######OpenITI# #META# URI: 1363CumarTusun.MisrWaSudan.Hindawi95849508 #META# Tags: history #META# ID: 95849508 #META# Title: مصر والسودان #META# AuthorID: 48305702 #META# Author: عمر طوسون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - مصر والسودان والمفاوضات‏ # 2 - مذكرة عن مركز الإنجليز في السودان‏ # 3 - وجاء في آخر كتاب سموه عن المالية المصرية‏ # 4 - كتاب من حضرة صاحب السمو الأمير إلى صاحب الدولة رئيس لجنة الدستور ~~العمومية‏ # 1 - مصر والسودان والمفاوضات‏ # 2 - مذكرة عن مركز الإنجليز في السودان‏ # 3 - وجاء في آخر كتاب سموه عن المالية المصرية‏ # 4 - كتاب من حضرة صاحب السمو الأمير إلى صاحب الدولة رئيس لجنة الدستور ~~العمومية‏ # | مصر والسودان # | مصر والسودان # تأليف # عمر طوسون # الفصل الأول # | مصر والسودان والمفاوضات # في السودان منابع النيل والجزء الأكبر من مجراه، وقد عاشت مصر بدون السودان أيام أن كان ~~المتحكمون فيه قوما من الهمج، ليس عندهم معارف أوروبة ولا أغراضها الاستعمارية، ولا في ~~إمكانهم حرمان مصر، أو نقص حظها من هذا النهر الذي كان يجري على طبيعته، فيفيض على هذا الوادي ~~الخصب والخير. فمصر - كما قال هيرودوت - هبة النيل، ولولاه لكانت هي وصحراء لوبية في القحولة ~~والجدب سواء. # وقد دام الاتصال بينها وبين السودان منذ أقدم عصور التاريخ إلى زمن محمد علي. فلما أحس ~~- رحمه الله - مطامع الأوروبيين وتطلعهم إلى استعمار القارة السوداء، خاف أن يكون من وراء ~~ذلك ضرر يلحق بلاده، فصمم على فتح السودان؛ حتى لا تتحكم في منابع النيل يد أجنبية يكون في ~~قبضتها موت مصر وحياتها، بعدما علم أن مصر من السودان والسودان من مصر جزء لا ~~يتجزأ. # قال المرحوم فوزي باشا في كتابه «السودان بين يدي غوردون» ما نصه: # قضى ~~ساكن الجنان محمد علي باشا محيي الديار المصرية لبانتين من فتح السودان، بل تخلص من ~~ورطتين كبيرتين؛ فقد علمت من شيخ ذي منصب معاصر لمحمد علي باشا، أن دولة أوروبية كانت ~~تسعى لمعارضته باحتلال منابع النيل، فاهتم لهذا الخبر أكبر اهتمام، واستشار كثيرا من ~~المهندسين الأوروبيين الذين جاء بهم من بلادهم إلى هذا القطر، فأقروا بالإجماع على أن ~~وقوع منابع النيل تحت براثن هذه الدولة مما لا تحمد مغبته، حيث تصير حياة مصر في ~~يدها، فصمم على إنفاذ ms01 حملة إلى السودان إلخ ... ا.ه. # فإن تركنا السودان أو تهاونا في أمره، وقعنا في المحظور الذي فر منه محمد علي، وألقينا ~~بأيدينا إلى التهلكة. # والضرر من التهاون في السودان محقق لا ريب فيه؛ إذ ليس لاستقلالنا داخلا وخارجا أدنى ~~قيمة في المستقبل إذا كان زمام النيل في قبضة يد غير مصرية، فالسودان هو الرأس الذي إذا بتر ~~تكون مصر بعده جثة هامدة، ولا نبالغ إذا قلنا: إنه ألزم لنا من نفس مصر، حتى إننا لنرضى أن ~~يحكمنا السودانيون ولا ينفصلوا عنا. # وحدود السودان جنوبا وصلت في زمن الخديو إسماعيل إلى بحيرة فيكتوريا نيانزا؛ ففي سنة ~~1870م أرسل حملة عسكرية لفتح مديرية خط الاستواء تحت قيادة السير صمويل بيكر، فقامت بمهمتها ~~ووضعت نقطا عسكرية على مجرى النيل، كانت آخر نقطة منها جهة فويره بين بحيرتي ألبيرت نيانزا ~~وفيكتوريا نيانزا. # وفي سنة 1874م أرسل الجنرال غوردون مديرا لمديرية خط الاستواء خلفا للسير صمويل بيكر، ~~فأوصل النقط العسكرية إلى بحيرة فيكتوريا نيانزا، حتى كانت آخر نقطة عسكرية مصرية ~~جنوبا شلالات ريبون عند منبع النيل من تلك البحيرة، فخفق العلم المصري هناك، وكان أول علم ~~رسمي لحكومة منتظمة خفق على هذه الأنحاء القصية منذ خلقت، ودخل النيل فعلا من منبعه إلى ~~مصبه في حوزة مصر. # ولما ثبتت قدم غوردون في تلك الأنحاء، أرسل رئيس أركان حربه الكولونيل شاليه لونج ~~الأمريكي إلى أمتيسه ملك أوغانده، فعقد معه اتفاقا في أواخر سنة 1874م، دخلت به هذه المملكة ~~تحت حماية الحكومة المصرية، وكان شريف باشا وقتئذ ناظرا للخارجية المصرية، فأرسل في سنة ~~1875م إلى عموم الوكلاء السياسيين للدول الأجنبية في القطر المصري، بلاغا يعلنهم فيه بانضمام ~~تلك النواحي إلى الحكومة المصرية، وكان من بينهم طبعا وكيل إنجلترا السياسي. وبقيت هذه ~~البلاد معدودة من توابع مصر إلى سنة 1889م، حيث أمر استانلي باسم الحكومة المصرية مدير خط ~~الاستواء وقتئذ - وهو أمين باشا - بالجلاء عن المديرية المذكورة والتخلي عنها. فتخلى عنها ~~هو وجنوده بإرغام الحكومة الإنجليزية للحكومة المصرية ليصفو ms02 الجو لها هناك، وبالفعل لم ~~تلبث إنجلترا حتى أعلنت حمايتها على أوغانده في سنة 1890م. # فحكم الجلاء عن هذه البقعة كحكم جلاء المصريين عن باقي السودان، عمل تم تحت ضغط ~~الحكومة الإنجليزية، وهي قابضة على أزمة الأحكام في القطر المصري لمآرب لها ظهرت بعد هذا ~~الجلاء بسنة واحدة، حيث احتلت تلك البلاد وأعلنت حمايتها عليها. # وليس لعمل إنجلترا قيمة بجانب حقوق الفتح التي لمصر على هذه البلاد، ومع هذا فلا تزال هذه ~~المنطقة من اللادو جنوبا إلى بحيرة فيكتوريا نيانزا، تحت إدارة وزارة المستعمرات الإنجليزية ~~مباشرة، وليست داخلة حتى ضمن حكومة السودان المشتركة اسما بينهم وبين مصر. # وإذا أدرك المصريون القيمة التي لهذه النقطة وارتباطها بحياتهم، علموا أنها أهم من الدلتا ~~وفضلوها عليها، ولم يسعهم أن يغفلوا عن المطالبة بحقوقهم فيها، واعتبارها جزءا غير قابل ~~للانفصال عن السودان المصري، الذي هو جزء من الديار المصرية لا يتجزأ. ~~(1) بطلان حجة تأجيل المفاوضة في شأن السودان # أرجئت المفاوضة في مسألة السودان سنة 1920م لسببين: # الأول: # اتفاقية سنة 1899م. # الثاني: # اعتراف تركيا بتلك الاتفاقية. ~~(1-1) أما اتفاقية سنة 1899م # فهي باطلة بالبراهين الآتية: ~~(1) # لأنها مبنية على الفتح، وهذا أساس غير صحيح؛ لأن الفتح لم يحصل إلا باسم ~~مصر فقط، والدليل على ذلك أن مارشان عندما احتل فاشودة وتوجه كتشنر إليها، ~~واحتل نقطة أمام النقطة المحتلة من الفرنسيين، لم