######OpenITI# #META# URI: 1366IlyasAbuShabaka.CummalSalihun.Hindawi68690597 #META# Tags: novels #META# ID: 68690597 #META# Title: العمال الصالحون #META# AuthorID: 95147246 #META# Author: إلياس أبو شبكة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # خاتمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # خاتمة‏ # | العمال الصالحون # | العمال الصالحون # تأليف # إلياس أبو شبكة # | الفصل الأول # 1 # كان لبيب راغب ولدا في العاشرة من سنيه، جميل الطلعة، عذب النظرات، يميل عن ~~الوحدة إلى الزهو واللعب، وكان لهذا الفتى صديق من أترابه يدعى فريدا، كريه المنظر، ~~مجعد الوجه، تمت ملامحه إلى ملامح القردة أكثر مما تمت إلى ملامح الإنسان. ففي ~~يوم من أواخر أيام نيسان كان الفتى لبيب يلعب في الحديقة، فنادى إليه صديقه فريدا ~~أولا وثانيا بدون أن يسمع جوابا لندائه. # كانت أشعة الشمس تلهب بحرارتها المحطة الصغيرة ذات الجدران البيضاء القائمة في ~~وسط ريف يبعد نحوا من ألفي متر عن بلدة جونية. # في تلك الآونة كان المدير راقدا نصف رقدة على الدكة، وقد نهكه التعب وحمله ~~القيظ ما لا يطيق؛ إلا أن الحديقة - حيث كان لبيب ابن المدير ينادي رفيقه بصوت ~~مرتفع - كانت لا تزال مرطبة بأنداء الفجر، وكانت رطوبة معتدلة تتساقط من الأغصان ~~المورقة، وتتصاعد من الأعشاب الكثيفة أو من الأزهار العطرة تحت عناقيد الأزدرخت ~~والقصاص المضطربة لدى خطرات النسيم. ~~- فريد! فريد! ألا تأتي؟ لقد عزفت أمثولتي على الأرغن وتلقيت أمثولة غيرها ~~وأصبحت حرا طليقا، فتعال نلعب! # في تلك الدقيقة خرج فريد من منزله القائم على مقربة من الحديقة، وأسرع راكضا إلى ~~لبيب وقال له بصوت تتخلله رعشة الخوف: يجب علي أن أجيء بأعشاب لغداء الأرانب قبل ~~أن تطلق حريتي. ~~- إنك لأبله! فلا أغرب عندي من أن أراك مهتما جد الاهتمام بتلك الأرانب ~~المضحكة. ~~- ولكن ما العمل؟ إذا عرفت الأم أني لهوت باللعب عن الأرانب فلا تتردد عن صفعي ~~وتوبيخي. ~~- إن الأم سالم غير أمك فهي امرأة أبيك! ثم إنها لن تدرك أنك لهوت، وإذا أردت ففي ~~الحديقة أعشاب لا تجد مثلها في مكان آخر. # فأطاع الولد كلام رفيقه، وزحف على قدميه ورجليه إلى أن بلغ الحائط فتسلقه إلى ~~الحديقة، فقال لبيب: أي نوع من الألعاب تختار؟ ألا تفضل لعبة الفوارس؟ إذن فألق ~~يديك ms01 على الأعشاب محنيا ظهرك وكن فرسي. # كان فريد دائما يشغل وظيفة الفرس، ولماذا؟ ذلك لأن النظام يوجب على أبناء العمال ~~أن ينزلوا في كل حين عند إرادة أبناء الرؤساء. # كان العشب في تلك الحديقة كثير النضج طافحا بمياه النبات، إلا أن العوسج وفروع ~~الشجيرات كان يحتبك بعضها ببعض، وتتجاوز الأدغال إلى بعض الجهات الجثيلة، كأنما هي غابة ~~عذراء لم تمر عليها شفرات المناجل. وكانت الآبار تنتصب فوقها الأشعة البيضاء كسطوح ~~صغيرة من التوتيا المعدنية، وأشجار الورد تمزج غصونها المشعثة بفروع الراتينج ~~المظلمة، وأريج الأزدرخت الزكي والزعرور الممتلئ بعسل أزهاره يجذب إليه أسرابا ~~من النحل كثير العدد. # نهك التعب ذينك الولدين فجلسا يستريحان على أحد الحجارة، في حين كان قطار الساعة ~~الثالثة والنصف يصفر في الأبعاد معلنا قدومه، وبعد هنيهة شخص لبيب إلى جهة القطار ~~وقال: هو ذا الكاهن! لقد عرفت منذ نهار السبت أنه سيذهب لزيارة أسقفه الساكن في ~~مدينة بيروت، ويقولون: إن كاهنا آخر سيخلفه، وترى والدي شديد الأسف كثير الشجون، فمن ~~يا ترى يحل محله في إعطائي الدروس العربية؟ لا شك في أن والدي سيرسلني إلى ~~المدرسة بعد ذلك، أليس من الحزن أن أسجن في المدرسة يا فريد؟ # فأجاب الولد بعد أن أطلق زفرة من صدره: إنك لشديد الغرور يا صديقي، ولو تبصرت ~~قليلا لرأيت أن المدرسة أم تسقي ولدها لبان العلوم التي لا غنى له عنها. # آه! لو يتسع لي أن أتعلم! ولكن المدارس لم تشيد لمثل فريد! لأنه بائس يا ~~صديقي! # فأجاب لبيب: إني أعرف ذلك؛ فأنت فقير لا مال لديك، ولو لم يكن والدي شديد العطف على ~~أبيك لكنت أكثر فقرا مما أنت عليه ... أبلغك ما حدث الأحد الماضي؟ ~~- لا! # فاستطرد لبيب قائلا: لقد أبصر والدي والدك سكران حتى الموت، منطرحا على السلك ~~الحديدي بالقرب من مفتاح القطار، وكان من واجب والدي أن يطرده من الشركة، إلا أنه لم ~~يفعل! ... أتفهم؟ إن التصرف السيئ الذي يتصرفه والدك لمما يدعو إلى خطر عظيم، ومن ~~الجهل أن ms02 تستبقي الشركة عاملا سكيرا في عداد عمالها. # فخفض فريد رأسه إلى الأرض، فأكمل لبيب حديثه فقال: غير أن والدي عفيف الضمير شفيق، ~~ففكر فيما تئول إليه عائلة سالم لو طرد سالم من العمل، وما لبث أن غفر له زلته، ~~ولكن إذا عاد والدك إلى مثلها! ... # فقاطعه فريد قائلا: سوف يعود إلى ما كان عليه ولا أرى مندوحة من طرده، وسوف نشقى ~~طويلا يا صديقي. # فأثر هذا الكلام في نفس لبيب تأثيرا عظيما، حتى إنه لم يملك نفسه من ذرف دمعة ~~على خده، فقال: هل ذقت طعاما في هذا النهار يا فريد؟ سمعت والدي يقول مرارا: إن ~~امرأة أبيك ستميتك جوعا. قال هذا وأخرج من جيبه قطعا من «الشوكولاتة»، فقال فريد ~~بلهجة تتخللها عزة النفس: أجل، لقد أكلت؛ فالأم سالم لا تمنع الطعام عني ولكنها تقدم ~~لأولادها ما لا تقدمه لي، أتجد غرابة في ذلك؟ # في تلك الساعة دخل القطار إلى المحطة، فأسرع الولدان إلى الرصيف ليتفرجا على ~~القادمين. # كان سالم ورفاقه يشحنون البضاعة وينزلونها، في حين كانت عجلات النقل قادمة لتقل ~~الأحمال إلى أماكنها، أما بطرس موزع البريد فقد كان يذهب ويجيء مستشيرا بنظره ~~الأوراق التي بيده، وأما المدير فقد كان يلح على العمال في الإسراع بما عهد ~~إليهم، مسترئيا من وقت إلى آخر ساعته الذهبية، عند هذا تقدم منه أحد المسافرين ~~حاسرا وقال له بصوت تراوده اللكنة: أنا رهين إشارتك يا سيدي المدير! ~~- من أنت؟ ~~- أنا عزيز الذي عينت موزعا للبريد مكان داود. فقطب المدير حاجبيه وقال: ~~ولكن داود لا يود أن يستعفي؛ لأن له مصالح تضطره إلى البقاء في الشركة، فقد اشترى ~~أرضا وبعض كروم في هذه الجهة استوطن فيها مع امرأة له هي أبرع خياطة في جونية. كان ~~الأحرى بك ألا تعجل في قدومك قبل الاطلاع على هذا الأمر. # فأجاب عزيز بعظمة: إن من كان مثلي موظفا قديما في الشركة لا يجد بدا من ~~النزول عند إشارة مديره، فعندما قال لي المدير: يجب أن تذهب لم أجد ms03 مندوحة من الإطاعة، ~~فهيأت أمتعة منزلي بأسرع ما يمكن وامتثلت للأمر. ففتل المدير شاربيه متذمرا ودمدم ~~قائلا: إن هذا لأمر مضجر فرأيي هو ألا يستقر أمرك قبل أن تنتظر النتيجة التي يئول ~~إليها أمر داود، فأبق أمتعتك في عجلة السكة وانزل موقتا في فندق المحطة عند يوسف ~~... # فقاطعه عزيز قائلا: واحسرتاه، إنني لم أجئ وحدي يا حضرة المدير ... قال هذا وبسط ~~ذراعيه نحو غرفة الانتظار؛ حيث كان ثلاثة أشخاص ينتظرون بفروغ صبر، ثم استطرد قائلا: ~~هو ذا ولدي آدم وابنتي حواء وامرأتي ... وأمتعتي ... # فحول المدير نظره إلى غرفة الانتظار، فرأى قرني معز بارزين بين أخشاب صناديق ~~أربعة، وآذان أرانب عديدة تنصب فوق أعراف جماعة من الديوك والدجج، وأبصر فوق ذلك خرطوم ~~خنزير ينشق بين طرفي قطعتين من الخشب الصلب كتب على إحديهما بحروف سوداء: ~~خنزير محزم. # فقال في نفسه: هذا حوش للحيوانات، لا بل حديقة للوحوش! ثم بدر منه التفاتة فرأى ابن ~~عزيز عاكفا بعناية على خمس شجيرات من الورد غرست في خمسة براميل من الخزف، فقال ~~عزيز: إن البهائم عون للإنسان في حياته، والأزهار هي زينة البؤساء، أليس ~~كذلك؟ # عندما دخل الرجلان إلى غرفة الانتظار كانت ابنة عزيز، وهي فتاة في السادسة عشرة من ~~عمرها، قد ركضت إلى النافذة المشرفة على فسحة المحطة وصرخت بصوت مذعور: أين هي بلدة ~~جونية؟ أراني هنا في سهل مقفر لا مأوى فيه ولا منزل. # فأجابها المدير: إن المآوي لكثيرة عند «أديب» ثم إن الذي يجر وراءه أمتعة ~~كثيرة العدد كهذه لا يجب عليه أن يبطئ في إيجاد مسكن يأوي إليه، إني أبصر وراء هذه ~~الألواح الزجاجية سحنة معتر لا أشك في أنه يقودكم جميعا إلى حيث تجدون مأوى لكم. ~~ونادى فريدا فامتثل أمامه خجلا ينظر خلسة إلى قدميه العاريتين، فقال المدير: اذهب يا ~~فريد ودل السيد عزيزا إلى منزل أديب. فتقدم الولد قبيلة عزيز واجتاز بها الفسحة، ~~فالطريق. وفيما هم سائرون سأل الموظف الجديد فريدا عمن هو أديب، فأجاب الولد أنه ~~زراع في ms04 البلدة بنى منزلا كبيرا أجر معظم غرفه لعمال السكة الحديدية حتى أطلق ~~عليه اسم «منزل عملة السكة». # كانت جماعة من النساء تشتغل أمام المنزل في ظلال شجرة كبيرة من أشجار الطلح، ولم يكد ~~عزيز وجماعته يصلون إلى مقربة من مأوى أديب حتى وقف النساء ينظرن بدهشة إلى ذلك ~~الموكب، عندئذ انتصبت سيدة المنزل على عتبة الباب وسألت فريدا قائلة: من هؤلاء القوم ~~يا فريد؟ فأجاب الولد: إنهم من المستأجرين يا سيدتي، وقد خلفوا السيد داود حامل البريد ~~الأحمر. # 2 # حاول داود أن يقنع مديره بإبقائه في وظيفته، فذهبت مساعيه أدراج الرياح، فاضطر أن ~~ينزل عند الأوامر، عند هذا انتصر عزيز فوطد إقامته في جونية. # لم يحتج الموظف الجديد إلى أكثر من غرفتين لإيواء عائلته، أما زوجة أديب فقد سمحت ~~له بأن يضع حيواناته في زاوية من الحديقة؛ حيث بنى لها أقفاصا كبيرة وأكواخا من ~~الخشب، وأما حواء ونبيه فقد كانا يذهبان كل يوم في قطار الصباح لينهيا دروسهما في ~~بيروت. # كانت امرأة أديب كثيرة اللطف كريمة الأخلاق قلما تفارق الابتسامة العذبة ثغرها ~~الجميل، وكانت تعطف على الصبية الصغار وتتعهدهم بما فطرت عليه من العذوبة والرقة، ~~إلا أنها لم تكن تستطيع العيش في معزل عن الناس، فأقل سكينة كانت تؤلمها وتدب ~~في صدرها عوامل السأم والضجر، أما أديب فقد كان يشتغل في حقله من مطلع الصبح إلى ~~منتهى النهار، ولا يعود إلى منزله إلا عندما يعود ولداه من المدرسة. # وكانت الأم سالم قليلة العقل عنيدة سامة حسودة تحب الخصومة، لا سيما مع زوجها ~~السكير، وغالبا ما كانت تسبب لنفسها الضرب والشتيمة، حتى انتهى بها الأمر إلى تعاطي ~~المسكرات لتتناسى الفقر المدقع الذي كان يحيط بها وبأولادها الثلاثة الذين نشئوا على ~~تربية فاسدة، فتمكنت منهم عادة النهب، فجعلوا يسرقون البيض من مراقد الدجاج ليأكلوه ~~نيئا، وينزعون حواجز البساتين ليبيعوها حطبا، ولا يترددون عن سلب الثمار من رياضها، ~~والخضرة من منابتها. أما فريد فقد بقي شريفا بالرغم من المحيط الفاسد الذي يحف به؛ ms05 ~~لأن ذكريات أمه كانت تردعه عن ارتكاب المنكر كلما خطر له. # كان فريد في عامه السابع عندما توفى الله أمه منهوكة الجسد من جراء الأعمال ~~المرهقة التي قامت بها طيلة أعوام زواجها، ومن الحسرات والآلام التي كابدتها من زوجها ~~سالم السكير، ولم يمر بعض أشهر على موتها حتى تزوج والد فريد من امرأة أيم لها ولدان، ~~فاستحال المأوى إلى جحيم هائل، وما عتم أن شعر اليتيم البائس بحزن عميق وأدرك أن لا ~~مصيبة أعظم عند الولد من فقد أمه. # كان سالم ينظر بحقارة إلى ولده المتألم ذي المقلتين العذبتين اللتين تحملان في ~~عذوبتهما معاني الحزن والأسى! وكان شديد البغض له والنقمة عليه إلى حد أنه كان مرارا ~~يمسك عنه الطعام ويحظر عليه المبيت في مضجعه. # ذات مساء طرد اليتيم من المنزل فاضطر أن يضطجع على أدراج السلم الخارجية؛ عند ~~هذا فتح باب غرفة محاذية للسلم وخرجت منه فتاة صغيرة في نحو الخامسة من عمرها وتقدمت ~~من فريد قائلة له بصوتها الجميل: لماذا أنت تبكي يا فريد؟ تعال معي فأمي أرسلتني ~~لأجيء بك إليها، ثم أخذت يده وأدخلته إلى أمها وهو يبكي ويضطرب. # تقدمت أم الفتاة من فريد ونظرت إلى عينيه المغرورقتين بالدموع، بتلك الابتسامة ~~الحلوة التي تنطوي على أرق ما في صدور الأمهات، وقالت له: لماذا أنت تبكي يا ولدي؟ ~~فهل أساءوا التصرف معك ومنعوا عنك طعامك؟ ألا، فاجلس على هذا المقعد، وانتظرني ريثما ~~أجيئك بصحيفة من الحساء. # فجلس الولد على حافة كرسي عريض ناظرا بحياء إلى ثيابه الرثة وقدميه ~~العاريتين. وبعد هنيهة جاءته السيدة فارس بكوب حساء سخن وعادت إلى آلة الخياطة ~~تنجز عملها بهدوء وسكينة. # في تلك الساعة كان التوءمان الصغيران يلعبان معا في زاوية من زوايا الغرفة، ~~فاقتربت الفتاة من فريد وقالت له: «كيف وجدت الحساء؟ لماذا أنت تبكي؟ ألا تعرف أن ~~البكاء يؤلمني جد الألم؟» # عند هذا أخذت تسرد على مسمعه قصة مضحكة، فضحك حتى استلقى على ظهره، فسرت ~~الفتاة سرورا لا سرور بعده، والتفتت إلى ms06 أمها قائلة : انظري يا أمي، إنه يضحك؛ فقد ~~نسي آلامه، كم أني مسرورة الآن! وأنت يا أمي ألست مسرورة؟ فالتفتت الأم إلى ابنتها ~~مستغربة وسألتها بصوت خافت عما يدفعها إلى معاملة فريد تلك المعاملة الحسنة، ~~فأجابت الفتاة: ذلك لأنه بائس رضي الأخلاق، ولكن إذا حدثته نفسه يوما بأن ينزع ~~عما هو عليه، فلا أتردد عن مقته والابتعاد عنه. فسمع الولد ما دار بين الأم ~~وابنتها، فقال بسذاجة: ماذا يجب علي أن أعمل يا سيدتي لكي أحافظ دائما على سيرتي ~~الحسنة؟ فأجابته: يجب أن تضرع إلى الله وتتذكر أمك. فقال: ليس من الصعب علي أن ~~أضرع إلى الله؛ ولكن كيف يتسع لي ذلك في البيت والجميع يهزءون بي وينتهرونني ولا يدعون ~~لي سبيلا للصلاة؟ # 3 # كانت السيدة فارس من تلك النساء الصالحات اللواتي نشأن في وسط مسيحي، وتخلقن ~~بأخلاق شريفة ساذجة؛ فلم تعرف في صغرها إلا كنيسة القرية ومدرسة الراهبات وحنان ~~أمها العذبة التي تعهدتها بتربية طاهرة، وعلمتها محبة القريب، والعطف على البؤساء ~~من أبناء الشعب. # لم تكن تلك السيدة ملمة بعلم الفلسفة والمنطق، بل كانت قد تلقنت كثيرا من ~~الفضائل السامية في التعليم المسيحي، وانقطعت عن المدرسة بعد أن درست أصول ديانتها ~~درسا مدققا. # لم تقرأ في حياتها رواية من تلك الروايات الخلاعية، إلا أن مخيلتها الطافحة ~~بذكريات القديسين وأعمالهم الصالحة كانت نقية لألاءة عذبة تطفو عليها سلامة ~~الطوية وجمال القلب. # يا للحداثة من ينبوع شعري إذا صرفت بين عذوبة التقى وفضيلة العمل! # تزوجت السيدة فارس في الثلاثين من عمرها؛ لأنها كانت تود أن تبقى بتولا وتنذر ~~نفسها للعبادة ومؤاساة الفقراء والمرضى؛ ولكن عندما تقدم فارس لطلب يدها من أهلها ~~نزلت عند رغبته لما رأت فيه من الخصال الطيبة التي تؤهله لأن يكون شريكا لها في ~~نياتها الحميدة ومزاياها الشريفة، أما فارس فقد دفعه إلى الاقتران بها ما عرفه فيها ~~من الرغبة في العمل ومحبة البؤساء، فلم يسألها مهرا غير إبرتها وإقدامها. # ترددت السيدة فارس في بادئ الأمر عن أن ms07 تضع يدها في يد ذلك العامل النشيط الذي لم ~~يكن راسخا في معتقده الديني كما يجب أن يكون، ولكن حبه لها اضطره إلى النزول عند ~~كل مزية من مزاياها، فصار يقوم بواجباته الدينية بدون إخلال حتى انتهى به الأمر إلى ~~مشاطرتها تربية بنيه تربية مسيحية صرفة. # كان راتب فارس الشهري غير كاف وحده للقيام بأود عائلته، إلا أن آلة الخياطة واجتهاد ~~امرأته واقتصادها، كل ذلك كان يمهد له حياة هادئة عذبة بعيدة عن مطامع الإنسان، ~~فينسى الغنى الذي يسعى المرء وراءه في مطارح حياته، أوليس غنيا ذلك الذي تتوفر لديه ~~ضروريات الحياة؟ # كانت السيدة فارس تنهض في الصباح وتبدأ بعملها بكل نشاط؛ فلا نبالغ إذا قلنا عنها ما ~~تقول الكتب المقدسة عن المرأة القوية؛ فهي لم تكن تأكل خبزها بالبطالة ~~والكسل. # لماذا لا تنشد الشعراء فضيلة النساء العاملات في إدارة منازلهن؟ إنني أفضلك ~~على أنامل الشريفات أيتها الأيدي العاملة؛ إنني أؤثرك على الأيدي المتراخية البيضاء يا ~~أنامل نساء الشعب المتواضعات، أيتها الأيدي الحمراء المشوهة بالأعمال، أيتها الأيدي ~~المستعيرة سواد الفحم من أفواه المطابخ، المخدشة بشعفات الحطب، التي لا تترك المكنسة ~~إلا لتعود إلى إبرتها! إن جهودك الشاقة لتعرف كيف تلد الراحة بعد العناء. أجل ~~فالفضل راجع لك في إلباس تلك الغرف القذرة لباس النظافة والترتيب، وتحويلها من مآو ~~هادئة عذبة تسمى: المنزل المرتب، الفضل راجع لك في غرس تلك الأزهار النيرة، تلك ~~الأزهار البهيجة: الشعلة! الفضل راجع لك في إعداد الطعام الشهي الذي يزيل الغضون عن ~~جبهة الأب، ويضع السرور في عيون الأبناء، إن في كل خدة من خدودك وفي كل ندبة من ~~ندوبك أثرا واضحا يخبر عن تاريخ فضيلتك. # لم يكن للسيدة فارس وقت يتسع لها فيه أن تصرف بعض دقائق في الثرثرة مع جاراتها، ~~فأحيانا كانت السيدة أديب تقف على عتبة مطبخها وتناديها قائلة: ألا تسمحين لنفسك ببعض ~~دقائق تصرفينها مع صديقاتك يا سيدة فارس؟ فتجيبها هذه: يصعب علي ذلك يا سيدة أديب قبل ~~أن أنهي طي الأثواب ms08 المغسلة ورتقها؛ فاعذريني ! فكيف يتسع لمن تكون مثلي أما ~~لثلاثة أولاد صغار أن تغنم دقيقة واحدة للاستراحة من عناء الأشغال؟ فتجيبها السيدة ~~بطرس: إن وقتي لثمين كوقتك ولدي من الأشغال ما لا يقل عما لديك، ولكن الإنسان ~~يحتاج دائما إلى ساعة يستريح فيها، ثم إن النساء لم يخلقن في هذه الحياة لكي يرتبن ~~المنزل ويهيئن الغذاء فقط، فهن كغيرهن من البشر يحق لهن أن يستغرقن حينا من ~~الزمن في الأحلام اللذيذة وينصرفن عن الحياة المادية إلى الحياة الخيالية الهادئة ~~... # كانت السيدة بطرس ذات روح خيالية وطبيعة متراخية، تسعى جهدها في أن تتلهى عن ~~الحقائق العالمية المبهمة، ولقد تزوجت بلا مهر من موزع بريد جونية، وهو شاب كثير ~~الذكاء ذو آمال واسعة يدعى بطرس، فما عتم أن ارتقى إلى وظيفة مدير في المحطة. كانت ~~أفكار السيدة بطرس تقطن في نواح مرتفعة عن مطارح الأرض، وهذا ما دفعها إلى تبذير ~~الأموال وإنفاقها بدون داع حتى بلغت نفقاتها ثلاثة آلاف ليرة في السنة، ومع ذلك فقد ~~كانت عديمة الاعتناء بأمور بيتها، لا تكترث إلا لقراءة الروايات والقصص الغرامية، ~~أما زوجها فقد كان يعود إلى منزله في الساعة الحادية عشرة والنصف، فلا يجد الطعام ~~مهيئا ولا الأسرة مرتبة ولا الأواني معدة في أماكنها، فيسخط ويجدف ويحطم ما ~~يراه أمامه، ويقول لها بصوت غضوب: إن هذا المأوى لجحيم لا أستطيع السكن فيه! فتضطرب ~~امرأته وترفع إلى السماء عينيها المغلفتين بأهداب مستطيلة، وترجع بالذكرى إلى بواسل ~~رواياتها الكئيبات فتستعير أصواتهن المحزنة المتهززة وتصرخ قائلة: بماذا جنيت على ~~السماء؟ فيجيبها بطرس: جنيت عليها بأنك قرأت روايات وقصصا عوض أن تهتمي بإدارة ~~منزلك. فما الذي شغلك هذا الصباح عن ترتيب الأسرة وإعداد الطعام؟ ~~- لا تدع الحدة تأخذ منك مأخذها يا صديقي. أنا لا أنكر أنني لم أحسن اختيار الوقت ~~المناسب للقراءة، غير أني كنت قد انتهيت إلى فقرة مؤلمة: لقد نصبوا فخا لفتى ~~جميل من أسرة كريمة وأرادوا الإيقاع به، فهل أقدر أن أقف عن القراءة قبل أن ms09 أراه ~~مفلتا من أيدي أعدائه؟ لا يا عزيزي بطرس، فهذا ما يفوق قدرتي، أما الآن فأيقن بأنني ~~سأجتهد في أن أتمم ما يجب علي بوقت قصير. أنت لا تجهل أنني كثيرة الحذاقة ساعة أرغب ~~فسترى كل ما تريده متمما قبل الساعة الثانية. # بعض النساء يتفوقن على سواهن بترتيب الأشياء وإتقان العمل والنظافة، أما السيدة ~~بطرس فقد امتازت عن غيرها بالسرعة المدهشة. # لم تحتج إلى أكثر من دورتين أو ثلاث في غرفتها حتى أعادت كل شيء إلى مكانه، فاطمأن ~~بالها عندئذ فأخذت تحت ذراعها قماشتها المطرزة وخفت إلى مجلس الثرثرة المنعقد تحت ~~ظلال شجرة الطلح. # كانت السيدة بطرس تنظر إلى القرويات اللواتي كن يجالسنها نظرة ملكة إلى ما دونها؛ ~~لأنها كانت تفتخر بانتسابها إلى أسرة عاشت في المدن، وبأنها المرأة الوحيدة التي أطلق ~~عليها لقب «سيدة» في منزل عملة السكة، إلا أنها استاءت من مجيء عزيز وحلوله في ذلك ~~المنزل، لا سيما عندما وقع نظرها على ابنته حواء وولده آدم، وخطر لها أنها ستنخسف ~~أمام جمال تلك وذكاء هذا؛ ولكنها ما لبثت أن اطمأنت وعادت إلى سكينتها. # كانت السيدة عزيز وهي قروية لا تعبأ بسوى العمل والإنتاج، تهتم جد الاهتمام بمعزها ~~وخنازيرها؛ تارة تمثل دور الرجل فتقلب بمحفرها حديقتها الصغيرة، وطورا تأخذ على ~~عهدتها غسل ثياب الغير لقاء أجرة، وخلاصة القول كانت لا تخجل بعمل مهما كان حقيرا. ~~وكانت ابنتها حواء فتاة صلبة عديمة الأناقة، قطوبة الوجه، تكثر من المطالعة ~~والدرس، يتراوح عمرها بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، تبدو على محياها أمارات العجب ~~والكبرياء! وعلى الجملة فهي من تلك الفتيات اللواتي لم تحدثهن نفوسهن يوما بأن ~~يخلعن عن عرش الجمال امرأة حسناء كالسيدة بطرس. # بقيت السيدة بطرس في وسط ذلك