######OpenITI# #META# URI: 1363CabdRahmanBarquqi.Firdaws.Hindawi16420804 #META# Tags: literature #META# ID: 16420804 #META# Title: الفردوس #META# AuthorID: 29508305 #META# Author: عبد الرحمن البرقوقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قصة الفردوس‏ # الأديب يدخل الجنة‏ # الأديب يركب زورقا في الجنة‏ # مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة‏ # قصة الفردوس‏ # الأديب يدخل الجنة‏ # الأديب يركب زورقا في الجنة‏ # مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة‏ # | الفردوس # | الفردوس # تأليف # عبد الرحمن البرقوقي # | قصة الفردوس # بسم الله الرحمن الرحيم، ومنه سبحانه وتعالى نستمد العون والتيسير. # أما بعد؛ فهذه نظرات وفكر، آمل أن تكون موفقة بعيدة الأثر، و«ثمرات أوراق» يانعات، # 1 # أرجو أن تكون حبيبة إلى القلوب سائغات، وشطحات أشتات # 2 # بين حق وما يشبه الباطل، وجد وما يشاكل الهزل الهازل، ومناقلات أبكار، # 3 # وضعتها على ألسنة أعلام بررة أخيار، ومثاقفات عذراوات عزوتها إلى أديب أولع ~~بالأدب العربي القديم، وآثاره العبقريات الأوابد # 4 # من نثير ونظيم. ~~••• # حوال سنة 1906م دعاني إليه، المأسوف عليه، إمام اللغة و«البيان» في عصره، الشيخ إبراهيم ~~اليازجي، وكان قد «نظمني وإياه ود قديم، ولف هواي بهواه عهد كريم»، حتى إذا أجبته ناولني ~~دفترا مخطوطا، وقال: هذه رسالة الغفران للمعري، كلفني الوراق الناشر المشهور «أمين هنديه» ~~أن أصححها وأضبطها بالشكل الكامل كي يخرجها بالطبع على هذا الوضع، فنصحت له بأن تقوم أنت ~~بهذه المهمة التي أراها # 5 # شاقة مضنية، ولكنك - إن شاء الله - بمثلها زعيم # 6 ~~... # فقرأت الرسالة، ثم توفرت على ضبطها بعد أن اقترحت على الناشر شرحها، فأبى إلا طبعها مجردة ~~من الشرح، فكان، وكان أن سحرت بهذه رسالة الغفران، وكان من أثر هذا السحر أن فكرت في عمل ~~أنحو فيه هذا المنحى، من جهة المظهر والمبنى، لا من جهة المخبر والمعنى، وأحتذي فيه على هذا ~~الحذو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. # 7 # فاستخرت الله تعالى فخار لي، وصممت على ارتسام ما رسمت، وأخذت في هذا العمل على ~~النحو الذي ترى ... وأسميته «الفردوس أو سياحة في الآخرة»، وكتبت آنئذ طائفة من الكلام تنتهي ~~بوصول الأديب إلى قصر شيخنا الأستاذ الإمام «محمد عبده» في الجنة، ثم صرفتني عنه تصاريف ~~الأيام، وخطر الدهر من خطراته، # 8 # وتصرمت السنون، ms01 وتجرمت الدهور، # 9 # حتى إذا كانت سنة 1927 زارني أحد أصدقائي من كتاب إحدى المجلات الأسبوعية، ~~وسألني شيئا ينشره لي، فعرضت عليه أشياء من بينها هذه القطعة من «الفردوس»، فأخذ في ~~إذاعتها، فحفزني ذلك إلى إتمامها، فخطوت فيها خطوات رغيبات # 10 ~~... # وأخيرا، وفي هذه الأيام، اقترح علي أخ لي كريم أن أبادر بطبع هذا «الفردوس» منجما على ~~أسفار، على الرغم من غلاء الأسعار، فامتثلت وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، لا لشيء سوى أنني ~~أخشى ألا يروق مثل هذا الأسلوب طائفة من مثقفي هذا الجيل، لما يغلب على بعض مواضعه من ~~الغريب والصناعة البيانية، من تشبيه واستعارة وسجع وازدواج وتضمين واقتباس ووصف مسهب، وما ~~إلى ذلك مما قد ينبو به ذوق فئام # 11 # من أدباء هذه الأيام ... بيد أني أظن أن هناك على هذا جمهرة متوافرة من عشاق ~~البيان، ولغة الضاد والفرقان، قد يقع منهم مثل هذا العمل موقعا تراح له نفوسهم، # 12 # وتصبو إليه أفئدتهم، لا من جهة عرضه هذا العرض المستطرف - وأستغفر الله - فحسب، ~~ولكن لهذا، ولما تضمنه من فكر وآراء هي نتاج التجاريب، وثمار الاطلاع والبحث والتنقيب، ~~يظاهر ذلك حق صراح، وصدق صادق محض براح # 13 ~~... # على أن ما قد يلاحظ من ضروب الصناعة إنما يكثر في صدر «الفردوس» لا في سائره، وفي أوائل ~~عرضه لا في أوساطه وأواخره، إذ وشي هذا القسم أيام الشباب، وجنون الغرام بالأدب المزور اللباب، # 14 # أما ما يفرط من القلم أحيانا مما هو بالهزل والمجون أشبه، فإنما الهدف فيه، ~~بعد الإحماض والتفكيه، # 15 # هو الاستعانة على ما وراء ذلك، من دقيق الأغراض وخفي المسالك، ورحم الله من ~~قال: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو والباطل؛ ليكون ذلك أعون لها على الحق ... أو كما ~~قال. ~~«وأما بعد» فإن هذا «الفردوس» إنما هو - كما ترى - وصلة إلى عرض أنماط مختلفة من الكلام، ~~وألوان شتى من القول، في كل ما عسى أن يفكر فيه المفكرون، من ضروب العلم والعرفان، وأفانين ~~الثقافة والبيان، وسيطول هذا «الفردوس» ms02 ويستوسع، حتى لقد يستوعب عدة أسفار، وحتى ليصح أن ~~يعد هذا السفر غيضا من فيض ، بالإضافة إلى سائر الكتاب. # والله سبحانه هو الموفق إلى إتمام هذا العمل، وأن يجعل القبول حليفه، ورضا الناطقين ~~بالضاد عنه أليفه، إنه سميع الدعاء، وهو حسبي ونعم الوكيل. # عبد الرحمن البرقوقي # ربيع الآخر سنة 1359ه/مايو سنة 1940م ~~••• # حدث أديب ثبت # 16 # ثقة قال: # إني لفي بيتي ذات ليلة من الليالي، وقد تزويت في زاوية من السرير، # 17 # وبالقرب مني مصباحي الإضحيان المنير، # 18 # ثم أخذت أنزه النفس، وأجلو صدأ الحس، في روضة من رياض الكتب والأسفار، ونزهة ~~من نزه الأدب والآثار، أجتلي أنوارها، # 19 # وأجتني من كثب أثمارها، # 20 # وأتفيأ ظلها الوارف الظليل، # 21 # وأنسم روحها الندي العليل، # 22 # ويرتع قلبي من جنباتها في مرتع خصيب، ويكتسي لبي من أوراقها بثوب من الحكمة قشيب، # 23 # وأنفي الهم برحيق كوثرها عن ساحة صدري، # 24 # وأكرع من جداولها العذاب النطاف وهي بين سحري ونحري، # 25 # وأستشفي بترياقها من علل هذا الناس وأدوائه، # 26 # ومن بلايا هذا العالم المنكوس وأرزائه. # 27 # عالم أشبهوا القرود ولكن # خالفوها في خفة الأرواح ~~••• # يحسن مرأى لبني آدم # وكلهم في الذوق لا يعذب # ما فيهم بر ولا ناسك # إلا إلى نفع له يجذب # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تظلم الناس ولا تكذب ~~••• # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # وما زلت في هذه الروضة الذهنية، وهاتيك النزهة الروحية العلوية، إلى أن شمر الدجى للرحيل ~~الذيل، وكاد النهار يصيح بجانب الليل. # 28 # وقد فكت الظلماء بعض قيودها # وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا # وكان البيت لا يحتوي أحدا غيري، فكان الصدر وكنت في طيه السر المكتم، وكان الحامل ~~العشراء وكنت الجنين غير التوأم، # 29 # وكان الجفن وكنت فيه السلاح، # 30 # وكان السحاب المركوم، وكان مصباحي البارق اللماح. # 31 # وإني لكذلك؛ إذ طرق باب غرفتي طرقا خفيفا، ثم قرع بعد هنية طرقا عنيفا، فانتبهت مما ~~أنا فيه، ومشى قلبي في صدري حتى ms03 شاع الذعر في جميع نواحيه، وقلت في نفسي: ترى من بالباب؟! ~~ومن الطارق المنتاب؟! # 32 # أملك كريم، أم شيطان رجيم؟ وانثالت الهواجس على قلبي انثيالا، # 33 # وتقاطرت الوساوس على صدري أرسالا، # 34 # وإني لمرتطم في هذه الغمرة، # 35 # وغاشية هاتيك السكرة، # 36 # إذ تحرك الباب في سكون، وفتح في رفق ولين حتى لا تكاد تحس اختلاجه الظنون، # 37 # ثم اقتحم الغرفة شبح نوراني، مفرغ في قالب إنساني، يسطع النور حواليه، ويرفرف ~~روح الجلال والروعة عليه: # فتى روحه روح بسيط كيانه # ومسكن ذاك الروح نور مجسد # صفى ونفى عنه القذى فكأنه # إذا ما استشفته العيون مصعد # 38 ~~••• # تنفذ العين فيه حتى تراها # أخطأته من رقة المستشف # كهواء بلا هباء مشوب # بضياء أرقق بذاك وأصف # فلا تسل بعد ذلك عما دهاني، فقد قبعت كالقنفذ في مكاني، وبراني الرعب حتى لتقتحمني العين ~~ولا تكاد تراني، وتقلصت من الفم الشفتان، وكادت تنقطع نياط الجنان # 39 # ونال مني الخوف حتى أحالني عرضا، # 40 # بعد أن أوسعني حرضا، # 41 # وفغر الموت فاه، # 42 # وكادت تطير من جسمي الحياة، ولم يبق في إلا نفس خافت، وعين إنسانها باهت: # 43 # روح تردد في مثل الخلال إذا # أطارت الريح عنه الثوب لم يبن # وجملة القول أني استحلت إلى حال: # يكاد وجيب قلوب الرجال # من خوف مكروهها يسمع # 44 ~~••• # لقد خفت حتى خلت أن ليس ناظر # إلى أحد غيري فكدت أطير # وليس فم إلا بسري محدث # وليس يد إلا إلي تشير # ثم لمحت الخيال وقد أخذ يتخطر في الغرفة بين جيئة وذهوب وغدو ورواح، وبعد خطوات معدودات ~~وقف الخيال، وانتصب أمامي انتصاب التمثال، واستقبلني كما يستقبل المصلي الإمام، أو بيت ~~الله الحرام، ثم حدقني مبرقا بعينيه، وأتأر إلي - ساهم الوجه - ناظريه، # 45 # ولحظته وكأنه أشفق علي وخاف إن هو مضى في صمته هذا أن أفيظ، # 46 # وألفظ النفس الأخير، فأخذ يليح بيديه إلاحة يريد أن يفرخ روعي، # 47 # ويميت خيفتي، ثم رأيته يترمرم، # 48 # وأذنت من ناحيته صوتا خفيتا رفيقا ms04 كأنه خفق النسيم في السحر: # 49 # لا عليك يا أخي لا عليك، وليس إلا الخير صرفا ساقه الله إليك، وليهنئك