######OpenITI# #META# URI: 1363CabdRahmanBarquqi.HadaratCarabFiAndalus.Hindawi60292585 #META# Tags: literature :: history #META# ID: 60292585 #META# Title: حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع #META# AuthorID: 29508305 #META# Author: عبد الرحمن البرقوقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # حامدا ومصليا‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # إهداء الكتاب‏ # حامدا ومصليا‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # | حضارة العرب في الأندلس # | حضارة العرب في الأندلس # | رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع # تأليف # عبد الرحمن البرقوقي # | إهداء الكتاب # إلى روح أستاذي الإمام الشيخ محمد عبده؛ إلى الرجل العظيم الذي لم ~~تقع عيني على مثله رجاحة عقل، وسجاحة خلق، وعبقرية ذهن، وسمو ~~نفس، وعظمة روح، وهمة تناطح النجوم، وكرما يشامخ الغيوم، وأدبا ~~إلهيا من الطراز الأول حتى لكأنما نشأ في حضانة الله؛ إلى الرجل كل ~~الرجل، الذي يحب معالي الأمور ولا يحب سفسافها. # تلذ له المروءة وهي تؤذي # ومن يعشق يلذ له الغرام # إلى الرجل الذي لم يفزع إليه ~~فازع، ولم يستصرخه مستصرخ إلا كان الصراخ له إنجاز ما أمله؛ إلى ~~الرجل الذي لو مد الله في أجله، وبقي إلى أن رأى ثمار غرسه ونتاج ~~عمله، لكان للأديب اليوم شأن غير هذا الشأن، وحال غير تلك الحال؛ ~~لأنه عظيم، فهو يحب كل عظيم ويمده ويشبه وقدا، ولا يحقد ولا ~~يحسد؛ لأن «رئيس القوم لا يحمل الحقدا.» # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في ~~خلف كجلد الأجرب ~~••• # عالم أشبهوا القرود ولكن # خالفوها ~~في خفة الأرواح ~~••• # لهم حلل حسن فهن ~~بيض # وأخلاق سمجن فهن ~~سود ~~••• # أنا في أمة تداركها الله # غريب ~~كصالح في ثمود # إلى روح أستاذي الذي علمني ~~وربني وأدبني، فأحسن - بحمد الله - تأديبي؛ فكنت خريجه ولا فخر، وكنت ~~غرس يديه ونعمة عين. وكما أرسل الله إلى صفيه وخيرته من خلقه سيدنا ~~محمد بن عبد الله - صلوات الله وتسليماته عليه - ملكين كريمين سقطا ~~عليه كسقوط الندى وهو يلعب مع إخوته من الرضاعة خلف بيوت ظئره - ~~رضوان الله عليها - فأضجعاه، فاستخرجا قلبه فشقاه، فتناوشا منه علقة ~~سوداء، ثم غسلا قلبه بثلجهما السماوي حتى أنقياه، وكان ذلك كمدرجة ~~لمقام النبوة ومهمة الرسالة العظمى؛ أرسل الله إلينا هذا الإمام، وطلع ~~علينا كما يطلع البدر في دجنات الظلام ونحن في الأزهر نتعسف الطريق، ~~ونتقحم تلك الجراثيم، فهدى من ms01 ضلالة، وأنار من ظلمة، وانتاشنا من ~~مضيق ومرتطم، وأقامنا على المناهج النيرة، والمحاج الواضحة، وغسل ~~عقولنا حتى أنقى أدرانها، ثم فاض علينا فيض علمه وأدبه. # فإلى روح هذا الإمام، أهدي هذا الكتاب. # عبد الرحمن البرقوقي # | حامدا ومصليا # أما بعد، فهذا كتاب وضعته قديما وأسميته «حضارة العرب في الأندلس»، ~~ولقد أشرب قلبي مذ طراءة العمر، وريعان الصبى، وجن النشاط، حب ~~التاريخ الإسلامي عامة، وتاريخ هذا الفرع الأندلسي منه خاصة؛ فكان مما ~~عنيت به فضل عناية، وكان مما أولعت به الولوع كله النظر في تاريخ ~~الأندلس وحضارة العرب بها، منذ افتتاحهم إياها إلى أن تأذن الله لهم، ~~وكلب عليهم الإسبانيون، وكلح لهم الدهر وجهه، وتقلصت ظلال تلك ~~الحضارة بعد أن فاء بها الفيء على شرق الأرض وغربها، وبلغ من همي ~~بهذا التاريخ أني بعد أن استوعبت كل ما وصل إلينا من تآليف العرب، ~~ذهبت أتلمس ما كتبه مؤرخو الغرب ومستشرقوه على ذلك المصر، حتى ~~اقتنيت أمهات أسفارهم، وعهدت إلى كثير من أصدقائي الذين يحسنون ~~الفرنسية والإنكليزية أن ينقلوا إلي كل ما يتصل بغرضي من مباحث هاتيك ~~الكتب، ومضيت في ذلك ومضوا فيه حتى استجمعت الكثير، وما يزيد على ~~الكثير، ثم خطر الدهر من خطراته. # ونشأت ظروف أواخر سنة 1910 ميلادية؛ أي قبيل إخراج «البيان»، ~~اضطرتني أن أزايل القاهرة وأقيم في بلدي - مسقط الرأس ومكان الغراس - ~~فأفسح لي ذلك في الوقت، ومد لي في النظر، وبسط في مطارح التأمل. وإني ~~لأتقرى يوما تاريخ أبي الفداء إذ صدف أن أخذت عيني هذا الخبر الذي ~~لا حفل له، والذي يقتحمه في العادة النظر ولا يكاد يتلفت إليه، أو ~~يتوقف عليه؛ وهو ما رواه من «أنه في سنة 345 هجرية عمل عبد الرحمن ~~الناصر؛ صاحب الأندلس، مركبا كبيرا، وحشد فيه كثيرا من بضائع ~~الأندلس، وأرسله إلى بلاد المشرق؛ لتباع هذه البضائع هناك وتستبدل منها ~~بضائع مشرقية.» ففتحت علي هذه العبارة أبوابا من وراء أبواب، وامتدت ~~الكلمة في نفسي حتى خرج من حروفها كتاب، وألهمت أن أضع ms02 ما جمعت من علم ~~الأندلس كله في صدر رحالة مصري يقوم من الإسكندرية وافدا إلى الأندلس ~~في مركب الناصر هذا - فهو يرى ويسمع ويقص ويدون ويصف ويستعين بما ~~يعلمه وما يراه، وما يفتق له الخاطر ويهيئ الفكر - في رسائل يضمنها ~~وصف تلك الحضارة على اختلاف ألوانها، وشتى فنونها، وصف مؤرخ أديب ~~فيلسوف يرحل للتاريخ وفلسفته، فيدرسه في كتبه وفي مواضعه ورجاله ~~وأسبابه وحوادثه؛ وبذلك يستجمعه من أطرافه، ويحويه من أكنافه. وتم ~~التقدير على أن أضع على لسان هذا الرحالة الذي ذهب إلى الأندلس، وأقام ~~فيها زهاء عشرين عاما خمس رسائل، يكون عنوان الأولى «من الإسكندرية ~~إلى المرية»، والثانية «من المرية إلى قرطبة»، والثالثة «مقامي ~~في قرطبة»، والرابعة «العلوم والآداب والفنون في الأندلس»، والخامسة ~~«تقويم الأندلس وتاريخها» ... وهو بديهي أنه لا يقدم على هذا العمل ~~مقدم إلا بعد أن يحيط بتاريخ هذا العصر علما، ويقتله كله دراية ~~وفهما؛ فليس يكفيه أن يكون ملما بتاريخ الأندلس، ولا بتاريخ الدول ~~الإسلامية لهذا العهد؛ بل لا بد مع ذلك من أن يكون واقفا على تاريخ ~~الأمم الأخرى المعاصرة، والتي لها علاقة بالدول الإسلامية إذ ذاك؛ مثل ~~الدولة الرومانية وما إليها، وكذلك درست تاريخ هذا العصر من جميع ~~نواحيه، ثم وضعت يدي في هذا العمل، وأخذت في كتابة هذه الرسائل، ومضيت ~~لطيتي حتى إذا سرت شيئا طرأ علي ما أجاءني إلى القاهرة، وفي ~~تلك الآونة طلع «البيان»، وطفقت أنشر فيه نبذا من هذا الكتاب. وكان ~~المنتظر أن يكون «البيان» بحيث يغري بإتمام الكتاب ونشره كله بين صفحات ~~هذه السنوات التي خلت، ولكن جاء الأمر على حد ما قيل: طلبت بك ~~التكثير فازددت قلة؛ فلقد استبد بي هذا البيان، واستأثر علي بنفسي ~~استئثارا، وتدفق في أذاته، وألح في سطواته؛ حتى إنه بعد أن التهم ~~الوفر أكلا وشربا ألوى بنفسي # 1 # قلبا ولبا، وتركني لا أفكر إلا فيه، ولا أتشاغل إلا ~~به. # فلو أن لي تسعين قلبا ~~تشاغلت # جميعا فلم يفزع إلى غيره ~~قلب # وكذا مصير كل ms03 من يمتهن الأدب في الصحف، وبخاصة إذا كان هو صاحب تلك ~~الصحيفة، له غنمها، وعليه غرمها، ببلد سقط فيه نجم الآداب الرفيعة، ~~وطاش سهمها، وقديما قيل لحكيم: إن فلانا رجل عاقل، فقال: هل هو ~~متزوج؟ فقيل له: نعم، فقال: إذن ذهب عقله! وعلى هذا القياس لو قيل لي: ~~إن فلانا فيلسوف أو عالم أو أديب، لقلت: هل هو صاحب مجلة في مصر؟ فإذا ~~قيل: نعم، قلت: إذن ذهب والله في الذاهبين ... فإنه إذا كان المتزوج يجد ~~من هم واحدة وما يكون منها ما لا يدعه لهم نفسه، فيذهب بذلك ~~عقله أو بعض عقله، فإن صاحب المجلة يصيبه هم المئات إلى الألوف ~~ممن يقرءون ولا يفون بحق ولا عهد، فهو ينفق من نفسه وما أعده ~~لنفسه، وهم يمحقونه محقا حتى ينقص بهم على زيادتهم، ويقل على كثرتهم، ~~ولا يزال ذلك شأنهم وشأنه لا هو يتركهم وعليهم حقه، ولا هم يدعونه في ~~غير هذه الحالة، وبذلك يذهبون بفلسفته وعلمه وأدبه مذاهب العقم، ~~ويبلونه بالاغتمام، ولا عقل مع غم، ولا قلب مع هم، فذهب - إذن - ~~والله صاحب المجلة، وكان من ضياع العقل في وزن من تزوج، لا بزوجة ~~واحدة، بل بألف زوجة ... # وبعد، فهذا هذا، وفي هذه الآونة؛ في هذه الفترة التي احتجب فيها ~~البيان، والتي وجدت فيها نفسي. جرى بيني وبين أحد أفاضلنا يوما حديث ~~أفضى إلى ذكر هذا الكتاب، وأنست من هذا الفاضل رغبة حارة صادقة في ~~تمامه، وطبع ما تم منه إلى الآن، في الأقل، على حدة، فكان جواب ~~الفعل أسبق من جواب القول، وقدمت هاتين الرسالتين إلى المطبعة على أن ~~أردفهما قريبا - إن شاء الله - بالرسائل الثلاث الباقية. وهاتان ~~الرسالتان يكادان يكونان كتابا مستقلا يصح أن ينزلا من الرسائل ~~التالية منزلة مدخل الكتاب من الكتاب. # والآن يجمل بنا أن نقدم بين يدي الناظر في كتابنا هذا تنبيهات، يخلق ~~به أن يلحظها، ويتنبه عليها؛ وإليكها: # 1 # يلحظ قارئ هذه الرسائل في بعض المواطن شيئا يشبه أن يكون حشوا، ~~أو زيادة، ms04 أو فضولا، أو شططا ، أو خروجا عن الموضوع، أو ما شئت ~~سمه؛ وذلك مثل كلامنا على الخمر (انظر فصل صقلية)، وكلامنا على ~~حب الوطن (انظر فصل صقلية)، فليعلمن القارئ أنا لو قصرنا ~~كلامنا في هذه الرسائل على البحث التاريخي البحت، دون تطريتها بمثل ~~هذه المعاني الغضة اللينة المستطرفة، التي تستروح إليها النفوس، ~~وتريح على القارئ عازب نشاطه؛ # 2 # لجاءت كزة جافة ثقيلة مملة. وليس للكاتب اليوم ~~في أي باب من أبواب العلم والأدب منتدح عن أن يداور القارئ على ~~القراءة ويراوغه، # 3 # ويحتال بكل ضروب الحيل التي تغريه بالقراءة، ~~وتشوقه إلى الاطلاع ما دامت الرءوس كأن بها خبالا، والنفوس كأن ~~بها دائما ملالا؛ على أنه إذا كان الغرض الذي نترامى ~~فيه # 4 # بهذه الرسائل هو وصف حضارة العرب، فلماذا لا نهتبل هذه ~~الفرصة ونتصدى - ما وجدنا إلى ذلك سبيلا - لكل معنى من معاني هذه ~~الحضارة، ومبلغ ما وصل إليه العرب في هذا المعنى؛ ومن ثم لم ~~نتعرض لمثل ما تعرضنا عبثا، وإنما لنصف لك كل ألوان الحضارة ~~العربية على اختلافها أولا وبالذات، ولننفي عن القارئ ما عساه ~~يلم بساحته من السأم والملال ثانيا وبالعرض. # 2 # قد يلمح القارئ من أسلوب هذه الرسائل وطريقة الوصف والتفكير فيها ~~مسحة من روح جيلنا، ويراها مصطبغة بصبغة عصرنا؛ وهذا وإن لم يكن ~~في مكنتنا اجتنابه - لأنا؛ ضرورة كوننا من أبناء هذا الجيل ~~وامتزاج روحه منا بالدم واللحم، لا نستطيع الخروج عن كياننا - إلا ~~أنه مع ذلك نكاد نكون قد قصدنا إليه قصدا؛ لأنه يدخل في باب ~~التطرية التي لا بد منها؛ نفيا للملل الذي قد يعرو القارئ إذا نحن ~~توخينا أسلوب تلكم العصور توخيا تاما؛ ولأنه لولا ذلك لما ~~كان ثمت فرق بين هذه الرحلة وبين رحلة قديمة يضعها رحالة حقيقي ~~في هاتيك العصور؛ بيد أنا مع ذلك قد احتفظنا جهد الاستطاعة ~~باصطلاحات العرب في أسماء الأعلام والبلدان والأقطار والممالك، وما ~~إلى ذلك، مع قرنها بأسمائها التي تعرف بها اليوم؛ إما في هامش ~~الرسائل، ms05 وإما في صلبها بين أقواس. # 3 # كل ما كان لغيرنا ونقلناه بلفظه أو بمعناه نبهنا إليه في هامش ~~الكتاب؛ ومن ثم يكون كل ما لم ننبه إلى مصدره فهو لنا معنى ~~ولفظا، اللهم إلا ما نتمثل به من بيت مشهور، أو مثل سائر، أو ~~أبيات قد عرف قائلها. على أنا إذا كنا في موضع تاريخي أو وصف ~~جغرافي قد نبهنا إلى المصدر الذي اعتمدنا عليه، ففي الغالب ~~الكثير تكون العبارة لنا، وإنما الذي لغيرنا هو العصارة التاريخية ~~أو الجغرافية وما إليهما. وقد نسهو عن التنبيه إلى المصدر؛ إما ~~لأنا لم نقيد ما ننقل حين النقل فلم نهتد إلى موضعه بعد ذلك؛ ~~وإما لأن ما ننقله من غيرنا إنما نقلناه بواسطة حافظتنا. # 4 # قد نتمثل في بعض الأحايين ببيت أو أبيات تأخرت أوقات قائليها عن ~~زمن الرحلة؛ مثل تمثلنا بأبيات لابن خفاجة أو لابن حمديس مثلا، ~~ونحوه؛ فإنا لا نرى بأسا في ذلك ما دامت هاتيك الأزمان متقاربة ~~متشاكلة، وحسبنا التنبيه إلى ذلك في هامش الكتاب. # أما بعد، فيرحم الله عمرو بن بحر إذ يقول: «لا يزال المرء في ~~فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يؤلف كتابا.» ويرحم الله ~~القائل: «عرض بنات الصلب على الخطاب أهون من عرض بنات الصدر ~~على ذوي الألباب.» فإذا كنت قد وفقت أو قاربت التوفيق في هذا ~~الكتاب، وإلا فحسبي أني لا آلو جهدا ولا أدخر وسعا، وأني أخلص ~~النية، وأراقب الله في كل ما أعمل، على أنه لا كمال في الأرض، ~~وإنما الكمال لله وحده، إليه سبحانه الرغبة في أن يحوط كل ما أعتمل ~~بكلاءته، وأن يغشيه دائما بالقبول. إنه سميع الدعاء. # عبد الرحمن البرقوقي # | هوامش # | الرسالة الأولى # من الإسكندرية إلى المرية # كان انفصالي عن الإسكندرية للوفود إلى الأندلس بسحرة يوم من أيام ~~سنة خمس وأربعين وثلاثمائة من هجرة المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~، الموافقة سنة ست ~~وخمسين وتسعمائة لميلاد السيد المسيح - صلوات الله عليه؛ وذلك في سفينة ~~عدولية # 1 # لأمير المؤمنين بالأندلس ms06 عبد الرحمن الناصر، لم نر قط ~~مثلها. وكان عبد الرحمن فيما بلغني مولعا بإنشاء السفن والأساطيل، ~~فأنشأ هذا المركب الكبير الذي لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة وبضائع ~~إلى بلاد المشرق؛ لتباع هناك وتستبدل بها بضائع من هاتيك البلاد، ~~فمر بكثير من ثغور البحر الشامي، وكان آخر ما مر به ~~الإسكندرية. # 2 # ولما نزلت هذا المركب رأيت ~~فيه كثيرا من أهل بغداد والموصل والشام ومصر يريدون الوفود إلى ~~الأندلس، وممن عرفت منهم عالم لغوي أديب من أهل بغداد يعرف بأبي علي ~~إسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي، # 3 # وفقيه مصر أحمد بن أبي عبد الرحمن القرشي الزهري، # 4 # وفقيه مقرئ يسمى أبا الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر ~~التميمي الأنطاكي، # 5 # وتاجر رحلة من أهل الموصل يعرف بابن حوقل، # 6 # وقينة اسمها فضل المدنية؛ # 7 # وأصل هذه القينة، كما أخبرتني، لإحدى بنات هارون الرشيد، ~~ونشأت وتعلمت ببغداد، ونهدت من هناك إلى المدينة المشرفة؛ فازدادت ~~ثم طبقتها في الغناء، ثم اشتريت للأمير عبد الرحمن مع صاحبة لها ~~تسمى علم المدنية وصواحب أخرى. وقد عقدت الغربة بيني وبين فضل ~~صحبة؛ لأن الغريب، كما قيل، للغريب نسيب. فرأيت منها أديبة ذاكرة، ~~حسنة الخط، راوية للشعر، حلوة الشمائل، معسولة الكلام، ذلك إلى حذقها ~~في الغناء ولباقتها به مع الظرف الناصع، والجمال الرائع، فكانت - صنع ~~الله لها - سلوتنا في سفرنا، وكانت تجلو هموم السفر # 8 # ومرض البحر؛ بما تنفثه بيننا الفينة بعد الفينة # 9 # من سحر الحديث الذي يأخذ بالألباب، ويرتفع له حجاب القلوب، ~~فهو كما قال أبو حية النميري فيمن يقول: # حديث إذا لم تخش عينا كأنه # إذا ~~ساقطته الشهد أو هو أطيب # لو انك تستشفي به بعد ~~سكرة # من الموت كادت سكرة الموت ~~تذهب # ولما أقلعت بنا السفينة من ~~مرسى الإسكندرية، تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا، ثم غشى ~~البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه، فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير، ~~فبقينا لاعبين على صفحة ماء تخاله العين سبيكة لجين، كأنا ms07 نجول بين ~~سماءين، فكان لذلك منظر هو قيد النواظر، وغل # 10 # الألباب، وشرك النفوس، تجلى لنا فيه جمال الكون وصانعه ، ~~فكنت ترى السماء صافية الأديم، زاهرة النجوم، وكوكب الزهرة مقبلا من ~~ناحية المشرق يحفه الجمال والجلال، فلولا التقى لقلت: جلت ~~قدرته! وترى البحر كأنه مرآة مصقولة تنظر السماء فيها وجهها، فكأنما ~~الماء سماء، وكأن السماء ماء، وترى النوتية مجدين في التجديف ~~على حال لو هممت بتشبيهها بشيء حسن لاضطرك حسنها إلى رده ~~إليها. # مجاذف كالحيات مدت رءوسها # على ~~وجل في الماء كي تروي الظما # كما أسرعت عدا أنامل ~~حاسب # بقبض وبسط يسبق العين ~~والفما # 11 # وفيما بين ذلك تسمع فضل تغني في قبتها مواليا بغدادية ساحرة، ~~وبين يديها مزهر تقلدته أطرافها: # تميت به ألبابنا وقلوبنا # مرارا ~~وتحييهن بعد همود # إذا نطقت صحنا وصاح لنا ~~الصدى # صياح جنود وجهت ~~لجنود # ظللنا بذاك الديدن اليوم ~~كله # كأنا من الفردوس تحت ~~خلود # ومضى على ذلك ثلاثة أيام بلياليها كنا من أوقاتها في ~~بلهنية # 12 # من العيش، وغفلة عن أعين الدهر، ووصال أخضر، ونعمى لا ~~يشوبها بؤس ولا كدر، فلما كان اليوم الرابع - ولا كان - هبت علينا ~~ريح عاصف رمتنا بها الأقدار من حيث ~~لا ندري، فأرغى البحر وأزبد، وأبرق وأرعد، وتلاطمت الأمواج، واهتاجت ~~أيما اهتياج، وصار بها - عمرك الله - مثل الجنون، وتراءت في صورها ~~المنون. # وقد فغر الحمام هناك فاه # وأتلع ~~جيده الأجل المتاح # 13 # فانقلب يسرنا عسرا، وأدال الله من الحلو مرا، وعظم الخطب، وعم ~~الكرب، ونحن في ذلك قعود كدود على عود، وقد نبت بنا من القلق ~~أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا أنه ليس في الوجود أغوار ~~ولا نجود، إلا السماء والماء، وذلك السفين، ومن في قبر جوفه ~~دفين. # البحر صعب المرام جدا # لا جعلت ~~حاجتي إليه # أليس ماء ونحن طين # فما عسى صبرنا ~~عليه # 14 # ولبثنا على هذه الحال من ظهر اليوم الرابع إلى سحره، وبعد ذلك فترت ~~الحال بعض الفتور، ثم جاءت ريح رخاء زجت السفينة إلى بر ms08 جزيرة ~~أقريطش «كريد» أهنأ تزجية، وأخذنا نسير في محاذاتها، فما كان إلا كلا ~~ولا حتى وصلنا إلى مدينة الخندق؛ # 15 # إحدى مدنها ومرافئها العظيمة، فأرسينا بها ريثما نشتري ~~منها ما يعوزنا من الخبز واللحم والماء والفاكهة. # أقريطش # وهذه الجزيرة من جزر بحر ~~المغرب الكبيرة، فيها مدن وقرى كثيرة، يقابلها من بر أفريقيا ~~لوبيا، وجميع سكانها الآن مسلمون، وأميرها يسمى عبد