######OpenITI# #META# URI: 1365WasilaMuhammad.RuhIctidal.Hindawi64809385 #META# Tags: philosophy #META# ID: 64809385 #META# Title: روح الاعتدال #META# AuthorID: 83096175 #META# Author: شارل فاجنر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 81524074 #META# Translator: وسيلة محمد #META# Related_books: 1336CharlesWagner (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمعربة‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة التاسعة‏ # الحياة المرتبكة‏ # روح الاعتدال‏ # الفكر والاعتدال‏ # القول والاعتدال‏ # الواجب والاعتدال‏ # الاعتدال والمطالب‏ # الاعتدال والسرور‏ # المال والاعتدال‏ # الاعتدال وحب الظهور‏ # الحياة العائلية والاعتدال‏ # الكبر والاعتدال‏ # التربية والاعتدال‏ # خاتمة‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمة للمعربة‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مقدمة الطبعة التاسعة‏ # الحياة المرتبكة‏ # روح الاعتدال‏ # الفكر والاعتدال‏ # القول والاعتدال‏ # الواجب والاعتدال‏ # الاعتدال والمطالب‏ # الاعتدال والسرور‏ # المال والاعتدال‏ # الاعتدال وحب الظهور‏ # الحياة العائلية والاعتدال‏ # الكبر والاعتدال‏ # التربية والاعتدال‏ # خاتمة‏ # | روح الاعتدال # | روح الاعتدال # تأليف # شارل فاجنر # ترجمة # وسيلة محمد # | إهداء الكتاب # إلى ابنتي العزيزة # أنت اليوم طفلة في المهد تسرك ابتسامتي، ويكفيك حنوي، وطفلة اليوم أم الغد، ~~فاسلمي وعيشي لتدركي من الحياة دور الأمل والعمل، وليكون لك يد في نشأة المجتمع ~~الإنساني. إلا إنه ليعوزك دون ذلك العلم القليل، والتربية الصحيحة، والتجربة ~~والاختبار. # والزمان قلب، والغد مجهول، فقد لا أكون إلى جانبك إذ ذاك فترجعين يا عزيزتي، إلى ~~هذا الكتاب وهو ثمرة عقل ناضجة ونتيجة اختبار صادقة، فتؤثرين العمل بما فيه من الآراء ~~السديدة على ما يحدو إليه نزق الشباب أو جنون الصبا، وطيش الرعونة. # أي عزيزتي، إنه ليفرح نفسي - أنى تكون - أن ترجعي إلى ما كتبه شارل وانير ~~وأمثاله من كرام الكتاب الاجتماعيين إذا ما أعوزتك النصيحة، فإن في آرائهم ما قد ~~ينوب عن نصيحة أم ثوت، أو والد قبر. # هذه هديتي إليك، فإن تعلمت علما صحيحا وكنت رقيقة العواطف عرفت منها كم كنت ~~أحبك وأرغب في نفعك. # والدتك # وسيلة # 14 ديسمبر سنة 1911، عيد ميلادك # | كلمة للمعربة # بسم الله الرحمن الرحيم # طالعت هذا الكتاب - كما كنت أطالع غيره من الكتب الأخلاقية والاجتماعية في فترات ~~الراحة والخلو من العمل - فلم أنته إلى آخره حتى لحظت تغييرا محسوسا في أفكاري ~~وآمالي وتصوراتي وأعمالي، فشعرت إذ ذاك بقوة تأثير الكاتب بآرائه السديدة وروحه العالية ~~ومراميه الشريفة في نفوس وعقول المطالعين والقراء. # هذا هو السر الذي حبب إلي إظهار هذا السفر الجليل بلغة البلاد؛ ليكون فائدة ~~لمن يبغي ms01 من الحياة مراميها الشريفة، ويتطلع إلى جلالها الحقيقي. وقد شجعني على هذا ~~العمل ما رأيته من إقدام بعض الآنسات الأمريكيات على نقل هذا الكتاب إلى الإنجليزية، ~~وحفاوة أهل الولايات المتحدة ورئيسهم العظيم روزفلت بهذه المجموعة الجليلة. # ولو عنى العقلاء بأمثال هذه المنتخبات من الكتب، ونقلوها إلى لغة بلادهم لأفادوا ~~المجتمع الذي يعيشون فيه، ولخدموا النوع الإنساني بأجمعه خدمات تذكر. أما وكل يقصر ~~أبحاثه ومطالعاته والفائدة التي يجتنيها منها على شخصه فقط، فمن البعيد أن تصل الهيئة ~~الاجتماعية في الزمن القريب إلى دور الاكتمال والتحسن الحقيقي الذي يتطلع إليه ~~المصلحون. # سدد الله خطوات العاملين والعاملات إلى خير الجماعة وصلاحها، ووفق غيرهم لما فيه ~~النفع الشامل. # | مقدمة الطبعة الأولى # إذا كان المريض المحموم يتطلع دائما إلى ما يلطف عنه عناء المرض وحرارة الحمى، فكذلك ~~النفوس المضناة من هموم هذه الحياة المرتبكة تتطلع إلى التحرر من قيودها، وتنزع إلى البساطة ~~والاعتدال. # والاعتدال بنوع خاص لا يتقيد بالظروف والحالات التي يتطور فيها المجتمع، ولا بالنظريات ~~الفلسفية العقيمة التي ينسبها واضعوها لحاجة الاقتصاد والتمدين والرقي الاجتماعي؛ لأن ~~الاعتدال روح عالية تشرف على العقل والنفس وتوجههما في السبيل السوي، بدون أن تبعدهما ~~عن العمل لما فيه رقي الفرد والجماعة، فكل من يتطلع إلى الاعتدال، ويعمل بمقتضياته فإنما ~~يعمل حقيقة لخدمة النوع الإنساني من طريق الحق والعقل والعدل، ويبني الرقي والتمدين على ~~آساس ثابتة ودعائم قوية لا تعبث بها عوادي الحماقة والتطرف. # وليس المراد بالاعتدال التمسك بمظاهره، وإنما العناية الحقيقية بما يرمي إليه معنى ~~الاعتدال وروحه. وإذا لم يكن في وسع الإنسان اليوم أن يعيش على ما كان عليه الإنسان الأول ~~من السذاجة والبساطة والاعتدال في المظاهر، فإنه يستطيع دائما أن يكون كذلك بعقله وروحه ~~وعمله وفكره وقوله، فإن إنسان اليوم ينحدر حقيقة على مزالق تباين السبل القويمة التي سار ~~عليها الأولون. ولكن هذا لا يمحو الإنسانية ولا يجردها من أغراضها ومقتضياتها الشريفة؛ ~~فالحياة اليوم هي الحياة بالأمس، والغرض منها بالأمس هو الغرض الوجيه الذي يريد الإنسان ms02 ~~تحقيقه اليوم، وإن اختلفت الوسائل التي تستعمل لذلك والسبل التي تختار لنيل هذه ~~الأمنية. # فعدم النجاح ليس ناشئا عن اختلاف المعدات والوسائل، وإنما هو نتيجة الابتعاد عن الغرض ~~الحقيقي والتورط في مجاهل الحياة المرتبكة. وإن ما يحول الآن بين الإنسان والحياة ~~الحقيقية الراقية هو مما لا فائدة منه على الإطلاق، والحياة بدونه ممكنة كل الإمكان. وليس ~~من نتائجه غير الحيلولة بين الناس وبين الحقيقة والعدل والطيبة؛ أركان الحياة ودعائم ~~السعادة، وغير إلقاء الحجب الكثيفة بين العقل والبصيرة، وبين الهداية والحقيقة. فمن شاء أن ~~ينظر إلى جلال الحياة وجمالها مجردين من كل ما يحجب بهاءهما، ومن رام أن يهنأ بالسعادة ~~فعليه أن يزيح عن عينيه هذه الغشاوة، وأن يرتد عن ذلك الطريق المجهول إلى طريق الاعتدال ~~والحق، فإنه هو وحده الذي يؤدي إلى الغرض من الحياة. # شارل وانير # باريس - مايو 1895 # | مقدمة الطبعة التاسعة # كتب إلي أرمان كولن صاحب المطابع الشهيرة باسمه - عقب حفلة زواج حضرها - كتابا رقيقا ~~مؤثرا يطلب إلي فيه أن أكتب شيئا في «المعيشة البسيطة»، فألفت هذا الكتاب. وظهر ~~فكان له شأن يذكر بين القراء، وانتشر في كل أنحاء القارة الأوربية انتشارا سريعا. ثم نقل ~~إلى عدة لغات حية، فنقلته الآنسة «ماري لويز هندي» إلى اللغة الإنكليزية لحساب شركة ~~المطبوعات الأمريكية «كلور» بنيويورك، وكتبت عنه الآنسة الكاتبة «جراس كنج» فصولا ضافية، ~~كان لها أحسن وقع في تلك البلاد. واطلع عليه الرئيس روزفلت فلم يتمالك عن الكتابة إلي ~~يقول: «إنني أنصح لقومي دائما بمطالعة سفرك الجليل.» وفي الحقيقة، إنه لم يترك فرصة تمر ~~بغير أن ينوه فيها بذكر هذا الكتاب الاجتماعي، حتى لقد خطب خصيصا في هذا الشأن مرة ~~«ببانجور»، وأخرى بفلادلفيا، وزاد على ذلك أن دعاني لزيارة الولايات المتحدة. وخطب في يوم ~~22 نوفمبر سنة 1904 بواشنجتون، وكنت حاضرا فقدمني إلى الجمهور. ولا أزال أشكر له قوله: ~~«هذه هي المرة الأولى والأخيرة في زمن رئاستي أنتهزها فرصة لأعرف الجمهور الأمريكي بهذا ~~الكاتب الاجتماعي القدير، وأعرض عليهم مؤلفه «الجليل»، ms03 فإنه إلى الآن لم يظهر بين كل ~~المؤلفات الراقية ما أراه كفيلا بإفادة مواطني الفائدة التي أنتظرها من هذا ~~الكتاب.» # وقد لحظت بنفسي تأثير أقوال الرئيس المحترم في نفوس وعقول مواطنيه؛ لما رأيته من تهافتهم ~~بعد ذلك على مطالعة كتابي هذا وانتشاره بينهم انتشارا لم يكن لغيره من المؤلفات، حتى إن ~~الصحافة أخذت تكتب عنه المرار المتعددة، وبعضها تنقله وتنشره تباعا. # كل هذا يدل على أن الكتاب ظهر حقيقة في إبان الحاجة إليه، فقد أخذ الناس يسأمون ~~الحياة المرتبكة، ويشعرون بحاجتهم إلى الاعتدال، وتلطيف حالات هذا الارتباك المخل بنظام ~~العالم المقوض لأركان السعادة. # وإنني لأرجو أن يأتي هذا الكتاب بالغرض الشريف الذي كتب خصيصا من أجله، وأن يلفت الناس ~~إلى معنى الحياة الحقيقية ومقتضياتها، والعمل لتحقيقها والابتعاد عن كل ما عداها، فإن ~~السعادة والقوة وجمال الحياة لا تكون إلا بالبساطة والاعتدال. # شارل وانير # باريس - فبراير سنة 1905 # | الحياة المرتبكة # من مقتضيات المدنية الحديثة تخبط المتحضر في كل لحظة من حياته، وارتطامه في شواغل تنغص ~~عليه عيشه، سواء في قضاء لباناته الضرورية أو في لذائذه الكمالية، فهي في ظله حتى يبدل ~~نور الشمس بظلام الرمس. # وقد زالت البساطة من كل شي، من الفكر والعمل واللهو، وقل: من الموت أيضا. ولم يكتف ~~الإنسان بملاشاة الحسن من مميزات الحياة، بل أضاف إليها بمحض اختياره عدة متاعب لا قبل له ~~بها ولا طاقة عليها؛ حتى تأفف الكثيرون من شكل الحياة الحاضرة وزخرفها الخداع، وأسفوا على ~~الماضي وبساطته لخلوه من شوائب هذا الطلاء الكاذب وأدرانه. والأدلة القوية التي تؤيد هذا ~~القول عديدة، فمما يعاب في حضارة هذا العصر تعدد الحاجات المادية واطراد زيادتها. وقد ~~يدفع بعضهم هذا بأن زيادة الحاجات تبع للكسب والإثراء، وهو دفع مقبول، إلا أنه غير وجيه. ~~وهو يستند على أن الابتكار والاختراع من دلائل الرقي، وهذا صحيح؛ فليس من يعترض على ~~الاغتسال وتنظيف الثياب وسكنى الأماكن الصحية والعناية بالغذاء وترقية المدارك. ولو اقتصرت ~~الحضارة على هذه الأمور لكانت من الحسنات، أما ms04 وقد خلقت في عالم الاجتماع غير هذه الظواهر ~~المستملحة، سيئات باتت عبئا على المجتمع وضررا متفشيا لا يتقى، وأصبحت من العادات ~~ولوازم المدنية بغير حاجة تدعو إليها ولا ضرورة تحتمها، وصار لها من المكانة والأثر في ~~النفس ما للسلطة المطلقة من السلطان على الرقيق المستعبد؛ فالنقد مقصور على أمثال هذه ~~العادات. # ولو قيل للسالفين: إن المدنية ستصل يوما بالإنسان إلى حيث يسخر البخار والكهرباء، ~~ويستجلي باطن البحر وأقصى السماء ويحلق في الفضاء، ويستقي من صميم الصخر، ويذلل الصعاب ~~وينفرج أمامه ما أغلق من الأعمال الشاقة بلا كدح ولا نصب، أجل، لو أنبئ السلف بمصير الخلف ~~لخالوا إنسان هذا العصر كأنما دخل الجنة بلا بعث ولا حساب، ولغبطوه على النعيم والسعادة؛ ~~أمل الإنسان من يوم خلق وسؤله إلى حين يبعث. ولو أن صورة هذا العصر بما فيه من الرقي ~~الفني مرت على أذهانهم لتوهموا أن هذا الرقي هذب أطوار الخلائق، وقلل من تزاحمهم ~~على متاع الدنيا وزهو الحياة؛ لظنوا أن الآداب والأخلاق ربت ورقت على قدر الرقي ~~المادي. ولكن الواقف على أسرار المجتمع الإنساني واثق من أن هذا لم يتحقق، فليس في ~~الوجود هناء ولا سلام ولا انصراف حقيقي إلى الخير. # قد يظن المرء لأول لمحة أن حالتنا المعاشية أدعى للرضاء من حالة أسلافنا الغابرين، وأن ~~المرء اليوم أكثر اطمئنانا إلى غده منه بالأمس. وليس الغرض هنا البحث عن وجود الأسباب ~~الممهدة لهذه النتائج، بل عن حقيقة الواقع، والإجابة على هذا السؤال: «هل الإنسان سعيد ~~اليوم؟ وهل هو أكثر ارتياحا لغده من إنسان الأمس؟» إلا أن كل من يعرف حياة المجتمع ~~ووسائل العيش لا يتردد في الجزم باستياء الإنسان من حظه وعيشه، فليس في العالم من لم تشغله ~~أمور الحياة ويخبله التفكر في أمر المستقبل. بل لم يمر على الإنسان - حين أزعجته فيه هذه ~~الوساوس - كهذا العصر الذي ارتقت فيه الإنسانية، وطابت مواد الغذاء، وحسنت المساكن وصلحت ~~الملابس. # فمغرور من يتوهم أن المعدم المعوز هو وحده من يتساءل عن العيش وسبيل ms05 الارتزاق؛ لأن ~~الخوف من الفاقة وطارئ الغد يشعر به المكثر والمقل، ويخشاه الفقير والغني على السواء. ومن ~~الحقائق المجهولة أن أسف المتنعم على ما لم ينل يربو على لذته بما تطيب به الحياة لسواه. ~~ولا يضارع مخاوف الغني وجزعه من المستقبل غير ذعر الجبان وفرقه من المعارك ومواقف القتال. ~~واهتمام المعدم بأمر غده لا يذكر بجانب غيره؛ فإن من لا تملك سوى ثوب واحد لا تتساءل عما ~~تلبس في اليوم التالي، ومن يقتنع بكسرة الخبز لا يقتل نفسه جزعا ولا ييأس من الحصول عليها، ~~ومن يفترش الأرض ولا يملك موطئ قدميه لا يخشى سقوط الأسعار ولا حلول الأزمات. # فمن يمعن النظر فيما ذكر، ويقارنه بما يقال من أن الحاجات المادية تزيد زيادة مطردة مع ~~الثروة والكسب يقرر أن الجشع على قدر الغنى، وأن الاهتمام للغد يكون على قدر ~~السعة. # وليس من الناقدين من يقدر على تحديد مخاوف الغني ومتاعبه، أو يعرف كمية هذه المتاعب ~~ونوعها ومقدار تأثيرها، فلهذا السبب ولوجوده بين كل طبقات الهيئة الاجتماعية - على اختلافها ~~وتفاوتها - نشأ بينها اضطراب عام وارتباك شامل لا يماثله غير ما يحدثه الطفل المدلل من عدم ~~الاقتناع بما يغبط عليه، وعدم ارتياحه حتى إلى السعادة والنعيم. ~~••• # وكما أن النوع البشري لم يحصل على السعادة والهناء، فكذلك هو لم يوطد دعائم السلام، ~~ولم يعرف الهدوء والطمأنينة، وصارت كثرة حاجات الإنسان وتنوع ميوله وأهواء نفسه تحوطه بظروف ~~تخلق الشجار، وتوجد الخصومة بينه وبين أمثاله. وفي حكم المؤكد أن الكراهية والبغضاء التي ~~تنجم عن هذه الأسباب تكون على نسبة منعكسة مع أسبابها التافهة والخطيرة. ولو قصر التزاحم ~~والعراك على طلب القوت الكفاف لكان الأمر نتيجة طبيعية لتنازع البقاء، وإن عد غلظة ~~فإن للجائع المعدم شبه عذر في غلظته. ولكن النزاع ناشئ عن الطمع والأنانية والميل مع هوى ~~النفس وشهواتها الفاسدة ومطامعها المادية. وليس من يذكر أن الجوع ساق الإنسان إلى أنواع ~~السفالات التي يغري بها الجشع والبخل، والانصراف إلى إرضاء الشهوة، مع العلم بأن حب ~~الذات ms06 يزداد خطورة على قدر تمكنه من النفس. فهل من ينكر بعد ذلك ازدياد الخصومات بين بني ~~الإنسان وتشبع القلوب والأفكار بالأنانية، وهي مدعاة المشاكل والنزاع؟ وهل يجوز بعد الوقوف ~~على هذه الحركات العدائية بين أبناء الجنس الواحد أن يتساءل امرؤ عما إذا كان الحاضر خيرا ~~من الماضي؟ أليس في وسع الإنسان حب الخير والانصراف إليه مجردا من الغاية؟ أوليس ~~يستطيع نيل حاجاته الضرورية بغير تعمد الشر والأذى؟ ما الذي تمتاز به المدنية الحاضرة وقد ~~شيبت الحياة بمتاعب الماديات، ومطالب التحضر المتعددة التي لا افتقار ولا حاجة بنا ~~إليها؟ # إن الأميال المتنوعة مدعاة للأحقاد والخصومات، وكل من يقف نفسه ومواهبه على شهوات النفس ~~يضاعفها حتى يضعف أمامها وتقوى عليه فتستعبده، وإذا ما استرقته فقد الإرادة والإحساس، ~~ولم يعد يميز بين المليح والقبيح، فخضع لسلطان الشهوات الجائر وفسد خلقه وساء ~~مصيره. # إن سمو الآداب والأخلاق هو في المقدرة على قمع الشهوات وانحطاطها، وفسادها في الخنوع ~~لمطامع النفس الأمارة بالسوء؛ فإنه يلاشي الخلق والتأدب. # وكل أماني الإنسان عبد الشهوة تنحصر في نيل ما تنصرف النفس إليه، والتزاحم على امتلاك ما ~~في يد الغير يفتح باب الخصومة والشحناء، ويحمل على إنكار الحقوق، إن كان ما تتطلبه النفس ~~ملكا لغير صاحبها. وما الاستئثار بملك الغير وعمل المرء على هضم حقوق سواه، والرغبة في ~~اغتياله إلا حجة دامغة على صغر النفوس وحب الذات. # ولما كانت قيمة الأشياء تزيد وتقل على قدر زيادة وقلة فائدتها كان كل ما لا يأتي بفائدة ~~عديم القيمة؛ وعليه فقيمة المرء بين بني جنسه ما يملك، والفقر - مع شرف النفس - عار، ~~والغنى - وإن توفر من غير الطرق المشروعة - جاه، وهذا خطأ. والحقيقة أن قيمة الإنسان ~~ليست فيما يملك وإنما قيمته ذاته وصفاته. ولكن أهل هذا العصر ماديون لا قيمة في أعينهم ~~لغير الماديات؛ ولذلك هم على ضلال في معرفة أقدار الناس والاحتفاظ بكرامتهم. # ورب معترض يظن الحكم بفساد ما يدعي حضارة ورقيا تحاملا، أو رغبة في الحرص على ~~القديم والانصراف عن كل ms07 رقي عمراني حديث. ولكن الحكمة في عدم الاعتداد بالظنون وبكل تحضر ~~وهمي، وفي عدم الانخداع بالظواهر الكاذبة. فليس الغرض الرجوع لبداوة الماضي وخشونة الأجيال ~~البائدة، وإنما البحث عن أدواء المجتمع الإنساني، وإظهار عيوب الحياة الاجتماعية الحالية ~~رغبة في وجود الوسائل الملطفة لآلام الإنسان وتقويم سبل العيش؛ حتى تخف أرزاء الحياة ~~وهمومها الجمة ويزول شيء من الاعتقاد الفاسد في تخيل السعادة والهناء بين تراكم الحاجات ~~المادية ووفرتها؛ لأن هذا هو الباطل بكل معانيه. # وهناك آلاف من الشواهد والأدلة تؤيد القائلين بأن الرقي الصحيح حقيق بقمع النفس عن طلب ~~السعادة من غير طريقها، وبأن التنعم ليس بالإكثار من الماديات؛ فالحضارة الحقيقية والتمدين ~~القويم هما عيش الإنسان في بيئة تناسبه وعلى قدر ما تسمح به موارد كسبه، وابتعاده عن ~~الظهور بما لا يسير مع حالته الحقيقية. فإذا ما ضل السبيل القويم وتنكب عن جادة ~~الحكمة والتبصرة فكل تعب ضائع، وكل سعي يزيد الضرر ويضاعف الخطر ويضيف إلى مهام الحياة ~~متاعب جمة، ويزيد المسائل الاجتماعية إشكالا وتعقيدا. # وليست البساطة في المعيشة مقصورة على ما مر، ولا هي من مقتضيات العيش فقط، ولكنها ~~ضرورية لكل شيء حتى للتعليم والحرية، فكم نقل عن كبار الحكماء أن تلاشي الفاقة والجهل ~~والظلم يكفي لتطهير المجتمع من الشرور ولصيرورة الأرض نعيما أليق بالملائكة منه بالإنسان. ~~وقد شوهد أن زوال الفاقة لم يبدل الحال ولم يكن سببا رئيسيا للسعادة. كما أن ~~التعليم لم يغير شكل الاجتماع، ولم يلطف الشرور المتفشية فيه، ولم تزل الأرض أرضا ~~والسماء سماء والإنسان كما كان، ينفع ويعمل الخير ويرتكب الشرور ويقترف الآثام. # وليس المراد بذكر ما مر الحض على إهمال التعليم وتحصيل المعارف، ولا إيصاد أبواب دور ~~العلم؛ بل الوثوق من أن التعليم وجميع وسائل التحضر ليست إلا ممهدات للمدنية تختلف فيها ~~الفائدة والضرر باختلاف خلق المتحضر وسلوكه. وكذلك الحال في الحرية، فهي إما ضارة أو ~~صالحة تبعا للظروف وطبائع القائمين بطلبها أو المتمتعين بها، وليس معناها إطلاق يد العاتي ~~والمشاغب والطموع والفوضوي للعبث بمصالح ms08 الناس، وإقلاق سكينتهم والتشويش عليهم . ~~••• # الحرية روح حياة راقية يتشربها المرء رويدا مع تدرج النفس في طريق الكمال. ومن مقتضياتها ~~النظام؛ لأنه ضروري للحياة والكائنات، سواء في ذلك كل الخلائق من الإنسان والحيوان إلى ما ~~دونهما. ولما كان النوع الإنساني أرقى هذه الأنواع فهو أشدها حاجة لدقة النظام وإحكامه. ~~والنظام في الحقيقة قواعد عامة موضوعة يراد بها وقوف الأفراد عند حدودهم والتمتع بحقوقهم، ~~ولكنه مع ترقي البشرية يكون من طبائع النفس الراقية ومستلزمات الضمير التي يخضع لها. فإذا ~~بلغ المرء هذا الحد من الرقي وعرف كيف يطيع وحي ضميره، ونال منه حب نظام الهيئة الاجتماعية ~~حتى أوجد في فؤاده وعقله سلطة قوية تحكمه وتردعه وهو صاغر منصاع لها؛ فهو الإنسان الجدير ~~بالحرية، وما دام هذا الوازع النفساني غير موجود فليس الإنسان صالحا لهذا النوع من الحياة؛ ~~لأنه يثمله ويهيجه ثم يدفعه إلى أسوأ مصير. # وكل من رقت حواسه ومشاعره، فخضع لحكم العقل وحب النظام يصعب عليه الخضوع للحكم ~~المطلق، بل يستحيل عليه ذلك، كما يستحيل بقاء الجنين في أحشاء أمه متى اكتملت أيامه. ومن لم ~~يكن أهلا لهذا الحكم فلا يدوم عليه، كما تستحيل حياة الجنين إذا وضع قبل اكتمال شهور ~~الحمل. هذه النتائج مقررة مسلمة والبراهين عليها لا تحصر، ولكن من عيوب الإنسان تجاهله ~~هذه القضايا البديهية مع ما لها من الأهمية والخطورة، فيجب أن يعرفها الجميع؛ إذ إنه يعسر ~~على أي شعب أن يحصل على الديمقراطية قبل معرفتها والتشبع بروحها وإقرار كل فرد بصحة مبادئها ~~عن اقتناع وتمييز. # ومن أهم أركان الحرية الطاعة والإذعان للنظام العام. وليس هذا من زخارف الحياة، أو من ~~مقتضيات أميال بعض ذوي النفوذ والسلطان، ولا من صلف الحاكمين. وإنما هو قوانين عامة ذات رأس ~~تنحني أمامه أرفع الرءوس، ويستوي أمام بطشه رائد السماء ومفترش الوضيع. وليس الغرض من هذا ~~القول الترغيب عن الديمقراطية، بل الاهتمام بجعل الإنسان لائقا لهذا النوع من الحكم ~~وجديرا بالحرية قبل طلبها، وإلا فإن النزوع إليها طفرة يؤدي بالشعب ms09 إلى مزالق السفه ~~والفوضى، وإلى ما لا يمكن تلافيه من الفتنة والثورات. وإذا ما اجتلى العقل الأسباب الحقيقية ~~التي تنشأ عنها اضطرابات ومشاكل الحياة الاجتماعية - مع تنوع عناوينها - رآها منحصرة في ~~أمر واحد هو خلط العرض بالجوهر. ~~••• # إن السعادة والتعليم والحرية والرقي والتمدين ليست إلا عرضا، أما جوهر الأمر فهو ~~الاهتمام بالضمير والخلق والإرادة؛ فهي الذات وكل ما عداها أعراض كمالية لا جواهر ضرورية. ~~ومع وفرة هذه الكماليات التي يمكن التخلي عنها فكم ترى الإنسان شديد الافتقار إلى الشيء ~~الضروري، حتى إنه إذا ما تنبه ضميره أو استيقظ قلبه فرام تحقيق أمانيه تألم آلام الحي ~~المقبور، ورزح تحت أعباء الأمور التافهة التي لا يسعه معها تنسم نسيم الحياة واستجلاء النور ~~الساطع والضياء اللامع. # فمن الواجب تجريد الحياة من الأعباء الباطلة، وتحريرها من هذا الرق وتمييز مواضع الأمور ~~وأهميتها، والاعتقاد بأن الوسيلة الوحيدة لرقي النوع البشري هي العناية بتهذيب الروح ~~والخلق. # وكما أن فائدة المصباح لا تقوم بحسن زخرفه ودقة صناعته، ولا بنفاسة معدنه، بل بمقدار ~~ضوئه وسطعانه، فكذلك لا يجوز تعيين مرتبة الإنسان وقدر قدره بما ملكت يداه، ولا بسعة عيشه، ~~ولا ببسطة جاهه لا، ولا بطول باعه في العلميات أو الفنيات فإنما المرء بخلقه ~~وأدبه. # ومع أن صور الحياة تختلف باختلاف الأزمان وتفاوت العقول، فأي عاقل ينكر خطر الانتقال ~~الفجائي من طور إلى طور، أم من يقول: إن الاعتدال سيء المغبة، أو إن خطته هي غير خطة ~~الإصلاح المؤدية إلى الغاية الشريفة؟ # | روح الاعتدال # يتوهم الناس أن للاعتدال دلائل ظاهرة تدل عليه، كعدم التأنق في الملبس واختيار المسكن ~~البسيط وما أشبه ذلك. ولكن هذا الظن فاسد وباطل، وإننا لنربأ بالناقد البصير أن يمر به ~~غني متبجل في مركبته ومتوسط حال ماش على قدميه ومعدم يتعثر بأسماله البالية؛ فيبادر ~~إلى تقرير حكمه في كل من الثلاثة مستندا على هذه الظواهر؛ قد يجوز أن يكون ذلك الغني ~~المترفه - رغما عن بسطة الرزق وسمو المركز الاجتماعي ومظاهر الجاه والثروة - معتدلا ~~في أمره ms10 ليس عبدا للمال ولا أسيرا لحب الظهور. وقد يجوز أن يكون الرجل المتوسط قانعا بما ~~في يده، لا يغبط الغني ولا يحسده على عزه وجاهه، ولا يحتقر الفقير لحاجته ولا يزدريه ~~لعوزه. كما أنه يتأتى أن يكون ذلك الفقير المعدم طموحا لما لا يتفق مع فاقته، غير ميال ~~للعمل عدوا للقناعة يمني نفسه بالسعة، وهو عائش في ظل الخمول والبطالة. # فمن أبعد الناس عن الاعتدال السائل الذي يعتاش من التسول وهو قادر على العمل والارتزاق، ~~وذلك المجامل الذي يقول ما لا يعتقد إرضاء لمحدثه واستدرارا لماله، وذلك الطفيلي ~~المتملق الذي يعيش على موائد مقربيه المخدوعين في أمره؛ فأولئك وجودهم عالة على الغير، ~~وحياتهم عبء على المجتمع. ولو فحصت نياتهم وأفكارهم لعرفت أن أمانيهم تنحصر في الظفر بما ~~يستطاع مما يتنعم به الغني الممتع. وفي عداد هؤلاء الممقوتين الطموع ومن لا مبدأ له ~~والمذبذب والبخيل والمتكبر والمتقلب. # وليس الاعتدال صفة تختص بها طبقة من الناس دون سواها، كما أن المظاهر ليست من مميزاته ~~والدلائل عليه. فهو موجود في كل طبقات المجتمع الإنساني على السواء، ويظهر على صور مختلفة ~~وأشكال متباينة. وليس المراد بهذا القول عدم وجود أدلة ظاهرة تدل عليه، أو مميزات خاصة ~~يعرف بها؛ إذ جل القصد من هذا التوكيد النجاة من الخلط بين الأعراض الباطلة والجواهر ~~الحقيقية؛ فالاعتدال روح لا مادة، والإنسان المعتدل هو الذي ينحصر اهتمامه في أن يكون ~~إنسانا «بكل معنى الكلمة» فيتكمل بكل صفات الرجولة ليكون رجلا لا أكثر ولا أقل. وليس ~~هذا يسيرا ينال ولا صعبا يستحيل كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، على أنه لا يتأتى تحقيقه ~~إلا إذا ارتبطت الإرادة والعمل بنواميس الاجتماع، وطابقت مشيئة الخالق وحكمته في خلق ~~الإنسان ووجوده. ومعنى هذا أن تقف الخلائق عند الحد المعين لكل منها، وأن تكون لما خلقت له ~~فقط، فيبقى الطير طيرا والحجر حجرا والإنسان إنسانا، فلا يصير ثعلبا محتالا ولا يمسخ ~~وحشا ضاريا. # الحياة عبارة عن اتحاد المادة بالقوة وعملهما معا، غير أن بعض ms11 الماديين قد ذهلوا عن ~~ماهية الحياة. ولما كانت رغبة الإنسان واهتمامه منصرفين إلى زيادة قيمة الحياة والسمو بها ~~إلى الأوج الأعلى، فلا يمكن تشبيه الوجود بالمادة الأولى الأساسية لكل شيء. وليس الغرض ~~ماهية الوجود، بل نتيجته ومؤداه. كما أن العبرة ليست بمادة الأثر الثمين، ولكن بما فيه ~~من إحكام وإبداع. والمواد تختلف اختلافا نوعيا؛ فمنها الذهب والرخام والخشب والتراب، ومع ~~أن للذهب قيمة ثمينة فقد يسيء صانع في صنعة ما يصوغه منه فيحط من قيمته، ويوفق آخر إلى ~~عمل أثر خالد من التراب، لا يقدر له ثمن ولا تجد له قيمة. فالحكمة إذن في صوغ حياة الإنسان ~~وتنسيقها؛ لتكون في أجمل وأجل مظاهرها الصادقة التي ترفع قيمتها وتشرف قدرها. # ومن الصفات المحسنة ذات الاعتبار في جميع الأزمنة وسائر الأمكنة العدل والحب والحقيقة ~~والحرية والإحساس والشعور، وهذه الصفات تلائم كل أفراد الهيئة الاجتماعية على اختلاف ~~الطبقات في كل العصور، وليس من المحال اعتيادها والتطبع بها مهما اختلفت درجات الناس في ~~التربية والتهذيب. ومن هذا نعرف أن قيمة الرجل ليست بماله ولا بمميزاته الشخصية، بل ~~بصفاته وبالكمالات التي عني لها، فالعبرة بالصفة الحقيقية لا بالرونق الظاهر. # ومن البديهي أنه لا يمكن الوصول إلى هذه الغاية بدون جهد وتعب؛ لأن روح الاعتدال ليست مما ~~يتوارث، ولكنها جعالة جهاد طويل وثمرة سعي متواصل. # يحاول الناس استخراج القواعد من مجموع الأحوال المتغايرة، ولكن كم يلزم من الزمن ~~والتجاريب والتعب والعناء لتقرير حقيقة صغيرة في كلمات مسطورة؟ # هذا هو حالهم في أمر التربية الأخلاقية، فكم يخلطون ويتطوحون ويبحثون ويجربون فيضلون ~~شأوهم ويتيهون عنه. ولعل الإنسان مع توالي العمل والتحقق من كل شيء بالغ من معرفة أسرار ~~الحياة وحل رموز المشاكل، حيث يستطيع استنتاج القاعدة العامة والقانون الأساسي للنظام؛ ~~وهو «عمل الواجب». وكل ساع إلى غير هذا الغرض العام عابث بالقصد من الحياة، وقاض على نفسه ~~بالخروج من عالم الأحياء العاملين، وما هو في الوجود إلا الحي الميت، لا شأن له ولا قيمة. ~~وممن يهملون هذا الغرض ms12 الشريف الأناني والطماع والبهيمي عبد الشهوة؛ أولئك الذين ~~يعبثون بحياتهم عبث الزارع بزرعه إذا حصده قبل أن يثمر وينضج. أما من يضحي حياته في سبيل ~~الكمال فإنه يحييها ويرقيها ويربحها ربحا. # والقواعد الأخلاقية التي تظهر شاذة لصغار العقول وقصار المدارك، وتلوح لهم من الوسائل ~~المضعفة من النشاط المقوضة لأركان الحياة، لم يشاهدوها إلا معكوسة، ولم ينظروا إليها ~~إلا بمنظار أسود؛ لأن كل المبادئ السامية ترمي إلى رقي الحياة وإلى إعداد النفس للكمالات. ~~ولهذا ترى النزر الأعمى المضلل يحوم حول نقطة واحدة؛ وهي الحرص على الراحة والحياة المادية. ~~وهذا يخالف كل التعاليم الصحيحة العالية؛ لأنها تدفع الإنسان لبذل الحياة، واحتمال النصب ~~في سبيل استثمار المجهودات النفسية، وترقية الروح للتكمل بجليل الصفات. # وعلى قدر الجهد الذي يبذله الإنسان لنفعه وخيره الخاص يكون مقدار تمسكه بالمبادئ التي ~~تعب في اكتسابها، واقتنع بسموها وتحقق صلاحها. وعلى قدر تمسكه بها تكون قيمته الأخلاقية ~~ومركزه الأدبي. ثم يسير في طريق الحياة وله وجهة معروفة وخطة مرسومة، واثقا من نفسه بعد ~~طول التردد والشك، عالما بمجاري الأمور والأحوال بعد الجهل والتخبط، فيستطيع إذ ذاك الحكم ~~في الأمور وتمييزها بصورة لا تقبل النقد والتثريب. حتى إذا تشبعت روحه من حب جلال الحياة ~~الحقيقية وشرف المبادئ السامية، وانصرفت إلى الحقيقة وحب العدل بقي لذلك أثر خالد في قلبه ~~لا يزول ولا يمحى، وتكملت نفسه بسائر الصفات الممدوحة وصار للوجود مطلق السلطة والنفوذ؛ ~~فيصغر العرض أمامه ويتلاشى فيشمل النظام أحوال الإنسان وأعماله، ويكون معتدلا بالمعنى ~~المقصود بالاعتدال. # انظر إلى الجيش تجده قويا كلما حسن نظامه وأحكمت قيادته. والنظام قائم باحترام المرءوس ~~للرئيس وبالقصد إلى غرض معين من طريق معروفة، فإذا ساد الخلل نزل الضعف منزلة النظام وأغار ~~الوهن على القوة فتركها بددا. # وليس من النظام أن يخضع القائد للجندي. وهكذا يكون الحال في شئون الإنسان والهيئة ~~الاجتماعية فينبغي أن يخضع المرءوس للرئيس بوجه عام، فحيث ترى خللا سائدا أو ثلمة في نظام ~~الاجتماع فكن على ثقة من أن منشأها تجاوز ms13 الفرد حده وشروده عن محجة الصواب. وفي كل بقعة ~~من الأرض نبت فيها الاعتدال ووقفت نفوس أبنائها عند حدودها وقنعت بحظوظها؛ ترى النظام ~~تاما كاملا حقيقيا بأجلى مظاهره ومعانيه، فإذا ما عرفنا قدر الاعتدال قلنا: إن كل ~~تعريف له قاصر عن بيان معناه تماما، وإن كل عبارة واقعة دون المرام، وكل قوى العالم وجماله ~~وجلاله، وكل المسرات الحقيقية التي تعزي الإنسان وتقوي الأمل، وكل الحقائق التي تضيء طريق ~~الحياة ومهاويها المخيفة؛ هي من نتائج الاعتدال، ومن أعمال المعتدلين الذين لم تستعبدهم ~~النفس بأميالها المتعددة، فغلبوها ورموا إلى الغايات الشريفة والأغراض الوجيهة السامية، ولم ~~يتركوا لحب الذات والزهو سبيلا إلى قلوبهم؛ لأنهم عرفوا أن الرفعة الحقيقية وقيمة ~~الحياة في العمل الجليل والذكر الخالد. # | الفكر والاعتدال # لا يكفي للإنسان أن يسعى لترتيب أموره الدنيوية وأحوال معيشته وحياته، بل يجب أن يهتم ~~أيضا بفكره فيطهره من كل الأدران التي تشوبه وتضلله؛ لأن الفكر السخيف منشأ الاختلال ~~والفوضى، ولما كانت طريق الحياة وعرة كثيرة العقبات والمزالق وجب أن يكون الفكر سليما ~~صحيحا؛ ليتيسر له تمييز الغي من الرشد، واطراح كل رأي سقيم ومعتقد باطل لا يظهر ~~الإنسان بمظهر الرجولة الصحيحة، ولا ينشط به إلى طريق الكمال والرقي. # الفكر أداة من الأدوات النافعة للمجموع، وليس من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها؛ ~~فيجب الاهتمام به اهتماما كليا وتربيته تربية كفيلة بالتثقيف والتقوية؛ ليؤدي الوظيفة ~~التي خلق لها، وإلا فلا فارقة تميزه من خواطر الحيوانات والهامات. # أطلق قردا في مكان أحد المصورين تجده يبتهج لمرأى الرسوم والصور وأدوات الرسم، فيتنقل ~~بينها مسرورا، ثم يعود فيعبث بها، فيحطم اللوحات البديعة؛ لينظر ما وراءها، ويمزق الأقمشة ~~بأنيابه الحادة؛ ليرى ما في باطن صورها، ويذوق مواد الألوان، ثم يمتعض لطعمها فينثرها في ~~أرض الغرفة، ولا يترك شيئا في مكانه. ولا شك في أن القرد يسر بما يعمل ويلهو بهذا ~~الإتلاف، ولكن أماكن المصورين لم تخصص للقرود، ولم تنسق ليتلفها هذا الحيوان الخبيث. فكذلك ~~الفكر ليس مكانا للتجارب البهلوانية، ولم يخلق ms14 للهو به وإجهاده فيما لا يفيد، ومن أشد ~~الأخطار على الإنسان أن يجعل فكره لعبة يسلو بها ويلهو، فلا يكون يوما ما فكرا راقيا ~~يميز ويدرك. # ومن المضار المتفشية جنون الإنسان بمعرفة قدر نفسه ومنزلته بالنسبة للآخرين. وليس الضرر ~~في فحص الضمير والقلب للتحقق من وجود الميول الصالحة والمبادئ الشريفة؛ لأن هذا الفحص مما ~~يساعد على التقويم والتكمل. وإنما الضرر في الاغترار بالنفس، وحب الظهور بمظهر المتفوق على ~~الغير الممتاز عنهم، وكل عامل يقضي حياته في فحص آلة عمله على تحققه صلاحها يفسدها ولا ~~يتمم عملا. ومن أراد أن يمشي فليس في حاجة لطبيب يفحصه ويقرر قدرته على المشي، فحسبه أن ~~يتحقق وجود قدميه، ويقوم عليهما، ويسير في طريقه محترسا من السقوط مستعملا قوته بتؤدة ~~وحكمة؛ لكي لا تنفد قبل الوصول إلى غايته. وحسب الإنسان أن يكون على شيء من التعقل؛ ليعلم ~~أنه خلق للعمل، لا لقتل الوقت في تأمل ذاته في المرآة. ولكن التعقل أصبح نادرا بين الأفراد ~~كسائر الصفات الحميدة، بل أصبح من العوائد المنبوذة والصفات الخلقة، التي يستعيض عنها عشاق ~~المدنية بسواها فيضلون سواء السبيل. ومن المحقق أن الاتصاف بالشطط والإفراط والتطرف بدلا ~~من الارعواء والاستقامة؛ تكون نتيجته إصابة الهيئة الاجتماعية بكل أنواع المسخ والبتر ~~والتشويه، وإبعادها عن الحكمة وأصالة الرأي. # المستحدثات طارئة تتجدد، ولكن الفكر والتعقل والتبصرة من الدعائم الأساسية التي لا ~~تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال، فمن تجرد منها ساء مصيره، ومن حازها واحتفظ بها اعتدل وأمن ~~شر العاقبة. وليس التعقل من الصفات الغريزية التي توجد عفوا في جميع الناس، ولكنه من ~~الصفات التي تكتسب بعد عناء طويل وكد متواصل. وهو كنز من أثمن الكنوز وأنفسها قدرا، ولا ~~يعرف قيمته إلا من يكون حكيما لا يرضيه الشطط والتطوح مع الأهواء. والعاقل من يستهين ~~المتاعب، ويستقصر الزمن الذي يلزم للتكمل بهذه الصفة الحميدة، فيكون بصيرا بالأمور ~~والعواقب حكيما سديد الرأي. إن صاحب السيف يخاف عليه من التثني والتعوج ولا يتركه طعاما ~~للصدأ، بل يتعهده بالنظافة والعناية، فإذا ms15 كان هذا حظ قطعة الفولاذ التي لا تنفع في كل آن ~~مع تيسر وجود عوضها، فما بالك بالعقل - وهو الجوهر الذي يستحيل إصلاحه - إذا فسد، أو ~~الاستعاضة عنه بغيره إذا اختل؟ # وليس من العقل التشبث بمذهب الرافضين؛ أي عدم التصديق والإيمان إلا بما يتحقق ~~بالاختبار، ذلك المذهب الجامد الذي ينكر كل ما لا تشاهده العين أو تلمسه اليد؛ لأن ~~التقيد بهذا القيد الضيق يحصر العقل في دائرة ضيقة، ويترك الفصل في الأمور للحواس ~~المادية، فيلاشي مواهب الإدراك والتمييز وصحة الحكم. وهذه المسألة من أهم المسائل ~~الاجتماعية وأشدها تعقيدا؛ لأن نشاط العقل لمعرفة الغوامض شديد الخطر؛ فهو أبدا يبحث عن ~~تلك الأمور المتوارية في ظلام الغيب، والتائهة في دياجير المجهول، ومن المؤكد أن البحث ~~العقلي من أشق الأعمال وأكثرها حاجة للتروي والصبر، فإن استقصاء الحقائق والعثور عليها ~~ليس بالأمر الهين، ولكن الحاجة الماسة تدفع الإنسان إلى البحث، وتسهل له سبيل الاستدلال ~~فيصل إلى الحقيقة. ~~••• # إن مجرد الوجود لا يستدعي التعقل؛ لأنه سابق له وغير مرتبط بالعلم والجهل؛ إذ هو وجود ~~حيواني لا مزية له إلا بعد التهذيب والتثقيف. وقد خلق الإنسان قبل أن يفكر وفكر بعد أن ~~خلق ووجد، فكان وحشا قبل رقي مداركه وصار إنسانا بالمعنى الصحيح بعد أن تحلى بحلية ~~العقل المهذب والتمييز عن معرفة، فمهد السلف سبيل الحياة للخلف، وأوجدوا أضواء الحقائق ~~التي تنير ظلام الحياة وتكشف سبلها المتشعبة، فلم يبق على الإنسان إلا أن يتعرف ما ~~أمامه، فيعيش آمنا ميسورا بدلا من أن يقضي كل حياته عبثا دون الانتهاء إلى نتيجة من ~~البحث والتنقيب. # ولولا الحقائق والخطط القويمة التي اهتدى إليها السلف ودونوها لوقفت حركة التقدم، ولما ~~خطا العالم خطوة واحدة في سبيل الرقي والكمال؛ لأنه إذا كان كل فرد يبدأ بالعمل لنفسه، ~~فإنه لا ينتهي من البحث والاهتداء إلى الحقائق إلا وهو في آخر مرحلة من العمر، وقدمه ~~على حافة القبر، فتنطفئ حياته قبل أن يستفيد بما قضى العمر للحصول عليه، ويترك المجال ~~لمخلوق جديد يعيد ms16 الكرة لينتهي إلى مثل هذه النهاية، فلا يكون هناك مجال للتمتع بلذائذ ~~الحياة، ونعيم العيش، وتكون الدنيا دار شقاء ونصب لا دار نعيم وسعادة، وهذا ضلال ~~مبين. # الحياة أمد قصير وزمن لا يطول ومعترك ومضمار جهاد، فمن غفل سقط قبل أن يلتفت إليه غيره؛ ~~لاشتغال كل فرد بأمر نفسه وانصرافه لمقاومة تيار التنازع والوصول إلى شاطئ السلام، والفائز ~~من عني للنجاة جهده. فليس على الإنسان إلا الامتثال لما هو حتم على كل نفس، ومقابلة ~~متاعب الحياة ومقتضياتها بصبر ورضاء؛ فإن التذمر لا يجدي نفعا ولا يدفع مقدورا. ولا ~~يتوهمن أحد أن الحالة تسوء من يوم ليوم، أو أن العصور الغابرة كانت خيرا من ~~الحاضرة؛ لأنه ليس في الاستطاعة الحكم على أحوال الزمن القاصي حكما صحيحا، كما لا يمكن ~~للعين التثبت من حقيقة الأشياء البعيدة تثبتا تاما. ومما لا ريب فيه أن حياة الإنسان ~~- منذ بدء الخليقة إلى الآن كانت ولم تزل - مشوبة بما يتقزز منه ويتأفف، وإن اختلفت ~~الأسباب والأعراض. ولم يصل الفكر ولا البصيرة في أي عصر للدرجة التي تكشف للمخلوق حجاب ~~الغيب، فيطل منها على المستقبل ويهتدي إلى الحقائق. # فلا فارق إذن بين إنسان اليوم ورجل العصر البعيد، كما أنه لا فارق أيضا في ذلك بين ~~المرءوس والرئيس والمتعلم والعالم والصانع، فكلهم عاجز عن إدراك أبعد غايات العقل ~~والاستئثار بالفهم والحكم، فهم يقدرون الأمور - كل على قدر عقله - ويتوسعون في البحث ~~والحكم - كل على قدر بصيرته وسعة مداركه - فتتجلى لهم الحقائق على مقدار ما لهم من وفرة ~~الاختبار وقوة التمييز. # وإن ما وصل إليه العالم من العلم والتنوير واكتشاف بعض الحقائق قد أفاد المجموع فائدة ~~مذكورة، ولكنه لم يكشف طريق المجهول، ولم يصل لحل كل مسائل الاجتماع، ولم يرفع من سبيل ~~الحياة كل الحواجز والعقبات الحائلة دون الحقائق، ولا يزال العقل يصادف طلاسم يتخبط فيها ~~دون أن يهتدي، ولا تزال الحكمة والفلسفة تشتط في مجاهل لا حد لها ولا غاية، ولكن من يعرف ~~أن الظمآن يرتوي بقليل من ms17 ماء البئر يجد الحياة ممكنة باليسير الذي توفق إليه الإنسان، ~~كما كانت ممكنة من قبل لمن جهل كل الحقائق، وكتمت عنه أسرار الوجود ونظام العالم، فالحياة ~~ممكنة والاعتدال في الحياة غير المحال، ولا يستدعي ما لا طاقة به للإنسان، ومن اعتدل فكره ~~اعتدل قوله وانتظم عمله. # والاعتدال في الفكر يستدعي التوكل والأمل والطيبة. # التوكل ركون واعتماد بعد ثقة، وإيمان عن اعتقاد بعد تصديق، لا عن وراثة واعتياد. # والإيمان يقوي الفكر ويقيه شر الاندفاع إلى ما وراء المعلوم، ويوقفه عند الحد الجائز، ~~ويجعله كثير الثقة بالخالق، وبخلود العالم إلى ما شاء الله، وبحسن عناية الله بنظام الوجود ~~وسائر الكائنات، فيرتاح خاطر الإنسان ويطمئن ويعيش هادئا آمنا، كما تعيش الأزهار والأشجار ~~والحيوانات وسائر المخلوقات التي لا تفكر ولا تبحث في كيفية الوجود وسر الحياة. # والعقيدة الثابتة تجعل الإنسان واثقا من إشراق الصباح، وانسدال الليل، ونزول الأمطار في ~~أوانها، وجري الأنهار والجداول إلى مصابها، ومن وجود الهواء الكافي للخلائق، وسائر ~~الحاجات الضرورية للحياة، ودوام وجود هذه الضروريات؛ لأن كل ما كان لحاجته وحكمته يكون ~~ويبقى ولا يتلاشى، فالتوكل من أسباب الراحة والطمأنينة، ولما كان هذا المبدأ مدعاة النشاط ~~وحب الحياة فهو يحسن الحياة ويجملها. # الإيمان هو السر الوحيد الذي ينعش النشاط في الإنسان ويجدده ويدفعه وراء الرزق، فيسعى في ~~مناكب الأرض ويضرب في مناحيها طلبا للعيش وضروريات الوجود، فكل ما يزعزعه يكون شرا على ~~الحياة من السم الزعاف، كما أن من شر المصائب التي عم ضررها على الاجتماع، واشتدت الشكوى ~~منها انتشار الفلسفة العقيمة، التي تؤدي إلى تنفير الناس من الحياة، وتحويل أنظارهم عن ~~جلالها وحسنها، وتصويرها في أشنع الصور وأفظع الأشكال. # ولو سألت أحد أولئك الدعاة عما اكتشفوه من العلاج، وهل في الاستطاعة ملاشاة الحياة في ~~ذاتها - ولا أقصد بذلك إزهاق النفس، بل زوال سر الحياة وحقيقة الوجود - لكان الجواب ~~سلبا. أوليس الأجدر إذن بالناس أن يحترموا سر الوجود، ويتركوا غيرهم يتمتع بالحياة ~~بدلا من أن ينغصوا على أنفسهم وعلى الناس العيش ms18 ويقللوا الراحة؟ # وإذا كان المرء لا يأكل شيئا وثق من ضرره وعدم صلاحيته للأكل، أفليس الأخلق به أن يطرد ~~عنه كل الأفكار السخيفة التي تؤذيه في الحياة أثمن هبات الله ومنحه للإنسان؟ # لا يوجد من أولئك الفلاسفة المتشدقين بأقوالهم من أقام دليلا منطقيا يحط من قدر ~~الحياة، وينفي سرها الإلهي العجيب؛ لأنه يجب على من يريد الدليل أن يفحص الحياة أولا، ~~ويعرف ينبوعها وأسرارها حتى يستطيع الحكم والتعليل، وذلك ليس في استطاعة الإنسان ولا في ~~قدرته. ومع وضوح هذه الحقيقة فكم نرى أولئك المشاغبين يتحمسون في صيحاتهم ونشر آرائهم! ~~كأنما هم الذين خلقوا العالم وأحاطوا علما بما فيه من أسرار غامضة وعجائب مدهشة، وهذا ~~نهاية في الحمق وغاية في الجنون، فخير للإنسان أن يغذي فكره بالآراء الصالحة، ونفسه ~~بالحقائق الثابتة بدلا من أن يقتله بالسفسطات والأباطيل. ~~••• # الأمل هو الثقة بالمستقبل، والحياة - في ذاتها - عبارة عن رغبة وعمل ونتيجة، وكما لها ~~بداءة فلها نقطة اتجاه ونهاية. وكل إنسان يؤمل قبل أن ينال، وينال بعد أن أمل، وعلى قدر ~~قوة الأمل ومقداره يكون المستقبل، فالأمل ضروري؛ لأنه لا حياة بدونه. # والقدرة التي خلقت النفس وأوجدتها بعثت فيها الأمل، وحثتها على التطلع والطموح، وإلا فلا ~~معنى للخضوع للشرائع السماوية، ولانتظار الأجر والثواب في الدار الأخيرة والنعيم المؤمل. ~~وكل حوادث الحاضر تدل دلالة واضحة على أنه لا يتم شيء في الوجود بغير الأمل؛ فالعابد يعبد ~~الله أملا في خير الجزاء، والصانع يجهد نفسه ويعمل أملا في الأجر، والتاجر يخاطر بأمواله ~~ويكد ويكدح أملا في الربح. فلولا الأمل لما كانت عبادة ولا صناعة ولا تجارة ولا حرفة ولا ~~مهنة. ولولا الأمل لما كان الوجود. والتاريخ أكبر شاهد على أن الأمل وحده هو الذي نشط ~~بالخلائق إلى مراقي الفلاح وذروات المجد والسؤدد، ولولاه لما فاز العالم بهذا النصيب الوافر ~~من الإثراء والرقي الأدبي والعلمي. الأمل يخفف الأحمال الثقيلة ويلطف الآلام، ويساعد ~~العاثر على النهوض والمعدم على تحمل أرزاء الفقر والعوز، ويحول بينه وبين اليأس الوبيل. ~~الأمل ms19 أكبر عزاء للمنكوب، وأقوى أساس لنظام العالم. # ولو قيد الإنسان فكره بالحقائق الواضحة، ولم يقتنع بغير الأدلة العقلية، والحجج المنطقية ~~لاستنتج أن الموت هو النهاية الوحيدة لكل الكائنات الحية، وأنه السيف المسلول الذي يهدد ~~الحياة في كل لحظة؛ فيشتغل به الفكر رهبة منه، وينظر إلى الحياة من وجهها الأسود فيتلاشى ~~الأمل ويقل نشاط العاملين، وتقف حركة العالم ويتطرق الخلل والجمود إلى هذا المجتمع العامل ~~النشيط. ولكن الأمل - والحمد لله - باق وله النفوذ الأقوى في نفوس الخلائق وأفكارها، وهو ~~المنشط الوحيد الذي يجعلها تتعلق بالحياة ومتاع الدنيا فتعمل وتجد. # فحتم على العاقل ألا يحقر طموح النفس وتطلعها إلى المستقبل، بل يجب عليه احترام هذا ~~الأمل أينما كان، وعلى أي صورة وجد، سواء تمثل له في رأس الطائر الذي يجمع القش لبناء ~~عش لفراخه، أو في نفس الحيوان الطاحن المجروح، الذي يقع ويقوم في كل خطوة من خطواته ~~ساعيا وراء رزقه، أو باحثا عن ظل ظليل يرقد فيه ليستريح، وسواء في قلب الفلاح الذي ~~يقضي نهاره في الحقل عاريا يحرث ويفلح الأرض ويبذر أو يروي أو يحصد. # لنحترم الأمل ونحيه، ولو كان في الخرافات والقصص أو في الأغاني والأناشيد العامية؛ لأنه ~~عماد القوة والمنشط الوحيد للعالم، وعليه مدار النظام والترقي. ولكن مما يؤسف له أن إنسان ~~اليوم أكثر الخلائق خوفا من المستقبل، وأقلها أملا؛ فهو يخشى سقوط الرجوم واصطدام الأرض ~~بأحد الكواكب أو المذنبات، # 1 # ويرقب - في كل لحظة - نهاية العالم ودنو الساعة الأخيرة، ويزيد هذا الخوف تكهن ~~بعض علماء الفلك بأمثال هذه الأمور والهذيان بالنبوات المخيفة؛ لتتناقل الصحف أسماءهم، ولكي ~~يطيرها البرق إلى أنحاء المعمورة، فيصدع بها الآذان ويملأ القلوب خوفا والأفواه شقشقة ~~وأفكا. # فالحكيم من يثق بقدرة الخالق على تدبير ما خلق، وبأن من أوجد النظام الإلهي العجيب ليس ~~بعاجز عن ضبطه وإحكامه، وبأن من خلق هذا العالم البديع لا يتركه للفناء والزوال بغير ~~إرادته ومشيئته، فلا تكون النهاية على ذلك الشكل الخرافي الذي تختلقه وتتوهمه العقول ~~السخيفة. والعقول البشرية ms20 مهما ارتقت قاصرة عن إدراك كنه الكون وأسراره العجيبة، وما وقف ~~عليه الإنسان من المعلومات تافه في جانب الحقائق المجهولة والمبهمات الغامضة الخفية. فيجب ~~على المخلوق أن يعترف بالقصور، وأن يكل نظام الكون لخالقه، ويشتغل بأموره الدنيوية، ~~وأحواله الاجتماعية، ويقوي الأمل ما استطاع، ويسد المنافذ في وجه اليأس؛ لأنه من العوامل ~~القاضية على الشجاعة وحب العمل. # ولماذا يتطرق اليأس ما دامت الشمس لم تنقطع عن الإشراق والأرض عن الإنبات؟ لماذا نيأس ~~والحياة لم تزل كما هي؟ فالعصفور يغرد وهو مهتم بصنع وكره وجلب الطعام لأفراخه، والأم لم ~~تزل تبسم لطفلها، والوالد يسعى في طلب الرزق ليعول امرأته وأولاده. لم نيأس ما دامت ~~النجوم ترصع السماء، والقمر يطل بوجهه الفضي على جيوش الظلام فتتبدد وتمحى؟ لماذا نيأس من ~~رحمة الله ونضعف نشاطنا بأمثال هذه الأوهام والأباطيل؟ الأمل الأمل؛ فهو سبيل الفوز ~~والنجاح، وحذار من اليأس؛ فهو مدعاة الفشل والحبوط. ~~••• # الطيبة من لوازم الرجولة، ولست من القائلين: إن الكمال غريزي في الإنسان؛ المعتقدين ~~أن منشأ الفساد العشرة أو البيئة الفاسدتان. ولكنني ممن تسوءهم العادات السيئة، وجلها ~~موروث. ولو قابل الإنسان أصحاب هذه السيئات بما يستحقه المسيء المؤذي لما بقي في العالم نزر ~~من خلق الله. ولا أظن في الوجود من ينكر البغضاء والفساد والتعدي على الغير والاسترقاق، ~~وأشباه هذه الرذائل التي تأباها النفوس ولا تتحملها إلا مكرهة مغلوبة على أمرها. وليس من ~~يشك في أنها من أكبر الوسائل التي توتر القلوب وتملؤها بالأحقاد والضغائن، وتسوق الإنسان ~~سوقا في طريق الانتقام من الظالم بأية وسيلة ومن أي طريق. فلولا الطيبة واستسلام الإنسان ~~لقدرة الخالق وعدله الإلهي لفسدت الأرض وشربت الدماء. # الطيبة ينبوع ماء حي يروي النفوس ويطفئ فيها نار الخصومة، وهي من منح الله التي تحفظ ~~النظام، وتلطف شرور العالم وفجور الإنسان. وهي أبدية لا تزول، وجدت من ابتداء الخليقة ~~وستبقى إلى ما شاء الله، على وفرة ما يناقضها، ويشوه جلالها، ويعمل على محوها من القلب، ~~فإن لها فيه خصوما عدة؛ منها: القسوة، ms21 والخبث، وحب السلطة، والأنانية، والكفران بالنعمة . ~~وأقل هذه الرذائل ينزل بالإنسان إلى أحط منازل الحياة وأسفل دركات الشقاء، ويطوح به إلى ~~بؤرة الرذيلة ويسوقه إلى التعدي على مال الغير وحياته، ولكن المألوف انتصار الطيبة على كل ~~هذه النقائص وفوزها عليها جمعاء. وما أكثر الحوادث التي تغلبت فيها الطيبة على كل ضروب ~~القسوة والتوحش، وأخضعتها فدانت لها وصغرت. # الطيبة تصلح ذات البين وتعزي المنكوب وتلطف آلام الشقي وتكمل صاحبها وتجمله، ومن ~~خاصياتها التواضع والصبر على الضيم. الطيبة بلسم الجراح تمسح الدموع، وتقوي الفقير على ~~احتمال الفاقة، وتضمد القلوب المكلومة، وتساعد على السماح والغفران. وهي الصفة الرئيسية ~~التي يحتاجها النوع البشري ويفتقر إليها في كل أدوار الحياة. ~~••• # فمن رام أن يكون على شيء من الاعتدال - بالمعنى الصحيح - فعليه بالتوكل والأمل والطيبة. ~~وإنني لا أريد تخوير عزائم المتطرفين ولا تخدير نشاطهم، كما أنني لا أبغي ردع المولعين بكشف ~~سر المجهول، ولا زجر الباحثين عما وراء الغيب، والمتعمقين في المباحث الفلسفية أو ~~العلمية. وإنما أروم الركون إلى الحقائق بدلا من التشبث بما لا يفيد، والكد وراء ما لا ~~يدرك ولا ينال. فإن من أسرار الحياة والمسائل الاجتماعية ما يتساوى في معرفته والوقوف ~~على غوامضه العالم المفكر والجاهل الغبي؛ لأنها فوق قدرة الاثنين، وليست في متناول العقل ~~والإدراك، فمن أراد الله به خيرا وعى هذه الحقيقة بلا جدل، وكف عن الضلال، وارعوى عن الغي، ~~واعتدل في حياته وفكره. # ورب معترض يزعم أن التوكل من النظريات الدينية التي تثبط الهمم، وتهمد العزائم، ~~وتمنع المخلوق من السعي والدأب على العمل، فيحسن الرد عليه بأن الدين نفسه فرض على الإنسان ~~العمل والسعي في طلب الرزق، فقد جاء في الإنجيل: «بعرق جبينك تأكل خبزك.» وجاء في القرآن: # فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه ~~. # وليس بين كل الأديان دين يدعو إلى الخمول والكسل انتظارا لفيض نعم الله وبركاته، وإنما ~~كلها تدعو إلى العمل والاجتهاد، مع التوكل والاعتماد عليه تعالى. # ولو سأل سائل عن أحسن الأديان لما استطاع حكيم الإجابة على ms22 هذا بغير تفكر طويل ومخاطرة؛ ~~لأن الأديان جميعا تدعو إلى الفضائل، وتحرض على اجتناب الرذائل. والعقل يتحاشى الجزم برأي ~~معين عند ولوج مثل هذا المبحث؛ لأنه لا يستطيع تفضيل شريعة على الأخرى بغير تحامل وتحيز، ~~وبغير إثارة سخط البعض على حكمه، مع أن الحقيقة لا بد وأن ترضي الجميع، ولا يقوم دليل ~~على غير صحتها. # فخير ما يفعل العاقل أن يضع السؤال على صورة أخرى، ويسأل عن ماهية الدين القويم الصالح ~~للدنيا وللآخرة، فيكون الجواب أن الدين القويم هو الذي ينير البصائر، ويرفع قدر الحياة، ~~ويحض على العمل مع التوكل والأمل والطيبة. الدين القويم هو الذي ينتصر للخير والفضيلة، ~~ويخذل الشر والرذيلة، وينشط الإنسان، ويدفعه إلى التكمل بالفضائل والصفات الحميدة، وإلى ~~اكتساب كل خلال الرجولة الحقة. الدين القويم هو الذي يعين على احتمال الآلام بصبر وقبول، ~~ويدعو إلى احترام الغير ومراعاة حقوقهم، ويساعد على التسامح، ويقلل من الكبرياء والعتو، ~~ويحث على عمل الواجب. # فالدين الذي تكون هذه تعاليمه هو الدين الصحيح، وشريعته هي الشريعة السمحاء التي تقرب ~~الإنسان إلى الله، وتجعله من عباده المتقين. # وكل دين تزين تعاليمه الخيلاء والكبر والأفضلية على سائر المخلوقات البشرية، وتدعو إلى ~~النزاع والشقاق، وتدفع إلى التغلب على الغير والاستئثار بإرادتهم وحريتهم، أو ترمي إلى ~~انقياد الإنسان نفسه للصغار، فما تعاليم مثل ذلك الدين إلا باطلة وفاسدة، لا ترضي الخالق ~~ولا المخلوق، بعيدة عن محجة العقل والصراط المستقيم. # فهل لا ترى في التعاليم الأولى جلالا واعتدالا، وفي الثانية صغارا وشططا؟ وهل يكون ~~للفكر السخيف قوة على تمييز الحسن من القبيح، أم يسقط بصاحبه فيكون من الضالين الذين ساءوا ~~منقلبا، وكانوا من المفسدين؟ # ألا إن مدار الحياة ورقي الاجتماع على الفكر السليم المعتدل؛ لأنه ينبوع الحكمة وعماد ~~النظام وأساس الرقي والكمال. # | القول والاعتدال # للإعراب عن الفكر عدة وسائل، أهمها: القول؛ وهو مقياس العقل وميزانه. فالعاقل من يربأ ~~بلسانه أن يهفو، وقلمه أن يشط ويجعل قوله حكيما كفكره، والحكيم من يفكر بروية ويتكلم ~~بصراحة. # والثقة المتبادلة حلقة ms23 توثق بها الروابط الاجتماعية، ومدار الثقة على الأفراد أنفسهم ~~ومبلغهم من الصدق والشرف، فإذا ضعفت هذه الخصال قلت الثقة واختل النظام وقضى على الراحة ~~والأمن جميعا. # وما هذه النظرية إلا حقيقة مشاهدة في المعاملات المادية والأدبية، فكما يصعب التعامل مع ~~من لا يوثق بهم، فكذلك يصعب الاهتداء إلى الحقيقة من أقوالهم. ومن البديهي أنه إذا شردت ~~الأقوال عن محجة الصواب، وبعدت النيات عن جادة الصدق واتخذت سبيل التضليل والإغراء؛ كان ~~ذلك سببا لتعدد مشاكل الحياة وتعقيدها واختلال نظام الأحوال. وهذا هو الواقع اليوم ~~والمشاهد الملموس الذي لا ينكر، فالعالم مملوء بدهاة الرجال والمحتالين الذين لا هم لهم ~~إلا اختداع الغير وتضليلهم، فوالحالة هذه لا غرو أن يشق على الناس تبين الحقائق والاهتداء ~~إليها في بيئة مملوءة بالمفاسد والأباطيل. ~~••• # لقد كانت وسائل التفاهم وتبادل المنافع في الماضي بسيطة ومختصرة وقليلة، وكان المرجح أن ~~تحسنها يرقي المدنية الصحيحة، ويكون واسطة لتقريب الشعوب بعضها من بعض، وربطها بروابط ~~المنافع المادية والأدبية، فيكون ذلك سببا من أسباب السلام وتبادل الحب والاحترام. # وكان المنتظر أن يعيش أفراد الأمة الواحدة كالأخوة فيما بينهم؛ لكثرة الأواصر التي تربطهم ~~ووثوق العرى التي تجمعهم معا، وكان المؤمل أن يعملوا معا لتقويتها وصون المنافع ~~المشتركة. ولذلك هللت الخلائق فرحا عند اختراع آلة الطباعة وتفاءلوا خيرا، وتضاعف السرور ~~والاغتباط بانتشار المطبوعات، وانصراف القوم إلى التعليم والتثقيف، وانعكافهم على مطالعة ~~الجرائد والمطبوعات الدورية؛ ظنا منهم أن الأضواء الكثيرة خير من الضوء الواحد، وأن ~~الفوائد الجمة خير من الفائدة المفردة، واعتقادا بأن انتشار الصحف والمجلات والكتب واسطة ~~لترقية الأفكار، وتهذيب العقول، وانتشار العلم، ورفع حجب الجهل عن الأبصار والبصائر، وتسهيل ~~جمع وتقرير الحوادث لمن شاء من المؤرخين والكتاب. وهذه هي النتائج الصحيحة الطبيعية التي ~~تتبادر إلى الذهن في بادئ الأمر. ولكن الأمور جرت - ويا للأسف - في غير هذا السبيل، فجاءت ~~النتائج بعكس ما كان ينتظر. # وكأني بالناس انصرفت أنظارهم إلى الآلة وقوتها، وإلى الفائدة الوقتية المتوخاة منها. ~~وذهلوا عن أمر العامل الذي يديرها، ms24 وعن روحه التي هي مبعث تلك القوة وعلة تلك الفائدة؛ ~~فاغتنم السفسطائيون والأفاكون وذوو الأقلام المرة والألسنة الذربة فرصة الذهول هذه، ~~وبادروا إلى تسميم العقول، وتضليل الألباب بما باتوا ينشرونه من المبادئ الفاسدة والأباطيل ~~والأضاليل، بحيث أصبح الوقوف على الحقائق والمبادئ الأولية ضربا من المحال. # ولئن وجد بين المطبوعات كتاب أو صحيفة تنشر الحقائق مجردة من الغايات السافلة، وتعمل ~~بنزاهة لربط أواصر الصداقة بين الشعوب والأمم، فهناك آلاف سواها - ومن نوعها - تفتري الكذب ~~وتؤيد الزور؛ لتعبث بهذه الثقة المتبادلة وتحل العرى الموثوقة، وتبذر بذور الشقاق والبغضاء ~~بما تنشره من التهم الباطلة، وتقرره من الأكاذيب الملفقة، وتحدثه من اللجب والضوضاء بلا ~~داع ولا سبب. وسواء في ذلك ما يختص بالأحوال الداخلية أو الخارجية وما يتعلق بسائر الشئون ~~العمومية من تجارية وصناعية وزراعية إلى غيرها. فمن العسير، بل من المحال الوقوف على ~~الحقائق مجردة من الفذلكات والتلفيقات، وخالية من الطلاء الكاذب. وقد بات يصح القول: إنه ~~كلما كثر الاطلاع على المطبوعات والجرائد زاد الناس ضلالا على ضلالهم. وكثيرا ما تململ ~~المطالع من كثرة خداع الكتاب، فمزق ما بيده من الصحف وتيقن أن العالم صار ~~خلوا من ذوي الذمم الطاهرة، اللهم إلا نزرا قليلا مجهولا لا يمكن الاستدلال عليه ~~لضياعه بين هذا المجموع الفاسد. ثم يعود فيسيء الظن حتى بهذا النزر اليسير أيضا؛ لما يراه ~~من تحرش المحررين بعضهم ببعض وافترائهم السوء والقبيح للحط من كرامة أنفسهم، فيحوقل آسفا ~~على ما وصل إليه المجتمع من الفساد والسقوط الأدبي. # وليست هذه الحيرة بمحصورة في أفراد الشعب المعبر عنهم بالعامة أو الجمهور، بل يشاركهم ~~فيها الخاصة أيضا، والمتعلم والفيلسوف والمتأدب وأرباب السياسة وأساطين العلم وعشاق الفنون ~~ورجال الدين؛ لأن الفساد شمل كل الطبقات حتى هال الناس كثرة انتشار الكذب والرياء ~~والخداع، ولم تعد العين تميز الغث من السمين، ولا بقي في استطاعة العقول الوقوف على الحقائق ~~بين الترهات والأباطيل المنتشرة، فبات الجميع في غرور وضلال، واستوى الخادع والمخدوع ~~والمحتال والأبله الغافل؛ لأن نفس المرائي المخاتل ms25 لا بد له من الاعتماد على الغير، ~~والاتكال عليه فيكرع من الكأس التي يقدمها لغيره فيتسرب إليه السم الذي يدسه هو لسواه؛ ~~ولذا فالنتيجة العمومية هي فساد الذمم وعدم تبادل الثقة. ~~••• # إن المرائي والمخادع، وسائر أنواع هذه الفصيلة المفسدة من أكثر الناس اعتدادا بسوء الظن ~~وضعف الثقة بالآخرين؛ لما يعرفونه من أنفسهم من خبث النيات وفساد الضمائر، ولما يأتونه من ~~ضروب الحيل وأنواع الخداع والتغرير. ولذلك هم أكثر الخلق عذابا وشقاء؛ لأن إيمانهم ضعيف، ~~ومبدأهم سافل، وغايتهم الوحيدة المنفعة الشخصية. فهم يصوغون القول الصيغة الملائمة لما يعود ~~عليهم بالنفع، وسيان لديهم طابقت الحقيقة أم خالفتها تمام المخالفة. # هذا دأبهم في المعاملة وهم يتوقعون مثله من غيرهم؛ فلذلك هم في شك دائم يضني الأفكار ~~ويأكل القلوب، وهو السبب الأقوى لعدم تبادل الثقة ولسوء الظن بالآخرين، وهو الداء الذي ~~يتأفف منه أولو الألباب والكتاب والخطباء والمعلمون ويحتقره ويمقته كل الناس عامة. # وليس أشد على نفس الحر الشريف من الوقوف على خداع كاتب يزخرف العبارات، وينمق السطور؛ ~~ليخفي بينها الأباطيل الخداعة ووسائل الإغراء. فليس من الشرف أن يخدع الكاتب جمهورا ~~ساذجا مملوءا بالثقة وحسن الظن، ولا من الشهامة أن يقتل المحرر بسموم قلمه هذه الثقة، ~~ولولاها ما عاش ولا اكتسب رزقه وقوت عائلته. ولا من المروءة تضليل المعتمدين على الذمم ~~الطاهرة والإخلاص والصدق. # إن الكاذب المنافق ليؤذي نفسه على تمادي الأيام؛ لأن اليوم الذي يظهر فيه دليل الخداع ~~والكذب سيجيء حتما فتتجلى إذ ذاك حقيقة أمره للعيون، وتزول الثقة فيه فتنفض من حوله ~~القلوب، وتنفر منه الناس. ذلك هو يوم سقوطه من حالق، وتدهوره إلى الحضيض، وضياع كل أمل له ~~في الحياة؛ لأنه لا شيء أشد من سخط الجمهور على المنافق الذي يخدعه ويغرر به، ولا أصعب ~~على الإنسان من توقي هياج الشعب الساخط عند هياجه. إن الأوراق اليابسة لا تقاوم الريح ~~الصرصر، وكذلك المنافق لا يقوى على مناهضة الأمة في اندفاعها عليه لتثأر منه. وإن اليوم ~~الذي يتضح فيه الخداع والنفاق لهو ms26 اليوم الذي توصد فيه الأبواب في وجوه المنافقين، وتسد ~~الآذان عن سماع المكر والرياء، بل وعن سماع النصح الصادق والإرشاد الحق، وهذه هي الطامة ~~الكبرى والجناية التي لا تغتفر للذين يخدعون الناس، ويضيعون الثقة بالكتاب ~~والمرشدين. # وإذا كانت القوانين تعتبر مزيفي النقود جناة مجرمين؛ لأنهم يغشون المتعاملين في ~~منافعهم المادية، فما قولك بمن يفسد العقول والضمائر ويزيف النفوس، ويسممها بالكتابات ~~المنتشرة والأقوال المتداولة؟ # إن الضرب على أيدي هذا النوع من الكتاب والخطباء واجب تقضي به الإنسانية ونظام ~~الاجتماع؛ لأنهم يعدمون الثقة، ويميتون العقول، ويزعزعون أقوى أركان السلام، ويفسدون نظام ~~العالم، ويشوهون جمال الحقائق وجلالها. # فمن المهم الجدير بالاعتبار العناية باللسان والقلم وتقييدهما إلا عن نشر الحقائق ~~والأفكار السديدة المعقولة. والاعتدال في القول خير من التهور المرذول. ولا شيء في الكتابة ~~أقبح من استعمال العبارات المبتذلة، والكلمات ذات المعاني المتعددة التي تحتمل الحسن ~~والقبيح. ولا هنالك أشرف من ذكر الحقيقة مجردة من الغاية والمصلحة الشخصية، وكل ما خالف هذا ~~فهو خداع ممقوت مضر بالجمهور، وحطة في قدر الكاتب، ووصمة على الخطيب، والرجل الكامل من ~~كان له فكر ثابت وقول حق صريح، فإن الصدق - وإن ثقلت خطواته - أسرع من الباطل وأضمن للفوز ~~وتحقيق الآمال. # وليس الغرض الحط من شأن الكتابة في ذاتها، أو منع الكتاب من استعمال الغلو والإغراق ~~وسائر المحسنات اللفظية، أو حض الناس على إهمالها، فإن النفس لتتوق إلى هذه المحسنات، ~~وتعترف بما لها من التأثير في إبداع القول. والعقل يؤكد أنها الوسيلة الفعالة ذات التأثير ~~الشديد في ترقية الكتابة وتخريج المجيدين من الكتاب والشعراء، ولكن من المعروف أيضا أن ~~أحسن المواضيع وأجودها هو ما لا يحتاج إلى عناء في صوغ عباراته وتنسيق كلمه؛ لأن الموضوع ~~الجليل مجموعة أفكار عالية تؤثر بطبيعتها فيشعر بجلالها العقل والنفس. وقد تكفي أبسط ~~الكلمات وأسهل اللغات لصوغها في قالب سهل مفهوم، بدلا من قتل الوقت وإجهاد الفكر في انتخاب ~~الكلمات ورصف العبارات التي كثيرا ما ترغم الكاتب على إفساد المعنى وتشويه الفكر إذا انصرف ms27 ~~عن جلالهما إلى تزويق الألفاظ. والأفكار العالية لا تحتاج إلى الطلاء الغريب لتظهر في سماء ~~رفعتها وأفق جمالها؛ لأن قوتها في ذاتها وسموها في رجحانها وأصالتها. # وليس كل من يحسن التوشية ورصف الكلمات بالكاتب المجيد، أو الخطيب المفوه، ولكن هذا ~~اللقب من حق كل مفكر يجمع شتات المعاني الراقية، والأفكار السديدة في القالب اللغوي الفصيح. ~~ولا شيء أبلغ من السهولة عند التعبير والإقناع بالأدلة المعقولة الخالية من التعقيد المضني ~~والركاكة المملة. # إن نظرة واحدة في بعض الأحايين، أو إشارة لطيفة في بعض الأحوال لتعرب عن انفعال نفساني، ~~أو ألم شديد، أو إخلاص، أو سرور، أو حزن إعرابا لا تؤديه أبلغ العبارات في كل لغات العالم. ~~ولا يتأتى للإنسان التعبير عن حقيقة عواطفه وشعوره إلا بأبسط العبارات وأسهلها؛ حتى لا ~~تضيع الفائدة المقصودة والتأثير المراد من شرح أسرار القلوب وخفايا الصدور. ولا تتأتى ~~المحاجة إلا بالحقائق واللغة السلسة والاعتدال في القول - عند الشرح - أكثر إقناعا من ~~العبارات المعقدة، والتهوس في الجدل المطول الممل؛ لأن الاعتدال في القول أكثر فائدة ~~للقائل من الشطط والحدة، وصالح لكل الأزمان، ومحمود في كل المواقف. # ولا شيء أنجح من الصدق في الرواية والإيجاز في الإعراب عن اعتقاد راسخ، أو عند شرح ~~العواطف والإحساسات النفسية، سواء كان ذلك في المواقف العمومية أو في المفاوضات الخصوصية. ~~وليس أوقع في نفس المطالع أو السامع من الكلمات القليلة التي تصدر حقيقة من القلب لتصل إلى ~~القلب، أما الكلمات المنتقاة للتوشية والتحسين اللفظي فإنها كالزخارف المادية، التي تساوم ~~بالمال الكثير، ولا تؤدي فائدة جزيلة لمن يبتاعها. ولما كان الغرض من القول أو الكتابة ~~الإعراب عما في الفكر؛ كان من الواجب تأدية ذلك بما لا يزيد عن المعنى خوفا من ملل السامع ~~أو المطالع. # كم من الخطباء غرضهم الوحيد من الخطابة الوقوف بين الجماهير؛ لسماع تصفيقهم الحاد بعد ملء ~~الآذان بكثير من العبارات المنتخبة؟ وكم من السامعين يكتفون بالسماع فقط وبالتلذذ ببلاغة ~~المقول، فإذا ما اجتازوا باب المكان نسوا ما سمعوه وأعجبوا ms28 به والتهوا بالمشاهد الجديدة ~~عن حديث ذلك المهذار الصداح؟ ولو كان هذا مبلغ تأثير ما يقال ويكتب في النفوس والعقول، ~~لكانت نتائج التفكير والتحبير مجموعة من الخطابات المنمقة والكتابات المزخرفة، وخليطا من ~~القطع التمثيلية وضعت كلها للهو والتلذذ بها حينا من الوقت، ووقفت فائدتها عند هذا ~~الحد كأن مهمة العقل مقصورة على ذلك، بغير محاولة اكتساب الفوائد الجمة التي تمحصها ~~العقول وتبحث عنها في شتات الحوادث وبين صنوف الأباطيل. # إن ارتفاع صوت العاطلين الذين لا هم لهم إلا الصياح والضوضاء؛ بغية الشهرة والظهور يغري ~~الجمهور ويضلله وينسيه أن العامل المفيد أكثر الناس هدوءا وأقلهم جلبة، وينسيه أن كثرة ~~الإعلان تدل على عكس المعلن عنه. فلولا فراغ جوف الطبل لما أزعج صوته الفضاء. فالصمت خير ~~من القول الهراء، والسكون أفضل من الجلبة، والقوة التي لا تستنفد في التهوس تدخر للعمل ~~المفيد وتكون ربحا من غير عناء ولا خسارة. ألا ترى أن الباخرة التي تستنفد بخارها في ~~الصفير وإزعاج الكون بصراخها لا تجد في مستودعها قوة لمواصلة السير والوصول إلى ~~غايتها؟ # إن من درس أحوال الأمم وطبائع الأفراد يلاحظ أن الكسول يستعمل في حديثه العبارات ~~المقتضبة، بخلاف الثرثار والأحمق، ويجد أن العاقل المعتدل يقتصر على الموجز الكافي، فيكون ~~لفظ عبارته على قدر المعنى الذي وضعت له. فإذا كانت اللغات تختلف باختلاف الخصال والأمزجة، ~~فإنها تختلف أيضا باختلاف الأزمان والعصور، حتى إن من يقارن بين لغة العصر الحاضر ~~والزمن المنصرم لا يلبث أن يرى فرقا واضحا، وتمييزا جليا، فيتحقق أن كتاب العصر ~~الغابر كانوا يكتبون بلغة أوجز وأبلغ، خالية من التعاقيد والحواشي التي تحرج المطالع، ~~وتضني فكره دون تمييز الغرض منها، بعيدة عن المبالغات التي تحول بين العقل والحقيقة ~~الكاملة. ويجد أيضا أن كتاب هذا الآن أقل إدراكا من سالفيهم وإلماما بشئون الكتابة، ~~ويجد أن الأقلام في هذا العصر أقل ثباتا في الأيدي وأكثر شططا وتخبطا. ~~••• # من الناس من يصفق للكاتب الذي يكتب بحماس وتطرف، ويطري ويفتخر بمن يرسل من جوف قلمه ~~سيالا ms29 من النار، ولكنه لا يلبث أن يحترق بهذا اللسان المندلع. هذا النوع من الكتابة منتشر، ~~وهو الخطر الذي يجب اتقاؤه، والضرر الذي يتحتم على الحكيم تحاشيه والتنكب عنه؛ لأن الشطط ~~والغلو في الكتابة لا ينتجان غير إغراء العقول، وتضليل الأفكار، وإبعاد المطالع عن مركز ~~الحقيقة، فتكون النهاية سوء الظن وضعف الثقة وتوتر العلائق بين الأفراد والجماعات والتشديد ~~في المعاملة وفساد الأحكام؛ لجهل الحقائق وفقد الأمن وإخلال النظام وفساد الأخلاق. وكفى ~~بهذه النتائج السيئة سببا للسقوط التام والموت الأدبي. # فالمصلح الحقيقي من يطلب لقومه ولإخوانه اعتدالا في الكتابة والخطابة، ونشر ما يكون ~~علاجا للنفوس ودواء للعقول ووسيلة لرقي المجتمع الإنساني أدبيا وماديا. وليس الغرض ~~منع الكتاب والشعراء وأرباب الفنون عن الإبداع والإجادة، وإنما العناية بما يفيد ولا ~~يضر؛ لأن الفكرة الصالحة توافق كل المشارب، وتصلح لكل زمان ومكان، كما أن المصلحة ~~العامة لا تكون لفرد دون الآخر ولا تختص بفريق واحد أو تنحصر في جماعة أو طائفة ~~بذاتها. # إن ينابيع الإرشاد والموعظة والهداية عامة تستقي منها كل العقول والأفكار، فيردها البعض ~~ويكون صالحا فيبذل للناس نصحا وهدى، ويتسمم بها البعض؛ لتسمم نفسه بالشر والخبث فلا تنطق ~~أفواههم إلا بسخافة ولغو. والنوع الأول: روح تبعث في النفوس القوة وتدعو إلى العظمة والرقي ~~والحياة. والنوع الثاني: طامة على العقول والنفوس وسبب للهوان والصغار والسقوط، إذا ~~انتشرت تعاليمه وتغذت بها العقول وتشبعت بها القلوب. # فخير المحبين لبلادهم ووطنهم من يدعو ذوي الحكمة لإرشاد الناس وإبعادهم عن الشطط، وردعهم ~~عن التطرف الوبيل، وعن التطوح في مهاب العواصف ومختلف الرياح؛ فيرتقي المجموع بارتقاء مدارك ~~الجماعات، ويعتدل الشعب باعتدال الفرد، وتعيش الأمة هادئة مطمئنة ينشط بها العقل إلى مدارج ~~الرقي بعيدة عن مزالق السقوط والهوان. فإن من يسير في الطريق السوي يأمن العثار، ومن يجمح ~~في المزالق يتدهور ويتحطم. وإن زلات اللسان والقلم ليست مما يستهان به؛ فقد تودي ~~بالفرد، بل وبالأمم برمتها، ورب كلمة كانت سببا في حرب عوان ووبال عميم! # | الواجب والاعتدال # عندما تكلم الطفل ms30 في شأن لا يروقه تراه يجتهد أن يشرد بك عن الموضوع، فيلفتك إلى ~~حمامة تطعم أفراخها، أو يشير إلى سائق يضرب جياده، أو يكثر عليك الأسئلة المملة مكرا منه ~~فتضيق ذرعا وينفد صبرك. # يكاد يكون هذا الشأن شأن الإنسان إزاء الواجب، فيختلق من الأعذار ما يخاله مقبولا يشفع ~~له عند التقصير، أو الإحجام عن واجب الإنسان الحي المميز. وأول سبب يتعلق به المعتذر ~~المقصر هو التساؤل عن حقيقة الواجب. وإن الغرور الذي ملك من المقصرين نفوسهم وعقولهم، ~~وحبس إرادتهم عن الانصراف إلى أداء الواجب يستند على أن من دعائم الواجب الحرية. وهي ~~مسألة معقدة لم يهتد العالم إلى حلها حلا يرضي الناس جميعا، والبحث فيها يفضي ~~بالباحث إلى التعمق في سائر الأمور، فلا يمكن الاعتداد بها ولا الاعتراف بكونها من أقوى ~~أركان الواجب. # ومن ينظر هذا القول نظرا سطحيا يتوهمه حقيقة لا اعتراض على صحتها. ولو أن أمور ~~الحياة نظريات عقلية فقط لما وسع الباحث أن يعنى بأمر الواجب قبل البت في مشكلة الحرية، ~~وحل عقدتها وتعريفها تعريفا تاما. ولكن الحياة ليست نظرية لكونها حركة عملية سبقت ~~النظريات وواضعيها. وأنى لنا أن نوقف الحياة وحركاتها الدائمة ريثما يصل الباحثون إلى ~~حل النظريات المجهولة المختلف فيها بعين المفكرين؟ فلا يتوقف أداء الواجب على معرفة حقيقة ~~الحرية وحدودها واعتراف الناس بها؛ لأن شأن الحرية شأن كل المسائل المعقدة التي لم تزل بين ~~أيدي الباحثين، وتحت أنظارهم بدون أن تقف حركة العالم، فها هي الخلائق لا تزال تتعامل، ~~والتضامن موجود فعلا بين الناس، ومسئولية البعض أمام البعض الآخر محدودة على قدر الإمكان ~~بشكل يكفل بعض الراحة والنظام العام. # ولكن المشتغل بالعلوم النظرية لا يعتد بغير نظرياته العقلية، ولا يحفل بالحركات العملية، ~~ولا يتعرض بتاتا لإثباتها أو لدحضها، ولا يعمل شيئا لرد خصومه في الفكر والرأي عن المنهج ~~الذي يراه خطأ وغير قويم. فلا مبرر من تقاعده عن معرفة الواجب الإنساني وأدائه قبل معرفة ~~كنهه وحقيقته وحدوده. فالطفل لا يعرف الأزمنة والمواقيت، ومع ذلك ms31 فهي تمر عليه، والصبي يجهل ~~تقدير المسافات وتحديدها، ولكنه يمشيها ويقطعها، فلا مندوحة إذن عن أداء الواجب قبل معرفة ~~كل قيوده وروابطه وسبر الأبحاث والآراء التي وضعت بشأنه؛ لأن الواجبات الأدبية عامة، ~~وللإنسان أن يخضع لها فيكون إنسانا بالمعنى الصحيح، أو يخالفها فيسقط ويبتذل لدى العارفين ~~بواجب الإنسان، فلا تفيده الأعذار مهما اختلق منها، وتنطلق عليه ألسنة الناقدين كل انطلاق، ~~ولا أقل من أن يقال له: «أنت إنسان كسائر الناس لك حقوق وعليك واجبات، فكما أنك لا تتجاوز ~~عما لك، فكذلك يتحتم أن تؤدي ما عليك، سواء لبلادك أو لأبنائك أو لذويك أو للناس عامة، ~~والجهل وعدم استيفاء البحث والتقرير لا يشفع ولا يمنع.» # وليس الغرض حمل الناس على ترك الأبحاث الفلسفية والاستقراءات الدقيقة لمعرفة الحقائق ~~الأدبية، واستجلاء غوامض المسائل الأخلاقية التي استعصى حلها حتى الآن. فكل سعي في هذه ~~السبيل ممدوح ومحمود، ولكن المراد عدم توقف الباحث عن أداء الواجب الإنساني قبل أن ينتهي من ~~أبحاثه. والعاقل من يتذكر دائما كونه خلق قبل أن توضع هذه النظريات، وقبل أن تخلق هذه ~~المشكلات. وقد خلق الواجب مع الإنسان فهو سابق لها، فالرجل الحقيق بهذا اللقب من يؤدي ~~واجبات الرجولة. # والخبير بضمائر الناس وخفايا القلوب لا يشك في كثرة الاعتراضات التي يعترض بها على ما ~~مر، ولكن من تسول له نفسه الفرار من واجب الإنسان، لا يخجل طبعا من انتحال الأسباب ~~المبررة للسقوط الأدبي. ~~••• # من الصعب أن يتخبط الرجل في طريق الواجب المجهول، وأن يتلمس في الظلام طريق الهدى والسبيل ~~القويم، وعسير عليه أن يهتدي بين المتناقضات والاختلافات العديدة التي تدور حول الواجب ~~وفروض الإنسانية. وقد يكون الواجب في بعض الأحايين فوق الطاقة وفي غير وسع المرء، ولكن من ~~المؤكد ندرة هذه الأحوال الحرجة التي تستدعيها بعض الاضطرابات الاستثنائية. وخير ما يعمل ~~الإنسان في تلك المواقف أن يلزم الأناة والحذر؛ لأن الذي يقبل عذر من يكبو في الطريق المظلم ~~المجهول، ويشفق على المحارب أن يقهر بين نارين، لا يتردد في الرفق ms32 بمن يقصر عن ضعف، أو ~~يسقط رغما عنه سقوطا أدبيا ما دامت القوى التي تغالبه فوق طاقته. # وليس السقوط الإجباري عابا على الساقط، ولا يجوز توجيه الانتقاد والعذل إلى المقصر ~~المرغم على التقصير، ولا يصح أن يقصر الكلام على ذلك الواجب المتعذر أو المستحيل أداؤه، بل ~~يجب أن يتناول السهل الذي يتسنى لكل إنسان القيام به بدون إجهاد النفس، ولا استنفاد القوة ~~ولا تبذير المتاع، إن المهم إنما هو أداء الواجب الممكن؛ فتعدد القائمين به بين الأفراد ~~يخفف ويلات المجتمع الإنساني ويلطف الحال. # وليس العار على من يقصر في القيام بأعباء الواجبات الثقيلة، بل العار كل العار على من ~~يحجم عن تأدية الممكن السهل منها إهمالا وتقصيرا. # ولو أن واحدا من ذوي اليسار والمراكز السامية يتخلى عن عرش نعيمه ويطوف خلال صفوف ~~الناس؛ ليخفف ويلاتهم ويمد للمنكودين منهم يد المساعدة والمعونة، فلا يلبث أن يرى في هذه ~~البيئة ما لا يحصى من أنواع الشقاء الذي لم يترك دارا إلا دخلها، ولا عائلة إلا حط ~~بين أفرادها، فيقف على كثير من أنواع الآلام النفسية والجسدية التي يعانيها القوم، ويئنون ~~منها في كل لحظة. وكلما اختلط بأولئك الأفراد ودقق النظر في حالتهم المعيشية اكتشف من أنواع ~~البؤس ونكد العيش ما يهوله ويقصر همته؛ حتى ليتصور أن تخفيف هذه الكوارث وتلطيف حال أولئك ~~المتعسين البائسين ليس في طاقة أحد من الناس، مهما أوتي من حب الخير والسعة التي تخوله ~~الأخذ بأيدي المعوزين والبؤساء؛ لوفرة عدد المنكودين، واتساع الدائرة التي يخيم على من ~~فيها الشقاء ويحكم فيها البؤس. ومع ميل الكرام إلى بذل ما في الوسع من المساعدة ترى الحيرة ~~تأخذهم أمام هذا المشهد المخيف، فيتساءلون عن فائدة ما يقدم من المساعدة ويعمل من ~~الطيبات، وهو لا يشفي الغلة ولا يدفع الغائلة. ومنهم من يروعه اليأس فيكف عن ~~المبرات، مع أن قلبه يتقطع إشفاقا وحنوا على ذلك الفريق المنكود. وهذا هو عين الخطأ ~~ومنتهى الخطل؛ لأن مساعدة المنكوب واجبة على أخيه الإنسان القادر على ms33 قدر ما يستطيع، فليس ~~حتما عليه أن ينقذ العالم من مخالب الشقاء، ويدفع عن كل المنكوبين عاديات الدهر وصروف ~~الزمان، ويترك هذه الأرض سماء، فما كلف الله نفسا فوق طاقتها. # فالعاقل من يرشد هذا الفريق اليائس إلى محجة الصواب، ويهديهم إلى عمل الخير المستطاع؛ لأن ~~الكف عن المساعدة - وإن قلت - يعد ضررا واسع الأذى. والواجب في مثل حالتنا ~~الاجتماعية أن يساعد الإنسان أخاه بما في استطاعته، وأن يتخذ من البؤساء والمتعسين إخوانا ~~يواسيهم ويلطف آلامهم، وإن كانت هذه المساعدة غير محسة في جانب المصائب التي تحوط جزءا ~~عظيما من النوع الإنساني، فإن فائدتها محققة، وأقل من ينالها فرد من أبناء هذا النوع. ~~وربما اقتدى بالكريم غيره، فيكثر عدد العاملين على نصرة الضعفاء والمنكودين، وتحسن الحال ~~بعض الشيء، وتخف على تلك البيئة وطأة الفاقة، فتجف جذور الحقد في قلوب البائسين الذين ~~يسخطون على الكون ومن فيه، وتقوى الرابطة الإنسانية بين سائر الطوائف، فيقل الشر، ويجد ~~الخير سبيلا ممهدة وأرضا خصبة. وكلما زاد العاملون قل الشقاء وتقطعت أوصال ~~البؤس. # وإذا انفرد الجواد بصنع الخير فإن القلوب تعطف على عمله والألسنة تحمد صنيعه، ولا ينكر ~~المكابرون ما بذل من الحسنات لأداء الواجب الإنساني. وماذا يريد المرء بعد أن يرضى ضميره ~~عن عمله المبرور، ويعترف الناس باستقامته وقيامه بما تستدعيه المروءة والإنسانية؟ ليعرف ~~الناس أن الطمع ذلك الداء الذي يوسع دائرة الأحلام والأوهام ويغرر بالناس، لم يصل ~~بصاحبه يوما إلى ما يؤمل، مع ما يعانيه من المشاق، وما يبذله من المجهودات للحصول على ~~أماني النفس الجشعة. وإلى العاقل كل حوادث الماضي والحاضر، فمن المحال أن يجد فيها إلا ما ~~يؤيد هذا القول. ~~••• # سر النجاح المؤكد في حسن التفكير ودقة العمل وطول الأناة والتعقل والاهتمام بكل شيء، ~~حتى بالأمور الطفيفة الحقيرة؛ لكونها دعامة الفوز، وواسطة للحصول على النتائج المنشودة. ~~ولكن الناس يهملون هذا الأمر ويتناسون هذه الحقيقة، فليتذكر الغافل أن الغريق لينجو من ~~لجة البحر الهائج على قطعة من لوح أو مجذاف مكسور. وما أشبه ms34 الحياة بلجة البحر والمنكوب ~~بالغريق! فليتمسكن جهده بما يستهين به؛ فربما كان ذلك الشيء الحقير سفينة الخلاص وفلك ~~النجاة والسلامة. ألا إن احتقار الصغائر لسيئ العاقبة؛ فإن معظم النار من مستصغر الشرر، ~~وإن الثروة الطائلة تجمع درهما فدرهما. # إن عبر الدهر كثيرة وصروف الزمن جمة عديدة، وقد يحدث أن يخسر المرء ماله وتنزل به الفاقة، ~~أو يفقد عزيزا عليه، أو تضيع أمام عينيه ثمرة جهد شديد وعمل شاق وصبر طويل، فيعجزه استرداد ~~الثروة وإحياء الميت واستعادة الضائع والتعوض من المفقود؛ فتتلاشى قوة المنكوب وهمته، ويقف ~~مكتوف اليدين، خائر العزيمة أمام هذه الكوارث النازلة. ثم يتراخى في شئون حياته الخاصة، ولا ~~يعود يهتم لحاجات بيته وتنقطع عنايته بأطفاله. # هذه هي النتائج المعروفة التي نشاهدها إثر المصائب العديدة، التي تنتاب الناس وتنزل عليهم ~~بهموم النفس وآلام القلب. وهذا خطأ مغفور، ولكنه خطر شديد وخيم العاقبة، ينتقل بالمنكوب من ~~حال سيئة إلى أخرى أسوأ منها. فجدير بمن خسر أن يجمع القليل الباقي، ويفرغ جهده في الحرص ~~عليه والسعي في إنمائه واستثماره؛ لعله يدرك بعد قليل ما يعزيه وينسيه ألم الضائع ~~المفقود. فالسعي والعمل يخففان من لوعة المصاب، والاستسلام والاستكانة يزيدان الألم ويدميان ~~القلب المقروح، والتعلق بالقليل الباقي أسلم عاقبة من اليأس الذي يلاشي حتى البقية الباقية، ~~والتشدد في مقاومة الكوارث، والتصبر في احتمال الآلام خير من الاندحار والسقوط تحت أعباء ~~الهموم النفسية. والوقوف في وجه النازلة ومقابلة الخطر خير من الهرب والفرار؛ لأن المقدور ~~صائر لا محالة. # وليتذكر الغافل أن نفرا قليلا من الناس عمروا الأرض بعد الطوفان، بعد دمارها، ومن ~~نسلهم ظهرت هذه الملايين العديدة التي تضيق بهم المسكونة. وأن اليسر لا بد وأن يعقب العسر ~~وأن الفرج لا يأتي إلا حين تشتد الأزمات. وكم حياة ضاعت لأوهن الأسباب! وكم منكوب عز ~~بعد ذل وكرم بعد هوان وامتهان! # كل حوادث التاريخ تؤيد هذا القول وتؤكد للباحث أن المصائب العظيمة والرفعة والسمو قد ~~تأتي عن أحقر الأسباب شأنا؛ فليس من الحكمة إهمال الصغائر. ms35 وعلى الإنسان الثبات والصبر ~~ومعاودة الكرة عقب الفشل فإنها سبيل الفوز وسر النجاح. ~~••• # من الغريب أن شيئا من الوهن أو الإهمال يغشى أبصار الخلائق وبصائرهم، فيمنعهم من معرفة ~~الواجب وتقديره وأدائه، فينظرون إليه ممسوخا أو من جانب واحد، مع أنهم ينشطون ويتشددون ~~لاكتشاف الغوامض البعيدة على نظر الإنسان، ويتشوقون إلى معرفة ما لا يضر ولا ينفع، فيقضون ~~على جزء عظيم من الإرادة والقوة بالتعلق بأمثال هذه الأوهام. وأي فائدة تعود على الإنسانية ~~من ترديد عبارات الإشفاق والحنو والاهتمام للخير العام والعطف على المجهولين، الذين أخنى ~~عليهم الدهر بخطوبه، وهم في أنحاء الأرض القاصية بعيدين عن الآذان والأبصار؟ ماذا تفيد هذه ~~الظواهر؟ وماذا ينفع التشدق بدعوة الناس إلى عمل الخير في مجاهل هذه السبل، مع كون الآذان ~~تكاد تصم من أصوات البائسين القريبين منا، والقلوب في الصدور منفطرة مكسورة من جراء ما ~~تسمع من أنين المنكوبين الذين تراهم أعيننا وتلمسهم أيدينا، ونعثر بهم في كل خطوة من ~~خطواتنا؟ # أوليس من الخطأ الفاحش أن يتجشم الرجل أهوال الأسفار؛ ليعرف ضروب النوع البشري، ويرحل ~~الرحلات العديدة لهذا الغرض، بينما هو يجهل كل الجهل أبناء بلده، كأنما هم من غير الآدميين ~~الذين يفتش عن أنواعهم، ويبحث عن ماهيتهم. فلا يحفل بمعرفتهم ولا يحدث نفسه بحاجتهم إلى ~~التعليم والتربية، كأنه يظن أنه لا يعنيه شيء من شئون معيشتهم وراحتهم أو شقائهم، ولا ينظر ~~في أمر حكومتهم ومعاملتها لهم. بل لقد تراه لا يسعى حتى في معرفة الذين يظلهم وإياه سقف ~~واحد، ولو كانوا مجهدين أنفسهم في خدمته واكتساب رضائه. وقد يجهل أيضا أو يتجاهل حال ~~العمال الذين يعدون له معدات النعيم والرفاه، ولا يعبأ بشأن سائر الخلائق الذين تربطه بهم ~~عدة روابط اجتماعية لا غنى لامرئ عنها. # ولست لأدري هل ذلك جهل بالأمور وسوء تصرف غير مقصود، أم هو إهمال عن احتقار واستهانة بهذا ~~الخليط الآدمي؟ وهنالك ما هو أفظع من ذلك؛ فإن بعض النساء لا يعرفن عن أزواجهن شيئا ~~كأنهم غرباء عنهن، وكذلك الأزواج ms36 تراهم على جهل بنسائهم كأنهن في غير عصمة الرجال. وكم ~~يجهل الكثيرون شأن أولادهم والوسائل المتبعة في تربيتهم وتهذيبهم، ولا يعرفون أفكارهم ~~ونياتهم، ولا يهتمون لشيء من الأخطار التي تتهددهم أو الآمال التي تملأ قلوبهم، كأن هذه ~~الأمور تافهة حقيرة أو كأنها لا تعنيهم قط. وكما ترى الآباء لا يعرفون كثيرا عن أبنائهم، ~~فكذلك ترى الأبناء لا يعرفون شيئا عن والديهم، فهم يجهلون ما يصيبهم من شقاء أو ينالون من ~~نعيم وسعادة. # ولست أعني بمن ذكرت القبائل الهمجية التي لا تكاد توجد علاقة بين بطونها وأفخاذها، حتى ~~ولا بين أفراد العائلة الواحدة منها. ولكنني أعني الهيئات الراقية من كل أمة، والتي هي ~~عنوان كمال الشعوب ورقي البلاد، أولئك السراة الذين ألهاهم ما هم فيه حتى عن أعز الناس ~~لديهم وأقربهم منهم، فصرفوا أنظارهم إلى ما وراء الأفق، فلم يعودوا يبصرون ما أمامهم ولا ما ~~تحت أرجلهم؛ حتى داسوا أقدس ما يجب على الرجل نحو ذويه وعائلته ومواطنيه. وأعماهم التطلع ~~إلى الشهرة من وراء التظاهر بعمل الواجبات العظيمة الخطيرة؛ عن أداء الواجب المعتدل السهل ~~المفروض أداؤه نحو من يعولون من الأبناء، أو من يتصل بهم من الأقرباء. فإن قام بها ومد ~~يده لنصرة الغير كان فضلا منه، وإن أهملها وتطلع إلى ما يبغي به الشهرة والظهور عيب ~~عليه النقص، وكان ما يبنيه على غير أساس يدكه الكلم ويمحوه القدح القليل والذم من ~~الناس. # فليكن الرجل حكيما قبل كل شيء يقوم بما عليه لنفسه، فأفراد عائلته، فأبناء بلدته، ~~فمواطنيه، فإذا كان في وسعه فوق ذلك وعمل خيرا شكر وأثيب. # إن من لا يرتب عمله يلهو بما لا يفيد ولا ينفع عما يفيد وينفع، وكل من يشتغل بما لا ~~يعنيه مقصر فيما فرض عليه، وآت بدليل على حمقه وجهله وغباوته. وهذه هي أقوى الأسباب ~~التي تربك الهيئة الاجتماعية وتجعل الخلل يتطرق إليها ويشوش مجرى الأمور. # ومن الناس من يقول: إن المرء مسئول عن إصلاح ما أفسد، وهذا حق لا غبار عليه، ولكنه من ms37 ~~باب الصالح قولا لا فعلا، ونتيجة الاعتداد بهذه الدعوى هي ترك الفاسد فاسدا حتى يوجد ~~المفسد فيكلف إصلاح ما أتلف. ولست أدري كيف يصلح الفاسد إذا لم يوجد المتلف، أو ~~إذا هو وجد وأبى الإصلاح أو لم يقدر عليه؟ # إذا كان المطر يتطرق إليك من سقفك الخرب، فهل تتركه يتلف أثاث البيت ورياشه ريثما تجد ~~العامل الذي كان سبب هذا الإتلاف؟ وإن كانت الريح تنفذ إلى غرفتك من الزجاج المكسور، فهل ~~تتركه على حاله من التلف حتى تجد من كسره وحطمه؟ إن الصبيان وحدهم هم الذين يتشبثون بهذه ~~الآراء السخيفة. وكثيرا ما نرى الطفل يقول: إنني لم ألق هذا الشيء؛ ولذلك لا أرفعه. وإن ~~الكثيرين لينتحون هذا النحو، ولكن العاقل منهم من يبادر إلى إصلاح المختل؛ لأن الاعتماد على ~~تلك النظرية - الصحيحة عقلا - يوقف حركة الأعمال، ولا يأتي بنتيجة غير العطلة والتأخير. ~~فيجب أن يتلاشى هذا الاعتقاد الراسخ في أذهاننا، ويجب أن نتذكر جميعا أن ما يتلفه الواحد ~~يصلحه الآخر؛ لأن هذا هو الواقع فعلا، والمشاهد في كل أدوار الحياة وحوادثها الجمة، فالبعض ~~يتلف والبعض يرم، والبعض يخلق المشاكل والمعارك والبعض يصلح ذات البين ويحول بين ~~المتعاركين، والبعض يثير الأشجان ويستنزف دموع الأعين والبعض يعزي ويواسي ويلطف الأحزان، ~~والبعض يسطو على الأعراض والأموال والأنفس، والبعض يضحي نفسه للدفاع عن الإنسانية ويقوم في ~~وجه الشر والأشرار. هذا هو حال العالم ونظام الخلائق لا تبديل فيه ولا تحوير. هكذا نشأ ~~الناس وهكذا يبقون إلى الأبد، تلك قضية عقلية، ولكنها مما تنحني له الرءوس ولا يكابر في ~~صحتها المكابرون. والنتيجة من كل ما ذكر هي وجوب المبادرة إلى إصلاح ما فسد، سواء توفق ~~المرء إلى معرفة المفسدين أم لم يتوفق. والتجارب الكثيرة علمت الناس ألا يعتمدوا على ~~المفسدين لإصلاح ما أتوه من الضرر والإفساد. # الإنسان في حاجة إلى قوة تساعده على القيام بالواجب، وإن سهل واعتدل، فما هو نوع هذه ~~القوة وأين توجد؟ إن الواجب لحمل على المرء يثقل عليه وينفر منه، إن ms38 لم يكن يعرف ~~قدر نفسه، ويرغب في أداء ما عليه رغبة خالصة بلا تمليق ولا رهبة. وكثيرا ما يفر الإنسان ~~من الواجب، وكلما اشتد طلبه وضرورته اختلق سبلا للتخلص والإفلات منه، وشأنه في ذلك شأن ~~اللص الماهر الذي يعرف كيف يفر من وجه العدالة، ويضلل أنظار الشرطي، فإن قبض عليه فإنما ~~يسوقه إلى السجن، لا إلى الطريق القويم والسبيل السوي. # وليس الإنسان الكامل من يؤدي ما عليه طوعا للأمر والنهي، ولا تلك الوسيلة بالدواء الناجع ~~الذي يشفي الإنسانية من داء التقصير ومرض الإهمال. بل لا بد من الانصراف إلى ذلك حبا في ~~القيام بالواجب حبا حقيقيا، غير مشوب بالغايات والمقاصد الشخصية، فإن من يقوم بعمل لا ~~يريده مكرها عليه لا يحسن القيام به، وإن انحطت عليه كل قوى العالم وساقته إلى الأحكام ~~سوقا عنيفا. ولكن من يتعلق بمهنته وعمله يجيده ويلذ له الإتقان والإبداع فيما يعمل، ~~ويستحيل صرفه عن خطته، أو تقليل عزمه وتحويل إرادته. وهذه هي الحال في قضيتنا التي تشغل ~~الأفكار وتضني العقول. # وخير علاج لتلك الحال حب الحياة على ما فيها من راحة وتعب ونعيم وشقاء ويأس وأمل، وحب ~~الناس على ما فيهم من ضعة وسؤدد ونبل وسفالة وفقر وسعة، وحب الإنسانية التي تقوي الرابطة ~~بين الخلائق، وتلطف آلام المنكوبين، وتخفف نوعا من الشرور المنتشرة والآلام الكثيرة التي ~~يئن منها النوع الإنساني. فإذ ذاك يشعر المرء بقوة خفية تتمكن من قلبه وإرادته وتدفعه إلى ~~طريق الخير، كما تدفع الريح السفينة إن تمكنت من شراعها. وسرعان ما يعرف معنى الشفقة والعدل ~~ودفع الحيف والغبن، فيقدم ما استطاع من الطيبات والإحسان وهو مسوق بإرادته المحضة. وتتغلب ~~عواطفه على ميول النفس الخبيثة إن حاولت رده عن هذا السبيل المحمود، وضميره يقول: لا خير ~~في الإنسان إن لم يعمل خيرا، ولا فائدة من وجوده إن لم يكن نصيرا للضعيف وأخا للبائس ~~ورفيقا للمنكود وطبيبا للمريض ومعزيا للحزين. # وهذه القوة التي تتمكن من القلب وتحكم فيه أقوى من أن تقهر، وأكبر من ms39 أن تعرف، ولكنها ~~تستطيع البقاء في مكامن القلوب والعواطف. وكل ما في الإنسان من عاطفة حية وإحساس رقيق وميل ~~إلى الخير؛ ناشئ من هذه القوة الغريبة التي تحتل الأفئدة والصدور. وكذلك كل ما يمتاز به ~~الرجل النابغ من الفكر والعمل الجليل يكون نتيجة هذه القوة المتسلطة على الإرادة والعقل؛ ~~لأن الشجرة التي تورق وتثمر تستمد جذورها الحياة والقوة من خصب الأرض، ويأخذ ما ظهر منها ~~كفايته من النور والهواء وحرارة الشمس. والرجل الذي يحتفظ بنفسه، فلا يطوح بها إلى ~~المفاسد في هذا الوسط الإنساني المملوء بصنوف المضار والشرور، ويتبع السبيل القويم، إنما ~~يستمد القوة والهدى من ينبوع طاهر وضمير حي شريف. # وقد تظهر نتائج هذه القوة الكامنة في أشكال جمة، منها: قوة الإرادة، والحنو، والعطف على ~~أبناء الإنسانية. ومنها: الفكر المستنير الذي يعمل لتلطيف شرور المجتمع الإنساني ويفتق عن ~~كل وسيلة ناجعة؛ لشفاء أمراض الهيئة الاجتماعية. ومنها: الإشفاق على اللقطاء الذين تركهم ~~أمهاتهم تحت رحمة الله والإنسان. ومنها: الرفق بالحيوان الأعجم الذي لا يشكو ولا يعرف كيف ~~يدفع غائلة الأذى وشرور صاحبه. ومنها: طول الأناة في تكوين الجمعيات الخيرية لنصرة الضعيف ~~وإغاثة الملهوف. ومنها كثير غير ما ذكر من أنواع المساعي الخيرية التي يبررها العاقل، ولا ~~ينكر فضلها الخبيث الساقط. # وكل عمل من هذه الأعمال يدل على وجود هذه القوة في مكامنها الطاهرة الشريفة، فتنشط وتنزع ~~النفوس إلى طريق الخير وصالح الأعمال، وكل من وهبه الله هذه النعمة يغبط نفسه عليها، ولا ~~يلتذ له إلا أن يقف وجوده على تخفيف أرزاء الإنسانية والتلذذ بخدمة النوع البشري، وهو ~~هنيء سعيد بذلك، لا يميل بأذنه إلى شكر صنيعه ولا تأبه نفسه للفخر بعمله؛ لأنه يستصغر كل ~~مجد ظاهر، ويعرف أن قيمة الحياة ومجد الإنسان في قيمة العمل وفي الخير الذي يسديه إلى ~~البائس والمنكود. # | الاعتدال والمطالب # عندما يشتري الإنسان طائرا من بائع الطيور يوقفه البائع على كل ما يتعلق بغذاء ذلك ~~الطائر، وطرق معيشته بكلمات قليلة موجزة. والإنسان نفسه لا يحتاج إلى ms40 أكثر من هذه الكلمات ~~لمعرفة حاجاته الضرورية؛ لكونها على غاية من البساطة لا تسئم ولا تضني، ولا تتطلب جهدا ~~يتعب ويكرب. فمن تعداها كثرت متاعبه، وزادت حيرته في الحياة، واعتلت صحته، واحتواه الملل ~~والضجر، وعرف الهموم ومتاعبها الجمة؛ إذ لا شيء يحفظ صحة الإنسان وقواه كالمعيشة البسيطة ~~الخالية من كل شذوذ، ولا شيء يضنيه ويتعبه غير تناسي هذه الحقيقة، والابتعاد عن السذاجة ~~الفطرية والبساطة. ولو تساءلنا عما تتطلبه الحياة من الماديات ليعيش الإنسان عيشة راضية، ~~لما كان الجواب إلا الطعام المغذي واللباس البسيط والمسكن الصحي والهواء والحركة. تلك ~~هي الحاجات البسيطة التي تكفل للكائن الحي العافية والقوة. بيد أن النفس تتوق إلى غير ~~الاعتدال في الحاجات، وتشتط في المطالب الكمالية التي تنوء بها الكواهل، وتطرد من العائلات ~~السعادة والهناء. وليس على المرء إلا أن يرسل نظرة دقيقة إلى الهيئة الاجتماعية؛ ليتحقق ~~من ابتعاد الجميع عن روح الاعتدال الحميد. # ولو خطر لأحدهم أن يسأل أفرادا من الناس عن لوازم المعيشة، والحاجات الضرورية للحياة ~~لجمع خليطا من الأجوبة المتباينة، فتتضح له رغبات الناس وأماني النفوس الطامعة متفاوتة ~~بتفاوت المطامع ودرجات التربية والتهذيب. # وكل هذه الرغبات تنحصر في مختلف الأطعمة، وزخرف اللباس، واختيار القصور المشيدة والحدائق ~~الغناء، فلا ترى ذلك ممكنا إلا للسراة وكبار الأغنياء، حتى إذا وصلت إلى من دونهم ثروة ~~وكسبا استحالت مرضاة النفس، فتعيش مرغمة على الكفاف ناقمة على سوء الحظ وقصر اليد عن ~~إرضائها بما جنحت وتاقت إليه. # وكم من الناس من انتحروا لأول إصابتهم بشيء من العسر بعد السعة، ففضلوا الموت والفناء ~~على الإقلال بعد اليسار. مع أن الحال التي لم ترضهم ربما كانت نعمة يحسدهم عليها غيرهم ~~ويحلم بمثلها الكثيرون! # والمشاهد أن العالم صنوف مختلفة: منهم الأغنياء وملوك المال، وأولئك يعيشون عيشة البذخ ~~والظهور، تحوطهم الأتباع والخدم ويتقلبون في مساكن عدة حسب تقلب أيام السنة وفصولها. ومنهم ~~أنواع المزارعين وذوو الأملاك، وأولئك في حال من العيش لم يبلغ بذخ الأغنياء، ولم يهبط إلى ~~دائرة الفقراء. ويعقبها طبقة ms41 الشعب وهي المزيج من ذوي الكفاف والصناع والعمال والفلاحين ~~وسائر أفراد الأمة، بيئة لا يعرف العيش فيها إلا من نشأ معتادا ما فيها من ضيق وعسر، ~~ويصعب على أفراد الطبقات الأخرى اعتياد شظف عيشها ونكد حياتها، ومن قضى عليه الشقاء ~~بالتدهور إليها لاقى من صنوف العذاب والألم ما لم يعرفه، ولا يكون له جلد على احتماله، ~~وربما طلب الموت فرارا ويأسا. # إن الناس على اختلاف الطبقات متساوون في الخلقة والتكوين؛ لأنهم من نوع واحد وطينة واحدة، ~~لا يتفاوتون إلا في الحاجات والتبذير في الكماليات وحب الظهور، وليس من المفيد أو الضروري ~~لسعادة الإنسان والهيئة الاجتماعية أن تتعدد المطالب، وتكثر الحاجات إلى درجة تستدعي أن ~~ينهك المرء نفسه، ويستنفد قوته وجهده للحصول على بعضها، إذا لم يتمكن من الحصول عليها ~~جميعا. ولو قارن كل فرد نفسه بمن هو دونه في الغنى والجاه، ونظر إليه كيف يرضى ويسر ~~بالضروريات - إن حصل عليها - لاستطاع أن يردع النفس عن غيها، وقوي على كبح جماحها ~~وأرضاها بما يرضي القنوع الراضي. # والحقيقة أن الاستياء عام يشمل كل الطوائف وكل الأفراد، اللهم إلا المعوزين الذين ~~لا يملكون قوت اليوم، أولئك الذين يتضورون جوعا ويصلون لفحات الشمس؛ لأنهم لا يجدون ~~مكانا يتفيئون ظله، ويقرسهم البرد؛ لأنهم عراة لا يملكون لباسا ولا غطاء ويقتلهم العوز؛ ~~لأن يدهم خالية لا تشمل ميراثا ولا تستثمر موردا. وإننا لنظلم أولئك البائسين إن عددناهم ~~من الساخطين المستائين. # وقد يتعب الباحث إذا عني بمعرفة سبب سخط الناس على عيشهم وما هم فيه، سواء في ذلك طبقة ~~الشعب والطبقة المتوسطة، أولئك الذين لديهم ما يفضل عن حاجتهم الضرورية ولا ينتفعون بما ~~نالوا من الرزق ولا يعترفون بنعم الله وما منحهم من جزيل العطاء. فإن صادفت غنيا قانعا ~~بما في يده فلا تتوهم كون سروره بماله وثروته، فإنما هو رجل يعرف كيف يقنع فيسر وكيف يسعد ~~فيلذ له العيش. # الدابة إن شبعت تنام ملء عينيها، ولكن الإنسان لا يهدأ طويلا إذا هو أثرى، بل يشتد طمعه ms42 ~~ويزيد جشعه، وكلما كثر ماله زادت شراهته وتعددت رغباته وأمانيه. ومن هذه الحقيقة ترى أن ~~أكثر الناس شكوى من الحال وسخطا على العيش هم أكثرهم سعة، وأوفرهم في أسباب الاغتباط ~~والشكر. وهذه حجة قاطعة على أن السعادة ليست في الغنى وكثرة الحاجات، وإذا لم يعرف ~~الإنسان هذه الحقيقة البديهية، فلا يعرف حدا لمطامع النفس، ولا يوقف رغباتها المتعددة، ~~فلا يعرف معنى لهدوء القلب وطمأنينة النفس. ~~••• # إن الرجل الذي يعيش ليأكل ويشرب وينام ويلبس ويتنزه ويلهو بكل ما في وسعه من أسباب ~~الملاهي والملاذ؛ هو المعتل أسير الشهوة وعبد النفس، سواء كان هو المقعد الذي يلذ له ~~النوم تحت حرارة الشمس، أو العامل السكير، أو القروي البطن، أو المرأة المولعة بالزينة ~~والتبرج، أو السري الشهواني، فكلهم على مزلق السقوط الأدبي، وهو مزلق - لو عرف الناس - ~~خطير. # ومن ساء حظه وزلت قدمه كان شأنه شأن الحجر الساقط من عل. وقد يعلل النفس بالوقوف عن ~~هذا التطوح بعد نيل أمنية مطموع فيها، ولكنها تعلة فاسدة لا تلبث أن تزول إذا نيل ~~المطموع فيه فلا يقف ولا يقنع، يسوقه الطمع قسرا ولا إرادة تمنعه من التورط؛ لأن الخضوع ~~لأهواء النفس ومراميها يقضي على الإرادة ويقتلها، هذا هو سر الارتباك المتفشي والاستياء ~~العام، وهو أقل جزاء لمن تخضع إرادته لميوله ويستعبده الطمع والجشع، فإن الرغبة تفعل في ~~قلبه فعل النار بيابس الحطب، وتنخر عظامه نخر السوس الخشب، وتمتص دمه فلا يذوق طعم الراحة ~~والهناء ما دام في قيد الحياة. # وليس هذا مجرد تخمين أو ظن أو رجم بالغيب، وإنما هو حكم وثيق بعد مشاهدات عديدة، واحتكاك ~~بأحوال الناس وتصرفاتهم، حكم تؤيده المشاهدة والواقع، وهو من الحقائق التي لا ينقضها العقل ~~ولا المكابر. # انظر إلى السكير المدمن فإنه لا يكف عن الشراب مهما كرع، حتى لتتمزق أحشاؤه ويلتهب ~~دماغه قبل أن يروى ويكف. وانظر إلى الوقاحة، فإنها لا تلطف حدة المعتدى عليه، بل تزيده ~~حنقا وغيظا. إن من يرخي لنفسه العنان، ويتبع مطالبها، ويجنح إلى ميولها ms43 يقوي ~~رغباتها، ويعدد مطامحها حتى لا تقنع، ويكون شأنها شأن الميكروبات التي توضع في بعض السوائل؛ ~~لتقتل وتعدم وتكون صالحة لها فتزداد وتنمو بكثرة هائلة. # وكل ظن يكون منشؤه توهم السعادة في الغنى، ونيل حاجات النفس وشهواتها باطل غير حق؛ لأن ~~من يملك الملايين يطمع في سواها ولا يقنع بما ملكت يمينه، ومن تصل يده إلى الآلاف تتطلع ~~نفسه إلى الملايين، ويموت بحسرة الحصول عليها. والبطن الذي يحصل على الدجاجة تتوق نفسه إلى ~~الأوز، ثم إلى الخراف فإلى الغزلان، وهكذا تتنوع ميوله وتتجدد أماني نفسه وهو ضجر مكد ~~تعب. # وهنالك كثيرون من الفقراء تتوق نفوسهم إلى عيش ذوي الثروة والسعة، فيخرج العامل عن حده ~~وقدرته ليظهر في مظهر ذوي الجاه. وتقلد الفتاة الفقيرة بنات البيوتات الكبيرة في الزي ~~واللباس. ويقامر الموظف في أندية الأغنياء ورجال المال فيضيق ذرعه بمقتضيات ذلك الوسط ~~المبذر، ويزيد إنفاقه على كسبه فتسوء العاقبة. وكثيرا ما يغفل ذلك النفر المشتط المقلد عن ~~أن ما يضيع في سبيل الظهور يفيده في شئون أكثر نفعا له ولذويه، لو أحسن التصرف واعتدل ~~في عيشه وإنفاقه. # والرجل عبد الملاهي والملذات، وأسير النفس الطموحة الجشعة أكثر شبها بالدب توضع في ~~أنفه حلقة حديدية فيقتاده بها الإنسان؛ ليرقص ويلعب، وهو مرغم لا يملك من أمر نفسه شيئا. ~~وليس هذا التشبيه لمجرد التشنيع والتحقير وإنما هو الحقيقة المرة التي لا بد من ~~الاعتراف بها. إن هذا الفريق من الناس مسوقون إلى أسوأ حال، ومنهم من يضحي بأعز ما ~~يحتفظ به الإنسان في الحياة الدنيا، العرض والشرف؛ لنيل ما يرضي النفس ويقضي مطالبها، ~~وعذرهم في ذلك كثرة الحاجات والافتقار إليها، وهي دعوى فاسدة؛ لأن الكفاف سهل الإدراك، ولا ~~يكلف المرء عناء طويلا، ولا يسوقه إلى الحضيض الدنس الملوث. # ولا يستطيع أن ينبئك بنتيجة هذا السقوط غير أولئك النسوة اللائي بعن الطهر والعفاف، ~~وارتمين في أحضان الرذيلة، فساقتهن إلى أتعس المواقف وأحط منازل الحياة، ليسألهن سائل ~~عما وصلن إليه، وعن أسباب هذا السقوط، وعما إذا ms44 كن في حال مرضية وعيش رغد وراحة ~~وطمأنينة مع ما هن عليه من الزينة والتبرج، فيعرف مقدار الشقاء والبؤس الذي يحيط بهن ~~ويجعلهن آسفات على الحياة السالفة والأيام الماضية. # وفي الناس رب عائلة يعولها بما استطاع تحصيله من عمل شريف يضيق صدره وذرعه بمطالب ~~زوجته، وتقصر يده عن إرضاء رغباتها، فيدفعه الحنو والحب إلى المهاجرة إلى حيث الربح الوفير ~~والمال الكثير؛ ليستطيع إرضاء تلك الخبيثة الطموعة. وهي تبسط يدها بالإنفاق وتبعثر ما جمعه ~~الزوج التعس بعرقه الغزير وتعبه المضني، غير شاكرة له يدا ولا معترفة له بجميل؛ فتتولاه ~~السآمة والملل ويتناوبه الضجر، فينزع من قلبه الحنان والشفقة، ثم يقبض يده المبسوطة، ويترك ~~تلك الشيطانة تسخط عليه، وتلعن الزمان والطبيعة والنوع البشري وتملأ الجو أنينا وعويلا. ~~ولو أنها اعتدلت في مطالبها وراعت ظروف الحال ودخل زوجها، لبقيت في رغد دائم، وعملت على ~~سعادة العائلة، ولما خسرت عطف رجلها وحبه الأول. # ولا شك في أن مثل ذلك العائل المنغص عيشه يجتهد أن ينسى أحزانه بضروب اللهو، فيشرب ~~الخمر ويقامر ويتغزل حتى يتورط شيئا فشيئا، فلا يلبث أن يبلغ سبيل الرذيلة، ويركب متن ~~الحرمات فينتهكها جهارا، وتفسد أخلاقه، ويتأصل فيه الداء فيعز شفاؤه، وتكون النتيجة سقوط ~~العائلة وخراب الدار. وكم من العائلات التي يكون في وسعها العيش بهناء ينزل بينها الشقاء ~~والبؤس؛ لضياع العواطف الحية من قلب رجلها العائل ولنسيانه الواجب، فلا تجد في أفرادها غير ~~والدة أنحلها الحزن وأضناها الهم والتفكير، وأطفال عراة حفاة يعوزهم الخبز والماء ~~والهواء؛ لكون ذلك الأب القاسي يبذر كسبه في غير ما يحتاجون إليه من مطالب الحياة، ويفقد ~~ماله في سبيل شهوة النفس وأهوائها الكثيرة. # ولو اعتدل الناس في أمورهم وأنفقوا ما يكسبون في قضاء حوائجهم الضرورية لما عرفوا الحياة ~~من وجهها الأسود، ولكانوا في غنى عن الاستياء والتذمر، ولأمكنهم أن يواسوا المحتاج بما ~~يتجاوز حاجتهم معاونة تبهج النفوس، وتشرح الصدور، وترضي الضمائر. ولكن الإسراف يستنزف ~~الكثير والقليل ويترك الناس في عوز دائم، فلا يشعرون بقدر النعمة، ms45 ويأخذون باليمين من ~~خزائنهم ما يبذرونه باليسار في شهواتهم بلا لذة ولا تنعم. وأنى لهم أن يعرفوا طريق ~~السعادة والهناء وهم على هذا الشطط القبيح؟ # إن الخضوع لشهوة النفس ومطالبها الجمة يودي بالسعادة والاستقلال الذاتي وحسن الخلق، وينتج ~~اعتلال الصحة وضياع الثروة، ويلهي بالحاضر عن فضائل الماضي، ويشغل عن التطلع إلى المستقبل، ~~ويكون سببا لبيع الزرع ودر الضرع والاقتراض بفاحش الربا؛ للتمتع برهة من الدهر وحينا من ~~الزمن ترى بعده الحياة عبئا يضني وحملا يتعب، بعد أن يجف مورد الثروة ويقفل باب الكسب. ~~ثم يستنفد الدين القليل المرهون فيمر العيش، وتتنغص الحياة، ويكثر الهم والتفكير، ~~وتخلق الأمراض، ويجيء الفقر فالعوز، فيشتد التطلع إلى ما في يد الناس؛ فيكون هذا منشأ ~~الخصومات والمشاكل فتسوء الحال وتتعدد الجرائم المخلة بالأمن ونظام الاجتماع. # وعلى عكس ذلك إذا اعتدل كل في حاجاته وضروريات العيش يتأتى اجتناب هذه المكدرات، ويسهل ~~اتحاد الهناء والسعادة بكل مميزاتهما الحسنة المنشودة. ولا يغربن عن الأفكار كون القناعة ~~من أحسن الوسائل التي تكفل الراحة والاطمئنان إلى المستقبل، وكون الحمية رأس الدواء. ومن ~~عرف ذلك وجعله محورا لتصرفه دفع عن نفسه الأضرار التي تشقي وتحزن، وحفظ صحته وعقله من ~~الفساد؛ لأن الاعتدال والبساطة في المأكل والملبس والمسكن من خير ما يمتاز به العاقل ~~الحكيم، وعلى قدرهما في أحوال المرء تكون الثقة بمستقبله؛ إذ يكون في أمن من الطوارئ السيئة ~~وعواقبها الوخيمة، ويكون له مما يدخر عون على المرض والعطلة، وكلاهما عارض محتمل ~~الوقوع. # ومن ألف البساطة في معيشته لا يدفعه اليأس إلى الانتحار، إن خسر ماله، أو فقد مركزه؛ ~~لأنه قليل الاهتمام بظواهر الغنى والجاه، فلا يكون شأنه إذا نزل به الفقر شأن الطفل ~~المدلل، إن حبسوا عنه سائر اللعب التي كان يفاخر رفاقه ويدل بها عليهم؛ إذ ينكمش بعيدا ~~عنهم ذليل النفس ضعيف الحول لا يقدر على رفع رأسه بين من كان يفخر عليهم ويشاكسهم. # ولو لم يكن في الاعتدال والبساطة في العيش غير كف الأنظار عن الحسد، ومنع الكراهية ms46 ~~والبغضاء التي تنشأ منه، وغير اجتناب نتائج الغيرة التي تتولد في قلوب الحاسدين، والمشاكل ~~التي يستدعيها الإسراف لكفى. # وليتذكر العاقل أن للظهور ثمنا باهظا يدفع من المال، وراحة الضمير والفكر ومن ~~الحقيقة، وهو ثمن لا يستهان به، ولا يقوى على دفعه امرؤ بدون أن يعكر صفو هنائه. # | الاعتدال والسرور # كلما ينظر الباحث إلى المجتمع الإنساني وأطواره الذاتية وإلى الأحوال الشخصية يزداد ~~وثوقا بإقفار القلوب من عاطفة السرور الحقيقي، وليس ذلك لرغبة الناس عن هذه العاطفة أو ~~لتقصيرهم في البحث عن أسبابها ووسائلها، فإن العالم بأجمعه إنما يسعى بكل قواه ليسر ~~ويفرح. # إن في الناس من ينسب الاستياء العام والفتور المخدر إلى أسباب مالية أو سياسية، ومنهم من ~~يرجع الأسباب إلى المشاكل الاجتماعية، والخصومة الدائمة بين الخلائق. والحقيقة أن الباحث ~~ليحار في إسناد ذلك إلى سبب واحد لتعدد الأسباب ووفرتها. وإن المرء ليرى كل من يصادفهم ~~في شغل دائم وتعب يرزحون تحت أعباء من الهم والنكد، إما لشقاق في السياسة، وإما للمشاكل ~~القضائية القائمة بين الناس، وإما للغيرة التي تحرق الصدور وتأكل القلوب، وإما للحسد ~~المتبادل بين ذوي المهنة أو الصناعة الواحدة، وإما للتنافس بين ذوي اليسار والمراكز ~~السامية، وإما للمزاحمة في التجارة. # ولا يفوت الباحث أن التعليم ولوائحه الكثيرة الصارمة من أكبر الأسباب التي تشغل أفكار ~~الشبيبة، وتنغص عليها العيش، كما أن الصناع والعمال في هم متزايد بسبب الخلاف الدائم ~~بينهم وبين أصحاب المصانع والأعمال. # فالحياة لا تلذ للحاكم لضياع النفوذ وقيام الأمة بكسر قيود الإرهاق وطلب التخلص من ~~السلطة المطلقة، والمعلم ساخط لقلة اكتراث الناس بالعلم ومعرفة أقدار المربين والمهذبين. ~~وهكذا بقية الناس لا ترى فيهم إلا المغضب المستاء، مع أن التاريخ يرينا عصورا كثيرة ~~تنقصها مزايا العصر الحاضر من معدات الرفاهية والتنعم، وأسباب السرور والراحة، ويرينا ما ~~كان عليه الإنسان في تلك الأزمان من سعادة العيش، وصفاء البال والاغتباط بهما، رغما من ~~الحوادث الخطيرة الجمة التي تذهب بلذة الحياة. # ويظهر أن سوء الحظ والشقاء وعدم الاعتداد بالمستقبل وتتابع ms47 الأزمات، هي من الأسباب ~~الموحدة للقوى الدافعة إلى التضافر؛ لمقاومة الكوارث الطارئة والمصائب العامة التي تصيب ~~الناس بالضر والأذى. # وقد مر على الإنسان حين من الدهر لم تخل لحظاته من هم جديد وشقاء دائم، غير أن ما ~~اعتور راحته وعيشه من الطوارئ المتعبة، والنوازل العائقة لم يسلبه الهناء والسعادة، بل كانت ~~تلك الفترات خير الأزمان التي عرف فيها الفرح والاغتباط، وهذا عجيب بعيد عن التصديق، ولكنه ~~الواقع، ويرجع السبب في ذلك إلى سلامة الضمير من أدران الخبث، وتنزه النفس عن كثير من ~~الطباع المرذولة كالحسد والغيرة والطمع، إلى غير ذلك. # وليس السرور من الماديات، بل هو شعور ينبعث من النفس ويشعر به القلب، وقد تبدو ظواهره على ~~الوجه في شكل ابتهاج، أو ترتسم أماراته على الثغر في زي ابتسامة؛ ولهذا يرجح كون بواعث ~~الانقباض والاستياء التي يشعر بها الإنسان في هذا العصر نفسية أيضا، ولو أن منشأها ~~المؤثرات الخارجية. # ومن مقتضيات السرور الحقيقي الأمن والاطمئنان إلى الحياة والثقة بالنفس، وهي ما ينقص ~~الناس. إن الرجال، بل والشبان يضنيهم التفكر في أمر الحياة وإن لم يكونوا من الفلاسفة. وكيف ~~يطرق السرور هذه القلوب، ما دامت الأفكار مشتتة تعبة تود لو أن العالم لم يخلق والوجود لم ~~يكن؟ # إن الإفراط قد أودى بقوى الإنسان الحيوية فأصابها الانحطاط والوهن، وفسدت الحواس وضعفت ~~المشاعر حتى قضي على جميع أسباب السرور؛ لكون الطبيعة لا تحتمل كل المفاسد التي يرتكبها ~~المرء ويقتل بها النفس والعواطف. ولكن رغبة الإنسان في الحياة ومتاعها لم تزل حاكمة متحكمة ~~في نفسه، تصرفها إلى التفتيش عن بواعث السرور أنى وجد، ولو كان باطلا ووهميا. # وكما أن الطبيب يلتجئ عند الضرورة إلى الوسائل الصناعية في التنفس والتغذية وغيرهما، متى ~~كان المريض في حاجة إلى مثل ذلك، فكذلك ترى الناس يعنون بإيقاظ السرور من مرقده، وبعثه من ~~قبره، فيضطرهم ذلك إلى استنباط الوسائل الآتية به والمؤدية إليه، بغير أن تردعهم النفقات ~~الطائلة والعوائق الجمة. ولكنهم - مع ما كلفوا أنفسهم من المصاعب، وصنعوه من ms48 الممكن ~~والمحال، وما أعدوه من المعدات - لم يذوقوا قطرة واحدة من السرور الحقيقي. # وهنالك فرق واضح بين السرور ومعداته، فكما أنه لا يكفي الحصول على القلم ليكون الإنسان ~~كاتبا، ولا تأبط المزمار ليكون موسيقيا بارعا، فكذلك لا يكفيه أن يهيئ كل معدات السرور ~~ليكون مسرورا. والمشاهد أن الكاتب المقتدر يكتفي بقصبة - لا قيمة لها - ليكتب ما يخلد ~~الذكر ويعطر الاسم، وأن المصور الماهر يرسم بقطعة من الفحم ما يعد من المعجزات ويبقى من ~~آيات الفن وبدع الدهر. فالعبرة إذن بالخبرة والموهبة وعليهما المعول. ومن عرف كيف يسر ~~ويهنأ لا تكلفه السعادة نفقة ولا جهدا. ولكن هذه الموهبة لا تتفق مع السفسطة والغرور ~~والإفراط، ومن لوازمها الثقة بالنفس والاعتدال في الفكر والعمل؛ فحيث تجد الاعتدال ترى ~~السرور الحقيقي وتشعر بالسعادة الصالحة، كما أنك حيث تجد الزهر العطر تشتم عبيره المنعش. ~~وكثيرا ما ترى الزهرة تنبت بين حجرين، أو تخرج في شق جدار متهدم، أو في جانب صخرة ملساء ~~فتعجب وتدهش وتتساءل: كيف نبتت وكيف أزهرت وكيف صارت يانعة عاطرة؟ مع أنها لا توجد بهذا ~~المنظر البهيج في حديقة غناء تسقى وتخدم، بل كثيرا ما ذبلت بين يدي المعجب بها، وذوت أمام ~~ناظريه، وهو عاجز عن دفع ما حاق بها. # سائلوا الممثلين ورجال المراسح عن أكثر الناس سرورا وابتهاجا بالتمثيل الهزلي، يدلوكم ~~على الجمهور الساذج، وهم محقون في ذلك؛ لأن هذا الصنف من الناس لم يختلف كثيرا إلى ~~المراسح، بل لا يقصدها إلا نادرا فيرى الأشياء في بهجة الجديد وروائه، ويسمع الكلام كأنه ~~غريب عن آذانه التي لم تعتد الهزل ولم تعرفه، فيجد لذة بعد جهد النهار وتعب الأسبوع. وهذه ~~اللذة حقيقة بذلك النفر؛ لأنهم لم يذوقوها إلا بعد طويل الحرمان، وهم أعرف الناس بقيمتها، ~~كما يعرف العامل الكادح قيمة الدرهم الحقير بعد طويل الكد والتعب. وزد على ذلك أن العامل ~~الساذج يتأثر مما يشاهد تأثرا حقيقيا، كأنه حوادث واقعة غير شاك ولا مرتاب، فيلهو بما ~~يرى ويسر سرورا حقيقيا لا يعرفه ms49 من يقضي حياته على المراسح ويعرف حقيقة ~~التمثيل. # فمما يدعو للأسف أن البساطة سر السعادة وروحها أخذت تزول حتى من الوسط الساذج، وبعد أن ~~كنا نندب حظ سكان المدن الذين اطرحوا وراء ظهورهم العادات والتقاليد الممدوحة، أخذنا ننظر ~~بحزن واستياء إلى حال القرويين الذين اقتفوا خطوات المتحضرين في تلك المزالق الخطرة، ~~فانكبوا على الكحول واعتادوا المقامرة وألفوا قراءة ما يفسد الأخلاق ويحرك العوامل ~~الكامنة، فيطوح بالمرء إلى بؤرة الفساد والرذيلة. # زالت البساطة من ذلك الوسط بعد أن كانت هي دعامة الهناء والسعادة حينا من الدهر، فأخذت ~~الحياة الملفقة مكانها وأفسدت كل صالح وقضت على كل حسن، وإن من يقارن بين الأعياد والأفراح ~~التي كانت تقام في القرى وبين أمثالها اليوم؛ لتذوب نفسه حسرة وحزنا على ما فات. # أين ذلك الزمن الذي كان الناس فيه إخوانا يشمل عرس أحدهم كل أبناء الضيعة، فيجمعهم سامر ~~واحد وتربطهم عاطفة واحدة، يستجلونها في غنائهم وصياحهم ورقصهم وتصفيقهم بعد أن يملئوا ~~بطونهم طعاما مغذيا وماء قراحا؟ # إن السرور والسعادة من المسائل الرئيسية في الحياة الدنيا، ولكن بعض العقلاء ذوي الرزانة ~~يهملونها كأنها لا تستحق الاهتمام والذكر، وينفر منها المتمولون ذوو المطامع المادية الذين ~~حصروا حياتهم في الكسب والادخار؛ لتوهمهم أنها مما يستدعي كثرة الإنفاق والتبذير. أما ~~من نعرفهم في المجتمع بالشهوانيين فإنهم يبحثون عنها في غير مكانها، كما يبحث الخنزير عن ~~الأقذار في الحديقة الفيحاء. # وعجيب ألا يحفل الناس بأمر السرور الحقيقي، مع شدة احتياج النفس إليه؛ السرور شعور يزكي ~~العواطف فيحييها وينشطها ويجعل للحياة في نظرها صورة حسناء تفتن، ومن يعرف كيف يسر ويهنأ ~~في هذا الزمن المملوء بالأفكار العقيمة والمتاعب النفسية، يكون ممن لهم ميزة وتفوق غريب. ~~ولو عني هذا البعض ببث أفكارهم بين الناس؛ لإرشادهم إلى طريق السعادة لرفعوا عن القلوب ما ~~يثقلها، وعن الوجوه المقطبة مسحة الكآبة والكدر الدائم، ولأنعشوا الأفئدة بعد أن طال عليها ~~الخمول والجمود، ولجعلوا للحياة وجها غير هذا الوجه الأسود. ولكن كيف يتسنى ذلك بعد أن ~~أقفرت ms50 القلوب من الرأفة والحنو، وقصرت الأفكار عن معرفة الأسباب الوجيهة للعزاء والسلوى، ~~حتى إن من يريد أن يخفف عن يائس وقر الشقاء ونكد العيش مجاملة ينكر عليه آلامه ويناقشه في ~~ذلك؛ ليوهمه أنه على خطأ في معرفة مركزه الحقيقي وتقدير سوء حظه في الحياة! # ليس من يقتنع ويعرف آلام الغير وتأثيرها في النفس إلا من يعاني مثلها، ويئن من وقرها، ~~ولهذا ترى المنكودين يتفاهمون ويرثون بعضهم لبعض، حتى إذا ما صلحت حال أحدهم وابتدأ نجمه ~~ينتقل من برجه المنحوس نسي ما كان يقاسيه، وأنكر على غيره ما هو فيه من نكد وشقاء، مع أن ~~المعزي اللطيف هو من يشعر بآلام المنكود شعورا حقيقيا ويرثي له رثاء صادرا عن القلب. ~~ورب ضغطة على اليد تزيح عن قلب المتعس حملا من همومه، وتخفف عنه شيئا من بلواه متى أحس ~~أنها عن ود وإخلاص، ورب نظرة واحدة تفضل آلافا من العبارات المنمقة المزخرفة. # من الناس من يستصحب البائس، ثم يجهد نفسه ليدهشه بمقدرته في الكلام والنكات، ويفتح له ~~مصراعي بابه، ويدعوه - على الرحب - إلى مائدته، ويعد له من الطعام أشهاه وأفخره مختالا ~~بما رزقه الله وحرم منه الكثيرون، وربما تصدق عليه، وهو يظن أن في ذلك عزاء وتلطيفا ~~لحال اليائس الشقي، ولكنه عين الخطأ والغرور. فأي عزاء لمن يفاخره الإنسان بمقدرته ويكاثره ~~بفضته وذهبه، ويجسم له حقيقة أمره أمام خدمه وحشمه، ويوقظ الحسد في نفسه بما يمنح من مال ~~وجاه، ثم يحقره بما يعطيه صدقة من فضلات نعمه؟ وهل أصعب على النفس من أن ترى يسر الغير ~~وعسرها وجاههم ومسكنتها وقوتهم وضعفها؟ # إن من يريد أن يأخذ بيد البائس ويزيح عنه شيئا من همومه يجب أن ينكر نفسه أولا؛ لأن ~~الأنانية تنفر منه القلوب مهما كرم أصله، ورق قلبه، وابتغى صالحا، وعملا طيبا. على أن ~~هذه التضحية ليست إلا مظهرا؛ فإن المرء لا يتجرد من خاصة ميل النفس إلى ذاتها. والمراد ~~بهذا التقييد كسب ثقة المنكود وفتح أذنيه لسماع كلمات العزاء والتشجيع، فيشعر ms51 بتأثر قلوب ~~الغير لمصابه فيتقبل الإعراب عن عواطفها، ويقع منه موقعا ينسي الهموم ويبعث إلى ~~الطمأنينة. # وإذا كان الإنسان يتناسى في أوقات السرور كل متاعبه الشخصية وهمومه التي تشقيه وتشغله، ~~فأولى به أن ينسى في ساعة العزاء والمواساة مركزه الاجتماعي وجاهه وحوله، ويتجرد من كل ~~القيود التي تكم الأفواه وتحول بين الإنسان وفطرة الصبي الساذج؛ ليضحك ضحك الأطفال، وهم ~~أقل الناس إدراكا للهموم، وأكثرهم سرورا وسعادة. ألا إن هذا التناسي ليفيد كثيرا، ~~ويصلح حال الاجتماع، ويزيل ما بين النفوس والقلوب من الموانع والحواجز، ويكون واسطة قوية ~~لتبادل الحب والنفع. ~~••• # من الظن الشائع أن الممرض لا ينفع لغير التمريض، والمدرس لغير التعليم، والقس لغير ~~الوعظ وبقية مقتضيات عمله الديني، فتكون النتيجة أن كل المتفرغين للأعمال الجدية مكرسون ~~لهذه الأعمال، لا يتزحزحون عنه قيد أصبع، كأن شأنهم في العمل شأن الدابة فيما خصص لها من ~~العمل. وعلى هذا الزعم يكون العجزة والمفلسون وكل المنكوبين - على سائر أنواعهم واختلاف ~~مصائبهم - من المحكوم عليهم بالتجرد من عاطفة السرور، كأنهم خلقوا للضراء والهموم، فلا ~~يقابلون بغير الوجوه المقطبة، ولا يسمعون غير الأخبار المحزنة المكدرة. وكما أن ذلك الظن ~~يستدعي - بطبيعة الحال - أن يمسخ الزائر وجهه إن عاد مريضا أو منكوبا، وأن يختلق من ~~الأحاديث ما يضيق الصدور ويسئم الأسماع والنفوس، وألا يدنو من تعس إلا ليردد على سمعه ~~أخبار البؤس والشقاء، ولا من مريض إلا ليزف إليه شتاتا من أحاديث الأمراض والعاهات ~~والآلام والموت. ألا إن هذا هو منتهى البربرية والتوحش، وأخلق بالعقول أن تتجرد من مثل ~~هذه الظنون السخيفة. # فإذا ما لقي الإنسان رجالا أو نسوة كرسوا أنفسهم للأعمال الشاقة، أو انقطعوا للتمريض ~~والتعليل، فليتذكر أنهم من الآدميين يعوزهم ما يعوز سائر الأحياء من الراحة ونسيان الهموم ~~والفرح، وأن السرور لا يرد أولئك التعساء عن مهنتهم المحزنة، وإنما يجدد قواهم وينشطها ~~لممارسة العمل بهمة وصبر. # وإذا ما صادفت عائلة حط عليها الشقاء بهمومه وأحزانه فلا تفر منها فرار الجبان من ~~الموت، ولا تحذر من ms52 مقاربتها حذر من يتخطى النطاق الصحي المضروب على الموبوئين، فإن ~~الإنسانية تحتم على الإنسان مقابلتهم بثغر باسم وصدر منشرح، مع احترام عاطفة الحزن التي ~~بسطت أجنحتها على ذلك المكان وأفراده؛ حتى يشعر التعساء بحنان القلوب وعطفها عليهم، فيتجدد ~~فيهم الأمل ويتعلقون بأهداب الحياة، فينشطوا لتحسين حالهم فيتحسن شطر من الهيئة ~~الاجتماعية. # إن العالم مملوء بالتعساء الذين قضى عليهم نكد الطالع بالشقاء، وأولئك يكفيهم وميض من ~~السرور في سماء حياتهم المتلبدة بغيوم الهم وسحب الأحزان، وتقنعهم عطفة قلب حساس وابتسامة ~~ثغر باسم، فمن السهل مواساة هذا النفر، لو أتيح للناس أن يتعرفوهم أو يتفكروا فيهم. # لقد آن أن تماط عن العيون العوينات التي تمنعها رؤية متاعب هذا الفريق المنكود، فتسهل ~~مساعدة من هم في حاجة إلى العزاء والمواساة، ويتأتى تعهدهم بشيء من العناية التي تخفف عنهم ~~وقر الهموم وأعباء العمل الشاق، وتعيد لهم شيئا من الابتهاج. إن من يسير بجانب ذي الحمل ~~الثقيل لتأخذه عليه الشفقة، فيحمله عنه - ولو لحظة قصيرة - مجاملة وإشفاقا، فتعيد تلك ~~اللحظة من الراحة إلى المتعوب قوته وتشرح صدره. فهل بين الناس من ينكر هذا العمل ~~الإنساني؟ # ما أسعد حال المجتمع الإنساني إذا تبودلت فيه المعاونة وعواطف الإخاء والمحبة، فإن ذلك ~~العزاء والسرور، بل والسعادة الحقيقية التي ننشدها من غير سبيلها القويم. ~~••• # ولما كانت العناية بالناشئة واجبة، فعلى القائمين بالتربية أن يلاحظوا أن التروض والسرور ~~من أكبر الوسائل التي تساعد على التكمل والتأدب. # ورب معترض يقول: إن الشبان لا يعرفون الاعتدال أو الاكتفاء بوسائل السرور التي يسمح ~~بها لمن في سن الشباب، وإنهم ليطفرون إلى ما لا يستحب ولا يمدح. فيدفع الاعتراض بأن ذلك ~~يكون بحسب قدرة المربي، فإن عرف كيف يسوس من هم في حرزه وصيانته، بما يختلقه من أسباب ~~السرور وبواعثه - بغير أن يقيدهم بحد محدود - أمكنه أن يشفي النفس من تطلعها إلى غير ~~الجائز، وإن لم يفعل عن تقصير أو إهمال أو عن عجز، فعليه وحده التبعة واللوم. # إن من يتصور أن الناشئة تميل ms53 إلى الملاهي الموضوعة، وبواعث السرور المختلق لهو على خطأ؛ ~~لأن النفوس لم تفسد بعد، ولا زالت تميل إلى المروحات الطبيعية البسيطة، وتشعر بتأثيرها ~~على النفس الساذجة فتتنشط وتنتعش، بينما هي تسأم تلك المشوقات المملة المتعبة. إلا أن ~~الإفراط قد أفسد كل شيء على وجه الأرض، حتى إن اليد لتكاد لا تمس شيئا صالحا، والعين لا ~~تقع إلا على الموبوء الدرن، فعلى قدر هذا الفساد تجب العناية والحذر عند انتقاء أساليب ~~التروح وأماكن التلهي والسرور. # ومن المحقق أن حرمان الناشئين عن عاطفة السرور يؤلم قلوبهم ويقبض صدورهم، ولكن ترك الحبل ~~على الغارب يؤذي أيضا، ويقضي على الأخلاق والأدب. فالموقف حرج والضرورة ماسة للتفكر في ~~الحال والمآل، ولو وقفنا بهم عند هذا الموقف من الارتباك لحملناهم من الصغر أتعاب الحياة ~~وهمومها، وجعلناهم في شك ووسواس، وأريناهم العالم من وجهه المغبر. # فليعتن الحكماء بوسائل السرور؛ ليفتحوا للسعادة بابا تأتي منه، فتنزع الهموم واليأس ~~وتبدل الحال من حسن لخير منه. وليعمل العقلاء لإزالة الفارق الموجود بين المعلمين ~~والمتعلمين وللقضاء على الغطرسة التي تنفر الناشئة من المربين؛ ليكونوا أخوة في أوقات ~~الفراغ ترشف نفوسهم كأسا واحدة، هي كأس السرور الشامل؛ فإن ذلك مما يطرد النفرة وسوء ~~الظن ويقوي الرابطة ويساعد على الدرس والتعليم. وإن للمعلم المحبوب منزلة في قلوب تلاميذه ~~تفتح لمعلوماته صدورهم وأفهامهم، وليس ألذ للمتعلم من فهم نصائح وتعاليم مربيه المحبوب ~~والعمل بها. ~~••• # ليس للسرور ثمن ولا هو مما يباع ويشترى وإنما هو ثمرة يجتنيها من يعرف مكانها. فمن شاء ~~ألا يعرف الهم والأحزان، وأن يروح عن نفسه ويملأ قلبه سرورا وابتهاجا، فعليه بالعمل ~~والاعتدال في العيش والمعاملة، ونبذ ما ينفر منه الغير. وليكن حسن اللقيا واللفظ أنيسا ~~معتدلا، حسن الظن بالناس لا حسودا ولا حقودا، محبا لرفاقه غير مهذار ولا ~~نمام. # | المال والاعتدال # المال من وسائل التعامل، ولكن الضرورة إليه لا تجيز أن يحله الإنسان في غير موضعه من ~~مراتب الاعتبار، أو ينظر إليه بأرقى من العين التي تمثله واسطة لتبادل المنافع. ms54 # والمشاكل والمشاغب التي تنجم عنه خطيرة ، وسبب لأكثر الاضطرابات في العلائق الاجتماعية، ~~إلا أنه مع هذا لا يمكن الاستغناء عنه، وعناية الخلائق بأمره من أقوى العوامل التي بعثت ~~النفوس والأفكار على حب الاقتصاد، والبحث عن سبله المؤدية إلى الغاية، فرفعت من قيمته ~~الوهمية وخلقت له في الحياة قدرا وسلطانا. # ولولا الافتقار إلى تبادل المنافع لما نشأت الحاجة إلى المال، وليس المراد به الفضة ~~والذهب فقط، بل كل متداول ذا قيمة متفق عليها معترف بها. وقد جعلت المطامع والرغبة في الربح ~~والاكتناز في مستوى المنافع أشياء ليست منها، ولا يجوز أن يكون لها هذا الاعتبار، فأوجدت ~~لها قيمة مالية ليست لها ولا يصح أن تقدر بها، وفسد بذلك المعنى الصحيح لتبادل المنافع، ~~وأصبح الحصول على المال - بهذه الواسطة - غشا وسرقة واغتصابا. # من المعلوم أن الغلال والمأكولات والملبوسات - وما شاكل هذه المنافع - مما يسوغ الاتجار ~~به، واستبدال أحد أنواعها بالآخر منها. وكذلك يصح أن يقدر العمل، أو المجهودات الشخصية ~~تقديرا لا غبن فيه على المتعاملين، فيستوفي العامل منفعة توازي ما عاد على الآخر من فائدة ~~عمله، إلا أنه يجوز أن يكون في هذا النوع من التبادل شيء من عدم التماثل، فإن المجهودات ~~الشخصية ليست ذات قيمة ذاتية، وإن كانت تقدر تقديرا يلوح أنه لا غبن فيه على ~~المتعاقدين. # ويجب أن يلاحظ أن في الحياة ما لا يمكن بيعه كمعرفة المستقبل وما شاكل ذلك، فكل من ~~يعدها سلعا تباع وتشرى يكون مجنونا أو محتالا. ولكن البعض - ويا للأسف - يحصل على ~~المال بهذه الواسطة غير المشروعة، والمخدوعون يدفعون مقابل ما لا يباع، ولا يملكه البائع، ~~ولا قيمة له ثمنا من الذهب. والبعض يتاجر بالعواطف والملاذ والشهوات والأعراض والوطنية ~~والدين، وهذا النوع من الاتجار لا يجعل لصاحبه حظا من القيمة الأدبية والشرف، اللذين ~~يكونان لمن ينتفع ويربح من بيع وشراء ما يجوز الاتجار به. # ومع أنه لا يوجد بين الناس من لا يستنكر هذا العمل الشائن، ويستقبح الربح من هذا السبيل، ~~نرى أن هذا المستقبح ms55 عقلا وأدبا له حكم الجائز المحمود في عرف ذوي المطامع عباد المال، ~~بل ونراهم يعدون كل اعتراض على هذه الرذيلة بلاهة وحمقا وتطفلا. # وقد انتشر هذا المبدأ الفاسد حتى صار عادة لا تستأصل، ولم يعد الكثيرون ينظرون إليه بعين ~~الازدراء والمقت الجديرين به، فعبثت يد الإنسان بكل مقدس وشريف بلا تردد ولا أسف. وليس ~~المال هو سبب هذه السفالات التي تربك الحياة الاجتماعية وتشوه وجهها الحسن، وإنما هي ~~المطامع وحب الذات. # للطموع مبدآن: الأول يحصر في اعتبار المال روح الحياة، والثاني في أن الربح وحده هو الغرض ~~من كل عمل؛ ولذلك تراه يتساءل عند كل حركة: ماذا أربح وماذا عساني أستفيد؟ وهذان المبدآن ~~هما من أشد المزالق انحدارا إلى حضيض السفالة والعار، بما ليس في استطاعة الكاتب أن ~~يمثله ولا العقل أن يتخيله. ~~«ماذا أربح وماذا عساني أستفيد؟» هذا السؤال الذي يكون مبررا ووجيها ومغتفرا عندما ~~يراد به مجرد التبصر والاحتياط المفروضين على كل طالب رزق، يكون شؤما ومصابا على الاجتماع ~~عندما يتجاوز ذينك الغرضين، ليكون محورا تدور حوله الأغراض والأعمال ووجهة ترمي إليها ~~الأماني والآمال، حتى إنه ليحط من قدر العامل وقيمة العمل الشريف ولو أنه لكسب الرزق ~~ودفع العوز. # العمل المأجور مباح لكل الناس، إلا أنه إذا كانت الغاية منه مجرد كسب الأجر فإنه ~~سفالة لا تبرر. وكل عامل هذا شأنه لا يحسن العمل، ولو استطاع أن يوفر من مجهوداته بغير أن ~~يقلل من أجره الذي يتناوله لفعل غير متردد ولو أضر ذلك بالآخرين. وكل من لا يعمل وفقا ~~لمقتضيات الصناعة أو المهنة، فإنه لبئس عامل يعمل أو أجير يؤاجر. # والطبيب الذي لا يحفل بغير ما يتقاضاه من المرضى لا يجمل بالناس الاعتماد عليه، فإنه لا ~~يعنى إلا بالمال لإشباع مطامعه، وكذلك المعلم الذي يرغب فيما يحصله من المتعلمين تراه ~~يستدر المال ولا يوفيهم حقهم من العلم والتربية. وأخطر من هذين على الاجتماع وأضر ~~بمصالحه الصحافي الذي يؤجر قلمه رغبة في الدرهم الحقير، فإن ما يكتبه وينشره ليكون ms56 ~~أحقر من الدرهم، بل وأكثر سفالة من نفس الكاتب. # ومما يؤسف له؛ أنه كلما كان العمل يرمي إلى تحقيق غايات أسمى وأغراض أكثر نبلا ووجاهة ~~اشتدت عوامل الطمع، وتقوت الفكرة التجارية؛ للتغلب على هذه المرامي الوجيهة وإفساد نفوس ~~العمال. نعم، إنه من الصواب والعدل أن يكون لكل عمل أجر ولكل تعب جزاء، إلا أنه من الخطأ ~~الضار بالمجتمع أن يكون الربح هو الباعث الوحيد على العمل والغاية المقصودة منه. وحقيق ~~بالعامل أن يرضي نفسه بالإجادة في عمله قبل أن يشبع مطامعه بما شاءت من الأجر؛ فإن ما ~~يبذله من الجهد لهذه الغاية - سواء كان مجهودا جسديا أو عقليا - مما لا يقدر بثمن أو ~~يدخل في اعتبار محصور. # إن الإنسان ليستأجر عاملين في قوة متماثلة ومعرفة متشابهة، فيعملان ويجيد أحدهما ولا يحسن ~~الآخر، وهذا لا يدل على تفاوت في القوة والإلمام بالعمل، وإنما يكون على الأرجح دليلا ~~على أن الأول يعمل راغبا في الإجادة، والثاني في الأجر فقط. وليس هنالك غير هذا السر في كل ~~ما نراه من نجاح البعض وحبوط البعض الآخر، إذا ما تماثلت الظواهر وتوازنت القوى والمدارك ~~العاملة. ~~••• # ليس من ينكر أن مشاكل الحياة ومطالبها عديدة، وأن حاجة الإنسان إلى الاقتصاد ماسة، وأنه ~~مرغم على ابتكار أساليب النظام في العمل للكسب والتوفير؛ حتى يتسنى له حفظ مركزه الاجتماعي ~~وكسب قوت عائلته وأطفاله. وإن من لا يراعي هذه الظروف المتجددة، ولا يحفل بالطوارئ فيعد لها ~~العدة قبل أن تفاجئه، وإن من لا يحسب للدهر تقلباته ليس إلا قليل التبصرة. ويجوز أن ~~تفاجئه ظروف تلجئه إلى التسول ممن كان يعيب عليهم الحرص والتدبر والشح. # ليس من ينكر كل ذلك، ولكن إلى أي حال يصل المرء، وعند أي حد يقف إذا هو حصر أفكاره في ~~أمثال هذه المخوفات؟ وماذا يعمل أو يتمم من العمل إذا قصر همه على أن يقارن بين العمل ~~والأجر الذي يريده لنفسه، أو إذا أصر على أن كل ما لا يأتي بفائدة مادية يكون تعبا ~~ضائعا على ms57 غير طائل؟ # ألا إن الوالدات لا يتقاضين أجرا على إرضاع وتربية ومحبة أولادهن، ويرى الأبناء من ~~واجبات البنوة احترام ومحبة ومساعدة الوالدين. والرجل الشريف لا يزال يعلن الحقيقة ولو ~~أنه لا يجني من ذلك غير كره الناس له ونفورهم منه واضطهادهم إياه. والناس تدافع عن الأوطان ~~وما وراء ذلك غير التعب والجراح، وربما الموت أيضا. وفاعل الخير يسديه إلى الغير بدون أن ~~ينظر إلى ما يكون من نكران الفضل، وحسد البعض له وحقدهم عليه. كل هذا يتم بدون أجر وبدون ~~تطلع إلى ربح مادي، والإخلاص وحده هو سر هذه الأعمال الجليلة، ورقة الشعور هي التي تبعث ~~على انفعال النفس وتأثر العواطف وتدفع الإنسان إلى ما يحمد عليه من الواجبات ~~الإنسانية. # أمكتنز المال، حول بصرك عن شعاعه الوهاج فإنه يبهره فيزيغه عن الحقائق، وتأمل في ~~كيف جمعت ما استغواك وأبعدك عن جادة الاعتدال، تجد أن معظم ما وصل إلى يدك لم يكن ليصل ~~إليها لولا سذاجة الآخرين، أو إخلاصهم لك. ولو كان كل من صادفت في حياتك من الماكرين ذوي ~~الخبث والأنانية لما كنت في مركزك الحاضر، ولا جمعت هذا القد مما كان للغير وتسرب من يدهم ~~إليك. إن جلال العالم ليس بأمثالك، بل بأولئك الذين لا تحفل بهم ولا تلوح قيمتهم الحقيقية ~~واضحة للعيان. وإن الخدمات التي يؤدونها للاجتماع ليعجز عنها من تجردت نفوسهم من مشاعر ~~الإنسانية، حتى إنهم ليجودون أحيانا بأموالهم وراحتهم وحياتهم لنفع الهيئة الاجتماعية، ~~بينما أنت تحاسبهم على ما تربح وتحصي عليهم ما يعملون وما يأخذون. إنهم ليعملون كثيرا ~~لمعاونة مثلك مدفوعين بعوامل الرأفة والإشفاق والطيبة والإنسانية، وكثيرا ما يكون جزاؤهم ~~على ذلك نكران الفضل والمسبة والتحقير، فلا يقابلون هذا الجحود بما يستحقه، بل بلوم أنفسهم ~~على خير أسدوه إلى غير أهله ومعروف زرعوه في غير مكانه. وإنهم لعلى حق في ذلك؛ فإن اللآلئ ~~لا تطرح في القاذورات. ولولا أن مصلحة الهيئة الاجتماعية قائمة بوجود هذا النوع من الناس، ~~وتعدد هذا الخطأ المفيد رحمة بالخلائق لأقحلت القلوب ms58 من الرأفة والإنسانية مما يعزي ~~البائس ويلطف آلام المنكوب. ~~••• # المال روح الحياة! هذا هو المبدأ الفاسد الذي تشبعت به النفوس والأفكار، وكان سببا لما ~~نسمعه متناقلا على مثال الحكم من قولهم: القوة للمال، هو البرهان القاطع واللسان الناطق ... ~~هو مفتاح الآمال وحلال المعضلات، هو سلطان العالم، وأمثال ذلك مما نظم وقيل مدحا في ~~المال ورفعا لشأنه. # المال يلوح أنه روح الحياة لمن يصيبه الإفلاس التام يوما أو أكثر، ويكون في بيئة لم ~~يعرفها ومكان لم يطرقه بعيدا عن ذوي صداقته وقرباه. وإن ما يقاسيه من نكد العيش وآلام ~~الحياة، وما يمر عليه من التجاريب في هذا الزمن القصير؛ ليمكنه من معرفة ودرس فلسفة الفقر ~~والفقراء درسا لا يتسنى له على أحسن مدرس حكيم. # ومما يؤسف له أن هذا الدرس المفيد قد يتسنى للبعض مكرهين على تلقيه في مدرسة الشقاء، وقد ~~يطول أمده عليهم وهم - مع ذلك - في أوطانهم، وبين ذويهم وأصدقائهم ورفقاء حياتهم، بل وبين ~~من سبق أن أفاضوا عليهم مما كان لهم من نعم الله، وغمروهم بالأفضال والحسنات. ولكن هذا لا ~~يمنع أن يكون الدرس أكثر إفادة، والتجربة أبلغ عظة وعبرة؛ فإن العوز يذهب بالصداقة ولحمة ~~القرابة وعهود الصبا وذكرى المنة والمعروف، حتى لينكر الناس معرفة المفلس ويفرون منه ~~فرارهم من الموبوء. # إن الذباب ليتهافت على الجيف المنتنة، وكذلك الناس يترامون على المال، فإذا ما ذهب انفض ~~المترامون وتوارى المتحببون. ومن يصل به الشقاء والبؤس إلى هذا الحد من مواقف الحياة، ~~لهو وحده من يستطيع أن يعرف قدر المال، ويسخط على المبدأ السالف، ويقدر كثرة أضراره ~~بالهيئة الاجتماعية، ولو أنه كان في زمان سعوده من أنصاره ومن عباد العجل الذهبي. # هذا المبدأ فاسد بكل معنى الكلمة، وليس أيسر على العقل من إثبات فساده بأدلة، ليس منها ما ~~جاء في القصص من ذكر الضال في الصحراء، ولا تمثيل الغني الكانز في ضعف الشيخوخة وانحلال ~~الكبر، وإنما بأدلة تجعل الحقيقة واضحة ملموسة، وتظهر بطلان هذه الأكذوبة التي جرت مجرى ~~الحكم والنظريات ms59 البديهة. # ليس أقرب إلى التذكر من حال الإنسان في دور البداوة، وقبل تطرق هذا الخبث إلى الأفكار ~~والقلوب، فإنه كان أسعد حالا منه بعد كثرة المال وتوفر الحاجات المادية ووصول العمران ~~والمدنية إلى هذا الحد المبهج، وقل أن صادف المعوز - في ذلك العصر الهمجي - ما يلاقيه ~~اليوم من أخيه المتمدين من دلائل القسوة، وإقفار القلوب من الرحمة، وقبض الأيدي عن الجود، ~~بدون أن يمنع الكرم في ذلك العهد تقدم الاجتماع أو يخل بنظام العالم، وبدون أن يكون ~~الشح وحب المال في هذا العصر واسطة للإثراء والحصول على السعادة، أو من عوامل الرقي ~~الحقيقي وأسباب السلام. # وما على المرء إلا أن يقارن بين حال القرى والضياع التي يؤمها السائحون؛ لشهرة لها ~~تاريخية أو صحية يوم كانت ملجأ للضيفان، ودليلا على وجود العاطفة الإنسانية في الإنسان، ~~وبينها اليوم وقد انقلب الحال وأفسد حب المال تلك النفوس الساذجة والأفكار البسيطة، ~~فحولها إلى نفوس وأفكار لصوص يترقبون مرور السائح أو الزائر؛ ليسلبوه المال في مقابل ما ~~لا يساوي شيئا، إنهم يبيعون اليوم ما كانوا يفخرون بالجود به وما لا يملكون أيضا. إنهم ~~يبيعون الظل والشمس والماء والهواء، ويطلبون الأجر حتى على الإرشاد للسبيل. # يقال: إن المال هو واسطة النصر في الحروب. نعم، إن الحروب تقتضي النفقات الطائلة، ولكن ~~هل يكفي أن يبذل المال للدفاع عن الوطن وحفظ كرامته؟ إن لنا من التاريخ لخير جواب على هذا ~~السؤال، فإن ما كان بين جيوش الفرس ونفر اليونان وانتصار الذابين عن بلادهم المستقتلين في ~~الذود عن حياضها يناقض هذا القول ويدل على بطلانه. # نعم، إن المال يكون واسطة للإكثار من المدافع والبنادق والسيوف والرماح والقذائف ~~والعمارات البحرية والخيول، ولكنه لا يمكن أن يكون ثمنا للمعارف الفنية والفنون الحربية ~~والسياسات الرشيدة والنظام الدقيق والطاعة والحماسة والوطنية، والنصر - في الحقيقة - راجع ~~إلى هذه الأسباب وتوفرها في المقاتلين. # قد يتوهم البعض أن المال وحده يخفف متاعب الهيئة الاجتماعية، ويلطف ما فيها من أنواع ~~الشقاء. والحقيقة أن المال من بواعث التطرف ms60 والإفراط، فإن لم يكن له سياج من العقل والتعفف ~~والطيبة والاختبار، كان سببا للإضرار بمالكه وبالغير بدلا من النفع. فكثيرا ما كان ~~الإحسان مثلا - وهو من ملطفات الشقاء - باعثا على إفساد النفوس وتعويدها الخمول والكسل ~~والبقاء عالة على المجتمع؛ وهذا لأن المثري المحسن لم يتخير مكان العمل، ولم يعرف كيف يميز ~~بين من يحتاجون الصدقة وبين من يحترفون التسول. ~~••• # ليس المال كل شيء في العالم. نعم، إن له بعض القوة والنفوذ، ولكنه ليس السلطان المطلق، ~~وليس أكثر خطرا على الاجتماع، ولا أضر بالهيئة الاجتماعية من انتشار الطمع والأنانية، ~~والانصراف إلى الكسب بأي الوسائل شرفت أم سفلت، فإن هذا النقص الأدبي مما يجرد الإنسان من ~~كل صفات الإنسانية الحقة، ومما يجرد الرجل من حقيقة الرجلة وشعائر الأحياء، فضلا عن ~~أنه ينزع الثقة من القلوب ويملؤها خبثا ونفاقا وختلا. # ولا يراد بهذا القول الصواب منع كسب المال بالوسائل المعتدلة من الوجهات الشريفة المحللة، ~~ولا تحقير الثروة لحمل الناس على التجاوز عن طلبها والتعلق بها، وإنما يراد حصر الأعمال في ~~الوسائل المشروعة السائغة وتطبيقها على القانون العام، وهو تقدير الأشياء بقدر ما لها من ~~القيمة الذاتية والاعتبار الأدبي، ووضع الأعمال في مواضعها الحقيقة بها. # لقد وجد المال لقضاء حاجات الإنسان، وواسطة للتعامل وتبادل المنافع، فإذا ما تعدى هذه ~~الغاية، وتحرر من رق الحقيقة وتغلب على العقول وأفسد النفوس، وصار له السلطان المستبد ~~على الأفكار والقلوب، وأزرى بالحياة الأدبية والكرامة والحرية، وتعمد الناس كسبه من كل ~~سبيل كيفما سولت لهم أنفسهم وفتقت لهم الحيلة، وإذا ما ظن الأغنياء أنه واسطة للحصول على ~~ما لا يجوز نيله من حقوق الناس، أو أعراضهم أو كرامتهم، حق للعقلاء أن يتمردوا على هذا ~~السلطان المستبد والمعتقد الباطل، وأن يحاربوا هذا المبدأ الفاسد ليستأصلوه من العقول ~~السخيفة والنفوس الموبوءة؛ لتحل مكانه الحقيقة الصالحة للاجتماع، فيتلطف الشر الفاشي ~~ويقل شقاء العالم. # وإذا كانت قيمة الأشياء تقدر بما لها من الضرورة والحاجة الماسة، حق لنا أن نذكر ~~الناس بأن نعم الله ms61 الأكثر ضرورة للمخلوق الحي منحت بلا مقابل، وهي مشاع للجميع، فلا يجوز ~~أن يكون لما لا قيمة له بجانب هذه الضروريات ذلك الشأن الهام والسلطان على كل ~~العالم. # | الاعتدال وحب الظهور # من أشهر الأمور الصبيانية التي امتاز بها أهل هذا العصر حب الشهرة والظهور، فلا يكاد ~~الباحث يجد بين هذا الملأ من لم يتأصل فيه هذا الداء، وإن الناس ليخالون الهدو والسكون ~~عارا لا يمحى فتراهم يتواثبون إلى الظهور والإعلان عن أنفسهم بما في وسعهم، وعلى قدر ما ~~تفتق لهم الحيلة؛ ظنا منهم أن الرفعة وكل الشرف في الظهور، والحطة والهوان في الخفاء. بل ~~ترى شأن من تجاوزتهم الشهرة شأن الضالين الذين لا يعرف لهم حيز ولا مقر، أو شأن الغرقى ~~تحطمت بهم السفينة فألقتهم على صخر في وسط المحيط، فوقفوا على قمته يلوحون بثيابهم ويبلغون ~~السماء بصراخهم؛ ليسمعهم سامع أو يشعر بوجودهم كائن حي. # وقد لا يقف حب الظهور عند حد الضوضاء والجلبة للإعلان عن النفس، بل يتعدى تلك الوسائل ~~العادية إلى سواها مما يعد نقيصة وجريمة، فكأن نفس الشيطان تقمصت سائر الجسوم البشرية، ~~فآذت الهيئة الاجتماعية بما تبتكره من الشرور والمفاسد. # والحقيقة المرة أن أغلب من ظهروا على مرسح الوجود، وطبقوا بشهرتهم جميع الآفاق، لم ~~يصلوا إلى ذلك الأوج إلا من طريق الشر والرذيلة والخبث والتوحش. ولكن هذه النقائص التي ~~تسقط أكرم الناس وتلطخ اسمه بأخبث أدران الشهرة السيئة تزول مسحتها مع الشهرة، فلا تراها ~~العيون أو أن الناس يطبقون جفونهم؛ كيلا يبصروا هذه العيوب المذمومة، أو هم لا ينظرون إلى ~~الإنسان إلا بالصفة التي يريد الظهور بها بينهم. والحال على عكس ذلك تماما مع كل من يسوء ~~حظه ولا يفلح في نيل الشهرة، فإن الناقدين يجردونه ظلما من كل صفاته الحميدة، وينسبون إليه ~~ما ليس فيه وما لم يكن من صفاته الحقيقية. # وليس الجنون حبا في الظهور خصيصا بذوي العقول السخيفة، أو برجال المال والدجالين ~~والممثلين، وإنما هو جنون يصيب طوائف الإنسان بلا فارق ولا تمييز، وأشد ms62 ما تكون وطأته على ~~رجال السياسة والأدب والعلم والدين، فإن هؤلاء الرجال الممتازين مع ما أوتوا من علم ومقدرة ~~أكثر الخلائق تطلعا إلى الشهرة. # ومن المصاب أن رجل الخير الذي يعمل الطيبات يملأ الدنيا طبلا وزمرا حينما ينهض لعمل ~~خيري؛ ليلفت إلى شخصه أنظار العالم ويستدر المديح والإطراء. وكم برزت العقول في استنباط ~~الوسائل الشيطانية؛ للإعلان عن النفس والتغرير بالناس؟ # لقد أعمى الغرور البصائر ووصل إلى حيث كانت الرزانة والتعقل، فهوش عليها وزعزعها حتى ~~ضعفت مواهب الإدراك والتمييز؛ لكثرة التفنن في التغرير والتمويه، فلم يعد الإنسان يستطيع ~~تقدير الأشياء قدرها الحقيقي؛ لما يحوطها من الوسائل المختلفة لإخفاء معالمها وإظهارها في ~~أرقى من حقيقتها. وإذا كان العقل لا يهتدي إلى الحقائق في وسط الضوضاء فمن البديهي ضلاله ~~وتخبطه بين كل هذه الظواهر الخداعة، حتى زهقت النفوس وضاقت الصدور تألما من الغرور السائد ~~والضلال العام. # من يسأم العيش وسط الجموع، ويضره العشير الثائر ويؤذي مسامعه تنافر الأصوات يترك ذلك ~~المكان، ويفزع إلى ناحية من الأرض الفسيحة؛ ليجتلي منظر الطبيعة الجميل ويعجب بمجرى الماء ~~المتدفق بين المزارع بلا جلبة ولا حس، اللهم إلا إن كان له خرير يشجي ولا يسأم. وليس ~~يسع الإنسان إلا الابتهاج بمشاهد الغابات وهدوها الشامل، فيرتاح إلى الوحدة وتنقشع عن ~~عينيه السحب الخداعة، فيرى بهاء الكون وجمال الحياة بين هذه النعم التي خلقها الله للمرء، ~~فعافها كفرا بالنعمة وتطلعا إلى ما يشقي ولا يسعد فكان كفورا غشوما. # إن العزلة والبعد عن المجتمع الفاسد المضلل خير من الحياة المتعبة وسط الجموع التي ترى ~~الراحة في الخداع والغش؛ ابتغاء المنفعة الشخصية والرقي، ولو فوق أكتاف الناس ورءوسهم. ما ~~أشهى الحياة بين مناظر الطبيعة الجميلة وبين الحيوانات الهائمة على وجهها؛ فإنها أكثر ~~إيناسا من الإنسان الخبيث، وأقل أذى وضرا من هذا الوحش المتحضر! # إن من يرتطم في المدن ويحشر بين الزمر والجموع يشقي نفسه وينسى الخالق؛ لأنه لا يذكره، ~~ولا يتمكن من رؤية السماء التي تظله، ما دام لاهيا بما أمام عينيه ms63 من مشاهدة تلك الصحيفة ~~الصافية، وعما فيها من الكواكب المتلألئة والنجوم الزاهرة المتألقة، فإذا خرج من تلك ~~الدائرة إلى حيث تقل شرور الإنسان عاوده العقل والشعور، وشاهد جلال الخالق في جلال صنعه ~~وشعر بسرور النفس وارتياحها إلى الوحدة والابتعاد عن ذلك الوسط الموبوء. # اخرج إلى الفضاء غير المحدود، حيث تخشع النفس هيبة وإجلالا، وانظر إلى الأفق المترامي ~~الأطراف، وهو يشير إلى أبواب الأبدية تعرف حقارة الإنسان المختال، وانظر إلى الأزهار العطرة ~~في المرج الزاهر، وألوانها الزاهية وأشكالها البديعة تعرف قصور المخلوق عن مجاراة الخالق ~~المبدع، وتشعر بضعف ذلك المكابر المعتد بنفسه. # إن الصانع القدير يعمل بلا جلبة ولا يتكلف أقل عناء لإظهار مقدرته على الإجادة والإبداع، ~~ويترك الناس تبحث عنه وتنقب عن إجادته وإبداعه، فلا تخدعن العاقل المظاهر والظواهر. ~~وليعلم أن كثرة الإعلان دليل على حقارة المعلن عنه، فإن التجارب العديدة أثبتت صحة هذا ~~القول، وما على الإنسان غير الاختيار والتجربة ليخرج الشك من صدره ويقف على الحقيقة ~~الكاملة. # في الهيئة الاجتماعية كثيرون من رجال الخير يعملون من وراء ستار، ويضمرون - في أنفسهم - ~~آراءهم ومشاريعهم الخيرية ويكتمونها؛ لأن القلب الطيب الذي يتصباه حب الإحسان والعمل ~~الصالح يرى سروره في الكتمان، والاحتفاظ على الخلة الحميدة، كأنه يخشى أن تؤثر فيها ~~الإذاعة تأثيرا سيئا، ويرى اغتباطه بالكتمان أكثر من شغفه بالعمل نفسه، فلا يقف على ما ~~يجول بخاطره إلا الله. وكلما حرص على هذا المبدأ افتتن به، وتجددت قواه للدأب والمثابرة، ~~فإذا أهمله وانخدع مأخوذا بالمجد الباطل، والظهور الكاذب زالت هذه الخاصية، ومات في قلبه ~~السرور الذي ألفه واعتاده، وقلت قيمة عمله حتى في عينيه. إن الظهور يكلف الإنسان عناء ~~وجهدا، ويأخذ ثمنه الباهظ من قدر العمل، وقدر الإنسان في نظر نفسه، وينتج من ذلك أن تكون ~~قيمته الحقيقية أقل بكثير مما يلوح للناس ويذاع عنه. أما من لا يريد بعمله غير القيام ~~بالواجب وإرضاء الله والضمير فإنه ينال أجره كاملا ثوابا من الخالق، وسرورا نفسيا لا ~~يعرف لذته غير من ألفوه ms64 وشعروا به، فإذا ما أرادوا أن يعربوا عنه قلت قيمته وزال ~~عبيره. # إن عشاق الطبيعة ينأون إلى حيث لا يكدر صفوهم طارق ولا طارئ، وينفردون ويعتزلون، حيث ~~لا تزعجهم الناس والخلائق، فيقضون شطرا من الحياة في التمتع بمرأى جلالها وبهائها، حتى ~~لينسيهم الحياة مرأى الطائر في خلوته يبني عشه أو يطعم فراخه، وهو في بيته الحقير على ~~فرع الشجرة في عيش رغد لم يعرفه أسعد الناس حظا وأهنؤهم عيشا. # وهل يمكن للإنسان أن يقدر سروره بمشاهدة قطيع من النعام أو الظباء يمرح ويلعب في فضاء ~~من الأرض مستسلما للسرور واللعب؛ غير حافل بالكون ومشاغله الجمة؟ وهل في وسعه أن يوقف ~~الناس على مقدار هذا الشعور، أو يريهم هذا المنظر بدون أن يعكر على الحيوان صفو هنائه، ~~ويجعله ينفر طريدا في الفلوات مجفلا من منظر الإنسان المتطفل؟ فكذلك حال الإنسان في عمل ~~الخير، فإن سروره به يزول عند الإذاعة، ولا يعرف عنه إلا ما عرف النازحون لرؤية قطيع ~~الظباء. # فالحكيم من يتوخى فعل الخير ويفعله هادئا؛ ليكون له من عمله لذة المعجب بالطبيعة في ~~خلوته، وليكون عمله مجردا من الغاية وهو مقتنع بأنه إنما يعمل غير طامع في الجزاء ~~والشكر. # رب واهم يظن ذلك محاولا أو يتصور العالم خلوا من أفراد لهم هذه الميزة ~~الحسنة، والحقيقة أن الوجود عامر بكثير من أولئك الأفاضل الأجلاء، ولو شاء أحد أن ينقب ~~عنهم ويدل الجمهور عليهم لأساء إليهم في أعز أمانيهم؛ وهي عمل الخير في الخفاء والابتعاد ~~عن الشهرة. # والمحب للإنسانية العامل لإسعادها يتمنى أن يكثر عددهم وتشتد عزائمهم، وأن يحذو الناس ~~حذوهم في الرغبة في المساعدة والإصلاح، بلا إعلان عن النفس، ولا اعتداد بالشهرة؛ لأنها - ~~في أغلب الأحايين - تكون وهمية لا وجود لأسبابها، فلو كان كل براق ذهبا لما كان لهذا ~~المعدن النفيس قيمة تذكر؛ لكثرة المعادن ذات الطلاء الذهبي. # إن من يعتد بالشهرة يخدع نفسه؛ لأنه يخدع الناس أولا، ثم يغتر بذاته فيضل عن معرفة ~~حقيقة شخصه، ولا يعود يهتم إلا بما ms65 له من شهرة وذكر، فتنحصر حياته ومجهوداته في الظهور ~~وخلق أسبابه، وفي هذا ما يكفي لصرفه عما يفيده أخلاقيا وأدبيا، ولحبس أنظاره في مجهر ~~أسود. # يظهر الممثل على المرسح في لباس الملوك وجلالهم، فهل له حقيقة قدر الملوك؟ وهل يقدر على ~~الظهور في الشوارع، وبين الجماهير - بتلك الملابس المطرزة الموشاة - بدون أن يناله من الهزء ~~والسخرية ما يرده إلى التعقل والندم؟ إن عاشق الشهرة لأقرب الخلائق شبها بقياصرة ~~المراسح، فإذا ما دخل خلوته وخرج من ثيابه كان شأنه شأن ذلك القيصر الكاذب إذا ما خرج من ~~المرسح ودخل غرفة الزينة، حيث ينزع لحيته ويطرح رداءه الموشى؛ ليعود إلى حاله الحقيقية ~~وشكله المعهود. # قارن إذن بين ذلك الرجل المخادع إذا ما خلا بنفسه، وتجرد من مظاهرها واستلقى على سرير ~~راحته، وبين فاعل الخير إذا ما اضطجع ليرقد؛ فليس من الصعب إدراك ما يتردد على أفكار ~~الرجلين، أو تصور ما يشعر به قلباهما، ولا من العسير معرفة أيهما أكثر سرورا من نفسه ورضاء ~~من حاله واطمئنانا إلى الحياة. # ليس السرور الحقيقي في الابتسامات المطبوعة على الشفاه، وإنما هو شعور داخلي يرقص له ~~القلب ويفرح به الفؤاد فينشط الروح ويشرح الصدر. وإذا شبهنا الناس بالصناديق نرى هذه ~~سواء في الشكل الظاهر، ولكن قيمتها فيما تحتوي عليه من النفائس. وليس من يقول بتماثل ~~المملوء هواء والمملوء درا، فتقدير الرجال إنما هو بالأعمال لا بالجسوم. فمن شاء ألا ~~يكون شبيها بالمعدن البراق الكاذب، أو بقيصر المراسح، أو بالصندوق الفارغ، فعليه أن يدرج ~~في سبيل الرجال العاملين لنفع المجتمع الإنساني مجردا من الغاية، غير حافل بالظهور ~~والشهرة والإعلان عن نفسه وعمله، وليكن إجلاله لفاعل الخير المجهول عظيما، واعترافه بفضله ~~عن صدق وإخلاص، وليذكر دائما أنه لولا الأحجار المخبأة تحت الجدران لما عمرت الأبنية ~~طويلا ولا عاشت دهرا. # فالخير المجهول والمعاونة المستورة والإصلاح السري، هي من أقوى أسس تقدم الهيئة ~~الاجتماعية، وتخفيف متاعبها وتلطيف همومها. # ولو كفت تلك الأيدي الكريمة عن العمل المستور، واقتصرت الحال على عمل ms66 من يتظاهرون ~~بالمساعدة ونصرة الإنسانية لمجرد الشهرة بذلك لعرف الناس قدر أولئك المتنكرين، وللمسوا ~~فضلهم ولم يعودوا يغترون بترهات الخداعين المضللين عباد الشهرة والظهور. # | الحياة العائلية والاعتدال # ورث أحد الأعيان عن أبيه مالا طائلا، وعائلة سعيدة، وخصالا حميدة وذكرا جميلا، فقضى ~~حياته فاضلا كاملا بغير أن يذاع عنه ما يثلم سمعته، أو يحط من منزلته في نظر العقلاء. ~~غير أن أحد الأمراء الحاكمين جاء - لسوء حظ ذلك الوجيه - فابتاع ضياعا إلى جواره، وشاد ~~قصرا على مقربة منه، فلاح للرجل أن يضيف الأمير؛ لينال حظوة في عينيه، ويفخر بذلك ~~الشرف على أقرانه وأبناء بلاده. ولما كانت الدار التي ورثها عن أجداده على طراز المباني ~~البسيطة، الخالية من الزخرف والطلاء رآها غير لائقة بمقدم ضيفه الكريم، فسلط عليها معاول ~~الهادمين، وشيد على أنقاضها قصرا فخيم البناء رحب الفناء، ثم شمر عن ساعده وفتح خزائنه ~~الضخمة، فحول ما فيها إلى تجار الرياش والذرابي النفيسة، فأعاضوه من ذهبه الوهاج ما لا ~~يثمر إلا الاحتفاظ عليه بالعناية والبذل حتى يذهب الزمان بجدته. وما برح يجمع من الطرف حتى ~~نفد ماله أو كاد. ثم لبث ينتظر حلول الأمير حتى حلت به الكوارث، ونزل عليه الفقر قبل أن ~~ترى داره وجه الضيف المنتظر، فما أغناه قصره ولا سترت الرياش عوزه، ولا أخفت السجف عن أعين ~~الناقدين الشامتين فاقته. # إن مثل هذا الجنون ليصيب كثيرا من الناس على صور مختلفة، فيضحون راحتهم العائلية في ~~سبيل التمتع لحظة بما لا يفيد وجوده ولا يضر عدمه. وإن هذا الخطر الداهم ليصيب الكثيرين ~~على مرأى الناس، ولكنهم لا يقلعون عن الشطط، ولا تعظهم مصائب الأيام حتى يصيبهم المحذور، ~~فيعضون البنان أسفا حين لا ينفع الأسف. وما أشبه ذلك النفر بالأعمى الذي لا يستمع إرشاد ~~الناصحين حتى يقع في الحفرة، فيستنجد من هزأ بنصحهم! # كم من الأموال الطائلة بذلت في سبيل الترف وإمتاع النفس بما هي في غنى عنه، وليس من ~~مقتضيات العيش والهناء؟ وكم من الثروات ضاعت في إعداد معدات السرور ms67 والنعيم، قبل أن يحصل ~~المبدد المسرف على ما أراد؟ إن من الجهل المطبق الشذوذ عن العادات الحسنة، والتطرف في ~~طلب السعادة من غير طريقها، وبذل الراحة والمتاع؛ للحصول على ما عاش الإنسان دهورا قبل ~~ابتداعه وبدون حاجة إليه. # إن السعادة العائلية لتقتضي الاعتدال والحكمة، فإن كل ما يهوش على الحياة العائلية ~~يضر ويؤثر على الهيئة الاجتماعية، ولكي يحفظ كيان الأمة من التزعزع والوهن، يجب أن تخرج ~~العائلات لرئاستها وتدبيرها أفرادا لهم من التربية والاعتدال ما يكفل توفير السعادة ~~لعائلاتهم، والعمل لما فيه رقيها وراحتها، فمن المعقول أن رقي العائلات يساعد على ~~رقي الجماعة، ويؤثر في الإصلاح العام تأثيرا فعليا، وإلا فإن ضعفت الرءوس ضعفت ~~العائلات وارتج معها أساس الإصلاح، فتصبح الأمة كقطيع من الأنعام فقد الراعي وضل ~~الحارس. # من المحال أن تتكون قوة الأمة، ويتم إصلاحها بغير إصلاح الأفراد والعائلات. ومن شاء أن ~~يرى كيف تزول العادات القومية، وينضب نبع الحمية الوطنية، ويسود الجهل على الشعوب، فليدرب ~~العائلات على التهاون في شئونها الخاصة، وعلى ترك العناية بتربية أفرادها التربية الصحيحة، ~~فإنه لا يمضي ردح من الزمن حتى تتراجع الأمة إلى أحط منازل الحياة وأسفل دركات ~~الوجود. # من الصالح العام أن تكون كل دار هيئة منتظمة، يرفع فيها عماد الاحترام، ويتبادل أفرادها ~~الحب الخالص، كما يكون ذلك متبادلا بين العائلات، فيتكون المجموع من أجزاء منتظمة صالحة ~~قوية، فيظهر صالحا قويا منتظم الحركة في التقدم والرقي، وتتكون الوحدة المنتظمة التي ~~تنشدها الأمم ويتمناها كل وطني صميم. # إن بعضا من العائلات تتحصن بانزوائها بين الجدران، وتبعد عن الجماعات إلا فيما يتعلق ~~بشئونها الخاصة، غير حافلة بما لا يكون خصيصا بها، فهذه العائلات حجر عثرة في سبيل الوحدة ~~القومية المقصودة والرقي المنشود، وليس من المبالغة أن يقال: إنها دخيلة أيضا تختلس ما ~~للأمة، وتهضم حقوق الاجتماع. ولا بد وأن تؤدي هذه الأنانية يوما ما إلى بذر بذور ~~الشحناء، والبغضاء بينها وبين سواها، وتكون قرحة دامية في جسم الأمة والوطن، فحقيق بكل ~~إنسان أن يستأصلها؛ ms68 ليطهر المجموع من مضارها التي هي ضرر النوع الإنساني وعدو المدنية ~~والاجتماع. ولا يفوت العقل أن هنالك فرقا واضحا بين أمثال هذه العائلات وبين الأحزاب ~~المتنافرة؛ لأن الحزب مجموع يرتئي رأيا يقتنع بوجاهته، فيعمل لتعزيزه ونشر مبادئه ابتغاء ~~المصلحة العامة، ولو كان ذلك على غير رأي خصومه والخارجين عليه. # إن الأحزاب تعمل للصالح العام كل على قدر ما يرتأى، ولكن العائلات المعتزلة لا تهتم ~~بغير مصالحها الشخصية، فتكون حملا على المجتمع وضررا عاما بين الناس. # العائلة هي الأساس الوحيد لتقدم الأمم ورقيها، فيجب أن تكون العناية بها شديدة؛ لأنها ~~واسطة لنشر الفضائل والأخلاق القومية، وفيهما ينشأ الأفراد على المبادئ الشريفة أو السافلة، ~~وعلى قدر حضارتها ورقيها يكون رقي الأمة بالنسبة للأمم الراقية والشعوب المتحضرة، ~~واحتفاظها بمجدها السابق ووطنيتها المقدسة. ويظهر ذلك جليا في كل شيء؛ يظهر في الأفكار ~~والأعمال، وفي الأقوال وفي مكنونات الصدور، وفي العواطف وفي كل المظاهر، حتى ليظهر ذلك في ~~المصنوعات كالأثاث والرياش والملابس والأغاني والأناشيد. # إن هذا كله ليس بالشيء الخطير في نظر الغبي، ولكنه ذخيرة ثمينة وتميمة مقدسة في نظر ~~الحكماء، ومن يعرف قيمة الحياة العائلية والوحدة القومية. ~~••• # إن البدع من الأسف أخذت تقوض دعائم العائلات، وتلاشي أسباب السعادة والهناء بكل ~~الوسائل الفعالة، كالخصال الغريبة، والعادات المستحدثة، والمطالب المختلفة، والترف ~~والتبذير. وبهذه الأسلحة القتالة تمكنت البدع من إفساد نظام العائلة والعبث براحتها ~~وهدوها المألوفين، فأضرت بها ضررا عظيما يشكوه كل فرد على حدته، ويتألم منه المجموع ~~على الإطلاق. # عجيب أن يتخلق الناس بهذه الأخلاق الموضوعة على سبيل التقليد والمجاراة، بدون أن ينظروا ~~إلى النتيجة، أو يفحصوا ما يكون للبدعة الجديدة من حسنات أو سيئات، فكأن حالهم معها حال ~~الأمة المحتلة مع القاهر المستبد، تسخر الأبناء لطاعته، ويهمل العمل والصالح الشخصي، ويضحي ~~كل عزيز ونفيس لمرضاته. وأنى له أن يرضى وقد جاء لهذا الغرض، ومصلحته في تخريب العامر ~~وتدمير القائم، حتى لا ترتفع رأس عن مواطئ نعليه، ولا يفاخر سيد بخيله وعدده؟ فالعاقل من ~~لا يكلف ms69 نفسه إلا وسعها، فيبقي على ما ملكت يداه، ويحتفظ به مهما اختلفت الظروف وتبدلت ~~الأحوال والأزمان. # إن البدع لتتسرب إلى العائلات تحت زي المدنية ومقتضيات الضرورة، فتراها تصل إلى النفوس، ~~فتتأصل فيها ويتبدل كل خلق كريم وذوق سليم، فتتبدل الأشخاص والأثاث والعادات، وما أكثر ~~ما تروج في فرص الأعراس والمآتم! حيث تنشأ العائلة تتقزز من كل قديم ألفته، وتسخر مما كان ~~للسلف عادة جارية، وهنا يبدأ الخطر وتظهر أوليات المصاب. # وإن المرء ليستهين أولا بالأمر فيبدل الأثاث، ثم لا يلبث أن يبدل تدريجا ما كان ~~محتفظا به من التقاليد القديمة، والخلال التي شب عليها وتلقاها عن الأقدمين، ثم يتبعها ~~بالفضائل وسائر الصفات الحميدة، فيخلق خلقا جديدا على ما شاءت أهواؤه، وسولت نفسه ~~الخبيثة، ونفدت فيه إرادته الضعيفة. وما هي إلا فترة وتنزل العائلة نفسها بين وسط جديد، ~~وتأخذ بأسباب عيش لم تعهده، فيحدث الانقلاب التام، وتتلاشى العادات القومية، وتنتشر المدنية ~~الموهومة مراعاة للذوق الجاري ومقتضيات العصر الجديد. وقد تعرو الإنسان دهشة إذا صورت له ~~حالته تصويرا دقيقا، ولا يكاد يصدق أن الإنسان الأول هو بعينه التمثال الجديد. # ولو وقف الحد عند تلك الحال لهان الخطب، ولكن الداء المتأصل تكثر ميكروباته مع الأيام، ~~فيبتدئ الألم ويشتد الضجر حتى تزهق النفس، وقد يعود للعين بصرها وللرأس فكره، ولكن يوم لا ~~ينفع البصر والفكر يوم يستعصي الشقاء، ويستحيل الخلاص من براثن المرض الفتاك. # إن البدع لأشد فتكا بالأمم والشعوب من الأوباء بالعباد، وإن الشكوى من الأدواء ~~المنتشرة، ومن تأثير المدنية الحديثة في الفضائل والأخلاق لأعم من الشكوى من الفقر، وضيق ~~ذات اليد، ونكد العيش وخيانة الأصدقاء، وكم من بدعة ظهرت مليحة حتى إذا انتشرت بان ضررها ~~البليغ، فعلت الشكوى وارتفع الصراخ من هول النتائج؟ # وإن الحكيم ليعوذ من البدعة والمبتدع، ومن كل مرادفات هذه الكلمة وما يشتق منها، وخير ~~للمرء أن يتدبر قبل أن يتورط، ويتئد قبل أن يشتط، وأن يحذر ويحرص على مبادئه وعاداته ~~القويمة، وأن تكون له إرادة قوية تشد عزمه ms70 ورأيه؛ للذود عن تلك الخصال الحميدة ، والطبائع ~~الممدوحة التي توارثناها أبا عن جد، فإن الفضائل خلقت مع الإنسان، ولم يعبث بها غير ~~مرور الزمن وتقلبات المطامع. نعم، إن لكل جديد طلاوة، إلا أنه في غير نفاسة القديم الجيد، ~~فليتق الله المبتدعون، وليحرص على كرامتهم العائلون. ~~••• # إن الكثيرين من الشبان لا يتبعون عند زواجهم العادات القويمة المألوفة، وينزعون إلى ~~العادات المبتدعة جريا وراء التمدن الكاذب، فبدلا من أن يقتدوا بآبائهم في حياتهم ~~ومعيشتهم الاقتصادية يندفعون مع تيار الغرور والتقليد، فيبذرون ذات اليمين وذات اليسار، ~~ويتطرفون في الأفكار العقيمة والأقوال السخيفة والأعمال الصبيانية، فيفرغ المتزوج ما في ~~وسعه ليبتاع فرش الدار وأثاثها على آخر طرز مبتدع، نافرا من كل مألوف شب عليه واعتاد ~~مشاهدته ولمسه في داره، وعذره في ذلك أنه ابن العصر الجديد الذي هو خليق بزخرف المدنية ~~الحاضرة. على أن ذلك يمحو من ذاكرته كل أثر للماضي ويذكره دائما بما يراه في الأندية ~~والمجتمعات والمراقص العمومية، يذكره بالشطط والنزق فيطير إلى حيث يكرع كأس المدنية حتى ~~ثمالتها، ولا يعود إلى داره إلا متعبا منهوكا، فيسلم جسمه إلى الرقاد ويقهره سلطان ~~النعاس، فلا يفتح عينيه حتى يذكر موعدا يوشك أن يفوت ميقاته، وما هي إلا أن يهب إلى ~~ملابسه هبوب الخاطف إلى لقطته، ويطير إلى حيث يودع الفضيلة والراحة والسعادة. # عجيب ألا يقدر الإنسان على البقاء لحظة في داره بين ما جمع من أثاث العصر الجديد ورياشه ~~البديعة! إنها بلا روح ولا ذكرى فهي لا تؤثر على النفس والروح، إن ولع الناس بطول الغيبة ~~عن منازلهم وعائلاتهم لشديد، كأنما هم يخافون قرب انقضاء العالم، فيبادرون إلى إشباع النفس ~~بملاذ الحياة والتردد على جميع الأمكنة، وهم في ذلك أشبه شيء بتلك الخيالات ~~السينماتوغرافية إذا ظهرت في ناحية لا تلبث أن تغادرها بسرعة، وإن هذه الجماعة لا يطيقون ~~البقاء بين ذويهم، بل يفضلون الكدر خارج منازلهم على السرور والسعادة في دورهم وقصورهم. فهل ~~هكذا كان شأن السالفين أم كانوا يقيمون على أرائكهم وبين ms71 أهليهم ما خلوا من أعمالهم، ولهم ~~من السكينة مظهر جليل، ولمرآهم وقار وهيبة يشعر بها القريب والبعيد؟ كانوا إذا تزاوروا ~~فللسمر وتبادل الود وتوثيق روابط الألفة والإخاء. # إلا أنه لو بعث امرئ من قبره ورأى حياة اليوم وأبناء هذا العصر، لظن المجانين قد فروا ~~من مستشفيات المجاذيب وجعلوا يعبثون بالراحة ويقلبون نظام العالم. إن الفساد عم كل ~~الطبقات ولم تخل منه الضياع والقرى، وحذا الناس حذو بعضهم في هذه الطريق المحفوفة ~~بالمكاره، حتى أصبح من المدنية ودلائل الرقي هجر الدور لتعمير الحانات والمواخير. # وليس الفقر ونكد العيش الذي يشكو منه العالم بكاف للدلالة على سوء الحالة التي وصل ~~إليها أبناء العصر الحاضر. ولو تساءلت عن السبب الذي يدعو القروي إلى هجر داره، وقضاء أغلب ~~أوقاته في حانة القرية، مع أن الدار هي بذاتها التي نشأ فيها وألف أركانها وقاعاتها ~~ودرج منها أبوه وجده لم تتبدل ولم تتغير، ولو تساءلت عن السبب الذي جعله يتأفف من المجتمعات ~~العادية في ضوء القمر في عرصات الدور، حيث كان يغني مع رفاقه ويضحك بملء فيه لكان الجواب ~~على ذلك: إنه أخذ من الحضارة والمدنية بقسط عظيم. # اللهم إن كانت المدنية هي هذا الفساد الذي يخرب الدور ويفرط عقد العائلات، ويزج ~~بالرجال في مواخير الفجور وحانات الخمور، ويفسد العقول والنفوس ويميت الضمائر، ويطرد السرور ~~من القلوب ويقتلع السعادة من البيوت الآهلة؛ فإنها لبئس المدنية وخير منها البداوة ~~والهمجية. # المدنية الصحيحة بعيدة عن مثل هذه النقائص بعد الخير عن الشر، وما هذه إلا إفراط ~~لإرضاء شهوة النفس وتقليد نشأ عن ضعف الإرادة، والتورط في المضار بغير تفكير ولا تدبير، وعن ~~إهمال الواجبات العائلية والابتذال في سبيل الملاذ المضرة بالصحة والسمعة، وترك الاعتدال في ~~العيش والسرور. # ولا يقوم هذا الاعوجاج غير الرجوع إلى العادات القديمة الحسنة، واحتقار هذه المضار ~~المتفشية احتقارا ينفر منها النفس ويردعها عن الغي؛ عساها ترعوي وتنشط للتطهر من أدران ~~تلك الحياة المرتبكة. إن من عادات الأقدمين في اللهو والسرور ما يشرح الصدور، ويبعث ms72 في ~~القلوب الفرح والابتهاج، فلو تعمد تلك الوسائل نفر من الشاردين، وقارن بين الأغاني ~~القديمة المهذبة وبين ما يتغنى به اليوم دعاة الفجر والفساد، لتهييج العواطف وسحر العقول، ~~لعرف الفرق بين الفضيلة والرذيلة والميزة بين العفاف والدعارة. # زينة المرء الخلق، فالأخلاق حلية الرجال ودليل التكمل، وكل فرد سفلت أخلاقه سقط في نظر ~~الناس، والأمة مجموع الأفراد فمتى انسرح أفرادها من الأخلاق الفاضلة تجردت الأمة من دلائل ~~الكمال، وخلا مكانها بين مصاف الشعوب الراقية. فالحكمة في الاحتفاظ بالأخلاق والعادات ~~القومية احتفاظ العارفين بالآثار النفيسة، فإنها عنوان الكمال والدليل المحس على الرقي ~~والتحضر. # وقد يلاحظ أن هذا محال على كثيرين؛ لوفرة جهلهم كل ما يختص بالحياة العائلية والأخلاق ~~الفاضلة. والحقيقة أن المحال أو العسير إنما هو وجود روح الاعتدال التي تحبب الحياة ~~العائلية إلى الإنسان، فإذا ما وجدت سهل غيرها من وسائل السعادة على المرء؛ لأنه يستطيع ~~أن يقلد الحسن كما استطاع أن يقلد غيره من المفاسد والمضار. # إن الحياة العائلية لا تحتاج أفرادا عديدين، أو دارا مشيدة، أو سعة ليست في استطاعة ~~العائل؛ فالرجل يستطيع أن يهنأ في كوخه، وينعم مع زوجته، ويجعل السعادة ترفرف على خصهما ~~الحقير متى عرف كيف يعيش ويبعد عن مزالق الحياة الفاسدة ويقمع شهوة النفس الخبيثة. # إنك لتدخل دارا فلا تتجاوز سدتها حتى ينقبض صدرك، وتحس بالرطوبة تتمشى في كل مفاصلك، ~~وتشعر بقشعريرة في كل جسمك. وتدخل دارا أخرى فلا تكاد تتجاوز بابها حتى ينشرح صدرك، وتشعر ~~بالانشراح والسرور الداخلي بلا سبب ظاهر، ما هذا إلا لأن للقاطنين تأثيرا في الأماكن، ~~فتظهر عليها مسحة مما على ذوي الدار وأربابها. # إن المرء لينتقل من دار إلى أخرى، فيحن إلى القديمة ويمر بجدرانها فتذكره بكثير من ~~حوادث الماضي والأوقات الهنية. وإنه ليتعلق بريحانة يغرسها على حافة النافذة ويتعهدها ~~بالسقيا، وإنه ليحتفظ بأثر من الآثار وقد لا يساوي شيئا، وهو يجد في تلك الأشياء سلوة ~~وعزاء وتذكارات لذيذة، تعيد إلى القلب شيئا من السرور أو السعادة الماضية، فهل يشعر ms73 أبناء ~~هذا العصر بشيء من هذا الشعور؟ إن التحول الدائم والتغيير المستمر في الأماكن وشكلها ~~ورياشها، وفي الأخلاق والأذواق والعادات، يترك الناس على غير هدى ومبدأ ثابت. ~~••• # ألا إن دار العائلة هي الموئل الذي يجد فيه المرء الراحة عند التعب، والحب الطاهر إن ~~عرف كيف يغرسه ويواليه حتى ينمو ويترعرع، فيقطف من ثمره الناضج وزهره العطر. وهي المكان ~~الذي يجد فيه العزاء إن أصيب بمكروه، والعناية إن مرض والراحة إن شاخ وهرم، وفيها وبها ~~يخدم الوطن ويخرج له أبناء صالحين يعملون لصالح البلاد ونفعها. # | الكبر والاعتدال # ربما تعب الباحث دون أن يجد موضوعا غير الكبر يثبت به أن العقبات التي توجد في ~~طريق الرقي الاجتماعي يخلقها الإنسان لا الظروف. # ولو كانت المصالح المتباينة والمراكز المتفاوتة هي وحدها سبب الخصومات، ومنشأ الشجار ~~والعراك، لكان السلام سائدا بين المتكافئين في الطبقات والمراكز، وذوي المصالح المتماثلة، ~~والحظوظ المتشابهة، ولزال من بينهم كل اختلاف. والحال أن أشد العداوات ما كانت بين ~~المتناظرين المتساويين في الجاه والمراكز والثروة والمهنة، وبين الأنداد والرفاق. ولو أنصف ~~الناس لاعترفوا بأن سبب الخصام والعداء إنما هو في الحقيقة الغطرسة والكبر؛ فهما يجعلان ~~الرجل كالقنفذ ما مس غيره إلا وآلمه وآذاه. # الناس لا يغيظهم من الغني الوجيه وجاهته وغناه، ولا كثرة خدمه وحشمه، ولا فضته وذهبه، ولا ~~زينته وظهوره، بل يغيظهم الاحتقار الذي يتعمده والتعالي الذي يظهر به. وما يسؤهم إن كثر ~~مال زيد أو قل، ولا يضرهم إن تبرج وتزين، ولا يقهرهم إن استكثر من الخدم والأعوان؛ ~~لأن كل هذا خاص به وليس فيه أذى للناس، ولكن يؤلمهم أن يجرح الرجل عواطفهم بتعاليه ~~واحتقاره شأنهم وشموخه عليهم، حتى ليفترض عدم وجودهم وتجردهم من مميزات الإنسان، لا لسبب ~~غير إكثاره وإقلالهم وغناه وفقرهم، إنه بذلك ليؤلمهم بلا فائدة يجنيها. وإن النفس العالية ~~لهي التي تثور في وجه ذلك الشامخ الوقح، وليست هذه الثورة عن حسد، ولكنها إحساس العاطفة ~~المجروحة التي تنزع إلى الثأر وتأديب المعتدي، وإلا فلا كرامة للنفس ولا ms74 قيمة، وكل امرئ ~~خالط الناس وعرف واجبات نفسه وما عليها يعترف بصحة هذا القول، ولا يكابر أو ينكر التأفف ~~والاستياء العام من كل متكبر مختال. # إن هذا الداء كثير الشيوع والانتشار حتى ليكون قدر الكبر على قدر الثروة أو يزيد، ~~والوداعة على قدر الفقر والعوز فالغني يحتقر من دونه وشأنه مع الأكثر مالا وجاها شأن ~~المقل في نظره؛ ولهذا هام الناس بالتطلع إلى ما فوق آفاقهم والوقوف في غير مصافهم، فنشأ عن ~~ذلك التزاحم والعراك، ووجدت الخصومات في القلوب أبوابا مفتحة وأرضا ممهدة، فغرست فيها ~~بذور المنافسة والشقاق، وليس الفقر هو السبب الرئيسي وإنما الكبر والصلف. # من الأغنياء كثيرون لم يصبهم هذا الداء الوبيل، وجل هذا الفريق ممن ورثوا الجاه والثروة ~~أبا عن جد، فعلى قدر أنسابهم علت نفوسهم وطابت قلوبهم. ولكن أولئك أيضا يجهلون أن ~~ظهورهم بالبذخ والإسراف والفخفخة يخلق الحسد في قلوب ذوي الفاقة، ومن لم تحصل أيديهم على ~~فتات الموائد وثمالات الكئوس ومطرح الثياب الخلقة. # أليس من الذوق السليم اجتناب القوي الممتع بالصحة والعافية، ذكر ما يتمتع به من راحة ~~وهناء في نومه ويقظته، وفي أكله وشربه أمام المريض الذي يدنو من ساعته الأخيرة ويهيأ له ~~القبر؟ كثيرون من الأغنياء ينقصهم الذوق السليم والشفقة والحكمة؛ لأنهم بأعمالهم يثيرون على ~~أنفسهم نفوس سواهم ويحركون عوامل الحسد، فهل يجوز لهم بعد ذلك أن يتأففوا من العواقب، أو ~~يستاءوا من نتيجة المقدمات التي وضعوها بأنفسهم؟ إن ضعف التمييز هو الذي يجعل الأغنياء ~~فخورين بما ملكوا، وينفث فيهم روح الاختيال والكبر. # من الخطأ الاعتقاد بأن الثروة من الصفات الشخصية التي ترفع أو تخفض قدر الإنسان، فقيمة ~~الشيء في ذاته لا في الغلاف الذي يحتويه، والعاقل من لا يخلط بين ما يملكه وبين شخصه؛ لأن ~~الفصل بين الاثنين سهل وممكن في كل الأوقات، والجوهر النفيس لا تقل قيمته أو تكثر بتغير ~~ما يحفظ فيه، فالمتكبر مغرور ومخدوع، وكثيرا ما ينسى أن التملك عارض يزول، وأن ~~الإنسان من أفراد الهيئة الاجتماعية كبر أو ms75 صغر، فيجب أن يكون كل ما يعمله موجها للصالح ~~العام قبل أي غرض آخر. # ومن ضعف العقل تصور الغنى والثروة وسيلة للتمتع بما تشاء النفس وتجنح إليها ميولها، ولهذا ~~نرى القليل من الخلق يعرف كيف يتربع عرش الغنى والجاه. فكم من الملوك تواتروا على عروش ~~الأمم، ولكن النذر القليل منهم عرف كيف يحكم ويتربع العرش، وكما كان التاج شوكا في رءوس ~~الكثيرين من الملوك، فكذلك نرى الثروة بين يدي الكثيرين من ذوي الغنى، كالقيثارة بين حافري ~~الدابة لا يعرفون التمتع بها، كما لا يعرف الحيوان التوقيع على الآلة ليطرب. # والغني الذي يعرف أن الثروة ليست إلا وسيلة لتأدية واجباته الإنسانية، وقضاء حاجاته ~~المعتدلة، وحاجات المجتمع الذي هو فيه هو رجل يجدر به التبجيل والاحترام؛ لأنه الإنسان ~~الكامل. وهو عاقل لم يغتر بوسائل التغرير التي تلعب برءوس الكثيرين من أمثاله. وهو حكيم؛ ~~لأنه لا يخلط بين قيمة ما في جيبه وبين ما في رأسه، ولأنه يقدر الناس بالصفات والأعمال لا ~~بالجاه وكثرة الأموال. وإن هذا الرجل ليتضع بدلا من أن يشمخ؛ لأنه يعلم مقدار المسئولية ~~التي عليه والواجبات التي يستدعيها مركزه الاجتماعي، فبدلا من أن يكون غليظا صلفا تراه ~~وديعا لطيفا، وعوضا من أن يحتجزه الغنى عن بقية العالمين يتخذه واسطة للقرب من إخوانه، ~~والأخذ بناصرهم متى كانوا في حاجة إلى ذلك. إن مثل هذا الرجل ليخفض من حقد الناس على ~~الأغنياء الأغبياء الذين يثيرون على أنفسهم سخط الجمهور بما طبعوا عليه من العتو ~~والكبر. وإن من يجتمع بمثل هذا الرجل لا يلبث أن يستصغر نفسه بجانبه، ويشعر بتفوقه ~~عليه، وكثيرا ما يسائل نفسه عما إذا كان في استطاعته أن يعمل عمله، ويكون في وداعته ولطفه ~~إن أتيح له أن يكون يوما ما في مركزه وجاهه. # إن الدعة والطيبة لا تنزعان الحسد من القلوب المنافسة فقط، بل تكونان واسطة أيضا ~~لاستمالة قلوب الناس ومحبتهم، وما الذي يضر الأغنياء من حمل الغير على حبهم بدلا من ~~إثارة البغضاء والعداء في نفوسهم؟ ~~••• # أضر ms76 من الكبر الذي يسببه الغنى العتو الذي ينشأ عن السلطة، والمراد بالسلطة كل نفوذ ~~يخوله المنصب سواء كان مقيدا أو بلا قيد. نعم، إنه من المحال أن يبقى العالم بلا نظام ~~عام يفضي بمقاليد إدارته وتدبيره، وتنفيذ مقتضياته إلى أناس تتفاوت درجاتهم بتفاوت العمل ~~المطلوب منهم. وإنما الخوف كل الخوف والخطر الداهم هما في جهل الموظفين استعمال هذا النفوذ ~~فيما وضع له، وعلى قدر ما يسمح به النظام العام، بدون تعد على الحرية الشخصية، وبدون ~~مس كرامة الناس بلا حق. الخوف كل الخوف من سوء استعمال السلطة وتشويه سمعتها عند الجمهور، ~~فيقع الضرر على رءوس الحاكمين المستبدين. إن السلطة والنفوذ وإطلاق اليد بالحكم تحدث في ~~عقل الموظف تأثيرا سيئا يختلف زيادة ونقصا باختلاف سعة العقل وضيقه، والحكيم الثابت من ~~لا تفسد السلطة نفسه ولا تحوله عن جادة الحق. # الاستبداد في ذاته نوع من الجنون النوعي يتسلط على عقول الحاكمين، وهو مرض عام لم يخل ~~زمان من أعراضه وظواهره. والظلم كمين في النفوس تظهره القوة ويخفيه الضعف. والظالم في ~~الحقيقة أكبر عدو للسلطة، ومن أقوى أسباب الانقلاب عليها، وكل من يأمر وينهى ويسخر ~~الناس لمجرد التلذذ بإخضاعهم لشخصه يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى الناس؛ لأن العبرة ~~بالعواقب لا بالأوقات القليلة التي تتمتع فيها النفس بميولها الفاسدة. # وليس من ينكر أن في كل نفس شعورا داخليا ينفرها من الحكم المطلق والإذعان لغير ~~النظام العام. والعقل يحكم بصحة هذا الشعور واحترامه؛ لأن الناس في الحقيقة متساوون وقد ~~خلقوا أحرارا. فليس هنالك ما يحمل زيدا على الخضوع لبكر لمجرد أنه زيد وهو بكر؛ لأن ~~استسلام الأول يذله ويحقره في عيني نفسه وفي عيون الناس، والرضاء بالهوان دلالة على صغار ~~النفس وانحطاطها. # وليس من يدرك الضرر الذي ينجم عن الاستبداد والصلف، مثل من عاشوا في المدارس والمعامل ~~والجيش وإدارات الحكومة، ورأوا من قرب أكثر العلائق التي بين الرؤساء والمرؤسين. إن ~~الاستبداد مما يزهق النفوس الحرة ويحولها إلى نفوس مستعبدة، ولكنه ينفث فيها روح ms77 الثورة ~~والفوضى. ويظهر أن هذه النتيجة الوخيمة التي لا تلتئم مع صوالح الهيئة الاجتماعية تكون ~~أكثر خطرا وأشد تأثيرا على النفوس، كلما خرج المستبدون المرهقون من صفوف الشعب، وتناسوا ~~منشأهم وأثقلوا ظهر الأمة بما استطاعوا من أنواع العتو والإرهاق. # والمشاهد أن الجندي في الجيش أشد صلفا وقسوة من الضابط، وهذا أقسى وأشد على ~~مرءوسيه من القائد على الجميع. وقد ترى في المنازل والقصور أن السيدة التي لم تنل حظا ~~وافيا من التعليم والتربية، أو التي ينتشلها زوجها من درك منحط تكون أكثر عتوا وقسوة على ~~الخدام من بنات البيوتات وذوات التربية العالية. ~~••• # من خطأ الحاكمين تجاهلهم أن الواجب الأول على ذي السلطة الدعة والخشوع؛ لأن الغلظة ~~والصلف ليستا من السلطة في شيء، بل هما تدلان على الضعف وتنشأان من الحماقة. السلطة ~~مستمدة من النظام والقوانين، فهي للقانون والنظام وليست للأشخاص، والقانون فوق المصالح ~~الشخصية، وفوق الناس، وفوق الرغبات والأغراض. فمن أهم واجبات الموظفين الذين يمثلون القانون ~~أن يحترموه ويخضعوا له ويسيروا على مقتضاه؛ ليكونوا قدوة صالحة لغيرهم. فإن الحكم والطاعة ~~في ذاتهما توءمان لا يفضل أحدهما الآخر، والطاعة إن لم تكن اختيارية لشعور المرء بضرورتها ~~طبقا للنظام العام فهي ليست بالطاعة. ولو تأمل الناقد في أسباب الفوضى والثورات، لعلم أن ~~منشأها جهل الحاكمين بأغراض النظام، واستعمالهم السلطة والنفوذ في غير موضعهما. # وليس من يعرف سر الحكم وروح الطاعة غير المعتدلين الذين لا يرهقون العباد، فتراهم ودعاء ~~عند الشدة تلطف كلماتهم وقر القسوة، ويخفف لينهم وطأة النظام على النافرين الجامحين، ~~فينالون ما يتطلبه القانون والنظام، وينفذون ما شاءوا من غير حاجة إلى الاعتساف ووسائل ~~القوة. ومن شاء أن يطلب إلى الناس عملا أو تضحية فعليه أن يبدأ هو بها قبل أن يطلبها من ~~غيره. إن العين لترى كثيرا من القواد المستبدين فتحسبهم غزاة أشداء، وما هم إذا جاء وقت ~~الحاجة إلا ضعاف لا حول لهم على من تحت إمرتهم؛ لنفور النفوس منهم، ولأن الجبن من صفات ~~المستبدين. وكم من هزيمة أو ms78 اندحار نجم عن إبغاض الجنود القائد المستبد؟! وكم من القواد ~~تراهم ودعاء حتى لتحسبهم من الجنس اللطيف؟! فإذا ما تأججت نار الوغى وحمي وطيس الحرب كانوا ~~روحا تنشط النفوس وتشدد العزائم، فترى الجنود تحت إمرتهم يفتدونهم بالأرواح، ويعترضون ~~سبيل الخطر غير حافلين بالحياة ولا فزعين من هول الموت. فمن شاء أن يطاع ويحترم فعليه ~~بالاعتدال في الحكم؛ ليملك القلوب قبل إخضاع الرءوس، فإن من السهل على النفوس الخضوع مع ~~الحب، وصعب بل ومحال ذلك عليها مع البغض والكراهية. ~~••• # إن الرجل الذي ينفخ أوداجه الكبر وتعميه الخيلاء، حتى يقول: أنا هو القانون، هو ~~الأحمق المتعجرف الذي يهيج روح الثورة والتمرد في الأفئدة والقلوب، ومثله وأشد منه خطرا من ~~لا يريد أن يخضع لروح النظام، ولا يريد أن يعترف بوجود سلطة قاهرة يدين لها مع ~~الاحترام. # في الناس كثير من هذا النوع الفاسد يهيجهم ويسوءهم النظام على وجه العموم، ويحتقرون كل ~~رأي لسواهم وإن كان صوابا وكل انتقاد وإن كان على حقيقة، ويرون كل سلطة - وإن كانت ~~شرعية ومن دواعي العدالة - تعديا على الحرية الشخصية. أولئك فوضى لا يعترفون بسلطة ما، ~~ولا يخضعون لغير أفكارهم السخيفة وعقولهم القاصرة، ولا يرون من المصلحة العامة إلا ما كان ~~منطبقا على أغراضهم ومصالحهم الشخصية، ولا أظن الحشرات المؤذية والأمراض الوبائية أشد ~~خطرا على البلاد والعباد من هذا الفريق السقيم. # ويدخل في عداد المتكبرين كل مرءوس يشمخ بأنفه، ولا ترضيه معاملة رئيسه وإن حسنت، ويظن ~~كل إشارة منه تحقيرا له، أو حاطة من كرامته جارحة عواطفه. فهؤلاء فريق لا يستطيع أكرم ~~الناس وأوسعهم حلما إرضاءهم، وهم يؤدون أعمالهم بتذمر كأنما هم أرقاء مسخرون، ولا شك في ~~أن منشأ روح الكبرياء التي تنفخ أوداج أولئك الحمقى هي الأنانية وحب الذات، فعسير عليهم ~~أن يؤدوا عملهم تاما جيدا، وكثيرا ما يكونون سببا في المشاكل والتهويش على أعمال ~~وحياة من يعملون بينهم؛ لسوء نياتهم وخبث نفوسهم. # ومن يعن بدرس طبائع الناس درسا دقيقا ير الكبر متفشيا منتشرا، وله مواطن ms79 عدة بين ~~من اشتهروا بالتواضع. وقد تشتد وطأته على البعض حتى ليكون حاجزا بينهم وبين أقرب الناس ~~إليهم، ويكون من المطامع واحتقار الغير حصنا منيعا لهم يصدهم عن الناس. والكبر - سواء ~~أظهر أم بقي كامنا في النفس - من أردأ الصفات التي تجرد صاحبها من الإنسانية، وتمثله ~~عدوا للجنس البشري على الإطلاق. والمتكبر - فقيرا كان أم غنيا - يقضي حياته معتلا ~~محزونا منعزلا عن الناس، ويكون دائما سيئ الحظ لدرجة غير محدودة، ويسبب من المشاكل ما ~~يشقيه ويتعب من يربطهم به العمل وسائر الروابط الاجتماعية. # ومن المؤكد أن معظم الكراهية والبغضاء التي تتولد بين الناس في سائر الطبقات تنشأ ~~غالبا من هذا الداء الوبيل. نعم لا ينكر أن اختلاف المصالح وتناقض المنافع والمزاحمة على ~~المراكز الحيوية والاجتماعية تسبب العداء بين الناس، وتجعل بينهم حوائل وموانع، ولكن الكبر ~~يجعل هذه الحوائل سدودا عالية سميكة يقف المتكبر خلفها وجلا، يندب حظه ويتساءل مدهوشا ~~عما إذا كانت قد انقطعت كل علاقة بينه وبين الناس. ~~••• # كل من يكون على شيء من العلوم والمعارف ويضن على الجمهور بمعلوماته، هو ممن أخذ الكبر ~~بخناقهم ووسمهم بميسمه الشائن؛ لأن رقي الهيئة الاجتماعية لا يتم إلا بنشر التعليم الصحيح، ~~وعناية المتعلمين بأمر غيرهم، ومن لم يفعل فهو مقصر ملوم. # ومن عداد المتكبرين المعجبين بأنفسهم كل عاقل يحتقر من قضى عليه نكد الطالع بالجنوح عن ~~السبيل السوي فارتكب وزرا أو أتى أمرا إدا. فمن لوازم الإنسانية الشفقة، وعدم الافتخار ~~بفضائل النفس، والتساهل مع المسيئين، وقبول معذرة المخطئ، وكل فضيلة دالة أو مختالة تقل ~~قيمتها الذاتية إن لم تتلاش وتزل. # ومن الخطأ الحط من قدر المواهب والكفاءة الشخصية بافتراضهما واسطة للظهور والكبر؛ لأن ~~الفضل كله راجع إلى كليهما معا أو إلى أحدهما. واستعمال الثروة والجاه والسلطة وعواطف ~~القلب والعلم والفكر لمجرد الزهو والكبر يقلل من فائدتها العامة، ويحولها إلى أسباب ~~للشقاق والأذى؛ لأنها لا تثمر ولا تفيد إلا إذا حسن استعمالها، وكانت مقرونة بالتواضع ~~والحكمة. ~~••• # كل دين واجب وفاؤه، والشريف من يدفع ms80 ما عليه رغبة في أداء الحقوق ، لا رهبة من الوسائل ~~القهرية. وعدم الوفاء يكون إما عن عسر وإما عن تقصير، أو عن رغبة في هضم الحقوق، ولكن الشرف ~~في الاعتراف بالحق ووفائه بغير مكابرة، وكل ما يملكه الإنسان من متاع أو يحصل عليه من ثمرات ~~العقول دين عليه للناس يؤدي لهم ثمنه. وليس في استطاعة الرجل أداء كل الواجبات المطلوبة ~~منه، فهو في حكم المعسر وواجب عليه الغض من كبريائه؛ لأن المدين المعسر لا يرفع رأسه عتوا ~~وخيلاء أمام الدائن الملح. # وخير لذي المنصب والنفوذ، ولمن في يده شيء من أمور العباد وتدبير النظام والإدارة أن ~~يكون متواضعا لا غليظا فظا؛ لأن الواجبات الجمة التي يتطلبها المركز أكبر من قوته مهما ~~أوتي من المقدرة والكفاءة. والعاقل من يحكم على نفسه بالتقصير بدلا من الدعوى الكاذبة ~~والفخر. # وليكن الاتضاع من صفات العالم الضليع؛ لأن العلم وكثرة الاطلاع تدل المرء على قدر نفسه ~~وحقارة معلوماته الكثيرة بالنسبة للمجهول الغامض، فما العلم إلا خضم عجاج لم يغترف منه ~~الناس غير قطرة واحدة، ليكن الاتضاع من صفات ذوي الحكمة والفضائل؛ لأنه ليس من يعرف عيوب ~~نفسه حق المعرفة. فالعين لا ترى سيئات النفس ولا تعرف ما يخبئه القدر بين ثنايا المستقبل. ~~وإن اعوجاج المستقيم أسهل من تقويم المعوج، وتحطيم الصحيح أيسر من إصلاح المحطم، فكذلك ~~السقوط أكثر إمكانا وأسرع تحقيقا من القيام والارتقاء. ومن لا يعذر الناس ومن لا يشفق على ~~الغير تقس عليه القلوب. ومن لا يلبي دعوة المستغيث تصم الآذان عن سماع صوته حتى يبح ~~ويتلاشى. ~~••• # ليس الغرض مما مر محو الفروق الضرورية بين طبقات الهيئة الاجتماعية، وإزالة كل مميز ~~للمراكز عن بعضها؛ لأن ذلك ضروري للنظام العام، ومحتم وجوده لكمال الاجتماع، ولكنني أرى ~~أن الفارق الذي يميز فردا عن آخر ليس هو في المركز ذاته، ولا في المنصب، ولا في الرتبة، ~~ولا في الثروة، وإنما في ذات الإنسان وشخصه. # ولم تظهر صحة هذا القول في عصر من العصور مثل وضوحها في ms81 هذا الزمن الحاضر، ولهذا رسخ في ~~كل الأذهان تقريبا فساد الاعتقاد بضرورة سمو المميزات العرضية، ولم يعد للتاج والعرش تأثير ~~على العقول والقلوب، ولا عاد القروي يرتجف ويهلع أمام سيف الضابط ورداء الجندي، ولا عاد ~~للرتب والأوسمة تأثيرها الأول في النفوس؛ لأن العالم أدرك أن لا قيمة لها في ذاتها، وأن ~~قيمتها الحقيقية إنما تكون في شخص حاملها. وأصبح من الهين على الشعوب خلع من لا يحسن سياسة ~~الملك، بعد أن طال العهد بالاستكانة لشهوات الحاكمين وجور المتعسفين. وصار من الأمور ~~العادية معاقبة الضابط الذي يهين الناس بغير وجه حق اعتمادا على هيبة وكرامة ردائه ~~العسكري. كل ذلك صار من الهينات؛ لأن الغشاوة التي كانت تحجب عن البصائر نور الحقيقة ~~والتمييز أزالها مرور الزمن والتعليم وكثرة التجارب. # وقد كان للاستبداد والظلم أكبر تأثير في رفع حجاب الجهل عن العيون، ودفع الناس لاطراح ~~رداء الرق وكسر قيود العبودية، فلم يعد للأوهام قيمة إلا في مخيلة المجانين والأطفال ~~والأغبياء. وأصبحت الأقدار على قدر الكفاءات الشخصية والمميزات الذاتية، ومن رام إعنات ~~الناس وإرغامهم على احترام ذوي المناصب لوجودهم فيها، أو الأغنياء لمجرد الغنى والثروة يرهق ~~هذه النفوس، ويولد فيها الكراهية بدلا من الحب، والاحتقار بدلا من الاحترام. # مما يؤسف له انتشار روح خبيثة في كل أفكار الشعوب، نشأ منها الاحتقار العام ومقت ذوي ~~المناصب وأفراد الطبقات العالية، وليس ذلك لعدم وجود المميزات الشخصية الجديرة بالإكبار ~~والإعجاب. وإنما لغطرسة أولئك الكبراء وتعمدهم تناسي واجباتهم نحو الاجتماع وروابطهم ~~بالإنسانية، ولعدم احترامهم الناس إلا من يكون معهم في مستوى واحد أو يسمو عنهم جاها ~~وسؤددا. # إن الرفعة لا تخلي العظيم من المسئولية ولا تكبر به عن الاستسلام للقوانين والنظام ~~العام؛ لأنها فوق كل عظمة وجاه، ومن الغرور والجهل نبذ التواضع والوداعة تظاهرا بالارتقاء ~~والرفعة. واللوم راجع إلى الإنسان نفسه إن لم يعرف كيف يكتسب احترام الناس. # ومن الثابت عقلا وتجربة استحالة وفاء من لا تصدق في معاملته، وحب من تبغضه، واحترام من ~~تحتقره وتنكر عليه كرامة ms82 النفس، فلا بد لحفظ نظام الاجتماع من وجود الاحترام بين الأفراد، ~~وذلك لا يكون إلا بوجود المميزات بينهم، والمميز الحقيقي بين الفرد والناس إنما هو التفوق ~~بالكفاءة، وحسن الخلق، وسلامة الضمير، وشرف النفس. # والمشاهد أن كل ذي رغبة في الرفعة والارتقاء يخفض من كبر النفس والغلواء، ويقوم من ~~اعوجاجه بقدر ما يستطيع، ويظهر ودودا وديعا حتى مع من يتحتم عليهم احترامه وطاعته، وعلى ~~قدر تساهله في إنكار ذاته والتخفيض من كبريائه تكون منزلته في القلوب والأنظار. فكأن ~~الاحترام والكبر خلقا على نسبة عكسية في كل أدوار الحياة، وبين كل أفراد الهيئة ~~الاجتماعية مهما اختلفت الأزمان والظروف والأسباب. # | التربية والاعتدال # لما كان الاعتدال من نتائج العقول الحكيمة كان للتربية تأثير فعلي فيها ونفوذ لا ينكر. ~~والمشاهد الآن أن الناس تعنى بالتربية على وجهين؛ الأول: تربية الأطفال على مقتضى رغبات ~~الآباء، والثاني: تربيتهم على مقتضى أهوائهم الذاتية. # وفي الحالة الأولى يكون الطفل في اعتبار الملاذ الكمالية للوالدين، وينزل منزلة ما يملكون ~~من المتاع والماديات، وقد تقل درجة اعتباره لديهم على قلة وكثرة عواطفهم. ومن المحقق أنه ~~كلما زاد ولعهم بالمنافع المادية كلما قلت قيمة الأطفال في أنظارهم، وجفت ينابيع المحبة ~~والحنو في قلوبهم. فإن شب عاش تحت قدمي والديه خاضعا لإرادتهم، لا لمجرد واجبات ~~البنوة، بل لتجرده من كل إرادة. والفكر ينقاد مع الاعتياد إلى الاستسلام والإرادة ~~النفسية إلى الضعف فالزوال، والقلب إلى الجمود، ثم يموت فيه الشعور وكل العواطف. ويصير ~~الشاب عبدا مسلوبا كل مزايا الإنسان العاقل الحر، فلا ينشأ إلا على ما شاء والده ~~واقتضته مصالحه الشخصية، ومعتقده الديني، ومبدؤه السياسي، وذوقه الخصيص به، ولا يفكر ولا ~~يتكلم ولا يعمل ولا يتزوج إلا بإرادة ولي أمره. وربما كانت هذه السلطة المطلقة في يد ~~من لا مبدأ لهم ولا إرادة، فيكونون سببا في إفساد تربية الابن وفي نشأته على غير صالح ~~الهيئة الاجتماعية. وكثيرا ما يتفق أن يكون للطفل إرادة قوية ونزوع إلى الاستقلال، فيبذل ~~ذووه غاية جهدهم في تذليله بالقوة ms83 والاعتساف، فإن تعذر عليهم ذلك فباللطف والتدليل حتى ~~تستأنس نفسه وينطبع على ما شاءوا فيعيش بينهم وبهم ولهم. # وليس هذا النوع من التربية محصورا في بعض العائلات، بل منتشرا بين كثير من معاهد ~~التربية، حيث تكون الخطة الموضوعة للسير عليها قاصرة على إخضاع كل الملتجئين إليها، وقهرهم ~~على التكون على الصورة التي يريدونها. وهذا هو الاعتساف بكل معانيه، والتحكم في غير وجه ~~الصواب والحق، والتسلط الغير الشرعي، وتغلب القوة على الضعف بغير مسوغ لاجتذاب