ما أنت ~~قادم عليه # 50 ~~... فأنا يا أخي نبي الله الخضر ... وقد أمرت أن أستصحبك وأصعد بك اليوم إلى المحل ~~الأرفع والملكوت الأعلى، إلى حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ... فقم يا ~~أخي، قم ولا تن وخل الهوينا # 51 # للضعيف، واتبعني حيثما سرت، ولست أطلب إليك إلا أن تلزم الصمت، ولا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ... ~~••• # وما كاد نبي الله الخضر يتم هذه الكلمات حتى قرت العين، وانكشف الرين، وذهب الأين، وكأنما ~~أنشطت من عقال، # 52 # فلا وربك: ما البرء بعد السقم، والخصب بعد الجدب، والغنى بعد الفقر، وما ~~طاعة المحبوب، وفرج المكروب، والوصال الدائم، والشباب الناعم، بأحلى وأروح من هذه ~~المنهاة، التي انتهت بها هذه المأساة: # 53 # ما زلت في غمرات الموت مطرحا # يضيق عني وسيع الرأي من حيلي # فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي # حتى اختلست حياتي من يدي أجلي # وبعد ذلك أحسست أنا الآخر كأنني استحلت إلى جسم نوراني شفاف، وأن مادة جثماني آضت إلى ~~معنى روحاني، وما هو إلا كلا ولا، أو كحسو الطائر الماء وقد خاف الملا، # 54 # حتى زويت لنا الأرض، # 55 # ورأيتني ونبي الله في صحراء دوية براح قذف خلاء، # 56 # مطوقة أطرافها بآفاق السماء، واسعة الجوانب، مجهولة المذاهب، تغتال الخطى، # 57 # ويحار فيها القطا: # 58 # تجري الرياح بها حسرى مولهة # حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد # في فسحة الظنون، بيد أنه تكبو دون غاياتها الخواطر وتخسأ الأبصار، # 59 # في روعة الخلود، وهل للخلود روعة أروع من ذا أو انبهار! # فضاء يرد العين حسرى # يقص جناح الفكر وهو محلق # ومفازة هائلة لا تسمع فيها لواطئ همسا، ولا لنابح جرسا، # 60 # وجو ساج سجسج، # 61 # وسحر طلق روح أبلج. # 62 # نسيمه كالراح لو يحتوى # والروح لو يعقد منحله ~~••• # من نسيم كأن مسراه في الأر # واح مسرى الأرواح ms05 في الأجساد # وسماء زرقاء صافية، ونجوم كأنها في لجة هذا البحر دراري طافية، # 63 # أو أزاهر طلها الندى فهي ترف رفيفا، # 64 # أو قلوب لذعها الحب فهي لا تني خفوقا ووجيفا، أو هي مسامير أبواب الجنة تبص وتلتمع، # 65 # أو هي عيون الأبدية ترنو إلينا رنوات تهيب بنا أن نستحي ونرتدع، # 66 # أو هي ثقوب تخترق طباق السماوات العلى، فتشع منها أنوار الإله جل وعلا، والبدر ~~منتصب بين هاتيك الكواكب، كأنه ملك بين أجناده والمواكب، وكوكب الزهرة تأتلق في روعة ~~لمعته، فلولا التقى لقلت جلت قدرته، والجوزاء كفأرة تسبح، أو غادة ترقص في مسرح، والحوت ~~يسبح في السماء كما يسبح بحذق في الماء. # وبنات نعش يشتددن كأنها # بقرات رمل خلفهن جآذر ~~••• # ورنا إلي الفرقدان كما رنت # زرقاء تنظر من نقاب أسود ~~••• # ولاحت لساريها الثريا كأنها # على الجانب الغربي قرط مسلسل ~~••• # وسهيل كوجنة الحب في اللو # ن وقلب المحب في الخفقان # مستبدا كأنه الفارس المع # لم يبدو معارض الفرسان # يسرع اللمح في احمرار كما # تسرع في اللمح مقلة الغضبان # 67 ~~••• # وقد لاح فجر يغمر الجو نوره # كما انفجرت بالماء عين على الأرض # حتى إذا قوضت خيام الظلام، وفرت أسراب النجوم من حدق الأنام، لمحت على قيد خطوة # 68 # منا براقين، أبيضين يققين، # 69 # خيل إلي أنهما في انتظارنا، معدان لركوبنا، وكذلك كانا؛ فقد تدلف # 70 # إليهما نبي الله الخضر فامتطى أحدهما، ثم أشار إلي أن أمتطي الآخر، وما كدت ~~أمتطي براقي حتى رأيت منه عفرية نفرية مرحا أرنا صلتان، كأنه كما قيل شيطان في أشطان، # 71 # يكاد مما يزدهيه صلفه يطير، # 72 # فكأنما لسعته الزنابير، # 73 # أو كأن الترب الذي يلامسه حسك السعدان # 74 # أو كأنما خالطت هامته الخندريس فهو معربد سكران، # 75 # أما البراق فهو الطرف نعم الطرف # 76 # وهو لعبقريته يكاد يستغرق الوصف، وحسبه أنه ركوبة الأنبياء، لا يعرج بهم غيره ~~إلى السماء، وأنت فإذا نظرت منعما # 77 # إليه، خلت الثريا طالعة بين عينيه، وتوهمت الجوزاء في رسغيه، # 78 ms06 # وحسبت الضياء قد هريق # 79 # عليه. # فكأنما لطم الصباح جبينه # فاقتص منه فخاض في أحشائه # أما عيناه فسوداوان، ولكن سوادهما كله نور، يريان الشيء البعيد في حلك الديجور. # 80 # يرى طامح العينين يرنو كأنه # مؤانس ذعر فهو بالأذن خائل # 81 # وأما أذناه فمؤللتان مرهفتان، كأنهما يراعتان محرفتان، # 82 # فكأنه مصغ لسماع الإذن بالسرى، من سائس لهما لا يرى، وأما متنه فلين ~~الأعطاف، وطيء الأكناف، فإذا أنت امتطيته أصبت ليانا في ليان، فكأن ثمة نسبا بين عظامه ~~والخيزران، وأما ذنبه فذيل العروس، وجناح الطاووس ، وأما حافره فالفيروزج زرقه، وهو على ذلك ~~كله كالهواء رقه. # طرف تبين للبصير وغيره # فيه النجابة جاريا ومقودا ~~••• # هذب في جنسه ونال المدى # بنفسه فهو وحده جنس # وهو إذا ما ناجاه فارسه # يفهم عنه ما تفهم الإنس ~~••• # ملك العيون فإن بدا أعطيته # نظر المحب إلى الحبيب المقبل # وبعد أن امتطينا البراقين، طارا بنا في الجو طيرانا لست أدري ولا إخالني ماذا عسى أن ~~يقال في وصفه، وهو معنى من المعاني ليس في وسع اللغة العبارة عن مثله، وإلا فهل يكفي أن ~~تقول: باز هوى في إثر صيد من مرقب، # 83 # أو رجم انقض في إثر شيطان من كوكب، # 84 # أو كأن قد صار له من كل جارحة جناح، أو إذا جرى البرق خلفه كبا البرق وأخطأه النجاح، # 85 # أو دعوة المظلوم لا تكاد تخرج من فم الداعي حتى تصعد إلى الله ثم تحيق بالظلوم. # 86 # تفتح أبواب السماء لوفدها # إذا قرع الأبواب منهن قارع # أو هو ما يغزوه ابن هانئ بقوله يصف الخيل، وكأنه رأى البراق بظهر الغيب: # 87 # وأجل علم البرق فيها أنها # مرت بجانحتيه وهي ظنون # كلا، وكيف وما هو إلا رجع الطرف حتى رأيتني ونبي الله الخضر في عالم الأرواح، واقفين ~~بباب الفردوس ودار الأفراح ... الله أكبر، ماذا أرى وأنظر، وفي يقظة أنا أم في منام، وهاتيك ~~حقائق أم هي رؤى وأحلام؟ الحمد لله على سبوغ نعمته، وضفو نيله وعطيته، الحمد لله لقد أجزل ms07 ~~لي في العطاء، ومنحني ما لم يمنحه غير الأنبياء، وسواء أكان ذلك في عالم الخيال أم في ~~عالم الحقائق، وفي عالم اليقظة أم في عالم الرؤى الصوادق، فقد أتيح لي دخول الجنة قبل ~~الممات، ورأيت كل ما فيها حقا، وهيهات ذلك لسواي هيهات. ~~••• # حدث الأديب الثقة قال: # والآن، وقد آن لي أن أقص عليك سياحتي في جنات الفردوس، وأن أصفها لك وأصف كل ما رأيت فيها ~~على حقه، فهل تترقب مني أكثر مما كان من ذلك الأعرابي الذي طرأ من البادية على حاضرة قد ~~فهقت حضارة، # 88 # واستبحرت رفاهية وعمارة، وزخرت نعيما وترفا، واكتظت بدائع وطرفا، ثم حضر ~~عرسا فيها لأحد السروات، فرأى شيئا لم تقع العين على مثله في الحواضر، بله البوادي ~~البلاقع المقفرات، # 89 # ثم أريد على أن يصف ما رأى، فوصف ولكنه أضحك وما عدا، # 90 # وأين أنا على ذلك من الأعرابي الذي أذاب الفصاحة وأذابته، وأين عرسه من الجنان ~~وما حوته؟ كلا، لا أين، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~مدادا للكلام عن الجنة لنفد البحر قبل أن ينفد الكلام. # يفنى الكلام ولا يحيط بوصفها # أيحيط ما يفنى بما لا ينفد # وبودي كان، أن يكون ذلك في الإمكان، وأن يؤاتيني كما أشتهي وصف الجنان، فأجلو على أهل ~~الدنيا معنى لو هو برز لهم لتزخرف له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولاستحال جمالا غير ~~الجمال ما بين طولهما والعرض، ولانجابت حلكة هذه الخاسرة، وحل محلها نور إلهي أبدي من نور ~~الآخرة، كما ينجاب الشر بالخير، والضلال بالهدى، والمرض بالعافية، والنقمة بالنعمة الباقية، ~~نعم، ولو أتيح لي أن أصف لك الجنة وأنا فيها، راتع بين أهليها، لأتيت لك بكلام علوي فردوسي ~~ملائكي ككلام أهل الجنة إن لم يكن منطبقا كل الانطباق، فعسى أن يكون مقاربا، ولكني وا ~~أسفاه! أحدثك بعد خروجي من الجنة، وتمرغي في أعطاف دنياكم هذه وهويي إلى هذا الحضيض الأوهد ~~... على أنه إن لم يكن صداء فماء، ms08 # 91 # وإن لم يكن خمر فخل، وإن لم يصبها وابل فطل، # 92 # ومن لم يجد ماء تيمما ... # رضوان # رضوان، وما أدراك من رضوان، ثم ما أدراك من هو؟ # هو أحد الملائكة المقربين، وحسبه أنه سيد خزنة الجنة التي أعدت للمتقين، وهو نور في ~~نور، يكاد سنا برقه يأخذ بالأبصار، ولو هو صاح في جانبي الديجور، # 93 # لانمحت آية الليل ولم يبق إلا النهار، وماذا عسى أن يكون القول في ملك هو ~~ابتسام فم الآخرة ... وإذا كان يوم الفصل فهو فيه قطب الرحى ومركز الدائرة، ولا غرو، فمن ~~ذا الذي يدخل دار السلام إلا بإذنه ورضاه، ومن ذا الذي لا يجعل الازدلاف إليه لذلك وكده وهجيراه، # 94 # أما أنا فقد أراحني نبي الله الخضر وكفاني مؤنة بذل أي مجهود في سبيل دخول ~~الجنة؛ إذ لم تكد عين رضوان تأخذ الخضر - عليه السلام - حتى فتح لنا باب الفردوس، وفي ~~هذه اللحظة فرطت مني بادرة كادت تطيح بي في مهواة اليأس من دخولي الجنة # 95 # إذ أدركتني حرفة الأدب - لها الله - وجال في صدري أن أنظم أبياتا أمتدح ~~بها رضوان وأزدلف بها إليه، شنشنتي في الدنيا وشنشنة كل أديب، # 96 # فاتسق لي ذلك واستقام، وفتح الله علي بقصيد بارع موف على الغاية، أطريت ~~فيه رضوان ولا إطراء النصارى المسيح ابن مريم، # 97 # ثم اقتربت من خازن الجنة لأنشده هذا القصيد، وكأن نبي الله الخضر أحس ذلك ~~مني، فنظر إلي نظرة مروعة استطير لها قلبي وماث من الخوف كما ينماث الملح في الماء ... ~~فأمسكت وسقط في يدي، # 98 # واعتذرت إلى الخضر عن هذه الهفوة ونشدته الله أن لا ترهقني من أمري عسرا، ~~فإن ربة الشعر هي التي أوحت إلي وأغرتني بهذا الأمر؛ إذ سحرني جمال رضوان وملك علي ~~مشاعري وأنساني ما تشارطنا عليه ... ويا لله ما أشأم الأدب على من امتحن به حتى في ~~الآخرة! ... وما لرضوان الذي خلقه الله من طينة الصدق، وفي مهده درج وفي آفاقه يطير، وما ~~للشعر الذي أحسنه كما ms09 قيل أكذبه! # | هوامش # | الأديب يدخل الجنة # ولما فتح باب الفردوس أخذت عيناي شجرة شجراء، # 1 # أصلها ثابت وفرعها في السماء، # 2 # ومن سنخ # 3 # هذه الشجرة ينبع عينان ثرتان نضاختان، # 4 # ينساب منهما نهران يجريان، وحوال هذه الشجرة سرب من الملائكة وقد اصطفوا صفا ~~صفا، فحياهم نبي الله الخضر، فحيوا بأحسن من تحيته، ثم غمزني نبي الله بعينيه، وأشار ~~إلي بأن أنغمس في إحدى هاتين العينين، فسألته جلية الأمر، فقال: وهذه واحدة ... ألم أقل لك ~~لا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. فقلت له: لا تؤاخذني بما نسيت ولن أعود إلى مثلها، ~~وائتمرت بأمره، ونضوت عني ثيابي، # 5 # وغطست في ماء العين ، فأحسست إثر ذلك كأن شيئا من أدران الإنسانية كان لا يزال ~~يلتاط بي # 6 # ثم زال، وأبدلت من ثم بحالي الأولى أحسن حال، فقد كنت في الدنيا وقد رقت عظامي ~~ونيفت على الستين، # 7 # فأصبحت في الأخرى ابن ثلاث وثلاثين، وقد كنت فيها جهما دميما جافي الطلعة ~~مقبوح الخلقة، # 8 # فقد كان لي وجه كز أشوه كرشوم شنعنع، # 9 # يشق منظره على الحدق. # يفزع الصبية الصغار به # إذا بكى بعضهم فلم ينم # وكان لي مخطم أنافي كوجار الضب، # 10 # يا عجبا كيف احتملته في العاجلة، ما يربى على الستين سنة، وشفتان غليظتان ~~هدلاوان كأنهما مشفرا بعير، أو طرا من فيل، # 11 # وثالثة الأثافي # 12 # أني كنت وقد مشت رواحلي وأجهد القتير في واشتعل الرأس شيبا، # 13 # وكفى بالشيب وحده عيبا. # يا من لشيخ قد تخدد لحمه # أفنى ثلاث عمائم ألوانا # سوداء حالكة وسحق مفوف # وأجد لونا بعد ذاك هجانا # 14 # آه، آهة الرجل الحزين من الشيب، ويا حسرتا على الشباب ... الشباب! وهل الدنيا غيره؟! هل ~~الحياة بمطايبها ومناعمها تستطاب، إلا في أيام الشباب؟! وما متاع الدنيا إذا ولى المقبلان: ~~الشباب والصغر؟! وما المجد والمال إذا أقبل المدبران، الشيب والكبر؟ # لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها # من الشباب بيوم واحد بدل # لا تلح من يبكي شبيبته # 15 # إلا ms10 إذا لم يبكها بدم # لسنا نراها حق رؤيتها # إلا زمان الشيب والهرم # كالشمس لا تبدو فضيلتها # حتى تغشى الأرض بالظلم # ولرب شيء لا يبينه # وجدانه إلا مع العدم # والبيض الحسان، وهن الروح والريحان، # 16 # وقرة العين، # 17 # والسكن لذي الأين، # 18 # وغايات الأمل، ومنسيات الأجل، هل تظفر منهن بالود والهوى ما لم تخطر بينهن ~~برداء الصبا؟ وبأي شفيع تخطب أيها الشيخ ود الغانيات، وقد سود ما بينك وبينهن بياض تلك ~~الشعرات: # فإن تسألوني بالنساء فإنني # خبير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله # فليس له في ودهن نصيب # يردن ثراء المال حيث علمنه # وشرخ الشباب عندهن عجيب # 19 ~~••• # أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا # 20 # بعينك عنك الشيب فالبيض أعذر # إذا شنأت عين الفتى شيب نفسه # فعين سواه بالشناءة أجدر # 21 # يقولون: في الشيب والوقار، والعفة والحلم والأدب له تبع، # 22 # وتلك - عمرك الله - حجة لاجئ إليها العاجزون؛ ففي الموت الوقار الأكبر، وفي ~~الشيب وقار؛ لأنه الموت الأصغر، وهل ما يزعمونه عفة إلا لأن عريت أفراس الصبا ورواحله، # 23 # وطارت دواعي المراح ووسائله. # ليت الحوادث باعتني الذي أخذت # مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي # 24 # فما الحداثة من حلم بمانعة # قد يوجد الحلم في الشبان والشيب ~~••• # شعلة في المفارق استودعتني # في صميم الفؤاد ثكلا صميما # دقة في الحياة تدعى جلالا # مثل ما سمي اللديغ سليما # 25 # حلمتني زعمتم وأراني # قبل هذا التحليم كنت حليما # ويقولون: إنما الرأي للشيخ؛ لأن التجاريب قد حنكته، وتصاريف الأدهار قد سبكته، # 26 # وآض وقد ضرب آباط الأمور ومغابنها، # 27 # واستشف ضمائرها وبواطنها، فهلا قالوا: إن الأيام نحتت أثلته، # 28 # وأخمدت وقدته، وأبردت عظامه، وفلت حسامه، # 29 # وأساء عليه أثر السن، فأخذت الأيام من لبه كما أخذت من سنه ... وإنما الشيخ لدى ~~النصفة والمعدلة كالزند الذي قد انثلم، ورأي الشبان كالزند الصحيح الذي يري بأيسر اقتداح # 30 ~~... ولله در الفاروق - رضوان الله عليه - إذ كان كلما حزبه أمر، # 31 # ونزل به معضل، دعا الفتيان ms11 واستشارهم، ويقول: هم أحد قلوبا ... على أن من شيم ~~الشيوخ - كما يقول الحكيم - أن يستبدوا دائما بآرائهم ويجمدوا أبدا على أفكارهم: # والشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه # 32 # ومن ثم اعتاد سكان جزر فيجي أن يذبحوا آباءهم متى كبروا وحطمتهم السن العالية، وبهذا ~~يعبدون سبيل التطور ويذللون لأنفسهم طريق الرقي والتدرج ... قال الحكيم: ونحن فإنا نتقدم إلى ~~الورا، ونسير القهقرى، # 33 # بإلقائنا تقاليد أمورنا إلى شيوخنا ... أما أنا فلما رأيتني وقد رددت إلى أرذل العمر، # 34 # وأصبحت هامة اليوم أو غد، # 35 # وأخذت سفينة الشيب تقترب بي من ساحل الموت، وقد فاتني الشباب وما يستتبعه من ~~متع الحياة كل الفوت، وكنت بغريزتي أمقت ما يسمونه الجد والحشمة والوقار، وكنت مذ جن الصبا ~~مفراحا ممراحا لعوبا متوقدا كأنني خلقت من مارج من نار، # 36 # فزعت في الكبر إلى ابنة العنب أحتسيها، # 37 # ووجدت عزائي كله فيها، # 38 # ومن أحق من الشيخ بالرحيق، # 39 # وما الذي يبل منه الريق، ويصير ماءه جاريا جديدا، بعد أن كان راكدا آسنا بليدا، # 40 # ويضيء سراجه بعد أن طفئ وخبا، # 41 # ويورق غصنه بعد أن ذبل وذوى، ويحيي منه ميت النفس، بعد أن ظللته ظلال الرمس، ~~غير الشراب؟! # لاح شيبي فرحت أمرح فيه # مرح الطرف في العذار المحلى # وتولى الشباب فازددت ركضا # في ميادين باطلي إذ تولى # إن من ساءه الزمان بشيء # لأحق امرئ بأن يتسلى # 42 ~~••• # اشرب على موق الزمان ولا تمت # أسفا عليه دائم الحسرات # 43 ~~••• # لا تنم واغتنم مسرة يوم # إن تحت التراب نوما طويلا # وبعد، فيرحم الله حبيب بن أوس إذ يقول: # لو رأى الله أن في الشيب خيرا # جاورته الأبرار في الخلد شيبا # 44 # وكذلك أبدلني الله إثر دخولي الجنة بشيبي شبابا، وبقبحي حسنا لبابا، # 45 # فاستحلت - بحمد الله - إلى شاب غض بض، # 46 # أهيف القد، # 47 # أدعج العين، # 48 # مقرون الحاجبين، أسيل الخدين، # 49 # رقيق الخصر، حلو الشمائل، قيد النواظر، # 50 # أما الوجه فقد صار بعد هذا ms12 القبح كأنه البدر ليلة التمام، # 51 # وأما الأنف الأنافي فقد حال إلى قصبة در وحد حسام، والفم فقد آض إلى حلقة خاتم، ~~أما العين فعين أحور من جآذر جاسم: # 52 # فإذا بدا اقتادت محاسنه # قسرا إليه أعنة الحدق # لا شيء إلا وفيه أحسنه # فالعين منه إليه تنتقل # فوائد العين فيه طارفة # 53 # كأنما أخرياته أول # | هوامش # | الأديب يركب زورقا في الجنة # حدث الأديب الثقة قال: # ثم أجلت بصري حوالي فوجدت في أقرب النهرين إلينا زورقا جميلا ألاقا يتلألأ تلألؤ ~~النجم الساطع، والكوكب اللامع، وقد قام على جاليه الولدان المخلدون، # 1 # وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، # 2 # فسمت نبي الله الخضر سمته، فتبعته، ثم نزل فنزلت، فتلقانا الولدان باشين بنا ~~هاشين، فرحين مستبشرين، وما كدنا نضع أقدامنا في الزورق حتى أقلع وتقاذف بنا في النهر ~~وانساب انسياب الحباب، ومضى مضي العقاب، وصار يطوي النهر طي السجل للكتاب: # 3 # ترى الحركات منه بلا سكون # فتحسبها «لسرعته» سكونا # كسير «الأرض» ليس بمستقر # وليس بممكن أن يستبينا # أما الزورق فمن الذهب الوهاج الضحيان، # 4 # المسمر بالماس والياقوت والمرجان، أما شراعه فمن الخز الأدكن، # 5 # وحبالها من الدمقس المفتل، # 6 # وأما دوقله فمن اللجين، # 7 # وسكانه فمن الذهب العين، # 8 # وما أجمل المردي في يد النوتي، # 9 # وقد فرش الزورق بزرابي مبثوثة من إستبرق، ونمارق مصفوفة من سندس أخضر وديباج أزرق. # 10 # بسط أجاد الرسم صانعها # وزها عليها النقش والشكل # فيكاد