######OpenITI# #META# URI: 1365TahaRawi.BaghdadMadinatSalam.Hindawi49270639 #META# Tags: history #META# ID: 49270639 #META# Title: بغداد مدينة السلام #META# AuthorID: 48528029 #META# Author: طه الراوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # خلاصة التاريخ السياسي لبغداد‏ # الباب الأول‏ # 1 - طور العظمة والازدهار (145-247)‏ # 2 - استئثار الجيش بالسلطة (247-334)‏ # 3 - العهد الديلمي (334-447)‏ # 4 - العهد السلجوقي (447-552)‏ # 5 - الطور الأخير (552-656)‏ # الباب الثاني‏ # 1 - العهد الهولاكي (656-740)‏ # 2 - العهد الجلائري (740-813)‏ # 3 - العهد التركماني (813-914)‏ # 4 - العهد الصفوي (914-941)‏ # 5 - العهد العثماني (941-1335)‏ # الباب الثالث‏ # 1 - عهد الاحتلال الإنكليزي وما بعده‏ # الباب الرابع‏ # 1 - أشهر المحلات في القديم‏ # 2 - المساجد الجامعة‏ # 3 - المدارس‏ # 4 - المتاحف‏ # 5 - خزائن الكتب‏ # 6 - القصور‏ # 7 - الأنهر‏ # 8 - الجسور‏ # 9 - الحمامات‏ # الباب الخامس‏ # 1 - العلوم الشرعية‏ # 2 - العلوم الكونية‏ # 3 - العلوم اللسانية‏ # تمهيد‏ # خلاصة التاريخ السياسي لبغداد‏ # الباب الأول‏ # 1 - طور العظمة والازدهار (145-247)‏ # 2 - استئثار الجيش بالسلطة (247-334)‏ # 3 - العهد الديلمي (334-447)‏ # 4 - العهد السلجوقي (447-552)‏ # 5 - الطور الأخير (552-656)‏ # الباب الثاني‏ # 1 - العهد الهولاكي (656-740)‏ # 2 - العهد الجلائري (740-813)‏ # 3 - العهد التركماني (813-914)‏ # 4 - العهد الصفوي (914-941)‏ # 5 - العهد العثماني (941-1335)‏ # الباب الثالث‏ # 1 - عهد الاحتلال الإنكليزي وما بعده‏ # الباب الرابع‏ # 1 - أشهر المحلات في القديم‏ # 2 - المساجد الجامعة‏ # 3 - المدارس‏ # 4 - المتاحف‏ # 5 - خزائن الكتب‏ # 6 - القصور‏ # 7 - الأنهر‏ # 8 - الجسور‏ # 9 - الحمامات‏ # الباب الخامس‏ # 1 - العلوم الشرعية‏ # 2 - العلوم الكونية‏ # 3 - العلوم اللسانية‏ # | بغداد مدينة السلام # | بغداد مدينة السلام # تأليف # طه الراوي # | تمهيد # بغداد # اتفقت كلمة المؤرخين وأهل اللغة على أن لفظة «بغداد» أعجمية؛ ولذلك اختلفوا ~~اختلافا كبيرا في ضبط حروفها، شأنهم في الكثير من الألفاظ الأعجمية التي لا يهتدون ~~فيها إلى أصل معروف، فقالوا: بغداد، وبغداذ، وبغذاد، وبغذاذ، وبغدان، وبغدين، ~~ومغدين، وبغدام، ومغدام، وبغذان، وبهداد. # وهذا الاختلاف إما ناشئ عن أصل لفظها الأعجمي، أو إنه نشأ بعد ذلك من تحريفات ~~العامة؛ لغرابة هذا الاسم على ألسنتهم. # وكان المتورعون من الأقدمين يكرهون إطلاق هذا الاسم على عاصمة العباسيين؛ لما في ~~أصله من معنى الشرك؛ فزعم بعضهم أن هذا اللفظ مركب من كلمة «بغ» وهو البستان و«داد» ~~وهو اسم صنم للعجم، وجملة المعنى «بستان ms01 صنم»، وقال بعضهم: إن «داد» اسم رجل، فيكون ~~المعنى «بستان رجل»، وزعم آخرون أن «بغ» صنم، و«داد» عطية، والمعنى «عطية الصنم» على ~~طريقة العجم في المتضايفين، وزعم آخرون أن «بغ» اسم صنم لبعض العجم كان يعبده و«داد» ~~رجل. # وقال بعض المحققين: إن الاشتقاق الصحيح لهذا الاسم جاء من الكلمتين الفارسيتين ~~القديمتين «بغ»؛ أي «الله»، و«داد»؛ أي تأسست أو «تأسيس»، فيكون جملة المعنى «أسسها ~~الله» أو «مؤسسة الله». # وقال بعض الفضلاء المعاصرين: «إن اسم بغداد إرمي مبنى ومعنى، وهو مؤلف من ~~كلمتين: من «ب» المقتضبة من كلمة «بيت» عندهم، وكثيرا ما تقع في أوائل أسماء المدن مثل ~~بعقوبة ... واللفظة الثانية «كداد» بمعنى غنم أو ضأن ... فيكون مفاد «بكداد» مدينة أو دار ~~أو بيت الغنم أو الضأن، وحيث إنه كانت هناك سوق فمن المحتمل أنهم كانوا يبيعون فيها ~~الغنم والضأن في أول الأمر.» # وبالجملة، فإن القول في أصل اشتقاقها لا يخلو من الشك والتخمين، وليس هناك ~~كبير فائدة في هذا الخلاف. # قال أبو حاتم السجستاني: سألت أبا سعيد الأصمعي كيف يقال بغداد أو بغداذ؟ ... فقال: ~~قل «مدينة السلام». # وهو من أسمائها العربية، وبهذا الاسم كانت تضرب النقود العباسية، ومن أسمائها ~~العربية «دار السلام»، وفيه إشارة إلى الآية الكريمة # لهم ~~دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا ~~يعملون ~~، والذي يتتبع أحوال العباسيين في صدر دولتهم يجد أنهم كانوا ~~مولعين بالتفاؤل الديني ويريدون من مدينتهم هذه أن تكون نموذجا للجنة التي وعد ~~بها المتقون، وقد أنشئوا فيها قصرا أسموه «قصر الخلد» إشارة إلى جنة الخلد، وآخر ~~أسموه «الفردوس» إشارة إلى جنة الفردوس. ومن أسمائها «مدينة المنصور»، و«الزوراء». وكان ~~هذان الاسمان في أول الأمر لا يطلقان إلا على المدينة المدورة التي أنشأها المنصور ~~أول ما أنشأ، ومن أسمائها «دار الخلافة». # وقد صرف العرب كلمة بغداد، فقالوا: تبغدد الرجل إذا انتسب إليها، أو تشبه ~~بأهلها على قياس تمعدد وتعرب إذا تشبه بمعد والعرب أو انتسب إليهما. # وقال المولدون: تبغدد الرجل علينا إذا تكبر وتعاظم، وفيه ms02 إشارة إلى ارتفاع مكانة ~~بغداد والبغداديين في تلك العصور. وبغداد في جميع لغاتها هذه تذكر وتؤنث، فيقال ~~هذه بغداد، وهذا بغداد. وقد أخبرني المحقق الفاضل أبو الحسنات - المدرس في جامعة فؤاد ~~الأول - أن في الهند إمارة تحكمها أسرة ترجع بنسبها إلى بني العباس ولا تزال تحافظ ~~على تقاليدهم وعاداتهم، واسم عاصمتهم «بغداد». # خبر بنائها # اتخذ العباسيون الكوفة أول عاصمة لهم، ثم بنوا مدينة على مقربة من الكوفة أسموها ~~الهاشمية، ثم أخذ المنصور يفكر في نقل عاصمته إلى موطن يأمن فيه الفتن ويعصمه من ~~عاديات الزمن، فبعث الرواد أولا، ثم أخذ هو نفسه يرتاد موضعا يقيم فيه مدينته ~~المطلوبة، فوقع اختياره على البقعة الواقعة بين دجلة شرقا ودجيل شمالا، وقطربل غربا ~~والصراة جنوبا، فأقام فيها أياما ليختبر بنفسه حالة جوها وتربتها وما يتصل بذلك ~~من العوارض؛ فأسفر الاختبار عن نتائج حسنة. وكان يقوم على الموضع عدة ضياع، منها ضيعة ~~أو سوق يقال لها بغداد، كان يجتمع فيها رأس كل شهر التجار، وتقوم بها للفرس قبل ~~الإسلام سوق عظيمة، وقد جاء ذكرها في تاريخ الفتوح الإسلامية سنة 13ه، فقد ذكروا أن ~~المثنى بن حارثة أغار على هذه السوق في جمع من أصحابه، فغنموا ما بأيدي أهلها من ذهب ~~وفضة ثم رجعوا إلى الحيرة، ولم يجر لها ذكر في تأريخ الفتوح بعد هذه الحادثة إلى ~~أن بنى المنصور مدينته عندها. # سبب الاختيار # ذكر المؤرخون أسبابا كثيرة لترجيح المنصور هذه البقعة على غيرها، منها اقتصادية، ~~ومنها عسكرية، ومنها صحية؛ فقالوا: «إن المادة تأتيها من الفرات ودجلة وجماعة ~~الأنهار، وتحمل إليها طرائف الهند والسند والصين والبصرة والأهواز وواسط في دجلة، ~~وتجيئها ميرة الموصل وديار بكر وربيعة في دجلة أيضا. وهي بين أنهار لا يصل إليها العدو ~~إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسور ونسفت القناطر لم يصل إليها العدو، فهي ~~قريبة من البر والبحر والجبل.» ثم هي في أقرب نقطة بين دجلة والفرات، ووسط بين بلاد ~~العرب والعجم، ثم إن العباسيين الذين قامت دولتهم ms03 على سيوف الفرس يحلو لهم أن ~~يجعلوا عاصمتهم على مقربة من المدائن عاصمة العجم القديمة. # البدء بالبناء # قال الشيخ أبو بكر الخطيب: «وبلغني أن المنصور لما عزم على بنائها أحضر المهندسين ~~وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين، فمثل لهم صفتها التي في ~~نفسه، ثم أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم، فأجرى عليهم ~~الأرزاق، وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من أمر البناء، ولم يبتدئ في ~~البناء حتى تكامل بحضرته من أهل المهن والصناعات ألوف كثيرة، ثم اختطها وجعلها مدورة ~~...» # قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه: # ذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحب أن ينظر إليها عيانا، فأمر ~~أن تخط بالرماد، ثم أقبل يدخل من كل باب في فصلانها وطاقاتها ورحابها ~~وهي مخطوطة بالرماد ... ثم أمر أن يجعل على تلك الخطوط حب القطن ويصب عليه ~~النفط، فنظر إليها والنار تشتعل ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك ~~على الرسم. # وعند ذاك ابتدئ بحفر الأساس، وكان ذلك سنة 145ه، فوضع بيده أول آجرة في بنائها، ~~وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، ~~والعاقبة للمتقين.» ثم قال: «ابنوا على بركة الله.» # وأقيم لها في أول الأمر سوران، قطر دائرة السور الداخلي 1200 ذراع، وارتفاعه 35 ~~ذراعا، وعرضه من أسفله 20 ذراعا، أما السور الخارجي فعرضه من أسفله خمسون ذراعا، ~~ومن أعلاه عشرون، وعرض ما بين السورين مائة وستون ذراعا، وفي كل سور أربعة أبواب، بين ~~كل باب وآخر ميل، وعلى كل باب قبة ذاهبة في السماء سمكها خمسون ذراعا، وعلى رأس كل ~~قبة منها تمثال يتجه إلى حيث تأتي الريح، وبين كل قبتين 28 برجا. # وبنى المنصور قصره المعروف بقصر الذهب في وسطها، وأقام في صدر القصر إيوانا شامخا ~~وفوقه إيوانا مثله، وفوقه القبة الشهيرة المعروفة بالقبة الخضراء، وكان ما بين ~~الأرض وأعلى القبة 80 ذراعا. وفي أعلى القبة فارس بيده رمح يتجه إلى ms04 حيث تأتي ~~الريح، وهو شبيه بما يسميه المعاصرون «ديك الريح». قالوا: كانت هذه القبة تاج ~~بغداد، وعلم البلد، ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم وبقيت إلى ~~آخر أمر الواثق، فكان ما بين بنائها وسقوطها مائة وثمانون سنة ونيف، وكان سقوطها سنة ~~329 في ليلة كثر مطرها واشتد برقها ورعدها. # ثم إن المنصور أقام حول مركز المدينة سورا داخليا ثالثا، فيتألف من مجموع ~~الأسوار الثلاثة دوائر ذات مركز واحد وهو قصر الذهب. وكان العمل في بناء بغداد قد ~~توقف قليلا في بادئ الأمر عندما ظهرت ثورة العلويين في مكة ثم في البصرة، ~~فاضطر المنصور إلى توقيف العمل ريثما تمكن من التغلب على الثورتين، ثم استأنف ~~البناء. وفي سنة 146 نزلها مع جنده، ونقل إليها الخزائن وبيوت الأموال والدواوين، ثم ~~استمر العمل في البناء من غير عائق، حتى تجاوز عدد العمال المشتغلين فيها مائة ألف ~~عامل. وفي سنة 149 تم بناؤها وجميع مرافقها، وكان في جملة من يشرف على العمل الإمام ~~أبو حنيفة، فقد كان ينظر في أمر تسلم الآجر. قالوا: وكان يعد اللبن بالذرع بعد أن يأمر ~~برصفه رصفا معينا. قيل: وهو أول من فعل ذلك واستفاده الناس منه. # ثم أمر المنصور بإجراء الماء إليها من قناتين؛ إحداهما: من نهر دجيل الآخذ من دجلة، ~~والثانية: من نهر كرخايا الآخذ من نهر عيسى الآخذ من الفرات. وكانت تلك المياه تجري في ~~مجار من خشب الساج. فعل كل ذلك؛ لئلا تدخل دواب السقائين المدينة فتلوثها. # شذرات من سجايا البغداديين وشمائلهم # امتاز البغداديون بخلال كريمة وسجايا فاضلة، يأتي في الطليعة منها: ~~(1) # الظرف: # كان البغداديون مضرب المثل ~~بالظرف، فكان الناس يقولون: ظرف بغدادي، ولو حاول الكاتب أن يستقصي ~~الظرفاء والظريفات من البغداديين والبغداديات لاجتمع لديه كتاب يعد من ~~الطرافة بمكان، ويكون للحسن بن هانئ المكان الأول في ذلك الكتاب. ~~(2) # الميل للطرب: # عرف البغداديون بهذه ~~الخصلة، وكان الأكابر منهم يأخذون أنفسهم بضروب من اللهو البريء - كما يقول ~~المعاصرون - وقد رويت روايات وبسطت حكايات ms05 فيما كان يتعاطاه الناس في ~~بغداد من ضروب المطربات وصنوف الملهيات مما تكون الإفاضة فيه من قبيل وصف ~~النهار بالبياض. وما عليك إلا أن ترجع إلى كتاب الأغاني لأبي الفرج ~~الأصفهاني، وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، والليلة الثامنة والعشرين من ~~كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان؛ فإنك تجد فيها ما يبهرك. # اقرأ ما قاله أبو حيان في عرض الليلة التي أشرنا إليها: # عهدي بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة «أحصينا - ونحن جماعة في ~~الكرخ - أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، ~~وخمسة وتسعين من الصبيان البدور، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف ~~والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه؛ لعزته وحرسه ~~ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب إلا ~~إذا نشط في وقت ...» # وهذا الرقم من المطربات والمطربين أوضح دليل على انصباب الناس في عاصمة ~~العباسيين على السماع. والكلام الذي أورده أبو حيان في هذا الباب يشبه أن ~~يكون منقولا بالنص عن حكاية أبي القاسم البغدادي لأبي المطهر محمد بن ~~أحمد الأزدي، # 1 # أو هي منقولة عنه والرجلان متعاصران، وليس هذا موضع الفصل في ~~أيهما السابق وأيهما السارق. ومن الطبيعي أن تكثر في بغداد وسائل الطرب ~~وبيوت الملاهي؛ لأن هذه من مستلزمات الترف والبذخ اللذين أخذت بغداد ~~منهما أوفر نصيب، والحضارة إذا استبحرت وتحكم سلطانها ظهر معها كل ~~مستلزماتها - حسنة كانت أم سيئة، رفيعة كانت أم وضيعة - وعلى كثرة ما توفر ~~في مدينة السلام من عوامل الترف ومتع الطرب، فإن ذلك لم يكن يحول بين ~~الناس وبين التحلي بأسمى الفضائل وأسنى الشمائل. ~~(3) # العناية بالنظافة: # كان البغداديون مضرب ~~المثل في نظافة الأجسام والثياب والمساكن والطرق والرحاب. ولأمر ما أكثروا ~~في بلدهم من الحمامات والأنهار والسواقي والبرك، وكل وسائل التنظيف ~~والتطهير والأناقة في الملابس والمطاعم والمساكن. ~~(4) # السخاء والأريحية: # والأمثلة في هذا ~~الباب كثيرة، نجتزئ منها بالمثال التالي الذي يدل على كرم العامة: نقل ~~عن ذي النون المصري أنه قال: «من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه ms06 ~~بسقاة الماء ببغداد. قيل: وكيف ذلك؟ فقال: لما حملت إلى بغداد رمي بي ~~على باب السلطان مقيدا، فمر بي رجل متزر بمنديل مصري، معتم بمنديل ~~دبيقي، بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط، فسألت: أهذا ساقي السلطان؟ فقيل: ~~لا! هذا ساقي العامة، فأومأت إليه أن اسقني؛ فتقدم وسقاني، فشممت من ~~الكوز رائحة مسك، فقلت لمن معي: ادفع إليه دينارا. فأعطاه الدينار، فأبى ~~وقال: لست آخذا شيئا، فقلت له: ولم؟ فقال: أنت أسير وليس من المروءة ~~أن آخذ منك شيئا. فقلت: كمل الظرف في هذا.» # أما الخاصة فحدث عن سخائهم ولا حرج. فلم يذكر التاريخ بلدا من ~~بلاد الله تبارى أهله في بذل الجوائز السنية، والهبات الجزيلة، والعطايا ~~السخية للشعراء والأدباء وطلاب الخير مثل بغداد، وأخبار البرامكة في هذا ~~الباب أشهر من أن تذكر، وهم وإن لم يكونوا بغداديي الطينة فإنهم ~~بغداديو المدينة، ولو لم تكن سوق الكرم في بغداد رائجة يومذاك لما أقدم ~~البرامكة وأمثالهم على ما أقدموا عليه من بسط أيديهم كل البسط، والسوق إنما ~~يجلب إليها ما يروج فيها، حتى إن المعاصرين اليوم ليشكون كل ~~الشك في صحة تلك الأخبار التي غصت بها كتب السمر ودواوين التاريخ؛ ~~لما في أرقامها من الضخامة التي لا يكاد يحلم بها المفلسون من المتأخرين. ~~وقد وقع هذا الشك لبعض الأقدمين، فذكروا أن أحد وزراء العباسيين في العصر ~~الرابع قال في مجلسه إن هذه الأرقام من مبالغات الوراقين والأدباء ~~المملقين تعمدوها ليصطادوا بها أموال الأمراء والوزراء، ويستدروا بها أكف ~~أولي الأريحية من الأغنياء، وكان في المجلس أحد الأذكياء، فقال له: يا ~~سيدي، لماذا لا يكذب الناس على مولانا الوزير؟! فلم يحر الوزير جوابا. ~~وإذا كان لا بد من ذكر الأمثلة الجزئية في هذا الباب، فهناك مثال ذكره ~~هلال بن المحسن الصابئ في تاريخ الوزراء، قال: «كان لأبي الحسن بن الفرات ~~مطبخان في داره، فأما مطبخ الخاصة فلا أحصي ما كان يدخله من الغنم ~~والحيوان لكثرته ... وأما مطبخ العامة فكان يستعمل فيه كل يوم تسعون ms07 ~~رأسا من الغنم، وثلاثون جديا، ومائتا قطعة دجاجا سمانا وفراريج ~~مصدرة، ومائتا قطعة دراجا، ومائتا قطعة فراخا، وهناك خبازون يخبزون ~~الخبز السميذ ليلا ونهارا، وقوم يعملون الحلواء عملا متصلا، ودار كبيرة ~~للشراب وفيها ماذيان يجعل فيه الماء المبرد، ويطرح فيه الثلج ويسقى ~~منه جميع من يريد الشرب ... ومزملات فيها الماء الشديد البرد، وبرسم خزانة ~~الشراب خدم نظاف، عليهم الثياب الدبيقية السرية، وفي يد كل واحد منهم قدح ~~فيه سكنجبين أو جلاب ومخوض ، وكوز ماء، ومنديل من مناديل الشراب نظيف، فلا ~~يتركون أحدا ممن يحضر الدار إلا عرضوا ذلك عليه ... وفي جانب الدار ~~أدراج كثيرة «من الكاغد» لأصحاب الحوائج والمتظلمين؛ حتى لا يلتزم أحد منهم ~~مئونة لما يبتاعه من ذلك، وأنصاف قراطيس وأثلاث.» # وقال أبو العلاء في بعض رسائله ما معناه: إن معارفه من البغداديين ~~عندما علموا بعزمه على الرجوع إلى المعرة زاروه في مثواه وعرضوا عليه أن ~~يقاسموه أموالهم ويخلطوه بأنفسهم، فأبى عليه البر بالوالدة أن يجيبهم إلى ~~رغبتهم. ومن قوله في هذا الباب: # وكم ماجد في سيف دجلة لم أشم # له بارقا والمرء كالمزن هطال # من الغر تراك الهواجر معرض # عن الجهل قذاف الجواهر مفضال # وأما قول ابن الوردي: # وفي بغداد أقوام كرام # ولكن بالسلام بلا طعام # فما زادوا صديقا عن سلام # لهذا سميت دار السلام # فلم يحمله عليه إلا المجانسة بين السلام والسلام، فإن الرجل كان ~~مولعا بهذه الضروب من البديع يصطادها أينما وجدها، وإلا فإنه لم ~~يزر بغداد ولا خبر شيئا من طبائع أهلها. ومن بديع ما يرتبط بهذه ~~الحكاية قوله: # مر بنا مقرطق # ووجهه يحكي القمر # هذا أبو لؤلؤة # منه خذوا ثار عمر # مع أن الشيخ عمر بن الوردي من أبعد الناس عن الاتصال بالغلمان، وما ~~حمله على هذا الكلام إلا ولعه بالتورية. ~~(5) # الفصاحة: # للبغداديين - ولا سيما ~~الخاصة منهم - المقام الأول في فصاحة الألسن ونصاعة البيان، لا يدانيهم ~~في ذلك إلا أهل نجد وعالية الحجاز، ولله أبو العلاء حيث يقول: # وما الفصحاء الصيد والبدو دارها # بأفصح ms08 قولا من إمائكم الوكع # وقال أخو همدان من أبيات: # فلم تر عيني مثل بغداد منزلا # ولم تر عيني مثل دجلة واديا # ولا مثل أهليها أرق شمائلا # وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا ~~(6) # حسن المناظرة: # كانت مجالس المناظرة ~~تعقد في بغداد في مختلف الفنون، وكان الناس يهرعون إليها؛ ليطلعوا على ~~ما يدور فيها من حسن الحوار واحتكاك الأفكار بالأفكار. وكان الأدب الرائع ~~يسود تلك المجالس، والدقة في البحث تخيم عليها: # أدرتم مقالا في الجدال بألسن # خلقن فجانبن المضرة للنفع # 2 ~~(7) # الجد والجلد في طلب العلوم: # كان ~~البغداديون موصوفين بالجلد والجد في طلب العلم على اختلاف ضروبه وتنوع ~~فروعه، وقد كان سفيان بن عيينة كثير الثناء على شباب البغداديين وشدة ~~رغبتهم في طلب العلم، ويفضلهم على شباب البلاد الأخرى التي عرفها في ~~زمانه. وقال ابن علية: «ما رأيت قوما أحسن رغبة ولا أعقل في طلب ~~الحديث من أهل بغداد.» وقال ابن عائشة: «ما رأيت أحسن من تلقف أصحاب ~~الحديث ببغداد للحديث.» ~~(8) # العصبية الوطنية: # كان البغداديون ~~لا يرون بلدا من بلاد الله يساوي بلدهم أو يدانيه، وكان أحدهم إذا فارق ~~بغداد لا ينفك يحن إليها ويذكر مباهج جانبيها، مما لو جمعنا بعضه لحصل ~~لدينا باب من الأدب طريف، وغرض من أغراض الشعر شريف: # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # قال ابن جبير في رحلته عند الكلام على بغداد يصف أهلها: «قد تصور ~~كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة إلى بلده، فهم لا ~~يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون أن لله ~~بلادا أو عبادا سواهم.» # شذور من أقوال أهل الفضل فيها نظما ونثرا # لو حاول أديب أن يجمع ما ورد من ثناء أهل الفضل على بغداد نثرا ونظما لحصل بيده ~~مجموع طريف في بابه، وقد رأينا أن نحلي مختصرنا هذا بشذور من ذلك لتكون كالنموذج لما ~~وراءها. # شذور المنثور: قال الإمام الشافعي ليونس بن ms09 عبد الأعلى: «يا يونس، أدخلت بغداد؟» قال: ~~لا. قال: «ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس.» وكان الشافعي يقول: «ما دخلت بلدا قط ~~إلا عددته سفرا، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا.» وقيل لأحد ~~الفضلاء: كيف رأيت بغداد؟ قال: «الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها.» وكان أبو بكر بن ~~عياش يقول: «الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة لعظماء الرجال، ومن لم يرها لم ير ~~الدنيا.» وقال أبو معاوية: «بغداد دار دنيا وآخرة.» # وكان يقال: «من محاسن الإسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد ~~بطرسوس.» وكان يقال: «يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد.» # وقال الجاحظ: «الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والخير ببغداد، والتجارة ~~بمصر.» # وقال أبو القاسم الديلمي: «سافرت الآفاق ودخلت البلدان من حد سمرقند إلى ~~القيروان، ومن سرنديب إلى بلد الروم، فما وجدت بلدا أفضل ولا أطيب من بغداد.» وقال ~~أبو القاسم عبيد الله بن علي الرقي: «أخذ أبو العلاء المعري وهو ببغداد يوما يدي ~~فغمزها، ثم قال لي: يا أبا القاسم هذا البلد العظيم لا يأتي عليك يوم وأنت به إلا ~~رأيت فيه من أهل الفضل من لم تره فيما تقدم.» وجاء في بعض رسائل أبي العلاء: # العلم في بغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصيحاني بالجابرة. # 3 # وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله ~~عن بغداد، فإن فطن بخواصها وتنبه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدمة فضله ~~وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه، والاقتباس من نوره، ~~والاغتراف من بحره، وبعض القيام بمسائله، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب، ~~وإن وجده ذاما لبغداد غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف ~~التي يختص بها الجاحظ لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن ... ولما رجع الصاحب بن عباد عن ~~بغداد سأله الأستاذ ابن العميد عنها، فقال: «بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.» # 4 # شذور المنظوم: قال ms10 ابن زريق الكاتب: # سافرت أبغي لبغداد وساكنها # مثلا قد اخترت شيئا دونه الياس # هيهات بغداد والدنيا بأجمعها # عندي وسكان بغداد هم الناس # وقال منصور النمري: # ماذا ببغداد من طيب الأفانين؟! # ومن منازه للدنيا وللدين؟! # تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت # وجوست بين أغصان الرياحين # وقال عمارة بن عقيل اليربوعي: # أعاينت في طول من الأرض والعرض # كبغداد دارا؟! إنها جنة الأرض # صفا العيش في بغداد واخضر عوده # وعيش سواها غير صاف ولا غض # تطول بها الأعمار إن غذاءها # مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض # قضى ربها ألا يموت خليفة # بها إنه ما شاء في خلقه يقضي # وقال السري الرفاء: # إذا سقى الله منزلا فسقى # بغداد ما حاولت من الديم # يا حبذا صحبة العلوم بها # والعيش بين اليسار والعدم # وقال سعد بن محمد بن علي الهمداني: # فدى لك يا بغداد كل مدينة # من الأرض حتى خطتي ودياريا # فقد طفت في شرق البلاد وغربها # وسيرت خيلي بينها وركابيا # فلم أر فيها مثل بغداد منزلا # ولم أر فيها مثل دجلة واديا # ولا مثل أهليها أرق شمائلا # وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا # وقال طاهر بن المظفر الخازن: # سقى الله صوب الغاديات محلة # ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر # هي البلدة الحسناء خصت لأهلها # بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر # هواء رقيق في اعتدال وصحة # وماء له طعم ألذ من الخمر # 5 # ودجلتها شطان قد نظما لنا # بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر # تراها كمسك والمياه كفضة # وحصباؤها مثل اليواقيت والدر # وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي: # بغداد دار لأهل المال طيبة # وللصعاليك دار الضنك والضيق # بقيت أمشي مضاعا في أزقتها # كأنني مصحف في بيت زنديق # والناس يرون أن في هذين البيتين حطا من مقام بغداد، وأنا أرى فيهما العكس؛ لأن ~~البلد الذي يضيق على الصعاليك وأهل البطالة هو البلد الذي يملك من الحضارة قسطا ~~وفيرا، وإنما يكثر الصعاليك في البلد الخامل. ويظهر لي أن هذا الفاضل ابتلي بداء ~~الفقر فأعياه علاجه، مع أنه كان يتحلى ms11 بأدب رائع وفضل ناصع، فضاقت به مذاهبه وانزوت ~~عنه مطالبه. وهو القائل: # متى يصل العطاش إلى ارتواء # إذا استقت البحار من الركايا؟! # ومن يثن الأصاغر عن مراد # وقد جلس الأكابر في الزوايا؟! # إذا استوت الأسافل والأعالي # فقد طابت منادمة المنايا # وقال الحكمي وهو في مصر يتشوق إلى بغداد: # ذكر الكرخ نازح الأوطان # فصبا صبوة ولات أوان # ليس لي مسعد بمصر على الشو # ق إلى أوجه هناك حسان # نازلات من الصراة فكرخا # يا إلى الشط ذي القصور الدواني # إذ لباب الأمير صدر نهاري # ورواحي إلى بيوت القيان # وقال شاعر العصر الرصافي من قصيدة عنوانها «سوء المنقلب»، نظمها على أثر طغيان المياه ~~في بغداد: # بغداد حسبك رقدة وسبات # أو ما تمضك هذه النكبات # ولعت بك الأحداث حتى أصبحت # أدواء خطبك ما لهن أساة # ومنها: # إن البلاد إذا تخاذل أهلها # كانت منافعها هي الآفات # تلك الرصافة والمياه تحفها # والكرخ قد ماجت به الأزمات # سالت مياه الواديين جوارفا # فطفحن والأسداد مؤتكلات # وقال عندما كانت الحكومة العثمانية ترسل جنودها إلى نجد على عهد الحكم ~~الحميدي: # إليك إليك يا بغداد عني # فإني لست منك ولست مني # ولكني وإن كبر التجني # يعز علي يا بغداد أني # أراك على شفا هول شديد # تتابعت الخطوب عليك تترى # وبدل منك صفو العيش مرا # فهلا تنحبين فتى أغرا؟! # أراك عقمت لا تلدين حرا! # وكنت لمثله أزكى ولود # أقام الجهل فيك له شهودا # وسامك بالهوان له السجودا # متى تبدين منك له جحودا؟! # فهلا عدت ذاكرة عهودا # بهن رشدت أيام الرشيد؟! # زمان نفوذ حكمك مستمر # زمان سحاب فيضك مستدر # زمان العلم أنت له مقر # زمان بناء عزك مشمخر # وبدر علاك في سعد السعود # برحت الأوج ميلا للحضيض # وضقت وكنت ذات علا عريض # وقد أصبحت في جسم مريض # وكنت بأوجه للعز بيض # فصرت بأوجه للذل سود # حكومة شعبنا جارت وصارت # علينا تستبد بما أشارت # فلا أحدا دعته ولا استشارت # وكل حكومة ظلمت وجارت # فبشرها بتمزيق الحدود # وقال الأستاذ الزهاوي - عليه الرحمة - قبل الدستور العثماني ms12 من قصيدة عنوانها «أيام ~~بغداد»: # أتعود بعد تصرم ونفاد # أيام بغداد إلى بغداد؟! # كانت محطا للعلوم وأهلها # وقرارة للمجد والأمجاد # اليوم هاتيك العلوم جميعها # مدفونة بمقابر الأجداد # أيام مد الأمن وارف ظله # فيها فكانت جنة المرتاد # أيام بغداد تضيء جميلة # فتلوح مثل الكوكب الوقاد # ولبحتري العصر بمصر الأستاذ علي الجارم بك من قصيدة عصماء، أنشدها عند افتتاح المؤتمر ~~الطبي سنة 1938 ببغداد: # بغداد يا بلد الرشيد # ومنارة المجد التليد # يا بسمة لما تزل # زهراء في ثغر الخلود # يا سطر مجد للعرو # بة خط في لوح الوجود # يا راية الإسلام وال # إسلام خفاق البنود # وهي قصيدة بارعة كل أبياتها غرر. # | خلاصة التاريخ السياسي لبغداد # تسهيلا للبحث رأيت أن أقسم التاريخ السياسي لهذه المدينة إلى ثلاثة أبواب: # الباب الأول: # العهد العباسي؛ ويبتدئ بإنشاء بغداد وينتهي بسقوطها بأيدي المغول. # الباب الثاني: # العهد المغولي وما أعقبه من تطورات إلى عهد الاحتلال الإنكليزي. # الباب الثالث: # الاحتلال الإنكليزي وما أعقبه من تطورات. # | الباب الأول # العهد العباسي # إن تاريخ بغداد السياسي هو تاريخ الخلافة العباسية، إن لم نقل تاريخ العالم ~~الإسلامي خلال القرون الخمسة من سنة 150ه إلى 656ه، وكل أثر لهذه الدولة في تكييف ~~الأحداث وتوجيهها يمكن أن ينسب إلى هذه المدينة ويتصل بتاريخها. وبما أن تاريخ ~~تلك الدولة ينقسم إلى عدة أطوار تتمايز بخصائص وتصطبغ بأصباغ مختلفة، رأينا أن نوزع ~~هذا الباب إلى خمسة فصول. # الفصل الأول # | طور العظمة والازدهار (145-247) # تولى الخلافة في هذا الطور تسعة من الخلفاء، أولهم المنصور وآخرهم المتوكل، ستة ~~منهم اتخذوا بغداد عاصمة لهم، وثلاثة انتقلوا إلى سامراء فاتخذوها مقرا؛ وهم: ~~المعتصم، والواثق، والمتوكل. وقد كان الخلفاء في هذا الطور مصدر السلطات كلها من ~~عسكرية وقضائية وإدارية، فإن المنصور عندما انتقل إلى بغداد كان قد قضى على ~~منافسيه من العباسيين والعلويين، ومن القواد المدلين بخدمتهم المتعاظمين بنفوذهم، ~~وتفرغ بعد هذا للإصلاح الداخلي، فاستتب الأمن في طول البلاد وعرضها، واتسع العمران، ~~وأقبل الناس على طلب العلوم من شرعية ولسانية وكونية، فاتسعت ms13 رقعة بغداد وازدحمت ~~بالسكان. # وأهم مناصب الدولة في العاصمة: الوزارة، والحجابة، والكتابة، ورياسة الشرطة، ~~والقضاء. # وهناك منصب كبير له شأنه العظيم في سياسة الدولة وعظمتها؛ ذلك هو قيادة الجيش، وكان ~~هذا المنصب يعتبر في الذروة من مهام الخلافة، وكان الخليفة هو القائد الأعظم للجيش، ~~وهو الذي يصرف أموره وينظم شئونه، وكان إليه أمر عقد الألوية، وتعيين القواد، وتوزيع ~~الجيوش على الثغور والأطراف. وفي الأطراف منصب مهم هو منصب صاحب البريد، ومهمته نقل كل ~~ما يحدث من الأحداث، وما يشيع من الأخبار، وما يقوم به الولاة من الأعمال، وما يصدر من ~~القضايا عن القضاة، وما يحصل من الجبايات وبيان الأسعار، إلى غير ذلك. # وكان المنصور حريصا على اختيار عماله من قدراء الرجال وأهل الكفايات منهم؛ فقد روى ~~المؤرخون أن ابنه المهدي طلب إليه أن يعهد ببعض الولايات إلى رجل من الأشياع، ذكر ~~أنه أخلص الخدمة للبيت العباسي، فسأله أبوه عن الصفات الإدارية التي يتحلى بها هذا ~~الرجل، فقال: ليس له من الصفات إلا إخلاصه لبيتنا، فقال المنصور: يا بني يمكننا أن ~~نقابل إخلاصه لنا بإغداق النعمة عليه من مالنا الخاص، ولا يجوز لنا أن نركبه على أكتاف ~~الرعية. # وقد توفي المنصور محرما في طريق الحج ليلة السبت 6 من ذي الحجة سنة 158ه، ~~ودفن بثنية المعلاة على مقربة من مكة، وبايع الناس في مكة ثم في بغداد محمدا ~~المهدي، فسار بالناس سيرة حسنة. وقد ترك له أبوه في الخزائن أموالا طائلة مكنته من ~~التوسع في العمران والتبسط في العطاء، فمالت إليه القلوب وأكبرته النفوس. ومن أهم ~~الحوادث التي وقعت في زمانه في بغداد الفتك بالزنادقة وأهل الأهواء، وقد ذهب في غمار ~~هذه الفتنة الكثيرون من الأبرياء؛ ذلك لأنها تهمة غامضة المعالم مبهمة الأطراف. # وتوفي المهدي ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم سنة 169ه، في قرية يقال لها ~~الروذ من أعمال ماسبذان، وبويع ابنه موسى الهادي، وكان إذ ذاك في جرجان، ولم تطل ~~مدة خلافته فتوفي في الرابع عشر من ربيع الأول ms14 سنة 170ه، وبويع الرشيد وكان عمره ~~عند البيعة خمسا وعشرين سنة، وكان عظيم القدر، مهيب الجانب، قد حنكته التجارب؛ لأنه ~~قاد الجيوش إلى بلاد الروم أكثر من مرة، وتولى الكثير من مهام الدولة في حياة ~~أبيه. # نكبة البرامكة # ومن أهم الأحداث التي شهدتها بغداد في عهده نكبته للبرامكة، فإنه أقدم على ذلك ~~عندما أوجس منهم خيفة على سلطانه، وتطاولا على نفوذه، وميلا خفيا إلى مناوئيه ~~من العلويين. وقد أفاض المؤرخون باختراع الأسباب التي لا تخرج عن حدود الظنون، ومن ~~أعرق تلك التقولات في الوهم حكاية اتصال العباسة بنت المهدي بجعفر بن يحيي ~~اتصالا سريا، وهي حكاية رواها محمد بن جرير الطبري عن زاهر بن حرب، وتناقلها ~~المؤرخون فزادوا عليها ونقصوا منها، وقد تولى ابن خلدون تفنيد هذه الحكاية في صدر ~~مقدمته بما لا مزيد عليه. # وعلى الجملة، فإن عهد الرشيد يعتبر في الذروة من عهود بني العباس، وقد وصلت ~~بغداد في هذا العهد إلى قمة مجدها ومنتهى فخارها، وامتدت الأبنية في الجانبين ~~امتدادا عظيما، حتى صارت بغداد كأنها مدن متلاصقة تبلغ الأربعين، وبلغ سكانها ~~نحوا من مليوني نسمة، ودرت عليها الخيرات من جميع الأقاليم الإسلامية، ونمت ~~فيها الثروة نماء لا مزيد عليه، وغصت خزائن الدولة بالذهب والفضة التي كانت تنصب ~~فيها من الأقاليم فائضة عن حاجها. # وتوفي الرشيد ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة 193 في طوس ~~ودفن هناك، فبويع الأمين في طوس أولا وفي بغداد ثانيا، عندما وصل خبر وفاة ~~الرشيد إليها، وهو عباسي الأبوين، أبوه الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، ولم ~~يتفق ذلك لغيره من خلفاء بني هاشم إلا لعلي بن أبي طالب ولابنه الحسن رضي الله ~~عنهما. # وما كاد يتولى الأمين الخلافة حتى التف حول عبد الله المأمون - وهو وال على ~~خراسان وسائر أقاليم المشرق - طائفة من رجالات الفرس ووعدوه بنقل الخلافة إليه، ~~وكان على رأس هذه الطائفة الفضل بن سهل، فأخذوا يدبرون الأمر سرا، ويدسون الدسائس ~~ويحوكون الشباك في جو من الكتمان ms15 شديد، وكان مقصدهم الحقيقي نقل الدولة إلى ~~العلويين، ثم جعلها في آخر الأمر فارسية الصبغة عاصمتها مرو في خراسان. وشعر ~~الأمين وهو في بغداد بدبيب هذه الدسائس وتأكد لديه أمرها، فأخذ كل واحد من ~~الأخوين يعد العدة للفتك بأخيه، واتسعت مسافة الخلاف بينهما، فجهز المأمون ~~جيشا لجبا بقيادة طاهر بن الحسين، ثم عززه بجيش آخر بقيادة هرثمة بن أعين، ~~وحصلت اضطرابات وفتن في عساكر الأمين لم يحصل مثلها في عساكر المأمون، وأحاط جيش ~~طاهر أخيرا بالجانب الغربي من بغداد، وجيش هرثمة بالجانب الشرقي؛ فوقعت بغداد في ~~الحصار وقاست من جرائه أهوالا يطول وصفها، فقد نصبت عليها المجانيق، فكثر ~~فيها التهديم والتحريق وسفك الدماء، وعض الجوع أهلها بأنيابه، وطال عمر الحصار، ~~ولم يبق في قوس الصبر منزع؛ فجمع الأمين مستشاريه، فأشار عليه بعضهم أن يتصل ~~بهرثمة ويطلب منه الأمان لنفسه، وكان يأمن جانبه أكثر مما يأمن جانب طاهر، فكتب إلى ~~هرثمة بذلك فأجابه بالإيجاب. ولما علم طاهر بذلك أبى إلا أن يكون خروجه إليه؛ فعزم ~~الأمين على الخروج إلى هرثمة بنفسه سرا، ولما علم طاهر بذلك أحاط قصر الأمين ~~بكمين، فلما خرج الأمين وركب الحراقة للذهاب إلى هرثمة وسارت به قليلا خرج ذلك ~~الكمين وأخذ يرشق تلك الحراقة بالسهام والحجارة؛ فانقلبت. وحاول الأمين الرجوع إلى ~~الجانب الغربي عوما، فتلقاه أصحاب طاهر فأسروه، ثم قتلوه بأمر من طاهر، وكان ~~ذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة 198، وكانت مدة الحصار نحوا من ثمانية ~~عشر شهرا. # بويع المأمون على أثر قتل أخيه ولكنه لم يبرح خراسان، وبقيت بغداد تئن تحت ~~كابوس الحكم العسكري، على ما بها من أوصاب الحصار وآثار الحجارة والنار. والذي يظهر ~~للناقد البصير أن بطانة المأمون من الفرس كانت تحاول في طي الكتمان أن تنقل ~~عاصمة الخلافة إلى خراسان؛ ليتم لهم في ذلك التغلب على شئون الدولة. وأول تدبير ~~قام به الفضل بن سهل أن حصل من المأمون على عهد بتولية أخيه الحسن العراق والحجاز ~~واليمن، ووجه طاهرا إلى الرقة ms16 لمحاربة أحد الخوارج هناك، وولاه الموصل ~~والجزيرة والشام والمغرب، وأمر هرثمة بالعودة إلى خراسان. وشاع في بغداد أن الفضل ~~بن سهل قد استبد بالأمر وأخذ يبرم الأمور على هواه بعد أن أنزل المأمون قصرا ~~حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده فأصبح فيه كالحبيس؛ فاستفزت هذه الشائعة نخوة بني ~~هاشم وأكابر الناس في العراق وأنفوا من ذلك واستخفوا بالحسن بن سهل؛ فاضطرب حبل ~~الأمن ودب دبيب الفتن هنا وهناك، وبرز الكثير من الشطار وأهل الدعارة وعاثوا في ~~بغداد فسادا، وليس لدى السلطان قوة تقدر على توطيد الأمن وإعادة الطمأنينة إلى ~~النفوس. رأى الناس شدة هذا البلاء واستشراء هذا الداء؛ فاجتمع وجوه بغداد ~~وصلحاؤها فقرروا أن يتولى أهل كل محلة توطيد الأمن فيها والضرب على أيدي ~~سفهائها وشطارها، كل ذلك والمأمون في قبضة الفضل بن سهل بخراسان لا يصل إليه من ~~أمر بغداد صغيرة ولا كبيرة. ثم إن الفضل بن سهل ومن لف لفه طلبوا إلى ~~المأمون أن ينقل البيعة إلى العلويين، فاختاروا لولاية عهده عليا الرضا بن موسى ~~الكاظم، وأمر باستعمال اللون الأخضر شعارا لدولته بدل اللون الأسود، الذي هو ~~شعار الهاشميين إلى عهده؛ فأرجف أعداء المأمون بأن اللون الأخضر يرمز إلى لون ~~النار، وإنما اختاره الفضل بن سهل؛ تقربا إلى المجوسية التي كان يدين بها من قبل ~~وهو حديث عهد بالإسلام. بلغ خبر ذلك أهل بغداد؛ فغضب بعضهم ورضي آخرون، واشتد ~~الأمر على رجالات الأسرة العباسية، فاجتمعوا وقر رأيهم على خلع المأمون ومبايعة ~~عمه إبراهيم بن المهدي، وكان ذلك غرة المحرم سنة 202ه. # حصل كل هذا والمأمون في قبضة الفضل بن سهل لا يصل إليه شيء منه، فاتصل الإمام علي ~~الرضا بالمأمون سرا وأخبره بكل الواقع، وبين له أن مخرقة ابن سهل ~~أدت إلى كل هذه الاضطرابات؛ فعزم المأمون على المسير إلى بغداد، فلما وصل إلى ~~سرخس أحكم تدبير الحيلة للتخلص من الفضل، فدس له من قتله وهو في ~~الحمام، وكان ذلك في الثاني من شعبان سنة 202ه، وتظاهر ms17 بالحزن عليه، وكتب إلى الحسن ~~أخيه بتعزية حارة وأخبره أنه صيره مكان أخيه، وما كاد يصل مدينة طوس حتى ~~أبلغ بوفاة الإمام علي الرضا؛ فشاع بين الناس أنه مات مسموما، وأن المأمون هو ~~الذي سعى في ذلك. فلما قرب المأمون من بغداد وزال ما كان ينقمه الناس عليه من أمر ~~الفضل، وما كان ينقمه البيت العباسي من نقل الخلافة إلى العلويين؛ اجتمع القواد ~~والأمراء وأعلنوا خلع إبراهيم بن المهدي؛ فاختفى، وكان ذلك ليلة الأربعاء 17 من ذي ~~الحجة سنة 203. وفي يوم السبت 16 من صفر سنة 204 دخل المأمون مدينة السلام ولا تزال ~~الخضرة شعار دولته، ثم بعد بضعة أيام أمر بإعادة السواد شعار الهاشمية الأول، ~~وبوصوله إلى بغداد بعد تخلصه من ربقة ابن سهل أصبح خليفة حقا، وعاد إلى بغداد شيء ~~من نضرتها وروائها. # وقرت قلوب كان جما وجيبها # ونامت عيون كان نزرا هجوعها # واتخذ مقره في الجانب الشرقي، ومنذ ذلك الحين استقر الخلفاء في هذا الجانب، ~~وكان قد سافر إلى الشام ومصر ثم عاد إلى غزو الروم. # وأدركته منيته غازيا في 18 من رجب سنة 218، فدفن في طرسوس، وعهد بالخلافة من ~~بعده إلى أخيه المعتصم، وكتب له في عهده وصايا تعد من أنبل ما يوصي به الحكماء ~~الإخوان والأبناء، وكرر له العناية في أمر الرعية وأمر العامة منهم قبل ~~الخاصة، بأن ينصف مظلومهم، ويضرب على يد ظالمهم، ويسعى جهده لنشر العدل وإفاضة ~~الرفاهية عليهم. # ولم يكن المعتصم رجلا بعيد النظر فسيح رقعة التفكير، وكل ما فيه من المزايا أنه ~~كان شجاعا يحب الشجعان ويعتز بهم، وقد أكثر من الغرباء - ولا سيما الترك - في ~~جنده، وتمرد عليه بعض جيشه منذ أول الأمر؛ فاضطر إلى التخلص منهم بالتبعيد ~~والتشريد وبالقتل أحيانا، كما فعل بحيدر المعروف بالأفشين، فإنه اضطر إلى ~~إحراقه مصلوبا، وهذا الجيش الذي ألفه وإن كان قد أذل الأعداء خارج الدولة، ~~إلا أنه قد أذل مع ذلك الرعية في داخل البلاد. # وفي يوم الخميس لثمان مضين من شهر ربيع ms18 الأول سنة 227 توفي المعتصم في ~~سامراء، وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده هارون الذي لقب بالواثق بالله. ~~••• # تولى الواثق بالله الخلافة وحالة الجند - على ما علمنا - وقد توطدت أقدام ~~القواد الغرباء الذين اصطنعهم المعتصم، وصاروا أصحاب نفوذ عظيم في الدولة، وكانوا - ~~على ما بهم من غطرسة وخشونة - قدراء على توطيد الأمن في الداخل، كما كانوا قدراء ~~على بعث الخوف في قلوب الدول المجاورة المناوئة للمملكة الإسلامية في ~~الخارج. # مات الواثق يوم السبت لست ليال مضين من ذي الحجة سنة 232، ولم يعهد بالخلافة ~~لأحد من بعده؛ فاختار كبراء الدولة وفيهم أحمد بن أبي داود القاضي - وهو من سراوات ~~العرب وكبار علمائها - جعفر بن المعتصم ولقبوه بالمتوكل على الله، وكان شابا ~~بعيد الهمة، ماضي العزيمة، قوي الشكيمة. نظر ما حوله من الأجناد فرأى أن ~~أكثريتهم من الأعجام الذين لا يوثق بإخلاصهم ولا يؤمن جانبهم في الملمات؛ ~~فالتفت إلى العرب من حوله، فلم يجد منهم العدد الوفير الذي يحتاج إليه؛ لأن ~~الحروب قد أكلت أكثرهم، والفتن قد اصطلمت زهرتهم؛ ففكر أن ينقل عاصمته إلى الشام، ~~فيصطفي من أبناء الشام ومن أبناء الأعاريب هنالك جيشا يفل به غرب هؤلاء المماليك ~~المتغطرسين والجفاة المتغلبين، فشخص إلى دمشق سنة 243 ونقل إليها دواوين الملك، ~~ففطن رؤساء الأجناد من الأتراك إلى مقصده، فدفعوا الجند إلى الشغب؛ فاندفعوا ~~يطالبون بأرزاقهم وأعطياتهم فأجابهم إلى ذلك. ورأى أنه إن استمر على الإقامة في ~~دمشق استمروا على إحداث الاضطرابات والإكثار من المشاغبات؛ فأظهر أن هواء البلد ~~وماءه لا يوافقان مزاجه، وأن الأطباء أشاروا عليه بالنقلة؛ فرجع إلى سامراء. ولا ~~شك عندنا بأن الأجناد من الأتراك هم الذين حملوه على العودة إلى سامراء للحيلولة ~~بينه وبين تنفيذ ما عزم عليه من إنشاء الجند العربي، وإلا فدمشق من أعذب بلاد ~~الله ماء وأرقها هواء. # وكان المتوكل يكثر من شرب النبيذ، فتفلت منه بعض الأسرار، فظن المنتصر أنه يريد ~~تأخيره وتقديم أخيه المعتز عليه، فتمالأ مع بعض الناقمين من الأتراك واتفقوا على ~~اغتياله، ms19 فأعدوا لذلك قوما دخلوا عليه