يرفع إلا العلم المصري فقط ~~أمام العلم الفرنسي، وفي هذه الحالة كان ل كتشنر صفتان: إحداهما أنه قائد مصري، ~~وثانيتهما أنه قائد إنجليزي؛ لأن الحامية الإنجليزية التي في السودان كانت ~~تحت قيادته، وجزء من تلك الحامية كان في فاشودة، وقد أدى التعظيم الواجب ~~عندما رفع العلم المصري وحده أمام العلم الفرنسي. # وحيث أن هذه الحادثة كانت خاتمة الأعمال الحربية في تلك البلاد، ~~وتعتبر تتويجا لها، فرفع العلم المصري وحده وتأدية الجنود الإنجليزية له ~~التحية العسكرية، هو اعتراف صريح من إنجلترا أمام دولة أجنبية بأن الفتح لم ~~يحصل إلا باسم مصر فقط، وإلا فلو كان بالاشتراك ms03 لرفع العلم الإنجليزي ~~بجانب العلم المصري. # وأما مساعدة الحامية الإنجليزية في فتح السودان، فلا يعتبر إلا من باب ~~مساعدة الوصي لمحجوره في رد جزء من أملاكه فقد بسوء تصرفاته؛ إذ لو اتبع ~~رأي عبد القادر باشا ولم يرسل الجيش المصري في داخل كردفان كما رأى هكس باشا، ~~لما هلك الجيش ولما ضاع السودان. ~~(2) # لأنها تشبه العقد الذي يعقد بين الوصي ومحجوره، ويجر منفعة لهذا ~~الوصي. ~~(1-2) وأما اعتراف تركيا # فهذا الاعتراف لا قيمة له أبدا بالبراهين الآتية: ~~(1) # أن إعلان الحماية على مصر أزال السيادة التركية عنها، ابتداء من ~~ديسمبر سنة 1914م، وتعتبر غير موجودة في وقت عمل التنازل. ~~(2) # أن الحكومة التركية اعترفت باستقلال مصر استقلالا تاما، وجعلت ~~لها حرية تقرير مصيرها السياسي، وهذا القرار صدق عليه من مجلس المبعوثين قبل ~~إمضاء معاهدة سيفر. ~~(3) # أن معاهدة سيفر التي اعترفت فيها تركيا بحماية الإنجليز لمصر، إنما ~~وقعها ممثلو الحكومة التركية مرغمين، وفضلا عن هذا فإن الشعب العثماني ~~معارض فيها أشد المعارضة، وهي مع هذا لم تحز تصديق مجلس المبعوثين، ولم ~~تعترف بها بعض الدول إلى الآن. # وحيث إن السيادة لا وجود لها، فإن الاعتراف من تركيا لا قيمة له أبدا؛ لأنها بذلك ~~تقرر حقا لغيرها في بلد لا تملكه، ولم نفهم معنى السكوت عن المسألة السودانية بمجرد ~~إظهار إنجلترا لهذا الاعتراف من الحكومة التركية؛ لأن تركيا اعترفت أيضا بالحماية ~~الإنجليزية على مصر، وهذا لم يمنع المعارضة لها والمفاوضة في المسألة ~~المصرية. # الفصل الثاني # | مذكرة عن مركز الإنجليز في السودان # أرسلت إلى جريدة التيمس ولم تنشرها، فنشرت في جرائد مصر في 2 سبتمبر سنة ~~1924م. ~~*** # لما رأينا صحف إنجلترا تتعمد تشويه الحقائق فيما تكتبه عن السودان، وعن مركز الإنجليز ~~في ذلك القطر من وادي النيل؛ كتبنا إلى جريدة التيمس رسالة نبسط فيها للرأي العام البريطاني ~~حقائق المسألة السودانية، كما يسجلها التاريخ الصحيح ويعرفها ذوو الاطلاع. # ولقد تلقينا من رئيس تحرير تلك الجريدة كتابا يقول فيه إنه سيحتفظ بمقالنا بقصد الرجوع ~~إليه عند الكتابة ms04 في مسألة السودان. وهذا بالطبع معناه عدم الرغبة في نشر ذلك المقال. # وحيث إن أحوال السودان لا تزال تشغل الأفكار