يقطف من أزاهرها # ويكاد يسقط فوقها النحل # وأنت فإذا أنعمت فيه النظر، وهو يشق طائرا عباب النهر، وحواليه زوارق أخرى تسابقه، ~~ولكنها لا تكاد تلحقه، حسبت طواويس أبرزت رقابها، ونشرت أجنحتها وأذنابها، وكأنها إذا جدت ~~في اللحاق، وتنافست في السباق نوافر نعام، أو حوافل أنعام، وويلي من الولدان وهم يجدفون ~~بمجاديف من الجمان، رءوسها من العقيان، # 11 # كأنها طير تنفض خوافيها، # 12 # أو حبائب تعانق حبائب بأيديها، في ماء جاش آذيه # 13 # وهو أصفى من البلور، وأبيض من الفضة، وأحلى من الشهد: # هو الجو ms13 من رقة غير أن # مكان الطيور يطير السمك # طينه المسك الأذفر، # 14 # ورضراضه الدر الأبيض والياقوت الأحمر، # 15 # وحفافاه قباب اللؤلؤ المجوف المقمر، # 16 # تطل عليه القصور المشيدة المبنية من صنوف الجوهر، تحفها الرياض الضواحك التي ~~تستوقف فيها حدق الأزاهر، حدق النواظر: # الأنف والطرف فيها يسرحان معا # في مبسم أرج أو منظر قشب ~~••• # والماء يفصل بين زهر الرو # ض في الشطين فصلا # كبساط وشي جردت # أيدي القيان عليه نصلا # وأفانين الطير بالنهر محدقة، وغرائبها بالغصون معلقة، متغايرة الألوان والصفات، متنوعة ~~الأصوات واللغات: # ورق تغنى على خضر مهدلة # تسمو بها وتمس الأرض أحيانا # تخال طائرها نشوان من طرب # والغصن من هزه عطفيه نشوانا # وتنظر فترى أسراب الإوز والبط، منثورة في الماء والشط: # وكأن الطيور إذ وردته # من صفاء به تزق فراخا # 17 # وأقاطيع الظباء والبقر، تطفو وترتع على حفافي النهر: # ما إن يزال عليه ظبي كارع # كتطلع الحسناء في المرآة # والسمك يعوم بعضه في الماء، وبعضه ينزو # 18 # في الفضاء: # يعمن فيه بأوساط مجنحة # كالطير تنفض في جو خوافيها # وما زلت في هذه النزهة الفردوسية التي يقصر عنها وصف الواصف حتى رسا بنا الزورق على قصر ~~منيف بهيج، في روض مغن ضاحك عبق الأريج، يختال حسنا ونضارة، ويزهى رواء وغضارة: # أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا # من الحسن حتى كاد أن يتكلما # فنظر إلي نبي الله الخضر باسما، وقال: أتدري لمن هذا القصر؟ هذا قصر أحب الناس إليك، ~~هذا قصر أستاذك في الدنيا «الشيخ محمد عبده»، وإني آنس منك التوق إلى لقائه، فهلم وسأفارقك ~~إلى حين. ~~••• # حدث الأديب الثقة قال: # وما كدت أزايل الزورق وأضع قدمي في الشاطئ حتى تلقاني الولدان المخلدون، يترقرق في وجوههم ~~ماء النعيم النضر، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، يختلن في ثياب من سندس خضر، ثم أطافوا ~~بي كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته، ثم مشوا بي على رود ومهل # 19 # في بستان مشرق مونق تزدهر أزهاره، وتشتجر أشجاره، وتستأسد نجومه، # 20 # ويجن جميمه، # 21 ms14 # وتغرد أطياره، وتجري أنهاره، ثم استشرفت فآنست - على غلوة سهم منا وفي بهرة البستان # 22 ~~- خيمة من اللؤلؤ المجوف أطنابها من الزبرجد، وأوتادها من الياقوت الأحمر، حتى ~~إذا وصل الولدان إلى الخيمة أشاروا إلي بالدخول، فرميت ببصري فرأيت ثلة من خيرة المصريين # 23 # جالسين كجماع الثريا على سرر متقابلين: # 24 # بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شم الأنوف من الطراز الأول # وممن عرفت منهم: الشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وقاسم ~~أمين، وأحمد فتحي زغلول، ومحمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري، وإبراهيم المويلحي، وحفني ~~ناصف، وحسن جلال، وحمزة فتح الله، وملك ناصف (باحثة البادية)، وعبده الحامولي، وسلامة ~~حجازي، وإمام العبد، فسلمت فردوا علي السلام، وكأني بهم وقد عرفوني، فأقبلوا علي ~~يصافحونني ويعانقونني أحر عناق، وأشرقت وجوههم على إشراقها أيما إشراق، ونظرت فرأيت ~~الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون ... # وبعد أن اطمأن بنا المجلس دخل علينا سرب من الحور العين، يحمل بعضهن أطباقا من الذهب ~~فيها من فاكهة الجنة ألوان، وبعض يحملن الورود والرياحين، وأخريات يشتلن ألوانا من الكئوس ~~والأباريق والدنان. # 25 # وشرابا ألذ من نظر المع # شوق في وجه العاشق بابتسام # لا غليظا تنبو الطبيعة عنه # نبوة السمع عن شنيع الكلام ~~••• # من سلاف كأنها كل شيء # يتمنى مخير أن يكونا # أكل الدهر ما تجسم منها # وتبقى لبابها المكنونا # فإذا ما لمستها فهباء # تمنع اللمس ما تبيح العيونا # في كئوس كأنهن نجوم # جاريات بروجها أيدينا ~~••• # تعاطيكها كف كأن بنانها # إذا اعترضتها العين كف مدار ~~••• # حوراء إن نظرت إلي # ك سقتك بالعينين خمرا ~~••• # في مجلس ضحك السرر به # عن ناجذيه وحلت الخمر # فتفكهنا جميعا بفاكهة الجنة، وتشممنا الورود والأزاهر والرياحين، ثم طيف علينا بالراح، ~~وأديرت بيننا الكئوس وكلنا عرض عليه الشراب، وكلنا شرب ما عدا إمام العبد، فانتهزت فرصة ~~تشاغل الإخوان بالتفكه والشراب، وحرمان إمام من العقار، # 26 # فاختلست الحديث إليه اختلاس النسيم لنفحة الأزهار، واستلبته استلاب الشمس ms15 لرضاب ~~طل الأسحار، # 27 # وألقمته أذني فصب فيها حديثا لم نشعر معه بوقت؛ إذ كان أوحى # 28 # من ومضة برق، وقد مر دون أن يلتفت إليه الإخوان؛ إذ كل شيء في دار السلام غيره ~~في دار الأحزان، قلت له بصوت خافت أريد مداعبته: لعل السبب يا إمام، من حرمانك المدام، أنك ~~كنت في الدنيا من السودان، لا من البيضان، وهل يستوي الليل والنهار، أم هل تستوي الظلمات ~~والأنوار؟! فافتر إمام وأومض # 29 # حتى تبدت نواجذه، ثم ضحك ضحكته العالية، المعروفة عنه في الدار الفانية، وكانت ~~وحدها لتفجير ينابيع الضحك في صدور جلاسه كافية، ثم قال: لقد أدمنت يا أخي شرب الخمر في ~~الحياة الدنيا، وما زلت أعاقرها حتى صرعتني وأثأرت مني، فهل تشرئب أطماعي إلى أن أحظى بها ~~في الآجلة، بعد أن نلت منها هذا النيل في العاجلة؟ أما يكفيني أني دخلت الجنة التي أعدت ~~للمتقين، وأني أستمتع الآن بمائة حوراء؛ لأن سوادي في الدنيا حال بيني وبين كل بيضاء، وأنا ~~القائل لذلك فيها: # أنا ليل وكل حسناء شمس # فاجتماعي بها من المستحيل # والقائل: # وسوداء كالليل البهيم عشقتها # لأجمع بين الحظ والليل في عيني # إذا ضمنا ليل تبسم ثغرها # فلولا سناها بت في جنح ليلين # 30 # قلت له: وبماذا دخلت الجنة يا إمام؟ قال: بإضحاكي في الدنيا الأنام. قلت: وهل الضحك يدخل ~~صاحبه جنة النعيم؟! قال: وهل الضحك إلا آية حسن الظن بالله الغفور الرحيم، ولقد غفر الله ~~لأبي نواس - وهو من تعلم - إذ أحسن ظنه بربه، فقال: # تبسطنا على الآثام لما # رأينا العفو من ثمر الذنوب # ويقول: # تكثر ما استطعت من الخطايا # فإنك بالغ ربا غفورا # ستبصر إن وردت عليه عفوا # وتلقى سيدا ملكا كبيرا # تعض ندامة كفيك مما # تركت مخافة النار السرورا # ثم قال إمام: ولقد كنت أنا الآخر حسن الظن بالله؛ إذ كنت في الدنيا كما تعلم رجلا ~~مفلوكا محدودا محارفا جدب المعيشة مقترا علي في الرزق، # 31 # أرمق العيش على برض، حتى لكأني كنت أستقطره من ms16 أخرات الإبر، # 32 # وكأن القضاء أحرق سفائني دون الغنى والثراء، ولقد قلت وأنا في دار ~~الهموم: # خلقت بين أناس لا خلاق لهم # فباعني الدين للدنيا بلا ثمن # لولا بقية دين أمسكت قلمي # لقلت إن إله الخلق لم يرني # 33 # وأنت تعلم: # أن الثراء هو الخلود وأن # المرء يكرب يومه العدم # ولكني على ذلك كنت عند قول شاعر الدنيا شوقي: # فإن السعادة غير الظهور # وغير الثراء وغير الترف # ولكنها في نواحي الضمير # إذا هو باللؤم لم يكتنف # وكنت لا أهلع ولا أستوهل # 34 # لأي مكروه دعاني الله به ونزل بساحتي، وكنت كلما مسني الضر وهر علي الزمان # 35 # ازددت تيها على الدهر، وسخرا من الأيام، فكان لسان حالي ما يقول ابن ~~دريد: # لا تحسبن يا دهر أني ضارع # لنكبة تعرقني عرق المدى # 36 # مارست من لو هوت الأفلاك من # جوانب الجو عليه ما شكا # هذا إلى أني نظرت فرأيت أنه ما من إنسان، في دار الأحزان، إلا وهو آخذ من لأوائها بنصيب، # 37 # فكل من فيها لذلك بحاجة، أي حاجة، إلى من يروح عنه ويهون عليه ... وكأن الأقدار ~~الرحيمة التي أبت لحكمة بالغة إلا أن تجعل بجانب الخير شرا، والنفع ضرا، والحلو مرا، ~~أنشأت أمثالي ليقوموا بمداواة النفوس، وتخفيف ما يئودها من هم وبوس، # 38 # ولا دواء إلا الدعابة والمجون والضحك. # إنما للناس منا # حسن خلق ومزاح # ولنا ما كان فينا # من فساد وصلاح # قال إمام: على أن في الضحك معنى غريبا من غير هذه البابة # 39 # وقفت في الدنيا على مستسرة، # 40 # ذلك أن الضحك سر من الأسرار الكبار، التي تبعث على الإجلال والإكبار، فقد كنت ~~في الدنيا متى أحسست من أناس شموخا وكبرياء وإزراء بي وإعراضا عني، فانبعثت ضاحكا كأنني ~~أنكرهم ولا أكترث لهم ولا أعبأ بهم، كأن لم يكونوا شيئا، لا يلبثون أن تستقيم أخادعهم، # 41 # ويطأطئوا من كبريائهم ... وكنت كلما استغربت في الضحك واستغرقت - على شريطة أن ~~أكون صادقا