######OpenITI# #META# URI: 1364ImamShaficiAbuShanab.BunatIslam.Hindawi84858130 #META# Tags: history #META# ID: 84858130 #META# Title: بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه #META# AuthorID: 62527939 #META# Author: إمام شافعي أبو شنب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - هيا يا نفسي إلى «الحجاز»!‏ # 2 - في مكة المكرمة‏ # 3 - على عرفات‏ # 4 - العودة إلى مكة‏ # 5 - في الطريق إلى يثرب‏ # 6 - فتح الإسلام وتشريعه‏ # 7 - خلافة أبي بكر‏ # 8 - خلافة أمير المؤمنين عمر‏ # 9 - في مقابر البقيع‏ # 10 - خلافة عثمان بن عفان‏ # 11 - خلافة علي‏ # 12 - المملكة العربية السعودية‏ # 13 - العودة إلى الوطن‏ # 14 - في العمرة‏ # خاتمة‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - هيا يا نفسي إلى «الحجاز»!‏ # 2 - في مكة المكرمة‏ # 3 - على عرفات‏ # 4 - العودة إلى مكة‏ # 5 - في الطريق إلى يثرب‏ # 6 - فتح الإسلام وتشريعه‏ # 7 - خلافة أبي بكر‏ # 8 - خلافة أمير المؤمنين عمر‏ # 9 - في مقابر البقيع‏ # 10 - خلافة عثمان بن عفان‏ # 11 - خلافة علي‏ # 12 - المملكة العربية السعودية‏ # 13 - العودة إلى الوطن‏ # 14 - في العمرة‏ # خاتمة‏ # | بناة الإسلام # | بناة الإسلام # | محمد وخلفاؤه # تأليف # إمام شافعي أبو شنب # | الإهداء # إلى حضرة صاحب الجلالة الملك «فاروق الأول»، حفظه الله # مولاي # أنعم الخلاق الأعظم على ذات جلالتكم الميمونة الطالع، فأضفى عليها رداء المهابة ~~والتقى والصلاح، تتجلى كلها ناصعة وضاءة في جبين طلعتكم المتلألئ بسناء الشباب ~~الناضر الباهر. # وزاد نعماءه على شخصكم السامي، يا صاحب الجلالة، فجعل مكارم الأخلاق تتمثل في مكارم ~~أخلاقكم، فكنتم حقا المثل الأعلى لمكارم الأخلاق. # مولاي # ولما كانت فريضة الحج من أهم قواعد الإسلام الخمس، وبأدائها تتطهر النفس، وتصبو إلى ~~المثل العليا للفضائل، فقد خصصت الجانب الأكبر من هذا المؤلف المتواضع بهذه ~~الفريضة، وشرح مناسكها، وبيان العبر والعظات والحكم المنطوية عليها، فضلا عما ~~قصدت إليه من تدوين سيرة نشأة الإسلام، وجهاد مبلغ رسالة الله، فيعرف حجيج «بيت الله ~~الحرام» وهم في الأرض المقدسة، مهبط خير الأديان، ومنبت أشرف المرسلين؛ أقول: ليعرف ~~الحجيج أن هذا الدين قد تأسس بناؤه على مكارم الأخلاق، وأن الرسول «محمدا» # صلى الله عليه وسلم # وصفه ربه خير وصف في كتابه الكريم، فقال وهو أصدق القائلين: # وإنك لعلى خلق عظيم ~~. # مولاي # وليس أحب لدى شخص خادمكم الأمين - وكتابه يحض على التمسك ms001 بمكارم الأخلاق - من أن ~~أرفع كتابي باليمين، هدية إلى جلالتكم التي يتمثل في ذاتها السامية المثل الأعلى ~~لمكارم الأخلاق. # خادمكم الأمين # إمام شافعي أبو شنب # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد، المصطفى لنشر الهدى وإعلاء كلمة ~~الدين، وعلى آله الأكرمين، وصحبه الصديقين أجمعين، أما بعد: # فقد كشفت هذه الحرب - التي لم يسبق في تاريخ البشر مثيل لها - حقائق هي في معناها ~~الصحيح آيات بينات، وعظات بليغات، ولعل أولى هذه الحقائق والعظات، وأجدرها بالعناية ~~والتسجيل والالتفات؛ هي مصرع فرنسا! هذه الأمة التي بلغت من المدنية منتهاها، ومن ~~الحضارة أعلى ذراها، فإذا بها يغير عليها المغير، فتقع صرعى لا حول لها ولا ~~قوة. # سقوط الأخلاق هو سر التدهور # ولم يفت على بعض الزعماء الوطنيين معرفة سر هذا السقوط، فقد أذاع الماريشال ~~«بيتان» على أثر الهزيمة والتسليم نداء وجهه إلى الشعب الفرنسي، ولكن بعد فوات ~~الأوان. # ولم يكتم الماريشال «بيتان» في ندائه أن سقوط أمته يرجع إلى انحلال الأخلاق فيها؛ فقد ~~عمها الترف، وسادتها الشهوات، وتحكم في نفوس أبنائها وبناتها حب اللهو والعبث: # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # الآية الشريفة. # وإذن، فلا عجب إذا كانت الأمم التي تذهب الفضائل عنها، وتتمرغ في حمأة الرذائل، ~~مصيرها السقوط والتدهور. # عظمة الأمم بعظمة الأخلاق # ولا يمكن أن يكتب البقاء والسلطان لأية مدنية من المدنيات إلا إذا كانت قائمة ~~على أسس الأخلاق التي هي أهم ركن من أركان صروح الأمم، ولا يمكن أن تزدهر حضارة من ~~الحضارات إلا إذا تمشت مع تعاليم الدين ومبادئه. والأمم التي تتناسى تعاليم دينها ~~وتهمل الاستمساك بمبادئه، وتقتل في مجموعها روح الرجولة؛ لا شك في أن مصيرها الضعف، ~~إن لم يكن الفناء. # لذلك دأبت - وما زلت أدأب - في تنبيه قومي من المصريين، ثم إخواننا الشرقيين، ~~إلى ضرورة الاستمساك بمبادئ الدين وتعاليمه، وأهمها العمل على نشر الأخلاق الكريمة؛ ~~مبعث الفضائل جميعها. # وما رحلاتي السنوية إلى البلاد المقدسة في مواسم الحج، ووصفها، ms002 والكتابة عنها، ونشرها ~~في كتب متعاقبة، إلا عملا أحاول به أن أعطي لمواطني الكرام أقوى الأدلة وأقطع ~~البراهين على أن عظمة الأمم بعظمة الأخلاق. # وماذا عسى في البلاد المقدسة «بلاد الحجاز» غير رمال وصحراوات؟! # فكيف إذن نشأت في تلك الرمال والصحراوات أمة دانت لها رقاب سائر الأمم؟ وخرجت منها ~~مبادئ ما زالت وستظل أبدا عقيدة مئات الملايين من البشر؟ # حقا إن الأمة العربية الضاربة في صحراوات الحجاز ما كانت لتسود العالم إلا بفضل ~~تعاليم دين هو الدين الإسلامي ومبادئه القويمة؛ فقد جاء خير شريعة لتنظيم هذا ~~الكون. # رحلة الحجاز # وإن رحلة الحجاز لا تكلف المرء إلا القليل من المال والوقت، فعلى القادرين من ~~مواطني وإخواننا الشرقيين أن يزوروا مكة في موسم الحج ليروا رؤيا العين كيف أن تلك ~~الرمال، وتلك الصحاري، أنشأت أمة بزت في حضارتها سائر الحضارات، وشعت على العالم ~~من دينها نور العلوم والفنون، ووضعت أمام أنظار الأمم، من بعد، أنموذجا هو المثل ~~الأعلى لمكارم الأخلاق. # ويقينا، إن زيارة بلاد الحجاز سيكون لها شأن في إلباس أصحابها لباس التقوى، ~~فيعودون إلى ديارهم بأرواح مطهرة، وقد انطوت نفوسهم على الطهر والصلاح. ~~••• # وإذا كان الذي يتوجه إلى الله في الصلاة، أو ذاك الذي يزور ضريح أحد الأولياء ~~الصالحين، يشعر براحة تسري في جميع جوانحه، ويحس بروحه محلقة في آفاق هنيئة ~~مجهولة منه، فما بالنا بمن يرى البيت العتيق ويطوف به، ويصلي في مقام إبراهيم، ~~ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف على عرفة، ويرجم الشيطان في منى! نقول: فما بالنا بمن ~~يؤدي فريضة الحج كاملة! # إنه ولا ريب يدرك من طبيعة البلاد سر سيادة الأمة العربية التي ما جاءت إلا عن ~~طريق تعاليم دين لحمته وسداه إصلاح حال الأخلاق، فهي القادرة وحدها على تكوين ~~أمم قوية الجانب، مهيبة السلطان. ~~••• # ففي سبيل تحقيق الغاية الشريفة التي أسعى للوصول إليها، وهي الحث على الاستمساك ~~بمكارم الأخلاق، أطلع على مواطني وإخواني الشرقيين بهذا الكتاب، والله ~~المستعان. # وإنه تعالى ولي التوفيق. # إمام # الباب الأول # | هيا يا ms003 نفسي إلى «الحجاز»! # جمال بلاد الحجاز # في أبدع أيام الشباب وسنواته اليانعة إيناع الورود، في نحو العشرين من العمر الباسم ~~الضاحك، كنت في القطار المسافر من «تريستا»، وكانت وجهتي «فيينا» للدرس والتحصيل في ~~جامعتها المشهورة، وكنت لم أغب من قبل عن محيط مصر، فلم تألف عيناي من مناظر الطبيعة ~~ومشاهدها الجميلة إلا مناظر الريف، وهي مناظر وديان سندسية الثرى والرقعة، فوقها ~~سماء صافية زرقاء فاقعة الزرقة، ذات أفق ممتد طويل. # ولكن ما كاد القطار يعبر بي الحدود الإيطالية النمساوية عند «فيللاخ» و«فيلدن» حتى ~~انتابت نفسي نشوة من الانشراح والجذل، ثم لم أشعر إلا وأنا أهتف من الأعماق قائلا: ~~«يا إلهي!» # حقا لقد كان المنظر الذي شاهدته عيناي منظرا أخاذا للقلوب، مبهجا ~~للأرواح. # كان منظر بساط أخضر فاقع الخضرة، في سعة بسط سليمان، يباهيه ويتيه عليه صنو ~~مثله، ولكن في لون أخضر قاتم الخضرة، يمتد في وسط التلال التي لا يكاد يدركها الطرف، ~~وأكواخ متناثرة تناثر النجوم، ذات سقف حمراء داكنة الحمرة، وتنتشر تلك الأكواخ بين ~~حقول نبتت فيها أزهار جل من افتن في صنعها، ومن به عليها من شكول هي أبدع ~~الألوان. # وإذن، فكيف لا يأخذ ذلك المنظر بمجامع الألباب؟! ~~••• # وها أنا ذا بين رمال الصحراء، وسمائها ذات السراب، وقد مضت ساعتان ونصف ساعة منذ ~~خروجي من جدة في طريقي إلى مكة لأول مرة زرت فيها الأراضي المقدسة، أراضي الحجاز، وقد ~~وقع نظري على أول مبنى من مباني مكة، هو في أمثاله شبيه بالملايين، ولكن ماذا عسى أن ~~أقول في وصف تأثيره في نفسي، فإني لأشعر بالعجز عن الوصف حتى إذا قلت إنه بلغ إلى ~~أعمق مما بلغه منظر «فيللاخ» و«فيلدن». # وهل هناك أشد تأثيرا في النفس من رؤية ألوف من البشر لا تستر عورات أبدانهم إلا ~~غلالات بيضاء، وهم يطوفون حول «البيت الحرام» وقد تساوى الغني والفقير، واستوى الكبير ~~والصغير، وتحلت نفوسهم بالتواضع والخشوع، فترى المرأة المترفة التي عاشت بين ~~العطور والزهور لا ترى غضاضة في أن تسجد على ms004 الأرض التي يطؤها الملايين، وترى الرجل ~~ملكا إن شئت أو أميرا يمشي وهو يطوف وإلى جانبه عامة الناس. # رحلات ورحلات # وفي جميع الرحلات التي أمضيت أوقاتها في البلاد الأوروبية كان يتملكني - كما ~~يتملك الغريبين عن أوطانهم - شعور واحد لا يتغير، وإحساس لا يتحول، هو شعور ~~الوحشة في الغربة، والبعد عن الأوطان، ومفارقة الأهل والصحب والخلان. # ولقد كانت تلك الرحلات متباينة الأغراض، مختلفة المقاصد والغايات؛ فمنها ما كان في ~~طلب العلم، وكثير غيرها للاصطياف، وأخيرا وخيرها: رحلاتي إلى الحجاز. # ومع كون أسفاري ورحلاتي وتنقلاتي في البلاد الأوروبية كان منها ما هو للمتعة ~~والنزهة، وكنت على يقين - حين قيامي بها - من متعتها وبهجتها، فقد كانت تلك المتعة أو ~~هاتيك البهجة، تضؤل في عيني إزاء شعوري بالوحشة وألم الاغتراب، وبعدي - بل حتى ~~تفكيري في أني بعيد - عن الأهل والوطن العزيز. # وماذا عسى أن أقول في ذلك الشعور نحو الأهل والوطن والحنين إليهما، وشعور الإعزاز ~~والإيثار بل التقديس لهما، هذا الشعور المتأصل في النفوس؟ # كان ذلك شعوري في جميع رحلاتي إلى أوروبا، على عكس شعوري في رحلات الحجاز، فإني حين ~~أقبل على زيارة الأراضي المقدسة أشعر بالغبطة والسرور، فلماذا إذن هذا التناقض في ~~الشعور؟ # لقد تساءلت عن السر في ذلك، فاهتديت إلى شيء واحد، لا يمكن إلا أن يكون هو السر ~~بعينه. # غذاء الروح وغذاء النفس # وإنه ليحلو لي دائما أن أكشف عن هذا السر، ذلك أني حين كنت أقصد إلى الغرب، إنما ~~أشخص إلى عواصمه ومدنه لأغذي النفس وأمتعها باللذائذ. # ولكن حين أقصد إلى الحجاز، أشعر بأني قاصد لأغذي روحي، وشتان بين غذاء الروح ~~وغذاء النفس. # وهكذا استطعت أن أهتدي إلى السر فيما رأيته وشعرت به من التلهف على زيارة الحجاز، ~~ومن الفرح والغبطة والابتهاج التي كانت وما زالت تتملكني حين أعتزم السفر إلى بلاد ~~الحجاز. # لا بد من الحج # إذا صدقت نية المرء في تولية وجهه شطر الخير، وبخاصة إذا كان مقبلا على أداء ~~فريضة فيها مرضاة الله، فإن كل صعب يلاقيه ms005 لا بد أن يهون، وكل عقبة - مهما تكن ~~كأداء - لا بد أن تذلل، وكل مشكلة - مهما تتعقد - لا بد أن تحل، فلا يخامره ~~شك، ولا يداخله خوف، أو ينتابه يأس من قضاء حاجته. # نويت الحج، وصدقت نيتي، وصح عزمي، فما كان ليثنيني عنه إلا سبق الأجل. # كانت هي الحجة الثالثة، ومع ذلك فقد كنت في لهفة على تأدية فريضتها أشد مما كنت ~~عليه في الحجتين الأوليين، وفي اعتقادي أن من حج مرة يتعطش إلى المزيد، بل إن ~~أحب أمانيه إلى نفسه ألا يفارق الأراضي المقدسة على الإطلاق. # أولى العقبات # ولقد كنت في المرتين اللتين أديت فيهما هذه الفريضة اعتدت السفر إلى الأقطار ~~الحجازية بجواز سفر عادي؛ فلم أكن أعبأ بمواعيد سفر الحجاج وعودتهم؛ لأني أريد ~~دائما أن أنعم بالمكث في الأراضي المقدسة أطول مدة من تلك التي يقضيها الحجاج ~~عادة. وقد كان سفري بهذا الجواز العادي في السنتين الماضيتين أمرا ميسورا، ولكن كم ~~كانت دهشتي عظيمة حين واجهتني عقبة لم أكن أتوقعها، فلقد كانت أولى العقبات؛ إذ رفض ~~أولو الشأن الترخيص لي بالحج بجواز سفري العادي، وأبوا إلا أن أستصدر جواز سفر ~~خاصا بالحج، شأني كشأن سائر الحجيج، ولم أدر السبب في ذلك، وليس هنا مجال القول في ~~بيانه، ولكن ما يهمني أن أسجله هنا هو أن هذه العقبة قد ذللت من أيسر ~~طريق. # ذلك أن وظيفتي الصحفية أجازت لي أن أتمتع بامتياز السفر بجواز عادي، وكفى الله ~~المؤمنين القتال. # العقبة الكأداء # وانصرفت إلى تدبير أمور السفر، وإعداد العدة له، ولم أحسب أي حسابات لعقبات ~~أخرى، وأي عقبة أو عقبات تقف في طريقي وقد ذللت في اعتقادي أكبر عقبة، ألا وهي ~~السفر بالجواز العادي؟! # ولكن حدث حين قصدت إلى مكتب شركة البريد الفرعونية لقطع تذكرة على إحدى الباخرتين ~~الخاصتين بنقل الحجاج، أن أبلغني مدير المكتب أن من المستحيل عليه أن «يصرف» لي ~~تذكرة للسفر؛ لأن الأماكن بالباخرتين تشغل بمعرفة إدارة الحج بوزارة الداخلية، وأنه ~~لا يمكن أن يسمح بسفر حجاج ms006 بجوازات عادية، بينما لا تجد الوزارة أماكن تتسع ~~للحجاج ذوي جوازات الحج. # ضاقت الدنيا في وجهي، فقد عز علي أن أحرم من الحج، وأن تقف مشكلة ضيق الأماكن ~~على ظهر الباخرة عقبة تحول دون بلوغي أعز أمنية عندي. # وأخذت أتردد على إدارة الحج بوزارة الداخلية كل يوم، صباح مساء؛ إذ لم يكن ~~باقيا على موعد الحج إلا أيام معدودات، حتى علمت أن هناك باخرة هندية قادمة إلى ~~السويس، هي الباخرة «روزماري»، فإذا وصلت في موعدها استطاع كل الحجاج أن يسافروا، ~~وألا يتخلف عن السفر منهم أحد. # ومرت الساعات كأنها دهر طويل، وما أشد وطأة الانتظار على النفس القلقة، فما بالنا ~~بالنفس المتلهفة على زيارة الحجاز وتأدية فريضة الحج! # وما كادت الساعة تشرف على السادسة حتى سارعت إلى إدارة الحج وقلبي شديد الخفقان، ~~وطال مكثي، ومكث المئات من الحجاج المنتظرين، فاستعنت بالصلاة على قلق النفس، وما ~~كدت أنتهي من صلاتي حتى جاءت البشرى بوصول «الطائف» إلى السويس، فضلا عن الباخرة ~~الهندية التي تولت نقل إخواننا الحجاج من فلسطين. # هنا طارت نفسي فرحا، وهتفت من أعماق قلبي: «الحمد لله.» # على ظهر الباخرة # كانت «الطائف» تسير مسرعة في بحر هادئ صاف وطقس بديع، وكنا ونحن شديدو التلهف ~~على الوصول إلى الحجاز، نخالها تسير خببا. وكنا لا نسمع في هذا الهدوء والسكون سوى ~~ترتيل القرآن الكريم والأدعية، فكانت الباخرة في جميع أركانها وجنباتها وغرفها كأنها ~~محراب للصلاة وعبادة الخالق العظيم، الغفور الرحيم. كان الحجيج أجمعون في طريق التوبة ~~وسبيل المغفرة، جاهدين لتطهير أرواحهم مما علق بها في هذه الدنيا، دنيا الشهوات ~~والأدران، والشرور والغرور، وكان شعارهم: «لبيك اللهم لبيك» إلى آخر التلبية. # وحين أشرفت «الطائف» على رابغ هيأت نفسي للإحرام بنية العمرة، # 1 # فقصصت من شعري وأظافري تجنبا لما عساه يسقط من الشعر في أثناء الإحرام ~~بالعمرة، ثم اغتسلت وقلت بعد أن أتممت ذلك: «نويت الإحرام بالعمرة، فاللهم يسرها ~~لي. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا ms007 شريك لك.» ~~ثم صليت ركعتين بنية العمرة. # والعمرة تقليد ديني حكيم، لا بد منها لدخول المرء إلى «مكة المكرمة»، البلد الذي به ~~البيت العتيق، والذي به أول مسجد: # إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * ~~فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ~~آمنا # الآية الشريفة. # ومن الأدب الواجب على المخلوق حيال الخالق أن يمثل أمامه جل وعلا بلباس الفطرة ~~الأولى، فلا زخرف ولا زينة، ولا أي مظهر من مظاهر الترف والرفاهية، خشوعا من النفس، ~~وإقرارا بالعجز، واعترافا بعظمة الخلاق العظيم. # وكان الحجاج يغدون ويروحون على ظهر الباخرة مرددين التلبية: «لبيك اللهم لبيك ...» ~~وهم بلباس الإحرام الذي هو إزار أبيض غير مخيط يستر العورة إلى مشط الرجل، وآخر ~~يلتحفونه كغطاء القسم الأعلى من أجسامهم، مع بقاء الرأس عاريا، وانتعال نعال تظهر ~~منها أصابع الرجلين والكعبان. # وعلى المحرم أن يحذر حك الجسم بقوة؛ منعا لتساقط الشعر، فإن كل شعرة تسقط عمدا ~~توجب على المرء التصدق بما يقرب من أقتي بر. ~~••• # ومرت الباخرة بميناء ينبع، ولم يعد لوصولنا إلى جدة إلا ليلتنا، وكانت آخر ليلة ~~قضيناها بالباخرة من ليالي رحلة جميلة، شعرنا على قصرها بأنها طويلة الأمد؛ ~~لتعجلنا ورغبتنا الملحة في سرعة السفر. وقد تمنيت لو أن كل الرحلات التي تعرض ~~لي في حياتي تكون كلها رحلات لاستجمام الروح، وتطهير النفس، وانتشاء القلب بزيارة أقدس ~~البقاع التي انبثق منها نور الهدى، وشع منها أبهر ضوء لأعظم مدنية لحمتها ~~الفضائل وسداها الخير لبني الإنسان جميعا. # حاول النوم أن يغالب أجفاني، فلم يستطع إلا ساعة وبضع ساعة، صحوت بعدها على صوت ~~المؤذن يؤذن لصلاة الفجر. # فنهضت منشرح الصدر، جذلان، فرحا؛ فقد قاربنا «جدة». # الوصول إلى جدة # صلينا الفجر وحمدنا الله تعالى، ولم أحاول النوم بعد فريضته؛ إذ حلقت نفسي في ذلك ~~الفضاء المترامي، وذلك الكون اللانهائي، وغبت في تفكير عميق، مسبحة روحي باسم ~~المبدع القدير المتعال. # كانت نسمات الصباح تثلج صدري، وكانت رؤية مصارعة الليل مع النهار في آخر جولة من ms008 ~~جولات الصراع، من أبدع آيات خلق الله عز وجل، إنه لمنظر يتكرر في دورات الأرض ~~اليومية، فإذا بالنهار يطلع، وإذا بالليل يغيب، ثم إذا بجيوش الليل تفوز ، وإذا بجحافل ~~النهار أمامها تنهزم، فهما في صراع دائم، فبينما تتم لأحدهما الغلبة على الآخر؛ إذ ~~بالنصر يؤاتي المغلوب، فلمن عسى يكون النصر في النهاية؟ # سبحان من ليس له نهاية، ويأمر بالنهاية، ويشاهد نهاية كل شيء. فاللهم الطف بنا في ~~النهاية. # أجل، إن في الليل راحة، وفي النهار شقوة، ولا معنى للراحة إلا بالتعب، ولا سبيل ~~لاستكمال الكون إلا بتبادل الليل والنهار، هذه سنة الله، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. ~~••• # انبثق نور الشمس في سبائك ذهبية رائعة، انتشرت في الأفق فزادته بضوئه البراق وزرقة ~~السماء اللازوردية الرقراقة جمالا وأي جمال! # جمال إلهي يعجز أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء عن وصفه وتصويره، وظهر قرص الشمس أمام ~~ناظري، وقد أورث الدنيا الحركة والنشاط والحياة، فقلت: سبحان ربي القدير الخالق. هذا ~~هو قرص الشمس يتراءى أمام العيون، فماذا عسى يخفي وراءه؟ إنه ليخفي جانبا مجهولا ~~من ذلك العالم المترامي، لا يقاس به العالم المعروف المشاهد. # هذا هو قرص الشمس الذي يبدو أمام الأبصار صغير الحجم، فإذا الأرض ببحارها ومحيطاتها ~~وجبالها ووهادها وسهولها، وكل ما فيها من كائنات، قطعة منه، أراد الله أن تهوي حيث هي ~~معلقة، تحيط بها أفلاك ونجوم ذات أبراج، فإذا ولى النهار الأدبار، وظهرت آية الليل، ~~رأينا النجوم وقد انتثر عقدها في السماء، يسير بعضها شرقا، والآخر غربا، والبعض ~~شمالا، والآخر جنوبا. وقد تبدو نجمة نخالها كأنها ستسقط على الأرض، فإذا بها تندفع ~~إلى الفضاء اللانهائي المتلألئ، لا ندري منتهاها. وهكذا تسير النجوم في غدو ورواح ~~بسرعة مئات الأميال في الدقيقة، بل في الثانية، ولم نجد نجما ارتطم بآخر على كثرة ما ~~نشهد من نجوم لا تحصى ولا تعد. # وقد نقف أمام جهاز اخترعه فكر أحد الآدميين فنعجب به لدقة أدواته، وكثرتها، وحسن ~~تنسيقها، وانتظام حركتها، ومع ذلك فقد تقضي عليه حركة تماس في ms009 بعض أسلاكه، فيذهب هذا ~~الجهاز بددا. ~~••• # أي عظمة وأي قدرة للخالق العظيم مبدع الكون الذي لم نسمع ولم نعرف - على بعد ~~مئات الألوف من السنين منذ خلقه - أنه احتاج إلى إصلاح أو إلى تعديل أو إلى تغيير في ~~أجزائه، أو تبديل، أو تزييت، أو تشحيم! # أين أولئك الملحدون الذين عميت بصائرهم عن الحقائق الإلهية التي لا ينكرها إلا ~~المكابرون، أولئك الذين يتشدقون بأن هذا الملك العظيم خلق بالتفاعل! فليرونا ~~أين هذا التفاعل في هذا الكون المترامي الأطراف الذي لا بد له من خالق، سبحانه! # بل أين التفاعل في أنفسهم، في خلق الإنسان وحواسه؟ # أين التفاعل في غريزة الحسد، أو غريزة الطمع أو البخل؟ # وأين التفاعل في غريزة الكرم؟ وأين التفاعل في غريزة الشجاعة؟ وأين التفاعل في غريزة ~~الجبن والخور؟ أين التفاعل في هذه الغرائز الإنسانية المتناقضة المتباينة في جسم ~~البشر؟ # وإذا كان لكل جهاز صانع، ولكل اختراع مخترع، فكيف لا يكون لهذا الكون خالق؟! # ألا أيها الملحدون، موتوا بجهلكم وضلالكم المبين. ~~••• # أفقت من هذا التفكير في عظمة الكون وقدرة الخالق، على نسمات زكية لم آلفها إلا ~~في بلاد الحجاز، فعلمت أننا صرنا على أبواب جدة. كانت نسمات ذات أريج طاهر ينعش ~~الروح، ويغذي الجسم، نسمات تهب من الأرض الطاهرة على حجيج «بيت الله» وقد قاربوا ~~الأماكن التي بها قطعة من الجنة. # وكانت الساعة حوالي العاشرة من الصباح حين وصلت «الطائف» ميناء جدة، فتصاعدت ~~الأصوات بتكبير الله وحمد الله، فقد وصل ضيوف الله في أمن الله وحمايته. # ونزل الحجيج في قوارب، ومعهم أمتعتهم «الثقيلة» منها و«الخفيفة»، ويا لحسن من ~~اقتصر منها على الضروريات! فقد فاز بخفة الحركة وسرعة الانتقال والارتحال، أما من ~~ثقلت أمتعته فقد كان في حيرة وارتباك، لا يدري كيف يحمل نفسه، أو يحمل أثقالا من ~~أمتعته لا تغني شيئا في الحجاز الذي يتوفر فيه كل شيء. # ووصل زورقي إلى الشاطئ، وما كدت أضع قدمي على أرض جدة حتى سبح فكري مرة أخرى ~~متسائلا: أهذه هي البلاد التي نشأت ms010 فيها أمة هداها بدين الله رجل واحد، وقادها ~~في طريق المجد والعظمة أربعة رجال، هم خلفاؤه الراشدون! لقد عجبت كيف استطاعت هذه ~~الأمة العربية القليلة البسيطة التكوين، الفقيرة في بلادها ومواردها أن تنشر مدنية ~~هي خير المدنيات وأعظمها، وأن تزيل من الوجود إمبراطوريتين عظيمتين، هما: الفارسية ~~والرومانية؟ بل وتمد فتوحاتها إلى أقصى أوروبا الغربية، فتحكم وتسود. # وها نحن أولاء المسلمين نعد بالملايين في هذا العالم، لم نستطع بعد أولئك الخلفاء ~~الأربعة، وبضعة خلفاء يعدون على أصابع اليد الواحدة أن نفعل شيئا، بل إننا تدهورنا ~~وسقطنا من حالق، وصار تراثنا المباهاة بما فعل الأجداد منا، وقد قال أولئك ~~الأجداد: # إن الفتى من يقول ها أنا ذا # ليس الفتى من يقول كان أبي # أجل، لقد صرنا - ونحن مئات الملايين - نعيش عالة على الغرب، أسرى مدنية زائفة ~~تميت الهمم، متباعدين عن تعاليم ديننا الذي أحيا العرب من عدم، وأهداهم من ضلال، ~~وأغناهم من فقر، ورفعهم من ضعة، وأنشأ لهم مدنية قديمة سامية سادوا بها جميع ~~الأمم. # ورجعت إلى نفسي أدعو الله أن يهدينا إلى الاستمساك بديننا حتى نحيي مجد الإسلام ~~وعظمة المسلمين. ~~••• # إن جدة بلد يصح أن تكون مرآة تعكس لزائرها ~~صورة بلدان العصور القديمة العربية؛ فدورها عتيقة البناء، عتيقة الطراز، لا تجد في ~~نوافذها لوحا من الزجاج، فترى بدلا من زجاج النوافذ حصيرا يطوى وينشر في حالة ~~توقي البرد القارص أو الحر اللافح، هي بلد تصورها لك كتب العرب التاريخية والأدبية ~~القديمة! غير أن بها جهة تمت إلى العصر الحديث، ففيها شارع رئيسي فخم شيدت على ~~جانبيه الدور و«الفيلات» العصرية التي لا تجدها إلا في المدن الأوروبية والشرقية ~~المتمدنة، وهو شارع طويل عريض، مرصوف بالمكدام، آهل بدور المفوضيات ~~والقنصليات والبيوتات التجارية والمالية والشركات المختلفة. # إنك لتعجب: كيف جمعت جدة بين القديم المتناهي في القدم وبين الحديث العصري - «آخر ~~مودة» - في فن العمارة والبناء! # والجواب على هذا السؤال هين يسير. # ذلك أن الحكومة العربية السعودية تعمل جاهدة لإدخال كل إصلاح على بلاد الحجاز، ms011 بل ~~بلاد شبه الجزيرة العربية جمعاء، وهو الإصلاح الذي لا يستنكره الشرع، ولا يتنافر مع ~~تعاليم الدين ويتفق مع روح العصر الحاضر. # لا تجد في جدة شيئا وسطا بين القديم والحديث، والسبب في ذلك يرجع إلى أن الحكومات ~~المتعاقبة التي سبقت حكومة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود لم تكن تفكر في أي إصلاح ~~على البلاد الحجازية يقتضيه التمشي مع روح العصر الذي تعيش فيه! فلا عجب إذن إذا وجدت ~~مظهر جدة اليوم كالرداء العتيق رقعه صاحبه برقعات جديدة قشيبة بهية ~~الرواء. # لست أريد أن أمر بجدة دون أن أذكر لك أن فيها أسواقا تجارية تحوي جميع البضائع ~~والسلع، وكلها رخيص متين متقن الصنع. ~~••• # لم أنس قبل مغادرة جدة أن أمر بدار وكيل مطوفي السابق، ذلك الشيخ الكهل القديم الذي ~~يحاكي قدم «جدة»، والذي لا جديد فيه، ولا في ردائه أو غطاء رأسه أو طراز نعله، الذي ~~لا جديد فيه على الإطلاق إلا منظاره الذي استعاره كرها من حاجات العصر الحديث بدافع ~~الحاجة إلى تقوية ناظريه، وفي اعتقادي أنه لو كان في استطاعته أن يبدله بشيء قديم، ~~ونعني أن يستغني عنه بشيء أصيل من حضارة عصره هو، لا عصرنا نحن، لفعل وايم ~~الله! # وبالسؤال عنه من زملائه، علمت أن الشيخ قد توفي إلى رحمة الله، فحزنت لهذا ~~النبأ، ويحق للإنسان أن يحزن، فالرجل يمت إلى عصر غير هذا العصر، عصر كانت ~~الرجولة فيه أكثر مما نرى. وقلت: رحمه الله، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ثم ~~قرأت الفاتحة على روحه. # إلى مكة المكرمة # قضيت في فندق جدة ليلة مريحة، بنومة هانئة لذيذة، حقا، إن الراحة لا تعرف إلا بعد ~~العناء. فأسفار البحر - مهما تبلغ فيها حال غرف البواخر من الرفاهية - تجعل الجسم في ~~حالة يحتاج فيها إلى راحة أكثر. # وما كاد الصبح يتنفس حتى كان جميع نزلاء الفندق أيقاظا، على استعداد لمواصلة السفر ~~إلى مكة المكرمة، عظمها الله، وكانت معي أسرة مصرية كريمة سألتني مرافقتها في غضون ~~السفر، ms012 فرأيت أن أنتهز هذه الفرصة، وأصحب هذه الأسرة، لا لأنها كانت في حاجة إلى ~~خدمات قد أؤديها لها، ولكني أردت أن أدرس الحالة النفسية والروحية التي قد تبدو على ~~أعضائها، وبخاصة لأنهم من طبقة قد عاشت على الرفاهية، وكان بينها سيدة، فضلا عن علمها ~~وثقافتها، فقد ألفت الأسفار إلى ممالك أوروبا، وشاهدت في خلال سفرها أجمل مناظر ~~الطبيعة التي وهبها الخالق لتلك النواحي من الأرض، وكذلك كان معنا شاب مثقف أحرز ~~دكتوراه التجارة العليا من جامعة ليون. وسيكونون وهم مقبلون على مكة المكرمة في صحراء ~~قاحلة جرداء، ليس فيها إلا رمال مترامية لا حد لها أمام العيون والأبصار، في حالة ~~روحية أريد بها أن أعرف أحاسيس أمثال هؤلاء، وما تكون عليه نفوسهم وهم داخلون إلى مكة ~~المكرمة. # ركبنا السيارة، بينا كنت أتلو بعض الآيات القرآنية الشريفة، وخير دعاء كان يتلوه ~~الرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام، ألا وهو: # ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار ~~. # كانت السيدة التي ذكرت، والشاب الذي وصفت، وهما يتطلعان إلى جو الصحراء ورمال ~~الصحراء ونواحي الصحراء المترامية، كانا مأخوذين مبهوتين، وكانت الأدعية التي ~~يتلوها الحجيج، والأناشيد التي ينشدونها مديحا في الرسول # صلى الله عليه وسلم # أو في فضيلة حج ~~«بيت الله»؛ كانت هذه وتلك، وهي صادرة عن قلوب عشرات الألوف ما بين مترجل، وممتط ~~دابة، وراكب سيارة، وهم زرافات زرافات؛ نقول كانت الأدعية والأناشيد، ثم زغاريد ~~الفلاحات المتناهية في السذاجة والبساطة، مؤثرة في نفسي السيدة والشاب، زيادة إلى ~~تأثرهما الروحي لشعورهما أنهما عن قريب يدخلان مكة. كانت تبدو على وجه السيدة بعض ~~تشنجات عصبية، تفاعلت مع ملامحها فإذا بمآقيها تدران دمعا قطرات تلو قطرات، وكان ~~الشاب كذلك يردد تكبير اسم الله: «الله أكبر! الله أكبر!» يقولها وأصابع يده تلعب، ~~ولست أدري أكان يحصي بها التكبير، أم أنها حركة عصبية نشأت عن تأثره الروحي والنفسي، ~~وأكبر ظني أن التعليل الثاني هو الأصوب. ~~••• # بينا كان هذا الشعور الروحي العظيم يملك علينا أنفسنا جميعا، ويغمر ms013 قلوبنا، ويفيض ~~على صدورنا، كانت الأصوات العالية؛ أصوات الحجيج، أمامنا وخلفنا وحوالينا، يمينا ~~ويسارا، وهم في قوافل غفيرة، ترتفع بالتلبية، وبتكبير اسم الله الواحد المعبود . وكنا ~~بين فترة وأخرى نسمع زغاريد الفلاحات، كما نسمع الأناشيد والأدعية الدينية، إلى جانب ~~ما كنا نسمعه من التلبية والتكبير، كان شعور الجميع واحدا وإن تباين التعبير! كانوا ~~كلهم متوجهين بقلوبهم وأرواحهم إلى الله جل وعز شأنه، كانوا جميعا يطلبون ~~المغفرة، وينشدون التوبة: # وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين ~~. # في الحديبية # وحانت مني التفاتة إلى الطريق، فإذا بي أرى بعض المطاعم والمقاهي العربية المتواضعة ~~منتشرة هنا وهناك، فعلمت أننا قد وصلنا الشميسي، وهي محطة صغيرة من محطات أربع في ~~الطريق بين جدة ومكة، وكان يطلق على الشميسي اسم الحديبية، وهي البلدة التي منع قريش ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # عندها من دخول «مكة» للحج، وقد كان في استطاعته - والله ناصره ~~ومؤيده في جميع خطواته - أن يتغلب على قريش ويدخلها عنوة وعلى الرغم منهم، ولكنه ~~أراد أن يسن # صلى الله عليه وسلم # سنة التفاهم والمفاوضات الودية في حل النزاع قبل أن ~~يحكم السيف؛ ولذلك عاد - عليه الصلاة والسلام - من الحديبية، ولم تبطل عمرته؛ إذ ~~حملت الريح شعره وشعر صحابته الأجلاء وألقته في الحرم، وقد وفد الرسول # صلى الله عليه وسلم # عثمان بن عفان رضي الله عنه للمفاوضة مع قريش، وانتهى النزاع حتى كان فتح «مكة» ~~لانتقاض قريش على العهود والمواثيق. # ووصلنا إلى الأعلام، وهي الحد الفاصل بين الأرض الحرام والأرض الأخرى. # والأرض الحرام أرض مقدسة، يشعر فيها المرء بالأمن والسلام حال دخوله إليها، كما ~~يشعر بالطمأنينة تفيض على جميع مشاعره، والراحة تغمر نفسه. وليس عند الأعلام حواجز تفصل ~~ما بين الأرض الحرام والأرض الأخرى، ولكنك تشعر بشعور الطمأنينة والأمن والراحة لأول ~~خطوة تخطوها في الأرض الحرام، فتعلم حينئذ أنك بلغتها وأنك فيها، وأنه إلهام من الله. ~~وإنه لشعور روحي إلهي يملأ قلبك حين تدب على هذه الأرض الطاهرة. # وما كدت