العزيز ~~بن شعيب؛ من ولد أبي حفص البلوطي الأندلسي، # 16 # وذلك فيما علمت أن الحكم بن هشام؛ أمير الأندلس؛ كان ~~قد أمعن صدر ولايته في اللذات، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة؛ ~~مثل: يحيى بن يحيى الليثي؛ صاحب مالك وأحد رواة الموطأ عنه، وطالوت ~~الفقيه، وغيرهما، فنقموا عليه، وثاروا به، وبايعوا بعض قرابته، ~~وكانوا بالربض الغربي من قرطبة - محلة متصلة بقصره - فقاتلهم ~~الحكم واستلحمهم، وهدم ديارهم ومساجدهم، فلحقوا بفاس من أرض ~~العدوة # 17 # وبالإسكندرية. وبعد أن أقاموا في الإسكندرية حينا من ~~الدهر، تلاحى رجل منهم مع جزار من سوقتها، فنادوا بالثأر، ~~واستلحموا كثيرا من أهل البلد وأخرجوا بقيتهم، وامتنعوا بها، ~~وولوا عليهم أبا حفص عمر بن شعيب البلوطي - ويعرف بأبي الفيض من ~~أهل قرية مطروح؛ من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة - فقام ~~برئاستهم. # وكان على مصر يومئذ عبد الله بن طاهر من جهة المأمون، فزحف ~~إليهم وحصرهم بالإسكندرية، فاستأمنوا له فأمنهم وبعثهم إلى هذه ~~الجزيرة - أقريطش - فعمروها، وأضاءوها بنور الإسلام، وشيدوا بها ~~المعاقل والحصون والمدن العظيمة؛ مثل الخندق التي اشترينا منها ~~خبزنا ولحمنا، وبهرنا ما رأينا فيها من حضارة العرب وعز الإسلام، ~~ولا يزال أميرها إلى اليوم - وهو سنة خمس وأربعين وثلاثمائة - من ~~ولد أبي حفص البلوطي، وهو الأمير عبد العزيز بن شعيب، أدام الله ~~عليه ملكه، وأبعد عنه كيد الأعداء. # ولما أقلعنا عن بر جزيرة أقريطش؛ أسعدت الريح، وأصحت السماء، ~~ونام عنا البحر، وأخذت السفينة تشق اليم شق الجلم، # 18 # وأخذنا في سمت جزيرة صقلية # Sicily ~~، وما زلنا حتى قطعنا سبعمائة ميل في مدى ~~أربعة أيام بلياليها. ولما قاربنا صقلية، ms09 وصرنا منها أدنى ذي ~~ظلم؛ # 19 # أخذت أعيننا أشباحا كالأعلام تسير على وجه الماء تنضم ~~إلى بعضها تارة، وتنصاع كسرب القطا أخرى، فتساءلنا، فقيل لنا: ~~إن هذا أسطول المعز لدين الله أبي تميم معد العبيدي يغدو ويروح بين ~~صقلية وبين قلورية # Calabria # من بر ~~الأرض الكبيرة «أوروبا»، فاغتبط بهذا المنظر تاجر مغربي أديب من ~~أهل المهدية نزل معنا من أقريطش بنية الوفود إلى صقلية، وأخذت ~~منه هزة الطرب حين رأى أسطول بلده، ورفع عقيرته - وقد أنافت برأسه ~~النعرة - نعرة العصبية - قائلا: لله أبو القاسم محمد بن هانئ ~~الأندلسي؛ شاعر سيدنا المعز، لكأنه يرى ما نرى الآن حين يقول في ~~هذا الأسطول: # أما والجواري المنشآت # 20 # التي سرت # لقد ~~ظاهرتها # 21 # عدة # 22 # وعديد # 23 # قباب # 24 # كما ترخي القباب على المها # 25 # ولكن من ضمت عليه ~~أسود # عليها غمام مكفهر صبيره # 26 # له بارقات جمة ~~ورعود # أنافت بها أعلامها # 27 # وسمالها # بناء على غير ~~العراء مشيد # من الراسيات الشم لولا ~~انتقالها # فمنها قنان شمخ ~~وريود # 28 # من الطير إلا أنهن جوارح # فليس ~~لها إلا النفوس مصيد # من القادحات النار تضرم ~~للصلى # فليس لها يوم اللقاء ~~خمود # إذا زفرت غيظا ترامت بمارج # كما ~~شب من نار الجحيم وقود # فأفواههن الحاميات ~~صواعق # وأنفاسهن الزافرات ~~حديد # لها شعل فوق الغمار # 29 # كأنها # دماء تلقتها ~~ملاحف سود # تعانق موج البحر حتى كأنه # سليط ~~له فيه الذبال عتيد # 30 # ترى الماء فيها وهو قان ~~عبابه # كما باشرت ردع الخلوق ~~جلود # 31 # فليس لها إلا الرياح ~~أعنة # وليس لها إلا الحباب ~~كديد # 32 # وغير المذاكي نجرها # 33 # غيرانها # مسومة تحت ~~الفوارس قود # رحيبة مد الباع وهي نتيجة # بغير ~~شوى # 34 # عذراء وهي ولود # 35 # تكبرن عن نقع # 36 # يثار ~~كأنها # موال # 37 # وجرد الصافنات عبيد # لها من شفوق العبقري ملابس # 38 # مفوفة # 39 # فيها النضار جسيد # 40 # كما اشتملت فوق الأرائك خرد # 41 # أو التفعت فوق المنابر ~~صيد # 42 # لبوس تكف الموج وهو غطامط # 43 # وتدرأ ms10 بأس اليم وهو ~~شديد # فمنه دروع فوقها وجواشن # 44 # ومنها خفاتين # 45 # لها وبرود # وإنا لفي ذلك إذ رأينا قلورية من بر الأرض الكبيرة عن يميننا، ~~وبر جزيرة صقلية عن يسارنا، ثم دخلنا المجاز الذي بينهما فرأينا ~~بحرا صعبا ينصب انصباب العرم، ويغلي غليان المرجل لشدة ~~انحصاره وانضغاطه، فاستمر مركبنا في سيره والريح الجنوبية تسوقه ~~سوقا عنيفا ، فلما شارفنا مدينة ريو # Reggio ~~، وقد كان الليل مظلما ربوض النواحي، ضربت ~~في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب، وحالت بين الأبصار والارتقاب، ~~وتتابعت علينا عوارض ديم صرنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ~~ظلم، وعباب البحر تتوالى صدماته، وتطفر الألباب رجفاته، فقطعنا ~~هذه الليلة البهماء في مقاساة أهوال تجعل الولدان شيبا، # 46 # ثم تداركنا صنع الله مع السحر، ففترت الريح، ولان متن ~~البحر، وجاءت ريح رخاء زجت المركب تزجية حسنة إلى مدينة ~~ريو. # وكان ذلك في فجر اليوم التاسع ليوم انفصالنا عن الإسكندرية. وما ~~أرسى المركب على هذه المدينة حتى أقلع عنها كي لا يحسه أسطول ~~العبيديين ويثأر منه؛ وذلك - فيما علمت - أن المركب الأندلسي كان ~~قد تحرش وهو ذاهب إلى بلاد المشرق بمركب للمعز فيه كتب ورسائل، ~~فقطع عليه المركب الأندلسي وأخذه بما فيه. # 47 # فتملكنا الذعر لذلك الخبر، ونزت قلوبنا خوفا على ~~أنفسنا؛ ومن ثم اعتزمت أن أنزل من هذا المركب على أقرب بلد يرسي ~~عليه، وكذلك نزلت منه عند إرسائه على هذه المدينة، وحمدت الله الذي ~~لا يحمد على المحبوب والمكروه سواه. # بيد أني ما انفصلت عن المركب حتى انفصل عني قلبي، وسار مع من ~~فيه، وأصبحت على حد قول القائل: # هواي مع الركب اليمانين ~~مصعد # جنيب وجثماني بمكة ~~موثق # ذاك انفصالي عن فضل المدنية، التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، ~~وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد ~~الراكب. ولا بدع؛ فهناك الجمال الرائع، والظرف البارع، والشباب ~~البض، والأدب الغض، ورقة الحاشية، وخفة الناحية، وعذوبة ~~المعاشرة، وحلاوة المحاضرة. # وحديثها السحر الحلال لو ~~انه # لم يجن قتل المسلم ~~المتحرز ms11 # إن طال لم يملل وإن هي ~~أوجزت # ود المحدث أنها لم ~~توجز # شرك العقول ونزهة ما ~~مثلها # للمطمئن وعقلة ~~المستوفز ~~••• # فكأن لفظ حديثها # قطع الرياض ~~كسين زهرا # وكأن تحت لسانها # هاروت ينفث ~~فيه سحرا # حوراء إن نظرت إلي # ك سقتك ~~بالعينين خمرا # تنسي الغوي معاده # وتكون ~~للحكماء ذكرا ~~••• # وقف الهوى بي حيث أنت فليس ~~لي # متأخر عنه ولا ~~متقدم # أجد الملامة في هواك ~~لذيذة # حبا لذكرك فليلمني ~~اللوم # وما أنس من الأشياء لا أنس صوتها العذب الذي كأنه مجاج النحل، ~~وغناءها الحبيب إلى النفوس حتى كأنها خلقت من كل قلب، فهي تغني ~~لكل ما أحب، ولقد كان يخيل إلينا وهي تغنينا في المركب أنا في ~~الفردوس يطربنا نبي الله داود: # إذا هي غنت أبهت الناس ~~حسنها # وأطرق إجلالا لها كل ~~حاذق ~~••• # غنت فلم تبق في جارحة # إلا ~~تمنت بأنها أذن ~~••• # تتغنى كأنها لا تغني # من سكون ~~الأوصال وهي تجيد # مد في شأو صوتها نفس كا # ف ~~كأنفاس عاشقيها مديد # وأرق الدلال والغنج منه # وبراه ~~الشجا فكاد يبيد # فتراه يموت طورا ~~ويحيى # مستلذ بسيطه ~~والنشيد # في هوى مثلها يخف حليم # راجح ~~حلمه ويغوي رشيد # خلقت فتنة غناء وحسنا # ما لها ~~فيهما جميعا نديد # وأين لا أين مزهرها الذي كأن صوته صرير باب الجنة، والذي كانت ~~إذا تناولته لتضرب على أوتاره فكأنما تنتظم قلوبنا لتضرب على ~~أوتارها، وهكذا هكذا فليكن الغناء وسماعه، وهل خلقت الأغاني، لعمر ~~إلهك، إلا للغواني؟! وكم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن ~~تقبله، وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تشيح بوجهك عنه! وأيهما ~~أملح وأجمل؟ أن يغنيك فحل ملتف اللحية وشيخ منخلع الأسنان متغضن ~~الوجه، أو تغنيك غانية كطاقة نرجس أو آس، وكأنها حورية أبقت من ~~رضوان خازن الجنان، فآه من جمالها! وآه من حديثها! وآه من ~~غنائها! وآه من مزهرها! ولكن نزلت ريو وفارقتني فضل، ولله الأمر ~~من بعد ومن قبل. # يا وحشتا للغريب في البلد ~~الن # ازح ماذا بنفسه ~~صنعا؟ # فارق أحبابه فما ms12 انتفعوا # بالعيش ~~من بعده ولا انتفعا # يقول في نأيه وغربته # عدل من ~~الله كل ما صنعا # وهذه ريو هي مدينة عظيمة من مدائن جزيرة قلورية من بر الأرض ~~الكبيرة، واقعة على مجاز مسيني، بينها وبين مسيني نحو من عشرة ~~أميال، وبها مسجد كبير بناه في وسطها أبو الغنائم الحسن بن علي بن ~~أبي الحسين الكلبي؛ والي صقلية. كان من قبل المنصور العبيدي بعد ~~أن اكتسح بلاد قلورية جميعا وتغلغل في أحشائها، وشيد بها المعاقل ~~والحصون، وأرغم أنوف أهليها من الروم، وذلك فيما بلغني أن ~~الأنبرور # 48 # صاحب القسطنطينية كان قد أرسل سنة تسع وثلاثين ~~وثلاثمائة للهجرة بطريقا في البحر في جيش عرمرم إلى جزيرة صقلية، ~~فأرسل الحسن إلى المنصور العبيدي يعرفه الحال، فأرسل إليه ~~أسطولا فيه سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف راجل سوى البحرية، وجمع ~~الحسن إليهم جمعا كثيرا وسار من بلرم؛ قصبة صقلية في البر ~~والبحر، فوصل إلى مسيني، وعبرت العساكر الإسلامية إلى ريو هذه، وبث ~~الحسن سراياه في أرض قلورية، ونزل هو على بلد يسمى جراجة وحاصرها ~~أشد حصار حتى أشرف أهلوها على الهلاك من شدة العطش. # وإنه لفي ذلك إذ وصله الخبر أن الروم قد زحفوا إليه، فصالح أهل ~~جراجة على مال أخذه منهم وسار إلى لقاء الروم، ففروا من غير حرب ~~إلى مدينة تدعى بارة، ونزل الحسن على قلعة تعرف بقلعة قسانة، وبث ~~سراياه إلى قلورية، وأقام عليها شهرا فسألوه الصلح، فصالحهم على ~~مال أخذه منهم، ودخل الشتاء فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى الأسطول ~~بها، فأرسل إليه المنصور يأمره بالرجوع إلى قلورية، فسار الحسن ~~وعبر المجاز إلى جراجة، فالتقى المسلمون والروم يوم عرفة سنة ~~أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزمت الروم، ~~وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم، ~~ثم دخلت سنة إحدى وأربعين، فقصد الحسن جراجة فحصرها، فأرسل إليه ~~الأنبرور يطلب منه الهدنة فهادنه، وعاد الحسن إلى ريو وبنى بها ~~مسجدا كبيرا في وسطها، وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين ~~من ms13 عمارته، وإقامة الصلاة فيه والأذان، وأن لا يدخله نصراني، ومن ~~دخله من الأسارى المسلمين فهو آمن، سواء كان مرتدا أو مقيما على ~~دينه، وإن أخرجوا حجرا منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وأفريقية، ~~فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا. # 49 # أما قلورية فهي جزيرة كبيرة داخلة في البحر مستطيلة شرقي جزيرة ~~صقلية، وأهلها إفرنج، ولها بلاد كثيرة، وأرض واسعة ينسب إليها - ~~فيما أحسب - أبو العباس القلوري؛ ~~حدث عنه أبو داود السجستاني في سننه، # 50 # وقد غزا المسلمون أزمان بني الأغلب هذه الجزيرة وأرض ~~أنكبردة «لومبارديه»، وأمعنوا فيهما، واستولوا على مدينة ~~بارة # 51 # الواقعة على جون البنادقين # 52 # أيام قارلة # 53 # أنبرور الفرنج، وكذلك استولوا على مدينة طارنت من أرض ~~أنكبردة، ومدينة ملف، وقلعة قسانة، وبلدان أخرى، وقرعوا أبواب رومة ~~العظيمة، وغنموا منها غنائم لا يستقام لها قيمة، # 54 # وضربوا الجزية على البابا عظيم النصرانية، وذلك عدا ~~أنهم فتحوا مدينة جنوة، الواقعة على خليج الجنويين، وأكثر جزائر ~~هذا البحر الرومي. وجملة القول أن المسلمين أثخنوا في بلاد الأرض ~~الكبيرة وألحوا في قهرها، وغلبوا أممها على أمرها، وضربت ~~أساطيلهم بجزائر هذا البحر ضراء ~~الضياغم بفرائسها، وأديل لهم بها من أملاكها # 55 # وأناسها؛ وذلك كله بما قوى عزائمهم من الحق واليقين، ~~وألف بين قلوبهم من وشائج هذا الدين، وبما ألجأتهم إليه الحال، ~~وامتلاكهم لسيف # 56 # هذا البحر الجم الأهوال؛ مما أحكمهم وأشغفهم بحبه، ~~وجعل لهم دربة بركوبه وحربه، وأغراهم بإنشاء الأساطيل فيه ~~ينقضون بها على جزائره التي يخطئها العد والإحصاء، وعلى عدوته ~~الشمالية، # 57 # وهي أمنع من العقاب في أجواز الفضاء، وعلى أهلها من ~~أمم فرنجة، وهي أعز وأبعد منالا، وإن كان للمسلمين: # شرف ينطح السماك بروقيه # وعز ~~يقلقل الأجبالا ~~••• # وهم البحر ذو الغوارب إلا # أنه ~~صار عند بحرك آلا # وقد كان المسلمون في الصدر الأول يتحاشون ركوب البحر حتى كان من ~~عمر بن الخطاب - لما كتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر يستوصفه ~~البحر، فكتب إليه عمرو فيما كتب: إن البحر ms14 خلق عظيم يركبه خلق ~~ضعيف دود على عود - أن أوعز بمنع المسلمين من ركوبه، فتحرجوا ~~منه وعبروا على ذلك حينا من الدهر؛ حتى إذا كان لعهد معاوية أذن ~~في ركوب أثباجه، والجهاد على متون أمواجه؛ وذلك لأن العرب لبداوتهم ~~لم يكن لهم مران عليه، وحذق بركوبه، بينما الروم والفرنجة ~~لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على أعواده للحرب والاتجار ~~مرنوا عليه، وأحكموا الدربة بثقافته، والحرب في أساطيله، حتى كان ~~من ذلك أن أغار الروم من العدوة الشمالية على أفريقية من العدوة ~~الجنوبية، والقوط على المغرب منها؛ أجازوا في الأساطيل وملكوها، ~~وتغلبوا على البربر بها، وانتزعوا من أيديهم أمرها، وكان لهم بها ~~المدن الحافلة، مثل قرطاجنة وطنجة، وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم ~~يحارب صاحب رومة، ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد، ~~فكان ذلك ديدن أهل هذا البحر الساكنين حفافيه في القديم ~~والحديث. # فلما استقر الملك للعرب، وشمخ سلطانهم، وصارت أمم الأعاجم ~~خولا لهم وتحت أيديهم، ومت إليهم كل ذي صنعة بمبلغ صناعته، ~~واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما، وتكررت ~~ممارستهم للبحر وثقافته، شرهوا إلى الجهاد فيه، فأنشئوا السفن ~~والأساطيل، وشحنوها بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة ~~لمن وراء البحر من هذه الأمم الحمراء، واختصوا بذلك من ممالكهم ~~وثغورهم ما كان أقرب لهذا البحر ~~وعلى حافته، مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس، فأوعز عبد الملك ~~بن مروان إلى حسان بن النعمان؛ عامل أفريقية، باتخاذ دار الصناعة ~~بتونس لإنشاء الآلات البحرية، حرصا على مراسم الجهاد، ومنها كان ~~فتح صقلية أيام زيادة الله بن الأغلب، كما سيمر بك، ثم تسلسل ~~الأمر حتى بلغ شأن الأساطيل عند العبيديين أصحاب أفريقية، وعند بني ~~أمية بالأندلس، مبلغا غلبوا معه على هذا البحر من جميع جوانبه، ~~وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، وصار لا قبل لأمم النصرانية بأساطيلهم ~~به، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل منه؛ مثل أقريطش ~~وصقلية وقبرص ومالطة وقوصرة وسردانية وميورقة ومنورقة ~~ويابسة، # 58 # كما سيمر بك، إن شاء الله. # ولقد كان من أجل عناية العبيديين وبني أمية بشأن ms15 الأساطيل ~~وتفوقهم في ذلك على سائر الممالك الإسلامية للسبب الذي قدمناه، وهو ~~وجودهم على ضفاف هذا البحر، أن انبعثت قرائح الشعراء في الأندلس ~~وأفريقية بالقول في وصف الأساطيل، واختص أدباء هذين القطرين بهذا ~~الباب من الوصف، حتى لا تكاد تجد لشعراء المشرق يدا فيه. ومن أحسن ~~ما سمعناه لشعراء المغرب في الأسطول دالية أبي القاسم محمد بن ~~هانئ؛ الشاعر الأندلسي المنقطع الآن للمعز العبيدي، وقد تقدمت في ~~صدر هذه الرسالة، وبائية علي بن محمد الإيادي التونسي؛ شاعر القائم ~~العبيدي، وهي دون الدالية، وفيها يقول: # شرجوا جوانبه مجاذف أتعبت # شأو ~~الرياح لها ولما تتعب # تنصاع من كثب كما نفر ~~القطا # طورا وتجتمع اجتماع ~~الربرب # والبحر يجمع بينها فكأنه # ليل ~~يقرب عقربا من عقرب # وعلى كواكبها أسود خلافة # تختال ~~في عدد السلاح المذهب # فكأنما البحر استعار بزيهم # ثوب ~~الجمال من الربيع المعجب # ومنها في وصف الشراع: # ولها جناح يستعار يطيرها # طوع ~~الرياح كراحة المتطرب # يعلو بها حدب العباب مطارة # في ~~كل لج زاخر مغلولب # يسمو بأجرد في الهواء ~~متوج # عريان منسوج الذؤابة ~~شوذب # 59 # يتنزل الملاح منه ذؤابة # لو ~~رام يركبها القطا لم يركب # فكأنما رام استراقة مقعد # للسمع ~~إلا أنه لم يشهب # وكأنما جن ابن داود هم # ركبوا ~~جوانبها بأعنف مركب # سجروا جواحم نارها ~~فتقاذفوا # منها بألسن مارج ~~متلهب # من كل مسجور الحريق إذا ~~انبرى # من سجنه انصلت انصلات ~~الكوكب # عريان يقذفه الدخان كأنه # صبح ~~يكر على الظلام الغيهب # إلى أن قال: # ولواحق مثل الأهلة جنح # لحق ~~المطالب فائتات المهرب # يذهبن فيما بينهن لطافة # ويجئن ~~فعل الطائر المتقلب # كنضانض الحيات رحن لواعبا # حتى ~~يقعن ببرك ماء الميزب # وبعد، فإن لشعراء المغرب من بارع القصيد في هذا الباب ما لا يحصى ~~كثرة، وما ينم عن عظمة الأساطيل عند الدول الإسلامية، وبلوغها ~~لديهم الشأو الذي لا يلحق، حتى وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه ~~من الصولة، واتساع الملك، وضخامة السلطان. # ومن هنا تعرف مكان الأساطيل من الدول، ولا سيما دول البحار؛ مثل ~~الدول ms16 الإسلامية لعهدنا، وأن الأسطول هو سياج الدولة وعمادها، وبه ~~عزها، وعليه - بعد الله - اعتمادها؛ بل هو درعها المسردة التي تتقي ~~بها سهام الأعداء