######OpenITI# #META# URI: 1364AhmadDayf.MuqaddimaLiDirasatBalaghatCarab.Hindawi93813583 #META# Tags: literature #META# ID: 93813583 #META# Title: مقدمة لدراسة بلاغة العرب #META# AuthorID: 30809596 #META# Author: أحمد ضيف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد1‏ # الكلام البليغ ودراسته‏ # الأدب أو البلاغة‏ # أنواع البلاغة‏ # الشعر الجاهلي‏ # البلاغة والاجتماع‏ # النزعات المختلفة في فهم البلاغة‏ # تبعة الشعراء والكتاب‏ # النقد الأدبي‏ # النقد الأدبي في فرنسا‏ # البيئة وأثرها في العقول‏ # خواص الأجناس البشرية وأثرها في العقول‏ # مذهب التدرج والانتقال في أنواع البلاغة‏ # مذهب التأثير والانفعال في النقد الأدبي‏ # النقد الأدبي عند العرب‏ # تمهيد1‏ # الكلام البليغ ودراسته‏ # الأدب أو البلاغة‏ # أنواع البلاغة‏ # الشعر الجاهلي‏ # البلاغة والاجتماع‏ # النزعات المختلفة في فهم البلاغة‏ # تبعة الشعراء والكتاب‏ # النقد الأدبي‏ # النقد الأدبي في فرنسا‏ # البيئة وأثرها في العقول‏ # خواص الأجناس البشرية وأثرها في العقول‏ # مذهب التدرج والانتقال في أنواع البلاغة‏ # مذهب التأثير والانفعال في النقد الأدبي‏ # النقد الأدبي عند العرب‏ # | مقدمة لدراسة بلاغة العرب # | مقدمة لدراسة بلاغة العرب # تأليف # أحمد ضيف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله والصلاة والسلام على رسله الكرام. # وهذه عجالة نقدمها إلى قراء العربية. على أنها مذكرات لطلبة الجامعة المصرية، ولمن ~~يريد أن يطلع على شيء جديد مجمل عن حركة الأدب الحديثة، وطرق فهم البلاغة في هذا العصر. ~~أما كبار العلماء وأساتذة الأدب، فلا يجدون في هذه الآراء ما يشفي غلتهم، أو ~~يسكن حب الاستطلاع لديهم؛ فعليهم أن يرجعوا إلى كتب الفرنجة الحديثة، وفيها كل ~~التفصيل لما أجملناه وأوجزناه، ذلك في غير الكلام في بلاغة العرب، فإن كل هذا أو ~~جله من آرائنا الخاصة التي اهتدينا إليها بالدرس والتفكير. # وإذا كان كتابنا هذا يدعو إلى سلوك طريق جديد في دراسة بلاغة العرب وفهمها؛ فذلك لأن ~~مصر الآن في حالة رقي (تطور)، يشبه من بعض الوجوه أن يكون عصر نهضة لنا. وفي مثل ~~هذه العصور يحدث في العقول كما يحدث في المجتمعات انقلاب وتغير وميل إلى الجديد في كل ~~شيء، وإننا لنجد هذا الشعور يدب في نفس كل إنسان منا حتى في النفوس التي لا تحب غير ~~القديم. # إن كل ما يراه القراء في هذا الكتاب جديدا، هو ما يجيش في نفوس الأدباء الذين ~~اطلعوا على بلاغات الأمم الحديثة، ورأوا الأطوار ms001 التي أدركتها ، فكانت سبب رقيها. ~~وكلهم يعتقد أننا لا ننهض بلغتنا العربية إلا إذا دفعنا بها إلى التحرك من مكانها الذي ~~طال وقوفها فيه؛ لتأخذ مكانا واسعا يليق بها في صف اللغات الحية الآن، وفي اعتقادنا ~~أنه لا يكون ذلك إلا إذا تغيرت طرق الدرس والتأليف عما كانت عليه منذ ألف سنة، وذلك ~~ما نرجو أن يوفق إليه علماء اللغة والأدب عندنا. # والله - سبحانه - المسئول أن يهبنا الإخلاص في عملنا، وأن يوفقنا إلى الصواب. # أحمد ضيف # يناير سنة ~~1921 # | تمهيد1 # دراسة الآداب العربية بالطرق المعروفة الآن لا تزال حديثة العهد، والأدب العربي على سعته ~~وغنائه مشوش مختلط مرتبك، لا يزال باقيا على حالته الأولى من البساطة والسذاجة في ~~التأليف والجمع، ولم تحرر بعد عقول أدبائنا من قيود الطرق القديمة والانتصار لها، ولا يزال ~~يعد الخروج من القديم خروجا عليه، ولا نزال نعتقد أن القدماء وصلوا إلى أقصى ما يمكن ~~أن يصل إليه العقل البشري من الذكاء والإتقان، وغير ذلك من ضروب الرضا والارتياح. # ومدرس الأدب يلزمه أن يطلع على أكثر ما كتب في اللغة ليقف على روحها ومؤلفيها، ~~وليعرف الكتاب والشعراء والفلاسفة والمشرعين وغيرهم، ولا يكفي معرفة ذلك من بطون الكتب ~~والفهارس والموسوعات؛ إذ لا بد من قراءة الكتب نفسها والحكم عليها بناء على معرفة الشخص ~~نفسه. وكل حكم مبني على التقليد أو النقل لا قيمة له، ولا يفيد الأدب شيئا، ولا يصح ~~الاعتماد عليه، فلا يصح أن نأخذ بالتسليم بقول من قال: إن النابغة الذبياني أشعر الشعراء؛ ~~لأنه قال: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... إلخ، بدون بحث في ذلك، ولا أن المهلهل أول من ~~طول القصائد؛ لأن صاحب الأغاني أو غيره قال ذلك، بدون أن نبحث في صحة هذا الزعم، ولا أن ~~نصدق قول من قال: إن لغة العرب أحسن اللغات، بدون أن نعرف شيئا من اللغات الأجنبية ونوازن ~~بينها وبين اللغة العربية. # وإننا لنسيء إلى اللغة العربية وإلى الأدب العربي وإلى الأمة العربية أكثر من أن نحسن ~~إليها ms002 بمثل هذه الأقوال، التي لا يمكن أن يعتمد عليها إنسان مفكر، كما أنها لا تحرك العقول ~~ولا تحملها على البحث. والعقل إن لم يكن طلعة محبا للبحث لا ينتج ولا يدرك حقائق ~~الأشياء. وما يدعوه العلماء الآن حرية الفكر ليس إلا نوعا من البحث المبني على التعقل ~~والاستنتاج، وهو سر تقدم العلوم والفنون في المدنية الحاضرة؛ فلا بد لآدابنا من هذه ~~الحرية المبنية على المعلومات الصحيحة والاستنتاج الصحيح. # والأفكار عندنا مقيدة محصورة محدودة: مقيدة بالعادات، محصورة في دائرة ضيقة من المعلومات، ~~محدودة بشيء أشبه بالعقيدة في صحة ما نحن عليه من العلم والأخلاق. والخروج من العادات عسير، ~~وترك الإعجاب بالنفس شديد على النفس، مهما صحت عزيمة محب الجديد وقويت براهين الداعي. ~~وبلدنا من أشد ما يكون تمسكا بعاداته وطرقه في الفهم والإدراك. ولكنا في إبان نهضة ~~تبشرنا بحسن المستقبل وإقبال شبابنا على العلم وتعلمه، وقبول الجديد يبعث فينا أملا كبيرا ~~في نجاح هذه الحركة المباركة. # العالم متحرك، والعلم والأدب نتيجة هذا التحرك، فهي متحركة معه ومتغيرة بتغيره؛ فلا بد ~~أن نسير في هذه الحركة، وأن ننتقل معها، وأن تتجدد معلوماتنا بتجددها؛ نريد بذلك أن نكون من ~~أنصار الجديد، ونريد بالجديد الحركة التي أحدثتها الأفكار والقرائح منذ وقوف حركة العلم ~~والأدب عند المسلمين إلى اليوم؛ أي نريد أن تأخذ عقولنا ومعارفنا صبغة جديدة غير الصبغة ~~الموجودة في كتبنا وفي معلوماتنا؛ لأن العلم يتغير كلما كثر فيه البحث حتى لقد تنقلب ~~العقيدة في العلم إلى ضدها؛ إذ إن القواعد العلمية مبنية على الحكم على الظواهر الطبعية، ~~وقد يخطئ الإنسان في إدراك هذه الظواهر أو يدركها إدراكا ناقصا، وقد يفهم المجرب من ~~التجربة غير نتائجها حتى في العلوم الرياضية والطبعية؛ لأن جزءا كبيرا من حكم الإنسان على ~~الأشياء سببه العواطف والإحساسات الشخصية، التي تختلف عند كل إنسان باختلاف مزاجه، وكما ~~يكون للإنسان مزاج خاص يقوده ويتحكم فيه يكون أيضا للزمن مزاج خاص يسود فيه ويقود الرأي ~~العام. # يظهر أثر ذلك في المذاهب السائدة ms003 والأفكار العامة، ثم يتغير بمرور الزمن وكثرة البحث، ~~والأفكار سائرة على مثال المد والجزر: تتقدم وتتأخر، ثم تتأخر وتتقدم؛ لأن الحركة في كل شيء ~~دليل الحياة، فلا بد من سير الفكر إذ الفكر الواقف مائت؛ لذلك نرغب من متأدبينا وعلمائنا أن ~~يعيرونا شيئا من التسامح، وأن يغضوا الطرف عما عساه أن يكون غير جار على طرقهم في ~~الفهم والإدراك، أو مخالفا لحكمهم على الأشياء، وأن يعتقدوا أننا نفعل واجبا علينا ~~لبلادنا ولغتنا وأمتنا، وأنه يجب أن نضحي بكل شيء في سبيل هذا الواجب، ونحن نعتقد من جهة ~~أخرى أنهم مخلصون في تمسكهم بتربيتهم العقلية؛ لأن شكر الجميل يقضي عليهم بالانتصار إلى ~~معلوماتهم التي بها رقوا وعليها شبوا. ولكنا لا نعذرهم ولا يعذرهم إنسان إذا حكموا ~~علينا بدون أن يتدبروا أقوالنا، ومن غير أن يدرسوا ما نقول دراسة خالية من الميول والأهواء؛ ~~فكلنا يقصد إلى إصلاح لغته التي لا يمكن أن ترقى معلوماتنا بدونها. # اللغة العربية لغتنا لأنها لغة الكتابة والتأليف؛ ولأنها تستوعب لغة التفاهم بيننا. ~~والآداب العربية آدابنا من حيث إنها أصل معلوماتنا، ومنبع معارفنا ومواهبنا العقلية، بل هي ~~كل ما نعرفه من الحركة الفكرية التي أحدثها الإنسان وأنتجتها العقول والقرائح. ولكنا نريد ~~أن تكون لنا آداب مصرية تمثل حالتنا الاجتماعية وحركاتنا الفكرية والعصر الذي نعيش فيه؛ ~~تمثل الزارع في حقله، والتاجر في حانوته، والأمير في قصره، والعالم بين تلاميذه وكتبه، ~~والشيخ في أهله، والعابد في مسجده وصومعته، والشاب في مجونه وغرامه. أي نريد أن تكون لنا ~~شخصية في آدابنا، ولا نريد بذلك أن نهجر اللغة العربية وآدابها؛ لأننا إن فعلنا ذلك أصبحنا ~~بلا لغة وبلا أدب؛ إذ لا يمكن أن نصل إلى ذلك بدون أن نرجع إلى اللغة العربية وآدابها، بحيث ~~تكون قاموسا لنا ونموذجا لبلاغتنا، وإماما نهتدي به في الصناعة الأدبية؛ وعلى الجملة تكون ~~آدابنا عربية مصبوغة بصبغة مصرية، من هذه الوجهة يجب أن نتعصب للغة العربية وآدابها، كما ~~يتعصب الأوروبيون الآن للغة اللاتينية واليونانية؛ لأنها أصل معارفهم ms004 ومستودع سر ~~مدنيتهم. ولا ينكر إنسان علينا ذلك لأن إنسانا لا يمكنه إنكار أثر المدنية العربية في ~~العالم الإسلامي. ونعود فنقول: إن كل ما نرجوه هو أن تكون لنا آداب مصرية عربية: مصرية في ~~موضوعاتها ومعلوماتها، عربية في لغتها وبلاغتها وأساليبها. # ولا يخفى على من ألقى نظرة إجمالية في الأدب العربي صعوبة تدريس هذه الآداب؛ لأنها ~~ليست آداب أمة واحدة وليست لها صبغة واحدة، بل هي آداب أمم مختلفة المذاهب والأجناس ~~والبيئات؛ ذلك إلى سعتها التي لا تكاد توجد في أدب أمة أخرى، ولذلك يكون من المتعسر على فرد ~~واحد أن يقوم بجمع تاريخ الأدب العربي مهما علا كعبه وقويت عزيمته؛ إذ لا بد له من ~~الاطلاع على كل ما كتب، ولديه أكثر من «مليونين» من المجلدات التي تجب دراستها. وذلك لا ~~يتسنى لفرد واحد؛ لتشتت هذه المؤلفات في جمعها ومعرفة أماكنها، ثم في طريقة تأليفها ~~وصعوبة الاستفادة منها بدون جد طويل وتعب كثير؛ وذلك أيضا إلى حاجة المدرس إلى التضلع من ~~الفنون المختلفة ليمكنه نقد ما يعرض عليه؛ إذ لا يصح لمدرس الأدب العربي أن يمر بمقدمة ابن ~~خلدون مثلا بدون أن يدرسها دراسة إجمالية، يبين فيها مذاهب المؤلف السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية، ولا يمكن ذلك إلا إذا وقف أيضا وقوفا إجماليا على هذه المذاهب عند العرب ~~وغيرهم قديما وحديثا؛ ليعرف الخطأ من الصواب في آراء صاحب الكتاب. ومثل ذلك يقال في ~~الفلسفة والعلوم وغيرها. وهذا من الصعوبة بمكان؛ لأن تعلمنا الأولي لا يبيح لنا هذه الكفاية ~~التي اكتسبها أهل أوروبا من دراستهم الأولى. # لهذا كان كل ما يعمل الآن في الأدب العربي من قبيل التمهيد؛ إذ لا تتسنى دراسته دراسة ~~تامة إلا إذا جمعت خلاصته من شتيت الكتب الكثيرة والمكاتب المتعددة. وكتب الباحثون في ~~ذلك كتابات نقدية تبين هذه الآداب، وما تحتوي عليه من الأفكار. وتناول البحث في ذلك العلماء ~~والأدباء والمؤرخون والفلاسفة والاجتماعيون، وانتقلت الحركة الأدبية عندنا من البحث في ~~اللفظ والديباجة، كالمجاز، والاستعارة، والتشبيه، والكناية إلى البحث ms005 في نفس الكاتب أو ~~الشاعر، ومقدار معلوماته، وما أودعه من خطأ أو صواب في شعره أو نثره، وما اعتراه من التأثير ~~النفسي والخارجي، وحمله على كتابة ما كتب؛ إلى غير ذلك من المؤثرات. # ولو أن همة أدباء العرب اتجهت إلى هذا النوع من النقد والبحث، بدل بذل الهمة في فهم ~~اللفظ؛ لوصلت الآداب العربية إلى ما وصل إليه غيرها من المتانة والتأثير في المجتمع، ولكان ~~فهمنا لآدابنا أفضل وأكمل مما نفهمه اليوم، ولتغيرت طرق الفكر والخيال عندنا، ولسارت ~~آدابنا مع الأيام، ولتقدمت مع العلوم والأفكار؛ لأنه لا شيء أدعى إلى التقدم من البحث ~~والنقد، ولا شيء أدعى إلى الوقوف والتقهقر من الإعجاب بالشيء والاكتفاء به عن سواه. # والطريقة التي نريد أن ندرس بها الأدب العربي هي طريقة نقدية؛ إذ بدون هذه الطريقة لا ~~يمكن لأي دراسة من نوع ما إن تنتج أو تثمر، ولا لأي فكر أن يرقى أو يتقدم، ولا يمكن أن ~~تتخطى العقول أطوارها اللازمة، ما دامت مقيدة بتأييد فكرة أو رأي تعمل على إثباته. نريد ~~بطريقة النقد البحث في العوامل الحقيقية التي اعترت اللغة العربية وبلاغتها، بحثا مبنيا ~~على الأسباب العلمية والاجتماعية، ثم الحكم على ذلك حكما صحيحا بقدر ما تهتدي إليه ~~عقولنا، وترشدنا إليه مباحثنا، وبدون أن نرجع إلى أقوال القدماء إلا من حيث إنها مراجع، أو ~~شيء من تاريخ اللغة، لا أنها عمدة الآراء أو قادة الباحثين. أما إذا أخذنا هذه الآراء كأصل ~~نقلده، كان أجدر بنا أن نربأ بأنفسنا من عناء البحث والعمل؛ لنسرد أقوال القدماء كما هي، أو ~~نجمعها جمعا مع بعض التصرف في العبارة؛ فيصبح تاريخ الأدب ملخص ما في كتب القدماء، ولا ~~يكون للمؤلف إلا الجمع والاختصار. نريد أن ندرس الأدب دراسة علمية كما يقول الأوروبيون، ولا ~~يعنى بالدراسة العلمية كما لا يعني الأوروبيون أنفسهم أيضا أن الأدب يصبح ذا قواعد لا ~~يتعداها، كما في العلوم الرياضية أو الطبعية. ذلك لن يكون؛ لأن الأدب فن من الفنون الجميلة، ~~الحكم فيه موكول ms006 إلى الذوق السليم والإدراك الصحيح، وإنما نتبع خطة ذات قواعد وقوانين، وهذه ~~الخطة هي ما يمكن أن تسمى طريقة علمية، كما سنبين ذلك إن شاء الله. # نحن لا ندعي القدرة على القيام بهذا العمل الخطير؛ لأنا نعتقد أن أمامنا من الصعوبات في ~~سبيل ذلك ما لا يذلله إلا طول البحث والمثابرة على الدرس، وذلك لا يكون إلا بعد زمن ~~طويل، وهو ما نرجو أن نصل إليه إن شاء الله في المستقبل، وليس من غرضنا أن نأتي في دراستنا ~~بسلسلة من الشعراء والكتاب، نتبعها بشيء من تراجمهم والمختار من كلامهم. ذلك لا يعنينا ~~الآن؛ إذ من السهل أن يقف الإنسان على ترجمة الشاعر أو الكاتب، ويعرف شيئا عن حياته ~~الأدبية. وإنما غرضنا البحث عن روح اللغة العربية كما يقولون، وحل ما بها من الشعر والنثر ~~حلا نفسيا، والبحث عن صلة ذلك بالاجتماع، وعن المؤثرات التي أحدثت في نفس الشاعر أو ~~الكاتب ميلا خاصا إلى هذا النوع من البلاغة، ثم صلة ذلك بمواهب الكاتب الفطرية، وقيمة ما ~~عنده من فنون البلاغة وضروب التعبير المختلفة، وما له من الشخصية؛ أي الابتكار والإبداع في ~~ذلك. وهذا يستلزم استيعاب ما كتبه الكاتب أو الشاعر بالقراءة والدرس قراءة دقيقة، خالية من ~~الميول والأهواء الشخصية بقدر الإمكان. # ومن شروط النقد الصحيح أن يبتعد الإنسان عن أهوائه وميوله عندما يقرأ كاتبا أو شاعرا ~~يريد أن يفهمه كما هو، ولا بد أن يتخلى أيضا عن أذواقه الخاصة؛ لأن الاستسلام إلى ذوق ~~الشخص ينافي طريقة النقد الصحيح. هذه الطريقة - طريقة تخلي القارئ عن ذوقه الخاص وعن المؤثرات ~~التي تحيط به - تجعله يفهم الكاتب بذوق الكاتب، ويفهم الشاعر بنفس الشاعر التي قال بها شعره. ~~ولا بد من وضع القارئ نفسه في الظروف والأحوال التي أحاطت بالكاتب وقت كتابته. هذه الطريقة ~~هي التي تمكن القارئ أو الناقد من فهم روح الكتابة، ولا بد من أن ينسى الإنسان نفسه بين ~~صفحات الكتاب الذي يريد أن يقرأه. فإذا انتهى من تحليل الكتابة وفهمها على ms007 طريقة الكاتب ~~نفسه، رجع إلى معلوماته الشخصية وإلى ذوقه الشخصي، وإلى ما اكتسبه من النقد بالتجربة والدرس ~~في الحكم على المؤلف. # يظن أهل العلم - ونريد بأهل العلم المشتغلين بالرياضيات، والطبعيات، وعلم النبات والحيوان ~~- يظن بعض هؤلاء أن الأدب من الكماليات، ويقولون كان أفضل وأنفع لوفاق الاهتمام بالعلوم ~~الاهتمام بالآداب؛ لأن من قسم العلوم كان يكون لنا المهندس والكيميائي والنباتي، والطبيب ~~والصيدلي، وغيرهم ممن يفيد الاجتماع والأفراد أكثر مما يفيده الكاتب والشاعر والخطيب أو ~~المؤرخ والفيلسوف، وفاتهم أن الإنسان كان شاعرا قبل أن يكون عالما، وكاتبا وخطيبا قبل ~~أن تصل نفسه إلى درك العلوم وفهمها؛ لأنه أول ما نطق أمكنه أن يعبر عما يجول بخاطره من ~~حزن وفرح ولذة وألم، وأن الأدب للنفوس أشبه بالجهاز التنفسي للجسم. ولكن فهم الأدب بهذا ~~النوع جاءنا من أن آدابنا أكثرها مبني على الخيال والاستعارة والتشبيه، وهو - على رأي ~~أدبائنا - أفضل الأدب وأبلغه، ولا شك في أن هذا ضرب من الكماليات. أما الأدب من حيث إنه ~~لسان النفوس، وترجمان العواطف، وصورة الاجتماع، وصحيفة من صحف التاريخ، فهو من الضروريات ~~لتهذيب النفوس، ومعرفة ما في طبيعة الإنسان من الأمراض النفسية والاجتماعية؛ بهذا قد يصلح ~~الأدب ما لا يصلحه الطبيب، ويفعل الكلام ما لا يفعل الحسام، و«إن من البيان ~~لسحرا.» # والأدب معرض عام لأفكار الإنسان، ومسرح لأنواع العقول المختلفة، تجد فيه الفيلسوف ينظر ~~إلى العالم نظر المفكر، يشفق عليه تارة، ويسخر منه أخرى، ويرشده مرة ويضله أحيانا، وتجد ~~فيه الاجتماعي يبحث في الاجتماع وعلله، وينتحل لنفسه حق الزعامة وحق الحكم على نظام ~~العالم، وتجد فيه العالم والطبيب، والمتدين والملحد، كل يعرض مذهبه وطرق بحثه، وتجد ~~فيه الشاعر الخيالي، يصور الحق باطلا والباطل حقا، ويؤثر في النفس فيسعدها أو يشقيها، ~~ويصور اليأس جحيما والأمل جنة ونعيما؛ والأدب يجد فيه كل إنسان طلبته، فهو صحيفة عامة ~~من صحف الكون. # وقد ظهر لنا من المفيد أن نبدأ دراستنا هذا العام بمقدمة عامة نعرض فيها صورة إجمالية من ~~الحركة الأدبية، نحدد ms008 فيها الأدب، ونبين أنواعه وخواصه، وأثره في الاجتماع وصلته به، ~~وأثره في النفس وأثر النفس فيه، والمذاهب الأدبية المختلفة، وطرق البحث والتأليف، وشيئا من ~~الموازنة بين الأدب العربي وغيره. # والله المسئول أن يرشدنا إلى الصواب، وأن يكلل أعمال الجامعة المصرية بالنجاح، إنه على ~~ما يشاء قدير. # | الكلام البليغ ودراسته # أصبح من المقرر عند الأدباء الآن أن ليس الغرض من البلاغة # 1 # سرور النفس وارتياحها بقراءة الشعر البليغ والكلام الممتع والنثر البديع، ليكون ~~ذلك ضربا من ضروب التسلي فحسب؛ لأن هذه المدنية الحديثة حملت الإنسان على الاهتمام ~~بالمنافع والفوائد العقلية، كما جعلته ماديا بحتا محبا لنفسه قبل كل شيء؛ ولذلك ~~أصبحت جميع الفنون مصبوغة بصبغة علمية أو اجتماعية، الغرض منها نشر الأفكار والآراء ~~والمباحث الاجتماعية والعلمية، في قالب يسهل على النفس قبوله ويلذ للإنسان تذوقه، ويسحر ~~الألباب فيؤثر فيها الأثر المطلوب؛ ولهذا أيضا قل الاهتمام بالبلاغة الوجدانية، التي لا ~~تشتمل إلا على حركات النفوس والخيال وصور العواطف. # واعتبروا البلاغة صورة للأفكار والعقول ~~وشيئا من الحياة العقلية والعلمية للأمم، وجزءا كبيرا من تاريخ الإنسان، ورأى بعض كبار ~~الأدباء أن البلاغة كالتاريخ من حيث الاستدلال بها على حياة الشعوب. غير أن التاريخ يدل على ~~الحركة السياسية، والبلاغة تدل على الحركة العقلية والاجتماعية، أو يدل التاريخ على حياة ~~الإنسان العملية والبلاغة على حياته النفسية من فكر وأخلاق وذكاء، وفضيلة ورذيلة، وعلم ~~وجهل وغير ذلك؛ فجعلوا البلاغة من شعر ونثر وسيلة لدرس طبائع الإنسان ومعرفة نفوس ~~الكتاب، وقصر بعض النقاد همه على معرفة حقائق النفوس من أثر الكتابات، وبنى ~~مذهبه في النقد على ذلك، واستخرج حالة الكاتب النفسية (بسكلوجية) من كتاباته. # 2 # وقالوا: إن دراسة البلاغة هي التي نقلت التاريخ من ذكر الحوادث وسرد الوقائع إلى البحث ~~في كل ما يعتري الإنسان، وإلى وصف أحواله النفسية والاجتماعية، فانتقل التاريخ بواسطة ~~البلاغة من تاريخ جاف للحوادث إلى تاريخ المدنية الإنسانية، وقالوا: إن البلاغة هي سبيل ~~الوصول إلى معرفة أحوال الأمم في الأزمنة المختلفة، وكيف كانت تفكر ms009 وتشعر وتدرك. وذلك ~~مما يساعد على إيضاح التاريخ، ويسير به في طريق أصح، ويبين روح القوانين ومذاهب الاجتماع ~~ورقي الأمم وانحطاطها. # لذلك أصبحت دراسة البلاغة لدى الأمم الحديثة دراسة لكبار نفوسها وعقولها المفكرة، أو كما ~~يقولون دراسة للتاريخ الطبعي للنفوس الإنسانية، أو الغرض منها على حسب الاصطلاح العلمي ~~«تشريح» النفوس والأفكار لمعرفة الصحيح من السقيم منها، والحصول على صورة عامة من الحياة ~~العقلية للإنسان. قال سنت بوف: لم يبق لدي من السرور إلا هذا النوع من «التحليل» النفسي، ~~الذي يمكن أن أعرف به تاريخ العقول. وكل ما أريده من النقد الأدبي هو جعل البلاغة تاريخا ~~طبعيا للنفوس ... إلى آخر ما قال. فلم تصبح دراسة البلاغة قاصرة على الشعر والنثر الصناعي ~~لا غير، بدون نظر إلى صلة الكاتب أو الشاعر فيها، بل لا بد من اعتبار كل ذلك مع البحث عن ~~الصلة بين الكاتب وبين الحالة الاجتماعية. # ويخيل إلى من يريد أن يدرس بلاغة العرب أن هذه الطريقة لا تجد لها مجالا فيها؛ لأننا ~~إذا أحصيناها وجدنا أنها تكاد تكون منحصرة في نوع من الشعر الوجداني الشخصي. ونجد هذا الشعر ~~الذي ظهر في الأمم الإسلامية المختلفة والبيئات المختلفة، حافظا لشكل واحد وأسلوب واحد، لا ~~من جهة الصناعة لا غير، بل من جهة تصور المعاني وإدراكها أيضا. وربما كان ذلك صحيحا؛ ولكن ~~لا يلزم مدرس البلاغة العربية أن يبالغ في ذلك؛ فقد نجد في بلاغة العرب ما نجده في غيرها من ~~أنواع الشعر والنثر. ولكنه ليس ظاهرا فيها ظهوره في غيره لقلته ولاندماجه في الوجدانيات. ~~فكأنه إذا جاء فإنما يجيء عفوا مع ندورته المعروفة؛ ولذلك لا يصح أن يعد من أصول البلاغة ~~العربية، ولا من طبيعة هذا اللسان المبين. # على أنه من الممكن أن توجد هذه الطرق الحديثة في دراسة بلاغة العرب من جهة صلتها بالتاريخ ~~والاجتماع صلة صحيحة، ودراسة نفوس الكتاب والشعراء من أقوالهم بقدر ما تسمح به طبيعة هذه ~~البلاغة وأصولها الفنية. غير أن ذلك لا يتسنى الآن، ولا يمكن ms010 أن تثبت هذه الطريقة إلا بعد ~~أن يكثر البحث على هذا النحو، ويوجد بين المدرسين والنقاد علماء في الفلسفة والاجتماع تكون ~~لهم طرق واضحة ومذاهب مبنية على قاعدة فلسفية أو طريقة اجتماعية علمية. # ولأجل أن تدرس البلاغة العربية بهذه الطرق المفيدة، لا بد من مزج التاريخ الإسلامي بها؛ ~~إذ لو كان من الضروري الاستدلال على أطوار البلاغة بدراسة التاريخ، فذلك ألزم ما يكون في ~~بلاغة العرب؛ لأنها أشد ما تكون صلة بالتاريخ؛ إذ التاريخ الإسلامي من أكثر تواريخ الأمم ~~وأشدها حركة وانتقالا، وأظهرها أثرا في العقول والأفكار؛ لأنه ليس تاريخا سياسيا لا ~~غير، بل هو أيضا تاريخ ديني؛ أي تاريخ مذاهب وأحزاب دينية، وآراء في السياسة والاجتماع ~~مبنية على أثر الدين في العقول والعقائد ... ولو كان كل المسلمين الذين ملئوا الأرض شرقا ~~وغربا، ودوخوا العالم حينا من الدهر من أصل عربي، لغتهم العربية الصحيحة؛ لكانت ~~تصوراتهم وإدراكاتهم عربية، ولظهرت مدنية الإسلام ظهورا تاما في بلاغة العرب ظهور ~~مدنيات الأمم الأخرى في بلاغاتهم. ولكن تغلب الأعاجم على الدولة محا منها كثيرا من ~~الصبغة العربية، وجعلها مدنية إسلامية مختلطة؛ فلم تجد اللغة العربية من سعة المجال ما كان ~~يكون لها لو أن الدولة كانت عربية صرفة، فمعنى مزج التاريخ بالبلاغة دراسة الاجتماع في زمن ~~من الأزمان، ودراسة الحالة العقلية، أي معرفة الزمن بواسطة البحث عن كبار المفكرين والعلماء ~~وآثار آرائهم في المجتمع، أو بعبارة أخصر دراسة التاريخ الاجتماعي والحركة العقلية دراسة ~~علمية تاريخية، بقطع النظر عن كل شيء سوى البحث عن الحقيقة، مع الابتعاد عن جميع الميول ~~والأهواء والمذاهب الشخصية بقدر الإمكان، ثم البحث عن ذلك من الوجهة الفنية في النظم ~~والنثر. # فليس الغرض على رأينا من دراسة الشعر الجاهلي مثلا أن نبين أنه خال من التكلف سهل ~~العبارة، ليس به من التشبيهات والاستعارات ما في شعر المولدين، وأن فلانا الشاعر بكى ~~واستبكى وذكر الديار، وإنما الغرض الذي يجب أن يكون ضالة الباحث هو الحالة العقلية لهؤلاء ~~الناس، وعاداتهم الاجتماعية وتربيتهم النفسية، ms011 وتصوراتهم وخيالاتهم، ومجموع معلوماتهم ~~وعواطفهم وإحساساتهم، وغير ذلك مما هو لب البلاغة وغرضها، وهذا هو غرض من قال: إن ~~الأدب صورة الاجتماع. # لهذا لا بد من العناية بالتاريخ عناية تامة لمن يريد أن يدرس البلاغة، وبدون هذه الطريقة ~~لا يمكن التمييز بين شعر وشعر، ولا بين كتاب وكتاب، إلا ما يظهر جليا من الاختلاف في ~~الأسلوب والديباجة، مما لا يخفى على من له أدنى ملاحظة. هذه الصلة - صلة التاريخ ~~الاجتماعي بالأدب والبلاغة - من أهم الطرق التي يجب أن تتبع في كشف مخبآت العقول، ومعرفة ~~سير الحركة الفكرية لدى الأمم. مع هذا لا بد من دراسة التاريخ الخاص بالكتاب. ونقصد من ~~هنا أيضا ما قصدناه هناك من التاريخ العقلي؛ أي تاريخ النفوس وحركات العقول، لمن يريد أن ~~يتكلم على شاعر في شعره أو ناثر في نثره، وعلى صلة الكاتب بغيره من المؤثرات التي كونت ~~عقله وفكره من أشخاص عرفهم، ومن بيئات تربى فيها، ومن زمن عاش فيه ومر به. # وبعد؛ فلا بد من دراسة الأدب دراسة تاريخية أخرى. نريد بالدراسة التاريخية عدم العمل على ~~مذهب أو رأي ثابت، يجعله الإنسان قاعدة له قبل الدراسة ليقيس عليه ما يعرف؛ كاعتبار أن ~~بلاغة العرب مثلا أرقى وأصح ما أنتجته العقول والأفكار، أو أنها ناقصة في جملتها، قبل ~~الاطلاع والدرس. مثل هذه المباحث المبنية على الأهواء الشخصية والمذاهب الثابتة هي خطأ في ~~مبدئها وفي نهايتها، ولا يمكن أن توصل إلى شيء من الحقيقة. # وليس الغرض من دراسة البلاغة دراسة تاريخية البحث عن الحوادث التاريخية الصرفة، كالعناية ~~بالتواريخ والأزمنة التي ولد وعاش فيها الكتاب، وسيرهم الشخصية، أو سرد تاريخ ~~البلاغة في العصور المختلفة، بقصد إثباتها كما تذكر الحوادث التاريخية سواء بسواء؛ هذه ~~طريقة تاريخية تظهر في كتب الأدب مكملة له ومتممة لموضوعاته العامة، كما يتخلل الأدب حوادث ~~تاريخية صرفة، بقصد كشف مخبآته وتوضيح موضوعاته. على أنها ليست من الأدب ولا من البلاغة. ~~ولا بد لمدرس البلاغة من الملاحظة الصحيحة والموازنة والمقارنة؛ تقريبا للأفهام وإيضاحا ~~للبلاغة ms012 نفسها؛ لأن هذا من دواعي ضبط آراء الباحث، وعدم اندفاعه في المدح أو الذم ~~التابعين للأهواء والأغراض، وهذا أيضا من علامات الحرية في الفكر ودقة البحث؛ فلا بد أن ~~يكون الغرض من تدريس البلاغة البحث العلمي المبني على المعلومات الصحيحة، للوصول إلى الفهم ~~الصحيح الخالي من التعصب القومي والميول المذهبية؛ فإن مدرس الأدب إن لم يكن كذلك كان كمن ~~لديه نموذج جميل، يريد أن يقيس عليه غيره ويجعله مثله. # وليس الغرض من البحث والفهم المباحث ~~اللفظية؛ أي ما يعطيه اللفظ من الدلائل والمعاني اللغوية لا غير، ولا الشرح والتأويل لجملة ~~المعاني، بل الغرض البحث عن كل ما تنطوي عليه العبارات؛ من: صور النفوس، والآراء، وأسرار ~~اللغة، مما يصح أن يعطي للإنسان صورة صحيحة من صور الحياة العقلية للأمم، ثم عن صلة ذلك ~~بالأسباب التي دعت هذه العقول للخوض في هذه الموضوعات، وولدت هذا النوع من الفكر والخيال، ~~ثم الوقوف على خواص اللغة وأثر الشعوب التي تميز أفكارها من سواها، وأثر الزمن والبيئة في ~~ذلك، والأنواع التي يكتب فيها الكتاب وقوانينها، وما في ذلك من شخصياتهم؛ لأن الكتابة ~~تمت بألف سبب لما يحيط بها. # قال المسيو موريس كروازيه في مقدمة الجزء الأول من كتاب تاريخ الأدب اليوناني: «إن جملة ~~لخطيب، أو بيت شعر لشاعر، أشبه بمرآة ينعكس فيها صورة منها، تدل على ماضي اللغة والتاريخ ~~لشعب من الشعوب، وتدل على الفني الذي وهبها هذا الشكل؛ كل هذا يرى في الكتابات من شعر ونثر ~~... ولأجل التمكن من الوصول إلى ذلك لا بد للباحث في اللغة والأدب من أن يطلع على الفنون، ~~ويعرف الأخلاق والنظام الاجتماعي؛ لترشده إلى قوة الذكاء للأمم وأثر الحوادث في ذلك، ولا بد ~~من الاعتماد على المخطوطات؛ لأن الغرض الأولي من دراستها هو معرفة العقول التي تظهر آثارها ~~في المؤلفات الفنية، بواسطة العبارات الأصلية وضروب البيان. ومؤرخ الأدب كالمؤرخ الطبعي؛ أي ~~المشتغل بدرس العلوم الطبعية وجمعها، فهو قبل كل شيء ذو ملاحظة خالية من الأهواء والأغراض، ~~وليس معنى هذا ms013 أن مؤرخ الأدب ليس له حق الحكم ولا أن يكون له رأي يبديه. ولكن الواجب عليه ~~أن يكتفي بالمعرفة الصحيحة ... يقول سنت بوف: يلزم أن نكون كعلماء الطبيعة نجمع مجموعات ~~مختلفة تامة من العقول. ولكنا لا نتجنب الحكم عليها تجنبا كليا حتى نبتعد عن تذوقها، بل ~~يكفي أن نمنع أذواقنا من القلق والملل ونوقفها عند حدها، لا أن نميتها موتا. قال: والنقد ~~الحقيقي هو دراسة الأشخاص، أي دراسة الكتاب وقوة الإدراك لديهم، كل على حسب طبيعته ~~بقصد الحصول على صورة صحيحة من نفوسهم، لنضعها في المكان الذي تستحقه، والمنزلة الفنية التي ~~تليق بها، ولا بد من العناية بالنصوص وموازنة بعضها ببعض، ومعرفة الصحيح من الخطأ ~~فيها.» # وهذا هو أساس ما يسمونه الآن طريقة علمية؛ لأنها مبنية على نوع من التحقيق العلمي، الذي ~~لا يتطرق إليه الشك. ولكن ذلك من الصعوبة بمكان في أدب العرب؛ لأن الوقوف على «النسخة ~~الأصلية» كما يقولون، لا يكاد يتحقق في كل المؤلفات، ولا سيما مجموعات الشعر والنثر القديم، ~~غير أن ذلك لا يمنع من العمل على ذلك بقدر الاستطاعة. على أن الظاهر لنا أن معرفة المؤلفات ~~الأصلية ربما لا تتحقق في الأدب العربي. # | الأدب أو البلاغة # الأدب # 1 # عند العرب يشمل كل شيء، أو هو مجموع معلومات الإنسان التي اكتسبها بالقراءة والدرس ~~من علوم عربية كالنحو والصرف، وعلوم البلاغة، والشعر والأمثال، والحكم والتاريخ، وغيرها ~~من فلسفة، وسياسة، واجتماع؛ وحتى جعل ابن قتيبة في كتابه «أدب الكاتب» من شروط الأديب أن ~~يعرف جملة من الرياضيات والصناعات. وقالوا: الأدب كل ما تأدب به الإنسان، يقصدون بذلك كل ~~ما صح أن يعرف فهو من الألفاظ التي ليست لها معان محدودة؛ يطلق على دعوة الطعام، ~~وعلى العادات والأخلاق الكريمة، وعلى التربية والتعليم. قال صاحب تاج العروس: «وإطلاقه على ~~العلوم العربية مولد حدث في الإسلام.» وقد توسع المسلمون في هذا اللفظ بسبب اختلاطهم ~~بالعجم، حتى أصبح معنى الأدب جامعا للعلم والأخلاق والفنون والصنائع وغيرها، فأطلقوه على ~~ضرب العود ولعب الشطرنج، ms014 وعلى الطب والهندسة والفروسية، وعلى مجموع علوم العرب، وعلى ~~مقتطفات الحديث والسمر، وما يتلقاه الناس في المجالس. # هذا التوسع العظيم في استعمال هذا اللفظ يدل على خفاء مدلوله، وخصوصا أن هذا الاستعمال ~~لم يخصص في معنى من هذه المعاني. # 2 # وقد رأينا بعد مراجعة آراء الأدباء أن إطلاق هذا اللفظ على المعنى الذي نستعمله الآن، ~~إطلاق ناقص لا يؤدي المعنى الذي نريده نحن؛ لأننا نطلقه على الشعر والنثر فحسب. وذلك لا ~~يطابق تعريف الأدب عند العرب؛ لأننا نريد أن ندرس ضروب الكلام وأنواع البلاغة، والمؤثرات ~~التي أثرت فيها. ومن رأينا أنه مهما صح من العموم والخصوص والتأويلات الكثيرة، فإنه من ~~الغامض أو من النقص في التعبير أن نخص الأدب بهذا المعنى الذي نريد، ونسلخ عنه معانيه ~~الأخرى، أو نستعمله استعمالا مشتركا. ولم يجلب علينا ذلك إلا خطأ مشهور لم نتداركه، ~~وعندنا من الألفاظ ما هو أولى وأوفق. # وقد حد ابن خلدون الأدب، ورأى «ألا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها» قال: ~~«وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته.» وفهم الأدب كما فهمه أهل زمانه، صناعة من ~~الصناعات تتعلم ويتوصل إليها بالتمرين، لا أثرا من آثار الكتاب والشعراء. فقال: «هو ~~الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم.» وجعل من تمام هذه الصناعة ~~«أن يجمعوا لذلك من كلام العرب ما عساه أن تحصل به الملكة من شعر عالي الطبقة، وسجع ~~متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة، يستقرى منها في ~~الغالب معظم القوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب، يفهم به ما يقع في أشعارهم ~~منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة.» قال: «والمقصود بذلك كله ألا ~~يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم، ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه؛ لأنه لا ~~تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه ...» واختصر التعريف فقال بعد ذلك: «ثم إنهم إذا أرادوا ~~حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل ms015 علم بطرف ...» # نحن لا نفهم الأدب بهذا المعنى العام، ولن يكون تدريسنا على هذه الطريقة العامة. ولكنا ~~نريد أن يكون للأدب موضوع، وأن نحده حدا إيجابيا؛ لذلك رأينا أن نطلق على الشعر ~~والنثر البليغ - وهو ما نقصده من الأدب، وما يراد من دراسته في مدارسنا - كلمة «بلاغة»، ~~وتعرف البلاغة (الأدب) حينئذ: «بأنها الكلام الذي يدعو إلى الإعجاب من حيث الافتنان ~~في الصناعة.» إذ لا يمكن أن نجري على التعريف القديم، وندخل في الأدب ما كان يقصده القدماء ~~من جميع فروع اللغة العربية؛ لأننا ليس من غرضنا أن ندرس ذلك، وليس من غرض إنسان يريد أن ~~يقرأ كلام العرب أن يصرف وقته في قراءة النحو والصرف، وعلم العروض وعلوم البيان، والجغرافيا ~~والتاريخ وغيرها، وإنما يريد أن يقرأ النثر والشعر لا غير؛ ليقف على أسرار اللغة، وليهذب ~~نفسه بما في ذلك من المعاني، وليعرف أغراض الكتاب والشعراء؛ وبالجملة ليعرف سر اللغة ~~العربية وقيمتها؛ وذلك بقراءة الكلام البليغ نفسه من شعر ونثر، ويكفي أن يكون اللفظ متينا، ~~والعبارة واضحة؛ لتصل من نفس المتكلم إلى نفس السامع. كما روى الجاحظ «أن الكلمة إذا خرجت ~~من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.» معنى ذلك أن الكاتب إذا ~~كان مخلصا متأثرا بما يقول، نال من نفس القارئ وبلغ منه المراد. هذه هي البلاغة، وهكذا ~~يجب أن تفهم. فليس ما ندرسه هو الأدب إذا دققنا النظر في التعريف المعروف؛ لأننا نريد أن ~~ندرس أنواع كلام العرب الذي هو الغرض من دراسة الأدب. # قال صاحب كشف الظنون: «الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا وكتابة.» ~~وواضح بعد ذلك أن الأدب ليس هو المنظوم والمنثور، بل هو مجموع العلوم العربية، كما قال ~~المؤلف نفسه: «اعلم أن فائدة التخاطب والمحاورات في إفادة العلوم واستفادتها، لما لم ~~تتبين للطالبين إلا بالألفاظ وأحوالها، كان ضبط أحوالها مما اعتنى به العلماء، فدعت ~~معرفة أحوالها إلى علوم انقسم أنواعها إلى اثني عشر قسما، سموها العلوم الأدبية؛ ms016 لتوقف ~~أدب الدرس عليها بالذات، وأدب النفس بالواسطة، وبالعلوم العربية أيضا لبحثهم عن الألفاظ ~~العربية» (طبعة أوروبا، صفحة 217). # وما دام الأدب هو ما يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا وكتابة كما رأينا، أو هو كما ~~قال الجرجاني في تعريفاته: «عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ.» فلا يصح بعد ~~هذا أن نريد منه النظم والنثر؛ لأن الأدب - كما قالوا - وسيلة لفهم الشعر والنثر اللذين هما ~~أنواع كلام العرب، والوسيلة غير الغاية فلا بد أن نخص ما نفهمه الآن أدبا بالشعر والنثر ~~البليغ، ونطلق عليه «بلاغة» لتكون تسمية حقيقية لا تمس الاصطلاح القديم، بل تنطبق على تعريف ~~البلاغة، فنقول: «بلاغة العرب» ونريد ما يريده الناس الآن من «أدب العرب». # وعلى هذا تكون البلاغة كل قول الغرض منه - قبل كل شيء - الاستيلاء على نفس السامع أو ~~القارئ بفصاحة العبارة وحسن التركيب، وبراعة الكاتب أو الشاعر، أو بعبارة أخصر «هي الكلام ~~الفني الممتع»، والكلام الفني يملأ نفس السامع وعواطفه في أي موضوع كان، وعلى أي معنى ~~دل، وذلك يطابق معنى البلاغة عند العرب كما قال الجاحظ: «وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه ... فإذا كان ~~المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا عن الاستكراه، ومنزها عن ~~الاختلال، ومصونا عن التكلف، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة. ومتى ~~فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها ~~الله من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع عن تعظيمه صدور الجبابرة، ولا ~~يذهل عن فهمه عقول الجهلاء.» # 3 # ويمكن رفع اللبس بين البلاغة وعلوم البلاغة المصطلح عليها الآن، بالرجوع إلى قول عبد ~~القاهر الجرجاني وأشياعه، الذين كانوا يطلقون علوم البيان على علوم البلاغة. على أن الفرق ~~واضح بين البلاغة وعلوم البلاغة. # ويؤيد قولنا: إنه يصح إطلاق البلاغة على ما نسميه «أدب اللغة» أن البلاغة هي تحبير اللفظ ~~وإتقانه؛ ليبلغ المعنى قلب السامع أو القارئ بلا حجاز، ولينال الكاتب أو ms017 الشاعر من الأفئدة ~~ما يريد، وهي المقصودة بقوله - عليه السلام: «إن من البيان لسحرا.» وأنها إبلاغ المتكلم ~~حاجته بحسن إفهام السامع؛ ولذلك سميت بلاغة، وأنها حسن العبارة مع صحة الدلالة، # 4 # وأنها إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. # وأوضح من هذا قول ابن المقفع - كما رواه ابن رشيق وأبو هلال العسكري والجاحظ. قالوا: ~~«لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفع؛ إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجري ~~في صور كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكون، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون ~~شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا»، إلى آخر ما ذكر. # 5 # وقد أطلقوا على الكلام البليغ بلاغة، وقالوا: «بلاغات النساء»، وإذا قالوا: فلان بليغ، ~~أرادوا به شاعرا أو كاتبا فصيح العبارة، واضح المعنى، بقلمه وبلسانه ضرب من سحر الكلام، ~~وشيء من معرفة امتلاك الأفهام، بخلاف الأديب فإنه ليس من الضروري أن يكون شاعرا أو ~~ناثرا. وفي الكلام الآتي عن البلاغة ما يدل أيضا على صحة ذلك، مما رواه الجاحظ في ~~البيان والتبيين عن بعض الأدباء: ~~«أنذركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام؛ فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا، ~~وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم قولا متعشقا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك ~~أملأ. والمعاني إذا اكتسبت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت ~~في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما بينت، وعلى حسب ~~ما زخرفت ...» # وليست كل كتابة تعد من البلاغة؛ فلن يكون الطبيب بليغا في كتبه، ولا الرياضي أو العالم ~~أو النباتي بليغا في نظرياته العلمية. ولكنهم قد يكونون بلغاء في قطع مخصوصة، إذا تكلموا ~~وكتبوا كتابات بليغة، يقصدون منها أن ينالوا من نفس القارئ أو السامع، بخلاف ما إذا قصدوا ~~أن يفيدوا إفادة علمية، أو أن يشرحوا نظرية من نظرياتهم، أو قاعدة من قواعدهم؛ لأن هذا ليس ~~من البلاغة في شيء؛ إذ غرض البلاغة غير غرض التعليم كما قلنا. # والأوروبيون إذا ذكروا من بين الكتاب عالما، مثل ديكارت # Descartes ms018 ~~، أو مشرعا أو اجتماعيا مثل روسو # Rousseau # ومنتسكيو # Montesquieu ~~، أو فيلسوفا ~~مثل رنان # Renan # وتين # Taine # وفولتير # Voltaire ~~، فإنما يذكرونهم ~~من حيث أثرهم في البلاغة، أو لاقتفاء الحركة الكتابية أثر الحركة الفلسفية والاجتماعية، لا ~~من حيث إنهم علماء أو فلاسفة. # ولا بد من الفرق بين البلاغة وتاريخها، # 6 # فتاريخ البلاغة هو البحث في مجموع ما تنتجه قرائح الأمة من علوم وفنون، أو هو ~~مجموع الحركة الفكرية في الأمة؛ ولذلك يكتب مؤرخ البلاغة عن الشاعر والناثر، كما يكتب عن ~~الفيلسوف والعالم، ليجمع صورة كاملة من الحياة العقلية للأمة، فهو لذلك مضطر لأن يكتب عن ~~كل من له أثر في هذه الحركة، وكان الأولى أن يسمى ذلك تاريخ العلوم والفنون. ولكنهم ~~أدخلوه في تاريخ البلاغة من باب التوسع؛ لأنهم لم يكتبوا عن كل علم على حدة، ولم يتوسعوا ~~في ذلك، ولأنهم كتبوا عن ذلك عرضا لإثبات أثر ذلك في تاريخ حركة اللغة. أما من يريد ~~التمكن من شيء فعليه بكتبه الخاصة به، وعلى كل حال فتاريخ البلاغة بالطريقة المعروفة الآن ~~لا يوجد في كتب العرب بهذا التسلسل كما هو عند الأوروبيين. وكتب الأدب الخاصة بأمة من الأمم ~~مثل: نفح الطيب مثلا، عبارة عن دائرة معارف؛ لأن بها من كل شيء طرفا؛ ففيها: نبذ من ~~التاريخ العام، وشذرات من التاريخ الخاص، وشيء من تراجم الأشخاص، من شعراء وملوك ونوكى ~~وسوقة، وفيها شيء من الفكاهات والملح، وشيء عن وصف البلدان، وغير ذلك من الأمور التي لا ~~تدخل في فن واحد. أما البلاغة فهي أخص من ذلك بكثير. # وقد ظن جماعة من العلماء والأدباء أن الغرض من البلاغة نشر المعلومات الصحيحة بأسلوب يلذ ~~للنفس، وقالوا: إنه لا يصح أن يقول الشاعر ما لا معنى له، أو يكتب الناثر صحيفة أو صحيفتين ~~بدون أن تحتوي على معلومات مفيدة؛ وحتى قال تين # Taine # في ~~مقدمة كتابه تاريخ البلاغة الإنجليزية: # 7 ~~«إن البلاغة صورة كاملة صحيحة من الزمن والأشخاص الذين يعيشون فيه.» وقال: إن ~~الغرض من البلاغة التوصل ms019 إلى معرفة نفس الإنسان؛ لأنها ظرف لأفكاره، كما أن الصدف وعاء لما ~~فيه، والرأي الصحيح السائد هو أن الغرض من البلاغة إعجاب القارئ أو السامع ببراعة الكاتب أو ~~المتكلم، وأنه لا يطلب من البليغ أن يملأ كلامه بشيء من المعلومات الصحيحة، وليس الشاعر ~~مضطرا لأن يأتي بالفلسفة والحكمة في شعره، كما أن الغرض من التصوير هو إعجاب الناظر، ~~والاستيلاء على حواسه الظاهرة بما في الصورة من الإبداع والإتقان. ولكن ليس معنى ذلك أن ~~الكاتب أو الشاعر يتصيد الألفاظ والجمل الجميلة، ويرصفها رصفا بدون أن تحتوي على معان، ~~كما أنه لا يقصد من المصور أن يأتي بالألوان المختلفة بعضها بجوار بعض، بدون أن يكون هناك ~~رسم خاص أو صورة معينة؛ وإلا كان الإعجاب إعجابا ظاهرا لا يلمس القلب ولا يحرك العواطف، ~~كذلك البلاغة سواء بسواء، وإذا كان الغرض الإعجاب ببلاغة الكاتب أو الشاعر، فذلك لن يكون ذا ~~أثر فعال في النفس إلا إذا كانت ذات معان دقيقة حقيقية أو تدل على الحقيقة، والأدباء ~~العصريون الآن يرون أن البلاغة فن من الفنون الجميلة مثل: التصوير، والموسيقى، الغرض منها ~~تهذيب النفس وترقيق العواطف، وتقوية الملاحظة، فهو مسلاة النفوس وأنيس الجليس؛ فعلى هذا هي ~~ضرب من الكمال. أما من جهة أنها معرض عام للحياة، وجعبة لأفكار الإنسان، ومسرح الآراء ~~والفلسفة، فهي شيء من الضروريات لتربية الأفكار وتهذيبها، وإن جاء ذلك عرضا لا ~~قصدا. # وظن جماعة من الأدباء أيضا أنه يكفي الاطلاع على تاريخ البلاغة وتصفحه؛ ليقف الإنسان ~~وقفة إجمالية على سير الحركة الفكرية، وليكتفي بذلك من عناء قراءة كل كاتب أو شاعر أو مؤلف، ~~ومن بين هؤلاء رنان # Renan # فقد قال: «إن دراسة تاريخ ~~البلاغة يمكنها أن تغني عن دراسة الكتب نفسها.» ورد عليه في ذلك الأستاذ لنسون # Lanson # في مقدمة كتابه تاريخ البلاغة الفرنسية، # 8 # وقال: إن ذلك معنى سلبي للبلاغة؛ لأنه يجعلها أشبه بتاريخ للأفكار أو الأخلاق ~~... قال: «ولا مناص من الرجوع إلى المؤلفات نفسها، لا إلى الملخصات والمختصرات؛ إذ لا يكفي ms020 ~~معرفة فن التصوير بقراءة تاريخية، بدون أن ينظر الإنسان إلى الصور نفسها، والبلاغة كالفنون ~~لا يمكن التفرقة بينها وبين شخصية الكاتب.» إذ إنها تحتوي على معان ودقائق تتجدد كلما أنعم ~~الإنسان النظر فيها، كما أن القصيدة الواحدة كلما قرأها القارئ تأثرت نفسه بأثر جديد، وفهم ~~منها شيئا جديدا، بل هي عبارة عن تمرين فكري، ونوع من ترقية الذوق، وضرب من السرور. وقال ~~الأستاذ لنسون # M. Lanson ~~: «والبلاغة لا تتعلم ولا ~~تحفظ. ولكن يتعهدها الإنسان بالتنمية، ويميل إليها ويحبها.» فمن خواصها أنها توجد ~~للنفس لذة عقلية وسرورا نفسيا، وذلك يساعد على تربية الذوق واستعداد الفكر لقبول ~~الجمال، كما أنها وسيلة من وسائل تربية النفوس تربية فنية. # وإذا كان من غرض المشرع الأمر والنهي، ليعمل الناس الخير ويتجنبوا الشر، فليس من غرض ~~البليغ - أي الكاتب أو الشاعر - عرض حقيقة من الحقائق، ولا أمر ولا نهي. ولكن غرضه الأول أن ~~ينال من قلب السامعين والقارئين، ويؤثر فيهم ويحرك من نفوسهم، سواء قرب من الحقيقة أم ~~بعد عنها. ومن هذه الوجهة ربما يصح أن نلتمس عذرا لأدباء العرب الذين قالوا في الشعر: «إن ~~أكذبه أعذبه.» ولكن تهذيب الإنسان وتعلمه العلوم والفنون المختلفة في هذه الأيام، حمله ~~على ألا يقبل شيئا خاليا من معنى، أو محتويا على فكر غير صحيح؛ ولذلك ظهرت الحركة ~~العلمية الأدبية الآن، وغرض العلماء منها أن يمزجوا أنواع البلاغة بأنواع العلوم، وألا ~~تكون البلاغة عبارة عن خيالات محضة، أو تصورات بعيدة عن الحقائق، وزجوا بها من مكانها إلى ~~موضع آخر أقرب إلى العلوم، وظهرت القصص العديدة المملوءة بالمعلومات المفيدة والفنون ~~المتعددة. ولكن لا يزال هناك حد فاصل بين البلاغة والعلم؛ لأن البلاغة دراسة العقول ~~وحالة الاجتماع، فهي عبارة عن معلومات عامة، وملاحظات للكاتب، وتأثرات اكتسبها من الخارج، ~~دخلت في نفسه وخرجت للناس لابسة شخصيته. ولم تغير حركة الإيجابيين # Les Positivistes # العلمية من البلاغة إلا طريقة التصور ~~والخيال. أما البلاغة من حيث إنها فن سره في تركيب اللفظ، ووحي النفس، فلم تتغير ms021 بحال ~~ما، وكل ما تغير هو موضوعاتها التي أصبحت مبنية على التعقل والتدبر، وعلى عرض الحياة ~~عرضا مملوءا بالحكمة والعبرة. وهذا أثر العلوم الحديثة وأثر تعلم الإنسان وتربيته تربية ~~علمية. # | أنواع البلاغة # البلاغة أو الكلام البليغ فن من الفنون الجميلة الفطرية للإنسان؛ لأنه مدفوع بطبيعة ~~الحاجة إلى التفاهم، وسائر بفطرته إلى التعبير عما يجول بخاطره من سرور وحزن وآلام ولذة ~~وارتياح. وكل متكلم يرغب في أن يكون له سلطان على نفوس السامعين، وأن يحملهم على تصديق ما ~~يقول، والإنسان حساس يتأثر بصناعة الكلام، وتفعل فيه براعة المتكلم، وحسن العبارة ما لا ~~ينال منه البرهان والتعقل. والكلام من وسائل الاستيلاء على العقول، وتقابل النفوس بعضها ~~ببعض، ونشر الحقائق والأدلة والبراهين. وبقدر ما تكون براعة المتكلم أو الكاتب في الوصول ~~إلى إفهام السامع ما يريد، وبلوغه المعنى الذي قصد، يكون كلامه أمتن، وتكون عبارته أبلغ إلى ~~النفس؛ ومن هنا سمي الكلام بليغا. # ولكن بلوغ هذا المراد صعب، واختيار الألفاظ الدالة على المعاني المقصودة دلالة تامة ~~عسير، وكل إنسان له استعداد خاص، وميل لنوع من التعبير يوافق طبعه، وينطبق على مزاجه. ~~والمعاني كثيرة مختلفة، والألفاظ الدالة عليها تختلف في وضوح الدلالة ودرك المعنى؛ ولذلك ~~اختلفت التعابير، وتباينت الدلالات. وتتفاوت ضروب البلاغة بتفاوت الاستعداد الفطري، وقوة ~~العقول، وقالوا: «اختيار المرء قطعة من عقله.» # ولكن ليس كل إنسان أهلا لأن يكون بليغا؛ لأن البلاغة هبة فطرية واستعداد نفسي، فليس ~~أصعب من أن يصل الإنسان إلى التعبير عما يرى أو يشعر، تعبيرا دالا على الحقيقة دلالة ~~تامة؛ لأن الإنسان يتفاوت قوة وضعفا في ذلك، كما يتفاوت في إدراك المبصرات على حسب قوة ~~نظره وضعفه. فقد يتألم آلاما شديدة تكاد تذهب بقواه، وتستولي على جميع حواسه، ومع ذلك لا ~~يمكنه أن يفسر ما يشعر به إلا بكلمات معدودات محفوظات، يقولها أيضا من كدر صفوه إنسان ~~لا يحب مجلسه، أو غاب عنه صديق وهو في انتظاره منذ ساعة أو ساعتين، وقد يظفر الإنسان ~~بأمنيته، ويحصل على ضالته المنشودة، ms022 ولا يستطيع أن يعبر عما في أعصابه من الهياج، ~~وعما في نفسه من السرور، إلا بإظهار الارتياح، وبسط الجبين، مما يحصل عند من لاقى ~~صديقا له في الطريق فهش وبش في وجهه. # والبلاغة إما أن تكون عبارة عن إظهار ما يجول في نفس الإنسان، من عواطف وإحساسات وخيالات ~~وغيرها، مما يدل على شخصية الكاتب أو المتكلم فحسب، وإما أن تكون صورة غير صورة نفس ~~الكاتب أو الشاعر؛ أي صورة من الحياة العامة للإنسان - أو جزءا من تاريخ الإنسانية، كما ~~يقولون - فالأولى هي البلاغة الوجدانية # 1 # والثانية هي البلاغة الاجتماعية. # هذا هو التقسيم الفني في البلاغة، وهذه هي أنواع البلاغة، وعلى حسب ما تكون البلاغة ~~جزءا من الحياة العامة لكل إنسان وفي كل زمن، يكون الكلام أثبت، وتكون العبارة أمتع، وتكون ~~الكتابة أبقى وأخلد؛ لأن البلاغة التي تنال من كل نفس هي التي تبقى، والأفكار التي تجد ~~لها عند كل إنسان أذنا واعية لا تبلى، وذلك لا يكون إلا إذا صادفت شيئا عاما ينزل من ~~كل نفس، ويصح أن يقبله كل فكر، ولا يثقل على الطبائع. وهذا هو سبب ارتياح النفوس للحكم ~~والمواعظ؛ لأنها تنال من كل نفس وتتسرب إلى كل فؤاد، وهو السر في رأي من فضل أشعار ~~الحكمة في مثل قول النابغة الذبياني: # ولست بمستبق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال المهذب # وقدم أبا الطيب المتنبي وأبا العلاء المعري؛ لأنهم جاءوا بالحكمة في أشعارهم، ~~وتكلموا عن بعض طبائع الإنسان وعقائده الكامنة في كثير من الأشخاص. مثل هذه البلاغة في ~~القول تبقى ما بقي الإنسان. # 2 # والناظر لأول وهلة في اللغة العربية يجدها خالية من هذا النوع، الذي له أثر في نفس كل ~~إنسان؛ لأن بلاغة اللغة العربية في جملتها تعبر عن نفس قائلها لا غير، ولا تكاد تخرج عن ~~شعور الشاعر وتصورات الكاتب؛ لأن العواطف هي أصل الشعر العربي والباعث عليه. # 3 # ومن هنا كانت له هذه المتانة والقوة في التعبير؛ إذ الإنسان أخلص ما يكون إذا ~~دفعه ms023 شعوره إلى القول، ومتى أخلص الكاتب أو الشاعر فيما يقول، كان أثره أقوى في النفس وأدعى ~~إلى الإعجاب، وكان جمال القول أظهر، وكانت البلاغة أصح وأبين، وهذه ميزة الشعر الجاهلي؛ ~~لأنه يكاد يكون خاليا من المبالغة والكذب، صادرا عما في نفس الشاعر وعقائده. # ولكن العواطف محدودة، وشعور الإنسان بالفرح والسرور والغضب والرضا لا يكاد يتغير. ومهما ~~وجد الإنسان من ضروب التعبير في ذلك، فإنها توشك أن تنفد، ليس للخيال فيها مجال واسع؛ ولذلك ~~يكثر فيها تكرار المعنى الواحد؛ إذ الغرام وشكواه، أو البكاء والنحيب، أو المدح والذم، أو ~~الوصف والتشبيه، ذلك كله ذو معان سرعان ما تنفد من قائلها؛ ولذلك تجد المعنى الواحد مكررا ~~عند نفس الشاعر في قصائد متعددة، يسترها خلاف الألفاظ الظاهري. # ومن هنا أيضا جاءت السرقة في الشعر؛ ذلك لأن المعاني والخيالات محدودة، وفكر الشاعر ~~محدود، فلا بد للشاعر من تكرار المعنى والسطو على معاني غيره يلبسها لباسا آخر من ~~الألفاظ؛ فتجد العاشق يخاف الرقباء ويشكو الجفاء والهجر، ويتألم من طول الليل، ويبكي ألم ~~الفراق. على أن هذه المعاني تختلف باختلاف شعور كل إنسان، وقد يجد فيها الشاعر مجالا واسعا. # 4 # ولكن شعراء العرب لم يبيحوا لأنفسهم هذه الحرية في القول ولا في الخيال، بل ~~وقفوا أنفسهم على اتباع طريقة الشعر القديم، وأخذ يقلد بعضهم بعضا في المعنى الواحد، ولا ~~أنبئكم بما في باب «سرقة الشعر»؛ فقد يجد الإنسان المعنى الواحد عند عشرات من الشعراء ~~مكررا. # ومع هذا فقد ظن العرب أن شعراءهم طرقوا كل معنى من قديم، ووصلوا إلى كل خيال # 5 # فوضعوا من أول الأمر القواعد والقوانين في ذلك، ورسموا المعاني وحددوها، وحصروا ~~أنواع الشعر والخيال، وجعلوا لها خطة وقانونا. كما فعل قدامة في كتابه «نقد الشعر»، وتبعه ~~في ذلك من جاء بعده. وروى ابن رشيق «في العمدة»: أن قواعد الشعر أربعة: الرغبة، والرهبة، ~~والطرب، والغضب. فمع الرغبة يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع ~~الطرب يكون الشوق ورقة النسيب، ومع الغضب يكون ms024 الهجاء والتوعد والعتاب الموجع ... وقيل لأحد ~~الشعراء: أتقول الشعر اليوم؟ فقال: والله ما أطرب ولا أغضب ولا أشرب ولا أرغب، وإنما يجيء ~~الشعر عند إحداهن. ورد بعضهم الشعر كله إلى نوعين : مدح وهجاء، قال: «فإلى المدح يرجع ~~الرثاء والافتخار والتشبيب، وما تعلق بذلك من محمود الوصف، كصفات الطلول والآثار والتشبيهات ~~الحسان، وكذلك تحسين الأخلاق، كالأمثال والحكم والمواعظ، والزهد في الدنيا والقناعة، ~~والهجاء ضد ذلك.» # وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلت لأعرابي: من أشعر الناس؟ قال: من إذا مدح رفع، ~~وإذا هجا وضع. فكان الشعر عند العرب وجدانيا على حسب تقسيمهم وفهمهم له، وهذا من ~~مميزاته؛ لأنه كله على هذا النحو، حتى في الشعر الحماسي؛ فإنك إذا قرأت أخبار الحروب وجدت ~~شخصية الشاعر ظاهرة فيها؛ لأنه يفتخر بشجاعته وبحسبه، وذلك يجعل الشعر أقل أثرا في نفس ~~القارئ مما إذا تجرد الشاعر عن نفسه، ودخل فيما يصح أن يكون صورة من صور النفوس ~~الأخرى، وحالة من الأحوال العامة، بخلاف الشعر الاجتماعي. # 6 # لسنا الآن في موقف يسمح لنا أن نشرح هذه البلاغة العامة أو الاجتماعية شرحا وافيا، ~~ولكنا أردنا أن ندل عليها دلالة إجمالية؛ ليتبين الفرق بين البلاغتين. وليس لنا ولا لإنسان ~~أن ينكر أن هذا النوع من البلاغة لا يوجد عند العرب وجوده في بلاغات الأمم الأخرى. أجل، ~~إن الحكم والمواعظ تملأ أشعار العرب. ولكن هذا النوع من البلاغة النفسية # 7 ~~(بسكلوجية) لا تكاد توجد عند العرب، وإن وجدت فهي قليلة نادرة ندور وجود ~~الشعر القصصي؛ لأن «تحليل» نفس من النفوس الإنسانية لا يكون، ولا يمكن أن يكون، إلا في ~~القصص الطويلة التامة. والشعر العربي لا يعرف القصص الطوال، وإن وجدت قصيدة أو قصيدتان في ~~ذلك فلا يصح أن يحكم به على الشعر العربي؛ لندورته. ويكفي في ذلك أن أصبح الغزل افتتاح ~~كل قصيدة، كذكر الغرام ووصف الدمن، وبكاء الأطلال؛ حتى صار ذلك طابعا من طوابع الشعر ~~العربي، وإن كان الشاعر لم يعشق عمره، ولم يتذوق للغرام معنى، ولو كان المقام ms025 لا يصح فيه ~~ذكر العشق. # 8 # غير أن هذه هي طريقة الشعر العربي وذلك أسلوبه، فلا يعاب عليه ذلك، كما أن شعراء ~~اليونان كانوا يبدءون شعرهم بمناجاة ربة الشعر؛ لأن هذا أثر يدل عليهم ويميزهم من غيرهم؛ ~~كذلك الشعر العربي سواء بسواء. # ومهما يكن من شيء، فإنا إذا بحثنا في الشعر العربي عن قصص طويلة مستوفاة لا نجد لها ~~أثرا، كما نجد ذلك عند جميع الأمم الأخرى، وقد قال بعض المستشرقين: إن العرب كجميع الأمم ~~السامية لا يعرفون الشعر القصصي الطويل، وإنه من طبيعة السامي أن يختصر القول اختصارا، ~~ويقصد إلى الحكمة فيضعها في كلمة أو كلمتين، ويعمد إلى الفكر الكبير فيسطره في بيت أو ~~بيتين، وإنه من شروط الشعر عنده أن يشتمل كل بيت على معنى تام، ويكون قائما بذاته. قالوا: ~~ولذلك كثرت الأمثال والحكم عندهم. # ولعل العرب في جاهليتهم لم تنضج عندهم صناعة الشعر نضجا كافيا. ومهما قيل من أن ~~المعلقات لا يصح أن تكون من أوائل الشعر العربي؛ لما بها من الصناعة والإتقان - وذلك يستلزم ~~أن يكون الشعر قد تخطى زمنا طويلا، وأدرك أطوارا مختلفة - فإنا لا نزال نرى فيها ~~سذاجة ظاهرة، وصناعة أولية. وإذا جارينا بعض المستشرقين القائلين بأن كثيرا من الشعر ~~الجاهلي دخيل، كانت السذاجة ممتدة في الصناعة الشعرية إلى ما بعد الإسلام. والحق أن طبيعة ~~السامي غير طبيعة الأمم الأخرى من حيث الخيال والتصور، فقد سلك مسلكا آخر في طرق التعبير ~~غير ما سلكه غيره، ولم يلتفت لمجاراة الأمم الأخرى في بلاغتهم، ولم يسمح له حب لغته ~~والإعجاب بها، أن يقلدهم، أو أن يزيد شيئا لم يكن من مخترعاته، ولا من مميزات لغته؛ فاكتفى ~~بما عنده وقنع بما في يده. # وتقسيم العرب للشعر لم يكن من حيث الأغراض العامة كما قسمناه، وإنما قسموه من جهة النوع، ~~أو من جهة أغراض الشاعر نفسه: كالمدح والذم، والوصف والنسيب، إلى آخر ما هناك. وجاء النقاد ~~فآثروا هذا التقسيم، ولم يفكروا في تقسيم آخر، كما فعل أهل أوروبا ms026 في تقسيم الشعر إلى: ~~«أبيك» وإلى «ليريك» ... إلخ. بل كان تقسيمهم جزئيا لا كليا. وذهب بهم ذلك إلى البحث في ~~البيت الواحد أو البيتين، وأكثروا من البحث في اللفظ والديباجة؛ فقسم ابن قتيبة في مقدمة ~~كتابه «الشعر والشعراء» أنواع الشعر «إلى ما جاد لفظه ومعناه، وإلى ما جاد معناه وساء ~~لفظه.» إلى آخر ما قال هناك. وذكر قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر» شيئا مثل هذا: كنعت ~~اللفظ «بأن يكون سمحا، سهل مخرج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من ~~البشاعة.» ونعت الوزن ثم نعت القوافي ... إلخ. وذكر «أن أغراض الشعراء وما هم عليه أكثر حوما، ~~وعليه أشد روما، هو المديح والهجاء، والنسيب والمراثي، والوصف والتشبيه ...» وأخذ يذكر نعوت ~~وشروط هذه المعاني، وكذلك قلده من جاء بعده. فسار الأدباء على هذا النحو، ولم يفتح ~~النقاد بابا جديدا في الشعر، بل ألزموا الشعراء أن يقفوا أثر المتقدمين في موضوعاتهم ~~وأساليبهم، وهذا من الأسباب في وقوف حركة البلاغة عند العرب. فإذا لم تحصل هناك أنواع ~~جديدة، خصوصا في الشعر # 9 # فلأن المتأخرين اقتفوا أثر المتقدمين فلم يبتدعوا ولم يبحثوا للبلاغة نفسها، ~~وإنما جعلوها وسيلة لا غاية. # ومن أسباب عدم وجود الشعر القصصي عند العرب عدم نظر العربي في الاجتماع نظرة عامة؛ لأن ~~العربي كان يهتم بنفسه وبفوائده الشخصية، ومن هنا جاءت مسألة العصبية، والغرض منها حماية ~~الشخص ضمن قبيلته، وحالته المعيشية تجبره على ذلك، وعيشته البدوية وما فيها من القتال ~~والنزاع سيرت أفكاره في طريق خاص. # والشعر القصصي النفسي يحتاج إلى شيء من التعمل والكلفة، ودقة النظر والفكر، وشيء من ~~المعاني الفلسفية الاجتماعية؛ لأنه يستلزم إظهار البلاغة في معنى فلسفي، بمثل ذلك يمكن أن ~~يفيد الشعر؛ لأنه يصور النفوس تصويرا تاما، ويصور الحياة صورة حقيقية أو قريبة من ~~الحقيقة، وهذا ما قصده العرب من وضع الحكم والأمثال في البيت والبيتين من الشعر. ولكن ~~ذلك لا يفيد الفائدة التي في القصص، وقد أصبح من اللازم الآن أن يضم الكاتب أو ms027 الشاعر على ~~كلامه وأفكاره صفة الأشخاص الجسمية أبطال قصصه؛ ليجسم المعنى في نفس القارئ أو السامع، ~~ولتكون أقرب إلى الحقيقة وأدعى إلى العظة. # كل هذا يحتاج إلى الروية والفكر، والعربي لا يعرف الروية في القول ، ولم يتعود كد ~~القريحة، كما قال أبو عثمان الجاحظ: وكل شيء للعرب إنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا ~~مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام، وإلى رجز ~~يوم الخصام، أو حين أن يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة ~~والمناضلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى ~~العمود الذي إليه يقصد؛ فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ~~ثم لا يعيده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده. # وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر ~~وأكثر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، ~~وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ~~ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله؛ ~~فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم، من غير تكلف ولا قصد ~~ولا تحفظ ولا طلب. # 10 # هذه هي حقيقة البلاغة عند العرب وجماع القول فيها، # 11 # وهذا يخالف طريقة الشعر القصصي المعروفة الآن، التي اتخذها الأدباء والكتاب ~~والشعراء قاعدة لهم، بل إن الشعر القصصي المصطلح عليه الآن المسمى عندهم «أبيك» - وهو ما ~~نسميه نحن بالشعر الحماسي - خاص بالحروب وسير الشجعان، وما يلاقونه في حياتهم من الأسفار ~~والحوادث، كما في قصة «الأودسى» لهومروس، وكما في «أنشودة رولند» الفرنسية، التي فيها وصف ~~حرب من حروب شالمان. # والشعر القصصي من لوازمه تسلسل المعنى لاتصال الأبيات بعضها ببعض، وذلك يخالف أصول الشعر ~~العربي وصناعته، قال ابن خلدون في باب صناعة الشعر: «وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه؛ ~~حتى كأنه كلام ms028 مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب ~~أو رثاء، فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته، ثم يستأنف في البيت الآخر ~~كلاما آخر كذلك، ويستطرد للخروج من فن إلى فن، ومن مقصود إلى مقصود.» # وجملة القول أن الشعر العربي ميزته الأولى أنه شعر وجداني، يمثل العواطف والإحساسات ~~الشخصية، وأنه احتوى في جملته على أنواع كثيرة، وأن هذه الروح الشعرية الفطرية هي سبب ما ~~فيه من المتانة وخفة الروح، وموافقته لكثير من الطبائع؛ فإن أكبر مظاهر البلاغة العربية ~~الأولى هو الشعر، وأكبر منابع الشعر الفطرة والوجدان والخيال والحياة العامة. فالشعر القديم ~~وجداني فطري في أصله ومأخذه، اجتماعي في صورته وشكله؛ لأن به كثيرا من أثر الاجتماع ~~العربي. ولكن الشعر القصصي والشعر التمثيلي بالمعنى المعروف الآن عند الأدباء في بلاغات ~~الأمم الأخرى لا وجود له عند العرب. # 12 # على أن هذا ليس بمعيب للشعر العربي؛ لأن لكل أمة منزعا، ولكل شعب خيالا خاصا، وطريقة ~~خاصة في التصور والإدراك والصناعة، وشعر العرب في نوعه لا يضارع ولا يجارى في أمة ~~أخرى. # | الشعر الجاهلي # الأمة العربية من أذكى الأمم وأصفاها قريحة، وأكثرها استعدادا للرقي. ولكنها انزوت ~~بطبيعة بلادها في جوف الصحراء فرضيت بحالتها، ورغبت في البقاء عليها، واكتسبت من حريتها ~~المطلقة نوعا من الإعجاب، ففخرت على غيرها، وحسب البدوي نفسه أفضل ما يكون إدراكا، ~~وأكمل ما يكون أخلاقا. تعود الحرية في أعماله، فكان كل رئيس قبيلة مقيدا برأي أهله ~~وعشيرته. وكان العربي كريما يجود بكل شيء، وكان سيفه ورمحه ورحله كل ما يملك، يناديه أصغر ~~إنسان باسمه فلان بن فلان، ومع أنه كان ميالا إلى المساواة، وإلى هذا النوع الذي يسمونه ~~الآن «ديمقراطية» كان يرى نفسه قد خص بمزايا ليست لغيره من الأمم الأخرى؛ مزايا في جنسه ~~وأخلاقه، وعاداته ولغته، وكل شيء لديه، فترفع عن الصناعات والأعمال، ووكل ذلك إلى الخدم ~~والموالي والعبيد، وامتاز هو بالشجاعة والكرم والذكاء، وقوة الخيال الشعري، وبلاغة ~~الكلام. ms029 # أما العصبية فكانت أشد ما تكون عند العرب، وهي التي حفظت كيانهم، كما أنها كانت من ~~الأسباب التي هاجت الحرب بينهم، فقد كان العربي يجود بكل شيء في سبيل نصرة قومه وعز ~~قبيلته، وهو مخلص كل الإخلاص؛ لأن ذلك أصبح لديه من أغراض الحياة لحفظ نفسه وأهله. # نشأ العربي على هذه الحرية والسذاجة في العيش، ووهبه صفاء سمائه وصفاء قريحته سهولة ~~الكلام، واكتسب من سهولة عيشه الرضا بما لديه، فلم يكن له هذا النوع من القلق في الفكر، ~~الذي يدعو إلى البحث وحب الاستطلاع، وكان يتهاون بضروب الآلام شأن كل شجاع، ولم يكن يهتم ~~بما سيكون في غده، ولا بالبحث والتنقيب في أسرار الحياة، وكل ما يعرف عن حكمائهم ~~وكهانهم جمل تشتمل على نصائح، وعبارات مملوءة بالحكم والعبرة. # هذه الحياة الفطرية بما فيها من البساطة والسذاجة والأخلاق من كرم وشجاعة ووفاء، هي كل ~~الشعر العربي الجاهلي، أو الشعر العربي الجاهلي هو كل ذلك. كان العربي يصف في شعره ما يراه، ~~ويتكلم عما يشعر به في نفسه من عواطف وفضائل، وقد تكلم وعبر عما يجول بخاطره بنفس ~~الشجاعة والإقدام اللذين كانا له في الحياة. # والعرب أكثر الأمم اهتماما بالشعر واشتغالا به؛ فلا تكاد تجد عربيا إلا نطق بالشعر ~~وقال الأبيات والقصائد، سواء في ذلك رجالهم ونساؤهم وبناتهم وصبيانهم؛ لأن الشعر طبيعة من ~~طبائعهم، وسجية من سجاياهم، فما هو إلا أن يحرك نفس العربي داع صغير أو كبير لينفتق لسانه ~~بالكلام البليغ، وليسترسل في القول استرسالا، فيبدع ويغرب، ويستولي على النفوس استيلاء، ~~ويقود الجماعات ويذكي الحروب، ويصلح ذات البين، ويفعل في النفس فعل الكأس. # ذلك لصفاء قريحته ولصفاء جوه، ولسذاجة فكره وبساطة عيشه، ولحاجته إلى الغناء والتفاخر ~~بحسبه، والدفاع عن نفسه وأهله؛ ولأن طبيعة بلاده الجافة ذات الشكل الواحد لم تلهمه ولم توح ~~إليه من أنواع الجمال غير جمال القول بالتعبير عما يجول بخاطره، وإظهار عواطفه إظهارا ~~ساذجا؛ غاب عنه جمال الطبيعة من حقول وخمائل، ومن جبال وتلال مكللة بالأشجار والأزهار، ~~وندر ms030 لديه جريان الماء وهدوء الجو، فلم ير إلا الصحراء المحرقة ذات الفضاء اللانهائي - على ~~قول المنطقيين - والنخل المصعد في السماء على شكل واحد؛ فأثر ذلك في خياله، وجعله أيضا ~~لا يعرف التغيير. ولكنه إنسان له نفس ككل النفوس ، تتطلع إلى الكلام والتعبير عما هو كامن ~~فيها، وعما تراه وتفهمه من هذه الحياة، وهي من النفوس الصافية تحب الجمال وتميل إلى فهمه، ~~وليس لها من وسائل الفنون إلا البلاغة، فاندفع بطبيعته إلى الشعر، ووصف طبيعة بلاده، وتفنن ~~في ذكر ما يحيط به، من حيوان وغيره، ووصف كل دقيقة وعظيمة في ذلك، ثم أحب جمال المرأة؛ ~~لأنه كل ما عنده من الجمال، فشبهها بالكواكب والماء الزلال، وتصبب ونسب بها؛ لأنه رأى ~~في الحب تسلية للنفس، وشفاء للغليل، ووسيلة من وسائل الارتياح والسرور، وداعيا من دواعي ~~البلاغة؛ فأكثر من ذكرها في أشعاره، وبدأ قصائده بذلك، وهام بها هيام اليونان بذكر آلهتهم ~~في أشعارهم، فأصبح الغزل طابعا من طوابع الشعر العربي، وأبدع في ذلك أيما إبداع. # 1 # هذا ولم يقف الباحثون إلى الآن على أثر يدل على أصل الشعر العربي ولا كيف بدأ، وما وصل ~~إلينا من الشعر القديم، لا يدل إلا على متانة في الصناعة، مما لا يصح أن يكون من أوائل ~~الشعر. # والمظنون أن الشعر القديم لم يصل إلينا لعدم تدوينه، ولانتشار الأمية في ذلك الزمن؛ إذ لا ~~يمكن أن يصل الشاعر إلى هذا الضرب من البيان، ولا إلى هذا الإتقان إلا بتعمل كبير وجهد ~~عظيم، خصوصا هذه الأوزان المختلفة والقوافي المتعددة. وإذا ذهبنا إلى أبعد ما قيل من الشعر ~~الجاهلي، قبل الإسلام بنحو قرنين - على بعض الأقوال - نرى أن هذا لا يكفي لما وصل إليه من ~~الإتقان والإمتاع في الصناعة، ولا لوصول الأفكار لهذا الحد من الحكمة في القول كما في معلقة ~~زهير، وشعر عدي بن زيد وغيرهما؛ لأن الأفراد لا يمكن أن يصلوا إلى ذلك إلا بعد تربية طويلة ~~للمجموع، يتخرج فيها أصحاب المذاهب الخاصة، فلعل الشعر الجاهلي أقدم مما ms031 نظن ~~بكثير. # قالوا: وأول ما انفتق لسان العربي بالشعر كان في سيره مع الأبل أثناء أسفاره، التي كان ~~يقطع فيها الصحراء المحرقة الواسعة الفضاء، وهو على جمله يهتز هذه الهزات المتوالية، التي ~~تطوي وتنشر جسمه طيا ونشرا؛ فدعاه ذلك إلى الحداء ليقطع الوقت، وليخفف على هذا الحيوان ~~ألم السير؛ إذ بحنوه إلى سماع الغناء ينسى هذا الحيوان الصبور كل ألم، وقد ظهر في ~~حركات سيره شيء يشبه أن يكون سببه الطرب من سماع الغناء، في ارتفاع عنقه وانخفاضه. قالوا ~~وأخذ العربي أوزان الشعر من حركات الإبل في سيرها. # ومن المحتمل أن يكون هذا صحيحا، وأن يكون ما دعا العربي لقول الشعر كثرة أسفاره وأتعابه ~~من اختراق الصحراء. ولكن العربي ككل الناس من جهة العواطف والإحساسات والاستعداد إلى قول ~~الشعر. بل ظهر أن العربي أكثر الناس استعدادا لقرض الشعر، وأكثر من قال شعرا؛ لا تكاد ~~تجد أمة أخرى أنتج خيالها من الكلام الموزون المقفى مثل ما أنتج العرب، ولا يوجد عدد من ~~الشعراء في أمة من الأمم أكثر من عدد شعراء العرب؛ لأن الشعر كان سجية من سجاياهم، فكان ~~لديهم أشبه بالحديث والمسامرات عند غيرهم. فلماذا لا تكون هذه الطبيعة النقية، وهذا ~~الاستعداد السليم هما اللذان دعوا العرب لقول الشعر من أول الأمر؟ وأن الحياة البدوية ~~والحاجة إلى الدفاع عن النفس والأهل هي التي فتقت لسانه بهذا الكلام البليغ؟ وأن مفاخره ~~جعلته يملك أعنة الكلام، ويتصرف هذا التصرف في القول؟ وأن هذه الصبغة التي في شعره ~~فطرية ناشئة عن أسباب كثيرة، بعضها خاص باللغة وغنائها والبيئة وما فيها. # وقد قال بعض المستشرقين مثل رينان ومن جرى على مذهبه: إن العرب ككل الأمم السامية ليس ~~لها أساطير في شعرها ولا في عقائدها، وإن هذا يدل على ضيق الخيال لديهم؛ لأن الأساطير ~~والخرافات إنما هي نتيجة سعة الخيال، ونتيجة الحيرة وحب البحث والاطلاع، وإن الفكر كلما كان ~~قلقا متطلعا إلى غاية أسمى وكان بعيد الغرض؛ دعاه ذلك إلى حب البحث وإلى أن يكون ms032 في حركة ~~مستمرة للوصول إلى ما يريد، كأنه يبحث عن حقيقة خفية، وكلما أكثر من البحث ظهرت له أشياء ~~ووقف على معان جديدة، وتبينت له أسرار دقيقة في الحياة، وعرف ما لم يكن يعرف قبلا. ~~قالوا: كل ذلك يظهر أثره في بلاغات الأمم من نظم ونثر، كما هي الحال عند الأمم الآرية ~~كاليونان وغيرهم من الأمم الأوروبية. وقالوا: سعة الخيال، ولا يقصدون بالخيال ما نقصده نحن ~~من المجاز والتشبيه، وإنما يقصدون سعة الخيال في تصور الحقائق وفي إدراك الموضوعات ~~المختلفة؛ لأن أساطير اليونان كان منشؤها البحث عن الخالق وتصوره، فلم ترشدهم عقولهم ~~إلا إلى ضرب من الخرافات، كتبوا عنها وألفوا فيها الأسفار، ونصبوا لها التماثيل، ~~وتوسعوا في الفنون؛ فاستدل الباحثون بذلك على قوة الذكاء وسعة الخيال وحب الجمال ~~والافتنان فيه. وربما كان هذا من الأسباب التي حملتهم على طول الكلام، والميل إلى القصص في ~~النثر والشعر؛ لأن هذا النوع من البلاغة ليس إلا ضربا من سعة الخيال في التصور والفكر ~~والتعبير؛ ومن هنا يكون تعدد الأنواع في ضروب البلاغة نظما ونثرا. # أنكر المستشرقون هذا النوع من سعة الخيال عند الأمم السامية، وفي جملتها العرب. ولكنهم ~~يبالغون في ذلك؛ لأن العرب تصوروا آلهة متعددة، ونصبوا لها الأصنام قبل الإسلام، وكانت ~~لهم أساطير، # 2 # وتخيلوا لشعرائهم نفوسا أخرى من الجن كانت توحي إليهم عبقريتهم، وعدوهم ~~أصحابا لكبار الشعراء، ورووا عنهم الشعر. قالوا: فكان صاحب امرئ القيس لافظ بن لاخط، ~~وصاحب عبيد بن الأبرص هبير، وغير ذلك من الشعراء الكبار، # 3 # أما أن الأمم السامية ذات أفكار هادئة غير قلقة، راضية بصدق وصحة ما ترى، فهذا ~~صحيح في جملته؛ لأنهم أقنع الأمم في حب الاستطلاع، وأرضاهم بما لديهم؛ ولذلك أيضا كانوا ~~أقلهم فلسفة، وأكثرهم سذاجة في حالتهم الاجتماعية وفي نظام حكوماتهم، كما يظهر ذلك في ~~بلاغتهم من شعر ونثر، وكلها أشبه بالحقائق العريانة كما يقولون. # وقد قال جماعة من المستشرقين خصوصا الألمانيين منهم إن نسبة الشعر الجاهلي إلى قائليه لا ~~يصح الاعتماد عليها ms033 ولا التصديق بها؛ لأنه مهما صحت قوة الذاكرة عند العرب ومهما قويت ~~حافظتهم، فإنها لا تحتمل رواية كل هذا الشعر كما كان، وكما نطق به الشعراء الجاهليون؛ لأن ~~الذاكرة كثيرا ما تخون، والأمانة في النقل نقلا صحيحا لا تكون إلا بالكتابة والتقييد، ~~وأن حمادا الراوية جامع المعلقات وراويها متهم في روايته وفي صحة قوله، ومطعون في ذمته ~~بإقراره عن نفسه، وبرواية معاصريه عنه، واستدلوا على ذلك بما في روايات الأغاني وغيرها، مثل ~~ما ذكر في ترجمته: # 4 ~~«سمعت المفضل الضبي يقول: قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أنشده فلا ~~يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك، أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان ~~كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا. ولكنه رجل عالم بلغات العرب ~~وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في ~~شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق؛ فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها ~~إلا عند عالم ناقد وأين ذلك؟» # 5 # وأن خلفا الأحمر وأمثاله خلقوا من الشعر ما لم يكن موجودا في الجاهلية، وكذبوا على ~~الشعراء، وكان يكفي نسبة الشعر إلى أي إنسان، حتى لقد كانوا كثيرا ما يحفظون الكلام بدون ~~معرفة قائله؛ ولذلك تجدهم يعدونه من قصيدة لشاعر ومرة لشاعر آخر من قصيدة أخرى؛ كل هذا يدل ~~على خلط في الروايات، ويحمل على عدم الثقة بها. قالوا: ومما يضعف الاعتماد على الرواة ~~تعدد الأشخاص المسمين باسم واحد، فقد ظهر أن هناك سبعة عشر رجلا، كل منهم يسمى ~~بامرئ القيس، وأربعة يسمون بعلقمة، وثلاثة بعنترة، وخمسة بطرفة. وهذا أيضا من ~~الأسباب التي تدعو إلى الخلط في معرفة صاحب القصيدة، وزادوا على ذلك أن الرواة كانوا ~~يستبدلون بالعبارة البدوية المحضة التي لا يفهمونها من الكلام القديم، عبارات وألفاظا من ~~عندهم على الوزن والقافية نفسها؛ لتكون أوضح لهم ولغيرهم. قالوا: وإذا صدقنا ما قيل عن حماد ~~الراوية، من أنه كان يعي ضمن محفوظاته ستين قصيدة تبتدئ كلها «ببانت سعاد»، ms034 ولا نعرف ~~منها الآن إلا قصيدة كعب بن زهير، ظهر لنا قيمة ما يقوله الرواة وصحة ما يروى عنهم، وقالوا ~~أكثر من ذلك. # 6 # وقد لخص هذه الآراء المسيو «رينيه بسيه» رئيس القسم الأدبي بجامعة الجزائر ~~في رسالة له سماها «الشعر العربي قبل الإسلام ». # الرواية في ذاتها متهمة، ولا يصح الأخذ بها علميا إن كانت رواية ككل الروايات. ولكن ~~المسلمين عنوا عناية خاصة بالرواية، حتى أصبحت من الطرق العلمية؛ لأن كثيرا من أحكام ~~الدين مبنية عليها، ولا يمكن أن تكون قاعدة علمية أثبت وأصح مما وضعوه في رواية ~~الحديث، وما قرروه من الشروط في ذلك، مما يصح الآن أن يكون من أحدث الطرق العلمية. ولكن ~~هل هذه العناية بنفسها وجدت في رواية الشعر؟ هذا ما لا يمكن الجزم به؛ بدليل ما نسب إلى ~~الرواة، وبدليل ما نراه من الاختلاف في ذلك؛ فإن بعض الأشعار لا يزال قائله مجهولا. أما ~~إذا اتبعنا الطرق العلمية المحضة، التي تقول: إنه لا يصح الجزم بالشيء إلا إذا ثبت بدليل ~~قطعي، فلا يصح التصديق بذلك تصديقا تاما؛ لأنه يحتمل عدم الصحة. وأما إذا نظرنا نظرة ~~المتساهل الذي يحسن الظن، ولا يقيد نفسه بالقواعد والقوانين العلمية، فإننا لا نجاري ~~هؤلاء في شكهم، خصوصا أنه في المستحيل أن تكون كل هذه الأشعار أو أكثرها مخترعة، أو ~~منسوبة إلى غير قائلها بدون سبب ولا داع إلى ذلك، وإذا كذب الرواة أو دسوا على بعض ~~الشعراء شيئا، فإن ذلك لا يمكن أن يصل إلى مقدار ما نعرفه من الشعر الجاهلي، وكيف يمكن ~~اختراع هذا الشعر الكثير، وبه من العبارات والأساليب ما يدل على أنه بدوي صرف؟ وأي ~~إنسان يمكنه أن يحصل على هذه القدرة؛ ليشغل وقته بذلك وينسبه إلى غيره، وكان أولى به أن ~~يذكره لنفسه ليفخر به؟ وأي فائدة لأي معتوه أن يتعب في التأليف ويقول: هو لفلان؟ أنرمي كل ~~الرواة وعلماء اللغة والأدب بالكذب أو نتهمهم بعدم الثقة؛ لأن حمادا وغيره كذب مرة أو ~~مرتين؟ وهل يصح ms035 أن نحكم على البلد أجمع بالمرض لأن بها إنسانا مريضا؟ # إن المستشرقين يبالغون في ذلك، كما يبالغ بعض المؤرخين في نسبة التاريخ اليوناني القديم ~~أجمعه إلى الأساطير والخرافات، والحق أن المسألة لا تزال موضع البحث، ولا يمكن الجزم بشيء ~~في ذلك الآن. غير أننا نرجح أن كثيرا من الشعر القديم منسوب كذبا إلى الشعراء ~~المعروفين. ولكن هذا لا يطعن في صبغته العربية من حيث الأسلوب. # | البلاغة والاجتماع # هل البلاغة صورة الاجتماع؟ وهل يصح أن تتخذ حركة الكتابة من شعر ونثر دلالة على حياة ~~الأمم الاجتماعية، وعلى مجموع صورة الاجتماع من أفكار وعقائد، وتصورات وخيال، وذكاء ودقة في ~~الفهم، وخمول في القريحة، أو على ما في الأمم من ميل إلى الجد وإلى اللهو، وما في النفوس من ~~قوة وضعف وإرادة، وعلى اختلاف الأذواق وفهم الجمال، ثم على العادات وغير ذلك، مما يدل ~~على شيء من التاريخ والأخلاق القومية؟ # قال بعض الفلاسفة الاجتماعيين: «يلاحظ أنه حصل منذ هومروس تقدم تدريجي في الكتابة ~~والشعر؛ حتى لقد يمكن أن نعتبر البلاغة صورة للاجتماع، فقد مرت بأطوار كثيرة وأنواع من ~~الموضوعات الساذجة الخاصة بالأفراد، إلى الأنواع العامة، وتطرقت إلى الموضوعات الشريفة التي ~~يمكن أن تمثل الجمهور.» أي بعد أن كان الكاتب أو الشاعر لا يتكلم ولا يكتب إلا عن نفسه ~~وعيشته الخاصة، أخذت الكتابة تتسرب إلى الموضوعات الاجتماعية شيئا فشيئا، حتى انتقلت من ~~وصف الأشخاص إلى وصف الجمهور والمجتمع، وقالوا: طريقة الكتابة والتعبير تدل على نفس الكاتب ~~وحقيقته، يريدون أن الأفكار بنفسها مع أسلوبها تدل على صاحبها، وقالوا بعد ذلك: إن البلاغة ~~صورة الاجتماع؛ يريدون أن ما يوجد من الأفكار في الكتابات من نظم ونثر يمثل الحالة ~~الاجتماعية، ولا سيما الفكرية منها. وقالوا: إن القوانين والنظامات أثر من آثار الرجال. أما ~~البلاغة فتمثل شخصيات الأمم، يريدون أن الكتاب الاجتماعيين يمثلون دائما في كتاباتهم ~~الحالة الاجتماعية للأمم، ويظهرون فيها مجموع الأفكار ومجموع العادات السائدة في ذلك الوقت؛ ~~لأن هذه الكتابات إنما تمثل أشخاصا، وتصور أفرادا من ms036 المجتمع، ومحور الكلام أو مغزى ~~البلاغة يكون دائرا حول جماعة من بيئة خاصة، فهي تمثل هذه البيئة. # وأخلاق الكتاب والشعراء التي تبدو في كتاباتهم إنما هي حالة من أحوال البيئة التي يعيش ~~فيها هؤلاء الكتاب؛ فهم جزء من مجموع الجمهور، الذي يعبرون عن حالته ، ويسمعنا صرير ~~أقلامهم صوته. # وعلى ذلك فالحركة الكتابية هي نفس الاجتماع بما فيه؛ أي صورة أصلية للأمم، وحقيقة من ~~الحقائق الثابتة، تمثل كل ضروب الحياة، وحركات عقول الأفراد من علماء، وأدباء، وفنيين، ~~وفلاسفة، وغيرهم. # ويمكننا نحن أن نضرب لذلك مثلا بالشعر العربي مدة الدولة الأموية من الهجاء والمدح، ~~وانقسام الشعراء إلى أحزاب سياسية، كل يمثل رأيا من الآراء السائدة في ذلك الوقت، ~~وانقسم الشعراء إلى علويين ينصرون آل علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وإلى أمويين يؤيدون ~~سياسة بني أمية، وغير ذلك. # وهل يكون أدل على الحرية في ذلك الوقت من قول النعمان بن بشير، وقد دخل على معاوية أمير ~~المؤمنين يؤنبه على هجو الأخطل الأنصار: # معاوي إلا تعطنا الحق تعترف # لحى الأزد مشدودا عليها العمائم # ويشتمنا عبد الأراقم ضلة # وماذا الذي تجري عليك الأراقم # فما لي ثأر غير قطع لسانه # فدونك من يرضيه منك الدراهم # وإني لأغضي عن أمور كثيرة # سترقى بها يوما إليك السلالم # فما أنت والأمر الذي لست أهله # ولكن ولي الحق والأمر هاشم # فهذا الشعر يصح أن يكون صورة صحيحة من صور الحياة إذ ذاك، ويصح أن يدل على حرية الشعب مدة ~~خلافة معاوية. ومثل ذلك يقال في العادات والأخلاق، كقول امرأة رزقت بنتا، فغضب عليها ~~زوجها وهجرها إلى بيت قريب منها، فكانت تناغي ابنتها بالأبيات الآتية: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # وإنما نأخذ ما أعطينا # ونحن كالزرع لزارعينا # ننبت ما قد زرعوه فينا # فهذا أيضا يدل على ضرب من المعاملات، وعلى أحوال الاجتماع، وعلى ما للمرأة من رقة ~~الأخلاق ولين الجانب. قالوا: ولما سمع زوجها هذا ms037 النشيد هم بتقبيلها هي وابنتها؛ فكان ذلك ~~سببا لرجوعه إلى زوجته. ومثل ذلك يقال في الأشعار الدالة على الكرم والشجاعة والعشق ~~وغيرها. # قال أصحاب هذا المذهب: إن «أمثال» # 1 # لافونتين الشاعر الفرنسي الشهير، «وأخلاق» لابرويير # 2 # الكاتب النقدي، تدل دلالة تامة على حالة الاجتماع في القرن السابع عشر في ~~فرنسا، وعلى زمن لويس الرابع عشر وحاشيته؛ لأن لافونتين مثل الأشخاص في صور حيوان، ~~ولابرويير ذكر في «أخلاقه» صور الذين كانوا يعيشون في ذلك الزمن، بما لهم من الأخلاق والعادات، ~~فكأنما رسم الاجتماع والزمن اللذين كان يعيش فيهما، كما يرسم المصور لوحته بالألوان، ويبين ~~فيها مميزات الشخص. # وعندنا نحن من الأمثلة على ذلك ما يقرب من هذا في البلاغة المصرية «حديث عيسى بن هشام» ~~لمحمد بك المويلحي؛ فإن فيه رسما للحياة والأسر في مصر على اختلافها في زمن من الأزمان. ~~وهو من أفضل الكتب، التي يصح الاعتماد عليها في معرفة الحياة المصرية الحاضرة، وفي معرفة ~~الأفكار والأخلاق والعادات المنتشرة عندنا، والفضائل والرذائل السائدة فينا. # 3 # وكان من رأي جماعة من الأدباء أن القصص والروايات تصح أن تكون منبعا من منابع التاريخ، ~~ومرجعا من مراجعه؛ لأنك تجد فيها كل أشكال الناس؛ ففيها الطفل والشاب، والجندي والحاكم، ~~والمالي والشريف والسياسي، بمميزاتهم وأخلاقهم النفسية والاجتماعية، وبأشكالهم الحقيقية، ~~فقد أخذت الكتابة شكلا علميا تاريخيا، وصارت البلاغة كتراجم لأشخاص ونفوس اجتماعية ~~لأفراد خاصة معينة، أو بعبارة أخرى، أصبحت الكتابة تمثل أخلاق المجتمع، وتكشف حقيقته، كما ~~أن العلوم يتوصل بها إلى تقرير الحقائق، كدرس طبيعة حيوان، أو صفة عامة في فصيلة من فصائل ~~النبات. # هل أصحاب هذا الرأي محقون؟ وهل يؤخذ هذا الكلام على علاته؟ وهل الأشخاص الذين نراهم في ~~جوف القصص وفي بطون الحكايات لهم صورة أصلية في الخارج؟ وهل أوصافهم وأعمالهم ووظائفهم ~~حقيقة من الحقائق الثابتة؟ إذا بحثنا في ذلك بحثا دقيقا وجدنا أن هناك فرقا ظاهرا، ~~وأحيانا مخالفة واضحة بين بعض الكتابات البلاغية وبين البيئة التي نبتت فيها وخرجت منها. ~~وسبب ذلك أهواء الكاتب ms038 الشخصية وأغراضه النفسية، أو تأييد فكرة يعمل على إثباتها ويبالغ في ~~تقديسها. # ذلك لا يظهر في الآداب العربية ظهورا واضحا؛ لأن بلاغة العرب محصورة أو تكاد تكون ~~محصورة في الشعر، والشعر لا يمثل حالة الاجتماع تمثيل النثر له؛ لضيق المجال فيه؛ لأنه لا ~~يسع جميع الأفكار، ولا يحتمل إظهار الحقائق كما ينبغي، لما فيه من القوانين التي يجب ~~على الشاعر اتباعها. وكثيرا ما تضطره إلى ذكر ما لا يلزم أو حذف ما يلزم. فالشاعر لا يجد ~~في شعره الحرية المطلقة التي يجدها الناثر في نثره. ولأن الشعر رغم كل شيء مبناه الخيال ~~والمبالغات، والصناعة الشعرية كثيرا ما تضطر الشاعر اضطرارا لاتباع أهوائه، خصوصا الشعر ~~العربي لأنه أكثر الشعر رونقا وبهاء، وأشده ارتباطا بالنغمات الموسيقية، والموازين ~~والألفاظ الضخمة، والاستعارة والتشبيه والمجاز. # 4 # فجمال الشعر العربي في الصناعة، وهو كذلك عند جميع الأمم خصوصا الشعر الوجداني، فإنه ~~يكاد يكون مبنيا على ذلك فحسب، فكيف يستدل بالشعر على الحقيقة؟ وقولهم: «إن الشعر ديوان ~~العرب، به أخلاقهم وعاداتهم وأنسابهم وحروبهم» ليس معناه أن الشعر يصح أن يكون دليلا من ~~أدلة التاريخ العام؛ فإذا روى أحد الشعراء قصة فلا يصح أن تؤخذ على أنها حقيقة من الحقائق ~~الثابتة، كما في كتب التاريخ، وإلا لصح أن تعتبر الأساطير الشعرية «والأمثال» حجة تاريخية، ~~ولم يقل بذلك مفكر؛ لأن كل الشعر اليوناني القديم خرافي، وكل ما فيه من الآلهة والحروب ~~خرافي أيضا، وربما لم يحصل شيء مطلقا من هذه الحروب، بل من المحقق أن أشيل وأغمنون وآلهة ~~الشعر التي نزلت من السماء أشخاص خياليون، والقصة نفسها خيالية. بل قالوا: إن هوموروس نفسه ~~شخص خرافي لا أثر له في الحقيقة، فكيف تكون هذه الأشعار ومثلها دليلا على حالة الاجتماع ~~وعلى حياة الأمم دلالة تاريخية؟ وهل يصح أن نصدق بوجود الأشخاص الذين وجدوا في أشعار الجن ~~عند أدباء العرب؟ وأن تكون قصة «ألف ليلة وليلة» صحيفة صادقة من صحف التاريخ الإسلامي؟ أو ~~صورة صحيحة من صور الحياة الاجتماعية في بغداد ms039 ومصر وغيرهما؟ لا نزعم أن كل ما بها ضرب ~~من الكذب أو الافتراء. ولكن الإنسان يرى من أول وهلة أن بها مبالغات هي أثر الكتابة ~~الخرافية، والأساطير الأدبية وأثر الصنعة، فيها أشخاص معروفون، فيها ملوك وأمراء، فيها نساء ~~وحكام. ولكن أوصافهم أو أشخاصهم غير حقيقية. # وربما كان هذا الكذب الصناعي هو الذي يحمل ~~القارئ أحيانا على استمرائها، والاسترسال في قراءتها؛ لأن الأشياء التي هي غير مألوفة، ~~كثيرا ما تعجب الإنسان وترضي النفس التي تحب الخداع، وتميل إلى الانتقال وتحب التغيير، ~~خصوصا عندما يكون فيها من الأفكار والخيالات ما يحرك عواطف الشاب، ويعجب الشيوخ والكهول. ~~وكثيرا ما يكون تشويه الحقيقة في الفنون داعيا من دواعي الإعجاب. لماذا يعجبنا أن نرى ~~صورة مشوهة، ذات رأس ضخم على جسم صغير لا يمكنه أن يتحمل هذا الرأس؟ أليس ذلك لأنه غريب ~~عنا، بعيد عما نراه من الحقائق، محرك فينا حب الاستطلاع؟ كذلك الحال في جميع الفنون. ~~غير أن هناك نوعا من الفنون التي تدخل في باب الحقائق، وتجعلها سائغة على النفس خفيفة ~~الروح، سهلة القبول؛ فإن صورة يصورها المصور لإنسان، لا يمكن أن تكون غيره. ولكن ربما ~~اقتضت الصناعة أن يضع على رأسه العمار بشكل خاص، أو أن يغير من شكل ملابسه أو لونها بعض ~~التغيير، أو أن يجعل ارتفاع «طربوشه» مثلا ارتفاعا مناسبا لما يريد، أو أن تقضي ~~الصناعة وضع ثلاثة أو أربعة أزرة في ملابسه، وهو لم يحمل إلا اثنين مثلا. هذه ~~التفصيلات لا تغير من حقيقة الشخص نفسه. غير أنه لا وجود لها، كذلك الحال في الشعر ~~والنثر؛ ففي أشعار العرب ما يدل في مجموعه على أخلاقهم، كالكرم والشجاعة وعدم احتمال الضيم، ~~إلى غير ذلك مما ورد في شعرهم. ولكن لا يمكن أن ندرس إنسانا دراسة تامة في شعره، نعم قد ~~يستدل من كتابات الرجل على شيء من أخلاقه، ويمكننا أن نعرف إن كان الشاعر عاقلا أو ~~مجنونا، كما يمكننا أن نعرف إن كان مخطئا أو مصيبا في أفكاره. ولكن هل ms040 يصح أن نحكم على ~~إنسان بالشجاعة لأنه مدح الشجاعة؟ أو نقول: إنه كريم لأنه مدح الكرم؟ لدينا الآن من يصف ~~السيف والرمح، ويمدح الشجاعة والموت في سبيلها، وهو لا يعرف أن يقبض على السيف، وتهتز ~~فرائصه خوفا إذا هم إنسان يضربه بيده لا بسيفه، وكم من شاعر وصف الخمر وهو لم يشربها، ~~ومدح التقوى وهو لم يعرفها. # وقد يكون للكاتب أو الشاعر رأي خاص، يريد أن ينشره أو يعمل على تأييده، ورأيه غير معروف ~~في البيئة التي يعيش فيها، أو معروف عند القلة، فإن قصص بول بورجيه Paul Bourget ~~، القصاص الفرنسي بها نزعة دينية كتوليكية؛ لأنها تدعو إلى ~~الكنيسة الكتوليكية وإلى مذاهبها، وتعمل على تأييد ذلك، وأنطول فرانس # Anatolé France # المعاصر له رجل فيلسوف ملحد، قصصه مملوءة بالهزء والسخرية ~~من العالم ومن الأفكار الدينية، وكلا الكاتبين يكتب وينشر أفكاره الخاصة في نفس البيئة ~~التي ينشر فيها الآخر أفكارا تخالفها، فأيهما يصح أن يكون قلمه وأفكاره دليلا على البيئة ~~التي يعيش فيها؟ هذا يدل على نزعات فردية، وعلى مجتمعات وأفكار خاصة، لا على الأمة أو حالة ~~الاجتماع العام، اللهم إلا في الكتابة العلمية أو في مذهب الحقائق # Réalisme ~~، الذي من غرضه إظهار الشيء كما هو. على أن ذلك لا يخلو من بعض ~~المبالغة أحيانا، ومن الصناعة التي تضطر الكاتب إلى الخروج عن الحقائق. # وعلى كل حال فلا يصح أن تعتبر البلاغة دليلا صحيحا على الزمن والأشخاص الذين ظهرت بين ~~ظهرانيهم، أو أن تكون أثرا تاريخيا. # نعم لا تكون الكتابة من الأدلة التاريخية لأمة من الأمم؛ لأن الكاتب لا يقصد من وضع قصة ~~تمثيلية لحادثة تاريخية تمثيلا خاليا من الزيادة والنقص. ولكنه يريد إظهار رأيه وإثباته ~~في قصته، وهذا ما يدور عليه محور التمثيل؛ ولذلك يعمل على إظهاره بأي شكل كان وبأي وسيلة ~~كانت، هذه الزينة التي توجد على المسارح من ستائر وأثاثات وألوان وأضواء، وهذه الملابس ~~والحركات والأشكال، قد تكون غيرها في الزمن الذي وجدت فيه القصة وربما لا تشبهها، كالكلام ms041 ~~الكثير والمناظر المختلفة التي لا تكون من القصة في شيء. ولكن المؤلف يريد أن يعجب ~~الحاضرين، وينال من نفوسهم بهذه المظاهر ليتوصل إلى إثبات فكرته، أو إلى نشر حقيقة خفية ~~بهذه الوسائل. كل ذلك لازم تقتضيه قواعد الفن وتستلزمه الرغبة في الإعجاب؛ ولذلك كثيرا ما ~~يغير أصحاب الفنون مناظر القصة التمثيلية إلى غيرها ؛ لأنهم يرون ذلك أوفق وأدعى للجمال، ~~ولأن الفنون ليس من غرضها البحث عن الحقائق، ذلك يرجع إلى الفلسفة والعلوم، إنما غرض الفنون ~~إظهار الجمال. # هذا مثل ضربناه لأن الصناعة فيه أظهر، وعدم اتباع الحقيقة فيه أبين، والجري وراء ~~أهواء الكاتب في إظهار البراعة فيه أوضح؛ لأنه مبني على المشاهدات، ومثل ذلك يقال في ~~أنواع النثر والشعر، وهل مثل قول ابن كلثوم: # إذا بلغ الرضيع لنا فطاما # تخر له الجبابر ساجدينا # يدل على حقيقة؟ وهل هذه كانت حالة الاجتماع في ذلك الزمن؟ هذا من باب الفخر والحماسة ~~وجمال القول والمبالغة، أو من التهاون بالحقائق لاقتضاء الصناعة ذلك. كل ما يمكن أن تدل ~~عليه البلاغة من نظم ونثر، وقصص وحكايات، وروايات تمثيلية واجتماعية، هو مجموع الحركة ~~الفكرية للأمم، والصورة العامة للميول والأهواء للمجتمع، وشيء من حركة النفوس والعقول، وبعض ~~الأخلاق والعادات التي يمكن أن تؤخذ من بطون هذه الصحف. # وقد قال بعض النقاد: إن الحالة الاجتماعية لأمة من الأمم تعرف من آراء النقاد أكثر ~~مما تعرف من البلاغة نفسها؛ أي إنه يمكن أن يعرف الإنسان من ملاحظات النقاد على الكتاب ~~والشعراء صحة مطابقتها للأخلاق والعادات من عدمها؛ لأن النقاد يرون ما لا يراه الكاتب نفسه؛ ~~فتكون آراؤهم أقرب إلى الصواب من آراء الكاتب، وهذه الآراء تبين أفكار الكاتب وحكمه على ~~المجتمع الذي يعيش فيه، نضرب لذلك مثلا بحالة القصص الاجتماعية الآن: كثير من هذه القصص ~~يمثل طبقات الناس تمثيلا غير حقيقي، يمثل المرأة أو الفتاة في حالة من الأخلاق لا يرضاها ~~لها إنسان، خصوصا في موقف الحب والغرام، كما هي الحال في القصص التمثيلية، فلو لم تظهر ~~آراء النقاد ms042 ما في هذه الكتابات والأفكار من المبالغات، واعتمد كل إنسان على ما يقرؤه في ~~أخذ الحقائق منها؛ لامتلأت نفسه خطأ من الحكم على المجتمع، وكما هي الحال للأجانب الذين ~~يصفون البلاد من بطون الكتب لا غير، كالقصص والروايات، ويحكمون عليها بناء على ذلك؛ لهذا ~~قيل: إن الحكم على البلاغة نفسها هو صورة الاجتماع ؛ أي إن المؤرخ الذي يريد أن يأخذ شيئا ~~من كتابة الأمم للحكم على مدنياتها، عليه أن يجمع آراء النقاد المختلفة ويوازن بينها؛ ~~ليستخلص منها صورة صحيحة من الحالة الاجتماعية، فقد يجد أفكارا متناقضة مختلفة في عصر ~~واحد؛ لأن كل إنسان له رأي، فإن لم يكن هناك تمييز بين هذه الأفكار فبأيها يحكم القارئ؟ ~~وعلى أي اجتماع يكون حكمه صحيحا؟ وماذا تكون الحال إذا حكمنا على زمن الرشيد بشعر أبي نواس ~~وأمثاله، وحكمنا على الشعراء بمثل هذه الأخلاق؟ وأبو نواس يكاد يكون وحيدا في ~~بابه مع أصحابه، كما قال حمزة بن الحسن الأصبهاني جامع ديوان أبي نواس: «وقد خص شعر أبي نواس ممن لهج بإضافة المنحول إليه بما ليس في غيره من ~~الأشعار، وذلك أن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريقهم؛ لأن جل أشعاره في ~~اللهو والغزل والمجون والعبث، كأشعاره في وصف الخمر ولغة النساء والغلمان، وأقل ~~أشعاره مدائحه. وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه، وكانوا من بعده؛ فأبو نواس ~~في توفره على الهزل بإزاء عمران بن حطان وصالح بن عبد القدوس في ~~توفرهما على الجد الصرف.» # هذا معنى أن آراء النقاد هي صورة الاجتماع أكثر من البلاغة نفسها. وجملة القول أن كل ما ~~يصح أن يؤخذ من البلاغة هو الحالة العامة للأفكار، وطريق سيرها في زمن من الأزمان، حتى ~~في البلاغة الحقيقية التي تنشر الحقائق بدون زيادة ولا نقص؛ لأنه ليس الغرض منها تقرير ~~الحقائق، بل عرض صورة الشيء عرضا إجماليا وبث العبرة والعظة. كما إذا وصف الكاتب رجلا ~~قذرا رث الثياب حافي الأقدام، فإنه لا يصفه لذاته، وإنما يصفه لإظهار النفس الكامنة ~~فيه، ms043 وكما نجد في الكتابات الحديثة الآن أثناء الكلام على شخص من الأشخاص، وصف حجرته، وما ~~لديه من الأثاث وغيرها؛ كل هذا للتوصل للحكم على الرجل وعلى نفسه. فإذا أردت أن تبحث عن ~~أمة من الأمم، فإنك لا تجدها في بلاغتها، وإنما تجد في بلاغتها أذواقها وأنواع ~~ميولها. # | النزعات المختلفة في فهم البلاغة # يقرر العالم نظريته ويبرهن على رأيه، ولا يكاد ينتهي من تقريره البرهان حتى تخرج ~~الحقيقة من نفسه إلى نفوس سامعيه، وتظهر آراؤه لدى تلاميذه جلية واضحة، وتنتقل من تلاميذه ~~إلى غيرهم، وتدخل في مائة نفس، وتملأ ألف رأس، كما خرجت من نفس قائلها، وكما قررها الأستاذ ~~الأول، لا تؤثر فيها نفس أخرى، ولا تغيرها آثار الناس. فالقضية القائلة: «إن مجموع زوايا ~~المثلث يساوي قائمتين.» والقضية القائلة: «إن الاحتكاك يولد حرارة.» لا تزال هي هي في كل ~~رأس وعند أي إنسان. # أما في البلاغات وفي أنواع الفنون فالأمر غير ذلك؛ لأن أثر الكاتب لا بد أن يكون ظاهرا ~~فيها ظهورا تاما؛ فهو الذي يميزها من سواها ومن الأذواق الأخرى، وهو الذي يكسبها ~~رونقا وجمالا، أو يجعلها ثقيلة على النفس. ولكن ذوق الكاتب أو الشاعر لا يتفق مع كل نفس، ~~ولا يفهم بطريقة واحدة؛ لاختلاف الأذواق في طرق الإدراك، التي يرجع إليها في الحكم ~~على الفنون وفي تذوق الجمال؛ ولذلك يختلف الناس في تقدير وقبول البيت والقصيدة من الشعر. ~~كذلك الحال في الموسيقى والتصوير: تكون هذه الصورة جميلة مقبولة لدى إنسان، وغير مقبولة عند ~~آخر، ونجد فلانا الموسيقار الشهير له طائفة تحبه، وترغب في سماع صناعته؛ لأن نغماته شجية، ~~وهؤلاء يميلون للحزن والابتئاس، على حين أننا نجد آخرين لا يرغبون في هذا النوع الذي لا ~~يحمل على السرور. غير أن هذه الفروق في الأذواق تقل في جماعة تربوا على طريقة واحدة، ~~وعاشوا في بيئة واحدة، وفي زمان واحد. ولكن متى كان للعواطف أثر في إدراك الجمال والحكم ~~عليه؛ كان للخلاف مجال واسع في تقويمها، هذا الاختلاف في الفهم والإدراك هو ms044 الذي يحيي ~~ويميت المذاهب والأفكار المختلفة في كل زمان؛ ومن هنا تنشأ الحركة الفكرية واختلاف ~~المذاهب والأطوار، وتتولد المذاهب الكتابية أو مذاهب البلاغة؛ لأن أثر الأفكار وأثر حركة ~~العقول يظهر دائما في بلاغات الأمم الحية؛ إذ البلاغات ليست إلا صورة من حركات الأفكار، ~~كما حصل في القرن الثامن عشر في فرنسا، حيث انتشرت الفلسفة، وانحط الخيال وسقطت منزلة ~~الشعر، وفي القرن التاسع عشر، حيث ابتدأت البلاغة بالمذهب الوجداني، ثم بمذهب الطبعيين، ثم ~~بمذهب الحقائق، وكما حصل في بلاغة العرب أن انحطت منزلة الشعر عند ظهور الإسلام - على رأي ~~بعض الأدباء - أي قل احترام المسلمين للشعر في ذلك الوقت لاشتغالهم بالدين ونشر دعوته. # 1 # ولما أسس بنو أمية دولتهم انتشرت أنواع الهجاء في الشعر، وشجع الخلفاء الشعراء على ~~مدحهم وذم أعدائهم، بما كانوا يفيضون عليهم من العطايا والأموال الكثيرة، وظهرت كل أنواع ~~الشعر، وانتشر الغزل وظهر من كبار رجاله جميل وكثير وابن أبي ربيعة وغيرهم، وأخذ يظهر ~~المجون، وبينما كان هؤلاء وغيرهم ممن أتى بعدهم زمن العباسيين يفهمون البلاغة نوعا من ~~جمال القول، وضربا من تسلية النفس، وشيئا من المجون والخلاعة، وأحيانا آلة للدفاع عن ~~النفس والأهل، ووسيلة من وسائل الكسب، جاء علماء اللغة والأدب كالأصمعي وأبي عبيدة وغيرهم، ~~فلم يحفلوا بالمحدثين ولا بأشعارهم؛ لأنهم كانوا ينظرون إلى الشعر نظرة أخرى غير نظرة ~~أصحاب الفنون، وكادوا يقصرونه على استنباط الأدلة اللغوية، وجعلوه وسيلة لتفسير الآيات ~~الكريمة والأحاديث النبوية، وغمطوا من حق الصنعة، ووضعوا من قدر المحدثين، لا لشيء سوى ~~أنهم محدثون. # 2 # ولما انصرف المسلمون انصرافا تاما إلى الاشتغال بتفسير القرآن الكريم، واهتم العلماء ~~والأدباء منهم بجمع الأشعار واللغة. قالوا: إن علوم الأدب جمعاء وسيلة لفهم كتاب الله - ~~تعالى - وقالوا: إن حكم البلاغة وحكم معرفة العلوم الأدبية الوجوب الكفائي، وشرفها بشرف ~~ما يتوصل إليه، فهي كلها علوم آلية (كما قال ابن خلدون في مقدمته)، كذلك كان فهم المسلمين ~~للأدب والبلاغة، حتى لقد ترفع كثير منهم عن قول الشعر وذمه ذما؛ لأن ms045 السواد الأعظم من ~~الشعراء جعله وسيلة للسؤال، على ما كان له من الرفعة في المنزلة والروعة في المدح والذم، ~~وكان الأمراء والخلفاء يملقون الشعراء ويخافونهم. فلم يكن الشعر والبلاغة صورة من ~~الاجتماع العام أو الخاص، أو شيئا جديا في المجتمع، بل كان شبه ألعوبة للأهواء ~~والأغراض وتسلية للنفوس، ولم يكن لشاعر أن يقصد إلى تربية النفوس وتهذيب الأخلاق، أو إظهار ~~صورة عامة من صور الحياة، إلا ما جاء عفوا عند بعض الشعراء الزهاد والحكماء مثل: أبي ~~العتاهية، والمتنبئ، وأبي العلاء. فكانت روح البلاغة أو الروح الأدبية كأنها في حالة ~~اختناق؛ لأنها انحصرت في طائفتين، وكلتا الطائفتين لم تعمل على رقيها كما كان ينبغي: فطائفة ~~العلماء والمشتغلين بالدين والعلوم العربية اهتموا بالبلاغة من أجل ذلك فقط، فكان همهم ~~الجمع والدرس، لا لشرح هذه البلاغة من حيث إنها بلاغة، أو من حيث إنها أثر أدبي، أو من حيث ~~إنها نتيجة جهد العقول والقرائح، بل لأنها وسيلة من وسائل حفظ اللغة وفهم مفرداتها. # وعلى ذلك انتشر هذا المذهب وبني النقد الأدبي، بل لم يفهم الأديب أو اللغوي أو ~~العالم الأدب إلا من هذه الوجهة؛ ومن هنا قالوا: الغرض من الأدب التوصل إلى فهم كتاب ~~الله تعالى. روى الجاحظ عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أنه قال: «كفاك من علم الدين أن تعلم ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل.» # 3 # وقيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك. # 4 # هكذا فهم طائفة العلماء الأدب والبلاغة، وفسروهما على حسب فهمهم، ولم يكن هناك غيرهم من ~~النقاد والعلماء، الذين يمكنهم أن يؤثروا في الحركة الفكرية بغير ذلك، ولا من كان ~~لآرائهم ما لهؤلاء من القوة والسلطان على الأدب والأدباء، فزجوا بالأدب والبلاغة في هذا ~~السبيل، وأصبح الشعر شيئا «ثانويا» كما يقولون؛ لأن هم العلماء والنقاد لم يكن متجها ~~لفهم البلاغة فهما حقيقيا. سأل سائل ms046 أحد هؤلاء العلماء عن حد البلاغة فأجابه: ~~«إنك إذا أردت تقرير حجة الله - تعالى - في عقول المتكلمين، وتخفيف المئونة ~~على المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان، ~~المقبولة عند أهل الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة ~~الحسنة من الكتاب والسنة، كنت أوتيت فصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب .» # 5 # أما الطائفة الثانية، وهي جماعة الشعراء والخلعاء، فقد كانت تتخذ البلاغة - خصوصا ~~الشعر - آلة من آلات اللهو والطرب والاستجداء. وحسبنا أن نرجع إلى الشعر والشعراء مدة ~~الأمويين والعباسيين، حتى عند الحكماء منهم مثل أبي الطيب وغيره، وحتى كان فهم النقاد ~~أنفسهم للشعر فهما غريبا؛ لأنا إذا سردنا أقوالهم وآراء الأدباء، رأيناها غير محتوية على ~~النقد «التحليلي» لمعاني الشعر، ومن يراجع مقدمة ديوان أبي نواس وكلام أبي حاتم ير كيف ~~كانت آراء النقاد، وأنها ليست إلا ألفاظا مرصوصة غامضة المعنى، يقولها كل إنسان، ليس فيها ~~شيء من النقد الصحيح. وأبو حاتم السجستاني توفي في أواسط القرن الثالث الهجري؛ أي ~~إبان نضوج العلم والأدب عند العرب، فالذنب ليس على الشعراء ولا على الكتاب في ذلك؛ ~~لأنهم كتبوا ونظموا كثيرا وقالوا في كل شيء، وطرقوا كل باب أوحت إليهم به نفوسهم ~~وقرائحهم. ولكن حركة النقد لم تكن لديها القوة التي كانت تمكنها من الحكم على الآراء، ~~وقود الحركة الفكرية، ونقل الأدب والبلاغة إلى طريق اجتماعي أفيد وأمتن وأفضل مما ~~سارت فيه، بل ساعدت على وقوف البلاغة من شعر ونثر، فلم تصل البلاغة العربية من التأثير في ~~الاجتماع والتأثر منه إلى ما وصلت إليه بلاغات الأمم الأخرى. # ونعود فنقول: لو وهب الله الأدب العربي من النقاد ما نبه العقول إلى فهم البلاغة فهما ~~اجتماعيا، وبحث فيها مباحث اجتماعية، وبين أنها عامل من عوامل الاجتماع، لكانت في نوعها ~~أحسن بلاغة وأمتعها؛ لما للغة العربية من الميزة في الغناء وضروب التعبير، وجمال القول، ~~ومتانة الأسلوب، خصوصا الصناعة اللفظية التي لا توجد في لغة أخرى. # إن كل حركة ظهرت ms047 في بلاغات الأمم الأخرى، ونقلتها من حال إلى حال، كان منشؤها آراء ~~النقاد وأفكارهم وإرشاداتهم، كحركة الكتابة التي ظهرت في أوروبا أثناء القرن التاسع عشر، ~~فقادت الأدباء إلى الطرق المختلفة، وأوجدت الأطوار الأدبية المعروفة. # | تبعة الشعراء والكتاب # الحوادث المختلفة واستعداد الأمم الفكري، لهما أثر عظيم في سير البلاغة والأدب ~~ومساعدتهما على الرقي؛ لأن ذلك أثر من آثار الاجتماع ، وللكتاب أثر آخر في الاجتماع، أو ~~في الرأي العام، ليس أقل من أثر الاجتماع في البلاغة؛ وعلى ذلك نرى مقدار التبعة التي تقع ~~على قواد الحركة الفكرية والنقاد الذين بيدهم زمام العقول، وما أشد هذه التبعة على ~~الكاتب أو الشاعر! ولا سيما إذا كان فائق البراعة في طريق الإفهام، وفي الاستيلاء على نفوس ~~القراء ومعرفة امتلاك الأفكار، فقد يكفي أن يصل الكاتب إلى درجة خاصة من البلاغة؛ ليتمكن من ~~قيادة النفوس إلى ما يريد، وحملها على اعتقاد المعنى الذي قصد. مثل هذا الكاتب قد يكون ~~خطرا عظيما على الاجتماع، إذا كان في آرائه شيء من الخطأ، أو في مذهبه ما يخالف الإصلاح، ~~كما أنه قد يصلح من النفوس ما لا تتمكن الحكومات بقوتها من إصلاحه، ويساعد على تقويم ~~الأخلاق وعلى نشر الأفكار الصحيحة، وعلى ارتقاء المدنية وعلى توضيح المسائل الاجتماعية ~~الكبرى، وعلى استنارة العقول وتثقيفها. ولكن هذه القوة هي ما يخشى منه على الاجتماع، وهي ~~ما تحمل كثيرا من الخلقيين على الخوف من أثرها لما في عقول بعض الكتاب من الأفكار ~~التي قد تؤثر في نفوس القراء أثرا غير محمود، بواسطة براعة الكاتب في جعل الصور التي ~~يذكرها في شعره أو قصته أمرا مقبولا وأجدر بالاقتداء، فهذه البراعة نفسها كما أنها تدل ~~على عبقرية الكاتب تدعو إلى الخوف منه، فتكون من أكبر العيوب لديه؛ ولذلك ذم كثير من ~~الخلقيين الشعر، وخافوا من أثره وحذروا منه. # وفي الحق إن جناية البلاغة على الأخلاق قد يكون خطرها عظيما. ولكن لا بد من الفرق بين ~~الفنون وتقويم الأخلاق؛ إذ ليس من غرض الفنون تقويم الأخلاق ms048 لأنها تقصد إلى إظهار الجمال ~~بأي شكل كان، وعلى أي طريقة كانت، وعلى كتب الأخلاق تقويم النفوس وتربيتها، وإلا لو أخذنا ~~على البلاغات ما فيها من ضروب الغزل والمجون؛ لوجب أن نحذف منها نحو نصفها. وهل نجد الآن ~~قصة أو رواية تمثيلية بدون أن يكون للحب فيها أثر كبير؟ ذلك لأن تحريك هذه العاطفة من أكبر ~~الدواعي لحمل الناس على القراءة ودرس أفكار الكاتب وأغراض الكتابة، كما رأى ذلك ابن قتيبة ~~في مقدمة «الشعر والشعراء» إذ قال: «لأن النسيب قريب من النفوس، لايط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من ~~محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد يخلو أحد من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا ~~فيه بسهم حلال أو حرام.» # يقول الفقهاء: لا حياء في الدين. ويلزم أن يقول الأدباء والكتاب والشعراء والفنيون: لا ~~حياء في الفنون. كما يجب أن يقول العلماء: لا حياء في العلم؛ فإن الله - تعالى - خلق ~~الإنسان وخلق له أنواع الجمال يتمتع بها، وتوحى إليه من الأفكار والخيالات ما قد يساعد على ~~عبقريته، كما أنه خلق له الخير والشر، ووهب له عقلا يميز به الخبيث من الطيب، وترك له ~~الحرية المطلقة في اتباع الطريقين، وبين له سوء العاقبة وحسن المآب، فكما أن العلم ~~والفلسفة يبحثان عن حقائق الأشياء بأي وسيلة، كذلك الفنون الجميلة تبحث عن إظهار الجمال بأي ~~وسيلة، وأي طريقة كانت؛ لأنها سر من أسرار الحياة، وسبب من أسباب ترقية العواطف والنفوس؛ إذ ~~النفوس التي لا تعشق الجمال ينقصها كثير من فهم الحياة؛ لأنها لا تدرك ما يحيط بها من جمال ~~الكون الذي هو أبدع شيء في الوجود. # لا بد أن تكون الحياة ككتاب مفتوح أمام كل إنسان بما فيه من: جمال وقبح، وفضيلة ~~ورذيلة؛ لأن الله - تعالى - خلقه لننظر إليه ونفهمه ونتدبر ما فيه ونتعظ به. فتبعة ~~البلاغة راجعة إلى نفس الجمهور وإلى القارئين أنفسهم؛ لأن القارئ كمتعلم يصرف وقته في معمل ~~كيميائي؛ ليفيد ويستفيد، وليقف على أسرار ما لديه. فإن استعمل ms049 المواد الكيميائية لقتل ~~نفسه، فقد «جنت على نفسها براقش.» والكاتب كالعالم يظهر نتيجة تجربته في الحياة ~~وما رآه وفهمه، وعلى القارئ أن يستفيد ويميز بنفسه الضار والنافع، # 1 # على أن كل كاتب له خيال خاص، وطريقة خاصة، وله أفكار خاصة تجد لها من القراء من ~~يميل إليها بطبيعته؛ فكل نفس تقبل ما يوافقها وترغب فيما تميل إليه. فالقصة التي تعرض ~~صورة من صور الحب قد تضل نفوسا، وقد تفتح على بعض الناس أبوابا من الفجور لم يكونوا ~~يعرفونها، كما أنها قد توحي إلى بعض النفوس حب الجمال ورقة الشعور، وتهذيب العواطف؛ لأن ~~الرجل الحساس صاحب الشعور الرقيق والنفس الشريفة والأخلاق الكريمة، يهذبه الحب، ويرشده ~~الغرام إلى الفضيلة، وكثيرا ما كان الحب سببا في إصلاح النفوس. ولكن لكل إنسان ~~استعدادا خاصا في تصور الأشياء وفهمها. وعلى هذا الاستعداد تكون حظوته من السعادة ~~والشقاء تقوده إليها نفسه، وترشده إليها فطرته. غير أنه لا يلزم قراءة هذه الكتب للعمل بما ~~فيها، كما تقرأ كتب الأخلاق وكتب الدين مثلا، وإنما تقرأ لدراسة موضوعاتها، ومعرفة ما بها ~~من الآراء وأسرار البلاغة والفصاحة. # في قراءة الكتب عاملان: عامل التأثير، وعامل الإفادة. والثاني أكثر أثرا وأبقى، فإن ما ~~يبقى في نفس القارئ من المعلومات التي اكتسبها من القراءة أنفع وأثبت. أما التأثرات ~~والانفعالات التي منشؤها العواطف فإنها سرعان ما تزول، فالكاتب الذي يصف مجلسا من مجالس ~~الخمر، ليس عليه أدنى تبعة إذا قام إنسان بعد قراءة كلامه فشرب كأسا أو كأسين، كما أن ~~الخلقي ليس في قدرته أن يحمل الناس على اتباع ما يقول؛ ولذلك قيل «إنه من الواجب ~~علينا بث النصائح والإرشادات. ولكن ليس علينا حمل الناس على العمل بها.» ولو كان للبلاغة ~~الأثر الذي يدعو إلى العمل بما فيها لكانت كتب الأخلاق كافية في إصلاح النفوس. فلماذا يكون ~~وصف المجون سببا في فساد الأخلاق والاجتماع؟ ولو صح حذف كل ما من شأنه أن يفسد الأخلاق، أو ~~يؤثر فيها أثرا سيئا؛ لوجب على الإنسان أن يصم ms050 أذنيه ويغمض عينيه، حتى لا يرى ولا ~~يسمع نصف المخلوقات أو أكثر، ولعمل على عدم فهم كثير من الأمور التي يراها كل يوم أمامه في ~~الحياة. # البلاغة من غرضها عرض كل شيء، وعلى القارئ أن يحكم عقله ويميز الخبيث من ~~الطيب. # | النقد الأدبي # يقرأ الإنسان ليفهم، ويفهم ليكون له رأي فيما يقرأ، وكل إنسان له استعداد خاص في الفهم ~~وطريق خاص في الإدراك، وذوق خاص في قدر الكلام والحكم على الأفكار؛ ولذلك تعددت المذاهب ~~وتفاوتت طرق البحث. # القراءة والفهم والتفسير والحكم هي أصول النقد وهي حده أيضا؛ إذ لا يمكن حد النقد ~~حدا تاما لعدم اندماجه في قانون عام؛ لأنه ليس علما من العلوم التي لها قواعد خاصة، ~~وإنما هو فن من الفنون التي تضبط بالعلوم وتتقدم بتقدمها، فإنه مبني على قوة الذكاء ~~وسلامة الذوق، وذلك ليس داخلا تحت قانون عام، فضلا عن أنه لا بد من ظهور أثر الناقد ~~الشخصي في حكمه على ما يقرأ؛ لأنه إنما يحكم على غيره بمزاجه الخاص؛ ولذلك كانت الفروق ~~كثيرة بين آراء النقاد؛ لأن النقد صورة من صور عقولهم المختلفة. # ويختلف النقد باختلاف الموضوعات والأغراض المقصودة منه، فقد يكون من غرضه دراسة الأساليب، ~~أو دراسة نفوس الكتاب أو دراسة الأفكار والآراء، فهو متغير لا يثبت على حالة واحدة ولا ~~يلزم قاعدة واحدة، فليس علما من العلوم؛ لأن العلوم لا بد أن تكون قواعد عامة، تنطبق على ~~جزئيات كثيرة، بدون أن يكون للنفوس أثر فيها. والنقد غير ذلك، فهو قبل كل شيء أثر من ~~الآثار الخاصة للعقول، يبحث عن آراء الكتاب ولا سيما خواصهم الذاتية، والتصورات ~~والخيالات والإدراكات كانت متعددة مختلفة، على حسب المواهب والطبائع؛ فلا بد أن يكون النقد ~~الذي هو فهم العقول المختلفة والإدراكات المختلفة أيضا مختلفا، غير مقيد بقانون ولا ~~قاعدة؛ ولذلك كان كل نقد قاعدي قابلا للطعن وعرضة للنقض؛ لأن النقد القاعدي أو المذهبي ~~يرمي إلى تقييد العقول والأفكار، وحملها على اتباع طريق واحد في الفكر والتصور والخيال، ~~وإلى الحكم ms051 عليها حكما عاما بطريقة واحدة. # هذا إذا كانت الطريقة علمية كطريقة تين # Taine # مثلا ~~القائلة: «إن كل أهل جنس واحد وبلد واحد وزمن واحد تتشابه عقولهم وتصوراتهم.» وهو مذهب ~~مردود في جملته كما سنرى؛ لأن الذكاء والإدراك والتصور والخيال لا تنشأ من هذه العوارض ~~فحسب، بل هناك أسباب أخرى، فإن كانت الطريقة غير علمية، كأن تكون مبنية على الأذواق ~~والميول ، أو على قواعد اتفاقية، كجعل قصيدة من القصائد أو قصة من القصص نموذجا عاما ~~لغيرها، أو منهجا ينسج على منواله، فإن هذه الطريقة ليست خطأ فقط، بل هي خطر يهدد سير ~~البلاغة، ويقف تقدمها، ويجعلها عبارة عن ضرب من التقليد لا غير. # على أن الإنسان يرى في نفسه من الاستعداد للفهم وطرق البحث اليوم ما لم يكن له بالأمس، ~~والقارئ تمر بذاكرته أفكار الكاتب وتتراكم، ثم يتناسى ما قرأ وما تأثر به. فإذا أعاد ~~قراءة الكتاب الواحد مرة أخرى، كان حكمه عليه غيره في المرة الأولى، فالأفكار تتغير والحكم ~~يتغير بتغير المؤثرات. # ولا يصح أن يبنى النقد على الأذواق الخاصة؛ لأن الذوق استحسان ما يحبه الإنسان ويميل ~~إليه، وهذا غير ما يراد من النقد؛ إذ النقد الصحيح «تحليل» فكر شخص آخر غير فكر القارئ ~~نفسه، واندماج الإنسان في نفس غيره ليفهمه بفكره ويدرك عقله بعقله، والذوق «تحليل» نفس ~~القارئ وفكره لمناسبة ما يقرأ، وبسبب ما يجده مما هو في نفسه في كلام غيره؛ إذ شعور ~~القارئ بسروره ورضاه عما يقرأ، هو في الحقيقة ناشئ من أنه وجد ما يحبه وما يميل إليه، ~~وذلك شيء من خواص نفسه وميولها الذاتية. فكأنه إنما وجد فيما يقرأ نفسه لا نفس الكاتب، ~~وأعجب بميوله وآرائه لا بميول الكاتب وآرائه، أو أنه وجد إنسانا آخر صور نفسه بالصورة ~~التي هي عليها، ووجد أفكاره يعبر عنها غيره. فهو إذا فهم ذلك فإنما يفهم نفسه ويرى صورتها، ~~كالشاعر أو الكاتب الغرامي، يذكر صور النفوس العاشقة، وما تتذوقه من الآلام، فيقرؤها العاشق ~~ويتلذذ بها ويتذوق ما فيها؛ لأنها ms052 صورة نفسه، وإن كانت صورة نفس مريضة أكلها اليأس ونال ~~منها البؤس. ولكنه راض عنها لأنه يجد فيها ما يجول بخاطره. وكالذي يحب الشعر الحماسي مثلا ~~فإنه يعجب به، ويريد أن يحمل الناس على الإعجاب به؛ لأن له ذوقا خاصا في فهم هذا النوع، ~~وإقدار هذا الكلام قدره، وكالخلقي يحب الحكمة والموعظة فيحكم بهذا الذوق على كل ما يقرأ ~~ويسمع ؛ من هنا تعددت المذاهب في النقد. فإذا كان مرجع ذلك الأذواق الخالصة إذن لضلت ~~الأفهام ولحارت العقول. فليس في حكم القارئ بالحسن أو بالقبح شيء من الحقيقة أو على خلافها، ~~متى كان ذلك مبنيا على الأهواء الصرفة؟ وليس ذوق الناقد في كتاب يقرؤه إلا استحسان الكتاب ~~أو استقباحه، وليس ذلك إلا اتفاق فكر القارئ وميوله مع فكر الكاتب وميوله. ولكن الذوق ~~والنقد عند ذوي العقول السليمة يستمد بعضهما من بعض، ويساعد أحدهما الآخر، ويعمل كل منهما ~~على حفظ أثره في نفس القارئ، بحيث لا يضل بينهما، ولا يكون خاضعا خضوعا تاما لأحدهما، ~~فيبطل أثر الآخر، بل يتذوق ما يعجبه مما هو في نفسه، ولا يمنعه ذلك من الإعجاب بما هو ~~مخالف لطبيعته. # مثل هذا الذوق يتكون بالقراءة والدرس، ويكتسب شيئا من اللين والمرونة وقبول الجديد؛ ~~لأن الذوق خلق من الأخلاق القابلة للتهذيب والتنقيح والغناء بالقراءة والدرس والفهم؛ ~~بحيث يكون ذوقا مبنيا على التجربة مما قرأ الإنسان وفهم من العلوم والفنون، فالذوق ~~الصحيح ينضج ويتربى بالنقد، والنقد يتهذب بالذوق؛ لأنه معين ومساعد على الفهم وتفضيل الشيء ~~على الشيء؛ فلو أن إنسانا خلا من ذلك كان حب الاستطلاع لديه ناقصا؛ لأنه إن لم يكن في ~~نفسه ذوق ثابت لنوع من الأنواع، مبني على التجربة، ولم توجد في نفسه ملكة التفضيل والتفرقة ~~بين الأشياء؛ كان سواء عليه أقرأ هذا أم هذا، وخفي عليه كثير من المميزات، وكانت الفائدة من ~~القراءة لديه أقل مما لو كان له ميل خاص، وربما خرج من الكتاب الذي يقرأ بدون فائدة ولا ~~أثر، وهذا مشاهد معروف. أعط أحد ms053 المهندسين أو الأطباء أو الذين لا يميلون إلى الأدب ولا ~~يحبونه، قصيدة من القصائد المتينة، أو قصة أدبية ممتعة ليقرأها، ربما قرأها وفهمها ولكنه يخرج ~~منها بدون أثر في نفسه؛ لأنه ليس له ذوق خاص في هذا النوع، فلا يهتم بأن تصل نفسه، أو أن ~~يصل إلى نفسه سر هذا الكلام. ودع إنسانا لا يحب التمثيل ولا يميل إليه، يحضر «قطعة» ~~تمثيلية مملوءة بضروب الفنون ونقد الاجتماع، دعه يسمع قطعة لموليير أو لشكسبير أو لجيت، ثم ~~ابحث في نفسه عما أخذه من مجلسه، تجده لم يتأثر بشيء، ولم يستفد فائدة كبيرة؛ ذلك لأنه ~~ليس في نفسه تفضيل لهذا النوع، كذلك تكون القراءة الخالية من الرغبة والميول الخاصة عبارة ~~عن اطلاع عام، ومشاهدات عامة لا تبقى في نفس الإنسان ولا توقظ من حركة الفكر. فالذوق الصحيح ~~يساعد النقد على الإعجاب بالشيء أو على كراهته، أي إنه من الوسائل التي تمهد للنقد الحكم ~~على الفنون وآثارها. # نرى من ذلك أن النقد الخالص الذي ليس للذوق فيه أثر هو نقد ناقص أو نقد جاف، وأن الذوق ~~الخالص من أثر النقد، ومن أثر التجربة العلمية والاطلاع - أي الذي هو الاستسلام إلى ميل ~~الشخص فحسب - لا يرقي العقل، ولا يساعده على نمو قوة الإدراك، ولا يصل بالإنسان إلى كشف ~~الحقائق. # قلنا إن النقد ليس علما من العلوم، بل هو فن من الفنون التي مرجعها استعداد النفوس في ~~الفهم والإدراك. ولكن هذا ليس كافيا في تعريف النقد، أيستسلم كل إنسان لفكره في الحكم على ~~ما يقرأ ويسمع؟ أيكل الأمر إلى الذوق لا غير؟ ألا يكون النقد شيئا آخر غير هذه الفوضى في ~~الحكم والإدراك؟ أليست هناك طرق ومذاهب تحدد ذلك، وتبين الخطأ من الصواب في أحكام ~~الناقدين؟ وإذا كان شيء من هذا فعلي أي أساس يبنى؟ مهما يكن من شيء، فالذي لا يصح إنكاره ~~هو أن هناك حقائق فنية، كما أن هناك حقائق علمية، فالقارئ لقصيدة أو لقصة تاريخية يجد أثناء ~~قراءته من الحقائق الفنية، ما ms054 يجده العالم أو الفيلسوف من الحقائق العلمية أو الفلسفية، ~~نريد بالحقائق الفنية سر البلاغة الذي تشعر به النفوس، وبه تكون قيمة الكاتب والكتابة، ~~ونريد بالحقائق الفنية جمال القول وجمال الفكر وجمال الصناعة، ثم نفس الموضوع بما فيه من ~~الصور الإنسانية، التي يجد فيها القارئ كثيرا من النفوس والأشكال المختلفة لحياة العقول. ~~يقرأ الإنسان القصيدة أو القصة البلاغية، فيشعر بشيء في نفسه لم يكن له قبل قراءتها، هذا ~~أثر جديد حدث عنده، أو حقيقة من الحقائق ظهرت له فيما قرأ. ومهما وجد من الاختلاف والتناقض ~~في فهم هذه الحقائق الفنية، وفي الحكم على الكتب والمؤلفين؛ فذلك لا يدل على عدم وجودها، ~~وإنما يدل على اختلاف طرق الفهم. على أنها حقائق نسبية ككل شيء في الوجود من أثر ~~الإنسان. # فالنقد هو البحث عن فهم هذه الحقائق، وهو توضيح وترتيب ما في الكتابات من الأفكار والآراء ~~والأساليب، ثم الحكم على ذلك. والناقد الحاذق من يكون عالما بالموضوع وبمنزلته من العلوم ~~والفنون الأخرى، بأن يكون حدد وعين لنفسه طريقة خاصة في الفهم، ثم بعد ذلك يبدي ~~رأيه النهائي فيما قرأ. فإذا قرأ قصيدة من القصائد عرف من أي نوع هي: أمن الشعر ~~الوجداني، أم من الشعر الاجتماعي، أم من الشعر التمثيلي؟ فإذا حكم عليها بأنها من الشعر ~~الوجداني، لا بد أن يكون عارفا بخواص هذا النوع من الشعر وبموضوعه وبصناعته وبكل ما يميزه ~~من غيره، ثم لا بد أن يقيس ذلك على طريقة خاصة قد عينها لنفسه، يجعلها كمقياس عام له يقيس ~~به ما يقرأ، بأن يكون له مذهب يبني عليه أحكامه: كأن يكون من مذهب البيانيين الذين يحكمون ~~على الكتابة على حسب ما بها من أنواع البيان: كالاستعارة، والتشبيه، وأنواع البديع، أو من ~~الذين يحكمون عليها بما فيها من المعاني الجيدة والأفكار الصحيحة، أو ممن يبنون مذهبهم على ~~البحث في الكتابة من جهة صلتها بالاجتماع، أو ممن يحكمون عليها من جهة مطابقتها للحقائق، ~~وغير ذلك من المذاهب الكثيرة؛ وبهذا يمكن الحكم على الكتابة ms055 من شعر ونثر بناء على طريقة ~~ثابتة، مبنية على أساس ثابت، وهذا ما يسمونه بالمذاهب الأدبية في النقد، أو أنواع النقد ~~الأدبي، وطرق النقد كثيرة متعددة سنذكر منها شيئا، ونبين المذاهب المختلفة فيها. # فالنقد في جملته لا يخرج عن وصف الكتابات «وتحليلها». ولكن النقد البياني واللغوي ~~والنقد المبني على القواعد النحوية والصرفية أصبح الآن غير كاف في الحكم على كبار الكتاب ~~ومواهبهم، ولم يعد فهم الكتابات الأدبية الآن قاصرا على الحكم بدون نظر إلى الصلة التي ~~بينها وبين الكاتب وأحواله النفسية وتربيته العقلية، ثم إلى صلة ذلك كله بالاجتماع. أي إن ~~النقد الأدبي أصبح الآن ممزوجا بالتاريخ العام، وبالتاريخ الخاص بنفوس الكتاب وحياتهم ~~الشخصية، وهذه خطوة خطاها أخيرا النقد الأدبي في القرن التاسع عشر. # إذن فلا بد من البحث في الصلة بين الكاتب وكتابته والاجتماع، ولا بد من معرفة البلد الذي ~~ولد فيه الكاتب، والجو الذي تربى فيه، والزمن الذي عاش فيه، وحالته الصحية، ومزاجه ~~وسيرته، والتربية التي حصل عليها، ومعرفة أصله وقبيلته، والأوصاف العامة لها. وإذا كان عاش ~~عيشة مرضية سهلة، وكان من أهل الرفاهية واليسر، أم عاش عيشة فقير مجد مجتهد في الحصول على ~~قوام حياته؟ ثم لا بد من معرفة حالته النفسية وكيف كان يفكر، وكيف كانت ميوله الدينية، ~~ومقدار نصيبه من العواطف، وأحوال الغرام، وكيف كان ميله للمجون واللهو، وكيف كان يتصور ~~الجمال ويفهم الفنون، وما في كتاباته من «شخصياته»، وغير ذلك مما يساعد على معرفة حالة ~~الكاتب النفسية والجسمية؛ لضرورة ذلك كله في الوصول إلى فهم استعداد النفوس وما فيها من أثر ~~الذكاء؛ إذ كما أن البلاغة لا تكون دائما صورة الاجتماع، فليست أيضا دائما دليلا على ~~نفوس الكتاب؛ ولذا يجب البحث عن الأسباب التي تدعو الكاتب إلى ما كتب وإلى خروجه عن طبيعته، ~~ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة الأسباب السابقة. # والخلاصة: أن النقد ليس له قواعد ثابتة ولا قوانين عامة، بحيث يتخذها كل إنسان لتكون ~~عمدته في البحث، بل هو فن من الفنون يختلف ms056 باختلاف الذكاء والاستعداد، وأنه لا يصح الاعتماد ~~على الأذواق الصرفة في الحكم على البلاغات. ولكن هناك صلة حقيقية بين الذوق والأثر الذي ~~يحدث في نفس الإنسان عند قراءة شيء من الأدبيات، أو رؤية شيء من الفنون الجميلة. هذه الصلة ~~يكون لها أثر صحيح نافع في إدراك حقائق الأشياء، إذا كان الذوق قد تهذب بالتربية والتعليم، ~~وتكون بالعلوم والفنون المختلفة، وقد يكون النقد الخالي من الذوق صحيحا لمتانة طريقته، ~~ولكنه يكون جافا. ومهما كان النقد بعيدا عن العلوم، غير مقيد بقاعدة، فإنه يمكن سن ~~طريقة له، والطريقة التي نختارها هي: ~~(1) # أن يكون الناقد واقفا تمام الوقوف على نوع الكلام الذي يدرسه، وعلى جملة ~~آراء الكاتبين فيه؛ بحيث يمكن أن يميزه من غيره، وأن يحكم عليه بناء عن خبرة ~~تامة بآراء النقاد والمختصين بهذه الموضوعات. ~~(2) # أن يكون له طريقة يبني عليها حكمه، وأصول يرجع إليها في ذلك: كأن يكون مبناها ~~صحة الأساليب أو صحة الفكر، أو رقي الخيال أو صلة البلاغة بحوادث خاصة. ~~(3) # البحث عن صحة ما في الكتابة بواسطة صلتها بالكاتب والاجتماع، وتأثير ذلك في ~~الكلام والصناعة. # هذا هو جماع القول في النقد الأدبي، وسنذكر المذاهب المختلفة في ذلك. # | النقد الأدبي في فرنسا # رأينا أن نجمل القول إجمالا في تاريخ النقد الأدبي في فرنسا؛ لنقف على سير حركة النقد ~~وأطواره وأثره في الأدب الفرنسي، وعلى المذاهب المختلفة في ذلك، ثم نذكر بعد هذا حركة النقد ~~عند العرب ومذاهب الأدباء لديهم. # يقولون: إن أرسطو أول من كتب في النقد الأدبي في نحو القرن الرابع قبل التاريخ المسيحي، ~~وكتابه «فنون الشعر» عبارة عن كتاب في البيان وقواعد البلاغة، بنى عليه طريقته في النقد، ~~وهو أول من قال «إنه يجب أن تكون أعمال الإنسان جارية على قوانين الطبيعة ونظاماتها.» وبدأ ~~بالبحث عن عيوب الكتابات التي يثقل على النفس تذوقها، ووضع كل ثقته في علوم البلاغة؛ ليصل ~~بها إلى كشف مخبأ الكلام البليغ. ولكنه لم يصل إلى قانون يبين الأنواع الأدبية، ولا إلى ~~دراسة الأطوار ms057 التي تعتري البلاغة أثناء تقلب التاريخ عليها. غير أنه أرشد إلى الوسائل ~~العامة التي يصح أن تكون طرقا ومناهج للكتاب، وظهرت بعد أرسطو كتب كثيرة في النقد لا ~~تكاد تخرج عن هذا المعنى، أكثرها من قبيل النقد اللغوي. # وكتب النقد عند الرومان في نحو القرن الثاني قبل الميلاد كانت مملوءة بالمباحث اللفظية؛ ~~إذ كان الغرض منها تقويم ألسنة الخطباء، وإصلاح حالة الخطابة في مواقف النزال، ولم يكن ~~اهتمامهم بشيء من أنواع الكلام إلا من أجل ذلك؛ فكان النقد عند الرومان لا يكاد يخرج عن ~~صناعة الخطابة، فلم يكن لديهم مذهب أدبي ولا طريقة واضحة في النقد؛ ولذلك انحصر النقد عندهم ~~في النقد اللغوي وعلوم البلاغة، وفي القواعد النحوية والصرفية؛ أي في البحث عن اللفظ وأصله ~~وصحته، ثم في البحث عن مطابقته للمعنى المقصود، وفي طرق تأثيره في نفوس السامعين، واستمر ~~الحال على ذلك إلى القرون الوسطى، ومر على النقد نحو ستة قرون في تلك الأزمان، وهو لم يخط ~~خطوة واحدة؛ لأن العقول في القرون الوسطى كانت مقيدة بأهواء الملوك والأمراء ورؤساء ~~الأديان، ومتى كانت الأفكار خاضعة لغيرها فإنها لا تعرف الحرية، ولا ترى طرق الإصلاح؛ ولذلك ~~لم يكن الشعراء إلا آلة لأهواء هؤلاء الرؤساء، فلم يكن لأحدهم أن يقول شيئا إلا لإرضاء ~~أمير أو رئيس، فكيف يجد النقد له منفذا أو طريقا؟ إذ لا يمكن أن يكون الإنسان ناقدا إلا ~~إذا كان حرا في الفكر؛ لأن حركة العقول تابعة دائما للحركة العامة للحالة ~~الاجتماعية. # أما في عصر النهضة فقد تحررت العقول، وظهرت «شخصيات» الكتاب والشعراء؛ ولذلك تغيرت ~~أيضا طرق النقد. ولكن النقد أيضا في هذه الأيام لم يخرج عن النقد البياني مع بعض التوسع ~~عما كان عليه في الأيام الماضية، وكان من رجاله دانت # Dante ~~(1265-1321)، وبترارك Pétrarque ~~(1304-1374) الشاعران الإيطاليان الشهيران، واشتهرا بالنقد اللغوي، وهما أول من فك القيود ~~القديمة عن النقد الأدبي، وكان النقد عندهم يقرب جدا من النقد عند العرب في كتب البلاغة ~~وآراء الأدباء، بناء على ms058 ما كانوا يشعرون به من قراءة الشعر والنثر، ولعلهم أخذوه من العرب، ~~كما أخذ الفرنسيون منهم كثيرا من أوزان الشعر وطرقه، أو أن هذه من الأطوار الأولى التي لم ~~يتخطها النقد الأدبي عند العرب. # وأول حركة للنقد الصحيح في فرنسا ظهرت في عصر النهضة، عندما اختلط الفرنسيون بالإيطاليين ~~أثناء الحروب الكثيرة، وقلدوهم في شعرهم، وعرفوا منهم أساليب الآداب القديمة وطرق بلاغتها، ~~وانتشر عندهم تعليم اللغة اللاتينية، واطلعوا على كتبها وترجموا منها، فاتجهت عقولهم إلى ~~الموازنة بين أدبهم الساذج والآداب القديمة، فكان الإيطاليون أول من كشف أسرار الآداب ~~القديمة ومخبآتها، وأدرك مطابقتها للطبيعة الإنسانية وموافقتها للتعقل، وهم أيضا أول من ~~وجه الأنظار إلى ربط الصلة بين الآداب والفنون الجميلة. # وفي أوائل القرن السادس عشر تألف مذهب نقدي جديد، كان على رأسه الشاعر الشهير ~~رونسار # Ronsard ~~(1524-1585) أحد كبراء الأشراف، واجتمع ~~حوله جماعة الأدباء من علية القوم ونبلائهم، وزجوا بالأدب في طريق «أرستقراطي»؛ فلم ~~يلاحظوا ذوق الشعب ولا حالته العقلية، بل لاحظوا أذواق الأشراف والكبار من عواطف وإحساسات ~~وأفكار وغيرها. # وكان أساس هذا المذهب تقليد البلاغة القديمة، وما بها من البراعة وجمال الصناعة والإتقان. ~~وارتقت في هذا الزمن منزلة الشعر والشعراء، وعظم تبجيل الناس لهم؛ لأن الشعر كان جمال القول ~~وموضع مظاهر الذكاء، وكان الشاعر أقوى وأبرع إنسان، كما كانت الحال عند العرب في بعض ~~الأزمان. وانفتح أمام الأدباء باب الموازنة بين الشعر القديم وبلاغة القرون الوسطى في ~~فرنسا، وأعجب الناس أيما إعجاب بالبلاغة القديمة، وأخذوا في تقليدها. ولم يعد الإنسان يحكم ~~على الشعر والشعراء إلا بواسطة الموازنة بين القديم والجديد، وبني النقد على مجاراة تلك ~~البلاغة؛ لأنهم رأوا أن بلاغة القدماء متينة من جهة الصناعة، ومن جهة الموضوعات، ومن جهة ما ~~فيها من تصوير النفوس الإنسانية ورسم الحياة؛ لأنها تصور الحقائق كما هي، ولأنها مبنية على ~~الفكر والتعقل. # لهذا اشتدت رغبة الفرنسويين في تقليدها، وأسسوا لذلك القواعد، وبنوا طريقة النقد عليها، ~~فكانت هي نموذج البلاغة ونموذج الأفكار، وربما فاق هذا التقليد ms059 والإعجاب تقليد المسلمين ~~وإعجابهم بالشعر الجاهلي، ولا يزال أهل أوروبا في تعصبهم لليونان والرومان إلى اليوم، ~~ولكنهم يقلدونهم في لب الموضوعات، وفي أن البلاغة يجب أن تمثل حياة الأمم ونفوس الأشخاص، لا ~~أنهم يجارونهم في الألفاظ والعبارات لا غير. وكان مذهب رونسار مبنيا - كما قلنا - على ذوق ~~«أرستقراطي»؛ بحيث تكون البلاغة من شعر ونثر شريفة العبارة، لا تحتوي على ألفاظ مقذعة، ولا ~~على شيء من المجون ، وأن يتحاشى الكتاب والشعراء كل ما يخرج عن حد الأدب، أو ما يدعو إلى ~~سوء الأخلاق، وظهر أثر هذا المذهب في كل أنواع البلاغة الفرنسية، خصوصا في التمثيل، ثم شيد ~~الفرنسيون على أنقاض هذه الآداب والبلاغة القديمة آدابهم وبلاغتهم لإعجابهم بها إعجابا ~~شديدا. ولكنها لم تخمد منهم قوة الابتكار، ولا حب الانتقال من حال إلى حال؛ لأنها بلاغة ~~اجتماعية متينة ممتعة، بل هذبت من أفكارهم، ورقت منهم ملكة الصناعة الأدبية، وعلمتهم دقيق ~~الملاحظة، وهذبت من استعدادهم الفطري، وتخرج فيها أشهر الكتاب والشعراء، ولا تزال أشهر ~~وأمتع البلاغات؛ لأنها بلاغة نفسية اجتماعية، بليغة في معناها أكثر منها في ألفاظها ~~وأساليبها، ولا يزال أشهر الكتاب الآن يستمدون أفكارهم وتربية عقولهم من هذه البلاغات ~~القديمة المتينة. # ذلك أثر اطلاع الفرنسيين على الآدب القديم، وأثر احتكاك العقول والأفكار كما يقولون، وأثر ~~مذهب رونسار في النقد؛ وهكذا يجب أن تكون قوة النقد. كل هذه الحركة جاءت من الخارج بواسطة ~~الاطلاع على بلاغات الأمم الأخرى، والميل إلى تقليد اليونان والرومان، والمتأمل في بلاغات ~~الأمم يرى أن كل حركة من الحركات الأدبية الكبرى ذات الأثر العظيم، هبت ريحها من الخارج ~~بسبب تقابل الأفكار وتفاهمها ... ولم يظهر أثر النقد في أمة من الأمم ظهوره في بلاغة الأمة ~~الفرنسية، ويمكن أن يعد تاريخ النقد الأدبي عند الفرنسيين من أهم ما يكون في أنواعه؛ لذلك ~~اخترنا أن ندرسه في محاضراتنا، ونذكر ما به من المذاهب التي نهضت ببلاغة الفرنسيين فجعلتها ~~أجمل وأمتع من غيرها. # نذكر من بين النقاد الكبار، بل من أوائل النقاد الشاعر ms060 الناقد بوالو # Boileau ~~، الذي عاش من سنة 1636 إلى سنة 1711، ويعتبر عند الفرنسيين أول من ~~كتب في النقد، كما أن القرن السابع عشر هو أول القرون في نقد الفنون والأدب. وقد بسط بوالو ~~مذهبه في كتابه «الفنون الشعرية»، وظهر هو وكتاب «الهجاء» # Satire ~~، الذي ذم فيه مذاهب البلاغة اللفظية من سنة 1660 إلى سنة 1705، ~~وأيد بوالو في كتبه مذهب تقليد القدماء، قال: «إذا قلنا بتقليد البلاغة القديمة، فليس ذلك ~~حبا في تقليد بندار أو هوميروس الشاعرين اليونانيين، بل لموافقتها للطبيعة العقل؛ لأنها ~~تقليد لطبيعة الإنسان، ووصف للحياة وصفا بعيدا عن المبالغة.» وقال: «إن الآراء المبنية ~~على التعقل هي التي توجد الصلة بين أفراد الإنسان.» يريد بذلك أن البلاغات من نظم ونثر ~~عبارة عن حقائق ثابتة، ولا يريد بالحقائق الحقائق التاريخية؛ أي إنه لا يلزم من كتابة شيء ~~حصوله، بل يريد الحقائق الإنسانية كما يقولون، وهي ما يقع مثلها بين الناس؛ كما في بلاغة ~~اليونان مثلا، فإنها تكاد تكون كلها خرافية. ولكن بها كثيرا من الحقائق التي هي في ~~طبيعة الإنسان، تمثل عواطفه وحواسه تمثيلا تاما، قال بوالو: «وبقدر مطابقة البلاغة ~~للحقائق يكون نصيبها من الجمال؛ لأن العقل لا يقبل غير الحقائق، ولأجل أن يكون الكلام ~~حقيقيا لا بد أن يكون موافقا للطبيعة.» أي لما نعهده من الأشياء التي نراها؛ ~~فالموضوعات الشعرية لا تكون جميلة إلا إذا مثلت الطبيعة تمثيلا تاما. قال: «وكل هذا ~~ينطبق على البلاغة القديمة؛ لأنها بلاغة إنسانية - قبل كل شيء - تمثل الإنسان وخواصه ~~النفسية، وهذا هو السبب في جمالها وعذوبتها، وقبولها في كل زمن وعند كل أمة.» # فمذهب بوالو في النقد مذهب مبني على تقليد طبيعة الأشياء ورسم الحياة كما هي. ولكنه لم ~~يرد إلا جهة الجمال والخير، قال: «لأن البلاغة تقصد إلى إظهار الجمال، فلا بد من تجنب كل ~~ما يخالف ذلك، أو يؤدي إلى عكس هذا، فهي من فنون الجمال. فإذا خرجت عن ذلك لا تعد من الفنون ~~في شيء.» وكان يقصد أيضا من تقليد ms061 الطبيعة الأشياء العامة التي توجد في طبيعة الإنسان، ~~فإذا كتب الكاتب عن «نيرون» مثلا، فإنه لا يكون غرضه شخص «نيرون»، وإنما يقصد وصف خلق ~~الظلم والاستبداد الكامن في نفس الإنسان؛ فلا بد من محو «الشخصيات» ومميزات الأفراد في ~~البلاغة، بل يصف الكتاب النفوس العامة، والفضائل العامة، والطبائع العامة، كما في البلاغة ~~القديمة، وكما فعل كرني # Corneille ~~، وراسين # Racine ~~، وموليير # Moliére # في ~~كتاباتهم وقصصهم التمثيلية التي بقيت إلى الآن، ولا يزال الناس يتذوقونها من أجل ذلك. # 1 # القدماء والمحدثون في فرنسا # كان المذهب الأدبي الذي انتشر في فرنسا منذ منتصف القرن السادس عشر إلى أواخر القرن ~~السابع عشر، مبنيا على تقليد البلاغة اليونانية والرومانية القديمة، ولم يكن الإعجاب ~~بالقديم لأنه قديم فقط؛ بل لأنها بلاغة طبعية حقيقية قريبة من تمثيل الطبيعة الإنسانية ~~والحياة المادية والعقلية، كما لاحظ النقاد الشهير بوالو. ثم هي حقيقية في معانيها ~~خالية من المبالغة التي تضر بالمعنى، وخالية من الخيال الذي يبعد عن الحقيقة، وقد وصل ~~الإعجاب بالقدماء إلى أقصى ما يمكن؛ حتى لقد كان يخيل إلى كبار الأدباء أنه ليس هناك ~~موضوع يصح أن يطرقه الكتاب والمفكرون إلا ما كان جزءا من التاريخ القديم، أو تقليدا ~~لشاعر أو كاتب يوناني أو روماني. # ولكن تشعب من هؤلاء الأدباء - الذين ربت عقولهم هذه الآداب وهذبت من ~~ذوقهم - فرقتان: فرقة مزجت الفلسفة بفنون الكتابة، وحرمت التقليد، وقالت: إن كل إنسان ~~له أن يعتمد على استعداده الخاص، وأن يكون دليله في كل ما يكتب ويفكر العلم والفلسفة، ~~وأن كل طريق يخالف ذلك يكون متهما في صحته ومطعونا في أصله، وتظاهرت هذه الفرقة ~~بالعداء لأنصار القديم. وفرقة أخلصت في حبها للقدماء، وفي اقتفاء آثارهم، وهم الأدباء ~~الخلص الذين لم ينظروا للبلاغة إلا من حيث إنها فن من فنون الجمال، ورأوا حاجاتهم ~~شديدة إلى تقليد بلاغة القدماء للوصول إلى غرضهم؛ لأنها أمتن وأمتع ما تكون بلاغة ~~وصناعة؛ ولذلك كانوا يدعون إلى التمسك بمذهبهم، والإعجاب بالقدماء، وكان من أنصارهم ~~كبار الكتاب والشعراء في ms062 القرن السابع عشر، وقد انتشر المذهبان وتنازعا البقاء نحو أكثر ~~من نصف قرن، أي منذ ظهور كتب ديكارت الفيلسوف (سنة 1637)، التي انتشرت منها فكرته ~~القائلة «بأن الفكر الإنساني سائر دائما إلى الرقي» إلى أواخر القرن السابع عشر، حين ~~ألقى شارل بيرو # Charles Perrault # قصيدته الشهيرة في ~~المجمع الأدبي (سنة 1687)، وافتتحها بمساواة المحدثين للقدماء، بل بفوقانهم عليهم، ~~ووازن بين زمن لويز الرابع عشر والأزمان القديمة، فأخذ المحدثون أنصار ديكارت يظهرون ~~وينشرون مذهبهم؛ وانتشر النزاع بين القدماء والمحدثين . # أثار عجاج هذا الخصام شارل بيرو، وهو أحد كبار كتاب وشعراء وأدباء القرن السابع ~~عشر، وقد كان من المقدمين في حظيرة الملك لويز الرابع عشر، ومن المشتغلين بالفنون، ~~المعروفين بالذكاء وحب الجديد في هذا العصر، ونشر كتابه المعروف «بالموازنة بين القدماء والمحدثين»، # 2 # وهو عبارة عن حديث بين قسيس عالم ذكي، يدافع عن المحدثين ويمثل المؤلف ~~نفسه، وبين رئيس كبير وصفه الكاتب بالغباوة والتعصب، يقدس القدماء ويعجب بهم. وقد بث ~~المؤلف أثناء هذه المحادثة ما أراد أن يثبت ويبرهن عليه من مذهبه وآرائه في تفضيل ~~الحديث على القديم، وكان مدار الحديث دائرا على هذه الفكرة الأساسية: وهي «أن القانون ~~العام للعقول البشرية والأفكار الإنسانية، هو التقدم والارتقاء في العلوم والفنون، وأن ~~المحدثين وصلوا إلى ما لم يصل إليه القدماء من الاختراع والابتكار في الماديات؛ لأنهم ~~اطلعوا على أكثر ما عرف واطلع عليه القدماء، فكان لهم من التجربة ما لم يكن لهؤلاء، ~~والمعرفة والعلوم ليست إلا نتيجة التجربة والاطلاع؛ فالمحدثون إذن أرقى وأعلم من ~~القدماء؛ لأنهم وقفوا على معلوماتهم، ثم على ما حدث بعدهم من العلوم والأفكار. فلماذا ~~إذن لا يسبقونهم أيضا في فنون الأدب والبلاغة؟ بل لا بد أن يسبقوهم في هذا، كما فاقوهم ~~في المخترعات المادية والوسائل الأخرى للمدنية الحديثة.» قال: «وقد كان القدماء أطفالا ~~في العلوم والفنون بالنسبة لما ظهر من نتائج العقول والقرائح بعدهم. أما المحدثون ~~فإنهم يمثلون نضج الفكر وغاية ما وصل إليه الإنسان من الذكاء، والأدب يبرهن على ذلك، ms063 ~~وعلى أن كل عظيم من القدماء له مثيل من المحدثين.» # وقد التف بشارل بيرو فونتنل # Fontenelie # أحد كبار ~~الأدباء، وألف كتابا في ذلك # 3 # أيد فيه رأي بيرو قال فيه: «إن طبيعة الإنسان واحدة في كل زمان ومكان، ~~قابلة للرقي والفلاح، فلا بد أن يكون لدينا الآن من العقول الناضجة والعبقرية ما كان ~~لأهل الأزمان الماضية، وإن الأجيال السالفة تترك للأجيال الآتية علومها واختراعاتها، ~~فعقولنا الآن تعرف وتنقح كل الأفكار الماضية ونتائج القرائح السابقة، ذلك إلى ما نصل ~~إليه نحن باستعدادنا الفطري ومباحثنا الشخصية.» قال: «والحقيقة أن بعض الأقاليم يساعد ~~على الذكاء ويربي الإدراك، وأن هناك عصورا تدعو إلى التقهقر، وحوادث تقف حركات الأفكار ~~والعقول، وأن هذه الحوادث قد تمنع ظهور كثير من مواهب أصحاب العقول والأفكار الراقية.» ~~وقال: «من الممكن ألا يصل أحد إلى ما وصل إليه الشعراء الأقدمون. ولكن ليس من ~~المستحيل أن يفوقهم سواهم، بل لا بد أن يكون ذلك.» # 4 # نرى من خلال هذا النزاع الذي احتدم بين القدماء والمحدثين أنه مبني على فكرة فلسفية، ~~وإن الفلسفة أوضح وأبين فيه من الأدب؛ إذ إن الفكرة الأساسية هي مسألة التقدم والارتقاء ~~التي هي أصل فلسفة ديكارت، المتسربة إلى الأدب، المبنية على الاهتمام بالأفكار قبل ~~الاهتمام بالصناعة اللفظية، فإنه جعل للفكر المنزلة الأولى، وقال: إن الإتقان والإبداع ~~هما في متانة الموضوع، وفي الأحوال العامة التي تولد في نفس القراء نوعا من السرور ~~والارتياح مما يقرءون. وقد زج هذا المذهب بالبلاغة في مضايق الفلسفة، وجعله مبنيا ~~على البحث عن الحقائق، بدل البحث عن مظاهر الجمال في القول. وعلى ذلك لا يكون هناك فرق ~~بين البلاغة والفلسفة ولا بين الفيلسوف والكاتب والشاعر؛ لأن كلا منهما على رأي ~~ديكارت يقرر الحقائق. غير أن الفيلسوف قد يكون أسلوبه أجف من أسلوب الأديب. وكان ~~ينبغي أن تكون هذه البلاغة المبنية على مثل هذا المذهب الفلسفي الصرف، بعيدة عن كل ~~معنى من معاني الجمال مما هو خاص بالفنون وسبب تفوقها، وكان هذا يكون عند ms064 أنصار ~~الجديد الذين لم يفهموا البلاغة، ولم ينظروا إليها إلا من جهة أنها تعبر وتبحث عن ~~الحقائق. ولكن الذوق الأدبي في فرنسا كانت هذبته الآداب القديمة بما فيها من الجمال؛ ~~ولذلك بقيت البلاغة فنا من الفنون الجميلة، ولم يتغلب العلم والفلسفة على محو ميزة ~~البلاغة، وهي الجمال في القول وفي حسن التعبير، وامتزجت الحقائق العلمية بالحقائق ~~الفنية، وأصبح البحث عن الحقائق سالكا طرق الجمال، ولم يغير مذهب ديكارت الفلسفي من ~~أثر الجمال وأثر الصناعة الأدبية، وأصبحت «وظيفة» البلاغة القديمة التوفيق بين الجمال ~~وصناعة الكلام، وبين الآراء الصحيحة والحقائق الممتعة. # وقد انضم إلى أنصار الجديد الأدباء والظرفاء، الذين كانت تدور عليهم رحى المحاورات في ~~المجتمعات، وساعدهم في ذلك النساء الأديبات، اللائي كن يعجبن من المحدثين بذوقهم الأدبي ~~الموافق لأذواقهن؛ لأن طريقة أنصار القديم كانت ثقيلة على نفوسهن، ككل شيء متين جدي، ~~والنساء يعجبهن الخفة وعدم التعمق في الأفكار؛ ولذلك كن من أنصار بيرو وفونتنل. وكان ~~الناس في ذلك العصر في حاجة لأن تكون بلاغتهم أقرب إلى الاجتماع الذي يعيشون فيه، منها ~~إلى الاتصال بتاريخ القدماء، فإن تقليد القدماء كان قد وصل إلى أقصى ما يمكن، والشيء ~~إذا بلغ النهاية انقلب إلى ضده، فكان لموافقة الظرفاء، وأهل الخلاعة، والنساء الأديبات، ~~المحدثين، أثر عظيم في الحركة الأدبية الجديدة؛ لأن ذلك كان من الأسباب التي منعت ~~البلاغة من أن تسير في طريق فلسفي صرف، بل سلكت مسلكا فنيا، وتعانق الأدب والفلسفة، ~~وتآخت الصناعة الأدبية وفنون الكلام الجميلة التي ورثها الفرنسيون من البلاغة القديمة، ~~مع الأفكار الفلسفية المتينة، ولبثت البلاغة ثوبا جديدا، وصارت ترمي إلى تمثيل ~~الاجتماع. # هذه نتيجة الخصام الذي كان بين القدماء والمحدثين في فرنسا، وهذا هو أثره في البلاغة ~~الفرنسية، وكان من جراء هذا النزاع أنه استل من القرن السابع عشر آداب القرن الثامن ~~عشر، التي أجدر بها أن تسمى فلسفة لا آدابا، وانقلبت الأفكار انقلابا عظيما، ~~وظهر العلماء أصحاب الموسوعات # Encyclopédistes # الذين ~~كانت فكرتهم الأساسية هي التقدم والارتقاء. # هذه الحركة نقلت ms065 النقد إلى البحث والتنقيب في القديم والحديث، وكاد يكون القرن الثامن ~~عشر خاليا من أثر واضح للنقد الأدبي؛ لأن الأدب نفسه كان في عصر انتقال، فلم يكن النقد ~~قد تمكن بعد من بناء أساس يرتكز عليه. على أنه قد ظهرت عدة كتب ومباحث لكثير من النقاد ~~والأدباء. ولكنها لم تؤسس مذهبا ولم تبن رأيا متينا، بل كانت أشبه بآراء فردية ~~وإرشادات للأدباء والكتاب، وعندما أشرقت شمس القرن التاسع عشر ظهرت في عالم الأدب ~~والاجتماع سيدة أديبة عالمة، جالت الأقطار والأرضين، وصرفت زمنا طويلا في ألمانيا، ثم ~~رجعت إلى بلادها في نحو سنة 1803، هذه هي مدام دي ~~ستال # Madam de Staël ~~، وقد ظهر كتابها «البلاغة» أو الآداب # La littérature ~~، وكتابها «ألمانيا» # L’Allemgne # في سنة 1810، فكان من الوسائل التي نشرت في فرنسا الأفكار ~~الأجنبية، وأظهرت للعالم الفرنسي ما لم يكن يعرفه خارج «منطقة» عقله ومباحثه ~~القومية. # وقد رأينا أن منهج البلاغة في فرنسا كان تابعا للبلاغة اليونانية والرومانية فقط، ~~أما الآن فقد ظهرت الموازنة بين بلاغات الأمم الأخرى والبلاغة الفرنسية، واتجهت الأفكار ~~إلى أن في الجديد ما يصح أن يعجب به، وأخذ النقد يسير في طريق آخر، ويدعو إلى التأمل في ~~بلاغات الأمم الأخرى، فخطا خطوة جديدة، وهي: أن الأدب صورة ~~الاجتماع # La littérature est l’expression de la société # وأن الكتابة الأدبية زيادة عما فيها من فنون الكلام وضروب ~~الإعجاب، بها شيء آخر غير ذلك، وهو قيمتها التاريخية، وأنه لا بد أن يلاحظ الناس أن ~~هناك صلة متينة بين بلاغات الأمم ومدنياتهم المختلفة؛ لأنها دليل عليها وعلى مقدار ما ~~أنتجته العقول والقرائح. # ثم عمل النقاد على ربط الكتابات الأدبية بالوسائل والأسباب التي أنتجتها، خلافا ~~لما كان معروفا عندهم من فهم البلاغات بقطع النظر عن الأسباب والحوادث والأزمان، ~~وجعلوا النقد جزأ من التاريخ العام، فأخذ النقد شكلا آخر بدخول القرن التاسع عشر. ثم ~~جاء سنت بوف # Sainte Beufe ~~(1804-1896) أكبر النقاد ~~وأستاذهم جميعا، ودفع بالنقد الأدبي في طريق جديد، فإنه لم يكتف بفهم ms066 الأدب من البيئة ~~أو من العوامل الأخرى، بل أراد أن تكون صلة الأدب بين الكتاب أنفسهم، وبين أمزجتهم ~~وخواصهم النفسية والعقلية، فكان مذهب سنت بوف من المذاهب التي ساعدت التاريخ العام على ~~كشف حقائق النفوس والأفراد، وصار النقد عبارة عن «معمل تحلل» فيه النفوس وخواصها، ~~وأصبح إحدى وسائل علم النفس، وعلم سنت بوف الباحثين والقراء كيف يقرءون وكيف يبحثون، ~~واتسعت على الباحثين دائرة معرفة الرجال ووسائل ذلك، ووصل سنت بوف إلى ترتيب العقول ~~فصائل فصائل؛ لأن النقد عنده عبارة عن تاريخ طبعي للعقول والنفوس، يميز منها القوي من ~~الضعيف، والأفكار العلمية من العقول الخيالية. # ومذهب سنت بوف في النقد من أعدل المذاهب وأقربها إلى الطريقة الأدبية، وقد ترك في ~~كتاباته النفسية Psycologiques # المعروفة «بحديث ~~الاثنين» مجموعة من التاريخ الطبعي للنفوس والأفكار لا توجد عند أمة أخرى، ولا في أدب ~~غير الأدب الفرنسي، وهو أول من جعل النقد الأدبي وسيلة من وسائل علم النفس. # 5 # وجملة القول أن سنت بوف كان يهتم «بشخصيات» الكتاب والشعراء أكثر من غيرهم، فلم ~~يكن من غرضه أن يعرف الاجتماع وآثاره من جولات الكتاب وميادين الفصاحة، بل كان يبحث عن ~~الأمزجة الخاصة وصور النفوس من خطوات الأقلام في الصفحات والطروس، وكانت جميع أحكامه ~~على المؤلفات أحكاما على المؤلفين أنفسهم، وكان يقفو أثر المؤلف ويرافقه في منزله ~~وحياته الخاصة، ويشرف عليه وهو عند أصدقائه وفي مجتمعاته، ويتجسس عليه ليقف على أسراره ~~النفسية وعواطفه وميوله، ويعرف منه الخبيث والطيب، وعلو النفس وانحطاطها، وعقله وفكره ~~وأهواءه ... # كل هذا ليعرف الكاتب وآراءه ومؤلفاته، وبذلك أيضا يتوصل إلى صلة ذلك بأسباب عامة ~~تتصل بالمدنية العامة. # مذهب «تين» في النقد # نجد في الرجال الأبيض والأسود، والأصفر والأحمر، ونجد فيهم الذكي والغبي، ونجد النشيط ~~والخامل، ونجد اختلافات كثيرة في الطبائع والعادات وطرق الفهم والتصور والإدراك ~~والعقائد، ونظام العيش في الحياة والاجتماع وغير ذلك. ويقول العلماء والباحثون: إن لذلك ~~أسبابا ثلاثة: الجنس، والبيئة، والزمن. وقد نوه بشيء من هذا ابن خلدون في «مقدمته» ~~ونسب ms067 اختلاف الأخلاق والألوان إلى طبيعة الإقليم، ونسب إلى السودان الخفة والطيش والميل ~~إلى الطرب، ووصفهم بالحمق، وغير ذلك مما سببه طبيعة الأقاليم الحارة. وفي كلام ابن ~~خلدون عن العرب وأخلاقهم العمرانية والاجتماعية، ما يدل على أنه يقصد بذلك خواص الجنس ~~وأثره في الأمم، واختلاف الأمم بعضها عن بعض بسبب اختلاف الأجناس والبيئات. # هذا أساس مذهب تين # Taine # العالم النقاد الفرنسي. # 6 # يقول تين: «الرجل ثمرة من ثمرات البيئة التي ولد وتربى فيها، كالشجرة تنمو في الأرض ~~التي نبت فيها أصلها، وإنه يمكن أن ترجع جميع الأسباب التي تكون الرجل إلى ثلاثة ~~أصلية: الجنس، والبيئة الطبعية والاجتماعية، ثم الزمن الذي تكونت فيه حياته العقلية.» ~~قال: «ولا يمكن معرفة الشخص إلا إذا وقف الإنسان على هذه الأشياء؛ لأنها الوسائل ~~الثلاثة اللازمة لمعرفته.» وكل طرق تين في البحث بنيت على هذه الأصول، وطريقته هذه من ~~أهم الطرق وأنفعها؛ لأنها تحمل الناقد على دراسة ووصف الأمة التي فيها نشأ الكاتب، وإلى ~~البلد الذي عاش فيه والمدنية التي تأثر بها. # وأصل مذهب تين بناء الأحوال النفسية من فكر وإرادة، وقوة وضعف في الرأي على أسباب ~~جسمية؛ أي على ما يسمونه الآن «علم وظائف الأعضاء»؛ لأنه يرى أن جميع الأفكار ~~والإحساسات متصلة اتصالا تاما بحركة الأعصاب، وعنده أن الوسائل إلى معرفة الحقائق هو ~~الحواس والإلهامات، وما عدا ذلك كذب وافتراء، مما لا يصح أن يهتم به العلماء. فكانت ~~طريقته علمية صرفة، فأراد أن يدخل الأدب والبلاغة في هذه الدائرة العلمية، وأن يجعلها ~~من العلوم الاجتماعية. وإذ كان يبني مذهبه على التجارب العلمية، أراد أن يجعل الأدب ~~والبلاغة إحدى هذه التجارب؛ ليتوصل بها إلى الحكم على الأفراد والمجتمع - كما أراد قبله ~~«سنت بوف» أن يجعل دراسة البلاغة كتاريخ طبعي للأفكار والعقول - ولأن هذه الحوادث ~~والأعمال التي تمر في المجتمع وتملأ البلاغات، هي التي يستمد منها الكتاب والشعراء ~~معلوماتهم وأفكارهم. قال تين: «... يجب أن يكون أساس التاريخ «التحليل» العلمي للنفوس، ~~وأن ما يفعله المؤرخ لإظهار الحوادث الماضية وإيضاحها ms068 يفعله الكاتب والقصاص لإيضاح ~~الحوادث الحاضرة ... إذ ليس الضرر في الجري وراء الأحلام فقط، أو في ترك النفس تسبح في ~~الخيالات. ولكنه أيضا فيما ليس محققا ولو كان محتمل الوقوع؛ لأن المخ خلق لحفظ ~~الحقائق، كما أن البصر خلق لإدراك المبصرات إدراكا واضحا. ومتى اهتمت العقول بغير ~~الحقائق دبت فيها الأمراض دبيبا؛ كالعين تضطرب عند اضطراب الأشياء التي تراها؛ ~~فالحقائق هي سلامة العقول.» # وبناء على هذا المذهب لم يعتقد تين بغير أثر الحواس. وعنده أن كل موجود عبارة عن جزء ~~من سلسلة حركات وإحساسات. # هذه الطريقة العلمية البحتة المبنية على المشاهدات والتجارب، هي التي بنى عليها تين ~~مذهبه في نقد الأدب والبلاغة؛ لأن كل نقد عنده عبارة عن ملاحظات نفسية (بسكلوجية) ~~علمية؛ إذ البلاغة أثر الاجتماع ونتيجة الأسباب الثلاثة التي ذكرناها؛ أي إن الأدب ~~والبلاغة على رأي تين نتيجة لازمة لتلك الأسباب الثلاثة التي هي: الجنس والبيئة والزمن. ~~فكان من غرض تين أن يؤسس مذهبه في النقد الأدبي على قواعد ثابتة، ويجعله علما من ~~العلوم، وأراد أن يبنيه على الأسباب الطبعية والاجتماعية الثابتة، ويحكم على ذلك ~~بناء على ما في الاجتماع؛ إذ لا يمكن في نظره معرفة الإنسان إلا بمعرفة هذه الأسباب ~~الثلاثة. ولم يكن غرض تين أن يقرأ الكتب لنفسها، بل كانت دراسة الكتب لديه وسيلة لمعرفة ~~أحوال الأمم؛ فهي بمثابة مقياس «لجس نبض» الأمم والشعوب. # 7 # لا شك أن الإنسان ثمرة البيئة والزمن والجنس. ولكن هذه أسباب عامة، يندمج فيها كثير ~~من الأسباب الأخرى، وليست وحدها تؤثر في نفس الشخص وتربيته. هنالك حوادث خاصة وأحوال ~~نفسية، واستعدادات فطرية وأمراض عقلية وعصبية، وهناك قوة وضعف في الجسم والعقل، وفي ~~التصور والخيال، وهناك أحوال كثيرة لا تعرف إلا بدراسة الشخص نفسه منفردا، أو بعيدا ~~عن كل المؤثرات العامة الأخرى. كل ذلك يجب اعتباره والرجوع إليه في «تحليل» نفوس ~~الأشخاص وآثارهم العقلية والكتابية، وإنما مثل من يحكم على الشخص بمجموع ما يحيط به ~~وباندماجه مع غيره، كمثل الطبيب يمتحن الجسم كله ms069 ليتوصل بذلك إلى الحكم على عضو خاص، ~~بدون نظر إلى العوارض الخاصة بذلك العضو. نجد في الأمة الواحدة وفي البلد الواحد، وفي ~~الأسرة الواحدة وفي البيت الواحد، عقولا مختلفة وأفكارا مختلفة وأميالا وأهواء ~~مختلفة، فكيف نفسر ذلك على طريقة تين؟ الاختلافات الظاهرة في الخلق بين أخوين ~~من طول وقصر، وبياض وسمرة، ونحافة وبدانة، واعتدال واعوجاج، توجد بنفسها في الأخلاق من ~~حمق ورزانة، وحلم وطيش، وتوجد في أثر العقول والأفكار من ذكاء وغباوة، وقوة في الإدراك ~~وضعف في التصور؛ ومن هنا كانت الاختلافات العظيمة بين الأفراد في الحكم والإدراك ~~والمبادئ والعقائد وغيرها. الحق واحد لا يتغير. ولكن الخلاف في طرق الإدراك وفي ~~النفوس واستعدادها لقبوله؛ فلا بد من مراعاة الأسباب الخاصة في معرفة الشخص، أكثر من ~~الأسباب العامة في تكوين نفسه وإدراك حقيقتها. # من أجل ذلك يمكن أن تعتبر مباحث تين كمقدمات عامة لمعرفة الأشخاص، كما لاحظ ذلك أحد ~~النقاد، وقال: إن هذه الطريقة واضحة في تفسير الأحوال العامة، كالحكم على شعب أو أمة ~~بأجمعها، كما فعل تين في كتابه «تاريخ بلاغة الإنكليز»؛ إذ يصح أن يوجد في هذا الكتاب ~~أدلة صحيحة واضحة في الحكم على الجنس السكسوني ومميزاته. ولكنا إذا رجعنا إليه وهو يبحث ~~أو يدرس أفرادا خاصة، وجدنا أن الأوصاف التي استنتجها يصح أن تنطبق على غيرها من جنس ~~آخر وبيئة أخرى. # هذه الطريقة في النقد هي نتيجة فلسفة تين الإيجابية، ونتيجة أفكاره المذهبية المبنية ~~على مذهب علمي ثابت وقواعد ثابتة، وهي نتيجة انتشار مذهب أوغست كونت وأتباعه؛ فمذهب تين ~~الأدبي هو أثر مذهبه العلمي الفلسفي، مبني على صلة الأدب بالفلسفة والعلوم، وعلى تسرب ~~المبادئ العلمية إلى الأدب والبلاغة، وأن البلاغة أثر من آثار العلوم، ليست عبارة عن ~~خيالات وتشبيهات فقط، بل هي مجموع أفكار الإنسان ونتائج العقول والقرائح. # ولو أردنا أن نشرح مذهب تين بتفصيل أوسع لطال بنا البحث، وربما عاد علينا ذلك بالملل؛ ~~لأن الرجل غير معروف عندنا؛ ولأننا لم نتعود اندماج الأدب في الفلسفة، ولأن مذهبه ms070 ~~مذهب علمي جاف لا يسوغ لنا قبوله. # | البيئة وأثرها في العقول # يستمد الإنسان تصوراته، وتتربى إدراكاته على حسب ما يراه، ويحيط به من المشاهدات ~~والمعقولات، وعلى قدر بلوغ ذلك من نفسه واستيلائه على حواسه، تكون درجة الإدراك لديه، ~~فإذا كانت المشاهدات كثيرة مختلفة، كانت قوة الموازنة وحب الاستطلاع والرغبة في البحث أعظم ~~وأدعى إلى نمو العقل والإدراك، وكبرت في نفسه ملكة التمييز بين الأشياء، وصار ذلك شبه خلق ~~له؛ فيصبح وقد تربى على نوع خاص من الذكاء والملاحظة، وتشكلت نفسه وإدراكاته ومعلوماته بهذا ~~الشكل الخاص، الذي ينبئ عن حياته العامة التي كانت له في هذه البيئة الخاصة، وكانت تصوراته ~~وتشبيهاته مأخوذة عن ذلك، وأفكاره ومعقولاته صورة من الاجتماع الذي عاش فيه، وأثرا من آثار ~~تلك البيئة، وباختلاف البيئة يكون اختلاف الناس في عقولهم وإدراكاتهم وتربيتهم؛ فليس من ~~يعيش بين العلماء كمن يعيش بين الجهلاء، ولا من نشأ في بيت كريم كمن نشأ بين السوقة ~~والسفلة. # لذلك كان من عمل الناقد أن ينظر إلى هذه الأسباب؛ ليتمكن من الحكم على آراء الكتاب ~~والمفكرين حكما صحيحا، وليعرف أسباب المؤثرات الفعالة، فالذي عرف البلاغة «بأنها ما ~~بلغ بك إلى الجنة وعدل بك عن النار» كان متأثرا بالبيئة الاجتماعية الدينية التي عاش فيها؛ ~~فلا يصح أن يؤخذ هذا التعريف كما هو، وإلا ما هي الصلة بين البلاغة وبين الجنة والنار؟ ~~والذي قال: «إن دراسة الأدب بأجمعه من تاريخ وفنون، ومن شعر ونثر، إنما هي وسيلة لفهم كتاب ~~الله - تعالى» لا يصح أن يعد من الأدباء؛ لأن أديبا من الأدباء الذين يفهمون الأدب، ~~ويقولون إنه صورة النفوس والعقول وحالة من أحوال الاجتماع لا يقول ذلك. وإنما هذه نتيجة ~~التربية العقلية عند فقهاء المسلمين، الذين اشتغلوا بالأدب وجمعه وعنوا به من أجل ذلك، ~~ونشروا هذا الرأي وأشاعوا هذه الفكرة، فأخذها الناس عنهم كما هي بدون بحث ولا نقد. وكان ~~يمكن الرجوع إلى الأدب وبلاغة العرب لفهم ما في كتاب الله - تعالى - بدون أن يكون ذلك الغرض ms071 ~~الفذ من دراستها. ولكن أدباءنا وأكثرهم من الفقهاء صرفوا همتهم إلى الوجهة الدينية فقط. ~~هذا أثر للبيئة الاجتماعية وأثر اتجاه العقول والأفكار اتجاها خاصا، وهذا يفسر معنى صلة ~~هذه الأسباب بالأدب والنقد. # الإنسان كما قلنا ثمرة البيئة الطبعية والاجتماعية، والأدب والبلاغة من شعر ونثر ومن ~~كتابات اجتماعية وفلسفية وغيرها - من أثر العقول والقرائح - ثمرة من ثمار الإنسانية، ونتيجة ~~تربية العقول والنفوس. فإذا كانت الأمة في مبدأ تربيتها العقلية وأول نشأتها كالطفل لا يعرف ~~إلا ما يقع عليه نظره، ولا يدرك إلا ما يحيط به، أصبحت معلوماتها منحصرة في ذلك، وخيالاتها ~~مقصورة على ما ترى وتسمع حولها. فإن لم تكن محبة للبحث والتنقيب ولا راغبة في الاستطلاع، ~~بقيت في هذا النوع من التربية الأولية. وبعض الأمم يموت ويعيش وهو في شباب الحياة وطفولة ~~التربية؛ لأن البيئة الاجتماعية لم تدفعه إلى حب الاستطلاع، ولم تولد فيه البحث في معرفة ~~الجمال وفهمه. # والعرب في عيشتهم وحياتهم البدوية الصرفة، لم يخرجوا عن الدائرة التي وضعتهم فيها طبيعة ~~بلادهم، ولم يروا غير هذه الصحراء الواسعة وما توحيه إلى النفوس من العظمة والهيبة ~~والغموض الذي تضل فيه الظنون. ثم هذا البسط «اللانهائي» الذي يحمل على الظن بأن الحياة لا ~~تتغير، وكأن الإنسان يخلق ويموت وهو على حال واحدة من العيش، وأن هذه الحياة البدوية ~~الساذجة هي كل شيء، وأن الشجاعة والكرم والمروءة هي كل فضيلة، وكأنه ليس وراء ذلك من فخر، ~~وكأن العصبية والإغارة على الأعداء والانتصار عليهم هي كل ما يفهم من معنى الشجاعة، وأن ~~العربي في حريته واستقلاله أفضل إنسان وأكرم نفس وأرقى مخلوق. كذلك تكونت خيالات العربي ~~على ما يرى وما يحيط به من حيوان ونبات، ولم يكن لديه من الفرصة ما يمكنه من معرفة أحوال ~~الأمم الأخرى، فنشأ قانعا بما لديه، راضيا بحالته؛ لأنه ظنها أفضل وأكمل من غيرها، فلم ~~يرغب في تغيير حالته الاجتماعية ولم يأخذ عن غيره؛ لأن ذلك لم يكن متيسرا له في حالته ~~الأولى، ولأن الحاجة لم تحمله ms072 على ذلك؛ لاقتناعه بما لديه من كل شيء حتى في العلوم ~~والمعارف، ولأنه كان يرى سعادته في هذه الحال، والإنسان إن لم تدفعه الحاجة لا يميل إلى ~~العمل ولا يحب التعب. كل ذلك أثر البيئة الطبعية والاجتماعية عند العرب، وهي بنفسها التي ~~نراها في بلاغاتهم وأشعارهم، فقد امتلأت خيالاتهم بما كان يحيط بهم، ولم تتعد أفكارهم ~~البيئة التي كانوا يعيشون فيها، فكان إذا وصف أو شبه أحدهم شيئا أخذ خياله وفكره ~~مما يحيط به، وذكره على سذاجته؛ لأنه كان يميل في الافتنان والصناعة إلى إلهاماته وما ~~توحي إليه فطرته، فكانت السذاجة تظهر في كل شيء من كلام وشعر وخيال، ومع أن هذه السذاجة ~~البدوية هي عيب الشعر العربي؛ لأن الحقائق «العريانة» كما يقولون ليست مقبولة لدى كل نفس، ~~ولا يتذوقها كل إنسان، خصوصا في الشعر والبلاغة؛ إذ لا بد من الافتنان في إظهار المعاني ~~المقصودة، ولا بد أن يعتري المتفنن من الحيرة والشك في الوصول إلى أغراضه ما يحمله على ~~البحث والتنقيب حتى يصل إلى ما يقرب من الإتقان والكمال والإبداع. مع أن هذا هو عيب الشعر ~~العربي البدوي، فهو أيضا كل ما فيه من الجمال؛ لأن السذاجة الفطرية أو الكلام المطبوع الذي ~~تظهر فيه طبيعة الإنسان كما هي، له نوع خاص من القبول والاستمراء، وقد تدعو هذه الحال إلى ~~الإعجاب. # هذه السذاجة التي اكتسبها البدوي من البيئة التي يعيش فيها هي روح الشعر العربي، التي ~~أكسبته هذه العذوبة وهذا الجمال اللذين لا يوجدان دائما في الشعر الحضري؛ لأن إطلاق ~~العربي لنفسه العنان يقول كما توحي إليه فطرته، ويملي عليه ضميره من السذاجة المقبولة ~~المحبوبة السائغة على النفوس، هو السر في حياة هذه البلاغة ومظهر جمالها. # 1 # فانظر هذه التشبيهات وأثر البيئة فيها وما رسمته في نفس الشعراء، مثل ما قال بعضهم وقد ~~حلق رأسه: # فأصبح رأسي كالصحيرة أشرفت # عليها عقاب ثم طار عقابها # وقالوا: إن هذا البيت من المعاني المحدثة المقبولة لدى الأفكار والعقول؛ فالحال السياسية ~~والحال الاجتماعية والحال ms073 الفكرية، لها أثر عظيم في البلاغات والأدب؛ لأنها سائرة وراء ~~الاجتماع «حذو النعل بالنعل» كما يقول المثل العربي. وقد ظهر بعض هذه الآثار في الشعر ~~العربي؛ لأن الشعر هو كل الأدب العربي، أو هو مجموع الصورة العامة لبلاغة العرب ولحركات ~~أفكارهم. والبيئة الاجتماعية أقل أثرا وظهورا من البيئة الطبعية فيه؛ بدليل أن الاجتماع ~~تغير تغيرا عظيما، وتناوبته الممالك والدول، والشعر العربي لم يتغير في جملته ولم ~~تعتوره أطوار الاجتماع، بل كان الشاعر الحديث يسطو على المعنى القديم، فيصقله في قالب جديد ~~من الألفاظ، ويكسوه ثوبا آخر لينسب إليه. ونحن لا نرى هذا أثرا للاجتماع، وإنما هو ضرب من ~~رقي الخيال؛ لأنه لا يدل على حالة الاجتماع السياسية ولا على أي نوع من حياة الأمة. وكان من ~~الممكن أن نرى تقلبات الدول والحوادث الكثيرة التي ملأت تاريخ المسلمين ظاهرة في بلاغاتهم، ~~ولكنا لم نر في بلاغات العرب أصدق وأدل على الاجتماع من الشعر الجاهلي؛ لأن الشعر إذ ذاك ~~كان بمثابة الحديث والمسامرات اليومية والكلام الاعتيادي، وفي مدة الأمويين كان يدل على شيء ~~من الحالة الاجتماعية دلالة إجمالية، وكان أثر البيئة الاجتماعية ظاهرا بعض الشيء في المدح ~~والذم بين الشعراء، وفي قصائدهم إلى خلفاء بني أمية، ولم يكن دالا تمام الدلالة على ~~الحياة؛ لأن هذه كانت مناقشات شخصية لأهواء شخصية، وكان أكثر ذلك ناشئا من ميل الشعراء إلى ~~التكسب، ولم يكن في الشعراء أو لم يكد يوجد بينهم من كان ذا أغراض اجتماعية ترمي إلى إصلاح ~~الاجتماع، أو إلى تربية الأفكار وتهذيبها. وكل ما كان من الصدق في نفوس الشعراء كان عبارة ~~عن عواطف نفسية، يرجع أكثرها إلى شيء من العقائد الدينية أو إلى تأييد مذهب سياسي وكراهة ~~أحد البيوتات الحاكمة؛ كما مدح الفرزدق زين العابدين في قصيدته المعروفة، عندما تظاهر بعدم ~~معرفته هشام بن عبد الملك، لما رأى من إقبال الناس على علي بن الحسين، فقال: «من هذا ~~الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟» ms074 فقال ~~الفرزدق: «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» ... إلخ القصيدة. ومع ذلك فقد كان الشعر مدة ~~الأمويين أقرب إلى الجد منه إلى التسلية والمجون، وكانت لا تزال الصبغة العربية ظاهرة فيه ~~وفي مجموع أوصافه؛ من الصراحة وحرية القول وعزة النفس وغيرها من الأخلاق العربية. # أما في زمن العباسيين فقد ظهر أثر البيئة في نوع خاص من الشعر؛ لأن بيئة خاصة أثرت في ~~الشعر، وهي بيئة المجون واللهو والطرب، وأشهر شعراء هذا العصر كانوا من هؤلاء، كأبي نواس ~~وبشار وابن الضحاك وغيرهم ممن أكثروا من وصف الغلمان والخمر ومجالس اللهو. وكانت هذه ~~حال البلاغة في العصر الأول العباسي، مما لا يكاد يخرج عن التسلية والمجون ، وكانت مجالس ~~الخلفاء والأمراء غاصة بالغناء والمغنين، وكانت الأشعار التي تغنى لا تخرج عن وصف الحب ~~والغرام والخمر، وكانت المجامع في ذلك العصر أشبه بالجنان ونعيمها. وشجع الخلفاء والأمراء ~~الشعراء على ذلك؛ فانكب هؤلاء على هذا النوع من الشعر الوجداني، وانتشر الغناء، وكانت ~~مجالسه حافلة بالأدباء والشعراء (تشبه المجتمعات التمثيلية عندنا اليوم). ولم يؤثر انتشار ~~الفلسفة في الشعر إلا في أواخر الدولة العباسية عند مثل المتنبي وأبي العلاء؛ أي عندما أخذت ~~العقول تنضج وترقى، وترى وتفهم من الأدب غير ما كان يراه ويفهمه الأولون. غير أن هذا العصر ~~لم يطل، ولم تكد تظهر فيه المواهب العربية وأثر الإسلام في الرقي، حتى وقفت حركة العلم ~~والأدب، وهزمت العجمية العربية بسيلها الجارف، فوقفت حركة العقول والأفكار. # أما أبو نواس وأمثاله فكانوا شعراء وجدانيين وخلعاء متهتكين، لم يهتموا بحالة الاجتماع ~~ولم يكن عندهم من التربية والتعليم ما يساعدهم على ذلك، ولم تدفعهم البيئة إلى هذا النوع من الشعر، # 2 # ولم يفهم الناس هذا الضرب من الأدب الاجتماعي، وكان إذا أراد أحدهم أن يقول ~~شيئا من ذلك أو ما يقرب منه أفصح إفصاحا، وبث الموعظة على أنها موعظة ونصيحة. ولو أنه ~~فكر في وضع أفكاره ونصائحه في قصة لكانت أوقع وأشد فعلا في النفس من قص الكلام قصا ~~وسرده سردا. ولكن ms075 العقول لم تكن نضجت بعد، ولم يصل الأدب إلى الحالة التي كانت تلهم ~~الشعراء نوعا جديدا في الكلام والصناعة. على أن بها من جمال القول ومتانته ما لو وضعه ~~شاعر عصري في قالب قصصي لوصل إلى ما وصل إليه موليير وغيره. # | خواص الأجناس البشرية وأثرها في العقول # العوارض المختلفة التي تظهر في الأشخاص وتميز بعضها من بعض أكثرها ناشئ من اختلاف ~~الأجناس. فإن لكل جنس أوصافا عامة تدل عليه، ومدنية خاصة تميزه من سواه في طرق الفهم ~~والإدراك، وإذا كانت أفراد الجنس الواحد تختلف بعض الاختلاف في شيء من الصفات الخاصة فإنها ~~تتفق في الأوصاف العامة؛ فالجنس الآري مثلا الذي منه سكان أوروبا يختلف أفراده بعضها عن ~~بعض اختلافات بينة في مجموع مدنياتها. ولكنها تتفق في الأمور العامة، كالنوع الجرماني ~~الذي منه أكثر أمم النمسا وممالك ألمانيا ومعظم أهل أوروبا الوسطى، فإن هؤلاء من الجنس ~~الآري. ولكن بينهم بعض الاختلافات في تكوين مدنياتهم. # والنوع اللاتيني في جملته يميل إلى ~~الرقة ولين الأخلاق ودقة الفهم في الفنون الجميلة، ويحب الحرية في كل شيء، ولا يرغب كثيرا ~~في التقيد بالقوانين والقواعد حتى في العلوم، حساس كثير الخيال، خفيف الروح، يميل إلى ~~المجون، وله صبغة خاصة في الفنون كالموسيقى والتصوير، فإنها عند الإيطاليين والفرنسويين ~~أدق وأخف على النفس منها عند الجرمانيين، وهي أمتن وأبرع في الصناعة وأضخم عند ~~الجرمانيين منها عند جيرانهم. هذا مثل ضربناه، ومثل ذلك يقال في المباحث العلمية والأدبية، ~~فإن الطريقة الجرمانية تميل إلى القواعد والقوانين في كل شيء؛ لأن الفكر الألماني قاعدي؛ أي ~~ميال إلى القوانين، وإلى بناء كل شيء على قاعدة، يرغب في أن تكون الفنون كالعلوم ذات قواعد ~~ثابتة لا تتغير. والطريقة العلمية في دراسة البلاغة ظهرت أولا في