######OpenITI# #META# URI: 1365CumarFakhuri.HaqiqaLubnaniyya.Hindawi80929709 #META# Tags: literature #META# ID: 80929709 #META# Title: الحقيقة اللبنانية: خواطر وأحاديث #META# AuthorID: 27383626 #META# Author: عمر فاخوري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # | الحقيقة اللبنانية # | الحقيقة اللبنانية # | خواطر وأحاديث # تأليف # عمر فاخوري # ... أيحتاج لبنان - كما نعرفه قطعة من جغرافيا، وفلذة من تاريخ - إلى أن يتسلق ذروة من ~~ذرى الزمن، وإلى أن يضرب في مسافات الأرض والسماء، فيجيل أنظارا ثابتة أو حائرة، في ~~ظلمة الماضي أو غيب المستقبل، في الآفاق القريبة أو البعيدة ... ترى، أيحتاج لبنان إلى ~~ذلك النصب الشديد، المقعد المقيم؛ كي ينتهي به الأمر إلى القول في سره أو على رءوس ~~الأشهاد: «أنا صغير، جد صغير ... صغير جغرافيا، وصغير تاريخيا»؟ لعمري إن تلك الكلمة ~~ليست مما يقال قولا؛ بل مما يهتف به هتافا، فلبنان منذ كان، لم يقف على ساحل هذا ~~الأبيض المتوسط، بإزاء مدنياته القديمة والحديثة، كما يقف الصياد الذي دهمته العتمة ولم ~~يعطه البحر سمكة واحدة ... لا، لكنها قصة شعب من الشعوب، ما كان صغر جغرافيته وتاريخه ~~ليعوقه أو يكفه أو يمنعه عن أن يعطي العالم - في عصر من عصور تمدينه - أداة التخاطب ~~المثلى، وأساليب العبادة الفضلى، وطرائق للفكر والعمل قويمة، بل لعل صغره في رقعة ~~الأرض وفي زحمة التاريخ، كان حافزا لذلك الشعب، دافعا إياه بعزم لا يغلب، إلى الأخذ ~~بضرب من ضروب العظمة أو السمو أو التوسع، يكفي به طموح ذاته، ويسد ~~عوزها. # وهكذا رأينا لبنان يتبسط سفنا ومدنا، ويتسامى آلهة وهياكل، ويتوسع بالحرف والفكر، ومن ~~غاباته المقدسة كان يشيد معابده الذاهبة صعدا، ويبني مراكبه الذاهبة بعيدا، كأن ~~له من ضيق مساحته، وصغر حجمه، عند المسافة ثأرا، فلن يقر له قرار حتى يدرك ~~ثأره؛ مقربا الأبعاد، جامعا الأضداد، واصلا قطيعة المادة والروح على سواء. # ليست الثقافة في بلد من البلدان، ولا رسالتها في شعب من الشعوب؛ مما يرتجل ~~ارتجالا، ولا مما يسن في ضجة المجالس والمجامع، ولا مما تحدس به مخيلة ~~شاعر أو ينضح به ذهن حكيم، ثم يفرض على الوجود فرضا. فالحياة نفسها (والتاريخ الذي ~~يحكي حكايتها) ليست سوى حوار لا ينتهي، بين الإنسان والطبيعة ms01 . ويندر أن تكون الكلمة الأخيرة ~~في ذلك الحوار لهذا الكائن من لحم ودم؛ حوار لطيف تارة وتارة عنيف، مضطرد أو منعكس، ~~في صراحة أو جمجمة، كزقزقة العصفور وسقسقة الجدول، كاصطفاق الموج وتقصف الرعد، يهمس ~~همس النسيم أو يدوي دوي البركان. # لبنان ملقى السبل المتفرقة، ومعترك الأمم المتنافسة، ومزدحم الثقافات المتقاطعة. ما ~~من قوة في الأرض تستطيع أن تغلق ساحله الغربي، هذا الباب المفتوح على مصراعيه للأبيض ~~المتوسط، من مدنيات وشعوب، يعطيها ويأخذ عنها، ثم يقذف به واحة غريقة في الصحراء. كذلك ما ~~من قوة في الأرض تستطيع أن تسلخه عن هذا الشرق السامي الذي وصلته به، منذ كان التاريخ، ~~بل قبل أن يكون، وشائج دم ولغة، وتقاليد وأساطير، وعبادات وثقافات، ثم يقذف به جزيرة عائمة ~~في الأوقيانوس. سيظل لبنان حيث هو وحيث كان، من الطبيعة ومن التاريخ، همزة وصل بين الشرق ~~والغرب اللذين يلتقيان فيه. وإذا صح أن ثمة مستقبلا، قريبا أو بعيدا، ليس يعرف الأثرة ~~القومية وما يلازمها من مظاهر الطمع والفتح والغلبة، ولا التحريم الفكري وما ينشأ عنه من ~~تعصب على اختلاف أنواعه؛ فقد كانت إذن ثقافة لبنان هي المثلى، ورسالته في الدنيا هي ~~الفضلى: ثقافة تمازج، ورسالة تواصل. # ولعل أكرم ما يصدره لبنان من بضاعة، أبناؤه في النواحي الأربع من الأرض، بناة ~~المدن والسفن، المخاطرون غير مغامرين، المثقفون طبعا وتطبعا، المحافظون في غير تزمت، ~~المجددون من غير تعسف، ناشرو الأبجدية قديما وحضنة العربية حديثا، أبناؤه السمر ~~الميامين، حملة رسالته الثقافية في العالم (شباط 1942). ~~••• # ليس سوء الظن دائما من حسن الفطن، رغم قول الشاعر، ولا سيما إذا كان الرجل من الرجال أو ~~الفئة من الفئات، يتخذون من سوء ظنهم مذهبا لا محيد عنه، أو طريقة لا مخرج منها، في حال من ~~الأحوال، فهو حينئذ أقرب إلى أن يكون من باب سوء النية. وبالفعل، لا مندوحة عن ~~افتراض سوء النية في كل سوء ظن «منظم»، كما أنه لا مندوحة عن الاعتقاد بأن ~~المقصود به ليس إظهار الحقيقة أو جلاءها ms02 ؛ بل بالضد، طمسها أو تعميتمها. # من الطبيعي ومن المعقول أن يحاسب امرؤ على ما يقوله أو يعمله، أما أن ينحل المرء ~~رأيا لم يقل به، أو عملا لم يبدر منه، فليس من الطبيعي ولا من المعقول. على أن هذا لا يقع ~~- لحسن الحظ - إلا في النادر القليل، أو في نوبات متقطعة؛ لسبب بسيط هو أنه غير طبيعي ~~وغير معقول، في وقت معا. لكن الأمر الشائع فينا المتداول بيننا، حتى ليكاد يعد ~~«ظاهرة» في حياتنا الاجتماعية، هو أن نحاسب المرء أو الجماعة على ما نخشى - وأحيانا ~~على ما نود - أن يضمروه، ولو جاهروا بعكسه. نقول ذلك لمناسبة ما يتأوله بعضهم، كلما ~~سمع أو قرأ هذه الصفة «لبناني» تضاف إلى «الثقافة» أو إلى «التاريخ» أو إلى «الحقيقة» ~~أو ما بمعناها، زعما منه أن في هذه الإضافة «الطبيعية» في نظرنا، إنكارا أو محاولة إنكار ~~لشأن الثقافة العربية والتاريخ العربي في ثقافتنا وتاريخنا، أو للحقيقة العربية بنوع عام ... ~~لا، فليس يخطر لأحد ببال، هنا أو هنالك، أن ينكر الصلات الوثيقة التي تربط هذا البلد ~~اللبناني بسائر الأقطار العربية: صلات مادية وروحية، صلات في الماضي وفي الحاضر. وليس ~~يخطر لأحد ببال، هنا أو هنالك، إلا تحبيذ كل مسعى يهدف إلى توثيق هذه الصلات ودعمها في ~~المستقبل. وليس يخطر لأحد ببال، هنا أو هنالك، إلا الاستمرار، فكرا وعملا، على تغذية ~~اليقظة الوطنية والاتحاد الوطني اللذين قطع الشعب اللبناني دليلا، بل أكثر من دليل، على ~~اتصافه بهما. قد تتعدد آراء اللبنانيين في بعض المسائل؛ كنوع العلاقات بين لبنان في ~~جانب، وبين الأقطار العربية الشقيقة أو غيرها من الدول في الجانب الآخر، لكن ثمة أمرا ~~يجمع عليه كل الوطنيين - وهم ولله الحمد الكثرة الغالبة - هو المحافظة على كيان هذا الوطن ~~اللبناني، واستكمال عناصر استقلاله، وذلك أولا: بتوثيق روابط الإخاء بين أبنائه وطوائفه ~~جميعا، وثانيا: بإنشاء الصلات الخارجية التي تدعم الاستقلال، وتضمن مصالح الشعب. # فأما ونحن جميعا ضمن هذه الدائرة، فلم يبق من موضع أو من مبرر لسوء الظن ms03 أو ~~للحذر - الطبيعي والمصطنع على السواء - لا من هنا ولا من هنالك. إن الطمأنينة والثقة ~~المتبادلة لمن الأشياء المستحبة التي آن لنفوسنا أن تعرفها وتألفها (شباط ~~1944). ~~••• # زعموا أن الحقيقة مرة المذاق ... إن الحقيقة ليست مرة وليست حلوة، إن لها طعما ~~خاصا هو طعم الحقيقة (بلا تاريخ). # | الفصل الأول # أقسم أني هذه المرة عييت؛ أعياني سائل من الفضوليين أو غير الفضوليين، يسألني: ~~«علام نحتفل لانتصار الحلفاء في أفريقيا؟» لم أعي من السؤال؛ بل من وجود السائل ... كنت ~~فيما مضى أتحاشى السائلين، فرارا من القيل والقال، فإذا بالسائلين - منذ زمن - كأنهم ~~حمر مستنفرة فرت من قسورة. لعلهم هذه المرة توقعوا سلفا - من البداية - ~~جوابنا الصارخ؛ بل الصاعق: «العمى! إذا لم تحتفل لهذا الحادث العظيم، عصبة مكافحة ~~النازية والفاشية، فمن يحتفل له؟! وإذا لم نحتفل الآن - وعندنا أسباب أخر - فمتى ~~نحتفل؟» ذلك أن المحور قد أضاع نهائيا، وفي وقت معا، قارة هي أفريقيا، وبحرا هو ~~المتوسط، وأضاع جيشا جرارا وعتاده ضخم، وأضاع وقتا ثمينا «سحبه» على المستقبل لإطالة ~~أجله القريب. وعما قليل، تنتصب الأمم المتحدة على عتبة ذلك الصرح الممرد الذي أسماه ~~هتلر: حصن أوروبا الحصين (ونسميه نحن: سجنها المطبق)، فتهوى على بابه المخوف، بقبضات ~~من حديد ونار، ثم تنقض بنيانه، وتدك جدرانه. عما قليل تتنفس الصعداء، وتقطع السلاسل ~~شعوب طعينة سجينة، شريدة شهيدة، وقد أخذ بعنق النازية من الشرق والغرب، فكا الكلابة ~~التي لا تدفع، فيلفظ الوحش نفسه الأخير. # وقفت عشية يوم بباب فاكهاني، وكان قد سبقني إليه بعض الزبائن، يطلب كيلو أو كيلوين من ~~العنب، فوضع البائع عنبه في كيس من ورق، وجعل الكيس (طبعا) في إحدى كفتي الميزان، وكان ~~يزيد في الكيس، خصلة بعد خصلة ليتم الوزن، لكن يظهر أن الكفة لم تكن عند رغبة ~~الفاكهاني، أو وفق هواه؛ لم تهبط بما يرجو من السهولة، فأراد أن ينتقم من عناد الميزان، ~~فتناول خصلة صغيرة يصح أن نسميها «الضربة القاضية» لأنها رجحت الكفة عنوة، بفضل ~~قبضة يد البائع العنيف، في عتمة ms04 القنديل الأزرق، وبأسرع من لمح البصر، قبل أن «يرتاح» ~~الميزان، ينتزع الفاكهاني الكيس بمهارة بهلوانية، ويقول للزبون بلطف نادر المثال: ~~«تفضل!» لقد أعطاه بعض حقه وزيادة، أعطاه ثقل يده الغاشمة. فهل رأيتم أرأف من هذا ~~التاجر بميزانه؟ إنه يساعده بكل ما فيه من قوة، وما عنده من حيلة. ثم ابتدرني الفاكهاني ~~بالسؤال قائلا: «اؤمر.» أجبت: «لا شيء، كنت أفكر في هتلر ذلك اللعين ونظامه الجديد، ~~وكيف أنه وقع أخيرا على من يكيل له الصاع صاعين، ويبادله الضربة ضربتين ...» فقاطعني ~~الفاكهاني قائلا: «هكذا تقول الجريدة!» وانصرف إلى «خدمة» زبون آخر لا يشتغل مثلي في ~~السياسة. # إذا كان هتلر قد أضاع قارة وبحرا، وجيشا وعتاده الضخم، ووقتا ثمينا من المستقبل كان ~~يرجو أن يطيل به أجل النازية ونظامها الجديد، فماذا أفدنا نحن؟ ماذا جنينا من ثمار النصر ~~العظيم الذي أحرزه الحلفاء في أفريقيا؟ # لقد أفدنا مباشرة إبعاد شبح الحرب الذي طالما جاس خلال ديارنا، وأفدنا بصورة عامة اقتراب ~~ساعة النصر الحاسم المبين الذي طالما بشرنا به - نعني: فوز قضية الحرية في العالم. وبديهي ~~أن عصبة مكافحة النازية والفاشية لم تجتمع، ولم تنشط، ولم تجاهد للدفاع عن قضية عالمية؛ إلا ~~لأن هذه القضية العالمية هي في الوقت نفسه قضيتنا، قضية بلادنا، وبالدرجة الأولى. لقد ~~أفدنا تصريحا باستقلالنا الوطني، وتمكينا من ممارسة الحياة الدستورية - المرحلة الأولى، ~~أو قبل الأخيرة نحو الاستقلال المنشود - وهكذا ترون أن الثمار التي جنيناها، أو سنجنيها من ~~انتصار الأمم المتحدة، في ميادين القتال: الجيش الأحمر العظيم في الشرق، والجيوش ~~البريطانية والأمريكية والفرنسية في أفريقيا، وعما قليل في الغرب الأوروبي. أن هذه الثمار ~~لا تشبه في شيء عنب صاحبنا الفاكهاني الذي يطبق النازية في دكانه، كلما سول له ~~الهوى أن يساعد الميزان بقبضة يده اللبقة الغاشمة. وإني لأتساءل الآن: ما الذي كان يصل ~~إلينا من حقنا في الحياة الحرة الرغدة الآمنة، لو وزن ذلك الحق في ميزان النازية التي ~~لا تخلو كفتها - الراجحة أبدا - من عصا مارشال، وتدجيل داعية، وأفضلية العرق ms05 الجرماني؟ ذاك ~~ميزان، لو وضع العالم كله في كفته الثانية، لما رجحت الميزان الذي لا يعتدل. # أعجبتني كلمة للكاتبة الأمريكية بيرل باك ... كتبت أخيرا تقول: «إن أهل الفيلبين، يوم ~~قاتلوا إلى جانبنا، لم يحاربوا الاستعباد الياباني دفاعا عن استعبادنا لهم، أو عن عبوديتهم ~~لنا؛ بل لإنهم شعروا بأن حقهم في الحرية والكرامة يحترم عندنا.» ولعمري متى يفقد امرؤ ~~أو شعب هذا الشعور بأن حقه في الحرية والكرامة محترم، ومحترم إلى حد التقديس، ~~فأي معنى يبقى لحياته؟ وأي ثمن لا يؤديه، لفرض هذا الحق في الحرية والكرامة، بوجه ~~العالم قاطبة؟ ولعمري إن الفرق لواضح بين من يدافع عن شيء هو له، وبين من يدافع ~~عنه وللآخرين في شركة، حظه منها القسمة الضئزى. لقد أتى هتلر على حريات الشعوب الأوروبية، ~~وانتهك أقدس كراماتها، ثم سمى سجنه المخوف حصنا حصينا. فواعجبا لذلك الحصن، ليس الخصوم ~~الذين يهاجمونه من خارج أقل عددا وعداء من الخصوم الذين يناوشونه داخل السور! لو كانت ~~القارة الأوروبية في ظل النظام النازي، ذلك الحصن الحصين الذي تتوافر الهمم، وتتضافر الجهود ~~على حمايته والدفاع عنه، لكان من العسير أخذه. لكن القارة الأوروبية اليوم سجن مخوف لشعوب ~~مستعبدة تحتدم بالثورة، ولن تلبث حتى تنفجر كالبركان. كذلك كانت روسيا القيصرية، فبادت، كما ~~سيقضى على النظام الهتلري. إن حق الشعوب في الحرية والكرامة لا يمكن أن يبقى منتهكا، ~~أو سليبا، أو مسكوتا عنه، إلا إلى حين. وفي هذا السياق من المعاني يصح القول إن لبنان ~~المستقل المتمرس بالحياة الدستورية، لن يكون همه الأول سوى التضامن مع الأمم المتحدة، ~~ومساعدتهم وسع الطاقة في مجهودهم الحربي؛ للقضاء على النازية أصلا وفروعا. # لم يكن من الحسن ولا الرشد في شيء أن تفاجئنا السلم، وليس في الأرض اللبنانية المستقلة ~~حكومة دستورية ديمقراطية يختارها الشعب اللبناني من أبنائه البررة العاملين الصادقين لتصريف ~~شئونه، ولا سيما لتمثيله بين الأمم؛ لهذا يدعى اللبنانيون إلى انتخاب نوابهم، ولهذا يجب ~~أن يحسنوا الاختيار، هذه المرة ولا أية مرة! هو شرط بديهي، لكنه ms06 أساسي، أساسي ~~كالحياة. # فلينظر اللبنانيون، ثم لينظروا، بأي وجه يهمهم أن يطلع وطنهم على الدنيا، من ظلمة هذه ~~الحرب! إن اللبنانيين أنفسهم هم الذين يصورون ذلك الوجه، ويرسمون ملامحه وشياته، ~~ويؤلفون محاسنه ومفاتنه. وأكبر الظن أنهم لن يريدوا - منذ اليوم - وجها من الوجوه الزائفة ~~والمستعارة؛ فهذه الوجوه لا موضع لها، إذا جد الجد في حياة الأمم. إنما تصلح الوجوه ~~الزائفة أو المستعارة للمساخر. # نريد وطنا، لا طيف وطن. نريد وطنا من لحم ودم. نريد وطنا يحب ذاته ويحترمه الآخرون، ~~يعرف كيف يحب ذاته، وكيف يفرض احترامه على الآخرين. # في صيف 1940 كنت - كل أسبوع، مرة أو مرتين - أستقبل في منزلي سرا، كأننا على موعد ~~لقاء، جريدة لا توحي بشيء من صفات الجرائد الضخمة الرنانة التي يلوح بها، ~~وينادى عليها في السوق، بأصوات تصم الآذان، وتطاير من كل مكان. # كانت هذه الجريدة عجيبة حقا، غير مرتبة ولا مبوبة ولا مزينة باسم مخلوق من هؤلاء الذين ~~يدعون بالمحررين، أو المديرين، أو المالكين. ولأمر ما كانت أيضا خلوا من عنوان المطبعة ~~التي تخرجها (أو تزفها)، فهي تطبع على الجلاتين. صحيفة ساذجة، بسيطة الزي والشكل، ~~متواضعة، محتشمة، كحسناء فقيرة لكن تحترم ذاتها. صحيفة «شاذة» وكفى! # ما كان أعجلني عهدذاك إلى قراءة الصحيفة الحرام، تأتيني أعدادها كالمواد الخطرة ~~المهربة، وإلى قراءتها من الألف حتى الياء! كان يجيئني بها فتى ولا كالفتيان؛ ليس تفارق ~~الابتسامة ثغره، والعزيمة الصادقة نظره، يناولني «بضاعته» من كوة الباب، ثم ينصرف ~~معجلا، ولم يكد يحييني أو يسمع مني كلمة الشكر. لكن بعد أن «تعاملنا» مدة من الزمن، ~~وأنس كل بصاحبه، صرت أدعوه إلى فنجان قهوة، فيقبل الدعوة، فنجلس ساعة أو بعض ساعة ~~نتجاذب أطراف الحديث، فكان يخيل إلي دائما أن الفتى ليس سوى «عدد ممتاز» من الجريدة ~~التي ينشرها، بل «يبشر» بها. كأنما الصحيفة تحيا فيه لحما ودما، فكرا وشعورا، ~~حمية وإقداما، ثقة وأملا في المستقبل، كما يريده وسيكون. # لقد كنت أجهل اسم ذلك الصديق الجديد - الجديد بكل معاني الجدة - كنوع ms07 مستحدث من ~~الآدميين. فكنت، ولا أدري لماذا، أدعوه بيني وبين نفسي: «بشارة.» اليوم يقولون لي بلطف: ~~«أجل، هو أدوار.» وأنا أحتج بشدة: «كلا، هو بشارة!» وليس في هذا خسارة. # لو سألتموني عما كنت أجد في تلك الصحيفة المتواضعة برغمها، والتي كانت تحمل إلي ~~كرسالة خاصة، مرة أو مرتين كل أسبوع، لاختلطت في ذهني صور وأفكار وخواطر شتى، ~~فلا أعرف كيف أبتدئ ولا كيف أنتهي. حتى الحوادث (أو الأخبار) كان لها في تلك الصحيفة معنى ~~جديد، وصدى غريب، كأنما ينظر إليها من زاوية غير مألوفة أو مبتذلة، لكنها الزاوية ~~«المستقيمة» الصحيحة، منها يسعى في السبيل الأقوم، إلى الغاية الأسمى. تلك الصحيفة هي آخر ~~مدرسة تعلمت فيها سداد الفكر وصدق العمل؛ سواء أفي إعلانها على النازي حربا لا هوادة ~~فيها، يوم كان النازي كل شيء، أم في صمودها للدفاع عن خبز الشعب وحريته وسلامته ... وكانت ~~تقول في كل مناسبة، ما لا بد من قوله، ما يجب أن يقال، ببساطة لا بساطة وراءها. أعني ~~أنها لم تكن بحاجة إلى تضخيم صوتها؛ إذ لا صوت يعلو على صوتها ... هو «صوت الشعب». # في ذلك الزمن - يذكر ولا يعاد! كان خالد بكداش، وفرج الله الحلو، ونقولا شاوي وبعض ~~الرفاق، يضطهدون في السجن، أو يطاردون فيما هو أضيق من السجن، لكن صوتهم لم يحبس، ~~وجهادهم لم يكبح، ونورهم لم يطفأ. كانت أصداء من الصوت المدوي، ومآثر من الجهاد الدامي، ~~وآشعة من الضياء المحيي، تملأ بيتي، وتشغف نفسي، وتنير بصيرتي ... وبيوت كثيرين، ونفوس ~~كثيرين، وبصائر كثيرين. # في ذلك العهد، عهد فيشي، واللجنة الخبيثة، والتربص الأخبث، والجيش الألماني الذي لا ~~يغلب، إلى آخر الخرافة؛ لم أكن أعرف خالد بكداش، وفرج الله الحلو، ونقولا شاوي، أو واحدا ~~من رفاقهم الميامين. كان ينبغي - كي أعرفهم - أن أمسي سجينا متطوعا، أو طريدا مختارا، ~~وليس هذا بالأمر السهل، نظريا أو منطقيا على الأقل. # ثم جاء غير ذلك الزمن، جاء عهد أحسن حالا، عهد لا يزال في تحسن مطرد، كالمريض الذي ~~يتماثل إلى العافية، ms08 وكان من أيادي هذا العهد عندي أني - أخيرا! عرفت خالد بكداش الخطيب ~~الذي يحلق كالنسر، والقائد الذي يحارب في أكثر من جبهة؛ لأنها - حيثما كانت - جبهة الحرية. ~~يحلق كالنسر في آفاق الفكر والبيان، وكالنسر لا تفلت من بصره الحديد تفاصيل الأمور أو ~~جزيئاتها، مهما دقت عن النظر، أو صغرت على البعد. وعرفت فرج الله الحلو المجاهد الأمين، ~~كل عمل يأتيه خطبة بليغة، وكل خطبة يلقيها عمل رائع. وعرفت نقولا شاوي ... ماذا أقول لكم، وهو ~~هنا، قد رأيتموه وسمعتموه؟ لكن تعالوا أهمس في آذانكم من خلال هذا المذياع، بأنكم لن تجدوا ~~خيرا منه نائبا يمثلكم؛ يفهمكم فهما صحيحا، ويحس معكم إحساسا صادقا؛ فلهذا، ولهذا ~~فقط، كان نقولا شاوي في السجن. علام إذن لا يكون في مجلس النواب، لهذا ولأسباب ~~أخر؟ # وهكذا عرفت خالد بكداش وفرج الله الحلو ونقولا شاوي، ورفاقهم الكثيرين اليوم، الأكثرين ~~غدا، الذين يعملون كالنمل، ويجنون كالنحل، ويمشون كالجنود الأبطال، وفي سبيل أمتهم وحقها ~~في الحياة الحرة الرغدة الآمنة، ما يعملون وما يجنون. جزاهم الله عنا كل خير! لقد ~~علمونا بالكلمة والمثل، أن المولهين بحب الحرية لا يرجعون - برغمهم - خطوة إلى وراء، إلا ~~ليقفزوا خطوتين إلى أمام، ودلونا على الطريق. # في هذه «المزرعة» المخصاب، شجرة شابة عجوز تعهدها من زمن بعيد هذا الحي الكريم، ~~بالسقيا والعطف والعناية، فصارت راسخة أصولا، منبسطة فروعا، وارفة ظلالا، دانيا ~~قطوفها. شجرة تستمد من الماضي الأصيل قوة، لتمتد غصونها نحو المستقبل الوضاح ~~تحية؛ هي شجرة الإخاء في الوطن الواحد، وفي العقيدة الواحدة. وكأنما الشجرة هنا، كي يأوي ~~إلى فيئها، ويجني من ثمرها، العهد المقبل الذي طالما تاقت إليه نفوسنا، واستهدفته ~~جهودنا. # هنيئا للمزرعة وبنيها، وللبنان وأهله، الشجرة المباركة التي رسا أصلها، وفرعها في ~~السماء. # لو كنت أخوض المعركة الانتخابية، ولا هم لي إلا أن أصل إلى المجلس النيابي، فأستلم ~~الكرسي بشوق ولهفة، وأرتاح نائما على الثقة، ثم أغط في النوم مع زملائي الكرام، لقلت ~~لكم منذ الآن: «شكرا، شكرا! إن عطفكم وتأييدكم ومناصرتكم تكفيني؛ ms09 بل هي فوق الكفاية.» ~~عبارة من عبارات اللياقة والامتنان وعرفان الجميل. لكن لا، لن أقولها، وليؤذن لي أن لا ~~أشكركم! # أنتم تعلمون - وأنا أيضا أعلم، وإلا كنت متهما في فهمي - أن هذه المظاهر الصغرى ~~اللطيفة، والكبرى الرائعة، تتجاوز كل الأشخاص ولا سيما شخصي، إلى المبادئ والقيم التي كنا، ~~ولا نزال، نناضل من أجلها في مختلف الميادين. أنا أعرف ما ينتظرني؛ تريدون أن نحمل هذا ~~النضال إلى ميدان جديد هو البرلمان اللبناني الذي كان - والحق يقال - تخيم عليه في ~~الأغلب سكينة مشبوهة، فلا يرتفع بعض الضجة إلا حينما يؤمرون بالانصراف، كالتلاميذ ~~الخارجين من الصف، ثم يتفرقون ... يتفرقون متواعدين إلى المجلس المقبل. وبالفعل ليس ~~يتخلف منهم أحد إلا لموانع قاهرة، كأن يأتيهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، ~~وسبحان الحي الذي لا يموت. # سيكون لكم، أيها الإخوان، ما أردتم. هذا النضال لأجل المبادئ التي تجعل للحياة قيمة، بل ~~التي لا قيمة للحياة بدونها، سنحمله إلى مجلسكم النيابي. لقد أثبتت هذه الحرب أن النصر يكون ~~حيث تكون المؤخرة والجبهة معسكرا واحدا، يناضل في معركة واحدة، ويرمي إلى هدف واحد. وقد ~~آن لنا أن نجعل من الشعب اللبناني ومن مجلسه النيابي، معسكرا واحدا يناضل في معركة ~~واحدة، ويرمي إلى هدف واحد. أما أن يظل الشعب اللبناني في جهة، بآلامه وآماله، ومشاغله ~~ومطامحه، ومجلسه النيابي في جهة ثانية، ينعقد كمجالس الإدارة لشركات المساهمة، فذلك ما لن ~~يكون. # أيها الإخوان! إن البرنامج الذي أتقدم به إلى جمهرة الناخبين بسيط جدا، واضح ~~جدا، متواضع جدا؛ إنه يتألف من أحد عشر بندا، قد لا تخرج في محتواها - إلا بعض ~~الشيء - عما تلوح به أكثر البرامج الانتخابية. إنه يعد بتوطيد الاستقلال الصحيح، ~~وبتأمين الحريات الديمقراطية على أنواعها، وبتوثيق روابط الإخاء بين جميع المواطنين على ~~اختلاف طوائفهم وأديانهم، والروابط الاقتصادية والثقافية بين لبنان وسائر الأقطار العربية، ~~وبتشجيع الاقتصاد الوطني وحمايته في مختلف فروعه من تجارة وزراعة وصناعة، وبإصلاح التنظيم ~~المالي، وبسن تشريع للعمل مستمد من روح العدل الاجتماعي والتضامن القومي، ثم يستمر ms10 إلى ~~آخر حلقات السلسلة. هو ككل برنامج محترم يعد كثيرا، أعني يأتي البيوت من أبوابها. إنه ~~البرنامج الذي لم يتغير ولم يتبدل منذ عشرات السنين، منذ وجد الدستور اللبناني؛ لسبب واحد ~~هو أنه لم ينفذ. يظهر، أيها الإخوان، أن البرامج كانت دائما أفضل من النواب الذين ~~يحملونها، فأرجو أن توفقوا هذه المرة إلى نواب يكونون أفضل من البرامج التي تحملهم، ~~نواب يكون برنامجهم الانتخابي برنامج حياتهم، نواب يقولون، ساعة تقرير المصير، كلمة الشعب ~~اللبناني الطامح إلى الحرية والاستقلال والسعادة، لا يهمسون بها همسا؛ بل يهتفون بها ~~هتافا. # إن البرنامج الذي أتقدم به إليكم، يتألف من أحد عشر بندا، كلها عزيز علي، حبيب ~~إلى نفسي؛ كالأولاد ليس يؤثر الأب أحدهم على الآخر، بعطفه وإشفاقه وعنايته، لكن لا أجد ~~بدا من الاعتراف بأن لي نظرة خاصة إلى البند الرابع من بنوده: «توثيق روابط الإخاء بين ~~جميع المواطنين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأجناسهم، بروح العدل والمساواة والتضامن ~~القومي.» فكثيرا ما أرجع إلى هذا البند، حتى ليسبق نظري إليه دون غيره. إن آفة لبنان هو ~~الاستغلال بأنواعه، وشر هذه الأنواع إيقاع التفرقة - ثم استغلالها - بين أبنائه الذين ~~أجمعوا على إرادة واحدة، هي إرادة العيش في ظلال هذا الوطن، بحرية وعدل وتضامن. ~~لقد عزز هذا اليقين في نفوسنا، الاجتماعات الكثيرة التي عقدناها، والتي كانت تضم ~~الوطنيين الصادقين الواعين، من كل مذهب ودين. # إن العالم مشغول بحل مشاكله العظمى، ونحن ما زلنا منهمكين في حل مشكلة ابتدائية حيوية، ~~كدت أقول: حيوانية. ليس بكاف، كلما رأينا البيت يحترق، أن نهب جميعا لإخماد النار، ~~يجب أن نمنع أسباب الحريق، وأن نبعد عن البيت المحرقين. لنقل بصراحة: لا يمكن أن ~~يكون لبنان وطنا مسيحيا، ولا وطنا إسلاميا، لا يمكن أن يكون وطنا لأي دين من ~~الأديان، أو مذهب من المذاهب، لا يصح أن يكون لبنان إلا وطنا لجميع اللبنانيين على ~~السواء. # إن وعد الحر دين، إن وعد الأحرار دين. في العام الماضي، احتفلنا أكثر من ~~مرة، وفي أكثر من ms11 بلد ؛ لانتصار الحلفاء في أفريقيا، ذلك الانتصار الذي انتهى بتطهير ~~القارة السمراء من رجس المحور. وقد تخيلنا عامئذ لضرورة الموقف، سائلا يسألنا، وهو ~~ضائق ذرعا باحتفالنا المستمر الملحاح، سائلا يسأل: أما لهذا الاحتفال حد؟ كما يتساءل ~~المغني الذي يردد، من أول الليل حتى ساعة متأخرة منه، الدور المشهور: «أما ~~لهذا الليل آخر؟» والحق أن ذلك السائل لم يكن واحدا، كما أنه ليس خياليا بهذا ~~المقدار؛ لذلك أجبناهم عن سؤالهم قائلين: سنظل نحتفل للنصر الأفريقي ونحتفل، حتى يرزق ~~الحلفاء نصرا جديدا، أو تفتح الجبهة الثانية مثلا. حينئذ، وحينئذ فقط، نكف عن ~~الاحتفال لذلك النصر؛ كي نفرغ للاحتفال للنصر الجديد، أو لفتح الجبهة الثانية. # إن وعد الحر دين. وها نحن أولاء، ننجز الآن وعدنا، نفي ديننا، فنعلن على رءوس ~~الأشهاد أننا عدلنا عن الاحتفال لذلك النصر الأفريقي، فهو تاريخ قديم؛ كي ننصرف ~~بكليتنا إلى الاحتفال لهذا النصر الجديد، الذي يحرزه الجيش الأحمر في الشرق، والجيوش ~~الحليفة في الغرب، والذي سينتهي عما قليل، بتطهير الأراضي السوفييتية، والأرض الفرنسية، ~~وأوروبا بأسرها، من آفة النازية، وكل آت قريب. # يقولون إن النازية لم يبق عندها شك في فشلها المتحتم، لكنها تود أن تكسب ما أمكن من ~~الوقت. نحن إذن متفقون أن الانحدار متحتم، لكن المسألة مسألة وقت، سوى أن الوقت كان يمشي ~~في ركاب الأمم المتحدة، كان في خدمتها؛ بالأمس كان هتلر يمني نفسه بالنصر الصاعق، وها هو ~~اليوم يعزي نفسه بالانهزام البطيء. ~~(لا يجوز الحكم على هذه الحرب بما يحدث من تطورات بين عشية وضحاها؛ إذ لا يمكن أن يكون ~~للانتصارات أو للهزائم الموقتة أهمية حاسمة، بالنسبة إلى حرب لها هذا المجال العالمي ~~و«التاريخي» الواسع ...) # يخيل إلينا، أول وهلة، أن هذه الكلمة قيلت منذ ثلاث أو أربع سنوات، وأن الذي قالها هو ~~أحد قادة الأمم المتحدة التي لم تكن على تمام الأهبة المادية والمعنوية، أو التي أخذت على ~~حين غرة. لكن لا، إن هتلر هو الذي قالها منذ بضعة أيام: لهذه الحرب مجال عالمي وتاريخي ms12 واسع ~~... ليؤذن لي هذه المرة، أن لا أرسل نفسي على سجيتها، فأتمثل هتلر، وقد فتحت عليه الجبهة ~~الثانية في الغرب، يتعزى أو يتسلى بفتح جبهته الثانية في ... التاريخ. كلا، إن لكلمته ~~معنى آخر هو جدير بالروية، الروية التي كنا ولم نزل ندعو إليها بني قومنا. إن ما يعنيه ~~هتلر هنا يهمنا بالدرجة الأولى، ولا يصح أن نغفل عنه طرفة عين. # وماذا يعني هتلر بقوله ذاك؟ # يريد أن يقول إنه قد غلب هو، لكن النازية لم تغلب نهائيا، وإن الماكنة الحربية الضخمة ~~التي أعدها لنصرة النازية قد تحطم، لكن النازية لا تحطم إلى الأبد، وإن ألمانيا ~~معقل النازية في هذا الزمن، قد تضطر إلى طرح سلاحها، إلى التسليم، لكن النازية لا تطرح ~~سلاحها، ولا تسلم ... يريد هتلر، بعبارة واحدة، أن يقول: إن النازية التي فشلت في هذه ~~الحرب، في مجالها العالمي، لم تفشل بعد في هذه الحرب، في مجالها التاريخي. فليس بكاف أن ~~يغلب هتلر، وأن تتحطم ماكنته الحربية، وأن ترمي ألمانيا سلاحها، كي نطمئن إلى أن النازية ~~قد لفظت أنفاسها الأخيرة، وأنه لن يبعث من في القبور. إن هتلر الذي انهزم في ميدان ~~العالم، يضرب لنا موعدا في مجال التاريخ. # كل ذلك عرفناه، ولم نكن بحاجة إلى أن يذكرنا به مذكر. سنكون دائما في الموعد، مهما ~~يكن الاسم الذي تتسمى به النازية، والقناع الذي تتقنع به النازية، سنكون دائما في ~~الموعد، وفي المعسكر نفسه، معسكر الحرية والتقدم، معسكر النصر. # كل هذا عرفناه، ولم نكن بحاجة إلى من يذكرنا به، حتى ولا هؤلاء المتسمين ~~بالقوميين، الفهاررة الأقزام، الذين يطمعون هم أيضا بأن يشدوا العجلة إلى وراء، بأن يرجعوا ~~بنا القهقري، فإذا غاية جهدهم أنهم يمثلون في بلادنا، بعد فاجعة النازية في العالم وفي ~~التاريخ، ذلك الفصل الهزلي الذي يظهر أنه لا بد منه. لكن حبذا لو كانوا يختارون لهذه ~~المهزلة مسرحا غير لبنان! سنحملهم على أن يختاروا لها مسرحا غير لبنان! # منذ اجتمعنا آخر مرة في هذا المكان، وكان ذلك لمناسبة ms13 أول نوار على ما أذكر، حدثت في ~~البلد أحداث وأحاديث ... ماذا أقص عليكم مما حدث، وهي حياتكم اليومية والعامة على السواء؟ ~~خلاصة الخبر أنه جاءت حكومة، بعد أن ذهبت حكومة، أو جاءتا وذهبتا في وقت معا، وهو الأصح ~~وليست تدري إحداهما لماذا جاءت، ولا الأخرى لماذا ذهبت، كذلك نحن لا نعرف على التدقيق من ~~الذين ذهبوا، ومن الذين جاءوا. يقول بعضهم بإن الحكومة التي جاءت هي خير من الحكومة التي ~~ذهبت، ويقول فريق آخر بالعكس، وكل من الفريقين غير مقتنع كل الاقتناع. # ثم إنه انعقدت مؤتمرات وانفضت مؤتمرات، أو لم تنعقد حتى انفضت، وقد كانت هذه ~~المؤتمرات كالسؤال وجوابه، أو كالصوت وصداه، لكن الجواب ما لبث حتى صار سؤالا يحتاج إلى ~~جواب، والصدى صوتا يثير أصداء ... وهكذا دواليك. ثم إنه تغيرت السياسة؛ كانت سياسة أشخاص ~~و«بعض» المبادئ، فأمست سياسة مبادئ من غير أشخاص، فسياسة أشخاص من غير مبادئ، وأخيرا - وهو ~~الأقرب إلى الروح العملي - سياسة «بعض» المبادئ و«بعض» الأشخاص. # ماذا تريدون أن أقص عليكم؟ الأفضل أن «نسافر» من هذا الزمن، ونرجع إلى الوراء قرنا ونصف ~~قرن، فنتحدث عن الثورة الفرنسية مثلا، مخافة أن يرجعوا بنا إلى أبعد من ذلك العهد، إلى ~~ما قبل التاريخ. # تعيد الأمة الفرنسية ويعيد العالم معها كل عام ليوم الرابع عشر من تموز، ~~ويسمونه: عيد الحرية. في ذلك اليوم من سنة 1789 أثبت الشعب ذاته وإرادته وقوته، وفي ~~ذلك اليوم أيضا كانت الإنسانية، وفرنسا في الطليعة، تجتاز إحدى المراحل التاريخية الكبرى ~~نحو انعتاق الإنسان من العبودية بأنواعها. # ماذا كانت حالة فرنسا في ذلك العهد؛ حالتها السياسية والاجتماعية؟ أخاف إذا أنا أطلت ~~الكلام في الموضوع أن يتبادر إلى الأذهان أني أحدثكم عن حالة بلادنا أو أدعو إلى الثورة. ~~حاشا وكلا! إن حقوق اللبناني قد أعلنت عندنا من زمن بعيد، منذ الدستور العثماني على ~~الأقل، ولم يبق إلا أن تطبق، وكل آت قريب. على أن سلسلة الأحداث الخطيرة التي عرفت ~~بالثورة الفرنسية، لم تكن حلقاتها الأولى سوى حركة ms14 تقدمية سلمية يراد بها رفع المظالم ~~الصارخة؛ بل «الزوائد» الفاحشة التي إن يكن عجيبا من الشعب الفرنسي، العمل على إزالتها حتى ~~بالعنف، فقد كان الصبر على بقائها، أو على محاولة إبقائها، من بعض الطبقات، بالعنف والخيانة ~~معا، أعجب وأدهى وأبلغ في النكاية. # في أواخر القرن الثامن عشر تغيرت أشياء كثيرة في فرنسا، ومن جملتها الأفكار، هكذا تبدأ ~~الحكاية؛ فالأوضاع والأساليب التي كان الشعب الفرنسي مذعنا لها كمفاسد لا مندوحة عنها، ~~أضحت في نظره مظالم لا تطاق، من الواجب ومن الممكن إزالتها. لم يكن الشعب عهدذاك يطلب غير ~~وضع حد لاستبداد الحكام، وللتعصب الديني أو المذهبي، ولعدم المساواة بين الأفراد. كانت ~~مطالبه تلخص في شعار مشهور تداولته الألسنة والأقلام، منذ أواسط القرن: «حرية - مساواة»، ~~وهي - كما ترون - ليست على شيء من التطرف، نظريا على الأقل، لكن معنى هذا بطبيعة الحال، ~~كان القضاء عمليا على طريقة الحكم المطلق، وعلى سنة الإكراه في الدين، وعلى قاعدة ~~التفاوت في الضرائب والمكوس، وعلى بقايا الإقطاعية بوجه عام - أي بكلمة واحدة: على ~~الامتياز. سوى أن ذوي الامتياز لا يريدون حرية ولا مساواة، لسبب بسيط هو أنهم مكتفون؛ ~~تكفيهم الامتيازات! # لقد أجمع المؤرخون على القول بأنه لم يكن في المجلس الوطني المنعقد سنة 1789، والذي أعطى ~~فرنسا دستورها الجديد، ثوري أو رجل فتنة واحد. إذن فمن هم الذين ثاروا وأضرموا نار ~~الفتنة؟ إن الرجعيين من الطبقات الممتازة، أخذوا يحاربون بكل الوسائل، في داخل وفي خارج ~~النظام الذي استصلحه الشعب الفرنسي، أو ارتضاه لذاته؛ ذلك أن الرجعية لم تؤت صبر الشعب وسعة ~~صدره، فتسلم بأن هذه الأنظمة إصلاحات واجبة لا بد منها، أو على الأقل لا بأس بها؛ فطفق ~~ذوو الامتياز من النبلاء وغيرهم، يهاجرون إلى البلاد الأجنبية، حيث عبئوا جيشا على رأسه ~~ستة آلاف ضابط، من تسعة آلاف هم كل ضباط الجيش الفرنسي، وكان في عدادهم شقيق الملك لويس ~~السادس عشر، وأهله الأدنون. فما الذي يتورع ذوو الامتياز عن اقترافه لحفظ امتيازاتهم، ~~ولدوام استغلالهم، كأن الوطن «حقل » لا ms15 شركة لأحد فيه، حتى ولا للكادحين العاملين فيه؟ (يظهر ~~أن ثمة فرقا بين الاشتغال في «الحقول» والاشتغال في «حقل الوطنية»، فكلتاهما مهنة خاصة على ~~حدة، لها أربابها ...) # والآن، ماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة المعقولة الطبيعية أن المجلس الفرنسي اتخذ قرارا ~~عادلا منصفا لأولئك الأشراف الذين أثبتوا - مرة أخرى في تاريخ الأمم - أن لفظة ~~«الشرف» هذه قد تكون، في كل اللغات، من أسماء الأضداد ... وأن الملك لم يوافق على قرار مجلس ~~الأمة، بل أخذ يعمل على استمالة أعضائه وقادة الجيش، بالرشوة وغيرها من الحيل أو الطرق ~~غير المشروعة؛ لحملهم على مناوأة النظام الجديد، وكان في الوقت نفسه يفاوض زملاءه ملوك ~~أوروبا طالبا النجدة. وقد حاول الفرار من باريس عاصمته، فقبض عليه وأرجع بالقوة، ثم ~~سجن وحوكم وأعدم بتهمة ممالأة العدو والتآمر على سلامة الوطن ... زعموا أن ذلك الرجل ~~كان ملكا بإرادة الله. أما الأمر الثابت فهو أن شعبه ضاق به ذرعا! # إن الثورة الفرنسية لم تعلن حقوق الفرنسي وحسب؛ حقوقه السياسية والمدنية، بل أعلنت أيضا ~~حقوق الإنسان. وهكذا كانت الثورة ومبادؤها بشير خير وصلاح للأمم جميعا، حتى ليصح ~~القول إنها ثورة إنسانية عالمية، بقدر ما هي ثورة فرنسية وطنية ... وإلا كانت كل أمة في ~~العالم تترك للفرنسيين مؤنة الاحتفال لثورتهم، ثم تفتش لها عن ثورة أو شبه ثورة خصوصية ~~تتسلى بها، إذا لم يكن بد من الاحتفال. # كانت الثورة الفرنسية بشير خير وصلاح وأمل للأمم جميعا، فلا عجب أن تكون في الوقت ~~نفسه نذير ويل وخطر وخسران، للملوك والأمراء وذوي الامتياز في العالم كله. كذلك لم يلبث ~~هؤلاء الملوك والأمراء وذوو الامتياز حتى تألبوا على الشعب الفرنسي واجتاحوا أرضه، فكانت ~~الملحمة المجيدة التي هب فيها الشعب يذود عن وطنه وعن كرامة الإنسان، صامدا في وجه ~~الرجعية الأوروبية، فضاربا في أقفيتها، فناشرا حيثما حل بذور المبادئ الجديدة، مبادئ ~~الحرية والمساواة والإخاء للأفراد وللأمم على السواء. # لقد انقضى قرن ونصف قرن منذ ذلك العهد، واجتاح العدو الغاصب الأرض الفرنسية، كرة أخرى، ~~وشهدنا في ms16 فرنسا ثورة، لكن معكوسة؛ ثورة على الشعب الفرنسي، تريد أن ترجع به القهقري. إن ~~الرجعية حيثما كانت، تلغ في كل إناء، فلا تدع فرصة إلا اغتنمتها، وقد اغتنمت الرجعية ~~الفرنسية، هذه المرة، فرصة هتلر القائل وهو الكاذب: «ليست الديمقراطية سوى أكذوبة.» وغوبلز ~~الصارخ وهو ينبح القمر: «إن عام 1789 سيلغى من التاريخ.» حقا إن الرجعية حريصة على ~~تقاليدها، فهي لم تحد قيد شعرة، عن خطة مهاجري الثورة الذين ائتمروا والأجنبي، ومشوا صفا ~~واحدا في خدمة ملك بروسيا، لمحاربة جيوش الجمهورية الأولى. لكن للشعب الفرنسي، وهو من أعظم ~~شعوب الدنيا ثورية واندفاعا إلى الإصلاح، تقاليده أيضا، وليس يحيد عنها قيد شعرة ساعة ~~الخطر. إن المقاومة الفرنسية، في داخل وفي خارج، تحمل المشعل الوهاج الذي لا ينطفئ؛ مشعل ~~الحرية وحقوق الإنسان والتقدم. # من حقكم الآن، وأنا أهم بالانصراف، أن تسألوني: (ونحن ما شأننا؟ أين مشعل تقدمنا ~~وحريتنا، وحقوق «إنسانيتنا»؟) هذه أيضا أقصوصة من تلك الأقاصيص القديمة الجديدة؛ كالحكومات ~~التي تروح وتجيء، والمؤتمرات التي تنعقد وتنفض، والسياسات التي تتبدل وتبقى هي هي ... كقصص ~~الحيات لا تنتهي إذا لم يوضع لها حد. # من منكم لم ير في ساحات هذه العاصمة البهلوان الذي يزدحم الناس حوله، فيشهدهم من ~~مخاريقه العجب العجاب؟ أنا لست أنسى صنعه بالمشعل، كيف يلوح به في الفضاء فإذا نوره يخطف ~~الأبصار، ثم يبتلعه فإذا لا نور ولا نار! هو مشعبذ محتال، لكن انطفاء النور في فمه حقيقة ~~مشهودة، وواقع راهن. فإذا أردتم أن تعرفوا أين مشعل تقدمكم وحريتكم وحقوقكم، فاطلبوه في حلق ~~السياسة «الممتازة»، اطلبوه ثمة قبل فوات الأوان، فإن حلق السياسة أقرب الطرق إلى ~~جوفها. # يأتي على كل امرئ، وكذلك على كل أمة، حين من الدهر، يجب فيه أن تختار، ولا سيما أن ~~تحسن الاختيار. وأكبر الظن أن اللبنانيين اليوم سيكفون السياسة عناء الاختيار لهم، أو ~~عنهم، أو باسمهم. سيختارون هم بأنفسهم لأنفسهم، ويجربون هكذا حظهم. فلنثبت للملأ أن مبادئ ~~الثورة الفرنسية وما سواها من الحركات التقدمية، ليست فقط في ms17 الكتب التي نقرؤها، بل هي ~~أيضا في الحياة التي نحياها. # صديق اللبنانيين، سجين فيشي بضع سنين، من قادة الشعب الفرنسي في مناضلته النازية منذ ~~كانت، وهو في السابقين الأولين. # إن صفة واحدة من هذه الصفات، إن مأثرة واحدة من هذه المآثر، كافية لأن تجعل المرء عندنا ~~جديرا بالتكرمة الخالصة، والحفاوة البالغة، فكيف و«جاك غريزا» قد اجتمعت فيه كل تلك ~~الصفات، كل تلك المآثر؟ # على أني لست أضمن أن لا صفات له ولا مآثر، إلا ما ذكرت. # آه! نسيت أن أقول لكم إنه شيوعي أيضا. إنكم ولا ريب ستحتجون بأن «أيضا» هذه هي في غير ~~موضعها هنا؛ بهذا كان يجب أن تبتدئ وبه تنتهي، فعلام التطويل؟! # وسترون عما قليل، كيف يقابل «جاك غريزا» تكرمتنا وحفاوتنا: لقد فهم - ولم يرض بأن يفهم ~~شيئا آخر - أننا نطالبه بحديث مسهب، بمحاضرة عن «مقاومة الشعب الفرنسي وفرنسا الجديدة»: ~~ذلك في نظره هو كل هذا الاحتفال. # وسترون أنه تكلف وحده من الجهد أكثر مما تكلفنا نحن جميعا، فأتى - يا للضيف الكريم! ~~حاملا إلى مضيفيه «الزوادة» الفاخرة، المنشطة، المحيية، رادا التحية بمثلها، بل بخير ~~منها. # إن «جاك غريزا» وصحبه يعرفون كيف يصرفون هذه الحفلات والتظاهرات عن وجوههم إلى وجهاتها؛ ~~الوجهات التي هم يرونها أحق بالتكرمة والحفاوة، إلى الأشياء الباقية والقيم الرفيعة التي لا ~~معنى للحياة بدونها. # إن «جاك غريزا» وصحبه الذين صمدوا في الجحيم النازي أو في «تفرعاته» للتعذيب، للتنكيل، ~~للتقتيل، للإبادة، راسخي القدم، ثابتي الجنان، عالي الجبين، يعرفون كيف يحنون رءوسهم ~~الأبية؛ كي تتجاوزها باقات الزهر التي يرشقون بها، إلى تلك الأشياء الباقية، والقيم ~~الرفيعة التي لا معنى للحياة بدونها: إلى وطنهم، إلى شعبهم، إلى مثلهم الإنساني الأعلى ... ~~ولعل ذلك، والحق يقال، ناشئ عن أنهم تعودوا من الرشق، إلى زمن قريب، غير هذا النوع ~~الزاهر! # لسنا من الذين يتصنعون اليأس من الشعب الفرنسي تصنعا. لسنا من الذين يوطنون أنفسهم على ~~«ضرورة» اليأس من الشعب الفرنسي، أكثر من أي شعب من الشعوب، وكأنهم يريدون أن يخصوه بهذه ms18 ~~«المعاملة الممتازة» كي يتفرغوا لهوى أجنبي آخر، لرجاء «متضخم». أجل، لسنا من ~~هؤلاء. # إننا - ولسنا نخشى لومة لائم، ونحن فوق تهمة أي متهم - نرحب بفرنسا الجديدة كما يصورها ~~«جاك غريزا» صديق اللبنانيين، ورفاقه أصدقاء الشعوب. # تلك الصداقة التي نرحب بها، والتي لا محل لسواها، لا في عقولنا ولا في قلوبنا، صداقة ~~الوطن المستقل لوطن مستقل، والشعب الحر لشعب حر، والجماهير العاملة لجماهير عاملة، ليست ~~صداقة فئة هنالك لفئة هنا، هي أحرى بأن تدعى «شركة» أي أن تسمى باسمها. # ذلك الضرب من الصداقة هو الذي أنطق «جاك غريزا»، هنا في بيروت، منذ عام 1938 بهذه الكلمة: ~~«نحن لا نريد استقلال لبنان وحسب. نحن نريد استقلال الشعب اللبناني أيضا.» ولا حاجة بي إلى ~~القول إن استقلال الشعب اللبناني - في رأي «جاك غريزا» وفي رأينا - إنما هو تحرره، تحرر ~~جماهيره، تحررها بكل معنى الكلمة، بمعناها العميق الشامل؛ ذلك هو الاستقلال الأمثل. # والآن، قبل أن يفر «جاك غريزا» من معركة الزهر هذه، ويلجأ إلى محاضرته الحصينة ليؤذن ~~لي أن أحيي في شخصه المناضل، شيوعيي الفرنسيس والعالم أجمع، طليعة جيش التقدم والمساواة ~~والحرية. إن مستقبل الإنسان مدين لهؤلاء. # قلت: مستقبل الإنسان! # منذ عام، وإذا شئتم أن يصح الحساب تماما وجب أن نقول: منذ عام وأسبوع ... # من أين جاء ذلك الأسبوع؟ لقد غاظنا جدا ذلك الأسبوع، غاظنا من كل الوجوه، لكن بوسعنا، ~~وبوسعنا نحن وحدنا، أن نفترض أن ذلك الأسبوع لم يكن، لسبب بسيط هو أنه لا محل له من ~~الإعراب؛ فلولا ذلك الأسبوع، ما كنا اليوم في السابع من أيار، لولاه كنا حيث ينبغي أن نكون، ~~أي في الأول من أيار، نحتفل في الموعد المضروب لعيد العمل والعمال. # لقد أردتم بملء إرادتكم، بمحض اختياركم، أن يؤخر الاحتفال؛ ضنا بهذا العيد المجيد أن ~~تشوبه أية شائبة، أيا كان مصدرها، وأيا يكون مصيرها. إن كثيرا من الأعياد لا تنتظر، ~~يجب أن يحتفل لها في وقتها، وإلا لم يبق لها موضع أو موضوع. أما عيد العمل والعمال، أول ms19 ~~أيار، فهو يعرف أن ينتظر، إنه تعود الصبر الطويل، إنه كقضية العمل والعمال نفسها، يعرف ~~أن ينتظر، ويعرف أن ينتصر. # إذن لقد انقضى عام، منذ اجتمعنا في هذا المكان لهذه المناسبة، عام ضخم سمين حافل بأحداث ~~لها ما بعدها، نكاد من أجلها نغتفر له الذيل الذي ألحق به إلحاقا، أو ألصق إلصاقا، ~~ونكاد نضرب صفحا عن التأخير في موعد عيدنا. # في ذلك العام السعيد، طرد الجيش الأحمر من الأراضي السوفييتية، الوحش النازي، وهو الآن ~~رافع يده الجبارة لينزل به الضربة القاضية. وهكذا أعطى الاتحاد السوفييتي البرهان على أن ~~قضية الحق والحرية في العالم بأسره، تمشي بخطى سريعة، بخطى محتمة، إلى النصر المبين، إلى ~~النصر المحتوم. لقد أعطى الاتحاد السوفيياتي على ذلك آخر برهان، لآخر المشككين. # وفي هذا العام السعيد أيضا تمكن الشعب اللبناني من ممارسة شطر كبير من خصائص استقلاله ~~وسيادته القومية، التي ظل محروما منها خلال قرون متطاولة. وهو يسير قدما نحو استكمال ~~سيادته واستقلاله، محمولا على جناحي تلك الروح الجديدة التي تتجلي رغم كل شيء، رغم كل ~~الأشياء التي لا يعتد بها، في إرادة اللبنانيين الواعين المخلصين، على اختلاف طوائفهم ~~وأجناسهم، أن يعيشوا معا أبناء شعب واحد حر، في وطن واحد سعيد. ونحن على يقين من أن ~~هذه الروح ستبقى متجلية في جهود اللبنانيين المتوافرة، لحفظ كيانهم الوطني وتعزيز كرامتهم ~~القومية، كما أننا على يقين من أن هذه الروح الخيرة تتجلى بأروع مظاهرها وأنبلها وأبقاها، ~~في العمال ومنظماتهم الرشيدة. # لقد أنقذ العمال الحرية في العالم، فليس بدعا أن ينتظر منهم أن يحفظوا الحرية في ~~لبنان. ليس أول أيار عيد العمال وحسب، فهو أيضا عرس الحرية، وإنما هو عرس الحرية لأنه عيد ~~العمال. # | الفصل الثاني # ... وذاك - أيها السادة - صاحب الذكرى، كما ترون؛ لم تسر به الحياة على خط واحد؛ بل ~~على خطوط عدة، متوازية تارة، متقاطعة تارة أخرى، تتناوب قصرا وطولا، شطر ~~غاياتها، كمد البحر وجزره، وفق ملابسة الدنيا ومناسبة الزمن. وإنه لمن سعد الطالع ~~أن الوجود لم يتغن ms20 به، كما يصنع بالخلق عادة، على الوتيرة الواحدة - من سعد ~~المنشد والسامعيه على السواء. لكن التلخيص والتبسيط قد يصوران تلك السيرة، مجردة من ~~الملابسة الدنيوية، والمناسبة الزمنية، تدور على محوريها من القول والعمل، من جودة القول ~~وصلاح العمل. # قال الشعر بالفصحى سالكا الجدد، وهواه في العامية، ابنتها الحسناء غير الشرعية. عمل في ~~الإدارة «النظامية» لكن حنينه إلى هامشها؛ النضال حتى التمرد. وإنه لمما يشغل الذهن ~~حقا، هذا الاتصال البعيد الغور، الأصيل عند الشعراء، بين عبقرية القول وعبقرية العمل. ~~فالمتنبي مات على إيمان بأنه حرم كل شيء لأنه لم يعط ولاية، ورنبو دفن ذاته، تاجرا ~~مغامرا، في أنكد عيش. ناهيك بأبي نواس، ذلك الماجن الذي يتوعد في بعض شعره البصري جادا، ~~بأن «سيبغي الغنى، إما جليس خليفة، أو مخيف سبيل. # بكل فتى لا يستطار جنانه # إذا نوه الزحفان باسم قتيل # لنخمس مال الله من كل فاجر # أخي بطنة للطيبات أكول» # فكأني بالشعراء يعييهم الخلق بالكلمة، في دنيا الصور والفكر، فيلوذون بدنيانا، ليضعوا ~~طابعهم في طينتها المجبولة بعرق البشر ودمهم، وهكذا يهبطون من حالق، فيثأرون من أنفسهم؛ إذ ~~يحسبون أنهم يثأرون لها، فيا للفجيعة! # على أن صاحب هذه الذكرى وفق أخيرا، إلى التوفيق بين القول الجيد والعمل والصالح، في ~~ذلك المزيج الفذ «كلنا للوطن». فالنشيد اللبناني، ككل نشيد وطني يحيا في الجماهير، هو ~~كلام متجدد الروعة، وفعال باقي الأثر. # كنت أفكر في الكتاب العربي. أقول: الكتاب العربي، وأعني: اللغة العربية، لكن ليس بوصفها ~~أداة للعبارة عن إدراك الإنسان وتصوره وإحساسه، شأن سائر اللغات - أداة وحسب - بل أيضا بما ~~حملته تلك الأداة، قديما وحديثا، من روائع المنظوم والمنثور، في كل فن، ومن كل لون. ~~ولا حاجة بي إلى القول إن تفكيري هذا لم يكن تفكير كاتب من الكتاب، بل تفكير قارئ من ~~القارئين. # وكنت في الوقت نفسه أستعرض، عن غير قصد ولا روية، بسرعة البرق الخاطف، صورا ناصعة وباهتة ~~من حياتي، في مختلف أطوارها وبيئاتها المادية والمعنوية؛ فانتهيت - ولست أجد في ذلك غرابة ms21 ~~ولا غضاضة - إلى هذه النتيجة البسيطة المركبة على السواء، وهي أني، بعد كل حساب، مدين ~~للكتاب العربي بأرغد شطر من عمري. # لقد عرفت، كأي من خلق الله - من غمار الناس، فلا محل للتواضع الكاذب - حالات لذة ~~وبهجة وهناء، مما تيسره لنا، أو تغدقه علينا، هذه الحياة الدنيا. لكن ما أعطانيه الكتاب ~~العربي هو أبعد غورا وألصق بسويدائي، وأكثر شمولا وأبقى على الأيام، وأصفى جوهرا وأسمى ~~من كل ما عداه. وليس في هذا الحكم إجحاف بأي حق، ولا نكران لأي جميل. كذلك أدخلت في ~~الحساب، ومنذ البداية، قضية «السن» أيضا، سوى أني لا أعرف في حياتنا من المباهج والملاذ ما ~~ليس يمازجه أو يعقبه كثمالة الكأس، شيء من الخيبة أو الندم أو القلق، خلا مباهج الكتاب ~~وملاذه؛ الكتاب الجيد الذي تقرؤه أكثر من مرة، فكل مرة يزيدك لذة وابتهاجا. # كنت أفكر في الكتاب العربي، في متعته الباقية وجوهره الصافي، لما جائني نعي شيخنا ~~الغلاييني - رحمه الله. لا أريد أن استبق الحوادث، فأذكر علامة بيروت وفقيد اللغة ~~العربية، بما هو أهله، قبل أن تقام لإحياء ذكراه وتكريمها حفلة أو حفلات يتبارى فيها ~~الشعراء والخطباء. لا، لكن هذا الكتاب العربي الذي كنت أفكر فيه، ليس يفترق في ذهني - ~~وفي ذهني خاصة - عن صورة للغلاييني وهو فتى. هو في أول عهده بالتدريس، وأنا في أول عهدي ~~بالدراسة؛ يعلمنا العربية فيجيد تعليمنا، ويؤدبنا بها فيحسن تأديبنا، بكل ما أوتيه من ~~معرفة وإيمان. إني - وكثير أمثالي في هذا البلد - مدين للشيخ مصطفى الغلاييني، بأفضل ما ~~عندي من معرفة وإيمان بلغة الضاد، ومدين له بما قد يكون خيرا من هذا كله؛ مدين له ~~بالانطباع الأول، بالدفعة الأولى. وإن أنس لا أنس كيف كان - رحمه الله - يعلمنا ~~العربية وقواعدها، في مؤلفاته وهي بعد مخطوطة، في حيز التأليف، قبل أن تصير «سلسلة ~~الدروس العربية» المطبوعة والمتداولة في أيدي الألوف من الطلاب، في جميع الأقطار، ~~فكأننا كنا نحضر مولد تلك الكتب النافعة، أو كأن لنا في وضعها حظا. # منذ نحو ms22 ثلاثة أعوام، نظمت ورزارة التربية والفنون الجميلة، سلسلة محاضرات أذيعت من ~~محطة بيروت، في موضوع «الثقافة ومظاهرها المختلفة في لبنان»، وقد طلب يومذاك إلى فقيدنا ~~الكبير أن يحدث المستمعين عن اللغة العربية ونصيب لبنان منها، فألقى - رحمه الله - ~~محاضرة قيمة لا يزال أثرها في نفوس الكثيرين ممن سمعوها أو قرءوا نصها. في تلك ~~المحاضرة أتى الغلاييني على تعداد عشرات الأسماء لأعلام اللبنانيين الذين كان لهم في ~~تدريس العربية ونشر آدابها أوفر نصيب، مبتدئا بالشيخين محمد الحوت وناصيف اليازجي، ~~ومنتهيا بالمعلمين جبر ضومط وأحمد عباس الأزهري. وهذه اليوم في تاج العربية الذي يزين ~~مفرق لبنان، جوهرة جديدة فريدة. رحم الله أستاذنا الغلاييني بقدر ما أشرب قلوبنا من محبة ~~للكتاب العربي. # لخمسة عشر عاما خلت، كنت أزاول المحاماة على طريقة خاصة؛ أعني: أتمرس بها كتمرس أبي ~~الطيب المتنبي بالآفات، لا المحاماة تنقاد إلي صاغرة، ولا أنا أبش لها متزلفا، فكنت ~~أدعو الله سرا وعلانية أن يصرفها عني بالتي هي أحسن؛ كي لا يكون من ذلك علي حجة، ولا ~~سيما عند الذين لا شأن لهم معي، وهكذا الناس. # في ذلك الوقت العصيب أغارت مجلة «الكشاف» بخيلها ورجلها، وبين بكرة وضحاها احتلت ~~مكتبي، كأنما ألهمت أن تملأ فراغه، مخافة أن يطير. وإذا قلت: «بخيلها ورجلها» فقد أسميت - ~~لا أكثر ولا أقل - بهاء الدين الطباع مدير تلك المجلة، الذي كان والحمد لله، بمختلف ~~حركاته وجميع أصواته، جيشا وحده. لكن لم يكن لهذا الجيش اللجب من العتاد، سوى قلب صادق ~~شجاع، وهو على ما يظهر دون الكفاية. # وكان أمين الريحاني يعطف على الكشفية، وكان هذا العطف يتجلى في أجمل صوره؛ مقالة يمد ~~بها مجلتهم «الكشاف» كل شهر أو شهرين، لا يكاد ينقطع مدده، ولا حاجة إلى القول إن خير ~~ما في أجزاء تلك المجلة، كان فصولا للريحاني من كتابه القيم «تاريخ نجد الحديث» قبل ~~طبعه، بذلها بسخاء وأريحية لم أعرف لهما مثيلا عند كبار مؤلفينا. لكن ظللت زمنا نفسي ~~تحدثني وهي فخور، بأنه إنما يفعل هذا ms23 إكراما لي، ثم لم ألبث حتى علمت أنه سخاء في الطبع ~~وأريحية في الفطرة، شاء الريحاني أن يؤثر بهما «القلب الصادق الشجاع» عسى أن يثبت للملأ أن ~~هذا وحده، رغم كل شيء، قد يكفي أحيانا. وأصبحت مجلة «الكشاف» ولها أمين الريحاني - ليس ~~لها إلاه - وكفى! # الآن، وكأن ذلك العمر البعيد القريب سفينة عصفت بها أهواء وأنواء لا أدري أيهما كان أشد ~~هولا، وقد تحطمت السفينة وضاعت حمولتها بين سمع الزمان وبصره، تعود بي الذكرى الأمينة ~~إلى الحقبة السعيدة، هنيهات أنا منها في واحة المسافر بلغ منه الظمأ والعياء. في هذه ~~الواحة لا أفتأ أتمثل الريحاني، كلما قدم بيروت من صومعته في الفريكة، مقبلا علينا ~~بوجهه الطلق، فلا يستقر به المجلس حتى يسأل متلهفا: «كيف المجلة؟» ثم يلتف إلى الطباع ~~قائلا بلهجة المعتذر: «وبهاء؟ كيف صحته؟» وترن في أنحاء الغرفة الضيقة، ضحكة بريئة لا ~~تحفظ فيها ولا إسفاف، عادلة بين السخر الطاري، والوداد المقيم. أما بهاء الدين فيكون ~~مشغولا عن الجواب بانتظار المدد الذي يأتيه، أغلب الأحيان، في صورة مقالة، أو فصل من كتاب ~~لم يطبع، أو بعض فصل. # فمن تراث ذلك الزمن الرغد الذي تجده الذكرى اليوم، حتى كأني لم أبارحه قيد لحظة أو ~~شبر؛ وريقات معدودات بخط الريحاني، لست أدري كيف ولماذا حفظتها، منذ نشرت في أحد ~~أجزاء «الكشاف» سنة 1928، وها هي، بعد أن لبثت في درجي أعواما كالأسماء المنسية ~~المطوية في غيابة الذاكرة، تنبعث فجأة وتطفو كحطام السفينة الغريقة بين السماء والماء؛ ~~صحائف خطها قلم الريحاني، واضحة مثل نفسه، مستقيمة استقامة تفكيره، بذلك الخط المعروف ~~المألوف لدى أرباب الصحف في العالمين القديم والجديد؛ خط وسط بين التربيع والتدوير. وهنا، ~~على زوايا الوريقات الثمينة، لطخ أسود من بصمات مرتب الحروف الذي قرأها - ولا بد - ~~متهجئا، فأنا أيضا ما زلت أقرأ هذه الصحائف بضرب من التهجئة الذهنية، لست أخرم من ~~معانيها ومقاصدها معنى أو مقصدا، فلا أزداد إلا إعجابا بها. ثم تغلبني الذكرى، وترجع بي ~~القهقرى، حتى إذا اكتنفني ذلك ms24 الماضي، علمت علم اليقين أني ما ادخرتها يومذاك، إلا لهذا ~~الإعجاب الذي يعاودني الساعة، ممزوجا بالحنين. # تلك الصحائف مقالة عنوانها «في ربيع اليأس» هي عندي من أروع ما كتبه الريحاني، وأبقاه على ~~وجه الأيام، حكى فيها حكاية نفسه، مهملا الفضول، نابذا القشور التي تلازم حياة أي إنسان ~~مهما يكن عظيما، ولا سيما إذا كان عظيما. ترجمة حال بقلم صاحبها، متبلورة، صافية كالذهب ~~الإبريز، بل لوحة رسم عليها المصور البارع خطوط آرائه في المجتمع والسياسة والدين، في ~~المبدأ والمصير وما بينهما، وسط هالة من الذكريات الخاصة تنبض إحساسا، وتفيض قوة إيحاء. في ~~هذه المقالة «فتح الريحاني - كما يقول - كتاب النفس، ليطلع قارئه العزيز على صفحة من ~~صفحاته الشخصية الخصوصية». وهو كتاب لم يكن الريحاني، بوازع من الأنفة الحيية، ليفتحه ~~إلا في النادر القليل، ولقد يخيل إلي حينا أنه إنما أنشأ هذا المقال الفذ خلال ~~أزمة نفسانية لم نعرف مداها، انتقل فيها من شتاء اليأس إلى ربيعه، لكنه لم يخرج من اليأس، ~~تتغير الفصول وتبقى الدنيا كما هي. وكان عزاء الريحاني في تلك الأزمة النفسانية أن «ليأسه - ~~كما يقول - سلما لولبيا من الأشواق والآمال، وأنه وهو المقيم في وادي الفريكة، في هذا ~~الزمان، زهرة من يأس الأنبياء؛ زهرة نورت، فذوت، فتناثرت أوراقها، ثم انتثرت من قلبها ~~بذور الحياة، فحملتها الرياح إلى النواحي الأربع من الأرض». # لا أعرف من ترجم للريحاني بأصدق من هذا الكلام. # في الأدب العربي الحديث ما يصح أن نسميه «المدرسة الأمريكية»، ولعل هذه المدرسة، في ~~اختلاط المحاولات وفوضى التيارات، أبرز مدارسنا الأدبية الجديدة خصائص، وأوضحها مميزات؛ ~~سواء أمن ناحية التفكير، أم من ناحية التعبير. كادت هذه المدرسة، في الأدب العربي ~~الحديث، تكون كالجزيرة الحائرة، تبحث في عرض الأوقيانوس عن ساحل تستقر فيه وتلتصق به، وهي ~~في الأدب العربي على إطلاقه - قديمه والجديد - أشد حيرة وأنأى غربة، فكأن لم يكن من هم ~~أصحاب هذه المدرسة، ولا سيما في نشأتها الأولى، إلا أن يأووا من الأدب في أرض عذراء بور، لا ms25 ~~حائط ولا شجر؛ كي يزرعوا هم، ويرفعوا الجدران. وقديما اتهموا الشعب الأمريكي نفسه بحداثة ~~العهد في الآداب والفنون وسائر أسباب الثقافة، فزعموا أن لا ماضي له، أي لا تقاليد. لقد ~~اتسم الأدب الغربي في المهجر، بهذه السمة ذاتها، لا أكثر ولا أقل، وهي أحق أن تطلق عليه ~~من صفة «الثورة» التي ادعاها، أو نحلوه إياها. # يقول «ريمي دي غورمون»: «كل تبديل يطرأ على أدب أمة من الأمم، فلا بد أن يكون ~~ناشئا عن علة خارجية» أو أجنبية. فالأقرب إلى الصواب أن يعزى التبديل الذي طرأ على ~~أدبنا العربي، بتأثير أصحاب المدرسة الأمريكية، إلى هذا الضرب من العوامل، وهو في