أخطو ms014 خطوة، أو على الأصح: ما كادت السيارة تخطو خطوة بعد الأعلام حتى ~~رددت الدعاء التالي، وهو خير دعاء يتلى بين الأرض الحرام والأرض الأخرى: «اللهم ~~هذا حرمك، فحرم لحمي ودمي وشعري وبشري على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث ~~عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.» # الباب الثاني # | في مكة المكرمة # دخلنا مكة المكرمة مع التلبية والتكبير، وبشعور فياض جل أن يوصف، ثم ما كدت ~~أتطلع إلى مبنى البيت العتيق في خشوع حتى رددت هذا الدعاء التالي: «لا إله إلا الله، ~~والله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، ودارك دار السلام، تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم زده تعظيما وزده ~~تشريفا وتكريما، وزده مهابة، وزد من حجه برا وكرامة، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ~~وأدخلني جنتك، وأعذني من الشيطان الرجيم.» # واقتربت من «البيت الحرام» فإذا بي أشعر بدموعي تنهمر انهمارا، وبقلبي يخفق خفقات، ~~وأسمع لفؤادي وجيبا، ولكن مع راحة وطمأنينة هي بلسم النفس والروح، وصرت على بعد من ~~المسجد، فأخذت أدعو الدعاء التالي، وهو: «الحمد لله، والسلام على عباده الذين اصطفى، اللهم ~~صل على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك ورسلك.» # ثم لم أشعر إلا وقد اندفعت اندفاعا إلى الداخل على الرغم من شدة ازدحام الحجيج، وما ~~كدت أدخل من باب السلام حتى تلوت الدعاء التالي، وهو: «بسم الله، وبالله، ومن الله، وفي ~~سبيل الله، وعلى ملة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # كان الزحام في الكعبة الشريفة على أشده، فإن الحجيج الذين كانت تقلهم «الطائف» ~~و«تالودي» وكان عددهم نحو الثلاثمائة والألف، قد وصلوا إلى مكة وقصدوا «البيت الحرام» ~~للقيام بفريضة طواف القدوم، على أنه مع الزحام وعظم عدد الطائفين وجدت الطريق أمامي ~~ممهدا، وكانت كل حركاتي ومشاعري متجهة جميعا إلى ~~رب هذا البيت، وقد رفعت يدي وقلت: «اللهم إني أسألك في مقام إبراهيم في أول مناسكي أن تقبل ~~توبتي، وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني ms015 بيته الحرام الذي جعله ~~مثابة للناس وأمنا، وجعله مباركا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك، والبلد بلدك، والحرم ~~حرمك، والبيت بيتك، جئتك أطلب رحمتك، وأسألك مسألة المضطر الخائف من عقوبتك، الراجي ~~لرحمتك، الطالب مرضاتك.» # وقصدت إلى الحجر الأسود، وأشرت إليه بعود صغير في يدي، ثم قبلت العود، وقلت: «الله ~~أكبر، الله أكبر، اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي وفيته، اشهد لي بالموافاة.» # ثم بدأت الطواف، وهو صلاة أباح الله فيها الكلام، فعلى المرء أن يكون طاهرا كما لو كان ~~مقبلا على الصلاة. # بدأت الطواف قائلا: «اللهم إني نويت طواف بيتك المعظم سبعة أشواط طواف العمرة، ~~فيسره لي وتقبله مني.» ثم دعوت: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا ~~بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد # صلى الله عليه وسلم ~~.» فلما بلغت مقام إبراهيم عليه ~~السلام استأنفت الدعاء قائلا: «اللهم إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، ~~فأعذني من النار ومن أهوالها، وحرم لحمي ودمي عليها، وآمني من كروب يوم القيامة، ~~واكفني مئونة الدنيا والآخرة، واحفظني من الوسواس الخناس.» # ولما بلغت الركن العراقي قلت: «اللهم أعوذ بك من الشرك والشك والكفر، والنفاق والشقاق ~~وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، اللهم اسقني بكأس محمد # صلى الله عليه وسلم # شربة ~~لا أظمأ بعدها أبدا.» # فلما بلغت الركن الشامي دعوت: «اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا.» فلما بلغت ~~الركن اليماني دعوت: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر ومن الفقر، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا ~~والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار.» # فلما بلغت الحجر الأسود دعوت: «اللهم اغفر لي برحمتك، وأعوذ برب هذا الحجر من الدين ~~والفقر، وضيق الصدر، وعذاب القبر.» وأشرت إلى الحجر كما فعلت في الشوط الأول، ثم قبلت ~~العود الذي في يدي لعدم استطاعتي تقبيل الحجر لكثرة الازدحام حوله، ومن ثم كبرت ~~ثلاثا، وعدت إلى الطواف، وكررت الأدعية السابقة حتى أتممت طواف السبعة ~~الأشواط. # ومن الناس من يعتقد ms016 أن لكل شوط من الأشواط السبعة دعاء خاصا، وهذا خطأ، وفضلا عن ~~ذلك فإن خير الأدعية ما كان فطريا دون تنسيق، فيدعو المرء بما في نفسه وبما في ضميره دون ~~أن يتقيد بدعاء ما. # ولما انتهيت من طوافي صليت ركعتين في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، ثم انتقلت إلى ~~حجر إسماعيل، فصليت مثلهما، وخرجت من باب الصفا، ورقيت درجاته ناويا السعي بين الصفا ~~والمروة سبعة أشواط، قائلا: «اللهم إني نويت السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، فيسره ~~لي وتقبله مني.» ثم رددت الآية الشريفة التالية وهي: # إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله ~~شاكر عليم ~~، ثم دعوت: «الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله على ما هدانا، ~~الحمد لله بمحامده كلها على جميع نعمه كلها، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق ~~وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.» # فلما بلغت زاوية مبنى المسجد الحرام هرولت في مشيتي عند العلمين، ودعوت: «رب اغفر ~~وارحم وتكرم، وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ما لا نعلم، سبحانك إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.» وأخذت في ترديد هذه الآية وغيرها ~~إلى أن وصلت إلى المروة، فصعدت على درجاتها، وهناك وليت وجهي شطر الصفا، ثم تلوت الآية ~~الشريفة: # إن الصفا والمروة من شعائر الله ... # الآية، وأخذت أردد الأدعية التي تلوتها في الشوط الأول حتى أتممت السعي سبعة ~~أشواط. # والآن وقد انتهيت من الطواف والسعي، فلأتحلل من ~~العمرة، فابتعت طليا وذبحته وتصدقت بلحمه، لتنعمي بارتداء ملابسي، وتحللي من ~~قيود العمرة إلى يوم الحج، ثم يممت نحو الحلاق؛ حيث قصصت بعض شعرات من رأسي، ومن ثم ~~ارتديت ملابسي العادية. # وعلى المعتمر أن يتذكر كم شعرة سقطت من جسمه وقت الاعتمار، فلربما يكون قد ms017 حك جلده ~~فينتج عن ذلك سقوط بعض شعر جسمه، فجزاء سقوط الشعرة الواحدة أن يوزع على المساكين ما ~~قيمته قدح ونصف من طعام أهل البلد؛ قمحا أو شعيرا. # ولا ريب في أن لمناسك الحج حكما وعبرا، فإذا كنا قد قدمنا بالشرح والبيان الحكمة ~~في العمرة والعبرة منها، وذكرنا الحكمة في ذبح الطلي بعد التحلل من هذه العمرة، ~~فإننا ولا ريب لن نغفل الإتيان في هذا المقام بوصف الحكمة في الطواف والعبرة منه كذلك، ثم ~~الحكمة في السعي، والعبرة المستمدة منه أيضا. # الحكمة في الطواف # في الطواف توجه لقلوب الحجيج الخاشعة إلى الله العلي العظيم في وقت واحد، ولغاية ~~قدسية واحدة، وفي الطواف تذكير وتمجيد لعمل إبراهيم عليه السلام، وهو تحطيم الأصنام ~~والقضاء على الوثنية، إشهارا لوحدانية الخلاق العظيم. # وفي الطواف تذكير بقدرة الله، ورحمة الله، ولطف الله. # في الطواف تذكير بخالق الكون، رافع السماوات، باسط الأرضين، مفجر البحار، موطد ~~الجبال، ناشر الريح، وهو على كل شيء قدير. # في الطواف تذكير بلطف الله الذي يلهم عباده الصابرين الجلد على المكاره، ~~واحتمال النوازل والأرزاء والشدائد. # في الطواف، أولا وأخيرا، الاستعاذة بالله من شرور الشيطان الدافع على ارتكاب ~~الخطايا والآثام، ثم الابتهال إليه بقبول التوبة والمغفرة، وهو الغفور الرحيم. # لقد شيدت هذه الكعبة الشريفة التي يطوف حولها الحجيج في بيت الله الحرام بأمر من ~~الله إلى الملائكة، فقد استكثروا على الخالق الأعظم خلقه خلقا في الأرض هو آدم، ~~وراجعوا ربهم قائلين: # أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ... # الآية. # وغضبت العزة الإلهية على الملائكة، فعاذوا بعرشه طائفين سبعة أشواط، وهكذا اقتضت ~~إرادة الخلاق بناء البيت ليتعوذ به من سخط المولى عليهم، كما تعوذ الملائكة ~~بعرشه حينما سخط عليهم. # وإذن فقد أدركنا الحكمة في الطواف والعبر التي نستمدها منه. # الحكمة في السعي # أما الحكمة في السعي والعبرة المستمدة منه، فأولاها التذكير بحكمة الله في تعمير ~~مكة بنسل إبراهيم، ثم من بعده ذرية إسماعيل عليهما السلام. # فقد حل إبراهيم بزوجه ms018 هاجر ورضيعها إسماعيل أرض مكة بأمر من الله. # وكأني بإبراهيم وهاجر ورضيعهما إسماعيل وقوفا في تيه جبال مكة، يقلب الوالد الزوج ~~الطرف بين ولده وزوجه، ويرفع عينيه إلى السماء وقد كبت شعوره، وكاد أن يكتم أنفاسه حتى ~~لا يدل جيشانها على مكنون قلبه من عواطف جياشة يريد أن تكون طي الكتمان. # وتفطن هاجر إلى أنه لا بد من أن يكون إبراهيم قد اعتزم أمرا، وإبراهيم ما زال في ~~تردده وتفكيره، يسائل النفس كيف يترك هذه المرأة التي لا حول لها ولا قوة، ولا زاد ~~عندها إلا بضع كسرات من الخبز، ولا ماء لديها إلا بضع قطرات من السقيا! كيف يترك ~~هذه الأم ورضيعها في هذه الجبال الموحشة، وبين هاته الوهاد الغائرة، لا تسمع صوتا ~~يؤنسها، ولا ترى حولها ما يدخل الطمأنينة على قلبها! كيف يترك هذه الزوج، لعمر ~~الحق، على هذه الحال؟ ولكن هو أمر الله، وكيف يعصي إبراهيم أمر الله؟ # ويتحول إبراهيم عن ولده وزوجه، فتحاول هاجر أن تتعلق به، متسائلة: إلى أين أنت ذاهب ~~وتاركنا يا إبراهيم؟ # فيقول إبراهيم: إني سأعود. # وتقول هاجر: وهل هذه إرادة الله؟ # فيجيبها إبراهيم: أجل، إنها إرادة الله. # فيذهب الفزع عن قلبها، ويعود الأمل إلى نفسها، فتقول: إذن، فلن يضيعنا ~~الله. # ويسير إبراهيم دون أن يلتفت إلى ولده وزوجه، حتى إذا غيبه أحد أركان البيت العتيق ~~عاوده حنان الوالد وعطف الزوج، فيقف وقفة الوداع، داعيا الله مبتهلا إليه: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون ~~. # ولا يكاد يمضي يوم وليلة حتى تنفد كسرات الخبز، وتنضب قطرات الماء، فتمسي هاجر ~~ورضيعها يتلويان من الجوع بعد إذ نضب اللبن من ثدييها، فتهب فزعة قلقة على ~~حياة الرضيع، وتقصد إلى جبل الصفا لعلها تجد عنده أو وراءه من يغيثها بالزاد والماء، ~~وتتلفت يمنة ويسرة، وإلى الأمام والخلف، ولكنها لا تجد إنسا ولا شيئا. # فتسعى إلى المروة لعلها ms019 تجد من يغيثها، ولكنها لا تجد الغوث، فتعاود السعي إلى ~~الصفا، ثم إلى المروة، وهكذا تسعى سبعة أشواط بين الصفا والمروة في طلب الماء والزاد، ~~حتى تضج الملائكة، وتبتهل بالدعاء إلى الله، فيجيب سبحانه الدعاء، وينزل جبريل فيشق ~~الأرض بجناحيه عن عين زمزم، وتهرع إليه هاجر، تحيطه بيديها مشفقة أن ينساب في ~~رمال الصحراء، ثم تشرب وترتوي. # ها هو ذا الماء يتدفق تحت قدمي ابنها، تزمه زما بيديها خشية أن ينساب في ~~رمال الصحراء عبثا، وتقول: زمي، زمي! فسميت زمزم، ونظرت إلى جبريل فوجدته ~~أحسن ما يكون جمالا، فأخذ يكلمها كلاما رقيقا، فعرفت أنه ملك من السماء. # وقبل أن يبارح البقعة المباركة قال لها وهو يحرك جناحيه: إن الله لا يضيع ~~أحدا أبدا. # وإذن فقد كان سعي هاجر بين الصفا والمروة سعيا وراء الحياة، وقد جعل الخلاق الأعظم ~~من حياتها وحياة ابنها فاتحة تعمير لمكة المكرمة، أحب الديار إلى الله. # السعي من مناسك الحج # وعلى ذكر السعي بين الصفا والمروة روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن ~~مالك عن الصفا والمروة، فقال: لقد أمسكنا في الإسلام عن الصفا والمروة باعتبار أنهما من ~~مسألة الجاهلية، إلى أن نزلت الآية: # إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله ... # إلخ الآية الشريفة. # وقال عروة: قلت لعائشة رضي الله عنها: وما علي إذا لم أطف بالصفا والمروة؟ إني لا ~~أبالي بعدم الطواف! فقالت: بئس ما قلت يا ابن أخي! طاف رسول الله فطاف ~~المسلمون. # وقال الحارث بن هشام عن هذا الحديث: «إن هذا لعلم.» # ولقد سمعت أهل العلم يقولون: إن العرب كانت تعتبر أن الطواف بين حجري الصفا والمروة ~~من أمر الجاهلية. وقال الأنصار: إنما أمرنا الله بالطواف بالبيت، ولم يؤمر به بين ~~الصفا والمروة. وسأل الأنصار الرسول # صلى الله عليه وسلم # في ذلك، فأنزل الله الآية: # إن الصفا والمروة من شعائر الله ~~، والسبب ~~في قوله تعالى: # فلا جناح عليه # هو أن الطواف إذ ~~ذاك كان محظورا؛ إذ كانت هناك في الجاهلية شياطين ms020 تعزف في الليل، فلما نزلت الآية ~~رفع المحظور في الإسلام. # وروى الترمذي عن جابر أن النبي # صلى الله عليه وسلم # حين قدم مكة طاف بالبيت سبعا، ثم قرأ: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ... # إلخ الآية، وصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر فلثمه، ثم قال: «فلنبدأ بما بدأ الله ~~به.» فبدأ بالصفا. # طواف العذر # ولا يجوز أن يطوف أحد بين الصفا والمروة راكبا إلا عن عذر، فإن طاف معذورا فعليه ~~دم، ومن كان غير معذور أعاد الطواف إن كان بجوار البيت، وإن كان غائبا ~~أهدى (أي: قدم الهدي)؛ وذلك لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # طاف بنفسه وقال: «خذوا عني مناسككم ...» وقد جوز الشرع طواف العذر راكبا؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # طاف على بعيره، واستلم الركن بعصاه المعوجة، وقالت عائشة رضي الله عنها للرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: إني أشتكي تعبا. فقال لها: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة.» # الباب الثالث # | على عرفات # في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة بدأنا الرحيل من مكة المكرمة شاخصين إلى عرفات، والمسافة ~~بين مكة وعرفات تقرب من خمسة وعشرين كيلومترا، لا يشعر بطولها الحاج؛ لأنه يقضي الوقت ~~مشغولا بمشاهدة مناظر شائقة منوعة؛ إذ إن الطريق يكون في ذلك الوقت زاخرا بعشرات الألوف ~~من الحجاج وهم محرمون بين راكبي سيارات، وإبل، وبغال، وعربات، وكافة وسائل السفر ~~والانتقال. # وإني لأترك لمخيلة القارئ صورة هذا الزحام العظيم، ومنظر الطريق الصحراوي، ومع كل ~~ذلك الزحام فإن لطف الله اللطيف يشمل أولئك الحجيج، فلا يحدث حادث تصادم واحد، ولا يقع ~~لواحد منهم أي مكروه. # فيا عجبا! إننا لا نكاد نمر في طريق أو ميدان في مصر في أي يوم من الأيام إلا ونشهد ~~حوادث عديدة من الاصطدام! # لكن لا عجب، فإن الحجاج إلى بيت الله الحرام هم ضيوف الله. # كنا نرى مئات السيارات وآلاف الجمال وآلاف الخيل والبغال والألوف المؤلفة من ~~المترجلين، الكل قاصدون إلى عرفات، والكل متجهون بقلوبهم وأفئدتهم وجوانحهم وحواسهم إلى ~~معبود واحد، هو الله، ms021 يناجونه بنداء واحد ليس أفضل منه دعاء، هو: «لبيك اللهم لبيك، لبيك ~~لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك .» # وذكرت وأنا شارد اللب مأخوذ القلب، سابحة نفسي في ملكوت الكون، كيف استجاب الله دعاء ~~إبراهيم عليه السلام، فحمل تلك الأفئدة على أن تهوي إلى ذرية إبراهيم، ونعني أهل هذه ~~الأراضي المقدسة. # وذكرت كيف أن الله سبحانه وتعالى حين انتهى إبراهيم ~~من تجديد بناء الكعبة، أو إن شئت فقل: من بنائها للمرة الثانية، قال الله تعالى: هيا يا ~~إبراهيم، إذن في الناس بالحج. # فقال إبراهيم: يا رب، ومن ذا الذي يبلغ دعوتي؟ # فقالت العزة الإلهية: أذن أنت، وعلي أنا الإبلاغ. وذهب إبراهيم إلى جبل أبي قبيس ~~المواجه للكعبة، وصعد الجبل وقال: «يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت - وأشار ~~إلى الكعبة - ليثيبكم به الجنة، ويجيركم من عذاب النار، فحجوا.» # ومن الروايات الصحيحة أن قد أجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وقالوا: «لبيك ~~اللهم لبيك!» فمن أجابه يومئذ مرة كتبت له الحجة مرة، ومن أجاب مرتين كتبت له ~~حجتان، وهكذا. # وفي الناس من لم يجيبوا قط في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، وهؤلاء كتب عليهم أن لا ~~يحجوا. ولا غرابة؛ ففي مكة نفسها والطائف والمدينة وجدة كثير من الناس لم يحجوا مع قربهم ~~من بيت الله الحرام. # وقفة عرفات # واتخذنا طريقنا صعودا نحو الجبل بعد أن أدينا فريضة صلاة العصر، فإذا بعشرات ~~الألوف منا يقفون وقفة عرفات، مبتهلين إلى الله بقلوب يملؤها الخشوع، ويفيض عليها ~~الإيمان، تردد في صوت واحد منبعث من الأفئدة، رافعين أيديهم إلى السماء، ~~مغرورقة عيونهم بالدمع الهتون، غاسلين خطاياهم بالتوبة الصادقة، سائلين الله القوي، ~~وقد ذهلت العقول، ولم تغفل الألسنة ذكر الله الواحد القيوم، قائلين: «لبيك اللهم ~~لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، ~~أو نذرت من نذر، فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ ms022 لا يكون، ولا حول ولا ~~قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير. # اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت، أنت وليي ~~في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين.» # دعاء النبي في عرفات # على أن خير دعاء كان يدعو به النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد صلاة العصر في عرفات والتلبية، ~~الدعاء التالي: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو ~~حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي ~~نورا، وفي بصري نورا، وفي لساني نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري.» # وقال علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: أكثر ما دعا به رسول الله عشية عرفات في ~~الموقف هو: «اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيرا مما نقول، لك صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.» # ومن خير ما دعا داع في حجه ما ذكره الإمام ~~الغزالي، إمام العلم والفلسفة والدين، وهو ما دعا به نفسه، قال: «إلهي، ما أنت صانع ~~العشية بعبد مقر لك بذنبه، خاشع لك بذلته، مستكين بجرمه، متضرع إليك من ~~عمله، تائب إليك من اقترافه، مستغفر لك من ظلمه، مبتهل إليك في العفو عنه، طالب ~~إليك نجاح حوائجه! فيا ملجأ كل حي، وولي كل مؤمن، من أحسن فبرحمتك يفوز، ومن أخطأ ~~فبخطيئته يهلك، اللهم إليك خرجنا، وبفنائك أنخنا، وإياك أملنا، وما عندك طلبنا، ~~ولإحسانك هرعنا، ورحمتك رجونا، ومن عذابك أشفقنا، وإليك بأثقال الذنوب هربنا، ~~ولبيتك الحرام حججنا. اللهم إنك جعلت لكل ضيف قرى، ونحن أضيافك، فاجعل قرانا منك ~~الجنة. اللهم إن لكل وفد جائزة، ولكل زائر كرامة، ولكل شاكر عطية، ولكل راج ~~ثوابا، ولكل ملتمس لما عندك جزاء، ولكل مسترحم عندك رحمة، ولكل راغب إليك زلفى، ~~ولكل متوسل إليك عفوا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام، ووقفنا بهذه المشاعر ms023 العظام، ~~وشهدنا المشاهد الكرام، رجاء لما عندك، فلا تخيب رجاءنا.» # وقد لبى أبو نواس - وهو من نعرف في الدعابة والهزل والمجون - تلبية هي في نفسها ~~وروحها الإيمان كله، فقد حدث أن كان أبو الحسن «أبو نواس» يحب جارية من آل عبد الوهاب ~~بن عبد المجيد الثقفي، وكان في حبه لها صادقا، وكانت تسمى جنان، فلما اعتزمت ~~الحج قال أبو نواس: أما والله لا يفوتني المسير معها والحج عامي إن أقامت على ~~عزمتها، وقال في ذلك شعرا، هو: # ألم تر أنني أفنيت عمري # بمطلبها ومطلبها عسير # فلما لم أجد سببا إليها # يقربني وأعيتني الأمور # حججت وقلت قد حجت جنان # فيجمعني وإياها المسير # ولما أحرم أبو نواس وصعد إلى عرفات في ليلة التاسع من شهر ذي الحجة جعل يلبي ~~بقوله: # إلهنا ما أعدلك # مليك كل من ملك # لبيك قد لبيت لك # لبيك إن الحمد لك # والملك لا شريك لك # والليل لما أن حلك # والسابحات في الفلك # على مجاري المنسلك # ما خاب عبد أملك # أنت له حيث سلك # لولاك يا ربي هلك # كل نبي وملك # وكل من أهل لك # سبح أو لبى فلك # يا مخطئا ما أغفلك # عجل وبادر أجلك # واختم بخير عملك # لبيك إن الملك لك # والحمد والنعمة لك # والعز لا شريك لك # بهذا الشعور الروحي الفياض بالإيمان والعبودية للخالق لبى أبو نواس، فما أروع ~~موقف عرفات وما أطهره! # ما أجل وما أعظم! إن مئات الألوف من الخلائق وقوف في عرفات يبتهلون إلى الخلاق ~~الواحد الأحد، الفرد الصمد. # ونظرت إلى الأفق المترامي، وقد صحا الجو وصفت السماء إلا من بعض سحب خفيفة كانت ~~منتشرة هنا وهناك، فخيل إلي أن قد ارتسمت من هذه السحب كلمة الجلالة! ولم ~~لا؟ وهذه الخلائق تدعوه وتبتهل إليه، جل شأنه، فكيف لا يجيب الله سؤلها وقد قال: # ادعوني أستجب لكم ~~. # ولا معالم في عرفات إلا الجبل، ومجاري عين زبيدة، وما خلا ذلك وتلك فسماء ~~وصحراء. # أما السماء فقد كانت كما وصفت لك، كانت صافية، يحكي صفاؤها صفاء ms024 قلوب المسلمين من ~~حجاج بيت الله الصالحين، وأما الصحراء ومنها الجبل فقد ضمت أولئك جميعا، وهم بين ~~شيوخ ورجال وشبان ونساء وفتيات، من مصريين ، وعرب، وهنود، وجاويين، وفلسطينيين، ~~وسوريين، تجمع بين كل أولئك وحدة الدين ووحدة الإيمان، ووحدانية الله المعبود. ~~فهم في عرفات، وعلى جبل عرفات، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا. # لكن المسلمين مع الأسف لم يفكروا في الاستفادة من هذه الوحدة، فقضوا القرون سنة ~~بعد سنة، وجيلا بعد جيل على عرفات في أكل وشرب وتعبد. # نعم، لم نفكر في الاستفادة من هذا الاجتماع العظيم للتآلف بين المسلمين من كافة ~~الأجناس والأقطار، حتى يرقوا شئونهم من الوجوه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ~~والأدبية. # عين زبيدة # أما عين زبيدة الممتدة مجاريها في عرفات فهي أثر خير أسدته الملكة زبيدة - ~~طيب الله ثراها - برا بالحجازيين والحجاج، بعد أن أدت فريضة الحج، ورأت شدة ~~حاجة أهل الحجاز إلى الماء، فكلفت المهندسين بإنجاز مشروعها الخيري العميم النفع، ~~العظيم الأثر، وهي الملكة المسلمة الوحيدة التي خلدت اسمها على الأجيال ~~والقرون. # وقد كلفها هذا المشروع الجليل خمسة ملايين دينار، وهو ما يعادل ثلاثة ملايين ونصف ~~مليون من الجنيهات. # وفي أعمال البر والخير فليتنافس البررة الخيرون. # إلى المزدلفة # وتركنا عرفات في خير الأوقات، وهو ما قبل الغروب، فقد ركب الرسول # صلى الله عليه وسلم # حتى أتى ~~الموقف؛ أي عرفات، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى اصفر قرص الشمس، فأردف أسامة ~~بن زيد خلفه، وولى وجهه شطر المزدلفة. # رحلنا عن عرفات متعجلين حتى ندرك الصلاة في المزدلفة؛ فقد ثبت أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # صلى المغرب مع العشاء فيها، ولا ضير في أن يجمع الحاج بين ~~الصلاتين. # ولقد كانت صلاتنا في عرفات صلاة قصر؛ إذ كنا نجمع مع الظهر العصر جمع تقديم، ~~ونجمع مع العشاء المغرب جمع تأخير، وهذا تيسير من الله سبحانه وتعالى. # وكنا منذ بداية الطريق من عرفة إلى المزدلفة نرفع أصواتنا بالتلبية، فلما بلغنا ~~المزدلفة نفسها دعونا: «اللهم إن هذه مزدلفة جمعت فيها ألسنة مختلفة، ms025 فاجعلني ممن ~~دعاك فاستجبت له، وتوكل عليك فكفيته.» # وأدينا فريضة المغرب التي فاتت مع العشاء التي حلت، والعشاء ركعتان، والمغرب ~~ثلاث. # وقضينا الوقت فيما بين العشاء ومنتصف الليل في تكبير وتسبيح وترديد الأدعية، حتى حان ~~موعد الرحيل من المزدلفة، فتزودنا منها بتسع وأربعين حصاة. ولما انتهينا إلى المشعر ~~الحرام، وهو آخر المزدلفة، دعونا: «اللهم بحق المشعر الحرام، والبيت الحرام، والشهر ~~الحرام، والركن والمقام، أبلغ روح محمد منا التحية والسلام، وأدخلنا دار السلام، ~~يا ذا الجلال والإكرام.» # في منى # ثم سرنا إلى منى، وقبل أن نأوي إلى خيامنا اتجهنا إلى الشيطان الأكبر بعد أن حلقنا ~~في منى، فرجمناه بجمرة العقبة بعد أن وقفنا مستقبلين القبلة، وأخذنا نلقي عليه ~~الجمرات السبع، رافعين الأيدي قائلين: «الله أكبر على طاعة الرحمن ورجم الشيطان، اللهم ~~تصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك.» # وفي الليلة الثانية ألقينا سبع جمرات على كل شيطان من الشياطين الثلاثة، وأعدنا ~~الكرة في الليلة الثالثة، ثم قصصت بعض شعرات من رأسي. # وبهذا أتممنا - ولله الحمد - جميع مناسك الحج، ولم يبق إلا الطواف حول البيت ~~المعظم، والسعي بين الصفا والمروة. # وقد تخفى حكمة الرجم على عقول الكثيرين، فليس هناك أشد من وسوسة الشيطان إغراء ~~بالعصيان، والتغلب على سلطانه ليس بالأمر الهين، فالحكمة في تكراره إشارة إلى وجوب ~~محاربته على الدوام، حتى يتم للإنسان الغلبة عليه. # وهذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإنه حين هم بذبح ولده سيدنا إسماعيل جاءه ~~الشيطان ووسوس له: لا تذبحه. فرجمه، وعاد إبراهيم لينفذ مشيئة الله، فعاد الشيطان ~~إليه ووسوس له: لا تذبحه. فرجمه ثانيا، ثم عاد إبراهيم للمرة الثالثة يهم بذبح ولده، ~~فوسوس له الشيطان: لا تذبحه. فرجمه ثالثة، مواصلا محاربة الشيطان، حتى جاءه الفرج من ~~عند الله وحدث الفداء. ~~••• # غادرنا منى بعد أن أقمنا فيها ثلاثة أيام، هي أمنية الحياة، متمنين على الله ~~الكريم العودة إليها مرات ومرات، مرددين في نفوسنا نداء باعتها: «العودة يا منى، ~~العودة!» # ولعل من أغرب الظواهر في منى، أنه على الرغم من ms026 كثرة ما يذبح فيها من الذبائح، وما ~~يتخلف بها من بقايا، فإن الذباب والناموس معدومان فيها بفضل دعاء عمر رضي الله عنه، ~~فلقد استجاب الله دعاءه، وإلا لهلك المئات من الحجاج في كل عام بعدوى الناموس ~~والذباب. # الباب الرابع # | العودة إلى مكة # ولما عدنا إلى مكة طفت حول البيت العتيق سبعة أشواط، طواف الحج، مرددا الأدعية التي ~~أشرت إليها من قبل، وكذلك سعيت بين الصفا والمروة سبعة أشواط. # وإذن فقد قمت بجميع مناسك الحج، جعله الله حجا مبرورا. # فهل عرفتم الآن أيها القراء الكرام، كيف تصدق النية على الحج، وكيف عزمت وقلت: «لا بد من ~~الحج.» # بين الأماكن المقدسة # لم تتح لي الظروف، وقد كنت كما شرحت لك بين الفوج الأخير من الحجيج، ولم يكن بيننا ~~وبين موعد الحج بالصعود إلى عرفات إلا ساعات معدودات؛ لم تتح لي الظروف أن أزور ~~الأماكن المقدسة في مكة بعد طوافي ببيت الله الحرام، وقيامي بالسعي بين الصفا والمروة، ~~وهذه أولى مناسك الحج ومن أقواها دعامة وأركانا. # والآن وقد عدت إلى مكة بعد إتمام فريضة الحج، رأيت - مدفوعا بشعور روحي غريب - أن ~~أسرع، فأمتع العين، وأغذي الروح بمرأى الأماكن المقدسة التي تتصل بذكريات ~~الرسالة، والتي هي معالم دينية عزيزة لدينا نحن المسلمين أجمعين. # وفي مقدمة هذه الأماكن المقدسة المطهرة التي قصدت إليها، المكان الذي ولد فيه ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # وقفت فيه، وقد امتلأ قلبي بالخشوع وفاض ~~بالإيمان، تمثلت في فكري وبدت في مخيلتي أولى الأضواء المحمدية التي شعت على ~~الكون حين ولادة المصطفى، ثم استعرضت حياته - صلوات الله عليه وتسليماته - وهو طفل ~~يتيم الأبوين، ولكن في رعاية عمه أبي طالب، ثم وهو ~~غلام، وكيف اشتهر بين قريش بالأمانة والصدق، حتى لقد كان يسمى: بالصادق الأمين. ~~وتمثلته مراهقا يمقت الأصنام ويكرهها أشد كراهية. وتمثلته قبيل النبوة حين ~~كان يخلو إلى نفسه في «غار حراء»، بجوف الجبل، يتعبد ويناجي الواحد الخلاق. # هنا تاقت نفسي إلى زيارة ذلك الغار المقدس، فقصدت إليه، فإذا به على ms027 مسير خمس وعشرين ~~دقيقة بالسيارة، وارتقيت الجبل، وإذا بي أستغرق ثلاث ساعات في ارتقائه حتى صعدت إلى ~~قرب قمته، ونالني من الجهد ما يعدل بالكثيرين عن مواصلة الصعود، فيعودوا أدراجهم، ~~وهناك ... وجدت الغار! # رأيت مكان الخلوة الطاهر الذي كان يجلس فيه الرسول الأمين يعبد الله قبيل النبوة، ~~فقلت: «أشهد أن لا إله إلا الله حقا، وأشهد أن محمدا رسول الله صدقا.» عجبت، بل ~~ذهلت حين فكرت: كيف كان محمد # صلى الله عليه وسلم # يقطع هذه المسافة الشاسعة، ويرتقي هذا العلو ~~الشاهق من الجبل كل يوم مرتين، ويفعل ذلك شهورا. # لكني ذكرت قوة محمد الروحية التي تستهين بالصعاب، ولا تحفل المشقات. كيف لا، وقد أسرى ~~ليلا إلى المسجد الحرام، وعرج على السموات السبع في لحظات! # وفي مقدمة الأماكن المقدسة إعزازا وتكريما: منزل السيدة خديجة زوجة الرسول رضي الله ~~عنها، قصدت إليه، ووقفت في موضعه، فتمثلت في ذاكرتي، وبدت في مخيلتي صورة جلية ~~للنعمة والجاه واليسار، وحب استثمار المال في التجارة، وهي أشرف المهن ولا ~~مراء. # ومن الأماكن المقدسة التي يزورها الحجاج: جامع الجن الذي نزلت فيه «سورة الجن»: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~... # الآية، وقد قصدت إليه وصليت فيه ركعتين تحية للمسجد. # ولست أغالي إذا قلت إن من الأماكن المقدسة التي ارتحت إلى زيارتها ونعمت روحي ~~بمشهدها: «مسجد بلال»، وهو قائم على جبل أبي قبيس، وبجوار موضع انشقاق القمر، ومتاخم ~~لمكة المكرمة من ناحية الحد اليماني. # وقفت أمام هذا الجامع خاشعا؛ إذ تمثلت لي هذه الشخصية العظيمة، كما تجلت لي ~~عظمة الإسلام في ديمقراطيته، وقد جعل من بلال - وكان عبد أمية بن خلف - سيدا، له من ~~الحقوق ما لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين. # أجل، لقد تمثلت لي ديمقراطية الإسلام بمعناها الصحيح وروحها الصريح حين ذكرت أن ~~بلالا كان يجادل ويحاج في حرية تامة، وكان يؤخذ بآرائه، وترجح أقواله على أقوال شيوخ ~~قريش، في وقت كانت تعتز فيه القبائل بعصبيتها، وتفاخر بأنسابها، وكرم أصلها، ~~وعريق ms028 محتدها! فطوبى لهذه الديمقراطية الإسلامية الحقة! # وبجوار مسجد بلال انشق القمر، فدعوت: «اللهم صل على نبي هلل وكبر وانشق له ~~القمر، وبدين الله أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، اللهم إني أودعت في هذا المكان ~~الشريف الشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة.» # ومن الأماكن المقدسة التي يجدر بكل حاج زيارتها: «المعلا»، وهي مقابر مكة، وقد أوحت ~~إلي زيارتها خلود العظمة وبقاءها، وبدا لي