في هذا القطر، فقد رأينا أن نرسل ترجمة ~~المقال المذكور إلى الصحف المصرية، وهذا معربه بعد الديباجة. ~~(1) المقال # لمناسبة الأحوال السياسية الحاضرة في وادي النيل، وما تبديه صحف لندن من مختلف الآراء ~~بشأن السودان، أود أن ألفت الرأي العام البريطاني - ~~بواسطة جريدتكم إذا أذنتم - إلى الوقائع الآتية: لما وقعت حادثة مارشان الشهيرة في السودان، كان الإنجليز يقولون إن السودان لمصر ومن ~~مصر، ثم ادعوا أنهم شركاء فيه بإرادة مصر، فلما أعلنت مصر بطلان هذه الشركة قالوا ~~إنهم ساعدوا على استرجاعه، ولولاهم لما تم هذا الاسترجاع. # ولما كانت إعانتهم لمصر في استرجاع السودان قد حصلت فعلا، أردنا هنا أن نبين ~~للقارئ أنهم هم الذين كانوا السبب في ضياعه، وأنها وإن كانوا أعانوها على استرجاعه قد كانت ~~في غير حاجة إلى هذه الإعانة، وإلى القارئ الأدلة: ~~(1) # أن مصر فتحت السودان وحدها سنة 1820م، وبقيت سلطتها فيه قائمة لم يعتورها ~~ضعف ولا وهن إلى سنة 1881م، والسودان يومئذ آهل بسكانه زاخر برؤسائه وملوكه، ~~فمن قدر على فتحه في هذه الحال، وعلى حفظ نفوذه وسلطانه عليه 62 سنة، فلا شك أنه ~~يكون قادرا على استرجاعه بدون مساعد. ~~(2) # أن الثورة العرابية ابتدأت في مصر في 6 فبراير سنة 1881م، وابتدأت الثورة ~~المهدية في السودان في 12 أغسطس سنة 1881م أيضا، كأنما الثورتان كانتا على ميعاد، ~~فلما اختل الأصل - وهو مصر - اختل الفرع - وهو السودان - ومن سوء الحظ أن ~~حكمدار السودان وقتئذ كان رءوفا باشا، وهو رجل خلو من الكفاءة والتدبير؛ إذ لو ~~كان على شيء منهما لقضى على ثورة المهدي في السودان في إبانها. فقد أبلغه رئيس ~~كبير موثوق به - وهو السيد محمد الشريف أكبر مشايخ الطرق في السودان - أمر هذا ~~المدعي، وحذره عاقبة الإهمال، فلم يأبه لقوله، ولم يستيقظ من سباته! حتى ~~أرسل إليه هذا المفتون كتابا يدعوه فيه إلى الدخول في شيعته والإيمان ms05 به، وبدلا ~~من أن يرسل إليه عقب ذلك من يقبض عليه في الحال، أرسل من ينصح له، فرده خائبا، ~~ثم بعد لأي وتردد أرسل إليه تجريدة صغيرة أوقع بها المهدي، وهزمها شر هزيمة، ~~فكان هذا أول وهن أصاب هيبة الحكومة في السودان؛ فقد انتشر خبر هذه الواقعة في ~~جميع أنحائه، وتناقل الرواة حديثها بغلو كبير، وعدتها العامة من المعجزات التي ~~تدل على صدق محمد أحمد في دعوى المهدية، ثم جرد عليه تجريدات أخرى كان نصيبها ~~نصيب الأولى، فانحطت كرامة الحكومة في عيون أهل السودان، وصدقوا دعوى ~~المهدي. # ولما بلغت هذه الأخبار السيئة الحكومة عينت عبد القادر حلمي باشا بدلا من ~~رءوف باشا، وحسنا فعلت؛ فإن هذا الحكمدار الجديد أظهر همة عالية وكفاءة نادرة ~~في قمع الثورة بعدما استطار شرارها واستفحل أمرها، وكان قد طلب من الحكومة عشرة ~~آلاف جندي، ولما لم تجبه إلى طلبه لارتباكها بالثورة العرابية، جند من ~~أهالي السودان جيشا صغيرا دربه بنفسه، وضم إليه ست أورط كانت في السودان ~~الشرقي، وحمل بهذا