وهو على شرابه فقتلوه، وحاول الفتح بن خاقان ~~الدفاع عنه فقتلوه أيضا، وكان في المجلس أبو عبادة البحتري ويزيد المهلبي - ~~الشاعران المعروفان - فاختبأ أحدهما خلف الباب والثاني في الشاذروان. وفي ذلك يقول ~~البحتري قصيدته المشهورة التي جاء فيها: # لنعم الدم المسفوح ليلة جعفر # هريق وجنح الليل سود دياجره # صريع تقاضاه السيوف حشاشة # يجود بها والموت حمر أظافره # وفيها يقول: # ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي # درى الفاتك العجلان كيف أساوره # وفيها يشير إلى غدر المنتصر: # أكان ولي العهد أضمر غدرة؟! # فمن عجب أن ولي العهد غادره! # فلا ملي الباقي تراث الذي مضى # ولا حملت ذاك الدعاء منابره # وقال يزيد المهلبي من قصيدة يرثي بها المتوكل، وينعى بها على بني العباس نبذهم ~~العرب واصطفاءهم مماليك الترك: # لما اعتقدتم أناسا لا حلوم لهم # ضعتم وضيعتم من كان يعتقد # ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم # حمتكم السادة المذكورة الحشد # قوم هم الجذم والأنساب تجمعهم # والمجد والدين والأرحام والبلد # إذا قريش أرادوا شد ملكهم # بغير قحطان لم يبرح به أود # وباغتيال المتوكل ختم هذا الطور وطويت آخر صفحة من صفحات العظمة، التي ~~كانت تظلل خلائف بني العباس. # الفصل الثاني # | استئثار الجيش بالسلطة (247-334) # اختلف على كرسي الخلافة في هذا الطور ثلاثة عشر خليفة، وفي هذا الطور تفاقم تحكم ~~الجنود في سياسة الدولة، واستهانوا بما للخلافة من حرمة، فراحوا يبايعون ويخلعون، ~~وينصبون ويعزلون، تبعا لأهوائهم وحسب ما توحي إليهم مصالحهم الخاصة، أما مصالح ~~الشعب فإنها لا تكاد تخطر لهم على بال، وإذا تضاربت مصالحهم وتصادمت مطامعهم فزعوا إلى ~~سيوفهم فحكموها في حل مشاكلهم. # ولما رأى الخليفة المستعين أن القوم لا ينتهون من فتنة إلا إلى أخرى، انتقل ~~بالفريق المخلص من جنده إلى مدينة السلام، وأمر بإقامة الأسوار على الجانبين، وقصده ~~أجناد سامراء فحاصروا بغداد، فامتنعت عليهم في أول الأمر، ولكن الخليفة المستعين لم ~~يلبث أن استكان بعد مرور سنة على الحصار، فخرج من الرصافة بقصد الفرار، فوقع أسيرا بيد ~~أعدائه، ms20 وبعد أن استنزلوه عن الخلافة قتلوه وبايعوا المعتز بن المتوكل، وبذلك عاد كرسي ~~الخلافة إلى سامراء ثانية، وعاد الأجناد إلى شغبهم وهراشهم، فلما طال ذلك بينهم وخشي ~~عقلاؤهم أن يتفانوا عن آخرهم قر رأيهم أن يكون على رأسهم أحد أقرباء الخليفة ليكف ~~بأس بعضهم عن بعض، فرأى المعتمد أن يعهد بهذا المنصب إلى أخيه طلحة الموفق، فعهد إليه ~~بذلك، وولاه معظم الأقاليم التابعة للدولة حتى أصبح الخليفة الحقيقي، وكانت كلمته هي ~~العليا، ولم يبق بيد المعتمد إلا الخطبة والسكة والاسم. # وفي هذا الطور استخف أمراء الأطراف بأمر الخلافة في المركز، فاستبدوا بما تحت ~~أيديهم من ولايات واستقلوا بها، ولم يبق للخلافة فيها إلا العلاقات المعنوية، ~~وفي هذا الطور أيضا كثرت الفتن الداخلية، فكانت ثورة الزنج في البصرة وما يليها من أرض ~~السواد، ولم يتم القضاء عليها إلا بعد خطوب وحروب أسفرت عن خراب البلاد وانطماس أعلام ~~الحضارة فيها، وكذلك اضطرمت بلاد العرب بفتنة القرامطة التي استشرى شرها وتطاير شررها، ~~فأتت على معالم العمران في الجزيرة العربية وما يليها من أطراف العراق والشام. ومن أهم ~~الأحداث أيضا نقل الخليفة المعتضد مقر الخلافة من سامراء إلى بغداد، فعاد لبغداد ~~مركزها السياسي الأول. # وفي هذا الطور اضطرمت فتنة ذهب ضحيتها أكبر أديب عباسي؛ ذلك أن بعض أهل الحل ~~والعقد رأوا أن يخلعوا المقتدر لصغر سنه ويبايعوا عبد الله بن المعتز لمكانته في الأدب ~~وحصافة الرأي؛ فثار عليه خدم المقتدر وحشمه واضطروه إلى الفرار والاختفاء، وانتهى الأمر ~~بالقبض عليه وحبسه وتعذيبه حتى مات، وكذلك قتل معه جميع أعوانه وبطانته. # وفي عهد الخليفة الراضي أحدث منصب أمير الأمراء، وهو منصب مهم يخطب لصاحبه على ~~المنابر، وإليه المرجع في كبير أمور الدولة وصغيرها، وأول من تولاه محمد بن رائق، وصارت ~~أموال الدولة تحمل إلى خزائنه، فيتصرف بها كما يريد وينفذ للخليفة ما يريد، وكان ~~هذا المنصب السبب في كثرة النزاع بين الطامعين من رجال الدولة، من ذلك أن رجلا يقال ~~له البريدي - أحد عمال الأقاليم - جهز ms21 جيشا، فغزا به بغداد في دجلة واحتلها في ~~12 من رمضان سنة 329، فاضطر الخليفة إلى أن ينتقل إلى الموصل وفيها بنو حمدان، وعلى ~~رأسهم ناصر الدولة، فاستنجده لطرد البريدي من بغداد ففعل، وعلى أثر ذلك قلده إمارة ~~الأمراء، وكانت مدة احتلال البريدي ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ذاقت بغداد خلالها ألوانا ~~من العسف والنهب والتدمير وهتك الحرمات مما يطول وصفه. # الفصل الثالث # | العهد الديلمي (334-447) # أصل بني بويه من بلاد الديلم الواقعة في الجنوب الغربي من شاطئ بحر الخزر، وكانوا على ~~المجوسية إلى أن اتصل بهم الحسن بن علي الزيدي العلوي الملقب بالأطروش، فأسلم منهم ~~على يده خلق كثير وتمذهبوا بالمذهب الزيدي، وبلاد الديلم وإن كانت تعد في جملة ~~الولايات الفارسية قبل الإسلام إلا أن أهلها ليسوا من الفرس في الصميم، وإنما هم ~~جيل لهم مميزاتهم الخاصة. وقد بسط بنو بويه سلطانهم على إيران كلها. وفي خلافة ~~المستكفي كان يتوزع الحكم في مملكتهم ثلاثة إخوة: علي وهو أكبرهم، والحسن وهو أوسطهم، ~~وأحمد وهو أصغرهم. # وفي 11 من جمادى الأولى سنة 334 وصل أحمد بن بويه مدينة السلام إجابة لدعوة تلقاها ~~من قواد بغداد، ومثل بين يدي الخليفة فاحتفى به، فبايعه أحمد وحلف له يمين الطاعة، ~~وحلف الخليفة لأحمد يمين الإقرار له على السلطنة. # فأنعم الخليفة عليه بلقب «معز الدولة»، وعلى أخيه الكبير بلقب «عماد الدولة»، وعلى ~~الأوسط بلقب «ركن الدولة»، ولم يثبت معز الدولة على وفائه بيمينه للمستكفي سوى أربعين ~~يوما، فخلعه وبايع المطيع لله. وبمعز الدولة هذا ابتدأ العهد البويهي، فتعاقب على ~~الحكم في بغداد من ملوكهم أحد عشر ملكا، آخرهم خسرو فيروز الذي لقب نفسه بالملك ~~الرحيم. # وفي عهد بني بويه وصل العلم والأدب في بغداد إلى القمة العليا، فنشأ أكابر المفسرين ~~والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والكتاب والشعراء وأساطين علوم ~~العربية والحذاق في المعارف الكونية. وبالجملة، فإن المعارف التي تم غرسها في عهد ~~المنصور والرشيد والمأمون أزهرت في هذا العصر وآتت أكلها يانعا شهيا، وكان لبعض ~~ملوكهم آثار في ms22 العمران وحسنات على أهل الفضل وأقمار الأدب؛ ففي عهدهم تولى الوزارة ~~في إيران أبو الفضل بن العميد وابنه أبو الفتح والصاحب بن عباد، وفي بغداد أبو محمد ~~المهلبي الذي أفاض على رجالات العلم والأدب سيبا من حسناته وفيضا من نعمه، على أنه ~~لا ينكر أن القوم أيقظوا الفتن المذهبية ونفخوا في نارها، حتى أخذ بعض المسلمين ~~يستحل دم بعض. # وفي زمن حكمهم امتحنت بغداد بشتى المحن التي منها: طغيان المياه عليها، واختلال ~~الأمن داخلها وخارجها، وتفاقم أمر المجاعات فيها، واستيلاء رجال الجند على الضياع ~~والقرى، والتضييق على الفلاحين مما لا عهد لهم به في صدر الخلافة العباسية، وفي آخر ~~عهدهم أمر الخليفة القضاة والفقهاء بترك الفتيا؛ محتجا بذلك على جرائم اقترفها أجناد ~~الديلم وعجز ملكهم عن معاقبتهم بسببها. # الفصل الرابع # | العهد السلجوقي (447-552) # السلاجقة ينتسبون إلى جدهم سلجوق، وهو ينتمي إلى قبيلة كريمة كانت تقطن تركستان، ~~وسلجوق هو أول من آمن من رجالها. وأول من استولى على بغداد من هذه الأسرة طغرلبك بن ~~ميكائيل بن سلجوق على أثر اختلال حكم البويهيين فيها؛ وذلك أن مملوكا تركيا من ~~مماليك الديلم يقال له أبو الحارث أرسلان البساسيري عاث في العراق فسادا وكاتب ~~الفاطميين في مصر؛ فالتجأ الخليفة القائم إلى مهارش بن المجلي أمير العرب، فحمله إلى ~~عانة، فبقي فيها حولا كاملا. # وفي ذلك العهد دخل طغرلبك بغداد، وقتل البساسيري، وأعاد القائم إليها، ولم يتخذ ~~ملوكهم بغداد مقرا لهم، وكانوا يكتفون بإرسال من ينوب عنهم. # وقد عانت بغداد في عهدهم هذا حصارين؛ الأول: سنة 530 في عهد الخليفة الراشد بأمر ~~الله، دام نحو شهرين، وانتهى بفرار الخليفة إلى الموصل، وكان القائم بهذا الحصار ~~السلطان مسعود السلجوقي. والثاني: في خلافة المقتفي سنة 551، والقائم به محمد بن أخي ~~السلطان مسعود، ودام أكثر من ثلاثة أشهر، وفي هذا الحصار أبلى البغداديون بلاء حسنا، ~~فردوا السلطان ومن معه بغيظهم لم ينالوا خيرا. # ومن أعظم ملوك السلاجقة الذين زاروا بغداد ملكشاه بن ألب أرسلان، زارها مع وزيره ~~الأعظم ms23 الحسن بن علي الملقب بنظام الملك، الذي حاول أن يصل البيت العباسي بالبيت ~~السلجوقي بأواصر المصاهرة، فعقد للخليفة المقتدي على ابنة السلطان ملكشاه. # ولهذه المصاهرة مثل سابق، فإن السلطان طغرلبك زوج ابنته للخليفة القائم، وحاول ~~أن يتزوج هو نفسه من ابنة الخليفة، فكان له ما أراد بعد ممانعات ومراجعات كادت تؤدي ~~إلى مخاصمات لا يعلم مدى أثرها إلا الله. # الفصل الخامس # | الطور الأخير (552-656) # لم يبق في يد الخلفاء من تلك المملكة المترامية الأطراف في هذا العهد إلا بغداد ~~وأعمالها وقليل مما يتصل بها. # وقد طالت مدة خلافة بعض الخلفاء حتى ضربت الرقم القياسي على حد تعبير كتاب ~~العصر؛ فقد كانت مدة خلافة الناصر لدين الله 46 سنة وعشرة أشهر و28 يوما، وهي أطول مدة ~~حكم فيها خليفة عباسي، وما ذلك إلا لخلو بغداد من الأجناد الأتراك والديلم وغيرهم من ~~أهل الشغب ورواد الفتن، ثم لم يبق في يد الخلفاء ما يحسدون عليه. # وكان الخلفاء في هذا العهد ميالين إلى نشر العدل والترفيه على الرعية برفع كثير من ~~المكوس والضرائب، كما كانوا ميالين إلى إقامة دور العلم والمساجد والملاجئ ~~الخيرية. # وفي هذا العهد استفحل أمر المغول في ديار فارس وغيرها، كما اشتدت قبل ذلك وطأة ~~الصليبيين في ديار مصر والشام، فأصبحت ديار الإسلام بين قوتين هائلتين، كأنهما كانتا ~~على ميعاد. # وكانت خاتمة هذا العهد الكارثة التي أودت بالخلافة وبالمدنية والحضارة على ما ~~سيأتي في الباب التالي. # | الباب الثاني # العهد المغولي وما أعقبه من تطورات إلى الاحتلال الإنكليزي (656-1335) # ينقسم هذا الباب إلى خمسة فصول. # الفصل الأول # | العهد الهولاكي (656-740) # المغول جيل من الترك يقطنون في بلاد تركستان، وقد نشأت بينهم وبين التتر - وهم من ~~الترك أيضا - حروب طاحنة، فنشأ في ظل هذه الحروب رجل من المغول يقال له تموجين، ~~عرف بعد ذلك باسم جنكيزخان، فنظم تموجين أمر المغول وأعدهم للفتح والتغلب، ولما ~~حضرته الوفاة سنة 624 أوصى بتقسيم مملكته بين أبنائه الأربعة؛ وهم: جوجي، وجغطاي، ~~وأوكداي، وتولي. وكان يقدر لهم ms24 أن يملكوا الدنيا، فكانت من حصة ولده تولي خراسان وما ~~يؤمل الاستيلاء عليه من ديار بكر والعراقيين إلى منتهى حوافر خيول المغول، وكانت ~~حدود مملكته تتاخم العراق. ولما توفي سنة 654 خلفه في مملكته ابنه هولاكو خان ~~الملقب بإيلخان؛ ولذلك تسمى دولته بالإيلخانية. # وفي سنة 656 نزل هولاكو على بغداد وحاصرها، فكانت حروب، وكانت خطوب، اندلعت في ~~أثنائها نيران فتن داخلية، انتهت باستيلاء التتر عليها وبقتل الخليفة المستعصم ~~وأولاده ورجال حاشيته وأهل بطانته، وباستباحة بغداد مدة طويلة، ولم يسلم من الناس إلا ~~من قدر على الاختفاء بمواطن لم تصل إليها عيون المغول، وكانت بغداد حين حاصرها القوم ~~غاصة بأهل الأطراف من الذين أجفلوا أمام الجيش المغولي ظنا منهم أن العاصمة تعصمهم، ~~فكانوا فيها لحما لسيوف المغول الذين لم يرحموا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وبهذا ~~أفلت شمس الخلافة العباسية في بغداد بعد أن أشرقت عليها أكثر من خمسة قرون، ~~وكان أفولها كارثة على الأمم الإسلامية كافة والعرب خاصة، بل على الشرق كله، بل على ~~المدنية والحضارة؛ لأن المغول لم يكونوا يحملون يومذاك قلوبا تنبض بالرحمة ولا رءوسا ~~تعقل للمدنية معنى، وكان كل ما يتميز به أولوهم أنهم لا يفرقون بين دين ودين ولا ~~بين مذهب ومذهب؛ فكل الأديان والمذاهب لديهم متساوية، وقد نجم عن ذلك أنهم سلطوا بعض ~~رجال الأقليات المتميزين ببعض المواهب على حكم الأكثريات مما لا عهد للبغداديين به من ~~قبل، وأبقى هولاكو في أول الأمر الأوضاع الإدارية في بغداد على النمط العباسي ~~تقريبا مع اختصار في بعضها، وأبقى أكثر المناصب الإدارية بيد الموظفين السابقين من ~~العراقيين؛ ليستفيد من خبرتهم وسابق تجاربهم في جباية الضرائب والمكوس وتنظيم ~~الأعمال، ورتب من قبله جماعة من الرقباء والأمناء ليشرفوا على كل شيء، وبذلك أصبحت ~~حكومة بغداد مدنية تحت إشراف حكومة عسكرية. على أن هولاكو لم يلبث أن حول نظره عن ~~الموظفين العراقيين إلى موظفين من الإيرانيين، فعهد بمنصب الوزارة في بغداد إلى علاء ~~الدين الجويني سنة 657، وكذلك عهد بكثير من المناصب ms25 الأخرى ببغداد إلى رجال من أهل ~~فارس، وبذلك خسر العراقيون مكانتهم التي كانوا يحتلونها في الدولة، كما خسروا عزتهم ~~وحريتهم، ولكن بغداد لم تخرج عن كونها حاضرة لمدن العراق العربي. وتعاقب على الحكم فيها ~~من رجال الدولة الإيلخانية ثلاثة عشر ملكا وملكة واحدة هي «صاتي خان» التي حكمت بغداد ~~سنة 739. # وأول من أسلم من ملوك هذه الأسرة أحمد بن هولاكو، وكان اسمه قبل إسلامه «توكدار». وقد ~~تمرد عليه ابن أخيه أرغون، واستولى على بغداد، فأرهق أهلها عسرا وأوسعهم ظلما، ثم ~~تمكن من التغلب على عمه والاستيلاء على ملكه. وفي عهدهم ضربت الأوراق النقدية ~~المعروفة ب «جاو»، فحدثت في بلادهم أزمة نقدية اهتزت لها أركان الحالة الاقتصادية، ولكن ~~بغداد سلمت من شر هذه الأزمة. وفي سنة 694 أسلم غازان بن أرغون أحد أحفاد هولاكو، ~~وكان لإسلامه رنة استحسان في بلاد الإسلام ولا سيما في بلاد فارس، وكان متزوجا بعدد من ~~نساء أبيه على طريقة المغول، وكان شديد الحب لواحدة منهن يقال لها «بلغان خاتون»، فقيل ~~له: إن الإسلام يحرم نكاح زوجات الأب. فهم بالردة، ولكن أحد العلماء أفتاه بصحة ~~ذلك، وقال له: «إن أباك كان على الكفر ولم يكن زواجه شرعيا؛ فلا يمنعك مانع من أن ~~تعقد أنت عليها الآن.» فسكن قلب غازان إلى هذه الفتوى وبقي على الإسلام، ومنذ ذلك الحين ~~فشا الإسلام في المغول. وزار غازان هذا بغداد عدة مرات، فشمل أهلها بلطف لا عهد لهم به ~~من أسلافه، وهو الذي أمر بضرب الدراهم والدنانير على مقاييس معينة ليتعامل الناس بها ~~عدا لا وزنا، وأمر بتوحيد المكاييل والموازين والأطوال. ويقرن بعض المؤرخين اسم ~~غازان باسم محمود، ولعله اختار لنفسه هذا الاسم بعد إسلامه. # وفي 718 حدث غلاء في بغداد، اضطر معه الناس إلى أكل الجيف، وباع الفقراء أولادهم ~~ليسدوا رمقهم بأثمانهم. وفي سنة 739 استولت الأميرة «صاتي» بنت خدابنده على الملك، وهي ~~أول مرة تكون فيها بغداد خاضعة لمملكة تملكها امرأة، وخطب لها على المنابر في بغداد ~~وغيرها. # الفصل ms26 الثاني # | العهد الجلائري (740-813) # وجلائر إحدى قبائل المغول الكبرى، نشأ فيها قواد معروفون، اتصل بعضهم بآل ~~جنكيزخان، ومن أشهر الذين ارتقوا مكانا عليا على عهد الدولة الإيلخانية الشيخ حسن بن ~~الأمير حسين الذي انتهز فرصة الضعف في الدولة الإيلخانية؛ فوثب على ملكها واستولى على ~~بغداد سنة 740. # ومن أشهر ولاة بغداد على عهد هذه الأسرة أمين الدين مرجان بن عبد الله مملوك أويس، ~~وأصله من بلاد الروم، وهو منشئ المدرسة والجامع المعروف اليوم بجامع مرجان. # وعلى عهد هذه الأسرة غزا تيمورلنك بغداد أكثر من مرة، أولاها سنة 795، وكانت وطأته ~~عليها هذه المرة خفيفة على خلاف ما عهد فيه من القسوة والغلظة، قيل: إنما فعل ذلك ~~ليستميل إليه البغداديين الذين ضجروا من عسف الشيخ أحمد الجلائري، بل زعم بعض المؤرخين ~~أن البغداديين هم الذين راسلوا تيمور وطلبوا إليه القدوم ليخلصهم من جور السلطان أحمد. ~~ثم عاد إليها السلطان أحمد بعد ابتعاد تيمور عنها، فغزاها تيمور ثانية سنة 803، وفتحها ~~عنوة، وفتك بأهلها هذه المرة فتكا ذريعا، واستحل جنده المدينة أسبوعا كاملا ~~اقترفوا فيه من المنكرات ما يقشعر له جلد الإنسانية. # ولما توفي تيمورلنك سنة 807 عاد السلطان أحمد الجلائري إلى بغداد فملكها سنة 808، ~~وكانت بين السلطان أحمد وبين السلطان قره يوسف التركماني في أول الأمر ألفة انقلبت ~~بعد ذلك إلى وحشة، انتهت بقتل السلطان أحمد واستيلاء قره يوسف على ملكه سنة 813، فأرسل ~~السلطان يوسف ابنه محمدا للاستيلاء على بغداد، فسدت أبوابها في وجهه، وكان يدبر ~~أمرها دوندي خاتون بنت السلطان حسين بن أويس الجلائرية، فلما علمت أن لا قبل لها ~~بمحمد شاه احتالت للخروج من بغداد خلسة، ولما علم البغداديون بذلك فتحوا أبواب المدينة ~~للفاتح الجديد سنة 814. # الفصل الثالث # | العهد التركماني (813-914) # القبائل التركمانية تتشعب عن القبائل التركية الكثيرة العدد، ومواطنهم الأصلية بين ~~بلخ وبحر الخزر وديار الروس وإيران، وأكثرهم في الأصل أهل خيام يعيشون عيشة البداوة، ~~وكانت بعض بطونهم تقتني الشياه السود فلقبوه بذلك، فأطلق عليهم اسم «قره قوينلو»، ~~وبعضهم يظن أن ms27 شارة الشاة السوداء التي كانت على أعلامهم في قديم الدهر هي السبب في ~~هذا اللقب. # وممن اشتهر من رجال هذه القبيلة السلطان قره يوسف المذكور الذي استولى على ملك ~~السلطان أحمد الجلائري كما مر آنفا، وفي سنة 823 توفي الأمير قره يوسف، ولما شاع ~~موته طمع الناس بابنه محمد شاه صاحب بغداد. وفي سنة 836 تمكن قائد يقال له إسبان من ~~الاستيلاء على بغداد خلسة، وفر منها السلطان محمد شاه، ثم كانت بينهما حروب انتهت ~~بقتل السلطان محمد شاه سنة 837 في بلدة الشيخان، وكانت سيرته في صدر المدة التي حكم ~~فيها بغداد محمودة، ولكنه في السنين الأخيرة من حكمه ضعف واستكان، واختلت الأمور عليه، ~~وفي يوم الثلاثاء 28 من ذي القعدة سنة 848 توفي الأمير إسبان في بغداد ، وكان له ولد ~~صغير اسمه فولاذ، استقر رأي الأمراء والحاشية على توليته وحكم بغداد باسمه، ولم يكن ~~إسبان يمت إلى قره قوينلو بنسب، وكان شديد الوطأة على الناس، ملحا في جمع المال، ~~وبعضهم ينطقه أصبهان. ولعل الأصل كذلك فحرفته العامة، وانتقل أمر بغداد بعده إلى شبه ~~الفوضى، ولم يزل التنازع قائما بين المتغلبة، وبغداد تتحمل أثقل أعباء هذا النزاع ~~إلى أن تسلط عليها جهانشاه ابن السلطان قره يوسف سنة 850، وولى عليها ولده محمدي ميرزا، ~~وكان صغيرا فعهد بتدبير المملكة إلى الأمير عبد الله، وفي 11 من رمضان سنة 852 عزل ~~السلطان جهانشاه ابنه محمدي ميرزا، وعهد بولاية بغداد إلى ابنه بيير بوداق، فأقام بها ~~مدة ثم سافر إلى تبريز، ثم عاد إليها مراغما لأبيه جهانشاه؛ فجهز أبوه جيشا كثيفا ~~وحاصره فيها سنة 869، فدام الحصار نحوا من سبعة عشر شهرا، أخرج في أثنائها بيير بوداق ~~أكثر سكان بغداد إلى خارج السور بعد أن صادرهم ونهب ما عندهم، وانتهى الأمر بتسليم ~~المدينة إلى جهانشاه وقتل ولده بيير بوداق سنة 870، فولى على بغداد بيير محمد الطواشي ~~ورجع إلى تبريز، فحصلت بينه وبين السلطان حسن الطويل من قبيلة آق قوينلو - تركمانية ~~أيضا - وقائع انتهت بقتل ms28 جهانشاه سنة 872، فسار حسن الطويل نحو بغداد وحاصرها في 20 ~~رجب سنة 872، وكان فيها بيير محمد الطواشي الذي ولاه جهانشاه. وفي 15 من رمضان ترك ~~حصار بغداد وذهب إلى تبريز، وفي 2 من رجب سنة 873 توفي بيير محمد الطواشي والي ~~بغداد، وأوصى بالولاية إلى حسين بن علي بن زينل، وكان من أهل السيرة الحسنة والأخلاق ~~الفاضلة. وفي 2 من ربيع الآخر سنة 874 توفي حسين بن علي وخلفه أخوه منصور بن زينل، ~~وتوفي في العام نفسه، وفي 14 من جمادى الآخرة سنة 874 استولى جيش السلطان حسن الطويل ~~على بغداد بقيادة ابنه مقصود، وبذلك ابتدأ حكم الدولة التركمانية الثانية المعروفة بآق ~~قوينلو، وكانت تحكم بغداد بواسطة ولاة تعينهم، وكان أكثرهم من أبناء السلطنة، وكانت ~~بغداد تدار على وجه يشبه الاستقلال، أو ما يسميه أبناء هذا العصر «اللامركزية»، ~~ويقال في سبب تسميتها «آق قوينلو» ما قيل في قره قوينلو، وكانت تقيم في جهة ديار ~~بكر. # وأول من اشتهر من رجالها في التاريخ السياسي أحمد بك وبيير علي بك وقره عثمان، وهو من ~~مشاهير الشجعان، ثم حفيده حسن الطويل بن علي، الذي استولى على بغداد وكان مشهورا ~~بالعدل والشهامة وشدة البأس في الحروب، وباستيلائه على بغداد استولى على العراق كله، ~~كما كان قد استولى على الكثير من بلاد إيران، واستقر الأمن وسادت الطمأنينة في بغداد ~~وما حولها. وفي 27 رمضان سنة 882 