######OpenITI# #META# URI: 1366IliyasAbuShabaka.Jocelyn.Hindawi70931790 #META# Tags: novels #META# ID: 70931790 #META# Title: جوسلين #META# AuthorID: 82085960 #META# Author: ألفونس دو لامارتين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 95147246 #META# Translator: إلياس أبو شبكة #META# Related_books: 1285AlphonseDeLamartine.Jocelyn (TRANSL) #META#Header#End# # المقدمة‏ # توطئة‏ # العهد الأول‏ # العهد الثاني‏ # العهد الثالث‏ # العهد الرابع‏ # العهد الخامس‏ # العهد السادس‏ # العهد السابع‏ # العهد الثامن‏ # العهد التاسع‏ # خاتمة‏ # المقدمة‏ # توطئة‏ # العهد الأول‏ # العهد الثاني‏ # العهد الثالث‏ # العهد الرابع‏ # العهد الخامس‏ # العهد السادس‏ # العهد السابع‏ # العهد الثامن‏ # العهد التاسع‏ # خاتمة‏ # | جوسلين # | جوسلين # تأليف # ألفونس دو لامارتين # ترجمة # إلياس أبو شبكة # | المقدمة # نبهني صديقي الفاضل صاحب مكتبة صادر ومطبعتها الذي نتوسم فيه عمدة لنهضة أدبية في ~~البلاد إلى كتابة مقدمة لروايتي المعربة «جوسلين»؛ إذ لا يجمل بالكاتب أن يقدم على طبع كتاب ~~مترجم بدون أن يذكر كلمة عن مؤلفه، فراجعت إذ ذاك المقدمة أو المقدمتين اللتين وضعهما ~~الشاعر لامرتين لروايته، فرأيت فيهما أجمل ما يخطه قلم وما تمليه نفس، فآثرت أن أجتزئ منهما ~~بعض مقاطع تكون مقدمة لهذا التعريب. # قال لامرتين في مقدمة الطبعة الأولى: «سألت نفسي مرارا: ما هو الموضوع الاجتماعي الذي ~~ينطبق على روح العصر وعاداته ويكون عدة يهيئها الشاعر للمستقبل، فوجدت أنه الإنسانية، ~~والحظوظ، والسبل التي يجب على الروح البشرية أن تسير عليها لتصل إلى مقدراتها ~~ومقاصدها.» # ولكن هذا الموضوع الرحب الذي لا يستطيع كل شاعر بل كل عصر أن يكتب منه أكثر من صفحة واحدة ~~يفتقر أولا إلى من يوجد صيغته ومأساته ورموزه الذاتية. # هذا ما حدثت به نفسي # إذا قيض لي الله أن أنجزه، أو إذا قدرت على الأقل أن أرسم قسما كبيرا من أجزائه قبل ~~موتي لكي يظهر الرسم جليا في تلاحم أجزائه وفي أساليبه وتنوعاته، يحكم القارئ إذ ذاك ~~بما إذا كانت تلك الروح تتضمن بذرة من بذور الحياة ويجيء بعض شعراء غيري هم أعظم وأكمل ~~مني يعززونها بعدي ويستثمرونها خصبة نامية. # العمل متشعب الأطراف، بعيد الحدود. لقد أنجزت عددا غير قليل من أجزائه في أوقات ~~مختلفة، بعضها ألقي في النار لعدم نزولي عند صحته والبعض الآخر باق عندي يحتاج إلى ~~أوقات فراغ ورغبة في العمل لكي يبرز وينشأ، فتشتت الأفكار والسياسة والأسفار وضجيج ~~الحوادث الخارجية أقعدتني مرارا عن إتمامه وستقعدني أيضا ms01 في مراحل حياتي، فيجب على ~~الإنسان ألا يقوم بهذه الأعمال إلا في ساعاته الحرة بعد أن يكون قد أدى ما عليه من ~~الواجبات لعائلته ووطنه؛ لأنها من ملاذ الروح والمخيلة فلا يجمل بنا أن نتخذها غذاء ~~لحياة الرجل. # ليس الشاعر كل الرجل كما أن المخيلة والحاسة ليستا كل النفس: ما معنى الرجل الذي يصرف ~~شبابه وشيخوخته في التنقل بين أحلامه الشعرية في حين أن أترابه يجاهدون بكل ما أوتوه من ~~القوى في سبيل الوطن والعمران؟ في حين أن الشعب الراقي يتموج حوله في جهاده المقدس ~~الشريف؟ أليس أحرى به أن يكون مهرجا متفرغا لتسلية الرجال الوقراء وأن يرسل مع ~~العدد بين موسيقيي الفرق العسكرية؟ # الفكرة والعمل يقدران وحدهما أن يقوما بالواجب المقدس، هنا الرجل. # لقد اخترت، من بين مشاهد مأساتي الشعرية، مشهدا ينطبق على طبائع العصر وآدابه، لكي ~~أعرضه اليوم أمام الشعب وأستشير رأيه في أسلوبي الشعري الجديد. # هذا المشهد يمثل راعي قرية هو كاهن إنجيلي رمز مؤثر لآداب هذا العصر، ما احتجت إلى ~~أكثر من تهيئة توطئة وخاتمة حتى كونت من هذا الحادث قصيدة لها بدايتها ~~وانتهاؤها. # يضل القارئ إذا رأى في هذا الموضوع غير وجهته الشعرية، فليس هنا مقصد خفي، ولا مذهب ~~من المذاهب، ولا مجادلة ضد إيمان ديني أو معه. # ليس موضوعي هذا من المخترعات بل هو حادث حقيقي، قال الشاعر: إن في كل ما يقولون شيئا ~~حقيقيا، أما هنا فكل شيء يكاد يكون حقيقيا، وليس من مختلق إلا اللغة فقط. # إذا صادف مؤلفي هذا استحسانا عند الجمهور، فإني مستعد إلى إصدار مثله من حين إلى ~~حين، أما إذا تركه يقع ويموت فإني أقف عند هذا الحد غير مستمر على إنجاز ذلك التمثال ~~الذي أود أن أتركه بعدي. # وقال المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية مخاطبا ملتزم روايته بما يلي: «لماذا تطلب مني ~~مقدمة جديدة «لجوسلين»؟ لم يبق لدي ما أقوله لقراء هذا المؤلف، فالاستحسان والإكرام ~~اللذان صودفا عند الجمهور هما أبعد مما كانت تتصوره آمالي، تراني مديونا ms02 بكثير من ~~الشكر لهذا الشعب الراقي وأنت في مقدمته، فالفضل راجع لك ولرجال الفن الأفاضل في إلباس ~~مشاهد هذه الرواية أردية فضفاضة من نسيج الريشة الرسامة، لا أكتمك يا سيدي أن ما تلطف ~~به المصورون هو أجمل انتصار حلمت به في شبابي، أي مجد أسمى وأعظم من أن يرى الشاعر ~~أفكاره المكتوبة على الأوراق منحوتة على الرخام أو مرتسمة على الأقمشة؟ أي فخر أعظم من ~~أن يرى الشاعر بنات مخيلته تتخذ جسدا حيا وتبرز به حتى أمام الذين لا يقرءون؟ أيطمع ~~الشاعر في أبعد من أن يرى روحه تسبح في عالم المحسوسات؟ لا، إن طماعيتي الأدبية لا تذهب ~~إلى أبعد من ذلك، فهنا كل المجد.» # بماذا يطمع الشاعر بعد أن يكون قد أدرك كل ذلك؟ فالكتابة هي إبداع شيء، عندما تتحول ~~المخيلة إلى صورة حية تصبح الفكرة حقيقة، ويكون الكاتب قد أحدث وأبدع واستراح! # لا يبرح عن ذهني أول رسم شعري أثر في مخيلتي الحديثة يوم كنت ولدا، كان ذلك الرسم ~~بولس وفرجني وأتالا ورينه، لم أكن يوم ذاك لأمل النظر إلى ذلك الرسم معلقا على جدار ~~كاهن القرية الشيخ أو في غرف الفنادق، حيث كان بائعو السلع يذيعون في الشعب اسمي ~~برناردين ده سان بيير وشاتوبريان. لا أشك في أن الروح الشاعرة التي دخلت إلى نفسي في ~~ذلك العمر دخلت من تلك الطريق، كنت أصرف ساعات طوالا أمام تلك المشاهد الحبية، مشاهد ~~السكون والعفاف، قائلا في نفسي: «آه! لو يتيح لي يوما من الأيام أن أؤلف كتابا ~~صغيرا يبقى على رفوف مكتبة العائلة، وأن يختار منه بعض الرسامين مشهدا أو مشهدين ~~يعلقان على الجدران أمام أعين الذين لا يقرءون، فأكون قد حييت حياة سعيدة.» # لقد حققت السماء واهتمامك المقدس ذلك الأمل الصبياني يا سيدي العزيز، فسوف يعلقون ~~لورانس بعض الأحيان تخت فرجني، وجوسلين بالقرب من الأب أوبري، فلا أرجو أن أقترب أكثر ~~من ذلك، إن احترامي لهذين النابغتين: برناردين ده سان بيير وشاتو بريان اللذين كانا ولا ~~يزالان أبوين ms03 كريمين للأدب الإفرنسي ليفتخر أن أبقى دونهما طيلة حياتي الأدبية، ~~فاعتباري من تلك العائلة الخالدة يكفي نفسي عجبا وفخرا. # جوسلين، هي المؤلف الذي أكسبني أكثر من سواه ثقة كثير من الذين لم يكن لي سابق صلة ~~بهم، فكم من نفوس ما كنت لأحلم بها قد انفتحت لي منذ صدر هذا الكتاب، في رسائل، بعضها ~~ممضي وبعضها لا إمضاء له، تتدفق كل يوم بين يدي! # الشاعر ينشد أغانيه في عالم الذكاء والحب فيجيبه سرب من الأرواح الحساسة وألوف من ~~الأفئدة الرنانة كاشفة أمامه شعورها وتأثراتها. # إن الشاعر لسمير الأرواح مهما تباينت نزعاتها، وهو كذلك بلسم الآلام والمصائب يسكب ~~عليها من أحشاء الوحدة والسكون مراهم التعزية، والمرشد الأمين للأخيلة ~~وللتصورات. # كم أتمنى لو استطعت أن تشهد ولو مرة وصول البريد، وأن تفض الرسائل الواردة إلي من ~~جميع الجهات، فهذه كتلة صفراء تشير إلى أنها قطعت بحارا عديدة حاملة إلي بعض ذكريات ~~عذبة من الشرق المحبوب، لقد كتبت باللغة العربية فيجب أن أرسلها إلى باريس أو مرسيليا ~~لترجمتها، وهذه كتلة تدل أحرفها الرصينة على أنها قادمة من ألمانيا، تلك الأمة المفكرة ~~النشيطة، فأنا أفضلها بهزة وارتياح، وهذه أيضا من رومة ومن نابولي ومن فلورنسا: لقد ~~كتبت بتلك اللغة الموسيقية التي تكسب الأفكار والعاطفة رنين النحاس العميق، وبالإجمال ~~فهي أبيات من الشعر الطلي أفلتت من بعض النفوس الفتية، وهذه قادمة من إنكلترا، ~~فعناوينها المتشابهة الشكل ذات الأحرف المعجلة تشير إلى كثرة العلائق والسياسات ~~والاقتصاد، ولا تدل على شيء من الشعر بتاتا، فهذا الشعب لديه ما يجول بينه وبين ~~الأحلام! وأخيرا هذه كوم قادمة من جميع جهات فرنسا، مختلفة الأشكال، متباينة الأحرف، ~~بعضها يبحث في السياسة والشئون الدولية فيصوب إلي التجاديف واللوم، وبعضها يقول لي: ~~«إلى الأمام، إنا معك قلبا ونفسا»، فأجد في هذه الأصوات عزاء ونشاطا، وتقر عيني، ~~لا سيما عندما أفض بعض الرسائل الواردة إلي من أصدقاء مخلصين ملؤها العطف والذكريات! ~~فهذه الرسائل جديرة بأن أتذوقها وأعيد قراءتها مرارا ثم أضعها على حدة ms04 لأنها منفردة ~~بالأفكار والإحساس.» # وأخيرا هذه رسائل من قوم غرباء أجد لذة عظيمة في تلاوتها بعد أن أضع جانبا تلك التي ~~تلح في مطالبتي بوفاء ديون لا أملك منها شيئا، فكم من كنوز مختبئة في تلك الصفحات وكم ~~من عاطفة وإحساس! إن هناك صفحات صبيانية اجتهدت في تنميقها أنامل بعض الأولاد، ولكن ~~هناك صفحات ساحرة جذابة تأخذ بمجامع القلوب، حرية بأن تتلى بإعجاب وفخر! # كم من عاطفة وشعر وفلسفة! كم من أبيات تارة حساسة وطورا بليغة تنطفئ وتموت بين شفاه ~~منشدها وآذان سامعها! # كم من فتيات، كاللواتي أجاد هيغو التغني بهن، يصرفن النهار في التخريم والتطريز ~~ليتعيشن، ويحيين الليل في قراءة الكتب المفيدة وموحيات المخيلة الناضجة، حتى إذا ما ~~انتهين إلى سر الإنشاء يكتبن ما تمليه عليهن نفوسهن الطاهرة. # كم من عملة بؤساء ينزوون الليل في مخادعهم بعد أن يكونوا قد صرفوا النهار بالعمل ~~الشاق فيفكرون ويشعرون بتلك النفس التي نفكر بها نحن ونشعر. # وكم من نساء منفيات في أقاليم بعيدة، في أعماق بعض القصور أو في زوايا بعض الأكواخ ~~الحقيرة، يتركن أصواتهن الملائكية تفلت من صدورهن الكئيبة الحساسة كأنها أصدية السماء ~~ترددها ملائكة الأرض، وأخيرا كم من مرضى، وكم من بؤساء أعدمتهم الحياة نعمة الإثراء لا ~~يجدون العزاء إلا في أفواه الشعراء، وكم من كهنة لا يزالون فتيانا قضي عليهم أن ~~يسجنوا كجوسلين على بعض الأطلال البالية أو في بعض الجبال البعيدة، وقد وقع كتابي هذا ~~بين يديهم فمزجوا نفوسهم الباكية بنفس ذلك الكاهن الشاب الذي ألقى في قلوبهم بعض ~~التعزية والسلوان. ~~«هؤلاء هم قراء كتابي وأصدقائي والمراسلون الأصفياء! آه! إن من كان مثلي متمتعا بثقة ~~تلك النفوس الفتية، لا يعدم نشاطا ولا ييأس!» # إلياس أبي شبكة # | توطئة # كنت صديقه الوحيد على هذه الأرض، وكنت أتردد إلى مقره مجتازا تلك الطريق الضيقة على ~~قدمي، وتحت ذراعي بندقية أعددتها للصيد وأمامي كلبان أمينان، كنت أصعد بهما تلك الجبال ~~الناتئة متلهيا بوثباتهما الخفيفة عن التعب الذي كان يثقل ركبتي، فما أكاد ms05 أتوسط الطريق ~~الوعرة وأطل على ذلك المقر القائم بين الصخور الرمادية والأشجار الباسقة الغضة حتى تتوارد ~~إلى مخيلتي مشاهد جميلة بارزة خلال ذلك المكان المنفرد من الطبيعة. # وتمر على حافة قلبي أسراب الغبطة والفرح لما سألاقيه في المساء من حسن الضيافة والجلوس ~~معه أمام الجدول الرقراق في الحديقة العطرة بين الأغصان المتدلية والأزهار الرقاصة على ممر ~~النسيم، ويخيل إلي وأنا أجتاز تلك المسافة أني أسمع نبرات صوته العذب وأشعر بقلبه المحب ~~يخاطبني بتلك العاطفة وذلك الشعور اللذين طالما رأيتهما يضطربان من خلال عينيه؛ ففي أحد ~~الأيام، عندما بلغت قمة الجبل وسمح الأفق المطلق لمقلتي المغلفتين بالأثير العطري أن تريا ~~مقدم مقره، وضعت بندقيتي على أحد الصخور ومسحت جبيني بعد أن كان النسيم البليل قد نشفه ~~بأطراف ردائه الأثيري، ثم جعلت أحدق في البعيد باحثا عن ثوبه الأسود بين تلك الأشجار ~~المدلة بالثمر والحديقة المغروسة فيها أنواع الخضر، وما زالت أجيل نظراتي حتى تراءى لي ~~مصراع نافذته موصدا، فحولتها إلى مدخن الموقد فلم أر الدخان صاعدا من فوهته، فاستغربت ~~الأمر ومرت رعشة عنيفة وخيال رهيب على نبضات قلبي، وبدون أن أعرف سبب اضطرابي أخذت بندقيتي ~~وأسرعت بالمسير. # كنت أفتش بعيني عن أحد أسأله، غير أنه لم يكن في ذلك الحقل المقفر لا قطيع ولا راع سوى ~~محراث مضطجع بين الأتلام ودابة ترعى الأعشاب النابتة على أقدام الصخور، ولم يكن يسمع في ~~تلك الساعة إلا صراخ الصرصر بدلا من نغمات العنيز. # بلغت المنزل وعبثا طرقت الباب: حتى إن كلبه الأمين لم يسمع دقاتي فيعلنها بنباحه، ~~وأخيرا دخلت إلى الساحة فوجدتها خرساء فارغة. فارغة؟ يا للأسف! لا، لا، شاهدت وجها مبدل ~~القسمات متكئا على يد نحيلة كأنه بائس مسكين على عتبة كنيسة القرية، أجل! رأيت امرأة ~~ساكنة لا تبدي حراكا وقد غشت الدموع عينيها وأحرقت الزفرات ما بقي على وجنتيها من نضارة ~~الحياة، فأدركت حينئذ هول الموقف وشعرت بالموت ناسجا أكفانه السوداء في ذلك المقر المقدس، ~~حيث كان صديقي المخلص يردد صلاته عند ms06 آخر شعاع من أشعة المغيب. أجل! أبصرت الخادمة الأمينة ~~تبكي سيدها المحب وقد تاهت نظراتها في مذاهب الفضاء! أحقيقة يا مرتا أنه مات؟ قلت لها ذلك ~~وقد اغرورقت عيناي بالعبرات وأطلقت زفرة من صدري أفاقت عندها ذكريات قريبة العهد، فنهضت تلك ~~الخادمة وأمرت أناملها على عينيها ثم حدقت إلي، وقالت: «أجل! مات! ولكنه لا يزال في ~~غرفته، فاصعد إليه وزود نفسك منه آخر نظرة قبل أن يواريه التراب، فسوف لا يدفن قبل فجر غد، ~~لقد كان اسمك آخر كلمة قالها عند موته»، فصعدت أدراج الغرفة حتى دخلت إليه فوجدت المكان ~~قفرا مظلما لا يضيء فيه غير شمعتين ترسلان إلى جبينه بعض أشعة مأتمية كأنها الأمل الخالد ~~وظلمات الحياة يتنازعان في الساعة الأخيرة من ساعات السكرة الرهيبة! بقيت هنيهة متأملا ~~ملامحه العذبة، وقد مرت عليها أجنحة السماء تاركة على بسماتها مثل ما تترك الفراشة على ~~براعم الأزهار، وكان ثوبه الأسود ملقى على فراش الموت، وصليبه العاجي راقدا على صدره ~~الساكن كأنه صديق مخلص راقد على قلب صديقه، وكان كلبه الأبيض جالسا على أقدام السرير يلتفت ~~تارة إليه، مستغربا رقاده الطويل، وقد مضى على حراسته برهة من الوقت لم يستفق في خلالها، ~~وطورا ينبح نباحا شديدا ثم يصغي إصغاء تاما عله يسمع لهاثه أو يرى عينيه، وكان ~~بالقرب من وسادة الميت، حسب الرتب المقدسة، غصن من البقس اليابس مبلل بالماء المقدس، ~~فأخذته بيدي بخشوع واحترام ورسمت به على جسده شارة الصليب، ثم قبلت يديه وقدميه، وكانت ~~صورة الخلود مرتسمة على جملة وجهه، فلم تر عيناي إلا قديسا من أصفياء الله مضطجعا بجلال ~~بين جدران تلك الغرفة المظلمة، فجلست على كرسي أمام الميت وجعلت أبكي وأصلي حتى إذا ما جاء ~~الصباح بعد أن أحرقت الليل بزفراتي، غيبنا الجثة في ضريح قائم على مقربة من باب الكنيسة ~~ورمى كل من القرويين قليلا من التراب المقدس على التابوت علامة الحداد، ثم جعلت أنظر إلى ~~ذلك التابوت يتوارى شيئا فشيئا تحت الرماد، وكلما ألقى الحفار حفنة ms07 من رفشه # 1 # أسمع زفرة من أفواه القرويين! «أيها الصديق القديس! قلت له عندما احتجبت آخر ~~خشبة من خشبات الكفن، نم، فليس قلبي هو الذي أسف عليك بل عيني! إني لعالم أن صديقي لم يبق ~~في هذا الوجود بل ذهب إلى حيث أشعلت فضيلته مصابيحها المنيرة، وتقدمت زفراته جلال نفسه ~~الطاهرة!» # في ذلك المساء سمع الجرس ينوح عليه في ذرات الأثير فيمتزج نواحه الرهيب بنباح الكلب ~~الأبيض، ذلك الحارس الأمين الذي لم يكن ليفهم معنى غياب سيده فيناديه في الليل ولا يسمع ~~جوابا لندائه سوى حفيف الشجر في وسط ذلك السكون! # قضيت ذلك الحين مع مرتا، صارفا الساعات بالتنقل من الحديقة إلى الساحة، ومن الساحة إلى ~~الحديقة، باحثا عن آثاره في كل موضع، مناجيا طيفه اللطيف وروحه الشريفة، قارئا بعض فصول ~~من كتاب مقدس، وماسحا بأناملي دموع عيني، «ألم يكن يكتب في خلوته؟» - «أحيانا، أجاب ~~مرتا، ولكنه كان لا يكاد يملي في ليلة واحدة ما يخطر له حتى يرمي بالورقة في سلة قديمة، ~~وعند الفجر كنت أكنس تلك الورقة وأتركها مع باقي الأوراق تحت النافذة، فإذا شئت أن تطلع ~~عليها فاجمع ما أبقته الفئران منها»، جمعت تلك الأوراق الصفراء، حيث مرت أنامله مرور أنامل ~~كاتب خيالي، بعد أن عبث بها الشتاء ولاعبت بها أيدي النسمات ثم جعلت أقرأ أسطرها البالية ~~بجهد عظيم، حتى تمكنت من إحياء ماضيه بين تلك الآثار المهدمة، كما تمتد الماء تحت الأكمات ~~وتتوارى بين الأدغال المضطربة لدى خطرات النسيم، ثم تبرز نقية كالفضة في وسط مرجة خضراء، ~~ثم تتكسر على بعض الصخور الرمادية وتعود تتجمع في غدير عذب بين الأزهار والرياحين، هكذا ~~تجمعت تلك الصور القديمة من ذلك الدفتر اليومي بعد أن كاد البلى يمحو آثارها من ~~الوجود. # | العهد الأول # في 1 أيار سنة 1786 # مضى النهار كما تذوب الثمرة اللذيذة في الفم تاركة بعدها الطعم والعطور، إن الأرض ~~لملأى بالأفراح! شكرا لك يا الله على تلك النعم، نحن اليوم في أول أيار، على عتبة قصر ms08 ~~الزهور، ففي الصباح وضعت والدتي طفلا ذكرا وبلغت أنا السادسة عشرة من عمري، كان ~~النهار جميلا والوادي الصغير زاهيا زاهرا كأنه قطعة من الجنة! وكان كل مصراع من ~~مصاريع النوافذ بمثابة صديق حميم يستقبل أول بسمة من بسمات الفجر، كنت أشاهد الدخان ~~صاعدا من فوهة الموقد كأنه أعمدة من الأثير مرتفعة في مذاهب الفضاء، وكأن أسراب الدقات ~~الخفيفة أجنحة هائمة من أجنحة الملائكة الأتقياء كانت تتصاعد من حناجر الأجراس وتقفز ~~كالطيور على صخور الوادي! وكانت فتيات القرية يفتحن نوافذ منازلهن لدى تلك الأنغام ~~ويتبادلن التحيات والبسمات، ثم يضفرن شعورهن متكئات على شرفاتهن، ويسرعن بعد ذلك إلى ~~الحدائق عاريات الأرجل، حيث يجمعن باقات من الأزهار لا يزال ندى الصباح مضطربا على ~~براعمها، ويعلقنها على صدورهن كأقراط من اللؤلؤ أو كعقود من المرجان، وكنت أرى على ~~مقاعد الكنيسة بعض العذارى الجميلات ساجدات بخشوع أمام القربان المقدس كأنهن قد جئن ~~يرفعن إلى الخالق المبدع أزهار نفوسهن وقد قطفنها من حدائق التقوى ومروج ~~الفضيلة. # وفي المساء، كان الرقص على أعشاب المروج يعطي المشهد جمالا فيغار منه شعاع الشمس ~~المائت، وكانت الأغصان تذيب على أوراقها الخضراء موسيقى الحفيف ~~فتمتزج نغماتها بنغمات الناي من فم المعاز السكران ~~وتتآلف بسرعة في أفئدة بعض العاشقين هامسة في آذان الحب أسرار الحياة! وعندما بدأ ~~المزمار يشعر بتعب من تتابع النغمات، وبدأ العرق يتصبب من جبين الراقصات وينعقد على ~~شعورهن، كنت جالسا على صخرة منفردة أتتبع بنظراتي وبقلبي هؤلاء العذارى وقد انعقد ~~التعب على عيونهن، مفكرا بتلك العاطفة الجميلة العذبة متأملا أثوابهن الحريرية ~~المخرمة، مصغيا إلى ذلك الحفيف المتصاعد من تلك الأردية الفضفاضة، ناظرا إليهن يبتعدن ~~شيئا فشيئا ثم يتوارين عن عيني، حتى إذا ما برز البدر على قمة الجبل رأيت بعض ~~العاشقين، وقد تغافلوا عن الذهاب، يتأبطون أذرع بعضهم ويتوارون في الظلام! # أنا في مخدعي الآن بين جدران خرساء مبطنة بالظلمة، الجميع راقدون في مضاجعهم، ولا ~~أسمع إلا حفيف الورق تحت النافذة، فلأنم! ولكني لا أقدر أن أغمض جفني! ms09 فلأصل! - ولكن ~~أفكاري المشتتة لا تسمع صلاتي! فأذني لا تزال ملأى بنغمات الرقص! عبثا أحاول الرقاد، ~~فتلك الحفلة لا تزال ماثلة أمامي، والأحلام الرقاصة تستفيق في مخيلتي، وأخيلة الراقصات ~~تتنفل بين أهدابي! يخيل لي أني أرى عينا تشع في الظلمة، وأشعر بأيد عذبة تجس يدي ~~المضطربة، ويخال لي أيضا أن ضفائر ذهبية تلامس جسدي المختلج، وأن باقات من الأزهار ~~الذابلة تلقى علي من جبين بعض الفتيات الجميلات، وأن شفاها عذبة تتلفظ باسمي في هذا ~~السكون الرهيب! لوسيا! أينا! بلانش! ماذا تطلبن مني؟ أية قوة هو الحب؟ فإني ألامس ~~عذوبة إلهية من خلال أحلامه! ولكن هذا الحب لم يتفتح بعد في حياتي، إنه لكوكب ناري وما ~~هذه الساعة إلا فجره الأول. آه! ما كان أسعدني لو ألقت السماء بين ذراعي حلما من تلك ~~الأحلام الحية، وما كان أهناني لو أتيت بعذراء طاهرة إلى هذا المكان، تكون أول شعاع من ~~أشعة الحياة، فأحيا عشرة أجيال في يوم واحد: إني لأشعر بالحب هذا المساء، وما نفسي إلا ~~الحب ولذاته! لا: فلأطرد من قلبي تلك الصور الذابلة ولأعد إلى كتبي القديمة أطالع في ~~صفحاتها سير القديسين، تلك هي الكتب على منضدتي، ولكن عيني عبثا تطفوان على سطورها ~~السوداء، فالذي يقرأ الآن إنما هو مقلتي لا أفكاري! ~~••• # لماذا كانت شقيقتي تبكي عند دخولها إلى المنزل بعد أن كانت أكثر الفتيات جمالا ~~وزهوا في تلك الحفلة الراقصة؟ # في 6 أيار سنة 1786 # عرفت سبب بكاء شقيقتي، أأقدر أن أشتري سعادتها بتضحيتي؟ منذ هنيهة كنت أهيم في ~~الحديقة مفكرا، فسمعت تمتمة من غرفة والدتي تتصاعد على درجات الأثير ثم تتقطع رويدا ~~رويدا وتختنق في الظلمة، فاقتربت من النافذة السفلى ورفعت عرائش الكرمة عن المصراع ثم ~~أصغيت إصغاء تاما ونظرت إلى داخل الغرفة فأبصرت والدتي جالسة على حافة السرير تقرأ ~~في صفحة ملأى بالأسطر السوداء، وكان خيال شعرها الأسود يحجب عني وجهها اللطيف، فسمعت ~~نقطا متتابعة تسقط على تلك الورقة ورأيت شقيقتي جالسة بالقرب منها ويدها اليمنى حول ms10 ~~عنق أمي وجبينها مستلقى على كتفها بحزن أليم وشعورها المبللة بالدموع ملصقة على خديها - ~~«أحقيقة يا جوليا أنه يحبك وأنك تحبينه؟ - أكثر مما أحب نفسي! أجابت شقيقتي وقد احمر ~~خدها من الحياء - واأسفاه! إني لأفقه جيدا معنى هذا الإقرار المحزن الرءوف أجابت أمي، ~~فلا أسعد لدي من أن أراك متحدة يوما من الأيام، ولكن الله لضنين علينا بمثل هذه ~~السعادة، فهو لا يكاد يجمعك بيد حتى يفرقك بيد أخرى، إن الحب لا يؤيد وحده دعائم ~~الاتحاد، فالمال يا ابنتي هو الدعامة الكبرى لتأييده، المال! ... آه! لو كانت الدموع ~~تستطيع أن تتحول إلى ذهب لكنت ترين كنوزا في عيون الأمهات! إن الخالق ليعرف ذلك! كم ~~أتمنى لو تمكنت من شراء الزوج لك بمدامعي والزوجة لشقيقك العزيز، غير أن الله لم يهبني ~~من متاع هذه الدنيا إلا الحقل الضيق الذي سوف يقسم بينك وبين شقيقك، فاجتهدي يا ابنتي ~~أن تتناسي! - أتناسى؟ أجابت شقيقتي، فالموت أفضل عندي من ذلك، ثم إني لم أعد بعد ذلك ~~إلا مزيجا من التأوهات والدموع، وكأن ملاكا من السماء همس في أذني بعض كلمات ~~فتباعدت باكيا وهمت على نفسي بين أشجار الحديقة!» # في 17 أيار سنة 1786 # قضيت النهار بالتفكرات ونزعت من صدري ذلك النزع الأليم بشجاعة وإقدام! # في 18 أيار سنة 1786 # قلت لأمي هذا الصباح ما يأتي: «أشعر بأن الله يناديني إليه، فالتقوى الشريفة ~~والإيمان الحي اللذان سقيتني إياهما يحملان الآن ثمرات ربما كانت مرة عندك وعند شبابي ~~ولكنها حلوة وعذبة عند نفسي، إلى المبدع الخالق يا أمي! إن أشباح القديسين تدعوني ~~إليها، فأود أن أرفع إلى الله أيامي الفانية كما يرفعون إلى المذابح آنية من البخور ~~طاهرة! ما من شيء يجذبني على هذه الأرض، فلا أريد أن أدنس أقدامي على هذه الطرقات، حيث ~~يمر قطيع الإنسانية على مستنقعات الخبث والرذيلة. # إني لأؤثر أن أتبع منذ الصباح طريقي الساكنة، وأن ألجأ إلى موئل الله، حيث السلام ~~والهدوء والراحة! وإذا اقتضى أن أحمل حساما للقتال في هذه ms11 الحياة فإني لأختار واحدا ~~يختلف عن غيره، وأموت رافع الرأس على حضيض المعمعة! ثم إن الحياة ثقيلة متعبة، فالأولى ~~بي أن أحملها وحدها وأطرح ذلك الثقل الحديدي عن قلبي! ثقل الطمع والرغبات والمآرب! آه! ~~لا تقاومي مشيئتي يا أمي وانزلي عند هذا الرجاء المفرح! لا، لا تقاومي، فسوف تكونين ~~فخورة بهذه الكلمة التي تكاد أن تكون وداعا مرا، أي شيء أكثر وداعة من اسم الكاهن؟ ~~آه! لا تخجلي من ذلك، فليس أشرف وأنبل من هذه الغاية يا أمي! إن الله الذي قسم ~~الإنسانية أعطى لكل واحد قسمته، فمنهم: من أعطاه الأرض ليحرثها، ومنهم من أعطاه امرأة ~~يحبها ويثمر منها أولادا، ومنهم من قال له: اجعل دويا في العالم، ولكنه التفت إلى ~~القلوب الملأى بالمحبة والإيمان، قائلا لها: «أما أنتم فلا تحملوا شيئا من متاع ~~العالم فستجدون كل شيء بين ذراعي»، إن الكاهن يا أمي لقارورة طاهرة، معلقة على قبة ~~المذبح، حيث أشذاء الفجر والأعشاب العطرة تستحيل إلى بخار مقدس وتتصاعد إلى الملأ ~~الأعلى! إن الكاهن لأرغن السماء يذيب نغماته على الأرض غير أن صوته لا يمتزج بدوي ~~العالم ولا يتجاوز عتبة الهيكل، بل إنه يرفع إلى الله من ظلمات المعبد أنغامه المقدسة ~~حاملة إلى الألوهية ألحان الطبيعة والإنسانية، ولكن ربما قلت يا أمي: «إنه يحيا ~~معتزلا، ونفسه التي لا يذوب عليها شعاع المرأة تستحيل إلى خشونة وصلابة بين ظلمات ~~الوحدة وجدران السكون»، لا يا أمي، فالمسيح يضع في قلبه عظمة المحبة واللين، فلا تخشي ~~أن تفقد من نفسي عاطفة جعلتها وقفا لمحبتك! آه! إن الله الذي يناديني إليه ليس بإله ~~حسود، بل هو الرحيم الشفيق الذي لا يطلب شيئا من نفوس الأبناء إلا ليضعه طاهرا في ~~نفوس الآباء! سأكون رسولا لهذا الإله المحب وسأرفع نفسك الطاهرة إلى أعالي السماء ~~بزفراتي ودموعي! لا تغمضي جفنيك يا أمي ولا تنظري إلي بهذا الحزن العميق بل قولي لي ~~كما قالت سارة: «ليكن ما أراد المبدع الخالق!» وباركيني بيدك الطاهرة!» # في 26 أيار سنة ms12 1786 # بقيت أمي تبكي ستة أيام! كما طلبت ابنة يافث من الله الغضوب بعض ليال تبكي خلالها ~~الربيع والشباب، ثم إنها تقدمت بنفسها ودفعت عنقها إلى التضحية، هكذا بكت أمي وقالت: ~~«نعم، رضيت!» # في 10 حزيران سنة 1786 # لقد كافأني الله: فأمس كان زفاف شقيقتي إلى إرنست، أرى البيت يستعيد حياة سعيدة، ~~ومصاريع النوافذ، تتفتح من تلقاء نفسها كأنها أجفان الصباح أو براعم الزهور، بعد أن ~~كانت موصدة منذ ذلك اليوم الذي ذهب فيه والدي إلى عالم غير هذا! أجل! أراها مفتوحة ~~كأنها تستقبل أسراب السعادة بعد غياب طويل! وأرى الأهل والأنسباء يفدون زوجين زوجين وفي ~~أيديهم هدايا العرس وعلى شفاههم دعاء سعيد، تلك عذراء باسمة لشقيقتي، وتلك عذراء أخرى ~~تتأمل عقدا من اللؤلؤ يلمع على ضياء الشمس، وتلك ثالثة تنظر بدهشة إلى جواهر العروس ~~وقد استهواها البريق، أجل! كل ما في البيت يدعو إلى الغبطة والفرح، وفي السماء تدور ~~حلقات الرقص على الأعشاب، فيتأبط العاشقون أذرع بعضهم ثم يتيهون بين الأشجار والرياحين ~~هامسين في مسامع بعضهم عبارات الحب! أما أنا فسأبقى وحدي مسترسلا لأحلامي وخيالاتي ~~ناظرا إليهم بدون أن أدع لهم سبيلا يرونني فيه، أذوق من سعادة الحب صورها ومن لباب ~~القلوب قشورها، قائلا في نفسي: «هذه السعادة ملكي لأني اشتريتها بشعاع عيني!» # في 13 حزيران سنة 1786 # أمس، بينما كان الأهل والأصدقاء يحيون حفلة راقصة على الأعشاب، كانت جماعة من الفتيات ~~يشرن إلي بأناملهن، وكانت إحداهن وهي أجملهن تختلس مني النظرات وعلى شفتيها بسمة ~~السخرية، قائلة لأترابها: «أيمكن أن يؤثر على جمالنا ذلك الثوب الأسود وهو الشباب ~~الزاهر والجمال الخلاب؟ أيخيفه العالم يا ترى؟!» ربي! إنك أدرى من الناس بسرائر ~~قلبي! # في 16 حزيران سنة 1786 # كان النهار الماضي ذلك النهار المحزن المظلم الذي تجلبب بخيال آلامي، وكانت السماء ~~سوداء، والهواء النائح الباكي يحني الأوراق على السهول، وكانت الجداول العذبة راقدة ~~بهدوء تحت الروابي المرتفعة وقد أمسكت خريرها عن الأسماع، وكان المنزل أيضا خاليا من ~~الحس، ونوافذه موصدة ms13 أمام نواظر الأغصان والزهور، كأنها أهداب مثقلة لا تجسر أن تنظر ~~إلى ذلك الوجه الحبيب لئلا تفيق الحسرات بين ذلك السكون الرهيب! وكانت أمي وشقيقتي ~~تختليان حينا وتذرفان الدموع السخينة وكأن كلا منهما كانت تضمر في نفسها لوعة لا ~~لوعة بعدها، وعندما كانتا تجلسان إلى المائدة كانت الدموع تتناثر من مقلتيهما وتتساقط ~~على قطع الخبز والطعام! # مضى النهار على هذه الحالة، وعندما جاء الليل، ذلك الشبح الأسود الذي سوف يفرق بين ~~المحبين فراقا لا لقاء بعده، قلت لأمي: «اذهبي وخذي لنفسك بعض الراحة، وسكني قلبك من ~~الزفرات والدموع، فسوف أمسح دموعك بصلواتي وابتهالاتي وأدعو ملاك الرب ليحرسك ويكون لك ~~غوثا وملجأ في مراحل حياتك، سترينني داخلا إلى هيكل نفسي برأس مرتفع وقلب كبير، ويجب ~~أن تعرفي أن الذي يرفعونه إلى الله الخالق لهو أسمى ما في الصدور وأقدس ما في الأنفس، ~~أجل يجب أن يرفع ذلك الشيء في مباخر الغبطة والسرور، اذهبي إلى فراشك يا أمي، ~~فستجدينني قبل الفجر جالسا بالقرب منك»، ما كدت أنتهي من كلماتي هذه حتى ترامت علي ~~وجعلت تقبلني، فلم أسمع ما كانت تتمتم شفتاها في تلك الساعة ولم أر إلا العبرات تتناثر ~~من جفنيها الذابلين. # خرجت من غرفتها هائما على نفسي بين جلباب الظلام، وكان نسيم الجبال العليل يهب ~~هبوبا خفيفا فتتلاشى لدى خطراته غيوم السماء، كانت الليلة من تلك الليالي العذاب حيث ~~الهدوء والسكينة يهمسان في النفوس أسرار الحب والخلود، وحيث القمر المستدير، الجالس على ~~عرش الأثير، يذيب على الأحراج والمروج أشعته المترددة المضطربة، كأنه، وهو يرسم البقع ~~الصفراء الشاحبة، ذكرى خرساء من ذكريات الحياة والأيام، كنت أتوغل في الظلام ناثرا ~~دموعي على أزهار الحديقة، مخاطبا كل شجرة يقع عليها نظري، منتقلا من جدول، ضاما إلى ~~صدري كل غرس من الأغراس، نافثا في الأغصان روحا من روحي المعذبة، شاعرا بقلب رءوف ~~يخفق تحت كل قشرة من قشور النبات، تارة أجلس على ذلك المقعد الخشبي، حيث كانت تجلس أمي ~~وطورا أتحول إلى الخيمة فأنبه ماضي ms14 الراقد تحت أخشابها لأبكيه! أجل، كنت أزور كل ~~جامد من تلك الحديقة وأزوده وداعا مرا، جامعا على الأرض ما يسقطه السنونو من القش ~~اليابس، ثم إني بعد أن قمت بواجبي نحو تلك الجوامد الناطقة انحدرت إلى طرف الحديقة، ~~وهناك تحت أقدام النافذة، نافذة غرفة أمي التي ربما كانت لا تزال ساهرة بين جدرانها، ~~وبالقرب من ذلك الغدير الرقراق، جلست أصغي إلى زفرات المياه مقبلا ذلك التراب الذي ~~سأتركه في الغد، مازجا عبراتي بالأوراق الصفراء المتساقطة من أغصان الشجر، لم أدر كم ~~من ساعة قضيتها في تلك الحديقة، غير أن الفجر الأول كان قد لون خطوطه على حافة السماء، ~~فأردت أن أقول لأمي كلمة قبل رحيلي فتقدمت مضطرب الركبتين إلى عتبة غرفتها وبدون أن ~~أدخل تركت شفتي تتلفظان بهذه الكلمة الأليمة: «الوداع!» ثم حولت عيني الباكيتين وأسرعت ~~بالخروج كرجل خائف من ضميره الملوث. # كنت أسير في حقول لا طرقات فيها مخافة أن ألتقي بإنسان أو أسمع صوتا حتى بلغت قمة ~~جرداء ينحدر جبلها إلى واد رهيب فأبصرت صخرة رمادية عليها صليب من الصوان فجلست على ~~أقدام ذلك الصليب وسرحت طرفي في الجهات الأربع فوقع نظري على مشاهد جميلة تتبسط ~~أمامي، ورأيت البساتين الخضراء تحت جدران القرى، والحمائم البيضاء على سطوح المنازل، ~~والدخان المتصاعد من فوهات المواقد كأعمدة من الرخام الرمادي تنتصب في مذاهب الفضاء، ~~فسجدت على أقدامي، وكأن زفرة حرى حملت نفسي إلى تلك الأماكن العذبة، فصرخت: «اللهم ~~أنت الذي أخذت الولد فابق مع الأم، ولتكن ساعة الرحيل خفيفة الوطء على قلبها! أنا لم ~~أترك إقامتي بين أهلي وأنسلخ عن قلب والدتي إلا لأدع لهم الهناء وأورثهم روحك الإلهية ~~وقلبك الحنون، اجعل اللهم الحب والسلام ينوبان عني بين جدران هذا المقر، واجعل تضحيتي ~~سعادة ورغدا في حنايا صدورهم، اسهر يا إلهي على ساكني تلك الديار وبارك أوقاتهم ليلا ~~ونهارا، وكن أيها المبدع العظيم ابنا لأمي وأخا لشقيقتي، اغمرهما بهباتك وقدهما ~~بيدك في طريق عذبة وفي حياة طويلة»، قلت ذلك وقد توارت ms15 إلى الأبد آخر خشبة من مقر ~~أهلي! # | العهد الثاني # عن مدرسة ... في 1 كانون الثاني سنة 1793 # قطعت ستة أعوام من أيام حداثتي، كانت لياليها ونهاراتها متشابهة متقاربة، أشعر ~~بدعائم الدير السوداء تخيفني في ظلماتها، وبالجدران القاتمة تذيب على جبيني الصمت ~~الرهيب! فالنوافذ المرتفعة لا تدع ذكريات الماضي، تلك الذكريات المضمخة بأريج الحب، ~~تدخل إلي في السكون وهذه الوحدة، كل يرسم أمامي مشاهد الإيمان، فيد الله لم تخط على ~~أوراقي البيضاء حادثا من حوادث الحياة! آه! أيمكن أن أبقى صحيفة لا مداد عليها طيلة ~~هذا العمر؟! # في شباط سنة 1793 # عندما ينسل الظلام بين أعمدة الدير ويجلس المبتدئون كل على مقعده يتحدث إلى رفيقه ~~ويسامره، أسرع إلى باب الهيكل السري وأسكب نفسي على أقدام الإله العظيم! ذكريات بعيدة ~~تتراءى لي شاحبة الوجه من خلال الأحلام، وتغسلني في بحيرات هادئة ساكنة، فتستفيق في ~~نفسي تلك الساعات الحلوة اللذيذة أيام كنت أسمع لهاث الشمأل في الضباب الرمادي، وأرى ~~أعمدة الحور والصفصاف تضطرب كالقصبة وتهز الثلج المتراكم عليها، فيتساقط كالمندوف ~~الأبيض ويذوب على الصخور أو على التراب! أجل! أيام كانت الدموع تتفجر من ينبوع إلهي في ~~صدري، وتمر أخيلة سوداء في مذاهب الجو فأخالني سأقبض بكلتا يدي على سبح الله بين تلك ~~الغيوم المتلبدة! # تلك أويقات تمر على الإنسان في مطارح أيامه فتمزج حياته بالخلود، وتبقى مرتسمة في ~~نفسه إلى ما شاء الله! وعندما دخلت عتبة المعبد المظلم ودفنتني لياليه في ضمير الله، ~~عندما رأيت هذه الجدران المبطنة بالأجيال تقوم حاجزا بيني وبين العالم، عندما همت ~~بأقدام خرساء في وسط هذا المأوى الرهيب، حيث الأسرار والخلود، عندما أبصرت أشعة المغيب ~~تنطفئ على زجاج النوافذ، وشعرت بأن أذنا تصغي إلي في هذا الفضاء، وصديقا غير ~~منظور يدفعني إليه ويخاطبني بلغة أعرف قواعدها وأدرك جوهرها، أجل، عندما كان ذلك لجأت ~~إلى حضن السيد العظيم وعلى عيني أشعة من أشعة الإيمان وفي قلبي مسامع وديعة لنغمات ~~الحب الخالد! # عن مدرسة ... في 15 شباط سنة 1793 # بينما ms16 نحن نقيم في زوايا عالم غير ذاك العالم، تحت أعين الله وبين أحضان السلام، نشعر ~~بأن دنيا بعيدة قريبة، وقد نفخت فيها حياة غير حياتنا، تزأر حولنا زئيرا رهيبا ~~وتتكسر أمواجها المصطخبة على قلوب أبناء الله! آه! لماذا يا ترى وجدت بين هذه ~~العواصف، حيث لا يجد الإنسان مكانا أمينا يلقي على أعشابه رأسه المثقل بالآلام، وحيث ~~أفكار الإنسانية تظل باحثة وهي تجس الطرقات العديدة برءوس عصيها، غير قادرة أن ~~تجلس تحت ماض متهدم ولا أن ترمي المستقبل رمية واحدة على رحاه؟ لماذا خلقت بين هذه ~~المدمرات، التي تقتلع الأجيال من الأرض محرقة كل يد تلامس براكينها؟ # في 25 شباط سنة 1793 # إيه أيام الأوجاع، أيام السكون والاضطرابات! لقد شربت المملكة دماء الملك، وقام ~~الشعب على الشعب قيامة سالت الأنفس تحت عجيجها، فكل إنسان يحمل شرفا أو فضيلة، أو ~~قلبا ونبوغا، لا بد أن يتحطم على خشبات الإثم! إن إصبع الوشاة تشير إلى الجلادين ~~بالقطع، وشريعة الشعب الوحيدة تقضي بالموت على أولي الجدارة، والفأس الظالمة تحب الرجل ~~العادل ولكنها تختار لشفرتها ذلك البريء المسكين! أيها الشعب السكران بكئوس الدم، إنك ~~لتهدم بيديك ما بناه أبناؤك البسل، وتعطي مثلا ظالما لجلاديك! # في 28 شباط سنة 1793 # لا يبرح خيال الثورة منتصبا في مخيلتي، حافرا هوة الدم بين أعمدة أفكاري! مبرزا ~~جسد المجتمع الإنساني يئن على أسرة الآلام! الثورة! لا يستطيع أحد أن يدين مضرمها، ~~فلبانتها مختبئة تحت تراب المآرب! من يستطيع أن يحكم على إرادة الله! أليس عند الله ~~حكمة خفية في سير المجتمع الإنساني؟ ماذا تعلن الطبيعة في طرقاتها الخالدة؟ أين يقف ~~تيارها الجارف ويستريح، أي شعاع من تلك الكواكب العديدة المضطربة تحب أعين المبدع ~~القدير يرقد رقاده الطويل بين اعوجاج سائر الكواكب المضطرمة؟ أية قطرة من مياه البحر ~~تنام نومها الهادئ على فراش الأمواج؟ وأي محيط، راقد على الشاطئ اللانهائي، يقف عن ~~افتراس الحصى المتجمع على ضفافه؟ أي نهار يعمل عمل الأمس؟ وأي أمس كان حكمه كحكم الغد؟ ~~إن ms17 الوقت مشتق من الوقت، والأشياء من الأشياء! لا تبلى صورة من صور هذا الوجود إلا ~~لتتجدد صورة أخرى على منبسطه، وأخيرا إن الآلام تعمل وتبني لتصل إلى الموت! عبثا يهرب ~~الرجل الفخور ببنائه مذاهب هذا العدم من شرائع العالم وقوانينه! أيها الإنسان، ذلك ~~الإله لن يكون إلا إلهك وتلك الشرائع لن تكون إلا شرائعك، وكلما لفظ الخالق عبارة من ~~فمه الرهيب تتساقط لديها قوى الإنسان، ويكون ذلك السقوط جوابا! ليست الممالك والآلهة ~~والمعابد والدساتير، أجل ليست هذه الملاجئ الضعيفة إلا ترابا سيجرفه العدم إلى مآتي ~~المستقبل الذي سوف يحتقره ولا يلتقط ذراته عن الحضيض! # كم تناثرت على هذه الأرض عقائد وشرائع وآلهة مختلفة كل الاختلاف عن عقائد وشرائع ~~وآلهة قبلها وبعدها ثم ذبلت ذبول أوراق الخريف واستحالت بعد ذلك إلى تراب لا يزال ~~بآثاره ماثلا أمامنا إلى اليوم؟ كم من غضن وشجرة وأوراق غذت الأرض وأنمتها، وكم من ~~جدول وساقية ونهر سقى البحر بقطراته، ذلك البحر اللانهائي؟ أجل، إن دماغ الخالق يشتغل ~~دائما في أدمغة الإنسانية البائدة، تلك الآلات العمياء والأيدي المضطربة، لقد أعطى ~~أفكار الإنسان ذلك المد والجزر اللذين يدفعانه تارة ويجذبانه أخرى، حتى إذا ما وقفا عن ~~الدوران حول ذلك المحيط الإلهي يبلغ العالم ذلك المنتهى الرهيب! ولكن إذا كانت أفكار ~~الله تقود الإنسانية إلى الانقلابات، فكيف يا ترى ترسم الثورات بدماء التضحيات الطاهرة! ~~أليست الثورة انقلاب الجرائم وميولها وشهواتها؟ كيف يا ترى تعمل الروح السامية، روح ~~الحب، والعدل، والسلام، لخدمة البغضاء والفواحش والطغيان؟ آه! ذلك لأن يد الله تعمل مع ~~يد الرجل، حتى إذا أدركت الفضائل تلك الروح السامية لا يلبث الإثم أن يحرقها ببراكينه! ~~أجل، إن العامل لإلهي ولكن الأداة لبائدة، فالأول يحاول أن يبني العدل على الحرية ~~والثانية تحاول أن تهدم الهيكل على جميع الحقوق، ولا يزال الطرفان يتنازعان بين جلابيب ~~الليل الخطر، حيث الروح المندحرة لا تعود تتبين الفضيلة من الجريمة حتى يأخذ كل منهما ~~وجهة الثأر الرهيب! # ليست الثورة إلا ساحات الحرب، حيث ms18 يتلاحم حقان مهضومان ويعثران بالوقت والزمان، ~~ويعتقد كل حق منهما أنه يثأر للسماء بدفاعه عن الغرور، غير مبصر في الأسباب إلا أشباح ~~الانتقام وأخيلة الذنوب، ثم يتسلح بحق ملطخ بالدم ويأخذ بالتدمير وإضرام النار! ما ~~العمل؟ والإرادة لا تؤثر إلا الجرائم؟ أمن الواجب أن يندحر السلام ويفسح مجالا للشرور؟ ~~أمن الواجب أن تطارد الفحشاء بسلاح الفحش؟ # المدرسة الإكليريكية في 2 آذار سنة 1793 # يا للأسف! ماذا حل بأمي وشقيقتي؟ ماذا جرى لهما بين تلك العواصف المنقضة؟ ماذا ~~حدث لذلك المقر العذب، مقر السلام، والصلوات، والإيمان؟ هل أحرقته الأراجيف، وطاردت فيه ~~العناية الإلهية والسكون اللطيف؟ فهربت والدتي وشقيقتي وهامتا على نفسهما في مجاهل ~~الغابات والأحراج! آه! إني لأشعر أمام تلك المشاهد المخيفة بأن المبدع الخالق يستطيع ~~وحده أن يعطي الغفران لذنوب الإنسانية، وإذا لم أحطم قلبي بين أيدي الله لدافع يدفعني ~~إلى الانتقام المقدس، سأقف نفسي لمعاقبة هؤلاء الجلادين، وأحمل في كلتا يدي خنجرين أذهب ~~بهما إلى مقر حداثتي حيث أثأر لكل ذرة من ذراته! # المدرسة الإكليريكية، في 6 آذار سنة 1793 # عفوا يا إلهي وغفرا، لا يقدر على الانتقام إلا جلالك العظيم! آه! إني لألقي سلاحي ~~على قدميك، فلتقع تلك الذنوب والجرائم على هامة الوقت وليس على رءوسهم. # المدرسة الإكليريكية، في 8 آذار سنة 1793 # استلمت هذا المساء كتابا من أمي، فقرأت عباراته العذبة بفم يضطرب وعين ملأى ~~بالدموع، مقبلا تلك الكلمات التي تكاد تكون حياة لولا أنها خرساء لا صوت لها، وأخذت ~~أربعة عشر ذهبا هي آخر ما كان في كيس أمي! # المدرسة الإكليريكية، في 9 آذار سنة 1793 # هو ذا أنا وحيد في هذا العالم، يتيم بين ~~جدرانه! «اذهب يا ولدي، قالت أمي في ساعة الوداع، وليباركك الله بيده الرءوفة، اذهب وعد ~~إلى ذراعي بعد حين»، آه! إن عطفك يا أمي ليرميك في هوة من الضلال، ما أنا في هذا الدير ~~إلا قلب يضم في حناياه نارا مقدسة، ولم أوجد بين هذه الجدران إلا لأبقى إلى الأبد ~~مرتديا ms19 ثوب مبتدئ أو ثوب شهيد! أجل سأبقى ... # عن مغارة النسور في أعالي جبال الألب في الدوفينه، ~~في 15 نيسان سنة 1793 # فلأدون حوادث هذين الشهرين لتبقى أثرا هائلا من آثار الثورة الرهيبة! # نهض الشعب نهضة الذئب ووثب على أبواب الكنائس والمعابد يطارد أبناء الله ويسفك دماءهم ~~الطاهرة على أقدام المذابح! هذه يده وقد سكبت النبيذ في كئوس القربان ترتفع إلى شفاهه ~~المرتجفة بسكرة الدم! وهذه أقدامه تطوف الهياكل مدمرة ما يقع عليه النظر الغضوب، وهذه ~~مطامعه تختلس الآنية وتمزق الرسوم! وهناك، كهنة المعابد يرفعون إلى الله صلواتهم من ~~أعمق أعماق أفئدتهم، وقد أمسك بهم الشعب الدنس وطرحهم على الأوحال، حيث تمرغت شعورهم ~~البيضاء وسالت دماؤهم من الدموع! وقد نجا البعض بشبابه أمام دوي البنادق وصليل السيوف، ~~منتشرا هنا وهناك، باحثا عن موئل يلجأ إليه أو عن عذاب يذيب نفسه بين شفراته! هذه ~~امرأة تأخذني بيدي في وسط الظلام وتقودني إلى خارج الجدران مشيرة إلي بالهرب إلى ~~أعالي هذه الجبال، قائلة: «انج بنفسك يا ابني وخذ هذه القطع من الخبز تحتاج إليها في ~~مجاهل الطرقات»، بقيت ستة أيام وست ليال هائما على نفسي في مفاوز الأكمات، متوسدا ~~نواتئ الصخور، ملتحفا دجنة الظلام حتى بلغت أقدام الجبال مجتازا تلك السيول ~~المتحدرة من مذاهب القمم، وإذا بصياد يكتشف مقري بنباح كلبه فخلع علي ثيابه رأفة ~~وشفقة وأخذ ثيابي، بدأت أتسلق مراقي التلال، تلك الأعمدة غير المتناهية التي تكاد ترزح ~~تحت أثقال القلل وتحجب البحيرات العميقة والأودية السوداء بين الصخور المتهيرة ~~والأطواد المدلة بارتفاعها، أجل، لبثت أصعد تلك الشواهق مضطربا تحت مواكب «الشلالات» ~~وكانت أشجار الصنوبر تبرز لعيني أخيلتها الرهيبة، حتى وصلت إلى مروج خضراء تنبسط ~~كالنجاد على أقدام الذرى، فأبصرت معازا مسنا يتطلع إلى السماء وبين أنامله سبحة ~~من الخشب، فارتاحت نفسي إلى ذلك الشيخ، وقد وثقت من صديق لا ريب فيه، فتقدمت إليه باسم ~~الله فذعر بادئ ذي بدء لرؤيتي في هذا المكان المنفرد من الطبيعة غير أني سكنت روعه ~~بسرد قصتي ms20 له فأصغى باكيا إلى روايتي المحزنة وقسم بيني وبينه ما كان معه من الخبز ~~والحليب، وعند الصباح رفع نظره إلي، وقال: «كن مطمئن البال يا بني فسوف لا تجد إلا ~~السلام عندي، فالبقر قد أكلت جميع ما في المرج من العشب، وغدا أبحث عن مرج آخر بين ~~جبال غير هذه الجبال، ولكن عندما ينتهي فصل الشتاء ونرحل عن هذه الأكمات نزود خبزا ~~لأيام الصيف وسيكون لك هذا الخبز؛ لأنك شاطرتني إياه، غير أنه لا يمكنك أن تتبعني إلى ~~حيث يأوى الرعاة مخافة أن يتساءلوا عن أمرك، فشعرك الأشقر لم يتصلب بين العواصف ويداك ~~البضتان تفشيان سرك أمام هؤلاء، ولا يمكنك أيضا أن تبقى بين هذه الأكواخ مخافة أن ~~يكتشف مكانك بعض الجنود، فهذه الأنحاء معروفة لدى عساكر الجلادين، أما إذا شئت فتعال ~~معي فأهديك إلى مغارة عميقة لا يدري مكانها سواي، فما من أحد يمكنه أن يبلغها إلا ~~البروق والأرواح وبعض النسور المنشرة في هذه الأصقاع! تعال معي، فيد الله قادتني إلى ~~ذلك الكهف لأقودك إليه فيما بعد، فهناك تحيا حياة تقشف وزهد ولكنك تبقى أمينا على ~~نفسك، وعندما تحدثني نفسي باحتياجك إلى الطعام أصعد إليك خفية وأضع بين يديك ما يقوم ~~بأودك إلى أن يفرج الله ويفسح لك مجال الحرية، انتبه جيدا إلى فوهة هذا الصخر، وتعال ~~من وقت إلى آخر تحت جلباب الضباب تجد فيها ما تحتاج إليه؛ لأني لن أجسر أن أذهب إليك ~~حذرا من أن يراني أحد فيترصدني وينتهي إلى معرفة كل شيء!» # عندما انتهي المعاز من كلامه أخذنا نمشي في طرقات وعرة، ونضع أقدامنا بجسارة غريبة، ~~حيث صياد الجبال نفسه لا يجسر على وضع أبصاره، وكانت الصخور تتهاوى تحت أرجلنا إلى أن ~~تتوارى عن الأبصار في مجاهل تلك العقبات، والهواء العاصف يتلاطم على جبهتينا كأنه صقالة ~~السيف، وكانت أعمدة الزبد تتساقط من أعالي الجبال ثم تتصاعد رضابا أبيض وتعود تهوي ~~إلى الأسفل خرقا خضراء فتملأ ذلك الفضاء بالضجيج الرهيب، فنظرت إلى الدليل فأبصرته ~~يرسم إشارة ms21 الصليب على صدره، وقد جس بقدم مرتابة تلك الحواجز المتقلقلة ووثب إلى ~~الأمام فتبعته، وكنا نرى زوابع المياه تمر على مسافة بضعة أقدام منا حتى بلغنا واد ~~من الأعشاب والزهر يرويه الزبد بزلاله العذب، فتراءى لنا أفق جديد خلال تلك الصخور ~~الجرداء والمروج الزاهرة، فنزلنا من رابية إلى رابية ومن منحدر إلى منحدر حتى وقف بي ~~المعاز أمام كهف رهيب تنساب الينابيع على جنباته، وهنا أشار إلى ذلك المأوى، حيث ~~الحكمة الإلهية بنت للإنسان ملجأ يهرب إليه من الإنسان، وأخذ يعلمني كيف أصنع من لباب ~~الأشجار قارورة أضع فيها الماء، وكيف أعمل من القش فراشا، وأخرج من البحيرات سمكا، ~~ثم إنه أوصى العناية الإلهية بحياتي، تلك العناية التي تقوت الإنسان دون أن يكسب ذلك ~~القوت بالعمل والتي تحرس عليه بلا رشد وتدبير، وقال لي: «صل يا بني إلى ربك بحرارة ~~وإيمان فهذا المكان ممتلئ بروحه»، فسجدت وسجد، ثم عانقته وتوارى عن نظري! # مغارة النسور في 17 نيسان سنة 1793 في الليل # يا جلال الليل! أنت عرش الله العظيم حيث الكواكب النارية تحمل بين أشعتها اسم المبدع ~~القدير وتنير به شفق الوجود! أنت يد الله وطيفه وفكرته! وأنت أيها القمر النير ~~الشفاف، حيث يخال لي أني أرى هذه الجبال تنعكس على مرآة صقيلة، وأنت أيها الهواء ~~الخافق طيلة الليالي فوق تلك الأصقاع المرتفعة، وأنت يا ضجيج السيول، ويا أيتها الغيوم ~~الشاحبة، التي تمر على هذه الأماكن المنيرة كما تمر أخيلة الأهواء على القلوب الطاهرة، ~~أنت كلك أسرار الليل التي لا يدرك أعماقها إلا الخالق العظيم! ولكن، هذه القمم ~~الشاهقة قربتني إليك، فأنا ساجد أمامك كما يسجدون أمام مشهد إلهي! # إن عيني لتغطسان كالشعاع في هذا الجو الصافي! يا لله من هذه الزرقة اللدنة وهذا ~~اللمعان! يظن الناظر إليهما أن مياه البحر، عندما تلامسها نسمة لطيفة فتحرك جواهر الشمس ~~المتناثرة على صفائها، تنعكس على تلك الزرقة وذلك اللمعان! هو ذا كوكب ينحدر إلى الشفق! ~~أرى أشباح الحور والصفصاف تحجب الهلال عن نظري، ms22 ويخال لي أن لونها الأبيض المضطرب ثلوج ~~تتساقط وتذوب على الأوراق، أسمع زفرات الهواء تتصاعد من أفواه الجبال، وتتعالى حينا ~~وتنخفض حينا ثم تموت! تلك هي النسمات تنوح بعاطفة وحنان، أليست تأوهات بعض الأحباب ~~ترتفع ارتفاعا خفيفا من هذه النغمات العذبة، وتعطي الهواء أصواتا كأصوات النساء ثم ~~تعطف علينا فتشاطر نفوسنا البكاء والدموع؟ أيتها الأشجار الموسيقية، أنت قيثارة ~~الغابات، تضرب الأرواح على أوتارك ألحان السماء، أنت آلة يبكي عليها كل شيء ويشدو، ~~أيتها الأشجار المقدسة، أنت تعرفين ما يرسل الخالق إلينا، فانشدي، وابكي، وخذي بين ~~أوراقك آلامي أو أفراحي! أجل! لا يعرف سوى الله إن كنت تبكين علينا بنغماتك المطربة أو ~~تنشدين! # مغارة النسور في 18 نيسان سنة 1793 # شعرت بالنعاس يثقل جفني تحت القبة السوداء، فرقدت رقادا هنيئا إلى أن استفقت على ~~زقزقة الشحرور، هذه مملكتي تبرز بحلة من الزهور في هذا الربيع الجميل! كم هي خضراء! لمن ~~يا ترى أوجد الخالق هذا الوادي الصغير بين هذه اللجج المرتفعة؟ وشيد بيديه تلك ~~الحواجز المثلثة التي تحول دون نواظر الإنسان؟ هنا الهوة القاصفة حيث يذوب الجليد ~~ويقوم جسر الصخور خلال الموت! هنا النواتئ المجلدة التي لن تذوب، هنا أحلام الشعراء ~~تتراءى كالنسور بين المرتفعات، هنا الشعاع الذهبي يضطرب على الأعشاب لدى خطرات الأرواح، ~~هنا المروج الزاهرة تخفق على ذهبها المتناثر أجنحة الفراش، هنا المياه العذبة تنام على ~~أحداق الأوراق وتملأ أكواب الصوان حتى تكاد تفيض وتتدفق، هنا زبد الجداول يسيل ~~كالحليب على المروج الخضراء، هنا البحيرات الصافية كأنها قطع سقطت من هذا الأثير ونامت ~~نومها الهادئ بين الصخور والأزهار، هنا الخلجان الضيقة تختبئ بين طيات الوادي، هنا ~~المشاهد غير المحدودة تتجلى بوضوح، هنا القمم الشاهقة تنطح الأثير بسهامها البيضاء، هنا ~~الأشباح الرهيبة تعطي الجبال مشاهد سوداء، هنا الهواء المنعش الفاتر يسيل بين مراشف ~~العطشان روحا جديدة، هنا السكون الجميل حيث تنام الروح وتسمع نغمات الأحلام، هنا ~~الحشرات الذهبية تحصد البروق بأجنحتها الخافقة! # في المساء # لكن رائعة هذه المشاهد الجميلة هي ms23 هذا الكهف المهيب الذي لم يكتشف ثنياته إلا النسر، ~~في الجانب الشرقي من البحيرة جبل صغير سقط من أعالي الجبال وتحطم قطعا قطعا على هذه ~~الوهاد، فبقيت صخوره المجزأة مرتفعة على بعضها كأنها حواجز عظيمة قامت كالمردة في ~~هذا المكان المنفرد عن الطبيعة، وفي الجانب الآخر، خمس دوحات مسنة تضلع أجزاعها ~~المجوفة في جميع الجهات، وهناك بعض السنديانات المترامية الأطراف تكتف أغصانها كالجبال ~~على أحجار الصوان وتتدلى كالأفاعي السوداء على الأرض ثم تمد بعض أذرعها الرحبة إلى ~~شعاع النهار فتخفي بعض ذراته عن العيون! أما الكهف فقد قامت حواليه صخور جرداء تحجبه ~~عن نواظر الشمس، غير أن مخرجا سريا من جهة البحيرة يجدد الهواء في ذلك الكهف ويترك ~~شعاع الظهيرة ينفذ إليه من فرجة بين صخرين، لا يمكن لأحد أن يرى من الخارج هذه المغارة ~~السرية، فالصخور والجلبلاب ترتفع كالجدران فوق فوهتها الكبيرة، نسمات لطيفة كأنها لهاث ~~المياه تستولي على هذا المكان، بينما الأرواح والأعاصير تزأر زئير الهول بين الصخور ~~والأدواح، لا يسمع من هذا المأوى، مأوى نفسي الساكنة، إلا زقزقة السنونو، وصرير ~~الحشرات ذات الأجنحة غير المنظورة، وخرير المياه العذبة في البحيرات ذات الشفار ~~الأثيرية، ناسخة على رءوس الصخور أكاليل من الزبد! # في 29 أيار سنة 1793 # لقد رفعت فراشا من القش على الجانب الأيمن من الكهف، وعلقت عصاي وساعتي على الحائط، ~~وجمعت بعض الأخشاب اليابسة لأشعلها في أيام القر وأصطلي على لظاها، أو أشوي عليها بعض ~~الأسماك! # | العهد الثالث # في مغارة النسور في 3 تموز سنة 1793 # عندما الشمس، موقد الحياة الخافق، تضطرني إلى خفض جفني أمام أشعتها المغشية، وتمر ~~خلال أهدابي بأسلاك من الذهب، وعندما تتحطم على الثلوج الخالدة وتتدفق سنابل من الشرر ~~تعطي هذه القمم وهذا الفضاء الأزرق لونا كلون البحر، لا أرى في هذه السماء الصافية، ~~التي تظهر كبحيرات لا شواطئ لها سوى الأثير الجميل، حيث لا يسبح إلا النسر الأسود، كأنه ~~نقطة حالكة تظل مسمرة على الجلد الثابت، عندما الأشجار أو الصخور تلقي على ms24 الأرض جزرا ~~من الظلال، حيث أثقال الزهور تحني الأعشاب بعذوبة ودلال، تغمرني بين طيات الأحلام ~~وترفع نفسي إلى مذاهب الملأ الأعلى! وعندما أسمع دمدمة الهواء الفاتر ويمتزج لهاثي ~~بنسيم السماء العذري أشعر بلذة حية فأسلو الدقائق الشاردة المنسلخة عن نفسي، كما ~~تسلو الإوزة التعبة أثقال أجنحتها عندما تستريح من الطيران، كم أحب أن أبقى بين هذا ~~السكون وألا أشعر بالتفكرات والذكريات، معتقدا أن روحي قد تركت إلى الأبد ذلك الغلاف ~~البائد، وسبحت في سماء من الأنوار الخالدة! غير أن إحساسي المستفيق لدى خطرات الأرواح ~~يحملني دائما إلى عالم من اللذات المرة فأشعر بنفسي هابطة من السماء حيث الخالق يصغي ~~إلي ولا يجيب! آه! لو وهبني الحظ قلبا ثانيا، قلبا فارغا أخرس حيث الحب والحياة ~~يتفتحان دائما، لسكبت فيه ما فاض من قلبي الأول، وتمكنت من رمي الأحزان ومضاعفة الحب، ~~وإيجاد روح من روح وعاطفة من عاطفة! # إن هذه القبة الزرقاء لتابوت جميل، ها أنذا أبسط ذراعي طالبا نفسا تشاطرني وحدتي ~~وقلبا يشعر بما يشعر به قلبي، ولكن الصحراء منفردة تكتنفني بالسكون الرهيب، أذهب من ~~بحيرة إلى بحيرة ومن صخرة إلى صخرة ثم أعود على أقدامي وأختلي بين جدران الكهف ~~المظلم، أشعر بفراغ في كياني لا يملؤه إلا كيان آخر، فصوتي لا صدى له في هذه الأصقاع ~~البعيدة، ويخيل لي أن سعادتي تتبدل في هذا المكان وتلبس ثوبا من الملل. # في مغارة النسور في 6 حزيران سنة 1793 # قطعت هذا الصباح حواجز مملكتي، عاري القدم، مخافة أن يسمعني أحد، وتبعت مجاري ~~المياه نازلا تلك المنحدرات حتى بلغت إلى مكان كنت أسمع منه عجيج البقر صاعدا إلي ~~مع الهواء العاصف، فأبصرت الذي كانت تتوق نفسي إلى رؤيته: مشاهد الحقول الخضراء وصور ~~الماضي البعيد التي لم يبق من آثارها إلا التذكارات، وقع نظري على النعاج ترعى الأعشاب ~~على حافة التلال الصغيرة، وعلى بعض الرعاة يلعبون بعصيهم مع النسمات اللطيفة، وأبصرت ~~جبليا لا يزال فتى جالسا على صخرة بالقرب من جبلية جميلة لا رقيب ms25 عليهما سوى ~~الزرقاء والأشجار المدلة بارتفاعها، أجل، أبصرت ذلك الجبلي وقد خفض رأسه إلى الأرض ~~مفكرا ثم رفع عينيه الكبيرتين إلى الفتاة فظهرت على شفتيه بسمة لطيفة هي خيال فكرته ~~العذبة. # لبثت محدقا إليهما، مختلسا من الفتاة نظرات ملؤها اللذة والمرارة، ناظرا إلى ~~قدميها العاريتين، وقد ألقيتا على الأعشاب الخضراء كأنهما قدمان من الرخام الأبيض ~~أوجدتهما الطبيعة بين تلك الخرائب، مضت ساعة أو ساعتان وأنا على هذه الحالة، محدقا ~~بسكرة أليمة إلى هذين الجبليين شاعرا بأن قلبي يزداد فراغا أمام قلبيهما الطافحين ~~بالحب، سامعا من حين إلى آخر بعض كلمات مبهمة تتخلل ذلك السكون اللطيف وهي ذائبة من ~~شفتيهما كما تذوب المياه من غدير شفاف وتتقطر قطرة قطرة على الأعشاب، وعندما استوت ~~الشمس في كبد السماء رأيت الجبلي الشاب يستلقي على جنبي حبيبته الهادئة ويستسلم لرقاد ~~عذب، بينما هي تلاعب أناملها العاجية بشعوره المتفرقة! # لم تكد الشمس تتوارى خلف الجبال حتى تركت ذلك المشهد حاملا بين جفني خطوط هذه الصور ~~الملونة، صور السعادة والأفراح! # في مغارة النسور في 24 آب سنة 1793 # لقد نام، فلأكتب! بأية كارثة اشتريت هذا الولد، رفيق مصائبي وآلامي! كان النهار قد ~~أوشك أن يغيب عندما كنت أتجول من مكان إلى مكان تائها بين الصخور الجرداء والأشجار ~~المسنة، وكانت نفسي تتدفق خيالات وتضيع بين أعمال الخالق، إذا بي أسمع طلقا ناريا ~~فذعرت ونهضت مستفيقا من أحلامي فأبصرت جنديين يجدان في إثر محكومين من الأشراف، ثم ~~سمعت طلقا آخر ورأيت المحكومين قد بلغا حواجز السيول فوقفا مترددين ثم أخذا يعانقان ~~بعضهما فأومأت إليهما فأبصراني وأشرت بيدي إلى طريق وعرة فلم يتردد أحدهما أن أخذ بيد ~~الآخر وهو حديث السن وصعد به المراقي المنحرفة، فأسرعت بنفسي لمساعدتهما على أمرهما حتى ~~إذا ما بلغت أسفل الجسر رأيت الرجل يدلي إلي الولد المضطرب فأخذته بين ذراعي، وسمعت ~~الرجل يقول لي: «انج، انج أيها الغريب الكريم بهذا الولد فسأبقى فترة في هذا المكان ~~لعل موتي يدع لكما دقيقة سانحة تهربان بها ms26 عن أعين الجنود!» إذ ذاك كان الجنديان قد ~~أوشكا أن يصلا إلى مقربة من ذلك المسكين، فصوبا عليه بندقيتهما وأطلقا عليه عيارين ~~ناريين، وكان هو قد أعد بندقيته أيضا وأطلق منها رصاصتين معا، فسقط الجنديان في هوة ~~من المياه، ثم رأيت الرجل، وقد جس صدره بألم شديد، يترامى على الأعشاب متأوها فأسرعت ~~إليه وكشفت عن صدره فأبصرت جرحين يقطران دما، فجعلت أضمدهما وأغسل الدماء عن فوهتيهما ~~ولم تمض بعض دقائق حتى أغمي عليه بين يدي ابنه، فوضعناه في المغارة على فراش من ~~الأعشاب. # في 25 آب سنة 1793 # كان رأس الجريح ملقى بوهن بين ذراعي ولده، وجسده ممتدا على فراش مخضب بالدم، وكان ~~الولد يبكي بكاء أليما ويرفع جبينه إلى سماء الكهف مصليا، ثم يكب على والده كأنه ~~يود أن يحول بينه وبين الموت، وكان شعره الأشقر يمتزج بذلك الشعر الأبيض فيخفي وجهيهما ~~عن نظري، حتى لا أعود أسمع إلا الزفرات تتقطع بين مراشفه وتختنق في صدره. # كنت واقفا إذ ذاك في زاوية من زوايا المغارة مخافة أن أدنس الألم بنظرة، وفي يدي ~~مشعل يصعد تارة ضياءه الأحمر ودخانه المأتمي في تلك الظلمة الكالحة وطورا يغمى عليه ~~فأشعله، حتى إذا انتصف الليل أبصرت الجريح، وقد حدق إلي بعين ~~مائتة، قائلا: «لقد دنت ساعتي الأخيرة، فحافظ على ~~هذا الولد وكن له عونا ومغيثا، كن به أبا وأخا، الوداع!» كانت الكلمات تتقطع بين ~~شفتيه، وكان ينظر إلى ولده فيناديه بيا ابنتي، حتى انطفأ الشعاع الأخير من أشعة عينيه ~~فوضع إصبعه على فمه ولفظ نفسه الأخير مع اسم لورانس! # في 26 آب سنة 1793 # قضيت النهار كله بين جدران ضريح من الأحزان، وكان الميت ملتحفا بردائه المدمى ~~وبالقرب منه ولده المسكين موسدا جبينه بين طيات كفن والده كأنه يتسمع إلى غطيط ~~الموت في تلك الساعة الرهيبة! # بينما كان الولد مستسلما لرقاد طويل نزعت ذراعيه عن جسد والده البارد، وحملت الميت ~~إلى خارج الكهف وأرجعته للتراب! ... # على جانب من البحيرة بقعة خصبة نسجت فيها ms27 الطبيعة حلة خضراء من الأعشاب والزهور، ~~هنالك، حفرت قبرا وضعت فيه الميت بعد أن زودته الدموع والزفرات، ثم أتيت بخمسة حجارة ~~ورميتها على الضريح! سوف يزهر المنثور والأصف الأخضر على جوانب التربة وتجيء الطيور ~~الداجنة لتنثر ريشها على تلك الحجارة وتستبدله بريش جديد! # في مغارة النسور في 28 آب سنة 1793 # قال لي رفيقي الفتى: إنه ابن شريف محكوم عليه بالإعدام وإن اسمه لورانس، ماتت أمه ~~وهو لا يزال في المهد فخلفته وحيدا بين ذراعي والده، وهو الآن في السادسة عشرة من ~~عمره، وقد قضى معظم حياته القصيرة في مزرعة قائمة على ضفاف بحر بريتانيا إلى أن نشبت ~~الثورة وزفرت دماء الأشراف على أسنة الشعب، فهرب مع والده متسترا تحت اسم غير اسمه ~~الحقيقي، إلى أن بلغا هذه الأصقاع فأبصرا جنديين من الجنود القتلة يطاردانهما ... وهنا ~~أجهش بالبكاء فعرفت الباقي من حديثه! # عن المغارة في 16 أيلول سنة 1793 # كل نفس هي أخت لنفس أخرى، هذا ما قاله لي قلبي مرارا! لم أعد أشعر بثقل الزمان، ~~فالساعات تلامس أجفاني بأجنحتها المتشابهة، أجل، كل دقيقة، وكل موضع، وكل فصل، تبدو ~~هنيئة وعذبة عند قلبين متآلفين، فماذا يهم النفوس المتحدة إذا تقلبت حواليها الأشياء ~~وتبدل الزمن؟ ألا تقدر أن تسن لبعضها شرائع وأزمانا، وتبني عالما تعيش فيه، وتأخذ ~~من صفائها سماء زرقاء لا تمر في فضائها غيوم سوداء، وترى أفقا جديدا ينفتح أمامها، ~~وتخترع لغات أسمى من لغات البشر تتفاهم بها؟ # عن المغارة في 25 أيلول سنة 1773 # عندما أعود من الصيد حاملا على ظهري وعلا أو أيلا، وأرى بحيرتي الزرقاء، من على ~~رأس قمة، تضطرب لدى مرور النسمات، والأكاليل الخضراء تكتنف كواكب الصوان، ورءوس ~~الأدواح قد بدأت تنبت أوراقا، ودخان الموقد يتصاعد من الكهف في الفضاء البعيد، تأخذ ~~مجاري الأفكار العذبة بمجاميع قلبي: «فأعرف أن هناك، في تلك المغارة روحا لطيفة ~~تنتظرني، وأن عينا جميلة تبحث عني، وقلبا ينبض لذكري، وصديقا وهبتني السماء عطفه ~~ومحبته، فكنت له وطنا، وأهلا، وأما وأبا ms28 وشقيقا وشقيقة، وأنه عندما يبصرني قادما ~~يسرع لملاقاتي ويأخذ من يدي الوعل أو الأرنب ثم يتقدمني إلى الكهف واثبا على الصخور ~~كالأيل المطمئن»، وأحيانا عندما أصل إلى الكهف أجد لورانس جالسا ينتظرني فأقص عليه ~~حكاية رحلتي ويقص علي حكايته ويريني الأسماك الصغيرة التي اصطادها بشباكه، والقش ~~اليابس الذي جمعه لسقف الجهة الغربية من المغارة قبل مجيء الشتاء، ثم يجيئني بالأثمار ~~التي قطفها من الغاب، فنجلس إلى الطعام ونأخذ بأطراف الحديث إلى أن يهبط الليل فنرى ~~النجوم النيرة تنعكس على مياه البحيرة كما تنعكس الوجوه على المرآة الصقيلة، وأحيانا ~~أرى بعض الدموع تتناثر على خده وهو محدق إلى قبر والده، ثم يتجه كل منا إلى فراشه ~~وينام حتى يستفيق على أنغام الطيور! # عن المغارة في 23 تشرين الأول سنة 1793 # منذ أخمدت الأيام أوجاع لورانس وتذكاراته أخذ ينشط وينمو ويزداد جمالا، ففي هذا ~~المساء، نظرت إلى جبينه على ضياء الموقد فرأيته أبهى من الجمال نفسه، فاستفاق في مخيلتي ~~طيف أختي، وخيل إلي أني أسمع صوتها صاعدا من فمه في تلك العذوبة وذلك النغم اللذين ~~كانا موسيقى نفسي في ساعات حداثتي الأولى، فلم أتمكن من إمساك دموعي لدى هذه التذكارات، ~~فاقترب لورانس وجلس على ركبتي صامتا، ناظرا إلي بدهشة وانذهال ثم سألني عن سبب ~~بكائي وعما إذا كنت أفكر بأحد، فأجبته ساردا على مسامعه قصتي الأليمة فبكى لآلامي، ~~قائلا: «إني أحبك كحبهم، ألست أخا لك، أشاطرك ما تتوجع له وأمزج دموعي بدموعك؟ ألم ~~تكن أبا أشعر قربه بما كنت أشعر به قرب والدي؟» قال ذلك وألقى جبينه على حجر أملس ~~فألقيت جبيني بالقرب منه ثم أخذنا نبكي صامتين! # عندما استفقت من أحلامي المرة ومسحت مدامعي بأطراف كمي، رأيت لورانس يستفيق أيضا ~~ويمسح دموعه ثم يضيء كمرآة حية فيضطرب خيال وجهي على ذلك الشعاع الإنساني، وعندما فكرت ~~أن لا ملجأ لهذا اليتيم إلا حناني وعطفي، وأن ذراعي وذراعه، وحياتي وحياته أصبحت ذراعا ~~واحدة وحياة واحدة، نضبت مدامعي واستعاد قلبي ما فقده من الغبطة ms29 والسعادة! # عن المغارة في 29 تشرين الأول سنة 1793 # أيها الجمال، يا سر الخلود، يا شعاع الأزل، يا رمز الألوهية العظيم، من يدرك في أي ~~مكان ولدت، ومن أي مرتفع هبطت؟ ومن يعلم لماذا يحبك البشر، ولماذا تتبعك الأعين، ويعلق ~~بطيفك القلب المحب، فإذا ما اقترب إليك يحترق ويضطرم، وإذا ما انفصل عنك ينزع ويموت؟ ~~لقد طبعت ختمك على الطبيعة المنتعشة، وأعطيت الأسد رهبة النظرات، والجواد تموجات شعوره ~~المتشعثة، والنسر جلال أجنحته، وأرسلت إلى أوجه البشر أشعة شفافة هي مرآة عظمتك، ونسجت ~~أكاليل الكياسة والبهاء على رأس المرأة والرجل، ما من أحد يدرك أسرارك أيها الجمال ~~وترى الجميع ينزلون عند رغباتك ويخضعون لدى شرائعك، من يدري إذا لم تكن صورة من صور ~~الخالق الذي يتراءى من خلال هذه الغيوم؟ من يدري إذا لم تكن النفس المغلفة بذلك الجسد ~~الجميل قد أبدعت على المثال الإلهي واقتدت بالجمال الأسمى؟ سنعرف كل ذلك فيما بعد، ~~ولكن، فليضئ الجمال في مذاهب الطبيعة، وليسطع على كل عشبة من الأعشاب، وبين كل زهرة من ~~الأزهار، فقلبي لم يولد إلا للحب، ونظراتي لم تتفتح إلا أمام هيكله السامي، ونفسي ~~المشتعلة ترمي عليه من حين إلى آخر ذرة أو ذرتين من موقدها الخافق! # كم مرة ناجيت الله بهذه الكلمات: «رب! أتستنكر هذه العاطفة وتعتبرها تدنيسا ~~للقلب؟ لا، إن العيون لتتحول رغما عنها إلى المصباح الإلهي الذي لن يزال يضيء في ~~الوجود ... أية جريمة يقترفها البشر بحبهم ذلك الجمال وتعلقهم بتلك النجمة ~~الإلهية؟» # عن المغارة في 11 تشرين سنة 1796 # إن يد المبدع القدير لم ترسم على جبين لم يتجاوز السادسة عشرة مثل تلك الملامح ~~الخلابة التي رسمتها على جبين لورانس، فالذي يحدق إلى هذا الشاب لا يشك في أنه ملاك ~~هبط من الجنة على الأرض، فكل ما في الصباح من الصفاوة والطهر، وكل ما في العيون من ~~العذوبة، وما في الفجر من الحياة الساحرة قد تجمعت بين تلك الخطوط الباسمة التي تلمع ~~على جملة وجهه، وكونت شعاعا كوردة ms30 الطهر وذوبته دموعا شفافة بين محجريه، حيث تراءت ~~الأحلام سابحة كالضباب في سماء من الأنوار البهية الساطعة! تلك الأشعة الإلهية لا تبرح ~~تنطوي بين حاجبيه وتبرز على حافة أهدابه، ثم تبدو على شفتيه بسامة، كأنها ضياء داخلي ~~يلمع في نفسه ويخرج إلى ظاهر وجهه! فمرارا، عندما يكون النهار قد أوشك أن يضمحل وتلبس ~~المغارة حلتها القاتمة، أرى ضياء كضياء الصباح لا يزال ينبثق من ملامحه، ويرسل سنابل ~~من النور إلى أعمق الظلمات، فأخفض ناظري أمام ناظريه، ويخيل إلي أن ذلك الشعاع لإكليل ~~نفسه الطاهرة، فطالما بحثت في ذاكرتي عن جمال يشابه جماله، وعن صوت عذب كنغمات صوته، ~~فلم أكن لأجد بين هؤلاء المبتدئين رفاق حداثتي، من له تلك السمات الطاهرة، وذلك الجبين ~~البض، وتلك النغمات الساحرة، وتلك البشرة النقية، وذلك النظر الجاذب كأنه الفضاء ~~القاتم، وذلك الشعر الحريري كأنه تموجات البحيرة! وعندما أشاهد قدميه العاريتين ~~تتسلقان هذه المرتفعات، وأرى جبينه مبللا بالعرق كزهرة بيضاء تضطرب على برعمها قطرات ~~الندى، أخاله رجلا خياليا أوجدته الطبيعة في هذه الأنحاء المنفردة، فأكاد أعبده لولا ~~أني أعود فأرجع إلى نفسي وأتبين صوته وحركاته فأعرف فيها ذاك الولد الجميل والصديق ~~المخلص المسكين! # عن المغارة في 1 كانون الأول سنة 1793 # مرت أشهر النور ولمت السنة أشعتها عن تلك القمم لتنثرها بعد ستة أشهر، فغرقت الشمس ~~في بحر الغيوم وترامت الثلوج بدلا من الزبد على تلك المرتفعات، فلم يبق للنهار إلا ~~شعاع ضئيل تحطمه العواصف، وقد كنست الأخيلة الهائمة ما بقي من الأوراق الصفراء على ~~أقدام الشجر، يخال لي أن الله قد ترك هذه القمم فريسة للظلمات، وأن عجيجا خافتا يدور ~~في الفضاء دورته ويخرج من عظام الجبال، كأنه الهواء يقتتل في مذاهب السماء، والثلوج ~~تتلاطم على نواتئ الصخور، تلك هي طقطقة الأغصان الذابلة ترزن تحت أثقال الجليد وتتكسر ~~غصنا غصنا وترتمي على الأرض، تلك هي وثبات الثلوج المتثاقلة تتدحرج من أعالي القمم ~~وتستحيل إلى تراب أبيض على ممر الهواء، لم تعد السماء لتحيي حفلاتها على ms31 المرتفعات ~~الملثمة، ولم يعد الفجر يبرز بحلته المنيرة، والليالي بكواكبها المشعة، فالحمامة ~~التائهة أصبحت تتبع مواكبها السوداء، وأكاليل الزهر أصبحت أكاليل من الجليد حول كهفنا ~~المظلم، أما النهار فلم يعد ليدخل إلينا إلا من خلال الثلوج، وأما نحن فقد جلسنا أمام ~~الموقد نصطلي ونتحدث، تارة نقرأ بعض الكتب وطورا نلتقط الطيور من أعشاشها وقد أويت ~~قريبا من الكهف، غير مكترثين للأعاصير الزائرة، والليالي المدلهمة تحت سماء تكاد تهبط ~~من أثقال غيومها، حتى إذا ما نفذت إلينا بعض أشعة من شمس الشتاء، وثبنا حالا إلى خارج ~~المغارة وملأنا نواظرنا من الجليد الذي يكون قد صنع قصورا شفافة من زجاجه الأثيري، أو ~~جسورا من الياقوت الأزرق، أو مغاور من المياه الخضراء! # عن المغارة في 16 كانون الأول 1793 # عندما أستفيق أحيانا في منتصف الليل وأرى الظلمة تكتنفني من كل الجهات، أسترسل ~~لذكريات بعيدة، غير منتبه للورانس راقدا بالقرب مني، ذاهبا في مذاهب الفكر إلى أويقات ~~عذبة وقد طواها الزمان ومرت عليها الحوادث بأثقالها، ثم أستفيق من ذكرياتي فأسمع أنفاس ~~رفيقي تتصاعد من صدره كنسمات متعادلة، تلك الأنفاس الموسيقية الخارجة من ولد نائم، ~~فأنهض نصف نهضة وأسجد أمامه كما تسجد الأم أمام وسادة ابنها، وأجعل أصلي إلى الله ~~شاكرا إياه على ما أسداه إلي من النعم بإرساله هذا الملاك لحراسة قلبي، وأشعر بأن ~~روحي تتنفس وتحيا بقلبين ولهاثين، فأقول في نفسي: «أية موسيقى في هذا العالم تعزف بمثل ~~هذه الأنغام؟» ثم أعود إلى فراشي وأنام! # في 6 كانون الثاني سنة 1794 # بينما العالم يتمرغ في أوحال الأراجيف، والأيام تذيب في الأيام جوامد الدموع والدماء، ~~تسود السكينة في هذه الأنحاء، ويهبط عليها السلام من يد الخالق، والمحبة العذبة التي ~~تمقت المجتمعات تصنع لنا وجودا هادئا من الوحدة والانفراد! # من يستطيع أن يفرق بين نفسينا وقد جمعتهما السماء والأرض بخيوط متينة من الحب؟ ونشأتا ~~مع الأيام تحت جزع واحد ودوحة واحدة؟ ولكن المشابهة غير كاملة! فأنا أتذكر أن صديقي في ~~أيام حداثتي كان كلبا أبيض ms32 ذا مخطم كمخطم الغزال، وعنق كعنق الحجل، وشعور جعدية ~~كالحرير المتموج، ومقلة عميقة وعذبة كمقلة الإنسان، أجل، كان صديقي كلبا وديعا لا ~~يأكل إلا من يدي، ولا يجيب إلا لندائي، ولا يتبع إلا آثاري، ينام على أقدامي، ويشتم ~~رائحة مكاني، كان يثب على زجاج النافذة ويبقى برهة ملصقا يديه على لوحها البارد، ~~ناظرا إلى جميع الجهات حتى يراني قادما فيسرع لملاقاتي، أو يطوف في غرفتي فيقف طورا ~~أمام ثيابي المعلقة على الجدار وتارة أمام كتابي أو دواتي، حتى يسمع وطء أقدامي على ~~السلم الخارجية فيقفز إلي ويترامى على أقدامي، ثم يجعل يدور حولي ملاعبا ذنبه ~~الأبيض في الهواء، وإذا جلست إلى كتابي لأطالع بعض سطوره يجلس أمامي على الأرض ويأخذ ~~بالنظر إلي منتبها لكل حركة من حركاتي، مصغيا إلى تمتمة شفتي، رافعا رأسه لدى ~~اضطراب الأوراق بين أناملي، وحين مات كانت عيناه محدقتين إلى عيني، كم بكيت ذلك ~~الصديق الأمين! ولكن، تلك الذكريات البعيدة لا تلبث أن تتجسم في قلبي عندما أفكر ~~بلورانس، فهذا الصديق المسكين يحبني حبا لا حد له، حتى إنه لا يستطيع البقاء دقيقة ~~واحدة بعيدا عني، يمشي حين أمشي ويفكر حين أفكر، ويتبعني بنظراته أين اتجهت وكيف ~~تحولت، ولكن هذا الولد، ربيب الأحراج والغابات، سيصير وحشيا فيما بعد! # يا إلهي! إن هباتك لتفوق وعودك دائما! لم أكن أفكر، حتى في الحلم أن عاطفتك وحنانك ~~سيعيدان إلي نصف كياني بين هذه القمم المنفردة والصخور الجرداء! # | العهد الرابع # عن مغارة النسور في 15 نيسان 1794 # هذا الصباح، وجدت في جوف الصخرة بعض الخبز الذي يجيء به الراعي كل شهر متسترا تحت ~~جلباب الظلام، ورأيت ورقة مع الزاد مكتوبا عليها هذه الكلمات: «كن حذرا، فالويل لمن ~~ينزل إلى مدينتنا الخالية من وجود الله؛ لأن مقصلة الشهداء لا تزال ظمأى إلى ~~الدم!» # رب! حطم سيوف الغضب والحقد، واختصر أيام اليأس والاضطرابات التي تحجب اسمك العظيم ~~عن أعين الأمم، وأنزل ملاك السلام على الأرض، أما أنا فلا يسعني إلا شكرك على ms33 نعم ~~أسديتها إلي! # عن المغارة في 6 أيار 1794 # إن من الأيام الزاهية والفصول الجميلة ما تكون ملأى بأزهار الحياة الناضجة، تلك ~~الأزهار الملونة، المبللة بالأنداد والمضخمة بالعطر، والتي يذوقونها فترة ويستنشقونها ~~مدة فجر واحد، ثم يتساءلون عما إذا كانت تلك البراعم هي التي تحمل بين أوراقها ذلك ~~الشذى الطيب والعطر الفواح! # هذا النهار كان زاهيا زاهرا، فاستفقنا على زقزقة الشحرور التي تشابه أنغام الشاعر ~~برقتها، وعلى خرير البحيرات المضطربة لدى خطرات الهواء، فرأينا الطبيعة تبسم عن أبدع ما ~~وهبها الله من الجمال، وشاهدنا الربيع رقاصا طربا، يشدو على قيثار الأغصان ألحان ~~الطبيعة السكرى، وأبصرنا الثلوج ذائبة لدى الأشعة الوردية قبل أن تعطي التلال ذلك اللون ~~الأبيض، وكانت كل قطرة متسقطة من الفضاء تبرز بشكل يقرب إلى كريات النور كأنها نحلة ~~ذهبية تنثر الجواهر اللماعة من أجنحتها التائهة في مذاهب الجو، ثم تتوارى عن الأعين ~~وترتمي على فراش الأعشاب في مطارح الوادي، حيث تنحني الأزهار تحت ثقلها اللطيف مستبقية ~~على براعمها نثارا من الزبد اللؤلؤي ثم تأتي النسمات فتمسح ذلك الزبد بأطراف ردائها ~~الشفاف، وكان الهواء الفاتر العليل يزحف مع الشعاع السماوي كأنه الهواء العذري يذيب ~~الأنهر الراقدة في أوائل الشتاء، ويطلق زفرات لطيفة تهتز لديها الثلوج المتجمعة على ~~رءوس التلال، كأنما تلك الزفرات أغاني العاشقين تردد صداها الأرض والمياه والسماء ~~والأثير! كل شيء كان يستفيق لدى مرور الهواء، فأوراق الصباح كانت تأخذ حجما كبيرا، ~~وأعشاب الوادي تمتد بساطا أخضر، فتخرج تارة من بين الصخور، وتلتفت طورا على جذوع ~~الأشجار، مالئة نواظرنا بأمواج من الألوان الجميلة المسكرة، وكأن الماء يتدفق من قشور ~~الأغصان ويجري صموغا من الذهب فتزعج أجنحة الشحرور وهو خارج من بين الأوراق أو مختبئ ~~تحت طياتها، وكانت الأوراق تضطرب لدى النسمات فتظهر كأنها بحيرة ذات أمواج خضراء توحي ~~أسرار الحب إلى القلوب العاشقة، وكانت العصافير والحشرات والفراش تتصاعد أعمدة في ~~الفضاء، ثم تنقلب على الماء أو على الأعشاب كأنها غبار ينتشر في الطرقات فيتصاعد تارة ~~ويقع طورا، ms34 من يا ترى سكب تلك الخمرة المسكرة على أجنحة الهواء والنهار والفراشة؟ من ~~دفأ لهاث الهواء فأذاب الثلوج وأمطر الشتاء؟ من حرك الشباب في أفئدة الفتيان فكادت ~~تجري الحياة في صدورهم وتتدفق من أعينهم؟ # كنا نركض على الأعشاب ونتسلق الصخور الضخمة ويختفي كل منا عن عيني الآخر، ثم يظهر ~~فجأة على مرتفع تلة أو وراء شجرة، وكنا تارة نضحك ونغني ونتسابق بالركض، وطورا نجلس ~~إلى أحلامنا محدقين إلى الجبل العالي وإلى غيوم الصيف راكضة كالمجنونة على قمته ~~الشاهقة، تلك الغيوم لم تكن إلا زغبا حاميا تنزعه الأشعة المتوقدة من الجليد وتندفه ~~رضابا أبيض، وكانت أخيلة الأشجار المترامية على الخضرة تتقطع قطعا قطعا على الأعشاب ~~وتسكب في بعض الأوداء الصغيرة التي تبرز كأنها أسرة لا تزال مضطجعة أسرارا تحمل في ~~طياتها نغمات عذبة من نغمات الجمال، وأخيرا عندما تعبنا من اللهو والغبطة استرحنا على ~~حضيض منبسط كأنه جزيرة من الأزهار داخلة في بحيرة عميقة ذات أمواج من الظلال، وفي ~~قلبينا صمت ممزوج بسكرة لا حد لها، فجعل كل منا ينثر على المياه أوراقا خضراء، ~~ناظرا إلى كل موجة يلاعبها النسيم ويدغدغها بأنامله الأثيرية، كأنه يبحث عن نفسه ~~الضائعة بين تلك التموجات اللطيفة، وعندما رفعت صدفة نظري إلى لورانس رأيت جبينه يستعيد ~~لونا أحمر وشفتيه تضطربان وشاهدت دمعتين تترددان بين أهدابه كأنهما من دموع الليل التي ~~يلونها الشعاع النقي ويجففها الهواء الفاتر. ~~- ماذا يجري في نفسك يا لورانس؟ أفي قلبك ثقل يضغط على عواطفك كما في قلبي؟ ~~- آه! إني أشعر، أجابني، بأن فؤادي يذوب في صدري، فنفسي تبحث بلا جدوى عن كلمات ~~تطلقها وتود أن تخلق لغة نارية تحمد بها الله والطبيعة. ~~- قل لي يا صديقي، أجبته، أية قوة تدفع نفسي إلى التفكر بمثل الذي تفتكر به أنت، ~~كنت أشعر بنزوات الشوق وإيثاق الحب، فتثب عاطفتي إلى شكر الخالق، غير أن لساني المثلج ~~يقف متلجلجا في فمي، فالطبيعة هي أنشودة غير كاملة، والمبدع القدير لا يتقبل التسابيح ~~التي تروق له؛ لأن الإنسان ms35 الذي خلقه الله ليرى مثاله في صورته لا يرفع إليه صوته ~~الحقيقي، أجل، إن الطبيعة لمشهد ونفسنا صوته، فلنجتهد يا صديقي، كما يصنع الطائر أو ~~نسيم الأشجار، أن نلقي على قدمي ذلك الإله حملنا الثقيل ونشدو ألحاننا أمام جلاله، ~~ولنكن كاهني هذه الأصقاع باسم الحب الذي يربطنا. # لورانس ~~: # أيتها النسمات الطاهرة، # الملأى بالحياة والأشذاء الفواحة، # أين كنت؟ ومن أين أنت قادمة؟ # أيتها النسمات الخفاقة، # خفاقة كقلبينا في هذه الأصقاع، # لما أنت تتدفقين أوراقا خضراء وأزهارا طاهرة، # كذرات من النور؟ # أين ضمخت تلك الأجنحة الذهبية؟ ~~••• # أراك تغتسلين بالعطر، # بين هذه الجبال، والأوداء، والمروج، # حيث الأشهر تكتسي وشاح الربيع، # طيلة أيام السنة! # يا لهاث الفجر الجميل، # خذ أنفاسنا واحملها مع عطور الزهر، # احملها إلى سماء الخلود، لتصلي أمام أنفاس الخالق، # فالصلاة هي عطر القلوب! # أنا ~~: # ألا ترى قوس قزح، # يضطرب لدى مرور الشعاع، # كأنه الأفعى على مضجعها، # كأنه أفعى السماء ذات الألوان البرتقالية، # انظر إليه رافعا عنقه بين الضباب، # كأنه السيف المجوهر، # كأنه جسر الفضاء، # جسر الفضاء العظيم. ~~••• # هل هو جسر لمرور ملائكتك، # أيها المبدع القدير؟ # أعلى هذا الجسر ينتهون إليك، # أيها الجالس على عرش الأثير؟ # آه! لو كنت أتمكن من الوصول إلى حيث يبتدئ هذا الجسر؟ # متسلقا أدراج الفضاء الأزرق، # ماشيا على هامة الموت والزمان، # وكلتا يدينا متلاحمتان يا لورانس! # لورانس ~~: # انظر إلى أنثى البلبل في عشها، # تحضن فراخها بجناحيها، # فالحب ينفخ ريشها، # ويدفئ الفراخ! # ألا تخال قلبها خفقانا سريعا، # ويضطرب العش لدى أنفاسها الراقدة؟ # من يا ترى أوحى ذلك الحب، # وتلك العناية بصغارها؟ ~~••• # ألا تسمع أغاني البلبل في الغاب، # تذيب جداول الألحان؟ # أولا تخال أن قلبا يخفق، # يخفق في تلك النغمات؟ # فهذه الموسيقى المضطربة، # تتقطع في فؤاد أنثاه، # في فؤاد عاشقته، # وتطبع سيماء الربيع الدائم في ذلك القلب المحب! ~~••• # رب، إن الحياة لجمال، # أشعر بالحب الذي تشعر به تلك الأنثى، # وبالنغمات، # التي ينشدها البلبل العاشق! # أنا ~~: # ألا ترى الشعاع ينسل بين ورقتين، # وينطرح على الأعشاب الخضراء، # كأنه عتل من الذهب، ms36 # أنهكه التجوال في مطارح الغابات؟ # ألا ترى الفراش الملون، # يستحم في مياه الأثير؟ # ألا ترى الأجنحة النيرة، # تلقي على الطبيعة شعاعا من ضياء الله؟ ~~••• # ألا ترى الحشرات الصغيرة، # تتطاير في الفضاء كأنها مواكب السراب؟ # فأي نظر لا يضيع في هذه المواكب؟ # وأية مقلة تستطيع أن تحصي هذه الحشرات؟ # غير أن لكل حشرة وجودا تحيا فيه، # وبكل ذرة من ذرات الفضاء # عالم تعيش فيه المخلوقات # مهما كان ذلك العالم صغيرا أو ضيقا # كل ذرة من ذرات الفضاء، # هي وجود فسيح، # وكل شعاع من أشعة النهار، # هو زمان طويل. # وللهوام نهرها ولياليها، # ومنازلها وأقدارها، # وحياتها وأفكارها، # ومنخفضاتها وعلاليها. ~~••• # رب إن ينبوع الحياة لعظيم، # كم في صدرك عاطفة، # تضم بها تلك العوالم؟ # وكم في عينك أشعة، # تنير بها هاتيك العيون؟ # وكم في دماغك معارف، # تحصي بها مواكب الحشرات، # من ذبابة وذرة وعثة؟ ~~••• # آه! هل لأذنك أن تصغي إلي، # وتسمع تمتمة قلبي، # تمتمة قلبي الوضيع؟ # أنت الذي تسمع خفقات الجناح، # جناح الفراشة الصغيرة، # أو الذبابة المغتسلة في براعم الأزهار، # أنت الذي تسمع ذلك، # من علياء جلالك! # لورانس ~~: # فلنطلب من الخالق المبدع، # أن يبقينا في هذا المكان، # لنتملى من الأماني، # ونذوق معا ما تنثره لنا يداه الجبارتان! # أنا ~~: # ليلقن كل منا الآخر، # أغاني المروج وتسابيح الله، # ليلقن كل منا الآخر، # كما يلقن البلبل الصداح أناشيد الطبيعة، # لبلبل صداح! ~~••• # ولنكن صدى الأغاني الأخير، # أغاني الأشجار الباسقة، # والأزهار البيضاء، # البيضاء كالثلوج! # لورانس ~~: # ولنعطر يديه الإلهيتين، # كزنبقتين نابتتين معا في تراب صخرة واحدة، # على ضفاف جدول واحد، # تفوحان بأريج واحد! # نظرت إلى لورانس فأبصرته يبكي فبكيت، ثم أخذنا نصلي! # في 25 تموز سنة 1794 # كنت في الماضي أقضي الساعات الطوال في الحديقة أو في بعض المروج الخضراء وفي يدي كتاب ~~وبالقرب مني كلبي الأبيض، تارة أقرأ بعض القصائد وطورا أتلهى بقشر الأغصان أو بنثر ~~الأزهار على مياه الجداول، تابعا بنظري مجاري المياه تلمع على ضياء الشمس كقطع من ~~اللؤلؤ الأبيض، مصغيا إلى خريرها المسكر يتقطع على الحصى بين ms37 الأدغال الكثيفة، أو ~~مضطجعا على الأعشاب، حيث الأزهار الفياحة تغرقني في فراش من الأحلام اللذيذة أو من ~~الأسرار المبهمة وتلقي علي ستائر من أخيلتها، فأسترسل إلى عواطف مرة، وتتراءى لي صور ~~الحياة ملأى بالأشباح الهائمة، أشباح الحب الإلهي، ثم تتوارى تلك المشاهد عن عيني ~~وتتلاشى كضباب بعد عاصفة، وتجف الدموع على حافة أجفاني، لم يبق لي من تلك الرسوم ~~القديمة إلا غيوم ملونة من الذكريات تمر في فضاء قلبي! فلورانس يشغل اليوم فراغ نفسي، ~~فأية قصيدة من الشعر تضارع جماله العذب، وأي صفاء يضاهي صفاوة حياته عند ما تمر حمرة ~~الخجل على محياه ويلقي جبينه البض على صدري المضطرب؟ فكم من آلهة تضيء على وجهه ~~النير، وكم من شعاع يلمع بين عينيه بحقائق أسمى من حقائق البشر! # في 15 تشرين الأول سنة 1794 # هذا المساء، هب هواء فاتر فكنس ما كان على قمم الجبال، إن التنهدات الأليمة التي ~~تطلقها النسمات وترسلها إلينا لهي قبلات الوداع لفصل الصيف المائت، كانت السماء صافية ~~الأديم، عميقة كالبحر، وفي ذلك العمق كنا نرى موقد الشمس ذات الأشعة الفضية يخفق ~~ويضطرب كشهب من نار، أو كشعلة من قش أضرمها الفلاح على قمة جبل، وكان القمر يلمع كقطعة ~~من الجليد ويركض على مياه البحيرة برعشة بيضاء، والشجر العارية من أوراقها تنتصب ~~بأغصانها كأنها هياكل أجساد عراها البلى! والحطب المائت، الساقط على الأرض، كأنه عظام ~~رماها الحفار على جانب التربة، فاقتربنا بقلب منقبض إلى الصخرة المجوفة، حيث ينام ~~والد لورانس نومه الأبدي، ولا أدري أية فكرة صعدت من تلك الحفرة ومرت في ذاكرتي، فقلت ~~في نفسي: «مسكين لورانس!» ثم نظرت إليه قائلا: «عندما استرجع التراب والدك يا لورانس ~~وهبك الله أبا وأما من قلبي ونفسي وأوحى إلي تلك العاطفة وذلك الحنين اللذين كانا ~~ينسكبان عليك من مقلتي أمك وأبيك، ولكن، إذا نزع الخالق صديقك وأعاده إلى أحضان أمه ~~الأولى، فماذا يحل بك يا لورانس؟» ~~- ماذا يحل بي؟ # أجاب لورانس، أتتجاسر أن تسألني عن ذلك؟ # ثم قادني إلى ms38 قبر والده، ووقف كالتمثال أمام تلك الحجرة الرهيبة، ورفع نظره إلي، ~~قائلا: «لقد ألقاني بين ذراعيك أمانة مقدسة فيجب عليك أن تعيد إليه تلك الأمانة كما ~~ألقاها بين ذراعيك، عفوا يا صديقي، أليس الموت غيابا لا نهاية له؟ لا تعد على مسمعي ~~هذه العبارة الأليمة.» # قال هذا، ووثب إلى صخرة مرتفعة ووقف على شفيرها كأنه يود أن يلقي بنفسه من ذلك العلو ~~الشاهق، فاضطربت اضطرابا شديدا وخفت أن يذهب ضحية غفلته، فانتبه إلى اضطرابي، فقال ~~لي: «لا بأس ، إنك حدثتني عن الموت وأنا أنتقم لذلك!» فحاولت أن أردعه ولكنه أسرع بالهرب ~~وتوارى عن نظري. # في 6 تشرين الثاني سنة 1794 # سقط الشتاء على هذه الأصقاع فالتفت من حولنا هضبات الثلوج، ولم نعد نتبين الأودية ~~الصغيرة من القمم، والسيول المتدفقة من شواطئها، ورعن الجبل من هوته، فالطوفان ~~غمر المرتفعات بمحيط من الجليد، والهواء العاصف يبدل في كل ليلة مواضع الهضبات! ~~••• # خرجت هذا الصباح من المغارة وكانت الجبال تلمع بالثلوج البيضاء، فجعلت أتجول بين ~~الأشجار المتثاقلة بالجليد إلى أن بلغت مسافة بعيدة بعد أن قضيت أكثر من ثلاث ساعات ~~هائما على نفسي في مذاهب الطبيعة، فوقفت على مرتفع تتهاوى الثلوج على أقدامه وتتدفق ~~السيول على جنباته وأخذت أسرح الطرف ناظرا إلى جهة الكهف مفكرا بلورانس، وقد تركته ~~نائما بالقرب من وعلته الوديعة فمرت في صدري رعشة شديدة؛ إذ سمعت اسم جوسلين يتقطع ~~بالشهيق ويموت بين تلك الأعاصير، لبثت فترة، مترددا على تلك الصخرة، وقد مرت في مخيلتي ~~فكرة رهيبة: «أتراه خشي علي من الخطر فرمت به عاطفته في لجة من تلك اللجج العميقة؟» ~~ثم أسرعت بالرجوع مناديا لورانس فيرجع الصدى ذلك الاسم اللطيف، إذا بي أرى الوعلة ~~تقترب مني وتقفز أمامي ثم تحاول أن تهديني إلى مكان قريب، فحدثتني نفسي بأن هناك مصيبة ~~أليمة فمشيت ومشت إلى أن بلغنا هوة عميقة فتقدمت الوعلة وأزاحت بمخطمها بعض الثلوج ~~المتراكمة على مقدم الهوة فتراءى لي جسد لورانس ممددا على الجليد والدم الغزير يتدفق ~~من ms39 جرح بليغ في رأسه وشعوره الذهبية ملطخة بالدم، فارتميت عليه وحملته بين ذراعي وصعدت ~~به إلى خارج الهوة ثم أسرعت إلى الكهف، حيث مددته على فراشه وأشعلت النار لأدفئه، فنبع ~~دم غزير من صدره، فلم أتردد بأن مزقت ثوبه بأسناني، ويا للعجب عند ما رأيت ثديي امرأة ~~يندلقان من ذلك الصدر المغمى عليه! فتراجعت مذعورا وقد جمد الدم في عروقي وجحظت عيناي، ~~غير أني تجلدت أمامها وجعلت أدب الحرارة في جسدها المدمي حتى استفاقت ... أجل، استفاقت ~~وأجالت بنظرها إلى ما حولها، وقد احمرت وجنتاها من الخجل فأغمضت عينيها بسكرة الألم ~~ثم جعلت تعض يدي تارة وتقبلها أخرى ورقدت رقادا طويلا! # 7 تشرين الثاني في الصباح # قضيت الليل على فراش لورانس، ساهرا على آلامها، مغسلا جراحها من الدم، وفي ~~المساء، عادت إليها شاردات الحياة فرفعت رأسها إلي، وقالت: «لقد خدعتك يا جوسلين ~~فسامحني؛ لأن والدي شاء ذلك قبل موته ولم أجد بدا من احترام مشيئته، طالما حدثتني ~~نفسي أن أكشف لك عن سريرتي، غير أن يدا قوية كانت توقف لساني عن القول، ولا أدري أي ~~خجل كان ينسدل علي عند ما أحاول أن أوقفك على أمري، ثم إني كنت أعرف ما تنطوي عليه ~~نفسك من الميل إلى الترهب فأكتم عنك كل شيء مخافة أن تقول لي ما لا أتوقعه، فأضطر إلى ~~قتل نفسي على قدميك، والآن أشعر بالموت يدنو مني شيئا فشيئا، فالهوة قد أخذتني وحدي ~~وتركتك للحياة، عش بعدي يا جوسلين واذكرني في مطارح غربتك، واغفر ذلك الذنب الذي ~~اقترفته نحوك واضرب صفحا عما مضى ...» ~~••• # آه! هل عند الملائكة مثل ما عندها من الفضائل؟ أيقدرون أن يمزقوا أنفسهم في فؤاد من ~~يحبون؟ ~~- أجل، إني أسامحك يا لورانس، فالحب الذي رفعته على مذبح التضحية هو أسمى من ~~الغفران، إني أحبك فاحيي طويلا لتسمعي كلماتي صاعدة من أوتار قلبك، ولينرنا الله ~~بمصباحه الإلهي. # في 8 تشرين الثاني 1894 ~~- لقد كنت لي خير طبيب، قالت لورانس وعلى شفتيها خيال ابتسامة لطيفة، كنا صديقين ms40 ~~فأصبحنا أخا وأختا! ~~- أخ! أخت! آه! ألا يوجد كلمة أعذب من هاتين الكلمتين؟ ~~- إذن أنت تحبني يا جوسلين، تحبني بعد ذاك القسم الرهيب! ~~- أجل، أحبك! كان الأحرى بك أن تطلعيني على أمرك قبل الآن، يجب ألا يخفي محب ~~شيئا عن محبه، لقد عرضت نفسك مرارا إلى الريبة فنزل الحب منزلة الشفقة من قلبي؛ لأن ~~صوتك كان يختلف عن صوت الرجل، وعينيك الجميلتين كانتا ترميان قلبي بسهام أقوى من سهام ~~العيون، أجل أحبك! فما من قسم يربطني حتى الآن، ولكن، يجب ألا تفكري اليوم بسوى الحياة، ~~وأن تهتمي بصحتك قبل اهتمامك بشيء آخر، لقد انهدم الصخر وسدت طرقات الأودية بأكواد ~~الثلوج، فلا مخرج من هنا قبل مجيء الصيف. ~~- سأحيا يا جوسلين، قالت بصوت موسيقي، فحبك الشريف يناديني من أعمق أعماق الموت! ~~سأعيش سعيدة طيلة حياتي، فلا يهمني أي قسم يغلل أيامك إذا كان الخالق يسمح لي أن أتبعك، ~~وأسمع صوتك وأراك في أي مكان شاء! يكفيني من الحياة أنك تحبني وأن قلبك ملكي! ~~••• # قلت للورانس: «ربما لم تكوني عارفة أن الله يحكم على الراهب بأن يكون مترمل القلب، ~~ويمنع عنه ذينك الاسمين اللطيفين: الحبيبة والزوجة، إذا أراد المبدع أن أتطوع لخدمة ~~المعبد فأضطر إلى شرب دمي من ذلك الكأس، وإلى العيش بعيدا كل منا عن الآخر.» ~~- إذن، أجابت، فأحرى بك أن تقتلني! بماذا أنت تفكر الآن؟ إن الله الذي جمعنا في هذه ~~الأماكن الرهيبة، ألقاني بين يديك كما يلقى الولد المهمل بين ذراعي امرأة غريبة ~~فتتعهده بحنانها وتسهر عليه سهر الأم على وحيدها، أتلقي بي بعد ذلك بين ذراعي. حظي ~~مائتة وباردة كالقبر، أتقول للإله: «مات أخي الوحيد!» أتقف له حياتك وحياتي كالبخور؟ ~~ماذا، ألا يلعن ذلك النذر، وينادي باسمي ضميرك الملسوع؟ آه! لا، فإرادة الله لم تعد ~~مشكلة يصعب حلها، وأنا أئتمنه على قلبك الذي فتحه لي بيده الشفيقة، أجل! إن سعادتي ~~لشريعتك، وما من سعادة، وما من فضيلة في هذا العالم بدوني. # قالت ذلك ثم أجلستني على فراشها وتنهدت ms41 قليلا واستطردت قائلة: «أقسم لي، أقسم لي يا ~~جوسلين لشقيقتك المسكينة، ليتيمك الصغير، أقسم أمام المبدع القدير أنك لن تهجرني، أجل، ~~أقسم، فموتي وحياتي يتنازعان بين شفتيك»، ثم جعلت تحدق إلي مستعطفة متوسلة، فنظرت ~~إليها نظرة تجسم فيها القسم وطبعت على يدها المضطربة قبلة حرى أعادت إليها ~~الحياة! ~~••• # أخذت لورانس تنتعش رويدا رويدا، وفي هذا الصباح تركت فراشها لأول مرة وخرجت من ~~الكهف متكئة على كتفي، أيتها الشمس الجميلة، هل أنرت مرة مثل هذه الزهرة الذابلة على ~~قممك المرتفعة؟ # كم أحب أن أشعر بثقل ضعفها على كبدي، وأن أعرف أن قدميها، قدميها الواهيتين، لا ~~تستطيعان الوقوف لولا ذراعي! وكم أحب أن أنظر إلى مقلتيها السوداوين، وإلى بسماتها ~~السحرية، شاعرا بقلبها يخفق تحت ثوبها الأبيض! # في 6 كانون الثاني سنة 1795 # لا أعرف أي حياء يوقف نفسي عن النظر إليها، وهي لا تعرف أيضا معنى ذلك الخجل، ولا ~~تشعر أني أصبحت أتردد عن وضع شفتي على جبينها كما كنت أصنع سابقا، لم أعد أسمح لذراعي ~~أن تطوق عنقها العاجي، ولم أعد أجد من اللائق أن أدعها تنام على جنبي، ولا أن أترك ~~شعورها تتبعثر على جبيني، وكما يردعون الولد الصغير عن اللعب بالنار هكذا أحول رأسي ~~عن رأسها غير مكترث لبكائها أحيانا. # لا تلبث لورانس أن تبكي عند ما تراني مبعدا جبيني عن جبينها؛ إذ تعتقد أني ما عدت ~~أحبها، فأخفف ما بها بنظرة أو بتبسمة، وأدعها تحب مصغيا إلى نغمات قلبها المسكرة، ~~ناسيا كل شيء في سبيل جمالها الإلهي! # آذار سنة 1795 # عند ما يهبط الظلام، يتحول كل منا إلى جهة، فتنام لورانس في الكهف وأنام تحت صخرة ~~في الخارج، وهنا أحرس عليها ككلب أمين، حتى تستفيق من رقادها في الصباح وتناديني إليها، ~~لا أعرف أية حرمة أحفظها للورانس فأردع نفسي عن لمسها، كأنما هي مخلوقة إلهية سقطت من ~~الأثير العلوي فقدست التراب بقدميها! # نيسان سنة 1795 # كم أحب أن أنظر إلى عينيها المغلفتين بالأحلام، بانيا ألف خيال من أخيلة ms42 السعادة ~~بتلك الأحلام الذهبية، مؤسسا في هذه المملكة كوخا للحب الطاهر الشريف، آويا تحت ~~أغصان الشجر غبطة لم يذق حلاوتها سوى قلبينا، شاريا راحة المساء العذبة بأتعاب النهار، ~~حامدا مبدع الكائنات على تلك السعادة القاتمة المختبئة تحت طيات البؤس، قائلا ~~للورانس: «أنت جزء من كياني، فانظري إلى نفسك في نفسي»، آه! لا يقدر أن يحمل هذا الحلم ~~اللذيذ الذي اخترعه الله في هذا المكان من الطبيعة إلا الحب المستقطر من نواظر ~~الطهر! # نوار سنة 1795 # النهار يعقب النهار، والشهر يخلف الشهر، والسنة تتثاقل على هضبات الأزهار، رب! أنا ~~منطرح على قدميك، فهل في سمائك شموس أجمل من هذه الشمس؟ # | العهد الخامس # غرونوبل في 2 آب سنة 1795، في الليل في منزل أحد النجارين الفقراء # ماذا؟ أأنا في هذا المكان؟ ... رب! اسهر عليها من عليائك! يا ملاك الرحمة، أجرها ~~بجناحيك! ماذا! تركت لورانس أمانة عند الصخور؟ إن قلبي الكسير لشديد الحزن وتوبيخ ~~الضمير يثقل عليه! ~~••• # ولكن، أيمكنني أن أرفض رجاء الميت الذي يدعوني إليه في ساعته الأخيرة؟ أأقدر أن ~~أخالف إرادة ذلك الراعي القديس الذي تعهدني في أيام بؤسي، وتقبلني صغيرا بين ~~المبتدئين وحنا علي حنو الأب الكريم، وكان صديقا لنفسي، وسيدا علي! ~~••• # عندما رأى أن سجنه المظلم حل محل قصره، وأن ثوبه الأسقفي جنى عليه وكان حكم الموت، ~~وأن المقصلة تشير إلى القدر المحتم عليه، ولم يبق له إلا شرب الكأس التي أعدوها ~~لعذابه، طلب أن يمثل لديه صديقه الحميم ليؤاسيه قبل أن تفيض روحه بين جلاديه، آه! أأقدر ~~أن أكون رجلا ولا أسرع لاستغاثته؟ لا، لا أطيق على نفسي أن تكون جبانة وجاحدة ~~الجميل! ~~••• # بأي لولب غريب تدير يد الخالق القدير ذلك القدر، حيث العيون البشرية لا ترى إلا ~~صدفا وعجائب! ... ~~••• # صعد أحد الجبليين، وهو خادم في السجن الرهيب الذي يضم بين جدرانه ذلك الأسقف المحكوم ~~عليه بالإعدام، إلى قريته ذات يوم وقال للمعاز الذي يعرف دون سواه مكان إقامتي في تلك ~~الجبال، إن الأسقف وقع في يد الجلادين أسيرا ms43 وهو قيد المحاكمة وإنه يطلب قبل موته أن ~~يؤتى إليه بجوسلين الصغير ليسر إليه أمرا مقدسا. ~~••• # عندما سمع المعاز اسمي ظن أن الله يأمره بأن يكشف أمري، وأن واجبا مقدسا يقضي ~~عليه بأن يتسلق الجبال مع ذلك الجبلي ويفضي إلي بمشيئة الأسقف، فانتظرا حتى هبط ~~الليل وصعدا إلى مغارتي متسترين فسمعت وطء أقدامهما المتثاقلة، فاستغربت الأمر بادئ ذي ~~بدء وأطللت من الصخرة المجوفة، وكانت لورانس نائمة في الكهف فلم تسمع شيئا، فبلغاني ~~بكلمتين سبب قدومهما، عند هذا أخذ الحب والغيرة يتنازعان في نفسي، ثم استأذنتهما قليلا ~~ودخلت إلى الكهف ، حيث كتبت ورقة للورانس ضمنتها هذه الكلمات: «ارقد بسلام أيها الحب، ~~فغيابي لا يتجاوز اليوم الواحد!» ووضعت الورقة بالقرب من لورانس بعد أن وقفت دقيقة ~~أتأمل جبينها الجميل، وقد مرت عليه سحابة الأحلام العذبة وبرزت على شفتيها ابتسامة ~~الملائكة، ثم سجدت أمامها وألصقت على قدميها جبهتي وخدي وفمي واستنجدت الله والقديسين ~~لحراستها طيلة غيابي، وخرجت من الكهف بعد أن أبقيت قلبي تحت قدمي لورانس! # نزلت على آثارهما تلك السلالم الحجرية بعد أن استبدلت ثوبي الرث بثوب المعاز، ~~وتنعلت حذاءه المسمر، وكان شعري الطويل، وجبيني المشهب، وأناملي المتفلعة بالبرد ~~تعطيني هيئة جبلي لا يزال شابا، بلغنا المدينة بعد أن اجتزنا تلك المزارع المجهولة ~~ونزلت ضيفا عند الجبلي ابن عم المعاز، وفي هذا النهار يجب علي أن أمتثل بين يدي ~~أسقفي الشهيد في ذلك السجن الهائل! # في مستشفى غرونوبل في 5 آب سنة 1795 في المساء # أين أنا؟ رب اغفر ذنوب تلك النفس التائهة! لا لا، بل اضرب ذلك القلب المتردد الذي ~~ما عرف أن يتبين الجريمة من الفضيلة، والذي لم يعد يعرف إذا كانت السماء تمقته أم ~~تهواه! ~~••• # أجل! إني أضغن على نفسي، فلتحتجب روحي عن روحي! هو ذا الأسقف يباركني! ... أنا قاتل ~~ورسول السلام معا، فلقد خلصت بيد وسفكت بيد أخرى! ~~••• # ولكن أين أنا؟ وإلى أي مكان قادتني المقادير؟ كل يتراءى رهيبا لعيني التائهتين، ما ~~هذه الأسرة القطنية؟ ومن هؤلاء النساء، ms44 وهذه الأشباح البيضاء؟ أراها تتمشى صامتة ~~كالقبور بين هذه الأروقة المظلمة، وتنحني فوق الوسائد كالأمهات! أتراها ملائكة الرحمة ~~هبطت من السماء؟ أتراها عرائس ابن الله أمام أسرة الآلام؟ أتراها أمهات لجميع ~~الأبناء، وأخوات لجميع الإخوة؟ # في 6 آب في الصباح # ماذا جرى في العالم فتبدلت هيئة الأمم وساد السلام؟ أرى الكل يعرفونني باسمي الحقيقي! ~~هم يقولون: إن باريس فتكت بالجلاد، وإن فرنسا غسلت الأراجيف، وخنقت أصوات الدم، وإن ~~السجون فرغت من الأبرياء المظلومين، وأعادوا رموز الله إلى المعابد بعد أن حطم الشعب ~~مقاصل الموت! هم يقولون: إن فرنسا بعثت من القبر ونجت من يد الجلادين! # في المساء # كل نائم ... تلك امرأة قديسة لا تزال ساهرة بالقرب من وسادتي ... أشعر بالنعاس يحاول ~~الهرب من أجفاني، فأقدامي تود أن تصعد إلى حيث يقيم قلبي، غير أنها لا تزال رازحة تحت ~~ثقل الضعف الشديد، سأذهب غدا صباحا إلى مكان قلبي! آه إن مشاهد السهر والآلام تتصاعد ~~من خلال تذكارات بعيدة وتنعقد على جبيني كأنها خيوط مقطعة يحاولون أن يجمعوا ~~أطرافها! ~~••• # حكم قاضي الشعب بالموت على الأسقف السجين! سمعت ضربات المطارق تسمر أخشاب المقصلة في ~~هدأة الليل، فدخلت إلى السجن وكنت أخال أقدامي، وهي تنزل الأدراج الرطبة، أنها تلصق ~~بأدراج من الدم. لا أعرف أية رائحة من روائح الدموع كانت تفوح تحت النوافذ، وأي عرق ~~كان يجري من الجدران سيولا سيولا. كنت أسمع الألواح تردد النحيب، كأنما هي مجرمة ترشح ~~نزعها قطرة قطرة، في أسفل ذلك القمع المظلم، كان ينفتح السجن الرهيب القائم على الصخور، ~~ما كدت أدخل حتى رأيت الحاجب، وفي يده مشعل يعطي الظلمة الباردة أشعة صفراء شاحبة، ~~داخلا إلى مأوى المظلوم، ورأيت الشيخ يحدق في تلك العتمة، والشعاع المترامي على خديه ~~كأنما هو يد من نار تشير إليه بين تلك الجدران القاتمة، راسمة فوق رأسه تاجا من ~~الأنوار المقدسة، أجل! أبصرت ذلك الأسقف المسكين وقد رزح تحت ثقل السلاسل الحديدية، ~~فاحدودب ظهره، والتوت قامته الطويلة، وبرزت أضلعه من خلال أثوابه الممزقة، ms45 واضطربت ~~أقدامه العارية على الحضيض البارد، وكان فراش القش، ذلك الفراش المبعثر الأطراف لا يزال ~~مستبقيا آثار جسده، ولحيته البيضاء بارزة من خديه المجوفين كأنما هي قطع من الزبد ~~تجمدت على نواتئ صخرة، وعيناه المقعرتان تلمعان كالجمرة في محجريهما المظلمين، وكان ~~بصره الضعيف يبحث عنا ولا يرانا من عمق أحداقه، وقد تراءت الإنسانية المغلوبة، على ~~جبينه الشاحب فخلتني أمام نصير عظيم من نصراء الحقيقة المبتدعة! # وما كدت أتوسط المكان حتى سقطت على الأرض خائر القوى غير متجاسر أن أقترب إليه أو أن ~~أهرب من وجهه، وبعد هنيهة رفع الحاجب نظره إلى الأسقف ، وقال: «هو ذا الشاب يا سيدي، ~~فلقد قمت بواجبي نحوك»، ثم ترك المشعل على أقدامي وخرج من السجن مقفلا وراءه الباب ~~الكبير، «أأنت؟ اقترب لأراك وأضم إلى صدري ابنا وديعا من أبناء الله، أشعر بساعتي ~~الأخيرة تدق في قلبي، غير أني أود أن ينبثق فجري الخالد من نفسك الطاهرة، وأن أغسل روحي ~~بمياه الكاهن أمام خالق الكائنات، جوسلين، أريد أن أضع بين يديك مفاتيح الله وأن أكل ~~إليك أمر قطيعي المقدس، فالسجون والمنفى والسيوف الظالمة لم تبق على أحد من هؤلاء ~~المبتدئين رفاق حداثتك، ولم يبق سواك أيها المبتدئ الوديع»، لبثت واقفا كالصنم لا ~~أجيب، ولا أرفع جبيني الحيي، ولم أعد أسمع إلا دقائق الظلمة تتمشى بين جدران السجن، ~~فاستطرد قائلا: «يجب أن تصير كاهنا يا جوسلين، فالكاهن ضروري لله! إن الحكمة الإلهية ~~توجب عليك أن تنزل عند مشيئتي، وأود أن أنذرك لله على حافة قبري: اخفض رأسك يا ابني ~~لينزل عليه الميرون المقدس! عندما يسيل عليك ذلك الروح الأقدس أريد أن أتقبل منك أنا ~~الخاطئ المشرف على الموت، قربانة الحياة وخمرة الآلام! اقبل من الشهيد ذلك السر الأعظم، ~~ومت لكي يحيا الله ...» قال هذا ورفع يده ليباركني، غير أني كنت قد ابتعدت عنه قدما، ~~وقلت له: «تمهل قليلا يا أبت، قف، قف، فلست قادرا على ذلك، أجل! إن نفسي لخالقها، ~~ودمي لإيماني، غير أن أيامي المدنسة لم ms46 تعد ملكي، فالله لا يطلب مني أن أضحي له ميتين ~~في ميت وقلبين في حياة!» عند هذا نظر إلي نظرة رهيبة وقطب حاجبه الكثيف فاستأذنته ~~ساعة سردت فيها على مسامعه حوادث العامين بدون أن أستثني حادثة، وأطلعته على القسم ~~الذي أعطيته لتلك الفتاة رفيقة آلامي ومصائبي، ثم صمت فترة كنت أقرأ فيها أمارات ~~الغضب على جبينه حتى استطرد قائلا: «إن الروح الخداعة تقذف بك إلى فخ مخجل مدنس، فاحمد ~~الصدف أيها الجاهل، إنها لتهبك أسمى هبات الله للإنسان! آه! حطم تلك المكائد ~~الغرارة واخفض جبينك من الخجل، ماذا؟ أتستسلم لتلك الأهواء الخطرة ثمار الكسل ونتائج ~~الانفراد؟ ألأجل ذلك تخون موتي وتدعه بلا غوث، وتترك معبد الله عاريا من الرعاة؟ لم ~~أكن لأعتقد يوم كان المذبح مخضبا بدماء رعاته، يوم كانت أبناء الله تثب من السجون ~~إلى المقاصل، يوم كان العالم ينظر بعجب إلى دماء الشهداء، شهداء الإنسانية والدين، ~~تتفجر من أيدي الجلادين، أجل، لم أكن لأعتقد يوم ذاك أن أحد الجنود، جنود المعبد ~~المقدس، يأبى أن يسرع لنجاة الله فينطرح بين مخالب الأهواء الدنسة رافعا للخالق، على ~~أقدام المقاصل، حيث فاضت أرواح إخوته الشهداء، نساء غريبات يخضبن خدودهن بحمرة ~~الآثام!» ~~- رحمة يا أبت وشفقة! أية كلمة تتلفظ بها شفتاك؟ إن السماء لتعرف ما إذا كنت ~~أضطرب من رؤيتك، هي لا تجهل تعلقي بك وحبي الشديد لك، ولكنك تقيس قلوبنا بقلبك، وتعتقد ~~أن نفسي العاشقة لا تنزع إلا حلما من صدر تلك الفتاة، لا، بل ثق أن حبي لها سوف لا ~~يرفع إلا على أقدام المذابح، أتريد أن يغمى على العاطفة المغروسة في قلبينا، وأن ~~ينطفئ ذلك الحلم الذي فتح براعم نفسينا، ويضمحل ذلك الشعاع الذي أنارنا طيلة سنة؟ قدر ~~حب الرجل والمرأة يا أبت، ذلك الحب الطاهر الذي يربط حياتهما بلحمة واحدة، ويبقى ~~حيا كالحياة وقويا كالموت! ~~- اصمت! يا جوسلين إنك تدنس هذه الساعة، وهذا الموقف المقدس، وهذه السلاسل المثقلة ~~علي، وهذا المكان المطهر بشهادتي، كيف تتجاسر أن تتلفظ بالحب ms47 في هذه الظلمة الخرساء؟ ~~انظر أين أنت! حدق في هذا السجن إلى أعضائي البارزة، وإلى ذراعي المرتفعتين إلى ~~الله! بقيود قتالة، انظر جيدا إلى هذا المرقد، حيث الكنيسة تطلق نفسها الأخير ~~شاعرة بقبلة الله في فرند الحسام، إلى هذا الضريح، ضريح الموت الآهل بالحياة الذي لا ~~ينفتح إلا للخلود، أأمام هؤلاء الشهود، شهود الآلام والمصائب، وأمام هذا المحتضر على ~~خشبات التضحية، تتجاسر أن تتلفظ بمثل تلك الأهواء المميتة؟ آه! إن هذه الحسرات لتثقل ~~على موتي! ماذا؟! أخائن أنت؟ ولكن لا، لا يكون ذلك! لا يمكن أن تلطخ حياتك الطاهرة، لا ~~يمكن أن ترمي جبيني بهذه الرذالة! لا يمكنك أن تسقيني السم عوضا عن الماء، سوف لا ~~تدع روح والدك الشيخ تذهب إلى خالقها قبل أن تتزود الغفران وتلقي خطاياها عن كاهلها ~~المثقل! آه! طالما رجوت الله أن يمنحني كاهنا لأنطرح على قدميه عند ساعتي الأخيرة ~~وأسمع من فمه تلك العبارة الإلهية: «إني أحلك من خطاياك!» جوسلين، إني بحاجة إلى هذه ~~العبارة، ألا تهبني إياها؟ باسم هذه الدموع الأخيرة المتساقطة من أجفاني على يديك، باسم ~~هذا الشعر الذي بيضته السجون بظلماتها، باسم هذه الأعضاء المضطربة فريسة المقاصل ~~وضحية الظلم، باسم العناية الحنونة التي تعهدت بها نفسك يوم كنت صغيرا، باسم أمك، ~~باسم تلك المرأة التي لو رأتك عيناها الطاهرتان في هذه الظلمة، لما ترددت بدفعك إلى ~~الواجب المقدس بكل ما أوتي قلبها من الحب، أجل باسم كل ذلك أرجو منك ألا تضن علي ~~بتلك العبارة لأحملها إلى السماء يا ابني. # ما أوشك أن ينتهي من كلامه حتى كان العرق قد بلل ثيابي، فبقيت واقفا كالتمثال، ~~صامتا كالموت، محدقا في الظلمة كجان ينتظر الحكم عليه، ثم حولت نظري إلى الأسقف ~~فأبصرت عينيه تتألقان بغضب فوق غضب الإنسان، وانتصبت قامته، كأنما فكرته قد رفعته عن ~~الأرض، وبسط ذراعه المثقلة بالسلاسل فوق رأسي، فخيل إلي أن صاعقة من صواعق ~~الانتقام تقذف نارها من جبينه وتتلوى كالأفعى بين جدران السجن القاتمة، وسمعت صوته ~~الغضوب يرمي ms48 علي قنابل اللعنات، قائلا: «إذن! فبما أنك تبقى عديم الإحساس لدى مدامعي ~~وتوسلاتي، وبما أن الرحمة لا تستطيع أن تنير في نفسك مشعلها المنطفئ، وبما أن روحك ~~تتردد بين السلام الذي أرجوه منك وبين حبك المرذول الدنس، ألعنك بين المسيحيين لعنة ~~تتبعك إلى القبر: اخرج من أمامي فلم أعد أعرفك! اخرج من جبل الجلجلة، حيث يموت سيدك فما ~~أنت إلا جلاد أفظع من جلاديه، ما أنت إلا شاهد جبان لا تستحق أن ترى كيف يموت المسيحي ~~فداء واجبه، أجل! اخرج من هذه الظلمة المقدسة، اخرج بصورة غير الصورة التي دخلت فيها، ~~واحمل على جبينك ذلك الغضب الإلهي ولتشاطرك إياه ...» وقبل أن ينتهي من كلامه أوقفته ~~قائلا: «قف يا أبت لا تكمل! لا تلعن أحدا بل صوب لعنتك علي وحدي!» وكأنه شعر ~~بخوفي يضطرب لدى قوته ويتساقط على أقدامه كما تتساقط الشجرة لدى فأس الحطاب، فقال ~~لي بصوت جهوري، كأنه يخاطب إنسانا من وراء حجب الموت: «أصغ إلي يا جوسلين، إنك لتسمع ~~صوت الله من شفاه الموتى، فالله يأمرني أن أنزع بيد إلهية قلبك التائه من ذلك الفخ ~~الذي يقودك إليه العالم الشرير، إنه يعير صوتي ذلك الحكم المحتم، ذلك الحكم الذي ~~يوجب عليك أن ترضخ لي وتأتمر بأوامري!» عند هذا شعرت بيده المغللة بالحديد تلامس جبيني، ~~وخيل إلي أن يد الله تمر على رأسي، فسقطت ساجدا على قدمي الأسقف لا أفوه بكلمة ~~ولا أحرك ساكنا، ولم يمض بعض ثوان حتى شعرت بأن تغييرا مدهشا قد طرأ على كياني، ~~وعندما رفعني من الأرض كنت كاهنا! ... ~~••• # ترامى الشيخ بدوره على أقدامي واعترف بخطاياه للإله المصغي إليه، ثم حولت قطعة سوداء ~~من الخبز إلى جسد الله وباركت كأسا من الخمر وغمست القربانة فيها، ثم رددت العبارة ~~التي أملاها علي وكان المشعل يلقي في الغرفة أشعته المأتمية! كنت أخال أن الله يهبط ~~من عليائه ويتحول إلى جسد ودم في تلك الخبزة وتلك الكأس، وبعد برهة قصيرة انطفأ المشعل ~~في الظلمة وزحف النهار! ... # فتح الباب ms49 الرهيب ودخل الحاجب فنزع السلاسل عن الأسقف وقاده إلى خارج السجن، حيث ~~تنتظره المقصلة المخيفة، فاقتربت منه وتركته يتكئ على كتفي ليتمكن من قطع تلك المسافة ~~المأتمية، وكان يمشي إلى الاستشهاد كمن يمشي إلى الانتصار مباركا جلاديه تارة بأنامله ~~وطورا ببسماته، حتى بلغ المكان المعد له فأعنته على صعود السلم الرهيبة، وتبعته ~~حتى المقصلة نفسها، وكان الشعب الشرس يعج في الساحة ويهتف هتافا مزعجا فلم يصغ ~~الأسقف إلى تلك التجاديف واللعنات بل كان يبحث في عيني عن الوداع الأخير، وعندما ألقى ~~جبينه على الخشبة الشؤمى تراءى لي الموت زافرا في السكين زفرة المتظلم، فلم أقدر على ~~التجلد لدى هذا المشهد المؤلم فسقطت ملطخا بدم الشهيد، وشعرت أن صورة لورانس قد ~~امحت من قلبي! ... ~~••• # آه! إني أتنفس الصعداء! إيه حكمة الله، أأنت في كل مكان ساهرة مصغية؟ أطلعت ~~شقيقة الأسقف وهي راهبة قديسة على سري العظيم، فقالت لي: إنها تود أن تذهب بنفسها إلى ~~الكهف وتأتي بالفتاة إلى منزلها، حيث تتعهدها بعنايتها الرءوفة وتحبها وتعطف عليها عطف ~~الأم الحنون إلى أن يتبلغ أهلها خبر أمرها فيعيدوا إليها ما حجزته الحكومة من أرزاقها ~~في الأيام العصيبة. # في 12 آب سنة 1795 # صعدت الجبال العالية مصحوبا بالراهبة والمعاز فكنت أقف حينا كرجل يمشي إلى ~~الموت وقد نازعته الريبة ودب الخوف في ركبتيه حتى بلغت إلى هوة عميقة فأبصرت دوحتين ~~متكاتفتين صنعت الطبيعة جسرا منهما فمررت ومرت الراهبة والمعاز على ذلك الجسر وجعلت ~~أسرع بالخطى حتى بلغت الكهف قبل أن يبلغاه، ولكني ترددت بالدخول مضطربا ثم تقدمت ~~وأزحت الأوراق عن فوهة الصخر، فأبصرت لورانس ساجدة على ركبتيها، وجبينها الشاحب ملقى ~~بوهن على صدرها الكئيب، وذراعاها الواهيتان مطوقتان عنق وعلها النائم، وشعورها ~~المستطيلة مسترسلة على قرونه الجميلة، وبصرها التائه يرتفع تارة تحت أهدابها الحريرية ~~ويذرف الدموع طورا على خديها النحيلين، فتقدمت قليلا فسمعت وطء أقدامي فنهضت مذعورة ~~من مكانها، ولما رأتني هتفت: «جوسلين!» ولكنها عادت فتراجعت إلى الوراء، قائلة: ~~«رب! ليس هو» وارتمت على أحد ms50 الصخور منهكة القوى، ثم جعلت تحدق إلى الراهبة ~~والمعاز اللذين كانا قد وصلا إلى الكهف فاقتربت الراهبة، قائلة لها: «لا تخافي يا ~~بنيتي واقتربي مني فما جئت إلا لأضمك بين ذراعي، إن الله الذي ينزع أخاك من يديك يهبك ~~بدل الأخ أما»، وببعض كلمات أطلعت لورانس على تفاصيل الحادثة فجمدت كالقبر، وقد تاهت ~~أفكارها في مذاهب الآلام وتحولت من فتاة جميلة إلى صنم من الرخام الشاحب، وفجأة، لا ~~أعرف أية فكرة لمعت على جبينها فاستعادت نضارة الحياة، وبرز شبح الغضب من خلال عينيها، ~~وتشعث شعرها على وجنتيها كأنه أمواج في إبان عاصفة، ثم ضحكت ضحكة السخرية، فاضطربت ~~الراهبة لدى هذا المشهد وتراجع المعاز من الخوف، عند هذا رفعت صوتها بغضب شديد، ~~وقالت: «أنتم كاذبون! فعودوا من حيث أتيتم إلى الذين أرسلوكم إلى هذا المكان، ماذا! ~~أكنتم تعتقدون أنني ولد أنخدع بسهولة؟ اخرجوا من هنا جميعا فقلبي لا يغتر بحيلكم، ~~ولا يؤخذ بحبائل مكركم! # هل اغتنمت فرصة غيابه لتنزعيه من بين يدي يا سيدتي؟ إنك لشديدة الغرور بنفسك، أو ~~تجهلين أنك تنزعين الجسد من الروح؟ ...» وكان صوتها النحاسي يدوي في الكهف دويا مخيفا، ~~ويدها المرتجفة ملصقة على نواتئ الصخرة، فلم تتمكن الراهبة من إمساك دموعها، فقالت ~~لورانس بصوت أليم: «أنت تبكين؟ لماذا أنت تبكين؟» ثم أمرت يدها المثلجة على جبينها ~~الشاحب كأنما هي تحاول أن تطرد فكرة رهيبة، وقالت: «لا، لا، لست أثق بسوى جوسلين! أنا ~~البائسة الطريدة المنطرحة بين يديه! أنا ضحية القدر! أنا فريسة المآرب! لقد هجرني بين ~~هذه الصخور وتركني بين مخالب الخوف بعد أن قضينا عامين لا نأكل إلا معا ولا نشرب إلا ~~حليبا واحدا! أمن العدل أن ينهدم هذا المأوى على رأسي، وأن ينفتح ذلك القلب، الذي ~~لم يعرف الجرائم ولم يلطخ طهارته بدم الآثام، ويصبح هوة يقبرني بها حية في أعماقها؟ ~~لا، لا يمكن أن يكون ذلك! أجل، أنت كاذبة! وكذبك تجاديف مدنسة!» ثم صمتت فترة وبصوت ~~ضعيف تراوده التأثرات النفسانية، قالت: «آه، يا جوسلين! ms51 آه يا أخي، ماذا فعلت وأين أنت ~~الآن؟ أين أنت لتسمع ما يقول هؤلاء الناس فتسرع لنجدتي، أين أنت يا جوسلين؟ لماذا لا ~~تدافع عن حبيبتك لورانس؟» فلم أقدر أن أهدي روعي فوثبت إليها في وسط هذا المشهد ~~الأليم، وما كادت تراني حتى قفزت قفزة واحدة إلى عنقي وحوطته بذراعيها الواهيتين ثم ~~لامست جبيني وعيني بشفتيها الباردتين وضمتني إليها ضمة شديدة، وأخذت تضطرب بين ذراعي ~~وتتلوى كالحية قائلة: «من يجسر الآن أن ينزعه من بين ذراعي؟ أجبني يا جوسلين، قل لي ~~إذا كنت قد خنت صديقك وحبيبتك وأختك! أجب يا جوسلين، تكلم، خذ بثأري وثأرك وقل لهم من ~~نحن وأي حب يربط قلبينا!» # بقيت واقفا بدون أن أفوه بكلمة وقد غمرتني أشعة ~~رهيبة، وشعرت أن ذراعي تكبل ذلك القلب الذي يحبني دون الناس بسلاسل من حديد، فأخذت أبحث ~~عن مهرب ألجأ إليه غير أن ذراعيها كانتا تضغطان بشدة على عنقي، وأخيرا تمكنت من التخلص ~~منها، قائلا: «لا، لا تلمسيني، فلم أعد ذلك الرجل الذي تعرفينه، فما أنا إلا ...» ~~فقاطعتني قائلة: «لا تكمل! لا تكمل!» فلم أصغ لكلامها وأردفت قائلا: «ما أنا إلا راهب ~~يا لورانس! لقد خنت حبي وسعادتي وقسمي، وشربت دمي ودمك في الكأس الأولى التي رفعتها ~~بيدي، لقد خنت أكثر من إله بخيانتي إيمانك الحي، فاهربي مني، ولا تسمعيني كلمة الوداع ~~الأخير، لا تنظري إلى بائس نظيري بل حولي عينيك عن وجهي، لا بل اسحقيني بقدميك كما ~~يسحقون حشرة بين الأوحال! والعنيني ولا تضطربي! واحتقري نفسي المنطفئة وقلبي الخائن!» ~~قلت ذلك وارتميت على الأرض منطرحا على قدميها لتتمكن من المرور على جسدي وتسحق حياتي ~~الملتهبة وجبيني الشاحب، ولكنها تراجعت شيئا فشيئا، كما يتراجعون عند رؤية الأفعى، ~~وصرخت صرخة واحدة كأنما قلبها المنسحق قد انفجر مرة واحدة وقذف من شفتيها، ثم ارتمت ~~على جسدي واهية القوى فشعرت بيديها تثلجان وبلهاثها يتقطع شيئا فشيئا فأخذتها بين ~~ذراعي وجعلت أدفئها لاعنا نفسي ألف لعنة، ثم قلت لها بصوت عذب: «اغفري لي ms52 يا لورانس! ~~وأفيقي من سباتك! أفيقي وارجعي إلى الحياة، فسأجحد فضائلي المرذولة وقسمي المقدس! لا ~~إله إلا في قلبك وبين ذراعيك، ولا معبد إلا في نفسك الطاهرة الشريفة! أفيقي يا لورانس! ~~فلا سماء إلا في عينيك ولا نفس إلا نفسك! لقد كذبوا يا حبيبتي، فعودي إلى الحياة: إن ~~جهنم لا تنفتح لمثل هذا الحب!» # عند ذلك اقتربت الراهبة والمعاز شاحبي اللون، مضطربي الأعضاء، ونزعا لورانس من بين ~~ذراعي ... لورانس العذبة ... لورانس الجميلة ... فأبصرتها تنتعش قليلا، ورأيت شعورها الذهبية ~~تسترسل من جبينها الأبيض كأنما هي أجنحة ملاك ألقت عليها الشمس جواهرها اللماعة، ~~فلبثت محدقا في باب الكهف وقد تواروا عن نظري! # مغارة النسور في 15 آب سنة 1795 # يا ابن الله، لقد رشح النزع من جبيني كما رشح من جبينك في تلك الليالي الثلاث، ليالي ~~الأرق والآلام! آه! لماذا لا أسمع ذلك الصوت قائلا لي كما قال لك في جبل الزيتون: «لقد ~~انتهى كل شيء!» أأقدر أن أحمل ثقل المستقبل في فؤادي؟ وأن أسمع صدى الآلام يقول لي في ~~كل مساء: «لا تنتظر شيئا هنا، لا تنتظر شيئا هناك! لا تنتظر شيئا في الغد! إن حياتي ~~لضريح ألقى الله ذكرياتي بين جدرانه! رب! لماذا أنا أحيا؟ لماذا أستفيق من ~~رقادي؟» ~~••• # الموت؟ أجل! ولكن عفوا ... لقد نسيت أني كاهن! كاهن! رسمته الآلام في ظلمات ~~السجون! ~~••• # لقد فطمني الله عن حليب الملذات! فلأشرب إذن كأس العذاب حتى الثمالة! ولأرفع تنهدات ~~الله إلى مذابح الدموع! ولأضم إلى صدري أبناء البؤس بشفقة ورحمة! رب! اسكب في نفسي ~~حبك الطاهر لأذيبه في قلوب العالم كما كنت أذيب حبي في فؤاد تلك الفتاة! وليكن كل ولد ~~من أولاد الإنسانية بمثابة لورانس! أجل! إن في أعماق السماء حيث يراك الإنسان كاشفا عن ~~وجهك، في ذلك المدى الأزرق، في مروج الكواكب النيرة، يتراءى لنا عالم فسيح الأرجاء ~~أعدته يداك الإلهيتان مأوى للحب الطاهر! رب! إني لأنطرح على قدمي عزتك، ولا أرجو من هذا ~~العالم غير الذي نلته، من الناس ms53 من يحلمون بسماواتهم ولكن أنا لا أحلم بشيء لأني رأيت ~~سمائي! # عن المغارة في 16 آب سنة 1795 # أيها القلب، أغلق نفسك كحفرة فارغة! أيتها الزفرات، ارقدي في طيات قلبي رقادك الطويل! ~~وليختبئ اسمك إلى الأبد بين جدرانه القاتمة! واحذري أن تتصاعدي إلى شفتي من خلال أحلامي ~~المنطفئة! وليجهل الناس المنخدعون أن حبي لهم إنما هو وقف لك وحدك! ولتفترس النار ~~الإلهية، تلك النار المضطرمة في قلبي، اسمك المقدس بلهيبها الطاهر! وليخفف هذا السر ~~العظيم عن كل إنسان، إلى أن يحجبه القبر في ساعتي الأخيرة! # ولكن لورانس، آه! فلتحي طويلا في هذا العالم، ولتتناس اسمي الدنس حتى يجيء الموت ~~ويجمعني بها في العالم اللانهائي! # | العهد السادس # 26 آذار سنة 1796، في مأوى بيعي من مآوي غرونوبل ~~أثناء اشتداد الحمى # تركت إلى الأبد عدن حياتي، حيث ظهرت حواء لقلبي كما ترك الرجل الأول عدنه الأولى! ~~ولكن! كم أتمنى لو يتيح لي منفى كمنفاه! لقد قضي علي أن أطعن ذلك القلب الذي أهواه ~~بمدية الظلم، وأن أخنق قلبي وألقيه في حسراته! أراني مضطرا أن أرمي سعادتي على قدمي ~~غير متجاسر أن أحول إليها نظرة من عيني الباكية، ولا أن أتلفظ باسم من أندب وأرثي! أجل! ~~يجب أن أحيا وأمشي بلا خيال، وحيدا، دائما وحيدا، ميتا بين الأحياء، ناسجا من ثوبي ~~الأسود كفنا لآلامي! ميتا! آه! لا بل حيا بين هؤلاء الأموات أولي النفوس المثلجة، ~~وإذا كنت في قبر من الظلمة فلكي أغذي الديدان من دمي! ~~••• # آه! ماذا اقترفت أيتها العدالة الخالدة لأجازي صغيرا بمثل هذا العذاب؟ فلولاك، ~~لولا مشيئتك ما لقيت في طريق الحياة ذلك الحب الطاهر الذي أمسى فخا معدا لقلبي! ~~ألم أهرب، وأنا ملتهب بخمرة الشباب، من ذلك الخطر الإنساني لكى أنجي قلبي الطاهر ~~وأبقي على طهارة عيني؟ ألم أقم جدارا مظلما بين العالم وبيني؟ وعندما لجأت إلى ~~الكهف دافنا نفسي بين نواتئ الصخور، لائذا في وكنات العواصف، أعنها كنت ~~أبحث يوم ذاك أم عنك يا إلهي؟ من جاء بها إلى ms54 ذلك ~~المكان وألقاها أمانة بين ذراعي؟ من أمرني وأرغمني أن أشاطرها آلامها وهي غريبة عني ولا ~~علم لي بكنه أمرها؟ من سكب علينا عنايته وتعهدنا في تلك الأصقاع الرهيبة؟ ألست أنت يا ~~إلهى؟! فلماذا توجب علي إذن أن أتركها وأن يحمل كل منا نصف الآخر في مطارح غربته؟ ~~... # إذا كان الله هو الذي قد صنع ذلك، فلماذا أكفر عنه أنا، أمن الواجب أن يدفع البريء ~~عن المجرم، ولكن، إذا كنت لا تخنق سواي بحديد مظالمك أيها الإله فأنا راضخ لشرائعك نازل ~~عند رغباتك! أجل، سأعرف كيف أتحمل خدمتك هذه، تلك الخدمة الطاغية حتى الموت! ولكن ~~لورانس! ... لورانس المأخوذة بحبائل الإنسان! لورانس المظلومة! لورانس البريئة؟! أمن ~~العدل أن تسخط علي وتجدف على خالقها؟ ~~••• # لورانس! رحمة وغفرا! عودي إلي! سامحيني! ضحيت بك في سبيل الله ولم يكن إلهي سوى ~~قلبك الشريف! كنت أخال نفسي ربا! ... لا! ما أنا إلا رجل يلعن انتصاره قبل أن يحترق! ~~إني أكفر عن فضيلتي المزورة! أتسمعين يا لورانس؟ إني أترامى على قدميك فاتحا ذراعي ~~لاستقبال حياتك! آه! أتسمعين؟ عودي إلي! عودي حية أو ميتة! فأصعد بك إلى سماء قلبي، ~~حيث نصم آذاننا عن لعنات الملأ الأسفل، ونغلق مسامعنا عن عجيج الملأ الأعلى! إن ~~نقاوة القلب والشرف لأسمى من فضائل البشر! تعالي، ولنذهب إلى الأسرار، حيث نختبئ عن ~~أعين الإنسانية بما في قلبينا من الحب الذي لا يحجبه إلا ظلمات القبور! عندما يحطم ~~الموت كئوس الحياة بين أضراسنا، من يدري من كان العاقل ومن كان الجهول من الذين شربوا ~~تلك الكئوس كما أراد الله أن يشربوها! حياة معك يا لورانس ثم موتا أبديا! حياة معك ~~ثم جهنم ونيرانها! حياة معك ثم موتا لنفسينا! ~~«يسمع جرس الكنيسة يعلن صلاة المساء وينادي الرهبان.» ~~«الأحداث إلى المعبد.» # هو ذا النحاس المقدس يدوي في الفضاء، هو ذا الصراخ العلوي يناديني إلى أقدام الهيكل، ~~آه! إن قلبي الضائع يستفيق لدى ندائك أيها النحاس! ~~••• # إنك تطرد أفكاري المخجلة من جبيني التائه أيها الجرس! إنك ms55 تدفع الجريمة واليأس إلى ~~هوة التلاشي، وتنحب نحيب نفسي الخاطئة وقلبي الأثيم! فكم من نفس معذبة حلمت بنعيك ~~الرهيب! وكم من زفرة حرى صعدت إلى الله على أجنحة أنغامك! وكم مرة أعلنت نهاية الآلام ~~عند حشرجة الروح! أنت تنشد أغاني الفجر وأنغام المساء على مسامع الموتى الراحلين! إيه، ~~فبعد قليل من ساعات النفي الأليم تسمعين أيامك تدق في السماء يا نفسي! فلنمش، أجل ~~فلنمش خافضي الرءوس كمن يتثاقلون تحت أحمال أفكارهم، إلى الله المواسي الرحيم! # عن حجرته، غرونوبل في 14 أيار سنة 1797 # منذ عامين وأنا بين رجال الله ساكبا نفسي على موقد الفناء المقدس، غير أن منظر هؤلاء ~~الرهبان، رهبان السلام والسكينة، لم يستطع أن ينزع الحسرات من مكامن قلبي! # إن حمل الأيام لخفيف الثقل على نفوس هؤلاء البشر! فبسمات العذوبة لا تفارق مراشفهم، ~~ولا يسمع من صدورهم زفرة من زفرات الألم! آه لو أمكنك أن تسكن سكونهم أيها القلب ~~الخافق! آه! لو قدرت رؤيا الماضي أن تتلاشى من عيني كما تتلاشى الأحلام، لو قدرت أخيلة ~~هذه الجدران أن تحجبها عن نظري! ولكن لورانس لا تزال تتراءى لي ماشية أمامي كيف اتجهت؟ ~~وأين تحولت؟ يخيل إلي أني أراها تضيء بين جدران الدير وتحت كل عمود من أعمدة الكنيسة، ~~وإذا أغمضت عيني محاولا أن أهرب من ذلك الطيف الحبيب تتراءى لي ساجدة على هيكل ~~نفسي! # إيه قمم الجبال! يا نسيم الأزهار الطاهر، يا أمواج الأنوار البهية، يا هواء الغابات ~~العاصف، أيها الضباب المتلاشى على المرتفعات، يا مياه البحيرات العذبة، أيتها السيول ~~المنحدرة من أعالي القمم، حيث كنت أضم باكيا جذوع الأشجار بدلا من هذا الرخام ~~البارد، وحيث كنت أسمع قلب الله يخفق في كل ذرة من ذرات الطبيعة، إن نفسي لتحطم جدران ~~هذا السجن بقنابل زفراتها باكية أول شفق للشباب ما كاد يبرز حتى توارى! يخيل لي أن هذا ~~السقف المثقل علي يزيد الحياة آلاما ويضغط بشدة على القلوب، وأني أتمكن من استنشاق ~~الهواء نقيا في غير هذا المكان، وأن ms56 الهواء الطلق يعينني، كما يعين النسور، على ~~الارتفاع إلى عرش الخالق أكثر من هذه التقاليد الباردة! # بيد أن هؤلاء الناس لسعيدون تحت تلك الشرائع، فهم يتبعون طريقهم بدون أن تحدثهم ~~نفوسهم بالعدول عنها، ذلك لأنهم لم يستنشقوا هواء العواصف الناري، ولم يدفنوا بين ~~أذرعهم قلبا من القلوب، فأيامهم لا ظل لها، وأفئدتهم لا طية فيها! # في 25 تموز سنة 1797 # ما كنت عارفا أن الظواهر الباطلة ستكدر براءتنا حتى القبر، وأن العالم سوف لا يؤمنون ~~بطهارة قلبينا يوم كنا في تلك الجبال وحيدين لا حارس علينا سوى عين الله! فهذه الريبة ~~مكتوبة على جميع الجباه، ويعتقد هؤلاء الكهنة بالرغم عن عذوبة كلامهم، أن وجودي بينهم ~~خطر على فضائلهم! فيخافونني ويتجنبونني، كأني رجل بائس أصيب بالبرص! أجد نفسي وحيدا ~~في كل مكان تطؤه قدماي: وحيدا على أقدام الهيكل، وحيدا على المائدة، وحيدا في الدرس، ~~وحيدا في راحات المساء، ومذ يسمعون وطء أقدامي على أدراج الأروقة يخفتون أصواتهم ~~ويقطبون حواجبهم ويتراجعون لدى مرور طيفي بينهم ولا يعودون إلى الحديث إلا عندما أكون ~~قد تواريت! # غرونوبل، آب سنة 1797 # قال لي الأسقف: «لقد كثرت عنك الأقاويل يا ابني، غير أن طاعتك وانقيادك ليكفران ~~عنك، إن التوبة لنار تصهر القلوب فتجدد الحياة!» ~~••• ~~«هناك في جبال الألب قرية تكتنفها الثلوج طيلة ثمانية أشهر من السنة فتغلق جميع ~~الطرقات دون القرويين ولا يصبح المرور مستحيلا إلا متى جاء الصيف وذوبت الشمس تلك ~~الثلوج، هناك، بعض قبائل من الفلاحين البؤساء منتشرة في بعض الأصقاع، لا راع عليها سوى ~~عين الله بين تلك الغيوم المتلبدة والأعاصير الهدارة، أرى من الرحمة يا ابني أن تتخذ ~~تلك المملكة مقرا لك، وأن تسهر على هؤلاء البائسين وتتعهد نفوسهم بالعناية الدينية ~~التي وضعها الله في صدرك، فمعبد تلك المملكة من خشب الغابات وسقفه من القش اليابس، ~~ولكنه أسمى من المعابد ذات الأردية الحريرية والبنايات الفخمة؛ لأن نفس الفلاح القروي ~~لأطهر من نفس الرجل الذي يكون قد ربي في المدن بين فساد البشر ms57 ومطامع الإنسان! اذهب يا ~~ابني وليحرسك الله!» # في 17 أيلول سنة 1797 # أجل سأذهب، سأمزج نفسي بالوحدة والانفراد، سأسلخ أقدامي على طرقات أشد وعورة من هذه، ~~فباركني يا الله، ولينطفئ قلبي المشتعل بالحب على أقدام مذبحك، ذلك القلب الذي لقي جزاء ~~حبه، أجل فلينطفئ ليضطرم، وليمت ليحيا! ... # كتاب إلى أخته # بعد سبعة أشهر، عن قرية فلنيج، أيار سنة 1798 # يا أخت! أي اسم أرق عذوبة # في مسمعي من اسمك ~~المستعذب # اسم تفيق لديه ذكرى ما مضى # من ذلك العيش اللذيذ ~~الطيب # أيام كنا والحياة ضحوكة # والحب بسام اللمى ~~كالكوكب # نلهو ونمرح في حديقة كوخنا # إن تلعبي بحصى الجداول ~~ألعب # إن تبسمي للزهر أبسم مثلما # إن تطربي لغنا البلابل ~~أطرب # إن تنثري الأوراق أنثر باقتي # إن ترغبي في جمع ذلك ~~أرغب # أيام كنا تائهين مع الصبا # أيام كنت فتية ~~وأنا صبي # أيام كان القلب عشا للصفا # أيام أمي كان يسعدها ~~أبي! ~~••• # أمي! ترى ماذا جرى لفؤادها # بين العواصف والدماء ~~الزافره # ماذا جرى للورد فوق خدودها # هل أذبلته صروف دهر ~~جائره # هل بدلت تلك الملامح بعدما # كانت كأزهار المروج ~~الناضره # وهل الأشعة في نواظرها خبت # فتجهمت تلك العيون ~~الطاهره؟ # بسمات مرشفها العذاب هل انثنت # أم لا تزال على ~~المراشف ظاهره # وجبينها، هل باقيات فوقه # أحلام عاطفة الفؤاد ~~الحائره؟ # هل بيضت أيدي الفراق شعورها # ومضت بأنغام الحنان ~~الساحره # أنغام رقة صوتها وجماله # وعذوبة من لفظها ~~متناثره؟ ~~••• # أمي! أراها من خلال مدامعي # تحنو علي بسكرة ~~وتألم # وتذيب في نفسي عواطف نفسها # وتدب في قلبي الهيام ~~وفي دمي # ما زلت أبصرها كما أبصرتها # يوم الوداع الكالح ~~المتجهم # في عينها دمع وفي أعضائها # رجفات مضطرب ورعشة ~~متهم # يا أخت، هلا ذكرتك رسالتي # بجمال عهد صفائنا ~~المتصرم # أيام كنا بين أذرع أيم # نلهو ونلعب بين أذرع ~~أيم؟ # يا أخت، تلك الذكريات أليمة # فتكت بقلب الراهب ~~المتظلم # لم يبق مني غير جفن تائه # بين المظالم في رواق ~~مظلم! # والآن يجب أن أصف لك هذا المأوى الهمجي، حيث أراد ms58 الله أن أصرف أيامي، حتى إذا ما ~~شئت أن تذهبي بالأحلام الى حيث يأوي شقيقك المخلص تدفعين أفكارك دفعة واحدة بين الجبال ~~والأودية وتجلسين قريبا من الموقد تتحدثين إلى أخيك بما يوحي إليك قلبك الرقيق ونفسك ~~الشريفة ... # على قمة علياء من قمم «الألب» # مقابر فيها معبد قام ~~للرب # تسلقت الأعشاب والشوك جدره # وقد رفعت سقفا عليه ~~من العشب # أقامت حواليه الصخور حواجزا # فما صاعد إلا على ~~مسلك صعب # من الشرق أدواح يحركها الهوا # وسحب يلاشيها النسيم ~~من الغرب # يرى السهل في الإقصاء أخضر بارزا # خلال غصون الحور ~~أو ورق الدلب # وزرقة أمواه البحيرات تنجلي # فيغطس فيها البدر أو ~~جسد السحب # يحف بها غاب كثيف كأنه # جيوش من الأبطال تزحف ~~للحرب # مشت زمنا حتى إذا غلب الصدى # عليها أحاطت بالبحيرات ~~للشرب # وفي ذلك المرج الخصيب مواكب # من النعجات البيض تمرح ~~في الخصب # كأني بها إذ تنشق الزهر ترتمي # من السكر فوق العشب ~~جنبا إلى جنب # وفي القمم العليا ثلوج تجمدت # وقامت كجدران على ~~الشفق الرحب # كجدر من البلور تلمع في الضيا # فترمي بأنوار على ~~سجني الرطب # ألا طالما أصغيت في هدأة الضحى # إلى نغمة العنيز ذي ~~النغم العذب # وأبصرت فلاح الحقول وحوله # نعاج تلهت بالزهور عن ~~الوثب # وكم مرة أصغيت والليل ساكن # إلى زبد «الشلال» يسقط ~~في قلبي # وحدقت في الأكواخ ألهو بسرجها # وقد برزت وسط ~~الدجنة كالشهب ~~••• # نوافذ بيتي أربع قد تشابهت # من الجدر تبدو كالعشاش ~~من الثقب # فتفتح في الإصباح هدب جفونها # وتظهر في الإمساء ~~غالقة الهدب # يحط السنونو كل يوم رحاله # عليها ويأتيها الحمام ~~لدى الأوب # كأن إطارا من رخام يحيطها # تخلله الأبنوس من خشب ~~صلب # وفي الساحة السفلى فراخ صغيرة # وبعض دجاجات وقن ~~من الترب # حفرت بصخر فيه للماء قربة # وسمرت ألواحا من ~~الحور للحب # وعندي كلب يا له من مداعب # إذا نمت أغفى أو مشيت ~~مشي قربي # له شعر كالقطن أبيض ناصع # وعينان سوداوان كالمخمل ~~الرطب # تخلى جميع الناس عني فلم أعد # أرى في انفرادي من ms59 ~~صديق سوى كلبي # وخادمتي «مرتا» كأم شفيقة # تعهد نفسي بالعناية ~~والحب # أقضي نهاري في السهول معلما # أبث تعاليم ~~الديانة في شعبي # وحين يجيء الليل أدخل مخدعي # وأجلس مرتاح الضمير إلى ~~كتبي # ومذ يتراءى لي خيالك باسما # وينفذ من جفني الكئيب ~~إلى لبي # يعاودني حزني فأذرف أدمعا # يراودها نوحي ويقطعها ~~ندبي # لا بد أنك تسألينني عن سبب وجودي في هذا المكان، أليس كذلك؟ وأنا أيضا طالما سألت ~~نفسي عن سبب ذلك، غير أن الحكمة الإلهية لأسمى من أن ندركها نحن يا عزيزتي، ففي هذا ~~الجبل فلاحون جهال لا مرشد لهم ولا من يتعهد نفوسهم يتخاصمون ويتنازعون وربما أدى بهم ~~الأمر إلى أبعد من ذلك، ألا ترين من الحكمة أن يكون بينهم راع صالح يضع الوفق في ~~قلوبهم ويسكب السلام على أنفسهم؟ # تابع لرسالة إلى أخته # في 5 أيار سنة 1798 # أستفيق كل صباح على دوي الجرس معتقدا أن ملاك الرب يناديني بتلك الدقات الهزازة ~~وأستدعي الفلاحين إلى المعبد فيغدون جماعات ويسجدون حولي بعبادة وتقوى، فأشعر أن إله ~~المساكين يهبط من السماء ويحل في نفوسنا. كم من زفرة تتصاعد من الصدور إلى أذان الفجر ~~الطاهر، وكم ثقل من أثقال القلوب يرتفع إلى السماء على حرارة التنهدات كما ترتفع ~~الدخنة من المباخر، وبعد أن أتلو آيات الإنجيل أعظ على مسامعهم المنتبهة بكلام الرب، ~~فهذا الشعب الساذج يحب معرفة الأمثال الصالحة ... # وعندما أنتهي من عملي هذا أجلس إلى بعض الصبية الصغار فأعلمهم الهجاء مذوبا في ~~نفوسهم لهيب الإيمان واضعا في شفاههم قطرات من حليب المحبة، ثم أعود إلى حديقتي فأحرث ~~بعض زوايا صغيرة وأزرعها أزهارا من جميع الألوان أو أحصد الأعشاب لعجلتي وأجمعها كوما ~~كوما على الأرض، وقبل أن ينتهي النهار أتفقد الفلاحين في أكواخهم مارا من باب إلى ~~باب وفي يدي كتابي المقدس فأحيي هذا وأبارك تلك ساكبا في جميع النفوس قارورة الأمل، ~~وهكذا ينتهي النهار بدون أن أشعر به! عندي كثير من الأشياء أود أن أقولها لك غير أن ~~الجرس يدق، إلى ms60 اللقاء! # | العهد السابع # عن قرية ولادته، 3 تموز سنة 1800 # رب! بأية حالة رأيت أمي بعد غياب طويل؟ لم تشأ أن تموت في باريس فآثرت المجيء إلى ~~قرية ولادتها، حيث قضت الحياة بالقرب من زوجها ورأت ولديها ينشآن في حضنها ويترعرعان ~~تحت ذراعيها! # قضيت الليلة مصليا على حافة فراشها وعندما برزت نجمة الصباح قالت لي: «تشجع يا ولدي! ~~إني أشعر بأصابع الموت تلامس جبيني، فسأتركك إلى الأبد، اذهب وأيقظ شقيقتك ... ولكن لا، ~~لا تفعل، فأختك حامل وربما تقتلها رؤية النزع، فيجب أن تنجو بها وأن تضع حاجزا بين ~~مشهد الموت وبينها»، فأشعلت شمعة وبعد أن صليت ساجدا على أقدامي وضعت في فمها قربانة ~~الحياة ومسحت جسدها بالميرون، ثم قبلت جبينها باكيا وبعد دقيقة رفعت عينها إلي، ~~وقالت: «جوسلين، جوسلين، لا أزال بحاجة إلى شيء آخر يا ابني.» ~~- وما هو يا أمي؟ ~~- أن تهبني الغفران، غفرانك يا ولدي ... فالتضحية التي رفعتها على مذبح حبك لي ولأختك ~~تثقل ضميري وتعذبني! # فلم أجب وألصقت شفتي على يديها الباردتين! «آه! لقد أقفلت أبواب العالم في وجهك يا ~~حبيبي، غير أني سأهيئ لك مسكنا أفضل من هذا، حيث الحب والسعادة لا يذبلان!» ثم شعرت ~~بالموت يمر أنامله على أهدابها، فقالت «اتل على مسمعي تلك الصلوات الإلهية التي ~~ترافق النفس إلى مقرها الأخير»، فرضخت، وكانت تردد ما أقول بصوت كأنما هو همس الموت في ~~آذان الحياة، وفجأة انقطع صوتها فكانت تكمل الصلاة بين ذراعي خالقها، سقط الكتاب من يدي ~~واستسلمت للدموع! # أول آب سنة 1800، على ضريح والدته، في الليل! # أيها الليل! اغمرني بأخيلتك السوداء، غدا أترك إلى الأبد هذه الأرض المقدسة، وهذا ~~الضريح الذي يضم نفسي مع جسد أمي! آه! ليس بيني وبينها إلا ستار الموت على هذا السرير ~~الترابي! لا يحول بيننا إلا طبقة من الرماد، طبقة خفيفة الثقل، غير أنها تحجب العالم ~~بأسره! أيها الليل، دعني أرقد قريبا من أمي، ألامس شعرها اللطيف، أقبل جبينها الشاحب، ~~أصغي إلى دقات قلبها الميت لأسمع صوت الله ms61 من تلك النغمات المأتمية! أبلل ترابها ~~بدموع عيني وأجبله بزفرات قلبي! ~~••• # رب! تجل لي بين هذه القبور! يا روح أمي، خاطبيني من عالمك اللانهائي، فالصلة التي ~~كانت تربطنا على هذه الأرض لا تزال بيننا ولم يتبدل سوى الوقت والمكان! غير أن قلبينا ~~اللذين فرقت بينهما مسافة الموت يتألمان سرا، وكل منهما يبحث عن مكان الآخر، أتسمعين ~~الآن؟ إن عينيك ما عادتا تعرفان الزمان والموضع والرجوع والذهاب، وحبك ما عاد يشغل ~~فراغ قلبك النسائي، ولكنه لا يزال يغلف نفسي بغلاف من الطهارة المقدسة! أما أنا فإذا ~~جئت في الليل إلى هذا المكان الرهيب، أبلل ضريحك بدموعي وأذيب روحي في هذا الأثير ~~الطاهر، فما ذاك لأن زفراتي تلهب حفنتك وتدب فيها حرارة الحياة فتصغي إلي بعين ~~ومسمع، بل إن الآلام العذبة، تلك الآلام العمياء، تقود الأقدام على غير علم منها إلى ~~حيث يذهب القلب! # تدفق! تدفق يا قلبي! أيتها الأرض، اشربي دموعي، فدموعي قطعة من كبدي! إيه تراب مهدي، ~~ألا أقدر أن أعيد إليك هذا الجسد الذي جبلته بيديك! ألا أقدر أن أسكب حياتي دموعا من ~~عيني، وأن أرجع هذه الدموع إلى حيث غرفتها، كما ترجع المياه التعبة من الجري وتدخل في ~~الأرض على قيد خطوتين من ينبوعها؟ ~~••• # أمي، ما قلت لك مرة: إن الانسان لن يعرف الحب الحقيقي إلا متى فقد ذلك الحب! # الحب! ألم أكن قطعة من أمي؟ ألم ترضعني حلب ثدييها؟ وتفتح نفسي ببنان حبها؟ وتدفئني ~~بين ذراعيها؟ ألم أستنشق هواء صدرها الطاهر طيلة أشهر تسعة؟ ألم يوح إلي خفقان قلبها ~~عواطف نفسها المحبة؟ ألم يكن جسدي كل جسدها؟ ~~••• # أمي، عندما شببت تحت ذراعيك وفتحت أذني لنغمات صوتك العذبة، كم من عالم وكم من سماء ~~أنارا حداثتي من خلال بسماتك! لقد كيفت عقلي بتعاليمك المقدسة، وكان طرف ردائك شفقي ~~الجميل، وأشعة نفسي ذرة من ضيائك، آه! من كان يستطيع يوم ذاك أن يفرق بين ذينك الوجودين ~~ويعطي كلا منا قسمته من الحياة، فاصلا إلى جزأين ما كان جزءا واحدا؟ ms62 ~~••• # لقد كنا اثنين في شخص واحد يا أمي! كنت الجذع وكنت الغصن النضير! كنت الصوت وكنت ~~الصدى! كنت الينبوع وكنت الماء! تلك وحدة عميقة وقوية، تلك وحدة النفوس التي لا يقوى ~~على ملاشاتها سوى الله مبدع الكائنات! ~~••• # أمي، لا أزال ولدك حتى عند موتك! أتقدر السماء أن تملأ فراغ نفس الأم في السعادة ~~الخالدة، حيث الفضيلة تناديك إليها؟ لا! إن قلبك ليطلب ولدك أو العدم! آه! إني أؤمن ~~بالعدم أكثر من إيماني بغيابك! أشعر بجبيني يضطرب كاضطرابه عند قبلتك، يقولون: إن ~~الوجود الحقيقي هو بين ذراعي الخالق، فالخالق وطن الأحباء والبائسين! # | العهد الثامن # باريس في 16 أيلول سنة 1800 # أرجعت شقيقتي إلى ذراعي زوجها، لقد كانت العودة أليمة وعذبة! أليمة بما تحمله من ~~الحزن والأسى، وعذبة لمرأى البنين الأطفال بعد غيبة طويلة! فثوب شقيقتي الأسود كان يحجب ~~أفراحا تتغلغل في صدرها لدى كل وثبة من وثبات أولادها الصغار، فالأسف والحسرات التي ~~قاستها بعد موت والدتي اضمحلت جميعها عند رؤية أطفالها! فكم من عاطفة تتراءى لدى كل ~~طرفة من عينها، وكم من حب يتجسم في كل حركة من حركاتها! إن الحياة مزدوجة في قلوب ~~الأمهات؛ فعندما يتوارى الماضي ويضطرب المغيب ترى الأم ذلك المستقبل يشرق من جبين ~~أولادها بكل ما في النور من الأمل وينعكس على مغيبها كما تنعكس نجمة الصباح على مرآة ~~الليل الراحل! # باريس في 12 أيلول سنة 1800 # قبل أن أعود إلى منفاي الأبدي، أرادوا أن أبقى بينهم بعض أيام إلى أن تكون شقيقتي ~~المسكينة قد ألفت الفراق، فتوهمت أني أتمكن من سمع ضجيج العالم في تلك المدة كما ~~يسمعون الأمواج تتلاطم على الصخور من على كثيب قائم على مقربة من الشاطئ. # إن ضجيج الإنسانية ليزعج نفسي في هذه المدينة الهائلة! فعواصف النفوس تضطرم في باريس ~~وتغلي غليان القدور! أسمع أصوات الشعب تزأر من بعيد كأنما هي محيط عظيم تتصاعد أمواجه ~~وتصطخب اصطخابا يقرب إلى الشهيق المحزن العميق! يخيل لي أن لظى الشهوات يطلع من ~~جهنم على ملايين ms63 الأرواح في هذا المحيط العجاج! وأن أسراب النساء والرجال تتلاطم ~~أفواجا أفواجا مصعدة ضجيجها المخيف إلى أجواز الفضاء! أو أن صراخا رائعا يتفجر من ~~ضمير الأرض بعد أن تكون الحمى قد تغلغلت في شرايينها ودبت في صدعها المريض! يا له من ~~ثقل عظيم يضغط بشدة على النفوس عند مرأى الإنسانية سابحة في هذه البحيرة الفاسدة! يا ~~لها عاصفة من عواصف العدم! يا له بحرا من بحور الألم! يخيل لي أن هذا الشعب يود أن ~~يغرقني في لجة عميقة من لجج الفحش! وأن عين الله لم تعد تتبينني بين هذه ~~الجماعات! وأني أشعر بجوع وعطش لم يشعر بمثلهما هذا الجم الغفير! وأن ثوبي يلتقط ~~بأطرافه قذارة الجرائم والآثام! ويخال لي أيضا أني لست سوى نقطة ماء في هذا المحيط ~~الخضم لا تؤثر في شيء من ارتفاعه وانخفاضه، أو ذرة من زبده، أو عشبة نابتة على ضفافه ~~يلطخها بقذراته ثم يسحقها بأمواجه، وأني إذا سقطت تحت قدمي هذا الشعب لا ينتبه أحد إلى ~~صراخي بل تمر المواكب المفترسة على جسدي بدون أن تكترث ولو بفكرة للذي يختبط تحت ~~قدميها! ... # ثم إن خوفا عظيما يملك قواي في باريس! فنفسي تحدثني أن لورانس تستنشق هذا الهواء في ~~هذا المحيط، وأنها تسمع هذا الضجيج، وترى هذه السماء، وتشرب من هذه المياه التي أشرب ~~منها أنا! أجل! إن تلك اللؤلؤة النقية لتغوص في هذا الأوقيانوس وتهيم في هذه الصحراء ~~الدنسة! # عندما أرفع نظري إلى مصابيح الشارع وأرى خيالا يضطرب في إحدى النوافذ أقول في نفسي: ~~«ألا يمكن أن يكون خيالها هذا الخيال؟» ثم إني أرتعش لدن كل صوت أسمعه فأحاول ألا أرفع ~~نظري إلى النساء مخافة أن ألتقي بوجه أتجنب رؤيته! # إيه! ليالي الجبل، ليالي السكون والصفاء! إيه قمر السماء المائس على قمم الأدواح ~~الشاحبة، تلك الأدواح المنحنية أمام أنفاس البحيرات الفضية! إيه أشعة الفضاء البيضاء ~~الذائبة على أعشاب المروج! إيه نسمات الأزهار ومياه الجداول! إيه أغاني البلبل عند ~~الفجر! يا أيام الجهاد المقدس! يا ليالي ms64 فلنيج! أي متى أراك وأملأ عيني من جمالك ~~العذب؟ # باريس في 21 أيلول سنة 1800 # رب لقد وضعت روحين في صدر شعبك، واحدة تنقاد إلى المجهول بفطرة مبهمة وتسبر بحار ~~الشك مكتشفة ذلك الفكر مانحة إياه شكلا يجعله واضحا للإحساس الإنساني بعد أن تكون قد ~~حولت الفعل إلى صلابة قوية، ثم تنزع ذلك الفكر من منجمه العميق كما ينزعون الذهب وتضربه ~~قطعا من النقود حسب عادات العالم، وواحدة تظل قوية وثابتة كبركان إلهي ذي شرر ناري لا ~~يفتأ يغلي غليانا شديدا، فتوحي عاطفة الحرب إلى جميع البشر متخذة هذا العالم ساحة ~~للقتال الدائم، ويعتقد هذا الشعب أنه يخدم الله بقلبه والإنسان بدمه، شبيها لشعب موسى ~~الذي قسم إلى فرقتين، فرقة ماتت لأجل إسرائيل في مطارح الأودية، وفرقة بقيت على ~~المرتفعات لترفع ذراعيها إلى الخالق وتقدم له القرابين! ... # هكذا باريس فإنها ترمي بأبنائها في هوة النزاع الدائم، فلا أرى على أبوابها إلا كتائب ~~من الجنود كأنما هي حصاد قد نما في سهول من الدم، ولا أرى إلا أعلاما ممزقة تنضم ~~العساكر تحت وشيحها المقدس! ولا أسمع دويا إلا دوي المدافع تقذف الكرات من أفواهها! ~~وباريس لا ترى في صباحها إلا غابات كثيفة من البنادق المضطربة على أشعة الشمس، ومع كل ~~ذلك فإنها تنطرح على أقدام جلاديها، نازلة عند تعاليمهم، ملتوية تحت قبضتهم النحاسية ~~كأنما هي عنق جيادهم أو قفازات أيديهم! آه! ذلك لأن الشعب نفسه هو الذي يدع الجلادين ~~يثبون إلى شكيمه، ذلك لأن الإنسانية الواهية قد تقبلت من خالقها في أشد ساعات الخطر تلك ~~الفطرة الغريبة، فطرة الوحدة والاتفاق! # إلى أين يقذف بهم هذا الموج الجارف؟ لماذا يندفعون إلى الموت بتلك البشاشة وذلك ~~الفرح؟ إن عقلهم لا يدري شيئا من ذلك، ولكن الفطرة تعرف كل شيء، هم يذهبون، كما تذهب ~~الكرات عندما تدفعها القوة! فيزلزلون الحاضر، ويدمرون الماضي، ويمحون سلطانا مندثرا ~~على مرأى من جلالك يا الله! ثم يبنون ملكا لبعض الأقدار التي لا نعرفها نحن والتي تدرك ~~أسرارها أنت! ms65 هكذا تصنع من الشعب آلة سرية لبعض الأسرار أيها المبدع، فالأمم أداة ~~الأفكار بين يديك الجبارتين، والرجل الذي لا يرى إلا الغبار والدم، فيلعن ويجدف معتقدا ~~أنك بعيد عنه وأن أبصارك لا تبلغ إليه، لا يقدر أن يدرك أن من العمل المنجز يولد عمل ~~آخر، وأن الأرض يجب أن تحرث قبل أن يزرع فيها القمح، ذلك لأنه يكون أسيرا في عقله ~~الضعيف! ~~••• # كانت قافلة الإنسانية ذات يوم معسكرة في غابات تمتد أمام شاطئ ذي منحدر صعب غير قادرة ~~أن تمد طريقها إلى أبعد من ذلك، وكانت الأشجار المرتفعة تفيء عليها حائلة بينها وبين ~~الشمس والهواء، وكانت الخيام تحبك حبالها على الأغصان الخضراء فتؤلف مدنا وقرى حول ~~الجذوع الضخمة، وكان الرجال يأكلون خبزهم ويتحدثون آمنين وهم منتشرون على الحضيض، وفجأة ~~نهضوا نهضة واحدة وأعملوا فئوسهم في تلك الأشجار فترامت تلك القبب العاليات، حيث كانت ~~الطيور قد بنت أعشاشها، وخرجت حيوانات الغابات من وجارها، وهربت الأطيار من تلك ~~الأدواح القديمة العهد محدقة إلى الخرائب بعيون ملؤها الرعب غير مدركة سبب ذلك العمل، ~~لاعنة تلك اليد الأثيمة التي هدمت مآويها! وبينما كانت الحيوانات تتفطر شفقة على ~~الإنسان كان هذا يكمل دماره العظيم ملقيا على الهوة تلك الجذوع لكي يصنع منها جسرا ~~يمر عليه! هكذا يصنع الوقت ليمر على أنقاض رسومه! إيه مبدع الكائنات، قد بيدك تلك ~~القافلة على طرق السلام كما قاد موسى شعبه إلى أرض الميعاد! # باريس، 21 أيلول سنة 1800، في المساء # يا لها من حمى تتآكل جسدي! فلتطرد من مخيلتي تلك الصورة القتالة! أحلم هذا؟ ~~أخيال ما رأيت؟ آه! نعم هي! أيها القلب عبثا تحاول أن تخطئ نفسك، فما من قوة يمكنها ~~أن تطعنك بأشد من تلك الطعنة! أجل، كان ينقص كأسي تلك المرارة الأليمة! # ذهبت أمس مساء إلى الكنيسة لأسمع كلام الله من فم كاهن مسن كان قد هرب من وجه ~~الجلادين، فلما توسطت المكان رأيت الشعب قد ملأ الرواق وتزاحم على الباب والنوافذ ~~فاختبأت في الظلام على أقدام دعامة ms66 فاتمة، حيث كانت الشموع العديدة ترمي أشعتها ~~المضطربة وألقيت جبيني بين يدي فسمعت وطء أقدام ورائي وأصواتا مختلفة لا تكاد تسمع ~~لخفوتها، وفجأة رفعت هذه الأصوات كأنما هي دمدمة السنابل عندما تلامسها أنامل النسمات، ~~فشعرت أنها هتاف دهشة وتعجب فالتفت إلى مصدرها لأرى مسبب ذلك، غير أن المرأة كانت قد ~~مرت فلم أبصر منها سوى قدها الطويل وأكتافها العارية، ثم سمعت أحد الشبان يقول لرفيقه: ~~«أجل إنها هي بعينها، فهل في السماء جمال كجمالها الإلهي؟» فأجابه رفيقه: «لا أظن ذلك، ~~فما هو إلا طيفها على ما أرى؛ لأنها تخشى حتى خيال المعبد، وأقدامها الجميلة لم تطأ مرة ~~فناء الكنائس! يقولون: إنها باعت نفسها من اليأس وإن قلبها لن يقترب إلى الهياكل ~~المقدسة!» فقال الأول: «بيد أني لا أشك في أنها هي بعينها، وإذا أردت برهانا على ما ~~أقول فانظر إلى نطاقها الأسود وإلى طوقها الذي يشير إلى أنها أرملة، وانظر إلى الذي ~~يتبعها، أليس هو شهيد أمس وصديق اليوم؟ فليسرع إلى السعادة قبل أن تفوت! فأجابه الثاني: ~~«ولكن ماذا جاءت تصنع في هذا المكان؟» ~~- جاءت كما جئنا نحن، لتسمع كلام الواعظ! يقول البعض: إنها منذ فقدت حبيبها الأول ~~أمست تميل إلى سمع الأرغن يدق أغانيه في هدأة الليل ... # عند هذا نهض الواعظ، وبعد أن لفظ آية ذهبية أخذ يتكلم عن السعادة وعن التضحية في سبيل ~~الإيمان، ثم تطرق إلى ذكر الشهداء الذين ماتوا لأجل الكنيسة والملك حتى كاد يحس قلوب ~~السامعين بعظمة ألفاظه، وكادت تتفجر الحسرات من الصدور، وتتدفق العبرات من الأعين، ولما ~~انتهى من عظته، نهضت إحدى النساء وفي يدها قارورة وجعلت تطوف بين الشعب جامعة حسنة ~~القداس حتى اقتربت من مكاني فرفعت نظري إليها، ولما تلاقى النظران شعرت برعشة تتمشى ~~في أعضائي ورأيتها تحدق إلي من خلال أحلام بعيدة كأنما هي تود أن تتبين خطوط وجهي ~~لتتأكد ما إذا كان الذي يتراءى لها خيالا أم حقيقة، وكنت أشعر بطيفها عائدا إلى عيني ~~من أعماق تذكار بعيد، ثم أبصرتها ms67 تصفر اصفرارا غريبا وتتحول من صورة حية إلى تمثال لا ~~حراك فيه، وخيل إلي أني أسمع صراخا أليما لا يكاد يتصاعد من فمها حتى يختنق ويموت ~~في نفسها، وأخيرا عادت إلى محلها شاحبة اللون بعد أن وضعت بين يدي الكاهن ما جمعته في ~~القارورة، فتلاشت قواي وغشيت عيني سحابة من الألم فلم أعد أشعر بما حولي ولا أدري كم ~~مضى علي من الوقت في هذه الحالة! ~~••• # عندما استفقت من غيبوبتي كان المعبد أخرس فارغا، لا يضيء فيه إلا شمعة واحدة يضطرب ~~شعاعها لدى هبات النسيم، فسمعت الساعة تدق ثمانية في سكون الليل، فهرولت هاربا من ~~دعامة إلى دعامة، وكانت نفسي تحاول الهرب من صدري لشدة الألم! رب! كيف رأيتها؟ بأية ~~حالة رأيت تلك الزهرة ملطخة في أوحال العالم ؟ أليست تلك الفتاة ضحية فضيلتي وعبادتي؟ ~~آه! أية ريبة قتالة تولد في نفسي؟ رب! لقد أحييت نفسا وأمت نفسا! أعدالة صحيحة ~~هذه؟ # إلى لورانس، في 12 أيلول سنة 1800 # يا ملاك الماضي ورمز فؤادي # كيف أمسيت ~~مسكنا للفساد # طالما قد بحثت عن شطر نفسي # باكيا فيك ~~مهجتي وودادي # أنت تحيا، أواه أي حياة # لم يكن ما ~~نظرته باعتقادي # سكب الطهر في فؤادك نفسا # ليس حتى تبيعها ~~بالمزاد # أترى أنت ذاكر يوم كنا # نتلهى بنغمة ~~الأعواد # ونشيد الغدير في الليل شعر # مزج الحب ~~وحيه بمدادي # عد إلى الله يا مسبب تعسي # لا تخضب ~~مستقبلي بالسواد # رب! ما كنت حافظا غير رسم # لا تكدر ~~ألوانه في فؤادي # عد إلى الحب لا تظل بعيدا # كيف يهني ~~لك الحياة بعادي # وإن اخترت أن تعمد أيضا # فدموعي وقف ~~لهذا العماد # آه لورانس كم رأيتك في حل # م ليالي مثل ~~زهر الوادي # قربك الزوج باسما بهناء # وحواليك أجمل ~~الأولاد # باريس في 16 أيلول سنة 1800 # منذ تراءت لي وعرفت الشارع الذي تسكنه أصبحت أتوق إلى منفاي الأبدي بين جبال فلنيج، ~~حيث أصغي إلى أصوات السماء وأنغام الطبيعة، نظير آدم عندما نفي من حدائق الله وجلس ~~يتسمع إلى أصوات ms68 السعادة تبتعد عنه! # هذه الليلة، خرجت إلى الظلام الحالك وكان الشتاء المتساقط على الرصيف يخنق وطء ~~أقدامي المتثاقلة، ولما بلغت الفندق، حيث تسكن لورانس جلست في زاوية مظلمة على حافة ~~مقعد حجري كما يجلس الفقير على أبواب الأغنياء فأبصرت الشباب تقله المركبات الفخمة إلى ~~أماكن اللذات، حيث ينطرح بين أذرع الغواني باذرا ما في جيبه من المال وما في قواه من ~~الفتوة، وحولت نظري إلى زجاج النافذة فشاهدت الجباه السكرى بخمرة الأهواء تلمع على ضياء ~~المصابيح، وسمعت أصوات النساء والرجال وأنغام الموسيقى كأنها نسمات الملذات التائهة، ~~وشعرت بهذه الأفراح تغرز في نفسي حديدة ملتهبة وهي صاعدة من هذه الجدران الرطبة، فخلت ~~أن النزع والموت يضطربان في كل صدر من تلك الصدور، وأقدمت على الدخول إلى تلك الحفلة ~~غير أني عدت فترددت قائلا في نفسي: «إذا دخلت فجأة وتلاقى بصري ببصرها، إذا حطمت ~~بأقدامي هذه الكئوس الملأى باللذات، إذا نزعت هذا الملاك من بين هذا الفساد وأرجعت ~~البراءة والحياة إلى جبينها الشاحب، أجل، إذا فعلت ذلك فأي حق من الحقوق يخولني أن أكون ~~بريئا تجاه القانون؟ ألم أرفض أن أكون أخاها؟ ألست غريبا عنها وهي غريبة عني منذ تلك ~~الساعة التي ودعتها فيها إلى الأبد؟ آه! لم يعد يحق لي أن أباركها، وأصلي من أجلها، ~~وأبحث عنها وأبكيها إلا في الله! لم يعد يحق لي أن أسرع لنجاتها، وأنا الذي تمنيت ~~مرارا أن أموت في سبيلها!» قلت ذلك وضممت حافة الحجر إلى صدري ثم أجهشت بالبكاء ~~مصليا! ~~••• # رب اغفر لها! إنها لم تجئ إلى هذا المكان إلا لتبحث عن ذلك الحب الذي طرحته على ~~أقدامها وهي فتاة! أنا وحدي حفرت في قلبها ذلك الفراغ الذي لا تملؤه سعادة شاحبة كهذه! ~~فليسقط العذاب على نفسي مع الجريمة! اضرب الخادع يا الله ودع الضحية آمنة! أرجع إلى ~~ذراعيك أيها الراعي الصالح تلك النعجة الضالة! تلك النفس التي شربت كأس الحب وتحاول ~~أيضا أن تملأها من ينبوعها الناضب، من يدري ماذا كانت السماء قد ms69 سكبت في إنائها لو لم ~~تحطمه تحت أضراسها؟ من يدري أي كنز لا يزال مختبئا في نفوسها؟ من يدري إذا لم تكن ~~تتمنى أن تكون المجدلية لتذرف دمعها على شعرها وتغسل به ذنوبها الماضية مذيبة على قدميك ~~طيوب نفسها التائبة! رب! اقبل دموعي عوضا عن دموعها، ولتطهر خطاياها بماء ~~عيني! # أنصف الليل وسادت سكينة عميقة في ذلك الفندق، فإذا بي أسمع يدا تفتح نافذة فوق رأسي، ~~وكان القمر قد برز في السماء وألقى أشعته الصفراء على شرفات المنازل، فرفعت عيني ~~فتراءى لي خيال امرأة، ولما أمعنت النظر فيها تبينت نحولها الجميل، فإذا هي لورانس! لقد ~~أنضج العالم جمالها الملكي بدون أن يذبله! لورانس! أجل، أبصرت عنقها الطويل منحنيا ~~بألم على كتفها العارية كأنه يحمل أثقال الملل والتذكارات، ورأيت وجهها الشاحب تنعكس ~~عليه ألوان البدر، وشعورها الشقراء تتدلى على حديد النافذة، وشممت رائحة النسيم تنبعث ~~معطرة من كل طية من طيات ردائها! ~~••• # رفعت رأسها وشخصت طويلا إلى القمر كمن ينظر إلى صورة مؤلمة، ثم أطلقت زفرة من أعماق ~~صدرها وألقت ذراعيها بوهن، قائلة: «واحسرتاه!» وبعد هنيهة سمعتها تردد لحنا جميلا ~~كنا ننشده معا في تلك الجبال وما كادت تصل إلى آخره حتى تحول اللحن إلى شهيق وتقطع ~~في الظلام، فأغلقت النافذة وتوارت عن نظري! # آه! إذن كنت تفكرين بي يا لورانس، ولم يكن بيني وبين سمائي إلا خطوتان اثنتان! لم ~~يكن بيني وبينك إلا موجة من الهواء، أو نفس أطلقه من فمي، أو اسم أناديك به! إن نغماتك ~~العذبة قد ملأت فضاء قلبي، فالهواء الذي كنت تستنشقينه قد حمل إليك لهاثي المضطرب وصراخ ~~نفسي الخافت! رب هل انتصرت على ضعفي؟ إن سكوتي ليضع اللانهائية بيننا! فأنا أبتعد من ~~هذا المكان مضطرب القلب، واهي القوى، تاركا نفسي ونفسها على أقدام رحمتك! # | العهد التاسع # فلنيج، 12 تشرين الأول سنة 1820 # لقد عدت إلى سجني الأبدي كما يعود الطائر الكسير الجناح إلى ثقب في الحائط، حيث يهن ~~ويموت! # في المساء، أرى الفلاحين يحيونني من ms70 بعيد وهم منتشرون أفواجا أفواجا بين كوم ~~السنابل، وعندما أدخل إلى باحة مأواي تنهض مرتا وفي يدها مغزل وتفتح باب غرفتي بدون أن ~~تتلفظ بكلمة، فيثب كلبي الأبيض على ثوبي ويجعل يعض حذائي أو يلجذ يدي. أيها الكلب ~~الأمين، أية رحمة وضع الله في صدرك لتحب الذين لم يعد يحبهم أحد؟ يشهد الله أني ما ~~رفستك مرة برجلي ولا قلت لك كلمة تؤلم حنوك بل إني أحترم دائما رفقك الجميل ورقة قلبك ~~كما يجب على كل إنسان أن يحترم أية مخلوقة كانت من خلائق الله، آه يا صديقي «فيدو» يا ~~أخي المسكين! إن السكوت ليفهم علاقتنا الخرساء عندما تنظر إلي تلك النظرات اللطيفة، ~~فنفس من أنفاسي يكفي أن يوقظك وأنت منطرح على حافة سريري، حتى إذا قرأت حزني في عيني لا ~~تلبث أن تبحث عن سببه بين طيات جبيني وتعض يدي بشفقة وحب لكي تلهيني عن أفكاري السوداء ~~وتسكن ما يجيش في صدري من الألم! أجل، إن الحب يفوق الذكاء، فاقترب أيها الصديق، يا آخر ~~أمل يضيء في سراج الصداقة، اقترب مني ولا تخف أن أخجل بك أمام عيون الله، تعال والجذ ~~بلسانك عيوني الدامعة وضع قلبك بالقرب من قلبي، وليحب بعضنا بعضا أيها الكلب ~~الأمين! # 8 تشرين الثاني سنة 1800 # مات بائع السلع المسكين ليلة أمس، فلم يشأ أحد من الفلاحين أن يعطي خشبا لتابوته حتى ~~إن الحداد نفسه أبى أن يبيع مساميره قائلا: «هذا إسرائيلي جاء من حيث لا ندري، فلنرمه ~~في هوة بين الصخور كما نرمي كلابنا عندما تموت لئلا يدنس مقابرنا المقدسة بجسده»، ~~وكانت امرأته وأولاده يستعطفون المارة بدون جدوى، فأشعرت صدفة بهذا العار الإنساني ~~والشكوك الفضاحة فأسرعت حالا وأخذت أوبخ هؤلاء المعارضين المسيحيين على قساوة نفوسهم، ~~وقلت لهم: «اذهبوا وانزعوا أخشاب سريري واصنعوا منها تابوتا للميت»، ولكي أعطيهم ~~أمثولة في التساهل وأشرح لهم كيف أن الله قد أوجد الشمس ليستنير بها كل إنسان من أي ~~مذهب كان، وكيف أن النعم قد أسبغت علينا جميعا بدون ms71 تفاوت سردت على مسامعهم هذه ~~القصة الوجيزة، قائلا: «بينما كان البشر يبحثون عن مقر لهم في العهد القديم كانت ~~جماعة من الرجال قد هيأت مكانا لها على ضفاف النيل، وعندما طابت لهم الإقامة أمام ~~الماء العذب قالوا لبعضهم: «إن هذا النهر لإلهنا الوحيد؛ فهو يهب الحياة للذين يردونه ~~ولا يحق لأحد سوانا أن يتمتع بمياهه.» # وفي ذات يوم وصلت قافلة إلى ذلك النهر بعد أن تاهت زمنا في الصحاري الواسعة وأرادت ~~أن تملأ قربها من الماء، فما تردد هؤلاء الرجال أن طردوها قائلين: «ماء السماء لنا ~~وحدنا فلا يحق لأحد أن يشرب منه ويحيا فعودوا من حيث أتيتم لأنكم لستم بشرا.» وكأن ~~ملاك الرب سمع خطبتهم، فقال في نفسه: «أف لعقول هؤلاء الرجال كم أنها ضيقة!» ولكي ~~يعلمهم أن ماء السماء ملك لجميع الناس، نادى شعبا كان متخذا وجهته النيل ليستقي من ~~مائه وفتح له حياض السماء فهطلت المياه بغزارة حتى ارتوى ذلك الشعب التائه في مجاهل ~~الدنيا وملأ قربه من البحيرات العديدة، إذ ذاك رفع الملاك صوته وقال لعباد النيل: ~~«أيها الشعب الأحمق، إن الغيوم تسقي في الأماكن البعيدة ذلك الشعب الذي ترفضه أنت، ~~وينبوعها أرفع وأعظم من ينبوعك، اذهب وجل في العالم تجد أن لكل ذرية نهرا يتحدر من ~~غاباته، وأن جميع تلك السيول تولد من مكان واحد، فالله يسكبها ساعة يشاء ويحولها إلى ~~أنهر وجداول، إياك أن تمنع ماءك عن الذين بحاجة إليه أيها الشعب الجاهل، واعرف أن لك ~~إخوة على الأرض وأن الذين لا يملكون ما تملك عندهم الأمطار في الشتاء والندى في الصيف، ~~وأن الله لا يفرق بين شعب وآخر فكل شعب هو شعبه وكل ماء ماؤه.» # أتعتقدون أن الأشعة الإلهية هي ملك لكم دون سواكم؟ أتعتقدون أن ليس وراء قممكم هذه ~~إلا الظلمات؟ وأن الذين لا يستنيرون بمذاهبكم وأديانكم يسيرون عميا في طرقات الموت؟ ~~لا! بل تيقنوا أن الله ينبوع النور يسكب ضياءه في جميع النفوس وفي كل الأجفان، وأن لكل ~~رجل يومه ولكل ms72 عمر أشعته، فاحذروا أن تقيموا بين الله وبين إخوتكم خيال كبريائكم ويد ~~غضبكم!» # هذه المغزاة أثرت في نفوسهم وبدلت عواطفهم فرضخوا لإشارتي طائعين! # الفلاحون # مزرعة فلنيج، 16 أيار سنة 1801 # أحيانا، بعد أن أكون قد تلوت صلاة الصباح أخرج من غرفتي متأبطا كتاب التوراة وأهيم ~~في مجاهل الحقول متصفحا سفر الطبيعة صفحة صفحة، أجل، إن الذي يستطيع أن يقرأ مثلي هذا ~~الكتاب العظيم لا يجب عليه أن يستسلم للملل أو يتظلم من الحياة! # هذا الصباح، دفعتني نفسي إلى التجوال في أعالي القمم فبلغت مرتفع هضبة وعرة تنبسط ~~على سفحها بحيرة جميلة ويحيط بها جليد تكتنفه أشجار الحور والصفصاف! بلغت تلك الهضبة ~~فتراءت لي أغصان الكستنا والأدواح القديمة العهد تجزئ في الفضاء قببها المفرضة كأنما هي ~~جدران برج قديم أعمل الزمن في حجارتها حديده القاطع! رأيت تلك الأدواح تعير السماء ~~زرقة أشد من زرقتها وتنفرج عن سهول واسعة تفيء عليها بظلالها الغضة فتدع الناظر يرى من ~~خلال أغصانها تلك البحيرة الفضية، وقد لاعبت الشمس شعاعها الذهبي على تموجات مياهها، ~~وذلك القارب الصغير ذا الأجنحة البيضاء يجري مع النسمات كما يمر جناح الطائر من غصن ~~إلى غصن، ورأيت الأوراق المرتوية من الليلة الرطبة تتدلى بعذوبة ولطف وتقطر قطرة ما في ~~طياتها من الأنداء المضطربة، فأسندت ظهري إلى بعض الجذوع وجعلت أسرح طرفي في جميع ~~الجهات، فإذا بي أسمع وطء أقدام صاعدة ذلك المرتفع وأصواتا يتخللها عجيج البقر، وبعد ~~برهة قصيرة أبصرت فلاحا جاء يحرث قطعة من الأرض ومعه بقرتان وسكة وبغل يقل امرأته ~~وأولاده، ولما اختمرت مخيلتي بمشاهد الطبيعة أخذت قلما وورقة ودونت ما أملى علي ~~الجمال! ~~••• # جلس الرجل على جذع شجرة تاركا بقرتيه تلهثان ومسح بيده عرق جبينه، بينما كانت امرأته ~~وأولاده يجمعون الدردار ويلقونه أمام البقرتين، وبينما كانتا تجتران بسكون وهدوء كان ~~الظلال ينطوي شيئا فشيئا تحت الشمس الصاعدة ويموت على أقدام الصخور وبين الأشجار. بعد ~~برهة قصيرة نهض الفلاح ووضع النير على عنقي بقرته وأخذ المقبض بيده ثم اتجه ms73 إلى طرف ~~الحقل ليفتح الأتلام. ~~••• # أيها العمل، يا سنة العالم المقدسة، كل أمر ينفذ لدى إرادتك! يجب أن ترطب الأرض ~~بعرق الجباه لكي تخصب وتنبت! يجب أن يشق الإنسان أحشاء تلك الأم، حيث تذر الأثمار ~~والزهور، كما يعض الطفل ثدي أمه ليجري الحليب في فمه! ~~••• # هو ذا التراب يتشقق تحت المحراث ويتراكم قطعا قطعا، فتتلوى الديدان والحشرات في ~~أحشائه، وتتفرق الأعشاب والجراثيم هنا وهناك، فيدوسها الفلاح برجله ويغرز محراثه بشدة ~~في الأرض، فيثب التراب من أعمق أعماقها! ~~••• # أيتها الأرض، أنت تحيين وتحيين! لقد كانت أحشاؤك جنة قاحلة، غير أن الطبيعة التي ~~كانت قد أخفت عن عيون الرجل أسرارها ومقدراتها، عادت فكشفتها له تحت أول تلم من ~~أتلامها، عندما تشققت الأرض لأول مرة، وشربت عرق الإنسانية الطاهر، نشرت السماء طياتها ~~وخفقت عروق التراب فأنشدت الملائك المستغربة ثاني معجزة من معجزات الله! ~~••• # عند هذا، نهضت الرجال المسحورة وأوثقت بقرها على العجلات، فتدفقت المدن في مطارح ~~السهول وأقلت المراكب على أجنحتها العظيمة، كما تقل السنونو إلى أعشاشها، قوت ~~الأمم! ~~••• # ولكي يحفظ كل قسمته، القسمة التي حرثها بيده، وضع حدا بين قطعة وأخرى، وشعر ~~بالعدل في قلبه فسن قانونا لجميع الحقوق نشره في كل الأصقاع، ولكي يقدس شرائعه لجأ إلى ~~الشريعة العليا وطلب القاضي فرأى الله! ~~••• # وأما الأهلون، فإنهم بدءوا ينمون من سنة إلى سنة، ونشأت محبة الوطن في صدورهم، حصاد ~~المجد والقوة، وقد زرعه آباؤهم في السهول المقدسة! ~~••• # وأما المعابد - معابد الخالق العظيم - فقد خرجت من أحشاء الصخور، واقترب إليها ~~الإنسان باكيا! فسر الله من أصوات تمجيده صاعدة من فم الرجل، ولكي يحفظ تذكار هذا ~~التمجيد تقبل السنابل على مذبحه! ~~••• # هو ذا الفلاح وامرأته يقودان البقرتين إلى نبع يتفجر من صخرة، فلتشربا مع هذه المياه ~~نسيان الأتعاب! رب! اهد كل إنسان إلى ينبوع يرد منه، فللإنسانية ساعات عطش مؤلمة، ~~وأفض من ينبوعك السري قطرات الحب والسلام على الشفاه المجففة! ~~••• # آه! كل عنده هذه القطرات الروحية، فمنهم من يشربها من قلب امرأة، ومنهم من ms74 جبين طفل ~~أو ولد، أما أنا فينبوعي ليس في هذه الأرض! ~~••• # مياه هذا العالم مرة عند من شربت شفتاه قطرات الحب! لا، ليست مياهي في هذا المأوى، ~~بل هي في زفراتي وآلامي، في شهيق صدري، ونزاع أفكاري، وأما قطرة الأمل فمن دموعي ~~أشربها! ~~••• # هو ذا الفلاح قد حل وثاق بقرتيه فنامتا بعيدا عن المحراث في ظلال أوراق كثيفة وجلس ~~مع امرأته وأولاده إلى طعام مؤلف من الثمار والبيض وقطع من الخبز، وعندما انتهوا من ~~الغذاء أخذت المرأة ابنها الطفل وأعطته ثديها ليرضع ثم أسندت ذراعها إلى جنب زوجها ~~ونامت نومها الهادئ! ~~••• # ارقدوا، ارقدوا تحت غيوم الأوراق الخضراء ولتجمعكم سنة الحب أيها الرجل والمرأة ~~والأولاد! إيه موقد الحب الخافق، يا شعلة الوجود الطوافة، أنت تصلين القلب بالقلب ~~والنفس بالنفس، وتحكمين عرى الحياة بحبالك السرية! ~~••• # هو ذا الجرس يدق من بعيد فيقف الفلاح لدى ندائه المقدس حاسر الرأس، ويجمع يديه ~~القويتين رافعا نفسه فوق الأتلام، بينما يكون الأولاد ساجدين على ركبهم، جامعين ~~أناملهم الصغيرة في يدي أمهم! ~~••• # أيتها الصلاة، يا نسما يهب على الأنفس، إن قلب الأم يتنفس بك، والهواء العاصف ينشر ~~أصواتك، وشفاه الأطفال تتلفظ بك، والأطيار تصغي إليك في غاباتها، أنت تصعدين من مكامن ~~الطبيعة كهمس سري لا يدرك معناه إلا ملائك الرب، فالتنهدات، والأوجاع، ودموع الثكالى ~~والمظلومين ليست إلا تسابيح وأناشيد! ~~••• # يا همس الصلاة المقدس، أنشد أغنية آلامي في فؤادي الوجيع، ومر قلبي الذي تحطمه ~~قيثارة النسمات السماوية، أن ينفجر نعما وبركات! ~~••• # رب! كما يزرع الفلاح بذوره في تراب السهول ويحصدها أيام النضج، هكذا حكمتك تبذر وتحصد ~~الإنسانية - تلك البذور النبيلة التي تنبت للخلود - رب! اسكب أنداءك على مروج الحياة ~~المعذبة، وليطلع الطين الحي رجالا وزهورا! # في 21 تشرين الثاني سنة 1802 # جاءني رجل يقول: «في مزرعة صغيرة قائمة على طرقات إيتاليا امرأة مريضة لا تزال في ~~ميعة شبابها تطلب كاهنا» أأصل قبل فوات الوقت يا ترى؟ # عن ملتافيرن في 22 تشرين الثاني سنة 1802 # لم يكن ينير الغرفة ms75 المظلمة إلا مصباح واحد، وكانت أخيلة الخدور تحجب الوجه عن نظري، ~~فلم أستطع أن أتبين في تلك العتمة إلا جبينا شاحبا مستلقى بوهن على وسادة السرير، ~~وشعورا شقراء مستطيلة مبعثرة هنا وهناك! ~~«يا أبت»، خرجت هذه الكلمة كالهمس من فم المرأة ونفذت إلى أعماق نفسي، فلم أدرك أي ~~تذكار مبهم رن في صداها، غير أني تجلدت وجلست مضطربا إلى وسادة السرير، عفوك يا أبت ~~وغفرانك، لقد كلفتك أتعابا كثيرة بطلبي إياك من تلك الأصقاع البعيدة، فالطرق شديدة ~~الوعورة، والأيام باردة وقصيرة، ولكنك تذكر أن المسيح كان يحمل نعجته على ظهره مهما ~~كانت حقيرة غير خائف أن يلطخ ثيابه أو يدمي قدميه، واحسرتاه! ما من أحد كان جاحدا ~~شرفه ودينه كما جحدتهما أنا: بيد أني كنت فيما مضى أحمل اسم الله في قلبي وأود اليوم، ~~قبل رحيلي من وادي الآلام، أن أعود فأموت على أقدام الراعي الصالح، طالما حولت مسمعي عن ~~صوته العذب ورميت نعمه ساخرة بها، ولكن قبل أن تحكم على ذنوبي حسب شريعة الإيمان، تنازل ~~يا أبت واسمع قصتي كصديق ذي عاطفة ووجدان! ماتت أمي وأنا في أيامي الأولى وألقتني بين ~~ذراعي والد أحبني حبا لا حد له وسقاني حنانه وعطفه إلى أن بلغت الخامسة عشرة فتوفي ~~والدي وتركني يتيمة! يتيمة؟ آه لا! لا أدري من الذي أنزل من السماء صديقا تعهدني طيلة ~~عامين! شابا ذا جبين ملكي وقلب كقلب الأم، ذا بسمات إلهية وعين ملؤها أشعة وحنو! ~~بقينا عامين منفردين معا في الجبال، وكنت أحبه بدون أن أفكر مرة بذلك الحب، وكان ~~يحبني! غير أن ثيابا خداعة كانت تخفي كنه أمري، فنشأ حبنا البريء الطاهر في كهف مظلم! ~~أجل! كان يحبني! عفوك يا أبت واغفر لدموعي! إن شفتي المحتضرتين لتستعذبان هذه الكلمة ~~الطاهرة! كان يحبني! أجل، هذه الكلمة لا تزال تدوي على حافة قبري! ومهما كانت حياتي ~~ملأى بالعار فالله لا يتخلى عني في الساعة الأخيرة؛ لأنه أحبني! ...» # كانت نبرات صوتها ترتفع ارتفاعا بطيئا غير أني ما عدت ms76 أسمع شيئا: لورانس! ... أكانت ~~هي! ما عدت أتبين إلا أشباحا تمر في الغرفة أمام نظري التائه، وكانت أفكاري تتدفق ~~كالسيول من جبيني الشاحب! فحدثتني نفسي المضطربة أن أقتلها قبل منحها الغفران المقدس ~~غير أني عدت فتجلدت قائلا في نفسي: «أأقدر أن أرفض مشيئتها وأنا رجل الله؟ آه لا! من ~~يستطيع أن يمنحها غفرانا أقوى من غفراني؟ من يتمكن أن يذوب في أجفانها روح الله غير ~~قلبي المحب؟ أية دموع تمتزج في دموعها أطهر مما في عيني؟ أليس الله هو الذي أرسلني ~~إليها؟» كنت جامدا كالتمثال أمام هذه الشكوك إلى أن تسكن جأشي فسمعت صوتها يستعيد ~~نبراته قائلا: «واحسرتاه! ما كادت يد القدر تفرق بيني وبينه حتى همت على نفسي في مجاهل ~~العالم، وارتميت في لجج العار والفحش! فالزوج الذي جمعني به الحظ دون قلب لم يلبث أن ~~أخذ بجريمة حبي؛ لأن احتقاري له وسأمي منه حولا عطفه وتعلقه بي إلى غضب ومقت، فمات ~~حسرة وكان يعبدني، وما غفرت له حبه إلا في ساعته الأخيرة! ... ~~••• # عند هذا، أمواج من عباد جمالي تدفقت على قدمي فتركتهم يحبونني بدون أن أحب أحدا ~~منهم؛ لأن طيف صديقي كان يحيط بي كالغيوم ملقيا بيني وبينهم جمال صورته العذبة، آه! ~~ويل للذي يرى أمام عينيه رؤيا لا تمحي! ~~••• # وأخيرا كنت أحاول وأنا سكرى بالتذكارات ~~المحرقة أن أحب جبينا من تلك الجباه المعفرة على قدمي، ولكن كنت أشعر بروحي تتلاشى ~~الذكريات، باردة كالرخام في وسط تلك الشعلة التي أضرمتها بيدي، فأبعد ذاك الجبين ~~المثلج قائلة: «اذهب فما أنت الذي أحب!» أجل، كنت أنظر إلى ذلك الإله الذي نزع صديقي من ~~بين يدي نظرة الانتقام، وأستطيع الآن أن أقول لك، أمام ذلك الإله نفسه، أمام الحقيقية، ~~أمام ذلك الطيف الحبيب وتلك الذكريات المقدسة، أجل أستطيع أن أقول لك: إن قلبي لا يزال ~~إلى الآن طاهرا عذريا! أجل، ونفسي لا تزال عذراء وستحمل إلى القبر تلك الصورة ~~الشريفة - صورة من أحبت! ... ~~••• # كم أني أتمنى أن أرى قبل الموت ذلك ms77 المنفى الجميل، تلك الجبال المرتفعة، ذلك الكهف ~~الطاهر، وأجتمع ولو بالحلم بحبي السماوي وبراءتي الأولى، كم مرة أحييت بالتذكارات تلك ~~الصخور المنحنية، وضممت إلى صدري ذلك الطيف الجميل!» ~~••• # عند هذا صمتت قليلا فسمعت أسنانها تصطك وأبصرت يدها تضطرب، ثم أردفت قائلة: «أنت ~~تعلم الآن ماذا كنت فحاكمني يا أبت!» فرفعت عيني إلى السماء وبسطت ذراعي فوق رأسها ~~وباركتها بقلبي مصغيا إلى ذنوبها، وعندما انتهت قلت لها بعض كلمات تخللتها الدموع ~~وراودتها الزفرات وقبل أن أسكب البراءة في نفسها قلت: «أنادمة أنت على جميع ذنوبك يا ~~سيدتي؟» فأجابت «نعم! إني نادمة على كل ما يوبخ ضميري ويثقل على قلبي، نادمة على أيامي ~~المتلفة، على حياتي الدنسة، نادمة لأني أشعلت زفراتي في قلوب نجسة بعد أن أشعلها الله ~~في قلبين، أجل إني أندم على كل ذلك ولكن لن أندم على أني أحببته! فإذا كان حبي مذنبا ~~أمام الله فليعذبني انتقامه في اللانهاية! لا أقدر أن أنزع نفسي من ذلك القلب حتى في ~~آخر دقيقة من دقائق حياتي! فرسمه الجميل منطبع في عيني المائتتين! آه لو كان هنا الآن، ~~لو أراد الله أن يعيده إلي! لو نظر إلي من خلال الموت وسمعت صوته العذب لشعرت ~~بالحياة راجعة إلي؛ لأن نغمات صوته تسكن آلامي حتى على حافة القبر!» # فصرخت قائلا: «لورانس! لورانس!» فنهضت لتتبين وجهي ولما وقع نظرها على نظري، قالت: ~~«رب! هذا هو!» ~~- نعم يا لورانس، هذا أنا بعيني، أنا صديقك القديم، أنا أخوك حيا بالقرب منك! لقد ~~أرسلني الله لكي أعطيك يدي وأمهد لك طريق النجاة! لقد جئت أغسل ذنوبك بدموعي! فخطاياك ~~يا ابنتي ليست إلا تعاستك، أما أنا الذي ألقيت الاضطرابات في حياتك، أليست ذنوبك ذنوبي ~~أنا؟ أجل، إني أحملها على كاهلي وأكفر عنها بآلامي! تقبلي يا لورانس من قلبي ذلك ~~الغفران الذي لن يعطى إلى أحد! تقبلي من هذه اليد، التي خطفها الله نفسه من يدك، ~~إكليلك الناضج قبل أوانه وحياة الخلود! لورانس، إني أحلك من خطاياك، باسم ~~الآب! # وبينما ms78 كنت أكمل إشارة الصليب شعرت بيدها تضغط على يدي وتقربها إلى فمها بلهفة وشوق ~~وقبل أن أنتهي كانت روحها قد فاضت مع تلك القبلة الأخيرة! # بقيت يدي طيلة الليلة في يدها الباردة الصفراء إلى أن برز الفجر فجاءت نساء المزرعة ~~لتواريها التراب ... # عن مزرعة ملتافيرن 24 تشرين سنة 1802 # عندما فتحت وصيتها وجدت أنها تضع بين يدي كل ما تملك، ثم إنها تتوسل أن يدفن جسدها ~~في قبر والدها وأن يتعهد دفنه كاهن واحد في ظلمة الليل! ~~••• # آه يا لورانس! أنا هو الكاهن الذي سيرقدك في سريرك الأبدي! إني أتقبل هذا الجسد ولكني ~~أرجع المال، فما أنتسب إليك وتنتسبين إلي إلا في السماء! # في 26 تشرين الثاني سنة 1702 عن مغارة النسور # رب! أطلق سبيل خادمك! فقد شرب قارورة الحزن، وقطع طريق الآلام! # في 27 تشرين الثاني # جاء أربعة فلاحين ليقلوا جسد الميتة على أغصان من الصفصاف ، فرحلنا في الليل وكنت ~~أمشي خلفهم مخافة أن تخونني الزفرات فيرى الفلاحون على وجهي خصام الإيمان واليأس! كانت ~~الليلة من تلك الليالي الرهيبة التي تأخذ بشجاعة الإنسان فتلقيها في لجج الخوف، وكانت ~~الطرقات الوعرة تشرب الضباب المثلج، والغيوم المتلبدة تلامس الأشجار عند مرورها، ~~والأوراق الصفراء تتموج على الأرض، وكان هواء الشتاء الثقيل يهب هبوبا شديدا فيهز ~~التابوت بين أذرع الفلاحين ناثرا أزهار الأكاليل على وجهي الشاحب كأنما هو رمز الحظ ~~الغريب يرمي على جبين الإنسان السعيد حطام أفراحه ومسراته بسخرية وحقارة! وكان القمر ~~التائه بين الغيوم الشاحبة يضئ تارة على أغصان الصنوبر وطورا يسترجع نوره كالضنين ~~بماله فيتركنا عرضة للظلمات وهدفا للعثور، أما أنا فلكي أكمل ما عهد إلي وأخفي ~~سرائر نفسي كنت أحاول أن أنشد بعض ما ينشدونه في جنازة الميت غير أن نبرات صوتي كانت ~~تتقطع في كل عبارة أتلفظ بها وتستحيل إلى زفرات وشهيق! لم يبق علي إلا أن أتبع من ~~أحب! لم يبق ما آسف له في هذا المنفى الجميل! فكل ما كان قد اضمحل وتلاشى وأصبحت ~~وحدي! ~~••• # كان ms79 الفلاحون يقفون من وقت إلى آخر ويضعون حملهم الرهيب على الأعشاب الرطبة ثم يذهبون ~~عطاشا إلى بعض البحيرات، فأبقى وحدي، مصليا بخشوع أمام النعش، تاركا شفاهي المضطربة ~~تلامس حافة الأخشاب! ثم أنهض متثاقلا وأسير في طريقي كأني رويت غلتي من أحد ~~الينابيع. # في تلك الساعة كان الغسق يكشف الأفق شيئا فشيئا فنظرت إلى ذلك المشهد كما ينظر ~~الإنسان إلى طيف من خلال أحلامه! كل صخر من تلك الصخور كان يتلفظ باسم لورانس، فهناك ~~الصخرة المجوفة، حيث كان المعاز يضع لنا الطعام كل ثلاثة أشهر، وهناك الجسر، حيث ~~رأيتها لأول مرة هاربة من الجنديين، وهناك الوادي الصغير، وادي الحب والأحلام، وهناك ~~البحيرة المتموجة والأزهار الجميلة! # وأخيرا بلغنا تربة والدها فغيبنا الجسد في تربة بالقرب منها، وبينما كان الفلاحون ~~يحفرون في الأرض كنت جالسا أمام المياه، ملقيا رأسي الواهي بين يدي، مصغيا إلى ضربات ~~المحفر تتلاشى عند كل ضربة منها صورة من صور هذه المشاهد وتتوارى مع التابوت، وعندما ~~حملت الجثة لتلقى في ذلك التلم اللانهائي تمنيت أن آخذها فترة بين ذراعي وأضمها ~~إلى صدري حتى تصغي إلى دقات قلبي من خلال الموت وتستريح ولو قليلا على ذلك الصدر الذي ~~أحبته في أيام طهرها وحلمت به في ليلها العصيب! ~~••• # عندما توارت لورانس عن هذا العالم شعرت أن واجبا لا يزال علي، فالتفت إلى ~~الفلاحين وقلت لهم ليعودوا وحدهم وبقيت أمام الضريح أبكي بسكون وخشوع ساعة الوداع ~~الخالد! # آه، إن الذي حدث في تلك الليلة الرهيبة بين نفسها ونفسي، بين نفسها الراقدة في عالم ~~البقاء ونفسي المضطجعة على تراب الفناء، لا يقدر إنسان أن يصفه! إن من الكلمات المقدسة ~~ما لا يجسر لسان بشري أن يتلفظ بها ولا تجرؤ يد أن تدونها بل على النفس وحدها أن تصغي ~~إلى فحواها وتحمله إلى عالم الخلود! ~~••• # عندما أفرغت قارورة دموعي أمام الخالق وددت أن أعلق نظرة أخيرة بتلك الأماكن المقدسة ~~فقضيت الساعات الطوال طائفا بين الصخور والبحيرات مسترجعا تذكاراتي القديمة باحثا عن ~~آثارنا، وقد أغمي ms80 عليها تحت الجليد! فرأيت الأعشاب قد غمرت كل شيء بأمواجها المتسلقة ~~كأنما هي بحر من النبات، وأبصرت الأشواك تمتد في كل الجهات فتعوق الأقدام عن المسير، ~~فالأغراس التي كنا نبسم لها لم تعد تعرفني والبحيرات التي كنا نردها تحولت إلى قذارة ~~وصبغت الأوراق المتناثرة زبد شاطئها بصفرة الموت، أما الأدواح التي كانت تحجب الكهف ~~بأغصانها فقد استحالت واأسفاه إلى خرائب كالحة وأوت الحراذين في جذوعها المنتنة، ~~فاتجهت نحو المغارة بأقدام متثاقلة مضطربة ومشيت على أوراق الخريف المتراكمة على بابها، ~~وبينما أنا أطأ تلك البقايا سمعت شيئا يطقطك تحت أقدامي فانحنيت إلى الحضيض المصفر ~~فأبصرت عظاما عرفت أنها عظام تلك الوعلة المسكينة، وقد أغفلناها بين تلك الصخور ~~الجرداء فماتت من الجوع تاركة عظامها تبيض على عتبة الكهف، وأخيرا دخلت إلى منفاي ~~القديم وقد أمسكت لهاثي من الرهبة فجمد الدم في عروقي وتصبب العرق البارد من جبيني! ~~إيه معبد السعادة المائتة ما الذي أخنى عليك في مدة قصيرة من الوقت؟ ما هذا التراب، ~~وما هذه الوحول على بابك السري؟ لم هذا العوسج يمنع النسيم عن الدخول إليك؟ لماذا لم ~~تعد الطيور تشرب من المياه المتجمعة في حفرة صخرك؟ أين أعشاش الحمائم والسنونو، هل فتكت ~~بها أضراس الثعالب؟ لماذا أصبحت دمارا وتدنيسا بعد أن كنت مأوى السلام والشفقة؟ ما ~~هناك؟ إني أرى عظاما ضامرة وهياكل زرقاء تلطخ هذا المقعد المقدس، حيث كانت لورانس ترقد ~~رقادها العذب على فراش من القش! # أيتها الأرض، يا حمأة تنبت الأزهار وتعفرها، لماذا تحرثين أقدامنا في مروجك؟ ألا ~~تأذنين لنا أن نطبع على وجهك ولو آثار حسراتنا؟ أتأبين أن نشاهد أفراحنا، حيث ذرفنا ~~الدموع؟ ألا تبقي قبورنا في أحشائك بعض رماد من أجساد أحبابنا؟ أف منك أيتها ~~الأرض، فما أنت إلا حقارة وتدنيس! # خرجت من الكهف بحدة وغضب فرأيت السيول قد بلغت البحيرة، وغطت الثلوج أعشاب الأرض ~~كبساط أبيض، فبرز قبر لورانس كأنه رابية خفيفة أو كمندوف من القطن يجمعه ولد صغير! ~~عندئذ أبصرت شحرورين، وقد راعهما ذلك ms81 القبر المتحرك، يحاولان أن يهربا فيواربان تارة ~~وينتفضان أخرى تحت الهواء البارد فعرفتهما وناديت كلا منهما باسمه، غير أن دوي السيول ~~حمل ندائي وخنقه في لجته، فنزلت تلك القمة مشتتا أفكاري حتى لا أفكر ولا أرى وكأن ~~رصاصا كان يجر قدمي! # فلنيج في 16 كانون الأول سنة 1802 # هذا المساء، صعدت إلى المرتفعات البعيدة لأتفقد بؤساء الأكواخ، وكان الظلام يغلف ~~السهول الخرساء بغلاف حالك، والقمر المتأخر يبرز كجمرة من النار في وسط قمين عظيم ~~فيذوب أشعته على الروابي والمنحدرات، ولما بلغت منتصف الطريق جلست لأستريح فترة من ~~الوقت، وكان السكون شاملا في مذاهب الطبيعة فخلتني أسمع خفقان الكواكب في أبراجها، ~~وبعد دقائق قليلة خيل إلي أني أسمع لهاثا فاستفقت من تأملاتي وأصغيت، فإذا هو لهاث ~~شاق صاعد من صدر إنسان تخلله نحيب وشهيق، فانحنيت إلى جهة الصوت وناديت مرارا فلم ~~يجبني أحد، فنزلت إلى الجسر من عقيق السيل وكان القمر يتموج على الحصى فينير تلك ~~العقبات، ولما دخلت إلى خميلة غضة تحت ذلك الجسر أبصرت ويا للعجب رجلا لا يزال في ~~ميعة العمر مستلقى على التراب ورعشة الموت منتشرة على قسمات وجهه، وأبصرت ذراعه ملقاة ~~على شيء أبيض مستطيل ويده تضغط على قلبه كأنما هي تخفي كنزا عزيزا لديه، فتراجعت ~~قدما إلى الوراء غير أن الشفقة دفعتني إلى الاقتراب منه، فأخذت قليلا من الماء ~~وألقيته على جبينه المغمى عليه، فاستفاق وفتح عينا مائتة ونظر إلى ثوبي، ثم رأى إذا ~~كان حمله لا يزال في موضعه، فسقيته بعض نقط من نبيذ كنت قد أعددته في قربة علقتها في ~~وسطي للطريق، وعندما استعاد قوته أخذ يبحث في نفسه عن عبارة شكر يسديها إلي ثم جلس ~~جلسته، فسألته قائلا: «ماذا تفعل هنا يا صديقي، تحت هذا الجسر وفي مثل هذه الساعة من ~~الليل؟ أأنت مجرم يطاردك إثمك، أم بائس لم يعد لديه مأوى يلجأ إليه في ليالي الشتاء ~~فجاء يختبئ تحت هذا الجسر؟ لا تخف مني يا بني، فأنا عين الله وأذنه، وواجبي ms82 المؤاساة ~~وغفران الذنوب! أنا كاهن هذه الجهات فقل ولا تخف»، عند هذا رأيت شعاعا من الأمل يمر ~~على جملة وجهه فجمع كلتا يديه، وقال: «كاهن القرية؟ أحقيقة ما تقول؟ آه! إن الله هو ~~الذي أرسلك إلي لأرتمي على قدميك، أيها السامري الصالح دعني أموت بين يديك»، فقلت له: ~~«وماذا تنتظر مني؟» فأجابني: «انظر أي شيء أضعه على قدميك وتحت رحمتك!» عند هذا نهض من ~~مكانه فأبصرت على التراب صندوقا من الخشب كبيرا تغطي جوانبه قماشة من الكتان الأبيض ~~علقت في أطرافها باقات من الزنبق، ورأيت غصنا من البقس اليابس يعلوه إكليل من الأزهار ~~الاصطناعية كتلك التي يرفعها المهنئون إلى الخطيبين ساعة زفافهما، فعرفت أنه نعش امرأة، ~~فصرخت فجأة في وجهه قائلا: «أيها المسكين! ماذا كنت تصنع؟ تكلم! أكنت تدنس الأموات ~~فسرقت من القبر سره؟» عندما سمع كلامي علا جبينه مسحة من الألم فجمع يديه على ~~التابوت، وقال: «آه! يا سيدي أأنا أدنس الأموات وأنزع من القبور أكفانها؟ لقد مضى ~~علي يومان وأنا رازح تحت ثقل هذا النعش، ذلك لأني لم أستطع أن أنال من الأحياء مساعدة ~~يد تباركها أمام هيكل الرب، أو صلاة لنفسها المسكينة! فهذا النعش ملكي وهذه الميتة ~~امرأتي!» # فأجبته: «أوضح ما تقول، فسوف لا تصلي وحدك على هذه الجثة»، ثم جلست قريبا من النعش ~~وأصغيت إلى كلامه! ~~«كنت يا سيدي حائكا مسكينا، أعيش مع امرأة تزوجت منها صغيرا فرزقت منها طفلا ~~تعهدته حتى بلغ الثالثة من عمره، كانت امرأتي تطرز الحرير، وابني يجهز المغزل أو يحل ~~الخيوط، وفي المساء كنا نجلس إلى بعضنا أمام النافذة ناظرين إلى الشمس هاوية حتى تغيب ~~فنأنس برائحة الأزهار المنتشرة من أواني الخزف ونأخذ طعامنا المؤلف من الثمار والخبز ~~وبعض الحبوب، بينما أحدنا يهز سرير الصغير الباسم تحت ضباب أحلامه العذبة، آه! يا أبت ~~يخيل لي أني لا أزال أراهما كما كانا، فهذا المشهد يؤلمني ألما لا ألم بعده! واحسرتاه! ~~إن أيامنا السعيدة لم تطل، فالله ما لبث أن أخذ الصغير من ms83 بين ذراعينا على أثر حمى ~~شديدة أودت بحياته فجأة فبعت صليبه الذهبي وابتعت به نعشا وأريته فيه، وألبسته أمه ~~ثوبه الأبيض بيديها كما كانت تزينه به في أيام الأعياد ثم نثرت الأزهار على رأسه وزودته ~~دموعها وقبلاتها، أما أنا فقد نزعت من إصبعي خاتمي الذهبي لأشتري بثمنه حفرة لا تزيد عن ~~أربعة أقدام!» ~~«وكأن هذا الألم الفجائي كان شديدا على قلب زوجتي فماتت في الليلة نفسها التي مات ~~فيها الطفل! أجل ماتت بدون أن أتمكن من معونة طبيب يتعهد مرضها أو كاهن يحضر ساعة نزعها ~~الأخير، فلجأت إلى القديسين أطلب عونهم وكانت قد زودتني بهذه العبارة الأليمة: «عدني ~~أنك لا تلقي بجسدي عاريا في حفرة الأموات، وأنك تصلي على جثتي في الكنيسة حتى يحملني ~~ملائك الرب إلى ذراعي خالقي طاهرة نقية كزنابق نافذتنا»، فوعدتها يا أبت ولدى هذا ~~الوعد فاضت روحها سعيدة مغبوطة، واحسرتاه! كنت أخالني سأنجز وعدي، غير أن العالم عديم ~~الرفق بالبائس، فأخذت أبحث بلا جدوى عن أخشاب أؤلف منها نعشا للفقيدة وعن كاهن يصلي ~~على نفسها بلا أجرة!» ~~«عدت إلى الغرفة وحيدا وجلست أمام الشموع ناظرا إليها تذوب شيئا فشيئا وتحترق ~~بيأس، وعندما انطفأت كفنتها بثياب عرسها ونزعت أخشاب سريرها وسمرتها على بعضها، ثم وضعت ~~جثتها في تابوت الحب وانتظرت حتى انبثق الفجر وحان وقت جنازة الأموات فحملت على ظهري ~~ذلك الحمل المقدس وخرجت إلى الكنيسة، غير أن الساحة كانت مزدحمة بعربات الموتى ~~والأغنياء يمرون أمام الجميع، فبقيت أدفع إلى الوراء رازحا تحت ثقل الحمل حتى غصت ~~الكنيسة وأصبح الدخول أمرا صعبا علي، فجاء من يطردني من عتبة بيت الله!» ~~«قضيت يومين يا أبت أطوف من كنيسة إلى كنيسة راجيا الحصول على الصلاة، غير أن ~~المعابد كانت صماء عن توسلات الفقير فرجعت إلى غرفتي، حيث لا طعام ولا فراش ولا نار ~~وألقيت التابوت عن ظهري، تابوت الآلام والبؤس! في تلك الساعة، خطر لي خاطر أسقطه الله ~~على قلبي، فقلت في نفسي: «فلأذهب إلى أعالي الجبال، فهناك كاهن ms84 ربما يتعهد نفسها رحمة ~~وشفقة ويباركها بدون أن يطلب أجرة لعمله.» ~~«أعدت الحمل على ظهري وخرجت في الليل من المدينة الراقدة كلص متستر يضطرب لدى أية ~~ضجة يسمعها، وتوغلت في مضايق الأحراج مهتديا بدوي الأجراس إلى وجهتي المقصودة، رازحا ~~تحت ثقل نفسي والأيام الثلاثة التي قضيتها في أشد حالة من حالات اليأس، وكنت أسقط ~~أحيانا على الطريق ثم أنهض متثاقلا، مهشم اليد والقدم من نواتئ الحجارة، حتى بلغت هذا ~~الجسر فشعرت بقلبي يهن ويضعف فلجأت إلى هذه الخيمة مخافة أن تعثر بي قدم مارة وأغمي ~~علي حتى ما عدت أشعر بوجودي.» ~~••• # فقلت له: «آه يا أخي، يا قدوة الرجال! ... أية رحمة لا تخجل أمامك وتنطرح بين ذراعيك؟ ~~مهما أعطاك العالم من الأسماء المظلمة فأنا أفتخر بك تحت ثقل بؤسك وأرى نفسي كبيرا متى ~~دعوتك بيا أخي! تعال معي وتشجع! انهض، فملاك حبك يتقدمنا في الطريق! تعال معي، فسأحمل ~~بنفسي جثة امرأتك إلى معبد الله، وأحفر قبرها بيدي في ظلال الرب، ولكن يجب عليك أن ~~تعتصم بالصبر يا بني، فنفس هذه المسكينة لا تحتاج إلى صوتي لكي يتوسل لها في السماء، ~~أية صلاة توازي ما صنعته في سبيلها لدى الخالق العظيم، فالزفرات يا أخي أسمى صلاة ~~يرفعها البائس إلى خالق البائسين، أية جنازة أقدس من تجوالك في هذه الليلة الرهيبة، ~~ومما ذرفته من الدموع والدم والعرق البارد في سبيلها! تعال معي، فلم يبق علينا إلا أن ~~نعيدها إلى الأرض!» قلت ذلك وأخذت طرف التابوت تحت ذراعي فأخذ الشاب طرفه الآخر، وسرنا ~~في تلك العقبات بأقدام بطيئة متثاقلة، فكان العرق يتصبب من جبهتينا ويتقطر على النعش ~~إلى أن بلغنا المعبد وكان الفجر قد بدأ يرمي أشعته الأولى فوضعنا الميتة على العتبة ~~ودخلت فأشعلت الشموع وزينت الهيكل بدون أن أوقظ «مرتا» من رقادها، ثم صليت على الجثة، ~~وكان الزوج ساجدا بخشوع يردد بعدي صلاة الموت، فتخرج العبارات زفرات من فمه، ثم حفرت ~~بيدي قبرا بين القبور وأنزلت التابوت في ترابه، وعندما انتهى كل ms85 شيء جلس الشاب على ~~الضريح كمسافر نهكه التعب بعد تجوال طويل فجلس يستريح على حمله! # فلنيج في 27 كانون الأول سنة 1802 # مات الشاب في هذا الصباح، فسلام على نفسه! لقد أرقدته في ضريح زوجته! # في 28 كانون الأول سنة 1802 # هنيئا للأعين الراقدة في أسرة الموت! إيه أمي! إيه لورانس! متى تغلق جفني يد ~~الحمام الرطبة؟ ~~••• # أشعر بحاجة إلى الراحة السرية، ويخيل لي أن غشاء رهيبا يحجب بصري، وأن أخيلة تتيه ~~في مخدعي، وأجنحة بيضاء ترفرف في قلبي! هو ذا كلبي الأمين يلجذ يدي، أتراه شعر ~~بموتي؟ # | خاتمة # رؤيا! # بعد مضي ستة أشهر، في أيام الحصاد، صعدت إلى جبال النسور وفي يدي قصة صديقي المسكين، ~~وأخذت أبحث عن ذلك الكهف مسرحا طرفي في جميع الجهات، حيث حدثت تلك الفواجع الأليمة، فإذا ~~بي ألتقي صدفة بالمعاز الشيخ، فجلست على الأعشاب بالقرب منه وجعلنا نتحدث إلى أن قال ~~لي: # المعاز ~~: # عمن تبحث يا سيدي في هذه الأصقاع؟ # أنا ~~: # عن مكان جرت فيه حادثة حب دونها هذا الكتاب، عن مغارة يقال لها: مغارة النسور، ~~حيث عاش ولدان عيشة الطهر والسعادة، أرني قبر السيدة المجهولة. # المعاز ~~: # ماذا؟! هل بلغتك تلك القصة؟ # أنا ~~: # لقد كنت صديق أحدهما الوحيد، ~~(مبرزا ~~المذكرات) # ومعي الآن مذكرات ذلك الصديق. # المعاز ~~: # أود أن أعرف إذا كان هذا الكتاب يذكر اسمي. # أنا ~~: # اسمك أنت؟ # المعاز ~~: # أجل، أنا. # أنا ~~: # وكيف ذلك؟ # المعاز ~~: # ما أنا يا سيدي إلا رجل بائس مسكين، كنت سبب أفراحهما القصيرة ويأسهما ~~الأليم! # أنا ~~: # ماذا؟! أوضح ما تقول. # المعاز ~~: # أنا الذي هديتهما إلى طريق الكهف، حيث صرفا عامين تحت سقفه، أنا الذي كنت أغذيهما ~~من خبزي، انظر جيدا إلى ذلك المرتفع، على رأس تلك الأدواح، فمن هناك تتجه يمنة ~~وتتبع مجرى المياه، ثم تنزل في عقبة ضيقة إلى أن تبلغ ضفة البحيرة، وهناك قريبا من ~~الزبد المتموج ترى ثلاثة قبور على قيد خطوتين من المغارة! # أنا ~~: # ثلاثة قبور؟ ولكن القصة لا تذكر سوى قبرين فقط: قبر لورانس وقبر ms86 ~~والدهما. # المعاز ~~: # وقبر صديقهما أيضا. # أنا ~~: # ماذا؟ جوسلين هنا؟ أنت في ضلال. # المعاز ~~: # بل على يقين، إنه يرقد قريبا من حبيبته، قيل: إن خادمته «مرتا» باحت بسره، وما ~~أحد يدري كيف توصلت إلى معرفته، فحمل بعض من أبناء رعيته جثته ووضعوها رحمة به في ~~قبر السيدة، وها قد مضى فصلان من السنة على رقادهما معا في مكان حبهما وتحت صليب ~~واحد. # أنا ~~: # آه! هل لك أن تصعد معي إلى القبور الثلاثة أيها المعاز! إني أود أن أقبل تلك ~~الأرض المقدسة، فالوقت لا يزال متسعا لنا، والشمس تنير الجبال بأشعتها ~~الحية. # المعاز ~~: # لا تنتظر مني أن أنزل عند رغبتك يا سيدي، فاذهب وحدك! # أنا ~~: # أأنت تخاف تلك الجهة أيها المعاز؟ # المعاز ~~: # في ذلك المرتفع يا سيدي أسرار عظيمة تجري كل يوم، كأنما تلك الأسرار إله مختبئ في ~~دغل من اللهيب! # أنا ~~: # ماذا رأيت هناك؟ تكلم! # المعاز ~~: # آه! مشهدا رهيبا لم يخلق إلا لأعين الملائكة فقط! # أنا ~~: # لا تفتح أمامي نصف قلبك وتدع النصف الآخر مغلقا أيها المعاز، فأنا من المؤمنين ~~بالله، وكنت صديق ذلك المسكين. # المعاز ~~: # إذن فأنت تريد أن أقص على مسمعك ما رأيت؟ يعلم الله إذا كنت صادقا في ما أقول أم ~~كاذبا، كيف أبدأ؟! صعدت ذات يوم إلى القبور الثلاثة وسجدت أمامها مصليا ثم قبلت ~~الحجارة الملقاة عليها، وبعد هذا اتجهت إلى ضفة البحيرة وجلست أفكر تاركا عيني ~~التائهتين تطوفان على تلك المرآة الصقيلة، وكانت المياه راقدة رقادها الهادئ، وقد ~~انعكست عليها قمم الجليد مع الثلوج البيضاء، والكهف مع قبوره الثلاثة، والأدواح ~~المرتفعة مع أغصانها الساكنة، وفجأة رأيت المياه الساجية تستنير بشعاع غريب وتراءى ~~لي كما يتراءى في الحلم وجهان بارزان من السماء اللامعة، وما لبثا أن هبطا على قمم ~~الجليد متكاتفين متعانقين ثم حاولا أن يدخلا باب الكهف كطائرين يضيء في جناحيهما ~~نور إلهي، فجمد الدم في عروقي وجحظت مقلتاي، ذلك لأني عرفت الوجهين يا سيدي! # أنا ~~: # ومن كانا؟ # المعاز ~~: # جوسلين! ولورانس معه! آه يا سيدي، لو ms87 لم تخني قواي لما ترددت من الهرب، فبقيت في ~~مكاني أضطرب كالأوراق لدى مرور النسيم، ناظرا إليهما في تلك البحيرة الشفافة، وقد ~~غلف جسديهما رداء من الأثير الفضي، وبعد فترة قصيرة وقفا على الأعشاب المرتعشة ~~وأخذا يحدقان إلى جميع الأماكن، ناظرين إلى الأشجار تارة وطورا إلى المياه، ثم ~~يشيران بالعيون إلى البقية الباقية من آثار حبهما القديم ويلتفتان إلى بعضهما كأن ~~كلا منهما يقرأ فكرته في مخيلة الآخر، عندئذ رأيت لورانس تمد يدا إلى الأعشاب ~~المرتعشة وتقطف باقات من الزهر ثم تنثرها على رأسها المكلل بالغيوم الشفافة وتنادي ~~ذكرياتها البعيدة فتبعث جميعها من العدم وتسرع إلى ندائها، وأبصرت الوعلة تلجذ ~~يديهما بسرور لا حد له، والحمائم البيضاء تخرج من عشاشها وتتجمع أسرابا أسرابا ~~على رأسيهما الجميلين، وأبصرت أيضا جماعات من النساء والأطفال لا أعرف من أمرهم ~~شيئا يفدون من وراء الغيوم ويباركون هذا العرس السماوي، وسمعت أصواتا عديدة تتدفق ~~مع المياه وتنشد أغاني الزفاف الملكي، كانت أصوات الملائكة وقد جاءت لتصغ في ~~أنمليهما حلقة العرس الخالد، أما أنا فقد صعقت لدى هذا المشهد العظيم، ولكي أتبين ~~جليا ما يتراءى لي في مياه البحيرة حولت نظري إلى السماء فلم أر شيئا، غير ~~أني سمعت أصواتا تنشد هذه الكلمات العذاب: «لورانس! جوسلين! الحب! الخلود!» ms88