الجيش الصغير على الثوار، فقهرهم وشتت شملهم، ورفع الحصار عن ~~حامية سنار، فهدأت الحال، وخمدت جذوة الثورة، ولم يبق في يد المهدي سوى مديرية ~~واحدة هي مديرية كردفان، ولا من أتباعه العصاة في النواحي سوى نفر قليل في الجزيرة ~~بقيادة زعيم لهم يدعى أحمد المكاشف. # فأنت ترى أن عبد القادر حلمي باشا بجيشه الصغير استرجع السودان أو كاد، ولو ~~أرسل إليه الجيش الذي أرسل إلى هكس، لتم على يديه استرجاع السودان بدون عناء، ~~ولكن عندما وصلت هذه الأخبار السارة إلى مصر، وكان ذلك في أوائل سنة 1883م وقد ~~احتلها الإنجليز، وأصبح في يدهم تصريف أمورها؛ صدرت الأوامر بعزل عبد القادر باشا ~~لهذا السبب المقلوب، في الوقت الذي قال في حقه المهدي في إحدى خطبه: ليس بين رجال ~~الحكومة التي أناوئها رجل كعبد القادر، كثير الدهاء والحيل مع الشجاعة؛ مما يجعلني ~~أضرع إلى الله أن يكفيني وأصحابي شره. وإنني أحتم على كل المؤمنين الذين دخلوا ~~في ms06 دعوتي أن يجتنبوا القيام في الجزيرة بأي مشاغبة تضطرهم إلى الوقوف في ساحات ~~الحرب مع عبد القادر باشا، وأوصيهم بكتمان دعوتي وعدم الظهور بها في الجزيرة ما ~~دام عبد القادر باشا متوليا على السودان، وليواظب كل أصحابي على رفع أصواتهم ~~بعد كل صلاة بهذه الدعوة: «اللهم يا قوي يا قادر، اكفنا شر عبد القادر.» # وقد كتب عبد القادر باشا بعد عودته من الخرطوم تقريرا وافيا للحكومة بما يجب ~~عليها عمله، وملخصه: عدم تسيير حملة على المهدي في كردفان، والاكتفاء بإقامة ~~الحصون على حدودها، وحصر المهدي فيها حتى تنضب منها موارد اليسار القليلة التي لا ~~يمكن أن تقوم بنفقات الملتفين حوله، فلا يمضي زمن حتى يشعروا بالضيق، فيطلبوا ~~الخلاص من جور المهدية، ولا سبيل لهم إلى نيل هذا الغرض إلا بمظاهرة الحكومة ~~وموالاتها، فيسهل عليها حينئذ قهر المهدي بقوة يسيرة. # هذا كان رأي عبد القادر باشا، ولكن حكومة ذلك الوقت التي عزلته بسبب ما أظهره ~~من الكفاءة وأحرز من الانتصار، ليس من المعقول أن تعمل برأيه، فضربت بتقريره عرض ~~الحائط، وعينت بدلا منه علاء الدين باشا، فتولى علاء الدين باشا ولكن حصرت ~~سلطته في الإدارة الملكية، وجعل سليمان نيازي باشا قائدا عاما، وهكس باشا ~~رئيسا لأركان حربه، وأرسل إلى السودان بقيادته جيش وصل إلى الخرطوم في مارس سنة ~~1883م، وهو مؤلف مما يأتي: # ألاي رقم 1 مشاة تحت قيادة الميرلاي سليم عوني بك # عدده # 2400 # ألاي رقم 2 مشاة تحت قيادة الميرلاي السيد عبد القادر # عدده # 2500 # ألاي رقم 3 مشاة تحت قيادة الميرلاي إبراهيم حيدر بك # عدده # 2600 # ألاي رقم 4 مشاة تحت قيادة الميرلاي رجب صديق بك # عدده # 3000 # الفرسان والمدفعية تحت قيادة الميرلاي عباس وهبي بك # عدده # 2400 # المجموع # 12900 # وفي إبريل سنة 1883م خرج نيازي باشا وأركان حربه هكس باشا ومعهما 6500 جندي ~~للإيقاع بمن بقي من العصاة مع أحمد المكاشف بالجزيرة، وكان عددهم قد تكاثف بعد عبد ~~القادر باشا، فلاقوهم