ألوان ~~الشعور وطرائق التفكير، أظهر منه وأبقى في أساليب الإنشاء وأنماط التعبير. وإذا كان أدب ~~المهجر كوة أطل منها الأدب العربي على الدنيا الجديدة، فإن أصحابه قد جاءوا الأدب ~~العربي من خارج. # انتهى الريحاني من وضع أول مؤلفاته «المحالفة الثلاثية في المملكة الحيوانية» في 11 تموز ~~سنة 1901. ويقول في مذكرات ذلك اليوم القصي: «ولكن سوف لا أطبعها قبل أن أصير قادرا على ~~تصليح لغتها بنفسي ...» # على أن البند الأول في برنامجه عهدذاك هو أن يتعلم اللغة العربية وقواعدها في «بحث ~~المطالب». منذ ذلك العهد ألف الريحاني في العربية أكثر من ثلاثين كتابا، في مواضيع شتى ~~وبأساليب مختلفة، وكان يوفق إلى إفراغ كل موضوع في أفضل أساليبه. لقد تطور إنشاؤه خلال ~~هذه الأربعين عاما التي حفلت بالدأب المتواصل والإنتاج المنتظم، تطورا عجيبا، كان أبلغ ~~الأثر فيه - على ما نرجح - لرحلاته العديدة في الأقطار العربية؛ إذ أصبح فيما يكتبه، ~~متوجها نحو أكبر عدد ممكن من الناطقين بالضاد؛ فازداد ترسله دقة وسلاسة ونبض حياة بكل ~~معنى الكلمة، لكن أمين الريحاني لم يقطع صلته بالماضي تماما، بماضيه هو، بين رفاق النشأة ~~الأولى في «مدرسة» المهجر، وبقي طوال عمره الكوة المفتوحة بين الشرق والغرب، يدخل منها ~~النور وتلعب الريح. # أشياء كثيرة تذكرنا هذه الأيام بأمين الريحاني، شتى لكن غير متنافرة، حتى ولا متعارضة، ~~بل بالضد، أولها ms26 الصدام الضخم الذي يشهده العالم - ويشهد نهايته - بين قوى التقدم والرجعية، ~~لإنشاء مجتمع جديد يتمتع فيه الأفراد والشعوب بأكثر ما يمكن من اليسر والحرية، وقد كان أول ~~كتاب أصدره الريحاني بالعربية عام 1903 «موجز تاريخ الثورة الفرنسية»، ثم استمر بقية عمره ~~يناضل من أجل المبادئ التي أعلنتها الثورة الكبرى. وثانيها مشي الشعب اللبناني قدما نحو ~~استكمال شروط السيادة والحياة الاستقلالية، وقد كان الريحاني من أنشط العاملين، بقلمه ~~ولسانه، في الحقل الوطني، يلمس أثر ذلك في كل ما كتبه وأذاعه. وثالثها مشاورات التعاون ~~العربي الذي كان الريحاني من أصدق الداعين إليه، والساعين له، عن الطريق المثلى، طريق ~~التعارف بين مختلف الأقطار العربية، يعرف العرب بأنفسهم، ويعرف بعضهم إلى بعض، في ~~مؤلفات قيمة ممتعة، من «ملوك العرب» إلى «قلب لبنان» آخر كتاب له لم يتمه. وأخيرا ~~هذا المهرجان الألفي لمولد أبي العلاء الذي كان الريحاني سباقا إلى نظم مختارات من شعره ~~في ترجمة إنكليزية جيدة، ينتقل القارئ الغربي بها إلى جو «اللزوميات»، وكانت هذه الترجمة ~~أول مؤلفاته بالإنكليزية سنة 1903. # إن أمين الريحاني توفي في الثالث عشر من أيلول سنة 1940، وقد كنت ونفرا من إخواني، ~~تعودنا أن نقول، في مثل ذلك اليوم من كل عام، كلمات نعرض فيها لنواح من هذا الذهن ~~الفريد الذي لو أتيح له أن يعيش سنين معدودات، زيادة عما قدر له، لرأى بعيني رأسه ~~تحقيق تلك الأشياء العزيزة عليه، والتي كانت بعض أمانيه الغالية. على أنه بوسعنا القول إن ~~أمين الريحاني لم يكن غائبا، لا عن مشاورات التعاون، ولا عن العيد الألفي، فضلا عن ~~المراحل التي يجتازها لبنان نحو التمرس بحكمه الوطني الديمقراطي الصحيح. # ليس الريحاني بغائب تماما؛ فما أكثر ما اقتبسته الصحف هذه الأيام من مؤلفاته النفيسة عن ~~الأقطار العربية، حتى كأن هذه المؤلفات مرجعها الوحيد. ولنعم الرأي ارتآه شقيق ~~الريحاني ألبرت؛ إذ أصدر في أيلول من هذا العام، طبعة رابعة من ترجمة «اللزوميات» ~~الإنكليزية، مساهمة في إحياء ذكرى المعري. فإذا كان أمين الريحاني لم يفته، برغم ~~الموت، ms27 تكريم شاعره العربي المختار، فلن يفوتنا نحن الأحياء تذكير الناسين من بني قومنا، ~~هذه السنة أيضا، بأن الريحاني في أسفاره - بالمعنيين - كان طليعة التعاون العربي ~~الذي تلهج به الألسنة، وتعقد له المؤتمرات. كما أن الريحاني، بسبقه إلى نظم طرائف من آراء ~~المعري وصوره بالإنكليزية، منذ أربعين عاما ونيف، كان خير أنموذج لذلك الإشعاع اللبناني ~~الذي يتجلى في مظاهر متنوعة، ليست الكتابة نثرا وشعرا باللغات الأجنبية أضعفها شأنا، ~~ولا أقلها جدوى. إن اللبناني إنسان مولع بالتغرب، تغريه به عوامل عارضة وأصيلة؛ ~~التغرب مادة ومعنى، بالجسد والروح، للأخذ والعطاء. هكذا كانت حياة الريحاني رحلتين ~~اثنتين؛ رحلة إلى الشرق ورحلة إلى الغرب، وتبقى الفريكة مرفأه الأمين، وحصنه الحصين. كاد ~~الريحاني، في سيرته وفي كتابته، أن يكون رمزا. # | الفصل الثالث # كنت ذات يوم، اجتاز ببعض الشوارع، لا ألوي على شيء. لم يكن من همي، في تلك الساعة، إلا أن ~~أسرع إلى الترام، فآخذه قبل زحمة الغروب. إذا بعبارة تصك سمعي كالمفاجآت الغريبة، قيلت بما ~~يشبه الهمس، لكنها «سلطنت» على ذلك المزيج الضخم من أصوات، الذي يسمونه ضجة المدينة. سمعت ~~قائلا يقول: «لا ... بعد الاستقلال.» وكانت اللهجة التي قيلت بها هذه العباة لا تخدع، تدل ~~على أن قائلها يريد أن يؤرخ أمرا من الأمور، حادثا من الحوادث، أي أن يضعه في موضعه من ~~الزمان، فهو لا يذكر اليوم ولا الشهر ولا العام، كما جرت العادة، لكن يؤكد أن الحادث كان ~~«بعد الاستقلال»، وبالطبع لقد التفت ورائي كي أنظر إلى «مصدر» هذا التاريخ الجديد الذي ~~جاء ينافس الطوفان والميلاد والهجرة، في الحفظ البشري؛ فرأيت رجلين مثلنا، مثل كل الناس، ~~يتحاوران في شأن من شئونهما اليومية، وقد اختلفا على الزمن ليس غير، ولعل أحدهما - ~~وياللأسف! كان يطالب الآخر بدين، قائلا له: «لقد مطلت وأطلت ...» فيجيبه الآخر معتذرا: ~~«لا ... ذلك كان بعد الاستقلال.» # ليس من قصدنا هنا أن نفصل في هذا الخلاف بين هذين المتجادلين على رصيف الشارع؛ الدائن ~~والمدين. إن الدائن ملحاح يحاول إقناع صاحبه بأن استقلالنا ms28 عجوز؛ لأنه بلغ من العمر بضعة ~~أشهر (وهو عمر الكمبيالات الطبيعي)، وأما المدين فمتقاعس، يحاول إيهامنا بأن ذلك الاستقلال ~~هو ابن اليوم، أو على الأكثر ابن الأمس؛ لأن حياة الأمم لا تقاس بما يقاس به عمر ~~الأفراد، وهلم جرا وهلم جرا ... ليس من قصدنا الفصل في هذا الخلاف الذي قد يهم ~~وقد لا يهم، حسب وجهات النظر، كما هو شأن الدائن الملحاح والمدين المتقاعس، شأنهما على ~~السواء، وشأن كل طالب وكل مطلوب، لكن ما لا خلاف فيه هو أن هذا النبأ «الاستقلال اللبناني» ~~قد أحدث في الأذهان، ولا سيما أذهان العامة، أثرا بليغا، حتى صاروا يؤرخون به شئونهم ~~اليومية. وأكبر الظن أن السبب الأساسي في هذه النتيجة هو أنهم ساهموا في «الاستقلال» ~~مساهمة ذات وزن، اشتركوا فيه اشتراكا فعليا، كانوا إلى حد ما مادته الحية، ~~فالاستقلال البناني، هذه المرة، لم يكن حدثا غريبا عن اللبنانيين، يقرر فقط في ~~الأوساط العليا والدواوين، أو يثبت في العهود والقراطيس. لا، لقد كان أيضا وبالدرجة ~~الأولى صنع الشعب اللبناني، صنع روحه ودمه، وليس هذا بالأمر التافه أو ~~اليسير. # سوى أنه بقي شيء؛ بقي أن لا تبعد الشقة بين العهد الاستقلالي والشعب اللبناني، أن لا ~~تنقطع الصلة بينهما، بقي أن يستمر هذا الشعب على رجائه في أن يكون هذا العهد له حقا ~~وصدقا، وليس لأفراد منه ولا لفئات. ومتى قلنا: «العهد الاستقلالي»، فقد قلنا: «الوطن ~~اللبناني» الذي يريده أبناؤه حرا سعيدا، بهم جميعا ولهم جميعا؛ كي يؤرخوا دائما ~~شئونهم اليومية بيوم من أيام السعد. # بوسعنا القول إن لبنان، خلال فترة ما بين الحربين، لم يتمرس بسوى تجربة واحدة، لم يعرف ~~سوى عهد سياسي واحد. ولا ننس أن تلك الفترة دامت نحوا من ربع قرن، وليس ذلك في زمننا ~~المجد السريع، بالبرهة القصيرة. # نحن لا نزعم أن الشعب اللبناني لم يكن، طوال هذه المدة المديدة، منطويا على أية رغبة ~~ملحة أو فاترة، في أن يستبدل بتجربته تلك غيرها، أو في تخطي ذلك العهد السياسي إلى غيره، ms29 ~~إلى ما هو خير منه، لكن الواقع أنه لم تبدر منه أية حركة رفيقة أو عنيفة، صائبة أو طائشة، ~~تستهدف التغيير والتبديل؛ حتى لقد كان يخيل إلى الناظر أن لبنان جامد، بينما الأرض تدور، ~~أو هو على الأقل واقف، بينما الأقطار المجاورة تحرك أرجلها تحفزا للمسير، بل أخذت ~~تسير. # ترى، هل غلب على ظن لبنان الذي أطلع، قبيل الحرب العظمى الماضية وفي أثنائها، نفرا ~~كانوا بلا مراء في مقدمة ذلك الجيش الباسل النبيل، جيش الدعاة إلى التحرر القومي، ~~والمجاهدين في سبيل الاستقلال الوطني؟ ترى، هل غلب على ظن لبنان أنه قد بلغ أخيرا الغاية، ~~فاستراح؟ # لا نظن ذلك، بل كل شيء ينطق بعكسه؛ فإن ما أوتيه الشعب اللبناني من أصالة التهذيب وشيوع ~~الثقافة، ومن النضج الاجتماعي والوعي السياسي، كفيل بأن يدفع تلك التهمة؛ تهمة النوم. وأي ~~نوم؟ على أكاليل من غار مستعار، ومستعار بالمعنيين. لقد سنحت للشعب اللبناني فرصة سعيدة ~~مؤاتية، فأثبت أن جميع تلك المؤهلات فيه لم تذهب - ولا يصح أن تذهب - باطلا؛ المؤهلات ~~للتمرس بتجربة سياسية جديدة، في هذا العهد الاستقلالي الذي نحن الآن فيه. لم يذهب باطلا ~~ولا يصح أن يذهب باطلا، أن لبنان بقي عصرا وبعض عصر، في طليعة الأقطار العربية، نهضة ~~علمية وأدبية واجتماعية، وفي الطليعة أيضا حركة «تحررية» بمعناها العام الشامل. لم ~~يذهب باطلا، ولا يصح أن يذهب باطلا، ذلك الإشعاع اللبناني الذي ينتظم بالهجرة، فبالإقامة، ~~ثم بالنبوغ، الجهات الأربع من الأرض. # ونحن إذ نقول هذا، لا نقوله - يشهد الله - تبجحا أو تزيدا، بل ولا تلذذا بالنبأ المفرح ~~الذي يحلو بالاستعادة، إنما نقوله كي نتأول لأنفسنا كيف أن لبنان، وفيه تلك المؤهلات ~~الأصيلة القيمة، ومنه ذلك الإشعاع المتصل المتعدد، ظل في سنيه العشرين الأخيرة، بينما ~~كانت الدنيا تدور، والأقطار المجاورة تسير؛ ظل واقفا على «سياسته» وقوف شاعر على ~~الأطلال. # سوى أننا لسنا بحاجة إلى إطالة فكر أو روية، كي نعزو ذلك جميعه إلى سببه الواحد المباشر، ~~وهو أن لبنان كان خلال الفترة الخرساء - ولنسم ms30 الأشياء بأسمائها - منقسما على ذاته، وكان ~~كل من جزئيه الاثنين يشعر نحو الآخر ببعض الحذر وبكثير من الوحشة، وإنما على صعيد ~~الوطنية الصرف، يبطل الحذر وتزول الوحشة، «وقد يجمع الله شتيتين ...» # تجوس الأحاديث هذه الأيام، خلال الحركة العربية ماضيها أو حاضرها، ولا سيما ماضيها. إن ~~«الحركة العربية» تسمية عامة مطلقة يكتنفها شيء من الغموض، كسائر التسميات التي تدمغ بها ~~التطورات السياسية القومية، قبل أن تعين حدودها ومعالمها، أو تبلغ مداها الأخير الذي ~~تستقر فيه إلى حين، لكن مهما يكن من أمر، فثمة شيء ثابت بين، لا خلاف فيه، ولا ~~إبهام حوله، هو النشاط الفكري والسياسي الذي استهدف في سياق تاريخنا الحديث - ولا يزال - ~~بالدرجة الأولى: استقلال الأقطار العربية، وبالتالي توثيق الروابط على أنواعها، بين هذه ~~الأقطار. # وبديهي أن النقاش لم يتناول هذا الموضوع الجليل، إلا لعلاقته المباشرة بما تعاقب من ~~مفاوضات في الأشهر الأخيرة بين أقطاب السياسة العربية في جانب، وبين رفعة مصطفى النحاس باشا ~~في الجانب الآخر. وأقرب هذه المفاوضات عهدا، وأمسها بنا في الوقت نفسه صلة، مفاوضات ~~البعثة اللبنانية الكريمة. # لقد درجت الصحف المصرية، والبلاغات الرسمية أحيانا، على التعبير عن تلك المفواضات بلفظ ~~«المشاورات»، فهم يقولون: مشاروات الوحدة أو الاتحاد أو التعاون وهلم جرا ... ولما ~~كانت القضية العربية متقدمة على كل هذه التعابير، فلا يفسر استعمال لفظ «المشاورة» هنا ~~إلا بأن رئيس الحكومة المصرية (السابق) هو الذي ابتده؛ بل وهو الأصح «استأنف» تلك ~~المفاوضات العربية؛ إذ طفق يقوم بها على التوالي مع رجال الحكم أو ممثلين لهم من سائر ~~الأقطار. وعلى كل، فإنه لمما يسترعي الانتباه والتقدير، أن تصبح مصر قطب الرحى في ~~هذه المفاوضات، برغم عدم سبق الشقيقة الكبرى إلى اعتناق مذهب القومية العربية والدعوة له. ~~على أن هذا لم يكن سوى نتيجة طبيعية لبضعة عوامل، لعل على رأسها أن الحركة الوطنية في ~~مصر، بحكم وضعها السياسي وظروفها الخاصة، قد لبثت زمنا وهي تستند في شخص أحد قادتها أو ~~روادها؛ مصطفى كامل باشا (مثلا)، إلى ارتباطها بالسلطنة ms31 العثمانية (في الوقت نفسه دار ~~الخلافة أو الإمامة العظمى)، أو على الأقل تحتج بهذه الرابطة، بينما كانت الأقطار العربية ~~الخاضعة عهدذاك لتلك السلطنة تعاني من جراء تلك الرابطة بعينها ضروبا من الاضطهاد ~~القومي، دفعتها دفعا عنيفا في سبيل المطالبة بحقوقها المشروعة، كأقوام متميزة بخصائص، ~~متفردة بمصالح، ثم إلى محاولة الانفصال عن ذلك الجسم «الخليط»، في كيان سياسي خاص يستقل ~~بإدارة شئونه، وحكومة ذاته. ولقد أتى زمن لم يكن ينظر فيه بعين الرضى أو الارتياح في مصر ~~إلى «حركة» الملك الشريف حسين «العربية» لعلة خروجه على الخليفة العثماني، كما أنه لم ~~يكن يتردد على الألسنة والأقلام، من التعابير الدالة على التكتل، سوى «الجامعة الإسلامية» ~~في الكثير الغالب، و«الرابطة الشرقية» في بعض المناسبات. لكن ليس في وسع أحد نكران ما ~~تنطوي عليه جميع تلك المظاهر، من نزعة استقلالية مصرية. # وهكذا فلا يعد من قبيل التبجح قولنا الآن، إن السوريين واللبنانيين، سواء أفي ~~مواطنهم أم في مهاجرهم، وسواء أفي الحقل النظري أم في المضمار العملي؛ كانوا إلى عهد غير ~~بعيد، طليعة العاملين على صب الحركة الوطنية الاستقلالية في البلاد العربية، في بوتقة ~~«القومية الصرف» التي لا غبار عليها من التفرقة الدينية، أو الصبغة الإقليمية. ليس في قولنا ~~أثر للتبجح، فذاك