وتحول، وسلاحها الذي تطول به في البحر وتصول، ~~وجناحها الذي تطير به في سماء المجد وتجول. وإن دولة لم تعن ~~العناية كلها بالأساطيل، وترسلها على متن هذا البحر طيرا أبابيل؛ ~~هي لعمري دولة مقصوصة الجناح، وكالأعزل يقتحم الهيجاء بغير ~~سلاح. # وما خير كف أمسك الغل ~~أختها # وما خير سيف لم يؤيد ~~بقائم # ولما نزلت على ريو، أخذت سمتي إلى مسجدها الجامع لأصلي فيه ~~صلاة الصبح، وأثلج صدري ببرد التقى وشعائر الإسلام، وأجلو ~~بعضا من وعثاء السفر الزؤام، وما زلت حتى أخذت عيني بناء ~~شاهقا تعتم مئذنته بالعماء، كأنما تبث حديثا إلى ملائكة الله ~~في السماء، أو كأنها تعلن برفعتها رفعة الإسلام وعزة أهله على عبد ~~الطاغوت والأصنام، وكذلك رأيت كل من مر بهذا المسجد من الروم ~~أغضى من مهابته ذلة وصغارا، وإجلالا لدين الله وإكبارا، مما ~~ألقاه في قلوبهم من الرعب واختشاء المسلمين أبو الغنائم الحسن بن ~~علي - رحمه الله. # ولما توسطت باحة المسجد، رأيت صفوف المصلين من الرجال وأمامهم ~~المحراب كسطور أمامها عنوان الكتاب، وخلف الرجال حاجز من خشب يليه ~~صفوف المصليات من النسوان، كما تكون هوامش الصفحة يفصلها من سائرها ~~أحمر من المداد قان، فانضممت إلى صفوف المصلين وصليت معهم صلاة ~~الصبح. ولما أن سلم الإمام، وكان قائدا من قواد العرب في هذه ~~البلاد - وكذلك كان أئمة المسلمين في الحروب والسياسات، أئمة لهم ~~في التقى والصلوات - قام واتكأ على سيفه وقال: # 60 # أيها العرب، أنتم الآن بين ظهراني عدو يلندد، # 61 # يتجرع منكم الغصص، ويتحين بكم الفرص، ويود لو يبدلنكم ~~الله ضعفا من قوة، وضنا بنفوسكم من فتوة، # 62 # وهزيمة من ظفر، واستحالة لصفوكم إلى كدر، فيثب بكم ~~وثبة الغضنفر نال منه الجوع والسعار، # 63 # ويسعل بكم كما يسعل هذا البركان فيرمي بحممه ~~والشرار، فإذا فترت منكم الهمم، ووهت العزائم، وأغمدتم السيوف في ~~الأجفان، وقعدتم ms17 عن نصر الله في كل آونة وكل مكان، وسكنتم إلى ~~الترف والنعيم، وجرتم - معاذ الله - عن النهج القويم، ودب إليكم ~~ما قد دب إلى هذه الأمم الحمراء، من الحسد والبغضاء؛ فإنكم ~~صائرون - لا محالة - إلى ما قد صاروا إليه، وإذ ذاك يصيركم الله ~~بعد نصركم فلا، # 64 # ويديل من عزكم ذلا، ومن كثركم قلا، وتئيضون ~~بعد على هذا العالم كلا. # 65 # وبعد أن فرغ من كلامه خرج، وخرج معه رجاله، وعلوا متون ~~الجياد، وذهبوا إلى حيث يعلون كلمة الدين، ويذيعون التقى والحق ~~واليقين، وينسفون دعائم الشرك والإلحاد، ويفكون أغلال الظلم من ~~رقاب العباد. # مستمسكين بحق قائمين به # إذا ~~تلون أهل الجور ألوانا # ولما أن قضيت صلاتي، خرجت من المسجد وقصدت إلى مرسى السفين، ~~فوجدت ثمت مركبا يريد أن يعبر إلى جزيرة صقلية فنزلته، ثم أقلع ~~وعبر بنا إلى مدينة مسيني؛ إحدى مدائن هذه الجزيرة، وأرسى فيها على ~~مرسى عجيب يأخذ بالألباب؛ وذلك أن أكبر ما يكون من السفن يرسي من ~~الشاطئ بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي. # 66 # وقبل أن نسترسل في القول على مدينة مسيني وسائر البلدان التي ~~مررت بها في هذه الجزيرة العجيبة، نذكر لك شيئا من تقويمها ~~وتاريخها؛ حتى تكون على بينة من أمرها - إن شاء الله. # صقلية # هي جزيرة في البحر كبيرة على شكل مثلث متساوي الساقين، زاويته ~~الحادة من غربي الجزيرة، بينها وبين ريو وبلاد قلورية من بر الأرض ~~الكبيرة مجاز مسيني؛ حيث يتراوح البحر بين ستة أميال وعشرة أميال، ~~وبين ذنبها الغربي وبين تونس نيف وستون ميلا، وزاويتها الجنوبية ~~تقابل بر طرابلس من أفريقية، وبالقرب من زاويتها الشمالية جزيرة ~~صغيرة فيها بركان النار الذي لا يعلم في العالم أشنع منظرا منه؛ ~~وهذا بركان اسم لجبلين: أحدهما هذا، والثاني في صقلية نفسها في أرض ~~خفيفة التربة، كثيرة الكهوف، ولا يزال يصعد من ذلك الجبل لهب النار ~~تارة، والدخان أخرى؛ ومن ثم كانت كثيرة الزلازل، بحيث يكثر ~~تهدم أبنيتها منها. وسيمر بك قريبا قول ضاف ms18 في هذا ~~المعنى. # وقد كانت هذه الجزيرة قبل ~~الفتح خاملة قليلة العمارة، وكانت من عمالات الروم، وأمرها راجع ~~إلى الأنبرور صاحب قسطنطينية، وكان عليها وال من قبل هذا ~~الأنبرور يسمى قسطنطين، وكانت أفريقية # 67 # تحت ولاية زيادة الله بن الأغلب - كان واليا عليها من ~~قبل المأمون بن هارون الرشيد - فلما كانت سنة ثنتي عشرة ومائتين، ~~استعمل الأنبرور على الأسطول قائدا روميا يسمى فيمي، وكان ~~حازما شجاعا، فغزا سواحل أفريقية وعبث فيها، وبقي هناك مدة، وبعد ~~ذلك كتب الأنبرور إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي وتعذيبه، فنمى ~~الخبر إلى فيمي، فانتقض وتعصب له أصحابه، وسار إلى مدينة سرقوسة؛ ~~إحدى مدائن صقلية، فملكها، فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا، ~~فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية، فسير إليه فيمي جيشا فقبضوا ~~عليه وقتلوه، واستولى فيمي على صقلية وخوطب بالملك، وولى على ~~ناحية من الجزيرة رجلا اسمه بلاطة، فاتفق بلاطة هو وابن عم له ~~يسمى ميخائيل - كان واليا على بلرم - وجمعا عسكرا كثيرا وقاتلا ~~فيمي، فانهزم فيمي وركب في أسطوله إلى أفريقية مستنجدا بزيادة ~~الله بن الأغلب، فسير معه أسطولا عظيما في تسعمائة فارس وعشرة ~~آلاف راجل، واستعمل عليهم أسد بن الفرات - قاضي القيروان، ومن ~~أصحابه مالك رضي الله عنه، وهو مصنف الأسدية في الفقه على ~~مذهب مالك - وأقلعوا من سوسة، # 68 # فوصلوا إلى مدينة مأزر من صقلية، وساروا إلى بلاطة ~~الذي قاتل فيمي فهزموه والروم الذين معه، وغنموا أموالهم، وهرب ~~بلاطة إلى قلورية، فقتل واستولى المسلمون على عدة حصون من ~~الجزيرة، وجرت وقائع كثيرة بين الروم والمسلمين امتدت سنين طوالا، ~~وانتهت باستيلاء المسلمين على جميع جزيرة صقلية. وبقيت صقلية بيد ~~بني الأغلب يتناوبها عمالهم إلى أن أدال الله منهم للعبيديين، ~~ودانت لعبيد الله المهدي أفريقية وما إليها، فأخذوا يبعثون عمالهم ~~عليها إلى أن كانت فتنة أبي يزيد، وشغل أبو القاسم القائم ~~والمنصور العبيدي من بعده بأمره - فلما انقضت فتنة أبي يزيد، عقد ~~المنصور على صقلية لأبي الغنائم الحسن بن أبي الحسين بن علي الكلبي ~~- وكان ms19 له في الدولة محل كبير، وفي مدافعة أبي يزيد # 69 # غناء عظيم - فمهد الأمور للعبيديين، وغزا بلاد ~~قلورية، وأقام واليا على صقلية وما إليها إلى أن استأثر الله ~~بالمنصور، وقام بالأمر من بعده ولده المعز لدين الله أبو تميم ~~معد، فسار الحسن إليه بأفريقية سنة إحدى وأربعين، واستخلف على ما ~~وراءه ابنه أبا الحسين أحمد. ولا يزال هذا الأمير، أيده الله ~~واليا على صقلية وما إليها إلى اليوم، وهو سنة خمس وأربعين ~~وثلاثمائة، ومقامه ببلرم حضرة هذه الجزيرة. # وهذه الجزيرة جد خصيبة ، # 70 # وكلؤها لا ينقطع في صيف ولا شتاء، وهي كثيرة الأمواه ~~والعيون والفواكه والأرزاق، # 71 # وجبالها كلها مثمرة بالتفاح والشاه بلوط # 72 # والبندق والإجاص، ومنها يجلب الجوز والقسطل إلى بلاد ~~أفريقية، ويجلب منها كثير من القطن، وفيها معادن الذهب والفضة ~~والنحاس والرصاص والزئبق، # 73 # وهي مستبحرة العمران، كثيرة المدن والقرى والضياع؛ ~~فقد أخبرني ثبت ثقة أن بهذه الجزيرة مائة وثلاثين ~~بلدا # 74 # بين مدينة وقلعة، عدا ما فيها من الضياع والمنازل ~~والبقاع، وكلها مسكونة بالمسلمين، ملأى بالمساجد والفنادق ~~والحمامات، وفيها من العلماء والفلاسفة والأدباء ما لا يكاد يدركه ~~العد والإحصاء، # 75 # ومن مشهور مدائنها مدينة بلرم؛ قصبة هذه الجزيرة، ~~وسيأتي القول عليها مفصلا عند ذكر وصولنا إليها - إن شاء الله - ~~وبين مدينة بلرم هذه وبين مدينة مسيني توجد المدن الآتية واقعة على ~~ساحل البحر غربي هذه الجزيرة، وهي مدينة ثرمة وليبري وبقطش وجفلوذ ~~والقارونية وقلعة القوارب وميلاص وجطين # 76 # وشنت ماركو. وبين مسيني وبلرم على سيف البحر شرقي ~~الجزيرة وجنوبيها تقع البلدان الآتية على الترتيب الآتي هكذا: ~~مدينة طبرمين بشرقي مدينة مسيني على مرحلة منها - وهي مدينة أزلية ~~قديمة من أشراف البلاد وأعيانها، # 77 # وقلعة حصينة من أصول القلاع وأركانها، وهي على جبل ~~مطل على البحر يسمى جبل الطور، # 78 # وفيها - كما حدثني أبو عبد الله الصقلي ~~الفيلسوف # 79 ~~- ملعب من ملاعب الروم القديمة كأنه شعب بوان، الذي ~~يقول فيه أبو الطيب المتنبي: # مغاني الشعب طيبا في ~~المغاني ms20 # بمنزلة الربيع من ~~الزمان # ملاعب جنة لو سار ~~فيها # سليمان لسار ~~بترجمان # طبت فرساننا والخيل حتى # خشيت ~~وإن كرمن من الحران # 80 # غدونا تنفض الأغصان فيه # على ~~أعرافها مثل الجمان # 81 # فسرت وقد حجبن الشمس عني # وجئن ~~من الضياء بما كفاني # 82 # وألقى الشرق منها في ~~ثيابي # دنانيرا تفر من ~~البنان # 83 # لها ثمر تشير إليك منها # بأشربة ~~وقفن بلا أواني # 84 # وأمواه يصل بها حصاها # حليل ~~الحلي في أيدي الغواني # وقد فتح المسلمون هذه المدينة أيام إبراهيم بن أحمد بن الأغلب - ~~وكان عادلا حازما في أموره، آمن البلاد، وعصف بأهل البغي ~~والفساد، # 85 # وبنى الحصون والمحارس على سواحل البحر، حتى كان توقد ~~النار من سبتة فينتهي الخبر إلى الإسكندرية في الليلة ~~الواحدة. # 86 # وذلك # 87 # لسبع بقين من شعبان سنة تسع وثمانين ومائتين، الموافق ~~أول أغشت الرومي سنة اثنتين وتسعمائة. وكان لفتح هذا البلد أسوأ ~~وقع في نفس الأنبرور؛ صاحب القسطنطينية، حتى بقي سبعة أيام لا يلبس ~~التاج، وقال: لا يلبس التاج محزون # 88 ~~- ثم مدينة قطانية على ستة أميال من مدينة لياج ~~الواقعة بينها وبين طبرمين، وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر في سفح ~~جبل النار، وتسمى الآن مدينة الفيل؛ لأن فيها طلسما من حجر ~~على صورة فيل كان منصوبا فيما غبر من الأيام على بناء شاهق، ثم ~~نقل ونصب داخل المدينة. # 89 # وبهذه المدينة الأسواق العامرة، والديار الزاهرة، ~~والمساجد والجوامع والفنادق والحمامات. ثم مدينة سرقوسة # 90 # شرقي مدينة قطانية على مرحلتين كبيرتين منها، وهي من ~~مشهورات المدن وأعيان البلاد، تضرب إليها أكباد الإبل من كل حاضر ~~وباد، وهي على ساحل البحر، والبحر محدق بها من جميع جهاتها، وبها ~~ما بأكبر المدن من الأسواق والخانات والمساجد والحمامات، والمباني ~~الرائقة، والأفنية الواسعة المونقة، ولها إقليم كبير طوال كله ~~مزارع وجنات وأثمار، وقدما كان بها سرير ملك الروم، فلما ملك ~~المسلمون بعض الجزيرة نقلت دار الملك إلى مدينة قصريانة إلى أن ~~امتلك المسلمون سائر الجزيرة. وقد فتح المسلمون سرقوسة هذه ms21 رابع ~~عشر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، الموافق عشرين مايه الرومي سنة ~~سبع وسبعين وثمانمائة، ثم مدائن نوطس، وشكلة، ورغوص، ~~وبثيرة، # 91 # وكركنت، # 92 # وشاقة، # 93 # ومأزر، # 94 # ومرسى علي، وطرابنش، # 95 # ومدائن أخرى كثيرة، # 96 # وكلها على ساحل البحر - كما أسلفنا - عدا مدينة رغوص، ~~فإن بينها وبين البحر نحوا من اثني عشر ميلا - أما مدينة ~~قصريانة، فهي في وسط الجزيرة ~~على سن جبل، وهي مدينة أزلية قديمة، وقد كان فيها سرير ملك الروم، ~~نقل إليها - كما أسلفنا - بعد أن ملك المسلمون مدينة سرقوسة ~~لحصانتها، وقد فتح المسلمون هذه المدينة يوم الخميس منتصف شوال سنة ~~أربع وأربعين ومائتين، الموافق سلخ يناير الرومي سنة تسع وخمسين ~~وثمانمائة. ولما فتحها العباس الأغلبي بنى فيها في الحال مسجدا، ~~ونصب فيه منبرا، وخطب فيه يوم الجمعة، وذل الروم بصقلية يومئذ ~~ذلا عظيما. # وبعد، فهذا الذي ذكرنا من بلدان هذه الجزيرة إنما هو غيض من فيض، ~~ونحن إذا حاولنا ذكر سائر المدن والقرى والقلاع المعروفة في هذه ~~الجزيرة لاحتجنا إلى أسفار كثيرة، وفي هذا القدر غناء. # وقد رأينا من تمام الفائدة أن نصور للناظر في هذه الرسالة جزيرة ~~صقلية وبعض بلدانها المشهورة، وبلاد قلورية، ومدينة ريو، وجزائر ~~أقريطش، وسردينية، وقرشقة، وميورقة، ومنورقة، ويابسة، ومدينتي ~~الإسكندرية والمرية، وبالجملة كل ما جاء له ذكر في هذه ~~الرسالة. # وقد آن لنا أن نرجع إلى ما نحن بصدده. # مدينة مسيني # أما مدينة مسيني فهي في ركن من الجزيرة بشرقيها، # 97 # مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها، والبحر ~~يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها، ومرساها أعجب مراسي البلاد ~~البحرية، كما أسلفنا؛ لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى ~~تكاد تمسكه، ولا يحتاج إلى زواريق في وسقها، ولا في تفريغها، إلا ~~ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا، فتراها مصطفة مع البر ~~كاصطفاف الجياد في مرابطها وإصطبلاتها؛ وذلك لإفراط العمق ~~فيها. # 98 # وهذه مسيني هي رأس جزيرة صقلية، وهي كثيرة العمائر والضياع، ~~وأرضها طيبة المنابت، وبها جنات وبساتين ذات ms22 أثمار كثيرة، ولها ~~أنهار غزيرة عليها أرحاء جمة. # 99 # ولما نزلت هذه المدينة سلمت أمتعتي إلى أحد الحمالين، وقصدت معه ~~إلى أحد الفنادق، فذهب بي إلى فندق قائم على جبل مطل على ~~المدينة، وكان لأحد مغاربة أفريقية، فاحتفى بي صاحبه وبالغ في ~~إكرامي، واحتفل في راحتي حتى أنساني برقة حاشيته، وطيب أنسه، مجاشم ~~السفر، وذل الاغتراب. وقد صادفت في هذا الفندق أبا عبد الله الصقلي ~~الفيلسوف، وكان قد نهد - حفظه الله - من بلرم إلى مسيني لما علم ~~بقدومي، فكمل أنسي به، وعراني من الغبطة والسرور ما لا يقوم ~~بالعبارة عنه بيان، ولا يروم اطلاع فجه لسان، ولا سيما حين ~~أخبرني أبو عبد الله أنه ينتوي الذهوب إلى الأندلس، وهي منتواي ~~ومقصدي. # ولما رأيت أبا عبد الله - وكنت لم أره قبل ذلك، بيد أني سمعت ~~بفضله الجم، وعلمه الغزير حتى شغفت برؤيته، والأذن تعشق قبل العين ~~أحيانا - رأيت منه رجلا تشد إليه الرحال، وتضرب إلى علمه أكباد ~~الآبال، ويصاب عنده مقطع الحق واليقين، ويلفي لديه مفصل السداد في ~~علوم الحكمة والدين: # من مبلغ الأعراب أني ~~بعدها # شاهدت رسطاليس ~~والإسكندرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما # رد ~~الإله نفوسهم والأعصرا # ولا جرم فإن أبا عبد الله فيلسوف عصره، وواحد قطره، وهو في علم ~~الطب والحكمة منقطع النظير لا تكاد تفتح العين على مثله، وقد حذق ~~اللسان الإغريقي، وأحكم معرفته، حتى كأنه من أهله، وهو في الأدب ~~منظومه ومنثوره نادرة الفلك، وبكر عطارد. # ولقد أقمت في مسيني ثلاثة أيام بلياليها، أنساني فيها أبو عبد ~~الله الصقلي الفيلسوف بأدبه ورقة حاشيته ما يعرو الغريب في البلد ~~النازح من الوحشة والانقباض، ثم علمنا في اليوم الرابع لمقامنا أن ~~قد أرست على ميناء هذا البلد سفينة كبيرة قادمة من القسطنطينية ~~العظمى قاصدة إلى بر الأندلس، فاعتزمت أنا وأبو عبد الله أن نسافر ~~فيها. وكان هذا العزم من تمام فضل الله علينا وحسن توفيقه؛ إذ ~~أصبنا في هذا المركب عند نزولنا فيه منية النفس، ومطمح الروح - ~~فضل المدنية - التي ms23 ضرب الدهر بيني وبينها أياما كانت على قلتها ~~كأنها شهور، بل أعوام، وكان معها صاحبتاها علم المدنية وقلم ~~الرومية، وهن - كما علمت - ممن حذقن الغناء ونبغن فيه، بعد أن ~~تعلمنه في المدينة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. ~~وهذه قلم - كما أخبرتني - أندلسية الأصل، رومية من سبي البشكنس، ~~وحملت صغيرة إلى المشرق، فوقعت بالمدينة المنورة، ولقنت هناك ~~الغناء، ثم اشتريت مع علم لأمير المؤمنين بالأندلس عبد الرحمن ~~الناصر. # وقد أخبرتني فضل أن المركب الذي كانت فيه لما أرسى على مسيني بعد ~~إرسائه على ريو لشراء ما يحتاج إليه من الميرة والطعام، ألقي في ~~روعها هي ومن معها أن ينزلن في مسيني ويتركن هذا المركب - وهو ~~لأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر - خشية أن يأسره ومن فيه عمال ~~المعز لدين الله الفاطمي؛ لأن بلاد صقلية إحدى ولايات المعز، وقد ~~علمت أن المركب كان قد تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز، ~~فأحفظ المعز هذا الأمر وأخذه منه المقيم المقعد، # 100 # وحمله على أن يطوي كشحه # 101 # على الثأر من الناصر، ثم أقامت فضل هذه المديدة في ~~فندق من فنادقها في ربض من أرباضها، فقلت: يا عجبا كل ~~العجب: # أليس غريبا أن نكون ~~ببلدة # كلانا بها ثاو ولا ~~نتكلم # أما نبأ هذه السفينة الرومية، فذلك أن قسطنطين بن ليون؛ أنبرور ~~الروم (إمبراطور دولة الرومان الشرقية)، كان قد أهدى منذ ثمان حجج ~~إلى أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر هدايا ذات قدر عظيم يتقرب بها ~~إليه، ويبصبص بذنبه لديه # 102 # واستدفاعا لمكره وكيده، واستجلابا لعطفه ووده، ~~واستظهارا به على آخذ بلاده «بلاد قسطنطين» المعز لدين ~~الله، # 103 # وكان من هذه الهدايا كتاب ديسقوريدس الطبيب «مصور ~~الحشائش العجيب»، وكتاب هروشيش «هيرودوتس»؛ المؤرخ الرومي العظيم. ~~وكان الكتاب الأول مكتوبا بالإغريقي، وهو اليوناني القديم، ~~والكتاب الثاني كان مكتوبا باللسان الليطني. وكتب قسطنطين فيما ~~كتب إذ ذاك إلى الناصر: «إن كتاب ديسقوريدس لا تجتنى فائدته إلا ~~برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني، ويعرف أشخاص تلك الأدوية، ~~فإن كان في ms24 بلدك من يحسن ذلك؛ فزت أيها الملك بفائدة الكتاب، ~~وأما كتاب هروشيش، فعندك في بلدك من اللطينيين من يقرؤه باللسان ~~اللطيني، وإن كشفتهم عنه نقلوه إليك من اللطيني إلى اللسان ~~العربي.» ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يعرف الإغريقي، ~~فبقي كتاب ديسقوريدس في خزانة الناصر كما هو لم يترجم إلى العربي، ~~فلما ولي أمر الروم أرمانيوس بن قسطنطين، تقدم إليه ~~الناصر # 104 # بأن يبعث رجلا يعرف الإغريقي واللطيني ليعلم له ~~عبيدا يكونون مترجمين، # 105 # فأرسل أرمانيوس في هذا المركب راهبا عظيما يسمى ~~نقولا، وقد أزلفت لك أن أبا عبد الله الصقلي يحسن الإغريقي إحسانه ~~للطب والفلسفة والنجوم، وقد كان أخبرني أن الناصر أرسل إليه يستحثه ~~على الوفود إليه ليكون في خدمته، # 106 # فكان ذلك سببا في انعقاد الصحبة بيننا وبين هذا ~~الراهب، وقد أصبنا منه رجلا حديثا ظريف المحاضرة، له مشاركة في ~~كثير من العلوم والآداب. # وقد ألفينا في هذا المركب طبيبين أندلسيين كانا قد رحلا إلى ~~المشرق منذ سنين، وأقاما هنالك نيفا وعشرين سنة، ودخلا دار السلام ~~«بغداد»، وقرآ فيها على ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة كتب جالينوس، ~~ثم قفلا راجعين إلى الأندلس مسقط رأسهما، ونزلا في هذا المركب من ~~أحد الثغور، وهما أخوان؛ يسمى أحدهما عمر والثاني ~~أحمد، # 107 # وهما ابنا يونس بن أحمد الحراني الطبيب المشهور. وقد ~~أخبراني أن كتاب ديسقوريدس هذا كان قد ترجمه بدار السلام أيام جعفر ~~المتوكل الخليفة العباسي اصطفن بن بسيل، المترجم من الإغريقي إلى ~~العربي، وتصفحه حنين بن إسحاق فصحح الترجمة وأجازها، قالا: وقد ورد ~~هذا الكتاب إلى بلادنا «الأندلس»، وهو على ترجمة اصطفن. # 108 # وقد قرأناه وصححنا كثيرا من أسماء العقاقير التي لم ~~يعرف لها اصطفن اسما في العربية، وقد انتفع كثير من أهل المشرق ~~وأهل الأندلس بالمعروف منه. وفي الأندلس اليوم من إخواننا الأطباء ~~نفر توفروا على هذا الكتاب يصححون أسماء عقاقيره، ويعينون ~~أشخاصها، ومنهم أخونا البسباسي، والشجار، وأبو عثمان اليابسة، ~~ومحمد بن سعيد الطبيب. # 109 ms25 # وكأنا بسيدنا الناصر - أدام الله تأييده - وقد أبى إلا ~~أن يقر الأمر في نصابه، ويغمد السيف في قرابه، ويتم أمر هذا الكتاب ~~على ما به، فطلب إلى أرمانيوس ما طلب، وكل ذلك من سيدنا فضل عناية ~~منه بكل ما يجدي على بلاده، ويسمو بها صعدا إلى أبعد مراتب ~~العظمة الذهنية، كما أبعدت به وبأسلافه في سائر ضروب الحضارة؛ وذلك ~~لما فطره الله عليه من العزيمة النافذة، والهمة الطموح البعيدة ~~المرمى، فلا يتعاظمه أمر، ولا تقف همته دون غاية، وحتى لا يحيك في ~~صدر إنسان أن خلفاء بني العباس في المشرق، أو منافسيه الفاطميين في ~~أفريقية قد سبقوه إلى شيء لم يسبقهم هو إليه، وأنت تعلم أن هذه ~~الدول الإسلامية الثلاث، # 110 # هي أعظم دول الأرض اليوم شانا، وأضخمها سلطانا، ~~والقابضة على زمام الأمور ، والمالكة أخصب البلاد من هذا المعمور، ~~والمستبحر عمران بلادها إلى أكثر من المتوقع المنظور، والتي تعد ~~سائر دول الأرض من هذه الأمم الحمراء كأنها تبع لها، وعيال عليها، ~~فتراها لذلك تتهالك في كل آونة على الازدلاف إليها، وتستنزل رضاها ~~بالهدايا والتحف، وغريب النفائس والطرف، وتستصرخها بعض على ~~بعض، فتكون الحتوف أسبق إلى المغضوب عليهم من السيوف. # إنا إذا ما أتانا صارخ فزع # كان ~~الصراخ له قرع الظنابيب # 111 # ومن ثم ترى هذه الدول العظمى تتسامى في كل ما يكسبها حسن الأثر، ~~وجميل الذكر، ويملأ مسامع الدهر حمدا وثناء، وينبض له قلب الدنيا ~~فخرا وعلاء، فتراها لذلك آخذة بيد العلم والعلماء، مالئة ~~بأعطياتها أيدي الشعر والشعراء، حتى العلوم الفلسفية بجميع ضروبها؛ ~~من إلهية وطبيعية ورياضية وطبية وفلكية، تعضدها، وتغري القائمين ~~عليها بالاستزادة منها، والتقصي في البحث عن غوامضها، وتظهر الرغبة ~~في الحصول على مآخذها من ملوك الروم، الذين حشدت في خزائن كتبهم ~~تواليف فلاسفة اليونان الأقدمين. # ولقد أقلعت بنا السفينة باسم الله مجراها من ميناء مسيني، وبكرت ~~مع البازي عليه سواد، في فجر يوم الجمعة سلخ ربيع الأول، وذلك ~~لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر جونيو الرومي سنة ms26 ست وخمسين وتسعمائة ~~من مولد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام، وكان البحر هادئا، ~~والنسيم فاترا عليلا، وكانت قبة فضل ومن معها بمرأى منا ومسمع، ~~وكان معنا أديب من أدباء صقلية لم نكن ندري أين وجهته، ولكنه نزل ~~بعد ذلك في جزيرة ميورقة، وكان قد ند منه عقيب إقلاعنا من مسيني ~~أمر أفضى إلى حديث لا علينا إذا نحن أوردناه في هذه الرسالة تطرية ~~للقول؛ وذلك أنا بعد أن صلينا الصبح حاضرة، وصلى معنا هذا الأديب ~~الصقلي، رأيناه وقد انتحى ناحية، وأخذ يصطبح ويلح على ابنة العنب ~~يشربها صرفا لا يقتلها بالماء، فأنكرت عليه ذلك إنكارا شديدا ~~وقلت له: ما تصنع بالخمر وإن أولها لمر وإن آخرها لسكر؟ فقال: ~~لا أقول لك إلا ما قال الأخطل لعبد الملك بن مروان إذ قال له عبد ~~الملك مثل قولك هذا، فقال له الأخطل: ولكن بين هاتين لمنزلة ما ~~ملك أمير المؤمنين فيها إلا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع. # ثم أنشد الأخطل: # إذا ما نديمي علني ثم ~~علني # ثلاث زجاجات لهن ~~هدير # خرجت أجر الذيل تيها ~~كأنني # عليك أمير المؤمنين ~~أمير # وبعد، فلله ذلك الطائر ~~الفردوسي البديع الذي كأنه روح هبط على هذه الغبراء من المحل ~~الأرفع، ومعه تلك الهدية التي لا هدية مثلها، تلك البذور ~~الثلاث # 112 # التي ما أظنه إلا أنه اختلسها من عنب الجنة ليتحفنا ~~بها، فنزدرعها ونفزع إلى عصيرها في هذه الحياة المحزونة المفعمة ~~آلاما؛ ليسري عنا، ويجلو منا صدأ الحس، وينفي الهم عن ساحة ~~النفس. # إن الذي جعل الهموم عقاربا # جعل ~~المدام حقيقة درياقها ~~••• # اقتلا همي بصرف عقار # واتركا ~~الدهر فما شاء كانا # إن للمكروه لذعة هم # فإذا دام ~~على المرء هانا ~~••• # إذا ما أتت دون اللهاة من ~~الفتى # دعا همه من صدره ~~برحيل # فقلت له: ولكنها - قبحها الله - تسيء من المرء أخلاقه، وتخمل ~~النابه، وترفعه إلى أسفل، وتهوي بالشرف الرفيع إلى الحضيض الأوهد، ~~ولله ذلك القرشي حين يقول: # من تقرع الكأس اللئيمة ~~سنه # فلا بد يوما أن يسيء ms27 ~~ويجهلا # ولم أر مطلوبا أخس غنيمة # وأوضع ~~للأشراف منها وأخملا # فسرعان ما أنشد: # إذا صدمتني الكأس أبدت ~~محاسني # ولم يخش ندماني أذاتي ولا ~~بخلي # ولست بفحاش عليه وإن أسا # وما ~~شكل من آذى نداماه من شكلي # ثم قال: والخمر لذلك خليقة أن ~~لا يشربها إلا الملوك وأشباه الملوك، أما السوقة والحشو والغوغاء ~~والحمقى ومن إليهم، فيجب أن يصلبوا، أو يقتلوا، أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم إذا هم شربوها: # والخمر قد يشربها معشر # ليسوا ~~إذا عدوا بأكفائها ~~••• # وجدت أقل الناس عقلا إذا ~~انتشى # أقلهم عقلا إذا كان ~~صاحيا # تزيد حمياها السفيه ~~سفاهة # وتترك أخلاق الكريم كما ~~هيا # وبودي لو أن الكأس بألف، والحر في وجه الأسد حتى لا يشرب إلا ~~كريم، ولا ينكح إلا شجاع: # أجل عن اللئام الراح ~~حتى # كأن الراح تعصر من ~~عظامي # ورحم الله أبا بكر الهذلي إذ يقول للمنصور وقد سأله عن النبيذ: ~~لقد تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء، فقلت له: أما تخشى الله ~~يوم الحساب؟ فقال: # إذا صليت خمسا كل يوم # فإن ~~الله يغفر لي فسوقي # ولم أشرك برب الناس شيئا # فقد ~~أمسكت بالدين الوثيق # فهذا الدين ليس به خفاء # دعوني ~~من بنيات الطريق ~~••• # ألا لا يغرنك ذو سجدة # يظل بها ~~دائما يخدع # وما للتقى لزمت وجهه # ولكن ~~ليأتي مستودع # ثلاثون ألفا حواها ~~السجود # فليست إلى ربها ~~ترجع # ورد أخو الكأس ما عنده # وما كنت ~~في رده أطمع ~~••• # أما النبيذ فلا يذعرك ~~شاربه # واحفظ ثيابك ممن يشرب ~~الماء # قوم يداوون عما في نفوسهم # حتى ~~إذا استمكنوا كانوا هم الداء # مشمرين إلى أنصاف سوقهم # هم ~~الذئاب وقد يدعون قراء # فقال أبو عبد الله الفيلسوف: ~~الشراب ضار ونافع. أما أنه نافع، فللبدن بإشراقه، وتقوية الحرارة ~~الغريزية وإنعاشها، وإنضاج الرطوبات، وتنقيح المجاري، وإزالة ~~سددها، وتقوية الهضم، وإنارة الدم، وإدرار الصفراء وترطيبها، ~~وللنفس بانبساطها، وتفتيح آمالها وتشجيعها، وقتل الهم والفكر ~~الفاسد؛ ومن ثم كان أنفع الأشياء للماليخوليا، ثم هو يؤدم بين ~~القلب والقلب، ويبعث الشوق القديم الذي قد ضل في ms28 الأحشاء. وكل ~~أولئك إذا استعمل على الوجه الذي ينبغي، وإلا استحالت هذه المنافع ~~مضار، فترى عوض السرور هما وغما وضجرا وسوء خلق، وعوض الصحة ~~مرضا مزمنا، أو موتا فجائيا، وإن أدامة الشراب تبلد الذهن، ~~وترخي العصب، وتوهن قوى الدماغ، وتورث الرعشة والتشنج. وقد أجمع ~~الحكماء قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب، وإن أنجب كان الولد ~~أحمق. # وبعد، فإن أصدق ما جاء في الخمر قول الله جل شأنه: # يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما ~~، ثم يقول سبحانه يصف خمر ~~الجنة: # لا فيها غول ولا هم عنها ~~ينزفون ~~، # 113 # فكأن السر في تحريمها هو أنها تغتال عقولنا وتشربها، ~~وتورثها الخبل والصداع، كما قال الأول: # وما زالت الخمر تغتالنا # وتذهب ~~بالأول الأول # وما ألطف قول بعض الظرفاء وقد ترك النبيذ فقيل له: كيف تتركه وهو ~~رسول السرور إلى القلب؟! فقال: نعم، ولكنه بئس الرسول يبعث إلى ~~القلب فيذهب إلى الرأس. ويشبه ذلك قول المجنون لملك من الملوك وقد ~~استظرفه واختار أن يكون نديما له، وعرض عليه الشراب، فقال ~~المجنون: أيها الملك، أنت تشرب هذا لتصير مثلي، وأنا أشربه لأصير ~~مثل من؟! وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب الشاعر يوما: هل لك ~~فيما يثير المحادثة - يريد المنادمة - قال: أصلح الله الأمير، ~~الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر، ولا بحسن ~~منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل. وقيل ~~لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلي. # وناهيكم بعد ذلك بما يستتبعه إدمان الشراب من الصد عن ذكر الله ~~وعن الصلاة، ومن السكر والعربدة، وإيقاع العداوة والبغضاء ~~والموجدة، ومن تقبيح الحسن وتحسين القبيح، وإغرائه بالفسوق، وتعدي ~~حدود الله وقلة الاكتراث لها. وصدق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذ يقول: لا ~~يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن. ولقد مرت أعرابية بقوم يشربون ~~نبيذا فسقوها، فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب ~~هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم، قالت: إذن زنين ms29 ورب الكعبة؛ فما يدري ~~أحدكم من أبوه! # ولأصحاب الشراب ولوع به واستهتار إلى الحد الذي لا يفكرون معه في ~~دين ولا مروءة، قيل لأبي نواس: أتشرب الخمر؟ قال: نعم، إذا اشتري ~~بثمن خنزير قد سرق حتى يحرم ثلاث مرات، وهو القائل: # ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي ~~الخمر # ولا تسقني سرا إذا أمكن ~~الجهر # فما الغبن إلا أن تراني ~~صاحيا # وما الغنم إلا أن يتعتعني ~~السكر # وقيل لثمامة: لم تشرب الخمر وهي تزيل العقل؟ فقال: إن زال اليوم ~~لا يزول غدا. وباع بعض الأشراف من أصحاب الشراب ضيعة، فقيل له: ~~احضر العشية للإشهاد، فقال: لو كنت ممن يصان بالعشيات لما بعت ~~الضيعة. وقال رجل لآخر منهم: لقد وجهت إليك رسولا عشية أمس فلم ~~يجدك! فقال: هذا وقت لا أكاد أجد فيه نفسي. ويقول أحدهم: وددت أني ~~أكون بعوضة فأموت تحت قربة نبيذ؛ حتى يكون موتي في ظلال نعيم. ~~ولما ولي الحسن بن يزيد رضي الله عنه المدينة، قال لابن هرمة ~~الشاعر: لست كمن باع دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك؛ فقد رزقني الله ~~بولادة نبيه # صلى الله عليه وسلم # الممادح، وجنبني المقابح، وإن من حقه علي ~~أن لا أغضي على تقصير في حق ربه، وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران ~~لأضربنك حدا للخمر وحدا للسكر، ولأزيدن لموضع حرمتك بي؛ ~~فليكن تركك ذلك لله تعن عليها، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم، ~~فقال ابن هرمة: # نهاني ابن الرسول عن ~~المدام # وأدبني بآداب ~~الكرام # وقال لي: اصطبر عنها ودعها # لخوف ~~الله لا خوف الأنام # وكيف تصبري عنها وحبي # لها حب ~~تمكن في عظامي # أرى طيب الحلال علي ~~خبثا # وطيب النفس في خبث ~~الحرام # وقيل لرجل من أصحاب الشراب: ما تقول في الماء؟ فقال: هو الحياة ~~ويشركني فيه الحمار، فقيل له: فاللبن، قال: ما رأيته إلا ذكرت أمي ~~واستحييت، قيل: فالخمر، قال: تلك السارة البارة؛ شراب أهل الجنة. ~~ودعا الوليد بن يزيد شراعة من ~~الكوفة، وهو من فتيانها، فلما قدم عليه قال له: إني ms30 والله لم ~~أدعك لأسألك عن قرآن، أو لأستفتيك في سنة، فقال: لو سألتني ~~عنهما لأصبتني فيهما ثورا؛ فلم دعوتني؟ قال: لأسألك عن الفتوة، ~~فقال: أنا دهقانها الخبير، وعالمها الطبيب؛ فسل، فقال: ما تقول ~~في نبيذ التمر؟ قال: اشربه حتى تحر، قال: فنبيذ الدن؟ قال: اشربه ~~حتى تجن، قال: فالداذي؟ قال: أحلى من الماذي، قال: فنبيذ الزبيب؟ ~~فستر وجهه، وقال: العظمة لله، قال: فالخمر؟ قال: لا أرى شربها، ~~قال: ولم؟ قال: لأني لا أؤدي شكرها. # وهذا قليل من كثير، ورحم الله من قال: # لم يبلغ الشيخ إبليس إرادته # حتى ~~تكاثف في عنقوده العنب # وفي الحق ما يقول إبليس: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا سكر ~~أن آخذ بزمامه؛ فأقوده حيث أشاء، وأحمله على ما أريد. # ولربما بلغت جناية الشراب وإدمانه إلى ما يأنف الحيوان الأعجم من ~~إتيانه، رووا أن قيس بن عاصم؛ أحد أشراف العرب في الجاهلية، كان ~~يتردد عليه تاجر خمر فيبتاع منه، ويقيم الخمار في جواره حتى ينفد ~~ما عنده، فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته وتناول ~~ثوبها، ونظر إلى القمر وتكلم بشيء، ثم انتهب مال الخمار، وأنشأ ~~يقول: # من تاجر فاجر جاء الإله به # كأن ~~لحيته أذناب أجمال # جاء الخبيث ببيسانية تركت # صحبي ~~وأهلي بلا عقل ولا مال # فلما صحا أخبر بما قال وما صنع؛ فآلى أن لا يذوق خمرا أبد ~~الدهر. # وللسكارى فعال تضحك وتبكي، فمن ذلك أن سكرانا وقع على الأرض ~~فجاء كلب يلحس فاه، فجعل يقول: # أخوكم ومولاكم وصاحب سركم # ومن ~~قد نشا فيكم وعاشركم دهرا # وقال بعضهم: كان في دارنا سكران فقعد على مصلى فتبرز فيه، فأخذت ~~بيده إلى المستراح فنام فيه، فقالت جاريتي: يا عجبا! كل شيء منه ~~مقلوب؛ يتبرز حيث ينام الناس، وينام حيث يتبرز الناس. وأن صاحب ~~السكر يصير إما إلى قردية، وهو الذي يضحك ويرقص ويحاكي، أو إلى ~~كلبية، وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية، وهو الذي يتقيأ ويتبرز ~~ويتلوث فيهما؛ ومن هنا كانت الخمر حقيقة ms31 لا تتفق والمروءة والعزة ~~والكرامة، ولا تجتمع والشرف في غمد واحد. # ومن خصائص الخمر أنها تخرق الكف، وتورث السخاء الكاذب ~~حتى: # ترى اللخن الشحيح إذا ~~أمرت # عليه لماله فيها ~~مهينا # وكلما تكرر الشراب تكرر ~~التخرق في الكرم والسخاء، فيفضي ذلك على مر الأيام إلى الفقر ~~والفلاكة والشقاء، ويعم ذلك زوج الشارب وولده وكل من يعول، وإن ~~هذه وحدها لجريمة لا تغتفر، ولو لم يكن ثمت لصاحب الشراب زاجر ~~غيرها لكان حريا أن يقلع عنها. # وقد عرف أصحاب الشراب بسوء العهد، وقلة الحفاظ، وأنهم أصدقاؤك ~~ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى ~~تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. # أرى كل قوم يحفظون حريمهم # وليس ~~لأصحاب النبيذ حريم # إخاؤهم ما دارت الكأس ~~بينهم # وكلهم رث الحبال ~~سئوم # إذا جئتهم حيوك ألفا ~~ورحبوا # وإن غبت عنهم ساعة ~~فذميم # فهذا ثنائي لم أقل ~~بجهالة # ولكنني بالفاسقين ~~عليم # وقد تبلغ الخمر بصاحبها إلى أن تشوه خلقه، فترى مدمنها يوما ~~وقد عظم أنفه واحمر وتورم، كما يقول شاعر في حماد ~~الراوية: # نعم الفتى لو كان يعرف ~~ربه # ويقيم وقت صلاته ~~حماد # هدلت مشافره الدنان فأنفه # مثل ~~القدوم يسنها الحداد # وابيض من شرب المدامة ~~وجهه # فبياضه يوم الحساب ~~سواد ~~••• # أخو الشراب ضائع الصلاة # وضائع ~~الحرمة والحاجات # وحاله من أقبح الحالات # في نفسه ~~والعرس والبنات # أف له أف إلى أفات # خمسة آلاف ~~مؤلفات # وجملة القول: ليس بعد قول ~~الله جل شأنه: # وإثمهما أكبر من ~~نفعهما # مجال لقائل، والسلام على من اتبع ~~الهدى. # وإنا لفي ذلك إذ اندفعت فضل المدنية تغني على عودها هذه ~~الأبيات: # بيد الذي شغف الفؤاد ~~بكم # تفريج ما ألقى من ~~الهم # فاستبقني أن قد كلفت بكم # ثم ~~افعلي ما شئت عن علم # قد كان صرم في الممات لنا # فعجلت ~~قبل الموت بالصرم # فاستخف غناؤها أبا عبد الله حتى كاد أن يخرج من جلده فرحا، ~~وتحرك الراهب واهتز ثم غمغم كلمات ترجمها إلينا أبو عبد الله بما ~~يقارب قول الطائي حبيب ms32 بن أوس: # ولم أفهم معانيها ولكن # ورت قلبي ~~فلم أجهل شجاها # فصرت كأنني أعمى معنى # يحب ~~الغانيات ولا يراها # ثم اندفعت تغني: # آها على بغدادها ~~وعراقها # وظبائها والسحر من ~~أحداقها # ومجالها عند الفرات بأوجه # تبدو ~~أهلتها على أطواقها # متبخترات في النعيم كأنما # خلق ~~الهوى العذري من أخلاقها # نفسي الفداء لها فأي محاسن # في ~~الدهر تشرق من سنى إشراقها # 114 # فأخذ العلج ينشج نشيجا حارا ويبكي بكاء عاليا حتى إذا سكت ~~عنه البكاء قال ما معناه: لقد هاجت