######OpenITI# #META# URI: 1365TahaRawi.TarikhCulumLughaCarabiyya.Hindawi96069181 #META# Tags: linguistics #META# ID: 96069181 #META# Title: تاريخ علوم اللغة العربية #META# AuthorID: 48528029 #META# Author: طه الراوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأدب‏ # اللغة العربية‏ # بعض عاهات الكتب المتداولة في النحو لهذا العهد‏ # تأريخ علم البلاغة‏ # البديع‏ # تأريخ الخط العربي‏ # تعريف ببعض الأعلام الهامة الواردة في الكتاب‏ # الأدب‏ # اللغة العربية‏ # بعض عاهات الكتب المتداولة في النحو لهذا العهد‏ # تأريخ علم البلاغة‏ # البديع‏ # تأريخ الخط العربي‏ # تعريف ببعض الأعلام الهامة الواردة في الكتاب‏ # | تاريخ علوم اللغة العربية # | تاريخ علوم اللغة العربية # تأليف # طه الراوي # | الأدب # كان العرب قبل الإسلام يطلقون لفظ «الأدب» على معان، منها: الدعوة إلى الشيء، يقال: ~~أدب الرجل يأدب أدبا: إذا صنع صنيعا ودعا الناس إليه، ومنها العجب، وكذلك يطلقونه ~~على الفضائل النفسية، والمكارم الخلقية، وعليه الحديث: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.» # ثم تطور معنى هذه الكلمة بعد الإسلام، فأطلقت على مجموعة من علوم العرب، منها: ~~الشعر، والأخبار، والأنساب، والنحو. ويطلق على العالم بهذه العلوم اسم «الأديب»، وإذا ~~اشتغل بتعليمها فهو «المؤدب». # قال أبو منصور الجواليقي المتوفى سنة 539ه: «وذلك كلام مولد؛ لأن هذه العلوم حدثت ~~في الإسلام. واشتقاقه من شيئين؛ يجوز أن يكون من الأدب وهو العجب، ومن الأدب مصدر قولك: ~~أدب فلان القوم يأدبهم أدبا إذا دعاهم، قال طرفة: # نحن في المشتاة ندعو الجفلى # 1 # لا ترى الآدب فينا ينتقر # فإذا كان من الأدب الذي هو العجب، فكأنه الشيء الذي يعجب منه لحسنه، ولأن صاحبه ~~الرجل الذي يعجب منه لفضله. وإذا كان من الأدب الذي هو الدعاء، فكأنه الشيء الذي ~~يدعو الناس إلى المحامد والفضل، وينهاهم عن المقابح والجهل.» ا.ه. # وهذا التطور في معنى كلمة الأدب بدأ في أواسط القرن الأول الهجري، وبذلك التقى في معنى ~~هذه الكلمة أدب النفس وأدب الدرس الذي يستأنس أحدهما بالآخر ويستمد قوته منه، فإن أدب ~~الدرس من أهم روافد أدب النفس، كما أن أدب النفس أكبر حافز إلى التوسع في أدب الدرس. # وبهذا التطور في معنى الأدب أصبح ذا كيان خاص، وصار محتاجا إلى تعريف يجمع بين معناه ~~النفسي ومعناه الدرسي، وعلى هذا قال أبو زيد الأنصاري المتوفى سنة 215ه: «الأدب يقع على ms001 ~~كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل.» وهذا كما تراه شامل لأدبي ~~النفس والدرس؛ لأن الرياضة المحمودة كما تتصل بالنفس تتصل بالدرس. ثم لما تبسطت الأمة ~~في الحضارة وتوسعت في المعارف، ولا سيما اللسانية منها، أضيفت إلى معنى هذه الكلمة ~~أمور لم تكن من معناها سابق العهد، من ذلك إطلاقها على أصول المنادمة وفنونها وعلى فنون ~~النغم وأصول الأغاني وما يتصل بها من الآلات، ولما وضع عبد الله بن طاهر المتوفى سنة 289ه ~~كتابه في أصول المنادمة وفنونها أسماه «الآداب الرفيعة»، ذاهبا إلى أن هذا الضرب من الأدب ~~يعتبر في القمة من سائر ضروبه، وكذلك فعل الشاعر المشهور «كشاجم» في تسمية كتابه «أدب ~~النديم»، وقد جمع فيه ضروبا شتى من هذه الفنون. # ثم كلما ابتدع فن من الفنون اللسانية انضوى إلى لواء هذه الكلمة، وبذلك توسع ~~معناها بتعاقب الزمن توسعا ظاهرا، وبعد كل هذا التوسع أصبح حد الأدب كما قال ابن خلدون: ~~«هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم، والأخذ من كل علم بطرف.» ولهذا لا يجوز أن يتحلى بلقب ~~«الأديب» إلا من أتقن الفنون اللسانية، وألم من العلوم الشرعية والكونية بما لا يجمل ~~بالناثر والناظم جهله. ~~(1) علوم الأدب # تبين مما تقدم أن معنى لفظ الأدب تطور من حال إلى حال حتى أصبح جامعا بين ~~المعنى الخلقي والمعنى الفني، بمعنى أنه صار شاملا المزايا الخلقية والمكارم ~~النفسية، وزمرة العلوم التي من شأنها تقويم اللسان والقلم، وكل ما يعين على الإجادة في ~~منثور القول ومنظومه، وكل ما يتوسل به إلى فهم كلام العرب في القديم والحديث وهي ~~فنون كثيرة، فلا يسوغ لأحد أن يتسم بسمة الأديب بحق إلا إذا ضرب في هذه الفنون بسهم. ~~وقد اختلفوا في تعداد هذه الفنون اختلافا كثيرا، لكنهم اتفقوا على أصل واحد وهو أنها ~~فنون اللسان العربي. ومن أشهر الباحثين في ذلك أبو القاسم الزمخشري المتوفى سنة 538ه؛ ~~فقد ذكر أنها اثنا عشر فنا وهي: «اللغة، والصرف، والاشتقاق، والنحو، والمعاني، ~~والبيان، والبديع، والعروض، والقوافي»، وهذه ms002 تعتبر أصولا، «والخط، وقرض الشعر، ~~والإنشاء، والمحاضرات» وهذه الأربعة تعتبر فروعا. أما ابن الأنباري المتوفى سنة ~~577ه فقد عد منها في كتابه «طبقات الأدباء» «النحو، واللغة، والتصريف، والعروض، ~~والقوافي، وصفة الشعر، وأخبار العرب، وأنسابهم، والجدل في النحو، وأصول النحو»، وبهذا ~~أسقط بعض العلوم التي ذكرها أبو القاسم الزمخشري، وزاد علمين وهما «علم الجدل في ~~النحو، وأصول النحو». وكان الأندلسيون يطلقون علم الأدب على ما يحفظ من التاريخ ~~والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات. # والجمهور على أنه لا بد للأديب من الاطلاع على فنون شتى غير الفنون اللسانية، ~~ليتحذر من التورط في الأغاليط عندما يتطرق في شعر أو نثر إلى ما له مساس في تلك ~~الفنون، ولكي يستعين بذلك على فهم كلام المحدثين الذين أولعوا بتضمين منثورهم ومنظومهم ~~الكثير من مسائل تلك العلوم، فمن ذلك مثلا قول الطغرائي: # فإن علاني من دوني فلا عجب # لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل # وقوله أيضا: # لو كان في شرف المأوى بلوغ منى # لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل # وقول أبي الطيب: # وكم لظلام الليل عندك من يد # تخبر أن المانوية تكذب # فإن البيتين الأول والثاني لا يفهمهما إلا من شدا طرفا من علم الهيئة، والثالث لا ~~يفهمه إلا من ألم بشيء من علم الكلام. وأمثلة هذا كثيرة، ولا سيما في كلام المتأخرين ~~من الأدباء، وإلى هذا أشار ابن خلدون في تعريفه علم الأدب بقوله: «والأخذ من كل علم ~~بطرف.» # على أنه إذا أطلقت علوم الأدب فإنما يراد بها العلوم اللسانية، التي لا بد من ~~معرفتها لكل من يتصف بصفة الأديب. ونحن نلخص ذلك في الفصل التالي مع شيء من ~~الإيضاح. ~~(2) إجمال وإيضاح # حدثنا التاريخ أنه عندما أحس أولونا بوقوع بوادر الاضطراب على ألسنة أحداثهم، ~~وشعروا بدبيب اللكنة في حواضرهم وتسرب اللحن إلى أحداثهم؛ عز عليهم ذلك، وخافوا أنهم ~~إذا تركوا الحبل على الغارب يستفحل أمر اللحن والاضطراب في لغتهم، ويتدفق عليها تيار ~~العجمة فيطمس آثارها، فانصرفوا بكل ما لديهم من تفكير إلى وقايتها وصيانتها، وصد ما ms003 ~~يعتورها من طوارئ الخلل والاضطراب ، كيف لا وهي لغتهم ولغة دينهم الذي هو سر نهضتهم، ~~وعنوان سيادتهم. ومن ثم بادر علماؤهم إلى تدوينها، وضبط قواعدها، وتقييد مسائلها، وما ~~برحوا ينتقلون في خدمتها من حال إلى حال، حتى استوت لديهم على توالي الأجيال جملة ~~علوم أطلقوا على مجموعها «علوم العربية» أو «علوم الأدب»، فمن هذه العلوم ما يخدم ~~العربية المعربة من حيث ضبط مفرداتها وبيان مدلول كل لفظ من ألفاظها، وهذا ما سموه ~~«علم اللغة» أو «متن اللغة». # ومنها ما يخدمها من جهة معرفة ما يعرض لأبنية كلماتها من الهيئات المختلفة، ومعرفة ~~القواعد التي يستعان بها على معرفة تحويل الأصل الواحد إلى صيغ مختلفة في الهيئات ~~متحدة في المادة، للحصول على معان لا يمكن الحصول عليها إلا بتلك الصيغ، وهذا ما يسمى ~~«علم الصرف» أو «التصريف»، ونريد به ما يشمل علم الاشتقاق. # ومنها ما يعرف به أصول تركيب كلمها، وانطباق هذه التراكيب على المعاني المرادة ~~منها، وما يعرض لأواخر الكلمات بعد التركيب من التغير وعدمه، وهذا «علم ~~النحو». # ومنها قواعد يعرف بها خواص تركيب الكلام، وأسرار بلاغته، وإيراده منطبقا على مقتضى ~~المقام والحال، وهذا هو «علم المعاني» وبعضهم يسميه «علم البلاغة». ومنها قواعد تعين ~~على معرفة إيراد المعنى الواحد بطرق متعددة وتعابير مختلفة في الإيضاح والتبيين، وهذا ~~هو «علم البيان». # ومنها ما يعرف به وجوه تحسين الكلام لفظا أو معنى، وهو «علم البديع»، وبعضهم يسمي ~~هذه العلوم الثلاثة أو الأخيرين منها فقط «علم البيان»، وبعضهم يطلق على الثلاثة «علم ~~البديع». # ومنها ما يبحث فيه عن طرق بيان المقصود بالكلام المنثور كتابة، وعن اختلاف أساليب ~~الكلام باختلاف الموضوعات، وعن الآداب التي ينبغي للكاتب أن يتأدب بها، والمعارف التي ~~يجب أن يتحلى بها وما إلى ذلك، فأطلقوا على هذا «صناعة الإنشاء». وبحثوا عن كيفية تصوير ~~الألفاظ بحروف هجائها، وسموا ذلك «علم الرسم» أو «الخط» أو «الكتابة». # كل هذه العلوم تخدم المنثور من الكلام. ثم انتقلوا إلى المنظوم فبحثوا فيه من وجوه ~~عديدة: بحثوا ms004 عن كيفية نظم الشعر، وعن آداب الشاعر، وعن نقد ألفاظ الشعر ومعانيه، ~~وأطلقوا على هذه المباحث «صناعة قرض الشعر». # ثم بحثوا عن ضبط الأوزان التي نظم عليها العرب المعربون، وأسموا مجموع ذلك «علم ~~العروض». # وبحثوا عن أحوال أواخر الأبيات من حيث حروفها، وحركاتها، وسكناتها، ومحاسنها، ~~وعيوبها، وأسموه «علم القوافي». # ثم انتقلوا إلى البحث عن كيفية إيراد المتكلم كلام غيره من منثور ومنظوم حسب ~~المقتضيات والمناسبات في المحادثات والمساجلات، وأطلقوا عليه «علم المحاضرات»، وينطوي ~~تحت ذلك علم أخبار العرب وأيامها وأنسابها والتاريخ على سبيل الإجمال. # هذه أهم العلوم التي حاط بها أسلافنا لغتهم المعربة. وهناك علوم أخرى تتصل بهذه أو ~~تتفرع عنها، وليس هذا محل استقصائها، وإنما أوردنا في هذا التمهيد المهم مما لا بد من ~~إيراده لربط حلقات الموضوع بعضها ببعض. ولسنا بحاجة إلى بيان ما لهذه العلوم من المكانة ~~في خدمة اللغة المعربة وتعزيز جانبها، وتحويطها من أن يطغى عليها سيل العامية فيطمس ~~آثارها ويعفي معالمها، ولهذا رأينا أن نلم بتأريخ كل علم منها على سبيل الإجمال وبقدر ~~ما يتسع له المقام، فنبحث عن: نشأة العلم، وأولية تدوينه، وأطوار تدرجه في النماء ~~والاتساع، وما تفرع عنه من الفروع، وما أصيب به من توقف أو تقلص أو جمود، مع ~~التنويه بذكر البارزين من القائمين على خدمته والتعريف بالمهم من آثارهم فيه، إلى غير ~~هذه من المباحث التي نرى أن في إمكان الطالب أن يجتني منها ثمرة علمية أو عملية. # | اللغة العربية # (1) أصلها # يرد العلماء اليوم اللغات البشرية إلى ثلاثة أصول: السامي، والآري، والطوراني، ~~ويعدون العربية من الأصل السامي. وإذا اعتبرنا اللغة البابلية الأولى، التي عثر ~~على بقيتها في آثار الدولة الحمورابية، هي الأصل السامي الذي انشقت منه اللغات المنسوبة ~~إليه؛ يترجح عندئذ أن العربية أقرب أخواتها إلى ذلك الأصل أو أنها هي الأصل نفسه، ~~تقلبت في أطوار وتنقلت في أحوال، وحدتها القرون الخالية بالصقال حتى وصلت إلى ما ~~وصلت إليه الآن؛ ذلك لأن العلماء رأوا مشابهة واضحة بين العربية الحاضرة ms005 والبابلية ~~الأولى، ووجدوا في هذه كلمات وعلامات وأصولا وقواعد هي نفسها موجودة في العربية مع خلو ~~سائر أخواتها السامية منها، أو هي موجودة فيها مع تحريف وتحوير ليسا بالبعيدين. # فمن وجوه المشابهة بين العربية المضرية والبابلية حركات الإعراب، فإنها في البابلية ~~كما هي في العربية، ولا أثر لها في سائر اللغات السامية، ومن هنا يظهر أن الإعراب عريق ~~في العربية، عرفها وعرفته قبل أن يعرفها التاريخ. ومن وجوه المشابهة جمع المذكر السالم، ~~فإنها في اللغتين «و ن»، وصيغ الأفعال في اللغتين متقاربة جدا، والتنوين في البابلية ~~ميم ساكنة، والميم أخت النون في العربية وكثيرا ما تتبادلان، مثل عنبر تنطق عمبر. ومن ~~أمثلة الكلمات التي جاءت في اللغتين معا من غير ما تحريف: أنف، عنب، بلال، صعصعة، ~~نسر، شمس، إلى غيرها من الكلمات التي لا تختلف شيئا في اللغتين. # إذا أضفنا هذا إلى ما يراه المحققون من أن مهد العنصر السامي جزيرة العرب، تبين ~~لنا جليا صدق ما ذهبنا إليه من أن هذه اللغة هي العمود الذي انشعبت منه سائر اللغات ~~السامية، أو لا أقل من أن العربية أقرب أخواتها كلها إلى الأصل الأول المندثر على ~~تقدير وجوده. والعلماء يعللون ذلك بكون العربية عاشت في معظم عصورها مبتدية، والبداوة ~~حرز حريز لما تحوطه بعنايتها وتربيه في حجرها من اللغات؛ إذ اللغة تتلون بتلون العمران، ~~وتصطبغ بصبغة الحضارة التي تعيش في أكنافها، وأين العمران والحضارة من المهامه الفيح ~~والصحارى التي تحار فيها الريح؟ ~~(2) تطورها # ليس معنى كون العربية أصلا أو قريبة من الأصل أن هذه اللغة المضرية اليعربية التي ~~تحوكها أقلامنا وتلوكها أفواهنا هي لغة تلك الأم القديمة على ما كانت عليه في مجد ~~حياتها، حفظتها لنا القرون الخالية فأدتها إلينا مصونة من التحوير والتغيير؛ لا ~~وإنما المقصود أن الشعب العربي الذي ما زال ولم يزل يحتفظ بجزيرته، مهد العنصر السامي، ~~احتفظ بأم لغات هذا العنصر، وأن الأم تطورت من حال إلى حال، وتعهدتها الأجيال بالصقال، ~~ولم تزل تتنازعها عوامل البسط والقبض ms006 والرفع والخفض إلى أن تناولتها يد النهضة ~~الإسلامية فجمعت شملها، ولمت شعثها، وزادت في ثرائها، وبالغت في نمائها، ثم وطدت ~~قواعدها، وضبطت أصولها وفروعها، وأحاطتها بعظيم رعايتها، وشملتها بجليل حمايتها، إلى أن ~~بلغت ما بلغت من البسطة في السلطان والكثرة في الأعوان، واتسع صدرها للعلوم المختلفة من ~~بين شرعية، ولسانية، وفلسفية وغيرها، وبلغت يومذاك شأوا قصيا لم تصل إليه لغة من ~~لغات العالم التي كانت تعاصرها. # فإذا أنت ألقيت نظرة إليها وهي زاخرة بالعلوم والفنون في العصر العباسي، تجدها أوسع ~~رقعة منها في العصر الأموي. وهي في العصر الأموي وصدر الإسلام أفسح مجالا منها في ~~الجاهلية يوم كانت منعزلة في زوايا الجزيرة. وقس على ذلك حالها في الجاهلية الآخرة ~~بالنسبة إلى حالها في الجاهلية الأولى. # وبالجملة فإن اللغة تنبسط بانبساط أهلها في الحضارة والعمران، وتنقبض بانقباضهم، ~~وترتقي بارتقائهم، وتنخفض بانخفاضهم، وهي بعد كائن حي معروض لعوامل التركيب والتحليل ~~والتجدد والاندثار وسائر العوامل التي تخضع لها الأحياء من هذا القبيل. # وأهم علائم الحياة في اللغة تحكم عاملي التجدد والدثور في بنيتها كالإنسان في ~~عنفوان شبابه، فتستغني عن ألفاظ وتراكيب، وتضم إلى نفسها ألفاظا وتراكيب حسبما تقضي ~~به عوامل النشوء والارتقاء، أو كما يقولون حسبما يتطلبه قانون الانتخاب الطبيعي، ومن ~~هذا نعلم أن العربية اليوم غيرها بالأمس. ~~(3) عوامل تهذيبها # وليس في مقدور الباحث اليوم أن يحيط بكنه ما تقلبت عليه هذه اللغة من أطوار التهذيب ~~وما مرت به من عوامل النماء والتوسيع، ولكن يمكن أن يقال على سبيل الإجمال، فإن ~~أطوار تهذيبها وعوامل نمائها وتوسيعها تابعة لتطور أحوال المتكلمين بها، فإذا علمنا ~~مثلا أن دولة حمورابي التي وصلت إلى ما وصلت إليه من رفعة الشأن والتبسط في العمران ~~عربية النجار؛ نعلم عند ذاك أن هذه اللغة نالت على عهد هذه الدولة قسطها من التهذيب ~~والنماء يقدران بمقدار ما أحرزته تلك الدولة من سعة العمران، وقوة السلطان. # ويقال مثل ذلك في الدول العربية الأخرى التي ظهرت لمع من أخبارها من خلال غبار ~~العصور ms007 الخالية، مثل دولة العماليق في مصر المعروفة عند اليونان باسم «الهيكسوس» وعند ~~قدماء المصريين باسم «الشاسو» أي الرعاة أو البدو، ومثل دولة معين في اليمن وسائر الدول ~~اليمانية التي تبسطت في الفتوح، وتوسعت في الحضارة. # ومن هذا يتبين أن معرفة أطوار التهذيب لهذه اللغة تستمد من تاريخ الأمة العربية، ~~فلنترك هذا الجانب للباحث في تاريخ العرب. على أنه لا يفوتنا أن أطوار التهذيب ليست ~~قاصرة على ما تتقلب عليه الأمة العربية من الأحوال السياسية، بل هناك تطورات لها شأنها ~~خارجة عن هذه التقلبات، منها: اتصال العرب بغيرهم بالمجاورة والمتاجرة وما إلى ذلك، ~~ومنها انتشار القبائل في أنحاء الجزيرة وانفراد كل قبيلة بمحاسن من القول يغبطه عليها ~~القبيل الآخر، ومنها الأسواق المشهورة والمجامع المذكورة مثل: عكاظ ومجنة وذي المجاز، ~~ومنها الحج وغير ذلك. # هذا أمر تطورها في الجاهلية، وأما في الإسلام فلأطوار التهذيب تاريخ واضح المنهج، ~~سنلم به في غير هذا الموطن إن شاء الله تعالى. ~~(4) عوامل نمائها وتوسعها # أما عوامل النماء في اللغة فكثيرة، أهمها: الاشتقاق، والنحت، والقلب، والإبدال، ~~والاشتراك، والتضاد، والترادف، والمجاز، والكناية، والإصلاح، والتوليد، ~~والتعريب. # وإذا أنعمت النظر في هذه العوامل تجدها على قسمين؛ قسم منها يرجع إلى بنية اللغة مثل ~~الاشتقاق، وقسم تستمده اللغة من الخارج مثل التعريب. وهذا أشبه شيء بكيفية نماء الأجسام ~~الحية، فإن وسائل نمائها على درجتين؛ الأولى: تمثيل الأغذية التي تستمدها من الخارج، ~~والثانية تحصل بتكاثر الخليات بانقسام الواحدة منها إلى اثنتين، ثم انقسام كل من ~~الاثنتين وهكذا. ~~(4-1) الاشتقاق # يقول الصرفيون: إن الاشتقاق أخذ صيغة من أخرى مع اتفاقهما في أصل المادة والمعنى، ~~ليدل بالثانية على المعنى الأصلي مع زيادة مفيدة لأجلها اختلفت حروفهما أو ~~حركاتهما أو هما معا، مثل: «كتب» من الكتابة، و«قرأ» من القراءة، وبعبارة ~~أخرى هو رد لفظ إلى آخر لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية. # وقد ذكروا له نوعين؛ الأول: الاشتقاق الأصغر، وهو المشهور بين علماء العربية، ~~وإذا أطلق الاشتقاق ينصرف إليه. والثاني: الاشتقاق الأكبر، وأهم مميزاته عن ms008 ~~سابقه أنه لا يشترط فيه الترتيب في الحروف بين المشتق والمشتق منه. # والمذهب المعول عليه بين علماء العربية أن الكلم بعضه مشتق وبعضه غير مشتق. ~~وذهبت طائفة من المتأخرين إلى أن الكلم كله مشتق، وهذا مذهب غير مفهوم؛ لأنه لو ~~كانت كل لفظة نوعا من غيرها للزم ألا يكون هناك أصل وهذا محال، اللهم إلا إذا ~~قالوا: إن المراد بذلك أن الكلمة لا تخلو من أحد أمرين؛ إما أن تكون مشتقة أو ~~مشتقا منها، فحينئذ يمكن أن يذكر قولهم هذا مع الأقوال، ويحتمل المناقشة ~~والجدال. وتذهب طائفة ثالثة إلى أنه ليس هناك اشتقاق ما وأن الألفاظ كلها أصل، وهو ~~قول بعيد عن التحقيق. # ثم إن التغييرات بين المشتق والمشتق منه في الاشتقاق الأصغر في وجوه: # الأول: # زيادة حركة في المشتق، مثل علم من العلم. # الثاني: # زيادة حرف فيه، مثل طالب من الطلب. # الثالث: # زيادة حرف وحركة معا، مثل ضارب من الضرب. # الرابع: # نقص حركة منه، كالفرس من الفرس. # الخامس: # نقص حرف منه، مثل ثبت من الثبات. # السادس: # نقص حرف وحركة معا، مثلا نزا من النزوان. # السابع: # نقص حركة وزيادة حرف، مثل غضبى من الغضب. # الثامن: # زيادة حركة ونقص حرف، مثل حرم من الحرمان. # التاسع: # زيادة حركة وحرف ونقصهما، مثل استنوق من الناقة. # العاشرة: # تغاير الحركتين، مثل بطر من البطر. # الحادي عشر: # نقص حركة وزيادة أخرى وحرف، مثل أضرب من الضرب. # الثاني عشر: # نقص حرف وزيادة آخر، مثل راضع من الرضاعة. # الثالث عشر: # نقص حرف وزيادة آخر وحركة، مثل خاف من الخوف. # الرابع عشر: # نقص حركة وحرف وزيادة حركة فقط، مثل عدة من الوعد، فإن فيه ~~نقص الواو وحركتها وكسر العين بعد أن كانت ساكنة. # الخامس عشر: # نقص حركة وحرف وزيادة حرف، مثل فاخر من الفخار. # وإنما أشرنا إلى هذه التغيرات المتنوعة لندل على ما في هذا الباب من السعة، وأنه ~~من أكبر الأبواب التي تنهض باللغة وتمدها بمعين لا ينضب. # أما الاشتقاق الأكبر فيشترط فيه حفظ أصل المادة دون تقلبات ms009 الهيئة، مثل تقليب ~~مادة «ق و ل» على وجوهها الستة المختلفة: ولق، لقو ... إلخ، وهي في كل هذه التصاريف ~~تدل على الخفة والسرعة. قال أبو حيان النحوي: وهذا مما ابتدعه الإمام أبو الفتح بن ~~جني وكان شيخه أبو علي الفارسي يأنس به في بعض المواضع. # والذي يتقرى كلم اللغة بإنعام نظر يجد أن لمعظم موادها أصلا ترجع إليه أكثر ~~كلمات ذلك الأصل إن لم نقل كلها، خذ على ذلك مادة «ف ل» وما يثلثهما تجد الجميع ~~تدور حول معنى الشق والفتح، مثل: فلح، فلج، فلع، فلق، فلذ، فلي. ومثل ~~ذلك مادة «ق ط» وما يثلثهما، تقول: قط، قد، قطع، قطف، قطر، قطن ... إلخ، ~~وكلها بمعنى الانفصال. # وأول من فتح باب هذا النوع من الاشتقاق أبو الفتح أيضا، وللعلامة الزمخشري ~~ولوع فيه، تجد ذلك كثيرا في كشافه. ويذهب بعض اللغويين إلى أن هذا الأصل جار في ~~كل تراكيب المواد اللغوية ولو بضرب من التأويل ولو قليلا، وهذا مذهب لا يخلو من ~~المبالغة؛ إذ إن كثيرا من مفردات اللغة دخل عليها من لغات أخرى ثم صار مع الزمان ~~كأنه منها في الصميم ولا يمكن في حال من الأحوال أن يرد إلى أصل من أصولها، ~~وللغفلة عن هذه الناحية نجد الكثير من اللغويين يتمحلون لبعض الكلمات اشتقاقات أقل ~~ما يقال فيها إنها من المضحكات: حكي عن بعضهم أنه سئل عن اشتقاق الجرجير - نوع ~~من النبات - فقال: سمي بذلك لأن الريح تجرجره أي تجره، وسئل عن اشتقاق ~~الجرة فقال: لأنها تجر على الأرض، ويقول: إنما سمي الثور ثورا لأنه ~~يثير الأرض للحرث! إلى أمثال هذا الهذيان. والأعجب أن بعضهم يتكلف للأعلام العجيبة ~~ضروبا من الاشتقاق تتقاطر السخافة من أطرافها، ولا تعدم في هذا العصر أناسا من ~~هذا القبيل؛ فقد بلغنا أن بعضهم سئل عن البنجرة - وهي يستعملها الأتراك للنافذة ~~- فقال إنها من بنجر الرجل إذا فتح عينيه، لأن النافذة تكون مفتوحة! فاقرأ ~~واعجب. # ولمكانة هذا الباب في علم العربية أفردوه بالتأليف وحاطوه بالعناية الواسعة، ms010 وممن ~~ألف فيه الأصمعي، ومحمد بن المستنير المعروف بقطرب، وأبو الحسن الأخفش، ~~وأبو نصر الباهلي، والمفضل بن سلمة، وابن دريد، والزجاج، وابن السراج، ~~والرماني، وابن النحاس، وابن خالويه وغيرهم. هذا زيادة على ما جاء به ~~الصرفيون في كتبهم من التحقيق والتمحيص، وأكبرهم عناية في ذلك إمام الصرفيين ~~وسندهم أبو الفتح بن جني الموصلي، وقد ألف فيه بعض المعاصرين من علماء الشام ~~كتابا نفيسا. والعصر الذي نحن فيه يتطلب من هذا الباب فضل توسع وبذل عناية؛ ~~لأن المعاني الجديدة المتدفقة والمبدعات العصرية المتكاثرة تتطلب من الألفاظ ما ~~تعيا به مفردات اللغة إذا لم تفزع إلى هذا الباب فتوسع منه ما ضيقه بعض ~~المتشددين، ثم تستمد منه العون فتجد منه خير معين وأقوى نصير. # ثم إن هذا الباب أوسع من أن يحاط به في مثل هذه العجالة، ولكنا نظرنا إليه من ~~بعض نواحيه التي تتعلق بموضوعنا وتركنا التفاصيل للكتب الموضوعة فيه. ~~(4-2) النحت # قد يعمد العربي إلى كلمتين فأكثر فيقتطع منهما حرفا ويؤلف منها كلمة جديدة يدل ~~بها على مجموع المركب الذي اقتطعت منه، أو على معنى آخر قريب من معنى ما ~~اقتطعت منه، فيقول في النسبة إلى عبد شمس «عبشمي» مثلا، كما يقول «بسمل» ~~فلان يريد أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ويسمون العجوز الصخابة الكثيرة ~~الهذر «صهصلق» أخذا من «صهل» و«صلق» بمعنى صات صوتا شديدا. # وقد أطلق علماء العربية على هذا النوع من العمل اللغوي «النحت»؛ لأن العربي ~~ينحت من الكلمتين فأكثر كلمة، وفي هذا العمل ما فيه من الفوائد مما يرمي إلى إمداد ~~اللغة بالثراء، زيادة على ما فيه من الاختصار بكون الكلمة الجديدة تدل على جملة من ~~القول؛ فقولنا «بسمل» مثلا أخصر من قولنا: قال بسم الله الرحمن الرحيم. # ولم يضع له الأوائل قواعد واضحة؛ ولذلك اعتبره بعض النحاة سماعيا، وقل ~~الاعتماد عليه عند المتأخرين من العلماء على ما يظهر من كلام ابن مالك في تسهيله ~~أنه يعتبر هذا الباب قياسيا في باب النسبة، ولكن أبا حيان أنكر ms011 عليه ذلك وقال ~~إن هذا الحكم لا يطرد وإنما يقال منه ما قالته العرب فقط. والمحفوظ منه عند أبي ~~حيان: عبشمي في النسبة إلى عبد شمس، وعبدري في عبد الدار، ومرقس في امرئ القيس، ~~وعبقسي في عبد القيس، وتيملي في تيم اللات، هذا ما أورده أبو حيان من المسموع في ~~باب النسبة من المنحوت. ومعلوم أن النحت في غير باب النسبة أكثر منه في بابها؛ فقد ~~قالوا: هلل وأكثر من الهيللة إذا قال لا إله إلا الله. وحوقل وأكثر من الحوقلة، ~~وحوقل بعضهم أن يقال حوقل، وعده من الغلط وليس بشيء؛ لأنه جرى على ألسنة كبار ~~اللغويين، ومن حفظ حجة على من لا يحفظ. وأكثر من الحوقلة إذا قال لا حول ولا قوة ~~إلا بالله. ومنه: حمدل حمدلة، وحسبل حسبلة قال: حسبي الله. وحيعل حيعلة قال: حي ~~على الصلاة، حي على الفلاح. وحيعل بمعنى قال حي على كذا. # قال الشاعر: # أقول لها ودمع العين جار # ألم يحزنك حيعلة المنادي؟ # وجعفد جعفدة قال: جعلت فداك. ودمعز دمعزة قال: دام عزك. وطلبق طلبقة قال: ~~أطال الله بقاك. ومشكن مشكنة قال: ما شاء الله كان. وسمعل سمعلة قال: سمع الله لمن ~~حمده. وكبتع كبتعة قال: كبت الله عدوك. وسملع سملعة قال: السلام عليكم. وقالوا: ~~حبرم القدر إذا وضع فيها حب الرمان، وأمثلة ذلك كثيرة حتى ذهب ابن فارس ~~وجماعة من المحققين إلى أن الأسماء الزائدة على ثلاثة أحرف أكثرها منحوت مثل قول ~~العرب: رجل ضبطر أي شديد أو ضخم مكتنز اللحم، منحوت من: ضبط وضبر بمعنى اشتد ~~خلقه وتوثق، قال: ومنه أسد صلدم ورجل صلدم أي صلب منحوت من صلد وصدم، ~~وبعثر منحوت من بعث وثبر، وبحثر من بحث وأثار. # ويرى الخليل أن النحت يجيء في الحروف، قال: أصل «لن» لا أن فخففت فصارت لن، ~~وقد حدث لها بالتركيب معنى جديد في الجملة. # وللنحت يد سموح في إمداد اللغة العربية بالثروة ولا سيما لغة العلم، ولكن بعض ~~المتأخرين من النحويين حالوا بين أهل ms012 العلم وبينه بقولهم إنه باب سماعي، وبذلك ~~أوصدوه في وجوه القوم، على حين الحاجة ماسة إلى فتحه وتوسيعه بقدر المستطاع ~~لمعالجة الفاقة اللغوية تجاه المعاني العلمية التي فاض فيضها وعب تيارها في هذا ~~العصر. # ثم ما لنا وللمتشددين من متأخري النحاة الذين كلما انفتح أمام اللغة باب تتنفس ~~منه هرعوا إليه وسدوه، على زعم أنهم يخدمونها بالمحافظة عليها وسد مسالك العجمة ~~عنها؟! وما أشبه عملهم هذا بعمل تلك الصينية التي تضع قدميها في زوجي خف من ~~الحديد للمحافظة على غضارتها وجمالها، ولم تدر أنه سوف يأتي عليها زمن تفقد فيه ~~هاتان القدمان قوتهما وتعجزان عن القيام بوظائفهما! وكذلك شأن اللغة عند هذا ~~الفريق من القوم يوصدون عليها أبواب القياس ويأخذون عليها مجامع الطرق على زعم أنهم ~~يحرسونها ويحافظون على نضارتها ويبقون على غضارتها، وفاتهم أنهم بهذا الصنيع يعملون ~~على إماتتها بإماتة عناصر الحياة فيها وإبعاد عوامل النماء عنها، وأنهم لا يزالون ~~يضيقون عليها السبل حتى يقول المرجفون والذين في قلوبهم مرض: إنها أصبحت لغة ~~مصابة بفقر الدم وذبول الخليات، ومنيت بسائر أعراض الهرم فصارت عاجزة عن أن ~~يتسع صدرها للمعاني الجديدة المتكاثرة والعلوم العصرية المتدفقة بالمصطلحات، وبذلك ~~يسجلون عليها عجزها وهي غير عاجزة، وفقرها وهي غير فقيرة، وإنما العجز في نفوس ~~الذين يزعمون أنهم قائمون على خدمتها وهم في وأدها مشتغلون، والفقر في تفكيرهم وهم ~~لا يعلمون. ~~(4-3) القلب # هو تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وبذلك تتولد كلمة جديدة تتفق مع أصلها في ~~مادة الحروف وتختلف عنها في الترتيب، مثل: صاعقة وصاقعة، وخطيب مصعق ومصقع، ~~ويئس وأيس، وعاث في الأرض وعثا فيها، وأثول وألوث، ونزغ الشيطان بينهم ونغز، وهو ~~يتسكع ويتكسع إذا تحير، ومرزاب السطح ومزرابه، وكلام وحشي وحوشي، وهم الأوباش ~~والأوشاب؛ أي الأخلاط من الناس. # وأمثلة هذا كثيرة ذكر منها الجلال السيوطي في «المزهر» جملة صالحة، وقد ألف فيه ~~ابن السكيت كتابا خاصا، وعقد له ابن دريد في جمهرته بابا على حدته، وكذلك فعل ~~أبو عبيدة في كتاب ms013 الغريب المصنف. وليس في هذا الباب كبير فائدة من حيث الثروة ~~اللغوية إلا من ناحية الألفاظ، أما المعاني فإنها لا تتكثر به إذ المقلوب والمقلوب ~~عنه يدلان على معنى واحد، فإن جذب وجبذ يدلان على معنى واحد وإن تعددا ~~لفظا. # ويذهب البصريون من النحويين إلى أن معظم ما يسميه اللغويون قلبا ليس به، وإنما ~~هو من باب تعدد اللغات، فجبذ عندهم مثلا لغة قبيلة وجذب لغة قبيلة أخرى، وعلى ~~هذا يكون الكثير مما يظنون أن القلب قد دخله ليس بذاك. ولا يتحقق القلب عند هؤلاء ~~إلا إذا تم لإحدى اللفظتين من التصاريف ما لم يتم للأخرى، فعندئذ يعتبرون اللفظة ~~ذات التصريف أصلا وذات التصريف الناقص فرعا مثل يئس وأيس، فإنهم لما وجدوا للأولى ~~منها مصدرا وهو اليأس ولم يجدوه للثانية، قالوا إن الأولى أصل والثانية فرع. وليس ~~هناك فائدة مهمة من وراء هذا الخلاف إلا من وجهة واحدة، وهي أنه: هل كانت القبيلة ~~الواحدة من العرب تستعمل اللفظتين معا أو كانت تستعمل لفظا واحدا منهما واللفظ ~~الثاني تستعمله قبيلة أخرى؟ سيأتي في باب المترادف ما يلقي شيئا من النور على هذه ~~المسألة؛ لأن اللفظين في هذا الباب لا يخرجان عن كونهما مترادفين سواء قلنا بالقلب ~~أو بتعدد اللغات. ~~(4-4) الإبدال # عرفنا أن القلب نقل حرف من موضعه إلى موضع آخر من الكلمة نفسها فتولد من ذلك ~~كلمة أخرى جديدة، وبعبارة أخرى تصير الكلمة الواحدة كلمتين. # أما الإبدال فهو أن ترفع حرفا وتضع غيره موضعه، فتتولد من ذلك كلمة أخرى تدل على ~~عين ما تدل عليه الأولى من المعنى، فهو أخو القلب من ناحية أثره في الثروة اللفظية ~~للغة دون المعنوية منها. # وقد اختلفوا فيه كما اختلفوا في القلب، فقال فريق: المبدل والمبدل منه يقعان في ~~لغة القبيلة الواحدة، فالقبيلة التي تقول «صراط» هي نفسها تقول «سراط». ويذهب ~~المحققون إلى أن العرب لا تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لفظا ~~لقبائل مختلفة تدل على معان متفقة، بأن تتقارب ms014 اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى ~~إنهما لا يختلفان إلا في حرف واحد. وعلى هذا لا تتكلم القبيلة الواحدة بكلمة طورا ~~بالصاد وطورا بالسين، إنما يقول هذا قوم وذاك قوم آخرون. # ومن أمثلة هذا الباب قولهم: ضربة لازب ولازم، وتلعثم وتلعذم، والقطر والقتر ~~للناحية وجمعهما أقطار وأقتار. والحثالة والحفالة للرديء من كل شيء، والثوم والفوم ~~وهو الحنطة. واللثام واللفام، وبعثر وبحثر، ومد الحرف ومطه، والثرى والبرى ... ~~إلخ، والأمثلة كثيرة تكاد تفوت الحصر حتى قال بعض المحققين: قلما تجد حرفا إلا ~~وقد جاء فيه البدل ولو نادرا، يريد به البدل السماعي، أما ما يذكره الصرفيون من أن ~~حروف الإبدال تسعة «أ، ت، د، ط، م، ه، و، ي» فإنهم يريدون به الإبدال القياسي، وهو ~~مفصل في كتبهم وليس من موضوعنا الإفاضة فيه. وللإبدال السماعي دواع كثيرة، منها: ~~سهولة اللفظ بأحد الحرفين المبدل أو المبدل منه، ومنها - وهو أهمها - البيئة فإن ~~لها الأثر البين في تنشئة الألسن؛ ولهذا تجد القبائل اليمانية مثلا تختلف في ~~كثير من الألفاظ عن القبائل الحجازية، فإن هؤلاء ينطقون السين سينا فيقولون الناس ~~مثلا، وأولئك يقلبونها تاء فيقولون النات، وهؤلاء يقولون لبيك وسعديك مثلا، ~~وأولئك لبيش وسعديش بقلب الكاف شينا وهي شنشنتهم. # وسنعرض لهذا البحث في باب اختلاف لغات القبائل ونمنحه فضل إيضاح إن شاء الله ~~تعالى. ~~(4-5) الترادف # من الألفاظ ما يؤدي معنى واحدا كرجل وفرس وبغداد ومكة مثلا، ومنها ما يؤدي ~~أكثر من معنى واحد على وجه الحقيقة مثل «خال»، فإنه موضوع لأخي الأم وللشامة ~~المعروفة وللسحاب وللمتكبر ... إلخ. ومنها ما هو بالعكس معنى واحد يوضع للدلالة ~~عليه أكثر من لفظ واحد، فإنهم مثلا وضعوا الحنطة والقمح والبر والفوم والثوم ~~للحب المعروف، ووضعوا للسيف خمسين اسما، وللأسد مئات، وأكثر منها للجمل، وأمثلة ~~هذا الباب كثيرة، وقد أفرده بالتأليف جماعة منهم: مجد الدين الفيروزبادي صاحب ~~القاموس، وضع فيه كتابا أسماه «الروض المسلوف في ما له اسمان من المألوف»، وبعضهم ~~أفرد بالتأليف أسماء بعض المعاني فألف ابن خالويه ms015 كتابا في أسماء الحية، وألف ~~الفيروزبادي كتابا في أسماء العسل، وأفرد السيوطي كتابا في أسماء الأسد. ومن ~~الناس من ينكر المترادف في اللغة العربية ويزعم أن كل ما يظن أنه من المترادف ~~إنما هو من قبيل المتغايرات التي تختلف باختلاف الصفات، ومن ذهب إلى هذا أبو الحسين ~~أحمد بن فارس، قال في كتابه فقه اللغة المعروف ب «الصاحبي»: «يسمى الشيء الواحد ~~بالأسماء المختلفة نحو: السيف والمهند والحسام، والذي نقوله في هذا: إن الاسم واحد ~~وهو السيف، وما بعده من الألقاب صفات، ومذهبنا أن كل صفة معناها غير معنى ~~الأخرى.» # وهو مذهب ثعلب وجماعة من محققي اللغويين، وقد حكى بعضهم أن جماعة من أهل الفضل ~~فيهم ابن خالويه وأبو علي الفارسي حضروا في مجلس سيف الدولة في حلب، فقال ابن ~~خالويه: إني أحفظ للسيف خمسين اسما. فتبسم أبو علي الفارسي وقال: ما أحفظ له إلا ~~اسما واحدا وهو السيف. قال ابن خالويه: فأين المهند والصارم وكذا وكذا ...؟ فقال ~~أبو علي: هذه صفات. وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة. # ومن الواضح أن الترادف خلاف الأصل لأنه طريق إلى الإسراف في الألفاظ وهو خلاف ~~المعقول؛ لأن الألفاظ محصورة والمعاني غير محصورة؛ إذ الألفاظ مركبة من الحروف ~~الهجائية على أوضاع معينة فلا بد أن تقف عند رقم معين، أما المعاني فهي بنات ~~المحسوس ونتاج العقول فلا يعقل أن تقف عند حد. # ومن ثم ينبغي أن يكون الأصل الاقتصاد في الألفاظ بقدر الطاقة، وعلى هذا ينبغي ألا ~~نقول بالترادف إلا عندما يتعذر الحمل على غيره. والحق أن معظم الألفاظ التي يقال ~~في بادئ الرأي إنها متوطئة على معنى واحد هي في الواقع ليست كذلك، فإذا أنت أنعمت ~~النظر فيها تبين لك أن كل لفظ منها يدل على معنى يختلف ولو قليلا عما يدل عليه ~~اللفظ الآخر، فإذا أخذنا لفظي الشك والريب مثلا نجد الجمهور يفسرون أحدهما بالآخر ~~فيقولون في تفسير # لا ريب فيه ~~: لا شك، مع أن بين ~~معنييهما اختلافا بينا، فالشك يدل على ms016 مجرد التردد بين أمرين لا يترجح أحدهما على ~~الآخر، مع أن الريب يدل على القلق والاضطراب في النفس متولدين من التردد الذي يدل ~~عليه الشك فالريب شك مصحوب بقلق واضطراب، ومن ثم يقال: هو في شك مريب؛ أي مقلق ~~مزعج، ولا يقال: هو في ريب مشكك، وعلى هذا لا بد أن يسبق الريب بالشك ولا عكس. ~~ومثل ذلك الظن والوهم، فإن الفكر إذا تردد بين أمرين وكان أحدهما أرجح من الآخر ~~فالجانب الراجح ظن والمرجوح وهم بسكون الهاء، أما المفتوح الهاء فهو الخطأ. وكذلك ~~إذا أخذنا الشرق والغصص والشجا مثلا، نجد الأول يدل على انسداد مجرى ~~التنفس بالماء وكل مائع، والثاني يدل على انسداده بالطعام، والثالث بالعظم وكل صلب، ~~وبعض اللغويين يفسر بعض هذه الألفاظ ببعض. # ومثل هذا جلس وقعد، يظن أنهما مترادفان مع أن اللفظة الأولى لا تطلق على ~~الهيئة المخصوصة إلا إذا كانت عقب الاضطجاع أو الاستلقاء ونحوهما، والثانية إنما ~~تطلق على تلك الهيئة إذا كانت عقب الوقوف ونحوه، فيقال: كان مضطجعا فجلس وكان ~~واقفا فقعد، فالجلوس يكون بعد حالة هي دونه والقعود بعد حالة هي فوقه، وأصل مادة ~~«ج ل س» تدل على الارتفاع ومنه قيل للذي ينزل نجدا «جالس»، ومادة «ق ع د» تدل على ~~الانخفاض ومنه قاعدة البناء لأساسه. ~~(4-6) الاشتراك # من الألفاظ ما هو موضوع بإزاء معنى واحد مثل «بغداد» لهذه المدينة ومنها ما يدل ~~على أكثر من معنى، وهذا إما أن يكون في الأصل موضوعا لمعنى واحد ثم استعمل في ~~غيره لعلاقة بين المعنيين مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، كلفظ الوطيس فإنه ~~موضوع في الأصل للتنور ويطلق على شدة بأس الحرب لما بينهما من المناسبة الظاهرة ~~فيقال حمي الوطيس أو حمي وطيس الحرب، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي الثاني ~~مجاز. وقد يشتهر اللفظ في معناه المجازي بحيث يتبادر إلى الذهن بمجرد إطلاقه ~~مجردا عن القرائن، فإن كان الاشتهار عند أهل الشرع سمي حقيقة شرعية أو منقولا ~~شرعيا، مثل: الصلاة والزكاة ms017 والوضوء والتيمم. وإن كان الاشتهار عند أهل العلوم ~~سمي حقيقة اصطلاحية أو منقولا اصطلاحيا كالضرب والطرح والقائمة والحادة عند ~~الرياضيين، والتمييز والمبتدأ والخبر والضمة والفتحة والكسرة والسكون عند علماء ~~العربية، وإن كان الاشتهار في عرف العامة سمي حقيقة عرفية أو منقولا عرفيا، ~~كالحيوان للبهيمة خاصة مع أنه في الأصل أعم من البهائم وغيرها. وإما أن يكون اللفظ ~~في الأصل موضوعا لكل واحد من تلك المعاني بوضع مستقل فهو المشترك؛ فالمشترك إذن هو ~~اللفظ الموضوع لمعنيين فأكثر بأوضاع متعددة، كلفظ الخال فإنه موضوع لأخ الأم ~~وللشامة وللسحاب. وأمثلة المشترك كثيرة جدا، فقد ذكروا لبعض الألفاظ معنيين مثل ~~«العم» لأخ الأب وللجمع الكثير، وذكروا لبعضها ثلاثة معان مثل «النوى» لمعناه ~~المعروف وللنية وللبعد. ولبعضها أربعة معان مثل «الروبة» - الروبة من غير همز - ~~لخميرة اللبن وجمام ماء الفحل وما يلزم به المرء من الأعمال وقطعة من الليل. ~~وذكروا لبعض الألفاظ خمسة معان إلى العشرة بل إلى العشرات مثل «الخال» و«العين»، ~~حتى إن كثيرا من الشعراء نظموا القصائد الخاليات والعينيات بأن جعلوا قوافيها ~~لفظ الخال أو العين من أول القصيدة إلى آخرها. # وأنكر بعضهم ورود المشترك في اللغة قائلا: إن اللغة إنما وضعت للإبانة عن ~~المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين فأكثر لما كان ذلك ~~إبانة، بل تعمية وتغطية. # ولا شك في ورود المشترك، وأما ما ذكره المعترض فلا يخرج عن كونه عيبا من عيوب ~~الاشتراك وهنة من هنواته، ولكن لا يلزم من كون الشيء معيبا أن يكون مفقودا، فلو ~~هب إعصار فأهلك الزرع والضرع فهل يجمل بنا أن ننكر وجود الإعصار لأنه مضر في ~~ذاته؟! هذا ما لا يقوله عاقل. على أن وقوع المشترك يكاد يكون طبيعيا في اللغة، ~~وذلك لأن الألفاظ مركبة من الحروف وهي محدودة والمعاني كثيرة ولا تزال تتجدد ولا ~~تتناهى، فالاقتصاد في استعمال الألفاظ يقضي بجعل اللفظ موضوعا بإزاء أكثر من معنى ~~والتمييز يكون بالقرائن الحالية أو المقالية، فمن قال مثلا: «في خد فلان خال» ms018 ~~لا يشتبه بأنه الشامة، وإذا أشار إلى رجل قائلا: «هذا خالي» فلا شك بأنه أخو ~~أمه. # وأسباب الاشتراك كثيرة، منها: اختلاف الوضع باختلاف الواضعين، كأن يضع بعض الناس ~~لفظا بإزاء معنى ثم يضعه الآخرون بإزاء معنى آخر ويشتهر ذلك اللفظ بذينك ~~المعنيين عند كلا القبيلين، ثم بتطاول الأزمان ينسى اختلاف الواضعين. ومنها كثرة ~~استعمال المجاز حتى يشتهر ويصبح كأنه حقيقة في أحدهما ومجازا في الآخر مثل ~~«العين» لربيئة القوم، فإنه في الأصل مجاز من إطلاق الجزء وإرادة الكل ولكنه ~~اشتهر في الاستعمال حتى أصبح اللغويون يعدونه في جملة معاني العين المشتركة. وعلى ~~ذلك كثير من الألفاظ التي تعد اليوم في زمرة المشترك وهي في الأصل حقيقة ومجاز، ~~وهذا هو السر في توهم بعض الناس لهذا العهد بأن عرب الجاهلية تقلل من استعمال ~~المجاز في شعرها ونثرها، والواقع أن أولئك العرب كغيرهم كانوا يكثرون من استعمال ~~المجاز ولكنه لما اشتهرت تلك المعاني المجازية وتطاول عليها العمر أصبحت تتراءى ~~لنا اليوم كأنها حقائق، فإن أعوزتك الأمثلة الكثيرة في هذا الشأن فارجع إلى معاجم ~~اللغة ودواوين الأدب تجد الشيء الكثير من طلبتك، وعليك بأساس البلاغة للزمخشري ~~فإنه أعذب مورد في هذا الباب. ~~(4-7) الأضداد # قد يدل اللفظ المشترك على معنيين فأكثر يمكن اجتماعهما أو اجتماعهما في شيء واحد، ~~وقد لا يمكن هذا الاجتماع فيدل اللفظ الواحد على الشيء وعلى ضده ك «الجون» للأسود ~~والأبيض، ويطلق عليه أهل اللغة اسم الضد. ويقال فيه ما يقال في المشترك من ~~الورود وعدمه، وأسباب ذلك لأنه فرع من فروعه لا يختلف عنه إلا من جهة أنه يدل على ~~الشيء وضده فقط، وأمثلته كثيرة وقد أفرده جماعة بالتأليف منهم: المبرد في كتاب «ما ~~اتفق لفظه واختلف معناه»، ومنهم التوزي، ومنهم أبو البركات ابن الأنباري، وابن ~~الدهان، والصغاني، ومنهم أبو بكر بن الأنباري وكتابه مطبوع متداول، وقد ذكر في صدره ~~السر في ورود أسماء الأضداد في اللغة فارجع إليه إن شئت. ~~(4-8) المجاز # لا يختلف اثنان بأن المجاز من ms019 أهم عوامل التوسع في مناحي الاستعمال اللغوي، فإذا ~~اشتريت فرسا وقلت اشتريت بحرا مثلا أي أنه ينصب في الجري انصباب ماء البحر ~~كأنك تكون قد زدت في أسمائه لفظا، كما أنك زدت في مدلول لفظة «بحر» معنى جديدا ~~وهو الفرس القوي السريع الجري، ومثل هذا إطلاق الرحمة على الجنة في ~~قوله تعالى: # ففي رحمة ~~الله هم فيها خالدون ~~، فإنك قد زدت في أسماء المكان لفظا كما ~~أنك زدت في مدلول الرحمة معنى جديدا. # وقد علمنا في باب الترادف أن كثيرا من المجازات تصبح بسبب كثرة الاستعمال حقائق، ~~وإذا أنت تأملت المستعمل من الكلام تجد للمجاز فيه حظا ليس بالقليل حتى ذهب أبو ~~الفتح بن جني ومن تبعه إلى أن أكثر اللغة من هذا القبيل، وقد عقد لذلك بابا في ~~كتاب الخصائص أورد فيه الكثير من الأمثلة ودعم مدعاه بالمعقول من الأدلة. # ويعتقد أبو الفتح أن المجاز إنما يقع ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة وهي: ~~الاتساع والتوكيد والتشبيه، فاستعمال البحر في الفرس مثلا فيه اتساع كما ذكرنا، ~~وفيه تشبيه لأن جريه يجري في الكثرة مجرى ماء البحر، وفيه توكيد لأنه شبه العرض وهو ~~الجري بالجوهر وهو البحر والجوهر أثبت في النفوس من العرض. والمجاز زيادة على كونه ~~عاملا من عوامل اتساع اللغة هو حلية من أفخر حلاها، تزينت به بعد أن ضرب العرب في ~~النهضة الاجتماعية بسهم. # والحق أن المجاز ثالث ثلاثة في توسيع رقعة اللغة، فكان عمدة القوم في بادئ الأمر ~~على الارتجال، ثم لما توفر لديهم طائفة من الألفاظ المرتجلة ركنوا إلى الأخذ ~~بالاشتقاق والتوسل بأساليبه المختلفة، وعندما يعوزهم الاشتقاق يعمدون إلى المجاز. ~~ويقارب هذه العوامل الثلاثة في خدمة التوسع التعريب. # والكناية أخت المجاز يقال فيها ما يقال فيه، فلا حاجة إلى التكرار. ~~(5) الألفاظ الإسلامية # جاء الإسلام والأمية فاشية في العرب والجهل ضارب بجرانه فيما بينهم، فأمدهم بما لا ~~عهد لهم به من العلم الكثير والانقلاب العظيم فتكاثرت المصطلحات الجديدة وعب عبابها، ~~فتمطت اللغة عند ذاك وفتحت صدرها ms020 الرحب لضم تلك المصطلحات بمعانيها الجديدة ولم تضق ~~ذرعا بتحمل ما حملته في هذا السبيل، بل نهضت بكل ذاك نهوض القادر الأمين، بعد أن كان ~~العربي لا يفقه من شئون دينه ودنياه إلا النزر البسيط جاءه القرآن والسنة بالفيض الفائض ~~منهما، ثم جاءت الفتوح واتسع سلطان القوم فازدحمت اللغة بالمصطلحات الكثيرة التي ~~اقتضتها الأوضاع السياسية والإدارية والتطورات الاقتصادية والاجتماعية، ثم لم تزل ~~الأحداث تتوالى والأحكام تتجدد وتتكاثر بتجدد الأحداث وتكاثرها إلى أن استوى لدى ~~القوم من المصطلحات الشيء الكثير، حتى إنهم أفردوها بالتأليف وكثرت فيها ~~التصانيف. # وليس معنى هذا أن تلك المصطلحات كلها ارتجلت ارتجالا وابتدعت ابتداعا، وإنما ~~جلها معان جديدة نقلت إليها ألفاظ من اللغة كانت مستعملة في معان أخرى تتناسب ~~مع المعاني الشرعية، وربما عربت الشريعة بعض الألفاظ بمعانيها. ومن أمثلة المصطلحات ~~الإسلامية الصلاة، وأصلها في لغتهم الدعاء والترحم، ثم نقلها الشرع إلى المعنى المعروف ~~للمناسبة الظاهرة، ومن ذلك الركوع وأصله الخضوع، فنقله الشرع إلى الهيئة المخصوصة، ~~ومثله السجود فإن أصله التطامن والذلة وهو في الشرع عبارة عن الهيئة المخصوصة، ومن ذلك ~~الزكاة لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النماء، ومن ذلك المحرم للشهر المعروف ~~فإنه لم يكن معروفا في الجاهلية وإنما كان يقال له ولصفر الصفران، وكان أول ~~الصفرين من الأشهر الحرم، وكانت العرب تارة تحرمه وتارة تقاتل فيه، فلما جاء ~~الإسلام وأبطل النسيء سماه النبي # صلى الله عليه وسلم # شهر الله الحرام. ومن ذلك الجاهلية، ~~فإنه اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة. ومن ذلك الفاسق وأصله خروج الشيء ~~من الشيء على وجه الفساد، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وكذلك كل شيء خرج عن ~~قشره فقد فسق، ثم نقله الإسلام إلى الخروج عن الطاعة. والأمثلة في هذا أكثر من أن يحاط ~~بها، ومن أراد التوسع في هذا الباب فليراجع الكتب الشرعية من التفسير وغريب الحديث ~~وأصول الدين والفقه وأصوله، فإنه يقف على فيض من تلك المصطلحات المنبثة هنا وهناك، ~~وتجدهم هناك ms021 يقولون لهذه اللفظة معنيان، معنى في اللغة ومعنى في الشريعة . وإنما ~~انفردت الألفاظ الإسلامية عن سائر مصطلحات العلوم كالعربية وغيرها لما للشرع من معنى ~~الشمول، فإن الألفاظ الشرعية تتمتع من الانتشار والشمول بما لا تتمتع به مصطلحات العلوم ~~الأخرى، فإن الذين يعرفون الصلاة - مثلا - بمعناها الشرعي أكثر بكثير من الذين ~~يعرفونها بمعناها اللغوي. أما مصطلحات العلوم المختلفة فإن معرفتها بمعانيها الاصطلاحية ~~مقصورة على أهل تلك العلوم، فمصطلحات النحو مثلا لا يفهمها سوى النحوي ومصطلحات العروض ~~لا يعرفها غير العروضي، خلاف المصطلحات الشرعية فإنها مشاعة بين جميع أفراد الأمة ~~عامتهم وخاصتهم. # واستعمال الألفاظ الشرعية بمعانيها الشرعية من قبيل الحقائق عند أهل الشرع واستعمالها ~~بمعانيها اللغوية من قبيل المجازات عندهم، والأمر عند اللغويين بالعكس، فالصلاة بمعناها ~~الشرعي حقيقة عند الشرعيين مجاز عند اللغويين، وهي بمعناها اللغوي مجاز عند الشرعيين ~~حقيقة عند اللغويين، ولهذا يقول علماء البلاغة: إن الحقيقة أقسام، منها اللغوية ومنها ~~الشرعية، وكذلك المجاز منه الشرعي ومنه اللغوي. ~~(5-1) الاصطلاح # قلنا إن الألفاظ الشرعية لا تخرج عن كونها مصطلحات، ولكنها أوسع شمولا من ~~مصطلحات سائر العلوم لأن أتباع الشرع أكثر عديدا من أتباع كل علم من العلوم الأخرى ~~على حدته. ولما اتسع نطاق المعارف وبسقت دوحتها وتبارت العقول في خدمتها وتنميتها، ~~وانماز كل علم منها بمسائله وقواعده من علوم شرعية إلى لسانية إلى كونية وتكاثفت ~~أغصانها وفروعها؛ احتاجوا في كل فرع منها إلى وضع مصطلحات كثيرة للمعاني الكثيرة ~~التي زخرت بها تلك العلوم، فمصطلحات العلوم اللسانية تختلف عن مصطلحات العلوم ~~الشرعية، وهذه تختلف عن مصطلحات علوم الفلسفة مثلا، فالعامل عند النحوي مثلا غيره ~~عند الفقيه والفيلسوف، وكذلك الكلام والتمييز والحال والإعراب والبناء إلى غير ذلك ~~من الكلم التي اصطلح عليها أهل كل علم في علمهم. وكان أرباب العلوم إذا جد لهم ~~معنى وضعوا له لفظا يناسبه، فإن أعوزهم فزعوا إلى الاشتقاق أو النحت أو غيرهما، ~~وقد يتصرفون في اللغة تصرفا يغضب اللغويين أو المصرفين ولكنهم لا يبالون ~~بذلك إذا أرضوا المعنى ms022 الذي يريدونه، فقالوا: اللاأدرية أو العندية والمتى والأين ... ~~إلخ، وإذا ضنت عليهم العربية أو بالأصح لم يتوفقوا للوصول إلى بغيتهم منها فزعوا ~~إلى التعريب فقالوا: سفسطائية وأسطقس وإيساغوجي وأقرباذين ... إلخ. # وقد تمايزت مصطلحات كل علم عن غيرها، وإذا ضممت مصطلحات العلوم المختلفة إلى ~~بعضها يتوفر لديك معجم ضخم له شأنه، وقد فعل ذلك بعض المتأخرين فتم لديهم الشيء ~~الكثير، ومجموع ذلك يؤلف لغة قائمة بنفسها هي لغة العلم وعليها المعول في كل ~~لسان. # وأنا أرى أن معجم المصطلحات يجب أن يسبق المعجم اللغوي؛ لأنه ألزم والانتفاع به ~~أكثر. ~~(5-2) الألفاظ المولدة # قلنا إن المنابع الكبرى التي استقيت منها اللغة العربية إنما هي القرآن الكريم ~~والحديث النبوي وكلام العرب الموثوق بعربيتهم، ومن المعلوم أن القرآن تم قبل انتقال ~~الرسول إلى الملأ الأعلى بزمن يسير وأن الحديث النبوي ختم بانتقاله، فبقي كلام ~~العرب الموثوق بعربيتهم واستمرت الثقة به إلى أن اختلت سلائق القوم واضطربت ألسنتهم ~~على أثر اختلاطهم بحمراء الأمم وصفرائها، فما كاد ينطوي بساط القرن الأول الهجري ~~حتى انقضى عمر الاعتماد على كلام المتحضرة من العرب، أما العرب فامتد أجل الثقة ~~بكلامهم إلى ما بعد القرن الأول ولكنه لم يطل إلى ما بعد القرن الثالث، إلا في ~~قبائل قليلة كانت معتصمة في شعاف بعض الجبال المنقطعة عن العمران، أو الضاربة في ~~بعض البوادي النائية التي لا تتصل بالحضر إلا في القليل وهم شراذم لا يعتد بهم، ~~فالأخذ عن حاضرة العرب ومن يتصل بها أو يكثر الترداد إليها من أهل البادية ينتهي ~~بجرير والفرزدق ومن في طبقتهما، ومن هناك تبدأ طبقة المولدين من مخضرمي الدولتين ~~وعلى رأسها: بشار وحماد عجرد ووالبة بن الحباب ومن في طبقتهم، فما حدث في عهد هذه ~~الطبقة وما بعدها من الألفاظ يسمى مولدا، وبعبارة أخرى ما أحدثه المولدون من ~~الألفاظ يسمى المولد ويقابله العربي فيقال هذه لفظة مولدة وهذه عربية، كما ~~يقابل المعرب والدخيل بالعربي الصميم فيقال هذا لفظ معرب وهذا من الصميم. # وأمثلة الألفاظ المولدة كثيرة ms023 تكاد تفوت الحصر، من ذلك النحرير كان الأصمعي ~~يقول إنه ليس من كلام العرب وإنما هو مولد، وأخ كلمة تقال عند التألم والتأوه ~~والعربي أح بالحاء المهملة، ومن المولد الكابوس وهو ما يشعر به النائم من الثقل، ~~ومنه الفطرة والعربي صدقة الفطر أو زكاة الفطر وهي من الألفاظ الإسلامية، ومنه ~~التفرج قال النووي: ولعله مأخوذ من انفراج الغم، ومنه الجبرية والقدرية من مذاهب ~~المتكلمين، الأول يطلق على من يقول الإنسان مضطر في أفعاله غير مختار والثاني ~~يطلق على من يقول بأن الإنسان فاعل باختياره وخالق لأفعاله، ويقال للأولين أهل ~~الجبر وللآخرين أهل القدر. ومنه الطفيلي وهو من يأتي الولائم من غير أن يدعى ~~إليها، وطفيل رجل كوفي كان يغشى الولائم من غير دعوة ويبالغ في ذلك فنسب إليه كل ~~من يفعل مثل فعله، وعربيه الضيفن لمن يجيء مع الضيف من غير دعوة، والوارش لمن ~~يدخل على القوم في طعامهم فيأكل من غير دعوة، والواغل لمن يدخل على القوم ~~في شرابهم فيشرب معهم من غير أن يدعى إلى ~~الشرب. ومن المولد المخرقة وهي الافتعال والاحتيال، ومنه البحران وهو أعلى ما يصل ~~إليه المرضى من الشدة وليس بعده إلا الموت أو البدء بكسر سورة المرض شيئا ~~فشيئا وهي اصطلاح طبي، ومنه تبغدد إذا تشبه بالبغداديين وليس منهم، ومنه بس بمعنى ~~حسب وقيل هو عربي مأخوذ من البس وهو القطع وأنشدوا: # يحدثنا عبيد ما لقينا # فبسك يا عبيد من الكلام # وأنت ترى أن البس بمعنى القطع ثلاثي ولفظ بس المستعمل بمعنى حسب ثنائي وشتان ~~بينهما، نعم لو قال قائل لآخر بسا أي بس كلامك بسا بمعنى اقطعه قطعا لكان ~~صوابا. ومنه التخمين وهو القول بالحدس، ومنه الفشار للهذيان والإقذاع في ~~القول. ~~(5-3) تنبيه # يعد من المولد كل لفظ كان عربي الأصل ثم غيرته العامة تغييرا ما، بأن كان ~~ساكنا فحركته أو متحركا فسكنته أو مهموزا فتركت همزه أو بالعكس أو قدمت بعض ~~حروفه على بعض أو حذفت ... وما إلى ذلك، مثال ذلك أن ms024 العرب تقول في رجل: سمح، وفي ~~أسنانه حفر، وفي بطنه مغس أو مغص ، وحدث في الناس شغب، وجبل وعر، وبلد وحش، وحلبس في ~~حلقة القوم، كل ذلك بسكون العين والعامة تحركها. # وتقول العرب: أصيب فلان بالتخمة وهو من التخمة أي الخيار، وهذه لقطة وهي تحفة، ~~وتناول الصبر للدواء المر المعروف، وطلعت الزهرة للنجم المعروف، وسعف النخل، ~~والسحنة للهيئة، كل ذلك بالتحريك والعامة تسكنه. والعرب تقول: هنأني الطعام ومرأني، ~~وطرأت على القوم، وترأست عليهم، كل ذلك بالهمز والعامة تتركه. # والعرب تقول: رجل عزب، وهذه كرة، وتعسه الله، وكبه لوجهه، والعامة تزيد فيه ~~الهمزة فتقول: رجل أعزب، وهذه أكرة، وأتعسه الله، وأكبه لوجهه. وأمثلة ذلك كثيرة ~~تجدها مبثوثة في ثنايا معاجم اللغة ودواوين الأدب، وقد أفرده بالتأليف جماعة منهم: ~~الموفق البغدادي في ذيل الفصيح، والحريري في درة الغواص في أوهام الخواص، وقد عقد ~~له ابن قتيبة في أدب الكاتب أكثر من باب، وعقد له الجلال السيوطي بابا خاصا في ~~الجزء الأول من كتابه المزهر في علوم اللغة وأنواعها. ~~(6) المعرب والتعريب # المعرب ما استعملته العرب في كلامها من الألفاظ لمعان في غير لغتها، وقد اشترط بعضهم ~~أن يكون اللفظ الذي تتلقاه العرب من العجم نكرة مثل إبريم وجوقه وسرداب، فإذا كان ~~علما مثل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق فلا يسمى معربا وإنما يسمى أعجميا. # ومن هذا تعلم أن التعريب هو نقل الكلمة من لغة أجنبية إلى اللغة العربية بتغيير أو ~~بدونه ويسمى الإعراب أيضا؛ مثال ما تغير عند التعريب: «سكر» فإنه معرب «شكر»، ~~وإقليد وهو المفتاح فإنه معرب «كليد»، وبنفسج فإنه معرب «بنفشه»، وهنزمن فإنه معرب ~~«انجمن» لمجمع الناس. ومثال ما عرب من غير تغيير: النوروز والكاغد والبخت بمعنى ~~الحظ. هذا ولا جرم أن استمداد لغة من أخرى يعد من أساليب نمائها، فالتعريب بالنسبة ~~للغة العربية أحد عوامل توسعها، فقد تناولت هذه اللغة طائفة من الكلم حتى أصبحت من ~~لحمها ودمها وما من ذلك عليها من عاب، لأن اللغة الحية تشبه المخلوقات تفتقر في بقائها ms025 ~~ونمائها إلى مختلف الأغذية وفي عداد هذه الأغذية ما تنتزعه لغة من أخرى من مختلف ~~الكلم، هذا إذا كانت اللغة قوية البنية وإلا فقد تكون بعض اللغات مرعى خصيبا لبعض آخر ~~تأكل ما تشاء وتذر ما تشاء، كما وقع في اللغة التركية فإنها عاثت بجارتيها العربية ~~والفارسية وأكلت منهما أكل النهم الشره ولكنها بشمت وعسر عليها هضم ما ازدردته ~~فحارت في أمرها ولم تزل حائرة ... # وأما لغتنا العزيزة فهي - ولله الحمد - من أقوى اللغات على الهضم والتمثيل تنتزع ~~اللفظة من أية لغة شاءت ثم تزدردها فلا تبرح أن تهضمها وتمثلها أيما تمثيل وتجري عليها ~~تصاريفها وتصبح كأنها في الصميم منها، حتى إن علماء اللغة وأئمتها ليحارون في هذا الباب ~~كل الحيرة ويتعسر بل يتعذر عليهم في كثير من الأحيان تمييز الأصيل من الدخيل حتى أدى ~~الأمر ببعضهم إلى إنكار أن يكون فيها شيء من غيرها البتة، وانقلب الأمر على آخرين ~~فأخذوا يفككون عراها وينكثونها نكثا ويخرجون ما هو منها في الذؤابة فينسبونه إلى غير ~~أصله ويردونه إلى غير أهله، وما ظنك بقوم بلغ بهم الهوس في هذه الناحية حتى أخرجوا لفظ ~~«الأدب» من صميم لغة العرب؟! وهذا لعمرك شذوذ في الشذوذ وتطرف في التطرف. ولسنا في مقام ~~المناقشة لهؤلاء الناس في هذا الشأن لأن لنا معهم مقالا في غير هذا المقام، ولكنا نريد ~~أن نقول إن أهم ما يجتنيه الباحث من الثمر في باب التعريف هو الإلمام بطرقه التي سار ~~عليها أسلافنا، لأن معرفة تلك الطرق وسير منعرجاتها من أهم ما نستعين به في تذليل ما ~~نحن بسبيله من العقبات في وضع المصطلحات العلمية التي فاض فيضها وتدفقت أنهارها. # نحن لا نشك في أن أولينا كانوا يسيرون في هذه السبيل على سجية لغتهم ويكلفونها فوق ~~طاقتها ولا يقصرون في إمدادها بكل ما يسد حاجتها ويشبع نهمتها، حتى أوصلوها إلى ما ~~أوصلوها إليه من البسطة في المادة والنصاعة في البيان، فوعت عنهم ما شاءوا أن يوعوها ~~من علم وأدب ولم تضق ms026 ذرعا بحمل ما حملوها من معقول ومنقول ومحسوس وغير محسوس، كما لم ~~يبخلوا عليها بكل ما تطلبته منهم من خدمة صادقة وتغذية صالحة. # فهل يشك متأدب اليوم بأن اللغة بعد مجيء القرآن الكريم والنهضة الإسلامية غيرها ~~قبلهما، بل هي في العصر العباسي غيرها في صدر الإسلام؟ فإذا قارنت بين لغة العلوم ~~اللسانية والشرعية والكونية ولغة عرب الجاهلية تجد البون بعيدا والمسافة قصية، وهل ~~يرتاب مرتاب في أن لغة الغزالي والرازي وابن رشد في تآليفهم تختلف عن لغة امرئ القيس ~~والنابغة وزهير، وأن لغة هؤلاء لو لم يتعهدها أهل المعرفة بالخدمة والتوسع والصقل ~~والتهذيب لضاقت ذرعا بتلك العلوم الكثيرة والمعارف الغزيرة؟ # أما نحن فيجب علينا ونحن في عصر يتدفق بالمعارف ألا نقف موقف الجبان المتهيب، وما ~~علينا إلا أن نشق لنا طريقا لاحبا من بين هذه العقاب المنيعة، ونتخذ من أعمال أولينا ~~منارا نأتم به في عملنا ونستنير به في هذه السبيل، ولهذا كان من واجب أبناء العربية ~~لهذا العهد أن يقتلوا هذه الناحية بحثا ليعرفوا ما يأتون وما يذرون في تمهيد طريق ~~الحياة للغتهم هذه في هذا العصر الذي تطورت فيه الأفكار تطورا هائلا، وصار من البعيد ~~أن تقوم قائمة للغة إلا إذا مشت مع أفكار بنيها كتفا لكتف. وسننشر في آخر هذه المحاضرة ~~نماذج من طرق التعريب التي سلكها الأولون، وعلى الباحث أن يرجع إلى ما أفرده العلماء من ~~التآليف المهمة في هذا الباب الواسع ... # وذهب أناس إلى أن ضبط الكلمات ومعرفة معانيها وضروب اشتقاقها وكيفية استعمالها يغني ~~عن معرفة أن هذه الكلمة أصل في اللغة أو مستعارة، ولا سيما بعد أن نحكم بأن اللفظ ~~المستعار لا يلبث أن يأخذ مكانه من اللغة المستعيرة ويكون له ما للأصيل وعليه ما عليه، ~~فأي فائدة تعود علينا من البحث عن أصله والرجع إلى سنخه؟ وهل هذا إلا ضرب من ضروب العبث ~~ولون من ألوان اللهو بالباطل؟ وذهب آخرون إلى أن هذه المباحث جمة الفوائد كثيرة الثمر، ~~وهي أكبر معين في دراسة ms027 تاريخ اللغة وفلسفتها وأقوى نصير في معرفة أسرار نمائها وعوامل ~~بقائها إلى غير ذلك من الفوائد التاريخية واللغوية. ~~(6-1) بماذا يعرف المعرب؟ # الأصل في كل كلمة تستعملها العرب أن تكون عربية النجار إلى أن يقوم الدليل ~~القاطع على أنها معربة، ولا ينبغي الحكم عليها بالتعريب بمجرد موافقتها أو ~~مقارنتها كلمة تستعمل بمعناها في اللغة العجمية، إذ قد تكون الكلمة في العربية ~~أصلا وقد نقلها العجم إلى لغتهم مثل لفظة «الجمل» فإنها أصل في العربية وقد نقلها ~~كثير من الشعوب إلى لغاتهم، كما قد تكون الكلمة أصلا في أكثر من لغة لأنها موروثة ~~من لغة قديمة اندثرت بعد أن ولدت عدة لغات، مثال ذلك كلمة «أرض» المستعملة في ~~العربية والإنجليزية وغيرهما، فإن الأرض معمورة بالأمم منذ وجدت الأمم فلا يعقل ~~أن أمة من الأمم بقيت لا تعرف للأرض اسما إلى أن سمعته من أمة أخرى فاستعارته منها ~~هذا أمر تحيله العادة. # وهذا الباب من أضيق الأبواب وأغمضها، ولا يمكن التوصل إليه إلا بعد اجتياز أوعر ~~المسالك وأصعبها، ومن ثم نجد أقواما خاضوا في هذه المباحث على غير هدى فضلوا ~~سواء السبيل فتراهم حيرى كأنهم يدورون في حلقة مفرغة، فبينما تراهم ينسبون كلمات هي ~~من العربية في الصميم إلى نجار عجمي إذ تراهم يلصقون بالعربية كلمات هي من صميم ~~العجمية، وإذا طالبتهم بالدليل سلكوا بك بنيات الطريق وبعد الشدة والعناء رجعت ~~صفر اليدين ورضيت من الغنيمة بالإياب. وقد وضع الأقدمون في هذه السبيل بعض الصوى ~~ليهتدي بها السالك، وهي على ضآلتها لا تخلو من فائدة، قالوا تعرف عجمية الاسم ~~بوجوه: # أحدها: # النقل، بأن ينقل ذلك أحد الأعلام. # الثاني: # خروج الكلمة عن أوزان الأسماء العربية مثل «الإبريسم» فإن ~~هذا الوزن مفقود في أبنية الأسماء العربية، فلذلك اختلفوا في ضبطه ~~لأنهم قد يخلطون في ما ليس من كلامهم، ولو كان من الأوزان العربية ~~لما أخطأهم ضبطه ولما اختلفوا فيه كل ذلك الاختلاف. # الثالث: # أن يكون أول الاسم نونا بعدها راء مثل «نرجس» فإنه معرب ms028 ~~«نركس». # الرابع: # أن يكون آخر الكلمة زايا قبلها دال مثل «مهندز»، ولذلك قالوا ~~فيه «مهندس» ليبعدوا عما لا إلف لهم به. # الخامس: # أن يجتمع في الكلمة الجيم والصاد مثل «الصولجان» و«الجص»، فإنهما ~~معربا «كوجان» و«كج». # السادس: # أن يجتمع فيه الجيم والقاف مثل «منجنيق» للآلة الحربية المعروفة، ~~و«الجردقة» للرغيف، و«الجرموق» للذي يلبس فوق الخف، و«الجوسق» ~~للقصر، و«الجولق» للوعاء المعروف «جوالة»، و«الجلاقق» للبندق، ~~و«الجوقة» للجماعة من الناس. # السابع: # أن يكون الاسم رباعيا أو خماسيا وهو خال من أحد حروف ~~الذلاقة، وهي «ب، ر، ف، ل، م، ن» يجمعها قولك: «فر من لب»، وهي ~~أخف الحروف ولذا لا تخلو منها الأسماء الرباعية والخماسية لما في ~~هذه الأوزان من الثقل لكثرة حروفها، فيلحق بها بعض هذه الحروف ~~لتنحو بها نحو الخفة مثل «الزاووق» فإنه لغة في «الزئبق»، وشذ عن ~~هذا الأصل كلمة «عسجد» فإنهم قالوا بعربيتها مع أنها خالية من حروف ~~الذلاقة. وقال الأزهري في «التهذيب» متعقبا على الوجه الخامس: «قد ~~تجتمع الجيم والصاد في بعض الكلمات العربية، من ذلك قولهم جصص ~~الجرو إذا فتح عينيه، وجصص فلان إناءه إذا ملأه، والصج ضرب الحديد ~~بالحديد.» # الثامن: # أن تجتمع الجيم والطاء في الاسم مثل «الطازج»، فإنه معرب «تازه» ~~وهو الطري. # التاسع: # أن يجتمع في الاسم الصاد والطاء مثل «الاصطفلية» وهي الجزرة ~~فإنها معربة، وأما الصراط فالصاد فيه بدل السين إذ أصله السراط ~~مأخوذ من السرط وهو الابتلاع بكثرة. # العاشر: # أن يجتمع في الاسم السين والذال مثل «ساذج» فإنه معرب «ساده» وهو ~~البسيط الخالص عما يشوبه، وهو في الأصل ما لا نقش فيه وما يكون على ~~لون واحد لا يخالط غيره. # الحادي عشر: # أن يجتمع في الكلمة السين والزاي مثل «سزاب»، وهي بقلة معروفة ~~فإنها معربة. # الثاني عشر: # أن يجتمع في الكلمة لام بعدها شين، قال ابن سيده: «ليس في كلام ~~العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة، لأن الشينات كلها في كلام ~~العرب قبل اللامات»، فكلمة التفليش بمعنى الهدم ليست عربية بخلاف ~~كلمة «شغل». ms029 وقال الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين » إن الجيم لا ~~تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا ~~تأخير. # هذا مجمل ما وضعه الأقدمون من الأعلام في هذه السبيل. وقد توصل علماء اللغات لهذا ~~العهد إلى أصول في هذا الباب كان يعز على الأقدمين الوصول إلى بعضها، وما ذلك إلا ~~لانصراف جماعات المستشرقين إلى دراسة اللغات المختلفة ولا سيما القديمة منها ~~والإيغال في أحشاء القرون البعيدة واستشارة دفائنها، وبذل الوسع في دراسة أصول ~~اللغات وفقهها والإحاطة بفروعها المختلفة من جميع جهاتها، وقد صدروا عن هذه المباحث ~~وهم يحملون من العلم ما كان مطمورا في غيابة التاريخ البعيد، فإذا حكموا في هذا ~~الباب فحكمهم الفصل وإليهم يرجع أمر العقد والحل. ومن أمثلة ما وضعوا من القواعد في ~~هذا الشأن قولهم: إذا اتفقت كلمتان لفظا ومعنى، وكان بين أهل هاتين اللغتين صلات ~~جغرافية أو تجارية أو سياسية أو نحوها مباشرة أو بالواسطة، ينظر فإذا كان ذلك ~~المعنى من نتاج قرائح إحدى تينك الأمتين أو من مصنوعاتهم أو من منتوجات بلادهم ~~ومحاصيلها، يرجح أن يكون أصلا في تلك اللغة منقولا منها إلى غيرها، مثال ذلك ~~«الساعة» فإن العرب كانت تطلقها على الجزء المخصوص من الزمن، ثم لما أبدعوا الآلة ~~المعروفة التي تدل على أجزاء الزمن وتعيينها أطلقوا عليها هذه اللفظة فهم أسبق ~~الأمم إلى تسمية الآلة بهذا الاسم، فإذا سمعنا الفرس أو الترك مثلا استعملوا هذه ~~اللفظة بهذا المعنى نقطع بأنهم استعاروها من اللغة العربية. ومثل هذا كثير من ~~المصطلحات التي وضعها العرب عندما دونوا علوم لسانهم، مثل: عطف وإضافة وتمييز ~~وغيرها، فإذا رأينا بعض الأمم الشرقية استعملت هذه المصطلحات في معانيها عند العرب ~~أو في معان تقرب منها نجزم بأنهم استعاروها من اللغة العربية، هذا إذا علمنا بأن ~~العرب دونوا هذه المصطلحات قبل غيرهم. ومن ذلك كلمة القهوة فإنها موجودة في العربية ~~وفي معظم لغات العالم، فإذا علمنا أن العرب كانوا يطلقون هذه اللفظة على الخمرة ثم ~~أطلقوها على هذه الثمرة ms030 المخصوصة المسماة بالبن وهي من منتوجات بلاد اليمن في الأصل ~~ثم انتقلت إلى البلاد الأخرى، إذا علمنا هذا نقطع بأن هذه اللفظة بهذا المعنى عربية ~~النجار، ومن ذلك الجمل والغزال ونحوها من الحيوانات التي تكثر في بلاد العرب أو ~~كانت خاصة بها ومنها نقلت إلى غيرها. # وإذا علمنا أن المسك مثلا ينتج في بلاد التيبت والصين وبعض بلاد الهند ومنها ~~يحمل إلى سائر بلاد العالم، وعلمنا أن هذه اللفظة مستعملة في السنسكريتية الأصل ~~والفارسية والعربية وغيرها؛ نعلم أن هذه اللفظة بمعناها هذا سنسكريتية الأصل ومنها ~~انتقلت إلى غيرها من اللغات مباشرة أو بالواسطة. ومثل ذلك الكافور فإنه في ~~السنسكريتية وغيرها، ولكنا إذا عرفنا أن مصدر هذا النوع من الطيب بلاد الصين ~~واليابان وملقا وأن اسمه باللغة الملقية «كابور»، عرفنا أنها كلمة ملقية الأصل ~~ومنها انتقلت إلى غيرها من اللغات، ومثل ذلك الفلفل فإن مصدره بلاد الهند وهو في ~~اللغة السنسكريتية «ببالا» أو «فيفالا». والأمثلة في هذا كثيرة لا يكاد يحيط بها ~~الحصر. # قلنا: إن المتبحرين في دراسة اللغات لهذا العهد انصرفوا إلى استشارة دفائن اللغات ~~القديمة وحلوا رموزها، ودرسوا أصولها درسا دقيقا، واستخرجوا فروعها، وقارنوا ~~بينها من حيث المادة والصرف والنحو وغيرها، وبذلك توصلوا إلى معارف جمة وعلوم مهمة، ~~وقد أرجعوا كل طائفة من اللغات إلى أصل واحد وهذا الأصل إما أن يكون باقيا أو ~~مندثرا، فأصول الباقية هي التي سارع أهلوها إلى تدوينها منذ العصور القديمة ~~العريقة بالقدم، والمندثرة هي التي لم تدون فبقيت مطمورة في طيات القرون ~~الخالية، أما فروعها فنمت وأورقت ثم أثمرت، ومنها ما قضى نحبه ومنها ما ~~ينتظر. # فإذا ذهبنا إلى القول بأن اللغة العربية والعبرانية والكلدانية - مثلا - بنات ~~لأم واحدة هلكت وعاشت بناتها، نعلم أن كثيرا من الألفاظ بقيت مشتركة بين هذه ~~اللغات، فإذا رأينا لفظة في أكثر من واحدة من هذه اللغات دالة على معنى واحد أو ~~على معان متقاربة لا يمكننا الحكم بأصالتها في لغة دون أخرى، بل نرجح أن تكون هذه ms031 ~~اللفظة من ميراث اللغة الأم؛ فهي أصل في كل منها، وبالعكس إذا وجدوا لفظة في إحدى ~~هذه اللغات تخلو منها سائر أخواتها يشكون في كونها أصلا في هذه اللغة. # وعلى هذا وضعوا قاعدة أغلبية، وهي أنهم إذا وجدوا لفظة في لغتين أو أكثر ترجع إلى ~~أصول مختلفة ولم يجدوا تلك اللفظة في أخوات إحدى اللغتين أو اللغات، يرجحون ~~انتسابها إلى اللغة الأخرى، مثال ذلك إذا وجدوا لفظة في العبرية والمصرية القديمة ~~مثلا ولم يجدوها في العربية ولا الكلدانية يرجحون أنها مصرية. ~~(6-2) هل التغيير ضروري في التعريب؟ # من الكلمات المعربة ما يبقى على حاله قبل التعريب مثل بخت ونوروز، ومنها ما يجري ~~عليه التغيير يسيرا كان أو كثيرا. # والأصل في هذا الباب عدم التغيير وإبقاء الأصل على حاله إلا إذا دعت إلى التغيير ~~ضرورة فيصار إليه، ولكن التغيير يكون بقدر ما قضت به تلك الضرورة من غير زيادة ~~ولا نقصان، ومع هذا فإن كثيرا ما نجد تغييرا لا تدعو إليه الحاجة ولا تقضي به ~~الضرورة، مثال ذلك «الكعك» فإنه معرب «كاك» قلبت ألفه عينا من غير ضرورة داعية، ~~و«الدهقان» معرب «ده خان» أي رئيس القرية ومقدم أهل الزراعة من العجم. # وقد يجتمع في الكلمة الواحدة تغيير لازم وآخر غير لازم، مثل كلمة «البد» بمعنى ~~الصنم فإنه معرب «بت» قلبت فيه الباء الفارسية المثلثة باء عربية، وهذا القلب ~~لازم لئلا يدخل في الحروف العربية ما ليس منها، وقلبت التاء دالا وهذا القلب غير ~~لازم كما هو ظاهر. # وأسباب التغيير كثيرة منها: اشتمال الكلمة الأعجمية المراد تعريبها على بعض ~~الحروف العجمية التي لا وجود لها في اللغة العربية كما أشرنا إلى ذلك في أول هذا ~~البحث. ومنها أن يكون في الكلمة الأعجمية حركة لا وجود لها في العربية أو هي موجودة ~~في لغة ضعيفة، مثل كلمة «زور» بمعنى القوة فإنها معربة من كلمة «زور» بضمة مشوبة ~~بالفتحة، فأبدلت عند التعريب بضمة خالصة لعدم وجود الضمة المشوبة في العربية ~~المشهورة. ومنها الثقل، مثل ms032 «ناي» آلة الطرب المعروفة فإنها معرب «ناي نرمين»، وقد ~~حذف شطرها الثاني للخفة. ومنها نقص الكلمة الأعجمية من ثلاثة الأحرف، مثل «صك» ~~بتشديد الكاف فإنه معرب «جك» الثنائي على ما عرفت آنفا. ومنها كون الكلمة الأعجمية ~~مبدوءة بحرف ساكن، فيضطر عند التعريب إلى تحريكه أو زيادة همزة قبله، مثل هليلج ~~وإهليلج معرب «هليله» وهو الثمر المعروف. ومنها أن يجتمع في الكلمة الأعجمية حرفان ~~ساكنان سكونا على غير حده فيحرك أحدهما، مثل «أبزن» تعريب «آبزن» كما تقدم. ~~ومنها تحريك آخر الكلمة المعربة بحركة الإعراب، فإن كان الحرف الآخر في الكلمة ~~الأعجمية هاء رسمية «دوره» لمكيال الشراب وللجرة ذات العروة و«لوزينه» لنوع من ~~الحلوى و«روزونة» للكوة، وجب قلب هذه الهاء إلى حرف آخر قابل لحركة الإعراب وقد ~~اعتادوا قلبها جيما وهو الأكثر وربما قلبوها قافا أو تاء فقالوا لوزينج ودورق ~~وروزونة، وقد تقلب هذه الهاء كافا وعليه أعربوا كلمة «نيزه» وهو الرمح القصير ~~إلى «نيزك». # وأسباب كثيرة يعرف كل في محله. وقد تشدد بعض الأعلام في وجوب صيانة الأعلام ~~من التغيير بقدر الإمكان حتى قال بعضهم: يجب صيانة العلم الأعجمي من كل تغيير مهما ~~كلفنا ذلك من المئونة فيجب أن ننطق بها كما ينطق أهلها من غير أدنى تغيير، وهو رأي ~~وجيه ولكنه عسر التطبيق لأن الحكم على الألسنة بإجراء ما لا عهد لها به أمر غير ~~يسير كما يشهد به الواقع. ~~(6-3) هل يجب إلحاق المعرب بأوزان الكلم العربية؟ # ذهب بعض اللغويين إلى أنه يجب إلحاق المعرب بأوزان كلام العرب. # قال الحريري: «من مذهب العرب أنهم إن أعربوا الاسم الأعجمي يردونه إلى ما ~~يستعمل من نظائره في لغتهم وزنا وصيغة»، وقد كرر هذا الرأي في غير ما موضع من ~~كتابه «درة الغواص في أوهام الخواص»، منها ما جاء في صفحة 61 من طبعة الجوائب في ~~بحث دستور، وفي الصفحة 80 في بحث الشطرنج، وقد أنكر عليه شراح كلامه هذا الرأي ~~وعدوه من أوهامه. # والذي عليه جمهور علماء اللغة أنه لا يجب ms033 في المعرب أن يرد إلى أوزان كلام ~~العرب. وقد جاء في كتاب سيبويه أن الاسم المعرب ربما ألحقوه بأبنية كلامهم وربما لم ~~يلحقوه، فما ألحقوه بأبنيتهم درهم وبهرج، ومما لم يلحقوه الإفرند والآجر إلى آخر ما ~~فصله. وقد أوضح هذه الناحية أبو منصور الجواليقي في كتاب «المعرب» وابن السيد ~~البطليوسي في كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب» في باب ما ينقص منه ويزاد فيه ~~ويبدل بعض حروفه في الصفحة 215 من طبعة بيروت سنة 1901. # وبالجملة فإن الجمهور من أهل العربية لا يشترطون رد المعربات إلى أبنية اللغة ~~العربية، ولكنهم يستحسنون ذلك إذا جاء بسهولة لتكون المعربات المقحمة على العربية ~~شبيهة بأوزانها، ولذلك استعملوا «نيروز» أكثر من نوروز لأن نيروز أدخل في كلامهم ~~وأشبه به لأنه كقيصوم وعيثوم، وبهذا نعلم سخف ما يذهب إليه بعض المعاصرين المتشددين ~~من وجوب إلحاق المعربات بأوزان العرب. ~~(6-4) تنبيه # أول من حاول استيعاب أبنية الأسماء والأفعال في اللغة العربية سيبويه فأحصى ~~الأسماء 308 من الأمثلة، ثم جاء ابن السراج فذكر منها ما ذكره سيبويه وزاد عليه 22 ~~مثالا، وزاد أبو عمرو الجرمي أمثلة يسيرة وكذلك فعل ابن خالويه، فتقرى أبو ~~القاسم السعدوي اللغوي المعروف بابن القطاع أبنية الأسماء العربية وبذل جهده في ~~الاستقصاء فاستوى لديه 1210 من الأمثال في هذا الباب، فلا يجوز لأحد أن يقضي بخروج ~~بناء ما عن أبنية اللغة العربية ما لم يستقص هذه الأمثلة ويقتلها معرفة ~~وضبطا. ~~(6-5) تصريف المعرب # ينقسم المعرب إلى قسمين: الأول الأعلام، والثاني أسماء الأجناس. فالأعلام ~~الأعجمية المنقولة إلى العربية لا يبحث في العربية عن أصول اشتقاقها أو جمودها ~~وإنما تستعمل أعلاما في العربية كما كانت أعلاما في الأعجمية، ولا يدخلها من ~~التصريف إلا أحكاما مخصوصة من جمع وتصغير ونحوهما. # فلا يجوز بعد هذا أن يقال إن إبليس مثلا مأخوذ من الإبلاس بمعنى البأس والانكسار ~~وإسحاق من أسحقه الله إذا أبعده، لأن الإبلاس والإسحاق لفظان عربيان وإبليس وإسحاق ~~علمان أعجميان، ولا يعقل أن يشتق الاسم الأعجمي من ms034 لفظ عربي. # نعم يجوز أن يؤخذ من بعض الأعلام بعض التصاريف مثل: أعرق إذا صار إلى العراق ~~على القول بأن العراق أعجمي، ودولب إذا قصد دولاب وهي مدينة أعجمية، ويقولون تبغدد ~~إذا تشبه بالبغداديين، وبهذا يعلم أنه يجوز اشتقاق بعض الصيغ من بعض الأعلام ~~الأعجمية المنقولة إلى العربية، ولا يجوز قطعا أن يزعم زاعم اشتقاق علم أعجمي من ~~لفظ عربي، ولا يغرنك ما تراه مبثوثا في معاجم اللغة من هذا القبيل لأنه صادر عن ~~ذهول في الغالب. # وأما الضرب الثاني وهو أسماء الأجناس المعربة فلا ينبغي أن يبحث في العربية عن ~~اشتقاقه، لأن هذا الاشتقاق إما أن يكون من أصل عجمي لا شأن للعربية فيه فيكون البحث ~~عنه من قبيل الخلط الذي قد يؤدي إلى التخليط، وإما أن يكون الاشتقاق من لفظ عربي ~~وهو محال إذ لا يعقل أن يشتق الأعجمي من العربي كما لا يعقل بالعكس، وإنما ~~تشتق الألفاظ بعضها من بعض في اللغة الواحدة لأن الاشتقاق نتاج وتوليد ولا يعقل ~~أن يتولد الشيء من غير نوعه، قال بعضهم في هذا الشأن: ومن المحال أن تنتج النوق ~~إلا حورانا وتلد المرأة إلا إنسانا، ومن اشتق الأعجمي المعرب من العربي كان كمن ~~ادعى أن الطير من الحوت، وما ورد في كتب اللغة مما يخالف هذا الأصل فهو تخليط لا ~~يعبأ به ولا يجوز أن يصار إليه. # هذا هو الرأي في اشتقاق الاسم الأعجمي المعرب من غيره، وأما الاشتقاق من اسم ~~الجنس الأعجمي المعرب فمعروف في العربية شائع فيها، والعرب كثيرا ما تجري على هذا ~~الضرب من المعربات الأحكام الجارية على العربي الصميم، ألا تراهم تصرفوا في اللجام ~~وهو معرب تصرفهم في لفظ عربي أصيل فقالوا: ألجم يلجم إلجاما ورجل ملجم وفرس ملجم، ~~وقالوا: تلجم يتلجم تلجما، كما تصرفوا في الديوان وهو دخيل فقالوا: دون يدون ~~تدوينا، والرجل مدون، والعلم مدون، وقالوا: بهرجه إذا أبطله، وأصله من قولهم ~~درهم بهرج أي رديء، وهو معرب «نبهره» ويراد به الزغل والباطل. # والخلاصة # إنه ms035 لا يجوز بوجه من الوجوه أن يكون الاسم الأعجمي المعرب مشتقا من لفظ ~~عربي سواء كان الاسم الأعجمي علما في اللغة الأعجمية أو نكرة، أما الاشتقاق من ~~الاسم الأعجمي المعرب فيكثر في النكرات ويندر في الأعلام، فإذا سمى بعض ~~العرب ابنه «قابوس» تعريب «كابوس» أو ابنته شيرن فلا يبحث عن كون هذين ~~العلمين مشتقين أو أنهما أصل يشتق منهما، وعربوا «زيوه» فقالوا «زئبق» ~~ولم يسألوا هل هو مشتق ومن أين هو مشتق، ولكنهم تصرفوا به واشتقوا منه فقالوا ~~زأبق الدرهم ودرهم مزأبق إذا كان مطليا بالزئبق، وقالوا فيه: الزوق ~~والزاووق، وقالوا تزوق تزويقا إذا تزين وتحسن، ووجه مزوق وثوب مزوق بمعنى ~~مزين وتحرفه العامة فتقول: مزروق. # وعلى هذا الأصل مشى أسلافنا في تصريف كثير من أسماء الأجناس المعربة، فقالوا: ~~فلسف وتفلسف ورجل متفلسف، وقالوا: قرطس من القرطاس وهو أعجمي معرب، ومعنى قرطس ~~أصاب القرطاس وهو الهدف لأنه يكون من القرطاس في الغالب. وإذا علمنا أن ~~«الكهربا» معرب «كاه ربا» بالفارسية ومعناه فيها جاذب التبن، ويريدون به المادة ~~التي يعمل منها هذا الخرز الأصفر المعروف اليوم باسم «الكهرب»، إذا علمنا ~~هذا وأطلقنا اليوم هذه اللفظة على القوة المخصوصة جاز أن نتصرف بها فنقول: ~~تكهرب الجسم، وجسم مكهرب، وقد كهربنا الصندوق، وصندوق مكهرب، وكذلك إذا قبلنا ~~تعريب كلمة التلفون مثلا قلنا على أسلوب الأسلاف أن نقول: تلفن فلان ~~يتلفن. # وفي هذا ما فيه من تذليل العقاب الماثلة أمام المترجمين والمؤلفين في العلوم ~~الكونية المختلفة، التي فاض فيض المصطلحات فيها وطمى تيارها. ~~(6-6) كيفية التعريف # قلنا: إن التعريب هو نقل الكلمة من لغة أجنبية إلى اللغة العربية بتغيير أو ~~بدونه، ولكن الغالب فيه التغيير قليلا كان أو كثيرا وذلك إما أن يكون بالزيادة أو ~~النقص أو الإبدال، وعلى كل إما أن يكون لازما أو غير لازم، وهاك الأمثلة على ~~ذلك: مثال التغيير اللازم بالزيادة: «الدستجة» بمعنى الحزمة معرب «دسته»، بدلت ~~فيها الهاء جيما وزيدت التاء في آخرها للدلالة على الوحدة، و«صك» معرب «جك» ms036 ~~زادوا في آخره حرفا من جنسه وأدغموه فيه، لأن الأصل في الاسم العربي ألا يقل عن ~~ثلاثة أحرف. # ومثال التغيير غير اللازم بالزيادة: «سكر»، زيدت فيه الكاف بعد السين وأدغمت ~~في الكاف بعدها. # ومثال التغيير اللازم بالنقص: «رست» معرب «راست» بمعنى «صحيح»، حذفت الألف ~~دفعا لالتقاء الساكنين، و«أبزن» مثلث الهمزة حوض يغتسل فيه ويتخذ من نحاس ~~ليجلس فيه المرضى للتعريق وقد يتخذ من الخشب، وقال أبو دؤاد الإيادي يصف فرسا ~~منتفخ الجنبين: # أجوف الجوف فهو منه هواء # مثل ما جاف أبزنا بخار # أي مثلما وسع البخار جوف الأبزن، وهو معرب «آب زن» حذفت ألفه دفعا لالتقاء ~~الساكنين. # ومثال النقص غير اللازم: «سرداب» للبناء المعروف، فإنه معرب «سرد آب» بمعنى ~~«الماء البارد» وسمي به البناء المعروف لأنه كان يعد لتبريد الماء، وقد ~~حذفت ألفه عند التعريب من غير لزوم. # والنقص قد يكون في أول الكلمة مثل: «بهرج» بمعنى الباطل والزغل، وهو معرب «نبهره» ~~حذفت منه النون. وقد يكون في الوسط كما تقدم في سرداب، وقد يكون في الآخر مثل ~~كلمة «النشا» فإنها معربة من كلمة «نشاحنة». والنقص قد يكون بحرف واحد، وقد يكون ~~بأكثر كما رأيته في الأمثلة الآنفة. والإبدال على قسمين: الأول إبدال حرف بآخر، ~~والثاني إبدال حركة أو سكون بغيرهما. # وإبدال الحرف بغيره قد يكون لازما وقد يكون غير لازم، فمثال الإبدال اللازم «بد» ~~بمعنى الصنم فإنه معرب «بت»، أبدلت الباء الفارسية المثلثة بالباء العربية ~~إبدالا لازما لئلا يدخل في كلامهم ما ليس منه، وأبدلت التاء بالدال إبدالا ~~غير لازم لقرب ما بين مخرجهما. # وبالجملة فإنهم يبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا في الغالب، ~~وربما أبعدوا في الإبدال لأسباب قد تكون ظاهرة وقد تكون غامضة. # ومثال الإبدال غير اللازم: «برنامج»، فإنه معرب «برنامه» أبدلت فيه الهاء ~~جيما. # ومثال إبدال حركة بحركة أخرى: «سكر» معرب شكر كما مر، أبدلت فتحته بالضمة. ~~ومثال إبدال حركة بأخرى، وسكون بحركة، وحركة بسكون كلمة سيبويه فإن العجم تنطقه ~~سيبويه، فأبدلت العرب ms037 ضمة الباء بفتحة وسكون الواو بحركة وهي الفتحة أيضا ~~وأبدلوا فتحة الياء الثانية بالسكون. # وربما دخل في الكلمة الواحدة أنواع شتى من التغيير مثل كلمة «نزهة» فإنها معربة ~~من كلمة «دوره ره» بمعنى الطريق البعيد، فأبدلت الدال بالتاء وحذفت الواو ~~وجوبا لالتقاء الساكنين وأدغمت الواو في الراء وحركت الهاء الساكنة بالفتحة ~~وزيدت بعدها تاء للدلالة على الوحدة، فأنت ترى أنه قد دخلها النقص والزيادة ~~والإبدال بأنواعه، ويقارب هذه كلمة «زئبق» تعريب «زيوه» فإن الإبدال لحق جميع ~~حروفها. والتغيير هو الغالب في التعريب، وأغلب ما يقع في الكلمات التي تبعد أوزانها ~~عن الأوزان العربية، أو تشتمل على حروف لا وجود لها بين الحروف العربية مثل «پ، چ، ~~ژ، گ، ڨ»، فإن الضرورة تقضي بإبدال الحرف الأول بالفاء أو الباء لأن العجم تلفظه ~~بين هذين الحرفين، ولذلك قال العرب «فرند» و«برند» في تعريب كلمة «پرند» الفارسية، ~~وفرند السيف وبرنده جوهره ووشيه. وكذلك تقضي الضرورة بإبدال الحرف «چ» بحرف يقاربه ~~من الحروف العربية وقد اعتادوا أن يبدلوه بالصاد، ويقولون «صك» في تعريب «چك» وصين ~~في تعريب «چين» و«صفانه» في تعريب «چفانه» وهي من آلات اللهو. وربما أبدلوه بالشين ~~فقالوا «شاكري» في تعريب «چاكري» وهو الأجير المستخدم. وربما أبدلوه بالجيم فقالوا ~~«جوالق» في تعريب «چواله» وهو العدل لأن العجم تلفظه بين الشين والجيم. والضرورة ~~تقضي أيضا بإبدال الحرف «ژ» بحرف من الحروف العربية يقاربه في المخرج، ولما كان ~~العجم يلفظونه بين الزاي والجيم أبدلته العرب بالزاي فقالت «زئبق» في تعريب «ژيوه» ~~و«زون» في تعريب «ژون» وهو الصنم. # وكذلك أبدلوا الحرف «گ» بالجيم لأنه يلفظ بين الجيم والكاف، فقالوا «جزاف» في ~~«گزاف» و«جلنار» في «گلنار» وهو زهر الرمان، و«جناح» في «گناه» وهو الذنب، و«جوز» ~~في «گوز» للثمر المعروف. # وأبدلوا الحرف الخامس من الحروف الخمسة المذكورة بالفاء أو الواو لأنه ينطق ~~بينهما. ~~(7) تدوين علم اللغة # لا نريد في موضوعنا هذا أن نتعرض للبحث عن نشأة ~~اللغة العربية وكيف تولدت مفرداتها وتوسعت وما هي عوامل توليدها وتنويعها ms038 وتوسيعها، ~~وكيف تميزت أسماؤها وأفعالها وحروفها بعضها عن بعض، وكيف تفرعت هذه الأنواع إلى فروعها ~~المختلفة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، لأن هذه المباحث وما أشبهها إنما هي من موضوع ~~«الفلسفة اللغوية». # وكذلك لا نتعرض في هذا الموضوع للنظر فيما ~~اعتور مفردات اللغة وتراكيبها من التقلبات وما طرأ عليها من التغيرات في مختلف الأزمان ~~وتعاقب الأجيال، مثل هجر بعض الكلمات، وإماتة بعض، وإيجاد كلمات أخرى، وكإهمال بعض ~~التراكيب ثم نسيانها وإحداث غيرها من التراكيب الجديدة والأسباب الداعية إلى هجر ما ~~هجر وإهمال ما أهمل ونسيان ما أنسي وإماتة ما أميت وتجديد ما جدد، إلى غير ~~هذه من المباحث التي ترجع إلى علم «تاريخ اللغة» لا إلى تاريخ «علم اللغة». # ولا بد لنا قبل الخوض في المقصود أن نمهد له بعض التمهيد، فنقول: كان علماء العربية ~~في بادئ الأمر يعتمدون في الجمع والنقل على الحفظ والرواية فحسب، ثم ما لبثوا أن ~~انصرفوا إلى تدوين منقولاتهم ومروياتهم وتبويبها وتفصيلها وتهذيبها، ولكنهم كانوا مع ~~ذلك لا يعتمدون على الأخذ من هذه المدونات بقدر ما يعتمدون على الحفظ والأخذ بالمشافهة ~~والمدارسة فالعبرة عندهم للحافظة واللسان لا للدفتر والقلم، وقد غبروا على هذه الطريقة ~~المزدوجة حينا من الدهر، ثم أخذ أمر الرواية يضعف شيئا فشيئا إلى أن صاروا يقتصرون ~~على الأخذ من الكتب كما هي الحال لهذا العهد، ومن هنا تبين أن علم اللغة تقلب في ~~ثلاثة أطوار: ~~(1) # طور الرواية وحدها. ~~(2) # طور الرواية والكتاب. ~~(3) # طور الكتاب وحده. # ونحن نفرد لكل طور من هذه الأطوار بحثا برأسه. ~~(8) طور الرواية الخالصة # قلنا إن أول طلائع الاختلال في اللغة المعربة إنما ظهرت في إعرابها، ونقول الآن: إن ~~عاهة اللحن في كلام الموالي والمتعربين ومن خالط الأعاجم من العرب أو جاورهم نشبت منذ ~~عصر البعثة النبوية حينما اعتنق الإسلام أناس يرتضخون لكنا شتى من بين رومية وفارسية ~~وحبشية وغيرها، وقد رووا أن رجلا لحن بحضرة النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«أرشدوا ms039 أخاكم فقد ضل»، وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فلحن فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن «اضرب كاتبك سوطا واحدا»، ثم فشا ~~اللحن في أخريات عهد الراشدين على أثر اتساع رقعة الفتوح وانتشار العرب في الأرض ~~وتبسطهم في العمران، ولم يزل أمره آخذا بالاتساع ولا سيما في الحواضر الكبرى التي تحوي ~~ألفافا من الموالي المتعربين وبعض الأعاريب الذين استخذت سلائقهم ولم تتوقح ملكة ~~الفصاحة فيهم لأسباب اجتماعية أو جغرافية أو غيرها. وعند ذاك خشي عقلاء الأمة وأهل ~~العلم منهم أن يتمادى أمر الاختلال والاضطراب في الألسنة فينتهي الأمر بفساد اللغة ~~المعربة فسادا لا صلاح وراءه فينغلق أمر القرآن والسنة النبوية على الفهوم وينهار صرح ~~اللغة وآدابها، ولا سيما بعد أن أصبحت لغة دينهم الذي أخرجوا به من الظلمات إلى ~~النور، ولهذا شرعوا يستقرون الكلام ويستنبطون من مجاريه قوانين وضوابط وأصولا ينقاس ~~عليها أشباهها ونظائرها، واصطلحوا على تسميتها ب «علم النحو». # ولا جرم أنهم عندما عمدوا إلى استنباط قوانين هذا العلم انجرت بهم الحال إلى استقراء ~~الشيء الكثير من منظوم العربية ومنثورها، وقد امتطوا من ذلك غارب بحر عجاج لأن العربي ~~بطبيعته من أثبت الناس حفظا وأقواهم حافظة، ولا سيما إذا عاش في بيئة تغمرها الأمية ~~وألجأته الضرورة إلى استخدام لسانه وحده في أفانين المحاورات والمناظرات والمساجلات ~~وسائر ضروب التعبير عما في مطاوي الضمير، ولهذا كان العربي يومئذ - كما يقول بعض ~~الفضلاء المعاصرين - كتابا أو جزءا من كتاب، وكانت كل قبيلة بذلك كأنها سجل زمني في ~~إحصاء الأخبار والآثار، فالعربي بطبيعته وطبيعة بيئته ضابط لمآثره ومآثر قومه راو لما ~~هو في سبيله من أمره وأمر عشيرته. # ومن هذا تعلم صحة ما قلناه من أن علماء العرب عندما انصرفوا إلى استخراج قواعد النحو ~~وجدوا أنفسهم أمام بحر من منظوم القول ومنثوره. # وواضح أن النحوي لا يصل إلى استنباط قواعد النحو واستخراج مسائله إلا بعد البحث عن ~~معنى ما يستعين به من منثور القول ms040 ومنظومه، لأن القواعد النحوية تابعة للموضوعات ~~اللغوية فمعرفة معاني الكلام سابقة لاستخراج قوانين تركيبه وضبط قواعده، فالمعاني ~~اللغوية أساس للقواعد النحوية ومن لم يكن متبحرا في ~~معرفة موضوعات اللغة لا يتمكن من استخراج قواعدها وضبط أصولها، فالنحوي يجب أن يكون ~~لغويا دون العكس لأنا نعرف لغويين كثيرين لا يعرفون إلا النزر اليسير من النحو، ~~ونحن لا نعني في هذا المقام بالنحوي من يأخذ النحو عن المشايخ ومن الكتب بعد أن تم أمره ~~ونضجت قواعده، بل نعني به أمثال أبي الأسود الدؤلي والخليل والكسائي وأضرابهم من الأئمة ~~الذين وضعوا أساس هذا العلم واستنبطوا أصوله وفرعوا فروعه ورتبوا مسائله وبوبوها ~~وفصلوها تفصيلا، وبعبارة أخرى نحن إنما نعني بالنحاة هنا أولئك المجتهدين الذين تم على ~~يدهم إبداع هذا العلم وإنماؤه وتوسيعه وإنضاجه، لا المقلدين الذين لا شأن لهم إلا معرفة ~~ما وضعه أولئك الأئمة ودرس ما قرروه، وعلى هذا لا مراء في أن أول واجب على من يتصدى ~~للإمامة في النحو أن يتوسع في معرفة اللغة كل التوسع وإلا فإنه يكون مفلوج ~~الاجتهاد. # وإنما قدمنا هذه النبذة لنصل إلى نتيجة واضحة وهي أن المجتهدين من النحاة هم أنفسهم ~~رواة اللغة الأولون، ومنزلة النحوي في النحو تابعة لسعة اطلاعه في اللغة، فليس من ~~الغرابة بعد هذا أن تسمعوا في هذا الباب ذكر كثير من مشاهير النحاة الأقدمين، ذلك لأنهم ~~لغويون قبل أن صاروا نحويين فقد روي أن غلاما كان يلم بأبي الأسود الدؤلي يتعلم ~~منه، فتكلم يوما بكلمة لم يفهم أبو الأسود مراده منها فسأله عنها فقال الغلام: هذا حرف ~~من العربية لم يبلغك، فقال أبو الأسود: لا خير لك في ما لم يبلغني منها يا بن أخي. ~~فأبو الأسود وهو رأس النحاة كان من أوسع الناس معرفة في اللغة حتى إنهم زعموا أنه كان ~~يجيب في كلها. # فأبو الأسود يعد رأسا في اللغويين كما يعد رأسا في النحويين على ما سيأتي ~~من تاريخ علم النحو، ولم يطلق عليه المتقدمون اسم اللغوي لأن هذا ms041 اللقب لم يكن معروفا ~~إذ ذاك وإنما شاع استعماله في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع عندما نضج كثير ~~من فنون اللغة وتمايزت فروعها، ولذلك كانت شهرة أبي الأسود في النحو أوسع وصيته فيه ~~أبعد إذ هو واضع أساسه ومقرر سماعه وقياسه، على أنه في علماء العربية طبقة برأسها وتخرج ~~به جماعة أشهرهم: ~~(1) # ولده عطاء، وكان من متقدمي تلاميذ أبيه. ~~(2) # يحيى بن يعمر - على وزن يذهب - العدواني: كان من الأدباء المعروفين ~~والرواة الأثبات المبرزين وهو مع ذلك فقيه ورع، تولى القضاء في خراسان على ~~عدان قتيبة بن مسلم القائد المشهور، وتوفي سنة 129ه. ~~(3) # نصر بن عاصم الليثي: تلقى القرآن والعربية عن أبي الأسود وكان من نبهاء ~~أصحابه، وهو الذي روى عنه صحيفته في العربية المعروفة إذ ذاك بالتعليقة ~~حتى قال بعضهم: إن أول إسناد علمي عرف في الأدب هو إسناد نصر هذا إلى أبي ~~الأسود في تعليقته هذه، وقد ألف نصر كتابا في العربية لم يصل إلينا، ~~وقال بعضهم إن نصرا أخذ العربية عن يحيى بن يعمر، وإليهما يرجع الفضل في ~~إعجام الحروف الهجائية وترتيبها على النمط المعروف اليوم «أ، ب، ت، ث ... ~~إلخ»، وكانت من قبل مهملة ومرتبة على النمط الأبجدي كما سنبينه في تاريخ ~~الخط. وقد توفي نصر سنة 89ه. ~~(4) # عنبسة بن معدان الملقب بالفيل: قالوا لم يكن فيمن أخذ عن أبي الأسود أبرع ~~منه، حتى إن بعض تلاميذ أبي الأسود أخذ العربية عن عنبسة هذا لأنه رأس ~~أصحاب أبي الأسود من بعده، وكان راوية للأشعار ظريفا فصيحا. ~~(5) # ميمون الأقرن: أخذ العربية عن أبي الأسود ثم من بعده عن عنبسة الفيل، ~~ورأس علماء العربية بعد عنبسة. # هؤلاء أنبه تلاميذ أبي الأسود الدؤلي ذكرا وأعلاهم شأنا، وإذا اعتبرنا أبا الأسود ~~طبقة برأسها فإن خريجيه هؤلاء يعتبرون الطبقة الثانية. # وأشهر من تلقى العربية عن هذه الطبقة: ~~(1) # عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي البصري: قالوا ليس في أصحاب ميمون أحد ~~مثل عبد الله هذا، وكان شديد التجريد للقياس وشرح العلل، ms042 وقد أملى كتابا ~~في الهمز، وتوفي سنة 127ه عن ثمان وثمانين سنة. ~~(2) # أبو عمرو بن العلاء بن عمار المازني: إمام البصريين في القراءات والعربية ~~فهو أحد القراء السبعة المشهورين، وأعلم أهل زمانه في العربية والشعر ~~ومذاهب العرب حتى نقل أبو الطيب اللغوي أن بعضهم كان يقول: لم يؤخذ على ~~أبي عمرو بن العلاء خطأ في شيء من اللغة إلا في حرف واحد. وقد كتب الشيء ~~الكثير من منثور اللغة ومنظومها حتى قيل إن دفاتره كانت تملأ بيتا إلى ~~السقف، ولكنه تنسك في أخريات أيامه فأحرقها، وتوفي سنة 154ه أو ~~159ه. ~~(3) # أبو سفيان بن العلاء: أخو عمرو بن العلاء، أخذ عمن أخذ أخوه من رجال ~~الطبقة الثانية، وقد أخملته شهرة أخيه، وتوفي سنة 156ه. # وأشهر من تلقى اللغة وآدابها عن هذه الطبقة: ~~(1) # عيسى بن عمر الثقفي: رأس المتقعرين من اللغويين، أخذ العربية عن أبي ~~عمرو بن العلاء وعبد الله بن زيد الحضرمي، وروى عن رؤبة بن العجاج وجماعة ~~آخرين، ولكثرة تعمقه في اللغة كان يغلب عليه الإغراب في الكلام، قيل إنه ~~سقط ذات مرة عن حماره فاجتمع إليه الناس، فنظر إليهم مغضبا وقال: «ما لكم ~~تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة؟! افرنقعوا عني» أي ما لكم تجمعتم حولي ~~كتجمعكم على مجنون تنحوا عني، فقالوا: إن شيطانه يتكلم بالهندية. وله ~~أمثال هذا شيء كثير، وله في العربية كتابان: أحدهما سماه الإكمال، والثاني ~~الجامع، والظاهر أنهما لم يعيشا طويلا على كثرة ثناء تلاميذه عليهما، قال ~~الخليل: # ذهب النحو الذي ألفتم # غير ما ألف عيسى بن عمر # ذاك إكمال وهذا جامع # فهما للناس شمس وقمر # وتوفي عيسى بن عمر سنة 149ه، وقيل 150ه. ~~(2) # يونس بن حبيب الضبي البصري: أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء، وعن كثير ~~من العرب والأعراب، وكان له حلقة بالبصرة ينتابها أهل العلم وطلاب الأدب ~~وفصحاء الأعراب، وكان ممن ينتاب هذه الحلقة رؤبة بن العجاج، وكان يونس يكثر ~~من سؤاله عن غريب اللغة وهو يجيبه إلى أن قال له ذات ms043 مرة: «حتام تسألني عن ~~هذه الأباطيل وأزخرفها لك، أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك ؟» يريد أنه كان ~~يكذب عليه في جواباته، وكان يونس واسع الحفظ، قال أبو عبيدة: «اختلفت إلى ~~يونس أربعين سنة أملأ كل يوم ألواحي من حفظه»، وتوفي سنة 182ه وكانت ولادته ~~سنة 90ه. ~~(3) # أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الملقب بالأخفش الأكبر: لقي الأعراب ~~وأخذ عنهم، وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء وأهل طبقته، وبه تخرج جماعة من أئمة ~~العربية المبرزين منهم سيبويه والكسائي وأبو عبيدة، وهو أول من فسر الشعر ~~تحت كل بيت وكان الناس قبله يكتبون القصيدة كلها فإذا فرغوا منها ~~فسروها. ~~(4) # أبو جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي: عالم أهل الكوفة في زمانه، وهو أول كوفي ~~ألف في العربية، وكان أهل الكوفة يعظمون من شأنه ويزعمون أن كثيرا من ~~علومهم وقراءاتهم مأخوذة عنه، حتى قيل إن كل ما جاء في كتاب سيبويه قال ~~الكوفي «كذا» إنما يعني به الرؤاسي. وله مؤلفات في العربية منها الفصيل وهو ~~الكتاب الذي نقله إلى البصرة في رحلته، والوقف والابتدا الكبير والصغير، ~~ومعاني القرآن، ولم يصلنا شيء من كتبه. ~~(5) # أبو مسلم معان بن مسلم الهراء: عم أبي جعفر الرؤاسي المتقدم، وهو أول من ~~وضع علم التصريف، وله كتب في العربية لم يطل عمرها كثيرا، وقد كان ولد ~~في خلافة عبد الملك بن مروان وعمر طويلا حتى توفي سنة 187 وقيل سنة ~~190ه. # وأشهر من تلقى اللغة عن هذه الطبقة والتي قبلها: ~~(1) # أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري الإمام المشهور: كان أحفظ الناس للغة ~~وأوسعهم رواية وأوثقهم وأكثرهم أخذا عن البادية حتى قالوا: كان يجيب في ~~اللغة. أخذ عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وأبي الخطاب الأخفش ويونس ~~بن حبيب وعن جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، وكان جليل القدر رفيع ~~المنزلة، وتخرج به جماعة منهم سيبويه وكل ما جاء في كتاب سيبويه «أخبرني ~~الثقة» أو «حدثني من أثق بعربيته» فإنما يريد أبا زيد هذا، ولأبي زيد ~~تصانيف ms044 كثيرة سرد منها الجلال السيوطي في كتابه «بغية الوعاة» ثلاثين ~~ونيفا، توفي بالبصرة سنة 215ه عن عمر يناهز 93 سنة. ~~(2) # أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي البصري: وسنترجم له فيما بعد ترجمة ~~مبسوطة. ~~(3) # أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري الشعوبي الأخباري: كان أعلم أهل زمانه ~~بالأنساب وأيام العرب وأخبارهم وعلومهم، حتى كان يقول: ما التقى فرسان في ~~جاهلية ولا إسلام إلا عرفتهما وعرفت فارسيهما. قال الجاحظ: «لم يكن خارجي ~~أعلم بجميع العلوم منه»، ومن هذا يفهم أنه كان يرى رأي الخوارج مضافا ~~إلى ما كان عليه من الشعوبية السمجة، وكان يغلب عليه الغريب من اللغة ولهذا ~~كان أول من ألف في غريب الحديث، وكان مع اتساع معرفته بلغة العرب وأدبهم لا ~~يحسن قراءة الشعر وإذا أنشد بيتا لم يقم إعرابه وينشده مختلف العروض، وما ~~ذلك إلا لأنه يضرب بعرق إلى اليهودية، لأن أبا المثنى جده كان يهوديا من ~~يهود باجروان. ولأبي عبيدة مؤلفات كثيرة أشهرها: معاني القرآن، وغريب ~~القرآن، وغريب الحديث، والمثالب، وأيام العرب، وطبقات الفرسان، وخلق ~~الإنسان، والخيل والإبل، ونقائض جرير والفرزدق وغيرها، وقد أحصى له ابن ~~النديم في فهرسته مائة مصنف ونيفا، ولد أبو عبيدة سنة 112ه وتوفي سنة ~~209ه، وقيل أكثر أو أقل ... ~~(4) # خلف الأحمر البصري: كان راوية للأشعار ونقادة لها، وكان يعد من أضراب ~~الأصمعي بل قيل هو معلم الأصمعي، وهو والأصمعي فتقا المعاني وأوضحا المذاهب ~~وبينا المعالم، وكان الأخفش يقول إنه لم يدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف ~~والأصمعي. وكان خلف شاعرا حاذقا ماهرا في التقليد وقد وضع على كثير من ~~شعراء العرب، فكان يضع على كل شاعر ما يتلاءم مع ألفاظه وأسلوبه ومعانيه ~~فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، وقد أخذ عنه أهل البصرة والكوفة، ~~ثم نسك في أخريات أيامه وأقر بما كان يضعه، فلم ينتفع بإقراره هذا من انخدع ~~له في أول الأمر وبقي ما وضعه مبثوثا في الدواوين. وله من التصانيف كتاب ~~جبال العرب وما قيل فيها من الشعر، ms045 وله ديوان شعر حمله عنه أنبه تلاميذه ~~أبو نواس، وقد رثاه أبو نواس في حياته بأرجوزة منها: # أودى جماع العلم مذ أودى خلف # من لا يعد العلم إلا ما عرف # قليذم من العياليم الخسف # فكلما نشاء منه نغترف # رواية لا تجتنى من الصحف # وله فيه من قصيدة يرثيه بها في حياته أيضا: # وكان ممن مضى لنا خلفا # فليس منه إذ بان من خلف # وتوفي في حدود الثمانين والمائة. ~~(5) # الخليل بن أحمد الفراهيدي: سيد أهل الأدب وإمام المصنفين في لغة العرب، ~~وبه يبدأ الطور الثاني من أطوار الرواية المقرون بطور التأليف، وسوف نترجم ~~له في غير هذا الموطن، ولكنا نقول هنا: إن الخليل أول من دون اللغة، ~~ورتب ألفاظها على حروف الهجاء ترتيبا لم يسبق إليه في كتابه المسمى ~~«كتاب العين»، وبكتابه هذا يفتح الطور الثاني وهو طور الرواية ~~والكتاب. ~~(9) طور الرواية والكتاب # نهج الخليل في جمع اللغة واستيعابها طريقة مبتكرة اخترعها لنفسه، واقتفى أثره فيها ~~الجم الغفير ممن جاءوا بعده من اللغويين في ترتيب الحروف؛ ~~منهجا خاصا لم يمش عليه الناس من بعده، وهو أنه ~~رتبها على حسب ترتيب مخارجها الطبيعية مبتدئا من الحلق ذاهبا إلى اللسان فالشفتين، ~~وجعل أولها العين ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخر الحروف. # إن للمؤلفين في اللغة أسلوبين: أحدهما يبتدئ باللفظ وينتهي بالمعنى والثاني بالعكس، ~~مثال الأول ما إذا قيل: «القطار: عدد من الإبل مقطورة على نسق واحد، والقطر: النحاس، ~~والقطر: الجهة والناحية، والقطر: المطر»، ومثال الثاني ما إذا قلت: «ولد الناقة يسمى ~~الحوار، وولد الغزالة يسمى الخشف، والنوم الخفيف يسمى السنة»، فالذي يذهب من ~~جانب اللفظ إلى المعنى يرمي في الغالب إلى تسهيل إيضاح معاني الكلام على السامع ~~والقارئ، فإن من سمع كلاما منظوما أو منثورا وغم عليه معاني بعض ألفاظه فإنه يرجع ~~في إيضاح ذلك إلى المعاجم المؤلفة