في المرابيع وكسروهم شر كسرة، وقتلوا ms07 زعماءهم، فانمحى بهذه ~~الواقعة أثر الثورة من الجزيرة كما انمحى من عموم السودان، ولم يبق للمهدي شوكة ~~خارج كردفان. # وقد ألح عبد القادر باشا ثانيا على الحكومة - وهو في مصر عقب هذه الواقعة - ~~بترك المهدي وشأنه في كردفان إلى أن يظهر للناس كذبه، أو تضيق به البلاد فيضمحل ~~من نفسه، فقوبل إلحاحه بالإعراض أيضا، وأذن لهكس باشا بالزحف على المهدي في ~~كردفان، فرد بأنه لا يتحمل مسئولية الحملة حتى تكون له القيادة العامة ~~عليها. # ولما تباطأت الحكومة المصرية في إجابته إلى طلبه هددها بالاستعفاء، فأذعنت ~~وجعلته القائد العام على الحملة، ونقلت نيازي باشا محافظا على السودان الشرقي، ~~فخلا الجو لهكس باشا، وتوغل بهذا الجيش الكبير في صحاري كردفان حتى ضلوا ~~الطريق ووقعوا في مخالب المهدي، فأفناهم ذبحا وقتلا في ساعات معدودة. # وبهذا الانتصار الكبير رجع للمهدي شأنه الأول، فانتقضت أطراف السودان وعاد شعلة ~~نار، وعلى أثر ذلك قررت الحكومة الإنجليزية إخلاءه، ولما لم تصادق وزارة شريف ~~باشا على هذا الإخلاء، حملتها على الاستعفاء، وجاءت وزارة نوبار فصادقت عليه، ~~وعين غوردون باشا لإخلائه وإخراج الجيوش المصرية منه، وكان فيه نحو الثلاثين ~~ألفا، وحوصر غوردون باشا في الخرطوم إلى أن قتل، وكان ما كان مما هو معروف ~~ومشهور. فمن هو المسئول عن هذه النتائج السيئة؟ ومن الذي أضاع السودان؟ أمصر التي ~~أضاعته أم السياسة الإنجليزية التي كانت مشرفة على مصر في هذا الحين؟ ~~(3) # ثم ترك السودان تفتك بأهله الفوضى والجهل والظلم والأوباء والحروب، فحصدتهم ~~هذه الأدواء حصدا، واصطلحت عليهم، وتركت البقية الباقية من أهله في جوع ~~وعري. # وهذه العاقبة هي التي توقعها عبد القادر باشا حلمي لأهل كردفان لو بقي المهدي ~~محصورا فيه. وعند ذلك جاءت أوامر إنجلترا بتجهيز حملة لاسترجاع السودان، وصدر ~~القرار الوزاري بذلك في 13 مارس سنة 1896م، فاسترجع السودان بثلاث وقعات كبرى ~~وبجيش يبلغ نيفا وعشرين ألفا تقريبا، ولم يقتل منه إلا القليل. وكانت ~~الخسارة في الواقعة الفاصلة - وهي واقعة أم درمان - من القتلى ثلاثة ضباط إنجليز، ~~واثنين ms08 من المصريين، وأربعة وعشرين عسكريا إنجليزيا، وسبعة وعشرين عسكريا ~~مصريا، ولم تبلغ النفقات التي صرفت في هذا الفتح مليونا من الجنيهات، فهل كان ~~يعجز مصر أن تقوم بذلك وحدها؟ # الفصل الثالث # | وجاء في آخر كتاب سموه عن المالية المصرية # متعلقا بالسودان ومصر ما نصه # مساحة الأراضي القابلة للزراعة في القطر المصري 7100000 فدان عدا 200000 فدان تربى فيها ~~الأسماك، والمقدار الأول قسمان: ~~(1) # 5600000 فدان تجبى منها الضرائب باعتبار أنها مزروعة. ~~(2) # 1500000 فدان غير مزروعة الآن، وقابلة للزراعة في ~~المستقبل. # وجملة سكان مصر 12718255 حسب إحصاء سنة 1917م؛ فيكون لكل فدان شخصان وربع، وأكثر المديريات ~~سكانا بالنسبة لمساحتها مديرية المنوفية؛ إذ يخص