لي داء دفينا، ثم سكت وسكتت ~~فضل وسكتنا ومضت السفينة لطيتها. # وكان سيرنا في محاذاة ~~الساحل بحيث نبصره رأي العين، وصرنا نسرح النظر في عمائر وقرى ~~متصلة وحصون ومعاقل في قلل الجبال مطلة، وقد أرسل الله إلينا ريحا ~~طيبة رخاء زجت السفينة تزجية طيبة، فكانت تلك الساعة من أطيب ما ~~يظفر به السفر # 115 # في هذا البحر. وما زلنا في أنعم حال وأطيبها حتى ~~استقام ميزان النهار، وقام قائم الظهيرة، وإذ ذاك أبصرنا عن يميننا ~~تسع جزائر متجاورات آنسنا فيها دخانا يصاعد من جبلين في ~~جزيرتين من هذه الجزائر، فرأيت بعض المسافرين وقد ضربوا بأذقانهم ~~الأرض لما ألم بهم من الذعر، فقال أبو عبد الله الصقلي: لا عليكم ~~أيها الإخوان، ولا تكونن قلوبكم كقلوب الطير تنماث # 116 # كما ينماث الملح في الماء. إن هذه البراكين مأمونة ~~الناحية، وليست تزفر في النهار إلا هذا الدخان الذي ترون. أما ~~البركان المخوف فهو ذلك الرابض في الجزيرة الكبرى «صقلية»، وقد ~~ابتعدنا عنه والحمد لله. وهنا سأله بعض القادمين من المشرق الإفاضة ~~في وصف هذه البراكين، وسر تلك الفظائع التي تتوارد أخبارها إلى ~~المشرق، فأخذ أبو عبد الله يفيض في القول على طريقته الفلسفية، ولا ~~بأس إذا نحن أثبتنا هنا زبدة قوله إتماما للفائدة. # البراكين في صقلية والجزائر المجاورة لها وما ~~قاله فلاسفة الإسلام في ~~ذلك # قال أبو عبد الله ما ~~ملخصه: من المعلوم الذي لا خفاء به أن هذه الكرة الأرضية السابحة ~~في الفضاء # 117 # بجملتها ms33 وأجزائها، ظاهرها وباطنها، طبقات ساف فوق ساف، ~~مختلفة التركيب والخلقة، فمنها صخور وجبال صلبة، وأحجار وجلاميد ~~صلدة، ورمال جريشة، وطين رخو، وتراب لين وسباخ وشورج، بعضها مختلط ~~ببعض أو متجاورة، كما قال الله جل شأنه: # وفي ~~الأرض قطع متجاورات ~~، وهي مختلفة الألوان ~~والطعوم والروائح، فمن ترابها وأحجارها وأجبالها حمر وبيض وسود ~~وخضر وزرق وصفر، كما قال جل ثناؤه: # ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود ~~، وهي مع ذلك كثيرة التخلخل والثقب ~~والتجاويف والعروق والجداول والأنهار، داخلها وخارجها، كثيرة ~~الأهوية والمغارات والكهوف، وفيها من أنواع المعادن السائلة ~~والجامدة ما لا يحصى كثرة. # وهذه الأهوية والأمواه إذا حمي جوف الأرض بتأثير الشمس فيه ~~كتأثير القمر في مد البحر وجزره؛ سخنت تلك الأمواه ولطفت وتحللت ~~وصارت بخارا، وارتفعت وطلبت مكانا أوسع، فإن تكن الأرض كثيرة ~~التخلخل تحللت وخرجت تلك البخارات من تلك النوافذ، وإن يكن ظاهر ~~الأرض شديد التكاثف حصيفا منعها من الخروج وبقيت محتبسة تتموج في ~~تلك الأهوية لطلب الخروج، وربما انشقت الأرض في موقع منها وخرجت ~~تلك الرياح مفاجأة، وانخسف مكانها، ويسمع لها دوي وهدة وزلزلة، ~~وإن لم تجد لها مخرجا بقيت هناك محتبسة، وتدوم تلك الزلزلة إلى أن ~~يبرد جو تلك المغارات والأهوية، ويغلظ وتتكاثف تلك البخارات وتجتمع ~~أجزاؤها، وتستحيل إلى ماء، وتخر راجعة إلى قاع تلك الكهوف ~~والمغارات، وتمكث زمانا، وكلما طال وقوفها ازدادت صفاء وغلظا، ~~حتى تصير زئبقا رجراجا وتختلط بتربة تلك المعادن وتتحد بها، وقد ~~تستحيل إلى كبريت أو نفط أو غيرهما حسب اختلاف ترب البقاع، فيكون ~~من ذلك ضروب من الجواهر المعدنية المختلفة الطبائع. # قلنا: إن في الجبال جبالا، وفي الأرض أرضين بجوفها كهوف ومغارات ~~وأهوية حارة ملتهبة، فهذه الكهوف قد تجري إليها مياه كبريتية أو ~~نفطية دهنية، فتكون مادة لها دائما، فإذا اختنقت هذه المواد بفعل ~~الحرارة ذهبت صعدا تطلب الخلاص؛ فقد تكون هذه المواد دخانا ~~صرفا كما هي حال هذين البركانين في هاتين الجزيرتين. وهذا الدخان ~~يخرج بقوة شديدة حتى لقد يقذف ms34 فيه الحجر الكبير فترده ردا ~~قويا، وقد تكون هذه المواد أحجارا محترقة ومواد أخرى كبريتية ~~ونفطية نارية تخرج كالسيل العرم، فلا تمر بشيء إلا أحرقته، كما ~~يكون من جبل النار الذي في الجزيرة نفسها. وترى هذا الجبل يرمي ~~فيما يرمي بجمر كبير كأعدال القطن يقطع بعضه في البر، فيصير حجرا ~~أبيض خفيفا يطفو على وجه الماء لخفته، والذي يقع في البحر يصير ~~حجرا أسود مثقبا تحك به الأرجل في الحمامات، وهو كذلك لخفته يطفو ~~على الماء. # ومن غريب الأمر أنه إذا وقع هذا الجمر على حجر احترق ذلك الحجر ~~واشتعل كما يشتعل القطن، حتى يصير ذلك الحجر غبارا كالكحل. أما ~~الحشيش وسائر ضروب النبات فلا تحترق ولا يحترق إلا الحجارة ~~والحيوان، فكأنها نار جهنم التي وقودها الناس والحجارة. # 118 # هذا ويسمي الأهالي عندنا أحد البركانين الموجودين في هاتين ~~الجزيرتين «بركانا»، ويسمون الآخر «استنبري»، ومعنى بركان ~~«استنبري» فيما علمت الرعد والبرق. # 119 # وقد لاحظت أن معادن الكبريت الأصفر لا توجد في الأعم الأغلب إلا ~~بجانب البراكين؛ ففي هاتين الجزيرتين معدن كبريت لا يوجد مثله ~~بموضع آخر، رأيته ورأيت القطاع الذين يقتطعونه؛ رأيتهم وقد ~~تمرطت شعورهم ونصلت أظفارهم من حره ويبسه، وهم يذكرون أنهم يجدونه ~~في بعض الأيام سائلا متميعا فيتخذون له في الأرض مواضع يجتمع ~~فيها، ثم يجدونه في غير ذلك الأوان قد تحجر فيقطعونه بالمعاول، ~~وكذلك ترى بجانب جبل النار الذي في الجزيرة نفسها آبار زيت النفط، ~~الذي لا يخرج منها إلا في وقت معلوم من السنة - في شهر شباط وشهرين ~~بعده - فتراهم في ذلك الوقت ينزلون في هذه الآبار على درك، ويخمر ~~الرجل الذي ينزل فيه رأسه، ويسد مسام أنفه (منخريه)، وإن تنفس في ~~أسفل البئر هلك لساعته، وما يستخرجونه من هذا الزيت يضعونه في ~~أوان، فيعلو الدهن منه وهو المستعمل، وذلك كله مما يدل على طبيعة ~~هذه الأرض الغريبة الشأن. ولله في خلقه شئون سبحانه مالك الملك لا ~~إله غيره. # مدينة بلرم: حضرة جزيرة صقلية ولقائي ~~أميرها أبا ms35 الحسين أحمد # كان وصولنا إلى مدينة بلرم بعد انفصالنا من مدينة مسيني بيومين ~~كاملين، وكان تعريجنا عليها دون قصد منا إليه؛ إذ كانت الريح غير ~~موافقة في ذلك اليوم، وهو يوم الأحد الخامس عشر من شهر جونيو ~~الرومي، سنة ست وخمسين وتسعمائة من مولد السيد المسيح، فاضطررنا أن ~~نقيم في هذه المدينة ريث أن تأتي الريح الموافقة. ولقد اهتبلت هذه ~~الفرصة فجلت في المدينة جولة وقفت فيها على أشياء كان لا بد من ~~اجتلائها، وقد أسعدني الحظ فقابلت أميرها من قبل المعز لدين الله ~~الفاطمي أبا الحسين أحمد بن أبي الحسن الكلبي، وجرى بيني وبينه ~~حديث، سأذكره لك بعد أن آتي على وصف هذه المدينة - إن شاء ~~الله. # مدينة بلرم هي حضرة جزيرة صقلية؛ ففيها يقيم الوالي الذي يوليه ~~الفاطمي، وفيها قاضي القضاة، وديوان الحسبة، ودار الصناعة، وفي ~~مينائها يربض أسطولها الأعظم ، ومنها يغدو ويروح مختالا على ثبج ~~هذا البحر، فيغزو ما شاء أن يغزو من جزائره وعدوته الشمالية «جنوب ~~أوروبا»، وهي لذلك كله وبفضل ما أحدثه المسلمون فيها من ضروب ~~العمران تراها من أجمل المدن وأفخمها؛ فهي بهذه الجزيرة أم ~~الحضارة، والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة، فما شئت فيها من ~~جمال مخبر ومنظر، ومراد عيش يانع أخضر تطلع لك بمرأى فتان، وتتخايل ~~بين ساحات وبسائط كلها بستان، فسيحة السكك والشوارع، تروق الأبصار ~~بحسن منظرها البارع، مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف ~~بالكذان، # 120 # يشقها نهر ينساب فيها مثل الحية المذعور أو السيف ~~المشهور، ويطرد في جنباتها أربع عيون زاخرة عليها أرحاء كثيرة لا ~~تحصى. # بلد أعارته الحمامة طوقها # وكساه ~~حلة ريشة الطاوس # وكأنما الأنهار في ساحاتها # خمر ~~وكأن ساحات الديار كئوس # 121 # وهي تنقسم إلى خمسة أقسام محدودة متباينة متجاورة، فقسم هو ~~المدينة الكبرى التي تسمى بلرم، ويسكنها التجار، وفيها المسجد ~~الجامع الذي كان في القديم بيعة للروم، وهو الآن لبديع ما فيه من ~~الصنعة والغرائب المبتكرة من ضروب التصاوير، وصنوف ~~التزاويق، # 122 # التي أبدعها المسلمون فيه يعد من أعجب ms36 عجائب ~~الدنيا، # 123 # النامة عن حذق العرب ومهارتهم في الصناعة إلى الحد ~~الذي لا وراءه. وفي هذه المدينة وفي أقسامها الأخرى نيف وثلاثمائة ~~مسجد، # 124 # ولم أر مثل هذا العدد في بلد من البلدان. ومن غريب ~~الأمر أني كنت واقفا في جوار دار أحد الفقهاء الأعيان في هذه ~~المدينة، وهو أبو محمد القفصي الوثائقي، فبصرت قريبا من مسجده على ~~مقدار رمية سهم عشرة مساجد، ومنها المسجد تجاه المسجد لا يفصلهما ~~إلا الطريق، وأغرب من ذلك أن من بين هذه العشرة المساجد، وإلى نحو ~~عشرين خطوة من مسجد الفقيه القفصي المذكور مسجدا لابنه ابتناه ~~ليتفقه فيه منعزلا عن أبيه. # 125 # وهذا - عمرك الله - مما يستشف الناظر من ورائه أبهة ~~القوم واعتزازهم بسلطانهم، وأنهم سادة هذه البلاد، ولا جرم كان ذلك ~~باعثا لهم على التنافس في المفاخر والمكارم وسائر خلال الخير ~~والكمال، وهو معنى من المعاني التي يستتبعها الملك والغلب ~~والسلطان، # 126 # أما القسم الثاني من أقسام بلرم، فهو المعروف ~~بالخالصة، وهو مقام الوالي وأتباعه، وليس فيه أسواق ولا فنادق، وبه ~~حمامان، وفيه مسجد جامع مقتصر صغير، وفيه حبس الوالي، ودار صناعة ~~البحر، والديوان، والأقسام الأخرى الثلاثة، فقسم يعرف بحارة ~~الصقالبة، وهذا القسم أعمر من القسمين السابقين وأجل، ومرسى ~~البحر به، وآخر يسمى حارة المسجد، وثالث يسميه القوم الحارة ~~الجديدة، وأكثر الأسواق في هذا القسم كسوق الزياتين والصيارفة ~~والصيادلة والخرازين والصياقلة والنحاسين، وسوق القمح، وسائر ~~الصناع على اختلافهم. وفي هذه الحارة الجديدة نحو من خمسين ومائة ~~حانوت لبيع اللحم. وهذا مما يدل على استبحار العمران في هذه ~~الجزيرة، ورخاء أهليها، وكثرة عديدهم. فسبحان المعز لمن ~~يشاء. # ولقد حدثني الفقيه الوثائقي حديثا يجمل بنا أن نجلوه لك الآن ~~قال: # 127 # إن المسلمين لما فتحوا هذه الجزيرة وبلاد ~~قلورية # 128 # من بر الأرض الكبيرة، # 129 # واستوثق لهم الأمر، ومدت لهم أمم الفرنجة يد الإذعان، ~~أخذوا حسب عادتهم في كل بلاد يفتحونها بنية الإقامة فيها، وإصلاح ~~حال أهليها، في أن يستنقذوا هذه البلاد من تلك ms37 الحمأة المنتنة التي ~~كانت مرتطمة فيها أيام حكم الروم، فنشروا في البلاد ألوية العدل، ~~وعمدوا إلى الزراعة فانتعشت بعد صرعتها، وإلى التجارة فهبت من ~~رقدتها، وإلى الصناعة فانتاشوها من وهدتها، ووثب الأهلون وثبة ~~كأنما أنشطوا من عقال، فكثرت الأموال، واغدودقت الخيرات إلى الحد ~~الأقصى، وافتن الناس افتنانهم في ضروب الترف والنعيم واتساع ~~العيش والتأنق فيه، والتلون بأزهى ألوانه، قال الفقيه: أما عدل ~~المسلمين، فإنك لتجد نصارى هذه البلاد لا يكاد المسلمون ينمازون ~~عنهم بشيء، فالجميع يرتعون متبحبحين متحابين، وكل متمتع بعيشته ~~وعقيدته وطقوسه، فللنصارى كنائسهم كما أن للمسلمين مساجدهم، وإذا ~~جاء عيد من الأعياد رأيت أعلام النصارى بجانب أعلام المسلمين. أما ~~علم النصارى فقد صور فيه صليب مذهب في بهرة ساحة حمراء، وعلم ~~المسلمين قد رسم فيه حصن أسود في ساحة خضراء # 130 # أما نساؤهم فربما رأيتهن اليوم «الأحد» وهن ذاهبات إلى ~~الكنائس وقد تشبهن بنساء المسلمين؛ لأن المغلوب - كما تعلم - مولع ~~دائما بتقليد الغالب، فانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف ~~المذهبة، ولبسن الحرير الموشى بالذهب، والتحفن اللحف الرائقة، ~~وتزين بكل ما يتزين به المسلمات. # 131 # إن من يدخل الكنيسة يوما # يلق ~~فيها جآذرا وظباء # وليس يطلب من النصارى سوى تلك الإتاوة التافهة المفروضة عليهم ~~لقاء قومة السلطان على الرعية، وهي ديناران يؤديهما غنيهم، ~~ودينار واحد يؤديه صناعهم وأرباب الحرف منهم. أما النساء والأطفال ~~فليس شيء بمفروض عليهم، # 132 # وهم يقرون بأنهم لم يذوقوا طعم هذا العيش الأخضر إلا ~~على عهد المسلمين، وأما الزراعة فقد شققنا الأنهار، واحتفرنا ~~الجداول، وأقمنا عليها القناطر الحاجزة، # 133 # وأحيينا الأرض الغامرة، فأخصبت ودرت وربت، وأخذت ~~زخرفها وازينت، وجلبنا إلى هنا كثيرا من الأشجار والأزهار وضروب ~~النبات التي لم يكن ليعرفها أهل البلاد الأصليون؛ مثل: القطن، ~~والقصب، وشجر الزيتون، # 134 # والبردي # 135 # الذي لا يوجد إلا في مصر، وكثير غير ذلك. # وأما الصناعة فقد خطت بفضل المسلمين خطوات بعيدة المدى، فاستثرنا ~~دفائن الأرض ومعادنها من الفضة والنحاس والرخام والحديد، ومهر ~~المسلمون في ضروب الصناعات الشتى الألوان، ms38 فحذقوا صنع الحرير ~~والصباغة وما إليها، # 136 # وكذلك تراهم قد برعوا وأربوا وتفوقوا في سائر العلوم ~~الصناعية، بله الأدبية والدينية والفلسفية، حتى إن الفرنجة ~~لانبهارهم من براعة المسلمين فيما بلغني يقرفونهم بالسحر # 137 # وما هو - عمرك الله - بالسحر، إن هو إلا تسنمهم ~~ذروة الكمال، وهوي هذه الأمم الحمراء إلى الحضيض الأوهد. # والنجم تستصغر الأبصار ~~صورته # والذنب للطرف لا للنجم في ~~الصغر # وأما التجارة فلعلك قد شاهدت كثرة السلع والبضائع المجلوبة إلى ~~هذه البلاد والحوانيت والمتاجر المتكاثرة في شوارع البلد، وكذلك ~~عساك قد أبصرت الحركة المباركة في مينائنا وعمال المكوس فيها، مما ~~تتحقق منه أن الجزيرة قد شأت شأوا بعيدا في التجارة بفضل نشاط ~~المسلمين وإقدامهم وبعد هممهم، وكل ذلك بما أثر فيهم روح هذا ~~الدين القويم وآدابه الإلهية. # لقائي الأمير أبا الحسين أحمد بن أبي الحسن الكلبي؛ والي جزيرة ~~صقلية # إني لجالس مع الفقيه الوثائقي في مسجده بعد أن تغدينا وصلينا ~~صلاة الظهر، ثم أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، إذ دخل علينا المسجد ~~خادم من قبل الأمير، فذعر الفقيه عندما أخذت عينه هذا الخادم، ~~فذعرت لذعره، ثم قال الخادم: إن الأمير يدعوك الساعة إليه ومعك ~~ضيفك المصري، فقلت للفقيه: أثم ما يخاف منه فأفرخ ~~روعي # 138 # وقال: الآن لا، أظن ثمت شيئا أكثر من رغبة الأمير في ~~أن يستطلع منك طلع مصر والمصريين، وأميرنا - حفظه الله - من خواص ~~أهل الأدب وعليتهم، وإنه لذو حظ عظيم من رجاحة العقل وسجاحة الخلق، ~~يحب الأدباء ويقربهم إليه، ويتحدث معهم كما يتحدث النظير مع ~~النظير، على أن اليوم في صقلية كأنه عيد من أعياد الأهلين؛ إذ كان ~~قد ورد من أيام على الأمير كتاب من أمير المؤمنين المعز لدين الله ~~يأمر الأمير فيه بإحصاء أطفال الجزيرة، وأن يختتنهم ويكسوهم ~~ويحبوهم بالعطايا في اليوم الذي يختتن فيه ولد أمير المؤمنين، فكتب ~~الأمير خمسة عشر ألف طفل، ثم اختتن ولده وإخوته، وقد أمر اليوم ~~باختتان سائر أطفال الجزيرة، وخلع عليهم، وفرق فيهم مائة ألف ~~درهم، وخمسين حملا ms39 من الصلات وردت عليه من أمير ~~المؤمنين، # 139 # فكيف نتوقع شرا من الأمير في مثل هذا اليوم ~~المبارك؟ # وقد كان مع الخادم بغلتان فارهتان من مطايا الأمير وقد جللتا ~~بالديباج وحليتا بالفضة، فركبت أنا والفقيه وسرنا حتى وصلنا إلى ~~دور الإمارة، فوقعت عيني على شيء لم تقع على مثله من قبل. # قصور كالكواكب لامعات # يكدن يضئن ~~للساري الظلاما ~~••• # وقبة ملك كأن النجو # م تفضي ~~إليها بأسرارها # لها شرفات كأن الربيع # كساها ~~الرياض بأنوارها ~~••• # كأن جن سليمان الذين ~~ولوا # إبداعها فأدقوا في ~~مغانيها # ولما أن وصلنا إلى دور الإمارة، أشار علينا الخادم بالنزول، ~~وأسلمنا إلى الحجاب، فساروا بنا في ممر مفروش بالحصباء تتخللها ~~الفسيفساء، ثم سلكوا بنا حدائق فيحاء مترامية الأنحاء قد اغلولبت ~~فيها الأشجار، وتعلقت بأغصانها الأطيار، وانسربت فيها الجداول ~~والأنهار، واعشوشبت فيها النجوم # 140 # والأزهار. # والجو من أرج الهواء كأنه # ثوب ~~يعنبر تارة ويمسك # وما زلنا إلى أن انتهينا إلى قصر الأمير، فرجع الحجاب بعد أن ~~أسلمونا إلى الحجاب المقربين، فرقي بنا هؤلاء سلما ينتهي ~~بالراقي عليه إلى بهو عظيم يملأ صدر الناظر إليه مهابة وجلالا، ~~فاجتزناه واجتزنا بعده غرفا ومقاصير عدة حتى انتهينا إلى مجلس ~~الأمير، وناهيك به مجلسا لم أر ما هو أحق منه بقول من قال: # قصر لو انك قد كحلت ~~بنوره # أعمى لعاد إلى المقام ~~بصيرا # أبصرته فرأيت أبدع منظر # ثم ~~انثنيت بناظري محسورا # فظننت أني حالم في جنة # لما ~~رأيت الملك فيه كبيرا # تجري الخواطر مطلقات ~~أعنة # فيه فتكبو عن مداه ~~قصورا # ضحكت محاسنه إليك كأنما # جعلت ~~لها زهر النجوم ثغورا # وإذا الولائد فتحت أبوابه # جعلت ~~ترحب بالعفاة صريرا # عضت على حلقاتهن ضراغم # فغرت بها ~~أفواهها تكبيرا # فكأنما لبدت لتهصر عندها # من لم ~~يكن بدخوله مأمورا # ومصفح الأبواب تبرا ~~نظروا # بالنقش فوق شكوله ~~تنظيرا # وإذ نظرت إلى غرائب سقفه # أبصرت ~~روضا في السماء نضيرا # وضعت به صناعها أقلامها # فأرتك ~~كل طريدة تصويرا # وكأنما للشمس فيه ليقة # مشقوا ~~بها التزويق والتشجيرا # 141 # فلما أقبلنا على ms40 المجلس غلبني البهر من جلالة الأمير، فسلم ~~الفقيه الوثائقي، ثم سلمت بعده بالإمارة، فرد علي السلام باشا ~~في وجهي وأذن لنا بالجلوس، وقد كان قاضي القضاة جالسا عن يسار ~~الأمير، ثم أخذ الأمير في أحاديث شتى يقصد بها لعله أن يؤنسني ~~وينفي الوحشة عن ساحتي. وبعد أن آنس مني الأنس به قال: أي منتوى ~~ينتوي أخونا المصري - إن شاء ~~الله؟ فقلت: إني أنتوي يا مولاي القطر الأندلسي، فقال: ومتى زايل ~~مصر؟ فقلت: منذ نيف وعشرين يوما، فقال: وكيف فارقتها؟ فقلت: على ~~أحسن حال يا مولاي الأمير، فقال: وكيف حال الأمير أنوجور وحال ~~كافور معه؛ # 142 # فقد اتصل بنا أن كافورا قد استبد به وغلبه على أمره؟ ~~فقلت: إذا كان كافور يا مولاي قد استبد بالأمير أنوجور، فإن ~~المصريين قد استبدوا بكافور، فقد أصبح كافور للمصريين لا لنفسه ولا ~~للأمير، فسيرته فينا عادلة رشيدة، وحاله معنا جميلة ~~سديدة؛ # 143 # لأنه يعلم أن الملوك إنما هم خدام الرعية، فكيف ~~يظلمونها ويستجيزون كيدها، ولم يستعبدون الناس وقد ولدتهم ~~أمهاتهم أحرارا؟ على أن كافورا ليس هو وحده الذي ينهض بأعباء ~~الملك، وإنما يشد أزره ويشاركه أمره وزيرنا الأعظم أبو الفضل جعفر ~~بن الفرات وغيره من رجالات الدولة، فقال الأمير: ولكن أليس أليق ~~بكم وأسمى وأنبل أن يلي أمركم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه ~~أمير المؤمنين المعز لدين الله، وأنت تعلم أيها الأخ أن العباسيين ~~قد ضعف أمرهم، وتضعضعت حالهم، والتاث عليهم ملكهم، وانتزى الأعاجم ~~والأتراك على البلاد فاقتطعوا الممالك منهم، وتفردوا بالأمر ~~دونهم. # 144 # أما عبد الرحمن الناصر؛ صاحب الأندلس، فقد اكتفى بما ~~في يده من الممالك المترامية الأطراف، فلم يبق إلا أن تستظلوا بظل ~~خلفائنا الفاطميين حتى يحموكم ويردوا عنكم طمع الطامعين. # وهنا طار طائر الغضب إلى رأسي فلم ألبث أن اندفعت قائلا: إن ~~مولاي الأمير - حفظه الله - يعلم أنه إذا عد من أظلم الظلم وأنكر ~~النكر أن ينقض جارح من الجوارح على وكر طائر آمن في سربه فيزعجه في ~~سكنه، ms41 وينغص عليه عيشته، ويستلبه سراحه وحريته، ويضطره إما إلى ~~الظعن إلى جو غير جوه، أو الإقامة بجواره بين مخلبه وظفره، فإن من ~~الظلم الذي لا ظلم وراءه أن تعدو أمة على أخرى، وحجتها في ذلك أن ~~تحميها من طمع الطامعين، أليس من السفسطة وأقعد ما يقال في باب ~~المغالطة أن يعدو قوم على قوم بحجة أن هذا العدوان إنما هو وقاء ~~لهم من عدوان آخرين؟ ولم لا تبدأ هذه الأمة بنفسها فتريح غيرها من ~~عدائها. # إن مولاي الأمير ليعلم أن حب الوطن من الإيمان، ويقول رسول الله ~~صلوات الله عليه: حب الوطن من طيب المولد، ويقول: لولا حب الوطن ~~لخربت بلاد السوء، على أن فطرة الإنسان معجونة بحب وطنه؛ ولذلك ~~يقول بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، ويقول جالينوس: يتروح ~~العليل بنسيم بلده كما تتروح الأرض الجدبة ببلل القطر، ويروى أنه ~~لما أسر سابوز ببلد الروم، قالت له بنت الملك - وكان قد مرض ~~وعشقته: ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشمة من تراب اصطخر، ~~فحملا إليه فبرئ وأبل من مرضه، والكريم يا مولاي يحن إلى ~~جنابه كما يحن الأسد إلى غابه، وكفى دلالة على محبة الوطن قول الله ~~جل شأنه: # ولو أنا كتبنا عليهم ~~أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه # الآية، ومن ثم كان ألأم بيت قالته العرب ~~قول القائل: # تلقى بكل بلاد إن حللت ~~بها # ناسا بناس وإخوانا ~~بإخوان # فلا جرم أن يتغلغل حب مصر والمصريين في السواد من حبة القلب مني؛ ~~حتى لكأني المعني بقول من يقول: # كأن فؤادي من تذكره الحمى # وأهل ~~الحمى يهفو به ريش طائر # وكيف لا أحب بلدا ولدت فيه، وأرضه هي أول أرض مس جلدي ترابها، ~~وقد طعمت غذاءها، وشربت ماءها النمير؛ ماء نيلها المبارك الذي يعذر ~~الأقدمون عن زعمهم أن الجنة منبعه انسرب منها إلى هذه ~~الخضراء. # بلد صحبت به الشبيبة ~~والصبا # ولبست فيه العيش وهو ~~جديد # فإذا تمثل في الضمير ~~رأيته # وعليه أفنية الشباب ~~تميد ~~••• # ألا يا ms42 حبذا وطني وأهلي # وصحبي ~~حين يدكر الصحاب # وما عسل ببارد ماء مزن # على ظمأ ~~لشاربه يشاب # بأشهى من لقائكم إلينا # فكيف لنا ~~به ومتى الإياب؟ # ومولاي الأمير يعلم علما ليس بالظن أن الحكام الغرباء عن ~~البلاد، مهما كانت منزلتهم من العدل، لتأبى عليهم سنة الله في خلقه ~~إلا أن يضيموا الرعية التي لا تمت إليهم برحم أو آصرة موطن. أما ~~رهط المرء، فرحم الله من قال: # لعمري لرهط المرء خير ~~بقية # عليه وإن عالوا به كل ~~مركب # إذا كنت في قوم عدا # 145 # لست منهم # فكل ما علفت من ~~خبيث وطيب # لذلك كله أقول وأنا آمن ~~الأمير: # ولي وطن آليت أن لا أبيعه # وأن ~~لا أرى غيري له الدهر مالكا # 146 # وهنا أطرق الأمير ثم انبعث قاضي القضاة قائلا: أظن أخانا المصري ~~لا يغيب عنه أن الأرض قد ملئت اليوم جورا وظلما وعدوانا، وذاع ~~الفساد في البلاد، وعم الشر وطم، فلا بد من إمام عادل يملأ الدنيا ~~قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ولا يكون هذا الإمام إلا من ~~ولد فاطمة بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وها هو ذا قد صدق رسول الله ~~وعده، وجاء إلينا إمام المسلمين العادل الرحيم البار برعيته، ~~الداعي إلى الحق، والقائم بنصرته، مولانا وابن مولانا المعز لدين ~~الله بن مولانا المنصور بن مولانا القائم بن مولانا عبيد الله ~~المهدي - أدام الله تأييده - هذا إلى أنه لا يوجد اليوم بين ملوك ~~المسلمين من هو أعز من مولانا نفرا، وأكثر مالا ووفرا، وأقوى ~~سلاحا وشوكة، وأبعد في سياسة الأمم تجربة وحنكة، فكان لذلك من ~~الواجب الحتم على كل مسلم أن يعمل على نشر دعوته، ويستظل برعايته، ~~فما كاد قاضي القضاة يتم كلامه حتى ابتدرت فقلت: إن المصريين لا ~~ينكرون على أمير المؤمنين المعز لدين الله شيئا مما قلت، بيد أن ~~مولانا - حفظه الله - يعرف مما عرف من طبائع للبشر، أن الأمة التي ~~تغلب على أمرها، ويخفق عليها لواء غيرها، وتصبح بالاستعباد آلة ~~لسواها وعالة عليها؛ ms43 يقصر أملها، ويبلى رجاؤها، وتضوى ~~أرواحها. # واحتمال الأذى ورؤية جاني # ه ~~غذاء تضوى به الأجسام # وذلك لما خضد الغلب عليها من شوكتها، وكسر من حميتها، فيفضي ذلك ~~على كر الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، إلى أن ترأم الذل # 147 # والاستخذاء، وتشتمل بأردية الكسل والوناء، فيكون من ~~نتاج ذلك ضعف النشاط في القوى الحيوية، وهلم حتى يتناقص عمرانهم، ~~وتتلاشى مكاسبهم، ويعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، فيصبحوا مغلبين ~~لكل متغلب، طعمة لكل آكل، نهبا مقسما لكل ناهب، وثمة شيء آخر ~~وهو أن الإنسان يا مولاي رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق ~~له، والرئيس إذا غلب على رئاسته، وكبح عن غاية عزه، تكاسل حتى عن ~~شبع بطنه، وري كبده. وهذا شر ركب في غرائز البشر، كما أنه وجد ~~مثله في الحيوانات المفترسة، فإنها لا تسافد - كما يقولون - إذا ~~كانت في ملكة الآدميين. # ذل من يغبط الذليل بعيش # رب ~~عيش أخف منه الحمام # وهنا كأن الأمير أراد أن يطوي بساط هذا الموضوع، فانتقل فجأة إلى ~~معنى آخر، فقال: هل يحفظ أخونا المصري شيئا مما مدح به المتنبي ~~الشاعر كافورا؟ وهل لا يزال هذا الشاعر مقيما في مصر؟ فقلت: نعم ~~يا مولاي الأمير، لقد فارقت مصر ولما يزل المتنبي في خدمة مولانا ~~الأستاذ أبي المسك كافور، ولقد امتدحه بأحسن المدح، وحق له أن ~~يمتدحه؛ إذ اللهى يا مولاي تفتح اللها # 148 ~~- كما يقولون - فما يعلق بالذاكرة مما أنشدنيه قوله ~~فيه بعد أن وصف الخيل التي سرت به إليه: # قواصد كافور توارك غيره # ومن قصد ~~البحر استقل السواقيا # فجاءت بنا إنسان عين زمانه # وخلت ~~بياضا خلفها ومآقيا # وقوله من قصيدة: # وأخلاق كافور إذا شئت مدحه # وإن ~~لم أشأ تملي علي فأكتب # إذا ترك الإنسان أهلا ~~وراءه # ويمم كافورا فما ~~يتغرب # وفي هذه القصيدة يقول: # وما الخيل إلا كالصديق ~~قليلة # وإن كثرت في عين من لا ~~يجرب # إذا لم تشاهد غير حسن ~~شياتها # وأعضائها فالحسن عنك ~~مغيب # لحا الله ذي الدنيا مناخا ~~لراكب # فكل بعيد الهم فيها ~~معذب ms44 # وله فيه قصيدة مطلعها: # أود من الأيام ما لا ~~توده # وأشكو إليها بيننا وهي ~~جنده # يقول فيها من حكمته البالغة: # وأتعب خلق الله من زاد ~~همه # وقصر عما تشتهي النفس ~~وجده # فلا ينحلل في المجد مالك ~~كله # فينحل مجد كان بالمال ~~عقده # ودبره تدبير الذي المجد كفه # إذا ~~حارب الأعداء والمال زنده # فلا مجد في الدنيا لمن قل ~~ماله # ولا مال في الدنيا لمن قل ~~مجده # إلى أن يقول: # وما رغبتي في عسجد ~~أستفيده # ولكنها في مفخر ~~أستجده # وقوله فيه من أخرى مطلعها: # من الجآذر في زي الأعاريب # حمر ~~الحلي والمطايا والجلابيب ~~••• # كأن كل سؤال في مسامعه # قميص ~~يوسف في أجفان يعقوب # إذا غزته أعاديه بمسألة # فقد ~~غزته بجيش غير مغلوب # ويعجبني من نسيب هذه القصيدة قوله: # كم زورة لك في الأعراب ~~خافية # أدهى - وقد قدوا - من زورة ~~الذيب # أزورهم وسواد الليل يشفع ~~لي # وأنثني وبياض الصبح يغري ~~بي # إلى أن يقول: # ما أوجه الحضر المستحسنات ~~به # كأوجه البدويات ~~الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي ~~البداوة حسن غير مجلوب # فقال الأمير : بيد أنه بلغني اليوم فقط أن المتنبي زايل مصر ~~بآخرة، وهجا كافورا هجاء قاسيا مرا بأبيات يقول فيها: # لقد كنت أحسب قبل الخصي # أن ~~الرءوس مقر النهى # فلما نظرت إلى عقله # رأيت النهى ~~كلها في الخصى # وماذا بمصر من المضحكات # ولكنه ~~ضحك كالبكا # بها نبطي من أهل السواد # يدرس ~~أنساب أهل العلا # وأسود مشفره نصفه # يقال له: أنت ~~بدر الدجى # وشعر مدحت به الكركدن # بين ~~القريض وبين الرقى # فما كان ذلك مدحا له # ولكنه كان ~~هجو الورى # إلى أن يقول: # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره ~~منه ما لا يرى # فقلت: إذا كان قد هجاه فقد قال الله جل شأنه # والشعراء يتبعهم الغاوون * ~~ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون ~~، وصدق رسول الله صلوات الله عليه إذ يقول: ~~شر الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه، ورحم الله من يقول: لا تؤاخ ~~شاعرا فإنه يمدحك ms45 بثمن ويهجوك مجانا، على أن المتنبي رجل ذو ~~طماعية وطماح، وكان مولاي الأستاذ أبو المسك وعده بولاية بعض ~~أعماله، فلعله رأى منه بعد ذلك ما لم يستطع معه الوفاء بما ~~وعد، # 149 # فقال فيه المتنبي ما قال، قال الأمير: ولكن للمتنبي في ~~سيف الدولة بن حمدان وفي غيره ما هو أبرع مما مدح به كافورا، ~~ويعجبني من قصيدة له في ابن حمدان قوله: # إذا ما سرت في آثار قوم # تخاذلت ~~الجماجم والرقاب # 150 # إلى أن يقول: # وكيف يتم بأسك في أناس # تصيبهم ~~فيؤلمك المصاب # ترفق أيها المولى عليهم # فإن ~~الرفق بالجاني عتاب # وأنت حياتهم غضبت عليهم # وهجر ~~حياتهم لهم عقاب # وما جهلت أياديك البوادي # ولكن ~~ربما خفي الصواب # وكم ذنب مولده دلال # وكم بعد ~~مولده اقتراب # وجرم جره سفهاء قوم # وحل بغير ~~جارمه العذاب # وقوله فيه من قصيدة: # يقود إليه طاعة الناس فضله # ولو ~~لم يقدها نائل وعقاب # أيا أسدا في جسمه روح ضيغم # وكم ~~أسد أرواحهن كلاب # وفي هذه القصيدة يقول: # وفي الجسم نفس لا تشيب ~~بشيبه # ولو أن ما في الوجه منه ~~حراب # لها ظفر إن كل ظفر ~~أعده # وناب إذا لم يبق في الفم ~~ناب # يغير مني الدهر ما شاء ~~غيرها # وأبلغ أقصى العمر وهي ~~كعاب # إلى أن يقول: # وللسر مني موضع لا يناله # نديم ~~ولا يفضي إليه شراب # ولله هو إذ يقول في كلمة له: # دع النفس تأخذ وسعها قبل ~~بينها # فمفترق جاران دارهما ~~العمر # ولا تحسبن المجد زقا ~~وقينة # فما المجد إلا السيف والفتكة ~~البكر # وتضريب أعناق الملوك وإن ~~ترى # لك الهبوات السود والعسكر ~~المجر # وتركك في الدنيا دويا ~~كأنما # تداول سمع المرء أنمله ~~العشر # إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ~~ناقص # على هبة فالفضل فيمن له ~~الشكر # ومن ينفق الساعات في جمع ~~ماله # مخافة فقر فالذي فعل ~~الفقر # ثم قال الأمير: وهل لا يرى أخونا المصري لأبي القاسم ابن هانئ ~~الأندلسي؛ شاعر أمير المؤمنين المعز لدين الله، ما يستأهل به أن ~~يلز مع المتنبي ms46 في قرن؟ # 151 # فقلت: إني أخشى يا مولاي أن أصرح برأيي، فقال: قل وأنت ~~آمن، فقلت: إني لا أشبهه يا مولاي إلا برحى تطحن قرونا، # 152 # وإني كلما أنشدت شعره فكأني أسمع جعجعة ولا أرى طحنا، ~~فاربد وجه الأمير غضبا، ثم تحالم وقال: وهل يقال مثل هذا فيمن ~~يقول: # يا بنت ذي السيف الطويل ~~نجاده # أكذا يجوز الحكم في ~~ناديك # عيناك أم مغناك موعدنا وفي # وادي ~~الكرى ألقاك أم واديك # منعوك من سنة الكرى وسروا ~~فلو # عثروا بطيف طارق ~~ظنوك # ودعوك نشوى ما سقوك مدامة # لما ~~تمايل عطفك اتهموك # حسبوا التكحل في جفونك حلية # تا ~~الله ما بأكفهم كحلوك # وجلوك لي إذ نحن غصنا بانة # حتى ~~إذا احتفل الهوى حجبوك # ويقول من أبيات في وصف الخيل: # تكاد تحس اختلاج الظنو # ن بين ~~الضلوع وبين الحشى # ومن رفقها أنها لا تحس # ومن ~~عدوها أنها لا ترى # وتحسب أطراف آذانها # يراعا برين ~~لها بالمدى # جرين إلى السبق في حلبة # إذا ~~ما جرى البرق فيها كبا # ديار الأعزة لكنها # مكرمة عن ~~مشيد البنا # وهل لمولانا المعز الذي يقول مثل هذا الشعر: # اطلع الحسن من جبينك شمسا # فوق ~~ورد في وجنتيك اطلا # وكأن الجمال خاف على ~~الورد # جفافا فمد بالشعر ~~ظلا # أن يقرب ابن هانئ إليه، ويؤثره على غيره، ويعتز به ويفاخر، لولا ~~أن رآه من الشعر بحيث لا يكاد يتخلف عن المتنبي؟ بلى، وإذا كان في ~~المشرق المتنبي، ففي المغرب ابن هانئ، وإذا كان فيه عبد الله بن ~~المعتز، فعندنا ابن مولانا المعز: الأمير أبو علي تميم، # 153 # الذي يقول: # أما والذي لا يملك الأمر ~~غيره # ومن هو بالسر المكتم ~~أعلم # لئن كان كتمان المصائب ~~مؤلما # لإعلانها عندي أشد ~~وآلم # وبي كل ما يبكي العيون أقله # وإن ~~كنت منه دائما أتبسم # وبعد ذلك رأيت من الحزامة أن لا أطيل سبب المحاجة، فخرجت ~~بالصمت عن لا ونعم، ثم أمر لي الأمير بعطاء سني، ثم أذن لي في ~~الانصراف من حضرته. # جزائر ميورقة ومنورقة ويابسة ms47 # وقبل أن أختتم هذه الرسالة، آتي لك على شيء مما اعترضنا في ~~طريقنا بعد أن انفصلنا من بلرم قاصدين إلى المرية، فمن ذلك ~~أنا ونحن إزاء جزيرة كبيرة تسمى سردانية، أبصرنا أسطولا كبيرا ~~قادما من ناحيتها، وقد علمنا أن هذا الأسطول هو أسطول المعز لدين ~~الله غزا هذه الجزيرة وبلاد جنوة من بر الأرض الكبيرة، وغنم وسبى ~~شيئا كثيرا يخطئه العد والإحصاء، وما خام # 154 # في سائر غزواته عن اللقاء، على ما في ذلك من الغرر؛ إذ ~~إن وراء هذه البلاد من أمم إفرنجة عديد الذر، غير أن المعز يفعل ~~ذلك الفينة بعد الفينة؛ لأنه يعلم أن الجهاد باب من أبواب الجنة، ~~فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيم الخسف، وديث ~~بالصغار، # 155 # وأن أمة من الأمم تريد أن تكون عزيزة مهيبة لا بد من ~~أن تغزو غيرها قبل أن يغزوها الأغيار، ورضي الله عن علي بن أبي ~~طالب إذ يقول في إحدى خطبه: ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ~~ذلوا. # وهذه سردانية جزيرة كبيرة ~~في غرب هذا البحر الرومي غزاها المسلمون حوالي سنة 92 هجرية ، ~~الموافقة سنة 710 ميلادية في عسكر موسى بن نصير، وملكوها حينا من ~~الدهر، ثم تركوا حبلها على غاربها، ثم هم الآن يغزونها من وقت ~~لآخر، ويغنمون ويسبون لما علمت. # وقد مررنا فيما مررنا به من جزر هذا البحر بجزائر ثلاث متجاورات ~~تسمى: ميورقة ومنورقة ويابسة، # 156 # وهي جزائر عامرة مأهولة بالمسلمين يرجع أمرها إلى صاحب ~~الأندلس، وعليها وال من قبله، ومن هنا تعلم أن المسلمين قد ملكوا ~~ناصية هذا البحر الرومي بما فيه من الجزائر الكبيرة والصغيرة، ~~علاوة على جزائر بحر الظلمات «المحيط الأطلسي»، كما أسلفنا لك، ~~فسبحان المعز لمن يشاء، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، ~~والعاقبة للمتقين. # تمت هذه الرسالة وقد كتبت على متن البحر وبيننا وبين المرية ~~مسيرة يوم أو بعض يوم، وذلك في شهر جونيه الرومي، سنة ست وخمسين ~~وتسعمائة، الموافقة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ms48 هجرية. # | هوامش # | الرسالة الثانية # من المرية إلى قرطبة # أظنك، يا أخي، لا تزال على ذكر من أن الرسالة الأولى من هذه الرسائل ~~كتبت ونحن على متن البحر، قبل أن نصل إلى مرافئ الأندلس. أما هذه ~~الرسالة الثانية فقد وضعناها بعد أن حططنا رحالنا في قرطبة؛ حضرة هذه ~~البلاد (عاصمتها). وقد خصصت هذه الرسالة بوصف كل ما مر بنا من حين ~~اقترابنا من ميناء المرية إلى أن وصلنا إلى قرطبة. # أما المرية فهي إحدى مدن الأندلس الكبيرة الواقعة في شرقيها، وهي ~~على ساحل البحر الرومي (البحر الأبيض المتوسط)، وهي مرسى للسفن ~~القادمة إلى هذه البلاد الأندلس - وفي مينائها يربض الجانب الأكبر من ~~أسطول الأندلس الأعظم، والجانب الآخر يرسي في بجاية - وهي واقعة بين ~~جبلين، فعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الآخر ربضها، ~~والسور محيط بها وبالربض، وفي غربيها ربض لها آخر يسمى ربض الحوض، ذو ~~فنادق وحمامات وخنادق وصناعات. وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة، ~~وأحجار أولية، وكأنما غربلت أرضها من التراب، ولها مدن وضياع عامرة ~~متصلة الأنهار، وطول واديها أربعون ميلا في مثلها، كلها بساتين بهجة، ~~وجنات نضرة ، وأنهار مطردة، وطيور مغردة، وتشتمل كورتها على معدن الحديد ~~والرخام، وبها لنسيج طرز الحرير ثمانمائة نول، وللحلل النفيسة والديباج ~~الفاخر ألف نول، وللثياب الجرجانية والأصفهانية كذلك، ويصنع بها من ~~صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ~~ما لا يوصف، وقد علمت أنه لا