توفي السلطان حسن الطويل، وخلفه على الملك ولده ~~الأكبر خليل، وفي سنة 883 قتل السلطان خليل وخلفه على الملك أخوه يعقوب بك، وكان على ~~بغداد وال اسمه «كلابي» فعزله السلطان يعقوب في 15 من ذي الحجة سنة 883، وفي 11 من ~~صفر سنة 896 توفي السلطان يعقوب وخلفه على الملك ابنه بايسنقر، وفي سنة 898 قتل ~~بايسنقر واستولى على الملك رستم بك، وتوفي رستم في شهر ذي القعدة سنة 902 وتولى ~~مكانه أحمد بادشاه، وكان رستم هذا شديد الميل إلى النساء، فاستولين على عقله وعبثن ~~بإدارة ملكه. ولم يزل أمراء ms29 آق قوينلو يقتتلون فيما بينهم حتى ظهرت الدولة الصفوية ~~عليهم وغلبتهم على أمرهم. # الفصل الرابع # | العهد الصفوي (914-941) # غزا الشاه إسماعيل بغداد سنة 914 وفتحها عنوة، والشيخ إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة ~~الصفوية ورجلها الأول يمت بنسبة إلى الشجرة العلوية، وكان آباؤه من أهل التصوف ~~والإرشاد وكذلك كان هو. ومن هذا الطريق تمكن من جذب الأعوان وجمع الجيوش، فأسس دولة ~~كان لها الأثر البارز في سياسة الشرق عامة وإيران خاصة. # وفي سنة 906، استولى على تبريز وصار ملكا عليها، وبعد فتحه بغداد على يد قائده «لالا ~~حسين»، أظهر فيها من التعصب المذهبي ما لا يليق بسيد علوي، وبعد زيارة العتبات ~~المقدسة، رجع إلى عاصمة ملكه في إيران، وبذلك التهبت نار الأحقاد المذهبية، وانقسم ~~الناس شيعا، منهم من يؤيد الشاه إسماعيل، ومنهم من يؤيد خصومه في المذهب، فكانت ~~بينه وبين الأتراك العثمانيين وقائع كثيرة وملاحم ذهب ضحيتها عشرات الألوف من المسلمين، ~~يستحل بعضهم دم بعض، ويسبي بعضهم حرم الآخرين. وفي سنة 920، وقعت بين الفريقين ~~ملحمة تعد الفاصلة في بابها تعرف بوقعة «جلدران»، كان النصر فيها حليف السلطان ~~العثماني والخذلان قرين الصفوي، وفي سنة 930 توفي الشاه إسماعيل، وكانت بغداد قد ~~استقلت عنه في حياته عندما شعر الناس بضعفه وخوره أمام الجيش العثماني في وقعة جلدران، ~~استقل بها قائد يقال له ذو الفقار، وساس أهلها سياسة حسنة، وذو الفقار من أمراء ~~الدولة الصفوية انشق عليها، وخلفه على حكم بغداد «محمد خان تكلو»، واستمر هذا في ~~الحكم حتى 24 من جمادى الأولى سنة 941 حين وصل جيش السلطان سليمان العثماني بغداد ~~وفتحها. # الفصل الخامس # | العهد العثماني (941-1335) # عندما انتزع العثمانيون بغداد من يد بقايا الصفويين عمدوا إلى رم الأضرحة ~~المهدمة فيها وإصلاح الكثير من شئون المدينة، ومنذ ذلك الحين صار العثمانيون يرسلون ~~الولاة لإدارة شئونها. وفي سنة 1033 عاد الصفويون فامتلكوا بغداد ثانية، وبقيت بأيديهم ~~إلى سنة 1048، فاستعادها السلطان مراد الرابع بجيش قاده هو بنفسه، وأعاد ترميم جامع ~~الحضرة الكيلانية وجامع الإمام أبي حنيفة وغيرهما ms30 من المعابد والأضرحة التي امتدت ~~إليها يد الهدم والتدمير من قبل عمال الشاه عباس. وقد هبطت بغداد تحت ضغط تلك الفتن ~~المتوالية والحروب المتعاقبة إلى الدرك الأسفل من الانحطاط، حتى زعم بعضهم أن تعدادها ~~كان في بعض الأحيان لا يتجاوز 14 ألف نسمة، ثم أخذت بالانتعاش حتى بلغ تعدادها في ~~أوائل العصر الثالث عشر الهجري 150 ألف نسمة، ولكن طاعونا أعقبته هيضة ورافقهما طغيان ~~دجلة والفرات انتابت بغداد، فهلك فيها نحو من أربعة أخماس سكانها. وكان العثمانيون ~~يعهدون بإداراتها إلى ولاة ينصبونهم من قبلهم، وقد كانت البصرة على الأغلب تابعة ~~لبغداد، بل كانت ولاية بغداد تشمل جزءا من كردستان وخورستان والجزيرة والعراق العربي ~~طولها 890 كيلومترا وعرضها 550 كيلومترا، وعدد سكان هذه الولاية نحو من ~~المليونين. # ومعنى هذا أن بغداد في كل عهودها لم تزل حاضرة العراق وأم مدنه، وتعداد الولاة ~~الذين تولوا حكمها وشرح أعمالهم وبيان مدة حكم كل واحد منهم أمور يطول شرحها ولا يتسع ~~لها هذا المختصر، على أنه لا يفوتنا أن نذكر بعض الولاة الذين لهم فيها آثار مهمة لا ~~تزال شاخصة إلى عهدنا هذا، ويأتي في مقدمتهم سليمان باشا وداود باشا ومدحة باشا. أما ~~سليمان باشا فأكثر إصلاحاته كانت تتصل بالمعابد والمراقد والمدارس، وأما داود باشا ~~(1232-1242) فيرجع إليه الكثير من الإصلاحات في المعاهد العلمية والمعابد وشق بعض ~~الأنهار وبعث النهضة العلمية من مرقدها وإغداق النعم على رجالات العلم والأدب، وله ~~الوقوف الكثيرة في هذه السبيل. وقد ألف الشيخ عثمان بن سند البصري العنزي المتوفى ~~سنة 1250 كتابا حافلا بأخبار داود باشا، بدأ فيه بسنة ولادته وما أعقبها من السنين، ~~وما حدث من الأحداث المهمة في تلك المدة، وأسماه «مطالع السعود في أخبار الوزير داود»، ~~وكذلك فعل الشاعر المعروف الشيخ صالح التميمي، فجمع كتابا حافلا في أخبار هذا الوزير ~~ومدائحه أسماه «وشاح الرود والجواهر والعقود»، أما الوالي مدحة باشا (1285-1288) فقد ~~كان عهد ولايته مشحونا بالأعمال الجسام، فإنه تمكن في خلال مدة ولايته القصيرة على ms31 ~~بغداد من فرض التجنيد الإجباري، وإنشاء دائرة النفوس ودائرة الطابو، وإنشاء مطبعة ~~الولاية وجريدة الزوراء، تكتب بالعربية والتركية، وإنشاء مصنع للنسيج تابع للجيش ~~أسماه: «عباخانة»، ومد خط التلغراف، وأنشأ ترامواي الكاظمية، ومدرسة للأيتام أسماها ~~مدرسة الصنائع، ومدارس أخرى حديثة، وأنشأ الكثير من مباني الدولة، كما أنشأ دائرة ~~المواصلات النهرية، وضم إليها الكثير من البواخر في دجلة والفرات، وأحدث كثيرا من ~~الأوضاع العصرية في دواوين الحكومة. وفي زمنه قدم ناصر الدين شاه إيران لزيارة ~~العتبات المقدسة، فاحتفى به مدحة باشا احتفاء رائعا، وأظهر مدينة بغداد وما حولها ~~بمظهر مشرق جذاب. ولا يزال أشياخ البغداديين الذين شهدوا تلك الزيارة يذكرون مدحة ~~بالإعجاب والإكبار، ولم يأت بعده من ولاة الأتراك من حذا حذوه، أو قارب خطوه، وآخر ~~ولاة الأتراك على بغداد هو القائد خليل باشا الذي سقطت بغداد في عهده بيد الإنكليز. # 1 # | الباب الثالث # الفصل الأول # | عهد الاحتلال الإنكليزي وما بعده # في اليوم الحادي عشر من شهر آذار سنة 1917 الموافق 15 جمادى الأولى سنة 1335ه دخل ~~الجيش الإنكليزي مدينة السلام، ونشر القائد العام بلاغا جاء فيه ما معناه أن الجيش ~~الإنكليزي لم يدخل العراق غازيا قاهرا وإنما جاء محررا، ولا غرض له إلا إبعاد ~~الجيش التركي عن البلاد، وإن الإنكليز يرغبون كل الرغبة في مساعدة العرب على إحياء ~~مجدهم وإنشاء دولتهم. ومنذ ذلك التاريخ صارت بغداد تدار إدارة خاصة، وفي 30 تشرين ~~الأول سنة 1918 عقدت الهدنة بين الإنكليز والعثمانيين وفي 30 تشرين الثاني سنة 1918 ~~طلب الإنكليز إلى العراقيين أن يجيبوا عن الأسئلة الثلاثة التالية بواسطة منتدبين ~~اختيروا لهذا الغرض، والأسئلة هي: ~~(1) # هل ترغبون بحكومة عربية مستقلة تحت الوصاية الإنكليزية يمتد نفوذها من ~~أعالي شمال الموصل إلى خليج فارس؟ ~~(2) # هل ترغبون أن يرأس هذه الحكومة أمير عربي؟ ~~(3) # من يكون ذلك الأمير الذي تختارونه؟ # فكان الجواب في بغداد والكثير من أصقاع القطر إبداء الرغبة في إنشاء حكومة عربية ~~مستقلة يرأسها أحد أنجال الملك حسين بن علي. وفي أواخر حزيران سنة 1920 ms32 اندلعت نار ~~الثورة العراقية المعروفة، فعرف الإنكليز حينئذ أن العراق لا يمكن إخضاعه بالقوة، ~~فقرروا إنشاء دولة عربية يرأسها رجل عربي يختاره العراقيون. # وفي 25 نيسان سنة 1920 انتزع الإنكليز من مجلس عصبة الأمم صك الانتداب الذي جاء ~~فيه: «الاعتراف بالعراق دولة مستقلة بشرط قبولها المشورة الإدارية والمساعدة من قبل ~~دولة منتدبة إلى أن تصبح قادرة على القيام بنفسها ...» فعهد إلى السيد عبد الرحمن نقيب ~~الأشراف في بغداد أن يؤلف حكومة مؤقتة لإشراك العراقيين بإدارة المملكة من جهة، ~~وللإشراف على تمهيد الطريق التي يتوصل بها الشعب العراقي إلى إبداء رأيه في شكل الحكومة ~~التي يرغب فيها. # وقد كتبت في الثورة كتب خاصة، وأفرد لها فصول في كتب لا يتسع هذا المختصر لشرح ~~تفاصيلها. # ووقع اختيار العراقيين على سمو الأمير فيصل بن الملك حسين بن علي، فكتبوا إلى والده ~~جلالة الملك حسين يطلبون إليه أن يسمح له بالسفر إلى العراق؛ فأجاب رغبتهم وسافر الأمير ~~فيصل فوصل البصرة في 20 حريزان سنة 1921، ثم قصد بغداد فاستقبل استقبالا حافلا لم ~~تشهد مدينة السلام نظيره منذ أجيال ، وجرى استفتاء عام في العراق؛ فأسفرت النتيجة عن ~~اختياره ملكا دستوريا على المملكة العراقية، وأعلن ذلك باحتفال رائع في 23 آب من ~~السنة المذكورة. # وفي 10 تشرين الأول سنة 1922 تم الاتفاق بين الفريقين على المعاهدة على ألا تكون ~~نافذة إلا بعد موافقة المجلس التأسيسي عليها. # ولم تزل تستقيل وزارة وتتألف أخرى إلى أن تم جمع المجلس التأسيسي في 27 آذار ~~سنة 1924، فنظر في لائحة القانون الأساسي وفي لائحة قانون الانتخابات فأقرهما، كما ~~نظر في المعاهدة العراقية الإنكليزية فأقرها بأكثرية ضئيلة، ودخل على القانون الأساسي ~~تعديلان: الأول بعد وضعه موضع العمل بسنة، والثاني سنة 1943. # ولم تزل المدة التي تضمنتها المعاهدة المذكورة بين المد والجزر، والعراقيون يلحفون ~~في طلب الاستقلال التام الذي لا تشوبه شائبة، حتى تم عقد المعاهدة العراقية ~~الإنكليزية في 30 حزيران سنة 1930 التي عليها العمل الآن، والتي خرج العراق بمقتضاها من ~~ربقة الانتداب الذي ms33 لم يعترف به في وقت ما إلى حظيرة الاستقلال، وبمقتضاها دخل ~~العراق عصبة الأمم بعد أن اعترف باستقلاله ست وخمسون دولة. # ومن أهم الأحداث التي اهتزت لها عاصمة الهاشميين وفاة المغفور له فيصل الأول في 8 ~~أيلول سنة 1933، فبويع ولي عهده نجله الملك غازي الأول، وكانت وفاة جلالة الملك فيصل ~~الأول في برن من بلاد سويسرة، فنقل جثمانه إلى بغداد بطيارة خاصة ودفن في مقبرة آل ~~البيت، التي كانت قد أعدت من قبل، وأهم حادث شهدته المملكة بعد ذلك وفاة ~~الملك الشاب المغفور له غازي الأول بحادث اصطدام سيارته الخاصة سنة 1939، فبويع ~~بالملك ولي عهده ابنه الفرد فيصل الثاني. ولما كان دون السن القانونية فقد عهد مجلس ~~الأمة بالوصاية عليه إلى سمو الأمير عبد الإله بن الملك علي بن الملك حسين، ولم يزل ~~قائما بأعباء مهمته هذه على خير ما يرام متخذا من سياسة المغفور له عمه فيصل الأول - ~~عليه الرحمة - منارا يأتم به. # | الباب الرابع # الخطط والآثار # لم تكد الدولة العباسية تتخذ بغداد عاصمة لها حتى أقبل الناس إليها من كل صوب وحدب، ~~وتكاثف فيها رجال المال والأعمال، فأكثروا من إنشاء الدور والقصور، وكانت الدولة ~~تشجع على ذلك وتمد أهل النشاط من التجار والصناع برعايتها وفضل عنايتها. وفي ~~الحق أنه لم تصل مدينة من مدن الإسلام في العصور الخالية إلى ما وصلت إليه بغداد من سعة ~~العمران ونبالة الآثار، كما أنه لم تصب مدينة منها بما أصيبت به بغداد من ~~الكوارث والجوائح. # فكما تضافرت الأيدي على عمرانها ورفعة شأنها، تضافرت الخطوب والكوارث على تمزيق ~~أديمها ومحو قديمها. فقد تعاونت أيدي الغرباء من الأجناد والفاتحين من المغول ومن لف ~~لفهم، ودجلة والفرات والأمراض الوافدة، على تدميرها وطمس معالمها، حتى لم يبق من ~~رسومها اليوم أثر يمكن أن يهتدي به الباحث المنقب إلى تعيين المواضع التي كانت تقوم ~~عليها تلك القصور الشاهقة والمباني الشامخة والمساجد الجامعة والمدارس العظيمة التي ~~كانت تملأ سمع الزمان وبصره، اللهم إلا بعض طلول لا تزال ماثلة؛ ms34 مثل: المدرسة ~~المستنصرية وباب الطلسم الذي ينسب بناؤه إلى الخليفة الناصر، وبعض المآذن وبقايا ~~خرائب قصر على دجلة من الجانب الشرقي أطلقت عليه دائرة الآثار اسم القصر العباسي ~~... # أين موضع المدينة المدورة؟ أين موضع قصور الخلفاء؟ أين موضع البيمارستان العضدي؟ أين ~~مجاري الأنهار التي كانت تجري خلال الجانبين؟ أين موضع المدرسة النظامية؟ أين مواضع ~~المحلات الكبيرة في الجانبين؟ أين مدافن الخلفاء العباسيين؟ ... # لا جواب على هذه الأسئلة إلا من قبيل الحدس والتخمين، أما الجواب المبني على ~~استنطاق الآثار واستجلاء المعالم فلا سبيل إليه؛ ولذلك فإن الباحثين في خطط بغداد اليوم ~~لا يخرجون في تدقيقاتهم واستنتاجاتهم عن حدود الظنون. ونحن نرجو من دائرة الآثار أن ~~تقوم بالحفر والتنقيب في أطراف المدينة اليوم؛ لعلها تهتدي إلى ما ينير السبيل أمام ~~المحققين من المؤرخين. # وقد رأينا تسهيلا على القارئ أن نوزع هذا الباب إلى فصول ينفرد كل فصل منها بنوع ~~من الآثار. # الفصل الأول # | أشهر المحلات في القديم # محلات الجانب الغربي # في الجانب الغربي محلات كثيرة من أشهرها محلة باب التبن، وعندها يقع مشهد الإمام ~~موسى بن جعفر، ويقرب منها محلة كان يطلق عليها اسم قطيعة أم جعفر، وإلى جنوبها ~~الشرقي تقع محلة الحربية، سميت بذلك لأنها كانت معسكرا لقائد من قواد المنصور ~~يقال له: حرب، وكان يضاف إليه أحد أبواب الجانب الغربي من المدينة المدورة، ~~فيقال له: «باب حرب»، وإلى جنوبي الحربية تقع محلة الشارع، وإلى الغرب منها تقع ~~محلة العتابية، وإلى الجنوب من العتابية تقع محلة البيمارستان - وهي على دجلة - ~~وإلى الجنوب الغربي منها تقع محلة الكرخ وهي أعظم محلات الجانب الغربي وأشهرها، ~~وتشتمل على كثير من القطائع والأرباض، وإلى الجنوب من محلة البيمارستان محلة باب ~~البصرة، وإلى الغرب منها محلة باب المحول، ويتاخم محلة باب البصرة محلة الشرقية بين ~~باب الحراني ودجلة. # ويتاخم الشرقية أو يبعد عنها قليلا ربض القرية، وأقصى محلات الجانب الغربي من ~~جهة الجنوب محلة قصر عيسى، وتقع على الضفة اليمنى من نهر عيسى عند مصبه في ms35 دجلة، ~~وكان الكثير من المحلات الكبيرة في هذا الجانب محاطا بأسوار خاصة حتى تظهر كل محلة ~~منها بمظهر بلد قائم بنفسه. # محلات الجانب الشرقي # من أشهر محلات الجانب الشرقي المحلة التي فيها مشهد الإمام أبي حنيفة، وإلى ~~جوارها من جهة الجنوب محلة الرصافة، وبينهما مقابر الخلفاء العباسيين، ويلي الرصافة ~~إلى الجنوب والشرق محلة الشماسية فمحلة المخرم. # وفي الجانبين كثير من الأرباض والقطائع اشتهرت بأسماء أصحابها، وهي مبثوثة في ~~كتب الجغرافية والتاريخ، وليس في الإمكان الاهتداء إلى مواضعها اليوم بالضبط المبني ~~على اليقين. # محلات بغداد اليوم # أما اليوم فتبلغ محلات بغداد حسب التقسيم الإداري الأخير زهاء 120 محلة، عدا ~~محلات بلدة الكاظمية، منها في الجانب الغربي 25 محلة. والمحلات التي استحدثت ~~بعد إنشاء الحكم الوطني كثيرة؛ منها: ثلاثة محلات في الجانب الغربي، وعشرة محلات في ~~الجهة الجنوبية من الجانب الشرقي، وخمسة في الجهة الشمالية منه. # أبواب بغداد اليوم # في الجانب الشرقي: # باب المعظم: يقع في الجهة الشمالية من هذا الجانب على الطريق ~~الممتد بين بغداد وبلدة الأعظمية، وكان يسمى في القديم باب ~~السلطان، وقد انمحى رسم هذا الباب اليوم ولم يبق إلا ~~اسمه . # الباب الوسطاني: # ويقع إلى الشرق من هذا الجانب، وكان في القديم يسمى باب ~~الظفرية - باب الطلسم - وكان يسمى في القديم باب الحلبة، وهو ~~الباب الوحيد الذي عليه كتابة عباسية بقيت إلى عهد ~~قريب. # الباب الشرقي: # ويقع في أقصى الجنوب، وكان يسمى في القديم باب البصلية، ~~ويطلق عليه بعض القدماء من المؤرخين اسم باب كلواذي؛ لأن السالك ~~إلى قرية كلواذي يمر بهذا الباب. وبعد أن اندثر أكثر سور الجانب ~~الشرقي على عهد مدحة باشا لم يبق لهذه الأبواب كبير شأن. # في الجانب الغربي: # أما الجانب الغربي فلا يظهر فيه أثر لسور قديم اليوم، ولكن أهل ~~بغداد يلهجون بأسماء أبواب ليس لها من أثر محسوس، أحدها في الجنوب ~~ويعرف باسم باب السيف، ويفضي إلى أنبار واسع على سيف دجلة ~~يسمى السيف، وهو في محلة تعرف بمحلة باب السيف، والباب ~~الآخر ms36 من الجهة الغربية من هذا الجانب، ويعرف باسم باب الشيخ ~~معروف، وهو يؤدي إلى مشهد الشيخ معروف الكرخي، والباب الثالث في ~~الجهة الشمالية ويعرف باسم باب الكاظم يمر فيه الذاهب إلى بلدة ~~الكاظمية، ومن المحتمل أن تكون لهذه الأسماء معان في السور القديم ~~لهذا الجانب، أما اليوم فليس هناك أي أمارة تدل على مواضع هذه ~~الأبواب. # الفصل الثاني # | المساجد الجامعة # في مقدمة المباني العامة التي عني بها القوم الإكثار من إقامة المعابد، وأول مسجد ~~جامع أقيم في مدينة المنصور هو المسجد الذي أنشأه المنصور لنفسه ملاصقا لقصره ~~الكبير المعروف بقصر الذهب؛ جريا على عادة أهل ذلك الزمان في جعل المساجد ملاصقة لدور ~~الإمارة، وكانت مساحته مائتي ذراع في مائتين على نمط مساجد الكوفة والبصرة وواسط. وكان ~~في أول الأمر مبنيا باللبن والطين إلى أن كان عهد الرشيد؛ فأمر بنقضه وإعادة بنائه ~~بالآجر والجص مع زيادة في مساحته. وقد تم ذلك سنة 192 ثم ألحق به ديوان المنصور ~~سنة 261، ثم أضاف إليه المعتضد بالله قصر المنصور، وبقي هذا المسجد عامرا إلى العصر ~~الثامن الهجري. فقد ذكر ابن بطوطة في سنة 727 أن هذا المسجد لا يزال قائما تقام ~~فيه الجمع، ثم لم يرد له ذكر بعد ذلك ولا أثر له اليوم؛ مما يظهر أنه اندثر على ~~عهد الحكومات التي توالت على بغداد بعد حكومة المغول. # مسجد الرصافة: # ولما أنشأ المنصور قصر الرصافة في الجانب الشرقي ألحق به مسجدا ~~جامعا، وفي خلافة المهدي صارت تقام فيه الجمع، ولم تكن تقام ~~الجمع في بغداد يومذاك إلا في مسجد المنصور ومسجد الرصافة إلى وقت ~~خلافة المعتضد. # مسجد دار الخلافة: # عندما انتقل الخليفة المعتضد إلى القصر الحسني (الذي عرف بقصر ~~الخلافة على ما سيأتي) أذن للناس بإقامة الجمعة داخل هذا القصر، ~~فكان يؤذن للمصلين في الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها، فلما ~~استخلف المكتفي سنة 289 ترك القصر وأمر أن يقام فيه مسجد جامع ~~يصلي فيه الناس، وكان الناس يبكرون إلى المسجد الجامع في الدار ms37 ~~أيام الجمع، فلا يمنعون من دخوله ويقيمون فيه إلى آخر النهار، ~~واستقرت صلاة الجمعة ببغداد في المساجد الثلاثة إلى وقت خلافة ~~المتقي. # مسجد براثا: # كان في براثا مسجد تقام فيه الصلاة، ولما كانت خلافة المقتدر أمر ~~بهدمه عندما بلغه أن ناسا يجتمعون فيه للخروج عن الطاعة، وبقي ~~خرابا إلى سنة 328، فأمر الأمير بإعادة بنائه وتوسعته وإحكامه، ووسع ~~فيه ببعض مما ابتيع له من أملاك الناس، وكتب في صدره اسم الراضي بالله، ~~وكان الناس ينتابونه للصلاة فيه والتبرك به؛ لأنهم يرون أنه أقيم ~~على موضع صلى فيه الإمام علي - رضي الله عنه - عند منصرفه من حرب ~~الخوارج، ثم أمر المتقي بالله بنصب منبر فيه، وأول جمعة أقيمت فيه ~~كانت في جمادى الأولى سنة 329، ثم توالت صلاة الجمعة فيه، وصار أحد ~~مساجد الحضرة. # مسجد قطيعة أم جعفر: # هو مسجد أقيم بناء على رؤيا رأتها امرأة وثق الناس بصدقها يومئذ، ~~وشك بعض الفقهاء في صحة إقامة الجمعة فيه لقربه من المسجد الجامع ~~في دار الخلافة بناء على القول بأن الجمعة لا تقام بأكثر من موضع واحد ~~في البلد الواحد، ولكن الخليفة الطائع أذن أن تقام به الجمعة بناء ~~على كونه منفصلا عن المدينة بخندق، فكأنه واقع في بلد آخر. # مسجد الحربية: # هو مسجد أنشأه أبو بكر بن عبد العزيز الهاشمي في أيام المطيع لله ~~ليكون جامعا يخطب فيه، فمنع المطيع من ذلك للسبب الذي ذكر في ~~مسجد قطيعة أم جعفر، ومكث المسجد على تلك الحال حتى استخلف القادر ~~بالله، فاستفتى الفقهاء في أمره فأفتوا بجواز إقامة الجمعة فيه، وذلك ~~في شهر ربيع الآخر سنة 383. قال الخطيب البغدادي: «أدركت صلاة الجمعة ~~وهي تقام ببغداد في مسجد المدينة ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة ~~ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر ومسجد الحربية، ولم تزل على هذا إلى ~~أن خرجت بغداد سنة 451، ثم تعطلت في مسجد براثا فلم تكن تصلى ~~فيه.» ا.