######OpenITI# #META# URI: 1366IliyasAbuShabaka.TarikhNapoleonBonaparte.Hindawi69369183 #META# Tags: biographies #META# ID: 69369183 #META# Title: تاريخ نابوليون بونابرت: ١٧٦٩–١٨٢١‎‎ #META# AuthorID: 95147246 #META# Author: إلياس أبو شبكة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # المقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # | تاريخ نابوليون بونابرت # | تاريخ نابوليون بونابرت # | 1769-1821 # تأليف # إلياس أبو شبكة # | المقدمة # منذ وطأت الأيام كنف السلطان لنابوليون لم يقع إلا على المعجبين والمتملقين، أما سحر ~~النبوغ فلم يتفق له يوما أن أثار حماس الخلق كما أثاره نبوغ هذا الرجل، ولم يقيض للسلطة ~~مرة أن تتمتع بمثل ما تمتعت به سلطته، لقد كان رقية عامة، والشعب الذي لم يشأ إلا أن يحدر ~~عن ذلك الإنسان لثام الإنسان فيجعله شبه إله، ويسير في مواكبه وجوه الأمم ممن علت بهم ~~السن في طلائع المجد، إنما أتيح له أن يستوفي قسطه من الكرامة التي استمدها بونابرت من ~~مشيئته وفكرته. # قال أحد المادحين سنة 1813 ما يلي: «إن أوروبا جمعاء إنما ستصبح، بفضل نبوغه وذكائه، ~~أسرة واحدة رحبة يجمعها دين واحد وشرائع واحدة، والأجيال التي تتمتع بهذه الخيرات لن تتلفظ ~~باسم البطل المحسن إليها إلا بفخر وإعجاب.» # وقال أحدهم في ذلك العهد ما يلي: «لو عاد إلى الأرض رجل من عصر المدسيس أو عصر لويس ~~الرابع عشر وانحط نظره على تلك العجائب العديدة فملكه الدهش فسأل: كم استوفى هذا العمل من ~~عصور سلام ودول ms001 مجيدة؟ فأجيبوه : إنه إنما هو نتيجة اثنتي عشرة سنة حرب ونبوغ رجل ~~واحد.» # إلا أن عهد العبادة والحماس ما لبث أن اضمحل، فلما تخلى الحظ عن الجند الفرنسي تخلى مع ~~الحظ كل شيء، كل شيء ... إلا الشعب! الشعب الذي لم يشأ أن يميز بين نابوليون على العرش ~~ونابوليون في المنفى، بل ظل الرجل الفرد في قلبه، كلمة المساواة ومسيح الثورة الفرنسية في ~~أوروبا. # قال شاتوبريان عقيب رسالة بليغة حمل فيها على نابوليون ما يلي: «إن العالم إنما هو ملك ~~نابوليون؛ فإن أخطأ الدنيا وهو حي فقد استولى عليها وهو ميت! فالجندي والمواطن، الجمهوري ~~والملكي، الغني والفقير كلهم يضعون تماثيل بونابرت ورسومه في قصورهم أو أكواخهم، حتى إن ~~مقهوري الأمس وقاهريه أجمعوا على أن يختموا قلوبهم على تمجيده، فما يجول أحد جولة في ~~إيطاليا إلا ويقف بصره عليه، وما يلج ألمانيا والج إلا ويناله بالنظر فيخلد إليه إذ إن ~~الذين زجوه عنهم في هذه الأمة قد نبت الربيع على دمنتهم أو ذهبوا. # ليس بونابرت كبيرا بكلماته، وخطبه، وكتاباته، وشغفه بالحرية التي لم يوطئ لها السبيل ~~يوما! بل هو كبير بخلقه حكومة منظمة قوية، ومجموعة قوانين درجت عليها ممالك كثيرة، ودور ~~عدل، ومدارس، وإدارة حازمة ما زلنا نعيش في كنفها، هو كبير؛ لأنه بعث إيطاليا وأنارها ~~ومضى بها في سبل الرقي قدما، هو كبير لأنه جدد النظام في فرنسا بعد أن أقوت منه؛ لأنه ~~تمكن من نواصي الطباع جميعا فما جابه رجلا إلا وتسلل إلى مداخل طبعه؛ لأنه أمال إليه ~~جموعا من الثائرين، وكتلة غير قليلة من العلماء المتصلفين، والأدباء الفوضويين، وخطباء ~~الشوارع، وسفاكي السجون والطرق، وبائسي المنابر، والنوادي والمشانق، هو كبير؛ لأنه سليل ~~نفسه؛ لأنه عرف، من غير أن تدعمه سلطة إلا سلطة نبوغه، أن يخضع إليه ستة وثلاثين مليونا ~~من الرجال في عهد لم يحط به الغرور عرشا من العروش، هو كبير؛ لأنه قهر جميع الملوك ~~الذين وقفوا في سبيله؛ لأنه سحق الجيوش أيا كان تباين نظامهم وبسالتهم وأيا كانوا؛ ms002 لأنه ~~طبع اسمه على شفاه الشعوب الهمجية كما طبعه على شفاه المتمدنين؛ لأنه تجاوز جميع القاهرين ~~الذين تقدموه، وملأ اثنتي عشرة سنة من العجائب التي أوشك اليوم أن يعمى على الناس ~~إدراكها!» # هكذا انحنى ذلك الخصم أمام عظمة الصنم الذي حاول طويلا أن يسحقه بعد أن تزيد في معاضدة ~~الأحقاد الأجنبية والخيانات الأهلية التي هيئت للنيل من نابوليون، هكذا تزاحف شاتوبريان ~~على استشعار الحقيقة في الدفاع عن بونابرت ضد المتهجمين الذين آلوا على نفوسهم أن يتحيفوا ~~من حقه ويقمروه المجد الذي ما نض بيد أحد مثله، ولم يكن شاتوبريان الرجل الوحيد الذي ~~أرغمته الصراحة النبيلة على مجاورة الحق؛ فإننا لو تمكنا من إيراد مذاهب كل عمد العصر فيه ~~ممن فسح لهم في الفلسفة والأدب كبيرون، ولامنه، ولامرتين، وبلزاك، وهيغو، وفيني، وبلان، ~~وكريل، وبرنجه وغيرهم لما بقي فضل لحوار ولا جدل، ولكننا نكتفي بذكر ما قاله المؤرخ ~~الكبير، رئيس الأمة الفرنسية تيير في نابوليون: «إنه وإن كان رجل دم إلا أنه أعظم الرجال ~~جميعا.» # إن الظروف لم تعدم رجالا مفكرين في عصر من العصور، فكلما احتاج العالم إلى فكرة جديدة ~~لكيلا يضمحل مع العقائد، والنظم، والممالك التي كساها القدم حلة التلف مهدت له الأيام ~~عنصرا قويا من عناصر الفكر والنبوغ فأحله الشعب محلا موفور الكرامة ... مهدت له الأيام ~~عمدا من عمد الفلسفة السامية ليهديه إلى مطارح النور، وخطباء مبسوطي العلم بمداخل السياسة ~~الصحيحة، وشارعين نبهاء لا ينحطون إلا على قمة الرأي، وفاتحين أقوياء يقيلون الوطن قبل أن ~~يتحكم في شأنه غير أهله. # إن الانتصارات الكبرى، والفن العسكري، والفتوحات الغراء، وكل ما يترقى بالنبوغ في مدارج ~~الرفعة إنما هي وحدها التي يترسمها التاريخ فيرقمها في مطاويه، وهي هي التي تقف عليها ~~نواظر الشعوب في حياة الرجال العظماء الذين يدمرون الممالك أو يشيدونها بقوة السيف. # هو ذا القيصر الكبير؛ فإنه وإن قهر الجرمانيين، وغرس النسور الرومانية من قمة القوقاز إلى ~~جبال كليدونيا، وإنه وإن جاز غاليا إلى إيطاليا، وروما إلى مكدونيا، وصحاري الفرسل ms003 إلى ~~أفريقيا وأطلال قرطجنة إلى شواطئ النيل، وإنه وإن عبر البوسفور والرين، وجبال طارق والألب ~~والبيرينه إلا أنه إنما هو يسير اسم روما ولغتها وعاداتها تحت حماية مجده الشخصي، إنه ~~ليحمل معه عصر أغسطوس وهو يتنزى إلى مطارح الحياة والنور، ويبني أعظم وحدة سياسية عرفتها ~~الأرض، هو ذا القيصر الكبير الذي أخذ إخذ الإسكندر في خططه، وأمده شعبه بمثل ما أمد به ~~الإسكندر إذ لم ير فيه غير إله؛ فإنه لقد رحب بعجائب السيف واللسان نطاق ذلك المذهب السامي ~~الذي عرف أن يدني الرفيع ويرفع الدنيء. # ولكن الدهر لم يقيض لأحد بين جميع هؤلاء الفاتحين أن يتناول من أسباب الحظ ما تناوله ~~نابوليون الكبير؛ فإن كان الإسكندر قد فتح في الحرب فتحا أمكنه من عصر بركلس فحمله إلى ~~مذاهب الجوزاء كما حمل القيصر عصر أغسطس، وإن كان هذان الفاتحان قد استمدا نبوغ هوميروس، ~~وسوفوكل، وأفلاطون، وأرسطو، وشيشرون، وفرجيل وهوراس؛ فإن نابوليون حمل معه ثلاثة عصور فسح ~~له الله في الفن، والعلم، والفلسفة، وما كان عصره أقل انطلاقا في ميدان النبوغ من عصر من ~~تقدمه من الفاتحين: لقد اجتاز أوروبا مع مونتين وديكارت، مع كورنيل وراسين، مع فولتير ~~وروسو، وما كانت أركان جيشه إلا جامعة متنقلة طوافة يرف فيها روح القرن الثامن عشر، وتجوب ~~جيوب الأمم المتأخرة لتستل منها ذاتيتها الرثة وتنزلها عند طبيعتها فتتأثر بعادات أمة ~~اعترف لها العالم بالفضل وبايعها السلطان عليه، لقد خلص نابوليون إلى غايته في كل طور نحاه؛ ~~فإن وإن لاطف ذكريات الأريستوقراطية في فرنسا، وتملق لأوهام الحكم المطلق إذ طلاه بأنظمة ~~زائلة تهدمت تحت ثقل القدم إلا أنه بقي ذلك الديموقراطي المبدع العظيم، ممثل تلك الثورة ~~الكبرى التي أطلقها ميرابو مع صواعق البلاغة، ودافعت عنها جمعية السلام العام بصواعق الهول، ~~وأيدها هو - نابوليون - ونشرها في أوروبا مع صواعق الحرب، تلك الثورة التي سميت «فرنسية» من ~~يوم مدرجها، وما لبثت أن أصبحت وهي ثورة «عالمية». # قال الشاعر الفرنسي العظيم فيكتور هيغو كلمته في نابوليون والأدب فآثرنا ms004 تعريبها وإلحاقها ~~بهذه المقدمة لتكون لها خاتمة صالحة: «كانت فرنسا في مطلع هذا العصر مشهدا جميلا تشخص ~~إليه الأمم بإعجاب، وكان رجل واحد يملؤها يوم ذاك بعظمته ومجده ويجعلها كبيرة رحبة حتى ~~تملأ أوروبا بأسرها، هذا الرجل الذي خرج من الظلمة، وكان ابن رجل كرسكي رقت حاشية حاله، ~~قيض له في مدة لا تجاوز السنين القلائل أن يبلغ أرفع قمة من قمم الملك لم يشهد التاريخ ~~مثيلا لها منذ نشأته، لقد كان أميرا بالنبوغ والحظ والأعمال، وكان كل ما فيه يشير إلى أنه ~~المالك الشرعي لسلطان رباني، لقد توفرت فيه شروط العظمة الثلاثة: الحوادث، والثقة، والمسح، ~~فالثورة ولدته، والشعب اصطفاه، والخليفة مسحه! كثير من الملوك والقواد عرفوا فيه من خلال ~~المستقبل مصطفى القدر، لقد كان الرجل الذي قال له إسكندر روسيا قبل أن فني في تاغنروغ: «لقد ~~اختارتك السماء!» والذي قال له كليبر قبل أن قتل في مصر: «أنت كبير كالعالم!» والذي قال له ~~دوزه قبل أن مات في مارنغو: «أنا الجندي وأنت القائد!» والذي قال له فالهوبرت وهو يحتضر في ~~أوسترلتز: «إني سأموت أما أنت فستملك!» أجل، إن شهرته الحربية كانت عظيمة وفتوحاته هائلة! ~~كان كل سنة يمد حدود مملكته إلى ما وراء الحدود نفسها التي وهبها الله لفرنسا، لقد محق جبال ~~الألب كما فعل شارلمان، ومحا البيرينه كما فعل لويس الرابع عشر، واجتاز نهر الرين كالقيصر، ~~وكاد يقطع المانش كغليوم المنتصر! وكانت فرنسا تملك مائة وثلاثين مقاطعة يومذاك، فمن جهة ~~كانت تصل إلى أفواه الإيلب، ومن جهة أخرى كانت تبلغ التيبر، كان ملكا على أربعة وأربعين ~~مليونا من الفرنسيين ومحاميا عن مائة مليون من الأوروبيين، فشيد في وسط أوروبا مملكة ~~كالقلعة الحصينة أعطاها عشر سلطات أدخلها في الوقت نفسه إلى ملكه وأسرته؛ إذ إنه وضع ~~تيجانا على رءوس أترابه وأبناء أعمامه الذين كان يلعب معهم وهو صغير في باحة منزله في ~~أجاكسيو، لقد أزوج ولدا تبناه من أميرة من أميرات بافيير، وأخاه الأصغر من أميرة من أميرات ~~ويرتنبرغ، ms005 أما هو ، فبعد أن نزع من النمسا تسلط ألمانيا الذي كان قد ادعاه تحت اسم معاهدة ~~الرين، وبعد أن نزع منها التيرول ليضيفه إلى البافيير والإيلليري ليتبعها بفرنسا، تنازل ~~فتزوج من أرشيدوقة. # كان هذا الرجل كرؤيا من الرؤى الغريبة المدهشة محلقا فوق أوروبا جمعاء، ذات يوم نظر ~~جالسا بين أربعة عشر رأسا متوجا على كرسي أرفع من كراسيهم، ولما كان في فجر عظمته، خطر ~~بباله أن يتلاعب بلقب البوربون في زاوية من زوايا إيطاليا وأن يرحبه حسب ذوقه، فعمل لويس ~~دوق دي بارم ملكا على التيروري التي هي التوسكان اليوم، وفي ذلك العهد نفسه نزع من ملوك ~~بريتانيا العظمى لقب ملوك فرنسا الذي اغتصبوه طوال أربعمائة سنة، كانت الثورة قد محقت ~~أزاهير طغراء فرنسا فمحقها هو أيضا ولكن من طغراء إنكلترا، عندما كان يجتاز نهر الرين، كان ~~منتخبو ألمانيا، هؤلاء الرجال الذين صعدوا إلى قمم الملك، يخفون إليه على أمل أن يتوجهم ~~ملوكا، والأغرب من ذلك أن خلف كارلوس الخامس ملك إسبانيا والهند طلب يد أخته زوجة له، كان ~~جنوده يعبدونه عبادة البشريين ربهم، وكانوا يرون الموت عذبا في سبيله، لم يكن له كما كان ~~لملوك الشرق رئيس مشيخة البندقية ساقيا للراح، أو دوق بافيير ياورا له كما كان لملوك ~~ألمانيا، بل كان يتاح له أحيانا أن يوقف قيد المحاكمة الملك الذي يقود فرقة خيالته. # كان هذا الرجل هائلا وعجيبا! فلم يبق رأس تحت السماء مهما كان عاليا وفخورا ما تمنى ~~أن يكون له صلة به، ولم يبق عظيم من عظماء العالم لم يحي ذلك الجبين الذي وضعت عليه يد ~~الله تاجين: أحدهما من ذهب ويدعى الملك، والآخر من نور ويدعى النبوغ، كل شيء في العالم كان ~~ينحني أمام نابوليون، أجل كل شيء إلا ستة أدباء، اسمحوا لي أن أقول ذلك بفخر، إلا ستة أدباء ~~ظلوا وحدهم واقفين في العالم الساجد، ستة من المفكرين العظام هم: دوسي، دوليل، مدام ده ~~ستال، بانجمين كونستان، شاتوبريان ولو مرسيه، ما كان معنى تلك ms006 المقاومة في وسط تلك الأمة ~~التي كان النصر والقوة والتسلط والجمال والتفوق من حلفائها؟ ما كان معنى تلك المقاومة التي ~~وقفت في وجه المجد والنبوغ والبطولة؟ ما كان يمثله هؤلاء الستة المتمردون؟ كانوا يمثلون يوم ~~ذاك شيئا واحدا لم تتمتع به أوروبا: الحرية! # كان نابوليون يحب الأدباء بقدر ما كان يخافهم؛ فلذلك كان يطمع في أن يجمع الأدب إلى ~~صولجانه، كأنه لم يكتف بأن وضع لجاما في أفواه الشعب فأراد أن يخضع بانجمين كونستان، ولم ~~يكتف بأن قهر ثلاثين جيشا فأراد أن يقهر لومرسيه، ولم يكتف بأن انتصر على عشر ممالك فأراد ~~أن ينتصر على شاتوبريان. # لم يقف في وجه الاضطهادات في ذلك العهد إلا ستة أدمغة لا غير، لم يقف في وجه ذلك الرجل ~~الذي ألغى الحرية من أوروبا إلا ستة من الأدباء الذين بقوا داعمين صولجان الفكرة الحرة، لقد ~~خدموا الإنسانية بدفاعهم عن الحق ومن يستطيع أن يخدم الإنسانية كالأديب الصادق؟ إنهم لم ~~يقاوموا الحكم المطلق والجور والظلم فحسب، بل إنهم قاوموا فكرة الحرب بكل ما أوتوه من قوة ~~البيان وصدق الحجة، إنني من الذين يعتقدون أن الحرب مفيدة أحيانا، ومن الذين يعتقدون أن ~~الأثلام التي تنشق في بطن الأرض ليست أكثر فائدة من الجراح التي تفصدها الحروب في الجنس ~~البشري، منذ خمسة آلاف سنة وأغلال الأرض تنبت بفضل المحراث ورقي العالم يصعد على مدارج ~~الحروب، ولكن عندما تقدم الحرب لتسود على الدنيا، عندما تصبح سنة من سنن الملك، عندما تمسي ~~داء مزمنا يصعب شفاؤه، مثلا عندما تنطلق ثلاث عشرة حربا في أربعة عشر عاما، إذ ذاك لا ~~تجد الإنسانية بدا من العذاب، إن الأخلاق والآداب لا تلبث أن تضأل وترق لدى احتكاك ~~الأفكار الوحشية، فيصبح السيف أداة المجتمع الوحيدة وتصطنع القوة حقا لها، عند ذلك تنخسف ~~أشعة الفضائل الإلهية، تلك الأشعة التي يجب أن تنير وجه العالم، وتصبح الإنسانية في خطر ~~عظيم! في مثل تلك الظروف يحق للألسنة الحرة أن تنطلق من عقالها وأن يقف الذكاء اللامع ms007 في ~~وجه القوة، في مثل تلك الظروف يجمل بالمفكرين من أبناء الأدب أن يتكاتفوا ضد الأبطال ولو في ~~مواقف انتصاراتهم، وأن يعترض الشعراء، هؤلاء الحضريون المصلحون، على شرائع الغزاة، هؤلاء ~~الحضريين القاسطين.» # هذا هو الرجل العجيب الذي أبى الأشراف إلا أن يروا فيه مغتصبا ظالما، وفاتحا نهما، في ~~حين كان العملة والفلاحون والجنود يرون فيه «رجل الشعب»، رسول الله، ونتاج النبوغ في ~~العالم. # | الفصل الأول # لكل ظلمة سماء تتكشف عن نيرات، وفي كل ليلة متمردة الأمطار صواعق تنقض! كانت ~~الأريستوقراطية الظالمة، وكان فولتير وروسو، كانت القرون الوسطى، وكانت الثروة! كانت ~~المظالم نتاج ذلك الماضي المشئوم الملقب بالباستيل في باريس، وبرج لوندره في إنكلترا، ~~والسبييلبرج في ألمانيا، والإسكوريال في إسبانيا، والكريملن في موسكو، وقصر سنت أنج في ~~روما! وكان الماضي خمسة عشر قرنا تمردت فيها عهود الإقطاعية الجائرة، فكان للأسياد ~~سيطرتهم، وللعبيد ذلهم، وللأشراف تحكمهم، كان الصولجان والعرش والملذات والحق الإلهي في ~~جانب الملوك! وكانت سنة 1793، فإذا بهذه الاثني عشر شهرا تقف حكما على القرون الخمسة ~~عشر. # كان الماضي وكانت المقصلة: فإذا الماضي الحكم المطلق، وإذا المقصلة نيران الثورة! يا للمقابلة الرهيبة! فمن جهة عقدة محكمة، ومن جهة أخرى فأس! # الثورة! ... وما أدراك ما الثورة المنبثقة من شفق الأجيال المظلومة؟ هجعت قرونا طوالا ~~وانقضت في ثوان ... لقد خرجت من الأرض: ففي الأرض المرطبة بدماء المظلومين ودموعهم وعرق ~~جباههم، تأصلت تلك الشجرة الجبارة، من تلك الأرض الملأى بالقبور والمكائد وجثث ضحايا ~~الاستعباد والجور خرج ذلك الشبح المجهول، ذلك المنتقم، تلك الأداة القاطعة: المقصلة! ورفعت ~~الثورة صوتها القاصف صارخة في وجه العالم القديم: «ها أنا ذا!» عند هذا حق للمقصلة أن تقول ~~لمشارف القصور: «أنا ابنتك.» # يا له مشهدا جميلا ذلك الذي يرتفع فيه جبين الشعب عاليا فخورا! يا له مشهدا جميلا ~~ذلك الذي تبرق فيه عيون الفلاسفة المضطهدين أمام مشعل الإنسانية الإلهي، أمام ~~الحرية! # ولكن لا بد لكل ثورة من نظم تتمشى عليها للوصول إلى المقصد الأسمى، ولا بد لهذه النظم ~~من ms008 دماغ يسنها وسيف يدافع عنها. فبينما كان فولتير وروسو ينحنيان إلى القبر بعد أن ملآ ~~العصر بدوي شهرتهما، وبينما كان ميرابو الذي قدر له أن ينقل صولجان الرأي من الفلسفة ~~إلى البلاغة السياسية يمهد لكهولته شهرة الخطيب ومجد رجل الأمة، كانت الحكمة التي تقود ~~العالم إلى الغاية التي تتوخاها في طرق لم يقيض لأحد غيرها أن يتسلل إلى مداخل أسرارها، ~~الحكمة التي في تعاقب الأجيال والممالك، تهيئ كل شيء بأبعد ما يكون من الإتقان في سبيل رقي ~~الأفكار وفوز الثورات الكبرى، أجل، كانت تلد، في زاوية مظلمة من زوايا البحر المتوسط، ~~الرجل الذي سيقف روح الحرب لخدمة روح الإصلاح، ويختم القرن الثامن عشر بمعجزات عسكرية بزت ~~جميع المعجزات التي أدهشت القرون القديمة والوسطى. # ولد نابوليون بونابرت في أجاكسيو من أعمال جزيرة كورسكا، في الخامس عشر من شهر آب سنة ~~1769، من شارل بونابرت وليسيا رامولينو. # عندما أشرف على تجديد المملكة في عهد القنصلية، صور لبعض الكتبة أن يختلقوا ~~للإمبراطور المزمع سلسلة نسب تصله بالأمراء، وأن يوجدوا له أجدادا بين ملوك الشمال ~~القدماء، إلا أن الجندي الذي كان يشعر بثورة فرنسا تتمخض فيه، ولا يجهل أن استحقاقه وحده هو ~~الذي حمله، في عهد المساواة، من أسفل مراتب الجندية إلى أقصى طبقة من طبقات الملك، أوعز إلى ~~جرائده أن تجيب بأن شرفه لا ينتمي إلى غير الخدم التي أداها إلى بلاده، وأن ذلك الشرف ~~يبتدئ تاريخه من عهد موقعة مونتينوت. # أنهى والد نابوليون دروسه في بيز وروما، فكان على بسطة في العلم والفصاحة ما أتاح له أن ~~يبرز قسطا وافرا من النشاط والجد في كثير من المواقف المهمة خصوصا في مفاوضة كورسكا، تلك ~~المفاوضة التي انتهت باستيلاء فرنسا على تلك الجزيرة سنة 1768. # ظهر شارل بونابرت بعد ذلك في مدينة فرسايل، على رأس وفد ولايته، بداعي المخاصمات التي ~~قامت بين القائدين الفرنسيين ماربوف وناربون بيليز اللذين كانا آمرين في كورسكا، كان نفوذ ~~هذا الأخير عظيما لدى البلاط، إلا أنه سقط أمام الشهادة القوية الصادقة ms009 التي أداها شارل ~~بونابرت في دفاعه البليغ عن ماربوف ليبقى وفيا للعدالة والحق، أما ماربوف فلم يفته بعد ~~ذلك أن يمد يد المساعدة إلى أسرة بونابرت. # كان نابوليون، بالرغم من أنه ثاني أولاد شارل بونابرت، معتبرا كرأس للأسرة، وكان عمه ~~الأكبر الأرشيدياكنوس لوسيان، الذي كان عمد ذويه، قد أعطاه هذا اللقب وهو على فراش ~~الموت. # في سنة 1777 وضع في مدرسة بريين، فاجتهد وخص نفسه بدراسة التاريخ والجغرافية وسائر العلوم ~~المدقق فيها، فنجح في جميع هذه المواد وخصوصا في الرياضيات، أما ميله إلى المواد ~~السياسية فقد بدأ ينمو ويعرف منذ ذلك الحين. # أولع باستقلال وطنه، فوقف نوعا من التعبد لباولي # 1 # الذي كان يدافع عنه بحماسة ضد رأي والده نفسه. # عزي إليه خطأ أنه كان في المدرسة ميالا إلى الوحدة والصمت، لا أصدقاء له ولا أنداد، ~~ولا نصيب له من حب أحد لما اشتملت عليه نفسه من القساوة وخشونة الطبع، بل كان عذب الخلق، ~~لين العريكة، أدعى إلى الحب بما تناهى إليه من الدماثة واللطف، ولم يطرأ بعض الانقلاب على ~~طبعه إلا في عهد البلوغ فأصبح وهو كئيب النفس عبوس، هذا ما قاله عن نفسه في مذكراته التي ~~كتبها وهو أسير في سنت هيلين. # وزعم أن ميله إلى العزلة ورغبته في الفن العسكري، تلك الرغبة التي نضجت قبل أوانها، إنما ~~هما اللذان كانا يحببان إليه الاختلاء في حديقته التي كان يتحصن فيها ضد غارات رفاقه، إلا ~~أن أحد هؤلاء الرفاق أخذ على نفسه تكذيب هذا الزعم فقال: «في شتاء سنة 1783-1784، الذي ~~تراكم فيه الثلج على الطرق وفي باحات المدارس، جنح نابوليون عن تردده إلى الحدائق الصغيرة ~~التي كان يستعذب فيها الخلوة والسكون، وأصبح في أوقات فرصه المدرسية يضطر إلى الاختلاط ~~برفاقه والتنزه معهم في قاعة كبرى من قاعات المدرسة، ولكي يتخلص من تلك الحالة المملة، قيض ~~له أن يحرك المدرسة جميعها، بأن هيأ لرفاقه أنهم يستطيعون أن يجدوا له مخرجا إلى التسلية ~~واللهو إذا هم فتحوا بالمجارف معابر مختلفة ms010 في وسط الثلوج أو حفروا خنادق ورفعوا أسوارا ~~وخيالة ... وزاد على ذلك بقوله: عندما ينتهي العمل الأول، ننقسم إلى فرق، ونعمل لنا حصنا، ~~وبما أني مخترع هذا النوع من التسلية آخذ على عهدتي إدارة القتال، فنزل الرفاق عند فكرته ~~بغبطة وفرح، وبقيت تلك الحرب المتنكرة مدة خمسة عشر يوما، ولم تضع أوزارها إلا عندما تخللت ~~كرات الثلوج حصيات وحجارة صغيرة نجم عنها أن بعض التلاميذ أصيبوا بجراح بليغة، أذكر أنني ~~كنت في عداد الذين اضطهدوا اضطهادا فظيعا في تلك المعركة.» # كان على بونابرت الفتى ليتمكن من القيام بهذا العمل، بالرغم من ميله إلى الوحدة ~~والتأملات، أن يكون ذا سطوة على رفاقه، وهذه السطوة لا تكتسب بالخشونة والتوحش اللذين ~~عزاهما إليه بعض المترجمين الأغبياء. # لم يكن نابوليون متمتعا باحترام رفاقه فحسب، بل كان حاصلا على ثقة معلميه وإكرامهم حتى ~~إن كثيرين منهم كانوا يتنبئون له عن مستقبل عظيم، وقد أكد ده لاكيل، أستاذه في التاريخ، ~~أنه إذا فتحت خزائن المدرسة الحربية قرئ في أحد سجلاتها حاشية ضمنها مستقبل تلميذه وهي: ~~«كورسكي الملة والخلق، سيبلغ شأوا بعيدا إذا ساعدته الظروف»، وكان دو ميرون، أستاذه في ~~الآداب، الذي امتاز بين معلمي البيان، يسمي شروحه: «حجارة من الصوان أحميت في ~~بركان.» # في مباراة سنة 1785، اختاره الشفالييه ده كيراليو لمدرسة باريس الحربية، فسعوا عبثا أن ~~يحولوه عن فكرته هذه؛ لأن التلميذ لم يكن بالغا السن؛ ولأنه لا يجيد إجادة تامة إلا ~~المواد الرياضية، فلم يقنع هذا القول الشفالييه الذي كان ضابطا كبيرا ويشغل وظيفة مفتش ~~فأجاب: «إنني إنما لا أجهل ما أعمل، وإذا كنت الآن أخترق النظام فليس ذلك إكراما لأسرته ~~لأني لا أعرف أحدا من أعضائها، إنما يتراءى لي في هذا التلميذ جذوة متقدة من الواجب أن ~~يواصل اضطرامها.» # عندما دخل نابوليون تلك المدرسة الجديدة، لم يلبث أن حزن من التربية اللينة المرفهة التي ~~يتعهدون بها فتيانا يعدونهم للحياة القاسية في المعسكر ولمهنة الجندية الشاقة، فكتب مذكرة ~~أرسلها إلى السيد بروتون قال فيها: «إن ms011 تلاميذ المدرسة الملكية يسلكون منهجا لا يصل بهم ~~إلى الغاية التي تنتظرها منهم بلادهم، فبدل أن يخصص عدد من الخدم لقضاء حاجاتهم، أو أن ~~تصرف الأموال الكثيرة بترويض خيولهم على يد السياس، يجدر بهم هم أنفسهم أن يقوموا بهذا ~~العمل، أليسوا جميعا بعيدين عن طرف القصور وبهرجة الغنى، معدين للخدمة العسكرية التي ~~من أجلها وحدها إنما وجدوا في هذه المدرسة؟ لقد قدر لهم أن يسلكوا حياة متزهدة، لا حياة ~~ترف ورفاه، وأن يتعهدوا نفوسهم بنفوسهم فيصبحوا أشداء يقتحمون المصاعب بتجلد وقوة، ~~ويتحملون بشجاعة وبسالة أهوال الحروب الشاخصة إليهم من خلال المستقبل، ولا يصدفون عن احترام ~~الجنود الذين سيكونون تحت سلطتهم.» # هكذا كان نابوليون وهو لا يزال ولدا، يملي في مذكرة التلميذ قواعد نظام حققها فيما بعد ~~وهو في أعلى ذروة من ذرى مجده. # أما الامتحانات اللامعة التي قدمها، فقد مهدت له شهرة في باريس كما مهدت له في بريين، وفي ~~سنة 1887 خرج من المدرسة الحربية برتبة ملازم ثان، وانخرط في فرقة مدفعية لافير التي كانت ~~وقتئذ محافظة في غرونوبل. # كان نابوليون في مدة إقامته بباريس، وهو لا يكاد يبلغ الثامنة عشرة من عمره، يتردد إلى ~~الأب راينال فيبحث معه باطلاع وافر في أكبر مسائل التاريخ وأصول وضع الشرائع والسياسة، ثم ~~أرسل إلى فالنس، وفيها قسم من فرقته، فما عتم الأمر أن أتيح له أن يتعرف إلى المجتمعات ~~الراقية، خصوصا مجتمع السيدة ده كولومبييه، وهي امرأة على جانب عظيم من الذكاء والعلم، ~~فتعرف هناك إلى السيد ده مونتاليفه الذي جعله فيما بعد وزير خارجيته. # كان للسيدة كولومبيه ابنة، أوحت إلى الضابط الفتى أولى عواطف الحب التي اختبرها في ~~حياته، قال نابوليون: «كان ذلك الميل الطاهر مشتركا بيني وبينها، وكانت أسعد أوقاتي معها ~~مقتصرة على قطف الكرز وأكله جنبا إلى جنب.» # إلا أن الأم، مع احترامها للفتى وتعلقها به، لم تفكر قط بزواج ابنتها منه، ولكنها كانت ~~تتنبأ له دائما عن مستقبل عظيم، حتى إنها كررت نبوءتها هذه وهي على فراش ms012 الموت، في حين ~~كانت الثورة الفرنسية تتحفز للوثوب وتفتح ميدانها في وجه ذلك الضابط الفتى. # لم تكن مشاغل القلب ولا الفوز الذي أحرزه في العالم لتحول بينه وبين ممارسته دروسه ~~المجهدة وانصبابه على حل أصعب المسائل الاقتصادية، حتى إنه نال تحت اسم مستعار، الجائزة ~~التي وضعها مجمع ليون العلمي للجواب على هذا السؤال الذي اقترحه الأب راينال وهو: «ما هي ~~القواعد والطرق التي يجب على الرجال أن يتعلموها ليصلوا إلى السعادة الممكنة؟» # أطلقت قنبلة الثورة الفرنسية فقابلها الشباب الراقي بالاستحسان؛ لأنها جاءت طبقا للمذاهب ~~الفلسفية التي تشربها قبل حين، غير أن فئة من الأشراف الذين كانوا متمسكين بامتيازاتهم ~~وألقابهم، وكان في الجندية عدد غير قليل منهم، لم يشاطروا تلك الفئة الأولى استحسانها لتلك ~~الثورة، أما نابوليون فلم يحذ حذو الكثيرين من رفاقه الذين ذهبوا إلى الخارج ليظهروا عدم ~~رضاهم بتجدد وطنهم، بل انخرط في سلك المحدثين قائلا لقائده: «إن الثورات إنما هي فرصة ~~سانحة للجند الأشداء، ذوي الروح الناضج.» أجل، كان نابوليون مصيبا في قوله؛ إذ إنه لا ~~ينبغي للمسائل العمومية أن تولج عن طريق الزهد إذا أريد أن يعمل في سبيل مستقبل الشعوب، ~~ويجب أن لا يدفع العالم إلى الأمام بعدم التغرض، الذي هو عامل من عوامل الضعف، أجل، كان من ~~حظ فرنسا وسعدها أن يكون بين واضعي الشرائع والجنود المخلصين لتنظيم 1789، نفوس تواقة إلى ~~المجد، طامعة في القوة التي تسهل للنبوغ تحقيق أمانيه، وكان من سعد حظها أيضا، أن يكون بين ~~هؤلاء الطامعين الذين لولاهم لما نالت الثورة قسطها من الحياة، جندي أهل لأن يرتفع إلى ~~شهرة خالدة وسطوة عظيمة بما أتاه من الأعمال المجيدة لمصلحة أوروبا جمعاء. # أذعن نابوليون بوقت واحد إلى حججه وإلى القدر الذي شعر بجناحيه يحلقان فوق مجده وهو ~~يعانق فئة الشعب بحمية وعطف، إلا أن هذه الغيرة الوطنية لم تحوله عن أن يغذي في نفسه مقته ~~الفطري للفوضى، وأن يشهد بألم لا ألم بعده ذلك الإفراط في الثورات الذي كان يشير إلى احتضار ms013 ~~سلطة ستعود إليه يوما. # في العشرين من شهر حزيران عام1792، بينما كان نابوليون واقفا على سطح التويلري، # 2 # أبصر لويس السادس عشر متعصبا بقبعة حمراء وضعها على رأسه رجل من رجال الشعب، ~~فصرخ قائلا: «كيف تركوا السبيل لهذا النذل بالدخول إلى هنا؟ كان يجب أن يكنسوا أربع أو ~~خمسمائة من هؤلاء برشاش المدافع!» # كان نابوليون، مع انحيازه إلى الثورة الفرنسية، متعلقا أشد التعلق بفكرة حفظ النظام ~~ومداراة السلطة، فترك عاصمة فرنسا واتجه إلى كورسكا، وفي ذلك الوقت، كان باولي يبث دسائسه ~~في تلك الجزيرة وفقا لمصلحة إنكلترا، فما كان من نابوليون، الذي استهجن ذلك التصرف السيئ، ~~إلا أن حطم صنم حداثته واستلم قيادة في الحرس الشعبي وأخذ يحارب ذلك الشيخ الذي كثيرا ما ~~جاهر باحترامه له وإعجابه به. # أحرق الإنكليز أجاكسيو ونال منزل بونابرت نصيبه من ذلك الحريق، فلم تجد عائلته بدا من ~~النزوح إلى فرنسا والسكن في مرسيليا، أما نابوليون، فلم يقم طويلا بهذه المدينة، بل أسرع ~~بالعودة إلى باريس التي كانت الحوادث فيها تتوالى بسرعة وشدة معلنة في كل يوم وفي كل ساعة ~~عن أزمة جديدة. # كانت فرنسا الشمالية قد رفعت علم المعاهدة، وكانت الخيانة دفعت طولون # 3 # إلى الإنكليز، فعهدت الاتفاقية إلى الجنرال كارتو بأن يصلح البروفانس # 4 # على قواعد الجمهورية، وأن يحث على معاقبة المتمردين والخائنين. # عندما قاد النصر هذا الجنرال إلى مرسيليا، أمر بحصار طولون، فاتجه نابوليون إليها بصفة ~~قائد مدفعية، في ذلك العهد، وضع نبذة صغيرة تحت عنوان «عشاء بوكير»، تضمنت آراءه التي كان ~~عليه أن يبديها بصفته مواطنا نشيطا ورجل حرب حاذقا، وكانت هذه الآراء تحتوي على نظرة في ~~اضطرابات الشمال، وحادثة المعاهدة، أذاعت عن ضابط المدفعية البسيط تلك الحجة السامية وذلك ~~الإدراك الصحيح اللذين أكسباه إعجاب الجمهور وهو إمبراطور. # | الفصل الثاني # عندما وصل نابوليون إلى أسوار طولون وجد فرقة من المتطوعين البسلاء، إلا أنه لم يجد ~~زعيما جديرا بقيادتهم. # كان الجنرال كارتو، وهو من أشد المتظاهرين بعظمة وجبروت لا ينطبقان على صعوبة ms014 المبادئ ~~الجمهورية، ينطوي على جهل أكثر مما ينطوي على زهو وفخفخة، وكان فتح طولون عملا تعجز عنه ~~قواه، غير أنه لم يكن ليعترف بذلك العجز المقنط، فكان من تلك الثقة العمياء أن أوحت إليه ~~تلك الخطة التي حملت هذه الكلمات: «إن قائد المدفعية سيصعق طولون مدة ثلاثة أيام، أهجم في ~~نهايتها بثلاث فرق وأستولي عليها.» # إلا أن حسن الحظ شاء أن يكون إلى جنب هذا الفنان الماهر الذي يستشعر الإيجاز في خططه، ~~ضابط قيض له أن يكون على بسطة في العلوم العسكرية بقدر ما قدر له أن يكون في رتبة ~~سفلى، كان هذا الضابط فتى في الرابعة والعشرين من عمره، وكان مع ما هو عليه من الضعة وخفض ~~الجناح لا يقدر على حجب مقته للقسم الأكبر من الرجال، الذين كانت سلسلة المراتب والنظم توجب ~~عليه أن يحترمهم كرؤساء لهم عليه واجب الإذعان، بالرغم من أن عجزهم وقصورهم كانا يهددان ~~الجمهورية بسوء المصير، فهذا المقت الحلال، وتلك الثقة التي أكدت له أنه إنما هو فوق من ~~حوله، كانا يشجعانه على أن يغالط رؤساءه أنفسهم، بدل أن يدعهم ينفذون من غير مخالفة مقاييس ~~كان يراها مضرة جدا، حتى إن امرأة الجنرال كارتو لم تجد بدا من أن تقول لزوجها: «دع ~~هذا الفتى يجري ما يراه صالحا، فهو أعرف منك بكل شيء، ألا تراه لا يسترئيك قط؟ أما المجد ~~فهو باق لك لا ينازعك إياه أحد.» # عندما وصل نابوليون إلى المعسكر، أدرك بتلك النظرة الثاقبة التي كثيرا ما ساعدت نبوغه في ~~ساحة الحروب، أن استرجاع طولون يتوقف على الإغارة عليها من منفذ الخليج، إلا أنه سعى طويلا ~~مساعي خائبة حتى أتيح له أخيرا أن ينفذ فكرته، كان بين ممثلي الشعب رجل قدر له أن يكون ~~على بسطة في الفراسة والذكاء فتوسم مستقبلا عظيما لهذا الضابط البسيط، وما عتم الأمر أن ~~قيض لنابوليون أن ينال ما يحتاج إليه من السلطة ليحقق نجاح خططه. # أبرز نابوليون في مدة الحصار مثلا في الاطمئنان والشجاعة النادرة لا ms015 يرتفع مثل عليه؛ إذ ~~إنه لم يكن ليظهر حذاقته وخبرته في المشورة فقط بل كان يبرزهما في وسط العمل بذلك الهدوء ~~الباسل الذي اضطر رؤساءه أن يحترموا فيه بسطة علمه ويعجبوا بسرعة ذكائه، أما هذه الجرأة ~~المدهشة فقد كلفته سقوط جياد كثيرة تحته، وسببت له جرحا بليغا في فخذه الأيسر. # كان استعداده في العلم النظري الصرف ليس بذي أهمية، وكان احتقاره للتفوق والعلوم النظرية ~~عظيما حتى إنه لم يكن ليستطيع أن يضع لنفسه حدا فيها، فالإدراك والتنفيذ كانا عنده أمرين ~~متصلا بعضهما ببعض اتصالا كليا، ولكانت فكرته الرحبة قد أزعجته لو لم يشعر بروح وساعد ~~يعملان معا على تحقيقها بشجاعة وثبات. # إن الحاجة إلى العمل تبعت نابوليون في كل مواقفه، فلقد حافظ عليها في وجوه حظوظه جميعها، ~~وعندما أصبح من الصعب عليه أن يواصل تحقيقها، ختم الموت حياته، لقد مات في حين رأى نفسه ~~مضطرا على أن يطوي تلك المخيلة الرحبة التي ملأت أوروبا بإبداعها العظيم. # لم يكن يطبق ذلك النشاط المتواصل في المسائل الكبرى فحسب، بل كان يضع يده على كل شيء ~~عندما توجب عليه الظروف، ولا يخشى قط أن يعرض روحه الزاخر للمخالفة عند الاقتضاء. # ذات يوم في حصار طولون، بينما كان في أحد صفوف المدافع، قتل رجل من رجال المدفعية ~~فاستولى على مدفع القتيل بسرعة، وأطلق بنفسه عدة طلقات، فكان من جراء ذلك أن أصيب بداء ~~الجرب الذي كان القتيل مصابا به، وقد أسقمه ذلك الداء إسقاما لازمه في حروب مصر وإيطاليا، ~~ولم يقيض له الشفاء إلا في عهد المملكة بعناية كورفيزار. # لم يكن في جميع رؤسائه من تملكه الحسد والسخافة ككارتو، بل إن القائدين دوتيل ودو كوميه ~~كانا يظهران له احتراما ساميا ومراعاة لم يظهرا مثلها لأحد من مرءوسيهما قبله، حتى إن دو ~~كوميه لم يجد بدا من الدهشة والاستغراب ساعة سمعه يقول له بعد الاستيلاء على البتي ~~جيبرالتر: «خذ لنفسك الراحة، فلقد استولينا على طولون وتستطيع أن تنام فيها بعد غد!» إلا أن ~~هذه الدهشة ms016 تركت محلا للإعجاب الشديد عندما تحققت تلك النبوءة الغريبة، فكتب دو كوميه ~~عندئذ إلى جمعية السلام العام يطلب منها رتبة قائد فرقة عسكرية للكومندان بونابرت قائلا: ~~«كافئوا هذا الشاب وادفعوه إلى الأمام، فهو إذا بقي منكور الجميل لا يلبث أن يدفع نفسه ~~بنفسه.» فنزل ممثلو الشعب عند هذا الطلب، ووظف القائد الجديد في إيطاليا تحت إشراف دو ~~ميربيون وساعد بمقدرة عظيمة على أخذ ساورغيو. # كان نابوليون، مع تعلقه بقواعد الجمهوريين الغير الذين كانوا يعملون على إنقاذ البلاد ~~بنشاط كثيرا ما رافقته مقاييس هائلة، يشرف على الأهواء والآراء التي كانت تصطدم بشدة لكيما ~~تبقي تحت سطوة الحمى الثورية نفسها خلقا من الاعتدال وعدم التعصب، فإنه لم يستعمل ~~نفوذه وقدرته إلا ليصون أخصامه السياسيين من الاضطهاد، وينقذ المهاجرين الذين ألقتهم ~~الزوبعة في جهة فرنسا وكان بينهم عائلة شابريان. # كان روبسبيير في ذلك العهد في غضاضة العمر، وكان شديد الإعجاب بنابوليون، فسعى إلى أخذه ~~إلى باريس قبل التاسع من ترميدور بوقت قصير، قال نابوليون: «لو لم أرفض بقساوة وصلابة، لما ~~عرف أحد إلى أين قذفت بي تلك الخطوة الأولى وأي قدر كان ينتظرني.» # صادف نابوليون دوروك وجونو في حصار طولون، فملك دوروك محبة بونابرت وثقته، وأما جونو فقد ~~امتاز في عينيه بهذه النادرة: «كان قائد المدفعية، عند وصوله إلى طولون، قد احتاج إلى الكتابة في المكان نفسه ~~الذي كان يجهز فيه صفا من المدافع، فطلب أحد الجنود ليلازمه بصفة كاتم أسرار فمثل ~~الجندي لديه، ولم تكد الرسالة تنجز حتى انطلقت قنبلة فملأتها ترابا، فقال العسكري ~~بهدوء وسكينة تامة: حسنا، لم أبق بحاجة إلى التراب، كان هذا الجندي جونو، فهذا ~~المثل في الشجاعة كان كافيا لإلفات نظر قائده إليه، فرقاه من ذلك الحين إلى أعلى ~~رتبة في الجيش.» # لم يقدر فتح طولون الذي توقف على بونابرت الفتى أن يضعه في أمن من الاضطهادات، فذات مرة ~~صدر أمر بقي بدون تنفيذ يطلبه إلى الديوان العرفي ليجيب على أسئلة تتعلق ببعض أوامر نظمها ~~في تحصينات مرسيليا، ms017 ومرة غضب أحد الوكلاء من صلابة طبعه؛ إذ رآه غير مطيع لمطاليبه فلفظ ~~ضده هذه الكلمة التي كثيرا ما كانت قتالة إلا أنها ذهبت هذه المرة أدراج الرياح: «يوضع ~~خارج الشريعة.» # قلنا: إن جميع وكلاء المعاهدة في جيش الشمال كانوا يسيئون التصرف مع نابوليون إلا واحدا ~~لا غير، كان متزوجا من امرأة كثيرة اللطف والجمال؛ فإنه أسبغ عليه جزيلا من الإنعام، ~~وأحله في بيته محلا موفور الكرامة وكانت امرأته تشاطره هذا الإكرام. # عندما صار نابوليون إمبراطورا، أبصر ثانية المرأة الجميلة التي أضافته في نيس، إلا أن ~~الأحزان والمصائب كانت قد محت عنها جميع الجواذب التي استهوته في الماضي، فقال لها: «كيف لم ~~تستعيني بمعارفنا في جيش نيس للوصول إلي؟ فلا يزال قسم كبير منهم له علاقة متواصلة ~~معي.» فأجابته: «واحسرتاه يا مولاي! لقد انقطع تعارفنا منذ صاروا كبارا وصرت تعسة.» # كانت المسكينة قد أصبحت أرملة وعضها الفقر المدقع، فنالها نابوليون كل ما طلبت. # قال نابوليون ذات مرة، وقد مر بمخيلته ذلك العهد الجميل، على لغة الناس أو بالحري على لغة ~~الأخلاق: «كنت في ميعة العمر يومذاك، وكنت سعيدا وفخورا بنجاحي الصغير، كنت ذات يوم أتنزه ~~معها في وسط مواقعنا، في نواحي تاند، فخطر لي فجأة أن أريها مشهد حرب صغيرة وأمرت ~~بالقتال، فكان النصر حليفنا، إلا أن الأمر كان مجردا من نتيجة؛ لأن القتال كان وليد هوى ~~لا غير، مع أنه لم يخل من بعض القتلى الذين ذهبوا ضحية ذلك الهوى الفارغ، فيما بعد، كلما ~~تذكرت ذلك العمل وبخت نفسي عليه.» # إن حوادث 9 ترميدور # 1 # أوقفت نابوليون موقتا في الميدان الذي ظهرت فيه طلائع نجاحه؛ إذ إن علائقه مع ~~روبسبيير قد اشتبهت على الرجعيين، وإذ إن حاسديه على مجده الطالع قد مهدوا الطريق لخذلانه، ~~فمنع عن مواصلة أعماله وأوقف بأمر من ألبيت ولابورت وسالسيتي الذين عزوا إليه جريمة بسبب ~~السفر الذي كان قد قام به إلى جنوا. # صرح بأنه غير أهل لثقة الجيش وعزل، إلا أنه لم يسكت عن ms018 هذا السقوط وهذه الشكوى، فأنشأ ~~مذكرة رفعها إلى الوكلاء الذين أوقفوه، تضمنت ذلك الإنشاء السامي القوي الذي أعجب به بعد ~~ذلك في جميع خطبه وإنشاءاته، ندرج هنا بعض مقاطع من تلك المذكرة النفيسة: «إنكم أوقفتموني عن أعمالي وصرحتم بعزلي ... # فها أنذا مهتوك الحرمة من غير محاكمة، أو محاكم من غير أن يصغى إلى ~~دفاعي. # إن في المواقف الثورية أمرين: الشكوك وحب الوطن ... ففي أية مرتبة يراد أن ~~أكون؟ # ألم أكن منذ بدء الثورة متعلقا بالنظم؟ # ألم أشاهد دائما في الحروب تارة ضد الأعداء الداخليين وتارة ضد ~~الغرباء؟ # لقد ضحيت بمقاطعتي، وهجرت مصالحي، وفقدت كل شيء في سبيل الجمهورية. # لقد خدمت في طولون خدمة ممتازة وأكسبت جيش إيطاليا أكاليل الغار بأخذ ساورغيو ~~وأونيل وتانارو ... # لقد كان تصرفي في اكتشاف مؤامرة روبسبيير تصرف رجل لم يتعود إلا السير على ~~النظم. # إذن، فلا يستطيع أحد أن يجردني من لقب محب للوطن. # لماذا يصرح بعزلي من غير أن يصغى إلي؟ # بريء، محب للوطن، مفترى عليه، مهما كانت المقاييس التي تتخذها الجمعية فلا ~~يمكنني أن أتشكى منها. # إذا صرح ثلاثة رجال أنني مذنب فلا أتظلم من الجمعية التي تحكم علي. # أيحق للممثلين أن يضعوا الحكومة في مأزقين: إما أن تكون ظالمة، وإما أن تكون غير ~~صالحة للسياسة؟ # أصغوا إلي، واعدلوا عن الظلم الذي يحيط بي، وأرجعوا إلي إكرام المحبين للوطن ~~... # إذا بقي الأردياء، ساعة بعد الآن، مصرين على أخذ حياتي فإني أنبذها كما نبذتها ~~مرارا قبل الآن ... أجل، إن الأمر الوحيد الذي يشجعني على احتمال أثقال حياتي هو ~~أنها قد تكون مفيدة للوطن.» # فهذا الاعتراض الشرعي، الذي انطوى على كل ما في بساطة الكلام من العزة والفخر، دعا ~~الممثلين إلى التبصر في أنهم ينهجون مع رجل ذي قدر سام وخلق كبير وأنهم يجب أن يقنطوا من ~~إذلاله واضطهاده من غير أن يعرضوا نفوسهم إلى مقاومته الشديدة المتواصلة، فعقد ألبيت ~~وساليستي والجنرال دو ميربيون مجلسا فيما بينهم ورأوا من الحكمة أن يلغوا حكمهم إلى حين، ~~فقرروا ms019 إطلاق حرية الجنرال بونابرت، قائلين: «إن معارفه الحربية قد تكون مفيدة ~~للجمهورية .» # في غضون ذلك كانت الرجعة الترميدورية قد دفعت إدارة الجمعية الحربية إلى قائد مدفعية قديم ~~يدعى أوبري، وكان نابوليون قد رفع من العسكرية وعين قائدا للمشاة ليذهب إلى الفانده فيقوم ~~بخدمته هناك، فعندما وصل إلى باريس، ساخطا على تغيير مهين بحقه، غير مستعد لأن يقف ذكاءه ~~لحرب عقيمة، أسرع برفع اعتراضاته إلى الجمعية العسكرية فبين أفكاره بكثير من الحمية ~~والشدة، إلا أن أوبري ظل صلبا وقال لنابوليون: «إنك فتى ويجب أن يفسح السبيل للقدماء ...» ~~فأجاب نابوليون: «إن من يشهد ساحات الحروب تدهمه الشيخوخة عاجلا»، ولم يكن رئيس الجمعية قد ~~شهد النار بعد. # على أن هذا الجواب البديهي الحاد أغاظ أوبري بدل أن يرضيه فأصر على البقاء فيما كان عليه، ~~أما الضابط الفتى، الذي لم يكن أقل تشبثا منه في عزمه، فقد آثر العزل على الإذعان ~~للظلم. # | الفصل الثالث # إن من الغرابة أن يرى قاهر أوروبا في الغد موقفا في وسط ميدانه، معزولا، وممحوا من ~~قائمة القواد الفرنسيين جبرا، بإشارة من ميرلن دو دوه، وبرليه، وبواسي دانكلاس، وكمبا ~~سيريس الذين سيجيء يوم يتبارون فيه بألوان الحمية والتمليق لينالوا بسمة رضا واستحسان من ~~الضابط الفتى الذي كانوا فيما مضى ينهجون معه نهجا سيئا. # إلا أنه وجد بين رجعيي الترميدور رجل، لم يشأ أن تبقى مناقب بونابرت العسكرية مهملة، ~~تلك المناقب الممتازة التي أبرزها في طولون. # كان هذا الرجل بونتيكولان، خلف أوبري، الذي، من غير أن يعرض نفسه لتوبيخ الحزب السائد، ~~وظف نابوليون في عمل خطط المواقع. # على أن هذا المركز الخامل الذي لم ينطبق على سجية محارب جدير بالمجد وإضرام الفتن، ما ~~لبث أن اعتبر فوق استحقاق الضابط الفتى الذي كانوا يعملون على إتلاف حظه وحطم سلاحه، ~~فاسترجع ده لامانش الذي ناب عن بونتيكولان في رئاسة الجمعية العسكرية تلك الأحقاد القديمة ~~التي كان أوبري متخلقا بها، وفقد نابوليون كل نوع من أنواع الخدمة. # كان من جراء ذلك أن يئس نابوليون ms020 من التغلب على ذلك الحسد وتلك الأحقاد المكينة، ولم يشأ ~~من جهة أخرى أن يخنق تحت صدمات الغباوة والحماقة كل ما كان يشعر به من المقدرة السياسية ~~والعسكرية، فألوى بنظره فترة عن أوروبا ليشخص به إلى الشرق. # كان بحاجة إلى حظوظ كبيرة تساعده على هذا العمل، إلا أن الطبيعة كانت قد أبدعته أهلا لكل ~~عمل كبير وتحقيق ما يرغب فيه، وإذا كانت فرنسا تأبى عليه ذلك فالشرق يمنحه إياه. # ملأت هذه الأفكار مخيلة نابوليون فأنشأ مذكرة ليفهم الحكومة الفرنسية أنه من مصلحة ~~الجمهورية أن تساعد على إنماء وسائل الدفاع عن فرنسا ضد مقاصد الممالك الأوروبية الطماعة ~~وتجاربها المغيرة، جاء في المذكرة: «إن الجنرال بونابرت الذي ما زال منذ حداثته يخدم ~~المدفعية، والذي قادها في حصار طولون وفي موقعتين من مواقع جيش إيطاليا يمتثل اليوم لدى ~~الحكومة لتسمح له بالمضي إلى تركيا بوكالة من الحكومة ... # إنه سيعمل لمصلحة وطنه في هذا الميدان الجديد، فإذا قيض له أن يشدد قوى الأتراك، ويحكم ~~صيانة قلاعهم، ويرمم ما تداعى منها، فيكون قد أدى لبلاده خدمة صحيحة.» # قال السيد ده بوريين: «لو وضع أحد كتاب الحرب كلمة كلمة «منح» تحت هذه المذكرة لغيرت ~~هذه الكلمة وجه أوروبا.» إلا أن هذه الكلمة لم توضع، وبقي نابوليون خاملا في باريس، ~~محكوما عليه بالبطالة من قبل السلطة، ولكن الحكمة كانت تهيئه لأوامر الثورة. # لم تدعه الثورة ينتظر طويلا. أفاق الملكيون، وقد شجعتهم الرجعة الترميدورية، فتسللوا ~~إلى مداخل الأقسام الباريسية ودفعوها إلى التمرد على الاتفاقية، فكان الفوز الأول ~~للمتمردين. # إن الجنرال مينو الذي اتهم بالخيانة، وكان قد تحقق ضعفه فأظهر تساهلا محسوسا، هو الذي ~~سهل لهم هذا الفوز، وكان عليه أن يشتت شملهم ويخضعهم، أما زعماء الاتفاقية، الذين كانوا ~~يعرضون نفوسهم بشدة لخطر الملكيين، فقد تذكروا عندئذ، بالرغم من غضبهم على الجاكوبيين، # 1 # ولكيلا يجزعهم انتصار الفئة المضادة للثورة، أنهم اضطهدوا وسجنوا فئة من ~~الوطنيين المخلصين، الذين يستطيعون في مثل هذه الأحوال الخطرة، أن يكونوا مساعدين ~~أشداء. # عند هذا ms021 سمع الجمهوريون المضطهدون نداء مضطهديهم، فأسرعوا إلى السلاح ليتلافوا الخطر ~~الداهم، إلا أن هذا الجيش الفجائي كان بحاجة إلى قائد بعد أن سقط مينو ووضع قيد التوقيف، ~~وبعد أن عين باراس لرئاسة ذلك الجيش وظهر عجزه عن قيادته، غير أن باراس هذا أتاح له الفكر ~~الصائب أن يفهم موقفه العاجز، فطلب معاونا له أخبر منه بمهنة الحرب، وعين الجنرال بونابرت، ~~فوافقت الاتفاقية على هذا التعيين بأمر منها، وقيض لنابوليون أن يسمعه من على المنابر ~~العمومية، التي كان قد أسرع إليها ليشهد عن قرب سلوك الجماعة الذين يقبضون بيدهم على مقدرات ~~الجمهورية. # بقي نابوليون يشاور نفسه مدة نصف ساعة تقريبا بين أن يقبل أو أن يرفض ذلك المنصب المهم؛ ~~إذ إنه لم يكن ليرضى أن يحارب ضد الفانده، ولم يكن من السهل عنده أن يعزم من غير تردد على ~~تصويب مدافعه على صدور الباريسيين، قال نابوليون في مذكراته التي كتبها في سنت هيلين ما ~~يلي: «كنت أقول في نفسي: ولكن إذا سقطت الاتفاقية ماذا يحل بحقائق ثورتنا الكبرى؟ إن ~~انتصاراتنا العديدة ودمنا الذي كثيرا ما هرقناه ما هي اليوم سوى أعمال مخجلة، والغريب ~~الذي كثيرا ما غلبناه ينتصر ويرهقنا باحتقاره ...» هكذا يكلل سقوط الاتفاقية جبين الغريب ~~ويلصق العار والعبودية بالوطن، فهذا الشعور، والخمس والعشرون سنة، والثقة بقواه، وحظه، كل ~~ذلك كان يدفعه إلى الأمام، فعقد النية على العمل ومثل أمام الجمعية. # هذا العزم الثابت جاء شؤما على العصاة؛ إذ إن نابوليون عرف أن يحقق مقاييسه تحقيقا ~~حسنا، وقدر له ببعض ساعات حرب أن يطرد الجيش الباريسي من جميع مراكزه ويقضي على التمرد ~~قضاء مبرما. # أما الاتفاقية فجازت منقذها بأن سمته قائدا عاما لجيش الداخلية، منذ ذلك اليوم صرح ~~نابوليون بأنه سينظم قوى فرنسا العسكرية، ووضع قدمه على الدرجة الأولى من العرش قابضا بيده ~~على قيادة العاصمة، تلك القيادة السامية العليا، يا له انقلابا في أربع وعشرين ساعة! في ~~الثاني عشر من فندميير كان يعيش في البطالة وزوال الحرمة، يائسا من عودة ms022 ذكائه إلى العمل ~~والنشاط، تدفعه العقبات والنوائب إلى الريبة بمستقبله، وقد أتعبته الموانع والعراقيل التي ~~صدمته في المسرح السياسي، حتى إنه لم يجد مفيضا من القول، ساعة تناهى إليه زواج أخيه جوزيف ~~من ابنة تاجر كبير من تجار مرسيليا: «يا له من عفريت سعيد!» # وفي الرابع عشر من فنديميير كان الأمر بالعكس، فقد توارت جميع تلك الإرادات المدنية التي ~~لم يكن لها قسط من الثبات، وأصبح طريد الأمس قاهر الغد، أجل، أصبح مركز المؤامرات والمطامع ~~جميعها كما كان روحا لجميع الفتن، لقد علق قاهر الأقسام الباريسية الفتى، على مرأى من ~~الملكيين الذين كانت روح فرنسا تدفع علمهم إلى الوراء، وفي حين لم يكن فوق رأسه سوى جماعة ~~شاخت سريعا في وسط ميدان الصدمات الدولية والمقاصل، لقد علق بكوكبه الطالع مقدرات الثورة ~~التي لم يبق باستطاعة كوكب الاتفاقية الشاحب أن يقودها بذلك البريق الذي كان يزينه في أولى ~~سنوات الحرية. # أول ما بدأ به نابوليون، هو استعمال نفوذه ومقدرته لإنقاذ مينو الذي كانت الجمعيات تعمل ~~على إهلاكه. # لم يستطع المقهورون، بالرغم من إنصافه واعتداله، أن يغفروا له هزيمتهم، إلا أن انتقامهم ~~اقتصر على إعطائه لقب «رامي القنابل». # كان الشعب الباريسي قد جرح في صميمه، وجاءت المجاعة تضع يدها على رجال الحرب الذين ~~سببوها، قال السيد ده لاس كاز: «ذات يوم، في حين أن توزيع الخبز لم يكف حاجة الجمهور، ~~وبينما كان الحشد الغفير مجتمعا على أبواب الخبازين، مر نابوليون تصحبه فرقة من ضباطه ~~ليتفقد حالة شعبه، فتألب حوله جمع غفير من الرجال والنساء يصرخون بأعلى صوتهم طالبين الخبز، ~~هائلة البدن امتازت عمن حولها بألوان الحركات والكلام، فكانت تصرخ مخاطبة هذا الجمع من ~~الضباط بقولها: إن جميع هذه الرمانات التي على أكتافكم إنما هي دلائل الهزء بنا، فأنتم لا ~~يهمكم إلا أن تأكلوا جيدا وتسمنوا، وسواء عندكم أمات الشعب جوعا أم لم يمت! فخاطبها ~~نابوليون بقوله: انظري إلي أيتها المرأة، من منا أجسم من الآخر؟ - كان نابوليون أبعد ما ~~يكون من السقم، ms023 وكان يقول عن نفسه: كنت في ذلك الحين قطعة من الرق - فاستولى على الجمهور ~~ضحك شديد، وأتيح لفرقة الضباط أن توالي سيرها.» # في أثناء ذلك كانت فتنة التمردات الفنديمييرية # 2 # ومجموع الشكاوى المرتفعة من جميع الأحزاب ضد الاتفاقية قد أصدرت أحكامها بنزع ~~سلاح الأقسام جميعها، بينما كانت هذا الأحكام على قيد التنفيذ، دخل فتى بين العاشرة ~~والثانية عشرة من عمره على القائد العام، وتوسل إليه بأن يعيد إليه حسام والده الذي قاد ~~سابقا جيوش الجمهورية، كان هذا الفتى أوجين ده بوهارني، فنزل نابوليون عند طلبه وأظهر له ~~كل محبة وإكرام، فما كان من الفتى إلا أن بكى حنوا وذكر عطف الجنرال أمام والدته التي ظنت ~~أنه من الواجب عليها أن تذهب إليه بنفسها فتشكره على هذا الصنيع. # لا شك في أن السيدة ده بوهارني، التي كانت في عنفوان الصبا، لم تحجب في تلك الزيارة ~~اللطافة والجواذب التي امتازت بها في أظرف مجتمعات العاصمة، فأثرت هذه الأدلة في نابوليون ~~أيما تأثير، حتى إنه أصبح بعد ذلك يتوق إلى مواصلة علائقه معها فيصرف سهر لياليه في منزل ~~جوزيفين. # كان يجتمع في منزل السيدة ده بوهارني بعض حكام هؤلاء الأشراف القدماء من غير أن يزعجهم ~~وجود «رامي القنابل» الصغير بينهم، وعندما ينفض الجمع، كان يبقى بعض الخاصة من الأصدقاء، ~~كالسيد ده مونتيسكيو المسن والدوق ده نيفرنه ليتحدثوا في خلوة بأمر البلاط القديم، أو ~~«ليجولوا جولة في فرسايل». # لم تكن علاقة نابوليون بالسيدة ده بوهارني علاقة وهمية، بل إن أشد عوامل الحب كانت تتغلغل ~~في روحه، وقد وقف سعادته للتزوج من تلك التي كان يعبدها، ثم تم هذا الزواج في التاسع من شهر ~~آذار سنة 1796. # كانت عبدة سوداء قد تنبأت لجوزيفين بأنها ستصير ملكة، وكانت هذه تجد لذة في ذكر ذلك من ~~غير أن تظهر على وجهها دلائل عدم التصديق، وجاء اقترانها ببونابرت خطوة أولى في تحقيق هذه ~~النبوءة. # كان شيرير، قائد عام جيش إيطاليا قد عرض للخطر عسكرية الجمهورية وشرفها بعدم كفاءته ~~العسكرية ms024 وفساد إدارته؛ فإنه ترك بين أنياب التلف جياده فماتت جوعا، وكان الجيش في عوز ~~شديد، لا يملك حطاما، حتى عجز عن الثبات في نهر جنوا، فلكي يوقف مجلس الشعب هذا العوز ~~الشديد أرسل إلى الجيش قائدا جديدا، كان هذا القائد، لحسن الحظ، الجنرال بونابرت الذي ناب ~~ذكاؤه عن كل شيء. # ترك بونابرت باريس في الواحد والعشرين من شهر آذار سنة 1796 مخليا قيادة جيش الداخلية ~~لقائد مسن يدعى هاتري، وعزم على أن يلج إيطاليا من الوادي الذي يفصل أواخر قمم الألب ~~والأبنين، وأن يفرق الجيش الأوسترو ساردي مرغما الملكيين على صيانة ميلان، والبيمونتين على ~~التكفل بعاصمتهم، وبلغ نيس في أواخر آذار، عندما استعرض الجنود لأول مرة قال لهم: «أيها ~~الجنود، إنكم عراة، معدمون، وإنهم مدينون لنا بكثير ولا يستطيعون إعطاءنا شيئا، إن صبركم ~~والشجاعة التي تبدونهما بين هذه الصخور لمن الغرابة بمكان عظيم، إلا أنهما لا يقلدانكم ~~مجدا، ولقد جئت لأقودكم إلى أخصب أراضي العالم، سيكون تحت تصرفنا مقاطعات غنية ومدن كبيرة، ~~وهناك، تتمتعون بالغنى والشرف والمجد، جنود إيطاليا! أتفتقرون إلى شجاعة؟» # فأثارت هذه الكلمات مكمن الحمية من صدور الجيش، وأعادت إليه الأمل المفقود، فاغتنم القائد ~~العام هذه السانحة ليطلب من مشيخة جنوا بصوت مرتفع عبور البوكشيتا ومفاتيح كافي. # في الثامن من شهر نيسان كتب إلى مجلس الشعب يقول: «لقد وجدت هذا الجيش مشتت النظام، في ~~حالة تمرد دائم فوق ما هو عليه من الفاقة، ولكن ثقوا بأن النظام والسلام سيستتبان في القريب ~~العاجل ... وعندما تقرءون هذه الرسالة نكون قد قاتلنا»، ولقد جرى كل ما توقعه بونابرت ~~وأكده. # كان الجيش العدو بقيادة الضابط الممتاز بوليو الذي كسب شهرة في مواقع الشمال، فعندما ~~تناهى إليه أن الجيش الفرنسي، الذي كان يدافع بصعوبة قبل الآن قد أتيح له فجأة أن يتأهب ~~بجسارة لعبور أبواب إيطاليا، أسرع بإخلاء ميلان وهرول إلى نجدة جنوا. # عندما استتب نابوليون في نوفي، التي كان فيها قواد جنوده، قسم جيشه إلى ثلاث فرق، وأنشأ ~~منشورا أرسله إلى مجلس ms025 الشعب قال فيه: إنه سيجيب عليه ثاني يوم الحرب. # وقعت هذه الحرب في اليوم الحادي عشر من الشهر نفسه، وكانت فاتحة انتصارات القائد الجمهوري ~~الذي أحب فيما بعد أن يجعلها «مصدر شرفه». # ووقعت حروب أخرى لم تكن إلا لتكسبه انتصارات، ففي الرابع عشر من هذا الشهر فاز في ~~ميلليزيمو، وفي السادس عشر في ديغو، ثلاثة انتصارات في أربعة أيام كانت جوابا عظيما على ~~منشور بوليو! وفي مساء موقعة ديغو، أدى بونابرت علما إلى مجلس الشعب عن أعماله المجيدة وخص ~~بالثناء الرؤساء الذين كانوا تحت قيادته وهم جوبر، وماسينا، وأوجيرو، ومينار، ولاهارب، ~~ورامبون، ولان؛ الذين أبلوا بلاء حسنا في تلك المواقع اللامعة، قال نابوليون: «لقد ربحنا ~~في هذا النهار من سبعة إلى تسعة آلاف أسير بينهم ملازم عام وعشرون أو ثلاثون أميرالاي ... ~~وأصيب الأعداء بعدد من القتلى يتراوح بين ألفين وألفين وخمسمائة رجل، سأطلعكم عن قريب على ~~تفاصيل هذا العمل المجيد وعلى الرجال الذين امتازوا فيه بنوع خاص.» # في أثناء ذلك كتب الجنرال كوللي، قائد فرقة اليمين، إلى بونابرت يوسطه في رسول صلح يدعى ~~مولين، وهو مهاجر فرنسي أوقف في ميرسيكو، ويهدده لمعاملته قائد الفرقة العسكرية برتيليمي، ~~الذي أسره النمسويون، معاملة سيئة، فأجابه بونابرت: «إن المهاجر يا حضرة السيد، إنما هو ~~ولد قاتل أباه وأمه لا يحمل خلقا يؤهله لأن يكون مقدسا، ولقد أساءوا إلى الشرف وإلى ~~مراعاة حقوق الشعب الفرنسي، بإرسالهم السيد مولين ليفاوض في شروط الصلح، ثم إنك تعرف قوانين ~~الحرب، فأنا لا أصدق أنك تهدد برتيليمي بالعذابات، وإذا كنت تخترق قوانين الحرب جميعها ~~فتجيز لنفسك عملا فظيعا كهذا العمل، فاعلم أن جميع أسرى أمتك يعترضون عليك بأفظع ما في ~~الثأر من الصرامة؛ إذ إنني أوفر لضباط بلادك الاحترام الجدير برجال الحرب البسلاء.» لم يكن ~~تهديد بونابرت تهديدا باطلا؛ إذ إنه كان موقف قائد يعرف أن تحت تصرفه عددا كبيرا من ~~الأسراء، ولقد رد على كوللي بهذا الجواب في الثامن عشر من شهر نيسان. # كانت نتيجة المواقع اللامعة التي ms026 اشتهر فيها جوبير وماسينا وأوجيرو، أن تجزأ أخريات الجيش ~~العدو التي كان يقودها بوفيرا وتجبر على رمي سلاحها، وأن تهيأ انفصالات النمسويين ~~والبييمونتيين، ويفتح في وجه جيوش الجمهوريين طريق ميلان وتورين المزدوج. # عندما بلغ القائد العام مرتفعات مونتيزيمو، التي شغلها أوجيرو يوم أرغم سيروريه كوللي على ~~الخروج من معسكره، دل جيشه على القمم الفخورة التي كان الثلج يعلنها من بعيد، والتي كانت ~~ترتفع كمنحدرات من الجليد جميلة فوق سهول بيينمونت الغنية، وقال لجنوده محدقا بنظره إلى ~~تلك الجبال: «لقد اغتصب أنيبال # 3 # الألب، أما نحن فسنجول فيها كلها.» # في الثاني والعشرين فوز جديد، عبر نهر تانارو، ورفع متراس بيكوك، وأصبحت موندوفي ~~ومخازنها تحت تصرف الجيش الجمهوري، وفي الخامس والعشرين أخذت شيراسك، وكان فيها مدافع، ~~فعملوا على تقويتها بنشاط متواصل، وفي الثامن والعشرين عقدت فيها هدنة. # كان نابوليون، في الرابع والعشرين، قد أجاب الجنرال كوللي على رسالة أرسلها هذا إليه، ~~بهذه الكلمات: «إن مجلس الشعب التنفيذي قد احتفظ لنفسه بحق المذاكرة في الصلح، إذن فيجب على ~~مفوضي الملك سيدك أن يحضروا إلى باريس أو أن ينتظروا في جنوا المفوضين الذين قد تستطيع ~~الحكومة الفرنسية أن ترسلهم إليها. # إن موقف الجيشين العسكري والأهلي يجعل كل توقيف بسيط مستحيلا، فمع اقتناعي بأن الحكومة ~~ستمنح ملكك شروط صلح معتبرة، لا أقدر أن أوقف سيري استنادا إلى ظنون مبهمة، غير أن هناك ~~وسيلة للوصول إلى غايتك، موافقة لمصالح بلاطك، وقد توفر هرق دم باطل معاكس للعقل ولقوانين ~~الحرب: تلك الوسيلة هي أن تضع تحت تصرفي قلعتين من ثلاث قلاع كوني وألكسندري وتورتون، أترك ~~الاختيار لك.» # فسلمت قلعتا كوني وتورتون إلى الجمهوريين وأضيفت عليهما قلعة سيفا وعقدت الهدنة. # كم أنجز من الأعمال في شهر واحد! أصبحت الجمهورية مطمئنة إلى مرافئها وحدودها لا يهددها ~~مهدد، بل أصبحت بدورها تخيف الملوك الذين كانوا يهددونها فيما مضى، وهذا الانقلاب تم بسرعة ~~مدهشة على يد جيش فان لم يكن لديه زاد ولا مدافع ولا خيالة، هذه الأعجوبة كانت نتاج نبوغ ms027 ~~رجل عظيم، وروح الحرية التي أعطته جنودا وقوادا حريين به. # أصيب الغرباء بدهش عظيم، وقلق خاطر الجيش الفرنسي الذي كان طافحا بالإعجاب بقائده الفتى، ~~في وسط تلك الانتصارات الغريبة؛ لأنه كان يفكر في ضعف الوسائل التي يملكها ليتابع مجريات ~~ذلك الحظ اللامع، فلكي يبدد نابوليون ذلك القلق ويدفئ أيضا حماسة الجماهير، وجه إليهم من ~~شيراسك هذا الالتماس الآتي: ~~«أيها الجنود! لقد قيض لكم ستة انتصارات في خمسة عشر يوما، وربحتم واحدا ~~وعشرين علما، وخمسة وخمسين مدفعا، وكثيرا من الحصون المنيعة، وغزوتم أغنى جهة من ~~جهات بيمونت، لقد أسرتم خمسة عشر ألف محارب، وقتلتم وجرحتم أكثر من عشرة آلاف رجل، ~~لقد كنتم قبل ذلك تحاربون لأجل صخور جرداء عززتموها بشجاعتكم، ولكنها كانت غير ~~مفيدة للوطن، أما اليوم فإنكم تضارعون بخدمكم جيش هولاندا والرين المنتصر، لقد ~~عوضتم عن كل شيء بعد أن كنتم معدمين، لقد ربحتم حروبا من غير مدافع، وعبرتم ~~أنهرا من غير جسور، وقمتم بسير شاق من غير أحذية، وبتم لياليكم في الصحاري من ~~غير خمر وخبز، إن جحافل الجمهورية وجنود الحرية هم وحدهم جديرون بمقاساة ما قاسيتم، ~~فالوطن العارف الجميل مدين لكم بخيره وسعادته، وإذا تفاءلتم بموقعة 1793 # 4 # الخالدة؛ فإن انتصاراتكم الحاضرة تتفاءل بألمع منها. # إن الجيشين اللذين كانا يهجمان عليكم بجسارة وجرأة يهربان من وجهكم اليوم، ~~والرجال الأردياء الذين كانوا يضحكون من فاقتكم ويفرحون في قلوبهم لفوز أعدائنا ~~أصبحوا اليوم خجلين مضطربين، ولكن، أيها الجنود، يجب ألا أكتمكم أنكم لم تعملوا ~~شيئا حتى الآن لأن أمامكم بعد أعمالا عظيمة، فلا تورين تخصكم ولا ميلان، ورماد ~~منتصري تاركين لا تزال تدوسه قتلة باسيفيل! لقد كنتم مجردين من كل شيء في بدء ~~المعركة، وهو ذا أنتم مزودون بكل شيء، إن المخازن التي أخذتموها من أعدائكم لكثيرة ~~العدد، ولقد وصلت إلينا مدفعية الحصار. # أيها الجنود! يحق للوطن أن ينتظر منكم أعمالا كبيرة، أتحققون أمله؟ إن الموانع ~~الكبرى قد اخترقت كلها، ولكن لا يزال أمامكم حروب تشهرونها، ومدن تملكونها، وأنهر ~~تعبرونها، ms028 أفينا من تخونه شجاعته؟ أفينا من يؤثر العودة إلى قمة الأبينين والألب ~~ليسمح بأناة لعنات هؤلاء العساكر العبيد ؟ لا! ليس بين منتصري مونتينوت، وميليزيمو، ~~وديغو، وموندروفي من يقدم على ذلك، إنكم جميعا تضطرمون لتحملوا بعيدا مجد الشعب ~~الفرنسي، إنكم جميعا ترغبون في إذلال هؤلاء الملوك المتصلفين الذين كانوا يعزمون ~~بجسارة على إعطائنا الحديد، إنكم جميعا ترغبون في نص سلام مجيد يعوض على الوطن ~~ضحاياه العديدة، أيها الأصدقاء! إني أعدكم بهذا الفتح، ولكن هناك شرطا يجب أن ~~تقسموا على تتميمه: هو أن تحترموا الشعوب التي تنقذونها، وأن تقمعوا النهب المشين ~~الذي لا يندفع إليه إلا الأشرار صنيعة أعدائكم، وإلا فلا تصبحون منقذي الشعوب بل ~~بلاياها، لا تصبحون شرف الشعب الفرنسي وينكركم! فانتصاراتكم، وشجاعتكم وفوزكم، ودم ~~إخوتنا الذين ماتوا في الحروب، كلها تفقد حتى الشرف والمجد، وأما أنا والقواد الذين ~~استوت لهم ثقتكم فإننا لنخجل أن نقود جيشا لا نظام له ولا رادع، ولا يعرف قانونا ~~إلا القوة، إلا أني، استنادا إلى السلطة الوطنية وإلى قوتي المؤسسة على العدالة ~~والقانون، سأعرف كيف أجعل ذلك العدد القليل من الرجال الجبناء، الضعفاء القلوب، ~~يحترمون شرائع الإنسانية والشرف التي يدوسونها بأقدامهم، إنني لن أطيق على نفسي أن ~~أرى بعض اللصوص يلطخون أكاليل الغار المتلألئة على جباهكم، وسأنفذ تنفيذا مطلقا ~~القانون الذي نظمته، فالناهبون يعدمون بالرصاص، ولقد جرى ذلك لكثيرين حتى ~~الآن! # شعوب إيطاليا! إن الجيش الفرنسي قادم ليحطم قيودك: فالشعب الفرنسي هو صديق الشعوب ~~كلها، تعالوا إليه بثقة ورجاء، وأيقنوا أن أملاككم ودينكم وعاداتكم تبقى محترمة، ~~إننا نحارب كأعداء كرماء، ولا تنال إلا من الظالمين الذين يستعبدونكم.» # كان هذا الكلام يبشر في نابوليون بأكبر من القائد الكبير، كان يبشر برجل الأمة والسياسي ~~الماهر الذي شعر بأن الحظ سيرفعه إلى قمة «المنتصر الشارع»، والذي يسعى إلى تهييج ميول ~~الشعب نحوه، كما يسعى إلى استمالة إعجابهم بأن ينادي عليهم بإنقاذهم ومعاقبة الناهبين ~~واحترام دينهم وعاداتهم. # كان نابوليون على قيد عشرة فراسخ من تورين # 5 # يتكلم بتلك الثقة ms029 العظيمة ساعيا إلى التمكن من إيطاليا، فريع ملك سردينيا ~~من تلك الكلمات وحث على المخابرة، فجرت المفاوضات الأولى عند أمينه سالماتوريس الذي صار ~~فيما بعد وكيلا لقصر بونابرت، والهدنة التي أعلنا عنها صودق عليها في شيراسك تحت هذا الشرط ~~وهو أن يترك ملك سردينيا المؤامرة بأسرع ما يمكن، وأن يرسل رسول صلح إلى باريس ليفاوض ~~بالصلح النهائي، وكل ذلك نفذ بدقة عاجلة، أرسل الملك السردي الكونت ريفيل إلى باريس، ~~مزودا بتعليمات ملؤها محبة للسلام، أما نابوليون، فقد كان أرسل إلى العاصمة، رئيس الخيالة ~~مورات مفوضا من قبله بأن يحمل خبر الانتصارات التي أعلنت فاتحة الموقعة، وكتب مخاطبا مجلس ~~الشعب: «تستطيعون أن تنصوا بكل ما في السيادة من القوة شروط الصلح لملك سردينيا ... وإذا كان ~~قصدكم يرمي إلى خلعه عن عرشه، فيجب أن تلهوه وتخبروني عقيب ذلك فأستولي على فالانس وأزحف ~~إلى تورين، وعندما أنتهي من مقاتلة بوليو، أرسل اثني عشر ألف رجل إلى روما ...» # فرحب وكلاء الشعب بهذا الخبر وهللوا له، وأعلنوا للمرة الخامسة في ستة أيام أن جيش ~~إيطاليا قد استحق ثناء الوطن استحقاقا حسنا، وجاء الصلح مع ملك سردينيا يضيف على سرور ~~الشعب سرورا آخر، فقد عقد في الخامس عشر من شهر أيار بشروط ملائمة لمصالح فرنسا. # وإذ لم يبق على بونابرت إلا محاربة الملكيين، أخذ يتساءل عما إذا كان من الواجب أن يحرس ~~خط تازين، أو يحمل على الأديج بتلك العجلة الجريئة التي جعلته بأيام قلائل سيدا على أجمل ~~مقاطعات المملكة السردية. # لقد ترك لنا في مذكرة من مذكرات القديسة هيلانة الأسباب التي كانت تتنازع بين الرأي الأول ~~والثاني، أما الأول فلم يكن يصلح، لا لموقف الجمهورية الناشئة التي كانت بحاجة إلى تخويف ~~المؤامرة بصدمات شديدة ومعجزات متواصلة، ولا للقائد الفتى الذي كان خلقه وطمعه يدفعانه إلى ~~النيات التي كانت تتطلب جرأة ونشاطا وتعرض نصيبا وافرا من الصعوبة والجلال، فاندفع ~~نابوليون إلى الأمام بعد أن كتب إلى مجلس الشعب يقول: «إني زاحف غدا إلى بوليو، فسأرغمه ~~على ms030 عبور البوثانية، وأعبره بدوري على الأثر، سأستولي على لومباردي كلها وأرجو من الآن إلى ~~أقل من شهر أن أكون على جبال تيرول، فألقى جيش الرين وأحمل الحرب إلى البافيير.» # في التاسع من شهر أيار كتب إلى المدير كارتو يقول: «لقد عبرنا البو، وبدأنا بالموقعة ~~الثانية وبوليو قلق جدا، إنه لا يجيد الحساب قط، فيقع دائما في الشرك الذي ينصب له، ~~قد يريد أن يشهر حربا فهذا الرجل يملك جرأة الغضب لا جرأة الذكاء ... فوز واحد بعد ~~ونصير أسياد إيطاليا ... إن الذي أخذناه من الأعداء لا يحصى عدده ... فأنا مرسل إليكم ~~عشرين رسما من ريشة أكابر الرسامين، من كوريج وميكل أنج. # إنني مدين لكم بشكر خصوصي لما تبدونه من الالتفات نحو امرأتي، إنني أوصيكم بها، فهي محبة ~~للوطن ومخلصة، وأحبها حتى الجنون.» # في اليوم الثاني تم الفوز الذي كان بونابرت يتوقعه لامتلاك إيطاليا، فجعل خالدا اسم بودي ~~التي ربحها الجمهوريون. # جاء ربح هذه الحرب مقدمة لفتح لومباردي، وفي أيام قلائل وقعت بيزيفيتون وكرتميون وجميع ~~مدن ميلاني الكبرى في يد الجيش الفرنسي. # في وسط الخيام، ومن خلال قرقعة السلاح، كان نابوليون الذي خيل للبعض أنه رازح تحت ~~مشاغله الحربية والسياسية، يبدي اهتماما بالفنون ويسأل مجلس الشعب وكالة أساتذة فنانين ~~يجمعون الأشياء الثمينة التي يضعها الفتح تحت تصرفهم، ورئي فيما بعد، يرفض كنوزا كان ~~يستطيع أن يجعلها ملكه الخاص؛ ليحفظ رسما من كوريج كان يود أن يزين به المتحف ~~الوطني. # لم يكن يخص بالتفاته الفنون الجميلة فحسب فيسعى إلى ترقيها وإنمائها ويتوقع منها فائدة، ~~بل كان كل ما يتعلق أمره بالذكاء، بترويض الآداب والعلوم، بمسائل الرقي العصري يجد مكانا ~~رحبا في مخيلته العظيمة، وبعد خمسة عشر يوما من عبور البو، بين دوي مدافع لودي ودخان ~~معسكر مانتو، كان منتحيا جهة منفردة ليكتب إلى المهندس الشهير والعالم أورياني هذه ~~الرسالة الشهيرة: # إلى المواطن أورياني # إن العلوم التي تشرف العقل الإنساني، والفنون التي تزين الحياة وتحول الأعمال ~~المجيدة إلى الأجيال يجب أن تكون معززة في ms031 الحكومات الحرة، وإن رجال النبوغ جميعهم، ~~وكل الذين أوتوا مقاما في جمهورية الآداب، إنما هم إخوة مهما اختلفت المدن التي ~~رأتهم يولدون. # كان العلماء في ميلان لا يتمتعون بالمراعاة التي هم جديرون بها، فكانوا ينزوون في ~~أعماق مصانعهم ويرون نفوسهم سعداء بأن الملوك والكهان لا يريدون بهم شرا، أما ~~اليوم فقد انقلبت الحالة وأصبحت الفكرة حرة في إيطاليا، ولم يبق ديوان تفتيش، ولا ~~ظلم، ولا عذاب، إنني أدعو العلماء إلى عقد اجتماع، فيبسطون لي نظراتهم في الوسائل ~~التي يرونها موافقة لإحياء العلوم والفنون الجميلة حياة جديدة، كل الذين يرغبون ~~في الذهاب إلى فرنسا ينالون هناك كل إكرام وترحيب، فالشعب الفرنسي يدفع لأجل الحصول ~~على عالم رياضي أو رسام شهير أو رجل ممتاز، مهما كان نوع عمله، أكثر مما يدفع ~~للحصول على أغنى مدينة في العالم. # كن دائما، أيها المواطن، عضدا لهذه الآراء إلى جنب العلماء الممتازين في ~~الميلاني. # بونابرت # إلا أن هذا الذوق، وهذا الميل الطبيعي، وهذه الغيرة التي كانت تهتم بكل شيء وتذيع مجموع ~~الذكاء، وإن كانت تملأ صدور أصدقاء فرنسا وأعدائها بالدهشة والإعجاب، إلا أنها لم تكن إلا ~~لتوحي بعض الغموم إلى الحكومة الخائفة التي كانت تريد الجمهورية يومذاك. # كان مجلس الشعب يشعر بخلفه في منتصر مونتينوت ولودي، وكان يرغب في إبعاد افتتاح تلك ~~الخلفية قدر استطاعته، فأخذ يحاول إعطاء مساعد للذي كان قد برهن بسلسلة انتصارات غير منتظرة ~~أنه يعرف كيف يعمل وينتصر وحده، أما نابوليون فلم يخطئ قط في اعتقاده بأنهم يرغبون في ضم ~~كيلليرمان إليه، فكتب رسالة إلى كارنو الذي كان يحترمه احتراما شديدا لما توسم فيه من ~~الخلق الطيب والمعارف العالية يفضي إليه بعدم رضاه عن ذلك الانضمام. قال: «إنني أعتقد أن ~~انضمام كيلليرمان إلي في إيطاليا يفقد كل شيء، إنني لا أستطيع أن أخدم مختارا مع رجل ~~يظن نفسه أول قائد في أوروبا، ثم إني أعتقد أن قائدا سيئا أفضل من قائدين صالحين، فالحرب ~~هي كالحكومة، إنها مسألة ذوق.» # بقي نابوليون يعمل بحسب ms032 نظرياته الخاصة وينفذ خطته، وكان قد دخل إلى ميلان دخول المنتصر ~~في الخامس عشر من شهر أيار، في حين كان يباشر في باريس بعقد الصلح الذي كان قد طرحه بنفسه ~~على سردينيا ومونتينوت وديغو وميلليزيمو وموندوفي. # لم يجرؤ مجلس الشعب على تحقيق الغاية من هذا الانضمام، فسمي كيلليرمان حاكما عاما ~~للبلدان المتخلى عنها لفرنسا، بمقتضى الاتفاقية الأخيرة مع الجلالة السردية، وحفظ بونابرت ~~لنفسه، من غير مقاسمة، القيادة العامة لجيش إيطاليا. # كان أول ما اهتم به أن يحمل مركز أعماله إلى الأديج، # 6 # وأن يوطد حصار مانتو، في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي لا يشتمل على أكثر من ~~ثلاثين ألف رجل، ففكر في فيينا بأن ينجلي ورمسر عن شواطئ الرين، ويرسل إلى إيطاليا مع مدد ~~من ثلاثين ألف رجل من خيرة الجند. # لم يكن نابوليون، من جهته ليجهل أن الحروب اليومية والمرض تنتهي بجعل جيشه، الذي أصبح ~~ضعيفا، قليل العدد بالنسبة إلى الملكيين، بيد أنه لم يقف فترة عن مطالبة مجلس الشعب ~~بإرسال عساكر جديدة إليه، وعن الإفاضة إليهم بأن جيش الرين قد عمل عملا عظيما برجوعه إلى ~~العداوة مرة أخرى. # بعد موقعة لودي بأيام قلائل كتب نابوليون إلى كارنو يقول: «يخيل إلي أن ستنشب معركة ~~على الرين، فإذا بقيت الهدنة لا يعتم أن ينسحق جيش إيطاليا، وتصبح الجمهورية مضطرة على ~~التوجه إلى قلب البافيير أو النمسا المذهولة لتمضي معاهدة الصلح مع الثلاثة الجيوش ~~المتحالفة.» # كان نابوليون مصيبا في طلب المساعدة لجيوش الرين وسامبري-موز التي وعد وعدا صريحا، ~~عند رحيله من باريس، بأنه سينالها في منتصف نيسان، إلا أن هذه الجيوش لم تبدأ بالتحرك إلا ~~في أواخر حزيران، عندما أتيح لورمسر أن يصل مع مدده إلى إيطاليا. # إن الذي طلبه القائد الفرنسي لم ينله بسهولة؛ فمجلس الشعب بقي أصم عن إلحاحه، إما عن تعذر ~~وإما عن سوء طوية، وهكذا اضطر على الوقوف في وجه جيش مؤلف من مائة ألف مقاتل بجيش مؤلف من ~~ثلاثين ألفا، إلا أن ذكاءه وحظه لا يتركانه ms033 في مثل هذا الموقف، فأخذ يتصور خطة للهجوم ~~يستطيع بها أن يفرق الجيوش الثلاثة ويغير عليها واحدا بعد الآخر ، جاء النجاح الباهر محققا ~~فكرة القائد الكبير، المعضود بالذكاء وبشجاعة القواد والعساكر الجمهوريين. # بينما كان ورمسر يعتقده محتلا أمام مانتو، أفلت هو من حصار هذه الجهة وزحف بسرعة البرق ~~من بو إلى الأديج ومن شييسا إلى منسيو فكثر ونما، ورأى نفسه في الوقت نفسه مستقبلا جميع ~~الأقسام العدوة، فقاتلها، وبددها، وقضى عليها في حروب متتالية سميت «موقعة الأيام الخمسة»، ~~جرى كل ذلك في سالو، ولونادو، وكاستيكليون وهي أتلف تلك المواقع، جاء في خلاصة هذه الموقعة ~~العجيبة، التي كتبها القائد المنتصر في ساحة الحرب وأرسلها إلى مجلس الشعب في التاسع عشر من ~~ترميدور عام 4 (6 آب 1796) هذه التفاصيل الآتية: ~~«منذ أيام كثيرة وصل المدد المؤلف من عشرين ألف رجل الذي أرسله الجيش النمسوي إلى ~~جيش إيطاليا فضم إلى عدد كبير من الجنود وعدد كبير آخر من الجحافل جاء من داخل ~~النمسا فجعل هذا الجيش ذا هيبة عظيمة، وكان الرأي العام أن النمسويين يصبحون قريبا ~~في ميلان ... # عندما نزل العدو من تيرول إلى الأديج عن طريق بريسيا جعلني في الوسط، ولكن الجيش ~~الجمهوري، وإن كان قد ظهر ضعيفا أمام أقسام العدو، إلا أنه كان يستطيع أن يقاتل ~~كلا منها على حدة، كان من الممكن، إذا تراجعت بسرعة، أن أحيط بالقسم العدو ~~المنحدر من بريسيا وآخذه أسيرا ثم أقاتله كله وأعود من هناك إلى المنسيو فأقاتل ~~ورمسر وأرغمه على عبور التيرول مرة أخرى، إلا أنه كان ينبغي لإجراء ذلك، أن نستولي ~~في مدة أربع وعشرين ساعة على حصار مانتو الذي كان على وشك أن يؤخذ، وأن نعود حالا ~~فنعبر منسيو ثانية ولا ندع للأقسام العدوة فرصة لإحاطته، شاء الحظ أن يبتسم لهذه ~~الخطة، ولقد جاءت مواقع ديزانزانو، وسالو، ولونادو، وكاستيكغيون نتيجة واضحة ~~لها. # في اليوم السادس عشر، عند مطلع الصباح، وجدنا أنفسنا مهيئين؛ فلقد عهد إلى القائد ~~غيو الذي على يسارنا أن يهاجم ms034 سالو، وإلى القائد ماسينا الذي في الوسط أن يهجم على ~~لونادو، وإلى القائد أوجرو الذي كان إلى اليمين أن يهجم من كاستيكليون، أما العدو، ~~فبدل أن يهجم عليه، هجم هو على حرس ماسينا الذي كان في لونادو، فأصبح الحرس محاطا ~~والقائد أسيرا، وأخذ العدو منا ثلاثة مدافع، فلم أتردد عند ذلك أن هيأت الفرقتين ~~الثامنة عشرة والثانية والثلاثين، وفي حين كنا نعمل على خرق العدو، كان هذا يتسع ~~بزيادة ليحيط بنا حتى خيل إلي أن حركته هذه ستضمن له النصر المحتم. # أرسل ماسينا بعضا من الجنود إلى أجنحة العدو ليؤخروا سيرها، فعندما وصلت الفرقة ~~الأولى إلى لونادو قهرت العدو، وأتيح للفرقة الخامسة عشرة أن تسترجع مدافعنا ~~المأخوذة. # وما هي إلا فترة حتى كان العدو مشتتا تشتيتا عظيما، إلا أنه حاول أن يلجأ إلى ~~المنسيو، فأمرت معاوني قائد الجند جونو بأن يستلم رئاسة قوادي ويطارد العدو ويقهره ~~في ديزانزانو بأسرع ما يكون، فالتقى بالكولونيل باندير مع قسم من فرقته، إلا أن ~~جونو الذي لم تكن غايته الهجوم من الوراء، عمل دورة من جهة اليمين، فجابه الفرقة، ~~وجرح الكولونيل الذي كان بوده أن يأخذه أسيرا، وبعد أن قتل بيده ستة جنود، هوى في ~~إحدى الحفر مصابا بست طعنات يقال: إنها غير خطرة. # كان العدو لاجئا إلى سالو؛ وبما أن سالو كانت بيدنا، قدر لنا أن نأسر تلك الفرقة ~~التائهة في مطارح الجبال، في ذلك الوقت، زحف أوجرو إلى كاستيكليون واستولى عليها، ~~لقد صرف النهار كله في شهر الحروب ضد قوات كانت تضاعف قواته، حتى أتيح له أن يقهر ~~العدو قهرا تاما. # خسر العدو في ذلك النهار عشرين مدفعا، ألفين أو ثلاثة آلاف رجل بين قتيل وجريح، ~~وأربعة آلاف أسير بينهم ثلاثة قواد ... # بقي ورمسر، طوال اليوم السابع عشر، يجمع بقايا جيشه، ويخرج من مانتو كل ما كان ~~يستطيع إخراجه، ويعد بقايا ذلك الجيش للحرب في مطارح السهل بين قرية سكانيللو حيث ~~عضد ميمنته والشييزا حيث عضد ميسرته. # لم يكن موقف إيطاليا قد ms035 بت بعد، فجمع فرقة خيالة من خمسة وعشرين ألف رجل، ~~وخيل إليه أنه يستطيع أن يهز بها القدر مرة أخرى، أما أنا فقد أعطيت الأوامر لجمع ~~فرق الجيش كلها. # واتجهت بنفسي إلى لونادو لأقف على حالة الجنود الذين أستطيع أن أخرجهم منها، ولكن ~~كم كانت دهشتي عظيمة عندما دخلت إلى هذا الوسط، فاستقبلت رسول صلح كان يحث قائد ~~لونادو على الاستسلام، زاعما أنه كان محاطا من كل الجهات! كانت مراقب الحرس ~~المختلفة تنبئني بأن كثيرا من الصفوف كانت تلحق بفرقة حرسنا الكبير، وأن طريق ~~بريسيا إلى لونادو كانت مسدودة بجسر سان ماركر، فشعرت عندئذ بأن تلك الصفوف ليست ~~سوى بقايا القسم المنشق الذي بعد أن تاه تجمع بعضه إلى بعض وأخذ يعمل على فتح طريق ~~له. # كانت الظروف في أبعد ما يكون من التشويش، ولم يكن معي في لونادو إلا ألف ومائتا ~~رجل تقريبا، فأحضرت رسول الصلح، وأشرت بإنزال العصابة عن عينيه، وقلت له: إنه إذا ~~كان في توهم قائده أن يقبض على القائد العام لجيش إيطاليا فما عليه إلا أن يتقدم، ~~وصرحت له بأنه إذا لم تلق فرقته السلاح في مدة ثماني دقائق، فلا أصفح بعد ذلك عن ~~أحد مطلقا. # كان استغراب رسول الصلح لوجودي هنا شديدا جدا، وبعد فترة قصيرة ألقت الفرقة ~~سلاحها، كانت محصنة بأربعة آلاف رجل ومدفعين وخمسين خيالا، وكانت قادمة من كافاردو ~~تفتش عن مخرج تهرب منه، لم يقدر لها في الصباح أن تنفذ من سالو، فعالجت ذلك من ~~لونادو. # في اليوم الثامن عشر، عند مطلع النهار، وجدنا أنفسنا مهيئين، إلا أنه صارت ~~الساعة السادسة ولم تبد حركة بعد، فأشرت إلى الجيش بأن يعمل حركة تقهقر ليجذب ~~العدو إلينا، في حين كان القائد سيروريه الذي كنت بانتظاره على أحر من الجمر، ~~قادما من ماركاريو وقد حول إلينا ميسرة ورمسر كلها، فهذه الحركة حققت النتيجة ~~التي كنا نتوقعها. # عندما أبصرنا فرقة القائد سيروريه التي كان يقودها القائد فيوريللا المعهود إليه ~~بالهجوم على الميسرة، أمرت المساعد العام ms036 فيرديير بالهجوم على متراس كان العدو قد ~~عمله في وسط السهل ليثبت ميمنته، وعهدت إلى مساعدي قائد الجحفل مارمون بأن يدير ~~عشرين مدفعا من المدافع الخفيفة ويرغم العدو بنارها على التخلي لنا عن هذا المركز ~~المهم، وبعد عدة إطلاقات نارية اضطرت ميسرة العدو على الجلاء التام. # أما أوجرو فقد هجم على مركز العدو المحصن ببرج سولفيرينو، وهجم ماسينا على ~~ميمنته، وأما المساعد العام لوكليرك الذي كان على رأس فرقة الحرس الخامسة فقد زحف ~~إلى نجدة فرقة الحرس الرابعة، وزحفت فرقة الخيالة بقيادة القائد بومون إلى ميمنة ~~العدو لتعضد فرقتي المدفعية الخفيفة والمشاة، فكان النصر حليفنا في جميع هذه ~~المواقع. # لقد غنمنا من العدو ثمانية عشر مدفعا، ومائة وعشرين صندوقا من الذخائر الحربية، ~~وخسر قدر ألفي رجل بين قتيل وأسير، وتشتت الباقون تشتتا فظيعا، إلا أن جحافلنا، ~~التي كان التعب قد بلغ منها مبلغا عظيما، لم تقو على اللحاق بها أكثر من ثلاثة ~~فراسخ، ولقد قتل المساعد العام فرونتين: قتل هذا الرجل الشجاع تجاه العدو. # أما ورمسر فقد خسر في هذه الأيام الخمسة سبعين مدفعا وصناديق ذخائر مشاته ~~جميعها، ومن اثني عشر إلى خمسة عشر ألف أسير، وستة آلاف رجل بين قتيل وجريح، وجميع ~~الجحافل التي جاءت من الرين، وفوق ذلك، فقد تشتت قسم كبير من رجاله، سنضمهم إلينا ~~بطريقنا في مطاردة العدو، وأما الضباط والجنود والقواد فقد أبدوا في هذه المواقف ~~الصعبة شجاعة ما بعدها شجاعة.» # هذه الحوادث الغريبة المدهشة هيجت حماسة شعوب إيطاليا التي كانت قد جاهرت ~~بميلها إلى الثورة الفرنسية، وصرع محازبو النمسا الذين دعاهم تغفلهم إلى إظهار ~~غبطتهم لدى قدوم ورمسر، وإلى الاشتراك بفخفخة الملكيين الذين، استنادا إلى كثرة ~~عددهم، كانوا يحتفلون سلفا بانكسار الفرنسيين وطردهم من شبه الجزيرة، إلا أن ~~الدعاية الثورية، التي كانت منتشرة في بيمونت ولومباردي وغيرهما، قد صادفت عددا ~~كبيرا من المتحزبين، وكان الميلانيون قد أظهروا تعلقا شديدا بالعلم الجمهوري، ~~فأبدى لهم القائد العام عرفان الجميل بهذه الكلمات: «عندما كان الجيش يقاتل ~~متقهقرا، ms037 كان بعض متحزبي النمسا وأعداء الحرية يعتقدونه مقهورا لا وسائل لديه، ~~وعندما اتضح لكم أن هذا التقهقر ما كان سوى حيلة أظهرتم تعلقا بفرنسا، وميلا ~~للحرية، ولقد أبديتم غيرة وخلقا استحققتم من أجلها احترام الجيش، وسيستوجبان لكم ~~حماية الجمهورية الفرنسية. # إن جدارة شعبكم بالحرية لتزداد كل يوم، فهو في كل حين يكسب نشاطا وبأسا، وسيأتي ~~يوم يظهر فيه على مسرح العالم محفوفا بالمجد والعظمة، تفضلوا بقبول شهادة استحساني ~~ورضاي والدعاء الأكيد الذي يعمله الشعب الفرنسي ليراكم أحرارا وسعداء.» # لم تقتصر علاقة نابوليون بهذه الشعوب على تهنئات بسيطة، بل إنه استفاد من استعداداتهم ~~الحسنة فأفادهم وأفاد الجمهورية الفرنسية، في حين كان ينظم الثورة ما وراء الألب بإنشاء ~~الجمهوريات الترانسبودية والسيبودية، هذه المبدعات العظيمة، التي كان يبتدعها وهو يركض من ~~ساحة حرب إلى أخرى، لم تكن لتمنعه عن أن يدفع الحرب إلى أبعد مراميها، فما كاد ينجو من ~~الجيش الهائل الذي كان ديوان فيينا قد عهد إليه بطرد الفرنسيين من إيطاليا، حتى شرع ثانية ~~بتعجيل حصار مانتو، الذي لم يتح لورمسر أن ينقض عليه ببعض جحافل وذخائر إلا في اليوم ~~نفسه الذي سقطت فيه لينياغو (13 أيلول)، وبعد أن قهر في عشر حروب هي: 6 آب، في باشييرا؛ 11 ~~منه، في كورونا؛ 24 منه، في بورغوفورت وكرفرنالو؛ 3 أيلول، في سيرافال؛ 4 منه، في روفيريدو؛ ~~5 منه، في ترانت التي سقطت؛ 7 منه، في كوفولو؛ 8 منه، في باسانو؛ 12 منه، في سيركا. # وثاني يوم دخوله إلى مانتو، تشتتت بقايا جيشه مرة أخرى في دو كاستيللي، وفي اليوم التالي ~~أنهت موقعة سن جورج إتلاف الجيش الإمبراطوري، إلا أن حاشية رومسر لم تتخل عنه في ذلك ~~الموقف الحرج، وكان إمبراطور النمسا يعتبره أكثر قواده خبرة وحذقا، ثم إنه كان يدرك أن ~~مانتو إنما هي مفتاح ممالكه، فأجريت في فيينا جهود أخرى لتعويض نكبات الحملة الأولى وتهيئة ~~ما كان الملوك والأريستوقراطيون الأوروبيون يسمونه إنقاذ إيطاليا؛ إذ ذاك نظم جيش ~~إمبراطوري جديد مؤلف من ستين ms038 ألف رجل تحت قيادة المرشال دالفانزي وأسرع لنجدة ~~مانتو. # لم يجد نابوليون لدى هذه الحركة الجديدة بدا من التأسف على كون نصائحه لم يعمل بها في ~~الرين، حيث كانت القوات الجمهورية كافية لإجراء عمل نافع؛ إذ كان قد طلب نجدة ولم ترسل ~~إليه، غير أنه وإن كان دائما يثق بنفسه وبجنوده، إلا أنه رأى من الضروري أن يوضح لمجلس ~~الشعب عن مخاوفه من عقبى الموقعة الجديدة لكي يفهم الحكومة الفرنسية خطأها الفادح نحو جيش ~~إيطاليا الذي أهملته في وسط انتصاراته العديدة. # قال: «أرفع إليكم علما بالأعمال التي حدثت منذ الواحد والعشرين من هذا الشهر، فإذا لم ~~تكن مرضية فليس الخطأ على الجيش؛ إن عجزه وانحطاطه وإن كانا مدعومين برجال شجعان، إلا أنهما ~~يدعوان إلى الخشية عليه، قد نكون على وشك فقدان إيطاليا إذ إن النجدات التي انتظرتها لم تصل ~~إلي واحدة منها، وقد لا يفكر في أن نصيب إيطاليا وأوروبا يتوقف على هذه الظروف، لقد كانت ~~السلطة في حركة دائمة ولما تزل، ألا إن الحماسة التي أبدتها حكومتنا في بدء الحرب لتستطيع ~~وحدها أن تعطي فكرة عن المنهج الذي نهج في فيينا، فلم يكن يمر يوم إلا ويصل لنا فيه خمسة ~~آلاف رجل، ومنذ شهرين ونحن في حاجة إلى نجدات، إذ لم يصل إلينا إلا جحفل من الفرقة الأربعين ~~لم يتعود النار بعد، في حين أن جندية جيش إيطاليا القديمة تنهكها الراحة في الفرقة الثامنة، ~~إنني أقوم بواجبي والجيش يقوم بواجبه، ونفسي مطعونة ممزقة إلا أن ضميري هادئ مطمئن، أرسلوا ~~إلي نجدات! فجنودي اليوم لا يزيدون على ألف وخمسمائة. # إن جرحانا إنما هم صفوة الجيش؛ كل ضباطنا السامين وجميع قوادنا المنتخبين هم اليوم خارج ~~الحرب، لا أستلم إلا العاجزين الذين لا يحملون في قلوبهم ثقة الجندي، ولقد أصبح جيش إيطاليا ~~منهوك القوى، في أشد حالة من حالات الضنك، أما أبطال لودي، وميلليزيمو، وكاستيكليون، ~~وباسانو فقد ماتوا في سبيل وطنهم أو هم في المستشفى، ولم يبق في الجيش إلا شهرتهم وفخرهم، ms039 ~~لقد جرح جوبير، ولان، ولانوس، وفيكتور، ومورات، وشارلو، ودوبوي، ورامبون، وبيجون، ومينار، ~~وشابران، أجل، إننا مهجورون في أطراف إيطاليا. # خسرت في هذه الحرب قليلا من الناس، ولكن هذا القليل إنما هو صفوة رجال لا يعوض عنهم، أما ~~الباقون لدي من الشجعان فإنهم ليرون الموت لا يخطئ في وسط حوادث غير منقطعة وقوات ضعيفة ~~عاجزة، وقد تكون ساعة أوجرو الشجاع، وماسينا الباسل، وبرتيه، و... على وشك أن تدق، وبعد ذلك! ~~وبعد ذلك! ما يحل بهؤلاء البسلاء؟ هذه الفكرة تجعلني متحفظا، فلم أعد أجرؤ على مجابهة ~~الموت! ولكن بعد أيام قلائل سنجرب عملا أخيرا، فإذا بسم لنا الحظ استولينا على مانتو ~~وعلى إيطاليا.» # إن الأفكار الشؤمى التي كانت تخالج بونابرت لم تتحقق، وقيض للجيش الفرنسي أن يبتسم الحظ ~~في وجهه، لم يحتج قاهر لودي إلى أكثر من أيام قلائل حتى قلب، بطنا إلى ظهر، جميع الآمال ~~التي استطاع الحزب أن يبنيها على شهرة ألفانزي وعلى قوة جحافله العديدة، فقد انطلقت حرب، ~~بقيت ثلاثة أيام، انتهت بفوز معركة أركول، التي أكدت تفوق الجندية الفرنسية التي ذهبت ~~أمامها جهود قواد النمسا القدماء وجنودها الشيوخ كما تذهب الرياح، شعر نابوليون في تلك ~~المعركة، بأن جنوده يترددون فترة أمام نار الأعداء الذين كانوا يشغلون مراكز هائلة، فقفز ~~إلى الأرض، وأخذ علما، وانطلق به إلى جسر آركول # 7 # التي كانت الجثث متراكمة عليه بعضها فوق بعض، وصرخ قائلا: «أيها الجنود! ألستم ~~شجعان لودي؟ إذن فاتبعوني!» وعمل أوجرو كما عمل بونابرت! فلم تذهب هذه القدوة الباسلة بلا ~~تأثير على نتيجة المعركة، إذ إنها كانت السبب في خسران ألفانزي ثلاثين مدفعا وخمسة آلاف ~~أسير وستة آلاف قتيل، أما دافيدو ويش فقد انحدر إلى التيرول ودخل ورمستر إلى مانتو. # انظروا الآن كيف أن قاهر جميع هؤلاء المحاريين الألمان كان يتناسى أتعابه وانتصاراته أمام ~~العاطفة المتأججة التي كان يقفها لامرأته، فقد كتب إليها من فيرون يقول: «إنني عدت أخيرا ~~إلى الحياة يا معبودتي جوزيفين، فالموت أصبح بعيدا عني ولا يزال المجد ms040 والشرف في حنايا ~~قلبي، لقد قهر العدو في أركول، وغدا نتلافى حماقة فوبوا الذي أهمل ريفولي، وبعد ثمانية ~~أيام تصبح مانتو بين أيدينا فيتاح لي إذ ذاك أن أعطيك ألف برهان عن الحب المضطرم الذي يجول ~~في عروق زوجك، أشعر الآن بتعب خفيف، وساعة تعود إلي الراحة أتجه إلى ميلان، لقد استلمت ~~كتابا من أوجين وهورتانس، فهذان الولدان هما في أبعد ما يكون من اللطف. # لقد أسرنا خمسة آلاف رجل، وقتلنا ستة آلاف من الأعداء، إلى اللقاء يا معبودتي جوزيفين، ~~تذكريني دائما، أما إذا وقفت عن حب آخيلك، # 8 # او إذا برد قلبك في حبه فتكونين هائلة جدا وغير عادلة، إلا أني لا أشك قط في ~~أنك ستبقين دائما حبيبتي، كما أني سأبقى دائما حبيبك الحنون، والموت، الموت يستطيع وحده ~~أن يحطم اتحادنا الذي كونه الحب والعاطفة والميل، ألف وألف قبلة كلفة.» # وفي 29 برومير (19 تشرين الثاني)، أي ثالث يوم معركة أركول، قدم القائد المنتصر إلى مجلس ~~الشعب علما عن تلك الموقعة العظيمة قال: «كنا رأينا من الموافق إخلاء قرية أركول، وقد ~~توقعنا أن يهاجمنا العدو في مطلع الصباح، عندما برز الفجر الأول بدت طلائع الحرب في جميع ~~الجهات، وقيض لماسينا، الذي كان إلى اليسار، أن يشتت الأعداء ويطاردهم حتى أبواب كالديرو، ~~وأتيح للقائد روبير، الذي كان في سد الوسط مع الفرقة الخامسة والستين أن يتعجل الأعداء ~~بالحراب ويملأ بالجثث ساحة الحرب، فأشرت إلى المعاون فيال بأن يزحف على شاطئ الأديج مع فرقة ~~من الجند ليحول ميسرة العدو، إلا أن هذا البلد ذو حواجز منيعة، فلم يستطع المعاون الشجاع، ~~بالرغم من وثوبه إلى وسط المياه، أن يعمل عملا كافيا، واضطررت أن أصرف ليلة 26-27 في ~~إلقاء الجسور على القنوات والبطاح، حتى تسنى للجنرال أوجرو أن يعبرها مع فرقته، في الساعة ~~العاشرة من الصباح كنا مهيئين: الجنرال ماسينا إلى الشمال، والجنرال روبير في الوسط، ~~والجنرال أوجرو إلى اليمين، فقاتل العدو فرقة الوسط بشدة هائلة حتى قمعها، عند هذا، سحبت ~~الفرقة ms041 الثانية والثلاثين ووضعتها في كمين في الغابات، وفي حين أوشك العدو أن يحول ميمنتنا، ~~خرج القائد غارادن من كمينه فأخذ العدو من ورائه وأعمل فيه ذبحا هائلا، أما ميسرة العدو ~~فقد كانت محصنة في بطاح إلى ميمنتنا، فأشرت إلى الضابط هرقل بأن يختار خمسة وعشرين رجلا ~~من رفاقه ويزحف بهم نصف فرسخ على شاطئ الأديج، وبعد أن يعمل دورة البطاح التي تحصن ميسرة ~~الأعداء يهوي بسرعة عظيمة على ظهر العدو نافخا بأبواق عديدة. # هذه الحركة نجحت نجاحا باهرا؛ وجدت فرقة المشاة في ذهول غريب فعرف القائد أوجرو أن ~~يستفيد من هذا الموقف، إلا أن الفرقة بقيت تقاوم بالرغم من تقهقرها حتى فاجأتها فرقة من ~~ثمانمائة رجل فشتتتها تشتتا، عند هذا، زحف الجنرال ماسينا الذي كان يرجع إلى الوسط ~~قاصدا قرية أركول، فاستولى عليها وطارد العدو حتى قرية سان بونيفاسيو، ولكن الليل حال ~~بيننا وبين مواصلة السير إلى الأمام ... # لقد أبدى القواد والضباط نشاطا وشجاعة لا مثيل لهما، ولقد قتل منهم بين اثني عشر وخمسة ~~عشر رجلا، كانت المعركة هائلة جدا حتى لم تسلم ثياب أحد منهم من ثقوب الرصاص.» # إلا أن دالفانزي حاول أن ينهض من سقوطه مرة أخرى، فعاد مع بروفيرا عن طريق مضايق تيرول، ~~على أن هذه المبادهة لم تكن إلا لتسبب انتصارات جديدة للجيش الفرنسي ولقائده؛ فإن موقعة ~~ريقولي وموقعتي سان جورج والفافوريتا التي بقي النصر فيها أمينا للعلم الجمهوري أجبرت ~~بروفيرا على الخضوع مع فرقته، وذلك على مرأى من ورمسر الذي سلم نفسه بعد ذلك في ~~مانتو. # جاء في الأوراق التي ملأها بونابرت على قائده ده رووفيربلو في الثامن والعشرين والتاسع ~~والعشرين من نيفوز عام 5 (17 و18 كانون الثاني 1797)، والتي تضمنت تفاصيل هذه الانتصارات ~~الجديدة ما يلي: «في الرابع والعشرين، ألقى العدو جسرا في إنكياري ومرت عليه فرقة حرسه على ~~مسافة فرسخ من بورتولينياغو، وفي الوقت نفسه، أعلمني القائد جوبير، أن جحفلا كثير العدد ~~ينسل من مونتيانا ليحول وجهته إلى الكورونا، فأدركت الخطة التي اتخذها ms042 العدو، ولم أشك في ~~أنه يريد الهجوم على فرقة ريفولي ومن ثم يصل إلى مانتو، فأرسلت في الليل القسم الكبير من ~~فرقة القائد ماخنا، واتجهت بنفسي إلى ريفولي التي بلغتها في الساعة الثانية بعد منتصف ~~الليل. # لم أتردد ساعة وصلت أن أعدت القائد جوبير إلى مركزه الخطير في سان ماركو، وأشرت بتجهيز ~~قمة ريفولي بالمدافع، ونظمت كل شيء، حتى إذا ما جاء الفجر أكون قد أعددت المعدات القاهرة ~~فأمشي بنفسي إلى العدو. # ولما كان الفجر الأول تلاقى جناحنا الأيمن وجناح العدو الأيسر على مرتفعات سان ماركو، ~~وكانت الموقعة في أبعد ما يكون من الهول، على أنه كان قد مر ثلاث ساعات على الموقعة، من غير ~~أن يبرز لنا العدو جميع قواته، بعد ذلك، أبصرنا فرقة من الأعداء، كانت قد اجتازت شاطئ ~~الأديج بعدد كبير من المدافع، تسير على خط مستقيم إلى ريفولي لتستولي عليها، فأشرت إلى قائد ~~الخيالة لوكليرك بأن يهيئ نفسه للهجوم على العدو إذا تمكن من الاستيلاء على مرتفع ريفولي، ~~وأرسلت قائد الكتيبة لازال مع خمسين من الخيالة ليأخذوا العدو من ورائه ويهجموا عليه هجوما ~~شديدا، في الوقت نفسه، كان القائد جوبير قد أنزل من مرتفعات سان ماركو، بعض كتائب كانت ~~تخوض مرتفع ريفولي، أما العدو، الذي كان قد صعد المرتفع وهوجم من جميع أطرافه، فقد ترك ~~عددا غير قليل من الموتى وقسما من المدافع وآوى إلى وادي الأديج، وفي الوقت نفسه، كانت ~~الكتيبة العدوة التي مضى عليها زمن طويل في الزحف إلينا لتقطع علينا خط الرجوع، قد اصطفت ~~للحرب على رزز وراءنا، وأما أنا، فقد كنت احتفظت بالفرقة الخامسة والسبعين التي هجمت على ~~الميسرة وشتتتها بسرعة غريبة، وما هي إلا مدة، حتى قدمت الفرقة الثامنة عشرة، في حين كان ~~القائد قد تمكن من مركز وراء الفرقة العدوة التي حاولت أن تأخذنا، فعاجلت العدو ببعض ~~إطلاقات من مدافع 12 وأشرت بالهجوم، وما هي إلا ربع ساعة أو أقل حتى سقطت تلك الفرقة ~~المؤلفة من نحو أربعة آلاف رجل ms043 أسيرة في قبضة يدي. # صرفنا معظم ذلك الليل باستلام الأسراء من جميع الجهات، كان ألف وخمسمائة رجل يهربون بطريق ~~غاردا، فأوقفهم خمسون رجلا من الفرقة الثامنة عشرة الذين ساعة أبصروهم مشوا إليهم بثقة ~~تامة وأمروهم بإلقاء السلاح. # كان العدو لا يزال مستوليا على الكورونا إلا أنه لم يكن خطرا، وكان علينا أن نسرع ~~بالزحف إلى كتيبة القائد بروفيرا الذي كان قد عبر الأديج في الرابع عشر من الشهر، فأرسلت ~~إليه القائد فيكتور مع الفرقة السابعة والخمسين الباسلة، وأرجعت القائد ماسينا، الذي وصل ~~إلى روفير بللو في الخامس والعشرين مع قسم من فرقته، وعندما رحلت، أشرت إلى القائد جوبير ~~بأن يهاجم العدو في مطلع الصباح، إذا تجاسر هذا على البقاء في كورونا. # كان القائد مورات قد زحف طوال الليل مع فرقة من المدفعية الخفيفة حتى إذا كان الصباح بلغ ~~أعالي مونتيبالدو التي تكتنف الكورونا، أما العدو، فبعد أن قاوم مقاومة شديدة، لم يجد بدا ~~من الاندحار. # لقد أسرنا في موقعتي ريفولي ثلاثة عشر ألف رجل وغنمنا تسعة مدافع.» # وجاء في وصف مواقع سان جورج وأنكيازي وفافوريتا التي شهرت ضد القائد بروفيرا ما يلي: «في ~~موقعة إنكياري الثانية تقدم قائد فرقة الرماحة النمسوية أمام فرقة الخيالة التاسعة وصرخ ~~قائلا: «سلموا»، فأوقف المواطن دو فيفيه فرقته وصرخ في القائد العدو قائلا: «تقدم واقبض ~~علي إذا كنت شجاعا!» # عند هذا توقفت الفرقتان، وانقض القائدان كل منهما على الآخر، فأصيب العدو بضربتي حسام، ~~وتقاتلت الفرقتان، فأسفرت النتيجة عن انكسار فرقة الرماحة وأسرها برمتها ... # في السابع والعشرين، ساعة قبل طلوع النهار، هجم الأعداء على الفافوريتا في حين كان ورمسر ~~يهجم على خطوط المحاصرة من سنت أنطوان، فقيض للقائد فيكتور وهو على رأس الفرقة السابعة ~~والخمسين، أن يقهر كل من كان أمامه، واضطر ورمسر أن يعود إلى مانتو وهو يكاد يخرج منها ~~تاركا ساحة القتال ملأى بجثث القتلة وأسراء الحرب، إذ ذاك أشار سيروريه إلى القائد فيكتور ~~وفرقته السابعة والخمسين، بأن يتقدموا إلى الأمام لكي يحصروا بروفيرا ms044 في ضاحية سان جورج ~~ويضربوا حلقة عليه، كانت صفوف الأعداء في بلبلة وتشويش، فالخيالة والمشاة والمدفعية كانت ~~كلها مختلطة بعضها ببعض، فلم يثن الفرقة السابعة والخمسين حائل، فاستولت من جهة على ثلاثة ~~مدافع، ومن جهة أخرى أنزلت خيالة العدو عن جيادها، في هذا الوقت، طلب القائد المحترم ~~بروفيرا أن يسلم، وكان يثق بكرمنا وظل عند ثقته، فأوليناه التسليم مع شروط سأرسل إليكم ~~تفاصيلها: ستة آلاف أسير بينهم جميع متطوعي فيينا، وعشرون مدفعا، تلك هي ثمرة هذا النهار ~~المشهود.» # إذن فجيش الجمهورية قد ربح في مدة أربعة أيام ثماني مواقع وخمسة وعشرين ألف أسير، بينهم ~~ملازم عام وقائدان ومن اثني عشر إلى خمسة عشر أميرالاي إلخ، وغنم عشرين علما، وستين ~~مدفعا، وقتل أو جرح لا أقل من ستة آلاف رجل. # هذه البلايا العديدة هيأت ورمسر إلى تسليم لا مناص منه، وأفهمته أن حصار مانتو سينتهي ~~أمره كما انتهت جميع مشاريع الجيش الجمهوري. # عندما وضعت مسألة التسليم على بساط البحث أرسل القائد كلينو معاونه الأول إلى القائد ~~سيروريه، الذي كان في روفيربللو، والذي لم يشأ أن يصغي إلى أي طلب كان من غير أن يبلغه إلى ~~القائد العام، فمر في خاطر نابوليون أن يحضر المفاوضة متسترا، فجاء إلى روفيربللو فالتف ~~بمشلحه وجلس يكتب في حين كان كلينو وسيروريه يتناقشان، كان يعين شروطه التي سيقدمها إلى ~~ورمسر، وعندما انتهى منها قال للقائد النمسوي الذي كان ولا ريب قد ظنه كاتبا بسيطا من ~~فرقة الضباط: «لو كان لدى ورمسر مؤنة ثمانية عشر أو عشرين يوما لا غير وفاوض في أمر تسليمه ~~لما كان استحق شرطا واحدا من الشروط المكرمة.» ثم أدى الورقة إلى سيروريه وهو يقول: «هذه ~~هي الشروط التي أمنحه إياها، ستقرأ فيها أنني أهبه حريته الشخصية؛ لأني أحترم شيخوخته ~~ومزاياه؛ ولأني لا أود أن يصبح ضحية أصحاب الدسائس الذين يعملون على إهلاكه في فيينا، فإذا ~~فتح أبوابه غدا تبقى له الشروط التي كتبتها الآن، وإذا تأخر خمسة عشر يوما أو شهرا أو ms045 ~~شهرين تبقى له أيضا الشروط نفسها، إنه يستطيع فيما بعد أن ينتظر حتى آخر قطعة من الخبز، ~~إنني مسافر في الحال لأعبر البو، وزاحف إلى روما، لقد عرفت مقاصدي فاذهب وبلغها إلى ~~قائدك.» # أما كلينو فإنه دهش دهشا عظيما لوجوده في حضرة القائد العام وطفح قلبه إعجابا وجميلا ~~لما سمعه، فصرح أن ورمسر لم يبق لديه إلا مؤنة ثلاثة أيام لا غير، وأما المرشال ورمسر فإنه ~~لم يكن أقل إحساسا من معاونه ساعة تناهى إليه ما حدث في مفاوضة روفيربللو، فأظهر معرفة ~~جميل لنابوليون بأن أطلعه على مؤامرة تسميم كانت تعقد ضده في رومانية. # 9 # بعد ثلاثة أيام من تسليم مانتو اتجه نابوليون إلى إيطاليا مع فرقة من الجنود، ونشر في ~~بولونيا في السادس من شهر شباط عام 1797 نداء نأخذ أوله: «إن الجيش الفرنسي سيدخل إلى أراضي البابا، وسيحمي الدين والشعب. # إن الجندي الفرنسي يحمل بيده حساما هو أكبر ضامن للنصر، ويرفع بالأخرى إلى مختلف ~~المدن والقرى سلاما وحماية وأمانا ... فالويل للذين يحتقرونه أو يخدعهم بعض رجال ~~خبثاء قتلة فيجرون إلى بيوتهم الحرب وأهوالها، وانتقام جيش قيض له في ستة أشهر أن ~~يأسر مائة ألف رجل من أشد كتائب الإمبراطور، ويغنم أربعمائة مدفع، ومائة وعشرة ~~أعلام، ويتلف خمسة جيوش ...» # لم تستطع مقاومة السدة الرسولية أن تكون شديدة، فأسرع بيوس السادس بطلب السلم إلى القائد ~~الجمهوري فمنحه إياه بمعاهدة كتبت في التاسع من شهر شباط وتحت الشروط الآتية: أولا: يتخلى ~~البابا عن جميع مطاليبه من أفينيون والكونتية الفينيسيانية، ثانيا: يتنازل إلى الأبد عن ~~بولونيا وفيرار ورمانية للجمهورية الفرنسية، ثالثا: يتخلى عن جميع الأشياء الفنية التي ~~يطلبها بونابرت، مثل أبولون لبيلفيدار، والتجلي لرافائيل إلخ ... رابعا: يرمم المدرسة ~~الفرنسية في روما ويدفع ضريبة حربية قدرها ثلاثة عشر مليونا إما من فضة وإما من أشياء ~~ثمينة، فأضاف البابا بيوس السادس على هذه الشروط، في الثاني والعشرين من شهر شباط، براءة ~~ممتازة وهب فيها بونابرت لقب «ولدي العزيز». # إلا أن البلايا العديدة التي لحقت ms046 بالجيوش النمسوية، كانت قد أذلت وأحزنت ديوان البلاط ~~النمسوي، من غير أن تقمع حقده على الثورة الفرنسية أو أن توحي إليه أفكارا سلمية، وبالرغم ~~من الوهن الذي ألحقته به الحرب، بقي مصرا على خرق المقدر والهجوم ببقايا جيوشه العديدة ~~على السلطة المنتصرة ، التي كثيرا ما شتتت كتائبه وقضت عليها أيام كانت هذه الكتائب في قمة ~~سطوتها وآمالها، فأرسل الأرشيدوق شارل إلى إيطاليا ليستلم فيها القيادة العامة للكتائب ~~الإمبراطورية ويعالج ترميم نكبات سلفائه. # ظن الأرشيدوق شارل أن بونابرت الذي كان مهتما بمعاقبة البابا لنقضه معاهدة بولونيا صحب ~~معه قسما شديدا من جيشه، فأراد أن يستفيد من هذه الغيبة ليعجل هجومه، وأشار إلى القائد ~~غيو بعبور البرنتا. # 10 # غير أنه انتبه بعد ذلك إلى خطئه؛ إذ إن نابوليون، الذي لم يكن قد صحب معه إلى ~~إيطاليا إلا أربعة أو خمسة آلاف رجل، ظهر على شاطئ البرانتا، وصحب في أوائل آذار جيشه إلى ~~باسانو التي نشر فيها النداء الآتي: # أيها الجنود # إن الاستيلاء على مانتو قد وضع أوزار موقعة أكسبتكم حقوقا خالدة على الوطن ~~العارف الجميل. # لقد انتصرتم في أربع وثمانين موقعة، وأسرتم أكثر من مائة ألف رجل، وغنمتم من ~~الأعداء خمسمائة مدفع وألفي بندقية وأربعة قطر جسور. # إن الضرائب التي فرضت على المدن التي غزوتموها قد أطعمت الجيش طوال الجهاد وصانته ~~ودفعت حسابه، وفوق ذلك فقد أرسلتم ثلاثين مليونا إلى الوزارة المالية لإعانة بيت ~~المال. # لقد زينتم متحف باريس بأكثر من ثلاثمائة رائعة من روائع إيطاليا القديمة والحديثة ~~التي استوفت ثلاثين قرنا لإنتاجها. # لقد فتحتم في وجه الجمهورية أجمل جهات أوروبا، وجمهوريتا لومبارديا وترانسبادانيا ~~مدينتان لكم بتحريرهما، إن الأعلام الفرنسية تخفق للمرة الأولى على شواطئ البحر ~~الأدرياتيكي على بعد أربع وعشرين ساعة من مكدونيا القديمة، وملوك سردينيا ونابولي، ~~والبابا والدوق ده بارم قد انفصلوا جميعهم عن عصبة أعدائنا وسعوا إلى اكتساب ~~صداقتنا، لقد طردتم الإنكليز من ليفورن وجنوا وكورسكا ... ولكن لم تنهوا كل شيء بعد، ~~فأمامكم قدر محفوظ، وعليكم وحدكم يلقي الوطن ms047 أعز آماله، وإنكم لتحققون تلك ~~الآمال. # لم يبق في وجهنا من جميع الأعداء الذين اتحدوا ليخنقوا الجمهورية في مهدها إلا ~~الإمبراطور لا غير، فهذا الأمير ينحط عن مرتبة سلطة عظمى ويستندي أكف تجار ~~لندن، لم يبق له إرادة ولا سياسة إلا سياسة هؤلاء الجزارين الغدارين الذين، وهم ~~غرباء عن مصائب الحرب، يبسمون بغبطة لأوجاع أوروبا. # إن المجلس التنفيذي لم يستبق شيئا ليلقي السلم في أوروبا، وإن مطاليبه المعتدلة ~~لم تشعر بقوة جيوشه، إنه لم يستشر شجاعتكم، بل استشار الإنسانية والرغبة في إرجاعكم ~~إلى بيوتكم، إذن، فلم يبق من أمل في السلم، إلا بالبحث عنه في قلب ممالك البلاط ~~النمسوي الموروث، ستجدون هناك شعبا باسلا نهتكه الحرب الحالية، إن سكان فيينا ~~وممالك النمسا يئنون من غباوة حكومتهم، فليس فيهم واحد لا يدرك أن ذهب إنكلترا قد ~~أفسد وزراء الإمبراطور، ستحترمون دينهم وعاداتهم وتصونون أملاكهم؛ فالحرية هي التي ~~تحملونها إلى الأمة الهونغرية الباسلة. # إن البيت النمسوي، الذي مر عليه ثلاثة قرون وهو يفقد في كل حرب قسما من سلطته، ~~والذي يغضب شعوبه بتجريدهم من امتيازاتهم، سيرى في نهاية هذه الحملة السادسة، ~~مضطرا على قبول السلم الذي نهبه إياه، وعلى الهبوط إلى مصاف السلطات الثانوية حيث ~~سبق لها أن استوت بوضع نفسها تحت رهون إنكلترا ومقاصدها. # تعب نابوليون من قهره الإمبراطور في إيطاليا من غير أن يتمكن من دفعه إلى التداول، فعزم ~~أن يحمل الحرب إلى النمسا نفسها لاعتقاده أن رؤية العلم المثلث الألوان تحت أسوار فيينا ~~يؤثر على ديوان المهردارية النمسوية تأثيرا أشد وأعمق من التأثير الذي أحدثته النكبات ~~العديدة التي حلت ببوليو، وبروفيرا، ودالفانزي، وورمسر، وكانت خطته أن يدخل إلى ألمانيا ~~بطريق الكارنثي، # 11 # ويوطد له مركزا في الستيميرنك. # 12 # فأشار إلى ماسينا بأن يشغل مضايق أوزوبو ويونتيبا، أما ماسينا فبعد أن عبر ~~البيافا والتاكليمانتو في الجبال، قاتل الأمير شارل في العاشر من شهر آذار سنة 1797، وطارده ~~حتى استولى على الفيلترا والكادرور وبيللون وأخذ عددا كبيرا من الأسراء بينهم مهاجر فرنسي ms048 ~~هو القائد ده لوزينيان الذي كان قد أهان مواطنيه المرضى في مستشفيات بريسيا في عهد تظاهر ~~الجيش الجمهوري بالتقهقهر، في السادس عشر من الشهر، وقعت معركة تاكليمانتو فأفقدت الأرشيدوق ~~تلك الآمال الجميلة التي كان قد حملها إلى إيطاليا. # عندما قهر الأمير شارل وطن النية على الرجوع، ولم يقيض له ذلك إلا بعد أن قاسى انكسارات ~~يومية في معارك لافي، وترامين، وكلوزين، وتارفي، وكراديسا، وفيللاك، وبالمانوفا إلخ ~~... # وفي الواحد والثلاثين كان نابوليون في الكلاجنفور عاصمة الكارنثي، عندما دخل إلى هذه ~~المقاطعة، وجه نداء إلى الأهلين يدعوهم فيه إلى اعتبار الفرنسيين كمنقذين لا كأعداء، قال: ~~«إن الشعب الفرنسي إنما هو صديق الشعوب كلها وخاصة شعوب جرمانيا البسلاء ... إنني إنما لا ~~أجهل أنكم تمقتون الإنكليز بقدر ما نمقتهم، فهم الذين يستميلون وحدهم وزارتكم التي بيعت ~~لهم.» # كان نابوليون، في وسط هذه الانتصارات، يراقب عدوا سريا يرقب فرصة سانحة للانفجار: كان ~~هذا العدو مشيخة البندقية، فهذا الحزب الأريستوقراطي المخلص لحزب الملوك ضد الثورة ~~الفرنسية، كان يهيج القتل ويحث عليه في إيطاليا العليا وأراضي البندقية ضد الجيش الجمهوري، ~~فكتب بونابرت إلى رئيس مشيخة البندقية ما يلي: ~~«إن جمهورية البندقية لتحت السلاح، وإن صراخ الفلاحين المتحدين الذين سلحتموهم ~~يرتفع من جميع الجهات بهاتين الكلمتين «الموت للفرنسيين»، وقد سقطت مئات عديدة من ~~جنود جيش إيطاليا ضحية هؤلاء، إنكم تنكرون عبثا جموعا نظمتموها، أو تعتقدون أن ~~وجودي في قلب ألمانيا يعجزني عن جعل أول شعب في العالم محترما ومكرما؟ أتعتقدون ~~أن جوقات إيطاليا تتحمل المذبحة التي تهيجونها؟ ألا إن دم إخوتي الجنود ليؤخذ ثأره، ~~فليس في العسكر الفرنسي من إذا عهد إليه بمثل هذه الخدمة النبيلة لا يشعر بقوته ~~وشجاعته تتضاعفان وتثوران، لقد أجابت مشيخة البندقية بأفظع ما في نكران الجميل على ~~المعاملات الكريمة التي كثيرا ما عاملناها بها، إنني مرسل إليكم رسالتي هذه مع ~~معاوني الأول، فالحرب أو الصلح، وإذا لم تعجلوا في تدبير الوسائل لتبديد الجموع، ~~وإذا لم توقفوا مسببي القتل الذي حدث وتدفعوهم إلي شهرت ms049 الحرب، إن الأتراك ليسوا ~~على حدودكم، وما من عدو يهددكم، فلقد تعمدتم خلق حجج لتنظموا جمعا توجهونه ضد ~~الجيش، ولكنه سينحل في أربع وعشرين ساعة، إننا لسنا اليوم في عهد شارل الثامن، ~~أما إذا اضطررتموني على شهر الحرب، بالرغم من أمنية الحكومة الفرنسية الصريحة، فلا ~~يخالجكم إذ ذاك أن الجنود الفرنسيين سينهجون نهج الجنود الذين سلحتموهم فيدمرون ~~سهول شعب إيطاليا البريء التعس، بل إنني لأحميه، وسيأتي يوم يبارك فيه حتى الجرائم ~~التي أجبرت الجيش الفرنسي أن ينفصل عن حكومتكم الطاغية.» # في السابع من شهر نيسان عقدت هدنة في جودنبرج، إن الأمير شارل عندما رأى نفسه غير قادر ~~على إدارة الحملة، وعندما رأى أن مضايق نومارك ومركز هوندمارك يشغلها ماسينا، بدأ يفهم أن ~~صلابة الديوان النمسوي الملكية لم تبق في أوانها، أما نابوليون، الذي كان قد اعتمد على ~~مساعدة جيش سامبري-موز ثم علم أن هذا الجيش لم يتحرك ولن يتحرك؛ فإنه لم يكن ليجرؤ على ~~مجاوزة سيميرنك خشية أن يتقيد وحده، من غير عضد، في داخل ألمانيا، وعندما استلم تبليغ مجلس ~~الشعب، الذي أعلمه رسميا أن جيشي الرين وسامبري-موز لا يقومان بالعمل الذي أشعر بأهميته ~~وضرورته، خف للكتابة إلى الأرشيدوق ليعرض له اقتسام المجد بتسكين أوروبا وإيقاف التضحيات ~~العديدة التي تكلفها الحرب للنمسا وفرنسا، قال: «إن الجنود البسلاء يشهرون الحرب ويرغبون في ~~السلام، أما هرقنا كثيرا من دم الناس وسببنا كثيرا من الأوجاع للإنسانية الحزينة؟ ... وأنت، ~~أنت الذي اقترب من العرش منذ ولادته، والذي يقوم فوق صغائر الشهوات التي تنعش الوزراء ~~والحكومات، أتراك عازما على أن تستحق لقب المحسن إلى الإنسانية جمعاء ومنقذ ألمانيا ~~الحقيقي؟ ... أما أنا، يا حضرة القائد العام، فإذا قدر لهذه الفاتحة التي أرفعها إليك الآن أن ~~تنقذ حياة رجل واحد، أجد نفسي أكثر فخرا بهذا الإكليل الشريف الذي أكون قد استحققته من ~~المجد المحزن الذي يكتسب بالانتصارات العسكرية.» # هذه الطوية الساكنة التي تضمنتها الرسالة، لم تلبث أن انتشرت في فيينا، فهدأت بعض التهدئة ~~الكآبة التي أشاعها دنو ms050 العلم الجمهوري، فأسرع الإمبراطور بإرسال السفير النابوليتاني كاللو ~~إلى بونابرت، وكانت هدنة جودنبرج نتيجة هذا العمل. # استفاد نابوليون من خلو البال الذي قيضته له الهدنة ليتشكى إلى مجلس الشعب من نوع «السلاح ~~الذراعي» الذي قدر للجيوش الألمانية أن تعتمد عليه، في حين كان هو يقاتل ضد القوات النمسوية ~~جميعها بوسائل ضعيفة جدا. # أما الماضي فلم يكن ليحزنه كثيرا، فكان يهتم بالمستقبل ويطلب مساعدة مورو # 13 # ليحصل على شروط حسنة في مفاوضة الصلح، أو على نصيب كبير من الفوز إذا عادت ~~الحرب، قال لمجلس الشعب: «ما من شيء يقف بنا من الدخول في الموقعة إذا شئنا ذلك، ومنذ بدأ ~~التاريخ يرسم لنا أعمالا عسكرية لم يقف نهر حاجزا حقيقيا في وجهنا، إذا شاء مورو أن ~~يعبر الرين فإنه يعبره، وإذا كان قد عبره فإننا سنصبح في موقف يتيح لنا أن ننص شروط الصلح ~~بصورة فخورة، ولكن من يخشى فقدان المجد يفقده، لقد عبرت الألب جوليين # 14 # والألب نوريك # 15 # فوق ثلاث أقدام من الجليد إلخ، ولو لم أشاهد أمامي إلا اطمئنان الجيش ومصلحتي ~~الخصوصية لكنت وقفت بعيدا عن الأيزونزو، لقد هجمت على ألمانيا لأعتق جيوش الرين وأمنع ~~العدو عن التعرض لنا هناك، أنا الآن على أبواب فيينا، فيجب ألا يكون في عروق جيوش الرين دم: ~~إنها إذا تركتني وحدي لا أتردد عن العودة إلى إيطاليا، وستحكم أوروبا جمعاء في تصرف الجيشين ~~المتباين.» # في السادس والعشرين من جرمينال (نيسان 1795) فتحت المداولات في ليوبن، ووقت فيها فواتح ~~الصلح في التاسع والعشرين، قال نابوليون للمفوضين النمسويين: «إن حكومتكم قد أرسلت ضدي ~~أربعة جيوش من غير قواد، وهذه المرة قائدا من غير جيش»، وعندما بين له هؤلاء المفوضون في ~~رأس المعاهدة المرسومة أن الإمبراطور كان يعترف بالجمهورية الفرنسية صرخ بشدة قائلا: «إن ~~وجود الجمهورية لأوضح من نور الشمس، فبند كهذا لا يجوز إلا على العميان.» # كان وقت التفكر في شأن البندقية قد حان، أسرعت هذه الجمهورية إلى أمام الخطر الذي كان ~~يهددها؛ إذ إن أشرافها ms051 المتحدين مع النمسا التي كانت تنتظر تحت ظل اتفاقية ليوبن أن يسرع ~~إلى نجدتها بعض القتلة الجبناء وينقذوها من قاهر قيض له أن ينتصر بشجاعة جنوده القدماء، ~~قلنا إن هؤلاء الأشراف، المتحدين مع إكليروس إيطاليا أشاعوا عاطفة الهيجان في شعوب نواحي ~~الأدرياتيك الجهلاء، وذبحوا عددا كبيرا من الفرنسيين في فيرون، في وسط أعياد الفصح، كان ~~رجال الدين، وقد نسوا مهمة السلام والمحبة التي نذورا لها، يعظون بغضب قائلين: إنه من ~~المسوغ، لا بل من الحق أن يقتل الجاكوبيون. # أسرع نابوليون حالا ليوقف الهيجان والمذبحة في فيرون، ويثأر من الإكليروس الظالمين، في ~~مساء ذلك الهيجان قال بونابرت لرفيقه القديم بوريتي، الذي كان قد جعله كاتم أسراره الخاص، ~~والذي كان أوشك أن يقتل تحت الخناجر وهو قادم إليه: «كن مطمئنا، فهؤلاء الملاعين سيدفعون ~~ثمن فعلتهم غاليا»، بعد أيام قلائل كتب إلى مجلس الشعب يقول: «إن العمل الوحيد هو أن تمحق ~~هذه الحكومة الدموية المتوحشة، وأن يمحى الاسم البندقي من سطح الكرة.» # حاول رجال حكومة بريسيا وبرغام وكريمون عبثا أن يصنفوا صور دعاويهم التي انطوت على أن ~~الفرنسيين هم الذين هيجوا التعديات التي ذهبوا ضحاياها، وقد رفع بونابرت تكذيبا علنيا في ~~منشور كان حكم الإعدام على الأريستوقراطية البندقية، وتضمن ختامه هذه المطاليب الآتية: ~~«إن القائد العام يأمر جميع وكلاء الجمهورية البندقية في لومباردية أن يخلوها في ~~مدة أربع وعشرين ساعة، ويأمر جميع قواد الفرق أن يعاملوا كتائب الجمهورية البندقية ~~معاملة أعداء، ويحطموا أسد سن مارك في جميع المدن.» # نفذ هذا الأمر تنفيذا مطلقا، فاستولى الخوف والقلق على مجلس البندقية الأعلى فاستعفى ~~من الحكم، وأرجع الرئاسة إلى الشعب الذي عهد بتدريب السلطة إلى مجلس بلدي، وفي السادس من ~~شهر أيار غرس العلم المثلث الألوان في ساحة سن مارك بيد القائد باراغاي ديلليه، وسرت ~~الثورة الديموقراطية الصرفة في جميع الممالك البندقية، ولقد عهد إلى داندولو، وهو محام في ~~البندقية نزل من نفس بونابرت منزلة سامية، بإدارة هذه الحركة، وأما أسد سن مارك وجياد ~~كورنثيا التي ms052 زينت قوس نصر ساحة كاروزيل فقد نقلت جميعها إلى باريس. # بينما كانت المداولات تتتالى بين فرنسا والنمسا تناهى إلى نابوليون أن هوش # 16 # ومورو قد عبرا الرين، ومنذ أيام قلائل كان مجلس الشعب قد أعلمه أن هذا العبور ~~لن يقع، وعندما كان رفض هذه المساعدة العظيمة قد بته وحده على إيقاف تيار العداوات والوقوف ~~على أبواب فيينا، كان يرى نفسه محكوما عليه أن يشهد، وهو مقيد بهدنة وحسامه في قرابه، تلك ~~الحركات العسكرية التي كان طلبها وتمناها طوال شهرين من غير جدوى، يوم كانت تستطيع أن ~~تساعده على رفع العلم الجمهوري فوق عاصمة النمسا. # من الواضح أن فوز نابوليون السريع كان يقلق مجلس الشعب؛ إذ إنه شعر بالإمبراطور في قاهر ~~إيطاليا، ولقد اعترف هو نفسه في سنت هيلين، أنه منذ موقعة لودي، صور له أنه يستطيع أن يكون ~~ممثلا جازما على المسرح السياسي. قال: «عندئذ ولدت في نفسي أول شرارة من شرارات الطمع ~~السامي.» # أما المديرون الذين بصروا بتلك الشرارة، والذين كانوا يخشون أن تحرق البناء الجمهوري ~~الذي يشغلون قمته، فقد عاكسوا انتشارها ونموها بما أوتوه من الحسد الشخصي والفطرة ~~الديموقراطية، لقد كانوا ينظروا بألم إلى أن عرفان الجميل العمومي وإعجاب أوروبا جمعاء ~~سيؤديان إلى انضمامهم تحت سيطرة رجل واحد، ولم يكونوا ليرغبوا في إعطاء هذا الرجل الوسائل ~~لتطفيح كيل هواه بدخوله إلى فيينا دخول المنتصر على رأس جيوش الجمهورية جميعها، وأما ~~نابوليون فقد حذر كل ذلك منهم كما حذروا هم منه، وأظهر استياءه من هذا التصرف في جميع ~~رسائله ومطارحاته، إلا أن مجلس الشعب استطاع قدر إمكانه أن يكتم الأسباب الحقيقية التي ~~دفعته إلى هذا التصرف، ما جعل الجنرال بونابرت، قائد جيش الداخلية بعد فنديميير، أن يرسم ~~ويترك في خزانة أوراق الحرب خطة حملة تحدد نهاية المشاحنات على قمة سيميرنك، هكذا كان قد ~~وضع بنفسه ذلك الحاجز الذي يضطرم اليوم لقطعه، إلا أن قاهر الأمير شارل وجب أن يكون ذا ~~أفكار ونظرات أرحب وأسمى من أفكار قاهر الباريسيين ونظراته. ms053 # كان بونابرت في إحدى جزر تاكليامانتو عندما انتهى إليه أن مورو قد عبر الرين، # 17 # في ذلك الوقت كانت المداولات تمتد ببطء، فاستفاد القائد العام من الفراغ الذي ~~تركته له الهدنة ليزور لومباردية وممالك البندقية وينظم حكومة فيها، كان يحتاج إلى رجال ~~للقيام بهذا العمل، فبحث عنهم طويلا من غير فائدة، قال: «لله، كم أن الرجال قليلون! ففي ~~إيطاليا ثمانمائة مليون من الرجال لم أقع منهم إلا على اثنين: داندولو، وملزي.» # تعب نابوليون في نهاية الأمر من القيود التي كبل بها زعماء الجمهورية تنفيذ خططه وسئم بطء ~~مداولي النمسا، فقال: إنه سيستعفي من قيادة جيش إيطاليا ويأخذ لنفسه بعض الراحة التي زعم ~~أنه بحاجة إليها، لم يكن ذلك سوى تهديد هو بعيد الرغبة عن تحقيقه، كان يعرف كل المعرفة أنه ~~لا يمكنهم الاستغناء عنه بعد الخدم التي أداها، والمواهب العظمى التي أبرزها وبرهن عنها، ~~واستمالة قلوب الشعب التي كسبها، وكان خبر استعفائه ينبئه بحادث سياسي خطير يعرض للخطر ~~الحكومة التي دعت إليه بظلمها وقبلته بفطرة نكران الجميل والحسد. # إلا أن هذا التهديد لم يكن إلا تهديدا كاذبا، فاكتفى نابوليون بالتظلم والشكوى واسترجع ~~موقفه الفخور وصوته العالي في مراسلاته الرسمية، وبعد أن صرح أن المداولات مع الإمبراطور ~~إنما أصبحت عملا عسكريا، تظاهر بأنه قد تشبع من المجد ليؤكد للمعجبين به، لمزاحميه ~~ولأعدائه، أن مصالح فرنسا لا مصالحه الخصوصية كانت المحرك الوحيد للنشاط العظيم الذي أبداه، ~~قال في إحدى رسائله: «لقد وثبت على فيينا بعد أن ربحت من المجد فوق ما تقتضيه شروط السعادة، ~~وبعد أن تركت ورائي سهول إيطاليا الجميلة، وأطعمت الجيش الذي عجزت الجمهورية عن ~~إطعامه.» # قيض لمجلس الشعب، فوق ذلك، أن يعضده هيجان السياسية الداخلية في وسط حسده ومخاوفه، ~~كانت الرجعة الترميدورية قد أنعشت الملكية التي أنهضتها الانتخابات من سقوطها في فندميير، ~~وكان من الأمر الطبيعي أن يهاب الحزب المعاكس الثورة تفوق القائد الذي كان قد أنقذ ~~الجمهورية بخمسين فوزا، والذي كان مجده وشهرته ووجوده متصلة جميعها بإنقاذ الثورة ms054 ورقتها، ~~أما خطباء هذه الحرب وكتبته فقد استفادوا من حرية المنبر والصحافة، تلك الحرية اللاحد ~~لها، لكي يذيعوا كل نوع من أنواع الضجيج ويشيعوا الظنون المعيبة عن خلق نابوليون ومقاصده، ~~وأما مجلس الشعب فقد فسح لهم في كل ذلك، وأخذوا يكتبون في الجرائد والرسالات ويخطبون في ~~المجالس والمجتمعات أن حكومة البندقية إنما هي ضحية خداع القائد الفرنسي ومهيجاته السرية، ~~وأن جميع تلك المذابح لم تكن سوى حوادث مستدركة هيأها الجيش الجمهوري بغدر ومخاتلة. # بلغ نابوليون جميع تلك الحملات والمقاصد الرديئة فكتب إلى مجلس الشعب يقول: «كان يحق ~~لي، بعد أن عقدت الصلح خمس مرات وضربت الحزب ضربة قاضية، أن أعيش هادئا مطمئنا، هذا إذا ~~لم يكن لي حق في الانتصارات الوطنية ومساعدة حكام الجمهورية الأولين، واليوم أراني محفوفا ~~بالوشايات من جميع أقطاري، مضطهدا، مهتوك الحرمة، تعزى إلي جميع المعائب التي في وسع ~~السياسة أن تتهم بها من ترغب في اضطهاده ... # ماذا! ألم يعمل الخائنون فينا القتل؟ ألم يمت منا أكثر من أربعمائة رجل؟ إنني إنما أعرف ~~أن هناك جمعيات يصرخون فيها: هل هو طاهر نقي هذا الدم؟ ... لو كان هذا الصراخ صادرا من أفواه ~~رجال جبناء ماتت في صدورهم عاطفة المجد والوطنية لما اكترثت قط، ولما حدثتني النفس يوما ~~بالتشكي، إلا أني أجدني جديرا بالتظلم من المهانة التي يلطخ بها حكام الجمهورية الأولون ~~هؤلاء الذين رفعوا عاليا مجد الاسم الفرنسي. # إنني أكرر عليكم، أيها المديرون الوطنيون، طلب استعفائي، فأنا بحاجة إلى الحياة الهادئة ~~إذا تركت لي خناجر كليشي # 18 # سبيلا للحياة. لقد عهدتم إلي بمداولات، ولكن لا أجدني قادرا على ~~ذلك.» # كان نابوليون قبل مدة كتب إلى كارنو يقول: «لقد استلمت كتابك، يا عزيزي المدير، في ساحة ~~قتال ريفولي، إنني لا أجهل ما يتشدقون عني، فكل يعزو إلي ما يسنح له في خاطره، ولكني ~~أعتقد أنك تعرفني حق المعرفة، فلا يخطر لك أن باستطاعة أحد كائنا من كان أن يؤثر علي، إن ~~من الرجال من يستشعر الحقد لحاجة، ومنهم من ms055 إذا عجز عن قلب الجمهورية يجد عزاء في بذر ~~الفتن والشقاق في جميع الجهات التي في وسعه أن يبذرها فيها، أما أنا، فمهما قالوا لن يؤثر ~~بي؛ إذ يكفيني احترام عدد صغير من الرجال أشباهك، من رفاقي المخلصين والجنود البسلاء، ولا ~~سيما عاطفة ضميري ورقي وطني.» # ثم أخذ على نفسه أن يرد على افتراءات الحزب الكليشياني، ونشر في الجيش كلمة باسم مستعار ~~تدحض جميع مزاعم الملكيين الكاذبة وتؤيد الحقيقة من جميع أقطارها. # قلنا: إن طلب استعفائه لم يكن طلبا صادقا، أما ذلك التواضع الذي دفعه إلى التصريح بعدم ~~استعداده للمداولات فنستطيع أن نحكم على قيمته من النبذة الآتية التي تتعلق بمداولات كامبو-فورميو، # 19 # والتي ذكرها هو نفسه في القديسة هيلانة، قال: «كان السيد ده كوبنتزل # 20 # رجل المملكة النمسوية، روح مقاصدها ومدير مداولاتها، وكان قد شغل أولى سفارات ~~أوروبا ووطد له مقاما قريبا من كاترين # 21 # التي استمال انعطافها الخصوصي، إن فخره بمقامه الرفيع وأهميته العظمى إنما كان ~~يصور له أنه إذا أقدم على سحق قائد خرج من صفوف الثورة عالج أمرا لا شك في تحقيقه، ودنا من ~~القائد الفرنسي بنوع من الطيش، إلا أن هيئة هذا وكلماته الأولى التي تلفظ بها كانت كافية ~~لأن تعيده إلى مكانه الذي لم يخرج منه بعد ذلك.» # وقد زاد السيد ده لاس كاز # 22 # على ذلك بقوله: إن المفاوضات فترت كثيرا في بادئ الأمر؛ لأن السيد ده كوبنتزل، ~~حسب عادة الديوان النمسوي، أظهر مهارة فائقة بإطالة الأمور إطالة بعيدة، أما القائد ~~الفرنسي فقد عزم على إنهاء الأمر إنهاء باتا، فرفض ذلك منه، فنهض عقب ذلك بنوع من الغضب ~~وصرخ بشدة قائلا: «إنكم تريدون الحرب؟ فليكن ما تريدون!» ثم تناول قطعة من الصيني الجميل، ~~كان السيد ده كوبنتزل يقول عنها مرارا بشيء من عرفان الجميل: إنها هدية من كاترين، ورماها ~~بكل قواه على الحضيض، فتحطمت تحطيما وصرخ قائلا: «انظروا! هكذا ستصبح مملكتكم النمسوية ~~بعد ثلاثة أشهر! إنني لأعدكم بذلك وعدا!» بعد ذلك وثب إلى ms056 خارج القاعة بسرعة عظيمة، أما ~~السيد ده كوبنتزل فقد لبث متحجرا في مكانه من شدة الذهول، ولكن السيد ده كاللو، معاونه، ~~والذي كان أكثر تساهلا منه، رافق القائد الفرنسي حتى مركبته وهو يحاول أن يبقيه، قال ~~نابوليون: «كان يرفع قبعته مرارا عديدة، حتى إن هيئته البشعة جعلتني، بالرغم من غضبي ~~المنتشر على وجهي، أضحك في نفسي ضحكا شديدا.» # هذا النوع من المداولة، الذي يثبت ما قاله نابوليون عن قلة استعداده في فن المداولة، حال ~~دون بلوغه النتيجة التي كان وعد نفسه بها، إلا أن الفظاظة في مثل هذه الظروف إنما هي حذاقة ~~ومهارة، كان يجب أن يوضع حدا لذلك البطء والتردد الغدار اللذين كان الديوان النمسوي ~~يستشعرهما في مواقفه، ثم إن الحدة التي أبداها بونابرت في سحقه هدية الملكة كاترين، خدمت ~~مصالح فرنسا أكثر مما تستطيعه حيلة رجل من رجال البلاط. # بينما كان نابوليون يعاني في إيطاليا بسبب بطاءة المداولات، والبطالة التي رسمها له مجلس ~~الشعب، والإهانات التي كانت أحزاب الداخلية تصوبها إليه من جميع جهات أوروبا على يد ~~المهاجرين والمراسلين المأجورين، كان مجلس الشعب مهددا بأكثرية المجلسين الملكية، وكان ~~الثامن عشر من فروكتيدور # 23 # على الأبواب. # كان على جيش إيطاليا الذي انتصر في مواقع عديدة تحت ظل العلم الجمهوري والقائد العظيم ~~الذي قاده من نصر إلى نصر، كان عليه أن يوقظ انتباه الفئتين، مخاوف الأولى وآمال الأخرى، ~~أما نابوليون، الذي اضطهد وافتري عليه قبل هنيهة، وجد نفسه مطلوبا ومملقا من جميع ~~الجهات، حتى إن ترونسون ديكودراي، أحد خطباء الأكثرية الملكية، لم يخش أن يلقب رامي قنابل ~~13 فنديميير بلقب «بطل» قائلا: «إنه تفرد بالذكاء في المداولة بعد أن ضاهى في ثمانية أشهر ~~أعظم الرجال في الفن العسكري.» # إلا أن هذا المديح، الصادر من رجل حاذق ذي غرض، لم يكن ليحجب الحقد الذي يغذيه حزبه في ~~جرائده ومنتدياته ضد القائد العام لجيش إيطاليا، وكان أوبري، عدو بونابرت القديم، أحد مديري ~~مجتمع كليشي، فأخذ يطلب بصراخ مرتفع عزل نابوليون وإيقافه، وقد ms057 عضده في ذلك بعض الخطباء ~~والساخطين، كان نابوليون يحتقر مجلس الشعب الذي لم يكن يحترم فيه سوى رجل واحد وقف على ~~خدمه الصادقة ومقدرته الصحيحة، وهذا الرجل هو كارنو الذي انفصل عن أكثرية مجلس الشعب بعد ~~أن خالجته شكوك فيه. # كان نابوليون قد عزم على الزحف إلى باريس مارا من ليون على رأس خمسة وعشرين ألف رجل، ~~ولكان حقق هذا العزم لو بقي الفوز حليفا للكليشيين في العاصمة، والذي دفعه إلى وضع سيفه ~~العظيم إلى جهة المديرين ضد أكثرية الأحزاب الملكية هو اكتشاف خيانة بيشاغري الذي كان يدير ~~تلك الأكثرية، والذي كشفت مؤامراته المجرمة مع الخارج في أوراق الكونت دانتريك، وهو ملكي ~~ذو دسائس هائلة قبض عليه في ممالك البندقية ثم أخلي سبيله في ميلان فهرب إلى سويسرا حيث نشر ~~رسالة فضاحة بحق نابوليون. # قال نابوليون لجنوده ساعة غضب على الحزب الخارجي: «ليست طريق باريس أكثر عقبات من طريق ~~فيينا، فستنفتح لنا على يد الجمهوريين الذين لا يزالون أمناء على الحرية، عندما أتيح لنا ~~النصر على أبواب فيينا، كان بعض الرجال الغادرين المشبعين بالجرائم يأتمرون علينا في ~~باريس! # اضطربوا أيها الذين حقروا نصراء الجمهورية وتوعدوهم بالموت! فمن الأديج، إلى الرين، إلى ~~السين خطوة واحدة، فاضطربوا! إن مظالمكم لعديدة وثمنها في أطراف حرابنا!» # أما الدراهم التي طلبها باراس على يد كاتم أسراره بوتو فقد وعده نابوليون بإرسالها إلا ~~أنه لم يدفعها قط، وبعث معاونه لافاليت إلى باريس لما عهد فيه من الحمية والذكاء للوقوف على ~~كل ما يجري هناك وفوق ذلك للعمل بحسب ما تقتضيه الظروف. # إن علاقة نابوليون بدوزه # 24 # تبتدئ من هذا العهد، كان دوزه، وهو موظف في جيش الرين، يشاهد من بعيد، وبإعجاب ~~عظيم، تلك الانتصارات التي ربحها قائد جيش إيطاليا العام، فاغتنم فرصة الهدنة التي عقدت في ~~ليوبن ليحضر فيشاهد القائد الكبير عن كثب، لم يطل الأمر حتى تعارف ذانك الرجلان وأحب كل ~~منهما الآخر حبا شديدا، فبينما كانا يتحدثان أراد نابوليون أن يفضي إلى صديقه الجديد ms058 بسر ~~خيانة بيشاغري، فقال له دوزه: ... ولكنا عرفنا ذلك ونحن على شاطئ الرين منذ ثلاثة أشهر ونيف؛ ~~إذ إن إحدى العجلات التي أخذت من القائد كلنكلن سلمتنا المراسلات التي كانت بين بيشاغري ~~وأعداء الجمهورية. # فقال نابوليون: ألم يفض مورو بشيء من ذلك إلى مجلس الشعب؟ ~~- لا. ~~- إنها لجريمة إذن! فالسكوت مشاركة في الذنب عندما يكون الأمر متعلقا بسقوط ~~الوطن. # وبعد الثامن عشر من فروكتيدور، عندما صدر أمر بنفي بيشاغري، رفع مورو شكواه عليه وألحق ~~به عارا فظيعا، فقال نابوليون: «إنه لقد خان الوطن بالتردد في رفع شكواه حتى الآن، وأرهق ~~تعسا برفعها بعد حين.» # لا تسل عن الفرح الذي ملك نابوليون عندما تناهى إليه خبر انكسار الكليشيين ونفيهم، الذي ~~أرسله إليه أوجرو في هذه الكلمات: «وأخيرا، يا قائدي، لقد انتهت خدمتي وتمت وعود جيش ~~إيطاليا في هذه الليلة.» # إلا أن مجلس الشعب، عندما رأى نفسه قد تملص من الملكيين، رجع إلى حسده السري الجاحد الذي ~~كان من قبل، وبالرغم من معرفته فكرة القائد فيما يتعلق ب 18 فروكتيدور، بعد أن استلم جميع ~~البرقيات التي كانت تطالب بقلب الحكومة مطالبة شديدة جدا، لم يجد بدا من أن يذيع في ~~باريس ومنها في الجيش أن رأي بونابرت رأي مريب، ولكي يثقل الريبة هذه، عهد إلى أوجرو بأن ~~يحمل هو نفسه إلى جميع قواد الفرق، النشرة التي كان على القائد العام وحده أن يرسلها إليهم، ~~أما نابوليون فعندما بلغه ذلك، أسرع بإبداء استيائه من هذا التصرف المشين، فكتب إلى مجلس ~~الشعب يقول: «لا شك في أن الحكومة قد نهجت معي كما نهجت مع بيشاغري بعد فنديميير عام 4، ~~فأرجو منكم أن تنيبوا أحدا عني وتمنحوني استعفائي، إنه ما من سلطة على الأرض سيتاح لها أن ~~تبقيني في الخدمة، بعد نكران الجميل الذي أبدته الحكومة نحوي، ذلك النكران الشائن الذين لم ~~أكن لأتوقعه قط، إن صحتي المثقلة تتطلب راحة وسكونا، ثم إن حالة نفسي لفي حاجة إلى أن ~~تمتزج بكتلة الوطنيين، فمنذ زمن طويل وفي ms059 يدي سلطة عظمى استخدمتها في جميع المواقف حبا ~~بالوطن وفي سبيله، ألا إن الحيف لواقع على الذين لم ينزلوا عند الفضيلة في شيء، وعلى الذين ~~قد يتاح لهم أن يشتبهوا في فضيلتي! أما جزائي فهو في ضميري وفي آراء الأجيال ...» # أما مجلس الشعب الذي كان يشعر بأنه لا يقوى على مقاومة نابوليون مقاومة مستقيمة فإنه بقي ~~متسترا في خداعه، وأرسل بعض الإيضاحات إليه ليسكن موجدته قال فيها: «حذار من المؤامرات ~~الملكية أن تحاول رمي السأم والمقت في نفسك، في حين أنها قد تكون مزمعة على تسميم هوش، ~~مخافة أن يسلخ المقت والسأم مساعي نبوغك من الوطن.» # وأما نابوليون، الذي لم يكن في الحقيقة متضجرا من القيادة العامة، فقد تظاهر بقبول تلك ~~الإيضاحات الخداعة، وأخذ يتراسل وأعضاء مجلس الشعب ووزراءه فيما يتعلق بأغراض الحرب، وشروط ~~الصلح، وأهم مسائل السياسة العامة، كتب إلى فرنسوا ده نوشاتو يقول: «إن مستقبل أوروبا إنما ~~هو في الوحدة والحكمة وقوة الحكومة، فحكم من المجلس التنفيذي يهدم العروش، إذن فيجب أن ~~تعملوا على جعل بعض الكتبة المستأجرين وبعض الطماع المتعصبين الذين يتسترون تحت أقنعة ~~مختلفة يكفون عن إغراقنا بعد في سيول الثورة.» # في ذلك العهد بدأ تاليران، # 25 # وهو الرجل العظيم الذي امتدت شهرته منذ سقوط جميع القوانين التي دفعت فرنسا من ~~رجعة إلى رجعة موقفها الحالي، بدأ تاليران في ذلك العهد يحاول فتح علاقات متتابعة مع ~~بونابرت، فكتب إليه رسائل عديدة تتعلق ب 18 فروكتيدور، تكلم فيها بكل ما في رجل الثورة ~~المضطرم من الحمية والشدة. # إنه لمن الغرابة أن يرى تاليران، الذي عاون بقوة عظيمة على إصعاد البوربونيين إلى العرش، ~~والذي كانت ميوله الأخيرة جانحة نحو السلالة الأورليانية، إنه لمن الغرابة أن يرى معلنا ~~لإمبراطوره المزمع، للصنم الذي رفع إليه البخور ثم حطمه: «إن موتا سريعا قد لفظ ضد أي ~~رجل يفكر في إرجاع الملكية، أو شرائع الأورليانيين!» # تلقى نابوليون هذه المقدمات، من رئيس الحزب الذي كان فيما مضى يلقب بحزب الشارعين، أجل ~~تلقاه كرجل ms060 يسعى إلى إعطاء طماعيته الكبرى دعائم مكينة ويعد لها معدات قوية، كان يشعر بأن ~~ساعته لم تأت بعد، إلا أنها ستأتي، وكان يسعى في جذب الرجال إليه ليحركهم، كما يرغب، عندما ~~تقتضي الظروف ذلك. # إن من يفكر في الفوضى التي كانت مالكة في فرنسا قبل 18 فروكتيدور وبعده، وفي ملاحظات ~~أمناء السلطة وفساد البعض وسخافة البعض الآخر، يصبح من المسوغ له أن يعتقد أن نابوليون إنما ~~كان كثير التحفظ أو كثير المخاوف، وأنه لم يكن ليثق كل الثقة بتأثير اسمه وبملل الأحزاب، ~~عندما تراجع في وجه الانقلاب في الحكومة الذي كان يتأمله ويفكر فيه، والذي نفذه فيما بعد ~~بنجاح عظيم، ولكن تراءى له أنه من الواجب أن يرحب بعد شهرته بعجائب أخر، وأن يترك ملل ~~الكتلة الشعبية يزداد وينمو في وسط زوابع الديموقراطية، قد يكون بدأ منذ ذلك الحين يفكر في ~~غزو مصر، هذا ما ظنه كثير من الناس، بعد أن قرءوا النداء الذي وجهه إلى بحارة أسطول ~~الأميرال بروه في السادس عشر من أيلول عام 1797، ذلك النداء الذي مجد فيه انتصار مجلس ~~الشعب على «الخائنين والمهاجرين الذين استولوا على المنابر»، قائلا لهؤلاء البواسل: «إننا ~~لولاكم لا نستطيع أن نحمل مجد الاسم الفرنسي إلا إلى زاوية صغيرة من زوايا أوروبا، وإننا ~~معكم إنما يتاح لنا أن نجتاز البحار ونحمل العلم الجمهوري إلى أبعد جهات العالم.» # لكي يحقق هذا العزم، وجب أولا أن يعقد الصلح في أوروبا جمعاء، أما النمسا التي هدم 18 ~~فروكتيدور آمالها، تلك الآمال المؤسسة على ثورة في داخل فرنسا، فلم تكن لتستطيع بعد أن تؤجل ~~سير المداولات، إلا أن مجلس الشعب، الذي كان منتفخا بفوزه على الملكيين المتحدين مع ~~الإمبراطور، إنما كان يظهر استعدادا حربيا، فكتب إلى بونابرت يقول: «يجب أن لا يتساهل ~~مع النمسا بعد؛ فإن نكرانها ومساعيها مع متآمري الخارج إنما هي واضحة.» غير أن هذه الأوامر ~~الحربية لم تكن قط لتدخل في نظريات القائد العام، ودفعه دنو الشتاء إلى الإسراع في عقد ~~الصلح، قال ms061 لكاتم أسراره: «يقتضي لجيوش الرين أكثر من شهر لتتمكن من مساعدتي، إذا كانت ~~متأهبة لذلك، وبعد خمسة عشر يوما تتراكم الثلوج فتسد المعابر والطرق، لقد عزمت على عقد ~~الصلح، وستدفع البندقية كلف الحرب وحد الرين، فليقل مجلس الشعب والمحامون ما ~~يريدون.» # وعقد الصلح في كامبو-فورميوو في السادس والعشرين من فنديميير عام 6 (17 تشرين أول عام ~~1797)، وكان من أولى شروط الاتفاقية إنقاذ الأسرى أولمز، ولافاييب، ولاتور موبور، وبورو ده ~~بوزي، كان نابوليون يجري جميع ذلك بمقتضى تعليمات مجلس الشعب. # | الفصل الرابع # إن نابوليون الذي لم تعد الحرب والمداولات لتبقيه على حدود النمسا أخذ يزور فتوحاته ويطوف ~~في لومباردية التي احتفت به واستقبلته كمنقذ لها، لقد تبعته الابتهالات الشعبية حيثما حل، ~~وعندما اضطره أمر من باريس أن يتجه إلى راستات # 1 # ليرأس فيها السفارة الفرنسية صادف في سويسرا الابتهال نفسه الذي صادفه في كل ~~مكان، قبل أن يترك بونابرت ميلان، أرسل إلى مجلس الشعب على يد جوبير علم جيش إيطاليا، وقد ~~عرض على أحد جانبيه خلاصة العجائب المدهشة التي قام بها ذلك الجيش، وعلى الجانب الآخر هذه ~~الكلمات: «إلى جيش إيطاليا إقرار الوطن بالجميل»، وكان نابوليون، لدى مروره بمانتو في المرة ~~الأخيرة، قد احتفل احتفالا مأتميا مهيبا على شرف هوش الذي مات، وعجل بإنجاز التمثال ~~المشيد لذكرى فرجيل. # 2 # وجد بين المعجبين والمتطفلين الذين ازدحموا على طريقه في ذلك العهد، رجل نقاد ملؤه روح ~~وذكاء أرسلت ملاحظاته إلى باريس حيث أدرجت في إحدى الجرائد في شهر كانون أول سنة 1797، جاء ~~فيها: «لقد أبصرت بانعطاف شديد وانتباه فائق هذا الرجل العظيم الذي قام بأعمال كبرى، وهو ما ~~زال يخيل إليه أن عمله لم ينته بعد، لقد وجدته كثير الشبه برسمه، صغيرا، نحيفا، شاحبا، ~~تظهر عليه أمارات التعب، إلا أنه ليس مريضا كما زعموا، ولقد خيل إلي أنه يصغي بذهول أكثر ~~مما يصغي لفائدة، وأنه أكثر اهتماما بما يفكر منه بما يقال له، إن في سيمائه لعقلا ~~راجحا، والشاخص إلى وجهه يتبين فيه ms062 سمة تأملات اعتيادية لا تكشف شيئا مما يجري في داخلها، ~~إنه من المستحيل أن لا يظن الناظر إلى ذلك الرأس الراجح والروح القوية، أن هناك فكرات لا ~~تقمع ستؤثر على مستقبل أوروبا.» # عندما وصل نابوليون إلى راستات تبين له أن مركزه الجديد لا يوافقه قط، ففي باريس، في وسط ~~الحركة السياسية، أو على رأس جيشه، أجل، هناك كان يتسع لهذا الرجل العظيم أن يجد مركزا ~~جديرا به، إلا أنه لم يحتج إلى طلب العودة إلى العاصمة؛ لأن مجلس الشعب أرسل إليه كتابا ~~يستدعيه فيه، لم يكن السيد بوريين، كاتم أسراره؛ ليجرؤ على مرافقته، فآثر المكث في ألمانيا، ~~فقال له بونابرت: «تعال اعبر الرين من غير خشية فإنهم لا يسلخونك عني، وسأتكفل بك.» # كان الاحتفاء بنابوليون في باريس عظيما جدا؛ فإن مجلس الشعب الذي كان الواسطة المرغمة ~~لإظهار عواطف الشعب لم يجد بدا من كتم مخاوفه وحسده وإقامة احتفال عظيم لقاهر إيطاليا في ~~حظيرة لوكسانبرج، وكان تاليران هو الذي قدم البطل إلى المديرين ولفظ بهذه المناسبة خطابا ~~تضمن روحا جمهورية صرفة، قال: «لا شك في أن البعض الأكبر منكم كان يلاحظ بشيء من الدهش ~~جميع مساعي التي قمت بها لأحط من مجد نابوليون، إلا أنه لن يسيء إليه ذلك، أقول ... لقد ~~خشيت عليه فترة ذلك القلق الجفول الذي كنت إخاله ضربة على المساواة في جمهورية لا تزال في ~~نشوئها، ولكن كنت مغترا يوم ذاك؛ فإن العظمة الشخصية إنما هي بعيدة عن أن تضر بالمساواة ~~بل هي شرف المساواة وانتصارها الجميل، وفي هذه الساعة نفسها يحق للجمهوريين الفرنسيين أن ~~يروا نفوسهم أكبر مما كانوا عليه.» # فأجاب نابوليون، وقد أعطى للمرة الأولى لقب «الكبيرة» للأمة الفرنسية، متفوها بهذه ~~الكلمات: # أيها المديرون الوطنيون # كان من حق الشعب الفرنسي أن يحارب الملوك ليكون حرا. # كان من حقه أن يقهر ثمانية عشر قرنا من الأوهام لينال مركزا مؤسسا على ~~العقل. # لقد مر عشرون قرنا والدين والأشراف والملكيون يحكمون بالتتابع في أوروبا جمعاء، ~~إلا أن الحكومات التمثيلية ms063 قد بدأ عهدها منذ الصلح الذي عقدتموه. # لقد قيض لكم اليوم أن تنظموا الأمة الكبرى التي لم تحدد أرضها إلا لأن الطبيعة ~~قد وضعت لها الحدود بنفسها. # لقد عملتم أكثر من ذلك، فإن الجهتين اللتين هما أجمل جهات أوروبا، واللتين كانتا ~~في الماضي مزدهرتين بالعلوم والفنون والرجال العظام الذين كانتا لهم مهدا، إن ~~هاتين الجهتين لتريان اليوم بآمال كبيرة روح الحرية العظمى خارجة من قبور ~~الأجداد. # لي الشرف أن أضع بين يديكم المعاهدة الممضاة في كامبو-فورميو والموقعة بإمضاء ~~صاحب الجلالة الإمبراطور. # عندما تقوم سعادة الشعب الفرنسي على أفضل الشرائع المنظمة، تصبح أوروبا جمعاء ~~حرة. # أظهر نابوليون بعض التواضع بهذه الكلمات التي قالها لمجلس الشعب، إنما اللياقة كانت تقتضي ~~ذلك الإكرام الرسمي، والذين تقبلوه لم يكونوا أكثر غرورا به من الذي ظن نفسه مضطرا إلى ~~تأديته، كان نابوليون منذ ذلك العهد قد وضع نفسه مكان حكومة الجمهورية تجاه المداولة ~~الأوروبية، وكان يمثل الدولة بشخصه ويعير فرنسا الموقف واللغة اللذين كان طمعه الكبير وعقله ~~السامي، وليس تعليمات مجلس الشعب، يدلانه أنهما جديران بالشعب الكبير، وموافقان كل الموافقة ~~لنظرياته المقبلة، كان منذ دخوله إيطاليا، وخاصة منذ لودي، قد سعى لأن ينزع من السياسة ~~الفرنسية ذلك الخلق الوحشي الذي طبعته فيها ثورة 93 الهائلة، فلم يكن يريد أن يكسب بلاده ~~صلحا مجيدا ونفسه شهرة عظيمة باسم ثورة شعبية غضبى حقودة، ولقد تبين له أن الوقت قد حان ~~لتسكين التعصب الثوري الذي كان فيما مضى شاعرا بضرورته. # أظهر نابوليون نفسه في مداولاته مع ملك سردينيا ومع البابا والإمبراطور، أنه مستشاط بتلك ~~الروح المستميلة المتساهلة، التي تميز الرجال الذين هم فوق مطاليب الأحزاب وشهواتها، إلا ~~أن سعيه في تقديم الجمهورية الفرنسية لملوك أوروبا كعدوة كريمة لا تخالجها الأحقاد ~~العمياء ولا تحمل في مبادئها وآرائها نوعا من أنواع التهديد للحكومات الأجنبية، كان بنوع ~~خاص في المداولات التي دعت إلى معاهدة كامبو-فورميو. # كانت العظمة الحقيقية التي روضها هذا الرجل في أن مجلس الشعب، الذي كان نابوليون ينكر ~~عليه ms064 سلطته المطلقة ويتعدى على مقاماته، لم يكن ليجرؤ أن يحاسبه على احتقاره وجسارته، بل ~~إنه وجه إليه، بنوع التعظيم، وبلسان رئيسه، هذا المديح الفخم، قال باراس مجيبا القائد: «إن ~~الطبيعة التي تضن بعجائبها لا تعطي الأرض رجالا عظماء إلا في الندر، إلا أنه من واجبها أن ~~ترغب في إظهار فجر الحرية على يد إحدى أعاجيبها، ومن حق ثورة الشعب الفرنسي العظمى، تلك ~~الثورة الجديدة في تاريخ الشعوب، أن تظهر نابغة جديدا في تاريخ الرجال العظماء.» # هذا التمليق الذي نزل به عند رغبة الشعب، إنما هو أكبر دلالة للمقام السامي الذي كسبه ~~نابوليون، ومن الواضح أن رئيس الجمهورية قد اعتقد نفسه مضطرا أن يخاطب قائدا بسيطا هو ~~تحت سلطته، كما خاطبه فيما بعد، وفي المكان نفسه، رئيس مشيخته، أو الخادم الأول من بين ~~خدمه. # أما الباريسيون فقد تظاهروا بالنسيان؛ إذ كان قاهر أركول قد محا رامي قنابل فنديميير، ~~وكان نابوليون موضوع احتفاء الجماهير حيثما ظهر، ففي المسارح، عندما كان الحضور يشعرون ~~بوجوده، كانوا يطلبونه بأصوات مرتفعة، حتى أصبحت هذه الدلائل تزعجه جدا، فقال ذات مرة: ~~«لو كنت عارفا أن «اللوجات» مكشوفة لما حضرت»، رغب ذات يوم في حضور مغناة مضحكة كانت ~~موضوع إقبال الشعب، فطلب إعادتها بهذه العبارة الوضيعة: «إذا كان لا يستحيل ذلك»، فأجابه ~~مدير الجوقة أنه ما من مستحيل على قاهر إيطاليا الذي حذف هذه الكلمة من القاموس منذ عهد ~~بعيد، إلا أن نابوليون، بالرغم من تهافت الشعب إليه، لم يكن ليدع للبخور المرتفع إليه ~~سبيلا لإسكاره، فكان يخشى انقلابا فجائيا يفقده تذكار خدمه القديمة ويفتر حماسة ~~المعجبين به، وكان كثيرا ما يقول: «إن الخلق في باريس لا يحفظون تذكار شيء، فإذا ما بقيت ~~زمنا بدون عمل لا ألبث أن أنسى وأضيع، وتأتي شهرة أخرى فتحل محل شهرتي، فبابل هذه لا ~~تبقي شهرة منسية من غير خلف لها»، ثم يردد كلمة كرومويل عندما يبينون له كم أن وجوده يهيج ~~حماسة الشعب فيقول: «إن الشعب ليتهافت حولي بمثل هذا التهافت ms065 فيما لو أخذت إلى المشنقة»، ~~ولقد رفض حضور حفلة أقامتها له إدارة «الأوبرا»، وعزم ألا يحضر مشهدا من المشاهد إلا في ~~«لوج» مشبك بالأخشاب. # في ذلك العهد بدأت تنشأ التعصبات ضده، وذات يوم أرسلت إليه إحدى النساء تعلمه أنهم ~~يحاولون دس السم له، فأوقف الرجل الذي جاءه بهذا الإنذار واقتيد مصحوبا بقاضي الصلح إلى ~~منزل المرأة التي أرسلته، إلا أنه عندما أدخل المنزل كانت المرأة المسكينة مضرجة بدمها، ذلك ~~أن القتلة، عندما تناهى إليهم أنها كشفت سرهم المشئوم، عمدوا إلى التملص من شهادتها بجريمة ~~أخرى. # عندما تنحى بونابرت عن مجلس الشعب أراد أن يوطد له مكانا في مجلس العلماء، بالرغم من أنه ~~كان بحاجة إلى غير المهمات العلمية والأدبية، فقبل مكان كارنو الذي كان 18 فروكتيدور قد ~~لحقه، وانخرط في سلك العلوم والفنون. نعطي الآن الرسالة القيمة التي أرسلها إلى الرئيس ~~كاموس: # أيها الرئيس المواطن # إن رضا الرجال الممتازين الذين يؤلفون المجلس ليشرفني. # وإنني أشعر بأن سأكون تلميذهم قبل أن أكون ندهم. # لو كان لدي عبارة أبلغ من هذه أعبر بها عن احترامي الفائق لذواتكم لما ترددت عن ~~استعمالها. # إن الفتوحات الحقيقية، تلك التي يتاح لها وحدها أن تسبب حسرة وألما، إنما هي ~~التي يعالج بها الجهل. # وإن أنبل عمل وأفيده للأمم إنما هو المساعدة على توسيع الأفكار ~~البشرية. # وإن من حق عظمة الجمهورية الفرنسية أن تتوقف من الآن فصاعدا على ألا يكون هناك ~~فكرة واحدة لا تكون هي مالكتها. # بونابرت # كان هذا الكلام جميلا في فم رجل توصل إلى قمة المجد بأعمال عسكرية صرفة، إلا أن ~~نابوليون كان يرغب رغبة شديدة في أن يبين أن حظه وتعشقه المهنة يعميان عليه ~~السبيل القويم، ولكي يبلغ السمو الذي شعر به نبوغه اللماع، كان بحاجة إلى أن يظهر ~~بمظهر أكبر من القائد الكبير الكلف بانتصاراته، كان ملء نفسه أن يرى الأمة الكبرى، ~~ملكة العالم التي كان يود أن يستولي عليها بنفسه، ناظرة إليه كما تنظر، ليس فقط إلى رجل ~~جدير بأن يدافع ms066 عنها بالسلاح فحسب، بل إلى رجل جدير بأن يصون نمو ثروتها الأدبية والحماية ~~العالمية التي كانت تمارسها بما أوتيت من التفوق الأدبي والنفوذ العسكري. # ولكن هل حان الوقت لإظهار المطاليب السرية التي كان يغذيها في نفسه منذ حملة إيطاليا؟ ~~لم يفكر نابوليون في ذلك، سوى أنه كان من حقه أن يفكر في الخروج بأسرع ما يمكن من ~~الخمول الذي يعرض شهرته الرحبة للخطر ، وما هو إلا وقت قصير حتى تقرر رحيله إلى ~~مصر، أما مجلس الشعب فلم يرفض ذلك؛ لأنه كان يرغب في إبعاد ذلك المحارب الشهير لما في ~~إبعاده من الخطر عليه، من غير أن يفكر في أن الانتصارات الجديدة إنما تزيد في دهشة ~~الأمة وإعجابها، وترحب وتنمي استمالة الشعب التي كانت تخشاها وتعمل على إطفائها، وأما ~~بونابرت، الذي كان وضع الخطة، فقد هيأ وحده المعدات اللازمة وأخذ على نفسه تنظيم الجيش ~~لتلك الحملة، ولقد اختار هو أيضا عمدة من العلماء ورجال الفن الذين كان من واجبهم أن ~~يرافقوا الجيش ليقوموا بخدمة الانتصارات في ترقي الحضارة. عندما سئل نابوليون عما إذا ~~كان يرغب في البقاء طويلا في مصر قال: «بعض أشهر أو ست سنوات، ذلك يتوقف على ~~الظروف.» وحمل معه مكتبة كاملة، تحتوي على مجلدات كثيرة في العلوم والفنون والجغرافية ~~والأسفار والتاريخ والشعر والقصص الروائية والسياسة، كان يرى في قائمته: بلوتارك، بوليب، ~~توسيديد، تيت ليف، تاسيت، راينال، فولتير، فريدريك الثاني، هوميرس، لوتاس، أوسيان، فرجيل، ~~فينلون، لافونتين، روسو، مرمونتيل، لوساج، غوتي، العهد القديم، العهد الجديد، القرآن، روح ~~الشرائع واللاهوت. # عندما أوشك بونابرت أن يترك باريس كادت توقفه مشاجرة، حدثت بين برنادوت والديوان ~~النمسوي، تتعلق بالعلم المثلث الألوان الذي كان السفير الفرنسي قد رفعه فوق مركزه ~~فأهانه شعب فيينا، فأراد مجلس الشعب أن ينتقم من هذه الإهانة بأن يشهر حربا جديدة يقودها ~~قاهر إيطاليا، إلا أن هذا بين بحق صراح أن على السياسة أن تسوس العوارض وليس على ~~العوارض أن تسوس السياسة، فلم يجد مجلس الشعب بدا من الخضوع لهذه الملاحظة ms067 الصحيحة، وزحف ~~نابوليون إلى طولون. # في الثامن من شهر أيار عام 1799 وصل بونابرت إلى تلك المدينة التي كانت مهد شهرته ~~ومجده، فبلغه أن الشريعة الدراكونية التي هيجتها المهاجرة، والتي نفذها 18 فروكتيدور ~~تنفيذا شديدا لا تزال تذيع الحزن في الفرقة العسكرية التاسعة، وبما أنه لم يكن يحق له ~~أن يصدر أوامر في مدينة ليست تحت سلطته كتب إلى مجلس الجنوب العسكري، بصفته عضو مجلس ~~العلماء الوطني؛ ليرشده إلى استشارة الحلم والإنسانية في أحكامه، قال: «لقد تناهى إلي ~~بألم عظيم أن هناك شيوخا تتراوح أعمارهم بين السبعين والثمانين، ونساء بائسات حبالى ~~يحف بهن أطفال صغار قد قتلوا قتلا فظيعا لاتهامهم بالمهاجرة. # هل انقلب جنود الحرية إلى سفاحين؟ وهل ماتت في قلوبهم تلك الشفقة التي حملوها حتى إلى ~~ساحات القتال؟ # إن شريعة 19 فروكتيدور إنما كانت حكمة السلام العام، وكان قصدها أن تنال من التعصبات ~~المشينة وليس من النساء البائسات والشيوخ العجز. # إنني أرشدكم أيها المواطنون، كلما قدمت الشريعة إلى محكمتكم شيوخا يجاوزون الستين من ~~أعمارهم، أو نساء أن تصرحوا علنا أنكم قد احترمتم شيوخ أعدائكم ونساءهم في وسط ~~الحرب. # فالجندي الذي يصدر حكما بحق شخص عاجز عن حمل السلاح إنما هو جبان.» # هذا العمل الكريم أنقذ حياة مهاجر شيخ كان المجلس العسكري الطولوني قد حكم عليه بالموت، ~~جميل أن يرى جندي تعود هرق الدم البشري في ساحات القتال يأمر جنوده بأن يحترموا ذلك ~~الدم في ضعف الشيخوخة والمرأة، جميل أن يرى، هو، ذلك المحارب الأول بين المحاربين، ~~داعيا رجال الحرب إلى الإنسانية، ومعتمدا بإرشاداته المخلصة، ليس على سلطته أو على ~~شهرته العسكرية، بل على الحقوق التي نالته إياها مقدرته العقلية، ومواهبه السامية، ومعارفه ~~الواسعة، وأعماله السلمية. إن في هذه الرسالة، التي أرسلها بونابرت وهو عضو مجلس العلماء ~~إلى مجلس الجنوب العسكري، لعاطفة عميقة توجب على السيف أن يذعن للفكرة حين يكون العمل ~~في سبيل الرقي العالمي. # عندما جهزت معدات السفر، ودنا وقت الرحيل، وجه نابوليون إلى جيشه هذه الخطبة ~~الآتية: ms068 # أيها الضباط والجنود # جئت أقودكم منذ سنتين: في ذلك العهد كنتم في نهر جنوا، في أبعد ما يكون من الفقر، ~~لا تملكون شيئا، وقد ضحيتم حتى بساعاتكم لأجل القوت الضروري، فوعدتكم بوضع حد ~~لبؤسكم، وقدتكم إلى إيطاليا، هناك، منحتم كل شيء ... ألم أف بوعدي؟ # فأجاب الجنود بصوت واحد هاتفين: أجل! # واستطرد نابوليون قائلا: «إذن فاعلموا أنكم لم تعملوا شيئا بعد في سبيل الوطن، والوطن ~~لم يعمل شيئا بعد في سبيلكم. # إنني لأقودكم الآن إلى بلاد يقيض لكم فيها، بما تأتونه من الأعمال، أن تفوقوا على ~~الذين يدهشون اليوم جميع المعجبين بكم، وتؤدوا إلى الوطن الخدم التي من حقه أن ~~يتوقعها من جيش لا يقهر. # إنني لأعد كل جندي منكم بأن سيتاح له لدى عودته من تلك الحملة أن يشتري ست قطع من ~~الأرض. # ستجتازون أخطارا جديدة يشاطركم إياها إخوتكم البحريون، فهذا لم يدب الخوف في ~~أعدائكم حتى الآن، وأعماله لم تضارع أعمالكم؛ لأن الظروف أخطأته، إلا أن شجاعة هؤلاء ~~البحريين إنما هي كشجاعتكم، وسيتاح لهم أن ينالوا الفوز العظيم باتحادهم معكم. # ألا فشاطروا ذلك الأمل القاهر الذي قيض لكم النصر في كل حين، عاونوهم في جهودهم، ~~احيوا حياة إخاء بذلك الذكاء الذي يشيع خلق الرجال المخلصين الموقوفين للقيام بصالح واحد، ~~إنهم لقد استحقوا مثلكم ثناء الشعب في فن النوتية الشاق. # عودوا نفوسكم التدربات البحرية، كونوا صاعقة أعدائكم في البحر والبر، واحذوا حذو ~~الجنود الرومانيين الذين عرفوا أن يقاتلوا في الوقت نفسه قرطجنة في السهل وقرطجنة على ~~مراكبها.» # كان الهتاف: «لتحي الجمهورية!» جواب الجيش على كلام القائد، كانت جوزيفين قد رافقت زوجها ~~إلى تولون، فكان وداعهما في أبعد ما يكون من التأثير؛ إذ إن جوزيفين كانت تحبه محبة تقرب ~~من العبادة، كان من حق الزوجين أن يخشيا على فرقتهما أن تكون أبدية إذا هما فكرا في ~~المخاطر التي على القائد أن يجتازها، وأقلع الأسطول في التاسع عشر من شهر أيار. # عندما خرج الأسطول من تولون اتجه نحو مالطة. فذات مساء، بينما ms069 كان يمخر عباب بحر ~~سيسيليا، خيل إلى كاتم أسرار القائد العام أنه يرى قمم الألب من خلال الشمس المنحدرة ~~إلى المغيب، فأفضى باكتشافه هذا إلى بونابرت الذي لم يجب بسوى إشارة، إلا أن الأميرال ~~بروه أخذ نظارته الصغيرة وصرح بأن بوريين إنما كان مصيبا في نظرته، عند هذا صرخ ~~بونابرت قائلا: «الألب!» وبعد أن مرت عليه فترة تفكير عميق قال: «لا، إنني لا أستطيع أن ~~أرى أرض إيطاليا من غير أن أشعر بجزع! هو ذا الشرق! فأنا ذاهب إليه! إن هناك لمشروعا خطرا ~~يدعوني! وهذه الجبال تكتنف السهول التي قدر لي مرارا عديدة أن أقود فيها الفرنسيين إلى ~~النصر، ومع هؤلاء سنقهر طويلا بعد.» # كان يحلو لنابوليون في وسط البحر أن يتحدث إلى العلماء والقواد الذين يرافقونه، ~~فيخاطب كلا منهم بالمادة التي انصرف إليها، وبعد الغداء، كان يحلو له أن يقترح أسئلة صعبة ~~في أهم المواد، فتحتك الآراء بعضها ببعض، وتحتدم المناقشة، حتى إذا استوى رأيه على ~~ما كان أكثرهم حذقا في إثبات المستحيل والبدع الغريبة وقف عنده وقدمه على غيره، وكان يحب ~~أيضا أن يطرح السؤال المزدوج الذي يتعلق بعمر الكون وبإبادته الممكنة؛ إذ إن مخيلته ~~وفكرته لم تكونا ترتاحان إلا إلى الأسئلة الرحبة السامية. # بعد سفر هادئ دام عشرين يوما ظهر الأسطول الفرنسي، في العاشر من شهر حزيران، أمام مالطة ~~التي استسلمت من غير مقاومة، ما جعل كافاريللي يقول لبونابرت بعد زيارة الحصون: «إننا ~~لسعيدون، يا قائدي، بأن قدر لنا وجود واحد في المدينة يفتح لنا الأبواب.» لم يقف بونابرت ~~في مالطة سوى أيام قلائل، وسار الأسطول نحو كاندي، هذه الدورة خدعت نلسون وحالت بينه ~~وبين ملاقاة الحملة الفرنسية أمام الإسكندرية كما حسب قبلا، فكان هذا من حظ الجيش ~~الفرنسي؛ إذ إن بروه كان قد صرح بأن الأميرال الإنكليزي لم يكن بحاجة إلى أكثر من عشرة ~~مراكب ليتم له النصر المؤكد. # وقبل أن يبلغ بونابرت الشاطئ الإفريقي أراد أن يخاطب جنوده مرة أخرى لكي يضرم ~~حميتهم بقوله لهم ms070 إنهم من الفتح العظيم على خطوة، ولكي يحذرهم من مخاطر خمود الهمة ~~وحرق النظام، وهذا هو النداء المشهور الذي وجهه إليهم بهذه المناسبة: # بونابرت، عضو مجلس العلماء الوطني، وقائد عام # 4 مسيدور عام 6 # أيها الجنود # إنكم ستقدمون على فتح عظيم لا تحصى نتائجه العائدة بالخير على تجارة العالم ~~وحضارته، إنكم ستحملون إلى إنكلترا الطعنة الواثقة حتى يتاح لكم أن تحملوا ~~إليها الطعنة القاضية. # سنقوم ببعض أعمال شاقة ، فنشهر مواقع عديدة، ونفوز في جميع مشاريعنا، إن المستقبل ~~إنما هو في قبضة يدنا! أما البكوات والمماليك الذين يساعدون التجارة الإنكليزية، ~~ويتعدون على حقوق تجارنا، ويرهقون سكان النيل المساكين بالظلم؛ فإنهم سينقرضون ~~بعد وصولنا ببضعة أيام. # إن الشعب الذي سنعيش معه لشعب مسلم، وعقيدته الأولى هي هذه: «لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله» فلا تناقضوه، وانهجوا معه كما نهجنا مع اليهود والطليان، أكرموا ~~أئمته ومفتيه، كما أكرمتم الحاخامين والأساقفة، تساهلوا مع الشرائع التي يأمر ~~بها القرآن والجوامع، كما تساهلتم مع الأديرة، ومحافل اليهود، وشريعة موسى ~~والمسيح. # إن الفرق الرومانية إنما كانت تصون جميع الأديان، سترون هناك عادات تختلف عن ~~عادات أوروبا فيجب أن تتعودوها. # ثم إن الشعب الذي سندخل عليه يعامل المرأة معاملة تختلف عن معاملتنا إياها، ~~ولكن من يتعدى إنما هو في جميع البلدان وحش ضار. # والنهب لا يغني سوى عدد من الرجال قليل، فهو يهتك حرمتنا ويهدم وسائلنا ~~ويجعلنا أعداء الشعوب التي من مصلحتنا أن نتخذهم أصدقاء، أما المدينة الأولى ~~التي سننتحيها فقد شيدها الإسكندر؛ فإننا لنجد لدى كل خطوة نخطوها ذكريات ~~كبرى جديرة بأن تهيج حماسة الفرنسيين. # عقيب هذا النداء أصدر نابوليون نشرة ضمنها الحكم بالإعدام على كل فرد من أفراد ~~الجيش يقدم على النهب والهدم، أو يضع جزية، أو يرتكب اختلاسا ما؛ ما جعل القواد ~~يتحملون عاقبة كل أمر مشين. # كان نابوليون يحذو حذو الرومانيين بهذه الصرامة، إلا أن الشيء الجديد الذي تضمنته ~~تلك النشرة المشهورة، والذي كثيرا ما استوحاه بونابرت في نشراته التي أصدرها في حملة ms071 مصر، ~~إنما هو مشهد فاتح لا يسير، في جميع المواقف التي احتاج فيها إلى مخاطبة جنوده أو الشعوب ~~التي يخترق أراضيها، على خطى من تقدمه فيستفيد من سلطة كبرى أو هائلة تدب الذعر ~~والهول، بل يتكلف في إظهار احترامه للشعوب بصفته عضو مجلس علماء لا ترتكز سلطته إلا ~~على الفكرة الهادئة والعقل الإنساني. # كان الإسكندر، في مصر نفسها، قد أعلن نفسه أنه ابن جوبيتير، وكان القيصر أيضا قد شاء ~~أن يتحدر من صلب الآلهة، كما أن أتيلا سمى نفسه ضربة الله، وكما أن الحكمة السامية ~~نفسها، في الأجيال الوسطى للمسيحية وفي عهد الوثنيين القديم، قد اتخذت من خاصياتها ومن ~~قبل اللاهوتيين والشعراء مستودع الصاعقة، وقيادة الجيوش، وإدارة الحروب. # كان بونابرت يفهم حق الفهم العصر الذي كان من واجبه أن يعالج فيه سلطة الذكاء ليسحر ~~المجموع، وبما أنه كان يرغب في أن يظهر بشكل ساطع وبقدوته الخاصة أن الرقي العالمي ~~الذي بشرت به الفلاسفة وهتفت له الشعوب إنما يناط بخضوع السيف لسلطة الفنون ~~المهذبة، وقوة التجارة والعلوم، عمد - وهو الأول بين المحاربين في أعظم أمة حربية ~~في العالم - إلى وضع مقامه العسكري العظيم بعد مقامه البسيط كعضو في مجلس علمي، فكتب في ~~مقدمة رسائله ونشراته الرسمية هذه الكلمات: «بونابرت، عضو مجلس العلماء الوطني.» # رسا الأسطول أمام الإسكندرية في الأول من شهر تموز، كان نلسون قبل يومين في ذلك المكان، ~~إلا أنه استغرب عدم التقائه بالحملة الفرنسية فقدر أنها اتجهت إلى شواطئ سوريا ~~لتبحر منها إلى إسكندرونة، أما بونابرت، الذي أشعر بظهور الأميرال الإنكليزي وتوقع ~~عودته القريبة، فقد عزم على تتميم إبحار جيشه بأسرع ما يكون، إلا أن الأميرال بروه، الذي ~~كان يرى محذورا في ذلك، مانع تتميم الإبحار بكل قواه، فأصر نابوليون وخاطب بروه ~~الذي كان قد طلب مهلة اثنتي عشرة ساعة قائلا: «أيها الأميرال إن الوقت ضيق لدينا ~~فيجب ألا نتردد، ثم إن الحظ لا يهبنا إلا ثلاثة أيام لا غير فإذا لم نستفد منها ~~فقدنا كل شيء.» فلم يجد ms072 الأميرال بدا من الإذعان لحسن حظ أسطوله؛ إذ إن نلسون، الذي ~~لم يجده في النواحي التي بحث عنه فيها، لم يتردد أن عاد إلى الإسكندرية، إلا أن الوقت ~~كان قد فات، فإصرار بونابرت وحدة مزاجه كانا قد أنقذا الجيش الفرنسي الذي كان جميعه على ~~اليابسة. # أبحر الأسطول إلى مرعبو، التي هي على مسافة ثلاثة فراسخ من الإسكندرية في الليل الذي بين ~~اليوم الأول والثاني من تموز، في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ثم زحف الجيش بعد ذلك إلى ~~تلك المدينة واضطر أن يتسلق جدرانها، أما كليبر، الذي كان يدير القتال، فقد جرح في ~~رأسه، لم يكلف هذا الفتح إلا جهودا قليلة، ولم يحدث في الإسكندرية من النهب والقتل شيء ~~قط. # عندما وضع بونابرت قدمه على الأرض، كتب إلى باشا مصر هذه الرسالة الآتية: ~~«إن المجلس التنفيذي في الجمهورية الفرنسية قد خاطب الباب العالي مرارا عديدة ~~ليسأله معاقبة بكوات مصر الذين يرهقون التجار الفرنسيين بالظلم، إلا أن الباب ~~العالي قد صرح أن البكوات، وهم قوم طماع يذهبون في مذاهب هواهم، يصغون إلى ~~شرائع العدالة، ولم يكتف فقط بأن لا يمنع الإهانات التي يلحقها هؤلاء الفرنسيين ~~أصدقاءهم القدماء، حتى عمد إلى تجريدهم من حمايته. # إذن فالجمهورية الفرنسية قد عزمت على إرسال جيش عظيم ليضع حدا لمظالم بكوات ~~مصر، كما صنعت مرارا عديدة مع بكوات تونس والجزائر في هذا العصر. # أما وأنت سيد البكوات المطاع، وأما وهم ينهجون في القاهرة من غير سلطة ونظام، ~~فيجب عليك أن تنظر إلى وصولي نظرة مستحسن فرح. # إنك ولا شك تعرف كل المعرفة أنني لا أقصد في مجيئي القيام بعمل يحط من قدر ~~القرآن والسلطان، وتعرف أن الأمة الفرنسية هي السلطان الوحيد في أوروبا. # إذن فتعال إلى ملاقاتي، والعن معي نسل البكوات الجاحد.» # عندما دخل نابوليون إلى الإسكندرية أسرع بنشر نداء على السكان، وهذا هو: # بونابرت، عضو مجلس العلماء الوطني، قائد عام للجيش الفرنسي # منذ زمن طويل والبكوات الذين يحكمون في مصر يهينون الأمة الفرنسية ويرهقون ~~تجارها ms073 بالمظالم، ولقد حانت ساعة العقاب. # منذ زمن طويل وهؤلاء العبيد اللقطاء الذين بيعوا في أسواق قوقاز وجيورجيا ~~يضطهدون أجمل قسم في العالم، إلا أن الله الذي بيده كل شيء قد أمر بانقضاء ~~سلطانهم. # شعوب مصر، سيقال: إنني جئت لأهدم دينكم، فلا تصدقوا! بل أجيبوا أنني إنما جئت ~~لأرد عليكم حقوقكم، وأعاقب المختلسين، وأنني أحترم أكثر من المماليك الله ~~ونبيه والقرآن، قولوا لهم: إن الرجال جميعهم سواء عند الله ، وإن الحكمة والذكاء ~~والفضائل هي وحدها التي تميز الرجل عن الآخر، فأية حكمة أم أي ذكاء وفضيلة ~~تميز المماليك ليحق لهم كل ما في الحياة من اللذة؟ # إذا كانت مصر أرضا لهم فليبرزوا الإيجار الذي عمله لهم الله، ولكن الله عادل ~~ومشفق على الشعب. # سيدعى المصريون جميعهم لإدارة شئون ملكهم، فالعقلاء والمتفقون والفضلاء منهم ~~يحكمون، ويصبح الشعب سعيدا. # كان فيما مضى مدن كبرى، وقنوات واسعة، وتجارة عظيمة، فمن هدمها غير نسل ~~المماليك وظلمهم واضطهادهم؟ # أيها القضاة، والشيوخ، والأئمة قولوا للشعب: إننا أصدقاء المسلمين الحقيقيين، ~~أما نحن الذين أهلكوا البابا الذي كان يقول إنه من الواجب أن تشهر الحرب على ~~المسلمين؟ أما نحن الذين أهلكوا فرسان مالطة؛ لأن هؤلاء البلهاء كانوا يعتقدون ~~أن الله يرغب في أن يحاربوا المسلمين؟ أما نحن الذين كانوا في جميع العصور أصدقاء ~~السيد الأعظم - حقق الله أمانيه - وأعداء أعدائه؟ أما المماليك فبالعكس، ~~ألم يتمردوا على سلطة السيد الأعظم الذي كانوا لا يزالون ينكرونه؟ إنهم لا ~~يتبعون سوى أطماعهم. # ثلاث مرات؛ سعداء هم الذين ينضمون إلينا! فسيفلحون في ثروتهم ومقامهم. # سعداء هم الذين يكونون على الحياد، فسيتاح لهم أن يعرفونا فينضموا إلينا، ~~ولكن! الويل، ثلاث مرات؛ الويل للذين يتقلدون السلاح مع المماليك ويقاتلون ضدنا! ~~فإنهم لييأسون، وينقرضون! # بعد أن عهد بونابرت إلى كليبر # 3 # بقيادة الإسكندرية، ترك هذا المركز في السابع من شهر تموز، وأخذ طريق دمنهور من ~~وسط الصحراء حيث الجوع والعطش والحر المرهق، جعلت الجيش يكابد أوجاعا وعذابات لا تطاق، ~~وأماتت الكثير من عساكره، إلا أنهم وجدوا ms074 بعض الراحة في دمنهور حيث وطد بونابرت مكانا ~~لحاشيته عند الشيخ، وهو رجل مسن كان يتظاهر بالفقر لئلا يلحقه الظلم إذا هو كشف ~~عن غناه، ثم والى الزحف إلى القاهرة، ولم يمر أربعة أيام حتى قاتل المماليك في ~~الرمانية وأتلف بناية البكوات وخيالتهم. # كان القائد العام في هذا القتال الأخير قد نظم فرق الجنود إلى صفوف مربعة، كانت ~~خيالة الأعداء تتحطم عليها بالرغم من قتالهم الجسور وشجاعتهم المتقحمة. # هذه الانتصارات العديدة التي ربحها بونابرت لم تكن سوى فاتحة انتصار عظيم فتح ~~أبواب القاهرة للجيش الفرنسي، وفي أواخر تموز كان الجيش أمام مراد بك، في سفح الأهرام، ~~فاستوحى بونابرت تلك الآثار الشاهقة القديمة، وفي حين أوشكت الحرب أن تنطلق من بركانها صرخ ~~نابوليون قائلا: «أيها الجنود، إنكم ستقاتلون ولاة مصر، فاذكروا أن أربعين قرنا تشخص ~~إليكم من أعالي هذه الآثار.» # أربعون قرنا بالحقيقة كانت تشخص إلى الفرنسيين من أعالي تلك الأهرام! أربعون قرنا أبصر ~~الأول منها أيدي الطوائف المصرية، تلك الأيدي المستعبدة، تضع أساس هذه القبور الملكية ~~العظمى، وأبصر الأخير منها أيدي الفرنسيين الأحرار تفتح آثار الاستعباد القديم في سبيل ~~الرقي العام، إن الخطبة الموجزة التي تلفظ بها بونابرت إنما كانت تشير إلى المسافة ~~التي تفرق بين المؤسسين والفاتحين؛ فالأولون، إنما هم القاسطون أو العبيد منذ نشأتهم، ~~والآخرون، إنما هم الأحرار المتساوون، قوادا أو جنودا، كل بحسب استحقاقه، إن بين ~~الفراعنة، أسياد الطوائف الخاضعة بالإرث لأكثر الأعمال مشقة، والقائد العظيم الذي قدم ~~ليقول للمصريين: «إن الخلق لسواء عند الله.» ويبشرهم بحكم الفضائل والذكاء، إن بين هؤلاء ~~لسلسلة من الرقي البطيء الشاق، تتصل حلقتها الأولى بالحجر الأول من الأهرام الذي ~~وضعه البؤس الوراثي، والحلقة الأخيرة بنداء المحارب الذي لا يعترف بسوى الحكمة والجدارة ~~لقيادة البشر، والذي يظهر نفسه أكثر رغبة وفخرا بنفوذ معارفه النيرة من عظمة سيفه، ~~عندما قال بونابرت لجنود الجمهورية: إن أربعين قرنا تشخص إليهم، في حين كانوا أمام الطوائف ~~التي استعادت بقايا الاستعباد القديم، هيج حماسة كتائبه؛ ليمدوا في ms075 خيرات رقي كلف ~~الإنسانية أربعة آلاف سنة من الجهود والتضحيات، أما هذه الشواهد المهيبة فلم تكن بدون ~~جدوى؛ إذ إن الجيش الفرنسي أجاب بانتصار عظيم على خطاب قائده البليغ. # ونعطي هنا وصف المعركة الهائلة كما كتبها بونابرت بنفسه: «في الثالث، عند مطلع النهار، التقينا بالحرس الذين دفعناهم من قرية إلى ~~قرية. # وفي الساعة الثانية بعد الظهر، وجدنا أنفسنا أمام متاريس الجيش العدو، فأشرت ~~إلى فرقتي القائدين دوزه وراينر بأن تتخذ مركزا لهما في الجهة اليمنى من ~~الجيزة بشكل أن تقطعا عن العدو مواصلات مصر العليا التي كانت ملجأه ~~الطبيعي. # عندما شعر مراد بك بحركة القائد دوزه عزم أن يهجم عليه، فأرسل أحد بكواته ~~البسلاء مع جيش من صفوة الجنود، أما نحن فتركناه يقترب منا حتى إذا ما ~~أصبح على قيد خمسين خطوة قابلناه برذاذ من القنابل أسقط منه عددا كبيرا ~~في ساحة القتال، وما هي إلا فترة حتى كسر شر كسرة. # إذ ذاك استفدت من الظرف، فأمرت فرقة القائد بون التي كانت على النيل بأن تهاجم ~~المتاريس، وأشرت إلى القائد فيال الذي يقود فرقة القائد مينو بأن يهجم بين ~~الفرقة التي جاءت تهاجمه والمتاريس، بشكل أن يحقق الثلاث: منع الفرقة من ~~الرجوع، قطع خط العودة على العدو، والهجوم على المتاريس من اليسار إذا كان من ~~موجب لذلك. # لما استعد القائدان فيال وبون الاستعداد كله أصدرا أمرهما إلى الفرقتين ~~الأولى والثالثة من كل جحفل بأن تصطفا للقتال، وأن تبقى الثانية والرابعة ~~على ما كانتا عليه، تؤلفان دائما الجحفل المربع فتتقدمان لتعضدا صفوف ~~الهجوم. # أما صفوف القائد بون، التي يقودها القائد الباسل رامبون، فقد هجمت على المتاريس ~~بشجاعتها المعهودة بالرغم من نار المماليك، وما هي إلا هنيهة حتى غطيت ساحة ~~القتال بالقتلى والمجاريح، وقيض لكتائبنا أن تستولي على المتاريس، وأما ~~المماليك فقد تشتت من بقي منهم، وسقط منهم عدد كبير في مياه النيل ~~فأغرقوا جميعا. # قدر لنا أن نغنم أكثر من أربعمائة جمل محملة وخمسين مدفعا، ولقد ~~قدرت خسارة المماليك بألفي رجل ms076 من صفوة الخيالة وعدد لا يحصى من البكوات ~~المجاريح والقتلى، وأما مراد بك فقد جرح في خده، وقدرت خسارتنا بنحو عشرين ~~أو ثلاثين قتيلا، ومائة وعشرين جريحا، وفي الليلة نفسها أخليت لنا مدينة ~~القاهرة، ولقد أحرقت زوارق العدو جميعها ونقائره وباخرة، وفي الرابع من الشهر ~~دخلت كتائبنا إلى القاهرة. في الليل، أحرق الشعب منازل البكوات وارتكب تعديات ~~كثيرة. إن شعب القاهرة، التي تضم أكثر من ثلاثمائة ألف من السكان ، إنما هو ~~أمقت شعب في العالم. # لم أكن لأمدح الكتائب التي أقودها لو لم تتخذ شعارها الصبر والتجلد في ~~تلك المواقع فتستسلم لحميتها وشدتها المتهورة؛ إذ إنها لو استسلمت لفطرتها ~~الخطرة لما قدر لنا النصر الذي من شروطه الأولى، في مثل تلك الظروف، أن يتخذ ~~له الصبر والتجلد عدة. # لقد أبدت خيالة المماليك بسالة عظمى، فقد كانت تدافع بشدة وشجاعة عن ~~ثروتها، ولقد وجدت عساكرنا على كل فرد من هؤلاء لا أقل من ثلاث أو أربع أو ~~خمسمائة ليرة ذهبية. # إن ثروة هؤلاء القوم إنما هي في جيادهم وأسلحتهم، أما منازلهم فهي أبعد ما ~~يكون من الفقر، وإنه لمن الصعب أن ترى أرض أخصب من أرضهم، وشعب أكثر بؤسا ~~من شعبهم. إنهم ليؤثرون زرا من أزرار جنودنا على قطعة توازي ستة فرنكات، وأما ~~في القرى فالشعب لا يعرف ما هو المقص، إن بيوتهم من الحمأ، وأثاثها فراش من ~~القش وقربتان أو ثلاث من التراب. إنهم يعيشون عيشة مدقعة، ويجهلون طريقة ~~الطواحين حتى إننا استولينا على كوم من القمح عظيمة من غير أن نحصل على طحين، نحن ~~نقتات من الثمار والخضر واللحوم، وأما القليل من الحبوب المجروشة بالحجارة، ففي ~~بعض القرى الكبيرة طواحين حجرية يديرها الفدادين. # لقد كنا في كل فترة مهددين بجماعات من العرب، هم أكبر لصوص الأرض، ولقد ~~شاء سوء الطالع أن يقتل قائد الحرس مويرور وكثير غيره من المعاونين والضباط ~~بيد هؤلاء الأشراء الذين كانوا يكمنون وراء الحواجز وفي الحفر ممتطين ظهور ~~جيادهم الصغيرة الجميلة؛ ويل للذي يبتعد مائة ms077 قدم عن المعسكر. إن الجمهورية قد ~~خسرت خسارة عظيمة بموت مويرور، فقد كان من هؤلاء القواد الذين لم أقع على أشد ~~بسالة منهم. # لا يمكن للجمهورية أن تقع على مستعمرة أكثر غنى من مصر، فالهواء فيها نقي ~~لأن لياليها رطبة، إننا بالرغم من الأتعاب التي كابدناها في السير والجوع وحرماننا ~~من النبيذ لم نشعر بألم قط، ولم يمرض أحد منا. # إنني أسألكم رتبة قائد فرقة للقائد دومارثين الذي أبلى بلاء حسنا، ثم إن ~~القائد زاينوشيك قام بخدم جديرة بالالتفات في كثير من المواقف المهمة التي ~~عهدت بها إليه. # منذ سفرنا إلى مصر لم نتلق خبرا واحدا من فرنسا ... # أرجو منكم أن تدفعوا إنعاما قدره ألف ومائتا فرنك لامرأة المواطن لاري، جراح ~~الجيش، فلقد خدمنا في وسط الصحراء خدما جليلة بنشاطه وغيرته، وهو الضابط الصحي ~~الذي لا نجد أفضل منه لمستشفيات الجيش.» # في الصباح، 4 ترميدور (22 تموز) قرب بونابرت من القاهرة ونشر النداء الآتي: ~~«شعب مصر، إنني مسرور من تصرفكم، فلقد أحسنتم برفضكم الاشتراك في مقاتلتي، ~~لقد جئت لأمحق نسل المماليك، وأصون تجارة البلاد، فليطمئن كل من ~~حدثته النفس بسوء، وليعد إلى مأواه كل من ابتعد عنه، عودوا إلى الصلاة ~~كما كنتم، ولا تخشوا على عيالكم شرا، لا تخافوا على بيوتكم، وأملاككم ودين ~~النبي الذي أحبه، لقد شكلت ديوانا من سبعة أشخاص يجتمعون في جامع ~~هناك لحراسة الشعب، والمحافظة على الأمن العام.» # في الرابع والعشرين من تموز دخل بونابرت إلى عاصمة مصر، وفي الخامس والعشرين منه كتب إلى ~~شقيقه جوزيف عضو مجلس الخمس المائة ما يلي: «سترى في الجرائد مذكرات مواقع مصر وفتحها، ~~ذلك الفتح الذي أضاف صفحة بيضاء على مجد الجيش الفرنسي، إن مصر لأغنى بلدان الأرض بالقمح ~~والأرز والخضر واللحوم على ما هي عليه من الوحشية وسوء المصير، إنما المال فيها قليل ~~جدا، إذن فسأكون في فرنسا بعد شهرين، فكن قريبا من باريس، كن في بورغونيه التي عزمت على ~~تمضية فصل الشتاء فيها.» # إن هذه الرسالة لتبين أن ms078 نابوليون إنما كان يعتقد كل الاعتقاد بتحقيق فتحه، ولكن ~~فيم هذه العودة إلى فرنسا؟ أبوده أن يبحث هناك عن وسائل عسكرية جديدة وعناصر للاستعمار ~~كما ظن البعض؟ أم إن غايته الوحيدة إنما كانت دنوه من المسرح الذي يدعوه القدر إليه ~~ليلعب الدور الأول فيه، وقد تبينت له قريبة الحوادث التي تنبأ عنها ورغب فيها منذ أمد ~~بعيد؟ يخيل إلينا أن القياس الأخير إنما هو الأقرب للتصديق. # | الفصل الخامس # بينما كان دوزه يطارد مراد بك في مصر العليا كان نابوليون مهتما في القاهرة بوضع وكالة ~~منظمة في المقاطعات المصرية، إلا أن إبراهيم باشا، الذي كان قد حمل على سوريا، أرغم ~~الفاتح الشارع بما أتاه من ضروب الحركات على ترك أعماله الهادئة للعودة إلى القتال، ولقد ~~قيض لبونابرت أن يلتقي به في الصالحية ويقاتله قتالا هائلا. # أما فرح هذا الانتصار الجديد فقد عكر صفوه بنبأ محزن. أرسل كليبر إلى بونابرت ~~برقية يقول له فيها: إن نلسون قد أتلف الأسطول الفرنسي في أبو قير بعد قتال مقنط، عندما ~~انتشر هذا النبأ في الجيش، أظهر الجنود والقواد استياء عظيما وأخذوا يتذمرون من تلك ~~الحالة التي هم عليها، أما نابوليون فقد ظهر عليه القلق بادئ ذي بدء، وعندما قالوا له ~~إن مجلس الشعب سيعوض عليه الخسائر التي كابدها قاطعهم بحدة قائلا: «إن مجلسكم هذا ~~إنما هو جاحد؛ لأنه يمقتني ويريد بي شرا.» ثم نفض عنه جملة يأسه وصرخ بصوت ~~تراوده نبرات البطولة قائلا: «إننا سنبقى هنا، أو نخرج كما خرج الأقدمون كبارا!» ~~منذ ذلك الوقت أخذ بونابرت يسعى بحمية ونشاط لا يكلان إلى تنظيم مصر تنظيما ~~وطنيا، كان يشعر بحاجة قصوى إلى التوفيق بين أهالي البلاد ليتاح له أن يوطد في ~~مصر إقامة مستمرة، وأول ما عمله أن شيد جامعة على نسق جامعة باريس، وقسمها إلى ~~طبقات أربع: حساب، وطبيعيات، واقتصاد سياسي، وأدب وفنون جميلة؛ وعهد بإدارتها إلى مونج، ~~أما هو فاكتفى بأن شغل وظيفة نائب مدير. # أحب المسلمون بونابرت محبة شديدة فلقبوه بالسلطان الكبير ms079 أبي النيران، وأخذوا ~~يدعونه إلى أعيادهم واحتفالاتهم. حضر بونابرت الاحتفال الذي أقيم بمناسبة فيضان النيل، ~~ولكن من غير أن يتصدره كما ظن البعض، وحضر أيضا الاحتفال الذي أقيم بمناسبة عيد ~~المولد النبوي، أما الرعاية والالتفات اللذان أظهرهما نحو دين النبي، فقد ~~كانا أكبر عامل لاحترام اسمه وسلطته في مصر. # لم يكن بونابرت مسلما ولا مسيحيا، إنما كان هو وجنوده يمثلون في مصر الفلسفة ~~الفرنسية، ومذهب المرتابين المتساهل، والتجرد الديني في القرن الثامن عشر، ~~ولكنه، بدلا من الدين الوضعي، كان يتعهد في نفسه زاوية صغيرة من التدين المبهم، ~~إلا أن هذه الطوية التي صانته من الشبهة في زمنه، وأتاحت له صداقة الأئمة والشيوخ، ~~كما أتاحت له في الماضي صداقة رؤساء الدين المسيحي واليهودي، هذه الطوية لم تقربه من ~~القرآن أكثر مما قربته من الإنجيل. # احتفل في القاهرة بالعيد السنوي لتأسيس الجمهورية الفرنسية في الأول من فنديميير عام 7، ~~وتصدر بونابرت هذا الاحتفال الوطني، قال مخاطبا جنوده: # أيها الجنود # كان استقلال الشعب مهددا منذ خمس سنوات، إلا أن استيلاءكم على طولون كان ~~دلالة على إتلاف أعدائكم. بعد سنة، قاتلتم النمسويين في ديغو، وبعد سنة أخرى، ~~كنتم على قمة الألب، منذ سنتين قاتلتم ضد مانتو، وانتصرنا في موقعة سان جورج ~~المشهورة، وفي العام الماضي كنتم على ينابيع دراف والأيزونزو. من قال يومذاك إنكم ~~ستصحبون اليوم على شواطئ النيل، في وسط الأرض القديمة؟ إن أنظار العالم لشاخصة ~~إليكم، من الإنكليز الذين اشتهروا بالفنون والتجارة إلى البدوان المتوحشين ~~المفترسين. # أيها الجنود # إن مستقبلكم لجميل باهر؛ لأنكم جديرون بما عملتم وبما يقولون عنكم، إنكم ~~لتموتون بشرف كهؤلاء البسلاء الأبطال المدونة أسماؤهم على هذا الهرم، # 1 # أو تعودون إلى وطنكم حاملين أكاليل الغار ومستقبلين إعجاب الشعوب ~~جميعها. # لقد كنا منذ ابتعادنا عن أوروبا موضوع عناية أبناء بلادنا، وفي هذا اليوم، ~~أربعون مليونا من المواطنين يحتفلون بعصر الحكومة التمثيلية، أربعون مليونا من ~~المواطنين يفكرون فيكم قائلين: إننا مدينون لأعمالهم ولدمهم بالسلام العام، ~~والسكينة، ورقي التجارة، وحسنات الحرية الوطنية. # أما ms080 المشايخ، فلكي يجازوا بونابرت على الالتفات الحسن الذي أظهره نحوهم في احتفالاتهم، ~~عقدوا اجتماعا فيما بينهم وقرروا أن ينشدوا ألحان الفرح في الجامع الكبير؛ سائلين الله ~~العظيم أن يبارك مصطفى النصر وينمي جيش بسلاء الغرب. # وأما زعماء المماليك المتحدون مع إنكلترا، وإبراهيم باشا ومراد بك، فقد عمدوا إلى ~~تهييج العصيان الذي ما لبث أن انطلق في عاصمة مصر نفسها، كان بونابرت يوم ذاك في القاهرة ~~القديمة، فلما تناهى إليه ذلك أسرع بالعودة إلى معسكره، وما هي إلا سانحة حتى كنست ~~الكتائب الفرنسية شوارع القاهرة، واضطرت المتمردين على الالتجاء إلى الجامع الكبير ~~حيث صعقتهم المدافع عن بكرة أبيهم، كان المتمردون قد رفضوا التسليم، إلا أن دوي ~~الصواعق جعلهم سهلاء الجانب، أما نابوليون فرفض طلبهم المتأخر قائلا لهم: «لقد مضت ~~ساعة الصفح، شئتم أن تبدءوا فمن حقي أن أنهي.» وما هي إلا فترة حتى اغتصبت أبواب ~~الجامع وتدفقت دماء الأتراك كالسيل الجارف، كان على بونابرت، فضلا عن ذلك، أن يثأر ~~لموت القائدين دوبوي وسولكوسكي الباسل الذي كان يعطف عليه بقدر ما كان يحترمه. # قدر للسلطة الإنكليزية التي كانت قد هيجت فتنة القاهرة وعصيان مصر جميعها أن تغري ~~ديوان القسطنطينية على معاداة فرنسا. فأصدر الصدر الأعظم منشورا مملوءا سبابا ~~وشتائم وقف أعلام الجمهورية للخزي والعار وجهودها للانقراض، فأجاب بونابرت على هذه الإهانات ~~والتحريضات الدموية بنداء جاء في نهايته: «إن أكبر الأنبياء المتدينين قد قال: إن ~~العصيان لنائم، فملعون هو الذي يوقظه!» # بعد مدة قصيرة اتجه نابوليون إلى السويس ليزور آثار القتال القديم الذي كان يجمع مياه ~~النيل بالبحر الأحمر، وقد رافقه مونج وبرتولله، وكان بوده أن يشاهد مصادر موسى، إلا ~~أنه كان أوشك أن يذهب ضحية تطفله بتيهانه في الليل بين المد والجزر، قال: «لقد ~~خاطرت بنفسي كما خاطر فرعون؛ ما جعل مبشري المسيحية جميعهم أن يؤدوا نصا معظما ~~ضدي.» # عندما عرف قسوس جبل سينا بوجوده في جوارهم أرسلوا إليه وفدا ليسأله أن يدون اسمه في ~~سجلهم عقيب علي وصلاح الدين وإبراهيم ... إلخ، ms081 فلم يرفض نابوليون سؤالهم هذا ونزل عنده ~~بطيبة خاطر، في أثناء ذلك كان الجزار باشا قد استولى على قلعة العريش في سوريا، إلا أن ~~نابوليون الذي كان فكر منذ زمن في حملة على تلك المقاطعة عزم عند ذلك على تنفيذ مقصده، ~~كان نبأ فوز الجزار قد تناهى إليه في السويس، فأسرع بالعودة إلى القاهرة ليأخذ الكتائب ~~التي يحتاج إليها في غزوته، وبعد أن وثق من خضوع هذه العاصمة، ترك مصر ودخل إلى آسيا، ~~كانت الصحراء تمتد على مدى بصره، فاجتازها على جمل؛ لأن الجمال تتحمل الحر والتعب ~~أكثر من الجياد، إلا أن الجنود كانوا قد ضلوا في مطارح تلك الصحراء، وأضناهم العطش ~~والتعب حتى أوشكوا أن يموتوا في وسط الطريق، فقال لهم بونابرت: «لا يحق لكم أن تتذمروا ~~وتقنطوا. أيها الجنود، تعلموا أن تموتوا بشرف.» # على أن الشظف والأوجاع الجسدية أوشكت أحيانا أن تدب الفوضى والتمرد في الجنود، ولقد ~~حدث لأحد الجنود الفرنسيين على رمال الصحراء المحرقة؛ أن يتخلى لقواده بألم عن بعض ~~نقاط من الماء الموحل أو عن ظلال بعض الجدران القديمة، كما أنه نازعهم بعد ذلك، في وسط ~~الجليد في روسيا، زاوية موقد مشئوم أو فلذا مبعثرة من جواد. ذات يوم، وقد شعر القائد العام ~~حرارة الشمس تنهكه نهكا، قيض له بنعمة وافرة أن يضع رأسه في الظل تحت بقايا باب ~~محطم، قال: «لقد منحت هناك منحة عظمى.» وفيما كان يزحل برجله بعض الحجارة، ~~اكتشف جوهرة علق عليها العلماء أهمية كبرى، وسلمها نابوليون إلى أندريوسي، ثم ~~استرجعها منه لينعم بها على جوزيفين. جرى ذلك الاكتشاف الجميل بين خرائب بلوز. # 2 # بينما كان نابوليون زاحفا إلى سوريا للبحث عن الجيش التركي عزم على دفع هجماته ضد ~~السلطة الإنكليزية إلى أبعد من ذلك، فقد قصد أن يحمل على الهند عن طريق فارس، ولقد كتب إلى ~~تيبو سائيب # 3 # هذه الرسالة: «إنك ولا ريب علمت بوصولي إلى شواطئ البحر الأحمر مع جيش كثير العدد شديد البطش، ~~ملء رغبته أن ينقذكم من ms082 نير إنكلترا. # إنني أرغب إليك أن تحيطني علما بالموقف السياسي الذي يحيط بكم، وأرغب أيضا ~~أن ترسل إلى السويس أو إلى القاهرة الكبرى رجلا ماهرا اكتسب ثقتك يتاح لي أن ~~أتفاوض معه.» # بقيت هذه الرسالة من غير جواب؛ ذلك لأنها كتبت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني ~~عام 1799، وبعد مدة قصيرة سقطت سلطة تيبو سائيب. # وصل بونابرت إلى أمام العريش في منتصف شهر شباط، وسلمت هذه القلعة في السادس عشر من هذا ~~الشهر بعد انكسار المماليك انكسارا تاما، وبعد ستة أيام فتحت غزة أبوابها. عندما وصل ~~بونابرت قرب القدس سئل عما إذا كان يرغب في المرور بتلك المدينة، فأجاب بحدة: ~~«لا! إن القدس لم تنزل في قائمة أعمالي، لا شأن لي مع قوم من الجبليين في طرق صعبة ~~المسالك، فلا أريد أن أثير علي خيالة كثيرة العدد، ولا أطمع في بخت كاسيوس.» # 4 # في السادس من شهر آذار هوجمت يافا واستسلمت للنهب والمذبحة، فأرسل بونابرت معاونيه ~~بوهارنه وكروازيه ليسكنا غضب الجند، ولقد أتيح لهما أن يصلا في الوقت المعين ~~فأنقذا حياة أربعة آلاف من الأرناءوط أو الألبان الذين قيض لهم أن يفلتوا من المذبحة ~~ويلجئوا إلى فنادق وسيعة. # عندما أبصر نابوليون هؤلاء الأسراء الذين جيء بهم إليه صرخ بشفقة: «ماذا تريدون أن ~~أعمل بهم؟ ألدي مؤنة لأقوتهم، ومراكب لأقلهم إلى فرنسا أو إلى مصر؟» إلا أن ~~معاونيه ذكراه بالإنسانية التي أوصاهما بها في معاملة الأعداء، فأجابهما بحدة: ~~«أجل، بدون شك، ولكني أوصيتكما بها في معاملة النساء والأولاد والشيوخ وليس في معاملة ~~الجنود المسلحين، كان أحرى بكم أن تموتوا جميعا من أن تجيئوني بهؤلاء المساكين، ماذا ~~تريدون أن أعمل بهم؟» بقي نابوليون ثلاثة أيام يشاور نفسه في مصير هؤلاء المساكين، إلا ~~أن تذمر الجيش لم يترك له سبيلا لأن يتردد أكثر من ذلك في أمر كان يوحي إليه ~~كراهة شديدة، فأصدر أمره بإعدام الأرناءوط والألبان في العاشر من شهر آذار. # أما الاستيلاء على حيفا فقد أعلن على مصر بما يلي: ms083 ~~«باسم الله الرحمن الرحيم، سيد العالم القدوس، الحاكم بملكه كما يشاء، المتصرف ~~بالنصر تصرفا مطلقا، هذا نبأ الإنعامات التي منحها الله العلي للجمهورية ~~الفرنسية، ثم إننا استولينا على حيفا في سوريا. # كان الجزار عزم على دخول مصر، مأوى البائسين، مع شرذمة من أشقياء العرب، ~~إلا أن أحكام الله تهدم حيل الرجال، كان يرغب في هرق الدم حسب عادته الوحشية، ~~وبسبب كبريائه والمبادئ الرديئة التي أخذها عن المماليك، ولم يعلم أن كل شيء إنما ~~هو آت من الله. # في السادس والعشرين من رمضان أحاط الجيش الفرنسي يافا، وفي السابع والعشرين منه ~~أشار القائد العام بأن تركز فيها المدافع، وتصوب الفوهات إلى جهة البحر ~~لمنع الخروج منه. # وفي نهار الخميس، آخر أيام رمضان، أشفق القائد العام على سكان يافا، فنبه ~~الحاكم، إلا أن التنبيه بقي من غير جواب بالرغم من شرائع الحرب ومحمد، عند هذا ~~انطلق غضب بونابرت، فأمر بإطلاق القنابل، وما هي إلا بعض ساعة حتى هجم الجند من ~~الصور المهدوم واستولوا على المدينة وحصونها، وبدئ القتال بين الجيشين، فانتصر ~~الفرنسيون، ودام النهب طوال الليل. ونهار الجمعة أشفق القائد على المصريين الذين في ~~يافا، من فقراء وأغنياء، ومنحهم السماح وأعادهم إلى بلادهم بشرف، ولقد نهج النهج ~~نفسه مع الدمشقيين والحلبيين. # قتل في المعركة أكثر من أربعة آلاف رجل من رجال الجزار رميا بالرصاص ~~وبالسلاح الأبيض، ولم يخسر الفرنسيون إلا قليلا من الجند. يا عباد الله، اخضعوا ~~لأحكامه، لا تخالفوا مشيئته، واحفظوا وصاياه، واعلموا أن العالم إنما هو ملكه، وأنه ~~يعطي هذا الملك لمن يشاء.» # كان الجيش الفرنسي قد صحب جراثيم الطاعون إلى سوريا فانتشرت في حصار يافا وصارت تشتد ~~يوما بعد يوم، قال بونابرت عن القائد غريزيو الذي أبى أن يلمس أحدا خشية انتقال ~~العدوى إليه: «إنه إذا خشي الطاعون مات فيه.» هذه النبوءة تمت في حصار عكا. # في السادس عشر من آذار وصل بونابرت أمام عكا، فلاقى هناك مقاومة أشد مما كان يتوقع، ~~قيض للجيش الفرنسي، في ذلك الحصار، أن ms084 يربح موقعة جبل ثابور المشهورة، حيث أتيح لكليبر ~~أن يقاوم بثلاثة آلاف عسكري جيشا مؤلفا من أربعة وعشرين ألف رجل بين فرسان ومشاة، عندما ~~علم بونابرت بقوة العدو أسرع إلى مساعدة كليبر مع فيلق من الجند، فلما وصل إلى ساحة ~~القتال قسم فيلقه إلى قسمين مربعين ونظمهما بشكل أن جعلهما، مع مربع كليبر، ~~زاوية مثلثة متساوية، وإذا بالعدو في وسط تلك الزاوية. أما النار الهائلة التي انطلقت ~~من أطراف تلك الزاوية فقد أهلكت المماليك وتركت الساحة ملأى بالجثث. كان الفرنسيون الذين ~~أهلكوا ذلك الجيش، الذي قال عنه الأهالي إنه يربو على عدد نجوم السماء ورمال البحر، لا ~~يجاوزون ستة آلاف. # وبعد حصار دام شهرين، عزم بونابرت أن يعود إلى مصر وقد اتضح له أن جيشه الصغير يضعف ~~من يوم إلى يوم بانتشار الطاعون والمواقع العديدة، في تلك الساعة، تضاءلت تلك النوايا ~~العظيمة التي رسمتها مخيلته الطماعة للزحف طورا إلى الهند وتارة إلى البوسفور؛ ما ~~جعله يقول فيما بعد: «لو سقطت عكا لقلب سقوطها وجه العالم، لقد كان مستقبل الشرق مرتكزا ~~على تلك المحلة الصغيرة.» # نورد هنا النداء الذي نشره على معسكره في عكا ليعلن عودته إلى مصر، قال: # أيها الجنود # لقد اجتزتم الصحراء التي تفصل أفريقيا عن آسيا بسرعة أعظم من سرعة جيش ~~عربي. # لقد هلك الجيش العربي الذي كان زاحفا ليشن الغارة على مصر، وقدر لكم أن ~~تقبضوا على قائده، ونوتييه، وأمتعته وقربه، وجماله. # لقد استوليتم على جميع القلاع القوية التي تحرس آبار الصحراء. # لقد شتتم في سهول جبل ثابور هؤلاء الرجال الذين أسرعوا من جميع جهات آسيا على ~~أمل أن يدمروا مصر. # إن الثلاثين مركبا التي أبصرتموها قادمة إلى عكا، منذ اثني عشر يوما، كانت ~~تقل الجيش الذي أمر بمحاصرة الإسكندرية، إلا أنه اضطر إلى الإسراع إلى ~~عكا حيث لقي أجله، وسيزين قسم من أعلامه دخولكم إلى مصر. # وأخيرا، بعد أن غذيتم الحرب ثلاثة أشهر في قلب سوريا، بعدد من الرجال قليل، ~~وبعد أن غنمتم أربعين مدفعا حربيا، ms085 وخمسين علما، وأسرتم ستة آلاف، ودرستم ~~حصون غزة وحيفا ويافا وعكا، بعد كل هذا نعود إلى مصر. # قد لا تمضي أيام قلائل حتى تستولوا على الباشا نفسه في وسط قصره، إلا أن ~~الاستيلاء على قصر عكا في هذا الموسم لا يوازي خسارة بعض أيام؛ إن البسلاء الذين ~~أخسرهم إنما هم اليوم ضروريون للقيام بأعمال أكثر أهمية وجوهرا. # أعطيت علامة الرجوع في العشرين من شهر أيار. أراد بونابرت أن يزحف الجميع على الأقدام ~~ليتركوا الجياد تحت تصرف الأسراء والمرضى، وعندما دخل عليه سائسه الخاص وسأله أي ~~جواد يستبقيه لنفسه انتهره بغضب صارخا فيه: «ليذهب الجميع على الأقدام! ... وأنا في ~~الأول، ألا تعرف النظام؟ اخرج.» # وصلوا إلى يافا في الرابع والعشرين فوجدوا المستشفيات غاصة بالمرضى، والحمى تشتد ~~اشتدادا عظيما، فأخذ القائد العام يزور هؤلاء المساكين ويتشفق على أوجاعهم مظهرا لهم ~~الحزن الشديد، وكان بينهم عدد يحتضر، فسأل بونابرت ماذا نعمل بهؤلاء المشرفين على ~~الموت، فأجيب أن الكثيرين منهم يطلبون الموت عاجلا، وأن ملازمتهم إنما هي خطرة على ~~الجيش، وزيد على ذلك أنه من الرحمة والحكمة أن يقدم موتهم بعض ساعات. إن من المؤكد ~~تقريبا أنهم أعطوا شرابا مخدرا في تلك الساعة. # عندما اقتربوا من القاهرة أشار بونابرت بأن يهيأ له استقبال عظيم في تلك العاصمة ~~لينفي ما قد تكون عاقبة حملة سوريا قد أثرت تأثيرا مشئوما على الأهالي والجنود، فنزل ~~ديوان القاهرة عند مشيئة بونابرت، وأمر بأن تقام الاحتفالات البهجة، وأصدر نشرة ننقل منها ~~الفقرة الآتية: «لقد وصل بونابرت الذي يحب دين محمد ... لقد دخل إلى القاهرة من باب ~~النصر ... فهذا اليوم يوم كبير لم يشاهد مثيل له ... كان في غزة ويافا. لقد حمى سكان غزة، ~~ولكن سكان يافا أبوا أن يسلموا فأعمل فيهم النهب والموت. ولقد هدم جميع الحصون وأهلك ~~كل من كان فيها.» # انصرف بونابرت، عهد إقامته بالقاهرة، إلى القيام بأعمال المساحة. إلا أنه ما لبث أن ~~انقطع عن أعماله الهادئة بسبب غزوات مراد بك في مصر السفلى، فترك القاهرة ms086 في الرابع عشر من ~~تموز وزحف إلى الأهرام. # إلا أن مارمون الذي كان يقود فرقة في الإسكندرية، أرسل إليه رسولا يبلغه أن الأتراك ~~أتيح لهم بمساعدة الإنكليز أن يهجموا على أبو قير من البحر في الحادي عشر نهارا، فلم ~~يتردد بونابرت أن طار إلى الجيش المسلم الذي يقوده مصطفى باشا، وانتقم لنكبة أبو قير في ~~أبو قير نفسها، أما الانتقام هذا فقد كان هائلا؛ سقط عشرة آلاف رجل في البحر وما بقي ~~منهم قبض عليه أو ذهب قتيلا، كتب بونابرت إلى مجلس الشعب يصف له المعركة: «لقد أخبرتكم ببرقية 21 فلوريال # 5 # أن موسم الإبحار يجزم أن أترك سوريا. في الثالث والعشرين من مسيدور # 6 # وصل أمام الإسكندرية مائة مركب أكثرها حربية ورست في أبو قير، في ~~السابع والعشرين منه نزل العدو إلى البر وهجم على أبو قير وأحاطها من جميع ~~أطرافها، فلم تجد القلعة بدا من التسليم، وفي اليوم نفسه تركت معسكر الأهرام، ~~وبلغت الرمانية في الواحد من ترميدور، وفي السابع منه، الساعة السابعة صباحا، ~~كنت في وجه العدو. # مشى القائد لان على طول بحيرة معدية حيث كانت ميسرة العدو، واصطف للقتال تجاه ~~تلك الميسرة، في حين كان القائد مورات الذي يقود الصف الأول يقاتل الميمنة على يد ~~القائد ديستنغ، وكان يعضده القائد لانوس. # هناك سهل جميل يبلغ ألفين وأربعمائة قدم يفرق أجنحة الجيش العدو؛ فولجته ~~خيالتنا، وبأسرع من الفكر وصلت إلى وراء ميسرة العدو وميمنته اللتين أغرقتا ~~في البحر بعد أن أعمل فيهما الضرب، لم ينج منهما أحد قط. # وكان صف العدو الثاني يشغل مركزا هائلا على بعد ثلاثة آلاف أو ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة قدم؛ إذ إن البرزخ ضيق جدا هناك، وهو مقوى بالمتاريس بعناية كبيرة، ~~ومحصن بثلاثين زورقا مدفعيا، وكان العدو مستوليا أمام هذا المركز على قرية ~~أبو قير التي سدها بالمتاريس. # أقدم القائد مورات على اغتصاب القرية، وهجم القائد لان على ميسرة العدو ~~بالفرقة الثانية والعشرين وقسم من التاسعة والستين، وأما الميمنة فقد قاتلها ~~القائد فوجيير ms087 بصفوف ملصقة بعضها إزاء بعض، كان الدفاع والقتال شديدين جدا، ~~إلا أن خيالة القائد مورات الباسلة عزمت أن تنال القسم الأكبر من شرف هذا ~~النهار، فهجمت على ميسرة العدو ووثبت على الميمنة من ورائها وفاجأتها من ممر ~~مشئوم فأعملت فيها ذبحا هائلا. # كان من أمر الصف الثاني أن أصيب بما أصيب به الصف الأول؛ فإنه بقي بعضه في ~~ساحة القتال وأغرق البعض الآخر. # بقي للعدو ثلاثة آلاف رجل لوقت الحاجة وضعوا في قلعة أبو قير على بعد ألفين ~~وأربعمائة قدم من الصف الثاني، فحاصر القائد لانوس القلعة وأطلق عليها قنابل ستة ~~مدافع، لم ينج من الأعداء أحد قط. # إن مصطفى باشا، قائد الجيش العام، وابن عم السفير التركي في باريس، قد أسر مع ~~جميع ضباطه. # وربح هذه المعركة عائد خاصة إلى القائد مورات؛ إني أسألكم رتبة قائد فرقة ~~لهذا القائد النشيط لأن خيالته عملت المستحيل ... # لقد أهديت إلى القائد برتيه من قبل المجلس التنفيذي خنجرا جميل الصنع لما ~~قام به من الأعمال المجيدة طوال وقت الموقعة ...» # استفاد نابوليون من هذا النجاح ليرسل مداولا إلى الأميرال الإنكليزي، إلا أن هذا بعث ~~إليه بجريدة فرنسية، فقرأها نابوليون بلهف؛ لأنه لم يأخذ منذ زمن طويل خبرا عن أوروبا، ~~فوقف منها على موقف فرنسا المحزن ونكبات الجيوش الفرنسية، فصرخ قائلا: «أجل إن دلالة ~~قلبي لم تخدعني قط، فقد خسرت إيطاليا! وتوارت ثمرة انتصاراتنا! إذن فيجب أن أرحل.» # أفضى بعزمه هذا إلى برتيه والأميرال غانتوم الذي عهد إليه بتهيئة باخرتين وسفينتين ~~صغيرتين لإقلال القائد وحاشيته إلى فرنسا. # كان من الواجب أن تسلم قيادة الجيش العامة إلى الأيدي الأكثر جدارة، فاختار بونابرت بين ~~دوزه وكليبر، إلا أنه رغب في أن يصحب الأول معه وصحت عزيمته على تعيين الآخر خلفا له ~~بالرغم مما هما عليه من النفور، فكتب ليطلعه على قصده ويسلمه السلطة التي عهد بها إليه، ~~جاء في التعليمات التي أدلى بها هذه العبارة: «سيبقى المسيحيون أصدقاءنا دائما، فيجب أن ~~تمنعوهم من التطاول لئلا يغذي الأتراك ms088 فطرة التعصب ضدنا.» # أترى رغب مجلس الشعب في عودة بونابرت إلى فرنسا بعد أن أبصره ذاهبا منها بغبطة سرية ~~لم يجهلها المحارب نفسه؟ إن من الصعب أن يدرك سبب هذا الرجوع الفجائي بعد أن تناقضت ~~الآراء فيه، إلا أن الحقيقة التي نراها هي أنه بعد أن سئم الشرق لما لقيه من المعاكسات ~~في سوريا، وبعد أن تناهت إليه الحالة الفكرية في فرنسا شخص إليه أن الوقت قد حان ليظهر ~~أفكاره الطماعة ويحولها إلى الغرب، قال في نشرة أصدرها في الإسكندرية ما يلي: «إن أنباء ~~أوروبا حتمت علي الذهاب إلى فرنسا؛ فإني أترك قيادة الجيش إلى الجنرال كليبر، سيطلع ~~الجيش على أخباري عما قريب، إنني آسف جدا على تركي جنودا أجدني كثير التعلق بهم، ~~ولكن لن يطول غيابي، والقائد الذي أتركه يحمل ثقتي وثقة الحكومة.» # أبحر نابوليون في أواخر آب صاحبا معه برتيه، ومارمون، ومورات، ولان، وأندريوسي، ومونج، ~~وبرتولله، وغيرهم، وتحايد مراقبي الإنكليز الذين يجولون في البحر؛ إذ كانوا قد ابتعدوا على ~~الشواطئ الأفريقية واتجهوا إلى مرفأ في قبرص ليذخروا مؤنة لهم، وصل بونابرت إلى فريجوس في ~~السادس من شهر تشرين الأول. # لقد تخلل السفر من الإسكندرية إلى فريجوس أخطار وعوائق عديدة؛ فإن المراكب اضطرت لتخرج ~~من مياه مصر، أن تقاوم رياحا معاكسة أجبرت الأميرال أن يلجأ إلى المرفأ، ولولا عزم بونابرت ~~الراسخ الذي وطن النفس على اقتحام جميع المخاطر لتحقيق حظوظه العلياء التي تنتظره في ~~أوروبا، لما وجد الجنود مفيضا من البقاء في المرفأ، ولقد صادف عند رحيله من أجاكسيو عوائق ~~شديدة كالتي صادفها بين الإسكندرية وفريجوس إلا أنه أصر على مواصلة السير كما أصر ~~هناك، هذا العزم الثابت القوي والدليل الرهيب الذي رسمه بونابرت للأميرال غانتوم، على طول ~~شواطئ أفريقيا؛ ليجيء عقيب ذلك فيدخل إلى رأس سردينيا، كانا السبب في تملصه من رقباء ~~الإنكليز. # كان منظر المحجوزين «المكرتنين» يكدره جدا، كما أنه إنما كان يحزن لرؤية أصغر مركب في ~~البحر. تناهى إليه وهو في أجاكسيو خبر عاقبة موقعة نوفي ms089 المشئومة، فكان لا يفتأ يردد ~~قوله: «لولا هذا الحجر الملعون لما ترددت عن قيادة جيش إيطاليا، فهناك وسائل لا أزال ~~أراها.» # كان بونابرت يشعر بحاجة إلى إضعاف التأثيرات المؤسفة التي قد يسببها سفره من مصر، ذلك ~~السفر الفجائي الشاذ الذي سيعرض القائد للتوبيخ على هجر جيشه، ولكن، عندما أدرك مدى ~~النكبات التي قاساها الجند الفرنسي ما وراء الجبال، فقد الأمل بتحقيق الانتصارات السريعة ~~التي حلم بها، وأسقط في يده، حتى إن حزنه جعل القائلين يقولون: إنه يحمل حزن إيطاليا. ~~عدا عن ذلك؛ فإن تهافت سكان فريجوس إليه وقاه من غموم الحجر وضجره، لم يكد هؤلاء يعلمون ~~بدخول القائد بونابرت إلى مرفئهم، حتى ملئوا البحر بالمراكب، واتجهوا جماعات حول المركب ~~الكبير الذي يقل الرجل العظيم وهم يصرخون: «إننا لنؤثر الطاعون على النمسويين.» عند هذا ~~أصبحت الاحتياطات الصحية صعبة مراعاتها، فاغتنم بونابرت هذه الفرصة لتعجيل عودته إلى ~~باريس. # كان قد بشر إخوته وامرأته بوصوله، فأسرعوا لملاقاته على طريق بورغونيا حسب الدليل الذي ~~أرسله إليهم، إلا أنه ما وصل إلى ليون، حتى غير فكرته وأخذ طريق البوربونه، أما جوزيفين ~~وأسلافها، فعندما لم يجدوه في ليون عادوا بسرعة إلى باريس، إلا أن السواد الأعظم من ~~الشعب، بالرغم من تضارب الآراء في عودة القائد العام الذي ترك جيشه ما وراء البحار، تحت ~~سماء محرقة وفي أرض وبائية، لم يجدوا بدا من استقباله كرجل منقذ. كانت الديموقراطية، ~~بعد أن أعطت فرنسا طرقها العظيمة ضد الخارج، قد أتيح لها أن تسبب في الداخل مللا ~~عموميا من فرط التقلبات والمعاكسات، ولم يبق للثورة التي قيض لها وجود أعضاء ~~جديرين في المجلس الشرعي، والاتفاقية، وجمعية السلام العام، أن تنتظر نظما وولاة من هذا ~~العصر؛ لأنهم أضاعوا احترام السلطة فأفقدوا الحرية منفعتها، واستبدلوا بمظالم الأحزاب ~~المتوالية سلطة الشعب المطلقة، إذا أضفنا على ذلك أن الجمهورية لم تستطع في الشكل الذي ~~اتخذته، أن تبقي النصر تحت الأعلام الفرنسية، وأن النكبات المتتالية قد أضاعت ثمرة أولى ~~الفتوحات الخالدة، يدرك بسهولة أن الأفكار ms090 قد أصبحت جميعها مهيأة لانقلاب سياسي كبير، ~~ولكن، من يحقق هذا الانقلاب، وفي أي شكل يكون؟ هذا ما كان الجميع يتساءلون عنه، وهم في ~~تيار من الظنون والآمال والمخاوف. أما الانقلاب في الحكومة فلم يكن من صالح الجمهورية ~~التي تحمل أثقال الذكريات والظنون، تلك الأثقال التي لم تنج منها بعد والتي كان يتذمر ~~منها ويتوقع نهايتها بفارغ صبر. ولم يكن ذلك الانقلاب أيضا ليستطيع أن يتحول إلى جهة ~~الملكية؛ لأن الكتلة الشعبية لم تقف عن رغبتها في نتائج الثورة على ما هي عليه من التعب ~~في تيار السياسة الجمهورية. # كان الرأي العام يظهر ميله نحو التئام السلطات الشعبية في أيد قوية جبارة، ولكن ~~دائما لفائدة الثورة وليس ضدها، في مثل هذا الموقف كانت الضرورة تدعو إلى تولي زمام ~~الأعمال رجلا يستطيع أن يصون تنظيم ثورة 89 الذي حال دون تهيئة الأفكار لفائدة الحزب ~~الملكي من الخطر الذي جشمه إياه فتور مراجع السلطة، فهذا الرجل وجب أن يكون ثوريا ~~صادقا، غيورا على المنافع الجديدة، متشربا روح العصر الذي هو فيه، جالسا على مجد ~~كسبه من وراء الخدم التي أداها إلى فرنسا المجددة، وجديرا بأن يجذب إليه عطف الشعب ~~وثقته بما في دماغه من النبوغ وما له من الشهرة، ووجب أن يكون أيضا ذا ذراع قوية تضمن ~~لفرنسا الدفاع عنها ضد هجمات الدول، وأن لا يكون اسمه بين أسماء رجال الأمة القساة الذين ~~لعبوا دورهم في عهد الهول # 7 # الذي أنقذ الوطن من غير أن يدع للمنقذين مجازاة سوى عار اسمهم. # إن الذي يتاح له وحده أن يقمع الأسد الشعبي ويقلب القاعدة الجمهورية من غير أن يمس ~~البدع الثورية التي كانت عزيزة على فرنسا، إنما هو جندي من جنود الثورة، كان هذا الجندي منذ ~~زمن طويل يحدث نفسه بهذا العمل العظيم، ويرقب الوقت للاستيلاء عليه؛ لأن فطرته ومركزه ~~وقواه كانت تقول له إنه إنما يستطيع أن يحقق جميع الشروط بنجاح وفوز عظيمين. # إن الذي تنبأ بونابرت عنه ورغب فيه إنما كان يتفق ms091 اتفاقا عظيما مع تمنيات الجمهور ~~وحاجاته، فعندما شعر القوم بعودته، فكرت الأحزاب جميعها في أن تتألب حوله وتتخذ شهرته ~~ونبوغه عضدا لها مكينا، وأن تستخدمه لتحقيق خططها وتدبيراتها. # أرادت أكثرية مجلس الشعب المؤلفة من باراس وكوهيه ومولين أن تحتفظ بنظام عام 3 لأن ~~باراس كان يجد فيه وسيلة تضمن له استمراره في رئاسة السلطة؛ ولأن كوهيه ومولين كانا يثقان ~~ثقة أكيدة بالقبض على زمام القاعدة الجمهورية بشكلها الحالي، أما سياييس الذي كان دائما ~~يغذي في أعماق قلبه ميلا ملكيا وكراهة للصيغ الشعبية، فقد كان ينتظر بفارغ صبر فرصة ~~سانحة ليظهر ميله السري، حتى شكي أنه فكر في خيانة الجمهورية لفائدة أمير من أمراء ~~برونسويك، كما اتهموا باراس بأنه فتح علاقات مع البوربونيين. # كان سياييس موقوفا لكل من يجرؤ على تسويل انقلاب ضد الجمهوريين ونظمهم، وكان روجير ~~ديكو، رفيقه لا يفكر ولا يعمل إلا على يده، على أن بونابرت أنكر بادئ ذي بدء هذه ~~المشاركة في الجريمة، حتى إنه أظهر نحو سياييس احتقارا مهينا في وليمة له أقامها كوهيه ~~ثاني يوم المقابلة التي جرت بين القائد ومجلس الشعب، قال سياييس بشراسة عقيب تلك الوليمة: ~~«انظروا كيف أن هذا المتغطرس يعامل عضوا في سلطة كان من حقها أن تعدمه رميا ~~بالرصاص!» # إلا أن هذا التباعد الذي تبادله العالم الطبيعي # 8 # والمحارب أذعن فيما بعد للرغبة المشتركة في إبدال النظام السياسي في فرنسا، ~~قال أحدهم أمام بونابرت ذات يوم: «فتشوا عن مساعد في الأشخاص الذين يعاملون أصدقاء ~~الجمهورية معاملة الجاكوبيين، وثقوا بأن سياييس إنما هو في مقدمة هؤلاء.» فشعر القائد بأن ~~مقته يضعف أو أنه عمل على تبديده ليتاح له أن يشرك في تنفيذ نواياه الرجل الذي ~~احتقره بادئ ذي بدء والذي - بدون شك - لم يكن يحبه، أما مجلس الشعب، فلكي يتملص من ~~جوار خطر، أراد أن ينفي بونابرت إلى قيادة الجيش التي تصلح له أكثر من غيرها، إلا أن هذا ~~العرض وإن كان يستهوي أي قائد كان، إلا أنه لم يكن ليستهوي ms092 سيد فرنسا المزمع، قال: ~~«لم أكن أريد أن أرفض، إلا أني سألتهم أن يفسحوا لي في الوقت لتعود إلي صحتي، ولكي ~~أتجنب عرضا آخر كهذا العرض آثرت الانزواء. إنني لن أعود إلى مجالسهم، ولقد وقفت نفسي ~~لحزب سياييس؛ إنه لينطوي على آراء أفضل مما ينطوي عليها حزب باراس الفاسد.» # إن التدبيرات التي سببت 18 برومير إنما دبرت في المجالس على يد لوسيان بونابرت ~~وسياييس، وتالليران، وفوشه، وريال، ورينيول ده سن جان دانجلي وغيرهم. أما فوشه، فقد أظهر ~~خاصة، فراغ صبر في إتلاف القاعدة الجمهورية التي خدم في الماضي مطاليبها الصارمة، قال لكاتم ~~أسرار بونابرت: «قل لقائدك ليسرع؛ فإذا تأخر هلك!» وأما كامباسيريس ولوبرون فقد كانا ~~بطيئين في عزمهما؛ فإن دور المتآمر لم يتفق مع احتراس الأول واعتدال الآخر. فلما أخبر ~~بونابرت بترددهما، صرخ كمن ملك التصرف في مقدرات فرنسا قائلا: «لا أريد ترددا ~~ومحاولة، ألا فليعلما أنني لست بحاجة إليهما، وليعزما اليوم إذا شاءا وإلا فغدا يفوت ~~الحين؛ إنني لأشعر بقوة في نفسي تسمح لي أن أعمل وحدي!» # إن جميع القواد المشهورين الذين كانوا في باريس وافقوا على نظريات بونابرت، حتى إن مورو ~~نفسه انضم تحت لوائه، وسنرى فيما بعد أي عمل رضي القيام به في الموقعة التي كانت تتهيأ، ~~ولكن هذا المتآمر العظيم إنما كان بحاجة إلى مساعدة ذلك الرفيق المحارب الذي كان يخشى ~~مقاومته وذكاءه؛ كان بونادوت يصر على الدفاع عن الجمهورية وتنظيمات عام 3. عند هذا ذهب به ~~جوزيف بونابرت، وهو قريب له، إلى أخيه في صبيحة 18 برومير، كان هناك جميع القواد بلباسهم ~~الرسمي، أما برنادوت فقد حضر بلباسه المدني، فتكدر بونابرت من ذلك وأظهر له دهشته، ثم ~~انحدر به إلى غرفة منفردة حيث تكلم عن مقاصده بأبعد ما يكون من الحرية، قال: «إن ~~مجلسك الشعبي هذا لمجلس ممقوت، ومجلسك التشريعي بال، فيجب أن يعزل هؤلاء الموظفون ~~وينتخب مجلس آخر للحكومة. اذهب وارتد لباسك الرسمي، فلا أستطيع أن أنتظرك أكثر من ذلك؛ ~~ستجدني في التويلري بين رفاقنا ms093 جميعهم، لا تعتمد لا على مورو ولا على بورنونفيل، ولا على ~~القواد الذين هم من رأيك، وعندما تختبر الرجال أكثر من ذلك يتضح لك أنهم يعدون كثيرا ~~ويفون قليلا.» فأجابه برنادوت أنه لا يريد أن يسبب عصيانا، فطلب منه نابوليون أن يعده ~~إذن بتجرد تام، فقال له الجمهوري الصارم الذي صار ملكا فيما بعد: # 9 ~~«إنني سأبقى هادئا كمواطن، ولكن إذا فوض إلي مجلس الشعب الأوامر للعمل ~~فإني أمشى ضد المقلقين جميعهم.» أما بونابرت فبدل أن يستسلم لصاعقة طبعه لدى هذه ~~الكلمات، اجتهد في قمع غضبه عله يتوصل بالمداهنات والوعود إلى اكتساب تداخل رجل ذي ~~ذكاء وشجاعة قد يستطيع أن يحبط مؤامراته. # بينما كان كل ذلك يجري في بيت صغير في شارع النصر، حيث يسكن قاهر أركول والأهرام، كان ~~مجلس القدماء مرسلا مع ساع هذا الأمر الآتي: ~~(1) # إن الفرقة التشريعية قد نقلت إلى مديرية سن كلود. ~~(2) # ستتجه المجالس إلى سن كلود غدا 19 عند الظهر. ~~(3) # إن القائد بونابرت مكلف بتنفيذ هذا الأمر، سيتخذ جميع الاحتياطات اللازمة ~~لتأمين التمثيل الوطني. إن الفرقة العسكرية السابعة عشرة، وحرس الفرقة ~~التشريعية، والحرس الوطني المستقر، والكتائب في مديرية باريس موضوعة كلها تحت ~~أوامره، إلخ. ~~(4) # يدعى القائد بونابرت إلى وسط المجلس ليقسم اليمين على القيام بهذه ~~الأعمال، وسيتداول مع مفوضي المجلسين. # كان بونابرت يتوقع هذا الأمر بعد أن جرى اتفاق بينه وبين محازبيه في المجلس، وبعد أن قرأه ~~على الجنود زاد عليه بقوله: # أيها الجنود # إن أمر مجلس القدماء هذا إنما هو مطابق لبند 102 و103 من الحكم الشرعي، إنه ~~يلقي إلي قيادة المدينة والجيش. # لقد رضيت به لمساعدة الاحتياطات التي سيتخذها، والتي هي بكاملها لفائدة ~~الشعب. # لقد فسد حكم الجمهورية منذ عامين، فأملتم أن عودتي تضع حدا لآلام كثيرة، ~~ولقد احتفلتم بي احتفالا يكلفني ذمة لكم سأفيها، وإنكم ستفون ذمتكم أيضا ~~فتعضدون قائدكم بذلك النشاط، والثبات، والثقة التي كثيرا ما عرفتها فيكم. # إن الحرية والنصر، والسلام ستعيد الجمهورية الفرنسية إلى المقام الذي شغلته في ~~أوروبا، ms094 والذي أفقدها إياه القصور والخيانة. # ثم بعد ذلك أعلن بونابرت النداء الآتي: ~~«إن مجلس القدماء، مستودع الحكمة الوطنية، قد أصدر هذا الأمر، ولقد فوض إليه ~~ذلك البند 102 و103 من الحكم الشرعي. # إنني آخذ على نفسي احتياطات لازمة لتأمين التمثيل الوطني، وإن الفرقة التشريعية ~~لفي حاجة إلى اتحاد الوطنيين وثقتهم، فالتئموا حولها، تلك هي الوسيلة الوحيدة ~~لإجلاس الجمهورية على أسس الحرية المدنية، والنصر والسلام.» # بينما كان بونابرت محاطا بالأعمال في سبيل قيادة العاصمة، كان مجلس الشعب متوانيا، ~~متراخيا، لا يقوم بعمل، وبعبارة أجلى، كان لا يستطيع أن يعمل شيئا لإبطال الدسائس ~~المحاطة به من جميع أطرافه، كان كوهيه ينتظر في منزله في لوكسنبرج زعيم المتعصبين الذي ~~دعا نفسه إلى الغداء عنده من غير كلفة، وكان مولين يطلق سخطه وحقده تضادات ملؤها العجز ~~والقصور، ولقد تناهى إلى باراس أن الانقلاب الذي وعد به قد تم بدونه، وقد أصبح ~~مرغما على احتمال العجز الذي كاد يوقعه. أما سياييس وروجير دوكر فقد كانا مصممين ~~النية على الاستعفاء من وظيفتهما، في حين كانا يمثلان، لا سيما الأول منهما، دورا مهما ~~بين زعماء المؤامرة، وأما العوائق التي كان بونابرت مهددا بها، فلم يبق لها وجود إلا ~~في المجلس. # في الساعة الواحدة بعد ظهر 19 اتجه بونابرت إلى مجلس القدماء بعد أن أشغل جميع المراكز ~~المهمة بكتائبه تحت أوامر القواد المخلصين، وصحب معه برتيه ولوفيفر، ومورات ولان ~~وغيرهم. أما مورو فقد جعله سجانا على المديرين المتمردين وكوهيه ومولين اللذين أعطي ~~استعفاؤهما بحيلة من تلك الحيل الجائزة في مثل تلك الظروف، وأما سياييس وروجيرديكو فقد ~~أرسلا استعفاءهما؛ كان سياييس يعتني كثيرا بإيجاد مخرج له في كل حادث، فاحتاط لذلك ~~بأن أوقف نفسه في منزله ليزيل كل شبهة، ثم إن باراس، بعد أن أعلمه تالليران بزيارة ~~يوريين له، استعفى على يد المداول العظيم وذهب على الفور إلى كروسبو تاركا رسالة إلى رئيس ~~مجلس القدماء صرح فيها، بعد أن أقسم بنزاهته وتجرده في سبيل الوطن والحرية، أنه ينضم ~~بغبطة ms095 إلى صفوف المواطنين، سعيدا بأن يسلم بعد تلك العواصف مقدرات الجمهورية التي ~~اقتسم ودائعها. # صادف بونابرت في ذلك المجتمع، بالرغم من أن المتحزبين كانوا يعتقدون أنهم أسياد مجلس ~~القدماء؛ عراقيل ومضادات فوق ما كان يتوقع، فإن وجوده كان سببا لهيجان الأفكار وإضرام ~~وطيس الجدل، وبما أنه تعود أن يخاطب جماهير مصغية مذعنة لما يقول، سبب له موقف ~~بعض الجمهوريين المتغطرسين القساة الذين ألقي عليهم لقب ممثل شعب؛ حزنا عميقا ~~وقلقا شديدا، كادا يعرضان للخطر نجاح تلك الجلسة. عبارات متقطعة، كلمات مبتورة، ~~صراخ يقاطعه تذمر السامعين، هذا كل ما استطاع أن يسمعه في وسط الديوان. كان تارة ~~يوجه توبيخات وشكايات إلى الحزب الديموقراطي، وتارة يأخذ طور المديح فيسعى إلى تبريد ~~موقفه باستعراض خدمه الماضية، وفي نهاية الأمر استغاث بالحرية والمساواة، فاغتنم لانكله هذه ~~السانحة ليذكره بالقاعدة الأساسية، فصرخ صرخة الواثق بنفسه قائلا: «القاعدة الأساسية! ~~لقد نقضتموها في 18 فروكتيدور، و22 فلوريال، و30 براريال. # 10 # القاعدة الأساسية! لقد استغاثتها جميع الأحزاب ونقضها جميعهم ... وإنهم ~~ليتخزبون باسمها اليوم أيضا. وإذا اقتضى الأمر أن أذكر الرجال لزيادة الإيضاح فأنا فاعل. ~~إن المديرين باراس ومولين قد عرضا علي أن أكون على رأس حزب من شأنه أن ينكس ~~كل من يحمل فكرة حرة.» # هذه الكلمات الأخيرة هيجت جميع الأهواء التي كانت تضطرب في المجلس، فطلبت الجمعية ~~السرية، إلا أن الأكثرية خالفت ذلك، وأمر بونابرت بأن يتكلم بصراحة أمام الأمة، ~~فأسقط في يده عند ذلك، وختم كلامه بهذا الصراخ الذي لفظه وهو منسحب: «من يحبني ~~فليتبعني!» # كانت العاصفة تقصف بأشد من ذلك في مجلس الخمس المائة الذي بقيت أكثريته راسخة في إخلاصها ~~للجمهورية وللقاعدة الأساسية، وكانت رسالة باراس التي قرئت في المجلس، مثبتة كل ما ~~أشارت إليه حوادث الأمس، قد حركت القضايا الشديدة ضد أي رجل يتعدى على النظام ~~الحالي. وعندما كان الممثلون يجددون قسمهم تبعا لرأي ديلبرل، ظهر بونابرت في ~~المجلس يصحبه موكب من الحرس. عند هذا شاع سخط كاد يكون عموميا في القاعة، وعلا الصراخ ms096 ~~من جميع الجهات: «ليسقط الديكتاتور! ليسقط الكرومويل! # 11 # بونابرت خارج الشريعة!» ووثب بعض النواب من كراسيهم واندفعوا لملاقاة القائد ~~ليوبخوه على تدنيسه مجمع الشرائع، وقال له بيكونه: «ماذا تفعل أيها المتهور؟ انسحب من ~~هنا!» وبما أن هذه المظاهرة كانت عمومية، وجد بونابرت نفسه، وهو لا يزال متأثرا من ~~المقاومة غير المنتظرة التي صادفها في مجلس القدماء، عاجزا عن مصادمة هذه الضوضاء ~~الجديدة الأكثر إهانة من الأولى، فعاد إلى موكبه بسرعة واتجه به إلى وسط الكتائب حيث رأى ~~نفسه في حرز أمين، وعادت إليه ثقته وجسارته ساعة رأى لوسيان بونابرت الذي اضطر إلى ترك ~~الرئاسة لرفضه التصويت لأجل نفي أخيه حاملا إليه ليس مساعدة السلطة التي تجرد منها في ~~وسط المجلس والتي استمر على دعمها في الخارج فحسب، بل نجدة فصاحته الخطابية، وشجاعته ~~ونشاطه. # صعد لوسيان على جواده فجال بين صفوف الجنود، وصرخ بنبرات رجل لا يزال أمام عينيه مشهد ~~الخناجر والقتلة قائلا: # أيها المواطنون والجنود # إن رئيس مجلس الخمس المائة يصرح لكم أن أكثرية هذا المجلس إنما هي الآن ~~مهددة بهول بعض ممثلي الشعب القتلة الذين يحاصرون المنابر، يعرضون الموت على ~~رفاقهم، ويتعمدون أشياء فظيعة! # إنني أصرح لكم أن هؤلاء القتلة الجسورين الذين هم ولا شك أجراء إنكلترا ~~يتمردون على مجلس القدماء، ويتجاسرون أن يقولوا بوضع القائد المكلف بتنفيذ ~~الأمر الذي بيده خارج الشريعة، كأننا لا نزال في عهد حكمهم الفظيع الذي تكفي فيه ~~كلمة «خارج الشريعة» لأن تسقط رءوس أعز أبناء الوطن. # إنني أصرح لكم أن هذا العدد القليل من الساخطين إنما هو الذي وضع نفسه خارج ~~الشريعة بتعديه على حرية هذا المجلس. # فباسم الشعب الذي هو منذ سنوات عديدة لعبة أبناء عهد الهول المساكين، ~~أفوض إلى المحاربين إنقاذ أكثرية ممثليهم، حتى إذا ما تملصت من الخناجر ~~بالحراب يتاح لها أن تتشاور في مستقبل الجمهورية. # أيها القائد، وأنتم أيها الجنود، وأنتم أيها المواطنون أما أنكم لن تعرفوا شارعين ~~لفرنسا غير الذين يتألفون حولي، أما الذين يلبثون في الأورنجري فلتخرجهم ms097 القوة! ~~فهؤلاء القتلة لم يبقوا ممثلي الشعب، بل هم ممثلو الخنجر! ألا فليلصق بهم ~~هذا اللقب، وليتبعهم حيث ذهبوا! وعندما يتجاسرون على الظهور أمام الشعب ~~فلتشر إليهم الأصابع جميعها تحت هذا اللقب المستحق: ممثلو الخنجر! ... لتحي ~~الجمهورية! # بقي الجنود متمردين أمام هذا الكلام، فلكي يبتهم لوسيان زاد على قوله: «أقسم أن ~~أبقر بطن أخي إذا تجاسر يوما أن يثلم حرية فرنسا!» # هذا القسم الذي لفظ بشدة فاز على تردد الجنود، لكن بونابرت لم يشر إلى مورات بأن ~~يمشي على رأس الحرس ويشتت التمثيل الوطني من غير قلق ملك عليه. إلا أنه، وقد خاب أمله ~~بالحصول على رغباته من وراء نفوذه وخطبه، صحت عزيمته على حل المجلس بالقوة، وما هي إلا ~~هنيهة حتى أخليت القاعة. # على أن مسببي 18 برومير، أرادوا، لكي يعيروا أعمالهم ظاهر المشروعية، أن يستخدموا ~~مرة أخرى صيغا شرعية يكادون يتلفونها، وأخذوا يجمعون لذلك، من جميع الجهات، بعض ~~بقايا المجلس الذين كانوا طردوهم بشدة لكي يؤلفوا هيئة للتمثيل الوطني. وقد أتيح ~~للوسيان أن يجمع في سن كلود ثلاثين نائبا أخذوا على أنفسهم مباشرة السلطة السامية التي ~~قدر لبونابرت أن يملكها ملكا صحيحا، وحكموا بالتعاقب، فضلا عن طرد الواحد والستين من ~~رفاقهم، بحل مجلس الشعب وتشكيل جمعية قنصلية مؤلفة من ثلاثة أعضاء هم سياييس وروجرديكو، ~~وبونابرت. تمم هذا الانقلاب الكبير في الساعة التاسعة مساء. أما بونابرت فبقي حتى ~~الساعة الحادية عشرة من غير أن يأخذ طعاما، وعوضا عن أن يهتم بحاجاته الجسدية، لم ~~يفكر وهو داخل إلى منزله في ساعة متأخرة من الليل، في غير إتمام ذلك اليوم المشهود ~~بإعلانه إلى الشعب الفرنسي، فأصدر هذه النشرة التالية: ~~«لدى عودتي إلى باريس، وجدت الانقسام في جميع السلطات، والرأي العام متوطنا ~~على هذه الحقيقة الوحيدة وهي أن قوانين المملكة المتلفة لا تستطيع أن تنقذ ~~الحرية. # ولقد انضمت إلي جميع الأحزاب، وأفضت إلي بمقاصدها، كاشفة لي أسرارها، وطلبت ~~مني يد المساعدة، فرفضت أن أكون رجل حزب. # وطلبني مجلس القدماء فلبيت طلبه، ولقد ms098 دبرت خطة ترمي إلى تجديد عام ~~على يد رجال تعودت الأمة أن ترى فيهم محامين عن الحرية والمساواة والتملك. ~~كانت هذه الخطة بحاجة إلى تدقيق هادئ، حر منزه عن كل تأثير وكل خوف. وفي ~~الخلاصة عزم مجلس القدماء على نقل الفرقة التشريعية إلى سن كلود، وعهد إلي بتهيئة ~~القوة اللازمة للحراسة على حريته، فنزلت عند رغبته في سبيل مواطني، والجنود ~~الذين ذهبوا ضحية جهادهم، والمجد الوطني المشترى بدمهم.» # وبعد أن سرد بونابرت ما جرى في سن كلود، وأثبت بشهادته العظيمة الإفك الجسور الذي حاكه ~~لوسيان عن الخناجر، ختم كلامه هكذا: «أيها الفرنسيون، إنكم ستكافئون بدون شك غيرة جندي ~~من جنود الحرية، غيرة مواطن مخلص للجمهورية. إن الأفكار المحافظة، الحارسة، الحرة، قد دخلت ~~إلى مأوى حقوقها بتشتيت المتحزبين العصاة الذين كانوا يتعدون على حقوق المجالس.» # | الفصل السادس # إن الرجال الصارمين في مبادئهم، الجمهوريين العتاة المعتقدين أن القضية الشعبية قد سقطت ~~تحت الحسام والنميمة مع صيغ قوانين عام 3 الديموقراطية؛ إن هؤلاء الرجال قد اتخذوا انقلاب ~~برومير كجريمة بحق السلطة العظمى. أما كتلة الشعب، وهي الأكثرية بين جميع الأحزاب، تلك ~~الكتلة التي تضم الفئة العاملة والوسطى والتي تعلق على رقي فرنسا وسكينتها وأمانها ~~الخارجي أهمية أكبر من التي تعلقها على مسألة القوانين الدولية فإنها، مع استثناء عدد ~~قليل من الأفكار الجموحة، قد عملت على تبرير بونابرت من تعديات سن كلود التي اعتبرت ~~اليوم عملا مصلحا مفيدا. # قال نابوليون في سنت هيلين: «لقد تناقشوا تناقشا نظريا وسيتناقشون طويلا بعد في ما ~~إذا كنا لم ننقض القوانين، أو لم نكن مجرمين، إلا أن الوطن لولانا لما نجا من الهلاك، وما ~~أنقذه إلا نحن، ثم إن الرجال الذين مثلوا دورا في ذلك الانقلاب المشهود لأحرى بهم، بدل ~~أن يلجئوا إلى النكران، أن يسعوا إلى تبرير نفوسهم، أن يحذوا حذو ذلك الروماني فيكتفوا ~~بأن يجيبوا الشاكين بهذه العبارة الفخورة: إننا نعترض بأنا أنقذنا بلادنا، فتعالوا معنا ~~نحمد الآلهة. # إنني لقد مثلت دوري في ذلك المسرح السياسي ms099 بمساعدة المعتدلين، وإن ختام الفوضى ~~الفجائي، وعودة النظام، والاتحاد، والقوة، والمجد، إنما كانت جميعها نتيجة ذلك ~~النور.» # لم يجئ بونابرت والحساب في يده ليضع فكرته وإرادته موضع القوانين التي نظمها الشعب ~~والقضاة الذين انتخبهم، إلا لأن القوانين والقضاة إنما كانوا عاجزين عن الدفاع عن قضيته ~~ضد أعدائه في داخل فرنسا وخارجها؛ ولأن الحكم المطلق كان يهدد البلاد بدفعها إلى ~~أهواء الأحزاب الفوضوية؛ وأخيرا لأن المهاجرين وتمرد النورمنديين والفنديين ~~والبرتونيين الذين يعضدهم حزب ملوك أوروبا كانوا ينازعون بأمل كبير الجاكوبيين في ~~شيخوختهم تلك الفتوحات السياسية الكبرى، التي قيض للجاكوبيين وحدهم في عهد فتوتهم أن ~~يقدموا عليها فيحققوها ويؤيدوها. # لم يقدم نابوليون في سن كلود على خلع الشعب عن عرشه، بل إنه أبدل تمثيله وجعله فردا ~~بعد أن كان جمعا، ورضي الشعب بذلك هاتفا لظهوره بينهم بذلك الشكل الموافق. # لم يكد بونابرت يصل إلى ذلك المركز العظيم حتى قدر له أن يتملص من سياييس الذي ترك ~~نفسه ينهمك بإمهار وطني، وأتيح له أيضا أن يعزل روجرديكو الذي وجد لنفسه ملجأ في مجلس ~~الشيوخ، واتخذ له رفيقين جديدين هما لوبرون وكمباسيريس. # كانت أولى أعمال القنصلية أعمالا إصلاحية. فإن قانون الرهائن والقرض الجبري أبطل، ناب ~~التساهل عن الاضطهاد، وسمحت الفلسفة المتربعة على قمة السلطة أن يسترجع المؤمنون ~~كهنتهم ويرفعوا معابدهم، وعاد المهاجرون والمضطهدون جميعهم إلى وطنهم، وقدر لكارنو أن ~~ينتقل من المنفى إلى جمعية العلماء فالوزارة. # بقي بونابرت في عهد حكمه الأول، في حين كان لا يزال ساكنا في لوكسانبرج، محتفظا بذوقه ~~البسيط وعاداته الفطرية التي لم تستطع ساحات الحروب أن تفقده إياها. كان زاهدا في ~~الأكل، إلا أنه كان يشعر بأنه سيصبح أكولا كبيرا ويزول سقمه ليحل محله السمن. ربما كان ~~للاستحمام بالماء الساخن الذي كان يستعمله كثيرا تأثيره على هذا التغيير الأخير. أما النوم ~~فلم يكن يأخذ منه غير سبع ساعات في اليوم، وكان يوصي دائما بأن لا يوقظه أحد إلا إذا ~~كان هناك أمر مكدر، قال: «إذا كان هناك أمر مفرح ms100 فلا حاجة للعجلة، وأما إذا كان ~~الأمر مكدرا فيجب أن لا تضيع دقيقة واحدة.» # كان يستقبل جميع كبراء العصر، بالرغم من الحياة المدنية المتوسطة التي كان يسلكها في ~~قصره القنصلي، وكانت جوزيفين تقوم بالواجبات التشريفية بظرافة سيدة كبيرة من سيدت تلك ~~المجتمعات الفرنسية القديمة. # كان القنصل الأول كثيرا ما يرى مستغرقا في تأملاته وأحلامه فلا يشترك إلا نادرا ~~بالمطارحات اللطيفة في تلك الحلقة اللامعة التي بدأت تتألف في قصره إلا أنه كان أحيانا ~~ينفض عنه ثوب التفكير فيبرهن بعذوبة عباراته، وطلاقة لسانه، وجاذبية بيانه أنه لا ينقصه ~~ليكون رجلا لطيفا، قريبا من القلب إلا أن يريد. ولكن كان يريد ذلك نادرا؛ ما جعل ~~النساء يأسفن لهذا النقص في الإرادة، وكان بونابرت مع حدة مزاجه وسرعة غضبه يخفي ~~نفسا تتدلف بسرعة إلى أرق العواطف وأعذب التأثيرات؛ فبقدر ما هو عبوس وصارم غضوب وفظ، ~~لا يعرف الرحمة قلبه في مشاغله السياسية، وبقدر ما هو وديع وألوف حنون وساذج في العلائق ~~الودية في حياته الساكنة. وبرهانا على ما سردناه الآن من صفات قلبه ننقل فقرة من كتاب ~~أرسله في عام 2 إلى أخيه جوزيف، قال: «إنك تعرف جيدا يا صديقي في أي موقف كنت. إنك لا ~~تستطيع أن تقع على محب أخلص مني يتمنى لك سعادة أكثر من السعادة التي أتمناها لك ~~... # إن الحياة إنما هي حلم خفيف يتبدد بسرعة، فإذا كنت عازما على السفر وتعتقد أن سفرك ~~يطول فأرسل إلي رسمك. إننا عشنا سنوات عديدة جنبا إلى جنب، حتى إن قلبينا اتحدا معا ~~فأصبحا قلبا واحدا. إني أشعر وأنا أكتب إليك بعاطفة لم أشعر بمثلها من قبل، ويخيل ~~إلي أن فراقنا سيطول، وأحس أني لا أقوى على إنجاز رسالتي ...» # كان نابوليون يقول، وهو منهمك في أشغاله السياسية، إنه لا يحب أحدا؛ ذلك لأنه لم يكن ~~منحازا بعاطفة لكائن من كان، إلا أنه إنما كان يترك الطبيعة تستعيد حقوقها في خارج ~~السياسة، ولقد رئي يلطف غبطة النصر وسكرته في ساحات الحروب نفسها، بالرجوع ms101 إلى عواطف كان ~~من حق المهنة الحربية أن تخنقها. ذات يوم، بعد موقعة هائلة من مواقع إيطاليا، كان مارا ~~مع معسكره بين القتلى والمجاريح، فأبصر فجأة كلبا ينوح بالقرب من جثة جندي نمسوي، فقال ~~نابوليون لجنوده: «انظروا أيها الأسياد، فهذا الكلب يعطينا مثلا في الإنسانية.» ولكن، مهما ~~كانت العاطفات التي تمكنت من نفس بونابرت والتي هي أساس الفضائل والسعادة، ومهما كان ~~الجزاء الذي علقه على تلك السعادة؛ فإنه مدين بتضحيته لمجد الشعب الذي جعل نفسه ممثله ~~الوحيد، وإننا لنكرر قولنا: إنه، بالرغم من أن التنظيم الجديد قد عهد بالسلطة التنفيذية إلى ~~ثلاثة قناصل فإن الجميع يدركون أن الحاكم إنما هو واحد لا غير، وأن كمباسيريس ولوبرون ~~إنما هما أقرب إلى شاهدين منهما إلى رفيقين لبونابرت، كان من حق القنصل الأول أن يقوم ~~بأي عمل كان، وكان تالليران قد شعر بذلك قبلا، فعندما رقي إلى منصب وزير للأشغال ~~الخارجية قال له: «أيها القنصل المواطن، لقد عهدت إلي بوزارة الأشغال الخارجية وسأحقق ثقتك، ~~إلا أني أعتقد أنه من الواجب علي أن أصرح لك من الآن بأني لا أريد أن أعمل ~~إلا معك، ليس هناك تشامخ باطل مني، فأنا أكلمك لفائدة فرنسا، فلكي يكون حكمها ~~عادلا، لكي يكون العمل موحدا، يجب أن تكون القنصل الأول، وأن يكون في يد ~~القنصل الأول كل ما من شأنه أن يتعلق رأسا بالسياسة، يعني وزارتي الداخلية، ~~والشرطة للأشغال الداخلية، ووزارتي للأشغال الخارجية، وبعد ذلك الوسيلتان الكبريان ~~للتنفيذ؛ الحربية والبحرية. ويجب إذن أن تعمل هذه الوزارات الخمس معك وحدك. أما ~~إذا شئت، يا حضرة القائد، أن أقول فإني أضيف أنه يصلح أن يعطى القنصل الثاني ~~حق وضع يده على العدلية، وأن يعطى الثالث حق وضع يده على المالية؛ عند ذلك ~~يتاح لك، يا حضرة القائد، أن تصل إلى الغاية النبيلة التي تقصدها وهي تجديد ~~فرنسا.» # وبعد أن خرج الوزير من عنده التفت بونابرت إلى كاتم أسراره قائلا له: «أتعرف أن تالليران حسن الرأي؟ إنه لرجل كبير الإحساس ... ولقد ms102 أثر بي، وإني ~~لأرغب في عمل ما نصحني به، لقد أصاب في قوله: إن من يمشي وحده يمشي بسرعة. إن ~~لوبرون رجل شريف ولكنه لا يحمل سياسة في رأسه؛ فهو يجيد تأليف الكتب. وكمباسيريس ~~مفعم رأسه بسنن الثورة. فيجب أن يكون حكمي حكما جديدا.» # كان يجب أن يفهم الجميع هذا الخلق المجدد؛ لأن أصدقاء الثورة من جهة كانوا يهتفون بصوت ~~واحد للحكومة القنصلية بالرغم من أنها شيدت على أنقاض نظام عام 3 الجمهوري؛ ولأن الشعب ~~المائل إلى القاعدة القديمة كان يرفض اتحاده بالسلطة الجديدة بالرغم من أنها وسمت ~~استقرارها بسمة الحكمة والإصلاح. # خشي القنصل الأول أن يضرم هذا الإصرار الحرب الأهلية في الجهة الغربية؛ فوجه أولا ~~إلى سكان تلك الجهات نداء ليحذرهم من تحريض عملاء إنكلترا. فصادفت هذه التنبيهات ~~المدعومة بجيش مؤلف من ستين ألف رجل نتائج حسنة واستدركت انفجارا عموميا. على أن ~~الزعماء الملكيين الراسخين في استمرارهم وحججهم الشخصية وتنشيط المداولة الأوروبية بقوا ~~مستعدين على إعادة القتال. أما بونابرت الذي لم يكن يستطيع أن يتخذ من هذا القبيل لهجة ~~عدم التعصب التي اتخذها في كل خطبه، فقد وصف بحماسته المعهودة المعاندين الذين ~~حركوا التمرد الملكي، وذلك في منشور أذاعه فيهم وقفهم فيه لاحتقار الأمة وانتقام ~~الجيش. ففهم الملكيون أن وقت الحروب الأهلية قد فات، وأنه لم يبق سبيل لشهر الوقائع ضد ~~ممثل الثورة الجديد فاضطروا أن يذعنوا إلى إغلاق تاريخ الفانده. # إن التضييق على أعداء الجمهورية المعاندين أو معاقبتهم، ومجازاة من يدافع عنها دفاعا ~~شديدا كان العمل المزدوج الذي واصله بونابرت بأشد ما يكون من الحزم وأبعد ما يكون من ~~العدالة. وكما أنه يعرف أن الاستحقاق إنما يرغب في أن يجازى، وزع مائة حسام شرف على ~~الجنود الذين امتازوا بالأعمال المجيدة، فما كان من الشعب، الذي أبصر الشجاعة تمنح سمات ~~الشرف التي كانت في الماضي مخصصة للنبلاء في الوراثة، إلا أن هتف لهذا التوزيع الذي، ~~بعيدا عن أن يمس المساواة التي من أجلها انطلقت الثورة، قرر على أساس العدل ms103 الخالد ~~ومكافأة الخدم والفضائل. والأجمل من ذلك أن يرى بونابرت مثنيا على الشجاعة ومكافئا ~~إياها بإقامة المهرجانات على شرف الرجال الذين ظن أنهم حافظوا عليه في سن كلود من ~~أخطار لم يقتحمها. # إذا كان صحيحا أن بونابرت كان يطلب الشهرة رغبة في تحقيق الأفكار الطماعة التي ~~يغذيها في نفسه، وإذا كان حقا أن عظمته الشخصية، وكبره، وشهرته كانت جميعها تدخل في ~~سائر أعماله الحربية والسياسية، فيجب أن يعرف أيضا أن عظمته وكبره إنما هما عظمة فرنسا ~~وكبرها، وأنه إذا عمل في سبيل مجده الذاتي وفوز أطماعه، وخلوده؛ فإنما هو يعمل لرفعة الشعب ~~ورقيه ومستقبله. أجل، إن السلطة اللا حد لها التي تمتع بها، لم تكن غير واسطة ~~لإعطاء روح المساواة والرقي الحديث فلاحا جديدا لم تكن روح الحرية المقيدة وقتيا ~~بأشكالها الخارجية لتستطيع بعد أن تحققه بنفسها. أما العلماء ورجال الفن فقد نالوا جميع ~~أنواع التنشيط، ونالت الصنائع الوطنية رقيا لم تعهده من قبل، بعد أن كانت الفتن الأهلية ~~قد عرقلت سيرها، ونظم بنك فرنسا، وصدق على عيار الأثقال والقياسات تصديقا قانونيا، ~~وبكلمة واحدة حقق بونابرت بصفته رأس الحكومة الفرنسية كل ما فكر به قبلا، لم يكن سوى ~~قائد جمهوري يرغب في تزيين المتحف الوطني، واستشارة المعلمين، ووضع العلماء على رأس ~~معسكره، ويسعى إلى اكتساب ثقة الشعوب واحترامها بأن يؤثر لقب عضو في المجمع العلمي على ~~لقب قائد للجيوش عظيم. # كان القنصل يرى نفسه سعيدا جدا بأن يرأس الفتوحات العقلية، وينشط رقي العلوم التي ~~حلم بها وهو فتى. كان بونابرت في حداثته يفكر في أن يتفوق على نيوتن، قال: «كنت وأنا ~~فتى أحدث نفسي بأن أصبح مخترعا كنيوتن.» وحدث السيد جوفروا ده سنت هيلير أنه سمع ~~بونابرت يقول: «لقد أصبحت مهنة العسكرية حرفتي من غير أن أختارها.» # بقي نابوليون وفيا لميوله تحت أثقال مشاغله الحربية وفي وسط الانتصارات اليومية التي ~~وسمت مواقعه في إيطاليا؛ ولم يقف عن ترحيب فرنسا ترحيبا سياسيا وعلميا في سبيل الرقي ~~العام. ففي بافي استشار العالم ms104 سكاربا، وفي عام 1801 جرت له مباحثات مع العالم الطبيعي ~~فولتا الذي أغدق عليه العطايا والمراتب العليا، وفي عام 1802 وضع جائزة قدرها ستون ألف ~~فرنك لمن يتمكن باختباراته واكتشافاته أن يدفع الكهرباء قدما إلى الأمام كالتي دفعها ~~فرنكلين وفولتا. وطلب أيضا من المجمع العلمي خلاصة الأعمال القيمة التي عالجتها الثورة في ~~الفنون والآداب والعلوم. # لم يكن اهتمام القنصل الأول منحصرا في تنظيم داخل الجمهورية فحسب، بل كان يفكر في ~~السلام الخارجي الذي أراد أن يجعله حسنة من الحسنات التي وسمت ظهوره في السلطة؛ فجعل ~~سبيلا للمداولات مع ديوان لوندن على يد تالليران، وكتب هو نفسه الرسالة التالية إلى ملك ~~إنكلترا في السادس والعشرين من شهر كانون أول عام 1799، منذ الأيام الأولى التي صعد بها إلى ~~القنصلية مع كمباسيريس ولوبرون: # بونابرت، القنصل الأول في الجمهورية، إلى جلالة ملك بريطانيا العظمى ~~وأيرلندا # أمن حق الحرب التي تتلف جهات العالم الأربع منذ ثماني سنوات أن لا تقف؟ ~~أليس هناك سبيل للتفاهم؟ # كيف تستطيع الأمتان، وهما أعظم أمم أوروبا وأكثرها تنورا، أن تضحيا لأجل ~~فكرة من المجد باطلة بخيرات التجارة، والرقي الداخلي، وهناء العيال؟ كيف لا تشعر ~~بأن السلام إنما هو من الضروريات الأولى كما هو أول المجد؟ # هذه الميول غريبة عن قلب جلالتك التي تسوس أمة حرة وترغب في إسعادها. # إن جلالتك لترى في مفاتحتي هذه رغبتي الأكيدة في العمل للمرة الثانية على ~~الهدوء العام، بخطة سريعة ملؤها الثقة والإخلاص. # إن فرنسا وإنكلترا لتستطيعان، بما لهما من القوة، أن تبقيا طويلا بعد، ذلك ~~الشقاق المؤسف العائد بالويل على الشعوب جميعها؛ ولكني، لا أجد بدا من القول إن ~~مستقبل جميع الأمم الراقية متعلق بنهاية حرب تكتنف جميع العالم. # بونابرت # كانت لهجة بونابرت صادقة؛ إذ إنه لو شاء مواصلة الحرب، لو لم يكن يحب إلا الحرب كما قيل ~~عنه، لما أرغمه مرغم على اتخاذ تلك الخطة المستقيمة بجانب ملك إنكلترا. إنه إنما كان ~~يعلم أن السلم مفيد لحكمه، ولكنه لم يعمل على توطيد حكومته ms105 وجعلها حكومة محبوبة إلا ~~في سبيل فرنسا والرقي الأوروبي. كانت لهجة بونابرت لهجة ديموقراطي أمين على مصالح الثورة، ~~ثم إن الملك المسن رفض البدعة التي حاول القنصل الجمهوري أن يدخلها في المداولة، وأجابه ~~على يد اللورد كرنفيل أن المراسلة التي بدأ بها لا تتفق مع رأيه وكلف اللورد نفسه بأن ~~ينشئ مذكرة ملؤها الشكوى على فرنسا. ففهم بونابرت أنه بحاجة إلى غير مخاطبة العقل ~~والكرم لإرغام هذا العدو العنيد على السلم. إلا أنه لم يشأ أن يبقي على كتفيه ~~خصمين عظيمين كلوندن وفيينا، فحاول أيضا أن يفاتحهما بالسلم إلا أن مساعيه ذهبت أدراج ~~الرياح. # كان قصر لوكسانبرج مقر سلطة ضعيفة خرجت من العصابات الثورية، وسقطت في وسط هتاف فرنسا ~~تحت أثقال المضادات الشعبية التي خلقها امتداد الفوضى ولا يزال يجعلها أشد وأرسخ من ~~يوم إلى يوم. فرأى بونابرت نفسه غير مرتاح إلى سكن كهذا، تحف به ذكريات مؤلمة فظيعة لا ~~تنطبق على موقف حكومة تشعر بالقوة والاتحاد في نفسها وتعمل على توطيد مجدها وبقائها، ~~فكان من الضروري إذن أن يمهد القنصل قصر الملوك مقرا له؛ لأنه إنما كان يعالج سلطة ~~الملوك معالجة حقة، كان من الضروري إذن أن يجعل مقره التويلري المختص برؤساء الأمة، ~~ففي التاسع عشر من شهر كانون الثاني عام 1800 قر رأي القنصل على الانتقال إلى مقره ~~الجديد، فقال لكاتم أسراره: «إذن سننام الليلة في التويلري ... فيجب أن نذهب إليه بموكب، ~~وهذا يضجرني جدا، ولكن أرى من الضروري أن نبهر العيون.» # في الساعة الواحدة تماما ترك بونابرت لوكسنبرج يتبعه موكب فخم من الجنود، فكان الشعب ~~يتهافت إليه في الطرق ليشاهد عن قرب بطل المواقع العديدة الذي سار صيته سير الشمس في ~~مذاهب السماء. كانت العيون كلها شاخصة إلى القنصل الأول تقله مركبة يقودها ستة من ~~الجياد البيض قدمها إليه إمبراطور ألمانيا بعد معاهدة كمبوفورميو، أما كمباسيريس ولوبرون ~~فقد كانا جالسين في مقدم المركبة كأنهما ليسا إلا حاجبين لرفيقهما، اجتاز الموكب قسما ~~كبيرا من باريس، فكان الشعب يستقبله ms106 بالهتاف والدعاء حتى إن السيد ده برويين لم يتمالك أن ~~قال: «إنه لم يكن بحاجة إلى حراسة الشرطة.» # عندما وصل القنصل إلى باحة القصر مر بين الجنود مرور مستعرض إلى جانبه مورات ولان. ~~وساعة اصطفت أمامه الفرق 96 و43 و30، رفع قبعته وانحنى باحترام لدى مشاهدته أعلامها ~~المحرقة بنار العدو والمسودة من البارود، وبعد أن انتهى الاستعراض حل من غير أبهة ~~في المقر الملكي القديم. # على أنه لكي يبعد شبهة تجديد ملوكي فجائي أراد أن يطلق على المقر الملكي اسم ~~قصر الحكومة، ولكي يراعي أكثر من ذلك نزاقة الجمهوريين، أدخل معه إلى مقره الجديد رسوم ~~عظماء رجال العهد القديم الذين كان تذكارهم عزيزا عند أصدقاء الحرية . # إن كل هذه الاحتياطات التي اتخذها القنصل الأول إنما كانت تعلن، مع ميل ملكي، عن ~~ميول منشئه العميقة ومركزه الثوري. # إن الأعمال المصلحة والتنظيمات الكبرى التي قام بها بونابرت كتنظيم بنك فرنسا، وإعادة ~~المهاجرين إلى بلادهم وغير ذلك ... إنما تبتدئ من عهد إقامته في التويلري. # مات واشنطون، فأصدر بونابرت أمرا نشره على الجيش جاء فيه: «إن هذا الرجل قد قاتل ضد ~~الظلم، لقد مكن دعائم الحرية في وطنه؛ فتذكاره يبقى عزيزا عند جميع الشعوب الحرة ولا ~~سيما الشعب الفرنسي الذي حاربت جنوده وتحارب في سبيل الحرية والمساواة. إذن فالقنصل الأول ~~يأمر بأن تعلق الشرائط السود مدة عشرة أيام على أعلام الجمهورية وبيارقها.» في اليوم ~~نفسه أعلن القناصل نتيجة التصويت للحكم الشرعي الجديد، فكان عدد الذين رفضوا الحكم ألفا ~~وخمسمائة واثنين وستين من ثلاثة ملايين واثني عشر ألفا وخمس مائة وتسعة وستين ~~مصوتا. # في أثناء ذلك وصلت إلى الحكومة أخبار عن جيش مصر، وجهها كليبر إلى مجلس الشعب، من غير ~~أن يراعي فيها بونابرت الذي شكاه بأنه هجر جيشه في وسط الضيقة والفاقة، أما القنصل الأول ~~الذي فتح تلك البرقيات بنفسه فقد اغتبط لوقوعها بين يديه، وأجاب كليبر عليها جواب رجل ~~يعرف أن يملك نفسه ويبرهن عن جدارته بإدارة الغير، فكان جوابه نداء موجها إلى ms107 جيش ~~الشرق، وهذا هو: # أيها الجنود # إن قناصل الجمهورية ليهتمون غالبا بجيش الشرق. # إن فرنسا لتعرف كل المعرفة تأثير فتوحاتكم على إحياء تجارتها ورقي العالم، ثم ~~إن أوروبا جميعها شاخصة إليكم، وإني معكم بالفكر دائما. # كونوا دائما جنود ريفوليو وأبو قير فلا تقهروا قط. # احملوا إلى كليبر تلك الثقة اللا حد لها التي حملتموها إلي فإنه ~~يستحقها. # أيها الجنود، فكروا باليوم الذي تدخلون فيه منتصرين إلى الأرض المباركة؛ فإنه ~~سيكون يوما مجيدا للأمة جميعها. # على أن بلاط فيينا، العائد من الانحطاط الذي أوقعته به انكساراته العديدة في مواقع ~~إيطاليا المشهودة، كان قد أذعن مرة أخرى لحقده المزمن ضد الجمهورية الفرنسية، وهرول ~~للانضمام إلى سياسة الديوان الإنكليزي دافعا إلى الوراء جميع مطاليب بونابرت الهادئة. عند ~~هذا أمر القنصل الأول بتأليف جيش احتياطي في ديجون مؤلف من ستين ألف رجل عهد ~~بقيادته إلى برتيه الذي ناب عنه كارنو في وزارة الحربية، إلا أنه ما لبث أن ذهب هو نفسه ~~فاستلم قيادة ذلك الجيش وألف منه جيش إيطاليا الجديد. # خرج من باريس في السادس من أيار فوصل في الخامس عشر منه إلى جبل سن برنار الذي اجتازه ~~بثلاثة أيام. في اليوم الثامن عشر كتب بونابرت من معسكره في مارتيني إلى وزير الداخلية ~~ليبشره بأن ذلك الممر الصعب قد عبر، وأن الجيش يدخل الأرض الإيطالية في الواحد ~~والعشرين. قال: «أيها الوزير المواطن، إنني على أقدام جبال الألب الكبرى في وسط الفاله. # 1 # إن الكران سن برنار # 2 # قد عرض لنا عوائق كثيرة اخترقت جميعها بتلك الشجاعة النادرة التي تميز الكتائب ~~الفرنسية عن سواها في جميع المواقف، إن ثلث المدفعية قد أصبح الآن في إيطاليا، وبرتيه هو في ~~بييمونت. كل يعبر بعد ثلاثة أيام.» # وبالحقيقة جرى كل شيء بنظام وسرعة كما توقعه القنصل الأول، وبعد أن استولوا على مدينة ~~أوست، رأى الجيش نفسه أمام قلعة بار المنيعة بسبب وجودها على صخر عمودي يسد واديا عميقا ~~لا بد من اجتيازه. # كان لا سبيل إلى خرق هذا ms108 الحاجز إلا بحفر مسلك في الصخر تعبر منه الخيالة ~~والمشاة، وبعد أن أجرى ذلك غلفت دواليب العجلات والمدافع بالقش، في ليلة حالكة، ~~وهكذا أتيح لهم أن يتجاوزوا القلعة عابرين مدينة بار الصغيرة تحت نار اثنين وعشرين ~~مدفعا كان ضررها طفيفا على الجمهوريين. # في أوائل حزيران زحف المعسكر إلى ميلان حيث وجه بونابرت إلى الجيش النداء التالي بعد أن ~~أمر بتجديد الجمهورية السيزاليينية: # 3 # أيها الجنود # كانت إحدى مقاطعاتنا تحت سلطة العدو، كان الحزن شاملا شمال فرنسا جميعه، كما أن ~~القسم الأكبر من الأرض الليكورينية، # 4 # وهي الأرض الأمينة على صداقة الجمهورية، إنما كانت عرضة للغزوات ~~والمظالم. # إن الجمهورية السيزاليينية التي تلاشت منذ الحملة الماضية كانت قد أصبحت ألعوبة ~~السياسة الإقطاعية المسخة. أيها الجنود، إنكم تزحفون، ولقد نجت الأرض الفرنسية، ~~وأتيح للأمل في وطننا أن ينوب عن الكآبة والمخاوف، إنكم ستعيدون الحرية ~~والاستقلال إلى شعب جنوا، وسينجو إلى الأبد من أعدائه الأبديين. # إنكم الآن لفي عاصمة السيزاليين، ولم يبق للعدو الخائف أمل بسوى العودة إلى ~~حدوده، فلقد جردتموه من مستشفياته ومخازنه وحظائر مؤنته. # لقد انتهى أول عمل من أعمال الحملة، وإنكم لتسمعون كل يوم الملايين من الرجال ~~يوجهون إليكم عبارات الثناء. ولكن أتدعون الجيش الذي حمل الحزن إلى عيالكم ~~يعود إلى مآويه؟ بل تزحفون إليه! # أسرعوا إلى مطاردته، وانزعوا منه أكاليل الغار التي تزين بها، وأفهموا ~~العالم أن اللعنة إنما تقع على الأغبياء الذين يجرءون على إهانة أرض الشعب ~~الكبير. # إن نتيجة جهودنا ستكون مجدا من غير غيوم وسلاما مكينا. # إن المجد الساطع الذي لا غيوم عليه إنما كان منذ زمن طويل حليف الجيش الفرنسي وقائده، ~~غير أن السلام المكين كان صعب المنال، في التاسع من حزيران عبر بونابرت البو وقاتل ~~الإمبراطوريين في مونتيبللو حيث قدر لأحد ملازميه الجنرال لان أن يجعل اسمه خالدا. في ~~الرابع عشر منه قاتل الإمبراطوريين مرة أخرى في سهول مارنغو وانتصر عليهم انتصارا أكسب ~~الجيش الجمهوري مجدا لم يكسبه مثله في جميع المواقع التي امتاز بها. ms109 لنترك المنتصر نفسه ~~يسرد تفصيل تلك الموقعة المشهودة، قال: «بعد موقعة مونتيبللو، زحف الجيش ليعبر السييرا. في الرابع والعشرين من الشهر ~~التقت فرقة الحرس التي يقودها الجنرال غاردان بالعدو فقهرته وغنمت منه مدفعين ~~ومائة أسير. # وفي الوقت نفسه وصلت فرقة القائد شابران عن طريق البو، تجاه فالنس، لتمنع العدو ~~من عبور هذا النهر؛ وهكذا أصبح ميلاس محصورا بين البورميدا والبو. في الخامس ~~والعشرين صباحا عبر العدو البورميدا على الجسور الثلاثة التي تخصه بالقرب من ~~ألكسندري وعزم أن يجعل له منفذا، ثم فاجأ فرقة الحرس وبدأ بكل ما أوتيه من الشدة ~~بموقعة مارنغو المشهودة التي تصرفت أخيرا بمستقبل إيطاليا والجيش ~~النمسوي. # تقهقرنا في الموقعة أربع مرات وتقدمنا أربعا، وغنمنا ستين مدفعا في مواقف ~~مختلفة وساعات متفاوتة، ثم خسرناها ثم استرجعت. # كانت الساعة الثالثة بعد الظهر عندما تجاوز ميمنتنا عشرة آلاف من المشاة في سبل ~~سن جوليان الجميل؛ كان يعضدهم صف من الخيالة وكثير من المدافع، عند هذا وضعت ~~رماحة الحرس في وسط ذلك السهل الفسيح كمتراس من الصوان فلم يستطع أحد سبيلا ~~إلى خرقها، بالرغم من اتجاه الخيالة والمشاة والمدفعية ضدها. # هذه المقاومة الشديدة قمعت ميسرة العدو، وأتاحت لميمنتنا أن تثبت حتى وصول القائد ~~مونيه الذي أخذ بالحراب قرية كاستيل سيريولو. # كان العدو يتقدم على طول الخط مطلقا قنابل مائة مدفع ونيف، وكانت الطرق ~~ملأى بالهاربين والجرحى والجثث. في تلك الساعة خيل لنا أننا سنخسر الموقعة، ~~ولكننا تركنا العدو يتقدم حتى مسافة رصاصة بندقية من قرية سن جوليان، حيث كانت ~~فرقة دوزه مهيأة للقتال بثمانية مدافع خفيفة إلى الأمام وكتيبتين لعضد الجانحين. ~~وكان الهاربون جميعهم يتجمعون وراءنا. إلا أن العدو كان يرتكب هفوات تشير ~~إلى قرب نكبته؛ إذ إنه إنما كان يبسط أجنحته أكثر من اللازم. # في تلك الساعة التفت القنصل إلى الكتائب، وقال لها: «أيها الأبناء، تذكروا أني ~~تعودت النوم في ساحات القتال!» عند هذا هجم دوزه على العدو بين صراخ: «لتحي ~~الجمهورية! ليحي القنصل الأول!» وما هي إلا هنيهة ms110 حتى تضعضع العدو، وهجم ~~الجنرال كيلليرمان هجوما شديدا نجم عنه أن أسر ستة آلاف رجل والقائد زاخ وقتل ~~كثير من قواد العدو، وهكذا دب الذعر والحزن في صفوف الأعداء. # أما الخيالة النمسوية فقد كانت هجمت إلى الوسط لتحمي المندحرين، فلاقاها قائد ~~الفرقة يسيير على رأس رماحة الحرس وعالج في الهجوم نشاطا عظيما حتى خرق صف ~~خيالة العدو وتم له بذلك أن شتت الجيش جميعه. # غنمنا خمسة عشر علما، وأربعين مدفعا، ومن ستة إلى ثمانية ألف أسير، وبقي ~~في ساحة القتال أكثر من ستة آلاف عدو. # لقد استحقت المدفعية الخفيفة التاسعة لقب «بلا مثيل»، وفرقتا الخيالة ~~الجسيمة، و«الدراغون» الثامنة نالتا من المجد قسطا عظيما، أما خسارتنا فهي ~~فادحة أيضا؛ لقد قتل منا ستمائة رجل، وجرح ألف وخمسمائة، وأسر تسع ~~مائة. # جرح القواد شالبو، ومارمون، وبوده. # إلا أن خسارة فادحة، أثرت في الجيش تأثيرا عظيما وستؤثر في الجمهورية ~~أيضا، أغلقت قلبنا في وجه الغبطة؛ أصيب دوزه برصاصة لدى أول هجوم فرقته ~~فمات على الأثر، من غير أن يترك له القدر فرصة يقول فيها إلا هذه العبارة ~~التي قالها للوبرون الفتى الذي كان معه: «اذهب وقل للقنصل الأول: إنني أموت آسفا ~~على عدم تمكني من القيام بعمل يذكر لأعيش في صدور الأجيال.» # لقد أصيب القائد دوزه بثلاثة جراح في مدة حياته، وسقط تحته أربعة جياد، لم يلحق بمعسكره ~~إلا منذ ثلاثة أيام، وكان مشتاقا للقتال اشتياقا عظيما، حتى إنه قال مرارا لمعاونيه: ~~«لقد مضى وقت طويل من غير أن أحارب في أوروبا، حتى أصبحت القنابل لا تعرفني.» وعندما بلغ ~~القنصل الأول نبأ مقتل دوزه لم يفه بسوى هذه العبارة: «لم لم يسمح لي بأن أبكي؟» ~~نقلت جثته إلى ميلان لتحنط هناك.» # سلمت معركة مارنغو البييمونت ولمومباردي إلى فرنسا، بقي القنصل الأول بعض أيام في ~~إيطاليا، وجرى له في ميلان استقبال حافل حتى إن القسوس أنفسهم اشتركوا بهذا الاحتفال ~~العمومي، أما نابوليون فلكي يحظى بعضدهم خاطب قسوس تلك العاصمة بهذه الكلمات: «رؤساء دين هو ms111 ديني، إني أعتبركم كأعز أصدقائي، وأصرح لكم بأنني أعد ~~مقلقا الراحة العمومية، وأعاقب عقابا شديدا وإذا اقتضى الأمر أعدم كل من ~~يوجه إهانة ولو صغيرة إلى ديننا، أو يجرؤ على هتك حرمة ذواتكم ~~المقدسة. # إن الفلاسفة العصريين سعوا كثيرا ليحققوا لفرنسا أن الدين الكاثوليكي إنما هو ~~عدو لكل قاعدة ديموقراطية وكل حكومة جمهورية، ومن هنا نجمت تلك الاضطهادات التي ~~عالجتها الجمهورية الفرنسية ضد الدين ورؤسائه، أنا أيضا فيلسوف، وأعرف أن لا رجل ~~في العالم يتاح له أن يكون فضيلا وحكيما إذا جهل من أين جاء وإلى أين يذهب. إن ~~العقل البسيط لا يستطيع أن يوفر لنا نورا كافيا لمعرفة ذلك، ولولا الدين لمشى ~~الإنسان طوال حياته في الظلمات، ثم إن الدين الكاثوليكي هو الدين الوحيد الذي يهب ~~الرجل أنوارا لا تضل تهديه إلى الصراط القويم» ... كان بونابرت يقول: «إني لا أرى ~~في الدين سر التجسد بل أرى فيه سر النظام العالمي، إنه ينيط بالسماء فكرة ~~مساواة تحفظ الغني من تعديات الفقير ... وإننا عرفنا جمهوريات وديموقراطيات، ولم ~~نعرف أمة من غير دين وعبادة وكهنة.» # بعد أن مر بضعة أيام على فتح بونابرت إيطاليا للمرة الثانية أسرع بالعودة إلى فرنسا، في ~~السادس والعشرين من حزيران أشار بنقل جثة دوزه إلى جبل سن برنار، وأمر برفع تمثال في ذلك ~~المكان لذكرى هذا البطل الفتى. في الثلاثين منه وصل إلى ليون حيث أراد أن يقوم بعمل مصلح ~~يكافئ به هذه المدينة الصناعية على ثباتها في التعلق به ومحبتها إياه، فأمر بترميم جهات ~~بيللكور الأمامية ووضع هو نفسه الحجر الأول لها. # في الثالث من شهر تموز، أي قبل سفره من باريس بشهرين، دخل منتصرا إلى هذه العاصمة بين ~~هتاف شعب غفير. وأول عمل شرع به هو مكافأة شجاعة رفاقه الحربيين. وكان قد منح لاتور دوفرني ~~الباسل لقب «جندي الجمهورية الأول» على أقدام جبل سن برنار، فرفض هذا كل تقدم. وعند ~~عودته، بعد حملة سريعة كللت بنصر باهر، أراد أن يقوم بمنح رتب عديدة وتوزيع شهادات ms112 ~~شرف. # بينما كان القنصل الأول يستعيد ببعض أيام أجمل قسمة من إيطاليا، كان برون وبرنادوت قد ~~سكنا بريطانيا، وقرر عيد عظيم بمناسبة اتحاد الفرنسيين جميعهم، أما هذا العيد فقد ~~عين في الرابع عشر من تموز، ولكيلا يفوت هذا المهرجان شيء من مجالي الأبهة والعظمة عين ~~في النهار نفسه وضع الحجارة الأولى من الأعمدة الإقليمية والعمود الوطني؛ الأولى ترفع في ~~كل قصبة من الأقاليم، والآخر في باريس، ساحة فاندوم، وجميعها لمجد البسلاء الذين ماتوا ~~في سبيل الوطن والحرية. والشان ده مرس # 5 # الذي استقبل جميع نواب حرس فرنسا الوطنيين، يوم احتفل للمرة الأولى بعيد تموز، ~~في ذلك اليوم المشهود، يوم المعاهدة الذي سعي في جعله يوما دينيا، والذي مثل فيه ~~لافاييت الوطنية المولودة ومثل تالليران الإيمان المحتضر؛ قلنا: إن الشان ده مرس أبصر بعد ~~عشر سنوات مرت بالاضطرابات الأهلية والحروب الخارجية المحامين عن الثورة مجتمعين في ~~باحته الفسيحة، لا ليقسموا - هذه المرة - على الانتصار أو الموت، بل ليروا نواب الجيش ~~يشهدون علنا أن قسم نواب الحرس الوطني قد تمم بمجد عظيم وأن فرنسا الحديثة قد قهرت ~~أوروبا المسنة، وعندما قدمت فرقة من الضباط أرسلها جيشا الرين وإيطاليا فنشرت أمام ~~القناصل الأعلام التي غنمتها من الأعداء لترفعها إلى الحكومة كتحية للوطن نهض بونابرت ~~ووجه إليها هذه الكلمات النبيلة: «إن الأعلام المرفوعة إلى الحكومة أمام شعب هذه العاصمة الكبرى لتشهد بنبوغ القواد ~~مورو وماسينا وبرتيه، ومناقب القواد العسكرية وملازميهم وشجاعة الجندي ~~الفرنسي. # عندما تعودون إلى المعسكر بلغوا الجنود أن الشعب الفرنسي ينتظر في الأول من ~~فنديميير يوم الاحتفال بعيد الجمهورية، إما عقد الصلح وإما، إذا أقدم العدو ~~على إقامة حواجز دونه، أعلاما جديدة ثمرة انتصارات أخر.» # وختم هذا اليوم المشهود بوليمة أقامها القنصل الأول لأصحاب المراتب العليا في الجمهورية ~~شرب فيها نخب الشعب الفرنسي قائلا: «أشرب نخب 14 تموز والشعب الفرنسي، صاحب السلطة.» # | الفصل السابع # بعد مرور شهر اهتم بونابرت بتنظيم شورى الدولة وتعيين أعضائه، وفي الثالث من أيلول عقد ~~معاهدة حبية تجارية ms113 بين فرنسا والولايات المتحدة، وفي العشرين منه عين مؤتمرا آخر في ~~لونيفيل مثل فيه الجمهورية بالقائد كلارك، وذلك عند رفض الإمبراطور توقيع شروط ~~الصلح. # لم يكن عيد أول فنديميير أقل أبهة من عيد 14 تموز، فقد حضره نواب المقاطعات جميعها، ~~ووضع فيه الحجر الأول للتمثال الوطني في ساحة النصر لذكرى دوزه وكليبر اللذين سقطا معا في ~~يوم واحد، الأول في مارنغو تحت نار العدو، والآخر في القاهرة تحت خنجر أحد القتلة المماليك، ~~ثم إن نقل رفات تورين # 1 # إلى هيكل مرس زاد على أبهة عيد تأسيس الجمهورية؛ فقد لفظ وزير الحربية كارنو ~~خطبة بليغة بهذه المناسبة مدح فيها المحارب الخالد الذي تحتفل فرنسا بنقل رفاته. كانت ~~الخطبة تفصح عن العلوم العسكرية، والنبوغ الوديع ، والفضائل المجردة التي كان ينطوي عليها ~~قائد الملكية العظيم. ولقد عرف كارنو أن يمزج مع اسمي كليبر ودوزه اسم لاتور دوفرني الباسل ~~العالم الذي يكاد يقتل في ألمانيا. على أنه، بالرغم من أبهة الأعياد الأهلية والجهود ~~المتوالية التي قام بها القنصل ليخفي أفكاره العميقة، كانت الطريقة التي استولى بها على ~~السلطة والاستعدادات التي أظهرها بعد ذلك، تشير إلى عدم رغبته في بقاء النظم ~~الجمهورية؛ ما جعل القدماء في خدمة الجمهورية أن يسخطوا سخطا شديدا وينقلب البعض منهم على ~~بونابرت فيحاولوا قتله كما يجب أن يقتل المختلس القاتل. كان بين هؤلاء النائب السابق ~~أرنيا، والنحات سيراكشي، وتوبينو لوبرون، تلميذ دافيد، ودامرفيل، فاستغل أحد البائسين ~~واسمه هريل حقدهم على بونابرت وأدخلهم في مؤامرة ثم وشى بهم إلى الشرطة، وهكذا كانت نجاة ~~القنصل الأول من هؤلاء المؤامرين. # أما المحازبون البوربونيون الذين خيل لهم بادئ ذي بدء أن سيروا في بونابرت «مونك» # 2 # آخر وانتهوا بأن قطعوا الأمل من هذه الفكرة، فقد أخذوا يتحزبون ضده، وما لبثت ~~العداوة الأجنبية أن انضمت إليهم وانطلقت عند ذلك الآلة الجهنمية. جرى ذلك في الثالث من نيفوز. # 3 # كان القنصل الأول متجها إلى الأوبرا يصحبه لان وبرتيه ولوريستون، فعندما بلغ ~~شارع سن نيكيز دهش لانفجار ms114 برميل بارود موضوع على عجلة، ولو تأخر عشر ثوان لقضي عليه ~~وعلى حاشيته، إلا أن سائق مركبته الذي كان سكران سوط على الجياد بأشد من العادة، فأنقذت ~~هذه السرعة العظيمة الرجل الذي لو مات لقلب موته مقدرات فرنسا وأوروبا جميعا. صرخ ~~القنصل الأول قائلا: «لقد لغمنا!» وألح لان وبرتيه بالعودة إلى التويلري، فقال بونابرت: ~~«لا، بل إلى الأوبرا!» وحقا ظهر بونابرت في الأوبرا وجلس في مقدم لوجه حيث أبرز جبينه ~~صافيا هادئا كما لو كان الاطمئنان كله حالا في نفسه، وبعد مرور مدة قصيرة استسلم ~~لتأثراته الشديدة فأسرع إلى التويلري حيث كانت تزدحم ذاتيات العصر لترى ماذا جرى وما ~~سيجري، ولم يكد يتوسط هؤلاء الكبراء حتى استسلم لصاعقة خلقه فقال لهم بصوت شديد: «هذا ~~هو عمل الجاكوبيين! ... إن الجاكوبيين هم الذين أرادوا أن يقتلوني! ... ليس هناك أشراف ولا ~~كهنة! ... بل هناك أيلوليون # 4 # وقتلة تغمرهم الوحول لم يكن شأنهم إلا التمرد على جميع الحكومات التي ~~تعاقبت. إنهم فنانون ومصورون! # 5 # هم قتلة فرسايل، ولصوص 31 أيار، ومسببو الجرائم المقترفة ضد الحكومات، ~~يجب أن يسحقوا جميعهم، يجب أن تطهر فرنسا من هؤلاء الأسافل القذرين، يجب أن لا يشفق ~~على قتلة كهؤلاء! ...» # هذه الكلمات أعيدت مرة أخرى في جواب لفظه القنصل الأول على مسمع وفد مقاطعة ~~السين، إلا أن الأمر الفظيع هو أنها أتبعت أيضا بتعذيب الضحايا التي سلمها هريل إلى ~~الشرطة، وبنفي مائة وثلاثين مواطنا اشتبه بهم لاستمرارهم في وطنيتهم الحقة ومحافظتهم ~~عليها محافظة شديدة. أما فوشه وزير الشرطة الذي كان يسعى إلى تبرئة ساحته من الاشتراك في ~~الجريمة، فقد أظهر غيرة لم يظهر مثلها أحد في معاقبة المجرمين؛ والاستعدادت التي ~~طرحها على القنصل الأول نالت موافقته، ولكن بعد شهر ثبت له أن الجريمة كانت تخص الملكيين، ~~وتأكد أن الجاسوسيين كاربون وسن ريجن هما مسببان هذا التعدي فحكم عليهما بالموت ~~ونفذ الحكم، إلا أن هذا العقاب العادل لم يلغ الخطة التي اتخذتها الحكومة ضد ~~الديموقراطيين الأبرياء الذين أوشكوا أن يذهبوا ضحية ms115 السخط العمومي لدى مرورهم في ~~نانت. # هذه العدالة صادفت عددا قليلا من المخالفين؛ لأنها كانت من جهة بونابرت، ولقد خاطر ~~الأميرال تروكه ببعض ملاحظات مرجعها لصالح الحزب الذي يذهب في مذهبه، وتشكى من أن ~~الروح العمومية قد أفسدتها نشرات من شأنها ترويج العودة إلى الحكم الملكي الوراثي. هذه ~~المخاطرة كانت ترمز إلى كتابة عنوانها «مقابلة بين القيصر، وكرومويل، وبونابرت» نشرت ~~تحت رعاية وزير الداخلية وأعدت لسبر استعدادات الشعب الفرنسي للثورة التي كان بونابرت ~~عازما على إطلاقها. # إن الكتابات والمناشير التي خصصت لتهيئة الأفكار إلى ثورة جديدة في شكل حكومة، لم تنل ~~قبولا من الشعب الذي كان القنصل الأول يعلق آمالا على تعلقه به ومحبته إياه. إلا ~~أن الآلة الجهنمية فتحت سبيلا لإيجاد محاكم استثنائية لم تلبث أن أصبحت آلات سريعة في ~~يد السلطة المطلقة التي كان القنصل الأول يتمتع بها - حقا - في فرنسا. هذا التنظيم ~~الرهيب هيج في «التريبونه» # 6 # المعارضة الباسلة التي قام بها بانجمين كونستان، # 7 # ودونو، وجنكنه، وشينيه، وإسنار، وغيرهم. وهيج في مجلس الشيوخ أربعة أصوات ~~كريمة هي أصوات لامبريك، ولانجونيه، وكارا، ولونوار لاروش. إلا أن المحامين عن الحرية ~~الوطنية كانوا الأقلية، فأتيح للقنصل أن يحقق رغائبه بسهولة تامة. # كان يرى إلى جنب هذه الخطط الرجعية أعمال مجيدة من حقها أن ترفع عاليا مجد فرنسا ~~وعظمتها. كانت الطرق والترع تنفتح من جميع الجهات؛ والفنون الجميلة تكسب عزة ورونقا من ~~يوم إلى يوم، ولقد نشطت الاكتشافات العلمية، ودخلت التجارة والصناعة في طرق كانت لا تزال ~~مجهولة. # في السابع عشر من كانون الثاني عام 1801 أمر بتنظيم شركة أفريقيا، وشخص القنصل الأول ~~إلى جبال أتلاس # 8 # ساعيا إلى احتضان فوائد الرقي عند الشعوب المهذبة والهمجية فعهد إلى القائد ~~تورو بأن يرأس تخطيط طريق سنبلون الجميلة. # 9 # في التاسع من شباط وقع الصلح البري في لونيفيل. عند هذا اغتنم بونابرت ~~الفرصة ليشكو الديوان الإنكليزي بأنه الحاجز الوحيد دون السلام العالمي. فقال للفرقة ~~التشريعية والتريبونه: «فيم هذه المعاهدة ليست معاهدة السلام ms116 العمومي؟ إن السلام العمومي، ~~إنما هو أمنية فرنسا، هو الغاية الكبرى من جهود الحكومة، إلا أن هذه الجهود ذهبت أدراج ~~الرياح. وإن أوروبا جمعاء لتعرف حق المعرفة مساعي الوزارة البريطانية في سبيل إسقاط ~~مداولات لونيفيل.» ثم بعد ذلك قال مجيبا على التهنئات التي وجهتها إليه الفرقة ~~التشريعية: «إن جميع السلطات ستنفق على إدخال إنكلترا في طريق الاعتدال والإنصاف ~~والعقل.» # أما معاهدة لونيفيل التي عقدت خصيصى مع بلاط فيينا فقد أتبعت بمعاهدات خصوصية مع ~~نابولي ومدريد وبارم. في ذلك الوقت أوجد بونابرت مقاطعات روبر، والسار، والرين وموزيل، ~~والمون تونير، وبما أن توسيع الجمهورية وتهدئتها كان من حقهما أن يساعدا على إفلاحه ~~المادي فقد أجاز لنفسه تنظيم بنايات تجارية، وأمر بأن يقام كل عام من 17 إلى 22 أيلول ~~معرض عمومي لحاصلات الصناعة الفرنسية، على أنه لم يكف القنصل الأول أنه قهر أوروبا، ~~وهدأ فرنسا، وأحيا التجارة والصناعة، ونشط الفنون الجميلة والعلوم، بل كان يشعر في وسط ~~أعماله المجيدة بأن خطته في تجديد التنظيمات إنما كانت غير كاملة وأنه لا يزال ينقصه شيء ~~بعد لإكمال بنائه وهو مركز للدين. لم يكن بونابرت قد احتقره، بدون شك، ولكن لم يدبر ~~شيء لأجله، لا في المعاهدات ولا في القوانين، فلكي يعين القنصل ذلك المركز الجديد على ~~أساس شرعي دخل في مداولة مع روما وعقد اتفاقا مع بيوس السابع، أما الفلاسفة الذين كانوا ~~رضوا بثورة برومير؛ لأنها أثبتت حظهم الفجائي فقد شرعوا يصرخون ضد تلك الرجعة الدينية، ~~وربما رغبوا في أن يعلن بونابرت نفسه رئيسا للكنيسة الفرنسية ويقطع بينه وبين السدة ~~الرسولية. إلا أن القنصل الأول كان يفهم تطلبات دين الأكثرية بشكل آخر، ويخشى أن يجرح ~~الأشخاص البارزين في الأمة. # في مدة الثورة، وعلى عهد حكم الفلسفة الظالم، كان الفراغ الذي تركه في الدولة غياب الدين ~~قد أثر ببعض رجال، فحاولوا أن يشيدوه بإقامة الاحتفالات الدينية في المعابد وغيرها. قال ~~روبسبيير يوم ذاك: «إن الذي يستطيع أن يملأ فراغ الألوهة يعد في نظري أعجوبة في ms117 ~~النبوغ، وأما الذي يحاول أن ينفيها من روح الرجال من غير أن يسد ذلك الفراغ فهو أعجوبة ~~في الحماقة والفساد!» # أما بونابرت فلم تكن المعتقدات الدينية في نظره سوى أوهام باطلة نسجها الزمن، أو ~~خيالات نشأت في أذهان الشعوب منذ مدرجها وقد حاربها العقل طويلا لأنها حالت دون رقيه. ~~وكان يقول عن الدين المسيحي نفسه، الذي سماه الدين الحقيقي: إن العلم والتاريخ إنما هما ~~عدوان شديدان له. # لقد نسي بونابرت، وهو يعزو هذه العداوة إلى المسيحية من غير أن يبين الوقت والمكان، ~~العلاقة المكينة التي كانت بين الدين والعلم بين الدين والسياسة، عهد نشأة المجتمعات ~~العصرية، وفي منازعات المعتقدات المسيحية والعادات الشريفة ضد تقاليد العالم الهرطوقي ~~الممقوتة ومعتقدات الأمم الوثنية السمجة. ولو اعتقد بونابرت بتفوق الدين في المستقبل ~~لفكر في أن هذا الدين لم يبق بإمكانه، بعد أن مر عليه ثلاثة قرون من الاعتراضات ~~والشكوك الفلسفية، بعد أن مر عليه باكون وديكارت، فولتير وروسو؛ لم يبق بإمكانه أن يعود ~~إلى ما كان عليه في القرون الوسطى، ولكان أتيح له أن يضيف على الفاتح الشارع ورجل ~~الثورة السياسي لقب مصلح ديني. إلا أن بونابرت - نكرر القول - لم يكن يرى في ~~الأديان الوضعية، كفيلسوف، غير أعداء أبديين للدين والمعارف، وكرجل سياسي، غير وسائل ~~للضغط على الشعب، غير أنه عندما رأى أن أكثرية الشعب الفرنسي متمسكة بالكثلكة تمسكا ~~مكينا لم يجد بدا من مساعدة البابا على تنظيم مصالح المذهب الكاثوليكي، ومن الظهور ~~بمظهر راغب في أن يرجع إلى الكنيسة والأسقفية جلالهما القديم، ولقد عزم أن يخفي آراءه ~~الخصوصية تحت مظاهر إيمان علني فاقتحم سخرية بلاطه الفولتيري وحضر قداسا في نوتردام ~~بمناسبة اتفاقية الصلح مع إنكلترا التي عقدت في أميان. حضر الاحتفال الديني جميع الأشخاص ~~البارزين في العصر، وعندما أدرك لان وأجرو، وهما ذاهبان مع الموكب القنصلي، أنهما يتجهان ~~إلى القداس حاولا أن يرجعا، فأشار إليهما بونابرت بالبقاء، وفي اليوم التالي سأل بونابرت ~~أوجرو، مازحا، كيف رأى الاحتفال، فأجابه جندي أركول ولودي الباسل: «جميلا ms118 جدا، لم يكن ~~ينقصه إلا المليون رجل الذين قتلوا ليهدموا ما نجدده.» # كان جواب أوجرو مرا، فالمليون رجل لم يموتوا ليلاشوا الدين، بل ليمنعوا رجوع تطرفات ~~الدين، رجوع العشور، والتبرئات، والامتيازات الإكليريكية، إن الثورة إنما محقت التقاليد ~~المسيحية لتنيب عنها العقل، لم تكن غايتها أن تنصر حزبا على آخر، وتحرر العبيد ~~لتستعبد الأسياد، أو أن تجعل للفلسفة سبيلا تصل منها إلى إماتة الدين، وأن لا تهب العالم ~~إلا عار الأعياد الزحلية، # 10 # بل كانت غايتها أن تخلق حقا جديدا يصون أعضاء الأمة من أي مذهب كانوا. وبقدر ~~ما كانت شديدة الوطء على الكهنة عندما اقتضى الأمر أن تنزع منهم القسمة الفنية التي وهبها ~~إياها النظام القديم في توزيع الامتيازات الاجتماعية كانت تسعى في أن تبرهن أن شدتها لم ~~تقصد إلا عدم المساواة التي مهدت لصالح الإكليروس ، ولم تطبق إلا على عداوة أصحاب ~~الامتيازات المختلسين، وإذا كانت هذه العداوة قد أدت إلى إغلاق المعابد، وتهييج رسل ~~العقل، وجعل الكنائس منتديات طوال مدة القتال، فمن الضروري أن تبرهن الثورة المنتصرة بصوت ~~رنان لدى استتباب السلام أنها لم تكن عدوة الإكليروس إلا اضطرارا، وأنه لم يكن بينها ~~وبين الدين تنافر قط، بل هي مستعدة لأن تمارس الاعتقادات الدينية التي هي غذاء الشعوب. ~~تلك هي المظاهرة الضرورية التي قامت بها الثورة في تداولها مع روما ونشرها الاتفاقية، ~~وذهابها إلى الكنيسة بعظمة احتفالية في شخص أعظم أبنائها وأشهر ترجمان فيها. قال بونابرت في ~~مذكراته: «إن اتفاق 1801 الكنسي إنما كان ضروريا للدين وللجمهورية وللحكومة ... لقد ~~أوقف الانقلابات عند حدها، وبدد جميع شكوك مشتري الأملاك الوطنية، وقطع الخيط ~~الأخير الذي كان يربط السلالة الملكية القديمة بالبلاد.» وقال في إحدى خطبه: «إن كان ~~البابا غير موجود فمن الضروري إيجاده في مثل هذه الظروف كما كان القناصل الرومانيون يعملون ~~ديكتاتورا في المواقف الحرجة.» # عندما وفق بين البابا وبونابرت، أعطي هذا ضمانا جديدا لتثبيت تلك العلاقة الجديدة ~~بأن أسس ممالك في الأرض الإيطالية التي كان يرغب في الماضي أن ms119 يملأها جمهوريات، فأصبحت ~~التوسكان مملكة صغيرة أعطي عرشها إلى دوق ده بارم الذي سلخت عنه ممالكه لتضاف إلى لومباردي. # 11 # زار هذا الأمير عاصمة فرنسا تحت اسم الكونت ده ليفورن فأقيمت له احتفالات ~~باهرة ظهرت فيها للمرة الثانية العظمة الأريستوقراطية القديمة. إلا أن تلك الاحتفالات لم ~~تستطع أن تخفي قصور ذلك الأمير وعدم كفاءته، وعندما سئل بونابرت سؤال دهشة عن السبب الذي ~~دعا إلى رفع رجل كهذا إلى المقام السامي أجاب: «هكذا شاءت السياسة، ثم لا بأس بأن يرى ~~الشباب الذين لم يروا ملوكا بعد كيف يكون الملوك.» # ألا يعني هذا الكلام أن أفكاره الخفية في إعادة الملكية إنما كانت دائما تحمل الطابع ~~الثوري، وأنه إذا كانت الجمعية الشارعة والاتفاقية قد حاربا الملكية في الملك، فهو ~~يكمل عملهما بأن يمحق الملكية بإقامة ملوك؟ # | الفصل الثامن # إن الفراغ الذي تركته الثورة الفرنسية في القاعدة الأوروبية القديمة كان بعيدا عن أن ~~يملأ، بل إنه، بالعكس، أخذ يتسع شمالا وشرقا بالفتوحات الفرنسية في ألمانيا وإيطاليا ~~حتى صار من حقه أن يخيف الدواوين الأجنبية خوفا لا حد له، ثم إن نفاد المال، وتعب ~~الشعوب، والحاجة إلى استدراك النكبات التي سببتها الحملات المحزنة والمواقع الخاسرة، ~~والخوف من بلايا جديدة، كل هذا أخضع أوروبا المسيحية والإقطاعية إلى نفوذ فرنسا القاهر، ~~ولقد توصل الشعب الحر، الذي كثيرا ما كان عرضة لهجوم الأمم المستعبدة، والذي عزي ~~إليه الكفر والإلحاد، إلى التفاهم مع البابا والملكية. # يا لمقام الجمهورية الفرنسية من مقام باهر! فإنها بعد أن تحملت ببسالة مدة عشر سنوات ~~أثقال حرب طويلة في سبيل التملص من سطوة الامتيازات رأت نفسها أخيرا على قمة العظمة، ~~متمتعة وهي في أبهى مجالي الحرية والفخر بخيرات المساواة، وقادرة على إدهاش العالم ~~بعجائب السلام كما أدهشته بعجائب الحرب. وإذا كانت جيوشها تضم أشد جنود الزمن وأفضل ~~قواده فإن ولاياتها لتضم أيضا في أحضانها جميع العظماء الذين امتازوا بإدارة الأمة، ~~ففي جمعياتها السياسية صفوة خطباء أوروبا والمحامين فيها، وجمعيتها العلمية أفضل جمعية ~~بين جمعيات ms120 العالم كله، وعلماؤها، وأدباؤها، وشعراؤها، ورساموها، والنحاتون يحملون ~~الصولجان في مملكة الفن، أما تجارتها والصناعة فيها فقد مهرتا بالطرق والجسور والترع ~~التي تربو على العدد، وجاءتا تبسطان غناهما تحت شرفات اللوفر، كأنما شاءتا أن تنخسف فخفخة ~~الملكية القديمة، تلك الفخفخة القاحلة، أمام تبرج فرنسا الجديدة، ذلك التبرج المثمر، ~~وأما الشباب، فلكي يكون جديرا بذلك العصر الكبير، رأى المدارس تنفتح في وجهه، ووجد في ~~الخزينة عضدا يساعده على ولوج المعاهدات العلمية. وفي النهاية، مجد عسكري، ومجد سياسي، ~~ومجد أدبي وانتصار الرقي على يد السلاح، والعلوم، والفنون، والصناعة، ثم هدوء تام في ~~الداخل، وسلام عام في الخارج، وفوق كل ذلك وجود بونابرت حاكما في الجمهورية، هكذا كانت ~~حالة الجمهورية بعد معاهدة إميان! # لم يكن ينقص عظمة فرنسا وفلاحها شيء قط، إلا أن هذه الدولة الزاهرة التي كانت ~~توحي الحسد إلى أوروبا إنما كانت تجد في قاعدة الشرائع نفسها تقلبات لا مناص لها منها. ~~كان الجميع معتقدين أن انتصارات الجمهورية، وهدوءها، وتألقها إنما كانت جميعها عمل ~~الرجل العظيم الذي أرسلته الحكمة العلياء لنجدة الثورة، وكانوا معتقدين أيضا أن بقاء ذلك ~~التألق وتلك العظمة يتوقف دائما على نبوغ ذلك الرجل. أفيجوز إذن أن يبعد ذلك العقل ~~المولد عن تولي الحكم ويجرد من مهماته العظمى بلعب الشرائع ومداخلة الدسائس والفتن؟ ~~أمن الحق أن يفترض أن الأول في أداء الخدم، والمجد، والذكاء، والإرادة، وجميع الصفات ~~المجيدة التي يزدان بها رجل الحرب والأمة، يجوز أنه يلقى في مقام متوسط غير ضرورة ~~شرعية؟ # كان مجلس الشيوخ قد ظن نفسه أنه قام بما وجب عليه عندما اقترح عليه «التريبونه» مجازاة ~~القنصل الأول بما تستحقه جهوده وإخلاصه فسمى بونابرت قنصلا لعشر سنوات. إلا أن هذه ~~المجازاة لم تقنع بونابرت الذي خدم فرنسا خدما كثيرة وجعلها في الأوج التي هي فيه؛ إذ ~~إن رجلا مثله لا يستطيع بعد عشر سنوات أو خمس أن يعود مواطنا بسيطا أو أن يصبح الثاني ~~في الأمة. فعندما ازدرى بالتصويت الذي جزم به مجلس الشيوخ تمديد ms121 القنصلية إلى عشر سنوات ~~نادى الشعب وطرح عليه هذا السؤال: «أيقدر لبونابرت أن يكون قنصلا مدة حياته؟» فأسرع ~~الشعب جماعات إلى الانتخاب وأجاب بأكثر من ثلاثة ملايين صوت: «نعم»، أما مجلس الشيوخ فأسرع ~~لإعلان أمنية الشعب مضيفا إليها إنعاما جديدا للقنصل الأول وهو حق انتحاب خلفه، ~~فأجاب بونابرت بهذه الكلمات: # حضرات أعضاء مجلس الشيوخ # إن حياة المواطن إنما هي لوطنه، والشعب الفرنسي يريد أن تكون حياتي وقفا له ... ~~وإني لمذعن إلى إرادته ... # إن الشعب الفرنسي يتقاضاني واجب إسناد قاعدة شرائعه بتنظيمات حسنة العواقب ~~بتسليمه إلي هذا الضمان الدائم وهو ثقته بي. # إن حرية فرنسا، ومساواتها، وإفلاحها ستكون في أمن من ريب المستقبل بما آتيه من ~~الجهود وما تعلقونه علي من الثقة. # على أن أمنية الشعب، التي أكدت له التمتع بالقنصلية السامية تمتعا مؤبدا، صادفت ~~بعض اعتراضات لم ينتج منها سوى إبراز أخلاق نبيلة من غير أن تنقص من التصويت الوطني العام. ~~لم يكن ممكنا القيام بعمل غير هذا. وكانت القنصلية المؤبدة تتراءى أنها تعلق ~~مقدرات الجمهورية بمقدرات رجل واحد، وترسم شبه ملكية دائمة تضع الجمهورية على حدود ~~الملكية الوراثية، إلا أن الاتفاقية والجمعية التأسيسية وجدتا من يعترض باسمهما على ~~اندفاع الأفكار نحو الحكم المطلق، فظهرت الجمعية التأسيسية للمرة الثانية في لافاييت ~~لتحتج على مسألة القنصلية المؤبدة في حين أن شبح الاتفاقية أعطى رأيا سلبيا بفم ~~كارنو. # كان القنصل الأول قد توقع مصادمة لافاييت الذي لعب دورا مهما تارة إلى جنب واشنطون ~~وطورا إلى جنب ميرابو، وتمكن من الوصول إلى المقام الأول بين السياسيين. وكانت أمنية ~~لافاييت أن يمثل عصرا كاملا، وأن يكون علما حيا لمواطني ثورة 89؛ وعندما كان هذا ~~الرجل يمثل نفسه بتلك الصورة الطافحة بمجد الباستيل «والجو ده بوم» # 1 # ذاكرا بفخر تلك القسمة المجيدة التي جازاه بها اعتراف الأمة على عهد الجمعية ~~التأسيسية الزاهر، كيف يستطيع إذ ذاك أن يرضى بالنزول من الأوج الذي رفعه منتصر 14 تموز ~~ليترامى ويحتجب بين الخدم الذين يحيطون بمنتصر 18 برومير؟ ثم ms122 إن مواطن المعاهدة الأولى ~~الحريص على ثباته لم يستطع أن يتفاهم مع ديكتاتور سنة 1802، فكان من حق لافاييت أن يرفض ~~عضوية مجلس الشيوخ ويحتجب بنبل وشرف في عزلته في لاغرانغ بدل أن يضيع في عالم التويلري ~~الزاهر. في ذلك الحين أنشأ القنصل الأول مرسوم جوقة الشرف. قال لتراجمينه أمام الفرقة ~~التشريعية: «إن هذا المرسوم يمحو التمييزات الشرفية التي تضع المجد الموروث قبل المجد ~~المكتسب، وحفدة الرجال العظام قبل الرجال العظام.» كان هذا إكراما جديدا لمبادئ الفلسفة ~~العصرية، ورمزا للمساواة الصحيحة على أساس المكافأة حسب الاستحقاق، إلا أن بونابرت قد ~~ألغى هذه البدعة الكبرى في وسط شعب لا يزال يضم عددا من المتحزبين للتمييز الوراثي ~~وبعضا من الذين يتوقعون عودة الأريستوقراطية القديمة أو إنشاء أريستوقراطية جديدة، فصادفت ~~اعتراضات شديدة من رجال لا هم أريستوقراطيون متعصبون ولا ديموقراطيون؛ ما أشاع الدهشة في ~~بونابرت فألقى التبعة على الخطباء الذين دافعوا عن تلك الطوية قائلا: «إن كان ~~تباين رتب الشرف وخاصية مجازاتها مخصصين للنبلاء فإن وسام جوقة الشرف إنما هو رمز ~~المساواة.» على أن صلح إميان ترك جميع وسائل فرنسا العسكرية متعطلة في يد بونابرت؛ إذ ~~ذاك فكر القنصل الأول في الاستفادة من سكينة أوروبا ليحمل الحرب إلى أميركا ويستولي على ~~سان دومنغو. فأعطى قيادة الحملة إلى صهره لوكليرك. إلا أن النتيجة لم تكن حسنة؛ إذ إن ~~صهره مات آسفا على قبوله القيام بمشروع متلف منكب، وأضاع روشامبو، خلفه، المستعمرة بما ~~أتاه من ضروب القساوة وسوء الإدارة. # كانت إيطاليا وهي مهد عظمة بونابرت ومجده تشغل فكره شغلا كبيرا. كان بونابرت قد استلم ~~من الشورى، التي اجتمعت في ليون في مطلع عام 1802، رئاسة الجمهورية السيزالبينية التي لم ~~يكن أحد من الإيطاليين جديرا بتحمل مسئوليتها. قال بونابرت يوم ذاك لنواب هذه الأمة: ~~«إنكم لا تملكون غير شرائع خصوصية فيقتضي لكم شرائع عامة. وإن شعبكم لا يملك غير عادات ~~محلية فيقتضي له عادات وطنية.» وفي السنة نفسها أضاف بونابرت البييمونت إلى فرنسا وقسمها ~~إلى ست مقاطعات: البو، ms123 والدور، والسيزيا، والستورا، والتانارو، ومارنغو. # أما أوائل أيام سنة 1803 فقد وسمت بتنظيم جديد في مجلس العلماء الوطني قسم إلى أربع ~~طبقات؛ الأولى: العلوم، الثانية: اللغة والأدب، الثالثة: التاريخ والأدب القديم، والرابعة: ~~الفنون الجميلة. واجتزأ هذا الترتيب العلوم السياسية من مجلس العلماء. وأسس القنصل الأول ~~في ذلك العهد تأسيسات مختلفة ذات أهمية كبرى منها المدرسة العسكرية في فونتينبلو، ومدرسة ~~الصناعة والفنون في كومبياني. وأراد أيضا أن يضيف إلى لقبي قاهر الممالك الأوروبية ~~ومسكن الجمهورية الفرنسية لقب وسيط المعاهدة الهلفتيكية # 2 # فأعطى سويسرا تنظيما جديدا ختم المنازعات التي قامت بها الأقاليم القديمة. ~~عند هذا تم لتسع عشرة دولة أن تؤلف الهلفتي الجديدة تحت حماية فرنسا، فوجه إليها ~~بونابرت نداء نقتطف منه ما يلي: ~~«ما من رجل عاقل لا يرى إلا التوسط الذي أقوم به هو للهلفتي من حسنات الحكمة ~~التي سهرت في وسط تلك الانقلابات على حياة أمتكم واستقلالها، وأن هذا التوسط ~~إنما هو الوسيلة الوحيدة الباقية لكم لإنقاذ تلك الحياة وذلك الاستقلال.» # كانت الدواوين الأجنبية تنظر بغيظ ممزوج بنكاية إلى النفوذ العجيب والتفوق العام ~~اللذين اتخذتهما فرنسا ورئيسها الفتى في مسائل أوروبا جميعها، وكان الصلح محتملا بفارغ ~~صبر خصوصا في مجلس سن جمس في لوندن، حيث ألفت الأريستوقراطية الأوروبية كثيرا من ~~الأحزاب ضد الجمهورية الفرنسية. كيف يستطيع رجال الدولة الذين هللوا لمنشور برونسويك # 3 # أن يتحملوا، والسلاح على أذرعهم، مشهد عظمة شعب كانوا في الماضي يتوقعون ~~أن يلقوه إلى جنودهم غنيمة باردة. عند هذا شرع الكتبة يحملون على الجمهورية الفرنسية ~~حملات عنيفة فلم يجب بونابرت أولا بسوى هذه الكلمة التي نشرها في المونيتور: # 4 ~~«إن بعضا من الصحفيين الإنكليز باقون فريسة للفتن، وإن جميع الأسطر التي ينشرونها ~~إنما هي أسطر من دم. إنهم ينادون الحرب الأهلية بأصوات مرتفعة، ويحاولون إضرامها في ~~قلب الأمة الغربية الهادئة. # إنه من الأهون على أمواج المحيط أن تقتلع الصخرة التي تعقل غضبها منذ أربعين ~~قرنا من أن تضرم الأحزاب المعادية أوروبا والبشر الحرب وغضبها في ms124 وسط الغرب، ~~ولا سيما أن تشحب كوكب الشعب الفرنسي.» # ثم نشر بونابرت في الجريدة الرسمية ما يلي: ~~«إن «التيمس» التي يقال إنها تحت مراقبة الوزارة تنشر شتائم فظيعة ضد فرنسا ... ~~وإنها تعزو إلى الحكومة الفرنسية كل ما تستطيع المخيلة أن تتصوره من ضروب ~~الحطة والدناءة واللؤم، ما هو غرضها؟ ... ومن يدفعها؟ ... # وهناك جريدة أخرى يديرها بعض المهاجرين الأشقياء، وهم بقية فاسدة، لا وطن لهم ~~ولا شرف، يحملون لطخة جرائم لا يستطيع أي عفو كان أن يغسلها، تزيد أيضا على ~~تهجم «التيمس». # وهناك أحد عشر أسقفا، يرأسهم أسقف أراس الفاحش، يتمردون على الوطن والكنيسة ~~ويجتمعون في لوندن، إنهم ينشرون رسائل ملؤها الشتائم ضد أساقفة فرنسا، ويشتمون ~~الحكومة والبابا؛ لأن الحكومة والبابا وطدا الأمن والإنجيل بين أربعين مليونا من ~~المسيحيين. # إن جزيرة جرسي ملأى بالأشقياء المحكوم عليهم بالموت لاقترافهم جرائم من شأنها أن ~~تعكر الأمن كالقتل والهتك والحرائق! وإن اتفاقية إميان تشترط أن يسلم الأشخاص ~~المتهمون بالجرائم، أما القتلة الذين في جرسي فإنهم بالعكس يتمتعون براحة وسلام ~~... # إن جورج # 5 # يصحب إلى لوندن شريطته الحمراء على رءوس الأشهاد مكافأة للذين عملوا ~~الآلة الجهنمية التي هدمت شارعا من شوارع باريس وأماتت ثلاثين امرأة ~~وطفلا.» # ما حل باتفاقية إميان بعد هذه الأعمال الفظيعة؟ # كانت الوحدة الأوروبية التي خلقتها المسيحية والفتح في الأول، ووضعت منذ ذلك الحين تحت ~~حماية مداولة الدول، قد انفسخت بشدة على يد الثورة الفرنسية، وكانت الحكومات القديمة ~~جميعها قد حزنت حزنا شديدا من جراء ذلك، وتظاهر الديوان البريطاني، بالرغم من إعطاء ~~إنكلترا لقب أرض الحرية الأولى، بشهر العداء الشديد على فرنسا؛ لأنه إنما كان يمثل ~~الأريستوقراطية الفخورة الحقودة، والإقطاعية الأشد رسوخا في أوروبا. فلم يكن من سبيل ~~إلى التفاهم بين فرنسا وذلك الديوان. لم يحتج بلاط لوندن إلى أكثر من سنتين ليشعر بتعبه من ~~السلام الوهمي الذي عقده في إميان، ويدفع الأمتين بعضهما على بعض في معركة فظيعة، تينك ~~الأمتين اللتين كان الأولى بهما أن تسيرا معا إلى مطارح السلام والرقي ms125 العالمي. # في العشرين من شهر أيار 1803 أرسل القناصل إلى مجلس الشيوخ والفرقة التشريعية والتريبونه ~~يخبرونهم باستعدادت الديوان الإنكليزي للخصومة وطلائع الحرب، فأجابت هذه الفرق المختلفة ~~قائلة بوجوب اتخاذ التدابير اللازمة لاحترام المعاهدات وأهلية الشعب الفرنسي. وعندما انتهى ~~عزمها إلى الحكومة أجاب عليه القنصل الأول بهذه الكلمات العلنية: «إننا مضطرون إلى شهر الحرب لدفع مبادهة غير عادلة، وإننا لنشهرها بمجد ~~عظيم! # إذا كان ملك إنكلترا عازما على جعل بريطانيا العظمى في موقف حرب حتى تعترف له ~~فرنسا بحق التعدي على المعاهدات كما يشاء، وحق رذل الحكومة الفرنسية بالمناشير ~~الرسمية من غير أن نستطيع سبيلا إلى التشكي، إذن فيجب أن يؤسف على حظوظ ~~البشر. # إننا نود بدون شك أن نترك للأعقاب الاسم الفرنسي شريفا مكرما لا ~~لطخة عليه ... # وإننا لنترك دائما لإنكلترا مبادأة السلوك الغضوب ضد سلام الأمم واستقلالها، ~~وستنال منا مثلا في الاعتدال الذي يستطيع وحده أن يثبت النظام العام.» # إن امتلاك جزيرتي لامبيدوز ومالطة وإخلاء هولنده كانا الحجة التي استند إليها ملك إنكلترا ~~ليخرق معاهدة إميان، ولكن الحقيقة هي أن السبب نفسه الذي هيأ الحزب الأول هيأ بريطانيا ~~العظمى مرة أخرى ضد فرنسا؛ إذن فحرب المبادئ ضد الثورة الفرنسية هي التي كانت تضطرم عند ~~ذاك. عبثا حاول إمبراطور روسيا وملك بروسيا أن يتوسطا في الأمر، وستبرهن حوادث السنين ~~المقبلة أنهما كانا متحدين مع أعداء فرنسا اتحادا سريا. ولكن بما أن إنكلترا لم ~~تقاس ما قاسته السلطات البرية في الحروب الأولى، وبما أنها لم تحتج إلى وقت طويل ~~لتستعيد أنفاسها، كان من الطبيعي أن تقف في مقدمة الأحزاب الجديدة التي ستهاجم فرنسا زمنا ~~طويلا بعد. # كانت نتيجة هذا الشقاق سيئة على الديوان الذي هيجه. استولت الكتائب الفرنسية على الهانوفر، # 6 # وبقي الجيش الأنكلوهانوفري سجينا حربيا وقد تخلى عنه قائده الدوق ده ~~كامبريدج. # ترك بونابرت باريس ليزور بلجيكا، فاستقبلته بروكسيل استقبال منتصر عظيم، أما هو فأجاب ~~على هذا الاستقبال بأن مهر البلد بتنظيمات وتشييدات مفيدة؛ إذ إنه أمر بضم الرين، ~~والموز، ms126 والأيسكو بترعة مواصلات كبيرة. # ولما عاد إلى باريس فتح جسر الفنون للشعب، وحول البريتانه إلى ليسه. # 7 # وكانت الأشغال الخارجية تشغله كثيرا فعقد معاهدة مع سويسرا، ومنح سفير الباب ~~العالي العثماني مواجهة فوق العادة، وأعلن تخلية اللويزيانا إلى الولايات المتحدة بتعويض ~~قدره ستون مليونا من الفرنكات. إلا أن الأمر المهم الذي كان يشغله إنما كان الحرب مع ~~بريطانيا العظمى. ترك باريس في أوائل تشرين الثاني وقام بدورة على الشواطئ ليتفقد الأعمال ~~العظيمة التي أمر بها لأجل تلك الغاية، وشاهد موقعة حصلت في بولونيا بين فرقة إنكليزية ~~وباخرة فرنسية صغيرة، وعندما رجع إلى عاصمته وجد في البرلمان (مجلس النواب) تبليغا من ~~قبل ملك إنكلترا جورج الثالث يوعز به أنه يود أن يزحف على رأس شعبه، وأن فرنسا لن تنال من ~~خطتها إلا الانكسار والويل؛ فملك السخط على بونابرت وأسرع بإذاعة هذه الكلمات في الجريدة ~~الرسمية: «أهو ملك إنكلترا رأس أمة هي سيدة البحار ومليكة الهند ذلك الذي يتلفظ بهذا ~~الكلام؟ ... أيجهل الذين يملون عليه هذه الكلمات الطائشة أن هرولد المزور # 8 # زحف أيضا على رأس شعبه؟ أيجهلون أن فخفخة النسب، وخاصيات السلطة ~~العظمى، والوشاح البرفيري الذي يستر الملوك، إنما هي تروس سريعة العطب في هذه ~~الظروف التي يتمشى فيها الموت من جيش إلى آخر مترقبا طرفة عين النبوغ ليختار ~~القسمة التي من حقها أن تؤدي إليه ضحاياه؟ ألا إن جميع الرجال لسواء في يوم ~~القتال! # إن من دأب المواقع، والتفوق في الفن العسكري، واطمئنان القيادة أن يوجد ~~القاهرين والمقهورين. وإن ملكا في الثالثة والستين من عمره يضع نفسه للمرة الأولى ~~على رأس كتائبه سيكون عثرة لذويه فوق ما عندهم من العثرات، وضربا جديدا من ضروب ~~النجاح لأعدائه. # ليس من شأن الحكمة البشرية أن تعرف ما تخبئه الحكمة العلياء لمعاقبة المزورين ~~الذين يهيجون الحرب ويعملون على هرق الدم البشري، ولكننا نستطيع أن نتفاءل بثقة ~~فنقول إنكم لن تأخذوا مالطة ولا لامبيدوز، وإنكم ستوقعون معاهدة أقل نفعا من ~~معاهدة إميان. # أما الانكسار والويل! ms127 ... فهما غير جديرين بشعب كبير وبرجل عاقل، ثم إنه من الفجور ~~أن يؤكد أن الجيش الفرنسي الذي لم يلحقه الحيف حتى الآن لن يجد في أرض بريطانيا ~~العظمى إلا الانكسار والويل.» # أظهرت الحرب أن بونابرت إنما هو أعظم قائد وجد في العالم، وأما الحكومة فقد بينت فيه ~~نبوغ رجل الأمة، إلا أن الذي بقي غير حاصل عليه هو تأديته البراهين للظهور بمظهر كاتب في ~~زمن كانت الطباعة فيه قوة سياسية عظمى. أجل، إن مناشيره، وأوامره، ونبذه العسكرية، وخطبه ~~الرسمية كان يحق لها أن تعطي صورة عن نبل إنشائه ونموه، ولكن ذلك لم يكن كافيا ~~لإظهار رحابة مزاياه وأنواعها. كانت فطرة الرجل العظيم تقول له إنه من الواجب عليه أن يمارس ~~جميع أسلحة العصر الغلابة: السيف، والكلام، والقلم، وأن لا تغرب عنه وسيلة من الوسائل ~~المهمة التي تحتاج إليها السلطة للتأثير على الشعب في الداخل والدفاع عن حقوقه في الخارج. ~~وكانت الصحافة يوم ذاك لها سطوتها العظمى، ما جعل بونابرت يفتخر بأن يجمع لقب صحافي إلى لقب ~~فاتح وشارع. إننا نعتقد كل الاعتقاد أن قاهر مارنغو لم يكن يحترم القلم محاربا به أعداءه ~~فرنسا في السطور البليغة بأجلى ما يكون من قوة الحجة أقل من احترامه السيف في ساحات القتال. ~~وبعبارة أجلى: لقد قال أكثر من مرة: إنه إذا اختير بين الصفات الأهلية والصفات العسكرية فلا ~~يتردد أن يمنح الأولى الأفضلية، ولقد رأيناه قبل هنيهة، في مصر وإيطاليا، يضع لقب عضو في ~~المجلس العلمي قبل لقب قائد عام. # لم يكن في ذلك تصنع من بونابرت؛ لا، إنه إنما كان يدرك بأية حالة يستطاع أن يحكم ~~شعب أثارته الفلسفة على ملكية لويس الرابع عشر العسكرية. كان يدرك أن الثورة الفرنسية لم ~~تكن إلا كفاح الذكاء ضد الطرق الاقطاعية التي وضعتها القوة الوحشية الفظة، وأنه إذا ~~أقدمت تلك الثورة بعض الأحيان على الالتجاء إلى القوة الوحشية لتدافع عن كيانها فليس ذلك عن ~~تعمد منها بل عن اضطرار أرغمها على معالجة تلك الطريقة في ms128 القتال. كان بونابرت إذن يؤثر ~~أن يخدم الثورة بسلاحه الطبيعي: المنطق، الذي ينير الأرواح فتذعن للعقل، على أن يخدمها ~~بالوسائل القاتلة التي تعالج في الحرب لهرق الدم البشري، والتي لا تعطي إلا نتيجة إخضاع ~~العقل للقوة، ثم إنه في جميع الحروب التي قام بها وهو قائد وقنصل وإمبراطور إنما كان يهتم ~~دائما بأن يؤكد - كما فعل في شقاق معاهدة إميان - أنه لم يخضع إلا لضرورة دفع تهجم ~~غير عادل، وأنه يلقي على أعداء فرنسا تبعة الآلام والمصائب التي ستنزل ~~بالإنسانية. # كان القنصل الأول يهتم في الوقت نفسه بتنظيم داخل الجمهورية. ففي العشرين من شهر كانون ~~الأول عام 1803 دعا بونابرت إلى مرسوم ديوان أعيان نوع قاعدة الفرقة التشريعية كان فاتحة ~~أعماله في السادس من كانون الثاني وعام 1804، وانتخب السيد ده فونتان رئيسا لتلك الفرقة. ~~أما بيان موقف الجمهورية فقد جرى في الفرقة التشريعية في جلسة السادس عشر من كانون الثاني. ~~وتكلم السيد ده فونتان وهو على رأس وفد معبرا عن تمنيات هذه الفرقة للقنصل الأول، ~~قال: «إن الفرقة التشريعية تشكرك باسم الشعب الفرنسي على الأعمال القيمة التي بدأت بها ~~لفائدة الزراعة والصناعة والتي لم تكن الحرب لتوقفها يوما. إن من عادات الأفكار السامية ~~أن تهمل التدابير أحيانا، إلا أن الأجيال لن توجه إليك هذا اللوم؛ لأن فكرة حكومتك ~~وعملها يمشيان في كل مكان جنبا إلى جنب. # كل يتكمل، الأحقاد تنطفئ، والمصادمات تمحى، والمهمات، والقواعد، والرجال الذين ~~خيل لنا أنهم بعيدون يقتربون ويمتزجون ثم يؤلفون كتلة واحدة للمجد والوطن تحت تأثير ~~روح منتصرة تجر كل شيء وراءها. أما العادات القديمة والحديثة فإنها تتكاتف، وكل ما من ~~شأنه أن يؤيد مساواة الحقوق الأهلية والسياسية فهو محفوظ، ولقد استرجع كل ما يئول إلى ~~إنماء عظمة الملك الكبير وجدارته. # إن هذه الخيرات أيها القنصل الأول المواطن، إنما هي عمل أربع سنوات، وإن أشعة المجد ~~الوطني التي كانت تخبو منذ خمسة أعوام استعادت اليوم نورا لم تره قط قبلك.» # هذا الإعجاب العمومي الذي تمتع به ms129 القنصل المؤبد في قلب فرنسا أضعف روح الأحزاب ~~وأجبرها على عدم الإتيان بعمل؛ أما زعماء الحزب المهاجرون فقد ظلوا مستمرين في أحقادهم ~~ودسائسهم ضد القاعدة الجديدة؛ إذ إنهم كانوا يثقون بمساعدة الممالك الأوروبية لا سيما مملكة ~~إنكلترا التي نكثت عهدها في إميان. ولقد خيل إليهم أن استمرار الأمن الداخلي لا يلبث أن ~~يجعل التمرد صعبا، وأنه من الضروري أن يشرع بمنازعة القنصل قبل أن تستحكم سلطته ~~استحكاما أقوى مما هي عليه، وما هو إلا وقت قصير حتى دبرت مؤامرة على الحكومة وحياة ~~بونابرت. # تفاهم المتآمرون، من الرين إلى التاميز، تحت عناية الديوان الإنكليزي، المنطلق في غضبه ~~وأحقاده. ولقد اشترك بيشاغري في المؤامرة حاذيا حذو من تقدمه من الخائنين، من دون أن ~~يخشى أن يكون شريكا لجورج كادودال في الذنب. ومورو! مورو الذي قاتل الأرشيدوق جان دوتريش ~~في هوانلندن، سود صحيفة ذلك المجد ومشى في تيار هذه الدسيسة الفظيعة. لا تسل عن غضب ~~بونابرت وأسفه عندما تناهى إليه هذا الخبر المشئوم فصرخ قائلا: «كيف رضي مورو أن ينضم ~~إلى عصبة كهذه؟ إنني لا آسف إلا على مورو أن يضل على الطريق القويم!» # لم تلبث المؤامرة أن كشفت فأعلنت الحكومة شكواها إلى أوروبا جمعاء بنشرها الخبر في جميع ~~الصحف التي تملكها. عند ذلك خفت فرق الدولة كلها إلى القنصل الأول تبدي له ~~استياءها الشديد من ذلك التصرف وتؤكد له ثانية اتحادها في العمل على ردع تلك ~~التعديات، فأجابها بونابرت: «لقد تألفت مؤامرات عديدة علي حياتي منذ اليوم الذي بلغت فيه قمة الحكم. إلا ~~أني، وقد نشأت في ساحات الحروب، لم أكترث يوما بالمخاطر ولم توح إلي الخوف ~~شدة. # ولكنني لا أستطيع أن أطرد عني عاطفة عميقة مؤلمة ساعة يتراءى لي موقف هذا الشعب ~~الكبير لو استطاع التعدي الأخير سبيلا إلي؛ أما إنهم لقد تآمروا على مجد ~~الشعب الفرنسي وحريته ومقدراته. # لقد رفضت طويلا حلاوة الصفة الخصوصية؛ فإن جميع أوقاتي، وحياتي كلها، إنما هي ~~موقوفة للقيام بالواجب الذي يكلفني إياه الشعب الفرنسي. # إن ms130 السماء تحرس فرنسا وتتلف مؤامرات الأردياء، فعلى المواطنين أن لا يحزنوا، ~~وأن يتأكدوا أن حياتي ستبقى ما زالت ضرورية للأمة. إلا أن الذي أرغب في أن يعرفه ~~الشعب الفرنسي هو أن وجودي مجردا من ثقته وحبه لا عزاء لي به، ولا ينتج فائدة ~~قط.» # إن بونابرت، بإناطته مجد فرنسا وحريتها ومقدراتها بوجوده، إنما أشار إشارة واضحة إلى أن ~~الحكم الدائم الذي عهد به الشعب إليه لا يكفي في نظره لضمان مستقبل البلاد، وأنه يفكر في ~~تنظيم جديد يتاح له بعده أن يدافع عن المصالح الجديدة، وسنرى فيما بعد فكرته هذه تظهر ~~فتتحقق. # كان بين المهاجرين الذين كانوا متحفزين لاجتياز الحدود لدى الإشارة الأولى من المتآمرين ~~الدوق دانكيان آخر عقب من دم كونده. فأشار القنصل الأول بالقبض عليه في ولايات باد، وسيق ~~إلى فنسين حيث حوكم وأعدم رميا بالرصاص بسرعة عظيمة. هذا التنفيذ سبب لبونابرت لوما ~~كبيرا؛ إذ إنه اعتبر جبنا يلحق باسمه لطخة لا تمحى. ولكن لو كان الأمير الفتى الذي ~~يحمل اسما من أعظم أسماء فرنسا القديمة لم يشهر الحرب على الأفكار والتنظيمات التي لم ~~يستقم لها رأيه إلا كما كان يشهرها أجداده؛ أي بشهامة البواسل، حسب قوانين الشرف وحقوق ~~البشر، لدخل إيقافه وقتله في حوزة تلك السياسة الشديدة التي استعملت الهول والمشنقة كسلاح ~~حربي. وإذا كان الأمر بالعكس، إذا كان الدوق دانكيان لم يعمد إلى محاربة الجمهورية كجندي، ~~وإذا كان قد رضي حقيقة الانضمام إلى الرجال الذين لم يكونوا ليتهيبوا الإقدام على قتل ~~القنصل الأول ليقلبوا البلاد ويستعبدوها، فليس هو إذن حفيد قاهر روكروا # 9 # الذي قتل في خنادق فنسين بل هو شريك جورج وبيشاغري في الجريمة. قال نابوليون ~~في وصيته ما يلي: «لقد أوقفت الدوق دانكيان وحاكمته؛ لأن ذلك كان ضروريا لأمن الشعب ~~الفرنسي وصالحه وشرفه في حين أن الكونت دارتوا كان يحمي، حسب اعترافه، ستين قاتلا في ~~باريس.» وقال في مكان آخر: «لو لم يكن لدي شرائع البلاد ضد الدوق دانكيان لبقيت لي حقوق ~~الشريعة الطبيعية ms131 وهي حقوق الدفاع عن النفس. لم يكن له ولذويه قصد سوى أخذ حياتي؛ ولقد كنت ~~مهددا من جميع الجهات وفي كل دقيقة تارة بالبنادق وطورا بالآلات الجهنمية، حينا ~~بالمؤامرات وحينا بالمكايد، حتى تعبت من كل ذلك، وغنمت السانحة فأطلقت الهول حتى في ~~لوندن، وتم لي النجاح ... من يحتج علي؟ إن الدم يستدعي الدم! ويجب أن أكون مجردا من ~~الإحساس لأعتقد أن على الأرض أسرة يحق لها أن تهاجم حياتي كل يوم من غير أن يحق لي ~~أن أقابلها بمثل ما تصنع ... ثم إني لم أسئ شخصيا إلى أحد من هؤلاء، ولكن الأمة الكبيرة ~~وضعتني على رأسها، ونزلت أكثرية أوروبا عند هذه النخبة، وبعد كل ذلك فإن دمي ليوازي دمهم ~~ولا مرية.» # أجل، إن دم الرجل العظيم، الذي كان موضوع إعجاب أوروبا وسعادة فرنسا، إنما يوازي، من غير ~~شك، دم الأمراء الذين كانوا يعملون على تكدير صفو فرنسا وأوروبا ليرجعوا إلى عجزهم ~~وقصورهم المتجبر سلطة هيأتها الحكمة السامية بصوت الشعب لإكرام النبوغ. ولكن، من لا ~~يدرك أن دم الأبطال الذي لا تصونه الفخفخة الملكية لا ثمن له لدى الرءوس الشريفة ~~والأريستوقراطيات التي تتكاتف حولها؟ من لا يدرك أن الرجال الذين يتظاهرون بالشفقة والغضب ~~عندما يشهدون الشرف الوراثي يسقط تحت منجل الرجعات السياسية يرقصون رقصة المتوحشين في ~~مقربة من مكان العذاب ساعة يرون الرصاص القاتل مصوبا على صدر الشرف الشخصي؟ اسألوا روح ~~ذلك المرشال المنكود الذي لم يكن من سلاسة البسلاء، بل باسل البسلاء، والذي لم يلطخ هذا ~~اللقب بمسارة القتلة الجبناء. إن من كان إنسانا حقيقيا يتألم لضحايا الثورات جميعها ~~من غير ما نظر إلى الأحزاب، وإن من كان فرنسيا حقيقيا يميل إلى مجد فرنسا كيف ~~كان. # لقد خيل إلى البعض أن بونابرت دفع إلى قتل الدوق دانكيان رغبة في إعطاء ضمان ضد ~~عودة البوربونيين، أما المتآمرون، الذين حاولوا أن يعيدوا عرش البوربون بقتل بونابرت، فقد ~~شاهدوا من سجونهم بعد ذلك أنهم لم يعملوا إلا على إعطاء تاج للذي توقعوا أن ms132 يروه ~~ميتا. # | الفصل التاسع # لو لم يرغب بونابرت في سوى سلطة كبرى لتوطيد النظام في الدولة وإعطاء الثورة النمو ~~المنظم الذي جعلته تشنجات الديموقراطية مستحيلا مدة طويلة لكفاه الحكم السامي الدائم، ~~لا سيما مع إعطائه حق اختيار خلفه بنفسه، إلا أنه كان يطمح في الحصول على سلطة ~~وراثية اعتقادا منه أنه إنما يعالج في ذلك دوام النظام الجديد، سليل الثورة. قال: «إن ~~الوراثة تستطيع وحدها أن تمنع ثورة جديدة تنقض مجريات الأولى. لا يخشى على شيء في مدة ~~حياتي، إلا أن كل رئيس انتخابي سيكون بعدي عاجزا عن الوقوف في وجه محاربي البوربون ... ~~إن فرنسا مدينة بكثير لقواد فرقها العشرين الذين قاتلوا ببسالة في سبيلها، إلا أن ~~هؤلاء القواد لم تتوفر في أحد منهم شروط القائد العام، أو رئيس الحكومة.» إلام استند ~~بونابرت بهذا الرأي الصارم الذي أعطاه عن قواد الفرق الممتازين؟ ألم يكذب أحد من ~~هؤلاء، فيما بعد، ما عزاه إليهم من عدم الأهلية للحكم؟ أو ليس أحد هؤلاء القواد الذين ~~قيل عنهم باحتقار، سنة 1804، إنه لم تتوفر في أحد منهم شروط الحكم، هو الذي بقي حتى عام ~~1839 يشغل عرش «وازا» الذي صعد إليه في سنة 1810 من غير أن يتاح لحزب السلالة الملكية ~~القديمة، التي حطمت صولجان نابوليون، أن تجد في هفوات ذلك القائد الفرنسي القديم وسيلة ~~لترميم الحق في السويد، كما أتيح لها أن تعمل في فرنسا، وإنقاذ أوروبا من عار السرقة ~~الملكية؟ وإذا كان حقيقة أن القواد العظام يعجزون عن إدارة الدولة أفليس في هؤلاء الرجال ~~السياسيين الممتازين الذين يحيطون بالقنصل الأول من هو جدير بذلك المنصب؟ # إننا لا نوافقه على ذلك، ولا شك في أن طمع بونابرت هذه المرة غره غرورا واضحا. قيل ~~إنه وهو يبحث عن ضمان ثابت في تأسيس الوراثة الحاكمة إنما كان يتكل على أهمية المبدأ ~~الوراثي؛ فهذا الأمل يبرهن برهانا أكيدا أن للنبوغ مهما تسامى أوقات رقاد، وللحذاقة ~~مهما روضت ساعات غباوة. # لقد استند إلى عظمة المبدأ الوراثي في القرون ms133 الوسطى، ولم تكن الوراثة يوم ذاك ممكنة ~~فقط بل ضرورية أيضا. كانت ممكنة لأنه كان يكفي أن يقفها الدين لتصبح حرما في نظر ~~الأمراء والشعوب، التي كان إيمانهم الحي المتحد بذاته له السلطة على كل تنظيم وكل سنة ~~تحمل الطابع الإلهي. كانت ممكنة لأن دهن الملوك في تلك الأوقات، التي كان الإيمان فيها ~~عاما وحقيقيا، لم يكن احتفالا باطلا؛ ولأن الزيت المقدس كان ينطوي على فضيلة ~~سياسية، ولم يكن الختم الشرعي إلا ملك مسيح الإله وسلالته. وكانت ضرورية لأن أمان المملكة ~~ووحدتها، لولا «التكريس» الديني لتلك العقيدة السياسية، لعرضا للخطر، لدى نهاية كل ~~ملك، على يد مزاحمات التوابع العظام الذين قد يجد بعضهم في طلب التاج عن طريق السلاح، ~~والبعض الآخر عن طريق القوة لينالوا استقلالهم ويحطموا نير كل سيادة. عندما انتهى ~~ريشاليوه ولويس الرابع عشر من قمع الأريستوقراطية القديمة ورسما خطة الوحدة والانضمام التي ~~حققتها الثورة الفرنسية فيما بعد، قدر للشدة والجور اللذين عالجاهما ضد الكبراء أن ~~ينجحا لصالح السلطة الملكية بدل أن يكونا شؤما عليها؛ لأن السلطة الملكية كانت يوم ذاك ~~تمثل الحق الإلهي المصان بإيمان الشعب. ما حل بالحق الإلهي صائن الوراثة في سنة ~~1804؟ لقد تاب عنه الحق الإلهي للأهلية والنبوغ! # أكان حول الكرسي القنصلي توابع مهيبون، أسياد على أجمل مقاطعات الملك، يترصدون الفرصة ~~لشهر الحرب وإطلاق الفوضى في الدولة ليستولوا على السلطة السامية أو يستقلوا في زاوية من ~~زوايا المملكة؟ لا، لم يكن يخشى من ذلك شيء؛ إذ إن الطغراء كانت ممزقة! وكانت فرنسا ترى ~~بدل السلطات الإقطاعية سلطة جديدة تتدفق من جميع الجهات، من الزراعة والتجارة والفنون ~~والعلوم، وترتفع فوق السلطات القديمة بكل ما في السيادة الحقة من الأهلية الشخصية التي ~~هي فوق أعراض النسب، والتي لا تستطيع أن تبقى وتنشأ إلا بالسلام. # لقد أخطأ بونابرت بطلبه تحقيق الحكم الوراثي على يد قواعد وأعمال هي من شأن حالة اجتماعية ~~مختلفة، والذي كان ممكنا وضروريا في وسط مجتمع عسكري مؤمن، لم يكن ممكنا ولا ضروريا ~~في ms134 مجتمع صناعي مرتاب لا تحيط به عربدة إقطاعية يخشاها، ولا يطلب من حظوظ المواقع نفسها ~~ثمنا للانتصارات الحربية اللامعة إلا الحق في الاستسلام بطمأنينة إلى أعماله الهادئة. ~~كان القنصل الأول، في الأيام المجاورة للثامن عشر من برومير، قد أعطى بنفسه أسبابا عظيمة ~~ضد الوراثة، وصرح أن هذا التنظيم، الذي كان صالحا لفرنسا في القرون الوسطى، أصبح ~~مستحيلا على فرنسا في القرن التاسع عشر، قال: «إن الوراثة منافية للعقل ليس لأنها لا ~~تضمن ثبات الدولة فحسب بل لأنها مستحيلة في فرنسا. لقد وطدت زمنا طويلا في فرنسا، ولكن ~~بتنظيمات جعلتها ممكنة. تلك التنظيمات لم تبق، ويجب أن لا توطد بعد، إن الوراثة تشتق ~~من الحق المدني؛ إنها وجدت لتثبيت تقلبات الملكية. كيف يوفق بين وراثة الحكم الأول ~~ومبدأ سيادة الشعب؟ كيف يعتقد أن هذا الحكم ملك. عندما كان التاج وراثيا كان هناك عدد ~~كبير من الولايات الوراثية أيضا، تلك الفرية كانت قاعدة كادت تكون عمومية ، ولكن لم يبق ~~منها شيء اليوم.» (عن كتاب القنصلية والإمبراطورية للكاتب تيبودو). # إلا أن بونابرت ما لبث أن قلب مجرى أفكاره فلم تبق السلطة السامية الدائمة لتكفيه، ~~ولقد وجدت الفكرة الطماعة بتأسيس دولة وراثية وإعطاء أسرته تاجا ملكيا رغبة شديدة في ~~نفسه، ثم إن سياسته الوطنية الفلسفية الرحبة كذكائه أصبحت معرضة للطخات وانحطت على ~~أقيسة الكبرياء والتدابير السلالية، قال شاتوبريان: # 1 ~~«إن هذا الجبار المفرط لم يكن يقرن مقدراته بمقدرات معاصريه، وكان نبوغه ~~ينتسب إلى العصر الحالي، وطمعه إلى العصور القديمة، إنه لم يشعر بأن عجائب حياته إنما كانت ~~تفوق التيجان بمراحل.» # إن من الحق أن نقول إن بونابرت، وهو يذعن لانتساب طمعه إلى العصور القديمة، قد احتفظ ~~بميله إلى ضروريات «العصر الحالي» لكيلا يعزو إلى الوراثة التي يؤسسها الطابع المطلق ~~ونتائج الحق الإلهي القديم. وكان يرغب في التوفيق بين الوراثة وسيادة الشعب بقدر ما يستطيع؛ ~~فعندما توجه إليه مجلس الشيوخ في الثامن عشر من شهر أيار سنة 1804 ليرفع إليه المرسوم ~~الذي به دعي القنصل ms135 الأول إلى العرش وبه أعلن المقام الإمبراطوري وراثيا في أسرته قال ~~في جوابه متكلفا: «إنني أذعن إلى تثبيت الشعب شريعة الوراثة، وآمل أن فرنسا لن تندم على ~~المراتب العليا التي ستشمل بها أسرتي.» # إلا أن المبدأ الوراثي لم ينسب إلى أعضاء الأسرة الإمبراطورية إلا نوعا من الطلب ~~الشرعي من غير أن يحرم الشعب حق خلع الخلف الذي لا يستحق محبته وثقته أو يقف عن ~~استحقاقها. هكذا اتفق على الوراثة في فرنسا منذ مطلع القرن التاسع عشر. # ما كان تأثير الحاكمية المطلقة والسلطة الوراثية في فرنسا على عقلية الشعوب الأوروبية؟ ~~وهل نجحت الملكية والوراثة نجاحا حقيقيا، وأصبحت العروش أدعم مما كانت عليه؟ # لا بل بالعكس، لقد فسد مبدأ الوراثة عندما نابت الأسر الشعبية عن أنبل السلالات في ~~فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، واستقرت بين أعقاب كارلوس الخامس وبطرس الكبير وفريدريك. ~~في الثامن عشر من أيار سنة 1804، عندما عهد إلى القنصل كمباسيريس بوضع المرسوم العلني على ~~أقدام زميله، الذي أصبح سيده، تلفظ بهذه الكلمات التالية: ~~«لقد تذوق الشعب الفرنسي مدة عصور عديدة الفوائد المنتمية إلى وراثة السلطة، ~~لقد اختبر الطريقة المعاكسة اختبارا قصيرا ولكن متعبا. وإنه ليدخل في سبيل ~~موافق لروحه، ويتصرف بحقوقه تصرفا حرا ليفوض إلى جلالتك الإمبراطورية سلطة ~~لا يسمح له صالحه أن يعالجها بنفسه، ثم إنه يفوض سعادة ذريته - بمعاهدة علنية - ~~إلى أعقاب هم من نسلك. وهؤلاء الأعقاب سينهجون نهجك في الفضيلة، ويرثون حبنا ~~ووفاءنا.» # فأجاب نابوليون: «إن كل ما يئول إلى خير الوطن إنما هو متعلق بسعادتنا جميعا. # وإنني لأرضى بالمقام الذي تعتقدون أنه عائد بالخير إلى مجد الأمة.» # وفي ذلك الوقت تلفظ بونابرت بتلك العبارة المشهورة التي سبق لنا أن ذكرناها وهي: «إنني ~~أذعن إلى تثبيت الشعب شريعة الوراثة، وآمل أن فرنسا لن تندم على المراتب العليا التي ~~ستشمل بها أسرتي.» # عندما خرج مجلس الشيوخ من مقابلة الإمبراطور اتجه إلى جوزيفين ليحييها بلقب إمبراطورة، ~~قال لها كمباسيريس: «مولاتي، إن الشهرة تذيع عمل الخير الذي لم تقفي فترة عن ms136 القيام به، ~~ولقد قالت: إنك لم تتصرفي بنفوذك بالقرب من رئيس الدولة إلا لتخففي من مصائب المساكين. ~~هذا الاستعداد يا مولاتي، يشير إلى أن اسم الإمبراطورة جوزيفين سيكون علامة التعزية والأمل ~~... إذن فمجلس الشيوخ يفتخر بأن يكون في مقدمة من يحيي جلالتك الإمبراطورية.» # فجوزي كمباسيريس على غيرته هذه بأن منح مقام مهردار كبير، ومنح لويرون مقام كبير وكلاء ~~الخزينة. # لم يجتهد نابوليون بمراعاة النزاقة الجمهورية في جوابه إلى مجلس الشيوخ فحسب، بل إنه راعى ~~ذلك في القسم الذي أعطاه ساعة ملك زمام العرش. لقد أراد أن تدرك فرنسا كل الإدراك أن ~~الإمبراطور كالقنصل ليس إلا ممثل الثورة الأول، والعضد الأقوى للمسألة الشعبية، والمحامي ~~السامي عن الجمهورية نفسها، وهذا هو القسم: «إنني أقسم أن أؤيد حقوق أرض الجمهورية؛ أن أحترم وأدعو إلى احترام شرائع ~~الاتفاقية المقدسة وحرية العبادات، أن أحترم وأدعو إلى احترام مساواة الحقوق، ~~والحرية السياسية والمدنية، ورواج المصالح الوطنية، أن لا أفرض ضريبة قط، أن لا ~~أقرر تسعيرا إلا بموجب القانون، أن أؤيد نظام جوقة الشرف، وأن أسلك في الحكم ~~بمقتضى صالح الشعب الفرنسي وسعادته ومجده.» # بالرغم من الجهود التي عملت لتعتقد الأمة أن تأسيس الإمبراطورية لا يحول دون بقاء ~~الجمهورية فإن تأسيس النسب الجديد أيقظ مخاوف الجمهوريين الثابتين وخلق بعض اعتراضات جديدة. ~~وكان كارنو العضو الأشد بين هؤلاء المعترضين؛ فإنه قاوم فكرة تأسيس السلطة الوراثية لصالح ~~نابوليون وأسرته منذ ظهرت تلك الفكرة في التريبونه. قال: «منذ الثامن عشر من برومير، كان ~~عهد فريد في تاريخ سني العالم لتأسيس الحرية على أسس مكينة اعترف بها الاختبار والعقل. ~~وبعد معاهدة إميان أتيح لبونابرت أن يختار بين القاعدة الجمهورية وقاعدة الحكم المطلق؛ ~~لقد عمل كل ما أراد من غير أن يعترض عليه. عهد إليه بأمانة الحرية، فأقسم على المدافعة ~~عنها، ولقد ملأ - ببره بالقسم - رجاء الأمة التي لم تجد سواه أهلا لحل مشكل الحرية ~~الكبير في ولاياته الرحبة؛ إنه لقد غمر بمجد لا مثيل له ...» # ذهب صوت كارنو أدراج الرياح، واندفعت ms137 مجالس الدولة الكبرى نحو الحكم المطلق، # 2 # حتى إن قدماء مجلس الشعب استحالوا جميعهم إلى متملقين، وقد ضربوا بمبادئهم ~~عرض الحائط، وتناسوا اللهجة التي اتخذوها قبلا. أما القواد الجمهوريون فقد أذعنوا إلى ~~سلطان الظروف كما أذعن ممثلو الشعب القدماء ... وظلوا أوفياء للثورة، وقد آلوا على نفوسهم ~~أن يخدموها بشكلها الجديد؛ لأنهم رأوا فيه ضمانا ثابتا يؤكد لهم ثبات رقيهم. وثاني ~~يوم صعود بونابرت إلى عرش الإمبراطورية دعا إليه رفاق الحرب الممتازين وأسبغ على كل منهم ~~لقب مرشال وهم: برتيه، مورا، مونسي، جوردانس، ماسينا، أوجرو، برنادوت، سول، برون، لان، ~~مورتيه، ناي، دافو، بيسيير، كلليرمان، لوفيبفر، بارينيون وسيروريه. أما الشعب فلم يعز ~~الجحود إلى هؤلاء الجنود الجمهوريين عندما رآهم يقبلون لقبا يذكر بالحكم الإقطاعي، بل ~~إن، بالعكس، اعتبر ذلك إكراما جديدا لمبادئ المساواة التي كانت عزيزة عليه. وأما نابوليون ~~فلم يلبث أن كلل فاتحة أعماله بالصفح عن السيد ده ريفيير والسيد ده برلينياك اللذين ~~اتهما بالخيانة وحكم عليهما حكما صارما. وبدل بحكم النفي المؤبد، الذي صدر بحق ~~الجنرال مورو، سنتي حبس لا غير لاشتراكه في مؤامرة جورج كادودال، الذي نفذ فيه وفي ~~أتباعه حكم الموت الصادر في العاشر من حزيران سنة 1804. ولم يقف كرم نابوليون عند هذا ~~الحد بل شمل لاجوله، وبوفه ده لوزيير، وروشيل، وغايار، وروسيون، وشارل دوزيير وهم من ~~أتباع جورج كادودال. أما بيشاغري فقد توقع الحكم بالإعدام وهو في سجنه فخنق نفسه بربطة ~~قميصه. ولقد ظن البعض أن الإمبراطور هو الذي أصدر أمره بتعجيل موت بيشاغري. قال نابوليون: ~~«إن رجلا مثلي لا ينهج منهجا كهذا بلا سبب هام. أرآني أحد أهرق الدم عن رغبة في ~~النفس؟ لا، إنما بيشاغري وجد نفسه بلا نصير، ولم تقو روحه القوية على تحمل فضيحة ~~العذاب، وكأنه يئس من صفحي أو عف عنه فمنح نفسه الموت.» (عن المذكرات). # ولكن بينما كان الأمراء الذين سلحوا ذراع جورج كادوداك وجروا بيشاغري إلى خيانة جديدة ~~يكظمون، في الأرض البريطانية الخجل لإعطاء الصولجان للرجل الذي حاولوا اغتياله بالخناجر، ms138 ~~كان الوهم يصور لزعيم أسرة البوربون، المعتزل في فارسوفيا، أن الواجب يقضي عليه بإذاعة ~~نشرة يحمل بها على فتوى مجلس الشيوخ التي أسست سلالة رابعة. كان فوشه # 3 # أول من اطلع على هذه النشرة فخف بحملها إلى الإمبراطور معتقدا أن ~~نابوليون يكافئه على غيرته وعنايته ويفوض إليه الأمر الصارم بمنع انتشارها في فرنسا. كان ~~الأمر على غير ما ظن فوشه؛ إذ إن نابوليون أخذ النشرة فقرأها وأرجعها إلى الوزير قائلا ~~ببرودة: «إن حقي إنما هو في إرادة الشعب، وما زال السيف في يدي لا أعدم سبيلا إلى ~~تأييده. يجب على البوربونيين أن يتأكدوا أني لا أخشاهم؛ إذن فليدعوني هادئا. تقول إن ~~بلهاء ضاحية سن جرمان يريدون أن يدوروا بنسخ احتجاج الكونت ده ليل؟ وأي بأس في ذلك؟ ~~فليقرءوها كما يشاءون. فوشه، أرسل هذه إلى الجريدة الرسمية، أريد أن تصدر غدا.» ولما كان ~~غد، أول تموز، نشر المونيتور احتجاج لويس الثامن عشر. # بعد بضعة أيام جاء عيد الاستيلاء على الباستيل، فعرف نابوليون أن يستولي على ذكريات 14 ~~تموز ليربطها بالتنظيمات التي أسسها، واختار هذا اليوم نفسه لتوزيع أوسمة جوقة الشرف ~~وسماع قسم أصحاب الأوسمة. جرى الاحتفال في الأنفليد. # 4 # اتجه الكردينال ده بللوي أسقف باريس، على رأس إكليروسه؛ ليستقبل الإمبراطور ~~على باب الكنيسة. وكان نابوليون مصحوبا بكبراء الأمة وموظفيها العظام. وبعد الاحتفال ~~الإلهي قام لاسيبيد، كبير مهردارية جوقة الشرف، ولفظ خطبة نجتزئ منها هذا المقطع: «لقد نال الشعب اليوم بإرادته كل ما تمناه في الرابع عشر من تموز عام 1786، ~~إنه فتح حريته، وهي مؤسسة على قوانين ثابتة، إنه رغب في المساواة، وهي مصانة ~~بحكومة هي أساس لها ... رددوا هذه الكلمات التي سبق لها أن قيلت في هذه الحظيرة ~~وستدوي حتى أطراف الإمبراطورية! كل ما وطد في 14 تموز هو راسخ لا يتزعزع، ~~وكل ما هدمته الإمبراطورية لا يعود.» # وعندما انتهى لاسيبيد من خطبته دعا ضباط الجوقة العظام كلا باسمه وكان بينهم ~~الكردينال كابرارا. أما الإمبراطور فقد تزيا بزي ملوك فرنسا، وفي ms139 وسط السكون العميق، ~~وتأمل الجمع الديني، رفع صوته وقال: «أيها القواد، والضباط، وأعضاء جوقة الشرف، أيها المواطنون والجنود، إنكم تقسمون ~~على شرفكم أن تتفانوا في خدمة الإمبراطورية والمحافظة على أرضها، إنكم تقسمون أن ~~تدافعوا عن الإمبراطور، وشرائع الجمهورية والمزايا التي أثبتتها، إنكم تقسمون أن ~~تحاربوا كل مشروع يحاول إعادة السياسة الإقطاعية بجميع الوسائل التي يسوغها ~~الحق والعقل والشرائع، وأخيرا تقسمون أن تبادروا بكل قواكم إلى صيانة الحرية ~~والمساواة اللتين هما الأساس لتنظيماتنا، إنكم تقسمون.» # فهتف أعضاء الجوقة جميعهم قائلين: «أقسم!» ودوى الهتاف «ليحي الإمبراطور!» تحت ~~شرفات الهيكل. وفي اليوم التالي استلمت المدرسة الحربية نظاما جديدا. وبعد يومين ذهب ~~نابوليون من باريس ليزور شواطئ المانش ويستكشف المعسكرات التي أنشأها هناك. وكان قد أذاع أن ~~الغاية من هذا السفر إنما هي توزيع أوسمة الشرف على البسلاء الذين لم يحضروا حفلة ~~الأنفليد، إلا أن الحقيقة هي أن هذا التوزيع لم يكن سوى حجة، وأن نابوليون إنما كان يرمي ~~إلى تحقيق خطته المنشودة وهي الزحف إلى إنكلترا. # كانت الكتائب في الشواطئ تمتد من الأيتابل حتى أوستاند، وكان دافو يقود فرقة في دونكرك، ~~وناي في كاله، وأودينو في سنت أومار، ومارمون على حدود هولاندا، وسول في معسكر بولونيا ~~العام. # عندما وصل الإمبراطور إلى هذه المدينة الأخيرة وجد الجيش طافحا نشاطا وغيرة؛ إذ إن ~~الجنود والقواد كانوا يخالون نفوسهم على وشك أن يجتازوا المضيق. وكان هناك خمسمائة مركب ~~يقودها الأميرال فرهويل تتراءى أنها لا تنتظر إلا إشارة لتتجه إلى مرافئ بريطانيا العظمى. ~~كان نابوليون وحده يعرف سر تعيين هذه المعسكرت الهائلة. وكان يرى صواعق جديدة تتأهب على ~~البر، وفي حين كان يظهر مستغرقا في تجهيزات حملة بحرية هائلة كان يعد العدة لحرب برية ~~لم يكن بد من انطلاقها. # تجمع ثمانون ألف رجل من معسكري بولونيا ومونترويل تحت أوامر المرشال سول، في سهل واسع، ~~على مقربة من برج القيصر. وظهر الإمبراطور بينهم محاطا بفرقة من الضباط تضم خيرة ~~قواد هذا العصر الكبير، ثم استقر على مرتفع كأن ms140 الطبيعة جعلته له عرشا، وكرر بصوت ~~قوي الخطبة التي وجهها إلى أعضاء جوقة الشرف في حفلة الأنفليد، لم يكن كلامه في باريس ~~أقل منه عظمة في بولونيا؛ فإنه هيج هيجانا عموميا أدب الغبطة في قلب بونابرت حتى إن ~~القائد راب صرح بعد ذلك أنه لم ير نابوليون في تلك الحالة من الفرح. # هذا النهار المشهود عكرت صفوه في المساء عاصفة هائلة خشي منها خطر على قسم من ~~المراكب، فأسرع الإمبراطور في الحال إلى المرفأ ليعطي أوامره باتخاذ الاحتياطات والوقوف ~~على تنفيذها، ولكن عندما وصل هدأت العاصفة كأن العناصر أذعنت أيضا إلى نفوذ الرجل العظيم ~~وسحر نظراته القاهرة. دخلت المراكب سالمة إلى المرفأ، وعاد نابوليون إلى المعسكر حيث ~~استسلمت الكتائب للغبطة والطرب، وختم المهرجان بنيران اصطناعية أرسلت على الشاطئ وشوهدت ~~أشعتها من شواطئ إنكلترا نفسها. بينما كان نابوليون مقيما بمعسكر بولونيا هرب بحريان ~~إنكليزيان، كانا أسيرين في مستودع فردون، وبلغا إلى بولونيا حيث بنيا مركبا صغيرا ببعض ~~أخشاب سمراها بعضها على بعض سولت لهما نفسهما ركوبه إلى إنكلترا. عندما أنجز عملهما ركب ~~النوتيان البحر وحاولا اللحاق ببارجة إنكليزية كانت تجول بمرأى من الشواطئ، إلا أنهما ~~ما كادا يسيران قليلا حتى ألقي القبض عليهما وسيقا إلى المرفأ، ثم مثلا أمام الإمبراطور ~~الذي طلب أن يراهما مع المركب لما أحدثاه من الضجة بجرأتهما النادرة على اقتحام ~~الخطر. # تأملهما الإمبراطور هنيهة وسألهما قائلا: أحقيقة أنكما تحاولان عبور البحر بهذا ~~المركب؟ فأجاباه: إن كنت تشك في ذلك يا صاحب الجلالة، فإيذن لنا ترنا نذهب. ~~- بطيبة خاطر، إنكما لجسوران، وإني لأعجب بالشجاعة حيثما كانت، ولكني لا أريد أن تخاطرا ~~بروحيكما؛ أنتما حران، إلا أني أود أن أقودكما إلى مركب إنكليزي. ستقولان في لوندن أي ~~احترام أحفظه للبسلاء حتى ولو كانوا أعدائي. # هذان الرجلان اللذان كانا أعدما كجاسوسيين لو لم يحضرهما الإمبراطور إليه لم ينالا ~~حريتهما فحسب، بل إن نابوليون أعطاهما فوق ذلك كثيرا من القطع الذهبية، ولقد شعر بلذة فيما ~~بعد أن يطلع رفاقه المنفيين في ms141 سنت هيلين على هذا الصنيع. # قلنا إن الإمبراطور كان يتوقع حربا برية قريبة؛ لأنه أدرك أن مداولة أوروبا الملوكية، ~~وإن غيرت لهجتها وأطماعها تحت ضغط القوى الفرنسية المنتصرة، إلا أنها لم تغير ميولها ~~ومبادئها، وإن دسائس الديوان الإنكليزي سيقدر لها من يوم إلى يوم أن تجر بلاط فيينا ~~وبطرسبرج وبرلين إلى مؤامرة جديدة ضد فرنسا. ولقد شعر بهذه الاستعدادت العدوة كل من ~~أدرك تنافر دولة فرنسا الثورية مع باقي الدول أصحاب الملكية القديمة. إلا أن نابوليون ~~كان يدرك أيضا، وبنوع أكيد، ميل الدواوين النمسوية والروسية والبروسية للحرب، والثمانون ~~ألف الرجل الذين كانوا أمامه في معسكر بولونيا إنما وجدوا هناك ليساعدوه على ملافاة ما قد ~~يحدثه ذلك الميل الحزبي، ثم إنه أخذ ينشئ ببقايا جنود الجمهورية نواة الجحافل ~~الإمبراطورية الذين قدرت لهم الحكمة أن يمروا بجميع عواصم أوروبا. كان هؤلاء دائما ~~جنود الماضي وقواده نفوسهم، كانوا رجال القرن الثامن وصفوة روحه، كانوا أبناء الثورة ~~البررة! كان معسكر بولونيا مهد ذلك الجيش الكبير الفاتح المجدد الذي، بعد أن مر عليه ~~عشر سنوات من الانتصارات المدهشة الغريبة، وجد في ساحة واترلو قبرا حفرته الخيانة ~~والقدر عززه بشجاعته مؤثرا الموت على الاستسلام. # إن الاستعدادات العسكرية التي كانت تشغل الإمبراطور لم تمنعه عند ذلك من الاهتمام ~~بالتنظيمات المدنية. فلقد وضع في وسط استعراضات معسكر بولونيا جوائز مهمة كما يلي: # نابوليون، إمبراطور الفرنسيين # سلام على كل من يقرأ هذه الأسطر. # بما أننا عزمنا على تشجيع العلوم والآداب والفنون التي تساعد مساعدة عظمى على ~~شرف الأمم ومجدها. # وبما أننا نرغب ليس في أن تحافظ فرنسا على السيادة التي اكتسبتها في العلوم ~~والفنون فحسب، بل في أن يفوق القرن الناشئ القرون التي تقدمته. # وبما أننا نريد أيضا أن نعرف الرجال الذين يمتازون بالاشتراك في ازدهار العلوم ~~والآداب والفنون. # أصدرنا أمرنا بما يلي: # البند الأول: # سيجري كل عشرة أعوام في مهرجان 18 برومير توزيع جوائز كبرى ~~تعطى بيدنا في المكان والاحتفال اللذين سيعينان ~~لها. # البند الثاني: # ستتبارى للجائزة الكبرى ms142 جميع المؤلفات العلمية، والأدبية، ~~والفنية؛ جميع المخترعات القيمة، والإنشاءات المخصصة لترقية ~~الزراعة أو الصناعة الوطنية التي تنشر أو تؤلف في خلال عشر ~~سنوات، وتقدم سنة قبل أوان التوزيع. # البند الثالث: # سيكون التوزيع الأول للجوائز الكبرى في الثامن عشر من برومير سنة ~~18، وبموجب البند السابق ستشمل المباراة جميع المؤلفات والاختراعات ~~والإنشاءات المنشورة أو المعروفة من 18 برومير عام 7 إلى 18 برومير ~~عام 17. # البند الرابع: # ستمنح تسع جوائز قيمة الواحدة عشرة آلاف فرنك. # أولا: # لمصنفي أفضل تأليفين في العلوم: الأول في ~~العلوم الطبيعية، والثاني في العلوم ~~الرياضية. # ثانيا: # لمصنف أفضل تأليف في التاريخ، قديما كان أو ~~حديثا. # ثالثا: # لمخترع الآلة الأكثر فائدة للفنون ~~والصناعة. # رابعا: # لمؤسس أفضل نظام للزراعة والصناعة ~~الوطنية. # خامسا: # لمصنف أفضل تأليف «دراماتيكي»، مضحكا كان أو ~~محزنا، مثل على المسارح الفرنسية. # سادسا: # لصانعي أفضل مثالين في الرسم والحفر، يمثلان ~~حوادث مهمة مستقاة من تاريخنا. # سابعا: # لمؤلف أفضل «أوبرا» مثلت على مسرح أكاديمية ~~الموسيقى الإمبراطورية. # البند الخامس: # ستمنح ثلاث عشرة جائزة قيمة الواحدة خمسة آلاف فرنك. # أولا: # لمترجمي عشرة كتب خطية من المكتبة الإمبراطورية ~~أو غيرها من مكاتب باريس، كتبت بلغات قديمة أو ~~لغات شرقية قيمة إن في العلوم وإن في التاريخ أو ~~في الآداب والفنون. # ثانيا: # لناظمي ثلاث قطع شعرية صغيرة موضوعها حوادث ~~مهمة مستقاة من تاريخنا، أو أعمال من شأنها أن ~~تشرف الخلق الفرنسي. # البند السادس: # تمنح هذه الجوائز بشهادة لجنة محكمة مؤلفة من أربعة كتبة ~~من المجمع العلمي، وأربعة رؤساء. # بينما كانت أوروبا تعتقد أن نابوليون سينقض على إنكلترا إذا ببروكسيل تراه بين جدرانها. ~~كان نابوليون قد أعطى موعدا لجوزيفين في بروكسيل، واجتمعا في قصر لاكن الذي تأهب ~~لاستقبالهما. هناك، في ذلك القصر، لفظ بونابرت، بعد قراءة رواية لمدام ده ستال، كلمات ~~مشهورة عن تلك المرأة الشهيرة التي ستحمل على الإمبراطور فيما بعد حملات قوية. قال ~~الإمبراطور عن مؤلفة كورين: # 5 ~~«إني أكره النساء المترجلات بقدر ما أكره الرجال المخنثين، لكل من هذين ~~دوره في الحياة، ms143 ما معنى هذا التيهان الروحي؟ إن هو إلا اضطراب في الأفكار، لا أستطيع أن ~~أتحمل هذه المرأة؛ أولا لأني لا أحب النساء اللواتي ينطرحن على رأسي، والله يعلم كم ~~تملقت لي هذه المرأة!» # لم يلبث تباعد بونابرت عن مدام ده ستال أن أصبح خصما شديدا له، جاء في الميموريال # 6 ~~«مذكرات سنت هيلين» أن نابوليون إنما كان يكره النساء جميعا؛ لأنه تشكى ~~شخصيا من واحدة منهن. كان الإمبراطور يقول: «إن المرأة لا تصلح إلا لعمل الأولاد.» ولقد ~~قال للسيدتين برتران ومنتولون: «إنكن تطلبن المساواة بالرجل، ولكن هذا جنون! لأن ~~المرأة ملكنا ولسنا ملكها.» # لم تطل إقامة الإمبراطور في لاكن، فإنه غادر هذا القصر الجميل ليتجه إلى إكس لاشابيل، ~~حيث بقي بضعة أيام. وقد أمسكته رغبة سرية في البقاء في عاصمة الفاتح الشارع والوقوف أمام ~~قبره، ذلك الفاتح الذي شيد الإمبراطورية قبل ألف سنة، والذي فوضت إليه السماء - كما ~~فوضت إليه هو - ترقية أوروبا بعظمة نبوغه وجنوده. # 7 # ترك نابوليون مدينة شرلمان ومشى إلى مايانس مجتازا كولونيه وكوبلن، فخف إليه أمراء ~~الإمبراطورية، فاغتنم ساعة تهافتهم ليؤسس معاهدة الرين التي فكر في جعلها حائلا ~~لفرنسا دون سلطات الشمال الكبرى. # إلا أن الإكرام الأكيد والمتصنع الذي أبداه الأمراء ورضا الشعب لم يكف مجدد ~~إمبراطورية شرلمان العظيم. كان بطل القرون الوسطى قد وقف سلطته للدين، وشاء نابوليون أن ~~يحيط عرشه بجميع المساعدات التي أحيط بها عرش شرلمان. ولكي تكون المشابهة قريبة، بقدر ما ~~يستطاع، رغب في المسحة الحبرية وأرسل لهذه الغاية من مايانس إلى روما وسيطا يدعى ~~كافاريللي ليقنع بيوس السابع بالمجيء إلى باريس ليمسح إمبراطور الفرنسيين. وفي حين كان ~~هذا التوسط جاريا في روما، كان نابوليون مهتما في شواطئ الرين بتسفير الأسطولين أحدهما ~~من روشفور والآخر من طولون، تحت قيادة الأميرالين ميسبيسي وفيللنوف. # وبعد غياب طال ثلاثة أشهر أخذ بونابرت طريق عاصمته، ووصل إلى سن كلود في أواخر تشرين ~~الأول. # كان التتويج من عهده على أيام. أرسل كافاريللي من روما يقول إن بعثته ms144 قد نجحت، إذن ~~فسيتم لنابوليون أن يجلس على عرش أبناء الكنيسة الأبكار برضا الشعب العلني وتحت عناية رأس ~~الكنيسة المعصوم، ولكن كان من الواجب أن تشترك فخفخة التمثيل السياسي بأبهة الدين، وكان ~~مجلس الشيوخ، والتريبونه، ومجلس شورى الدولة معتبرين في حالة استمرار؛ أما الفرقة التشريعية ~~فقد كانت وحدها بحاجة إلى استدعائها قبل زمن طويل، ولقد جرى ذلك بأمر صدر في 17 تشرين ~~الأول. # كان أعضاء مجلس الشيوخ قد أقسموا قسما شخصيا للإمبراطور، حتى إن رئيس تلك الفرقة، ~~فرنسوا ده نوشاتو، لفظ خطبة ننقل منها الجملة التالية: «مولاي، في المستقبل البعيد، ~~عندما يجيء أبناء أبنائنا، بمثل هذا الموكب، ليعترفوا بأحد أحفادك إمبراطوارا عليهم، بأحد ~~أحفادك الذي من حقه أن يسمع قسم وفائهم، عندما يجيئون ليظهروا له دعاء الشعب وحاجاته، ~~ويرسموا له واجباته، لا يجدون غير كلمة يقولونها له وهي: إنك تدعى بونابرت، أنت رجل ~~فرنسا، أيها الأمير، تذكر نابوليون الكبير.» # عندما جمعت أصوات الشعب لمرسوم الشيوخ الصادر في 28 فلوريال عام 12، وأكد رودورير، ~~عضو لجنة الإحصاء، أن ثلاثة ملايين وخمسمائة واثنين وسبعين ألفا وثلاث مائة وتسعة وعشرين ~~مواطنا قد صرحوا بأنهم يريدون وراثة الحق الإمبراطوري لسلالة نابوليون بونابرت ~~الطبيعية، والشرعية، والمتبناة، ولسلالة جوزيف بونابرت ولويس بونابرت الطبيعية والشرعية، ~~عهد أيضا إلى فرانسوا ده نوشاتو بأن يهنئ نابوليون على شهادة الثقة وعرفان الجميل ~~الجديدة التي منحه إياها الشعب الفرنسي، فأجاب نابوليون: «إنني أصعد إلى العرش الذي دعتني إليه أماني مجلس الشيوخ والشعب والجيش، وملء قلبي ~~عاطفة هذا الشعب الذي كنت أول من حياه باسم كبير في وسط الحروب. # لقد حقت له جميع أفكاري منذ نعومة أظفاري، وأراني مضطرا إلى القول إن أفراحي ~~وأحزاني لم تعد تتألف اليوم إلا من سعادة شعبي وشقائه. # سيحافظ أعقابي طويلا على هذا العرش، الأول في العالم. # وسيكونون في الحروب الجنود الأولين في الجيش فيضحون بحياتهم لأجل ~~بلادهم. # وأنتم أيها الشيوخ الذين لم يفتني عضدهم ومشورتهم في أشد المواقف صعوبة، كونوا ~~دائما سند هذا العرش الضروري لخير هذه ms145 الإمبراطورية الرحبة.» # في أوائل تشرين الثاني سافر بيوس السابع من روما فوصل إلى فونتينبلو في الخامس والعشرين ~~منه، فاتجه نابوليون إلى ملاقاته على طريق نمور، وكان قد دبر نزهة صيد ليصادف وجوده ~~على طريق البابا. عندما وقع نظر بونابرت على البابا ترجل، وعمل الخليفة مثله، وبعد أن ~~تعاقنا صعدا إلى المركبة معا واتجها إلى قصر فونتينبلو الإمبراطوري حيث جرت بينهما محادثات ~~عديدة، وفي الثامن والعشرين دخلا منه إلى باريس. # كان المسح قد عين في اليوم الثاني من كانون الأول. إلا أنهم ترددوا أولا في ~~اختيار المكان. قال بعضهم في شان ده مرس، وقال البعض الآخر في كنيسة الأنفليد، سوى أن ~~نابوليون فضل نوتردام. كان شان ده مرس طافحا بالذكريات الثورية فلم يصلح لاحتفال أرادت ~~الثورة أن تظهر فيه أوروبا أنها تستطيع أن توفق بين وحدة السلطة والدين، وقد عملت على أن ~~تنسي ابتداءاتها الهائجة وأحقادها الأولى على الملوك والكهنة. # في اليوم المعين اتجه بيوس السابع إلى نوتردام يتبعه عدد غفير من الإكليروس، ~~وتتقدمه، حسب العادة الرومانية، بغلة أضحكت الباريسين كثيرا ، مما أفسد مدة قصيرة جلال ~~الموكب الحبري. أما الإمبراطور فقد جاء بعد البابا، لم يحط أمير من أمراء العالم بموكب ~~أعظم وأفخم من الموكب الذي أحاط بنابوليون. كان هناك جميع العظماء العسكريين والملكيين؛ ~~وكانت عظمة المجد الشخصي تمتزج بعظمة المقامات والجدارة. أما فخفخة الأشعرة والأزياء، وزين ~~المركبات والجياد، وازدحام المتفرجين الذين أقبلوا من جميع أطراف الإمبراطورية فقد ~~اشتركوا كلهم في إعارة ذلك المهرجان مشهدا من العظمة لم تر العصور مثله قط. وأما ~~الأمة فقد مثلها في نوترادم رؤساء الأقاليم، والمدارس المنتخبة، ونواب وكالات الجيش، ~~والفرقة التشريعية وباقي الفرق الكبرى في الدولة. # عندما انتهى البابا من الذبيحة تقدم الإمبراطور من الهيكل، ولكنه لم ينتظر حتى يتوجه ~~البابا، بل أخذ التاج من يدي الحبر ووضعه على رأسه، ثم توج الإمبراطورة. وفي اليوم ~~التالي جرى استعراض في شان ده مرس تبعه توزيع النسور الإمبراطورية على فرق الجيش. ولقد ~~وزع الإمبراطور بنفسه هذه الأعلام ms146 على كل فرقة بمفردها، ثم أشار إلى الكتائب فاقتربت ~~منه، فقال لها: «أيها الجنود، هذه هي أعلامكم، إن هذه النسور إنما هي عنوان التئامكم؛ ستكون ~~دائما حيث يرى إمبراطوركم أنها ضرورية للدفاع عن عرشه وشعبه. # إنكم لتقسمون أن تضحوا بحياتكم في سبيل الدفاع عنهما، وأن تؤيدوهما بشجاعتكم في طريق ~~الشرف والنصر؟» # فأجاب الجنود بهتاف واحد: «نقسم!» # أراد مجلس الشيوخ ومدينة باريس، عقيب ذلك، أن يثبتا عهد التتويج بمهرجانات أقامها ~~للإمبراطور والإمبراطورة، ولقد رفع مجلس العاصمة البلدي، بهذه المناسبة، كتاب تهنئة إلى ~~الإمبراطور، الذي أجابه بما يلي: ~~«حضرات أعضاء المجلس البلدي، لقد مثلت بينكم لأعطي مدينتي الطيبة باريس ضمان ~~حمايتي الخاصة، وإني لأجد لذة وواجبا في كل سانحة أن أبرهن لها عن حسن ~~التفاني؛ إذ إني أريد أن تعرفوا أنني، في المواقع، في أصعب المواقف الخطرة، في ~~البحار، في وسط الصحاري نفسها، لم أحول نظري فترة عن مذهب عاصمة أوروبا ~~هذه.» # كان بيوس السابع قد بقي في باريس مدة تلك المهرجانات كلها؛ فإنه لم يحضر إلى فرنسا ~~إلا على أمل أن يستفيد من تنازله ليس لصالح الدين فسحب، بل لسلطته الزمنية أيضا. إذن كان ~~من الطبيعي أن يمدد إقامته بالقرب من نابوليون بقدر ما أوجبته الضرورة لتحقيق آماله. ~~وسنرى فيما بعد هل تحققت هذه الآمال، وهل خطر يوما للإمبراطور، الذي بذل للحبر الروماني ~~تلك الإكرامات وذلك الاحترام لقاء المسحة المقدسة التي أخذها منه، أن يضحي له بمبادئ ~~السياسة الفرنسية في إيطاليا وفوائدها؟ # | الفصل العاشر # بعد مرور خمسة وعشرين يوما من التتويج افتتح الإمبراطور جلسة الفرقة التشريعية، قال: ~~«أيها الأمراء، والحكام، والجنود والمواطنون، ليس لنا جميعا في حياتنا إلا غاية واحدة، ~~هي صالح الوطن، وإن كان هذا العرش الذي أصعدتني إليه الحكمة العلياء وإرادة الأمة عزيزا ~~في نظري؛ فذلك لأنه يستطيع وحده أن يدافع عن مصالح الشعب الفرنسي المقدسة. # إن ضعف السلطة السامية إنما هو بلية الشعوب. لم يكن لي وأنا جندي أو قنصل أول إلا ~~فكرة واحدة، أما وأنا إمبراطور فلم ms147 يبق لي غيرها وهي سعادة فرنسا. لقد أتيح لي حظ ~~كبير بتمجيدها بالانتصارات وتثبيتها بالمعاهدات، وإنقاذها من الفتن الأهلية، وتنشيط العادات ~~والمجتمع والدين فيها. وإني لعلى يقين، إذا لم يدهمني الموت في وسط أعمالي، أن أترك للأجيال ~~ذكرا يكون مثلا أو تأنيبا لخلفائي. # سيفصح لكم وزير داخليتي عن بيان موقف الإمبراطور.» # عند هذا أخذ السيد ده شانيانيي الكلام فتكلم عن الأمن في فرنسا، وعن عظمتها وفلاحها ~~بعد تلك الاضطرابات العديدة التي مرت عليها، وتكلم أيضا عن الكهنة والرعاة الصالحين من ~~مختلف المذاهب الذين اتحدوا جميعا في محبة الوطن والإعجاب بنابوليون، وعن وضع الشرائع ~~الجديدة التي اشتهرت كعمل جميل في كل مكان، وعن مدارس الحقوق التي قرب عهد ~~افتتاحها، والمدرسة الحربية، ومدرسة الفنون والصنائع في كومبياني التي تترقى من يوم إلى ~~يوم، وعن النبوغ الفرنسي المستعد لتوليد الروائع في جميع فروع العلوم والآداب والفنون وقد ~~وضعت له جوائز لدفعه إلى الأمام وتنشطيه، وعن إنشاء الجسور والطرق، وتكلم أيضا عن ~~مدينة جديدة شيدت في الفانده (نابوليون فانده) لتكون مهد الأنوار، ومركزا لحراسة نشيطة ~~أكيدة، وعن التجارة التي أعيدت إلى شاطئ الرين الأيسر فأعطت مايانس وكولونيه جميع عائدات ~~المخازن، وعن الصناعة الفرنسية التي تمد أصولها من يوم إلى يوم وتدفع الصناعة الإنكليزية ~~بعيدا عن الحدود الفرنسية بعد أن قدر لها أن تضارعها في كل ما يئول إلى مجدها ~~ونشاطها، وعن الزراعة الناشئة من يوم إلى يوم، وتكلم أخيرا عن الثروة الحقيقية النامية ~~في جهات الإمبراطورية جميعها، ثم بعد ذلك حقق الوزير أن عدد المحتاجين في العاصمة إنما هو ~~أقل باثنين وثلاثين ألفا مما كان عليه عام 1791. # أما حالة مستعمرات فرنسا فقد كانت أقل فلاحا بسبب الحرب البحرية، وأما علاقاتها ~~الدولية مع سلطات البر فقد كانت ودية في الظاهر فقط؛ لأن ذلك الصلح إنما كان يحضن الحرب ~~دائما. # في اليوم الثاني من شهر كانون الثاني عام 1805 اتجهت الفرقة التشريعية بلباسها الرسمي ~~إلى مقابلة الإمبراطور لترفع إليه عرض حال دس فيه الرئيس السيد ده ms148 فولتان، بالرغم من تذمر ~~أكثرية رفاقه، هذا الاصطلاح القديم: «الأشخاص المطيعون»، وبعد أيام قلائل جرى تدشين تمثال ~~نابوليون الذي صنعه الحفار شوده، في مكان جلسات النواب، وفي تلك الحفلة ألقى السيد ده ~~فوبلان، أمين صندوق هذه الفرقة، أمام الإمبراطور والإمبراطورة وكبراء الإمبراطورية، خطبة ~~ابتدأها هكذا: «أيها الأسياد، لقد كللتم إنجاز مجموعة القوانين الملكية بعمل يدل على ~~الإعجاب ومعرفة الجميل؛ إذ إنكم رفعتم تمثالا للأمير العظيم الذي أنجزت إرادته الصلبة هذا ~~العمل الكبير، في الوقت نفسه الذي نشر فيه ذكاؤه الواسع أسمى شعاع من النور على هذا الجزء ~~من التنظيمات البشرية النبيلة. إنه ليبرز في هياكل الشرائع مزين الرأس بهذا الإكليل ~~الظفري الذي منطقه به النصر متفائلا له بعصابة الملوك ... # إن كان الثناء يفسد ضعفاء النفوس فإنه غذاء النفوس الكبيرة ... # من يستحق أكثر من نابوليون الشرف السامي الذي تخصصونه له اليوم وستخصصه له الأجيال ~~فيما بعد؟» # ثم جاء دور السيد ده فونتان فلم يكن ثناؤه أقل جمالا؛ إذ قال: «إن المجد لينال دائما ~~أحق جزاء، وتنال السلطة في الوقت نفسه أنبل تثقيف . إن هذا التمثال لم يشيد للقائد ~~الكبير، ولا لقاهر الشعوب العديدة؛ فإن الفرقة التشريعية قد وقفته لمصلح الشرائع، وإن ~~العبيد المضطربين، والأمم المقيدة لا يخشعون على أقدام هذا التمثال، ولكن الأمة الكريمة ~~ترى فيه بغبطة ملامح منقذها. ألا فلتبل التماثيل المشيدة بالكبرياء والتملق! ~~ولتكرم معرفة الجميل تلك التي تكون جزاء البطولة والحسنات.» وبعد وقت قصير ختمت الفرقة ~~التشريعية جلستها. أما الاختتام فقد لفظه السيد ده سيغور، مستشار الدولة، الذي بعد أن ~~ذكر في خطبته، ولكن بشكل مختلف، تلك العجائب التي تكلم عنها لاسيبيد، وفرنسوا ده ~~نوشاتو، وفوبلان، وفونتان وغيرهم، ردد على مسمع النواب الكلمات التي فاه بها الإمبراطور ~~عند افتتاح هذه الجلسة: «أيها الأمراء، والحكام، والجنود، والمواطنون، ليس لنا جميعا ~~إلا غاية واحدة، هي صالح الوطن.» # إلا أن نابوليون كان يعلم أن هذا الصالح، إنما يتطلب قبل كل شيء سلاما مكينا ~~مستديما، سلاما أوروبيا حقيقيا لا تستثنى إنكلترا منه، ms149 فتناسى عند ذلك الخيبة ~~التي لقيتها رسالة القنصل الأول إلى الملك جورج الثالث، وعالج تجربة أخرى بصفته إمبراطورا. ~~فكتب إلى هذا الملك في الثاني من كانون الثاني عام 1805 ما يلي: «أخي، دعتني إلى العرش ~~الحكمة السامية، وتصويت الشيوخ والشعب والجيش، فإذا بميلي الأول رغبة في السلام. إن فرنسا ~~وإنكلترا تتصرفان بسلاحهما تصرفا مطلقا فهما تستطيعان أن تتخاصما قرونا طوالا. ~~ولكن، أتقوم حكومتاهما بالواجب المقدس قياما صحيحا؟ أو لا يبكتهما ضميرهما على ذلك ~~الدم المهروق من غير فائدة وغاية؟ إنني لا أتهيب عارا، ولقد برهنت للعالم طويلا أنني ~~لا أخشى عاقبة حرب؛ إذ إن الحروب لم تخيب أملي حتى الآن فأخشاها. إن السلام إنما هو أمنية ~~قلبي، ولكن الحرب لم تعاكس مجدي بعد ...» # لم يستلم نابوليون جوابا من الملك، الذي اكتفى بالإيعاز إلى اللورد ملكراف بأن يكتب إلى ~~السيد ده تالليران رسالة مبهمة، ألقاها الإمبراطور تحت نظر مجلس الشيوخ مع نسخة من ~~الرسالة التي وجهها هو نفسه إلى جورج الثالث. قال اللورد ملكراف: «إن جلالته استلم ~~الرسالة التي وجهها إليه رئيس الحكومة الفرنسية. # فجلالته يرى من المستحيل أن يجيب على تلك المفاتحة، حتى يتاح له أن يتفاهم مع سلطات ~~البر التي ارتبط معها بعلاقات سرية، وخصوصا مع إمبراطور روسيا الذي برهن بشدة وإخلاص عن ~~حكمة وسمو نفس صحيحين، وعن اهتمامه بكل ما يدعو إلى سلامة أوروبا ~~واستقلالها.» # إن هذا الجواب، بالرغم من جهود المداول الإنكليزي في أن يخفي استعدادت ديوان لوندن ~~تجاه فرنسا، إنما يدل دلالة واضحة على أن تلك الاستعدادات ليست سليمة هادئة. ما معنى ذلك ~~الرفض المتكلف عدم إعطاء نابوليون المقام الذي منحه إياه الشعب الفرنسي، والذي كرسه ~~البابا، واعترفت به جميع أوروبا البرية؟ وما هي تلك العلاقات السرية مع سلطات البر، وخصوصا ~~مع إمبراطور روسيا، ولأية غاية وجدت وضد من؟ أجل، إن كل ما جاء في تلك الرسالة ~~ليشير إلى استعداد ديوان سن جمس للخصومة، وشهر الحرب على فرنسا مباشرة أو بدسائس سرية حتى ~~تضطر فرنسا على ms150 قلب تنظيماتها الجديدة والرجوع إلى سياستها القديمة. لم يخف ذلك على ~~نابوليون فأذاع هذا الأمر في أوروبا جمعاء مظهرا أن شهر الحرب على الإمبراطور إنما هو ~~شهر الحرب على الثورة. # كان بيوس السابع باقيا في باريس، فشهد وصول نواب المجامع المنتخبة وفرق الجمهورية ~~الإيطالية وقد جاءوا إلى باريس ليضعوا على أقدام الإمبراطور أمنية أمتهم وينادوا ~~بنابوليون ملكا على إيطاليا. وكان ملزي، نائب رئيس الجمهورية، عضو هذا الوفد، فمثل أمام ~~الإمبراطور في السابع عشر من شهر أيار عام 1805، وألقى خطبة بمحضر من مجلس الشيوخ ختمها ~~بهذه العبارة: «مولاي، أردت أن توجد الجمهورية الإيطالية فوجدت، فتكرم بأن تكون ~~المملكة الإيطالية سعيدة فتكون.» فأجاب نابوليون: «كانت مشيئتنا الأولى التي لا تزال ملطخة بدم الحروب وغبارها تنظم الوطن ~~الإيطالي مرة أخرى. # ولقد رأيتم ضروريا لمصالحكم يوم ذاك أن نكون رئيسا لحكومتكم، واليوم تريدون أن ~~نكون أول ملك لكم؛ إن انفصال تاجي فرنسا وإيطاليا، الذي قد يكون مفيدا لتوثيق ~~استقلال أبنائكم، إنما هو في الحال الحاضرة شؤم على كيانكم وراحتكم. أما إنني ~~لأبقي هذا التاج، ولكن طالما تقتضيه مصالحكم، وإنني لعلى يقين أن سيحين الوقت عما ~~قريب لوضعه على رأس تشرب روحي ليكمل عملي ويكون مستعدا دائما للتضحية بذاته ~~ومصالحه في سبيل سعادة الشعب.» # كان البابا يرى بأسف عميق سري تشكيل مملكة إيطاليا الجديدة وامتداد سلطة بونابرت حتى ~~أبواب روما. وكان للسفر من فرنسا، الذي بتته أسباب زمنية، مأرب غير ذلك الجوار المخيف. ~~على أن بيوس السابع أخفى استياءه في الظاهر؛ لأنه عزم مرة أخرى أن يمنح الأسرة ~~الإمبراطورية واسطته الحبرية. # ولد للويس بونابرت ابن ثان، فوضع الإمبراطور في خزانة مجلس الشيوخ تذكرة ولادة هذا ~~الأمير الذي أوتي الإمبراطور عرابا له، وعمده البابا في قصر سن كلود في الرابع ~~والعشرين من شهر آذار سنة 1805. # ترك الإمبراطور باريس في أول نيسان ليتجه مع الإمبراطورة إلى ميلان. فبقي ثلاثة أسابيع في ~~تورين حيث سكن في قصر ستوبينيس الملقب بسن كلود ملوك سردينيا. فزاره البابا في ذلك القصر ms151 ~~وهو عائد إلى روما، وجرت بينهما محادثات عديدة لم يمنح نابوليون فيها بيوس السابع حق ~~التخلي له عن حد من الحدود لقاء الزيت المقدس الذي تقبله منه. # وفي الثامن من أيار أراد نابوليون، وهو زاحف إلى ميلان، أن يزور ساحة قتال مارنغو، حيث ~~وضع الحجر الأول للتمثال الموقوف للبسلاء الذين ماتوا في تلك الساحة، ووالى سيره إلى ~~ميلان. # إن المؤرخين، الأشد كرها لنابوليون، صرحوا أن هذه العاصمة قد احتفلت به احتفالا لا ~~يقل فخفخة عن تلك الاحتفالات التي أقيمت له في فرنسا بعد ليوبن ومارنغو. # نزل نابوليون في قصر مونزا حيث جاء آخر رؤساء مشيخة جنوا المدعو دورازو يسأله ضم ~~الجمهورية الليغورية إلى الإمبراطورية الفرنسية، فأجاب نابوليون: # حضرة الرئيس، وحضرات نواب مجلس شيوخ جنوا وشعبها # إن الأفكار الحرة قد تكون أتيح لها وحدها أن تخلع على حكومتكم تلك العظمة ~~التي كانت لها منذ قرون عديدة، ولكني لم ألبث أن تحققت تعذركم عن القيام بعمل ~~ما. أما اليوم فقد تغير كل شيء؛ فإن أصول وضع القوانين البحرية الجديدة الذي ~~اتخذه الإنكليز، والذي أرغم القسم الأكبر من أوروبا على الاعتراف به، وحق ~~المحاصرة، التي يستطيعون أن يمدوها إلى الأمكنة غير المحاصرة والتي ليست إلا حق ~~ملاشاة تجارة الشعوب كما يشاءون، والنكبات الفظيعة التي تتزايد من يوم إلى يوم، ~~كل ذلك كان يوحي إليكم وحشة في استقلالكم. إن الأجيال ستحمدني وتثني علي لما ~~أقوم به من الجهود في سبيل جعل البحار حرة وإرغام البربريين على العدول عن شهر ~~الحرب ضد الأعلام الضعيفة. لقد رفضت إنكلترا، في معاهدة إميان، أن تساعد هذه ~~الأفكار الحرة. # حيثما لا يوجد استقلال بحري لشعب تجاري تولد الحاجة إلى الانضمام تحت ظل ~~علم أقوى. إنني سأحقق أمنتيكم، وسأضمكم إلى شعبي الكبير. # وجرى ذلك الاتحاد بأسرع ما يكون، وأصبح رئيس مشيخة جنوا عضوا في مجلس الشيوخ ~~الفرنسي. # في السادس والعشرين من شهر أيار جرى مسح نابوليون ملكا على إيطاليا في كاتدرائية ميلان، ~~ولقد قام بالذبيحة الكردينال كابرارا أسقف هذه العاصمة، ms152 فسلم التاج الحديدي القديم ~~للإمبراطور الذي كرر ما عمله في باريس فوضعه بيده على رأسه صارخا: «إن الله هو الذي ~~سلمني إياه فويل لمن يمسه!» # إلا أن بلاط فيينا كان من حقه أن يكون أكثر من السدة الرسولية استياء من توطيد ~~السلطة الفرنسية في إيطاليا. أما نابوليون، الذي توقع انفجار الأحقاد في صدور أعداء ~~الثورة الفرنسية القدماء، فقد شرع يهتم منذ ذلك الحين بتثبيت حمية الشعب المذعن إلى ~~سلطته، فطاف مملكة إيطاليا مع جوزيفين، وكانا يحركان هتاف الشعب حيثما يمران، وأما جنوا ~~فقد أقامت للمسافرين العظيمين عيدا جميلا، وبر نابوليون قبل تركه ميلان بالوعد الذي ~~عمله للإيطاليين، فأعطاهم نائب ملك، ووقع اختياره على أوجين بوهارنه، # 1 # ثم وضع بعد ذلك نظام التاج الحديدي، ونظم جامعة تورين. # أخذ نابوليون وجوزيفين طريق فرنسا فوصلا إلى فونتينبلو في الحادي عشر من شهر تموز، واتجها ~~من هناك إلى باريس فسن كلود. إلا أن الظروف لم تسمح للإمبراطور بأن يتمتع بمجده رخي ~~البال هادئ النفس، فلقد قضى عليه الحظ أن يشتري عظمته ببذل راحته. # | الفصل الحادي عشر # قرب الوقت الذي تنبأ عنه نابوليون، وأوشكت الخصومة المتسترة أن تستحيل إلى حرب علنية، ~~فترك الإمبراطور عاصمته في أوائل شهر آب ليتجه إلى معسكر بولونيا ويشرف على الجيش ~~المستحكم على الشواطئ. # لم يطل هذا السفر أكثر من شهر، في هذه المدة أصدر الإمبراطور أمرا بجمع ثمانين ألف رجل ~~على حدود النمسا. ولدى عودته إلى باريس فكر في وسط مشاغله الحربية، بإعادة تنظيم الرزنامة ~~الغريغورية؛ إذ إن «الطقس» الجمهوري إنما كان منافيا لمجموع التنظيمات الدولية التي كان ~~يحاط بها في كل مكان ولجت إليه سلطته. على أن تقسيم السنة التي اعتمدت عليه الاتفاقية ~~إنما كان مؤسسا على حساب علمي، ولكن العلم أيضا سيظهر ضرورة العودة إلى الرزنامة القديمة ~~ويعهد إلى لابلاس بتجديد عمل روما. # بعد مرور عشرة أيام من صدور المرسوم القاضي باستبدال الرزنامة القديمة بالرزنامة ~~الجمهورية رأى نابوليون نفسه مضطرا أن يبين، لمجلس الشيوخ، سلوك النمسا وروسيا العدائي ms153 ~~ويعلن سفره القريب إلى الجيش، قال: «حضرات الشيوخ، إن ظروف أوروبا الحالية أحوجتني إلى أن ~~أكون بينكم لأطلعكم على ميولي. # سأترك عاصمتي لأضع نفسي على رأس الجيش، وأحمل إلى حلفائي نجدة سريعة، وأدافع عن أعز مصالح ~~شعوبي. # إن أماني الأعداء البريين قد تمت؛ إذ قد بدأت الحرب في قلب ألمانيا، إن النمسا وروسيا ~~قد اتحدتا مع إنكلترا، واندفع جيلنا من جديد في جميع كوارث الحرب. كنت منذ أيام لم أزل ~~أعلل النفس بالسلام، ولكن الجيش النمسوي عبر الأين، وهوجمت مونيخ، وطرد منتخب بافيير من ~~عاصمته. إذن فجميع آمالي قد تلاشت. # لقد انكشفت اليوم رداءة الأعداء البريين. إنهم خافوا أن تعود النمسا إلى ميول عادلة ~~معتدلة فجروها إلى الحرب. أما إنني لآسف على الدم الذي سيهرق في أوروبا، ولكن الاسم ~~الفرنسي سيلمع لمعانا جديدا. # أيها الشيوخ، عندما وضعت على رأسي التاج الإمبراطوري تقبلت منكم ومن المواطنين جميعهم ~~عهدا بتأييده سالما لا لطخة عليه. لقد أعطاني شعبي في جميع المواقف براهين عن ثقته ~~وحبه، وسيطير تحت أعلام إمبراطوره وجيشه التي لا يمر وقت قصير حتى تجتاز الحدود. # إن الحكام والجنود المواطنين جميعهم يرغبون في توطيد الوطن بعيدا عن نفوذ إنكلترا التي، ~~إذا انتصرت، لا تمنحنا إلا صلحا محاطا بالذل والعار، وتكون شروطها الأولى إحراق ~~بواخرنا، وإتلاف مرافئنا، وملاشاة صناعتنا. # لقد حققت جميع الوعود التي أعطيتها للشعب الفرنسي، وسيظل الشعب الفرنسي، في هذه الظروف ~~الحرجة، عاملا على استحقاق لقب الشعب الكبير الذي حييته به في وسط ساحات القتال. # أيها الفرنسيون، سيقوم إمبراطوركم بواجبه، ويقوم جنودي بواجبهم، وأنتم تقومون به ~~أيضا.» # فأجاب مجلس الشعب على نداء الإمبراطور بأن ارتأى جمع ثمانين ألف رجل وإعادة تنظيم الحرس ~~الوطني. وأراد التريبونه كذلك أن يبرهن عن غيرته وإخلاصه فخف حاملا، إلى أقدام العرش، ~~عبارات السخط الشديد على سلوك روسيا والنمسا العدائي، ثم إن سلطات العاصمة لم تجد لائقا ~~بها أن تبقى صامتة في مثل تلك الأحوال الحرجة، فجاء حاكم السين، فروشو، على رأس المجلس ~~البلدي ليسلم إلى ms154 الإمبراطور مفاتيح باريس رمزا لخضوع المدينة وإخلاصها. قال: «إن كانوا ~~حقا يريدون النيل منك ومن استقلال الأمة وحريتنا وتنظيماتنا فمر بأن نشترك جميعا في ~~الدفاع، وتأكد أنه إذا كان موجب للزحف فإننا مستعدون إلى اللحاق بك، إلى خدمتك والثأر ~~لك.» # ترك نابوليون باريس في الرابع والعشرين من شهر أيلول، بعد أن وثق من اتحاد فرنسا على ~~محبته والإخلاص له، ووطد معسكره في ستراسبورج حيث نشر في التاسع والعشرين النداء التالي ~~الموجه إلى الجيش: # أيها الجنود # لقد بدأت حرب العصبة الثالثة، وعبر الجيش النمسوي الأين، وخرق المعاهدات، وهاجم ~~حليفنا وطرده من عاصمته ... ألا إنكم قد عبرتم الرين ولن نقف ما لم يحقق استقلال ~~الفرقة الجرمانية، ما لم ننقذ حلفاءنا، ونخز كبرياء المعتدين البغاة، ولن نعقد ~~صلحا بعد من غير ضمان، ولن يخدع كرمنا سياستنا مرة أخرى. # أيها الجنود، إن إمبراطوركم بينكم ولستم إلا الصف الأول في الشعب الكبير، وإذا ~~كان هناك داع؛ فإن هذا الشعب لينهض كله، لدى نداء مني، فيخزي ويشتت تلك العصبة ~~الجديدة التي نسجتها أحقاد إنكلترا وذهبها. # ولكن، أيها الجنود، أمامنا زحف شاق وأتعاب، ومقاساة حرمان مختلف الوجوه، إلا ~~أننا سنقهر جميع تلك الحوائل، ولا نأخذ راحة لنا ما لم نغرس نسورنا في أراضي ~~الأعداء. # نابوليون # بعد أن عبر الإمبراطور الرين إلى كهل بات في أتلنجن في الواحد من تشرين الأول حيث استقبل ~~منتخب باد وأمراءها، واتجه إلى لويسبورج حيث سكن في قصر منتخب ورتنبرج. # في السادس منه دخل الجيش الفرنسي إلى بافيير بعد أن تجنب الجبال السوداء وخط الأنهر ~~المتوازية التي تنصب في وادي الدانوب. في ذلك الحين وجد النمسويون نفوسهم مهددين من ~~الوراء بعد أن حاولوا الزحف حتى منافذ الغاب الأسود ليحولوا دون مرور الجيش ~~الفرنسي. # وفي اليوم نفسه وجه الإمبراطور نداء إلى الجنود البافاريين، قال: «لقد وضعت نفسي على ~~رأس جيشي لأنقذ وطنكم من الظالمين المغتصبين ... إنني أعرف بسالتكم، وأراني فخورا بأن سيتاح ~~لي، بعد المعركة الأولى، أن أقول لأميركم ولشعبي إنكم أهل لأن تقاتلوا ms155 في صفوف الجيش ~~الكبير.» # وفي اليوم التالي استولى مائتا جندي من فرقة مورات على جسر ليك الذي دافع عنه الأعداء ~~من غير جدوى. ولقد هاجم الكولونيل واتيير على رأس هؤلاء البواسل. # وفي اليوم الثامن، هجم المرشال سول على أوجسبورج. في أثناء ذلك كان مورات يحاول أن يقطع ~~طريق أولم على أوجسبورج وهو على رأس ثلاث فرق من الخيالة. وعندما التقى بالعدو في ~~ورتنجن قاتله بشدة وقدر له، بمعاضدة المرشال لان الذي أقبل مع فرقة أودينو، أن يجبر ~~الفرقة النمسوية المؤلفة من اثني عشر فيلقا من الرماحة على إنزال السلاح. أراد ~~الإمبراطور أن يطلع حاكم مدينة باريس وشيوخ الصلح فيها على تلك الواقعة اللامعة فأرسل ~~إليهم الأعلام والمدفعين التي أخذت من العدو لتوضع في أوتيل ده فيل. وكان المرشال ~~سول قد دخل في الليلة الماضية إلى مدينة أوجسبورج مع فرق فاندام وسنت هيلير ولوكران. # بينما كان الإمبراطور يستعرض الرماحة في قرية زومر هوسن أمر بأن يمثل لديه المدعو ~~مارنت الذي أنقذ قائده في ممر ليك، بالرغم من أن هذا كان قبل أيام نزع عنه رتبة ملازم ~~ثان، وأعطاه نسر جوقة الشرق جزاء بسالته، فقال هذا: «إنني لم أعمل إلا واجبي. كان قائدي ~~قد نزع عني رتبتي لبعض ذنوب اقترفتها إلا أنه يعلم جيدا أنني كنت دائما جنديا ~~مخلصا.» # لم يكن سلوك الرماحة في موقعة جسر ليك أقل منه بسالة في ورتنجن؛ فوزع عليهم ~~الإمبراطور نسر جوقة الشرف كما عمل مع مارنت. وعندما جاء أكسلمان، قائد الخيالة ومعاون ~~مورات، الذي قتل جوادان تحته في تلك المعركة، حاملا إلى المعسكر الأعلام التي أخذت من ~~النمسويين، قال له نابوليون: «إنني أعلم أنه لا يمكن أحدا أن يكون أكثر بسالة منك، فأنا ~~أجعلك ضابطا في جوقة الشرف.» # بعد مرور أربع وعشرين ساعة على موقعة ورتنجن، أتيح للكتيبة التاسعة والخمسين من فرقة ~~المرشال ناي أن تأخذ بالسلاح الأبيض جسر غنزبورج الذي دافع عنه الأرشيدوق فردينند بنفسه. ~~أما الكولونيل لاكوي الذي قاتل ببسالة فقد بقي في ساحة ms156 القتال. # تشتت النمسويون في جميع الجهات، وأتيح للجيش الفرنسي، وهو يطاردهم، أن يجري أعمالا ~~حاذقة حتى قطع عليهم جميع مواصلاتهم. جاء في المذكرة اليومية الخامسة ما يلي: «عندما عبرت ~~فرقة جيش القائد مارمون المضيق كان الإمبراطور على جسر ليك، فشكل كل كتيبة بشكل دائرة ~~وأطلعها على موقف العدو وعلى قرب حدوث موقعة كبرى، ثم عبر عن ثقته الأكيدة بها، في تلك ~~الآونة كان الثلج يهطل بغزارة، والأوحال تغمر الكتائب حتى الركب، والبرد القارس يلج ~~منافذ الأبدان، إلا أن كلمات الإمبراطور كانت شعلة مضطرمة ينسى الجندي، لدى سماعها، ~~أتعابه وحرمانه ويرقب ساعة القتال بفارغ صبر.» # في الرابع عشر من شهر تشرين الأول كانت عاصمة البافيير قد سلمت، فدخلها المرشال برنادوت ~~في الساعة السادسة من الصباح بعد أن طرد منها الأمير فردينند الذي ترك ثماني مائة أسير تحت ~~تصرف المنتصر. وفي الوقت نفسه كانت فرقة فرنسية، تحت قيادة الجنرال ديبون، مؤلفة من ستة ~~آلاف رجل لا غير، تقاوم عساكر محافظة أولم المؤلفة من خمسة وعشرين ألفا مقاومة شديدة، ~~حتى أتيح لها أن تستولي على ألف وخمس مائة أسير منهم في معركة البيك. # جاء الإمبراطور بنفسه إلى الفرقة المعسكرة أمام أولم في الثالث عشر من شهر تشرين الأول، ~~وأمر بالاستيلاء على الجسر ومكان الشنجن لتسهيل محاصرة الجيش العدو. وفي الرابع عشر منه ~~عبر المرشال ناي هذا الجسر، واستولى على مكان الشنجن بالرغم من المقاومة الشديدة. وفي اليوم ~~التالي، ظهر الإمبراطور أمام أولم مرة ثانية، واصطف مورات ولان وناي للقتال ليشرعوا ~~بالمهاجمة، في حين كان سول مستوليا على بيبراك، وبرنادوت ينجز هزيمة الجنرال كيينماير. أما ~~الوحل في معسكر أولم فكان يغمر الجنود حتى ركبهم، وكان مضى على الإمبراطور ثمانية أيام لم ~~يغير فيها حذاءه، وفي السابع عشر منه استدرك ماك الهجوم فسلم، وبقي الجنود المحافظون ~~أسراء جميعهم. # كان نابوليون يعتبر موقعة ألشنجن كألمع موقعة حربية تذكر. وفي الثامن عشر منه كتب إلى ~~مجلس الشيوخ، من المعسكر العام المقيم بتلك الساحة الحربية المجيدة، يقول: «لقد ms157 شتت منذ ~~دخولي إلى الموقعة جيشا مؤلفا من مائة ألف جندي أسرت نصفهم وقتلت وجرحت النصف الآخر ... ~~إذن فلقد تممت الواجب الحربي الأول. إن منتخب بافيير قد عاد إلى عرشه، وصعقت الصاعقة ~~المغتصبين الظالمين، وإني لآمل بعون الله أن أنتصر على أعدائي الباقين بوقت قصير.» وفي ~~اليوم نفسه رفع كتابا إلى أساقفة الإمبراطورية يدعوهم به إلى إقامة الذبيحة قال: «إن ~~الانتصارات العظيمة التي ربحتها جيوشنا من العصبة الظالمة، التي ألفتها أحقاد إنكلترا ~~وذهبها، شاءت أن أرفع وشعبي الحمد إلى إله الجيوش، ونتوسل إليه أن يبقى معنا في كل ~~حين.» # تمت شروط تسليم أولم في العشرين من شهر تشرين الأول. مر خمسة وعشرون ألفا من الجنود ~~النمسويين، وستون مدفعا، وثمانية عشر قائدا، أمام الإمبراطور الذي كان واقفا على مرتفعات ~~دير الشنجن المطلة على الدانوب. فعندما أبصر نابوليون ذلك الجيش الأسير مارا أمامه، قال ~~للقواد النمسويين الذين دعاهم إلى الدنو منه: «أيها الأسياد، إن مولاكم شهر علي ~~حربا غير عادلة، وإني لأصرح بكل صدق أنني لا أعلم فيم أحارب، وماذا يريدون مني.» فأجابه ~~ماك أن إمبراطور ألمانيا لم يرغب في الحرب لو لم تضطره روسيا. فقال نابوليون: «إذن فلستم ~~سلطة أنتم؟» # وفي الواحد والعشرين من شهر تشرين الأول أذيع نداء آخر على الجيش من المعسكر العام في ~~ألشنجن، وهذا هو: # يا جنود الجيش الكبير # لقد أنجزنا موقعة في خمسة عشر يوما، وتم لنا كل ما رغبنا فيه؛ لقد طردنا ~~كتائب البلاط النمسوي من بافيير، وأعدنا حليفنا إلى ولاياته. وأما الجيش الذي ~~تعدى على حدودنا بجسارة وتهور فقد تلاشى جميعه، ولكن ما هم إنكلترا ألم تبلغ ~~أمنيتها؟ # إن من المائة الألف الذي يؤلفون هذا الجيش، ستين ألفا من الأسراء، سينوبون عن ~~المطلوبين للجندية من شعبنا في إشغال المواقع. وإن مائتي مدفع، وتسعين علما، وجميع ~~القواد هم تحت سلطتنا، ولم يهرب من ذلك الجيش أكثر من خمسة عشر ألفا. أيها ~~الجنود، كنت أعلنت لكم عن موقعة كبرى، ولكن سوء نظام العدو أتاح لي أن ms158 أنتصر ~~انتصارا باهرا من غير مشقات عظيمة؛ ومن الغريب من تاريخ الأمم، أن نتيجة كبرى ~~كهذه، لم تضعف قوانا بأكثر من ألف وخمس مائة رجل. # أيها الجنود، إن هذا النجاح الباهر مرجعه ثقتكم اللا حد لها بإمبراطوركم، ~~وصبركم على تحمل الأتعاب والحرمان من كل شيء، وشجاعتكم العظيمة النادرة. # ولكننا لا نقف هنا. فإني أراكم تتوقون إلى الشروع بموقعة أخرى. إذن فسينال الجيش ~~الروسي الذي جاء به ذهب إنكلترا من أطراف الأرض ما نال الجيش النمسوي منا. # إن شرف العساكر المشاة متعلق بهذه الموقعة. إذن فستعالجون النصر مرة أخرى كما ~~عالجتموه مرات عديدة، وتثبتون للأمم أن العساكر المشاة الفرنسيين إنما هم الأولون ~~في أوروبا، وسأجتهد في أن أوفر دما في اكتساب ذلك النصر؛ ألا إن جنودي إنما هم ~~أولادي. # وترك الإمبراطور ألشنجن وأخذ طريق مونيخ التي دخلها في الرابع والعشرين من أيلول. # وفي نهاية الأمر، بعد مسيرة منتصرة، وصل الجيش الكبير أمام فيينا. وفي العاشر من شهر ~~تشرين الثاني حمل الإمبراطور معسكره العام إلى مولك حيث سكن في دير من أجمل أديرة أوروبا، ~~وهو فضلا عن ذلك مركز محصن يشرف على الدانوب، كان الرومانيون قد اتخذوه مركزا ~~قويا لهم وأطلقوا عليه لقب «البيت الحديدي». # وقبل أن يدخل الجيش الفرنسي إلى عاصمة النمسا كان من حقه أن يضيف نصرا جديدا على ~~انتصاراته اليومية. ففي الحادي عشر من تشرين الثاني التقت كتيبة فرنسية مؤلفة من أربعة ~~آلاف رجل يقودهم المرشال مورتيه بالجيش الروسي في قرية دييرنستن، فجرت بينهما موقعة دامت من ~~الساعة السادسة صباحا إلى الرابعة بعد الظهر قيض فيها للكتيبة الفرنسية الباسلة أن ~~تشتت الجيش الروسي الكثير العدد وتقتل منه أربعة آلاف وتأسر ألفا وثلاث مائة. وبعد يومين ~~من هذه الموقعة المشهودة دخل الجيش الكبير إلى عاصمة فيينا، وعبر المرشال لان والقائد ~~برتران في الأول الجسر الذي لم يتمكن الأعداء من إحراقه. # أما الإمبراطور فلم يشأ أن يدخل إلى النمسا؛ فوطن معسكره العام في قصر شنبرن الذي بنته ~~ماري تيريز. وأما البلاط ms159 النمسوي فقد كان هجر العاصمة ولحق ببقايا الجيش. عند هذا اتجهت ~~السلطة التي بقيت في فيينا، وعلى رأسها السيد ده بوبنا، إلى شنبرن لترفع واجبات الإكرام إلى ~~الإمبراطور. فرحب نابوليون بهذا الوفد ونشر إذاعة أمر بها جنوده بالمحافظة على النظام ~~التام واحترام الأهالي وحقوقهم. # إن الاستيلاء على فيينا لم يوقف المجريات العسكرية؛ فإن مورات ولان، اللذين بقيا ~~يطاردان الجيش النمسوي الروسي في انهزامه نحو المورافي، أتيح لهما أن يقاتلاه يومين ~~كاملين، 15 و16 تشرين الثاني، في هوللنبرن وجونتروف. ولقد لعب المرشال سول دوره في تلك ~~الواقعة الأخيرة. # في تلك الأثناء كان المرشال ناي، الذي عهد إليه بالإغارة على التيرول، يقوم بواجبه بما ~~فطر عليه من الذكاء والبسالة حسب تعبير المذكرة الخامسة والعشرين؛ فبعد أن استولى على ~~قلعتي شارنيز ونوستارك دخل إلى أنسبروك في السادس عشر من شهر تشرين الثاني فوجد فيها ستة ~~عشر ألف بندقية وكمية وافرة من البارود. # وفي اليوم التالي من موقعة جونتردف حمل الإمبراطور معسكره العام إلى زنائيم ومن ثم إلى ~~بورليز فبرون. وكان الروسيون في انهزامهم يقاسون كل يوم انكسارا جديدا . في نهاية الأمر ~~خدعوا بحركة تقهقهر عالجها نابوليون ليوهمهم أنه في موقف خطر عليه وعلى جيشه ~~فوقفوا، واتخذوا موقف القتال، جاهلين أن رئيس الجيش الفرنسي إنما عالج ذلك ليوقفهم في ~~المكان الذي اختاره لمقاتلتهم. عند هذا جمع نابوليون مرشالييه وأشار إلى صفوف الأعداء ~~صارخا: «هذا الجيش لي.» وبعد ذلك نشر نداء من معسكر أوسترلتز يقول فيه: «أيها الجنود، إن ~~الجيش الروسي يتأهب للأخذ بثأر الجيش النمسوي، فسترون الكتائب نفسها التي قاتلتموها في ~~هوللابرون وطاردتموها حتى هذا المكان. # إن المراكز التي نشغلها لمراكز هائلة. أيها الجنود، سأدير بنفسي جميع كتائبكم، وسأبقى ~~بعيدا عن النار إذا ألقيتم التشويش وسوء النظام في صفوف الأعداء بما فطرتم عليه من ~~البسالة والذكاء. وأما إذا تبين لي أن النصر بعيد المنال؛ فإنكم لترون إمبراطوركم ~~معرضا نفسه للضربات الأولى؛ إذ إن النصر لا ينبغي أن يتردد فترة في تلك الواقعة ~~العصيبة التي ms160 يتوقف عليها شرف المشاة الفرنسيين. # ويجب على كل منكم أن يضع أمام عينيه هذه الفكرة وهي قهر هؤلاء المأجورين، الذين أدبت ~~فيهم إنكلترا الأحقاد على أمتنا. # ثم إن هذا النصر يضع حدا للحرب، فيتاح لنا إذ ذاك أن نعود إلى معسكرنا الشتوي، الذي ~~سنجتمع فيه بالجيوش الجديدة التي تتألف في فرنسا، ويكون السلام جديرا بشعبي، بكم ~~وبي.» # كانت فرنسا من عيد التتويج السنوي على يوم واحد، فجرت في المساء تنويرات في المعسكر ~~احتفالا بتلك الذكرى. وفي اليوم التالي تحققت آمال نابوليون؛ إذ إن نظرياته العسكرية، ~~التي عضدها ذكاء قواده وبسالتهم وشجاعة جنوده، قد حملت إليه في أوسترلتز انتصارا من تلك ~~الانتصارات الجازمة التي لا تذكر في تاريخ حياة القواد العظام إلا في الندر. وهذه هي ~~تفاصيل الموقعة الكبرى كما وردت في المذكرة الثلاثين. # موقعة أوسترلتز ~~«في السادس من فريمير، # 1 # أعطى الإمبراطور هدنة ليوفر الدم فيما إذا رضي العدو بعقد صلح نهائي، ~~إلا أنه ما لبث أن شعر بأن للعدو فكرة أخرى، وأن المداولات ليست إلا حيلة حربية ~~لإرقاد انتباهه. # في السابع منه، الساعة التاسعة صباحا ، أتيح لجحفل من الكوزاك عضدته كتيبة من ~~الخيالة الروسيين أن تثني الصفوف الأولى من جيش الأمير مورات، وتحدق بفيشو، وتأخذ ~~خمسين رجلا من مشاة الفرقة السادسة، في ذلك النهار اتجه إمبراطور روسيا إلى فيشو، ~~واتخذ الجيش الروسي مركزا له وراء هذه المدينة. # كان الإمبراطور قد أرسل معاونه الجنرال سافاري ليهنئ إمبراطور روسيا عند وصوله إلى ~~الجيش. وفي حين كان الإمبراطور يستطلع عن عدد الأعداء المعسكرين في فيشو، عاد إليه ~~الجنرال سافاري شاكرا إمبراطور روسيا على ما أبداه نحوه من الحفاوة والإكرام، ~~ومثنيا على الغرندوق قسطنطين لحسن اعتنائه به، ولكن كان من السهل عليه أن يدرك، من ~~المباحثات التي جرت بينه وبين الحاشية المحيطة بإمبراطور روسيا، أن الشكوك والتهور ~~والطيش ستسود في الديوان العسكري كما سادت في الديوان السياسي. # إن جيشا تلك إدارته لا يلبث أن يرتكب هفوات. أما الإمبراطور فأعطى في الحال أمرا ~~للجيش ms161 بالتقهقر، كم ينهزم، واتخذ مركزا حسنا على مسافة ثلاثة فراسخ إلى الوراء، ~~وشرع يجتهد في تحصينه وتنظيم الكتائب فيه. # ثم بعث إلى إمبراطور روسيا يطلب مقابلة، فأرسل إليه هذا معاونه دولكوروكي، الذي ~~استطاع أن يلاحظ تحفظ العسكر الفرنسي وضعفه؛ إذ إن موقف الحرس الكبير والتحصينات التي ~~كانت تجرى بسرعة أرت الضابط الروسي جيشا نصف مغلوب. # إن الإمبراطور، الذي لم يكن من عادته أن يستقبل المداولين في معسكره العام بتحزر ~~واحتراس، اتجه بنفسه إلى مكان الجيش حيث اجتمع بالضابط الروسي الذي، بعد أن حياه، ~~أراد أن يلج معه مسائل سياسية. إلا أن الإمبراطور لم يلبث أن تبين له أن الضابط ~~يخبط خبط عشواء في كلامه المجرد من أية معرفة بمصالح أوروبا وموقف البر. كان ~~الضابط، بكلمة واحدة، بوقا صغيرا تنفخ إنكلترا به. فأخذ يخاطب الإمبراطور مخاطبته ~~لضابط روسي دونه مقاما وقدرا، ثم عاد إلى الإمبراطور إسكندر، وملء زعمه أن الجيش ~~الفرنسي على وشك الانكسار. ولقد يدرك، كم تحمل الإمبراطور من ذلك الضابط، من علم، أن ~~هذا عرض عليه في نهاية الحديث، أن يتخلى عن بلجيكا ويضع التاج الحديدي على رأس ألد ~~أعداء فرنسا. # في العاشر من الشهر أبصر الإمبراطور بفرح عظيم من أعلى معسكره الجيش الروسي يحاول على ~~قيد رميتي مدفع أن يحول ميمنته، وتبين له إذ ذاك إلى أي حد ضلل جهل الفن ~~الحربي عمدة ذلك الجيش، ولقد قال مرارا: «سيصبح هذا الجيش في قبضتي قبل غد ~~مساء.» # على أن شعور العدو كان يختلف اختلافا بينا، فكان يدنو من حرسنا الكبير إلى ~~مسافة رمية غدارة، غير خائف إلا من أمر واحد وهو أن يفلت منه الجيش الفرنسي. أما ~~الجيش الفرنسي فكان يعالج إبقاء هذه الفكرة في مخيلة العدو. وبعد هنيهة زحف الأمير ~~مورات، مع فرقة قليلة من الخيالة، إلى السهل وما لبث أن عاد بسرعة مظهرا استغرابه ~~من قوى العدو الهائلة. كان كل ذلك يرمي إلى إضلال القائد الروسي وإثباته في وهمه. ~~وفي المساء أراد الإمبراطور أن يزور الجيش مقنعا، ms162 إلا أنه لم يكد يخطو بضع خطوات ~~حتى كشف أمره. لا يمكن وصف الفرح الذي استولى على الجنود لدى رؤية الإمبراطور. رفعت ~~فوانيس من القش على ألوف من الخشبات الطويلة، ومثل ثمانون ألف رجل أمام الإمبراطور ~~يحيونه بالهتاف الشديد، وما هي إلا ثوان قلائل حتى دنا منه أحد الجنود القدماء وقال ~~له: «مولاي، إنك لن تعرض نفسك، وإني لأعدك باسم الجيش، بألا تحتاج إلى القتال ~~بسوى العيون، وإننا سنحمل إليك غدا أعلام الجيش الروسي لنحتفل بمهرجان تتويجك.» ~~وعندما دخل الإمبراطور إلى معرسه، وهو كوخ بناه له الجند من القش، قال: «هذه أجمل ~~ليلة في حياتي، ولكني أفكر بأسف أني سأفقد عددا كبيرا من هؤلاء البواسل.» لو ~~قدر للعدو أن يرى هذا المشهد لقطع به، ولكنه بقي مستمرا في الإسراع إلى ~~حتفه. # قام الإمبراطور باستعداداته الحربية بأسرع ما يكون، فأرسل المرشال دافو إلى دير ~~رايجرن مع فرقة من فرقه وأخرى من الرماحة ليحجز الجناح الأيسر من العدو، وأعطى ~~المرشال لان قيادة الميسرة، والميمنة إلى المرشال سول، والوسط إلى المرشال برنادوت، ~~والخيالة جميعها إلى الأمير مورات. كانت ميسرة المرشال لان مستحكمة في سانتون، وهي ~~مركز عظيم حصنه الإمبراطور ووضع فيه ثمانية عشر مدفعا، وعهد بحراسته إلى فيلق ~~المدفعية الخفيفة السابعة عشرة. وكانت فرقة القائد سوشه تؤلف ميسرة المرشال لان، ~~وفرقة القائد كافاريللي تؤلف ميمنته المدعمة بخيالة الأمير مورات. وكان أمام هذه ~~فرقتا الهوسار # 2 # والقناصة تحت قيادة الجنرال كيلليرمان، وفرق رماحة والتر وبومون، وفرق ~~القائدين نانسوتي وهوتبول المدرعة مع أربعة وعشرين مدفعا خفيفا تحت الطلب. # وكان إلى يسار المرشال برنادوت، أي الوسط، فرقة القائد ريفو تدعمها ميمنة الأمير ~~مورات، وإلى يمينها فرقة القائد دروه. # وكان إلى يسار المرشال سول قائد ميمنة الجيش فرقة الجيش فاندام، وفي وسطه فرقة القائد ~~سنت هيلير، وإلى يمينه فرقة القائد الباسل لوكران. # وكان المرشال دافو منفصلا إلى يمين القائد لوكران الذي يحرس منافذ حياض سوكولنيز ~~وسلنيز وقراهما، ومعه فرقة فريان ورماحة فرقة الجنرال بورسيه. أما فرقة كودن ms163 فكان ~~عليها أن تزحف في الصباح إلى نيكولسبورج لتحجز فرقة العدو وتمنعها من تجاوز ~~الميمنة. # في ذلك الوقت كان الإمبراطور ومعه رفيقه الأمين المرشال برتيه، ومعاونه الأول القائد ~~جونو، وجميع أركان حربه، تحت الطلب مع كتائب حرسه العشرة، وكتائب الجنرال أودينو العشرة ~~التي يقود الجنرال دوروك قسما منها. # وكانت هذه الكتائب الاحتياطية مصطفة على خطين يتخللها أربعون مدفعا تستخدمها ~~فرقة مدفعية الحرس، وكان في نية الإمبراطور أن يهجم بهذه الكتائب حيثما يرى ضرورة ~~للهجوم. لقد كان هذا الاحتياط يوازي جيشا كاملا. # في الساعة الواحدة من الصباح، امتطى الإمبراطور جواده ليطوف المراكز ويتفقد مكان ~~نيران العدو، فانتهى إليه أن الروسيين صرفوا الليل بالسكر والهتاف، وأن فرقة من ~~المشاة الروس اتجهت إلى قرية سوكولنيز التي تشغلها كتيبة من فرقة القائد لوكران. # في الحادي عشر من شهر فريمير صعدت الشمس ساطعة النور، وإذا بعيد ذكرى التتويج، الذي ~~ستحدث فيه أجمل موقعة حربية في العصر، أجمل نهار من أيام الخريف. # إن هذه الموقعة، التي أصر الجنود على إعطائها لقب يوم الأباطرة الثلاثة، والتي ~~لقبها غيرهم بيوم المهرجان، وسماها الإمبراطور يوم أوسترلتز ، لتبقى خالدة في مفاخر ~~الأمة الكبرى. # كان الإمبراطور محاطا بمرشاليته جميعهم ساعة أشرقت الشمس وظهر الأفق جليا، فأعطى ~~أمره إلى كل من المرشالية بأن يتجه إلى فرقته، ثم عبر بين الجنود وقال لهم: «أيها ~~الجنود، يجب أن ننهي هذه المعركة بصاعقة تقضي على كبرياء العدو.» وما كاد يتلفظ ~~بهذه العبارة حتى رفعت القبعات على رءوس الحراب، وهتف الجميع «ليحي الإمبراطور.» ~~وبعد فترة قصيرة سمع دوي المدافع من أطراف الميمنة واشتبك القتال. # في تلك الساعة اهتز المرشال سول، كمن أصيب بسكرة شديدة، ووثب إلى مرتفعات قرية ~~برنجن بفرقتي القائدين فاندام وسنت هيلير، وبتر ميمنة العدو، ووثب مورات بخيالته، ~~ومشت الميسرة التي يقودها المرشال لان. عند هذا دوت المدافع على طول الصف، فإذا هي ~~مائتا مدفع تتخلل مائتي ألف جندي؛ موقعة هائلة من مواقع الجبابرة! لم يمر ساعة على ~~القتال حتى انشقت ميسرة العدو، وأما ms164 الميمنة فوصلت إلى أوسترلتز معسكر الإمبراطورين ~~العام اللذين أشارا إلى حرس إمبراطور روسيا بالزحف ليتفق لهما اجتماع الوسط بالميسرة. ~~وما هي إلا مدة قصيرة حتى هاجم الحرس الإمبراطوري الروسي كتيبة من الفرقة الرابعة ~~وقلبتها بطنا لظهر؛ إلا أن الإمبراطور لم يكن بعيدا، فعندما انتبه إلى هذه الحركة، ~~أمر المرشال باسيير بأن يهجم لنجدة ميمنته بجنوده القاهرين. # أما النجاح فكان مضمونا؛ إذ إن الحرس الروسي تشتت تشتتا فظيعا، واستولي على ~~القائد والمدفعية والأعلام جميعهم، وأما جحفل الغراندوق قسطنطين، فقد سحق سحقا، ~~ولولا سرعة جواده لما استطاع هو نفسه سبيلا إلى النجاة. # أبصر الإمبراطوران هزيمة الحرس الروسي من مرتفعات أوسترلتز. في تلك الساعة تقدم وسط ~~الجيش الذي يقوده المرشال برنادوت، وأتيح لثلاث من كتائبه أن تحمل حملة باهرة، ~~وقيض للميسرة، التي يقودها المرشال لان، أن تحمل ثلاث حملات انتصرت جميعها. أما فرقة ~~القائد كافريللي فقد امتازت أيضا بما قامت به من الجهود، وقدر للكتائب المدرعة أن ~~تستولي على مدافع العدو. # في الساعة الواحدة بعد الظهر كان النصر محتما من غير أن نحتاج إلى رجل واحد من ~~الجيش الاحتياطي، أما الجيش العدو، الذي أحيط به من جميع أطرافه، فقد وجد نفسه ~~محاصرا في بحيرة. عند هذا انقض عليه الإمبراطور بعشرين مدفعا وطارده من مركز إلى ~~آخر؛ في ذلك الحين رأينا مشهدا فظيعا كمشهد أبو قير، حين ترامى عشرون ألفا من ~~الأعداء في المياه وأغرقوا في البحيرات. # ألقت السلاح فرقتان من الروس تعد الواحدة أربعة آلاف وسلمتا أسيرتين. أما نتيجة ~~هذا النهار فهي: أربعون علما روسيا بينهما أعلام الحرس الإمبراطوري، عدد من الأسراء ~~كبير لم تتمكن أركان الجيش بعد من معرفتهم جميعهم، اثنا أو خمسة عشر قائدا، خمسة عشر ~~ألفا من الروسيين بقوا في ساحة القتال وتقدر خسائرنا بثماني مائة قتيل وألف وخمس ~~مائة أو ألف وست مائة جريح. إن هذا لا يدهش العسكريين الذين يعرفون أن الهزيمة إنما هي ~~وحدها التي تسبب خسارة الرجال، ولم ينكسر من فرقنا إلا كتيبة من الفرقة الرابعة ms165 لا ~~غير. بين الأسراء: القائد سنت هيلير الذي أصيب في بدء المعركة فبقي طوال النهار في ~~ساحة القتال، لقد أفرغ عليه المجد، والقواد كيلليرمان، والتر، فالهوبر، تييبو، ~~كومبان، سباستياني وراب معاون الإمبراطور. هذا الأخير هو الذي قبض على الأمير ريبنان، ~~قائد خيالة الحرس الإمبراطوري الروسي، في حين كان يهاجم تلك الخيالة وهو على رأس ~~رماحة الحرس. أما الرجال الذين امتازوا، فهم الجيش الذي أفرغ عليه المجد. لقد كانوا ~~يثبون إلى القتال هاتفين: ليحي الإمبراطور! وكانت فكرة الاحتفال بعيد التتويج ~~الإمبراطوري تدب في الجند روح الحماس والاستبسال. # كان الجيش الفرنسي، على ما هو عليه من كثرة العدد، أقل عددا من الجيش العدو، ~~الذي كان يعد خمسة آلاف رجل بعد المائة، بينهم ثمانون ألف روسي وخمسة وعشرون ألف ~~نمسوي. لقد أتلف نصف هذا الجيش وانهزم بعضه انهزاما تاما، وألقى البعض الآخر ~~السلاح. # إن هذه الموقعة لتكلف بطرسبرج دموعا من دم! أتراها تنبذ ذهب إنكلترا بسخط شديد؟ ~~وذلك الأمير الفتى، الذي تؤهله فضائله العديدة لأن يكون أبا لشعبه، أتراه ينفض عنه ~~نفوذ حاشيته المأجورة التي تفقده محبة شعبه له وتوقعه في أشد النكبات؟ إن الطبيعة، ~~التي منحته الخصال الشريفة، أعدته ليكون مؤاسيا لأوروبا، ولكن الآراء الجاحدة، التي ~~جعلته حليفا لإنكلترا، ستفسح له في التاريخ مكان الرجال الذين يعملون على تعاسة هذا ~~الجيل. إن كانت فرنسا لا تستطيع أن تبلغ السلام إلا بالشروط التي عرضها دولكوروكي على ~~الإمبراطور والتي عهد بحملها إلى السيد ده نوفوزيلزوف، فلتثق روسيا بأنها لن تنال ذلك ~~وإن كان جيشها معسكرا على مرتفعات مونمارتر. # في الثاني عشر صباحا قدم الأمير جان ده ليكتنستن، قائد الجيش النمسوي، إلى ~~الإمبراطور في معسكره العام وجرت بينهما مقابلة طويلة. على أننا نتابع نجاحنا. لجأ ~~العدو إلى كودنج على طريق أوسترلتز، فلحق به الجيش الفرنسي وأعمل فيه القتل. # لم يسطر التاريخ بعد موقعة أفظع من هذه؛ لا يزال صراخ الألوف من الرجال صاعدا من ~~وسط البحيرات. إن القلب ليتفطر شفقة وحزنا! ألا إن الدم المهروق ms166 والآلام الشديدة ~~لتقع على رءوس الجبناء من الإنكليز.» # إن الملكية والأريستوقراطية الأوروبيتين، اللتين أذلتا في شخص إمبراطوري ألمانيا ~~وروسيا، ملكهما الغم الشديد والانكسار الفظيع ساعة تناهى إليهما أن العصبة الجديدة قد ~~صادفت في أوسترلتز الأمة نفسها التي صادفتها في زوريخ ومارنغو. ويظهر أن الحكمة العلياء ~~أرادت أن تدبر تقاربا في العهود فعينت بنفسها، لعيد ذكرى التتويج، أول انتصار جازم ~~للإمبراطور نابوليون، كأنما أرادت بذلك أن تثبت للعالم أن جنود الإمبراطورية إنما هم ~~يكملون بجدارة واستحقاق واجب الجحافل الجمهورية، وأن أبهات الحكم المطلق لم تظمئ ~~عقلية الشعب والجيش أكثر مما أظمأتها روح القائد الكبير، وأن الثورة الفرنسية التي لن ~~تغلب ما زالت تسود في فرنسا. إلا أن هذه النكبة، التي لم تصب إلا روسيا والنمسا ~~ولكنها أثرت في برلين ولوندن تأثيرا شديدا، لم تؤدب محركي الحرب. # بقي ديوان سن جمس مستمرا في خططه العدائية ضد فرنسا بالرغم من انكسار حلفائه ~~انكسارا تاما. ولقد جاءت عاقبة موقعة ترافالغار تمنحه تعويضا عظيما؛ إذ إن المراكب ~~الفرنسية والإسبانية المتحالفة قد أتلفها نلسون على شواطئ إسبانيا الجنوبية، على أنه ~~دفع حياته ثمنا لهذا الفوز الإنكليزي الجازم. تناهى هذا النبأ إلى نابوليون، وهو في ~~وسط انتصاراته السريعة الباخرة على النمسويين والروس، فقال: «لقد صرفت معظم وقتي في ~~البحث عن رجل النوتية من غير أن أوفق إلى وجوده. إن في هذه الحرفة خاصية ووضعية تقفان ~~بي موقف الضائع ... لو اتفق لي أن وجدت ذلك الرجل فأية نتيجة كانت أفلتت منا؟ ولكن ملكي ~~لم يوفر لي رجلا تمكن من ناصية النوتية فخلق فيها شيئا جديدا.» # إن إتلاف الأسطول الفرنسي أحزن الإمبراطور حزنا شديدا؛ إذ إنه أراه السلطان البحري ~~راسخا في يد الإنكليز. ولكن لنعد الآن إلى أوسترلتز. في اليوم التالي لهذه المعركة ~~قدم الأمير جان ده ليكتنستن، قائد الجيش النمسوي في مورافي، إلى معسكر الإمبراطور ~~نابوليون. جاء يتوسل إليه بأن يسمح بمقابلة لسيده، الذي كان بحاجة إلى كرم المنتصر ~~وإنصافه؛ لينقذ تاجه وولاياته من تطبيق حقوق الفتح، فمنحه ms167 نابوليون ما أراد، وجرت ~~المقابلة التي رغب فيها الأمير المغلوب، في اليوم نفسه، في مقر البطل المنتصر. # عندما دخل الإمبراطور فرنسوا على نابوليون في كوخه قال له هذا: «إنني أستقبلك في ~~القصر الوحيد الذي أسكنه منذ شهرين.» فأجابه الإمبراطور بتبسمة مغلوبة: «إنك لتستفيد ~~جدا من سكنك هذا، وإنه ليحلو لك.» وما هي إلا بضع ساعات حتى اتفق على هدنة وأجلت ~~شروط الصلح. نزل إمبراطور ألمانيا عند الظروف فأخذ يلطف غضب القاهر على الإنكليز، ~~فقال له بتكلف: «إنهم لتجار، يضعون البر في بركان من النار ليضمنوا لهم تجارة ~~العالم.» ثم تكلم باسم إمبراطور روسيا فقال: «إنه ينفصل عن إنكلترا ويرغب في عقد ~~الصلح على حدة.» ثم استطرد قائلا: «إن فرنسا لمحقة في خصامها مع إنكلترا.» فرنسا ~~محقة! أليس من الغرابة أن يرى الأمراء، الذين هيجوا ضد فرنسا كتائب من الجند لا ~~تحصى، يعترفون بحق أعدائهم ويضعون المسئولية على كاهل حلفائهم؟ أليس من الفظاعة ~~أيضا أن لا يأتي هذا الاعتراف الفجائي إلا بعد عشرين موقعة تدفقت فيها دماء البشر ~~كالسيل الجارف؟ # لم يسئ نابوليون التصرف بالتفوق الذي أنالته إياه حوادث الأمس، بل وعد أن يوقف ~~زحف كتائبه ويترك الجيش الروسي في سبيله، بشرط أن يتعهد إسكندر بالعودة إلى ولاياته ~~ويتخلى عن بولونيا النمسوية والروسية، فوعده الإمبراطور فرنسوا بذلك باسم إسكندر ~~وانصرف، يتبعه الأميران ده ليكتنستن وده شوارتزنبرج، فشيعه نابوليون حتى مركبته وعاد ~~ينام في أوسترلتز. قال نابوليون وهو عائد من تشييع الإمبراطور: «لقد أجبرني هذا الرجل ~~على اقتراف هفوة؛ إذ كنت أستطيع أن أتابع انتصاري فأستولي على الجيش الروسي والنمسوي ~~بأجمعه، ولكن لا بأس، فقد وفرت بذلك بعض قطرات من الدموع.» # كان نابوليون قد خاطب جنوده قبل المعركة ليضرم فيهم الحماس ويتنبأ لهم عن النصر، ~~ولم ينس أن يخاطبهم أيضا بعد المعركة ليهنئهم بالبسالة النبيلة التي أظهروها في تحقيق ~~نبوءته، قال: «أيها الجنود، إنني لمسرور بكم! لقد حققتم في يوم أوسترلتز كل ما ~~توقعته من بسالتكم. لقد زينتم نسوركم بمجد خالد ... وإني ms168 لأحملكم إلى فرنسا عندما يتم ~~لنا كل ما هو ضروري لسعادة الوطن ونجاحه. أيها الجنود، سيراكم شعبي بفرح عظيم، ~~ويكفيكم أن تقولوا إذ ذاك: كنت في موقعة أوسترلتز؛ ليجيبكم السامع: هو ذا بطل.» # كان الجنرال سافاري، معاون نابوليون، قد رافق إمبراطور ألمانيا ليعلم هل يرضى إسكندر ~~بالعهود التي اتخذت باسمه؟ أما القيصر فبادر إلى تأييد الوعد الذي أعطاه حليفه ~~العظيم، ثم قال للمرسل الفرنسي: «لقد كنتم دوني عددا إلا أنكم فقتموني في جميع ~~خطط القتال.» فأجابه سافاري: «هذا فن الحرب وثمرة خمس عشرة سنة من المجد، هي الموقعة ~~الأربعون التي يشهرها الإمبراطور.» فقال القيصر: «صحيح، إنه لرجل حرب عظيم، أما أنا ~~فهي المرة الأولى التي أرى فيها النار، ثم إني لم أحدث نفسي قط بمضارعته. لقد جئت ~~لنجدة إمبراطور ألمانيا وها أنذا عائد إلى عاصمتي.» # وقعت الهدنة المتفق عليها بين نابوليون وإمبراطور ألمانيا في السادس من شهر كانون ~~الأول، ووقعت بإمضاء المرشال برتيه والأمير ده ليكتنستن. إن توقيف العداوات هذا ~~أتبع بأمرين، قضى الأول بمنح مرتبات تصرف لأرامل الجنود الذين قتلوا في أوسترلتز ~~وأولادهم، وقضى الثاني بتذويب المدافع الروسية والنمسوية التي غنمت في ساحة القتال ~~لينصب بها في ساحة فاندوم عمود نصر تخليدا لمجد الجيش الفرنسي. وأصدر الإمبراطور أمرا ~~ثالثا يقضي، أولا بأن يثقف أولاد القوات والضباط والجنود الذين ماتوا في موقعة ~~أوسترلتز على نفقة الدولة، وثانيا بأن يجمع اسم نابوليون إلى أسمائهم المعطاة لهم عند ~~عمادهم. # نقل المعسكر العام من أوسترلتز إلى برون # 3 # حيث طلب الإمبراطور الأمير ريبنان، أميرالاي الحرس، وقال له إنه لا يريد أن ~~يحرم إمبراطور روسيا من جنوده البواسل، وإنه يستطيع أن يجمع أسراء الحرس الإمبراطوري ~~الروسي جميعهم ويعود بهم إلى وطنهم. # وفي الثالث عشر من كانون الأول عاد نابوليون إلى شنبرن، # 4 # حيث استقبل وفد شيوخ صلح باريس وبشرهم بعقد الصلح القريب، وعهد إليهم بأن ~~يحملوا إلى باريس الأعلام التي غنمت في أوسترلتز وخصصت لكنيسة نوتردام. وفي الوقت ~~نفسه كتب إلى الكردينال الأسقفي ليفوض ms169 إليه حراسة تلك الوديعة المجيدة، ويذكره ~~بتلاوة الذبيحة الاحتفالية التي تقام كل سنة في كرسي الأسقفية لذكرى البسلاء الذين ~~ماتوا في سبيل الوطن. # بينما كان الإمبراطور يستعرض الجنود في مدة إقامته بشنبرن وصل إلى الكتيبة الرابعة، ~~التي قهرت في أوسترلتز وفقدت نسرها، فصرخ قائلا: «أيها الجنود، ماذا صنعتم بالنسر ~~الذي أنلتكم إياه؟ ألم تقسموا أن تدافعوا عنه بأرواحكم؟ فكيف نكثتم بقسمكم إذن؟» فأجابه ~~الضابط: «إن حامل العلم قتل في المعركة من غير أن يتبينه أحد في وسط الدخان، ~~إلا أن الفرقة قامت بواجبها حق القيام؛ لأنها قهرت كتيبتين من الروسيين وغنمت منهما ~~علمين.» عند هذا تردد نابوليون فترة ثم طلب من الضباط والجنود أن يقسموا أنهم لم ~~ينتبهوا إلى فقدان نسرهم، فأقسم الجميع على ذلك، فقال لهم الإمبراطور مبتسما: «إذن ~~فأنا أرد عليكم نسركم.» # جرت المداولات في سبيل السلام بنشاط كلي، فنجم عنها معاهدة برسبورج التي وقعت في ~~السادس والعشرين من كانون الأول، واتحاد الولايات البندقية بمملكة إيطاليا، ورفع منتخبي ~~البافيير وويرتنبرغ إلى المقام الملوكي، ولقد بشر نابوليون جيشه بهذا الحادث السعيد ~~في نشرة أصدرها في السابع والعشرين منه قال لهم فيها: إنهم بعد أن رأوا إمبراطورهم ~~يقاسمهم الأخطار والمشقات، سيجيئون ليروه محاطا بالعظمة والمجد، اللذين هما ملك ~~شرعي لرأس أول شعب في العالم، وزاد على ذلك بقوله: «إنني لأحيي مهرجانا كبيرا في ~~أوائل أيار، في باريس، وستحضرونه جميعكم، ثم نذهب بعد ذلك إلى حيث تنادينا سعادة الوطن ~~وخيرات المجد. أيها الجنود، إن الفكرة التي تمثلكم متألبين حول قصري، قبل ستة أشهر، ~~تبسم في قلبي وأحس لها حنوا شديدا. سنحيي ذكرى الذين ماتوا في ساحة الشرف، وسيرانا ~~العالم مستعدين لأن نحذو حذوهم ونصنع بعد أكثر مما صنعنا - إذا اضطررنا إلى ذلك - ~~ضد الذين يحاولون النيل من شرفنا، أو الذين يستسلمون للذهب الفاسد الذي يبذله أعداء ~~البر الأبديين.» # هذه اللهجة الفتانة الساحرة الساطية على أرواح الجنود، تلك النداءات الشخصية في ~~مواقف الاستعراض، تلك اللهجة العسكرية الحميمة التي كان نابوليون يحسن معالجتها، ms170 هي ~~التي جعلت البعض يقولون عنه إنه إنما كان يسطو بها على الجنود في ساحات القتال، وقد ~~سماها البعض نوعا من الشعوذة. إلا أن الكتبة الذين عزوا إليه ذلك لم يدركوا أن ~~صنعة مثل هذه، إذا انطبقت على الحذاقة التي يبديها رجل كبير ليجعل الأمة أو الجيش ~~جديرا بتوليد أمور عظيمة لا يستفاد منها أن الرجل الكبير ينحط إلى مستوى ما يسمونه ~~مشعوذا، بل إن هذه الشعبذة قد ترتفع إلى مستوى الوطنية والذكاء السياسي، وأحيانا إلى ~~عظمة النبوغ. ألا فليتصفحوا التاريخ يتضح لهم أن جميع المحسنين إلى الإنسانية، جميع ~~المصلحين العظام، إن بوضع الشرائع، وإن بالدين أو بالفتوحات، إنما عالجوا الطريقة ~~نفسها التي عالجها نابوليون في السيادة على الرجال والسير بهم إلى المقدرات العظمى. ~~وإذا كانت الطريقة السامية التي اتخذوها في سبيل سعادة الأمم ومجدها تسمى شعبذة، كما ~~أن نفوذ المرشال دانكر على ماري ده ميديسيس سمي سحرا، فلا ينبغي، في عصرنا هذا، أن ~~تنصب كوم الحطب لمثل هؤلاء المشعبذين، بل الأجدر أن يقال: «المجد لشعبذتهم!» # إن وداع نابوليون لعاصمة النمسا لجدير بأن تحضنه صفحات التاريخ كما حضنت آخر نداء ~~وجهه إلى جيشه، قال: «سكان فيينا، إنني لم أظهر بينكم إلا قليلا، ليس ذلك عن ترفع أو عن ~~كبرياء، ولكني لم أشأ أن أحول فيكم أقل ميل حقيق بأميركم الذي اتفقت معه ~~على عقد صلح جازم. تفضلوا باستلام خزانة السلاح السليمة، التي جعلتها قوانين ~~الحرب ملكا لي، هدية مني تبرهن عن احترامي الشديد لكم، واستخدموها دائما ~~في سبيل المحافظة على النظام، أما الآلام التي كابدتموها فاعزوها إلى نكبات ~~الحرب، وأما الرعاية التي حملها جيشي إلى نواحيكم فأنتم مدينون بها للكرامة ~~التي استحققتموها.» # لم يكد هذا النداء يوقع، ويعلن الصلح لشعب فيينا والجيش الفرنسي، حتى أصدر ~~نابوليون نداء جديدا أشهر فيه للعالم جحود بلاط نابولي الذي جاء يفتح مرافئه للإنكليز ~~مزدريا بمعاهدة عقدت قبل شهرين. إن بعض البوربونيين اتحدوا مع إنكلترا وخانوا ~~فرنسا؛ ما أثار كره الأمة ومقتها وأدى إلى خلع ms171 بوربونيي نابولي عن العرش. نعطي ~~أولا النداء الذي وجهه نابوليون إلى الجيش الكبير: # من معسكر شنبرن الإمبراطوري في 26 كانون الأول ~~1805 # أيها الجنود # منذ عامين، عملت كل ما بوسعي لإنقاذ ملك، وعمل كل ما بوسعه ~~لهلاكه. # لم يستطع أن يقاومني إلا مقاومة ضعيفة، بعد معارك ديغو، وموندوفي، ولودي. ~~ولقد وثقت بكلام هذا الأمير وكنت كريما نحوه. # عندما انحلت العصبة الثانية في مارنغو بقي ملك نابولي، الذي كان أول من شهر ~~تلك الحرب الجائرة، وحيدا لا عضد لديه وقد تخلى عنه جميع حلفائه في لونيفل، ~~وتوسل إلي فغفرت له للمرة الثانية. # منذ أشهر قليلة كنتم على أبواب نابولي. وكان لدي إذ ذاك حجج شرعية في ~~الاشتباه بالخيانة والثأر من الإهانة التي لحقت بي. إلا أني صفحت مرة أخرى، ~~واعترفت بتجرد نابولي، وأمرتكم بالجلاء عن هذه المملكة وأنقذ بلاط نابولي ~~للمرة الثالثة! # أنغفر مرة رابعة؟ أنثق مرة رابعة ببلاط لا وفاء له ولا شرف ولا رشد؟ لا، لا! ~~لقد نزع السلطان من سلالة نابولي؛ فإن بقاءه لا يتفق مع راحة أوروبا وشرف ~~تاجي. # أيها الجنود، ازحفوا، وأسقطوا بين الأمواج تلك الكتائب الضعيفة من طغاة ~~البحار! وليشهد العالم كيف نعاقب المزورين الخائنين العهود! لا تبطئوا ~~بإنبائي أن إيطاليا قد أصبحت جميعها راضخة لشرائعي، أو لشرائع حلفائي، وأن أجمل ~~بلاد على الأرض قد حررت من رق الرجال الجاحدين، وأن المعاهدات المقدسة ~~قد انتقم لها، وهدأت أرواح جنودي البسلاء الذين قتلوا خنقا في مرافئ ~~سيسيليا لدى عودتهم من مصر، بعد أن تملصوا من أخطار الغرق، والصحاري، ومائة ~~موقعة! # إن جيش إيطاليا، الذي قادته انتصارات ماسينا إلى حدود النمسا فأصبح الفرقة الثامنة من ~~جيش ألمانيا، حقق بجدارة أمنية نابوليون باستيلائه على مملكة نابولي. أما هذا الفتح ~~السريع فقد أعلن في المذكرة السابعة والثلاثين للجيش الكبير بهذه الكلمات: «مشى الجنرال سن سير إلى نابولي ليعاقب ويسقط عن العرش الملكة المجرمة التي ~~تعدت على كل ما هو مقدس بين الرجال بما أوتيت من قلة الحياء. ولما ~~توسط ms172 لها البعض أمام الإمبراطور قال: إن امرأة تحاول إلقاء الأمة في بحر من ~~الدم لا تستحق الصفح ولا الشفقة، لقد نزع السلطان من ملكة نابولي، وحققت تلك ~~الجريمة الأخيرة قدرها. فلتذهب إلى لوندن تضاعف عدد الدسائس وتؤلف جمعية مع ~~دراك، سبنسر، سميث، تايلور، وويكهام، وتستطيع أن تدعو إليها، إذا رأت موافقا، ~~البارون دارمفلد، ده فرزن، دانتريك، والراهب موروس.» # أراد نابوليون، قبل أن يغادر فيينا، أن يتفاهم بوضوح مع مرسل من قبل ملك بروسيا ~~هو السيد ده هو كويز، الذي لم يجئ إلى مسرح الحرب إلا ليرقب حركاتها ويتسنى له أن ~~يسرع بشهر اتحاد سيده مع بلاطي النمسا وروسيا لدى أول انكسار يصدر من الجيش الفرنسي. ~~إلا أن معركة أوسترلتز أجلت هذه الحركة، ولم يبق لدى الوزير البروسي إلا أن يهتم ~~بعقد معاهدة جديدة مع السيد ده تالليران، فلما مثل أمام الإمبراطور قال له هذا بلهجة ~~صارمة مع ترفع عظيم: «أهو تصرف شريف ذلك الذي ينهجه معي سيدك؟ كان أجدر به أن يشهر ~~علي الحرب مباشرة، ولو لم يكن هناك سبب لشهرها ... إنني لأؤثر الأعداء الأحرار على ~~الأصدقاء المراوغين. ما معنى ذلك العمل؟ تقولون: إنكم حلفائي، ثم تعدون في مانوفر ~~فرقة من ثلاثين ألف رجل لتلحقوها بجيش روسيا الكبير. لا أرى مسوغا لهذا التصرف، إن ~~هو إلا مظاهر العداء! إذا كانت سلطتكم عاجزة عن معالجة هذه المسائل كلها فأخلدوا إلى ~~النظام، أما أنا فسأزحف إلى أعدائي حيثما يكونون.» لم يستطع السيد ده هوكويز أن ينكر ~~على نابوليون هذه التوبيخات الشرعية التي تلقاها منه، ولكي ينسي موقفه الملتبس أظهر ~~نفسه مستعدا لأن يداول مع فرنسا على الأسس التي عرضها السيد ده تالليران، فأمضى ~~معاهدة علنية أبدلت فيها الهانوفر ضد زعامة بروت وانساخ، في حين كان السيد ده هردنبرج ~~يداول في برلين مع ديوان لوندن على مرأى من ملك بروسيا نفسه. وسنرى قريبا نتائج هذه ~~المداولة المزدوجة. # بينما كان الإمبراطور عائدا إلى باريس مر بمونيخ حيث بقي بعض أيام ليحضر زفاف ~~الأمير أوجين ms173 # 5 # إلى ابنة ملك البافيير. كتب الإمبراطور، من هذه العاصمة، في السادس من شهر ~~كانون الثاني سنة 1806، إلى مجلس الشيوخ المحافظ ليطلعه على أن معاهدة برسبورج ستخضع له ~~عما قريب. قال: «أردت أن أطلعكم بنفسي على شروط المعاهدة، في جلسة علنية، ولكن زفاف ~~ولدي الأمير أوجين إلى الأميرة أوغستا ابنة ملك البافيير سيؤخرني عن المجيء إلى باريس ~~بضعة أيام، يخيل إلي أن هذه الأيام طويلة على قلبي، ولكني، بعد أن استسلمت ~~طويلا لواجباتي العسكرية، أشعر براحة عذبة في الاهتمام بواجبات رب عائلة. ولكن، لكيلا ~~أؤخر نشر معاهدة الصلح، أصدرت أمري بأن تطلعوا عليها من غير مهلة.» # ثم أرسل الإمبراطور إلى مجلس الشيوخ كتابا آخر يطلعهم فيه أنه تبنى أوجين، وأعطاه ~~حق الصعود بعده إلى عرش إيطاليا لعدم وجود أبناء شرعيين غيره. # جرى زفاف هذا الأمير الشاب في الخامس عشر من كانون الثاني سنة 1806، في مونيخ. وحضره ~~نابوليون وجوزيفين اللذان ازدانت بوجودهما الأعياد التي أحياها بلاط البافيير بمناسبة ~~هذا الاتحاد. كان أوجين قد رفض بادئ ذي بدء النزول عند رغبة الإمبراطور في تزويجه من ~~تلك الابنة؛ لأنه كان يمقت أن يتزوج زواجا سياسيا ، إلا أنه لم يكد يرى ويختبر ~~الأميرة الشابة التي قدرت له حتى وافق نابوليون على نظرياته. # بينما كان الإمبراطور يمد إقامته بالبافيير، كانت فرق الدولة الكبرى والشعب الباريسي ~~تستعد لاستقبال قاهر أوسترلتز استقبالا فخما. # في الواحد من شهر كانون الثاني سنة 1806 حمل التريبونه إلى لوكسانبرج تتبعه الموسيقى ~~العسكرية وقسم من عساكر محافظة باريس، الأعلام الأربعة والخمسين التي سلمها ~~الإمبراطور إلى مجلس الشيوخ، وكان المهردار الكبير وجميع الوزراء حاضرين في تلك الجلسة، ~~في ذلك الحين، أصدر مجلس الشيوخ أمرا باسم الشعب الفرنسي يقضي: # أولا: # بتشييد تمثال نصر لنابوليون الكبير. # ثانيا: # بأن يمثل مجلس الشيوخ أمام جلالته الإمبراطورية والملكية ويرفع ~~إليها واجب إعجاب الشعب الفرنسي ومحبته وإخلاصه. # ثالثا: # بأن تحفر رسالة الإمبراطور إلى مجلس الشيوخ المؤرخة في السادس ~~والعشرين من فنديميير عام 14، والصادرة من ألشنجن على صفائح من الرخام ms174 ~~توضع في قاعة جلسات المجلس. # رابعا: # بأن تحفر في ذيل هذه الرسالة الكلمات التالية: ~~«إن الأعلام الأربعين، والأربعة عشر علما التي أضافتها إليها ~~جلالته قد حملها التريبونه إلى مجلس الشيوخ وركزت في هذه ~~القاعة يوم الأربعاء في الواحد من شهر كانون الثاني سنة ~~1806.» # ولقد نالت كاتدرائية باريس حصتها في توزيع غنائم تلك المعركة الخالدة. علمنا قبلا ~~أن الأعلام التي خصصت لها أرسلت إلى المجلس البلدي في باريس من معسكر شنبرن ~~الإمبراطوري. في التاسع عشر من كانون الثاني قدم إكليروس الأسقفية ليستلمها بأبهة عظيمة ~~على باب كنيسته التي ركزت على قبابها العالية. # | الفصل الثاني عشر # في السادس والعشرين من كانون الثاني سنة 1806 دخل نابوليون وجوزيفين إلى باريس، فسبب ~~وجودهما في العاصمة حركة حماس عمومي، وأقيم لهما مهرجان حافل اشترك فيه مجلس الشيوخ ~~والتريبونه في الثامن والعشرين، في التويلري. # وقف فرنسوا ده نوشاتو، رئيس مجلس الشيوخ، وقال للإمبراطور: «مولاي، إن تواضعك ليتكلم ~~ببساطة عن العجائب العديدة التي ولدها نبوغك الذي فاق نبوغ جميع الأبطال الذين تقدموك، ~~فاسمح بأن ننفذ أمر مجلس الشيوخ الذي يمنح منقذ فرنسا لقب «كبير»، وهو لقب عادل فوض ~~إلينا الشعب أن نمنحك إياه، وصوت الشعب هو صوت الله.» # فأجاب الإمبراطور إنه يشكر مجلس الشيوخ على الشعور الأكيد الذي عبر عنه رئيسه، وإنه يضع ~~مجده الوحيد لتأييد مقدرات فرنسا بنوع أن تبقى الأجيال المتأخرة معترفة بالشعب ~~الكبير. # أما هذه الإكرامات الاحتفالية فقد عقبها الشعب بإقامة مهرجانات عديدة على شرف ~~الإمبراطور. # كان نابوليون يرغب رغبة شديدة في أن يجعل حكومات أوروبا جميعها تعترف بلقبه الإمبراطوري ~~الذي منحته إياه الأمة الفرنسية. كان إسكندر قد أغاظ نابوليون إغاظة شديدة لما أرسل إليه ~~كتابا بهذا العنوان البسيط «رئيس الحكومة الفرنسية» كما فعل ملك إنكلترا الذي تكلف أيضا ~~أن لا يكتب إليه إلا على يد كاتم أسرار الدولة. ولكن الإمبراطور لما تناهى إليه أن ~~السلطان سليم الثالث اعترف به علنا إمبراطورا على الفرنسيين، شعر بنوع من التعويض لتلك ~~الإهانة المزدوجة التي ألحقها به ms175 إسكندر وجورج الثالث. # إن رغبة نابوليون في أن تعترف به الملوك إمبراطورا ستكون شؤما عليه بدفعها إياه إلى ~~أعمال منافية للسياسة إن بمداولته وإن بإدارته الداخلية. ففي أوسترلتز أظهر كرما حتى ~~التغفل تجاه أعداء أقوياء غير مسالمين، كان بوسعه أن يلاشيهم، ثم عد ذلك هفوة. ولدى ~~عودته من تلك المعركة المشهودة أرجع البانتيون # 1 # إلى الدين الكاثوليكي وأمر بترميم مدفن سن دنيس الملوكي من غير أن يخشى الإساءة ~~إلى العواطف الفلسفية والديموقراطية في الشعب، تلك العواطف التي هي وحدها سبب قوته ~~وعظمته. # في العشرين من شهر شباط عام 1806 قال السيد ده شانبانيي، وزير الداخلية، للإمبراطور ما ~~يلي: ~~«مولاي، كانت كنيسة القديسة جنفياف، وهي أجمل معبد بين معابد العاصمة، تكلل بنبل ~~عظيم مجموع الروائع التي تزين هذه العاصمة، وتعلن للأجانب من بعيد سلطنة الدين ~~العظمى على هذا الشعب الغفير، تلك السلطنة التي نزعت من أماني التقوى يوم أوشكت ~~أن تعتز بها، وخصصت بعد ذلك لغاية أخرى، ثم غودرت فارغة! إن الشوق المثلج، ~~عندما يزور ذلك المعبد، ليستغرب أن يشاهد رهبة الخرائب في بناية يكاد الباني ينفض ~~منها يده، وإن روح الفن ليأسف أن يرى ذلك المعبد لا وسم له ولا حياة، والدين ~~الذي يرى آماله قد خدعت يحول نظره عن معبد لا يتم جلاله إلا بدين العلي ~~العظيم. # ولقد تعظمت سن دنيس ببناية أخرى، يرجع تاريخها إلى تاريخ نشأة الأمة، قدمها داغوبير # 2 # إلى نصير فرنسا وشيدها الأب سوجر، # 3 # وهي تضم في حضنها تاريخ هذه الأمة بأجمعه. هناك ترقد ثلاث سلالات ~~تعاقبت على عرش فرنسا، أما إنه لمشهد يدعو الأمراء والشعوب إلى تأملات عميقة، ~~ويذكر في الوقت نفسه بعظمة الأشياء البشرية وسرعة زوالها، ضريح وقفته القرون ~~والدين، تابوت عظيم ملؤه رماد الملوك، قائم وحده، بعيدا عن ضجيج العاصمة، كأنما ~~هو مشهد حي من مشاهد الهول والاحترام ... # مولاي، إن فكرتك إنما هي وحدها التي أحيت، أو بالأحرى أعادت خلق هاتين البنايتين، ~~وإنها لترجع إليهما جميع عظمتهما الأولى.» # لم يعبر عن ms176 العودة إلى الأفكار الدينية والملكية بأبلغ من ذلك. لما أعاد القنصل الأول ~~فتح أبواب المعابد الكاثوليكية في بلاد تعتنق الأكثرية فيها الدين الكاثوليكي إنما كان ~~ينهج نهج رجل الأمة، كان يذعن إلى سلطان الظروف وتطلبات المبادئ. وكانت أماني الشعب، ~~والدين والفلسفة الصرفة مغتبطة جميعها؛ إذ إن ذلك لم يكن سوى التساهل والحرية اللذين لا ~~ينفيان الحماية عندما لا تكون معادية لغيرها من المصالح والمعتقدات. ولكن عندما أقدم ~~الإمبراطور على إرجاع الكنائس المهجورة إلى الإكليروس، ووضع الكاهن الكاثوليكي تحت حماية ~~الشريعة وبيت مال الأمة طرد الفلسفة من هياكلها لينيب عنها الكثلكة. عندما أفسح السبيل ~~لأن تلقى كلمات الاحتقار على الضريح العظيم الذي وقفه الوطن العارف الجميل لعظام رجاله ~~العظماء، وأصغى بانتباه إلى عبارات فخمة عن رماد الملوك في سن دنيس، تلك العبارات التي من ~~شأنها أن تسقط العظمة الفلسفية عن عرشها، وتنفي ذكر الرجال العظماء من أقبية البانتيون، ~~وأن تجعل رماد فولتير وروسو مداسا بأقدام الكهنة، وتضمن للرماد الإمبراطوري حراسة الكهنة ~~في سن دنيس ممتزجا برماد الملوك، لم يكن ذلك مظهرا من مظاهر التساهل والحرية من قبل ~~الإمبراطور، وإنما كان تهجما على المبادئ التي وقفت البانتيون لعظام الرجال العظماء ، كان ~~قضاء على الحاضر ورجوعا إلى الماضي، كان تحريكا لثورة جديدة في قلب الأمة، وسيبرهن ~~المستقبل عن ذلك. # في أواخر شباط افتتحت جلسة الفرقة التشريعية فلم يفكر أحد من نواب فرنسا في أن يعترض ~~على التخلية عن المعبد الوطني للإكليروس الروماني، عند ذلك لم يبق من حق فرنسا أن تعالج ~~ثورتها في أوروبا على المنابر أو في الصحف. # لفظ نابوليون بنفسه خطبة الافتتاح، فاعترف بالكرم الرحب الذي سبق لنا أن لمناه عليه، ~~قال: «إن روسيا لمدانة بعودة بقايا جيشها لشروط التسليم التي منحتها إياها، ولقد أيدت عرش ~~النمسا الإمبراطوري في حين كنت قادرا على قلبه، أترى يعمل سلوك ديوان فيينا على جعل ~~الأجيال المقبلة تلومني على تقصيري في الحكمة والتبصر؟» # ثم شرحت الوزارات موقف الإمبراطورية التي كان فلاحها ينمو من يوم إلى ms177 يوم، فالطرق، ~~والترع، والجسور، والبنايات، والتماثيل الفنية كانت جميعها تنتهي أو تبتدئ في جميع جهات تلك ~~الإمبراطورية الرحبة التي كانت تتألف من مائة وعشر مقاطعات عدا هولانده، والولايات ~~البندقية، ومملكة إيطاليا (راجع المقدمة). # قال وزير الداخلية: «كثير من الطرق الجديدة التي رغب الشعب في إيجادها قد نالت التفات ~~الحكومة. فطريق فالونيه إلى الهوك قد أنجزت، وطريق كاين إلى هونفلور على وشك الانتهاء، ~~وطريق أجاكسيو إلى بستيا أنجز نصفها، وطريق ألكسندري إلى سافون قد خططت، وصدر الأمر ~~بإيجاد الطرق بين باريس ومايانس، وبين أكس لاشابيل ومونجوا. وهناك جسور ترمم، في الرين، ~~وكهل، وبريساك، والموز، وجيفه، والشير، وتور، واللوار، ونيفر، وروان، والسون، وأكسون، ~~وغيرها، وسيسخر للمرور تحت الجسور سيلان جارفان هما الدورانس والإيزير. # وهناك أيضا ست ترع كبرى على وشك الإنجاز: ترعة نابوليون الواصلة بين الرين والرون، ترعة ~~بورغونيا، وترعتا بلافه والإيلليرانس، وترعة أرل، وترعة ملتقى بلجكا. # وبعض الترع قد بوشر بها، وهي ترع سن فاليري وبوكير إلى أيك مورت، وسيدان ونيور إلى ~~الروشيل، ونانت إلى برست، وكثير غيرها على وشك المباشرة وهي ترع سنسه، وشارلروي، وإيبر ~~وبربار. # وإذا ألقيتم النظر على مرافئنا ترون أن قد بوشر بجعلها أكثر سهولة وتوطيدا مما هي ~~عليه.» # ثم جاء دور السيد ده شانبانيي فتكلم عن بنايات باريس الكبرى وزخرفتها قال: «لقد دهش ~~نظرك من رؤية العاصمة لدى عودتك إليها أكثر جمالا مما كانت عليه قبل سنة الحرب. فالأرصفة ~~الجديدة قد امتدت إلى شواطئ السين. والجسران اللذان أنجزا في السنين الماضية عقبهما اليوم ~~جسر أكثر أهمية وأوسع نطاقا. ولقد خطط في جواره حي جديد حملت شوارعه أسماء المحاربين ~~الذين ماتوا في ساحات الشرف، وأما الجسر الثالث فقد حمل اسم أوسترلتز. # وهناك على مقربة من شواطئ السين يقوم قوس نصر جعل تمثالا جديدا لذكرى تلك الحوادث ~~التي سيظل تذكارها أبقى من جميع ما يتاح لنا تخليده. ألا فلتثبت هذه الأعمال للأعقاب ~~أننا كنا منصفين كما سيكونون، وأن معرفتنا الجميل قد ضارعت إعجابنا.» # ثم نهض ده فونتان وقال ms178 للإمبراطور: «إن السنين التي تعاقبت في عهد ملكك إنما هي أكثر ~~خصابة في الأعمال المجيدة من القرون التي توالت على السلالات الأخرى.» # وفي هذه الجلسة صادقت الفرقة التشريعية على مجموعة القوانين المدنية التي قال عنها وزير ~~الداخلية: «إنها لن تكون عملا كاملا فحسب بل ستكون أفضل من جميع ما تقدمها حتى ~~الآن.» # أما تأسيس الكلية الإمبراطورية فيرجع تاريخه إلى هذا العهد، وأما أسباب هذا التأسيس ~~المهم فقد بينها فور كروي # 4 # الشهير، الذي كان من حق معارفه ووطنيته أن تحمله إلى شغل المقام الأول ~~فيها، والذي أخطأ نابوليون بأن يؤثر عليه كاهنا من بقايا السياسة القديمة هو السيد ده ~~فونتان. # ونال تنظيم بنك فرنسا التصديق الشرعي لدى موافقة مستشار الدولة رينيول ده سان جان ~~دانجلي. # في الواحد والثلاثين من شهر آذار عام 1806 قدمت نظم إمبراطورية إلى مجلس الشيوخ ~~تقرر مصير أمراء الأسرة الإمبراطورية وأميراتها، وتدعو جوزيف نابوليون بونابرت إلى عرش ~~نابولي، وتمنح مورات، صهر الإمبراطور، سلطة دوقيتي برج وكليف، والأميرة بولين إمارة ~~كاستاللا، وتمنح برتيه إمارة نوشاتيل وغيرهم. # إلا أن إصعاد جوزيف بونابرت إلى عرش نابولي بعد نفي البوربونيين إلى سيسيليا سيحرك ~~الأفكار الفرنسية ويهيئها إلى ثورة جديدة، وسترمي يد خفية بذور الثورات الحرة على أقدام ~~الفيزوف ولا تلبث هذه البذور أن تنمو وتثمر. # وكان لنابوليون شقيق آخر وهو لويس بونابرت فولاه عرشا آخر. طلب نواب الشعب الباتافي ~~من الإمبراطور أن يمنحهم الأمير لويس نابوليون رئيسا مطلقا لجمهوريتهم تحت لقب ملك ~~هولانده، فحقق الإمبراطور أمنيتهم هذه بسهولة. وفي الخامس من حزيران سنة 1806 سمى ~~نابوليون شقيقه ملكا على هولانده في جلسة علنية عقدت في التويلري، وقال له: «احكم أيها ~~الأمير على هذه الشعوب؛ فإن آباءهم لم يجنوا استقلالهم إلا بمعاضدة فرنسا، إذن فقد حق لك ~~عليهم ملوك يحامون عن حريتهم وشرائعهم ودينهم، ولكن ابق دائما فرنسيا.» # هذه الكلمات الأخيرة تلخص سياسة نابوليون في الإغارة على العروش المجاورة. لم تكن غايته ~~عند تتويجه إخوته أن يعطي أسرته مقاما ساميا جديرا ms179 بمقامه فحسب، بل كان يود قبل كل ~~شيء أن تصبح الممالك المجاورة المذعنة إلى شرائعه مقاطعات تابعة للإمبراطورية الفرنسية، ~~ولكي تكون ملاءمتها للإمبراطورية أكثر رسوخا وتأييدا وضعها تحت سلطة دمه. # لم يكن الإمبراطور يتقدم من غايته بوضع أقربائه على عروش السلالات القديمة فحسب، بل ~~بإنشاء معاهدات عظيمة ترأسها هو نفسه تحت لقب محام أو وسيط. فإنه، بعد أن رفع منتخبي ~~البافيير وويرتنبرغ إلى مقام الملوك، أراد أن يربطهم ربطا محكما بمقدرات إمبراطوريته ~~على يد اتفاق علني نجمت عنه معاهدة الرين، وكانت نتيجته جعل أجمل نواحي ألمانيا شبه ~~فرنسية. # كانت الحرب يوم ذاك منحصرة بين فرنسا وروسيا وإنكلترا المتحالفتين. وكانت فرنسا قد عقدت ~~اتفاقا مهما مع الباب العالي العثماني بفضل ذكاء سفيرها في القسطنطينية الجنرال ~~سبستياني. ولقد منح نابوليون مقابلة أولى لمحيي الدين أفندي، سفير الباب العالي، في اليوم ~~نفسه الذي جرى فيه استقبال نواب هولانده في التويلري، وصدور الأمر بتهيئة إمارتي بنيفان ~~وبونت كورفو تحت رعاية تالليران وبرنادوت. # إلا أن العداء، وإن كان لم يزل مستحكما بين الحكومة الفرنسية وديواني لوندن ~~وبطرسبورج؛ فإنه لم يكن مجردا من الميل إلى السلام. كان موت بيت الذي طرأ في كانون ~~الثاني سنة 1806 قد أدخل فوكس # 5 # إلى الوزارة، فهذه المناسبة كانت كافية وحدها لأن تجعل بعض الانقلاب في السياسة ~~الإنكليزية لجهة فرنسا. # كان فوكس ونابوليون يحترمان بعضهما بعضا؛ ففي حين كان فوكس يشغل مركز وزير عهد إليه ~~بأن يشترك في التعدي على حياة الإمبراطور، إلا أنه أسرع بإيقاف تلك الجناية على حدها، ~~وكتب إلى وزارة العلاقات الخارجية في باريس يطلعها على ذلك، ويحرص نابوليون على تجنب ~~ذلك الخطر واتخاذ الاحتياطات اللازمة. # إن وجود وزير كهذا كاف لأن يجعل العداء القديم بين فرنسا وإنكلترا أقل خطرا مما هو ~~عليه، وأن يفسح سبيلا للسلام. إلا أن الثورة الفرنسية لم تكن بعد قد زارت إلا عاصمة ~~واحدة من عواصم أوروبا الكبرى. في الخامس عشر من أيلول سنة 1809 مات فوكس، في حين كانت ~~المداولات جارية ms180 بين فرنسا وإنكلترا، عند هذا قدر لطيف بيت أن يمكن الإصرار الحربي في ~~المجالس البريطانية. # | الفصل الثالث عشر # كان وزير روسيا قد أمضى معاهدة سلم في باريس، في العشرين من شهر تموز سنة 1809 تحت نفوذ ~~الوزارة الإنكليزية، التي كانت يوم ذاك ترمي إلى غاية سلمية. إلا أن موت فوكس أرجع لذلك ~~النفوذ خلقه العدائي، فرفض إسكندر أن يصادق على عمل سفيره، وارتبط مع الديوان الإنكليزي ~~الجديد وبلاط برلين لإضرام الحرب في البر. وكان إمبراطور روسيا وملك بروسيا وزوجته قد ~~أمضوا قبل سنة معاهدة بوتسدام المشهورة، وأقسموا بضريح فريدريك الكبير أن يجمعوا كل ~~جهودهم ضد فرنسا. # لما تناهت إلى نابوليون استعدادات ممالك الشمال أعلنها إلى خلفائه في معاهدة الرين. وفي ~~الواحد والعشرين من شهر أيلول سنة 1806 كتب إلى ملك البافيير ليطلعه على تجهيز بروسيا للحرب ~~ويطلب النصيب الموعود به في اتفاقية 12 تموز، وبعد مرور ثلاثة أيام غادر سن كلود وزحف إلى ~~ألمانيا تصحبه جوزيفين. وفي الثامن والعشرين منه وصل إلى مايانس حيث افترق عن الإمبراطورة. ~~وفي الثلاثين منه استلم عهد منتخب ورتزبورج بالانضمام إلى معاهدة الرين، وعبر هذا النهر في ~~الواحد من شهر تشرين الأول. وفي السادس منه كان معسكره في ينبرج، فأصدر منه نداء إلى جيشه ~~يطلعه فيه على موقف العدو، قال: «أيها الجنود، إن صراخ الحرب قد سمع من برلين، وها قد مضى ~~شهران ونحن نتلقى كل يوم خبرا جديدا. # منذ أربع عشرة سنة قادت الأحزاب الشرسة البروسيين إلى وسط سهول شمبانية حيث لقوا ~~الانكسار والموت والعار ... # فلنزحف إذن ... وليلق الجيش البروسي ما لقيه منذ أربع عشرة سنة، وليعلم أنه إن كان من ~~السهل اكتساب العظمة والقوة مع محبة الشعب الكبير فإن بغضه الذي لا يهيج إلا بمثله ~~إنما هو أشد هولا من عواصف البحار!» # إن من السهل أن يلاحظ أن الإمبراطور إنما هو أكثر حماسا عندما يخرج السنن الثورية من ~~قبرها منه عندما يستدعي الذكريات الدينية والملكية من ظلمات القديسة جنفياف وسن ~~دنيس. # على أن ms181 نابوليون دخل في الموقعة وسينقض على أعدائه من غير أن يعلم «فيم يقاتل وماذا ~~يريدون منه.» في السابع من شهر تشرين الأول كتب من ينبرج إلى مجلس الشيوخ المحافظ يقول: ~~«إننا نعتمد على معاضدة الشرائع والشعوب التي تدعوها الظروف إلى اختيارات جديدة عن غيرتها ~~وشجاعتها في حرب عادلة لا نتقلد فيها السلاح إلا للدفاع عن حياضنا.» # لقد بينا نحن الحقيقة الصريحة بمناسبة الحروب السابقة، ولقد تراءى لنا أن نابوليون، ~~منذ وضع التاج الإمبراطوري على رأسه، إنما خشي أن يعترف بأن الملوك سيشهرون عليه فيما بعد ~~حرب مبادئ. # أرسل تالليران من مايانس إلى نابوليون، في اليوم نفسه الذي أرسل فيه هذا كتابه إلى مجلس ~~الشيوخ، ساعيا يحمل إليه كتابا من ملك بروسيا، ضمنه هذا الأمير جميع الشكاوى العمومية ~~التي ما فتئ أعداء الثورة منذ خمسة عشر عاما يحدثونها - تحت أشكال مختلفة - ضد فرنسا. لم ~~يستطع الإمبراطور أن يكمل قراءة الكتاب المتضمن عشرين صفحة والتفت إلى الأشخاص المتألبين ~~حوله وقال لهم: «إنني أشفق على أخي ملك بروسيا؛ فإنه لا يفقه الفرنسية، وإخاله لم يقرأ هذه ~~القطعة الركيكة.» وبما أن كتاب الملك كان مصحوبا بحاشية السيد ده كنوبلسدروف المشهورة، ~~التفت الإمبراطور إلى برتيه واستطرد قائلا: «مرشال، إنهم يضربون لنا ميعاد شرف في الثامن ~~من هذا الشهر، وإن الفرنسيين لا يتخلفون عن ميعاد، ولكن بما أنهم يقولون إن هناك ملكة ~~جميلة ترغب في مشاهدة القتال فلنكن لطفاء متأدبين، ولنزحف إلى سكس من غير أن ~~ننام.» # كان نابوليون يشير إلى ملكة بروسيا التي كانت في الجيش مرتدية لباس خيالة وحاملة على ~~كتفيها شارة فرقتها الرسمية، والتي كانت كل يوم تكتب عشرين كتابا - كما جاء في المذكرة ~~الأولى - لتهيج الحريق في جميع الجهات. # بر الإمبراطور بكلامه، ففي الثامن من تشرين الأول الساعة الثالثة صباحا ترك بنبرج فعبر ~~غاب فرانكوني، وفي التاسع منه حضر بدء المعركة في شليز. استولى المرشال برنادوت على هذه ~~القرية بعد أن قاتل عشرة آلاف من البروسيين الذين أسر القسم الأكبر منهم. # وفي ms182 العاشر منه، حصلت موقعة أخرى في سآلفد، كان الفوز فيها حليف الجناح الأيسر من الجيش ~~الفرنسي الذي يقوده المرشال لان. كانت نتيجة هذه الموقعة تشتت صفوف الأمير هوهنلوه، التي ~~يقودها الأمير لويس ده بروس، الذي بقي في ساحة القتال. كان هذا الأمير مكتسبا محبة ~~الجيش، وكان يرغب رغبة شديدة في أن يعيد إليه مجده القديم إلا أن جرأته لم تلبث أن أودت ~~بحياته؛ فإنه شهر القتال على قوات أكثر عددا من فرقته لكيلا يترك بين يدي عدوه المركز ~~الذي عهد به إليه، وبعد مقاومة شديدة تشتتت فرقته، فشرع يعالج جمع الهاربين ليعاود ~~القتال وما هي إلا طرفة عين حتى أدركه قائد من قواد الهوسار، يدعى كنده، وأمره ~~بأن يسلم سيفه فأبى الأمير ووقف موقف الدفاع، عند هذا عالجه القائد بطعنة قتالة نفذت من ~~ظهره إلى بطنه. # في الثاني عشر منه كان الجيش الفرنسي على أبواب لبزيك ومعسكر الإمبراطور في جيرا. إلا أن ~~نابوليون، الذي كان يعمل على أن يبعد عنه مسئولية الحرب ويثبت لفرنسا وأوروبا أنه لم يفتأ ~~يعمل على حفظ السلام، كتب من جيرا جوابا على رسالة ملك بروسيا لم يلبث أن شاع في أوروبا. ~~نأخذ منه هذه المقاطع المهمة: «أخي، تلقيت في السابع من هذا الشهر كتاب جلالتك المؤرخ في الخامس والعشرين من ~~شهر أيلول. لا يمكن جلالتك أن تتصور الأسف الذي استولى علي ساعة قرأت توقيعها ~~لتلك الرسالة القادحة. أما إني لا أجيب عليها إلا لأؤكد لها أنني لم أعز إليها ~~ما جاء فيها: إن جميع ما تضمنته إنما هو معاكس لسجية جلالتك وشرفها، ثم إنني ~~أشفق على كاتبي مثل تلك الرسالة وأعف عنهم. ولقد استلمت عقيب هذه حاشية وزيرك ~~التي ضربت لها ميعادا في الثامن منه، ولم أجد بدا من البر بكلامي؛ شيم الفوارس ~~تقتضي ذلك، وها أنذا في وسط السكس، ولدي قوى تضمن لي النصر الأكيد. ولكن، فيم ~~هرق الدم؟ ولأي قصد؟ إنني أخاطب جلالتك بمثل ما خاطبت الإمبراطور إسكندر قبل ~~معركة أوسترلتز ... فيم نترك ms183 السبيل لإفناء شعبنا؟ إنني لن أقدر قدر النصر الذي ~~يشترى بحياة أولادي. إن جلالتك لسوف تغلب، يا صاحب الجلالة، سوف تنزل النكبات ~~على راحتها وشعبها، من غير أن يكون لها طيف حجة في ذلك. إن جلالتك اليوم لسليمة، ~~إذن فهي تستطيع أن تتداول معي بشكل موافق لمقامها؛ ولكن مداولتها بعد شهر ستكون ~~غيرها اليوم ... إنني قد أثير في رسالتي هذه نوعا من التأثر السلطاني، إلا أن ~~الظروف لا تتطلب مراعاة قط. ألا فلتأمر جلالتك الأردياء والمتغفلين الذين ~~يحيطون بها أن يصمتوا أو يخلدوا إلى السكينة أمام مشهد عرشها، ولتعمل على راحتها ~~وراحة ولاياتها ...» # لم يخطئ الإمبراطور بقوله إن رسالته قد تثير في ملك بروسيا التأثر السلطاني، ولقد قرأ ~~في صفحات المستقبل تلك الحقيقة التي جعلته يعلن إلى هذا الأمير «أن جلالته ستغلب». بعد ~~مرور يومين تلاشى الجيش البروسي في ساحات يينا، وفي الخامس عشر من شهر تشرين الأول كانت ~~مذكرة الجيش الكبير الخامسة، التي كتبت في ساحة القتال، تتضمن تفاصيل تلك المعركة ~~الدموية الهائلة! # معركة يينا # إن معركة يينا قد غسلت عار روسباك ووضعت حدا، في سبعة أيام، لحملة سكنت تسكينا ~~تاما ذلك الجنون الحربي الذي استولى على عقول البروسيين. # أراد ملك بروسيا أن يشرع بالقتال في التاسع من شهر تشرين الأول بالزحف إلى فرانكفور ~~بميمنته، وإلى ورتزبورج بوسطه، وبميسرته إلى بنبرج، وكانت جميع فرق جيشه مهيأة لتنفيذ ~~هذه الخطة، إلا أن الجيش الفرنسي، الذي انحرف إلى طرف ميسرته، وجد نفسه بعد أيام ~~قلائل في سآلبورج، ولوبنسثن، وشليز، وجيرا، ونومبورج. أما الجيش البروسي فقد صرف أيام ~~التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر من الشهر في جمع فرقه كلها، وفي الثالث عشر ~~برز للقتال بين كابلسدورف وأورستيد يدعمه مائة وخمسون ألفا من الرجال. # وفي الساعة الثانية بعد ظهر هذا النهار وصل الإمبراطور إلى يينا، فأبصر من على مرتفع ~~تشغله الصفوف الأولى من الجيش، استعدادات العدو الذي كان يتدرب للمصادمة في الغد ~~واغتصاب منافذ السآل # 1 # العديدة. كان العدو يحاصر طريق يينا ms184 إلى ويمار، معتقدا أن الفرنسيين لا ~~يستطيعون الولوج إلى السهل إلا باغتصاب هذا الممر. # استلم المرشال دافو أمرا بالولوج من نومبورج ليحاصر معابر كسن فيما إذا أراد العدو ~~أن يزحف إلى نومبورج، أو بالانحدار إلى أبولدا ليأخذه من ورائه، فيما إذا بقي في المركز ~~الذي هو فيه. # وأمرت فرقة المرشال أمير بونت-كورفر (لقب منحه نابوليون للمرشال برنادوت) بالولوج من ~~دورنبورج لتهوي إلى العدو من ورائه. أما فرقة الخيالة الضخمة، التي لم تكن بعد قد ~~لحقت بالجيش، فلم تتمكن من اللحاق به إلا قبيل الظهر، وأما خيالة الحرس الإمبراطوري ~~فقد كانت على مسافة ست وثلاثين ساعة بالرغم من السير الشاق الذي قامت به منذ سفرها من ~~باريس. # نظم الإمبراطور على المرتفع الذي تشغله الصفوف الأولى فرقة المرشال لان جميعها وجعل ~~كل قسم منها جناحا، وهيأ المرشال لوفيفر على قمة المرتفع الحرس الإمبراطوري ~~كتائب مربعة، وأقام الإمبراطور بين بسلائه. كان الليل يعرض مشهدا حريا بالنظر هو ~~مشهد الجيشين؛ كان أحدهما يبسط جبهته على مسافة ثلاثة فراسخ ويحرق الفضاء بنيرانه، وكان ~~الآخر يرسل نيرانه الجسيمة من على نقطة صغيرة. أما نيران الجيشين فقد كانت على قيد ~~نصف رمية مدفع، وكان الخفراء يوشكون أن يلاصقوا بعضهم بعضا من غير أن يأتي أحدهم بحركة ~~تسمع. # صرفت فرقتا المرشالين ناي وسول الليل في السير، وفي مطلع النهار تقلد الجيش ~~سلاحه. كانت كتيبة كازان مصطفة على خطوط ثلاثة إلى يسار المرتفع، وكانت كتيبة سوشة ~~تؤلف الميمنة في حين كان الحرس الإمبراطوري يشغل قمة المرتفع. أما الكتائب التي لم ~~يتح لها الإقامة على المرتفع، فقد فتح لها معابر من المدينة والأودية المجاورة ~~تمهد لها الولوج بسهولة. # كان ضباب كثيف يظلم النهار، مر الإمبراطور أمام خطوط كثيرة، وأشار إلى الجنود بأن ~~يتخذوا الاحتياطات ضد مفاجأة الخيالة البروسية، ثم ألقى على مسامعهم كلمات ملؤها ~~الحماس انتفض لها الجند فصرخوا جميعهم: «إلى الأمام.»! وما هي إلا هنيهة حتى طرد ~~العدو من مركزه وولج الجيش الفرنسي إلى السهل، عند هذا شرع يتلقى ms185 نظامه ~~للقتال. # أما من جهة جيش العدو فإنه تقلد السلاح، وكان قد عزم ألا يهاجم قبل تبدد ~~الضباب، في تلك الساعة كمنت فرقة من خمسين ألف رجل من الميسرة لتملأ مضايق نومبورج ~~وتستولي على معابر كسن، إلا أن المرشال دافو كان قد سبقها إلى ذلك. ووثبت الفرقتان ~~الأخريان المؤلفتان من ثمانين ألف رجل أمام الجيش الفرنسي الذي كان يعبر من مرتفع ~~يينا. بقي الضباب يحجب الجيشين مدة ساعتين، حتى إذا ما انجلى عن شمس الخريف الجميلة، ~~أبصر الجيشان كل منهما الآخر على قيد رمية مدفع. كانت ميسرة الجيش الفرنسي تحت قيادة ~~المرشال أوجرو، وكان الحرس الإمبراطوري يفصلها عن الوسط الذي يشغله المرشال لان. أما ~~الميمنة فكانت مؤلفة من فرقة المرشال سول، ولم يكن لدى المرشال ناي إلا فرقة بسيطة ~~مؤلفة من ثلاثة آلاف رجل، وهي الكتائب الوحيدة التي وصلت إليه من فرقة جيشه. # كان الجيش العدو كثير العدد، وكان الإمبراطور قد رغب في تأخير القتال ساعتين حتى ~~تصل إليه الكتائب المنتظرة ولا سيما الخيالة، إلا أن الحمية الفرنسية لم تترك له ~~سبيلا للانتظار. في تلك الآونة تلقى المرشال لان أمرا بالزحف إلى قرية هوللستيد ~~ليعضد فيها الكتائب التي كان العدو قد وثب إليها، وفي الوقت نفسه عهد إلى المرشال ~~أوجرو برد العدو الذي كانت ميمنته قد عالجت حركة على ميسرتنا. وما هي إلا نصف ~~ساعة، أو أقل، حتى أصبح القتال عموميا. يا له مشهدا لم تذكر التواريخ مثيلا له إلا ~~في الندر! كان مائتان وخمسون ألفا أو ثلاثمائة ألف من الرجال مع سبع أو ثمانمائة مدفع ~~يزرعون الموت في جميع الجهات! # وهذه هي نتائج المعركة: ثلاثون إلى أربعين ألفا من الأسراء، خمسة وعشرون إلى ثلاثين ~~علما، ثلاث مائة مدفع، وكثير من مخازن المئونة، يوجد بين الأسراء أكثر من عشرين ~~قائدا بينهم القائد شمتو، أما عدد الموتى في الجيش البروسي فكثير لا يحصى، ويقدرون ~~أن هناك أكثر من عشرين ألفا بين قتيل وجريح. لقد جرح الفلدمرشال موللاندورف، وقتل ~~الدوق ده برونسويك، ms186 والجنرال بلوشير، أما جرح هنري ده بروس فخطر جدا. # لقد خسر الجيش البروسي، في هذه المعركة، كل ما كان لديه، واضطر الملك على الانسحاب ~~مع كتيبة خيالته. تقدر خسائرنا بألف ومائتي قتيل وثلاثة آلاف جريح، أما القواد ~~فلم يصب أحد منهم بأذى إلا المرشال لان فإنه أصيب برصاصة لامست صدره من غير أن ~~تجرحه، وإلا المرشال دافو الذي أطارت رصاصة قبعته عن رأسه وخرق ثوبه بالرصاص. كان ~~بين الأسراء ستة آلاف سكسوني وأكثر من ثلاثمائة ضابط. أما نابوليون، الذي عرف أن يفصل ~~الأمة السكسونية عن الشعب البروسي ويوفر له حليفا في الأيلب ضد بلاط برلين، فإنه ~~أشار بأن يمثل هؤلاء الأسراء أمامه ووعدهم بأن يطلق سراحهم إذا هم عاهدوه على أن لا ~~يخدموا بعد ضد فرنسا. قال: «إن مكان السكسونيين إنما كان موسوما في معاهدة الرين. ~~لقد كانت فرنسا المحامية الطبيعية عن السكس ضد عسف بروسيا وجورها. كان من الضروري أن ~~يوضع حد لذلك العسف والجور؛ إذ إن البر إنما كان بحاجة إلى الراحة ولو لم توجد ~~تلك الراحة لكلفت ضرورة إيجادها إسقاط بعض العروش.» # ففهم السكسونيون معنى هذه اللهجة فأعطوا الضمان الذي طلب منهم، وعادوا إلى بيوتهم مع ~~نداء وجهه الإمبراطور إلى مواطنيهم. # استولى الفرنسيون على أرفورث بعد معركة يينا وألقوا القبض فيها على أمير دورانج والفل ~~مرشال موللاندورف. وفي اليوم نفسه، أي في السادس عشر من الشهر، طلب ملك بروسيا هدنة فلم ~~يشأ نابوليون أن يمنحه إياها. على أن الجنرال كلكروث، الذي ضيق عليه المرشال سول، والذي ~~خشي أن يؤخذ مع فرقته المؤلفة من عشرة آلاف رجل كان بينهم الملك البروسي نفسه، ترجى ~~هدنة كان الإمبراطور على وشك أن يمنحه إياها. أما المرشال سول فلم يشأ أن يصدق ذلك وقال: ~~إن نابوليون لن يرتكب هفوة مثل هذه. عند هذا اتجه الجنرال البروسي إلى المعسكر الفرنسي ~~ليتفاوض هو والمرشال ويتوسل إلى كرم المنتصر، بل إلى شفقته ورحمته، فأجابه المحارب ~~الفرنسي: «حضرة الجنرال، إنكم تنهجون معنا هذا النهج منذ زمن ms187 طويل، عندما ترون نفوسكم ~~مقهورين تلجئون إلى رحابة صدرنا حتى إذا ما مضت مدة قصيرة تتناسون الجميل الذي لنا عليكم. ~~منح الإمبراطور، بعد معركة أوسترلتز هدنة للجيش الروسي، وهذه الهدنة أنقذت الجيش. فتأمل ~~اليوم الطريقة الجاحدة التي يتخذها الروسيون ... ألقوا السلاح أولا، ثم انتظر أوامر ~~الإمبراطور لأرى رأيه.» # فانسحب القائد البروسي خجلا، وفي الثاني والعشرين من الشهر وصل المرشال سول إلى أسوار ~~مكدبورج بعد أن طارد العدو مطاردة نشيطة. # بينما كان سول يطارد العدو في جهة مكدبورج، ويحمله من الخسائر ما لا يحصره العدد، كان ~~برنادوت ينجز في هال على الجيش الاحتياطي البروسي الذي يقوده أحد أمراء ورتنبرج. وعقيب هذا ~~النصر عبر الإمبراطور ساحة حرب روسباك وأصدر أمره بنقل العمود الذي رفع هناك إلى ~~باريس. # كانت موقعة هال قد حدثت في السابع عشر، في الثامن عشر استولى المرشال دافو على لبزيك، وفي ~~الواحد والعشرين سدت طريق مكدبورج في وجه البروسيين على يد فرقتي سول ومورات فتشتتت ~~بقايا جيشهم تشتتا فظيعا. عند هذا خف عدو فرنسا القديم، برونسويك الهائل صاحب مشروع ~~سنة 1792 القاضي بإضرام النار؛ ليضع ولاياته تحت حماية الإمبراطور. يا لانقلاب القدر! إن ~~هذا الجنرال العظيم الذي مثل الأريستوقراطية الأوروبية القائمة ضد فرنسا لم يجد بدا ~~من السجود على ركبتيه أمام ذلك الشعب الذي هدده قبل أربع عشرة سنة بكل ما في الوحشية من ~~الفظاعة والظلم! إنه لقد خشي على قصوره وعلى مسكنه الشخصي من النار والحديد اللذين كثيرا ~~ما هدد بهما عاصمة فرنسا. إنه لموقف جميل ذلك الذي وقفته الثورة المنتصرة! لقد جرت ~~إليها الحكمة العلياء أشد عدو من أعدائها ساجدا متوسلا! ألا إن الثورة لتحسن ~~معاقبة الصلف، وإثبات تفوقها بما تأتيه من ضروب التساهل والسماح؛ إذ إنها تعمل بيد ~~بونابرت وتتكلم بلسانه، قال الإمبراطور لرسول الدوق: «ما كان يقول أميرك لو هدمت مدينة ~~برنسويك غير تارك فيها حجرا على حجر؟ ألم تسمح لي شريعة الثأر بأن أنهج مع برونسويك، ما ~~كان يرغب في أن ينهجه معي؟ إن ms188 تعمد هدم مدن لمن الحماقة بمكان، ولكن تعمد نزع الشرف من ~~جيش يضم خيرة الرجال البسلاء إنما هو عار لا تتحمله الأجيال. كان على الدوق ده ~~برونسويك أن لا يقدم على إهانة كهذه؛ لأن من يشيب رأسه تحت السلاح يجب عليه أن يحترم ~~الشرف العسكري، ثم إن هذا الجنرال لم يستطع أن يكتسب حق إهانة الأعلام الفرنسية في سهول ~~شامبانية. إن إتلاف مآوي المواطنين الهادئين إنما هو جريمة يكفر عنها بالوقت والمال، ~~ولكن هتك حرمة جيش عظيم، ومحاولة طرده من ألمانيا أمام النسر البروسي، إنما هو عار فظيع لا ~~يرتكبه إلا ذلك الذي حرض على ارتكابه.» # في الرابع والعشرين منه وصل الإمبراطور إلى بوتسدام. في مساء اليوم نفسه طاف في قصر سان ~~سوسي، فاتضح له أن موقعه إنما هو في أبعد ما يكون من الجمال، فبقي هناك مدة من الوقت كأنه ~~قد استسلم لتأملات عميقة في غرفة فريدريك الكبير الذي كان أثاثها لا يزال كما كان ساعة ~~موته. وفي اليوم التالي، زار ضريح فريدريك الكبير، بعد أن استعرض الحرس الإمبراطوري الذي ~~يقوده المرشال لوفيفر. # جاء في المذكرة الثامنة عشرة ما يلي: «إن بقايا هذا الرجل العظيم موضوعة في تابوت من ~~الخشب مبطن بالنحاس لا زينة عليه ولا شعار ، ولا أقل أثر يشير إلى الأعمال المجيدة ~~التي قام بها ذلك الرجل الكبير. # لقد أهدى الإمبراطور إلى قصر الأنفليد في باريس حسام فريدريك، وشريطة نسره الأسود، ~~ومنطقته، والأعلام التي كان يحملها حرسه في حرب السنوات السبع. إن كسحاء الجيش الهانوفري ~~القدماء سيتقبلون بعاطفة دينية كل ما كان يملكه أحد القواد الأولين الذي سجل التاريخ ~~ذكره بشرف ومجد.» # في السابع والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1806 دخل نابوليون إلى برلين من باب شرلوتنبرج ~~الجميل يواكبه المرشالية برتيه ودافو وأوجرو ودوروك وكولنكور، ويحف به الحرس والقناصة ~~على الجياد، وتتقدمه فرقة نانسوتي والمرشال لوفيفر على رأس المشاة. أما شعب برلين فقد ~~خف إلى ملاقاة المنتصر بأبهة وعظمة. ولقد قدمت المدينة إلى الإمبراطور مفاتيح هذه ms189 ~~العاصمة على يد الجنرال هرللن. # كان أول ما اهتم به الإمبراطور تشكيل مجلس بلدي مؤلف من ستين عضوا عهد انتخابهم إلى ~~ألفين من أغنياء البلد. # مثل وفد البلد ثانية أمام الإمبراطور وعلى رأسه الأمير ده هتزفلد الذي قبل حاكمية ~~برلين المدنية باسم الفرنسيين، والذي لم يفتأ يراسل ملك بروسيا ليوقفه على حركات الجيش ~~الفرنسي المنتصر. قال نابوليون لهذا الأمير: «لا تمثل أمامي فلست بحاجة إلى خدمك، وارجع ~~حالا إلى أراضيك.» وبعد مدة قصيرة أوقف الأمير هتزفلد وسلم إلى مجلس عسكري. فلما بلغ ~~زوجته ما كان من أمره، أسقطت في يدها واستسلمت لليأس، إلا أن دوروك شجعها على أن ~~تمثل أمام الإمبراطور وتتوسل إليه، فاتجهت إلى القصر وترامت على قدمي الإمبراطور ~~وتوسلت إليه أن يعفو عن زوجها الذي كانت تظن أن سبب إيقافه إنما هو ناجم عن علاقته مع ~~الوزير شولنبرج أحد مسببي الحرب، ولكن نابوليون أكد لها أن الأمير هتزفلد كان يراسل ملك ~~بروسيا ويخون الفرنسيين، فصرخت المرأة معترضة على ذلك وأكدت له أن زوجها بريء من هذه ~~التهمة الفظيعة، فقال لها الإمبراطور: «إنك تعرفين خط زوجك، إذن فسأريك رسائله.» وأمر ~~بإحضار إحدى تلك الرسائل المضبوطة وألقاها بين يديها، كانت المرأة حاملا، فلما رأت خط ~~زوجها أغمي عليها من شدة الحزن ثم استفاقت تجهش بالبكاء والنحيب، فأشفق نابوليون أمام هذا ~~المشهد الأليم فقال لها: «إن الرسالة في يدك فألقيها في النار تنقذي زوجك من العقاب.» وكان ~~المشهد جاريا بالقرب من مستوقد، فأسرعت الأميرة هتزفلد لإنقاذ زوجها بإلقاء الرسالة في ~~اللهيب، وما هي إلا فترة حتى استلم المرشال برتيه أمرا بإخلاء سبيل الأمير هتزفلد. # كان الإمبراطور قد أساء إلى ملكية بروسيا في إحدى مذكراته التي جاء فيها: «إن البروسيين ~~يعزون مصائب بروسيا إلى سفر الإمبراطور إسكندر، وإن الانقلاب الفجائي الذي طرأ منذ ذلك ~~الحين على عقل الملكة فاستحالت من امرأة وديعة إلى شرسة حربية قد أصبح ثورة فجائية. لقد ~~أرادت أن يكون لها كتيبة فتتجه إلى المجلس، ولقد أجادت قيادة المملكة ms190 بإيصالها إلى حافة ~~الهوة بأيام قلائل.» # فلما قرأت الإمبراطورة جوزيفين هذه الفقرة التي حمل بها الإمبراطور على ملكة شابة جميلة ~~لم تجد بدا من الاستياء، فأرسلت إلى زوجها كتابا توبخه فيه على تصرفه هذا، وتظهر ~~له خطأه في التحامل دائما على النساء، فأجابها نابوليون: «أخذت كتابك الذي تظهرين لي فيه ~~استياءك من الكلام السيئ الذي أقوله في النساء اللواتي يحركن الدسائس فوق كل شيء. لقد ~~تعودت أن أحب الطيبات القلوب اللواتي يحببن الوفاق والسلام. وسترين أنني كنت سهلا ~~مع إحداهن، وهي امرأة طيبة حساسة تدعى الأميرة هتزفلد، فعندما أريتها كتاب زوجها قالت ~~لي وهي تبكي: إن هذا خط يده. ولقد نفذ كلامها العذب إلى أعماق قلبي فأشفقت، وقلت لها: ~~ألقي الرسالة في النار فأصبح عاجزا عن معاقبة زوجك. فأحرقتها ودلائل السعادة تبدو على ~~محياها. ولو تأخرت ساعتين عن المثول أمامي لفقدت زوجها لا محالة. أرأيت أنني أحب ~~النساء الطيبات الأخلاق السليمات الطوية؟ ولكن ليس ذلك إلا لأنهن يشبهنك يا عزيزتي ~~جوزيفين.» # ثاني يوم دخول الإمبراطور إلى برلين أعطى مقابلة لوزراء البافيير وإسبانيا والبورتغال ~~والباب العالي. وفي اليوم نفسه استقبل الإكليروس البروتستنتي، وأرباب المجالس، وتحدث إلى ~~كثير من الحكام عن جملة نقاط من التنظيم القضائي. # أصدر نابوليون في مدة إقامته ببرلين المرسوم الشهير الذي أنشأ المحاصرة البرية وحرم على ~~شعوب الإمبراطورية الفرنسية وحلفائها أية تجارة أو علاقة مع الجزائر البريطانية. فهذا ~~العمل، الذي استهجنه البعض وعزوه إلى عماوة الحقد، إنما كان ناجما عن الديوان الإنكليزي ~~الذي أصر على تهييج السلطات البرية ضد فرنسا، كان نتيجة تلك الدسائس المتوالية، ~~والمؤامرات، وضروب العداء التي حاربت بها الأريستوقراطية الإنكليزية الديموقراطية الفرنسية ~~منذ 1792، كان جواب الثورة المنتصرة للغضب الملكي، الذي ما زالت تتلقاه من يوم مدرجها يوم ~~كانوا يحاولون نفيها من أوروبا زاعمين أنها أوجدت «فراغا» بما أن بورك وبيت اللذين أرادا ~~أن ينحيا فرنسا في وسط العالم الراقي، لا يزالان يسودان، بأصدقائهما وأتباعهما، في مجالس ~~لوندن ويسودان الفكرة نفسها في تلك المجالس، فلم لا ms191 يحق لفرنسا أن تنحي إنكلترا في وسط ~~البحار؟ كان من حق المحاصرة التي هددوا بها الروح الثورية مدة خمس عشرة سنة أن تقفل ~~السبيل على الثورة الرجعية في وسط المحيط. # بينما كان نابوليون يهتم في برلين بالقبض على مسببي الحرب، ويستعد لوضع إنكلترا خارج ~~الحق العام ومعاقبتها على خرقها حقوق البشر، كان قواده يطاردون الأعداء فلا يدعون لهم ~~سبيلا للراحة، وينجزون على بقايا الجيش البروسي. منذ الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول ~~استولى مورات على برنتزلوو، وأرغم الأمير هوهنلوه على التسليم مع فرقة جيشه. وفي اليوم ~~التالي استولى الجنرال لاسال على قلعة ستيتين، في حين كان الجنرال ميلهو ينزع سلاح كتيبة ~~مؤلفة من ستة آلاف رجل. في الثاني من شهر تشرين الثاني سلمت كوسترن للمرشال دافو. في ~~ذلك الحين كان مورتيه يستولي على ولايتي هس وهمبورج. أما شعار الأمير دورنج والدوق فقد ~~نزع في فلد وبرنسويك. جاء في المذكرة الرابعة والعشرين ما يلي: «إن هذين الأميرين لن ~~يحكما بعد، فهما العاملان الأولان في تلك العصبة الجديدة.» # كان فوز باهر ينتظر الفرنسيين تحت أسوار لوبك وفي شوارعها، ففي السادس من تشرين الثاني ~~التقى مورات وسول وبرنادوت، بما أتوه من ضروب الحذاقة في التدربات، أمام هذا المكان الذي ~~قاد إليه بلوخر أواخر آمال الملك البروسي. صدر الأمر بالهجوم، ودخل برنادوت إلى المدينة من ~~باب ترافا في حين دخلها سول من باب موللن. # أما المقاومة فقد كانت شديدة جدا، ولقد جرى القتال في الشوارع أيضا، ولكن في السابع من ~~الشهر صباحا مثل بلوخر والأمير ده برنسويك أولس أمام المنتصرين، وهما على رأس عشرة ~~قواد بروسيين، وخمس مائة وثمانية عشر ضابطا، وأكثر من عشرين ألف رجل، وطلبا التسليم، ثم ~~عبرا حالا أمام الجيش الفرنسي. # في الثامن منه فتحت مكدبورج أبوابها، فوجد فيها الفرنسيون ثماني مائة مدفع وعساكر محافظة ~~ينيفون عن ستة عشر ألفا. وكان الإمبراطور قد قاد فرقة من الجيش نحو الفيستول لمطاردة ملك ~~بروسيا الذي هرب مع العشرة الآلاف التي بقيت لديه. # في ms192 العاشر منه دخل المرشال دافو إلى بوزن حيث استقبله الأهلون بهتاف شديد؛ لأنهم إنما هم ~~بولونيون أكثر مما هم بروسيون. وفي السادس عشر كانت المذكرة الثانية والثلاثون تعلن ما ~~يأتي: «إنه بعد الاستيلاء على مكدبورج ولوبك وضعت الحملة على البروسيين أوزارها. وفي هذا ~~اليوم نفسه وقع الأمر بتعطيل السلاح في شراوتنبورج.» إذ ذاك اهتم الإمبراطور بالمرسوم ~~الذي سبق لنا أن تكلمنا عنه، القاضي بمحاصرة الجزائر البريطانية. # عندما ضربت بروسيا الضربة القاضية نزعت منها السلطة السياسية، إلا أن إنكلترا التي ~~دفعت بروسيا إلى الحرب بقيت سليمة ثابتة، فأراد نابوليون أن يتمكن منها فينحيها عن ~~أوروبا التي ما زالت تسلب منها أموالها وتستأجرها تارة بعد أخرى باحتكارها التجاري ودسائسها ~~المتوالية في المداولات. إن الطريقة التي اتخذها نابوليون لتجرح مبادئ الرقي الجديد؛ إنه ~~عرف ذلك واعترف به، ولكنه يستمد بها الشريعة وحق المبادلة. # عندما طلب الإمبراطور من مجلس الشيوخ تجنيد فرق جديدة أطلعه على هذه الخطة الكبيرة، قال: ~~«إن إنصافنا الزائد، بعد كل حرب من الحروب الثلاثة الأولى، إنما كان سببا لتلك التي ~~عقبتها. هكذا قدر لنا أن نقاتل تلك العصبة الرابعة، بعد تسعة أشهر من انحلال العصبة ~~الثالثة، بعد تسعة أشهر مرت على تلك الانتصارات الباهرة التي منحتنا إياها الحكمة العلياء ~~التي من حقها أن تمنح البر راحة طويلة ... # لقد أخذنا على أنفسنا، في هذا الموقف، كمبادئ ثابتة ألا نخلي برلين وفرسوفي، ولا ~~المقاطعات التي ولتنا إياها القوى العسكرية، قبل أن يعقد السلام العام، وتعاد ~~المستعمرات الإسبانية، والهولندية والفرنسية، وتثبت أسس السلطنة العثمانية واستقلالها ~~المطلق. # لقد وضعنا الجزائر البريطانية في موقف حصار، وهيأنا ضدها تدابير منافية لنا؛ ولكننا ~~اضطررنا إلى ذلك أسوة بحلفائنا ... # إننا لفي وقت من تلك الأوقات التي لها أهميتها بمستقبل الأمم، وإن الشعب الفرنسي سيكون ~~أهلا لمستقبله المنتظر. إن المرسوم الذي صدر أمرنا برفعه إليكم، والذي سيضع تحت تصرفكم، ~~في أوائل السنة، تجنيد عام 1807 الذي سيشرع به في أول أيلول، إن هذا المرسوم سينفذه ~~الآباء والأبناء. ويا له ms193 يوما جميلا ساعة تنادي الفرنسيين الأحداث إلى الانضمام تحت ~~السلاح! إنهم سيقدر لهم أن يجتازوا عواصم أعدائنا وساحات القتال التي شرفتها انتصارات ~~إخوانهم الأبكار.» # في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني غادر نابوليون برلين، فوصل إلى بوزن في الثامن ~~والعشرين منه. كانت رداءة الطقس، والمشقات، والحرمان، قد أضعفت حمية الجنود، إلا أن ~~المواقع العديدة والانتصارات كانت ألقت بأعداء فرنسا بعيدا عن الفيستول. أما مجلس ~~الشيوخ، الذي كان من عادته أن يؤثر المراعاة على التشبث بالإصرار، فقد أرسل إلى ~~الإمبراطور كتابا يظهر له فيه هذه الفكرة، ولكن مجلس الشيوخ والجيش والشعب إنما هم أعجز ~~من أن يفقهوا خطورة المواقف، وعناد أوروبا القديمة، وضرورة الخطة التي اضطر نابوليون إلى ~~اتخاذها ليجعل أعداء فرنسا الفتاة عاجزين عن تأليف أحزاب جديدة ضدها. كانت أمنية الجميع ~~متجهة نحو السلام، وكان الإمبراطور يدرك ذلك، إلا أنه إنما كان يدرك أكثر من غيره أن ~~الحرب أصلح من سواها للوصول إلى السلام الحقيقي؛ فلذلك ترك العمل لذكائه العظيم، وزحف إلى ~~بولونيا ليسحق الروسيين فيها، بدل أن يدع لهم السبيل للوصول إلى بروسيا حيث يلمون شعث ~~حلفائهم المقهورين ويجددون آمالهم. # إذا رغب الجيش في الوقوف ساعة فكر قاهر المواقع العديدة في ضرورة السير إلى الأمام، ~~أيتنازل النبوغ فجأة ليذعن إلى من يقوده؟ لا، بل بالعكس؛ فإن ذلك لفرصة جديدة يظهر ~~فيها تفوقه العظيم الذي لا يقف عند حد. وإذا كان في الكتائب من يشعر بحاجة إلى الراحة؛ ~~فإنه ليستطيع أن يجدد نشاطه بكلمة تخرج من فيه، ويجعله تواقا إلى إعادة لعبة الحرب ~~الهائلة ضد أعداء الاسم الفرنسي. وهذا هو النداء الذي أرسله نابوليون إلى جيشه من معسكره ~~العام في بوزن: # عن المعسكر العام في بوزن، 2 كانون الأول # أيها الجنود، في مثل هذه الساعة من السنة الماضية، كنتم في ساحة حرب أوسترلتز، ~~وكانت الكتائب الروسية المقهورة تهرب من وجهكم أو تلقي سلاحها بين يدي قاهرها. وفي ~~اليوم التالي كانت كلمات السلام تتصاعد إلى آذاننا متوسلة، ولكنها كانت كلمات ~~خداعة؛ ms194 إذ إن الكتائب الروسية لم تكد تسلم من نكبات العصبة الثالثة بما نالته من ~~ضروب السماح والكرم، حتى دبرت عصبة رابعة، إلا أن أماكنها الحصينة، وعواصمها، ~~ومخازنها، ودور أسلحتها، وأعلامها المائتين والثمانين، وقطعها الحربية السبعمائة، ~~وساحاتها الخمس أصبحت كلها في قبضتنا. إن الأودر، والوارثا، وصحاري بولونيا، ~~ورداءة الفصل لم تتمكن من إيقافكم فترة واحدة، لقد خرقتم كل حاجز، وظفرتم ~~بكل شيء، وكل هرب من وجهكم! ولقد حاول الروسيون عبثا المدافعة عن عاصمة ~~بولونيا القديمة. إن النسر الفرنسي يحلق فوق الفيستول. # أيها الجنود، إننا لن نلقي السلاح ما لم يوطد السلام العام سلطة حلفائنا، ويرد ~~على تجارتنا أمانها ومستعمراتها. لقد فتحنا الأيلب والأودر، بونديشيري، وبناياتنا ~~في الهند، ورأس الرجاء الصالح، والمستعمرات الإسبانية؛ فمن يمنح الروسيين حق ~~هز أرجوحة الأقدار؟ من يمنحهم حق إسقاط طويات عادلة كهذه الطويات؟ ألسنا، ~~نحن وهم، جنود أوسترلتز؟ # كان لهذا النداء تأثير عظيم، ليس في جيش الفيستول فحسب، بل في ألمانيا كلها. # قبل أن يشرع الإمبراطور في إعداد الحملة، أراد أن ينشئ تمثالا لذكرى عجائب الحربين ~~الأخريين، فأضاف على نداء 3 كانون الأول مرسوما جاء فيه ما يلي: # البند الأول: # ينشأ في مكان المادلين، في مدينتنا الجميلة باريس، على نفقة الخزينة ~~وتاجنا، تمثال يرفع للجيش الكبير، ويحمل على مقدمه هذه الكلمات: من ~~الإمبراطور نابوليون إلى جنود الجيش الكبير. # البند الثاني: # يدون في داخل التمثال، على صفائح من البلاط، أسماء جميع الرجال الذين ~~حضروا مواقع أولم، وأوسترلتز، ويينا، وعلى صفائح من الذهب الصلب أسماء جميع ~~الذين قدمتهم كل مقاطعة للجيش الكبير. # البند الثالث: # يحفر على جدران قاعة التمثال نقوش تمثل قواد كل كتيبة من كتائب ~~الجيش الكبير مع أسمائهم. # بقي الإمبراطور في يوزن حتى السادس عشر من شهر كانون الأول، فاستقبل هناك وفد فرسوفي ~~المؤلف من أذين ليثواني الكبير، وغوتا كوسكي، وأعضاء الأشراف البولونيين. # إلا أن الجيش الفرنسي بقي سائرا إلى الأمام. فبعد أن قاتل الروسيين في لوييز، واستولى ~~على فرسوفي، وقدر له تسليم تورغو عبر الفيستول في ms195 السادس منه إلى تورن، حيث وجد ~~المرشال ناي بعض البروسيين فشتت شملهم من غير عناء. وما هي إلا أيام قلائل حتى كان الجيش ~~جميعه على شاطئ الفيستول الأيمن. في الحادي عشر من الشهر قاتل المرشال دافو فرقة من ~~الروسيين بعد أن عبر البوك. وعقدت في ذلك اليوم معاهدة صلح مع السكس التي دخل منتخبها في ~~معاهدة الرين ونال لقب ملك. # في الثامن عشر منه دخل الإمبراطور إلى فرسوفي حيث ألح عليه في ترميم مملكة بولونيا. إلا ~~أنه خشي أن يتقيد بوعده، فلم يعط إلا أجوبة تركت مطلق الحرية للمستقبل. قال لراب: ~~«إني أحب البولونيين؛ لأن حميتهم تروقني جدا، وإني لأرغب في أن أجعلهم شعبا مستقلا، ~~إلا أن هناك مصاعب كثيرة. لقد اشترك أناس كثيرون في اقتسام هذه القطعة من الحلوى: ~~النمسا، وروسيا، وبروسيا، ولا يعلم أحد أين يقف الحريق إذا اشتعلت الفتيلة. إن واجبي الأول ~~إنما هو فائدة فرنسا، ولا يصح أن أضحي بها لبولونيا؛ إذ إن هذا ليؤدي بنا إلى حيث لا ~~تحمد العقبى، ثم إننا يجب علينا أن نستسلم للسلطان الأعظم: الوقت؛ فإنه يهدينا إلى السبيل ~~القويم.» # في أثناء ذلك كان الجنرال كامنسكي يزحف بسرعة إلى ملاقاة الكتائب الفرنسية، وقد أغضبه ~~تقهقر القواد الروسيين. ولقد جمع إليه بنينكسون وبوكسهودن فخيل إليه أن النصر محقق فلم ~~يتردد أن أحيا حفلة كبرى في قصر سييروك أتيح للفرنسيين أن يبصروا أنوارها من أعالي ~~أبراج فرسوفي. # ترك الإمبراطور عاصمة بولونيا القديمة في الثالث والعشرين من كانون الأول وألقى على البوك ~~جسرا استوفى بناؤه ساعتين من الزمن، ثم أمر بهجوم فرقة دافو على الروسيين الذين كسروا في ~~كزارنوفر، في موقعة طالت حتى بقيت قسما من الليل. وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل ~~تشتت العدو تشتتا تاما، بعد أن استولى الجنرال بتي على المتاريس في ضوء ~~القمر. # لم يكن انكسار كامنسكي هذا إلا طليعة انكسارات جديدة عالجها في 24، 25، 26 من الشهر، في ~~ناسييلسك، وكوروسومب، ولوبا كزين، وكوليمن، ويولتوسك، وخسر فيها ثمانين مدفعا، وألفا ~~ومائتي ms196 مركبة، ومن عشرة آلاف رجل إلى اثني عشر ألفا. هكذا تحققت الآمال التي أعلن عنها ~~الجنرال الروسي بالاحتفال الباهر الذي أحياه في قصر سييروك. # في الخامس من كانون الثاني عام 1807 سلمت بريسلاو، التي أحرق المحاصرون ضواحيها وذهب ~~كثير من الأولاد والنساء طعاما للنار فيها. أما جيروم نابوليون فإنه أبلى بلاء حسنا في ~~تلك الموقعة الرهيبة بإنقاذ بعض ضحايا الحريق. لقد آثر الفرنسيون أن يرفضوا الحقوق الفظيعة ~~التي خولتهم إياها شرائع الحرب على أن يخرقوا الشرائع الإنسانية؛ فإنهم استقبلوا ~~الهاربين برحابة وكرم بدل أن يدفعوهم إلى المكان المحاصر الذي التهمته النار. كان ~~الإمبراطور قد عاد إلى فرسوفي في الثامن من كانون الثاني فاستقبل فيها سلطات المدينة، ~~والوزراء الأجانب، ووفدا من مملكة إيطاليا. ولكي يهيج حماسة كتائب معاهدة الرين كافأ ~~الفرقة الورتنبرجوازية، التي استولت على الكلوكو، بإرساله إلى ملك ورتنبرج قسما من ~~الأعلام التي غنمت في ذلك المكان، وعشرة أوسمة من جوقة شرف لتوزع على أبسل جنود تلك ~~الفرقة. # بقي العداء موقفا مدة عشرين يوما، ولكن في الخامس والعشرين من كانون الثاني عاد إلى ما ~~كان عليه؛ فإن برنادوت قاتل الكونتين باهللن وكالليتزن في موهر ونجن وشتت شملهما بعد أن ~~أسر منهما ثلاثمائة رجل وجرح ألفا ومائتين. # في أثناء ذلك تناهى إلى الإمبراطور أن حوادث كبرى قد جرت في القسطنطينية، وأن الروسيين ~~واليونان طردوا منها، ووضعت جائزة لكل من يجيء برأس إبزيلاني، وأن السلطان قد شهر ~~الحرب على روسيا. رأى نابوليون في استعداد الباب العالي ليس نجاح مداولته فحسب بل تأثير ~~الانتصارات السريعة التي نالها على سلطات الشمال، ولقد نجحت أيضا جهوده مع العجم التي ~~دفعها لتسبب عراقيل جديدة لروسيا على حدودها الآسيوية. # إن هذا الأمر المزدوج أدب الفخر والغبطة في قلب نابوليون فأشعر مجلس الشيوخ بأهميته، ~~وأصر على ضرورة صيانة استقلال السلطنة العثمانية كحاجز طبيعي في وجه هجمات السلطة ~~الروسية. # استلم الإمبراطور في مدة إقامته بفرسوفي عرض الحال الآتي: # يا صاحب الجلالة # إن ورقة عمادي يرجع عهدها إلى عام 1690؛ إذن ms197 فعمري اليوم مائة وسبع عشرة سنة. إني ~~لا أزال أذكر موقعة فيينا وعهد جان سوبييسكي. # كنت أعتقد أنه لن يتاح لي أن أشاهد عصر الإسكندر. # إن شيخوختي أورثتني عناية جميع الملوك الذين كانوا هنا، وإني لقد جئت أتوسل إلى ~~عناية نابوليون الكبير. # احي يا صاحب الجلالة أكثر مما حييت، إن مجدك ليس بحاجة إلى ذلك، ولكن سعادة ~~الجنس البشري تتطلبه. # ناروكي # فأسرع الإمبراطور إلى تحقيق رجاء هذا الشيخ، الذي رفع إليه هذا العرض الحال بيده، بأن ~~منحه معاشا سنويا قدره مائة ليرة ذهبية وأسلفه معاش سنة. # إن حوادث القسطنطينية أسخطت الإمبراطور إسكندر من غير أن توحي إليه الرغبة في إيقاف ~~العداء على الفيستول وإرسال قواته نحو الدانوب، بل إنه اغتنم فرصة وصول المدد الذي طلبه ~~من مولدافي حتى يطرد الفرنسيين من معسكرهم الشتوي ويستعيد القتال بأسرع ما يكون. أما ~~نابوليون فلما شعر باستعداد القيصر فرح فرحا شديدا، وأمر برنادوت بأن يمهد له السبيل ~~ويزحف إلى الجيش الروسي لكي يجتذبه إلى الجهة السفلى من الفيستول، ثم غادر فرسوفي وعقب إلى ~~مورافي فيللنبرج في الواحد والثلاثين من شهر كانون الثاني مساء. # في اليوم التالي زحف الجيش الفرنسي إلى ملاقاة الروسيين، فلما أدركهم في بسنهم تقهقروا ~~بسرعة ليتخذوا لهم مركزا في سوكتدورف. أما نابوليون، الذي تراءى له أنهم قد عولوا على ~~أن يستحكموا في ذلك المركز، فإنه مهد له مكانا بين الباسارج والأل مع حرسه، ~~والخيالة، والفرقتين الثالثة والسابعة، وعهد إلى المرشال سول بأن يستولي على جسر برغفرييد ~~لكي يتجاوز ميسرة العدو. فلما أدرك بنينكسون أهمية هذا المركز عهد بحراسة جسر برغفرييد إلى ~~اثنتي عشرة كتيبة من أبسل كتائبه. إلا أن شجاعة العدو لم تلبث أن سقطت أمام الشجاعة ~~الفرنسية؛ إذ استولي على الجسر بعد معركة هائلة ترك فيها الروسيون، عدا عن أربعة مدافع، ~~عددا كبيرا من القتلى والجرحى في ساحة القتال. # كان نابوليون قد نظم حركات جميع فرق جيشه بشكل أن يضرب بها الضربة القاضية، إلا أن ~~الصدقة قلبت قسما من خططه؛ ms198 فإن الضابط الذي عهد إليه بحمل أوامره إلى برنادوت سقط بين ~~يدي العدو. فاغتنم بنينسكون هذه الفرصة ليتجنب الأحبولة التي نصبها له نبوغ قائد الجيش ~~الفرنسي واختباره الناضج. # إن معركة برغفرييد التي حصلت في الثالث من شهر شباط إنما كانت، مع معارك واتردورف ودييبن ~~وهوف وبروسيك أيلو التي حصلت في الرابع والخامس والسادس من شباط، فاتحة يوم من أفظع ما ~~سطر التاريخ العسكري من الأيام الدامية. في السادس من الشهر استولي على كنيسة أيلو ~~ومدفنها بعد معركة دامية كابد فيها الطرفان أهوالا شديدة. وفي السابع منه، عند الصباح، بدأ ~~بنينكسون بالقتال بأن صوب مدافعه على مدينة أيلو # 2 # وأطلق منها قنابل عديدة، عند هذا حمي وطيس المعركة، وأتيح للمدفعية الفرنسية ~~بادئ ذي بدء أن تسبب أضرارا عظيمة للعدو الذي قاتله دافو من ورائه في حين كان أوجرو يوشك ~~أن ينقض على وسطه لو لم تهطل ثلوج كثيفة فتفرق الجيشين في الظلمة وتنقذ الروسيين من ~~ضربة قاضية. # تاه أوجرو بين ميمنة العدو ووسطه فأصبح بحاجة إلى سرعة إدراك الإمبراطور وحمية مورات في ~~التنفيذ لينجو من ذلك الموقف الخطر. # لنرجع إلى الخيالة الفرنسية؛ فإنها تمكنت بمعاضدة الحرس من الانقضاض على العدو على ~~حين غفلة، فكان كل من أراد أن يعترضها في سبيلها تصيبه ضربة قاضية، حتى قدر لها أن ~~تخترق الجيش الروسي مرات عديدة معملة فيه الموت والإرهاب. في أثناء ذلك كان المرشالان ~~دافو وناي يقتربان، أحدهما من وراء العدو، والآخر من ميسرته. أما بنينكسون، فلما رأى ~~أخريات جيشه معرضة للخطر، أراد أن يسترجع قرية شناديتن في الساعة الثامنة مساء ليمكن ~~فيها استحكامه، إلا أن الرماحة الروسية، التي عهد إليها بهذه المخاطرة، لم تلبث أن كسرت ~~شر كسرة وتفرقت شر تفريق، ولما كان غد انسحب الروسيون بعيدا عن بريجيل # 3 # تاركين ستة عشر مدفعا وجرحاهم في ساحة القتال. # كانت المذبحة هائلة رهيبة في يوم أيلو. جاء في المذكرة الثامنة والخمسين أن خسارة ~~الفرنسيين قد بلغت ألفا وتسعمائة قتيل وخمسة آلاف وسبعمائة جريح، ms199 وبلغت خسارة الروسيين ~~سبعة آلاف قتيل، إلا أن بعض المؤرخين يؤكدون أن هذا الإحصاء خطأ؛ إذ إن قتلى الفرنسيين ~~بلغوا ثلاثة آلاف وبلغ جرحاهم خمسة عشر ألفا. وأما الروسيون فقد قتل منهم ستة آلاف ~~وجرح عشرون ألفا. ولكن، كيف كان الأمر، فإن المعركة إنما كانت رهيبة هائلة لأن ~~الإمبراطور كان في الرسائل الثلاثة التي كتبها إلى جوزيفين يتذكر دائما تلك المعركة ~~بأسف شديد. قال: «حدثت أمس معركة كبرى كان النصر لي فيها إلا أني خسرت عددا كبيرا ~~من الناس. إن خسارة العدو، وإن كانت أعظم من خسارتي، إلا أنها لم تعزني ...» # وجاء في رسالته الثانية: «هذه البلاد ملأى موتى وجرحى ... إن النفس لتنقبض لدى رؤية هؤلاء ~~الضحايا ...» # تعود أعداء فرنسا، عندما يرون أنفسهم لم يقهروا بسهولة، أن يعتبروا نفوسهم قاهرين؛ ~~فمن الطبيعي إذن، بعد أن حملوا الفرنسيين في موقعة أيلو مثل ما تحملوا هم من الخسائر، ~~أن لا يقفوا عن القتال ويسلموا لشروط الصلح. لم تمر ثمانية أيام من غير أن يحدث نزيف دم ~~جديد؛ ففي السادس عشر من شهر شباط انحدر القائد أسن إلى أوسترولنكا على رأس خمسة وعشرين ألف ~~رجل وقاتل الفرقة الخامسة من الجيش الفرنسي التي يقودها الجنرال سافاري بمعاضدة القواد ~~أودينو، وسوشه، وغازان. ولقد قتل في تلك المعركة ابن سوارو الشهير وقيض النصر ~~للفرنسيين فيها. وفي اليوم نفسه نشر الإمبراطور نداء من أيلو جاء في آخره: «إننا، بعد أن أتلفنا جميع مقاصد العدو، سنقترب من الفيستول وندخل إلى ~~معسكراتنا، فمن يجرؤ على إقلاق راحتنا يندم؛ فسنكون كما كنا في مقربة من ~~الفيستول والدانوب، وسط برد الشتاء وأوائل الخريف، الجنود الفرنسيين، وجنود الجيش ~~الكبير.» # كان نابوليون يعتني كثيرا بتكريم البسلاء، فأمر بأن تذوب المدافع التي غنمت في ~~موقعة أيلو ويشيد بها تمثال للجنرال هوتبول، قائد الفرقة المدرعة الذي مات متأثرا من ~~جراح أصيب بها في تلك المعركة الهائلة. ولقد أثنى على الجنرال سافاري لما أتاه من ضروب ~~البسالة في أوسترولنكا # 4 # وقربه إليه، أما قيادة الفرقة الخامسة ms200 فقد عهد بها إلى مسينا. # بعد أن شهرت مواقع عديدة لم ينجم عنها نتائج تذكر كمواقع بترولد، ولينيو، وهلم جرا ~~استقر معسكر الإمبراطور في فنكستن في الخامس والعشرين من شهر نيسان. إلا أن الجيش الفرنسي ~~لم يلبث أن رقت حاشية حاله بعد تلك المواقع العديدة التي قاساها، فاضطر نابوليون إلى رديف ~~جديد لأن السلطات العدوة إنما كانت تصر على استمرار الحرب، ولم يكن من حق المنتصر أن ~~يتخلى بجبن عن ثمرة تلك المواقع العديدة التي قدر له الفوز فيها ويضع حدا للحرب بأن ~~يضحي بجميع مصالحه ومجده. # كان نابوليون يستشعر الصفح والحلم في جميع أعماله؛ فإنه بعد أن غرس علمه المنتصر في ~~برلين وفرسوفي قال لمجلس الشيوخ في رسالة 20 آذار 1807 المؤرخة من أوسترود ما يلي: «إننا ~~مستعدون أن ننهي مع روسيا بحسب الشروط نفسها التي أمضاها مداولها، والتي حاولت دسائس ~~إنكلترا ونفوذها أن تزجيها. إننا مستعدون أن نرجع الطمأنينة والسلام إلى تلك الملايين ~~الثمانية التي قهرتها جنودنا، وأن نعيد إلى ملك بروسيا عاصمته. ولكن إذا كانت جميع أدلة ~~التساهل هذه التي كررت مرارا عديدة لا تستطيع شيئا ضد غرور إنكلترا، وإذا لم تستطع ~~هذه الأمة أن تجد السلام إلا في إذلال فرنسا؛ فإننا إنما نحن مستعدون أن نلقي العار ~~واللوم على هذه الأمة التي تغذي جشعها بالدماء .» # كان الإمبراطور يعتقد أن مطاليبه الهادئة لن تقبل ما لم يجرد البروسيين من وسيلتهم ~~الأخيرة وهي دانتزيك، # 5 # وينتصر على الروسيين انتصارا جازما كانتصار يينا. هذه الفكرة المزدوجة كانت ~~توقظ انتباهه دائما. # بينما كانت آخر نجدة من نجدات المملكة البروسيانية تتلاشى في دانتريك، كانت المفاوضات في ~~شأن السلام تدور بين الروسيين والفرنسيين، إلا أن الوزارة الإنكليزية «الديوان الإنكليزي» ~~كانت ترغب في إطالة الحرب؛ إذ إن التعب والخسائر التي يقاسيها حلفاؤها لم تكن لتهمها بشرط ~~أن يقيض لها إهلاك فرنسا وملاشاتها، وكان الإمبراطور إسكندر لا يزال سهل الانقياد ~~للإنكليز؛ إذ إنه لم يكن نكب بكسرة من تلك الكسرات التي تعود نابوليون أن ms201 يوقف بها ~~الحرب عند حد، ففي الخامس من شهر حزيران بدأ الجيش الروسي بالقتال وحمي عقيب ذلك وطيس ~~العداء! # كان جسر سباندين غاية الروسيين من هجومهم الأول، فحاولت اثنتا عشرة كتيبة أن تستولي عليه، ~~إلا أنها أرجعت عنه سبع مرات إرجاعا مقهورا، وانتهى بها الأمر إلى الانكسار، ثم عقب ~~ذلك موقعة أخرى على جسر لوميتن كان حظها مثل حظ الأولى وقتل فيها القائد الروسي. وفي ~~اليوم التالي حصلت موقعة هائلة في ديبن خسر فيها الروسيون ألفي قتيل وثلاثة آلاف جريح. ~~أما انتصار الفرنسيين فقد عزي في نشرة علنية، إلى حنكة المرشال ناي ونبوغ قائد الفرقة ~~مرشان، وفي الرابع عشر من حزيران التقى الجيشان في فرييدلان في الساعة الثالثة من الصباح ~~ودوت أفواه المدافع. قال نابوليون: «إنه ليوم سعيد فهو تذكار مارنغو.» # بدأ المرشالان لان ومورتيه بإطلاق النار تدعمهما جنود غروشي ونانسوتي. وفي الساعة الخامسة ~~من المساء عزم نابوليون أن يستولي بسرعة على مدينة فرييدلان، وما هي إلا نصف ساعة حتى هجم ~~المرشال ناي، وهجم في الوقت نفسه الجنرال مرشان شاهرا حسامه ومتجها نحو حرس المدينة، ~~وأقبل القائد ديبون بفرقته وجرت موقعة هائلة كان النصر فيها للفرنسيين الذين استولوا على ~~فرييدلان بعد أن قتلوا من الروسيين خمسة عشر ألفا وجرحوا خمسة آلاف بينهم ثلاثون قائدا. ~~كتب نابوليون إلى جوزيفين يقول لها : «لقد احتفل أولادي بذكرى موقعة مارنغو احتفالا باهرا، ~~فستكون موقعة فرييدلان خالدة في سماء التاريخ، كما هي موقعة مارنغو؛ إذ إنها أخت جديرة ~~بمارنغو وأوسترلتز ويينا.» # لم يكد نبأ هذا الانتصار يصل إلى كنيكسبرج حتى خف الروسيون والبروسيون بإخلاء المكان، ~~وفي السادس عشر من شهر حزيران دخله المرشال سول فوجد فيه أشياء لا تحصى من المئونة، ومائة ~~وستين ألف بندقية جاءت مؤخرا من إنكلترا، وعشرين ألف جريح. وفي التاسع عشر منه أخذ ~~الإمبراطور أركان جيشه إلى تلسيت. # في الواحد والعشرين من حزيران عقد القيصر وملك بروسيا هدنة مع الإمبراطور نابوليون الذي ~~وجه في اليوم التالي النداء الآتي إلى جيشه: # أيها ms202 الجنود # لقد وصلنا من شواطئ الفيستول إلى مياه نييمن بسرعة النسر، ولقد احتفلتم بذكرى ~~موقعة مارنغو التي وضعت حدا لحرب العصبة الثانية، كما احتفلتم بذكرى التتويج في ~~أوسترلتز. # أيها الفرنسيون، لقد كنتم جديرين بكم وبي، إذن فستدخلون إلى فرنسا رافعي الجبين ~~بعد أن نلتم سلاما مجيدا يحمل معه ضمان بقائه. # أما أسس هذا السلام فقد وضعها الأمراء الثلاثة في مقابلة جرت بينهم على شاطئ ~~النييمن. # في الخامس والعشرين من شهر حزيران، الساعة الواحدة بعد الظهر، اتجه نابوليون يصحبه ~~مورات وبرتيه وديروك وكولنكور على مركب إلى وسط هذا النهر حيث نصبت بضع سرادق لاستقبال ~~الإمبراطورين وملك بروسيا، وفي الوقت نفسه كان إسكندر متجها من الشاطئ الآخر يصحبه ~~الغرندوق قسطنطين والجنرال بنينكسون والجنرال أوفاروف والأمير لابانوف والكونت ده ~~لييفن. # وصل المركبان في وقت واحد، فلما وضع إسكندر ونابوليون قدماهما على أدراج السرادق أسرعا ~~بإعطاء الجيشين المعسكرين على شاطئ النهر إشارة الصلح بأن ترامى كل منهما بين ذراعي ~~الآخر، ثم صرفا بضع ساعات منفردين حتى إذا ما انتهت المقابلة عاد كل منهما إلى ~~معسكره. # وفي اليوم التالي جرت مقابلة أخرى في سرادق نييمن حضرها ملك بروسيا، وبقي الأمراء الثلاثة ~~بضعة أيام يتناوبون الاحتفالات حتى خيل أن الصداقة الحرة قد حلت محل العداوة، التي ~~كثيرا ما كانت سببا لهرق الدماء، ولقد شرب نابوليون في إحدى الولائم نخب ملكة بروسيا ~~التي تناولها مرارا عديدة بكلام سيئ في مذكراته. # وصلت هذه الأميرة إلى تلسيت في السادس من شهر تموز، وفي الساعة الثانية بعد ظهر هذا ~~النهار زارها نابوليون فألحت عليه بأن يجعل شروط الصلح خفيفة الوطأة على تاجها، إلا أن ~~جميع ميزات الإغراء التي وهبتها إياها الطبيعة والثقافة لم تستطع أن تغير شيئا من العزم ~~الذي اتخذ قبل مجيئها، ففي الثامن من الشهر وقعت معاهدة الصلح واعترف لفرنسا فيها ~~بممالك السكس، وهولانده، ووستفالي، ودوقية فرسوفي الكبرى التي دخلت في معاهدة الرين التي ~~سمي نابوليون «صائنا» لها على يد سلطات الشمال الكبرى، والتي وضعت هذه المعاهدة ~~خصيصى ms203 ضدها. # قبل أن يغادر نابوليون تلسيت أحضر إليه أبسل جندي في الحرس الإمبراطوري الروسي، ومنحه ~~النسر الذهبي من وسام جوقة الشرف عربون احترامه لهذه الفرقة. # في التاسع من شهر تموز، الساعة الحادية عشرة صباحا، زار نابوليون إمبراطور روسيا الذي ~~كان على رأس حرسه وواضعا وسام جوقة الشرف الأكبر. بعد أن صرف الاثنان ثلاث ساعات معا ركبا ~~جوادين وسارا على شواطئ النييمن، حيث أبحر الإسكندر، وبعد وقت قصير زار ملك بروسيا ~~إمبراطور الفرنسيين فرد له هذا الزيارة ثم ذهب إلى كنيكسبرج. # | الفصل الرابع عشر # لم يقف نابوليون طويلا في عاصمة بروسيا القديمة، بل غادرها في الثالث عشر من تموز ووصل ~~إلى دريسد في السابع عشر منه، يرافقه ملك السكس، الذي أقبل إلى ملاقاته في بوتزن التي هي ~~على حدود ولاياته. وفي السابع والعشرين كان نابوليون قد عاد إلى سن كلود فخف مجلس الشيوخ، ~~والفرقة التشريعية، والتريبونه، وأعضاء محكمة التمييز، والإكليروس، والمجلس البلدي، وجميع ~~السلطات المدنية والعسكرية يضعون تهانئهم على قدمي الأمير المنتصر. # أراد الإمبراطور أن يفتح عهد عودته بوعود ومكافآت، فمنح لقب عضو في مجلس الشيوخ كلا من ~~القائدين كلن وبومون، والعالمين كوره وفابر، وأسقف تورين وأحد شيوخ صلح باريس السيد ~~ديبون، أما أمير بنيفان، تلليران فقد سمي «نائب منتخب كبير» ومنح أمير نوشاتيل، برتيه ~~لقب «كونيتابل صغير». # في الخامس عشر من شهر آب، وهو يوم عيد نابوليون، اتجه الإمبراطور باحتفال كبير إلى ~~كاتدرائية نوتردام حيث تليت الذبيحة إكراما لصلح تلسيت. # ولقد أقبل وفد من مملكة إيطاليا يجمع تهانئه إلى تهانئ فرق الإمبراطورية فسر نابوليون ~~سرورا عظيما فقال: «لقد شعرت بسرور عظيم في أثناء الموقعة الأخيرة من التصرف المجيد ~~الذي تصرفته كتائبي الإيطالية. هي المرة الأولى التي أظهر فيها الإيطاليون أنهم جديرون ~~بأن يلعبوا دورا شريفا على مسرح العالم الكبير، وأرجو أن أقوم بجولة في ولاياتي الإيطالية ~~قبل حلول الشتاء.» # في السادس عشر من شهر آب افتتحت الفرقة التشريعية جلستها الأولى، فألقى نابوليون كلمة ~~خالدة أتى فيها على عظمة فرنسا بإيجاز ms204 كلي، قال: «لقد شعرت بنفسي فخورا بأن أكون الأول ~~بينكم.» إلا أنه، يا للأسف، إزاء هذه الكلمات الطافحة بالنبل ترك سبيلا للألقاب ~~الأريستوقراطية التي خلقها لتغذي الجشع في بعض النفوس، ولقد زعم أنه يريد بذلك أن يحول ~~بين عودة الألقاب الإقطاعية التي لا تتفق ونظمه الجديدة. # أعلن نابوليون في خطاب الافتتاح عن تعديلات في الشرائع التنظيمية، وما عتم الأمر أن ألغى ~~«التريبونه» من غير ما سبب موجب لذلك. فما كان من أعضاء هذا المجلس إلا أن أظهروا ~~تجلدا غريبا، وأثنوا على اليد التي أهوت إليهم بالضربة، مؤكدين لفرنسا أن إلغاء ~~مجلسهم لا يسيء إلى الحرية الوطنية بل يمحو وهما من أوهام التنظيم في الأمة. ولقد غير ~~الإمبراطور بعض التغييرات في تنظيم الفرقة التشريعية، ومن هذه التغييرات أن عضو هذه الفرقة ~~لا ينبغي أن يكون دون الأربعين سنا. أما القانون التجاري فقد قرر في تلك ~~الجلسة. # كانت الحرب لا تزال مشتعلة في الشمال بين فرنسا والسويد. في السابع عشر من آب استولى ~~الفرنسيون على مدينة سترالسند، وفي الثالث من شهر أيلول سلمت جزيرة روجن، وتم انكسار ~~الجيش السويدي، إلا أن ملك السويد لم يبرح منضما إلى الاتحاد الإنكليزي. # لم ينظر نابوليون من غير حزن إلى البلطيك منفتحا أمام العلم البريطاني، وإلى بلاط ~~ستوكهولم متمردا على الحصار البري، إلا أنه كان هناك مملكة أخرى لم تزل علاقاتها ~~المستمرة مع إنكلترا تضاد المبدأ الفرنسي أكثر من غيرها ألا وهي مملكة البرتغال، ثم إن أسرة ~~براغانس، المتفقة بمصالحها التجارية وتقاربها السياسي، لم تجد بدا من النزول في أمرها ~~على الرضوخ لجميع تطلبات المجلس الإنكليزي ولكنها تظاهرت بالعداء لبريطانيا العظمى لتخدع ~~نابوليون. # لم يلبث الأمر حتى انكشفت تلك الخيانة المستترة، فوشى بها نابوليون لأوروبا جمعاء، وأرسل ~~فرقة من الجيش إلى البرتغال تحت قيادة جونو بعد أن تذاكر مع بلاط مدريد (البلاط النمسوي) ~~بشأن مرور الكتائب الإمبراطورية إلى جهات إسبانيا. # بينما كان جونو متجها نحو «التاج» كان نابوليون يهيئ العدة لزيارة شواطئ البو ~~والأدرياتيك مرة أخرى. ms205 وقبل سفره، تقبل زيارة سفير العجم، الذي جاء إلى باريس حاملا إلى ~~الإمبراطور هدايا نفيسة بينها سيفا تمرلان وتماس خولي خان. # في السادس عشر من شهر تشرين الثاني عام 1807 غادر نابوليون باريس ووصل إلى ميلان في ~~الواحد والعشرين منه. وبعد أيام قلائل دخل الحرس الإمبراطوري عاصمة النمسا دخولا ~~مظفرا، فملك الفرح قلوب السلطات الباريسية، فعزمت أن تقيم له عند عودته مهرجانا ~~عظيما في الأوتيل ده فيل (دار الحكومة) وتهيأ مجلس الشيوخ للاحتفال به في قصر مجلس ~~الشيوخ نفسه. # لم يبق نابوليون طويلا في ميلان بل سافر إلى البندقية، فوصلها في التاسع والعشرين من ~~شهر تشرين الثاني، وهو اليوم نفسه الذي استولى فيه جونو على إيرنتيس # 1 # بعد أن اجتاز إسبانيا. وفي اليوم التالي دخل الجيش الفرنسي مدينة ليسبون التي ~~هجرتها الأسرة المالكة لتلجأ إلى الأسطول الإنكليزي ثم تنزوي في البرازيل. # بعد أن جال نابوليون في الولايات البندقية ولومباردي والتقى في مانتو بأخيه لوسيان، الذي ~~كان يريد أن يزوج ابنته من أمير إستوري، # 2 # عاد إلى عاصمة مملكته إيطاليا، ونشر جملة تقارير منح فيها نائب الملك أوجين ~~بوهارنه لقب أمير البندقية، ولقب أميرة بولونية لابنته جوزيفين، أما ملزي، وهو رئيس سابق ~~للجمهورية السيزالبينية فقد منح رتبة دوق ده لودي. # بعد أن أشار الإمبراطور بتلاوة هذه الفتاوى على مسمع من الفرق التشريعية الإيطالية أخذ ~~الكلام هو نفسه فقال: «لا يمكنكم أن تتصوروا أي فرح عظيم يستولي علي إذ أراكم تحفون ~~بعرشي. إنني لأغتبط أن ألاحظ، بعد غياب ثلاث سنوات، أية خطوة من خطى الرقي، عملتها ~~شعوبي، ولكن كم من أعمال لا تزال بحاجة إلى القيام بها لمحو ما ارتكبه آباؤنا من ~~الهفوات، وبلوغ الأوج الذي يؤهلكم للحظوظ التي أعدها لكم! # إن الانشقاقات الأهلية التي سببها أجدادنا هيأت إتلاف جميع حقوقنا. لقد هوى الوطن عن ~~أوجه واستحقاقه بعد أن حمل بعيدا شرف الجندية وبريق الفضائل، ولكني سأقف مجدي لإرجاع تلك ~~الفضائل وذلك الشرف.» # حلت هذه الكلمات محلا جميلا في نفوس النواب الإيطاليين. ms206 # كانت هناك تدابير جديدة تثبت انتباه الإمبراطور مدة إقامته بإيطاليا، إذ كانت التوسكان ~~والسفارات مهيأة لأن تكون جزءا من الإمبراطورية الفرنسية. بعد أن هيأ نابوليون جميع ~~الوسائل لهذا الاتحاد أخذ طريق فرنسا. وفيما هو يجتاز الألب، توقف فترة من الوقت في ~~شانبري، حيث كان ينتظره فتى في مقتبل العمر ليسأله الإفراج عن أمه المنفية؛ كان هذا ~~الفتى السيد ده ستال ابن الكاتبة الشهيرة مدام ده ستال، فاستقبله الإمبراطور بترحاب عظيم ~~إلا أنه أظهر قساوة شديدة نحو ابنة نيكر، # 3 # ونيكر نفسه، وقال له: «لا بد لأمك أن تكون مسرورة بوجودها في فيينا فسيتاح ~~لها هناك أن تتعلم اللغة الألمانية ... إنني لا أقول لها: إنها امرأة رديئة، فهي ذات روح، ~~ولكنه لا حد له فضلا عن أنه متمرد وعات ... لقد نشأت في ظلمات الملكية التي تتهدم ~~وتنهار وفي الثورة أيضا، وكل هذا خطر جدا؛ إذ إنها قد تخلص إلى خلق دخلاء ~~ومتعصبين، إذن فينبغي أن أسهر عليها وأراقبها. إن أمك لا تحبني، وهي تسعى جهدها إلى ~~العودة لباريس لتكون علما في ضاحية سن جرمين. ليست حكومتي حكومة سخافات فليعلم الجميع ~~ذلك!» فاعترض دي ستال الفتى على ما جاء بحق أمه ثم قال: «قال لي البعض: إن مؤلف جدي ~~الأخير هو الذي دفعك إلى مقت والدتي، أما أنا فأوكد لجلالتك أن الكتاب لم يؤثر فيها ~~أقل تأثير.» # فأجابه الإمبرارطور: «بل إنه أثر كل التأثير. لقد كان جدك رجلا ~~مجنونا، معتوها؛ فإنه، وهو في الستين من عمره، حاول أن يهدم تنظيماتي بخطط تنظيمات ~~جديدة عملها هو. إن الدول لفي حاجة إلى رجال مثل جدك يديرون شئونها، إنهم لمجانين هؤلاء ~~الذين يدينون الرجال في الكتب والعالم على «الخارطة»! ... ألا إن الاقتصاديين إنما هم أدمغة ~~مجوفة تحلم بخطط مالية، في حين أنها غير جديرة بأن تتمم وظيفة جاب في آخر قرية من ~~إمبراطوريتي. وقصارى الكلام أن مؤلف جدك إنما هو عمل رجل عنيد مسن مات وهو يكرر ~~الأقوال المضجرة على مسامع الحكومات.» عند هذا حزن ms207 حفيد نيكر فقاطع الإمبراطور بقوله إن ~~جلالته، ولا شك، أخذ هذه النظريات في الكتاب من قوم أردياء، وإنه لم يقرأه بنفسه لأن ~~المؤلف يأتي على ذكر نبوغ نابوليون بكلام صريح. فقال له الإمبراطور بحدة: «إنك لفي ~~ضلال، فلقد قرأته من أوله إلى آخره ... أجل! إنه يأتي على ذكري بكلام طيب إذ إنه يدعوني ~~بالرجل الضروري! ولكنه يرى من الضروري أن يقطع عنق هذا الرجل الضروري! أجل، لقد كنت ~~ضروريا لمحو هفوات جدك التي ارتكبها بحق فرنسا ... إنه إنما هو الذي عمل الثورة! ... أما ~~الآن فقد انتهى حكم المفسدين، وإني لأريد الطاعة المطلقة! ... احترموا السلطة لأنها تأتي من ~~الله ... إنك لا تزال فتى، فلو كانت لك خبرتي لكنت ترى الأشياء بعين غير العين التي تراها ~~بها الآن! ... إلا أن صراحتك راقتني جدا ... فإني أحب أن يأخذ الولد الدفاع عن أمه ... ~~ولكني لا أريد أن أمنحك رجاء كاذبا، إذن فلا أستطيع أن أنيلك شيئا.» # عند هذا انصرف السيد ده ستال، فالتفت نابوليون إلى ديروك وقال له: «ألم أكن قاسيا مع هذا ~~الشاب؟ ... ولكن لا بأس، فلن يجيئني بعد ذلك من هو مثله ... إن هؤلاء الناس يعيبون كل ما ~~أعمل ... لأنهم لا يفهمونني.» # وصل نابوليون إلى باريس في اليوم الأول من شهر كانون الثاني سنة 1808، وبعد أن مكث ثلاثة ~~أيام زار الرسام الشهير دافيد في معمله، تصحبه قرينته جوزيفين؛ ليتفرج على صورة ~~التتويج، وفي الشهر نفسه وضع نظما نهائية لبنك فرنسا فليسنك # 4 # ومقاطاعاتها إلى الإمبراطورية، أما مصير البورتغال فلم يكن قد تقرر بعد. ~~فالبرغم من أنها كانت خضعت للجيش الفرنسي، لم يشأ نابوليون أن يقرر شيئا جازما لهذه ~~المملكة فاكتفى بتنظيم حكومة موقوتة فيها وضع على رأسها جونو وأعطاه لقب حاكم عام. وفي الغد ~~منح اللقب نفسه لصهره أمير بوركيز على المقاطعات التي هي ما وراء الألب. # في ذلك العهد أدت الجامعة الوطنية واجبا مهما، كان الإمبراطور قد عهد به إليها، في ~~ظرف من تلك الظروف التي تنعتق فيها روح الرجل من ms208 عظمة العروش لتتجرد إلى الأعمال الكبرى، ~~التي من شأنها أن ترفع مستوى الشعوب أخلاقيا وعلميا وفنيا، فلقد أدت كل من فرق ~~هذه الجامعة الثلاث ملخصا عن نتائج المعارف البشرية التي كانت موضوع أعمالها الخاص، ~~فاللائحة التاريخية اعتنقت العلوم والفنون والآداب منذ سنة 1789. سرد شينيه أعمال الفئة ~~التي كانت تمثل المجمع العلمي الفرنسي القديم، وعرض ديلمبر وكوفيه نتائج العلوم الطبيعية ~~والرياضية، وتكلم داسيه باسم هذه الفئة من الجامعة التي تؤلف اليوم مجمع المخطوطات ~~والآداب، وعرض لبرتون ملخص أعمال فئة الفنون الجميلة. إن عمل الجامعة سيبقى مثالا لعظمة ~~الشعب الذي لم تمنعه اضطرابات الحروب الأهلية وتعاقب الحروب الخارجية عن الاهتمام ~~بالعلوم والآداب والفنون، في حين أن أوروبا والعالم أجمع، كانا يظنانه شعبا عسكريا ~~صرفا. # كان لم يبق للثورة الفرنسية أن تقاتل إلا في شمالي أوروبا، إلا أن الجنوب كان قد ~~قمع قمعا من غير أن يتوب، وكان نابوليون يعلم كل العلم أن الوزارة الإسبانية إنما كانت ~~مهيأة، كالوزارة النمسوية، لتنضم إلى بروسيا وروسيا وإنكلترا عندما جاءت موقعة يينا ~~فخدعت آمال العصبة الثلاثية. في ذلك الحين أذاع أمير السلام غودوي نشرة كشفت طوية الإسكوريال # 5 # وقضت على حكومة كارلوس الرابع، حتى إنه لم يجد بدا من النزول عندئذ عند ~~جميع مطاليب نابوليون ليغفر له تلك الاستعدادات العدائية التي اتهم بها. # كان نابوليون يسعى إلى إنزال إسبانيا على المبدأ الفرنسي لأنها، وهي محاطة ببحرين وعلى ~~رأسها أحد البوربونيين، إنما كانت عرضة للحث على الوقوف في وجه فرنسا، فلم يلبث أن ~~قرر عزمه على احتلال مقاطعات هذه المملكة احتلالا عسكريا. # أعطيت فرق تنقيب الجيروند البيرينه أوامر للسير إلى الأمام، فدخل المرشال مونساي ~~المقاطعات الباسكية، وأقام ديبون بفاللادوليد، وولج دوهيم كاتالونيه، كان في ذلك الحين ~~سبعون ألفا من الفرنسيين في شبه الجزيرة ما عدا فرقة جونو، ولقد دخلت هذه الكتائب الأماكن ~~المحصنة من غير مقاومة البتة. # لو لم يشأ الإمبراطور إلا ضمانا قويا من بلاط مدريد ليتثبت من إخلاصه للعصبة ~~الفرنسية لكفاه احتلال هذه الأماكن الحصينة، ms209 على أن موقف إسبانيا الداخلي، والحوادث الأهلية ~~التي طرأت على قصر الإسكوريال غيرت خطته القديمة، وهيأت له أن يضم الأمة الإسبانية ~~إلى الشعب الفرنسي. # كانت مملكة كارلوس الخامس (شرلكان) في ذلك الوقت على أهبة الاضمحلال؛ إذ إن الأسرة ~~المالكة إنما كانت على خطوة من السقوط، وكان دم لويس الرابع عشر يتلطخ أمام العالم، وعشيق ~~الملكة قد استحال إلى صفي الملك وجلاد إسبانيا، كان غودوي سائدا السيادة كلها في ذلك ~~الحين، قال أحد الكتبة الموالين للبوربون: «لقد كان نفوذه على الأسرة المالكة نفوذا لا ~~حد له، وكانت سلطته سلطة سيد مطلق. أما خزائن أميركا فقد كانت طوع أمره ينفقها في سبل ~~غير قويمة، حتى لقد حول بلاط مدريد إلى مكان من تلك الأماكن التي قادت إليها عروس جوفنال # 6 # الساخطة والدة بريتانيكوس.» # 7 # كانت العناية الإلهية قد تخلت عن مملكة بيلاج ملك الإستوري، كما تخلت عن عرش كلوفيس ~~قبل ذلك بقرن، فلم يبق طابع الانحطاط آثار الزيت المقدس على الجباه المحطمة تحت ثقل ~~التاج المثقل بالرذائل والعار، إلا أن الملكية لم تقاس وحدها لطمات العجز والقصور؛ فإن ~~الأشراف والإكليروس، الذين كانوا الدعامة القوية للسلطة المالكة في أيام عظمتها، قد شاطروها ~~بؤس الشيخوخة وعجزها. عند ذلك شعر نابوليون بدافع يدفعه إلى أن يدق جرس الحزن في ذلك ~~المأتم الرهيب! # لم يكن في بادئ الأمر قد فكر في سوى التثبت من إخلاص حليفة مشبوهة، إلا أنه لما رأى ~~الأسرة المالكة تحفر قبرها بظلفها، والشعب يهيج هياجا مخيفا، وكارلوس الرابع وفرديناند ~~يتوسلان إليه الواحد ضد الآخر ليمنحهما عضد فرنسا، خيل إليه أنه يستطيع أن يستفيد في ~~إسبانيا من غير طريق الاستيلاء على الحصون، وأنه قد حانت ساعة تغيير وجه تلك البلاد النبيلة ~~وضمها إلى إمبراطوريته بنشر الأفكار الفرنسية في مدريد، إن باسم كارلوس الرابع، أو باسم ~~فرديناند أو غيرهما حسب ما يقع اختياره، فوجه لهذه الغاية المرشال بسيير على رأس خمسة ~~وعشرين ألف رجل إلى المقاطعات الباسكية ليعضد هناك مونساي وديبون، وأعطى قيادة الحملة ms210 ~~لمورات الذي أخذ أركان جيشه إلى بورغوس في أوائل شهر آذار. # لم يكد الشعب يعرف بدنو الفرنسيين من مدريد حتى صرخ «يا للخيانة!» فلم يجد البلاط بدا ~~من الهرب إلى إرنجويز. أما غودوي، الذي صور له في بادئ الأمر أنه خدع نابوليون، فلم يلبث ~~أن شعر بضياع آماله فنصح كارلوس الرابع بأن ينهج نهج أسرة براغانس وأن ينزوي في أميركا ~~الإسبانية. لم يكن الملك يحسن إلا الامتثال لصفيه فعزم على الذهاب إلى إشبيلية بأسرع ما ~~يمكن، إلا أن عدد السفر أسخطت كبرياء الإسبانيين واشتدت وطأة المقت لأمير السلام؛ ففي ~~السادس عشر من شهر آذار انفجر الغضب الوطني وهجمت الجماهير الساخطة على قصر أرنجويز طالبة ~~رأس غودوي. وما هي إلا ساعات قصيرة حتى أحرق قصر الصفي، ولو لم يختبئ هو نفسه في أحد ~~الأقبية لما سلم من موت محقق. أما كارلوس الرابع، الذي كان قد حاول أن يهدئ حدة ~~الشعب بقوله له: إن أمير السلام قد عزم أن يستقيل من جميع وظائفه، فلم يجد بدا من تنازله ~~عن حقه الملكي، ثم نشر إذاعة عمومية أعلن فيها تخليته عن العرش لأمير إستوري الذي اتخذ ~~عقيب ذلك لقب فرديناند السابع، وافتتح عهد ملكه بحجز أملاك غودوي الذي ألقي في أحد السجون ~~لينتظر محاكمة الملك إياه. # لم تكد ضجة هذه الحوادث تصل إلى بورغوس حتى أسرع مورات بالزحف إلى مدريد، التي دخلها في ~~الثالث والعشرين من شهر آذار، على رأس ستة آلاف رجل من حرس ديبون وفرق مونساي. ولما كان ~~من غد ترك فرديناند السابع قصر أرنجويز ليدخل إلى عاصمة إسبانيا، عند هذا تبدل السكون ~~المظلم، الذي استقبل الفرنسيين قبل ذلك، بفرح عظيم لدى قدوم الملك الجديد، وتدفق الشعب ~~جميعه لملاقاته وتحية الأمير الذي أنقذه من نير غودوي الظالم. # أما مورات فأرسل موفدا إلى كارلوس الرابع ليطمئنه إلى حمايته، ولكن الملك القديم لم ~~يفكر في بادئ الأمر بسوى إنقاذ صفيه قائلا: «إن ذنب غودوي إنما هو تعلقه بي مدة ~~حياته، وإن موت صديقي المسكين ms211 سيكون سببا لموتي أنا أيضا.» فلم يجد مورات عند ذلك بدا ~~من إعادة غودوي إليه. # أرسل أمير إستوري إلى نابوليون كتابا يظهر له فيه شكره العظيم على إصعاده إلى العرش، ~~ويطلب إليه وضع سلطته الناشئة تحت عضد الاتفاقية الفرنسية؛ فأدرك نابوليون إذ ذاك أن أمير ~~إستوري إنما هو عاجز عن القيام بما يدعو إليه الملك، إلا أن طبائع الشعب الإسباني كانت ~~توحي إليه خوفا وريبة فكتب إلى مورات في التاسع والعشرين من شهر آذار يقول: «لا تعتقد أنك ~~لا تحتاج إلا جيوش وكتائب لتقمع إسبانيا وتضعها تحت سلطتنا؛ فإن ثورة عشرين آذار إنما ~~جاءت أكبر دليل على أن الإسبانيين شعب له جرأته وحماسه ... ثم إن الأريستوقراطية والإكليروس ~~هم أسياد إسبانيا، فإذا مست امتيازاتهم أو خشوا عليها لا يلبثون أن يشهروا علينا حربا ~~عوانا ... إن في إسبانيا اليوم أكثر من مائة ألف رجل تحت السلاح، وهذا لعمري فوق ما تحتاج ~~إليه دولة للوقوف في وجهنا ورمي نواة ثورة داخلية في قلب الملكية ... وها أنذا أعرض أمامك ~~جملة العوائق التي لا تلافى ولا سبيل إلى تجنبها؛ إن إنكلترا لن تدع هذه الظروف تفلت من ~~يدها فهي سوف تستفيد منها لتضاعف عراقيلنا ... وبما أن الأسرة المالكة لم تغادر إسبانيا ~~لتستوطن في الهند، فلم يبق هناك سوى ثورة تستطيع أن تقلب وجه هذه الأمة، وقد تكون ثورة ~~أوروبا التي هي أقل استعدادا من غيرها ... أما أنا فإنني أستطيع أن أفيد إسبانيا إفادة ~~كبرى، ولكن ما هي الوسائل لبلوغ ذلك؟ ... # أأذهب إلى مدريد؟ ... لقد تبين لي أنه من الصعب إصعاد كارلوس الرابع إلى العرش؛ لأن الشعب ~~نزع ثقته من حكومة هذا الملك وصفيه غودوي إلى درجة أنه أصبح من المؤكد أنهما لا يدومان ~~ثلاثة أشهر. # إن فرديناند عدو فرنسا، ولهذا السبب جعلوه ملكا ... ثم إن جلوسه على العرش يساعد ~~التحزبات التي لم تزل تعمل منذ خمس وعشرين سنة على إضعاف فرنسا وملاشاتها ... أما أنا ~~فأعتقد أنه لا ينبغي لنا التهور في شيء وأنه من الحكمة ms212 أن نسترئي الحوادث التي ستتوالى ... ~~لقد أعطيت سافاري أمرا بملازمة الملك الجديد لمعرفة ما يجري هناك، وسيتداول وجلالتك ~~الملكية ... ستعملان معا بنوع أن لا يشعر الإسبانيون بالخطة التي سأتخذها. وهذا غير صعب ~~عليكما فستقولان لهم إن الإمبراطور يرغب في تكميل تنظيمات إسبانيا السياسية لتماشي تنظيمات ~~أوروبا ... وإن إسبانيا لفي حاجة إلى خلق حكومة ثابتة وإيجاد نظم تضمن الوطنيين ~~الاختياريين وتعديات الإقطاعية، إلى إيجاد نظم تنعش الصناعة والزراعة والفنون. ~~ستصوران لهم حالة الهدوء والنعمة التي تتمتع بها فرنسا، بالرغم من الحروب التي مرت ~~عليها، وازدهار الدين الذي يعود الفضل في توطيده إلى الاتفاقية التي أمضيتها والبابا. ~~وستبينان لهم الفوائد التي يستطيعون أن ينالوها من تجديد سياسي، وهي النظام والسلام في ~~الداخل، والرعاية والعظمة في الخارج. هذا هو الروح الذي يجب أن تبثاه في جميع الخطب ~~والمناشير التي ترسلانها ... لا تتعجلا خطة من الخطط ... ولا تفكرا في مصالحكما ~~الشخصية فأفكر فيها أنا ... إذ إنه إذا شهرت الحرب خسرنا كل شيء ... فإن مقدرات إسبانيا ~~إنما تتوقف على السياسة والمداولات دون غيرها.» # أراد نابوليون، قبل أن يقف عند عزم، أن يشاهد عن كثب مجريات الأحوال ويجس بنفسه الموقف ~~الخطير، فغادر باريس في اليوم الثاني من شهر نيسان ووصل إلى بوردو في الرابع منه، حيث بقي ~~ينتظر جوزيفين التي وافته في اليوم العاشر. # اتجه الاثنان معا إلى بايون، التي وصلاها في الخامس عشر من الشهر الجاري، فسكنا بعض أشهر ~~قصر ماراك الذي كان معدا ليشهد أعظم حادث سياسي في ذلك العهد. وفي اليوم التالي خف ~~نابوليون للرد على أمير إستوري مؤجلا حكمه في معنى اعتزال كارلوس الرابع، فلم يمنح ~~الابن إلا لقب «جلالة ملكية»، وحدثه عن الخطر الذي يحيط بالأمراء، وعن الانتحار السياسي ~~الذي يرتكبه والعار المعيب الذي يلطخ به جبينه إذا هو انقاد إلى الحط من كرامة أمه ~~برفعه دعوى فضاحة على الصفي غودوي. وفي ختام الكتاب أظهر الإمبراطور رغبته في مقابلة ~~خصوصية؛ إذ إن درس الأشخاص عن كثب، إنما كان ضروريا له؛ ليوقفه ms213 عند حقيقة صريحة. # لو هربت الأسرة المالكة إلى المكسيك لسهل الأمر وكان من الهين تجديد النظام في إسبانيا، ~~ولكن بما أن الأمر كان عكس ذلك، وبما أن الفتنة كانت هي المنتصرة، أصبح من الطبيعي وجود ~~ملكين بدلا من واحد ومن الضروري الفض بينهما. # تردد أمير إستوري بادئ ذي بدء بالنزول عند رغبة نابوليون؛ إذ إنه بينما كان بعض ~~مستشاريه ينذرونه بالخطر الذي يحدق بهذه المقابلة، كان البعض الآخر يشعرونه بوجوب الإسراع ~~لمقابلة الإمبراطور وسبق والده إليها؛ ولكن ما عتم الأمر حتى اقتنع فرديناند بالرأي الأخير، ~~فترك مدريد ينازعه عاملا الريبة والإيجاس، واتجه نحو حدود فرنسا، فلما وصل إلى فيتوريا ~~أراد أن ينتظر الإمبراطور فيها، إلا أن الإمبراطور لم يحضر، فوالى سيره إلى بايون. في ~~العشرين من شهر نيسان وصل إلى قصر مارك يصحبه شقيقه دون كارلوس؛ أما كارلوس الرابع فقد لحق ~~بأمير إستوري صاحبا معه الملكة وصفيه ليضع نفسه تحت حماية الإمبراطور، ولكيلا يترك ~~للأمير المذكور المجال واسعا في بايون. عند هذا أبصر الجندي الأعظم، مصطفى الشعب ووليد ~~الثورة الفرنسية أعقاب القديس لويس مترامين على قدميه؛ أجل أبصر وراث بيلاج وحماة سيف ~~«السيد» واضعين تحت أمانته مقدرات تلك المملكة القديمة الشاسعة الأطراف التي جعلت فيليب ~~الثاني يقول بفخر: «إن الشمس لا تغيب عن أراضيه!» # يا له مشهدا عظيما طافحا بالأمثولات لأوروبا القديمة! فأمام جبال البيرينه الفخورة، ~~التي كثيرا ما حاول البوربونيين عبثا أن يمهدها بنظم سلالية، أصبحت ترى العهد ~~الإقطاعي الفاني، ذلك العهد الذي كساه العار حلته وطعنه العجز طعنته النجلاء، يتزاحف ~~ببؤس نحو رحمة الشعب واحتقاره لكي يضع، قبل اضمحلاله، مزق عظمته الماضية ومجده المنطفئ ~~على قدمي ذلك الرجل الأعظم ممثل مجد العهد الحالي وجلاله وجبروته! # كان أمير إستوري يرغب في مقابلة مع والده؛ ليتفقا معا على شجب تداخل ذلك الوسيط القاهر ~~الذي اختاراه، فصمم النية على الدخول على كارلوس الرابع في مخدعه. إلا أن الملك القديم ~~قال له له بحدة: «قف أيها الأمير! ألم يكفك إهانة شعوري البيضاء؟» ms214 ودفعه عنه، وفي اليوم ~~التالي وبخه على سلوكه بعبارات قاسية، إلا أن نابوليون لم يعيه الأمر عن الاطلاع على ~~تلك الرسالة التي ختمت بهذه الكلمات المرمزة عن فتنة أرنجويز: «يجب أن يعمل كل شيء في ~~سبيل الشعب وليس على يده. أما الإعراض عن هذا المبدأ فهو ارتكاب جميع الجرائم التي تتأتى ~~عن هذا الإعراض.» # في أثناء ذلك كان نابوليون قد اختبر ذينك الرجلين اللذين ما جاء إلا ليدرسهما عن كثب؛ ~~إذ إنه، لدى المقابلة الأولى التي جرت بينهم، اتضحت له الحقيقة الناصعة فقال بعد ذلك: ~~«عندما أبصرتهما متراميين على قدمي، وقيض لي أن أتسلل إلى مداخل نفسهما العاجزة، ~~هزتني الشفقة على مصير شعب كبير فقبضت على ناصية الظروف التي وفرها لي الحظ لإقالة ~~عثرة إسبانيا، ونزعها من نير إنكلترا، وضمها إلى مبادئنا ضما وديا، وكان من حق هذا ~~العمل أن يكون حجر الزاوية في بناء سلام أوروبا وطمأنينتها.» # أجل، لقد حق لنابوليون أن يقول ذات يوم: «إن حرب إسبانيا إنما جاءت قاضية عليه، وإن ~~جميع الظروف المعاكسة التي اكتنفته إنما هي وليدة تلك الحرب الشؤمى.» # 8 # إلا أن انقلاب حظه العجيب وآماله، التي تدور حول نسبه، ستعقبه حرب تبقى ~~ست سنوات يتلاقى خلالها الفرنسيون والإنكليز في إسبانيا فيلقي الأولون بذور العادات ~~الديموقراطية والآخرون روح بلادهم الشرعية، ثم إن عاقبة الحرب، وإن جاءت وخيمة على الجيوش ~~الفرنسية، إلا أن الفلسفة العصرية إنما مارست مذهبها في جوار «الواجب المقدس» آوية إلى ~~سرادق حلفاء إسبانيا، كما أوت إلى سرادق قاهريها. وعندما تضطر الكتائب الإمبراطورية أن ~~تمر في البيرينه مرة أخرى، وتتخلى عن انتصاراتها، يبصر المبدأ القديم في عودته بذور ~~الأفكار الحرة، ومقت ديوان التفتيش، وحب الحرية، ولكنه يستبقي ذلك الطابع الوحشي كما استبقى ~~تلك الخيانة وذلك الجبن، فيغمس يده في دماء أعظم منقذيه لأنهم اتخذوا اتخاذا جديا تلك ~~النظم التي أنقذت استقلالهم، إلا أن وحشية ذلك الجحود إنما ستخلق شهداء لا عبيدا! ~~أجل، إننا نكرر ما قلنا فإنه، وإن لم يبق شيء من ms215 عظمة نابوليون الخاصة ومن المقدرات التي ~~وفرها لأسرته، إلا أن علم الرقي إنما سيغرس في إسبانيا بين النكبات والمصائب التي حلت ~~بأبناء العصر، والتي قد تبقى زمنا طويلا بعد أن يولد الشعب الإسباني الجديد. تلك كانت ~~رغبة نابوليون. ولقد ذكرها في كتابه إلى الغراندوق ده برج وأعادها في سنت هيلين. قال: «إننا ~~في الأزمة التي كانت تحيط بفرنسا، وفي وسط تلك المعمعة الفكرية، لم نستطع أن نترك إسبانيا وراءنا.» # 9 # أجل، لم يعتم الأمر أن صحت مشيئة نابوليون؛ فلقد حدثت فتنة في مدريد، تركت عاصمة ~~إسبانيا في حالة ثورة، ما لبثت أن عمت جميع المقاطعات، وأصبح البوربون لا يستطيعون ~~السيادة على الشعب الإسباني إلا تحت تأثير العصيان والتمرد المعاديين للنفوذ الفرنسي. ~~في الخامس من شهر أيار تنازل كارلوس الرابع إكراما لنابوليون، وفي العاشر منه صدق أمير ~~إستوري، ودون كارلوس، ودون أنطونيو، ودون فرنسيسكو وهم أولياء عهده على هذا التنازل. وقد ~~تنازلوا هم أيضا عن أية رغبة في عرش إسبانيا. أما الملك القديم فانسحب إلى كومبياني ~~تصحبه الملكة والصفي غودوي، وأما أولياء العهد فقد انسحبوا إلى فالانساي. # ولقد جاء تخلي كارلوس الرابع وأولاده عن التاج خاتمة لتمرد الأمة الإسبانية، فتألفت ~~المجالس التنظيمية في جميع الجهات لإدارة حماية البلاد ضد الهجمات الأجنبية، عند هذا ~~ألف نابوليون مجلسا تنظيميا وضع على رأسه صهره مورات، ولم يكد هذا المجلس يعقد، حتى ~~سمى ملكا على الإسبانيين شقيق الإمبراطور جوزيف نابوليون، الذي كان يشغل عرش ~~نابولي. # في أثناء ذلك كانت الثورة تستعد استعدادا عظيما في الأندلس، فانسلخ الجنرال ديبون، الذي ~~أبلى بلاء حسنا في موقعة فرييدلان، عن فرق الجيش الفرنسي ليدخل إلى الأندلس. إلا أن هذه ~~الحركة، التي بدرت منه، نجمت عنها عاقبة وخيمة؛ إذ إنه لم يكد بسيير يربح موقعة ريوسيكو، ~~ويستولي مونساي على بلنيسا، حتى كدرت هزيمة بايلن وتسليمها بريق العلم الفرنسي، وأظهرا ~~لأوروبا أن جيوش نابوليون لم تكن معصومة عن الانكسار كما كانت تظن. # عندما أحدق كستانو # 10 # بالجنرال ديبون، اضطر هذا إلى ms216 إلقاء السلاح وأخذت فرقته المؤلفة من ثمانية ~~عشر إلى عشرين ألف رجل أسيرة مما جعل الملك جوزيف يأمر الجيش الفرنسي أمرا بالانهزام ~~إلى ما وراء الأبر. # في الثاني والعشرين من شهر تموز غادر نابوليون بايون إلى بوردو، حيث انتهى إليه تسليم ~~ديبون وهزيمته، فسخط سخطا عظيما وقال لأحد وزرائه: «إن انكسار جيش ليس من الأمور الخطيرة ~~لأن مقدرات الجند رهينة الأيام والهزيمة تعوض بانتصار، ولكن أن يسلم جيش تسليما ~~معيبا فذلك لطخة على الجبين الفرنسي ومجد الجند. كيف سولت النفس لفرنسي أن يخلع عنه ~~رداءه الفرنسي ويرتدي رداء العدو! أكنت أنتظر من الجنرال ديبون مثل هذا العار، بعد أن ~~تعهدته تعهدا حسنا ووضعت نصب عيني ترقيته إلى رتبة مرشال! قيل لي إنه لم يكن هناك ~~وسيلة أخرى لإنقاذ الجيش، ولكنه كان أولى بجميع الجنود أن يفنوا وسلاحهم في يدهم، كما يموت ~~الجندي الشريف؛ فإن الجنود يعوضون بغيرهم ولكن الشرف لن يعوض.» # 11 # سلم الجنرال ديبون إلى الديوان الإمبراطوري العالي، وكتب نابوليون بنفسه في المونيتور، ~~في العاشر من شهر آب، الأسطر التالية: «إن الجنرال ديبون، الذي لم يحسن قيادة جيشه، لم ~~يحسن أيضا إظهار شجاعة أدبية في المداولات، فلقد تزاحف إلى هلاكه مدفوعا بروح من الجنون ~~كما فعل سابينوس تيتوريوس، # 12 # وترك نفسه تنخدع بحيل أمبيوريكس # 13 # آخر، ولكن الجنود الرومانيين كانوا أسعد منا حظا؛ إذ إنهم ماتوا جميعهم ~~والسلاح في أيديهم.» # إن كان العار الذي لحق بتسليم بايلن لا يمحى، فإن الخسائر المادية التي سببتها تلك ~~النكبة إنما كانت مثله لا تعوض. بعد أن فضح نابوليون سلوك قائده أخذ يهتم برد ~~الآمال على الجندي الفرنسي في إسبانيا، فأمر بتجنيد جديد وأرسل مددا، ولكي يظهر ~~إظهارا صريحا أن عزمه على ربط الأمة الإسبانية بالإمبراطورية الفرنسية إنما كان ولا يزال ~~ربطا محكما وديا لا ينفصل، أذاع أمرا في الثالث عشر من شهر آب يقضي بفتح طريق كبير ~~من مدريد وباريس. # | الفصل الخامس عشر # كان الإمبراطور قد دخل إلى سن كلود يوم عيده، ms217 فاستقبل استقبالا فخما الكونت ده تولستوي، ~~وهو سفير روسي قدم إلى سن كلود ليضع بين يدي الإمبراطور الهدايا النفيسة التي كلفه ~~الإمبراطور إسكندر بتقديمها لعاهل الفرنسيين، فلما تقبل نابوليون هذه الهدايا أمر بعرضها ~~في قصر التويلري. # كان نابوليون يهتم جد الاهتمام بمحو آثار الفتن الداخلية التي تكتسح فرنسا لكيما يتمكن ~~بسهولة من تحقيق مبدئه، فأمر بتأسيس عدة مسائل عمومية في جميع المقاطعات التي كانت مسرحا ~~للحرب الأهلية، وفي أثناء ذلك وصل إلى باريس نبأ موقعة فيميرو بين اللورد ويللنكتون وجونو. ~~أما الفرنسيون فبعد أن انكسروا انكسارا تاما، أجبروا على التسليم إجبارا، واضطروا إلى ~~تخلية البورتغال والعودة إلى فرنسا على مراكب إنكليزية. # إلا أن هذه الهزيمة الثانية التي انهزمها الجيش الفرنسي ما وراء البيرينه، وإن كانت أليمة ~~وشديدة الوقع على نابوليون، سوى أنها لم تضعف من شجاعته وتثبط عزمه، بل قال لمجلس الشيوخ ~~في الرابع من شهر أيلول: «لقد عزمت على مواصلة مسائل إسبانيا مواصلة جدية وإتلاف الجيوش ~~التي أرسلتها إنكلترا إلى هذه البلاد ... إنني لأفرض على شعوبي تضحيات جديدة فهي ضرورية لهم؛ ~~إذ إنها توفر عليهم ما هو أعظم وأكثر خطرا.» ثم تكلم نابوليون في هذه الخطبة عن نتيجة ~~أعطاها الوزير شمباني تتعلق بمسائل إسبانيا، وأردف كلامه بعبارة حزن على فقد حليفه ~~السلطان سليم، الذي كان يلقبه بأفضل سلاطين بني عثمان، والذي قتل بأيدي أبناء عمه، وبعد ~~ذلك أتى على عبارة تحمل كثيرا من معاني الفرح باتحاده اتحادا وديا والإمبراطور إسكندر ~~إذ قال: «وهذا ما ينزع من إنكلترا كل أمل باستعداداتها ضد سلام البر.» أما مجلس الشيوخ ~~فرد على الإمبراطور بأن أمر بتجنيد ثمانين ألف رجل، وقال له بلسان رئيسه لاسيبيد: «إن ~~مشيئة الشعب الفرنسي يا صاحب الجلالة إنما هي مشيئة جلالتكم نفسها، فحرب إسبانيا حرب ~~سياسية إذن فهي عادلة ولازمة.» # إلا أن التمرد كان مشتعلا في إسبانيا وسائر المقاطعات الكبرى، ولم يكن انتصار ~~الأعلام الفرنسية ليتوقف على جمع العساكر المنظمة تنظيما حديثا، فرأى نابوليون أن يخاطب ~~جحافله القديمة قاهري ms218 أوسترلتز ويينا وفرييدلان، وفي الحادي عشر من شهر أيلول استعرض ~~الإمبراطور جيوشه استعراضا عظيما في التويلري، حيث أعلن لعساكر الجيش الكبير، أنه سيزحف ~~بهم إلى إسبانيا التي أهينوا فيها إهانات ينبغي الأخذ بالثأر منها. قال: «أيها الجنود، ~~لقد اجتزتم ألمانيا بخطى كبرى بعد أن انتصرتم على شواطئ الدانوب والفيستول، وإني لأجتاز ~~بكم فرنسا اليوم من غير أن أدع لكم سبيلا للراحة. # أيها الجنود، إني لفي حاجة إليكم، فوجود النمر الشرس يلطخ أرض إسبانيا والبورتغال. إلا ~~أنه إنما يفر هاربا لدى رؤيتكم، فلنحمل نسورنا المنتصرة حتى أعمدة هرقل! ولكم هناك ~~إهانات ينبغي الأخذ بالثأر منها أيضا. # أيها الجنود، لقد جاوزتم شهرة جميع جيوش هذا العصر، ولكنكم ضارعتم مجد جيوش روما التي ~~انتصرت في الماضي على شواطئ الرين والفرات والتاج وفي إيللري أيضا. # أما جزاء جهودكم فسيكون سلاما طويلا وخصبا دائما، فالفرنسي الصحيح لا ينبغي له أن ~~يستريح ما لم تفتح البحار في وجهه وتصبح حرة. # أيها الجنود، إن جميع ما عملتم وتعملون في سبيل الشعب الفرنسي وفي سبيل مجدي ليبقى خالدا ~~في قلبي.» # لم يكن من هذه الكلمات إلا أن ضاعفت حمية جنود جيش الشمال. كان لم يبق عليهم، بعد ~~تلك الحروب التي غذتها إنكلترا وتلك الانتصارات المجيدة التي ربحوها من حلفائها، إلا أن ~~يجابهوا وجها لوجه جنود ملكة البحار، عدوة البر اللدودة! # في الثالث والعشرين من شهر أيلول غادرت باريس، تحت قيادة المرشال فيكتور ، فرقة أولى ~~مؤلفة من تلك الكتائب الهائلة الجميلة، وفيما هي تجتاز العاصمة استقبلها مدير السين ~~والمجلس البلدي استقبالا فخما. # إلا أن نابوليون، قبل أن يزحف بنفسه على رأس الكتائب التي أرسلها إلى إسبانيا، أراد أن ~~يثبت، في مقابلة، الصداقة الحميمة التي أظهرها نحو إسكندر والتي تظاهر هذا بأنه يشاطره ~~إياها، كان يشعر بحاجة إلى محادثة هذا الأمير الذي كان أعظم أمراء البر في ما يتعلق بجميع ~~المسائل السياسية في أوروبا وخصوصا في إسبانيا. # اجتمع الإمبراطوران في أرفورث في أوائل تشرين الأول، واجتمع معهما جميع أمراء معاهدة ms219 ~~الرين، كأنما هم شاءوا أن يؤلفوا حول ظهيرهم العظيم حلقة جميلة من الندماء المتوجين. ~~أما نابوليون، فلكي يجعل الإقامة بأرفورث لطيفة في نظر صديقه العظيم، صحب معه الكوميديا ~~الفرنسية. ففي إحدى ليالي التمثيل تكلف إسكندر الفرح تكلفا، وصفق بكل قواه لبيت من ~~الشعر رأى الجميع يصفقون له استسحانا. # مرت ثمانية أيام في المهرجانات، إلا أن السياسة لم تكن خلال ذلك منسية؛ إذ إنه ما ~~لبثت أن حلت المباحثات الودية محل الولائم والأعياد. أما الإمبراطور إسكندر فتظاهر ~~برغبته في دفع إنكلترا إلى عقد الصلح، وأمضى نابوليون كتابا يتعلق بهذه الغاية، إلا أن ~~المستقبل سيكشف الحقيقة الصريحة، ثم بعد ذلك أظهر استحسانه للحرب الإسبانية؛ إذ رأى فيها ~~فرصة سانحة لإتلاف الأمتين الفرنسية والإنكليزية، اللتين هما الخطر الوحيد على ~~الإمبراطورية الروسية. # في الرابع عشر من شهر تشرين الأول افترق الإمبراطوران، راضيا كل منهما عن الآخر، حتى ~~خيل إلى نابوليون أن صداقة إسكندر إنما هي صداقة متينة مخلصة، ولم يخطر بباله أنه سيضطر ~~يوما أن يقول عنه: «إنه يوناني من الإمبراطورية السافلة!» # وفي الثامن عشر منه عاد الإمبراطور إلى سن كلود، وبعد مضي أربعة أيام، زار المتحف مع ~~الإمبراطورة، وتحدث طويلا إلى رجال الفن الذين خفوا إلى المتحف ليكرموا في هيكلهم ~~المجيد حامي الفنون الأعظم. # وفي الخامس والعشرين افتتحت الفرقة التشريعية جلستها الأولى فتكلم الإمبراطور بثقة تامة ~~عن خططه وآماله في ما يتعلق بإسبانيا معتقدا أنه واثق من روسيا قال: «لقد شاءت الحكمة ~~العلياء، التي كثيرا ما سهرت على جنودنا، أن تسدل الأطماع ستارا من الظلمة على المجالس ~~الإنكليزية لكيما ترفض حماية البحار وتدفع جيشها إلى البر. سأذهب بعد قليل لأستلم قيادة ~~جيشي وتتويج ملك إسبانيا في مدريد وغرس نسوري على قلاع ليسبون. لقد جرت بيني وبين إمبراطور ~~روسيا مقابلة في أرفورث اتفقنا فيها اتفاقا صحيحا وتضامنا على أن نعمل معا في سبيل ~~السلام كما في الحرب.» # في التاسع والعشرين من شهر تشرين الأول غادر الإمبراطور باريس ووصل إلى قصر ماراك في ~~الثالث من ms220 شهر تشرين الثاني، وفي الخامس منه كانت أركان الجيش في فيتوريا، وفي التاسع في ~~بورغوس بعد أن تم للمرشال سول انتصار عظيم على جيش استريمادور، # 1 # وفي اليوم نفسه كان المرشال فيكتور يقاتل جيش كالليس في إسبينوزا. # كانت خطة نابوليون ترمي إلى تنحية هذين الجيشين كل منهما عن الآخر لكي يتاح له أن ~~يتلفهما جميعا، وكان قد دفع فيكتور إلى مهاجمة بلاك، وناي ومونساي إلى مهاجمة كاستانوس ~~الذي يقود جيش الأندلس، وبقي هو في وسط المعامع مع سول وفرقة احتياطية من الخيالة عهد بها ~~إلى بسيير. # أما توزيع القوات هذا، فقد نجح نجاحا باهرا؛ إذ تشتت جيش استريمادور بكامله، وتلاشى ~~جيش كاليس، وعندما حاول الهاربون من موقعة إسبينوزا أن يلموا شعثهم في رينوزا، أدركهم ~~المرشال سول، وأجبرهم على ترك مئونتهم وأدواتهم ورمي نفوسهم في جبال لاون. # أتيح لميمنة الجيش الفرنسي أن تنعتق من القتال بعد نصرة باهرة، إلا أن بالافوكس ~~وكاستانوس كانا يتأهبان للحرب في الجهة اليسرى، أما الإمبراطور، فبينما كان سول يجول في ~~مقاطعة سانتادور وينزع منها سلاحها، أشار إلى المرشال لان بأن يطارد جيشي أراغون والأندلس ~~وإلى المرشال ناي بأن يزحف إلى سريا وتارازون ليقف بين كاستانوس ومدريد ويقطع عن هذا ~~الجنرال طريق العاصمة ويشتته في جهات فالانس. وما هي إلا فترة من الوقت حتى أرغمت حركات ~~لان الجنرالين الإسبانيين أن يندحرا اندحارا تاما بين تودلا وكاسانت حيث كسرهما شر ~~كسرة، وانتقم للشرف الفرنسي الذي أهين في بايلن، كلفت موقعة تودلا الإسبانيين خسارة ~~سبعة آلاف رجل، وثلاثين مدفعا وسبعة أعلام. أما بالافوكس فاندحر إلى سرغوس، وكاستانوس إلى ~~فالانس. # عندما علم نابوليون بهذا الانتصار الجديد عزم أن يزحف توا إلى مدريد تاركا سول في ~~الجهة اليمنى ليحافظ على حركات المقاطعات الغربية، ولان في الجهة اليسرى لينجز على بقايا ~~جيش أراغون، أما ناي فبقي يلاحظ جيش الأندلس. # إلا أن الوطنية الإسبانية لم تع قط. فلقد تألف جيش جديد من عشرين ألف رجل في ~~استريمادور وكاستيل وقفوا جميعا بوجه الإمبراطور، وحاولوا ms221 أن يسدوا عليه معبر سوموسبيرا. ~~بقيت الفرق الفرنسية الأولى مترددة بعض فترات من الوقت أمام نيران العدو الذي كان يدافع ~~عن هذا المعبر الضيق دفاعا شديدا، ولكن عندما ظهر نابوليون على رأس خيالة الحرس نشبت ~~موقعة هائلة بينه وبين فرقة الرماحة البولونية أسفرت عن انكسار هذه انكسارا فظيعا، ومر ~~الجيش الفرنسي على بطون العدو غير مبق على المدفعيين الذين أجهز عليهم بالسيف فوق ~~مدافعهم نفسها، وولج أبواب مدريد من غير أن يرى أثرا للجيش الإسباني الذي حاول أن يوقفه في ~~سوموسبيرا. جرت هذه الموقعة المجيدة في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني؛ أي بعد موقعة ~~تودلا بسبعة أيام. وفي اليوم الأول من شهر كانون الأول استتبت أركان جيش الإمبراطور في ~~سن أوغسطينو، على مقربة من العاصمة التي سلمت في الرابع منه. # كانت مدريد في بادئ الأمر قد فكرت في الدفاع عن نفسها، وكان أربعون ألفا من الفلاحين ~~المسلحين وثمانية آلاف رجل من الكتائب المنظمة قد تأهبوا في العاصمة مع مائة قطعة من ~~المدافع، ورفعوا عددا من الحواجز غير قليل بأسرع ما يمكن حتى أصبحت الحالة تشير إلى ~~استعداد تام للمقاومة، وما هي إلا فترة من الوقت حتى انتشرت النار ونشبت معركة دامية ~~أسفرت عن انتصار المرشال فيكتور وخروج الجيش الإسباني من مدريد وتسليم العاصمة، وفي اليوم ~~نفسه أبطل ديوان التفتيش وعدل عدد الأديرة الكثيرة تعديلا جسيما. وبعد ذلك أذاع ~~نابوليون في الإسبانيين نداء جديدا قال : «لقد أضلكم طويلا رجال غدارون مخاتلون؛ إذ ~~دفعوكم إلى قتال مشين ... وما كانت هزيمة جيوشكم إلا نتيجة ضلال أليم! دخلت إلى مدريد إذن ~~فحقوق الحرب تخولني أن أغسل بالدم إهانات ألحقت بي وبشعبي، ولكني لا أصغي إلى صوت ~~غير صوت الرحمة والصفح ... لقد قلت لكم، في النداء الذي وجهته إليكم في الثاني من شهر حزيران، ~~إنني أرغب أن أكون مصلح بلادكم. أيها الإسبانيون، إن مستقبلكم إنما هو بين يديكم فارموا ~~السم الذي أهرقه الإنكليز في صدوركم ... لقد هدمت جميع الحواجز التي كانت تحول دول رقيكم ms222 ~~وعظمتكم، وحطمت القيود التي كانت تثقل على الشعب! ولقد منحتكم تنظيمات حرة من شأنها أن ~~تستبدل الحكم المعتدل بالحكم المطلق، فعليكم أنتم تتوقف المحافظة على هذه التنظيمات ~~وجعلها قانونا لكم. # ولكن إذا لم تصغوا إلى صوت الحق وتثقوا بي ثقة تامة فأضطر إلى اعتباركم مقاطعات ~~مفتتحة ووضع شقيقي على عرش آخر؛ عند هذا أضع تاج إسبانيا على رأسي، وأجعل الأردياء ~~يحترمونه بالرغم عنهم. فالله قد منحني القوة والإرادة اللازمتين لاختراق جميع الحواجز ~~التي تحاول أن تعترضني.» # إلا أن الإسبانيين لم يكترثوا بهذه اللهجة، ولم تؤثر فيهم تهديدات الإمبراطور ولا ~~وعوده، ولكن كلمة التنظيمات لم تلفظ عن عبث؛ إذ إن الظروف القاهرة أوجبت على زعماء الفتنة ~~أن يمهروا إسبانيا بتنظيم ينطوي على روح ديموقراطية أشد من تلك التي اتخذت في ~~بايون. # ولما مثل وزير عدلية مدريد بين يدي الإمبراطور، على رأس وفد من المدينة؛ ليضع على ~~أقدام المنتصر شواعر الشعب التي لم تكن في النفوس ولكن أوجبها الاحتلال العسكري للعاصمة، ~~أجابه الإمبراطور: «إنني آسف على ما أصاب مدريد من الضرر، ولكني مغتبط بتمكني من إنقاذها ~~وتوفيري عنها كثيرا من الأضرار الجسيمة. # لقد حافظت على الجمعيات الدينية بتعديلي عدد الرهبان الذين كانوا فوق ما يجب أن يكونوا، ~~وأبطلت ذلك الديوان المجحف بحق الشعب؛ إذ إن من واجبات الكهنة أن يهدوا الضمائر، لا ~~أن يمارسوا حكما خارجيا وجسديا على طبقة الشعب. # لقد أبطلت الحقوق التي اغتصبها الأسياد في عهد الحروب الأهلية، وحذفت الحقوق الإقطاعية ~~جميعها، حتى أصبح كل فرد يستطيع أن يؤسس له فنادق وأفرانا وطواحين وغير ذلك، ويعطي ملء ~~الحرية لأية صناعة يرغب في القيام بها، فالأثرة الفردية والغنى والخصب التي كان يتمتع ~~بها عدد قليل من الرجال إنما كانت أكثر ضررا لزراعتكم من حرارة الشعرى اليمانية. # 2 # لا ينبغي أن يكون في أمة إلا عدالة واحدة كما أن هناك إلها واحدا. أما العدالات ~~الخاصة بطبقة من الناس الذين اغتصبوها اغتصابا وكانت مخالفة لحقوق الأمة فقد ~~هدمتها. # وليس هناك قوة تستطيع أن ms223 تؤخر طويلا تنفيذ مشيئتي، ولن يستطيع البوربون أن يسترجعوا ~~الحكم في أوروبا مرة أخرى ... # قد تغير الأعقاب آراء اليوم إلا أنهم سيباركونني، كما يبارك كل مصلح مخلص، ~~ويعتبرون الأيام التي ظهرت فيها بينكم من جملة الأيام المشهودة.» # صرف نابوليون اهتمامه في المدة القصيرة التي صرفها في عاصمة إسبانيا إلى تفتيش كتائبه ~~وتقوية عزائمها، ففي التاسع من شهر كانون الأول استعرض في برادو فرقة المرشال لوفير، وفي ~~العاشر منه كتائب معاهدة الرين، وفي الحادي عشر فرقة الخيالة التي تضم الرماحة ~~البولونية، ولقد استلم قائد هذه الفرقة الأخيرة من يد الإمبراطور صليب جوقة الشرف. # كانت جوزيفين قد وضعت الفرقة التشريعية على قمة الطغمة السياسية بقولها: «إنها تمثل ~~الأمة.» فأرسل نابوليون من مدريد تكذيبا إلى الجريدة الرسمية (المونيتور) جاء فيه «أن ~~الممثل الأول للأمة إنما هو الإمبراطور دون سواه.» # فساء هذا الادعاء الكثيرين، إلا أنه كان موافقا لنظام العصر الشرعي؛ فالشعب الذي حمل ~~نابوليون إلى العرش بكل ما أوتيه من الحماس أولا وبالتصويت ثانيا إنما كان جديرا بأن ~~يرى ممثله في نابوليون لا في جماعة لم يكن هو منتخبها. # ثم أكانت الفرقة التشريعية صالحة لحكم فرنسا ومجابهة جميع المقتضيات التي كانت تحيط ~~بموقفها، في وسط تلك الظروف التي وجدت فيها أوروبا، كما فعل نابوليون؟ لا ... فإن الرجل ~~الوحيد الذي يصلح لجميع ذلك، إنما هو ذلك الذي يحمل بيديه المجيدتين مقدرات الأمة التي ~~يمثلها تمثيلا صحيحا، وليس الجماعة التي اشتقت من السلطة الإمبراطورية، والتي تعجز عن ~~القيام ببعض ما قامت به ذراع ذلك الرجل الجبار ونبوغه العظيم. # بينما كان الإمبراطور في مدريد يهتم بتنظيمات إسبانيا، كانت الحركات العسكرية تستمر في ~~المقاطعات الإسبانية حيث كانت الفتن تنبثق من رمادها. وكان الإنكليز قد غادروا البورتغال ~~ليسرعوا إلى نجدة عاصمة المملكة الإسبانية، إلا أن القائد مور، # 3 # بعد أن قنط من الوصول في الوقت الملائم، غير خطته وعزم على الاتجاه إلى ~~فاللادوليد لكي يقطع المواصلات عن الجيش الفرنسي. أما هذا العزم فكان شؤما عليه؛ إذ إن ~~المرشال ms224 سول ما زال يقاتله من بلنسيا حتى الكوروني حيث جرح جرحا بليغا حتى قتل من ~~جيشه عشرة آلاف رجل وغنم كثيرا من الجياد والمدافع والمؤنة. وأما بقايا جيش القائد مور، ~~فقد تركوا الكوروني للمرشال سول بعد أن حاولوا الدفاع، من غير جدوى، مدة ثلاثة أيام. ولقد ~~أتيح للمرشال سول، في تلك المطاردة، أن يشتت أيضا فرقة رومانا الإسبانية التي كانت ~~لجأت إلى جبال الإستوري. # كان الإمبراطور قد زحف بنفسه لملاقاة الإنكليز منذ علم بحركاتهم على مدريد. وفي أوائل شهر ~~كانون الأول انتقلت أركان جيشه إلى استورغه فبينفات. ولقد كان نقلها إلى توردسيللا، حيث ~~أقامت ببنايات دير القديسة كلير الخارجية، التي ماتت فيها حنة المجنونة والدة كارلوس ~~الخامس. # أما في كتلونية فقد نجحت الكتائب الفرنسية نجاحا باهرا، ودخل «كوفيون سن سير» # 4 # إلى برسلونه بعد أن استولى على روز. وما عتم الأمر أن تغير موقف الفرنسيين في ~~إسبانيا؛ إذ عاد النصر إلى أعلامهم بتلك العظمة التي كانت له في ألمانيا وإيطاليا. # لم يمر شهران حتى تلاشى الجيش الإنكليزي، وامحقت فرقة رومانا، وقهرت العاصمة، واحتلت ~~معظم المقاطعات حتى أخذت إنكلترا تحاول أن تبعد عن إسبانيا ذلك النبوغ القاهر، الذي ما جاء ~~إلا ليهدم آمال الإنكليز بعد استلام بايلن وسنترا، فوضعت الاتفاقية الإنكليزية على عاتقها ~~جلبه إلى الشمال ودفعه إلى تجزئة قواته، إلا أن الآلة التي اتخذها مجلس سن جمس في هذه المرة ~~لم تكن بروسيا التي كانت لا تزال رازحة تحت الضربات الهائلة التي أصيبت بها في يينا، ولم ~~تكن روسيا المثقلة بجراحات فرييدلان والتي لم تجرؤ بعد على كشف خبثها الذي حجبته ~~بالشواعر الودية في أرفورث، بل كانت النمسا التي كابدت نكبتها الهائلة في أوسترلتز، والتي ~~مرت عليها ثلاث سنوات راحة استطاعت خلالها أن تجدد قوى جيوشها. # كان نابوليون في فاللادوليد عندما انتهى إليه استعداد النمسا العدائي وتأهبها للقتال، ~~فترك إسبانيا وعاد إلى باريس، فوصلها في الثالث والعشرين من شهر كانون الأول سنة ~~1809. # في آب عام 1808، عندما عاد نابوليون إلى بان، ms225 انتهى إليه أن النمسا تتظاهر باستعدادات ~~سيئة نحو فرنسا، ولما قدم مترنيخ # 5 # سفير هذه الأمة إلى سن كلود على رأس فرقة المخابرة ليهنئوا جلالته ~~الإمبراطورية الملكية بعيده، سأله الإمبراطور مستفهما عن صحة تلك الإشاعة، فأجابه ~~السفير منكرا ذلك وصرح بأن التجهز العسكري الذي تقوم به النمسا، إنما هو يرمي إلى ~~غاية واحدة، وهي الحماية. أما نابوليون فقال له إنه لم يصدق تلك الإشاعة؛ إذ إنه ما من سبب ~~هناك يوجب ذلك العداء، وزاد على ذلك بقوله: «إن إمبراطورك لا يريد الحرب، وإني لواثق ~~بكلامه الذي قاله لي في المقابلة الأخيرة التي جرت بيننا. لقد احتللت عاصمته والقسم الأكبر ~~من مقاطعاته ولم ألبث أن أرجعت إليه معظم ما أخذت ... فهل تظن أنه لو قهر الجيوش الفرنسية ~~قاهر، وأصبح السيد المطلق في باريس، كان نهج هذا المنهج المتساهل؟ ... إن دسائس خصوصية ~~تدفعكم إلى حيث لا تريدون أن تذهبوا، فالإنكليز وأحزابهم هم الذين يوحون جميع تلك ~~الاستعدادات السيئة، ولقد بدءوا يهللون للأمل الذي يريهم انغماس أوروبا في الدم مرة ~~أخرى.» # أما مترنيخ فأصر على إنكار نظرات حكومته العدائية. ولكن لم يأت اليوم التاسع من شهر نيسان ~~حتى أعلنت النمسا الحرب ودخلت في الحملة، وفي الثاني عشر منه انتهى إلى نابوليون أن العدو ~~قد عبر الأين، # 6 # فغادر باريس في الحال، ووصل إلى ديللنجن في اليوم السادس عشر حيث وعد ملك ~~البافيير بإعادته إلى عاصمته في خمسة عشر يوما بعد أن طرده منها الأمير كارلوس، وفي اليوم ~~السابع عشر من الشهر كان نابوليون في دوناورت # 7 # حيث نشر نداء إلى جنوده جاء فيه ما يلي: ~~«أيها الجنود، لقد تعدي على أراضي المعاهدة، ويرغب القائد النمسوي أن نفر ~~هاربين لدى رؤيته ونترك له حلفاءنا. أما أنا فقد وصلت بسرعة البرق. # أيها الجنود، كنت محاطا بكم عندما جاء إلي إمبراطور النمسا في مورافي، ولقد ~~سمعتموه يتوسل إلي لأصفح عنه ويقسم لي على إخلاص دائم. إن النمسا مدينة ~~لكرمنا بكل شيء بعد أن انتصرنا عليها ثلاث ms226 مرات في ثلاث حروب، وصفحنا عنها ثلاث ~~مرات، ونكثت العهد ثلاثا فهي ثلاث مرات كاذبة! ولكن انتصاراتنا الماضية إنما هي ~~كفيلة لنا الفوز الذي ينتظرنا. # فلنزحف إذن، وليتحقق العدو قاهره لدى ظهورنا أمام عينيه!» # كانت النمسا علقت آمالها على غياب نابوليون وحرسه وبعد جيوش مارنغو وأوسترلتز القديمة؛ ~~إذ كانت تعلم أنه لم يبق هناك إلا ثمانون ألف فرنسي مشتتون في ألمانيا جميعها، في حين ~~أن جيشها المقسوم إلى تسع فرق، والذي يقوده الأرشيدوق كارلوس، كان يعد لا أقل من ~~خمسمائة ألف رجل. # ظهرت بوادر الحركات النمسوية ظهورا سعيدا؛ إذ إن ملك البافيير اضطر إلى الهرب من مونيخ ~~لدى ظهور الأرشيدوق وتعرض الجيش الفرنسي للخطر. ولكن وصول نابوليون غير الحالة عما ~~كانت عليه، فتلاشت حمية الأمير كارلوس وجيشه، واشتدت حمية الجنود الفرنسيين. وما هي ~~إلا عصفة من عصفات الردى حتى بر نابوليون بوعده لملك البافيير، وحمله منتصرا إلى عاصمته ~~قبل اليوم العاشر من إعطائه الوعد. في الخامس والعشرين من شهر نيسان دخل هذا الأمير إلى ~~مونيخ، أما نابوليون فلم يمر عليه ستة أيام حتى انتصر ست مرات على الجيش النمسوي. لم ~~يقيض للفرنسيين أن يدركوا العدو إلا في اليوم التاسع عشر الذي أبلوا فيه بلاء ~~حسنا في مواقع بلافنهوفن وتان وبيسنغ؛ أما في بيسنغ فقد انتصرت الكتيبة السابعة والخمسون، ~~التي يقودها الكولونيل النشيط شاريير، انتصارا باهرا بعد أن قضت على ست كتائب نمسوية ~~دفعة واحدة. وفي العشرين من الشهر انتصر الجيش الفرنسي انتصارا جديدا في إبنسبرج، حيث لم ~~يقو العدو على الدفاع أكثر من ساعة واحدة، وترك في تصرف المنتصر ثمانية أعلام واثني ~~عشر مدفعا وثمانية عشر ألف أسير. وفي الواحد والعشرين حصلت موقعة لاندشوت؛ في ذلك النهار ~~هجم الجنرال موتون على رأس صف من الجند نحو النيران التي كانت تلتهم أحد جسور نهر الأيزر ~~صارخا في جنوده: «تقدموا دائما ولا تطلقوا النار!» وما هي إلا بضع دقائق حتى دخل ~~المدينة فأصبحت مسرحا لموقعة دموية هائلة ولم يلبث الأعداء أن هجروها. ms227 وفي تلك الآونة ~~باغت الأرشيدوق كارلوس في راتيسبون، على رأس فرقة بوهيميا، ألف رجل عهد إليهم بالمحافظة ~~على الجسر فأحاط بهم وأخذهم أسراء، ولما شاع هذا النبأ أقسم الإمبراطور أنه لا يمر أربع ~~وعشرون ساعة حتى تجري الدماء النمسوية في رتيسبون. وفي الثاني والعشرين زحف نابوليون إلى ~~هذه المدينة فالتقى بالعدو الذي يعد عشرة آلاف مقاتل، ولما اشتبك القتال بين الطرفين ~~قدر للفرنسيين في وقت قصير أن يطردوا العدو من جميع مستحكماته، ويشتتوه تشتيتا، ~~ويغنموا منه معظم مدافعه وخمسة عشر علما وعشرين ألف أسير. أما الأرشيدوق كارلوس فلولا سرعة ~~جواده لما نجا بنفسه. # وفي اليوم التالي مثل الجيش المنتصر أمام راتيسبون، التي حاولت ست كتائب من بقايا جيش ~~الأرشيدوق كارلوس أن تدافع عنها. ولما قدم الإمبراطور بنفسه ليأمر بالهجوم أصابته رصاصة ~~في رجله اليمنى، لم يلبث نبؤها أن انتشر في الجيش، فأسرع الجند ليستطلعوا الأمر، إلا ~~أنهم لم يكادوا يصلون حتى كان الإمبراطور امتطى جواده، بعد أن ضمد الجرح بفترة من الوقت ~~قصيرة، وهجم الجميع على الجدران فتسلقوها واحتلوا المدينة. في تلك الآونة كان المرشال ~~بسيير يطارد بقايا الفرق النمسوية التي قوتلت في أبنسبرج ولاندشوت فأدركها في اليوم ~~الرابع والعشرين في حين أوشكت أن تنضم إلى فرقة احتياطية قدمت على شاطئ الأين وأعمل فيها ~~القتل، وغنم منها ألفا وخمسمائة أسير. وفي اليوم نفسه نشر الإمبراطور في راتيسبون الكلمة ~~الآتية: # أيها الجنود # لقد حققتم أملي إذ لم تعبأ شجاعتكم بكثرة العدد، ولقد بينتم، بأبهى ما يكون ~~من المجد، الفرق العظيم بين جنود القيصر وجيوش كسرسيس. # لقد انتصرنا ست مرات في أيام قلائل، أما المائة مدفع والأربعون علما، والخمسون ~~ألف أسير، والثلاثة آلاف عجلة الملأى بالأمتعة والذخائر التي غنمناها جميعا فهي ~~نتيجة سرعتكم وشدة بطشكم. # كان العدو الذي أسكرته دسائس مجلس كاذب سفاح قد نسيكم ولم يستبق منكم ~~أقل تذكار، إلا أن يقظته كانت فجائية لما ظهرتهم أمامه بذلك المظهر الرهيب! ... ~~لقد عبر الأين واخترق أراضي حلفائنا في الماضي؛ وفي الماضي كان ms228 يأمل أن يحمل الحرب ~~إلى قلب وطننا! ... أما اليوم، وقد كسر شر كسرة، وحل به من الرعب ما حل، ~~فهو يهرب مشتتا تشتيتا! ... وقد لا يمضي شهر واحد حتى نحتل فيينا. # كما تحقق القسم الذي أعطاه نابوليون إلى ملك البافيير، هكذا ستتحقق هذه الأمنية أو ~~هذه النبوءة الجريئة. في الثلاثين من شهر نيسان كانت أركان جيشه في برغوسن، حيث خفت ~~الكونتيس دارمنسبرج إلى الإمبراطور تتوسل إليه لكي يرجع إليها زوجها الذي أخذه النمسويون ~~أسيرا بتهمة أنه متحيز إلى الأمة الفرنسية. وفي أول أيار استوطنت أركان الجيش في رييد ~~التي وصلها الإمبراطور ليلا. وفي الثالث منه انحدرت فرقة مؤلفة من ثلاثين ألف نمسوي، ~~وهي بقية مقهوري لاندشوت، إلى إبرسبرج حيث أعمل فيها الفرنسيون قتلا وحملوها خسائر ~~جسيمة؛ كان باسيير وأودينو وماسينا متجهين نحو إبرسبرج ليلاشوا الفرقة النمسوية، في ~~حين كان الجنرال كلاباريد زاحفا في المقدمة على رأس فرقته التي تعد سبعة آلاف رجل لا ~~غير، فلم يكد يلج إبرسبرج حتى أعمل العدو النار في هذه المدينة التي كانت مبنية ~~بالخشب. ولم تمر فترة من الوقت حتى التهمت النار كل شيء، ووقفت سدا في وجه باسيير، ~~الذي كان يعبر الجسر مع فرقة الخيالة ليعضد كلاباريد. عند هذا اضطر هذا القائد أن ~~يدافع وحده مدة ثلاث ساعات مع سبعة آلاف رجل ضد ثلاثين ألفا. وأخيرا فتح معبر في وسط ~~النيران ودخل منه القائدان لوغران ودوروسنيل. أما الجند الفرنسيون فقد أتوا عجائب في تلك ~~المعركة ، وأحرقوا القصر، وشتتوا العدو حتى أوصلوه إلى «إن» حيث أحرق الجسر ليتمكن من ~~ضمن هربه في طريقه إلى فيينا. ولقد حملت موقعة إبرسبرج النمسويين خسارة اثني عشر ~~ألف رجل، بينهم سبعة آلاف وخمسمائة أسير. ننقل هنا ما جاء في المذكرة الخامسة عن منتصري ~~هذه المعركة المجيدة: «إن فرقة كلاباريد، التي هي قسم من جيش أودينو، تكللت بمجد لا يزول، فلقد قتل ~~منها ثلاثمائة رجل وأسر ستمائة أما جرأة كتائب اليو والكتائب الكرسكية فقد ~~استلفتت نظر جميع الجيش. إن مدينة ms229 إبرسبرج وجسرها إنما هما تمثالان خالدان لتلك ~~الجرأة النادرة. وسيقف المسافر غدا أمام هذين التمثالين، ويقول: من هنا، من هذا ~~المركز الجميل، من هذا الجسر الذاهب في مذاهب الطول، من هذا القصر المنيع طرد ~~سبعة آلاف إفرنسي جيشا مؤلفا من خمسة وثلاثين ألفا من النمسويين.» # استقبل الإمبراطور في إبسبرج وفدا من ولايات النمسا العليا، وفي اليوم الرابع من الشهر ~~بات ليلته في إمس في قصر الكونت ده أوسبرج، وفي السادس منه وصل إلى دير مولك العظيم الذي ~~صرف فيه بضعة أيام عهد حملة سنة 1805، والذي وجد الجيش في أقبيته بضعة ملايين من قناني ~~النبيذ. لما مر الإمبراطور أمام خرائب قصر دييرنستن في اتجاهه نحو فيينا قال للمرشال لان، ~~الذي كان إلى جنبه: «انظر، هذا هو سجن ريكاردوس قلب الأسد الذي زحف مثلنا إلى سوريا ~~وفلسطين. لم يكن قلب الأسد أشد بسالة منك يا صديقي الباسل، إلا أنه كان أسعد مني بختا في ~~عكا. ولقد باعه أحد دوقيتي النمسا لأحد أباطرة ألمانيا الذي سجنه في هذا المكان. كان ذلك ~~العهد عهد البربرية، فيا للفرق العظيم بينه وبين عهدنا هذا! لقد رأى الجميع كيف نهجت مع ~~إمبراطور النمسا الذي كنت أستطيع سجنه لو أردت. وإني لسوف أنهج معه النهج نفسه فالأيام تريد ~~ذلك وليس أنا!» كان نابوليون مصيبا في كلامه، فالأيام هي التي اضطرته أن يكون كريما، ~~نبيل النفس، سهل الخلق بعد الانتصار؛ ولقد كان العصر يتحرك فيه ساعة كان يتكلم عن الفرق ~~بين عهده وعهد البربرية، وهو يسلك تلك المسالك الشريفة مع الأمراء المقهورين. ولكنه، ولو ~~تظاهر بممثل العصر الراقي أمام الملكية القديمة، فإن هذه إنما ستبقى جديرة بأصلها فتقف ~~وقفة الحارس الأمين على مجاهل البربرية. إن روح القرن التاسع عشر إنما كانت الضيفة اللطيفة ~~في معسكر أوسترلتز، إلا أن روح القرون الوسطى ستكون الجلاد الشرس في سنت هيلين. # في نهار اليوم الثامن من الشهر انتقلت أركان جيش الإمبراطور من مولك إلى سان بولتن، وبعد ~~يومين كان نابوليون على أبواب فيينا، ms230 في الساعة التاسعة صباحا. # كان الأرشيدوق مكسيميليان، شقيق الإمبراطورة، قائدا عاما لجيش هذه العاصمة، فحدثته ~~نفسه بالمدافعة عنها رغما عن الإنذارات العديدة التي ووجه بها. ولكن الإمبراطور كان قد ~~احتل جميع الأحياء التي تؤلف ثلثي شعب تلك العاصمة فنظم فيها فرقة من الحرس الوطني ~~ومجالس بلدية أرسلت من قبلها وفدا إلى الأرشيدوق ليتوسلوا إليه بالإبقاء على مآويهم، ~~سوى أن الأمير لم يتأثر كثيرا بهذه الخطة وبقيت النار مشتعلة، عند هذا رأى الإمبراطور ~~نفسه مضطرا أن يأمر بإطلاق المدافع. # في الحادي عشر من الشهر الجاري، الساعة التاسعة مساء، شرعت فرقة مؤلفة من عشرين ~~مدفعيا بإطلاق القنابل على المدينة، وما هي إلا أربع ساعات حتى أطلق ألف وثماني مائة ~~قنبلة جعلت المدينة كتلة من النار تموج تحتها مواكب شعب يائس مشتت. وبعد جهود كثيرة، ~~ذهبت أدراج الرياح، انتهى إلى الأرشيدوق أن الفرنسيين عبروا خليجا من نهر الدانوب، فخشي أن ~~يتمكنوا من قطع خط الرجوع عليه وهرب من المدينة تحت جنح الظلام تاركا للجنرال أوريللي ~~السبيل إلى التسليم. ولما بزغ الفجر أعلن هذا الجنرال أنهم سيوقفون النار، وفي النهار ~~نفسه أرسل وفد، كان أسقف فيينا من أعضائه، للمثول بين يدي نابوليون فاستقبله هذا في قصر ~~شنبرن. في ذلك اليوم استولى ماسينا على مدينة ليوبولدستاد، وفي المساء كان تسليم فيينا قد ~~تم، ولما بزغ نهار اليوم التالي احتل أودينو على رأس جنوده مراكز العاصمة ونشر نابوليون ~~عقيب ذلك هذه المذكرة: # أيها الجنود # لقد دخلنا فيينا بعد شهر من عبور الأعداء نهر الإن وفي الساعة نفسها. # إن جميع الكتائب الاحتياطية، والجيش العظيم الذي جمعوه، وتلك الحواجز التي رفعها ~~غضب أمير لورين العاجز لم تستطع أن تثبت النظر في وجوهكم! # أما أمراء هذه الأسرة فقد هجروا عاصمتهم، لا كما يهجرها الجنود النبلاء الذين ~~يرضخون للظروف القاهرة ونكبات الحرب، بل كما يهجرها القتلة السفاكون الذين ~~يطاردهم تبكيت الضمير! # لقد كان توديعهم لسكان فيينا، وهم هاربون منها، قتلا ونارا، ولقد غمسوا يدهم في ~~دماء أبنائهم كما صنعت ميده! ms231 # 8 # إن شعب فيينا المهجور البائس سيكون موضوع عنايتكم، وسأهتم به اهتماما كبيرا، ~~أما الرجال الأردياء المشاغبون فسأجعلهم عبرة لسواهم! # أيها الجنود، كونوا لطفاء نحو الفلاحين المساكين، نحو ذلك الشعب الوديع الذي حق ~~له علينا احترام عظيم، ولا تحفظوا في صدوركم أقل كبرياء بانتصاراتكم. أما الآن ~~فأظهروا لي برهانا على تلك العدالة الإلهية التي تعاقب السفاكين وناكري ~~الجميل. # نابوليون # إلا أن الجيش النمسوي لم يتب عن الحرب، بالرغم من هجره عاصمة الإمبراطورية، وبقي ~~يترقب فرصة سانحة للرجوع إلى القتال حتى أتيحت له تلك الفرصة على جسر لنتز حيث وقف ~~فاندام في وجهه وقفة شديدة إلى أن أتى برنادوت فشتته تشتيتا. أما نابوليون فكان يجتهد ~~بفارغ صبر في عبور الدانوب لكي ينهي تلك الحملة الجديدة، في حين كان ماسينا يشيد عدة ~~جسور على خلجان النهر التي تغمر جزيرة لوبو، فعزم نابوليون أن يستعملها لمرور الجيش بكامله، ~~وما هي إلا ثلاثة أيام حتى كانت فرق لان وباسيير وماسينا قد اتخذت لها مراكز في ~~الجزيرة. # في الواحد والعشرين من شهر أيار، الساعة الرابعة مساء، ظهر الأرشيدوق كارلوس على رأس مائة ~~ألف مقاتل، بعد أن جمع شتات مختلف الفرق النمسوية التي قهرت في البافيير، وهجم على فرق ~~ماسينا وباسيير ولان التي استطاعت دون الجيش الفرنسي جميعه أن تدرك الجهة اليسرى من ~~الدانوب. أعلن ماسينا بوادر القتال في إسبرن ووقف وقفة مجيدة في وجه العدو بالرغم من ~~ضآلة عدد جنوده؛ وحذا لان حذوه في إسلنج في حين كان باسيير يبلي بلاء حسنا في وسط ~~العدو المقيم بين هاتين القريتين. ولما هبط الليل انطفأت شعلة القتال. أما المائة ألف ~~النمسوي، الذي يقودهم الأمير كارلوس، فلم يستطيعوا أن يأخذوا شبر أرض من الخمسة والثلاثين ~~ألف فرنسي الذين يقودهم ماسينا ولان وباسيير، وما هي إلا أن قدمت نجدة عظيمة أكدت أن ~~الغد سيكون شؤما على الأرشيدوق. # في تلك الليلة عبرت الجسور فرقتا أودينو وسنت هيلير، وكتيبتان من الخيالة الخفيفة، ~~وقطار يقل عددا من المدافع وأخذت جميعها مركزا لها ms232 على خط القتال، عند هذا وثق ~~نابوليون من فوز عظيم. ولما كانت الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي أعلن العدو الهجوم ~~على قرية إسبرن؛ إلا أن ماسينا كان متأهبا للدفاع، ولكنه لم يكتف بصد هجمات النمسويين ~~فحسب بل أخذ على نفسه مبادأة الحرب وأتيح له أن يقلب بطنا على ظهر جميع الصفوف التي وقفت ~~في وجهه، وفي الوقت نفسه كان لان وفرقة الحرس الحديثة زاحفين إلى وسط الجيش النمسوي لكي ~~يقطعا مواصلات الجناحين، ولقد التوى كل شيء أمام المرشال البطل وأصبح الفوز مؤكدا له، ~~ولكن في نحو الساعة السابعة من الصباح، انتهى إلى الإمبراطور، أن فيضانا فجائيا صعد من ~~الدانوب فاقتلع الأشجار، وحمل معه جسورا عديدة وبيوتا منهارة، ولم يبق على الجسر الكبير ~~الذي يصل جزيرة لوبو بالشاطئ الأيمن، ويؤلف طريق المواصلات الوحيدة بين الفرق التي على ~~الشاطئ الأيسر وبقية الجيش الفرنسي. # لم يكن لدى الإمبراطور، ساعة انتهى إليه هذا النبأ، إلا خمسون ألف رجل لا غير فأوقف الزحف ~~إلى الأمام، وأمر المرشالية بالمحافظة على مراكزهم حتى يتمكنوا بعد ذلك من الرجوع بنظام ~~إلى جزيرة لوبو، فنفذ هذا الأمر بكل دقة ... أما العدو، فلما علم بتهدم الجسور، ~~دفعته الجسارة إلى إعلان القتال في جميع الجهات فهاجم إسبرن وأسلنغ ثلاث مرات، وثلاث مرات ~~كان نصيبه الفشل. ولقد جلى الجنرال موتون في تلك المواقع الأخيرة إذ كان يقود فرقة من ~~الحرس، وأبلى فيها المرشال لان بلاء حسنا؛ إذ إنه تمكن من إنقاذ تلك القسمة الباسلة من ~~الجيش الفرنسي، إلا أن هذه الخدمة الباهرة إنما كانت الخدمة الأخيرة التي أداها هذا ~~الجندي العظيم إلى بلاده وإلى القائد الأعظم الذي كان صديقا له لا سيدا عليه؛ لقد ~~أصابته رصاصة أفقدته فخذيه في نهاية المعركة فحمل على نعش من خشب إلى حيث كان ~~الإمبراطور الذي لم يستطع أن يمسك دموعه أمام رؤية أعز رفاقه في الحروب وأشدهم بسالة! ~~التفت نابوليون إلى من حوله وقال: «إن قلبي أصيب بطعنة فظيعة في هذه المعركة حتى استطاع ~~أن ms233 يحولني عن اهتمامي بالجيش إلى اهتمام آخر.» في تلك الآونة عاود المرشال لان رشده ~~فارتمى على عنق الإمبراطور قائلا: «ستفقد بعد ساعة ذلك الذي يموت فخورا لعلمه بأنه كان ~~أعز الأصدقاء لديك!» عاش المرشال بعد ذلك عشرة أيام كانت صحته قد تحسنت خلالها إلا أن ~~حمى قتالة أفقدته الحياة في الواحد والثلاثين من شهر أيار، في فيينا. قال نابوليون: «إن ~~الإنسان ليتعلق بالحياة ساعة يشعر بأنه على وشك أن يفقدها، فلان الذي كان أشد الرجال ~~بسالة، أبى أن يموت في ساعته الأخيرة. لقد كان يحب امرأته وأولاده فوق حبه إياي، ولكنه ~~لم يأت على ذكرهم في تلك الساعة العصيبة، ولقد كنت له نوعا من الرؤى والسيادة، أو بالحري ~~نوعا من الحكمة العلياء؛ ولذلك كان يطلبني في كل فترة ويتوسل إلي! ...» وقال نابوليون ~~بعد حديث طويل: «إنه لمن المستحيل أن تقع البسالة على أشد من مورات ولان فقد ارتفعت إلى ~~مستوى شجاعته حتى أصبح جبارا ... لقد كان من هؤلاء الرجال الذين يستطيعون أن يغيروا وجه ~~المسائل بما أوتوه من الجدارة والنفوذ الشخصي.» # لم تكتف موقعة أسلنغ بأن أفقدت نابوليون صديقا حميما بل طعنته طعنة أخرى، لا تقل عن ~~الأولى ألما، بأن سلخت عن الجيش أحد قواده البسلاء وهو الجنرال سنت هيلير. جاء في ~~مذكرات نابوليون ما يلي: «لقد فني في هذه الموقعة القائدان الدوق ده مونتبللو (لان) وسنت ~~هيلير وهما بطلان عظيمان من أعز أصدقاء نابوليون الذي بكاهما بدموع سخينة.» لقد سببت ~~هذه الخسارة الأليمة للإمبراطور حسرة عميقة، وقادته بحزن شديد إلى التعمق في الفكرة ~~الأليمة التي تصور للإنسان حقيقة بطلان الأشياء البشرية. في الواحد والثلاثين من شهر أيار ~~كتب إلى جوزيفين ذاكرا لها حزنه الشديد على موت لان الذي مات في الصباح، تاركا هذه ~~العبارة تفلت من قلمه: «وهكذا يفنى كل شيء!» ناسيا عظمة أعماله ورحابة مجده. # إلا أن موقعة أسلنغ، التي أسبغت على الجند الفرنسي مجدا عظيما، تركت النصر مبهما؛ ~~إذ إن كلا من الخصمين كان يدعي الفوز لنفسه. ms234 ولكن أوروبا اعتبرت تلك الموقعة خاسرة من ~~جهة نابوليون، الذي تعود أن يسحق عدوه؛ لأنه لم يتمكن هذه المرة من طرد النمسويين من ~~مراكزهم. عند هذا عزم بونابرت أن يحاصر في جزيرة لوبو لئلا ينجم من تقهقره تأثير أدبي ~~مؤسف في فرنسا وفي الخارج. أما الأمير كارلوس، الذي أزعجته حركات دافو الذي كان يطلق ~~القنابل على برسبورج، فلم يجرؤ أن يبادئ القتال، وعزم أن يحصن مركزه بين إسبرن ~~وإنزرسدورف. # في أثناء ذلك كان نابوليون مهتما بإعادة بناء الجسور حتى تم له ذلك، وما عتم الأمر أن ~~تحققت المواصلات بين الجزيرة والشاطئ الأيمن وما هي إلا أن انتهى إلى نابوليون أن جيش ~~إيطاليا، الذي يقوده الأمير أوجين، قد قاتل الفرقة النمسوية في سن ميشيل بعد موقعة أسلنغ ~~بثلاثة أيام، وأن المنتصرين قد التقوا بجيش ألمانيا في أعالي جبل سيمرنغ، فبشر الكتائب ~~بهذا النبأ المفرح في النداء الآتي: # يا جنود جيش إيطاليا # لقد بلغتم الغاية التي عهدت بها إليكم بمجد عظيم، والسيمرنغ شاهد عدل على ~~التقائكم بالجيش الكبير. # مرحبا! إنني لمسرور بكم! لقد فاجأكم عدو لئيم قبل أن تمكنت صفوفكم من ~~الانضمام بعضها إلى بعض فاضطررتم أن تتقهقروا حتى الأديج، ولكن عندما أمرتم ~~بالتقدم إلى الأمام كنتم في ساحة إركول المشهودة حيث أقسمتم على أرواح أبطالنا أن ~~تبلغوا غاية النصر! ولقد حققتم القسم في مواقع بيافا، وسن دانيال، وتارفي وغوريس. ~~أما الكتيبة النمسوية، التي دخلت إلى مونيخ بادئ ذي بدء وأعطت إشارة المذبحة في ~~التيرول، فقد اكتنفتموها في سن ميشيل وأسقطتموها تحت حرابكم. # أيها الجنود، إن هذا الجيش النمسوي الذي لطخ شرف مقاطعاتي، وصور له الوهم ~~حينا أن يحطم تاجي الحديدي سيصبح، بعد أن قاتلتموه وشتتم شمله ولاشيتموه، ~~مثلا لصرامة هذا الشعار: لقد وهبني الله هذا التاج فالويل لمن يمسه! # وفي الرابع عشر من شهر حزيران، في ذلك اليوم التذكاري لمعركتي مارنغو وفرييدلان، انتصر ~~الأمير أوجين انتصارا آخر على الأرشيدوق جان والأرشيدوق البلاتيني في رآب. وبعد أن أبلى ~~مارمون بلاء حسنا في ms235 دالماسي جاء بدوره ينضم إلى الجيش الكبير؛ عند هذا رأى الإمبراطور ~~أن الوقت قد حان للقضاء على العدو ذلك القضاء المبرم الذي يستعد له منذ أكثر من ~~شهر. أجل، لقد شخص نابوليون إلى فرييدلان بعد ذلك الدم المجيد الذي أهرق عبثا في أيلو، ~~وهو شاخص الآن إلي وكرام بعد أسلنغ! ننقل هنا كيفية حدوث تلك المعركة الهائلة، مجتزئيها من ~~المذكرة الخامسة والعشرين، التي تقص كيفية عبور الدانوب في الرابع من شهر تموز الساعة ~~العاشرة مساء، وحريق إنزرسدورف، وبعض الحوادث التي جرت في اليوم الخامس. # معركة وكرام # خشي العدو من النتائج الكبرى التي حصلها الجيش الفرنسي من غير جهد؛ فأمر كتائبه ~~جميعها بالزحف دفعة واحدة، وفي الساعة السادسة من المساء شغل المراكز الآتية: ميمنته من ~~ستادلو إلى جيراسدورف، وسطه من جيراسدورف إلى وكرام، وميسرته من وكرام إلى نوسييدبل. ~~وشغلت ميسرة الجيش الفرنسي مركز كروس إسبيرن، ووسطه راشدورف، وميمنته كلنزندورف. ووقعت ~~موقعة وكرام، فاستولت الكتائب الفرنسية على هذه القرية، إلا أن صفا من السكسونيين ~~وآخر من الفرنسيين خدعتهما الظلمة الحالكة فظن كل منهما الآخر عدوا وجرى القتال ~~بين الطرفين، وهكذا ذهبت تلك المعركة أدراج الرياح. # بقي الإمبراطور طوال الليل يجمع قواته في وسطه استعدادا لمعركة وكرام، في حين كان ~~الدوق ده ريفولي يزحف إلى ميسرة أدركلا تاركا للزحف إلى إسبيرن فرقة واحدة أمرت بأن ~~تتظاهر بالتقهقر إلى جزيرة لوبو. وأعطي الدوق دورستيد أمرا بمجاوزة قرية كروسهوفن ~~للدنو من الوسط. # في صباح اليوم السادس من الشهر شغل أمير بونت كورفو الميسرة، وكان الدوق ده ريفولي في ~~الخط الثاني، وأما الخطوط الأخرى فكانت تشغلها فرق الكونت أودينو والدوق ده راغوز ~~والحرس الإمبراطوري. # زحف الدوق دورستيد من الميمنة ليصل إلى الوسط، في حين كانت فرقة بللفارد العدوة ~~تزحف إلى ستادلو، وفرق كوللوراث وليكتنستن وهيللر تربط هذه الميمنة بمركز وكرام حيث ~~كان أمير هوهنزوللرن. # وما هي إلا هنيهة حتى التقت فرقة روزنبرج بفرقة دورستيد وبدأت بوادر القتال، عند هذا ~~انقض الإمبراطور على هذه النقطة بما لديه ms236 من الجند والمدافع، ولم يمر ربع ساعة حتى ~~كسرت فرقة الدوق دورستيد فرقة روزنبرج ورمتها إلى ما وراء نوزييديل بعد أن حملتها ~~خسائر لا تحصى. # كانت المدافع في تلك الآونة تقوم بواجبها على طول الخط؛ فأمر نابوليون الدوق ده ~~ريفولي بالهجوم على القرية التي يشغلها العدو، وأشار إلى الدوق دورستيد بأن يزحف إلى ~~وكرام، وأعطى أوامره للدوق ده راغوز والجنرال مكدونلد بالاستيلاء على وكرام ساعة يدخلها ~~الدوق دورستيد. # في أثناء ذلك، شاع أن العدو يهاجم القرية التي استولى عليها الدوق ده ريفولي مهاجمة ~~شديدة، وأن ميسرة الجيش الفرنسي قد تقدمت إلى الأمام ثمانية عشر ألف قدم، وأن المدافع ~~تنطلق كالعواصف في كروس إسبيرن والمسافة التي بين كروس إسبيرن ووكرام مغطاة بخط عظيم ~~من المدافع؛ فأمر الإمبراطور الجنرال مكدونالد بأن ينظم فرقتي بروسييه ولامرك ~~صفوفا للهجوم عضدها بفرقة الجنرال نانسوتي وخيالة الحرس مع مائة مدفع. أما الجنرال ~~الكونت ده لوريستون فقد زحف على رأس تلك الكتيبة المؤلفة من مائة مدفع إلى حيث كان ~~العدو من غير أن يطلق النار، حتى صار على مقربة منه؛ عند هذا بدأت طلائع نيران هائلة ~~أطفأت نيران العدو وزرعت الموت في جميع صفوفه. وزحف الجنرال مكدونالد نحو الأعداء يعضده ~~الجنرال راي، وما هي إلا لمحة عين حتى خسر وسط العدو فرسخا من الأرض، وشعرت ميمنته ~~بخطورة المركز الذي هي فيه فتقهقرت بسرعة عظيمة ولحق بها الدوق ده ريفولي يهاجمها ~~مهاجمة شديدة. بينما كان اندحار الوسط يكابد الويل ويحمل الميمنة ويلا آخر، كان ~~الدوق دورستيد يهاجم الميسرة وهو زاحف إلى وكرام. لقد تكللت فرقتا بروسييه وغودن بمجد ~~عظيم! # عند الظهر، زحف الكونت أودينو إلى وكرام ليعضد الدوق دورتسيد ففاز فوزا باهرا ~~واستولى على هذا المركز الخطير، وفي صباح النهار السابع كان الجيش زاحفا إلى كورنوبرج ~~وولكرسدورف، أما العدو فلما قطع عليه طريق هونغاريا ومورافي وجد نفسه منحصرا في ~~جهة بوهيميا. # هذه هي كيفية حدوث موقعة وكرام، تلك الموقعة الخالدة في التاريخ التي شاهدت أربعمائة ~~ألف رجل وألفا ms237 وخمسمائة مدفع يتطاحنون في سبيل مصالح كبيرة في ساحة درسها العدو ~~وحصنها طوال أشهر عديدة. أما الغنائم التي استولى عليها الجند الفرنسي فهي عشرة أعلام ~~وأربعون مدفعا وعشرون ألف أسير بينهم أربعمائة ضابط وعدد من القواد غير قليل، ~~وأما ساحات القتال فقد غطيت بالموتى، الذين شوهدت بينهم جثث كثير من القواد، ~~عدا عن قائد يدعى نورمان وهو فرنسي خان وطنه ودنس مواهبه في سبيل العدو! # رأى نابوليون نفسه، للمرة الثالثة، سيدا على البيت اللوريني الذي عزا إليه نكران ~~الجميل أمام أوروبا والتاريخ، وللمرة الثالثة نزل هذا المنتصر العظيم عند المطاليب ~~السلمية، التي طرحها مسببو الحرب، الذين أفقدتهم معركة وكرام كل آمالهم وقضت على ~~جميع ذخائرهم. طلب إمبراطور النمسا توقيف القتال فمنحه نابوليون ذلك في العاشر من شهر ~~تموز، في زنائيم، ثم فتحت المداولات في سبيل السلم، وبقيت ثلاثة أشهر سكن نابوليون ~~خلالها قصر شنبرن. # أمر الإمبراطور بمحاكمة الجنرال مونه الذي أساء الدفاع في فليسنغ. ولكنه، بقدر ما كان ~~صارما نحو الذين لم يعملوا كل ما بوسعهم لإنقاذ الشرف الفرنسي، كان متساهلا في ~~مجازاة رجال الدماغ والقلب الذين عضدوه في ساحات الحروب، إن بشجاعتهم، وإن بآرائهم؛ ~~فإنه أعطى لقب مرشال، بعد معركة وكرام، إلى أودينو ومكدونالد ومارمون. # كان الجيش الفرنسي في ذلك الحين مستتبا في جميع جهات ألمانيا؛ من الدانوب إلى ~~الأيلب، ومن الرين إلى الأودير. إلا أن هذا الاحتلال المثقل على الأهلين إنما كان ~~يدفعهم إلى سماع جميع الشكايات التي كان عملاء إنكلترا وجواسيس فيينا وبرلين يوجهونها ~~نحو فرنسا وإمبراطورها، والنزول عندها والاقتناع بها، فتصويب اللوم والحقد على نابوليون ~~إذ يصور لهم أنه إنما يغذي الحرب في سبيل مطامعه وجشعه. # أما بوادر هذا الحقد فقد ظهرت في شنبرن حيث حاول أحد الشبان المتعصبين أن يقتل ~~نابوليون وقد جاء من أرفورث إلى فيينا لهذه الغاية، ولما ألقي القبض عليه بقي هادئا ~~لم ينبس ببنت شفة، ولم يبد أقل ندم على محاولته، بل أظهر تأسفه على عدم ~~تمكنه من قتل الإمبراطور، فأراد ms238 نابوليون أن يطلع منه على بلاده وأسرته وعلاقاته ~~وعاداته، فصرح الشاب أنه يدعى ستاب من مدينة أرفورث وابن أحد الوزراء المنتمين ~~إلى مذهب لوتيروس، فسأله نابوليون عن السبب الذي ردعه عن قتله يوم كان في أرفورث، ~~فأجابه الفتى: «كنت يوم ذاك متساهلا مع بلادي حتى ظننت الحرب قد انتهت واستتب ~~السلام.» لم يشأ هذا الشاب أن يضرب في نابوليون إلا مسبب الحرب، والقاهر المنتصر الذي ~~لا يعيى، ومقلق الراحة الأوروبية. ولو أدرك الشعب الألماني الموقف الحقيقي، ومن هم ~~الذين غذوا الحرب في أوروبا لصوب حقده على حكومته نفسها وشهر عليها الحرب. ولقد فهم ~~نابوليون من جواب هذا الفتى إلى أية درجة هيجت سياسة أعدائه الكاذبة أدمغة ~~الألمانيين، وود أن يعفو عن ستاب الذي أعجبته صراحته وجرأته، والذي لم يكن سوى آلة ~~عمياء تديرها مشتهيات حركتها المداولات القديمة، إلا أن أوامره لم تصل في الوقت ~~المناسب، ونفذ حكم الموت في الفتى الألماني الذي تلقاه بكل ثبات ورباطة جأش ~~صارخا: «ليحي السلام! لتحي الحرية! لتحي ألمانيا!» # وأخيرا عقد الصلح في فيينا في الرابع عشر من شهر تشرين الأول سنة 1809، ولقد أذعن ~~إمبراطور النمسا إلى التخلي عن بعض أراضيه لفرنسا، حتى إن القيصر نفسه، الذي كثيرا ما ~~عاضد أعداء فرنسا في الحرب، أتيح له أن يأخذ حصته من الأراضي التي سلخت عن ممالك ~~حلفائه السريين؛ إذ إن نابوليون، الذي كان يثق برصانة المظاهرات التي جرت في أرفورث، ~~أعطى الإسكندر القسمة الشرقية من غالليسيا القديمة المحتوية على أربعمائة ألف ساكن. ~~ولما وقعت المعاهدة غادر نابوليون شنبرن ليعود إلى فرنسا، ووصل إلى فونتينبلو في ~~السادس والعشرين من شهر تشرين الأول. # | الفصل السادس عشر # وقف الملوك عن المقاومة في جميع الجهات؛ إذ إن كبرياء الأسر الأريستوقراطية الموروثة قد ~~قهرت جميعها، وتضاءلت أمام مجد العرش الإمبراطوري، أو لجأت إلى ما وراء البحار لتخفي ~~عارها وجراحاتها؛ فأسرة براغانس الشمالية هربت إلى البرازيل، وأسرة نابولي إلى سيسيليا، في ~~حين قدم بوربونيو إسبانيا إلى بايون يتسولون مساعدة نابوليون ويتخلون له ms239 عن عرشهم. ~~أما الرءوس الشامخة في الشمال كأسرتي لورين وبراندبورج، اللتين كانتا تذهبان في مذاهب ~~العظمة والكبرياء، فقد اضطرتا إلى الرضوخ للإمبراطور العظيم والتشفع إليه في اعتبارهما ~~حليفتين له، وأما زعيم أسرة رومانوف العظيمة، فقد تكلف ترك دوره البطولي الذي أحرز فيه ~~لقب أول فارس من فوارس الحق الإلهي، ليصرح أينما كان بأنه صديق الرجل العظيم الذي أتاح له ~~المبدأ الثوري أن يقبض على ناصية عرش فرنسا، ثم إن الأمراء الصغار والجمهوريات أجبرتهم ~~الضرورة على الاشتراك في ذلك الرضوخ العالمي، فالأمراء الألمانيون لم يجدوا بدا من الدخول ~~في حماية القاهر الأكبر، كما أن الجمهوريين الباتافيين طلبوا إليه أن يمنحهم ملكا من ~~أسرته. # إلا أن مستنقعا مشبوها كان يتراءى، في وسط ذلك الرضوخ العالمي، الذي أنتجه الإعجاب عند ~~البعض والخوف عند البعض الآخر؛ ففي زاوية من أوروبا، في أطراف إيطاليا، كان أحد الزعماء ~~السياسيين، وهو أكثرهم ضعفا وادعاء، يتجاسر أن يقاوم وحده المتسلط العالمي فلا يخشى ~~أن يكدر بوعيده ولعناته موسيقى الإكرام والإعجاب التي كانت تدق في جميع أطراف أوروبا. ~~أما ذلك الزعيم، أو بالحري ذلك الأمير المتمرد، آخر عنصر من عناصر مقاومة الماضي ~~لتطلبات رجل الحاضر، فقد كان البابا نفسه الذي ترك في الماضي قصر الكيرينال # 1 # ليكلل نابوليون في باريس. # أيستطيع البابا كأمير زمني غير مهاب، أن يتكل بعد على تأثير الصواعق الروحية؟ وهل ~~القرون الوسطى، التي تنهار أو تتداعى من جميع الجهات، تستطيع أن تجدد قواها في روما؟ ثم ~~هل إن النظم والمعتقدات الدينية، التي كانت سببا لعظمة البابوية وازدهارها، لم تقاس ~~نكبات الزمن كما قاستها النظم والمعتقدات السياسية التي أسست عليها الأريستوقراطية ~~والملكية سلطانها؟ # إن التاريخ يقول عكس ذلك. كتب إلى البابا من فرنسا، منذ أكثر من مائتي سنة، أن براءاته ~~تصبح جليدا وهي عابرة جبال الألب. ومنذ ثلاثة قرون أتيح للروح الفلسفية، والعلوم النظرية ~~الحرة أن تنزع من السلطة الباباوية نفوذها العظيم الذي ساد في شمالي أوروبا. لقد بدأت ~~الثورة في ألمانيا ضد سيادة القرون الوسطى ms240 بعد أن اتخذت أساسا لها المسائل الدينية التي ~~اختلف عليها وأنكرها العقل البشري. ولقد هيجت الثورة في الكنيسة ثورة إنكلترا في الأمة. ~~أما في فرنسا فقد رئي أن الانشقاق والإلحاد بقيا يحترمان عرش القديس لويس، وقد يكون سبب ~~ذلك أنهما لم يستطيعا أن يجلسا عليه، إلا أن الإيمان الروماني لم يربح شيئا من الاحتفاظ ~~العلني الذي أظهرته المملكة المسيحية الصرفة. لا يبقى لنا داع لأن نتكلم عن الحملات التي ~~وجهت إلى تقاليد الفاتيكان لدى ظهور المذهب الكليكاني، الذي حاول أن يخضع نبوغ هلدبران # 2 # لنبوغ بوسويه إذا قلنا إنه كان هناك عنصر ثورة أقوى وأشد بأسا من الانشقاق ~~والإلحاد قد شن غارة على جميع مراقي المجتمع الفرنسي، وهو الفلسفة التي لم تتخذ شعارها ~~تشييد معابد ضد معابد، بل زعزعت جميع المذاهب بتسييرها شبح الشك والريبة عليها جميعا، ~~وفازت في ذلك أبهر فوز. ولقد كان مونتين وديكارت، فولتير وروسو أكثر خطرا على السدة ~~الرسولية من لوتيرس وكلفين. # لم يكن بيوس السابع ليتمكن من نكران هذه الحقيقة التي أعلنها خلفاؤه أنفسهم في شكايات ~~مرة أليمة، إلا أنه إنما كان أمين سلطة سادت على الملوك وتحكمت في ضمائر الشعوب، يوم ~~كان الكهنوت الحارس الوحيد للعلوم والآداب، والخفير المفلح للرقي الاجتماعي، وحامي ذمار ~~الشعوب ضد تعديات الإقطاعية الظالمة، وكان فخورا بهذا التذكار، ومستندا في آن واحد إلى ~~الإيمان الذي يريه ينبوع سلطته في السماء؛ لذلك لم يكن يعتبر ذلك التواني في العقائد ~~الدينية إلا ضلالا عرضيا من الروح البشرية، ولم تكن كبرياؤه لتسمح له بأن يعترف أن ~~انحطاط مذهبه إنما سينقص من نفوذه العظيم. إلا أن ادعاء البابا هذا لم يكن سوى وهم ~~شريف؛ فالسلطة الروحية التي هذبت العالم الإقطاعي لم تبلغ في سقوطها إلى الدركة التي بلغت ~~إليها الإقطاعية نفسها. وكان من الطبيعي أن الأفكار الدينية، التي أعطت الإكليروس سيادته ~~على الأشراف إبان ازدهارهم المشترك، تجعل خرائب النفوذ الإكليريكي أقل تلفا من هوان ~~الأريستوقراطية؛ إذ إن ذهاب الأريستوقراطية لم يترك أقل فراغ في ms241 الأمة خلاف ذهاب ~~الكهنوت؛ لأنه إذا كان من السهل على الفلسفة، التي تقلب نظاما سياسيا، أن تشيد على ~~أنقاضه نظاما جديدا، وإذا كان من الهين عليها أن تعمل جمهورية أو ملكية، وتنظم ~~حكومة وتخلق شرطة، وتوجد رجالا وقوانين لإنقاذ المجتمع خلال تشويش عهود الانقلابات الأدبي، ~~فالنظام الديني لا يستطيع أن يقوم بعمل من هذه الأعمال. إذن فالعقائد القديمة، على ما يطرأ ~~عليها من الضعف، تبقى كخرائب محترمة يأوي إليها جميع الذين يشعرون بحاجة إلى الصلاة ~~والإيمان. فهذا الثبات الذي تواظب عليه كتلة المؤمنين على سبيل العادة، والذي يكفي وحده لأن ~~يصون بعض الحركة في المعابد؛ هذا الاستمرار في العبادة خلال خرائب المذاهب والمعتقدات، هو ~~الذي استطاع أن يخدع السلطة الروحية في موقفها الحقيقي ويقودها إلى الاعتقاد بأنها لا تزال ~~تحفظ من القوى ما يسمح لها أن تخاطب الملوك والأباطرة بتلك اللهجة الفخورة التي تعودها ~~راهب «كلوني». # 3 # أراد بيوس السابع عام 1805، بعد تتويج الإمبراطور بأيام قلائل، أن يحقق الآمال التي عبر ~~من أجلها جبال الألب «ليكرس» في باريس الثورة الفرنسية في شخص نابوليون؛ فطلب أن ترجع ~~إليه سفاراته وترحب أراضيه، إلا أن هذه المنحة لم تدخل في نظريات الإمبراطور بإيطاليا، ~~ورفضها رفضا باتا. عند هذا ندم الخليفة على ما فعل، وتظاهر بغضبه في كلماته ورسائله ~~وجميع أعماله، ورفض الطرق القانونية من الأساقفة الذين سماهم الإمبراطور وفقا للاتفاقية، ~~وعزم أن يفتح مرافئه في وجه الإنكليز، فأثار هذا التصرف غضب الإمبراطور؛ فكتب إلى البابا ~~في الثالث عشر من شهر شباط سنة 1806 ما يلي: ~~«إن قداستك إنما هي سلطانة روما، إلا أنني إمبراطورها، ويجب على جميع أعدائي ~~أن يكونوا أعداءها.» # فأجابه الخليفة: «إن الخليفة الأعظم لم يعترف ولن يعترف بسلطة فوق سلطته ... فإمبراطور روما غير ~~موجود، ومن واجب نائب الله أن يحافظ على السلام مع الجميع من غير أن يفرق بين ~~كاثوليكي وهرطوقي.» # حاول سفير نابوليون أن يقنع الخليفة بأن لهجته هذه لا تجديه نفعا سوى أنها تسبب لروما ~~نكبة شديد. فبقي ms242 البابا مصرا على عزمه، وقال للسفير الفرنسي: «إذا نزعوا مني حياتي فإن ~~قبري ليشرفني، وينتصر لي الله في السماء والتاريخ على الأرض ... وإذا نفذ الإمبراطور ~~تهديداته وأبى أن يعترف بي كأمير ذي سلطان؛ فإني لأرفض أن أعترف به كإمبراطور.» كان ~~الخليفة يظن أن لعنة تسقط من فمه تكون شؤما على نابوليون. قال: «إن الاضطهاد يورث ~~الانشقاق وهو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الكنيسة.» # إلا أن القوة الأدبية، التي كان البابا يتمسك بها، لم تستطع أن تعيد إلى روما سلطانها ~~القديم؛ لأن الشعوب جميعها نزعت عن الرضوخ والطاعة. فبعد أن سادت روما على الملوك في سبيل ~~الشعوب المسيحية، أنفقت والملوك على الشعوب ساعة خلع الرقي ثوب الكاهن ليرتدي وشاح ~~الفلسفة. أجل، عدلت القوى الفاتيكانية عن القيام ضد المظالم الإقطاعية وصوبت إلى العقل ~~المتمرد والروح النزوعة، وحصل الاتفاق بين التاجين الملكي والباباوي من غير ما نظر إلى ~~المعتقدات الدينية. # لقد حلا للبابا بيوس السابع أن يرتفع إلى كبرياء الفاتيكان، تلك الكبرياء التقليدية، وأن ~~يظهر من أعالي الكيرينال صواعقه المنطفئة. إلا أنه كان يعلم أنه لم يبق يستطيع أن ~~يحرك إلا بعض النفوس المنزوية في أعماق الأديرة والمعابد. ومع كل ذلك، تظاهر باستعداده ~~لاستقبال عدوه القاهر في قصر الفاتيكان من غير أن يترك حسام غريغوريوس السابع وسكست ~~الخامس. قال: «إن قصر الفاتيكان ليتشرف باستقبال جلالتكم وحاشيتها.» ولكن الإمبراطور لم ~~يستطع أن يقوم بهذه الرحلة، التي كان قد أعلنها إلى البابا؛ لأن مسائل البورتغال وإسبانيا ~~أبقته في باريس ليعد العدة لاجتياز البيرينه . إلا أن المفاوضات بقيت مستمرة بين ~~نابوليون والسدة الرسولية من غير أن تفضي إلى نتيجة حسنة، وما كان سخط البابا على ~~نابوليون إلا ليزداد من يوم إلى يوم. أما نابوليون فأصر إصرارا تاما على رفض مطاليب ~~الخليفة، وعزم أن يدفع الجيوش الفرنسية إلى احتلال الولايات الرومانية، إلا أن البابا قد ~~حزر ذلك فقال للمفاوض الفرنسي: «إننا لن نقف في وجه الجنود، ولن أدع سبيلا لإطلاق ~~بندقية، ولكن يجب على قائدك أن يحطم الأبواب حتى ms243 تضطر الكتائب أن تمر على جثتي؛ إذ إنني ~~أكون بنفسي على أبواب المدينة، عند هذا يعلم الخلق جميعهم أن الإمبراطور رفس برجله ذلك ~~الذي «كرسه» والله العلي يكمل الباقي.» # وما هي إلا أيام قلائل حتى احتلت روما احتلالا عسكريا، فلقد زحف إليها بعض الكتائب ~~التي أتيح لها أن تقبض على ناصية مدينة قيض لها مرتين أن تسود على العالم. وهكذا ~~احتجبت مليكة الأمم، فلم تبق روح العصر القديم لتستطيع أن تسهر في الكابيتول، وحشرجت روح ~~القرون الوسطى في أعماق الفاتيكان. # إن هذا الانقلاب، الذي لم يكن أقل عظمة من انقلاب بابل، أكمل انتصار الثورة الفرنسية ~~فأتيح للروح العصرية أن تؤيد سلطتها في العالم وتضع حدا نهائيا للعظمة الرومانية، ~~من غير أن تثير اعتراض الشعوب المسيحية وملوكها أو تدق في العالم الكاثوليكي أجراس حرب ~~صليبية أخرى. أما البابا فلم يشأ أن يبقى ساكنا لدى هذا الانقلاب، فأطلق على الإمبراطور ~~حرما علنيا جاء فيه: «باسم الله العلي العظيم، والرسولين بطرس وبولس، وباسمنا نحن نصرح ~~بأنكم استحققتم الحرم أنتم وجميع حاشيتكم استنادا إلى الجرم الفظيع الذي ~~اقترفتموه.» # كان نابوليون في فيينا تحف به أكاليل أكموهل وراتيسبون عندما علم بنشر هذا الحرم، فعزم ~~أن يطلب من الخليفة حالا أن تنضم أراضي الفاتيكان إلى الإمبراطورية الفرنسية، وإذا حاول ~~أن يرفض ذلك يضطره إلى أخذه أسيرا، وعهد إلى الجنرال راده بأن يقوم بهذه المهمة الشاقة. ~~في ليل اليوم الخامس من شهر تموز 1809 وصل الجنرال راده إلى قصر الكيرينال وألح على ~~الخليفة بأن ينزل عند طلب الإمبراطور، لئلا يؤدي رفضه إلى عاقبة وخيمة، فأجابه البابا: ~~«لا أستطيع ولا أريد. فلقد وعدت الله أن أحفظ للكنيسة جميع ممتلكاتها ولن أخلف بوعدي ما ~~زلت حيا!» فقال الجنرال: «إنني آسف أيها الأب الأقدس أن ترفض قداستك النزول عند هذا ~~الطلب؛ إذ إن هذا الرفض إنما يعرض قداستك لسوء.» فقال البابا: «لقد قلت؛ وما من شيء على ~~الأرض يستطيع أن يحولني عن عزمي، تراني مستعدا لهرق آخر نقطة من دمي ms244 قبل أن أحنث ~~باليمين التي أعطيتها لله.» فقال الجنرال: «بما أن عزمكم هو هذا؛ فإني آسف أن أنفذ ~~الأوامر التي أعطيتها.» فقال البابا: «حقا يا ولدي إن هذه الأوامر لا تمنحكم بركات ~~السماء.» فقال الجنرال: «أيها الأب الأقدس، يجب أن أصحب قداستكم.» فقال البابا: «هذه هي ~~المكافأة التي استحققتها جزاء ما صنعت يدي لإمبراطورك! ولكن قد أكون مخطئا أمام الله ~~فيريد أن يعاقبني وإني لراضخ بكل تواضع.» فقال الجنرال: «إني أقوم بما عهد إلي، ~~وأراني آسفا على تنفيذه لأني كاثوليكي وولد قداستك.» عند هذا سأله الكردينال بكا: «أيستطيع ~~الأب الأقدس أن يصحب معه من يشاء؟» فأجابه الجنرال إنه تبعا لأوامر الإمبراطور لا يحق ~~لأحد أن يكون بمعية البابا إلا نيافته. فاستطرد الكردينال قائلا: «كم هي المدة المعطاة لنا ~~للتأهب؟» فقال الجنرال: «نصف ساعة.» عند هذا نهض الخليفة ولم يتلفظ بسوى هذه العبارة: ~~«فلنذهب ولتكن معنا مشيئة الله.» # كانت مركبة تنتظر البابا على باب القصر، فصعدها بيوس السابع والكردينال بكا وجلس الجنرال ~~راده أمامهما. وبعد فترة وصلت المركبة إلى الباب الخارجي، فترجل الجنرال راده، وألح على ~~البابا مرة أخرى أن يرتدع عن إصراره، فلم يجبه الخليفة بسوى هذه الكلمة الجافة: لا! ~~وكان هناك مركبة أخرى صعدها البابا والكردينال، وما هي إلا مدة قصيرة حتى كانت المركبة خارج ~~روما على طريق فلورنسا. # قال السيد ده بوريين: «بقي الخليفة المسكين يتيه من مدينة إلى مدينة؛ فإن إليزه ~~أرسلته من فرنسا إلى تورين، ومن تورين أرسله أمير بورغيز إلى داخلية فرنسا ، حتى أرسله ~~نابوليون إلى سافون. إلا أن هذا الحادث، وإن كان أليما؛ فإنه لم يبشر بغضب السماء على ~~نابوليون؛ إذ إنه في الليلة نفسها التي أسر فيها البابا ربح الفرنسيون معركة ~~وكرام.» # بينما كانت المفاوضات في سبيل السلم جارية بين نابوليون والنمسا، أرسل نابوليون من قصر ~~شنبرن الإمبراطوري إلى الجنرال ميوللي، الحاكم العسكري في روما، أمرا بتنفيذ المرسوم ~~القاضي بضم الولايات الباباوية إلى الإمبراطورية الفرنسية. # توقف الإمبراطور مدة في فونتنبلو لدى عودته من ms245 ألمانيا، ثم والى سيره إلى باريس فخف ~~إليه الملوك الذين خلقهم لتهنئته بانتصاراته الجديدة وعقد الصلح. إذا استثنينا إنكلترا، ~~التي لم يستطع نابوليون أن يغرس نسوره على أبراجها، فيكون الإمبراطور قد وصل إلى أوجه؛ ~~إذ لم يبق له في أوروبا ما يضيفه إلى مجده وعظمته، فلقد مهد للثورة الفرنسية عروشا في ~~نابولي، ومدريد، وروما، وميلان، وفيينا، ومونيخ، وستوتجار، وكاسل، وميانس، ودريسد، وهمبورج، ~~وبرلين، وفرسوفي. إلا أنه إنما كان يتمنى شيئا واحدا بعد، وهو أن يكون له ذرية ترث ~~التاج بعده، فأخذ يحلم في اكتساب أصدقاء وحلفاء لأسرته، وخيل إليه أنه يبلغ هذا الأرب ~~إذا طلق جوزيفين وتزوج زواجا آخر يضمن له ورثاء شرعيين؛ إذ إن تبنيه لأوجين ~~بوهارنه لم يكن كافيا، ولم يكن أوجين قد نشأ ليجلس على العرش. كان نابوليون يرغب في أن ~~يلقي مقدرات إمبراطوريته في مهد طفل ولد أميرا إمبراطوريا، لا أن يعهد بها إلى ~~الخلق النبيل والكفاءة الأكيدة اللذين عرفا في رجل نضجت روحه إلى جنب الإمبراطور. وكانت ~~جوزيفين تتوقع حدوث هذا الأمر الجلل، بالرغم من أنها، على حد قول نابوليون نفسه في ~~مذكرات سنت هيلين، منحت زوجها السعادة في الحياة وأظهرت له في كل حين أنها الصديقة ~~الأكثر عطفا ورقة. # كان نابوليون رجل سياسة قبل كل شيء، فلم تستطع العاطفة الحميمة أن تتغلب على مصالح ~~الأمة في نفسه. أما جوزيفين فلم يفتها أن تقرأ بختها المنتظر على سيماء زوجها العظيم، ~~الذي كان يتباعد عنها كلما ارتفع في دائرة المجد وأباطيل الملك. وأخيرا تحقق ما كانت ~~تتوقعه ساعة فاتحها الإمبراطور بالسر المشئوم الذي كثيرا ما أبصرته في أعماق نفسه. في ~~اليوم الثلاثين من شهر تشرين الثاني عام 1809 تناول نابوليون وجوزيفين الغذاء معا، فكان ~~نابوليون كالح الوجه مفكرا وجوزيفين حزينة صامتة. وبعد الغداء اختلى الاثنان في غرفة. ~~قالت جوزيفين بعد ذلك: «كنت أقرأ على ملامحه المتغيرة الخصام الأليم الذي كان يحدث في ~~نفسه؛ إلا أنني ما لبثت أن أبصرت دنو ساعتي من خلال اضطرابه وارتعاشه. اقترب ms246 مني فأخذ ~~يدي ووضعها على قلبه، ثم نظر إلي فترة من غير أن يتلفظ بكلمة إلى أن ترك هذه الكلمات ~~المشئومة تفلت من شفتيه: «جوزيفين، حبيبتي جوزيفين! أنت تعرفين كم أحببتك وكم أحبك! ... ~~فإليك، إليك وحدك ترجع تلك الأوقات السعيدة التي ذقتها في هذا العالم. ولكن مستقبلي ~~لأقوى من إرادتي يا جوزيفين. ويجب على عواطفي، مهما كانت حساسة، أن تصمت أمام صالح ~~فرنسا».» فلم تشأ جوزيفين أن تسمع أكثر من ذلك وقاطعت الإمبراطور بحدة قائلة: «لا تزد، ~~فلقد كنت أتوقع ذلك؛ وإني لأفهمك.» إلا أن الزفرات خنقت صوتها، وتلاشى الكلام على ~~شفتيها، ثم خارت قواها، فحملت إلى مخدعها حيث رأت نفسها، بعد أن عادت إلى رشدها، بين ~~ابنتها هورتنس وكورفيزار وأمام نابوليون. # سوى أن هذه الصدمة العنيفة الأولى، التي كان الإمبراطور يتوقعها، تركت مكانا لألم أقل ~~شدة وأخف وطأة من الأول؛ فتظاهرت جوزيفين بالتجلد ونزلت عند جميع التظاهرات العمومية ~~التي طلبت منها. ففي ليل الخامس عشر من كانون الأول 1809 مثلت الفاجعة في التويلري، ~~أمام حلقة من الأقرباء، حضرها الأرشيشنسليه كامباسيريس. وهناك وقف نابوليون وتلفظ بهذه ~~الخطبة الوجيزة، قال: «إن سياسة إمبراطوريتي، ومصالح شعوبي الذين عضدوني في جميع أعمالي تريد أن أترك ~~بعدي لأولاد يرثون حبي لشعوبي هذا العرش الذي أجلستني عليه الحكمة العلياء. وبما ~~أن الحظ لم يشأ أن ينيلني أولادا من زوجتي الحبيبة الإمبراطورة جوزيفين، أراني ~~مضطرا إلى التضحية بأعذب ميول قلبي، وأن لا أصغي لسوى خير الأمة والنزول عند فسخ ~~زواجنا ... وإني، وقد بلغت الأربعين من عمري، لأستطيع أن أعتقد بأن سأعيش عمرا ~~كافيا أتعهد فيه الأبناء الذين ستمنحني إياهم الحكمة العلياء. يعلم الله كم ~~كلف قلبي هذا العزم، ولكن ما من تضحية تسمو على شجاعتي ساعة يتضح لي أنها ~~مفيدة لخير فرنسا. # لقد جملت جوزيفين خمس عشرة سنة من حياتي سيبقى تذكارا محفورا في قلبي. ولقد ~~توجتها بيدي وأريد أن تحفظ لقب إمبراطورة، وأن لا تشك يوما في شواعري بل تعتبرني ~~دائما كأعز صديق لها.» # فتمالكت ms247 جوزيفين ولفظت بأمانة هذه الكلمات العلنية، التي كان كامباسيريس ينتظرها ~~ليحملها إلى مجلس الشيوخ، قالت: «يأذن لي زوجي العظيم أن أصرح بأنني، وقد قطعت الرجاء من أولاد يحققون آمال ~~سياسة فرنسا ومصالحها، يعذب لي أن أعطيه برهانا على حبي إياه لم يعط بعد على ~~الأرض. إنني نلت كل شيء من كرمه وحبه، فيده هي التي توجتني، ولم أنل من أعالي ~~هذا العرش إلا تمنيات الشعب الفرنسي وعطفه. # إن فسخ زواجنا لن يغير شيئا من شواعر قلبي، فسأظل للإمبراطور صديقته ~~الكبيرة، إني أعلم كم أن هذا الحادث، الذي أوجبته السياسة والمصالح الخطيرة، قد ~~أساء إلى قلبه، ولكن كلا منا فخور بالتضحية التي يقدمها في سبيل الوطن ~~وخيره.» # كانت الحلقة غفيرة، فلما سمع الجميع هذه الكلمات تفطرت قلوبهم حتى كادت الدموع تتفجر ~~من عيونهم. وفي اليوم التالي أصدر مجلس الشيوخ مرسوما يقضي بطلاق نابوليون وجوزيفين. ومن ~~ثم أخذ الإمبراطور يهتم باختيار زوجة جديدة، فأشعره الإسكندر بأنه يعطيه يد إحدى ~~أخواته الغراندوقة آن، إلا أن نابوليون ما لبث أن انتهى إليه، على يد سفيره في النمسا السيد ~~ده ناربون، أن أسرة لورين تغار على اتحادها به، وأنها تغتبط بأن تراه يقترن بأميرة نمسوية ~~هي الأرشيدوقة ماري لويز. # إن سعي الأسر الأوروبية، التي هي أكثر أسر العالم ذهابا في الكبرياء؛ أجل، إن سعيها ~~للاتحاد بنابوليون، بعد أن أعمل فيها السيف وغرس نسوره على جميع أبراجها، إنما سيبقى في ~~التاريخ مثلا حيا للعظمة الخالدة التي بلغت إليها فرنسا وزعيمها الخالد. يا له نصرا ~~عظيما للديموقراطية الفرنسية! # بعد أن أوتي نابوليون الحرية في اختيار من يشاء من أميرات الدم الأكثر عظمة، صحت ~~عزيمته على اختيار ابنة إمبراطور النمسا الأرشيدوقة ماري لويز؛ فعهد إلى المرشال برتيه بأن ~~يذهب إلى النمسا ليطلب يد الأميرة للإمبراطور، فوصل في أول شهر آذار سنة 1810 إلى العاصمة ~~النمسوية، وبعد أن رفع لإمبراطور النمسا رسم نابوليون قال له: «يا صاحب الجلالة، لقد جئت ~~باسم الإمبراطور، مولاي، أطلب منك يد الأرشيدوقة ماري لويز ms248 ابنتك العظيمة. # إن ما اتصفت به هذه الأميرة من الخلال الممتازة يعدها اليوم للجلوس على عرش عظيم ~~تطلق من أعاليه تباشير السعادة على شعب كبير ورجل عظيم. # إن سياسة مولاي الإمبراطور رأت نفسها متفقة وأماني قلبه. وإن اتحاد الأسرتين ~~العظيمتين هذا يضمن للأمتين الكريمتين حياة هادئة وسلاما أكيدا.» # فأجاب إمبراطور النمسا: «إنني أعتبر طلب زواج الإمبراطور نابوليون من ابنتي كعربون لشواعر ~~إمبراطور الفرنسيين التي أحترمها. أما تمنياتي للزوجين المزمعين فلا أستطيع أن أعبر ~~عنها؛ لأنها إنما هي عائدة لسعادتي كما هي لسعادتهما. لقد منحت إمبراطور الفرنسيين يد ~~ابنتي.» # عند هذا تحول المرشال إلى الأرشيدوقة ماري لويز وقال لها: «سيدتي، لقد حقق والداك ~~العظيمان أماني مولاي الإمبراطور. قد تكون بعض أسباب سياسية أدت إلى قبول إمبراطورينا ~~العظيمين، إلا أن السبب الأول إنما هو سعادتك وسعادة قلبك يا مولاتي، تلك السعادة التي ~~يرغب مولاي الإمبراطور في أن ينيلك إياها. إن هذا اليوم، يا مولاتي، سيكون سعيدا على ~~الإمبراطور مولاي، إذا أمرتني جلالتك الإمبراطورية بأن أحمل إليك تمنيات قلبك ~~وشعوره.» # فأعطته الأميرة الجواب الذي أملي عليها، قالت: «لقد كانت مشيئة والدي وما زالت مشيئتي، ~~إذن فسعادتي إنما هي سعادته. # إني لسعيدة بأن أشارك جلالة الإمبراطور نابوليون عواطفه وعواطف أمة كبيرة! لقد رضيت، ~~بإذن والدي، أن أتخذ الإمبراطور نابوليون زوجا لي.» # ثم وجه المرشال خطابا ثالثا إلى الإمبراطورة التي أجابت بمثل ما أجاب زوجها العظيم. ~~وأحيرا أعلن السفير الفرنسي أن الإمبراطور نابوليون يرغب إلى جلالة الإمبراطور أن يرضى ~~بنيابته عنه في حفلة الزفاف. فأجاب الإمبراطور: «إنني أقبل بكل سرور الطلب الذي تعرضه ~~جلالة إمبراطور الفرنسيين، وأرجو منك يا سمو الأمير (كان المرشال قد منح لقب أمير ~~نوشاتيل ووكرام) أن تبقى تجاه فرنسا حامل التمنيات الحارة التي أنشئها، لكي توطد ~~فضائل الأرشيدوقة محبة الأميرين وسعادة شعوبهما.» # جرت حفلة الزواج في الرابع عشر من شهر آذار في عاصمة فيينا، وفي الخامس عشر منه سلكت ~~الإمبراطورة الجديدة طريق فرنسا، فوصلت في السابع والعشرين إلى كومبياني حيث كان ms249 نابوليون ~~ينتظرها. كانت قد أعدت حفلة باهرة لهذه المقابلة الأولى، إلا أن نابوليون خرق النظام ~~الذي كان خطه بنفسه فغادر كومبياني سرا في نهار ممطر، يصحبه ملك نابولي، ووقف ينتظر ~~الإمبراطورة المزمعة في رواق كنيسة صغيرة من كنائس إحدى القرى، فلما وصلت ماري لويز قفز ~~إلى مركبتها وعاد الجميع إلى قصر كومبياني، ثم اتجه الزوجان العظيمان إلى سن كلود حيث جرى ~~الزواج الأهلي في الواحد من شهر نيسان. وفي اليوم التالي دخل الزوجان إلى العاصمة حيث جرت ~~حفلة الزواج الديني التي حضرها جميع أرباب العروش والمذاهب الكاثوليكية. فمنح الإمبراطور ~~والإمبراطورة البركة الزوجية من يد الكردينال فيش بحضور الأسرة الإمبراطورية والكرادلة ~~والأساقفة وأرباب الدولة وجميع وفود فرق الأمة. # لم يمر بضعة أيام على تلك المهرجانات حتى جرى في شمالي أوروبا حادث عظيم. فلقد انتخب ~~برنادوت أميرا ملكيا على السويد خلفا لكارلوس الثالث عشر، اعتقادا من ممثلي الأمة ~~السويدية أنهم إنما ينزلون عند رغائب نابوليون في ذلك. قال نابوليون: «لقد انتخب برنادوت ~~لأن امرأته كانت شقيقة امرأة أخي جوزيف الذي كان ملكا على مدريد. أما برنادوت، الذي كان ~~يتظاهر باستقلال تام قبل انتخابه، فقد جاء إلي يأخذ رأيي قائلا. إنه لا يرضى إلا إذا ~~رضيت أنا. ولكني أجبته أنني لا أعرف أن أقف في سبيل انتخابات شعوب أخرى. هذا ما قلته ~~لبرنادوت الذي كانت سيماؤه، تخون على وجهه الحزن الذي ولده جوابي، الذي توقعه ~~طويلا.» # لم يكن نابوليون ليستطيع أن ينسى أنه كان بينه وبين برنادوت شبه مزاحمة سرية، مع أن ~~برنادوت إنما كان إفرنسيا وجنديا من جنود الجمهورية أبلى بلاء حسنا في جميع المواقع ~~التي شهرها الجيش الفرنسي. # | الفصل السابع عشر # كانت الفئة المفكرة في فرنسا تأخذ على نابوليون احتكاره للحرية الأدبية؛ إذ إنه خنق ~~حرية الكلام في المجتمعات والصحف وعلى المنابر حتى قال عنه بعض رجال السياسة الأحرار: ~~إنه كدر ضياء مشعله في الحياة وأثقل إكليله المفعم بالمجد بشبح الجلاد الظالم. # 1 # إننا وإن كنا معجبين بالقائد الأعظم الذي ملك ms250 أعنة الأمم بحبه كما ~~ملكها بسيفه، إلا أننا نقف وقفة الدهشة والاستغراب أمام ذلك الضعف الذي أظهره بكم فم ~~رجال القلم والمنبر. إننا نحترم فوق كل شيء حق الصحافة التي هي أولى السلطات المهذبة، ~~وسلطانة الوقت الحاضر الحقيقية، والممثلة الخالدة للحكمة العلياء؛ فإنها إنما هي التي دارجت ~~القنصل بونابرت في بدء حياته العسكرية، وهي هي التي أكملت الدفاع عن الثورة الكبرى. # عندما وضع نابوليون يده على زمام السلطة في فرنسا، بدأت الصحافة تشعر بتعب شديد، وأخذت ~~تتلاشى رويدا رويدا بعد جهاد عشر سنوات! ثم استحالت إلى أداة في يد كثير من الأحزاب ~~وشرعت تخدم الحكم المطلق حتى أتمت المقت والاحتقار حول الثورة التي عرفت في الماضي كيف ~~تعززها وتجعلها محترمة. # كان السيد ده شاتوبريان قد انتخب خلفا لشينيه في المجمع العلمي الفرنسي، وكانت العادة، ~~كما هي اليوم، أن يطري الخلف السلف؛ فحاول شاتوبريان أن يحرر نفسه من نير التقاليد، ~~ولم يخش أن يتخذ دورا ثوريا في قلب المجمع العلمي، فيتكلم ضد الثورة الفرنسية وينزل ~~باللائمة على الشاعر الوطني شينيه الذي أعطى فرنسا «نشيد الرحيل». إلا أن خطابه هذا لم ~~ينج من المراقبة ومنع، ولما علم به نابوليون طلب في الحال أن يطلع عليه بنفسه، ثم إنه ~~عندما رأى بأية كبرياء وأي عنف حاول مؤلف «أتالا»، الذي لم يكن بعد قد بلغ أوج عظمته، ~~أن يتحيف من الحاضر ويطري الماضي غضب غضبا شديدا، وفاجأ شاتوبريان في حلقة من القوم ~~وقال له: «أهو أنت الذي نهى بطعن كهذا؟ منذ كم يجيز المجمع العلمي لنفسه أن يكون جمعية ~~سياسية؟ ألا فلينظم أشعارا وليبحث في أغلاط اللغة، ولا يخرج عن دائرة الفنون أو ~~أعرف كيف أعيده إليها. أكان للسيد شاتوبريان سوء طوية أم كان مختل الشعور، فعلى ~~الحالين لا ينجو من عقوبات أليمة! إنني أعتبرك مجرما؛ إذ إنك لترمي إلى إقلاق الراحة ~~والتشويش والفوضى والمذابح ... أقتلة نحن أم ماذا؟ وهل أنا مختلس؟ إنني لم أسقط أحدا عن ~~عرشه، فلقد رفعت التاج من الحمأ ووضعه ms251 الشعب على رأسي! فلنحترم مشيئة الشعب! # إن بحث المسائل الحديثة وتحليلها في الظروف الحاضرة إنما هما خلق مشاكل جديدة وإيجاد ~~عداوة تقف في سبيل الراحة العمومية. ماذا؟ وهل ضاعت جهودي وثمار اهتمامي وعنايتي؟ فماذا ~~يحل بكم إذن إذا دارت الدائرة غدا وفقدتموني؟ إنكم لتذبحون بعضكم بعضا وتصبح الفوضى ~~شرا مما كانت عليه في الماضي! مسكينة أنت يا فرنسا! كم أنت بحاجة بعد إلى ~~وصي!» # في التاسع عشر من شهر آذار عام 1811 بدأت الإمبراطورة ماري لويز تشعر بأوجاع الولادة، ~~فخيف بادئ ذي بدء من نفاس خطر، وسأل ديبوس الشهير، الذي رأى أنه لا بد من عملية جراحية ~~صعبة، ماذا يجب أن يعمل إذا اضطر إلى الوقوف أمام إنقاذ الأم أو إنقاذ الولد؟ فأجاب ~~الإمبراطور بحدة: «لا تهتم بسوى الأم!» إذ إن ميول الرجل كانت قد انتصرت في قلبه على ~~مصالح الأمير في تلك الساعة العصيبة. في اليوم العشرين منه، الساعة التاسعة صباحا، زال قلق ~~نابوليون وتحققت آماله لأن ماري لويز وضعت ولدا ذكرا أخذه الإمبراطور بين ذراعيه في ~~الحال وأراه إلى ضباط قصره صارخا في سكرة من سكرات الفرح: «هذا ملك روما!» # وقصف دوي المدفع في العاصمة معلنا عن الحادث السعيد الذي حقق أمنيات الإمبراطور، ~~ثم جرت احتفالات وأعياد في جميع أنحاء فرنسا وأنحاء المدن التي استولى عليها الجيش الفرنسي ~~كنابولي وميلان وسواهما. وفي التاسع من شهر حزيران احتفل بعماد ملك روما، في كاتدرائية ~~نوتردام، فخفت باريس بأسرها إلى ملاقاة الإمبراطور؛ لأن الشعب أراد أن يتصفح بنفسه على ~~جبين بطله المشرق غبطة الأب في الإمبراطور، وأن يظهر له تعلقه به وحبه إياه. وكانت ~~الشمس جميلة والسماء صافية الأديم؛ ما جعل القوم المتحمس يقول: «إن السماء لتخدمه في كل ~~حين!» كان عماد الولد على يد الكردينال فيش، فأعطي أسماء نابوليون: فرانسوا - شارل - ~~جوزيف. قال السيد ده بوريين: «لقد حيا الحماس العمومي مجيء ملك روما إلى العالم؛ فما من ~~ولد أبصر النور محاطا بمثل هذا الإكليل الباهر من المجد!» # كان البابا في ms252 سافون كما تقدم، وكان دائما مصرا على عزمه الأول، فرأى الإمبراطور ~~أنه قريب الجوار إلى روما أو معرض لإنقاذ الإنكليز إياه، فأمر بنقله إلى فونتينبلو. ~~إلا أن نابوليون، مع قساوته لبيوس السابع، لم يكن لينسى ما عليه من واجب الاعتناء بأسيره ~~العظيم فأرسل إليه دينون ليخفف عنه أثقال المنفى؛ وما هي إلا بعض أيام حتى أخذ بيوس ~~السابع يشعر بحبه واحترامه للعالم دينون، لما عرف فيه من سعة الاطلاع وحلو الحديث، فكان ~~يطرح عليه من وقت إلى آخر أسئلة تتعلق بحملة مصر ورغب أن يطلع على الكتاب الذي ألفه ~~عن آثار هذه البلاد. أما دينون، الذي كان يتذكر أن كتابه يحتوي على بعض صفحات أرثوذكسية ~~لا تتفق ومبدأ الكتاب المقدس في ما يتعلق بعمر العالم، فقد خشي بادئ ذي بدء أن ~~يجرح قداسته ما في الكتاب من المسائل العلمية التي تخالف سفر التكوين، إلا أن البابا لم ~~يقف عند هذا التباين بين النظرية العلمية والمبدأ الموحى، ولما تبين له أن دينون يجتهد ~~في إخفائه عنه أخذ يطمئنه بقوله: «لا فرق عندي يا بني، فكل هذا غريب مدهش؛ والحق أقول ~~لك إنني كنت أجهل ذلك.» عند هذا أطلعه العالم الفرنسي أن قداسته قد حرمت في ذلك الوقت ~~الكتاب الذي يمدحه وحرمت مؤلفه معه. فقال له البابا: «محروم أنت يا بني؟ حرمتك؟ إنني ~~لشديد الأسف على ذلك، ولكنني أؤكد لك إني لم أشك في ذلك قط.» # في تلك الأثناء كانت الحرب مشتعلة في قلب إسبانيا بين الجيش الفرنسي والجيش ~~الإنكلوإسباني، وكان المرشال سول القائد العام للجيش الفرنسي، فنادى إليه فيكتور ومورتيه ~~وسبستياني ومشى توا إلى العدو فدحره حتى أوكانيا حيث تلاشى الجيش الإسباني عام 1809؛ ~~وكان الوقت قد حان لإلقاء الضربة القاضية على التمرد الإسباني والوساطة الإنكليزية، ~~فجرد الإمبراطور ثلاثمائة ألف جندي جعلهم تحت قيادة الملك جوزيف. إلا أن الذي زحف بهم ~~إنما كان بالحقيقة القائد العام المرشال سول، الذي بالرغم من المقاومة الشديدة التي قام بها ~~الإسبانيون، تمكن من الاستيلاء على غرناطة، ms253 وسفيل، وملاغه، ومورسي، وأوليفنزا، ~~وباداجوز. # بينما كان سول يطارد بقايا الجيش الإسباني في الأندلس فيحاصر المراكز ويستولي عليها، كان ~~ماسينا، الذي جاء إلى إسبانيا تحف به أكاليل المجد التي ربحها في أسلنغ، يغزو البورتغال ~~ويزحف إلى ليسبون، إلا أنه كان متكلا على مساعدة جيش الأندلس. سوى أن هذه المساعدة لم ~~تحقق أمانيه لأن سول، الذي أوقفه الجيش الإنكلوإسباني للجزيرة وجبل طارق، ذلك الجيش الذي ~~كان يغزو الأندلس والمقاطعات الشرقية لم يستطع أن يجرد فرقة واحدة من جيشه ليتبعها بجيش ~~البورتغال، فبقي ماسينا متنحيا لا يقدر أن يقاوم ويللنكتون حتى اضطر أن يعود إلى ~~إسبانيا، كان تقهقر ماسينا فظيعا؛ فإن ويللنكتون أخذ يطارد الجيش الفرنسي في الأراضي ~~الإسبانية حتى تمكن من الاستيلاء على أوليفنزا ومحاصرة باداجوز. عند هذا انتعشت آمال ~~التمرد وقويت عزائم أعداء الفرنسيين لدى ظهور ويللنكتون، إلا أن سول أسرع فهاجم برسفورد ~~في البويرا مهاجمة شديدة، واتجه إلى أقدام الجبال ينتظر المدد لينقذ باداجوز، ولكن ~~حركات بلاك وبللستيروس أرجعته إلى سيفيل. # أما ويللنكتون، فلما انعتق من مراقبة سول، حاصر باداجوز واستولى عليها في السادس من ~~شهر نيسان سنة 1812، فأسرع سول لدن علم بذلك لينقذها ولكنه لم يصل إلا في اليوم ~~التالي للاستيلاء، ورفض المنتصر الحرب التي عرضها عليه القائد الفرنسي؛ لأنه لم يكن يريد أن ~~يعرض نفسه لخسارة فتحه الحديث. # عاد سول إلى سيفيل حيث انصرف إلى تسكين الأندلس، إلا أن الإنكلوإسبانيين بقوا متابعين ~~فوزهم؛ فإنهم زحفوا من الاستريمادور إلى المانش فقاتلوا جيش الوسط، واحتلوا مدريد، ~~وأرغموا الملك جوزيف أن ينتقل إلى بلنسيا حيث يصبح تحت حماية سوشه. منذ ذلك الحين أصبح ~~احتلال الأندلس مستحيلا فتقهقر المرشال سول نحو غرناطة ومورسي، ثم انضم إلى جيش الوسط ~~ليأخذ مرة أخرى طريق مدريد ويعد العدة للاستيلاء على هذه العاصمة. # كان إسكندر روسيا قد انقطع منذ زمن طويل عن اعتبار صداقة نابوليون كفضل من فضل الآلهة، ~~ولم يبق في روح هذا القيصر من ذكريات أرفورث إلا المقت والموجدة اللذان تلدهما في غالب ms254 ~~الأحيان عاطفة منطفئة أو أمل مخدوع؛ فبالرغم من أن أوروبا البرية كانت تبدو لعينيه ~~قوية قادرة على مواصلة الحرب التي شهرتها المبادئ على الثورة الفرنسية الممثلة في ~~شخص نابوليون، لم يجد رادعا يردعه عن الإصغاء إلى تحريض الوزارة الإنكليزية له للوقوف في ~~وجه فرنسا. منذ ذلك الحين أصبح الشعب الروسي إنكليزيا في قلب روسيا؛ لأن فرنسا كانت رفضت ~~بفم نابوليون أن تضعف وتلاشي بولونيا، وتسمح للأطماع الروسية باجتياز الدانوب وتمهيد مركز ~~لها على أبواب القسطنطينية. هذا من جهة، وأما من جهة أخرى؛ فإن اختيار نابوليون زوجة له من ~~الأسرة النمسوية، إنما كان من أشد العوامل التي دفعت إمبراطور روسيا إلى الانسحاب من ~~سياسة نابوليون. # إلا أن نابوليون، الذي كان يرغب دائما في أن يلقي على أخصامه مسئولية الحروب، لم يشأ ~~أن يدخل إلى المعمعة ضد صديقه في أرفورث، من غير أن يسعى في بادئ الأمر لإيجاد طريقة ~~للصلح تتوقف عليها راحة أوروبا وطمأنينتها، فكتب إلى إسكندر روسيا يقول: «إن هذا العمل إنما ~~هو تكرار ما رأيته في روسيا سنة 1806 وفي فيينا سنة 1809. أما من جهتي فسأبقى صديق ~~جلالتك ولو اضطر الشؤم الذي يستولي على أوروبا أن يضع السلاح في أيدي شعبينا. إنني لن ~~أهاجم في الأول ولن تزحف كتائبي إلا بعد أن تمزق جلالتك معاهدة تلسيت.» # إن هذه اللهجة الملطفة خيلت للإمبراطور إسكندر أن نابوليون يخشى شقاقا علنيا، ~~وأنه ليس مستعدا للحرب؛ والذي زاده رسوخا في ظنه هذا هو التعليمات التي كان يتلقاها ~~رومانزوف من باريس، والتي تمثل إمبراطور الفرنسيين مستعدا للقيام بتضحيات كبيرة ~~ليتجنب معركة جديدة في البر. قال المداول الروسي السيد ده رومانزوف: «كانت الفرصة سانحة، ~~وكان من الواجب أن نستفيد منها.» # قبل أن يغادر نابوليون باريس ويعلن لفرنسا أن القسم الذي أعطي في أرفورث لم يكن ~~إلا لعبة أمراء، وأن إسكندر يضطره إلى إعادة الحرب في شمالي أوروبا، أشار إلى فرق ~~الإمبراطورة الكبيرة أن تتأهب تأهبات مختلفة للقيام بالحملة العظيمة التي يعدها، ~~والحرب البعيدة التي ستدوي ms255 عن قرب. # في الثالث والعشرين من شهر كانون الأول سنة 1811 صدر مرسوم يضع تحت تصرف وزير الحربية ~~مائة وعشرين ألف رجل. وفي الثالث عشر من شهر آذار التالي صدر مرسوم جديد بتنظيم الحرس ~~الوطني وتقسيمه إلى ثلاث فرق؛ وفي السادس عشر منه تألف من الفرقة الأولى المحتوية على ~~ستين ألف رجل الجيش الداخلي الذي عهد إليه بالمدافعة عن الحدود. # غادر نابوليون باريس تصحبه الإمبراطورة في التاسع من شهر أيار 1812 فاجتاز متز بسرعة، ~~فمايانس وفرانكفور، ووصل إلى دريسد في السابع عشر منه، فشغل هناك غرف القصر الكبيرة. # كان نابوليون ينهض من فراشه في الساعة التاسعة صباحا، كعادته، فتخف إليه فئة من ~~الأمراء بينهم إمبراطور النمسا وملك بروسيا ووزيرهما مترنيك وهردنبرج الذين كانوا ينتظرون ~~ظهوره مع سائر الندماء. # لا تسل عن فرح إمبراطور النمسا الذي عانق صهره معانقة ملؤها الحب، وقال له إنه يستطيع ~~أن يتكل على النمسا في انتصار المبدأ العام، وحذا ملك بروسيا حذوه فأكد لنابوليون ~~صدق العلاقة الحميمة التي تجمعهما على مبدأ واحد. # لم تطل إقامة نابوليون في دريسد فإنه لم يفتأ أن اتجه إلى شواطئ النييمن مارا ببراغ ~~حيث انفصل عن ماري لويز. وقبل أن يدخل في الموقعة زار كنيكسبرج ودانتزيك، وكان معه مورات ~~وبرتيه. # في الحادي عشر من شهر حزيران ترك الإمبراطور دانتزيك، وأخذ طريق كنيكسبرج التي وصلها في ~~اليوم التالي بعد أن استعرض في طريقه فرقة دافو، إلا أنه قبل أن يعطي إشارة العداء، ~~أراد مرة أخرى أن يسعى لإيجاد الوفاق بينه وبين الإسكندر، فعهد إلى معاونه القائد لوريستيون ~~بأن يجتهد للوصول إلى القيصر نفسه ويعبر له عن رغبته الشديدة في التفاهم مع صديقه في ~~تلسيت وأرفورث، ولكن لوريستون لم يستطع أن يصل لا إلى الإسكندر ولا إلى وزرائه. فلما انتهى ~~إلى نابوليون أن معاونه قد أهين لم يتردد بأن أعطى إشارة للتقدم إلى الأمام وعبور ~~النييمن. قال: «إن المقهورين يتخذون لهجة القاهرين، فلا ريب أن القضاء قد استولى عليهم ~~فدفعهم إلى ذلك، ألا ms256 فلتتم مشيئة القدر!» ونشر هذا النداء التالي المؤرخ عن معسكر ~~ويلكورسكي: # أيها الجنود # لقد بدأت حرب بولونيا الثانية، أما الأولى فقد انتهت في فرييدلان وتلسيت؛ في ~~تلسيت، أقسمت روسيا لفرنسا على اتحاد دائم معها وعداوة لإنكلترا. وهي تحنث اليوم ~~بقسمها. # إن روسيا تسير مع القضاء! ويجب على مقدراتها أن تتم. ماذا؟ أتظننا قد ~~قلقنا؟ ألم نبق جنود أوسترلتز؟ إنها لتوقفنا بين العار والحرب، إذن فلنزحف إلى ~~الأمام! ولنعبر النييمن ونحمل الحرب إلى حدودها. ستكون حرب بولونيا الثانية مجيدة ~~للجيش الفرنسي كما كانت الأولى، إلا أن الصلح الذي سنعقده إنما سيحمل الضمان ~~المؤكد ويضع حدا لذلك التأثير المتعجرف الذي راضته روسيا منذ خمسين سنة في ~~مسائل أوروبا. # كان الجيش الفرنسي المؤلف من ثلاثمائة ألف رجل مقسما إلى ثلاث عشرة فرقة مع استثناء ~~الحرس. فعهدت الفرقة الأولى إلى دافو، والثانية إلى أودينو، والثالثة إلى ناي، والرابعة ~~إلى الأمير أوجين، والخامسة إلى بونياتووسكي، والسادسة إلى كوفيون سن سير، والسابعة إلى ~~رينيه، والثامنة إلى جيروم نابوليون ملك وستفالي، والتاسعة إلى فيكتور، والعاشرة إلى ~~ماكدونلد، والحادية عشرة إلى أوجرو، والثانية عشرة إلى مورات، والثالثة عشرة إلى أمير ~~شوارتزنبرج، أما فرق الحرس المختلفة فقد عهدت قيادتها إلى ثلاثة مرشالية هم: ~~لوفيفر، ومورتيه وباسيير. # عندما اقترب هذا الجيش الهائل أخذ الروسيون بالتقهقر تاركين خط النييمن ليتجهوا إلى ~~شواطئ الدنيبر والدوينا. أما نابوليون فتبعهم عن كثب. في الثالث والعشرين من شهر ~~حزيران، الساعة الثانية صباحا، وصل الإمبراطور إلى نواحي كوونو فتنكر بقبعة وسترة ~~بولونيتين تمكن بهما أن يطوف شواطئ النييمن لاكتشاف المكان الأنسب لمرور الكتائب؛ وكان ~~الجنرال هاكسو يرافقه وحده في هذا الطواف. فلما لاحظ نابوليون أن النهر قد عمل دائرة ~~بالقرب من قرية بونييمن عين هذه النقطة ليمر على الشاطئ الآخر، وفي مساء اليوم نفسه ~~تحرك الجيش، وما هي إلا ساعتان من الزمن حتى بنى الجنرال أبله ثلاثة جسور عبر عليها ~~الجيش طوال الليل؛ ولما انبثق الفجر كان الجيش الفرنسي قد مهد له مكانا على مسافة من ms257 ~~النهر. # في السابع والعشرين منه وصل الإمبراطور إلى تحت أسوار ويلنا، وفي صباح اليوم التالي أخذ ~~يستعد لهجوم عظيم. سوى أن الروسيين، بعد أن أطلقوا بعض المدافع ونسفوا جسر فيليا وأحرقوا ~~المئونة التي معهم، تراجعوا بسرعة لدى دنو الجيش الفرنسي، وكان الإسكندر هو الذي أعطى ~~إشارة التقهقر هذه. وفي الثامن والعشرين منه دخل نابوليون إلى ويلنا يحيط به البولونيون، ~~الذين يقودهم الأمير رادزيويل، فاستقبله هتاف الشعب الذي كان ينظر إليه كمنقذه ~~الوحيد. # أول ما قام به نابوليون عندما استولى على عاصمة ليتواني هو إعطاء هذه المقاطعة حكومة ~~موقوتة مسلما زمامها إلى بينون الذي اشتهر بعد ذلك بكتابته «وصية نابوليون» و«القضاء ~~الوطني» و«تاريخ المداولة الفرنسية». لا تسل عن التأثير الحسن الذي سببه في ليتواني عبور ~~الجيش الفرنسي نهر النييمن؛ فإن الشعب البولوني اهتز طربا في جميع الجهات، ورفع النسر ~~الأبيض على جميع المراكز، وقام جميع الكهنة والأشراف والفلاحين والنساء يطلبون استقلال ~~أمتهم. # لم يكن هينا ذلك الهتاف العظيم للكتائب الفرنسية الذي هتفته الشعوب التي سيعبر ~~الفرنسيون أراضيها للوصول إلى الروسيين. # كان معسكر الإمبراطور العام في ويلنا، إلا أن الجيش الفرنسي إنما كان يواصل زحفه ~~المنتصر على جميع النقاط، فخشي الإسكندر سوء العاقبة فأرسل معاونه الجنرال بالاشوف إلى ~~نابوليون متظاهرا برغبته في فتح مفاوضات للصلح، فاستقبل نابوليون رسول الإسكندر بكل ~~حفاوة وإكرام وأظهر له أسفه الشديد على الشقاق الذي حاول طويلا أن يتلافاه. فأجابه ~~القائد الروسي على حفاوته هذه قائلا له: «إن الإمبراطور إسكندر مستعد للدخول في المبدأ ~~البري إذا ارتد الفرنسيون عن النييمن وتخلوا عن الأرض الروسية.» ففكر نابوليون قليلا ~~ثم أجاب الرسول: «إذن فلنعقد الصلح حالا، في ويلنا نفسها، وعندما تمضى المعاهدة أرتد عن النييمن.» # 2 # إلا أن الأمر الذي جاء بالاشوف من أجله لم يكن لهذه الغاية، فصرح أنه يريد قبل كل ~~شيء أن يحصل التخلي السريع عن الأرض الروسية، فصرخ نابوليون قائلا: «أعبارات صلح هذه؟ ~~أهكذا نهجنا في تلسيت؟ إن هؤلاء القوم لا يريدون سوى بعض أيام راحة، ms258 ولا يفكرون في سوى ~~إنقاذ باغراسيون. إذن فلنكمل ما بدأنا به حتى نضطر إمبراطورهم أن يرجع إلي.» # ترك الإمبراطور ويلنا في السادس عشر من شهر تموز وفي عزمه أن يدخل روسيا القديمة بوضعه ~~الوسط بين الدوينا والبوريستين، ثم قرر أن يزحف ووجهته ويتبسك وسمولنسك متجنبا ~~مطاردة بركلاي الهارب إلى بطرسبورج، وتاركا لدافو وجيروم وشارتزنبرج الاهتمام بمنع ~~باغراسيون من بلوغ معسكر دريسا حيث كان الإسكندر ينتظره، إلا أنه لم يظهر الغاية من هذه ~~الخطة لأحد من جميع هؤلاء القواد بل آثر أن تبقى سرا لا يطلع عليه سواه حتى تكشفه ~~النار في ساحة الحرب، إلا أن هذا الموقف ترك فراغا لتأويلات عديدة؛ فإن كلا من هؤلاء ~~القواد كان يحاول أن يحزر خطة الإمبراطور، سوى أن الإمبراطور كان واثقا من صحة ~~خطته وانتصارها فلم يعبأ بموقف القواد؛ ولكن، واحسرتاه، لم يكن جميع قواده عند السرعة ~~في التنفيذ كما خيل إليه في بادئ الأمر؛ فإن شقيقه جيروم الذي عهد إليه بمطاردة ~~باغراسيون ترك للجنرال الروسي على ما جاء في مذكرة سنة 1812 ثلاثة أيام متوالية استراح ~~خلالها من أتعابه في نيسويغ في حين أن نابوليون كان قد كتب لأخيه بإلحاح شديد يحثه لدفع ~~فرقته إلى الأمام. فلما جرى هذا الحادث اغتاظ الإمبراطور ووضع شقيقه جيروم تحت أوامر دافو؛ ~~إلا أن جيروم رأى أن لقبه الملكي لا يسمح له بقبول ذلك فانسحب من الجيش وكتب إلى الملكة ~~ما يلي: «بعد أن طاردت باغراسيون وطردته من أمامي ألقيته على أمير أكموهل؛ أما اليوم فقد ~~استلمت من أمير أكموهل كتابا يقول لي فيه إنني أصبحت تحت أمره ... أنت تعرفين أنني لا ~~أستطيع أن أعتبر هذا إلا أمرا من الإمبراطور، إذن فأنا أنسحب من قيادة الجناح الأيمن.» ~~فدونت الملكة هذا الكتاب في مذكراتها اليومية وأضافت إليه هذه الملحوظات: «مهما كان ~~تصرف الإمبراطور ظالما تجاه الملك فقد كان عليه أن يرضخ للظروف؛ إذ إنه ما من فائدة في ~~معاندة الإمبراطور.» # فاز الفرنسيون في المعركة الأولى فوزا باهرا، وكان ms259 هذا الفوز عائدا إلى وصول كتيبة ~~دلزون التي قهرت المشاة الروسيين الذين هاجمتهم خيالة ملك نابولي من غير فائدة. وفي اليوم ~~الثاني ظهر الجيش الروسي الذي جاءه مدد في الليل مستعدا لإعادة القتال؛ وكان الفرنسيون ~~أيضا على استعداد تام؛ إذ إن الأمير أوجين انضم إلى مورات فتضاعف عدد الجنود. # كان الروسيون يشغلون مركزا خطيرا لا يطردهم منه إلا مجموع شجاعة الجند الفرنسي؛ إذ ~~إنهم إنما كانوا على مرتفع واد عميق يقوم على يساره غاب كثيف وعلى يمينه نهر الدوينا، ~~فدافع الروسيون عن أنفسهم دفاعا جميلا في بادئ الأمر، فلما رأى القواد الفرنسيون هذه ~~الحركة الناجحة فهموا أنه لا ينشلهم من الخطر إلا شجاعة نادرة وهجوم هائل؛ فأعطى مورات ~~وأوجين المثل وحذا حذوهما جونو ونانسوتي؛ إذ إنهم هجموا جميعهم في مقدمة كتائبهم، وما ~~هي إلا بضع ساعات حتى تزعزع الروسيون من مراكزهم، واندحروا حتى نواحي كومارشي حيث وجدوا ~~غابا لجئوا إليه والتقوا بالجنرال توتشكوف فعضدهم. # كان الجيش الفرنسي ينتظر بفروغ صبر اختراق الحاجز الأخير الذي يؤخر دخوله إلى ويتبسك، إلا ~~أن قواده لم يكونوا ليريدوا التوغل من غير حكمة في غاب كثيف ملأه الروسيون بعدد من ~~الجنود لا يحصى، إذن فبقي مورات وأوجين مترددين حتى قدم نابوليون، فأشرقت الوجوه ~~بنور من الأمل، وعلا الهتاف من جميع الشفاه، وارتسم الحماس على جميع الوجوه، عند هذا أشار ~~إليهم الإمبراطور بالزحف، وما هو إلا وقت قصير حتى كان الجيش في وسط الغاب وانحدر منه إلى ~~إكمات ويتبسك، وفي السابع والعشرين من الشهر، عند مطلع الفجر، والى الجيش المنتصر زحفه ، ~~إلا أن الروسيين الذين تراجعوا بنظام، التقوا بجيش باركلي فتوقفوا وظهرت عليهم دلائل ~~الاستعداد للمعركة. # كانت ساقية لوتشيسا تفصل الجيشين بعضهما عن بعض، وكان جسر صغير ملقى على منحدر هناك وقد ~~تهدم بعضه فأشار نابوليون إلى الجنرال بروسيه بترميمه لتتمكن الكتائب من المرور عليه، ~~ثم اتجه إلى مرتفع فوقع نظره على مائتي جندي من الفرنسيين يحتجبون بين الرجال والخيل ~~ويظهرون منتصرين بعد أن أحيطوا بالخيالة ms260 الروسية من جميع الجهات، فسأل الإمبراطور ~~بحدة قائلا: «لأية فرقة ينتمي هؤلاء البسلاء؟» ثم أرسل أحد قواده ليستعلم عن ذلك ~~ويقول لهم باسمه إنهم استحقوا جميعا وسام الشرف، فكان جواب الجنود: «نحن أبناء باريس!» ~~قالوا ذلك وجعلوا يحركون قبعاتهم على رءوس الحراب هاتفين: «ليحي الإمبراطور!» # على أنه حدث أمر أخر الحرب التي انتظرها الإمبراطور طويلا. فلقد علم باركلاي أن ~~باغراسيون قد أجبر على اختيار الدنيبر والانحدار إلى شواطئ السوج فغير عزمه، وترك ~~معسكره تحت جنح الظلام، واتجه إلى ما وراء ويتبسك زاحفا توا إلى برويستين حيث كان يرجو ~~أن يلتقي بباغراسيون. ولما برز النهار دهش الفرنسيون؛ إذ إنهم لم يعودوا يرون أمامهم ~~جيش العدو الذي كان قبل ساعات يملأ بنيرانه شواطئ لوتشيسا، فاحتلوا بسرعة المراكز التي ~~تركها الروسيون ودخلوا من غير مقاومة إلى ويتبسك التي هجرها ساكنوها عندما رأوا باركلاي ~~هاربا منها. # بقي المعسكر العام أياما عديدة في هذه المدينة، انتصر الجيش الفرنسي أثناءها عدة ~~انتصارات، ولكن مداولة فجائية عضدت الروسيين في وسط انكساراتهم، قبل أن تعضدهم الطبيعة ~~بعناصرها؛ إذ إن السلطان محمود عقد الصلح مع القيصر وتداول برنادوت مع أعداء فرنسا. علم ~~الإمبراطور بهذا النبأ في ويتبسك، فقال: «سيدفع الأتراك غاليا ثمن هذه الهفوة! فهي هفوة ~~ثقيلة إلى درجة أنني ما كنت لأتنبأ عنها قط!» غير أن الجيش الفرنسي بقي يتقدم من ~~بوريستين ويلج قلب روسيا، وفي الرابع عشر من شهر آب استوطن المعسكر العام في راساسنا على ~~مقربة من سمولنسك، التي كان قد احتلها باركلاي وباغراسيون معا، وفي السابع عشر منه وقعت ~~بين الفريقين معركة هائلة اشتبك فيها مائتا ألف رجل فكان النصر للفرنسيين، فلما رأى ~~الروسيون أنهم يدافعون من غير جدوى أعملوا النار في المدينة وأحرقوا الجسور. وفي الساعة ~~الثانية من الصباح كان المركز خاليا للفرنسيين بعد أن ترك الأعداء عددا كبيرا من الموتى ~~والمحتضرين في وسط النيران والخرائب! عند هذا صرف الإمبراطور اهتمامه لإيقاف الحريق ~~وإرسال النجدة إلى المجاريح. قال الجنرال غورغو: «لم يوجد بين قواد ms261 الأمس واليوم من ~~اهتم بالمجاريح اهتمام نابوليون بهم؛ فإن سكرة المجد لم تقو يوما على إنسائه إياهم، ~~وما كان فكره بعد كل معركة إلا لينصرف إليهم.» # بعد أن طاف نابوليون في خارج المدينة، وتفقد المراكز المحصنة التي طرد الروسيين ~~منها، أراد أن يرى بنفسه المركز الجديد الذي استولى عليه العدو ما وراء بوريستين؛ فصعد ~~إلى برج قديم تهدمت أكثر جوانبه، وأخذ يفتش بعينيه عن معسكري باركلاي وباغراسيون، إلا ~~أن هذين القائدين كانا قد تقهقرا؛ الأول على طريق بطرسبورج، والآخر على طريق موسكو، ولكن ~~انتهى إلى نابوليون بعد ذلك أن باركلاي تحول عن الجهة الشمالية وهو يتقدم إلى باغراسيون ~~في طريق موسكو، فأمر جيشه بمطاردة العدو مطاردة شديدة على أمل أن يدركه فيحطمه قبل أن ~~يصل إلى عاصمته القديمة، فنفذ المرشال ناي هذا الأمر تنفيذا تاما. # كانت هذه الموقعة من أدمى المواقع، فلقد طرد الروسيون فيها أربع مرات من مراكزهم، وأربع ~~مرات عادوا فاسترجعوها حتى كسرهم الجنرال غودن شر كسرة، إلا أن الحظ شاء أن يقضي ~~على حياة هذا القائد الباسل الذي بكاه نابوليون وجميع الجيش ودفن في برج كمولنسك. # | الفصل الثامن عشر # عندما غادر الإسكندر معسكر دريسا ذهب توا إلى موسكو، فاستغنم الحاكم روستوبشين فرصة ~~وجود القيصر في العاصمة فجمع الأشراف والتجار في الكريملن ليسألهم تضحيات أخرى بالمال ~~والرجال، وأخذ يصور لهم الأعداء في قلب الأمة، ويمثل لهم نابوليون كروح متلفة ترغب في ~~هدم وطنهم وإتلاف استقلالهم الوطني وقلب دينهم؛ وهذا كاف لإثارة هؤلاء الأشراف والتجار ~~على نابوليون. ولم يكتف روستوبشين بما فعل، بل كلف رئيس الإمبراطورية، وهو أسقف عظيم، ~~بأن يجمع الشعب في الكنيسة ويحثه على الحماس الشديد ضد الجيش الفرنسي، بينما كان ~~روستوبشين ينفذ كل هذا دخل الإسكندر من أحد أبواب الكنيسة وتناول الكلام بنفسه فسرد على ~~مسامع الشعب المحتشد غاية الجلاد العالمي من هدم وطنهم ودينهم، حتى أخذت السياسة ~~الروسية طابعا مضطرما والحرب شكلا رهيبا! # على أن نابوليون لما عزم على الزحف إلى موسكو دفع الحرب بشدة ms262 هائلة، سوى أن الإسكندر لم ~~ينتظره في الكريملن، وعوضا عن أن يذهب لملاقاته على رأس الجيوش الروسية اتجه بسرعة على ~~طريق بطرسبورج، حيث أرسل كوتوزوف ليحل محل باركلاي. فعندما وصل كوتوزوف إلى الجيش كان ~~باركلاي استحكم بين فيازما وغجاث وتأهب للقتال الذي سيقع في اليوم التالي. فلم يشأ الجندي ~~القديم كوتوزوف أن يشعر القائد المعزول بأنه أحسن اختيار مركزه، ودنا الروسيون من الجيش ~~الفرنسي حتى وقفوا بالقرب من موسكو بين الموسكووا والكالوكزا، حيث وقعت الحرب الهائلة التي ~~كثيرا ما تمناها نابوليون. # في صباح اليوم السابع من شهر أيلول لما بدأت أولى أشعة الفجر بالبزوغ، كان الإمبراطور ~~نابوليون ممتطيا صهوة جواده وقد التف «بريدنكوته» الأشهب اللون وإلى جنبه راب ~~وكولنكور وبعض الكشافة. وما هي إلا هنيهة حتى وصل الكولونيل فابغيير إلى المعسكر يحمل نبأ ~~موقعة سلامنك من أعماق إسبانيا، والسيد ده بوسه من سن كلود يحمل رسائل من ماري لويز ورسم ~~ملك روما؛ فاستاء نابوليون من تصرف المارشال مارمون الذي سلمت كسرته مدريد لويللنكتون، ~~إلا أن الكولونيل دافع عن قائده دفاعا طيبا، ثم أخذ الإمبراطور رسم ولده بعطف عظيم، ~~وبعد أن أراه لمن يحيط به عهد به إلى كاتم سره قائلا له: «خذه، وانصرف به الآن، فلا ~~أريد أن يشاهد الحرب، فهو لا يزال صغيرا لذلك.» # موقعة الموسكووا # جاء في المذكرة الثامنة عشرة ما يلي: «في الساعة الثانية من صباح اليوم السابع كان ~~الإمبراطور محاطا بمرشاليته في المركز الذي اختير في المساء، وفي الساعة الخامسة ~~والنصف ظهرت الشمس بريئة من الغيوم فقال الإمبراطور: هذه شمس أوسترلتز !» ثم قرئت ~~الكلمة التالية: # أيها الجنود # تلك هي الحرب التي تمنيتموها كثيرا! إذن فالنصر يتوقف عليكم؛ فنحن بحاجة ~~إليه؛ إذ إنه ليخصب كل شيء في وجهنا ويقرب لنا العودة إلى الوطن! انهجوا كما ~~نهجتم في أوسترلتز وفرييدلان، في ويتسك وسمولنسك، ولتذكر الأجيال البعيدة هذا ~~النصر بفخر وإعجاب، ولتقل عنكم: لقد كانوا تحت أسوار موسكو في هذه الموقعة ~~العظيمة! # عن المعسكر الإمبراطوري، من على مرتفعات بورودينو، ms263 7 أيلول الساعة الثانية ~~صباحا. # فأجاب الجيش بهتاف متواصل، وكان المنحدر مغطى بجثث الروسيين على أثر المعركة ~~التي حدثت في الليلة السالفة. # عند هذا بدأ الأمير بونياتووسكي الذي يؤلف الميمنة بالتحرك ليدور دورة الغاب، ~~الذي كان العدو داعما فيه ميسرته. وبدأ أمير أكموهل بالزحف على طول الغاب. # في الساعة السادسة بدأ الجنرال الكونت سوربيه بإطلاق النار، ورئس الجنرال برنتي كتيبة ~~كومبان بثلاثين مدفعا. وفي الساعة السادسة والنصف جرح الجنرال كومبان. وفي الساعة ~~السابعة قتل جواد أمير أكموهل. وما هي إلا بضع دقائق حتى استولى نائب الملك على ~~قرية بورودينو التي لم يقو العدو على حمايتها. في الساعة السابعة انقض المرشال ~~الدوق دلشنجن على الوسط يحرسه ستون مدفعا كان الجنرال فوشه قد ركزها في المساء ~~ضد وسط العدو. هناك ألف مدفع تتقيأ بالموت من جميع الجهات. في الساعة الثامنة ~~استولي على مراكز العدو، وأصبح الروسيون يرون الموقعة خاسرة بعد أن خيل إليهم ~~أنها لا تزال في بدئها. لقد نزع من العدو قسم كبير من مدافعه، والقسم الآخر باق ~~على الخطوط المهجورة في الوراء. ثلاثمائة مدفع فرنسي تقذف القنابل من المرتفعات ~~على كتل الأعداء. # يقوم ملك نابولي بهجمات مختلفة وهو على رأس الخيالة، لقد كلل الدوق ولشنجن ~~بأكاليل المجد لما أظهره من الحماس والتجلد، أصدر الإمبراطور أمرا بالزحف إلى ~~الجبهة، وإذا بنا نستولي على ثلاثة أرباع ساحة الحرب. الأمير بونياتووسكي يقاتل في ~~الغابات بفوز عظيم. # بقي للعدو حصون ميمنته، فزحف الجنرال الكونت موران واستولى عليها، ولكنه لم ~~يقو على البقاء فيها؛ إذ هوجم من جميع الجهات في الساعة التاسعة من الصباح. عندما ~~شعر العدو بهذا الفوز عاد الأمل إليه وأشار إلى جيشه الاحتياطي بالتقدم إلى ~~الأمام. هو ذا الحرس الإمبراطوري يشترك في المعركة ويهاجم وسطنا؛ ولكن ثمانين ~~مدفعا فرنسيا أوقفت العدو، ثم حطمت جميع صفوفه التي مرت عليها ساعتان وهي لا ~~تجرؤ على التقدم ولا تستطيع التقهقر. لقد قتل الكونت كولنكور في هذه المعركة بعد ~~أن أبلى فيها بلاء حسنا؛ إنه مات ms264 ميتة مجيدة يغبط عليها! # هي الساعة الثانية بعد الظهر، لقد قطع العدو كل أمل بالنجاح، وانتهت المعركة، ~~إلا أن المدافع لا تزال تقصف، ذلك أن العدو لا يزال يقاتل في سبيل خلاصه وضمانا ~~لتقهقره لا لنصره. # لقد خسر العدو من اثني عشر ألف رجل إلى ثلاثة عشر ألفا، ومن ثمانية إلى تسعة آلاف ~~جواد أحصي عددها في ساحة القتال، وستين مدفعا، وخمسة آلاف أسير بقوا في ~~حوزتنا. # أما نحن فقد قتل منا ألفان وخمسمائة رجل، وجرح سبعة آلاف وخمسمائة. لقد قدر ~~مجموع خسارتنا بعشرة آلاف مقاتل، وقدر مجموع خسارة الأعداء بأربعين أو خمسين ألفا. ~~لم تشاهد ساحة قتال أدمى من هذه بعد. فلقد ذهب فيها أربعون قائدا روسيا بين قتيل ~~وجريح وأسير! جرح القائد باغراسيون. # لقد خسرنا قائد الفرقة الكونت مونيرن الذي قتل بقنبلة مدفع، وقتل الجنرال ~~الكونت كولنكور الذي أرسل ليحل محل الكونت مونبرن. # لقد أطلقنا ستين ألف قنبلة مدفع، فجميع الغابات والقرى ملأى بجثث القتلى ~~وبالمجاريح. وأما فرقة الحرس فلم تخسر رجلا واحدا. # أخذ الفرنسيون يطاردون الروسيين، حتى بلغوا شوارع موسكو فأخلاها الكوزاك من غير ~~مقاومة. في أثناء ذلك وصل نابوليون إلى أبواب المدينة، ولكنه توقف أولا ليتفحصها ~~من الخارج، ثم أمر أوجين بأن يغلفها من الشمال وبونياتووسكي # 1 # من الجنوب ودافو من الوسط، ودفع حرسه إلى الأمام تحت قيادة لوفيفر الذي دخل ~~إلى موسكو دخول فاتح عظيم وذهب يعسكر في الكريملن. # أما نابوليون فاخترق الأسوار، ولكنه في تلك الساعة لا أعلم أي إلهام صور له أنه ~~يضع قدمه على لجة، وأن موسكو تخبئ في أسوارها نهاية انتصارات الجيش الفرنسي وأول ~~بادرة من بوادر انحطاط الإمبراطورية الكبيرة فخشي أن يتوغل في المدينة، وعمل فيها بضع ~~خطوات، ثم بات في أحد الفنادق؛ وفي اليوم التالي مشى إلى الكريملن وقد نفض عنه الوجيب ~~والهدس! # ماذا يبقى على الثورة الفرنسية لكي تنجز دورتها المنتصرة في أطراف أوروبا، وتعاقب ~~الأريستوقراطية القديمة على تمردها ضد فرنسا الفتاة؟ فإنها بعد أن قادت ممثلها ~~العظيم ms265 إلى جميع العواصم تمهد له اليوم مكانا في الكريملن مأوى القياصرة العظماء! ~~ماذا يبقى عليها بعد ذلك لكي تصل إلى رغبتها الأولى؟ # ستجيب الحوادث على هذا السؤال. # لم يكد نابوليون يجلس في الكريملن حتى شب حريق هائل ساعدت الرياح على إضرامه، ~~وارتفعت في الفضاء أعمدة من الدخان سوداء! وما هي إلا هنيهة حتى غرقت المدينة في محيط ~~من اللهيب عجاج كأنما الأرض قد انفتحت لتبتلع جميع ما بنته يد الإنسان في تلك العاصمة ~~الأوروبية. # أطل نابوليون من شرفة الكريملن يشاهد هذه الرؤيا الفظيعة ... عندما أبصر سيبيون حريق ~~قرطجنة لم يقو على الصمت فصرخ قائلا: «ويل لروما بعد هذا!» ولكن نابوليون بقي صامتا ~~... يفكر! في حين كان الجيش غارقا في ذهول غريب، ولم يتخلل الصمت المنتشر على ~~الكريملن إلا هذه الكلمات: «انظروا كيف يحاربون! فلقد خدعتنا حضارة بطرسبورج.» # 2 # رأى نابوليون الآن ما الذي أراد الروسيون أن يفعلوه؛ فإنه لم يجد في موسكو بدل ~~المداولات أو المفاوضات في سبيل الصلح إلا مضرمي نار غلفوا المدينة باللهيب ~~وزنروها بالخرائب! لقد حق له أن يقول مع مدام ده ستال: «ما من أمة حضرية ضمت ~~من المتوحشين ما ضمته روسيا.» # على أن النار ما زالت تمتد حتى جاورت الكريملن فتحطم زجاج القصر الإمبراطوري، وخشي ~~نابوليون على نفسه فعزم على الرجوع، ولكنه لم يشأ أن يتقهقر أمام الفظاعة التي قهرها ~~في عشرين موقعة فعدل عن عزمه؛ عند هذا أخذ الجميع يحاولون إقناعه بضرورة الرحيل ~~مشيرين إلى الشرر المتساقط على باحات القصر والمشاقات الملتهبة المنتشرة على الحضيض ~~المعسكرة عليه فرقة المدفعية، سوى أنه بقي مصرا على عزمه، قائلا إنه لا يطيق على ~~نفسه أن يطرده بضع مئات من مضرمي النار، من عمال روستوبشين، ولكن الحياة التي ~~يعرضها للخطر إنما هي ملك الجيش، ملك فرنسا. وفي نهاية الأمر، لما عاد برتيه من إحدى ~~شرفات القصر المرتفعة وأطلع الإمبراطور على أن الخطر كاد يلامسه وأن اللهيب يحيط ~~بالقصر، لم يجد بدا من الرضوخ لمشيئة القدر، فتقهقر إلى مسافة ms266 صغيرة من موسكو ومكث ~~في قصر بترووسكوني على طريق بطرسبورج. # لما سكنت النار في موسكو عاد نابوليون إلى الكريملن، الذي نجا من الحريق، فرأى ~~المدينة ملأى بالناهبين من جميع الشعوب، فأخذ يهتم بالشرطة في داخل موسكو والبلدان ~~المفتتحة. إلا أن الإسكندر، على ما حل به من النكبات، بقي أصم عن جميع المطاليب ~~السلمية التي طرحت عليه، وكأنه نسي أن القسم الأكبر من ولاياته أصبح طعما للخراب ~~فحول نظره عن الكريملن ليشخص به إلى الوزارة الإنكليزية التي ما فتئت تمهره بألوان ~~المديح والتشجيع. ولكن عناصر الطبيعة بدأت تبشر بطلائع الفصل الرهيب، فخرج نابوليون ~~من موسكو في التاسع عشر من شهر تشرين الأول بعد أن ترك للمرشال مورتيه أمرا بنسف ~~الكريملن. # | الفصل التاسع عشر # في أثناء ذلك كان موقف الجيش الفرنسي يسوء من يوم إلى يوم، وكان البرد القارس، ذلك ~~العدو الرهيب، يسقط الجليد إلى عشرين درجة تحت الصفر، فكأن القدر شاء اليوم أن يعبس ~~في وجه نابوليون كما ابتسم له في الماضي. ولكن لم يبق للإمبراطور، بعد جميع الخسائر التي ~~كابدها في معارك سمولنسك وبولوتسك ووياسما التي تلت حريق موسكو، إلا شجاعة قواده وجنوده ~~الذين، وإن عصفت عليهم عواصف النكبات بعد تلك الانتصارات العديدة، إلا أنهم بقوا جديرين ~~بالمجد وبالرجل العظيم الذي قادهم من فتح إلى آخر، سوى أن الشجاعة الكبيرة، وإن كانت لا ~~تزال قادرة على إبقاء المجد تحت أعلامها؛ فإنها لا تستطيع شيئا ضد الحظ الخائن. # المذكرة التاسعة والعشرون ~~«بدأ البرد القارس في السابع من شهر تشرين الثاني، فمنذ ذلك الوقت أخذت كل ليلة ~~تختلس منا بضع مئات من الجياد التي فتك بها البرد. ولما وصلنا إلى سمولنسك كنا قد ~~فقدنا كثيرا من الجياد والخيالة والمدافع. # كانت الطرق مغطاة بالجليد، أما الجياد فلم تكن تموت بالمئات بل بالألوف حتى إنه لم ~~تمض بضعة أيام حتى فني ثلاثون ألفا منها، عند هذا اضطر الجيش أن يترك قسما كبيرا ~~من المدافع والمئونة على قارعة الطرق. # لما شاهد الأعداء هذا الموقف الفظيع ms267 أرادوا أن يغتنموا الفرصة، وكانوا محتلين ~~جميع معابر البريزينا، وهو نهر عرضه مائة وعشرون قدما، فاستحكموا في منافذ ~~مختلفة ظنا منهم أن الجيش الفرنسي لا بد أن يمر منها. إلا أن نابوليون، بعد أن ~~خدع العدو بحركات متباينة، زحف إلى قرية ستودزياكا وألقى جسرين على النهر مر عليهما ~~الدوق ده ريجيو فهاجم العدو وقاتله ساعتين متواليتين حتى تمكن من إبعاده إلى جسر ~~بوريزوو. # ولكن نابوليون لم يتملص من الروسيين إلا ليشاهد جيشه متساقطا تحت قساوة البرد! ~~قال أحد الشهود: كانت الأيدي تجلد على الحديد والدموع تتجمد على الخدود، وكنا في ~~حالة من الخدر والجمود صعب علينا بها أن نتبين بعضنا بعضا ... وقال الدكتور لاري: كما ~~نمشي في صمت رهيب ... وكان الموت مرتسما على شحوب الوجوه بشيء من البله!» # بعد مرور يومين من إرسال نابوليون هذه المذكرة الشؤمى جمع قواده الممتازين في ~~معسكره العام، وأطلعهم على أنه يرغب في تركهم والذهاب إلى عاصمته التي توجب عليه ~~الظروف أن يسرع إليها. قال: «إني أغادركم لأصحب معي ثلاثمائة ألف جندي؛ إذ إننا يجب ~~علينا أن نشهر حربا أخرى؛ لأننا، للمرة الأولى، قمنا بحملة لم تنجز الحرب ... لقد ~~قهرنا ولم يكن قاهرنا سوى عناصر الطبيعة في هذا الفصل الرهيب؛ إلا أن حملة روسيا ~~إنما هي أمجد وأشرف حملة يسجلها التاريخ الحالي.» # وفي الخامس من شهر كانون الأول أخذ الإمبراطور طريق باريس تاركا قيادة الجيش العامة ~~لملك نابولي. # قال بنجمين كونستان: «لقد هدم شتاء 1812-1813 الرهيب آمال الجيش الفرنسي، فرأت ~~بولونيا وبروسيا والبافيير والرين نابوليون المنهزم عائدا إلى فرنسا! ...» لما وصل ~~الإمبراطور إلى باريس أظهر استياء شديدا من تصرف خيرة رجال الإمبراطورية، ساعة ~~انتهى إليهم أن نابوليون قد قتل في موسكو، فقال: «ولكن ملك روما! قسمكم! مبادئكم! ~~أين كل هذا؟ إنكم لتصورون المستقبل مظلما في عيني.» إلا أنه لم يلبث طويلا أن ~~أخذ يفكر في الأمر الضروري الذي جاء من أجله، وما عتم الأمر أن أصدر مجلس الشيوخ ~~مرسوما بتجنيد ثلاثمائة وخمسين ألف رجل. # في ms268 أثناء ذلك كانت بقايا حملة روسيا قد اجتازت بولونيا واجتمعت على حدود ألمانيا، ~~وبالرغم من انكسارها وتشتتها ومكابدتها قساوة العناصر الطبيعية لم تقف عن مقاتلة ~~الروسيين في كرونو تحت قيادة المرشال ناي، منذ ذلك الوقت أصبح بلاتوو بالرغم من مطاردته ~~للفرنسيين وقد خشي أن يتبارى وهذه الفئة القليلة من البسلاء الذين ما زالوا يمثلون ~~شرف الجيش الكبير وشجاعته ومجده. إلا أن الفرنسيين كانوا قد وصلوا إلى عهد لم يبق ~~فيه شأن للنبوغ والبطولة، فإذا كان النصر لا يزال يماشيهم في وسط آلامهم وتعاستهم فإن ~~الحظ ليعاكسهم ويخونهم؛ إذ إنه بعد أن وهبهم حلفاء أقوياء أقدم على سلخهم عنهم واحدا ~~بعد الآخر وتحويلهم جميعهم إلى أعداء متمردين. # هو ذا الجحفل البروسياني المساعد قد بدأ يتحرك، فلقد شرع قائده الجنرال بورك الذي ~~أخذ تعليماته من وزارة برلين يداول مع الروسيين؛ وفردريك غليوم، الذي لا تزال ولاياته ~~تحت تصرف الجيوش الفرنسية أو تهديدهم، قد أنكر جهرا ما أمر به سرا، على أن يعود ~~فيتظاهر بالعداء عند سنوح الفرصة. # في الثامن من شهر كانون الثاني عام 1813 ترك مورات الجيش الفرنسي ليعود إلى نابولي ~~بعد أن سلم القيادة العامة لأوجين. فلما بلغ الإمبراطور هذا العمل الفجائي الذي ~~اعتبره هزيمة مريبة كتب إلى شقيقته كارولين ما يلي: «إن زوجك إنما هو رجل باسل في ~~ساحات الحروب، ولكنه أضعف من امرأة ساعة لا يرى العدو، إذن فهو لا ينطوي على شجاعة ~~أدبية.» ثم كتب إلى مورات نفسه يقول: «لقد سببت لي جميع الأضرار التي استطعتها منذ ~~سفري من ويلنا، فيظهر أن لقب ملك قد برم رأسك .» عندما ترك مورات المركز الخطير ~~الذي وضعه فيه نابوليون، صرف لتاجه من الاهتمام فوق ما صرف لمجده، وسيجيء يوم يخسر ~~فيه أحد هذين من غير أن يستطيع صيانة الآخر. كم أن الحوادث تسرع في سيرها! فلقد ولج ~~نكران الجميل نفوس هؤلاء الذين يرجع إليه فضل مقامهم السامي وشهرتهم وحظهم! # قبل أن يغادر نابوليون باريس، جرب أن يضع حكومته في مأمن ms269 من الخطر الذي قد يوقعها ~~فيه غيابه، فعهد بالسلطة السامية إلى الإمبراطورة ماري لويز، بعد أن أسس إلى جنبها ~~مجلسا نيابيا. وكأنه تنبأ أن هجومه هذه المرة لن يكون على جيوش القيصر فحسب، بل ~~إن حلفاءه الألمانين والنمسويين وغيرهم، الذين بقوا دائما أعداء سريين له، لا بد ~~أن يشهروا العداء في وجهه، فرأى أن الثلاثمائة والخمسين ألف جندي غير كافين ~~للحملة، وأصدر أمرا بتجنيد مائة وتسعين ألفا أخر. أما الشعب، فبالرغم من أن حماسه ~~لم يبق كما كان عليه عهد مارنغو وأوسترلتز، لم يجد مفيضا من النزول في أمره على ~~الإذعان للتضحية التي تتطلبها الظروف. على أن الفئة الغنية من الأهالي، وإن كانت ~~أشد من غيرها تمسكا بالمدافعة عن أرضها، إلا أنها أخذت تسعى إلى التملص من ~~التجنيد بدفع المال عوضا عن الرجال. # في أثناء ذلك كان ملك بروسيا قد أعلن عداءه لنابوليون والدخول في الحملة التي تجهز ~~ضده، إلا أن هناك عدوا آخر لم يجد بدا من المجاهرة بالخصومة بين سلطات الشمال، ~~وهو برنادوت، الذي عزم على أن يقاتل الفرنسيين بعد أن ضمن له القيصر عرش السويد وجعله ~~ينتظر تاج فرنسا! بعد حملة موسكو وانكسار الجيش الفرنسي خيل لبرنادوت أن الوقت قد ~~حان لبلوغ أربه. ترك نابوليون قصر سن كلود في منتصف شهر نيسان ليسرع إلى الميعاد الذي ~~ضربته له أوروبا الشمالية في ألمانيا. # وصل نابوليون إلى أرفورث في الخامس والعشرين من شهر نيسان، في حين كان المرشال ناي ~~يستولي على ويسنغل بعد موقعة جعلته يقول: «إنه لم ير قط حمية وثباتا أشد من ~~اللذين رآهما في فرقة المدفعية .» # حمل الإمبراطور معسكره العام إلى ويسغنل وألقى ثلاثة جسور على نهر السال الذي كان ~~الجيش الفرنسي معسكرا على شواطئه تحت قيادة أوجين. وفي أول شهر أيار زحف المرشال ~~ناي إلى الأمام مع فرقة سوهام فاجتاز مضيق بوزرنا، الذي تحميه ستة مدافع وثلاثة صفوف من ~~الخيالة، وهو يهتف «ليحي الإمبراطور!» وتبعته فرق جيرار ومرشان وبرينيه وريكار، وما ~~هي إلا بضع ساعات ms270 حتى طرد الفرنسيون خمسة عشر ألف خيال من خيالة القائد ~~ونتزنجرود، كانوا في السهل الممتد من مرتفعات ويسنغل حتى الألب. وحدثت بعد ذلك موقعة ~~لوتزن فكان النصر فيها حليفا للفرنسيين، الذين أبلوا بلاء حسنا وأظهروا شجاعة لم ~~يظهروها قبل ذلك فخاطبهم نابوليون بقوله: # أيها الجنود # إنني مسرور بكم! فلقد اخترقتم كل حاجز بما أوتيتموه من البسالة! لقد ~~شتتم الجيش الروسي والبروسياني، الذي قاده الإمبراطور إسكندر وملك بروسيا، ~~فأضفتم كوكبا جديدا إلى مجد نسوري، إذن فستوضع موقعة لوتزن فوق مواقع ~~أوسترلتز ويينا وفرييدلان والموسكووا! ... # عندما قهر جيش إسكندر وفريدريك غليوم أسرع بالمرور إلى شاطئ الألب الأيمن. # في الحادي عشر من شهر أيار كان نابوليون مستوليا على دريسد، وفي اليوم التالي ذهب ~~لملاقاة ملك السكس الذي دخل إلى عاصمته دخولا احتفاليا. وفي الثامن عشر منه خرج ~~الإمبراطور من دريسد ليتجه إلى لوزاس فيتابع وقائعه، وما هي إلا أيام قلائل حتى ~~قيض له انتصارات عديدة. في التاسع عشر من شهر أيار قاتل لوريستون الجنرال يورك في ~~ويسي؛ في العشرين والواحد والعشرين ربح الإمبراطور بنفسه موقعتي بوتزن وورتشن، وفي ~~الثاني والعشرين طارد الجنرال رينييه فرقة الحرس الروسية وشتتها على مرتفعات جبل ~~ريشنباك. إلا أن هذه المعركة الأخيرة لم تنته إلا وقد حملت نابوليون خسارة أفظع من ~~جميع الخسائر التي قاساها حتى اليوم؛ ففي نحو الساعة السابعة من المساء كان مرشال القصر ~~الكبير دوروك يتحدث والمرشال مورتيه والجنرال كيرجنر، على مرتفع صغير يبعد مسافة ~~كبيرة عن نيران العدو، فمرت رصاصة فتحت بطن دوروك وألقت الجنرال كيرجنر ميتا. # لم يكد الإمبراطور يبلغه هذا النبأ الموجع المشئوم حتى أسرع إلى دوروك، الذي كان لا يزال يتنفس بعد، فلما أبصر المرشال نابوليون بالقرب منه أخذ يده فضغط عليها وأدناها ~~إلى شفتيه قائلا: «لقد وقفت حياتي لخدمتك، ولا آسف عليها إلا لأنها قد تفيدك بعد!» ~~فأجابه الإمبراطور: «إن هناك حياة أخرى يا دوروك فستنتظرني فيها وسنجتمع يوما.» فقال ~~دوروك: «أجل يا صاحب الجلالة، ولكن سيكون ذلك بعد ثلاثين سنة، ms271 عندما تنتصر على جميع ~~أعدائك وتحقق آمال وطننا ... لقد عشت عيشة رجل شريف، فلا أوبخ نفسي على شيء، وأترك ~~ابنة ستكون جلالتك أبا لها.» فتفطر قلب نابوليون لدى سماعه كلام دوروك وأخذ يده ~~اليمنى بيده، وبقي ربع ساعة ورأسه مستند إلى يد رفيقه اليسرى من غير أن يقوى على ~~التلفظ بكلمة، حتى قطع دوروك السكوت ليوفر بعض الآلام على روح الرجل العظيم، الذي ~~بقي صديقه عندما أصبح مولاه، فقال له: «آه يا مولاي! اذهب! فهذا المشهد يؤلمك!» فأذعن ~~نابوليون إلى هذا الرجاء الأخير وترك دوروك من غير أن يستطيع أن يقول له إلا هذه ~~الكلمات: «وداعا إذن يا صديقي!» ولقد احتاج إلى الاتكاء على المرشال سول وكولنكور ~~ليعود إلى خيمته، التي لم يشأ أن يقابل فيها أحدا طوال الليل. # في اليوم التالي، انتصر الجنرال رينييه انتصارا جديدا على الروسيين في معركة ~~كورليتز، وفي الرابع والعشرين اغتصب المرشال ناي ممر نيس، وفي الخامس والعشرين، صباحا، ~~كان على مسافة من كيس يستعد إلى دخول بونتزلو التي وصلها الإمبراطور في ~~المساء. # مائتا ألف روسي وبروسياني ونمسوي، يقودهم إمبراطور روسيا وملك بروسيا وأمير ~~شوارتزنبرج، كانوا يعبرون بوهيميا بسرعة عظيمة ليشنوا الغارة على السكس ويستحكموا ~~على شاطئ الأيلب الأيسر، وكان مائة ألف رجل بقيادة بلوخر وساكن يتحركون في السيليزي، ~~ومائة وعشرة آلاف رجل بينهم كتائب متطوعة تمثل الوطنية الجرمنية يزحفون على جميع ~~الخطوط التي تصل هامبرج ببرلين لملاقاة الفرنسيين. # لم تكن الكتائب الغفيرة يوما من الأيام لتستطيع أن تقف في وجه الفرنسيين ما لم ~~تشتت شملها الثورة الفرنسية التي يمثلها أبر أبنائها نابوليون بونابرت. لقد سعى ~~الحلفاء سنين طوالا لقهر ذلك الجندي العظيم من غير أن يبلغوا منه لبانة، حتى لم يبق ~~لهم من وسيلة إلا أن يستميلوا إليهم ولدين من أولاد تلك الثورة نفسها، فيتسللوا على ~~يدهما إلى مداخل الفن العسكري والرقية الحربية اللذين شيدا عظمة أمهما فرنسا، ~~ولقد أتيح للحلفاء ذلك؛ إذ إن مورو آثر أن ينضم إلى إسكندر روسيا ويتفيأ ظلال ~~العلم ms272 الموسكوي في جيش بوهيميا الكبير على أن يبقى أمينا للعلم الفرنسي، وإذ إن ~~برنادوت، كما جاء في الجريدة الرسمية «الميموريال»، سلم أعداء فرنسا مفتاح سياستها ~~وعلمهم فن جيوشها ودلهم على طريق الأرض المقدسة. # كان برنادوت يقود جيش برلين! ... # ثم إن مورات أيضا كان على وشك أن يتمرد على أمانته ويفقد مجده، فلقد كتب على ~~إحدى صفحات مستقبله أنه سيجحد ويخون المحسن إليه، صديقه وأخاه! إلا أن ساعة الخيانة ~~والعار لم تكن قد حانت بعد، ففي الرابع عشر من شهر آب ظهر مورات مرة أخرى في ساحة ~~الحرب في دريسد ليحارب أعداء نابوليون وفرنسا. # زحف نابوليون لملاقاة الإسكندر وملك بروسيا، فاغتصب معابر بوهيميا واستولى على كوبل ~~ورمبرج وجور جنثال، وبعد أن دنا إلى مسافة عشرين ميلا من براغ، عاد إلى زيثو ليلحق ~~بجيش السيليزي. في الواحد والعشرين، وصل إلى لوونبرج صباحا فألقى جسورا على نهر بوبر ~~وعبره، بالرغم من نيران العدو الذي قهره وطارده إلى كولدبرج. وفي الثالث والعشرين جرى ~~قتال جديد؛ فإن الجنرال جيرار شتت شمل كتيبة مؤلفة من خمسة وعشرين ألف بروسياني، ~~وما هي إلا مدة قصيرة حتى انهزم الحلفاء أمام الكتيبة المائة والخامسة والثلاثين، ~~إلا أن جميع هذه الانتصارات لم تؤثر على تقدم جيش بوهيميا الكبير الزاحف إلى ~~عاصمة السكس زحفا هائلا. # عندما علم نابوليون بحركة جيش بوهيميا، ترك قيادة جيش السيليزي للمرشال ماكدونالد، ~~وأسرع مع ناي لنجدة دريسد. أيصل في الوقت المعين؟ كانت المدينة مزنرة بكتائب لا ~~يحصى عددها تعبر من جميع الجهات لسحق الجيش الضعيف الذي يقوده المرشال سن سير. في ~~تلك الآونة كان الملك المسن شاخصا من نوافذ قصره إلى خرائب القرى الجميلة التي تحيط ~~بعاصمته، وقد مزج أحزانه وآلامه بالحزن والألم اللذين سببهما انكسار كتائبه. كان كل ~~شيء يبشر بأن دريسد ستقع في قبضة الجيش النمسوي-الروسي، وأن المرشال سن سيرلن يستطيع ~~أن يقاوم طويلا بعد في شوارتزنبرج. # ولكن ظهر نابوليون فجأة؛ في السادس والعشرين، الساعة العاشرة صباحا، اجتاز ~~الإمبراطور جسر دريسد على صهوة جواده ms273 تتبعه كتائبه الباسلة، فعادت الآمال إلى الصدور ~~وأشرقت الوجوه ببريق من القوة كأن شعب دريسد قرأ على هذه الأسرة الحربية دلائل ~~السلام والراحة. وأول ما قام به نابوليون أنه صعد توا إلى القصر وطمأن الأسرة المالكة ~~التي كانت تفكر في الهرب، ثم خرج من القصر وملء رغباته، أن يعرف بنفسه، كم هو عدد ~~الأعداء، وما هو مركزهم وحركاتهم، فمشى مسرعا لهذه الغاية إلى أحد أبواب ~~المدينة. # في الساعة الواحدة وصل نابوليون إلى أطراف ضاحية بيلنيتز، وفي الساعة الثالثة أعطيت ~~إشارة القتال بثلاث إطلاقات من مدافع الجيش النمسوي-الروسي فهب العدو الكامن على جميع ~~المرتفعات المزنرة بها المدينة ووثب إلى السهول صارخا: باريس! باريس! إلا أن ~~الجندي الفرنسي ما لبث أن أشعر بقوته وبسالته أمام إمبراطوره الحارس على شرف نسوره، ~~فما هي إلا هنيهة حتى حمي وطيس المعركة وتساقطت القنابل على المدينة، عند هذا فهم ~~نابوليون أن الوقت أصبح حرجا جدا، وأنه لا ينبغي أن يتهامل في إنقاذ عاصمة الحليف ~~الوحيد الذي بقي له فأشار إلى مورات وخيالته بأن يهجموا على جناح العدو الأيمن، ~~وإلى فرقة الدوق ده تريفيز بأن تهاجم الجناح الأيسر، ثم أشار إلى أربع فرق من الحرس ~~الحديث يقودها قوادها البسلاء دوموتيه، باروا، ديكوز وروجه الذين وضعوا هم أنفسهم ~~تحت أوامر أمير موسكووا الباسل بأن تمر من بابي بيزنا وبلوين. # غير ظهور هذين الصفين مشهد الحرب؛ إذ انحنى كل شيء أمام الحرس الحديث وتقهقر، ~~وطورد العدو في جميع طرقه هاجرا السهول التي أغار عليها بحمية وبسالة؛ عند هذا صرخ ~~أمير شوارتزنبرج قائلا: «الإمبراطور في دريسد! فلم يبق سبيل إلى الشك، ولا ينبغي لنا ~~إلا أن نجمع بعضنا بعضا.» # لا نجد بدا هنا من اجتزاء فقرة صغيرة، وردت في قصة ما حدث في دريسد كتبها أحد ~~السكسونيين، وهو الماجور أودلوبن، الذي شهد الموقعة بنفسه، قال: «اخترق نابوليون على ~~جواده نيران الحرب تحت رذاذ من القنابل ليستولي على باب البحيرة وحاجز ليبوديسولد، ~~وبعد أن توقف فترة من الوقت هجم إلى ساحة ms274 القتال! قتل أحد الضباط إلى جنبه وجرح ~~كثيرون من معاونيه.» # لم يقف دوي المدافع إلا في الساعة التاسعة من المساء. أما نابوليون فبقي على ~~صهوة جواده حتى الساعة الحادية عشرة يتفقد ساحات القتال، ويتعرف إلى مراكز العدو ~~لكي يهيئ خططه لموقعة اليوم التالي. في منتصف الليل، دخل إلى القصر؛ إلا أنه قبل أن ~~يأوي إلى سريره نادى إليه برتيه وأملى عليه أوامره، التي بلغت في الحال إلى جميع ~~القواد، لكي يكون كل منهم على أتم الاستعداد. منذ الصباح كان الإمبراطور على جواده ~~بالرغم من الوحول والأمطار، وما هي إلا بعض ساعات حتى نشبت معركة هائلة شوهد فيها ~~مورات ممتشقا حسامه ووشاحه المزركش بالذهب يتطاير على كتفيه، وقد هجم بنفسه على ~~فرقة المشاة النمسوية ... ومرت ساعات، وإذا بجناح الحلفاء الأيسر قد انسحق، وإذا بالجناح ~~الأيمن قد انسحق أيضا. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر كان نابوليون قد ربح موقعة دريسد، ~~فخشي الأمراء المحالفون أن يفقدوا مواصلاتهم مع بوهيميا، فاضطروا أن يتقهقروا تاركين ~~في قبضة المنتصر ثلاثين ألف أسير، وأربعين علما، وستين مدفعا. # أصابت القنبلة الأولى التي انطلقت من مدافع الحرس الإمبراطوري الجنرال مورو فجرحته ~~جرحا مميتا، كأن السماء أبت على قاهر هوهنلندن أن يجسم جريمته وعاره في ساحات ~~الحروب، فأوقفته عند حده في وسط الروسيين في أول موقعة عالج فيها حسامه الخائن في ~~سبيل أعداء وطنه، عند هذا خيل لنابوليون أن العناية الإلهية قد رجعت إليه؛ إذ رأى ~~الخيانة تطعن في صميمها وتعاقب في أحد أخصامها القدماء، ولكن ما خيل إليه وهم ~~إنما هو سيزول قريبا، فهو ما لبث أن شعر بأن يدا تجرده من مركزه الأول وقد تنحى ~~عنه الروح الحر الذي انتصب ضده في وسط الشباب الألماني؛ سينتهي الرجل السياسي في ~~نابوليون. ولكن بما أن النبوغ سيبقى وفيا له، والشعب الفرنسي مجسدا فيه، سيهوي عن ~~العرش من غير أن يهوي عن مجده، ويسقط من غير أن يقف عن الذهاب صعدا في سماء ~~الأجيال. # إن قيصر روسيا وملك بروسيا وأمير شوارتزنبرج ms275 هربوا مرة أخرى من وجه نسر فرنسا ~~حاملين معهم مورو يحتضر، إلا أن أحد قواد نابوليون الجنرال فاندام، الذي يتكل ~~كثيرا على بسالة كتائبه وشجاعته الذاتية، حاول بقبضة من الجنود أن يقطع المرور عن جيش ~~كامل، ويظهر أنه نسي ملاحظة الإمبراطور وهي «أنه يجب أن يبنى للجيش الهارب جسر ~~من ذهب أو يشيد في وجهه حاجز من نحاس.» وذهب عنه أن القوة التي لديه عاجزة عن أن ~~تشيد هذا الحاجز النحاسي فألقى بنفسه في مضايق كولم، وحاول أن يوقف هناك الجيش ~~الكبير القهور في دريسد، ولكن بعد جهود عظيمة ومقاومة يائسة حملت العدو خسائر لا ~~تحصى رأى القائد الفرنسي نفسه ملتويا تحت قوة الجيش الغفير فتوارى في المعركة وظن ~~أنه قتل، وما هي إلا فترة من الوقت حتى أسرت فرقته بكاملها، وعلم بعد ذلك أنه هو ~~نفسه سقط أسيرا في قبضة الجيش النمسوي-الروسي، فهذا الانكسار الذي كلف الجيش الفرنسي ~~أكثر من عشرة آلاف رجل عكر موقعة دريسد. # زحف نابوليون إلى السيليزي تاركا جيش بوهيميا فالتقى بفرقة ماكدونلد على مرتفعات جبل ~~هوشكيرش في الرابع من شهر أيلول. وفي اليوم نفسه قاتل الجيش العدو فهزمه من مرتفعات ~~جبل وولنبرج وطارده طوال نهار اليوم الخامس حتى أوصله إلى كورليتز، وفي اليوم السادس ~~عاد إلى دريسد، على أن المرشال أودينو لم يكن حظه في زحفه إلى برلين أسعد من حظ ~~ماكدونلد في السيليزي، فلقد قوتل في كروس برن في الرابع والعشرين من شهر آب، وناب عنه ~~المرشال ناي الذي، بعد أن انتصر بعض انتصارات في اليوم الخامس من شهر أيلول، أصيب في ~~اليوم التالي بكسرة فظيعة في جوتربوك حيث قاتله برنادوت وبولوف. # جرت بعد ذلك حوادث أليمة ساعدت على إضعاف الإمبراطور نابوليون، فلقد نهج ملك البافيير ~~نهج إمبراطور النمسا بخرقه حرمة المعاهدات والقيام في وجه فرنسا، وطرد ملك ويستفالي، ~~جيروم بونابرت، من عاصمته، واضطر أن يهرب إلى الرين، فأدرك نابوليون آنئذ أن موقفه على ~~شواطئ الأيلب أصبح مهددا بخطر عظيم، وأخذ يفكر في أن ms276 يدنو من حدود فرنسا ~~محتفظا قدر إمكانه بمظهره المنتصر، ولكنه أدرك أيضا أن قواته لا تستطيع أن تقف ~~طويلا في وجه جيش لا يحصى عدده؛ لأن أوروبا جميعها تغذيه برجالها كلما ضعف ورق، ~~فشعر أنه بحاجة قصوى إلى تجنيد عسكري جديد، وطلب من مجلس الشيوخ مائتين وثمانين ألف ~~رجل، فلم يرفض مجلس الشيوخ طلب الإمبراطور. # في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول وصل نابوليون إلى ليبزيك، حيث كانت مجتمعة ~~فرق فيكتور وأوجرو ولوريستون، فتبعه الحلفاء عن كثب، وتمكنوا أن ينضموا ~~كتلة واحدة حول الجيش الفرنسي الذي أوقفه عن زحفه شوارتزنبرج وجيولاي بننكسن ~~وكوللوريدو وبلوخر وبرنادوت وسدوا عليه الجهات الأربع. # | الفصل العشرون # في السادس عشر من شهر تشرين الأول، الساعة التاسعة صباحا، أعلنت الحرب في جنوب ليبزيك ~~على يد أمير شوارتزنبرج، إلا أنه لم تلبث أن أصبحت حربا عامة اشترك فيها مائتا مدفع. ~~جنح النصر في بادئ الأمر إلى جهة الحلفاء الذين كانوا يهددون قريتي مركليبرج ودوليتز ~~وتمكنوا من إضعاف ميمنة الفرنسيين، وإذا بمشاة بونياتووسكي وأوجرو وخيالة الجنرال ميلهو ~~أتيح لها أن توقف انتصار العدو عند حده، في حين كان فيكتور ولوريستون يحافظان، في ~~الوسط، على فاشو ولبيبر فلولكوتينر بالرغم من جهود أمير ورتنبرج والجنرالين كورزاكوف ~~وكلينو. # إلا أن الإمبراطور لم يكتف بذلك حتى يقاوم مقاومة صحيحة ويحافظ على مراكزه، فكان بحاجة ~~إلى فوز باهر وانتصار مؤكد، فأشار إلى مكدونالد وسيبستياني بأن يهجما على كلينو من ~~اليسار، وأمر مورتيه بأن يذهب لدعم لوريستون بفرقتين من الحرس الحديث، وأرسل أودينو ليدعم ~~فيكتور من اليمين، في حين كان كوريال زاحفا إلى دوليبز ليعضد بونياتووسكي، وفي حين كانت ~~مائة وخمسون مدفعا من مدافع الحرس يديرها الجنرال دروو زاحفة لتحمي هذه الحركات ~~المختلفة. # أتيح لجميع القواد والجنود أن يحققوا آمال القائد العظيم؛ فلقد تمكن فيكتور ~~وأودينو أن يطردا أمير ورتنبرج حتى كوسا، وتمكن مورتيه ولوريستون أن يطردا فرقة كلينو، ~~وقدر لماكدونلد وسيبستياني وبونياتووسكي أن يقضوا على محاولات البروسيانيين والروسيين ~~والنمسويين. فلما رأى الإمبراطور إسكندر أنه ms277 يوشك أن يخسر موقعة فاشو صحت عزيمته على أن ~~يضحي، ليس بجيشه الاحتياطي فحسب بل بحراسه أنفسهم، فأسرع إلى النقطة الأكثر خطرا من ~~سواها وأشار إلى الكوزاك من فرقة الحرس بأن هجموا على الخيالة الفرنسية، فهذه الجرأة ~~المدهشة أنقذت جيش الحلفاء من انكسار تام، ولقد استرجع الكوزاك أربعة وعشرين مدفعا ~~من ستة وعشرين، كان الجيش الفرنسي قد غنمها من الروسيين، وظهر عقيب ذلك الجيش الاحتياطي ~~النمسوي. # لم تنحصر المواقع في فاشو فقط بل سمع دوي المدفع في جهة لندنو والبارثا؛ فلقد خلص ~~بلوخر إلى أن يلوي كتيبة مارمون في البارثا، أما جيولاي فقد كان في لندنو أقل حظا من ~~الجنرال برتران الذي دافع عن طريق فرنسا وأنقذه. # خسر الحلفاء عشرين ألف رجل في فاشو، وخسر الفرنسيون ألفين وخمسمائة بين قتيل وجريح. ~~أصيب الجنرال لاتور موبور # 1 # برصاصة أطارت له فخذيه ... أثنى الإمبراطور نابوليون على تصرف قواده ~~فيكتور، مارمون، ناي، أودينو، ماكدونلد وأوجرو وغيرهم ... وخص بالثناء بسالة لوريستون وجرأة ~~بونياتووسكي الذي رفعه إلى رتبة مارشال. # كانت الحرب أعيدت في اليوم التالي لو لم تضطر الأمطار الغزيرة والطرق الموحلة، التي ~~أخرت وصول الجنرال بننكسن، أن يؤجل العدو القتال إلى الغد. في الثامن عشر من الشهر، عند ~~بزوغ الفجر، كان الحلفاء يتأهبون للقتال، إلا أن الإمبراطور كان قد تنبأ عن كل ذلك ~~فصرف الليل بإعداد العدة، فكان يركض من خيمة إلى خيمة فيوقظ ناي في ريدنيتز، ويزور برتران ~~في لندنو، ويعطي أوامره في جميع الأماكن. # في الساعة العاشرة دوت المدافع في جميع الجهات، وحول الأعداء جهودهم نحو قريتي ~~كونيوبتز وبروبستيد اللتين يعلقون على أخذهما ربح المعركة. حاولوا أربع مرات أن يستولوا ~~على بروبستيد، وأربع مرات ارتدوا مقهورين. في الساعة الثالثة بعد الظهر كان الفوز لا يزال ~~في جانب الفرنسيين، إلا أن حادثا من تلك الحوادث التي لا يستطيع الفن العسكري أن ~~يتنبأ عنها، والتي كثيرا ما غدرت نابوليون منذ سنة في ساحات القتال، جرى على حين غرة، ~~فقلب الأمور بطنا على ظهر؛ انتقل ms278 الجيش السكسوني والخيالة الورتنبرجوية إلى جهة ~~العدو وأخذا يقاتلان معه، أما القائد العام زيشو، الذي بقي أمينا للعلم الفرنسي، فلم ~~يستطع أن يبقى تحت قيادته إلا خمسمائة رجل. فهذا الانقلاب الفجائي الذي حدث في ساحة ~~القتال نفسها فتح فراغا عظيما في الصفوف الفرنسية، وأخلى للحلفاء المركز الخطير الذي ~~عهد إلى الجيش السكسوني بالمدافعة عنه. وما هي إلا بعض ثوان حتى تمكن العدو، وكان ~~برنادوت، من عبور البارثا واحتلال ردينتز وأصبح على مسافة نصف فرسخ من ليبزيك، إلا أن ~~نابوليون وصل في تلك الآونة مع كتيبة من الحرس فأنعش وجوده حماس كتائبه، وما هي إلا ساعة ~~حتى استرجعت ردنيتز وعاد النصر إلى الجيش الفرنسي. ولكن في الساعة السابعة مساء، جاء ~~القائدان سوبيه وديلولوي إلى الإمبراطور، وأعلماه أن ذخائر الحرب قد نفذت ولم يبق في ~~حوزتهم منها إلا نزر قليل قد لا يكفي لإضرام القتال أكثر من ساعتين؛ كان الجيش قد أطلق في ~~الخمسة أيام الماضية أكثر من مائتين وعشرين ألف قنبلة مدفع. # لم يبق لنابوليون في مثل هذا الموقف إلا أن يتقهقر من معابر لندنو، التي دافع عنها ~~الجنرال برتران مدافعة شديدة ضد فرقة جيولاي النمسوية. وفي الساعة الثامنة مساء ترك ~~الإمبراطور معسكره ودخل إلى ليبزبك، فبات في أحد الفنادق هناك؛ فندق عساكر بروسيا. # صرف نابوليون الليل في إعطاء أوامره إلى الدوقين ده باسانو وده فيسانس. وفي التاسع عشر من ~~الشهر، عند بزوغ الفجر، كان القسم الأكبر من الجيش قد تم تقهقره، فلقد عبر فيكتور وأوجرو ~~في الأول، وعهد إلى مارمون بالمدافعة عن ضاحية الهال، وإلى رينييه عن ضاحية روسنثال، وإلى ~~ناي عن الضواحي الشرقية. أما لوريستون وماكدونلد وبونياتووسكي فقد عهد إليهم بالبقاء في ~~أحياء الجنوب والمحافظة على شواطئ نهر الألستر # 2 # إلى أن تتمكن كتيبتا ناي ومارمون من عبور النهر. قال نابوليون لبونياتووسكي، ~~وهو يعطيه أوامره: «أيها الأمير، ستدافع عن ضاحية الجنوب.» فأجاب بونياتووسكي: «لدي ~~قليل من الرجال يا صاحب الجلالة.» فأجاب نابوليون: «ستدافع بما لديك.» فقال بونياتووسكي: ~~«آه يا ms279 مولاي، إننا دائما مستعدون لأن نموت في سبيل جلالتك.» ولقد بر القائد البولوني ~~العظيم بكلامه؛ إذ إنه قضي عليه أن لا يرى الإمبراطور بعد ذلك! # بينما كان الحرس يدافعون عن الضواحي تحت أسوار ليبزيك صوب السكسونيون مدافعهم على ~~الكتائب الفرنسية من أعالي هذه الأسوار. كان جسر الألستر ملغما، ولقد عهد إلى ~~الكولونيل مونتفور بنسفه ساعة يمر آخر صف من صفوف الجيش على الشاطئ الآخر حتى يتأخر ~~زحف الأعداء، إلا أن الكولونيل مونتفور ظن أن الفرنسيين قد عبروا جميعهم الجسر ~~الملغم فأشعل النار في الألغام وتهدم الجسر، قبل أن تمر أربع فرق من الجيش كانت لا ~~تزال في الضواحي. ما الذي سيحل بهؤلاء البواسل الذين يقودهم ماكدونلد، رينييه، لوريستون ~~وبونياتووسكي؟ # لقد دهمهم العدد الغفير فلم يبق لهم سبيل للمقاومة ولقد سدت في وجوههم طريق التقهقر ~~على يد فرنسية! ألقى ماكدونلد نفسه في مياه الألستر ونجا سباحة، ودفع بونياتووسكي جواده إلى ~~النهر فسقط في لجة ولم يظهر بعد ذلك؛ وتوارى رينيه ولوريستون عن الأنظار فظن أنهما ~~قتلا أو غرقا! اثنا عشر ألف رجل قتلوا أو أصبحوا في قبضة الأعداء في ذلك الحادث ~~المشئوم! # وما هي إلا ليلة وضحاها حتى كان الحلفاء أسياد ليبزيك؛ وجيء بملك السكس إلى برلين ليكفر ~~عن أمانته لفرنسا، أما برنادوت، الذي شاطر أعداء الاسم الفرنسي سكرة الانتصار، فقد جلس ~~إلى خوان الملوك العظماء الذين يتابعون ضد نابوليون تجديد الحق الإلهي! # بعد أن أدى نابوليون إلى ضحايا هذه النكبة الفظيعة ما حق لهم من الحزن والألم، حاكم ~~في مجلس حربي الكولونيل مونتفور الذي أشار بنسف جسر الألستر على حين فجأة، ثم أكمل زحفه إلى ~~أرفورث التي وصلها مع أركان الجيش في الثالث والعشرين من الشهر. # في الخامس والعشرين منه غادر الإمبراطور أرفورث وتابع سيره إلى الرين، فأقبل النمسويون ~~والبافاريون لملاقاته وحاولوا أن يقطعوا عليه المرور في هانو، إلا أن نكبة ليبزيك لم ~~تضعف من قوى الفرنسيين إلى درجة أنهم يعجزون عن قهر الحلفاء الخائنين الذين حاولوا أن ~~يقطعوا عليهم ms280 خط التقهقر؛ فسيمر الإمبراطور على بطون ستين ألفا من النمسويين ~~والبافاريين الذين يقودهم فريد ويحرسهم ثمانون مدفعا. خسر البافاريون عشرة آلاف رجل في ~~معركة هانو، وقتل ستة من قوادهم، فضلا عن أنهم تركوا في قبضة المنتصر كثيرا من ~~المدافع والأعلام. # في الواحد من شهر تشرين الثاني وصل الإمبراطور إلى فرنكفور، فكتب منها إلى ماري لويز ~~يبشرها بوصول عشرين علما استولي عليها في معارك فاسو وليبزيك وهانو؛ وفي اليوم التالي ~~دخل إلى مايانس في الساعة الخامسة صباحا حيث بقي عدة أيام يهتم بتنظيم الجيش الذي ~~سيعسكر على خط الرين، وسافر في الثامن منه ليلا إلى فرنسا، وفي اليوم التالي، الساعة ~~الخامسة مساء، كان في سن كلود. # إن نابوليون، الذي كثيرا ما عود الباريسيين أغاني النصر والفتوحات الغراء، رأى نفسه ~~للمرة الثانية وفي مدة سنة واحدة يعود إلى عاصمته وقد خانه حلفاؤه والحظ وطاردته جيوش ~~أوروبا جميعا، ولم يبق لديه إلا بقايا جيش سقط في ساحة الشرف تحت طعنات الخيانة ~~والقدر! # أترى تنسى فرنسا أنه لم يشهر الحرب إلا من أجلها، فتستعد لأن تقول له، كما قال سيد ~~روما لفاروس # 3 # في الزمن الغابر: «أرجع إلي كتائبي!» لا، فالشعب الكبير لن يلطخ مجده بهذه ~~العبارة الظالمة وهذا الجحود الأليم؛ لن يكون حظيا عنيدا كمجلس الشيوخ، ولا راشقا ~~بالقلاع كالفرقة التشريعية؛ إنه سيستأسف على الهفوات السياسية التي اقترفت بحق ~~التقدم والفلاح، ولكنه لن يستثمرها لرشق العتاب واللوم. # في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني طلبت الحكومة تجنيد ثلاثمائة ألف رجل، فوافق أعضاء ~~مجلس الشيوخ على هذا الطلب. # عندما وصل نابوليون إلى باريس انتهى إليه أن تحزبات عدائية تحاول أن تضع يدها على ~~إدارة الفرقة التشريعية، فاتخذ عندئذ سلطته الديكتاتورية، التي يجيد إدارتها عندما ~~تدعوه الظروف إلى ذلك، وأصدر مرسوما يقضي بأن يترك له حق اختيار رئيس هذه الفرقة، ~~ووقع اختياره على الدوق ده ماسا. في التاسع عشر من شهر كانون الأول سنة 1814 استلم ~~نابوليون رسالة من كارنو يقول له فيها إنه ينضم ms281 إليه في خدمة مقاصده. يا للتباين الغريب! ~~فإن كارنو، الذي كان آخر عنصر من عناصر الجمهورية والذي بقي غريبا عن أبهة ~~الإمبراطورية الجديدة، لم يطل عليه الأمر حتى دنا من ذلك الذي قاوم سلطته وعظمته، في حين ~~كان مورات، أحد أمراء الإمبراطورية الأول وصهر نابوليون وصديقه القديم الذي غمره بالنعم ~~ومهره بتاج عظيم، يغتنم الفرصة السانحة ليخون المنعم عليه ويهب النمسويين والروسيين ~~نجدة تلك البسالة الفرنسية التي كثيرا ما كانت شؤما عليهم. # في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني، الساعة الثالثة صباحا، ترك الإمبراطور باريس ~~وزحف لملاقاة الحلفاء الذين عزموا أن يشنوا الغارة على المقاطعات الشرقية، بعد أن أحرق ~~أوراقه السرية وعانق امرأته وولده ... للمرة الأخيرة! وفي السابع والعشرين منه وصل إلى سن ~~ديزيير فطرد منها العدو الذي مضى عليه يومان وهو يقترف جميع أنواع الرذائل، عند هذا فرح ~~السكان فرحا عظيما، وأظهر له الكولونيل بولان، وهو جندي مسن، عواطف الأهلين الذين ~~تألبوا زرافات حول منقذهم الأعظم. وبعد مرور يومين استولى نابوليون على مدينة بريين ~~وقصرها، اللذين كانا في قبضة بلوخر، بعد أن قتل من رجالة أربعة آلاف. أما البروسيون، فلكي ~~يضمنوا تقهقرهم، أعملوا النار في المدينة. # في الواحد من شهر شباط عبر بلوخر # 4 # وشوارتزنبرج إلى الروتيير وديانفيل حيث كانت فرقة حرس الجيش الفرنسي، وقد ~~صور لهما أنهما سينتصران انتصارا سهلا، إلا أن القائدين دوهسم وجيرال خدعاهما بأن ~~أجاد الأول الدفاع عن الروتيير والآخر عن ديانفيل؛ ولقد عرف المرشال فيكتور أن يحافظ طوال ~~النهار على مركزه في مزرعة جيبري، إلا أن كتيبة من الحرس ضلت السبيل في الليل فسقطت في ~~كمين نصب لها وبقيت في قبضة العدو. # إن موقعة بريين والدفاع عن الروتيير وديانفيل وجيبري افتتحا حملة 1814 افتتاحا مجيدا، ~~إلا أن بلوخر وشوارتزنبرج كانا يهيئان قوات عديدة خشي نابوليون أن تحيط به، وتقطع ~~عليه طريق عاصمته، إذا هو أصر على البقاء في مراكزه في نواحي بريين. وكانت بعض الكتائب ~~العدوة تتجه إلى سنس عن طريق بارسوو أوب وأوكسير. ms282 في ذلك الحين شعر نابوليون بأنه من ~~الواجب عليه أن يسرع لوضع باريس في مأمن من المداهمة، فانحدر إلى تروا، التي دخلها في ~~الثالث من شهر شباط، ثم إلى نوجانت التي احتلها أركان جيشه في السابع منه، ولقد كانت ~~غايته أن يفرق بين الجيشين البروسياني والنمسوي الكبيرين اللذين لم يكن يستطيع أن ~~يقاتلهما معا، فنجحت خطته هذه نجاحا باهرا في شانبوبرت في العاشر من شهر شباط، إلا ~~أن طعناته سقطت هذه المرة على الروسيين. فإن القائد العام أوسووييف، الذي يقود اثنتي عشرة ~~كتيبة، نكب نكبة فظيعة بأن أخذ أسيرا هو وستة آلاف من رجاله وترك الباقين غرقى في أحد ~~المستنقعات أو قتلى في ساحة الحرب، بعد أن ترك أربعين مدفعا وجميع ذخائره في قبضة ~~المنتصر. # في اليوم التالي كان دور بلوخر؛ فلقد أدركه نابوليون في مونميرال وقاتله ساعتين ~~متواليتين حمله فيهما خسائر لا يحصى عددها؛ وفي الغد فاز الفرنسيون فوزا آخر، فلقد ~~أسرت كتيبة من الأعداء كانت تحاول أن تحمي تقهقر بلوخر، وذلك في شاتوتييري التي دخلها ~~الفرنسيون مع البروسانيين والروسيين. بات نابوليون ليلته في قصر نيل ... كانت بقايا جيوش ~~الأعداء تسرع في تقهقرها الذي كان يشبه الهرب فأدركها الفلاحون في الغابات، وأسروا منها ~~عددا غفيرا جاءوا به إلى الفرنسيين. إلا أن هذه الجيوش المحالفة، وإن كانت تضعف كل ~~يوم؛ فإنها لم تكن إلا لتزيد رغبة في القتال؛ إذ إن أوروبا جميعها كانت تغذيها ~~بكتائبها. # تمكن بلوخر الذي تهدمت فرقته في شاتوتييري في الثاني عشر من شهر شباط، أن يدخل إلى ~~فوشان في الرابع عشر منه؛ فهذه القرية التي هاجمها الدوق ده راكوز أخذت واسترجعت مرات ~~عديدة، بينما كان القتال حاميا وطيسه، هجم الجنرال غروشي # 5 # إلى مؤخر العدو وأعمل فيه السيف، عند هذا أشار نابوليون إلى كتائبه الأربع ~~بالهجوم، وما هي إلا هنيهة حتى استولت على ألفي رجل من رجال الحلفاء، ثم هجمت خيالة ~~الحرس جميعها؛ وهكذا تشتت العدو في مجاهل الليل من غير أن يجد ملجأ له، تاركا ms283 في قبضة ~~الفرنسيين ألف رجل بينهم القائد العام نفسه. خسر الحلفاء في موقعة فوشان عشرة آلاف أسير، ~~عشرة أعلام، عشرة مدافع وكثيرا من القتلى والمجاريح. # اضطر نابوليون، لكي يزحف لملاقاة الكتائب التي تتهدد باريس من جهة رنس وسولسون، أن يترك ~~لبغض الملازمين العناية بردع شوارتزنبرج عن بلوغ شواطئ الأوب والسين، إلا أن الجنرال يسيم ~~النمسوي، الذي لم يكن أمامه سوى قوات أقل من قواته بكثير، تقدم إلى الأمام بعد أن ~~أوقفه الجنرال بورمون يومين كاملين تحت أسوار نوجانت. فلما بلغ الإمبراطور نابوليون تقدم ~~شواتزنبرج ترك مارمون ومورتيه على شواطئ المارن وأسرع كوميض البرق إلى الجهة التي يتهددها ~~الجيش النمسوي. في السادس عشر من شباط وصل إلى شواطئ الأيبر، وفي اليوم التالي زحف إلى ~~نانجي حيث كانت الفرقة الروسية، التي يقودها ويتجنستن، الذي جاء يعضد الجيش النمسوي ~~البافاري، وكانت كتيبة روسية أخرى بقيادة الجنرال باهلن معسكرة في مورمانت، فقاتل ~~الإمبراطور هذين القائدين وشتتهما أفظع تشتيت. عند هذا استولى الجنرال جيرار على قرية ~~مورمانت التي دخلتها الفرقة الثانية والثلاثين بانتصار باهر، وأتيح للخيالة التي يقودها ~~الجنرالان فالمي وميلهو، وتعضدها مدفعية الجنرال دروو، أن تخترق مربعات المشاة الروسيين ~~وتستولي عليها بجملتها، وكانت تضم أكثر من ستة آلاف رجل، أما القائد العام ويتجنستن فقد ~~نجا بنفسه وهرب إلى نوجان، وكان أعلن أنه سيكون في باريس في الثامن عشر من الشهر. # صرف الإمبراطور الليلة التي بين السابع عشر والثامن عشر من الشهر في قصر نانجي، وقد عزم ~~أن يزحف في اليوم التالي إلى مونترو، التي كان على فيكتور أن يتقدم الجيش النمسوي إليها ~~ويستحكم فيها في السابع عشر مساء . إلا أنه عندما مثل الجنرال شاتو أمام مونترو في ~~الساعة العاشرة من صباح اليوم الثامن عشر، كان الجنرال بيانشي قد احتل هذا المركز الخطير ~~منذ ساعة، واستحكمت كتائبه على المرتفعات التي تغطي جسور المدينة؛ ولكن الجنرال شاتو، وإن ~~لم يكن لديه من الرجال عدد غفير يوازي عدد العدو، إلا أنه لم يصغ إلا إلى شجاعته ~~وهاجم ms284 العدو ببأس غريب فلم ينجح وارتد إلى الوراء؛ لأن الكتائب التي كان عليها أن تصل إلى ~~مونترو في مساء اليوم المنصرم لم تكن قد وصلت كما توقع، سوى أن القوة التي أظهرها في ~~الدفاع فسحت مجالا لوصول كتائب أخرى يقودها الجنرال جيرار؛ وما هي إلا هنيهة حتى أقبل ~~الإمبراطور فأعاد وجوده الحمية والنشاط إلى صدور الكتائب، وهجم بنفسه بين كرات المدافع ~~وقنابل البنادق، ولما سمع الجنود يظهرون استياءهم من تعرضه لهذا الخطر قال لهم: «هيا ~~أيها الأصدقاء، ولا تخافوا؛ فإن القنبلة التي ستقتلني لم تذوب بعد.» # كان العدو قد جنح إلى سهول سورفيل عندما أرغمه الجنرال باجول أن يرمي بنفسه في مياه ~~السين والأيون. أما الحرس فلم يحتج إليهم ليشتركوا في القتال، ولم يظهروا إلا ليبصروا ~~العدو هاربا في جميع الجهات، ويحضروا انتصار فرقتي جيرار وباجول. أما أهالي مونترو فقد ~~اشتركوا في هذا الانتصار بأن أطلقوا بنادقهم من شرفات منازلهم على النمسويين ~~والورتنبرجوازيين. لقد خسر الجيش الفرنسي خسارة أوجعت قلب الإمبراطور؛ فإن الجنرال شاتو ~~أصيب بقنبلة قتالة على جسر مونترو، جزاء تلك البسالة النادرة التي أبرزها في ~~المعركة. # بعد أن وزع نابوليون المكافآت على القواد الذين أبلوا بلاء حسنا في هذه المعركة ~~التفت إلى الذين أبطئوا في زحفهم أو تهاملوا في قيادتهم، فوبخ الجنرال مونبرن على تركه ~~غاب فونتنبلو للكوزاك من غير مقاومة، إلا أن التوبيخ الذي خرج من فم نابوليون، وكان له ~~دوي في جميع أوروبا، وأثر تأثيرا كبيرا هو الذي وجه إلى المرشال فيكتور. جاء في ~~المذكرة ما يلي: «كان على الدوق ده بللون أن يصل إلى مونترو في السابع عشر مساء ، ولكنه ~~توقف في سالنس، فهذه هفوة فظيعة؛ لأن احتلال جسور مونترو كان أتاح للفرنسيين أن يدركوا ~~النمسوي منغمسا في الجريمة.» # ولم يكتف الإمبراطور بهذا التوبيخ العلني بل أرسل إلى المرشال فيكتور الإذن بالانفصال عن ~~الجيش وسلم القيادة للجنرال جيرار. أما فيكتور، الذي أحزنه موت صهره الجنرال شاتو ~~الباسل، فلم يبق ساكنا لدى هذا العزل، بل جاء ms285 إلى الإمبراطور وقال له: «إن المشقات التي ~~كابدها الجيش إنما هي التي سببت هذا التأخير.» وزاد على ذلك بقوله: إنه إذا اقترف هفوة ~~فالطعنة التي حلت بأسرته كفرت عنها تكفيرا عظيما، عند هذا تمثلت لنابوليون صورة ~~شاتو المحتضر وفطرت قلبه، فاغتنم المرشال هذه السانحة ليقول له بشفقة: «أنا ذاهب لآخذ ~~بندقية، فلم أنس مهنتي القديمة، وسترى فيكتور مصطفا في صفوف الحرس.» فالتوى نابوليون لدى ~~هذه اللهجة النبيلة، وبسط له يده قائلا: «إذن فابق يا فيكتور، لا أستطيع أن أعيد إليك ~~جيشك لأني سلمته إلى جيرار، ولكني أعطيتك كتيبتين من الحرس، فاذهب واستلم ~~قيادتهما.» # في الثالث والعشرين من شهر شباط دخل نابوليون إلى تروا ... # انتهى إلى نابوليون وهو في تروا، أن الجنرال بلوخر يحاول الزحف إلى باريس فأسرع حالا ~~للدفاع عن عاصمته، وفي السابع والعشرين مساء وصل إلى جوار مقاطعة لاوب والمارن فصرف الليل ~~في هربيس، واستقر في دير هناك لا يحتوي إلا على غرفة واحدة. # وفي اليوم التالي بلغه أن مورتيه ومارمونت اندحرا أمام بلوخر في طريق مولان، وجيش هذا كان ~~يربو على الجيش الفرنسي، فزحف مسرعا إلى هذه الجهة وحمل أركان جيشه إلى قصر إسترني حيث ~~صرف الليلة التي بين الثامن والعشرين من شهر شباط وأول آذار. كان الجيش العدو قد أصبح على ~~مقربة من باريس فأخذ نابوليون يفكر في الوسيلة التي تمكنه من إيقافه. أما بلوخر، فلما ~~علم بدنو الإمبراطور، أخذ يحتال للتملص منه وهرب مسرعا في طريق سولسون؛ عند هذا استلم ~~مورتيه ومارمونت أمرا بمطاردة البروسيانيين، فنفذاه تنفيذا جميلا؛ إذ إن زحفهما ~~إلى سولسون، الذي كان موآزرا زحف الإمبراطور، حصر بلوخر بين جيشين فرنسيين أوشك ~~البروسيانيون أن ينكسروا انكسارا فظيعا، حتى إن هربهم لم يكن ليستطيع أن يوصلهم إلا ~~إلى تسليم أو إلى مذبحة فظيعة تحت أسوار سولسون؛ ولكن الحكمة لم تكن تريد أن يتلاشى ~~البروسيانيون؛ فعندما أوشك بلوخر أن يقع تحت طعنات الكتائب الفرنسية التي تحرجه وتزنره ~~فتحت له سولسون أبوابها وكان عليها أن تقاومه. # كان ms286 نابوليون في فيسم لما انتهى إليه ماذا جرى في سولسون فكان سخطه مضارعا لدهشته، ~~وأصدر حالا مرسومين؛ يأمر في الأول الفرنسيين جميعهم بأن يسرعوا إلى السلاح لدى دنو ~~الأعداء، وضمن الآخر العقاب الذي يلحق بالخائنين لكل موظف يحاول أن يبرد عزائم ~~المواطنين. # كان المفوضون الإنكليز، في معاهدة جرت في شومون في أول آذار، قد أخذوا عهدا على جميع ~~سلطات البر أن لا تلقي السلاح إلا بعد أن تعيد فرنسا إلى حدودها القديمة. # كان الجيش الفرنسي يكاد يدرك بلوخر في كراوون ويقاتله قتالا تاما عندما أرسل الدوق ده ~~فيسانس برقيات إلى الإمبراطور، يعلن له فيها، أن العصبة تتطلب منه ليس أن يتخلى عن ~~فتوحات الجمهورية والإمبراطورية فحسب، بل أن يكون هذا التخلي كفاتحة للمداولات، وأن ~~يمتنع المفوضون الفرنسيون عن إظهار مطاليب معاكسة لمقاصد السلطات العليا؛ إلا أن ~~مفوضي أوروبا القديمة كانوا يعلمون جيدا، أن الرجل الذي ارتفع فوق الأمجاد القديمة ~~والحديثة، والذي يمثل فرنسا الفتاة، لن يهبط من ذلك العلو ليذعن إلى ملوك لا يزالون ~~يحملون على جباههم الملكية آثار قدميه، إذن فمن البديهي أن تكون هذه المطاليب شهر ~~حرب جديدة لا مفاوضة في صلح، ومن البديهي أيضا تجاه هذه المطاليب أن يخلد نابوليون إلى ~~القتال، فزحف إلى لاون التي كان الجيش البروسياني محتلا مرتفعاتها. أما بلوخر، فعلى ما ~~حل به من الانكسارات العديدة، لم يأل جهدا في تغذية جيشه بالرجال حتى أصبح وهو على رأس ~~مائة ألف مقاتل. # في العاشر من شهر آذار، الساعة الرابعة صباحا، بينما كان نابوليون يستعد للهجوم على ~~البروسيانيين جيء إليه بجنديين من الدراغون أخبراه بأن فرقة الدوق ده راكوز دوهمت فجأة في ~~الليلة نفسها وشتت تشتيتا تاما، فأوقف نابوليون لدى هذا النبأ الأمر بالهجوم الذي كان ~~أعطاه إلى قواده، إلا أن العدو، الذي بلغته حوادث الليل، أعلن القتال بسرعة كبيرة، وبعد ~~معركة هائلة أبلى فيها فيلق شربنتيه بلاء حسنا، أخذ نابوليون يفكر في التقهقر. فغادر ~~شافينيون في الحادي عشر صباحا، وصرف النهار التالي في سولسون ms287 التي ترك فيها الدوق ده ~~تريفيز ليحول دون جيش بلوخر، وانحدر إلى رنس التي كان العدو قد استولى عليها بعد قتال جرى ~~بينه وبين الجنرال كوربينو فدخلها عنوة في الليل الواقع بين الثالث عشر والرابع عشر من شهر ~~آذار. # بقي الإمبراطور ثلاثة أيام في رنس صرفها في التدبيرات العسكرية والتنظيمات الإدارية. وفي ~~حين كان الجنرال ميزون على الحدود الشمالية يدافع عن المراكز التي عهد إليه بحراستها، ~~وكان كارنو يحبط مساعي الإنكليز على مقربة من إنفرس، كانت حظوظ الحرب تنقلب على نابوليون في ~~جميع جهات الإمبراطورية. لقد قوتل سول في أورتز وتقهقر إلى تارب وتولوز، وضعف أوجرو في ~~ليون حتى أخذ يستعد للتخلي عنها والاستحكام وراء الإيزير؛ وفتحت بوردو أبوابها ~~للإنكليز منتظرة قدوم الدوق دانكوليم، ووصل الكونت دارتوا إلى بورغونيا، وأخيرا أتيح ~~لشوارتزنبرج، الذي لم يبق ماكدونلد وأودينو قادرين على إيقافه، أن يهدد باريس التي بدأت ~~العصبة الملكية تنتعش فيها من يوم إلى يوم. # شعر الإمبراطور بأنه لم يبق يستطيع أن ينجو إلا بضربة قاضية فلم يتردد أن وجه هذه ~~الضربة إلى شوارتزنبرج الذي بدأ دنوه يدب الذعر في العاصمة؛ ولقد ترك لمارمونت ومورتيه ~~العناية بالوقوف في وجه بلوخر وصيانة باريس من جهة أيسن والمارن، وكأنه خشي عدم نجاح هذه ~~الخطة، فأشار إلى أخيه جوزيف بأن لا ينتظر حتى يستفحل الخطر لوضع الإمبراطورة وملك روما في ~~مأمن، ثم زحف إلى أبرناي ليأخذ من الوراء النمسويين الذين حسبهم قد وصلوا إل نوجانت. # في العشرين من آذار التقى نابوليون بجيش شوارتزنبرج الذي كان زاحفا بجملته إلى مدينة ~~أرسيس ليجتاز الأوب ويصل بسرعة إلى سهول شمبانيا؛ فهذا الانقلاب الفجائي الذي حصل في جيوش ~~الحلفاء، قلب خطط الإمبراطور بطنا لظهر؛ لأنه رأى نفسه أمام قوة تضارع قوته ثلاث مرات ~~في حين كان يظن أنه سيجد فرقة من الحرس لا غير؛ إلا أنه لم يتردد تجاه هذا الانقلاب ~~أن أعطى أمثولة في التضحية الشخصية بأن ألقى نفسه في المعمعة غير مكترث بالخطر المحدق به. ~~جاء في ms288 مذكرة سنة 1814 ما يلي: «ألقى الإمبراطور نفسه في وسط المعمعة غير عابئ بالخطر ~~المحدق به، وإذا بقنبلة تنفجر تحت قدميه حجبته وراء غيمة من الدخان والغبار، فظنه الجنود قد ~~مات، إلا أنه ما لبث أن نهض فألقى بنفسه على جواد آخر وراح يقف مرة أخرى في وجه المدافع! ... ~~إن الموت لا يريده.» # لم تستطع موقعة أرسيس أن تمنع النمسويين من عبور الأوب، على ما أظهر الجيش الفرنسي من ~~الجهود المدهشة، وما أبرز القائد العام من البطولة العجيبة، فتراجع الإمبراطور بنظام تام ~~بعد أن حمل الأعداء كثيرا من الخسائر، إلا أن شوارتزنبرج لم يلبث أن أخلى له الطريق الذي ~~يوصل إلى بلوخر، وفي اليوم نفسه غادر أوجرو ليون لبيانشي وبوبنا. # أما الآن فقد أصبح طريق باريس مفتوحا، من غير معارضة، في وجه الحلفاء، الذين والوا ~~زحفهم إلى العاصمة الكبيرة طاردين أمامهم بقايا الجيش الذي سحقوه. عندما علم الإمبراطور ~~بانكسار قواده وبالخطر العظيم الذي يهدد العاصمة لم يتردد أن أسرع إلى باريس بعد أن ~~أرسل الجنرال ديجان، مساعده؛ ليبشر الباريسيين بأنه يطير إلى إنقاذهم، وفي الثلاثين ~~مساء كان الإمبراطور على مسافة خمسة فراسخ من عاصمته عندما تبلغ أن الوقت قد فات، ~~وأن هذه المدينة الكبيرة قد سلمت، وأن الأعداء ستدخلها في اليوم التالي. هذا النبأ ~~المشئوم أوقف نابوليون عن الزحف فرجع إلى فونتنبلو! أما جوزيف، فعندما علم بدنو ~~الحلفاء، خف إلى تعجيل سفر الإمبراطورة وملك روما! ... قيل إن الملكة هورتنس، التي حزنت ~~لرؤيتها الإمبراطورة وولدها يغادران العاصمة لأصحاب الدسائس والمؤامرات، ألحت على ماري ~~لوزي بالبقاء قائلة لها بلهجة حملت معاني النبوءة: «إذا تركت التويلري لن تعودي إليه»، ~~إلا أن جوزيف أصر على عزمه وأخذ ماري لويز. قال المؤرخ بونس ده ليرولت: «إن الأمر ~~المدهش الذي حدث في ذلك الوقت إنما هو العناد الذي أظهره ملك روما، الذي لم يشأ أن يترك ~~القصر، فهذا العناد كان شديدا، إلى درجة أن جوزيف اضطر أن يستعمل القوة لإخراج الأمير ~~الطفل. كان صراخ ملك روما ms289 يمزق الفؤاد، ولقد كرر مرارا عديدة قوله: قال لي والدي لا ~~تذهب! ... حتى إن جميع الحضور لم يتماسكوا من ذرف الدموع لدى هذا المشهد المؤلم! لا يتصور ~~للقارئ أنه يسمع حكاية ملفقة فإن هذا المشهد الموجع جرى أمام شهود صادقين. قد يكون ~~أحدهم قد أوحى إلى الأمير الطفل ما يجب أن يقول، ولكن الغرابة هي في اختياره اللهجة التي ~~استعملها في التعبير.» # بعد أن سافرت ماري لويز وولدها جرى في باريس الاستعداد للدفاع، إلا أن الفوضى كانت ~~سائدة في جميع الدوائر، ولا سيما في الدائرة الحربية، التي نهج فيها رئيسها الدوق ده ~~فيلتر نهجا غريبا ألقى على رأسه شبهات صارمة! كان السلاح ينقص من جهة، والمئونة من جهة ~~أخرى، وكانت يد خفية تشل الدفاع في جميع الجهات وتساعد على الهجوم. ولكن، بالرغم من جميع ~~الموانع التي قاساها الحماس الوطني، قام الحرس الوطني الذي يقوده مونساي الباسل بأعمال ~~عظيمة في موقعة ثلاثين آذار؛ ولقد اشترك تلاميذ ألفور والمدرسة الحربية مع الحرس الوطني في ~~الدفاع عن مدينتهم الجميلة. أما الحلفاء فقد قاسوا مقاومة شديدة في كليشي، حيث كان ~~مونساي المحترم وولده وعدد من رجال الفن المشهورين والكتبة الممتازين جاءوا يدافعون عن ~~مدينتهم الجميلة، وقد تركوا أعمالهم في سبيل الواجب، نذكر منهم إيمانوئيل دوباتي، شارله، ~~أوبرت، موكن وهوراس فرنه. قال مونساي يحث الرجال: «لقد أحسنا البداية فيجب أن نحسن ~~النهاية. هنا قتالنا الأخير فلنقم بجهود أخيرة، فالشرف والوطن يأمراننا بذلك!» # إلا أن الشجاعة كان يجب عليها أن تقهر وتتراجع أمام العدد، كان يحب عليها أن تقهر ~~في كل مكان وتضؤل في وسط الجبن والخيانات. أما مونساي، فإذا رأى تحت أسوار باريس نزوات ~~الشباب الفرنسي، فإن الذين بدءوا مثله سيرون ما هو مؤلم وينتهون بأسوأ حظا منه؛ فلقد ~~ترك مارمونت نفسه يغلف بجنود العصبة الملكية، ولقد أكدوا للأمير ده بنيفان أن ~~العاصمة لن تنجو إلا بتسليم؛ أما هو، فلكي ينقذ العاصمة، سلم الإمبراطورية! في ~~الواحد والثلاثين من شهر آذار دخل الغرباء إلى باريس منتصرين ms290 ليقلبوا عرش نابوليون، ~~والذين فتحوا لهم الأبواب هم الرجال أنفسهم الذين وضعوا في الثلاثين من شهر آذار عام 1806 ~~أنظمة السلالة الوراثية الجديدة! ~~••• # روما، فيينا، برلين، مدريد، نابولي، ليسبون، موسكو، يا عواصم أوروبا القديمة لقد انتقم ~~لك! لقد قاست باريس في دورها سيادة الغرباء المتغطرسين، وأصبح التويلري واللوفر في قبضة ~~الروسيين والجرمانيين، وعسكر الكوزاك في مراكز الثورة، وسيعود البوربونيون! لقد خيل ~~للبربرية أنها انتصرت، وانتهت مهمة الأريستوقراطيين، أما البربرية والأريستوقراطية ~~فإنهما لعلى خطأ مبين! # لم تنتصر الأريستوقراطية والبربرية على الديموقراطية والترقي؛ لأنهما قد احتلتا ~~مدينتهما؛ فإن كانت العصبة نشرت سيادتها على باريس، فالفرنسيون لا يزالون أسيادا على ~~الحلفاء؛ إذ إنهم سيثابرون على تعليم هؤلاء الحلفاء الفن والرياضيات والصناعة والعادات ~~والشرائع، ويبثون فيهم أفكارهم الحرة التي بنوا عليها أساس إمبراطوريتهم! # | الفصل الحادي والعشرون # لم تسفر جهود الملوك منذ خمس وعشرين سنة إلا عن انتصار واحد سينقلب عليهم بعد حين! إن ~~الرجل الكبير لن يهبط من المركز السامي الذي يشغله في التاريخ إذا هبط عن العرش؛ لأنه إذا ~~فقد تاجا فهو يبقي كل مجده وكل نبوغه وكل عظمته الأدبية، وهكذا الشعب الكبير فإنه سيبقى ~~شعبا ثوريا فيحافظ على سلطته الحضرية ويثابر على سيادته في العالم الراقي. هذا هو سلوك ~~الحكمة العلياء! فإن تحرير البشرية التدريجي، وتحرير العمل، وتقديس حقوق الأهلية، وتأسيس ~~أريستوقراطية الفضائل والنبوغ والخدم، أعني تنظيم الديموقراطية الحقيقية، إنما هي الغايات ~~السامية التي شخصت إليها فكرتها النبيلة - فكرة الحكمة العلياء - والتي ستثابر على تحقيقها ~~في كرور الزمن! # لقد أصبحت عاصمة الإمبراطورية وقد احتلتها الجيوش الغريبة، فلم يبق الحلفاء يكترثون ~~بنابوليون ولا بأسرته، سوى أن إمبراطور النمسا بقي وحده يفكر في ملك روما وأمه؛ وأما ~~الإسكندر فقد اتخذ موقفا يمت إلى الاعتدال والكرم، وصرح أنه سيحترم مشيئة الشعب ~~الفرنسي، ودعاه إلى تأليف حكومة ملائمة له، دعوة وهمية تقيم فئة من عملاء العصبة الملكية ~~تراجمين للأمنية الوطنية. # مثل لدى إمبراطور روسيا وفد بين أعضائه الكونت فران # 1 # الخطير ليجيب دعوة القيصر ويقول له ms291 ما ترغب فرنسا! أما الكونت ده نسلرود، ~~الذي يعرف فكرة سيده، فقد أطلع الوفد على أن رغبته إنما هي أمنية الرجل الأوتوقراطي، # 2 # الذي وإن كان صرح بسلطة فرنسا الحرة معترضا على تالليران الراغب في عودة ~~البوربونيين، لم يكن ذلك التصريح إلا مشهدا من رواية مضحكة، إلا أنه إنما كان في ~~غنى عن إلحاح أمير بنيفان (تالليران) ليعلم أن لويس الثامن عشر كان مبدأ، وأن العصبة ~~حاربت لأجل هذا المبدأ؛ ولكنه أراد أن يخفي فكرته الخصوصية وفكرة حلفائه وراء نفوذ إحدى ~~الفرق الكبيرة في الأمة، التي كانت تعتبر كعنصر الشعب الوحيد؛ وعندما أسمعه تالليران ~~مطاليب بعض العصب الفرنسية، التي تنادي بعودة البوربونيين، طمأنه إلى أنه سيحقق جميع ~~ذلك حتى سقوط نابوليون نفسه، وإصعاد لويس الثامن عشر إلى العرش على يد مجلس الشيوخ، الذي لم ~~يكن في الماضي يرفض شيئا من نابوليون، وفي الثاني من شهر نيسان تم رجاء تالليران؛ فإن ~~مجلس الشيوخ صرح بسقوط نابوليون بونابرت وأسرته عن عرش فرنسا، ثم نادى زعيم أسرة البوربون ~~ليسترجع تاج آبائه. وفي حين كان تالليران مالكا في العاصمة لصالح الغرباء والبوربون ~~بصفته رئيس حكومة مؤقتة، كان نابوليون في فونتنبلو تحف به فرقة من الحرس الأمناء ~~تتحفز لتنتقم من العار الذي لحق بباريس، ولكن يحيط به أركان جيش لا يبدون مثل ~~الحماس الذي يبديه الحرس النشيط. # في الليل الواقع بين الثاني والثالث من شهر نيسان قدم الدوق ده فيسانس وأعلن لنابوليون ~~أن الأمراء، الذين عفا عنهم مرارا عديدة أيام كان يستطيع أن يوصد في وجوههم ~~مقدراتهم الملكية بعد أوسترلتز ويينا ووكرام، يرفضون أن يتداولوا معه ويطلبون تنازله؛ ~~فسخط سخطا شديدا لدى سماعه هذا الادعاء وحدثته نفسه بادئ ذي بدء بالعودة إلى السلاح، ~~ولكنه لم يجد حوله إلا سكونا كالحا؛ فإن رفاقه القدماء الذين رفعهم إلى أقصى مراتب ~~الجندية أصبحوا اليوم من رجال حكومة سقطت لا يريدون أن يشتركوا في سقوطها. قال مونتسكيو، # 3 # الفيلسوف الفرنسي الكبير: «أسبغ على رجل نعما فأول فكرة توحيها إليه، ms292 ~~هي أن يبحث عن الوسائل التي تمكنه من المحافظة عليها.» فهذه الفكرة التي اختبرها نابوليون ~~اضطرته أن يكتب بيده الأسطر التالية: # لقد صرحت السلطات المتحالفة أن الإمبراطور نابوليون إنما هو العثرة الوحيدة ~~في سبيل إعادة الأمن إلى أوروبا؛ إذن فالإمبراطور نابوليون الذي يود أن يكون ~~أمينا على قسمه، يصرح بأنه مستعد أن ينزل عن العرش ويغادر فرنسا لا بل ~~الحياة لأجل طمأنينة الوطن، غير منفصل عن حقوق ولده وحقوق الإمبراطورة وتثبيت ~~شرائع الإمبراطورية. # كتب في قصرنا في فونتنبلو، 4 نيسان 1814 # نابوليون # وعهد إلى كولنكور بأن يأخذ هذه الفتوى إلى باريس وصحبه ناي وماكدونلد. إلا أن الدوق ~~ده فيسانس (كولنكور) لم يصحب إلى نابوليون في فونتنبلو إلا طلب تنازل آخر، وهو أن ~~يجرد من حق الملك الأمير الإمبراطوري وسائر أسرة نابوليون، فلم ينزل الإمبراطور عند ~~هذا الطلب الصارم، وصحت عزيمته على مواصلة الحرب فأخذ يفكر في القوات الباقية له في ~~الشمال والجنوب وفي الألب وفي إيطاليا، إلا أن آماله بقيت من غير تحقيق بالرغم من أنه ~~حث رجاله على الزحف إلى الألب؛ إذ إن رفاقه القدماء لم يوافقوه على عزمه هذا ... # شعر نابوليون أن جنود لودي وأركول ليسوا إلى جنبه ليتبعوه، وأن أشراف الحكم الإمبراطوري ~~الوراثيين تعبوا من حمل السلاح بعد أن ذاقوا عذوبة القصور ورفاهيتها فأخذ القلم، وما هي ~~إلا بعض ثوان حتى سلم كولنكور الفتوى التي طلبها الحلفاء، وهذه هي: # لقد صرحت السلطات المتحالفة أن الإمبراطور نابوليون إنما هو العثرة الوحيدة ~~في سبيل إعادة الأمن إلى أوروبا، إذن فالإمبراطور الذي يود أن يكون أمينا على ~~قسمه يصرح بأنه يتنازل هو وأولاده عن عرشي فرنسا وإيطاليا، وأنه ما من تضحية ، ~~حتى التضحية بالحياة، تتردد أمام مصالح فرنسا. # نابوليون # قال البارون فن: # 4 ~~«آه! لو أن نابوليون الساخط رضي في تلك الآونة أن ينزل من مركزه السامي إلى ~~مركز القواد الثانويين، لوجد هناك شبانا يتحفزون للنزول عند رغائبه! كان عليه أن يخطو ~~بضع خطوات ليحييه جميع جنوده في أسفل سلالمه! ms293 ولكان حماسهم أنعش روحه لو عمل تلك ~~الخطوات! إلا أن نابوليون ينوء تحت عادات مملكته، ويصور له أنه يسقط إذا هو مشى من دون ~~القواد العظام الذين أعطاه إياهم التاج.» # كان الإمبراطور يريد القواد البواسل، الذين أقسموا له في الماضي أن يتبعوه إلى مصر، ~~ولكنه لم يجدهم حوله، ذلك لأن الجمهورية التي رفعته وهبته موكبا من الأبطال؛ ولأن ~~الإمبراطورية رفعت هؤلاء الأبطال إلى مقام الأسياد العظام الذين لم تبق لديهم القوة ولا ~~الإرادة ليحولوا دون سقوط تلك الإمبراطورية! # ماذا يحل الآن بسيد أوروبا المخلوع؟ أي حظ يفرض للرجل الذي وضع عاليا جدا ~~والذي تستطيع ذراعه أن تحرك العالم في كل حين؟ إلى أي مكان يجب أن يبعد؟ بقي ~~الحلفاء مترددين بين أن يبعدوه إلى كورفو أو إلى كورسكا أو إلى جزيرة ألبا، # 5 # إلى أن اختاروا هذه الجهة الأخيرة، وصحت عزيمتهم على إجراء معاهدة تقرر ~~مقدرات الأسرة الإمبراطورية جميعها. إلا أن نابوليون سخط سخطا شديدا، وقال: ~~«ماذا تفيد المعاهدة ما زالوا يرفضون أن يقرروا معي ما يتعلق بمصالح فرنسا؟» ثم حاول أن ~~يسترجع تنازله، إلا أن الوقت كان قد فات وتمت التضحية، في الحادي عشر من شهر نيسان ~~وقع الحلفاء المعاهدة التي رفضها نابوليون، وفي اليوم التالي دخل الكونت دارتوا إلى ~~باريس. كان البوربونيون يدركون كل الإدراك، أن الفرح الذي استولى على الشعب، إنما هو ~~بعودة السلام إلى فرنسا لا بعودة السلالة القديمة، فوعدوا الشعب بتنظيمات حرة وباحترام ~~مصالح فرنسا الجديدة، لم تظهر الثورة يوما من الأيام نفوذها العظيم بأجلى مما أظهرته ~~اليوم؛ إذ إنه في الحين الذي سقط فيه النبوغ لانحيازه عن تلك الثورة بعد أن أوصلها إلى أقصى ~~درجات العظمة والمجد ، وجد أعداؤها أنفسهم مضطرين أن يؤيدوها ويمهروها بضمانات ~~وآمال! # في الليلة التي تلت وصول الكونت دارتوا إلى باريس، جرى في فونتنبلو حادث خطير لا يزال ~~سره مجهولا إلى يومنا هذا، فلقد شوهدت حركة غريبة في القصر، فأسرع خدم نابوليون إلى ~~غرقته الخاصة به وظهرت عليهم أقصى درجات ms294 القلق والحزن، ثم جيء بالأطباء وأوقظ الأصدقاء ~~الأمناء برتران وكولنكور وماره من نومهم! كان الإمبراطور، الذي رفض توقيع معاهدة نيسان ~~والذي انتهى إليه أن امرأته وولده قد منعا من الذهاب إليه، يقاسي أوجاعا شديدة إلى درجة ~~أنهم ظنوا أن هناك تسميما، إلا أن الأدوية التي عولج بها خففت من آلامه، وما برحت ~~أن شفته شفاء تاما. أما الكتبة وبعض المؤرخين، الذين حاولوا أن يؤكدوا أن نابوليون ~~شاء أن ينتحر في ذلك الوقت، فقد زعموا أنه قال ساعة شفائه: «إن الله لا يريد!» ولكن بعض ~~ملازمي الإمبراطور صرحوا أن الآلام التي كابدها في تلك الليلة السرية إنما هي نتيجة ~~طبيعية للضيقة الروحية التي يقاسيها منذ أكثر من عشرة أيام، ونفوا الإشاعة التي راجت حول ~~فكرة التسميم. أما الإمبراطور فلم يظهر شيئا مما قاساه في الليل، وكان نهوضه في الصباح ~~كسائر أيامه، سوى أنه أظهر نفسه أكثر رضوخا من ذي قبل؛ إذ طلب المعاهدة التي أشاح عنها ~~بوجهه حتى الآن ووقعها بإمضائه. # لم تكن ماري لويز، التي استقبلت في رامبولليه إمبراطوري النمسا وروسيا اللذين منعاها من ~~الذهاب إلى فونتنبلو، تنتظر إلا رحيل زوجها حتى تتجه إلى فيينا مع الأمير الطفل الذي ~~اشترك الإمبراطور فرنسوا، جده العظيم، في سحق مستقبله. إذن فلقد انتهى كل شيء معا! ~~لذة العظمة السياسية النبيلة، وتعزية الحياة الزوجية العذبة! عبثا حاول الكولونيل، ~~مونتولون أن يؤكد للإمبراطور غيرة كتائبه واستعدادهم لإعادة الحرب، فلقد أجابه السيد ~~المخلوع: «فات الوقت ولا أرغب في شهر حرب أهلية!» ولقد فات الإمبراطور أن آخر قنبلة قد ~~أطلقت في العاشر من شهر نيسان، في معركة تولوز، على يد المرشال سول، الذي لم يطلع على ~~حوادث باريس وفونتنبلو، والذي وضع ختم المجد على الصفحة الأخيرة من المواقع الخالدة التي ~~شهرها الجيش الكبير! # كان على بعض المفوضين الذين اختارهم الحلفاء أن يصحبوا نابوليون إلى جزيرة ألبا، ففي ~~العشرين من شهر نيسان، الساعة الثانية عشرة ظهرا، نزل الإمبراطور إلى فناء «الجواد ~~الأبيض»، حيث كان يجتمع الحرس الإمبراطوري، فلم ms295 يجد حوله إلا بعض الأمناء بينهم الدوق ~~ده باسانو والجنرال بليار؛ فلما دنا الإمبراطور من الجنود ارتعشت قلوبهم وامتلأت أعينهم ~~بالدموع! أما هو فأعلن بإشارة أنه يريد التكلم، وساد سكوت مهيب كأنما شاء الجنود أن ~~يلتقطوا الكلمات الأخيرة من فم الرجل العظيم، قال: «أيها القواد، والضباط، ويا جنود حرسي القديم إنني أودعكم؛ إني مسرور بكم ~~منذ عشرين سنة، فلقد وجدتكم في كل حين على طريق المجد الخالد! # لقد سلح الحلفاء أوروبا بأسرها ضدي، وخان قسم من الجيش واجباته، ورغبت ~~فرنسا نفسها في مقدرات أخرى! # كنت أستطيع معكم ومع البواسل الذين بقوا أمناء على عهدي أن أمد الحرب الأهلية ~~ثلاث سنوات بعد، ولكن هذا كان جر على فرنسا ويلات لا تنطبق على الغاية التي سرت ~~في سبيلها! # كونوا أمناء للملك الجديد الذي اختارته فرنسا، لا تهجروا يوما هذا الوطن الغالي ~~الذي قاسى آلاما وتعسا! أحبوه دائما، أحبوه بإخلاص، هذا الوطن ~~الغالي! # لا تحزنوا على حظي، فسأكون دائما سعيدا عندما أعلم أنكم سعداء! # كنت أستطيع أن أموت، فلا شيء أهون لدي من ذلك، ولكني سأتبع دائما طريق الشرف؛ ~~علي أن أكتب الأعمال التي قمنا بها. # ليس بوسعي أن أعانقكم جميعا، إلا أني سأعانق قائدكم ... اقترب يا جنرال ... ~~(يضم الجنرال بتي بين ذراعيه) جيئوني بالنسر! ... (يقبله). أيها النسر المحبوب! ~~ألا فلتدو هذه القبلات في قلوب جميع البواسل! ... وداعا يا أولادي! ... فستتبعكم ~~تمنياتي إلى حيث تكونون، حافظوا على تذكاري.» # عند هذا تصاعدت الزفرات من صدور الجنود، وتساقطت الدموع من جميع الأعين المحيطة به؛ أما ~~هو فسلخ نفسه عن هذا المشهد المؤلم وقفز إلى مركبة كان فيها الجنرال برتران. توارى ~~نابوليون عن فونتنبلو يصحبه المرشال الكبير والقائدان دروو وكامبرون وبعض الذين أرادوا أن ~~يشتركوا في إخلاص هؤلاء المحاربين البواسل. كان نابوليون يسمع أينما وصل هتاف «ليحي ~~الإمبراطور!» متصاعدا في طريقه، فيتفطر ويدب العزاء في قلبه، وكأنه فهم أن الشعب، ~~بالرغم من سقوطه، لا يزال متعلقا به، فقال في نفسه: «لن يقوى البوربونيون أن يمحوا في ms296 ~~فرنسا عبادة اسمي!» # التقى الإمبراطور، بين ليون وفالنس، بالمرشال أوجرو، الذي كان قد تناوله بفلتة لسانه في ~~إحدى خطبه؛ إذ قال: «إن نابوليون لم يعرف أن يموت كجندي!» ولكن الإمبراطور الذي كان يجهل ~~تلك الإهانة المضحكة التي وجهها إليه رفيقه في معركة أركول نزل من مركبته ليعانقه، ~~فلما دنا منه نزع قبعته عن رأسه، في حين أن المرشال تكلف إبقاء قبعته مدة المقابلة حتى ~~في ساعة التوديع أيضا. وبعد مرور ساعة من الزمن، أبصر نابوليون في طريقه بعض شرذمات من ~~فرقة أوجرو حيته التحية التي كانت تقوم بها وهو على العرش، وقال له بعض جنودها بصوت عال: ~~«مولاي، إن المرشال أوجرو باع جيشك!» # اضطر نابوليون أن يتجنب المرور في أفينيون التي هيج فيها العصاة، الذين قتلوا ~~المرشال برون قبل سنة، تمردا في الأفكار ينبئ عن مقصد مشئوم! وفي مساء السادس والعشرين ~~وصل إلى مقربة من لوك، فبات ليلته عند أحد أعضاء الفرقة التشريعية، ولما كان من غد واصل ~~سيره إلى فريجوس، فأقام أربعا وعشرين ساعة بهذه المدينة، ثم أبحر إلى جزيرة ألبا في الساعة ~~الثامنة مساء. # يا للمطابقة الغريبة بين وجوه حياة البطل العظيم التي تدهش أحيانا في تباينها! لقد رأته ~~فريجوس، لدى عودته من مصر، وقد واكبه مارمون ومورات وبرتييه وغيرهم، مبحرا إلى فرنسا ~~لينزع السلطة السامية من ممثليها ويضع أساس إمبراطورية رحبة عظمى، ورأته بعد خمس عشرة ~~سنة، وقد جرده الغرباء من تلك السلطة، مبحرا من فرنسا لا ليتولى زمام أمة كبيرة، ~~أو ليحاول أن يقبض على ناصية أعظم عرش في العالم، بل لينزوي في أعماق جزيرة صغيرة من جزر ~~البحر المتوسط، وقد خانه أو تخلى عنه رفاقه القدماء وأقرباؤه. خانه مورات ومارمون، ~~وتخلى عنه برتييه وغيره! ... هكذا شاءت الحكمة العلياء، والله لا يجري شيئا من غير ~~تدبير! فلنترك عظمته تعمل ما بدا لها! # في الثالث من شهر أيار، في اليوم نفسه الذي وصل فيه لويس الثامن عشر إلى باريس، حل ~~نابوليون في مرفأ بورتو-فراجو، فخف كبار موظفي ms297 جزيرة ألبا لتحية سيدهم على الباخرة ~~الإنكليزية التي أقلته، وفي اليوم التالي نزل الإمبراطور إلى اليابسة فحيته مائة ~~مدفع ومدفع، وأسرع لملاقاته جميع الأهلين يتقدمهم المجلس البلدي والإكليروس. # شرع نابوليون يهتم بتنظيم دوائر الجزيرة كأن إقامته بها ستطول كثيرا، وكأن نشاط ~~نبوغه لن يضجر في محيط ضيق كهذا، ثم جد في درس منتوجات الأرض ومصادر الصناعة، وطاف جميع ~~جهات الجزيرة مهيئا في كل مكان معدات لتحسين هام. وفي السادس والعشرين من شهر ~~أيار وصل كامبرون مع بسلاء الحرس القديم، الذين شاءوا أن يشاطروا الإمبراطور منفاه، وما ~~هي إلا أيام حتى قدمت الأميرة بولين والسيدة ليثيثيا إلى جزيرة ألبا وعزمتا ألا تفارقا ~~نابوليون بعد. # كان نابوليون ينتظر بفارغ صبر وصول أنباء من فرنسا، ومثلما كان في الماضي يطالع جرائد ~~أوروبا بلهف عظيم، وهو على شواطئ النيل؛ ليعلم هل حان الوقت لعبور البحر والذهاب إلى فرنسا ~~لقلب «الديركتوار»، # 6 # مجلس الشعب، هكذا اليوم فإنه يطالع الصحف اليومية ليعلم كيف تتحمل الأمة ~~الفرنسية الغرباء والبوربون، وكيف ينهج البوربون والغرباء مع الأمة الفرنسية، أما من جهة ~~التجاديف اليومية، التي كانت الجرائد توجهها إليه، فلم يكن يعيرها اهتماما كبيرا. قال ~~ذات يوم للجنرال برتران الذي جاءه بالصحف الفرنسية: «أتراني ممزقا اليوم؟» فأجابه ~~المرشال الكبير: «لا يا مولاي، فليس لجلالتك ذكر اليوم.» فقال نابوليون: «إذن فإلى الغد، ~~إنها لحمى متقطعة ستزول قريبا.» # إلا أن الحكومة، التي ندبتها العصبة إلى فرنسا، ظهرت بمظهر جدير بمصدرها. فإن وعود ~~الكونت دارتوا بقيت من غير تنفيذ، وأسس لويس الثامن عشر شرائعه التنظيمية # La charte # 7 # على الملذات والحق الإلهي، وعاد الأشراف إلى عسفهم وجورهم، والإكليروس إلى ~~مظالمهم وموبقاتهم، ووقعت امتيازات السلطة على رأس المهاجرين، وسقطت أحقادها واحتقارها ~~سقوط الصاعقة على الجيش القديم، وراح الأشراف يشيدون بذكر كادودال الذي نفذ فيه حكم ~~الإعدام سنة 1804 لاشتراكه مع بشاغري بتهيئة الآلة الجهنمية لقتل نابوليون، # 8 # ويطنبون بمورو الذي قتل في دريسد في حين كان يحارب ضد وطنه في صفوف الروسيين، ~~وينادون برفع ms298 تمثال لبيشاغري! ثم إن جميع الأعمال الخطيرة التي قام بها الشعب الكبير في عهد ~~الجمهورية والإمبراطورية حذفت من تاريخها، أو بقيت فيه ملطخة بالاختلاس والتمرد ~~اللذين عزيت إليهما؛ كما أن الأمير، الذي كان يعيش خاملا بين أعداء فرنسا في حين كانت ~~الجيوش الفرنسية تنتصر في فلوروس ولودي ومارنغو وأوسترلتز، أصبح يزعم أنه ساد في فرنسا عهد ~~أوسترلتز ومارنغو! فضلا عن أن الصحافة، التي كان من واجبها أن تقف في وجه المذاهب الخطلة ~~وتتمرد على الميول المشئومة، استسلمت إلى القوة التي وضعت لها كمامة في فمها، وعالجت ~~المراقبة نفوذها بالرغم من الشرائع التنظيمية. # كان الإمبراطور قد تنبأ عن هفوات البوربونيين، في الوقت نفسه الذي تنازل فيه، وتوقع ~~احتمال عودته إلى العرش. ننقل عن الميموريال (مذكرات نابوليون) هذه الفقرة التي تكلم ~~فيها عن آخر أيامه في فونتنبلو قال: «قلت في نفسي إذا أراد البوربونيون أن يبدءوا بسلالة خامسة، فلا يبقى علي أن ~~أقوم بشيء هنا؛ إذ تكون مهمتي قد انتهت، ولكن إذا أصروا صدفة على إكمال ~~الثالثة فلا أتأخر عن الظهور، إلا أنهم تمسكوا بعاداتهم القديمة فكانوا أولئك ~~الأسياد الإقطاعيين، وأبوا إلا أن يكونوا زعماء ممقوتين لحزب ممقوت!» # إذا قيل عن نابوليون عام 1814 إنه جدد سرير البوربون؛ فإن البوربون في دورهم سيفتحون له ~~طريق العرش. لم يكد نابوليون يتعرف موقف فرنسا ويبلغه ما سيئول إليه أمره بعد معاهدة ~~فيينا، حتى صحت عزيمته على الخروج من جزيرة ألبا من غير أن يطلع أحدا على عزمه هذا ~~إلا القائدين دروو وبرتران. # في السادس والعشرين من شهر شباط عام 1815، الساعة الواحدة بعد الظهر، نبه نابوليون حرسه ~~إلى تهيئة معدات السفر، فعلا الهتاف من جميع الجهات، واهتز هؤلاء البواسل اهتزازا ~~باسلا زاده هيجانا ظهور والدة الإمبراطور وشقيقته في شرفة القصر، ولم يكن يسمع في تلك ~~الآونة إلا هذه العبارة خارجة من أفواه الأبطال: «باريس أو الموت!» وما هي إلا فترة من ~~الوقت حتى نشر على أهالي جزيرة ألبا نداء مؤداه أن الإمبراطور نابوليون سيفترق عنهم، ms299 ~~ولقد جاء في هذا النداء ما يلي: «إن الإمبراطور نابوليون مضطر إلى مغادرة جزيرتكم، ولقد ~~عهد بقيادتها إلى الجنرال لابي، الذي شاءت الحكمة العلياء أن ينخرط في سلك المجد، وعهد ~~بالإدارة إلى مجلس مؤلف من ستة من الأهالي، وبحماية القلعة إلى شجاعتكم وغيرتكم. إن ~~الإمبراطور مسرور جدا من تصرف الأهلين، ولكي يؤكد لهم ثقته بهم يترك والدته وشقيقته ~~تحت حمايتهم، ثم إن أعضاء المجلس وجميع الأهالي يستطيعون أن يتكلوا على محبة نابوليون ~~لهم، وعلى حمايته الشخصية.» # في الساعة الرابعة مساء كان الأربعمائة رجل من الحرس القديم على ظهر الباخرة أنكونستان، ~~في حين كانت خمس بواخر صغيرة أخرى تقل مائتين من المشاة، ومائة من الخيالة الخفيفة # 9 # البولونية، وكتيبة من الجنود، وفي الساعة الثامنة تماما صعد الإمبراطور إلى ~~الأنكونستان يصحبه القائدان برتران ودروو، وما هي إلا هنيهة حتى بشر المدفع بأوان ~~الرحيل وسارت البواخر في عرض البحر. # كانت الريح في البدء هادئة ساكنة، إلا أنها ما لبثت أن أخذت تعصف بشدة حتى خيف على ~~المراكب من خطر داهم، وفكر بعضهم في الرجوع إلى المرفأ، أما نابوليون فلم يذعن، واستمرت ~~المراكب في جريها؛ وكان الإمبراطور مهتما بإملاء نداءاته للشعب والجيش فينسخها جنوده، حتى ~~إذا كان أول آذار، الساعة الثالثة، دخل خليج جوان حيث نزع عن قبعته شارة جزيرة ألبا وأشار ~~إلى جنوده بنزعها عن قبعاتهم، ورفع العلم المثلث الألوان بين هتاف «ليحي الإمبراطور! لتحي ~~فرنسا!» وفي الرابع من شهر آذار وصل الإمبراطور إلى دينيي # 10 # حيث نشر النداءات الباهرة التي أملاها على ظهر الباخرة أنكونستان، والتي ~~ستهيج بشدة، وطنية الشعب والجيش. نعرب هنا قطعتين منها مؤرختين عن خليج جوان في أول ~~آذار، عالج فيهما نابوليون كل ما أوتيه من قوة الإنشاء السامي والبيان الساحر ~~الخلاب. # نداء إلى الشعب الفرنسي # أيها الفرنسيون # إن خيانة الدوق ده كاستيكليون سلمت ليون إلى أعدائنا من غير مقاومة، ولقد ~~كان الجيش الذي عهدت بقيادته إليه يمثل، بعدد كتائبه، بسالة الجحافل ~~ووطنيتها، اللتين كانتا تستطيعان أن تقاتلا فرق ms300 الجيش النمسوي بفوز عظيم، ~~وتدركا مؤخرة الجناح الأيسر من الجيش العدو الذي كان يهدد باريس. # إن انتصارات شامبوبير، ومونميرايل، وشاتو تييري، وفوشان، ومورمان، ومونترو، ~~وكروان، ورنس، وأرسيس سور أوب، وسن ديزييه؛ وإن تمرد الفلاحين البواسل في ~~لورين، وشمباني، والألزاس، والفرانش كونته، وبورغونيا، ثم إن المركز الذي ~~اتخذته في مؤخرة الجيش العدو، بعد أن نحيته عن مخازنه، وحظائر ذخائره، ~~وجميع عدته وأمتعته، كل ذلك كان يضعه في موقف مقنط ويؤكد لنا النصر. لم ~~يوشك الفرنسيون يوما من الأيام أن يصلوا إلى عظمة أبعد من تلك، ولكانت صفوة ~~رجال الجيش العدو قد فقدت من غير وسيلة، وصادفت قبرها في تلك الأرجاء الرحبة ~~التي كثيرا ما أغارت عليها من غير شفقة، لو لم تسلم خيانة الدوق ده راغوز ~~العاصمة وتهدم نظام الجيش. إن التصرف غير المنتظر الذي تصرفه هذان ~~القائدان اللذان خانا وطنهما وأميرهما والمحسن إليهما معا قلب مقدرات ~~الحرب ظهرا لبطن. # ألا إن قلبي، وإن تمزق لدى هذه الأنباء والظروف الخطيرة، إلا أن نفسي ~~بقيت ثابتة لم تتزعزع. لم أنظر يوم ذاك إلا إلى صالح الوطن، ونفيت نفسي على ~~صخرة في وسط البحار! لقد كانت حياتي مفيدة لكم، ويجب أن تبقى بعد. لم أسمح ~~للعدد الكبير من المواطنين الذين أرادوا أن يرافقوني بأن يشاطروني حظي؛ إذ ~~اعتقدت أن وجودهم في فرنسا يفيدها، ولم أصحب معي إلا نزرا من البواسل ~~لحراستي. # لقد اصطفيتموني للعرش فأصعدتموني إليه، وكل عمل أجراه غيركم هو عمل غير ~~شرعي! منذ خمس وعشرين سنة وفرنسا تذهب صعدا في مذاهب الرقي، فتتسلق مراقي ~~نظم جديدة ومجد جديد، لا يضمن ثباتها إلا حكومة وطنية وسلالة نشأت في هذه ~~الظروف الجديدة. إن أميرا يتحكم في شأنكم وتجلسه على عرشي، القوة نفسها ~~التي هدمت حدودنا، قد يحاول عبثا أن يدعم نفسه بمبادئ الحق الإقطاعي، وقد ~~لا يستطيع أن يضمن الشرف والحقوق إلا بفئة قليلة من أعداء الشعب الذي أنكرها ~~منذ خمس وعشرين سنة في جميع مجالسنا الوطنية، عند هذا يصبح أمنكم الداخلي ~~وحرمتكم ms301 الخارجية وقد عبث بهما إلى الأبد. # أيها الفرنسيون، لقد سمعت من منفاي شكاياتكم وأمانيكم، إنكم تنادون بالحكومة ~~التي اخترتموها لكم والتي هي وحدها شرعية؛ إنكم تشكون سباتي الطويل، إنكم ~~توبخونني على تضحيتي بمصالح الوطن الخطيرة في سبيل راحتي. # فها أنذا قد اجتزت البحار في وسط ألوان من المخاطر، وجئت إليكم أسترجع حقوقي ~~التي هي حقوقكم. أما جميع الذي عمله الغرباء منذ الاستيلاء على باريس، ~~فسأنكره في كل حين! # أيها الفرنسيون، ما من أمة، مهما كانت صغيرة، لا يحق لها أن تتملص من ~~عار الرضوخ لأمير انتدبه عدو انتصر انتصارا وقتيا. عندما دخل شارل السابع ~~إلى باريس وقلب عرش هنري الخامس الزائل، عرف جيدا أنه يتناول عرشه من شهامة ~~بسلائه لا من أمير إنكلترا. # أما أنا فلأجلكم وحدكم، لأجل بسلاء الجيش، أخرج من كل واجب مجدا ~~خالدا! # نداء إلى الجيش # أيها الجنود # إننا لم نكن مقهورين؛ فإن رجلين خرجا من صفوفنا قد عبثا بأكاليل غارنا، ~~ببلادهما، بأميرهما وبالمحسن إليهما. # أيزعم هؤلاء، الذين شاهدناهم طوال خمس وعشرين سنة يطوفون أوروبا بأسرها ~~ليهيجوا علينا الأعداء، هؤلاء الذين صرفوا حياتهم في مقاتلتنا في صفوف الجيوش ~~الغريبة، لاعنين فرنسا الجميلة، أيزعم هؤلاء أن يقودوا نسورنا ويوثقوها، في حين ~~أنهم لم يكونوا يستطيعون أن يثبتوا أنظارهم فيها؟ أنطيق نحن أن يرثوا من ~~ثمرات أعمالنا المجيدة؟ وأن يستولوا على انتصاراتنا وممتلكاتنا، ويفتروا على ~~مجدنا ويبهتوه؟ آه لو بقي حكمهم لفقدنا كل شيء، حتى تذكار تلك المواقع ~~الخالدة! # بأي عناد وتصلب يفسدونها، ويحاولون أن يذعفوا ما ينظر إليه العالم ~~بدهشة وإعجاب! # أيها الجنود، لقد سمعت صوتكم من منفاي، وجئتكم خلال جميع العراقيل ~~والمخاطر! # إن قائدكم، الذي دعي إلى العرش باختيار الشعب وصعد على أعلامكم، قد رد ~~إليكم اليوم فتعالوا إليه. # اسلخوا تلك الألوان التي ألفتها الأمة، والتي كانت طوال خمس وعشرين سنة ~~سببا للتوفيق بين أعداء فرنسا جميعهم، وارفعوا هذه الشارة المثلثة الألوان ~~فلقد حملتموها في مواقعنا المجيدة! # يجب علينا أن ننسى أننا كنا أسياد الأمم، ولكن يجب ms302 علينا ألا نتحمل أحدا ~~يتحكم في شئوننا! استرجعوا تلك النسور التي حملتموها في أولم، وأوسترلتز، ~~ويينا، وإيلو، وفرييدلان، وتودلا، وأكموهل، وأسلنغ، ووكرام، وسمولنسك، ~~والموسكوا، ولوتزن، وورتشن ومونميرايل! أتعتقدون أن هذه القبضة من الفرنسيين ~~المتجبرين تستطيع أن تتحمل نظرات تلك النسور؟ لا! فسيرجع هؤلاء من حيث ~~أتوا، وهناك، إذا شاءوا، سيحكمون كما زعموا أنهم حكموا منذ تسع عشرة ~~سنة. # إن ممتلكاتكم، ومقاماتكم، ومجدكم، وممتلكات أبنائكم ومقاماتهم ومجدهم لم ~~تؤت أعداء ألد من هؤلاء الأمراء الذين انتدبهم الغرباء عليكم؛ فهم أعداء ~~مجدنا، لأن تاريخ تلك الأعمال المجيدة، التي خلدت الشعب الفرنسي الذي وقف في ~~وجههم ليتملص من عبء نيرهم، إنما هو الحكم عليهم وإنكارهم! # إن قدماء جيش سامبري-موز، والرين، وإيطاليا، ومصر، والمغرب، والجيش الكبير ~~إنما هم في أشد حالة من حالات خفض الجناح، لقد هتكت حرمة جراحاتهم الشريفة، ~~وخص بالجزاء والشرف هؤلاء الذين قاتلوا في سبيل العدو! # أيها الجنود، تعالوا اصطفوا تحت أعلام قائدكم؛ فإن وجوده لا يتكون إلا ~~من وجودكم وليست حقوقه إلا حقوقكم وحقوق الشعب، وما صالحه وشرفه ومجده إلا ~~صالحكم وشرفكم ومجدكم. سيمشي النصر مشية الخيلاء، وسيطير النسر بالألوان ~~الوطنية من جرس إلى جرس حتى قبة نوتردام، # 11 # عند هذا يحق لكم أن تشيروا إلى جراحاتكم بشرف ومجد، عند هذا ~~يحق لكم أن تطنبوا بالذي تكونون قد عملتموه، عند هذا تصبحون منقذي ~~الوطن. # وعندما تشيخون، ويحيط بكم مواطنوكم مصغين إليكم باحترام، تحدثونهم عن ~~أعمالكم المجيدة، تستطيعون أن تقولوا بفخر: وأنا أيضا كنت جنديا في هذا ~~الجيش الكبير! الذي دخل مرتين أسوار فيينا، وروما، وبرلين، ومدريد، وموسكو، ~~والذي أنقذ باريس من اللطخة التي لوثتها بها الخيانة واحتلال العدو! المجد ~~لهؤلاء الجنود البواسل! وعار دائم على الفرنسيين المجرمين الذين قاتلوا خمسا ~~وعشرين سنة مع الغرباء ليمزقوا أحشاء الوطن! # كانت هذه اللهجة تبشر فرنسا الجديدة بعودة ممثلها العظيم إليها، وتعلن لها أن ~~الديموقراطية قد وجدت بطلها وحاميها، أما الشعب والجيش فأسرعا بحماس شديد لملاقاة ~~المنفي العظيم! # في الخامس من شهر آذار وصل ms303 نابوليون إلى مدينة كاب، فاستقبلته هناك مظاهرات الفرح ~~التي انطلقت في جميع الجهات التي مر فيها، وعندما مر بسن بونه خف الأهلون ~~لاستقباله، وطلبوا إليه أن يتطوعوا في خدمته ويصحبوه إلى باريس، أما هو فأجابهم: «لا، ~~إن شعوركم الشريف ليؤكد لي أني لم أنخدع، فهو خير ضمان لتعلق جنودي بي، فابقوا في ~~بيوتكم براحة وأمان!» ولكن نابوليون عندما قرب من غرونوبل، توقع حدوث مظاهرات ~~عدائية من قبيل رجال السلطة والقائد العسكري. كان الجنرال مرشان قد جرد كتيبته على ~~طريق لامور ليقطع المرور على نابوليون، فالتقى حرس الإمبراطور بهذه الكتيبة بالقرب من ~~لافريت، وعبثا حاول أن يقنعها بأن تفتح له الطريق وتنضم تحت علم الجيش القديم. فلما ~~علم نابوليون بهذا الحادث، خف بنفسه إلى الحرس، ووقف أمام الكتيبة قائلا: «ماذا يا ~~أصدقائي، ألم تعرفوني، فأنا إمبراطوركم، فهل فيكم من يريد أن يقتل قائده وإمبراطوره؟ ~~إنه لقادر فها أنذا!» عندما تلفظ بهذه الكلمات كشف عن صدره، أما ضابط الأوامر فأراد ~~أن يستفيد من هذا ليشير بإطلاق النار، إلا أن صوته لم يلبث أن خنقه هتاف: «ليحي ~~الإمبراطور!» الذي ردده الفلاحون المتألبون على حافات الطريق ألف مرة مع ~~الجنود! وما هي إلا لمحة عين حتى كانت الكتيبة قد انضمت إلى بسلاء جزيرة ألبا، وحتى ~~كان ضابط الأوامر قد توارى عن الأعين بفضل سرعة جواده، ثم والى الإمبراطور سيره في ~~جهة غرونوبل بين الجموع الغفيرة، التي كانت تزداد حينا بعد حين، ولما وصل إلى فيزيل ~~رأى حماس الشعب الدوفينوازي ينمو شيئا فشيئا، وسمع الجميع يصرخون من مختلف الجهات: ~~«هنا ولدت الثورة، هنا طالب آباؤنا في الأول بامتيازات الرجال الأحرار، وهنا أيضا ~~تنبعث الحرية الفرنسية وتخفي فرنسا شرفها واستقلالها!» أما نابوليون فلما مر أمام قصر ~~لستيكيير الجميل، الذي عقدت فيه الجمعية الوطنية للمرة الأولى في سنة 1788، لم ~~يتمالك أن صرخ بدوره: «أجل، من هنا خرجت الثورة الفرنسية!» وكأنه قال في نفسه: «وهنا ~~أيضا ستنال الثورة الفرنسية نصرا جديدا على الحكومة القديمة!» # أجل، بينما كان الإمبراطور ms304 مستسلما لمشاعره وتأملاته في وسط تلك السكرة العمومية ~~التي أحدثها وجوده في كل مكان، اخترق الجمع ضابط من الكتيبة السابعة، وأعلن لنابوليون ~~أن كتيبته، وعلى رأسها الكولونيل، تتقدم بخطى سريعة لتحيي بطل فرنسا. كان من عادة ~~الإمبراطور أن يبقى هادئا، في الظاهر، في مثل هذه المواقف المجيدة في حياته، ولكنه ~~لم يتمالك أن أظهر التأثير العميق الذي استولى عليه، وقد خيل إليه أن هذا الحادث ~~سيحمله إلى التويلري، وبرز وجهه متألقا بالفرح والآمال، ذلك الوجه الذي اشتركت ~~أتعاب الجسد وآلام الروح في إعطائه لونا أشهب كالحا! وبعد أن أظهر للضابط حبه ~~واحترامه للكتيبة وقائدها الكولونيل، وخز جواده فانطلق به إلى الأمام، كأنما هو يرى ~~أمامه قوس نصر كاروسيل، وما هي إلا مدة قصيرة حتى سمع هتاف الكتيبة السابعة ممزوجا ~~بهتاف الجموع الغفيرة التي تواكبه، كان الكولونيل سائرا في الطليعة، وهو رجل طويل ~~القامة جميل الطلعة، خرج من غرونوبل في الساعة الثالثة بعد ظهر السابع من شهر آذار، ~~ولما كان على بعض خطوات من المدينة أخذ نسرا، فنشره على مرأى من الجنود، وصرخ ~~قائلا: «هو ذا العلم المجيد الذي كان يقودكم إلى المواقع الخالدة! والذي قادكم مرارا ~~عديدة إلى النصر يتقدم نحونا الآن لينتقم من البلايا العديدة التي حلت بنا! فلقد ~~حان الوقت لنطير تحت علمه الذي ما برح علمكم أنتم! إن من يحبني يتبعني! ليحي ~~الإمبراطور!» فردد الجنود بحماس عظيم: «ليحي الإمبراطور!» واندفعوا كالسيل الجارف ~~للسلام على أعظم الفاتحين، أما الكولونيل الباسل النبيل لابيدوايير، فقد ترامى بين ~~ذراعي الإمبراطور، الذي ضمه إلى صدره قائلا له بعطف شديد: «كولونيل، إنك تعيدني ~~إلى العرش!» # قال لاس كاز: «لم يكابد الإمبراطور في جميع المواقع التي شهرها أخطارا كالتي كابدها ~~وهو داخل إلى غرونوبل؛ فلقد هجم عليه الجنود بكل ما في الغضب من الهول حتى ظن بادئ ~~ذي بدء أنه سيمزق إربا إربا، ولكن ذلك لم يكن إلا هذيان الحب والفرح.» # بقي نابوليون يومين في هذه المدينة، وفي التاسع من شهر آذار غادر غرونوبل ms305 فوصل إلى ~~ليون في اليوم التالي، في الوقت نفسه الذي تركها به الكونت دارتوا، بعد أن قام بجهود ~~خائبة ليقنع الجنود بالدفاع عن قضية البوربونيين، ولكن بينما كان نابوليون يجتاز ~~فرنسا في وسط الهتاف المتواصل، كان البوربونيون يحاولون أن يضعوا ثمنا لرأسه، ونادت ~~معاهدة فيينا أوروبا بأسرها للانضمام تحت السلاح، إلا أن جميع ذلك لم يمنع نابوليون ~~عن الدنو من باريس يوما فيوما، ففي اليوم الثالث عشر من آذار بات ليلة في ماكون، في ~~حين كان المرشال ناي يستعد للانضمام إليه، وفي الرابع عشر منه وصل إلى شالون، وفي ~~الخامس عشر إلى أوتون، وفي السابع عشر إلى أوكسير، حيث وجد الكتيبة الرابعة عشرة وقد ~~قدمت من أورليان لتلاقيه، وحيث اجتمع بالمرشال ناي باسل البسلاء، الذي جاء يكلل ~~عمل لابيدوايير، والذي ملأ وجوده آمال الإمبراطور. # كانت الحكومة الملكية في إبان ضيقة شديدة، فطلبت إلى المجالس أن تنقذها بوضع ~~قوانين مؤقتة، وأجبرت كبرياء الكبار أن تتدلى إلى ملاطفة الجنود في دورهم. ولكن ذهب ~~جميع ذلك أدراج الرياح ... إذ إن المجالس أصبحت عديمة النفوذ في الأمة، وإذ إن الأمراء ~~أصبحوا ولا نفوذ لهم على الجنود، الذين لم يكونوا ليجيبوهم غالبا بسوى الرفض الممزوج ~~بعبارات قاسية مرة. إذن فما من شيء كان يستطيع أن يوقف نابوليون. # في التاسع عشر من شهر آذار ترك نابوليون أوكسير، ووصل إلى فونتنبلو في الساعة الرابعة ~~من صباح اليوم العشرين. كان لويس الثامن عشر قد غادر العاصمة في الليلة نفسها ليبلغ ~~الحدود البلجيكية بسرعة. إذا قلنا إن زحف الإمبراطور من خليج جوان إلى باريس لم يكن سوى ~~فوز مستمر، فإن تقهقر الملك من باريس إلى غاند لم يكن سوى هرب سريع. كان البوربونيون ~~قد انخدعوا بأسباب سقوط نابوليون وطابعه؛ إذ خيل إليهم وصرحوا أن الذي يتصرف ~~بالعروش والإمبراطوريات، قد وسم انقلاب السيادة الإمبراطورية بالطابع الإلهي؛ ليبطل في ~~فرنسا سلطة ما يسمونه التمرد والكفر؛ ولقد قالوا أكثر من مرة إن الحكمة العلياء قد ~~ضربت في نابوليون روح العصر والثورة والفلسفة ms306 الجديدة. أما الحكمة العلياء التي أشاحت ~~بنظرها عن الماضي وشخصت به إلى المستقبل، والتي قادت جميع الثورات لتدعم الشعوب لا ~~لتجدد الملوك؛ الحكمة العلياء التي لم تنزع حمايتها من الرجل العظيم، الذي كثيرا ما ~~ماشته، إلا لتقاصصه على اقترابه كثيرا من أفكار المجتمع القديم ورجاله، فقد كان من ~~واجبها أن تعلن عن مقاصدها بوضوح وجلاء وتكشف، ببعض حوادث خطيرة، غرور الأمراء الذين ~~استطاعوا أن ينخدعوا بمقاصدها الثابتة. وإذن فقد سمحت للإمبراطور الذي تركته يسقط بأن ~~ينهض فجأة من سقوطه، ويسترجع الصولجان، لا ليجدد سلالته ويدعمها، بل ليؤدي إلى ~~العالم شهادة بسلطة الثورة السامية، وبضعف الحكومة القديمة. أما الآن، وقد أديت ~~هذه الشهادة، فإن الحق الإلهي الذي جاء من الخارج يعود إليه مع البوربون، وستدخل سلطة ~~الشعب إلى التويلري مع نابوليون بفوز مبين! # في العشرين من شهر نيسان سنة 1814 أبصرت فونتنبلو الإمبراطور المخلوع، وقد تركه رفاقه ~~القدماء، ينفصل عن حرسه ليذهب أسيرا إلى جزيرة ألبا، وفي العشرين من شهر آذار سنة 1815 ~~رأت فونتنبلو نابوليون في وسط حرسه، تحيط به الكتيبة المقدسة، # 12 # ويتبعه هتاف الشعب والجيش، وهو على وشك أن يذهب إلى عاصمته لكي يسترجع ~~السلطة السامية التي فوضتها إليه الأماني الوطنية مرة أخرى. # | الفصل الثاني والعشرون # وصل الإمبراطور إلى أبواب باريس في مساء عشرين آذار، وكان العلم المثلث الألوان يخفق ~~على التويلري منذ الساعة الثانية بعد الظهر، أما الذي رفعه فقد كان أكسلمان الباسل. # تحفل الشعب والجيش حول نابوليون وتهافتا إليه كما جرى في غرونوبل. وفي نحو الساعة ~~التاسعة من المساء، عندما دخل إلى التويلري، استقبله جمع من الضباط وقد تراموا عليه بحماس ~~وشوق حتى اضطر أن يقول لهم: «إنكم تخنقونني!» أما السيد ده مونتاليفه، الذي خدمه بإخلاص ~~ونشاط في عهد النعمة وبقي وفيا له في العهد المشئوم، فقد جاء لملاقاته وأخذه بين ذراعيه، ~~ثم حمل الإمبراطور إلى إحدى الغرف، حيث كانت تنتظره الملكة هورتانس مع عدد غفير من موظفي ~~الإمبراطورية القدماء. # وفي اليوم التالي استعرض الإمبراطور جميع ms307 كتائب العاصمة، وقال لها: «أيها الجنود، لقد جئت ~~إلى فرنسا مع تسعمائة رجل لأنني كنت أتكل على محبة الشعب وتذكار الجنود القدماء، فلم ~~يخدعني انتظاري! إن مجد الأعمال التي قمنا بها إنما جميعه للشعب ولكم! # أيها الجنود، إن عرش البوربونيين لغير شرعي؛ لأنه رفع على أيد غريبة؛ لأن أماني ~~الأمة التي عبرت عنها جميع مجالسنا الوطنية قد طاردته؛ ولأنه لم يضمن إلا مصالح فئة ~~قليلة من الرجال المتصلفين الذين خالفت مزاعمهم حقوقنا. إن العرش الإمبراطوري يستطيع، ~~وحده، أن يضمن حقوق الشعب، ويؤيد الصالح الأول وهو مجدنا. # أيها الجنود، سنزحف لنطرد من الحدود هؤلاء الأمراء الغرباء؛ أما الأمة فستدعمنا، ليس ~~بأمانيها فحسب، بل بالحث والتحريض. إني والشعب الفرنسي، نتكل عليكم، لا نريد أن نتحكم ~~في شئون الأمم الغريبة، ولكن الويل لكل من يريد أن يتحكم في شئوننا!» # تلقى الجنود هذه الخطبة، بمثل الحماس الذي تعودوا أن يبدوه لدى خطب نابوليون، ودوى ~~الفضاء بهتاف «ليحي الإمبراطور!» وإذا بكتيبة جزيرة ألبا ظهرت، يقودها كامبرون، الذي لم ~~يتح له أن يصل إلى باريس في الوقت الذي وصلها به الإمبراطور. عندما أبصر نابوليون هذا ~~المشهد صرخ قائلا: «هؤلاء هم ضباط الكتيبة التي صحبتني في أيام الشقاء. إنهم أصدقائي ~~جميعا، ولقد كانوا أعزاء على قلبي! كنت كلما رأيتهم، تتمثل لي جحافل الجيش في مختلف ~~ألوانها؛ إذ إن بين هؤلاء البواسل الستمائة رجالا من جميع الجحافل، كانوا يذكرونني ~~جميعهم بتلك المواقع الخالدة الطيبة الذكر؛ إذ إنهم جميعا يحملون جراحات شريفة ~~أصيبوا بها في تلك المواقع المجيدة! أما إذا أحببتهم، فإني إنما أحب فيهم بسالتكم ~~وإخلاصكم يا جنود الجيش الفرنسي. إنهم يحملون إليكم النسور! فلتكن هذه الأعلام صلة المجد ~~بينكم جميعا! # لقد ألقت علينا الخيانات والظروف وشاحا أسود! ولكنها عادت اليوم إلى التألق بمجدها ~~القديم، بفضل الشعب الفرنسي وفضلكم. أقسموا أنها ستكون دائما حيث يكون صالح الوطن! ~~أقسموا أن الخائنين، والذين يريدون أن يغيروا على أراضينا، لن يستطيعوا يوما أن ~~يتحملوا نظراتها!» # فأجاب الجنود: «نقسم!» وفي حين كانوا ms308 يمرون أمام الإمبراطور، كانت الموسيقى تعزف لحن ~~الثورة: «لنسهر على سلام الإمبراطورية!» # كان الشقاء والبوربونيون قد وفقوا بين نابوليون والديموقراطية، التي قاست أكثر من مرة ~~سقوطها في عهد الإمبراطورية، ولكي يجعل الإمبراطور هذا التوفيق أكثر ثباتا، أعطى كارنو ~~وزارة الداخلية، ودعا بنجمان كونستان إلى مجلس الشورى؛ ما دل على اعترافه بسلطة الرأي ~~العام، ونزوله على التحريض في سبيل الحرية الذي كان يمثله، في أشكال مختلفة، هذا ~~الرجلان العظيمان. ولقد تحدث نابوليون إلى بنجمان كونستان عن طابع السياسة الجديدة التي ~~ود أن يتخذها، ومن غير أن يعدل عن الأفكار التنظيمية، أو يظهر استعداده إلى تشجيع ~~التذكارات الديموقراطية التي اشتركت في إرجاع العرش إليه، صرح بأنه ينزل عند مطاليب الشعب ~~حتى وعند أهوائه أيضا، وأنه سيسير في الطريق التي تنقاد فيها الأفكار. نعرب هنا فقرة من ~~هذا الحديث، الذي خرج من فم نابوليون، وأبقاه الكاتب الكبير الذي وجه إليه، قال: «لقد استراحت الأمة اثنتي عشرة سنة من أية حركة سياسية، ولقد مضى عليها سنة ~~كاملة وهي مستريحة من الحرب، فهذه الراحة المزدوجة جعلتها بحاجة إلى النشاط. إنها ~~تريد، أو يخيل إليها أنها تريد حكومة ومجالس، سوى أنها لم ترد ذلك قبل الآن. ~~لقد ترامت على قدمي عندما وصلت إلى الحكم، ويجب أن تذكر ذلك أنت الذي حاول ~~الاعتراض. أما الرغبة في التنظيمات، والمباحثات، والخطب فقد ظهر لي أنها تعود ... ~~إلا أن الذي يريدها إنما هو الأقلية فقط، فلا تخطئ؛ لأن الشعب أو الجمهور، إذا ~~أردت، لا يريد سواي. أو لم تشاهد ذلك الجمهور يتحفل حولي، وقد تهافت إلي من ~~أعالي الجبال، مناديا بي، باحثا عني، محييا إياي؟ لست كما قيل عني إمبراطور ~~الجنود فحسب، بل أنا إمبراطور الفلاحين والسوقة وفرنسا ... ثم إنك لترى، بالرغم من ~~الماضي ، ذلك الشعب الكريم عائدا إلي، ذلك لأن ثمة جاذبية بيننا! ... وما علي إلا ~~أن أعمل إشارة أو أن أحول نظري حتى تجد الأشراف وقد ذبحوا جميعا في جميع ~~المقاطعات، ولكني لا أريد أن أكون ملك المذابح! ms309 لقد أردت إمبراطورية العالم، ولذا ~~كنت بحاجة إلى سلطة لا حد لها، أما إذا شئت إمبراطورية فرنسا وحدها، فقد تكفي ~~لذلك شريعة أو سنة ... هات أفكارك لأرى. انتخابات حرة؟ وزراء مسئولون؟ الحرية؟ ~~أريد جميع ذلك ... لا سيما حرية الصحافة ... فأنا رجل الشعب؛ وإذا رغب الشعب في الحرية ~~فأنا مدين له بها، لقد اعترفت بسلطته، إذن فيجب علي أن أصغي إلى إرادته حتى وإلى ~~أهوائه. لم تحدثني نفسي يوما بأن أرهقه في سبيل ملذاتي، لقد كان لي مقاصد ~~كبيرة إلا أن الحظ قضى عليها، فلم أبق ذلك الفاتح، ولم أبق أستطيع أن أكونه؛ ~~وجل ما أرغب فيه هو أن أعلي شأن فرنسا وأعطيها حكومة توافقها ... لا أمقت ~~الحرية قط، أما إذا نحيتها في الماضي، فلأنها كانت تقف في طريقي، ثم إن أعمال ~~السنين الخمس عشرة قد تهدمت، ولم يبق سبيل لترميمها إلا إذا ضحي بعشرين سنة ~~وبمليونين من الرجال ... بيد أني أرغب في السلام، ولا سبيل إليه إلا بقوة ~~الانتصارات، وإني لأتنبأ عن حرب طويلة يجب أن تدعمني الأمة فيها.» # كانت زعامة البوربونيين قد امحت في فرنسا الشعبية، وحل محلها الإعجاب بنابوليون، ~~إلا أن السلام كانت أمنية الشعب، ولكن الحرب كان لا بد منها. # في أثناء ذلك جرى حادث خطير في ما وراء الألب؛ فإن مورات، الذي كان مهددا بمعاهدة ~~فيينا، أخذ يحاول أن يهيج إيطاليا على النمسا زاعما أن الملوك لا يحفظون له حرمة، ما ~~جعل الملوك يتصورون أن الإمبراطور لم يخرج من جزيرة ألبا، إلا بعد أن تفاهم وصهره مورات ~~واتفقا على شهر الحرب، فهذا التصور كان كافيا لأن يجعل ديوان فيينا أصم عن مطاليب ~~نابوليون السلمية، وجعل الوزراء النمسويين يتمسكون بالمعاهدة التي عقدت في الخامس ~~والعشرين من شهر آذار، عام 1815 والتي اتفقت فيها العصبة على أن لا تلقي السلاح إلا بعد أن ~~تسقط العرش الذي استرجعه الإمبراطور بطريقة عجيبة. # أما نابوليون، الذي بقي له أمل ضئيل بفصل النمسا عن العصبة ودفع السلطات الباقية إلى ~~إلقاء السلاح، فقد ms310 كتب إلى جميع أولياء الأمر رسالة بهذا الموضوع، إلا أن الأمراء ~~المتحالفين لم يتنازلوا أن يجيبوه على مفاتحته هذه، عند هذا اتضح لنابوليون أنه أصبح من ~~الواجب أن يسرع بالاستعداد إلى الحرب. # في الثاني عشر من شهر حزيران ترك الإمبراطور العاصمة واتجه نحو الحدود البلجيكية، وفي ~~الرابع عشر منه وصل إلى أفيسن حيث أذاع الكلمة التالية: ~~«أيها الجنود، هذا اليوم عيد تذكار مارنغو وفرييدلان، فيجب أن نزحف لملاقاة هؤلاء ~~الذين يريدون النيل من استقلال فرنسا وحقوقها المقدسة. # أيها الجنود، علينا أن نقاسي زحفا متواصلا شاقا، وأن نشهر مواقع عديدة، ~~ونتحمل أخطارا جمة، ولكن النصر سيكون لنا، على كل فرنسي يضم في صدره قلبا ~~شريفا أن ينتصر أو يموت!» # وفي حين كان نابوليون يحرك شجاعة جنوده، كانت الخيانات تلج من جديد صفوف الفرنسيين؛ ~~فإن الجنرال بورمون وبعض الضباط قد انحازوا إلى الأعداء، عندما بلغ نابوليون هذا النبأ ~~الفجائي، تقدم من ناي وقال له: «ماذا تقول عن رفيقك يا مرشال؟» فأجابه باسل البسلاء: ~~«مولاي كنت أتكل على بورمون اتكالي على نفسي.» فاستطرد نابوليون قائلا: «لا بأس يا ~~مرشال؛ فإن الزرق يظلون زرقا في كل حين، وفي كل حين يظل البيض بيضا!» # في الخامس عشر من الشهر افتتحت الحملة بموقعة فلوروس، فانهزم البروسيون بعد أن خسروا ~~خمسة مدافع وألفي رجل. كانت الجيوش العدوة التي وقفت في وجه نابوليون، والتي يقودها ~~ويللنكتون وبلوخر، تعد أكثر من مائتين وثلاثين ألف رجل، ولم يكن الجيش الفرنسي ليعد أكثر ~~من مائة وعشرين ألفا، أما نابوليون فلكي يتملص من الخطر الذي قد ينجم عن هذه الأكثرية ~~الساحقة، أخذ يحاول أن ينحي الإنكليز عن البروسيين، فنجحت خطته هذه نجاحا باهرا في ~~موقعة لينيي في السادس عشر من حزيران؛ إذ إن بلوخر، الذي قاتله الإمبراطور على حدة، قد ~~انكسر انكسارا تاما، وترك خمسة وعشرين ألف رجل في ساحة القتال، إلا أن هذه الخسارة ~~الكبيرة لم تؤثر كثيرا على جيوش لا يحصى عددها. # كان على نابوليون بعد أن انتصر ذلك الانتصار ms311 الباهر، أن يشهد في ساحات واترلو آخر نكبة ~~يضمرها له الحظ القاهر، ففي الثامن عشر من شهر حزيران، بعد معركة دامت ثماني ساعات ~~متوالية، خيل للجيش الفرنسي أن الفوز سيكون في جانبه، ولكن في الساعة الثامنة والنصف ~~أزعج الرصاص الكتائب الأربع، التي أرسلت إلى سهل جبل سن جان لتعضد الفرقة المدرعة، ~~فمشت بالسلاح الأبيض تستولي على المدفعية، إلا أن هجوما عالجته بعض كتائب إنكليزية ~~تمكن من تشتيتها، حتى أوصلها إلى ما وراء الوادي؛ فلما أبصرت الجحافل المجاورة بعض ~~جماعات من الحرس منهزمة، صور لها أنها من الحرس القديم، وارتفع عند هذا صراخ: «لقد ~~خسر كل شيء! لقد انهزم الحرس!» وسمعت أصوات تصرخ: «ليهرب من يقدر!» وما هي إلا ~~هنيهة حتى شمل الخوف جميع الجنود وتفرقوا تفرقا فظيعا، أو امتزجوا بعضهم ببعض حتى ~~أصبحوا كتلة مبهمة من المستحيل إعادة تنظيمها، وهبط الليل على تلك الكتائب المبعثرة ~~فلم تستطع أن تتجمع وتتبين خطأها، فتعلم أن الوهم إنما هو الذي سبب ذلك التشويش، أما ~~حظائر المؤنة وكل ما كان في ساحة القتال فقد بقي في قبضة العدو. # إن هفوة صدرت من المرشال غروشي اشتركت في القضاء على جيوش الإمبراطور؛ فلقد عهد إلى ~~المرشال غروشي أن يطارد فرق بلوخر البروسيانية، ولكنه تركها تزحف إلى ساحة واترلو من غير ~~أن يوقفها هو بنفسه، كما طلب منه ذلك الجنرال جيرار. كان غروشي يعتقد نفسه دائما أمام ~~البروسيانيين، في حين لم يكن أمامه سوى فرقة صغيرة من جيشهم. أما هذه الهفوة التي ارتكبها ~~المرشال فقد غيرت بأقل من ساعة، ليست مقدرات موقعة هائلة فحسب، بل مقدرات أوروبا ~~بأسرها. # كان نابوليون يعلم حق العلم الروح السائدة في مجلس الممثلين، فاتضح له عند هذا أن ~~نبأ تشتيت جيشه سيقيم عليه صواعق الحكومة ويقعدها، وشعر بضرورة رجوعه بأسرع ما يكون إلى ~~عاصمته ليهدئ الفوضى البرلمانية. في العشرين من شهر حزيران، الساعة التاسعة مساء، وصل ~~إلى باريس يصحبه الدوق ده باسانو والقواد برتران، دروو، لابيدوايير وغوركو. # إلا أن ممثلي فرنسا كانوا ms312 قد أذعنوا لإشارة لافاييت، الذي قال: إن وجود نابوليون عالة ~~على سياسة فرنسا. فهلل البوربونيون والغرباء لهذه الفكرة، ورحبوا بها أيما ترحيب! أما ~~الرجال المخلصون لنابوليون فقد تركوا لليأس سبيلا إليهم، ونصحوا الإمبراطور بأن يرضخ ~~للقدر المحتوم الذي يتقاضاه تضحية جديدة؛ عند هذا شعر نابوليون بأن القضاء أصبح لا مرد ~~له، وأن أصدقاءه وأعداءه يجمعون الكلمة على ضرورة تنازله، فصرح أنه عزم على التنازل ~~لابنه. ولكن أعداء السلالة الإمبراطورية، الذين انتصروا في مجلس الممثلين، نحوا طلب ~~إصعاد نابوليون الثاني إلى العرش، وألفوا لجنة من خمسة أعضاء لتشكيل حكومة مؤقتة وهم: ~~فوشه، كارنو، فرونيه، كينيت وكولنكور. # عندما علم نابوليون بهذا النبأ استسلم لسخطه الشديد فصرخ قائلا: «لم أتنازل لديركتوار ~~جديد! بل تنازلت لابني، فإذا لم يريدوا ذلك يكون تنازلي وهميا! تعلم المجالس حق العلم ~~أن الشعب والجيش والرأي العام كلهم يرغبون في ذلك بل يريدون! لقد رأى الغرباء بأم عينهم ~~أن عشرين آذار لم يكن مسألة حزبية، بل نتيجة تعلق الفرنسيين بي وبسلالتي.» كانت باريس ~~تضم في أحشائها عددا كبيرا من الوطنيين الذين كانوا يفكرون في أنه من الواجب تحصين ~~البلاد قبل كل شيء، وأن هذا التحصين لا يتم بدون ذراع الإمبراطور ونبوغه واسمه، وكان ~~الجنود يشتركون معهم بهذا الرأي، إلا أن الأكثرية كانت تصرخ من جميع الجهات: «لا ~~إمبراطور! لا جنود!» سوى أن وجود نابوليون في باريس كان يخيف المجالس، ويدب الريبة في ~~نفس فوشه، الذي كان يدير الحكومة المؤقتة ويتداول مع الخارج، فعهد إلى كارنو بأن يذهب إلى ~~الإمبراطور ويبته على ترك العاصمة، فلما وصل كارنو إلى الإليزه وجد نابوليون وحده في ~~الحمام، ولما أطلعه على الغاية من زيارته، تعجب الإمبراطور المخلوع من القلق الذي ~~يحدثه وجوده في باريس، فقال لكارنو: «أنا لست إلا مواطنا بسيطا، بل أقل من مواطن ~~بسيط.» # في الخامس والعشرين من شهر حزيران اتجه نابوليون إلى ملميزون، # 1 # حيث وجه إلى الجيش نداء نأخذ منه هذه الفقرة: «أيها الجنود، قليل من الجهود بعد وتنحل العصبة. ms313 أنقذوا شرف الفرنسيين ~~واستقلالهم، وكونوا حتى النهاية هؤلاء الذين عرفتهم منذ عشرين سنة فتصبحوا لا ~~تقهرون!» # في السابع والعشرين من حزيران، عندما شاع نبأ دنو الحلفاء من باريس، كتب نابوليون إلى ~~الحكومة المؤقتة يطلب منها أن تقبله كجندي، قائلا إنه لم يعدل عن أشرف واجب وطني في ~~تنازله عن السلطة، وإن دنو الأعداء من العاصمة لا يترك ريبة بنواياهم السيئة. إلا أن ~~طلبه هذا رفض بتاتا، فسخط نابوليون لهذا الرفض سخطا شديدا، وحدثته نفسه بأن ~~يسترجع قيادة الجيش ويحاول إسقاط الحكومة كما عمل في الثامن عشر من برومير، ولكن الدوق ده ~~باسانو حوله عن هذه الفكرة، بقوله له: إن الظروف الحالية لم تبق هي نفسها التي كانت في ~~العام الثامن، فاضطر نابوليون أن يذعن، وترك ملميزون واتجه إلى روشفور، وفي نيته أن ~~يبحر إلى الولايات المتحدة. # استلم الجنرال بيكر، وهو الذي عهدت إليه الحكومة المؤقتة بحراسة سيده العظيم في ~~ملميزون، أمرا بمرافقة نابوليون حتى روشفور، وبأن لا يتركه إلا عندما يصبح في عرض ~~البحار؛ أما الجنرال الباسل هذا فقد قال للإمبراطور وهو يقترب منه: «لقد عهد إلي بأمر ~~شاق، وسأفعل ما بوسعي لمرضاتك.» ولقد بر الجنرال بكلامه؛ إذ إنه لم ينس قط أن يؤدي ~~إليه ما يجب أن يؤدي للعظمة الساقطة والنبوغ التعس. # ترك نابوليون ملميزون في التاسع والعشرين من شهر حزيران، ووصل إلى روشفور في الثالث من ~~تموز، وفي اليوم التالي أقبل عليه شقيقه جوزيف. وفي الثامن من شهر تموز أبحر نابوليون وفي ~~نيته أن يتجه إلى الولايات المتحدة، وفي الرابع عشر منه كان في جزيرة إكس ينتظر جواب ~~أميرال الباخرة الإنكليزية على كتاب أرسله إليه مع لاس كاز وسافاري، يسأله فيه عما إذا ~~كان الوزراء الإنكليز لم يرسلوا إليه أمرا يقضي بعدم تعرضه له في المرور. إلا أن ~~الأميرال ظل ساكتا مدة طويلة حتى عيل صبر الإمبراطور؛ ولما أرسل لاس كاز مرة أخرى ~~إلى الأميرال ميتلان، علم منه أنه يرغب في إقلال نابوليون إلى إنكلترا، حيث يجد ما ms314 يليق به ~~من الإكرام. # عندما حمل لاس كاز هذا النبأ إلى الإمبراطور، جمع هذا رفاقه حوله، وأخذ رأيهم في القسمة ~~التي قدرت له، وما لبث أن صحت عزيمته على الالتجاء إلى كرم الشعب الإنكليزي وحلوله ~~ضيفا على إنكلترا، فأخذ قلما وكتب هذه الكلمة إلى الجلالة الملكية، قال: «أيتها الجلالة الملكية، لقد تممت مهنتي السياسية بعد أن رأيتني هدفا ~~للتحزبات التي تتقاسم بلادي ولبغضاء السلطات الكبرى في أوروبا. إني أجيء، كما جاء ~~تميستوكل، لأحل ضيفا على الشعب البريطاني، الذي أضع نفسي تحت حماية شرائعه، ~~تلك الحماية التي أرجوها من جلالتك الملكية التي أعتبرها كأعظم وأكرم وأثبت جلالة ~~بين جميع أعدائي.» # حمل لاس كاز وغوركو هذه الرسالة إلى الأميرال ميتلان، وأبلغاه أن نابوليون سيتجه في ~~اليوم التالي صباحا إلى باخرته، وفي الخامس عشر من تموز، عند بزوغ الفجر، حملت الباخرة ~~«ليبرفيه» الرجل العظيم إلى الباخرة «بللروفون». وفي حين أوشك نابوليون أن يصعد إلى هذه ~~الباخرة الأخيرة، رأى الجنرال بيكر يدنو منه ليودعه، فقال له بحدة: «تنح يا جنرال، ~~فلا أريد أن يتصور البعض أن فرنسيا سلمني إلى أعدائي.» ثم مد له يده ولم يبعده، ~~إلا بعد أن ضمه إلى صدره للمرة الأخيرة. # عندما شاع على شواطئ إنكلترا أن الإمبراطور أصبح على مقربة منها، خف الأهلون من جميع ~~الجهات وأحدثوا على الشواطئ شبه مظاهرة لنابوليون؛ فهذا الاحتفاء الذي أبداه الشعب، كان ~~يختلف كل الاختلاف عن القدر الذي خصصته الحكومة البريطانية للإمبراطور. أحيطت الباخرة ~~بللروفون بالمراكب المجهزة بالمدافع، وأعطيت أمرا بإطلاق النار على المتظاهرين ~~لتنحيتهم؛ إلا أن إنكلترا بأسرها لم تتردد، بالرغم من هذه الأوامر الوحشية، أن أسرعت ~~لتشاهد بطل فرنسا عن كثب، في حين كان البحر يمتلئ رويدا رويدا بالمراكب المدرعة، حول ~~الباخرة التي كانت سجنا للرجل العظيم، أما نابوليون فقد كان يحترق صبرا، في وسط تلك ~~المظاهرات التي قامت بها الأمة، التي كثيرا ما كانت عدوة له؛ ليعلم أية قسمة ~~تضمرها له الحكومة البريطانية، ولكن لم يمر وقت طويل، حتى قدم اللورد ms315 كيث إلى الباخرة ~~بللروفون، حاملا أمرا وزاريا يعين جزيرة سنت هيلين سكنا «للجنرال بونابرت»، فلما ~~علم نابوليون من فم الأميرال عزم الديوان الإنكليزي هذا، استسلم للغضب والسخط، واعترض بكل ~~قواه على اختراق حرمة حقوق البشر، قال: «إني ضيف إنكلترا لا أسيرها، ولقد جئت بإرادتي أضع ~~نفسي تحت حماية شرائعها، إنهم يخترقون حرمة حقوق الضيافة المقدسة، فلن أرضى مختارا ~~بالإهانة التي تصوبونها إلي!» # أما إنكلترا، فلكي تجعل المنفى أشد ظلما على نابوليون، أرادت أن تحصر حاشيته في ~~ثلاثة لا غير، وحذفت من رفاقه سافاري ولاللمان، اللذين اعتقدا أن سيضحى بهما على ~~المقصلة، التي نصبها لويس الثامن عشر في الرابع والعشرين من شهر تموز. وأما نابوليون ~~فاسترأى لاس كاز في ما إذا كان من الممكن احتمال حياة كهذه، فأخذ لاس كاز يعزيه بقوله: ~~«من يعلم ماذا يخبئ الوقت؟» ثم أشعره بأنه يستطيع أن «يعيش في الماضي»، فأجابه ~~الإمبراطور: «إذن فسنكتب مذكراتنا. أجل، يجب أن نعمل، فالعمل هو منجل الوقت، ثم إنه من ~~الواجب علينا أن نقوم بما قدر لنا.» وهكذا عاد نابوليون إلى نفسه! فإذا كانت رداءة ~~الرجال ولؤمهم ونكرانهم الجميل قد دفعته فترة إلى اليأس وأرهقته بالغموم؛ فإن ذكريات مجده ~~القديم لترفعه عن هذا اليأس وتلك الغموم. # في الرابع من شهر آب خرجت الباخرة بللروفون من المرفأ، ولكنها لم تتجه إلى الجنوب بل ~~سارت في مياه المانش؛ فأدرك نابوليون أنه سينتقل إلى باخرة أخرى، وهي النورثنبرلان، التي ~~ستقله إلى سنت هيلين. # نعرب هنا الكلمات القوية التي وجهها إلى اللورد كيث، ساعة حمل هذا إليه النبأ ~~المشئوم بإقلاله إلى جزيرة سنت هيلين، والتي أرسلها نابوليون إلى الأميرال، قال: «إني أعترض ~~اعتراضا علنيا، أمام السماء الرجال، على الظلم الذي لحق بي، وعلى اختراق حرمة حقوقي ~~المقدسة بالتصرف، بالقوة الجبرية ، بشخصي وبحريتي، لقد جئت مختارا إلى بللروفون لدى ~~إلحاح الأميرال نفسه، الذي قال إن لديه أوامر من الحكومة باستقبالي والذهاب بي إلى إنكلترا ~~مع حاشيتي، إذا راقني ذلك، وما كدت أصل إلى بللروفون حتى ms316 رأيتني في وطن الشعب البريطاني. ~~أما إذا كانت الحكومة، عندما أصدرت أوامرها لأميرال بللروفون باستقبالي مع حاشيتي، قد أرادت ~~أن تنصب لي كمينا فقد أساءت إلى الشرف وأهانت علمها. # إذا نفذت إنكلترا هذا العمل، فمن العبث بعد أن يتكلم الإنكليزيون عن شهامتهم ~~وشرائعهم وحريتهم؛ لأن الوفاء البريطاني يكون قد ضاع في ضيافة بللروفون. # إني ألجأ إلى التاريخ، فسيقول غدا إن عدوا شهر الحرب عشرين سنة على الشعب ~~الإنكليزي جاء بملء اختياره، وفي أيام تعسه، يفتش عن مأوى له تحت شرائعه. # ولكن بأي لسان أجاب الشعب في إنكلترا على مثل هذه الشهامة؟ لقد تظاهر بمد يد ~~مضيافة إلى هذ العدو، ولما سلم نفسه بوفاء وإخلاص ضحي به!» # في السابع من شهر آب ترك الإمبراطور الباخرة بللرفون، ونقل إلى الباخرة نورثنبرلان، ~~التي يقودها المير كوكبرن، فاغتنمت هذه الفرصة لتجريد حاشيته من سلاحها، ولكن بقية من ~~الحياء جعلت سبيلا لاحترام سيفه. أما أمتعته فقد وقف عليها الأميرال نفسه، يعاونه ضابط ~~من ضباط الجمرك، فجرد من أربعة آلاف ليرة ذهبية، ولم يترك له إلا ألف وخمسمائة ~~لتساعده على قضاء حاجات خدمته. وعندما حان الوقت للافتراق عن الأصدقاء الأوفياء الذين ~~قضي عليهم ألا يقاسموه سجنه ومنفاه البعيد، ترامى سافاري باكيا على قدميه وقبل يده. ~~قال لاس كاز: «فعانقه الإمبراطور وهو هادئ ساكن، ومشى إلى الزورق، وكان في الطريق كلما ~~التقى برجل حياه برأسه تحية لطيفة. أما جميع الذين تركناهم وراءنا، فكانوا يبكون، ولم ~~أتمالك أن قلت للورد كيث، الذي كنت أتحدث معه في تلك الآونة: لاحظ يا ميلورد إن الذين ~~يبكون هنا إنما هم الخالدون!» # إلا أن الوزراء الإنكليز استاءوا استياء شديدا من العناية، التي أبداها الأميرال ~~ميتلان وبحريته، نحو نابوليون، لقد وبخوا هذا الأميرال على إعطائه أسيره اللقب الذي كان ~~يحمله وهو على العرش، وأصروا إصرارا صارما على أن لا يكرر هذا العمل بعد على ظهر ~~النورثنبرلان، ثم إنهم صرحوا في تعليماتهم، أن لقب «جنرال» هو وحده الذي يجب أن يطلق ~~على الطاغية المخلوع؛ ms317 فلما علم نابوليون بجميع هذه الصغائر صرخ قائلا: «ليطلقوا علي ~~الاسم الذي يختارون، فلن يمنعوني عن أن أكون أنا!» # في الحادي عشر من شهر آب خرجت النورثنبرلان من قناة المانش، ولما مرت على مرتفع رأس ~~الهوغ أبصر نابوليون شواطئ فرنسا، فحياها باسطا ذراعه نحو تلك الشواطئ، وصرخ بصوت ~~متفطر قائلا: «وداعا يا أرض البواسل! وداعا يا فرنسا المحبوبة! بعض خائنين يحذفون ~~منك وتظلين سيدة العالم!» هذه هي الكلمات الأخيرة التي ودع بها الرجل الكبير الأرض ~~النبيلة للشعب الكبير! # | الفصل الثالث والعشرون # ذات يوم، بينا كان الإمبراطور يتمشى على ظهر الباخرة حسب عادته بعد الظهر، هبت زوبعة ~~هائلة، فلم يشأ أن يدخل إلى مخدعه وطلب أن يجيئوه «بالريدنكوت» # 1 # الأشهب اللون، الذي كان الإنكليز أنفسهم لا ينظرون إليه إلا باحترام ~~وإعجاب. # كانت قراءة الجرائد تستغرق معظم وقته على ظهر الباخرة، إلا أنه لم يكن يطالعها إلا ~~على سبيل التسلية. وكان كثيرا ما يقع فيها على تجاديف وافتراءات مصوبة إليه، ولكن ~~جميع ذلك لم يكن يستطيع النيل منه. قال للاس كاز ذات مرة: «لم يكن السم ليستطيع يوما ~~أن يؤثر في ميتريدات، وهكذا الافتراءات منذ عام 1814؛ فإنها لا تستطيع أن تؤثر في!» ~~وميتريدات هذا كان عدوا للرومانيين، قيل إنه تعود السم منذ الصغر، حتى لم تبق ~~تؤثر فيه عوامله مهما كانت شديدة. دامت حروبه مع الرومانيين من العام 90 إلى 63 قبل ~~المسيح من غير انقطاع. # في الخامس عشر من شهر تشرين الأول وصلت الباخرة نورثنبرلان إلى مرفأ سنت هيلين، وفي ~~السادس عشر منه نزل الإمبراطور إلى اليابسة مع الأميرال والجنرال برتران، فحل في البدء في ~~بريار عند أحد تجار الجزيرة السيد بلكومب. لم تكن إقامته هناك إلا إقامة مؤقتة؛ لأن ~~سكنه الأخير كان قد عين في لونكوود، وهو منزل حاكم الجزيرة، إلا أنه لم يكن قد أعد ~~بعد لاستقباله. صادف نابوليون في منزل بلكومب كل الإكرام الذي يليق به، فلم يضجر ولم ~~يتذمر من شيء؛ لأن هذه العيلة الكريمة لم تعدم ms318 وسعا في توفير أسباب الراحة والتسلية ~~للأسير العظيم. # لم يخرج نابوليون مدة إقامته ببريار إلا مرة واحدة ليزور ضابط فرقة سنت هيلين، فكان ~~يصرف وقته في كتابة مذكراته التي كان يمليها تارة على لاس كاز، وطورا على ابنه، ~~وحينا على مونتولون أو على غوركو وبرتران؛ أما نزهاته اليومية فكانت تنحصر في أروقة ~~حدائق بريار، أو في أحراجها التي كانت ملأى بالوهاد واللجج. # كان يحرث حديقة السيد بلكومب عبد مسن يدعى طوبيا وهو هندي استولى عليه أحد ~~النوتيين الإنكليز وباعه سلعة بخسة؛ فكان الإمبراطور، كلما مر أمام هذا العبد المسكين، ~~يقف وقفة المتأمل ويبدي له اهتماما بأمره، حتى إنه حدثته نفسه بأن يدفع ثمن تحريره، ~~ولم يكن يتحدث عن الاستيلاء عليه إلا بسخط شديد، وذات يوم بينا كان واقفا أمامه، أخذ ~~يحدث نفسه بما يلي: «يا لها من آلة بشرية! لو كان طوبيا بروتوس # 2 # لما تردد أن انتحر، ولو كان أزوب # 3 # لتوصل أن يكون مستشار الحاكم، ولو كان مسيحيا صميما لحمل قيوده على مرأى من ~~الله وباركها. أما طوبيا فإنه ليرضخ لمشيئة القدر فينحني ويشتغل بطوية سليمة.» وبعد أن ~~أنعم النظر فيه بعض ثوان ابتعد وهو يقول: «كان لهذا الرجل أهل وملذات وحياة خاصة به، ~~ولقد اقترفوا جريمة فظيعة بحمله إلى هذه الجهة ليموت تحت أثقال الاستعباد.» ثم توقف أمام ~~لاس كاز فجأة وقال له: «ولكني أقرأ في عينيك؛ فأنت تفكر أنه ليس بالمثل الوحيد في سنت ~~هيلين! اعلم يا عزيزي، أنه ليس هناك أقل تشابه، فلو كانت الجناية أكبر من تلك لأيدت ~~الضحايا وسائل غير هذه. لم يحملونا آلاما جسدية، ولو حاولوا ذلك لكنا خدعنا ظالمينا ~~فإن لنا نفسا! ... ثم إننا لنبقى شهداء قضية خالدة! ... فهناك ملايين من البشر يبكوننا، والوطن ~~يتنهد حزنا علينا، والمجد مرتد ثوب الحداد! ... إن للشقاء بطولته ومجده أيضا! ... لو ~~مت وأنا على العرش، في وسط غيوم عظمتي، لبقيت مشكلا في نظر الكثيرين، أما اليوم، وقد ~~حل بي الشقاء، فيستطيع العالم أن يدينني عاريا!» ms319 # في الثامن عشر من شهر كانون الأول غادر نابوليون بريار واتجه إلى لونكوود، فهذا المأوى ~~الجديد مهد له راحة أوفر من تلك، إلا أنه لم يصادف فيه تنكيدا من قبل سجانيه أقل من ~~التنكيد الذي صادفه من قبلهم وهو في بريار؛ إذ إن السجانين وضعوا له خفراء تحت نوافذه، ~~وضربوا حوله نطاقا من التحزر الظالم. # ذات يوم، في أواخر شهر كانون الأول، بينما كان يتنزه على ظهر جواده، اضطر أن يترجل ~~بسبب الأوحال المتراكمة على الطريق، وإذا برجليه تغرقان في الوحول حتى الركبتين فقال: «إنها ~~لصدفة مشئومة.» ولما تملص من هذه الورطة استطرد قائلا: «لو كنا توارينا في هذه ~~المستنقعات، لقال عنا المراءون في أوروبا، إننا غرقنا بسبب جرائمنا.» # كان جميع الإنكليز الذين يمرون بهذه النواحي، يتوقفون في سنت هيلين ليتفرجوا على ~~ضحية حكومتهم، على الرجل الأشهر، أما نابوليون، فكان يستقبلهم بترحاب شديد. وفي أول كانون ~~الثاني سنة 1816 اجتمع رفاق نابوليون، وصحت عزيمتهم على أن يرفعوا إليه تهانئهم بمناسبة ~~عيد رأس السنة، ولكن نابوليون، الذي ذكرته هذه التهانئ بأيام عظمته السالفة، لم يظهر على ~~وجهه ما أحدثه في نفسه الفرق بين هذه التهانئ العائلية في لونكوود، والاحتفالات الفخمة في ~~التويلري، وتكلف استقبال ندماء التعس والشقاء، وأبقاهم عنده لتناول الغداء على مائدته، ~~قال لهم: «إنكم أصبحتم لا تؤلفون إلا قبضة من الرجال في طرف العالم، فيجب أن ينحصر ~~عزاؤكم في حبكم بعضكم بعضا.» # كان كل يوم يرى حول لونكوود جمع من النوتيين، وقد ازدروا بالأوامر وبالخفراء أيضا، ~~وجاءوا يتفرجون على هيئة البطل الأسير، فكان نابوليون يقول: «يا للمخيلة من سلطة ~~قاهرة! إنها لتسطو على جميع الرجال! هؤلاء ناس لا يعرفونني، ولم يقع نظرهم علي يوما، ~~إلا أنهن سمعوا بي. أجل، إن المخيلة لتسود على العالم بأسره!» # لم يعتم الاعتقال والهواء الرديء في سنت هيلين أن حملا ثمارهما المشئومة؛ فإن صحة ~~الإمبراطور لم تلبث أن أخذت تسوء من يوم إلى يوم، ولقد أخطأ من زعم أن تركيبه الجسدي كان ~~قويا، وأصاب ms320 من قال: «ليس جسده من حديد بل روحه.» سوى أن قليلا من الرجال كابدوا من ~~الأتعاب والمشقات ما كابده نابوليون. يذكر البعض أنه قطع المسافة التي بين فاللادوفيل ~~وبورغوس، وهي خمسة وثلاثون فرسخا، بخمس ساعات ونصف على ظهر جواده. # حملت الجرائد إلى سنت هيلين نبأ موت مورات، وعذاب بورليه، وإعدام ناي، # 4 # فلما قرأ لاس كاز على مسمع من الإمبراطور الجريدة التي تحمل نبأ موت ملك ~~نابولي مورات، تلك الميتة الفظيعة، أخذ نابوليون يده بشدة وصرخ قائلا: «لقد كان ~~الكالابريون أكثر إنسانية وكرما من الذين أرسلوني إلى هذا المكان.» في أثناء ذلك كان غضب ~~الأريستوقراطية الحالية قد اشتد وتعاظم، واكتسحت رجعة 1815 فرنسا بأسرها؛ فإن دم ~~لابيدوايير وناي وشرتران وموتون دو فرنه كان قد امتزج بدم برون وراميل. # لم تلبث الوزارة الإنكليزية أن اختارت لنابوليون سجانا آخر هو هدسن لوو! ... هدسن لوو! ~~لا يلبث المقت والهول أن يحركا جميع النفوس الشريفة لدى ذكر هذا الاسم ... أي كيث ~~وكوكبرن، لقد تركتما في قلبيكما بقية من الإعجاب والاحترام للبطولة والمجد والنبوغ وعظمة ~~الشهرة والحظ؛ إنكما لم تفقها جيدا الخدمة التي عهدت إليكما! بل صور لكما، عن حسن ~~نية، أن قد عهد إليكما بحراسة بطل فرنسا ... لقد أخطأتما الذكاء، وسقيا لهذا الخطأ! هو ذا ~~سجان آخر فتح له في تنفيذ مآرب أسياده العظام فوق ما فتح لكما، فسيعلمكما ما كان ~~يتطلبه منكما الانتقام والخوف، وما يستطيع أن يقوم به، بسنوات قلائل، هواء كهواء سنت ~~هيلين ورجل كهدسن لوو! # لم يعرف كاتب من الكتبة أن يصور هذا «الخوف» الذي ذكرناه، بمثل العبارة التي صوره بها ~~شاتوبريان عندما لفظ في مجلس الأعيان هذه الكلمات الخالدة؛ إذ قال: «كان الريدنكوت الأشهب ~~وقبعة نابوليون موضوعة على رأس عصا على منحدر برست، تثبان بأوروبا إلى حمل ~~السلاح!» # كان أول ما عمله هدسن لوو أن قرأ على مسمع من الإمبراطور نشرات تصور حكم نابوليون ~~وطباعه بألوان ذميمة، وكانت إحدى هذه النشرات صادرة عن الكاهن ده براد سفير فرسوفي، إلا ms321 ~~أن خباثة من هذا النوع لم تكن سوى ضرب من الشيطنة عند رجل متخلق بأخلاق السير هدسن. ~~ولقد أراد هدسن لوو أن يحضر إليه جميع خدم الإمبراطور، لكي يسألهم كلا بمفرده، عن ~~السبب الذي يدعوهم إلى البقاء في سنت هيلين بعدما سمعوا بآذانهم ما جاء بحق سيدهم في ~~النشرات التي قرأها؛ فهذا المنهج أثار سخط الإمبراطور، وجرحه جرحا عميقا نفذ إلى صميمه، ~~وعندما انتهى السير هدسن من استشارة الأوفياء تلك الاستشارة المهينة، جنح إلى لاس كاز ~~ومونتولون، وقال لهما إنه مسرور وإنه سيطلع حكومته على أن كلا منهم أمضى بملء اختياره ~~وإرادته، ثم أخذ يطنب بمناظر الجزيرة، وقال: إن الإمبراطور وحاشيته غير محقين بتذمرهم؛ ~~ولما أظهرا له أنه ليس هناك شجرة واحدة يستظلونها، تحت سماء محرقة كهذه السماء، أجاب ~~بخبث: «سنزرع!» وذهب عنهما من غير أن يزيد كلمة على ما قال. # كانت صحة الإمبراطور تضعف شيئا فشيئا، وفي أواخر نيسان رأى نفسه مضطرا أن يعدل عن ~~التمتع بالحرية القليلة التي تركت له، وحرم نفسه من الخروج إلى النزهة. جاء الحاكم ~~ليراه، فاستقبله المريض العظيم وهو مستلق على مقعد طويل، وغير مرتد ثيابه. وبعد أن ~~ذكره بأنه رفض الذهاب إلى روسيا أو إلى النمسا، وأنه لم يرد أن يدافع حتى آخر حدود الدفاع ~~في فرنسا، وذلك ما قد يكون أناله شروطا ذات أهمية، استطرد قائلا: «إن أعمالك لن تشرفك ~~في التاريخ! ثم إن هناك حكمة علياء منتقمة لا بد أن تثأر منك عاجلا كان أو آجلا! وقد ~~لا يمضي وقت قصير حتى تكفر عن إثمك! ... لقد أظهر وزراؤك بتعليماتهم أنهم يريدون أن ~~يتملصوا مني! ولكن لماذا لم يجرؤ الملوك الذين اضطهدوني أن يصدروا أمرا علنيا بموتي؟ ~~فقد يكون هذا الأمر أكثر شرعا من ذاك؛ وقد تكون نهاية عاجلة قد أظهرت من الجرأة، من جهتهم، ~~أكثر مما تظهره ميتة بطيئة كالتي حكموا علي بها.» # فلم يجب الحاكم بسوى التعليمات التي زعم أنها ألقيت عليه، والتي توجب ألا يخرج ~~الإمبراطور من غرفته إلا ms322 ومعه ضابط يرقب خطواته؛ ما جعل الإمبراطور يقول له: «لو ~~أعطيت تعليمات كهذه لما خرجت من غرفتي قط.» وفي تلك الآونة بشر السير هدسن نابوليون، ~~بقرب وصول مركب، يقل قصرا من الأخشاب والأثاث والمأكولات إلى لونكوود، إلا أن ~~نابوليون لم يظهر اكتراثا كبيرا بالآمال التي حاول الحاكم أن يدبها فيه، وأخذ يتذمر ~~من تصرف الوزارة الإنكليزية، التي تمنع عنه جميع ألوان التعزية كالكتب والجرائد، وما هو ~~أفظع من جميع ذلك الأنباء عن ولده وامرأته، قال: «أما من جهة المأكولات والأثاث فكلانا ~~جندي يا حضرة السيد، فلا نعلق عليها أهمية كبرى، قد تكون زرت المدينة التي ولدت فيها، ~~وقد تكون ولجت بيتي أيضا، فوقع نظرك على أثاثه البسيط الذي لم أخجل به يوما؛ إذن، فبالرغم ~~من أني قبضت على ناصية عرش، ووزعت كثيرا من التيجان، لم أنس قط حالتي الأولى؛ فإن ~~مقعدي هذا وسريري الذي ترى كافيان.» # ولما انصرف الحاكم من عند الإمبراطور، بعد أن عرض عليه مرارا عديدة عناية طبيبه الخاص ~~ورفضها نابوليون، أطلع الإمبراطور حاشيته على جميع ما ورد في حديثه مع السير هدسن، وبعد أن ~~سكت قليلا قال: «يا له من وجه مشئوم لئيم وجه هذا الحاكم! لم أقع في حياتي ولن أقع على ~~رجل مثله! ...» وكأن هذه التصرفات الخسيسة، التي يبديها نحوه أعداؤه الألداء، لم تكن ~~كافية لهدم حياته العظيمة، حتى جاءت بعض مخاصمات من قبل أوفيائه أنفسهم تزيد على تعسه ~~وبؤسه. قال لاس كاز: تمكنت الفتنة من الانسلال بين أبطال الأمانة الذين جاءوا يشاطرون ~~الإمبراطور نفيه وليالي شؤمه، حتى إن اثنين من هؤلاء صحت عزيمتهما على البراز يوما، فبلغ ~~نابوليون ذلك، فجمع حاشيته وقال لها: «يجب أن تكونوا هنا عائلة واحدة، لقد تبعتموني ~~لتخففوا من آلامي، إذن فكونوا جميعكم إخوة أو تصبحوا في نظري مؤلمين! تريدون أن تجعلوني ~~سعيدا فكونوا إخوة أو تصبحوا في نظري عقوبة وعذابا! تريدون أن تتقاتلوا تحت نظري! ألم ~~أعد غاية عنايتكم؟ ألا ترون أنظار الغرباء شاخصة إلينا؟ أريد أن تشربوا جميعكم ms323 من روحي ... ~~أريد أن أرى جميع من يحيط بي سعداء، حتى عمانوئيل الصغير الذي ترونه أمامكم ...» # كان الإمبراطور يشعر بأن صحته أصبحت تتطلب عناية كبيرة، فأراد ذات يوم أن يستشير الطبيب «أوميارا»، # 5 # ليعلم منه إذا كانت وزارته ترضى بأن تجعله طبيب الحكومة الإنكليزية لدى ~~نابوليون، فنزل الطبيب عند مشيئته بكل طيبة خاطر، وقال له إنه أصبح من الآن فصاعدا طبيب ~~نابوليون. # بعد أن دعا الحاكم من غير جدوى «الجنرال بونابرت» ليتناول الغداء على مائدته، اتجه إلى ~~لونكوود، في منتصف شهر أيار؛ ليخبر أسيره بأن قصر الأخشاب قد وصل؛ أما نابوليون ~~فاستقبله استقبالا سيئا جدا، وصرح له بأن الأميرال، بالرغم من بعض مخالفات، قد استحق ~~ثقته به وأن خلفه لن يوحي إليه مثلها. هذا التوبيخ جرح السير هدسن، فأجاب أنه لم يجئ ~~ليتلقى دروسا، فقال له نابوليون: «لقد قلت يا حضرة السيد بأن التعليمات التي جاءتك أكثر ~~هولا من تعليمات الأميرال، فهل هي تقضي أن أموت بالحديد أم بالسم؟ إني لأتوقع كل شيء ~~من وزرائك، وها أنذا أنفذ الحكم في ضحيتك! لا أفهم كيف تستعمل السم، أما الحديد فقد ~~وجدت له وسيلة! إذا حدثتك نفسك يوما بأن تخرق حرمة داخلية بيتي، فاعلم، أن الثالثة ~~والخمسين الباسلة # 6 # لن تدخله إلا على جثتي!» # كان هدسن لوو يخشى أن لا ينتبه الإمبراطور أنه أسير في لونكوود، فأخذ كل يوم يذكره ~~ذلك ببعض إهانات جديدة؛ أمسك أولا الرسائل التي ترده من أوروبا، وإن كانت قد أتت مفضوضة ~~ومن طريق غير مشبوهة، زاعما أنها لم تمر تحت نظر المراقبة، ثم نظر في نفقات الإمبراطور ~~فرأى أن عدد الأوفياء، الذين لم يريدوا أن يفترقوا عن سيدهم، إنما هو كبير جدا، حتى إن ~~الإمبراطور، الذي صرف حياته أمام فوهات المدافع، لم يجد بدا من الاستسلام إلى الملل ~~وصحت عزيمته على أن لا يغادر غرفته إلا ليزور مدام ده مونتولون في بيتها. # كان لهذه السيدة ولد في السابعة أو الثامنة من عمره يدعى تريستان، فحلا للإمبراطور أن ms324 ~~يسمع منه أمثولاته يتلوها غيبا، ولما اعترف له الولد بأنه لا يدرس كل يوم قال له ~~نابوليون: «ألا تأكل كل يوم؟» فأجابه مونتولون الصغير: «بلى يا مولاي.» ~~- إذن فيجب عليك أن تشتغل كل يوم، إن من لا يشتغل لا ينبغي له أن يأكل. ~~- إذن فسأشتغل كل يوم. # فضحك نابوليون وضرب بيده على بطن تريستان قائلا: «هو ذا نفوذ البطن الصغير، هو الجوع، هو ~~البطن الصغير الذي يحرك العالم.» # وكانت عائلة بالكومب تزور نابوليون من وقت إلى آخر، فيظهر لها كثيرا من العطف والاحترام. ~~لم يكن سيد الحروب يخشى على رزانته وشهرته الخالدة أن تضئلهما مجاراة الناس في تسليتهم، ~~فكان يحلو له أن يصرف بعض ساعات في تعليم إحدى أوانس عائلة بالكومب لعبة «البلياردو». كما ~~كان يحلو له، وهو في بريار، أن يشترك مع بعض الشابات في لعبة «الكولن مايار.» # قدمت بعثة من مفوضي السلطات الأوروبية إلى سنت هيلين، ورغبت في مقابلة نابوليون، إلا ~~أن الإمبراطور رفض مقابلة مفوضي الحلفاء، قائلا للأميرال مالكولم، الذي قدم إلى لونكوود ~~ليستأذنه بقبول هؤلاء المفوضين: «كلانا رجل يا حضرة السيد، وإني لآخذ رأيك. أترى من ~~الحكمة أن أستقبل في بيتي مفوض إمبراطور النمسا، الذي تزوجت من ابنته بعد أن تمنى ~~هذا الزواج ساجدا، والذي أرجعت إليه عاصمته مرتين متواليتين، أمن الحكمة أن أستقبل مفوضه ~~الذي لا يحمل إلي سطرا واحدا ينبئ به عن صحة ولدي؟ وهل من الحكمة أيضا أن أستقبل ~~مفوض الإسكندر الذي تمجد بصداقتي، والذي لم تقع بيننا سوى حروب سياسية لا دخل لها ~~بالشخصيات؟ ألم يكن حريا بجميع هؤلاء الملوك أن يحفظوا في صدورهم ذرة من القلب؟» # إلا أن كلمات التوبيخ التي ما فتئ الإمبراطور يوجهها إلى هدسن لوو، ما لبثت أن أدبت ~~السم في أحقاد هذا الحاكم، وضاعفت مظالم حراسته. ذات يوم أرسل السيد هوبهوز إلى ~~الإمبراطور كتابا وضعه في حوادث الأيام المائة، وقد كتب عليه «إلى نابوليون الكبير!» فحجز ~~الحاكم هذا المؤلف زاعما أن الكاتب أساء فيه إلى كستليراغ، وبعد ms325 أيام قلائل تجاسر أن يمثل ~~أمام الإمبراطور الذي كان يتنزه في حديقته، وحاول أن يبرئ نفسه أمامه؛ إلا أن ~~نابوليون، الذي ضاعف كلام الحاكم سخطه، قال له بحضور الأميرال نفسه ما يلي: «إنك لم ~~تقد يوما من الأيام إلا شرذمات من المتشردين الخائنين والسفلة الأنذال! وإني أعرف ~~أسماء جميع القواد الإنكليز الذين أبلوا بلاء حسنا، سوى أنني لم أسمع باسمك مرة إلا ~~ممهورا بلقب قائد لصوص! إنك لم تقد رجالا شرفاء يوما من الأيام، ولم يتح لك أن ~~تتعود الحياة معهم!» فأجابه السير هدسن بأنه لم يسع وراء المهمة التي عهدت إليه، ~~فاستطرد نابوليون قائلا: «إن مثل هذه المراكز لا يسعى وراءها؛ إذ إن الحكومات تمنحها ~~للذين يتقذرون!» عند هذا أعلن الحاكم لأسيره أن الحكومة الإنكليزية تصر بشدة على ~~تخفيض نفقات لونكوود، فأجابه الإمبراطور: «لا ترسل إلي شيئا لغذائي، إذا شئت، فأذهب ~~أتغدى على مائدة ضباط الثالثة والخمسين البسلاء، إني واثق من أني لا أجد بينهم من لا ~~يرى نفسه سعيدا بإخلاء مركز لجندي قديم. اغرب من وجهي، ولا تمثل أمامي إلا عندما ~~تصحب إلي أمرا بموتي، فتجد الأبواب جميعها مفتوحة في وجهك!» # عندما اتضح لهدسن لوو أنه أصبح عنوان الاحتقار في نظر نابوليون وجميع الفرنسيين في ~~لونكوود، صحت عزيمته على إشراك الإنكليزيين في سنت هيلين بالموقف العدائي الذي يظهره ~~نابوليون وأتباعه؛ فأخذ يشيع أن الأسير الفرنسي إنما يقصد بموقفه هذا أن يحتقر الأمة ~~الإنكليزية، وأن هذا الاحتقار يشمل ضباط الفرقة الثالثة والخمسين بأسرها، ولما بلغت ~~الإمبراطور هذه الإشاعة المختلفة، طلب إليه أكبر هؤلاء الضباط سنا، وهو الكبيتان ~~بوينتون، وأخبره أن ما يدعيه الحاكم إنما هو افتراء محض، ثم استطرد قائلا: «لست امرأة ~~مسنة، فأنا أحب الجندي الباسل الذي تعمد بالنار من أية أمة كان!» # بعد أن حاول السير هدسن لوو، من غير جدوى، أن يبرئ نفسه أمام نابوليون، لم يجد بدا من ~~الالتجاء إلى إهانات جديدة، فطلب إليه الدكتور أوميارا، وقال له بعنف: «قل للجنرال بونابرت ~~إنه من الواجب ms326 عليه أن يلطف تصرفاته معي، وإلا يضطرني إلى استعمال طرق جديدة.» ثم ~~عزا إلى نابوليون موت الملايين من الناس، واستطرد قائلا: «إني أعتبر علي باشا السفاح ~~أدعى إلى الاحترام من بونابرت.» ولكي ينفذ هدسن لوو تهديداته الشديدة عدل نفقات ~~لونكوود تعديلا كبيرا، حتى إن نابوليون وجد ذات يوم أن الضروريات قد نقصت كثيرا على ~~مائدة أتباعه، إلى درجة، أنه كاد ذات مرة لا يجد على مائدتهم ما يأكلونه. منذ ذلك الوقت ~~أمر بأن يباع قسم من أوانيه الفضية؛ ليعوض بثمنها، ما كان يجتزئه الحاكم الظالم. أما ~~هدسن لوو، الذي ساءه أنه دفع الإمبراطور إلى بيع أوانيه الفضية ليعيش، فلقد أراد أن ~~يستفيد من هذه السانحة ليخترع طريقة جديدة في الإساءة إلى أسيره. كان هناك مشترون يتسابقون ~~إلى الحصول على شيء من ممتلكات الرجل العظيم، حتى ارتفع سعر الصحن إلى مائة جنيه، فصور ~~للحاكم أن يصدر أمرا يقضي بأن لا يباع شيء من هذه الأواني إلا للشخص الذي يعينه هو، ~~إلا أن الإمبراطور قد فكر، من جهته، في إيقاف هذه المسابقة، وأمر بأن تحذف عن الآنية ~~الفضية أية إشارة تدل على أنها صادرة عن بيته. # كانت هذه الغموم اليومية من أشد العوامل في إضعاف صحة الإمبراطور وتغيير ملامحه ~~الطبيعية، إلا أن هذا الضعف لم يمنعه من مواصلة أعماله العقلية التي باشرها منذ وصوله إلى ~~الجزيرة. ففي اليوم نفسه، الذي حاول فيه هدسن لوو أن يزعجه بإصدار الأمر المتعلق بالآنية ~~الفضية، أملى على الجنرال غوركو موقعة مارنغو، وقرأ لاس كاز موقعة أركول التي كان أملاها ~~قبل مدة. # ذات يوم قدم الكولونيل رياد إلى لونكوود، وطلب أن يمثل أمام الإمبراطور. كان يحمل مذكرة ~~ضمنها السير هدسن مطاليب جديدة؛ وهذا ما جاء فيها: «على الفرنسيين الذين يرغبون في ~~البقاء مع الجنرال بونابرت أن ينزلوا عند جميع الأوامر التي تلقى عليه ، من غير أن يعترضوا ~~على واحد منها، أما الذين يرفضون فيرسلون حالا إلى رأس الرجاء الصالح. كل من يسمح ~~لنفسه بأن ينهج نهجا سيئا ms327 مع الحاكم أو الحكومة، يرسل حالا إلى رأس الرجاء الصالح، ~~حيث لن يؤذن له بالعودة إلى أوروبا.» فلما قرأ الإمبراطور هذه المذكرة المجحفة ~~التي أصدرها سجانه قال: «أفضل أن يذهب الجميع، على أن أرى حولي أربعة رجال أو خمسة ~~مضطربين دائما أو مهددين في كل آونة بالإبحار عنوة. ألا فليطرد جميع الناس، وليضع ~~خفراء على الأبواب والنوافذ، وليمنع عني حتى الخبز والماء، فلا يهمني كل ذلك. إن روحي ~~حرة، وقلبي حر كما لو كنت في أوروبا أسن لها الشرائع.» على أننا لم نذكر جميع الأوامر ~~التي أراد هدسن لوو أن ينزل الإمبراطور عندها، فلقد صرح فوق ذلك بأنه محظر على ~~نابوليون أن يلج أي بيت كان، أو أن يتحدث مع أحد يصادفه في نزهاته، التي يقوم بها على ~~ظهر جواده أو مشيا على الأقدام. وزاد على تصريحه هذا تصريحا آخر ينطوي، على أن الأوامر ~~التي وضعت «للجنرال بونابرت»، تشمل جميع حاشيته. # قال نابوليون في إحدى شكاياته: «إنهم يختصرون حياتي بإغضابهم إياي!» ولقد أصاب في قوله؛ ~~إذ إن الحمى بدأت تستولي عليه وتتمكن منه يوما بعد يوم، إلا أن رفاقه في أيام الشؤم ~~رفضوا جميعهم مغادرته، بالرغم من شدة الشروط التي وضعها هدسن لوو سوى أن الإمبراطور طلب أن ~~يوضع حد لهذه التهديدات اليومية بأن يذعن رفاقه إلى الذهاب لرأس الرجاء الصالح؛ أما ~~هم فأصروا على البقاء إصرارا اضطر الإمبراطور أن يلزم الصمت. # في أواخر شهر تشرين الثاني سنة 1816 أصدر هدسن لوو أمرا بإبعاد لاس كاز إلى الرأس. أما ~~لاس كاز، فبعد أن بقي مدة في رأس الرجاء الصالح، منح أمرا بالذهاب إلى أوروبا حيث قاسى ~~كثيرا من الاضطهادات. # | الفصل الرابع والعشرون # إن من البديهي أن حاشية نابوليون كانت تزعج منفذ مآرب «العصبة المقدسة»، # 1 # فلذلك أراد هدسن لوو أن لا تلطف غيرة الأوفياء وتعزيتهم عذابات الرجل الكبير ~~وآلامه البطيئة، فأصدر أمره بإبعاد لاس كاز، وأخذ يحاول تنحية الطبيب أوميارا. قال له ذات ~~يوم: «إني أرتاب بك!» ثم كتب إلى ms328 أوندرا ليؤذن له بإبعاد أوميارا عن سنت هيلين؛ إلا ~~أن هذا الطبيب المخلص بقي يقتحم شبهة الحاكم، ولم يفتأ يزور مريضه العظيم موفرا له، ~~ليس نجدة فنه فحسب، بل جميع وسائل التعزية التي أتيح له أن يبديها. # في السادس عشر من شهر أيار 1818 استلم الدكتور أوميارا كتابا من الليوتنان كولونيل إدوار ~~وينيار يقول له فيه باسم هدسن لوو إن الكونت باثورست، أحد الوزراء الإنكليز، أصدر أمرا ~~يقضي عليه بأن يكف عن ملازمة الجنرال بونابرت. قال أوميارا: «كانت الإنسانية، وواجبات ~~مهنتي، وحالة نابوليون الصحية، تمنعني من النزول عند هذه الأوامر الوحشية ...» إلا أنه ما ~~لبث أن رضخ مرغما، ولكنه أسرع بإعطاء مريضه التعليمات الطبية التي كان من الواجب أن ~~يستعملها بعد سفره. أما نابوليون، فلما انتهى أوميارا من إعطاء تعليماته قال له بحدة: ~~«عندما تصل إلى أوروبا تذهب بنفسك إلى شقيقي جوزيف، وتقول له إنني أرغب في أن يعطيك الرزمة ~~المحتوية على الرسائل الخصوصية التي كتبها إلى الإمبراطور إسكندر وفرنسوا، وملك بروسيا ~~وسائر أمراء أوروبا والتي سلمته إياها في روشفور، ثم تنشرها لتظهر عار هؤلاء الأمراء، ~~وتكشف للعالم عن التوسلات الدنيئة التي كان يبديها لي هؤلاء التبعة عندما كانوا يطلبون ~~إلي أن أبقي لهم عروشهم عندما كنت قويا؛ لما كانت السلطة في قبضة يدي كانوا يسعون ~~إلى نيل حمايتي، وشرف الاتحاد معي، ويلعقون غبار قدمي. أما الآن، وقد أصبحت مسنا، ~~فإنهم يظلمونني بخساسة وجبن ويفصلونني عن امرأتي وولدي. أرجو منك أن تقوم بما أعهد به إليك، ~~وإذا قرأت افتراءات مصوبة إلي فلا تتأخر عن تكذيبها.» # بعد ذلك أملى الإمبراطور رسالة على الكونت برتوان، ذيلها بحاشية كتبها بيده، أوصى فيها ~~ماري لويز بالدكتور أوميارا، ثم كلف الدكتور بأن يطلع أقرباءه على حالته. قال: ~~«ستعبر لهم عما أحفظه لهم من الشواعر والمحبة، كن ترجمان عاطفتي وإخلاصي لدى لويز ~~المحبوبة ووالدتي المخلصة وبولين. إذا رأيت ولدي عانقه عني، وقل له: لا ينس أنه ~~ولد أميرا فرنسيا! وأخيرا اجتهد في أن ترسل إلي معلومات ms329 صحية عن الطريقة التي ~~يتعهدون بها ولدي.» قال ذلك وأخذ يد الدكتور وعانقه قائلا: «وداعا يا أوميارا، هي المرة ~~الأخيرة التي أراك فيها. عش سعيدا!» # لم يكد أوميارا يغادر سنت هيلين، حتى اضطر غوركو بدوره أن يغادر هذه الجزيرة المؤذية ~~بهوائها الرديء؛ ليوقف مجرى الداء الذي كان ينتهش جسده منذ زمن طويل، فعندما وصل الجنرال ~~إلى أوروبا أذاع نبأ اشتداد المرض على الإمبراطور، فأسفت أسرة الرجل العظيم وحل بها ~~حزن أليم، لا سيما أمه التي عندما علمت أن ولدها، الذي كان سبب سعادتها ومجدها، قد حرم ~~طبيبا يتعهده في مرضه المميت جرحت في صميمها، ونفذ الألم إلى أعمق أعماقها، فطلبت إلى ~~شقيقها الكردينال فيش أن يذهب إلى اللورد باثورست ويستدرجه لإرسال الطبيب أنتومرشي إلى سنت ~~هيلين، فنجحت مساعي الكردينال لدى الوزير الإنكليزي، وما عتم الأمر أن أصدر الوزير أمرا ~~بإرسال أنتومرشي مع كاهن ورجلين آخرين. # في الثامن عشر من شهر أيلول سنة 1819 وصل الطبيب أنتومرشي إلى سنت هيلين، إلا أن ~~نابوليون، الذي لم يكن قد علم بوصول طبيبه الجديد لا من الكردينال فيش ولا من أحد غيره، ~~تردد أولا باستقباله لأن كل من كان يجيئه من إنكلترا أو من قبل الوزارة الإنكليزية ~~كان يوحي إليه مقتا شديدا؛ سوى أن أنتومرشي ما لبث أن بدد شكوك نابوليون لدى المقابلة ~~الأولى. قال الإمبراطور لطبيبه الجديد: «إنك كورسكي، وهذه هي النظرة الوحيدة التي أنقذتك.» ~~ثم صرف الطبيب من عنده، وما هي إلا هنيهة حتى طلبه الإمبراطور، وقال له: قل لي يا دكتور ~~ماذا تظن؟ أتراني أقلق طويلا بعد خواطر الملوك؟ # فأجابه أنتومرشي: ستعيش طويلا بعدهم يا مولاي. ~~- أعتقد ذلك، فلن يستطيعوا أن ينفوا من أوروبا دوي انتصاراتنا، فسيجتاز العصور ~~مصرحا بأسماء القاهرين والمقهورين، بالذين كانوا كرماء وبالذين لم يكونوا، وستقف ~~الأجيال حكما بيننا! ~~- ولكنك لم تصل إلى نهاية حياتك يا مولاي، فلا يزال أمامك وقت طويل بعد. ~~- لا، يا دكتور، فالمأرب الإنكليزي قد تم، ولا إخالني سأذهب بعيدا تحت هذه السماء ~~الرديئة. ms330 # وبعد هنيهة استطرد قائلا: لقد حرمت نجدة الطب منذ أكثر من سنة، فكأن الجلاد رأى ~~احتضاري بطيئا فأراد أن يعجله، لقد كنت حليما نحو الجميع، إلا أن الجميع خانوني، ~~وغدروا بي، وصقلوا حديد قيودي. # بقي أنتومرشي ثمانية عشر شهرا يقاوم، بكل ما أوتيه من الخبرة الطبية والغيرة ~~الروحية، استفحال داء عضال ملأ سجن لونكوود حزنا وحدادا، ولقد لاحظ قبل الساعة المشئومة ~~أن عنايته ومساعيه تذهب أدراج الرياح؛ ففي منتصف شهر آذار عام 1821 كتب إلى الشفاليه ~~كولونه، وهو حاجب السيدة ليتيسيا والدة نابوليون، رسالة يتنبأ له فيها عن نكبة قريبة جاء ~~فيها: «إن الجرائد الإنكليزية تذكر دائما أن صحة الإمبراطور حسنة، فلا تصدق، وستبدي ~~لك النكبة القريبة أن ما يذكرونه خطأ مبين.» # بعد مرور بضعة أيام قال نابوليون لأنتومرشي: لقد دنت الساعة يا دكتور، بالرغم من عقاقيرك، ~~أفلا تصدق؟ # فأجابه الطبيب: أقل من كل يوم. ~~- حسنا، أقل من كل يوم! وهذا ضرب من التكتم الطبي. أي تأثير سيحدث موتي في ~~أوروبا يا ترى؟ ~~- لن يحدث تأثيرا قط يا مولاي. ~~- أبدا؟ ~~- لا؛ لأنه لن يحصل. ~~- وإذا حصل؟ ~~- إذن، يا مولاي، إذن ... ~~- قل ... ~~- إن جلالتك إنما هي معبودة البسلاء، فسيشملهم الحزن من جميع أطرافهم. ~~- والشعوب؟ ~~- تصبح تحت تصرف الملوك، وتمسي القضية الشعبية وقد خسرت إلى الأبد. ~~- إلى الأبد يا دكتور! وولدي! أتظن ... ~~- لا يا مولاي، لا، فإن هناك مسافة طويلة يجب أن تجتاز! ~~- أهي أطول من التي اجتزتها؟ ~~- وهناك عراقيل عديدة يجب أن تخترق! ~~- ليست أكثر عددا من التي اخترقتها! إنه ليحمل اسمي يا دكتور! وإني لأترك مجدي وشعور ~~أصدقائي، فهو ليس بحاجة إلى أكثر من ذلك ليجمع ميراثا. # قال أنتومرشي في نفسه: «إن كلامه هذا إنما هو هذيان والد في ساعة الاحتضار!» ولم يصر ~~طويلا على تبديد هذا الوهم. # في التاسع عشر من شهر نيسان أعلن نابوليون بنفسه عن ساعته الأخيرة لأصدقائه ، الذين كانوا ~~يظنونه قد تقدم إلى العافية، قال: «إنكم لم تخطئوا فأنا اليوم أعفى مني قبلا؛ ولكني ~~أشعر بدنو ms331 أجلي، عندما أموت يعود كل منكم إلى أوروبا حيث يشاهد بعضكم أهله والآخر ~~أصدقاءه، أما أنا فسأرى بسلائي في الشنزاليزه. أجل، سيخف إلى ملاقاتي كليبر، دوزه، ~~باسيير، دوروك، ناي، مورات، ماسينا وبرتيه، وسيحدثونني عن الأعمال التي قمنا بها معا. ~~سأطلعهم على الحوادث الأخيرة التي طرأت علي في حياتي، وعندما يرونني تدب فيهم حماسة ~~المجد! أجل، سنتحدث معا عن حروبنا مع السيبيون والأنيبال والقيصر والفردريك! وسنطرب لهذه ~~التذكارات!» ثم استطرد ضاحكا: «بشرط ألا يخافوا هناك مشهد تجمع هؤلاء المحاربين في ~~مكان واحد.» وبعد هنيهة قال للدكتور أرنولت الذي كان إلى جنبه: «لقد كان من الواجب أن ~~يسجنني وزراؤك بين أربعة حواجز في هواء قذر كهذا الهواء، أنا الذي اجتاز أوروبا على جواده! ~~لقد قتلتموني مطولا، وكان هدسن الخسيس منفذ وزارتك! إنني لألقي، وأنا أموت على هذه ~~الصخرة الموحشة، عار موتي وخزيه على الأسرة المالكة في إنكلترا!» وفي الواحد والعشرين ~~من الشهر أحس نابوليون باشتداد الحمى، وأدرك أنه يسرع إلى الموت، فطلب أن يحضر إليه ~~الكاهن فينيالي وقال له: «لقد ولدت في الدين الكاثوليكي وأريد أن أتمم الواجبات التي ~~يفرضها.» # قال الدكتور أنتورمرشي: لا أعلم أية حركة فاجأها إذ ذاك على وجهي فساءته، فقال لي: ~~أتستطيع أن تذهب بإلحادك إلى هذا الحد؟ أتقدر أن لا تؤمن بالله؟ بيد أن كل شيء يثبت ~~وجوده، فضلا عن الأدمغة الكبيرة قد آمنت به. قال أنتومرشي: فأجبته أنني لم أشك يوما في ~~وجوده، وأن جلالته قد أخطأ في تصفح وجهي. فأجاب نابوليون مبتسما: إنك طبيب يا دكتور. ~~ثم زاد بصوت منخفض: «هؤلاء القوم لا «يخضخضون» إلا المادة فلا يصدقون شيئا.» # كان الإمبراطور لا يزال يرى نفسه، على ما هو عليه من الهزال المستمر، قادرا على ~~النهوض من فراشه من حين إلى آخر، إلا أنه لم يشأ أن يحمله أحد من أوفيائه، فقال لهم ذات ~~يوم، وقد حاولوا أن يحملوه من غرفته التي أراد أن ينتقل منها إلى غرفة أخرى أطلق هواء: ~~«لا، بل عندما أموت، أما ms332 الآن فيكفي أن تساعدوني.» وذات يوم طلب إليه الدكتور أنتومرشي، ~~وقال له بسكون تام: «بعد موتي، الذي قرب كثيرا، أريد أن تشرح جثتي وألا تسمح لطبيب ~~إنكليزي بأن يمد يدا إليها. أما إذا احتجت إلى مساعد، وكان لا بد منه، فالطبيب ~~أرنولت هو وحده الذي يؤذن له بمساعدتك. أرغب إليك أن تأخذ قلبي فتضعه في روح الخمر، وتذهب ~~إلى حبيبتي ماري لويز في بارم. ستقول لها: إنني أحببتها كثيرا ولم أقف يوما عن حبي ~~إياها، وتطلعها على جميع ما شاهدت وجميع ما يتعلق بحالتي وبموتي، ثم إني أوصيك بأن ~~تفحص معدتي فحصا مدققا، وتكتب عنها شهادة صريحة، مطولة، تسلمها إلى ولدي ... فالتقيؤ ~~المتواصل يجعلني أعتقد أن المعدة، هي العضو الأكثر مرضا من جميع أعضائي، ولا يبعد أن ~~تكون مصابة بالداء نفسه الذي حمل والدي إلى القبر، أريد أن أعني أنها مصابة بورم. # عندما أموت تذهب إلى روما، حيث تشاهد والدتي وجميع أسرتي؛ ستطلعهم على جميع ما لاحظت في ~~ما يتعلق بحالتي، بمرضي وبموتي على هذه الصخرة الموحشة! ستقول لهم إن نابوليون الكبير ~~قد أطلق أواخر أنفاسه في أشد حالة من حالات البؤس، محروما من كل شيء إلا من ~~مجده، ستقول لهم إنه ألقى، وهو يموت، عار ساعته الأخيرة على جميع الأسر ~~المالكة.» # إلا أن الهذيان ما لبث أن أقبل يشترك مع الحمى، فكأن ذلك الذكاء الغريب، الذي ظهر في ~~العالم كأنه مشتق من الذكاء الإلهي، خضع لشرائع البشر. صرخ نابوليون في نزوة من نزوات ~~الهذيان قائلا: «ستنجل، دوزه، ماسينا! آه! إن النصر قد تحقق! هيوا! أسرعوا! إلى الهجوم!» ~~ثم قفز إلى الحضيض وأراد أن يخرج إلى الحديقة، فسقط إلى الوراء، في حين كان أنتومرشي ~~مسرعا لأخذه بين ذراعيه. ولما سكنت سورة الهذيان وخفت وطأة الحمى، ظهر الرجل ~~العظيم بهدوئه المعتاد وقال لأنتومرشي: «تذكر ما عهدت به إليك عندما أموت. افحص جثتي ~~فحصا مدققا، ولا سيما المعدة، فلقد قال لي أطباء مونبللييه: إن الورم سيكون وراثيا ~~في أسرتي ... يجب أن أنقذ ms333 ابني، على الأقل، من هذا المرض العضال. ستشاهده يا دكتور، وتقول له ~~ماذا يجب أن يعمل، هذا آخر رجاء أنتظره منك.» وفي الثاني من شهر أيار، ظهرا، عاودته الحمى ~~فقال لطبيبه مطلقا تنهدة عميقة: «أشعر بألم يا دكتور، فسأموت!» ولم يكد يتلفظ بهذه ~~الكلمات، حتى فقد الرشد. # كان الكاهن فينيالي ينتظر كلمة من الإمبراطور ليقوم بواجبه الكهنوتي، فهذه الكلمة خرجت من ~~شفتي الرجل العظيم في الساعة الثانية من بعد ظهر الثالث من شهر أيار. كانت الحمى قد سكنت ~~قليلا، فأخرج جميع الناس من غرفة نابوليون، إلا الكاهن الذي ناوله القربان ~~المقدس. # وبعد مرور ساعة زادت الحمى، إلا أن المريض بقي محتفظا بحواسه فأوصى القواد ~~برتران ومونتولون ومرشان بألا يسمحوا لطبيب إنكليزي إلا الدكتور أرنولت أن يدنو منه ~~ساعة يفقد الرشد، ثم قال لهم: «لقد دنت ساعة موتي، ولكن لدي ما أوصيكم به قبل فراقي ~~الحياة. كما أنكم شاطرتموني النفي، هكذا ستكونون أمناء على اسمي فلا تفعلون شيئا يجرحه. ~~لقد أثبت جميع المبادئ، وأنزلتها في شرائعي وأعمالي، إلا أن الظروف كانت صارمة لسوء ~~البخت، فحرمت فرنسا من التعاليم الحرة التي هيأتها لها. كونوا أمناء على الأفكار ~~التي دافعنا عنها والمجد الذي اكتسبناه، فما خارج ذلك إلا العار والمقت!» # وفي الليلة التالية هبت زوبعة هائلة في سنت هيلين فاقتلعت جميع أشجار لونكوود، ولم ~~تبق على الصفصافة المحبوبة، التي كان ظلها العميق يحجب عن نابوليون حرارة الشمس في ~~نزهاته اليومية. # في الرابع من شهر أيار كان الإمبراطور يواصل نزعه، وفي اليوم التالي، عند بزوغ الفجر، كان ~~جسده يبشر بأن الروح تفارقه، وقد بدأ يثلج شيئا فشيئا، إلا أنه لا يزال يتنفس، ~~ولا يتلفظ في هذيانه بسوى هاتين الكلمتين: «رأس ... جيش»، دنت الساعة الرهيبة، وقرب تنفيذ ~~«المأرب الإنكليزي»، وستهتز أوروبا القديمة! إن بطل فرنسا الفتاة يلامس نهاية حياته ~~العجيبة، فهو على وشك أن يطلق آخر نفس من أنفاسه، وهدسن لوو هو هنا يرقب أنفاسه، وقد ~~عيل صبره؛ ليعلن إلى الأريستوقراطيين والملوك والمتسلطين أن واجبه ms334 قد تمم إلى ~~النهاية، وأن الضحية قد حصلت. # إلا أن مشهدا يمزق الفؤاد جاء يسم ساعات البطل الأخيرة؛ فإن السيدة برتران، وهي ~~مريضة أيضا، قد نسيت آلامها الشخصية وجاءت تحضر موت نابوليون، صاحبة معها ابنتها وأبناءها ~~الثلاثة، الذين رغبوا في مشاهدة ملامح الرجل العظيم للمرة الأخيرة. عندما وصل هؤلاء الأولاد ~~إلى سرير الإمبراطور تراموا عليه، مقبلين يده، ومرطبيها بالدموع، أما برتران الصغير، ~~وهو أحد الأبناء الثلاثة، فقد أغمي عليه من شدة الألم. في تلك الساعة كان الجميع في ~~حالة من الحزن لا توصف، ولم يكن يسمع إلا تنهدات وشهقات ... إن حادثا خطيرا يتهيأ ~~للعالم ... في الساعة السادسة إلا الدقيقة الحادية عشرة فاضت روح نابوليون. # بعد أن شرحت جثة الإمبراطور، وضعت على سرير هناك، وغطيت بالوشاح الأزرق الذي ~~كان البطل يرتديه في معركة مارنغو. بقي سكان الجزيرة مدة يومين متألبين حول ذلك الكفن ~~المجيد؛ ولما نقل رفات الرجل العظيم، أخذ الجميع يتسابقون للحصول على كل شيء لامسته ~~يده ليجعلوه ذخيرة ثمينة. # كان الثامن من شهر أيار ميعاد جنازة نابوليون، فدفن في مكان يبعد فرسخا عن لونكوود. ~~أما قبره فأصبح، منذ اليوم الأول، قبلة التعظيم والإكرام، إلا أن هدسن لوو، عنصر الأحقاد ~~التي كان عليها أن تتبع ابن الثورة الفرنسية العظيم إلى ما وراء القبر، لم يجد مفيضا من ~~استشعار السخط لدى هذا المشهد، فوضع حول القبر حرسا دائما ليمنع أيا كان عن الدنو ~~منه، ولكن مقر البطل الأخير لم يفرغ من الزوار، بالرغم من الاحتياطات التي اتخذت ~~له. # سوى أن مدفن نابوليون في سنت هيلين لم يكن إلا وقتيا، فلقد قال نابوليون في إحدى ~~وصياته المؤرخة في السادس عشر من نيسان سنة 1821: «أرغب أن يستريح رفاتي على شواطئ ~~السين، في وسط ذلك الشعب الفرنسي الذي كثيرا ما أحببته.» ولكن، لكي تتحقق أمنية الرجل ~~الكبير، كان من الواجب على الشعب الفرنسي أن يهز نير البوربونيين وأن تنعتق حكومته من ~~النفوذ الأجنبي. # عندما انتهى إلى أوروبا دوي هذا الموت رفض الشعب أن يصدق؛ ms335 إذ إن فكرة الخلود كانت ~~متحدة باسم نابوليون، إلى درجة أن الشعب لم يكن يرى فيه عنصرا من عناصر الفناء، وكان ~~ينظر إلى حياته كأنما هي عير منفصلة عن مجده. أجل، إن الخوف الذي استولى على ملوك ~~أوروبا القديمة بقي مستمرا في إقلاق مجالسها، وطعن رفات الرجل العظيم بالاضطهادات التي ~~أثقلت على كاهله في حياته، كأن الذراع الرهيبة، التي قلبت كثيرا من العروش، لا تزال تستطيع ~~أن تحرك الأمم من أعماق القبر. ~~••• # مر تسع عشرة سنة على رقاد نابوليون في سنت هيلين، بالرغم من مطالبة الشعب بنقل رفاته ~~إلى فرنسا؛ إذ إن المجالس كانت تخشى أن تضاعف قلق السلطة الجديدة، إذا هي أرجعت صورة ~~نابوليون إلى وسط العواصف التي كانت تزعج الأسرة الأورليانية في فرنسا. # في أواخر شهر أيار سنة 1840، بعد مذاكرة شفهية جرت بين المسيو تيير واللورد غرانفيل، ~~كتب المسيو غيزو، سفير الدولة الفرنسية في لوندرة إلى الفيكونت بلمارستون ما يلي: # إن الواضع اسمه أدناه، السفير المفوض من لدن جلالة ملك الفرنسيين، وفقا ~~للتعليمات التي أعطيها من قبل حكومته، يتشرف بأن يطلع سمو وزير خارجية ~~جلالة ملكة بريطانيا العظمى وإيرلندة، على أن الملك يرغب من صميم قلبه، أن ينقل ~~رفات نابوليون إلى فرنسا ليستريح في الأرض التي دافع عنها ومجدها، والتي تحفظ ~~باحترام كلي بقايا الكثيرين من رفاقه في الحروب الذين أخلصوا الخدمة لوطنهم، ~~كما أخلصها هو. # إن الواضع اسمه أدناه، له ملء الثقة بأن حكومة الجلالة البريطانية لا ترى في رغبة ~~جلالة ملك الفرنسيين إلا عاطفة أكيدة صالحة، وتسرع بإعطاء الأوامر اللازمة لنقل ~~بقايا نابوليون من سنت هيلين إلى فرنسا ... # الإمضاء: غيزو # فأجابه اللود بللماريستون، الذي كان اللورد غرانفيل قد سبق له أن خاطبه في هذا الشأن بأن ~~أرسل إليه نسخة البرقية التالية التي وجهها إلى السفير الإنكليزي في باريس: # من الفيكونت بللماريستون إلى الكونت غرانفيل # ميلورد، لقد احترمت حكومة جلالتها طلب الحكومة الفرنسية نقل رفات نابوليون ~~بونابرت من سنت هيلين إلى فرنسا، فتستطيعون أن تؤكدوا للمسيو تيير ms336 أن حكومة ~~جلالتها ترغب إلى فرنسا في أن تعتبر هذه السرعة، التي نعطي بها جوابنا هذا، ~~كشهادة لرغبة الجلالة البريطانية في إخماد تلك الأحقاد الوطنية التي حكمت العداء ~~بين الأمتين مدة حياة الإمبراطور، ثم إن حكومة الجلالة البريطانية لها ملء الثقة ~~بأنه، إذا كان هناك باقيا أثر لتلك الأحقاد، فيجب أن يدفن في الضريح الذي ~~سيضم رفات نابوليون، إن حكومة الجلالة البريطانية والحكومة الفرنسية تتخذان معا ~~الاستعدادات اللازمة لنقل رفاته. # الإمضاء: بللماريستون # أسرع اللورد غرانفيل بإطلاع المسيو تيير على البرقية التي استلمها من لوندرة، فلما وثقت ~~الحكومة الفرنسية من صحة عزيمة الوزارة الإنكليزية أسرعت بإطلاع المجالس على الخطة ~~الوطنية الصرفة التي اتخذتها؛ ففي الثاني عشر من شهر أيار صعد المسيو ده ريموزا، وزير ~~الخارجية، إلى المنبر ولفظ هذه الكلمات: لقد أمر الملك سمو الأمير الملكي البرنس ده جوانفيل، بأن يتجه بباخرته إلى ~~جزيرة سنت هيلين ليحضر رفات الإمبراطور نابوليون. # ولقد جئنا نسألكم أن تهيئوا الأسباب اللازمة لاستقبالها بجدارة وإكرام في أرض ~~فرنسا، وتشييد ضريح أخير لنابوليون. إن الحكومة، التي رغبت من صميم قلبها في تتميم ~~واجب وطني، قد وجهت إلى إنكلترا طلبها الوديعة الثمينة التي ألقتها الحظوظ في ~~قبضة يدها، ولم تكد مشيئة فرنسا تعبر عن فكرتها حتى نالت أمنيتها، وإليكم كلمات ~~حليفتنا النبيلة: «إن حكومة الجلالة البريطانية ترغب إلى فرنسا أن تعتبر هذه السرعة، التي ~~نعطي بها جوابنا هذا، كشهادة لرغبة الجلالة البريطانية في إخماد تلك ~~الأحقاد الوطنية التي حكمت العداء بين الأمتين؛ فرنسا وإنكلترا، مدة ~~حياة الإمبراطور، ثم إن حكومة الجلالة البريطانية لها ملء الثقة بأنه، إذا ~~كان باقيا هناك أثر لتلك الأحقاد، فيجب أن يدفن في الضريح الذي سيضم ~~رفات نابوليون. # إن إنكلترا مصيبة، أيها الأسياد، فهذا الإصلاح الشريف يوثق عري ~~الاتحاد الذي يجمعنا، ويحجب آثار الماضي الأليم. لقد دنا الوقت الذي يجب ~~فيه على الأمتين ألا تتذكرا إلا مجدهما. ستتجه البارجة، المعهود ~~إليها بنقل رفات نابوليون، إلى مصب السين، حيث تقف أمام بارجة أخرى ~~يعهد إليها ms337 بنقل الرفات إلى باريس، فستوضع في الأنفليد حيث تقام لها ~~رتبة دينية فخمة وأبهة عسكرية حرية بها. # إن من حق تلك الذكرى الجليلة، أيها الأسياد، أن لا يعرض ذلك الضريح ~~العظيم في مكان عمومي، بل يجب أن يشيد في مكان معتزل مقدس، يستطيع أن ~~يزوره فيه كل من يحترم المجد والنبوغ، العظمة وسوء المصير. # لقد كان إمبراطورا وملكا، وكان سيد بلادنا الشرعي، إذن فمن الواجب أن ~~يدفن في سن دنيس، ولكن لا يليق بنابوليون مدفن الملوك العادي، فيجب أن ~~يسود بعد في وسط الضريح الذي سيرقد فيه جنود الوطن، والذي سيستوحيه في ~~كل حين هؤلاء الذين سيدعون للدفاع عنه ... وسيوضع سيفه على ~~ضريحه. # سيشيد الفن، في وسط الهيكل الذي وقفه الدين لإله الجيوش، ضريحا جديرا ~~باسم الذي سيرقد فيه، وسيكون هذا الضريح على جمال بسيط، وظواهر فخمة، وهيئة ~~صلبة لا تقهر كأنما هي تسخر من كرور الزمن. إن نابوليون لحري بضريح ~~خالد كذكره. # لا نشك في أن المجلس سيشترك بعاطفة وطنية مع الفكرة الملكية التي ~~نعبر عنها الآن. # إن فرنسا، وفرنسا وحدها، ستملك من الآن فصاعدا كل ما بقي من نابوليون، ~~وإن ضريحه، كشهرته، لا يخص سوى بلاده؛ إذ إن سلطة 1830، إنما هي الوارثة ~~الشرعية الوحيدة لجميع الذكريات التي تفتخر بها فرنسا. # لقد حق لهذه السلطة، التي عضدت جميع أمنيات الثورة الفرنسية، أن ~~تمجد ضريح بطل شعبي؛ إذ إن هناك عنصرا واحدا لا يتهيب المقارنة ~~بالمجد، هو الحرية!» # إن من الصعب أن نصف الحماس الذي هيجته هذه الكلمات في المجلس، حتى خيل أن شبح الرجل ~~العظيم قد ظهر لدى صوت الوزير في وسط ممثلي فرنسا، وأن روح الحزب الحاقد، الظالم بآرائه، ~~قد حكم عليه بالصمت فجأة لدى ظهور هذا الشبح، لكيلا يسمع إلا هتاف الإعجاب ومعرفة ~~الجميل. # أما الحكومة، التي فرحت دون شك بالحماس الشديد الذي هيجته كلماتها النبيلة؛ فإنها ~~أخذت تهتم بإعداد العدة للبعثة التي سيعهد إليها بإحضار البقايا الثمينة من سنت هيلين ~~إلى فرنسا، فكلف الملك أحد أولاده، ms338 البرنس ده جوانفيل، بقيادة الأسطول المؤلف من ~~البارجة لابيل بول والمركب البخاري لافافوريت، وفي السابع من شهر تموز أبحر الأسطول من ~~تولون، وكان على البارجة لابيل بول البرنس، والقبطان هرنو، وتوشار، وروهان-شابو مفوض ~~الملك، ولاس كاز الابن عضو مجلس النواب، والقائدان برتران وغوركو، والدكتور غيللار، والأب ~~كوكرو، وسن دنيس ونوفراز خادما غرفة الإمبراطور في الماضي وبييرون وأرشامبول. كان هؤلاء ~~الأشخاص يؤلفون بعثة سنت هيلين مع الأمين مرشان، الذي كان الإمبراطور يحبه كثيرا، ~~والذي كان مبحرا في المركب لافافوريت الذي يقوده القبطان غوييت. # وكان الجنرال برتران قد رغب أيضا في أن يشرك بهذه الرحلة الصالحة ولده الصغير، أرثور، ~~الذي ولد في سنت هيلين، والذي قدمته أمه إلى الإمبراطور «كأول فرنسي دخل إلى لونكوود من ~~غير إذن الحاكم.» # مر الأسطول أمام جبل طارق في الخامس عشر من تموز، وفي اليوم التالي رسا في مرفأ ~~كاديس. # في الرابع والعشرين من تموز توقف في مادير، وفي التاسع والعشرين منه كان يحتفل بذكرى ~~ثورة 1830 في جزيرة تتريف. # في العشرين من شهر آب عبر خط الاستواء، وفي الثامن والعشرين منه كان في باهيا، التي بقي ~~فيها حتى الرابع عشر من أيلول. وبعد مرور ثلاثة وعشرين يوما وصل الأسطول إلى مقربة من سنت ~~هيلين. # رسا الأسطول في مياه سنت هيلين في الثامن من شهر تشرين الأول، ونزل مفوض الملك والسيد ~~عمانوئيل ده لاس كاز إلى اليابسة، وفي اليوم التالي، الساعة الحادية عشرة، حذا حذوهما ~~الأمير وحاشيته. # قال السيد عمانوئيل ده لاس كاز: «في الساعة الثانية والدقيقة العشرين دخلنا إلى السور ... ~~وقد ظهر أمامنا الضريح ... لا شك أن قد أصبح ترابا ذلك الذي أدهش العالم بمجده ~~وعظمته! # كشف البرنس ده جوانفيل عن رأسه، وسجد الأب كوكرو إلى يسار الباب، على أقدام السروة، يتلو ~~صلاة ... أما نحن فكنا صامتين ... مسترسلين في التأملات ... شاخصين عن كثب إلى تلك ~~الحجارة السوداء ... التي لم يكتب عليها شيء! إلا أننا لم نقو على سلخ أعيننا عنها ... ~~دار البرنس دورة الضريح بهدوء تام، ms339 ثم عاد فقطف بعض ورقات من أغراس بصلية نبتت في الجهة ~~التي يرقد فيها رأس الإمبراطور، وبعد ذلك نادى السيد هرنو، معاونه، وقال له ليعطي الجندي ~~القديم حارس الضريح كل ما يستطيع أن يجمعه من الدراهم، فكان قبضة كبيرة من الذهب، ~~وخرجنا.» # عندما ترك البرنس المكان الذي يضم رفات نابوليون، اتجه إلى المقر الكئيب الذي أطلق فيه ~~الرجل العظيم أنفاسه الأخيرة. من لا يعلم أي تأثير استولى على سكان لونكوود القدماء ساعة ~~ولجوا ذلك السجن؟! أجل، لقد أبصروا فيه عذاب ذلك الذي أحبوه فوق كل شيء، وشاهدوا موت ~~ذلك الذي أعجبوا به فوق كل إنسان، ذلك الذي احترموه وكان في حياته موضوع عبادتهم، والذي ~~لا يزال ذكره، بعد عشرين سنة مرت على موته، يملأ صدورهم ومخيلاتهم. # كانت الغرفة التي شغلها الإمبراطور قد استحالت إلى جدران أربعة لا غير؛ فلما دخلها البرنس ~~وموكبه كشفوا عن رءوسهم جميعا، وحذا الإنكليز حذوهم، ثم عبروا إلى الغرفة التي مات فيها ~~البطل، فوجدوا طاحونا للقمح يشغل معظم تلك الغرفة، التي لم تكن نوافذها وأبوابها ~~وحيطانها وسقفها إلا لتبدي مشهدا قذرا من مشاهد التلف والدمار؛ أما غرفة النوم فكانت ~~قد أصبحت مراحا للمواشي! عندما التفت البرنس ده جوانفيل ليخاطب الضباط الإنكليز وجدهم قد ~~احتجبوا، فلا شك أن هؤلاء البسلاء قد خجلوا من تصرف حكومتهم الممقوت التي، بعد موت ~~الضحية، احتفظت نحوها بأحقادها ومظالمها، كأنما هي لم تبق قادرة على النيل من شخص الرجل ~~العظيم فتحاملت على خياله، على ذكره، وعلى كل ما يعزى إليه حتى على الأشياء اللاحياة ~~لها، والتي أطلق فوقها آخر نفس من أنفاسه! أجل، لقد ترك الإنكليز الوحول والحشرات تقتحم ~~الأماكن التي خلدها نفي نابوليون وقدستها ساعته الأخيرة، والتي لم يجرؤ حفيد هنري ~~الرابع ولويس الرابع عشر أن يلجها إلا حاسر الرأس! أيتها الأريستوقراطية الإنكليزية، ~~إنك لن يتاح لك أن تنسي الأجيال، أن بين ذلك السقف الذي ينهار وتلك الأخشاب التي تضمحل، ~~قد ارتفع صوت عظيم صارخا في مسامع العصور الآتية هذه الكلمات ms340 الخالدة: «لقد قتلتموني ~~مطولا، وكان هدسن الخسيس منفذ مآرب وزراتك! إنني لألقي، وأنا أموت على هذه الصخرة ~~الموحشة، عار موتي وخزيه على الأسرة المالكة في إنكلترا.» # في الخامس عشر من شهر تشرين الأول، الساعة الثانية عشرة والربع ليلا، بدأت أعمال الحفر ~~على مشهد من مفوضي الأمتين الفرنسية والإنكليزية؛ فلما حفرت خمس أقدام من التراب ~~الرطيب، صادف الحفارون قشرة سميكة صلبة ظنوها في البدء البلاطة التي تغطي القبر، ~~ولكن عندما رجعوا إلى التقرير الذي وضعه هدسن لوو عن الضريح، اتضح لروهان-شابو أن هناك ~~قشرتين من التراب مكلستين تكليسا متينا تعلوان البلاطة، فعلم المفوضون عند هذا أن ~~القشرة السميكة الصلبة، التي صادفها الحفارون، هي إحدى تينك القشرتين المكلستين ~~اللتين ذكرتا في التقرير، واستمر الحفر. # قال السيد أرثور برتران: «كنا نتنفس بصعوبة، ولقد خيل إلي أن قلبي ينسحق في صدري ~~وهو يخفق خفقانا شديدا! لم يكد غطاء التابوت المصنوع من الحديد الأبيض ينشق حتى وقع نظرنا ~~على مادة بيضاء، كانت نسيجة من الأطلس، رفعها الدكتور غيللار مبتدئا بكشف الرجلين حتى ~~انتهى إلى الرأس؛ تراءى لنا نابوليون كأنه لا يزال حيا، وقد خرجت أصابع رجليه من الحذاء ~~الذي تعفنت خيوطه. كانت قبعته موضوعة على ركبتيه، ويده اليسرى مستريحة على فخذه. # ليس هناك جلد على عظم بل يد حية، بيضاء، من لحم ... أما رأسه فقد احتفظ بتقاطيعه، إلا ~~أن البشرة استحالت إلى لون أصفر، وأما الخدان فقد هبطا، وأعارا أسفل الوجه شكلا ~~مستطيلا. # أبصرنا بعض أسنان بيضاء انفرجت عنها الشفتان، وكانت شعور الذقن التي قصت في الليلة ~~التي تلت الوفاة قد نبتت ... أما جفناه فكانا مغمضين! فهو لا يستطيع أن يرانا، وأما ~~نحن فمن خلال دموعنا نراه!» # وقال السيد عمانوئيل ده لاس كاز: «أجل، هذا نابوليون، نابوليون المجرد من الحياة، ~~ولكنه لم يتهدم! لو شهد والدي هذا المشهد أي تأثير كان قد استولى عليه؟ لا شك في أنه ~~كان قد فقد تجلده وقواه دون احتمال تجربة كهذه ... أما أنا فيخيل إلي أن جميع ما ~~حولي ms341 إنما هو شكل مادي لحلم سماوي! ...» # لا تسل عن دهشة السيد غيللار الذي لامس الجثة وحده، من وجودها في حالة صيانة تامة ~~بالرغم من أنها لم تحنط. بعد أن سكب الدكتور بعض قطرات من «الكريزوت»، وضع الحرير ~~المبطن والغطاء الحديدي والصفحة الرصاصية في التابوت الرصاصي الجديد الذي وضعت عليه ~~صفيحة كبيرة كتب عليها بأحرف من ذهب: # نابوليون # إمبراطور وملك # مات في سنت هيلين # في 5 أيار # سنة 1821 # ثم وضع التابوت في ناووس من الأبنوس حفر عليه بأحرف من ذهب: # نابوليون # وعندما انتهت الرتبة الدينية مشى الموكب إلى جمس توون في نحو الساعة الثالثة والنصف، ~~فلاحظ الجمهور، في ساعة الرحيل، وجود الماجور جنرال شورشيل الذي قدم بحالة حداد كبير، ~~يصحبه ضابطان إنكليزيان، والذي وقف حاسر الرأس بالرغم من المطر المتساقط، كأنه أراد بذلك ~~أن يثبت للعيان أن بسلاء بريطانيا العظمى يستنكرون فظاعة الجريمة التي اقترفت بحق ~~القائد العظيم من ناحية الوزارات الأوروبية. # كانت الشمس تنحدر إلى المغيب فأنارت أشعتها الأخيرة خروج نابوليون من أرض المنفى ودخوله ~~إلى أرض أبناء فرنسا. لم يكد المركب الذي يقل التابوت يبتعد عن الشاطئ حتى أعلنت بعض ~~إطلاقات من المدافع، خرجت من الحصون والمراكب، أن المنفي العظيم يعود على طريق الوطن ~~عودة «إمبراطور»، وتحت حماية العلم الشريف، الذي غرسه مرارا عديدة بيديه المنتصرتين على ~~أبراج جميع العواصم الأوروبية. # في الخامس عشر من تشرين الأول عام 1815 قدم أميرال إنكليزي باسم الأريستوقراطية ~~البريطانية وجميع أمراء البيت البوربوني ورأى كيف يدفن حيا في سنت هيلين ممثل ~~الديموقراطية الفرنسية؛ أما اليوم فنحن في الخامس عشر من تشرين الأول عام 1840 أمام سنت ~~هيلين، ونشاهد قائدا إنكليزيا يقاسم أميرا من أسرة البوربون الفخر والغيرة في إرجاع ~~مصطفى الشعب إلى وطنه، في إرجاع منفي عام 1815 وعدو البوربونيين والإنكليز! # لقد مشى الإمبراطور نابوليون، بعد عشرين سنة على طريق فرنسا! وتحت العلم المثلث الألوان ~~سار إلى المقر الأخير الذي عينه هو بنفسه، فعندما وصل إلى الباخرة واخترق صفوف أركان ~~الجيش صدحت ms342 الموسيقى ودوت الطبول! # في الثامن عشر من تشرين الأول مشى الأسطول على بركات الله، وفي الثاني من تشرين الثاني ~~التقى بباخرة هولندية أعطته أنباء عن باريس بتاريخ 5 تشرين الأول. كانت هذه الأنباء تنطوي ~~على محاكمة البرنس لويس ومعاهدة 15 تموز، وإطلاق القنابل على مدينة بيروت، ومحاصرة سوريا ~~وعرض استعفاء الوزارة الفرنسية. # 2 # عند هذا خشي الأمير ده جوانفيل من تعد، يطرأ على الباخرة التي تقل رفات نابوليون، ~~فحصنها بالمدافع العديدة، إلا أن هذه المدافع لن تجيب على التي دمرت بيروت؛ إذ إن ~~الباخرة لابيل بول عندما رست في مرفأ شربور، في الثلاثين من شهر تشرين الثاني، انتهى إليها ~~أن معاهدة 15 تموز قد نفذت تنفيذا مطلقا من غير أن تحدث مقاومة من ناحية فرنسا، ~~وأن الوزير الذي اعتقد أنه يرى في هذه المعاهدة إهانة موجهة إلى بلاده قد اضطر إلى ~~الاستعفاء مع جميع رفاقه؛ إذن فبدل أن تؤخذ رفات نابوليون إلى هيكل «مارس»، تحت عناية ~~تيير، سيستقبلها بعض الكتبة الذين شاء سوء المصير أن ينضموا إلى أعلام الغرباء في عهد ~~المصائب والنكبات! # | الفصل الخامس والعشرون # إن جميع مدن فرنسا البحرية طمعت في شرف استقبال رفات نابوليون في مرافئها، لا سيما ~~طولون، التي تعتبر نفسها كمهد لمجد البطل، إلا أن الحكومة وقع اختيارها على الهافر؛ ~~لأنها آثرت المسافة الأكثر قربا من البحر إلى باريس لتخفي، قدر المستطاع، بقايا الرجل ~~العظيم عن حماس الجماهير. # إن هذا المنهج الذي نهجته الحكومة إنما هو مسيء إلى عاطفة الشعب، إلا أن الوزارة ~~الجديدة لم تجد بدا منه، وبين وزرائها الذين خدموا الإمبراطورية في الماضي خدما كبيرة، ~~رجال يأتمرون بأمر رجال أولي مبادئ غير مبادئهم. # عندما دخلت لابيل بول إلى خليج شربور حيتها مدفعية المتاريس بإطلاقات جاوبتها مدافع ~~الحصون في الأبعاد. وفي مساء الثامن من شهر كانون الأول وصلت الجنازة تجاه الهافر، وكانت ~~السماء تنفرج عن قمر جميل. ولما كان غد تحرك حرس المدينة والضواحي، في الساعة الخامسة ~~صباحا؛ ليحتفلوا بمرور خيال البطل. قال لهم ms343 مدير السين الأدنى: «ستؤدون إلى هذا الرجل ~~العظيم الإكرام الأخير بالسكينة والاستحقاق الجديرين بجماهير، لمسوا بأيديهم، تأثير سلطته ~~المحامية وانعطافه الخاص.» # وكانت ثلاث بواخر تواكب لابيل بول وهي النورمندي والفلوس والكوريه، فلما دخلت النورمندي ~~الحاملة الأعلام الوطنية والعلم الملكي إلى مجرى نهر السين على دوي المدافع، وتحت سماء ~~صافية الأديم كسماء أوسترلتز، كان شاطئا النهر يغصان بجماهير لا تحصى، وقد تصاعد من ~~بينهم هتاف حماس شديد وإطلاقات نارية شقت عنان الفضاء. # وفي المساء، توقف الموكب في فال ده لاهاي لينتظر أسطول السين الأعلى الذي سيقل ~~الإمبراطور حتى كوربفوا. # وفي العاشر من الشهر، ظهرا، دخل الأسطول إلى روان. كانت هذه المدينة الصناعية الكبرى، ~~التي تعشقت نابوليون تعشقا صحيحا، تستعد منذ أيام كثيرة لاستقبال رفات الرجل ~~العظيم، فنصبت له قوس نصر في وسط النهر، ورفعت على الشاطئين أعمدة هرمية كتبت عليها ~~أسماء أهم انتصارات الإمبراطورية. # كان شعب غفير يملأ شاطئ السين؛ وكان الهتاف «ليحي الإمبراطور!» يتصاعد من جميع الجهات، ~~من حرس المدينة الوطني وضواحيها إلى جميع الكتائب المحافظة، وكان الكردينال الأسقفي في روان ~~قد خرج من كنيسته، منذ الساعة السادسة من الصباح، على رأس إكليروسه المؤلف من أكثر من ~~مائتي كاهن، واتجه إلى شاطئ سن سوفر الذي اتجهت إليه السلطتان المدينة والعسكرية ~~والمجلس البلدي. عندما دخلت المراكب بين الجسرين توقفت لادوراد، وبدأ الكردينال الأسقفي ~~بالاحتفال الديني، في حين كانت مدافع الحرس الوطني، المركزة على مرتفعات سنت كاترين، ~~ومدافع المراكب الراسية تطلق بين فترة وأخرى قنابل عديدة، فتجاوبها لادوراد حالما تنتهي، ~~ولما تمت الحفلة الدينية أعلنت نهايتها مائة إطلاقة مدفع. # منذ ذلك الحين لم يبق الأمر مقتصرا على نقل رفات بطل إلى مقره الأخير، بل أصبح ~~يشير إلى قدوم أمير عظيم إلى عاصمته قدوم منتصر، إذ امحت جميع دلائل الحداد، وناب عنها ~~رنين الأجراس في الفضاء، ودوي الطبول في السهول، وأصوات الموسيقى تصدح بألحان النصر، ~~واستعراض الجنود لتحية الإمبراطور! إذن فلقد مر نابوليون تحت قوس النصر الذي نصبه له ~~هؤلاء الروانيون البسلاء، مرور ms344 فاتح عظيم، في حين كان القدماء من جنود الجيش الكبير يلقون ~~عليه من أعلى الجسر أكاليل الخالدين وغصون الغار، وفي حين كانت مائة إطلاقة وإطلاقة تعلن ~~للأبعاد أن الموكب قد تابع سيره. # حدد دخول المحمل الإمبراطوري إلى باريس في الخامس عشر من شهر كانون الأول؛ ففي الساعة ~~الخامسة من صباح هذا النهار، حرك دوي طبول الحرس الوطني ومدفع الأنفليد العاصمة ~~بأسرها، وما هي إلا فترة من الوقت حتى اندفعت الجماهير إلى الطرق والأسواق التي سيمر ~~فيها الموكب، بالرغم من البرد القارس والظلمة القاتمة. ولما بزغت الشمس كان الحرس ~~الوطني والكتائب المحافظة تحت السلاح، ووراءهم ما ينيف عن سبعمائة أو ثماني مائة ألف نفس ~~ينتظرون بفارغ الصبر مرور الموكب. # كان الأسطول قد وصل إلى كوربفوا في الرابع عشر من الشهر، فخف جمهور من المعجبين ~~بالرجل العظيم ليكرموا رفاته، بالرغم من البرد الشديد، وكان بينهم عدد من الجنود ~~القدماء، بقايا نبيلة من الجيش الكبير، وقد جاءوا من أقاصي البلاد ليشهدوا هذا الاحتفال، من ~~غير أن ينتبهوا إلى أن وجود الذين حطمت سيوفهم إلى جنب البطل في موقعته الأخيرة، قد ~~يخجل الخائنين الذين، في تلك الساعة المشئومة، قد عهدوا بشهرتهم الناشئة إلى حظ ويللنكتون ~~وبلوخر! صرف هؤلاء البسلاء ليلة الرابع عشر إلى الخامس عشر على جسر نويلي، تحت برد لا ~~يطاق، وقد اعتبروا أنفسهم سعداء لتمكنهم من التعسكر مرة بعد مع نابوليون، بعد خمس ~~وعشرين سنة مرت على معركة واترلو، والاشتراك في التكريم المتأخر الذي تقيمه معرفة ~~الجميل الوطنية لقائدهم الخالد. # في اليوم الخامس عشر، الساعة الثامنة من الصباح، أبصر هؤلاء القدماء شيخا مسنا ~~مرتديا لباسا أسود، وقد تدلى وشاحه القاتم على ذراعه، وسيفه يهرول بالقرب من المحمل ~~متكئا على رجلين يشاطرانه حزنه. كان هذا الشيخ الرجل الذي بقي سنين عديدة يخدم الوطن ~~بكل ما أوتيه من خبرة في فن الجراحة؛ كان هذا الشيخ رئيس جراحي الحرس الإمبراطوري ~~وجميع الجيوش الفرنسية في عهد نابوليون، كان هذا الشيخ المواطن الصالح الفضيل الذي أثنى ~~عليه ms345 منفي سنت هيلين ثناء جميلا في مذكراته، كان هذا الشيخ لاري المحترم، وقد جاء ~~متكئا على ولده وعلى أحد جراحي الجيوش القدماء السيد تشارنر، الذي اشترك في الكتيبة ~~المقدسة في موسكو والذي صحب الإمبراطور إلى ويلنا. أجل، لقد تمكن هذا الشيخ الطاعن في ~~السن، بهذا العضد المزدوج، أن يتبع على قدميه، من المركب إلى الأنفليد، رفات ذلك الذي ~~أحبه حبا يقرب من العبادة. # عندما أنزل المحمل الإمبراطوري من لادوراد إلى اليابسة، ووضع في المركبة المأتمية ~~تحت قوس النصر، الذي نصب تجاه الباخرة، شوهد عدد غفير من القواد يتسابقون، كالبارون ~~لاري، للدنو من نابوليون، وبينهم وزير الحربية السابق ديسبان كوبيير، الذي أقبل بلباس ~~قائد الفرقة الخفيفة الأولى الذي كان يرتديه في واترلو. في تلك الساعة سمع هتاف «ليحي ~~الإمبراطور!» إذ إن رفات الرجل العظيم كان قد لمس الأرض الفرنسية. # برحت المركبة الإمبراطورية، كوربفوا، في نحو الساعة العاشرة من الصباح، فوصلت تحت قوس نصر ~~النجمة في الساعة الحادية عشرة والنصف. في تلك الآونة انطلقت إحدى وعشرون قنبلة مدفع، ~~معلنة للباريسيين أن الذخيرة المنتظرة منذ أمد بعيد تستريح تحت أحد التماثيل التي ~~رفعها البطل لمجد فرنسا. # اجتاز الموكب، بخطى بطيئة، ممر الشنزاليزه المحفوف بنصف مليون من النظارة ~~المتحمسين، وفي نحو الساعة الواحدة والنصف وصل إلى الأنفليد، في حين كان الأسطول الذي ~~أقل المحمل الإمبراطوري من روان إلى كوربفوا يرسو أمام الجسر، # كانت الساعة الثانية بعد الظهر عندما أعلن المدفع وصول المركبة الإمبراطورية إلى شباك ~~الأنفليد، فحمل بحريو لابيل بول بين أذرعهم الوديعة الثمينة التي جاءوا بها إلى فرنسا، ~~وعهدوا بها بعد ذلك إلى ضباط الحرس الوطني والجيش الذين كان عليهم أن يحملوها إلى ~~الكنيسة، حيث كان ينتظرها أسقف باريس على رأس إكليروسه. # كان الملك والوزراء والمرشالية والأميرالية وفرق الدولة الكبرى منتظرين تحت القبة، أما ~~كبار الموظفين فلم يتمكنوا بدون جهد جهيد من اختراق الجماهير المحتشدة والوصول إلى ~~الكنيسة، وأما سفراء أوروبا القديمة فقد بقوا متنحين كأنهم أدركوا، ولا شك، أن ~~أوروبا القديمة لا ms346 ينبغي لها أن تحضر حضورا علنيا هذا المهرجان، الذي تقيمه فرنسا ~~الفتاة، وأنه من الفظاعة أن يمثل أحقاد الأحزاب القديمة بعض مسببيها في هذا ~~المهرجان. # عندما انطلقت القنبلة الأولى؛ لتعلن وصول المحمل إلى شباك الشرف، اتجه أسقف باريس ~~وإكليروسه إلى باب الكنيسة ليتسلموا جثة الإمبراطور، ولما دنا المحمل من المرتبة، ~~التي أعدت في المكان نفسه الذي سيبنى فيه الضريح النهائي لنابوليون، نزل الملك عن عرشه ~~واتجه أمام الموكب حتى مدخل القبة، فقال له البرنس ده جوانفيل: «إني أرفع إليك يا صاحب ~~الجلالة جثة نابوليون التي جئت بها إلى فرنسا نزولا عند أوامرك.» فأجاب الملك: ~~«أتقبلها باسم فرنسا.» # كان سيف الإمبراطور محمولا على مخدة بين ذراعي الجنرال أتالن، فأخذه الملك من يدي ~~المرشال سول وسلمه إلى الجنرال برتران قائلا له: «جنرال، أعهد إليك بوضع سيف الإمبراطور ~~المجيد على محمله.» ثم عاد الملك إلى مكانه، ووضع المحمل على المرتبة. عند هذا بدأت ~~الرتبة الدينية، ولما انتهت الذبيحة رش الأسقف الماء المقدس على الجثة، ثم قدم ~~الرشاشة إلى الملك، الذي قام بهذا الواجب الأخير وانصرف. ~~••• # في الخامس عشر من شهر كانون الأول سنة 1840؛ أي يوم مهرجان الإمبراطور نابوليون، كان ~~الكاتب الفرنسي العظيم فيكتور هيغو يشاهد الموكب من على منصة في ساحة الأنفليد، فكتب هذه ~~الرءوس الأقلام التي نعرب إلى القراء فقرة منها، قال: «خرجت في الساعة الحادية عشرة من الصباح إلى الشوارع، فألفيتها قفراء، وكانت ~~المخازن مقفلة، ولم يكن يرى هنا وهناك إلا بعض نساء عجائز يمرون من فترة إلى ~~أخرى، فشعرت إذ ذاك بأن باريس بأسرها قد اندلقت في جهة واحدة من المدينة، كما يندلق ~~السائل من قدح منحن، برد قارس، شمس جميلة، ضباب خفيف في السماء، السواقي مجلدة ~~... # هي الساعة الثانية عشرة والنصف. # في طرف الساحة، صفان من الخيالة يمران بهيئة صلبة؛ هما جنود السين، مقدمة ~~الموكب. الشمس تقوم بواجبها فتظهر بمظهر جميل، نحن في شهر أوسترلتز. # بعد قبعات جنود السين المصنوعة من الشعر، خوذات حرس باريس البلدي النحاسية، ~~ثم أعلام ms347 الرماحة المثلثة الألوان يلاعبها الهواء بشكل لطيف. # إن الموكب الذي يتخلله القواد والمرشالية إنما هو في مظهر باهر، والشمس ~~المنعكسة تمر بهيئة فخورة صلبة، تعقبها المدفعية والمشاة كأنهما سائرتان إلى ~~الحرب. # هناك تمثال كبير للويس الرابع عشر، متقن الصنع، مذهب بالشمس، يرى كأنه شاخص ~~إلى هذه الفخفخة بدهشة وذهول. # ظهر الحرس الوطني على الجياد، فارتفعت دمدمة من وسط الجماهير، بيد أنه في نظام ~~تام! ولكنه كتيبة لا مجد لها، وهذا ما يفتح ثقبا في موكب كهذا. إنهم يضحكون ~~... # ثمة كتائب عديدة من مشاة الحرس الوطني تمر في ظلال هذه السماء الشهباء. وفجأة ~~انطلقت المدافع في ثلاث جهات مختلفة، وسمع دوي الطبول في مطارح السهول ~~البعيدة. # ظهرت مركبة الإمبراطور، وظهرت الشمس ساطعة سطوعا جميلا. # يرى في الأبعاد، من خلال البخار والشمس، بين شجرات الشنزاليزه والتماثيل البيضاء ~~المنتصبة كالأشباح شيء يتحرك، كأنه جبل من ذهب. إنه يقترب شيئا فشيئا. لقد ~~ارتفعت دمدمة شديدة فغلفت هذه الرؤيا، كأنما هذه المركبة تسحب وراءها هتاف ~~المدينة بأسرها كما تسحب المشاعل دخانها ... # هي الساعة الواحدة والنصف. # بدأنا نتبين شكل المركبة التي تقل المحمل الإمبراطوري، هي ذي جياد ~~المرشالية والقواد تحف بالمركبة، وهؤلاء الستة والثمانون ضابطا يحملون أعلام ~~الست والثمانين مقاطعة. ما من مشهد أجمل من مشهد هذه الفرقة التي ترتعش فوقها غابة ~~من الأعلام. # هو ذا جواد أبيض مجلل بالسواد من قمة رأسه إلى حوافر قدميه يقوده خادمان ~~مرتديان لباسا أخضر مذهبا. لقد ظنه البعض جواد الإمبراطور فهتفوا صارخين: ~~«هو ذا جواد مواقع الإمبراطور!» # المدافع تستمر في إطلاق القذائف ... # هؤلاء هم بحريو لابيل بول الخمسمائة يمشون وراء الجواد الأبيض في صفوف صلبة؛ ~~المسدسات في وسوطهم، والفئوس في أيديهم، والسيوف إلى جنبهم. # لقد قربت المركبة تتقدمها أركان جيش لابيل بول التي يقودها البرنس ده جوانفيل ~~على جواده. فهي في مظهر عظيم. هي قطعة كبيرة مذهبة تقوم طوابقها الهرمية على ~~أربعة دواليب مطلية بالذهب. لقد استطعت أن أتبين، تحت الشفافة البنفسجية ~~التي تغطيها من أعلاها إلى أسفلها، نسور ms348 الطابق الأسفل، الانتصارات الأربعة ~~حاملة شبه تابوت على قطعة من الذهب، أما التابوت الحقيقي فهو غير منظور، لقد وضع ~~في قبو الطابق الأسفل، وهذا ما أضعف التأثير. هنا عيب هذه المركبة، فهي تحجب الذي ~~يرغب الشعب أن يراه، والذي طالبت به فرنسا وانتظره الجميع، هي تحجب الذي تفتش عنه ~~الأعين: تابوت نابوليون. # لقد وضعت شارات الإمبراطور على التابوت الكاذب، وهي التاج والسيف والصولجان ~~والرداء. هناك عيب آخر، إن الذهب الذي تكلمت عنه ليس سوى ذهب كاذب؛ فهو خشب ~~وكرتون. هذه هي الحقيقة. كنت أرغب للمركبة الإمبراطورية مظهرا أصدق من هذا. على ~~أن صناعة هذه المركبة ليست مجردة من الفن الجميل، بالرغم من أنها تتردد بين ~~الصناعة العصرية والقديمة. # ثمة كتلتان من الأعلام التي غنمت من جميع أوروبا تخفقان خفقانا جميلا على ~~مقدم المركبة ومؤخرها. أما وزن المركبة فيبلغ ستة وعشرين ألف ليبرة، ووزن ~~المحمل وحده يبلغ خمسة آلاف. # ما من مشهد أدهش وأجمل من مشهد الجياد الستة عشر التي تقود المركبة. إنها لبهائم ~~مخيفة معممة بريش أبيض، ومجللة من الرأس إلى الحوافر بأقمشة ذهبية لا تدع ~~سبيلا لأن يرى منها إلا العيون، وهذا ما يعطيها لا أعلم، أية هيئة رهيبة من ~~هيئات أجياد أشباح! # وصل نابوليون أمام شباك الأنفليد. هي الساعة الثانية إلا العشر الدقائق. # لا تستطيع المركبة أن تلج باحة الأنفليد؛ لأن الشباك التي وضعها لويس الرابع عشر، ~~لا يبلغ ارتفاع بابها مستوى هذه المركبة، فانحدرت إلى الجهة اليمنى، ودخل ~~البحريون إلى الطابق الأسفل، ثم خرجوا يحملون التابوت الحقيقي وذهبوا به إلى ~~الكنيسة. # كانت الساعة الثالثة عندما أعلنت المدافع أن الرتبة الدينية قد انتهت في ~~الأنفليد ...» # وهكذا انتهت حياة هذا الرجل العظيم الذي أبى الأشراف إلا أن يروا فيه مغتصبا ظالما، ~~وفاتحا نهما، في حين كان العملة والفلاحون والجنود يرون فيه «رجل الشعب»، رسول الله، ~~ونتاج النبوغ في العالم. ms349