على الطريقة الأولى فيجد فيها ضالته، والذي يذهب من ~~جانب المعنى إلى اللفظ يرمي على الأكثر إلى تسهيل إنشاء الكلام ms046 على اللسان والقلم، فإن ~~من تصور معنى أراد التعبير عنه وغاب عنه اللفظ الدال عليه يستعين على وجدانه بالكتب ~~المؤلفة على الطريقة الثانية ، ومن ثم نجد أكثر الناس انتفاعا بهذه الكتب أولئك الذين ~~يعنون بترجمة الكلام الأجنبي، لأنهم يجدون أمامهم من المعاني ما تحتاج إلى قوالب من ~~ألفاظ لا تحضرهم فيرجعون إلى هذه الكتب ليهتدوا بها إلى بغيتهم. # وإنما ألمعنا إلى هذا التقسيم لنبين أن مصنفي اللغة في هذا الطور انخزلوا إلى فريقين: ~~فريق سلك الطريق الأول وعلى رأسهم الخليل بن أحمد، وفريق سلك الطريق الثاني وعلى رأسهم ~~الأصمعي وأبو زيد وأضرابهما. فالخليل بن أحمد أول من ألف في اللغة على الأسلوب الأول ~~فهو أبو عذرته، نعم، لا ينكر أن بعض معاصري الخليل ألف بعض الشيء على هذا الأسلوب ~~كأبي عبيدة فإنه ألف في غريب القرآن وغريب الحديث، ولكن تلك التآليف في مواضع خاصة ~~وأبواب معينة وعلى غير ترتيب يعتد به، فهي عبارة عن مجموع مباحث مبعثرة لا يضبطها ~~ترتيب ولا يؤلف بينها نظام، أما الخليل فإنه نزع إلى طريقة علمية لم يسبق إليها على ~~ما ستقف عليه مفصلا عند الكلام على ترجمته. # فطور الرواية والكتاب يفتتح بذينك الأسلوبين من التأليف على ما عرفت، وقد رأينا ~~أن نسمي الأسلوب الأول «المسلك اللفظي» لأن البدء فيه يكون بجانب اللفظ ومنه ينتقل إلى ~~جانب المعنى، والأسلوب الثاني «المسلك المعنوي» لأن البدء فيه يكون بجانب المعنى ومنه ~~ينتقل إلى جهة اللفظ. # وينفرع عن كل واحد من هذين المسلكين فروع كثيرة، رأينا أن نجملها في هذا المكان لئلا ~~نضطر إلى الرجوع إليها في مكان آخر فتفكك عرى البحث وتتباعد أواصره. ~~(9-1) فروع المسلك اللفظي # سلك المؤلفون في ترتيب الألفاظ مسالك شتى لاعتبارات مختلفة، فمنهم من وجه همه ~~إلى ضبط اللغة وإحصاء كلمها والتمييز بين مستعملها ومهملها، كما فعل الخليل بن أحمد ~~في ترتيب كتاب العين وتبعه أبو بكر بن دريد في جمهرته، وقد علمت أن الخليل ابتكر ~~أسلوبا في إحصاء مفردات اللغة لم يسبقه ms047 إليه سابق، كما ابتكر طريقة خاصة في ترتيب ~~حروف الهجاء تنكب فيها الطريق الأبجدي القديم والترتيب العلمي المعروف ومال إلى ~~الترتيب المخرجي الطبعي على ما أشرنا إليه آنفا، وأما ابن دريد فإنه لم يزد على ما ~~جاء به الخليل من الترتيب والتبويب شيئا يذكر ولذلك جاءت جمهرته مقاربة لكتاب ~~العين على ما فيها من الفوائد والأوابد التي خلا منها كتاب العين. # وقد حذا حذو هذين الإمامين ثالث هو أبو غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني ~~القرطبي المتوفى سنة 433ه، فإنه وضع كتابا أتى فيه على ما في كتاب العين من صحيح ~~اللغة وزاد عليه ما زاده ابن دريد في الجمهرة، فصار كتابه هذا محتويا على الكتابين ~~معا وسماه «فتح العين». وبعد، فنحن نلقب هذا الترتيب ب «ترتيب الخليل»، ويعتبر ~~الفرع الأول من المسلك اللفظي، وآخر من سلك هذا المسلك - على ما نظن - أبو الحسن ~~علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده والمتوفى سنة 458ه، فإنه ألف كتابه «المحكم ~~والمحيط الأعظم» على ترتيب كتاب العين. # ومن اللغويين من وجه نظره إلى ضبط مفردات اللغة مع الالتفات إلى تسهيل أمر ~~الحصول على المقصود في المراجعة عند الحاجة، فرتب الألفاظ معتبرا أواخر حروفها ~~الأصلية أبوابا وأوائل حروفها الأصلية فصولا، كما فعل الجوهري في كتابه «صحاح ~~اللغة» وتبعه مجد الدين الشيرازي في قاموسه وتبعهما خلق كثير. # ومن طبيعة هذا الترتيب أن يتألف الكتاب من ثمانية وعشرين بابا، ينعقد كل باب ~~منها من ثمانية وعشرين فصلا على عدد حروف المعجم حسب ترتيبها التعليمي المشهور «أ، ~~ب، ت، ث ... إلخ» إلا أن يهمل في بعض الأبواب بعض الفصول لعدم ورود شيء فيها، فإذا ~~طلبت كلمة استقرى أو تقرى أو القيروان مثلا فإنك تجدها كلها في فصل القاف من باب ~~الواو لأن أصل مادتها «ق، و، ر»، وإذا طلبت السماء أو الاسم أو التسامي فإنك تجدها ~~كلها في فصل السين من باب الواو لأنها كلها من مادة «س، م، و». ونحن نلقب هذا ~~«بمسلك الجوهري» وهو الفرع ms048 الثاني من المسلك اللفظي. ومن المؤلفين من لم يلتفت إلى ~~حصر المفردات بوجه، بل وجه كل عنايته إلى تسهيل الحصول على المقصود عند البحث ~~والمراجعة، فبوب كتابه على ترتيب حروف الهجاء التعليمي واعتبر أصول أوائل الكلم ~~أبوابا وما يليها من الحروف الأصلية ثم ما يثلثهما فصولا، فتجد كلمة أسد قبل كلمة ~~أسر وهذه قبل كلمة أسف وهذه كلها قبل كلمة أشر لأن الشين بعد السين. وأول من سلك ~~هذا المسلك في الترتيب - على ما أظن - أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة 310ه ~~في كتابه «المجمل في اللغة»، وتبعه الزمخشري في كتابه «أساس البلاغة» وجاء بعده ~~تلميذه ناصر بن عبد السيد المطرزي المتوفى سنة 610ه فألف كتابه «المغرب في لغة ~~الفقهيات»، وسلك في ترتيبه مسلك شيخه في أساس البلاغة. وممن سلك هذا المسلك أحمد بن ~~محمد المقري الفيومي المتوفى سنة 770ه في كتابه «المصباح المنير» في غريب الشرح ~~الكبير، وعلى هذا المسلك سار المؤلفون من المعاصرين. والمؤلفون على هذا النمط ~~يعتبرون من الكلمة حروفها الأصلية كما علمت فيضعون كلمة اتصل مثلا في باب الواو ~~لأنها من مادة «و ص ل»، ومثلها اتأد واتسع واتكأ واتسق واتهم واتكل لأنها من مادة: ~~«و أ د»، «و س ع»، «و ك أ»، «و س ق»، «و ه م»، «و ك ل»، ويضعون كلمة تترى في هذا ~~الباب لأن مادتها «و ت ر». وفي هذا ما فيه من العسر على الذين لا علم لهم بمبادئ ~~اللغة وأصول تصريفها، ولهذا نرى أن توضع المعاجم على أسلوب تكون العبرة فيه لحروف ~~الكلمة كلها سواء في ذلك الأصلية والزائدة، وتوضع كلمة تترى مثلا في باب التاء ~~والتاء وما يثلثهما، وكلمة اتقى في باب الهمزة والتاء وما يثلثهما وهكذا. # وقد سلك هذا المسلك من الأقدمين ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان»، فإنه رتبه ~~على هذا النمط غير ناظر إلى أصول الكلمات، فيضع كلمة «أسورة» مثلا في باب الهمزة ~~والسين وما يليهما، وإذا طلبتها في المصباح تجدها في باب ms049 السين مع الواو وما ~~يثلثهما وفي هذا عنت ليس بالهين. وعلى النمط السهل مشى مؤلفو معاجم الأسماء ~~كابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» وياقوت في كتابه «معجم الأدباء» وابن حجر ~~العسقلاني في «الإصابة»، فإنك تجد فيها اسم «المعلى» مثلا في باب الميم والعين وما ~~يليها، ولو طلبته في القاموس لوجدته في فصل العين من باب الواو، أو في المصباح ~~لوجدته في باب العين واللام وما يثلثهما. # ولم نجد من اللغويين من سلك هذا المسلك على ما فيه من تسهيل المراجعة على ~~المراجعين، ولا سيما أولئك الذين يتعسر عليهم تمييز أصول الكلمات من ~~زوائدها. ~~(9-2) فروع المسلك المعنوي # للمؤلفين الذين سلكوا هذا الطريق في تآليفهم مناهج شتى مرجعها كلها إلى أمل واحد ~~هو ترتيب المعاني حسب أجناسها وأنواعها، ثم توزيع كل نوع منها إلى طوائف توضع كل ~~طائفة منها تحت باب له عنوانه، وتقسم هذه الأبواب إلى فصول يوضع تحت كل فصل ~~منها جملة من المعاني المتآخية. فإذا أخذ جنس الحيوان مثلا نجده ينقسم إلى أنواع ~~كثيرة منها الإنسان، والبحث عن الإنسان يتوزع إلى أبواب كثيرة يضم كل باب منها ~~طائفة من شئونه: فمن أعضائه، إلى طعامه، إلى شرابه، إلى لباسه، إلى مسكنه، إلى ~~سلاحه، إلى حركاته وأطوار حياته وسائر صفاته وتقلبات أحواله. وإذا أخذنا باب اللباس ~~مثلا نجده ينطوي على فصول عديدة في: النسج، والخياطة، والخيوط، والإبر، وفي ضروب ~~الثياب وألوانها وأشكالها، وفي ثياب الرجال والنساء والولدان، وفي الأكسية والفرش ... ~~إلخ. فإذا أخذت فصل الوسائد مثلا تجده يقول: «المخدة والمصدغة: ما يوضع تحت ~~الرأس، والخرقة: هي التي تصف إلى أخرى، والمسند: ما يستند إليها، والمشورة: ~~ما يتكأ عليها، والمنبذة: ما يطرح للزائر وغيره، والحسبانة: ما صغر من ~~الوسائد ... إلخ.» # ثم من المؤلفين من يذكر المعنى المفرد ويذكر اللفظ الدال عليه، كأن يقول: «ما بين ~~طرفي الخنصر والإبهام يسمى الشبر، وما بين طرفي السبابة والوسطى يسمى الرتب، ~~وما بين طرفي الوسطى والبنصر يسمى العتب، وما بين طرفي البنصر والخنصر يسمى ~~البصم، ms050 وما بين كل إصبعين طولا فهو الفوت.» # ومنهم من يذكر المعنى المركب ويردفه بالعبارة أو العبارات الدالة عليه، فإذا ذكر ~~باب الخطيب والخطابة مثلا يقول: «خطيب بسيط اللسان، مصقول الخاطر ، ناصع البيان، ~~خلاب الألباب، تنفجر ينابيع الحكمة على لسانه، إذا أفاض في كلامه ملك أعنة القلوب ~~واستدر ماء الشئون وقوم زيغ النفوس ... إلخ.» # وأشهر من نهج المنهج الأول أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة 429ه في كتابه ~~الموسوم ب «فقه اللغة»، وابن سيده صاحب المحكم في كتابه «المخصص» في 17 جزءا، ~~ويقال إنه قد سبقهما إلى هذا المنهج أحمد بن أبان الأندلسي المتوفى سنة 332ه في ~~كتابه «العالم»، بدأ فيه بالفلك وختم بالذرة فجاء في مائة مجلد. # وممن ألف على النمط الثاني عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني المتوفى سنة 327ه ألف ~~«الألفاظ الكتابية»، وقدامة بن جعفر المتوفى سنة 337ه فقد وضع فيه كتابه الذي ~~أسماه «جواهر الألفاظ» وهو كتاب ممتع. ~~(10) المعاجم العامة والخاصة # ومن المعاجم ما هو عام في جميع أبواب اللغة وأنواعها كالقاموس لمجد الدين الشيرازي ~~والمخصص لابن سيده، ومنها ما هو خاص في باب من أبواب اللغة ونوع من أنواعها، وهذا النوع ~~كثير الفروع - على ما ستراه - ونحن نذكر بعض هذه الفروع في هذا المقام على سبيل المثال، ~~فمن ذلك: ~~(1) مفردات القرآن. (2) ما جاء في القرآن بغير لغة العرب. (3) ما جاء في القرآن بغير ~~لغة الحجاز. (4) مبهمات القرآن. (5) غريب الحديث. (6) لغات الفقهاء. (7) ~~لغات بعض الكتب الفقهية. (8) الأضداد. (9) مثلثات ~~اللغة. (10) لغات الشعر. (11) النبات. (12) الشجر. (13) النخل والكرم. (14) خلق ~~الإنسان. (15) خلق الفرس. (16) الأنواء. (17) الرياح. ~~(18) الإبل. (19) الشاء. (20) السلاح. (21) الفصيح. وغير ذلك مما يطول شرحه ويتعسر ~~استقصاؤه، وفي كل من هذه الأنواع كتب كثيرة سيمر بك طرف منها إن شاء الله تعالى. ~~(11) الطبقة السادسة # وبعد إجمال ما استطردنا إليه من تنويع مسالك المؤلفين من اللغويين، نرجع إلى ما كنا ~~بصدده من تتبع طبقات اللغويين واستقراء سلسلتهم حلقة حلقة فنقول: أشهر من تلقى العربية ~~عن طبقة الخليل: ~~(1) # أبو بشر عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه المتوفى ms051 سنة 180ه، وسنترجم له ~~في النحويين لاشتهاره بكتابه الذي يلقب ب «قرآن النحو». ~~(2) # النفر بن شميل: أخذ عن الخليل، ثم رحل إلى البادية وضرب في كبد الجزيرة ~~وأخذ عن أعرابها وعربها فيقال إنه أقام في البادية أربعين سنة، وكان علما ~~من أعلام العربية، وله مؤلفات منها: كتاب الجيم، غريب الحديث، الشمس ~~والقمر، السلاح، الأنواء، المدخل إلى كتاب العين. وتوفي سنة ~~203ه. ~~(3) # حماد بن سلمة الإمام المشهور: أخذ عن عيسى بن عمر وعن الخليل وغيرهما، ~~وكان رأسا في العربية والبلاغة، توفي سنة 167ه. ~~(4) # يحيى بن المبارك اليزيدي: أخذ عن عمرو والخليل، وكان أحد القراء الفصحاء ~~العالمين بلغة العرب وآدابها، وهو أحد أشياخ المأمون، ومن تآليفه: كتاب ~~النقط والشكل، والمقصور والممدود، والنوادر، وتوفي سنة 202ه. ~~(5) # أبو فيد المؤرج بن عمرو السدوسي: أحد أئمة الأدب المتوسعين في لغة العرب، ~~قدم من البادية وأقام بالبصرة فحذق مقاييس العربية على أشياخها كأبي عمرو ~~بن العلاء وأبي زيد الأنصاري والخليل بن أحمد، وله من المؤلفات في اللغة: ~~غريب القرآن، الأنواء، المعاني وغيرها، توفي سنة 195ه. ~~(6) # علي بن سلام الجمحي: أحد أعلام الأدب، أخذ عن خلف الأحمر ويونس بن حبيب ~~وغيرهما، وهو أحد نقدة الشعر الأفذاذ والرواة الأثبات، وله كتاب غريب ~~القرآن، توفي سنة 231ه. ~~(7) # أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي: رأس الكوفيين وإمام اللغويين، وسنترجم له ~~في النحويين. ~~(8) # علي بن نصر الجهضمي: صحب الخليل وأخذ عنه، وهو من رفقاء سيبويه، توفي ~~سنة 187ه. ~~(9) # المفضل بن محمد الضبي الكوفي صاحب المفضليات: كان من علماء الشعر ورواة ~~الأدب المكثرين. ~~(10) # صالح بن إسحاق الجرمي: أخذ عن الأخفش ويونس والأصمعي وأبي عبيدة، وله كتب ~~منها: كتاب الأبنية، وغريب سيبويه وغيرهما، توفي سنة 225ه. ~~(11) # عبد الله بن محمد التوزي: أخذ عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في فنون ~~الأدب، وله كتاب الخيل، والأمثال، والأضداد، توفي سنة 233ه. # وأشهر من تلقى العربية عن هذه الطبقة: ~~(1) # محمد بن المستنير المعروف بقطرب: لازم سيبويه ويونس بن حبيب، وأخذ عن ~~عيسى بن عمر، وبرع في العربية، ms052 ولكن الرواة يغمزونه ويطعنون في روايته، وله ~~مؤلفات جمة منها: المثلث - وهو ما جاء بالحركات الثلاث من الألفاظ، سواء ~~كان لمعنى واحد مثل: ذروة، رغوة، أو لمعان مختلفة مثل: قطر، قطر، قطر»، ~~والنوادر، والأضداد، وخلق الإنسان، وخلق الفرس، والمصنف الغريب وغيرها، ~~وتوفي سنة 206ه. ~~(2) # يحيى بن زياد الفراء: تلميذ الكسائي وأحد أعلام اللغويين من الكوفيين، ~~وله مصنفات كثيرة منها: معاني القرآن، المصادر في القرآن، آلة الكتاب، ~~النوادر، المقصور والممدود، الحدود، وتوفي سنة 207ه. ~~(3) # أبو عبيد القاسم بن سلام: الأديب المتفنن، كان إماما في معارف شتى، أخذ ~~عن أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي واليزيدي وابن الأعرابي والكسائي وغيرهم، ~~وكان مصنفا حسن التصنيف ترك نيفا وعشرين مصنفا منها: الغريب المصنف، ~~غريب القرآن، غريب الحديث، معاني القرآن، الأمثال السائرة، المقصور ~~والممدود وغيرها، توفي سنة 223ه. ~~(4) # محمد بن زياد الأعرابي: أحد أئمة الرواة الكوفيين وأعلام اللغويين ~~المبرزين، حتى قالوا: لم يكن أحد من الكوفيين أشبه رواية برواية البصريين ~~منه، وكان واسع الحفظ جدا، قال ثعلب: لزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده ~~كتابا قط، وما أشك في أنه أملى على الناس ما يحمل على أجمال، وله كتب ~~كثيرة منها: النوادر، الأنواء، صفة المحل، صفة الدرع، الخيل، معاني الشعر، ~~النبات، النبت والبقل، الأمثال وغيرها، توفي سنة 230ه. ~~(5) # أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط: تخرج بسيبويه، وكان أحفظ أصحابه ~~وأحذقهم، وله من المؤلفات: معاني القرآن، والاشتقاق، والمسائل الكبير ~~والصغير، والأصوات، وكتب أخرى، توفي سنة 210ه، ويزعم البصريون أن ~~الكسائي قرأ عليه كتاب سيبويه سرا. ~~(6) # أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي: أحد الرواة المتوسعين والأدباء ~~المطبوعين، أخذ عن سيبويه، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي، ومن تآليفه كتاب ~~النقط والشكل، والأمثال، والسحاب، والرياح، والأمطار، توفي سنة ~~249ه. ~~(7) # أبو عثمان بكر بن محمد المازني: أحد فضلاء الناس وكبار رواتهم وحذاق ~~مناظريهم، روى عن جماعة منهم: أبو عبيدة والأصمعي وأبو زيد والجرمي والأخفش ~~الأكبر، وأكثر مصنفاته في النحو والتصريف، توفي سنة 249ه. ~~(8) # أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي: أحد ms053 علماء الناس باللغة والشعر، روى ~~عن الأصمعي وغيره، وقرأ النحو على المازني كما قرأ عليه المازني اللغة، ومن ~~مؤلفاته: كتاب الخيل، الإبل، ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب، توفي سنة ~~257ه. ~~(9) # أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني البصري: كان إماما في علوم القرآن ~~واللغة والشعر وأخبار الناس، روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد وغيرهم، ~~وله مؤلفات كثيرة منها: المقصور والممدود، الوحوش، الطير، خلق الإنسان ~~وغيرها، وكانت كتبه في غاية من الإتقان والإمتاع، توفي سنة 250ه. ~~(10) # عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب ابن أخي الأصمعي: كان يروي عن عمه الشيء ~~الكثير، وربما حكى عنه ما يجده في كتبه من غير أن يكون قد سمعه من ~~لفظه. ~~(11) # أبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي: صاحب الأصمعي، ويزعم بعضهم أنه ابن أخته ~~وليس هذا بثابت، وروى عن أبي عبيدة وأكثر الرواية عن أبي زيد، وله من ~~المؤلفات: النبات والشجر، واللبأ واللبن، الخيل، الطير، الجراد، اشتقاق ~~الأسماء وغير ذلك، توفي سنة 231ه. ~~(12) # أبو عمر إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي: راوية أهل بغداد في عصره، كان ~~واسع العلم باللغة عالما فاضلا، أخذ عن الكسائي وغيره، وأخذ عنه خلق ~~كثير، وله من المصنفات: النوادر، كتاب الجيم، الغريب المصنف، غريب الحديث، ~~الخيل، أشعار القبائل، خلق الإنسان وغيرها، توفي سنة 206 عن مائة وعشر ~~سنين. ~~(13) # علي بن الحسن الأحمر: شيخ العربية في زمانه، صحب الكسائي وأخذ عن غيره، ~~وكان بارعا في النحو والحفظ حتى قيل إنه يحفظ أربعين ألف شاهد في النحو، ~~وله كتب جلها في التصريف والنحو، توفي سنة 194ه. ~~(14) # علي بن حازم اللحياني الكوفي: لازم الكسائي، وقرأ عليه كثير ممن في ~~طبقته، وله كتاب النوادر. ~~(15) # أبو محمد عبد الله بن سعيد الأموي: أخذ عن الكسائي ومن في طبقته، أخذ عنه ~~جماعة، وله كتاب النوادر وغيره. # وأشهر من تلقى على هذه الطبقة: ~~(1) # أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: إمام أهل العربية في زمانه وأديبهم، أخذ ~~عن المازني والسجستاني والجرمي، وتخرج به خلق كثير، وكان قوي الذاكرة ms054 ~~فصيحا مفوها وأخباريا ظريفا حتى كان الناس بالبصرة يقولون: ما رأى ~~المبرد مثل نفسه. وله كثير من المؤلفات منها: معاني القرآن، والاشتقاق، ~~والمقتضب، وما اتفق لفظه واختلف معناه، ويعد في مقدمة تآليفه الكامل، ~~وهو أحد أركان الأدب عند أهل الأدب. وتوفي ~~سنة 285ه. ~~(2) # أبو العباس أحمد بن يحيى البغدادي المشهور بثعلب: إمام الكوفيين في النحو ~~واللغة، لازم ابن الأعرابي وأخذ عن محمد بن سلام الجمحي وغيره، وقد انتهت ~~إليه رئاسة الكوفيين في العربية كما انتهت رئاسة البصريين إلى المبرد، ~~وكانت بينهما منافرات مشهورة ومعارضات منكورة حتى أصبحا مثلا في شدة ~~التعادي، قال الشاعر: # فأبداننا في بلدة والتقاؤنا # عسير كأنا ثعلب والمبرد # ولثعلب تصانيف أكثرها في النحو والتصريف، منها في اللغة: معاني القرآن، ~~معاني الشعر، الفصيح وهو أشهرها، وينسبه بعضهم لغيره والصحيح أنه له، ~~توفي سنة 291ه. ~~(3) # أبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني: أخذ عن المازني والجرمي ومن في ~~طبقتهما واختص بالتوزي، وله كتب كثيرة منها كتاب المعاني. ~~(4) # يعقوب بن إسحاق السكيت: أحد أعلام الكوفيين، أخذ العربية عن البصريين ~~والكوفيين، وممن أخذ عنهم: الفراء وأبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي ~~وغيرهم، وكان واسع العلم باللغة والشعر، وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني ~~الشعر وشروح دواوين العرب، وزاد فيها على من تقدمه الشيء الكثير، ويذكر ~~في مقدمة تآليفه إصلاح المنطق وهو مطبوع متداول، توفي سنة 244ه. ~~(5) # عمرو بن أبي عمرو الشيباني: الكوفي أحد كبار اللغويين من الكوفيين، ~~توفي سنة 231ه. ~~(6) # أبو جعفر محمد بن حبيب الكوفي: أحد علماء اللغة المعروفين ورواة الأخبار ~~الموصوفين، أخذ عن قطرب وابن الأعرابي، له: غريب الحديث، الأنواء، الشجر، ~~نقائض جرير والفرزدق، المختلف والمؤتلف في أسماء القبائل، الخيل، النبات ~~وغيرها، توفي سنة 245ه. ~~(7) # أبو الحسن علي بن المغيرة الأشرم الكوفي: له مؤلفات في العربية أكثرها في ~~النحو، وله كتاب في غريب اللغة. ~~(8) # أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري: كان بارعا في فروع اللغة المختلفة، ~~راوية ثقة مكثر، أخذ عن السجستاني والرياشي وغيرهما، وأخذ عنه خلق كثير، ~~وانتشر عنه من ms055 كتب الأدب ما لم ينتشر عن أحد من نظرائه، وله مصنفات كثيرة ~~منها النبات، والوحوش، وجمع أشعار جماعة من الشعراء منهم: ~~امرؤ القيس والنابغة الذبياني وزهير ~~ولبيد والنابغة الجعدي وغيرهم، كما جمع شعر عدة قبائل من العرب منها: شعر ~~هذيل، وبني شيبان، وبني يربوع، وبني ضبة، والأزد، وبني نهشل وغيرهم، ~~وتوفي سنة 275ه. ~~(9) # عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري: نزيل بغداد ، أحد أعلام اللغويين ~~وكبار المصنفين ورجال الأخبار المتوسعين، ومن مؤلفاته: غريب القرآن، معاني ~~القرآن، الخيل، خلق الإنسان، الأنواء، غريب الحديث وغيرها، توفي سنة ~~267ه. # ومن أشهر من تلقى عن هذه الطبقة: ~~(1) # أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: لازم المبرد وأخذ عنه معظم علمه ~~فخرج فاضلا، له جملة مؤلفات منها: معاني القرآن، خلق الإنسان، فعلت ~~وأفعلت، الاشتقاق، النوادر، وله كثير غيرها، توفي سنة 311ه. ~~(2) # أبو بكر بن السراج. ~~(3) # أبو بكر بن دريد، وسنترجم له. # ومن أشهر تلاميذه وحاملي لواء علمه أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي المشهور ~~بالقالي، كان أحفظ أهل زمانه للغة وآدابها، وله كتاب البارع في اللغة والنوادر ~~والأمالي، وهو أحد أركان الأدب، توفي سنة 356ه. # ومنذ انفجر فجر هذه المائة - المائة الرابعة للهجرة - أخذ ظل الرواية يتقلص وشأنها ~~يتضاءل شيئا فشيئا، وأخذ أمر الاعتماد على الكتاب يقوى ويتوسع، وأخذ القلم يحتل ~~المكانة التي كانت تحتلها الحافظة، وقد أخرج أقطاب اللغويين للناس في هذا العصر أسفارا ~~جليلة تعد في الطليعة من دواوين اللغة التي عليها يعول وإليها يرجع، ومن ~~أشهرها: ~~(1) # الجمهرة لأبي بكر بن دريد المتوفى سنة 321ه المتقدم ذكره. ~~(2) # البارع لأبي علي القالي المتقدم. ~~(3) # مختصر العين لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي المتوفى سنة 379ه. ~~(4) # كتاب العشرات لأبي عمرو المعروف بغلام ثعلب المتوفى سنة 345ه، وقد جمع ~~فيه المعاني التي تترادف على كل معنى منها عشرة ألفاظ. ~~(5) # ديوان الأدب لأبي إسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى سنة 350ه، خال ~~الجوهري صاحب الصحاح، وهو كتاب مؤلف من ستة كتب: (1) في السالم. (2) في ~~المضاعف. (3) في المثال. (4) ذوات ~~الثلاثة. (5) ذوات ms056 الأربعة. (6) الهمزة. ~~(6) # التهذيب لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري المتوفى سنة 370ه، وهو من ~~أجل المعاجم، وأغزرها مادة، وقد تقدم أنه مرتب على نمط كتاب ~~العين. ~~(7) # غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء للأزهري أيضا. ~~(8) # المحيط للصاحب بن عباد المتوفى سنة 385ه، وهو في سبعة مجلدات فقد ~~معظمها. ~~(9) # المجمل لابن فارس المتوفى سنة 390ه، وقد تقدم ذكره. ~~(10) # الصحاح للجوهري المتوفى سنة 398ه، وقد وصفناه في دروس أصول ~~اللغة. # وبالجملة فإنه ما كاد ينطوي بساط هذه المائة حتى ازدحمت المكتبات بمئات المؤلفات في ~~هذا العلم، حتى حكي عن الصاحب بن عباد - المذكور آنفا - أن بعض الملوك أرسل إليه ~~يسأله القدوم عليه فقال له في الجواب: أحتاج إلى ستين جملا أنقل عليها كتب اللغة عندي، ~~ومهما كان في هذا القول من المبالغة فإنه يدل على غزارة مادة التأليف إذ ذاك في هذا ~~العلم، قال الجلال السيوطي بعد أن نقل هذه الحكاية: وقد ذهب جل هذه الكتب في الفتن ~~الكائنة من التتار وغيرهم. # ومن أشهر ما جادت به أقلام أقطاب اللغة في المائة الخامسة من جليل ~~المعاجم: ~~(1) # الجامع لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز، المتوفى ~~سنة 412ه. ~~(2) # الموعب لأبي غالب تمام بن غالب المعروف بالتياني المتوفى سنة ~~336ه. ~~(3) # المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده المتوفى سنة 458ه، وقد تقدم ~~ذكره. # ومن أشهر ما ألف في هذه المائة على المسلك اللغوي: ~~(1) # فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي المتوفى سنة 429ه. ~~(2) # المخصص لابن سيده، وهو أجل ما ألف في بابه على الإطلاق. # وما كادت تدخل المائة السادسة حتى لم يبق للرواية شأن يذكر، وصار اعتماد الناس على ~~الكتب يتدارسونها ويعنون بضبطها وتحقيق ما فيها على الأشياخ، وغبروا على ذلك زمنا ~~إلى أن فترت الهمم فأخذوا يقرءون الشيء من الكتاب ويستجيزون رواية الباقي من غير قراءة، ~~وغبروا على هذا زمنا فصاروا يكتفون برواية الكتاب أو الكتب من غير أن يقرءوا شيئا على ~~المجيز وهكذا حتى لم يبق للضبط والتحقيق، ومن ثم كثر التصحيف والتحريف في كتب المتأخرين ms057 ~~مما لم يعهد عشر معشاره في كتب الأقدمين. # ومن أشهر معاجم اللغة في المائة السادسة: ~~(1) # تهذيب إصلاح المنطق لأبي زكريا التبريزي المتوفى سنة 512ه، هذب فيه ~~كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت، وفسر الغامض منه وأصلح ما رآه فيه من ~~الخطأ. ~~(2) # مفردات القرآن لأبي القاسم الحسين المشهور بالراغب الأصفهاني المتوفى ~~سنة 502ه وهو أجل ما ألف غاية في التحقيق وحسن الترتيب ~~والتبويب. ~~(3) # السامي في الأسامي لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني صاحب مجمع الأمثال، ~~المتوفى سنة 518ه. ~~(4) # شمس العلوم ودواء العرب من الكلوم لنشوار بن سعيد الحميري، المتوفى سنة ~~573ه، وهو من أحسن المعاجم شرحا للمعاني وإيضاحا للمقاصد ~~والمباني. ~~(5) # أساس البلاغة لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى سنة 538ه، ~~وهو أحسن كتاب ألف في بابه، ويشرح فيه الألفاظ بإدخالها في جمل هي غاية ~~في البلاغة، ويفصل استعمال الألفاظ على وجه الحقيقة ثم على وجه المجاز، ~~ولو كان فيه شيء من التوسع لما فضله معجم من المعاجم التي سلك فيها ~~مؤلفوها المسلك اللفظي. ~~(6) # الفائق في غريب الحديث للزمخشري المذكور. ~~(7) # كتاب الأمكنة والجبال والمياه له أيضا. # ثم دخلت المائة السابعة، ومن أشهر ما أخرجه فيها المؤلفون من المعاجم: ~~(1) # المغرب في ترتيب المعرب لناصر الدين المطرزي المتوفى سنة 610ه، وهو ~~كتاب جمع فيه المؤلف ما يستعمله الفقهاء من الألفاظ التي تحتاج إلى ~~تفسير. ~~(2) # كفاية المتحفظ لأبي إسحاق بن الأجدابي المتوفى في مفتتح السنة السابعة، ~~وكتابه هذا مرتب على المسلك المعنوي على نمط «فقه اللغة» للثعالبي. ~~(3) # العباب الزاخر واللباب الفاخر لرضي الدين الصغاني المتوفى سنة 650ه، ~~وهو كتاب غزير المادة وصل فيه المؤلف إلى باب الميم ولم يتمه، وقد جاء ما ~~تم منه في 20 جزءا، وله: ~~(أ) # كتاب التكملة والذيل والصلة، جمع فيه ما فات الجوهري وكتابه ~~هذا وأسماه ... ~~(ب) # مجمع البحرين، جاء في اثني عشر مجلدا، وله ... ~~(ج) # كتاب الأضداد، جمع فيه الألفاظ تدل على الشيء وضده. # وأشهر المعاجم التي جادت بها أقلام اللغويين في المائة ~~الثامنة: ~~(1) # لسان العرب لأبي الفضل محمد ms058 بن مكرم الأفريقي ويعرف بابن ~~منظور، المتوفى سنة 711ه. وهذا المعجم من أوثق المعاجم ~~وأجدرها بالاعتماد، وهو من أوسع ما وصل إلينا من المعاجم ~~المعتبرة. ~~(2) # المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد المقري ~~الفيومي المتوفى سنة 770ه، شرح فيه ما جاء من غريب الألفاظ ~~في شرح الوجيز في فقه اللغة الشافعية للرافعي فهو من قبيل كتاب ~~المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، قال في آخره: وكنت جمعت أصله ~~من نحو سبعين مصنفا ما بين مطول ومختصر. ~~(3) # مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، اقتصر ~~فيه على ما لا بد منه في الاستعمال ولا سيما ما يحتاج إليه في ~~شرح غريب بعض الآثار وضم إليه كثيرا من تهذيب الأزهري ~~وغيره. # ثم دخلت المائة التاسعة، وفيها ألف مجد الدين الفيروزبادي الشيرازي كتابه الذي أسماه ~~«القاموس المحيط والقاموس الوسيط الجامع لما في كلام العرب من شماطيط» واشتهر باسم ~~القاموس، وقد كان مؤلفه جعله مقدمة لمعجم واسع وسمه باللامع المعلم العجاب المجامع بين ~~المحكم والعباب يجيء في ستين سفرا كما أشار إلى ذلك مؤلفه في خطبة القاموس، ولشهرة ~~القاموس أخذ كثير من مؤلفي المعاجم ولا سيما الأعاجم منهم يطلقون هذا الاسم على كل ما ~~يؤلف في اللغة من الأسفار حتى صار اسم القاموس عندهم مرادفا لكلمة المعجم، ولبعد ~~صيته كثرت عليه الشروح والحواشي والتعاليق وأحاطه النقاد من كل جانب فأكثروا من القول ~~فيه له أو عليه، ولم يزل الأمر بين الأخذ والرد إلى أن جاء أبو الفيض السيد مرتضى ~~الزبيدي الحسني المتوفى سنة 1205ه فألف كتابه الجليل الذي وسمه باسم «تاج العروس في ~~شرح القاموس»، جمع فيه زبدة ما في معاجم اللغة المعتبرة من الألفاظ بأسلوب سهل وعبارة ~~واضحة، وكتابه هذا يعتبر آخر ما ألف في هذا العلم من المعاجم الموثوق بها والمعتمد ~~عليها، وقد طبع فجاء في عشرة أسفار ضخام. # هذا وقد ألف جماعة من المعاصرين معاجم أفرغوا جهدهم في تسهيل مواردها على ~~المراجعين، ولكن مادتهم اللغوية قصرت بهم ms059 عن الوصول بهذه المعاجم إلى الدرجة التي تكون ~~فيها موضع الثقة والاعتماد عند المحققين من اللغويين لهذا العهد، وهذه المعاجم معروفة ~~متداولة لا حاجة بنا إلى التوسع في شأنها. # هذا وقد كنا ذكرنا أن من المعاجم ما هو عام في جميع أبواب اللغة كالصحاح والقاموس، ~~ومنها ما هو خاص في موضوع كغريب القرآن والحديث، ومثلثات الكلام، والأضداد وغيرها، ولما ~~كان للقرآن الكريم والكلام النبوي المكان الأسمى في إنهاض اللغة والرفع من شأنها رأينا ~~أن نلم بتاريخ هذين الفرعين على سبيل الإجمال. ~~(12) مفردات القرآن # ولا نقول غريب القرآن لأن مدارسة القرآن على ~~ألسن الملايين من الناس منذ بدء الوحي إلى هذا العهد أخذت على الغرابة مجامع السبل فلم ~~تجد إليه سبيلا، ولا نجد لفظة من ألفاظه غير مألوفة الاستعمال ومعروفة المعنى واضحة ~~المغزى، وهل الغرابة في الألفاظ إلا كونها غير أليفة فيحتاج إلى معرفتها إلى التنقير ~~عنها في مطاوي المعاجم المبسوطة؟ وقديما عدوا الغرابة من عيوب الفصاحة فأنى لنا أن ~~نلصقها ببعض ألفاظ القرآن وقد أجمع الأولون والآخرون على أنه أفصح كلام عرفته اللغة ~~العربية منذ كانت في المهد إلى هذا العهد؟ # هذا، ولسنا بحاجة إلى بيان ما للقرآن من اليد ~~المشكورة والفضائل المذكورة على لغة العرب لأن هذا من أوائل البديهيات، فلقد كان القرآن ~~ولا يزال المعين الفياض لعلماء اللسان يردونه ظماء ويصدرون عنه رواء، ومن ثم توافروا ~~على ضبط مفرداته وتحرير لغاته واستقصاء حقائقه ومجازاته وتصاريحه وكناياته ودقائقه ~~ونكاته، وذلك لأن الناحية اللسانية هي أول ما يستقبل طالب علوم القرآن من القرآن، ولهذا ~~رأينا علماء الدين وطلاب اليقين يسيرون في هذه الناحية إلى جنب علماء اللغة كتفا لكتف ~~فأسفر هذا التآزر عن أحسن النتائج وأعظم الفوائد، ولا نذيع سرا إذا قلنا إن مفردات ~~القرآن كتراكيبه هي لب لباب كلام العرب وصفوة الصفوة منه، وأنها معتصم المتأدبين ومرجع ~~العلماء المحققين بل مثابة أمراء القول من المتقدمين والمتأخرين، ولله شيخ المعرة حيث ~~يقول في عرض كلام له في رسالة الغفران: «أجمع ms060 ملحد ومهتدي وناكب عن المحجة ومقتدي أن ~~هذا الكتاب الذي جاء به محمد # صلى الله عليه وسلم # كتاب بهر بالإعجاز ولقي عدوه بالإرجاز، ما حذي ~~على مثال ولا أشبه غريب الأمثال ... وأن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر ~~عليه المخلوقون فتكون كالشهاب المتلألئ في جنح غسق والزهرة البادية في جدوب ذات ~~نسق.» # ولا مرية في أن القرآن كان يخاطب العرب على وفق ~~مناهجهم في مخاطباتهم وخطاباتهم وتفاهمهم في أفرادهم وجماعاتهم، وكان الصحابة يعرفون ~~أكثر ما يرمي إليه من المعاني ويومي إليه من المغازي، وإذا غم عليهم شيء من ذلك ~~فزعوا إلى الرسول الكريم فينير إليهم السبيل، وأكثر ما يكون تساؤلهم عن الكلمات التي ~~تصرف القرآن في أوضاعها وحولها عن مجاريها الاعتيادية إلى معان جديدة لم تكن من ~~مألوف القوم قبلا مثل: القرآن والإيمان والكفر والصلاة والزكاة بمعانيها الشرعية، وقد ~~غبر الناس على هذا حياته ثم مدة حياة أصحابه من بعده، إلى أن فتح على العرب ممالك ~~العجم واختلطوا بحمرائها وصفرائها وبيضائها وسودائها، ومن ذلك أخذ الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا من بين فارسي ورومي ونبطي وحبشي وغيرهم من مختلف الألوان التي دانت لسلطان ~~الفاتحين، فاختلط القوم بالقوم بالمساكنة والمجاورة والمخاتنة والمصاهرة والمصاحبة ~~والمتاجرة، وبذلك تداخلت اللغات ونشأت ناشئة من صميم العرب في أحضان هذا التبلبل فجاءت ~~مختلفة السلائق مضطربة الألسنة، كما نبتت نابتة من أبناء الأعاجم لقنت من العربية ما ~~يسد حاجتها في المخاطبات والمحاورات، ومن هنا ذر قرن لغة أمشاج لا هي بالعربية الصافية ~~ولا العجمية الصرفة، ولم تفتأ هذه اللغة أن ملكت الهجين من ألسنة الدهماء واحتلت مكانة ~~ضيقت فيها على المعربة أنفاسها، وما كاد ينطوي بساط المائة الأولى للهجرة حتى بدت وجوه ~~الاختلال سافرة وظهر الاضطراب في عمود اللغة كل الظهور. # ومن هنا شعرت جمهرة القوم بمسيس الحاجة إلى الاستفسار عن كثير من ألفاظ القرآن الكريم ~~واستجلاء معانيها التي كان أسلافهم يدركون مراميها بحكم سلائقهم، لأنها من نوع ما كانوا ~~به يتفاهمون ms061 وعلى نمط ما به ينثرون وينظمون. ولما رأى عقلاء الأمة وأهل العلم استرسال ~~أمر الاختلال وتفاقم الاضطراب والاختبال، استفزتهم الحمية وأهابت بهم الغيرة فانصرف ~~فريق منهم لرأب الصدع وسد الثغر. وأول من بلغنا أنه جمع شيئا في تفسير بعض مفردات ~~القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 209ه، فقد ذكروا أنه ألف في هذا كتابا ~~أسماه «المجاز في غريب القرآن» وآخر أسماه «معاني القرآن»، والمراد بمعاني القرآن تفسير ~~مفرداته وهو اصطلاح معروف عند المتقدمين، وحيث رأيت في كتاب علوم القرآن «قال أهل ~~المعاني» فالمراد بهم مصنفو الكتب في مفردات القرآن، ونجد في فهرس كتب الأصمعي كتابا ~~اسمه «غريب القرآن» والأصمعي من معاصري أبي عبيدة وتأخر عنه قليلا. # ثم أقبل أهل العلم على التأليف في هذا الموضوع حتى لا يكاد يقع نظرك على فهرس من ~~فهارس أئمة اللغة إلا وتجد صدره متحليا باسم كتاب في هذا المعنى، منهم: الزجاج، ~~والفراء، ومحمد بن القاسم الأنباري، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد وغيرهم خلق كثير، وكان ~~من أجمعها كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 223ه. وكانت الكتب المصنفة في ~~هذا الفرع عارية من الترتيب غفلا من التبويب، وكانت بالمعاجم اللغوية أشبه منها بالكتب ~~ذات الفصول والأبواب. واستمر الأمر على ذلك إلى أن جاء أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني ~~المتوفى سنة 330ه، فألف كتابه المشهور «نزهة القلوب» ورتبه على حروف المعجم ترتيبا ~~لم يسبق إليه، فبدأ بالهمزة المفتوحة وثنى بالمضمومة وثلث بالمكسورة، وهكذا فعل ~~بسائر حروف المعجم على الترتيب المشهور، وهذا الكتاب على صغر حجمه من أتقن ما ألف من ~~نوعه، وقد قيل إنه أقام في تأليفه خمس عشرة عاما يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري، ~~وكان يتعهده بالتصحيح والتجويد بين حين وآخر. # ولم تزل التآليف في هذا الباب آخذة في الاتساع من حيث الكمية والإجادة من حيث ~~الكيفية، إلى أن جاء أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى سنة 401ه وصنف كتابا ~~كبيرا جمع فيه بين غريب القرآن والحديث ms062 ورتبه على حروف المعجم، فاستخرج الكلمات ~~اللغوية التي تحتاج إلى تفسير وتوضيح وأثبتها في حروفها وذكر معانيها فإذا أراد الإنسان ~~كلمة وجدها في حرفها من غير تعب، فجمع كتابه هذا بين دقة التحقيق وجودة الترتيب ~~والتبويب، ولذلك اعتمد عليه الناس من بعده وأكثروا عليه من الاستدراكات والتعليقات ~~والإضافات. إلى أن جاء الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المدني الأصفهاني، فصنف كتابا ~~جمع فيه ما فات الهروي من الغريب وسلك في وضعه مسالك الهروي فجاء مماثلا له حجما ~~وفائدة. وغبر الناس يعتمدون على هذين الكتابين الجليلين وما سبقهما من الكتب المهمة، ~~إلى أن جاء أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل المعروف بالراغب الأصفهاني المتوفى ~~سنة 502ه، فألف كتابه «مفردات ألفاظ القرآن» مرتبا على حروف الهجاء مقدما ما أول ~~أصوله الهمزة ثم الباء إلى آخر حروف المعجم، مشيرا إلى المناسبات التي بين الألفاظ ~~المستعارة والمشتقة، فجاء كتابه هذا من أحسن ما ألف في بابه من حيث: غزارة المادة، ~~وكثرة التحقيق، وحسن الاختيار، وبعد النظر. فهو في نظرنا أفيد معجم يرجع إليه الطالب ~~في تحقيق معاني الألفاظ القرآنية، وعليه اعتمد البيضاوي في تحرير تفسيره من ناحية معاني ~~الألفاظ وأصول اشتقاقها، ولم نعرف من بعده كتابا يفضله في موضوعه. هذا، ومن الواضح أن ~~المؤلفين في هذا الفرع يستقون حاجتهم من المعين الذي تستقي منه اللغة العربية على ~~العموم، زيادة على استعانتهم بالأحاديث النبوية وآثار الصحابة كالمنقول عن ابن عباس ~~وأصحابه والآخذين عنه، فإنه ورد عنهم في هذا الباب الشيء الكثير الجدير بالاعتماد تجد ~~ذلك منثورا في كتب التفسير ودواوين اللغة، وقد أحصى منها جلال الدين السيوطي في كتاب ~~«الإتقان» ما يقرب من ثمانمائة كلمة مع تفسيرها على طريق الإيجاز. ~~(13) غريب الحديث # لا تعرف العربية بعد القرآن الكريم كلاما يسامي الكلام النبوي أو يدانيه فصاحة ~~ومبنى وبلاغة وجمال أسلوب وجلال قدر وبراعة تركيب وروعة تأثير، وإنه لكما يقول شيخ ~~الكتاب أبو عثمان الجاحظ: «لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أصدق لفظا، ms063 ولا ~~أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا ~~أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه # صلى الله عليه وسلم ~~، ورب قائل يقول: إذا كان الأمر على ~~ما وصفت فمن أين تسللت الغرابة إلى بعض ألفاظه، وتطرق التعقيد إلى بعض معانيه، والغرابة ~~لا تساكن الفصاحة والتعقيد لا يجاور البلاغة؟! فنحن نقول: إن الكلام النبوي منزه عن ~~التعقيد والغرابة بالمعنى الذي يريده المتأخرون من علماء البيان لأنهم لا يريدون بذلك ~~إلا الخروج عن جادة المألوف من الألفاظ بالنسبة إلى المتكلم والمخاطب، فإذا كان اللفظ ~~من مألوف المخاطبين فليس لأحد أن يسمه بسمة الإغراب أو يصمه بوصمة الإبهام وإن كان غير ~~مألوف عند غير المخاطبين به من الناس، إذ الاعتبار في هذا الباب مقصور على من يتوجه ~~إليه الخطاب دون غيره، ولو ذهبنا في تفسير الإغراب والتعقيد عند البيانيين غير هذا ~~المذهب وقلنا من شرط الفصاحة في الكلام أن يكون عاريا من كل لفظ غير مألوف للناس ~~أجمعين في كل زمان ومكان؛ لما وجدنا كلاما للمتكلم من عرب الجاهلية وصدر الإسلام يستحق ~~أن نخلع عليه حلة الفصاحة ضافية أو غير ضافية، لأنا لا نعرف لهم كلاما منثورا أو ~~منظوما يخلو من ألفاظ غير مألوفة بالنسبة للأجيال المتأخرة، تدفع السامع أو القارئ ~~منهم إلى استنطاق دواوين الأدب ومعاجم اللغة والاستنجاد بالشروح والتعاليق. # والحقيقة أن الغرابة نسبية تختلف باختلاف الناس والزمان والمكان، فرب لفظ يكون ~~شائعا دائما عند قوم وعديم الاستعمال قليله عند آخرين، ورب لفظ يكون معروفا مألوفا ~~في زمان أو بلد ومنكورا مجهولا في زمان أو بلد آخر. # هذا، واعلم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يشافه العرب ويكاتبهم أفرادا وجماعات، وكانوا على ~~ما تعلم من اختلاف اللون واللغات وتباعد المواطن واللهجات، وكان يخاطب كل قوم بلغتهم ~~وعلى أسلوب تفاهمهم وإن كان ما يكلمهم به غير معروف تمام المعرفة عند قومه وأهله، بل قد ~~تجهله قبائل معد كلها، فقد روي أن عليا ms064 كرم الله وجهه قال للنبي # صلى الله عليه وسلم # وقد سمعه ~~يكلم وفد بني نهد بلحنهم: «يا رسول الله، نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا ~~نفهم أكثره»، فقال له: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.» ومن يرجع إلى أسفار قبائل العرب غير ~~العدنانية يأخذه العجب مما أوتيه الرسول الكريم من البسطة في البلاغة وسعة الاطلاع ~~على مختلف لغات الجمهرة من قبائل مضر، فلا نحكم على هذه الألفاظ بالغرابة المطلقة بل ~~علينا أن نبحث عن مواردها ونقف على ما تكتنفها في زمان ومكان، وبذلك نصل إلى أنها ~~قيلت في موضعها ووقعت في موقعها بحيث لو حل محلها غيرها مما نسميه مألوفا الآن ~~لوسم بسمة الإغراب والإندار. # ثم إن كثيرا من الكلام النبوي نقل إلينا بالمعنى دون الألفاظ، والنقلة أكثر من ~~أن يحصوا عدا وهم مختلفو الأنساب قبيلة وبلدا منهم القرشي والكناني والبكري ~~والتغلبي، ومنهم الهمداني والكندي والقضاعي والزبيدي، ومنهم المكي والمدني والحضرمي ... ~~إلخ. # فإذا نقل أحدهم الحديث بالمعنى كان اللفظ له وعلى أسلوب كلام قومه وأهل بلده، ومن هنا ~~ينكشف لنا السر في ورود بعض الأحاديث على نمط لم يكن مألوفا في لغة أهل الحجاز وإن كان ~~الخطاب معهم، وما ذلك إلا لأن اللفظ لبعض الرواة وهم غير حجازيي القبيلة أو البلد، وهذا ~~هو السر أيضا في أن المتقدمين من النحاة لم يجعلوا الحديث أساسا في الاستشهاد لتقرير ~~قواعد النحو واستخراج مسائله. وأول من وسع دائرة الاستشهاد به وعول عليه في إثبات ~~القواعد وتقرير المسائل إمام المتأخرين من النحويين محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي ~~المتوفى سنة 622ه، والحق معه لأن المتقدمين الأولين من نقلة الحديث معظمهم ممن كلامه ~~حجة في العربية، فإذا أبدلوا بعض ألفاظ الحديث بألفاظ من عندهم فليس معنى ذلك أنهم ~~خرجوا به عن العربية المعربة إلى غيرها. # ولنرجع إلى ما نحن بصدده من الكلام في تاريخ علم غريب الحديث فنقول: أول من جمع في ~~هذا العلم شيئا أبو عبيدة معمر بن المثنى، جمع فيه ms065 كتابا صغيرا ذا أوراق معدودات ~~لأنه مبتدئ ولأن في الناس إذ ذاك بقية وغصن اللغة لم يزل وريقا، فلم تكن الحاجة ماسة ~~إلى الكثير مما يعده المتأخرون غريبا لأنه لم يكن إذ ذاك بالغريب. # ثم جاء النضر بن شميل المازني فجمع في ذلك كتابا أكبر حجما من كتاب أبي عبيدة وأوسع ~~فيه الشرح والإيضاح، ولكنه لم يخرج عن أن يعد من المختصرات. # وألف الأصمعي كتابا أربى فيه على كتاب أبي عبيدة من حيث المادة والتبسط في البيان ~~والتوضيح، ثم إن كثيرا من أئمة اللغة جمعوا طوائف من الأحاديث وتكلموا على لغتها ~~ومعناها، وهم في الغالب يتواردون على الحديث الواحد فيشرحه كل على مبلغه من العلم ولم ~~يكد أحدهم ينفرد عن غيره بالشيء المهم. # وغبر الناس على هذا إلى أن جاء أبو عبيد القاسم بن سلام فألف كتابه المشهور في هذا ~~الموضوع، وجمع فيه من الأحاديث والآثار ما لم يجتمع في كتاب من قبله، وقد روي عنه أنه ~~كان يقول: «جمعت كتابي هذا في أربعين سنة فهو خلاصة عمري.» وقد انتشر هذا الكتاب وذاع ~~صيته لذلك العهد واعتمد الناس عليه في موضوعه. # فلما كان عصر عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ورأى ما عليه الناس من الاعتماد على ~~كتاب أبي عبيدة، ووجد أن هذا الكتاب لم يأت على معظم الأحاديث وأكثر الآثار تحتاج إلى ~~الإيضاح والتبيين؛ عمد إلى تأليف كتاب جمع فيه ما أغفله أبو عبيدة في كتابه ونحا فيه ~~ما نحاه من طريقة التفسير والشرح. وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي معاصرا لابن قتيبة، ~~فألف كتابا واسعا جمع فيه الشيء الكثير من الأحاديث والآثار وبسط القول وأطال ~~الشرح، ولكن الناس زهدوا في هذا الكتاب لأن المؤلف أطاله بذكر الأحاديث بطرق أسانيدها ~~وذكر متونها من أولها إلى آخرها، ولم يكن في بعضها إلا الكلمة والكلمتان مما يحتاج إلى ~~الشرح والتفسير. # ثم تتابع الأئمة على التأليف في هذا العلم وأقبلوا عليه أيما إقبال فقلما نجد كبيرا ~~من كبراء أهل هذا العلم إلا ms066 وله شيء في هذا الباب، مثل شمر بن حمدويه، وأبي العباس ~~ثعلب، وأبي العباس المبرد، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي عمر الزاهد المعروف بغلام ثعلب ~~وغيرهم. # ثم جاء الإمام أبو سليمان أحمد أو «حمد» بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة ~~386ه، فألف كتابا سلك فيه مسلك أبي عبيد وابن قتيبة، ولكنه قصره على ذكر ما لم ~~يورداه في كتابهما فجاء كنحو من أحدهما حجما. # وغبر الناس زمنا يتداولون هذه الأمهات الثلاثة ويعولون عليها في بابها، ولكن هذه ~~الكتب وما قبلها - ما عدا كتاب الحربي - لم تكن مبوبة تبويبا يسهل على الناس ~~المراجعة، وفي هذا ما فيه من العناء على المراجعين فإذا أراد المرء معرفة كلمة غريبة ~~وردت في أحد الأحاديث لا يهتدي إليها إلا بعد جهود كثيرة، زيادة على أنه لا يدري ~~الحديث المطلوب في أي الكتب الثلاثة هو فيحتاج إلى استقرائها واحدا واحدا. فلما كان ~~عصر أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي - وكان معاصرا للخطابي - ألف كتابه المشهور في ~~غريب القرآن والحديث، ورتبه مقفى على حروف المعجم على ما قلناه في مفردات القرآن، وقد ~~جمع في كتابه هذا ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة وغيرهما، وأضاف إلى ذلك ما تتبعه ~~بنفسه مما لم يرد في كتب من تقدمه. # ثم جاء الإمام محمود بن عمر الزمخشري المتوفى ~~سنة 538ه، فألف كتابه «الفائق» ورتبه على حروف المعجم، ولكنه عندما يريد شرح كلمة غريبة ~~من حديث يشتمل على أكثر من كلمة غريبة يورد الحديث كله أو بعضه ويشرح كل ما فيه من ~~الغريب، وبذلك يشرح كثيرا من الكلمات في غير حروفها فيعسر على المتتبع العثور على ~~مطلوبه بالسرعة، ولذلك لم يشتهر كتابه اشتهار كتاب الهروي مع ما أودعه من الحقائق ~~اللغوية والتدقيقات العلمية. # وجاء أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصفهاني فألف كتابه في الغريبين، جمع فيه ~~ما فات الهروي من غريبي القرآن والحديث على ما علمت في الكلام على غريب القرآن. # وألف أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتابه ms067 في الغريب، نهج فيه نهج الهروي بل هو ~~كالمختصر منه. # وكان من معاصريه العلامة أبو السعادات المبارك ~~بن محمد المعروف بابن الأثير الشيباني الجزري المتوفى سنة 606ه، فرأى أن أحسن ما ~~يرجع إليه في هذا الشأن كتابا الهروي وأبي موسى المذكورين، وقد رأى أن الإنسان إذا ~~أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه وإلا طلبها من ~~الكتاب الآخر، وهما كتابان كبيران في مجلدات، فعمد إلى جمع ما فيهما من غريب الحديث ~~مجردا من غريب القرآن، وأضاف كل كلمة إلى أختها تسهيلا لكلفة الطلب، وقد ضم إليهما ~~الشيء الكثير مما لم يوفقا إليه من غرائب الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم وغيرهما من الكتب ~~المدونة في أول الزمان وأوسطه وآخره ومن كتب اللغة على اختلافها. وقد سلك طريقة ~~الكتابين المذكورين في الترتيب والتبويب على حروف المعجم، ملتزما الحرف الأول والثاني ~~من كل كلمة وإتباعهما بالحرف الثالث منها، ناظرا إلى الحروف الأصلية من الكلمة دون ~~الزوائد، وإنه كثيرا ما يعتبر الحروف الزائدة في أوائل بعض الكلمات بمثابة الحروف ~~الأصلية تسهيلا على الطلاب ولا سيما الذين لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد، على ~~أنه عندما يذكر ذلك ينبه على أصل الكلمة لئلا يظن ظان أن الزائد أصلي فيختلط عليه ~~الأمر، وأسمى كتابه هذا «النهاية في غريب الحديث والأثر» وهو أجل كتاب ألف في هذا ~~العلم وأجمعه وعليه الاعتماد في فنه وقد صار مستمدا لمؤلفي المعاجم اللغوية من بعده، ~~ولا نعرف أن أحدا ألف بعده كتابا يساويه أو يقاربه. غير أن جلال الدين السيوطي ~~المتوفى سنة 911ه كان قد لخص هذه النهاية في كتاب أسماه «الدر النثير في تلخيص نهاية ~~ابن الأثير»، وقال إنه ضم إلى كتابه هذا كثيرا مما فات صاحب النهاية، ومن وقف على ~~النهاية ثم وقف على هذا الكتاب لم يرق لنظره الرجوع إليه مرة أخرى، لأن جلال الدين ~~السيوطي بتلخيصه هذا ذهب برونق الأصل وجماله وضيق منه واسعا فسيحا. هذا، وإنما تزاحمت ~~أقلام أهل العلم في ms068 باب غريب الحديث أكثر من ازدحامها في باب مفردات القرآن؛ لأن ~~الأحاديث الآثار فسيحة الرقعة منتشرة الأطراف واسعة الأرجاء وقلما توفق العالم المبرز ~~إلى استقصاء أكثرها، فيأتي عالم آخر من بعده فيستدرك عليه كثيرا مما فاته، ثم يأتي ~~ثالث فيستدرك على الثاني وهكذا على ما علمت فيما مر، بخلاف القرآن الكريم فإنه مجموع ~~بين دفتيه متواتر بكل ما في معنى التواتر من قوة، وبهذا يسهل على أهل العلم استقصاء كل ~~ما فيه من المفردات. فلم يبق إلا اختلاف أنظارهم في تفسير بعض الكلمات، واختلافهم في ~~إيجاز الشروح أو الإطناب فيها، واختلاف أذواقهم في الترتيب والتبويب والتنقيح والتهذيب ~~وهذه أمور ليست من الصعوبة بمكان. بخلاف ما يعانيه المؤلفون في غريب الحديث من التتبع ~~الكثير والاستقراء الواسع، هذا ابن الأثير بعد أن وقف على ما وقف عليه من جهود العلماء ~~في هذا الباب، واستقرى ما وصل إليه جهده من المصنفات الكثيرة في الحديث والآثار؛ تجده ~~مع ذلك كله يقول في خطبة نهايته: «كم يكون قد فاتني من الكلمات الغريبة التي تشتمل ~~عليها أحاديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه وتابعيهم جعلهما الله ذخيرة لغيري يظهرها على ~~يده ليذكر بها، ولقد صدق القائل: كم ترك الأول للآخر؟» يقول هذا وهو من هو في غزارة ~~العلم وسعة الاطلاع وطول الباع في علوم الشريعة وفنون الآداب. ~~(14) النحو # قلنا في تاريخ علم اللغة إن انبساط العرب في الأرض على عدان نهضتهم المعروفة دفع ~~بلغتهم إلى الاحتكاك بلغات الأمم المختلفة، فأخذ اللحن يدب في عروقهم والعجمة تسري في ~~أطرافها، وإن أول ما منيت به الاضطراب في إعرابها والاختلاف في نظام تركيبها، ~~والإعراب أجمل حلية تتحلى به لغة مضر وأنفس أعلاقها وأجلى مميزاتها وأجل مفاخرها، فعز ~~على أبنائها وذويها أن تصاب على مرأى منهم ومسمع وهم عنها لاهون، فهب فريق من عقلائهم ~~وأهل المواهب فيهم حفزتهم الحمية القومية والغيرة الدينية والحنكة السياسية إلى بذل ~~الجهد في نصرتها وتعزيز جانبها. وكان مجلي الحلبة في هذا المضمار أبو الأسود ms069 الدؤلي ~~الكناني أحد أعلام التابعين، فعل ذلك بإشارة أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان أبو الأسود من أعلام شيعته وأنصاره، فعمد أبو الأسود ~~إلى ضبط بعض القوانين واستقراء بعض الأبواب، وكتب في ذلك صحيفته المعروفة عند النحاة ~~ب «التعليقة»، وهي أول صحيفة دونت في علوم اللسان العربي. # واختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلمون منه القواعد التي وضعها وأطلق عليها اسم ~~«النحو»، وتخرج به في هذا العلم جماعة كان من أنبههم: ابنه عطاء، ويحيى بن يعمر ~~العدواني، ونصر بن عاصم الليثي، وميمون الأقرن، وعنبسة بن معدان الفيل. ثم تخرج بهذه ~~الطبقة جماعة وبهؤلاء آخرون على ما عرفناه في تاريخ علم اللغة. ولم يزل أمر هذا العلم ~~في توسع إلى أن كان عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي فجمع متفرقه، وفصل قواعده، وأكمل ~~أبوابه، وهذب مسائله، وبالجملة فإن الخليل يعد أمة في علوم اللسان العربي. # وأخذ النحو عن الخليل جماعة من أنبههم سيبويه، وقد ألف كتابه الذي أسماه «قرآن ~~النحو»، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل، فإذا جاء في كتاب سيبويه لفظ «حدثني» أو «قال ~~لي» أو «أخبرني» أو نحو ذلك من غير ذكر أحد فإنه يريد الخليل. ~~(14-1) البصريون والكوفيون # إن أبا الأسود وإن كان كوفي المولد إلا أنه بصري النشأة، وفي البصرة وضع حجر ~~الزاوية في أساس علم النحو، وكان تلامذته من أهلها وكذلك تلامذتهم، ولم يزل النحو ~~ربيبا للبصريين ينتقل في حجور أئمتهم زمنا قبل أن عرفه الكوفيون ... وأول من عرف ~~النحو من الكوفيين شيبان بن عبد الرحمن التميمي المتوفى سنة 164ه، وكان في الأصل ~~من ثقات البصريين ولكنه هاجر إلى الكوفة واتخذها دار إقامة له، وهو من تلاميذ أبي ~~عمرو بن العلاء، ومن أخذ عن أبي عمرو من الكوفيين أبو جعفر الرؤاسي، وكان معظما ~~عندهم وحجة لديهم، ويقولون إن كثيرا من علومهم وقراءاتهم مأخوذة عنه، وهو أول من ~~وضع كتابا في النحو من الكوفيين وقد أسماه «الفيصل»، قيل: «إن كل ما في كتاب ~~سيبويه من قوله: ms070 «وقال الكوفي كذا» إنما عنى به الرؤاسي هذا.» # وكان عمه معان بن مسلم الهراء معاصرا له وهو نحوي مشهور، وهو الذي أبدع التصريف ~~على ما سوف تعلمه. وتخرج بهذين الإمامين جماعة أشهرهم وأنبههم علي بن حمزة الكسائي، ~~وكان حضر في حلقة الخليل بن أحمد، وضرب في البوادي سنين كثيرة يأخذ عن أقحاح ~~الأعاريب وفصحائهم إلى أن استوى إماما غير مدافع، وإليه انتهى علم العربية ~~والقراءات بالكوفة، وهو الذي رسم للكوفيين الحدود التي احتذوا أمثلتها وخالفوا فيها ~~البصريين وكان عندهم كالخليل عند البصريين، ومن هنا انماز نحو الكوفة عن نحو ~~البصرة، وبدأ التدافع والتنازع بين الفريقين. ومن أشهر أمثلة ذلك المناظرة التي ~~دارت بين إمامي المصرين الكسائي وسيبويه في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وتحرير ~~الخبر: أن سيبويه قدم على البرامكة وافدا، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي ~~فجعل لذلك يوما، فلما حضر سيبويه تقدم إليه تلميذا الكسائي خلف والفراء، فسألاه ~~مسائل عن قول العرب: «وقد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو ~~فإذا هو إياها؟» فقال سيبويه: «فإذا هو هي، ولا يجوز النصب ...» وسأله عن أمثال ذلك ~~نحو: «خرجت فإذا محمد القائم أو القائم؟» فقال سيبويه: «كل ذلك بالرفع»، وقال ~~الكسائي: «العرب ترفع كل ذلك وتنصبه»، فقال يحيى البرمكي: «قد اختلفتما وأنتما ~~رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟» قال له الكسائي: «هذه العرب ببابك قد سمع منهم ~~أهل البلدين، فيحضرون ويسألون» فأحضروا فوافقوا الكسائي. # وإيضاح هذا أن العرب تقول: خرجت فإذا هاشم واقف أو واقفا، فالرفع على الخبرية ~~وهو الأكثر، وعليه قوله تعالى: # هي حية تسعى ~~، # فإذا هي شاخصة أبصار ~~، # فإذا هي بيضاء للناظرين ~~، # فإذا هم خامدون ~~... والنصب على الحالية وهو قليل. ~~وإذا قيل: خرجت فإذا هاشم الواقف وجب الرفع وامتنع النصب عند البصريين، لأن من شروط ~~الحال عندهم أن تكون نكرة «والواقف» هنا معرفة، ومثل ذلك قولهم: «فإذا هو هي» فلا ~~يجوز عندهم الإتيان بضمير النصب وهو «إياها» بدل ضمير الرفع وهو «هي» لأن ms071 «إياها» ~~لا يصلح أن يكون حالا لأنه معرفة بل هو من أعرف المعارف، ولأنه غير مشتق وشرط ~~الحال عندهم أن تكون مشتقة ... # أما الكوفيون فيستندون في قولهم هذا على السماع وإن كان قليلا، والبصريون ~~يرجعون ما سمع من ذلك إلى ما اشترطوه بضروب التأويل، معروفة عندهم ومبثوثة في ~~كتبهم. # ومن هذا تعلم أن سيبويه اعتمد في جوابه على قاعدة أهل بلده والكسائي انتصر عليه ~~بسماعه عن أعرابه، وهذه المسألة هي المشهورة عند النحاة ب «الزنبورية»، وإليها أشار ~~الأديب أبو الحسن حازم بن محمد الأنصاري الأندلسي المتوفى سنة 684ه في منظومته ~~المشهورة: # والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا # إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما # وربما نصبوا للحال بعد إذا # وربما رفعوا من بعدها ربما # فإن توالى ضميران اكتسى بهما # وجه الحقيقة من إشكاله غمما # 1 # لذاك أعيت على الأفهام مسألة # أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما # 2 # قد كانت العقرب العوجاء أحسبها # قدما أشد من الزنبور وقع حما # 3 # وفي الجواب عليها هل إذا هو هي # أو هل هو إياها قد اختصما # وخطأ ابن زياد وابن حمزة في # ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما # 4 # وغاظ عمرا علي في حكومته # يا ليته لم يكن في أمره حكما # 5 # كغيظ عمرو عليها في حكومته # يا ليته لم يكن في أمره حكما # 6 # والغبن في العلم أشجى محنة عرفت # وأبرح الناس شجوا عالما هضما # وهذه الحادثة أوضح مثال ينماز به أحد المذهبين عن الآخر، فإن البصري يبني قاعدته ~~على الأغلب الشائع ويرمي ما وراءهما من الشاذ والنادر ناحية، أو يجتهد في إرجاعها ~~إلى قاعدته بضرب من التأويل والتوجيه، أما الكوفي فيسمع الشاذ أو النادر ويجعلهما ~~أصلا يقيس عليه غيره، فكثير مما يعتبره البصريون شاذا أو نادرا يعتبره الكوفيون ~~قاعدة وأصلا، وبذلك تنتشر المسائل وتتسع دائرة الجواز. أضف إلى ذلك أن البصريين لا ~~يعتمدون في التأصيل والتفريع إلا على العرب الموثوق بعربيتهم من الذين توقحت ~~سلائقهم وابتعدت عن الحواضر مضاربهم، بخلاف الكوفيين فإنهم قد ms072 يعتمدون على من كان ~~يجاور مصرهم من الأعاريب الذين خارت سلائقهم واختبلت ألسنتهم لكثرة تردادهم إلى ~~الحواضر واختلاطهم بالأكرة من الأنباط. فالبصريون لا يرون الأعراب الذي يحكي عنهم ~~الكوفيون حجة وكانوا يعيرونهم بهذا ويقولون لهم: «أخذتم عربيتكم عن باعة اللبن ~~وأكلة الكوامخ، ونحن أخذنا عربيتنا عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع.» زد على هذا ~~وذاك أن جماعة من رواة الشعر الكوفيين كانوا يصنعون الشعر وينسبونه إلى غير أهله، ~~وعلى رأس هذه الجماعة المفتعلة حماد بن هرمز الديلمي اللحانة المصحف الكذوب، ~~وكان النحاة من أهل الكوفة يعتمدون على هذا النوع من الشعر المختلط ويستشهدون به ~~على تقرير قواعدهم وتأييدها، وهذا ما حمل البصريين على طرح نحو الكوفيين والاستخفاف ~~به ، زيادة على اضطرام أوار المنافسة بين علماء المصرين من أول يوم. ولا يعلم أن ~~أحدا من البصريين أخذ شيئا من النحو عن الكوفيين ولا روى عنهم شيئا من الشعر ~~يعتمد عليه في الشاهد، إلا ما كان من أبي زيد الأنصاري البصري فإنه روى عن المفضل ~~الضبي الكوفي لثقته في الشعر وأمانته ... # على أن البصريين في تحرجهم وكثرة تشددهم ضيقوا على العربية صدرها الواسع في كثير ~~من المواطن التي تتطلب سعة وانبساطا، ولا يتسع هذا الباب للإفاضة في هذا، وسنفرد ~~له فصلا برأسه في غير هذا المكان إن شاء الله تعالى ... # وانتهت رئاسة الكوفية من بعد الكسائي إلى يحيى بن زياد الفراء، وكان أخذ علمه عن ~~الكسائي وهو عمدته وأخذ عن أعراب وثق بهم وعن يونس من البصرية، وكان المأمون قد رسم ~~أن تفرد له حجرة من حجر دار الحكومة ووكل به من يكفيه كل حاجته وعين له الوراقين ~~وألزمه الأمناء والمنفقين وأمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، ~~فكان يملي والوراقون يكتبون حتى أتم تصنيف كتابه المعروف بكتاب الحدود وجمع فيه ستة ~~وأربعين حدا في النحو وألف كتبا أخرى، وكان يتفلسف في تصانيفه، وكان الكوفية ~~يلقبونه «أمير المؤمنين في النحو». # ولما أنشئت بغداد وصارت حاضرة الخلافة وعاصمة آل ms073 عباس وراجت فيها سوق ~~الآداب، كان الكوفيون أسبق الناس إليها لمكانة الكوفة من بغداد من الوجهتين ~~السياسية والجغرافية، ولهذا وجدنا أن علماء الكوفة اتصلوا بقصور الخلفاء والأمراء، ~~واحتلوا الصدور من حلق تدريسها ومحافل آدابها، فكان الكسائي عند الرشيد والفراء عند ~~المأمون بالمكانة السامقة، وكان مذهب الكوفية ما علمت من التساهل في التأصيل ~~والتفريع، ومن ثم وجدنا تلاميذهم من البغداديين مولعين بالروايات الشاذة، يتفاخرون ~~في النوادر ويتباهون بالترخيصات واعتمدوا على الفروع ولم يأبهوا للأصول، ومن هنا ~~تولد مذهب مضطرب النواحي كثير التعاريج عرف بمذهب البغداديين، ولما كان هذا ~~المذهب أحط من أبيه الكوفي طرحه الجمهور وما أقاموا له وزنا. # ثم تكاثر الناس حول موارد هذا العلم وازدحمت أقدامهم في جنباته، وتكاثرت فيه ~~التصانيف ما بين مطولة ومختصرة، وبين عامة مشتملة على جميع أبوابه وخاصة مقتصرة على ~~باب أو بضعة أبواب، وكثر الأخذ والرد بين أرباب المذاهب من البصرية والكوفية ~~والبغدادية، وطال اللجاج وكثر الحجاج وتمطت الأبواب والفصول وانتشرت المسائل ~~واشتبكت الفروع. وبينما الناس في هذه الضجة في المشرق، كان النشاط آخذا مأخذه في ~~تكوين الدولة الأندلسية في المغرب، وقد أولع ملوك هذه الدولة واشتدت رغبتهم في ~~تنشيط الحركة الأدبية وتعزيز جانبها، اقتفاء لآثار أوليهم في شاماتهم وإحياء ~~لمآثرهم في أيام زهوهم ومباراة لأبناء عمهم في بغدادهم، فكان همهم تقريب أهل الأدب ~~والحدب عليهم والحرص على تكريمهم وتبجيلهم، وقد أداروا لهم أخلاف النعم حافلة ~~وخلعوا عليهم حلل الفواضل ضافية، مما زاد في إقبال الناس على المعارف يردون ~~حياضها، ويرتشفون زلالها، ويرتادون رياضها، ويتفيئون ظلالها ... فأنجبت تلك المملكة ~~جماعات من فطاحل علماء العربية، رجعوا إلى ما أصله العراقيون من الأصول وما ~~فرعوه من الفروع فأطالوا النظر فيه، ووقفوا على ما بين البصرية والكوفية من خلاف ~~ووفاق وما يستند إليه كل فريق من رواية ودراية، وتهيأ لهم ما لم يتهيأ لغيرهم من ~~الاطلاع على مرويات المشارقة كلها من منظوم القول ومنثوره. # وكان جل اعتمادهم على مذهب البصرية، ومع ذلك فإنهم شقوا لهم طريقا واضحة ms074 ~~تنسب إليهم، وهي من أقوم الطرق وأتقنها لأنها لم تنحرف عن البصرية إلا عندما ~~تنحرف البصرية انحرافا لا تستسيغه الدراية ولا تدعو إليه الرواية. # ولم يزل هذا المذهب آخذا في التوسع مع تعهده بالصقل والتهذيب وحسن التفصيل ~~والتبويب، إلى أن طغى سيل الإفرنجة على تلك الربوع وفجعت سماؤها بشموسها ~~وأقمارها، فولى علماؤها وجوههم شطر المشرق وفضلوا الجلاء عن الأوطان على الوقوع في ~~شباك الهوان، فتكاثر في المشرق عديدهم وازدانت مدارسه بمعارفهم، وأخذ مذهبهم يزاحم ~~مذاهب المشارقة ولا سيما في دمشق والقاهرة، حتى احتل الصدور ولا سيما في العصور ~~المتأخرة. # هذه المذاهب الأربعة هي المذاهب الكبرى في هذا العلم، وإليها المرجع في حل ~~المشكلات وإيضاح المعضلات، وإلا فهناك مذاهب كثيرة يكاد عددها يتعسر على العادين ~~إذ لكل إمام في الحقيقة مذهب خاص به يخالف فيه غيره ولو من بعض الوجوه، فلسيبويه ~~آراء يخالف فيها شيخه الخليل، وللأخفش الأوسط آراء يخالف فيها شيخه سيبويه، وللفراء ~~مذهب ينحرف عن مذهب الكسائي في غير ما موطن. وهكذا نجد لكل عالم من علماء العربية ~~آراء تخصه تكثر أو تقل حسبما أوتيه من بسطة في العلم وقدرة على الإبداع، ولكن مرجع ~~هذه المذاهب المختلفة إلى تلك الأمات الأربع، وأصول هذه الأربعة اثنان: البصرية ~~والكوفية، أما مذهب البغدادية فمرجعه الكوفية وأما مذهب الأندلسية فمرجعه ~~البصرية. # وقد أفرد بعض العلماء مسائل الخلاف بين هذين الفريقين بالتأليف وأحصى في ذلك مائة ~~مسألة ونيفا أوردها جلال الدين السيوطي في كتاب «الأشباه والنظائر ~~النحوية». # ولما كان النحو ملازما لمتن اللغة لأن اللغة هي المحور الذي تدور عليه سائر ~~العلوم اللسانية التي يعد النحو في مقدمتها، رأينا أنه قلما يتبحر عالم في النحو ~~إلا وهو إمام في اللغة وبالعكس ... فإذا استعرضنا أولئك اللغويين الذين أومأنا إليهم ~~في تاريخ علم اللغة فكأنما استعرضنا جماعة النحويين، ولهذا لا نرى حاجة إلى تكرار ~~تلك الأسماء في هذا المقام إلا إذا دعت الضرورة كما سترى. # وما كاد ينطوي بساط القرن الرابع الهجري حتى أصبح النحو يعد ms075 في زمرة العلوم ~~الناضجة، وقد تطورت حالته بتطور الحالة العلمية على وجه العموم. # وكان في مقدمة نحاة المائة الرابعة: أبو بكر بن محمد بن السراج البغدادي صاحب ~~الأصول الكبير، وجمل الأصول، والموجز، وشرح كتاب سيبويه، وكان قد عول على الأخفش ~~والكوفيين في كثير من المسائل، وكانوا يقولون: «كان النحو مجنونا حتى عقله ابن ~~السراج بأصوله.» ومن أئمة هذه المائة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج، وتلميذه ~~أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب «الجمل»، وأبو بكر محمد بن القاسم ~~الأنباري أحد علماء الحفاظ، قيل إنه كان يحفظ 300 ألف بيت من شواهد العربية، وهذا ~~من المبالغة بمكان ولكنه على كل حال يدل على سعة حفظ الرجل. ومنهم أبو سعيد بن عبد ~~الله السيرافي المتوفى سنة 318ه صاحب كتاب الإقناع، وله شرح لكتاب سيبويه من ~~أجل الشروح قدرا وأعظمها فائدة. # ومنهم علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة 384ه، أول من مزج النحو بالمنطق وألف ~~كتاب الحدود وشرح