######OpenITI# #META# URI: 1366IliyasAbuShabaka.Micromegas.Hindawi59619502 #META# Tags: science.fiction #META# ID: 59619502 #META# Title: ميكروميغاس وثلاث قصص #META# AuthorID: 70507046 #META# Author: فولتير #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 95147246 #META# Translator: إلياس أبو شبكة #META# Related_books: 1192Voltaire.Micromegas (TRANSL) #META#Header#End# # ميكروميغاس‏ # ممنون أو الحكمة البشرية‏ # الزوجة المخلصة‏ # سزوستريس‏ # ميكروميغاس‏ # ممنون أو الحكمة البشرية‏ # الزوجة المخلصة‏ # سزوستريس‏ # | ميكروميغاس وثلاث قصص # | ميكروميغاس وثلاث قصص # تأليف # فولتير # ترجمة # إلياس أبو شبكة # | ميكروميغاس # (1) رحلة أحد سكان عالم الشعرى إلى كوكب زحل # في أحد الكواكب السيارة التي تدور حول النجمة المطلق عليها اسم الشعرى اليمانية، كان ~~فتى متوقد الذهن تشرفت بالتعرف إليه في الرحلة الأخيرة التي قام بها في هذا العالم ~~الصغير، ويدعى هذا الفتى ميكروميغاس، وهو اسم يوافق كل كبير، يبلغ طول ميكروميغاس ~~ثمانية فراسخ، وأعني بثمانية فراسخ أربعة وعشرين ألف خطوة هندسية، كل منها خمس ~~أقدام. # سيسرع بعض العارفين بالجبر، وهم دائما من محبي الفائدة، إلى تناول القلم، فيتبين ~~لهم أنه إذا كان السيد ميكروميغاس القاطن بلد الشعرى اليمانية يبلغ من قمة رأسه إلى ~~باطن قدميه أربعة وعشرين ألف خطوة، يساوي مجموعها مائة وعشرين ألف قدم، وكنا نحن مواطني ~~الأرض لا يتجاوز طول الواحد منا خمس أقدام، وكان قطر الكرة الأرضية تسعة آلاف فرسخ؛ ~~فيجب - حتما - أن تبلغ دائرة الكرة التي أنبتت ميكروميغاس واحدا وعشرين مليونا ~~وستمائة ألف مرة أكثر من محيط أرضنا الصغيرة، وليس في الطبيعة أبسط من هذا، ولا أكثر ~~شيوعا؛ فولايات بعض ملوك ألمانيا وإيطاليا، هذه الولايات التي يمكن لفها بمدة نصف ~~ساعة، إذا قيست بدولة تركيا أو المسكب أو الصين، لا تأتي بسوى صورة ضئيلة عن الفروق ~~الهائلة التي وضعتها الطبيعة في جميع الخلائق. # ولن يشقى جميع من عندنا من النحاتين والمصورين في الموافقة على أنه إذا كان طول ~~فخامته كما ذكرت، فمن المعقول ألا يقل زناره عن خمسين ألف قدم. # أما عقله فمن أخصب ما يتوفر لإنسان؛ فهو يعي أشياء لا تعد ولا تحصى، وقد اخترع ~~بعضا من هذه الأشياء؛ إذ حزر - بقوة ذكائه - أكثر من خمسين مسألة من مسائل إقليدس، وهو ~~بعد طالب في أشهر معاهد الشعرى، غير متجاوز مائتين وخمسين سنة من عمره، ولما بلغ المائة ~~الرابعة بعد الخمسين سنة؛ أي لما اجتاز عتبة الحداثة، شرح ms01 كثيرا من تلك الحشرات ~~الصغيرة، التي لا يبلغ قطرها مائة قدم، ولا ترى بالميكروسكوبات العادية، وألف عنها ~~كتابا - على جانب كبير من الغرابة - أورثه بعض مشاحنات؛ فقد وجد فيه شيخ بلده، وهو ~~عجوز طاعن في السن وبالغ من الجهل أبعد حدوده، قضايا تدعو إلى الشبهة، وتسيء إلى ~~الآداب العامة، وتفوح منها رائحة الكفر والإلحاد؛ فأمر بملاحقته. وكان مدار البحث في ~~الكتاب براغيث الشعرى اليمانية، وهل تتفق طبيعتها وطبيعة الحلزون؛ فدافع ميكروميغاس عن ~~نفسه بظرف وذكاء، آخذا النساء من جهته، وبقيت الدعوى مائتين وعشرين سنة، وأسفرت عن ~~فوز الشيخ بمساعدة بعض الفقهاء الذين لم يقرءوا الكتاب؛ فحكم على المؤلف وعلى صاحبه ~~بالنفي ثمانية قرون من البلاط الملكي. # على أن ميكروميغاس لم يحزن كثيرا لطرده من بلاط ملأته الصغائر والأكاذيب؛ فنظم ~~أغنية تهكم بها على الشيخ، ولم يعبأ بها هذا الأخير، وشرع يتنقل من كوكب إلى كوكب ~~كالطائر من غصن إلى غصن، فعبر المجرة بوقت قصير، وانتهى به السير إلى كرة زحل. وهو ~~وإن يكن ألف رؤية الأشياء الجديدة، إلا أنه حين وقع نظره على صغارة تلك الكرة وسكانها ~~لم يقو على ضبط نفسه من ابتسامة التفوق التي تفلت أحيانا من أعقل الناس؛ ذلك أن زحل ~~ليس أضخم من الأرض بسوى تسعمائة مرة، ومواطنو هذا البلد أقزام، لا يبلغ علو الواحد منهم ~~إلا ستة آلاف قدم. # سخر منهم بادئ ذي بدء، كما يسخر موسيقي طلياني من موسيقى لولي حين يأتي إلى فرنسا، ~~ولكنه رجع في الحال إلى رشده، وتذكر أن العقل لا يقاس بمقياس الطول والعرض، وأن ~~قزمة لا يتجاوز طوله ستة آلاف قدم قد يكون على جانب من الذكاء؛ فسعى إلى التقرب من ~~الزحليين، بعد أن أدهشتهم جثته الهائلة، حتى توصل إلى كاتم أسرار المجمع العلمي الزحلي، ~~وهو رجل واسع الإدراك، لم يخترع شيئا، ولكنه يعطي آراء صائبة في مخترعات الآخرين، ~~ويحسن بعض الإحسان نظم مقاطع قصيرة من الشعر، وحل مسائل حسابية عويصة؛ فأنس به وارتبط ~~معه بعرى صداقة متينة. وإلى ms02 القراء حديثا عجيبا دار يوما بين ميكروميغاس وحضرة كاتم ~~الأسرار! ~~(2) حديث بين قاطن الشعرى وقاطن زحل # بعد أن تمدد فخامته واقترب كاتم الأسرار من وجهه قال ميكروميغاس: لا بد لنا من ~~الاعتراف بأن الطبيعة كثيرة التنوع. فقال الزحلي: أجل، إن الطبيعة أشبه ما تكون بروضة ~~أزهارها ... فقاطعه الآخر بقوله: دع روضتك لا تتكلم عنها. فاستطرد كاتم الأسرار قائلا: ~~هي كمجلس نساء بيض وسمر زينتهن ... فقاطعه الآخر بقوله: ما لي ولنسائك السمر! إذن هي ~~كرواق صور رسومها ... فقاطعه الرحالة بقوله: لا، بل الطبيعة، هي كالطبيعة؛ فلماذا نبحث ~~لها عن تشابيه؟ فأجاب كاتم الأسرار: لأسرك. فقال الرحالة: لا أريد أن أسر، بل ~~أريد أن أتعلم، قل لي أولا كم حاسة لرجال كرتك؟ فأجاب الزحلي: لنا اثنتان وسبعون، وكل ~~يوم نتذمر من هذه القلة؛ فتصورنا يذهب إلى أبعد من حاجاتنا، ونرى أن حواسنا الاثنتين ~~والسبعين، وحلقتنا وأقمارنا الخمسة تجعلنا في حيز ضيق، وأننا - بالرغم من فضولنا كله، ~~ومن مشتهياتنا الكثيرة الناتجة عن حواسنا الاثنتين والسبعين - لا يزال لنا متسع كاف ~~للسأم والملل. فقال ميكروميغاس: ليس في ذلك أي ريب عندي؛ فنحن لنا في كرتنا ما يقرب من ~~ألف حاسة، ولا يزال فينا لا أعرف أية رغبة مبهمة، بل أي قلق، ينبهنا دائما إلى ~~صغارتنا، وإلى أن ثمة خلائق أكمل منا بكثير، لقد سافرت قليلا، فرأيت مائتين دوننا ~~بكثير، ومائتين فوقنا بكثير، ولكني لم أر منهم أحدا لا ينطوي من المشتهيات على أكثر ~~مما ينطوي من الاحتياجات الصحيحة، ومن الاحتياجات على أكثر من إرضاء الخواطر، وقد أصل ~~يوما إلى البلد الذي لا يعوزه شيء، ولكن حتى الآن لم يجئني أحد بأنباء راهنة عن هذا ~~البلد. # وبعد أن أفرغا ما في جعبتيهما من الافتراضات والأدلة، عادا إلى الأمور الواقعة، فقال ~~ميكروميغاس: كم تعيشون؟ فأجاب القزمة الزحلي: وقتا قصيرا جدا. فقال الرحالة: ~~عندكم كما عندنا؛ فنحن نتذمر دائما من القليل، ولا شك في أنه ناموس كوني من نواميس ~~الطبيعة. فقال الزحلي متحسرا: نحن لا نعيش إلا ms03 خمسمائة دوران كبير من الشمس؛ (أي خمسة ~~عشر ألف سنة، على طريقتنا الحسابية)، ألا ترى أننا لا نكاد نولد حتى نموت؟ فحياتنا ~~نقطة، وموتنا لحظة، وكرتنا ذرة، لا نوشك أن نهم بمعرفة شيء قليل حتى يدركنا الموت ~~قبل الاختبار، لا أكتمك أني لا أجرؤ على القيام بأي مشروع؛ فإني أرى نفسي كنقطة ماء في ~~بحر خضم، وإني لأخجل، أمامك على الخصوص، بالوجه المضحك الذي أظهره في هذا ~~العالم. # فأجابه ميكروميغاس: لو لم تكن فيلسوفا لخشيت أن أحزنك حين أقول لك إن حياتنا أطول ~~من حياتكم بسبعمائة مرة، ولكنك تعرف حق المعرفة أنه حين يعود الجسد إلى أصوله ليحيي ~~الطبيعة في شكل آخر؛ أي حين يجيء الموت، لا يبقى أي فرق بين أن نكون قد عشنا أبدية أو ~~عشنا يوما، لقد زرت بلدانا يعيش سكانها حياة أطول بألف مرة من الحياة التي نعيشها ~~نحن، ومع هذا رأيتهم يتذمرون، ولكن في كل مكان أناسا أولي أحكام سليمة يحسنون تناول ~~قسمتهم وحمد مبدع الطبيعة؛ فقد وزع على هذا الكون فيضا من المتنوعات في انسجام عجيب، ~~خذ مثلا جميع الخلائق المفكرة؛ فهي تختلف في الشكل، ولكنها في باطن الأمر تتشابه ~~بموهبة الفكر والرغائب، إن المادة منتشرة في كل مكان، ولكن لها في كل كرة خصائص متنوعة، ~~فكم من هذه الخصائص المتنوعة تحصي في مادتك؟ # فأجاب الزحلي: إذا كنت تتكلم عن تلك الخصائص التي نعتقد أن هذه الكرة لا تقوى ~~بدونها على البقاء كما هي، فلدينا منها ثلاثمائة؛ كالمدى، وعدم قابلية النفوذ، والحركة، ~~والثقل، وقابلية التجزؤ، وغير ذلك. # فقال الرحالة: هذا العدد الصغير يكفي في الظاهر وجهات نظر الخالق في موطنكم الصغير، ~~إني لأعجب بحكمته في كل شيء؛ ففي كل مكان أرى فروقا، ولكني أرى أيضا تناسبا في كل ~~مكان، فكرتك صغيرة وسكانها أيضا، وإن تكن أحاسيسكم قليلة فليست خصائص مادتكم ~~كثيرة، وكل هذا عمل الحكمة العلياء، من أي لون شمسكم؟ # فأجاب الزحلي: من الأبيض المائل إلى الاصفرار الشديد، وحين نجزئ أحد أشعتها نجد فيه ms04 ~~سبعة ألوان. # فقال ميكروميغاس: أما شمسنا نحن فتضرب إلى اللون الأحمر، وعندنا تسعة وثلاثون لونا ~~أصليا، وليس بين جميع الشموس التي عرفتها شمس تشبه الأخرى، كما أنه ليس عندكم وجه لا ~~يختلف عن سائر الوجوه. # وبعد جملة أسئلة من هذا النوع، استخبر عن عدد الجواهر المختلفة في زحل، فعلم أنه ليس ~~فيه إلا ثلاثون منها كالله، والمدى، والمادة، والخلائق المديدة التي تحس وتفكر، ~~والخلائق المفكرة التي لا امتداد لها، والخلائق التي يكمن النفوذ إليها، والتي لا يمكن ~~النفوذ إليها، وغيرها. وكان في الشعرى من هذه الجواهر المختلفة ثلاثمائة عدا الثلاثة ~~الآلاف الأخرى التي اكتشفها ميكروميغاس في أسفاره، فأحدث في الفيلسوف الزحلي دهشة ~~عظيمة. وفي نهاية الأمر، بعد أن تبادلا قليلا مما يعرفان، وكثيرا مما لا يعرفان، ~~وبقيا مدة دوران شمسي - أي ثلاثين سنة - يقرعان البرهان بالبرهان، والدليل بالدليل، ~~صح عزمهما على القيام برحلة فلسفية قصيرة. ~~(3) رحلة قاطني الشعرى وزحل # كان الفيلسوفان على أهبة النزول في جو زحل، مزودين بعدة وافية من الآلات الرياضية ~~حين جاءت عشيقة الزحلي، وقد بلغها الأمر، دامعة المقلتين كئيبة القلب توبخه على سوء ~~تصرفه، وهي فتاة جميلة سمراء، لا تبلغ من الطول إلا ثلاثة آلاف وتسعمائة وستين قدما، ~~ولكنها تعوض عن قصر قامتها بكثير من الفتن والجواذب. # قالت معولة: آه يا ظالم! أبعد أن قاومت حبك خمس عشرة مائة سنة، وحين بدأت أستسلم ~~إليك، ولما تنقض مائة سنة على ارتمائي بين ذراعيك، تتركني لتسافر مع مارد من عالم ~~آخر؟! رح؛ فلست سوى فضولي، ولم يطرق الحب قلبك أبدا، ولو أنك زحلي صحيح لكنت وفيا، ~~إلى أين تريد الذهاب؟ وماذا تريد؟ إن أقمارنا الخمسة لأقل دورانا منك، وحلقتنا أقل منك ~~تقلبا، لقد آليت على نفسي ألا أحب بعد اليوم أحدا. فطوقها الفيلسوف بذراعيه، ولم ~~يمنعه مقامه كفيلسوف من البكاء معها، وبعد أن أغمي عليها ذهبت تعزي نفسها بين ذراعي ~~أستاذ آخر. # وفي غضون ذلك ذهب الفيلسوفان، فقفزا أولا على الحلقة فوجداها مسطحة، كما حزر أحد ~~مشاهير قاطني ms05 كرتنا الصغيرة، ومن الحلقة ذهبا من قمر إلى قمر، ومر مذنب بالقرب من ~~القمر الأخير فوثبا عليه مع الخدم والآلات، حتى إذا قطعا نحوا من مائة وخمسين مليون ~~فرسخ، صادفا المشتري، فمكثا فيه عاما اطلعا خلاله على أسرار عجيبة كانت - ولا ريب - ~~تحت الطبع، لولا قلم المراقبة الذي وجد فيها بعض قضايا صارمة. # وما إن خرجا من المشتري، واجتازا نحوا من مائة مليون فرسخ حتى حازيا كوكب المريخ، ~~وهو - كما هو معلوم - أصغر من كرتنا الصغيرة بخمس مرات، فشاهدا قمرين يستخدمان لهذا ~~الكوكب، لم تعثر عليهما أنظار علمائنا الفلكيين، على أنهما خشيا ألا يتوفر لهما فيه ~~مكان للنوم؛ لصغر محيطه، فمرا كما يمر مسافران بحانة قذرة. وبعد مسافة طويلة تراءى لهما ~~شعاع ضئيل، كان هذا الشعاع كرة الأرض، وبديهي أن يثير مشهد كهذا شفقة من يهبط من ~~المشتري، ولكنهما خشيا ألا يجدا مكانا آخر يستريحان فيه؛ فقررا النزول في هذه الكرة ~~الحقيرة، وصادفا مذنب هالي، فركباه وأبصرا فجرا فجلسا فيه، وبلغا الشاطئ الشمالي من ~~المحيط البلطيقي، في الخامس من شهر تموز من العام ألف وسبعمائة وسبعة وثلاثين. ~~(4) ماذا جرى لهما في كرة الأرض؟ # بعد أن استراحا قليلا، وأكلا جبلين أعدتهما الحاشية بنظافة وإتقان، أرادا أن ~~يتعرفا إلى البلد الصغير الذي حلا فيه، فذهبا أولا من الشمال إلى الجنوب. وكانت خطوة ~~ميكروميغاس العادية ورجاله تبلغ نحوا من ثلاثين ألف قدم، أما القزمة الزحلي فكان يركض ~~خلف الجبار لاهثا. # وبما أن سيرهما كان على جانب كبير من السرعة، فقد دارا دورة الكرة بست وثلاثين ~~ساعة، والواقع أن الشمس - أو بالأحرى الأرض - تنجز مثل هذه الرحلة بنهار واحد، سوى ~~أن من يدور على نفسه أكثر ممن يمشي على قدميه. وعادا أخيرا إلى حيث كانا بعد أن ~~شاهدا ذلك المستنقع الدقيق المسمى بالبحر المتوسط، وذلك الغدير الصغير المعروف ~~بالأوقيانوس، فلم يغمر الماء سوى النصف الأول من ساق القزمة، ولم يكد الآخر يتبلل عقب ~~حذائه، ولقد بذلا كل ما بوسعهما، في الذهاب والإياب، لمعرفة شيء ms06 عن هذه الكرة، وهل هي ~~مأهولة بالسكان أم لا، فانحنيا وتمددا وجسا كل مكان، سوى أن انقطاع التناسب بين ~~أيديهما وأعينهما من جهة، والخلائق الصغيرة التي تدب هنا من جهة أخرى؛ لم يشعرهما ~~بشرف وجودنا نحن وزملائنا من سكان هذه الكرة. # وكان القزمة يتسرع أحيانا في أحكامه؛ فقرر أولا أن لا ساكن في الأرض، وحجته الأولى ~~أنه لم ير أحدا، فأشعره ميكروميغاس بكل تهذيب أن تعليله خاطئ، فقال: أنت لا ترى ~~بعينيك الصغيرتين بعض نجوم أراها أنا بوضوح كبير، أفتستنتج من هذا أن هذه النجوم ~~ليست موجودة؟ # فقال القزمة: ولكني لم أدع نقطة إلا جسستها. # فأجاب الآخر: لقد أخطأت الحس. # فقال القزمة: ولكن هذه الكرة رديئة البنيان، شاذة عن قواعد الهندسة، وفي شكل يثير ~~الضحك، ألا يبدو لك أن كل شيء مشوش فيها؟ هذه السواقي الصغيرة تجري بدون أي نظام، ~~وهذه الغدران لا مستديرة هي، ولا مربعة، ولا مستطيلة، ولا في أي شكل منظم، وهذه البذور ~~الصغيرة الحادة (يعني الجبال) تنتفش بها هذه الكرة، وقد خدشت رجلي، أولم تلاحظ أيضا ~~قالب الكرة بمجموعها، كيف أنه مسطح في القطبين، وكيف يدور حول الشمس بطريقة خرقاء تفسد ~~هواء القطبين، فلا يصلحان لزرع ولا لضرع؟ الحقيقة أن ما يحملني على القول بأن لا حياة ~~في هذه الكرة هو ظني أن الإنسان العاقل لا يقبل السكن فيها. # فقال ميكروميغاس: قد لا يكون سكانها من القوم العقلاء، ولكن من مظاهرها ما يدل على ~~أنها لم تخلق عبثا، قلت إن كل شيء يبدو لك مشوشا هنا؛ لأن كل شيء محكم البنيان في ~~زحل والمشتري، وربما لهذا السبب نفسه نرى بعض التشويش في هذه الكرة، ألم أقل لك إني ~~لاحظت في أسفاري أن كل شيء يختلف باختلاف الأماكن؟ # ولكان الجدل مضى بهما إلى ما لا نهاية له، لو لم تبلغ حدة النقاش بميكروميغاس مبلغا ~~انقطع معه عقده الماسي، فانفرطت الجواهر، وكانت كبراها تزن أربعمائة ليبرة، وصغراها ~~خمسين، فالتقط القزمة بعضا منها، وإذ تبين له وهو يدنيها من ms07 عينيه أن كلا منها ~~ميكروسكوب ممتاز، تناول ماسة يبلغ قطرها مائة وستين قدما، وركبها على حدقته، واختار ~~ميكروميغاس واحدة قطرها ألفان وخمسمائة قدم، ولكنهما لم يبصرا شيئا بادئ ذي بدء، ولما ~~أحكم الزحلي ميكروسكوبه رأى شيئا دقيقا يتحرك بين موجتين في البحر البلطيقي، كان هذا ~~الشيء حوتا، فتناوله ببنصره بلباقة وخفة ووضعه على ظفر إبهامه، وعرضه على رفيقه؛ فلم ~~يتمالك للمرة الثانية من الضحك حين وقع نظره على صغارة المخلوقات في كرتنا هذه. # ولما قنع الزحلي بأن عالمنا مأهول صور له في الحال أنه ليس مأهولا بسوى الحيتان، ~~وبما أنه كان من كبار الراغبين في الإثبات والتحليل، أراد أن يعرف مصدر هذه الذرة، ~~ومن أين تستمد حركتها، وهل لها أفكار وإرادة. # وكان أن الحيوان حير ميكروميغاس، فأخذ يتفحصه بصبر وجلد، وخلص إلى أنه ليس ثمة ~~سبيل إلى الاعتقاد بأن فيه روحا. # وفيما الرحالتان يجنحان إلى تثبيت رأيهما فيما يتعلق بانعدام وجود النفس في قاطني ~~هذه الكرة، أبصرا في الميكروسكوب شيئا أضخم من الحوت؛ يطفو على مياه البلطيقي. # يعلم الجميع أن سربا من الفلاسفة كان عائدا في تلك السنة نفسها من القطب الشمالي، ~~بعد أن أجرى فيه أبحاثا لم تخطر في بال أحد من قبل، فذكرت الصحف أن الباخرة التي ~~كانت تقل هؤلاء الفلاسفة جنحت على شواطئ خليج بوتني، وأن ركابها كابدوا مشقة كبيرة ~~في سبيل النجاة. # وسأقص بنية سليمة كيف جرى ذلك، من غير أن أزيد حرفا من عندي، ولا يخفى ما في ~~ذلك من الصعوبة على المؤرخ. ~~(5) ما أتاه الرحالتان من التجارب والبينات # بسط ميكروميغاس يده بتؤدة نحو الجهة التي ظهر فيها هذا المشهد، وقدم أصبعين من ~~أصابعه، التقط بهما المركب الذي كان يقل أولئك السادة، ثم وضعه على ظفر إبهامه بخفة ~~وعناية؛ مخافة أن يسحقه، فقال القزمة: «هذا حيوان يختلف كل الاختلاف عن الأول.» # وما كاد ميكروميغاس يضع الحيوان المزعوم في باطن كفه، حتى تحرك جميع من في المركب من ~~الركاب والبحارة؛ إذ خيل إليهم أن عاصفة هوجاء ms08 رفعت المركب وألقته على جسم يشبه الصخر، ~~وراح البحارة يطرحون دنان النبيذ على يد ميكروميغاس ويترامون وراءها، والرياضيون يأخذون ~~آلاتهم، وينزلون بها على أصابعه، حتى أحس بجسم يدغدغ إحداها، كان هذا الجسم إسفينا ~~أغرز في سبابته؛ فاستنتج من هذا الوخز أن شيئا خرج من الحيوان الصغير، ولم يذهب إلى ~~أبعد من ذلك في بادئ الأمر. # لا تسل عما أتاه فيلسوفنا الشعروي من ضروب الحنكة والحذق ليتمكن من رؤية الذرات التي ~~ذكرتها، فحين رأى لوفنهوك وهارتسويكر، أو حين خيل إليهما أنهما أول من رأى البذرة التي ~~تتكون منها لم يقوما بأدهش من هذا الاكتشاف، ولا تسل عن عظم اللذة التي شعر بها ~~ميكروميغاس وهو ينظر إلى تلك الآلات الصغيرة تتحرك، ويتتبعها في جميع أعمالها، وإذ وضع ~~واحدا من ميكروسكوباته في يدي رفيقه هتف هذا الأخير قائلا: «لقد رأيتها!» وقالا بصوت ~~واحد: «ألا تراها تقل أحمالا، تنحني وتنهض؟» # وكانا يتكلمان وأيديهما ترتجف فرحا برؤية أشياء بهذا المقدار من الجدة، وخوفا من ~~فقدانها، وفيما الزحلي ينتقل من الإسراف في الشك إلى الإسراف في سرعة الإيمان، صور له ~~أنها تتكاثر، عملا بسنة نشر الجنس فقال: «آه! لقد فاجأت الطبيعة في أثناء ارتكابها.» ~~ولكنه انخدع بالمظاهر، والانخداع بالمظاهر كثير الوقوع في حالتي استعمال الميكروسكوب ~~وعدم استعماله. ~~(6) ماذا جرى لهما مع الناس؟ # تبين لميكروميغاس، وهو أحسن ملاحظة من قزمته، أن الذرات تتخاطب، وأعلم رفيقه بذلك، ~~سوى أن هذا الأخير - وقد خجل من خطأه في موضوع التناسل - أبى الاقتناع بأن أنواعا ~~كهذه يتفق لها أن تفكر. ومع أنه لم يكن دون الشعروي معرفة باللغات، فلم يتوصل إلى ~~التقاط أصوات الذرات، وبقي مصرا على اعتقاده الأول، وكانت حجته أنه يستحيل على خلايق ~~دقيقة كهذه أن تتكلم، وماذا يمكنها أن تقول؟ فمن شروط الكلام أن يكون ناجما عن ~~الفكر، ومن شروط الفكر أن يكون صادرا عما يوازي النفس، فعزو ما يوازي النفس إلى هذا ~~النوع من الحشرات ضرب من الغباوة. # فقال الشعروي: ولكنك اعتقدت منذ هنيهة أنها تتعاشق، أفتظن ms09 أن التعاشق ممكن بدون ~~تفكير، وبدون التلفظ بكلمة، أو بدون تفاهم على الأقل؟! أو تظن أن الإتيان بحجة أصعب ~~من الإتيان بولد؟ ... # فقال القزمة: كلاهما، في مذهبي، من الأسرار العظيمة؛ فقد صرت لا أجرؤ على الإيمان، ~~ولا على النكران، وما دمت لم يبق لي رأي فلنتفحص هذه الحشرات، ثم نعود إلى الأدلة ~~والبراهين. # فقال ميكروميغاس: حسن جدا ما تقوله. # وفي الحال تناول مقصا قلم به أظافره، ومن قلامة إبهامه صنع بوقا كبيرا يشبه ~~القمع، ووضع قصيبته في أذنه، وبدائرة القمع طوق الباخرة وركابها. # كان أضعف الأصوات يتغلغل في عروق الظفر المستديرة، بحيث إن فيلسوف العالم الأعلى ~~سمع بجلاء طنين الحشرات في هذا العالم، وما هي إلا ساعات قلائل حتى تمكن من تمييز ~~الكلمات، وسماع اللغة الفرنسية، وحذا القزمة حذوه ولكن بأشد جهدا منه. # وكانت دهشة الرحالتين تزداد ثانية بعد ثانية لدى سماعهما الحشرات تلزم منطق الحكم ~~السليم، فشرعا يبذلان كل ما بوسعهما لمخاطبة هذه الحشرات، وإذ خشيا أن يصم صوتهما ~~الجهوري مسامعها الدقيقة، وضعا في فمهما مساويك لإضعاف الصوت، ثم أجلس الشعروي القزمة ~~على ركبتيه ووضع المركب وركابه على أحد أظافره، وبدأ يخاطب الحشرات بصوت منخفض جدا، ~~قال: «أيتها الحشرات الخفية، التي حلا ليد الخالق أن تلدها في هوة الصغر ~~المتناهي، إني لأحمده على أنه تنازل، فكشف لي أسرارا كنت إخالها لن تكشف، قد لا يكلف ~~المرء في عالمي نفسه مشقة النظر إليك، ولكني لا أحتقر أحدا وأمد لك يد ~~الحماية.» # لم يسبق للدهشة أن استحوذت على مخلوق مقدار ما استحوذت على أولئك الذين سمعوا هذه ~~الكلمات ولم يحزروا مصدرها؛ فتلا مرشد المركب صلاة التقاسيم، وجدف البحارة، وضرب ~~الفلاسفة قياسا لم يجدهم نفعا، وكان قزمة زحل أرق صوتا من ميكروميغاس، فأطلعهم ~~ببضع كلمات على نوع الخلايق التي تخاطبهم، وقص عليهم رحلة زحل، وأوقفهم على حقيقة ~~السيد ميكروميغاس، وبعد أن أعرب لهم عن أسفه لأجرامهم الصغيرة، سألهم أيلزمون دائما ~~هذه الحالة البائسة القريبة من العدم، وماذا يصنعون في كرة كأنها ملك ms10 الحيتان، وهل ~~يتمتعون بالسعادة ويتكاثرون، وهل لهم روح، ومائة من أمثال هذه الأسئلة. # فأثارت هذه الأسئلة، ولا سيما الشك في وجود الروح، مكمن الغضب من صدر رياضي كان قد ~~أبصر مخاطبه عن طريق أحد المراصد، فقال: ألأنك تبلغ ستة آلاف قدم من رأسك إلى قدميك، ~~يخيل إليك يا حضرة السيد أنك ... # فصرخ القزمة قائلا: ستة آلاف قدم! يا للسماء! من أين عرف طولي؟! ستة آلاف قدم! لم ~~يخطئ قيد شعرة، ماذا؟! أبوسع هذه الذرة أن تقيسني ولا يسعني أن أقيسها، أنا الذي لا ~~يستطيع رؤيتها إلا بالميكروسكوب؟! # فقال الرياضي: أجل، لقد قستك وسأقيس أيضا رفيقك الضخم. # فقبل الطلب واضطجع فخامته؛ إذ لو بقي واقفا لظل رأسه محجوبا بالغيوم، فغرس ~~فلاسفتنا شجرة كبيرة في مكان منه، لو كان الدكتور سويفت مكاني لما تردد في تسميته ~~باسمه، ولكني لن أفعل؛ لشدة احترامي للسيدات. # وبدأ فلاسفتنا بإجراء أرقام حسابية خلصوا منها إلى أن الذي يرونه شاب يبلغ طوله ~~مائة وعشرين ألف قدم. # حينئذ لفظ ميكروميغاس هذه الكلمات: «لقد صرت كبير اليقين أنه لا ينبغي لنا أن نحكم ~~بالظواهر، رب! يا من وهبت الذكاء لكل مادة مهما تبلغ صغارتها، إن الأجرام المتناهية ~~في الصغر تكلفك من الجهد مقدار ما تكلفك الأجرام المتناهية في الكبر، وإذا كان من ~~الممكن وجود مخلوقات أصغر من هذه، فلا يستبعد أن يكون لها عقل يتفوق على عقل تلك ~~الحيوانات الرائعة التي رأيتها في السماء، وتستطيع أن تغمر بقدمها الكرة التي هبطت ~~إليها.» # فأكد له أحد الفلاسفة أنه ثمة خلائق ذكية أصغر من الإنسان بكثير، وأخبره ليس عن كل ما ~~ذكره ڨرجيل من الخوارق عن النحل، بل عما اكتشفه سوامردام وشرحه ريومور، وأعلمه أخيرا ~~أن ثمة حيوانات هي من النحل بمثابة النحل من الإنسان، أو الشعروي نفسه من تلك ~~الحيوانات الهائلة التي ذكرها، وهذه الأخيرة من أجرام أخرى لا تبدو أمامها إلا بمثابة ~~ذرات. # وما زالوا يتباحثون حتى دخلوا في مواضيع راقت الرحالتين جدا، فقال ~~ميكروميغاس: ~~(7) حديث مع الناس ~~«أيتها ms11 الذرات الذكية! يا مستودعا لعظمة الخالق وفطنته، لا شك أنك تتمتعين بملذات ~~طاهرة في كرتك؛ لأنك وأنت قليلة المادة كثيرة العقل، لا يمكنك إلا أن تصرفي حياتك في ~~الحب والتفكير، وهي حياة الأرواح الصحيحة! لم يتفق لي أن أجد السعادة الحقيقية في ~~مكان، ولكني لا أشك في أنها تقطن هذه البقعة.» # فلما سمع الفلاسفة هذا الكلام هزوا رءوسهم، واعترف أحدهم وهو أشد صراحة من الآخرين، ~~أنه إذا استثني عدد قليل من السكان يبقى جماعة من المجانين والأردياء والبائسين، قال: ~~إن المادة التي تتكون منها هي أكثر مما نحتاج لنرتكب كثيرا من الشر إذا كان الشر ~~يصدر عن المادة، والروح التي فينا هي أوسع مما نحتاج إذا كان الشر يصدر عن الروح، أتعلم ~~أن مائة ألف مجنون مبرنط من جنسنا يعمدون في الساعة التي أخاطبك فيها إلى قتل مائة ~~ألف حيوان آخر معمم، أو أن هؤلاء يقتلون أولئك؟ # فارتعش الشعروي وسأله عن سبب هذه المخاصمات الشنيعة بين حيوانات بهذا المقدار من ~~الحقارة، فأجابه الفيلسوف: إن السبب في هذه المخاصمات يرجع إلى حمأة لا تبلغ مساحتها ~~ما تبلغه مساحة عقبك، يذهب بعضهم إلى أنها ملك رجل يدعى «السلطان»، ويذهب آخر إلى أنها ~~ملك رجل يدعى «القيصر»، ولا أعلم لماذا يدعي كذلك، ولم يسبق لهذا ولا لذاك أن رأى ~~بقعة الأرض التي يقتتلون لأجلها ولن يراها أبدا، كما أنه لم يتفق لأي من الحيوانات ~~التي تتناحر أن رأى بعينه الحيوان الذي يجري التناحر لأجله. # فصرخ الشعروي غاضبا وقال: يا لهم من أشقياء! تحدثني نفسي بأن أخطو ثلاث خطوات، ~~وأسحق بثلاث رفسات وكر أولئك القتلة المضحكين. # فقال الفيلسوف: لا تكلف نفسك تلك المشقة، فهم يجدون في العمل على هلاك أنفسهم، ولن ~~تمضي عشرة أعوام حتى لا يبقى نزر قليل من أولئك البائسين؛ فالجوع والأتعاب والطمع ~~نذير ينذرهم بالهلاك إذا لم ينذرهم السيف، والواقع أن الذين يستحقون العقاب ليسوا ~~هؤلاء، بل هم أولئك البرابرة القاعدون، الذين يصدرون من داخل دواوينهم وفي أويقات الهضم ~~أوامرهم بقتل ms12 مليون رجل، ثم يحمدون الله علنا على ما فعلوا. # فشعر الرحالة بدافع يدفعه إلى الشفقة على الجنس البشري، الذي اكتشف فيه ذلك القدر ~~من المتناقضات المدهشة، فقال لأولئك السادة: بما أنكم في جملة ذلك العدد الصغير من ~~العقلاء لا تظلمون على ما يظهر، ولا تقتلون طمعا في المال، فأسألكم أن تطلعوني على ~~نوع الأعمال التي تقومون بها. # فقال الفيلسوف: إننا نشرح ذبابا ونقيس خطوطا، ونجمع أعدادا، فنتفق على نقطتين أو ~~ثلاث نقاط نفهمها، ونختلف على ألفين أو ثلاثة آلاف لا نفهمها. # فحلا للشعروي وللزحلي أن يستنطقا تلك الذرات المفكرة؛ ليعرفا الأشياء التي تتفق ~~عليها، فقال هذا الأخير: كم تعدون من الشعرى إلى برج الجوزاء؟ فأجابوا كلهم بصوت ~~واحد: اثنتين وثلاثين درجة ونصف درجة. كم تعدون من هنا إلى القمر؟ ستين نصف قطر من ~~الأرض. كم يبلغ ثقل الهواء الذي تعيشون فيه؟ وكان يعتقد أنهم يجهلون، ولكنهم أجابوا ~~جميعا أن الهواء يزن نحوا من تسعمائة مرة أقل من مثل هذا الجرم من أخف ماء، وتسعة ~~عشر ألف مرة أقل من ذهب البدرة. # فدهش القزمة الزحلي من أجوبتهم حتى كاد يحسبهم من السحرة، وكان لربع ساعة خلا ~~أبى أن يعترف بوجود نفس فيهم. # وأخيرا قال لهم ميكروميغاس: بما أنكم تحسنون معرفة ما يخرج عنكم، فلا شك أنكم أحسن ~~معرفة بما يدخل فيكم، فما هي نفسكم؟ وكيف تكونون أفكاركم؟ # فتكلم جميع الفلاسفة دفعة واحدة شأنهم في البداية، ولكنهم جاءوا بآراء مختلفة؛ ~~فأكبرهم سنا أورد أرسطاطاليس، ومنهم من ذكر اسم ديكارت أو لبنيتز أو لوك؛ أما التابع ~~لمذهب أرسطاطاليس فقال بصوت مرتفع وبلهجة الواثق من نفسه: إن النفس هي الكمال في ~~الذات، وهي علة تملك على يدها القدرة على أن تكون كما هي، هذا ما صرح به أريسطو في ~~الصفحة ال 633 من طبعة اللوفر. # وأورد الفيلسوف استشهادا باللغة اليونانية، فقال المارد: أنا لا أحسن اللغة ~~اليونانية. فقالت الحشرة الفلسفية: ولا أنا كذلك. فاستطرد الشعروي قائلا: فيم إذن ~~تستشهد بذلك الأريسطو باللغة اليونانية؟ فأجاب ms13 العالم: لأنه يجب أن نستشهد بما لا نفهم ~~باللغة التي نحن أقل فهما لها من سواها. # وقال التابع لمذهب ديكارت: النفس هي روح طاهرة، اكتسبت في أحشاء أمها جميع الأفكار ~~الميتافيزية، وعند خروجها من أحشاء الأم ذهبت توا إلى المدرسة، فتلقنت من جديد كل ما ~~كانت تدركه تمام الإدراك، وظلت جاهلة إياه تمام الجهل. # فأجاب الحيوان البالغ من الطول ثمانية فراسخ: كان الأحرى بنفسك ألا تكون عالمة في بطن ~~أمك من أن تكون جاهلة، وأنت صاحب لحية، ولكن ماذا تفهم بالروح؟ # فأجاب الفيلسوف: ما معنى سؤالك هذا؟ يقال إنها ليست المادة. ~~- ولكن أتعلم على الأقل ما هي المادة؟ ~~- تمام العلم، خذ مثلا هذا الحجر، فهو أغبر اللون، وذو شكل ما، وله أقيسته الثلاثة، ~~كما له ثقله وقابليته للتجزيء. # فقال الشعروي: حسن، فما هو هذا الشيء الذي يبدو لك قابلا للتجزيء، ثقيلا وأغبر؟ ~~أنت ترى بعض خاصيات، أما كنه الشيء فهل تعرفه؟ فأجاب الفيلسوف: لا. ~~- إذن أنت لا تعرف ما هي المادة. # ووجه ميكروميغاس الكلام إلى حكيم آخر كان على إبهامه، فسأله ما هي نفسه؟ وماذا تعمل؟ ~~فأجاب الفيلسوف الماليبرانشي أنها لا تعمل شيئا، قال إن الله هو الذي يعمل كل شيء ~~لأجلي؛ فأنا أرى كل شيء فيه وأعمل فيه كل شيء، وهو الذي يعمل كل شيء بدون تدخلي. # فقال حكيم الشعري: كل هذا دليل على عدم الفائدة من وجودك. # وتحول إلى أحد أشياع لبنيتز وسأله قائلا: وأنت يا صاح، ما هي نفسك؟ فأجاب اللبنيتزي: ~~هي إبرة تشير إلى الساعات بينا جسدي يدق، أو إذا شئت هي التي تدق بينا جسدي يشير إلى ~~الساعات، أو أن نفسي مرآة الكون وجسدي إطار هذه المرآة، وكل هذا في منتهى ~~الوضوح. # وكان أحد أشياع لوك واقفا على مقربة، فلما وجه إليه السؤال أجاب: لا أدري كيف ~~أفكر، ولكني أدري أني ما فكرت مرة إلا بداع من حواسي، ولست أشك في وجود جواهر مجردة ~~من المادة وذكية، ولكني أشك جدا في أنه يستحيل على الله ms14 أن يعطي المادة فكرا، إني ~~أجل القدرة الأبدية، وليس من شأني أن أحدها، ولست أؤكد شيئا، وأكتفي بأن أعتقد ~~أن الأشياء الممكنة أكثر وجودا مما يظن. # فابتسم الحيوان الشعروي؛ إذ لم يجد هذا الأخير دون الآخرين حكمة، ولكان قزمة زحل ~~عانق تابع لوك لولا التفاوت العظيم بينهما. # ولكن سوء البخت شاء أن يكون هناك حيوان ذو قبعة مربعة قطع الكلام على جميع ~~الحيوانات الفلاسفة، قائلا إنه يعرف كل السر فهو في كلام القديس توما، وبعد أن نظر ~~إلى الرحالتين من قمة رأسهما إلى باطن قدمهما، أكد لهما أن شخصيهما والعوالم التي ~~جاءا منها والشموس والنجوم لم تخلق إلا للإنسان. # فأطلق الرحالتان من ذلك الضحك المتأجج، الذي قال عنه هوميروس إنه قسمة الآلهة، ~~وكانت أكتافهما وبطناهما تذهب وتجيء، ويستلقي أحدهما على الآخر حتى سقط المركب من ظفر ~~الشعروي، واختفى في طية من سروال الزحلي، فأخذا يجدان في البحث عنه، ولما وجداه عاد ~~الشعروي إلى ملاطفة تلك الحشرات، وإن يكن ساءه في أعماق نفسه أن يرى في المتناهين ~~في الصغر عجرفة متناهية في الكبر، ووعدهم بأن يضع لهم كتابا في الفلسفة يرون فيه منتهى ~~الأشياء، وفي الواقع أعطاهم هذا الكتاب قبل ذهابه، فحملوه إلى أكاديمية العلوم في ~~باريس، ولكن لما فتحه أمين السر لم ير إلا أوراقا بيضاء! # | ممنون أو الحكمة البشرية # صح عزم ممنون يوما أن يكون حكيما كاملا، وليس في الناس من لم يخطر في باله أحيانا ~~هذا الخاطر الأحمق. # قال ممنون في نفسه: ليس لي لكي أكون حكيما، ومتى صرت حكيما صرت في منتهى السعادة، إلا ~~أن أجرد نفسي من الأهواء، وليس أسهل من هذا الأمر؛ فأول ما أعمله أني لن أحب امرأة؛ فإذا ~~رأيت جمالا كاملا أقول في نفسي: هاتان الوجنتان ستنكمشان يوما، وهاتان المقلتان ~~الجميلتان ستذبلان، وهذا الجيد المستدير سيصير متهدلا بشعا، وهذا الرأس الجميل سيمسي ~~أصلع. وليس لي إلا أن أراه منذ الآن بالعين التي ستراه فيما بعد؛ لأكون واثقا من أن ~~هذا الرأس لن يلعب ms15 برأسي. # وثاني ما أعمله أني أزهد في الأكل والشرب، فإذا أغوتني الأطعمة الشهية والخمور اللذيذة ~~وفتنة المجتمع، فليس لي إلا أن أتمثل عواقب الإفراط؛ من ثقل في الرأس، وتلبك في ~~المعدة، وضياع العقل والصحة والوقت؛ فأعتدل في الأكل والشرب، فتعتدل صحتي وتصفو أفكاري ~~وتشرق، وكل هذا من السهولة بحيث لا أرى أي فضل في الوصول إليه. # ثم يجب أن أصرف بعض الاهتمام إلى ثروتي، فرغباتي معتدلة وأموالي المضمونة تسمح لي بأن ~~أعيش في غنى عن الآخرين، وهذه أعظم النعم إذ لن أضطر إلى بذل ماء الجبين في التسكع لأولي ~~الجاه، ولن أحسد أحدا ولن يحسدني أحد، أما أصدقائي فسأحتفظ بهم؛ لأنهم لن يجدوا عندي ~~موضوعا لنزاع، وهذا أيضا من السهولة بمكان. # وما كاد ممنون يضع على هذا الشكل خطته الصغيرة للوصول إلى الحكمة حتى أطل من نافذته، ~~فرأى امرأتين تتنزهان تحت شجرة الدلب بالقرب من بيته؛ كانت إحداهما مسنة وكأنها لا تفكر في ~~شيء، والأخرى شابة جميلة وكأنها شديدة الانهماك، فكانت تتنهد وتبكي فتزداد ظرفا وملاحة، ~~فتأثر حكيمنا ليس بجمال السيدة؛ إذ كان كبير اليقين أن الضعف لن يتملكه من هذه الناحية، ~~بل بمظهر الحزن الذي بدت فيه، فنزل إليها ليواسيها بحكمة، فقصت عليه بلهجة ساذجة مؤثرة ~~المظلمة التي أنزلها بها عمها، ولم يكن لها عم، وكيف أنه انتزع منها أموالها، ولم يكن ~~لها أموال، وكل ما كانت تخشى من عسفه وطغيانه، قالت: يبدو لي أنك رجل حسن النصح، فإذا ~~تلطفت فصحبتني إلى بيتي وتفحصت شئوني، فإنك ولا شك رافع عني ما يرهقني من الهم. فلم ~~يتردد ممنون في الذهاب معها ليتفحص شئونها بحكمة ويسدي إليها نصيحة حسنة. # فمضت به السيدة الحزينة إلى غرفة معطرة، وأجلسته معها بأدب وحشمة على مقعد عريض، ~~وراحت تتكلم خافضة النظر، وكلما ارتفع نظرها المندى بالدمع