كل ثلاثة من سكانها فدان واحد. وما زال ~~المصريون منذ إحصاء سنة 1917م في نمو مستمر، فإذا تركنا سني الحرب الاستثنائية جانبا، ~~نجد زيادة عدد المواليد على عدد الوفيات في سنة 1921م، حسب تقدير مصلحة الإحصاء بلغت ~~224459، وفي سنة 1922م 243536 نسمة. # وكلما زاد عدد السكان كثر ازدياد عدد المواليد على عدد الوفيات طبعا، ولا ريب عندنا في ~~أن متوسط هذه الزيادة يبلغ سنويا 250000 بدون أدنى مبالغة. # وليس في مديرية المنوفية - وهي أخصب أرض مصر - قطعة لا تزرع، ومع ذلك فكثير من سكانها ~~يهاجرون؛ لأنهم لا يجدون ما يسد حاجة معيشتهم فيها، على أننا مع هذا نسلم بقاعدة كفاية ~~الفدان الواحد من كل أرض زراعية في مصر لمتوسط معيشة ثلاثة أشخاص. # فنقول بناء على هذه القاعدة: إن الأرض المزروعة في مصر ومقدارها 5600000 فدان تكفي ~~لمعيشة 16800000 نسمة، وبعد تعداد النفوس سنة 1917م بلغ مجموع زيادة المواليد على الوفيات ~~871770 بتقدير مصلحة الإحصاء، فإذا أضفنا إلى ذلك زيادة سنة 1923م ومقدارها 250000، وأضفنا ~~المجموع إلى إحصاء سنة 1917م يكون عدد السكان في نهاية سنة 1923م 13800000، وبطرحه من 16800000 ~~نسمة - وهو العدد اللازم لاستثمار المساحة المقرر عليها ضرائب - يكون الباقي 3000000 نسمة، وهو ~~عجز يسد بزيادة السكان السنوية، فإذا سلم لنا أنها 250000 سنويا يتلاشى هذا العجز بعد ~~اثنتي عشرة ms09 سنة. على أننا نقول: إن عشر سنوات فقط تكفي لذلك إذا جرت الأمور في مجراها ~~الطبيعي. # وإذا أعدت المساحة غير المزروعة الآن للزراعة - وهي تشمل الجزء الشمالي وإقليم البحيرات ~~للدلتا، ومقدارها كما مر 1500000 - لزمها من السكان 4500000، وهو مقدار يتلاشى بزيادة ~~السكان في مدى ثماني عشرة سنة، فتكون السنوات اللازمة لملاشاة العجز كله ثلاثين سنة، أو بالحري ~~خمسا وعشرين سنة؛ أي ربع قرن، أو نصف العمر الغالب للإنسان. وعلى ذلك نجد أنفسنا أمام إحدى ~~حالتين، وهما: # الأولى: # إذا لم تجفف مياه إقليم البحيرات ولم يعد للزراعة، وصلنا إلى آخر ~~حد لاستطاعة القطر تحمل سكانه في مدة اثنتي عشرة سنة على ~~الأكثر. # الثانية: # إذا جففت مياهه وأعد للزراعة، وصلنا إلى الحد المذكور في مدة ~~ثلاثين سنة على الأكثر. # وهاتان المدتان - حتى أطولهما - أقرب إلينا من حبل الوريد، ومعظم النسل الحاضر سيرى ~~بعيني رأسه انقضاء هذه السنين، فماذا نصنع بعدئذ والزيادة مستمرة في السكان؟ # لا ريب أنه يجب علينا منذ الآن التفكير في حل لهذه المعضلة الاجتماعية المتوقعة، وهو ما ~~سنفرد له هذا البحث، فنقول: الجزء المروي أو الممكن ريه من القطر المصري على شكل شريط ~~طويل دقيق، ينتهي طرفه الشمالي بشكل مروحة عند البحر الأبيض المتوسط، وهذه هي التي تسمى ~~الدلتا. # وهذا الجزء المروي يحد بصحراء العرب شرقا وصحراء لوبية غربا. وليس في الإمكان ري ~~أرض الصحراوين المذكورتين بمياه النيل؛ لارتفاعها وعدم استواء سطحها، فسيستمر جدبهما لهذا ~~العائق الذي لا يمكن تذليله