أصول ابن السراج وكتاب سيبويه وله كتاب معاني الحروف وغير ذلك، ~~ومنهم أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي صاحب التصانيف الكثيرة، منها: الإيضاح، ~~التكملة، الحجة، التذكرة، المسائل الحلبية، والبغدادية، والقصرية، والنصرية، ~~والشيرازية، والعسكرية، والكرمانية، والهيتية وغيرها ... ومن حسنات الفارسي بل من ~~حسنات هذه المائة أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي المتوفى سنة 392ه، تلميذ ~~الفارسي وأحد أعلام العربية الذين خدموها خدمة تذكر فتشكر، ومن تصانيفه: ~~الخصائص في عدة مجلدات، وسر الصناعة، واللمع، وكان نسيج وحده في صناعة التصريف على ~~ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. # واتسعت دائرة النحو في المائة الخامسة وكثر النحاة واشتهر منهم جماعة كبيرة، من ~~أشهرهم: عبد القاهر الجرجاني الإمام المشهور المبدع، له في النحو: المغني، والمقتصد ~~في شرح الإيضاح، وله العوامل المائة وهو أول من أبدع هذه الطريقة في النحو، وله ~~كتاب الجمل وله العمدة في التصريف. # ومن مشهوري هذا العصر: علي بن عيسى الربعي المتوفى سنة 420ه، أحد تلاميذ ~~الفارسي الأفذاذ، وهو الذي قال له بعد أن لازمه ms076 عشر سنين: «ما بقي شيء تحتاج إليه، ~~ولو سرت من المشرق إلى المغرب لم تجد أعرف منك بالنحو.» ومن هنا اتجهت الألفاظ إلى ~~تخليص المسائل الكثيرة وتحريرها ولم القواعد المنتشرة وتلخيصها، وجمع ذلك في كتب ~~مختصرة أسموها ب «المتون» ويستظهرونها بكل عناية، ولهذا اشتدت رغبتهم في الاختصار ~~وإدخال المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة، وانجرت بهم الحال إلى المبالغة في ~~الإيجاز بل كان كثيرا ما ينجر الأمر ببعضهم في هذا الباب إلى الإبهام والتعمية، ~~وقد بلغ هذا الأسلوب من التأليف أبعد شأوه في المائة السادسة والتي بعدها، فقد نشأ ~~في هاتين المئتين جماعة من فحول علماء العربية حبب إليهم التحرير والتهذيب وحسن ~~الترتيب والتبويب، ثم منهم من كان يعنى بالاستقصاء والاستيعاب، ومنهم من كان ~~يقتصر على المبادئ والأبواب التي لا بد منها تسهيلا للأمر على المبتدئين من ~~المتعلمين، ولما كانت العناية متوجهة إلى تسهيل الحفظ وكان المنظوم أسهل حفظا من ~~المنثور اتجهت أنظار بعضهم إلى نظم مسائل هذا العلم بأساليب مختلفة. # وأول من فتح هذا الباب - فيما نعلم - يحيى بن معطي الزواوي المغربي المتوفى سنة ~~628ه، وكان لهذا الرجل عناية فائقة في نظم العلوم اللسانية فقد نظم أرجوزة في النحو ~~أسماها «الألفية»، وشرح شواهد الكتاب نظما، ونظم كتاب الجمهرة لابن دريد، ونظم ~~كتابا في العروض، ونظم الصحاح للجوهري ولم يتمه، وله منظومات في القراءات السبع، ~~وهو الذي أوضح معالم هذه السبيل لمحمد بن عبد الله بن مالك الطائي المتوفى 672ه، ~~فإن له في العربية منظومات قل أن جاراه فيها مجار في الأولين والآخرين، منها: ~~أرجوزته الكافية الشافية في نحو سبع وخمسين وسبعمائة وألفي بيت، ومنها استخلص ~~خلاصته المعروفة بالألفية وهي أجمل منظومة عرفها علم النحو، ومن منظوماته: لامية ~~الأفعال، والمقصور والممدود، وله شروح على أكثر منظوماته. ومن أجل كتبه في ~~العربية كتاب «الفوائد»، حشد فيه كل ما حوته مطولات الأقدمين من أبحاث النحو ~~والتصريف، ثم لخص هذا الكتاب ورتبه أحسن ترتيب وأسماه «تسهيل الفوائد وتكميل ~~المقاصد»، وهو كتاب جليل القدر إلا ms077 أنه موجز العبارة إلى حد الغموض في بعض المواطن، ~~وله عليه شرح لكنه لم يتمه. وممن نظم النحو: حازم بن محمد الأنصاري القرطبي ~~المتوفى سنة 684ه، نظم قصيدة على حرف الميم امتدح بها بعض أمراء المغرب قال في ~~مطلعها: # الحمد لله المعلي قدر من علما # وجاعل العقل في سبل الهوى علما # وقد مرت بعض أبياتها في المسألة الزنبورية. # ومن المنظومات الموجزة في النحو: ملحة الإعراب لأبي محمد القاسم بن علي الحريري ~~المتوفى سنة 516ه صاحب المقامات المشهورة. ومن مشهوري علماء العربية في صدر ~~المائة السادسة محمود بن عمر الزمخشري صاحب المفصل. # واشتهر في هاتين المئتين جماعة لعبت أيدي الفتن في مؤلفاتهم فلم تبق منها إلا ~~النزر اليسير. # ومن أشهر النحاة المبالغين في الإيجاز: أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف ~~بابن الحاجب المتوفى سنة 646ه، له الكافية في النحو والشافية في التصريف، وله ~~الأمالي النحوية، وله شرح الكافية وآخر للشافية، وشرح للمفصل وآخر للإيضاح ~~وغيرها. # ومن مشهوري نحاة هذا العصر في الأندلس: علي بن مؤمن المعروف بابن عصفور الحضرمي ~~الإشبيلي المتوفى سنة 669ه، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، له كتب في ~~النحو والتصريف ممتعة كانت عمدة من جاء بعده من النحويين، منها: المغرب وشرحه، ~~ومنها الممتع وشرحه. # أما نحاة المائة الثامنة فأشهرهم: أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي ~~المتوفى سنة 745ه، أحد أعلام العربية الذين استنارت بمعارفهم العصور المتأخرة، ~~وهو أول من جسر الناس على مصنفات ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غوامضها، ~~وشرح التسهيل شرحا مطولا أسماه «التذييل والتكميل» واختصره في كتاب جاء في سفرين ~~أسماه «الارتشاف»، ولم يؤلف في العربية أحسن من هذين الكتابين من حيث الاستقصاء ~~وإحصاء ضروب الخلاف، وله: التذكرة في العربية في أربعة مجلدات، وله شروح كثيرة ~~وموجزات عديدة لكتب مختلفة. # ثم جاء علم الأعلام المدققين وعمدة النحاة المتأخرين: عبد الله بن يوسف بن هشام ~~الأنصاري المتوفى سنة 761ه، فسهل من هذا العلم موارده وقرب شوارده وذلل ~~صعابه ومهد أبوابه، قال ابن خلدون: ms078 «ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم ~~بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه»، وقال في موطن آخر: «ووصل إلينا بالمغرب ~~لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، استوفى فيه ~~أحكام الإعراب مجملة ومفصلة، وتكلم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في ~~الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها، وسماه بالمغني في الإعراب، وأشار إلى نكت ~~إعراب القرآن كلها، وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم ~~جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها، وكان ينحو في طريقته منحاة ~~أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب ~~دال على قوة ملكته واطلاعه والله يزيد في الخلق ما يشاء.» # ومن تآليفه : التوضيح وهو شرح لألفية ابن مالك مع إغفال ذكر الأبيات، وله شرح آخر ~~أسماه «رفع الخصاصة» في أربع مجلدات، وكتاب «التحصيل والتفصيل لكتاب التذييل ~~والتكميل» في عدة مجلدات، والتذكرة في خمسة عشر مجلدا، والقواعد الكبرى والصغرى، ~~وأما كتابه «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» فهو الغاية في بابه. # ثم إن عامة المتأخرين من النحويين صاروا عيالا على مؤلفات الزمخشري، ~~وابن الحاجب، وابن مالك، وأبي حيان، وابن هشام، من بين شارح ومحش ومعلق مطيل أو ~~مختصر. # فشروح المفصل والكافية والشافية والخلاصة والتسهيل والارتشاف والمغني وحواشيها ~~وشواهدها أكثر من أن تحصى، وربما يكون للشرح شرح وعلى الحاشية حاشية، فالتصريح ~~للشيخ خالد الأزهري من علماء المائة التاسعة شرح للتوضيح وهذا شرح لألفية ابن ~~مالك. # ولم يأت من بعد النحويين من أخرج للناس شيئا جديدا بالمعنى الصحيح، وإنما كانت ~~الهمم مصروفة إلى خدمة مصنفات السابقين بالتلخيص أو الشرح أو التحشية والتعليق ... ~~إلخ، ومن هنا ثارت بين القوم ثائرة مناقشات لفظية يابسة انفجرت تحتها الأصول ~~المؤصلة والمسائل المحررة والمطالب العالية المقصودة بالذات من هذه الصناعة، فبدل ~~أن يشغلوا الطالب بتقرير القواعد وتحرير المسائل تجدهم يخوضون معه في غير هذا ~~الحديث، فيأخذون عليه سمعه وبصره وفؤاده بسؤالات ms079 وجوابات تافهات: لم قدم هذه ~~الكلمة على تلك؟ وكيف جمع بين هذه وتلك؟ وعلام يرجع هذا الضمير؟ وما هو موقع هذه ~~اللفظة من الإعراب؟ ولم جاء هذا الباب بعد ذاك الباب؟ ولم عبر بهذه الكلمة دون ~~سواها؟ ... إلى غير ذلك من سفساف الأمور وترك اللباب إلى القشور. # ولهذا نجد الطالب النابه يخوض هذه المعمعة بكل ما أوتيه من قوة ويصرف من الوقت ~~والجهد الشيء الكثير بكل إسراف وتبذير، ومع ذلك يخرج من هذه العجاجة بغير طائل، ولا ~~يحور بيده من وراء هذه الجعجعة شيء من الطحين. # ومع الأسف فإنا نجد كثيرا من هذه الكتب الجافة تتداولها الأيدي وتتدارسها ~~المتعلمة من أبناء هذا الجيل، وما ذلك في نظرنا إلا لأن يد الطباعة تناولتها قبل ~~غيرها فأخرجتها للناس فأولع بها من نابتة العصر من لم تصل يده إلى ما سواها، أو ~~لم يستعد ذهنه لفهم ما وراءها من صحاح التأليف وجليلها. # ومن أشهر ما تناولته الأيدي من كتب المتأخرين كتب الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري ~~من علماء المائة التاسعة، مثل شرحه على الآجرومية، والأزهرية، وقواعد الإعراب ~~وغيرها. # ومن ذلك كتب شيخ المصنفين جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة 911ه، أحد ~~الأعلام الأفذاذ الذين أنجبتهم العصور المتأخرة، له في العربية مصنفات كثيرة من ~~أشهرها: شرحه لألفية ابن مالك، وشرح ألفيته نفسه، وهمع الهوامع شرح جمع الجوامع وهو ~~من الكتب الممتعة، والأشباه والنظائر النحوية. هذا، وقد صنف بعض المعاصرين كتبا ~~موجزة ورسائل مقتضبة لتوضع بأيدي المتعلمين من أبناء المدارس النظامية تجردت من ~~تحقيقات المتقدمين من حيث غزارة المادة وصحتها، ولم تنتفع بما أبدعته قرائح ~~المعاصرين من رجال التربية والتعليم من بدائع الأساليب وتوخي السهولة في حسن ~~الترتيب والتبويب، ولهذا نجد جل أبناء هذه المدارس يتبرمون من صعوبة هذه الصناعة ~~ويتهيبون السير في مسالكها وإن صحبهم فيها الدليل الخريت، وما ذلك إلا لأنهم ~~يدرسون العلوم الأخرى مصقولة الجوانب مهذبة أحسن تهذيب مبوبة أحسن تبويب مصبوبة ~~بقوالب قدرتها أيدي التربية العصرية وأصول التعليم أيما ms080 تقدير، وبقي هذا العلم ~~كغيره من علوم اللسان العربي في معزل عن هذا الإصلاح إلا شيئا قليلا لا يكاد يكون ~~شيئا مذكورا. # وقد رأينا أن نذيل هذا الباب بفصل نذكر فيه أشهر الطرق التي اختطها الأولون من ~~النحاة لتسهيل هذا العلم على المتعلمين، ونعقبه بفصل نذكر فيه ما يؤخذ على معظم ~~تلك المصنفات ولا سيما المتأخرة منها من وجوه التقصير في هذا الشأن. ~~(14-2) الطرق المشهورة # سلك معظم الأولين من النحويين في تآليفهم مسلك سيبويه في ترتيب كتابه، وكتاب ~~سيبويه وإن كان مبوبا ومرتبا إلا أن ترتيبه ليس بمبني على أساس فني، فكثيرا ما ~~تجد مسائل في باب منبثة في أبواب أخر، وقد تتكرر بعض المسائل في عدة أبواب، ولهذا ~~يتعسر على المراجع الوصول إلى المسألة التي يبتغيها ما لم يكن على ذكر من موطنها ~~قبلا. # فهذا الكتاب وأمثاله أشبه بالمجموعات العالية منها بالكتب ذات الترتيب العلمي ~~والتنسيق الفني، وما ذلك إلا لأن هم المؤلفين لذلك العهد كان منصرفا إلى تحقيق ~~المسائل، وتقرير القواعد، وتأييدها بالشواهد، أكثر من انصرافهم إلى حسن الترتيب ~~ودقة التبويب. # وعندما استبحر العمران وتفجرت ينابيع العلوم الكثيرة من شرعية وأدبية وفلسفية ~~وغيرها، اتجهت الهمم إلى بذل العنايات في تقريب تلك العلوم من أذهان الطالبين ~~وتسهيلها على المتعلمين، فكان حظ العربية من هذه الناحية ليس بالقليل إذ أقبل فريق ~~من كبار علمائها إلى لم ما تشعث من مسائلها وجمع ما تفرق من أصولها، وعمدوا ~~إلى صبها في قوالب قدروها تقديرا بأساليب مختلفة حرروها تحريرا. # فمنهم من نظر إلى موضوع هذا العلم وهو الكلام، فوجد أن عناصره التي يتألف منها لا ~~تخرج عن أمور ثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف، ووجد أن لكل قسم من هذه الأقسام صفات ~~تخصه وأبحاثا تدور حوله، فأفرد لكل قسم منها بابا فصل فيه مسائله وأوضح ~~مقاصده، فيفصل في باب الاسم مثلا كونه نكرة أو معرفة وأنواع المعارف، وكونه مفردا ~~أو مثنى أو مجموعا وأنواع الجموع، وكونه منونا أو غير منون وأنواع التنوين، وكونه ~~معربا ms081 أو مبنيا وأنواع إعرابه وبنائه ... إلخ. # ويذكر في باب الفعل مثلا كونه ماضيا، أو مضارعا، أو أمرا، وكونه مبنيا ~~للمعلوم أو للمجهول، وكونه تاما أو ناقصا وأنواع الأفعال الناقصة، وكونه متعديا ~~أو لازما وأنواع التعدي ووسائل التعدية واللزوم، وكونه معربا أو مبنيا وأنواع ~~إعرابه وبنائه ... إلخ. # ويبين في باب الحرف مثلا أصناف الحروف من: عاطفة، ونافية، وجوابية، وشرطية، ~~واستفهامية، واستقبالية، ومؤكدة، ومصدرية ... إلخ. # وهناك أمور مشتركة تتوارد فيها الأقسام الثلاثة أو اثنان منها، مثل: الإمالة، ~~والوقف، والتقاء الساكنين وغيرها، أفردوا لها بابا برأسه، فاستوت الأبواب أربعة. ~~وأشهر من مشى على هذه الطريقة جار الله الزمخشري في كتابيه المفصل ~~والأنموذج. # ومن النحاة من رأى أن أهم ما يجب على المتعلم إتقانه تمييز المعربات من المبنيات ~~ومعرفة أنواع الإعراب والبناء، فبنى أبواب كتابه على أساس المعرب والمبني من ~~الكلام. على أن معظم سالكي هذه الطريقة رأوا أن ينتفعوا بشيء من أساس الطريقة ~~السالفة، فجعلوا معربات الأسماء في جانب ومعربات الأفعال في جانب آخر، كما فعل ابن ~~الحاجب في كافيته وابن مالك في ألفيته. # ومنهم من رأى أن الإعراب أهم ما تتوجه إليه عنايات المتعلمين، ورأى أن المعرب ~~يشتمل على أمور ثلاثة: العامل، والمعمول، والعمل، وبهذا انقسمت الأبواب إلى ~~ثلاثة: # فيذكر في باب العامل: النواصب، والجوازم، ~~وحروف الجر، والابتداء، والتجرد ... إلخ. # ويشرح في باب المعمول: المرفوعات من الأسماء والأفعال، والمنصوبات منهما، ~~والمجرورات، والمجزومات. # ويبين في باب العمل: الحركات الثلاث، والسكون، والحروف الأربعة «و، ى، ن، ا» ~~وحذفها ... إلخ. # ولا بد لمن يسلك هذه الطريقة أن يفرد بابا للمبنيات كما فعل «البرگوي» في كتاب ~~«الإظهار»، وأول من أبدع هذه الطريقة فيما نعلم عبد القاهر الجرجاني في كتابه الذي ~~أسماه «العوامل المائة». وقد أبدع ابن هشام طريقة في كتاب له أسماه «قواعد الإعراب» ~~ورتبه على أربعة أبواب، بحث في الأول عن الجمل وأقسامها وأحكامها، وفي الباب الثاني ~~عن شبه الجملة وهو الظرف والجار والمجرور، وفسر في الباب الثالث كلمات يكثر في ~~الكلام دورها ويقبح بالمعرب ms082 جهلها وهي نيف وعشرون كلمة، وأشار في الباب الرابع ~~إلى عبارات محررة موجزة كثيرة الدوران على ألسنة المعربين. # ثم لما ثبتت عنده بالتجربة فائدة هذه الطريقة عمد إلى توسيعها وتحسينها وصقلها ~~وتهذيبها، فألف فيها كتابه «المغني» المار ذكره مرتبا على ثمانية أبواب، استوفى ~~في الباب الأول منها شرح الأدوات الكثيرة التي تدور في الكلام مرتبة على حروف ~~الهجاء، وشرح في الباب الثاني الجمل وأقسامها وأحكامها، وأوضح في الباب الثالث ~~أحكام ما يشبه الجملة وهو الجار والمجرور والظروف، وبين في الباب الرابع أحكاما ~~يكثر دورها ولا يجمل بالمعرب جهلها، وعقد الباب الخامس للجهات التي يدخل الاعتراض ~~على المعرب من جهتها، وكسر الباب السادس على التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين ~~والصواب خلافها، وجعل الباب السابع لبيان كيفية الإعراب، والباب الثامن لأمور كلية ~~يدخل تحتها ما لا يحصى من الأمور الجزئية. # هذه هي الطرق المشهورة البارزة، وإلا فإن المسالك كثيرة حتى يكاد يكون لكل مؤلف ~~طريقة، بل لكل كتاب طريقة تختلف عن غيرها ولو من بعض الوجوه، ولكن العمود الأصلي ما ~~ذكرناه من الطرق الأربع، وما عداها فإنه يرجع إليها من حيث المجموع وإن اختلف عنها ~~بعض الشيء. ~~(15) الصرف # أول من فصل الصرف عن النحو وصيره علما مستقلا هو معاذ بن مسلم الهراء ~~المتوفى سنة 187ه. # ويذهب بعضهم إلى أن واضعه أبو عثمان المازني المتوفى سنة 229ه، والأول هو ~~الصحيح. # ثم جاء أبو الفتح بن جني ففتح من هذه الصناعة مغاليقها، وسهل صعابها، ووسع ~~رحابها. # ثم تتابع الناس في خدمة هذا الفن، فكتب ابن مالك كتابا فيه وشرحه فسماه ~~«التعريف». # وكتب ابن الحاجب مقدمته المعروفة ب «الشافية»، وتكاثرت عليها الشروح والحواشي حتى ~~صارت تعد بالعشرات، وكثير من شروحها مطبوع متداول، وقد طبعت لهذا العهد مجموعة ~~تحتوي على طائفة من تلك الشروح والحواشي. # وكثير من المؤلفين يختمون كتبهم بأبحاث في التصريف، كما فعل ابن مالك في ألفيته ~~والجلال السيوطي في كتابه «همع الهوامع»، على أن معظم أبواب التصريف منبثة في ثنايا كتب ~~النحو ms083 لمكان الحاجة إليها هناك. # ومن الكتب الموجزة في هذا الفن: نزهة الطرف في علم الصرف للميداني، ومراح الأرواح ~~لعلي بن مسعود، والعزى، والمقصود، وكل ذلك مطبوع متداول. # وللأعاجم ولوع في مدارسة هذا الفن لمسيس الحاجة بالنسبة إليهم، أما العربي فيعرف ~~كثيرا من مسائله بمقتضى سليقته فلا يجد كبير فائدة بالمقدار الذي يجده الأعجمي، ولهذا ~~قل المؤلفون فيه من أبناء العرب. # | بعض عاهات الكتب المتداولة في النحو لهذا العهد # لا نريد في هذا المقام أن نمعن في الاستقراء والاستقصاء، وكل ما نرمي إليه أن نلقي نظرة ~~عجلى على جمهرة الكتب التي اتخذ منها المعاصرون مناهج لدراسة النحو في المدرسة القديمة أو ~~الحديثة، ونشير إلى بعض العاهات التي منيت بها وغضت من شأنها في أنظار أبناء العصر، بل ~~قللت الانتفاع بها إلا بعد الجد والكد والإسراف في الوقت، ويمكن إجمال البارز من تلك ~~العاهات في النقاط التالية: ~~(1) # الإيجاز الشحيح إلى حد الإخلال المقصود، ولا سيما في المتون التي وضعها ~~المتأخرون وفي مقدمتهم الإمامان أبو عمر عثمان بن الحاجب وأبو عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن مالك. وقد تبارى المؤلفون في هذا الشأن ولا تباري الفرسان في ~~مضمار الرهان، يشبعون المعاني ويجيعون الألفاظ حتى تصاب بالهزال والبهر فلا ~~تقوى على حمل ما أثقلت به من المعاني، فتحور إلى طلاسم ومعميات يتعذر على ~~الطلبة الاستقلال بحل رموزها إلا بعد الفزع إلى المشايخ، ويتعسر على هؤلاء ~~الكشف عن غوامضها إلا بعد الرجوع إلى الشروح والحواشي والتعاليق. # وقد نعى ابن خلدون على القوم طريقتهم هذه، وأفرد لذلك فصلا خاصا في مقدمة ~~تاريخه قال فيه: «وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل ...» وقال: «قصدوا ~~إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة ~~وتمكنها ...» # ومسألة الحفظ هذه كانت أولى الغايات وآخرها في هذه المعضلة، يجورون على ~~العبارة كل الجور في التقتير والتقدير ليسهل على الحافظة ازدرادها، وفاتهم أن ~~العلوم إنما تطلب لتفهم وترسخ ملكاتها في العقول، وأما الحفظ المجرد عن ~~الفهم بل الهضم ms084 فإثمه أكبر من نفعه وضرره في الذهن لا يقل عن الأضرار التي تصيب ~~المعدة من جراء الأطعمة التي تدهدى فيها من غير مضغ وتحليل، وأن استظهار ~~الألفاظ قبل تحديد معانيها الصحيحة في الذهن تحديدا واضحا يلجئ الذهن بعد ~~الحيرة إلى خلق معان لها قد تكون قصية عن المقصود ولكنها تأخذ في الذهن مكانها ~~وتستعصي فيه، ويعسر بعد ذلك على المعاني الصحيحة زحزحتها واحتلال مكانها فيحصل ~~من هذا التدافع فوضى ذهنية يستعصي على أطبة النفوس استئصالها. # ولهذا نرى علماء النفس يشددون النكير على من يعلم الطفل لفظا قبل تحديد ~~معناه في ذهنه تحديدا واضحا، ويستعينون على ذلك بالمحسوسات أو ما يقرب منها، ~~ومن ثم ذهب بعض الأعلام من أولينا إلى أنه لا ينبغي أن يؤخذ الأحداث بحفظ ~~القرآن الكريم إلا بعد أن يستعدوا لفهمه بتقديم دراسات أخرى، وقال أبو بكر بن ~~العربي: «يا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ~~ما لا يفهم ...!» وقد استحسن العلامة ابن خلدون هذا المذهب وإن اعتذر لتطبيقه ~~بحكم العادة. ~~(2) # عدم التدرج في ترتيب المسائل ورصف القواعد، فنراهم كثيرا يستعينون بالمجهول ~~لإيضاح مجهول مثله، فيقولون مثلا: «المعرب هو المركب الذي لم يشبه مبني الأصل» ~~مع أن الطالب لم يعرف المبني المطلق فضلا عن مبني الأصل، وإذا سأل عن المبني ~~قيل له: «هو المركب الذي أشبه مبني الأصل.» ويقولون مثلا: «الرفع علم ~~الفاعلية، والنصب علم المفعولية، والجر علم الإضافة»، مع أن الطالب لم يعرف ~~شيئا بعد من أمر الفاعلية والمفعولية والإضافة، ومعرفة ذلك كله تتوقف على ذكر ~~الكثير من الفصول والأبواب. # وهكذا يجد الطالب نفسه تجاه مجهولات تتكاثر وتتكاثف وغوامض تتراص وتتراكب، ~~فلا يقوى على تذليلها إلا إذا رزق صبرا رصينا وقيض الله له شيخا بارعا ~~يعرض أمامه سلسلة من المقدمات كثيرة الحلقات، ثم لا يصل إلى المقصود إلا بعد ~~جهد جهيد. # ولا ينكر أن بعض المؤلفين انتبه لهذا الأمر وحاول التسهيل على المبتدئين ~~فلا ينتقل إلى مجهول غالبا إلا بعد ms085 أن يمهد له بمعلوم أو يوضحه عن قرب، ليصل ~~بالطالب إلى غرضه من أقصر الطرق وأسهلها. ويذكر في مقدمة هؤلاء الأفذاذ: أبو ~~عبد الله محمد بن محمد الصنهاجي صاحب المقدمة المعروفة بالآجرومية، فإنه اقتصر ~~فيها على اللباب وقلل من استعمال المجهولات في إيضاح المجهولات وذكر بعض ~~الأبحاث بأكثر من أسلوب لترسيخها في الفهم، ومشى في كثير من المسائل على مذهب ~~الكوفية مع أنه مرجوح عند المغاربة والمشارقة من نحاة عصره، تسهيلا على ~~المبتدئين من المتعلمين لأن مذهب الكوفية في هذه المسائل أقرب تناولا إلى ~~أذهانهم من مذهب البصرية ... ولكن الشراح والمحشين لم يأبهوا لهذه المزايا ولا ~~حسبوا لها حسابا فأحاطوها بما ذهب بفوائدها وعفى على آثارها من غوامض ~~المسائل وغريب المباحث. # أذكر أني في مفتتح دراستي العربية أخذت هذه المقدمة «الآجرومية» وجلست إلى ~~الشيخ لأقرأ، فقال لي: إن المتن المجرد عن الإعراب لا يفيدك الفائدة المطلوبة، ~~وأخرج لي نسخة مخطوطة تشمل الصفحة منها على أسطر قليلة ذات كلمات متباعدة ~~موشحة بتعاليق كثيرة على أوضاع خاصة وبأشكال مختلفة، فأعطانيها واندفع يسرد لي ~~معنى البسملة بكلام طويل عريض لم أفهم منه إلا القليل، وأمرني باستظهار ~~إعرابها: «الباء: حرف جر، واسم: اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في ~~آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أبتدئ أو ابتدائي، وهو مضاف ولفظ ~~الجلالة مضاف إليه وهو مجرور بالإضافة ... إلخ.» وكان اليوم الثاني، وكان الموضوع ~~«الكلام» فاندفع يشرح لي معناه عند اللغويين والفقهاء والمتكلمين ثم النحويين ~~بكلام غم علي أكثره، ثم أمرني باستظهار الكلام بتعريفه ثم إعرابه «الكلام: ~~مبتدأ مرفوع بالابتداء - على الأصح - وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، «هو» ضمير ~~فصل لا محل له من الإعراب ... إلخ.» وهكذا وجدتني تجاه عباب زاخر بمصطلحات لا ~~أعرف لها أولا ولا آخرا: الحرف، الاسم، الجر، المجرور، المتعلق، المحذوف، ~~المضاف إليه، الإضافة، النعت، التبعية، المبتدأ، الابتداء، الرفع، المرفوع، ~~ضمير الفصل، الإعراب ... إلخ. ألفاظ اشتغل ذهني في أن يفرض لها معاني، فأخذ يصوغ ~~ويكسر وبعد جهد جاهد لم يحصل ms086 إلا على الجمجمة والترجيم، ففزعت إلى شرح أستعين ~~به فوقع في يدي شرح الشيخ خالد الأزهري ونظرت فيه، وإذا بي تجاه مشاكل جديدة: ~~جنس، فصل، وضع نوعي، وضع شخصي، إلى أشياء من هذا القبيل لا يدركها إلا من ضرب ~~بسهم في العربية وعلوم أخرى، وبالأخير هداني التسآل إلى شيخ نبيه فأرشدني إلى ~~الاقتصار على فهم المتن وحده، ثم الرجوع إلى شرح مختصر مقصور على إيضاح المواد ~~بأسهل العبارات. # والذي يظهر لنا أن الكثير من تلك المؤلفات وضعها مؤلفوها لتلاميذهم، وكانوا ~~يقدرونها على استعدادهم ومؤهلاتهم تقديرا، فإذا أراد آخرون لم تتوفر فيهم تلك ~~المؤهلات أن يقتطفوا مثل ما اقتطف أولئك من ثمارها أعياهم ذلك. وما قولك أن ~~جمهرة المؤلفين في هذا الشأن من المعاصرين على شدة عنايتهم في صقل مؤلفاتهم ~~ذهلوا عن هذا الأمر فوقعوا في المحظور التعليمي الذي وقع فيه من سبقهم، مع ~~أنهم وضعوا كتبهم لتلاميذ لم تكن حصة العربية من وقتهم وعنايتهم إلا ضئيلة، ~~فكان عليهم ألا يدخروا وسعا في التهذيب وحسن الترتيب والتبويب؟ نجدهم يقولون ~~في مبادئ كتبهم مثلا: «الفعل المتعدي هو الذي ينصب المفعول به، والفعل المعلوم ~~هو الذي يذكر فاعله»، مع أن الطالب لم يعرف شيئا من أمر: النصب، والمفعول ~~به، والفاعل، وتفهيمها يتوقف على دراسة أبواب لم تزل معقودة في ناصية ~~المستقبل. # يقال: ما العمل والأمر يقضي بإيضاح تلك المسائل، والإيضاح يتوقف على ~~الاستعانة بهذه المصطلحات وإن لم يجر ذكرها بعد؟ فالجواب أنه لا يجوز التعرض ~~لإيضاح مسألة ما إلا بعد إعداد العدة لها، وتوضيح العناصر اللازمة لإيضاحها قبل ~~الإقدام عليه، فلا يبحث عن المتعدي واللازم مثلا إلا بعد معرفة النصب ~~والمفاعيل، ولا عن المعلوم والمجهول إلا بعد معرفة الفاعل وما ينوب عنه. ~~وبالجملة فإنه لا تجوز الاستعانة بمجهول لمعرفة مجهول آخر، بل يجب أن تكون ~~الاستنارة بالمعلومات وحدها. ~~(3) # الخلط بين مسائل هذا العلم ومسائل من علوم أخرى لا تمس الحاجة إليها، وليس في ~~مقدور الطالب إساغتها وإدراك ما وراءها. هذا ديدن المتأخرين من ms087 الشراح ~~والمحشين، مثال ذلك قول الشيخ خالد الأزهري في شرحه على الآجرومية: «والصحيح أن ~~الكلام موضوع بالوضع النوعي»، ومن أين للمبتدئ أن يدرك مسألة كهذه عجز فحول ~~علماء الوضع والأصول عن حلها حلا نهائيا؟ ويقول الشيخ المذكور في شرح ~~أزهريته: «والمفرد ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، لأنه لا يخلو إما أن يستقل ~~بالمفهومية أو لا، الثاني الحرف. والأول إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة ~~الثلاثة أو لا، الثاني الاسم والأول الفعل. والعناد حقيقي يمنع الجمع والخلو. ~~وقد علم بذلك حد كل واحد منها للإحاطة بالمشترك وهو الجنس، وما به يمتاز كل ~~واحد عن الآخر وهو الفصل.» ا.ه. بحروفه وهو كما ترى كلام مغلق، لا يعقله إلا من ~~ضرب في علم المنطق بنصيب، وأنى للطالب المبتدئ ذلك؟! وفي مثل هذا الموطن ~~يقول شارح القطر: «فإن علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب»، فينطلق المحشي ~~يشرح لفظ العرب واشتقاقه وجموعه ومن هم العرب وأقسامهم ... إلخ، مما لا مساس له ~~في الموضوع. ويأتي ذلك الشارح في باب العطف بشاهد على أن حتى لا تفيد الترتيب، ~~وهو الحديث المأثور: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس»، فينطلق المحشي يوضح ~~حقيقة القضاء والقدر وما بينهما من فرق أو عدمه، ويسرد في ذلك آراء المتكلمين ~~من أهل المذاهب المختلفة. ويأتي الشارح بمثال للماضي المبدوء بالنون وهو «نرجست ~~الدواء»، فينطلق المحشي يسرد خصائص النرجس الطبية وغيرها، ومما جاء في النرجس ... ~~إلخ ص15. # نعم من الجائز أن يستعان في إيضاح مسائل من علم بمسائل من علم آخر، ولكن ~~على شرطين؛ الأول أن تلك المسائل يتعذر أو يتعسر إيضاحها إلا بذلك، والثاني أن ~~يكون الطالب على علم بتلك المسائل الخارجة عن علمه الذي هو بصدد دراسته. ~~(4) # عدم الموازنة بين مقدرة الطالب وما يحشد له من عويص المسائل وسهلها، فإنك ~~إذا تصفحت مبادئ الكتب التي وضعها المتأخرون للمبتدئين من المتعلمين تجد فيها ~~معضلات المسائل محشورة إلى جانب السهل منها ... ~~(5) # حشد القيود الكثيرة، والرموز العديدة في العبارة القصيرة، ولا سيما في ms088 ~~التعاريف مما يتعسر بل قد يتعذر على الطالب تفلية تلك القيود واستخلاص المراد ~~من كل منها. ~~(6) # المناقشة على الألفاظ مما لا يعود إلى جوهر العلم بفائدة، وهذا أمر عمت به ~~البلوى في معظم كتب المتأخرين. ~~(7) # التوسع في النظريات التي لا يجتني الطالب من ورائها فائدة عملية، مثل تنازعهم ~~على إعراب جمع المذكر السالم هل هو بالحرف أم بالحركة المقدرة، وكذلك في إعراب ~~الأسماء الخمسة أو الستة فقد ارتقت الآراء في ذلك إلى نحو العشرة، وتنازعهم هل ~~المضاف إلى ياء المتكلم مجرور بالكسرة المقدرة أو الظاهرة، وأمثال ذلك ~~كثيرة. ~~(8) # الاعتماد على الأمثلة الجافة المكررة، وإهمال المهم من الشواهد التي هي مادة ~~الكلام وعدة المتكلم، ولذلك نجد أن كتب ابن هشام من أنفع الكتب المصنفة في هذا ~~الشأن من هذه الناحية؛ لما تشتمل عليه من الآيات الكثيرة والأحاديث البليغة ~~والأمثال السائرة والأبيات الغزيرة. وأبعد الكتب عن هذه الطريقة كتب الأعاجم ~~مثل: الإظهار للبرگوي، وشرح الملا جامي على الكافية، ولذلك نجدها قليلة الجدوى ~~يقرؤها الطالب وكأنه لم يقرأها. وللشواهد أثر بليغ في تكوين ملكة البلاغة عند ~~الطالب، ولذلك نجد كتب الأقدمين غاصة بها، وأقرب مثال في ذلك كتاب سيبويه فإنه ~~يشتمل على أكثر من ألف بيت من الشعر، وعلى مئات الآيات والأمثال وعيون الأقوال، ~~وهذه كتب الشواهد بين أيدينا نستمد منها الكثير من الفوائد، ولقد كتب أحد علماء ~~المائة الثامنة شرحا ممتعا على كافية ابن الحاجب شحنه بالشواهد والفوائد، ~~فجاء الشيخ عبد القادر البغدادي وشرح تلك الشواهد في كتابه المسمى «خزانة ~~الأدب» شحنها بالفوائد الأدبية، والفرائد اللغوية، والنوادر النحوية والصرفية ~~إلى غير ذلك مما يسمو بالطالب إلى المستوى الرفيع. # وقد عانى بعض المعاصرين التأليف في هذا العلم، وحاولوا تجريد مؤلفاتهم من العاهات التي ~~تنوء بها بعض الكتب المتداولة فيه، ولكن أكثرهم وقف دون الغاية وعجز عن إتمام المعالجة، ولا ~~تزال الهمم مصروفة إلى معالجة هذه الناحية وعلى الله قصد السبيل. # | تأريخ علم البلاغة # «إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى ms089 جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، ~~وأنور سراجا من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ ~~الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد، ويريك بدائع الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر ... إلا ~~أنك لن ترى - على ذلك - نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه، ومني من الحيف بما مني ~~به، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليه فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات ~~فاسدة، وظنون رديئة، وركبهم فيه جهل عظيم، وخطأ فاحش ...» من كلمة للشيخ عبد القاهر الجرجاني ~~في صدر كتابه «دلائل الإعجاز». # يفهم أن علم البيان كان معروفا بهذا الاسم من قبل أن يضع عبد القاهر فيه كتابه هذا، وأن ~~للناس في هذا العلم مقالات دائرة بين الاستقامة والعوج. # وقال أبو هلال بن عبد الله العسكري المتوفى سنة 395ه في مقدمة كتابه «الصناعتين»: «إن ~~أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ - بعد المعرفة بالله جل ثناؤه - علم البلاغة، ومعرفة ~~الفصاحة ... وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه ~~بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب، فينبغي من هذه الجهة ~~أن يقدم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم ... ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة ومناقب ~~معروفة ...» ا.