يوجد في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهل ~~المرية، ولا أعظم متاجر وذخائر، وبها من الحمامات والفنادق نحو ~~الألف، وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسنا، وفيها كثير من ~~العلماء والأدباء والفلاسفة. # 1 # وجملة القول: إن المرية هذه كما رأيت تزخر بالحياة زخرا، وتنطق ~~بنشاط المسلمين وجدهم، وبأقصى غايات عزهم لذلك ومجدهم. # فلو أن السماء دنت لمجد # ومكرمة ~~دنت لهم السماء # ولما صافح مركبنا أمواه المرية - وكان يسير بحذائنا مركب آخر ~~علمنا أن فيه أبا علي القالي اللغوي؛ وافد العراق، وسائر من قاموا معنا ~~من الإسكندرية في مركب أمير ms49 المؤمنين عبد الرحمن الناصر - آنسنا من ~~جانب الميناء «ميناء المرية» أسطولا كبيرا قادما علينا حتى إذا ~~صار منا أدنى ذي ظلم، # 2 # أخذ يحيينا من فيه بالرايات والأعلام - وكان فيه الأمير ~~عبد الرحمن بن رماحس؛ قائد أساطيل الأندلس الأكبر - إذ أمره مولاي ~~الحكم ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وولي عهده أن يتلقانا في ~~وفد من وجوه الأندلسيين، ويجيء معنا إلى قرطبة تكرمة من الأمير لنا ~~ولأبي علي القالي - حفظه الله - فكان من رجال ذلك الوفد شاعر الأندلس ~~يوسف بن هارون الرمادي، وأبو بكر بن القوطية؛ سيد علماء اللغة في ~~الأندلس، وابن رفاعة الألبيري؛ أحد أدباء ألبيرة، وفتى نشأ يتوقد ~~ذكاء، ويقطر أدبا وألمعية، يسمى أبا بكر الزبيدي، وكثير غير أولئك ~~من علماء الأندلس وأعيانها وقوادها. وهذه، عمرك الله، أية محسة على ~~شدة عناية الأمير بالعلم وأهله، ولا بدع؛ فقد وقفنا من ذلك على الشيء ~~الكثير الذي سما بهذا الأمير في أعيننا. فمن ذلك فيما تحققناه أنه يبعث ~~الحين بعد الحين في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل ~~إليهم الأموال لابتياعها؛ حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه في ~~ربوعها ، وقد بعث في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وأرسل إليه فيه ~~ألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه بنسخة من قبل أن يخرجه إلى ~~العراق، وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه لمختصر ابن ~~الحكم، فهكذا هكذا تكون الملوك والأمراء، وبمثل هذا ينتعش العلم ~~والعلماء. # ولما أرسى مركبنا والمركب الذي يقل أبا علي القالي على ميناء ~~المرية، قدم لنا ابن رماحس جميع رجال الوفد الأندلسي وعرفنا بهم، ~~ثم امتطينا المطايا الفارهة وذهبنا إلى دار ابن رماحس الكائنة في قصبة ~~هذه المدينة. # ولما استقر بنا النوى، وألقينا عصا التسيار، وانتظم شملنا في تلك ~~الدار، أخذ الرمادي الشاعر ينشدنا أبياتا له في إسماعيل بن عيذون ~~القالي يمتدحه بها، # 3 # علق بالذاكرة منها هذه الأبيات: # من حاكم بيني وبين عذولي # الشجو ~~شجوي والعويل عويلي # في أي جارحة أصون ms50 معذبي # 4 # سلمت من التعذيب ~~والتنكيل # إن قلت: في بصري، فثم مدامعي # أو ~~قلت: في قلبي، فثم غليلي # لكن جعلت له المسامع موضعا # وحجبتها ~~عن عذل كل عذول # إلى أن يقول متخلصا بعد أن وصف الروض: # روض تعاهده السحاب كأنه # متعاهد ~~من عهد إسماعيل # قسه إلى الأعراب تعلم أنه # أولى من ~~الأعراب بالتفضيل # حازت قبائلهم لغات فرقت # فيهم وحاز ~~لغات كل قبيل # فالشرق خال بعده وكأنما # نزل الخراب ~~بربعه المأهول # فكأنه شمس بدت في غربنا # وتغيبت عن ~~شرقهم بأفول # يا سيدي هذا ثنائي لم أقل # زورا ولا ~~عرضت بالتنويل # من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ # لم ~~أرج غير القرب في تأميلي # وبعد ذلك أخذنا في ضروب من الحديث أفضت في نهايتها إلى حادث كدر ~~علينا صفاءنا، وذلك أن أبا علي أخذ ينثر على الحفل درر أدبه، فكان من ~~بين ما جاء في حديثه أدب عبد الملك بن مروان، وأنه قال يوما لجلسائه: ~~أي المناديل أشرف؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقئ ~~البيض، # 5 # وقال آخر: مناديل اليمن كأنها نور الربيع، فقال عبد ~~الملك: ما صنعتما شيئا، أفضل المناديل مناديل أخي بني سعد عبدة بن ~~الطيب إذ يقول: # لما نزلنا نصبنا ظل أخبية # وفار ~~للقوم باللحم المراجيل # 6 # ورد وأشقر # 7 # ما ينئيه طابخه # 8 # ما غير الغلي منه فهو ~~مأكول # ثمت قمنا إلى جرد مسومة # 9 # أعرافهن لأيدينا ~~مناديل # وأنشد القالي الكلمة في البيت: ~~«أعرافها لأيدينا مناديل»، فما كان من الأديب ابن رفاعة الألبيري - وقد ~~لاحظنا في خلقه حرجا وزعارة # 10 ~~- إلا أن استعاد أبا علي البيت متثبتا مرتين، في كلتيهما ~~ينشد: «أعرافها»، فقام ابن رفاعة وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين ~~وتتجشم الرحلة لتعظيمه، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط ~~الصبيان فيه. والله لا تبعته خطوة، ثم هم بالانصراف، فندبه الأمير ~~ابن رماحس أن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، فاضطر ابن رماحس إلى أن يكتب ~~إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى من ms51 ابن رفاعة ويشكوه، فجاء جواب ~~الحكم إلى ابن رماحس بما نصه - كما أطلعني عليه ابن رماحس: # الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطئ وافد ~~العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط، فدعه ~~لشأنه، وأقدم بالرجل غير منتقص من تكريمه؛ فسوف يعليه ~~الاختبار - إن شاء الله - أو يحطه. # 11 # الأسطول الأندلسي وروح العظمة التي ترفرف عليه # أسلفنا لك في الرسالة الأولى من هذه الرسائل شيئا من القول، قد ~~يكون مغنيا في معنى الأسطول وأثره الصالح في الدولة التي تعنى ~~به، وأن الدولة الفاطمية في أفريقية والدولة الأموية في الأندلس؛ ~~لهذا السبب بعينه، ولأن بلادهما واقعة على سيف البحر الرومي ~~(البحر الأبيض المتوسط) وبحر الظلمات (المحيط الأطلانطي) قد بذتا ~~سائر الدول في العناية بالأساطيل؛ حتى قبضتا بها على أعنة البحار، ~~واستوتا # 12 # على ما فيه من جزائر وأقطار، وآضتا بذلك، وآضت ~~رعاياهما سادة البر والبحر؛ بل ذل الزمان لهم، ولانت أعطاف الدهر. ~~وهذا هو الذي أرهج بين هاتين الدولتين بالفساد، وأرسل بينهما عقارب ~~الأحقاد، وأثار بينهما نقع الحرب والجهاد؛ حتى لا تكاد الحروب بين ~~الدولتين ينطفئ لهيبها، فتراهما للتافه من الأسباب يجردان الجيوش ~~بعضهما على بعض، وتتلاقى أساطيلهما مصرحة بالشر ، ولعلك لم تنس ~~بعد حادثة هذا المركب الأندلسي الذي قمنا فيه من الإسكندرية، وأنه ~~تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز لدين الله الفاطمي، وأخذ ما ~~فيه من بريد وبضائع، فما كان من المعز إلا أن أرسل أسطولا كبيرا ~~إلى مربض الأسطول الأندلسي في المرية، كما أخبرنا بذلك ونحن ~~في هذا البلد - فعاث فيه عيثا، وألحق به وبالمرية ما أرضاه، ~~ونقع غلته، وأطفأ لهيبه، فلم يسع أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ~~إلا الانتقام من المعز، فأمر بتجريد الأسطول، وحشد المقاتلة، ~~والذهاب إلى أفريقية، فذهب ~~إليها تحت إمرة حاجبه الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد أسطول ~~كبير يقل عددا عظيما من رجالات الحرب، فعاج أولا على مدينة ~~وهران، وجمع من فرسان الأندلس المحتلين بلاد المغرب نحوا من ms52 خمسة ~~وعشرين ألف فارس، ثم هجم بالرجلان والفرسان على أفريقية، ودارت ~~بينه وبين رجال المعز رحى الحرب، فهزم الأندلسيون قبائل صنهاجة ~~وكتامة - وكان يتألف منها السواد الأعظم من جيش الأفارقة - واقتفوا ~~آثارهم حتى بلغوا ضواحي تونس - وهي غنية بتجارتها الواسعة، يسكنها ~~كثير من تجار اليهود الأغنياء - فحصروها برا وبحرا، وألحوا في ~~الحصر، فلما رأى أهلوها أن الخطر محدق بهم عرضوا أن يسلموهم ~~المدينة، وقدموا مبلغا كبيرا من المال إلى الحاجب ابن شهيد، ~~وقدموا إليه كذلك أنسجة من كل نوع، وطرفا من الحلي، وذهبا، ~~وحجارة كريمة، وملابس من الصوف والحرير، وأسلحة وخيلا وعددا ~~عظيما من الأرقاء، ثم غنم عدا ذلك سفن الميناء وأثقالها، ~~وضمها إلى سفنه، وكر راجعا إلى الأندلس. # ومن سننهم التي مضوا عليها، وجرت عادتهم بها أن يحتفلوا ~~بالأسطول عند رجوعه ظافرا من حرب، فتقوم الأساطيل بألعاب وحركات ~~بمرأى من عظماء الدولة ومسمع، كأنها في حرب مع الأعداء، فاتفق في ~~اليوم الذي وصلنا فيه إلى المرية أن آب الأسطول الأندلسي ~~رافعا أعلام النصر في هذه الواقعة، فأمر أمير البحر عبد الرحمن بن ~~رماحس بأن تقوم الأساطيل بألعابها، فما كان منا إلا أن بادرنا إلى ~~إمتاع أنفسنا بمشاهدة هذه الألاعيب صحبة الأمير، فذهبنا إلى ~~الميناء «ميناء المرية»، فوجدنا ثمت في انتظارنا مركبا كبيرا ~~كأنه رضوى أو ثبير أو الأمل الكبير، فدعينا إلى النزول فيه، ثم أخذ ~~الأمير ابن رماحس في أن يرينا ما في هذا المركب من بروج وقلاع ~~ومناظر وتوابيت، ومن منجنيقات ومكاحل بارود ونفط، ومن نوتية، ومن ~~مقاتلة وأسلحة، وهلم مما قضينا منه عجبا. وهذا المركب نوع من ~~الأنواع التي يتألف منها الأسطول يسمى «الشواني»، الواحد منه ~~«شونة»، وبعد ذلك أخذ هذا المركب يسير بنا الهوينى في اختيال، ~~مترجحا ذات اليمين وذات الشمال، كأنه عروس مجلوة يرفرف عليها روح ~~الجمال والجلال. وبعد أن سار بنا في البحر شيئا، وقف حيث نشاهد ~~حركات الأسطول وألاعيبه، وكان الشاطئ ساعتئذ قد غص بالنظارة من ~~كل صنف من أصناف الناس، والزوارق قد ms53 انتثرت على متن البحر من جميع ~~النواحي، وفيها ما لا يعلم عديدهم إلا الله من الأندلسيين ~~والأندلسيات؛ كي يشاهدوا حركات الأسطول، فكان لذلك منظر تحسر دونه ~~الظنون، وتتراجع دون إدراكه الأوهام؛ منظر يبهر رواؤه الفكر، ~~ويشيع الروعة في الصدر، وينتقل من هذا العالم إلى عالم آخر كأنه ~~الخلود. # مجال أسود وملهى سفين # فيا طيب ~~لهو ويا منظر # ويا حسن دنيا ويا عز ~~ملك # يسوسهما السائس ~~الأكبر # ثم بصرنا بعد ذلك بالأساطيل على اختلاف ضروبها وقد أخذت بصورة ~~شيطانية في ألاعيبها، فإذا رأيت ثم رأيت كنائن، # 13 # غير أنها تمرق مروق السهام، ورواكد # 14 # هي مدائن، بيد أنها تمر مر السحاب غير ~~الجهام، # 15 # وأطيارا، إلا أنها جوارح لا تصيد إلا الأرواح، ~~وأفراسا في سرعة البرق اللامح، سوى أنها ذات دسر وألواح. # تتخاذل الألحاظ في ~~إدراكها # ويحار فيها الناظر ~~المتأمل # فكأنها في اللطف فهم ~~ثاقب # وكأنها في الحسن حظ ~~مقبل ~~••• # فيا للجواري المنشآت ~~وحسنها # طوائر بين الماء والجو ~~عوما # إذا نشرت في الجو أجنحة ~~لها # رأيت به روضا ونورا ~~مكمما ~~••• # ذات هدب من المجاذيف ~~حاك # هدب باك لدمعه ~~إسعاد # حمم فوقها من البيض نار # كل من ~~أرسلت عليه رماد ~~••• # ملأ الكماة ظهورها وبطونها # فأتت ~~كما يأتي السحاب المغدق # عجبا لها ما خلت قبل ~~عيانها # أن يحمل الأسد الضواري ~~زورق ~~••• # زأرت زئير الأسد وهي ~~صوامت # وزحفن زحف مواكب في ~~زورق ~~••• # ترمي ببروج إن ظهرت # لعدو مخرقة ~~بطنا # وبنفط أبيض تحسبه # ماء وبه تذكي ~~السكنا # 16 # وما زالت الأساطيل تلعب كأنها في سوح القتال من لدن ذر قرن ~~الشمس إلى أن جاء وقت الزوال. # وهنا يجمل بنا أن نجمل لك القول على أنواع السفن التي يتألف منها ~~الأسطول الأندلسي وعددها وآلاتها، # 17 # فمن تلك الأساطيل نوع يقال له: «الشواني»، جمع الشونة ~~أو الشيني كما مر بك آنفا، وهي أجفان حربية كبيرة تقام فيها ~~الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم، وأبراجها ذات طبقات مربعة؛ ~~فالطبقة العليا منها تقف فيها الجنود المسلحة بالقسي والسهام، وفي ~~الطبقة السفلى ms54 الملاحون الذين يجذفون بنحو من مائة مجذاف، ~~ويتراوح ما تحمله الشونة من المقاتلة ما بين المائة والخمسين وبين ~~المائتين. وتجهز الشواني وقت الحرب بالسلاح والنفطية والأزودة، ~~بله الجنود البحرية. ومن أنواع الأسطول نوع يعرف «بالبوارج»، جمع ~~البارجة، وهو أكبر من الشواني، ومثله نوع يقال له: المسطحات، ومن ~~هذه الأساطيل نوع يقال له: «الحراقات»، جمع الحراقة، وهي مراكب ~~حربية كبيرة قرابة الشواني، بيد أن هذه تنماز عن تلك بالمنجنيقات، ~~وتلك عن هذه بالقلاع، فتراهم يحملون في الحراقة مكاحل البارود ~~والعرادات والمنجنيقات # 18 # يرمى بها النفط المشتعل على الأعداء - وهم يعملون ~~الحراقة في صورة الأسد، وفي صورة الفيل، وفي صورة العقاب، وفي صورة ~~الحية، وفي صورة الفرس، كتلك الحراقات التي كانت للأمين رشيد، ~~والتي يقول فيها الحسن بن هانئ: # سخر الله للأمين مطايا # لم تسخر ~~لصاحب المحراب # فإذا ما ركابه سرن برا # سار في ~~الماء راكبا ليث غاب # أسدا باسطا ذراعيه يعدو # أهرت ~~الشدق كالح الأنياب # لا يعانيه باللجام ولا السو # ط ~~ولا غمز رجله في الركاب # عجب الناس إذ رأوه على صو # رة ~~ليث يمر مر السحاب # إلى أن قال يصف هذه المطايا: # تستبق الطير في السماء إذا ~~ما # استعجلوها بجيئة ~~وذهاب # ذات سور ومنسر وجناحين # تشق ~~العباب بعد العباب # وكحراقة طاهر بن الحسين التي يقول فيها بعض الشعراء: # عجبت لحراقة ابن الحسين # لا ~~غرقت، كيف لا تغرق # وبحران: من فوقها واحد # وآخر من ~~تحتها مطبق؟ # وأعجب من ذاك أعوادها # وقد مسها ~~كيف لا تورق؟ # أما الطرائد، # 19 # فهي السفن التي تحمل الخيل للأسطول، وأكثر ما يكون ~~فيها أربعون فرسا، والقراقير # 20 # فهي السفن الكبيرة التي تحمل الزاد والكراع والمتاع، ~~والفلائك والقوارب والشلنديات، # 21 # فهي من توابع الأسطول كالطرائد والقراقير. # أما عدد الأساطيل وآلاتها ومعداتها وأسلحتها، فهي الرماح والعصي ~~والتراس والزرد والدرق والخوذ والمنجنيقات والعرادات. # وقد رأيت الأندلسيين يستعملون في حروبهم البحرية النار ~~اليونانية، وهي مزيج من الكبريت وبعض الراتنجات والأدهان في شكل ~~سائل، يطلقونه من أسطوانة نحاسية مستطيلة يشدونها في ms55 مقدم ~~السفينة، فيقذفون منها السائل مشتعلا، أو يطلقونه بشكل كرات ~~مشتعلة، أو قطع من الكتان الملتوت بالنفط، فيقع على السفن فيحرقها ~~حرقا. ومن غريب هذه النار أنها تشتعل في الماء والهواء كالنفط. ~~وقد رأيتهم كذلك يستظهرون بالبارود الذي يسمونه «الثلج الهندي» - ~~ونحن لم نسمع بأمة من الأمم اهتدت إلى هذا «الثلج الهندي» ~~قبلهم # 22 ~~- ذلك إلى معدات أخرى لا أظنهم قد سبقوا إليها ~~أرانيها الأمير ابن رماحس في الشونة التي كنا نشاهد منها حركات ~~الأسطول، مثل التوابيت المعلقة فوق البروج، وهي صناديق كبيرة ~~مفتوحة من أعلاها يصعد إليها الرجال قبل استقبال العدو، فيقيمون ~~فيها للاستكشاف ومعهم حجارة صغيرة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق، ~~فيرمون العدو بها وهم مختبئون في هذه الصناديق، ومعهم عدا الحجارة ~~قوارير النفط وجرار النورة، وهي مسحوق ناعم مؤلف من الكلس والزرنيخ ~~يرمون به الأعداء في مراكبهم، فتعمي أبصارهم بغبارها، وقد تلتهب ~~فيهم التهابا. # وقد رأيتهم وهم يرمونهم أيضا بقدور الحيات والعقارب، وبقدور ~~الصابون اللين كي يزلقوا أقدامهم. ومن حيلهم التي يتخذونها وقاء ~~لهم من أعدائهم أنهم يحيطون المراكب بالجلود، أو اللبود المبلولة ~~بالخل والماء، أو الشب والنطرون؛ كي لا يفعل النفط فيها فعله، ومن ~~حيلهم أنهم يجعلون في مقدم المركب هناة كالفأس يسمونها اللجام؛ وهي ~~حديدة طويلة محددة الرأس ، وأسفلها مجوف كسنان الرمح، تدخل من ~~أسفلها في خشبة كالقناة بارزة في مقدم المركب يقال لها: «الأسطام»، ~~فيصير اللجام كأنه سنان رمح بارز في مقدم المركب، فيطعنون مركب ~~العدو به، فلا يلبث حتى ينخرق فينصب فيه الماء فيغرق، ومن تلك ~~الحيل أنهم إذا جن الليل لا يشعلون في مراكبهم نارا، ولا يتركون ~~فيها ديكا، وقد يسدلون على المراكب قلوعا زرقاء، فلا يرى العدو ~~مراكبهم التي يشبه لونها لون الماء أو السماء. فسبحان الملهم من ~~يشاء ما يشاء، ويخلق ما لا تعلمون، لا إله غيره. # أما رئاسة الأساطيل فقد جعلوا على كل أسطول قائدا ورئيسا؛ ~~فالقائد يدبر أمر سلاحه وحربه ومقاتلته، والرئيس يدبر أمر جريه ~~بالريح أو المجازيف، ms56 ومعرفة مسالك البحر وطرقه بواسطة ~~الرهنامج # 23 # وبيت الإبرة، التي هي من مبتكراتهم ولم يسبقهم إليها ~~سابق فيما علمنا. أما النظر في الأساطيل كلها، فيرجع إلى أمير واحد ~~من أعلى طبقات المملكة يلقبونه أمير البحر أو أمير الماء. # وبعد أن أقمنا في المرية ثلاثة أيام بلياليها، تحملنا منها ~~في ركب فخم نبيل موف على الغاية في الأبهة والروعة والجلال، ~~قاصدين إلى قرطبة حضرة هذه البلاد، وكان في طليعة الركب أمير البحر ~~عبد الرحمن بن رماحس؛ إذ أمره سيدي الحكم ابن أمير المؤمنين ~~عبد الرحمن الناصر وولي عهده - كما أسلفنا - أن يتلقانا في وفد ~~من وجوه الأندلسيين، ويجيء معنا إلى قرطبة مبالغة من الأمير - ~~حفظه الله - في الاحتفاء بنا، وبأبي علي القالي البغدادي، وبأبي ~~عبد الله الصقلي الفيلسوف الذي وصل إلى المرية قبل انفصالنا ~~عنها، وكان في الركب من الأندلسيين الرمادي الشاعر، وأبو بكر بن ~~القوطية، وأبو بكر الزبيدي، وكثير من أدباء الأندلس ~~وأعيانها. # وقد بهرنا وسحر أعيننا وملك علينا ألبابنا ما رأيناه في طريقنا ~~من استبحار العمران في هذا القطر الأندلسي؛ فقد كنا نمر في اليوم ~~الواحد بثلاث مدن وأربع، وفي حيثما سرنا نرى الحوانيت في الأودية ~~ورءوس الجبال؛ لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وما إلى ~~ذلك من ضروب الأطعمة، وكنا نتعثر تعثرا بالجداول والأنهار تحفها ~~البساتين وصنوف الزرع