لا يرى علي أدنى تعمل - تحاقرت إليهم نفوسهم، ms17 وامتلأت بي عيونهم، وانبسطوا ~~إلي، وأقبلوا بنشاطهم علي، وهلم حتى أطولهم وأركب يافوخهم وأستولي على الأمد ... فعليك في ~~دار النفاق بالضحك؛ فإنه أمضى سلاح تنتضيه كلما أنست ممن حولك شيئا من الزهو والعجرفة ... ~~ولذلك سبب: هو أن الضحك عنوان الهناءة والسعادة، فإذا ضحكت بكل قلبك كان هذا الضحك منبهة ~~للناس على جليل خطرك ورفعة شأنك، فتراهم بعد أن كانوا يرحمونك، يحسدونك، وبعد أن كانوا ~~يحقرونك، يكبرونك: # إذا شئت أن تلقى الأنام معظما # فلا تلقهم إلا وأنت سعيد # وسبب آخر: هو أن الضحك دليل الثقة بالنفس والاعتداد بها والإدلال بقيمتها، فإذا ضحكت ~~فإنما ذلك لأنك بنفسك وثقت، ولا شيء يبعث على تعظيم قدرك مثل ثقتك بنفسك، وعلى العكس من ذلك ~~كله: الإطراق والاكتئاب. # قال الأديب: وكذلك كان إمام، فقد كان دائما طلق المحيا، ضاحك السن، ظريف المحاضرة، بديع ~~النادرة، فكه الأخلاق، خفة روح الزمان، تراح له القلوب، ويمازج الأرواح، وتشربه الضمائر. ~~وإذا صح أن للضحك أمة، فقد كان إمام نبي أمة الضحك، وكانت معجزته أنه ما من إنسان، كان ما ~~كان، من الخشونة والوقار، والعبوس والاكفهرار، والإطراق والانقباض، والحزن والارتماض، ثم ~~رأى إماما، قبل أن يتدفق كلاما، إلا سرى عنه الهم، وتبسم قلبه قبل الفم، ناهيك بعد ذلك ~~بمجونه وطرفه، ونوادره وملحه، التي كانت تفعل بسامعيها فعل الراح بشاربيها، وإنها لنعمة من ~~نعم الله الكبرى أن وجد في عصرنا مثل إمام ... # أبو علي أخلاقه زهر # غب سماء وروحه قدس # يشتاقه من جماله غده # ويكثر الوجد نحوه الأمس # أيامنا في ظلاله أبدا # فصل ربيع ودهرنا عرس # لا كأناس قد أصبحوا صدأ ال # عيش كأن الدهر بهم حبس # ثم قال إمام: أما السواد الذي حسبته عابا، وساء مآبا، فأين أنت من قول الله جل شأنه: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~، ومما ورد في الأثر: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم»، وبديع ما قال ابن عمي سحيم: # إن ms18 كنت عبدا فنفسي حرة كرما # أو أسود اللون إني أبيض الخلق # وأبو الطيب إذ يقول: # إنما الجلد ملبس وابيضاض الخل # ق خير من ابيضاض القباء # وأظنك لا تجهل قصيدة رياح بن سنيح الزنجي، مولى بني ناجية التي ذكر فيها أكثر من ولدته ~~الزنج من أشراف العرب، يجيب بها جريرا حين قال جرير: # لا تطلبن خئولة في تغلب # فالزنج أكرم منهم أخوالا # فتحرك رياح وقال هذه القصيدة، وفيها يقول: # والزنج لو لاقيتهم في صفهم # لاقيت ثم جحاجحا أبطالا # 42 # ولقد أشاد الشعراء في الدنيا بالسواد، وشببوا القصائد بالسوداوات، حتى فضلوهن على ~~البيضاوات، وحسبك ما يقول ابن قلاقس السكندري: # رب سوداء وهي بيضاء معنى # نافس المسك عندها الكافور # مثل حب العيون يحسبه النا # س سوادا وإنما هو نور # وصردر إذ يقول: # علقتها سوداء مصقولة # سواد قلبي صفة فيها # ما انكسف البدر على تمه # ونوره إلا ليحكيها # لأجلها الأزمان أوقاتها # مؤرخات بلياليها # ولقد أتى ابن الرومي في هذا الباب بالعجب العجاب، فكان كما قيل: جرى الوادي فطم على القرى # 43 ~~... قال من أبيات يصف جارية سوداء لعبد الملك بن صالح: # سوداء لم تنتسب إلى برص الشق # ر ولا كلفة ولا بهق # 44 # ليست من العبس الأكف ولا الفل # ح الشفاه الخبائث العرق # 45 # في لين سمورة تخيرها الفرا # ء أو لين جيد الدلق # 46 # تذكرك المسك والغوالي والس # ك ذوات النسيم والعبق # 47 # أكسبها الحب أنها صبغت # صبغة حب القلوب والحدق # فانصرفت نحوها الضمائر والأبص # ار يعنقن أيما عنق # 48 # يفتر ذاك السواد عن يقق # من ثغرها كاللآلئ النسق # 49 # كأنها والمزاح يضحكها # ليل تفرى دجاه عن فلق # 50 # وبعض ما فضل السواد به # والحق ذو سلم وذو نفق # ألا يعيب السواد حلكته # وقد يعاب البياض بالبهق # 51 # قلت له: إني يا إمام أعابثك كما كنت أعابثك في العاجلة؛ إذ كنت أحاول بذلك استثارة ~~دفائنك، واستخراج كنوزك ونوادرك، وإذ كنت أحبك كل الحب هناك، فهل كنت تحبني كما كنت أحبك يا ~~إمام؟ قال ms19 إمام: وهل تظن كما يظن العامة، وكثير من الخاصة، أن من أحب إنسانا أحبه المحبوب، ~~وتشابكت القلوب والقلوب؟! وأين أنت إذن من قول ذلك الشاعر الجاهلي، وقد أصاب مقطع ~~الحق: # جننا على ليلى وجنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # وكيف يود القلب من لا يوده # بلى قد تريد النفس من لا يريدها # فضحكت وضحك إمام ... ثم قلت له: وأين نزلك يا إمام؟ قال: في مكان قصي حيث ينزل أشعب وجحا ~~والجماز والغاضري وأبو دلامة وأبو الشمقمق والشيخ علي الليثي، وكثير من أعيان المجان في ~~الإسلام، وكلما تاقت نفسي إلى رؤية معاصري في الدنيا من أهل مصر جئت إلى حيث هؤلاء الأئمة ~~الأعلام، ولعلك زائري بعد هذه الزورة، حيث تلاقي كل مسرة. # حدث الأديب الثقة قال: # وإني لفي حوار مع إمام؛ إذ أقبل علي الإخوان جميعا يستنبئونني عن حال مصر، ويستطلعون ~~طلعها، كل من الجانب الذي كان يعنيه في العاجلة: أما الشيخ محمد عبده فكان تسآله عن ~~الدين وما ألم به، والأزهر وما نزل بساحته، وكان سؤال الشيخ حسن الطويل عن العلم والفلسفة، ~~وقاسم أمين وملك ناصف فكان سؤالهما عن المرأة المصرية، وفتحي زغلول عن الحالة الأخلاقية ~~والاجتماعية، ومصطفى كامل ومحمد فريد فكانا سئولين عن الحالة السياسية، وكان سؤال ~~البارودي وإسماعيل صبري عن الشعر، والمويلحي وحفني ناصف عن الكتابة والأدب، وحمزة فتح الله ~~عن اللغة، وحسن جلال عن القضاء، وعبده الحامولي عن الغناء والموسيقى، والشيخ سلامة عن ~~التمثيل ... فوقعت في حيص بيص، # 52 # وحاولت التملص والانفلات، والإقالة من هذه العثرات ... قلت: وما تسآلكم عن أشياء ~~إن تبد لكم عسى أن تسوءكم، ولقد أراحكم الله من الخاسرة وأباطيلها، وأم دفر وأفاعيلها، # 53 # وأصاركم إلى ما أنتم فيه من نضرة النعيم والترفيه! على أن أكثر ما سألتموني عنه ~~لست من ليله ولا سمره، # 54 # فلقد كنت في العاجلة أمقت السياسة كل المقت وأجتوي الاشتغال بها وبأهلها، وكنت ~~أراها ضربا من التبطل واللهو # 55 # وعمل من لا عمل له ... ولقد كان الجدل - وبخاصة ms20 في السياسة والدين - من أبغض ~~الأشياء إلي وأبعدها في رأيي عن اليقين: # لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم # حجج تضل عن الهدى وتجور # وهن كآنية الزجاج تصادمت # فهوت وكل كاسر مكسور # وكنت في الحياة الدنيا لا أدريا، # 56 # وكنت أرى أن كل شيء ثمة فيه عنصر من الحق وعنصر من الباطل، وجانب من الخير ~~وجانب من الشر، ومسحة من جمال الصدق وشية من قبح الكذب، # 57 # ورأيت العالم شرقا بالشرور جياشا بالآثام # 58 # مذ هبط أبونا آدم من الجنة، وقتل قابيل هابيل، إلى هذا الحين، ولم تصلح على ~~مر الزمان حاله، وربما زاد فسادا وجن ضلاله، ولم يفلح فيه إرشاد الأنبياء ولا حكمة ~~الحكماء ولا وعظ الواعظين ولا نصح الناصحين: # كم وعظ الواعظون منا # وقام في الأرض أنبياء # فانصرفوا والبلاء باق # ولم يزل داؤنا العياء # 59 # حكم جرى للمليك فينا # ونحن في الأصل أغبياء ~~••• # إذا كان علم الناس ليس بنافع # ولا دافع فالخسر للعلماء # قضى الله فينا بالذي هو كائن # فتم وضاعت حكمة الحكماء # ومن جراء ذلك كله كانت خطتي في العاجلة إنما هو غدو لمعاد، أو إصلاح لمعاش، أو فكر أقف به ~~على ما يصلحني مما يفسدني، أو لذة أستعين بها على الحالات الثلاث، وكنت أشبه بما وصف به ابن ~~المعتز نفسه، إذ يقول: # قليل هموم القلب إلا للذة # ينعم نفسا آذنت بالتنقل # فإن تطلبه تقتنصه بحانة # وإلا ببستان وكرم مظلل # ولست تراه سائلا عن خليفة # ولا قائلا: من يعزلون ومن يلي # ولا صائحا كالعير # 60 # في يوم لذة # يناظر في تفضيل عثمان أو علي # ولكنه فيما عناه وسره # وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل # ثم قلت: ولكني سائلكم بادئ ذي بدء # 61 # عن هذا الوئام، الذي أرى بين مصطفى كامل والأستاذ الإمام، بعد أن يبس الثرى ~~بينهما في دار المحنة، # 62 # قال الأستاذ الإمام: ألا تعلم أنه متى يدخل أهل الجنة الجنة يمسح الله ما بهم ~~بعضهم من بعض، فلا يبقى في صدر أحد حسيكة على أحد ولا ضغن ms21 ولا إحن، # 63 # ويعود ما بينهم مشرقا مثريا مونقا، وهل نسيت قول الله جل شأنه يصف أهل ~~الجنة: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم ~~منها بمخرجين ~~؟ قلت - والشيء يذكر بالشيء - ولماذا مني العالم في ~~العاجلة بالخلاف والشقاق، وعلام كل هاتيكم الأحقاد والحزازات، والشرور والإساءات، والمصائب ~~والآفات. قال الأستاذ: # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين # قال عبده الحامولي: ولم لا يكون ~~الاختلاف في الحياة الدنيا بين الأفراد والجماعات إنما يقصد به إلى معنى نبيل حلو جميل، ما ~~منه بد! ألسنا قد نشئنا كأنغام الموسيقى، هي وإن اختلفت غير أن مجموعها يؤلف من هذا ~~الاختلاف نغما موسيقيا منسجما بديعا يطرب السمع ويملك على المرء مشاعره؟ قال الشيخ حسن ~~الطويل: هذا الخلاف يرجع إلى الحكمة البالغة في إيجاد الخير والشر. قال أحمد فتحي زغلول: ~~ويرجع إلى طبيعة البشر. قال محمود سامي البارودي: تلك الطبيعة التي خلقها الله من صلصال من ~~حمأ مسنون، # 64 # ولله علي بن العباس إذ يقول: # اعلم بأن الناس من طينة # يصدق في الثلب لها الثالب # 65 # لولا علاج الناس أخلافهم # إذن لفاح الحمأ اللازب # 66 # وقال إبراهيم المويلحي: أما مرجع كل المصائب ~~والآلام التي يعانيها العالم في الدنيا فهو تلك الفعلة البارحة # 67 # التي فعل أبونا آدم في الجنة بعد أن خدعه إبليس خدعة الصبي عن اللبن، وهنا قال ~~إمام العبد وهو يضحك كما كان في الدنيا: كله من أكلة التين! # 68 # فيا لك أكلة ما زال منها # علينا نقمة وعليه عار # 69 # واستمر المويلحي في حديثه قال: فكأن ما يكابده الناس في دار الهموم والأحزان تكفير لتلك ~~الفعلة، وكأن الدنيا لذلك بيمارستان مجرمين # 70 ~~... قال الأستاذ الإمام: وماذا كانت تكون الحياة لو أن كل شيء فيها كان طيبا ~~وكانت خالصة لا يشوبها شوب من الأكدار! إنها تكون في هذه ms22 الحالة أشبه بحلبة السباق ~~والمتسابقون واحد ليس معه من يسابقه، وإنها لحكمة بالغة تلك الشدائد والأهوال التي يلاقيها ~~الناس في الخاسرة، إذ لولاها لما كان للحياة معنى، وكما أنه لولا ضغط الهواء على جسم ~~الإنسان لانصدع وتمزق، كذلك الحال لو يعرى الناس من الشدائد، ويصبحون موفقين في كل ما ~~يعالجون، لا جرم أنهم يصيرون إلى الخرق والطيش والحماقة، وقد يعروهم الخبال والجنون، وحالهم ~~في ذلك تشبه سفينة تسير في خضم عجاج، مغتلم الأمواج دون أن يكون بها صابورة، # 71 # أو ما يغني غناءها، لا غرو أن يجن جنونها خفة وطيشا ... قال حفني ناصف: وبضدها ~~تتميز الأشياء، فلو لم يكن ثمة ألم وترح، لما طعم بنو الدنيا اللذاذة والفرح: # والحادثات وإن أصابك بؤسها # فهو الذي أنباك كيف نعيمها # على أن للأحزان أثرا صالحا محسا في صقل النفوس وجلاء صدائها، وإشباع العقول ~~ورجحانها، وتهذيب الأخلاق واتزانها، مثلها في ذلك مثل بوتقة الصائغ وكيره، يبقيان على الذهب ~~المحض، وينفيان الخبث والرنق، # 72 # وألم تر إلى الفحم متى ضغط صار ماسا، وإلى الصفر المجهود كيف يئول ذهبا ~~زلالا بعد إذ كان نحاسا: # 73 # لقد هذبتك الحادثات وربما # صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # على أن ثمة من الفضائل ما لا يثير دفائنه، ويظهر مضمره، وينثر كنائنه، سوى النوازل ~~والآلام، كالنار يوريها القدح، والطيب يذيعه السحق، ومن هنا كانت هذه الآية العبقرية ~~الحكيمة الخالدة: إن الله لا يحب الفرحين، ومثلها توأمتها كلمة السيد المسيح: طوبى ~~للمحزونين. # حدث الأديب الثقة قال: # وهنا أمكنتني الفرصة، فما كذبت أن اهتبلتها، # 74 # فقلت: أما والأمر كما تقولون، والشر والخصام لا مندوحة عنهما في الخاسرة، ~~والخير والسلام لا يكونان إلا في الآخرة، فقد تركت الخلاف السياسي بين المصريين # 75 # وقد بلغ أشده، وجاوز حده، فقد تفرقت كلمة القوم بعد أن نزغ الشيطان بينهم، # 76 # وتمشت فيهم حميا الضغائن والإحن، # 77 # وذهب الخلف بينهم كل مذهب، حتى كادت ريحهم تذهب، # 78 # فتهانف بهم الغاصب، # 79 # واتخذهم سخريا، وفغر فاه طماعية فيهم، ونشر ms23 أذنيه بعد أن ضرب على أيديهم، # 80 # والقوم ماضون على غلوائهم، # 81 # متدفقون في طغيانهم، وأنت تعلم أن الإحن، # 82 # تجر المحن، ومن ثم رفع البلد، في كبد، # 83 # وديس برلمانه، وسلخ منه سودانه، وعطلت المرافق، واعوجت الخلائق، والتأث # 84 # على القوم الأمر، وانتشر الرأي وابذعر، وبقيت الأمة في داهية إده، # 85 # ولقيت من هذا الأمر كل شدة، وبالحرى التوت الحال وتصعبت، بعد أن لانت وتسهلت، ~~وبعد أن ذللت غصونها، وتدانت قطوفها، ولما # 86 # وكأن قد ... بفضل تلك الثورة المباركة والاتحاد المقدس، الذي تم بين رجالات مصر ... # 87 # أولئك الزعماء الذين حفت بهم ملائكة الخير، وطردت من ساحات صدورهم شياطين ~~الشر، واصطلمت من أحشائهم جراثيم الشقاق، # 88 # فأصبحت سوحهم فراديس تغص بالملائكة، لا يصدر عنها إلا كل ما هو خير، وكل ما هو ~~جميل: # صوت الشعوب من الزئير مجمعا # فإذا تفرق كان صوت نباح # ولما انتهيت إلى هذا الموضع، قال مصطفى كامل: هلا فصلت ما أجملت! فما كان مني إلا أن ~~فصلت وأكملت، وشرحت أطوار المسألة المصرية، وموقف المصريين حيالها في ثماني سنوات تبتدئ من ~~سنة 1919 وتنتهي سنة 1927 لميلاد السيد المسيح صلوات الله عليه، فدهش الجماعة أيما دهش، ~~وأطرقوا أسفا واكتئابا يشبه اكتئاب أهل الدنيا وليس به، والوصف يقصر عنه: # لحاها الله أنباء توالت # على سمع الولي بما يشق # تكاد لروعة الأحداث فيها # تخال من الخرافة وهي صدق # وألا دريت أن من استأثر الله بهم، وانتقلوا إلى جوار ربهم، يسرون ويساءون بكل ما يعمل ~~أهل الدنيا ممن يمت إليهم بسبب واصل؟ فإذا كان لك صديق، أو شقيق، أو أب شفيق ، أو أم رءوم، ~~أو ابن بار، أو مواطن تثنيه عليك عاطفة الجوار، ثم سبقوك إلى الباقية، وأنت لا تزال ترتع في ~~الفانية، فلتعلمن أن سيرتك تؤثر فيهم، وسلوكك يرد عليهم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلا ~~تخزوا أيها الناس موتاكم، بقبح ما يأتيهم من مأتاكم ... # قال الأديب: وبعد أن سكت الجماعة شيئا، سكوت سخط، لا سكوت رضا، ms24 قال الشيخ محمد عبده: ~~أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة ~~السياسة، ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة، ومن كل أرض تذكر فيها السياسة، ومن كل شخص ~~يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة، ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس. # مصطفى كامل: وأعوذ بالله من الرئاسة، وحب الرئاسة، فهي أصل البلاء، في عالم ~~الفناء: # بلاء الناس مذ كانوا # إلى أن تنهض الساعه # طلاب الأمر والنهي # وحب السمع والطاعه # محمد فريد: نعم، وكل ما تلقاه الشعوب، من الآلاقي # 89 # والكروب، فمأتاته # 90 # ذوو الرئاسة والسلطان ومن لف لفهم، # 91 # وبخاصة في الشرق وبالأخص في مصر، فهم - كما يرى - يغمطون الشعوب، # 92 # ويستهزئون بها، ولا يقدرونها حق قدرها، برغم أنهم ليسوا إلا خدامها، أقامتهم ~~لإنفاذ مشيئتها، والقومة على مصالحها وخفارتها، فإذا هم قصروا وانحرفوا عن الجادة كانوا غير ~~أهل لما أسند إليهم، وبالتالي استحقوا الطرد والتنكيل بهم والتمرد عليهم. على أن الشعوب قد ~~تملي للظلمة من حكامها، وترخي لهم الطول، # 93 # ولكنها إذا قالت رددت قالها الأقدار، وإذا استغضبت كان غضبها الحديد ~~والنار: # إن ملكت النفوس فابغ رضاها # فلها ثورة وفيها مضاء # يسكن الوحش للوثوب من الأس # ر فكيف الخلائق العقلاء ~~••• # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها ~~••• # تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا # نبال العدا عني فكنتم نصالها ~~••• # كمتق لفح نار يستعد له # بالجهل درعين من قار وكبريت # إبراهيم المويلحي: إن الرياسة في الأعم الأغلب، تحيل طباع الناس، وإنها لمفسدة للأخلاق أي ~~مفسدة، فبينا ترى الرجل قبل الرياسة نبيل النفس، سري الأخلاق، محمود الشمائل، عفيف الإزار، ~~خفيفا من الأوزار، # 94 # مؤدما مبشرا إدام قومه، # 95 # قد تتسعر جوانبه حماسة وطنية، وتطير برأسه نعرة قومية، # 96 # إذا به بعد أن تأتيه الرئاسة وقد انقلب سوء منقلب، فنضا عنه ثوب التقى ولبس لقومه جلد النمر، وقلب لهم - كما يقولون - ظهر المجن، # 97 # وأجدب قلبه، # 98 # وصلدت أخلاقه، # 99 # وبلد إحساسه، # 100 # وبردت عواطفه، ms25 ولبس أذنيه، # 101 # وأخذ يعثر في سيره عثرات يدمى منها الأظل، # 102 # ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل، # 103 # فكأن الرئاسة «معمودية» إبليس، # 104 # من عمد بها فصار رئيسا، انقلب شيطانا نجيسا، وآض صلا في مسلاخ إنسان، # 105 # وحرباء ذا أشكال وألوان. # 106 # كأبي براقش كل لو # ن لونه يتخيل # 107 # كان عبد الملك بن مروان يسمى حمامة المسجد، للزومه المسجد الحرام، فلما أتاه الخبر ~~بخلافته كان المصحف في حجره فوضعه، وقال: «هذا فراق بيني وبينك.» وقد قال يوما: «إني كنت ~~أتحرج أن أطأ أنملة، والآن يكتب الحجاج إلي في قتل فئام # 108 # من الناس فما أحفل بذلك.» وقال له الزهري يوما: بلغني أنك شربت الطلاء، # 109 # فقال: إي - والله - والدماء. ومما يؤثر عنه قوله: عجبت للسلطان كيف يحسن، وإذا ~~أساء وجد من يزكيه ويمدحه! ... وإن في ذلك لعبرة لمن اعتبر. # أحمد فتحي زغلول: ومما ابتليت به مصر على الخصوص في رؤسائها أن أكثرهم ليس بينهم وبين ~~المصريين آصرة وطن، فجلهم دخيل ينمي إلى أصل غير مصري، فمنهم عبيثة من الأقوام ولويثة، ما ~~يعرف لهم مضرب عسلة، # 110 # ومنهم من قد ضربت فيهم نساؤهم بعرق ذي أشب، # 111 # فإذا هم تولوا أمر مصر تداركتهم