الأفراد إلى ~~غاية موضوعة. # وكثيرا ما يقتنع الإنسان بأن التربية على هذا الشكل هي التربية الصحيحة المفيدة للنوع ~~الإنساني، وللاجتماع على الإجمال؛ لأنه يسهل على المربي القيام بمثل هذا النوع من التربية ~~أو الاستعباد، ويسهل تضليل الناس وتفهيمهم أن هذا الأسلوب هو الوسيلة الوحيدة لتوحيد ~~المبادئ والمعتقدات واللغات والمشارب والأذواق. والحقيقة أنه واسطة لتجريد الخلائق من كل ~~إرادة ونزوع إلا ما يسمح به الأوصياء والمدبرون. # إنهم يريدون أن يكون الناس من نوع واحد وفصيلة واحدة، كسائر النباتات والحيوانات التي ~~تعيش في مكان واحد، أو في أماكن متشابهة بطبيعة الأرض والطقوس. ولكن الإنسان غير النبات ~~والحيوان، وهذا التقييد مضر به حابس حريته مؤخر رقيه. وإن الناس ليختلفون في الطبائع ~~والميول والرغبات والقوى، حتى ليعوزهم كثير من وسائل التربية ليكون لكل فريق ما يوافق ~~طبيعته واستعداده. والنقص والتقصير في استكمال هذه الوسائل هما سبب الفساد الذي يعتور ~~التربية فلا تؤدي إلى الغرض المقصود منها. # والتربية التي يكون أساسها الضغط وتقييد الحرية كثيرا ما تسبب ثورة النفوس، وانفجار ~~براكين الحقد والكراهية، واندلاع لهيب الانتقام؛ فتكون سببا للفساد والمشاكل بدلا من ~~الخضوع والاستسلام. وإذا حسنت الظواهر ولم يحدث حادث ما لتغلب القوة على الضعف يبقى الداء ~~كمينا والنار دفينة؛ الأول على خطر حالاته، والثانية على أشد ما تكون من التسعر، لا ~~يخفيهما عن الظهور غير حجاب كاذب وستر لا يدوم طويلا، ولا يكون وراء السكون الظاهر غير ~~التذمر والحقد الأبكم والثورة المتحفزة للوثوب، وسحق كل ثقل ضاغط. # والتحكم اعتسافا وقوة ms84 يحتم الطاعة، فتبدو مظاهرها فقط، ويخلق الرياء في البيئة ~~المغلوبة على أمرها، ويكون واسطة لوجود النفاق والمخاتلة واللؤم، بعد أن يغرس في القلوب ~~الخبث والشر والكيد وحب الانتقام، فإذا كانت هذه هي ثمار هذا النوع من التربية، فهو ~~ضار وخطره أشد من الخطر الذي ينشأ من الإهمال أو من ترك الناس همجا بلا أخلاق ولا ~~نظام. ~~••• # أما النوع الثاني فهو على عكس الأول في العناية، وينحصر في ترك الطفل على هوى النفس، فلا ~~يلبث بعد وضعه أن يكون له المقام الأول، وإليه تتجه عناية كل فرد من أفراد العائلة، يزعجهم ~~صراخه وتحركهم جميعا لفتة منه أو إشارة بيده، وإذا ما بكى ليلا هب الراقد واستيقظ ~~النائم، فإذا درج كان سرور أهله وأسعدهم حظا من نال حظوة في عينيه وابتسامة من ثغره، ~~وإذا ما اشتد وترعرع كان موضوع اهتمام الجد والوالد والخادم والمعلم والوالدة والأخوة ~~والأخوات وكل أفراد البيت. ولا يلاحظ أحد ما ينتج من ذلك من التدلل، وصلابة الرأي، ~~والعناد، والأنانية، وعدم الاحترام والقسوة إلا بعد فوات الوقت، وضياع فرصة الإصلاح ~~والتقويم؛ فيكون هذا مدعاة لفساد خلق الصبي، وعدم مبالاته بالذين كانوا سبب حياته وينبوع ~~سعادته وهنائه. # وهذه التربية واضح عيبها جلي قبحها سيئة نتيجتها عقيمة إلا في الإفساد، وهي عامة عند ~~كل من لم يعن بالماضي ويستطلع أمر المستقبل من عبر الأيام وحوادثها، وعند من لم يقف على ~~شيء من النظام والتقاليد والآداب القومية والأخلاق الفاضلة، وعند كل من يكتفي بالظواهر عن ~~الحقائق وبالقشور عن اللباب، وعند الذين يظنون الحياة في الزهو والخيلاء وإنكار حقوق الغير ~~وهضمها، والميل إلى جانب القوة. # إن هذه التربية لتقوي في النفس الميول الشهوانية وحب الاستبداد والظلم، وهي سيئة ~~العاقبة شديدة الضر كالنوع السابق. والأكثر ضررا وشؤما على الهيئة الاجتماعية اجتماع ~~النوعين، وتوفر الرذيلتين في الفرد الواحد؛ فإن ذلك يولد التقلب في المبادئ، والتنوع ~~في المظالم، والتراوح بين البهيمية والوحشية، وحب الاستسلام والصغار، والنزوع إلى الثورة ~~والتمرد. # والواجب ألا تكون التربية وقفا على رغبات ms85 الوالدين ولا جريا مع ميول الطفل وأهوائه؛ ~~لأنه لم يخلق متاعا لأبويه، ولا للتطوح مع أهواء النفس، وإنما خلق للحياة فيجب أن يربى ~~وفقا لمقتضيات الحياة. # والغرض من التربية صيرورة الطفل عضوا عاملا في الهيئة الاجتماعية، متشبعا بالإنسانية ~~وحب الإخاء والحرية ونفع الغير، وكل تربية لا ترمي ولا توصل إلى هذه النتائج تكون عقيمة ~~فاسدة، لا تصلح لغير خلق المشاكل والاضطرابات وتقويض أركان الراحة والسلام. ~~••• # إن الحظوظ كلها وكل ما يمر على الطفل من نشأته إلى شيخوخته يمكن إجمالها في كلمة: ~~المستقبل. تلك كلمة مفردة، ولكنها الشغل الشاغل للأفراد والجماعات والشعوب وكل العالم، ~~وينطوي تحتها كل ما مر من الآلام، وما سيجيء منها، وما يبذل من الجهد في الحاضر، وما ~~تتعلق به النفس مع الآمال والأماني. والطفل في الصغر قاصر عن إدراك معاني هذه الكلمة ~~وأهميتها وتأثيرها في حياته؛ لأنه قليل الإدراك، وحيث إنه ينشأ تحت رحمة وكفالة ذويه، فهم ~~المكلفون بتوجيهه إلى المنهج الذي يحسن اتباعه، وبإرشاده إلى ما يزيح عن عينيه غشاوة الجهل؛ ~~ليرى الغرض الحقيقي من الحياة. # وكل من فكر قليلا يرى أن تأثير التربية ليس قاصرا على الطفل والعائلة، وإنما هو واقع ~~على مجموع الأمة وكل الهيئة الاجتماعية، وعلى كل المنافع والمصالح العمومية، فيجب دائما ~~تمثل الطفل في دوره الجدي وحياته القابلة؛ لتكون العناية بتربيته موجهة دائما إلى ~~المنفعتين؛ الشخصية والاجتماعية. # وقد يتبادر للذهن لأول وهلة تباين المصلحتين وتناقض الأمرين واستحالة الجمع بينهما؛ لأن ~~من خصائص المنفعة الشخصية حب الذات، ومن خصائص المنفعة العامة نكرانها، مع أنه لا يمكن ~~الفصل بين الاثنين؛ لالتحامهما وشدة تقاربهما. ومن المحال أن يحفظ الإنسان عهد الإخاء، ~~ويضحي لذاته الخاصة بغير أن يكون حكيما، ولعقله السلطان المطلق والنفوذ التام على ~~القلب والنفس. والأنانية وحب الذات تطرد مع هذا السلطان اطرادا عكسيا، إن ضعف قويت، ~~وإن اشتد ضعفت أو زالت. ولا يتأتى تحكم العقل وتسلطه على النفس والعواطف إلا بالتجاوز ~~عن المرائي الظاهرية، وسبر غور حقيقة الوجود والغرض منه، وتمثل الروابط الكثيرة ms86 التي تربط ~~الإنسان بالإنسان، وترفقه به في كل غاية وسبيل. # ولا يكفل تحقيق هذه الغاية إلا العناية بالطفل، ودرء كل مؤثرات الفساد وعدم النظام؛ لأن ~~الإنسان معرض لفساد الأخلاق من تأثير المؤثرات الخارجية والعدوى الأخلاقية، ومن استسلام ~~النفس للميول وتغلب الأهواء على العقل. والضرر الخارجي الذي ينشأ من استبداد المربين، وسوء ~~تصرفهم عظيم الخطر، وليس من ينكر فساد مبدأ تسلط القوة على الضعف لمجرد أنها قوة وهو ضعف، ~~فالتربية الحقة ما كانت على غير هذا المبدأ، وقامت على إنكار الذات، وكل ميول النفس ~~الخبيثة التي تسبب النفور والكراهية والعداء. # التربية الحقة ما قوت الروح وأخضعت الجسد وحاجاته، فكان العمل بإرادة العقل لا بحكم ~~الجسد أو هوى النفس. وإن الحدة والنزق ليكونان على أشد حالاتهما في بدء الحياة والشباب، ~~فإن لم يكن هنالك قوة من الإرادة تكفل كبح ذلك الجماح اختل توازن المرء، وظهر ضعف تربيته ~~وسوء خلقه. فمهمة التربية قائمة تقريبا على تعهد الإرادة وتقويتها في نفس الطفل، وتطهيرها ~~من كل ميل فاسد ونزوع أناني؛ ليدخر من القوة في نفسه ما لا ينفد، بل يزيد مع طول العمر ~~بغير شذوذ، فيكون العمل إذ ذاك نتيجة الإرادة والعقل، لا طوعا لإرادة أخرى أو استسلاما ~~لسلطة خارجية، وهذه هي الحرية التي يتطلبها الناس من غير الوجهة الصحيحة. # والسلطة المطلقة التي في يد الآباء والمعلمين والمربين، يكون تأثيرها في الطفل تأثير ~~العوسج الذي يخيم على النبات فيذبله ويميته. وأما السلطة التي تستمد قوتها من الحكمة ~~والحقائق، وتتجرد من الأنانية ويكون غرضها تقويم اعوجاج الطفل وتطهير نفسه من كل الميول ~~والنزعات المرذولة، فإنها له كالحرارة والهواء الطلق للنبات، ولهذه السلطة من قوة الحق ما ~~يغذي الروح غذاء يقويها ويصلحها، فالتربية بغيرها نوع من الشطط والحمق. ومن خصائصها مراقبة ~~السلوك، وتكييف الطباع، ومقاومة الميول الفاسدة واستئصالها. وهذه هي واجبات المربي الحقيقي، ~~فلا يكون في نظر الصبي كالحاجز الموضوع صورة حول الحدائق، لا يمنع الطارق ولا يقف في وجه ~~العابث يجتازه بوثبة ويحطمه بدفعة، بل يكون ms87 كالسور الشاهق يحفظ المتاع ويدفع شر ~~العوادي. # والنفس في بدء النشأة لم تتشبع بالشرور، كما أنها لم تتهذب ولم تصقل، فيسهل إصلاحها ~~وإظهارها على الصورة التي يريدها المربي. فإن كان خبيرا بمهنته الدقيقة غرس فيها المبادئ ~~العالية، وعلمها التمسك بما لها من الحقوق، واحترام وتأدية ما عليها من الواجبات، وأوقفها ~~على حقيقة الحياة وما لها من القيود والمزايا، فتشب على احترام الحقائق وتقديسها واحتقار ما ~~عداها، وعلى معرفة حقوق الذات والناس، وعلى أداء الواجبات مع التواضع. # ويمكن تلخيص التربية الصحيحة في أنها هي التي تخرج رجالا أحرارا، يعرفون معنى الحياة، ~~ويطالبون بما لهم ويؤدون ما عليهم، ويحبون غيرهم مع احترام أنفسهم. ~~••• # المستقبل وحده هو الذي يتقلب وتمر أدواره على الحدث الناشئ، إلا أنه يجب تذكيره ~~بالماضي، وحمله على احترام السلف وتقديسهم؛ لأن الفضل راجع إليهم في كل التقاليد الحسنة، ~~وتكوين المدنية والرقي الاجتماعي. فيجب على الآباء إحياء ذكرى الماضي في نفوس الأبناء؛ لأن ~~فيه العبرة والموعظة والهداية في طريق المستقبل المظلم، ولا شيء أوقع في نفس الطفل ولا أنجع ~~لخلق روح التواضع في قلبه إلا مشاهدته الوالد والوالدة يؤديان واجب الاحترام والإجلال ~~لجده الشيخ الفاني مثلا، وإلا تحققه تبادل الاحترام بين أفراد البيت جميعا؛ لأن وجود ~~هذه العاطفة بين الرجال يكون سببا لغرسها في نفس الناشئ، فيشب على حب الاحترام والشعور ~~بكونه من مقتضيات التربية والواجبات. # ولا يفوت العاقل أن الخادم آدمي له جميع حقوق الإنسان، وأن افتقاره للارتزاق من خدمة ~~الغير ليس من دواعي التحقير والامتهان. فكل تحقير له وازدراء به شذوذ عن الأدب الصحيح، ونقص ~~في التربية والأخلاق، ومن أهمل ردع ولده عن الإغلاظ للخادم لا يلبث أن يرى النقص يتطرق إلى ~~نفسه من حيث لا يشعر ولا يدري، ثم تظهر نتيجته بعد قليل في معاملته لذات الوالدين ولسائر ~~الناس. # والاعتقاد بأن الطفل الصغير لا يعرف الاحترام ولا يدرك معناه خطأ؛ لأن الطفل يعجب ويستحسن ~~وينفر ويستقبح، ومن يدرك ذلك يعرف كيف يحترم. والاحترام ضروري ومن الحاجات التي ms88 يجب أن ~~تتشبع بها نفس الصبي وينطبع عليها خلقه، والإهمال يقتل هذه العاطفة وينزعها من القلب ~~والعقل، ولعدم تحققها بين الكبار تأثير سيئ في نفوس الصغار، ولهم منها نموذج فاسد يثبت لهم ~~فساد التعاليم والمبادئ الصحيحة التي تقتضيها التربية. # وإذا كانت بساطة القلب وسلامة النية من الخصائص المحترمة، فإن الاعتدال في الحياة هو خير ~~الوسائل الإعدادية لهذه التعاليم. والحكيم من يجتنب كل الأسباب التي تؤدي إلى نفخ روح ~~الخيلاء والكبر في نفوس الأطفال مهما عظم جاهه وكثر ماله. واختيار الملابس الأنيقة وكثرة ~~الزينة مما تساعد على انتشار هذه الروح الخبيثة، وتغري الطفل على الاعتقاد بأن المراتب في ~~المناصب والأقدار بالدرهم والدينار. # وهنالك كثير من أنواع الفخفخة والحمق في التعليم تكون نتيجتها إفساد الصغار، وتعويدهم ~~احتقار الوالدين والعادات القومية والعمل المفيد، والوسط الذي نشئوا وعاشوا فيه. والتعليم ~~على هذا الشكل المشوه مصيبة عظيمة وخطب جسيم؛ فإنه لا يخرج إلا أفرادا يتذمرون من كل ~~شيء، وينفرون من أصلهم وأرومتهم ودينهم وبلادهم، فإذا ما انفصلوا عن الجذع الذي تفرعوا ~~عنه وخرجوا من أصله يقلبهم الطمع والغرور في كل المهاب، كما تقلب الريح الشديدة أوراق ~~الشجر اليابس. # كل شيء في نظام الكائنات يتم بالهدو والتؤدة لا بالطفرة والقفز، فليقتد الإنسان ~~بالطبيعة في سيرها المعتدل، ولا يخلط النجاح والارتقاء بهذه المناورات العنيفة الحادة ~~والقفزات الخطرة، وليبعد كل البعد عن تربية الأولاد لتعويدهم احتقار العمل والرقي والاعتدال ~~والأهل والأقران والفقر؛ لأنه لا يكون أتعس من حال الأمة التي تكون نتيجة التربية فيها تأفف ~~أبناء الفلاحين من المزارع، والبحارين من البحر وحرف الآباء والجدود، ولا يكون أشقى من ~~حال المجتمع الذي يزدري به الأبناء آباءهم، ويخشون من الظهور معهم أمام الجمهور خشية ~~انتسابهم إليهم. ولا يكون أحسن من حال الأمة، ولا أسعد من البلاد التي يفتخر بنوها بآبائهم، ~~وأحفادها بجدودهم، والناس بحرفهم كل في مهنته عن رضاء ورغبة في العمل والإجادة، ويؤدي ~~مقتضيات عمله بأمانة مع الاقتناع بالحاضر وحسن الظن بالمستقبل. ~~••• # الغرض من التربية كما مر تخريج ms89 رجال أحرار، فمن شاء أن يربي أبناءه على مبادئ الحرية، ~~فلينفث فيهم من روح الاعتدال والبساطة، ولا يخشى تأثير ذلك في السعادة، فإن الاعتدال من ~~أسباب الحصول عليها، لا من الوسائل المؤدية إلى الشقاء والنكد. # من الواضح أنه كلما كثرت لعب الطفل ووسائل السرور واللهو، كلما كان أكثر ميلا إلى الكدر ~~والبكاء، وفي هذا دليل على أن كثرة الوسائل الموضوعة والأسباب المختلقة للحصول على ~~السعادة لا تنيلها ولا تأتي بالغرض منها، ودليل على أن قلة هذه الأسباب أو عدمها لا ينفي ~~وجود السعادة وتمتع الفقير المقل بها. فليكن من اهتمام المربي عنايته بتعويد الطفل ~~القناعة، والاكتفاء بالقليل، وعدم التورط في ابتداع الأسباب الوهمية للسرور، وليضاعف جهده ~~لإقناعه بضرورة بقاء الملابس والمساكن والملاهي، وكل حاجات الإنسان على أبسط أشكالها التي ~~تؤدي الغرض المقصود منها. # إن البعض ليجتهد في إرضاء رغبات أبنائه، فيفعل ما يعلمهم الشراهة والكسل، ويثير فيهم ~~ثوائر نفسية وميولا لا تتفق مع أعمارهم، ولا توافق طبيعة الجسوم، فيجعلونهم أرقاء مستعبدين ~~للشهوات والعادات لا أحرارا مستقلين. # ومع كون الترف يضني ويسئم الجسم، فهو إذا قل بعد اعتياده يكون سببا من أسباب الشقاء ~~وعدم الرضاء بالمآل. وكثيرا ما دفع الإنسان إلى نسيان الكرامة الشخصية وبذل ماء الوجه، ~~وإلى تجاهل الحقيقة والواجب جبنا وسفالة. # أما اعتياد البساطة في العيش، وتكبد المشاق لاعتيادها، والمرنة على الأعمال للتشدد وتقوية ~~الجسم، فإنها من أعظم الوسائل المؤدية إلى نجاح المرء في المعترك الحيوي، وفوزه على المصائب ~~إن صادفته في طريق الحياة، وإن نتيجة التدرب على شظف العيش واحتمال الأتعاب لخير من ألفة ~~الملاهي وكرع كئوس النعيم والراحة. وقد يخرج من اعتاد هذا في صغره إلى مضمار التزاحم ~~العالمي حرا مستقلا قويا شديدا يمكن الاعتداد به والاعتماد عليه، فلا يبيع ضميره ولا ~~حريته بأي ثمن، ويكون أكثر استعدادا للحصول على السعادة والتمتع بها من كل مدلل ~~مترف. # والمشاهد المعروف من التجارب الكثيرة أن وفرة أسباب العيش والرخاء مدعاة إلى الكسل ~~وضعف الإرادة وإخماد الحواس، وإلى كثرة الأوهام ms90 وانقباض الصدر لغير سبب، وقد تظهر الشاب ~~متعوبا منهوكا، وفي شكل من طحنته الأيام. وليس أشق على الهيئة الاجتماعية من وجود فريق ~~كبير من هذا النوع الإنساني الساقط بينها، فإن عليهم وحدهم ظهرت في شكل الأوباء كل آثار ~~الضعف والعادات المرذولة التي مارسوها في الحياة، وفي منظر ذلك الفريق التعس عبرة للناظر ~~ودرس للمبتدئ، فإن العين تقرأ بين سطور التجاعيد المطبوعة على جباههم أحكم المواعظ التي ~~تزجر وتردع العاقل. # إن هذه الحال من الشقاء تنطق بأفصح عبارة مشيرة إلى أن السعادة كل السعادة في أن ~~يكون الإنسان عاملا حيا في الاجتماع، نشيطا مقداما غير خاضع لسلطان الشهوات الفاسدة، ~~وتأثير الغواية الضالة، مالكا عواطفه وإرادته؛ لينعم بطيبات الحياة، ويكون لقلبه الخلو من ~~المشاغل قوة على التعلق بالكمالات وحب كل جليل وجميل. ~~••• # الحياة المرتبكة تولد سخف الأفكار وهراء القول، أما العادات الحسنة والانفعالات النفسية ~~القويمة والبحث الدائم عن الحقائق، فإنها تنتج الحرية في القول والفكر. # والكذب خصلة مرذولة من خصائص المستعبد الرقيق، وهي ملجأ الجبان والبليد وقليل الهمة. أما ~~من كان حرا صحيح الحرية ورزينا ثابتا فإنه لا يخضع إلا لسلطان الحق والعقل، ولا يخشى ~~في نشر الحقيقة لومة لائم، ولا جبروت المعتسف. والتربية الصحيحة تقضي على المربي بتعويد ~~الأطفال الصدق وقول الحق بلا تمشدق ولا تحوير، ولا تلعثم في كل الظروف والأحوال. # إن فريقا كبيرا من الجمهور يعد من الفظاعة وعدم اللياقة اعتماد الشخص على فكره عند ~~التفكير، وترك القلب لتأثير الوجدان والعواطف عند التأثر. ويستاء الناس من استعمال الإنسان ~~مواهبه الذاتية، ومن اعتماده على قوته ونفسه، مع أنه لا يوجد أفظع ولا أسفل من التربية التي ~~تميت في الآدمي مواهب الإنسان ومزايا تلك المواهب. # يا للناس من سوء ما فعلوا! ويا لله مما جنوه على النفوس وعلى الهيئة الاجتماعية بالضغط ~~الشديد على الفكر والقول، وبإزهاق روح الحرية والاستقلال الذاتي بكل وسائل الاعتساف ~~والإرهاق! كأنما يحلو لهم أن يروا الأطفال صورا وألاعيب، والرجال تماثيل متحركة بإرادة ~~الغير وآلات تعمل ولا تدرك! ms91 # هذا هو السبب الرئيسي في ضياع الإقدام ودلائل الحياة الحقيقية، وتسلط السماجة والضعف، ~~وبقاء الإنسانية بلا ارتقاء صحيح، ولا تكمل صالح. # الحقيقة مرة وجارحة ولكنها الحقيقة، فليعلم الحكيم أبناءه احترام أنفسهم والتمسك ~~بحقوقهم وحريتهم الشخصية، وليعودهم قول الحق صراحا بلا تشنيع فيه ولا تلطيف من مرارته، ~~وليحبب إليهم الاستقامة والاحتفاظ بالكرامة حتى في حالات العسر وأخطر مزالق البؤس والشقاء، ~~فإن بذل ماء الوجه أصعب على الشريف من هدر دمه وإزهاق روحه. ~~••• # ليس في الصفات خير من السذاجة وسلامة الضمير وصفاء القلب، وهذه فطرة الأطفال قبل أن ~~تفسد قلوبهم شرور المجتمع الإنساني، وقبل أن تنقل إليها عدوى الأخلاق عوامل الفساد. ~~وليست السذاجة أختا للحقيقة فقط، وإنما هي قوة أخلاقية لا خبث معها ولا نفاق ولا إضمار. ~~ومن الأسف الشديد أن كثيرا من الناس يعملون على بتر هذه الصفة الحميدة وملاشاتها من ~~الوجود بما استطاعوا من قوة وحول، ويجهدون أنفسهم لاستئصالها من الحياة والفكر والتربية، ~~ويتعقبونها حتى في عالم الخيالات والأوهام، ولتعجلهم في جعل أبنائهم رجالا قبل الاكتمال ~~يسلبونهم كل صفات الأطفال ومميزات الطفولة. وشأنهم في ذلك شأن البستاني الجاهل الذي ينزع عن ~~الأشجار أوراقها الخضراء فلا تزهر ولا تثمر. # والطفل بدون هذه السذاجة كالطير بلا ريشه، فليتق الناس ربهم في النابتة، وليحتفظوا ببقاء ~~هذه الروح فيها؛ لكي يتأتى للعالم أن يتطهر من أدران الكذب والنفاق والرياء، فإنها أكثف ~~حجب لإخفاء الحقيقة وستر نور الهدى من العيون والبصائر، وإنها من أقوى المعاول العاملة لهدم ~~الرقي الاجتماعي والتمدن الصحيح والرجولة الحقيقية. # | خاتمة # في كل ما تقدم من المباحث القدر الكافي لإدراك معنى الاعتدال في الحياة ومظاهرها، وفيه ما ~~يثبت ابتعاد العالم عن الطريق السوي والوجهة الواجب الاتجاه إليها، وفيه ما يدل على ~~الغرور العام والانصراف عما في الكون من سائر القوى الحيوية والسعادة وجمال الحياة. # وكل من يستطيع التخلص مما ورطه فيه التقليد، والاندفاع مع تيار العصر، ومقتضيات ~~المدنية الكاذبة يتأتى له أن يشاهد بهاء الكون وجمال الطبيعة، وأن يتمتع بالسعادة ~~الحقيقية الخالية ms92 من كل الشوائب والمنغصات مستهديا بنور الحقيقة. # وكل مقاومة للميول الفاسدة، ونفور من الشهرة الكاذبة وحب الظهور، وكل رجوع إلى ~~التواضع والقناعة والحياة الهادئة يكون من أسباب قوة الهيئة الاجتماعية ورقيها، ومدعاة ~~إلى بث روح جديدة في البيوتات وبين الأفراد، وإلى خلق عادات حديثة، وتكوين بيئة راقية ~~وتربية صحيحة عالية، فتتجه أفكار الشبان والفتيات مع الاعتياد والتدرج إلى غايات شريفة ~~وآمال صحيحة يمكن تحقيقها بسهولة، ولا يلبث هذا الإصلاح التدريجي والانقلاب البطيء أن يظهر ~~سلطانهما على كل الهيئة الاجتماعية. وكما تكون متانة البناء على قدر صلابة الأحجار وقوة ~~مواد التلاحم، فكذلك تكون الحياة على قدر القيمة الذاتية في الأفراد وقوة الرابطة ~~بينهم. # ولما كان الغرض الأساسي هو تكوين الاجتماع على آساس ثابتة ودعائم قوية وجب أولا العناية ~~بتقوية الأجزاء التي يتكون منها ذلك الاجتماع وهي الأفراد؛ لأن كل ضعف فيهم ضعف في ~~المجموع وشلل في جسم الهيئة الاجتماعية، وإذا كان العامل على أية آلة محكمة يهمل أو لا ~~يحسن العمل عليها فلا يكون للآلة ولا لما تصنع قيمة، وفي هذا المثل شبه قريب بين العامل ~~على الآلة والعامل لرقي الاجتماع وكماله. # إن الحياة جميلة في ذاتها محكم أمرها، ولكن جلالها لا يظهر إلا لمن يعرف كيف يدير ~~حركة نفسه ويحكم أعماله وسلوكه، وكما أن غفلة العامل أو عجزه يفسد الآلة ويتلف المصنوعات، ~~فكذلك تهاون الإنسان وأغلاطه تشوه جمال الحياة وتفسد هناءها وتنغص عليه العيش، ولذلك ~~وجب الاهتمام بتحذير الإنسان وإلفاته إلى تعرف أساليب العيش والعمل في الحياة؛ لكيلا ~~يضر بنفسه وبالمجتمع، ويكون حظه حظ العامل المهمل أو الجاهل الذي يسيء إلى نفسه ويضر ~~بسمعة المصنع الذي يعمل فيه. # فليعتن الفرد بنفسه فيعمل ليتشبع بمبادئ الحرية والنظام والإخاء؛ حتى يكون من أقوى ~~عوامل التضامن والارتقاء؛ لأن هذا هو غرض الجميع والمقصد العام. والاعتدال وحده وانتشار ~~روحه بين الجميع يقويان روابط الاجتماع والتضامن العام، وكل انحلال أو وهن فيها يرجع إلى ~~سبب واحد هو ضعف الفرد في ذاته وضعف رابطته بالآخرين. وليس ms93 في الناس من يستطيع أن يقدر ~~الأضرار التي تلحق بالهيئة الاجتماعية من تنافر الأفراد والأحزاب والطوائف، ومن حبهم ~~الاستئثار بالسلطة والنفوذ؛ للتغلب على الغير وإخضاعه، أو لهضم حقوقه وصوالحه، فإن في ذلك ~~تقويض أركان السلام، وهدم أساس التكون والاجتماع، وتنغيص العيش وتكدير صفو الحياة وهنائها ~~وقضاء على السعادة. # وكل هيئة لم يسد بينها حب الإخاء وتفرد كل لصالحه الشخصي تكون هي الفوضى بكل معانيها. ~~وشأن أعضاء مثل هذا المجتمع شأن أبناء العائلة الواحدة الذين يكونون عالة عليها، يمدون ~~أيديهم للأخذ مما لها، ولا يبسطونها للأخذ بناصرها. # من لوازم الحياة التعامل وفيه تبادل المنافع، والناس دائن ومدين، فإن لم يعترف المدين بما ~~عليه ويؤده زالت الثقة به، وكف الناس عن معاملته. والناس مدينون للهيئة الاجتماعية بكثير ~~من الواجبات والحقوق في مقابل النفع والفائدة التي تعود عليهم من عمل الغير، فإن لم يؤدوا ~~ما عليهم عن رضاء زعزعوا الثقة المتبادلة، وأضعفوا نشاط العاملين، فأفسدوا نظام العالم ~~وشوهوا جمال الحياة. # ومما يؤسف له تظاهر الإنسان بمظهر المتفضل على الاجتماع والدائن المطالب بما له من ~~الحقوق، فإن صحت دعوى الجميع فعلى من تكون هذه الحقوق وتلك الواجبات؟ ومن هو المقصر في ~~الأداء والمطالب بما عليه؟ # الأمة عائلة كثيرة الأفراد، ومن الأسباب القوية في تكوين الأمم الاشتراك والتضامن ونكران ~~الذات للمنفعة العامة، فمن الحكمة التساهل في المعاملة، وإغفال ما يمكن التجاوز عنه، فإن ~~الشدة في المعاملة منشأ الخصومات، وليس في العالم من لا ينفر من الفظاظة والغلظة وسوء ~~الخلق، فكلها صفات وحشية تجرد المرء من مميزات الإنسان، ولا تساعد على دوام الاحترام ~~والحب المتبادل وهما من لوازم الاجتماع. # إن الناس لتختلف في العمل والمهن، فينظر الفرد إلى ذاته من وجهة واحدة وهي المظهر ~~الاكتسابي، وينسى أحيانا حقيقته الطبيعية، ومركزه في الاجتماع، وعضويته في جسم الهيئة ~~الاجتماعية، فينتج من ذلك أن الذي يشغل الإنسان ويضع له خطة العمل والسير في الحياة، هو ~~السبب العارض الذي يفصله عن بقية الناس بالمهنة والحرفة، ويفتنه بما لا يترك مكانا ms94 في قلبه ~~لحب الاجتماع الذي هو روح الأمم وحياة الشعوب. وينتج من ذلك أيضا بقاء الذكرى السيئة حية ~~في الأفكار؛ لأن حب الاستئثار مناف لصالح الغير، وكل قوم غذتهم هذه الروح الخبيثة ~~تنتشر بينهم الخصومات، ولا يمر عليهم يوم واحد بدون حوادث سيئة وعواقب وخيمة، ولا يكاد ~~أحدهم يلمح الآخر حتى تحيا في مخيلته ذكرى الشقاق والمزاحمة والخصومة؛ ونتيجة ذلك عدم الثقة ~~وسوء الظن والحقد. # فمن الصالح العام التساهل والتسامح ونسيان الذكرى المؤلمة، وإذا كانت المنفعة جوهرا فكل ~~ما يضر بها عرض فاسد، والمنفعة هي غاية المساعي ومرمى الغايات. والخصومة من المؤثرات ~~السيئة على المنفعة فهي عرض فاسد، والعاقل من يتمسك بالجوهر ويغفل العرض. # ما أجمل وأسعد الحياة لو كان التسامح هو مبدأ الوضيع والرفيع؛ لأنه بلسم القلوب المكلومة ~~وترياق النفوس المتسممة. والذكرى السيئة أكبر محرك للعداوة والانتقام، فلو سادت روح ~~النسيان والتسامح زالت أسباب العداء والخصومات، ونعم بال المجتمع الإنساني، وكان التساهل ~~أقوى ضمين لتوفر أسباب السكينة والسلام. # فعلى هذا يكون لروح الاعتدال نفوذ قوي وسلطان فعال في تقويم الأخلاق، وتلطيف الأمزجة ~~الحادة والطباع الغليظة، وفي إيجاد السلام في بيئة الأحقاد والمشاكل وبين الخصومات ~~القائمة. وهي أيضا من أقوى مطهرات القلوب وداعية إلى تقريب الناس بعضهم من بعض، وأجلى ~~مظاهر هذه الروح وأسماها تتضح ملموسة عندما تكون واسطة لتسوية الاختلافات والمشاكل القائمة ~~بين الخصوم والمتنافرين، بسبب تباين المصالح والمنافع، وبسبب الرعونة والحمق، وعندما تبدل ~~الخلاف وفاقا والعداء حبا والامتهان احتراما وإجلالا. # هذه هي أحسن رابطة اجتماعية، وبها يمكن تكوين الأمم وخلق الهيئة الاجتماعية الصحيحة على ~~أمتن الأساس وأقوى الدعائم، وإظهارها في الشكل البديع الذي نتوهمه أملا لا يتحقق وأمنية لا ~~تنال. ms95