ه. # وبعد أن ذكر جملة من أقاويل علماء العربية وأبان ما فيها من الزيف والحطة، قال: «فلما ~~رأيت تخليط هؤلاء الأعلام في ما رأوه من اختيار الكلام، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل ~~ومكانه من الشرف والنبل، وجدت الحاجة إليه ماسة والكتب المصنفة فيه قليلة، وكان أكبرها ~~وأشهرها كتاب «البيان والتبيين» لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.» # إذا علمت هذا ثم رجعت البصر إلى كتاب الصناعتين نفسه وما يحتويه من الأبواب، ثم رجعت إلى ~~كتاب «البيان والتبيين» وما يشتمل عليه من المباحث؛ يتبين لك أن ما يعنيه القوم من علم ~~البلاغة غير ما نعنيه نحن اليوم منه، فإنهم كانوا يريدون به تلك المباحث التي تدور حول ms090 ~~الخصائص التي ترفع قدر الكلام وتكسوه جمالا وجلالا، مع بيان العيوب التي تحط من قدر القول ~~وتكسبه قبحا وسخافة، وبعبارة أخص: المباحث الدائرة حول حسنات القول وعيوبه، وكانت تلك ~~المباحث مفرقة في مطاوي أبحاث كثيرة ليست من أصل الموضوع في شيء منبثة هنا وهناك غير وافية ~~بالمرام. # وأول من لم من هذه المباحث شعثها، وجمع ~~شتاتها، ولاءم بين شواردها، ورص من قواعدها، وقرب من فوائدها، وأخرج للناس منها علما ~~بالمعنى الصحيح المراد من العلم؛ هو الإمام عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471ه، فإنه ~~كتب فيها كتابين جليلين أسمى أحدهما «أسرار البلاغة» والثاني «دلائل الإعجاز»، بحث في الأول ~~عن الوجوه التي تكسب القول شرفا وتكسوه جلالا، من حيث اشتماله على استعارة مستحسنة، أو ~~كناية لطيفة، أو تمثيل بليغ، أو تشبيه طريف ... إلخ، فالأول ينتظم مباحث علم البيان بالمعنى ~~المعروف اليوم، والثاني ينتظم مباحث على المعاني كذلك، ولم يشر الشيخ إلى هذه التسمية لأنه ~~لم يكن يرى أن هناك علمين متمايزين؛ أحدهما يسمى علم البيان والآخر علم المعاني، وكل ما ~~كان يراه أن هناك علما واحدا غاية الخائض في غماره أن يستثير الأسرار التي ترفع من قدر ~~الكلام وتمنحه رتبة الشرف وتحله ذروة البلاغة، ويتتبع تلك الخواص والمزايا التي يتمتع بها ~~القول البليغ فيبرزها للأنظار سافرة من غير ما حجاب ... # وأول من شطر هذه المباحث شطرين فسمى مباحث النظم «علم المعاني» ومباحث المجاز والتشبيه ~~والكناية «علم البيان»، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي المتوفى سنة 626ه، وهو الذي ~~تناول هذا العلم من بعد الجرجاني فهذب مسائله، ورتب أبوابه، وأودعه كتابه الموسوم ب «مفتاح ~~العلوم». # ولا يذهبن بك ما ذكره العلامة ابن خلدون في مقدمته إلى أن السكاكي أول من وضع هذا العلم، ~~لأن عبارة ابن خلدون لا تفيد هذا المعنى وإنما تفيد أن السكاكي أول من هذب هذا العلم ومخض ~~زبدته، وبوبه التبويب الذي شاع بين العلماء والمتعلمين من بعده. # وقد أودع الإمام أبو القاسم الزمخشري المتوفى سنة 538ه كتابه «الكشاف ms091 عن أسرار ~~التنزيل» من أفانين البيان ما بهر العقول وخلب الألباب، ولكن لما كانت تلك المباحث منبثة في ~~مطاوي التفسير غير مقصودة لذاتها وإنما المقصود بها الكشف عن أسرار بلاغة الكتاب العزيز، لم ~~يشتهر الزمخشري بين علماء البيان اشتهار الشيخين الجرجاني والسكاكي. # وبعد أن أخرج للناس كتاب «مفتاح العلوم» وقد تميزت فيه المباحث التي يعرف بها كيفية ~~مطابقة الكلام لمقتضى الحال - وهي مباحث النظم في مصطلح عبد القاهر - عن مباحث المجاز ~~والكناية والتشبيه، وأطلق على المباحث الأولى اسم «علم المعاني» وعلى الثانية «علم البيان»؛ ~~أقبل الناس على هذا الكتاب يتدارسونه ويتنافسون في اقتنائه والانتفاع به. # وقد ألف ابن مالك الطائي - صاحب الألفية - من بعد السكاكي كتابا أسماه «المصباح في علوم ~~البلاغة» لم يحظ بشيء من الشهرة التي حظي بها «المفتاح»، وقد طبع. # ثم جاء الإمام محمد بن عبد الرحمن القزويني المعروف بالخطيب، المتوفى سنة 739ه، فلخص ~~القسم الثالث من المفتاح وهو قسم المعاني والبيان والبديع وسماه «تلخيص المفتاح»، ضمنه ما ~~في هذا القسم من القواعد، وجعله مشتملا على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد، وبذل جهده ~~في تحقيقه وتهذيبه ورتبه ترتيبا أقرب تناولا من أصله، ولهذا أقبل الناس عليه إقبالا ~~عظيما، ونال من الشهرة ما لم ينله كتاب غيره في بابه، فتناولته أقلام كبار العلماء بالشروح ~~والحواشي والتعاليق حتى أصبح ما كتب عليه يعد بالعشرات، وأشهرها شرح سعد الدين مسعود بن ~~عمر التفتازاني المتوفى سنة 791ه الذي أسماه «المطول»، وهو أشهر من نار على علم وإليه ~~المنتهى عند المشتغلين بالعربية من علماء الدين ولا سيما الأعاجم منهم، وقد اختصره بكتاب ~~مشهور أيضا اليوم بين المحصلين. ومن شروح التلخيص المشهورة «عروس الأفراح» للشيخ بهاء ~~الدين السبكي، و«الأطول» للشيخ عصام الدين. # وقد طبعت لهذا العهد مجموعة في خمسة مجلدات كبار تحتوي على طائفة من شروح التلخيص وعلى ~~كتاب الإيضاح للخطيب القزويني أيضا، وهو مرتب على ترتيب التلخيص ولكنه أوسع منه فهو كالشرح ~~له. وقد كان يعاصر الخطيب القزويني السيد يحيى بن حمزة ms092 العلوي أحد أمراء المؤمنين اليمانيين ~~توفي سنة 749ه، فألف في هذا الشأن كتابا جليلا أسماه «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة ~~وعلوم حقائق الإعجاز»، رتبه على ثلاثة فنون: جعل الفن الأول للمقدمات، ورسم الثاني للمباحث ~~المتعلقة بعلوم المعاني والبيان والبديع، وأفرد الثالث لبيان فصاحة القرآن وأسرار الإعجاز، ~~وقال: «إن الباعث على تأليف هذا الكتاب هو أن جماعة من الإخوان شرعوا علي في قراءة كتاب ~~الكشاف تفسير الشيخ العالم المحقق أستاذ المفسرين محمود بن عمر الزمخشري ... فسألني بعضهم أن ~~أملي فيه كتابا ... إلخ.» # وقال إنه لم يطالع من الدواوين المختلفة في هذا الشأن إلا كتبا يسيرة، وإنه لم يقف على ~~كتابي الجرجاني «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»، مع شدة شغفه بحبهما وإعجابه بهما ... ~~إلخ. # ولكن هذا الكتاب لم ينل من الشهرة ما ناله المفتاح وتلخيصه، وما كتب عليهما من الشروح، ~~والحواشي، والتعاليق. # وجاء الجلال السيوطي المتوفى سنة 911ه فكتب في هذا الشأن عدة كتب، أشهرها منظومته ~~المسماة «عقود الجمان في المعاني والبيان» وشرحها. # والمتتبع لحركة هذا العلم يجد أنه لم يتقدم من بعد السكاكي تقدما ذا شأن، وكل ما فعله ~~الخطيب القزويني أن هذب ما جاء به السكاكي وبوبه تبويبا يسهل تناوله على المتعاطين، وقرب ~~مسائله تقريبا كان السبب في إقبال الناس على كتابه والاعتماد عليه. # وكان العلماء من قبل السكاكي ينظرون إلى هذا العلم بنظر أوسع، وكانوا لا يرون حصره في ~~الدائرة التي حصروه فيها والأبواب التي قصروها عليه، فكانوا يرون أنه شامل لكل ما يبحث ~~فيه عن خواص الكلام التي ترفع من قدره والأسرار التي تكسبه نبلا، وهذه الأسرار وتلك ~~الخصائص أكثر من أن تتسع لها الأبواب التي اختطها لها السكاكي والقزويني ومن مشى على ~~أقدامهما. # فالمفتاح وتلخيصه والإيضاح وإن كانت أحسن من غيرها من حيث التبويب الفني والتنسيق العلمي ~~من الوجهة النظرية، إلا أن ما كتبه عبد القاهر الجرجاني ومن اقتفى أثره من العلماء أقوى ~~أثرا في تقويم الألسنة وتثقيف الأقلام من الوجهة العلمية، فالنوع الأول يتخرج به علماء في ~~فنون ms093 البلاغة، والثاني يتخرج به بلغاء حقا. # وقد ثبت بالتجربة أن معظم أولئك الذين يعتمدون في تحصيلهم على التلخيص وشروحه وحواشيه وما ~~إلى ذلك، يتعسر على أحدهم إن لم نقل يتعذر أن يكتب رسالة صحيحة فضلا عن أن تكون بليغة، وقد ~~بلغنا لهذا العهد أن شيخا من مشيخة هذا الشأن أكب على تدريس المطول ومختصره وحواشيهما ~~وحواشي حواشيهما أربعين سنة ونيفا، ثم شهد حفلا فطلب إليه الوالي أن يفوه بشيء من الدعاء ~~فما استطاع أن يلائم بين عبارتين أو يزاوج بين كلمتين صحيحتين فضلا عن كونهما ~~فصيحتين. # وأمثال هذا الشيخ البكيء من المتخرجين بمدرسة القزويني ليس بالعدد القليل. # ولما ظهرت طلائع النهضة الأدبية في مصر، ولاحت تباشير الإصلاح العلمي هناك، وأنشئت ~~جمعية إحياء العلوم العربية، كان على رأسها الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فرأى ما عليه ~~كتب المتأخرين من الجدب والجمود ، فرجع ببصره إلى آثار الأقدمين فوجد أن كتابي عبد القاهر ~~الجرجاني من أحسن ما أخرج للناس في موضوعهما، فبادر إلى تدريسهما في الجامع الأزهر، ~~فانتظم في حلقته إذ ذاك جماعة كبيرة من نبهاء الطلاب، وانضم إليهم طائفة من أهل العلم ~~والفضل؛ فكان لهذا العمل أثره الخالد، فقد تخرج بهذه الحلقة فئة ضربت في البلاغة بأيمن سهم ~~وأوفر نصيب، تزينت بها صدور المحافل ورءوس المنابر وحلقات المدارس، ولها الفضل الأوفر في ~~رفع منار الآداب، وتأييد دولة الأقلام في عصرنا هذا. # | البديع # أول من أبدع هذا الاسم لهذا العلم عبد الله بن المعتز، وهو أول من دونه ولاءم بين شتات ~~مسائله، فقد قال في صدر كتابه الذي ألفه فيه: «وما جمع قبلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى ~~تأليفه مؤلف، وألفته في سنة أربع وسبعين ومئتين، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر على هذا ~~فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع وارتأى غير رأينا فله اختياره ~~...» # وكان جملة ما جمعه من أنواع البديع سبعة عشر نوعا، وكان ممن يعاصره قدامة بن جعفر الكاتب ~~وقد جمع كتابا في البديع ms094 ضمنه عشرين نوعا، توارد مع ابن المعتز على سبعة أنواع وبقي له ~~ثلاثة عشر، فكان مجموع ما جاءوا به ثلاثين نوعا. وجمع أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين ~~سبعة وثلاثين نوعا، وجمع ابن رشيق القيرواني مثلها في عمدته، وجمع شرف الدين التيفاشي ~~سبعين نوعا، وأوصلها زكي الدين بن أبي الإصبع في كتاب التحرير إلى التسعين. والظاهر أن ~~أقدام المؤلفين ازدحمت حول هذا العلم منذ كان في المهد، فقد ذكر ابن أبي الإصبع أنه لم يؤلف ~~كتابه المذكور إلا بعد أن وقف على أربعين كتابا في هذا العلم أو بعضه. # ثم جاء صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750ه فنظم بديعيته الذائعة الصيت في مائة وخمسة ~~وأربعين بيتا اشتملت على مائة وواحد وخمسين نوعا، وقد جعل كل بيت منها مثالا لنوع، وربما ~~اتفق في البيت الواحد منها النوعان والثلاثة، والمعتمد منها ما أسس عليه البيت. # وقد اقتصر الصفي الحلي على نظم ما جمعه من الأنواع، وأغفل ما اخترعه هو نفسه منها، ~~وقد شرح بديعيته هذه شرحا مفيدا. # وكان يعاصر الشيخ صفي الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الهواري الأندلسي فنظم بديعيته على ~~وزن بديعية الحلي ورويها، تعرف ب «بديعية العميان» لأن ناظمها كان مكفوف البصر. ولا ~~يعلم أيهما السابق إلى النظم على هذا الغرار، وإن كان الحلي قد استوفى من الأنواع ما لم ~~يستوفه الأندلسي. # والذي نظنه أن الذي نبه الرجلين إلى سلوك هذا المنهج إنما هو الشيخ شرف الدين البوصيري ~~المتوفى سنة 695ه في قصيدته المشهورة المعروفة بالبردة أو البرأة، فإنها من أبلغ ما كتب ~~في مدح النبي # صلى الله عليه وسلم # وقد اشتملت من البديع على معظم أنواعه، وإن لم يتعمد ناظمها ما تعمده ~~الحلي والأندلسي من بعده من التزام استقصاء الأنواع البديعية، وقد اشتهرت هذه القصيدة في ~~زمن ناظمها اشتهارا طارت على أجنحته شرقا وغربا. ومما يزيد ظننا ترجيحا أن بديعتي ~~الرجلين جاءتا متفقتين مع بردة البوصيري وزنا ورويا وغرضا، فإن القصائد الثلاثة في مدح ~~النبي # صلى الله ms095 عليه وسلم # والبوصيري أسبق الثلاثة إلى هذا الغرض، بل هو ابن بجدته وزعيم جماعته، ~~والحلي ومعاصره الأندلسي ليسا المجليين في هذه الحلبة وهي نظم أنواع البديع بهذا ~~الأسلوب البديع، فقد سبقهما الشيخ أمين الدين علي بن عثمان السليماني الأربلي المتوفى سنة ~~670ه في لاميته التي مطلعها: # بعض هذا الدلال والإدلال # حال بالهجر والتجنب حالي # فإنه ضمن كل بيت منها نوعا من أنواع البديع أو أكثر. # ثم جاء قوم أرادوا أن يأتوا بما لم تستطعه الأوائل، فنظموا بديعيات التزموا في كل بيت ~~منها التورية باسم النوع الذي أسس عليه البيت، فإذا نظم أحدهم في حسن الابتداء وبراعة ~~الاستهلال مثلا يقول: # لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم # براعة تستهل الدمع في العلم # وإذا جاء حسن التخلص قال: # ومن غدا قسمه التشبيب في غزل # حسن التخلص بالمختار من قسمي # وقد أوقع هذا الالتزام ذويه في ورطة التعقيد والانحراف عن المنهج السوي للإفصاح عما في ~~الضمير. # وأول من التزم هذا في بديعيته الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته التي مطلعها: # براعة تستهل الدمع في العلم # عبارة عن نداء المفرد العلم # وتلاه الشيخ تقي الدين بن حجة الحموي المتوفى سنة 837ه في بديعيته التي كتب عليها شرحه ~~المعروف ب «خزانة الأدب». ثم تلاهما صدر الدين بن معصوم الحسيني المدني المتوفى سنة 1104ه ~~في بديعيته التي مطلعها: # حسن ابتدائي بذكري جيرة العلم # له براعة شوق يستهل دمي # وبديعيته هذه من أجود ما نظم من البديعيات التي التزم فيها أصحابها التورية باسم النوع ~~الذي يؤسس عليه البيت، ولقد كتب عليها شرحا موسعا أسماه «أنوار الربيع في علم البديع» ~~وهو أحسن كتاب جامع في هذا الباب، بل هو مجموعة أدب ثمينة عزيزة النظير. # وأغرب بديعية وقع عليها نظري بديعية للخوري أرسانيوس الفاخوري يمدح بها المسيح عليه ~~السلام والحواريين، ومع إفلاس صاحبها في هذه الصناعة التزم التورية بالنوع، فجاءت تئن سقما ~~وتتثاءب انحلالا وضعفا! وهاك نموذجا منها: # براعة المدح في نجم ضياه سمي # تهدي بمطلعها من عن ms096 سناه عمي # فلم أطابق على بعد الأحبة لي # إني أطابق في قربي لخدرهم # وهكذا تسمع ما شئت من سخف وهذيان، نسأل الله العافية! # هذا، ومن الواضح أن علم البديع يعتبر من ملحقات علمي المعاني والبيان أو من متمماتهما، ~~حتى إن بعضهم يطلق اسم البديع على هذه العلوم الثلاثة كلها، ولهذا نجد علماء البلاغة لا ~~يخلون كتبهم من ذكر طائفة من أنواع كما فعل الشيخ عبد القاهر في كتابيه، فإنك لتجد جملة من ~~هذه الأنواع منبثة في مطاوي ذينك الكتابين، وكذلك فعل السكاكي فإنه ألحق بعلمي المعاني ~~والبيان جملة صالحة من أنواع البديع، وتبعه الخطيب القزويني في ذلك. وبالجملة فإنك قلما تجد ~~كتابا في المعاني والبيان إلا وهو مذيل بطائفة من أنواع البديع، ونحن نذكر في صدر هذا ~~البحث الكتب التي ألفت في علم البديع على سبيل الاستدلال. # ولا نختم هذا الفصل قبل أن نذكر أن ما أولع به المتأخرون مما سموه بديعا قد خرج بهم إلى ~~عبادة الألفاظ والكفر بالمعاني، فإنهم نصروا الألفاظ نصرا مؤزرا وجعلوا لها سلطانا ~~أيما سلطان وخذلوا المعاني أيما خذلان، كل ذلك مراعاة لما سموه بديعا. وإن الإنسان ~~ليحار من هذا التصرف الشائن، يتعلقون بذنابى هذا العلم وهم عن الإفصاح الساذج قاصرون، ~~ويريدون أن يمتطوا صهوة هذا الشموس وهم عن ركوب الذلول العسيف عاجزون. # ولو كنا في صدد تحرير هذا المعنى لأتيناك بالعجاب من الأمثلة المضحكة المبكية في هذا ~~الباب، ولكنا في موقف المؤرخ فما علينا إلا أن نطوي هذه الصحيفة ونأخذ بعنان اليراعة ~~مبتهلين إليه تعالى أن يجعل عاقبة أمرنا خيرا! # | تأريخ الخط العربي # (1) تمهيدات ~~(1-1) موقع الخط ما قبل التاريخ # للموجودات التي تقع تحت الحس صور كثيرة ترجع في مجموعها إلى أربع: الصورة الأولى ~~عيانية، والثانية ذهنية، والثالثة لسانية، والرابعة خطية. مثال ذلك أنك ترى القلم ~~عيانا، ثم تتخيل صورته في ذهنك، ثم تضع لفظا يدل على الصورة الذهنية وهو كلمة ~~«قلم»، ثم تضع إشارات خطية مخصوصة تدل بها على ذلك اللفظ، فإذا رأيت ms097 حروف «قلم» ~~دلتك على اللفظ، وهذا اللفظ يدلك على الصورة الذهنية لهذه الأداة، وتلك الصورة ~~الذهنية مثال لهذه الأداة المرئية. # والصورتان العيانية والذهنية لا يختلف فيهما بنو الإنسان مهما تعددت شعوبهم ~~وقبائلهم، فالعربي مثلا يرى الشيء كما يراه الأعجمي ويتخيله كما يتخيله من غير ما ~~فرق. أما الصورة الثالثة وهي اللسانية فتختلف باختلاف الشعوب، فيضع العربي مثلا ~~لفظا للشيء ويضع الأعجمي له لفظا آخر، وهذا هو سر اختلاف اللغات، فالعربي يسمي ~~هذا الشيء الذي يدفع به العطش «ماء» والفارسي يسميه «آب» والتركي يسميه «صو». وهذا ~~غير مطرد فقد تشترك عدة شعوب بوضع لفظ واحد، فالعربي يسمي أداة الكتابة «قلما» ~~وكذلك يفعل التركي والفارسي. # وكذلك تختلف الصورة الرابعة وهي الخطية باختلاف اللغات، فالعربي يصور اللفظ بصورة ~~تختلف عن الصورة التي يصورها بها الفرنجي، فإذا أراد العربي أن يدل على لفظ «كوب» ~~صوره كما ترى، أما الفرنجي فيصوره هكذا # CUB ~~. وهذا ~~غير مطرد أيضا فقد تتفق شعوب كثيرة على استعمال حروف واحدة في تصوير لغاتها كما ~~يفعل العرب والفرس اليوم، وكما يفعل الإنكليز من يصاقبهم من شعوب أوروبا. وقد ~~يكتب اللفظ العربي بالحرف اللاتيني كما يكتب اللفظ الفرنجي بالحرف العربي، ~~ومنه يفهم أنه لا يلزم من اختلاف الخطوط اختلاف اللغات، كما لا يلزم من اختلاف ~~اللغات اختلاف الخطوط. ولا يخفى أننا نريد بالخط هذه النقوش والعلامات المسماة ~~بالحروف الدالة على الألفاظ. ~~(1-2) ما قبل التاريخ # أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن يعرف شيئا يصور به الألفاظ التي كان يتفاهم ~~بها، وقد كان يتوقف التفاهم بين الإنسان والإنسان على المواجهة والمشافهة أو توسيط ~~من يقوم بذلك، فإذا أراد إنسان أن يتفاهم مع آخر في بلدة أخرى فإما أن يقصده بنفسه ~~ليواجهه ويشافهه، وإما أن يرسل من يقوم بهذه المهمة نيابة عنه ... وقد اصطلح ~~المؤرخون على تسمية ذلك الطور بطور ما قبل التأريخ. ~~(1-3) الخط الصوري # ثم اهتدى الإنسان إلى طريقة يستغني بها عن المواجهة والمشافهة أحيانا، وتتلخص ~~بتصوير الشيء أو الحادثة ms098 تصويرا ساذجا، فإذا أراد مثلا أن يخبر صديقه بأن قافلة ~~وصلت المدينة يصور له المدينة تصويرا بسيطا وكذلك بعض الحيوانات والبشر الذين ~~تتألف منهم القافلة، فإذا أراد أن يبين أن القافلة وصلت نهارا يصور الشمس مطلة على ~~القافلة، أو ليلا يصور القمر مثلا أو بعض الكواكب. وقد أطلق بعض المؤرخين على هذه ~~الطريقة اسم الخط الصوري. ~~(1-4) أمهات الخطوط # غبر الإنسان على هذه الطريقة حينا من الدهر، ثم أخذت تتطور من حال إلى حال حتى ~~كثرت المصطلحات وتشعبت المسالك، وأخذ كل جماعة من البشر يتواطئون فيما بينهم على ~~علامات ونقوش يرمزون بها إلى مرادهم، ويمكن رد تلك المسالك إلى أربعة ~~أصول: ~~(1) # المسماري. ~~(2) # الحيثي. ~~(3) # الصيني. ~~(4) # المصري. # أما الأصل المسماري فقد جرى عليه البابليون والآشوريون ومن لف لفهم، وقد انقضى ~~عهده منذ أمد بعيد بانقضاء عهد تلك الأمم. # وأما الأصل الحيثي فقد جرى عليه سكان الشام القدماء، وقد رأى بعض علماء المشرقيات ~~أن الخط الحبشي والحميري وليد هذا الأصل، والجمهور على خلاف ذلك على ما ~~سترى. # وأما الأصل الصيني فقد تفرع عنه الياباني والمغولي وما إليهما، ولا تزال آثاره ~~ماثلة في الصين واليابان وما إليهما. # وأما الأصل المصري فأشهر فروعه الخط الفنيقي، ومن هذا تفرع معظم الخطوط المستعملة ~~الآن في الشرق والغرب وفي جملتها الخط العربي، ولهذا رأينا أن نتوسع بعض الشيء في ~~الكلام على هذا الأصل. # الخط المصري # كان للقدماء من وادي النيل خط ابتدعوه يستعملونه في شئونهم الخاصة والعامة، ~~وكان يومئذ أقرب الخطوط العالمية إلى السهولة لقلة عدد صوره واختصار رموزه، وقد ~~تشعب مع الزمن إلى ثلاثة أنواع: ~~(1) # الهيروغليف. ~~(2) # هيراطيق. ~~(3) # ديموطيق. # وكان النوع الأول خاصا برجال الدين وخدمة المعابد ومحرما على غيرهم، ~~فكانوا يكتبون به تعاليم ديانتهم ومأثور أدعيتهم وما إلى ذلك مما يتعلق ~~بعباداتهم ومعابدهم وكبراء عبادهم ورؤساء نحلتهم. # والثاني خاص برجال الدولة وعمالها. # والثالث خط الجمهور من أبناء الشعب، يتكاتبون به في شئونهم الخاصة والعامة في ~~متاجرهم ومصانعهم ومزارعهم. # ومن الخط المصري تفرع الخط الفنيقي مع إصلاح كبير ms099 أدخله الفنيقيون عليه. ~~وفي الحق أن للفنيقيين الفضل الأعظم في تسهيل هذه الصناعة على بني الإنسان، ~~فإنهم مع احتذائهم المصريين في تقليل عدد الحروف والانتفاع ببعض أشكالها، ~~ابتدعوا طريقة واضحة سهلة كان لها الأثر الحسن في تسهيل هذه الصناعة على معظم ~~الشعوب المتمدنة في ذلك العهد، ولم يزل أثرها ماثلا في الشرق والغرب. ~~(1-5) الطريقة الفنيقية # قال بعض المؤرخين: «كان الفنيقيون أكثر الناس اشتغالا بالتجارة ومخالطة ~~للمصريين فتعلموا حروف كتابتهم، ثم وضعوا لأنفسهم حروفا خالية من التعقيد ~~لاستعمالها في المراسلات التجارية، وقد أخذوا من حروف المصريين خمسة عشر حرفا مع ~~تعديل قليل ... وأضافوا إليها باقي الحروف، فكونوا كتابة سهلة اشتهرت بواسطتهم في ~~آسية وأوروبا، ووضعوا للحروف أسماء تشبه مسمياتهم الأصلية لأشكال الحروف.» ~~ا.ه. # ومعنى هذا أنهم لحظوا مخرج كل حرف على حدته، ثم عمدوا إلى لفظة مبدوءة بذلك الحرف ~~فصوروا معناها أو جزءا من ذلك المعنى، واعتبروا هذه الصورة رمزا لذلك الحرف، مثال ~~ذلك أنهم بعد أن لحظوا مخرج العين من الحلق عمدوا إلى لفظة تبدأ بذلك المخرج وهي ~~لفظة عين فصوروا معناها هكذا «5»، واعتبروا هذه الصورة دالة على ذلك الحرف أينما ~~حل، وكذلك فعلوا في سائر المخارج كما تراه واضحا في الجدول الآتي (ص56 من كتاب ~~حفني ناصف.) # واختراعهم هذا يعتبر من أجدى الاختراعات التي يعود لها الفضل الأول في خدمة ~~العقل الإنساني وإنهاض المعارف والعلوم، وهذا من غير شك مفخرة من مفاخر العرب ~~الأولين وقبس من نورهم الذي أضاء السبل لبني البشر حينا من الدهر ولا يزال ~~يضيء. # فروع الخط الفنيقي # تفرع من هذا الخط معظم الخطوط العالمية المعروفة لهذا العهد، وأشهر تلك ~~الفروع: ~~(1) # اليوناني. ~~(2) # العبري. ~~(3) # الآرامي. ~~(4) # المسند. # ومن اليوناني ونريد به اليوناني القديم تفرعت جميع الخطوط الأوروبية المعروفة ~~لهذا العهد، وكذلك تفرع منه الخط القبطي. # ومن العبري القديم تفرع الخط السامري. # 1 # ومن الآرامي تفرعت الخطوط الهندية والخط الفهلوي # 2 # والعبري المربع والتدمري والسرياني والنبطي. # أما المسند فقد تفرع عنه الخط الحبشي والخطوط العربية المعروفة لهذا العهد ms100 ~~على ما ذهب إليه مؤرخو العرب، قالوا: إن ثلاثة من قبيلة # 3 # طيئ كانوا يسكنون الأنبار ابتدعوا خطا أسموه بذلك، لأنهم اقتطعوه ~~من المسند، والجزم هو القطع. # | تعريف ببعض الأعلام الهامة الواردة في الكتاب # (1) الخليل بن أحمد # إذا افتخرت الأمم بالأفذاذ من رجالها الذين رفعوا مشعل العلم عاليا فأناروا للعقول ~~مناهجها وضاعفوا لذاتها ومباهجها، حق للعرب أن يكونوا المجلين في هذه الحلبة، ~~ولهم من تاريخ المعارف الإنسانية شواهد خوالد تسطع أنوارها وتتجدد على الزمن آثارها. ~~فتأريخ النتاج العقلي يفيض بما للعقل العربي من خصب في الإنتاج، وبراعة في الاختراع، ~~ودقة في الإبداع، وسعة في التحقيق، وإنعام في التدقيق، مع صدق في القول وأمانة متناهية ~~في النقل. # ومن بين أولئك الأفذاذ الذين أقاموا للعلم مناره ورفعوا لواءه في سماء الرافدين ~~الخليل بن أحمد البصري. ~~(1-1) نسب الخليل # من أشهر قبائل اليمن قبيلة الأزد التي منها غسان والأوس والخزرج اللتان عرفتا ~~بعد الإسلام بالأنصار، ومن بطون هذه القبيلة الفراهيد، وكان الكثير من أفخاذها يقطن ~~عمان والبصرة. وقد أنجبت عددا كبيرا من المشاهير، كان في الطليعة منهم المترجم ~~وهو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم البصري الفراهيدي اليحمدي، ~~وبعضهم يقول: الفرهودي. قال الأصمعي: سألت الخليل بن أحمد ممن هو؟ فقال: من أزد ~~عمان من فراهيد، قلت: وما فراهيد؟ قال: جرو الأسد بلغة عمان. ا.ه. ~~(1-2) مولده ونشأته # ولد الخليل في البصرة حوالي سنة 100ه ونشأ بها وترعرع فيها وهي يومئذ مهد ~~العربية ومطلع أقمارها وينبوع فياض بالمعارف ولا سيما الأدبية منها، فشب بين مربدها ~~الذي أصبح عكاظ العرب بعد الإسلام وحلقات أدبائها الذين كانوا مصابيح الدجى ونجوم ~~الهدى، فاقتطف من أزاهير المعارف ما شاء أن يقتطف، واجتنى من يانع ثمارها ما راق ~~منظره وطاب مخبره، وبرز على أقرانه أيما تبريز، ومن أشهر مشايخه في الأدب أبو عمرو ~~بن العلاء. ولما آنس من نفسه الكفاية رأى أن أخذ العربية عن الحضريين من العلماء ~~والمترددين إلى الحواضر من الأعراب الذين لانت ms101 سلائقهم وضعفت طباعهم، لا يوصل إلى ~~اليقين ولا يهدي إلى مهيع الصواب، وعلم أن التبحر في هذا الشأن لا يتيسر إلا ~~بمشافهة الأعراب الخلص الذين توقحت سلائقهم وصفت عربيتهم، ومعايشتهم في ديارهم. ~~فشد الرحال وضرب في كبد الجزيرة، وطفق يفلي ناصية الفلاة ويتنقل في الأحياء التي ~~حلت في سرة البادية ولم يكدر صفاء لغتها مخالطة حمراء الأمم وصفرائها، كقيس وتميم ~~وأسد وغيرهم ممن خلصت عربيتهم، فكان يلتقط ما يعثر عليه من: درر كلامهم، وفرائد ~~خطبهم، ونوادر أخبارهم، وعيون أشعارهم، وجليل آثارهم. فما عاد إلى وكره حتى وعى في ~~حافظته أدبا غضا وعلما جما، كما أوقر راحلته رقاقا وطروسا ومهارق حشد فيها ~~شوارد النثر وفرائد النظم. فكانت تلك المنقولات عدته في استخراج المسائل، وبناء ~~القواعد، وتبويب اللغة، وتصحيح القياس، والإكثار من الشواهد، والتوسع في إبداء ~~البراهين. ~~(1-3) عقله # كان الخليل آية من الآيات في الذكاء، ودقة التصور، وتوقد الفطنة، وصدق الحدس، ~~وسعة الحافظة، وقوة الذاكرة، ورجاحة العقل، حتى كانوا يقولون: «لا يجوز على الصراط ~~أحد بعد الأنبياء أدق ذهنا من الخليل»، ولا حاجة بنا إلى برهان أنصع من هذه ~~المبتكرات التي أخرجها للناس كما سيمر بك بعد. وقد نقل أهل العلم عنه حكايات في هذا ~~الشأن تتجاوز حد التصديق لولا ثقة رواتها وتكاثر نقلتها، من ذلك أنه جاءته رسالة ~~عربية مكتوبة بالحرف السرياني فقرأها وهو لا يعرف شيئا عن الحرف السرياني، ولكنه ~~استعان بما عرف أنها تصدر عادة بالبسملة والحمدلة ونحوهما. # قال الرواة: اجتمع الخليل وعبد الله بن المقفع ليلة يتحدثان إلى الغداة، فلما ~~تفرقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلا علمه أكثر من عقله، وقيل ~~لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: رأيت رجلا عقله أكثر من علمه. وقال حمزة بن ~~حسن الأصفهاني: # إن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب ~~أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض، لا عن حكيم أخذه ~~ولا على مثال تقدمه احتذاه. فلو ms102 كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لشك فيه بعض ~~الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا من اختراعه العلم الذي ~~قدمت ذكره، ومن تأسيس بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة، ~~ثم من إمداده سيبويه من علم النحو بما صنف منه كتابه الذي هو زينة لدولة ~~الإسلام. ~~(1-4) مبتكراته # لقد أبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، واخترع علوما أعجزت المتقدمين كما بهرت ~~المتأخرين، فلا عجب إذا سميناه «شيخ المبتكرين من العرب». # علم العروض: # لو لم يكن للخليل من المبدعات إلا هذا العلم لكفاه منقبة، ~~فإنه لعمري أبدع في تنسيق قواعده وضبط أبوابه، كما بهر الألباب ~~باختراعه، فقد حصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر ~~بحرا على كيفية أدهشت الفطن وحيرت الأفئدة. ونحن نعلم أن كل مبتكر ~~يعتريه في بادئ الأمر الاضطراب ويحف بالنواقص، فلا تستقيم قناته ~~ويلبس الحلة التي تليق به إلا بعد أن تختلف العقول على صقله وتثقيف ~~أوده حينا من الدهر سنة الله في خلقه، ولكنا رأينا علم الخليل ~~بلغ الرشد يوم ولادته، فلم يستدرك عليه من جاء بعده بابا أهمله، ~~أو قاعدة أخل بها، أو فصلا ذهل عنه، أو اصطلاحا غيره خير منه، ~~إلا ما كان من أمر البحر الذي زاده تلميذه الأخفش وسماه «الخبب»، ~~ولا يعسر رد هذا البحر إلى واحد من بحور الخليل. # الشكل: # كان الخط في صدر الإسلام خلوا من الشكل والإعجام، فوضع أبو ~~الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69ه علامات للحركات الثلاث، فجعل ~~علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة تحته، والضمة بين يديه، وجعل ~~التنوين نقطتين، كل ذلك بمداد يخالف مداد الحرف. فلما وضع نصر بن ~~عاصم ويحيى بن يعمر بأمر من الحجاج نقط الإعجام اضطرب الأمر واشتبه ~~الإعجام بالشكل، فتصدى الخليل لإزالة هذا اللبس فوضع الشكل على ~~الطريقة المعروفة اليوم، وبنى ذلك على مقاييس مضبوطة وعلل دقيقة، ~~بأن جعل للفتحة ألفا صغيرة مضطجعة فوق الحرف، وللكسرة رأس ياء ~~صغيرة تحته، وللضمة واوا صغيرة فوقه، فإذا كان ms103 الحرف المحرك ~~منونا كرر الحرف الصغير فكتب مرتين فوق الحرف أو تحته، ذلك ~~لأن الفتحة جزء من الألف، والكسرة جزء من الياء، والضمة جزء من ~~الواو. ووضع للتشديد رأس شين بغير نقط « »، ووضع للسكون دائرة ~~صغيرة وهي الصفر من الأرقام العربية القديمة وذلك لأن الحرف الساكن ~~خلو من الحركة. ووضع للهمزة رأس عين «ء» لقرب الهمزة من العين في ~~المخرج هكذا قالوا، والذي أراه أن هذه الشكلة إنما هي الميم ~~المتوسطة في لفظ «همزة»، لأنك إذا كتبت هذا اللفظ وحذفت الهاء من ~~أوله والزاي والتاء من آخره ظهرت هذه الشكلة واضحة. ووضع لألف ~~الوصل رأس صاد هكذا «ص»، توضع فوق ألف الوصل مهما كانت الحركة ~~فيها، وللمد الواجب ميما صغيرة مع جزء من الدال هكذا « ». فكان ~~مجموع ما تم له وضعه ثماني علامات: الفتحة، والكسرة، والضمة، ~~والسكون، والشدة، والهمزة، والصلة، والمدة، كلها حروف صغيرة أو ~~أبعاض حروف بينها وبين ما دلت عليه أجلى مناسبة وأوضح صلة، بخلاف ~~علامات أبي الأسود وأتباعه فإنها مجرد اصطلاح لم يبن على مناسبة ~~بين الدال والمدلول. وألف الخليل في هذا الموضوع كتابا نفيسا، ~~فلم يزد أحد على طريقته هذه شيئا ولا أصلح منها رأيا، فكأنه ~~ابتدأها وبه ختمت. # الموسيقا: # لم يكن الخليل يعرف لغة أجنبية، وليس فيه ميل إلى اللهو والقصف، ~~ولكنا رأيناه ألف كتابا في الموسيقا جمع فيه أصناف النغم وحصر ~~أنواع اللحون، وحدد ذلك كله ولخصه، وذكر مبالغ أقسامه ونهايات ~~أعداده، فصار الكتاب آية في بابه. ولما وضع إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي كتابه في النغم واللحون عرضه على إبراهيم بن المهدي فقال ~~له: أحسنت! ... فقال إسحاق: بل أحسن الخليل لأنه جعل السبيل إلى ~~الإحسان. فقال بعض أهل العلم: إن مهارة الخليل في علم الألحان هي ~~التي أعانته على إبداع علم العروض. ~~(1-5) كتاب سيبويه من وحي الخليل # الخليل أول من فتق معاني النحو، وضبط أصوله، وبسط فروعه، واستخرج علله وأسبابه، ~~ووسع فصوله وأبوابه، وأوضح سبيله، وعبد مناهجه حتى بلغ أقصى غاياته، ولكنه ترفع ms104 ~~عن التأليف فيه لأنه منهل كثر وراده، فأوحى إلى تلميذه وخريجه «سيبويه» من دقائق ~~مسائله وبنات أفكاره وأبكار تصوراته ما جعله حريا بأن يشار إليه بالبنان، ~~وجديرا بوضع كتابه المشهور الذي أصبح للنحاة إماما يقتدون به ويهتدون بهديه، ~~فمعظم ما في الكتاب مغترف من سلسال علم الخليل، ومقتبس من مصباح ذكائه، وكلما ~~قال سيبويه «سألته» أو «قال» من غير أن يذكر أحدا فإنه يعني «الخليل». ~~(1-6) كتاب العين أو «أبو المعاجم كلها» # علمنا أن الخليل قد طالت صحبته لخلص الأعراب وكثرت إقامته بين ظهرانيهم، ثم إنه ~~كان يحج بين العام والعام وكان يقابل في طريقه إلى مكة فصحاء العرب وأقطاب بلغائهم، ~~فاجتمع لديه كثير من مفردات اللغة وفرائد دررها، فعزم على جمع ذلك في كتاب لم ~~يسبق إلى مثله، فرسم الخطة ورتب الأبواب على طريقة ابتدعها وأسلوب لم يسبق ~~إليه، وكان قد افتتحه بحرف العين فسماه «كتاب العين» على عادة الكتاب في ذلك العصر ~~فإنهم يسمون الكتاب بأول أبوابه ككتاب الجيم وكتاب الميم وكتاب الغين وكتاب الحماسة ~~وغيرها. وهذا الكتاب أول كتاب ألف في متن اللغة مرتبا على الحروف، جمع فيه ~~الخليل 12305412 كلمة بعضها مستعمل وأكثرها مهمل. والذي حدا به لذكر المهمل استيفاء ~~التقاسيم العقلية لكل كلمة، فمثلا كلمة «كتب» يحتمل في الكاف الفتح والضم والكسر ~~ويحتمل في التاء الحركات الثلاث والسكون، وثلاث في أربع اثنتا عشرة صورة فيذكر ~~الاثنتي عشرة صورة ويقول: هذه الصورة مستعملة لمعنى كذا، وهذه الصورة لم تستعملها ~~العرب، وقد جمع الخليل في كتابه هذا من غرر الشواهد، ونوادر الفوائد، وضروب الحصر، ~~ورصين القواعد، وجليل المسائل ما يعز وجوده في معجم غيره. على أنه تضاربت آراء ~~العلماء في نسبة هذا الكتاب إلى الخليل أو إلى بعض تلاميذه أو إلى الليث، وقد ألف ~~ابن درستويه كتابا خاصا في شرح هذا الخلاف، واستقصى الجلال السيوطي في المزهر ~~جميع ما دار في هذا الموضوع من أقوال. ولكن نحن لا نرتاب في أن الخليل هو الذي رسم ~~خطط هذا ms105 الكتاب، ورتب أبوابه ووضع حجر الزاوية بيده، أما أن غيره أكمله وزاد فيه ~~فذاك أمر محتمل، ولكنه لا يدفع الخليل عن كونه المجلي في هذه الحلبة، وأنه أول ~~واضع لمعاجم اللغة مرتبة على حروف المعجم، وأن من جاء من بعده إنما اقتبس من مصباحه ~~واهتدى بمناره. ولم يزل جمهور الأدباء وأرباب البحث لهذا العهد يظنون أن هذا المعجم ~~الجليل اغتالته أيدي الأيام فيما اغتالت من نفائس الأسفار وجليل الآثار، ولكن من ~~يمن الطالع أن عثر على نسخ منه أحد أدباء الحاضرة الهاشمية، فسعى البحاثة المشهور ~~صاحب «لغة العرب» بمقابلة تلك النسخ وتصحيحها باذلا الجهد في تحري الصواب على ~~عادته ثم شرع في طبعه، ولكن بعد أن أنجز منه بضع كراريس حالت الحال وعرضت دون ذلك ~~أهوال، ولا ندري هل بقي لتلك النسخ من أثر بعد أن تفرقت كتب الرجل أيدي سبأ ~~ومزقت كل ممزق ... جرى كل ذلك قبل نحو بضع وعشرين سنة. # وقد سلك الخليل في ترتيب حروف الهجاء مسلكا لم يسبق إليه، ذلك أنه رتبها حسب ~~المخارج مع تغيير طفيف فجاءت على هذا الوجه: ع ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ~~ر ل ن ف ب م و أ ي. # قال الخليل: «لم أبدأ بالهمزة لأنه يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف ~~لأنها لا تكون في ابتداء كلمة، ولا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء ~~لأنها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء، فوجدت ~~أنصع الحرفين فابتدأت بها ليكون أحسن في التأليف.» ا.