والنجوم والأشجار؛ حتى لظننا أنه ليس في هذه ~~البلاد صحراء مقفرة أو أرض غامرة. # يا أهل أندلس لله دركم # ماء وظل ~~وأنهار وأشجار # ما جنة الخلد إلا في دياركم # ولو ~~تخيرت هذا كنت أختار # لا تختشوا بعد ذا أن تدخلوا ~~سقرا # فليس تدخل بعد الجنة ~~النار # أما القرى والمعاقل والحصون فإنها لا تحصى كثرة، وقراها جميلة ~~لتأنق أهلها في أوضاعها وتبييضها؛ لئلا تنبو العين عنها. # لاحت قراها بين خضرة ~~أيكها # كالدر بين زبرجد ~~مكنون # وأكثر مدنها مسور من أجل ~~الاستعداد للعدو، وفي مدنها لذلك ما يبقى في محاربة العدو ما يربي ~~على عشرين سنة؛ لامتناع معاقلها، ودربة أهلها على الحرب. ms57 # وكنا في طريقنا نتذاكر الأدب، ونتناشد الأشعار، ونخوض في ضروب من ~~الحديث، لا علينا إذا نحن أوردنا شيئا منها في هذه الرسالة؛ فمن ~~ذلك أن أبا علي قال من كلمة له: «لما مررت بالقيروان وأنا أعتبر ~~من أمر به من أهل الأمصار، فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم ~~بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، كأن منازلهم من العلم ~~محاصة ومقايسة، فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير ما رأيت في ~~أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم؛ فسأحتاج إلى ترجمان في هذه ~~الأوطان، ولكن لما جئت إلى هنا قضيت عجبا من أهل هذا الأفق ~~الأندلسي في ذكائهم.» # 24 # ومن ثم كنا نراه # 25 # يتغطى عن الأندلسيين عند المباحثة والمناظرة ويقول ~~لهم: «إن علمي علم رواية وليس علم دراية، فخذوا عني ما نقلت؛ فلم ~~آل لكم أن صححت.» # 26 # ثم فرط منه قول ذهب فيه إلى تفضيل شعراء المشرق على ~~شعراء المغرب، فانتدب له أحد الأدباء ممن كانوا في هذا الركب، ~~وقال: «إن أهل الأندلس أشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم، ~~وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والطيور والكئوس، لا ينازعهم ~~أحد في هذا الشان. أما إذا ذهب نسم، ودار كأس في كف ظبي رخيم، ~~ورجع بم وزير. # 27 # وصفق للماء خرير، أورقت العشية، وخلعت السحب أبرادها الفضية ~~والذهبية، أو تبسم عن شعاع ثغر نهر، أو ترقرق بطل جفن زهر، أو خفق ~~بارق، أو وصل طيف طارق، أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح، ~~وبات مع من يهواه كالماء والراح، إلى أن ودع حين أقبل رائد الصباح، ~~أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها، أو قوضت عند فيض نهر الصباح ~~بيض مضاربها، فأولئك هم السابقون السابقون، الذين لا يجارون ولا ~~يلحقون، وليسوا بالمقصرين في الوصف إذا تقعقعت السلاح، وسالت خلجان ~~الصوارم بين قضبان الرماح، وبنت الحرب من العجاج سماء، وأطلعت شبه ~~النجوم أسنة، وأجرت شبه الشفق دماء. وبالجملة فإنهم في جميع ~~الأوصاف والتخيلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في ms58 هذا الشأن فضلهم ~~فيه على أصناف الأمة.» فقال أبو علي: # 28 # نعم، وفي الحق ما تقول؛ بيد أن شعراء المشرق، فضلا أن ~~شعرهم أصفى ديباجة، وأكثر ماء وطلاوة، وأسد مسلكا، وأوضح منهجا، ~~وأشكل في مبناه بالشعر القديم حتى لا يكاد يشذ عنه قيد شعرة، ~~وفضلا أنه في الأعم الأغلب رصين متماسك جزل قوي غير مهلهل النسج؛ ~~تراهم مع ذلك ذهبوا به كل مذهب من القول، وأفتنوا في مناحيه أيما ~~افتنان، وغاصوا على المعاني غوصا حتى بلغوا في ذلك المبالغ، ~~ووصلوا إلى الغاية التي لا وراءها. # وإني لا أظن أن لعلي بن العباس الرومي أو بشار بن برد أو أبي ~~نواس أشباها ونظائر في هذه البلاد، على أني مع ذلك لست أنكر على ~~الأندلسيين ذكاءهم وتوقدهم، وأنهم - كما رأيت وكما وصفوا لي - ~~«عرب في العزة والأنفة، وعلو الهمة، وفصاحة الألسن، وإباء الضيم، ~~والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع والاستخذاء، هنديون في ~~فرط عنايتهم بالعلوم ورغبتهم فيها وضبطهم لها، بغداديون في نظافتهم ~~وظرفهم، ورقة أخلاقهم، وذكائهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، ~~ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه، ومعاناتهم لضروب ~~الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وتدبيرهم لتركيب الشجر، ~~وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر، وصنوف الزهر، صينيون في إتقان ~~الصنائع العملية، وإحكام المهن الصورية، تركيون في معاناة الحروب، ~~والحذق بالفروسية، والبصر بالطعن والضرب.» # كبرت حول ديارهم لما ~~بدت # منها الشموس وليس فيها ~~المشرق ~~••• # ولو أبصروا ليلى أقروا ~~بحسنها # وقالوا بأني في الثناء ~~مقصر # وهنا انبعث أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف وقال ما تلخيصه: الذي ~~أراه أن شعراء كل قطر من الأقطار أو جيل من الأجيال لا بد من أن ~~يتأثروا بالمحيط الذي يحيط بهم، وأن يصطبغ شعرهم بصبغة ما يرون ~~ويحسون من حولهم؛ فالشاعر الجاهلي أو المتبدي في الجاهلية ~~والإسلام الذي لا تقع عينه إلا على صحراء مقفرة، أو سماء ماطرة، أو ~~وحش كاسر، أو غزال نافر، لم ير ريفا، ولم تغذه رقة الحضر، ولم ~~يشبع من طعام، قد خالط الغيلان، وأنس بالجان، وأوى القفر واليرابيع ms59 ~~والظباء، فإنه حري أن لا يقول إلا في جنس ما هو بسبيله من وصف ~~البيد والمهامه والظبي والظليم والناقة والجمل وما إلى ذلك، في قول ~~مونق مشرق واضح الطريقة، لا تعمل فيه ولا كلفة، يوائم أمزجتهم ~~وطبائعهم، ويلائم المحيط الذي فيه عاشوا، والجو الذي فيه درجوا، ~~والفطرة الأولى التي فطروا عليها، والسذاجة التي هي من خاص صفاتهم. ~~وقد يكون لهم مع ذلك الحكمة البارعة، والكلمة الرائعة، والمثل ~~السائر، والموعظة الحسنة مما يبهر أعرق المتحضرين، ويصيب منهم أقصى ~~غايات الإعجاب والإكبار، ولكنه الوحي والإلهام الذي تلهمه الفطرة ~~القوية النقية البريئة، ويؤتي الطبيعة الكريمة ما يؤتي سهوا ~~رهوا، وليس هو بنتاج العقل المسموع، ولا بثمار الملكات ~~المكتسبة. # وبعد، فأما المولدون - وهم ~~الذين تصح المفاضلة بينهم وبين شعراء المغرب؛ لأنهم جميعا تحضروا ~~وعاشوا في رونق النعيم، واعتركوا بالدنيا واعتركت بهم - فالرأي ~~عندي أن يقال: إن الشعر لفظ ومعنى، فأما اللفظ فإن شعراء المشرق - ~~لأن أكثرهم جاور الأعراب وأهل البادية، ولقنوا اللغة منهم، ~~والتصقوا بهم، ونشئوا في أحضانهم، وغذوا بلبانهم - ترى لهم ~~الألفاظ المتخيرة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك ~~الجيد، وكل كلام له ماء ورونق، وترى شعرهم رصينا متسقا على ~~استواء واحد، لا يتدافع من جهاته، ولا يتعارض من جوانبه، ولا يجمح ~~ولا يشتط، ولا يأتيه الضعف والهلهلة والاسترخاء من أية ناحية من ~~نواحيه. وأما المعنى، فإن فحولة شعراء المشرق الذين افتنوا في ~~المعاني افتنانا، وغاصوا عليها وأمعنوا حتى ظفروا بكل معنى عجيب ~~يعمر الصدر، ويذكي الروح، ويشع في دنا العقل، فتنجاب له ظلمته، ~~وتنير نواحيه، وتنفتح مغالقه؛ مثل بشار بن برد، وأبي نواس، وابن ~~الرومي، وهذه الطبقة؛ فهم إنما بلغوا هذه الدرجة لأنهم من الموالي ~~أبناء تلك الأمم الحمراء الذين امترسوا بالحضارة قبل العرب ~~امتراسا، وعالجوها وعالجتهم، وداوروا صنوفها من الصناعات والعلوم ~~وما إليها، وصرفوا فيها أعنة الفكر، وقدحوا لها زناد الرأي، وهلم ~~حتى أنمى ذلك على كر الغداة ومر العشي عقولهم، وشحذ أذهانهم، ~~وأذكى أرواحهم، وأكسبهم ملكات عبقرية عجيبة، فورث ذلك منهم ms60 ~~أبناؤهم، وانحدر مع دمائهم، وكان منهم هذا النبوغ الذي نرى آثاره ~~في السلام. # وما كاد أبو عبد الله يتم قولته تلك حتى صاح أبو بكر ابن القوطية ~~وقال: أشيخنا شعوبي؟ # 29 # فقال أبو عبد الله: إني وإن كنت لا أرى لعربي فضلا ~~على أعجمي إلا بالتقوى، وأن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ~~ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم، وشرف أنفسهم، وبعد ~~هممهم؛ فمن كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف، وإن كان من ~~بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، وقيس في أشرف بطن منها؛ ~~ومن ثم يقول الله جل شأنه: # إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير ~~، ويقول رسول الله في خطبة الوداع: «أيها ~~الناس، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ كلكم ~~لآدم، وآدم من تراب. ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.» فإني مع ~~هذا أقول ما قاله ابن المقفع وقد سأل جماعة من أشراف العرب: أي ~~الأمم أعقل؟ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: لعله أراد أصله من فارس، ~~فقالوا: فارس، فقال: ليسوا ~~بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا ~~على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبطوا شيئا ~~بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم، قالوا: فالروم، قال: ~~أصحاب صنعة، قالوا: فالصين، قال: أصحاب طرفة، قالوا : الهند، قال: ~~أصحاب فلسفة، قالوا: السودان، قال: شر خلق الله، قالوا: الخزر، ~~قال: بقر سائمة، قالوا: فقل، قال: العرب، فضحكوا، فقال: «أما إني ~~ما أردت موافقتكم، ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلن يفوتني حظي من ~~المعرفة. إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت، ~~أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته، ويتفضل ~~بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله، فيكون قدوة، ~~ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما يشاء فيحسن، ويقبح ما يشاء ~~فيقبح، أدبتهم نفوسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم ~~وألسنتهم، فلم يزل حباء الله فيهم، وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع ~~لهم الفخر، وبلغ بهم ms61 أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على ~~الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم، ~~فقال: # إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين ~~، فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم حسر، ~~ودفع الحق باللسان أكبت للجنان.» # بيد أن العرب لم يكن لهم بادئ ذي بدء دراية بالحرف والصناعات، ~~وبالعلوم وتعلمها الذي هو في عداد الصناعات؛ وذلك لمكانهم من ~~البداوة ورسوخ أقدامهم فيها؛ ومن ثم كانت الشريعة الإسلامية - إذ ~~كان القوم أكثرهم أميين - تتناقل في صدورهم، وجرى الأمر ~~على ذلك أزمان الصحابة والتابعين، فلما بعد النقل من دولة الرشيد ~~فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية، وتقييد الحديث مخافة ~~ضياعه، ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة، وفسد مع ~~ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية، وصارت العلوم ~~الإسلامية ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع، ~~وهو معلوم أن الصنائع من منتحل الحضر، والعرب أبعد الناس عنها، ~~والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي، فكان ~~صاحب صناعة النحو سيبويه، ثم الفارسي من بعده، ثم الزجاج، وكلهم ~~عجم في أنسابهم، وكذا حملة الحديث وعلماء أصول الفقه وعلماء ~~الكلام والمفسرون، وأكثر فقهاء الأمصار؛ مثل الحسن بن أبي الحسن ~~ومحمد بن سيرين؛ فقيهي البصرة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد ~~بن جبير، وسليمان بن يسار؛ فقهاء مكة، وزيد بن أسلم، ومحمد بن ~~المنكدر، ونافع بن أبي نجيح؛ ~~فقهاء المدينة، وربيعة الرأي وابن أبي الزناد؛ فقهاء قباء، وطاوس ~~وابن منبه؛ فقيهي اليمن، وعطاء بن عبد الله؛ فقيه خراسان، ومكحول؛ ~~فقيه الشام، والحكم بن عتيبة وعمار بن أبي سليمان؛ فقيهي الكوفة، ~~وهلم. وبالجملة، لم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم، وظهر ~~بذلك مصداق قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم ~~من أهل فارس.» وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها، وخرجوا ~~إليها عن البداوة؛ فقد شغلتهم الرئاسة في الدولة وما دفعوا إليه ~~من القيام بالملك عن القيام بالعلم ms62 والنظر فيه، فإنهم أهل الدولة ~~وحاميتها وأولو سياستها، مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم ~~بما صار من جملة الصنائع، والرؤساء أبدا يستنكفون من الصنائع ~~والمهن وما يجر إليها، ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم ~~والمولدين، فكان امتراس العجم من القديم القديم بالحضارة وما ~~تستتبعه من العلوم والصنائع سببا في كيسهم وفطنتهم، ونماء ~~عقولهم، ورجحان أحلامهم، ومران ملكاتهم على الاستنباط والتخريج، ~~والتماس الحيل وتوليد المعاني؛ ومن ثم كان شعر الموالي منمازا ~~عن شعر العرب الأقحاح باستفتاح إغلاق المعاني الدقيقة العبقريات، ~~والافتنان بها، وتلوينها بكل لون، وهاك شعر بشار، وأبي نواس، ~~ومروان بن أبي حفصة، وابن الرومي، ومن إليهم من الشعراء الموالي؛ ~~تر الشاهد الصدق لما أقول، وعرب الأندلس منذ فتحهم هذه ~~البلاد إلى وقتنا هذا لا تزال نزعتهم عربية في كل شيء؛ حتى في ~~شعرهم، إلا ما أكسبتهم إياه طبيعة بلادهم وخصوبتها، فمن ثم كان ~~فرق ما بين شعرهم وشعر المشارقة في الجملة. # وبعد أن أتم أبو عبد الله كلامه أفضى بنا الحديث إلى ذكر الغزال؛ ~~الشاعر الأندلسي الظريف، وملحه ونوادره، وهذا الغزال - كما ~~أخبرنا ابن القوطية - هو يحيى بن حكم البكري الجياني الملقب ~~بالغزال لجماله، وقد كان في المائة الثالثة من بني بكر بن وائل، ~~وكان حكيما شاعرا عرافا، وكان آية في الظرف وخفة الروح، ~~وجهه الأمير عبد الله بن الحكم المرواني إلى ملك الروم، فأعجبه ~~حديثه وخف على قلبه، وطلب منه أن ينادمه، فتأبى ذلك واعتذر عنه ~~بتحريم الخمر. وكان يوما جالسا معه، وإذا بزوجة الملك قد خرجت ~~وعليها زينتها وهي كالشمس الطالعة حسنا، فجعل الغزال لا يميل ~~طرفه عنها، وجعل الملك يحدثه وهو لاه عن حديثه، فأنكر ذلك عليه ~~وأمر الترجمان بسؤاله، فقال له: عرفه أني قد بهرني من حسن ~~الملكة ما قطعني عن حديثه، فإني لم أر قط مثلها، وأخذ في وصفها، ~~والتعجب من جمالها، وأنها شوقته إلى الحور العين، ~~فلما ذكر الترجمان ذلك للملك ~~تزايدت حظوته عنده، وسرت الملكة بقوله، وأمرت الترجمان ms63 أن يسأله ~~عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان وتجشم المكروه فيه مع ~~خلوه من الفائدة، فقال للترجمان: عرفها أن فيه أكبر فائدة؛ ~~وذلك أن الغصن إذا زبر قوي واشتد وغلظ، وما دام لا يفعل به ذلك ~~فإنه يبقى رقيقا ضعيفا، فضحكت واستظرفته. ومن نوادره أنه أرسل ~~مرة سفيرا إلى بلاد المجوس (أسوج ونروج) وقد قارب الخمسين، وقد ~~وخطه الشيب، ولكنه كان مجتمع الأشد، فسألته زوجة الملك يوما ~~عن سنه، فقال مداعبا لها: عشرون، فقالت: وما هذا الشيب؟ فقال: ~~وما تنكرين من هذا؟ ألم تري قط مهرا ينتج وهو أشهب؟ فأعجبت ~~بقوله، فقال في ذلك - واسم الملكة تود: # كلفت يا قلبي هوى ~~متعبا # غالبت منه الضيغم ~~الأغلبا # إني تعلقت مجوسية # تأبى لشمس ~~الحسن أن تغربا # أقصى بلاد الله في حيث ~~لا # يلفي إليه ذاهب ~~مذهبا # يا تود يا ورد الشباب الذي # تطلع ~~من أزرارها الكوكبا # يا بأبي الشخص الذي لا أرى # أحلى ~~على قلبي ولا أعذبا # إن قلت يوما: إن عيني ~~رأت # مشبهه لم أعد أن ~~أكذبا # قالت: أرى فوديه قد ~~نورا # دعابة توجب أن ~~أدعبا # قلت لها: ما باله إنه # قد ينتج ~~المهر كذا أشهبا # فاستضحكت عجبا بقولي لها # وإنما ~~قلت لكي تعجبا # ولما فهمها الترجمان شعر الغزال ضحكت وأمرته بالخضاب، فغدا ~~عليها وقد اختضب وقال: # بكرت تحسن لي سواد ~~خضابي # فكأن ذاك أعادني ~~لشبابي # ما الشيب عندي والخضاب ~~لواصف # إلا كشمس جللت ~~بضباب # تخفى قليلا ثم يقشعها ~~الصبا # فيصير ما استترت به ~~لذهاب # لا تنكري وضح المشيب فإنما # هو ~~زهرة الأفهام والألباب # فلدي ما تهوين من زهر ~~الصبا # وطلاوة الأخلاق ~~والآداب # ومن شعر الغزال الهين اللين الذي يرتفع له حجاب السمع، ويوطأ له ~~مهاد الطبع - كما يقولون - قوله: # قالت: أحبك، قلت: كاذبة # غري ~~بذا من ليس ينتقد # هذا كلام لست أقبله # الشيخ ليس ~~يحبه أحد # سيان قولك ذا وقولك # إن الريح ~~نعقدها فتنعقد # أو أن تقولي: النار باردة # أو أن ~~تقولي: الماء يتقد # وقوله: # لا ومن أعمل المطايا ms64 إليه # كل من ~~يرتجي إليه نصيبا # ما أرى ها هنا من الناس ~~إلا # ثعلبا يطلب الدجاج ~~وذيبا # أو شبيها بالقط ألقى بعيني # ه ~~إلى فارة يريد الوثوبا # وحدثنا أبو بكر بن القوطية قال: كان عباس بن ناصح الثقفي؛ قاضي ~~الجزيرة الخضراء، يغدو على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها، فمرت بهم ~~يوما قصيدته التي أولها: # لعمرك ما البلوى بعار ولا ~~العدم # إذا المرء لم يعدم تقى الله ~~والكرم # حتى مر بهم قوله: # تجاف عن الدنيا فما ~~لمعجز # ولا عاجز إلا الذي خط ~~بالقلم # وكان الغزال إذ ذاك في الحلقة، وكان حدثا نظاما متأدبا متوقد ~~القريحة فقال: أيها الشيخ، ما الذي يصنع مفعل مع فاعل؟ فقال: كيف ~~تقول؟ فقال: كنت أقول: فليس لعاجز ولا حازم، فقال له عباس: والله، ~~يا بني، لقد طلبها عمك فما وجدها. ~~(تمت هذه الرسالة.) # وقد كتبت في قرطبة بقصر سيدي الحكم ولي عهد المسلمين، وابن ~~مولانا عبد الرحمن الناصر؛ أمير المؤمنين، وذلك في شهر أغشت الرومي ~~سنة ست وخمسين وتسعمائة، الموافقة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ~~هجرية. # | هوامش ms65