حادث تاريخي - طبيعي - حتمته ظروفنا الخاصة ووضعنا السياسي ~~والاجتماعي، في داخل البلاد وخارجها، لكنه على كل حال مما يحمل على الابتهاج، ويبعث ~~على التفائل؛ لأن التكتل في العالم إنما يستوحي في تطوره الأخير، هذه المبادئ، ويمشي إلى ~~هذه الغايات؛ إن عالم الغد سيكون عالم القوميات الحرة المتضامنة. # ليس من الضروري أن يتفلسف أحدنا، أو أن يتعرض لتهمة «التفلسف»، بل ليس من الضروري أن ~~يكون على رأي من الآراء، أو مذهب من المذاهب في التاريخ والاجتماع، كي يدعي بأن للعامل ~~الاقتصادي شأنا أساسيا في حياة الأفراد والجماعات، يتناول جميع مظاهر حياتهم ومقوماتها. ~~إن أهمية هذا العامل صارت من البروز والوضوح والشمول بحيث يكفي «العقل العصري السليم» أن ~~ينظر ويفكر فيما حوله، فيما هو فيه، ms32 حتى يذعن لحقيقة أو لضرورة تفرض كل هنيهة ~~نفسها، ويذكر كل شيء بها، في الدائرة الأوسع فالأوسع، فإذا نحن أخيرا محشورون في تلك ~~الدائرة العالمية الكبرى، أو الشبكة المتكاثرة خطوطا، المتداخلة المتعاسكة إلى أقصى حد. ~~ولقد كان هذا الشرق الأدنى والأوسط - وبوسعنا أن نسميه الشرق العربي - يؤلف في ماضيه السحيق ~~والقريب على السواء (وفي حاضره أيضا) جزءا من الأجزاء «الممتازة» بتعقدها في الشبكة ~~العالمية الكثيفة، تتعدد فيه الخطوط، متداخلة متعاكسة، وأكبر الظن أنه سيبقى كذلك حتى ~~يقضي الله أمره. فنحن لسنا على مفترق الطرق، طرق النزهة والاصطياف، أو الزيارات الدينية ~~والأثرية، بقدر ما نحن عند مصطدم المرافق والمصالح الدولية الاقتصادية العظمى. # ومن المؤرخين الذين يؤمنون بخطر العامل الاقتصادي، بأهميته الأساسية في أحداث التاريخ ~~الجسام، حتى هذه التي لا تمت في ظاهرها إلى الشئون أو العوامل «المادية» بسبب - لا تمت ~~إليها في الظاهر فقط - من أولئك المؤرخين نفر كانوا يطلقون على الشرق الأدنى والأوسط، هذا ~~الاسم الشعري: «الهلال الأخضر» وبالطبع يعنون: الخصيب. الهلال الأخضر أو الخصيب الذي ~~تنتظم أقنيته أرض الرافدين ووادي النيل، ثم ما يتصل بهما أو يقع بينهما، من حاضر ~~وباد. وإن أولئك المؤرخين، وهم أبعد الخلق عن التنجيم، ليعزون إلى الهلال الأخضر بعض، بل ~~أكثر، بل كل الحركات أو الأحداث التاريخية الكبرى التي لا يندر أن تنشأ، أو تتولد في أقصى ~~الأرض، ولا سيما بعد أن انطوت الصحائف المشرقية من سفر الإنسانية الكبير. فمن لي الآن، ~~بمن يقرئ عني أولئك السادة المؤرخين السلام؟ من لي بمن يقول لهم - على الماشي أو على ~~الطاير، كيف يشاء - إن الهلال، ولله الحمد، لم يزل الهلال الخصيب، بل لم يكن في زمن أخصب ~~منه اليوم. سوى أنه كان الهلال الأخضر، فأمسى الأسود، وكان الهلال ذا الأقنية، فأمسى ~~ذا الأنابيب، لكنه لم يزل بفضل النفط العربي الهلال الخصيب، ينتظم هذه المرة الجزيرة وشبه ~~الجزيرة، وما يتصل بهما ويقع بينهما من حاضرة وبادية. لم يتغير شيء، أو لم يكد؛ لقد «اصطلح» ~~التاريخ والجغرافيا على ms33 أن يجعلانا دائما وأبدا، في إحدى النقاط المركزية الممتازة ~~الحساسة من التقائهما، بل من اشتباكهما. # ولا يحملن أحد كلامي هذا على محمل تهجم أو تشاؤم، ولا تذمر أو تنكر؛ فهذا النفط قد ~~ظهر في شبه الجزيرة، حيث تقوم الدولة العربية السعودية، وهي أقرب الدول العربية إلى تحقيق ~~معاني الاستقلال أو السيادة بأنواعها، كما أنه قد ظهر في عهد ميثاق الأطلسي وتضامن الشعوب، ~~كثيفها وخفيفها، صغيرها وكبيرها؛ عهد يبشر بمنح الأمم المغلوبة على أمرها حريتها ~~واستقلالها، على أساس من المصالح المتبادلة والتعاون العادل. ومن يدري، فلعل النفط ~~العربي يحدث في حياة هذا الشرق انقلابا من أعظم الانقلابات التي عرفها تاريخه. على أنه ~~في كل حال، جدير بأن يرسل منذ الآن على المشاورات العربية «نورا ساطعا»، ثم بأن يدفع - ~~أكثر من أي عامل آخر - بالتعاون بين الأقطار العربية، مهما يكن من شكله، خطى واسعة إلى ~~الأمام. # لا أحسب أن أحدا تأخذه الدهشة إذا قلت إن شغل اليوم الذي لا شغل سواه في لبنان هو ~~الاستقلال. لن تأخذكم الدهشة، كما أننا لم تأخذنا نحن الحيرة؛ فالاستقلال كلمة لم يهمس بها ~~لبنان في الأيام الأخيرة همسا، بل هتف هتافا. # ليس لبنان عظيما في رقعة الأرض، ولا الشعب اللبناني ضخما بين الشعوب، لكن لبنان مشى ~~قدما نحو حريته واستقلاله في مزدحم الأمم الضخمة والدول العظيمة، في سياق تاريخه الدامي، ~~حتى صار له من المؤهلات ما يجعل ممارسة هذا الحق كالنتيجة الطبيعية المتحتمة، ثم أصبح الحق ~~«الطبيعي» حقا شرعيا أو رسميا إذا صح التعبير، بما قطعته الأمم الحليفة على نفسها ~~ونحو لبنان من مواثيق وعهود. كذلك لم يكن لبنان على خطأ؛ إذ وقف منذ البداية في صف ~~الديمقراطيات الكبرى التي أعلنت على النازية - وهي شر أنواع الاستعمار - حربا لا هوادة ~~فيها؛ وإذ ساهم لبنان في هذه الحرب ولا يزال مساهمة ذات وزن؛ وإذ أدى لبنان، المقيم ~~والمهاجر على السواء، قسطه في الجهاد عن طيب خاطر، موفورا غير مضمون. # وليست أول مرة يهتف فيها الشعب اللبناني لحريته، ms34 ويتنادى لاستقلاله، ويغضب لكرامته؛ فهذه ~~الألفاظ الشريفة: الحرية والاستقلال والكرامة، لم تكن غريبة على جونا النظري والعملي. لا، ~~لكن يخيل إلينا أن لهذه الألفاظ اليوم، صدى بل معنى جديدا، كأنما كانت في الهواء، ~~فداخلت وجدان الأمة القومي، بل كأن الحرية والاستقلال والكرامة كانت تعني عند فريق ~~شيئا، وعند فريق شيئا آخر، فإذا بهذه الألفاظ تسترد اليوم معانيها الصحيحة السليمة، ~~فتأتلف وتنسجم في فكر واحد، وشعور واحد، أو بكلمة في «كيان» واحد. ذلك هو المغزى ~~الجديد الرائع لحركتنا الوطنية الأخيرة، كأنما ولد الوطن اللبناني واستقلاله في وقت ~~معا. # كان من الممكن، وسط النزاع الضخم الذي يعانيه العالم منذ خمس سنوات، كل يوم منها حافل ~~بأحداث عسكرية أو سياسية خطيرة تتوقف عليها إلى حد ما نتيجة هذه الحرب الكونية العظمى. ~~كان من الممكن أن يقع الحدث اللبناني أو ما يشبهه، ثم ينقضي دون أن يثير في أنحاء المسكونة ~~ما ملأ الآذان من أصدائه المدوية المتجاوبة المدهشة. ذلك ما كان، لأول وهلة، ممكنا أو ~~منتظرا، ولا سيما عند من ينزع فكره إلى تبسط الأشياء، أو يكتفي بظواهر الأمور، فإذا ~~بالحدث اللبناني، على الضد، يشغل حيزا «محترما» من مشاغل العالم الكبرى، وإذا بأخباره ~~تصطدم على موجات الأثير، وأخبار المعارك الطاحنة في مختلف الميادين، حتى قال بعضهم إن لبنان ~~في تاريخه الطويل لم تتداول ذكره الألسنة والأقلام بمثل ما تداولته في هذه الأيام. # فكيف كان ذلك؟ ما هو العامل الذي جعل لبنان خلال هذه الأزمة الكونية العظمى في هذه الحقبة ~~القصيرة - الحاسمة - من تاريخه الحديث، ملء الأذهان والأسماع؟ # لم يكن ذلك على ما نرى نتيجة عامل واحد، بل نتيجة عوامل متعددة، ولعل في رأس هذه ~~العوامل، لعل أول ما يتبادر منها إلى الذهن، بتأثير ظروف الحرب العالمية، أن العلاقات بين ~~الأمم والبلدان، بل بين القارات، أصبحت من التوثق والتداخل والاشتباك بحيث يكاد العالم ~~بأجزائه المتباينة - مهما تباينت - يؤلف وحدة دقيقة الإحساس، لم تكن في زمن أدق منها ~~إحساسا، كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت ms35 سائر الأعضاء. ويزيد هذا الواقع وضوحا ~~وبروزا وتمكنا، أن العالم المحترب اليوم يعيش في جو لا عهد له به، أو بكل عناصره، هو ~~الجو الذي أوجدته الحركة التحررية العامة - العاصفة بالأفراد والشعوب - التي تستهدف خلق ~~عالم جديد، تقوم فيه العلاقات بين الأفراد وبين الشعوب، على أسس أقرب إلى الإنصاف والحق ~~والخير؛ ففي جو عالمي كهذا الجو، لم يكن في الإمكان أن يبقى الحدث اللبناني حدثا ~~لبنانيا وحسب، وهكذا كان الحدث اللبناني حدثا عالميا أيضا. # وثمة عامل آخر، لكنه خاص بلبنان، لا ينازعه فيه منازع، يصح أن نسميه «الإشعاع اللبناني»؛ ~~تلك المزية التي عرف بها لبنان من أقدم عهوده التاريخية، والتي يصعب معها الادعاء بأن ~~لبنان منحصر ضمن حدوده الجغرافية؛ فالأبجدية هي من الإشعاع اللبناني، ومن الإشعاع اللبناني ~~أيضا هذه المادة السخية التي لا تفتأ تغذي بالهجرة كل بقعة من بقاع الأرض، حتى ليمكن ~~القول إن لبنان شبكة مطروحة على العالم تنتظم أجزاءه، بل هناك لبنانان لا لبنان واحد: لبنان ~~المقيم، الرابض بين تخومه، ولبنان المهاجر، الموزع في الدنيا. # ونحن على مثل اليقين من أنه قد كان لهذا العامل الأخير، في جعل الحدث اللبناني حدثا ~~عالميا، أعظم الأثر؛ نعني أن لبنان مدين في الدرجة الأولى لنفسه. # لبضع سنوات خلت، اتخذ فريق من أبناء هذا البلد موقفا صريحا في صف الأمم المتحدة، ~~وجعلوا يشتغلون تارة في «مكافحة النازية والفاشية»، وتارة أخرى في «مصادقة الاتحاد ~~السوفييتي»، أو في كلا الأمرين، في وقت معا. ولقد كان يخيل إلى أكثر العوام، وإلى بعض ~~الخواص، أن هؤلاء النفر ليسوا سوى شعراء يعيشون في المريخ، أو تجار تخصصوا للبضاعة ~~الأجنبية، أي إنهم، في كل حال، مصابون بمس من الانحراف الفكري أو المسلكي، يصرفهم عن ~~الحركة الوطنية الصحيحة التي يتمخض بها لبنان وسائر الأقطار العربية. # لست أدري - ولا يهمني كثيرا أن أدري - ما يقوله الخاصة الآن، لكن أحب أن أعتقد أن العامة ~~- أي السواد الأعظم - قد غيروا شيئا من رأيهم، وعدلوا بعض انحرافهم، بتأثير تلك الخبرة ~~المباشرة للحدث ms36 اللبناني الأخير، الكبير، الذي كانوا هم مادته الحية بلا مراء؛ فالحركة ~~الوطنية الاستقلالية في لبنان، بما أحدثته من رد الفعل في أنحاء المسكونة، وبما أحرزته من ~~توفيق في الناحيتين النظرية والعملية، أقامت الدليل - دليلا جديدا - على أن أولئك ~~«الشعراء» لم يهاجروا إلى المريخ في حين، أو أن أولئك التجار لم يتعاطوا يوما «البضاعة ~~الأجنبية». لقد كشفت هذه الحرب العالمية عن ثلاث أو أربع حقائق كانت غامضة، وكان يزيد في ~~غموضها تعامي أهل النظر عنها، وأقرب تلك الحقائق إلينا عهدا، وأمسها بنا صلة، هي أن ~~لبنان جزء من العالم، فلن يسعه أن يخرج منه، وأن مصير لبنان متوقف إلى حد بعيد على ~~نتيجة الحرب، فما من سبيل إلى فصل مصيره عن نتيجتها. إن هذه الحرب العالمية كانت حربنا، كما ~~أن السلم العالمية ستكون سلمنا نحن أيضا. تلك «حقيقة لبنانية» لا يصح أن نغفلها أو نتغافل ~~عنها، فما من شيء في العالم لا يعنينا، سواء أرضينا أم لم نرض، وعلمنا أم لم ~~نعلم. # على أن تلك «الحقيقة اللبنانية» التي أشرت إليها، ليست في الواقع إلا انعكاسا لهذه ~~«الحقيقة العامة» المزدوجة، التي أصبحت من الوضوح والقوة بحيث يصعب نكرانها أو تجاهلها - ~~نعني أن الحرية في العالم هي، كالسلم، وحدة لا تقبل التجزئة. فمن ميثاق الأطلسي إلى مؤتمر ~~طهران، نرى الخطوط التي سيتألف منها عالم الغد، ترتسم في أفق الوجود، بأجلى فأجلى، وأبرز ~~فأبرز، ولا يدهشن أحدا قولنا اليوم إن اشتراك الاتحاد السوفييتي في ذلك «التكوين» ~~الجديد يعتبر ضمانة جديدة متينة العرى؛ فالاتحاد السوفييتي قد بنى سياسته الداخلية ~~والخارجية على أصرح مبادئ الحرية القومية، ناهيك بحركة التحرر العاصفة بضمائر الشعوب ~~وعزائمها، في مشارق الأرض ومغاربها. # نحن لا نحب أن نحشر في زمرة المتفائلين الحمقى، كما أننا لا نرضى أن نعد في ~~المتشائمين الذين هم أحيانا أشد حماقة، برغم كل الظواهر. لكن لا ندحة لنا ولسائر ~~الشعوب الصغيرة المستضعفة، عن مواجهة هذا الأمر البديهي، وهو أن إحدى الضمانات الأساسية ~~لاستقلال لبنان الصحيح، وتمتعه بجميع حقوقه ms37 وحرياته ، هو استقرار النظام العالمي، على دعائم ~~راسخة من احترام حريات الأمم وحقوقها وأمانيها المشروعة. في مثل هذه البيئة العالمية ~~«السليمة» يحيا الاستقلال اللبناني، وينمو، ويبلغ أشده، فيؤدي اللبنانيون قسطهم مرة أخرى في ~~بناء الصرح الإنساني العام. # يوجد بضع حقائق لا يحتاج المرء في معرفتها إلى كثير من الذكاء والألمعية، بحسبه شيء ~~من الفكر والروية؛ نحن لا نعني هنا «حقائق علمية» بالمعنى الاصطلاحي المحدود، إنما نعني ~~«حقائق إنسانية» لم تخرج - أو لم تكد - من نطاق الحوادث، ويمكن القول إنها في متنوال كل ~~منا، كل ذي فكر سليم، يستخدم فكره السليم حينا بعد حين، ويعمل الروية في ما يريده، ولا ~~سيما في ما يراد به. وليست هذه الحقائق، لقلة ما تجري على الألسنة والأقلام، بمبتذلة ولا ~~رائجة ولا متداولة؛ هي من الحقائق المغمورة المطموسة التي تحملنا بسهولة، على الاعتقاد بأن ~~أحدا لم يسبقنا إلى معرفتها، بل كنا نحن السابقين إلى كشف القناع عن وجهها، أو إطلاقها من ~~سجنها، ولا بأس بذلك؛ فإن من الحقائق «الإنسانية» ما يجمل بالإنسان أن يعرفه بما يشبه ~~«الخبرة الشخصية». وعلى كل، فليس لمن عنده مسكة من عقل، أن يلتمس هذه الحقائق وأمثالها في ~~كتب المعارف «التوجيهية»، ناهيك بكتب التاريخ، لسبب بسيط هو أن المعارف «التوجيهية» لم توضع ~~لهذه الغاية، أي «توجيه» الشعوب نحو معرفة الحقائق، بل بالضد. ولماذا؟ لسبب بسيط أيضا هو ~~أن الحقائق التي أشرنا إليها، كانت، ولم تزل، تعد حقائق خطرة تدور حول علاقة الناس ~~بعضهم ببعض، وحول علاقتهم جميعا بما يقتنون أو يملكون (ويدخل فيه المنقول وغير المنقول من ~~المال، والثابت وغير الثابت من الامتياز)، وكذلك حول علاقتهم بذلك الشيء المشترك، أو على ~~الأقل المفترض أنه مشترك، نعني: الحكم وما يتناوله من توزيع الحقوق والتكاليف، والمغانم ~~والمغارم، وهلم جرا. # لكن قبل التبسط في الموضوع، أحب أن أمهد له بأبيات من الشعر، ومن شعر المعري الخالد. ~~فأولا: إن المعري جاء بعد ألف من السنين، يظل هذه السنة التي نحياها، فأحالها واحة ~~من واحات الفكر. ms38 وثانيا : نحن أمة نحب الشعر كما هو مشهور، ونتذوقه، وقد يكون فهمنا ~~إياه أيسر وأجود من فهمنا أي شيء آخر، اللهم ما خلا التجارة، لكن الحالة الراهنة عندنا ~~جديرة بأن تنفي - إن شاء الله - كل تناقض ينشب بين الشعر والتجارة. # لأبي العلاء المعري بيتان سمعناهما وقرأناهما لمناسبة عيده الألفي، ألف مرة ومرة، ~~وما إخالنا بلغنا منهما حد التخمة، كأننا أبدا في جوع وظمأ إلى إنشادهما أو سماعهما. ذلك ~~قوله: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها! # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # ويستنتج العلامة الدكتور طه حسين من هذين البيتين أن المعري «لا يرى الملك ولا ~~وراثته، وإنما يرى الانتخاب والبيعة، كما يراهما الجمهوريون»، سوى أن صديقنا البحاثة ~~الدكتور عمر فروخ يعجب كيف فهم صاحب «الذكرى وتجديدها» من هذين البيتين، معاني البيعة ~~والانتخاب ومبادئ الجمهوريين «إلا أن يكون قاده إلى ذلك لفظة: أمراؤها. ولعله لو أنعم ~~الفكر في الكلمة، ثم قرأ البيت الثاني بأيسر قراءة، لتبين له وراء كل ريب وشك أن أبا ~~العلاء يهاجم هنا جميع الحكام، أورثوا الأمر، أم اغتصبوه، أم حملوا إليه على ~~الأكتاف.» # ليس من قصدنا الوساطة بين الدكتورين الفاضلين، وهما من لا يخشى - ولله الحمد - أن تضيع ~~الحقيقة بينهما. على أن ما يهمنا من شعر المعري هو مدلوله الطبيعي - إذا أمكن القول - ~~مدلوله القريب الذي نرجو أن لا يكون موضع اختلاف ولا تأول. أما ما قد يستقر في «مؤخرة» ~~رأس المعري، فهو ما لم نؤت علمه، وأكبر الظن أننا إذا زعمنا إثباته، لم تكن قصارانا إلا ~~أن نثبت ما في «مقدم» رءوسنا. ذلك المدلول الطبيعي القريب هو أن الحكام، سواء أورثوا ~~الحكم (والوراثة ضرب من الغصب)، أم حملوا إليه بالبيعة (والبيعة ضرب من الانتخاب)، هم ~~«أجراء الأمة» في عقل المعري الظاهر والباطن على السواء. ذلك هو الأمر الجوهري الذي ~~لا نريد أن يضيعنا عنه مضيع، أما يكفي أنهم كثيرا ما يضيعوننا عنه بالفعل، حتى ~~نضيع عنه أيضا بالقول؟ # إذا نحن سلمنا ms39 عن طيب خاطر، بأن الاستقلال «شيء يؤخذ» مبدئيا، فيجب أن نسلم أيضا ~~بهذه الحقيقة التي ليست دون الحقيقة الأولى، لا بداهة ولا خطورة - بل على الضد - وهي أن ~~الاستقلال «شيء يحقق» عمليا. ففي هذا «التحقيق العملي» حفظ الاستقلال وضمان دوامه وتثبيت ~~دعائمه، فلا يبقى موضع نظر أو إعادة نظر، لا في أنفسنا ولا عند غيرنا، أي بعبارة أخرى: لا ~~في داخل، ولا في خارج. ولا ندحة في ذلك عن أن يستوفي الاستقلال شروطه، كل شروطه، المادية ~~والمعنوية. # وصحيح أن للاستقلال شروطا معنوية أو روحية لا غنى عنها، كالشعور الوطني وروح التضحية ~~والإرادة المشتركة وحس التضامن القومي، وما إلى ذلك. صحيح أن الاستقلال يستلزم، كي يعيش ~~وينمو ويبلغ أشده، هذه «البيئة المعنوية». صحيح أن تلك القيم لا بد منها في حياة الأمم، ~~لكننا بفطرتنا أو - وهو الأصح - بحرماننا التقليدي الطويل، من ممارسة الحريات العامة ممارسة ~~فعلية، ومن التمتع عمليا بنعم الحياة الاستقلالية، ميالون إلى «تعاطي» هذه القيم ~~«الروحية» وإدمانها، إلى حد يوهم أننا في غفلة عمياء عن تلك الشروط أو «البيئة المادية» ~~التي لا يمكن أن يحيا استقلال، وأن يضمن بقاؤه أو تثبت دعائمه، إلا بها وفيها. على أن ~~الشروط المعنوية نفسها متوقفة على الشروط المادية، مذعنة لها بالدرجة القصوى، وليس يصح ~~تماما قول العكس؛ فالشعور الوطني وروح التضحية والإرادة المشتركة وحس التضامن القومي لا ~~تتولد من ذاتها، في الهواء، تولدا فطيريا، بل تعوزها الأوضاع الملائمة والمؤسسات ~~اللازمة. يعوزها أقل ما يكون: كتاب ومعلم ومدرسة وطلاب. الكتاب يحتاج إلى اختصاصي يؤلفه، ثم ~~إلى معلم يعلم به، والمعلم يحتاج إلى مدرسة يدرس فيها، والمدرسة تحتاج إلى طلاب في ~~وسعهم أن يؤموها. ولقد يمكن أن تحشر هذه الأشياء جميعا في صف القيم المعنوية أو الروحية، ~~لكن بعد أن تصنع، وتوجد الشروط الضرورية لصنعها، أما قبل أن تصنع الأشياء وتتوافر شروط ~~صنعها، فلا مناص من أن تعامل «معاملة» القيم والشروط المادية. # لسنا في معرض المقايسة أو المفاضلة بين طائفتين من القيم: المادية والمعنوية، في ms40 حياة ~~الأفراد والأمم، على انه إذا كان ثمة مجال للمفاضلة بينهما موضوعيا وذاتيا، فلا مسوغ ~~للمفاضلة، لا عمليا ولا اجتماعيا، إنما أردنا التنويه بارتباط بعضهما ببعض، بل بملازمة ~~بعضهما لبعض. أردنا الإشارة إلى وجوب العناية بحياتنا الاقتصادية، والاهتمام بمستقبلنا ~~الاقتصادي. ولنضرب مثلا معيشتنا اليومية؛ فنحن لا نعرف السبيل، لا نظريا ولا عمليا، ~~إلى «الترفع عن الدنايا» التي تتألف منها «حياة» كل يوم. وعلام هذا السمو بأنفسنا؟ ~~أليقال فقط إننا قد تبعنا نصيحة يمن بها فريق من المواطنين الكرام، ليس يكفيهم الجمع ~~بين تلك الأسباب، بل هم يحرصون أشد الحرص على ادخارها؟ # الاستقلال مثل أعلى. أجل، لكنه كسائر المثل العليا، لا بد له من جناحين يطير ~~بهما. # ليس الاستقلال كرة يتقاذفها لاعبون، مهما أفرغوا في ذلك من جهد، واصطنعوا من جد، وسواء ~~ألزموا القواعد المحترمة في اللعبة، أم تجاوزوا حدودها وخرقوا حرماتها. ولأبادر إلى القول ~~إني لا أحمل هذه الصورة «الرياضية» أية إشارة إلى الخلافات والمنافسات، ما كان منها ~~طارئا أو مزمنا، طبيعيا أو متكلفا، كما إني لا أعد نفسي مسئولا عما قد يرد على ~~الخاطر، من شتى التآويل ومختلف النتائج. صحيح أن الصورة خصبة غنية، تتسع لأكثر من تفسير ~~أو تخريج واحد. (بدا لي هذا منذ جرت الصورة على قلمي، فأخذت أفكر فيها وأقلبها على ~~وجوهها العديدة، ثم أمسكت، مخافة أن أتوصل أخيرا إلى ما لا تحمد عقباه.) # لكن أردت - ولم أرد أمرا آخر - أن الاستقلال ما كان، ولا يصح أن يكون، معنى قائما ~~بذاته في دنيا القيم النظرية، منفصلا عن البلد المستقل أو - وهو الأقرب إلى الصواب - عن ~~أبناء البلد، فضلا عن أن الاستقلال ما كان، ولا يصح أن يكون، لفظا من هاتيك الألفاظ ~~الطنانة التي تدل على كل شيء ما خلا الواقع والحقيقة. لا، فالاستقلال مادة حية، أو ~~هو جسم يستمد الحياة من لحم الأمة ودمها، ومن ثمة أيضا يستمد القوة والبقاء. ولست ~~أعني بهذا أن الشعب هو الذي يقدم في الأزمات الحادة قرابينه، ذودا عن الاستقلال، أو ms41 ~~يفتديه بأفراد منه في ساعات الخطر، بقدر ما أعني ذلك المدد «الجمهوري» المستمر، من النشاط ~~والتضحية، في الحالة الطبيعية، في سياق الحياة العادية. # إن الوطن اللبناني قد استتم - أو كاد - حدوده الدولية أو الدبلوماسية، باعتراف الدول ~~الديمقراطية الكبرى وجاراته العربيات بهذا الاستقلال، وكان طبيعيا أن تخص تلك الناحية من ~~الوضع الجديد، بما خصت به من الاهتمام والعناية خلال عام ونيف. لكن من الطبيعي أن لا ~~نغفل في الوقت نفسه، عن هذه الحقيقة، وهي أن الاستقلال ليس وضعا خارجيا دوليا وحسب، بل ~~هو أيضا وبالدرجة الأولى وضع داخلي شعبي؛ فإن أوثق ضمانة لاستقلالنا هي أن يحس الشعب ~~إحساسا مباشرا حيا بأن هذا الوطن الذي «ينعم» اليوم بالاستقلال، هو له، هو وطنه، ~~«ينعم» هو بخيراته - وليس لأفراد أو فئات منه، كل شيء يتبدل في الدنيا وهم لا يتبدلون. ~~فقد نسلم بأن الوطن اللبناني ينعم بالاستقلال «مجازا»، إنما الذي يمكن القول إنه ينعم ~~بالاستقلال «حقيقة» فهو الشعب اللبناني. على أنه ليس بكاف أن يقال هذا للشعب حتى يخف ~~إلى التصديق؛ فالشعب اللبناني اليوم يطمح إلى ما ما وراء القول: الشعب اللبناني الضمانة ~~الباقية؛ إذ كل ضمانة سواها عرضة للزوال. ~~... الشعب اللبناني، الضمانة الأولى والأخيرة - الضمانة الباقية - للاستقلال وللكرامة ~~الوطنية. وبعد، أليس هذا الاستقلال وهذه الكرامة الوطنية الملازمة له، واسطة لا واسطة ~~سواها، إلى الغاية التي لا غاية وراءها، وهي أن يحيا الشعب اللبناني حياة سعيدة، في أرضه ~~العزيزة، متفيئا ظلالها، ناعما بخيراتها؟ إن استقلال الوطن اللبناني يتوقف، إلى مدى بعيد، ~~على استقلال الشعب اللبناني، وتمتعه بحرياته المدنية والسياسية تمتعا صحيحا. ومتى قلنا ~~الشعب اللبناني، فلا بد من أن ندخل في الحساب جماهيره العاملة المنتجة، في كل ميادين ~~العمل والإنتاج؛ نعني: السواد الأعظم الذين هم، بفضل أنظمتنا الحاضرة، بعيوبها الأصيلة ~~وعيوب تطبيقها، يحسون إحساسا بليغا بأنهم بعيدون جد البعد من أن يحققوا في أنفسهم معاني ~~الاستقلال والكرامة؛ فليس يجدي الوطني شيئا أن تعلن حقوقه وحرياته، إذا لم يعط في ~~الوقت ذاته الوسائل الضرورية لممارسة ms42 تلك الحقوق والحريات، إنها تبقى هكذا حبرا على الورق، ~~بل كتابة على الماء. ومن البديهي أن هذه العناصر الشعبية لم تكن ممثلة، على صورة ما، في ~~جهاز الحكم اللبناني، لا مباشرة ولا بالواسطة. وتأويل ذلك بسيط غاية في البساطة؛ ذلك أن ~~جميع القوى تضافرت، خلال الانتخابات الأخيرة، على عزل تلك العناصر وتنحيتها، ويجب القول ~~إنها قد وفقت كل التوفيق. لكن ترى، هل يظل لبنان في معزل عن الحركة العظمى التي تغمر ~~العالم، حركة القوى الشعبية المتصاعدة، حتى تسد الأفق؟ أكبر الظن أن هذا لم يبق في ~~الإمكان، ولا سيما بعد أن أثبت الشعب اللبناني نضجه السياسي، ووعيه الاجتماعي، ورغبته ~~الصادقة في أن توجد لمشاكله الحيوية الحلول الملائمة. ونحن أحرياء، منذ تحققت أمنية الوطن ~~اللبناني في الاستقلال والكرامة، بأن ننتظر تحقيق أماني الشعب اللبناني في استقلال جماهيره ~~العاملة المنتجة، وفي «مراعاة» كرامتها الإنسانية، بتوفير الأسباب لتمتعها بالحقوق كل ~~الحقوق، وبالحريات كل الحريات. # كل شيء يؤذن بوشك انتهاء الحرب، وبانتهائها على ما نشتهي ونريد. لم نكن بحاجة إلى هذا ~~البرهان الأخير كي تطمئن نفوسنا؛ إنارة البلد، على أنه - والحق يقال - برهان «ساطع». إن ~~هذه العبارة «البرهان الساطع» قد استعملت في معميات كثيرة، كان البرهان الساطع يزيدها تعمية ~~في بعض الأحيان، وكأنها ظلت مئات السنين تنتظر، حتى استعملت الآن في الموضوع الذي خلقت ~~من أجله. إن إنارة البلد لبرهان ساطع على وشك انتهاء الحرب، وعلى انتهائها كما نشتهي ونريد؛ ~~فالعدو الألد أمسى عاجزا عن أن ينالنا بسوء، ولا ننس أنه يوجد نوع من الخلق ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا بهذا النوع من البراهين. ~~- أأنت تقضي سهرتك هنا؟ # هكذا تكلم صديق غاب عني نحو أسبوعين، وقد رآني جالسا على الفرندا في فيض من ~~النور. # أجبت: نعم! هو كما ترى. وأنا أقرأ اليوم (سقط الزند) للمعري، وشرحه (ضوء السقط)، وشرح ~~شرحه (التنوير)؛ أريد أن أثأر لنفسي من تلك (اللزوميات) التي قضيت فيها سني الحرب بطولها، ~~ملتمسا النور في «تعتيمات» شيخنا الأعمى رحمه الله، ثم لا تنس ms43 أن المعري هو ~~القائل: # ليلتي هذه عروس من الزن # ج عليها قلائد من جمان ~~... إذن لأيام خلت، كنا في حالة يسمونها تارة التعتيم، وتارة خنق الأنوار. إن في خنق ~~الأنوار معنى، بل زيادة معنى ليست في التعتيم، هو معنى العنف الذي يلابس الأجرام؛ خنق ~~الأنوار، وخنق العلم، وخنق الحرية، وما أشبه. ويدل في الوقت نفسه على الحالة الروحية ~~الناشئة عن ذلك التعتيم الذي لا أجد ما أصفه به إلا أنه، في عصر النور هذا، ظلام «مصطنع»، ~~وكذلك هم يسمون الدهان الذي يطلى به زجاج النوافذ «تمويها». # يحكى أن أعرابيا أعور أصيبت عينه السليمة بحجر، فوضع يده عليها وقال: «الحمد لله! ~~أمسينا.» يريد أنه دخل في العتمة التامة، أو بعبارة أخرى أصابه العمى، كما أصبنا نحن ~~بالتعتيم، خلال هذه السنوات الخمس التي جردت فيها الزنجية الحسناء، دون حياء، من حليها ~~الوضاءة، وهي كل ثيابها. # لقد حرمتنا الحرب ممارسة حريات متنوعة، وكانت أول حرية أبيحت لنا حرية التنوير، وهي ~~الحرية التي تهم الحرب مباشرة بلا مراء، وأكبر الظن أن ستتبعها سائر الحريات التي لا ~~علاقة لها، قريبة أو بعيدة، بميادين القتال وسلامة القواعد، وإنما تنسبها السياسة إلى ~~الضرورات العسكرية، على سبيل الاختصار، أو حسما للقيل والقال. وهكذا فإن الأعضاء الزائدة ~~في الجسم الإنساني، تبقى بعد أن ضاعت وظائفها، لكنها هنا تؤدي من الوظائف غير ما وجدت له، ~~وبالأمس طالب فريق من أفاضل النواب برفع المراقبة عن الصحف، ومما هو حري بالانتباه أن ~~الاقتراح جاء خلال نقاش دائر حول الحملات التي يكون المجلس النيابي عرضة لها من وقت إلى ~~آخر، فأثبت النواب أنهم لا يخشون العدو الوهمي، كما أثبت الدفاع السلبي أننا صرنا في نجوة ~~من غارات النازي المتخاذل، فطلبوا إلغاء هذا الضرب الآخر من التعتيم الذي يدعونه ~~بالمراقبة؛ عسى أن يسير عهدنا الاستقلالي الديمقراطي نحو أكثر فأكثر، من الحرية ~~والنور. # لما تسلم الجانب اللبناني من الجانب الفرنسي، في احتفال رائع وصفه الواصفون، طابورا ~~من القناصة، كما ترد الأمانات إلى أهلها، جالت الألسنة ms44 والأقلام في موضوع الجيش الوطني، ~~ولا غرو فهو حقا موضوع جدير بأن تجول فيه الألسنة والأقلام، بل لعله أجدر المواضيع ~~بالإكثار من التحدث عنه، وبالإفاضة في شأنه، وتقليب وجوهه العديدة. إن المتحدثين كلهم نظروا ~~في الموضوع من ناحية أو نواح معينة، فألقوا عليها نورا كاشفا، لكنهم جميعا كانوا ~~يخلصون إلى مثل الغاية الواحدة، فتمتزج الآشعة في «شلة» من الضياء واحدة. وغني عن البيان ~~أن هذه الأحاديث، على بكرة أبيها، كانت تنبض بشعور