ه. ~~(1-7) هل كان الخليل يقرض الشعر؟ # قالوا: كان ينظم البيتين والثلاثة كما سيأتي، وروى الأثبات أنه سئل لماذا لا ~~تقرض الشعر مع سعة علمك بالعربية وتبحرك في علومها؟ قال: «يأباني جيده وآبي رديئه»، ~~وهذا الجواب على إيجازه غاية في البلاغة وآية في الحكمة وحصافة الرأي. ~~(1-8) مؤلفاته # للخليل مؤلفات أبدع فيها أيما إبداع، ولم يحتذ ms106 في تأليفها وتبويبها حذو من سبقه ~~من أهل العلم، والذي يجيل النظر في سيرة هذا الرجل يتبين له أنه كان يربأ عن سلوك ~~المناهج المعبدة في كل ما يكتب ويصنف، ولذلك كان يسلك في التأليف طرقا خاصة يؤم ~~فيها الناس ولا يأتم بأحد، فمن تصانيفه: ~~(1) # كتاب العين، وقد مر بك بعض أوصافه. ~~(2) # فائت العين. ~~(3) # كتاب الإيقاع، وهو في الموسيقا العربية، ويظهر من مراجعة فهارس ~~المؤلفات في هذا الباب أن الخليل يعتبر مجلي الحلبة في هذا ~~المضمار. ~~(4) # كتاب النغم، وهو في الموسيقا العربية. ~~(5) # كتاب الجمل. ~~(6) # كتاب الشواهد. ~~(7) # كتاب العروض. ~~(8) # النقط والشكل، وقد أشرنا إليه آنفا. وذكر الفاضل جورجي زيدان في ~~كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية» ما نصه: «في المكاتب الكبرى في ~~أوروبا مما ينسب إلى الخليل: ~~(أ) # كتاب في معنى الحروف، في مكتبة ليدن ومكتبة ~~برلين. ~~(ب) # كتاب شرح حروف الخليل، في مكتبة برلين قطعة منه. ~~(ج) # كتاب جملة آلات العرب، في مكتبة أيا صوفيا في ~~الآستانة. ~~(د) # قطعة من كلام عن أصل العقل ، في مكتبة أكسفورد بودليان ~~...» ~~(1-9) زهده وورعه # كان الخليل من أولئك الفلاسفة الذين نظروا إلى هذا العالم نظرة الازدراء، ولم ~~تخدعهم بهرجته، ولا غرتهم زخارفه، أجل كان الخليل أحد زهاد الدنيا المتبتلين إلى ~~الله تبتيلا، ومن أنصع البراهين على ذلك أن أمير الأهواز «سليمان بن علي» أرسل ~~إليه يلتمس منه الشخوص ليقيم بحضرته ويؤدب أولاده، فأخرج الخليل للرسول خبزا ~~يابسا وقال: كل فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان. فقال ~~الرسول: فماذا أبلغه؟ فقال له: # أبلغ سليمان أني عنه في سعة # وفي غنى غير أني لست ذا مال # شحا بنفسي إني لا أرى أحدا # يموت هزلا ولا يبقى على حال # والفقر في النفس لا في المال نعرفه # ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال # وكان سفيان بن عيينة يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل من الذهب والمسك فلينظر إلى ~~الخليل. وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر ms107 على ~~فلسين وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال الطائلة. # ومن أوابد حكمه: # وقبلك داوى المريض الطبيب # فعاش المريض ومات الطبيب # فكن مستعدا لدار الفنا # ء فإن الذي هو آت قريب # وبالجملة فقد كان الخليل أحد حسنات هذه الأمة وقمرا من أقمارها ودرة في تاج ~~مفاخرها. ~~(1-10) وفاته # اختلف المؤرخون في السنة التي انتقل فيها الخليل إلى جوار ربه، فذهب جمهورهم إلى ~~أنه توفي سنة 170ه، وقال آخرون: سنة 175ه، وقال بعضهم: سنة 160ه. وأغرب خطأ وقع ~~في ذلك هو قول ابن الجوزي في كتابه «شذور العقود» إنه مات سنة 130ه، وهو منقول عن ~~الواقدي. قال المحقق ابن خلكان: إنه خطأ قطعا والصواب ما أثبتناه أولا. # وكانت وفاته في البصرة مسقط رأسه، فكانت البصرة مشرق هذا الكوكب الوقاد ومغربه، ~~وقد ضمته تربتها إلى من ضمت من أعلام العلم، وأقمار الفضل، ونجوم الهدى، ورجال ~~التقى الذين حلوا الآداب بأنفس الحلى، ونهضوا بالمعارف الإنسانية إلى مراتب ~~العلا، فكانوا للعلم جمالا، وللتاريخ أبهة وجلالا، رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~ولقاهم في دار رضوانه تحية وسلاما ! ~~(2) ابن الأنباري # هو أبو بكر محمد بن القاسم، من أهل الأنبار، كان أبوه محمد الأنباري من أهل الأخبار ~~والنحو فتلقى العلم عنه وعن ثعلب، وكان مضرب المثل بسرعة الخاطر وقوة الذاكرة، وكان ~~يملي علمه من حفظه في ناحية من المسجد في بغداد. ويقول أبو علي القالي عنه إنه كان يحفظ ~~ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن الكريم، وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، فكم تحفظ؟ ~~فقال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا، وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن ~~بأسانيدها. وكان لسعة علمه يطيل التأليف إذا كتب، قالوا إنه كتب كتابه «غريب الحديث» في ~~45000 ورقة وشرح الكافي في 1000 ورقة. # وقد ألف في النحو واللغة والأدب والقرآن ~~والحديث، وتوفي سنة 327 وقيل 328ه. وله كتب كثيرة، ومما وصلنا منها: كتاب الأضداد في ~~النحو، وكتاب الزاهر في معاني كلمات الناس، وشرح المفضليات، وكتاب الإيضاح في الوقف ~~والابتداء، وكتاب الهاءات في كتاب الله. ms108 # ويعرف بابن الأنباري أيضا «أبو البركات» عبد الرحمن بن محمد الأنباري الملقب بكمال ~~الدين النحوي، وكان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، سكن بغداد من صباه، وبقي بها ~~إلى أن توفي سنة 557ه، قرأ النحو بالمدرسة النظامية، ثم صار مدرسا بها، وصنف كتاب ~~أسرار العربية في النحو، وكتاب الميزان فيه أيضا، وكتاب طبقات الأدباء، وانقطع في آخر ~~عمره للعبادة والعلم، وترك الدنيا وأهلها ومجالسها، وبقي حميد السيرة حتى توفي، ~~وكانت ولادته عام 513ه. ~~(3) ابن جني # هو أبو الفتح عثمان بن جني، ولد في الموصل حوالي عام 300ه، كان أبوه مملوكا ~~روميا لسليمان بن فهد الأزدي، تنقل بين حلب وفارس، وعاش في بلاط سيف الدولة حينا، ~~وفي بلاط عضد الدولة حينا. درس على أبي علي الفارسي البصري وصحبه نحوا من أربعين ~~عاما وبقي معه حتى توفي. تعرف على أبي الطيب المتنبي، وعاش معه حينا في بلاط سيف ~~الدولة، وتوثقت الصلة بينهما، وقد شرح ديوان المتنبي شرحا استفاد منه كل شراح الديوان ~~بعده لأنه لعشرته للمتنبي عرف الظروف والمناسبات التي أحاطت شعره، وكان أبو الطيب ~~المتنبي يجله ويقول: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.» ولابن جني اطلاع واسع في ~~العربية فمن كتبه: سر الصناعة، وأسرار البلاغة في الحركات وأحرف العربية، وله كتاب ~~«الخصائص في علم أصول العربية». على أن ابن جني قد شهر بالنحو، واتخذ له منهجا وسطا ~~بين مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة، وكان ماهرا في التصريف، ماهرا في التعليل والقياس، ~~ويقول عنه الباخرزي في «دمية القصر»: «ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح ~~المشكلات ما له، ولا سيما في علم الإعراب.» # وله شعر، على أنه شعر العلماء لا شعر الشعراء المطبوعين، من هذا قوله في أصله ~~الرومي: # فإن أصبح بلا نسب # فعلمي في الورى نسبي # على أني أؤول إلى # قروم سادة نجب # قياصرة إذا نطقوا # أرم # 1 # الدهر ذو الخطب ~~(4) ابن خالويه # هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، همداني الأصل، دخل بغداد عام ms109 314ه، درس ~~النحو والأدب على ابن دريد وابن الأنباري ونفطويه وأبي عمر الزاهد، ودرس الحديث على ~~محمد بن مخلد العطار. وانتقل إلى الشام، ثم أقام بحلب واتخذها وطنا له، وتقرب من آل ~~حمدان. وقد شهر بالنحو، واتخذ له مذهبا وسطا بين مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين، ~~وكان ذائع الصيت في التدريس، وقد حظي عند سيف الدولة الحمداني حتى اتخذه مؤدبا ~~لأولاده. وكان يقرض الشعر، وله مناظرات مع أبي الطيب المتنبي؛ أنشد المتنبي قصيدته التي ~~مطلعها: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه # بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # وهي أول قصيدة أنشدها المتنبي لسيف الدولة، وكان ابن خالويه حاضرا في مجلس سيف ~~الدولة فقال للمتنبي: تقول أشجاه وهو شجاه؟ فقال له المتنبي: «اسكت، ليس هذا من علمك، ~~إنما هو اسم لا فعل»، وللنحاة جدل طويل حول بيت أبي الطيب هذا، وابن خالويه ظن أن ~~المتنبي يعني بأشجاه: من شجاه يشجوه شجوا وأن الهاء في «أشجاه» مفعول به، وأبو الطيب ~~عني به أفعل التفضيل ويكون الهاء مضافا إليه. # وتوفي ابن خالويه عام 370ه، ومن كتبه: كتاب ليس، ورسالة في إعراب ثلاثين سورة من ~~الكتاب العزيز ، وشرح مقصورة ابن دريد. وينسب إليه كتاب الشجر وكتاب العشرات. ~~(5) ابن دريد # هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، ولد في البصرة عام 223ه، ودرس على أبي ~~حاتم السجستاني والرياشي والأشنانداني وغيرهم، وحدثت مذبحة الزنج في البصرة ففر مع ~~عمه الذي كان يقوم بتربيته إلى عمان وأقام فيها اثني عشر عاما، ثم توجه إلى جهات فارس ~~وأقام عند بني ميكال وهم يومئذ عملة فارس وكتب لهم كتابه «الجمهرة في علم اللغة»، وهو ~~كتاب غريب اتبع في ترتيبه ترتيب الخليل في كتابه العين؛ بدأ بالثنائي ثم الثلاثي ~~فالرباعي فملحق الرباعي فالخماسي والسداسي وملحقاتهما، وجمع الألفاظ النادرة في باب ~~مفرد، ورتب كل طائفة من تلك الألفاظ على أبجدية الخليل، وطريقة التفتيش فيه غير مألوفة ~~عندنا، فإنه يأتي في باب الثلاثي مثلا في فصل العين بالأحرف الثلاثة التي أولها عين ~~مثل «ع ms110 ل ن»، ويأتي بمعانيها على اختلاف وضع أحرفها فيقول: «علن الأمر يعلنه علنا ... ~~واللعن: أصله الإبعاد ... والنعل: معروف، ونعل الفرس: ما أصاب الأرض من حافره»، وقد سماه ~~الجمهرة لأنه اختار فيه جمهور كلام العرب. # وكما كتب الجمهرة لآل ميكال كتب في مدحهم مقصورته المشهورة التي أكثر الناس معارضتها ~~وشرحها، وهي قصيدة طويلة يبلغ عدد أبياتها 229 بيتا، وقد جمعت الكثير من أخبار العرب ~~وحكمهم وأمثالهم. # وعزل آل ميكال عام 308ه وانتقلوا إلى خراسان، فارتحل ابن دريد إلى بغداد فأجرى ~~الخليفة المقتدر عليه خمسين دينارا في الشهر. وعمر ابن دريد طويلا، وأصابه فالج في ~~التسعين من عمره، وتوفي عام 321ه، ودفن في المقبرة المعروفة بالعباسية في ~~بغداد. # ويعد ابن دريد أكبر علماء عصره في اللغة وأقدرهم على نقد الشعر ونظمه، وكان يقال ~~له: «أعلم الشعراء وأشعر العلماء». وله من الكتب: كتاب السرج واللجام، وكتاب الخيل ~~الكبير، وكتاب الخيل الصغير، وكتاب السلاح، وكتاب الأنواء، وكتاب الملاحن. ~~(6) ابن السراج # هو أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد، وكان ~~المبرد يقربه فقرأ عليه كتاب سيبويه، وأخذ عنه جماعة من العلماء منهم أبو سعيد السيرافي ~~وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في كتابه الصحاح في مواضع عديدة. درس ~~الموسيقا ودرس النحو وعول على مسائل الأخفش والكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل ~~كثيرة، ولم تطل أيامه ومات شابا سنة 316ه. وله من الكتب: الأصول الكبير، وجمل الأصول، ~~والموجز، وشرح سيبويه، والاشتقاق، والشعر والشعراء، والجمل، والخط والهجاء، والرياح ~~والهوا والنار، ولابن السراج أبيات من الشعر، منها قوله: # حلفت لنا ألا تخون عهودنا # فكأنما حلفت لنا ألا تفي # والله لا كلمتها ولو انها # كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي # ويقولون إن المكتفي أثاب عبيد الله بن طاهر على هذه الأبيات ظنا منه أنها له لا ~~لابن السراج. والسراج: نسبة إلى عمل السروج. ~~(7) ابن سيده # هو الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل، وقيل: ابن محمد المرسي الأندلسي، كان أبوه ~~ضريرا يعلم ms111 اللغة، وكان هو ضريرا كأبيه، وقد أخذ العلم عنه وعن صاعد بن الحسن ~~البغدادي. وكان أعلم أهل زمانه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها. أقام ~~في مرسية وتوفي في دانية من أعمال الأندلس عام 458ه وله من العمر ستون سنة. # وهو آخر أصحاب المعاجم التي ظهرت في عصره وأعظمهم. له كتب كثيرة، منها: شرح الحماسة، ~~وشرح كتاب الأخفش، وله كتاب «المحكم في اللغة» وهو كتاب كبير رتب ألفاظه على ترتيب كتاب ~~العين ويمتاز بالضبط، وقد اختار شواهده من أوثق المصادر الشعرية وغيرها، وعليه عول ~~صاحب القاموس في تأليف كتابه، والكتاب مخطوط في المتحف البريطاني وفي دار الكتب ~~المصرية. # وله «المخصص» وهو مطبوع متداول، ومواده مرتبة على معانيها لا على حروفها، وهو أوفى ~~كتاب في بابه قد اجتمعت فيه الألفاظ المتشابهة والمتقاربة في معانيها أو المتفرعة بعضها ~~عن بعض في باب واحد. # وله كتاب «شرح مشكل المتنبي» مخطوط بدار الكتب المصرية. ~~(8) ابن قتيبة # هو أبو عبد الله محمد بن مسلم، ولد بالكوفة سنة 213ه، وتثقف على أهلها، وسكن بغداد، ~~ثم ولي القضاء في «دينور» فنسب إليها، واشتغل بالتدريس في بغداد وتوفي بها عام ~~276ه. كان راوية صادقا فيما يرويه، وكان حر الرأي جريئا في أحكامه، عالما باللغة ~~والشرع، ويعتبر في النحو إمام مدرسة بغداد النحوية التي خلطت مذهب مدرسة البصرة بمذهب ~~مدرسة الكوفة، واشترك في مناقشة عصره الكلامية، ومع أنه دافع عن القرآن والحديث ضد نزعة ~~الشك الفلسفي وحمل على رجالها إلا أنه اتهم مع ذلك بالزندقة، ويقولون إنه ألف كتابا ~~في الرد على المشبهة ليدرأ عن نفسه تهمة الانتساب إليهم. وأهم تصانيفه الأدبية كتابه ~~أدب الكاتب، ومن مصنفاته غريب الحديث، وله: عيون الأخبار، وكتاب المعارف، وكتاب الإمامة ~~والسياسة، وكتاب مشكل القرآن، والمشتبه من الحديث والقرآن، وتأويل مختلف الحديث. # ومما يذكر عن ابن قتيبة أنه عاصر الجاحظ وكان يكرهه، وقد ذكر في كتابه «تأويل مختلف ~~الحديث» بأن الجاحظ يذكر حجج النصارى في الرد على المسلمين بأقوى مما يذكر الرد ms112 عليهم، ~~وأنه يستهزئ بالحديث كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض ~~فسوده المشركون وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا، وأنه كذاب يضع الحديث ~~وينصر الباطل، وأنه ملأ كتبه بالمضاحيك والعبث يريد بذلك استمالة الأحداث وشراب ~~النبيذ. وربما كان سبب الخصومة بينهما أن الجاحظ معتزلي متكلم وابن قتيبة من أهل السنة ~~والنزاع بين الطائفتين شديد عنيف. ~~(9) ابن النحاس # هو بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد، ولد بحلب سنة 627ه، وهاجر إلى مصر عندما ~~خربت حلب، بعد أن سمع من ابن المثنى والموفق بن يعيش وغيرهما، وجلس للإفادة في مصر، ~~وتخرج به جماعة من الأئمة الفضلاء. كان ذكيا ذا خبرة بالمنطق، فيه ظرف النحاة ~~وانبساطهم، وكان حسن الأخلاق له صورة كبيرة في صدور الناس حتى كان بعض القضاة إذا انفرد ~~بشهادة حكمه فيها وثوقا بدينه، وكان معروفا بحل المشكلات والمعضلات. وقد درس ~~بالمنصورية، وولي تدريس التفسير بالجامع الطولوني، ولم يصنف شيئا إلا ما أملاه شرحا ~~لكتاب المقرب، وكان أبو حيان من تلاميذه. توفي سنة 698ه. ~~(10) أبو حيان # هو أثير الدين محمد بن يوسف الغرناطي، بربري الأصل، ولد في غرناطة عام 654ه، ودرس ~~النحو والحديث فيها ، وتنقل في شمال أفريقية ومصر، واتجه إلى الحجاز وأدى فريضة الحج، ~~ثم عاد إلى القاهرة وأخذ يدرس الحديث في المدرسة المنصورية فيها. # كان ظاهري المذهب حتى لقد قال عنه ابن حجر إنه كان ظاهريا حتى في النحو. وربما كان ~~قصده من قوله هذا أنه كان شديد التمسك بآراء النحويين الأوائل كسيبويه مثلا. # وقد شهر أبو حيان هذا بالنحو، على أنه كانت له مصنفات في علوم القرآن والحديث، ~~ويقولون إنه كتب كتابا في تاريخ الأندلس يقع في ستين مجلدا. # كان أبو حيان أعجوبة زمانه في كثرة التأليف، حتى قالوا إن مؤلفاته قد بلغت الخمسة ~~والستين عددا، على أن الذي وصلنا منها لا يزيد على العشرة. وكان أعجوبة زمانه في سرعة ~~تعلم اللغات؛ فهو بربري الأصل كما مر أتقن العربية وبرز في ms113 نحوها، وأتقن الفارسية وصنف ~~كتابا في نحوها، وأتقن الكردية وصنف كتابا في نحوها، وكتابه هذا كان ذا فائدة جليلة ~~طبع بالقسطنطينية واسمه «الإدراك في لسان الأتراك»، وتعلم الحبشية وكتب رسالة لم ~~يتمها فيها. وتوفي بالقاهرة عام 745ه. ~~(11) أبو الأسود الدؤلي # هو ظالم بن عمرو، منسوب إلى دئل وهي بطن من كنانة، قال الجاحظ: «أبو الأسود معدود في ~~طبقات من الناس وهو في كلها مقدم مأثور عنه الفضل في جميعها؛ كان معدودا في التابعين، ~~والفقهاء، والشعراء، والمحدثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والدهاة، والنحويين، ~~والشيعة، والبخلاء.» كان أبو الأسود ثقة في حديثه، روى عن عمر وعلي وابن عباس وأبي ذر ~~وغيرهم، على أنه كان أكثر الناس تعلقا بعلي وعنه أخذ علم النحو كما مر بك. وقد ولي ~~قضاء البصرة، وقد أدرك أول الإسلام وشهد بدرا، وتوفي بالطاعون عام 69ه وله من العمر ~~85 سنة. ولأبي الأسود شعر أكثره في الحكمة والأدب. ويرى بعض الكتاب المحدثين أن الكثير ~~من هذه الأخبار التي أسندت لأبي الأسود قد وضعت عليه، حتى يقول المستشرق ~~ركندورف # Reckendorf # في مقالة عنه في دائرة المعارف ~~الإسلامية: «وليس حقا ما يقال عنه إنه واضع أصول النحو العربي. أما القصص التي ~~تروى عنه فليست مما يعلي من قدره، ولكن يؤخذ من أشعاره أن بعض هذه القصص على الأقل ~~قد أحكم تلفيقه.» ~~(12) أبو علي الفارسي # هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، واحد زمانه في علم العربية، أخذ ~~عنه الزجاج وابن السراج، وقال غير واحد من تلامذته إنه أعلم من المبرد. طوف في بلاد ~~الشام، وكان متهما بالاعتزال، ولجأ إلى الأمير البويهي عضد الدولة وصنف له كتاب ~~الإيضاح في النحو، والتكملة في التصريف، ويقال إن عضد الدولة حين حمل إليه أبو علي كتاب ~~التكملة قال: «غضب الشيخ وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو.» وكان عضد الدولة هذا أديبا ~~شاعرا، أورد له الثعالبي طائفة من القصائد، وقال ابن عباد في مدح بعض قصائده ما لا ~~يقال في شعر شاعر. كان ms114 أبو علي مع عضد الدولة هذا فقال له: بم ينتصب المستثنى؟ فقال ~~أبو علي: بتقدير «استثنى»، فقال له: لم قدرت «استثنى» فنصبت، هلا قدرت «امتنع زيد» ~~فرفعت؟ فقال: هذا جواب ميداني، فإذا رجعت قلت الجواب الصحيح. # ولما خرج عضد الدولة لقتال ابن عمه قال لأبي علي: ما رأيك في صحبتنا؟ فقال: أنا من ~~رجال الدعاء لا من رجال اللقاء، فخار الله للملك في عزيمته، وأنجح قصده في نهضته، وجعل ~~العافية رداءه والظفر تجاهه، والملائكة أنصاره! فقال له عضد الدولة: بارك الله فيك! ~~فإني واثق بطاعتك. # وكان يأخذ بالقياس ويعيره اهتمامه، حتى حكى عنه ابن جني تلميذه أنه كان يقول: أخطئ في ~~مائة مسألة لغوية، ولا أخطئ في واحدة قياسية. ومن تصانيفه: الحجة، والتذكرة، وتعليقة ~~على كتاب سيبويه، والمسائل الحلبية، والبغدادية، والقصرية، والبصرية، والشيرازية ~~وغيرها. # ويقول السيوطي إنه لم يقل من الشعر إلا ثلاثة أبيات، هي: # خضبت الشيب لما كان عيبا # وخضب الشيب أولى أن يعابا # ولم أخضب مخافة هجر خل # ولا عتبا خشيت ولا عتابا # ولكن المشيب بدا ذميما # فصيرت الخضاب له عقابا ~~(13) أبو علي القالي # هو أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان، وجده ~~سليمان هذا مولى لعبد الملك بن مروان. ولد القالي بمنازجرد من ديار بكر ونشأ بها، ~~ورحل إلى العراق لطلب العلم. والقالي نسبة إلى قالي قلا بلد من أعمال أرمينية، قال ~~القالي عن نفسه: «لما انحدرنا إلى بغداد كنا في رفقة كان فيها أهل قالي قلا، وهي قرية ~~من قرى منازجرد، وكانوا يكرمون لمكانهم من الثغر، فلما دخلنا بغداد نسبت إليهم ~~لكوني معهم وثبت ذلك علي.» # ودخل القالي بغداد سنة 303ه. وسمع الحديث على جملة من العلماء، منهم: عبد الله بن ~~محمد البغوي وأبو سعيد الحسن بن علي بن زكريا العدوي وأبو بكر عبد الله بن أبي داود ~~السجستاني، وقرأ النحو والعربية على ابن درستويه والزجاج والأخفش الصغير ونفطويه وابن ~~دريد وابن السراج وابن الأنباري وغيرهم. # ونبغ أبو ms115 علي في علوم اللغة وذاعت شهرته، فاستدعاه عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس ~~ووصل أبو علي إلى هناك فاستقبل استقبالا عظيما، وكان ولي العهد «الحكم» ووزراء ~~الخليفة من المستقبلين، وأكرم الناصر وفادة أبي علي وخصه بتعليم ابنه «الحكم»، وسمع ~~علماء الأندلس بسعة اطلاع أبي علي وطول باعه في اللغة وفنونها، فأقبلوا عليه يستفيدون ~~من محاضراته في اللغة والأدب، وكان يمليها من حفظه في أيام الأخمسة بقرطبة وفي المسجد ~~الجامع بالزهراء المباركة. ويقول ياقوت في معجمه: «وممن روى عن القالي أبو بكر محمد بن ~~الحسين الزبيدي النحوي صاحب كتاب مختصر العين، وأخبار النحويين، وكان حينئذ إماما في ~~الأدب ولكن عرف فضل أبي علي فمال إليه واختص به واستفاد منه وأقر له.» # ويقول الضبي في كتابه بغية الملتمس: «كان أحفظ أهل زمانه للغة، وأرواهم للشعر، ~~وأعلمهم بعلل النحو على مذهب البصريين وأكثرهم تدقيقا في ذلك.» # وانقطع أبو علي بقية عمره بالأندلس، وأملاه كتبه التي منها: كتاب الأمالي، وكتاب ~~الإبل، وكتاب حلي الإنسان، والخيل وشياتها، وكتاب مقاتل الفرسان، وكتاب تفسير السبع ~~الطوال. # وتوفي أبو علي بقرطبة سنة 356ه، ويروي بعضهم أنه كان مكتوبا على قبة قبره: # صلوا لحد قبري بالطريق وودعوا # فليس لمن وارى التراب حبيب # ولا تدفنوني بالعراء فربما # بكى إن رأى قبر الغريب غريب ~~(14) أبو القاسم «ابن القطاع» # هو أبو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المولد، المصري الدار والوفاة، كان أحد أئمة ~~الأدب خصوصا اللغة وله تصانيف مفيدة، منها: كتاب الأفعال، وكتاب أبنية الأسماء وفيه ~~دلالة على كثرة اطلاعه، وله كتاب الدرة الخطيرة في المختار من شعر شعراء الجزيرة، وكتاب ~~لمح الملح جمع فيه جماعة من شعراء الأندلس. # رحل من صقلية حين تملكها الإفرنج، ووصل إلى مصر فأكرمه أهلها، وله نظم لطيف ~~منه: # فلا تنفدن العمر في طلب الصبا # ولا تشقين يوما بسعدى ولا نعم # ولا تندبن أطلال مية باللوى # ولا تسفحن ماء الشئون على رسم # فإن قصارى المرء إدراك حاجة # وتبقى مذمات الأحاديث والإثم # كانت ولادته سنة 433ه، وتوفي بمصر ms116 سنة 510ه. ~~(15) أبو القاسم «الزمخشري» # هو أبو القاسم جار الله الزمخشري، كان إماما في التفسير والنحو واللغة والأدب، ولد ~~بمدينة «زمخشر» قرية من قرى خوارزم عام 467ه، كان مقطوع الرجل، يعتمد على رجل من خشب، ~~سألوه عن سبب هذا فقال: «رحلت إلى بخارى في طلب العلم، فسقطت عن الدابة في أثناء الطريق ~~فانكسرت رجلي وأصابني من الألم ما أوجب قطعها»، ويروون أيضا أنه أصابه برد الثلج في ~~بعض أسفاره فسقطت رجله. كان الزمخشري معتزلي المذهب مجاهرا باعتزاله، وقد فسر القرآن ~~في تفسيره الكشاف تفسيرا بلاغيا، ظهرت فيه طبيعة المعتزلة الذين تقوم بحوثهم على ~~الترتيب المنطقي والعناية بالجمال الفني. وللزمخشري شعر لا تظهر فيه الحلاوة التي نراها ~~في شعر الشعراء المطبوعين ولكنه شعر العلماء، من هذا ما قاله في كشافه بمدحه: # إن التفاسير في الدنيا بلا عدد # وليس فيها لعمري مثل كشافي # إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته # فالجهل كالداء والكشاف كالشافي # وله نثر ينحو به نحو الصنعة والسجع، منه قوله في كتابه «الأطواق»: «استمسك بحبل ~~مواخيك ما استمسك بأواخيك، واصحبه ما صحب الحق وأذعن، وحل مع أهله وظعن، فإن تنكرت ~~أنحاؤه، ورشح بالباطل إناؤه، فتعوض عن صحبته وإن عوضت الشسع، وتصرف بحبله ولو ~~أعطيت النسع.» # توفي الزمخشري بقصبة خوارزم ليلة 583ه، وله مؤلفات كثيرة منها: تفسير الكشاف، ~~والفائق في غريب الحديث، وشرح كتاب سيبويه، وكتاب الجبال والأمكنة، وأساس البلاغة، ~~وكتاب النموذج في النحو، والمفصل في النحو، وله «أعجب العجب في شرح لامية العرب»، وله ~~ديوان شعر، وله غير هذا كثير، وذكر ياقوت طائفة من كتبه في معجمه، انظر 20-134 من معجم ~~ياقوت. ~~(16) أبو منصور الثعالبي # هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري الثعالبي، لقب بالثعالبي ~~لأنه كان فراء بجلد الثعلب، وهو خاتمة مترسلي عصره، وأوسعهم مادة، وأكثرهم آثارا، ~~وهو الذي ترجمهم وذكر أخبارهم، وله نظم حسن ونثر حسن، وله من الكتب ما يبعث العجب كثرة، ~~وقد وصلنا منها نحو من أربعين كتابا، والكثير منها مطبوع متداول، ومن ms117 أشهر هذه الكتب ~~«يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» وهي تشمل أخبار شعراء المائة الرابعة للهجرة، وقد ~~قسم الكلام فيها إلى أبواب باعتبار البلاد: فأفرد بابا لشعراء الشام، وبابا لشعراء ~~مصر والمغرب، وآخر لشعراء الموصل، وآخر لشعراء البصرة، وآخر لشعراء بغداد وهكذا، وربما ~~كان هو أول من نحا هذا المنحى في ترتيب الشعراء ... ويؤخذ عليه في كتابه هذا - وربما ~~كان أشهر كتبه - أنه يكتفي بذكر بعض الأشعار للشاعر المترجم له ويغفل ذكر سنة الولادة ~~والوفاة. ومن كتبه فقه اللغة، وهو معجم معنوي جمعت فيه المعاني المتقاربة أو ~~المترابطة في باب واحد مع بيان الفرق بينها أو تدرجها أو تفرعها ... ومن كتبه: الكناية ~~والتعريض في البلاغة، وسحر البلاغة، وغرر البلاغة وطرف البراعة، ومن غاب عنه المطرب، ~~وثمار القلوب في المضاف والمنسوب وغيرها. وقد توفي سنة 429ه. ~~(17) أبو منصور الجواليقي # أبو منصور موهوب بن أبي طاهر، أحمد بن محمد الجواليقي البغدادي، والجواليقي نسبة شاذة ~~إلى عمل الجوالق وبيعها، توفي في بغداد سنة 539ه وله من العمر سبعون سنة، كان إماما ~~للخليفة المقتفي يصلي به الصلوات الخمس. كان إماما في فنون الأدب، وكان مفخرة بغداد في ~~عصره، صنف التصانيف الكثيرة، منها: شرح أدب الكاتب، والمعرب ولم يعمل في بابه أكبر ~~منه، وتتمة درة الغواص وغير ذلك . وهو في اللغة أقدر منه في النحو، ويقولون إنه كان ~~يختار فيه مسائل غريبة، وقد ألف في علم العروض كتابا لطيفا، ثم أخذ بمعرفة علم النجوم ~~حتى أتقنه، ويقولون إن الذي قاده إلى هذا أن شابا سأله بيتين من الشعر ذكر فيهما ~~الشمس والجوزاء والقوس، فآلى على نفسه ألا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم ~~ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر في ذلك وحصل معرفته. وينسب للجواليقي شيء من ~~الشعر، وهو على قلته يرينا أنه شعر العلماء لا شعر الشعراء المطبوعين. ~~(18) الأصمعي # هو عبد الملك بن قريب، من قيس، والأصمعي كنيته نسبة إلى «الأصمع»، ولد بالبصرة عام ~~122ه وتوفي عام 213ه. انكب على التحصيل في البصرة، ms118 وأفاد من دروس الخليل وأبي عمرو ~~عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء، وصار أتقن القوم وأعلمهم بالشعر وأحضرهم حفظا، ~~وتتلمذ له تلاميذ اشتهروا فيما بعد، منهم: أبو الفضل الرياشي وأبو هاشم السجستاني ~~وأبو سعيد السكري وغيرهم. وكانت له ذاكرة عجيبة وعت فروع المعرفة في عصره، كان متضلعا ~~في لهجات العرب أهل الصحراء. قدم إلى بغداد في أيام الرشيد، وتزعم الحياة العقلية التي ~~كان يحياها بلاط الخليفة، وترك بغداد إلى البصرة حاملا معه ما حصله من أسباب الثروة ~~في بغداد. وحين ولي المأمون الخلافة بعد أخيه الأمين كان الأصمعي في البصرة، فبعث إليه ~~يستقدمه إلى بغداد فاعتذر بضعفه وشيخوخته، فصار المأمون يأمر بجمع المشكل من المسائل ثم ~~يسيرها إليه فيجيب عليها. وقد شهر الأصمعي بكثرة حفظه حتى قالوا إنه كان يحفظ 12000 ~~أرجوزة، وحسبك على كثرة حفظه أن غالب مصنفي العرب يروون عنه، حتى إننا نستطيع أن نستخرج ~~بعض كتبه مما رووه عنه. وهو لم يقتصر في مصنفاته على إيراد أبيات منفردة من الشعر أو ~~قصائد منه بل روى دواوين كاملة، وإليه يرجع الفضل في جمع دواوين أكثر الشعراء الذين ~~وصلتنا دواوينهم. # وللأصمعي مؤلفات كثيرة ذكر ابن النديم منها نيفا وأربعين كتابا، عرف منها: كتاب ~~الفرس، وكتاب الأراجيز، وكتاب الميسر، وكتاب الغريب. وله من الكتب المطبوعة : الأصمعيات، ~~ورجز العجاج، وكتاب أسماء الوحوش، وكتاب الإبل، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الخيل، وكتاب ~~الشاء، وكتاب الدارات، وكتاب الفرق، وكتاب النبات والشجر، وكتاب النخل والكرم، وكتاب ~~الغريب. ~~(19) خلف الأحمر # هو أبو محرز البصري المعروف بالأحمر، مولى أبي بردة بلال بن موسى الأشعري، أعتق بلال ~~أبويه وكانا فرغانيين. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: خلف الأحمر معلم الأصمعي، ومعلم ~~أهل البصرة. وقال الأخفش: لم أدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف الأحمر والأصمعي. وقال ابن ~~سلام: أجمع أصحابنا أن الأحمر كان أفرس الناس ببيت شعر وأصدق لسانا، وكنا لا نبالي إذا ~~أخذنا عنه خبرا أو أنشدنا شعرا ألا نسمعه من صاحبه. وقال شمر: خلف الأحمر أول ms119 من أحدث ~~السماع بالبصرة، وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه، وكان ضنينا بأدبه. وقال أبو ~~الطيب اللغوي: كان خلف يضع الشعر وينسبه إلى العرب فلا يعرف، ثم نسك، وكان يختم ~~القرآن كل ليلة، وبذل له بعض الملوك مالا عظيما على أن يتكلم ببيت شعر فأبى. وله ~~ديوان شعر حمله عنه أبو نؤاس وكتاب جبال العرب. توفي في حدود الثمانين ومائة. وكان ~~بين خلف وبين أبي محمد اليزيدي مهاجاة أورد ياقوت طائفة منها. ~~(20) عبد القاهر الجرجاني # قال الحافظ الذهبي في تأريخه «دول الإسلام»: «وفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة مات إمام ~~النحاة أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني صاحب التصانيف.» وقال تاج الدين ~~السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: «عبد القاهر بن عبد الرحمن الشيخ الكبير أبو بكر ~~الجرجاني النحوي، المتكلم على مذهب الأشعري، الفقيه على مذهب الشافعي، أخذ النحو بجرجان ~~عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبي على الفارسي، ومن مصنفاته: كتاب ~~المغني على شرح الإيضاح في نحو ثلاثين مجلدا، وكتاب المقصد في شرح الإيضاح أيضا، ~~وكتاب العوامل المائة، والمفتاح، وشرح الفاتحة، والعمدة في التصريف.» # وهكذا ترى أن عبد القاهر كان عالما مبرزا في غير فرع من فروع الثقافة العربية، فهو ~~النحوي، المتكلم، المفسر، الفقيه. ومع أن ابن خلدون زعم أن السكاكي هو الذي هذب علم ~~البلاغة ولم ما قاله عنه السلف، فإن العلوي صاحب «الطراز في علوم حقائق الإعجاز» قال: ~~«وأول من أسس من هذا الفن قواعده، وأوضح براهينه، وأظهر فوائده، ورتب أفانينه الشيخ ~~العالم النحرير عبد القاهر الجرجاني. وله من المصنفات فيه كتابان؛ أحدهما لقبه بدلائل ~~الإعجاز، والآخر لقبه بأسرار البلاغة.» ~~(21) قدامة بن جعفر # هو أبو الفرج قدامة بن جعفر، نشأ في بغداد، وعلا شأنه في أيام المكتفي بالله الخليفة ~~العباسي، فقد أسلم على يديه وكان قبل ذلك نصرانيا، برع في صناعتي البلاغة والحساب، ~~وقرأ صدرا صالحا من المنطق، وهو لائح على ديباجة تصانيفه، وإن كان المنطق في ذلك ~~العصر لم يتحرر ms120 تحريره الآن. واشتهر في زمانه بالبلاغة ونقد الشعر وصنف في ذلك ~~كتبا، منها كتاب نقد الشعر له وقد تعرض ابن بشر ~~الآمدي إلى الرد عليه، وله كتاب في الخراج رتبه مراتب وأتى فيه بكل ما يحتاج الكاتب ~~إليه. وله من الكتب غير هذين الكتابين كتاب درياق الفكر، وكتاب السياسة، وكتاب الرد على ~~ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام، وكتاب صناعة الجدل، وكتاب الرسالة في أبي علي بن ~~مقلة، وكتاب نزهة القلوب، وزاد المسافر، وله غير هذا. وكانت وفاته ببغداد أيام المطيع ~~سنة 337ه. ms121