إلى ما شاء الله. ومن المستحيل في مصر الانتفاع بأرض لا يرويها ~~النيل، فليس هناك احتمال لتوسع زراعي من هاتين الجهتين. # وفي الجهة الشمالية البحر، فإذا وجهنا زيادة عدد سكاننا إلى هذه الوجهة وافترضنا ~~ارتحالها إلى ما وراء البحار، وتركنا جانبا كراهة المصري الغربة، فإننا لا نجد ما يحقق ~~لها أي رغد من العيش؛ للبون الشاسع بين البلادين مناخا، وطبيعة، وجنسية، ولغة، ~~وديانة، فهذه الجهة في حكم المسدودة. # أما المورد الصناعي للمعيشة، ففضلا عن أن مصر تنقصها المواد الأولية ms10 لتكون الصناعة ~~فيها زاهرة يانعة، فإنه مورد محدود من المستحيل أن ينتفع به عدد عظيم من السكان في مصر، ~~ولنفرض أنهم نصف مليون أو مليون، فإنه يستغرق بزيادة السكان في مدى أربع سنوات فقط، ومتى انقضى ~~هذا الأجل القصير نجد أنفسنا أمام المعضلة بعينها من جديد. # وحاشا أن نقصد تثبيط الهمم عن الصناعة بهذا الكلام، وإنما القصد فقط بيان عدم كفاية هذا ~~المورد، وأنه لا يحل المشكل الذي نحن بإزائه. # فالمنفذ الوحيد المفتوح أمامنا هو جهة الجنوب، حيث يوجد إقليم واسع ذو سكان قليلي العدد، ~~وأرض من طبيعة أرض مصر تروى بنفس النيل، ولا يفصلها عنا فاصل، بل هي ومصر جسم واحد. # وإقليم كهذا - حالته المعيشية وثمار أرضه مماثلة لقطرنا - المصريون وحدهم هم الذين في ~~استطاعتهم جعله في حالة سعادة ورفاهية. وبالاختصار هو بيئة مناسبة لأمزجة المصريين على قدر ما ~~هم أنفسهم موافقون لهذه البيئة. وهو الذي يسع الزيادة المستمرة لسكان مصر مدى مائة عام بدون ~~أدنى مضايقة. # فالسودان هو باب السلام الوحيد الذي ظل مفتوحا لمصر على مصراعيه منذ الأزمان الخالية، ~~ويجب أن يبقى كذلك إلى الأبد؛ لأنه لازم لها لزوم الروح للجسد. # وإلى هذا الغرض يجب أن تصوب جميع جهود الذين في يدهم حظ مصر، وفي قلبهم يضمرون لها ~~النفع والمصلحة. # الفصل الرابع # | كتاب من حضرة صاحب السمو الأمير إلى صاحب الدولة رئيس لجنة الدستور ~~العمومية # في 3 مايو سنة 1922م # حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا # إن لجنة الدستور التي ترأسونها دولتكم، يجب أن يكون عملها مطابقا لرغبات الأمة. ~~ومسألة السودان من أمهات المسائل الشاغلة للرأي العام المصري. وكان الواجب على الوزارة ~~الحاضرة أن تحصل على الاعتراف ببطلان اتفاقية السودان سنة 1899م، وتجعل حل هذه المسألة من ~~الشروط الأساسية التي لا يمكن تشكيل الوزارة قبل البت فيها، ولكن إذا كان هذا قد فات ~~الوزارة مع مزيد الأسف، فلا يصح أن يفوت دولتكم وحضرات إخوانكم أعضاء لجنة ~~الدستور. # لذلك جئت بخطابي هذا مذكرا دولتكم بوجوب اعتبار السودان ضمن ms11 حدود البلاد، كما كان قبل ~~الاحتلال، ووجوب تشكيل مجلس نوابنا من المصريين والسودانيين على حد سواء؛ حتى يجلس ~~نواب إخواننا سكان السودان المصري مع زملائهم سكان الوجهين البحري والقبلي، ويعمل الجميع ~~للمصلحة المشتركة التي لا انفصام لها أبدا. # واقبلوا فائق احترامي. ms12