أعراق سوء، ونزت قلوبهم إلى إيذائها وكانوا ~~حربا للمصريين # 112 # وعونا للغاصب عليهم. ولقد خالطت في العاجلة كل جالة من الجالات # 113 # في مصر على تنوعهم وتعددهم فوجدتهم جميعا، حتى المسلمين منهم، حتى أحط الطوائف ~~- إلا من طاب غرسه، وكرمت نفسه - يحملون الحقد والاحتقار معا للمصريين، برغم أنهم يتقلبون ~~في نعمائهم، وهذا من غريب طبائع البشر؛ إذ لست أدري لذلك سببا سوى كرم المصريين، وأن ~~الكرام مشاغل السفهاء: # وأني شقي باللئام ولا ترى # شقيا بهم إلا كريم الشمائل # حفني ناصف: نعم، ومساكين هم الأخيار، وويل لهم من الأشرار، فالأشرار لا يعجبون إلا ~~بالأشرار ولا يحفلون بالأخيار، بلى! وتراهم مع ذلك مولعين بهم وبإيذائهم، والأصل في هذا أن ~~حال الأخيار الكرام أهل الوفاء والمروءة والشهامة ناصعة ms26 نيرة واضحة وضوح النهار المستطير في ~~رونق الضحى، أما الأشرار اللئام فشأنهم الغموض واللبسة # 114 # والإبهام، شأن الليل ذي الظلم والدجى، والمجهول أبدا مخوف مهوب مرهوب، ومن ثم ~~نرى الناس لا يخافون إلا من كان هذا شأنه، فضلا أنهم يكبرونه ويبقون على وده، ولا جرم أن ~~الشر لا يدفعه إلا الشر، والحديد بالحديد يفلح، # 115 # والشهرة بالملاينة والخير شر من الاشتهار بالغلظة والشر؛ لأن من عرف بأخي ~~الشر اجترأ عليه الناس، ومن عرف بأخي الخير هابه الناس وتجنبوه، # 116 # ورحمة الله على الفاروق إذ قيل له: فلان لا يعرف الشر ... فقال: ذاك أوقع له فيه ~~... أو ما هذا معناه، وبعد: فإن أكثر هذا الناس لئيم قد طبع على ضرائب من اللؤم، ومن ثم كان ~~جديرا بالمرء يهمه الاحتفاظ بنفسه وبعرضه # 117 # ودينه وماله وبلاده أن يمزج كرمه باللؤم، وخيره بالشر، وعقله بالجهل، ويضع كل ~~شيء موضعه، ويقر الأمور في نصابها، وإلا استأسد عليه الناس وتذاءبوا، وطمعوا فيه ~~وتكالبوا: # من ظلم الناس تحاموا ظلمه # وعز عنهم جانباه واحتمى # وهم لمن لان لهم جانبه # أظلم من حيات أنباث السفا # 118 # قال الأديب: فقلت: ومن العجب العجاب أن الكلمة الآن هي كلمة الشعوب، فقد أصبحت حكومات ~~العالم كلها أو جلها شورى، وصار لها مجالس نيابية بيدها الحل والعقد والهيمنة على الملوك ~~والحاكمين، وجاء دور مصر بأخرة فأصبح لها «برلمان» لم يظفر به المصريون إلا بعد أن ~~خضبت أيديهم بالدماء، وبذلوا في سبيله حر المال والذماء، # 119 # وعلى الرغم من ذلك ومن أن المصريين، وهم في الروابي من الشعوب # 120 # وأعرقهم في الحضارة وأسبقهم إلى المجد والسؤدد، وأرسخهم قدما في العلم ~~والعرفان، ودينهم دين الحرية الصريحة، والمدنية الصحيحة: # قومي استولوا على الدهر فتى # ومشوا فوق رؤس الحقب # عمموا بالشمس هاماتهمو # وبنوا أبياتهم بالشهب # قد قبسنا الملك عن خير أب # وقبسنا الدين عن خير نبي # فكانوا لذلك أحق من غيرهم بالبرلمانات، وبما هو أكثر من البرلمانات، ولكن على الرغم من ~~ذلك كله، ومن أن برلمانهم ms27 لم يترعرع بعد، ولم يشب عن الطوق، مال عليه هؤلاء الرؤساء، أو ~~هؤلاء الأعداء، وعبثوا به عبث النكباء بالعود، # 121 # وتمادوا في طغيانهم يعمهون، فانعكست بذلك الآية، وأسلمتنا البداءة للنهاية، ~~وانقلب المهيمن مهيمنا عليه، وكأن البرلمان لعبة يلعب بها لا حكم يحتكم إليه، ولا ذنب ~~للبرلمان في هذا سوى أنه أوشك أن يقوم بمهمته خير قيام، وأن يحاسب الحساب العسير هؤلاء ~~الحكام: # إذا محاسني اللائي أدل بها # كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟ # إبراهيم المويلحي: إذن لا بد من أن الغاصب يعضد هؤلاء الرؤساء، ويحوطهم ويغريهم بهذه ~~الأمة السيئة الحظ: # وكيف يخشى صولة الذئب من # قد جعل السبع له عدة # محمد فريد: بيد أن هؤلاء الرؤساء لو كانوا من الطراز الأول ذوي الشرف والنبل والإباء، ~~والعزة القعساء، # 122 # والعيص الأشب، والفعال الموروث والمكتسب، # 123 # لا تلين قناتهم لغامز، # 124 # ولا تتهضم نفوسهم لظالم، # 125 # ولا تتعاظمهم جبورة محتل، # 126 # أو كانوا على الأقل ممن يكرمون أنفسهم ويتجافون بها عن مواطن الهوان، أو ~~كانوا مخلصين لهذه الأمة آبهين لها، لما بالوا - وربك - بالغاصب، ولمضوا قدما فيما ~~فيه صلاح بلادهم مهما لاقوا في هذا السبيل، ولو أن كل رئيس كان هكذا لرجع الغاصب أدراجه، ~~وتأخر أخرا في سبيل طماعيته، ولكن أكثر الرؤساء في مصر - إلا من هدى ربك - سواسية كأسنان ~~الحمار، أو كحماري العبادي، وقد قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا: # 127 # خلق إذا حدثت عن أخلاقها # فكأنما كشفت عن سوآتها # متراهنين على الدنية أحرزوا # غاياتها وتناهبوا حلباتها # ورثت نفوسهم خبائث أصلها # لؤما وزادت دقة من ذاتها # وملثمين على النفاق بأوجه # صم يصيح اللؤم في جنباتها # ومن هنا كان طمع الغاصب في هذه الأمة، وتهالكه عليها. ~~••• # قال الأديب: وهنا قال الشيخ محمد عبده: وثمة شيء آخر يكشف لك سرا من أسرار فشل هذه ~~الأمة وذهاب ريحها؛ إذ تنزو إلى الخلاف والنزاع والشقاق، ذلك أن جمهرة الشرقيين وخصيصى ~~المسلمين منهم، حديدو العواطف مشبوبو المشاعر، فإذا ما أحبوا أغرقوا في الحب ms28 حتى يبلغوا ~~النهاية، وإذا ما أبغضوا أوفوا في البغض على الغاية، لا يلوذون في تصاريفهم إلى ركن من ~~الحجا ركين، ولا يعتصمون لدى الحفيظة بعاصم من الخلق والدين، ليسوا إذا عد الدهاة في العير ~~ولا في النفير، # 128 # فكأن حلومهم نفخت فيها الأعاصير، يعوزهم ضبط النفس إذا صرح الشر، وترك الهوى ~~إذا أمكن الأمر، بينما الأغيار وخصيه الشعوب الآرية، ولا سيما القادة وذوو الرئاسة وأولو ~~الأمر منهم والمتصدون لسياسة الأمم، يحكمون عقولهم على قلوبهم، ويؤثرون مرافقهم على ~~أهوائهم، ذوو رأي وتدبير وبصر بأعقاب الأمور، وأناة لا يطير الجهل في جنباتها، ولا ينزل ~~الطيش بساحة من ساحاتها، وبذا بذوا الشرقيين، وأضحى هؤلاء لهم مسودين، ولو شاء الشرقيون أن ~~يداركوا أمورهم، لداووا بكل الأشافي ألبابهم: # لولا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان ~~••• # وإذا الرياسة لم تعن بسياسة # عقلية خطئ الصواب السائس # ثم قال الشيخ محمد عبده: وهذا على الرغم من أن الإسلام الذي يدينون به، ويزعمون أنهم ~~مستمسكون بأدبه، كثيرا ما نهى عن اتباع الهوى، وحض على الاستمساك بالعقل والنهى، فقد ~~اكتظ كتاب الله وأحاديث المصطفى - صلوات الله عليه - وما أثر عن السلف الصالح، من التنويه ~~بالعقل والإشادة بذكره، والحض على اللجوء إليه، والاعتماد في سائر الأمور عليه، والكياسة، ~~وحسن السياسة، والاعتصام بالتقوى، بما لا يعد ولا يحصى، وحسبهم قول الله جل شأنه: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~، والهوى ~~كل ما تهواه النفس وتصبو إليه مما لا يتفق والعقل والنهى ... وقال - ولله المثل الأعلى - ~~يعير قوما ويشنع عليهم ويسفههم ويصغي إناءهم: # 129 # إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس # ويقول سبحانه في مواضع من كتابه الكريم: # أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم # وقال: # لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~، # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~، # خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~. إلى كثير من ~~هذه الآيات الكريمة التي يزخر بها كتاب الله ... وكان ms29 المصطفى - صلوات الله عليه - إذا بلغه ~~عن إنسان عبادة قال: كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل، قال: ما أخلقه أن يبلغ، وإن قالوا: ليس ~~بعاقل قال: ما أخلقه أن لا يبلغ. وقال: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في ~~أغلب خصال الخير عليه ... وقال: اعص هواك والنساء وأطع من شئت. وقال عليه السلام: ألا أخبركم ~~بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، # 130 # الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مني مجالس يوم ~~القيامة: الثرثارون المتفيهقون ... وقال في معنى القصد في الأمر، وأن لا يغلو المرء في الحب ~~والبغض: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون ~~حبيبك يوما ما. # ولم لا يقول هذا والكثير الكثير من أمثاله من أدبه ربه فأحسن تأديبه؟ ويقول له وهو ~~أصدق القائلين: # وإنك لعلى خلق عظيم ~~. # ولو أن المسلمين تدارسوا سيرة الرسول ووقفوا على شمائله الكريمة وأخذوا إخذه، وحذوا حذوه، ~~واهتدوا بهدايته، وفطنوا إلى مرامي سياسته، لكان منهم أكبر ساسة، ولسادوا العالم وناسه، كما ~~كان من خريجيه وتلاميذه الصديق والفاروق وذي النورين وأبي تراب، وابن أبي سفيان # 131 # وسائر صحابته، وتابعيهم من المستنين بسنته، أولئك الذين أنعم الله عليهم، ~~ونشئوا في حضانة صفيه وخيرته من خلقه، رضوان الله عليهم أجمعين. ~~••• # قال الأديب الثقة: ولقد أنبهتك غير مرة إلى أن لغة أهل الجنة، غير لغة دار المحنة، ومن ثم ~~كان كل ما أعزوه في هذا الحديث من القول إلى قائليه من أهل دار السلام أشبه بالمنقول من لغة ~~إلى لغة، ولكن لا كالحسناء وخيالها في المرآة، لا، ولا من قبيل المترجم من لغة إلى لغة ~~تضارعها أو تقاربها رفعة وسناء، أو أن المترجم يداني القائل الأصلي بلاغة وأداء، ولكن إذا ~~كان لا بد من التشبيه فأشبه شيء بذلك - وللجنة ومن فيها المثل الأعلى - أن تعمد إلى رجل من ~~العامة صلد الذهن، أغلف القلب، ران عليه الغباء # 132 # فتسمعه ms30 إحدى أوابد شوقي # 133 # وتقفه على مراميها، ثم تستعيده ما سمع وانظر ما أنت سامع ... ولقد أذكرني هذا ~~التشبيه ما كان بين المعتمد بن عباد، أحد ملوك الطوائف بالأندلس، وبين يوسف بن تاشفين ~~البربري ملك مراكش، وذلك أن ابن عباد أرسل إلى ابن تاشفين رسالة تمثل فيها ببيتي ابن ~~زيدون: # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ: يطلب منا جواري سودا وبيضا! قال القارئ: لا يا ~~مولاي، ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارا؛ لأن ليالي السرور بيض، فعاد ~~نهاره ببعده ليلا؛ لأن ليالي الحزن ليال سودة ... فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه: إن ~~دموعنا تجري عليه ورءوسنا توجعنا من بعده ... وكذلك شأني في وصف الجنة وكلام أهليها، بعد ~~هبوطي إلى الدنيا وتمرغي فيها، وما حيلتي وقد كانت مرآة ذهني وأنا في الجنة، أسمع كلام ~~أولئك الجلة، كأنها الوذيلة المستوية صفاء وصدقا وبلاغا، # 134 # فلما غادرتها وظننت أني سأقص لذلك عليك أحسن القصص، وأروي لك ما سمعت كما هو ~~دون أن أخرم منه حرفا، أو أن أحيف عليه حيفا، # 135 # رأيت هذه المرآة وقد آضت مقعرة حدباء، فأنى لك بعد هذا إلا أن تسمع هذه ~~الأحاديث محرفة شوهاء، ولا غرو فليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، أما المسميات ~~فبينها من التفاوت ما بين الأرض والسماء! بيد أنه - كما قلنا - إن لم يكن صداء # 136 # فماء، وإن لم يكن خمر فخل، وإن لم يصبها وابل فطل، ومن لم يجد ماء تيمما، ~~فتفطن دائما لذلك ولا تخله قط من بالك. # | هوامش # | مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة # حدث الأديب الثقة قال: # وتعلم - علمت الخير - أن أهل الجنة يتزاورون ويدعو بعضهم بعضا، كأهل العاجلة؛ توفيرا ~~لأنسهم، وتتميما لمسراتهم، قال جل وعز: # وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين * فمن الله علينا ms31 ووقانا عذاب السموم ~~* إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر ~~الرحيم ~~، # فأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال ~~هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ~~ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ~~. # قال الأديب: فلما انتهينا إلى هذا الموضع من الحديث، وقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر مما رغب ~~الإخوان أن يستطلعوا طلعه، ويقفوا عليه شئون مصر والمصريين، طلع علينا في الخيمة سرب من ~~الحور العين، بجانبه فوج من الولدان المخلدين، وأخذوا يدعوننا واحدا واحدا إلى مأدبة كبرى ~~أمر بصنعها الشيخ محمد عبده، وأدب إليها كثيرا من أعيان الإسلام، وأئمته الأعلام، من فقهاء ووعاظ وعلماء، وفلاسفة وأدباء، وكتاب وشعراء، ~~ولغويين وأطباء، ومغنين وملوك ومن إليهم، فملت إلى الشيخ حمزة فتح الله وقلت له: هل هذه ~~الدعوة دعوة الجفلى أو دعوة النقرى؟ # 1 # فقال: إن هذه الدعوة وإن كانت دعوة النقرى، إلا أنها من قبيل غير القبيل الذي ~~يبرأ منه طرفة بن العبد وينزه نفسه وقومه عنه، إذ يقول: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى # لا ترى الآدب فينا ينتقر # 2 # إذ إن للشيخ محمد عبده غرضا ساميا نبيلا يترامى إليه بهذه الدعوة ستعلم نبأه بعد ~~حين. # قال الأديب: أما أنا فما كاد نبأ المأدبة يصافح أذني حتى كدت أذوب فرحا، وأطير مرحا، ~~وأخذت أهرول أنا وإمام العبد، وانطلقت كالمهر الأرن في ميعة حضره، # 3 # ولم لا يطير بنا الفرح، ولم لا يستخفنا الطرب، وهناك مأدبة فاخرة، وأفواه ~~فاغرة، وجماعة من صفوة هذه الأمة الطاهرة؟ آه يا أخي آهة الرجل الحزين، إن نفسي تساقط حسرات ~~على أثر ما قد فاتها من نعيم الفردوس، وعندي أنه لو لم يكن للآجلة على العاجلة من مزية سوى ~~أن أهليها لا يضيرهم الطعام والشراب، فلا يصيبهم بشم وتخمة، وكظة وبردة، وغصص وشرق، ونزيف ~~وصداع، وأذى وخمار ، # 4 # مهما طعموا وشربوا، لرجحت الأولى بالثانية، ms32 وشالت في الميزان كفة الفانية: # 5 # ولكن تأبت الأقدار لحكمة بالغة إلا أن يشاب ~~كل شيء في دار البلاء، بما يكدر صفوه، ويخبث عفوه، # 6 # حتى الطعام والشراب: # طبعت على كدر وأنت تريدها # صفوا من الأقذاء والأقذار # ومكلف الأيام ضد طباعها # متطلب في الماء جذوة نار # وإلا فهل هناك لذة تعدل لذة الشراب والطعام، ولا سيما لصحاح الأجسام، وإنها للذة على هذا ~~متجددة تعاد في اليوم الواحد مرات، وتتكرر وجبات، # 7 # وهي على تكرارها لا تمل، وعلى تردادها تحلو ولا تمر: # كريقة المرء لا تنفك في فمه # وما يمل لها طعما لإبان # 8 # من عذيري أيها الناس # 9 # من لحوم الطير وسائر الحيوان البري منه والبحري، والإنسي والوحشي، ومن لي ~~بالفواكه على وفرة صنوفها، والخضر على تنوع أنواعها وضروبها، وما أحيلى الحلواء والفطائر، ~~وسائر ألوان هذه الأشباه والنظائر، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ... # وألم يغر ربك آدم بالخلود في الجنة بأن قال له: # إن لك ~~ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ~~ولا تضحى ~~. # 10 # فبدأ باشتراط الشبع. ولله عبد الله بن عباس إذ يقول: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأك ~~إسراف ومخيلة، # 11 # وإذا كان هناك - عمرك الله # 12 # ووقاك - من هو جدير بالرحمة والرثاء، فليس أحق بذلك من الممعود، والممنو ~~بأدواء البطون، # 13 # وإنه ليعجبني الرجل قد أوتي حمة القرم وبالغ اللقم، # 14 # فتراه يحط في الطعام # 15 # ويعصف فيه عصف الريح، حتى لكأنه تمساح من التماسيح، ويضرب فيه كما يضرب الولي ~~السوء في مال اليتيم، ويتملأ منه حتى ينطفئ نهمه، وتنتأ رمانته، # 16 # لا ذلك المتنوق المترف الأزوم # 17 # الذي أخذه الإباء فتراه يخط في الطعام خطا # 18 ~~... وإذا جاز لي أن أحسد أحدا على ما أتاه الله من فضله فلست أحسد إلا ذلك النهم ~~الحطمة المبطان # 19 # الذي أوتي معدة شيطانها رجيم، على ms33 شريطة أن تسعده الحال، ولا يؤذيه الأكال: # 20 # لو أكلت فيلين لم تخش البشم # ومن لي بذلك النبوغ الكرشي، وتلك العبقرية المعوية التي أوتيها معاوية والحجاج وسليمان ~~بن عبد الملك، # 21 # وعبيد الله بن زياد ومن على شاكلتهم من نوابغ الآكلين، لقد أوتوا من دواعي ~~اللذة الحظ العظيم! وهل هناك - أنار الله بصيرتك - أسخف من جماعة النباتيين، وإن لي مع ~~شيخهم شيخ المعرة لحديثا سيمر بك بعد حين، وكيف لا يعذر المعتر # 22 # المحروم إذا تهالك على لذيذ المطعوم، وما أظرف ذلك الأعرابي الذي لا عهد له إلا ~~بالشيح والقيصوم، # 23 # ولسان حاله يقول: # الأبيضان أبردا عظامي # الماء والفت بلا إدام # وقد حضر طعام أحد الأمراء وأكل معه، فلما أحضر الفالوذج # 24 # قال له الأمير: إن أكلت هذا حززت رأسك، فأطرق مليا، ثم مد يده إليه وقال: ~~أوصيك أيهذا الأمير بصبيتي خيرا ... ومثله الأعرابي الذي آكل يوما معاوية، فأخذ شيئا من ~~بين يديه، فقال له معاوية: لقد انتجعت، فقال الأعرابي: من أجدب انتجع! # 25 # ثم أحضر جدي حنيذ، # 26 # فأخذ الأعرابي يمزقه ويمعن في أكله، فقال معاوية: يا هذا، أتطالب هذا البائس بذحل # 27 # هل نطحتك أمه؟ قال: وأبيك إنك لشفيق عليه! هل أرضعتك أمه! وكان لزياد بن عبد ~~الله الحارثي جدي لا يمسه أحد، فعشى في شهر رمضان قوما منهم أشعب، فعرض أشعب يوما للجدي ~~من بين القوم، فقال زياد حين رفعت المائدة: أما لأهل السجن إمام يصلي بهم؟ قالوا: لا، قال: ~~فليصل بهم أشعب، فقال أشعب: أوغير ذلك أيها الأمير؟ قال: وما هو؟ قال: لا آكل لحم جدي أبدا ~~... وهل يعيب التطفيل وينتقص المتطفلين إلا كل أحمق مأفون ... إن التطفيل ثورة معوية حارة تلظى ~~على المترفين ... ولكنها ثورة سلمية سائغة مقبولة متواضعة، كل سلاحها وجه وقاح وشيء من إراقة ~~ماء الوجه ... على أنه لا يدعو هذا السلاح «إراقة ماء وجه» إلا أنا وأنت، أما رجال الفن ... أما ~~من تدعوهم متطفلين، فلا يغدو ذلك في رأيهم أن يكون «تقاضي ms34 حق» من أناس قد أمعنوا في ترفهم، ~~ولم يرضخوا للمحزومين بلماظة من حقوقهم: # 28 # يبيتون في المشتى ملاء بطونهم # وجاراتهم سغب يبتن خمائصا # 29 # ولحا الله أبا عمرة، # 30 # ولا أبعد غيره، إنه شر ما يمنى به المرء في دنياه، وما أفظع الإنسان إذا نقنقت ~~ضفادع بطنه، وعض الصفر على شراسيفه بنابه وسنه. # 31 # أطعموا الجائعين أيها الناس، واتقوا صولة الإنسان إذا نال منه سعار الجوع، وإلا ثار ثائره ~~عاصفا بكم بعد طول هجوع ... # | هوامش ms35