صادف نظر الحكيم ممنون، وكان ~~كلامها طافحا بحنو يتضاعف كلما التقى النظران، فيشعر ممنون من حين إلى حين بدافع عظيم ~~يدفعه إلى تأدية معروف لشخص على هذا الجانب من ms16 الاستقامة وسوء البخت، وكانت نصائح ممنون لها ~~من الرقة بحيث خرج بهما الحديث عن نطاق الشئون. # وهما كذلك، دخل العم كما كان متوقعا، وكان مدججا بالسلاح من قمة رأسه إلى باطن قدميه، ~~وأول كلمة تلفظ بها أنه سيقتل الحكيم ممنون وابنة شقيقه، وآخر ما تلفظ به من الكلام أنه ~~يقبل الصفح لقاء كمية وافرة من المال، فاضطر ممنون إلى إعطائه كل ما كان لديه، وفي ذلك ~~الزمان كان سعيدا من يستطيع تبرئة ذمته بمثل هذه الصفقة البخسة، فأميركا لم تكن بعد قد ~~اكتشفت، والسيدات الحزينات لم يكن خطرات مقدار ما هن اليوم. # ولما عاد ممنون إلى بيته خجلا ومغتما، وجد بطاقة تدعوه إلى تناول الغداء مع رهط من ~~أصدقائه الخلص، فقال في نفسه: إذا بقيت وحدي هنا أفسح لنفسي سبيل التفكير في حادثتي ~~المؤسفة؛ فأمتنع عن الأكل وأمرض، فالأفضل أن أشاطر أصدقائي الخلص طعامهم الشهي؛ فأنسى في ~~عذوبة محيطهم ما أتيته من الحمق هذا الصباح. # وإذ علم أصدقاؤه بما حل به حملوه على الشرب ليسري عنه؛ فقليل من الخمر دواء للروح ~~وللجسد، هكذا قال الحكيم ممنون في نفسه، وشرب حتى السكر، وبعد الطعام اقترح عليه أن ~~يلعب، فلعبة معتدلة مع أصدقاء هي ألهية صالحة، فلعب فخسر كل ما كان في كيسه وأربعة ~~أضعاف ما كان فيه تعهد بدفعها. وكان أن احتدم الجدل في أثناء اللعب، فرماه أحد أصدقائه ~~الخلص على رأسه ببوق، صادف عينه ففقأها، فحمل الحكيم ممنون إلى بيته سكران بلا مال ~~وأعور. # وما كاد يصحو من سكره حتى أرسل خادمه إلى مديونه ليجيئه بمال يدفعه إلى أصدقائه الخلص، ~~فقيل له إن مديونه أفلس في الصباح تاركا مائة عائلة في قبضة البؤس، فذهب ممنون إلى ~~البلاط ليشكو المفلس إلى الملك، وكان على عينه مرهم وفي يده عريضة، فصادف في إحدى القاعات ~~رهطا من السيدات، فقالت إحداهن ناظرة إليه خلسة، وكانت تعرفه قليلا: «يا للفظاعة!» ~~وقالت له أخرى، وكانت أكثر معرفة به: «عم مساء يا سيد ممنون، إني مسرورة برؤيتك ms17 يا سيد ~~ممنون، ولكن لماذا يا سيد ممنون خسرت إحدى عينيك؟» ومرت بدون أن تنتظر جوابه، فاحتجب ممنون ~~في زاوية، وانتظر ريثما يحين الوقت ليرتمي على قدمي الملك، ولما حان قبل الأرض ثلاث مرات ~~وقدم عريضته، فأولاه الملك حسن التفاته، وناول العريضة أحد أفراد حاشيته ليعمل بمقتضى ~~فحواها، فمضى الرجل بممنون إلى ناحية، وقال له بلهجة تتقاسمها العجرفة والسخرية اللاذعة: ~~يا لك أعور مضحكا! أتجرؤ على رفع عريضتك إلى الملك بدلا من رفعها إلي؟ وتتجاسر على أن ~~تشكو مفلسا شريفا يتمتع بشرف حمايتي، وهو نسيب لإحدى وصائف عشيقتي؟ إذا شئت أن تحتفظ ~~بالعين الباقية لك فارجع عن هذه الدعوى. # وهكذا رأى ممنون نفسه، بعد أن عدل في الصباح عن النساء، وعن الإفراط في الطعام، وعن ~~اللعب والمشاحنات، وعن البلاط بوجه خاص؛ قد انخدع بسيدة حسناء، وسرق، وسكر، ولعب، ~~وخوصم، وخسر إحدى عينيه، وذهب إلى البلاط حيث سخر منه، وكل هذا حصل له قبل أن يهبط ~~الليل. # عاد ممنون إلى بيته ممزق القلب من الألم، وقبل أن يدخل رأى رسل المحكمة يصادرون الأثاث ~~من قبل دائنيه، فلبث تحت شجرة دلب على وشك أن يغشى عليه، وفي تلك الآونة مرت سيدة الصباح ~~مع عمها العزيز، فلما وقع نظرها على ممنون معصوب العين انطلقت في الضحك، وإذ هبط الليل ~~استلقى ممنون على كومة قش إزاء جدران بيته، وأصابته الحمى فرقد، وإذا بروح سماوي يتراءى له ~~في الحلم. # كان هذا الروح يشع نورا، وله ستة أجنحة جميلة، ولكن ليس له قدمان، ولا رأس، ولا ذنب، ولا ~~يمت بشبه إلى أحد، فسأله ممنون قائلا: من أنت؟ فأجابه الروح: أنا روحك الصالح. فقال له ~~ممنون: رد إلي إذن عيني وصحتي ومالي وحكمتي، ثم قص عليه كيف خسر كل هذا في يوم ~~واحد. # فقال الروح: هذه الحوادث لا تحصل لنا أبدا في العالم الذي نقطنه. # فقال الرجل الحزين: وأي عالم تقطنون؟ # فأجاب الروح: إن وطني يبعد مسافة خمسمائة مليون فرسخ عن الشمس، فهو في نجمة صغيرة ~~بالقرب ms18 من الشعرى التي تراها من هنا. # فقال ممنون: يا له بلدا جميلا! أليس عندكم لصات يخدعن رجلا مسكينا، ولا أصدقاء خلص ~~يربحون ماله، ويفقئون عينه، ولا مفلسون، ولا حاشية تسخر منك وترفض دعواك؟ # فقال ساكن النجمة: لا، ليس عندنا شيء من هذا؛ فنحن لم ننخدع بالنساء؛ إذ ليس عندنا نساء، ~~ولا نفرط في الطعام؛ لأننا لا نأكل، وليس عندنا مفلسون؛ إذ ليس عندنا ذهب ولا فضة، وليس ~~بوسع أحد أن يفقأ لنا أعيننا؛ إذ ليس لنا أجساد كأجسادكم، ورجال الحاشية لا يظلموننا؛ لأن ~~جميع الخلق متساوون في نجمتنا الصغيرة. # فقال له ممنون: بماذا تصرفون وقتكم يا حضرة السيد الذي لا يعرف النساء ولا يأكل ولا ~~يشرب؟ # فأجاب الروح: نصرفه في السهر على سائر الكرات التي عهد إلينا بالسهر عليها، وها أنا ذا قد ~~جئت لأواسيك. # فقال ممنون: واحسرتاه! لماذا لم تجئ في الليلة الفائتة لتمنعني من ارتكاب تلك الحماقات ~~كلها؟ # فأجابه المخلوق السماوي: كنت منشغلا بحسن، أخيك البكر، فهو أدعى إلى الشفقة منك؛ فصاحب ~~الجلالة ملك الهند الذي أوتي أخوك شرف الإقامة ببلاطه، أمر بأن تفقأ له عيناه الاثنتان بسبب ~~هفوة صغيرة، وهو الآن في السجن مكبل اليدين والرجلين بالحديد. # فقال ممنون: إن وجود روح صالح في عائلة لا يخلو من الفائدة، ما دام لا يمنع أن يصير ~~أحد الأخوين أعور والآخر أعمى، أحدهما على القش والآخر في السجن. # فقال حيوان النجمة: ولكن حظك سيتبدل، لا أكتمك أنك ستبقى دائما أعور، ولكنك ستذوق شيئا ~~من السعادة بشرط أن لا تحدثك نفسك بالوصول إلى الحكمة الكاملة. # فقال ممنون متنهدا: إذن يستحيل على الإنسان أن يصير حكيما كاملا؟ # فأجابه الروح: كما يستحيل عليه أن يبلغ المهارة الكاملة، والقوة الكاملة، والسلطة ~~الكاملة، والسعادة الكاملة، نحن أنفسنا أبعد بكثير من بلوغ هذا الكمال، ثمة كرة يجتمع فيها ~~كل هذا، ولكن كل شيء يتعاقب تدريجا في المائة الألف من ملايين العوالم المنتشرة في المدى ~~الرحب؛ ففي الثاني تقل الحكمة واللذة عنهما في الأول، وفي الثالث ms19 تقلان عنهما في الثاني، ~~وهكذا دواليك حتى تصل إلى الأخير وكل من فيه مجانين. # فقال ممنون: أخشى أن تكون كرتنا الصغيرة هذه هي العالم الذي ذكرته. # فقال الروح: ليس تماما ما تقول، بل هي قريبة منه، يجب أن يكون كل شيء في مكانه. # فقال ممنون: ولكن هل أخطأ بعض الشعراء وبعض الفلاسفة في قولهم: إن كل شيء حسن؟ # فأجاب الفيلسوف السماوي: بل أصابوا كل الإصابة حين نظروا إلى تنظيم الكون بمجموعه. # فاعترض ممنون المسكين بقوله: لن أصدق ذلك إلا حين يزول عوري. # | الزوجة المخلصة # كان في بغداد القديمة، على عهد الملك «معبدر»، رجل مقبل العمر يدعى «صادقا»، فطر على ~~سلامة الطبع، وعلى خلق، صقل بما تهيأ له من أسباب التهذيب، وكان مع وفرة غناه وطلاقة ~~شبابه يحسن أن يلطف أهواءه، فلا يتردى بثوب غير ثوبه ولا يغتم، ثم إنه كان يأبى أن ~~يكون الحق إلى جانبه في كل حين، وكان أيضا على خبرة في ضعف الناس، فلم يجنح عن احترام ~~الوهن في صدر أي كان. # أما الناس فكانوا يدهشون إذ يرونه، مع بسطة علمه ونضوج عقله، لا يتردى بداعر الكلام إلى ~~شتم تلك الخزعبلات الباطلة، والاستخفاف بتلك العربدة الممقونة، أو تلك النمائم المتهورة ~~والآراء المغفلة، والممازحات الغليظة الجافة، وذلك الكلام الزهوق، وإلى كل ما كان يطلق عليه ~~كلمة «مطارحات» في بابل. # كان صادق قد أخذ عن الكتاب الأول، الذي ألفه «زردشت»، أن الأنانية كرة هوائية ~~منتفخة، متى وخزت خرجت منها زوابع؛ فلم يكن ليذهب بنفسه أنه يحتقر النساء، أو يملك عليهن ~~مذاهب الجدل؛ إذ كان كريم النشأة أدعى إلى التساهل بما تناهى إليه من إباء النفس، حتى إنه ~~لم يكن يخشى أن يصطنع إلى الجاحدين، على حد قول «زردشت» في هذه القاعدة الوجيهة: «عندما ~~تأكل أطعم الكلاب ولو أيقنت أنها ستعضك.» وكان حكيما بقدر ما اتسع لذاك الزمن من أسباب ~~الحكمة؛ إذ كان يتسلل إلى أماكن الحكماء ليعيش معهم. ألم بأطراف العلوم الكلدانية ~~القديمة، فلم يكن يجهل أصول الطبيعيات بحسب ms20 ما كان يتناولها عصره، وفوق ذلك كان يدرك من علم ~~المعقولات ما أدركه الناس في أي عصر كان؛ أعني نزرا تافها لا يتدلى إلى ذكره ~~اللسان. # وكان يعتقد كل الاعتقاد أن السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما على رغم الفلسفة الجديدة ~~التي كان يحيط بها زمانه، وأن الشمس تقوم في وسط العالم، وحين كان وجوه الموابذة يقولون ~~له بمخيلة من شأنها أن تقضي شهوة من العبث به، إنه على جانب من فساد الرأي، وإن قوله ~~في دوران الشمس على نفسها واعتباره السنة في اثنى عشر شهرا، إنما هو مظهر من مظاهر العداء ~~للدولة، كان يلزم الصمت من غير أن يدع للغضب أو للهوان سبيلا إليه. # لقد أمكنه الله من نواصي الغنى، وأمده بأصدقاء أوفياء، ومنحه عافية ووجها وسيما مع روح ~~عادل لا يتهور، وقلب صادق نبيل؛ فشخص له أنه يقدر أن ينحط على جوانب السعادة، وكان يرغب ~~في الزواج من «سمير»، وهي فتاة تهيأ لها من أسباب الجمال والثروة وكرم النشأة ما جعلها ~~أول قسمة في بابل. # كان «صادق» يضمر لها في صدره كلفا راسخا عفيفا، وتضمر له حبا يتدلف بها إلى الهوى، ~~حتى إنهما كانا من القران السعيد على أيام ساعة أبصرا، وهما يتنزهان معا تحت النخيل ~~المزين شواطئ الفرات، جمعا من رجال مدججين بسيوف وحراب، كان هؤلاء أتباع «أركان» ~~الفتى، وهو ابن أخت وزير، وقد صور له جلساء خاله أنه إن عالج امرأ ملك عليه من جميع ~~أطرافه، ولم يكن الله قد فسح له فيما فسح لصادق، إلا أنه كان يائسا من بلوغ الذروة التي ~~بلغ إليها هذا، مع اعتقاده أن أسباب المعرفة هي أوفر في نخاعه مما هي في نخاع صادق. هذه ~~الغيرة التي لم تأت إلا عن الادعاء والزهو بالنفس، صورت له أنه يحب «سمير» حتى الوله ~~فحدثته نفسه بخطفها، وما هي إلا فترة حتى قبض الخاطفون عليها. وفي نزوة من نزوات حدتهم ~~أصابوا منها جرحا من حيث لم يتعمدوا، فأسالوا دم شخص لو تناولت نمرة جبل ms21 «إيماووس» ~~نظرة منه لما ملكت نفسها من الحنو والشفقة! # كانت «سمير» تشق جلدة السماء بصراخها وشكواها، وتنادي إليها حبيبها صارخة: «إنهم يسلخونني ~~عمن أعبد يا حليلي!» ولم يكن همها منصرفا إلى الخطر المحدق بها، بل كان منصرفا كله إلى ~~حبيبها صادق، الذي كان يعالج في الذود عنها كل ضروب الشدة التي تفتقها البسالة ~~والحب. # وفي نهاية الأمر أتيح لصادق، بمؤازرة اثنين من العبيد، أن يشتت شمل الخاطفين، وينكفئ ~~بسمير إلى بيتها وهي مغشي عليها ومضروجة بالدم. # لما فتحت عينيها وقعتا على منقذها فقالت له: «كنت أحبك يا صادق حب الحليلة لحليلها، أما ~~اليوم فإني أحبك كما يجب أن أحب من أنا مدينة له بالشرف والحياة.» # لم يجاور قلب بشري تأثر أبعد من التأثر الذي جاور قلب سمير، ولم ينطق فم ساحر بعاطفة ~~وحنو أكيدين أخلص مما نطق به فم هذه المخلوقة في تلك العبارات النارية المتأججة، التي ~~تلهمها عاطفة تنتسب إلى أجل فضل وأنبل معروف، ويوحيها أرق هيجان لأحق هوى. # كان جرحها طفيفا لا يدعو إلى قلق، أما جرح «صادق» فكان بالغا؛ إذ أصيب بسهم في محجره ~~لم يسلم منه. # لم تسأل «سمير» الآلهة إلا أن تمنحها شفاء حبيبها، وكانت عيناها منطلقتين في الدموع ~~صباح مساء، وهي ترقب الحين الذي يتاح فيه لمقلتي صادق أن تتمتعا بالنظر إلى مقلتيها، ~~إلا أن قروحا فاجأت العين المجروحة، فأشاعت الخوف في كل خلجة من خلجات سمير. # جيء من «منفيس» بالطبيب الأكبر «هرمس»، ومعه موكب عظيم من حاشيته، فصرح بعد الفحص أن ~~المريض لن يسلم من فقد عينه، حتى إنه تدلف في حكمه إلى التنبؤ عن اليوم وعن الساعة اللذين ~~سيحل فيهما ذلك المصاب الجلل، وقد خلص في كلامه إلى القول: «لو كان الجرح في المقلة اليمنى ~~لما صعب علي شفاؤه، أما وهو في المقلة اليسرى فلن يشفى.» # لم تجد بابل مندوحة عن النزاع في أمرها على احترام معارف «هرمس»، في حين أنها كانت تشترك ~~في التأسف على ما أحاط القدر بصادق من ألوان ms22 التعاسة، وما هي إلا ثمان وأربعون ساعة حتى ~~زالت القروح من نفسها وتم لصادق الشفاء، فوضع «هرمس» كتابا بين فيه أن صادقا وإن ~~شفي إلا أنه كان عليه ألا يشفى. # أما صادق فلم يحفل بالكتاب ولم يقرأه، ولكنه لما وطئ له الخروج من بيته شرع في إعداد ~~العدة لزيارة تلك التي كانت رجاءه الوحيد في سعادة عيشه، والتي من أجلها وحدها كان يشتهي ~~أن يكون له عينان. # كانت سمير في خلال ذلك قد أنتجت قرية في خارج المدينة لتصرف من الأيام ثلاثة، فانتهى ~~لصادق وهو في الطريق أن تلك المرأة الجميلة، بعد أن أعلنت أنها لا ترى في العور إلا ~~بشاعة كبيرة، قد زفت إلى «أركان» في الليلة نفسها التي اختلط فيها النور على صادق، فقطع به ~~لدى هذا الخبر المشئوم، وأسقط في يده حتى كاد الحزن يفقده الحياة. # بقي مدة طويلة يتقلب على فراش المرض إلى أن تمنع العقل من حزنه بالحصن القوي، وإلى أن ~~أمكنته فظاعة ما اختبر من الوصول إلى مواطن العزاء، فقال: «بما أني نفضت عن نفسي هوى قاسيا ~~صرمته فتاة تقلبت في طرف البلاط أعطافها، فيجب علي أن أتزوج من ابنة وطنية.» # واختار حليلة له «عذراء»، وهي ابنة أكرم من في المدينة نشأة، وأوفر بنات جنسها حكمة، ~~فتزوجها وعاش معها شهرا كاملا تمتع فيه بعذوبة الاتحاد وحنانه، إلا أنه كان يشتم فيها ~~ميلا خفيفا إلى الطيش ورغبة شديدة في أن تجد دائما أن أكرم الشباب نشأة هو من توفرت ~~فيه أسباب الفضيلة والرشد. # في أحد الأيام عادت «عذراء» من نزهة، والغضب يجهم أسارير وجهها، وصراخ الدهشة يملأ فمها، ~~فقال لها صادق: ما حل بك يا زوجي الحبيبة؟ ومن يستطيع أن يخرجك عن نفسك؟ # فقالت: آواه! لو شهدت ما شهدته لملك عليك السخط كما ملك علي، خرجت لأعزي أرملة ~~«كاسر» الشابة، التي بنت منذ يومين ضريحا لزوجها الشاب على جانب الساقية التي تكتنف هذا ~~المرج. لقد وعدت الآلهة ساعة حزنها أن تلزم الضريح ما جرت مياه ms23 تلك الساقية على ~~قدميه. # فقال صادق: فيم الغضب إذن؟ إنها لامرأة وقور تحب زوجها حبا صادقا. # فتأوهت عذراء واستطردت قائلة: آه، لو أنك عرفت أي أمر كان يشغلها ساعة أتيت ~~لزيارتها! # فقال: أي أمر يا جميلتي عذراء؟ # فقالت: كانت تحول الماء عن قدم الضريح. # وأرسلت عذراء نفسها على استمطار ألوان الشتائم، وانطلقت تردد كل أنواع المثالب بحق ~~الأرملة الشابة، فلم يرق صادقا هذا النوع من الفضيلة. # وكان لصادق صاحب يدعى «قادور» قسط له في النبل والخلق الكريم، فنزل من نفس عذراء منزلا ~~موفور الكرامة، فوطأ له صادق رحابة بيته وأدخله في عهدته، وقد وثق من أمانته بقدر ما اتسع ~~له لما اتصف به الرجل من حاضر شريف وصيت حسن. أما عذراء فإنها بعد أن صرفت يومين بضيافة ~~صديقة لها في ظاهر المدينة، عادت في اليوم الثالث إلى البيت، ففاجأها الخدم والدموع تنحدر ~~من أجفانهم بأن زوجها قد مات على حين غرة في الليلة نفسها التي خرجت فيها لزيارة صديقتها، ~~وزادوا على ذلك أنهم دفنوا صادقا في ضريح آبائه في طرف الحديقة. # فانطلقت عذراء في البكاء الشديد، وملك عليها الحزن من جميع أقطارها، فأخذت تنتف شعرها ~~وأقسمت ألا تحيا بعده. # في المساء استأذنها «قادور» في التحدث إليها، واستسلما للبكاء معا. وفي اليوم التالي ~~فطرا على مائدة واحدة، وكان بكاؤهما أقل منه في اليوم المنصرم، فأفضى إليها «قادور» أن ~~صديقه ترك له القسم الأوفر من ملكه، وأنه يقف سعادته كلها لاقتسام الثروة بينه وبينها، فبكت ~~المرأة، ثم حزنت، ثم لانت، وتناول العشاء من الوقت أكثر مما تناول الغداء. # وما زال «قادور» يدارجها في الكلام، ويلطف في حديثه معها حتى ارتفعت الكلفة، واستوثق ~~أحدهما من الآخر، فتدلت «عذراء» إلى الثناء على المرحوم، سوى أنها لم تجد بدا من مصارحة ~~«قادور» بأن صادقا وإن كان بعيد الهمة فإن له نقائص تنزه هو عنها. # في منتصف العشاء تشكى قادور من ألم شديد في معدته، فأشكل على المرأة من شدة الأسف، ~~وانطلقت تعالج فيه كل أنواع ms24 الأريج الذي تتعطر به لعلها تقع منها على نوع يصلح لداء ~~المعدة. # وكانت في الوقت نفسه تأسف جد الأسف لكون «هرمس» الكبير لم يبق في بابل، حتى إنها تلطفت ~~فجست ملمس الألم من «قادور»، وقالت له بتودد وشفقة: هل عالجت هذا الداء الوبيل فاستوصفت ~~دواءه؟ # فأجابها: إنه ليتزاحف بي أحيانا إلى حافة القبر، ولا يقيلني إياه ويشيع في الصحة إلا ~~دواء واحد؛ هو أن يلصق على جهة الألم أنف رجل لم يمر أكثر من ليلة على موته. # فقالت عذراء: إنه لدواء غريب! # ثم استوت على فكرة فأردفت قائلة: حين يتخطى زوجي عالم الأمس إلى عالم الغد على جسر ~~«شنوار»، هل يعمي عزرائيل السبيل عليه، فلا يستبين موضع خطوه لأن أنفه يكون أقصر في الحياة ~~الثانية منه في الحياة الأولى؟ # قالت هذا وأخذت محلقا، وخرجت إلى ضريح زوجها فرطبته بدموعها، ودنت من «صادق» لتبتر أنفه ~~فرأته ممددا في وسط الضريح، في تلك الآونة نهض «صادق» قابضا على أنفه بيد وموقفا المحلق ~~بالأخرى، وقال لها: لا تتحيفي بعد من حق أرملة «كاسر»؛ فإن تعمدك بتر أنفي ليوازي، ولا ~~مرية، تحويل ساقية عن مجراها. # | سزوستريس # تعرفون أن لكل امرئ روحا صالحا يرشده ويقود خطاه في مسالك هذه الحياة القصيرة، وهذا ~~الروح لا يبدو لأنظارنا، ولكنه يرافقنا من غير أن نراه. # ومعلوم أن الأرواح الصالحة كانت في الماضي أكثر مؤالفة لنا منها اليوم، تحدثنا وتعيش ~~معنا - ولا سيما مع الملوك - عيشة الأصدقاء الخلص. # ففي مساء أحد الأيام فيما الملك سزوستريس يتنزه مع ملاكه على الشاطئ بالقرب من منفيس، قال ~~له: ها أنا ذا ملك يا سيدي، وبودي أن أستحق الملك، فكيف أعمل؟ # فأجابه مرشده: تعال معي إلى هذه البناية الكبيرة، التي بنى أوزيريس سورها الجميل، تتعلم ~~كيف تعمل. # فأطاع الملك، ولما وصل إلى البناية رأى في ساحتها إلهتين مختلفتين، إحداهما على جانب ~~عظيم من الجمال والرونق، كانت مستلقاة بين الأزهار، يحيط بها الحب اللعوب والظرف المغوي، ~~وكأنها ما تزال سكرى من اللذة. # وكان على ms25 مقربة منها ثلاثة مساعدين، تبدو عليهم مظاهر الجفاف والهزال والإصفرار والخور، ~~فسأل الملك مرشده الأمين قائلا: من تكون هذه العروس البالغة هذا المبلغ من الرقة والجمال؟ ~~وما شأن هؤلاء الثلاثة المقيتين؟ # فأجابه المرشد: أتجهل من هي هذه العروس الحسناء يا أميري؟ # إنها الشهوة، معبودة كل من في بلاطك، ومن في المدينة والريف، أما هؤلاء الثلاثة المقيتون ~~الذين يمشون دائما وراء سيدتهم، فهم المقت والسأم والندم، الأشباح البشعة، أبناء اللذة ~~القدماء. # فحزن الملك المصري لدى سماعه هذه الحقيقة، وسأل مرشده قائلا: وهذه الإلهة الأخرى، من ~~تكون؟ فإني أراها دون هذه سهولة ورقة، ولكن سيماءها النبيلة وصفاءها الرصين تعجبني هي كذلك، ~~أرى إلى جانبها صولجانا من الذهب وسيفا وميزانا، وفي يدها صحائف تصرفها عما حولها، وأرى ~~هيكلا جميلا ينفتح لدى صوتها متألقا نورا وبهاء، وعلى واجهة الرواق العظيم أقرأ هاتين ~~الكلمتين: إلى الخلود! أبوسعي الدخول إلى هذا الهيكل؟ # فأجاب الملاك: الأمر شاق، فكثيرون حاولوا الدخول إليه ثم عدلوا قانطين، فهذه الحسناء التي ~~تبدو لك صلبة قاسية قد تلتهب أحيانا، وإذا كانت الشهوة أشد عذوبة وإحساسا وأكثر فتونا ~~فهذه أعرف بالحب، ولكن من يريد أن يحل في نظرها محلا موفور الكرامة، يجب عليه أن يتصف ~~بروح عادل وقلب نقي وفي، إنها الحكمة، وهذا الهيكل اللألاء الذي انفتح الآن هو هيكل ~~المجد. ألا فاختر بين هاتين الإلهتين؛ إذ لا تستطيع أن تكون كلتيهما معا. # فقال الملك الشاب: لقد تم اختياري، ولغيري أن يرغب في حب الاثنتين معا، فبوسع إحداهما ~~أن تسعدني هنيهة من الزمن، أما الأخرى فتستطيع بي أن تسعد العالم. # ثم طبع على الأولى قبلتين وهو ماض، ولكنه وهب قلبه للثانية. ms26