ه. # أما المساجد غير الجامعة فلا تكاد تحصى عدا، وقد بالغ الأقدمون في التقدير، فذكروا ~~أنها ms38 تبلغ عدة مئات من الألوف مما لا يكاد يصدق. وقال ابن بطوطة: «وببغداد من ~~المساجد التي يخطب فيها، وتقام فيها الجمعة أحد عشر مسجدا، منها بالجانب الغربي ~~ثمانية، وبالجانب الشرقي ثلاثة، والمساجد سواها كثيرة جدا.» ولم يبق من المساجد ~~التي ذكرها الخطيب اليوم عين ولا أثر، اللهم إلا مسجد دار الخلافة، فالظن يغلب على ~~أنه كان في الموضع الذي تقوم فيه منارة سوق الغزل، ولا يزال على مقربة منها مسجد ~~جامع يقال له جامع الخلفاء. # واليوم لا يكاد المنقب المدقق يهتدي إلى مواضع المحلات القديمة من بغداد؛ لذهاب ~~أطلالها ورسومها، وانطماس آثارها ومعالمها، ولم يبق لذوي البصائر بصيص ينير لهم ~~الطريق للاهتداء إلى مواضع تلك المساجد العظيمة، التي عمرت بالمصلين حينا من ~~الدهر، إلا مضاجع الأقدمين التي أسموها بالأضرحة ومن أشهرها اليوم في الجانب الشرقي: # جامع أبي حنيفة: # المعروف اليوم بجامع الإمام الأعظم، وبلدة الأعظمية، وإن كانت منفصلة ~~عن بغداد حينا من الدهر، فإنها أصبحت اليوم متصلة بها معدودة جزءا ~~منها، كما كانت في صدر الدولة العباسية. وإلى يسار المحراب من هذا ~~المسجد قبر الإمام أبي حنيفة المتوفى سنة 150، وقد ذكر المقدسي أنه زار ~~هذا القبر سنة 375، وذكر أنه كان فيه صفة من إنشاء أحد العلماء ~~المعاصرين له. # وفي سنة 459، أقام أبو سعد الخوارزمي أحد عمال ملكشاه السلجوقي على ~~هذا القبر قبة شامخة، وبنى إلى جوارها مدرسة للحنفية، ثم اقتطع من ~~تلك المدرسة مسجدا جامعا. وفي سنة 479 زار هذا القبر السلطان ملكشاه ~~السلجوقي ووزيره نظام الملك، كما مر في الباب السابق، وزاره ابن ~~جبير سنة 580 فذكر «أنه مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في ~~الهواء.» وقال ابن بطوطة: «وبقرب الرصافة قبر الإمام أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وعليه قبة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر ~~...» # ولما استولى الصفويون على بغداد امتدت يد التخريب إلى هذا المسجد، ~~ولكن خلفاء بني عثمان أعادوه إلى أحسن مما كان، فذكر المؤرخون أن ~~السلطان مرادا الرابع صلى في هذا المسجد عدة أوقات ms39 للتبرك، وشارك ~~القراء بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم. ولا يزال هذا المسجد ~~قائما إلى عهدنا هذا، وهو من أرسخ الآثار التاريخية التي يستعان بها ~~على فهم الوضع الجغرافي للجانب الشرقي من بغداد، فقد ذهبت آثار محلة ~~الرصافة والشماسية ومحلة المخرم، ولم يبق من أثر يستدل به على ~~مواضعها إلا هذا المسجد. # جامع الخلفاء: # وهو جامع صغير أنشأه والي بغداد سليمان باشا سنة 1193 على زاوية من ~~أنقاض جامع عظيم طمست آثاره ولم يبق منه إلا منارته التاريخية ~~العجيبة، ويغلب على الظن أن هذه المنارة كانت قائمة في مسجد دار ~~الخلافة. وأما القول بأن هذه المنارة من آثار مسجد الرصافة، فإنه وهم ~~لا يخفى؛ لأن رصافة المهدي وجامعها على مقربة من قبر الإمام أبي حنيفة، ~~ولا يعقل أن تمتد إلى الجهة التي فيها منارة سوق الغزل. # مسجد الشيخ عبد القادر الجيلي: # ذكروا أن الشيخ عبد القادر الجيلي - رضي الله عنه - قد خلف شيخه أبا ~~سعيد المخرمي في مدرسته التي كانت تقع على باب الأزج، فأضاف إليها ~~وعمرها؛ فأعانه الأغنياء بمالهم والفقراء بعملهم. ولما توفي سنة ~~561 دفن في رواقها، وبعد وفاته بزمن اتخذت هذه المدرسة مسجدا، ~~ولا يزال هذا المسجد قائما، وهو من أوسع مساجد بغداد اليوم، وعلى ~~مصلاه قبة تعد أعظم قبة في مساجد بغداد، والمحلة التي تحيط ~~بهذا المسجد تعرف اليوم بمحلة «باب الشيخ»، والمراد بالشيخ: الشيخ ~~عبد القادر. # جامع الشيخ عمر السهروردي: # وهو من أقدم جوامع بغداد، وإلى جواره قبة مخروطية الشكل تظلل ~~قبر الشيخ السهروردي المتوفى سنة 632، والشيخ عمر هذا من أكابر فقهاء ~~الشافعية، ومن مشاهير الصوفية، وهو صاحب كتاب «عوارف المعارف» في ~~التصوف، وقبته هذه تعتبر من أقدم الآثار التاريخية في بغداد، ولها ~~شبه تام بالقبة المعروفة اليوم بقبة الست زبيدة، # 1 # وأهل بغداد اليوم يزورون هذا القبر ويتبركون به. # جامع مرجان: # هو في الأصل مدرسة شادها الخواجة مرجان مملوك السلطان أويس الجلائري ~~سنة 758، وجعل ضمنها مسجدا تقام فيه الجمع، ووقف عليها الأوقاف ~~الطائلة، وقد ms40 نقش بالآجر على جدران هذه المدرسة جميع ما وقف عليها مع ~~شروط الوقف، ولا تزال هذه المبرة قائمة إلى اليوم على الجانب الشرقي من ~~شارع الرشيد، وفيها من ضروب الريازة وبديع الصناعة المعمارية ما جعلها ~~محج رواد الآثار العتيقة، وطلاب الفنون الجميلة. وفي هذه المدرسة ~~دفن مرجان سنة 774، ولا يزال قبره ظاهرا إلى الآن. # هذه أظهر المساجد الجامعة في الجانب الشرقي، أما في الجانب الغربي فأشهر المساجد ~~القديمة مسجد الكاظمين، وهو المسجد المشتمل على ضريح الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~وحفيده محمد الجواد عليهم الرضوان، وهو مسجد واسع الأكناف واقع في وسط بلدة الكاظمين ~~التي تقابل بلدة الأعظمية، ويربط بينهما جسر عائم على دجلة، وبينها وبين الجانب الغربي ~~من بغداد اليوم نحو ثلاثة أميال، ولا يعلم بالضبط التاريخ الذي أقيم فيه هذا ~~المسجد، غير أن المؤرخين يذكرون أن الخليفة الطائع (363-381) صلى الجمعة إماما في ~~هذا المسجد أكثر من مرة. وقد ذكر ابن جبير هذا المسجد في جملة المشاهد التي زارها، ~~وقد ذكر المؤرخون أن النار قد التهمت هذا المسجد سنة 622 في خلافة الظاهر بالله فأسرع ~~الخليفة إلى إعادة بنائه ولكن المنية عاجلته، فأتمه ابنه المستنصر. وعند حصار المغول ~~لبغداد سنة 656، أصيب هذا المسجد بتدمير كبير ولكن هولاكو أمر بعد ذلك بإصلاح ما ~~دمر، وقد أصيب بالغرق عدة مرات ولكنه استمر ثابتا، ويقوم اليوم على هذين ~~الضريحين مسجد واسع الأكناف، رفعت قبابه في السماء، وزينت بضروب من الزينة، ~~وأحيطت بأربع مآذن شوامخ. وقد غشي كل ذلك بصفائح من النحاس مطلية بالذهب تظهر ~~للناظر على مسافة أميال من بغداد يكاد لمعانها يأخذ بالأبصار، وزين سائر جدران ~~المسجد بالقاشاني الجميل، أما داخل المسجد فيقصر الوصف عما فيه من ضروب الزينة وصنوف الفن: # مسجد الشيخ معروف: # وهذا أيضا من المساجد القديمة في الجانب الغربي وفيه قبر معروف ~~الكرخي، وهو في سرداب عميق، وكان الشيخ معروف في الأصل مسيحيا أسلم ~~على يد علي بن موسى الرضا، فعد من مواليه، وله عند أهل ms41 التصوف مقام ~~رفيع، وعند أهل العلم حرمة كبيرة، وتوفي سنة 200. ويظهر أن مسجده ~~هذا قديم العهد، فقد ذكره أكثر المؤرخين، والقبة القائمة عليه اليوم ~~مزينة بضروب القاشاني الجميل، ويقصده الناس للزيارة في أيام ~~معلومة. # جامع القمرية: # وهو من مساجد الجانب الغربي القديمة الذي تكرر ذكره في بعض ~~التواريخ، ولم يعرف بانيه بالضبط، وقد نسب إليه جماعة من أهل ~~العلم الذين درسوا فيه. ويغلب على الظن أن هذا المسجد من المساجد ~~التي بنيت في أواخر العهد العباسي، وهو من أصح مساجد بغداد ~~قبلة، ومن المساجد القليلة التي ليس فيها قبر لأحد. # جامع الشيخ صندل: # ذكر بعض المؤرخين أن صندلا هذا كان أستاذ الدار في خلافة المقتفي ~~لأمر الله، وكان يلقب بعماد الدين، وأنه توفي سنة 593، ودفن ~~في تربته الخاصة التي أعدها لنفسه من قبل في الجانب الغربي. ~~والجامع المعروف اليوم بجامع الشيخ صندل قائم على هذه التربة، وقد ~~جددت عمارته سنة 1311 ثم في سنة 1360. # هذه المساجد من أشهر مساجد بغداد اليوم، وفي بغداد اليوم نحو من ستين مسجدا جامعا ~~بما فيها المساجد الجامعة في الأعظمية والكاظمية، استقصاها المحقق السيد محمود شكري ~~الألوسي - عليه الرحمة - في كتابه الذي أسماه: «تأريخ مساجد بغداد وآثارها » وهو مطبوع # 2 # متداول، فمن شاء التوسع فليرجع إليه، # 3 # ولم يخرج عنه إلا مسجد سمو الأمير عبد الإله الذي أمر سموه ببنائه في محلة ~~العيواضية في الجانب الشرقي من بغداد، ومسجد المرحوم فتاح باشا الذي أقيم في الجانب ~~الغربي على مقربة من رأس الجسر الذي يصل بين بلدتي الأعظمية والكاظمية. # الفصل الثالث # | المدارس # كانت المساجد - والمساجد الجامعة على الأخص - مباءة لأشياخ العلم، ومرادا ~~لتلاميذهم، فكان الشيخ يجلس إلى سارية من سواري المسجد، ويحلق أمامه الطلبة، فيقول ~~وهم يسمعون أو يقرأ أحدهم وهو يسمع ويشرح ويوضح، فكان كل مسجد بمثابة جامعة تتألف من ~~عدة كليات، فإن المسجد الجامع الواحد قد يضم من حلقات العلم العدد العديد. فهناك ~~حلقات لتدريس علم الكلام، وهناك لتعليم الفقه، وأخرى لرواة الحديث. وهكذا ms42 تجد المسجد ~~الواحد يشتمل على حلقات كثيرة لعلوم كثيرة ما بين شرعية ولسانية وكونية، وفي جنب هذه ~~المؤسسات مدارس لا تكاد تحصى عدا، ويقصر التعليم فيها على مبادئ القراءة والكتابة ~~وبسائط علم اللغة والحساب، ويعنى فيها عناية خاصة بتدريس القرآن الكريم، يطلق عليها ~~اسم الكتاتيب - الواحد منها كتاب - وهي بمثابة المدارس الأولية اليوم. وهذه الكتاتيب ~~قد تكون في المساجد وقد تكون في البيوت الخاصة، والقائمون على التعليم فيها يقال لهم ~~المعلمون، ومن هنا يفهم أن التعليم ينقسم في تلك العصور إلى قسمين: أولي، وعال. ~~أما التعليم الذي نسميه اليوم بالتعليم الثانوي فإنه يندمج في التعليم العالي ~~اندماجا تاما. # وهنالك مدارس كثيرة لتأديب الجواري وتثقيفهن، والجارية التي تتأدب وتتهذب تغلو قيمتها ~~وتعلو مكانتها. # وأول من نعلمه أمر ببناء مدرسة مستقلة عن الجوامع في بغداد أحمد بن طلحة الموفق ~~الملقب بالمعتضد (المتوفى سنة 289)، فإنه عندما وضع الخطة لإنشاء قصره في الشماسية ~~استزاد المهندسين في الذرع، فسئل عن ذلك فذكر «أنه يريد أن يبني فيه دورا ومساكن ~~ومقاصير يرتب في كل موضع رؤساء كل صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ~~ويجري عليهم الأرزاق السنية ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيسا ما يختاره ~~فيأخذ عنه .» # 1 # النظامية: # ثم بنى الحسن بن علي الملقب بنظام الملك وزير ملكشاه السلجوقي ~~مدرسته المعروفة بالنظامية، وأتم بناءها سنة 459، وكانت في الجانب ~~الشرقي. ذكر المؤرخون أنها افتتحت في يوم السبت عاشر ذي الحجة من ~~السنة المذكورة، وكان يوم افتتاحها يوما مشهودا، حضره رجال الدولة ~~والعلماء والأعيان وغيرهم ... ورتبت فيها جرايات ومعاليم للمدرسين ~~وللطلبة. # وقد تخرج فيها من أساطين العلم وأساتيذ الفضل جماعة كبيرة، وكفاها ~~فخرا أن يكون من أساتذتها أبو إسحاق الشيرازي كبير فقهاء الشافعية ~~والإمام أبو حامد الغزالي وأبو بكر محمد بن أحمد الشاشي كبير فقهاء ~~الحنفية وغيرهم وغيرهم. # قال المحقق السيد محمود شكري الألوسي في كتابه «تأريخ مساجد بغداد»: # لم ندرك نحن ولا آباؤنا أثرا من آثارها ... ولم يبق منها ~~سوى بقايا مئذنة بقيت ms43 تشكو بلسان حالها ... # وقد نظم شاعر العصر الأستاذ الرصافي قصيدة على لسان هذه المدرسة جاء ~~في مطلعها: # 2 # قوض الدهر بالخراب عمادي # ورمتني يداه بالأنكاد # ومنها: # طالما رفرفت من العلم رايا # ت فخار مني على بغداد # أهل بغداد ما لأعينكم تغ # مض عني كأنكم في رقاد؟! # أهل بغداد هل ترق قلوب # منكم راعها انقضاض عمادي؟ # رق حتى قلب الجماد لفقدي # فلتكونن قلوبكم من جماد # البيمارستان: # في أواخر العصر الثالث وأوائل الرابع أنشئ معهد للطب أطلق ~~عليه اسم البيمارستان، وكان الطبيب الكبير أبو بكر الرازي المتوفى سنة ~~320 يدرس فيه الطب. وقد أنشأ عضد الدولة بن بويه بيمارستانا آخر ~~على أنقاض قصر الخلد، أطلق الناس عليه اسم البيمارستان العضدي، وأطلقوا ~~على الذي قبله اسم البيمارستان العتيق، والبيمارستان العتيق يعتبر ~~أول مدرسة طبية نظرية وعملية أنشئت في بغداد، وكلا البيمارستانين ~~في الجانب الغربي. قال ابن جبير: «وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق ~~المارستان، وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهير ببغداد وهو على ~~دجلة، ويتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به، ~~ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قومة يتولون طبخ ~~الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق ~~المساكن الملوكية ...» ا.ه. والظاهر أن هذا البيمارستان عاش إلى ما بعد ~~سقوط بغداد بيد المغول، فقد ذكره ابن بطوطة في سنة 727 قائلا: «وهو ~~قصر كبير خرب بقيت منه الآثار.» ولم يبق اليوم لهذا البناء أثر ~~يهتدى به إلى مكانه. # المستنصرية: # هي المدرسة العباسية الوحيدة التي بقيت إلى يوم ماثلة للعيان، محتفظة ~~بالكثير من الكتابات التي سطرها بناتها على جدرانها. وقد أطنب ~~المؤرخون في وصفها، وكتب المعاصرون الرسائل الخاصة بها، وحبروا ~~المقالات الطويلة في مبتدأ خبرها ومنتهى أمرها. وعلى الجملة، فإنها ~~آخر مدرسة بناها خلائف بني العباس، وقد بقيت تعجمها الكوارث وتزحمها ~~الحوادث، وتمر بها القرون مرور الريح فوق الجبل الأشم. تم بناؤها ~~وفتحت للتدريس أبوابها سنة 631، وكان يوم افتتاحها يوما مشهودا حضره ~~الخليفة والوزير وكبار رجال الدولة ms44 والعلماء والأدباء والأعيان وسائر ~~الوجوه في بغداد، وأنشد الشعراء قصائد التهنئة والثناء في ذلك اليوم، ~~وحمل إليها من قصور الخلافة في ذلك اليوم مائة وستون حملا من ~~الكتب، سوى ما نقل إليها بعد ذلك وما أحضره أرباب الدولة والمتمولون ~~من كتبهم تقربا إلى قلب الخليفة، ورتب فيها مدرسون على المذاهب ~~الأربعة لكل مدرس أربعة معيدون، ورتب لخزانة كتبها خازن ومساعدون، ~~وأجري على كل طالب في المدرسة في كل يوم أربعة أرطال من الخبز وكمية ~~معينة من الطبيخ، ورتب لكل طالب أيضا ديناران في الشهر، إضافة إلى ~~ما رتب لهم من الحلوى، والفاكهة، والصابون، والزيت. # وعين فيها مدرسون لإقراء القرآن وللحديث وللنحو وللطب، وأجري ~~على المدرسين والمعيدين وسائر الموظفين ما يكفيهم من الأرزاق اليومية ~~والشهرية، وقد بلغ ريع ما وقف عليها من العقارات والمسقفات أكثر من ~~سبعين ألف مثقال سنويا. وقد زار ابن بطوطة هذه المدرسة وحضر التدريس ~~فيها. # ولما دخل المغول بغداد لم تسلم هذه المدرسة من يد الاعتداء، فقد عصفت ~~بكتبها وأثاثها عاصفة النهب والتبديد، ثم أعيدت إلى سابق عهدها، ~~وأعيدت إليها أوقافها، ولم تزل على ذلك إلى العهد العثماني، وهناك ~~جردها المتغلبون من أوقافها، فبقيت تعالج السكرات إلى أن عهد ~~بولاية بغداد إلى سليمان باشا المتوفى سنة 1217، فجعل المستنصرية ~~مستغلا لمدرسته «السليمانية»، ومنذ ذلك الحين صارت المستنصرية خانا ~~تخزن فيه السلع، ثم إن المجلس العسكري استأجرها من دائرة الوقف ~~لعدة سنوات بمبلغ زهيد، ولم تلبث الدوائر العسكرية أن ادعت ملكيتها ~~وباعتها لدائرة الرسومات سنة 1311، وهنا وصلت بها الحال إلى أدنى ~~دركات الهوان، فرثاها الشعراء المعاصرون رثاء أبكى العيون، فمن ذلك قول ~~جميل صدقي الزهاوي - عليه الرحمة: # وقفت على المستنصرية باكيا # ربوعا بها للعلم أمست خواليا # وقفت بها أبكي قديم حياتها # وأبكي بها الحسنى وأبكي المعاليا # وقفت بها أبكي بشعري بناتها # وأنعى سجاياهم وأنعى المساعيا # بكيت بها المدفون في حجراتها # من العلم حتى بل دمعي ردائيا # وقد جد بعض الأحرار الغير، فأثبتوا أمام المحاكم أنها المدرسة ~~المستنصرية، فأعادوها إلى ms45 دائرة الأوقاف على الرغم من أنوف الجاهلين، ~~وفي النية رمها وإصلاحها وجعلها معهدا علميا يلتئم مع حاجة العصر ~~الحاضر. # ويظهر أن البغداديين قد جدوا بعد إنشاء المدرسة النظامية بإنشاء ~~المدارس على نمطها، حتى صارت تعد المدارس الكبيرة في بغداد ~~بالعشرات. قال ابن جبير: «والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها ~~بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها ~~وأشهرها النظامية ...» # مدرسة مرجان: # ذكرنا سالفا أن مرجان كان مملوكا روميا للسلطان أويس الجلائري، ~~وأنه أنشأ هذه المدرسة ورصد لها الأوقاف الكثيرة، وألحق بها مسجدا ~~أصبح اليوم مسجدا جامعا، وقد غلب اسم المسجد الجامع على هذه المدرسة، ~~فالناس اليوم يعرفون «جامع مرجان» أكثر مما يعرفون «مدرسة مرجان» مع أن ~~المدرسة كانت هي الأصل. # والمدارس القديمة اليوم في بغداد كلها متصلة بالمساجد، وهي كثيرة تدرس فيها ~~العلوم الشرعية واللسانية وبعض العلوم الكونية، وقد يكون للمدرسة الواحدة منها أكثر من ~~مدرس واحد. وكل المدارس القديمة ببغداد دينية ومناهجها تابعة للتقاليد القديمة، عدا دار ~~العلوم الدينية والعربية، فإنها مؤسسة على النمط الحديث، وتتألف من قسم ثانوي وقسم ~~عال، وتدرس فيها مع العلوم الدينية والعلوم اللسانية علوم أخرى لا يمكن أن يستغني ~~عنها علماء الدين في هذا العصر؛ مثل: علم الاجتماع ، وعلم النفس، وأصول التعليم، وغيرها. ~~وأكثر طلابها يعيشون على نفقة مديرية الأوقاف العامة. وهذه المدرسة واقعة إلى جوار مشهد ~~الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. # أما المدارس الحديثة فقد بدئ بإنشائها في بغداد على عهد الوالي مدحة باشا، ولكنها ~~كانت قليلة، ولغة التدريس فيها هي اللغة التركية. ولما أنشئت الحكومة الوطنية ~~وجهت جل عنايتها إلى الإكثار من هذه المدارس على اختلاف مراحلها من ابتدائية ~~وثانوية وعالية. ففي سنة 1942-1943 الدراسية بلغت مدارس الأحداث في بغداد 25 مدرسة يقوم ~~بالتعليم فيها 166 معلمة، وهذه المدارس تجمع بين جدرانها البنات والبنين. وبلغت المدارس ~~الابتدائية في السنة نفسها عدا مدارس الأحدث 95 مدرسة منها 31 مدرسة للإناث يقوم ~~بالتعليم فيها 707 من المعلمين والمعلمات، وبلغت المدارس ms46 المتوسطة والإعدادية عشرين ~~مدرسة، ثمان منها للإناث، يقوم بالتدريس فيها 200 مدرس ومدرسة. وفي العاصمة سبع من دور ~~المعلمين والمعلمات، منها ثلاث للمعلمات وواحدة عالية، يتألف طلابها من الجنسين، وهناك ~~مدرسة للصنائع وأخرى للزراعة وأخرى للفنون البيتية. وفي بغداد من المدارس العالية - عدا ~~دار المعلمين العالية - كلية للحقوق وكلية للطب وكلية للصيدلة وكلية للهندسة وكلية ~~لتخريج الضباط تابعة للجيش، وقد وضع تصميم لإنشاء كلية عالية لتخريج ضباط ~~الشرطة. # هذه هي المدارس التابعة لوزارة المعارف مباشرة، أما المدارس الأهلية الابتدائية ~~فتبلغ 42 مدرسة منها 19 للإناث يقوم على التعليم فيها 344 معلما ومعلمة، وبلغت المدارس ~~المتوسطة والإعدادية الأهلية 16 مدرسة منها 3 للإناث يقوم على التدريس فيها 107 من ~~المدرسين والمدرسات، وفي بغداد مدرستان ابتدائيتان أجنبيتان وسبع متوسطات وإعداديات ~~يقوم على التدريس فيها 57 مدرسا ومدرسة. # ومجموع طلاب المدارس في العاصمة يبلغ زهاء 30 ألف طالب وطالبة، ومجموع طلاب المدارس ~~الرسمية في العراق لسنة 942-943 زهاء 105 آلاف، ومجموع المدارس الرسمية 863 مدرسة يقوم ~~بالتدريس فيها 4647 مدرسا. # وبلغت حصة المعارف في ميزانية الدولة لسنة 943-944 و110 و1204 و2 من الدنانير وهي ~~أكثر من عشر ميزانية الدولة. # الفصل الرابع # | المتاحف # لم يكن للآثار العتيقة في بغداد دور خاصة إلا بعد انفصال العراق عن الدولة ~~العثمانية، وبغداد اليوم تحتوي على خمس دور لهذه الآثار: ~~(1) # المتحف المركزي: # ويشتمل على آثار ~~الأقدمين من سومريين وبابليين وآشوريين وغيرهم ممن قطن العراق قبل ~~الإسلام. ~~(2) # دار الآثار العربية: # وتشتمل على الآثار ~~الإسلامية في سامراء وواسط والكوفة وغيرها. وتنقسم إلى قسمين: قسم يقوم في ~~بناية قديمة قرب جامع مرجان تسمى «خان الأرتمة»، وقسم يقوم في القصر ~~العباسي الواقع في القلعة على دجلة. ~~(3) # متحف الأزياء: # ويضم الأزياء العراقية ~~قديمها وحديثها، وأهم ما فيه مخلفات الملك فيصل الأول عليه الرحمة. ~~(4) # متحف السلاح: # ويقوم على باب من أبواب ~~السور القديم في الجانب الشرقي يعرف اليوم بالباب الوسطاني. # الفصل الخامس # | خزائن الكتب # كان خلفاء بني العباس والأثرياء من رجال دولتهم يبذلون جهودا ms47 مشكورة في جمع الكتب ~~النادرة، ويسهلون على أهل العلم الانتفاع بها، فكانت قصور الخلفاء والكبراء تتزين ~~بخزائن تشتمل على العدد الكثير من الكتب، وقد أنشأ الرشيد بناية خاصة في قصره جمع إليها ~~الكثير من الكتب العربية وغير العربية، ثم جاء المأمون من بعده فزاد في ثروة هذه ~~الخزانة، وأطلق على البناية التي تضمنتها اسم «بيت الحكمة»، فكانت تشتمل على الكتب ~~الشرعية واللسانية وما ترجم عن اليونانية والفارسية والسنسكريتية والكلدانية ~~والقبطية. وتحول بيت الحكمة في زمنه إلى مدرسة عظيمة تضم جماعة من المترجمين عن ~~اللغات الأعجمية على اختلاف ضروبها، والمؤلفين من علماء العربية ورجال الدين والفلسفة، ~~كما تضم جماعة من الوراقين الذين عهد إليهم بنسخ الكتب، ولهذا البيت قيم يقال له ~~صاحب بيت الحكمة. ثم اقتدى الكبراء بالخلفاء وأنشئوا دورا للكتب خاصة وعامة، ومن ~~أشهر الدور العامة «دار سابور بن أردشير» في الجانب الغربي، وقد أودعها ألوفا من ~~المجلدات النادرة الثمينة، وقد كان يتردد إليها أبو العلاء مدة مكثه في بغداد، ~~وإليها يشير بقوله: # وغنت لنا في دار سابور قينة # من الورق مطراب الأصائل ميهال # رأت زهرا غضا فهاجت بمزهر # مثانيه أحشاء لطفن وأوصال # واحترقت هذه الخزانة في فاتحة استيلاء السلاجقة على بغداد، ولما أنشئت النظامية ~~أنشئت فيها خزانة عظيمة احتوت على كتب كثيرة