتها! وما أوجب عليها أن تعرفه ms31 فلا تنكره أبد الدهر! أليس كذلك؟ # إن للإصلاح مواقيت لا تنقطع عن أمة ما دامت حاجاتها في الحياة متجددة، والإصلاح ~~ليس كلاما يقال ويذاع، ولكنه عمل، فلماذا لم نره في مواقيته؟! # الفصل السابع # | الصناعة # «إن مصر غدت مهد حضارة هي من أغنى الحضارات القديمة وأمجدها ، كما أنه بسبب ~~التقصير في الانتفاع بالمزايا الطبيعية قدر لهذه البلاد ألا تبلغ درجة الرقي ~~والرخاء التي كانت جديرة بها» # لجنة التجارة الصناعة # ما كانت البلاد المصرية في أي عهد من عهود الحضارة في منزلة تهبط عن الدرجة الأولى ~~بين غيرها من البلاد جميعا، اللهم إلا هذا العهد فقد هبطت حتى أصبحت سفلا، وتأخرت حتى ~~صارت ذيلا. # ومصر مخلوقة لتسكنها أمة تمشي أمام الأمم وفي يدها لواء الحضارة؛ فإن بها من الخصائص ~~الطبيعية والمزايا الكونية ما ليس بغيرها، وإذا كانت للحضارة مقومات من ظواهر الطبيعة ~~في الأرض والهواء والماء والجو والإنسان، فهذه المقومات وفيرة على أكملها في مصر، حتى ~~كأنها اختصت بها دون سواها، ولكن العهد الذي احتواه ثلث القرن الأخير جعل مصر في ذيل ~~الناس؛ لأنه أهمل كل هبة أنعمت بها الطبيعة على مصر، فكان من الضروري أن تكون نتيجة ~~الإهمال غروب شمس الحضارة المصرية واقتحامها سبيل الحياة في لجة من الظلام الدامس، ~~على أن الأمة لم تعجز عن أي توري همتها فتقدح شررا تستضيء به. # ادخل أية مدينة مصرية، وانظر هل تقف عينك منها على شيء أبدع من آثار الصناعة ~~القديمة، افتح أي كتاب في تاريخ مصر القديم والحديث، وانظر هل تقرأ إلا شهادات تنطق بأن ~~الصناعة المصرية كانت في العهد القديم أيام الفراعنة، وفي العهد المتوسط أيام الفاطميين ~~وغيرهم من الولاة والأمراء المسلمين، وفي العهد الذي بدأت فيه النهضة الحديثة أيام محمد ~~علي وخلفائه من بعده؛ في منزلة من الرقي والإبداع والجودة ودقة الذوق لم تبلغها منزلة ~~الصناعة في أمة أخرى حتى في هذه الأيام؟ فإذا رأيت ما تبصر عينك وقرأت ما يشهد به ~~التاريخ فسل: لماذا وقفت صناعة مصر منذ ابتداء ms32 العهد الأخير موقف الجمود، ثم تحدرت ~~على درج الانحطاط والفناء حتى عفا أثرها، وانقطع خبرها؟ # وحيثما كانت الأمة ناهضة لتقف بين صفوف الأمم في الموقف الذي تقتضيه الحياة الكريمة، ~~وجب أن تحمل نصيبا عظيما من العمل لهذا الموقف، كذلك كانت الأمة المصرية في كل ~~أيامها . # ولم تنس هذه الأمة أن الصناعة هي الدرجة الأولى في السلم التي تصعد فيها الأمم ~~لموقفها الرفيع، فكل حاجة من حاجات الحياة إنما تقوم على عماد قوي من الصناعة، ولا ~~تدرك الأمة حاجاتها كاملة إلا حين تعتمد على صناعتها أو يكون أعظم اعتمادها عليها، فلو ~~أن أمة عاشت عالة على غيرها في كل مصنوع لبقيت مشلولة اليد ناقصة الحاجات. # هذه الحقيقة التي لم تنسها الأمة هي التي ألقت إليها بمقاليد الصناعة في أيامها ~~الأولى فبلغت منها ما لم تبلغه أمة أخرى، وهي التي ألقت إليها بمقاليد الصناعة حينما ~~أسفر فجر هذا العصر فرفعت قواعد المصانع الواسعة، والآن كيف لا نسيل الدمع إذا وقفن ~~بأطلال مصانعنا؟ بل كيف لا نسأل: لماذا هدمت مصانع النسيج والزجاج والمعادن # 1 # والحديد والآنية والورق؟ وأين مصانع السفن والذخائر وملابس الجيش وسلاحه ~~وعدده وخيامه؟ هل ادخرنا ما يفي حاجة الرقي إلى أن يفرغ عمر الدهر فهدمت تلك ~~المصانع؟ هل بلغنا نهاية القوة والبأس فحطمت الترسانات، أم ماذا كان؟ ولأي شيء ~~قوضت دور الصناعات؟ # نقيم الحجة على اليد التي أخذت السبيل على منافس الحياة الصناعية مما تقوله الألسنة ~~الرسمية نفسها، هذا هو التقرير الذي وضعته لجنة التجارة والصناعة الرسمية يقول: إن ~~صناعة مصر لم تمت عن فقر ولا عوز، ولم تهلك عن غباوة في الصانع المصري؛ فالمواد الأولى ~~موفورة لا تعوز مصر إلى غيرها، والصانع المصري ذكي صبور مبدع، هكذا تقول لجنة التجارة ~~والصناعة في كل سطر من تقريرها؛ إذن لماذا ماتت صناعتنا؟ إن تقرير هذه اللجنة ينطق ~~بالجواب أيضا، فهو يقول: ~~«في سنة 1836 بلغت قيمة المنسوجات المصدرة للخارج 62000 جنيه مصري أي بنسبة 3 في ~~المئة من مجموع الصادرات، وفي ms33 سنة 1913 هبطت قيمتها إلى 11 ألف جنيه أي بنسبة تكاد ~~تكون في حكم العدم، ونلاحظ أخيرا أن المحصولات الصناعية الأخرى كانت قيمتها في ~~صادرات سنة (1836): 51000 جنيه مصري أي بنسبة 2 ونصف في المئة من المجموع، أما في ~~سنة 1913 فلا تتجاوز نسبتها 0٬9 المئة». # ويقول بعد ذلك: ~~«حلت إنكلترا في المنزلة الأولى التي كانت لتركيا في سنة 1836 سواء في تجارة ~~الواردات أو في تجارة الصادرات، وقد أصبحت أهم بلد تورد لنا بضائعها وتستورد ~~بضائعنا». # نعم، لعلنا نجد في هذا القول الرسمي جواب السؤال. # وليست الآثار السيئة التي أدى إليها موت الصناعة المصرية خاصة بإقامة الأمة مقام ~~الافتقار الدائم إلى الغير، وظهور نصيبها من الرقي في مظهر يمكن أن يقال معه إنها ~~عاجزة عن أن تعول نفسها وتترك لذاتها، بل آثاره السيئة أصابت الأمة أيضا بالفقر الأدبي ~~إلى جوار الفقر المادي؛ فإن هذه الأمة القوية تسكن وطنا توفرت فيه أسباب النماء ~~الإنساني، فمن النتائج الطبيعية أن تتناسل ويكثر أبناؤها، كذلك تقول الاحصاءات. وبمقدار ~~تهدم الدور الصناعية يضيع أطفال وشبان ورجال هيأتهم الفطرة للصناعة، وزادوا عن ~~حاجة الزراعة وغيرها من الأعمال، وقد وقعت هذه النتيجة الخطرة فأدت إلى العواقب التي لا ~~بد أن تؤدي إليها كخلل الأمن العام وكثرة العاطلين وشيوع التسول والتعويل على مرتزقات ~~حقيرة تتخذ عند الراقين دليلا على صنعة الأمم والبلاد، ولم يكن أبناء الأمة ~~ليركبوا هذا المركب على جهل به، بل كانوا يركبونه اضطرارا على رغم أنهم أكرم من أن ~~يركبوه مختارين. # كانت الأمة ترى شبح هذه الحالة فيملأ عينيها ظلاما، وكانت لا تجهل ما وراءه من عاقبة ~~تنصب بالويل على أعز شيء في مستقبلها، ولكنها لم تكن مستسلمة ولا نائمة، إن الإمة ~~رفعت أعلام يقظتها فصاحت الصحافة الوطنية تشهد العالم على ما يحدث وعلى أنها عارفة بما ~~يحدث، وصاح القادة في الأندية الرسمية وغير الرسمية يشهدون العالم أيضا هذه الشهادة، ~~وبينا كانت تقيم برهان يقظتها على هذا النحو كانت تستجمع قوة العمل وهي مكتوفة ms34 ولكن ~~الآثار التي أخرجتها حركة الشعب المكتوف نزلت بين آثار الشعوب الأخرى منزلة ~~عالية. # صاح المصريون: لتحي صناعة مصر، وليحي مجدها الصناعي، وليعد عهد الحضارة العظيمة. ~~ولم يلبث هذا الصياح أن هبط على قلب الصانع المصري في حانوته الحقير، فماذا فعل؟ أخرج ~~البدائع مما شبعت العين بجماله وهو معروض أمام الأبصار في المعارض الصناعية، ولو نطقت ~~ألسنة الإنصاف لسمع الناس أن أعظم ما يفتخر به ممدنو الشعوب في فخامة القصور التي ~~شيدت في المدن المصرية لهذا العهد ليس إلا عمل الصناع والعمال المصريين الذين ~~يحشدون لبناء تلك القصور والعمائر كما حشدوا من قبل لبناء الأهرام. # وقد يلذ للإنصاف أن يسمع الناس أيضا صوت الحق فيما رأوه من ظواهر العناية الرسمية ~~بالصناعة المصرية في السنوات الأخيرة، ولا أسهل على الحق من أن يقول: إن الأثر يدل على ~~المؤثر. وهذا هو المؤثر فأين الأثر؟ هذه هي إدارة التعليم الفني والصناعي فأين هذا ~~التعليم على وجهه الصحيح؟ وأين ما أجرى الله على يد هذه الإدارة من الآثار الفنية ~~والصناعية والتجارية؟ هنالك آثار جليلة لها، فإذا سألت عنها فسل قبل ذلك: لماذا اقترن ~~وجود إدارة التعليم الفني بنهضة الأمة الصناعية؟ ولماذا نرى كل الحرص على أن تمتد ~~يدها إلى كل مكان تستقل فيه الأمة بإحياء الصناعة، من مدرسة أو مصنع أو ~~غيرهما؟ # ولكن الأمة ناهضة لا محالة، والأمة الناهضة بعزم غير مفلول لا تغلب على ما تريد، فإذا ~~غلبت كان ذلك إحدى فلتات الطبيعة! # | هوامش # الفصل الثامن # | التجارة # «إن المكانة الاقتصادية لتجارة الصادرات المصرية قد ضعفت واضمحلت لأن تنوع ~~المواد التي تتكون منها الصادرات أخذ في النقص بدل الزيادة، وهذا يجعل اعتماد القطر ~~على البلاد الأجنبية أشد وأعظم منه في أي زمن سابق» # لجنة التجارة والصناعة # يحمل الزمن أعلام التجارة المصرية، ولكل عصر من عصوره التي مرت بمصر علم خافق. # إن التاريخ مرآة الماضي، والناس ينظرون في هذه المرآة صورة تنبئ باليد التي طوقت ~~بها تجارة مصر أعناق الشعوب، ولكن هذا التاريخ سيقف مرعوش ms35 اليد حين يكتب صفحة التجارة ~~المصرية في ثلث القرن الأخير، لا يدري أيصل حاضرها بماضيها وهو لا يتصل، أم يعزله عنه ~~فيشين كتابه الأبيض بصفحة سوداء؟ # تستمد تجارة الأمة قوتها وسعة انتشارها من نماء المنتجات، لا فرق في ذلك بين ما تنتجه ~~الأرض وما تنتجه الصناعة. # وإن شواهد الحاضر الذي تغامر فيه الأمم العاملة والحكومات المخلصة لتدل على أن أية ~~أمة لم تكن تبني مجد تجارتها إلا بهذه الشواهد. # يجتهد كل شعب، أو تجتهد الحكومات المخلصة لشعوبها لتحرز السبق في عدة أشياء لا بد ~~منها لإحراز النصر في معركة الأسواق، فالبلاد التي تخرج أجود الحاصلات من أرضها ~~وصناعتها، والتي تعرف كيف ترى الأذواق وإلى أين تتجه، والتي تجمع بين الاتقان والجمال ~~ومطابقة الأذواق مع إدراك الحيلة لجعل النفقة أقل ما تكون بالقياس إلى غيرها، البلاد ~~التي تفعل ذلك هي بلاد الأمة التي تنزل تجارتها من الأسواق أرفع منزلة، وتنال من الربح ~~أوفر نصيب، وتبلغ من شيوع الذكر وسعة الانتشار ما يسير كالطير في جوه، كل شعب عامل عرف ~~ذلك قديما وحديثا وسعى ليستأثر به دون سواه، وقد كان الشعب المصري كذلك أيام كان قدوة ~~الشعوب في الثروة والحضارة والقوة والمجد، فهل له اليوم هذه المنزلة؟ كلا، فقد ضاعت ~~وصار إلى منزلة البوار فأصبح عالة، تجارته من يد الغير وبيد الغير، وحاجاته التجارية من ~~عند الغير، حتى لو أن هذا الغير أبى عليه مادة التجارة، لما رأيت في مصر تاجرا ~~وطنيا. # كلما كانت صناعة الأمة راقية، متمشية مع روح العصر، قائمة على أساس صحيح من الوسائل ~~العملية، وكلما كانت زراعة الأمة نامية، جيدة الثمرة، كثيرة الأنواع؛ كانت تجارتها ~~عظيمة رائجة، وقد رأينا كيف أصيبت الزراعة والصناعة في مصر، فليس عندنا من غلات الأرض ~~ما ندخل به أسواق العالم إلا القطن، وهو مع ذلك محمول على قيود، بعضها يجذبه من منزلته ~~العالية إلى الأسفل، وبعضها يختص غير المصريين بربحه العظيم ولا يترك لهم إلا بقايا قد ~~لا يقنع بها المنتج غير التاجر. ms36 # قالت لجنة التجارة والصناعة: ~~«إن مكانتنا الاقتصادية ترتكز على محصول زراعي واحد وهو القطن، وفضلا عن ذلك ~~فهذا المحصول معرض من حيث قيمته وكميته لتقلبات أشد وأعظم مما يصيب سائر ~~المحصولات المعادلة له في الأهمية». # وإذا سألت عن غير القطن فقل: أين غلات الأرض المصرية وهي التي تنبت كل شيء وينضر ~~فيها كل نبات؟ أين أزواج الفاكهة من كل صنف وخزائن الغلات من كل نوع؟ أين البقول ~~والألياف؟ وأين خشب الغابات؟ أين ما يتبع نماء الزراعة وسعة الأرض من تربية الماشية ~~والطيور؟ وأين أوبارها وأصوافها وألبانها وزبدها وسمنها وعسلها؟ كل ذلك شيء لا أثر له ~~في تجارة مصر، وقد كان من خصائصها، وكانت تفيض به على العالم أجمع. # إذا لم تكن صناعة ولا زراعة، ولا عمل للانتفاع بمزايا الأرض والحيوان، فأي شيء تستمد ~~التجارة منه قوتها وتعتمد عليه في انتشارها؟ # ليس هذا وحده هو الذي نسخ ظل التجارة المصرية من أسواق العالم بعد أن كانت ملئها، فإن ~~هناك شيئا آخر، هو عدم العناية بمعادن مصر ودفائنها من جامد وسائل، وقد كانوا يقولون ~~سترا على وصمة الإهمال إن القطر المصري ليس من الأقطار التي استودعتها الطبيعة كنوزها ~~المدفونة، غير أن التاريخ كان يصيح من جانب الصدق بأنه قول زور، واليوم أقامت «لجنة ~~التجارة والصناعة» البرهان الرسمي على كذب هذا القول الذي كان شبه رسمي، قالت ~~اللجنة: ~~«كان المصريون يمارسون صناعة التعدين وسبك المعادن بدليل وجود الكثير من الآلات ~~الزراعية المصنوعة من النحاس والتماثيل المصبوبة من البرونز والحديد». # على أن ما حدث أخيرا شهد بأن أصحاب تلك الدعوى كانوا يدعونها لغاية في نفوسهم ~~أبرزتها صورة الشركات # 1 # التي ألفت لاستخراج زيت البترول من آبار «هرجادة» و«جمسة» ولم يكن ~~فيها أثر ليد مصرية، حتى ولا يد الحكومة! # ومن البديهي أن عناية الحكومات بمواصلاتها البرية والبحرية على قدر عنايتها بتجارتها ~~الوطنية، ويمكن أن يقال إنك أينما وجدت سفينة تجارية تمخر عباب البحر؛ علمت أن العلم ~~الذي يخفق عليها علم حكومة تحارب حربا تجارية وطنية، ms37 ويقال نتيجة لهذا: إنك حيثما وجدت ~~البحار خالية من سفينة تنسب إلى حكومة موجودة في الأرض علمت أن هذه الحكومة دفنت تجارة ~~وطنها فلم تعبا بما ينقلها من بلد إلى بلد. # وبعد ذلك هل يتفضل الزمن الذي ينطق بلسان العمل في ثلث القرن الأخير فيدل الناس على ~~سفينة تجارية للحكومة المصرية وبعبارة أخرى للشعب المصري؟ إن لأشد الأمم ضعفا ~~وافتقارا سفنا تجارية وتجارة منتشرة، أما مصر فليس لها شيء من ذلك، لا لأنها عاشت على ~~هذا الفقر قبل ثلث القرن الأخير، بل لأنه جاء فنزع سفنها التجارية من يدها. ولم تزل هذه ~~السفن موجودة تشق البحار، فسلوها ما سبب جفائها؟ سلوا شركة البواخر الخديوية: كيف ~~انتقلت سفننا التجارية إلى يدها، ثم سلوا الأيام تخبركم: لماذا انتقلت؟ # كانت مصر ذات تجارة واسعة نامية تعتمد على زراعة وصناعة واسعتين ناميتين، وكان لها ~~أسطول تجاري يشارف الناس في أوطانهم بمجد التجارة المصرية، وكانت قوتها التجارية تنبعث ~~عن نشاطها لنفسها وهي طليقة، واليوم فلا تجارة إلا ما يجود به من كانت مصر تجود عليهم؛ ~~لأن الزراعة جامدة على حال لم تتغير مع الزمن، والصناعة مشدودة الوثاق بحبال وسلاسل، ~~وهذه همة الشعب تقطع سلاسلها وحبالها، والشعب يستمد القوة على ذلك من قلبه، من إخلاصه، ~~من ثقته بنفسه، من الحق الذي لا يخذل، فإذا خذلته الأيام كان شأنها عجبا! # | هوامش # الفصل التاسع # | الاجتماع والصحة # «إن مهمة المجلس هي المحافظة على الصحة العامة في مصر، ومع هذا يجب السهر على ~~المصلحة التجارية؛ فلا يجوز تغيير اللوائح المحلية إلا إذا روعيت فيها هذه ~~المصلحة» # مستر ميافيل # أرأيت إذا جلست إلى شيخ فان برك الدهر على صدره، فاستوصفته حياة مصر الاجتماعية ~~والصحية قبل ثلث القرن الأخير، فماذا يسمعك؟ # لا شك يفتح عينيه البراقتين ببطء ليراك، كأنه يسمع منك بعينه البصيرة لا بأذنه ~~السميعة، ذلك فعل الذكرى التي ثارت في قلبه، والحيرة التي تملأ صدره كلما رأى حاضره ~~وذكر ماضيه، ومثل هذا الشيخ يتبرم بالحياة لأنها أمهلته حتى رأى جيل ms38 الفساد ~~والسقم. # شيخك المسئول يزفر ويتململ تحت سؤالك، كأنه يحاول أن يزيح عن قلبه حجرا ثقيلا، ~~ولكنه على كل حال سيتكلم، فاسمع ما يقول: # منذ أربعين عاما كانت مصر موطنا لشعب بريء طاهر، لا يعلق بذيله دنس، ولا يتقذر ~~شرفه برذيلة، أعراضه موفورة عليها رقيب من الأرواح، ودينه مصون عليه حفيظ من المهج، ~~كان أكثر ما تبلغه الرذيلة منه أن ترسل خيالها فيقطع عنق هذا الخيال، وكان أكبر ما يدخل ~~عليه المكر أن يبعث نذيره فيقضي على هذا النذير. # هكذا كانت مصر وشعبها منذ أربعين عاما، أيام كانت قوتها المعنوية كالحديد صلابة ~~وتماسكا، وثروتها في يدها كالوديعة في يد الأمين لا تمتد يده إليها بسوء، وأخلاقها ~~صافية كالماء لا عكر فيها، متآخذة كالعقد المنظوم لا انفراط لها. # مضت تلك الأيام وطوت شبابها وشيبها، وقد كانوا من قوة الأبدان بحيث يعدل واحدهم ~~ألفا، ومن حياة الوجدان بحيث لا تموت أعراضهم حتفا، ومن طهارة النفس بحيث لا يلمون ~~بفاحشة، ولا تنزل الدنية بواديهم. # هذه صفة مصر وشعبها في الوقت الذي كان قبل أربعين عاما، فهل مسخت هذه الصفة أو ~~لا تزال قائمة؟ وهل تبدلت الحال أو بقيت على نحو ما كانت؟ # اهبط المدائن من أرض مصر، وافتقد الفضيلة فيها؛ فإنك سوف تجدها بعد الوصب والإعياء ~~منتبذة مكان الذليل العاني تحت حجر من أحجار المعابد، أو في زاوية من زوايا القبور؛ ~~لأنها حوربت في السبل والأندية والمدارس والمجالس، فانهزمت تطلب النجاة في الدور ~~المأهولة، ولم يفرخ روعها حتى هوجمت في الدور أيضا، فطارت عنها تطلب النجاة في ~~المعابد، في بيوت الله. ويا ويلتنا فقد أحيط بها خفية في هذه البيوت أيضا، إنها لا بد ~~أن تذهب إلى المقابر لتجيرها العظام النخرة والأجساد البالية، وكذلك فعلت، وكذلك أحسن ~~الموتى جوار الفضيلة. # الفضيلة في نفسها غير مذنبة، والفضيلة لا تحارب لذاتها، فلماذا شنت عليها تلك ~~الغارات؟ سؤال يسأله العقل ويقره الإنصاف، ولكن الفضيلة تشد الأزر، وتجمع الشتات، وتصلح ~~الأبدان، وتعصم الأرواح، وتصون الأخلاق والآداب، وتحفظ ms39 الثروة والجاه، وتجري بحار ~~العلم، وتغري بالمحامد، وتحث على الرفعة، وتأمر بالعمل للحياة الكريمة، هذا كله فعل ~~الفضيلة فكيف تفعل فعلها الطبيعي في مصر؟ إنها إذن تستحق أن تنفى من الأرض! # مرض الاجتماع المصري بما أصاب الأخلاق، فلم تعد التربية تعالجه، ولا وازع الدين ~~يداويه، ولا يعرف الناس حكومة أهلية ترى مرض الاجتماع في وطنها فتنام عنه أو تبيحه، ~~اللهم إلا أن تكون تلك الحكومة مكتوفة أو مسوقة إلى ما يجب ألا يكون، ولم تكن مصيبة ~~الاجتماع المصري بهذا المرض فقط، بل كانت بما سلط على أبنا الأمة من التشريد والفراغ، ~~والذي يدخل المدائن لا يرى خذلان الفضيلة وحدها بل يرى أيضا خذلان الإنسانية بين جيوش ~~المتشردين العاطلين. # عاشت الأمة خلال هذا الزمن بين مشادة ومدافعة، تنادي: إن البلاء داهم والشر متفاقم. ~~وتطلب من الحكومة أن تؤدي الواجب فلا تسمع، وكان شأن الأمة بين حالين: شكاية وتحذير، ~~ومعرفة للواجب وشروع في أدائه. أما التحذير فلم يكن يسمع، وأما العمل فكانت الأمة تنهض ~~به في طريق ارتفعت فيها العقبات، على أنها لم تكن ترجع عن مقصدها وإن لم تنل منه إلا ~~قليلا. # بقيت الصحة، وما أيسر أن تمتد العين إلى مساكن هذا الوطن في قراه ومدائنه لترى كيف ~~تتخذ منها العلل والأمراض مكان سكانها، إن القاهرة عاصمة الشرق أجمع لم تنل جديدا من ~~الإصلاح الصحي، فشوارعها الكبيرة الواسعة هي الشوارع التي اختطها إسماعيل وأسلافه ~~من قبله، وقد كانت الأشجار زينة على جوانبها فاجتثت أخيرا، والإسكندرية على ~~مثالها إلا ما اقتضت الشهوات الخاصة أن يبالغ في إصلاحه من شوارعهما حيث يسكن ~~المتصرفون في أمور البلاد، وليست المدن الأخرى بأحسن حظا من العاصمتين وهي لا تكون ~~كذلك طبعا، وبعد أن تكون هذه حال الصحة في الحواضر تبقى حالها في بدان الريف وقراه ~~وصمة في جبين القرن العشرين، ألصقها به من لا يعنون بأرواح العباد. # هنالك في المدائن أحياء اسمها الأحياء الوطنية، يسكنها الشعب العامل المجتهد الصبور، ~~أزقة وحارات لا تكاد تنفذ إليها خيوط ms40 الشمس حتى تبرد حرارتها برطوبة وخمة، ولا تكاد تمر ~~بها نسمات الهواء حتى تفسد بنتن ريحها الخانقة، في تلك الحارات والأزقة ترى الموت ~~جاثما يتنمر، وتبصر الحياة خائفة تترقب، ومنها ترتفع أصوات النوائح كلما جاء صيف ~~أو دخل شتاء فجال الموت وصال، وعلى أرضها تقام المآتم الدائمة لأبناء مصر الذين ~~تتخطفهم يد الفناء. أستغفر الله، بل يد الإهمال الذي تركهم في مساكن ألح عليها ~~الخراب لطول العهد بها، وأنكرها العصر لأنها أولى أن تكون مساكن أثرية. # هذه صحة الشعب الذي يسكن المدن، أما شعب الريف فلولا أنه يخرج إلى فضاء الأرض فيجد ~~الحياة في شمسه المشرقة وهوائه النقي، لما كان غير الدور قبورا له، أفلم تنظروا مساكن ~~الريفيين في قراهم؟ الرجل والمرأة والطفل على مضجع واحد بجانب مضجع البقرة والأتان، وما ~~كان ابن الريف ليرضى ذلك لنفسه وأهله لولا أنه مضطر، وهو ليس يجهل كيف يجب اتقاؤه ~~للصحة، ولكنه لا يملك وسيلة الاتقاء، يعرف أن اليد المسيطر مكلفة أن تصون صحته وحياته ~~ولكنه يقنع بالسكوت خشية التجبيه والرفض ويعلل نفسه بأن تفعل اليوم أو غدا. # لولا أن طبيعة هذا العصر أفضت إلى النفوس بالضرورات الواجبة لما أبقت الأوباء على ~~حي في مصر من أبنائها، علمت الأمة أن كل شيء في الوجود للحياة، وأن الحياة بالصحة ~~والعافية، فجعل الناس في الريف والحضر لا يشكون ألما إلا فزعوا إلى الأطباء، وما كانت ~~«مصلحة الصحة» ولا ميزانية الحكومة لتنفعانهم لو أنهم قعدوا ينتظرون أن تعالج الحكومة ~~أسقامهم! # هكذا يشهد الواقع، ويرجع الواقع في شهادته إلى أول العهد بالحياة الأخيرة، فقد شاع ~~الوباء الأصفر «الكوليرا» في هذه البلاد سنة 1883 حتى خافت الدول أن ينتقل إلى أوربا ~~فألفت في الإسكندرية مجلسا صحيا دوليا يتخذ الوسائل للنجاة من خطبه الداهم، وكان ~~المستر «ميافيل» مندوب إنكلترا في هذا المجلس. # فانظر ما قال يومئذ: ~~«إن مهمة المجلس هي المحافظة على الصحة العامة في مصر، ومع هذا يجب السهر على ~~المصلحة التجارية فلا يجوز تغيير اللوائح المحلية إلا ms41 إذا روعيت فيها هذه ~~المصلحة». # كلمة قالها المستر «ميافيل» منذ ست وثلاثين سنة، فكانت وحيا لم يتبدل وكانت ~~قانونا جرى عليه العمل إلى الآن، فماذا ما تدل عليه هذه الكلمة حين تتعارض في مصر صحة ~~الأمة ومصلحة التجارة؟ أليس ذلك عجيبا في أفعال الناس؟! # الفصل العاشر # | الإدارة # «وقد اقترح بعضهم حديثا أن يتعلم المرشحون أمورا تفيدهم في مناصبهم الرسمية في ~~مصر والسودان وشرع في إخراج هذا الاقتراح من القول إلى الفعل على سبيل ~~التجربة» # اللورد كرومر سنة 1905 # أمام الإدارة المصرية دائما شبح هائله مخيف هو شبح الأمن العام، ولكن الإدارة ~~المصرية لم توفق يوما واحدا لتأمين نفسها صولة هذا الشبح، فأنواع العلاج التي ~~التمستها له لم تكن تزيده إلا خللا واعتلالا، واللجج الزواخر التي رفعتها من صنوف ~~العمل والتدبير كانت ولم تزل تتكسر على صخرته الصماء، ضاع المال الذي لا يحصى في سبيل ~~الأمن العام، ونفدت الحيلة التي أظهرها أصحاب السيطرة في القرن الأخير، وهي تجربة قاسية ~~تنطق بأن اليد التي تحركت لتصلح كانت قادرة على إضاعة المال والوقت فقط. # من الممكن أن يخرجوا اللوائح والمنشورات التي وضعت خلال ثلث قرن المعالجة الأمن ~~العالم من خلله فيبنوا بها جبالا من الورق، ومن الممكن أن يعودوا إلى الوسائل التي ~~التمسوها لمعالجة الأمن العام من سقمه ليروا كيف لا تتعارف إلا كما يتعارف الماء ~~والنار، ولقد كان النفي الإداري آخر وسيلة استعيرت من سياسة القرون المظلمة ليصلح بها ~~الأمن العام في القرن العشرين ولكنها لم تفلح أيضا، فهل هذه الخيبة كلها لأن مصر واد ~~من أودية الشياطين فلا يستطيع البشر رياضة أهله على الخير؟ أو لأن الداء الدفين في صدور ~~غير صدور أهل البلاد؟ # الإدارة المصرية فروع ترجع إلى أصل معين، أو هي كأعضاء الجسد تستمد الهداية من الرأس، ~~ولا ريب أن الحياة التي تدب في أصل الشجرة تتمشى في عروقها جميعا، وإذا صلح الرأس ~~صلح الجسد كله، وإن الأغصان الجافة الميتة لتدل على جفاف أصلها وموته، وفساد الأعضاء ~~ناطق بفساد ms42 الرأس، كانت فروع الإدارة المصرية في أيدي المصريين، ولكن أصلها لم يكن في ~~أيديهم فكيف اعتلت؟ # وماذا كان يعجز الإدارة عن تقويم الاعوجاج الدائم الذي أصيبت به قناة الأمن العام؟ ~~لو أن إنسانا نشر بين يديه تاريخ الإدارة في ثلث القرن الأخير لرأى أداة العجز، ~~فهنالك أوامر مقرونة بأن تطاع طاعة وحي السماء، تصدر عن آمر يرى أنه معصوم في مثل هذا ~~البلد، فلا يقبل إرشادا ولا يسمع تعليما. # حتى إذا شرعت فروع الإدارة في تنفيذها عافتها نفوس الناس؛ لأنها مقطوعة النسب ~~بعاداتهم وأخلاقهم ومشاربهم وقوميتهم، وإذ ذاك تضطرب تلك القناة التي يراد تقويمها في ~~أيدي الموظفين المصريين، وما أسهل أن يقال إن هؤلاء الموظفين عجزة قليلو الخبرة، ~~تعوزهم الوصاية ويفتقرون إلى الإرشاد الطويل. ثم يتلو هذه الشهادة المقلوبة أن يخلو ذلك ~~الآمر بنفسه قليلا وما هي إلا أن يخرج بأمر جديد ينسخ الأمر القديم، وهكذا تتكرر هذه ~~التجارب بل لا تزال إلى الآن، أما إثمها فعلى الموظفين المصريين وأما خيرها المزعوم ~~فلغيرهم، وإذا ذكرت بعد ذلك قيل إنها تجارب صحيحة ولكن البلاد لم تتهيأ لها ~~بعد! # قال اللورد كرومر في تقريره سنة 1905 وهو يصف طريقة انتخاب الموظفين الإنكليز للمناصب ~~المصرية: «يجب أن يكون عمر الطالب عند تقديم طلبه بين 21 و25 سنة»، وأكثر هؤلاء إنما ~~كانوا يتولون مناصب الإدارة، وأكثرهم لم يكن يخطئه الحظ فيقبض بيده على منصب من ~~مناصب التفتيش، هؤلاء الشبان هم الذين قال عنهم اللورد كرومر أيضا إن بجانب كل مدير في ~~الأقاليم مفتشا إنكليزيا يساعده، وهم الذين قال عنهم: إن طلبهم وظائف الحكومة المصرية ~~عظيم حتى بلغوا سنة (1905): 220 طالبا بينما كانت الوظائف الخالية 14 وظيفة، ولا تدل ~~شهادة الواقع على أن مديري الأقاليم أهل الخبرة والتجربة، وأبناء البلاد العارفين ~~بأخلاقهما وعاداتها وما يصلح لها وما لا يصلح، لا تدل شهادة الواقع على أن مديري ~~الأقاليم الممتازين بهذه الصفات كانوا يبرمون أو ينقضون أمام الإرادة التي يكتنفها نزق ~~الشباب في ابن الحادية والعشرين أو ms43 الخامسة والعشرين، فلو أن الإدارة المصرية صلحت بعد ~~ذلك لكان صلاحها رمية من غير رام، أو كان إحدى خوارق العادات! # كانت هذه علة الإدارة، ولا تؤدي هذه العلة إلى غير نتيجتها الطبيعية وهي خلل كل شيء ~~يرجع إليها ولا سيما الأمن العام، فإذا أضيف إلى العلة الإدارية علة حرمان الأمة من ~~التعليم والتهذيب كملت أسباب الخلل وكان أمرا واجب الوقوع. # إن وازع العلم أبلغ تأثيرا في النفس من وازع القوة، وقد كان يجب أن يكون أول يوم فتح ~~به ثلث القرن الأخير أو يوم يفتح به الإصلاح الجديد خاليا من كل عيب، خالصا من شائبة ~~النية المنحرفة عن الاستقامة، قالوا يومئذ إن الإدارة مريضة تحتاج إلى العلاج، وكان ~~يجب أن يقولوا إن بناء العلم الذي وضع أساسه محمد علي ورفع قواعده خلفاؤه من بعده يحتاج ~~إلى إكمال، ولكن الذي حصل غير ذلك، الذي حصل أن دك بناء العلم، وعولجت الإدارة ~~بعقاقير تضاعف الداء، ووجدت مضاعفات لم تكن موجودة من قبل، وهي انسياب سيل المدنية ~~الفاسدة على البلاد، وتفتق الشهوات الشيطانية بما فعله الطمع في ركوب متن هذه المدنية، ~~أمسى الناس وأصبحوا، فإذا هم في ظلمة حالكة، مصباح العلم ينطفئ قليلا قليلا، وفساد ~~الإدارة يتجلى بأشكال وألوان من المغارم، وشيطان المدنية الفاسدة يغوي الناس أن يلقوا ~~بأنفسهم في مهاوي الهلاك، وسوء العمل لحفظ الثروة الفردية يقتلعها من جذورها، أعجيب بعد ~~هذا أن تكثر الجرائم، وتشيع المظالم، ويطغى الفساد، ويقتل الناس بعضهم بعضا؟ كلا، ~~ليس هذا عجيبا، ولكن العجيب أن يكون خلافه. # وقد توفرت الأمثلة من غرائب العهد المعروف، وربما كان أغربها أن يصدر الأمر القاطع ~~فيتلقاه موظفو الإدارة المصريون بالطاعة والتنفيذ، فإذا نشأت عنه أمور يوجب القانون أن ~~يكون لها قصاص، سيق الموظف المصري الذي سمع وأطاع ونفذ إلى موقف القصاص، فلا يجد ما ~~يدافع به عن نفسه إلا أن يقول في نجواه: «غيري جنى وأنا المعذب فيكم»، ولم تزل الذاكرة ~~تحفظ قصة أولى بها أن توضع بجانب القصص التي تنسب ms44 إلى الشرقيين للسخرية منهم، ولم ~~يفت الصحف الوطنية أن تشير إلى قصتنا هذه في حينها، غير أننا نرويها تفكهة ~~للقراء. # قالوا في السنة الماضية: إن أحد معاوني الإدارة المصريين رفع قضية على الحكومة ~~يطالبها بتعويض لأنها فصلته عن وظيفته بسبب غير قانوني، أما السبب الذي قضى بفصله فهو ~~أن عظيم الكفاءة شديد الذكاء؛ ولذلك كان ينتقد أعمال بعض زملائه، فعلم المفتش الإنكليزي ~~خبره فأمر بنقله إلى إقليم آخر ظهرت فيه كفاءته العظيمة وذكاؤه الشديد أيضا، ولكن ~~المفتش علم ذلك مرة أخرى فكتب بجرة قلم واحد يأمر بفصله، ومثل هذا الأمر لا بد ~~مطاع. # هكذا رويت القصة وهي لم تخل من بيان الذنب الذي قضى أن يفصل صاحبها من عمله، ~~ولكن ذنبه أنه كفء تام الكفاءة، ذكي عظيم الذكاء. # فهلا يفهم الناس من هذا أن الموظف المصري المستقيم الجدير بأن يخلد في وظيفته هو ~~الغبي العاجز؟ وهل سمع الناس أن الغباوة والعجز شرطان لا بد منهما في الوظائف الإدارية؟ ~~وكيف ينتظر بعد هذه القصة أن يصلح أمر الإدارة في مصر إذا لم تتغير الحال غير ~~الحال؟! # ومن بدائع اللورد كرومر قوله في تقريره سنة 1905 فيما تصلح به حال الموظفين ~~الإنكليز: ~~«وقد اقترح بعضهم حديثا أن يتعلم المرشحون أمورا تفيدهم في مناصبهم الرسمية في ~~مصر والسودان، وشرع في إخراج هذا الاقتراح من القوة إلى الفعل على سبيل ~~التجربة». # ولم يعلم أحد كنه هذه الأمور غير اللورد والمقترحين والمرشحين المتعلمين والأساتذة ~~الذين يعلمونهم، ولكنا علمنا أنها أمور تفيدهم في مناصبهم بمصر والسودان، فأية ناحية ~~كانت تنحاز إليها فائدة تلك الأمور؟ ناحية مصر أم ناحية إنكلترا؟ هذا شيء تنطق الحقائق ~~الواقعة بجوابه. # علم المصريون كل ما تقدم، وعلموا مصيرهم معه فلم يطمئنوا إليه، بل كشفوا غطاءه ~~بالنقد الصحيح، وجعلوا يتقون عاقبته بالعمل على قدر التحرك في القيود الثقيلة، نهضوا ~~بالتعليم فكانت آثار الأمة فيه أضعاف آثار الحكومة، وجاهدوا في تهذيب الأخلاق وصيانة ~~العادات وحفظ القومية، فرفعوا منار الأمة حتى سطع نوره فرآه العالم، ms45 واليوم ترفع الحجب ~~عن الحقيقة المستورة، فيشهد الناس أن في مصر أمة راقية وأنها رقت بنفسها بين عقبات تعيي ~~القادر الطليق، كذلك فعل البطل يدرك القوز في معارك الأبطال، ولو أنها لم تكن كذلك لما ~~كانت سلالة آبائها الأولين. # الفصل الحادي عشر # | سياسة التعليم # «إن مسائل التعليم الأهلي كيفما تنوعت طرق حلها ذات اتصال بحياة الامم ~~وفنائها» # اللورد مورلي # نصف التعليم في مصر - على سبيل التسامح - بأنه أجنبي ووطني، أما الأجنبي فالذي ~~تنشره مدارس الجاليات الأجنبية، وأما الوطني فللأمة فيه نصيب عظيم، ونصيب الحكومة هو ~~البقية الضئيلة. # هذه صورة الواقع على حقيقتها وعلى ما يشهد التاريخ من أنها قديمة، وقد عرف الناس ~~جميعا أن التعليم الحكومي في مصر كالمريض الذي أعضل داؤه، فلا هو يموت ليريح أهله من ~~بلواه ولا هو يشفى ليرجى نفعه وتؤمل فائدته. # ويدل الواقع الذي تبصره العين، على أن التعليم في مدارس الجاليات الأجنبية كان منذ ~~وجدت هذه المدارس في مصر، ولم يزل كذلك كالتربة الخصبة يربو نباتها ويزهر غرسها ~~وتعطي أكلها وفيرا شهيا، ولا كذلك التعليم في مدارس الحكومة فهو كالتربة السبخة، ~~تستغرق جهد الزارع، وتنهب ماله في نفقتها، ثم تقتل البذر الذي يلقى لها. # يدخل المصريون مدارس الجاليات الأجنبية الفرنسوية والإيطالية والأمريكية، فتغذوهم ما ~~لا تغذوهم مدارس الحكومة، فإذا أكملوا الدرس بها خرجوا بأهلية تامة، ووجدوا العدة ~~للحياة العملية، فلا يشعرون أنهم آلات أخرجتها المدارس للحكومة فقط كما وصف اللورد ~~كرومر غرض التعليم في مدارسها، ويذهب المصريون بأنفسهم إلى أوربا ليستوعبوا ما فاتهم من ~~العلم في جامعاتها، فيعودون ببضاعة ليست مزجاة يغشون بها كل سوق من أسواق العلم ~~والعمل فتروج. # أما مدارس الحكومة فيدخلها المصري إنسانا ثم يغادرها آلة لا تصلح إلا لعمل خاص معين ~~هو خدمة الحكومة، فإذا سدت في وجهه أبواب هذه الخدمة انفتح له باب آخر واسع، هو باب ~~العطلة، باب الفراغ، باب الضياع، باب النكبة التي تصيب الأمة في شبابها. # فهل المصريون أذكياء في مدارس الجاليات الأجنبية وفي جامعات أوربا، ms46 أغبياء في مدارس ~~الحكومة المصرية؟ هل تتغير فطرة المصريين إذا دخلوا مدارس غير مدارس حكومتهم، ولا تتغير ~~إذا دخلوا مدارسها؟ هل العلم شيء يتقيد بالمكان والزمان فهو يشرق في تلك الجامعات ~~والمدارس، ولا يشرق في كل مكان ينسب إلى وزارة معارفنا؟ كلا، لا شيء من هذا كله، وإنما ~~الأمر كما سترى. # قال اللورد مورلي: «إن مسائل التعليم الأهلي كيفما تنوعت طرق حلها ذات اتصال ~~بحياة الأمم وفنائها». # ماذا يقول اللورد مورلي؟ يقول إنك تستطيع أن تتخذ التعليم الأهلي سبيلا للحياة كما ~~تستطيع أن تتخذه سلاحا للفناء، ونحن لا نقول إن تعليم الحكومة كان خلال ثلث القرن ~~الأخير أحد هذين الأمرين، ولكنا نرسم له ولما فعل به صورة صحيحة لا تنكرها سياسة ~~التعليم نفسها لأن لها يدا في رسم هذه الصورة، ثم للناس أن يقولوا ما شاءوا. # ألفت الحكومة أثناء سنوات الحرب لجانا كثيرة، منها ثلاث فرغت من عملها ووضعت ~~تقاريرها وهي: لجنة التجارة والصناعة، ولجنة التعليم الأولي، ولجنة الشئون الصحية. وقد ~~وصفت كل واحدة من هذه اللجان الثلاث النقص الذي رأته في عملها الخاص واتفقت كلها على ~~أن النقص هائل عظيم، وأرجعت كلها سبب هذا النقص الهائل العظيم إلى فساد التعليم في ~~البلاد، ولكن كل هذه اللجان لم تجد في نفسها قدرة على أن تصف للناس علة فساد التعليم ~~وتشهدهم على سببه الصحيح، اللهم إلا لجنة التعليم الأولي فقد أشارت إلى جزء من العلة ~~وشطر من السبب فقالت: ~~«إن مجموع ما تنفقه الحكومة المصرية على التعليم 465753 جنيها في السنة، وهو ~~يعادل 2 في المئة من مجموع الميزانية العمومية للمصروفات». # ثم قالت: ~~«وإذا قوبلت نسبة صافي المصروفات هذه - وهي 2 في المئة - بمثلها في الممالك ~~الأجنبية ظهر فرق مدهش جدا، لا من حيث ميزانيات الدول العظمى فقط، بل من حيث ~~الممالك التي حالها المالية قريبة من حال القطر المصري؛ لأنه إذا أنفق على ~~التعليم من ميزانية الحكومة المصرية بنسبة ما ينفق في رومانيا أو بلغاريا مثلا ~~حيث تبلغ هذه النسبة ms47 10 في المئة من مجموع الميزانية؛ لزم أن تزيد اعتمادات التعليم ~~في مصر دفعة واحدة من 465753 جنيها إلى3350000». # وأبانت اللجنة في موضع آخر الوجوه التي ينفق فيها هذا القدر من المال ثم خلصت إلى ~~نتيجة لا تؤدي إلى الفزع أكثر مما تنطق بالعار؛ إذ قالت: ~~«إن ما تنفقه الحكومة في الحقيقة من إيراداتها الخاصة في كل سنة على تعليم الشعب ~~نحو 19000 جنيه فقط». # هذا جزء من العلة وشطر من السبب، على أن لجنة التعليم الأولي لم تجد قدرة على ~~الجهر بهذه الوصمة المسجلة إلا بعد أن أعذرت للحكومة بعذر فرغ الناس من إبطاله، ~~فقد قالت في صدر تقريرها: ~~«والحقيقة أن حال مصر المالية كانت إلى عهد قريب تمنع من إعداد وسائل التعليم ~~على اختلاف فروعه ومن سد حاجة الأمة إليه سدا وافيا». # فهذه الحقيقة مقلوبة إلا أن يكون المقصود بالعهد القريب أول العهد بحكم محمد علي، فهل ~~تقصد اللجنة ذلك؟ # إن العلة الصحيحة والسبب الحق فيما نطق به لسان السياسة التي قعدت على صدر التعليم في ~~مصر وما نطقت به ألسنة أعوانها، ولقد كانت هذه السياسة تقلب الحقائق البديهية ولا تتقي ~~أن يسمع العالم أجمع ما تثني به على من يقلبون الحقائق، قال يعقوب أرتين باشا الذي لبث ~~وكيلا لوزارة المعارف عمرا طويلا، والذي شرفه السادة الإنكليز بثقتهم في كتاب له ~~يسمى «التعليم العام»: ~~«إن وجود المجانية في المدارس الابتدائية في مصر أمر غير عادل ومخالف للذوق ~~السليم، وهي في الواقع في غير محلها فضلا من أنها خطر على موظفي الوزارة». # إلى هذا الحد تبلغ الجرأة برجل صعد إلى أرفع المناصب في حكومة مصر على أكتاف الأمة، ~~فيرى أن المجانية في المدارس المصرية الرسمية ليست من العدل ولا من موافقة الذوق ~~السليم! بل إنها خطر! خطر داهم عظيم يفترس الموظفين كما يفعل الوحش بفريسته! ولم يكن ~~رأي هذا الرجل العادل السليم الذوق المشفق على الموظفين من افتراس المجانية، رأيا من ~~عند نفسه، أقنعته التجربة أو أقنعه العلم بصحته، ms48 ولكنه كان وحيا يهبط عليه فيصدع به ~~أداء لأمانة التبليغ، فما كان أعظمه أمانة، وما كان أشقى مصر بأمانته! # قال اللورد كرومر في تقريره سنة 1900: ~~«كانت نسبة المجانية في مدارس الحكومة سنة 1889 - أي قبل الاحتلال - 95 في المئة، ~~أما السنة الماضية فكانت نسبة الذين يدفعون المصروفات المدرسية في المدارس ~~الابتدائية الأميرية 98 ونصف في المئة، وفي المدارس الثانوية 96 في المئة، وأنا ~~واثق أن هذه السياسة ستظل متبعة بثبات حتى تلغى طريقة التعليم المجاني إلغاء تاما ~~أو تكون في حكم ذلك». # صدق اللورد كرومر وصدقت ثقته؛ فإن عينه لم تنم عن تحقيق العمل بالسياسة التي ~~وثق أنها ستظل متبعة، حتى لقد وصف اغتباطه بنجاح هذه السياسة بعد زمن قصير، ~~فقال في تقريره سنة 1904: ~~«ومما يستحق الذكر أن تلميذا واحدا فقط يتعلم مجانا في المدارس ~~الابتدائية». # نعم هذا عمل عظيم يستحق الذكر لأنا قضاء على الأمة بالجهل. # أي شيء أرسلته السماء على مصر حتى أصيبت في العلم، في روح الحياة، في سر البقاء، في ~~مطلع النور، فضربت عليها ضرائب التعليم، وقضي على المجانية في مدارسها، هل هكذا ~~بطش السياسة؟ تكون نسبة المجانية سنة 1879: 95 في المئة، ثم تكون نسبة الذين يؤدون أجور ~~التعليم سنة 1900: 98 في المئة؟ أكانت مصر غنية فافتقرت؟ أم كانت سفيهة السياسة ~~فرشدت؟ # ألغيت البعوث العلمية، فلا أحد يذهب إلى أوربا في ظل الحكومة المصرية يتلقى الفن ~~والعلم، اللهم إلا بضعة أفراد عادت وزارة المعارف فجعلت ترسلهم إلى إنكلترا فقط، وقد ~~وصف ذلك المسيو لامبير آخر ناظر فرنسوي لمدرسة الحقوق المصرية فقال: ~~«إن أمر الإرسالية مدهش؛ فقد كانت قبل أن يتولى الإنكليز مقاليد المعارف في مصر ~~موزعة في أوربا، ولكنهم قصروها الآن على إنكلترا، ويا ليت أنهم اختاروا ~~المدارس الراقية التي تخرج للمصريين رجالا نافعين يماثلون الإنكليز المتعلمين! ~~فإنهم اختاروا مدارس كمدرسة بوردو في آيل وورث على مقربة من لندن وهي مدرسة تخرج ~~طلبة في كفاءة حاملي شهادة البكالوريا المصرية». # وليس المسيو لامبير وحده صاحب هذا الرأي، ms49 فهناك كثيرون غيره من الإنكليز المنصفين ~~يشاطرونه ما يرى، بل لا يقال إن ذلك رأي نظري فإنه الواقع الذي لا ينكره أحد. # انظروا، أين المدارس التي أنشأها محمد علي؟ أين المدارس العالية لا في القاهرة وحدها، ~~بل في مدن القطر من أسوان حيث كانت المدرسة العالية المعروفة باسمها إلى الإسكندرية؟ ~~إنها أطلال تجيب من بكاها وتنعي من بناها، ذلك ماض له شمس تشرق في نفوس المنصفين فلا ~~يملكون إلا أن يقولوا الحق، في نور هذه الشمس شهد هتزرزنر في كتابه «مصر في عهد ~~الاحتلال الإنكليزي» فقال: ~~«ألغيت 22 مدرسة تجهيزية من مدارس الحكومة سنة 1883 وثلاث مدارس فنية ومدرسة ~~المعلمين ومدرسة المساحة». # وإنا لنجد أمامنا فيضا عظيما من تلك الشهادات ومن الأقوال الرسمية نفسها لا نريد ~~أن نطيل به، ولكنا لا نكتم فضل الأمة فيما نشب من معارك التعليم بينها وبين ~~سياسته. # وقد كانت الأمة دائما ظافرة، أليس ذلك لأنها تأبى أن تضل سبيل الحياة؟ # إن الفشل في تجربة ثلث قرن لا يدل على خير منتظر، فإن كان الفشل عن عجز فليس وراء ~~العجز في ثلث قرن مطلب للقدرة، وإن كان عن قصد فلا يتحول الإنسان عن قصده المطلوب، إن ~~المصلحتين متناقضتان، والسبيلين متعاكستان، والحق في جانب واحد هو جانب الأمة، ولا يرجع ~~صاحب الحق عن حقه، ولا عهد للناس بحق يضيع ووراءه مطالب؛ فإن ضاع كان شذوذا في سنة ~~الاجتماع! # الفصل الثاني عشر # | الرأي العام # «أما الجنس الذي هو أهل للعمل فسيحيا حتما؛ فإن كل أمة عاملة سينقذها العمل منقذ ~~كل عامل» # المسيو كليمانصو سنة 1882 # للشعب المصري وطن قديم وله تاريخ جليل، وله حب لوطنه وعلم بتاريخه، فهل عليه ذنب إذا ~~أحب وطنه وأخلص إليه؟ وهل عليه لوم إذا استضاء بتاريخه فمشى في نوره يستعيد المجد ~~العظيم، ويطلب الحياة الغالية؟ # كأنما يراد من الشعب المصري أن ينفض يده من وطنه، أو لا يحبه على الأقل، ولكن ~~هل يحب الوطن لأنه رقعة يابسة من الأرض تطأ الأقدام مثلها في ms50 كل ناحية، أو لأنه ملاذ ~~أهله ومنبت حياتهم وموطن عزهم، والدار التي يعيشون بها أباة أعزاء، لا يمسهم فيها ضيم ~~ولا ينالهم ذل؟ إنما يحب الوطن لذلك، فإذا أريد المصريون على ألا يحبوا وطنهم، ~~ففي طي هذه الإرادة شيء آخر هو أن يكرهوا أنفسهم ما داموا لا يحبون وطنهم، أي أن يكونوا ~~أعداء أنفسهم. # أما قبول ذلك فضرب من الجنون، وأما طلبه فأبلغ جواب عليه أن يقال لصاحبه: اكره أنت ~~وطنك أو حاول أن تكرهه. فإذا استطعت فاطلب من غيرك أن يكره وطنه أو يحاول أن ~~يكرهه!. # 1 # متى كان حب الوطن غريزة في الفطرة كان لا بد أن يقصد أهل الوطن مقاصد تبلغ به مكان ~~العز والشرف، وأول ما يقصدونه أن ينظروا إن كان وطنهم مأخوذا من أيديهم أو معرضا لذلك ~~سعوا ليستخلصوه، وإذ ذاك يأتلف رأيهم ويجمعوا أمرهم حيث تكون الغاية واحدة، وقد لا يكون ~~الوطن مأخوذا ولا عرضة للأخذ فتصح النية على العمل لرفعة شأنه حيث تكون الغاية واحدة ~~أيضا، وفي كلتا الحالين يتكون ما يسمونه الرأي العام، وربما لا يكون الرأي العام في ~~الأمة الواحدة متحد المجرى، ولكنه على كل حال يكون متحد الغاية، فإذا جاءت ~~الطامة كان واحدا في مجراه وغايته، فترى الأمة كلها حزبا واحدا وقد كانت أحزابا ~~شتى. # في مصر رأي عام قديم لم تختلط عليه السبل، ولم ينحرف عن قصد الغاية، وللرأي العام ~~المصري قوة مثله في كل بلد وإن لم يكن له بطشه، لا لعجز فيه بل للأناة والتؤدة، ولا ~~بلاغ العالم أنه موجود وأنه غير باغ ولا عاد، ولأن المصري يريد أن يكون الإنصاف ~~عدته والحق سلاحه، كي لا يقال إنه لم يحكم إنصاف العالم في قضيته، أو إنه عمل وحده ~~فليترك وحده. # عرفت قوة الرأي العام المصري في تولية الملوك، فهو الذي حمل الدولة العثمانية على ~~الرضا بمحمد علي واليا لمصر، هو الذي طلب ذلك وأجمع عليه منذ قرن وربع قرن فلم تجد ~~الدولة العثمانية وهي في عظمتها بدا ms51 من أن تكون عند إرادته. # وعرفت قوة الرأي العام المصري في تقييد الحاكم الفرد المطلق منذ ثلاث وخمسين سنة، فقد ~~أنشئ المجلس النيابي المصري سنة 1866 في أول العهد بحكم الخديو إسماعيل، وهنا يجب ~~أن نلتفت إلى أمر لا بد منه، وهو أن إسماعيل كان يومئذ طليقا من كل قيد، آمنا كل ~~رقيب، كان يومئذ بعيدا عن أشباح الحوادث التي وقعت في آخر أيامه، فلا يقال إنه رضي أن ~~توضع في يديه قيود الحكومة النيابية وأن تقوم سلطة الأمة بجانب سلطته ليخدع أوربا أن ~~يغش ساستها، ولم يخلق إسماعيل من طينة غير طينة الملوك والأمراء المطلقين حتى تكون ~~الحكومة النيابية خاطرا في نفسه لم يشعر به أحد سواه، وحتى يباده الأمة بهذا ~~الخاطر غرة حين لا يكون قد أحسه من جانبها أو لا تكون الأمة قد أرته نور ~~أمنيتها. # وعرفت قوة الرأي العام المصري سنة 1881 يوم توفرت عزيمة الأمة كلها على مقصد واحد، ~~فأعاد لها الخديو توفيق مجلسها النيابي لا إعطاء بل أخذا، حتى إذا جاءت سنة 1883 بطشت ~~القوة الطارئة بهذا المجلس فقضت عليه. # وعرفت قوة الرأي العام المصري في الحرب الأولى التي نشبت بين الدولة العلية ~~واليونان، فقد كانت مصر تغلي بأحر مما تغلي به تركيا نفسها، ولم يكن ذلك لأنها تريد أن ~~تظفر تركيا فتقوى على مسخ الاستقلال المصري، بل لأن السيادة الاسمية العثمانية كانت هي ~~الصخرة الصلبة أمام القضاء على هذا الاستقلال وكانت الأمة تعلم ذلك، وتعلم أن في قوة ~~تركيا بقاء هذه الصخرة حتى يزيلها المصريون أنفسهم، أو يزيلها غيرهم ممن لا يطمعون في ~~أن يضعوا مكانها صخرة أقسى منها. # وعرفت قوة الرأي العام المصري في حادثة العقبة، وكان غليانه إذ ذاك استمساكا ~~بتلك السيادة الاسمية خشية أن ينقطع خيطها فترزح الأمة بسيادة فعلية تذهب باستقلالها ~~الداخلي، وتضاعف عناءها في طلب الاستقلال التام. # وعرفت قوة الرأي العام المصري في حادثة المحكمة الشرعية العليا يوم أغلقها قاضيها ~~حتى ترفع يد العبث بالأحكام القضائية، فكان رأي ms52 الأمة عضده القوي. # وعرفت قوة الرأي العام المصري يوم نكب العدل وفجعت الإنسانية بحادثة «دنشواي» سنة ~~1906 فثارت النقمة على الجبروت المتمرد في كل دار، وارتفع صوت الغضب حتى أطبق على ~~الأقطار وحتى سجلت الوصمة على أصحابها، وخرج العدل مرفوع الرأس، وظفرت الأمة بما شهد ~~الناس من حياتها، وإن لم يكن ذلك كله قد رد عليها فائتا، ولا أحيا ميتا. # عرفت قوة الرأي العام المصري منذ تولى محمد علي ولاية مصر وفي كل ما قدمنا من ~~الحوادث وغيرها مما تعاقب بعدها ولم يزل ناميا قويا ، يتجلى في كل مواقفه المشهودة ~~ليدل الناس على أن الأمة لا تهن عن تفرق، ولا تؤخذ لجهالة، ولا تغلب افتقارا ~~لأهلية الاستقلال. # كان الرأي العام المصري يقظا شديدا؛ لأنه كان ولم يزل معتزا بالعدل، مؤيدا ~~بالحق، فلم يكن يخشى أن تكون له شدة في طلب الحق، وصلابة في إقامة العدل. # وفيما بين هذه السنة التي نحن بها وسنة 1906 كان شأن الرأي العام المصري عظيما؛ فقد ~~عز جانبه، ورسخت قدمه، وبلغ من القوة مكانة الرأي العام في أعز الأمم جانبا وأرفعها ~~مكانا. # ألحت الكوارث على الأمة من كل ناحية فكانت كالمطر الغداق يسيل على المرتفعات ~~والآكام كما يسيل في الأغوار والأودية، ولكن هذه الكوارث كانت تعطي الرأي العام قوة بدل ~~الضعف وتزيده نورا بدل الظلام، لم يهب أن تلح الكوارث عليه، بل سار تحتها وهي ~~مرعدة مبرقة، فخلص بقوته الروحية وبقوة الحق الذي في يده إلى أعمدة الجبروت ~~فهزها. # هل ارتعدت الأمة بكوارث الأيام فلم تظهر شديدة في حقها إلى اليوم، فماذا يراد أن ~~يكون من أمة هذه حياتها؟ # إنا نحن ذلك الجنس الذي قال المسيو كليمانصو فيه سنة 1882: ~~«أما الجنس الذي هو أهل للعمل والنظام - يريد الجنس المصري - فسيحيا حتما؛ ~~فإن كل أمة عاملة سينقذها العمل منقذ كل عامل». # وقد بقينا نحن المصريين ذلك الجنس وزدنا عملا ونظاما، فإن لم ينقذنا العمل فلا أنقذ ~~أمة في الأرض. # | هوامش # | القسم الثاني # الفصل الثالث عشر # | نظرة ms53 إجمالية # «وهل يعقل أن تفشل حكومة وطنية مثل فشلنا في مدة 25 سنة مضت؟!» # المستر روبرتسون سنة 1908 # يقولون إن لجنة «اللورد ملنر» ستفد على مصر لتضع نظاما جديدا للحكم غير الأنظمة ~~الكثيرة التي تعاورتها التجربة خلال ثلث القرن الأخير، فلقائل أن يقول - وقد يكون قوله ~~حقا - إن التجربة الجديدة على فرض أنها ستكون لا تشذ عن التجارب الأولى، أي إنها ~~ستكون عرضة للمسخ والنسخ والمحو الإثبات ما دام الغرض واحدا لا يتغير، وهو رسوخ القدم ~~في مصر إلى ما شاء الله. # لنفرض أن تجربة المستقبل ستستغرق ثلث قرن آخر، ولننظر إليها بعين الحق والعدل، أفلا ~~نرى حينئذ أنها طريق ترسم إلى غرض يخالف الغرض الذي تطلبه الأمة، لا يستطيع أحد أن ~~يقنع العقل البشري بأن هذين الغرضين متفقان أو يمكن اتفاقهما؛ فالتاريخ يشهد بغير ذلك، ~~وحوادث التاريخ لا تدل على أن أمة حاكمة تتبرع من نفسها بوسائل الحكم الصحيح لأمة ~~محكومة كرما منها وفضلا، الشهادة التاريخية التي كانت صادقة في كل وقت تقضي أن تسير ~~الأمة الأولى بالأمة الثانية على جسر من القطيعة، وفي سبيل لا يوجد الخلاص النهائي عند ~~غايتها. # إنا ليسهل علينا جدا ان نقول إن مصر تستطيع أن تصبر ثلث قرن جديد لو أنها وثقت ~~ثقة صحيحة بأن القوم سيودعونها بسلام يوم ينقضي أمده، ولكن هل في الأرض شيء يستطيع أن ~~يجعل هذه الثقة في محل الإيمان من قلوب المصريين؟ إن كل ما يمكن أن يقال لمصر إنه مطلع ~~تلك الثقة ليس إلا وعودا وعهودا وأقساما مغلظة ومواثيق مبرمة، بل أكثر من ذلك ~~معاهدات دولية وقرارات برلمانية، غير أن مصر تستطيع مع هذا كله أن تقول: إن الوعود ~~والعهود والمواثيق والأقسام، لا تخدع إلا الساذج ولا تغر غير الأبله، بل إنها تنزع ~~الثقة من الصدور كلما تجددت واشتدت. لا، بل تستطيع مصر أن تقول فوق ذلك: إن هذه ~~الأساليب علمتني أن أكون من اليوم غير ساذجة ولا بلهاء. # كان الميثاق من قبل مصوغا في هذا الأسلوب: ms54 «لا ننوي البقاء في مصر إلى الأبد، ولا ~~نطمع أن نبسط يدنا بحماية عليها»، فكيف كان هذا الميثاق بعد؟ مضت سنة وأخرى، وعشر ~~وعشرون، ثم كاد القرن ينتصف، فماذا رأينا؟ لم نر إلا عملا وأنظمة ووسائل وتدابير لا ~~يحتاج إليها الذي ينوي الارتحال، بل هي حاجة من ينوي البقاء إلى الأبد، على أن الأيام ~~طاحت بصدق الشطر الأخير من الميثاق، فلم يصدق ما قيل من إنهم لا ينوون بسط الحماية، ~~ونحن اليوم نسمع ميثاقا جديدا لولا أن مصر تحركت حركة الحياة والإباء والشرف لما ~~سمعناه، هذا الميثاق الجديد هو أن العدل والرحمة قضيا أن يدرب المصريون على الحكم ~~الذاتي، ثم يكون لهم هذا الحكم! # لا ريب أن الناس جميعا ينظرون صورة هذا الميثاق فيرونه في الأرض، بينا يرفعون ~~بأبصارهم إلى منزلة الأمة ومكان أمنيتها وموضع حقها فيرونها في السماء. # يريدون أن يدربوا المصريين على حكم أنفسهم بأنفسهم، ثم ماذا؟ لم يتفضلوا فيقلوا ماذا ~~يكون بعد ذلك، ولكنا نحن نستطيع أن نقول، ويستطيع العدل أن يسمع حديثنا فتطيب ~~نفسه. # الذي سيكون أحد أمرين: فإما أن نصل إلى غاية الحكم الذاتي، وإما ألا نصل، وعلى كل ~~حال لا نعرف الوقت الذي ضرب أجلا لهذا الدرس الجديد، فليكن ثلث قرن كالذي مضى، فإذا ~~وصلنا كانوا قد انتقضوا على أنفسهم وأضاعوا غرضهم، فأي شيء يضطرهم إلى إضاعة الوقت ~~والغرض فيما لا يجديهم، وإذا لم نصل كانوا قد أتموا الإجهاز علينا. # إذا كان يراد منا الآن أن نقتنع بأننا سنحكم أنفسنا بأنفسنا في المستقبل، وإنهم ~~سيودعوننا وداعا جميلا في يوم لا يعلمه إلا الله، فلماذا لا يكون ذلك ~~اليوم؟! # وإذا كان القاصر لم يبلغ رشده على يد وصيه بعد أن تولاه ثلث قرن فمتى يبلغه؟ ~~إن القاصر يصف نفسه بالرشد وينسب إلى الوصي ما ينسب إلى كل وصي خشن اليد، حديد الناب، ~~طويل الظفر. ويقيم الحجة على ما يدعي فيقتنع الناس بحجته، فكيف لا يترك لنفسه ليرى ~~الناس هل رشد أو لا يزال قاصرا؟ # لئن ms55 كان حقا ما قاله المستر «روبرتسون» سنة 1905: ~~«هل يعقل أن تفشل حكومة وطنية مثل فشلنا هذا في مدة 25 مضت؟». # فحق أيضا ما قاله الإنكليزي المنصف صاحب كتاب «تحرير مصر» سنة 1906: ~~«لماذا لا نعترف بأن مصر بلغت سن الرشد، وأنها تعلمت ما يكفيها، وأن الساعة قد ~~أتت لتقوم الأمة المصرية بشأن نفسها وتدبر أمرها بعقلها؛ لأن آمال القارة الأفريقية ~~كلها معقودة بمصر؟». # نعم، كلا القولين سؤال حق، ونحن أيضا لا ندري لماذا لا يكون هذا الاعتراف؟ ولا ~~نعلم كيف يعقل أن تفشل حكومة وطنية كفشلهم في ربع قرن؟ # أليس في الأرض إنصاف؟ على أن الإنصاف في السماء إذا لم يكن في الأرض! # الفصل الرابع عشر # | درس في الحكم الذاتي # «إني أقمت في مصر مدة قبل أن تحققت قلة علمي بموضوع اشتغالي، ووجدت إلى آخر أيامي ~~في تلك البلاد أني كنت أتعلم في كل يوم أمرا جديدا» # اللورد كرومر # لو أن رجلا أنشأ مدرسة ليعلم الأبناء، أكان يدل على مهارته أن تبقى مدرسته نحو ~~أربعين حولا بناء تغشاه سحابة الجهل على رغم أنه يحشوها كل يوم بأساتذة ~~جديدين؟ # كلا، بل يكون أمر هذا الرجل بين حالين، فهو إما يريد أن يكون تاجرا حيث لا يريد أن ~~يكون معلما، وإما يريد الخير ولكنه لا يعرف سبيله؛ إذن فهو لا ينفع، فإن تشبث بأن ~~تبقى يده آخذة بزمام الناشئين بعد هذه التجربة الطويلة، فلا يكون ذلك حقا له. # هذا مثلنا بين الماضي والمستقبل، وقد كان الشفيع في بقاء الحالة على ما هي عليه أننا ~~نتلقى العلم والنظام والمدنية في مدرسة السياسة العالية، فإذا جاء اليوم الذي نصبح فيه ~~أهلا للاستقلال تركنا أستاذنا ومضى مشكورا، ولكننا نسمع الساسة والكتاب الإنكليز ~~يقولون ما قالوه من قبل، يقولون: إن الذي مضى كان تجربة اقترن بها الفشل. واللورد كرومر ~~يؤيد ذلك بقوله: ~~«كانت حكومة مصر هذه - يشير إلى حكومتها منذ سنة 1882 - تجربة واختبارا في باب ~~الإدارة الشرقية فانتهت التجربة ببعض الفوز مع ما في هذه الحالة ms56 من المساوئ ~~والعيوب». # غير أنهم يقولون الآن: فلنأخذ في تجربة أخرى عسى أن يقارنها الفلاح، ولكن أسفار ~~التاريخ تعترف بعجزها عن أن تطوي بينها خبر أمة غالبة وضعت سلاح الاستقلال في يد أمة ~~مغلوبة. # إنا لا نبتدر هذه الدعوى بالرفض المطلق؛ فإن وراء البحث حجة الحق الناهضة، فلننظر ~~ماذا يراد أن يكون، ولننشر صحيفة هذا الدرس الجديد، لنشم ما يفوح منها. # يقولون: سنتوسع في الخصائص النيابية، وسنمنحكم نعمة صغرى من نعم الحكومة النيابية ~~لتصعدوا منها إلى النعمة الكبرى، هذا قول أهمل فيه الطرف الذي يصيح بحقه، وظهر به تجاهل ~~الحق المطلوب، فالمصريون يطلبون الاستقلال التام لأنه حقهم الطبيعي المؤيد ~~بالمعاهدات، الثابت بإجماع الناس، فكيف يقال لهم: ماذا تطلبون من التوسع في الخصائص ~~النيابية والأخذ بيد التعليم ومداواة الإدارة من أمراضها؟ أليس هذا نهاية ما يكون من ~~تجاهل العارف؟ # لا تزال السياسة تطلع على الناس بعجائب يود العقل البشري أن تخسف به الأرض قبل أن ~~تنسب إليه، عجائب تقطعت بها الأسباب، ورجع آخرها على أولها بمعاول التهديم ~~والتخريب، فمن بدائع السياسة الإنكليزية أن لها رأيا لم يزل يتردد بلسان التوكيد، فهي ~~ترى أن الأوربي محروم من التوفيق كلما أراد أن يعرف نفس الشرقي معرفة تكشف له عن ميوله ~~وطبعه وعادته وخلقه، ولا يفتح الله عليه بهذا التوفيق مهما أقام في الشرق، والصواب أنه ~~رأي صحيح على غير إطلاقه، فإذا خصص التعميم فصارت كلمة «أوربي» في عرف الساسة ~~الإنكليز مرادفة لكلمة «إنكليزي»، بحيث لا تؤدي أكثر من معناها كان حقا ما يرون ~~فالإنكليزي لم يفهم الشرقي ولا عرفه، ولا بلغ من حقيقته في ذاته وعادته وخلقه وحياته ما ~~ينبغي أن يبلغه ليملك زمامه، وليس سبب ذلك أن النفس الشرقية مستكنة في صندوق من ~~الحديد، بل سببه أن النفس الإنكليزية مترفعة عن أن نقف بجانب النفس الشرقية. فهي من وهم ~~صاحبها في برج فولاذي يعلو بها عن منازل البشرية، لا بشرية الشرق وحده، بل بشرية الغرب ~~أيضا! # يقول اللورد كرومر في كتابه «مصر ms57 الحديثة»: ~~«إني أقمت مدة في مصر قبل أن تحققت قلة علمي بموضوع اشتغالي، ووجدت إلى آخر أيامي ~~في تلك البلاد إني كنت أتعلم في كل يوم أمرا جديدا». # كذلك يقول اللورد كرومر، فيشهد على نفسه أنه أقام في مصر مدة كان يعمل فيها عمله ~~المعروف - وهو عمل الحاكم المطلق الذي لا ينازعه أحد - على غير علم تام بموضوع ~~عمله. # واللورد كرومر هو الذي يقول قومه إنه رجل فذ خبر مصر خبرة لم تتفق لإنكليزي سواه، ~~ومع ذلك فقد عمل في مصر مدة وهو لا يعلم موضوع عمله، على أنه بقي ناقص العلم بما لا بد ~~منه لمن يستحل أن يقوم مقامه في مصر، فهو نفسه يقول إنه أدرك إلى آخر أيامه في هذه ~~البلاد أنه كان يتعلم كل يوم أمرا جديدا، هذا مبلغ علم اللورد كرومر بمصر، وهو الذي ~~أقام فيها نصف عمره كما قال، فما مبلغ علم غيره؟ وأين القدرة على تأهلينا للاستقلال إذا ~~توفر حسن النية؟ # بل نحن نبالغ في التسامح إلى ما لا يحتمل التسامح، نحن نقول: فلتجلسوا لتضعوا صورة ~~الدرس الجديد في الحكم الذاتي ولكن هل يتسع المجلس لنا ولكم؟ هل تشركوننا في وضع ~~هذه الصورة؟ فإن اشتركنا وإياكم فما نحن وإياكم بمتفقين، نحن نريد صورة لا نأخذها درسا ~~مجهولا لأننا لم نعد نجهل هذا الدرس، وأنتم تريدون أن نكون تلاميذ نتلقى درسا لا ~~نجهله، نحن نريد صورة يرى الناس فيها جمال سلطة الأمة، وأنتم تريدون صورة يرى الناس ~~فيها مظهر إخضاعها، نحن نريد حكما ذاتيا يمشي بين صفوف من جلال الاستقلال، وأنتم ~~تريدون شيئا موصوفا بأنه طريق الحكم الذاتي وهو في الواقع ليس كذلك. # هذه حالنا وإياكم إذا ضمنا وإياكم مجلس واحد تخلق فيه صورة الدرس الجديد، فإذا أبيتم ~~الاشتراك فما أنتم بفاعلين شيئا، ولا قادرين على شيء لأنكم لا تعرفوننا فلا تعرفون ما ~~ينفعنا، بل قد لا تعرفون ما ينفعكم لدينا. # كأننا ننظر إلى المجلس النيابي الذي يقال إنه سيكون مظهر سعة الخصائص الدستورية ms58 ~~ومجال المنح التي تدني يد الأمة من آلة الحكم، كأننا ننظر إلى هذا المجلس في الصورة ~~التي سيولد بها، ولكن كأننا أيضا نري نوابنا فيه نياما على مقاعدهم؛ لأنهم لا يملكون ~~أن يتناولوا مطالع الحياة بالعقل الفياض والرأي الراجح، وكأن كل ما سيجتمعون له أن ~~ينظروا في ضريبة الخفراء وعشور النخيل، وتأديب العمد، ومسائل الأمن العام، وأشكال ~~التعليم الأولي، وما يسمى «بدل الانتقال والسفر» للموظفين ... إلخ إلخ. وما أشبه أن تكون ~~هذه الأشياء أوليات لا تحتاج إلى مجلس نيابي! # إن الدرس الذي يراد أن نتلقاه، كالدرس الذي تلقيناه من قبل في موضوعه وغايته، ما ~~دام على الصورة التي لمحناها في صحف أيامنا الحاضرة! # الفصل الخامس عشر # | درس في القضاء # «نرى لهذه المسألة حلا واحدا وهو أنه ينبغي لمصر أن تأخذ عدالتها ~~بيدها» # صاحب كتاب «تحرير مصر» # لعل الدرس الذي يراد أن نتلقاه لإصلاح القضاء المصري، هو الدرس الذي وضع ~~اللورد كرومر مواده وعناصره منذ كان لا يرى أن يصلح القضاء إلا بإلغاء الامتيازات ~~الأجنبية. # نعم، هو هذا الدرس القديم، هو الذي لم تغب عن الأمة خوافيه فاعترضته، وهو الذي طارت ~~الآمال بأصحابه تحت غبار الحرب فألفوا له «لجنة إلغاء الامتيازات الأجنبية»، وجعلوا ~~روحه ما يسمى توحيد القضاء هو الأمل المنتظر والعمل المدخر، غير أنهم لم يحكموا ~~نسج شباكه، فاستطعنا أن نرى من ثقوبها شبح المستقبل المخيف. # لا ريب أن شريعة العدل لا تتمشى نزيهة طاهرة إلا أن تكون صالحة للزمان والمكان، ~~وليس معنى ذلك أن تكون صلتها بهما زمنية ومكانية، بل معناه أن تكون هذه الصلة بشرية ~~ترجع إلى أهل المكان الذي تشترط صلاحيتها له، وتوافق أهل الزمان الذي تشترط له هذه ~~الصلاحية في مكانهم، فعدل الشريعة الموضوعة مستمد من روح الاجتماع الخاص، من ~~العادات والأخلاق واللغة والدين والقومية، ولكن القوم يريدون أن يخالفوا هذه السنة ~~الطبيعية حين يضعون شريعة إصلاح القضاء المصري، أو تقويضه وإقامة قضاء آخر في ~~محله. # ليست اللغة ولا الدين ولا الأخلاق ولا العادات في شيء ms59 من الشريعة التي لا يريدون ~~التحول عنها، ليست منها في شيء قليل أو كثير، وليس ينتظر أن تكون منها قط، ما دام ~~النظر إليها في هذه الشريعة ينقض الغرض ويعكس المطلوب، ولو أنه أريد، أو لو أنه يراد ~~أن تكون إحدى هذه الخصائص القومية في شيء من الشريعة القائمة بذهن السياسة، لما ~~ألفت «لجنة إلغاء الامتيازات وتوحيد القضاء» على نحو ما ألفت، بل لما أجاب ~~«السير برونيات» نقابة المحامين الأهليين ذلك الجواب الصريح المر، حين طلب أن ~~يمثلهم أمام اللجنة فرد واحد فقالوا: إن رجلا واحدا لا يمثل أمة كاملة في وضع ~~شريعتها، فقال: ليس من الضروري أن يكون فرد ولا أكثر من فرد. # نترك ما يصيب المسألة المادية من عدل هذه الشريعة الجديدة، فقد يكون ما يصيبها أهون ~~من غيره، وقد يصبر المصري على النكبة التي يجرها عليه قضاء لا أثر فيه لشيء من خصائص ~~الأمة، نترك هذا وننظر إلى المسألة الأخرى، إلى الغاية التي تنتهي إليها تلك الشريعة، ~~أفلا تتمزق الحجب عن المستقبل فترى العين تحته قضاء معقدا مشكلا يودي إلى نتيجة ~~واحدة، هي مسخ الروح الاجتماعي ومسخ العدل الوطني وتقمص روح الاجتماع والعدل جسدا ~~غير مصري عملا بحكم التناسخ السياسي؟ # لا يجوز أن نطمع في غير هذا؛ فإنا إذن نطمع في شيء ينافي ما لا بد منه للسياسة، فعلى ~~الذين يجهلون العاقبة أن يوطنوا النفس على رؤية القضاء في هذه الصورة، وتناول ~~الدرس الجديد بهذا المذاق، أما الإصلاح النافع فهو الذي توفرت عليه براهين الحق ~~ووجده المنصفون من الإنكليز وغير الإنكليز سبيل المصلحة لمصر ولإنكلترا جميعا. # وقد بحث السياسي الإنكليزي صاحب كتاب «تحرير مصر» مسألة القضاء المصري بحثا دقيقا، ~~وتناوله بعقل وحكمة لم تضع معهما مصلحة إنكلترا نفسها كما لم تضع معهما مصلحة مصر ~~أيضا، وأبان مصاعب الأخذ برأي «اللورد كرومر» في توحيد القضاء وابتنائه على خليط من ~~الشرائع الغربية، ثم قال في تضاعيف بحثه: ~~«كيف يوجد نظام قانون يقنع المصريين والإنكليز واليهود والفرنسيون واليونان وكثيرين ~~غيرهم، ms60 وإذا فرضنا وجود مثل هذا النظام فمن يستطيع أن يقدمه للموافقة عليه وقبوله، ولو ~~فرضنا زوال كل هذه العقبات فإن إلغاء المحاكم القنصلية يكون من المصائب الكبرى على مصر ~~من الوجهة السياسية». # وقال بعد هذا: ~~«إن المسألة القضائية أكثر تعقيدا من المسألة المالية، ولا يمكن التفكير في أنها ~~تحل بعقد مؤتمر دولي يجتمع فيه مندوبو الدول ويقرون في شأن القضاء المصري ما ~~يرون، فيسعى هذا المؤتمر لتوحيد القانون بأن يضع قانونا رسميا يطابق أغراض ~~الجميع، وينفذ في رعايا الجميع، غير أن عقد مثل هذا المؤتمر بعيد الحصول جدا، ~~فإنه إذا اجتمع لا يلبث أعضاؤه أن يختلفوا شتى الاختلافات؛ لأن لكل طائفة دينا ~~ولغة ومبادئ تخالف دين غيرها ومبادئه ولغته، ولا يبالغ من يقول إن مثل هذا المؤتمر ~~لا يوشك أن يجتمع حتى ينقض، على أننا نرى لهذه المسألة حلا واحدا هو أنه ينبغي ~~لمصر أن تأخذ عدالتها بيدها، يجب عليها أن تسأل الدول أن يسمحن لها بدخول صفوفهن ~~وأن يعددنها منهن لتستطيع أن تنفذ عدالتها بيدها». # هذا رأي رجل إنكليزي منصف لا ينسى مصلحة أمته حين يدل على مصلحة مصر ومصلحة العدل ~~لذاته في مصر، ولكن أبلغ من هذا قوله: ~~«أليس عجيبا أن تبقى مصر كل هذا الزمان محرومة من الحقوق التي نالتها جمهورية ~~سان دومنجو وجمهورية سان سلفادور وهما حكومتان صغيرتان، سادتهما الفوضى؟! أليست مصر ~~قادرة على القيام بما تقوم به هاتان الحكومتان الصغيرتان اللتان يحكمهما العبيد؟! ~~هل ينكر علينا أحد أن أهل مصر تعلموا في مدارسهم المنتظمة التي تفوق بعض المدارس ~~الأوربية كل ما يتعلمه الغربيون في مدارسهم؟ فلماذا يحرمون من التمتع بالحقوق ~~التي يتمتع بها العبيد السود في جمهوريتهم الحقيرة؟!». # حجة تنهض بالحق فلا دافع لها، أنهضها صاحبها منذ ثلاث عشرة سنة، فكيف إذا ضرب الحق ~~بها الآن وجه الباطل؟ # نحن نتمشى مع السياسة إلى أقصى غايات التسامح الممكنة، ونشهد الناس على أننا ~~نقدم حسن الظن بين أيدينا، ولكنا نفتقر إلى دلائل تؤدي إلى أدنى مراتب الإقناع ms61 بحسن ~~الظن. نقول: كيف توضع شريعة القضاء الجديدة؟ ومن الذي يضعها؟ إن الذي رأيناه أنها ~~وضعت على نحو ما قال صاحب كتاب «تحرير مصر» من التذبذب بين الأهواء المختلفة ~~والمنافرة الشديدة، وستوضع على هذا النحو إذا نسخت صورتها التي فرغوا من وضعها، أما ~~الذين وضعوا هذه الصورة، أو سيضعون الصورة الأخرى، فرجال لا ننكر أن لهم كفاءة فيما ~~هو خاص بهم، هم كانوا قضاة ومحامين وإداريين وماليين، وهم أصحاب كرامة تأبى لهم أن ~~يقولوا في أنفسهم إنهم شراع، أو إن معرفة القانون في مسائلة القضائية، ومعرفة ~~الإدارة في صنوفها الإدارية ، ومعرفة الفنون المالية والسياسة المادية، هي الكفاءة كل ~~الكفاءة لوضع الشرائع وتكوين روح العدل، ولكن هؤلاء هم الذين وضعوا شريعة القضاء المصري ~~في صورته التي شغلوا بها، فكيف تكون هذه الشريعة ذات قوام ثابت، ومنهج عدل ~~صحيح؟ # بل فوق أنهم فعلوا ما ليس لهم أن يفعلوه، استعاروا للعدل المصري عناصر غريبة قضت ~~السياسة أن تحمل عليها شرائع القضاء في الهند وغيرها من المستعمرات، وهم باقون على ~~استعارة هذه العناصر إذا قدر أن توضع شريعة القضاء المصري مرة أخرى، فكيف يجوز أن يكون ~~الناس سواء فيما يقضى به في أوطانهم؟ لئن جاز أن تصلح الشرائع الفرنسوية والألمانية ~~والروسية والأمريكية... إلخ إلخ مكان الشريعة الإنكليزية في بلادها؛ جاز أن تصلح في مصر ~~شريعة ليست إلا خليطا متعجنا مرتبكا مستعارا من شرائع المستعمرات في الشرق ~~والغرب. # ولكن السياسة هكذا تريد، والأمة لا تريد ما تريده السياسة وشتان بين إرادة يأباها ~~الحق فينفر منها، وأخرى يرضاها فيسكن إليها، على أن الله لم يخلق للمصريين عقولا تفهم ~~الدرس الذي يراد أن يأخذوا به في هذا الشرع الجديد، ذلك أمر الله، والله غالب على ~~أمره. # الفصل السادس عشر # | درس في الإدارة # «إن للمصريين ما للأوربيين من الآمال، وقد ساعدتهم صحافتهم الوطنية على الانتباه ~~إلى الحركة الكبرى الحاصلة في العام الآن» # المستر روبرتسون سنة 1905 # قد يفترض الإنسان الشيء وهو غير كائن؛ مجاراة لخصمه، ليصل به إلى ms62 محل الإقناع بالحجة ~~القاطعة، وليتصور الأمر المحذور بصورته التي يدل عليها قياس المستقبل بالماضي فيحذره ~~ويتقيه. # إنك لتصف الطريق المخيفة لأخيك الذاهب في سبيل الغاية المطلوبة، ويكون حقا عليك أن ~~تصفها له؛ فإنك إذا لم تفعل كنت قد أهملت الواجب، وفرطت في أداء الحق. # وإنك لتدل الساري في جوف الليل على مكان الظلام، كما تدله على مطلع القمر حتى لا ~~تنصرف عينه عن النور الساطع إلى الظلمة الحالكة، فتزل قدمه ويضل هداه. # بل إنك لتأنس من نفسك حدة النظر وسلامة البصر، ثم تحتاج إلى من يرفع حجب الخداع عن ~~عينك ويمنع مغالطة الحس عن قلبك، فلا يخدعك لمعان السراب ولا يغرك البرق الكذاب. # إن الفجر الكاذب يجاور الفجر الصادق، فإن لم تكن على بصيرة من هذا وهذا، فقد ~~يرديك الأول بضلاله، بينا أنت تطلب الثاني لتهتدي به. # كذلك نحن نرسم صورة فرضية، والفرضيات أمثلة تصورية يقتضيها وجوب الحذر مما يقدر أنه ~~ناشئ عنها. # ونحن قد شبعنا وعودا ومواثيق، حتى أصابنا مرض البطن لكثرة ما تجرعنا من حلوها ~~ومرها، ووفرة ما ازدردنا من علسها وبصلها، بل أصابتنا تخمة المواثيق والوعود، فأصبحنا ~~في حاجة إلى الشفاء من هذه التخمة، وماذا علاجها إلا أن تلقى الأفواه ما ملأ البطون، ثم ~~لا تعيده مرة أخرى خشية أن ترجع العلة أضعاف ما كانت، إنا نسمع وعودا ومواثيق، وما ~~أشبه الليلة بالبارحة! فالناس هم الناس، يعدون اليوم كما وعدوا أمس، والطريق هي الطريق، ~~يسلكها غدا من سلكها اليوم. # أبت مصر إلا أن تكون في ثلث القرن الجديد كما تريد لنفسها وكما تريد أن تكون إلى ~~الأبد، فهل تتبدل إرادتها بما يقال إنها ستناله من القشور التي تعلم تفاهتها، ولا تجهل ~~أنها قشور تنفصل عن اللب الخالص فتجف وتسحق وتذروها الرياح، ثم لا تكون شيئا ~~مذكورا؟ # وماذا عسى أن تكون تلك القشور؟ لقد أسلفنا بعضها واليوم ننظر في شيء آخر هو الذي ~~يسمى إصلاح الإدارة، أو كما يراد أن يقال: تلقين المصريين درسا جديدا في مدرسة ~~الأعمال ms63 الإدارية. # آمنا وصدقنا أن القوم آمنوا وصدقوا الآن فقط إن الإدارة مختلفة معتلة، وإن المصريين ~~مبعدون عن المناصب الإدارية فعلا وحكما؛ لأن الأكفاء الكثيرين ضرب بينهم ~~وبين هذه المناصب بسور من حديد السياسة، ولأن الذين تقلدوها لا يملكون تقديما ولا ~~تأخيرا، فلا رأي ولا سلطة ولا عمل إلا أن يتحركوا بالخطة الموضوعة كما تتحرك قطع الآلة ~~الحديدية الصماء بقوة الدفع المسلط عليها، ولكن هل قال أحد من المصريين إننا نطلب ~~إصلاح الإدارة بأي صورة من السياسة التي تريد أن تتبرع بهذا الإصلاح؟ وكيف تسمع السماء ~~والأرض ضجة المصريين العالية بطلب شيء مخصوص محدود معين هو الاستقلال التام، ثم ~~تريد تلك السياسة أن تتجاهل هذه الصورة، أو تقول إن أذن السماء والأرض مريضة ~~بالصمم لأن أذنها هي لم تسمع صوت المصريين أو سمعته استقلالا، وفهمته حماية بعد ~~أن كان احتلالا؟ # لو أن هذه السياسة أنصفت نفسها لحاربت حربا شديدة في سبيل الوفاء بالوعود القديمة، ~~ولأصرت على الرفض والإباء إذا فرض أن أحدا طلب منها أن تبقى في مصر لحظة واحدة ~~بعد الآن. نعم، لو أن هذه السياسة أنصفت نفسها لفعلت ذلك ليقوم لها من حسن النية شفيع ~~يخرجها من مصر طاهرة الذيل بعد أن أمضت ستا وثلاثين سنة تتكلف الإصلاح فلا يطاوعها، ~~وتناديه فلا يجيبها، وتستلينه وتستعطفه فلا يلين لها ولا يعطف عليها، ولكن هذه السياسة ~~ضرب من السياسة العامة، والسياسة لا قلب لها، فلا ترحم نفسها ولا ترحم أحدا. # وكيف تريد السياسة أن يكون إصلاح الإدارة في مصر؟ لا ريب سيقولون: نضع أنظمة جديدة ~~فيضعونها، ونعطي المصريين حصة من العمل في الإدارة أزيد من حصتهم الحاضرة فيعطون أو لا ~~يعطون. ولكن مصلحة السياسة ومصلحة مصر متضادتان، فأي دليل على أن هذه الأنظمة ستكون في ~~مصلحة مصر، ولو فرض أنها ستكون في مصلحتها فأي دليل على أنها تنتقل من القول إلى الفعل؟ ~~ولو فرض إنها ستنتقل فأي دليل على أن هذا الانتقال دائم؟ وأخيرا أي دليل على أن ~~المصريين الذين ينالون ms64 تلك الحصة الواسعة من العمل الإداري سيكونون مخيرين لا ~~مسيرين؟ # اللهم إن هناك دليلا واحدا هو الماضي، وهذا الماضي يشهد أن شيئا من ذلك لا يكون، ~~فخير ألا يكون من أصله، وخير أن ترجع السياسة إلى الصداقة على البعد، إلى الفوز بعطف ~~أمة لها من مركزها ونهضتها تأثير عظيم في الشرق والغرب، إلى مطلب الأمة الصحيح، إلى ~~الاستقلال التام؛ فقد عقد المصريون عليه خناصرهم وأصبحوا لا يقنعون بما دونه، لأنهم ~~يريدون أن يكونوا أحياء، ولأنهم أدركوا أن الحياة هي الاستقلال. # قال المستر روبرتسون سنة 1905 ما معناه: ~~«إن الموظفين الإنكليز يفعلون بغيرهم ما لا يريدون أن يفعله غيرهم بهم، سواء في ~~ذلك موظفو الإدارة في مصر، والسياسيون في إنكلترا، والصحفيون الأوربيون في إنكلترا ~~ومصر». # كان هذا رأي «المستر روبرتسون» قبل أربع عشرة سنة، فهل تغيرت الحال؟ كلا فإنها غريزة ~~في الفطرة، وخلق يجري من النفوس مجرى الدم من الأجسام، وخطة وضعت لغاية لا تتخلف، ~~ولكن المصريين لا يريدون أن يفعل غيرهم بهم إلا ما يفعلونه به إقامة لحكم المساواة بين ~~الناس، وهيهات أن يرضى القوم ذلك، فإنها طبيعة لا يغيرها الزمن ولا شيء آخر قط. # ولسنا ندري ماذا يقول المستر روبرتسون اليوم، وقد بقي الموظفون في إدارة الأحكام ~~والسياسيون في إنكلترا والصحفيون البريطانيون في إنكلترا ومصر على عهده بهم منذ أربع ~~عشرة سنة؟ على أننا لا ندري ماذا يقول هؤلاء جميعا إذا سألهم سائل: لماذا تصفون ~~المصريين بما تصفونهم به، وأنتم الذين أخذتم على أنفسكم تعليمهم وترقيتهم؟ ومتى يتعلمون ~~ويرتقون؟ وماذا تقولون في التبعة؟ من يحتملها ومن الجدير بها؟ ومن الذي يجب أن يترك هذه ~~الشئون حتى لا تتجدد تبعته مرة أخرى؟ # إن أعذب ما قيل في هذا الباب كلمة قالها المستر روبرتسون أيضا سنة 1905 وهي: ~~«إن للمصريين ما للأوربيين من الآمال، وقد ساعدتهم صحافتهم الوطنية على الانتباه ~~إلى الحركة الكبرى الحاصلة في العالم الآن، عرفوا ما قامت به الأمة اليابانية، ~~وأدركوا سخافة الأوربيين الذين اعتمدوا على التكهن الغربي ms65 المتأصل فيهم، فكانوا ~~يزعمون أن اليابان لن تحرز ما أحرزته الآن». # لم تزل للمصريين تلك الآمال، وهي لم تقف عند المنزلة التي كانت لها يوم قال المستر ~~روبرتسون هذه الكلمة، فقد تولتها الحياة النامية فضوعفت، وتعهدتها النفوس المخلصة ~~فعظمت، ولم تكن حركة العالم الكبرى منذ أربع عشرة سنة إلا ذرة من حركته اليوم، فكم يكون ~~انتباه المصريين؟ وكم تكون يقظتهم؟ # ألا إن الإرادة لا تصلح إلا في أيدي أصحابها، وما كان لغريب الدار واللسان والخلق ~~والعادة أن يعرف ما يعرفه صاحب الدار لنفسه، هل يكون ساكن المريخ أستاذا يلقي دروسه ~~على ساكن الأرض ؟ إن أعجب العجب أن يكون ذلك أو يصدقه عقل، فإن كان فلا صلاح ولا ~~فلاح! # اللهم إن وحي الإلهام الإلهي يحدثنا أن في سجل قضائك المبرم سطرا كتبته قدرتك ~~العالية: إن مصر مع نفسها في ثلث القرن الجديد، وإلى الأبد. # الفصل السابع عشر # | دروس مصر لنفسها # «لقد أبنا بتمام الجلاء أن الأمة تريد أن تكون سيدة منزلها، سيدة صاحبة عزم ~~وحزم، والآن تريد أن تبين أنها تريد أن تكون سيدة عادلة، ولكن تريد أن تكون سيدة ~~على كل حال» # المستر لويد جورج # الدروس التي نفترض جدلا أن غيرنا سيلقيها علينا في معالجة الأمراض التي عجز هذا ~~الغير عن معالجتها خلال ست وثلاثين حجة، أو الدروس التي يريدون أن يلقوها علينا ~~كرها لا طوعا، هي التي وصفناها فيما مضى، والتي وصفنا مادتها وصيغتها، واللسان الذي ~~تلقى به، والأسلوب الذي يعرب عنها، وقد علا صوت الأمة وصح عزمها على ألا تدخل ~~مدرسة تلك الدروس مرة جديدة؛ لأنها تهلكة، ولأن الذي يلقي بنفسه في التهلكة هو ~~المجنون. # والأمة تعرف سبيلها يوم تنفرد في وطنها كما ينفرد صاحب الدار في داره إذا تركه الضيف ~~الذي يزاحمه في امتلاك الدار، تعرف الأمة سبيل التجديد والترميم، ولا تبطئ في بناء ~~الأركان المهدومة والجدران المنقضة، كلما رأت ما فعل ضيفها الراحل الأمة التي بنت ~~فهدموا، وغرست فاجتثوا، وأحيت فأماتوا، ورفعت فخفضوا، والأمة التي أقامت ms66 دهرا طويلا ~~مغلولة اليد إلى العنق ترى الهدم والاجتثاث والإماتة والخفض، تأبى إلا أن تبني وتغرس، ~~وتحيي وترفع، إذا أطلقت يدها المغلولة وحطم قيدها الشديد. # ولكن عسى أن يتطلع الناس لمعرفة ما ستصنع هذه الأمة لنفسها يوم تترك لنفسها، ولئن لم ~~ينطق التاريخ بما ستفعل فإن حياتها الحاضرة وعزمها المنشور ينطقان به. # إن الأمة المصرية صادقة الأمل في الحياة، واثقة بأنها ستظفر بحياتها الكاملة لأن لها ~~عزيمة تخضع قوة الزمن قبل أن يخضعها، ولها إرادة تحطم إرادة الدهر قبل أن يحطمها، ولم ~~تفتقر أمة إلى أكثر من هذه الإرادة وتلك العزيمة، وكل أمة كانت مغلوبة فانتصرت على ~~غالبها إنما كتب لها النصر بصدق إرادتها ومضاء عزيمتها. # ليست ثقة المصريين وليدة الحركة التي أطبقت على الأرض في هذه الأيام، وليس أملهم ~~مخلوقا مع الآمال التي أحيتها مطامع النور في هذه الأعوام، ولكن ثقة المصريين وأملهم ~~قديمان، ولو لم يكونا كذلك لكان أقل جهاد للسياسة كفيلا بأن يمسخهم ألوانا وأشكالا ~~ونفوسا غير ألوانهم وأشكالهم ونفوسهم، غير أن السياسة جاهدت جهاد المستبسل وصبرت على ~~طول الزمن لتبلغ النصر، ثم كانت عاقبتها وعاقبتنا أن بقيت في مصر أمة ممتلئة حياة ~~ونشاطا وأملا، مندفعة في سبيل الرفعة والمجد الوطني اندفاع السيل المنحدر، وكان من ~~فضل ذلك أن حفظت قوميتها ولغتها وأخلاقها ووطنيتها وأصابت من العلم بنفسها ما لا يتفق ~~لأمة أخرى أن تصيبه لو أن السياسة وقفت لها موقفها لهذه الأمة. # هذا الحاضر الماثل أمام الأبصار صفحة بيضاء ينظرها الناس فيقيسون بها ما سيفعله ~~المصريون لأنفسهم يوم تشرق عليهم شمس الاستقلال التام، أما المستقبل فما أيسر أن نقص ~~على الناس ما تنوي الأمة أن تستوفيه من عظمته ومجده. # سنصلح المالية فلا تنفق أموالنا آلافا مؤلفة فيما لا ينفع، ونذرا يسيرا فيما ينفع ~~ظاهرا ويضر باطنا، ولا تكون خزانتنا كالوقف الأهلي تفيض على الموظفين الإنكليز في ~~غدواتهم وروحاتهم، وفي يقظتهم ونومهم، وفي حضرتهم وغيابهم، وفي بقائهم موظفين فإذا ~~اعتزلوا الوظائف وعادوا إلى بلادهم أفاضت عليهم معاشا ms67 فخما ضخما، ومكافآت أضخم وأفخم ~~من المعاش، ولا تخترع لنا كل ساعة أمورا جديدة يبرق ظاهرها باسم «مشروعات الإصلاح» وهي ~~تستنفد المال ولو كان جبالا. # سنصلح ماليتنا ونحفظها وهي جديرة بالإصلاح والحفظ؛ لأنها وافرة ولأن الينابيع التي ~~تفيض بها فائرة مباركة، وبعد أن نصلحها ونحفظها يرانا العالم برآء من الدين الثقيل، ~~ونشعر بأننا خفاف لا ننوء بالدين الذي يعجب الناس منه لأنه باق إلى الآن، ولأنه ما ~~كان ينبغي أن يبقى على حاله؛ فإن مصر غنية، والمزعوم أنها سعدت بالإصلاح المالي ~~العظيم. # وسنصلح حياتنا الاقتصادية فنعود كما كنا أغنياء عن غيرنا إلا ما يقتضيه تبادل المنافع ~~وتداول المصالح، تروج تجارتنا رواجا لا يقف بها داخل حدود البلاد، ولا يجعل حياتها ~~معلقة على استجلاب المتاجر من الجهات التي أرادتها السياسة، وتنهض صناعتنا بما يشد أزر ~~التجارة ويضاعف سعتها، وما يفي للأمة بحاجاتها من مصنوعاتها الوطنية الخاصة، فيبقى ~~الربح لنا وتنمو به ثروتنا وتقوى مصالحنا، ويتوفر العمل لأبناء الأمة فلا يشقى عاطل ~~بعيشه، ولا يختل النظام العام بكثرة العاطلين. # وسنصلح حياتنا العلمية، فلا نرى العلم تجارة في يد الحكومة تبخل به على من يعجز عن ~~ثمنه، ولا تظل هذه التجارة رديئة النوع غالية الثمن كما هي الآن في السوق التي أقامتها ~~سياسة التعليم، على أن العلم النافع، علم الحياة في هذا العصر، علم المزاحمة والمنافسة، ~~هو الذي سنفجر عيونه فتروي نفوسا كاد يقتلها الظمأ، وتضيء سبيلا كثرت شبهاتها بظلام ~~العلم الناقص الأبتر. # وسنصلح حياتنا الاجتماعية، فلا تطغى علينا سيول الفساد، ولا يدخل غش المدنية بأدرانها ~~وأوضارها على النفوس الطاهرة والأخلاق المرضية، ولا تبقى الأبواب مفتوحة لكل طارق، ~~يبيعنا السم الزعاف فيقتلنا بثمن نؤديه إليه، ويقضي على أخلاقنا وقوميتنا بجزاء حسن ~~نجزيه به. # لا نريد أن يشاركنا أحد في أنفسنا، لنوصد أبواب الفساد ونشرح صدر الشرف الذي خذلته ~~المدنية السياسية فأصبح حزينا كئيبا. # سنصلح جملة شأننا وعامة أمرنا، فنقف بين الأمم أمة لا ينكر الناس منها أن حاضرها غير ~~ماضيها، وأن حياتها لا ms68 تتفق مع مزايا وطنها، وهيهات أن نصلح جملة الشأن وعامة الأمر، ~~إلا أن نكون مع أنفسنا، وأن يرفع كل غريب يده عنا. # أوحت إلينا التجاريب الكثيرة القاسية أن السياسة تكون صادقة لأنها تقسم وتحلف وتتعهد، ~~ولكن التجاريب أوحت إلينا أيضا أن صدق السياسة هو الكذب، إنا لا نطمع في صدق ~~السياسة، بل نطمع في أن نقيم الحجة على أننا أمة تريد لنفسها ما تريده الأمة الإنكليزية ~~لنفسها، ولا ننتظر أن تقول السياسة الإنكليزية إنكم تطلبون شططا. فإن الناس يجيبونها ~~إذن: لقد طلبت الأمة الإنكليزية لنفسها شططا. # يقول المستر لويد جورج من خطبته في حفلة الاحتفاء بالجنرال اللنبي: ~~«لقد أبنا بتمام الجلاء أن الأمة تريد أن تكون سيدة منزلها، سيدة صاحبة عزم ~~وحزم، والآن تريد أن تبين أنها تريد أن تكون سيدة عادلة، ولكن تريد أن تكون سيدة ~~على كل حال». # ونحن نريد أن نسأل: هل السؤدد في المنزل الخاص نعمة خلقها الله للأمة الإنكليزية ~~وحدها؟ اللهم لا، فهو نعمة خلقها الله لكل أمة؛ إذن لماذا يكون من فضائل الأمة ~~الإنكليزية أنها تريد أن تكون سيدة منزلها ولا يكون من فضائل الأمة المصرية أنها تريد ~~أن تكون سيدة منزلها أيضا؟ هل تقترف هذه الأمة جريمة عظيمة إذا أرادت ذلك؟! # كلا: إن أمتنا تريد أن تكون سيدة منزلها، ولكنها لا تريد أن تكون سيدة على كل حال كما ~~قال المستر لويد جورج في الأمة الإنكليزية، بل تريد أن تكون سيدة عادلة، سيدة صاحبة عزم ~~وحزم، في حال واحدة هي العدل، فإذا لم تجد العدل في الرضا بإرادتها، فهنالك ~~تقول: # أريد أن أكون سيدة منزلي على كل حال. # الفصل الثامن عشر # | نظراؤنا في الحياة # «لتحي مصر، وليحي الاستقلال التام» # الأمة المصرية # تتجنى علينا السياسة النهمة، فلا ترانا أهلا لأن نحكم أنفسنا بأنفسنا، على أنها تقول ~~ذلك ظاهرا ويخفي صدرها ما علمت من الحق، وهو أننا أهل لأن نحكم أنفسنا، بل أهل لأن ~~نحكم غيرنا لا حكم الظالم للمظلوم، بل حكم المرشد للمسترشد. # أما ms69 السياسة القانعة المنصفة فتظهر الحق وتؤيد أصحابه، فإذا نحن استثنينا السياسة ~~الإنكليزية الاستعمارية، واستثنينا سياسة الأربعة الذين أقاموا أنفسهم متصرفين في الأرض ~~حين جلسوا جلستهم من مؤتمر الصلح، بقيت سياسة الشعوب في الغرب أجمع فإذا سأل أحد: ماذا ~~ترى الشعوب وماذا يرى ساستها المنصفون؟ فحسب السائل أن يعلم أن في أمريكا وحدها 600 ~~صحيفة تتناول القضية المصرية بالتأييد، وعليه أن يقيس بها غيرها، ولكن ألسنة الاستعمار ~~السمجة لم تزل تدعي أن المصريين ليسوا أهلا للاستقلال التام، وأنهم يحتاجون إلى ~~الدربة عليه، ولا بد من أستاذ مدرب، هذا الأستاذ هو السياسة البريطانية خاصة. # ونحن ماذا نقول لندفع زعما ليس من الصدق في شيء؟ إنه زعم أحبطه ما فيه من الباطل، ~~ولكن المكابرة السياسية تقضي أن نقف لأصحابها - لا لغيرهم - موقف التدليل بالبرهان على ~~البديهيات مما لا يحتاج إلى دليل أمام العقل المبصر، فإن لم يقتنعوا بالبديهيات ~~وبراهينها، شهد عليهم الناس أنهم معاندون، يعرفون الحق ويكتمونه. # لم تزل السياسة البريطانية تطالب الشعب اليوناني ألا ينسى جميلها عنده، ولا يغفل عن ~~دينها عليه، تقول هذه السياسة إن لها على هذا الشعب جميل الإنقاذ ودين الحرية، والشعب ~~اليوناني معدود من الشعوب الشرقية، وقد ظفر باستقلاله منذ زمن طويل، ولم يقل أحد إنه ~~كان يوم نال استقلاله أعرف بالحكم الذاتي من الشعب المصري في أيامه الحاضرة، ولا أوفر ~~منه عددا ومالا، ولا أرسخ وطنية وعزما، ولا أوسع كفاءة وعلما، كانت السياسة ~~البريطانية تعرف ذلك ولم تزل تعرفه، فلماذا لم تطلب يوم أنقذت الشعب اليوناني أن ~~تتولاه بالتعليم والإصلاح لتؤهله للحكم الذاتي؟! # الشعب المصري لا يقل عن الشعب الروماني غنى وقوة وحياة، فهل يعلمون أن أحدا تولى ~~رومانيا بحماية أو وصاية حتى لقنها دروس الحكم الذاتي وسقاها وسيلة الاستقلال التام؟ ~~وهكذا يقال في البلغاريين والصربيين وأهل الجبل الأسود، بل نطلب من السياسة الاستعمارية ~~أن تدل الناس على المدرسة التي سيدخلها اليوغسلافيون اليوم ليتلقوا دروس الاستقلال على ~~أساتذة الاستعمار. # يقولون: إن الشرق لم يزل تلميذا صغيرا يفتقر ms70 إلى أستاذ هو الغرب، يقولون ذلك كلما ~~صدمتهم حجة الشعوب الشرقية التي أخمدت أنفاسها أثقال الاستعمار، ويقولون حينما يقسمون ~~الأرض شرقا وغربا إن شعوب البلقان كلها شرقية، فماذا يقولون لمن يقيم الحجة على أن ~~الشرق أستاذ نفسه في حاضره، وأستاذ الغرب في ماضيه ويستدل على صدق هذا القول بهذه ~~الشعوب؟ أيكذبون أنفسهم مرة أخرى فيزعموا أن شعوب البلقان أوربية غربية؟ فليكن ذلك ~~كذلك، غير أن الحق يلجمهم إذا نهضت حجته من ناحية اليابان، ثم من ناحية شعوب روسيا ~~الشرقية التي وقفت السياسة أمامها حائرة متذبذبة، فمرة تعرف لها حق الاستقلال، ومرة ~~تنكره عليها، وأخرى تسكت عن الإقرار والإنكار! # وبعد كم من السنين تصبح الأمة المصرية أهلا للاستقلال التام على يد السياسة ~~الإنكليزية؟ إنهم يريدون منا أن نصدق أن مصيرنا إلى الاستقلال في أيديهم، ولكنا نطلب ~~مثلا واحدا، يشهد أن إنكلترا تركت أمة من الأمم التي كانت متغلبة عليها قائلة لها: ~~اليوم أستودعك الله فاذكري هذا الجميل. # أين هذه الأمة؟ أهي أمريكا التي أنقذت نفسها كما تنقذ كل أمة نفسها؟ أم هي البوير ~~وأمرها معلوم؟ أم هي كندا وحالها غير مجهولة؟ على أن يد الاستعمار البريطاني قبضت على ~~بعض الأمم الكبيرة العظيمة الغنية دهرا يربو على مئة عام، فهل كان هذا الدهر كافيا ~~لتعليم تلك الأمة وإصلاحها وتدريبها على الحكم الذاتي ثم توديعها بسلام؟! # اللهم إن مصر لا تريد أن تبقى مئة عام فإنها تعلم أن السياسة لا تقنع بالدهر كله ~~أجلا للاعتراف بأنها قادرة على حكم نفسها بنفسها. # إن السياسة التي لا تخزيها هذه المزاعم، تقف الآن لبعض الأمم المستقلة موقف النمر ~~المتحفز للافتراس، تتحفز السياسة لتثب على تلك الأمم المستقلة فتفجعها في ~~استقلالها، فهل ينتظر أن تجود من نفسها بالاستقلال على أمة محرومة منه؟ وهل ينتظر أن ~~تصدق في دعواها أنها تهيئ هذه الأمة للاستقلال؟ # إلى هنا مزقنا حجاب الإبهام عن مفاخر السياسة الإنكليزية في هذه البلاد، فانكشفت ~~تلك المفاخر ورآها الناس هباء، فلا الإصلاح إصلاح، ولا التعليم تعليم، ms71 ولا الإدارة ~~إدارة، ولا النظام نظام، وليس للصدق شائبة في كل ما يدعون أنه إصلاح غير أن هناك ~~مفخرة يظن الساذجون أنها حق ولم تكن إلا باطلا تلك التي يسمونها إنقاذ المصريين من ~~السخرة، أو من ظلم الحكام قبل الاحتلال الإنكليزي، أما نسبتها إلى هؤلاء المصلحين فخطأ ~~كنسبة كل شيء إليهم، والصواب ما قاله المؤيد في رده على خطبة اللورد كرومر في حفلة ~~وداعه المشهورة وهذا نصه: ~~«وقد فات اللورد أن حكومة مصر قد قررت قرارها في أمر العونة قبل الاحتلال وكانت ~~سائرة في طريق التنفيذ، وأن أول معاهدة للرق كانت بينها وبين إنكلترا قبل عهد ~~اللورد بسنين، وأن النظامات القانونية التي سوت بين الأمير والحقير في النهاية لم ~~يضع أساسها في مصر اللورد ولا قومه، وأن الناس نشطوا إلى الكسب والعمل وأخذوا يجنون ~~ثمار أعمالهم من يوم بدئ برفع أثقال الضرائب الشاذة عن كواهلهم، وأن ما رفع من ~~هذه الأثقال في سنتي 80 و81 قد بلغ أكثر من مليوني جنيه مع أن ما رفع من هذه ~~الأثقال في زمن الاحتلال لم يزد عن 604 ألف جنيه سنويا». # إذا كان هذا هو الحق فماذا يبقى للسياسة من المفاخر؟؟ اللهم لا شيء؛ إذن فخير شيء أن ~~ترحل عنا، فإن كل لحظة تمضيها معنا تزيد عدم تصديقها اتساعا، وتزيدنا تأخرا ~~وضياعا. # نحن نطلب ما يطلبه كل حي في الوجود. # نطلب ما لا يرضى خصومنا أن يفقدوه. # نطلب النعمة التي تطلبها الأمم بأعز شيء عليها. # نطلب الاستقلال التام، فلا تنام عنه عين أحد فينا، حتى يقضي الله بأمره. # لتحي مصر، وليحي الاستقلال التام # | خاتمة # نثبت هنا المقالة التي نشرها الباحث المدقق الأستاذ الههياوي أفندي في جريدة الأفكار ~~الغراء إبان توليه رئاسة تحريرها أخيرا تحت عنوان «الشعب القوي» فإنها أثمن خاتمة ~~تلحق بتلك الآيات البينات، لما تضمنته من القضايا الصحيحة والمقدمات المنتجة في مسألتي: ~~القوة والضعف، وكيف يناوئ الضعيف الذليل ذا القوة الغاشمة والجبروت الظالم فينال حقه ~~منه. قال: # ليس الشعب القوي من يملأ ms72 البحار حديدا ونارا، ويملأ الأرض فضة وذهبا، وينزل ~~أفرادا منه منزلة الملائكة من الناس يحسبون أنهم أطهار وإن دنسوا، أبرار وإن غدروا، ~~ولكن الشعب القوي هو من تكون له روح الثقة بنفسه، ومن ينطوي صدره على إرادة للحياة، ~~تذيب الحديد ولا يذيبها. # لم تخلق القوة مع الأقوياء يوم خرجوا إلى الأرض، فكل قوة مسبوقة بضعف، ولكن الأقوياء ~~أرادوا أن يغلبوا الزمن ويصرعوا الأيام، فطردوا من نفوسهم هواجس الضعف، ونزعوا من ~~صدورهم رهبة القوي المخيف، وثبتوا على الإيمان بأنهم أقوياء في ضعفهم، ما داموا يرون في ~~أنفسهم قوما أهلا للحياة، وأهلا لما تقتضيه الحياة من إباء الضيم، والغيرة على حق ~~الوجود. # إن الضعيف الذي يترفع عن وصفه بالخور وقصر الباع وانحلال العزيمة يجد في قرارة نفسه ~~قوة معنوية، إن لم تكن هي القوة المادية التي تبطش وتحطم فهي سبيلها المؤدية إليها ~~حتما، وليست بالضعيف حاجة إلى القوة الباطشة ليصول بها على أمثاله الضعفاء، ولكن حاجته ~~إليها حاجة الأعزل إلى السلاح يدفع به عن حياته، فإذا عاش عاش كريما مهيبا، وإذا مات ~~مات شريفا، هذه كلها حاجة الضعيف إلى القوة كي لا يموت كما يموت المغفلون. # حسب الذي يظن بنفسه الضعف أن تكون له إرادة الأقوياء ليكون قويا، هذه حقيقة تتناول ~~الناس جميعا، أما أن ننظر إلى مكانها من حياة الشعب المصري فذلك الذي يشهد الحق بأنها ~~كاملة فيه. # تصعد الآمال بنا إلى السماء أو ما فوقها، وترتفع آمالنا على أطراف العزائم الصادقة ~~ويثبت أصلها في أعماق القلوب المؤتلفة، وإذا كان في الأرض شعب خليق أن تعجل له عزيمته ~~وصدق إخلاصه لنفسه بالمطلب الجليل؛ فذلك هو الشعب المصري، ولكنا نخشى أن يكون ضلال بعض ~~الآراء القديمة لم يزل ضاربا حجابه على بعض النفوس، بل نحن لا نخشى ذلك ولا نخاف أن ~~يكون في مصر أمثال أولئك الذين كانوا يقولون: أين نحن من خصومنا، وأين قوتنا من قوتهم، ~~وكيف السبيل إلى الحق الضائع ونحن ضعفاء؟ # هذا سم كانت النفوس الميتة تعصره من خور ms73 العزيمة وسقوط الهمة ومرض القلب، والآن كل ~~مصري يقول: أين نصيب الظالم من الثبات بجانب المظلوم؟ وأين قلق الغاصب من رزانة المغصوب ~~منه؟ وأين برودة الغالب من نار المغلوب؟ بل أين ضجعة الباطل من صولة الحق؟ وقد يعجب من ~~هذا الذين خدعتهم ظواهر الناس، ولكنهم سيطمئنون بالحقيقة إذا رجعوا إلى تاريخ ~~العالم. # هل كانت أمة ضعيفة فبقيت على ضعفها أبد الدهر؟ وهل كانت أمة قوية فسالمتها الأيام ثم ~~كتبت لها عهدا أن تبقى على قوتها؟ إن شمس السماء تحدث أهل الأرض بمن كانوا أهل قوة ~~وبأس فضربهم الزمن حتى أفناهم، وإن الأرض لتخبر أنها حملت آخرين كانوا من الضعف في درجة ~~العدم، ثم استحال ضعفهم قوة فعزوا بعد ذلتهم، وحيوا بعد موتهم؟ وكيف نفتري الكذب على ~~الله فيجري في بعض الخواطر أن الله خلق الضعف لباسا لصنف من أصناف البشر وخلق القوة ~~تاجا لصنف آخر. وهذا لسان التاريخ يخبرنا أن القوة والضعف صفتان تداولتهما البشرية، ~~ولا تزال تتداولهما بين أبنائها. # إن قيل إن هناك ميزانا يعرف به نصيب كل شعب من قوة الحياة فإنا نقول: إننا شعب ~~رجحت به كفة الميزان، أليست القوة أثرا تتركه المواهب الإنسانية، وثمرة تخرجها خصائص ~~الوطن المعين؟ فمن ذا الذي يقول إن المصريين لم ينالوا من تلك المواهب نصيبهم الأوفر، ~~وإن وطنهم لم ينفرد من تلك الخصائص بأجلها وأطيبها؟ إن كانت الثروة إحدى وسائل القوة ~~الباطشة؛ فإن مصر أوفر بلاد الله ثروة ومالا، وإن كان الذكاء والأنفة والماضي الحافل ~~بالمجد بعض هذه الوسائل، فالمصري الذي طوق عنق أوربا بفضل المعلم على التلميذ، والذي ~~أقام صرح مجده القديم بين كواكب السماء، والذي أقسم ألا يقبل هضما، ولا يحمل ~~ضيما، هذا المصري القوي خليق أن ينشر سلطانه بقوته، إذا قيل: أين الجديرون بالقوة ~~القادرون في حكم العدل على بسطة السلطان. # لسنا نصف شيئا من صياغة الخيال، بل نحن نصف الواقع الذي خرج من يد أهله، ونصف ~~الحق الذي يجب أن يكون ويطلب ويرده أصحابه إلى أنفسهم، فإذا ms74 أحد وصفنا بالضعف فقد أراد ~~بنا سوءا، وإذا أحد أراد أن يقنعنا بأننا ضعفاء فقد أغرانا بالجمود، وإذا نحن سمعنا ~~ذلك وصدقناه، أو وصفنا به أمتنا، فقد وضعنا بأيدينا أغلال الهوان في أعناقنا، وإنما ~~ينبغي أن نكون أنصار الحقيقة فيما تقضي به لنا، والحقيقة تقضي أننا شعب اختصه الله ~~بأسباب القوة، فلا ينقصنا إلا أن نعتقد أننا أقوياء بما لدينا من تلك الأسباب، وألا ~~نعطل أسباب قوتنا أو نتركها يقوى بها غيرنا؛ وإنا إذن لترانا في قوة الأحياء العاملين ~~المرهوبين، ما دمنا نطلب ما طلبه الضعفاء من قبلنا. # يجب أن نقول بل نعتقد أننا أهل قوة، لننظر في أنفسنا فنعالج ما ينقصنا من القوة، ويجب ~~أن نثق كل الثقة بأن لنا قوة روحية لا تهبط عن مثلها في أعظم الشعوب حياة، هنالك تدفعنا ~~هذه القوة الروحية في طريقها فإذن نحن أقوياء من كل وجه. ms75