أن أساس الخلود هو العمل الصالح، هو ~~العمل لخير الدين، وخير الوطن، وخير العالم أجمع؛ أي لخير الإنسانية. # أجل، نستطيع أن نشهد في مكة والطائف والمدينة قبور الكرام الصالحين، والأبطال ~~العظام الفاتحين الخالدين، والعلماء الأجلاء النافعين، وأن تتمثل لك أعمالهم ~~الصالحة، وبطولتهم الفذة، وتاريخهم المجيد، وسير حياتهم المليئة بالمفاخر، كما ~~يتمثل لك خلود عظمتهم على مر العصور، وكر الدهور، وقل أن تجد قبرا من قبور ~~معارضيهم. # ولائم التعارف # كانت ولائم التعارف التي يقيمها كرام العرب من الأعيان وذوي الأدب والفضل من أهل ~~مكة لطوائف الحجيج من مصريين وغيرهم من أبناء الأمم الشقيقة الشرقية؛ كانت هذه الولائم ~~تقام قبل القيام للحج على عرفة، وذلك حين تكتمل وفود حجيج بيت الله الحرام. # أما في هذا العام فقد أقيمت هذه المآدب بعد العودة من منى؛ آخر مراحل الحج ~~ومناسكه. # وكم تفعل هذه المآدب فعلها وأثرها الكريم في نفوس الإخوة المسلمين من كافة الأجناس ~~ومختلف البلدان، فهي تبث روح الألفة والتودد، والأخوة المكينة بين أبناء الشعوب ~~الشرقية الإسلامية جمعاء. # حفلات منى # لعل خير الحفلات وأبهاها حفلة منى التي يتفضل صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل ~~سعود فيشرفها برعايته وحضوره كل عام، وهي حفلة شبيهة بندوة أدبية عالية، كندوة عكاظ، ~~يتساجل فيها الخطباء والشعراء الآراء والنظرات إلى كافة نواحي المجتمع ~~الإسلامي. # وقد كانت حفلة هذا العام برياسة شرف صاحب السمو ~~الأمير فيصل، نائب الملك العام في الأراضي المقدسة، فازدانت بتشريفه ورعايته، ولا غرو، ~~فهذا الشبل من ذاك الأسد. # وقد كان صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود في ذلك الوقت في الرياض، عاصمة ملكه، ms029 ~~ولكنه بعث بالأرزاق إلى فقراء الحجاز من جيب جلالته الخاص، فوزعت هذه الأرزاق على ~~مستحقيها، فلهجت ألسنة عباد الله الفقراء بالشكر والدعاء لمليكهم المحسن الكريم ~~بطول العمر والبقاء. # بناة الكعبة # وقبل أن نودع مكة المكرمة، نرى من الحق علينا أن نذكر فذلكة تاريخية عن البيت ~~العتيق وبنائه، هذا البيت الذي هو أول بيت شيد على الأرض، وعلى أرض جعلها الله كلها ~~طهرا وبركة وسلاما، والذي يحج لزيارته مئات الألوف من المسلمين في كل عام من قديم ~~الأجيال. # لقد اختلفت الأقوال في كتب التفاسير فيمن كان أول من بنى البيت، وقد ذكرنا في موضع ~~سابق أحد الأقوال، وهو أن أول بان له كان الملائكة بأمر من الله جل شأنه، وفي بعض ~~أقوال الرواة والمؤرخين: إن أول من بنى البيت كان آدم عليه السلام، فقد أمره الله أن ~~يبني بيتا، وأن يحف بالبيت كما تحف الملائكة بالعرش في السماء. وقيل إن آدم بنى ~~البيت من خمسة جبال: من صخر حراء، وأحجار طور سيناء، ولبنان، والجودي، وطور زينا، وكان ~~أساسه من حراء. # ولما شرع آدم في البناء نزل جبريل بأمر الله، فشق الأرض بجناحيه، وأبرز عرقا ~~صخريا يتصل بأعمق أغوار الأرض، ثم أخذت الملائكة تتوافد بالصخور من الجبال الخمسة. ~~وليس من المعروف ما إذا كان آدم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة، أم أن الملائكة هم ~~الذين تولوا عملية البناء، لكن المفهوم أن آدم والملائكة تعاونا معا، والتعاون ~~بين الملائكة والبشر جائز وقوعه؛ فقد تعاون الملائكة مع المسلمين في موقعة بدر ~~الكبرى. ~~••• # وثاني من بنى البيت هو إبراهيم عليه السلام، فقد رفع القواعد مع إسماعيل، حتى إذا ~~انتهى إلى موضع الركن قال إبراهيم: يا بني، ابحث لي عن حجر أجعله علما ~~للناس. # فأتى له إسماعيل بحجر لم يرقه، فقال: ابحث عن غيره. فلما أتى إسماعيل بالحجر ~~الآخر وجد أباه قد وضع حجرا جديدا، فتعجب إسماعيل وقال: «من أتى لك بهذا الحجر يا ~~أبتاه؟» فقال إبراهيم: «أتاني به من لم يكلني إليك.» # وقيل إن ms030 «جبريل» عليه السلام نزل ومعه هذا الحجر، وقال لإبراهيم: «خذ هذا الحجر وضعه ~~ليكون مبدأ الطواف.» ~~••• # وثالث من بنى البيت هم قريش؛ إذ تهدم بفعل الزمن، ما بين عهد إبراهيم وعام ~~الفيل. # وكانت قريش كلما حاولت القيام بعملية البناء، وقفت حائلا دون طريقها حية ~~هائلة، كانت إذا نفثت أماتت، وإذا نفخت قتلت، فلم يكن في استطاعة أحد الدنو منها. ~~وقد اجتمعت قريش عند «مقام إبراهيم»، وهو المكان الذي كان إبراهيم يقف عليه وهو يبني ~~البيت، وكان يرتفع من نفسه كلما ارتفع البناء، وسألت قريش ربها أن يكفيهم شر هذه ~~الحية حتى يتمكنوا من بناء بيته، وقد استجاب الله تعالى دعاءهم، فما هي إلا فترة ~~يسيرة حتى رأوا نسرا هائلا يهبط من السماء، وينقض على الحية في وكرها، ثم ينطلق ~~بها إلى «أجياد»، وهناك قتلها. # وأخذت قريش في بناء البيت، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحلم، وكان ~~يحمل الأحجار إلى البنائين، وحدث بينما كان يحمل حجرا أن انكشفت عورته، فسمع من ~~يقول له: خمر عورتك. # فلم ير عريانا من بعد طيلة حياته الشريفة. # وما إن بلغت قريش في بنائها موضع الركن حتى دب دبيب الشقاق فيما بينهم، واختلفوا ~~على من ينال شرف رفع الحجر إلى موضعه، ومن أحق منهم بهذا الشرف، وأخيرا اتفقوا على ~~تحكيم أول داخل البيت، فكان محمدا، وكان يسمى بالأمين. # وقالت قريش: «لقد ارتضيناك حكما يا «محمد»، فاحكم بمن هو أحق من القبائل بشرف وضع ~~الحجر إلى مكانه!» # ووضع # صلى الله عليه وسلم # الحجر في ردائه، وأمرهم أن يشتركوا جميعا في رفع الرداء حتى ينالوا ~~الشرف جميعا، فرفعوا الرداء وبه الحجر، ثم تسلمه الرسول ووضعه في مكانه. وكان # صلى الله عليه وسلم # يقبل الحجر، ولكن عمر رضي الله عنه كان كلما قبله يقول: اللهم إني أعرف ~~أنك لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت محمدا قبلك، ما قبلتك. ~~••• # ورابع من بنى الكعبة هو عبد الله بن الزبير، ابن أخت عائشة رضي الله عنها، وقد سمعها ~~مرة ms031 تقول: سألت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن الجدار: أمن البيت هو؟ قال: نعم. قالت عائشة ~~متعجبة: وما السبب في عدم إلحاقه بالبيت ؟ فقال الرسول: إن قومك قصرت بهم النفقة. وعادت ~~عائشة فسألته: ولم باب الكعبة يا رسول الله مرتفع؟ قال: فعلت قريش ذلك ليدخلوا ~~من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة وألزقتها ~~بالأرض، وجعلت لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من ~~الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة. # ولما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد حضر هدم الكعبة وبناءها، فقد كان يعرف أنها كانت ~~أكثر مساحة بستة أذرع؛ إذ إن قريشا اقتصرت في النفقات. # وعلم عبد الله بن الزبير هذا الحديث، فوعاه وحفظه، حتى إذا نادى بنفسه أميرا ووهنت ~~الكعبة من حريق غزوة أهل الشام لمكة المكرمة، قال عبد الله بين الزبير لقريش: اهدموا ~~البيت معي! فامتنعوا، وخرجوا إلى منى مخافة أن ينتقم الله منهم إذا هم تعاونوا مع ابن ~~الزبير على هدمها. # وهدم ابن الزبير الكعبة وبناها على النحو الذي رسمه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حديثه مع ~~عائشة. # وعادت قريش إلى مكة المكرمة، فتعجبت كيف أن عبد الله بن الزبير ما زال على قيد ~~الحياة وأنه لم يمسسه سوء! فلما علمت أن ابن الزبير ما هدم الكعبة وبناها إلا عملا ~~بحديث نبوي شريف، ندمت على أنها لم تشترك مع عبد الله بن الزبير في هدم الكعبة ~~وبنائها على النحو الذي رسمه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حديثه. ~~••• # وحدث أنه لما هزم عبد الله بن الزبير وقتل، كتب الحجاج إلى عبد الله بن مروان ~~يخبره أن عبد الله بن الزبير وضع البناء على أساس أقره العدول من أهل مكة. # لكن عبد الملك بن مروان رد على الحجاج بقوله: # أما بعد؛ فلسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، ~~وأما ما زاده فيه من الحجر فرده إلى ms032 بنائه، وسد الباب الذي فتحه، ~~والسلام. # وقد فعل الحجاج بما أمر به عبد الملك بن مروان، ولكن لم يمض وقت طويل حتى علم ابن ~~مروان أن ابن الزبير سمع من عائشة حديثا عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # فأرسل عبد الملك إلى ~~الحارث بن عبيد الله، أحد الصحابة الأجلاء، يسأله: هل عنده نبأ هذا الحديث؟ # فقال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال عبد الملك: قل الحديث. قال: «قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما معناه: إن قومك قد استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، ~~أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه. ~~فأراها قريبا من سبعة أذرع.» # فقال عبد الملك: لو كنت سمعت هذا الحديث قبل أن أهدم البيت لتركته كما بناه ابن ~~الزبير. ~~••• # ومن الروايات الصحيحة: أن هارون الرشيد أراد أن يرجع البناء إلى ما بناه عبد الله ~~بن الزبير، ولكن الإمام مالك (صاحب المذهب المشهور) منعه من ذلك قائلا: ناشدتك الله ~~يا أمير المؤمنين، ألا تجعل البيت ملعبة للملوك، لا يشاء الواحد منهم إلا نقض ~~البيت وبناءه، فتذهب هيبته من صدور الناس. # قبيل مغادرة مكة # استولى على نفسي شعور من الحسرة، وجثم على صدري كابوس من الانقباض حينما كنت أطوف ~~بالبيت الحرام طواف الوداع. # نعم، إن الطواف ببيت الله يبهج النفوس، ويشرح الصدور، ويزيل الكروب، ولكن معرفتي ~~أن هذا الطواف هو آخر طواف في عامي هذا وسأودع مكة بعده، جعلت الحسرة تنتابني ~~وتستولي على كل ما في نفسي. # وأي حسرة وايم الحق، وسأبتعد إلى حين عن هذا الجو المطهر المقدس الذي لا ~~تسمع فيه لغوا ولا كذابا، بل لا تسمع فيه إلا ذكر الله يتردد على كل لسان، ولا ~~يحيط بك إلا الطهر والإيمان، وكل ما يشعرك بمخافة الواحد الديان، ولا ترى فيه إلا ~~الفضائل ومكارم الأخلاق. # أجل، بلد لا تصل إلى أذنيك فيه كلمة نابية أو لفظ كريه، بلد لا تقع عيناك فيه على ~~منظر يجرح ms033 الشعور ويؤلم الإحساس، بلد لا ترى فيه امرأة سافرة كما ترى في مصر، امرأة ~~تكاد تكون متجردة من الثياب، فالنحور والصدور والأذرع والسيقان، وكل ما ينبغي أن يكون ~~محجوبا عن عيون الرجال، تكشف عنه في مصر ربات الحجال. # ولكن في ذلك البلد الطاهر مكة، وسائر بلاد الحجاز، لا ترى المرأة إلا وقد ائتزرت ~~بمئزر أبيض فضفاض، لا يبدو منه إلا العينان تستدل منه على موضع قدميها ~~وخطوهما. # وكيف أوازن بين بلاد الحجاز، وهي الأراضي المقدسة، وبين مصر وغيرها من البلاد التي ~~تجري فيها الأحكام على سنن قوانين الغرب دون نصوص الشريعة الإسلامية السمحة. # فاللهم الطف بنا، إنك أنت اللطيف الرحيم الرحمن. # الباب الخامس # | في الطريق إلى يثرب # شعرت وأنا أهم بمغادرة مكة كم عز على الرسول # صلى الله عليه وسلم # مهاجرتها، وذكرت دعاءه إلى ~~الله جل شأنه: «اللهم إنك أخرجتني من أحب الديار إلي، فأسكني في أحب الديار ~~إليك.» # وكيف لا أشعر بعظم ما انتاب الرسول من الوحشة والألم لمفارقته مكة، والزائر العادي لهذا ~~البلد الطهور المقدس لا يستطيع أن يبرحه دون أن يشعر بالوحشة والحزن! فكيف إذن - لعمر ~~الحق - كان شعور الرسول وهو يغادر البلد الذي وصفه بأنه أحب الديار إليه. # لم يفارقني وأنا في السيارة شعور الوحشة الذي كان يتملك على نفسي، كلما فكرت في أني ~~أبعد عن مكة، مع أني كنت أعلم أني في طريقي إلى يثرب، المدينة التي ليس أفضل منها مدينة من ~~مدن الدنيا بحالها، فهي وإن بعدت عن العالم، وتوسطت صحراء بلقع جرداء، لا زرع فيها ~~ولا ضرع، فهي مدينة أكلت المدن والأمصار، مدينة أطاحت بمدنية الفرس والروم، مدينة ~~انحدرت منها أجناد الغزو بقيادة أبطال الفتح، متجهة إلى الجنوب والشمال، وإلى الشرق ~~والغرب، فشعت على الكون نور الهدى، وأضفت على العالم نعمة الحضارة والفضائل والعلم ~~والدين. # وإذا كان الله عز وجل قد كرم مكة بوجود بيته الحرام، ومولد الرسول عليه السلام، ونزول ~~الرسالة عليه، والتبليغ والتبشير بخير دين؛ فقد خصت المدينة بقطعة قد انسلخت ms034 من الجنة، ~~ألا وهي: الروضة التي بين القبر والمنبر، ثم بخير الأنصار، وبنشر الإسلام، وبسعة الفتح ~~وامتداد السلطان، وفضلا عن هذا وذاك، بنزول التشريع الإلهي النبيل الغايات، الشريف ~~المقاصد، السامي المبادئ، الصادق التعاليم، المنظم للمجتمع البشري خير تنظيم. ~~••• # كان - حقا - عزيزا على الرسول الكريم أن يهجر مكة وفيها نشأ، وبين أعمامه من سادة قريش ~~درج، وإن كان يعلم أنه مقبل على يثرب بلد أخواله الصادقين، وقد عز على نفسه # صلى الله عليه وسلم # أن يخرج من مكة اتقاء لأذى قريش، وصنوف إرهاقهم ومكارههم، وقد احتملها جميعا بصدر رحب، ~~وجلد عظيم. # ولقد كان في مقدور الرسول أن يظل في مكة، وهو في حماية الله وتأييده، ولكن مشيئة الله ~~اقتضت أن تكون الهجرة؛ لأن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان مكلفا تبليغ الرسالة لقومه، ثم لسائر ~~العالمين. # وفي الهجرة نشر للدين، ولعل من أبلغ دروس العظة ووجوب الكفاح في سبيل الله والخير هي ~~الهجرة نفسها، فضلا عن دروس هذه الهجرة وما توصي به من تعاليم. ~~••• # ذكرت إذن ما كان قد بلغ الرسول # صلى الله عليه وسلم # من أن زعماء قريش وسائر القبائل اجتمعت بدار الندوة # 1 # وتآمرت على قتله غيلة، واتفقوا فيما بينهم على أن يشترك واحد من كل قبيلة في ~~هذا الجرم الكبير، حتى لا يستطيع أن يطالب بنو عبد مناف - وهم الأسود الأشاوس، فضلا عن ~~عظم النسب وشرف المحتد - بالثأر من قبيلة بعينها، وحسبوا باطلا ونكرا أنهم سينالون ~~محمدا ويبطشون به، وما علموا أن الله القوي القادر من جانبه يؤيده ويحفظه، وأنه سبحانه ~~وتعالى ناصره، ومانع عنه كل مكروه. # تنفيذ أمر الله # نحن في مكة والوقت قبيل الفجر، بل الفجر نفسه، وقد أخذت جيوش الظلام تعدو هربا، ~~وتكر القهقرى أمام جحافل الصبح المغيرة الداهمة، والهواء نسيم، وكأني أسمع أذان ~~الفجر، وأسمع من يقول: «الصلاة خير من النوم.» # هب من مرقده رجل ربعة، ليس بالطويل ولا بالقصير، لكنه إلى الطول أقرب، أزهر ~~اللون، مستدير الوجه مع بعض تدوير فيه، ليس بالآدم ms035 ولا بالشديد البياض، وقد تناثرت ~~على وجهه حبات هي عرق مندى أشبه باللؤلؤ، وأطيب رائحة من المسك الأزفر، بعيد ما ~~بين المنكبين، رجل الشعر حسنه ، لم يجاوز شعره شحمتي أذنيه. # تطلعت بعيني مخيلتي إلى صفحة وجهه، فإذا هو أحسن الناس وجها، واسع الجبين، ~~له نور يعلوه، كث اللحية، معتدل الخلق في السمن والنحافة، عريض الصدر، طويل ~~الزندين، يمشي هونا ويخطو تكفؤا، إذا التفت التفت كله، ولا يولي عنقه، طيب ~~الريح، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء. # هب الرجل من نومه فإذا به يردد: الله أكبر، الله أكبر! وإذا به يمثل أمام القبلة ~~رافعا يديه إلى رأسه، رافعا نظره إلى سماء الحجرة، متهيئا للصلاة. # ونظرت بعيني مخيلتي إلى خارج الدار فإذا بأشباح تروح وتغدو حول هذه الدار، تخشى ~~الافتضاح فتتستر بين تضاعيف الظلام. # وقد وصل إلى سمعي صوت واحد من هذه الأشباح، وهو بين ثلاثة من رفاقه يقول لهم: هيا ~~ندهم الدار. فيجيبه آخر: «فيها بنات أعمامنا وننتهك حرمتهن؟! هذا لا ~~يكون.» # وصلى الرجل وانتهى من صلاته، وحمد الله وأثنى عليه، ثم رأيته قبل أن ييمم شطر ~~الباب يركع ويقبل غلاما نائما ويستودعه الله، ثم يفتح الباب ويأخذ من الأرض قبضة ~~من التراب، ويلقي بها في وجوه الأشباح التي رأيتها وهو يقول: «شاهت الوجوه! شاهت ~~الوجوه! ...» فعميت عن رؤيته تلك الأشباح، وغدت لا ترى أمامها شيئا. # وتتبعت بعيني مخيلتي ذلك الذي خرج من داره وقد أحاطت به جموع تتلألأ من ~~النور، كأنها أحياء من الملائكة تسير في ركابه حراسا من عند الله. # وأخذ في السير، حتى أقبل على دار أخرى وطرق بابها، فسرعان ما انفرج عن رجل آخر، ~~أقصر قامة من زميله، فاستقبله في أدب وإجلال، وأقرأه التحية الطيبة والسلام الزكي، ~~ثم أغلق باب داره ورافق صديقه، وسار كلاهما جنبا إلى جنب، يخبان في مشيتهما ~~الوئيدة المتزنة، وما زالت أجناد النور تحيط بالرجل المتعبد الذي يبدو أنه خرج من ~~داره، ولا إخاله إلا مهاجرا بلده ومنبت رأسه، ms036 ومهبط طفولته الناضرة وصباه الباهر، في ~~سبيل أمر جليل، وشأن عظيم. # سار الرجلان، فسمعت الرفيق الجديد يقول: لقد أعددت الراحلتين يا نبي الله، وهما ~~الآن في دار عبد الله بن أريقط. # إذن هو محمد رسول الله، هذا الذي يهم الآن بمغادرة مكة خفية عن عيون قريش، اتقاء ~~لأذاها، وطوعا لأمر الله! وبصحبته وزيره الأول أبو بكر؟ # اركب فداك أبي # وفي الطريق إلى دار عبد الله دار حديث بين النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، عن ثمن الناقة التي أعدها الصديق للرسول، وقد أبى أن يركب ~~ناقة ليست له، وكأني أسمع أبا بكر وهو يقول للرسول: اركب فداك أبي وأمي. # فيجيبه الرسول: إني لا أركب ناقة ليست لي، فما الثمن؟ ~~- بكذا وكذا، وهو الثمن الذي ابتعتها به. ~~- إذن فقد أخذتها به. ~~- هي لك يا رسول الله. # في غار ثور # ورأيت بعيني مخيلتي الرسول وأبا بكر يعرجان على غار ثور يختبئان فيه، حتى ~~لا يلحق بهما رسل قبائل قريش وعيونها وأرصادها. # رأيت العنكبوت ينسج خيوطه، ورأيت اليمامة تبيض وقد احتضنت بيضها على باب ~~الغار. # ورأيت بعد قليل بضعة من الأعراب وقد قال قائلهم: هيا فلندخل هذا الغار، علنا ~~نعثر عليه فيه. # وسمعت أحدهم يجيب: ولكن هذا الغار مهجور من زمن طويل، وها هو ذا العنكبوت ناسجا ~~خيوطه على الباب، وأكثر من هذا أني أرى يمامة! أكبر الظن أنها محتضنة ~~أفراخها. # ورأيت هذا النفر من الأعراب يعدلون عن الدخول، ويواصلون سيرهم في اقتفاء أثر ~~الرسول. # وفي تلك الهنيهة نفسها رأيت بعيني ~~مخيلتي أبا بكر وقد أوجس خيفة من أن يدخل كفار قريش الغار، اشتد حزنه على الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وسمعته يقول: إن قتلت أنا فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت فقد هلكت ~~الأمة. وسمعت الرسول يجيب: لا تخف، فإن الله ثالثنا. ~~••• # لقد ذكرني موقف نبي الله وثقته في الله، قوله تعالى وهو أصدق القائلين: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى ms037 السماء ثم ليقطع فلينظر ~~هل يذهبن كيده ما يغيظ ... # الآية. # إذن فقد كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # واثقا حين الهجرة من أن الله ناصره ، فلا غرابة إذا ~~قال لأبي بكر: لا تخف، فإن الله ثالثنا. # وذكرت إذ ذاك ما يروى عن يونس من أن أبا بكر حين فزع من صوت أبي جهل بن هشام، وسمع ~~وقع الأقدام خارج الغار، حزن على ما عسى أن ينال الرسول من مكروه، فأنشد أبياتا من ~~الشعر، قال: # قال النبي ولم يجزع يوقرني # ونحن في سدفة من ظلمة الغار # لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا # وقد توكل لي منه بإظهار # ثم قال: # حتى إذا الليل وارتنا جوانبه # وسد من دون ما نخشى بأستار # سار الأريقط يهدينا وأينقه # ينعبن بالقوم نعبا تحت أكوار # وذكرت بمناسبة الغار كيف أن أسماء وعبد الله ولدي أبي بكر كانا يتناوبان حمل ~~الطعام إلى الرسول وأبيهما، متسترين بجنح الظلام وهما يدخلان الغار. # ثم انتقلت بي الذاكرة، بل نظرت بعيني مخيلتي إلى ذلك الجني الذي طاف مكة حين ~~خفي على أسماء بنت أبي بكر وعلى من معها أمر الرسول وأبيها بعد خروجهما من الغار؛ ~~طاف هذا الجني وهو ينشد قصيدة مطلعها: # جزى الله رب الناس خير جزائه # رفيقين حلا خيمتي أم معبد # لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم # وقد سر من يسري إليهم ويقتدي # ترحل عن قوم فضلت عقولهم # وحل على قوم بنور مجدد # وبهذه الوسيلة اطمأن آل أبي بكر وصحب النبي عليه الصلاة والسلام على الرسول، وعلموا ~~أنه في طريقه إلى يثرب سالم. # مكافأة لمن يرشد # هال قريشا أن تغيب عنها أخبار محمد، فعينت مكافأة لمن يرشد عنه أو يأتيها ~~بنبأ يقين عن الطريق الذي سلكه، وأخذت تزيد المكافأة حتى بلغت مائتي ناقة. # سراقة يغره المال # غرت سراقة بن مالك بن جعشم المكافأة، وسال لعابه عليها، فسولت له نفسه أن يقتفي ~~أثر الرسول، فركب فرسه وأسرع إلى اللحاق بالمهاجر الأعظم صلوات الله وتسليماته عليه، ~~وهو يقول في نفسه: والله لن ms038 أرجع إلا بنبأ عن محمد. # ولما قاربت الفرس المكان الذي يسير فيه الرسول ورفيقه، غاصت أقدام الفرس في الرمال، ~~وكانت كلما حاولت إخراج أقدامها تخرج من الرمال لتعود منغرسة إلى أشد غورا مما كانت، ~~حتى أيقن سراقة بنبوة الرسول، فأخذ يصيح قائلا: يا محمد. # قال أبو بكر: ماذا تريد؟ # قال سراقة: أنا سراقة بن مالك بن جعشم. # فقال الرسول لأبي بكر: قل له وماذا تبغي؟ # قال سراقة: تكتب لنا كتابا، يكون آية بيني وبينك، فوالله لن أبوح بأي شيء ~~تكرهانه. # فكتب له الرسول # صلى الله عليه وسلم # الكتاب. # ولما عاد الرسول إلى مكة فاتحا قدم سراقة الكتاب، فتعرف به عند بئر ~~جعرانة. ~~••• # ذكرت سراقة بن مالك بن جعشم، وقد أخذ على نفسه عهدا بأن لا يفشي أمر الرسول، وذكرت ~~في الوقت نفسه كيف أن ذلك الجني كان يطوف كما قدمنا معلنا نزول الرسول # صلى الله عليه وسلم # في ~~ضيافة أم معبد، فما كان من قريش إلا أن سارعوا إلى مكان تلك العجوز المضياف، وقد سألها ~~كبيرهم: هل مر بك محمد؟ ~~- لا أعرف صاحب هذا الاسم، وإنما نزل بخيمتي أربعة، منهم حالب الشاة الحائل. # فعادت قريش أدراجها. # وانطبعت في ذهني تلك المعجزة الخالدة، معجزة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي: حلب الشاة ~~الحائل، فإنه حين أقبل النبي على خيمة أم معبد سألها أبو بكر رضي الله عنه: هل لديك ~~أيتها العجوز الكريمة ما يسد جوعنا؟ فقالت أم معبد في حيرة وألم: هذه شاتي، ليس لي ~~غيرها أقدمه. # وكانت شاة حائلا غير حلوب، فتناول الرسول # صلى الله عليه وسلم # ضرعها، وسأل الله سبحانه ~~وتعالى القدير أن يجعلها حلوبا، فدرت اللبن، وارتوى الرسول وصحبه، وبقي من اللبن ~~قسط وافر لأم معبد. # واستمر آل معبد يؤرخون سنيهم من يوم قدوم الرجل المبارك. ~~••• # وتطلعت بعيني مخيلتي، فرأيت قافلة الرسول تسير شمالا، وقافلة أخرى تقبل على ~~الجنوب، وكانت الأخيرة قافلة كبرى، وقد خرجت من المدينة لملاقاة الرسول وقد تزودوا ~~بالسلاح لحماية النبي مما عسى أن يتهدده ms039 من خطر لحاق قريش به، ومما عسى أن يلحق به ~~من أذاهم. # الله أكبر! # وهل كان رسول الله في حاجة إلى نصرة أحد وقد كان الله ناصره، وكان في عونه ~~وتأييده أبد الآبدين! # تمثلت في مخيلتي صورة رائعة، الروعة كلها بمعناها ومبناها؛ هي صورة أهل المدينة ~~وهم يستقبلون الرسول في أفراح زمرا وجماعات، بعد أن نبههم رجل يهودي وقف على ~~أطم من آطام المدينة مترقبا الرسول، فلم يملك نفسه أن صاح: يا معشر العرب، هذا ~~صاحبكم الذي تنتظرون. # كان الركب النبوي الشريف يسير وسط أفراح أهل المدينة، وتكبير الأنصار وتهليلهم، ~~حتى لقد خرجت النساء من خدورهن وهن يزغردن وينشدن أنشودتهن الحلوة ~~الخالدة: # طلع البدر علينا # من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا # ما دعا لله داع # أيها المبعوث فينا # جئت بالأمر المطاع # وفي رواية أخرى أنهن أنشدن: # أشرق البدر علينا # واختفت منه البدور # مثل حسنك ما رأينا # قط يا وجه السرور # وكذلك خرجت جواري بني النجار (أخوال الرسول)، وأخذن ينشدن: # نحن جوار من بني النجار # يا حبذا «محمدا» من جار # وقد سر # صلى الله عليه وسلم # من نشيدهن، وسألهن: أتحببنني؟ فقلن: نعم. # فقال: وإني أحبكن. # وفي رواية أخرى: يعلم الله أني أحبكن. # تمثلت هذا الاستقبال الرائع وتساءلت في نفسي: هل هذا استقبال ذلك الرجل المضطهد ~~من قومه، الفار من قريش؟ # وكان أكثر أهل المدينة لم يروا الرسول من قبل، فلم يتعرفوه من أبي بكر، وصارت ~~النسوة تسأل بعضهن بعضا من منهما الرسول الكريم؟ # فقالت يهودية: كيف لا ترونه؟ ليس هو ذلك الأبيض النحيف الخفيف العارضين الناتئ ~~الجبهة، فهذا أبو بكر. # وقالت خزرجية: هو الآخر حقا! ما أبهى طلعته وأعظم وقاره! ~~••• # من ثم تواردت على مخيلتي صورة رائعة مرت سراعا، فقد رأيت أهل المدينة يعرضون على ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # النزول في ديارهم واحدا بعد الآخر، ممسكين بزمام الناقة، وهو ~~يقول: خلوا سبيل ناقتي فإنها مأمورة، فحيث بركت نزلت. # ورأيت بعيني مخيلتي الناقة تبرك حين أتت موضع المسجد وهو عليها، ms040 ثم نهضت دون ~~أن تزجر، وسارت غير بعيد، وبركت تجاه دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فنزل ~~الرسول هناك، وهي دار تقع شرقي المسجد . # تمثلت الرسول # صلى الله عليه وسلم # وقد نزل بدار أبي أيوب سبعة شهور، بنى في خلالها المسجد ~~الشريف، وبيتي زوجتيه سودة وعائشة رضي الله عنهما. # ثم تخيلت ذاته الشريفة وهو يشرع في البناء هو وأصحابه المهاجرون الأجلاء، ~~والأنصار من أهل المدينة، تخيلته # صلى الله عليه وسلم # يأمر بقبور المشركين فنبشت، وبالنخل ~~والشجر فقطعت ووضعت في قبلة المسجد، وجعل الأساس نحو ثلاثة أذرع من الحجارة، وبنى ~~المسجد نفسه باللبن، وكان الرسول يبني معهم وينقل اللبن والحجارة. # تمثلت سيد الخلائق # صلى الله عليه وسلم # يبني مسجده بيده الشريفة، يعاونه أصحابه والأنصار، ~~وهو يقول وهم يرددون: # اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة # فاغفر للأنصار والمهاجرة # وتم البناء. # ذكرت كل هذا وأنا قابع في أحد أركان السيارة، وقد شرد ذهني إلى تلك الأدوار ~~التاريخية من هجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة فرارا من أذى قريش، وإتماما لتحقيق ~~الرسالة ونشرها، وتثبيت دعائمها، وإذا بي أصحو فأجد نفسي على أبواب «المدينة». # داخل أبواب المدينة # نزلت من السيارة وترجلت؛ إذ ليس مما يجمل بالمرء أن يدخل مدينة الرسول راكبا، ~~ولم ألبث إلا قليلا بعد أن تخطيت المناخة حتى عثر بي المدعي، فسارع إلي مجيبا، ~~وقادني من يدي، فسرنا مرحلة يسيرة حتى صرت أمام المسجد النبوي الشريف، فقلت: «بسم ~~الله، # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله ~~.» # ودخلنا إلى المسجد من باب السلام (وهو الباب الذي كان يدخل منه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~)، فما ~~أسرع ما هب علي ذلك العبير الذكي، والعطر الفياح عبيق رياحين الجنة، وشذى رياض ~~الفردوس. # وأخذت أردد في نفسي: «هبي يا رياحين الجنة! هبي! هبي يا نسمات الفراديس، ~~هبي! هبي واشرحي الصدور التي وسوست فيها شياطين المدنية الفاسدة المضلة! ~~هبي وطهري النفوس التي دنستها الشهوات البهيمية! هبي وغذي الأرواح التي ~~لوثتها ms041 الرذائل الإنسانية الوحشية، هبي يا رياحين الجنة، هبي!» # وشعرت برهبة وخشوع يدب دبيبهما في حنايا نفسي؛ إذ كنت ماثلا أمام قبر الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. هو شعور لا يمكن أن يزول عن نفس المرء ما دام أمام القبر النبوي الشريف. ولو ~~أنك زرت مسجد محمد عشرات المرات في اليوم الواحد لكان شعور الرهبة في كل مرة هو ~~نفسه الشعور الذي يتملك نفسك للمرة الأولى، بل إن نفسك لتشعر باللهفة على زيارة قبر ~~الرسول المرة تلو المرة، وكلما زدتها إشباعا زادت لهفتها، واشتد التياعها ~~شعاعا. # كانت جوارحي ومشاعري وجميع نفسي وأنا أمام قبر الرسول شيئا غير ما كنت عليه، كنت ~~شارد الذهن، محلق الروح في عالم من الطهر والنور، كنت أمام قبر نبي ورسول ~~قرن الله اسمه تعالى باسمه، ودونت أحاديثه وجميع أقواله كلمة كلمة، ونزل ~~عليه كتاب ليس في العالم منذ نشأته، ولن يكون في الغد، كمثله كتاب! فيه الهدى واليقين، ~~وفيه الرحمة، فيه أسمى المبادئ وأشرف التعاليم. # وقفت أمام قبر نبي ورسول تدين اليوم المئات من الملايين من أقصى المعمورة ~~إلى أقصاها بدينه، دين الحق المبين، وكلما امتد الزمن، ومرت الحقب بعد الحقب ~~زاد هذا الدين انتشارا، وانبلج نوره إشعاعا وإشراقا. # إن أي ملك من الملوك أو إمبراطور من الأباطرة حدثنا التاريخ عن عظمة ملكه ~~واتساع سلطانه، لا يلبث هذا الملك أن يتضاءل، وهذا السلطان أن يزول بعد موته، أو حتى ~~في أيام حياته. # وهذا الملك الزائل ملكه لا يلبث قليلا وهو في قبره حتى يختلط جسده بالتراب فيزول، ~~ولا يعرف له جسد، أما محمد الثاوي في قبره المنير فسيظل رفاته فيه طاهرا مطهرا، ~~بعيدا عن أديم الأرض، فلا يختلط بالثرى، سيظل قبره الشريف وروضته المنيفة مصونتين ~~بقدرة الله ما دامت الشمس تشرق وتغرب، سيظل اسمه مشهورا ودينه منشورا ما دام ~~الجديدان. أما محمد - وقد كان عدد أنصاره لا يزيد على عدد أصابع اليدين الاثنتين - فقد ~~أسس إمبراطورية إسلامية شامخة البناء، سامقة، شماء، قوية الدعائم والأسس، مكينة ~~الجدران ms042 والأركان، أكلت مدنيتها مدنيات أعظم أمم التاريخ القديم، ونعني: ~~الفرس، والروم. # حقا، إنني أمام قبر نبي استطاع بكتابه وسنته أن يكون أمة من قبائل أشتات ، يقتل ~~بعضها بعضا، فإذا بهم إخوان متحدون، وأوجد النظام من الفوضى، كما قرر حقوق الفرد ~~وحرية الجماعة، ووضع خير القوانين في التملك، والمواريث، والزواج، والطلاق، والصحة، ~~والسياسة، والاقتصاد ... وهي قوانين لا يمكن أن تبلى ولو بليت الأيام؛ لأنها وحي الله، ~~وما ينطق عن الهوى. # الباب السادس # | فتح الإسلام وتشريعه # الرسول في المدينة # تمثلت الرسول # صلى الله عليه وسلم # وقد استقر به المقام في «يثرب» بعد أن ألقى بها عصا ~~التسيار، ووجد من أهلها خير الأنصار، فكان آمنا في جوارهم، راضيا عنهم، قرير ~~العين بهم، مستبدلا عنت قومه وأذاهم بطاعتهم وصدقهم دون سائر الناس، فكانوا له ~~حقا دون الناس. # أجل، كان الرسول وهو في «يثرب» بين قبيلتيها العظيمتين، الأوس والخزرج، في مأمن من ~~شر قريش، ولكن إلى حين، ذلك أنه كان يعلم علم اليقين أن قريشا ما كانت تقف مكتوفة ~~اليدين إزاء جرح عزتها. وقد بدأ يندك دينها، ويتضاءل سلطانها، وقد كاد يتلاشى ~~ويندثر، ثم كرامتها وقد أخذت تنحدر إلى هوة الذلة، ودرك الهوان، وإذن فلا بد ~~لها من أن تستعيد ما فقدت على يد محمد من عز ومنعة وسيادة وسلطان. # كان الرسول يدرك أن قريشا لن تسكت عنه، وأنه لكي يتفرغ لتأدية تكاليف الرسالة ~~ينبغي أن يقضي عليها ويستأصل شأفة شرها حتى يتيسر له نشر تعاليم دينه، وتوطيد ~~دعائم أركانه، ومد ظلال الإسلام إلى العالم الخارجي، عالم الجهالة والضلال والظلام، ~~فيحيله عالم هدى وعلم ونور. # بدأ عليه الصلاة والسلام فبعث بالوفود إلى ما جاور المدينة من قرى متاخمة، يدعو ~~أهلها إلى عبادة الله، والإيمان بوحدانيته، والشهادة لعبده محمد بنبوته ورسالته. # وكذلك أرسل الرسول في الوقت نفسه بعثة إلى قريش لاستطلاع أحوالهم، والكشف عن خفايا ~~نياتهم، ومعرفة أخبارهم، وجعل على رأس هذه البعثة عبد الله بن جحش، وهو من الصحابة ~~الأجلاء الذين لا تلين قناتهم، ولا ms043 تنثني عزيمتهم، فقد كان ذا بأس شديد. # وكتب الرسول إلى عبد الله كتابا طالبا إليه ألا يفضه إلا بعد أن يقطع في مراحل ~~سفره يومين ، فلما انقضى الموعد وفض الكتاب وجد عبد الله أن مهمته فيه مرسومة معينة، ~~هي أن يقتصر هو ورجاله على تقصي أحوال قريش دون أن يناصبهم القتال؛ أي أن بعثته ~~كانت استكشافية، على مثال ما نشهده في هذا العصر من بعثات الاستكشاف والاستطلاع. # إذن فليس في هذا الأمر جديد، وإنما مرجعه إلى العرب، وهو تقليد من تقاليدهم اتخذه ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # تمهيدا للقضاء على العدو الخارجي، ولم يكن هناك إذ ذاك أشد عداوة ~~للرسول من قريش، فكيف يأمن شرهم إلا باستطلاع أحوالهم والكشف عن أخبارهم ونياتهم؟ وهذا ~~ما فعله الرسول، تقليد اقتبسه من العرب أولئك الغربيون الذين كم باهوا وفاخروا بما ~~هم عليه من علم وعرفان، وما هم في الحقيقة إلا آكلو تراث العرب الأقدمين من مدنية ~~سارت بذكرها الركبان، وشادت بمفاخرها العصور والأجيال. ~~••• # لم يرض عبد الله بن جحش هو ورجال بعثته أن يكونوا طليعة استكشاف فحسب، ولكنهم شاءوا ~~إلا أن يكونوا الصف الأول للمقاتلين في جند محمد، فاشتبكت هذه الطليعة - وكانت أولى ~~طلائع جيوش المسلمين في عهد الرسول - مع قافلة تجارية من قوافل قريش، فقتلت بعض ~~عظمائها، ومنهم: الحكم بن كيسان، وعمرو بن الحضرمي، ثم عادت بعد ذلك بأموال عظيمة ~~غنمتها من القافلة. # وانتهى إلى أسماع قريش أنباء تلك المناوشات، وما وقع بقافلتها وما نزل بعظمائها، ~~فاشتد غضبها وغلى غليان المرجل، فتجمعت تجمع النمل، وأصرت إصرارا على أن ~~تضرب محمدا وأنصاره ضربة في الصميم، وكان الرسول في الوقت عينه يرى أنه لم يعد هناك ~~مجال للتريث، وأنه لا بد من ملاقاة جموع قريش ومنازلتهم، وأن الله ناصره. # وعقد محمد مؤتمرا من صحبه من الأنصار أهل يثرب، ومن المهاجرين من قريش، وقال لهم ما ~~معناه أنهم أمام عدو شديد، إن سكتوا عنه كان الخطر عليهم في سكوتهم، ثم طلب # صلى الله عليه وسلم ms044 # منهم المشورة، فقال الأنصار على لسان كبيرهم سعد بن معاذ: «إن كنت توجه إلينا القول ~~يا رسول الله، فإننا قد آمنا بك وصدقناك، وإن العهود التي قطعناها على أنفسنا أمام ~~الله تلزمنا الطاعة، وتجعلنا أتبع لك من ظلك، فامض إلى ما أرادك الله.» # وقام المقداد بن عمرو على أثر سعد بن معاذ، وخطب فقال: «يا رسول الله، إنا معك، ~~وإنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: # اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون ~~، ولكنا نقول لك: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي أيدك بالحق لو سرت بنا إلى أقصى حدود الكون ~~لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه.» # وأخذ الخطباء بعد ذلك يتبارون متحمسين للحرب، مؤكدين أن رجلا واحدا، بل غلاما ~~واحدا منهم لن يتخلف عن صفوف المقاتلين المجاهدين. # هنا أشرق وجه الرسول # صلى الله عليه وسلم # بابتسامة الرضا عن هؤلاء الأنصار المدفوعين بروح من ~~قوة الله إلى الدفاع عن دينه، وإلى الذود في سبيل الدفاع عن نبيهم الكريم. # ثم سار محمد يحيط به قواده، وخلفه جموع جيشه المجاهدون، وأمامهم الرايات السود، ~~رايات التوحيد، وقال الرسول وقد بدءوا المسير: «سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى ~~الطائفتين، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.» ~~••• # بينما كان هذا يحدث في يثرب، كان ضمضم بن عمرو الغفاري - وهو من أكابر قريش ومن ذوي ~~الكلمة المسموعة فيهم - يصيح وهو يطوف أنحاء مكة مستنهضا همم قومه لمقاتلة محمد، ~~قائلا: يا قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد في ~~أصحابه. # ونفرت قريش جميعا فلم يبق في مكة من لم يمتشق حسامه وسيفه، ويتقلد قوسه وترسه، ~~ويتدرع بنشابه ودرعه، ليدافع عن قريش، أو أموال قريش التي عرض لها محمد فاغتنمها ~~اغتناما. # موقعة بدر # رأى محمد قريشا أجمع وهي تخرج لمقاتلته في جموعها التي تعد بالألوف، بينا جيشه لا ~~يزيد على الثلاثمائة مقاتل، فلم يفزعه ذلك التفوق العددي الهائل لعدوه على جيشه، فقد ~~وعده الله بالنصر المبين، ولكن رأى أن بعض المقاتلين ms045 من رجاله الذين خرجوا للقتال ~~رجاء الغنائم والأسلاب، شاهدوا أن القافلة التي كان يسوقها أبو سفيان من الشام إلى مكة ~~قد أفلتت من أيديهم، وأنها انطوت إلى قريش تبغي حمايتها، فلم يعد لأولئك المقاتلين ~~مطمع في القتال، وأخذوا يجادلون النبي # صلى الله عليه وسلم # في رجوعهم إلى المدينة، حتى إذا ما ~~نزلت الآية الشريفة تحضهم على القتال: # وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ~~ويقطع دابر الكافرين # أجمع ~~أكثرهم إجماعا على وجوب القتال والموت في سبيل نصرة دين الله، واقتداء برسوله ~~الأمين. # كانت هذه أول معركة جدية يتلاقى فيها جيش المسلمين بقيادة محمد # صلى الله عليه وسلم # بجيوش الكفار ~~من أهل قريش، لكن شتان بين الجيشين في العدد والعدة، في الرحل والخيل، في ~~اليد والترس. # كان محمد واثقا من النصر، ولكنه كان يشهد ذلك البحر الخضم من جيوش قريش، وهذا النفر ~~القليل من رجاله، فدخل إلى خيمته وبصحبته أبو بكر وهو في إشفاق، ثم قال مستقبلا ~~القبلة: «اللهم هذه قريش، قد أتت بخيلائها وفخرها تحاول وتكذب رسولك، اللهم فنصرك ~~الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض.» # وأخذ الرسول يدعو الله حتى مال عن كتفيه رداؤه وهو لا يشعر، لاتجاهه بقلبه وروحه إلى ~~الله، فأعاده أبو بكر وهو مشفق على الرسول أيما إشفاق، قائلا مناشدا الرسول: «يا رسول ~~الله، كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك من النصر.» # لكن الرسول كان مشغولا عما حوله؛ إذ كان في حالة روحية انقطع فيها عن الخلق متصلا ~~بالخالق، وتثاقل جسمه، فتسلمه أبو بكر، وأضجعه قليلا، فأخذته سنة من النوم، وبينا ~~أبو بكر واقفا وهو مأخوذ حزين؛ إذ وجد جسم الرسول # صلى الله عليه وسلم # يرتعش، كما وجده يتكلم ~~كلاما وهو نائم، فأشفق عليه أبو بكر، وخرج من الخيمة وهو حائر، وبخاصة وقد كانوا على ~~وشك الالتحام بجيش عظيم العدة، كثير العدد، غني بالخيول والخيالة، ms046 وهم بضع مئات لا ~~يتجاوزون الثلاثمائة، وقائدهم ينتفض. # حينئذ دعا أبو بكر ربه قائلا: «اللهم إنك وعدتنا بالنصر فانصرنا.» وبينا هو في هذه ~~الحال، إذ أقبل عمر يريد أن يستعلم عن مكان الرسول، ويستطلع جلية الأمر، فشغل باله ~~انقباض صدر الرسول، ووقوعه في غيبوبة، وأخذ أبو بكر وعمر يضربان أخماسا في أسداس، ~~وإذا بهم يباغتون برؤية الرسول ممتلئا نشاطا، يعلو وجهه البشر وهو يقول: # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم ~~لا يفقهون ~~، ثم قال: «يا أيها الناس، هذه آية نزلت، والذي نفس محمد ~~بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله ~~الله الجنة.» # وهنا بلغ صياح الجنود المقاتلين من المسلمين أشده، واندفعوا وكأنهم قد شربوا كئوسا ~~من الحميا، يتدافعون متسابقين إلى القتال، وقبض محمد - وقد شاهد حالة جنوده ~~المعنوية على خير - قبضة من التراب، وألقى بها في وجوه المشركين قائلا: «شاهت الوجوه، ~~شاهت الوجوه.» وأمر أصحابه وهم على رءوس الصفوف قائلا: «شدوا.» # نزول الملائكة # وبينا هم كذلك، إذا بأنصار محمد وأتباعه يرون حولهم ومن خلفهم وأمامهم جنودا بيضاء ~~أبدع ما يكونون جمالا، وكانوا جنودا من الملائكة، أنزلهم الله ليتمموا المقصد، ~~ويعاونوا جيش المسلمين، فلما رآهم جند ببدر هللوا قائلين: الله أحد، الله ~~أحد. # ثم هجموا هجمة واحدة صادقة، أطاحت برءوس الكثيرين من كبراء قريش وهزمت أجنادهم، ~~وانجلت المعركة عن نصر مبين، وخذلان - وأي خذلان - لقريش، القوم الكافرين. # وأمر الرسول بشهداء بدر فدفنوا، وهم أولئك الذين ولا شك صاروا في الجنة، ولم ~~ينس الرسول قبل أن يغادر مكان بدر أن يمر على القبر الذي حشرت فيه جثث كبار قريش، ~~ويخاطبهم بقوله: «بئست العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس (يعني ~~الأنصار)، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا؟ فإني وجدت ما وعد ربي حقا.» # لعل انتقام الله كان شديدا من قريش في معركة ms047 بدر، فإن بلالا - وقد كان مولى أمية بن ~~خلف، من أكابر زعماء قريش وسادتها - جز رأس سيده بالأمس، وقد كان فظا غليظ القلب ~~كالصخر الصلد لا يلين، فلا يعرف رحمة، بل لا يدري للشفقة معنى، كان يحكم وثاق ~~بلال حين اتصل بمسمعه نبأ إسلامه، ويشد على بطنه، ويجعله في الظهيرة ملقى تحت أشد ~~أشعة الشمس وهجا ووقدا، وهو يقول متشفيا منتقما: أما زلت يا بلال تتابع محمدا ~~على دينه؟ فيجيبه بلال رضي الله عنه: الله أحد، الله أحد. # ومن أبدع الظواهر التي تدل على تفاني المسلمين في سبيل العقيدة مضحين حتى بالآباء ~~والأبناء لنصرة الدين وإعلاء كلمته ورفع منارته: أن أبا حذيفة بن عيينة شاهده الرسول # صلى الله عليه وسلم # وقد تغير وجهه بعد قتل أبيه في المعركة، فقال له الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«أدخلك من شأن أبيك شيء؟» قال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في ~~مصرعه، ولكن كنت أعرف منه رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، ~~فأحزنني أن يموت هذه الميتة على الكفر. # معركة بدر # لقد كانت فاتحة الفتوحات الإسلامية، كانت حجر الزاوية في بناء الإمبراطورية ~~الإسلامية التي شيد أسسها محمد، ودعمها بخير ما يدعم به الملك. # بل لقد كانت بدر بمثابة العلم الخفاق الذي يرفرف على ممتلكات الإسلام في قابل ~~السنين والأعوام، كانت بداية فتح خير دين سمت مبادؤه، وتلألأت أضواؤه حتى بلغت جبال ~~الألب والبيرنيه غربا، والصين واليابان شرقا، وصار معتنقوه خمسمائة مليون من النفوس ~~بعد أن كانوا نفرا قليلا، محمدا وصحبه الأكرمين الأولين. # كم من معارك زعموا وقالوا إنها غيرت وجه التاريخ، فلا تكاد تمضي بضع سنين حتى ~~يغير التاريخ وجهها، فلا تعود سوى ذكرى من الذكريات، وأقصوصة من الأقاصيص. # أما معركة بدر فقد غيرت التاريخ كله، غيرت تاريخ الكون، وغيرت تاريخ الأديان، ~~وغيرت تاريخ الدول والأمم، وغيرت حتى تاريخ التاريخ! فقد أدركت قريش بعد معركة ~~بدر أن محمدا لم يعد ذلك الهارب من شرهم، ولكنه ms048 المتحدي لهم، المنتصر عليهم، ~~القوي بالله وإن قل عدد جيشه، وكثر عددهم هم. # أجل، ها هو ذا محمد، ولما تمض على خروجه من مكة خمس سنين وهو يتستر بالظلام ~~اتقاء لشر قريش، وبطش قريش، وسطوة قريش؛ ها هو ذا يجند جنده، ويعود إلى أولئك الذين ~~كانوا بالأمس يلحقون به الأذى بل يريدون قتله قتلا، يعود إليهم متحديا إياهم، ~~طالبا منهم أن يدخل مكة عنوة ليطوف بيت الله الحرام. # عمرة الحديبية # عسكر محمد بجنده في «الحديبية» تأهبا لدخول مكة، لكن قريشا أقسمت أن لا يدخل ~~حتى تكون أجسامهم جميعا طعاما للوحوش وزادا للطيور، وإلا أن تكسر سيوفهم في نحورهم، ~~وتغمد النصال في بطونهم وخيولهم، ولا يبقى في مكة منهم ديار، ولا نافخ ~~نار. # أخذ زعماء قريش يتشاورون فيما بينهم، مقلبين وجوه الرأي في الوسائل التي تمنع ~~محمدا من الدخول إلى مكة، وأخيرا هداهم التفكير إلى أن يرسلوا إليه الرسل ~~للمفاوضة، وكان منهم نعيم بن مسعود. # دخل نعيم خيمة الرسول (عرين الأسد)، فهاله أن يسير بين سيوف مدججة، وجنود متعطشة ~~إلى الحرب والنزال في حومة الوغى، ووجدوا محمدا يحوطه صحبه كما تحوط الهالة القمر، ~~فقال ابن مسعود: يا محمد، ما هو الذي جمعت إليه جمعك، وحشدت إليه جندك؟ أراك قد ~~جمعت أوشاب الناس ثم عدوت بهم على قومك من قريش، تحاول أن تذلهم وتنتهك حرمتهم ~~... إنها والله لقريش، قد علم الناس صدقها عند اللقاء، وكفاحها في البأساء ... هم مساعر ~~حرب، وأحلاس خيول، ولقد ترامى إليهم أنك جئت غازيا ديارهم قاصدا الكيد بهم ... وإنهم ~~عاهدوا الآلهة أن لا تدخل عليهم أبدا، واسم الله، كأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا ~~وبقيت وحدك، فلا تحوطت لنفسك، ولا احتفظت بقومك، فتدبر أي شر أنت قادم عليه، ~~وأي أمر أنت مقصد له. # فقال له الرسول: يا ابن مسعود، لقد تحدثت إلى غيرك من الموفدين. إني ما جئت أبغي ~~حربا أو أريد قتالا، وإنما جئنا معتمرين، وللبيت الحرام طائفين ومعظمين، فإن ~~شاءوا خلوا لنا الطريق، وإلا فإن لنا ms049 معهم شأنا نترقب فيه أمر الله. # عاد ابن مسعود إلى قريش مبهوتا مبهورا وهو يقول: لقد وفدت على قيصر في ملكه، وعلى ~~كسرى في إيوانه وعزه، وعلى النجاشي في عرشه، فوالله ما رأيت رجلا يعظمه قومه كما ~~يعظم محمدا قومه، وقد ألقوا إليه بمقاليدهم، وأمكنوه من قيادهم، وإنهم لا يرجعون ~~له قولا، ولا يردون له رأيا، فاقتدحوا زناد عقولكم، والأمر نهايته بين ~~أيديكم. # فقالوا على لسان أحد كبارهم وقد أدركتهم الحمية: إن دون ما يرجو محمد مشيب ~~الغراب، ومخ النعام. # رجوع محمد إلى المدينة # اقتضت إرادة الله، ورأى الرسول وفق ما اقتضت المشيئة الإلهية، ألا يعمد إلى تحكيم ~~السيف، فقد كانت بغيته الطواف، ومقصده السلام، ولقد كان أغلب من في صحبة الرسول وجيشه ~~في حنق من مرابطتهم خارج مكة دون حرب أو اقتحام مكة قوة وعنوة للطواف وإذلال ~~قريش، وقد كان في مقدمتهم عمر رضي الله عنه، فقد اختلى بأبي بكر وهو يقول: ما هذا يا ~~أبا بكر، ألسنا بالمسلمين؟ فأجاب أبو بكر: بلى. ثم قال: يا عمر، الزم غرزه (أي أطع ~~أمر الرسول والزم نهيه)، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن له في هذا. قال عمر: وأنا كذلك ~~أشهد أنه رسول الله، وأني منذ أسلمت ما شككت في الرسالة، ولكن ما هذا؟ أنصد عن ~~البيت، ونمنع من الطواف فيه، وينعم بذلك أحط القبائل؟! # قال أبو بكر: إن شئت فأفض بهذه الخواطر إلى الرسول. # ودخل عمر رضي الله عنه على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو يقول: يا رسول الله، ألم ~~تعدنا بأننا سنطوف البيت؟ أولست أنت رسول الله؟ أوليسوا هم المشركين؟ إذن فما ~~هذا؟ # وقد كان في مقدور محمد أن يعلنها حربا شعواء على قريش، فيقضي عليها قضاء مبرما، ~~فتغدو كعصف مأكول! ولكن الله سبحانه وتعالى كان يريد خيرا بالإسلام، كان يريد أن ~~ينتفع الإسلام ببعض عظماء قريش ممن لم يكونوا قد دخلوا في دين الله بعد. # فلما ألح عمر رضي الله عنه على رسول الله # صلى الله ms050 عليه وسلم # بدخول مكة، مستنكرا عقد الصلح ~~بين المسلمين وأهل قريش المشركين، قائلا: لماذا نقبل على صلح فيه هوان؟ وعلام ~~نعطى الدنية في ديننا؟ أولست كنت تحدثنا أننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال رسول ~~الله: أوأخبرتك أننا سنأتيه هذا العام؟ أنا عبد الله ورسوله، فلن يضيعني. # وعقدت المعاهدة بين محمد وقريش، وهي تنص على ما يلي: # أولا: # أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين. # ثانيا: # أن من يأتي محمدا من قريش بغير إذن وليه، يرد إلى ~~قريش. # ثالثا: # أن من يجيء قريشا ممن كان مع محمد، لن يردوه عليه. # رابعا: # أن بين الطرفين عيبة مكفوفة، صدور لا تنطوي على غل، وأنه لا ~~إسلال ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة). # خامسا: # أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل ~~في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. # سادسا: # أن محمدا يرجع عامه هذا، فلا يدخل مكة، وفي العام المقبل تخرج قريش ~~من مكة ويدخلها محمد. # ثم انتهت المعاهدة إلى هذا الحد، واستقر الأمر وانحسم النزاع، وخرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى صحبه وجيشه قائلا: «أيها الناس: أما ما أهمكم من العهد، فإن من ذهب ~~إليهم فلا حاجة لنا به، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا. وأما البيت فإنكم إن ~~شاء الله مطوفون به في قابل، وما فعلت ما فعلت عن أمري، وإنما عن أمر الله، وهو نصيري ~~ولن يضيعني ...» # ثم دعا الحلاق فحلق، وعمد إلى البدن فذبح وتحلل من الاعتمار، واقتدى به الجيش، ~~ورجعوا إلى يثرب، ولكنهم كانوا في لهفة على البيت والطواف حوله. # تمثلت أمام عيني مخيلتي كل هاتيك الحادثات، وما كان يلقاه الرسول # صلى الله عليه وسلم # في سبيل نشر الدعوة الإسلامية من إرهاق وإعنات؛ إذ كان في الاستطاعة - وقد عقد معاهدة ~~مع قريش على أن تضع الحرب أوزارها بينه وبينهم عشر سنين - أن يستريح # صلى الله عليه وسلم # من ~~قريش، ولكن سرعان ما عادت بي الذاكرة إلى ما أعقب ذلك ms051 من أحداث، فذكرت كيف نقضت قريش ~~عهدها، فصار الرسول في حل من نقض ذلك العهد. # كانت قبيلة بني بكر في عقد قريش وعهدهم، وكانت قبيلة خزاعة في عقد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعهده، وكانت بينهما حروب، فبعثت بنو بكر خزاعة فقتلوا منهم عشرين، وعاونتهم قريش ~~بالرجال والسلاح، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه، حتى قدموا على الرسول ~~في المدينة مستغيثين به، وقد وقف عمرو بين يديه # صلى الله عليه وسلم # وهو جالس في المسجد، وأنشده ~~أبياتا أخبره فيها بما كان من أمر قريش ونقضها عهده، وهي: # لاهم أني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # فوالدا كنا وكنت الولدا # وواحدا كنت وكنا العددا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا # هم بيتونا بالوتير همدا # وقتلونا ركعا وسجدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا # وادع عباد الله يأتوا مددا # تمثلت الرسول بعد أن سمع هذه الشكاية الأليمة وقد دمعت عيناه، قال: لا ينصرني الله ~~إن لم أنصر بني كعب (خزاعة) بما أنصر به نفسي. # وعمت الشكايات من قريش وإيذائهم للمسلمين، فجيش الرسول جيش النصر؛ إذ جمع من ~~المسلمين عشرة آلاف مدججين بالأسياف والدروع، وكل أداة من أدوات الحرب والطعن ~~والنزال. # وخرج الرسول # صلى الله عليه وسلم # من المدينة ومعه جيشه العرمرم، وكان مؤلفا من المهاجرين ~~والأنصار، وغيرهما من طوائف العرب، وسار حتى قارب مكة، وخشي العباس عم الرسول أن تهلك ~~قريش إذا ما دخلها جيش محمد فاتحا، فركب بغلة الرسول وقال: ليتني أجد رجالا يعلمون ~~قريشا بخبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فيأتونه ويستأمنونه، وإلا هلكوا عن آخرهم، وسمع ~~العباس صوت أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء ~~الخزاعي، وكانوا قد خرجوا يتجسسون، فقال العباس ~~لأبي سفيان: أبا حنظلة! فقال: أبا الفضل! قال العباس: نعم. قال أبو سفيان: لبيك فداك ~~أبي وأمي، ما وراءك؟ فقال العباس: لقد أتاكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعشرة ms052 آلاف من ~~المسلمين. قال أبو سفيان: وما تأمرني به؟ قال العباس: تركب معي لأستأمن لك رسول الله ~~وأن لا يضرب عنقك. وتمثلت الرسول قد مثل أمامه أبو سفيان بن حرب ومعه العباس، قال ~~الرسول: يا أبا سفيان، أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال أبو سفيان: ويلي. قال ~~الرسول: ويحك! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول؟ قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، أما ~~هذه ففي النفس منها شيء. فقال له العباس: ويحك! أسلم قبل أن نضرب عنقك. فأسلم، وأسلم ~~معه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، فقال الرسول للعباس: اذهب بأبي سفيان إلى ~~مضيق الوادي ليشهد جنود الله. فقال العباس: إنه يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون في ~~قومه. فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ~~أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن.» # ورجع العباس بأبي سفيان إلى مضيق الوادي كما أمره الرسول، وأخذت قبائل المسلمين من ~~كتائب جيش الفتح تمر واحدة بعد الأخرى، وأبو سفيان يسأل العباس عن كل قبيلة، وهو ~~يعلمه، حتى وصل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا ~~يبين منهم إلا الحدق من الدروع والسلاح، فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ فأجابه ~~العباس: رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء ~~قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما. فأجابه ~~العباس: إنها النبوة ... فقال أبو سفيان: نعم. قال العباس: إذن فالحق بقومك ~~فحذرهم. # رأيت بعيني مخيلتي وقد انطلق أبو سفيان وهو يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا ~~محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ... قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن. قالوا: ويحك! فما تغني دارك عنا شيئا. قال: فمن أغلق عليه باب داره فهو ~~آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ms053 ومن ألقى السلاح فهو آمن. # وتخيلت كيف تفرق قريش إلا الأقلون إلى دورهم وإلى المسجد حتى يكونوا آمنين، ~~ثم تمثلت الرسول # صلى الله عليه وسلم # وهو يدخل بجيشه مكة من جميع نواحيها، وقد ركب ناقته وهو ~~يقرأ سورة الفتح، ولما مكن الله رسوله من رقاب قريش، قال لهم: «ما تروني فاعلا ~~بكم؟» قالوا: خيرا. # وقام سهيل بن عمرو، وكان من رؤساء قريش، وقال: يا محمد، أنت أخ كريم وابن أخ كريم، ~~وقد قدرت، فإن عذبتنا فبجرم عظيم، وإن عفوت عنا فبحلم قديم. # وتبسم الرسول # صلى الله عليه وسلم # في وجوههم وقال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف عليه السلام: ~~لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، فاذهبوا فأنتم الطلقاء.» # الله أكبر، إن رسول الله يعفو عن قريش، ولكم ~~آذوه من قبل وعذبوه، بل حاولوا أن يتعاونوا على قتله، ولكنه يعفو عنهم. حقا! إنه ~~لعلى خلق عظيم، ومن غيره كان أحلم الناس وأرحم الناس؟! ومن غيره كان أرغبهم في ~~العفو عند المقدرة؟! حتى لقد أتي في يوم بقلائد من ذهب وفضة قسمها بين أصحابه، فقام ~~رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد ... والله لقد أمرك الله أن تعدل، فما أراك تعدل! فقال ~~الرسول: ويحك! فمن يعدل عليك بعدي؟! فلما انصرف الأعرابي قال الرسول: ردوه علي ~~رويدا. ثم أرضاه ولم يسخط عليه ولم ينهه. # ولقد أتت له اليهودية بالشاة المسمومة، وعرفها وأقرت له، قالوا: أفلا قتلتها؟ ~~فقال: لا. ولم ينتقم منها لنفسه. وسحره بعض اليهود، فأطلعه جبريل عليه، فاستخرجه ~~وحل العقد، فوجد لذلك خفة ونشاطا، وما ذكر الرسول ذلك لليهودي ولا أظهره عليه. ~~وكان الرسول يقبض للناس يوم خيبر من فضة من ثوب بلال، فقال رجل: يا رسول الله، اعدل. ~~فقال: ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟ فقد خبت إذن وخسرت إن كنت لا أعدل. فقام عمر ~~رضي الله عنه وقال: ألا أضرب عنقه، فإنه منافق؟ فقال الرسول: معاذ الله أن يتحدث ~~الناس أني أقتل أصحابي. # وجاء أعرابي يطلب شيئا، فأعطاه، ms054 ثم قال: ~~أحسنت إليك؟ قال: لا، ولا أجملت. وغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا ~~عنه، ثم قام # صلى الله عليه وسلم # ودخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا، ثم قال: أحسنت ~~إليك؟ قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. وقال الرسول لأصحابه: إني لو تركتكم ~~حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار. # إنه محمد النبي الرحيم بأمته من المؤمنين، فما أراد لهم إلا الخير، وإلا الرحمة من ~~الله، مهما ينله من أذى، حتى لقد كان يقول: «رحمه الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من ~~هذا فصبر.» # وكيف لا يعفو رسول الله محمد وقد أدبه ربه ~~بالقرآن، فقد ورد عن سعد بن هشام، قال: دخلت عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن أخلاق ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت: ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: كان خلق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # القرآن، وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى: # خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~، وقوله: # واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور ~~، وقوله: # فاعف عنهم واصفح إن ~~الله يحب المحسنين ~~. # ولما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد، وجعل الدم يسيل منه وهو يمسحه ويقول: ~~كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ أنزل الله عليه الآية: # ليس لك من الأمر شيء ~~، فهو إذن أفضل من ~~أدب بالقرآن وأدب به؛ ولذلك قال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.» # أجل، لقد كان الرسول المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ومنه يشرق النور على أمته ~~وكافة الخلائق، لقد كان في حياته وأعماله وصفاته وأخلاقه دروس للناس في هذه الحياة، ~~هذه الدروس التي كانت وما زالت خير المبادئ والتعاليم، فأصبحنا نتناساها حتى صرنا إلى ~~ما نحن فيه من تأخر وتدهور وذلة وانحطاط وهوان. ~~••• # وتمثلت الرسول # صلى الله عليه وسلم # وقد أمن أهل مكة ~~وهو يطوف البيت، فلما دخل الكعبة ورأى فيها الأصنام أخذ يكسرها وهو يقول: «جاء الحق ~~وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.» وكان بيده الشريفة قضيب، ms055 فما أشار به إلى صنم من ~~أمامه إلا استلقى على قفاه، أو من خلفه إلا انكب على وجهه، ورأى فيها صورة إبراهيم ~~وفي يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن ~~إبراهيم والأزلام! ثم أمر بتلك الصور فطمست. # وقام الرسول على الصفا يدعو الله تعالى ويحمده على هذا الفتح المبين، وقد أحدقت حوله ~~الأنصار، فقال بعضهم لبعض: أتظنون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يرجع إليكم وقد فتح الله عليه ~~أرضه وبلده؟ # فلما فرغ الرسول من دعائه قال: ماذا تقولون يا معشر الأنصار؟ قالوا: لا شيء يا رسول ~~الله. فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: معاذ الله، المحيا محياكم، والممات ~~مماتكم. # بينا كانت كل هاتيك الخواطر عن هذه الحادثات ~~الخالدات تمر سراعا أمام عيني مخيلتي، كنا قد وصلنا إلى جدة، ومنها واصلنا السير ~~إلى يثرب في ذلك الطريق المعبد المجاور للبحر، وقد أخذت السيارة تقطعه في سرعة ~~وسهولة، وقد زاد متعة النفس ما كنت أشاهده من مناظر طبيعية، لا أغالي إذا قلت إنها ~~أبدع ما صنعته قدرة الخلاق في هذا الكون؛ مناظر متمازجة أيما تمازج بين ماء وسماء ~~وصحراء، فسبحان المبدع الأعظم! # وذكرت وأنا في ذلك الطريق الطويل ما كان عليه في الماضي من وعورة، وكم لاقى من ~~وعورته صحابة محمد من الغزاة الفاتحين، وقد بعث بهم بالسرايا يدعون الناس إلى الإسلام، ~~ثم ذكرت كيف كان محمد يدعو كل أمير على سرية إلى أن يبشر بالدعوة بالحسنى فلا يقاتل. ~~فكانت القبائل والوفود تدخل في دين الله أفواجا حتى أعز الله الإسلام، ولم يعد أمام ~~محمد إلا أن يعلم جيله، وبدأ بصحابته الذين كان يعلم أنهم سيكونون من بعده أساتذة ~~الأجيال المقبلة، جيلا بعد جيل، فأتباع الصحابة تعلموا عن الصحابة، وتابعو ~~التابعين تعلموا عن التابعين، وبذلك وضع محمد تعاليم الدين أساسا لملكه، فكان ملكه ~~هو المثل الأعلى بين الأمم والشعوب، بل إنه قد غلب ملك كسرى، وملك هرقل، وملك ~~المقوقس، وغالبت ms056 مدنيته جميع المدنيات وغلبتها. # وضع محمد قوانينه، فكانت وما زالت حتى اليوم خير القوانين وأدعمها أسسا، وأقواها ~~أثرا، وأعمها نفعا. وضع قوانينه المستمدة من القرآن ، فنظمت الزكاة والمال والاقتصاد ~~والصحة والزواج والطلاق والعتق والإرث وما إلى ذلك، بل إنه وضع كل تشريع ما زال ~~الغربيون إلى اليوم يرجعون إليه ويستمدون منه إذا غم عليهم، وإذا ادلهمت أمورهم، ~~وإذا سارت شئونهم في طريق الزلل والشطط والضلال. # الرسول يودع الدنيا # أدى محمد الرسالة، وأبلغ الأمانة بعد طول جلاد وجهاد، حتى لقد صعدت روحه إلى الرفيق ~~الأعلى فتخير الآجلة على العاجلة. فلما قضت إرادة الله خرج على الناس فخطبهم، وتحلل ~~منهم، وصلى على شهداء أحد واستغفر لهم، ثم قال ما معناه: إن عبدا من عباد الله ~~خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده. # وفهم أبو بكر قول الرسول، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فقال: على رسلك ~~يا أبا بكر. ثم جمع رسول الله أصحابه فرحب بهم وعيناه تدمعان، ودعا لهم كثيرا، وقال: ~~أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستحلفه لكم، وأودعكم إليه، إني لكم نذير وبشير، ~~ألا تعلوا على الله في بلاده وعباده، فإنه قال لي ولكم: # تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين ~~. # كيف توفي الرسول؟ # روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: في آخر مرض رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، اضطجع في ~~حجري، فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر إليه الرسول، فعرفت أنه ~~يريد السواك، فعرضته عليه بعد أن مضغته ولينته، فتناوله بيده الشريفة، وأخذ ~~يستن به بشدة، ثم ألقاه بجواره، وثقل علي فنظرت إليه، فإذا بصره قد شخص وأخذ يقول: ~~«بل الرفيق الأعلى من الجنة.» # فقالت عائشة: «خيرت فاخترت، والذي بعثك بالحق.» ثم توفي # صلى الله عليه وسلم ~~، فوضعت ~~عائشة رأسه على وسادة، وأخذت تضرب وجهها. # وذكرت، وقد انتشر بين العرب من أهل يثرب نبأ الفاجعة، كيف قام عمر بن الخطاب ms057 - رضي ~~الله عنه - في الناس، وقال: «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد ~~توفي، والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه ~~أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل إنه مات، والله ليرجعن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كما ~~رجع موسى، وسأقطع أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مات.» # وذكرت كيف أقبل أبو بكر وقد كان متغيبا، فوجد عمر يخطب الناس، فمضى لا يلتفت إلى ~~شيء حتى دخل المسجد، ثم أدخل على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في بيت عائشة، فوجده مسجى في ~~ناحية من البيت، وعليه برد حبرة، فكشف عن وجهه الشريف، ثم أقبل عليه فقبله، ثم ~~قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبت عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك موتة بعدها ~~أبدا، ثم رد البردة على وجهه # صلى الله عليه وسلم ~~. # وخرج فوجد عمر لا يزال يهدد الناس ويتوعدهم ويرغي ويزبد، نافيا الموت عن ~~الرسول، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، أنصت! ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: # أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حي لا يموت، # وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا ~~. # ثم ذكرت كيف اندهش الناس حين سمعوا هذه الآية، فقد خيل إليهم أنهم لم يسمعوها إلا ~~حين تلاها عليهم أبو بكر، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن عمر قال: كأني ما سمعت هذه ~~الآية إلا حين تلاها أبو بكر. # وخر عمر على الأرض مغشيا عليه من هول الخطب، وشدة النازلة، ثم إذا أفاق من غشيته ~~دخل على الرسول فوجده تحت الغسل، فأخذ يبكيه ويرثيه، قال: # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان جذع تخطب الناس عليه، فلما كثر ~~الناس اتخذت ms058 منبرا لتسمعهم، فحن الجزع لفراقك حتى جعلت يدك عليه ~~فسكن، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتها. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك ~~طاعته، فقال عز وجل: # من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله ~~. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده جل جلاله أن أخبرك ~~بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب، فقال تعالى: # عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم ~~. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده سبحانه وتعالى أن بعثك ~~آخر الأنبياء، وذكرك في أولهم: # وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم ~~. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده جل شأنه أن أهل النار ~~يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها معذبون: # يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا ~~. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا ~~يتفجر منه الأنهار، فما ذا بأعجب من أصابعك حين نبع فيها الماء. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوها ~~شهر ورواحها شهر، فما ذا بأعجب من البراق حين صعدت عليه إلى السماء السابعة، ~~ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى، ~~فما ذا بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وقالت لك الذراع: لا تأكلني فإني ~~مسمومة. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~، ~~ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت ~~رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، وقلت: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون.» # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك، ما ~~لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره. # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفئا ms059 لك ما جالستنا، ولو ~~لم تنكح إلا كفئا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلا كفئا إليك ما ~~واكلتنا، فلقد والله جالستنا، ونكحت إلينا ، وواكلتنا، ولبست الصوف، ~~وركبت الحمار، وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك ~~تواضعا منك. # بينما كنت أتمثل عمر رضي الله عنه يؤبن الرسول، ويودعه الوداع الأخير، وهو أشد ~~ما يكون حزنا وألما، مرت بخاطري مناظر تلك الجموع الحاشدة؛ جموع الأنصار، وهم أبناء ~~قبيلتي الأوس والخزرج، وقد عقدتا مؤتمرا حينما بلغهما وفاة الرسول. ~~••• # وإنني أقف خاشعا، مأخوذ اللب، شارد الذهن، مذهولا أو أشبه بالمذهول. # وإني لأشعر بيد المدعي تربت على كتفي، وهو ما زال يتلو أدعيته، قائلا: ما لك ~~لا تردد ما أقول؟ # قلت: قل. # قال: قل. وأخذت أردد ما يقول، وهو: «السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام ~~عليك يا سيدي يا حبيب الله، السلام عليك يا خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسيد ولد ~~آدم على الإطلاق، اللهم إني أودعت شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله في ~~هذا المكان المطهر الشريف، إلى يوم الحشد العظيم.» # وعدت فشرد فكري، وعاودني ذهولي، فلم أعد أردد بقية دعاء المدعي، وجعلت روحي ~~تحلق في جو من النور الإلهي الذي يشع على قلوب الزائرين فيضيء جوانبها، ~~ويتسرب إلى صميمها. # وعاد المدعي فلاحظ ما أنا فيه من ذهول، فربت على كتفي، وقال: يا هذا، ~~التفت. # فقلت: إلى أي شيء، وأنا أمام كل شيء؟! # قال: إلى الصديق، أبي بكر. # أبو بكر الصديق # وحييت الصديق تحية الإسلام، ورددت دعاء المدعي وهو يقول: «السلام عليك أيها ~~الصديق، السلام عليك يا ثاني اثنين في الغار، السلام عليك يا أول من صدق ~~بالإسراء، وقال: لأصدقنه حتى لو قال إنه عرج.» # وهنا شرد ذهني من جديد، وذكرت أنني أمام قبر وزير محمد الأول، ومستشاره الأمين، ~~الرمز الأعلى للوفاء، فلم يكن في الدنيا - كما حدثنا التاريخ، وأكبر الظن أن لن ~~يحدثنا التاريخ بعد - مثل للوفاء مثل أبي بكر. ~~••• # تمثلت الأنصار يريدون أن يبايعوا بالإمارة ms060 واحدا منهم دون المهاجرين من قريش، ~~معتقدين أنهم أولى من آله ومن صحبه # صلى الله عليه وسلم ~~. # اجتمع الأنصار في مؤتمر عقدوه في سقيفة بني سعد، وكان سعد زعيم الأنصار مريضا، إلا ~~أنه لذلك الحدث الجلل ولشغور منصب الإمارة على المسلمين حملوه على نقالة ~~ليخطبهم، وليدلي إليهم برأيه، ورأيه لديهم هو المطاع، قال: # يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام لم تجتمع لقبيلة من ~~العرب. إن محمدا عليه السلام مكث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة ~~الرحمن وخلع الأوثان، فما آمن به إلا القليل، وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا ~~رسوله، ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به، ~~حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله ~~الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، ~~وكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت ~~العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة طاهرا داخرا، حتى أثخن ~~الله عز وجل لرسوله بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم ~~راض، وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر دون سائر الناس، فإنه لكم دون ~~الناس. # ورأيت بعيني مخيلتي وقد ساد الهرج والمرج جموع الأنصار، وأخذوا يتصايحون ~~فيما بينهم: إن الإمارة لنا، فإن أبت مهاجرة قريش إلا أن يقولوا إنا المهاجرون ~~وصحابة رسول الله الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فليكن منا أمير ومنهم ~~أمير. # هنا رأيت سعدا وقد أفتر لونه واصفر، وغضب غضبا شديدا، ورفع صوته فيهم قائلا: ~~«هذا أول الوهن.» في تلك الآونة تمثلت أبا بكر وعمر وقد دخلا على جموع الأنصار بعد ~~أن سمعا قولة سعد، فسارع عمر إلى الكلام، ولكن أبا بكر ربت على كتفه وقال: ~~«أنصت يا ابن الخطاب.» ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: # بسم الله الرحمن الرحيم، إن الله قد بعث محمدا رسولا إلى خلقه، وشهيدا على ~~أمته؛ ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دون الله آلهة ms061 شتى ويزعمون أنها ~~لهم عنده شافعة ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~، ~~وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى ~~. # فعظم عند العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من ~~قومه بتصديقه والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ~~وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، ~~وشنف الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن ~~بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ~~ينازعهم ذلك إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين، ~~ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ولرسوله وجعل ~~إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا ~~بمنزلكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولا تفتاتون بمشورة ولا تقضى دونكم ~~الأمور. # وهنا رأيت أحد كبار الأنصار ينهض منافحا مدافعا يرد على أبي بكر قائلا: ~~«يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولا يجترئ ~~مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والثروة، وأولو ~~العدد والمنعة والتجربة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا ~~تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقص عليكم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم ~~أمير.» # وهنا رأيت عمر رضي الله عنه يندفع إلى القول بصوت جهير، قال: «هيهات، لا يجتمع سيفان ~~في قراب واحد، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيهم من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع ~~أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من ~~العرب الحجة الظاهرة، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا ~~مدل بباطل ومتجانف لإثم، أو متورط في هلكة.» # وهنا رأيت بعين المخيلة كبيرا من كبار الأنصار يدعى الحباب، وقد هب من مجلسه ms062 ~~معترضا يقول: «يا معشر الأنصار، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فإن أبوا عليكم ما ~~سمعتموه فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا ~~الأمر منهم، فبأسيافكم دان بهذا الدين من دان، أنا جذيلها المحكك، ~~وعذيقها المرجب، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة.» # قال عمر: إذن يقتلك الله. # وهنا انبرى أبو عبيدة بن الجراح قائلا: «يا معشر الأنصار، لا تكونوا أول من بدل ~~وغير، فأنتم أول من آزر وناصر.» # ثم هب بشير بن سعد أبو النعمان الأنصاري، وهو زعيم قبيلة الخزرج، وقال: «يا معشر ~~الأنصار، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين، ما أردنا ~~به إلا رضاء ربنا وطاعة نبينا في الكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك، ~~ولا أن نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي المنة علينا بذلك، واعلموا أن محمدا من ~~قريش، وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا ~~الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.» # قال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا. # فقال عمر وأبو عبيدة في صوت واحد: إنك ثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله ~~على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا يبغي أن يتقدمك؟ ابسط يدك نبايعك. ~~فسبقهما بشير بن سعد الخزرجي. # وهنا قال كبار قبيلة الأوس: والله لئن لم نسرع إلى المبايعة لتسبقنا الخزرج ~~بالفضل. # ثم رأيت بعين المخيلة الناس مقبلين على مبايعة أبي بكر. # وتمثلت أبا بكر وقد وقف موقفيه الخالدين اللذين بفضلهما - بعد فضل الله ونعمته على ~~المسلمين - عادت كلمة الإسلام إلى الوحدة، وعادت قبائل العرب إلى الالتئام والوئام، بعد ~~ما كان يهددهم من عداوة وخصام. # ورأيت أبا بكر رضي الله عنه وقد بايعته العرب يقف بينهم خطيبا مبينا لهم برنامج ~~سياسته التي يتبعها لإصلاح شئونهم ونشر دين الله وإعزاز الإسلام، وتوطيد أركانه بعون ~~الله. # خطبة أبي بكر # قال أبو بكر: «أيها الناس، قد وليت عليكم ms063 ولست بخير منكم، فإن أحسنت فأعينوني، ~~وإن صدفت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، ~~والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله.» # ثم قال: «لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما ~~أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم ~~الله.» # الباب السابع # | خلافة أبي بكر # هذا هو الرجل المديد القامة، النحيف الجسم، الذي رأيته بعيني مخيلتي لا يفارق ظل صاحبه ~~محمد منذ بداية مهاجرتهما من مكة حتى دخولهما «المدينة»، هذا هو أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه أتمثله الآن وهو خارج من داره صبيحة اليوم التالي لمبايعته بالخلافة، وقد حمل على عاتقه ~~حزمة من أقمشة يريد عرضها في الأسواق. # وأتمثله وقد قابله عمر مصادفة في الطريق، وإذا به يستوقفه ويسأله عن وجهته، فيقول: هذه ~~بضاعتي أقصد بها إلى السوق. # فتمتلك الدهشة عمر، ويقول: لم تعد تاجر الأقمشة يا أبا بكر، إنك الآن خليفة رسول الله، ~~تنفذ شريعته، وتقضي في المسلمين بما أمر الله، وترعى شئونهم، وتخدم مصالحهم. ~~- ومن أين أعيش؟ ~~- إنك لتخدم المسلمين، وفي عنقهم لك أجر تتقاضاه شهريا (وكان مبلغا يقرب من سبعة ~~جنيهات) من بيت مالهم، كما كان يفعل الرسول. # ويترك أبو بكر التجارة، ويتربع على دست الخلافة، فالله أكبر. # إن أبا بكر ليس بالرجل الأسيف، إنه لشديد البأس، لا تأخذه هوادة في تنفيذ تعاليم محمد ~~وسنته وكتاب الله المبين. # أعمال أبي بكر # لقد لاحظ أبو بكر طموح المسلمين إلى الفتح، فسير الجيوش منهم شرقا وغربا وشمالا ~~وجنوبا، وكان أول ما فعله تنفيذ أمر الرسول بإرسال جيش أسامة لمعاقبة قبيلة قضاعة ~~إحدى قبائل الشام من المشركين. # كانت تجريدة تأديب كبرى جردها الرسول قبيل وفاته، وجعل على إمارتها أسامة بن زيد، ~~وكان مولى من الموالي، وشابا أو على الأصح فتى في الثامنة عشرة من عمره، فما كان ~~كبار المسلمين يظنون إلا أنه فتى مراهق لا ms064 يحسن فن القيادة، بل كانوا يتوهمون أنه ليس ~~في سن تهيئه للبطش والضرب والنزال، ولكن من ذا عساه كان ذلك الذي يستطيع مراجعة ~~محمد، والمسلمون يعتقدون، بل إنهم ليؤمنون بأن كل أعمال محمد هي بأمر الله، وأن كل شأن ~~من الشئون يجري بإرادة الله، وأنه لا ينطق عن الهوى. # وحاول أولئك المتذمرون أن يعقدوا لواء التجريدة على أمير غير أسامة، ولكن أبا بكر لم ~~يكن الرجل الأسيف، ولكنه كان الرجل الأمين على تعاليم محمد، الشديد العزم والحزم في ~~معالجة الأمور، حتى لقد أمسك بلحية عمر حين رأى منه ميلا إلى مشايعة المعترضين في ~~رأيهم، وقال: «حتى أنت يا عمر؟!» وفي رواية أخرى: «ثكلتك أمك يا ابن الخطاب.» # والتفت أبو بكر إلى أولئك المعارضين، ليشعرهم بأنه لا يجوز أن يستعمل الرسول أسامة ~~في قيادة الجيش ثم يأتي أبو بكر بعد وفاته فينزعه من مكانه، أو يغير أو يبدل من ~~شريعة الرسول وسنته، فقال: «والله لو منعتموني عقال بعير كنتم تؤدونه للرسول ~~لحاربتكم.» # وأثلج صدر عمر ما شاهده في أبي بكر من شدة عزم، وقوة حزم، وتمت الإمارة فعلا ~~لأسامة. ~~••• # لقد فعل أبو بكر رضي الله عنه أكثر من هذا، وأعظم من هذا، وأجل من هذا، لقد علم ~~الجيش من كبار رجاله الانصياع إلى الطاعة، وحب النظام، والجري في الحرب على سنن ~~الإنسانية والرجولة والنخوة، والتحلي بجميع صفات الجندية الحقة. # أما الطاعة وحب النظام فقد مثلهما أبو بكر في خروجه مع الجيش إلى ظاهر المدينة وهو ~~سائر على قدميه خلف أسامة الذي كان ممتطيا صهوة جواده، خليفة رسول رب العالمين يمشي ~~وأسامة يركب! فإذا قال له أسامة: «يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن»، أجابه في ~~تواضع رفيع، بل هو الرفعة كل الرفعة: «والله لا نزلت، ولا ركبت، وما علي أن أغبر ~~قدمي ساعة في سبيل الله.» # وإنها لعمري المثل الأعلى لمظاهر الطاعة. # وقبيل توديع أبي بكر للجيش استأذن أسامة في أن يسمح بتخلف عمر في المدينة ليعاونه ~~كوزير على تفقد شئون ms065 المسلمين، فقبل أسامة راضيا مرتاحا. # وإن في ذلك لمثلا أعلى لحب النظام. # وخطب أبو بكر الجيش يعلمه ويوصيه بالرجولة ومراعاة الإنسانية في الحرب والقتال، فقال : # لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ~~ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا ~~شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل. # وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم ~~له، وسوف تقدمون على قوم فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، ~~فاخفقوهم خفقا، ثم ودعهم قائلا: اندفعوا باسم الله. # فهل يوجد في العالم اليوم قادة شعب أو زعماء أمة يجرءون على الدعوى بأنهم متمدنون ~~متحضرون يرعون مبادئ الإنسانية في الحرب الآن كما كان عليه العرب، بل المسلمون، من ~~عظم الأخلاق والإنسانية في القديم؟ ~~••• # حقا، لقد كانت الخلافة في بدايتها في حاجة إلى خليفة كأبي بكر في حزمه وعزمه، فبهما ~~تمكن من التغلب على ما واجهه من المشكلات والمعضلات، واستطاع أن يحتفظ بوحدة ~~الإسلام، فحارب أهل الردة جميعا حتى عادوا إلى حظيرة الدين، واشتدت شكيمة المسلمين، ~~وتألفت من قبائلهم الجيوش الجرارة وعلى رأسها الأبطال المغاوير، والغزاة ~~الميامين. # وما كان أبو بكر إلا خليفة الرسول، ينفذ تعاليمه، ويعمل لرفع شأن الدين، وأمة ~~المسلمين، لا تأخذه في ذلك مجاملة كبير، ولا رعاية قائد، ألم يؤنب خالد بن الوليد، ~~سيف الله المسلول، لأنه ترك الجند يقاتلون في العراق وأسرع لأداء فريضة الحج، ثم عاد ~~إلى جنده يستأنف قيادته لهم في القتال. # لم يتركها أبو بكر تمر، فقد خلعه من إمارة جيش العراق، وأسند إليه قيادة الجيش ~~المسير على الروم. # نعم، إنها كانت مهمة أخطر من تلك التي نزع منها، ولكنها تشير في ذاتها إلى عدم رضا ~~من أبي بكر خليفة الرسول. # فتوحات أبي بكر # مرت بذاكرتي كل تلك الحوادث وأنا ما زلت واقفا أمام قبر الصديق رضي الله عنه وإذا بي ~~أشعر بيد المدعي تربت على كتفي وهو يقول: هلا رددت الأدعية؟ # قلت: نعم. ms066 # وأخذ المدعي يقول أدعية كثيرة مستفيضة، كنت لا أعي شيئا منها؛ لأن مخيلتي كانت محلقة ~~في الجو الذي سمت فيه محبة أبي بكر في قلوب رفاقه من صحابة الرسول الأجلاء، ومن قواد ~~جيشه، ومن أجناد جيوش المسلمين أجمعين، حتى لقد كانوا كلهم طواعية لنواهيه، ممتثلين ~~لأوامره، يسارعون إلى تلبية ندائه، فقد وجدوا منه الخليفة العظيم حقا الذي لا يمكن أن ~~يحيد قيد أنملة عن كتاب الله وسنة الرسول. # ولا غرو أن يكون المسلمون - على الرغم من قلة عددهم وعدتهم - ذوي بأس شديد في ~~الحروب في عهده، بل لقد بلغوا أبعد من هذا، فقد استطاع جيش خالد بن الوليد وهو لم يزد ~~عدده على ثلاثين ألفا أن يهزم جيش الروم الذي كان عدده يزيد على الربع مليون مقاتل! ~~ولكن شتان بين الجيشين، فلقد كان جيش المسلمين يقاتل في سبيل الذود عن دين الله وفي ~~سبيل نصره وتأييده ونشره، وإخضاع أمم العالم تحت لوائه شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ~~حتى لقد قال ابن الوليد: «ما أقل الروم! إن الجيوش إنما تستكثر بالنصر وتقل ~~بالخذلان.» # متانة الأخلاق # ومرت بذاكرتي في تلك الآونة تلك المزايا الباهرة التي انطبعت في نفس الصديق خليفة ~~الرسول، فلقد كان عهده عهد عظمة عاجلة متوثبة، مستمدة من متانة خلقه، ولقد كانت هذه ~~المتانة الخلقية تنطبع في نفوس رفاقه وقواده وأجناده جميعا، وذكرت إذ ذاك كيف أن ~~خالد بن الوليد حين خشي أن تتفرق وحدة الجيش بعامل حب الرياسة وتسلطه على نفوس ~~الضباط، جمعهم وصلى بهم وخطب فيهم ناصحا، فقال: «هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه ~~الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأرضوا الله بعملكم، فإن هذا اليوم له ما بعده، ولا ~~تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة وأنتم متساندون، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من ~~وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه ~~الرأي من واليكم ومحبته.» قالوا: «هات، فما الرأي؟» قال: «إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو ~~يرى ms067 أننا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على ~~المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا قد فرقت ~~بينكم، فالله الله! فلقد أفرد كل رجل منكم ببلد لا ينقصه منه إن دان لأحد من أمراء ~~الجنود، ولا يزيده عليه إن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هلموا، فإن هؤلاء قد تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى ~~خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لن نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن ~~بعضنا علينا اليوم والآخر غدا، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني ألكم ~~اليوم.» فأمروه فعلا، وزال من نفوسهم ما كان من عوامل التفرق والتخاذل. # وإذن فإن من متانة خلق أبي بكر استمد ابن الوليد منها متانة خلقه، كما استمدها ~~القواد والأجناد وعمال الإيالات وأمراؤها. # عفة نفس أبي بكر # إن جميع نواحي أبي بكر الخلقية باهرة فاخرة، فلقد مرت بأجمعها أمام مخيلتي، ~~فبهرتني وملكت على نفسي، سيما عفة نفسه وعيشه على الكفاف، وزهده وتقشفه، حتى إنه يعزف ~~عن أكل الحلوى لكيلا يرهق براتبه القليل بيت المال. # ذكرت قصته مع زوجه رضي الله عنهما حين اشتهت حلوا، وقال لها: «ليس لدينا ما نشتري ~~به هذا الحلو.» فأجابته أنها ستقتصد من النفقة عدة أيام حتى يتجمع لها ما يمكن به صنع ~~الحلو، فوافقها، ولما جمعت ما جمعت رده إلى بيت المال قائلا: «هذا يفضل عن ~~قوتنا»، ثم أنقص بمقداره من النفقة المخصصة له. # وذكرت وصيته لابنته عائشة رضي الله عنها وقوله لها: «إذا أنا مت فردي إلى ~~المسلمين صفحتهم، وعبدهم، ولقحتهم، ورحاهم، ودثارة ما فوقي اتقيت به البرد، ~~ودثارة ما تحتي اتقيت بها أذى الأرض، كان حشوها قطع السعف.» # بل لقد أوصى بأرضه بعد موته للمسلمين مقابل ما أخذه في حياته من أموالهم. # عفة نفس ما أجلها وأشرفها! # ولا عجب، فإن أبا بكر قد تنزه عن ms068 كل كبوة، وشهد له بذلك الرسول # صلى الله عليه وسلم # إذ قال: ~~«ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة غير أبي بكر .» # وفضلا عن ذلك فقد شهد له الرسول بالجنة، وبعتقه من النار، وأخبر بخلافته تلميحا حين ~~قال لامرأة: «إن لم تجديني فإنك تجدين أبا بكر.» # وشهد أبو بكر مع الرسول المشاهد كلها، وأعتق سبعة عبيد كانوا يعذبون قبل عتقهم في ~~الله، منهم «بلال»، الصحابي الجليل. # وكان أول من سمى ما كتب فيه القرآن مصحفا، وأول من سمي خليفة، وأول خليفة ~~ولي وأبوه حي، وأول خليفة فرضت له رعيته نفقة. # وكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين العبد ~~والحر. ~~••• # شعرت بالمدعي وهو يهزني من كتفي ويقول: ما بالك يا هذا؟ # قلت: ماذا؟ # قال: إني لا أجدك تدعو شيئا. # قلت: كيف! ثم استطردت: «اللهم إني أودعت الشهادة بالوحدانية لله، والرسالة لمحمد، ~~في هذا المكان الطاهر إلى يوم يبعثون.» # والتفت إلي المدعي قائلا: وهذا هو قبر عمر، إلى جانب قبر أبي بكر. # الباب الثامن # | خلافة أمير المؤمنين عمر # حقا، إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد ~~القوى، وقد دعا ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين، فكان أن أسلم عمر بن الخطاب. # نعم، ذكرت في تلك اللحظة كيف أسلم عمر بعد أن خرج من داره متوشحا بسيفه وهو يعتزم قتل ~~الرسول، فإذا به بعد ساعات يعتنق الدين الذي يبشر به محمد، وإذا به بعد ذلك يضحي له ~~ركنا ركينا، وحصنا منيعا. # في دار الخيزران # وهل تدري كيف أسلم عمر؟ هل تدري كيف انقلب ذلك الشر الذي كان يريده بالإسلام إلى خير ~~ناله الإسلام بخلافة عمر؟ # كان عمر في ذلك الوقت أشد ما يكون غضبا وموجدة على رسول الله، فخرج متوشحا ~~بسيفه كما قلنا يبحث عن محمد وصحبه، فلقيه في الطريق نعيم بن عبد الله، فسأله عن وجهته، ~~فقال: «أريد محمدا، أريد هذا الذي عاب ms069 ديننا، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، ~~فأقتله.» # فقال نعيم: «لقد غرتك نفسك من نفسك! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد ~~قتلت محمدا؟ أفلا رجعت إلى أهل بيتك فقومت أمرهم؟» # فقال عمر مستنكرا: «ومن تقصد بأهل بيتي؟» # فقال نعيم: «أختك فاطمة، وابن عمك سعيد بن زيد، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على ~~دينه، فعليك أولا بهما!» # هال عمر ما سمع، وعاد أدراجه إلى داره لينزل بأخته وابن عمه أشد القصاص، إن لم ~~يفتك بهما، وكان عندهما خباب بن الأرت، وكان هذا يقرأ في صفحة كتبت فيها «سورة ~~طه» حين قدم عمر وطرق الباب. # سمعوا صوت عمر، فاختبأ خباب في جانب الدار، وأخذت فاطمة الصفحة وأخفتها تحت فخذها، ~~فلما دخل عمر والشر يكاد يتطاير من عينيه، قال: «كنت أسمع شيئا، وقد أخبرت أنكما ~~تابعتما محمدا على دينه.» # ثم بطش بابن عمه، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فاعتدى عليها وشج رأسها، فلما ~~شاهد سعيد منه ذلك قال: «لقد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.» # فلما رأى عمر الدم يسيل من رأس أخته وتبين إصرارها على دينها، وأيقن أن الشدة لا ~~تجدي ولا تنفع، قال لها: «أعطني هذه الصفحة التي كنتم فيها تقرءون؛ لأنظر ما هذا الذي ~~جاء به محمد»، فقالت فاطمة: «إنا نخشاك عليها.» # وأخذت فاطمة عليه المواثيق، واشترطت عليه أن يغتسل فيتطهر، وقد فعل، فأعطته الصفحة ~~طمعا في إسلامه، ولكي يشعر بعظمة القرآن ويدرك معجزة القرآن، وينظر إلى نور القرآن، ~~وليكون من عظمة القرآن ومعجزته ونوره سحر يأخذ بنفس عمر، فيخلصها من الشرك. # تناول عمر الصفحة من يد فاطمة، وتلا: «طه»، وهنا حدثت معجزة القرآن؛ إذ قال عمر: «ما ~~أحسن هذا الكلام وأعظمه!» # وهنا خرج خباب من مخبئه، وقد طفرت من عينيه الدموع، دموع الابتهاج والفرح وهو يقول: ~~اللهم إني أشهد أن هذه معجزة من معجزات الرسول. # لقد سمعته بالأمس يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن ~~الخطاب.» فالله، الله يا عمر. # وهنا ms070 يسأله عمر: «وأين أجد محمدا يا خباب؟» فأجابه خباب قائلا: إنك لتجده في بيت ~~عند الصفا، هو «بيت الخيزران». # أتى عمر دار الخيزران وطرق الباب ، مرددا في صوت أجش ونبرات مختنقة: «أي محمد، يا ~~ابن عبد الله، يا ابن بني عبد مناف.» # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # مجتمعا مع الصحابة الأجلاء داخل الدار، يتذاكرون في شئون ~~الإسلام، وكان عدد الصحابة لا يزيد على العشرين، وكان منهم أبو بكر وحمزة وعلي وغيرهم ~~من أصحاب الرسول # صلى الله عليه وسلم # ممن تسابقوا إلى تلبية الدعوة إلى اعتناق الإسلام بهداية ~~الله. # وتسلل واحد من الصحابة حين سمع صوت عمر إلى باب الدار، وتطلع من ثقبه؛ ليتأكد إن ~~كان هو عمر، فهاله أن وجد عمر متوشحا بسيفه، فعاد وهو يقول: «إن عمر يريد بنا الشر، ~~فهو متوشح بالسيف.» # فقال حمزة (سيف الله القاطع): «لم الفزع؟ دعوني له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، ~~وإن كان يريد شرا فوالله الذي خلق السموات سبعا، والأرض سبعا، وما بينهما وما ~~فوقهما وما تحتهما لأقتلنه بسيفه!» # وأخذ الصحابة يتسابقون إلى افتداء الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان حمزة أشدهم إصرارا، فقال له ~~الرسول: اتركه لي يا حمزة. # ونهض # صلى الله عليه وسلم ~~- وهو فارس الفرسان، وبطل الميدان - وفتح الباب، وأخذ عمر من ردائه، ~~وجذبه جذبة وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك ~~قارعته!» # فقال عمر: جئتك لأؤمن بالله وبرسالتك وبما جاء من عند الله. # فقال الرسول: «الله أكبر! الله أكبر!» # وكانت هذه بشرى علم بها الصحابة وهم داخل الدار بإسلام عمر. # عمر والنور الإلهي # هذا هو عمر، ذلك البدوي الفظ الغليظ القلب في شركه، الذي وأد ابنته حتى ماتت، والذي ~~كان لا يصحو من غشية الخمر، والذي حاول كما قدمنا قتل أخته وزوجها لأنهما أسلما! ~~يعتنق الإسلام، ويصبح إلى جانب أبي بكر بمثابة السمع والبصر لرسول الله؛ إذ جاء في ~~رواية للترمذي: «أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر.» ms071 # حقا، لقد كان إسلام عمر فتحا مبينا، كما كان عهده العهد الذهبي للإسلام والدولة ~~الإسلامية العربية، كان هو نفسه أعدل رجل أودعت في عنقه أمانة الحكم، كان أول أمير ~~للمؤمنين، ذا صلة روحية عليا بخالقه، رأى بالنور الإلهي أن أحد جيوشه في فارس سيقضى ~~عليه، فقال: «يا سارية، الجبل»، وكان العدو يحاول تطويق ذلك الجيش، فلما نبه عمر ~~قائده «سارية» اعتصم بجيشه إلى الجبل، وجعله وراء ظهره ليحميه من الحصار والتطويق، ~~وتمت للمسلمين الغلبة والانتصار. # أجل، إن عمر كان ينظر بالنور الإلهي؛ فقد حدث في واقعة بدر أن المسلمين أسروا من قريش ~~كثيرا من الأسرى، وأراد الرسول أن يشاور أصحابه في شأنهم، وكان أبو بكر رقيق الشعور، ~~فنصح بالعفو عنهم، ولكن عمر قال: اضرب أعناقهم يا رسول الله، لا تأخذك فيهم ~~رحمة. # وهنا قال الرسول ما معناه - وقد نزل الوحي مصدقا لقول عمر: «لو أن عذاب الله قد ~~نزل بهذه الأمة ما نجا غير عمر»؛ إذ قد نزلت الآية الشريفة في هذه المسألة، تقول: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض ~~. # وإذن فقد جاءت هذه الآية مؤيدة لرأي عمر، ولا عجب، أليس هو ينظر بنور الله؟ # عظمة عمر # لم يحدثنا التاريخ منذ أبعد عصوره الغابرة، ولن يحدثنا في الأجيال المقبلة، بعظمة ~~كعظمة عمر، فإنه ما من ملك من ملوك العالم، ولا إمبراطور من أباطرة الدنيا، ولا قيصر من ~~القياصرة، ولا كسرى من الأكاسرة جمع المواهب العالية التي توفرت في عمر. # ولو زعموا أن قد كان هنالك في زمن من الأزمان ملك جمع عشر معشار مواهب عمر ومزاياه، ~~فقد كان ذلك الملك، أو ذلك الكسرى ربيب حضارة ومدنية، أما عمر فقد نبت في الصحراء ~~الجدباء، وسط جهالة وضلالة، فمن أين جاءت له العظمة في كل شيء؟ ومن هو ذا الذي يضارع ~~عمر؟ إننا لا نرى من يدانيه في عدله، ولا في بطولته، ولا في شجاعته، ولا في حكمته، ولا ~~في إدارته، ولا في سياسته، ولا في قيادته، ms072 ولا في عظمة دولته وإمبراطوريته. # عمر ينظم الدولة # عاد المدعي، فأخذ يربت على كتفي وهو يقول: «أفق يا هذا وردد الأدعية التي أتلوها، ~~عليك.» # ثم أخذ يتلو، وأنا في شغل شاغل عنه. # كنت أرى بعيني مخيلتي عمر، وقد جمع مجلس الدولة الأعلى، وكان مؤلفا من: عثمان، ~~وعلي، والعباس، وولده عبد الله، وبعض الصحابة أمثال: خالد بن الوليد، وعبيد الله بن ~~الجراح، ويسألهم: هذا هو مال المسلمين يزداد بسعة الفتح، وقد بلغ ملايين الدنانير، ~~فماذا عسى أن نصنع؟ إنه ليؤلف وزارة للمالية، ثم يجمع المجلس ويستشيره في تعيين عمال ~~على الإيالات، وقضاة، ويجعل على أولئك مفتشين. # إنه لنظام في السياسة والإدارة، دقيق محكم، ليس كمثله نظام حتى في هذا العصر الذي ~~زعموا أنه عصر العلم والحضارة العظمى. # كان أول ما أخذ عمر به نفسه ذلك العهد الذي قطعه على نفسه في أول خطبة بعد توليه ~~الخلافة، فقد قال: # إنما مثل العرب كمثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده أين يقوده؟ أما ~~أنا، فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق. # التفتيش على الحكام # رأى عمر أن يجعل مصاريف سرية لقواد الجيش، وكانت تبلغ في بعض الأحايين عشرات الألوف ~~من الدنانير، وقد بلغه أن خالد بن الوليد أنفق عشرة آلاف درهم قد منحها لأحد الشعراء، ~~وهو الأشعث بن قيس، فأرسل إليه يعزله بعد التحقيق معه، فمن ذا عساه قد أرسل؟ # إنه أرسل بلالا. # قال خالد: وأمسك بلال بعنقي وعقلني بعمامته وهو يقول: «إن أمير المؤمنين يريد أن يعرف ~~كيف تنفق أموال المسلمين؟» # فقلت: «إنه من مالي الخاص.» # ولكن عمر يعزل خالدا، فسألوه في ذلك قائلين: «إن المال الذي أنفقه خالد هو من ماله ~~الخاص، فلماذا تعزله؟» قال: «لكيلا يعتقد الناس أن النصر بيد خالد!» # ويرضى خالد بأن ينزل حتى يصير ضابطا بسيطا بعد أن كان قائدا، بل أميرا كبيرا من ~~أمراء الجيوش، فالله أكبر! ما أعظم هذه الطاعة! بل ما أعظم عدل عمر وأبلغ حكمته. ~~••• # وجاءت في حق سعيد بن حذيم والي حمص شكاية من ms073 الأهلين، فأرسل عمر في طلب رهط منهم، كما ~~أرسل في طلب سعيد، واستوضحهم أسباب شكواهم في مواجهة واليهم، فقالوا: «إنه لا يخرج ~~إلينا إلا بعد أن ترتفع الشمس قيد نخلتين، وإنه لا يخرج ليلا قط، وإنه يمتنع عنا من ~~يوم الخميس عصرا إلى ما قبل صلاة الجمعة.» # وسكت سعيد، فالتفت إليه أمير المؤمنين عمر. # قال الوالي: «يا أمير المؤمنين، ليس عندي خادم يساعد أهل البيت؛ ولذلك أنا مجبر على ~~أن أعاونهم حتى أنتهي في الضحى، أما امتناعي من الخروج ليلا فقد جعلت النهار لهم، ~~والليل لله سبحانه وتعالى أتعبده فيه، ويأخذ جسمي في بعضه قسطه من الراحة، وأما امتناعي ~~عن الخروج من عصر الخميس إلى ما قبل صلاة الجمعة؛ فذلك لأني أغسل ثيابي وأنتظر حتى تجف، ~~فأخرج للصلاة ثم أتفقد شئونهم.» # فانظروا كيف كان الولاة في عهد عمر، بل انظروا كيف كان عمر يحمل أمته على ~~الطريق! ~~••• # جاءه مرة أن سعد بن أبي وقاص والي الكوفة قد شيد الكوفة تشييدا هندسيا بديعا، ~~وشيد لنفسه دارا للإمارة وعليها باب، فاستشاط عمر غيظا وغضبا، وأرسل إلى سعد ~~جنديا بسيطا، وقال له: «اذهب وأحرق باب الأمير.» # أجل، كان العرب هندسيين، خططوا المدن، ولكنهم كانوا يتمشون على سنن الديمقراطية، فقد ~~كانوا يعرفون أنهم خدم الشعب، لا ينبغي أن يحتجبوا عن الشعب بأبواب. # الحكام والنزاهة وعدالتهم # كان عمر يحصي أموال عماله حين يوليهم، فإذا زادت أموالهم أضاف الزيادة إلى بيت المال؛ ~~لأن الأمراء والحكام والولاة لا ينبغي أن يثروا وهم في خدمة الشعب من أموال ~~الشعب. # لقد خطب عمر الناس، فقال: # يا أيها الناس! إني، والله، ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ~~ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، ويقضوا بينكم ~~بالحق، ويحكموا بينكم بالعدل، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي ~~نفس عمر بيده لأقصنه منه. # ووثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان رجل من أمراء المسلمين على ~~رعيته فأدب بعض رعيته، إنك لتقصه منه؟ # قال ms074 عمر: إي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقتص من نفسه؟! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم ~~فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. # كان عمر إذا بعث عماله اشترط عليهم: «أن لا تركبوا برذونا، ولا تأكلوا نقيا، ولا ~~تلبسوا رقيقا، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، إن فعلتم شيئا من ذلك حلت بكم ~~العقوبة.» # القضاء في عهد عمر # كان عمر أرحم على العدل من الرحمة ذاتها؛ ولذلك جعل إلى جانب عماله قضاة خصهم ~~بالفصل بين الناس بالحق، وكان يرسل إليهم الأوامر التي تعتبر لائحة داخلية للقضاء، بل ~~إنها لخير اللوائح والقوانين، وإليكم مثالا من هذه الأوامر بعث به إلى أبي موسى ~~الأشعري، وهو من نعرف عدلا وحكمة وحسن بلاء في الحروب، قال عمر: # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير ~~المؤمنين إلى عبد الله بن قيس # سلام عليك، أما بعد: فإن القضاء فريضة ~~محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ ~~له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ~~ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز ~~بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، لا يمنعك قضاء قضيته ~~اليوم، فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق ~~قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم! الفهم! فيما تلجلج في ~~صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ~~ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها. واجعل لمن ادعى حقا غائبا ~~حدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى ~~للشك، وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو ~~مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم ~~السرائر، ms075 ودرأ بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم، ~~والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم به الله الأجر، أو يحسن ~~به الذكر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن ~~تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب الله في ~~عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام. # حقا إن هذه هي أسس العدل، وقد أنشأ عمر مملكته عليها، والعدل أساس الملك. # عمر والمساواة بين الرعية # ثم مثل لي عمر، وكيف كان لا يعرف طريقا لمجاملة كبير، فالأمير والحقير لديه سيان، ~~وابن الأمير لا يعلو على ابن الصغير، ثم ذكرت ما حدث من اعتداء ابن عمرو بن العاص على ~~ابن رجل فقير في مصر، وحضور الرجل وابنه إلى المدينة؛ حيث شكا الوالد أمر ولده إلى أمير ~~المؤمنين الذي استقدم عمرو بن العاص وابنه، فلما مثلا بين يديه في مواجهة شاكييهما، ~~وأدلى الرجل بشكايته، أمر عمر ولد الرجل أن يضرب ابن عمرو بن العاص وإن كان أبوه ~~حاكما. # وما كان عمر يرضى أن يغتصب الحكام أراضي الرعية أو أموالهم، فقد حدث أن جار عمرو بن ~~العاص على قطعة أرض لامرأة عجوز مسكينة قبطية، وضمها إلى الأرض التي شيد عليها مسجده، ~~فجاءت المرأة إلى المدينة تسعى، فلما قابلت أمير المؤمنين وأفضت له بغصب أرضها بفعل ~~عامله عمرو بن العاص، كتب إليه عمر يقول بعد حمد الله والثناء عليه: # يا ابن العاص، نحن أحق بالعدل من كسرى. # فلما عادت المرأة إلى مصر وأعطت ابن العاص كتاب عمر، وضعه على رأسه إكبارا وإجلالا، ~~وأعطى المرأة عشرة أمثال ثمن أرضها. # عمر وعزوفه عن مال المسلمين # وتمثل في خاطري كيف كان عمر يقتر على نفسه؛ إذ كان يتقاضى من بيت مال المسلمين ما دون ~~كفايته وأهله، إلى حد أنه كان يقترض من أمين بيت المال، فإذا تناول راتب الشهر وفى ~~بما عليه من دين لهذا الأمين. # وذكرت ما كان من أمر بعض أصحاب رسول الله # صلى ms076 الله عليه وسلم # وإشفاقهم على ما وصلت إليه حالة ~~عمر من الضيق وجهد العيش، وكيف اجتمعوا، ومنهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وأتوا أم ~~المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها فأبلغوها بما اعتزموا عمله، وهو زيادة راتب أمير ~~المؤمنين، وطلبوا منها ألا تبلغ أباها، ولكن حفصة أبلغت والدها، فغضب وقال: «من ~~هؤلاء؟! لأسوأنهم.» قالت: «لا سبيل إلى معرفتهم»، قال لها متسائلا: ما أفضل ما اقتنى ~~الرسول من الملابس؟ # قالت: «ثوبان كان يلبسهما للوفد والجمع.» ~~- وأي طعام أصابه أحسن؟ ~~- صرف من شعير يطهى فيكون دسما حلوا. ~~- فأي مبسط له كان أوطأ؟ ~~- كساء ثخين نربعه في الصيف، فإذا جاء الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه. ~~- إذن فأبلغيهم يا حفصة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قدر فوضع الأمور في مواضعها، وتبلغ ~~بالترجية، وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول لسبيله وقد تزود ~~فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك سبيله فأفضى إليه، ثم اتبعهما الثالث، فإن لزم ~~طريقهما، ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك طريقا غير طريقهما لم يلقهما. ~~••• # وذكرت كيف كان عمر يطبع ولديه: عبد الله، وعبيد الله، وزوجه على طبعه، كما طبع ~~ولاته وعماله أيضا على الزهد والعزوف عن مال المسلمين. # ولقد روى مالك # 1 # أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا ~~على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: «لو أقدر لكما على ~~أمر أنفعكما به؟» ثم قال: «بلى، ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير ~~المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، ~~فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح»، فقالا: «وددنا ذلك»، ففعل، ~~وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما المدينة باعا وربحا، فلما دفعا ~~المال إلى والدهما قال: «ابنا أمير المؤمنين يستغلان مال المسلمين! أديا المال ~~وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: «ما ينبغي لك ms077 يا أمير المؤمنين هذا، ~~لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه.» فقال عمر: «أديا ...» فسكت عبد الله، وراجعه عبيد ~~الله، فقال رجل من جلسائه: «يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟» # فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله ~~وعبيد الله النصف الآخر من الربح. # هذا عن ولديه، أما عن زوجه فقد مر بخاطري كيف حدث أنه بعد أن تم الصلح بينه وبين ~~ملك الروم وأخذت العلاقات الودية تتمكن أواصرها بينهما، أهدت امرأته بعض الطيب ~~والمشارب إلى امرأة ملك الروم، فجمعت هذه نساءها واستشارتهن فيما تقدمه لامرأة عمر من ~~الهدايا، فأشرن عليها ببعض الهدايا، وكان منها عقد فاخر، فلما رآه عمر أخذه وأمر ~~بالصلاة الجامعة، فاجتمع المسلمون وصلى بهم ركعتين، وقال: «إنه لا خير في أمر أبرم ~~عن غير شورى من أموري، قولوا لي في هدية أهدتها أم كلثوم (أعني امرأته) لامرأة ملك ~~الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم عقدا؟» فقال قائلون: هو لها. فرد عليهم بقوله: «ولكن ~~البريد (الذي أتى بالهدية) بريد المسلمين، والرسول رسولهم، والمسلمون عظموها في صدرها.» ~~ثم أمر بها لبيت مال المسلمين. # اغتيال عمر # ذكرت كل ذلك عن عمر، وهو قطرة من محيط في التحدث عن خلقه العالي، وعدله الذي لا ~~يجارى، وذكرت كيف قتل غيلة وغدرا. # قتل عمر # رأيت بعيني مخيلتي كيف لما كان الصبح يوما ~~من الأيام، وخرج عمر للصلاة، ثم دخل المسجد بعد أن استوت صفوف المصلين، وجاء فكبر ... ~~وكيف دخل أبو لؤلؤة في الناس وفي يده خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات ~~إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي بكير الليثي، وكان خلفه. فلما ~~وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: «أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟» قالوا: نعم، هو ذا، قال: ~~«تقدم فصل»، فصلى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح، ثم احتمل فأدخل داره، ثم دعي ~~له الطبيب، فقال: «أي الشراب أحب إليه؟» فجيء له بنقيع التمر فسقاه، فخرج على حاله من ~~الجرح، ثم ms078 سقاه اللبن، فخرج على حاله، فأيقن أنه ميت، ولم يجد للقضاء حيلة. # وقد توفي عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة، ودفن صبيحة يوم الأربعاء في حجرة عائشة ~~مع صاحبيه محمد وأبي بكر، بعد أن استأذن عائشة في ذلك بعد أن طعن. # الباب التاسع # | في مقابر البقيع # التفت المدعي إلي وهو يقول: «والآن تهيأ للخروج.» # وما كدت أسلم وأفرغ من الصلاة حتى قال لي المدعي: «هيا بنا»، فقلت: «وإلى أين؟» قال: ~~«إلى مقابر البقيع.» # وخرجت من المسجد الشريف وأنا منشرح الصدر، مغتبط النفس، مطمئن الروح، متمنيا المكث في ~~هذه الأرض الطاهرة، بعيدا عن ذلك العالم الموحش المليء بالأرجاس، فسلط الله عليه نار الحرب ~~في هذه الدنيا، كما أنذر الكافرين والمشركين والمفسدين بما سيلاقون في الآخرة من عذاب النار ~~في الجحيم. ~~••• # أشار المدعي بعد خروجنا من المسجد الشريف وقال: ها هو ذا البقيع لا يبعد خمسين خطوة، وها ~~نحن أولاء مقبلون عليه. # صعدنا ربوة انتشرت فوقها قبور من الأحجار السود، وكنت خاشع النفس في إطراق وتفكير، ~~فشعرت بيد المدعي تربت على كتفي وهو يقول: «عرج يمينا»، ففعلت، ثم قال المدعي: أنت تقف ~~الآن أمام قبر زوجات الرسول # صلى الله عليه وسلم # فانحنيت إجلالا وقلت: السلام عليكن يا زوجات رسول ~~الله، وأخذ المدعي يتلو أدعيته وأنا أشعر الشعور الذي يتملكني حين أجوس خلال الجنة، فقد كنت ~~حقا في الجنة. # كان يتملكني كذلك شعور بأني لست أهلا لأن أسير بين هذه القبور الطاهرة، وكنت كمن يخشى ~~أن يبعث أولئك الكرام من مراقدهم، ويتمعنون في من ذروة رأسي حتى أخمص قدمي، ويقولون: ~~«هذا رجل من مجتمع تجرد من جميع الصفات الطيبة، والفضائل الإنسانية.» # نعم، إنهم ينظرون إلى ثوبي الحريري، وطربوشي الأحمر، وإلى مظلتي، فيظنونني أضحوكة أتت ~~لأهل المدينة. # لذلك كنت أمشي وأنا في خوف وخشية من أن أقض مضاجع أولئك الأبطال، وكيف لا أخاف ولا ~~أشعر بالخشية وأنا أسير بين علماء أعلام، وقواد عظام، وحكماء وفلاسفة، وأطباء عباقرة، ~~وقضاة مجتهدين، وفقهاء ثقات، وما إلى ms079 أولئك من أعضاء مجتمع يختلف عن مجتمعنا في الملبس ~~والعقائد والعادات اختلافا جوهريا. # زوجات الرسول وزعيمات النساء # حين وقفت أمام قبر زوجات الرسول وأقرأتهن السلام كما سبق أن وصفت، كانت مخيلتي ~~مشغولة بحياة الرسول الزوجية. # لقد كان محمد أمينا، بل هو المثل الأعلى في الأمانة والصدق والوفاء، فتزوج خديجة رضي ~~الله عنها وهو في الخامسة والعشرين، في حين أنها تكبره؛ إذ كانت في الأربعين، كما كانت ~~ثيبا، وإذن فلم يكن زواجه بها زواج متعة، وكذلك لم تكن زيجاته كلها للمتعة، ولكنها ~~كانت لأشرف الغايات، وأنبل المقاصد، وما تقول المتقولون إلا زورا وبهتانا. # لقد دامت حياة محمد مع خديجة خمسا وعشرين سنة، فماتت وهو في الخمسين، فحزن # صلى الله عليه وسلم # عليها أشد الحزن، ولم يتزوج إلا بعد أن اضطرته دواع اجتماعية وتشريعية وسياسية إلى ~~الزواج. # تزوج محمد بعد وفاة خديجة بزوجته الثانية: سودة بنت زمعة، من قبيلة بني عامر ~~العزيزة الجانب لدواع اجتماعية. # لقد كان يريد خطب ود هذه القبيلة، وقد خطبتها عليه خولة بنت حكيم؛ إذ زارته يوما ~~للتعزية في وفاة خديجة، فوجدته مهموما حزينا أشد الحزن، فقالت له: أراك يا محمد قد ~~أسرفت في الحزن. # فقال: أجل، هي أم العيال، وربة البيت. # قالت: أفأخطب عليك؟ # قال: إن شئت، فإنكن معشر النساء أرفق بذلك. # فخطبت عليه سودة وتزوج بها. # أما زواجه بعائشة فقد كان تقديرا منه # صلى الله عليه وسلم # لوفاء أبي بكر، والمصاهرة أقل ما يكون ~~من جزاء لصداقة ذلك الصحابي الصديق، والخليفة الأول العظيم. # وليس أبلغ في الدلالة على أن زيجات الرسول لم تكن للمتعة من أنه تزوج بعد عائشة، مع ~~أنها كريمة أقرب الصحابة إليه، وكانت من أجمل النساء، فضلا عن صغر سنها؛ إذ تزوج بها ~~وكانت في التاسعة من عمرها، وكان يميل إليها كل الميل، فقد روي أنه قال يوما لها ما ~~معناه: يا عائشة، إن حبك في قلبي كالعروة الوثقى. # وكانت عائشة تتيه على الرسول؛ إذ كانت تقول له: ما حال العروة يا رسول ms080 الله؟ # فكان يجيب بما معناه: إنها على حالها، لم تتبدل ولم تتغير. # فلو أن زيجاته كانت للمتعة لكان له من عائشة خير متعة. # وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم # مثال الزوج الذي يداعب زوجه ويلاطفها، فقد حدث أنه شاهد عائشة ~~يوما وهي تلعب ببضع عرائس، فقال لها: «ما هذا يا عائشة!» فقالت: إنهن بناتي يا رسول ~~الله. # ورأى بين العرائس فرسا ذا جناحين، فقال: «أجناحان؟» فقالت عائشة: «أما سمعت يا رسول ~~الله أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟» فضحك # صلى الله عليه وسلم # حتى بدت نواجذه الشريفة. فهل يصح لذوي ~~العقول - وهذه كانت مكانة عائشة، رضي الله عنها، عند الرسول - أن يكون زواجه بعد أن بنى ~~بها زواج متعة؟ # ولقد كانت عائشة زعيمة النساء في صدر الإسلام، فقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «خذوا نصف ~~دينكم من هذه الحميراء»، فكانت خير راوية للأحاديث النبوية الشريفة، يرجعون إليها في ~~كثير من الفتاوى الفقهية والشرعية، وكذلك اشتركت في الخلاف السياسي الذي نشب بين ~~معاوية وعلي، وقادت المسلمين في معركة الجمل، ومما يذكر عن معجزات الرسول بهذه ~~المناسبة أنه # صلى الله عليه وسلم # تنبأ بأن كلاب إحدى البقاع المتاخمة لمكان المعركة ستنبح عائشة، ~~وقد ذكرت عائشة وهي في المعركة هذا الحديث، فسألت أين نحن الآن؟ فلما قيل لها إنها في ~~مكان كذا، ونبحتها الكلاب فيه، ذكرت مطابقة الحديث للمكان، فتركت المعركة وعادت، ~~وانسلخت من الخلاف السياسي أيضا. ~~••• # لقد تزوج الرسول بأم سلمة، وكانت زوجة مسلم مات في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، ~~وكان زواجه بها تشريفا لشهداء الإسلام وتطمينا لقلبها. # ومما يروى عن دعابات الرسول مع زوجاته أنهن سألنه يوما: من منا يا رسول الله ألحق ~~بك؟ فقال: أطولكن ذراعا، ثم ضحك والتفت إلى أم سلمة، وهي ألحق بالرسول بعد وفاته # صلى الله عليه وسلم ~~. # وأما زواجه بحفصة بنت عمر فقد كان كذلك تقديرا منه لمكانة أبيها رضي الله عنه ~~واعترافا بفضل ما أبلى في سبيل مجد الإسلام وعظمته التي بلغت الذروة ms081 العليا في عهد ~~الفاروق، فضلا عن المساواة بين خلفائه، فقد صاهر أبا بكر من قبل، كما زوج خليفتيه ~~عثمان وعلي ببناته. ~~••• # أما زواجه بزينب بنت جحش فقد كان لغاية تشريعية، حتى يبين للمسلمين أن لا حرج عليهم ~~في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، فمرحى، لهذه الديمقراطية الحقة المتواضعة التي ~~أوصى بها الإسلام ونص عليها. وليس أبلغ في الدلالة على التواضع من أن يتزوج محمد (سيد ~~الخلائق وفخر قريش) بامرأة كانت بالأمس خليلة أحد مواليه، وليس أبلغ في الدلالة كذلك ~~على التواضع من أن تتزوج حفيدة عبد المطلب خادمها زيدا. ~~••• # دارت كل هذه الأفكار والخواطر، وأنا ماثل أمام قبر زوجات الرسول، أولئك المؤمنات ~~القانتات، فطبن نوما أيتها الزوجات الكريمات، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإنكن لفي ~~نعيم. # أمام قبر فاطمة # وشعرت بيد المدعي تقبض على يدي، ثم يقودني إلى قبر مجاور لقبر زوجات الرسول وهو ~~يقول: ها هو ذا قبر فاطمة الزهراء. # وهنا أخذتني نشوة فاضت على نفسي؛ إذ شعرت بأني ماثل أمام قبر ابنة الرسول، أم الحسن ~~والإمام أبي عبد الله الحسين، خير شباب الجنة في الجنة، وريحانة المصطفى سيد الأولين ~~والآخرين. # قلت أحيي فاطمة البتول رضي الله عنها: السلام عليك يا بنت الرسول، إن الساعة آتية لا ~~ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، والملك لله الواحد ~~القهار. # ثم ذكرت في هذه المناسبة أنه حين نزلت الآية الشريفة بما معناه: # وأنذر عشيرتك الأقربين ~~، لم يجد # صلى الله عليه وسلم # من العشيرة من هو ~~أقرب إليه من فاطمة، فقال لها ما معناه: «إن أباك لا يغنيك عن العمل الصالح شيئا، ~~فالعمل العمل يا فاطمة»، فانظر كيف بدأ الرسول، بدأ بنفسه في العمل بالقوانين والتعاليم ~~حتى يكون خير قدوة للمسلمين. # أسماء بنت أبي بكر # ذكرت أسماء بنت أبي بكر، أم عبد الله بن الزبير، من الزعيمات؛ إذ يروى عنها أن ابنها ~~سألها عن قتاله مع الحجاج بن يوسف، وهل يمضي فيه؟ فقالت: ما يضير ms082 الشاة السلخ بعد ~~الذبح؟ # ويروى أن الحجاج صلب عبد الله بن الزبير في الكعبة الشريفة، وأن أهل مكة طلبوا من ~~أسماء أن تتشفع لابنها عند الحجاج لدفنه فأبت، وأخيرا وبعد جهد قبلت رجاءهم، وكتبت ~~إلى الحجاج قائلة: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ # وقد خجل الحجاج من نفسه، ودفنه. ~~••• # لقد خطبت [عائشة] الناس قائلة: # أبي وما أبيه! أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذلك طود منيف، وفرع مديد، هيهات ~~الظنون، أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا ~~استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش ~~مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى خلبته قلوبها، ثم استشرى في دين ~~الله، فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى إذا اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ~~ما أمات المبطلون، إلى أن قبض الله نبيه، فضرب الشيطان رواقه، ومد عليه ونصب ~~حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده، وماج أهله، ~~وبغى الغوائل ... إلى أن قالت: فأي أيام أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذ عدل فيكم؟ ~~... أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. # فانظر رحمك الله بلاغة زوج رسول الله، وعظم حكمها، وسمو عقلها، وواسع علمها وخبرتها، ~~وبرها بأبيها وقد عدل حين حكم، فإذا بها تتولى الدفاع عنه أمام المسلمين ضد أقوال ~~المبطلين بأبدع بيان، وأفصح لسان، وبأحكم جنان، وبأشد غيرة على الإسلام ومجده ~~ومستقبله. # وكيف تنسى موقف عكرشة بنت الأطرش، فقد دخلت على معاوية ذات يوم متكئة على عكازة، فبعد ~~أن حيته تحية الإسلام، ونادته بيا أمير المؤمنين، دارت بينهما المساجلة التالية: بدأ ~~معاوية الحديث متسائلا: الآن صرت عندك أمير المؤمنين؟ ~~- نعم، إن عليا مات. ~~- ألست متقلدة حمائل السيف يوم معركة صفين؟ تقولين للمقاتلين بأعلى صوتك: «إن ~~معاوية دلف إليكم بعجم العرب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم إلى ~~الباطل فأجابوه، واستدعاهم إلى الدنيا فلبوه! فالله الله عباد الله في دين الله، هذه ~~بدر الصغرى، فيا معشر المهاجرين الأخيار امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم، ~~ولاقوا أهل ms083 الشام الحمر المستنفرة، فرت من قسورة، تقصع قصع البعير.» # إلى أن قلت: «أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطئوا مدة ~~الآخرة فسعوا لها. أيها الناس، لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، ~~وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. فإلى أين تريدون ~~رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، ~~وتفرع عن نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه ~~المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، يفرح لراحة ~~اللذات، وهو يفلق الهام، ويكسر الأصنام، وإذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، ~~فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرق جمع هوازن، فيا لها من وقائع ~~زرعت في قلوب قومهم نفاقا وردة وشقاقا ...» إلخ. # ثم أمسك معاوية عن الكلام، وبعد هنيهة استتلى وقال: ثم أراك على عصاك هذه (وأشار ~~إلى العكازة) قد انكفأ عليك العسكر يقولون: هذه عكرشة. ولولا أن أمر الله قدر مقدور ~~لتغيرت العاقبة، فما حملك على هذا؟ ~~- يا أمير المؤمنين، يقول الله جل ذكره: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم ~~، وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته. ~~- صدقت، اذكري حاجتك. ~~- كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا، فترد على فقرائنا، وقد فقدنا ذلك، فما يجبر ~~لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير، فإن كان عن رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة، وراجع ~~التوبة، وإن كان عن غير ذلك فما مثلك من استعان بالخونة، ولا استعمل الظلمة. ~~- يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا ثغور تتفتق، وبحور تتدفق. ~~- سبحان الله، والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضررا لغيرنا وهو علام ~~الغيوب. ~~- هيهات يا أهل العراق! نبهكم علي فلم تطاقوا ... # فهل ترى اليوم امرأة في العالم تحاسب الحاكم حسابا عسيرا كما حاسبت عكرشة بنت ~~الأطرش أمير المؤمنين معاوية مثل هذا الحساب العسير؟ ثم تنبه إلى وجوب ms084 التمسك بشرائع ~~الدين، فلا يسعه إلا أن يرجع إلى الصواب، فيأمر بأن ترد لها صدقاتها، كما ترد سائر ~~صدقات فقراء المسلمين؟ # أجل، بمثل هذا القول البليغ كانت المرأة العربية في الإسلام، تطوف بين رجال الجيش، ~~تقوي من عزيمتهم، وتحثهم على شدة الطعن والقتال! بل لقد كانت المرأة العربية تقاتل ~~مع المقاتلين من الرجال، وبين صفوف الجند؛ ففي معركة اليرموك كان ابن الأزور يقاتل إلى ~~جانب خالد بن الوليد قتال المستميت لتفوق الأعداء في العدد والعدة، ولكن كانت الضربة ~~الواحدة من ضرباته تطيح الرءوس، حتى قطعت يده اليسرى، فسارعت أخته إلى تضميد جراحه، ~~وعاد يقاتل أشد قتال، وقد حثته أخته قائلة: «هيا يا ابن الصحراء، هيا فقاتل في سبيل ~~الله، ولا بد من أن تغلب الروم.» # وأخذ ابن الأزور يقاتل بقلب لا يهاب الموت، حتى وقع أسيرا في يد الرومان، وإذا ~~بفارس مقنع يظهر في الميدان، ويقاتل في الصف نفسه الذي كان يقاتل فيه ابن الأزور، ~~ويأتي من فنون الحرب والكر والفر ما جعل خالدا معجبا حائرا متسائلا: من ذا عساه ~~يكون هذا البطل المقنع؟ # وما هي إلا لحظات حتى زج ذلك البطل بنفسه بين عسكر الرومان، ثم ظهر بعد ذلك حاملا ~~ابن الأزور. # ولم يستطع خالد بن الوليد صبرا، فنزع القناع عن وجه ذلك البطل، فإذا به أخت ابن ~~الأزور نفسها. # وما شاهد جيش ابن الوليد شجاعة هذه الفتاة وبطولتها حتى دبت الحماسة في قلوب رجاله، ~~واستطاعوا على الرغم من قلة عددهم وتفوق عدد الروم وعدتهم، أن يحرزوا النصر في ~~الميدان. # ثم انظر إلى بلاغة وقدرة المرأة العربية وعظم حصافتها في الدفاع عن نفسها، حين أشار ~~رجال بلاط معاوية عليه بأن يقتل أم الخير (وقد كان لها شأن هي الأخرى معه)، فأجاب ~~معاوية: بئس الرأي؟ أيحسن بمثلي أن يقتل امرأة؟ ثم سألها معاوية: كيف حالك؟ ~~- بخير. أدام الله لك النعمة. ~~- أتدرين فيما بعثت إليك؟ ~~- وأنى لي بعلم ما لم أعلم؟ فلا يعلم الغيب إلا الله عز وجل. ~~- ألست الراكبة الجمل ms085 الأحمر يوم صفين تحضين الناس على القتال؟ فما حملك على ~~هذا؟ ~~- مات الرأس، وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير، والأمر يحدث بعده ~~الأمر . ~~- والله يا أم الخير ما أردت إذ ذاك إلا قتلي، والله لو قتلتك ما خرجت في ذلك، ~~فقالت: والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله ~~بشقائه. ~~- هيهات يا كثيرة الفضول! ما تقولين في عثمان؟ ~~- وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس وهم له كارهون، وقتلوه وهم راضون. ~~- إيه يا أم الخير، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه. ~~- لكن الله يشهد، وكفى بالله شهيدا، ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سباقا إلى ~~الخير، وإنه لرفيع الدرجة. # وذكرت تلك المجالس التي كانت تتزعمها فضليات النساء، ويعقدنها في دورهن، ويتذاكرن ~~فيها مختلف الأحاديث التي هي خير خلاصة للعلم والأدب والفضل، فقد كان يلجأ إلى عائشة ~~بنت طلحة في الطائف أكابر القوم وأشراف مكة والمدينة، وكانت ذات روح عال، وكبرياء ~~وجمال نادر. # ومن أظرف ما يروى عنها أنها كانت ذات يوم تطوف بالبيت، فعن لأمير مكة أن يؤخر ~~إقامة الصلاة حتى تنتهي من طوافها، فكان جزاؤه أن عزله الخليفة عبد الملك، فانظر كيف لم ~~يتردد الخليفة عن توقيع القصاص على عامله، دون نظر إلى مجاملة سيدة من فضليات النساء ~~وأعلاهن مكانة اجتماعية في صدر الإسلام. # ومما يذكر عن تمسك النساء المسلمات بالعقيدة أن عمار بن ياسر كان الكفار يخرجونه كل ~~يوم في حر الظهيرة الخانق ويعذبونه هو وأمه وأبوه، وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يمر بهم ~~قائلا ما معناه: «صبرا يا آل ياسر، موعدكم الجنة.» ومات ياسر وهو في أشد حالات ~~العذاب، فأغلظت أمه القول لأبي جهل ولعنته. # فقال لها: «إني أحفظ لك قولك.» ثم طعنها بحربة فقتلها، وكانت أول شهيدة في الإسلام، ~~وقد أمرت أولادها بالحرص على الاستمساك بالدين، فظلوا متمسكين بدينهم حتى تداركهم ~~الله بلطفه، والله لطيف بعباده، وكانوا من الناجين، بل لقد كانوا من خير الصحابة ms086 ~~الأجلاء. ~~••• # مر بمخيلتي ذلك كله، فأكبرت الإسلام من هذه الناحية، فقد حرص على أن يكون للمرأة ~~فيه مكانتها اللائقة، فنزل التشريع الإلهي شارحا واجباتها، مبينا حقوقها ، مدافعا ~~عنها على عكس ما كانت عليه حال النساء في عهد اليونان والرومان، فقد كانت قوانين القوم ~~تحرم على المرأة حتى ابتياع دار تجعلها لسكناها. # كان العرب يدركون وهم في بداية عظمتهم أنه لكي يبلغوا أوج العظمة والمجد لا بد من أن ~~تشاطر المرأة بنصيبها في مجهود الرجل، فيتعاون الاثنان على استكمال بناء العظمة، فكما ~~أن الأسرة الصالحة ترجع صلاحها إلى مشاطرة الزوجة زوجها أعباء الحياة، فكذلك الأمة لا ~~تبلغ أعلى مكانة من العظمة والمجد إلا بتوافر جهد المرأة مع الرجل في خدمة الصالح ~~العام. # ولقد تقول المتقولون على الدين، وأولوا الأحكام التي نزل بها الإسلام وشرعها ~~لعلاقة الرجل بالمرأة وتنظيم أحوالها تأويلا منكرا، فنظروا في تعدد الزواج من الناحية ~~البهيمية، ولم يدركوا الحكم والعبرة منه. # لم يدركوا أن المرأة حين تكون حاملا وعلى إثر الوضع تهجر فراش زوجها، وكذلك تهجره ~~وقت العادة الشهرية، فبدلا من أن تقوم علاقة غير شرعية بين الرجل وامرأة أخرى فليس ~~هناك ما يمنع من أن تكون العلاقة بين زوجة ثانية ما دام الدين قد فرض المساواة بين ~~الزوجات والعدل بينهن، فلا يؤثر الزوج واحدة من زوجاته على الأخرى. # ولقد اعترف جوستاف لوبون بهذا - وهو من نعرف من علو الكعب وبعد الصيت في علوم ~~الاجتماع - اعترف هذا العالم الفرنسي بفضل الإسلام على المرأة بما فرضه على الزوج من ~~عدالة حيال زوجاته، كما أثبت الحكمة في تعدد الزوجات، حتى لقد ذهب إلى أبعد مدى في ~~مصارحة قومه بأنه قل أن يوجد زوج دون خليلة في فرنسا. # وكذلك حيا جوستاف لوبون روح الحرية في الملكية وحرية التصرف فيها، هذا الروح الذي ~~بدا في النص في الإسلام على حق المرأة في التمتع بالحرية في أن تمتلك، وبالحرية في أن ~~تتصرف في ممتلكاتها، كما أنه سجل للعرب فضل المدنية الصحيحة بتعليم المرأة، ومساهمتها ms087 ~~في الحركة الفكرية في وقت السلم، وبالسير جنبا إلى جنب مع الرجل في ميادين الوغى ~~والقتال. # للمرأة مكانتها الخطيرة، تحضر مجالس الرسول # صلى الله عليه وسلم # وكانت تتعلم الأدب والفقه والعلم ~~والفلسفة، حتى شئون الحرب وفنونها. # أجل، كانت دولة العلم والأدب والشعر والغناء في ذلك الوقت، في أوج عظمتها ومنتهى ~~ازدهارها، فقد كان يغذيها الرجال والنساء معا، والنظام العائلي إذا اكتمل، فلا بد من ~~أن يكتمل النظام القومي. # فالأسرة هي أساس الحياة القومية الصحيحة. # وكانت السيدة سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين في مقدمة ذوي الفضل ~~والأدب والعلم، وكانت تجلس خلف ستار في مجالس الشعراء والعلماء، وتستمع إلى الشعر، ~~وتنقده نقد خبير، كما كانت دارها ندوة للدين والفلسفة والأدب والحكمة. # ومن أبدع ما وصفت به السيدة سكينة أهل الشام من الأنصار الذين بايعوا معاوية وخرجوا ~~على علي ما روي من أنها أبلغت مدير الشرطة أن سوريا اقتحم عليها مخدعها، فلما ~~سارع إليها وجدها قابضة على برغوث بين أصبعيها! وكانت ذات جمال بارع لا يعادله إلا جمال ~~السيدة عائشة بنت طلحة، وكانت تنسق شعرها على طريقة خاصة تسمى الغفراء أو ~~السكينية. # لين المرأة والطهر # ومن القصص الأدبية الظريفة ما روي عن إسحاق الموصلي؛ إذ كان يطوف ذات يوم في البيت ~~الحرام، فسمع ثلاث فتيات كن كالأقمار، ينشدن في الحب شعرا. # وقد استنكر إسحاق منهن ذلك، وقال لهن: يا حزب الشيطان، أفي بيت الله الحرام يحلو لكن ~~الحديث عن الحب والهوى؟ # فأجابته إحداهن، وقد عرفته: يا إسحاق، إن الحياة هي الحب، وكل امرئ يحب ناحية من ~~نواحيها، فأنت تحب الشهرة، ولولا حبك إياها لما وصلت إلى ما وصلت إليه من إتقان في ~~صناعة التلحين والغناء. ولقد عاش رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وجاهد؛ لأنه كان يحب الهدى، ويمقت ~~الضلال. وكذلك كان عمر الفاروق يحب العدل، وفي سبيل حبه للعدل لم يتردد في قتل ولده، ~~فلا تأخذ القول على ظواهره، فنحن اللاتي قال فيهن جرير، ثم أنشدنه: # حور حرائر ms088 ما هممن بريبة # كظباء مكة صيدهن حرام # يحسبن من لين الحديث زوانيا # ويصدهن عن الخنا الإسلام # فلم يسع إسحاق الموصلي إلا أن يقول لهن معجبا: قاتلكن الله، ما أحسن دفاعكن عن ~~الحب وأوصفكن له! # الإمام مالك # وبينا أنا شارد الذهن في هذه التأملات؛ إذ هزني المدعي هزا من كتفي، قائلا: أفق ~~يا هذا من غشيتك. # ثم أشار إلى قبر كان بجوارنا وقال: هذا قبر الإمام مالك، قاضي المدينة. # ذكرت ذلك الإمام العظيم حقا، القاضي بكتاب الله وسنة رسوله صدقا، وذكرت ذلك البون ~~الشاسع الذي يفصل بين الإمام الأعظم وعلمائنا الأجلاء. # كان الإمام مالك عميدا للتابعين، ودرس عليه الإمام محمد إدريس الشافعي (المدفون في ~~مقابر الإمام الشافعي في مصر)، تخيلت وأنا أمام قبر ذلك العظيم حلقة درسه، حينما نظر ~~إلى تلميذه الإمام الشافعي، فرآه يكتب شيئا بريقه في راحة يده، فاحتدم الإمام مالك ~~غضبا وقال له: ما هذا العبث يا فتى. # قال الشافعي: أنا لا أعبث، ولكني أكتب ما تقول. # فقال الإمام: إن الكتابة لا تثبت إلا بالمداد. # قال الشافعي: لقد وعيت كل ما ذكرت. وتلا على الإمام سبعة وستين حديثا كان الإمام ~~مالك قد درسها لطلابه. # وأعجب الإمام بالشافعي، واغتبط بكونه قصد إليه من مكة لتلقي العلم على يديه، بعد ~~أن سأله عن اسمه وموطنه، فقال: إني محمد الإدريسي ولد شافع بن عبد المطلب. # فذكرت ما قال بعض الرواة من أنه سيخرج من صلب شافع من يملأ الأرض نورا. # واسم الإمام مالك ملء الشرق، وبخاصة في مصر، وقل أن تقدم مذكرة إلى المحاكم ~~المصرية لا يستند المحامون فيها إلى أقوال الإمام مالك، وأحكامه في القضايا الفقهية ~~والشرعية والمدنية. # وكان من أبرز صفاته: الضن بكرامته، حتى لقد رفض أن يتوسط للشافعي لدى أمير المدينة؛ ~~إذ كان الشافعي يود السفر إلى العراق، وسأل مالكا بعض التسهيلات لدى أمير المدينة، ~~فأبى مالك قائلا: يا بني، إن للعلم كرامة تمنعني من أن أذهب إلى الأمير، ولكن إذا حضر ~~الأمير سألته مسألتك. # أجل، لقد كان ms089 القضاة العرب المسلمون ذوي كرامة، وإذن فقد كانت جميع طبقات الأمة ~~العربية تساهم في بناء مجد الإمبراطورية العربية. # الباب العاشر # | خلافة عثمان بن عفان # انتقل بي المدعي إلى قبر كان قريبا من قبر الإمام مالك، وأشار إليه قائلا: هذا قبر ذي ~~النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه الخليفة الثالث، ثم أخذ يتلو أدعيته، ويطلب إلي أن ~~أرددها، ولكني كنت أشعر وأنا ماثل أمام قبر الخليفة السباق إلى الخير أن من هذه التسمية ~~نصيبا مباركا طهورا لصاحبها، فقد كنت أمام رجل استمد هذين النورين من نطفتين طهورتين، ~~هما: كريمتا الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # وإن في دفن عثمان رضي الله عنه في البقيع لحكمة، فقد أراد الله سبحانه أن يخص محمدا ~~ووزيريه بالروضة الشريفة التي هي من الجنة، وأن يضفي على البقيع بركة عثمان، ولو أن كل من ~~في البقيع من الصحابة الأجلاء، وبأيهم يقتدي المرء يهتدي، فقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وكذلك أراد الله عز شأنه أن يبارك أرض النجف ~~بدفن رفات علي كرم الله وجهه هناك، وقد يكون في ذلك أيضا مصداقا لقوله تعالى: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت # الآية. # ولقد جاء دفن الخلفاء الأربعة في المواقع التي دفنوا فيها أشبه بالماء الطاهر في قارورة، ~~فتفجرت وتناثر ماؤها، وتناثر هذا الطهر في بقاع مختلفة. ~~••• # ولقد ذكرت عظم مكانة عثمان لدى الرسول، ورأيت بعين مخيلتي كيف أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يجلس ذات يوم شديد القيظ تحت شجرة وارفة الظل في بستان من بساتين المدينة، وقد خلع ~~نعليه، وكشف عن ساقيه، ووضع قدميه في ماء عين، ورأيت بعيني مخيلتي عثمان مقبلا، فحيى ~~الرسول الذي شاهدته يسرع إلى تغطية ساقيه، فيتعجب عمر، ويقول: هل تستحي من عثمان يا رسول ~~الله! # فيجيب الرسول: كيف لا، وعثمان تستحي منه الملائكة! # بل لقد كانت مكانة عثمان عند قريش تشغل أكبر جانب من محبتهم، أدر الله ms090 تعالى الخير ~~وفيرا عليه، فكان موفور النعمة، جوادا كريما؛ إذ قد بذل الكثير من ماله في سبيل رفاهية ~~قومه، بل في سبيل الله، ونصره دينه أيضا ، فقد جاد إلى النبي بألف دينار حينما جهز الرسول ~~جيش العسرة، ونثرها في حجر الرسول الذي أخذ يقلبها بين يديه ويقول: «ما ضر عثمان ما ~~صنع بعد اليوم.» # ومن مآثره في البذل أن بئر رومة كانت لرجل يهودي يبيع للمسلمين ماءها، فرغب الرسول في أن ~~يشتريها مسلم، حتى لا يرهق المسلمون بجشع اليهودي، فتقدم عثمان لشرائها، فأبى اليهودي ~~إلا أن يبيع نصفها فقط باثني عشر ألف دينار، فقبل عثمان، واتفقا على أن يكون لكل منهما ~~يوم خاص، فكان المسلمون إذا جاء يوم عثمان استقوا ليومين، حتى اضطر اليهودي إلى بيع النصف ~~الآخر. ولقد بلغت محبة عثمان من قلوب قريش أن الأم كانت إذا دللت طفلها أنشدته: # أحبك والرحمن # محبة قريش عثمان # وكذلك ذكرت عثمان، وقد كان من السابقين في اعتناق الإسلام، فشاهد جميع المشاهد والوقائع ~~مع الرسول، ما عدا غزوة بدر، فقد كان متغيبا لمرض زوجته «أم كلثوم»، وقد ماتت في اليوم ~~الذي نصر الله فيه المسلمين في موقعة بدر، فكانت غيبة عثمان غيبة شرعية؛ ولذلك أسهم له ~~الرسول مع الغانمين كما لو اشترك في القتال. # وكذلك ذكرت عظم ثقة الرسول بعثمان، فقد اتخذه سفيرا إلى قريش في بيعة الحديبية، كما كان ~~كاتب الوحي للرسول، وكاتبا وأمينا لأبي بكر وعمر، فقد كانا يستشيرانه في أهم الأمور ~~لرجاحة عقله وحسن تدبيره، وكان أحد الستة الذين قال فيهم عمر: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مات ~~وهو عنهم راض، ولما بويع بالخلافة كانت المبايعة بأغلبية آراء المشيرين من زعماء المسلمين ~~وقادة الرأي فيهم. # وذكرت كيف افتدى عثمان الخطيئة التي ارتكبها عبيد الله بن عمر بماله الخاص حين قتل عبيد ~~الله الهرمزان، وأبا لؤلؤة، وابنته وحفيده، واعتقله عمرو بن العاص، وأتى به إلى صهيب الذي ~~حبسه في دار سعد بن أبي وقاص، وقد كانت هذه أول ms091 قضية نظر فيها عثمان، وقد أشير عليه بقتل ~~عبيد الله؛ لأنه قتل عمدا من لم يقتل أباه، فالذين قتلهم لم يثبت عليهم قتل عمر ثبوتا ~~قاطعا ، ولكن بعض الصحابة الأجلاء من المهاجرين قالوا معترضين: لقد قتل عمر بالأمس، فهل ~~نقتل ولده اليوم؟ # وقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك؛ إذ وقع هذا الحادث ولم يكن لك ~~سلطان على المسلمين (أي إنه حدث قبل إتمام مبايعته بالخلافة)، فقال عثمان: ولكني وليهم، وقد ~~جعلتها دية وافتديتها بمالي. # أول خطبة لعثمان # ذكرت كيف أن عثمان حين ولي أمر المسلمين أوصاهم بالعمل الصالح، والجد، وعدم التغافل ~~والاغترار بنعيم المدنية التي وجدوا عليها الفرس والروم بعد أن فتح بلادهما الإسلام ~~واختلط بهم المسلمون، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: # إن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا ~~يغرنكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا ~~يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا الذين آثروها، وعمروها، ومتعوا بها أنفسهم ~~طويلا؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله ضرب لها ~~مثلا فقال عز وجل: # واضرب لهم مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله ~~على كل شيء مقتدرا # الآية. # أوامره إلى الحكام # وذكرت كيف بعث إلى أمراء الولايات وحكام الإيالات ينبههم إلى واجباتهم وإلى حقوق ~~الرعية، ويذكرهم بأنهم لم يكونوا حكاما ليستنزفوا أموال الشعب ويهضموا حقوقه، فقال: # أما بعد، فإن الله قد أمر الأئمة بأن يكونوا رعاة، ولم يأمرهم أن يكونوا ~~جباة، وأن صدر هذه الأمة قد خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن ~~يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ~~ألا وإن أعدل السير أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم، فتعطوهم مالهم، ~~وتأخذوهم بما عليهم، ثم تعنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي ~~عليهم. # أوامره إلى قواد الجيش # وذكرت كيف كتب إلى قواد الجيش يذكرهم ms092 بما كان يفعله معهم عمر، وينذرهم بأنهم إذا ~~غيروا سلوكهم نحاهم عن القيادة، وجردهم من الإمارة، واستبدلهم بغيرهم، فقال: # أما بعد، فإنكم حماة الإسلام، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان على ~~ملأ منا، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم، ويستبدل بكم ~~غيركم، فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر إليه، والقيام ~~عليه. # أوامره إلى عمال الخراج # وذكرت عثمان وكيف نبه عمال الخراج إلى الاستمساك بالأمانة والحرص على الوفاء والسير ~~على هدى الحق، فقال: # أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا ~~الحق به، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها، فتكونوا ~~شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا ~~المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم. # فتوحات عثمان # تمثلت كيف كانت الإمبراطورية العربية واسعة النطاق، منفسحة الأرجاء، وقد قضى عمر على ~~دولتي الفرس والروم، وذكرت كيف أن عثمان بدأ فتوحاته بتوطيد دعائم ما فتحه عمر، ~~وترسيخ أقدام المسلمين فيما فتحوا من الأقطار والأمصار، فإذا ما انتهى من رد المتمردين ~~إلى حظيرة الإسلام - ويعتبر هذا بمثابة فتح جديد - أخذ يزيد أملاك الإمبراطورية ~~الإسلامية، ويوسع فتوحاتها، فبدأ بأرمينيا، وكانت قد انتقضت على المسلمين بعد قتل ~~عمر لضعف حامية المسلمين فيها، وقلة عددهم، ورغبة كبراء الأرمن في الانسلاخ من جسم ~~الإمبراطورية العربية. # وقد وفق عثمان؛ إذ تمكنت تجريدة معاوية بقيادة حبيب بن مسلمة من إخضاع الأرمن ~~الذين طلبوا الصلح، وارتضوا دفع الجزية. # وأعقب فتح أرمينيا إتمام فتح بلاد الفرس على يد عبد الله بن عامر، الذي استطاع أن ~~يطأ أهل الفرس وطأة صاروا منها في ذل، وكتب إلى عثمان بالفتح، فاستعمل على ولاياتها من ~~الولاة من رأى فيهم الخير والعدل ومخافة الله. # وتوجهت أنظار عثمان بعد ذلك إلى دولة الروم، وكان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان ~~شغوف بالقضاء على تلك الدولة البيزنطية، فعهد إليه عثمان في أمر فتحها. # وكان معاوية ms093 يعلم حق العلم أن الروم على حذر من المسلمين بعد انسلاخ الشام ومصر من ~~أملاكهم، وكان يعرف صعوبة بلاد الأناضول ووعورة جبالها، وأن فتحها من طريق البر أمر ~~عسير؛ لذلك فكر في أن يتخذ طريقه من البحر، فيستولي على أهم النقط والثغور، ثم ~~يتوغل في سائر البلدان البيزنطية. # واستطاع معاوية أن يستولي على كريت ورودس، وأكثر الجزر التي استخدمها بعد ذلك في ~~توجيه حملته أيام خلافته إلى القسطنطينية ومحاصرتها. # لقد كان للعرب أسطول بحري يخفق عليه علم المسلمين مرفوعا على كل شراع لكل سفينة من ~~السفن العربية، وكأنما رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين قال حديثه الشريف الذي معناه: الاستشهاد ~~بالجهاد بحرا يكفر عن الكبائر مهما تعظم. كان يحث الأجيال اللاحقة على الإقدام على ~~الاستشهاد في الجهاد بحرا، ويحث على بناء الأسطول البحري الإسلامي؛ إذ كان يعلم أن ~~أمته ستكون في مد فتوحاتها محتاجة إلى الأسطول البحري. # المنازعات بين أئمة الإسلام # لا بد لكل بداية نهاية، وسنة الله في خلقه تقضي بنهاية كل كائن حي، فالدول كالأفراد، ~~لا بد لها من أن تشيخ، وقد كمل نمو الأمة العربية بوساطة نظم تامة الكمال، فلا بد إذن ~~من أن تنحدر إلى الضعف والشيخوخة، وليس أقتل للأمم من المنازعات بين أئمتها وكبرائها، ~~فإن هذه المنازعات تفضي إلى الفوضى والاضطراب والفتن والدسائس والوشايات، إلى غير ذلك ~~من النقائص الاجتماعية التي تقضي على آجال الأمم. وقد كانت تلك الحال المؤلمة هي التي ~~تمخض عنها قتل عثمان الخليفة الثالث للرسول الأعظم، وهو الخليفة الذي كانت مبايعته ~~تكاد تكون بإجماع المشيرين في الدولة العربية، كما قدمنا. # فقاتل الله الفتنة. # وينبهني المدعي إلى ما أنا فيه من شرود الذهن بقوله: «تقدم يا هذا إلى هذا القريب، ~~إنه قبر إبراهيم ولد الرسول.» # حييت ابن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ورضوان الله عليه بما حييت به أولياء الله السابقين، ثم ~~استعرضت بعين مخيلتي ذكرى مرضه الأخير، وكيف أن الرسول نقله إذ ذاك إلى مصيف في أحد ~~بساتين المدينة كما ms094 ينصح الأطباء الآن مرضاهم حين يرون أنهم في حاجة إلى تغيير الهواء، ~~ولا غرابة، فقد كان الرسول خير طبيب، وإننا لا ننسى كيف أنه قبل من المقوقس مارية ~~القبطية هدية، ورد الطبيب قائلا: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا ~~نشبع.» # انتقل النبي بولده إلى المصيف ومعه أمه ماريا وخالته سرينا، وكانت كلتاهما تمرضه، ~~وكان الرسول يرعاه، ولكن ذلك كله لم ينفع، فقد قضت إرادة الله أن ينتقل ابن الرسول إلى ~~جوار ربه في جنات النعيم. # ذكرت كيف أن الرسول احتضن ولده وهو يلفظ النفس الأخير قائلا ما معناه: «إن أباك لا ~~ينفعك يا إبراهيم، وإن أولاد الأنبياء يموتون، كما أن الأنبياء يموتون.» # فما أعظم أخلاق النبي، وما أعظم إيمان النبي بقدرة الله. # وذكرت كيف أن إيمان ماريا لم يتزعزع بموت ولدها، وهي تعلم أن أباه رسول الله، فكان ~~لها من قوة إيمانها ما تدرك به أن الله هو وحده الحي الباقي، يرث الأرض وما ~~عليها. # ورأيت بعيني مخيلتي دموع الرسول تنحدر من عينيه الشريفتين وهو يقول ما معناه: «إن ~~العين لتبكي، والقلب ليحزن عليك يا إبراهيم.» # فما أصدقه من تأبين سنه الرسول # صلى الله عليه وسلم # بهذه الكلمات. # وذكرت كيف أن الرسول، الرجل العالم حقا حين سمع أحدهم مواسيا: لقد شاركتنا ~~الطبيعة في الحزن على إبراهيم، وها هي ذي الشمس قد كسفت لوفاته، فرد عليه # صلى الله عليه وسلم # بما معناه: «كلا، حتى لو مات النبي إن الله لا يغير من سنة العمران شيئا.» # في الروضة النبوية # خرجت من البقيع متسائلا متعجبا إذا كان هؤلاء هم سكان المقابر الأموات، فأين إذن ~~العمران أو الأحياء؟! إن أرض البقيع تضم هاتيك الشخصيات العظيمة التي لو بعثت إلى ~~العالم من جديد لتغيرت الأرض غير الأرض، فزال النزاع، وانحسم كل خلاف، ولعاشت الأمم ~~أخوات، في: «سلام، وأمن، وود، ووئام!» # وذهبت إلى الحرم النبوي الشريف لتأدية صلاة المغرب في الروضة، وقد تركني المدعي، ~~رجاء أن يصحبني في الصباح الباكر لزيارة المعالم الدينية ms095 الأخرى. # في جبل أحد والمساجد الخمسة # كانت الساعة السابعة صباحا حين حضر المدعي إلي وأخذ يناديني من فناء المنزل، لكي ~~أسرع في النزول. # لم تمض دقائق معدودات حتى كنا نستقل السيارة إلى جبل أحد، ولا يبعد الجبل عن المدينة ~~أكثر من عشرين دقيقة بالسيارة، فلما وصلنا إليه وجدته جبلا شامخا، يحد المدينة من ~~الحد الشامي الغربي، أي: من الجانب الشمالي الغربي. # وفي سفح الجبل يرى الزائر قبرا طويلا عريضا، وعلى مقربة منه بعض القبور متجاورة ~~متقاربة. # أما القبر الأول فهو قبر حمزة رضوان الله عليه فقد استشهد في غزوة أحد، وكان الذي ~~اغتاله غدرا وغيلة عبدا من عبيد بني سفيان، جاءت به هند امرأة أبي سفيان، ليترصد ~~حركات حمزة في المعركة، حتى إذا ظفر به قتله، ثم وعدته بفك رقبته. # ويشاء الله أن يظفر المسلمون بأعدائهم في البداية، وأن يسارعوا إلى اقتسام الغنائم ~~والأسلاب، وأن تخالف مؤخرة جيوشهم ما أمر به الرسول، فيتركوا أماكنهم؛ طمعا في مشاطرة ~~سائر فرق الجيش تلك الغنائم والأسلاب، فينكشف الجيش للأعداء، ويكفي أن يكون في قيادة ~~جيش الأعداء خالد بن الوليد الذي لم يكن قد أسلم بعد، ليرى هذا الضعف فرصة في مداهمة ~~جيش محمد من الخلف، ويكون عبد بني سفيان على مقربة من حمزة، فيسدد إليه سهمه ويصيبه ~~في مقتله. # وبهذا انقلب سير القتال، وحل الاضطراب في جيش المسلمين، وتمكنت هند في خلال ذلك ~~الهرج والمرج من العثور على جثة حمزة، فانتزعت منها كبده وأكلتها، ثم مثلت به ~~إمعانا في الانتقام منه؛ لأنه ثكلها في أعزاء لها كثيرين. # ولقد كان حمزة رضي الله عنه شديد البأس، لا يهاب الموت، ينصب على الأعداء كما ~~تنصب الصاعقة، شجاعا، بل كان خير من امتشق الحسام، وجال وصال في مواقع النضال، ~~وميادين القتال. ~~••• # لما انتهت المعركة بهزيمة الأعداء، بعد أن كر عليهم المسلمون وأعملوا فيهم السيف ~~فولوا الأدبار، نقول: لما انتهت المعركة وسأل الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن حمزة، وقيل له إنه ~~استشهد، بكى النبي، وسأل له ms096 الرحمة والرضوان. # ولما رجع المدينة ووجدها في حزن عظيم، وكل شهيد تندبه الأقرباء، عز عليه ألا يندب ~~أحد حمزة، فاستحضر من يبكي عليه، ولا يمنع الشرع هذا، وإنما يمنع شق الجيوب ولطم ~~الخدود، فهذا الأمر منهي عنه. # جبل أحد # كان الرسول يحب جبل أحد حبا جما، وكان يقول فيه: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه»، ~~إشارة إلى انتصار المسلمين في هذه الغزوة المشهورة باسم هذا الجبل، بعد ما منوا به من ~~خسارة في أول الأمر، خسارة لم يرضها الرسول، فإنه أمر الجيش ثانية أن يتبع جيش ~~المشركين ويوقع بمؤخرته هزيمة نكراء. # وحدث ذات يوم بينما كان الرسول واقفا على هذا الجبل ومعه أبو بكر وعثمان وعلي؛ إذ ~~حدثت هزة أرضية، فقال الرسول: «اثبت أحد، فإن لعليك نبيا، وصديقا، وشهيدين.» ~~وهذه نبوءة لرسول الله بأن عثمان وعليا سيموتان شهيدين. # وتركنا قبر حمزة بعد أن حييناه هو والشهداء المجاورين له بما حيينا به الراقدين في ~~قبور البقيع، وبشرناهم بقرب الساعة، وأن الله يبعث من في القبور. ~~••• # قصدنا إلى المساجد الخمسة، وهي متقاربة، وتعتبر من الآثار الدينية القديمة، وقد ~~أطلق عليها أسماء بعض الخلفاء الراشدين والصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين وقد ~~زرتها واحدا بعد الآخر، وصليت في كل منها ركعتين، ومن بين هذه المساجد الخمسة: ~~«مسجد القبلتين» الذي ترى فيه أثر القبلة، وقد كان اتجاهها بيت المقدس، ثم الاتجاه ~~الحالي إلى مكة؛ ولذلك سمي مسجد القبلتين. # الباب الحادي عشر # | خلافة علي # حين كنت في زيارة البقيع وانتهيت من زيارة قبر عثمان ذكرت على الإثر الخليفة الرابع علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه ابن عم الرسول، فقد خص الله أرض النجف كما ذكرنا بدفن رفاته ~~فيها. # ذكرت في تلك الآونة كيف أن عليا شغل بأمر دفن الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن حضور مؤتمر سقيفة بني ~~سعد الذي اجتمع فيه المهاجرون والأنصار، وقد كان مطمئنا إلى مبايعة المسلمين له بالخلافة؛ ~~لأنه ابن عم الرسول، وأنه لا يمكن أن تخرج الخلافة عن بيته وآله، ms097 ولكن لما علم بما تمت عليه ~~البيعة وتولية أبي بكر أبى أولا أن يبايعه، وقال: «أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم ~~وأنتم أولى بالبيعة لي ، فلقد أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم بالقرابة من النبي، ~~وتأخذونها من أهل البيت غصبا؟ ألم تزعموا للأنصار أنكم أولى بالخلافة منهم؛ لأن محمدا كان ~~منكم؟ فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وإني لأحتج بمثل ما احتججتم به على الأنصار، ~~فنحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم مؤمنين.» # ولكن عليا عاد فبايع أبا بكر خشية الفتنة، ومنعا لتمادي أهل الردة في عنادهم ~~وعنتهم. # ولما توفي أبو بكر كان قد أوصى بخلافة عمر، فلم يعترض علي، ولكن لما قتل عمر بعد أن أوصى ~~باختيار الخليفة من الصحابة الأجلاء الستة الذين كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # راضيا عنهم، وفيهم ~~علي، تغلبت كفة الرجحان لعثمان، فأسرها علي في نفسه، وكان عثمان يعرف أن عليا غير ~~راض عن بيعته، حتى لقد ذكر صاحب الإمامة والسياسة أن عثمان خرج من المسجد فإذا هو بعلي وهو ~~شاك معصوب الرأس، فقال عثمان: والله يا أبا الحسن، والله ما أدري أأشتهي موتك أم أشتهي ~~حياتك؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك؛ لأني لا أجد منك خلفا، وإن بقيت لا أعدم ~~طاغيا يتخذ منك سلما وعضدا، ويعدك كهفا وملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك، ومكانك ~~منه (ولعله يريد محمد بن أبي بكر)، فأنت مني كالابن العاق من أبيه، فإن مات فجعه، وإن عاش ~~عقه. فإما سلم فنسالم، وإما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء والأرض، فإنك والله إن ~~قتلتني لا تجد مني خلفا، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا، ولن يلي هذا الأمر فتنة. # فقال علي: إن فيما تكلمت به لجوابا، ولكني مشغول بوجعي، فأنا أقول كما قال العبد الصالح: # فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون ~~. # ومر بخاطري كيف أن المسلمين خشوا انتشار الفتنة بعد قتل عثمان، فسارعوا إلى مبايعة علي، ~~غير أن بعض زعمائهم أبى ms098 المبايعة. على أنه لم تمض خمسة أيام على مقتل عثمان حتى انتهى ~~المسلمون من مبايعة علي إلا أهل الشام الذين بايعوا معاوية. # سياسة علي # ذكرت أن عليا وقد شاهد المسلمين جماعات وأحزابا كل ينصر أحد الأئمة قبيل مقتل ~~عثمان، أراد بعد أن بويع له بالخلافة أن ينشغل الناس بالآخرة دون الدنيا، وأن يعودوا ~~إلى العهد الذي كانوا فيه أيام رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فلقد كانت أول خطبة لعلي تسن هذه السياسة، فقد قال بعد أن حمد الله وأثنى ~~عليه. # أول خطبة لعلي # إن الله عز وجل أنزل كتابا هاديا، بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا ~~الشر، الفرائض أدوها إلى الله سبحانه وتعالى يؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرما ~~غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد المسلمين، ~~والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، ~~بادروا أمر العامة، اتقوا الله عباد الله في عباده وبلاده، إنكم مسئولون حتى عن ~~البقاع والبهائم، وأطيعوا الله عز وجل ولا تعصوه، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض. # وإذن فإن رؤساء الجمهوريات اليوم والملوك حين يطلعون على شعوبهم وأممهم أول توليتهم ~~برسائلهم إلى شعوبهم، وبخطب عروشهم إلى أممهم، فإنما هم ينسجون على منوال الخلفاء ~~الراشدين؛ أي إنهم ناقلون عن العرب، فما أعظم فضل العرب على الغرب وأهله. # علي يعزل الولاة # كان أول عمل قام به أمير المؤمنين على بن أبي طالب أن عزل الولاة الذين كان عثمان قد ~~اختارهم عمالا على الإيالات الإسلامية؛ إذ كان يعلم أنهم موضع الشكوى، وأنهم كانوا علة ~~قتل عثمان، لظلمهم للرعية وتماديهم في الطغيان. # ولو أنه أرجأ عزلهم وبادر أولا بالاقتصاص من قتلة عثمان لما أخذت عليه عائشة ~~وغيرها هذا الأمر، وألبت عليه خصومه من بني أمية، فقد كانت عائشة تكره عليا؛ لأنه ~~قال للرسول # صلى الله عليه وسلم # حين كثرت قالة السوء: «لن يضيق الله عليك، والنساء غيرها ~~كثير.» # على أن عليا كان ms099 مجبرا على الإسراع في عزله ولاة عثمان؛ لإزالة علة الفتنة، كما أن ~~الإبقاء على أولئك الولاة فيه مخالفة للدين الذي أوجب العدل بين الناس. # أما عدم إسراع علي في الاقتصاص من قتلة عثمان فقد أفصح علي نفسه عن سببه، وهو أن ~~أولئك القتلة كانوا من مصر، وهم في المدينة أكثر من أهل المدينة عددا وحولا وقوة، ~~فليس يستطيع علي معهم أمرا، فكان في رأيه التمهل في الأمر دون تركه. # بداية الفتنة # أجل، ذكرت نقمة عائشة على علي، وكيف أنها خرجت مع فريق من بني أمية تطلب تأييد أهل ~~البصرة لينضموا لها في الأخذ بثأر عثمان، فلما وصل القوم إلى أوطاس أشرف عليهم سعيد بن ~~العاص، ومعه المغيرة بن شعبة، وقال لعائشة: أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت: أريد ~~البصرة. ~~- وما تصنعين بالبصرة؟ ~~- أطالب بدم عثمان. ~~- هؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان (يريد طلحة والزبير)، وهما ~~يريدان الأمر لنفسيهما. # وقال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيرا ~~لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا ~~فبينوا ما نقمتم عليه. أنشدكم الله، فتنتين في عام واحد؟! # وذكرت كيف أنهم لم يرتضوا نصح المغيرة ولا نصح سعيد، ومضى البعض إلى اليمن والبعض ~~الآخر إلى الطائف والبصرة. # ذكرت أن السنين التي عينها الحديث الشريف للخلافة كانت على وشك الانتهاء، فلا بد أن ~~يأخذ علي هو الآخر نصيبه من الحكم ليأتي بعده ولده الحسن، ثم يكون الأمر بعد ذلك ~~للمسلمين ملكية. # وذكرت تلك الليالي السود التي مرت بالمدينة والتي أخذت الإشاعات في غضونها تملأ ~~الجو، فالمصريون يتهمون مروان بن الحكم سكرتير عثمان الخاص بأنه يدبر مؤامرة لتغيير ~~صورة الإمارة بمصر، ويؤكدون أنه استخدم خاتم عثمان دون علمه، واستبدل تعيين محمد بن أبي ~~بكر بالأمر بقتله. # وأهل الشام يذمون عليا بأنه تقاعس عن نصرة عثمان في أخريات أيامه، وأنه غاب عن ~~المدينة عمدا ليتم تدبير التآمر. # والصحابة أمثال: عبد الله ms100 بن عمر، وأبي هريرة، وأبي ذر الغفاري، ومن على شاكلتهم ممن ~~كانوا لا يهتمون بأمور الدنيا ينأون جانبا ولا يشتركون في الأمر. # ذكرت تلك الليالي السود التي مرت بالمدينة، ورأيت أن أثبتها هنا؛ ليعرف القارئ سر عدم ~~الإجماع على مبايعة علي الخليفة الرابع. ~~••• # ذكرت ما يتحدث به المؤرخون عن علي، وما يقولون في تغلب خلقه القوي وطبعه الحاد ~~وميزاته الجريئة وشجاعته وبطولته على صفاته السياسية. # والحق أن عليا كان كذلك، فلو أنه كان قد استخدم الدهاء السياسي لاستطاع استمالة ~~عائشة، وبخاصة أن شقيقها محمد بن أبي بكر كان من أنصاره، ولاستطاع أيضا بغير جهد أن ~~يؤمن معاوية في منصبه في ولاية الشام، ولكنه بدلا من أن يعمد إلى مثل هذه الوسائل ~~اتجه اتجاها أملته عليه أخلاقه القوية، وطبيعته الصلبة التي لا تعرف في الحق لومة ~~لائم. # بويع علي من القسم الأكبر من المسلمين، فماذا عساه قد فعل؟ لقد اعتبر أولئك الذين لم ~~يبايعوه خارجين على الإجماع، وأراد تطبيق الحكم الشرعي عليهم، فجرد تجريدتين، الأولى: ~~لإطفاء فتنة عائشة. والثانية: لإرغام معاوية على البيعة. # وهكذا نجد المؤرخين يتحدثون عن علي، فلا يعتبرونه في الصف الأول من أبطال السياسة، ~~ولكنهم يضعونه على رأس القواد الحربيين المحنكين، على أن لعلي ناحية أخرى يجب على ~~المؤرخ المنصف أن يتحدث عنها حديث إطناب، هي ناحية الأدب. # علي كأديب # وقد فعل المؤرخون ذلك، فتكلموا عنه كأديب ممتاز في أدبه بالحكم الخالدة التي تعد ~~مرجعا خلقيا لا يجارى، ومنهلا عذبا ما زال العالم يرتشف منه أفاويق الحكمة ~~والعرفان. # وقد بلغ من عظم هذه الحكم أن المصلح يستطيع أن يقوم اعوجاج المجتمع بحكم علي ~~الخالدة، فقد جاءت حكمه كفيلة بإصلاح كل نقائص المجتمع، مهما يتطور الزمن وتختلف ~~الأجناس والأديان. # ففي هذا الوقت الذي ارتقت فيه العلوم والمعارف، وسمت فيه المواهب، وظهرت فيه ~~العبقريات، نجد أرقى الطبقات في المجتمعات المختلفة تقتبس حكم علي. # وكما كان علي أديبا له أثره في تاريخ الأدب كان خطيبا يهز أعواد المنابر، ويصل ~~ببلاغته وقوة ms101 بيانه إلى أعمق أغوار النفوس، فيحمل سامعيه على أن يؤمنوا معه بالحقيقة ~~التي يتحدث بها عن يقين. # علي كشاعر # وكان علي أيضا شاعرا رقيق الحس، جزل الأسلوب، قوي العبارة، بليغ المعنى، يستطيع أن ~~يجسم المعنويات، وأن يجعلك تلمس بيديك ما تحسه نفسك. # فقه علي وزهده # وكان علي فقيها له مكانته في الفقه، ولا عجب، فقد صاحب الرسول # صلى الله عليه وسلم # ونشأ على ~~يديه، وكان من كتاب وحيه، وسمع عنه جل ما قال، ولا غرو إذا ما وصل في الفقه إلى هذه ~~الدرجة التي جعلت منه مرجعا صادقا لسابقيه من الخلفاء ومن أتوا بعده من عظماء الأئمة ~~والفقهاء. # وكان علي زاهدا متقشفا شديد الحرص على أموال المسلمين. ~~••• # تولى علي كرم الله وجهه الخلافة زهاء خمس سنين، كان فيها مثال النزاهة والأمانة ~~والعدالة والتدين، وترك أثرا لا يمحى في كتب الفقه والأدب والفلسفة، واقتبست من ~~حكمه آيات رائعة لم يجئ بها أمثال تولستوي، وهيجو، وشكسبير. # وظل علي في الخلافة إلى أن اغتاله الشقي ابن ملجم غدرا، فبكاه التاريخ. ودفن ~~كرم الله وجهه في النجف الأشرف. # الباب الثاني عشر # | المملكة العربية السعودية # الآن وقد تحدثت لك عن البلاد المقدسة ونشأة الإسلام فيها، وبناة هذا الدين الحنيف، وما ~~أعقب ذلك من قيام الإمبراطورية العربية التي سادت الأقطار والأمصار في سنوات قلائل منذ ~~نشأتها، نرى أن نتحدث عن المملكة العربية السعودية التي تحكم من البحر الأحمر غربا حتى ~~الخليج الفارسي شرقا، والتي بدت العدالة في حكمها، بل تلألأ سناؤها، كما عم الأمن واستقر ~~الأمر واستتب النظام على يديها. ~~••• # إن نظام الحكومة العربية السعودية نظام مركزي، ولكنه مبني على الشورى؛ إذ يوجد فيها مجلس ~~الشورى الذي يتألف من أعضاء ممثلين لكل بلد في كل قطر من أقطارها. # وتتركز السلطة في بلاد الحجاز في يد صاحب السمو الأمير فيصل، النجل الثاني لجلالة الملك، ~~وفي بلاد نجد وغيرها تتركز السلطة في يد صاحب السمو الملكي الأمير سعود ولي العهد. أما ~~الشئون المالية للحكومة العربية السعودية فمعهودة إلى ms102 صاحب المعالي الشيخ عبد الله آل ~~سليمان وزير المالية. والمرجع الأعلى في كل كبيرة وصغيرة هو صاحب الجلالة الملك عبد العزيز ~~آل سعود، فإذا حدث مثلا أن النيابة العامة قصرت في تحقيق شكوى أو رفعها فإن صاحب ~~الشكوى يتوجه بشكواه رأسا إلى جلالة الملك، ويكون حكم الملك فيها أمرا لا مرد ~~له. # وما دمنا في صدد الكلام عن الحكومة العربية السعودية فإنه يجدر بي أن أذكر في كثير من ~~الارتياح أن نزعتها إلى الإصلاح قوية، وأنها مطردة النمو، ولولا بعض شئون داخلية خطيرة ~~الشأن بدأت بها وشغلت أعظم جانب من اهتمامها لرأينا الإصلاحات العمرانية في شبه الجزيرة ~~العربية أضعاف ما هي عليه الآن. # ذلك أن جلالة الملك عبد العزيز آل سعود شاءت حكمته وبعد نظره أن يوحد الإمارات، وأن ~~يجعلها جميعا خاضعة تحت سلطة واحدة، وقوانين ونظم واحدة، وقد كانت مهمة من أعقد المهمات ~~وأشقها، ولكنه استطاع - بفضل حسن سياسته من جانب، وقوة بأسه من جانب آخر - أن يذلل جميع ~~ما اعترض طريقه من مشاق وصعاب، وأن تتم له وحدة الإمارات، وأن تكون كلها تحت ~~سلطانه. # ولكي يدرك القراء بعض الشيء ضربا من ضروب المشاق والمصاعب التي ذللها جلالته نسوق مثلا ~~شائعا في شبه الجزيرة، فيه طرافة وفيه تفكهة، ولكنه يشير إلى شدة عنت بعض قبائل البدو، كما ~~يدل على عظم النجاح الذي أحرزته الحكومة العربية السعودية في إخضاع أمثال هذه ~~القبائل. # فقد يقال إن أحد «المطوعين»؛ أي: الوعاظ، ذهب إلى قبيلة عتيبة، وأخذ يعظهم ويبين ~~لهم أحكام الدين والشرع الشريف، مشيرا إلى أن المؤمنين المتقين الصالحين عملا هم الذين ~~يدخلهم الله في جناته، ومن عصى أوامر الله ونواهيه فمصيره إلى جهنم، فقاطعه عتيبي قائلا: ~~وهل في يوم الحشر عتيبة يحضرون؟ فأجابه الواعظ: كل القبائل والعشائر؛ عتيبة، وقريش، وحرب، ~~وجهينة وغيرهم يحضرون. # فقال الأعرابي: ما بنا حاجة إلى وعظك، ما دامت عتيبة يحضرون فإننا ندخلها (أي الجنة) ~~بالسيف. # فانظر إلى هذه العقلية وما يماثلها، وتصور يا سيدي القارئ، شدة البأس ms103 التي تخضع هؤلاء ~~وتجعلهم يسيرون على هدي نصوص الكتاب وأحكام السنة، مما كان له أكبر الأثر، بل الأثر كله في ~~استتباب الأمن واستقرار الأمور. # والحق أقول : إن جلالة الملك عبد العزيز مثال صالح للملوك المسلمين العدول، وهو في ~~«ديموقراطيته» العربية الحقة، وعدله، وشدته في تنفيذ أحكام الشرع والدين لا فرق في ذلك بين ~~كبير وصغير وحقير، وفي عطفه على الفقراء والمعوزين، وفي حزمه وبعد نظره، من الأمثلة ~~الساطعة على تمثيله للعدل مع القوة والرحمة معا. # أما عن «ديمقراطيته» وتواضعه، فهو في ذلك أبرز عنوان، وأسمى رمز، وأعلى مثال، يخاطبه ~~الصغير مخاطبة الند للند. # وقد شاهدت بعيني رأسي أعرابيا قزما يدخل عليه ويريد تقبيله في جبينه، فلم يستطع لقصره ~~وطول قامة الملك، فأمسك برأس جلالته وقربها إليه قائلا: «كيف أنت ~~يا عبد العزيز؟!» # أما عن عدله فحدث عن ذلك ولا حرج، ولأسرد للقراء قصة سيدة مكية لها دار في مكة، وكانت ~~قد استوطنت القاهرة هي وأولادها اليتامى مدة يسيرة من الزمن، فسكن في دارها رجل نجدي، ولما ~~أرادت العودة إلى مكة للإقامة فيها طلبت إلى النجدي أن يخلي لها الدار، ولكنه أخذ يماطل ~~ويسوف حتى اضطرت إلى رفع شكواها إلى جلالته، فأصدر أمره إلى مدير الشرطة بإخلاء الدار، ~~فإذا لم يذعن النجدي ألقي بأثاثه في عرض الزقاق. وهكذا اقتص جلالته من النجدي ~~إنصافا لقضية سيدة مكية. # ديوان جلالة الملك # وديوان جلالة الملك عبد العزيز شعبتان، الأولى: خاصة بالمسائل الإدارية، وعلى رأسها ~~صاحب السعادة الشيخ عبد الله آل عثمان، وهو من خيرة الأسر النجدية الكريمة، فضلا عن ~~نزعته الدينية القوية، وما امتاز به من حصافة فكر، وتبحر في العلوم. والثانية: خاصة ~~بالمسائل السياسية، وعلى رأسها صاحب السعادة الشيخ يوسف يس، الأديب المعروف، والكاتب ~~القدير، وهو من أصدقاء المصريين ومن كبار كتاب الشرق الذين عالجوا قضاياه السياسية ~~ردحا غير قليل من الزمن. # وبديوان النيابة العامة (ديوان سمو الأمير فيصل) موظفون أكفاء، على رأسهم شاب ~~نابه من أنبغ الشباب وأعلاهم كعبا في الثقافة، هو ms104 الشيخ إبراهيم آل سليمان، مدير ~~مكتب النيابة العامة، كما أنه في الوقت نفسه سكرتير خاص لسمو الأمير فيصل. # الوزارات السعودية # ووزارة المالية السعودية يتولاها حضرة صاحب المعالي: الشيخ عبد الله آل سليمان، ويقوم ~~على وكالتها شقيقه حضرة صاحب السعادة: الشيخ حمد آل سليمان. # ويتولى الإدارة في وزارة المالية حضرة صاحب السعادة الشيخ محمد سرور الصبان، وهو من ~~أصدقاء المصريين، ومن كبار الأدباء. # ويقوم بإدارة المكتب الخاص لوزير المالية صاحب العزة: الشيخ أحمد الموصلي، وهو من ~~الشبان الأكفاء المهذبين المثقفين ثقافة عالية. # والحق نقول: إن وزارة المالية السعودية لا تقتصر وظيفتها على صرف رواتب موظفي ~~الحكومة، ولكنها تتولى إدارة المهمات، فهي تصرف الأقوات والكساء، وتجهيز الدور والبيوت ~~لكبار الضيوف وعظمائهم، وتتولى الإشراف على وجوه البر والخير فضلا عن مشروعات الإصلاح ~~الواسعة التي يتطلبها تطور الزمن، أضف إلى هذا حركة انتقالات الحجاج، وما تتطلبه ~~حياتهم ثلاثة شهور متتابعة، وهي مهمة من أشق المهام. # وفي سلك الموظفين بالحكومة العربية السعودية موظفون من المصريين، نذكر منهم حضرتي ~~الشابين الناهضين الأديبين: الشيخ إبراهيم الشورى مدير مصلحة النشر والدعاية للحج، ~~والشيخ عبد السلام غالي، وهو مدير قسم الضيافة بوزارة الخارجية، وكلاهما مثال مشرف ~~للموظفين المصريين، والأول من خريجي دار العلوم لعشرين عاما خلت، وآثر خدمة مكة ~~ومحارمها المقدسة. # الوزراء المفوضون # وللحكومة العربية السعودية وزراء مفوضون نابهون، لدى الممالك الأجنبية. # وعلى كل بلد وميناء تقيم الحكومة قائمقام يصرف الأمور باسم جلالة الملك ~~عبد العزيز، وفي مقدمتهم صاحب السعادة الشيخ إبراهيم بن معمر، محافظ جدة، ومدير الإدارة ~~المالية في جدة، هو صاحب العزة الشيخ ناصر بن عقيل، وهو من ذوي الخبرة والعلم. # الشباب الحجازي # ولقد نبتت في الجزيرة العربية في هذا العصر الحالي أول حركة علمية مزدهرة تبشر ~~بمستقبل باهر، قوامه أولئك الشباب المثقفون الذين لا نستطيع أن نصف صفاء أذهانهم أكثر ~~من وصف المغفور له شوقي بك للشباب المصري منذ ربع قرن؛ إذ قال ما معناه: إن صفاء ~~تفكيرهم يحاكي صفاء الماء تحت ألفاف الغاب. # ولا غرابة ms105 أن يكون حفدة أحفاد رجال الجزيرة العربية أهل البلاغة والفصاحة والعلوم ~~والعرفان قد وصلوا إلى هذا الحد من المستوى الأدبي العالي، والمكان العلمي الرفيع. وإذا ~~كان العربي البدوي الذي لم ينل قسطا من الثقافة ولم يحرز نصيبا من مبادئ العلوم ~~الأولية، إذا كان البدوي الجاهل أفصح بكثير من المتعلمين المثقفين في بعض الأقطار ~~الشرقية، فكيف يكون إذن حال شباب الجزيرة العربية المثقفين المتعلمين اليوم من غزارة ~~العلم وتدفق مناهل الأدب. ~~••• # وكان أهل الحجاز - وقت وصولي إلى مكة - يرقبون قدوم باقي أفواج الحجاج المصريين بفارغ ~~الصبر؛ لأن المصريين يحدثون انتعاشا عظيما في الأسواق أكثر من غيرهم من حجاج الأمم ~~الأخرى. # ولا يقتصر الحال على الأسواق وانتعاشها بحضور المصريين، ولكن هناك انسجاما ملموسا ~~بين الحجازيين والمصريين؛ لاتفاق اللغة وتقارب الطباع والعادات والأخلاق، على عكس ~~إخواننا المسلمين من الجنسيات الأخرى، فإنهم مختلفو اللغات، كما هم متباينو الأزياء ~~والعادات. # أهل جاوة # ولقد حزنت كثيرا على عدم حضور الجاويين الذين كانوا يفدون على بلاد الحجاز بعشرات ~~الألوف، فكان عددهم لا يقل سنويا عن ثلاثين ألف حاج، يمكث أغلبهم في بلاد الحجاز ~~ثمانية شهور أو أكثر. # ومن طريف ما يروى عن إخواننا الجاويين أنهم إذا حضروا إلى الحجاز أبدلوا أسماءهم ~~المعروفين بها في بلادهم بأسماء عربية إسلامية. وهناك في الحجاز طائفة اعتمدتها الحكومة ~~مهمتها أن تخلع الأسماء العربية على الجاويين. # والجاويون شوافع يؤدون فرائض دينهم على المذهب الشافعي، وإني أذكر بهذه المناسبة أن ~~فئة قليلة منهم تخلفت في العام الماضي في مكة، رأيتها تتهافت على اقتناء كتبي (في ~~بيت الله الحرام)؛ ظنا منهم أن مؤلف الكتاب من شيوخ الشافعية. # ويتعاون الجاويون فيما بينهم على تأدية فريضة الحج، ولهم تقاليد خاصة بهم؛ فإن الجاوي ~~حين يعتزم الحج يدخر كل ما تملك يداه داخل عود من الغاب، حتى إذا حان موعد السفر ~~أقام مأدبة ودعا إليها أهل بلده، ثم يقف فيهم معلنا عزمه على الحج، فيباركون فكرته، ~~ويكتبون له فيما بينهم بنفقاته التي تلزمه أثناء مكثه في بلاد ms106 الحجاز. ولا ننسى أن نذكر ~~أن الجاوي صاحب الوليمة الراغب في الحج يكون قد أنفق كل ما ادخر في غابه على الوليمة، ~~وبينا يكتتب المدعوون بكل ما يتيسر لهم يثبتون المبالغ المكتتب بها، حتى تكون ~~بمثابة دين يوفيه الحاج بعد عودته في المناسبات التي يعلن فيها إخوانه المكتتبون عن ~~عزمهم على الحج أيضا. # وتظهر على الجاوي بصفة خاصة سيما الخنوع، ويبدو أن طول أمد الاستعمار قد أثر عليه ~~حتى في دمه، فهو متسامح إلى أبعد حد من حدود التسامح، على عكس العراقي مثلا الشديد ~~المراس، أو المصري المعتد بكرامته. # في التكية المصرية # كانت التكية المصرية - وهي من مآثر محمد علي باشا الكبير - هي المكان المختار الذي ~~أقصد إليه في أغلب الأحيان بعد الفراغ من الصلاة، أو إنجاز الأعمال؛ لأنال قسطا من ~~الراحة، أو أشرب فنجانا من القهوة المصنوعة على الطريقة المصرية، أو أتسامر مع إخواني ~~ومواطني أعضاء الجالية المصرية التي تتألف من طائفة الأساتذة المدرسين الذين ~~استعارتهم الحكومة العربية السعودية من مصر للتدريس في مدارسها، ومن أطباء التكية ~~التابعين لوزارة الأوقاف، ومن الأطباء المنتدبين للخدمة في الحكومة السعودية، ومن ~~المهندسين المشتغلين بإصلاح الطرق واختطاطها، وتشييد القصور الملكية، والدور الحكومية، ~~إلى غير ذلك من المشروعات الإصلاحية الواسعة. # وتنحر «التكية المصرية» يوميا عشرات الخراف، وتخبز عشرات «الجوالات» من الدقيق، ~~وتوزعها يوميا على عشرات المئات من الفقراء تحت إشراف ناظرها الأستاذ عبد الله جاد، ~~الرجل النشيط والإداري الحازم الأمين، ويدير الناحية الطبية فيها كل من الدكتورين: ~~الأستاذ سعيد مصطفى، ومحمد بك كامل. # ولقد كان قلبي يخفق ابتهاجا وفرحا وغبطة حين كنت أشهد في كل صباح تلك الجموع ~~الحاشدة المتزاحمة بالمناكب على أبواب «التكية المصرية» في انتظار الحساء واللحم ~~والخبز، أو الأرز واللحم والخبز. كان ذلك المنظر يأخذ بمجامع قلبي حين كنت أخرج من «باب ~~الصفا» وأعرج قليلا إلى اليمين؛ حيث أشهد «التكية» وما أمامها من تلك الكتل البشرية ~~المتجمعة تجمع النمل! إذ ذاك ينطلق لساني بالدعاء والترحم على أولئك المحسنين ~~الخيرين، وعلى الأخص ms107 ذلك المصلح الكريم العظيم: محمد علي باشا الكبير، جد الأسرة ~~المالكة المصرية. # وفي الحق، إن البر خير دعامة يتكئ عليها الملك، وهو أعظم دواء يشفي جراح القلوب ~~البائسة، والنفوس المحرومة، وكم من ملايين الجنيهات، تنفق هباء فتذهب مع الريح، أما ~~أعمال البر وإن رصد عليها القليل من المال فهي باقية خالدة تنطق بلسان فصيح عن عظمة ~~النفوس الخيرة حقا، وتدل أبلغ دلالة على أن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض. # وبين المصريين مئات من ذوي الغني واليسار، ينفقون باليمين ويبعثرون باليسار مئات ~~الألوف من الجنيهات في الترف والنعيم والملاذ والمباذل والمهازل! وليس في أرض الحجاز ~~الأرض الطاهرة أثر واحد يدل على بر المصريين وإحسان المصريين وخير المصريين سوى هذه ~~«التكية المصرية»، ولقد كان في استطاعة المصريين - ونقصد الأغنياء الموسرين - أن يؤسسوا ~~في كل شبر من أرض الحجاز (الأرض الطاهرة) مأثرة من المآثر التي يذكرها لهم التاريخ كما ~~ذكر وما زال يذكر مآثر جد الأسرة العلوية، المغفور له: محمد علي باشا الكبير. ولقد كان ~~في مقدور المصريين ذوي الثراء أن يتشبهوا بذلك الرجل العظيم الخير - والناس على دين ~~ملوكهم - فيقفوا من أموالهم وما ملكت أيمانهم على مشروعات الخير والإحسان، وإن كانت ~~جماعة مساعدة فقراء مكة والمدينة، وعلى رأسها صاحب السعادة حسن كامل الشيشيني، ومحمد بك ~~الطوبجي، وعبد الملك بك المصلحي، تبذل مسعاها الخيري الدائم في استنهاض الأغنياء في ~~سبيل الجود والبر بأهل الحجاز. # التكية في المدينة # والتكية المصرية في المدينة من مآثر محمد علي الكبير أيضا، وناظرها حضرة أمين بك ~~عمر، وطبيباها حضرتا الدكتور رشدي، والدكتور الإبياري، ومهمتهما هي مهمة التكية المصرية ~~عينها. # البعثة الطبية المصرية # قد يقال إن من مظاهر أعمال البر التي يقدمها المصريون في شخص حكومتهم إلى أهالي ~~الحجاز إيفاد بعثة طبية مصرية تتولى معالجة الحجيج من المصريين والجنسيات الأخرى في ~~موسم الحج، ولكن يؤسفنا أن نقول إن عمل هذه البعثة ضئيل الأثر، ولا يمكن أن يعتبر ميزة ~~تقدمها وزارة الصحة، ذلك أن هذه ms108 البعثة تقدم إلى الحجاز عادة مع الفوج الأول، وتقوم ~~بمهمتها بضعة أيام تنفق فيها آلاف الجنيهات، إنفاقا فيه بذخ، بل كل البذخ! أفمن أجل ~~بضعة أيام تنفق الحكومة المصرية هذه الآلاف من الجنيهات على بعثة تضم أطباء وصيادلة ~~و«تمورجية» وأدوية وعقاقير؟ في الوقت الذي كان من الخير فيه لو وضعت وزارة الصحة هذا ~~الاعتماد المالي تحت يد وزارة الأوقاف لتضيفه إلى الاعتماد المخصص للتكية المصرية التي ~~تضم أطباء يقومون بمعالجة أهل الحجاز والمصريين والجنسيات الأخرى في موسم الحج وفي غير ~~موسم الحج. ويمكن لوزارة الأوقاف في هذه الحالة أن تعين طبيبا في العيون، وآخر في ~~أمراض الأنف والأذن والحنجرة، وبهذه الوسيلة يمكن للتكية المصرية أن تكون فيما يختص ~~بقسمها الطبي وافية بالغرض المنشود، لا سيما وأن أكثر الحجاج المصريين يعالجون فيها ~~موسم الحج، لا بمعرفة البعثة. # ذكرت هذه الحقيقة في كتابي: «في بيت الله الحرام»، و«الأرض الطاهرة»، فعاب علي بعض ~~كبار المصريين أن أجاهر بذلك لما فيه من المرارة، وهم فيما بينهم وبين أنفسهم يعترفون ~~بصدق ما قررت، ولكنهم لا يرون الجهر به، وكم من علل وأدواء تنخر في عظامنا، ولا يمكننا ~~معالجتها لأننا تنقصنا الشجاعة الأدبية للجهر بها! # الباب الثالث عشر # | العودة إلى الوطن # قضيت اليوم الأخير من مكثي في المدينة المنورة في «الروضة الشريفة» أصلي وأتعبد، ولكني ~~كنت في الوقت عينه أشعر بالحزن متغلغلا في جوانحي، مستوليا على نفسي؛ لأني كنت سأغادر ~~أطهر بقعة شريفة على وجه الأرض. # وكيف لا أحزن على مفارقة بلاد خصها الخالق جل شأنه بالطهر والأمن والسلام، كما جعلها ~~قبلة لقاصدي وجهه الكريم، طالبي التوبة والمغفرة، الراجين في التطهر من الأرجاس والذنوب ~~والمعاصي والمنكرات. # أجل، كيف لا أحزن على مغادرة بلاد ميزها المولى تعالى على سائر الأقطار والأمصار، بأنها ~~تحوي أحب البقاع المطهرة إليه عز وجل؛ فبها نزل «آدم»، و«حواء» عليهما السلام والدا البشر، ~~وفيها نشأ «إبراهيم» عليه السلام والد الذبيح «إسماعيل»، وفيها نشأ سيد الخلائق الأولين ~~والآخرين أجمعين محمد # صلى الله عليه وسلم ms109 # وفيها نبت خير الأديان، دين الله الحق، دين الإسلام، وفيها ~~نزل «جبريل» بالوحي، وفيها نزلت الملائكة تقاتل جنبا إلى جنب مع المؤمنين. # لم تكن قدماي لتطاوعاني على الخروج من «الروضة النبوية» الشريفة، فكنت كلما تقدمت خطوة ~~تراجعت خطوات، كما كانت الدموع تنهمر من مآقي مدرارا، وفاض الأسى على قلبي حتى لقد شعرت ~~بأني على وشك النحيب. # يا لها من ساعة! تلك التي كنت مضطرا فيها إلى الرحيل! شعرت في خلالها بأشد ما انتابني ~~من الآلام مما لم أصادفه قط في حياتي إلا في العام الأسبق، وفي الحالة نفسها، أي: في الوقت ~~الذي غادرت فيه «الروضة الشريفة» في حجتي الأولى. # غادرت «الروضة النبوية» الشريفة وأنا أردد الآية الحكيمة: # إن ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ~~، أخذت أردد هذه ~~الآية الشريفة وأكررها وأعيدها مرات بعد مرات، متمنيا على الله السميع المجيب أن يوفقني ~~إلى العودة إلى الأرض الطاهرة مرات بعد مرات، وكرات بعد كرات، وأن يجعل مثواي الأخير في ~~أرض «البقيع». # خرجت من المسجد النبوي الشريف وأنا غاض البصر، مطرق الرأس خشوعا وإجلالا لصاحبه ~~العظيم، وبعد أن استأذنت الرسول في السفر وسألت الله بجاه نبيه ألا يحرمني من تكرار ~~الزيارة إلى أن ينتهي الأجل بإذن الله. # ولست أستطيع أن أصف للقارئ شيئا من زخرف المسجد ونقوشه، فوالله ما قصدته لوصف تفصيلاته ~~ودقائقه، ووالله لا أدري كم عدد أبوابه، ولا أركانه وعمده؛ لأني ما تطلعت إلى شيء فيه، ~~ولكني كنت مأخوذا بروعة «الروضة النبوية الشريفة»، وبهيبة المسجد الشريف وجلاله، وبهيبة ~~العظيم محمد. # فالسلام عليك يا رسول الله. ~~••• # كان الوقت قبيل الغروب حين شرعت السيارة تسير بي إلى جدة في طريق العودة إلى ~~الوطن. # لازمني شرود الفكر مع الاكتئاب وقتا طويلا، شعرت كأنه الدهر، وكانت السيارة تطوي ~~الصحراء طي السجل للكتب، ولم أكن شاعرا بما حولي، فقد كانت حالتي النفسية وانقباض صدري، بل ~~حزني مانعا عني الشعور بذلك السكون الشامل المخيم على الصحراء. # كان الليل قد أرخى سدوله، ومضت ساعات قلائل منه، فتبدد ms110 بعض الظلام بأضواء ضئيلة كانت ~~النجوم ترسلها إشعاعا. # كانت نفسي حائرة، فكنت كمن فقد قلبه بعد أن ران عليه الأسى والحزن، ولم أكن لأدري شيئا ~~عما حولي إلا أني كنت أردد بلساني هذه الآية الشريفة التي ظللت أعيدها، وأكررها عشرات بل ~~مئات المرات، وهي: # إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد ~~. # أخذت السيارة بعد وقت طويل تسرع المسير، وأنا في داخلها أردد الآية، شارد الفكر. # وبعد مسير أربع وعشرين ساعة أو أكثر دخلنا جدة، فعلمت أن الباخرة ستقوم بعد يومين. # وحين كنا في السيارة في طريق العودة من المدينة إلى جدة، قام النقاش ودار الجدل على ~~أشده بين جماعة من الشيوخ حول بعض المسائل الدينية، وكان الشيوخ يكونون المذاهب الأربعة، ~~فأخذ كل واحد منهم يغلب الرأي الذي يذهب إليه إلى حد العنت والعناد، فقلت: لا عجب إذا ~~تفرقت كلمة المسلمين اليوم، وقد تعددوا مذاهب شتى، واختلفوا آراء وأغراضا. وقد كان ~~المسلمون أيام محمد وخلفائه من بعده متحدي الكلمة، يتبعون كتاب الله وسنة الرسول، ~~فقويت صفوفهم المتراصة، وتغلبوا على أمم المدنية الغابرة وسادوها، فهلا تمسكنا بعروة ~~الإخاء فلا تذهب ريحنا؟ # في الطور # وصلنا إلى الطور، فرأينا على رصيف الميناء صاحب العزة عبد القادر زعتر بك مدير إدارة ~~الحج في انتظار عودة الحجاج، والحق أن الرجل يعتبر مثلا عاليا في النشاط والجد ~~والعمل، وكل همه تيسير الحج لمن يريد أن ينعم بزيارة الأراضي المقدسة، وتسهيل وسائل هذه ~~الزيارة، وتوفير أسباب الطمأنينة والراحة للحجيج جميعا، سواء في سفرهم أو حين ~~عودتهم. # ويكفي أن نقدر عظم المهام التي يؤديها زعتر بك حين نذكر أن عشرات الألوف من ~~الحجاج يسافرون من مصر في كل موسم، وأن الإقبال على الحج اشتد في السنوات الأخيرة على ~~الرغم من ظروف الحرب، فمهام مدير إدارة الحج صارت أضعافا مضاعفة. # وليس ثمة من شك في أن زعتر بك إذا كان المصريون من الحجاج يقدرون له عظم نشاطه ~~وخدماته الجليلة لهم، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف له الأجر والمثوبة؛ لأنه ms111 يخدم ضيوف ~~الله، وأنعم به من شرف! # الباب الرابع عشر # | في العمرة # قدمنا للقارئ الحكمة في العمرة، والسر فيها، ونزيد فيما يلي بيانا عنها، فهي كفارة ~~للذنوب، نزلت في فضلها الآيات القرآنية الكريمة، فقد قال ابن عباس: إن لها لقرينتها في كتاب ~~الله عز وجل: # وأتموا الحج والعمرة لله ~~، ~~ورويت في خيرها الأحاديث النبوية الشريف، فقد قال فيها الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن ابن عمر: «ليس ~~من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة»، وعن أبي هريرة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «العمرة ~~إلى العمرة كفارة لما بينهما.» # وعمرات الرسول أربع، وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي أتى ~~بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حجة الوداع. # ويلاحظ أن عمرة الحديبية لم تفسد لصد قريش رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ومن معه عن دخول مكة، ~~ولكنها كانت عمرة مستوفية الشروط. ومن الأقوال الصحيحة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ومن كانوا معه ~~في «الحديبية» من المسلمين حين حلقوا رءوسهم للتحلل من العمرة احتملت الريح الشعر فألقته في ~~الحرم. # ويروى عن عائشة رضي الله عنها أن كل عمرات الرسول # صلى الله عليه وسلم # كانت في ذي القعدة، إلا ~~الأخيرة فقد كانت في شوال. وقال مجاهد: دخلت أنا وعروة بن الزبير فوجدنا ابن عمر جالسا ~~إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فسألناه: كم اعتمر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؟ قال: «أربعا، إحداهن في ~~رجب»، فكرهنا أن نرد عليه، قال: وسمعنا صوت عائشة أم المؤمنين، فقال عروة: «يا أماه، ألا ~~تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟» قالت: «ما يقول؟» قال: «يقول إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اعتمر ~~أربع مرات إحداهن في رجب»، قالت: «يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، ~~وما اعتمر في رجب قط.» # ولعل عبد الله بن عمر قد نسي. # وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع رسول الله # صلى الله ms112 عليه وسلم # موافين الهلال ~~لذي الحجة، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحجة ~~فليهل، ولولا أني أهديت لأهللت»، فمنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحجة. # وكانت عائشة رضي الله عنها قد أهلت بعمرة، وحاضت قبل أن تدخل مكة، فأدركها يوم عرفة وهي ~~حائض، فشكت إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال لها ما معناه: «دعي عمرتك وانفضي رأسك وانتشطي ~~وأهلي بالحج» ففعلت، فلما كانت ليلة رمي الجمرات أرسل معها شقيقها عبد الرحمن إلى ~~التنعيم، فأركبها ناقته خلفه، فأهلت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجها وعمرتها، أما ~~المشركون فقد كانوا لا يعتمرون إلا بعد انسلاخ شهر (أي بعد صفر)، وكانوا يقولون: إذا عفا ~~الوبر، وبدا الدبر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. ذلك أنهم كانوا يحرمون العمرة حتى ~~ينسلخ ذو الحجة ويهل صفر. وقد قال في هذا عبد الله بن عباس: ما اعتمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ~~ذي الحجة إلا ليقطع في ذلك أمر الشرك، وحتى يرى أهل الشرك أن العمرة في أشهر الحج لا جناح ~~فيها على من أتاها. وقد سأله سراقة بن مالك: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج، لا بل لأبد ~~الأبد.» # ولكي نبين شروط الإحرام بالعمرة نقول: يجب على الحاج القادم من مصر القاصد توا إلى مكة ~~المكرمة دون أن يتخلف في جدة أن يحرم في «رابغ» بعد الاغتسال والنية وصلاة ركعتين، ومن ~~أراد التخلف في جدة فعليه أن يحرم إما من جدة أو عند الأعلام قبل دخوله مكة، (والأعلام هي ~~الفاصلة بين الأرض الحرام والأرض الأخرى)، ومن كانت نيته التوجه أولا إلى المدينة المنورة ~~فعليه أن يحرم بعد عودته منها في «أبيار علي». # ويعتمر الشامي من «الجحفة»، بينها وبين مكة المكرمة خمس مراحل، والنجدي من «قرن»، جبل، ~~واليمني من «يلملم»، بلدة بعيدة عن ms113 مكة المكرمة، ومن أراد من الحجاج أن يأتي بعمرة أخرى ~~فعليه أن يخرج من مكة المكرمة إلى ما وراء «الأعلام» أو إلى «جعرانة »، وهي مكان يبعد عن مكة ~~المكرمة ست ساعات على ظهور الإبل، وحوالي أربعين دقيقة بالسيارات، فيخلع ملابسه ويغتسل، ~~ويقص من شعر رأسه وأظافره إلى آخر ما وضحنا من شرائط الإحرام بالعمرة، ثم ينوي الإحرام ~~بالعمرة ويصلي ركعتين، ثم يقدم مكة المكرمة معتمرا ويلبس غير المخيط من الثياب. # وقد اختلف الفقهاء في التوقيت الخاص بالعمرة، فمن قائل إنه من عمل الرسول # صلى الله عليه وسلم # ومن ~~قائل إنه من عمل عمر رضي الله عنه. # وقيل إن إتيان عمرة في رمضان بمثابة حجة مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومن الناس من ينوي العمرة غير محرم، إما لمرض - وهذا جائز؛ لأن الدين يسر لا عسر - ~~وإما اعتمادا على يساره وغناه، فيذبح طليين ويدخل إلى مكة المكرمة بملابسه العادية، ~~ولكن مثوبة العمرة في الإحرام؛ لأن هذا التيسير الذي نزل به الشرع قصد به المرضى وغير ~~القادرين على الإحرام لأعذار شرعية قهرية أخرى، أما من قدر على العمرة بالإحرام فعليه أن ~~يؤديها. # | خاتمة # والآن ترامت إلى مسامعي تقولات ومزاعم سجلها البعض في رسائل وكتب لهم، ذاهبين فيها ~~إلى أن العصر الجاهلي هو الذي هيأ الأمة العربية إلى ما أحرزته من مجد وسعة في السلطان ~~في عهد الإسلام، وأن أي مصلح لو حل محل محمد لفعل ما فعله محمد! # وإنهم ليزعمون أن العصر الجاهلي هو الذي كان أساسا لنشر الإسلام وسيادة الإسلام! # ولكن فاتهم - إن لم نقل إنهم يعلمون ويتجاهلون - أن الإسلام جاء بكل ما ينقض العصر ~~الجاهلي من أساسه، كان العصر الجاهلي عصرا تسوده الأرستقراطية؛ إذ كانت فيه القبائل تفاخر ~~بالأحساب والأنساب، فجاء الإسلام يقول: # إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم ~~، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وإن الكل سواسية، ~~إخوانا متحابين، فلا كبير يغتصب حق الصغير، والصغير يحترم الكبير، وما إلى هذا من خير ~~المبادئ الاجتماعية. # كان العصر الجاهلي ms114 عصر رق وعبودية، فإذا بالإسلام يجيء لينظم تحرير الرق ويرغب فيه، ~~واعدا من فك رقبة بدخول الجنة. # كان العصر الجاهلي يئد البنت خشية العار والفقر، فجاء الإسلام ونهى عن الوأد، قائلا إن ~~الله يرزق الآباء والبنات جميعا، فلا خوف ولا خشية من الفقر والإملاق. # كان العصر الجاهلي قد تفشت فيه الخمر، كما تتفشى الأوبئة سواء بسواء، فجاء الإسلام ~~ونهى عنها؛ لأنها أم الكبائر والخبائث، ومبعث الإجرام والشرور، فهي سلاح الشيطان وبعض ~~معداته في الإفساد والفوضى. # كان العصر الجاهلي تغشاه هذه المفاسد والنقائص الاجتماعية والخلقية كلها، فكيف إذن يصح أن ~~يقال إنه كان أساسا لنشر الإسلام وسيادة الإسلام؟! # كان العصر الجاهلي عصر انقسام بين القبائل، فالقوي منها كان يأكل الضعيف، حتى جاء الإسلام ~~فوحد بين القبائل الإسلامية، ووجه قوتها إلى خارج الجزيرة. # وإن الأساس ولا شك من صنع محمد بوحي من الله، والبناء من صنع الخلفاء الراشدين والتابعين ~~وتابعي التابعين رغم أنف الجهلاء. # هذه كلمة حق أردنا أن نختتم بها كتابنا فقأ لعيون ذوي الأغراض العمياء. # ففي عقل من تصح هذه المزاعم النكراء؟! ms115