في علوم كثيرة، ثم كلما أنشئت مدرسة ~~ضمت إليها خزانة كما مر ذلك في الكلام على مدرسة المستنصر. وأعظم كارثة أصيبت ~~بها خزائن الكتب في بغداد هي كارثة المغول؛ فقد أتلفوا منها الشيء الكثير. ولم تزل بعد ~~ذلك خزائن الكتب موضع الرعاية من رجال الحكومات المتعاقبة إلى أن فشا الطاعون في بغداد ~~على عهد الوالي داود باشا، ورافقه طغيان دجلة وحريق هائل، أودى كل ذلك بكثير من خزائن ~~الكتب. ولما اشتدت المجاعة في القرن الثالث عشر الهجري أخذ الناس يبيعون الكتب القيمة ~~بأبخس الأثمان، وأقبل جماعة من تجار الفرنج وعملائهم على شرائها. وقد حدثني بعض الأشياخ ~~المعمرين أنه كان يرى بعينه سفنا تنحدر إلى البصرة لا تحمل ms48 إلا الكتب، ومن هناك ~~تشحن في السفن البخارية إلى ديار الفرنجة، وقال إنه رأى بأم عينه صحاح الجوهري ~~بخط امرأة بغدادية ذكرت في آخره أنها كتبته وهي إلى جنب ولدها، وكثيرا ما كانت تحرك ~~المهد برجلها وهي تكتب. # أما اليوم فلا تكاد تخلو مدرسة من المدارس التابعة للأوقاف في بغداد من خزانة كتب ~~تكثر فيها المخطوطات، وقد جمعت وزارة الأوقاف سنة 1928 الكثير من تلك الكتب في بناية ~~خاصة، واتخذت وزارة المعارف من هذه البناية خزانة لكتبها، وأطلقت عليها اسم «المكتبة ~~العامة»، وتشتمل هذه الخزانة على زهاء 15000 كتاب، أما مكتبة الأوقاف التي أشرنا إليها ~~فتحتوي على 11000 كتاب. وللمتحف خزانة خاصة تضم الكثير من الكتب التاريخية الثمينة ~~تحتوي على زهاء 10000 كتاب، وفي البلاط الملكي خزانة تشتمل على كثير من الكتب القيمة، ~~وفي مجلس الأمة خزانتان إحداهما في مجلس الأعيان، وثانيتهما في مجلس النواب، وتحتوي ~~الخزانتان على زهاء 7000 مجلد، وفي الكليات العالية خزانات كتب تشتمل على ما يهم ~~أساتذتها وطلابها من المؤلفات، وأوسع هذه الخزانات خزانة دار المعلمين العالية، فإنها ~~تشتمل على زهاء 6000 كتاب. # وفي بغداد خزانات كتب خاصة تحتوي كتبا نادرة من أشهرها خزانة دير الكرمليين التي ~~أنشأها اللغوي المحقق أنستاس ماري الكرملي، وخزانة المحامي الفاضل عباس العزاوي، ~~وخزانة الوجيه البحاثة يعقوب سركيس، وفي بغداد خزانات أخرى كثيرة ليس هذا موضع ~~استقصائها. # الفصل السادس # | القصور # قلنا سابقا: إن المنصور لما أتم بناء مدينته المدورة، أنشأ في وسطها قصرا عظيما، ~~أطلق الناس عليه اسم «قصر الذهب»، وأقام بصدره القبة الخضراء الشهيرة، وبنى بعض مواليه ~~وصنائعه قصورا خارج السور، ثم أمر بإنشاء قصر عظيم وراء باب خراسان على ضفة دجلة ~~اليمنى عند النهاية الغربية للجسر الكبير، وسماه قصر الخلد تبركا باسم الجنة، ~~وتفاؤلا بأن يكون دار النعيم «بما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق، وغرض غريب ~~ومراد عجيب.» أتم بناءه سنة 158. # قصر الرصافة: # أمر المنصور بإنشائه على شرقي دجلة سنة 151، وهو أول بناء أنشئ في ~~الجانب الشرقي، ms49 وقد أنشأ المنصور له سورا وخندقا، واتخذه المهدي ~~مقاما له عند قدومه من الري بعسكره سنة 151، وجعل ما حوله معسكرا ~~لجنده، فأنشأ كبار القواد منازل لهم حول القصر، ثم زيد في القصر، ~~وأضيف إليه الكثير مما يجاوره من الأبنية، ثم تكاثرت الأبنية حول ~~القصر فتألف من مجموع ذلك محلة كبيرة عرفت بمحلة الرصافة، وهي ~~واقعة إلى جوار مشهد الإمام أبي حنيفة من الجهة الجنوبية، ولم يبق ~~منها اليوم رسم ولا طلل. # قصر عيسى: # هو قصر بناه أو أقام فيه عيسى بن علي عم المنصور، قالوا: وهو أول ~~قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور ببغداد. قال ياقوت في معجمه: # وكان «قصر عيسى» على شاطئ نهر الرفيل عند مصبه في دجلة، ~~وهو اليوم في وسط العمارة من الجانب الغربي، وليس للقصر أثر ~~الآن، إنما هناك محلة كبيرة ذات سوق تسمى محلة قصر ~~عيسى. # وقد بالغوا في سعة هذا القصر، حتى قالوا: إنه كان يضم زهاء ~~أربعة آلاف نسمة من الأمراء والحرم والحشم والخدم. # قصر الوضاح: # هو قصر بناه الوضاح بن شبا عندما ولاه المنصور أمر الشرقية من ~~محلة الكرخ، والشرقية محلة تقع إلى جنوب نهر الصراة، وقد ألحق بهذا ~~القصر مسجدا يقال له مسجد الوضاح، وفيه يقول علي بن الجهم: # سقى الله باب الكرخ من متنزه # إلى قصر وضاح فبركة زلزل # منازل لا يستتبع الغيث أهلها # ولا أوجه اللذات عنها بمعزل # منازل لو أن امرأ القيس حلها # لأقصر عن ذكر الدخول فحومل # وبركة زلزل هي بركة أنشأها زلزل الموسىيقي المشهور في الجانب ~~الغربي، ثم وقفها للناس يستقون منها ويتنزهون حولها. # قصر السلام: # هو قصر بناه محمد المهدي سنة 164 في موضع يقال له: عيسى باذ، وفي ~~إطلاق هذا الاسم عليه تفاؤل بالسلامة لا يخفى، وإشارة إلى ما يشتمل ~~عليه هذا القصر من النعيم المقيم، قالوا: وقد بلغت نفقات إنشاء هذا ~~القصر 50 مليون درهم، وهو رقم لا يخلو من مبالغة، ولكنه كذلك لا يخلو ~~من الدلالة على ضخامة ما أنفق على ذلك ms50 القصر. # القصر الحسني: # أنشأ جعفر بن يحيى البرمكي قصرا عظيما على دجلة في الجانب الشرقي، ~~وكان من الضخامة بحيث زعم بعض الرواة أنه أنفق عليه زهاء عشرين ~~مليون درهم، وهذا الرقم أيضا لا يخلو من مبالغات الأعاجم. وكان هذا ~~القصر واقعا تحت محلة المخرم، وكان يعرف في أول عهده بالقصر ~~الجعفري، ثم أهداه صاحبه للمأمون، فصار يعرف بالقصر المأموني، ولكنه ~~بقي تحت تصرف جعفر بن يحيى إلى حين مقتله، وحينئذ تصرف المأمون ~~فيه تصرفا فعليا، وكان من أعز القصور عليه؛ لما كان يشتمل من وسائل ~~البهجة ومعالم السرور؛ ولذلك أضاف إليه ما يزيد في معالم بهجته. من ذلك ~~ميدان واسع للعب الكرة والصولجان، كما أضاف إليه حير الوحوش، وهو ~~موضع يشبه ما نسميه اليوم بحديقة الحيوانات، ومد إليه فرعا من ~~النهر المعروف بالمعلى، ثم أهداه المأمون للحسن بن سهل على أثر زواجه ~~من بوران ابنته، فسمي القصر الحسني، فزاد فيه الحسن زيادات ~~مهمة، ثم أهداه إلى ابنته بوران زوج المأمون، ثم انتقل هذا القصر إلى ~~حوزة الخلفاء في خلافة المعتمد على الله أو المعتضد بالله، فوسعه وأضاف ~~إليه المباني التي أنشأها على الميدان الذي كان منذ عهد المأمون، وعمل ~~على مجموع مبانيه سورا، واستحدث ميدانا جديدا من الشرق، فهدم ~~الدور المجاورة بعد أن اشتراها من أهلها لتوسيع ذلك الميدان. # قصر الفردوس: # شيده المعتضد إلى جوار القصر الحسني، وقد غلب اسم هذا القصر على ~~مجموعة القصور التي أنشأها الخلفاء حول القصر الحسني وهي كثيرة، منها: # قصر الثريا: # وهو من ~~بناء المعتضد أيضا على بعد نحو الميلين من القصر الحسني، ~~وقد وصل الخليفة بينهما بطريق معقودة تحت الأرض. وذكر ~~المسعودي أن نفقة قصر الثريا بلغت 400 ألف دينار، وأن ~~مساحته المربعة بلغت ثلاثة فراسخ. # قصر التاج: # وهو قصر ~~وضع أساسه المعتضد أيضا، وأتمه ابنه المكتفي من بعده، ~~وهو على دجلة تحت القصر الحسني، وأقيمت عند أساساته ~~مسناة عظيمة؛ لتصد عنها تيار دجلة. وأنشأ المكتفي وراءه من ~~القباب والمجالس ما تناهى في توسعته ms51 وتعليته. وذكر ~~المسعودي أن إصطبلات هذا القصر كانت تشتمل على تسعة آلاف ~~من الخيل والبغال والجمال. # وقد تبارى الخلفاء والأمراء في إنشاء القصور وبالغوا في توسيعها وتأنقوا في زخرفتها ~~حتى استبد مجموعها بنحو ثلث الرقعة التي قام عليها الجانب الشرقي من بغداد. ولو ~~حاول مؤرخ أن يستقصي القصور التي أقامها الخلفاء والأمراء وكبراء رجال الدولة وذوو ~~اليسار من البغداديين لاحتاج في وصف ذلك إلى أكثر من مجلد. # وحسب القارئ أن ننقل له الحكاية التالية؛ ليتبين له مبلغ ما وصلت إليه تلك القصور من ~~السعة، وما اشتملت عليه من عجائب؛ ذكر الخطيب البغدادي وغيره نقلا عن شاهد عيان ما ~~ملخصه: إنه ورد رسول لصاحب الروم في أيام المقتدر بالله، ففرشت قصور الخلافة ~~بالفرش الجميلة، وزينت بالآلات الجليلة، ورتب الحجاب وخلفاؤهم والحواشي ~~على طبقاتهم على أبوابها ودهاليزها وممراتها، وكان في قصر الخليفة إذ ذاك سبعة آلاف ~~خادم، منهم أربعة آلاف من البيض، وثلاثة آلاف من السود، وعدد الحجاب سبعمائة، ~~وعدد الغلمان السودان غير الخدم أربعة آلاف غلام. ووقف الجند صفين بالثياب الحسنة، ~~وتحتهم الدواب بمراكب الذهب والفضة، وبين أيديهم الجنائب على مثل هذه الصورة، وقد ~~أظهروا العدد الكثير من الأسلحة المختلفة، وكان عددهم مائة وستين ألف فارس، اصطفوا من ~~أعلى باب الشماسية إلى قريب من قصر الخلافة. وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخواص ~~الدارية والبرانية إلى حضرة الخليفة، بالبزة الرائعة والسيوف والمناطق المحلاة، ~~وأسواق الجانب الشرقي وشوارعه وسطوحه ومسالكه مملوءة بالعامة النظارة ، وقد استؤجر ~~كل دكان وغرفة مشرفة بمبالغ كثيرة، وفي دجلة عبئت ضروب السفن المزينة بأفضل زينة ~~مرتبة على أحسن ترتيب، وسار الرسول ومن معه من المواكب إلى أن وصلوا إلى الدار، ودخل ~~الرسول فمر به على دار نصر الحاجب، ورأى ضففا # 1 # كثيرا ومنظرا عظيما، فظن أنه الخليفة وتداخلته له هيبة وروعة، حتى قيل ~~له إنه الحاجب، وحمل من بعد ذلك إلى الدار التي كانت برسم الوزير، وفيها مجلس أبي ~~الحسن علي بن الفرات يومئذ، فرأى أكثر مما رآه لنصر الحاجب، ms52 ولم يشك في أنه الخليفة ~~حتى قيل له: هذا الوزير. وأجلس بين دجلة والبساتين في مجلس، قد علقت ستوره واختيرت ~~فرشه ونصبت فيه الدسوق وأحاط به الخدم بالأعمدة والسيوف، ثم استدعي إلى حضرة ~~المقتدر بالله، بعد أن طيف به في الدار، وشاهد دار الشجرة «وكانت شجرة من الفضة وزنها ~~500 ألف درهم قائمة في وسط بركة عليها أطيار مصوغة من الفضة والذهب، تصفر بحركات قد ~~جعلت لها، وللشجرة ورق بأشكال وألوان مختلفة، وكان إلى جانبيها تماثيل ثلاثين ~~فارسا في كل جهة خمسة عشر، ألبسوا الديباج وغيره، وفي أيديهم مطارد يدورون على خط ~~واحد خببا وتقريبا، # 2 # فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد.» فتعجب الرسول من ذلك أكثر من ~~تعجبه من جميع ما شاهده. # وأحصى شاهد عيان الستور الحريرية المطرزة بأنواع الزينة، فكانت ثمانية وثلاثين ألف ~~ستر، وكانت البسط التي فرشت في الممرات اثنتين وعشرين ألف قطعة، هذا عدا ما في ~~المقاصير والمجالس، وما علق على الجدران من فاخر البسط ونادرها. # ومما شاهده الرسول حير الوحوش، وكان فيها قطعان تقرب من الناس وتشمهم وتأكل من ~~أيديهم، وشاهد فيها أربعة من الفيلة مزينة بالديباج والوشي على كل فيل ثمانية نفر من ~~السند والزراقين بالنار، وشاهد فيها موضعا فيه مائة سبع - خمسون يمنة وخمسون يسرة - ~~كل سبع منها في يد سباع، وفي رءوسها وأعناقها السلاسل. # ومما شاهده الجوسق المحدث، وهو دار في وسطها بركة رصاص قلعي، وحولها نهر من الرصاص ~~أيضا، والرصاص القلعي يحاكي الفضة المجلوة لونا، وطول البركة ثلاثون ذراعا في ~~عشرين، فيها أربعة زوارق لطاف. # ومروا بالرسول على الفردوس، فكان فيه من الفرش والآلات ما يبهر الناظر ويهيج ~~الخاطر، وفي دهاليزه عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة، وفي بعض ممراته نحو عشرة آلاف ~~درقة وخوذة وبيضة ودرع وزردية وجعبة محلاة وقسي معلقة على الجانبين. # وعلى الجملة، فإنه قد طيف به على ثلاثة وعشرين قصرا، وكان آخر المطاف الصحن ~~التسعيني، ومنه وصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في قصر التاج. ms53 # وقد أقام بنو بويه بعض القصور على آثار قصور الخلفاء القدماء أو ما يقرب منها، أما ~~السلاجقة فإنهم لم ينشئوا شيئا من القصور، وإذا قدم بعضهم إلى بغداد أقام في بعض قصور ~~القديمة بعد إصلاحها وتأثيثها، ولم يبق اليوم لتلك القصور من عين ولا أثر، سوى أطلال ~~قصر في القلعة أطلقت عليه دائرة الآثار اسم القصر العباسي، وهذا القصر كان ~~يتصل بمحلة المخرم، وليس فيه من الكتابة ما يهدي إلى بانيه أو ساكنيه. # وفي بغداد اليوم قليل من المباني المهمة يأتي في طليعتها «قصر الزهور»، أمر ~~بإنشائه المغفور له الملك فيصل الأول في الحارثية على يمين الداخل بغداد من الجانب ~~الغربي، وقصر الرحاب وهو على مقربة من قصر الزهور في الحارثية أيضا على يسار الداخل ~~إلى بغداد من الجانب الغربي، أمر بإنشائه صاحب السمو الأمير عبد الإله ولي العهد ~~والوصي على عرش العراق. والقصران يعتبران أفخم ما بني في مدينة السلام في هذه ~~الأيام. # ومن المباني التي أنشئت في العهد الأخير «قاعة الملك فيصل الثاني، وبهو أمانة ~~العاصمة» في باب المعظم، وهما من إنشاء أمانة العاصمة. ومنها البناء القائم على أضرحة ~~الملوك الهاشميين وأمرائهم، وهو على مقربة من مشهد الإمام الأعظم، ويشبه أن يكون ~~على البقعة التي كانت عليها قبور خلفاء بني العباس أو على مقربة منها، ويمكن أن يلحق ~~بهذه الآثار التماثيل التي أقيمت في العهد الأخير؛ وهي ثلاثة: ~~(1) # تمثال الملك فيصل الأول: # وهو في الجانب ~~الغربي في وسط شارع يعرف بشارع الملك فيصل، على مقربة من رأس الجسر ~~المعروف اليوم بجسر الملك فيصل أيضا. ~~(2) # تمثال مود: # وهو يمثل القائد مود ~~الذي احتل بغداد سنة 1917، وهو قائم في الجانب الغربي أيضا أمام دار ~~السفارة البريطانية على مقربة من تمثال الملك فيصل. ~~(3) # تمثال عبد المحسن السعدون: # وهو في ~~الجانب الشرقي في الشارع الذي يعرف بشارع السعدون على مقربة من الباب ~~الشرقي. # الفصل السابع # | الأنهر # كانت تنساب في جانبي بغداد أنهار كثيرة، منها الواسعة التي تتسع لسير السفن ~~الصغيرة والزوارق، ومنها ms54 الضيقة التي هي بالسواقي أشبه منها بالأنهار. # أنهر الجانب الغربي: # الجانب الغربي أكثر أنهرا من الجانب الشرقي، ومرجع كل أنهره إلى ~~نهرين كبيرين؛ أحدهما يأخذ ماءه من دجلة وهو دجيل إلى الشمال من ~~بغداد، والثاني يأخذ من الفرات وهو نهر عيسى، ومنبعه إلى الغرب من ~~بغداد ويصب جنوبيها في دجلة. # أما النهر الأول فيتفرع عنه بطاطيا، وعلى جانبي هذا النهر ضياع ~~وبساتين كثيرة، حتى إذا قرب من بغداد انشعب منه نهر يدخل في مدينة ~~المنصور المدورة، وكان مجراه داخل المدينة معمولا من خشب الساج، ثم ~~ينشعب من نهر بطاطيا نهر آخر ينساب في مدينة بغداد خارج مدينة المنصور، ~~وفي المدينة يتشعب إلى أنهار عديدة. وينشعب من نهر بطاطيا نهر ثالث ~~يجيء نحو بغداد خارج المدينة المدورة أيضا. قال الخطيب: وهذه الأنهار ~~كلها كانت مكشوفة إلا التي تمر منها في الحربية فإنها كانت تجري في ~~قنوات تحت الأرض. # أما نهر عيسى فكان يجري من الفرات على مقربة من الأنبار حتى يصب في ~~دجلة، وكان على جانبيه كثير من القرى والضياع والبساتين، ومنه ~~تنشعب أكثر الأنهار التي كانت تنساب في بغداد الغربية. وأول نهر ينشعب ~~منه نهر الصراة، وهو من أشهر أنهار بغداد ومنه يتفرع كثير من أنهار ~~الجانب الغربي، وهو الطريق الأوسع للسفن التي تأتي من الفرات إلى دجلة ~~أو تذهب منها إليه. والنهر الثاني الذي يتفرع من نهر عيسى هو نهر ~~المحول، ومنه تتفرع أنهار كثيرة تخترق بغداد، وإنما سمي المحول؛ ~~لأن السفن التي تنحدر في نهر عيسى من الفرات كانت تحول حمولتها في ~~صدر هذا النهر إلى سفن أصغر منها أو إلى البر كي تحمل على ~~الدواب؛ لأن نهر عيسى وما يتفرع عنه يضيق عن حمل السفن التي تجري ~~فيه بعد انشعاب نهر الصراة والمحول، وكذلك تفعل السفن الصغيرة التي ~~تأتي من دجلة، فإنها تحول حمولتها إلى سفن أخرى أكبر منها لتصعد في ~~نهر عيسى إلى الفرات. # والنهر الثالث الذي يتفرع من نهر عيسى هو نهر كرخايا، يتفرع منه ms55 ~~تحت نهر المحول، ومنه تتفرع أنهار تسقي ضياعا وبساتين على جانبيه ~~إلى أن يدخل بغداد ويمر بعدة قناطر، ومنه تتشعب كل أنهار محلة الكرخ ~~التي من أشهرها: نهر رزين، ونهر العمود، ونهر البزازين، ونهر ~~الدجاج، ونهر القلائين، ونهر طابق. وبعض هذه الفروع يصب في دجلة وبعضها ~~في الصراة، ومن نهر كرخايا يتفرع نهر يدخل مدينة المنصور في مجار من ~~خشب الساج، فكان أهل المدينة المدورة يشربون من ماء دجلة وماء ~~الفرات. # أنهر الجانب الشرقي: # لم يكن في الإمكان عند إنشاء الجانب الشرقي أن تشق أنهاره من دجلة ~~لانخفاضها وارتفاع أرضه؛ لذلك اضطر العباسيون أن يشقوا أنهاره من ~~نهرين؛ أحدهما يقال له: نهر بين، ويتفرع من النهروان. والثاني: نهر ~~الخالص، ويتفرع من نهر ديالى. أما الأول فيتفرع عنه نهر يقال له ~~نهر موسى ويمر بقصور الخلافة، حتى إذا تجاوز قصر الثريا، تنشعب منه عدة ~~أنهار من أشهرها نهر المعلى، أما النهر الثاني فينشعب منه نهر يقال له ~~نهر الفضل ومنه ينشعب نهر المهدي. وكان معظم المحلات الشمالية من ~~الجانب الشرقي تستقي من الأنهار المتشعبة من نهر الفضل المتشعب من نهر ~~الخالص، ومعظم المحلات الجنوبية تستقي من الأنهر المتفرعة من نهر موسى ~~المتفرع من نهر بين المتفرع من النهروان. # ولم يبق في الجانبين من هذه الأنهر اليوم أثر ولا عين، كما لم ~~يبق شيء من الأمارات التي تهدي إلى مواضعها. وإذا حاول المنقبون ~~الحصول على أثارة من علمها فعليهم أن يثيروا الأرض؛ لعلهم يعثرون على ~~بعض القناطر التي كانت تقوم عليها. # الفصل الثامن # | الجسور # وصل المنصور بين جانبي بغداد بجسر من السفن، ثم أقام لنفسه ولحشمه جسرين، وللناس ~~ثلاثة جسور، أحدها للنساء خاصة. وفي زمن الرشيد أقيم جسران على دجلة، وكذلك فعل ~~الأمين، فمد جسرين أحدهما للذاهبين إلى الجانب الشرقي والآخر للذاهبين إلى الجانب ~~الغربي، وبقيت هذه الجسور كلها إلى أن قتل الأمين فعطل بعضها، وكان على دجلة في ~~زمن المأمون ثلاثة جسور فقط، عطل واحد منها في آخر عهده. # وكانت تلك ms56 الجسور زينة دجلة وحليتها، فكانت الشعراء تتبارى في وصفها. قال علي بن ~~الفرج الفقيه: # أيا حبذا جسر على متن دجلة # بإتقان تأسيس وحسن ورونق # جمال وفخر للعراق ونزهة # وسلوة من أضناه فرط التشوق # ولم يزل أمر الجسور على دجلة بين المد والجزر إلى عهدنا هذا، وقد أدركنا في بغداد ~~جسرا واحدا يصل بين جانبيها مصنوعا من السفن، يقطع عند فيضان دجلة وعند اشتداد ~~الريح، فيلجأ الناس إلى استخدام القفف والقوراب، وكذلك يقطع لمرور السفن. وقد احترق ~~هذا الجسر الليلة التي غادر فيها الجيش العثماني بغداد، وبعد عدة شهور أقامت حكومة ~~الاحتلال جسرا من السفن الحديدية، ثم أقامت آخر إلى الجنوب منه أكثر إتقانا من الأول، ~~فصار لبغداد جسران: شمالي، وجنوبي. وفي النهاية أقيم مقام هذين الجسرين جسران ثابتان ~~قائمان على دعائم من الأسمنت المسلح، ونقل أحد الجسرين السابقين إلى جنوبي بغداد، ~~وإذا نحن حسبنا الجسر الموصل بين الأعظمية والكاظمية في عداد جسور بغداد، يصبح في ~~بغداد اليوم أربعة جسور؛ اثنان ثابتان واثنان عائمان. # الفصل التاسع # | الحمامات # اشتهر البغداديون بالنظافة؛ ولهذا أكثروا من بناء الحمامات، وتفننوا في إتقان ~~صنعها ونظافتها. فقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أن عدد الحمامات في عهد الرشيد ~~والأمين بلغ ستين ألفا، قالوا: وأحصيت في زمن المقتدر فكانت سبعة وعشرين ألفا، ~~ونزلت في آخر دولتهم إلى خمسة آلاف، ثم إلى ثلاثة آلاف. قال ابن جبير: «ذكر لنا أحد ~~أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو ألفي حمام، وأكثرها مطلية بالقار، مسطحة ~~به، فيخيل للناظر أنه رخام أسود صقيل.» ا.