الغبطة العميقة الشاملة التي تخالج قلب ~~كل لبناني، كلما رأى بعيني رأسه، استقلال الوطن يستتم تدريجا شروطه ومقوماته، كشخص ~~الحبيب تنحسر عن ملامحه الوسيمة، رويدا رويدا، عتمة الخفاء. وبديهي أن تلك الغبطة العميقة ~~الشاملة ما كانت ولن تكون وقفا على الكتاب والشعراء، وإن يكن هؤلاء يجيدون أكثر من ~~غيرهم، وصفها والعبارة عنها والإشادة بذكرها، ليؤذن لي أنا أيضا أن أقول كلمتي في ~~الموضوع. # لكل امرئ هوى، بل هوس يملك عليه لبه وشعوره، يقيمه ويقعده، يلازمه في جميع حالاته ~~ومواقفه، حتى ليحسب عارفوه أنه، وهو الكائن المركب، قد قطعة واحدة ليست تتحرك بسوى حركة ~~تشنجية لا تبديل لها. فأنا - ولا بأس بأن أتعرض لتهمة البساطة التي لا برء منها - هواي أو ~~هوسي فيما يدعونه الوحدة الوطنية، لكن يعزيني عن هذه البساطة المملة أمران: أولهما أن ما ~~أسميه هوسا ليس في غير موضعه، ليس من الأمور التي لا موضوع لها؛ فالوحدة الوطنية لم تتحقق ~~بعد، وإن يكن الشعب اللبناني قد خطا نحوها خطى واسعة. وثانيهما أن هوسي هذا ليس منحصرا ~~بي، مقصورا علي، وإنما يشاركني فيه وفي الإذعان له وفي معاناة لجاجه، أكثر اللبنانيين، ~~كلما رجع واحدهم إلى ذاته، يتدبر شئون بلده العامة، في ماضيه وحاضره ومستقبله على ~~السواء. # وهناك حقيقة لست أجد بدا من الجهر بها، وإن يكن من شأنها أن تفجع نفرا كبيرا من ~~خاصة اللبنانيين، من النخبة الصالحة أو قادة الرأي - كما يسمونهم - تفجعهم في ما هو أعز ~~شيء لديهم، أعني ما يرسلونه نثرا أو ينظمونه شعرا؛ ms45 تلك الحقيقة هي أن الوحدة الوطنية التي ~~نرجو أن تتحقق في الشعب اللبناني، والتي تنعدم أو على الأقل تنسجم فيها الفوارق الجنسية ~~والطائفية بين العناصر المؤلفة لهذا الشعب؛ أن الوحدة الوطنية لن تكون من صنع هذه النخبة ~~الصالحة: الشعراء والكتاب والخطباء ... لسوء الحظ! إذ لو كان هكذا لكان الأمر أيسر وأقصر ~~سبيلا؛ فالشعراء والكتاب الذين تكفيهم الدعوة إلى الوحدة، يقين أنها تتحقق بمجرد ~~الدعوة إليها، إنما هم خادعون، أو مخدوعون وهو الأرجح، إنهم يؤخذون بسحر كلامهم. «كم وعظ ~~الواعظون منا!» كما قال المعري منذ ألف سنة. # إن الوحدة الوطنية لا تتحقق إلا بشرائع تسن وتنفذ، ومنشآت تقام ويعنى بها. إن الوحدة ~~الوطنية يعوزها مصنع؛ المصنع الذي ينتجها كما تنتج الأمتعة المادية، كما تصنع عمليا. ~~وإني أدل الآن على مصنعين اثنين (لا على مصنع واحد) يصح أن يتعاونا على صنع الوحدة ~~الوطنية، هما حقيقان بصنعها، كما يصب الفولاذ: الثكنة والمدرسة. # الثكنة والمدرسة، لكن بشرط أن لا تقوما على هذا الأساس «المزمن» الذي تقوم عليه حياتنا ~~العامة والخاصة، وهو ما يسمونه «الطائفية البغيضة». بالطبع، وإلا فذاك من قبيل تحصيل ~~الحاصل، أي لا شيء. # لقد أصبحنا ولنا طليعة جيش. عسى أن يكون لنا أيضا في القريب العاجل طابور كامل العدد ~~والعدة من المعلمين. # دعيت في أواخر الصيف الماضي، إلى سماع محاضرة من أحد قادة الرأي عندنا، وكان العنوان ~~مغريا يثير في النفس شعورا هو أعلى من الفضول مرتبة، وأطيب عنصرا، فجئت استمع. كان ~~الحضور لا يزيدون على المائتين عدا، لكنه من النخبة التي لا يعدمها احتفال، مهما يكن ~~نوعه، في قرية من قرى الاصطياف، يتوافدون عليه رجالا ونساء، من المحلة ذاتها ومن المحلات ~~القريبة، ثم ينصرفون بعد ساعة من الزمن، راضين مطمئنين إلى أنهم لم يضيعوا ثلاثة أشهر ~~بكاملها، بل اهتموا أيضا لما يحسن الاهتمام له من الشئون التي تتجاوز دائرة الحياة ~~اليومية، أو تسمو عنها. ويقبل الجنس اللطيف على أمثال هذه الحفلات بنسبة «محترمة»، كأن ~~النساء أعظم حاجة إلى ذلك اللون من ms46 راحة الضمير. # كان في الحضور وجوه عرفتها جيدا في العاصمة، استرعى انتباهي أن نفرا منهم يعاملون ~~المحاضر كأركان حرب القائد. وقد نصب المنبر وصفت المقاعد في الخلاء، وسط ملعب يملأ ~~الفراغ المنبسط من الكنيسة القديمة إلى النادي الجديد، وهذا الملعب بين الكنيسة والنادي، أو ~~بين كنيسة ومدرسة، «مشهد» تكاد لا تخلو منه قرية تحترم نفسها من قرى المتن. ثم تصوروا ~~المشهد بتمامه، ونحن منه، في إطار فخم من مفاتن الجبال والأودية! # كان موضوع المحاضرة: لبنان والشعب اللبناني، وبالطبع: في الماضي والحاضر والمستبقل؛ ذلك ~~أن هذه الثلاثة تمشي في بلادنا، وفي خطب خطبائنا، كأسنان المشط، وقد يدوس بعضها على أقدام ~~بعض في الزحمة. # لا شك في أن ما قاله الخطيب يومذاك، كل ما قاله، هو الحقيقة، ولكنه ليس كل الحقيقة؛ فهو ~~لم يتحدث في الواقع إلا عن جزء من لبنان جغرافيا وتاريخيا، وإلا عن فريق من الشعب ~~اللبناني اجتماعيا وسياسيا. وكان حنينه إلى الماضي أشد منه إلى المستقبل، لا يفتأ ~~يتلفت نحوه، موليا إيانا ظهره. كنت وأنا أستمع إليه، إخال أن الوطن اللبناني ليس في ~~فكره (الظاهر والباطن، ولا سيما الباطن) سوى ذلك الجزء من أراضي الجمهورية اللبنانية، برغم ~~«الحدود الحاضرة»، كما أن الشعب اللبناني ليس سوى أهل ذلك الجزء دون غيرهم، برغم «تذاكر ~~الهوية». # ولست أدري كيف ملت بنظري يسرة، فإذا على سطح بيت قروي تفصله عنا الطريق، على ~~مسافة عشرين ذراعا، شخص ماثل كالصنم، لا يتحرك فيه عضو، أسند يده إلى سطح البيت ~~المجاور، وكأنه يصغى بكليته إلى الخطيب. وكانت الشمس تدلف إلى مغربها، مطرزة بالذهب الأكمة ~~البعيدة؛ فشغلت وقتا بالتساؤل عن ذلك التمثال، كيف ولماذا نصب على سطح بيت؟ ثم رأيته ~~يتحرك للتصفيق، فينقلب قرويا بثيابه «العربية» وقف يشهد الحفلة، ويسمع الحديث. ولا عجب، ~~فلقد كان الخطيب آنذاك يختم باللازمة الحماسية التي لا يستغني عنها قائل وسامع على السواء، ~~وانفض المجلس. # وأنا ما شأني هنا؟ لقد أمسيت بعد تلك المحاضرة، خارج الحدود جغرافيا، وخلف الأمجاد ~~تاريخيا؛ على هامش ms47 القصيدة العصماء. وأخذت أترقب بوجل أن يأتيني، بين هنيهة وأخرى، موكل ~~بنزع الهويات الزائفة أو المستعارة، لا يرق ولا يرحم. ولماذا؟ لا لشيء سوى أنني، فيما ~~غبر من القرون، لم يتح لي القدر أن أعتصم بشعاب الجبل حرصا على الحرية، حيث أستنبت الصخر ~~طلبا للرزق. إن هذا لأمر عظيم حقا، لكن ليس لي فيه يدان. # لست أذهب إلى اتهام الخطيب بأنه، فوق هذا، لم يعن من أبناء ذلك القسم من الجمهورية ~~الواسعة، غير «طائفة» بعينها، لا أكثر ولا أقل. لا، لست أذهب إلى هذا الحد، وإن يكن خبيث ~~من طائفة أخرى قد وسوس إلي بالملاحظة غامزا، فأنا لم أؤت حسه الطائفي الدقيق. ولأبادر ~~إلى القول منذ الآن - أثمة إليه حاجة؟ إني برغم كل شيء ... وأنف صديقي الذي يشم من أقصى ~~الأرض، لمن أصح الناس تقديرا للصورة اللبنانية التي يشف عنها كلام الخطيب، ومن أصدقهم ~~إعجابا بالمعجزة التي ظهرت على أيدي سلفه الصالحين، لكن ليؤذن لي أن أقول أيضا إن تلك ~~الصورة، على روعتها، ليست كل لبنان، كما أن ذلك الضرب من الخوارق، على جلالته، لم يكن ~~عاما في الشعب اللبناني. إن ما ذكره خطيبنا القح هو الحقيقة، لكنه ليس كل الحقيقة؛ لقد ~~أخرج من الدائرة بضع حقائق، كل واحدة هي من نوع حقيقته، وإن لم يكن لها جمالها أو روعتها، ~~أخرجها جملة، دفعة واحدة. # والآن، ما أنا بتارككم طويلا تنتظرون على أحر من الجمر، حتى أعلن على رءوس الأشهاد، أن ~~لتلك النغمة «الخاصة» جوابا من «القرار» بعينه، في الجهة المقابلة، في الجهات المتقابلة، ~~يهتف به هنا وهناك وهنالك، هتافا ليته يخدش آذان الهاتفين، بقدر ما يصم آذان السامعين! ~~إذن لاضطروا بحكم «حسن الجوار» إلى شيء من التؤدة، سوى أننا جميعا مأخذون بلذة الإزعاج ~~والنكاية. ينبغي أن نبادر إلى إعلان هذا الحكم الصريح، وإلا كنا عرضة للتهمة ذاتها، أو ~~بالفعل مصابين بالعاهة نفسها. على أن ما في هاتيك النغمات من الحقيقة «الخاصة» ليس دون ما ~~تكلم عنه، أو أشار إليه، أو ms48 عناه ، خطيب الحفلة. # وهكذا تنعدم الحقيقة، الحقيقة الحقة، الحقيقة اللبنانية، بين أنصاف حقائق، كل نصف حقيقة ~~منها هو في موضوعنا، خطأ محض؛ فإن نصف الحقيقة خطأ تام، وليس في الإماكن أن يجمع بين ~~أنصاف الحقائق، على شكل اصطناعي أو نظري، لتؤلف منها حقيقة تامة، أي حقة. كما أن مسخين ~~يكشر أحدهما في وجه الآخر، وهو رافع عقيرته بالغناء، لا يؤلفان إنسانا بهي الطلعة ~~وسيما، حتى ولا خلقة طبيعية. إن المسخين اللذين يندغمان معا، يصيران مسخا مضاعفا، وكذلك ~~أنصاف الحقائق إذا اجتمعت، يتألف منها خطأ مركب، هو أشد إيذاء وأبلغ ضررا من الخطأ ~~البسيط. # ولست أنسب هذا «الخلل» النفسي في جمهرة اللبنانيين، إلى التعصب بمفهومه الشائع والمنكر، ~~بقدر ما أنسبه إلى ذلك النقص الذي ينشأ دائما عن غلبة الروح الذاتي في تفكير الفرد ~~والجماعة؛ أعني: «الذاتية» المضادة لما يسمونه «الموضوعية» وهي في أبسط مظاهرها، أن يتكلف ~~الفرد أو الجماعة مؤنة الانتقال آنا بعد آن إلى الجهة المقابلة، إلى الجهات المقابلة، حيث ~~يتخيل أحدنا «ذاته» في «وضع» الآخر، وتلك لعمري طريق المعرفة والتعارف والمعروف، وسواها ~~من المشتقات - الرغيبة لأنها تنفي أسباب الشقاق، أو على الأقل، تكسر من حدتها. وإن هذه ~~«التنقلات» التي ندعو إليها، ليست خطرة ولا «مكلفة»، فنتوسل في الترويج لها بما تتوسل به ~~شركات التسفير. ~~«لبنان في عهد جديد!» ذلك ما يقوله كل منا أو يحسه، وهو قول أو إحساس يدلان على ~~واقع الحال، إلى مدى بعيد. فالشعب اللبناني يمارس اليوم، في «ذات» حكومته الشرعية، شطرا ~~كبيرا من خصائص سيادته القومية التي ظل محروما منها خلال قرون، حتى ليمكن القول إن ~~تسلمنا المصالح المشتركة مع حق الإدارة والتشريع، يعد باكورة ذلك الاستقلال الذي ~~طالما تاقت إليه نفوسنا، واستهدفته جهودنا. وقد تكون البواكير أشهى ثمار الشجرة العزيزة ~~التي تروى بعرق الجبين ودم الفؤاد، لكن لا جدال أيضا في أنها ليست كل الموسم. إن ما ~~ينتظرنا يقظة لا يغل لها طرف، ودأب لا تعثر به قدم. # على أن الحدث اللبناني لم يكن ms49 وحده الجديد في الدنيا. وقد قلنا منذ البداية، إن استقلال ~~لبنان ليس في الواقع سوى حلقة من حلقات في سلسلة تنتظم أجزاء الكون القريبة والبعيدة، أو ~~مظهر من مظاهر متصلة متشابهة يتجلى فيها ذلك «الجديد» الشامل الذي يتمخض به النظام العالمي، ~~ويقاسي من جرائه آلاما كآلام الوضع، وإنه من هذه الحرب لفي إحدى أزماته الحادة الحاسمة. ~~وقد أثبتت محنة لبنان الأخيرة أن بلادنا ما كانت، ولن تكون، في نجوة من تلك الآلام، أو ~~بالأقل من «انعكاسها». نريد أن نخلص إلى هذه الحقيقة البسيطة وهي أنه لم يبق في وسعنا، إذا ~~نحن فكرنا في وطننا وفي شئونه الحاضرة والمقبلة، أن نفكر لبنانيا ولا عربيا، حتى ولا ~~شرقيا وحسب؛ فلا مندوحة لنا أيضا عن أن نفكر دوليا وعالميا وإنسانيا. إننا ككل ~~شعب من شعوب الدنيا، لفي مأتم الحرية وفي عرسها على السواء. # وإذا لم يكن الحدث اللبناني وحده بالشيء الجديد في الدنيا، فكذلك ليس تسلمنا المصالح ~~المشتركة وحدها بالشيء الجديد في لبنان. نحب أن نعتقد أننا قد تسلمنا مع تلك المصالح، روحا ~~جديدا هو «الروح اللبناني» الذي كان متنازعا فاصطلح، ومتوزعا فاجتمع، ومتغايرا فائتلف. ~~لقد تجلى هذا الروح اللبناني الجديد في إرادة اللبنانيين جميعا، على اختلاف طوائفهم ~~وأجناسهم، أن يعيشوا معا، أبناء شعب واحد حر، في وطن واحد سعيد. وإنا لنرجو أن يتجلى ~~هذا الروح كل ساعة، ولكل مناسبة، في جهود اللبنانيين المتوافرة المتضافرة المتناصرة، لحفظ ~~كيانهم الوطني، وإنماء مرافقه، وتعزيز كرامته. إن هذا الروح اللبناني المشترك لفي رأس ~~مصالحنا المشتركة. # لقد أتى على لبنان زمن وهو يتخبط في حيرته، ولا يفتأ يبحث جادا عن ذاته، تارة مشرقا ~~وتارة مغربا؛ فوجد ذاته أخيرا، لكن حيث يجب أن يجدها، أعني في لبنان. ولعمري إنها ~~للقية لا ينبغي لنا أن نضيعها، فالله يعلم متى نجدها مرة ثانية، إذا أضعناها هذه ~~المرة. إن اللبنانيين يلتقون اليوم على الصعيد الذي يسمونه الوطنية أو القومية؛ فكأني بهم ~~إخوان تلاقوا بعد تغرب طويل، محفوف بالمخاطر والأهوال، فطفقوا يحيي ms50 بعضهم بعضا، ~~ويتباشرون بسلامة العودة، ثم يتعاهدون جميعا على أن لا يبرحوا ذلك الصعيد الطيب، مخافة أن ~~يتورطوا في شبهات التخوم التي تقيمها الفوارق من جنس ومذهب ودين. قلت ذات يوم، إن في لبنان ~~بين المذهب والمذهب، وبين الجنس والجنس، من الحدود والحواجز ما يحتاج معه إلى جوازات سفر، ~~كأننا شعوب في شعب، وأوطان في وطن. نحن لسنا في حاجة إلى ما يفرق ويقطع، فما أكثر هذا ~~عندنا، بل إلى ما يؤلف ويجمع. إن ذلك الروح اللبناني الذي يتجلى في إرادة اللبنانيين، على ~~اختلاف طوائفهم وأجناسهم، أن يعيشوا معا أبناء شعب واحد حر، في وطن واحد سعيد؛ إن ~~ذلك الروح الجديد ليؤلف ويجمع، بل ليس إلاه يؤلف ويجمع، فما أجدرنا إذن بأن نتعهده بالصون ~~والرعاية، وأن نغذيه بالعقول والأفئدة، حتى ينمو ويبلغ أشده، فلا تخشى عليه عوادي ~~الزمان. # إن لبنان حديث عهد بالاستقلال، هذا ما يقوله التاريخ القريب، وهو كذلك حديث عهد بالروح ~~الجديد الذي خلق اللبنانيين أمة، وبلادهم وطنا. هذا ما تنطق به خبرة كل واحد ~~منا، في قرارة نفسه؛ فأي جهود نبذلها، وأي عزائم نضاعفها، فلا توازي في كفة الميزان ~~ذلك الروح الجديد الذي لا استقلال بدونه؛ إذ لا وطن ولا أمة بدونه. # الروح الجديد! لقد أكثرت من الكلام على هذا «الجديد» حتى مللته. يجب أن يصبح هذا ~~الجديد الطريف في لبنان، قديما أو كالقديم، تليدا أو كالتليد، وكأنه تراث آباء لنا ~~صالحين. ms51