ألمانيا، وتين ورينان ~~وغيرهم من رؤساء الحركة الإيجابية والطرق العلمية في البحث أخذوا ذلك عن الألمانيين. هذه ~~الفروقات نجدها أوضح وأكبر منها بين الأجناس. وقد أثبت العلماء والباحثون أن بين الأجناس ~~وبين أفرادها فروقا مادية في تركيب الأجسام، ms076 وفروقا عقلية في كيفية الإدراك والتصور؛ فإن ~~خصوبة العقول عند بعض الأجناس أكثر منها في غيرها. # 1 # فقد قالوا: إن الأمم التي هي أسبق من غيرها في مضمار المدنية واكتسابها، والتي يظهر فيها ~~التقدم والانتقال أسرع مما يظهر في غيرها، تكون أعرق في الحضارة. ومن هنا يظهر أن في ~~الأمم من هو أرقى من غيره، ومن هو أحط من سواه؛ ففي بعض الأمم أو في بعض الأجناس نجد ~~«الإنسانية» ومعناها أكثر منها في غيرها؛ أي نجد ما يميز الإنسان من عقل وذكاء واستعداد ~~للرقي وميل إلى العلوم والفنون والأدب أظهر، على حين أننا نجد الوقوف والخمول وعدم الاهتمام ~~بالتربية في جنس آخر. # 2 # هذا الاختلاف الأصلي في الأجناس سبب الاختلاف في العقول والتصورات والإدراكات، أو إنه ~~دليل على تغيير النفوس واختلاف إدراكاتها، وكل هذا يظهر في اللغة وتكوينها. # قال تين في مقدمة كتابه «تاريخ بلاغة الإنكليز»: «إذا كان تصور الأمة للأشياء تصورا جافا، كانت اللغة ضربا من الرموز أو ما ~~يقرب من ذلك، وكان الدين عبارة عن عقيدة ساذجة، والشعر خيالا «بسيطا»، وكانت ~~الفلسفة أشبه بشيء من النصائح والمواعظ، والعلوم مسائل مجموعة مرصوفة. وهذا يدل على ~~جفاء العقول وجمود الأفكار على ما تقرأ وتسمع، والأمة الصينية هي مثال ذلك. فإذا ~~كان الإدراك العام مرنا يشبه أن يكون خيالا شعريا، كانت اللغة أشبه بالشعر ~~والقصص سهلة لينة، يكاد يدل كل لفظ منها على نفس أو على إنسان لمرونتها وعذوبتها، ~~وكان في الدين والشعر شيء كثير من العظمة والجلال، وانتشرت الأفكار الفلسفية ~~انتشارا عظيما. وعلى حسب ذلك يكون إدراك الجمال ودقة الفهم، وسعي العقول وراء ~~الكمال في تحقيق ما تريد.» # 3 # إن مسألة الجنس من حيث أثرها في الأمم وعقولها، مسألة غير مسلم بها على إطلاقها، ولا ~~يمكن أن يسلم بها إنسان مفكر تسليما مطلقا؛ لأن مذهب الفيلسوف تين في ذلك مذهب أصبح الآن ~~متهما بالمبالغة وعدم التحقيق، ولأن الحوادث أثبتت لنا أن بعض الشعوب الصغيرة التي اتخذها ~~أصحاب هذا المذهب برهانا ms077 ودليلا على نظرياتهم، ظهرت فيها قدرة تكاد تضارع أهل الجنس ~~الأبيض. والحوادث والأيام تبرهن على تأييد مذهب هؤلاء. والحقيقة أن السبب في هذا الاختلاف ~~الذي نراه في الأمم وتربيتها راجع إلى البيئة والحوادث. ونضرب لذلك مثلا بحالة العرب قبل ~~الإسلام وبعده؛ فقد كانوا في جاهليتهم، لا يعرفون غير عيشتهم الساذجة وحياتهم الفطرية، ولا ~~يدركون من أحوال الاجتماع غير شن الغارات والحروب، وكان العربي ليس له إلا سيفه ورمحه ~~ومركبه، ولم يكن من طبيعة بلاده أن تحرك من فكره أو توسع من خياله، فنشأ ونشأت أفكاره ~~صورة صحيحة من البيئة التي كان يعيش فيها، ولم يعرف من العلوم والفلسفة إلا ما أوحت إليه ~~نفسه وما دفعته الضرورة لمعرفته ، ولم يتعلم من الفنون إلا جمال القول، وقد توارث ذلك عن ~~آبائه وأجداده، وتعود هذا النوع من العيش. ومرت الأزمان والأيام وهو كذلك، فلم يكن له من ~~الفرصة ما يمكنه من تغيير حاله، أو ما يدفعه إلى التقدم، أو ما يغير إدراكه وتصوره للحياة ~~والاجتماع، ولبث على هذه الحال دهرا طويلا. ولما جاء الإسلام وانتشر واختلط العرب بغيرهم، ~~أخذوا عنهم النظامات وسنوا الشرائع والقوانين، واكتسبوا من الدين وتعاليمه ما غير ~~حالتهم الاجتماعية والسياسية، واستفادوا من القرآن الحكيم فائدة عظيمة، ونظموا الحكومات ~~وأسسوا الممالك والجيوش وغير ذلك. # ولما احتك الأمويون بالروم ومدنيتهم، أخذوا عنهم كثيرا من أبهة الملك ونظام الحكومة، ~~وكان لمعاوية بن أبي سفيان الجند والحشم، وتناسى العرب خشونة البدو، واعتادوا الرفاهية ~~والحضارة. كذلك كان الأمر في الدولة العباسية؛ فقد اكتسب العرب مدنية الفرس، وغيروا كثيرا ~~من عاداتهم وأخلاقهم، وأنواع الفهم والإدراك ونظام العيش والحكومة والاجتماع، وتهيأت عقولهم ~~وأفكارهم لقبول فلسفة اليونان ومدنيتهم العقلية والمادية، وظهر فيهم العلماء والفلاسفة ~~والمؤرخون، مما لم يكن له أثر قبل في عربيتهم العرباء، وارتقت معارفهم وزادت معلوماتهم، ~~ووسعت إدراكاتهم كل ما طرأ عليهم من الخارج، وبالجملة تغيرت خواص جنسيتهم العامة، ~~وأشبه استعدادهم استعداد الأمم الأخرى، ولم يمنعهم جنسهم من الاندماج في غيرهم والأخذ عنهم، ~~ومشابهتهم بعض الشبه ms078 لهم، ولولا الدين وسلطانه وغلبته على نفوس المسلمين لاندمجوا اندماجا ~~كليا في غيرهم، ولتغيرت عقائدهم وحالتهم الاجتماعية تغيرا تاما. وعرب الأندلس كانوا ~~غير عرب أفريقية، وهؤلاء كانوا غير سكان نجد والحجاز. على أنهم كلهم من جنس واحد وأصل ~~واحد. # من أجل ذلك لا يصح النظر إلى مسألة الجنس والأخذ بها على إطلاقها؛ لأن المؤثر الأصلي في ~~تكوين الجنس هو البيئة؛ إذ الجنس أو الأصل الواحد معناه أن جماعة سكنوا مكانا واحدا أو ~~منطقة واحدة، تشابهوا في كثير من العادات والأخلاق العامة وطرق الفهم والإدراك، مما ~~كونته البيئة في أخلاقهم واستعداداتهم على شكل خاص، وجاءهم هذا التكوين بمرور الأزمان ~~واختلاف الأحقاب، فاندمجوا في البيئة التي تربوا فيها. فإن عوارض ومميزات الجنس الأسود ~~مثلا تحتاج إلى مئات من السنين لتتكون هذا التكوين الخاص الذي هو من طبيعة الأقاليم، ثم ~~يتوارث بعض الأفراد عن بعض ذلك حتى تصبح هذه الأوصاف صفة لازمة للسكان. # هذا هو الأصل في مسألة الجنس، ونحن نرى أن الإنسان يمكنه أن يعيش في اجتماع غير اجتماعه ~~الأصلي، فتختلف إدراكاته ومواهبه؛ لأن الإنسان حيوان مقلد أكثر منه ناطقا؛ وعلى ذلك يجب أن ~~تكون البيئة سابقة للجنس لا العكس؛ إذ لأجل أن يتكون الجنس بأوصافه لا بد من أن يبقى ~~الإنسان في بيئة خاصة مدة طويلة ليتشكل بشكلها، وليس الغرض من البيئة البيئة الجغرافية فقط، ~~بل ذلك يشمل البيئة الاجتماعية أيضا، فإن أثر الاجتماع في الأفكار لا يقل عن أثر الأقاليم ~~فيها؛ إذ القسيس أو المتدين الذي تربى في بيئة تربية دينية هو غير العالم الذي تربى في ~~بيئة علمية، فلا يمكن قبول رأي تين على ظاهره من أن الجنس له أثر خاص بدون أن ننظر إلى أثر ~~الأزمان والبيئات في ذلك. # لا شك في أن الآداب السامية غير الآداب الآرية، وأن العقول والأفكار عند الساميين غيرها ~~عند الآريين. ولكن أليس معنى ذلك أن تصور السامي وتربيته وتعليمه غيرها عند الآري؟ وهل ذلك ~~غير أثر البيئة وتأثير الإقليم؟ فإذا كان الشعر ms079 العربي غير الشعر اليوناني مثلا؛ فذلك لأن ~~حياة العربي حملته على هذا النوع من الخيال. وربما كانت هناك أسباب تاريخية واجتماعية ~~جعلته لا يتصور ولا يفهم إلا على هذا النحو. وربما لم يكن العربي في حاجة إلى أنواع ~~الحكومات المنتظمة والقوانين المسنونة؛ لأنه كان يعيش عيشة ابن السبيل، ولو كان ذلك ~~ضروريا لحفظ حياته ونظامها، لحملته الضرورة على الفكر والاستنباط والابتكار لمثل هذه ~~الأشياء. # وسواء أصح مذهب تين أم لم يصح في أثر الجنس في الأمم، فمما لا نزاع فيه أننا نجد اختلافات ~~ظاهرة في الأمم المختلفة من حيث العلوم والمعارف، ومن حيث التصور والإدراك. وهذا كله يظهر ~~في آداب الأمم وبلاغاتها؛ لأن الأدب تابع لكل هذه المؤثرات، فهو يتغير بتغيرها ويتشكل ~~بأشكالها؛ لأنه صورة عامة من صور الأمم وحياتها، وذلك كله تابع لاختلاف الفطر وأسبابها في ~~الإنسان. # | مذهب التدرج والانتقال في أنواع البلاغة # فرديناند برونتيير هو صاحب هذا المذهب، # 1 # ويجدر بنا أن نجمل آراءه ومذهبه فيما يأتي: # تربى برونتيير تربية علمية، وسارت أفكاره وآراؤه في طريق علمي حتى في مذهبه الأدبي وفي ~~طريقته في النقد؛ ولذلك لم يكن يميل إلا إلى الوضوح والصراحة، ولا يعجب إلا بالآراء السليمة ~~الصحيحة، وعمل على إصلاح كثير من الأفكار السقيمة التي كانت منتشرة في الآداب، وكان يقول: ~~«إن الأفكار قوة ذات أثر، وإن البلاغات شيء آخر غير نوع من التسلية واللهو.» وكان يرى أن ~~البلاغة «الشخصية»، أي الكتابات التي منشؤها ميول الكتاب وأهواؤهم بدون نظر إلى المجتمع ~~ولا إلى النفوس العامة، ليست إلا ضربا من الأهواء والشهوات النفسية، فإنها خطر على الأخلاق ~~وعلى البلاغة نفسها، ولأنها لا تمثل شيئا من الحياة الاجتماعية العامة، التي هي حياة ~~الآداب والبلاغات؛ ولذلك كان ضد مذهب الوجدانيات # Romantisme ~~، ولهذا أيضا أحب ألا يكون مذهبه في النقد مذهبا شخصيا؛ ~~كي لا يحكم على الكتابات بذوقه الخاص، أو بما يحدثه في نفسه أثر القراءة، بل أراد أن يضع ~~مذهبا عاما للنقد، مبنيا على أساس علمي وعلى الموازنة بالكتابات ms080 الشهيرة، لا لأنها ~~نموذج ونظام فريد، بل لأنها أمثلة تدل على طرق الإتقان في الفكر والصناعة. وكان لا يهمه من ~~القراءة أن يعجبه ما يقرأ، بل صحة ما فيها من الأفكار والآراء والافتنان والصناعة، لكبار ~~الكتاب، ثم يتساءل بعد ذلك: «هل للكاتب غرض يرمي إليه؟ وهل من غرضه أن يهدي القراء إلى ~~فضيلة من الفضائل؟» لأنه لا يرى غرضا جديرا بالكتابة، ذا قيمة حقيقية لأي نوع من أنواع ~~البلاغة، إلا إذا كان يؤدي إلى نوع من أنواع التهذيب، أو يرشد إلى فكرة نافعة في الاجتماع؛ ~~لذلك كان يحارب مذهب القائلين: إنه يلزم النظر إلى الفنون من حيث إنها فنون # L’Art pour L’Art # لأنه كان يرى أن الكتابة الأدبية يجب أن تترك في ~~نفس القارئ أثرا نافعا، وأن الحذاق وأصحاب الفنون لا يستحقون هذه الألقاب إلا إذا ~~استعملوا الفنون وسيلة تساعد على نمو «الإنسانية» في الإنسان. # وقسم الفنون إلى فنون عظيمة وفنون حقيرة، فإن من الفنون ما ليس إلا ضربا من اللهو واللعب ~~والتسلية، وهي مع ذلك تأخذ بالألباب وتسحر العقول بجمالها وبلاغتها، ومنها ما هو جدي متين ممتع. # 2 # أما طريقته في النقد، فكان يرى أنه يجب الاهتمام بإظهار عيوب الكتاب أو الشعراء قبل ~~الاهتمام بإظهار محاسنهم؛ لأن العيوب هي ضرب من المحاسن في نظر الكاتب أخطأ في فهمها، فمن ~~المفيد في النقد تمييزها من المحاسن الحقيقية؛ فالذي يتعمد إظهار عيوب الكتاب هو في ~~الحقيقة يعمل على إظهار محاسن الكتابة، كما أنه يعمل على تجنب العيوب بإظهارها وشرح الوسائل ~~والأسباب التي دعت إليها؛ وعلى ذلك فالنقد الذي من غرضه البحث عن عيوب الكاتب يقصد إلى ~~إظهار قواعد البلاغة الصحيحة ومحاسن الكتاب التي يجب اتباعها، هذا هو أصل طريقته في ~~النقد، وكان يعمل على تأييد فكرته ومذهبه بعزم صادق وحجة قوية وصراحة نادرة، فقد كان من ~~أكبر الرجال الذين خصوا بقوة الجدل وحب المخاصمة والمناقشة؛ ولذلك كثر أعداؤه، ولم يكن له ~~من الأصدقاء إلا تلاميذه وقليل من إخوانه. # وقد امتاز برونتيير ms081 ميزة خاصة بمذهبه الأدبي، وأصبح إماما ومخترعا لمذهب علمي أدبي؛ فقد ~~انتحل من مذهب دارون العلمي مذهب «التدرج والارتقاء» مذهبا أدبيا هو مذهب «التدرج ~~الأدبي»؛ فقد رأى أن الأنواع الأدبية من وجدانيات، واجتماعيات، وشعر، ونثر تمثيلي، تنقسم ~~إلى فصائل كما في علم النبات والحيوان، وأنه يجري عليها قانون التدرج والارتقاء الذي يجري ~~على الأنواع الحية سواء بسواء، ويرى أن لها أطوارا تتخطاها كأطوار النبات والحيوان، فقال: ~~«إن الأنواع الأدبية ككل شيء حي في هذا الوجود، تولد لتموت ولتدركها الشيخوخة على حسب ما ~~تلد وتنتج من المؤلفات النافعة الممتعة. ومثل ذلك مثل من ينسخ كتابا على كتاب آخر، وينسخ ~~من هذا كتابا ثانيا، ومن الثاني ثالثا وهكذا؛ فتكون كل نسخة تابعة لما قبلها مع شيء من ~~التحريف، إلى أن تكون النسخة الأخيرة كأنها غير الأولى، أو كأنما كتبها أحد تلاميذ المؤلف ~~ولم يؤلفها أستاذ حاذق.» قال: «وهكذا تفنى الأنواع الأدبية مهما حاول الكتاب حفظها ~~وبلوغها إلى درجة الإتقان أو ما يقرب منه.» ويقول: «كما أن العقول تتشابه فتتآلف، وتتناكر ~~فتتخالف، كذلك المؤلفات الأدبية التي هي نتاج العقول، تكون أنواعا قريبة أو بعيدة من ~~بعضها، وإن هذه الأنواع لازمة للمجموعات الأدبية، وإن لها حياة خاصة وصناعة خاصة بكل واحد ~~منها، توجد وتتوالد في الأفكار توالدا ساذجا أوليا، ثم تتكون ويتم تكونها شيئا فشيئا، ~~وتنمو كما ينمو الحيوان والنبات إلى أن تنضج، ثم تقف برهة من الزمن حافظة حياتها إلى أن ~~تدركها الشيخوخة، ثم تتحول إلى نوع آخر فتحيا مرة أخرى وهكذا ...» # وعنده أن تاريخ البلاغة عبارة عن تتبع هذه الأنواع في جميع أطوارها وأعمارها، وفي جميع ~~أدوار حياتها وتقلباتها. قال: «وهذا ما يحمل على الظن بأن تاريخ البلاغة يمكن أن يكون علما ~~من العلوم. وعلى هذا المذهب يمكن أن نفسر ما يعتري بعض الأنواع الأدبية من الوقوف ~~والانحطاط، وما يدعوها إلى الظهور مرة أخرى» (كما حصل في الشعر الوجداني في فرنسا، فقد مر ~~به نحو قرنين وهو في حالة موت ونزاع، ثم ms082 انتشر انتشارا غريبا، وحيي حياة أخرى في أوائل ~~القرن التاسع عشر بحال لم تكن له في حياته الأولى، وكاد يكون النوع الوحيد في البلاغة ~~الفرنسية، ومثل ذلك يقال في غيره من الأنواع). ومن الأمثلة على مذهبه: أن القصص الطويلة ~~الموجودة الآن أصلها حكايات قصيرة جاءت من المحادثات، ثم تكونت وكبرت شيئا فشيئا إلى أن ~~أصبحت إلى ما هي عليه الآن، وتولدت من ذلك أنواع كثيرة، وكان يتغلب في كل زمن نوع منها على ~~غيره، ثم يظهر منه نوع آخر يمحو النوع الأول. # هذا المذهب هو القول بأن الأفكار الإنسانية والفنون جميعها مرتبة ترتيبا طبعيا، فصائل ~~فصائل، ومجموعات متحدة الجنس، كفصائل النبات والحيوان، وأن لكل مجموعة قوانين ونظامات ~~وسلسلة حياة خاصة تولد وتعيش وتموت ، وأن هذه الأنواع إذا بلغت ذروة مجدها تحولت إلى أنواع ~~أخر، كما يتحول النبات والحيوان، أو وقفت برهة من الزمن ثم عادت إليها حياتها ... إذا تم بناء ~~هذا المذهب كان من أعظم مذاهب النقد، التي تساعد على دراسة تاريخ البلاغة، وكشف مخبأ أنواع ~~الكلام، وترتيب وتبويب ضروب الكتابات، وجعلها خاضعة لقوانين عامة كالأنواع الحية والمسائل ~~العلمية؛ وعلى ذلك يصبح النقد الأدبي علما من العلوم لا فنا من الفنون كما هو الآن. ولكن ~~ذلك لم يتحقق بعد، وربما لن يتحقق أبدا؛ لأن الأدب فن لا علم. # هذا المذهب العلمي البحت يخالفه وينازعه مذهب آخر في النقد، وهو مذهب التأثير والانفعال # Impressionisme ~~، الذي من أئمته ودعاته «جول ~~لمتر»، وهو من كبار الكتاب الحذاق والنقاد الشهيرين، ومذهبه من أشهر المذاهب الأخيرة في ~~النقد؛ لأن الرجل مات سنة 1914. # | مذهب التأثير والانفعال في النقد الأدبي # هذا مذهب في النقد يخالف المذاهب السابقة؛ لأنه مبني على تأثير النفس وانفعالها بما ~~يبقى فيها من أثر القراءة والدرس، فليس له أي صبغة علمية ولا أي قاعدة يبنى عليها، بل ~~مرجعه الميول النفسية والتأثيرات الشخصية، فهو نوع من اللذة العقلية التي يجدها القارئ في ~~الفنون، ويشعر بها عندما يراها أو يعثر عليها فيما يقرأ من أساليب ms083 الكتاب وأفكارهم، ولا ~~سيما في الصلة النفسية التي يجدها بينه وبين الكاتب أو الشاعر؛ فيظهر له أنها هي بنفسها ~~ميوله وأهواؤه. قال أحد أساطين هذا المذهب: # 1 ~~«عندما أقلب آخر صفحة من كتاب أقرؤه أشعر كأني ثمل بما امتلأت به نفسي من ~~الأثر بما قرأت، وأجدني أحيانا متأثرا بانفعالات كثيرة شديدة محزنة؛ فأجد قلبي مفعما ~~بنوع من الشفقة المبهمة، وتارة أجدني مضطربا من شدة السرور، وكأنما يجري ذلك في لحمي ~~ودمي.» هذا كلام جول لمتر # Jules Lemaitre ~~؛ لأن النقد عنده ~~نوع من اللذة العقلية العلمية، فإن العواطف والإحساسات تتغذى بالمعلومات التي هي من وسائل ~~تربية الشعور. # وهو يرى أن الشعور من الأشياء النسبية التي تختلف باختلاف الأمزجة والأحوال، فلقد يقرأ ~~الإنسان بعض المؤلفات، ويعجب بها أول مرة . فإذا أعاد قراءتها لم يجد في نفسه الإعجاب الأول؛ ~~ذلك لأن الشعور يتغير دائما، فيلزم الإنسان ألا يجرأ بالحكم على ما يقرأ حكما نهائيا ~~لا يقبل النقض؛ لأن كل رأي فني لا يصح أن يكون حكما باتا؛ إذ لا يدل على شيء سوى تأثير ~~وقتي؛ فإنه ميل شخصي قابل للتغير، ويمكن أن يتجدد هذا التأثير في نفس شخص آخر غير القارئ، ~~كما أنه ربما لا يعود مرة أخرى عند شخص واحد في قراءته كتابا واحدا. # وصاحب هذا المذهب لا يعنى إلا بما يحب من عقول الكتاب وآثارهم في الكتابة؛ لأنه يقول ~~«إن القارئ إذا أراد أن يفهم الكاتب لا بد من حبه والميل إليه، فإن الذكاء والفهم ليسا إلا ~~ضربا من الرغبة والميل إلى الأشياء أو المعقولات، وذلك يساعد على فهم الفنون والافتنان ~~فيها. ولكن كل إنسان يفهم ذلك على حسب فطرته وطبعه الشخصي.» وحسب هذا المذهب أهمية أنه ~~يبحث عن مواضع الجمال لإظهار مواهب الكاتب وفهم قصده، وأنه يجعل فائدة النقد ليست أقل أثرا ~~من قراءة الكتب الممتعة، وقد يفوقها أحيانا في الاستمراء؛ فقد يلذ للناقد نقده كما تلذ له ~~قراءة كتب الآداب المختلفة. # ومهما قيل من أن هذا مذهب من لا ms084 مذهب له في النقد، فإنه رغم كل شيء مبني على الاختيار ~~الصحيح والاستسلام إلى ذوق تربى وتهذب بالعلم، وربما تشابه مع المذاهب الأخرى من حيث ~~الوصول إلى غاية واحدة، وهي توضيح وفهم أثر العقول والأفكار؛ لأن أصحاب هذا المذهب يرون أن ~~المذاهب النقدية هي أيضا ميول شخصية، واستسلام إلى الأذواق المقيدة تقييدا صريحا ببعض ~~قواعد العلوم والفنون، كما يرى الآخرون أن طريقة أصحاب التأثير والانفعال مبنية على ~~الاختيار الذي يرجع في جملته إلى ذوق تربى تربية علمية، مبنية على أصول وقواعد وتهذب بأنواع ~~الفنون. # نذكر هنا جملة من كلام جول لمتر في كتابه «المعاصرون» لنتعرف رأيه من كلامه، ونقف على ~~صورة من نوع هذا النقد المبني على التأثير والانفعال، قال وهو يتكلم عن الكاتب الشهير ~~أناطول فرانس # Anatol France ~~: «من آراء مونتني # Montaigne # الممتعة أنه لا يمكننا ~~أن نقف على معلومات صحيحة ثابتة؛ إذ ليس في الوجود ما لا يقبل التغيير لا في ~~المشاهدات ولا في المعقولات، وأن العقول وما يتصل بها في حركة دائمة. ثم قال: ونحن ~~متغيرون؛ فلا بد أن يكون إدراكنا للعالم متغيرا أيضا، ولقد يكفي في تغيير الأشياء ~~المحكوم بقبولها أن تمر بأفكارنا، التي من شأنها ألا تثبت على حال واحدة ونحكم ~~عليها على حسب المؤثرات الوقتية، ليدركها التغيير ونحكم عليها حكما جديدا غير ~~الأول. فكيف يمكن أن يثبت النقد ويلزم طريقة واحدة لا تتغير؟! تمر المؤلفات بعقولنا ~~مرورا تتغير في أثنائه ذاكرتنا. فإذا مرت بها مرة أخرى تصورناها تصورا آخر، ~~وحكمنا عليها حكما جديدا. وكل إنسان له أن يجرب ذلك بنفسه ... لقد مرت بي أزمان ~~وأنا معجب كل الإعجاب بفكتور هيجو، وها أنا ذا الآن أشعر بأن روحه غريب عن روحي، ~~ولا أكاد أعيد قراءة الكتب التي كانت تملأ نفسي إعجابا وتبكيني أحيانا منذ خمسة ~~عشر عاما، إلا وجدتني غيري بالأمس. ومهما أردت أن أخلص في فهمي لها والحكم عليها ~~فإني أجدني مخالفا لآرائي السابقة، ولقد أتردد أحيانا في أن أصرح برأيي. قد يذكر ~~الإنسان ms085 ما كان يتذوقه في الأيام الخالية، وما أمره أساتذته بالميل إليه؛ لأن هذا ~~الميل والشعور هما اللذان يكونان أحكام النقد في الأدب. # لدى بعض العقول شيء كثير من القوة والثبات تتمكن بهما من بناء الأحكام على أصول ~~ثابتة، هذه العقول بطبيعتها أو بما لها من الإرادة ذات ذاكرة قليلة التغيير ~~والانتقال، أو بعبارة أخرى هي عقول قليلة الابتكار؛ لأن المؤلفات على اختلافها تمر ~~بها فتحدث فيها دائما أثرا واحدا. ولكن هذا نوع من الميول الشخصية الثابتة، ~~ولا يمكن أن تتحكم هذه الطرق في جميع العقول. # يحكم الإنسان بالحسن على ما يحب، وبعض الناس لا يعرف إلا طريقا واحدا في الحكم؛ ~~لأنه يحب شيئا خاصا ويظن أنه محبوب لجميع الناس، وبعضهم ليس لديه من الإرادة ما ~~يجعله يلزم طريقا واحدا في الحكم والإدراك. ومهما يكن من شيء فالنقد الصحيح في ~~جميع أشكاله ليس إلا عبارة عن وصف التأثير النفسي، الذي يحدث من القراءة في نفس ~~القارئ، وأن كل عمل فني هو نتيجة ما يتأثر به المؤلف من حوادث الحياة في بعض ~~الأوقات. ومن حيث إن الأمر كذلك، فلنحب الكتب التي تعجبنا، بدون أن نعنى ~~بمنزلتها أو بمذاهب النقاد، عالمين أن ما نجده من الأثر أثناء قراءة هذه الكتب ~~اليوم، لا يلزم أن نحصل عليه من قراءتها في الغد. وماذا علي إذا قرأت كتابا ~~ممتعا عظيما خالد الذكر، فلم يحرك من نفسي ولم يترك فيها أثرا ما؟ ثم ماذا يكون ~~إذا أعجبني كتاب تافه ونال مني؟ هل أظن أني مخطئ فأعود باللوم على نفسي؟ إن عظماء ~~الرجال لا يتسنى لهم أن يكونوا دائما واثقين بأنفسهم ولا بما يقولون، فقد يغلب ~~عليهم في كثير من الأوقات الجهل والسذاجة والأشياء التي يسخر منها الناس، وكثيرا ~~ما يحكمون أحكاما غير عادلة مبنية على سهولة الإدراك لديهم، فهم لا يعرفون كل ما ~~يعملون، ولا يعملون كل ما يعلمون عن قصد وروية ...» # 2 # هذا شيء من مذهب «جول لمتر» نأخذ منه أن النقد عنده لا يبنى على ms086 قاعدة ولا يقيد بمذهب ~~من المذاهب؛ إذ لا يصح أن يفهم الإنسان ما يقرأ بعقل غيره، كما أنه لا يمكن أن يرى بعيني ~~غيره، ولا أن يفكر بفكر غيره. كل هذا مبني على أن الغرض من قراءة كتب البلاغة لذة النفس ~~وسرورها، لا التعلم والاستفادة، كما أن الغرض من سماع الموسيقى لذة السمع، والغرض من ~~التصوير تمتع النظر. وعلى ذلك تكون البلاغة وجميع الفنون نوعا من السرور لا غير. والنقد ~~ليس عبارة عن حكم القارئ على ما يقرأ، وإنما هو فهمه لما يقرأ، وشعوره بما في ذلك ~~(Contem. T. 3. P. 340) ~~. # ولكن هذا المذهب ليس له طريقة خاصة تتعلم، بل هو مذهب شائع بين كل القراء، فكل ~~إنسان يمكنه أن يشعر ويتأثر بما يقرأ؛ فكيف يمكن قدر الكتاب والشعراء؟ وبأي شيء يصل ~~الإنسان إلى تفضيل كاتب على غيره إذا استسلمنا لأذواق الأفراد؟ مهما أنكر مذهب التأثير ~~والانفعال القواعد والقوانين العامة للنقد الأدبي، فلا يمكن إنكار أن هناك جهة عامة تتفق ~~فيها جميع الأذواق، هذه الجهة في رأينا هي ما يوجد في الفنون من المعاني الإنسانية العامة؛ ~~لأن كل فن من الفنون يقصد إلى تمثيل شيء من حياة الإنسان العقلية أو المادية، وهذا يوجد في ~~كل نفس ويشعر به كل إنسان؛ لأنه تمثيل الطبيعة التي هي الجهة العامة في كل عمل فني ذي قيمة ~~حقيقية، وذلك ما يرى في الفنون العظيمة لكبار الرجال ويخلد ذكرهم. # يقول جول لمتر: يتغير النقد تغييرا لا نهاية له، على حسب الموضوع الذي يقرأ، وعلى حسب ~~العقول التي تبحث، وعلى حسب المباحث التي تقصد؛ إذ يمكن أن يكون غرض الناقد البحث عن ~~الكاتب نفسه أو عن الأفكار ذاتها، ويمكن أن يكون غرض الناقد الحكم على ما يقرأ، ويمكن أن ~~يقصد إلى بيان وتعريف وتوضيح ذلك بدون أن يبدي رأيا له. قال: «وقد ابتدأ النقد بطريقة ~~مذهبية، وانتقل إلى آراء تاريخية وعلمية. والظاهر أن أطواره لم تنته بعد. وقد ظهر نقص ~~الطريقة العلمية، فالنقد آخذ طريقا آخر، وهو ms087 التمتع بالقراءة لترقيق الشعور وإنمائه بما ~~يطلع عليه الإنسان» ~~(Contemporains. T. 3. P. 342) ~~. # ويميل «جول لمتر» إلى الصراحة في الفكر ووضوح الكتابة، وحسن ذوق الكاتب، بأن يكون من طبعه ~~جذب قلوب القارئين إليه، ويحب أن تمزج البلاغة اللفظية في الأسلوب بمتانة الموضوع ودقة ~~الأفكار النافعة. # وعلى الجملة فمذهب التأثير والانفعال هو عبارة عن تتبع ما تحتوي عليه الفنون لجذب القلوب ~~إليها؛ لأن هذا في رأيهم هو معنى الجمال؛ إذ الجمال عند هؤلاء لا يتحقق ولا يكون له معنى ~~إلا إذا وجد من النفوس ميلا، ونزل من القلوب منزلة الإعجاب. بل قال بعضهم إن الكاتب الذي ~~لا يمكنه أن يجذب قلوب القارئين إليه، ولا يعرف أن يستولي على إحساساتهم ليملك منهم ~~إرادتهم، ليس في كتاباته شيء من الجمال، ولا يعد من كبار الكتاب؛ لأنه لم يتسن له الوصول ~~إلى المعاني العامة التي تلمس الأفئدة والقلوب. # | النقد الأدبي عند العرب # رأينا أن النقد الأدبي في فرنسا ابتدأ وسار سيرا تدريجيا، إلى أن وصل إلى ما هو عليه ~~الآن، وكانت أطواره ظاهرة ظهورا تاما، وهو تابع في طريقه وسيره لقانون الارتقاء، وأنه لم ~~ينبت في بلاده، ولم ينشأ بين أهله، بل جاء من الاطلاع على كتب اليونان القديمة، وعلى الحركة ~~الأدبية أيام النهضة في إيطاليا، وأنه أوجد صلة بين النقاد أنفسهم وبين آثارهم في ~~كتاباتهم. # أما النقد الأدبي عند العرب فهو بعيد عن كل فكرة أجنبية، وعن كل أثر خارجي، وليس الغرض ~~منه تقويم حركة العقول والأفكار، بل شرح الشعر العربي وتقرير طريقة الشعر الجاهلي؛ لتكون ~~نموذجا ومنهجا للشعراء. وقد سار النقاد في هذا الطريق بعزم صادق، وكلهم أنصار الطريقة ~~العربية الأولى، وساعدهم على بلوغهم ما أرادوا، مزجهم الأدب بالدين؛ فتمكنت الطريقة العربية ~~القديمة وطريقة الخيال والتصور عند العرب من الاستيلاء على أفكار الشعراء والكتاب. # ومع أن اللغة العربية اتسعت بما دخلها من الشعر والنثر، ونتائج العقول والقرائح الكثيرة، ~~فإن النقاد لم يتحولوا عن اتباع القديم، ولم يرق الأدب الرقي الذي كان يكون له، ms088 ولا سيما ~~الشعر الذي هو أظهر مزايا البلاغة العربية، بل لا يزال الشعر القديم إلى الآن أرقى أنواع ~~بلاغة العرب، وأصحها وأمتع ما فيها؛ ذلك لأن النقاد وأئمة اللغة والأدب قصروا العقول على ~~تقليد الشعر القديم، في الطريقة والأسلوب والصناعة، وحتى في الأفكار والموضوعات ... # كان العربي يتأثر بالكلام وضروب البلاغة، وساعدته فطرته على سهولة التعبير، ونبغ في هذا ~~النوع من الشعر الذي دعته الحاجة إليه، ولم يتجه فكره إلى الخروج عن الدائرة التي كان يعيش ~~فيها. # ولم يكد يفهم الناس من بلاغة الشاعر وبراعته إلا ذما مقذعا، ومدحا يرفع الممدوح ~~ويجله؛ فدخل المدح والذم في حياة البدوي، وامتزج بنفسه امتزاجا. وكان تبجيل الشاعر لا يقل ~~عن تبجيل أعظم رجل له أعظم أثر في الحياة، وكان النظر إلى الشعر كالنظر لأكبر أعمال الإنسان ~~في الحياة؛ لذلك فاقت العناية بالشعر ونقده كل عناية، ولقد كان حكمهم على الشعر لا من جهة ~~أنه أثر من آثار العقول والأفكار، بل لأنه من الأشياء الحيوية للإنسان التي تساعده على فهم ~~حياته. # وكأنهم لم يفهموا الشعر إلا بالنسبة لأثره في الخارج، ولم يتذوقوه لما به من الأفكار أو ~~من حيث إنه فن من فنون الجمال، بل لأنه يرفع من شأن العشيرة ويحط من قدر العدو. وعلى ذلك لم ~~تكن البلاغة معتبرة وسيلة من وسائل تكميل النفوس، ومظهرا من مظاهر الفنون، بقدر ما كانت ~~معتبرة آلة من آلات المدح أو الذم، أو مظهرا من مظاهر ميول الشخص وأهوائه. # ومن هنا كانت البذرة الأولى من بذور الشعر الوجداني الشخصي في بلاغة العرب، التي ملكت ~~عقول الشعراء وخيالاتهم وصناعاتهم، ومن هنا أيضا كان سبب جفاف النقد، فقد اقتصر على ~~الملاحظة بدون أن يغير من حركة الأدب. # ذلك لأن حركة النقد عند العرب كانت مثل حركة الأدب سواء بسواء، ليست نتيجة كد الأفهام ~~وإعمال الفكر، فلم يكن هذا النقد من دواعي التقدم والانتقال في بلاغة العرب. وإذ كان الشعر ~~القديم الجاهلي نموذج الشعر العربي في جميع أزمنته، كانت الحركة الشعرية ms089 ضربا من التقليد ~~المحض في الألفاظ والديباجة، وهذا التقليد هو الذي قاد عقول الكتاب والشعراء وكان مقياسا ~~لها. وذلك في جملته هو مثال النقد الأدبي العربي في مجموعه، وعليه بنيت كل فكرة أدبية، ولم ~~يحاول أحد من النقاد الانحراف عن هذا الطريق، فلم يحرر الشعر من الطريقة الأولى، ولم يسلك ~~مسلكا آخر لا من جهة الأفكار، ولا من جهة الصناعة؛ فوقف النقد أيضا في طريق واحد وثبت على ~~حال واحدة. # من أجل ذلك كان النقد الأدبي عند العرب فهم الشعر وتأويله على الطريقة القديمة، التي ~~جعلت الشعر الجاهلي نموذجا لها؛ فلم يكن له من القوة ما يمكنه من تغيير سير الأفكار، ولا ~~من تقويم حركة العقول. # ولقد يتساءل الإنسان: أكان يكون تقليد الشعر الجاهلي سببا في وقوف حركة النقد والأدب عند ~~العرب؟ أجل؛ فإن العرب منذ ظهور الشعر فيهم ظنوا أنهم ابتدءوا في ذلك بطريقة كاملة، وأن هذا ~~كل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من صناعة الكلام، وأنهم طرقوا كل موضوع فوقفوا عند ذلك، بل ~~حافظوا على عدم التوسع، أو الخروج من عاداتهم في صناعة الكلام، وامتلأت نفوسهم بهذا الرأي، ~~فتوارثها الأجيال منهم، وليس تقليد القدماء عند العرب مثل تقليد الفرنسيين لليونان ~~والرومان؛ لأن تقليد هؤلاء كان من الأسباب التي حملت الفرنسيين على الاطلاع على آداب أخرى ~~غير آدابهم؛ فحركت فيهم الميل إلى البحث والموازنة، ووسعت فيهم دائرة النقد. # أما العرب فقد أبقوا النقد على ما هو ثابت في أفكارهم وتابع لآرائهم، بدون أي اقتباس آخر، ~~وبدون أن يرجعوا إلى شيء سوى العمل على تأييد آرائهم؛ وعلى هذا كانت كل قواعد اللغة ~~والبلاغة، فكان مثلهم كمثل صانع يتبع مناهج صنعته ونماذج أعماله، وهو معتقد بدقة عمله، فلا ~~يرغب في أن يعرف أثرا آخر ينسج على منواله. هذا مثل النقد الأدبي عند العرب. ومثل هذا ~~النقد المحدودة قواعده وطرقه، كان من شأنه أن ينتهي إلى نوع من المباحث اللغوية والقواعد ~~النحوية. نعم، وقد كان ذلك؛ فقد عني النقاد عناية تامة ms090 بالمباحث اللغوية والقضايا اللفظية. ~~ولم يصل النقد إلى حمل الشعراء على النظر في بعض المذاهب الكتابية الأخرى التي ظهرت عند ~~غيرهم من الأمم، ولا إلى البحث في الشعر من حيث إنه باعث من بواعث الأفكار، ومظهر من مظاهر ~~النفس الإنسانية، بل اقتصروا على مباحث دقيقة في الأساليب وضروب التركيب، بدون نظر إلى ما ~~يرقي الأفكار، وإلى ما كان يمكن أن يكون سببا في رقي الشعر وانتقاله من طور إلى طور. ~~وكان النقاد إذا بحثوا في المعنى بحثوا فيه من حيث إنه مظهر من مظاهر براعة الكاتب أو ~~الشاعر، أو من حيث الخيال والتشبيه والاستعارة، وقالوا: «من لوازم الشعر أن يشتمل كل بيت ~~على معنى تام يصح أن ينفرد به.» فصار نقد القصيدة نقدا لكل بيت على حدة، ومثل هذا لا يمكن ~~أن ينتج في النقد إلا آراء متقطعة أو أفكارا مفككة عن الشاعر وعن طريقته؛ إذ لا تظهر ~~براعة الكاتب أو الشاعر إلا في اتصال أفكاره بعضها ببعض، ولا يمكن أن تظهر قوة النقد إلا في ~~بحث وتحليل متسلسلين؛ بحيث يقود الفكر إلى فكر آخر، ويتصل الرأي بالرأي، وإلا كان مثل ذلك ~~مثل باب مصنوع مفكك قطعا قطعا، تظهر فيه براعة النجار، ولا يمكن أن يحكم الناظر على ~~صناعته إلا حكما ناقصا. ~~••• # وإذا بحثنا عن تاريخ النقد الأدبي عند العرب وجدناه ابتدأ مع الشعر، وسار معه وظهر ~~بظهوره؛ فإن المجتمعات والمجالس الكثيرة التي كانت للشعر والشعراء فيها المنزلة الأولى، ~~ربما كانت أكثر ما تكون في التفضيل بين الشعراء، والحكم على أحسن الشعر وأفضله؛ فقد كانوا ~~يفتخرون بالشعراء المجيدين، ويميلون كل الميل إلى حفظ الشعر الجيد وسماعه، ويضربون به المثل ~~في الحكم والعظة وفنون الجمال؛ إذ لم يكن لديهم من الفنون غير هذا النوع من جمال القول، ~~وفصاحة اللسان، ودقة البيان؛ ولذلك عظم اهتمامهم به، واتجهت هممهم إلى الإكثار منه، فكانت ~~لهم آراء في الشعر والشعراء، ومذاهب في تفضيل بعضهم على بعض، تناقلها السلف من بعدهم، ~~وأصبحت شيئا من أصول النقد ms091 في بلاغة العرب. ولكن أكثر هذه الآراء فردية، مبنية إما على ~~الذوق الخالص والميل الشخصي، وإما على الأهواء والأغراض الخاصة، وما كان أسهل على أحدهم أن ~~يعجبه البيت فيقول: هذا والله أشعر ما قالته العرب، ثم يسمع بيتا آخر لشاعر آخر، فيقول: ~~هذا أشعر الناس. # مثل هذه الآراء لا يصح أن تعد من النقد الصحيح، ولو كانت آراء لأكبر الشعراء أو الأدباء؛ ~~لأنها مبنية على الميول الصرفة والأهواء الشخصية، لا على مذهب ثابت، ولا على رأي صحيح؛ فلا ~~يصح أن يكون هذا من النقد في شيء. # كذلك ابتدأ النقد عند العرب، وكان لا بد أن يكون في أول أمره على هذه الحال. ولكنه انتهى ~~أيضا بنحو ذلك أو ما يقرب من هذا. ولا يمكننا أن نجعل هذه الآراء النقدية داخلة في المذهب ~~النقدي المعروف بمذهب «التأثير والانفعال »؛ لأن هذا المذهب مبني على ذوق سليم، تهذب ~~بالتربية والتعليم والقراءة الكثيرة لأنواع بلاغات الأمم المختلفة، والموازنة بينها. # لهذا كان النقد الأدبي ليس له تاريخ في بلاغة العرب، (ولا بد من الفرق بين النقد الأدبي ~~الذي شرحنا شيئا منه عند الأمم الأخرى، وبين علوم البلاغة عند العرب)، ولم يبحث فيه باحث ~~بحثا خاصا يبين المذاهب المختلفة، التي كانت تكون هداية الكتاب والشعراء وقدوة ~~البلغاء. فمن العبث أن يبحث الإنسان عن أطوار النقد، أو عن المذاهب المختلفة فيه عند العرب؛ ~~لأنه من الفنون التي لم تنضج في الآداب العربية، ويخيل إلينا أن أدباء العرب لم يفهموا ~~النقد بالطريقة التي يفهمها أدباء اليوم من «تحليل» الأفكار والآراء، وصلة الكتابة ~~بالكتاب أنفسهم، والمؤثرات الأخرى، وأنهم لم يعتبروا أن البلاغة مظهر من مظاهر الاجتماع، ~~وغير ذلك من الأسباب التي دعت إلى رقي الأدب الحديث. # ونعود فنقول: إن كل ما وجد من النقد هو أفكار فردية، وآراء لبعض كبار الأدباء، منثورة ~~مبعثرة في كتب الأدب والأخبار، وفي طبقات الشعراء وتراجمهم (ومن أراد أن يطلع على ذلك ~~فليراجع مقدمة «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، ومقدمة «جمهرة أشعار العرب» لابن أبي ms092 الخطاب، ~~وترجمة النابغة الذبياني في الأغاني، وغيره من فطاحل الشعراء، كجرير والفرزدق والأخطل ~~وأمثالهم). ~~••• # إذا بحثنا عن هذه الآراء في النقد وجدناها ناشئة من طبيعة العربي ومزاجه؛ لأن العربي ~~شجاع، شديد التأثر بالكلام، سريع الغضب، لا يحب السكون كثيرا، ولا يميل إلى الهدوء، يهيج ~~لأقل سبب، ويغضب لأدنى مناسبة، شريف النفس، لا يقبل الضيم، يضحي بكل شيء في الدفاع عن شرفه، ~~أكثر أخلاقه ظهورا الشهامة وحب الانتقام، كانت تكفيه الكلمة يسمعها، فتهيج من نفسه، وتثير ~~فيها حب النزال، وتؤجج حربا عوانا. على هذه الأخلاق وعلى هذا الشعور وعلى هذه الفطرة ~~المتأججة كان مظهر آراء العربي في كل ما يفهم وفي كل ما يدرك؛ فظهر ذلك في نقده الشعر ~~والشعراء، وتذوقه الكلام البليغ، فكان أحسن الكلام لديه أكثره أثرا في النفس وهياجا ~~للعواطف، وأحسن الشعر ما احتوى على عبارات ضخمة وألفاظ تستولي على السامعين، وتملك من ~~نفوسهم وتنال منهم، بقطع النظر عن كل شيء آخر؛ من أجل ذلك كان للألفاظ المنزلة الأولى في ~~الكلام، وكان لها المكان الأول في نفس السامع، وربما كان ذلك من البواعث على استقلال كل بيت ~~من الشعر بمعنى تام، وعلى أنه كان يكفي سماع بيت واحد يهز النفس، ويشغل الفكر، ليحكم ~~الشاعر بأن هذا أفضل بيت قالته العرب؛ لهذا أيضا قلما اجتمع الناس على شاعر واحد يفضلونه. # 1 ~~••• # وبعد، فإما أن يكون النقد عبارة عن قضايا الغرض منها إرشاد الكتاب والشعراء إلى الطريقة ~~المثلى في الأساليب وصناعة الكلام، وهذا هو النقد البياني - نسبة إلى علوم البيان التي هي ~~علوم البلاغة - ويدخل تحت هذا القسم البحث في الألفاظ والأساليب، وما بها من: الاستعارة، ~~والتشبيه، والمجاز، والمحسنات البديعية. وهذا النوع من النقد أكثر ما يكون شيوعا في النقد ~~الأدبي عند العرب. # وإما أن يكون النقد عبارة عن البحث عما في الكتابة والشعر من الأفكار والآراء، واختيار ~~الموضوعات واستيعابها ودقة الملاحظة في المعاني الصحيحة الاجتماعية، والغرض الذي يعود على ~~القراء من ذلك، ثم «تحليل» النفوس الذي ذكرت أثناء الكلام ms093 - كما في القصص التي يقصد منها ~~تصوير الطبائع ورسم النفوس الإنسانية - ثم ترتيب الكلام، ومعرفة طريقة الكاتب في الفهم ~~والإدراك والتصور، ومقدار ما عنده من الحذق في الصناعة، وعلى الجملة كل ما له صلة بنفسه ~~وكتاباته. وهذا هو النقد «التحليلي» وهو الذي يكشف أسرار العقول، ويوضح المؤلفات وما بها، ~~ويظهر قيمتها الفنية ويبين منزلتها من العلوم والفنون، وأكثر ما يكون هذا النقد في الآداب ~~الاجتماعية والفلسفية المملوءة بالآراء والأفكار وأشكال الناس وصور الحياة، وهو أقل ما يكون ~~ظهورا في الوصف والوجدانيات. وبدون هذا النقد لا يفهم العقل السليم من العقل السقيم، ولا ~~الكلام الصحيح من الخطأ؛ فالنقد «التحليلي» يعتبر البلاغات نتيجة من نتائج العقول والقرائح، ~~ويبحث عن الصلة بين الكتاب والشعراء وبين حركاتهم العقلية، والمؤثرات التي دعت إلى ذلك، ~~وذلك لا يظهر كثيرا في الشعر الوجداني المبني على الخيال الصرف. # 2 # أما أكبر مظاهر النقد الأدبي عند العرب فهي علوم البلاغة. ولا يكاد يوجد كتاب في النقد ~~إلا وكان اهتمامه بشرح ما في الكلام من أنواع البيان والبديع أشد اهتمام، ولم يفرق الأدباء ~~بين علوم البلاغة وبين النقد، فإن كتاب قدامة بن جعفر «نقد الشعر» كتاب في علوم البلاغة لا ~~غير. على أنه معدود من كتب النقد الأدبي. وكتاب ابن رشيق «العمدة في نقد الشعر وصناعته» يدل ~~على أن النقد كان لفظا مبهما غامضا لم يحدد معناه بعد، أو أنه لفظ عام كلفظ الأدب ~~نفسه؛ فقد احتوى هذا الكتاب على كثير من الموضوعات المختلفة من أدب، وسير، وعلوم البلاغة، ~~واشتمل على ذكر أيام العرب، وفيه قسم كبير في علم البيان والبديع. على أن هذا الكتاب من ~~الكتب المعتبرة في النقد، وهو على رأي ابن خلدون «أوعى وأجمع كتاب في النقد لم يساوه ~~قبله ولا بعده كتاب آخر.» مع أننا نرى أن كل ما فيه من النقد هو كلام عام، لا يضبط طريقة ~~ولا يؤيد مذهبا (من هذا ما رواه ابن رشيق في أغراض الشعر وصنوفه. راجع صفحة 92، جزء2). نرى ~~من ms094 هذا أن أدباء العرب مزجوا النقد بعلوم البلاغة، بل لم يعرفوا من النقد غير علوم البلاغة. # 3 # مع هذا فقد وجد من بين النقاد من كانت آراؤه صحيحة نافعة، وحام حول هذه الطرق الجديدة. ~~ولو أن هذا النوع من النقد سار تدريجيا لوصل إلى ما وصل إليه النقد البياني من المكانة ~~والتأثير في الأدب، فقد ابتدأ هؤلاء النقاد أن يعرفوا النقد الصحيح، وأن تكون لهم آراء ~~خاصة، وذهبوا إلى نوع من النقد «التحليلي». ولولا أنهم كانوا لا يميلون في جملة آرائهم إلى ~~تقليد القديم وإلى التقيد بعلوم البيان، لخطا النقد خطوة واسعة ولرقت الآداب ~~رقيا. # هذا النوع من النقد يظهر في بعض الكتب الخاصة ببعض الشعراء، والموازنة بين بعضهم بعضا. ~~ومن أشهر هؤلاء النقاد القاضي عبد العزيز الجرجاني (المتوفى سنة 392ه)، فقد جاء في كتابه ~~«الوساطة بين المتنبي وخصومه» (طبع في صيدا بالشام سنة 1331) ما دل على براعته في الأدب ~~العربي، وبشرنا بشيء جديد في النقد. وهو من أحسن وأمتع كتب النقد في بلاغة العرب؛ لما ~~فيه من المنافع الجمة المبنية على ذكاء المؤلف نفسه، واستعداده الخاص في النقد، ودرجة فهم ~~الكلام «وتحليله». وقد احتوى هذا الكتاب على كل ما يصح أن يخطر ببال أديب في ذلك العصر، وما ~~يمكن أن يفيد القارئ فائدة إجمالية صحيحة عن بلاغة العرب وصناعة الشعر، ومعرفة الآراء ~~الشهيرة فيه؛ ومثل كتاب الوساطة في موضوعه وأسلوبه النقدي كتاب «إعجاز القرآن» للقاضي ~~الباقلاني (المتوفى سنة 413)، وهو أيضا من أفضل كتب النقد ومن أوضح الأدلة على أن النقد ~~«التحليلي» أخذ يتسرب إلى عقول الأدباء، فقد حلل الباقلاني كثيرا من آيات القرآن الكريم ~~تحليلا بديعا لا يكاد يوجد في غيره، ولم يعتمد في ذلك على قواعد البلاغة فقط، بل قصد إلى ~~تحليل المعاني نفسها، وهو من أصح الكتب التي يمكن أن تتخذ نموذجا للنقد التحليلي، ولولا ~~أنه خاص بالقرآن لكان نافعا في نشر هذه الطريقة التحليلية. على أن الباقلاني لم يخل من ~~الغموض في كلامه واتباع الألفاظ العامة. ms095 # ولم يظهر هذا النوع من النقد في بلاغة العرب ظهور النقد البياني لقلة أتباعه، ولأن نفوس ~~الأدباء كانت تميل إلى فهم الأساليب وشرح الألفاظ أكثر منها إلى غيره، ووجدت غير هذه الكتب ~~كتب أخرى كثيرة، أكثرها لا يخرج عما ذكر من الطرق المعروفة، وجملة القول: أن النقد ~~الأدبي لم ينضج عند العرب ولم يتميز من علوم البلاغة. # القدماء والمحدثون عند العرب # لا نريد هنا أن نتبع تقسيم الأدباء لشعراء العرب إلى جاهلي ومخضرم وإسلامي ومحدث، ~~وإنما نريد أن ندرس تحت هذا العنوان ما أدرك الشعر العربي من الأطوار والانتقال من حال ~~إلى حال؛ لنعرف إن كان هناك خلاف ظاهر أو مذاهب بلاغية أو كتابية في الشعر العربي أثناء ~~مروره بالعصور المختلفة. # إذا تتبعنا حركة النقد الأدبي عند العرب وجدنا أن الباعث على الاشتغال بالأدب ~~والعناية بجمع أشعار العرب، هو القرآن الكريم والمحافظة على لغته التي هي العربية ~~الفصحى الصحيحة. ولم يظهر الإسلام دينا محمديا فقط، بل ظهر دينا عربيا جاء بكتاب ~~عربي مبين، فنهض المسلمون نهضة دينية، ودفعهم إيمانهم بكتابهم وإخلاصهم له إلى دراسة ~~العلوم والفنون المختلفة، ولا سيما علوم اللغة والأدب لفهم القرآن وإدراك أسراره، ~~وتأييد معجزته الإلهية، واهتموا بذلك اهتماما فاق كل اهتمام، فجمعوا الأشعار الكثيرة ~~الجاهلية لصحتها وخلوها من الخطأ اللغوي، واختص بذلك جماعة من الحفاظ والرواة؛ فكبرت ~~منزلة الشعر الجاهلي في نفوسهم، وكان في الحق أن يفضلوه على غيره، وأن يجعلوه قاموسا ~~لهم في العبارة، ونموذجا لهم في الأسلوب، وأن يتحدوا به ما عداه. وكان أكثر علماء ~~اللغة والأدب من علماء الدين؛ فكثر تمجيدهم للقدماء، وخلطوا الغرض الديني بالغرض ~~الأدبي، وقالوا: لا بد من اقتفاء آثار القدماء. وفهموا أن جمال الشعر القديم مبني على ~~الاستعارة والتشبيه، فعرفوا الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى المبني على ~~الاستعارة والتشبيه، إلى آخر ما قالوا. وانصرفوا إلى شرح العبارات والألفاظ، وتشاجروا ~~في حد البلاغة والفصاحة، ولم يتفقوا على شيء اتفاقهم وإجماعهم على تتبع طريقة ~~القدماء؛ ذلك لأن اهتمامهم بالشعر كان يفوق ms096 اهتمامهم بالنثر؛ إذ احتجاجهم على صحة اللغة ~~والمعاني كان بالشعر لا غير، وكأنهم فهموا أن أكبر مظاهر البلاغة العربية لا تظهر إلا ~~في الشعر؛ لذلك لم يكن أثر النثر في الأدب العربي كأثر الشعر؛ ولهذا أيضا كان الشعراء ~~أكثر من الكتاب، وكانت كتب النثر سواء في النقد أو في الأدب أقل من كتب الشعر ~~ونقده. # ولعل السبب في الميل إلى الشعر عند العرب أن الباعث على القول في بلاغتهم هو ~~الوجدان والخيال، وذلك أكثر ما يكون جولانا في ميادين الشعر؛ إذ النثر أظهر ما يكون في ~~تقرير الحقائق ورسم النفوس والاجتماع، وذلك ليس من طبيعة العربي في بلاغته؛ لأن العربي ~~- كما قلنا في غير هذا الموضع - مرتجل بطبيعته، ميال إلى البديهة. والارتجال والبديهة ~~لا يصلحان لعمل النثر الجيد المبني على الفكر والتعقل، ومن هنا قل النثر الأدبي عند ~~العرب فيما يظهر لنا . # مع أن كل اهتمام أدباء العرب كان موجها للشعر لا غير، فإن الذي ينظر إلى حالة الشعر ~~العربي لا يجده تغير في جملته. وما يوجد من الفروق بين الأشعار وطرائقها في العصور ~~المختلفة، أكثره أو كله يرجع إلى الاختلاف في الأسلوب والديباجة، وإدخال بعض الألفاظ ~~والعبارات التي لم تكن، ثم اختلاف طرق الخيال باختلاف المنظورات؛ كالفرق بين وصف ~~الصحراء ووصف البساتين، والفرق بين وصف الأطلال والكلام في الخمر. وهذا لا يعد من ~~الأطوار الأدبية المعروفة؛ لأنه مبني على أصل واحد، وهو تقليد القدماء في الشعر ~~الوجداني، فالقديم والحديث من نوع واحد، خصوصا أن الأدباء والنقاد حددوا الموضوعات ~~وقسموها تقسيما نهائيا، ووضعوا القواعد لمن يأتي بعدهم، وحصروا أنواع الفكر والخيال ~~فيما فكر وتخيل القدماء. وكتب النقد والبلاغة مملوءة بذلك. فلم يكن البحث إلا في ~~الأسلوب والعبارات، وحسن الديباجة والفصاحة والبلاغة؛ لذلك قالوا عندما أرادوا أن ~~يتكلموا على أنواع الشعر: من «الشعر الجاف المشتمل على الغريب، ومنه العذب الرقيق ~~السهل، ومنه ما هو «كالفستق المقشر»، ومنه ما دخلته ألفاظ إسلامية، وما احتوى على ~~ألفاظ فارسية وعبارات اقتضتها الحضارة.» وتكاد تكون ms097 هذه الملاحظات هي المذاهب الكتابية ~~المعروفة عند العرب. # 4 # وهذا دليل على أنهم لم يقدروا الجديد قدره، ولم يقولوا بوجوب «التطور» والانتقال؛ فإن ~~من عني بالمحدثين منهم لم ير لهم أثرا في غير الصناعة. قال ابن رشيق: «والعرب لا ~~تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظ، أو معنى لمعنى ~~كما يفعل المحدثون. ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، ~~وإتقان بنية الشعر وإحكام عقد القوافي، وتلاحم الكلام بعضه ببعض.» وقال عن ~~المحدثين أيضا: «وليس يتجه البتة أن يتأتى من الشاعر قصيدة كلها أو أكثرها متصنع ~~من غير قصد، كالذي يأتي من أشعار حبيب والبحتري وغيرهما، وقد كانا يطلبان الصنعة ~~ويولعان بها. فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه مع ~~التصنع المحكم طوعا وكرها، يأتي للأشياء من بعد ويطلبها بكلفة ويأخذها بقوة. ~~وأما البحتري فكان أملح صنعة وأحسن مذهبا في الكلام، يسلك منه دماثة وسهولة، ~~مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة، وما أعلم شاعرا أكمل ولا ~~أعجب تصنعا من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة، لا تكاد تظهر في ~~بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي ألطف أصحابه شعرا وأكثرهم بديعا ~~وافتنانا وأقربهم قوافي وأوزانا. ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب. # غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعا منه بمطالعة ~~شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها؛ ولأنهما طرقا إلى ~~الصنعة ومعرفتها طريقا سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما تكثيرا سهلها عند الناس ~~وجسرهم عليها. على أن مسلما أسهل شعرا من حبيب وأقل تكلفا، وهو أول من تكلف ~~البديع من المولدين وأخذ نفسه بالصنعة، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم إلا ~~النبذ اليسيرة، وهو زهير المولدين كان يبطئ في صنعته ويجيدها» (عمدة، جزء ~~أول، ص83-85). # كل هذا يدل على أن الخلاف لم يكن في اختراع نوع جديد من أنواع الشعر الذي ms098 لم يكن عند ~~العرب القدماء، وإنما هو في الأسلوب والديباجة والصناعة لا غير ... # 5 # على أن المحدثين أنفسهم لم يقولوا إنهم اقترحوا جديدا، أو جاءوا بنوع لم يكن عند ~~العرب، وكل ما قالوه يرجع إلى الخيال الذي يرجع في جملته إلى الشعر الوجداني، ولا يدل ~~على شيء من الأطوار الأدبية، ولا أنبئكم بباب «السرقة في الشعر» وانتشاره في كتب النقد؛ ~~فكم أخذ الأواخر من الأوائل، وكم معنى ابتكره البدوي فأخذه عنه الحضري المحدث، ~~وغير من لفظه لينسبه إلى نفسه. وباب السرقات طويل جدا يدل على أن المحدثين في ~~جملتهم لم يخترعوا ولم يبتكروا. قال عبد العزيز الجرجاني في كتابه «الوساطة»: ~~«والسرق - أيدك الله - داء قديم، وعيب عتيق. وما زال الشاعر يستعين بخاطر ~~الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه. وكان أكثره ظاهر التوارد، ~~الذي صدرنا بذكره الكلام، وإن تجاوز ذلك قليلا في الغموض لم يكن فيه غير ~~اختلاف الألفاظ، ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب، وتغيير المنهاج ~~والترتيب، وتكلفوا جبر ما فيه من النقص بالزيادة والتأكيد، والتعريض في حال، ~~والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من ~~هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله ... ومتى أنصفت علمت أن أهل ~~عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب إلى المعذرة، وأبعد من المذمة؛ لأن من ~~تقدمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها، وإنما يحصل على ~~بقايا؛ إما أن تكون تركت رغبة عنها واستهانة بها، أو لبعد مطلبها ~~واعتياص مراميها، وتعذر الوصول إليها. ومتى أجهد أحدنا نفسه وأعمل فكره، ~~وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبا مبتدعا، أو يجد له مثالا يغضي ~~من حسنه، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئ أن يجده بعينه، أو يجد له مثلا يغضي من ~~حسنه ...» إلخ (ص166-167). # ومع ذلك فقد لمحوا في نفوسهم الحاجة إلى التغيير والانتقال، فقال الفرزدق في شعر عمر ~~بن أبي ربيعة: «هذا الذي كانت الشعراء تطلبه، فأخطأته وبكت الديار» (أغاني، أول، ~~ص36). ms099 ولعل هذا أول من شعر بالحاجة إلى شيء جديد في الشعر قبل مطيع بن إياس، الذي ~~روى خبره صاحب الأغاني، قال: قال مطيع بن إياس: جلست أنا ويحيى بن زياد إلى فتى ~~من أهل الكوفة، كان ينسب إلى الصبوة ويكتم ذلك، ففاوضناه وأخذنا في ذكر أشعار العرب ~~ووصفها البيد، وما أشبه ذلك فقال: # لأحسن من بيد يحار بها القطا # ومن جبلي طي ووصفكما سلعا # تلاحظ عيني عاشقين كلاهما # له مقلة في وجه صاحبه ترعى # 6 # كان ذلك في مدة الأمويين وفي أوائل الدولة العباسية. فلما تربع الفرس في دولة بني ~~العباس وعلا شأنهم، أثروا في كل شيء وأثروا في الشعر أيضا. وكان يمكن أن يكون هذا ~~الأثر سببا لانقلاب عظيم في تاريخ الشعر العربي. ولكن هذه العاصفة الآرية التي ~~هبت من بلاد الفرس، لم توشك أن تظهر حتى ذهبت هباء في صحراء العرب، فهزم السامي ~~الآري؛ لأن الدولة كانت له واللغة لغته والدين دينه، بل لم يكتف الآري بهذه الهزيمة ~~حتى اندمج في السامي وأخذ عنه، وبدل أن يؤثر فيه تأثر منه. وهذه من مزايا اللغة ~~العربية؛ فإنها لم تظهر في أمة من الأمم التي دانت بكتابها الكريم إلا أثرت في ~~عقولها ومعلوماتها، وجذبتها إليها ومحت منها خواص لغتها، واستولت على خيالاتها ~~وتسربت إلى لغاتها، واحتلت بحق أو بغير حق مواضع البلاغة منها؛ شأن القوي في ~~الإنسان والحيوان والنبات؛ وذاك ما نراه حتى الآن في بلاد الفرس وفي بلاد الترك وفي ~~بلاد البربر وفي مصر، مع ذلك ظهر أثر الفرس في الشعر العربي، فقد أراد الشعراء أن ~~يدخلوا في الشعر العربي أثر المدنية الحديثة، وأن يخرجوا من مضيق البلاغة وفنون ~~البيان إلى العبارات النفسية. # ولكن هذا التغير أبعدهم عن الزمن العربي الأصلي وصبغته، التي كانت تدل على الإخلاص ~~في القول وعدم التعمل والبعد من التكلف؛ فوقعوا فيما كانوا يخشون. ولم يظهر أثر ~~الحضري في الشعر العربي إلا في نقله من الشعر المطبوع إلى الشعر المتكلف المصنوع، فلم ~~يوجد فيه شيئا ms100 جديدا، ولم يبتكر نوعا حديثا، وأصبح الشعر صنعة من الصناعات أكثر ~~منه في كل عصر. وأخذ الشعراء يتناسون ما كان عند سلفهم من الشعر الصادر عن الشعور ~~والعواطف إلى التصنع والبحث، لا في الصناعة لا غير، بل في الأفكار والخيال. حتى إن ~~الغزل والنسيب اللذين أخذا شكلا جديدا سائغا على النفس، مع شيء من الفكاهة وخفة ~~الروح مدة الأمويين، عند جميل بن معمر، وعمر بن أبي ربيعة، وكثير عزة، صار ~~إلى نوع من المجون والمزح عند والبة ومن جاراه. # 7 # لا نقول: إن حركة المحدثين كان نصيبها الخيبة وعدم التمكن من رقي الأدب، وإيجاد نوع ~~جديد فيه فقط، بل نزيد على ذلك أن المحدثين أبعدوا الشعر العربي عن طريقته الأولى، ~~ومحوا منه خلتين كانتا من أكبر أسباب المتانة والجمال فيه، وهما السذاجة الطبعية ~~والإخلاص. فقد كان الشعر الجاهلي بهذين الخلتين قريبا جدا من الشعر الاجتماعي، الذي ~~يمثل صور النفوس وأخلاق الأمم العامة. ولكن من أسف أن المحدثين زجوا به في طريق ~~التصنع والتعمل، وقصروه على ضرب من البراعة في الصناعة المتكلفة، وطريقة أبي تمام ~~من المثل المضحكات في ذلك. # ولو أن حركة الشعر سارت تدريجيا كحركة النثر لصح القول بأن الشعر العربي تدرج ~~وانتقل، واتبع قانون «النشوء والارتقاء» - كما يقولون - ككل شيء حي. ولكن ذلك أظهر ما ~~يكون في النثر كما هو معروف، فقد كان النثر في الجاهلية عبارة عن سجعات قصيرة أشبه ~~بالشعر، من حيث الاستقلال بمعنى تام، ولم يظهر أثره إلا في الخطب والنصائح، كخطب ~~قس بن ساعدة وغيره، ثم ارتقى برقي الخطابة في صدر الإسلام، واتسع وزاد ~~بالمناقشات السياسية بين الخلفاء وعمالهم ومن كان ينازعهم السلطان، وكان أول ظهور ذلك ~~بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، ثم بين الإمام علي ومعاوية، ولو صحت نسبة نهج ~~البلاغة لابن أبي طالب - كرم الله وجهه - لكانت خطوة النثر في نحو أربعين عاما أوسع ~~خطوة خطتها بلاغة العرب في التقدم والارتقاء؛ لأن الفرق كبير جدا بين سجع كهان ~~العرب وهذا ms101 الكلام البليغ الممتع. ثم أخذ النثر شكلا أوسع في آخر الدولة الأموية. أما ~~مدة العباسيين فقد ارتقى فيها النثر ارتقاء عظيما ليس له مثيل في عصر من عصور الدولة ~~العربية؛ إذ ظهرت فيه المقالات الطويلة في موضوعات مختلفة، وأشهر الكتاب والمؤلفين ~~في ذلك العصر: الجاحظ وابن المقفع، وكان لكل منهما مذهب خاص وطريقة معروفة في ~~الأسلوب، ولم يعد النثر منذ ذلك الزمن مقصورا على الخطب والرسائل. ثم انتقل إلى درجة ~~أخرى وهي طريقة السجع والصناعة في تحسين العبارة، كما في طريقة ابن العميد والصاحب بن ~~عباد وبديع الزمان الهمذاني، الذي اخترع فن المقامات، وأخذها عنه الحريري؛ وبذلك ~~أخذ النثر طريقا آخر وأسلوبا جديدا يصح أن يطلق عليه من بعض الوجوه أنه نثر ~~قصصي. # ذكرنا هذا لنبين معنى الأطوار الأدبية، وكيف تتحول وتتوالد أنواع البلاغة. وقد ~~اخترنا أن نضرب مثلا بالنثر العربي لوضوحه وضوحا تاما لا يوجد في الشعر. # والكلام يحتاج إلى توسع نرجو أن نوفق لدراسته دراسة تامة في المستقبل إن شاء الله. ms102