ه. # وقد أخذ هذا العدد يتضاءل بتضاؤل أمر هذه المدينة إلى عهدنا هذا؛ ففي الجانب الغربي ~~اليوم ثلاثة حمامات للرجال ومثلها للنساء، وفي الجانب الشرقي نحو ضعفي هذا العدد، ~~وليست من الإتقان والنظافة بالمكانة التي عرفت بها حمامات بغداد في عصور ازدهارها. ~~على أن أوساط الناس ووجهاءهم أخذوا يستغنون اليوم عن ارتياد الحمامات العامة بما ~~ينشئونه في منازلهم من حمامات خاصة، ولا يكاد يخلو منزل من أوساط المنازل من ms57 حمام على ~~طراز شرقي أو غربي أو على الطرازين معا، وبقيت الحمامات العامة لفقراء الناس ~~وغربائهم. ونحن لا نشك في أن تلك الأرقام التي ذكرها الأقدمون في عدد حمامات بغداد ~~مبالغ فيها، ولكنها - على كل حال - تدل على كثرة وسائل النظافة ومعدات الترف؛ مما لفت ~~إليها أنظار الناس في القديم والحديث، فتساءلوا عنها وهم بين مصدق ومكذب. وقد وقفنا على ~~بعض أوصاف تلك الحمامات في رحلة ابن بطوطة، فآثرنا نقلها بالنص، قال: # وفي كل حمام منها خلوات كثيرة، كل خلوة منها مفروشة بالقار، مطلي نصف ~~حائطها مما يلي الأرض به، والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض الناصع، فالضدان ~~بها مجتمعان متقابل حسنهما، وفي داخل كل خلوة حوض من الرخام، فيه أنبوبان ~~أحدهما يجري بالماء الحار والآخر بالماء البارد، فيدخل الإنسان الخلوة منها ~~منفردا لا يشاركه أحد إلا إذا أراد ذلك، وفي زاوية كل خلوة أيضا حوض آخر ~~للاغتسال، فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحار والبارد، وكل داخل يعطى ثلاثا من ~~الفوط، إحداها يتزر بها عند دخوله، والأخرى يتزر بها عند خروجه، والأخرى ينشف ~~بها الماء عن جسده. ولم أر هذا الإتقان كله في مدينة سوى بغداد. # | الباب الخامس # الحياة العقلية # كان المسلمون في أواسط القرن الثاني الهجري يتدارسون علوما كثيرة، منها: الشرعية ~~ومنها اللسانية ومنها الكونية، وكان جل اعتمادهم في مدارساتهم على المواجهة ~~والمشافهة، وكان الطلبة يقيدون مروياتهم بالكتابة؛ لتكون تذكرة لهم عند ~~طغيان النسيان، وكانت الحافظة عندهم هي المرجع الأول وعليها المعول ، وكانوا يقولون في ~~مقام الذم: هل هو إلا لحانة صحفي؟! لمن يأخذ العلم من الصحف دون المشايخ، ومن ~~هذه المادة اشتقوا كلمة التصحيف، وهو الخطأ في قراءة اللفظ، ولا يقع هذا عادة إلا إذا ~~اعتمد القارئ على الصحيفة دون المشافهة، فلما أنشئت بغداد وأصبحت مقر الخلافة ~~الإسلامية؛ أقبل أهل الفضل إليها، وأمها العلماء من كل صوب، وجعلوها دار إقامتهم، ~~فأصبحت بذلك مباءة العلوم الإسلامية ومجتمع الفنون الأدبية، وملتقى العلوم الكونية من ~~شرقية وغربية، فزخرت بالنور وازدهرت بالفضائل، وأينعت فيها ms58 ثمار العقول، وصارت ~~لحواضر المعمورة منارا، ولأعاظم الفضلاء مزارا. # ثم إن العلوم التي كان يتدارسها المسلمون ترجع إلى ثلاث مجموعات: ~~(1) # العلوم الشرعية. ~~(2) # العلوم الكونية. ~~(3) # العلوم اللسانية. # الفصل الأول # | العلوم الشرعية # تتألف هذه المجموعة من علوم القرآن ويأتي في مقدمتها التفسير، ومن علوم الحديث ~~ويأتي في مقدمتها تدوينها والتفريق بين صحيحها وسقيمها، ومن الفقه وأصوله، ومن علم ~~الكلام، ويقال له: علم أصول الدين وعلم العقائد. # التفسير: # لم يدون هذا العلم في كتب جامعة تضم جميع سور القرآن إلا في عصر ~~الدولة العباسية، وأول تفسير عظيم صحيح وضع في هذا الباب هو تفسير # 1 # أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310، كتب هذا ~~التفسير على ضفاف وادي السلام، وهو من أعظم التفاسير قدرا وأسماها ~~مكانة، حتى قال الإمام أبو حامد الإسفرايني، عظيم فقهاء الشافعية ~~ببغداد: «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك ~~كثيرا.» وقال أبو زكريا النووي، كبير فقهاء الشام: «أجمعت الأمة على ~~أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري.» # ويمكن أن يقال إجمالا: إن كل من كتب في التفسير من طريق الرواية ~~بعد ابن جرير هو عيال عليه، وقد كتب البغداديون تفاسير كثيرة تفوت ~~العد، ليس هذا موضع إحصائها واستقصائها، من أتقنها تفسير للشريف ~~الرضي، طبع بعض أجزائه حديثا في النجف الأشرف. وأعظم تفسير كتب ~~في بغداد في أواسط القرن الثالث عشر هو «روح المعاني في تفسير القرآن ~~والسبع المثاني» لأبي الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي - عليه ~~الرحمة - المتوفى سنة 1270ه. وتفسيره هذا من أجمع التفاسير وأوسعها ~~وأسماها وأسناها، جامع بين فصاحة التعبير وبراعة التصوير، يستغني به ~~المحقق عن الكثير من كتب التفسير. # فالقارئ يرى أن هذا العلم أورق وأزهر في مدينة السلام وأثمر وأينع ~~فيها. # الحديث: # قل أن ظهر محدث نابه في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها إلا ~~وقد جعل بغداد موضع زيارته أو دار إقامته. فمن أعلام المحدثين الذين ~~زاروا بغداد وأخذ عنهم البغداديون: # محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256، صاحب الصحيح ms59 الشهير، حكوا ~~أنه زار بغداد، فاجتمع عليه أصحاب الحديث من أهلها، فعمدوا إلى مائة ~~حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ... ثم كلما عرض عليه واحد منها، قال: ~~لا أعرفه، فلما كملت المائة اندفع يعيد كل حديث إلى سنده، وكل سند إلى ~~متنه، فأقر له البغداديون بالحفظ. وكان من عادة البغداديين ~~التلطف باختبار الطارئين عليهم من العلماء، وممن تردد إلى بغداد ~~من كبار المحدثين مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261، ومحمد ~~بن يزيد بن ماجه المتوفى سنة 213، وأبو داود سليمان بن الأشعث المتوفى ~~سنة 275، وأنجبت بغداد من عظماء المحدثين وقدمائهم: الإمام أحمد بن ~~حنبل، وابنه عبد الله، وأبا الحسن علي بن عمر الدارقطني صاحب كتاب ~~السنن المتوفى سنة 385، والخطيب البغدادي. ومن تصفح تاريخه وقف ~~على المئات من أئمة هذا الشأن الذين أنبتتهم بغداد، أو هاجروا إليها ~~وجعلوها دار إقامتهم أو موضع زيارتهم. # ومن الواضح أن رجال الحديث بعد أئمة الحفاظ الأولين قد وجهوا ~~جل عنايتهم إلى كتابة المصنفات الجامعة والمختصرة متوخين حسن ~~التبويب وجمال التفصيل والترتيب، مع التمييز بين صحيح الآثار وسقيمها؛ ~~ولذلك لم يكن المتأخرون في هذا الباب إلا عيالا على ~~المتقدمين. # الفقه: # أنشئت بغداد، وفقهاء الإسلام فريقان: فريق جعل جل اعتماده في ~~استنباط الأحكام الشرعية الفرعية على الكتاب والسنة النبوية والآثار ~~المروية عن الصحابة، وفريق آخر حكم - مع ذلك - الرأي والقياس. وجل ~~فقهاء الحجاز من الفريق الأول، وإمامهم في ذلك مالك بن أنس، وجل فقهاء ~~العراق من الفريق الثاني، وإمامهم في ذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ~~وهو وإن كان كوفي المنبت، فإنه اتخذ بغداد دار إقامته الآخرة، فكان ~~عنوان مفاخرها وغرة مآثرها، وكان في جملة حسناته تلميذاه العظيمان قاضي ~~القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة 182 صاحب كتاب ~~«الخراج»، ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189، وإليهما يرجع ~~الفضل الأول في تدوين الفقه الحنفي وترصين قواعده. وزار الإمام محمد بن ~~إدريس الشافعي بغداد مرتين إحداهما سنة 195 والثانية سنة 198، واجتمع ~~بعظماء فقهائها، وفيها أملى مذهبه القديم، ولما فارقها ms60 تطور مذهبه ~~بعض الشيء بسبب ما اطلع عليه في بغداد من الآراء، ويقال لمذهبه بعد ~~رجوعه من بغداد: «الجديد». وممن لقي الشافعي في بغداد من عظماء الفقهاء ~~الإمام أحمد بن حنبل، وقد تلقحت آراؤه بآرائه، فتطور مذهب ابن حنبل بعض ~~التطور، وكان معظم البغداديين على مذهبه، ثم كثر بينهم الشافعية ~~والحنفية. ومن مشاهير فقهاء الشافعية فيها أبو حامد الإسفرايني المتوفى ~~سنة 406، كانت حلقته في الكرخ تضم زهاء 700 متفقه، وأقضى القضاة ~~علي بن محمد الماوردي المتوفى سنة 450، صاحب الأحكام السلطانية ~~والحاوي، في بضعة عشر مجلدا، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي ~~المتوفى سنة 476، وكانت إليه رياسة المدرسة النظامية، وكتبه في ~~المذهب أشهر من أن تذكر. ومن أكابر فقهاء الحنفية البغداديين: أبو ~~الحسن أحمد بن محمد القدوري المتوفى سنة 428، ومن كتبه التجريد، ~~ويشتمل على الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وهو بديع في ~~بابه. # ولما زار ابن جبير بغداد بهره فقهاؤها، فأعجب بكثرتهم وسعة ~~معارفهم، وفي بغداد أزهر الفقه الجعفري الذي يرجع بأصوله إلى ~~الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله عنه. # وبالجملة، فإن للفقه في بغداد المقام الأول من بين سائر العلوم، ولم ~~يزل هذا السر إلى عهدنا هذا؛ فإن أول مدرسة عالية أنشئت في ~~بغداد على النمط الحديث مدرسة الحقوق، التي تعتمد في معظم مادتها على ~~الفقه الإسلامي. وقد أسمى فيلسوف المعرة محلة الكرخ أو بغداد «محلة ~~الفقهاء»: # بمحلة الفقهاء لا يعشو الفتى # ناري ولا تنضي المطي عزائمي # علم الكلام: # ويسمى علم العقائد، وعلم أصول الدين أيضا. كان السلف الصالح من ~~الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة، وإذا ~~تعذر عليهم فهم المتشابهة منهما آمنوا بظاهره، ووكلوا أمر الباطن ~~إلى الله تعالى مع التنزيه الأكمل للذات الإلهية عن كل ما يشم منه ~~رائحة النقص أو التشبيه أو التجسيم، غير أن هذه الطريقة في فهم العقائد ~~لم تقنع الجماعات التي دخلت في الإسلام من أهل الأديان الأخرى التي ~~كانت تعج بالشبه والخلافات، فركنوا في تقرير العقائد ورد الشبه ms61 ~~إلى الأقيسة العقلية والأشكال المنطقية. # ولما مصرت بغداد كان المسلمون ينقسمون في تقرير أصول عقائدهم إلى ~~فريقين: فريق يعتمد على المنقول من الكتاب والسنة، ويقال لهم الجماعة ~~وأهل الحديث، وفريق يعتمد في تقرير عقائده على المعقول، وإذا تعارض ~~المعقول والمنقول عمد إلى تأويل المنقول، وهؤلاء هم المعتزلة. وكان ~~الصدر الأول من خلفاء بني العباس يؤيدون أهل هذا المذهب، وينصرونهم على ~~أتباع المذهب الأول، وجرت في بغداد خطوب بين الفريقين ذهب ضحيتها بعض ~~رجال الحديث، ولا سيما على عهد المأمون الذي حاول أن يشغل الناس ~~بالمنازعات الدينية عن المنازعات السياسية، فكان له ما أراد، وكان على ~~رأس المعتزلة في عهده القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي، وعلى رأس ~~الجماعة الإمام أحمد بن حنبل، فكانت بين الفريقين مناظرات، وكانت ~~منازعات أدت إلى اضطهادات مشينة لا عهد للمسلمين بها من قبل. وكان ~~في مقدمة المسائل التي دار الخلاف حولها مسألة خلق القرآن، فكان ~~المعتزلة يقولون بخلقه تفاديا من تعدد القدماء، وكان الجماعة وأهل ~~الحديث يقولون بقدمه؛ لأنه كلام الله، والكلام قديم بقدم ~~المتكلم. # ولم ينته الجدال حول هذه المسألة إلا في عهد الواثق، عندما أحضر بعض ~~أشياخ الشام للمناظرة، فقال ما معناه: لو كانت هذه المسألة من صميم ~~الدين لأخبرنا بها سيد المرسلين، وحيث إنه لم يثبت عنه شيء في هذا ~~الباب، فلا معنى لجعلها موضوع خلاف وجدال. وظهر في المعتزلة رجال أولو ~~لسن أيدوا مذهبهم بأقلام سيالة وألسنة قوالة؛ مثل عمرو بن بحر ~~الجاحظ وأبي علي الجبائي، وغيرهما من أئمة المتكلمين البصريين الذين لم ~~تسلم بغداد من رشاش مباحثاتهم، حتى ظهر بينهم أبو الحسن علي بن إسماعيل ~~الأشعري المتوفى في العقد الثالث من القرن الرابع، وكان في أول أمره ~~معتزليا، ثم سلك طريقا وسطا بين المعتزلة ورجال الحديث، وكان إلى ~~رجال الحديث أميل، وألف في تأييد مذهبه كتبا جمة، بسط فيها ~~الكلام بسطا، سهل فهمه على الناس، فكثر أتباعه، وانضوى أكثر ~~المتكلمين من البغداديين إلى لوائه. ومع ذلك فإن بعضهم لم يزل ms62 على مذهب ~~المحدثين، وأكثرية هؤلاء من الحنابلة، وبعضهم أصر على الاعتزال، فكان ~~في بغداد في أواخر العهد العباسي مذاهب كلامية كثيرة مرجعها إلى ثلاثة: ~~الأشاعرة وهم الأكثرية، والمحدثون أو السلفيون، والمعتزلة. وهناك جماعة ~~من الإمامية الاثنى عشرية، وآخرون من الزيدية، وقليل من الإسماعيلية. ~~وانشق من الأشاعرة فريق يقال لهم الماتريدية؛ نسبة إلى أبي منصور ~~محمد بن محمد الماتريدي المتوفى سنة 333، أحد تلامذة أبي الحسن ~~الأشعري، وقد خالفه في بضع عشرة مسألة، وكثير من الأحناف في بغداد ~~وغيرها يدينون بهذا المذهب. # أما اليوم فليس لمذهب الاعتزال في بغداد من أثر، والناس إما أشاعرة ~~أو ماتريدية، وليس بين المذهبين كبير فرق. وهناك فريق يميل إلى مذهب ~~السلف، وفريق يدين بمذهب الإمامية الاثنى عشرية. # الفصل الثاني # | العلوم الكونية # ويراد بها علوم الأوائل من المنطق والطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وتنقسم ~~الطبيعيات إلى علوم: الفيزياء والكيمياء والمواليد الثلاثة، والطب والصيدلة والفلاحة. ~~وتنقسم العلوم الرياضية إلى: علم الحساب، وعلم الجبر، وعلم الهندسة، وعلم الآلات، وعلم ~~الحيل (الميكانيكا)، وعلم الفلك. ومن متعلقاته علم الجغرافيا الرياضية. # وتشمل الإلهيات علم ما وراء الطبيعة من الروحانيات والمدركات العقلية، كالبحث عن ~~الخالق وصفاته والقوى النفسية والملائكة والجن وما إلى ذلك. # ومن علوم الأوائل: علم تدبير المنزل، وعلم تدبير المملكة؛ وهو علم السياسة، وعلم ~~المال، وعلم الأخلاق، وعلم الموسيقى. # كانت هذه العلوم شائعة بين الأمم المتحضرة، فلما افتتح العرب بلاد العراق والشام ومصر ~~وغيرها وجدوا الكثيرين من أهلها يتدارسون هذه العلوم ويتناقلونها بلغات شتى، وفي ~~العصر الأموي ترجمت بعض هذه العلوم إلى اللغة العربية، ولا سيما علم الطب والسياسة. ~~ولما دالت الدولة لبني العباس واستقر خلفاؤهم في بغداد؛ قربوا إليهم الكثير من حملة ~~هذه العلوم، وطلبوا منهم نقلها إلى اللغة العربية. وفي مقدمة الخلفاء الذين عناهم هذا ~~الشأن أبو جعفر المنصور، فإنه استقدم كثيرا من الأطباء والمترجمين، فترجموا له عن ~~اليونانية والفارسية والهندية كتبا كثيرة في الطب والفلك والسياسة. ومن أشهر أولئك ~~التراجمة جورجس بن جبريل الذي ترجم للمنصور كتبا كثيرة عن اليونانية، ms63 ونوبخت المنجم ~~وابنه أبو سهل. ومن أشهر من ترجم للمنصور من الفارسية إلى العربية عبد الله بن ~~المقفع، وممن ترجم له عن الهندية محمد بن إبراهيم الفزاري، ترجم له كتابا في ~~النجوم. ثم لما كان زمن الرشيد أمر بإعادة النظر في الكتب المترجمة، كما أمر بترجمة كتب ~~أخري، وعهد بذلك إلى جماعة من حكماء زمانه، منهم: طبيبه يوحنا بن ماسويه، والحجاج ~~بن مطر، وأبو حسان، وسلم صاحب بيت الحكمة. # ولما كان عهد المأمون اشتدت الرغبة في نقل علوم الأوائل إلى اللغة العربية، ~~فألف لذلك لجنة برياسة حنين بن إسحاق العبادي، وكان يتقن العربية والسريانية ~~والفارسية واليونانية، وكان من أعضاء اللجنة: الحجاج بن مطر، وابن البطريق، وسلم صاحب ~~بيت الحكمة. وأغدق المأمون على رئيس اللجنة وأعضائها العطاء، حتى إنه كان يعطيهم عدل ~~ما ينقلونه من الكتب ذهبا، فكانوا يكتبون على ورق غليظ وبحروف كبيرة وأسطر متباعدة، ~~وكان أكثر الكتب التي نقلت في عهد المنصور والرشيد في الطب والسياسة والنجوم. أما ~~في عهد المأمون، فقد أقبل المترجمون على ترجمة كتب الفلسفة والرياضيات وعلوم الطبيعة، ~~وأرسل المأمون جماعة من المترجمين إلى بلاد الروم، فاختاروا كتبا حملوها إلى بغداد ~~وترجمت وتعلمها الناس، واقتدى بالخلفاء غيرهم من الأمراء والوزراء وأهل اليسار من ~~العقلاء، فأغدقوا على المترجمين العطاء لنقل ما يرغبون فيه من كتب الأوائل إلى ~~العربية؛ فنفقت أسواق هذه العلوم وزخرت بها بغداد. # ولكثرة ما كان يلقاه الحكماء في بغداد من الإكرام والاحترام في قصور الخلفاء ~~والأمراء والوزراء والقادة وأهل اليسار أقبلوا ينسلون إليها من كل حدب، ويتخذونها ~~دار إقامة لهم، فقصدوها من الشام والعراق وفارس والهند، وفيهم النساطرة والهنود والفرس، ~~فتضافرت الهمم على ترجمة كتب الأقدمين والتأليف في مختلف علوم الكون على اختلاف ~~فروعها، فأصبحت بغداد بذلك ينبوعا فياضا بهذه العلوم، يغترف منه الناس في سائر ~~الحواضر الإسلامية. ومن أشهر الأسر التي جعلت بغداد موطنها: آل بختيشوع، نشأ منهم في ~~بغداد عدد كبير، من أشهرهم: جورجس بن جبريل وبختيشوع بن جورجس، وجبرائيل بن بختيشوع ms64 ~~وغيرهم، وأصلهم من جنديسابور، # 1 # انتقل جورجس بن جبرائيل إلى بغداد، وكذلك بختيشوع بن جورجس فتناسلوا فيها ~~وكثروا، وآل حنين بن إسحاق العبادي، أولهم حنين بن إسحاق، وهو من أهل الحيرة وجعل ~~بغداد دار إقامته، واشتهر من سلالته جماعة من أشهرهم ابنه إسحاق، وكان كأبيه في ~~حذق اللغات الكثيرة. وآل شاكر، ويقال لهم: أبناء موسى؛ لأن أباهم موسى بن ~~شاكر، فتارة ينسبون إلى أبيهم وتارة إلى جدهم، وهم ثلاثة: محمد، وأحمد، والحسن. أما ~~محمد، فكان واسع المعرفة بالهندسة والفلك وسائر العلوم الرياضية، وكان أحمد من أمهر ~~الناس في علم الحيل (الميكانيكا)، وكان أبناء شاكر قد عهدوا إلى جماعة من أهل المعرفة ~~باللغات أن يترجموا لهم ما يطلبون من كتب الرياضيات والطبيعيات والفلسفة وغيرها، ~~وكانوا ينفقون على ذلك نحوا من 500 دينار في الشهر، ولهم مؤلفات كثيرة في علوم ~~شتى، ولهم إبداعات كثيرة ولا سيما في العلوم الرياضية، وهم الذين قاسوا محيط الأرض ~~قياسا دقيقا لا يختلف عن قياس المعاصرين إلا قليلا مع دقة الآلات في هذا ~~العصر. # وآل الكرخي أولهم شهدي الكرخي، وكان من أوساط التراجمة، وكذلك كان ابنه إلا انه أتقن ~~هذا الفن في أخريات حياته. # ومن مشاهير حكماء بغداد: يعقوب بن إسحاق الكندي المتوفى سنة 260، فيلسوف العرب، يرجع ~~نسبه إلى ملوك كندة، وكان واسع العلم في الطب والفلسفة والرياضيات والمنطق والموسيقى ~~والنجوم، وله تآليف كثيرة في هذه العلوم تربو على الثلاثمائة، وترجم كثيرا من كتب ~~الأقدمين ولا سيما كتب الفلسفة، وأوضح فيها المشكل ولخص المستصعب وبسط ~~العويص. # ولم يكد ينقضي القرن الثالث الهجري حتى برع البغداديون في العلوم الكونية كلها، ~~وظهر فيهم الكثيرون من أعاظم الفلاسفة وكبار الأطباء، الذين يعتمدون في معارفهم على ~~التجاريب الشخصية العملية، منهم أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفى سنة 311، صاحب ~~البيمارستان العتيق في بغداد، وله في الكيمياء تجارب كثيرة، وقد أحصي له في علوم الطب ~~والفلسفة والكيمياء أكثر من 200 كتاب، ونحن لا نشك في أن للبغداديين حصة كبيرة في ~~رسائل إخوان ms65 الصفاء المشهورة. ومن شاء التوسع في الباب فعليه بالرجوع إلى البابين ~~التاسع والعاشر من كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة. # وقد خمدت جذوة هذه العلوم بعد أفول نجم الخلافة العباسية في بغداد، على أن بعض رجال ~~المغول ومن خلفهم من دول الأعاجم حاولوا إحياء بعض هذه المآثر فيها، وكان في المدرسة ~~المستنصرية رواق خاص بالطب وعلوم الأوائل، ويظهر أنه امتدت به الحياة إلى العهد الذي ~~أهملت فيه هذه المدرسة وأدبر أمرها. ولم تزل بعض هذه العلوم تدرس في المدارس ~~القديمة إلى عهدنا هذا، ولا سيما الرياضيات منها، بما فيها علم الهيئة وعلم الحكمة وعلم ~~المنطق. والبغداديون يعتبرون هذا العلم في مقدمة العلوم العقلية، كما أن النحو يعتبر في ~~مقدمات العلوم اللسانية، فالحاجة إلى المنطق في سلامة التفكير كالحاجة للنحو في ~~سلامة التعبير. # الفصل الثالث # | العلوم اللسانية # كانت البصرة والكوفة في العهد الأموي ينبوعين فياضين بعلوم اللسان العربي، فلما ~~استقرت الخلافة في بغداد وأقبل الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة على تنشيط العلوم ~~وبذل الرعاية للعلماء، وفي مقدمتهم علماء اللسان العربي، أقبل علماء المصرين إلى ~~مدينة السلام؛ حيث نالوا من خلفائها وأمرائها كل رعاية وعناية. وكان أئمة الكوفة أسبق ~~إلى ذلك، فكان منهم المؤدبون لأبناء الخلفاء وأكابر رجال الدولة، وكانت العلوم ~~اللسانية التي يتدارسها أهل المصرين يومذاك: الأدب والنحو. وفي ضمنه الصرف واللغة، ~~والإنشاء والخط، والشعر والشعراء، أما البلاغة فلم تكن من النضج بحيث يمكن أن ~~تسمى علما. # الأدب # وكانوا يريدون به كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وهذه ~~الرياضة تكون بالأقوال الحكيمة التي تتضمنها اللغة، كما تكون بالمحاكاة وحسن ~~النظر في الأمور، والأخير يسمى أدب النفس، كما أن الأول يسمى أدب الدرس، ~~وهو موضوع بحثنا هذا. # وأحسن مثال لهذا العلم، وأوله كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وأول كتاب وضع في ~~بغداد على هذا النمط هو كتاب المنظوم والمنثور لأحمد بن طيفور المتوفى سنة 280، ~~صاحب تاريخ بغداد، قالوا: إنه بلغ أربعة عشر جزءا، ولم يبق منه ms66 اليوم إلا أجزاء ~~قليلة مفرقة في مكاتب شتى. وكتب أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ~~المتوفى سنة 276، كتبا كثيرة في الأدب، يأتي في مقدمتها كتاب «عيون الأخبار»، ~~ويعد من أقدم كتب الأدب التي أخرجتها بغداد بعد كتاب ابن طيفور، وكتاب أدب ~~الكاتب، والكتابان مطبوعان متداولان. # ثم جاء محمد بن يزيد المبرد المتوفى سنة 285، وأملى في بغداد كتبه الكثيرة في ~~الأدب في طليعتها كتابه «الكامل» الذي «يجمع ضروبا من الآداب بين منثور ومنظوم»، ~~وهو من الكتب الممتعة في بابه، ولقدامة بن جعفر المتوفى 310 كتب قيمة في هذا ~~الباب، منها كتاباه نقد الشعر ونقد النثر، وهما من أقدم الكتب في بابها، وأبو علي ~~البغدادي القالي المتوفى سنة 356 كان من خير رسل الثقافة بين بغداد في الشرق ~~وقرطبة في الغرب، وأماليه التي أملاها في جامع الزهراء بقرطبة لم تكن إلا ثمرة ~~دراسته في بغداد نحوا من ربع قرن. # ثم جاء أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة 356، فأخرج للناس كتاب الأغاني في عشرين ~~مجلدا ونيف، وقد وقع الاتفاق على أنه لم يصنف مثله في بابه، وهو مطبوع ~~متداول فلا حاجة لإطالة وصفه. # ولأبي علي المحسن التنوخي المتوفى سنة 384، كتاب أسماه نشوار المحاضرة وأخبار ~~المذاكرة، جمعه من المنقولات اللسانية التي لم تدون في كتاب في زمانه، وقد ~~طبعت بعض أجزائه، وهو جامع بين الإمتاع واللذة. # ولأبي حيان التوحيدي المتوفى في أواخر القرن الرابع كتب قيمة في هذا الباب، من ~~أمتعها كتاب المقابسات وكتاب الإمتاع والمؤانسة، وفيه من ألوان الأدب وضروب الفلسفة ~~ما يبهج النفس ويغذي العقل، وفي ثبت كتبه كتاب اسمه «المحاضرات والمناظرات»، ~~ولعله من قبيل المقابسات لم نقف عليه، ثم جاء الشريف المرتضى علي بن الطاهر المتوفى ~~سنة 436، نقيب الطالبيين في بغداد، فأملى كتابه «الغرر والدرر» المعروف اليوم ~~بأمالي المرتضى، وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب، تكلم فيها على ~~تفسير بعض الآيات المتشابهات من القرآن الكريم، ثم أعقب ذلك ببعض روائع الشعر ~~والنثر، شارحا ذلك كله ومعرفا ms67 بقائله، وفي ضمن ذلك كثير من الدقائق اللغوية ~~والمباحث النحوية والنكات الأدبية. قال ابن خلكان: «وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير ~~وتوسع في الاطلاع على العلوم ...» # هذا، ولا حاجة بنا للإسهاب في هذا الباب؛ لأن الثروة الأدبية التي أنتجتها بغداد ~~أكثر من أن تحصى عدا. وإذا نحن نظرنا إلى ما نقله ابن خلدون عن أشياخه من «أن ~~أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين؛ وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل ~~للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي. ~~وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها.» وجدنا أن لبغداد الحظ الأوفر من أصول ~~هذا الفن، ولا سيما إذا أضفنا إلى هذه الأصول الأربعة أصلا خامسا وهو «كتاب ~~الأغاني» للقاضي أبي الفرج الأصفهاني. # ولما أنشئت المدرسة النظامية في بغداد أنشئ فيها كرسي لتدريس الأدب، عهد به ~~إلى أبي زكريا الخطيب التبريزي المتوفى سنة 502، وخلفه على ذلك علي بن أبي زيد ~~الفصيحي، وتلاه أبو منصور الجواليقي شارح أدب الكاتب. # وفي أوائل العصر السادس الهجري اتسع مفهوم الأدب عند العلماء، فأطلقوا على ~~العلوم اللسانية من النحو واللغة وغيرها اسم: علوم الأدب. قال الزمخشري المتوفى سنة ~~538: «علوم الأدب يحترز بها عن الخلل في كلام العرب لفظا وكتابة.» # وممن أملى مجالس في بغداد يمكن أن تنتظم في هذا الباب أبو السعادات هبة الله بن ~~علي الحسني المعروف بابن الشجري البغدادي نقيب الطالبيين في الكرخ المتوفى سنة 542، ~~فإنه أملى أربعة وثمانين مجلسا اشتملت على فوائد جمة من فنون الأدب. # وكانوا يعتبرون الغناء من فنون الأدب. قال ابن خلدون: «كان الغناء في الصدر الأول ~~من أجزاء هذا الفن - الأدب - وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة ~~العباسية يأخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه، فلم يكن انتحاله ~~قادحا في العدالة والمروءة.» ا.ه. # وقد ألف عبيد الله بن طاهر، المتوفى سنة 289، كتابا أسماه «الآداب الرفيعة»، ~~جمع فيه أصول النغم وعلل الأغاني وآداب المنادمة إلى غير ذلك، وهذا الاصطلاح ~~يقرب جدا من الاصطلاح ms68 الذي وضعه المعاصرون للنحت والتصوير وما إليهما باسم ~~«الفنون الجميلة». # الشعر والشعراء # لم يؤثر عن أمة من الأمم ما أثر عن العرب من كثرة الشعر والشعراء، حتى إنهم ~~اتخذوه ديوانا لمآثرهم ومفاخرهم وسائر مجرياتهم؛ فهو بحق ديوان أخبارهم، ومستودع ~~أفكارهم، وخزانة آثارهم، وإليه المرجع في تقلب أطوارهم في جاهليتهم وإسلامهم. ~~وكان الشاعر بينهم موضع التجلة والإكبار؛ لأنه مدره العشيرة وحامي ذمارها والمنافح ~~دون أحسابها. # ولما أصبحت بغداد حاضرة الخلافة، تدفق إليها الشعراء من كل فج ليشهدوا ~~منافع لهم، وليعرضوا ما تجود به قرائحهم من الأعلاق النفيسة في قصور خلفائها ~~وأمرائها وكبرائها، فوجدوا مجال القول ذا سعة، فقالوا: وأجزل لهم رجال الدولة ~~وأولو النعمة العطايا فأكثروا وأجادوا، حتى قيل: إنه لم يجتمع بباب خليفة من خلفاء ~~الإسلام من الشعراء ما اجتمع في باب الرشيد، وإذا أنت تصفحت تاريخ بغداد للخطيب ~~ملكك العجب؛ لكثرة ما يمر فيه أمام نظرك من الشعراء الذين أنبتتهم بغداد أو الذين ~~طرءوا عليها من الأطراف، حتى إنك لا تكاد تسمع بشاعر نابه في المشرق إلا وجدت له ~~ذكرا بين شعراء بغداد. ولو حاول مؤرخ أن يستقصيهم ويلم بأخبارهم لأخرج للناس ~~كتابا في عدة مجلدات، وقد حاول بعض المؤرخين الاستقصاء فأعياه. وأحصى الثعالبي ~~في يتيمته العدد العديد من شعراء بغداد الذين عاصروه، وذكر بعض المؤرخين أن بضع ~~مئات من الشعراء تمالئوا على هجو المتنبي عندما قدم بغداد في طريقه إلى ~~خراسان. # فإذا كانت بغداد في أواسط العصر الرابع تضم بضع مئات من الشعراء الذين يعادون ~~المتنبي، فكم كان عدد شعرائها الذين يوالونه أو الذين على الحياد؟ وليس المهم في ~~هذا الباب كثرة الشعراء وكثرة ما نظموا، وإنما المهم الحسنات التي أسدوها على هذا ~~الفن والابتداعات التي ابتدعوها فيه. والناقد البصير مضطر إلى الاعتراف بما لشعراء ~~بغداد النابتين فيها والطارئين عليها من الفضل على الشعر في تنويع أغراضه وابتكار ~~البارع من معانيه وأخيلته، ونشر الآراء الحرة والمذاهب الجديدة والبراعة في رسم ~~الصور المبتكرة في الأوصاف وغيرها، كما أنه عليهم ms69 تقع تبعة إذاعة الزندقة ~~والتشكيك في العقائد والاسترسال وراء الأهواء، وهم أول من فتح باب الغزل في المذكر ~~أو - على الأقل - هم أول من وسع هذا الباب، وأغرقوا فيه أيما إغراق. كما أنهم ~~أول من وسع باب المجون، وغالوا فيه غلوا تستنكره الطباع السليمة والنفوس المستقيمة، ~~ولم يكترثوا لما يتقيد به المؤمنون من كرائم الخلال ومحامد الخصال. وأكثر المندفعين ~~في هذه المسالك من الموالي الذين لم يملأ الإيمان صدورهم، ولا ارتاحت إلى الدين ~~عقولهم، من أمثال: بشار بن برد، وحماد عجرد، وحسين بن الضحاك، وأبي دلامة. نعم؛ لا ~~ينكر أن في أبناء العرب فئة شايعت هؤلاء الموالي في ركوب هذه السبل، بل ~~سبقتهم وأربت عليهم، منهم: الحسن بن هانئ الحكمي، ودعبل الخزاعي، وابن سكرة ~~الهاشمي. ويمكن إجمال ما جد في الشعر ببغداد بما يلي: ~~(1) # الركون إلى الأنيس من الألفاظ وهجر الغريب والحوشي منها، فبعد أن ~~كان ابن الجاهلية يستسيغ قول القائل: # وليلة نحس يصطلي القوس ربها # وأقطعه اللاتي بها يتنبل # دعست على غطش وبغش وصحبتي # سعار وإرزير ووجر وأفكل # أصبح ابن بغداد يتغنى بمثل قول الحكمي: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # وداوني بالتي كانت هي الداء ~~(2) # الإكثار من الألفاظ الدخيلة، ولا سيما الدالة على أنواع الخمور وضروب ~~الأزهار وأصناف الأطعمة. ~~(3) # استعمال مصطلحات العلوم التي كثرت في هذا العصر. ~~(4) # الاهتمام بالمحسنات البديعية اللفظية منها والمعنوية؛ كالجناس ~~والتورية ورد العجز على الصدر والطباق. وأكثر الشعراء ولوعا بهذه ~~المحسنات: مسلم بن الوليد، وأبو تمام، وعبد الله بن المعتز. ~~(5) # الميل إلى سلامة التراكيب وانسجامها مع الاحتفاظ بجزالة الأسلوب ~~وظهور المعنى. # هذا مجمل ما جد في ألفاظ الشعر، أما ما جد في معانيه وأخيلته؛ ~~فيتلخص فيما يلي: ~~(1) # اختراع الأخيلة الجميلة، وصبها في قوالب جذابة تبهج ~~النفس وتسر الخاطر. ~~(2) # الإيغال في استعمال الخيال الوهمي الذي لا يمكن تحققه ~~في الخارج؛ كقول الحكمي: # وأخفت أهل الشرك حتى ~~إنه # لتخافك النطف التي لم ~~تخلق # وقول بعضهم: # أسكر بالأمس إن عزمت على ~~الس # كر غدا إن ذا من ms70 العجب! ~~(3) # ترتيب الأفكار وتنسيقها على وجه يلتئم مع مناهج المنطق ~~السليم والفكر المستقيم، ولا سيما عند الانتقال من حال إلى ~~حال. ~~(4) # سلوك الطرق الكلامية، ومناهج الحكمة في تأييد ~~المقاصد وتأكيد المطالب؛ مثل قول بعضهم وقد هجاه أحد ~~الأشراف: # لا تضع من عظيم قدر وإن كن # ت مشارا إليه بالتعظيم # فالشريف الكريم ينقص قدرا # بالتعدي على الشريف الكريم # ولع الخمر بالعقول رمى الخم # ر بتنجيسها وبالتحريم ~~(5) # الإكثار من الاستعارات الطريفة والتشبهات البارعة. ~~وأكثر الشعراء ولوعا بذلك عبد الله بن المعتز. # ويمكن تلخيص ما جد في أغراضه وفنونه بما ~~يلي: ~~(1) # الانهماك في غزل المذكر والتوسع في فنونه، ~~حتى غلب على غزل المؤنث الذي كان شعراء الجاهلية ~~وصدر الإسلام يصدرون به قصائدهم ويحلونها به. ~~وأشهر المغرقين في هذا الباب أبو نواس والحسين بن ~~الضحاك. ولم يزل يتفاقم أمر هذا الضرب في الشعر ~~حتى صار جمعة الدواوين يعتقدون له بابا قائما ~~برأسه. ~~(2) # اتخاذ المجون وسيلة من وسائل الملاطفة ~~والإضحاك وبعث السرور في النفوس، ثم الخروج به إلى ~~حدود الإفحاش والهجر. وأول من أفحش فيه بشار ~~وحماد عجرد وحماد الراوية، ثم جاء أبو نواس فأربى ~~عليهم، ثم جاء ابن حجاج وابن سكرة الهاشمي فشرقا ~~فيه وغربا، وأتيا منه بما لم يسبقا إليه ولم ~~يلحقا فيه، مما يستنكره الذوق السليم وتشمئز منه ~~الطباع المستقيمة، ومع ذلك فقد كان البغداديون ~~يعدون الزمان الذي جاد بابن حجاج وابن سكرة ~~زمانا سخيا. ~~(3) # الإقذاع في الهجاء والسب وهتك الحرم بما ~~لا عهد للعرب به في عهد جاهليتهم وصدر إسلامهم، إلا ~~ما كان من جرير وبعض خصومه. وأشد الشعراء اندفاعا ~~في ذلك شعراء الموالي؛ كبشار وابن الرومي. ~~(4) # الإغراق في المديح والفخر والإمعان بالكذب ~~فيهما، وكان الذين يولعون بهذا الضرب من الشعر ~~يقولون: «الشعر أعذبه أكذبه.» وهي فرية تقض مضجع ~~الصدق. # ومن هنا قسم أهل البديع الخروج على ~~المألوف إلى أقسام عديدة؛ أولها: المبالغة، وأرادوا ~~بها ادعاء ما يمكن عقلا وعادة، وإن كان خارجا عن ~~المألوف. وثانيها: الإغراق، وهو ادعاء ما يمكن ms71 عقلا ~~لا عادة. وثالثها: الغلو، وهو ادعاء ما لا يمكن ~~عقلا ولا عادة. وهذا التقسيم يشعرك بما انتهوا ~~إليه من الخروج عن الممكنات إلى المستحيلات. ~~(5) # الاندفاع في وصف الخمر والدعوة إلى شربها، ~~والتبسط في وصف السكر والسكارى والمنادمة ~~والندامى، والذهاب في ذلك كل مذهب. ورأس هذه الفئة ~~أبو نواس؛ فقد أتى في هذا الباب بما لم يسبق إليه ~~ولم يلحق فيه. نعم؛ كان بعض شعراء الجاهلية ~~كالأعشى يلمون بهذا الباب إلماما خفيفا، وبعد ~~الإسلام لم يجرؤ على طرق هذا الباب إلا قليل من ~~الشعراء؛ كأبي محجن الثقفي والأخطل وأبي الهندي. أما ~~في هذا العصر فقد جعله الشعراء ديدنهم، وقصروا ~~عليه جل اهتمامهم، والذي ترفع منهم عن احتساء ~~الشمول لم يترفع عن وصف شمائلها، ومن أراد ~~التبسط في هذا الباب فعليه أن يرجع إلى حلبة ~~الكميت للنواجي المتوفى سنة 859. # على أن عشاق الفضيلة وأهل التقوى لم يعدموا ~~من يطربهم ويجتذبهم إليه بشعره ويسترق قلوبهم ببارع ~~سحره، فقد فتح فريق من شعراء بغداد باب الزهد ~~والوعظ والإرشاد وتفننوا فيه، وتطرقوا إلى ترصيعه ~~بالحكم والأمثال، وعلى رأس هذه الفئة أبو العتاهية ~~وأبان بن عبد الحميد اللاحقي، وتبعهما الكثيرون من ~~الشعراء، حتى إن الحسن بن هانئ المعروف بنزعته لم ~~يخل شعره من نفحات زهدية وعظات صوفية؛ ~~كقوله: # ما بال دينك ترضى أن ~~تدنسه # وثوبك الدهر مغسول من ~~الدنس؟! # ترجو النجاة ولم تسلك ~~مسالكها # إن السفينة لا تجري على ~~اليبس! # وكثيرا ما اقتبس الصوفية شعر المجان من ~~الشعراء وحوروا معناه إلى أغراضهم النبيلة؛ فهذا ~~ماجن يشبب بغلام يقول: # إن بيتا أنت ساكنه # غير محتاج إلى السرج # وجهك المأمول حجتنا # يوم تأتي الناس بالحجج # فانتزعته بعض الصوفية وقلب معناه إلى مناجاة ~~الحق - عز وجل - ووضع كلمة «الميمون» بدل ~~«المأمول» ورمز بالبيت إلى القلب. والكثير مما ~~يتغنى به الصوفية في خلواتهم وجلواتهم من هذا ~~القبيل. على أن للصوفية أنفسهم شعرا يكاد يذوب ~~رقة ولطفا، يرمزون فيه إلى أغراض خاصة بهم، ~~ومقاصد يعسر شرحها على غيرهم، وهذا الضرب ms72 من الشعر ~~لا عهد للعرب به إلا بعد أن مصرت بغداد، وكثر ~~فيها العباد والزهاد. وفي بغداد توسع الشعراء ~~في صب المعاني الفلسفية في قوالب شعرية، ومن أشهر ~~المتقدمين في ذلك صالح بن عبد القدوس، وعلى هذه ~~السنة جرى أبو العتاهية في كثير من شعره، ولا ~~سيما في مزدوجته المشهورة التي يقول فيها: # إن الشباب حجة التصابي # روائح الجنة في الشباب # إن الشباب والفراغ والجده # مفسدة للمرء أي مفسده # ومن مشاهير البغداديين الذين سلكوا هذا السبيل ~~الحسين بن عبد الله المعروف بابن شبل # 1 # البغدادي المتوفى سنة 474، وله في ذلك ~~مطولات ومقطعات بارعة جدا، فمن مطولاته قصيدته ~~التي مطلعها: # بربك أيها الفلك المدار # أقصد ذا المسير أم ~~اضطرار؟! # ومنها قصيدته الهمزية التي يقول فيها: # صحة المرء للسقام طريق # وطريق الفناء هذا البقاء # بالذي نغتذي نموت ونحيا # أقتل الداء للنفوس الدواء # قبح الله لذة لأذانا # نالها الأمهات والآباء # نحن لولا الوجود لم نألم ~~الفق # د فإيجادنا علينا بلاء # وقد جال أبو العلاء المعري في هذا الميدان ~~جولان فارس ماهر، فبز من سبقه وأعجز من لحقه، ولم ~~يركب هذه الطريق ركوبا جديا إلا بعد رجوعه من ~~بغداد، فهل لبغداد أثر في نزعته هذه؟ # وآخر من علمناه سلك هذه الطريق من ~~البغداديين في عهد بني العباس عبد الحميد المعروف ~~بابن أبي الحديد المتوفى عام 655، شارح نهج البلاغة، ~~ومما ينسب إليه في هذا الباب قوله: # تاه الأنام بسكرهم # فلذاك صاحي القوم عربد # من أنت يا رسطو ومن # أفلاط قبلك يا مبلد؟! # ما أنتم إلا الفرا # ش رأى السراج وقد توقد # فدنا فأحرق نفسه # ولو اهتدى رشدا لأبعد # وأهم ما حظي به الشعر من التجديد في ~~بغداد انصراف الفحول من الشعراء عن الوقوف على ~~الديار والبكاء على الأطلال إلى وصف الأنهار ~~والأشجار والأزهار والثمار ومجالس اللهو واللعب ~~وضروب الأنس والطرب، وإمام هذه الجماعة الحسن بن ~~هانئ، فإنه كان يرى من النقص أن يفتتح الشاعر ~~شعره - وهو في بغداد بين الأنهار والأشجار - بالوقوف ~~على الطلول المحيلة ms73 والآثار الطامسة، ويرى من الواجب ~~على الشاعر أن يكون واقعيا، يصف شعوره وإحساساته ~~وخلجات نفسه ويصورها تصويرا بارعا تهتز له ~~النفوس، فكأنه يسحرها أو يسكرها؛ لأنه يصور لها ~~ما تحن إليه وتحنو عليه، قال: # صفة الطلول بلاغة القدم # فاجعل صفاتك لابنة الكرم # وقال: # عاج الشقي على رسم يسائله # وعجت أسأل عن خمارة ~~البلد # يبكي على طلل الماضين من أسد # لا در درك قل لي من بنو ~~أسد؟ # وقد تبعه في مذهبه هذا خلق كثير، ~~فانصرفوا إلى وصف المشاهدات من مظاهر المدنية؛ ~~كالقصور والأنهار والحياض والرياض والسفن ومجالس ~~القصف ... إلخ. وأشهر من جال في هذا الميدان ابن ~~المعتز والصولي وابن الرومي. ونشأ شعراء اتخذوا من ~~الأحداث التافهة موضوعات أطنبوا في شرحها وأسهبوا في ~~وصفها، فعلوا كل ذلك للإضحاك والإيناس، كما فعل أبو ~~دلامة في وصف بغلته الخبيثة الطباع، وكما فعل ~~الحمدوني في وصف طيلسان ابن حرب. وخلاصة القصة أن ~~محمد بن حرب أهدى الحمدوني طيلسانا خلقا؛ فأخذ ~~يصفه ويتندر فيه، حتى قال فيه قرابة مائتي ~~مقطوعة لا تخلو واحدة منها من معنى بديع، منها ~~قوله: # يا ابن حرب كسوتني طيلسانا # أمرضته الأوجاع فهو ~~سقيم # وإذا ما رفوته قال سبحا # نك محيي العظام وهي رميم! # وقال: # يا ابن حرب كسوتني طيلسانا # مل من صحبة الزمان وصدا # طال ترداده إلى الرفو حتى # لو بعثناه وحده لتهدى! # ومن هذا القبيل تندره في شاة سعيد التي بعث ~~بها إليه، فملأ الدنيا شعرا بوصفها. # وشيء آخر طرأ على أغراض الشعر في بغداد، وهو ~~رثاء الأئمة الذين رحلوا إلى جوار ربهم منذ أمد ~~بعيد، وكان الشعراء من قبل يقصرون الرثاء على ~~الأموات في حرارة المصاب ... ومن طريف ما يحكى في ~~هذا الباب أن أحد الأدباء وقف عند بعض الشعراء على ~~قصائد يرثي بها رجالا لا يزالون على قيد الحياة، ~~فقال له: ما هذا؟! قال: إن هؤلاء لا بد أن يموتوا ~~ويريد أهلوهم أن نجيد في رثائهم على البديهة وهو ~~أمر صعب؛ ولذلك أعددت هذه المراثي لهم منذ ms74 ~~الآن. # هذا أهم ما جد في بغداد من أغراض الشعر ~~وفنونه، أما في أوزانه وقوافيه فيمكن إجمال ما جد ~~فيهما في بغداد بما يلي: ~~(1) # إحداث المزدوج، وهو جعل كل شطرين على قافية ~~واحدة، وقد أكثر منه أبان بن عبد الحميد اللاحقي ~~وأبو العتاهية الغزي وقد مر مثاله. ~~(2) # الإكثار من النظم في البحور التي كان ~~الأقدمون لا يطرقونها إلا قليلا، كالمضارع ~~والمقتضب، وأكثر من سلك ذلك أبو العتاهية وابن ~~المعتز. ~~(3) # النظم على أوزان ولدها الخليل من أوزان ~~الشعر الأصلية، وزاد عليه فيها بعض ~~العروضيين. ~~(4) # النظم على أوزان اخترعها بعض قدماء الشعراء في ~~بغداد؛ كمسلم بن الوليد وأبي العتاهية وأبي ~~نواس. # وفي بغداد اخترع المواليا، اخترعته بعض ~~فتيات البرامكة على أثر نكبتهم، وتبعها الناس فيه. ~~وكذلك اخترع الناس أوزانا كثيرة، ولكنها كانت ~~تنظم بألفاظ وأساليب هي إلى لغة العامة أقرب منها ~~إلى اللغة المعربة. # أما الموشحات فإنها من مخترعات ~~الأندلسيين، وعنهم أخذها أهل المشرق في أواخر زمن ~~بني العباس. # ولم يزل أمر الشعر في بغداد تقليديا إلى ~~أن ظهر الشعراء المعاصرون، وفي طليعتهم الأستاذان ~~الفاضلان معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، فانتقلا ~~بالشعر إلى سننه القويم، واتخذا منه خير أداة لتصوير ~~الأفكار العصرية ودقيق الإحساسات النفسية، كما اتخذا ~~منه وسيلة لتسجيل الأحداث المهمة والكوارث ~~الملمة، فإذا أنت تصفحت ديوان الرصافي اليوم ~~تجده أصدق سجل لما عانته بغداد في زمانه من آلام وما ~~تطلعت إليه من آمال، وما ألم بالعراق خاصة وببلاد ~~العرب عامة من أفراح وأتراح، وما قاسته الأمة من ~~أهوال وما تقلبت فيه من أحوال، يندب ماضيها الداثر، ~~وعزها الغابر، كما يتوجع لما تقاسيه من خيبة ~~الآمال في عصرها الحاضر، ويهيب بأبنائها ألا يقعدوا ~~عن ضيم، ولا يستنيموا لمكروه. وكذلك فعل الأستاذ ~~الزهاوي؛ فإنك إذ تصفحت شعره وجدت أنه يريد أن يدفع ~~بالأمة إلى كل جديد، ويريد منها أن تسلك إلى الحضارة ~~كل طريق. # ولما انبثق فجر النهضة الحديثة وجدت بغداد من ~~هذين اللسانين خير أداتين لإنهاض الهمم، وشحذ ~~العزائم، وإلهاب جذوة ms75 الحماسة في النفوس. # هذا ولا يمكن أن تنسى بغداد أولئك الأفاضل ~~الذين رفعوا لواء الشعر على ضفاف الفرات حينا من ~~الدهر، ثم انتقلوا به إلى ضفاف دجلة، فكان لهم فيها ~~قدم صدق. ويأتي في الطليعة منهم الشيخ محمد رضا ~~الشبيبي، وأخوه الشيخ محمد الباقر، والشيخ علي ~~الشرقي، ومحمد المهدي البصير، ومحمد المهدي ~~الجواهري. ولا يفوتنا أن نذكر بالإكبار الشيخ عبد ~~الحسين الأزري الذي آزر النهضة الحديثة بقصائده ~~المأثورة في مواقفه المشهورة، والأستاذ الصافي نزيل ~~دمشق. # سانحة # وللحياة العقلية في مدينة السلام شرح يطول، وتاريخ تزدحم فيه الأبواب والفصول، ~~وما ذكرناه إنما هو من قبيل الإلماع والإيماء، وما هو في واقع الأمر إلا بمثابة ~~زهرات من روض أريض، وجولة قصيرة المدى في مجال طويل عريض. وفي رأينا أن التاريخ ~~العقلي هو التاريخ الحي الخالد الذي يحمل معه الشاهد، وما سواه من التاريخ فأكثره ~~يدور على الاعتزاز بالجيوش، وقتل النفوس، وثل العروش، والتحكم في الرقاب، ~~ومصادرة الحريات، واجتراح الموبقات، واقتراف المخزيات، والتكالب على الحطام، ~~والتغالب على السلطان الزائل، والجاه الزائف. أما ثمار النهى ونتاج الأفكار فإنها ~~الوجه المشرق من التاريخ الذي ينير للإنسانية منهاجها، ويصف لها علاجها، ويسمو بها ~~إلى مثلها العليا ومراتبها القصوى. # ذهبت فتوحات الإسكندر وذهبت معها معالمها وآثارها، وبقي منطق أرسطو حيا على ~~الدهر، ينير العقول ويغذي النفوس، وطمست الأيام معالم مدينة السلام؛ فمحت ~~آثار قصور المنصور والأمين والمأمون، وبقي فقه ابن ثابت وابن حنبل يقتطف منهما ~~العباد زاد المعاد، ويعتمد عليهما الحكام في ديار الإسلام، في ضبط مقاييس الفصل ~~بين الخصوم، وإقامة موازين العدل بين الناس. وطاحت الطوائح بتلك الثروات الطائلة، ~~والرياش الفاخرة، والنعيم الوارف الظلال، أما الثروة العقلية فقد صارعت الأيام، ~~وغالبت الأحداث، وناهضت الكوارث، ودافعت المصائب حتى كتب لها الظفر، وكان ~~الغلب؛ فعاشت على الرغم من أنف الزمن تتلألأ نورا وتتيه جمالا وجلالا؛ فالكثير ~~من آثار أولئك العلماء والأدباء والحكماء من البغداديين لا يزال زينة هذه الحياة ~~وجمالها وزهرتها، وسيبقى خالدا على الزمن ما بقي اللسان ms76 المبين غذاء للعقول ~~الراجحة، ودواء للأهواء الجامحة، ورواء للنفوس الظامئة، ومعراجا للعزائم الماضية ~~والهمم العالية والأرواح الصافية. ms77