المجتمع المؤلف من الأنفس الساذجة المستغرقة في المادة، ~~تلك الأرواح الخيالية المشبعة بالجمال والفن، ذات الأصابع الناعمة التي لم تبدع إلا ~~لتطوي أوراق كتاب أو لترسم أزهارا على نسيجة من الكتان الثمين. # 4 # جاء يوم الأحد فلم تأبه له السيدة بطرس؛ ms10 لأن إيمانها الديني الذي لم يؤسس على دعائم ~~متينة كان قد فتر من يوم إلى يوم تحت نفوذ قراءتها الروايات المفسدة، ففي ذلك الصباح ~~الجميل عادت السيدة أديب من القداس الأول وخلعت عنها وشاحها الأبيض بتؤدة واحترام، ~~فتقدمت إليها السيدة بطرس وطلبت منها أن تعيرها ثلاث مغارف من الطحين ومغرفة من الزيت ~~قائلة: لقد تراخيت في تجديد المئونة يا سيدة أديب، ويجب علي أن أعد الغداء قبل ~~الساعة الحادية عشرة؛ لأن زوجي يود أن يذهب إلى جونية عند ظهيرة النهار، فيظهر لي أن ~~هنالك فندقا يؤمه غواة القمار، وزوجي أصبح منهم؛ لأنه ينقاد إلى أصدقائه الذين عودوه ~~الاختلاف إلى الحانات كلما سنحت له الفرص. # قالت ذلك ونظرت بحزن إلى ردائها المخرق في مواضع عديدة، وبينا هي عائدة إلى غرفتها ~~وفي يدها مغارف الزيت والطحين أبصرت السيدة فارس خارجة من المنزل بأبهى ما لديها من ~~الزينة، يتبعها أولادها الثلاثة ذوو الوجوه الرخصة الطريئة والشعور المصقولة النظيفة ~~مرتدين أردية بيضاء، أحدهم يحمل مظلة أمه، والآخر كتاب صلواتها ويتجهون جميعهم إلى ~~الكنيسة الكبرى في جونية، فصرخت قائلة: آه! إن هؤلاء المائتين السعداء لا يزال يتسع ~~لهم الذهاب إلى الكنيسة! أما أنا فلم يبق لي آحاد أسر بها! فجاوبتها السيدة فارس ~~برقتها المعهودة: إنك تأخذين علي دائما استغراقي في الحياة المادية، فأنا لا أكتمك ~~أنني أصرف ستة أيام في العمل والكد، ولكن الأحد هو يوم الراحة من التعب، لا بل عيد ~~جميل، لقد طالما ذقت في حياتي لذة الآحاد السعيدة حتى أصبحت اليوم أرغب في إذاقة ~~حلاوتها لأولادي الصغار. # ثم التفتت نحو المنزل وقالت: من يتبعني إلى الكنيسة؟ فأسرعت فتاة جميلة في نحو ~~العاشرة من عمرها، هي ابنة أديب ذات المقلتين الحلوتين والبشرة الناعمة التقية التي ~~لا تكاد تقع عليها أعين عملة السكة حتى يقولوا في نفوسهم: اصبروا حتى تبلغ السادسة عشرة ~~من عمرها فتبصروا الهائمين يخفون إليها كما تخف الشحارير إلى المرايا. ~~••• # وعندما انتهت الذبيحة عادت السيدة فارس إلى المنزل يحيط بها أولادها ms11 الأحداث كفراش ~~تحوم حول زهرة؛ وفيما هم في الطريق أخذت تقص على المسامع حكايات يوسف الصديق، وضحية ~~إسحق وانتصار داود على جليات وحداثة المسيح ونبيذ قانا وضريح لعازر والذبائح في ~~الدياميس ورمي المسيحيين فريسة للأسود، حتى انتهت إلى قصة «تارسيسيوس» الولد القديس، ~~فسألتها الفتاة الصغيرة عما إذا كان هذا الولد جميلا، وسألها فريد عما إذا كان ~~رث الثياب، وشفع ذلك بقوله: إن من التعزية أن نشاهد أجساما هزيلة وثيابا رثة تنطوي ~~على قلوب نبيلة حساسة. # وبعد برهة قصيرة وصلت الجماعة إلى المنزل فخف أبناء فارس يحيون والدهم الجالس ~~تحت شجرة الطلح يدخن لفافته بهدوء وسكينة، وكان طائر يغني في الأبعاد ألحانه المملة، ~~فسألت الفتاة الصغيرة أمها قائلة: ما الذي يغني في الأبعاد؟ فأجابتها الأم: هذه ~~تباشير الصيف يا بنيتي! فقالت الفتاة: وأين هو؟ فقالت: لا أدري، ولا أحد يدري، إنه ~~يعلن قدومه بألحان طائر، ولكن هذا الطائر منيع عن أن يدركه أحد. فقالت الفتاة: آه! ~~لو كان فريد هنا لما تعذر عليه أن يجيئني به؛ لأنه يدرك أماكن العشاش كلها! عند هذا ~~تراءى فريد والفتاة الصغيرة ولبيب راغب الذين سئموا المنزل فأسرعوا إلى ملاقاة عائلة ~~فارس، وبعد ساعات طويلة سمعت الأجراس تدق في جونية معلنة صلاة العصر، فقالت ~~السيدة فارس بصوت عذب: «لقد أزفت ساعة التبريك أيها الصغار، فلنسجد بخشوع وتؤدة ~~ولنطلب منه أن يمنحنا بركته الإلهية! فالتوت الركب في الأعشاب المزهرة وانحنت ~~الجباه تحت ظلال الأغصان، فشخصت السيدة فارس إلى الجباه الخاشعة جامعة كلتا يديها ~~وقالت: باركنا يا الله، واحرسنا بعنايتك، شكرا لك على ما أسبغت علينا من النعم، وعلى ~~هذا الأحد العذب والشمس الجميلة، ولكن لماذا أوليتنا كل هذه الحسنات دون سوانا من ~~البؤساء المساكين؟ فنحن نعطف على إخوتنا الفقراء ونسألك أن تهبهم بعضا من السعادة التي ~~وهبتنا إياها.» # ولما سكتت السيدة فارس بقي الأولاد يفكرون بعض ثوان حتى تخلل الصمت صوت الفتاة ~~الصغيرة: من هم إخوتنا الفقراء يا سيدة فارس؟ فأراد فريد أن يقول لها: إنهم أولاد ms12 ~~بؤساء نظيره لا ملجأ لهم ولا من يتعهدهم بعناية وشفقة، يصرفون الحياة تحت سلطة والد ~~ظالم سكير وإخوة أردياء أشرار، إلا أنهم يفتقرون إلى عطف السيدة فارس ومحبتها ولا ~~يتسع لهم كما يتسع له أن يقضوا أيام الآحاد بقربها يتمتعون بحنانها ~~وعذوبتها. # عند هذا تأبط فارس ذراع امرأته واتجه إلى منزله تتبعه نظرات فريد وابنة أديب ~~الصغيرة. # 5 # كان الجمهور مزدحما تحت شجرة الطلح في ذلك المساء، وكان السيد أديب يهيئ غذاءه ~~المؤلف من البطاطا والباقلاء المالح والسلطة، في حين كان بطرس وعزيز ونجيب يتحدثون ~~عن مسئولية صدام حدث في الصباح بالقرب من محطة «عينطورا»، أما النساء فقد كن ~~يتساءلن عن السبب الذي أدى إلى ذلك الصدام، وعن إهمال المحقق وفتور المفتش، إلى أن ~~قالت إحداهن: إن من الصعب أن يتفق إيجاد قوم صالحين يقومون بما عهد إليهم حق ~~القيام. فقال نجيب: لا يجب علينا أن نتأسف إلى هذا الحد، فلقد سافرت إلى مدن عديدة ~~واختبرت كثيرا من الرجال فلم أجد فيما رأيت ومن اختبرت رؤساء أعدل وأنبه من رؤسائنا، ~~ألا فلننظر مثلا إلى السيد راغب، فهو مثال الجد والنشاط، ويندر أن نراه مهملا أمر ~~محطته في أية حالة من الحالات. فأجاب سالم السكير بعد أن نزع غليونه من بين ~~شفتيه: أجل، إن الرئيس لرجل مجتهد، ولكنه يتطلب من عملته أكثر مما يتسع ~~لهم، فهو ظالم إلى حد الكفر. فنهض أديب عن المنضدة وقال: أراك تتظلم يا سالم، ولكن ~~ثق بأنني لو رأيت بين عمالي من يعاقر الخمر مثلك لما ترددت عن طرده، إلا أن ~~الرئيس أصر على إبقائك رحمة بعائلتك، فلا تظن أنه يجهل ما وراء سلوكك من المخاطر ~~العظيمة، وكن على ثقة بأنه يضطر إلى مضاعفة الحراسة باحتفاظه عليك. فصرح بطرس ~~قائلا: إنني من رأي سالم، فالرئيس شديد التعنت كثير المطاليب، فهو لا يسأل عماله ~~أن يقوموا فقط بما يترتب عليهم، بل يريد أن يكونوا غيورين أولي حمية وهمة! ... ~~ولم الحمية والغيرة؟ ألأجل الشركة؟ إنني أسمعه يقول دائما: ms13 «كونوا لطفاء مع ~~المسافرين لإعلاء اسم الشركة، لا تتأخروا عن تسليم البريد لكي تمتاز الشركة عن سواها ~~بتسهيل المواصلات، لا يجب أن توقفوا البضائع فترة واحدة. تحرك يا بطرس، فالشركة تنظر ~~إليك بالمرصاد، فهي تحب العمال الغيورين أولي الحمية والهمة ... متى تتوصل إلى ~~أن تفهم كيف يجب أن يكون عامل الشركة النشيط.» إن رئيسنا لسليم الطوية طيب القلب، ~~ولكن طيبة قلبه تؤدي إلى الإزعاج والكدر. من يجهل أن الشركة هي جماعة من ~~المساهمين لهم أغراضهم ومطامعهم لا هم لهم إلا قبض مقاسيمهم الجسيمة؟ فعارضه نجيب ~~بقوله: إن الشركة هي غير ما ظننت يا بطرس. ~~- وما هي إذن؟ ~~- هي جماعة من المساهمين إذا شئت، ولكنها فوق ذلك تلك الكتيبة من العملة ~~الصالحين الذين يشتركون في جهاد واحد هو من العظمة بمكان، والذين يوطدون دعائم ~~تجارتنا وصناعتنا وحياتنا الاجتماعية. آه يا بطرس! إنك من تلك المدرسة الحديثة التي ~~تنتقد وتهزأ وتتأسف! فهذه المدرسة يا صديقي تدفع إلى التمرد، والتمرد يدفع إلى ~~الثورة، غير أنا - نحن العملة الأقدمين - لا نماثلكم في شيء من هذا؛ إذ إننا نحب ~~مهنتنا حبا شديدا ... # فقاطعه بطرس قائلا: يا لها مهنة شريفة! أتعتقد أنه من المستحب أن يصرف العامل ~~شبابه في وزن الأحمال وفحص السندات المقبوضة؟ فأجابه نجيب: ذلك لأنك لا تنظر إلى أبعد ~~من ميزانك أو من ورقتك الخضراء! إن من لا يجمع إلى مهنته بعضا من التصور لا يمكنه ~~أن يتعشقها! ~~- وما معنى التصور في السكة الحديدية؟ ~~- التصور؟ ... أنا عندما أكون مهتما بتدوين بعض الأرقام في مكتبي أفكر فيما يئول ~~إليه اعتنائي ودقتي، وما وراء كدي واجتهادي من المنفعة التي تعلي شأن تجارنا وترفع ~~معاملنا إلى مستوى المعامل الراقية في العالم، وعندما أبصر قطارا من قطرنا يتجه نحو ~~باريس مقلا الأغلال في عجلته أفكر في جهاد المزارعين الذي أكسب أرض الوطن ثراء ~~وحياة ... ~~- هذا بعض الشيء الحسن! ... ~~- أتظن أن ذلك أمر لا قيمة له؟ أترى أن ذلك سرور مهمل لمن هو مثلنا حقير؟ ~~أتعتقد أن من ms14 يشعر بجهاد لبنان يمر بين يديه ويندفع إلى حيث تكثر الأغلال والذهب ~~وجهود آلاف من الأذرع المجهولة لا ذكر له في هذا العالم ولا فضل؟ أجل، نحن عمال ~~بؤساء، ولكننا ندير دولاب العمل والثراء في أرض الوطن. وإذا دهم هذا الخصب ولحق به ~~النهب يوما، إذا هجم العدو على حدودنا ونادت الأبواق والأجراس الشعب إلى الحرب، فمن ~~يهب للذود عن الحياض قبل العمال والبؤساء؟ وإلى من يعهد الوطن بالقيام بالواجب ~~المقدس قبل أن يعهد به إلينا؟ إنني لن أتمنى الحرب يا بطرس، إلا أنني لا أضمن ~~تجنبها وتحاشيها. سيجيء يوم نضطر فيه أن ننهض لدفع العدو وإنجاء البلاد من شره! ~~سيجيء يوم يتم فيه للعدو سن سيوفه الطماعة، فيثب وثبة النمر الجائع ليستثمر ~~استعداده الحربي، عند هذا تدرك الشعوب كلها أي دور عظيم تمثله السكك الحديدية في ~~ملعب الدفاع عن الوطن! سيعهد إلينا بإخراج الجرحى إلى المستشفيات البعيدة، بإقلال ~~الرسائل - رسائل الأهل والمحبين - إلى الجنود الأعزاء والأسرى المساكين! ألا تظن يا ~~بطرس أن عمال السكك الحديدية سيتاح لهم يوما أن يكتبوا صفحة المجد والبطولة والتضحية ~~في مطاوي التاريخ؟ # فصرخ أديب قائلا: مرحى يا نجيب مرحى! إن من الفخر أن نسمعك تتغنى بهذا الكلام ~~الطيب، فأيد عزيز كلام أديب بإشارة من رأسه، أما بطرس فقد هان عليه أن يتظاهر ~~بالاندحار فأخذ يسخر قائلا: إنكم لنعاج صغيرة أوجدتكم الحياة لتجز صوفكم. فأجاب ~~عزيز: فلنعد إلى العمل يا بطرس حتى يحين وقت الجز؛ لأننا لم ننجز بعد القيام ~~بخدمتنا، وهذا قطار بيروت يعلن قدومه! # قال هذا ونزلوا إلى المحطة. أما فريد فأخذ يد نجيب وقال له بصوت خافت: عندما ~~أكبر أنخرط في سلك عمال السكة! وسمع صوت الفتاة ابنة أديب تقول بتوسل: حدثنا عن ~~أيام جنديتك يا سيد نجيب! فأظهر النساء ارتياحهن إلى هذا الطلب فقلن: أجل! أجل! ~~يا سيد نجيب! # كان نجيب رجلا أعزب صلب الإرادة، لا يلذ له شيء كإيقاظ ذكرياته المضجعة في زوايا ~~مخيلته؛ فطالما صرف ساعات الفراغ في استحضار ms15 مشاهد العرب الرحل في مطارح الصحراء، ~~وإحياء ماضيه الطافح بتذكارات الجزائر والجوامع البيضاء وكثبان الرمال ونخيل الرياض ~~وقوافل الجمال والحياة في الخيام أو في رحابة الصحاري ... # ترك الأولاد ألعابهم وتحفلوا حول نجيب ليسمعوا حديثه، فشرع هذا يقص على مسمعهم ~~رحلاته في أفريقيا مصورا لهم جمال الفجر الزاحف على التلال وفي منخفضات الأودية، ~~والليالي العذبة المضمخة بأريج النسمات، وأيام الشتاء السوداء، والراقصات في الأشعة ~~الذهبية المتلألئة على السهول الجديبة. # وكانت السيدة بطرس تحفظ أغنية «جزائرية» ذات نبرات رقاصة كخبب جواد عربي فأنشدتها ~~لهم بصوتها العذب، ثم طلبت من السيد نجيب الذي وهبته الطبيعة ذاكرة غريبة أن ينشدهم بعض ~~أبيات من الشاعر ناصيف اليازجي. فقال أديب: أجل، أجل، أنشدنا قصيدة لهذا الشاعر فأصغي ~~إليك طيلة الليل، إن هذا الرجل ليتكلم كباقي الناس بالرغم من أن في لغته موسيقى ~~جميلة. فابتسم نجيب ونهض من جلسته بعد أن شحذ ذاكرته وأخذ ينشد قصيدة «لهذا الشاعر»، ~~وعندما وصل إلى نهايتها هبط الليل وانفتحت كوى النجوم في أجواز الفضاء، في حين كانت ~~نسمة معطرة بأشذاء الطلح المزهرة تتلاعب بشعور النساء المصغيات إلى حديث نجيب. أما ~~الأحداث فقد رقدوا على ركب أمهاتهم، وأما الأبكار فقد كانوا يصغون بدهشة وسكون إلى ~~القصيدة الجميلة، وكانت نبرات الأشعار العذبة تحرك موضع العاطفة من الأرواح الساذجة ومن ~~القلوب الممنوة بأشجان الحياة؛ إذ إن نفثات الشعر ومؤالفة الفن أيقظت فجأة جذوة ~~الخيال الضئيلة التي كانت تهجع في مراقد النفوس وصيرتها شعلة مضطرمة. # في تلك الساعة كان رجل قادما من المحطة فسمع صوت نجيب فلبث واقفا في ظلال الكرمة ~~على مقربة من شجرة الطلح؛ فظن الجميع أنه موظف من موظفي السكة فلم يأبهوا له. ~~وكان صوت نجيب يتصاعد في مذاهب الليل بكل ما في رنينه من العذوبة والموسيقى، ويتصل إلى ~~مسام الرجل محكم النبرات واضح الأجزاء. ولما سكت الصوت ارتفع التصفيق وعلا الهتاف، ~~فقال أحد الحاضرين: آه يا سيد نجيب، لقد سكبت في أرواحنا عذوبة لا عذوبة بعدها. قال ~~آخر: لقد أوشكت أن ms16 تفجر من أعيننا ينابيع الدموع ! وقال بعضهم: لا أظنك تضن علينا ~~بقصيدة أخرى من نظم الشيخ ناصيف اليازجي، أليس كذلك؟ إنني لا أجد شاعرا مثله يستطيع ~~أن يفهمنا حقيقة القلب البشري ... # عند هذا أبدى الغريب المنتصب وراء جفنات الكرمة حركة تعجب واستغراب، وقال في نفسه: ~~ما كنت لأتوقع أن أسمع أشعار اليازجي أو أن أزعج جلسة شعرية عندما هممت بالمجيء ~~إلى منزل عملة السكة. آه! إن النفوس مهما حقرت واتضعت تظل ظمأى إلى الجمال وخليقة ~~بفهمه! ويخيل لي أن شعبنا اللبناني الذي كثيرا ما سعوا إلى جعله شعبا ماديا لن ~~يندفع إلى إطفاء الكواكب النيرة ... # كان هذا الرجل الأب يوحنا كاهن جونية. # تقدم الكاهن إلى المنزل بعض خطوات، فعلا الهمس من شفاه الحضور وخفوا إلى تحيته، ~~أما النساء فقد انزعجن قليلا لدى قدومه الفجائي ونهضن من أماكنهن لاستقباله؛ فقال ~~الكاهن: لا تزعجوا نفوسكم يا أحبائي، واعذروني على حضوري في هذه الساعة المتأخرة، لقد ~~جئت لأقدم خدمة للسيد سالم. # فنهض السكير من جلسته وفي يديه قبعة يلاعبها، وقال: أنا موقوف لخدمتك يا سيدي ~~الكاهن فماذا تريد؟ فأجابه الكاهن: إنني لشديد الغبطة بولدك الصغير يا عزيزي، فهو مثال ~~الاجتهاد والذكاء، ولقد حفظ التعليم المسيحي حفظا تاما دفعني إلى أن أطلب منك أن ~~تسمح لي به لأضمه إلى عداد ملائكة الرسل، وكن على ثقة بأنني لا أتأخر عن إعطائه ~~جعالة ترضيه ... فدندن سالم قائلا: لا أرفض يا سيدي الكاهن، لا أرفض! فهتفت النساء ~~دفعة واحدة: مرحى يا فريد، مرحى! فقال نجيب: إنه لولد طيب السريرة حسن الأخلاق، ~~ولكنه يميل إلى أن يكون عاملا في السكة الحديدية يا سيدي الكاهن. # فأجاب هذا: ليس عمال السكة رجالا كسائر الرجال، إنهم يعرفون شعراءهم وينشدون ~~قصائدهم بنبرات ملؤها الجمال والفن. لقد سمعت إنشادك يا سيد نجيب فأهنئك! إنك تحس ~~بعذوبة الشعر وتعرف أن تعطيه حقه من الإلقاء ... # عند هذا جلس الكاهن وأصبحت المباحثة عمومية. # أما الفتاة الصغيرة فقد انحدرت إلى جانب وقالت لفريد الطافح وجهه سرورا وغبطة: ms17 ~~أصحيح يا فريد أنك ستلبس الثوب الأحمر والقميص المفوف بالزركشة الجميلة؟ وأنك ستشعل ~~الشموع وتهز المبخرة؟ فأجابها فريد: بدون ريب لأنني سأصبح من ملائكة الخورس! فكثيرا ~~ما حلمت بهذه الأمنية السعيدة ... فحدقت إليه الفتاة في أشعة الغسق وقالت له بصوت ~~عذب تراوده حسرة عميقة: إن من الحزن ألا يكون لك وجه جميل كوجه لبيب راغب! # 6 # لم تسمع الأم ذلك الثناء الذي وجهه الكاهن إلى فريد بدون أن تغتاظ بعض الغيظ، ~~لا سيما وقد انتبهت إلى تأييد العمال كلام كاهن جونية. # كان الجميع يحبون فريدا ويمقتون أبناء امرأة أبيه؛ لأنهم تشربوا عادات أمهم ~~ونشئوا على النهب والفساد. # منذ ذلك اليوم الذي اختار فيه الكاهن فريدا ليضمه إلى عداد ملائكة الخورس تغيرت ~~طباع الأم سالم واتشحت بوشاح من الحقد كثيف، وأصبحت لا تنثني فترة عن إرهاقه تارة ~~بالأتعاب وطورا بالضرب، حتى إنها منعت عنه اللعب والحرية ونهته إلا عما يثقل عليه ~~ويشقيه؛ وفوق ذلك فقد حجبت عنه الأكل إلا قليلا منه وحرمته بعضا من ثيابه وأمتعة ~~فراشه الحقير، وأعدت له غرفة لا نافذة لها ملأى بالجراذين والفأر وضعت فيها رقعا ~~بالية على قليل من القش وأمرته بأن يصرف فيها ليالي رقاده. # ذات يوم سرق أولاد الأم سالم بيضا من قن السيدة عزيز فجاءت هذه تشكو أمرها إلى ~~أمهم فوقعت الجريرة على فريد المسكين! # وذات يوم غضب أديب؛ لأنه ذهب إلى الحديقة فوجد شجرة الكرز عارية من ثمارها، ولم ير ~~مما زرعه من الخضرة إلا جزءا طفيفا فتهدد أبناء سالم برفع شكواه إلى التحري، ~~فكان أن تهم فريد بكل هذا فنال قسمته من التوبيخ والضرب! وذات يوم وجدت السيدة بطرس ~~ضفدعا لزجا بين صفحتين من رواية «الكونت ده مونتو كريستو» فأصابها هزة عصبية ~~أدت إلى طلب الطبيب الذي خشي عليها من حمى دماغية، وبعد البحث والتدقيق وقع الذنب ~~على فريد فجوزي شر جزاء. # كان فريد البائس يهزل من يوم إلى يوم، وقد توارت عن وجهه ابتسامة الصبا، وأصبح أقرب ~~إلى سكان القبور ms18 منه إلى أبناء الحياة! # ففي أحد الأيام سأله الأب يوحنا وقد أبصر أمارات الألم مرتسمة على محياه: بماذا ~~أنت تفكر يا فريد؟ فأجاب الولد: إنني أفكر بالأموات يا سيدي الكاهن، فهؤلاء ~~يستريحون في قبورهم ولا من يسيء إليهم ... آه! إنني أتمنى الموت لأستريح ~~مثلهم! # كانت نبرات صوته ملأى بالألم الساذج والحقيقة الموجعة حتى إن الكاهن لم يملك نفسه ~~من الشفقة، فقال لفريد: ولم هذا اليأس يا بني؟ فلم يقدر الحزن أن يفجر العبرات ~~من مقلتي فريد؛ لأنه تمرن منذ زمن طويل على التجلد وإمساك الدموع، فقال: لا أدري! ~~إلا أنني سئمت الحياة! سئمت الحياة السوداء! ~~••• # كانت ساعات المدرسة وأوقات الخدمة في الكنيسة هي الفرص الوحيدة التي يتذوق فيها ~~لذة الحياة، وكان يعذب عنده أن يحمل المبخرة ويدق جرس التبشير، أما سلوكه في ~~المدرسة فقد كان مثالا يحتذى به، وأما اجتهاده فقد كان موضوع الإعجاب ~~والتكريم. # ذات مساء عاد تلامذة المدرسة إلى منازلهم وكان بينهم ولد في نحو الثانية عشرة من ~~عمره هو ابن يوسف صاحب نزل مجاور للمحطة. كان هذا التلميذ كثير الكسل محبا للشر لا ~~يلذ له إلا الخصام وإزعاج رفاقه الأحداث تارة بنصب أشراك للإيقاع بهم، وطورا ~~بالهزء المتأتي عن الحسد؛ ففيما هم في الطريق أخذ الولد الشرير شعابا محددة الأطراف ~~وشرع يخز بها أقدام الفتاة الصغيرة، فغضب فريد لهذا التصرف السيئ وما تردد أن ~~رماه بضربة قوية فسقط على الأرض، وصادف جبينه حجرا ناتئا فانشق وتدفق الدم ~~غزيرا من الجرح، ففرحت الفتاة وقالت لفريد: لقد أحسنت فعلا، فلنهرب لئلا يتشبث ~~بنا هذا الشقي ويرهقنا ألما، إلا أن إلياس الشرير غسل جبهته بماء إحدى السواقي ~~وأخذ يرشق الهاربين بالحجارة، ولما أصبحا في مأمن منه وقفت الفتاة وقالت لفريد: ~~فلنسترح قليلا يا رفيقي ولا تخش ضررا من إلياس فهو أضعف من أن يتمكن منا، أولا ~~تراه يبكي كفتاة صغيرة ولا يجرؤ أن يتقدم إليك، بالرغم من قوته التي تفوق قوتك ~~عشر مرات؟ فسمع إلياس هذا الكلام فثارت في رأسه ms19 سورة الغضب وهجم على الولدين كالنمر ~~الشرس، ولم تمض بعض ثوان حتى تمكن من فريد فطرحه على الحضيض، وأخذ يضربه ضربا ~~موجعا حتى نبع الدم من شفتيه، عند هذا صرخ الأولاد بصوت مرتفع: النجدة! ~~النجدة! # في تلك الآونة كانت عجلة مارة في الطريق المجاور، فلما سمع صاحبها الصراخ خف ~~إلى مكان الحادثة، فهرب إلياس إلى غاب كثيف واختفى عن الأعين. # رفع سائق العجلة فريدا عن الأرض وقد أوشك أن يغمى عليه وحمله إلى المحطة حيث ~~مددوه على أكياس الحنطة؛ فلما وقع عليه نظر الأم سالم أخذت تلعن وتسب يوسف بما ~~أوتيت من فطرة التجديف والغضب، إلا أن امرأة أديب لم تتردد أن أبعدت عنه الأم ~~الشرسة وذهبت به إلى غرفتها، حيث ضمدت جرحه ووضعته على سرير ناعم، ولما كان من ~~غد شعر فريد بأنه تقدم خطوة إلى الشفاء، فجاءته السيدة أديب بغذاء خفيف وقادته ~~إلى ظلال شجرة الطلح حيث أجلسته على كرسي من قش تحف به الوسائد من كل ~~الجهات. # فلما أبصرته الأم سالم على هذه الحالة قالت بصوت تراوده نبرات الغضب: هل اعتقدت ~~السيدة أديب أننا نعجز عن إيجاد طرق للعناية بفريد في منزلنا؟ أما السيدة بطرس فقد ~~كانت تنظر إلى اليتيم المسكين بشفقة وحنو، شاخصة إلى شحوبه واصفراره بعين ملؤها ~~الحزن. # لا تحتاج النفس الحساسة المشبعة بالخيال إلى أكثر من هذا المشهد لتتحرك فيها ~~عاطفة الرحمة والحنو. # فما ملكت نفسها أن قالت: مرحى يا فريد! إنك لطيب القلب شريف الطباع. ويندر في سواك من ~~يقدم وهو في الحادية عشرة من عمره على المخاطرة بنفسه في سبيل الدفاع عن فتاة. # 7 # كانت شمس آب المحرقة تلهب محطة جونية في حين كان شاب جميل الطلعة رقيق الشاربين ~~جالسا في مكتب المدير يطالع جريدة في يده وبين شفتيه لفافة من التبغ. كان هذا الفتى ~~خلفا وقتيا للسيد راغب الذي منح إجازة بعض أيام يصرفها مستريحا من عناء الأشغال، ~~إلا أنه كان يشعر بالسأم يستولي عليه في جونية، وقد استاء من طعام ms20 النزل الذي بناه ~~يوسف قريبا من المحطة . # هناك على مقربة من المحطة تنساب ساقية صغيرة حامت حواليها غيوم كثيفة من البعوض ~~حرمت ذلك الشاب أن ينام طيلة ليال ثلاث؛ فانزعج مزاجه العصبي وتكدر حتى لم يبق له ~~تجلد على الصبر، ولكنه لم يفتر عن القيام بواجبه تاركا لمأموريه الحرية في كل ~~ما يجرون؛ فاغتنم بطرس وعزيز وسالم هذه الفرصة السانحة ليذهب كل منهم إلى حيث ~~يرغب. # أما سالم فكان يجلس بين أقداح خمرته، فيلهو عن الحر الشديد بما في قنانيه من ~~المرطبات المسكرة قائلا في نفسه: إن راغب غائب، فإذا جلست إلى خمرتي لا أقترف ~~ذنبا يستحق العقوبة؛ ثم إن الخلف الوقتي لا ينتبه لي فهو راغب عني في برد ~~أظافيره وتعكيف شاربيه. إنني لأؤثر هذا الرئيس على سواه، فهو لا يضن على مأموريه ~~بساعات حرة في أوقات محرقة كهذه. # ففي أحد الأيام استفاق عزيز من رقدته وأسرع إليه بقميص النوم وقال له: إنك تعاقر ~~الخمر يا سالم وتنسى أن القطار على أهبة الوصول. # فأجابه سالم بصوت يتردد بين الصحو والسكر: ها أنا ذا يا سيد عزيز! ها أنا ذا! قال ~~هذا وتبعه متمايلا من السكر؛ فعندما بلغا الرصيف كان الحر شديدا والسماء تلتهب ~~على الرءوس والشمس تذيب الحمر تذويبا. وكان الريف كالحا عبوسا لا يسمع منه إلا ~~أصوات الصراصير المملة تملأ بأزيزها مطارح الحقول؛ فقال سالم: إن في السماء لنارا ~~تتساقط على الأرض، ثم انحنى ليلتقط طرف لفافة عن الرصيف. # تعود سالم أن يجمع فضلات لفائف يرميها المسافرون على الأرض ويعمل منها كتلة ~~لغليونه. # فقال عزيز: ما لك تتردد يا سالم؟ إنك لكثير الضجر هذا النهار. أما سالم فلم يلتقط ~~اللفافة وبقي منحنيا، وفجأة كبا كبوة وانطرح على الرصيف دفعة واحدة. فأسرع المدير ~~الوقتي لدى صراخ عزيز وخف وراءه الأتباع الذين كانوا يدفعون إحدى العجلات إلى الخط ~~الرابع. عند هذا كان الضجيج قد انتشر في الحانة فانتصب يوسف على عتبة الباب مع بعض ~~العملة ينتظرون مرور المحمل. # في تلك ms21 الآونة كانت النساء مجتمعات تحت شجرة الطلح يتحدثن في شئون شتى فسمعن ~~الضوضاء فهجن هياجهن ورفعن أذرعهن إلى السماء مستغيثات، وخف الأولاد الأحداث إلى ~~مكان الحادثة ولبثوا مدهوشين أمام المحمل حيث كان عزيز وغيره ينقلون جثة سالم. # أما السيد أديب فقد امتطى جواده وأسرع إلى الإتيان بالطبيب من قصبة جونية، في حين ~~كانت الأم سالم تنطرح على جثة زوجها وتحاول أن توقظه ببكائها؛ وأما السيدة فارس ~~فقد كانت تهتم بالأولاد، والسيدة بطرس تتعهد المريض بعنايتها، والسيدة أديب تأتيه ~~بلفائف الكتان والقطن فضلا عن السيدة عزيز التي كانت تضن بتقديم بعض ما يتسع لها ~~من الخيرات، فتقدم له عنايتها وأتعابها وتقف نفسها لتصرف الليل أمام وسادته. # إن من الواجب المقدس عند القرويين أن يسرعوا إلى حيث تقع المصائب ليغيثوا ~~مظلوما أو ينجدوا محزونا: إنهم يذهبون إلى الجهة التي تقودهم إليها عاطفة قلوبهم، ~~فطرة عذبة تدفع الإنسان إلى معاضدة أخيه الإنسان، ميل شريف إلى الحب المجرد ~~والمؤاساة المقدسة. # يجد الأغنياء خدما أجراء يقومون بواجبهم لقاء أثمان، ويجد الفقراء عضدا ~~وجيرانا يندفعون بعطف وشفقة في سبيل المحبة التي تربطهم؛ فالمأوى الوضيع الذي تزوره ~~الأوجاع والنكبات يعرف كما تعرف القصور معاني الإخاء وسلوى العطف والحنان. # جاء الطبيب بعد هنيهة فقطع الرجاء من شفاء المريض؛ لأن الفالج الذي تسلط على شطر ~~كبير من الجسد كان قد امتد إلى الدماغ. # بقي المسكين ثمانية أيام يتردد بين الموت والحياة حتى فاجأته المنية قبل أن تمنحه ~~ساعة يستفيق فيها فيرى أبناءه وامرأته. # وقفت الأم سالم أمام جثة زوجها وأخذت تقص على مسامع جاراتها المقاصد التي ~~تنويها في المستقبل. كان لهذه الأم أخ بكر يحترف الحراثة في زحلة، وكان مضطرا إلى ~~خادمة؛ لأنه أرمل، فعرض على شقيقته أن تحل محل تلك الخادمة، وقال لها إنه يهيئ عملا ~~لأولادها ويؤجر فريدا لأحد المستكرين في الضواحي لكي يحرس مواشيه ومزروعاته. فسألت ~~السيدة أديب فريدا يوما عما إذا كان يرضى بذلك، فأجابها بإشارة لم تفهمها السيدة، ~~وأخذ يفكر قائلا في نفسه: أمن ms22 الممكن أن أذهب مع تلك المرأة وهؤلاء الأولاد، وأترك ~~الذين يعطفون علي ويتعهدونني بعنايتهم كعائلة فارس وأديب وبطرس ونجيب ولبيب ~~وراغب؟ # لم يكن سالم سوى بهيمة إلا أنه كان والد فريد! ففي مدة حياته لم تجرؤ الأم الشرسة ~~أن تحرم الولد من الخبز وتسيء إليه إساءة عظيمة؛ ولكن اليوم وقد أصبح المسكين ملكا ~~لها تتصرف به تصرفا مطلقا، فأي عذاب يتوقع له؟ # أجل، سيرى محروما من المدارس والكتب والمعلمين، سيرى نفسه نازلا عند رغائب غرباء ~~لا يفهم لغاتهم ولا يدرك منطوياتهم! سيضطر إلى حراسة المواشي على المرتفعات الملأى ~~بالصخور مع كلاب تخيفه بأنيابها المكشرة! سيرى جميع أيامه متساوية حاملة إليه مشاهد ~~الآلام والبؤس ولا أمل فيها ولا رجاء! ستحتجب عنه الآحاد السعيدة التي تذوق طعمها ~~طيلة سنين! سيصبح فريد راعيا حيل بينه وبين محبيه وبين محطة جونية التي هي وطنه ~~الحقيقي! # صرف الولد الأيام التي تلت موت والده حزينا حتى الموت، لا ينبس ببنت شفة ~~كأنه أخرس قضت عليه الحياة ألا يفوه بكلمة، فما غيب سالم في التراب ولبست الأم ~~الشرسة ثوبها الحدادي حتى بدأت تهيئ أمتعة منزلها في صناديق قديمة قائلة ~~لأولادها: ليس الآن وقت البكاء فقوموا للعمل! سنبيع أمتعتنا الثمينة لندفع ديون ~~الخباز والعطارين، ويجب أن نعد ما يبقى ونضعه في مركبة القطار قبل مرور يومين من ~~هذا التاريخ، فأخي ينتظر قدومنا في أواخر هذا الأسبوع. # في أثناء ذلك كانت تنتهر فريدا وتصفعه بقساوة؛ لأنه لم يسرع لقضاء حاجاتها كما ترغب، ~~ثم تقول له: إنك لبهيمة لا فهم لها، فسأعلمك كيف يجب أن تقاسي من الضرب ~~أنواعا. # أما أولادها فكانوا يسخرون منه، وهم جلوس في الغرفة ويقولون له: آه يا فريد ستحرس ~~المواشي إلى جنب الذئب، فتتعلم هناك كيف يجب أن تكون السيادة! # وفي الغد بينما كانت الأم سالم تبيع الأمتعة من الراغبين في شرائها فتشوا عن فريد ~~فلم يجدوه، ولم يأت لأخذ فطوره كالعادة؛ فأخذوا يبحثون عنه في كل مكان بدون أن يعثروا ~~عليه، فقلق المستأجرون قلقا ms23 شديدا، إلا أن الأم سالم طمأنتهم قائلة : إن هذا السيد ~~الجميل قد غضب؛ لأنه رآني أبيع أثاث والده فهو بالرغم من صغارته كثير الكبرياء، ولكن ~~سأعرف كيف أنزع منه ذلك الداء. # فسألتها السيدة أديب قائلة: إلى أين ترينه هرب؟ فأجابتها: إنه - ولا ريب - يتباكى في ~~إحدى الزوايا، فقري عينا! وسترينه في المساء مسرعا إلى طلب الحساء لسد جوعه، ~~قالت ذلك وعادت إلى عملها بهدوء وسكينة. # بعد هنيهة اتجهت السيدة فارس والسيدة أديب إلى المنزل، وما أوشكتا تبتعدان حتى قالت ~~الأولى: يا له ولدا بائسا! إن أوجاعه لتؤلمني أشد الألم! فما يكون أمره مع تلك ~~الأم الشرسة التي تمقته وتتعمد ضرره؟ أراني قلقة البال عليه، فأين هو يا ~~ترى؟ # فقالت الأخرى: لا أظن أن الأولاد يدركون طرائق الهرب، ثم إن فريدا صفر اليدين ~~ولا يعرف أحدا يلجأ إليه ... # فأجابتها السيدة فارس: أصبت، ولكن لا أدري لماذا أنا خائفة! # في تلك الدقيقة كانت الفتاة الصغيرة تصغي إلى حديث أمها وعلى محياها أمارات ~~الوجل والريبة. # أية فكرة أم أي مقصد خفي كان ينبت في ذلك الرأس الجميل الذي لم يبلغ بعد ~~عامه السادس؟ # عندما صعدت السيدة فارس إلى غرفتها وجلست إلى آلة الخياطة لتنجز عملها احتالت الفتاة ~~الصغيرة على رفيقاتها اللواتي كن يلعبن تحت شجرة الطلح، وابتعدت خفية حتى توارت عن ~~الأنظار فانسلت وراء الأشجار واحتجبت خلف أغراس الكرمة. # وبعد مضي ثوان قلائل كانت الفتاة تجتاز الطريق بالرغم من نباح الكلاب، وتنحدر إلى ~~حديقة المحطة من ثغرة السياج خائفة من أن تشعر بيدها تلامس حشرة أليمة أو حية ~~سامة. # بعد ذلك اتجهت بخطى عجلة إلى زاوية من الحديقة ظليلة هي غيضة ملأى بشجر الغار ~~تتخللها أغراس ذات أغصان لماعة وأفنان محددة الأطراف تمتد من شجرات الند إلى ~~مطارح النبات والعوسج؛ وكانت تعرف كل المعرفة تلك الجزيرة الصغيرة الطافحة بالخضرة ~~التي عمدها لبيب راغب بهذا الاسم: «مدينة الأزهار». # كان ابن الرئيس قد احتفظ في تلك الأجمة بغرسة من زهر «الياسمين» الأبيض تنحدر إلى ~~الجهات ms24 الأربع بأغصانها المثقلة بالأزهار، وتبعث رائحة زكية إلى أطراف الأجمة. على ~~قمة هذه الشجرة سمر لبيب خشبة في مذاري الأغصان، كان يتسلق إليها في ساعات الوحدة ~~ويصرف وقتا طويلا في قراءة مؤلفات أدباء وطنه. # أما فريد فكان يختلف إلى هذه الأجمة كلما أراد الهرب من وجه الأم سالم ويجثم في ~~مخبإ أخضر بنت جدرانه أوراق الغار الكثيفة وانفرجت عن أغصان ترتعش فيها أوراقها ~~الخضراء، وكان رفاقه الأحداث يعرفون سر عزلته هذه، إلا أن الفتاة ابنة أديب كانت ~~في المدرسة يوم ذاك وكان أديب يتلقى أمثولته العربية في منزل كاهن جونية، فما بقي في ~~البيت إلا الفتاة فارس الملقبة بالفتاة الزرقاء. # عندما أبصرت هذه أمها مضطربة البال قالت في نفسها: إذا لم يكن قد هرب فهو بدون شك ~~مختبئ في الأجمة التي تعود الفرار إليها، ولكن إذا كشفت أمره لا تتردد الأم سالم ~~أن تذهب إليه وتشبعه ضربا، فالأحرى بي أن أسرع إليه وأخبره عما جد. # أزاحت الأغصان بتأن وانسلت إلى داخل المخبأ فرأت فريدا مضجعا على الحضيض ~~يبكي، وقد ألقى رأسه على كتفه المنحنية إلى الأمام. # كان يبكي كل من يحب! كان يبكي الأيام السعيدة التي صرفها، والتي كانت شعاع ~~أفراحه الضئيل! كان يبكي عطف السيدة أديب وقبلات السيدة فارس التي أفهمته معاني قبلات ~~الأم! كان يبكي لما سيلاقيه من شراسة الأم سالم ومن الأوجاع التي تنتظره في المستقبل ~~القريب! # كان يودع بدموعه منزل عملة السكة والكنيسة الصغيرة، حيث صرف أياما عديدة يهز ~~المبخرة! كان يودع محطة جونية، حيث استيقظت روحه أمام القطارات الكبيرة التي تمر ~~مقلة في عجلاتها أغلال البقاع: أطواد عظيمة لا تصد تنفخ في مخيلة ولد صغير محبة ~~المجهول وعطش الحوادث، كان يقول بصوت خافت: أمن المحتمل أن أهجر جونية؟ آه! إنني ~~لأؤثر الموت على ذلك! ... # عند هذا شعر بيد تلامس كتفه فانتصب فجأة على قدميه فرأى الفتاة الزرقاء تنظر إليه ~~وعلى حافة أهدابها دمعتان كبيرتان! # فقالت الفتاة: أنا لا أود أن تموت يا صديقي فريدا. فامتقع ms25 جبين الولد باصفرار ~~وبرقت في عينيه أشعة من الجزع غريبة؛ ثم دفع الفتاة بخشونة وقال لها: ماذا جئت تفعلين ~~هنا؟ أنا لست بحاجة إليك فاذهبي! اذهبي حالا! فقالت له: إنهم يبحثون عنك يا فريد، ~~والأم سالم تناديك! ~~- دعيها تناديني ولا تقولي لأحد أين أنا! ~~- ولماذا؟ إن والدتي شديدة القلق عليك، فهي تعتقد أنك هربت. ~~- إلى أين أهرب؟ لا، لم أهرب! ولكنني عرفت كيف أضع حدا لآلامي! ~~- وكيف ذلك؟ ~~- إنك لا تفهمين؛ لأنك صغيرة. ~~- أبودك أن تلبث طويلا في هذا المخبأ؟ ~~- لا، سأخرج بعد هنيهة. ~~- وإلى أين تتجه؟ ~~- هذا سر لا أقوله. ~~- لا أريد أن تموت يا فريد! ~~- أما أنا فأريد. إن من يكون مثلي شقيا أحرى به أن يموت! # عند هذا لم تملك الصغيرة نفسها فأخذت تجهش بالبكاء، فقطب الولد حاجبيه وقال لها بصوت ~~جهوري: اذهبي من هنا، فلقد قلت لك كل شيء! ولكن لم تمتثل الفتاة لإرادته فقادها ~~بيدها إلى خارج المخبأ الأخضر واجتاز بها الحديقة حتى أول الطريق، وهناك قال لها: عودي ~~إلى منزلك حالا، فأنا واقف في هذا المكان أترقبك حتى تبتعدي، فلا يجب أن تتلصصي ~~علي! # تسلقت الفتاة الزرقاء منحدر الطريق الضيق وتوغلت في الكرمة المحيطة بمنزل ~~عملة السكة، فلما وثق فريد من ذهابها أخذ يركض في الحديقة فمر أمام المستودع ~~وتبع الخط مدة قصيرة حتى وقف في منعرج بالقرب من السلك الحديدي، فأبصر منحدرين يبلغ ~~علو كل منهما ستة أو سبعة أمتار يرتفعان من اليمن إلى الشمال كحاجزين عاشبين، ~~وينتهيان عند سياج ذي مسلك صعب تخللته الأشواك من كل جهاته. # وقف فريد في وسط الطريق وشخص أمامه إلى فوهة الجبل المشئومة حيث سيمر القطار بعد ~~بضع ثوان قاذفا الدخان والشعلة من داخونه المستطيل؛ ثم حول نظره إلى أعشاب المنحدر ~~المرتفع وإلى سماء الصيف الهادئة وتمتم قائلا: رباه! قيل لي: إن من الكفر أن ~~يقتل الإنسان نفسه! فلو كنت رجلا لما أقدمت على الانتحار، بل جاهدت في الحياة جهاد ~~الأبطال، ولكنني ولد، وما على الولد أن ms26 يقاوم ويجاهد. # آه! إن من الصعب أن أتجلد على الأوجاع! فاغفر لي يا إلهي إساءتي هذه، تلك الإساءة ~~التي لا ترضيك! # ثم انطرح على السلك الحديدي ووضع رأسه الأشقر على ذراعيه المكتفتين، عند هذا ~~استيقظت في نفسه ذكرى عذبة، فأخذ يفكر في غرفة ملأى بصور القديسين وطافحة ~~بالأزهار المتباينة الشكل والرائحة، وقال: آه! أين غرفة السيدة فارس! ... لقد تذوقت ~~قليلا عذوبة الحياة في هذه الأرض! فهل تهبني السيدة العذراء زاوية صغيرة في سمائها ~~الجميلة؟ # 8 # عندما عادت الفتاة الصغيرة إلى منزلها وامتثلت أمام أمها قالت لها: لقد رأيت فريدا ~~يبكي متحسرا في مخبإ من زهر في طرف الحديقة، ولقد قال لي إن بوده أن يموت! ~~فتركت السيدة فارس آلة الخياطة وقالت لابنتها: كيف يموت؟ عند هذا مرت في مخيلتها ~~فكرة رهيبة إذ إنها خشيت أن يلقي بنفسه تحت عجلات القطار، فقالت في نفسها: يجب أن ~~أسرع قبل مجيء القطار. ثم خرجت من مخدعها وأطلعت امرأة أديب على جلية الأمر. ~~- سأتبعك عن قرب فلا بد لواحدة منا أن تعرف مكانه، سيري أنت في الجهة اليسرى ~~فأسير في اليمنى، تحدثني نفسي أنه مختبئ وراء محرس الخفير. ~~- أما أنا فأظنه منطرحا على مرفق السلك الحديدي. ~~- فلنذهب بحراسة الله! # فتوسلت الفتاة الزرقاء إلى أمها أن تسمح لها بالذهاب معهما؛ فأجابتها هذه: إنك لا ~~تقدرين أن تسرعي في مشيك يا عزيزتي. ~~- لا بل أسرع كما تسرع ابنة أديب. # إذا ذاك اجتازت الأم وابنتها طريق الحديقة حتى بلغتا إلى المكان المقصود، فأزاحت ~~السيدة فارس أغصان الدغلة الملأى بالشوك وانحنت لترى، فأبصرت فريدا مضجعا على ~~السلك الحديدي وشعره الأشقر يلمع في شعاع الشمس بين أزهار شقائق النعمان، فصرخت ~~مذعورة: «فريد! فريد! انهض!» أما الولد فبقي دون حراك. ~~- لقد قرب وقت القطار أيها التعس، فانهض. # ولكن فريد بقي بدون حراك. ~~- أنا السيدة فارس التي تحبك؛ فإذا كنت تحبني كما كنت تقول فانهض وتعال إلي! # في تلك الدقيقة تحرك رأس فريد الأشقر، ورفع عينيه المغرورقتين بالدموع، فأبصرت أم ~~الفتاة ms27 شحوب وجهه الغريب، وقد ارتسمت عليه أمارات اليأس فقالت: فريد ما بدا لك؟ فرفع ~~الولد ذراعيه وتمتم قائلا: أجل، هذا أنت! لقد كنت شديدة العطف علي، ولكن دعيني ~~أموت! وعاد إلى ما كان عليه. # فتوسلت إليه أن ينهض وقالت له بصوت ملؤه الذعر: لقد قرب وقت القطار يا فريد! ~~فاتبعني قبل حلول الخطر! إن من الجبانة أن يقتل الإنسان نفسه، ومن الكفر أن ينتحر ~~حتى أشقى الناس! فانهض ولا تكابر! انهض يا عزيزي فريد، انهض! ثم حاولت بدون جدوى أن ~~تكتشف ممرا يؤدي إلى خارج السياج العظيم في حين كان القطار يعلن قدومه بضجة ~~هائلة، وفجأة صرخت السيدة فارس صوتا ملؤه الخوف والرهبة لتوجس الفتى اليائس وقد أبصرت ~~ممرا ضيقا في السياج المذكور، أما الفتاة الزرقاء فقالت لفريد بصوت خافت: إذا ~~بقيت معاندا ولم تمتثل لإرادة أمي لا أتحول شبرا عن السلك فيقضي علي وعليك وتثكل ~~والدتي ابنتها الزرقاء! ... # عند هذا تدفقت العجلات قاذفة تحت دواليبها شررا من نار، فصرخت السيدة فارس بصوت ~~ملؤه الذعر: أنقذوا وحيدتي! أنقذها يا فريد! فوثب الولد من على السلك الحديدي الذي كان ~~يرتج لدى قدوم القطار الهائل وأخذ الفتاة الزرقاء بين ذراعيه وقفز إلى المنحدر، ومنه ~~إلى السياج بخفة تقرب منها خفة القردة! عند ذا مرق القطار كالسهم أو كوميضة البرق ~~مصعدا من فوهته غيوم الدخان الكثيف ومنشرا بصفيره الرهيب أوراق الشقيق ~~الخفيفة. # طفرت الدموع من مقلتي السيدة فارس فضمت إليها وحيدتها الصغيرة والتفتت إلى فريد ~~قائلة: لقد سببت لي شقاوتك ألما لا ألم بعده يا فريد! فعدني بأنك لن ترجع إلى ~~مثلها بعد اليوم! فتمتم الولد بيأس وحزن: آه يا سيدتي! لو لم تحولي بيني وبين الموت ~~لكنت أنقذتني من العذاب الدائم! لا، لا توبخيني! لو عرفت أي أمل هو الموت عند ~~البائسين التعساء لما ترددت عن عذري! ... أنا بائس تعس يا سيدتي! ... أتودين أن أذهب ~~غدا مع الأم سالم؟ # فلم تملك السيدة نفسها من الشفقة لدى سماعها تلك الكلمات الطافحة بالحزن والألم، ms28 ~~فصرخت بدون أن تقدر عواقب العهد الذي أخذته على نفسها وقالت له: لا يا عزيزي فريد، لن ~~تذهب غدا مع الأم سالم، بل تبقى عندي. ~~- لا يمكن ذلك يا سيدتي. ~~- قلت لك: إنك لن تذهب، فالأم سالم لا يهمها كثيرا ذهابك وبقاؤك، فهي لا تتألم من ~~هجرك وتركك لمن يرغب في حفظك عنده. ~~- ولكنني لا أزال صغيرا يا سيدتي، فما النتيجة من إبقائي عندك. أنا لا أحسن إجراء ~~شيء؟ ~~- لا أود أن أتخذك خادما يا فريد، بل ابنا وشقيقا أكبر لوحيدتي. # فاهتز الولد وجعل يبكي ويضحك ثم أخذ يد منقذته وملأها بالدموع والقبلات، وقال: ~~أحقيقة أنك تتخذينني ولدا لك؟ أتنقذينني من الإهانة والضرب؟ أأقدر بعد اليوم أن ~~أذهب إلى المدرسة وأعود إلى الخورس؟ أأبقى في جونية بين عملة السكة؟ آه يا سيدتي! ~~إذا فعلت ذلك أقف حياتي لأجلك وأضع بين يديك كل ما يهبني المستقبل من مال وقوى ~~...! # كان المغيب يذهب السهول بأشعته المتضائلة ويطفو على الجداول الرقراقة، وعلى ~~جفنات الكروم ذات الأوراق الخضراء التي كانت لا تزال مستبقية نقاطا بيضاء من الأملاح ~~المركبة من روح الزاج؛ فجذبت السيدة فارس رأس فريد إلى كتفها وقالت: فريد، يجب أن ~~تتعود الأفراح يا بني؛ فلقد ذقت من الشقاء ما كفاك. إن الله لرحيم ويعطف على ~~البائسين! ~~- آه! لا أصدق ما قلت لي! أحقيقة أنك ترغبين في إبقائي عندك يا سيدتي؟ ~~- لا أود أن تدعوني بسيدتك من الآن فصاعدا، بل أرغب إليك أن تناديني بيا أمي. لقد ~~سمح الله أن أنقذك من الموت، وسأنقذك من البؤس أيضا، فاسأله معي يا عزيزي أن يعضدني ~~لأجعلك رجلا صالحا للمستقبل. فاستولت على الولد هزة الفرح فقال: أجل، أجل، إني أعدك ~~بذلك، فسأكون رجلا صالحا. ليس من الصعب علي أن أكون رجلا صالحا ... إن من يكون ~~سعيدا لا بد له أن يكون حسن السيرة طيب الأخلاق ... # في تلك الساعة سطع وجه فريد المجعد وبدت عليه أمارات الغبطة والزهو كأن شبح السعادة ~~أعاره ذلك التبديل الفجائي، أما قلبه ms29 فكان ينبض بشدة تحت قميصه الممزق فقال: آه ! ~~سأصبح سعيدا بعد العذاب الأليم! فهل في العالم من هو أكثر سعادة مني؟ # 9 # كانت ليلة آب صافية الأديم تسبح في أمواج عذبة من أشعة القمر، وكان سكان المنزل ~~راقدين في مضاجعهم إلا السيدة فارس، فإنها بقيت تفكر أمام نافذة غرفتها مصغية إلى ~~الأجراس الكهربائية تعلن قدوم القطار الأخير! # في تلك الساعة كانت السيدة بطرس تنتظر زوجها مستلقية بسكون على مقعد من خيزران، وقد ~~استسلمت لأحلام روائية؛ وكانت السيدة فارس ترقب أيضا قدوم زوجها في القطار الأخير، ~~وهي قلقة وجلة تتنازعها عوامل الخوف خلافا لعاداتها، وتنهض من حين إلى حين فتدور ~~دورتين في الغرفة وتقف أمام صورة العذراء قائلة بحرارة وتقوى: أيتها القديسة أزيلي ~~الخوف من قلبي وتكلمي عني وساعديني! # ما الذي سبب هذا الخوف للسيدة فارس؟ أي أمر يريبها في عودة زوج لم يتعمد لها ~~أقل ضرر في حياته؟ # ذلك لأنها تبنت فريدا لتنقذه من شر الأم الشرسة قبل أن تعرف رأي زوجها في ذلك. ~~لقد دفعها قلبها الطيب إلى سماع صوت الرحمة فوثبت بها عاطفة الشفقة إلى نجدة المظلوم، ~~فكانت له أما! # عندما أبصرت السيدة أديب فريدا الصغير عائدا بكل هدوء إلى جنب السيدة فارس وابنتها ~~الفتاة الزرقاء ظنت أنه لم يحدث هناك فاجعة أليمة، وببضع كلمات أخبرتها أم الفتاة ~~عما جرى وعطفت قائلة: إنك لا تجهلين يا سيدة أديب أي تأثير موجع تسببه رؤية البائسين ~~للقلوب الحساسة. سأحتفظ بفريد في منزلي وأكون له أما تتعهده بعناية وعطف. # فلم تتردد السيدة أديب أن قالت: إنه لعمل شريف يا سيدة فارس، فقري عينا وثقي ~~بأنني لا أتأخر عن معاونتك في صنيعك الجميل ... ولكن ما يكون من أمر زوجك؟ إن الرجال كما ~~لا يخفى عليك لا يشعرون بالواجب المقدس كما تشعر النساء ... أفتظنين أن ذلك لا ~~يزعجه؟ فأجابتها: كثيرا ما وافقني على كل ما رغبت فيه. ~~- إنك لكثيرة الحظ يا سيدة فارس! أما عندنا فغير ذلك؛ أنت تعرفين أنه زبدة الرجال ~~الكرماء ms30 ... ولكن إذا رغبت إليه أن يتبنى فريدا فلا يوافقني إلا على الخصام ~~والنزاع! مع أنا نملك بقعا عديدة من الأرض فضلا عن المنازل التي نؤجرها وعن الفتاة ~~الوحيدة ذات المقلتين السوداوين اللتين تستلزمان مهرا صالحا. ~~- أما نحن فلا نملك ما يوازي ثمنا باهظا في هذه الحياة إلا أننا نكد فوق ما يتسع ~~لنا والله يأخذ الباقي على عهدته! # قالت ذلك وأخذت تفكر في ما قالته لها السيدة أديب فاضطربت اضطرابا شديدا وجعلت ~~تحدث نفسها فيما يلي: ترى ما يجد بيننا إذا استقبح زوجي ما صنعت ولامني على فعلي ~~هذا؟ ففارس لا يذهب في مذهب إيماني، ولا يدرك أن قدحا من الماء يعطى للفقير في سبيل ~~الله لا يبقى بلا أجر! إنه لا يشعر بيد الحكمة الإلهية، تلك اليد العذبة تمتد بحنو ~~وعطف فوق الذين يركنون إليها! # كل هذه الأفكار كانت تتناوب السيدة فارس؛ أما زوجها فكان ينوء تحت أثقال مرهقة ~~فيتجلد ويقاوم. # ليس من الهينات أن يتحمل الرجل دفع الأجور والقيام بأود ثلاثة أجساد تتطلب ~~عناية وقوتا! # ليس من المشاكل البسيطة أن يقوم الإنسان بتثقيف أبنائه الصغار! ففارس كسائر عملة ~~السكة يحلم أحلاما شتى بمستقبل أولاده، والفتاة الزرقاء التي وهبها الله ذكاء ~~ناضجا قبل أوانه سيقدر لها يوما أن تدخل في عداد الموظفات، وبطرس ذو الروح ~~المفطورة على النشاط سينخرط في سلك عملة السكة، وبما أنه أكثر علما من أبيه ~~سيتفوق عليه ولا يعتم أن يتوصل بسهولة إلى مركز سام؛ وأما بولس الصغير ذو ~~الطباع السليمة والعريكة اللينة فسينال معاش تلميذ في الجامعة. # كل هذه الأحلام كانت تتناوب السيدة فارس، فقالت في نفسها: إذا أفلح الأولاد وتيسر ~~لهم كل هذا فأكون قد سعدت بعض السعد، ولكني لا أطلب إلا أن أراهم كرماء الأخلاق ~~نبلاء النفوس يتمتعون بصحة قوية وبمهنة حسنة كمهنة والدهم. # أما فارس فكان أكثر طماعية من امرأته؛ إذ إنه كان يدرك أية صعوبة يكابدها الإنسان ~~في الحصول على قوته الضروري، لذلك كان يتمنى لأولاده حياة أقل عناء من ms31 ~~حياته. # إن سائق القطار لنوع من الرجال الأشقياء، فهو يصرف وقته في إضرام النار وحراسة ~~الأساطين؛ ويلعب بالخطر المحدق به، وينشق مسحوق الفحم، ويشرق الدخان المتصاعد في ~~الهواء، إنه يقضي ساعات عمله منتصبا على قدميه لا يملك مقعدا يستريح عليه أو منضدة ~~يجلس إليها في ساعة فطوره. # إلا أن فارس كان ذا قوة هائلة ولولا ذلك لذهب ضحية جهاده كما ذهب غيره من ضعفاء ~~البنية. # كان عليه أن يقاسي ما استطاع في سبيل أولاده ومستقبلهم، في سبيل كيانهم وراحتهم؛ ~~والذي شجعه على احتمال تلك المصاعب هو يقينه أن وراء الجهاد حدا تكلله عذوبة ~~العزلة. # أي رجل لم يسمع هذه العبارة صادرة من أفواه العملة: عندما أحظى بعزلتي! ومن لا ~~يدرك أية آمال عذبة تلامس أرواح العملة الأشداء الذين يرون مساء العمر من خلال ~~أحلامهم مذهبا بأشعة الراحة والطمأنينة؟ # كان فارس قد أوقف في مخيلته مقاصد عزلته ككثير من رفاقه، وكان يملك في نواحي البقاع ~~قطعة أرض ورثها عن عم قديم كان يحترف الحراثة، ففكر أن يبني بيتا صغيرا في وسط ~~الحديقة يقيم به مع امرأته وأولاده ويصرف شيخوخته بقلب الحقل والعناية بثماره تاركا ~~امرأته تتولى زرع البنفسج، وهو زهر يباع أكثر من غيره في أسواق بيروت. # كان يرى الحقل اللامع من تلك الحديقة، ومياه البردوني الزرقاء، ومدينة زحلة ~~الضاحكة تحت قباب أجراسها المرتفعة تطفو أخيلة جدرانها الوردية على تموجات النهر ~~الجميل. # ففي أحد الأيام سأله رفاقه قائلين: ما الذي ستراه من طرف حجرتك يا فارس؟ ~~- أشياء كثيرة يا رفاقي، أشياء جميلة عذبة؛ فعلى مقربة من حجرتي ينبسط طريق حديدي لا ~~يحرمني رؤية القطارات! ~~- إنك لنشيط سعيد يا فارس! فستأكل من ثمار شجراتك وتشرب من عصير كرمتك. إنا لنرغب ~~في مثل هذه الحياة عندما تدق ساعة العزلة. ~~••• # في تلك الآونة كانت السيدة فارس متكئة على حافة نافذتها تتسمع إلى دوي القطار ~~الأخير الذي وصل إلى المحطة يملأ سكينة الليل، وتنظر إلى المسافرين يذهبون ويجيئون في ~~ساحة المحطة؛ وكانت تفكر قائلة في ms32 نفسها: سيحضر زوجي بعد دقائق قليلة! يا الله كم أنا ~~خائفة! لقد طالما وافقني على أفكاري الدينية، ولكن من يعلم! ... ربما تضجره شفقتي ~~وإحساسي! ربما يستفيد من تغافلي الذي حدث هذا النهار ليلقي علي تبعة تقواي المتطرفة ~~ويتهم الدين بكلمات تحفر هوة مشئومة بين روحين! # أي ذنب جنيت يا إلهي؟ ألأجل غريب مسكين أعرض سلام العائلة للخصام وأضحي ~~بالغبطة التي تجمعنا؟ # عند هذا خفتت الأصوات في المحطة وعاد العملة إلى مآويهم، فسمعت السيدة فارس ~~تمتمة أصوات تلامس هدأة الليل العذب! وما لبثت أن تبينت نطق عزيز وصوت بطرس ~~الحاد وإنشاد نجيب الجميل. # كان هؤلاء الثلاثة يتقدمون إلى المنزل فنهضت السيدة بطرس عن مقعدها ونظرت إلى القمر ~~نظرة طويلة، ثم قالت لزوجها بصوت تراوده نبرات الضجر: إن الليلة لشديدة الحر يا ~~بطرس، فهل من كأس خمر أشربها؟ فتمتم بطرس قائلا: ليس لدي خمر أقدمها لك. فقال ~~عزيز: ليس عليك إلا أن تنزلي إلى خمارة يوسف، أفلا تسمعين سدادات القناني تقفز من ~~أفواهها في ذلك الفندق؟ فتوسلت السيدة بطرس أن يأتيها بكأس من المرطبات؛ لأنها شديدة ~~الظمأ. # فأجابها بخشونة: اشربي من الماء الصافية فهي شراب صحي، فتنهدت المرأة الجميلة ~~وقالت: آه! أيتها الحقائق البشعة! أين الأمراء الجذابون الذين لا يضنون على ~~جميلاتهم بخمور قبرس والشراب المنعش مع الخبز المعسل ومربيات الورد؟ ... # فقال الزوج: أين هم؟ إنهم يرقدون في مطاوي رواياتك المكردسة في السلال بين جواربي ~~المخرقة وطرازك الأبدي، فهؤلاء الأمراء كانوا أغنياء، ونساؤهم اللواتي كن يعتنين بما ~~يئول إلى راحتهم لم يكن يضعن أوقاتهن بقراءة الروايات نظيرك، بل كن ينصرفن عن ~~ذلك إلى القيام بأمور البيت حق القيام! # فلم يصب هذا الكلام مكان التأثير من قلب السيدة بطرس فقالت لزوجها: إن بك روحا غير ~~شاعرة يا عزيزي بطرس! فلا أسمع منك إلا هذه الكلمات المملة؛ «النظام في البيت! ~~القيام بتدبير البيت!» كأنك لا ترى غير ذلك أمام عينيك! ولا تظن أن في الحياة أشياء غير ~~هذه! # فضجر بطرس من حديث امرأته فقال ms33 لها: تعالي ننام! فأنت امرأة قليلة التبصر، ولا نتيجة ~~للجدال معك. # فأطلقت السيدة بطرس زفرة حرى وقالت: يا لها طباعا غريبة! متى تتمثل بهدوء السيد ~~عزيز وعذوبة السيد فارس ولين عريكته؟ # كانت جثة فارس ذات الأكتاف العريضة ترتسم كتلة حالكة على الليلة القمراء بالقرب من ~~خيال بطرس الضئيل، فعندما سمع السيدة بطرس تتلفظ بهذه الكلمات أفاق من جمدته فقال ~~ضاحكا: اسمحوا لي أن أجتمع بامرأتي الآن لئلا تستبطئ غيابي فتؤنبني عليه. قال هذا ~~وصعد الدرج ببعض وثبات، ولما بلغ الباب فتحه بخفة فأبصر امرأته واقفة أمام النافذة ~~فاستغرب من سهرها في تلك الساعة المتأخرة من الليل، فقال لها: ما بك لا تزالين يقظى حتى ~~الآن؟ فهل طرأ على الصغار طارئ؟ ~~- لا يا فارس، ليس من طارئ هناك! # وشخصت إلى زوجها بعيون ملؤها دموع! ~~- ليس من طارئ وتبكين؟ ماذا جرى؟ تكلمي حالا! ~~- آه! إن عواطفي تنفطر هذا المساء! # ثم أسندت ظهرها إلى النافذة وأخذت تقص على زوجها بصوت خافت كل ما حدث في النهار، ~~فقال فارس: إن صغيرتنا الزرقاء لنشيطة! ولكن أي داع دفع ذلك الغلام إلى ~~الانتحار؟ ~~- قال إنه يؤثر الموت ألف مرة على الذهاب غدا مع الأم سالم. # فصمت فارس هنيهة، وسرح طرفه في السهل الهاجع والأوراق الخرساء والسماء الرحبة حيث ~~يضيء القمر الكامل، ثم قال: لقد خطر لي فكرة يا عزيزتي، ففريد يدب في عوامل الرأفة ~~والشفقة، إنه لولد طيب السيرة وأمانته تبشره بمستقبل حسن. ولكن إذا بقي تحت سلطة ~~الأم سالم لا يلبث أن يصبح شريدا ... ~~- هذا ما أخشاه! ~~- أتعرفين يا عزيزتي أن هذا الولد يذكرني بعهد حداثتي، أيام كنت أنشأ في مذاهب ~~الصدف، لا أم لي تتعهدني ولا أبا؟ كنت أسير إلى الشقاوة يوم ذاك، إلا أنني صادفت ~~في طريقي ذلك العم البستاني الذي تعهدني بنصائحه وتربيته النبيلة وأخرج مني الرجل ~~الذي أمثله في هذه الحياة! ~~- إنك لمثال الرجال يا فارس وأنا أفتخر بك! ~~- ولكن أجيبيني، إذا صنعنا مع ذلك الطريد ما صنع معي ذلك العم ms34 ... إذا احتفظنا بفريد ~~عندنا ... # فانطرحت السيدة فارس على صدر زوجها وأجهشت بالبكاء، فقال لها: لقد سببت لك كآبة يا ~~عزيزتي، أتخشين أن يكون هذا الولد عبئا ثقيلا على عاتقنا؟ أما هي فتكاد يغمى عليها ~~من الفرح فأجابت بصوت خافت: لا، لا أخشى ذلك ... فهذه الفكرة مرت بي قبل أن تمر بك، ~~ولقد وعدت فريدا بإبقائه عندنا ... إلا أنني لم أجسر أن أكاشفك بذلك مخافة أن ~~توبخني وتغضب علي ... # فأخذها بين ذراعيه القويتين وضمها إلى قلبه الباسل وقال: أي يوم ترددنا عن عمل ~~الخير يا حبيبتي؟ أي يوم تخوفنا العمل والجهاد؟ أليس الجميل الذي نصنعه مع البائسين ~~هو الذي يهبط نعما وبركات علينا جميعا؟ # فتمتمت المرأة وقد غصت بدموعها: إنني ما أحببتك يوما كما أحببتك الآن! فضغط بها ~~على صدره وطبع على جبهتها بشفتيه المضطربتين قبلة حرى، لم يعرف هو نفسه ما كان ~~يختلج فيها أشد من الآخر هل العاطفة أم الاحترام؟ # في تلك الآونة كانت الشمعة قد احترقت إلى طرفها فتمايلت وانطفأت، وحلت مكانها عذوبة ~~الشعاع المنحدر من القمر غاسلة بنورها الأزرق تلك الغرفة الصغيرة ذات الأردية ~~البيضاء. # ظل فارس مبقيا امرأته بين ذراعيه يمد قبلته النقية على جبينها التقي، وكان ~~قلباهما الأمينان يخفقان بشدة في هدأة الليل، أمام البدر الجميل والسماء ~~الزرقاء. # 10 # بعد مضي شهرين، أي عند دخول التلامذة إلى المدارس، كان ولد صغير صاعدا إلى قطار ~~بيروت مع ابن عزيز، وفي يده سلة فيها فطوره وعلى ظهره حقيبة تحتوي على كتب ~~مدرسية. # كان هذا الولد فريد البائس الذي كثيرا ما أرهقته الأم سالم بالعذاب والجوع حتى كادت ~~تفنيه، وقد ظهرت عليه دلائل الزهو والنشاط وتورد خداه بعد الذبول. # إن تبنيه من فارس قد دعا سكان المنزل إلى حمية غريبة حتى رغب الجميع في أن يساعدوا ~~ذلك الفعل الجميل بكل ما أوتوه من المقدرة. # فبعد القطاف قدمت عائلة أديب إلى عائلة فارس برميلا من الخمر قائلة: إن من الضروري ~~أن يشرب فريد الصغير! أما عائلة عزيز فقد نزعت ms35 عن بخلها الذي تعودته وعزمت أن تمنح ~~الولد ثيابا قديمة رثت على ولدهم نبيه؛ وأما السيد بطرس تلك الروح الشاعرة فبعد أن ~~حفرت مخيلتها لتجد هدية ذات فائدة يحتاج إليها فريد الصغير قررت أن تدبج له منديلا ~~جميلا، فضلا عن نجيب الذي اغتنم إحدى الفرص فأخذ الولد إلى بيروت حيث اشترى له قبعة ~~وثوبا جديدا. ~~- ما هذا يا سيد نجيب، لقد وهبت فوق ما يتسع لك! ~~- أية غرابة في ذلك يا سيدة فارس؟ ألم تتبني الولد أنت؟ ألم تجمعي إلى أولادك ~~الثلاثة ولدا آخر يتطلب جهودا للقيام بأوده كما يتطلب كل ولد من أولادك؟ فلماذا ~~لا تودين من أعزب مثلي أن يضحي بجزء قليل مما ضحيت به أنت؟ إنني ما صنعت جميلا في ~~حياتي؛ لأنني لم أتوفق مرة إلى ذلك، أفترغبين في أن أشيح وجهي عن الرحمة كلما اتفق ~~لي أن أصادفها في طريقي؟ ثم إن هذا الولد يا سيدة فارس ملك للجميع؛ فسيكون ولد ~~عمال السكة. # لا أعرف أية عاطفة أبوية كانت تستيقظ في قلب هذا الغلام المسن. إن الرحمة ~~متى ما لامست روح إنسان حركت فيها عجائب عظيمة! # وجد نجيب فيما بعد لذة عظيمة في التحدث إلى فريد، فسمح له أن يختلف إلى غرفته ~~ويتأمل الآثار الثمينة التي جاء بها من الجزائر؛ ولم يمض وقت طويل حتى تمكنت عرى ~~المحبة بينهما فأصبح نجيب لا يقر له قرار ما لم يجد فريدا إلى جانبه إن في مكتبه ~~وإن في المنزل. # ففي يوم من أواخر أيام أيلول جاء نجيب إلى عائلة فارس وقال لها: إن مستقبل الولد ~~يهمني كثيرا، فهو يرغب في أن يكون عاملا في السكة، ولكنه لا يتوصل إلى مركز سام ~~ما لم يتلق علوما صالحة. إن مدرسة جونية لا تكفي؛ فالأحرى بنا أن نرسله إلى ~~مدرسة كبرى من مدارس بيروت ليتلقن فيها اللغة العربية والرياضيات، وعلي دفع ما ~~يترتب من المال! # فاستغربت عائلة فارس وحاولت أن تردعه عن تلك الحمية الكبيرة فقال: ألا تدركون ~~يا أصدقائي أن ms36 هوى في نفسي يدفعني إلى تتميم هذا الواجب؟ كنت فيما مضى لا يلذ لي ~~إلا جمع طوابع البريد، فملت عن ذلك إلى التصوير ثم إلى النقش ... أما الآن فقد جنحت ~~بكل ما بي من الميل إلى الاهتمام بأمر فريد! ألا تستغربوا هذا الكرم، فأنا لم أفعله ~~لأجله بل لأجلي ... لقد أصبحت أشعر بأن تمتعي بروح نبيلة تتدرج في مدارج التقدم ~~والرقي يورثني من الفرح واللذة أكثر بكثير ما تورثني إياه رؤية الطوابع البريدية ~~النادرة أو الصور الجميلة في مجموعة «مذهبة». # بدأ فريد منذ تشرين الأول بالذهاب إلى بيروت كل صباح. آه إن أبناء عملة السكة ~~يختلفون عن غيرهم في تلقي دروسهم! ألم تروا مرة في الدرجة الثانية من إحدى غرف ~~القطار هؤلاء الصغار المجتهدين الذين منحتهم الشركة حق المرور في قطاراتها بدون أن ~~تتقاضى أجرة ليتسنى لهم تهيئة المستقبل؟ # إنهم وقراء مجتهدون؛ لأنهم يتبعون غاية محدودة، فلا يكادون يبلغون الثانية أو ~~الثالثة عشرة حتى يكونوا قد اختاروا مهنتهم المقبلة. إنهم يدركون أن من الواجب عليهم ~~أن يقدموا امتحانات جيدة ليضمنوا حياتهم، ولا يجهلون أن على اجتهادهم وكدهم ~~يتوقف أمر مستقبلهم، إنهم يعرفون كل المعرفة أنهم أبناء عملة وأن آباءهم يعانون ~~مرارة وتعبا لكي يقدموا لهم الكساء والطعام! # ليس في جيوب أبناء العملة مال! إنهم يقنعون بالقليل ولا يتذمرون إذا لم يجدوا في ~~السلة السوداء التي يصحبونها إلى المدرسة إلا زهيدا من الطعام، ذلك؛ لأنهم نشئوا على ~~تربية تختلف عن تلك التي يتعهدها آباء ضعفاء لا يقدرون أن يمسكوا عن أولادهم الأحداث كل ~~ما تشتهي نفوسهم من الحلاوة. لقد كبروا في وسط مقتصد، فهم لا يعتبرون نفوسهم فقراء، بل ~~يفكرون مفتخرين بأن آباءهم ليسوا مديونين لأحد وأنهم يستطيعون أن يرفعوا جباههم ~~بجرأة وترفع، إن طريق المستقبل، تلك الطريق المذهبة، تنفتح أمام أعينهم الفخورة، في ~~حين يوافق صوت عقلهم أصوات أحلامهم! إنهم يقاسون الجهاد مهما صعب، فهم لا يكادون يجلسون ~~في غرفة القطار حتى يأخذوا كتبهم ويراجعوا أمثولات النهار؛ وأحيانا يمتحنون نفوسهم ms37 ~~بنفوسهم فيستظهرون تلك الأمثولات وأعينهم شاخصة إلى زجاج المركبة، حيث تتابع وراءه ~~السهول والأشجار والمدن والقرى، فتجتمع جواذب تلك المشاهد إلى آيات الأسطر المحفوظة ~~فتبطنها بطبيعة حقيقية ملؤها الحياة وتنفذ إليها أريجا طيبا من الشاعرية ~~الغميضة. # لم يعرف فريد غبطة العلوم الإنسانية في قاعة الدرس الكالحة، بل عرفها أمام الحقول ~~الجميلة التي تنشرت أمام عينيه بمشاهد متحركة هي مشاهد المروج الخصبة والروابي ~~العذبة والرياض الزاهرة. # كان الصبية يذهبون إلى مدارسهم منذ يبدأ الضباب بالزحف على أجساد المروج، ويعودون ~~إلى مآويهم مع الشمس الراحلة في ساعة تتراءى فيها السواقي والأنهر وردية المياه ~~مخضبة بألوان المغيب. # أما أحلامهم العذبة فهي أن يكون لهم أكواخ على مقربة من سلك حديدي أو تجاه محطة ~~صغيرة ضاعت بين الأشجار ... ذلك لأنهم من عداد أبناء الشركة ولأن هذه الشركة هي ملك لهم ~~...! # أحيانا كانوا يفتحون مجموعة رسوم البلدان وينظرون بفرح لا فرح بعده إلى دائرات ~~الطرق الحديدية، فتتراءى لهم السطور السوداء كأنها خطوط حية تخترق الجبال والأودية ~~ومجاري السيول والأنهر وتجمع البلدان بعضها إلى بعض؛ ويخيل إليهم أنهم يسمعون دوي ~~القطارات يتصاعد من على هذه الأسلاك أو أنهم يبصرون رجالا يدفعون العجلات إلى أماكنها، ~~فيشعرون بأن شعبا من الإخوة المتآلفين يتبسم لهم بين تلك السطور الصامتة. # وأحيانا يحسون بعاطفة احترام وعجب تدفعهم إلى الصمت أمام تلك العظمة وذلك الغنى، ~~فيخشعون بسذاجة فطرية! # مرارا كان يفتح الباب الصغير ويظهر أحد المستخدمين على درجة القطار؛ ليفتش ~~الركاب فيجعل هؤلاء يضحكون قائلين: هذه المركبة لا تكسب الشركة ربحا جزيلا. فيضحك ~~هذا ويغلق الباب بعد أن يقول لهم: إن الشركة لم تمنحكم هذه المنحة في سبيل إرضائكم ~~فقط، فاجتهدوا على الأقل أن تكونوا عمالا صالحين. فيجيبونه: نعم، إننا لا نحلم بسوى ~~ذلك. # أجل، فتلك المركبة المختصة بالتلامذة لم تكن تكسب الشركة مالا إلا أنها كانت ~~تعد للمستقبل القريب عمالا أمناء يستسهلون العمل والتضحية في سبيل إعلاء شأن ~~الوطن. # 11 # كان فريد يغذي في صدره حسرة عظيمة؛ إذ إنه كان يخشى ms38 أن يظهر بمظهر ناكري الجميل ~~بعد أن أكرمه جميع الناس وأحسنوا إليه، لا سيما وقد أوصته السيدة فارس بأن يكون طيب ~~الأخلاق لطيفا. # ففي أيام الفرص الكبيرة كان يقدم نفسه ليقضي حاجات جيرانه، ويصحب السيد نجيبا إلى ~~مكتبه حيث يعاونه في بعض أشغاله؛ وبالأخص كان يبادر إلى السيدة فارس التي تبنته ~~ويساعدها فيما تحتاج إليه. إلا أن هذه الخدم القليلة لم تكن ترضيه؛ لأن قلبه المفعم ~~بالجميل كان يتحسر لعجزه عن القيام ببعض ما يجب عليه. # وكان مرارا يقول للسيدة فارس: أود من صميم قلبي أن أجعلك سعيدة يا أمي، ولكن لا ~~أعرف كيف؟ # فتقول له هذه: إنه من أسهل الأمور، فما عليك إلا أن تجتهد في دروسك وتكون عاقلا ~~وديعا ومخلصا للجميع. # كان الولد محبا للإخلاص، فكثيرا ما قال في نفسه: إذا كنت غير مخلص فأنا وحشي! ~~أأجرؤ أن أتكاسل وأحزن امرأة سهرت علي وتعهدتني بحنو وشفقة؟ آه! إنني لساع ~~إلى إرضائها والنزول عند رغباتها؛ ولكن هذا لا يكفي، فيجب أن أسعدها، أجل، ولكن ما ~~السبيل إلى ذلك؟ # مشكل تنحط عن حله عقلية ولد لم يتجاوز الثانية عشرة من سنيه! ولم تسمح له ~~تربيته الأولية بأن يدرك دقائق القلب! # بقي فريد المسكين يبحث عن حل لهذه المسألة ضاربا أخماسا بأسداس وقد تراءت له ~~حالة فارس كما هي، وأخذ يجتهد في معرفة ما يشقي هذه العائلة لعله يتوصل إلى ~~تخفيفه، ولكنه لم يكتشف شيئا؛ لأن عائلة فارس كانت طلقة الوجه ذات سيماء تدل على ~~سعادة ورغد. فالصغيرة الزرقاء وأخواها الصغيران كانوا يتمتعون بهناء لا يلامسه كدر، ~~وكان والداهم يشتغلان بدون سأم ويتوقعان نجاحا فوق نجاحهما. # لبث فريد يراعي حلما مستحيلا! # يجب على من يود أن يسبب سعادة لمن يحب أن يكون كبيرا قادرا على ذلك؛ فغدا عندما ~~يصبح الفتى موظفا في الشركة ويتسع له أن ينتج مالا من عرق جبينه يرى نفسه ~~قادرا أن يساعد فارس ويرفع الهدايا الثمينة إلى التي تبنته وإلى أولادها الثلاثة ~~الأحداث ... # في المساء كانت أفكار ms39 مزعجة تتناوب فريدا في فراشه؛ فيتراءى له بعيدا ذلك اليوم ~~الذي به يرى نفسه رجلا قادرا على العمل والإنتاج، ويخيل إليه أنه سيموت قبل بلوغ ~~مقصده، قبل أن يفي بعض ما عليه من الدين، قبل أن يتمكن من إظهار شواعره المختبئة في ~~أقصى خفايا نفسه للذين تبنوه وعطفوا عليه، إن الأحداث السريعي التأثر يشعرون دائما ~~بمثل هذه الكآبة؛ لأنهم ضعفاء لا يستطيعون؛ لأن غبطة العمل محظرة عليهم؛ لأن لهم ~~أماني كبيرة لا يقدرون على تحقيقها! # ذات أحد من أيام الشتاء كانت السيدة فارس عائدة من القداس إلى منزلها، وبالقرب ~~منها وحيدتها الزرقاء فسألتها هذه: لماذا والدي لا يأتي معنا إلى الكنيسة كل أحد يا ~~أم؟ فالكاهن قال: إن من الخطايا الكبيرة أن يخطئ الإنسان حضور القداس يوم الأحد ~~... فاصفرت السيدة فارس وأجابت ابنتها: ذلك لأن عمله لا يسمح له يا عزيزتي، ~~فالقطارات يجب أن تسير دائما ... إن الله لا يأخذ عليه تغيبه هذا، ولكن يجب علينا أن ~~نصلي لأجله في كل حين ... لأجله ولأجلنا أيضا ... # فهزت الفتاة الصغيرة رأسها وقالت: إن الرجال قليلا ما يذهبون إلى الكنائس، ولقد ~~سمعت والدي يقول: إن الكنيسة بنيت للنساء والأولاد. # فقالت السيدة فارس: ولكن السيد راغب لا يخطئ مطلقا القداس. ~~- آه! ذلك لأنه الرئيس! ... ~~- بدون شك، فالرئيس يعطي المثل الصالح، وأؤكد لك أن نجيبا لولا اضطراره للبقاء في ~~مكتبه لما تردد عن الذهاب. ~~••• # بعد أيام قلائل في حين كان كاهن جونية يعد ملائكة الخورس ليحتفل بعيد الميلاد، ~~قال فريد لمتبنيه: أبود أبي فارس أن يحضر معنا قداس منتصف الليل؟ سيكون حرا في ~~تلك الساعة، فلقد عرفت أن السيد نجيبا وعد الأب يوحنا بإنشاد «نشيد ميلاد للموسيقي ~~آدم». ~~- لقد آثر والدك فارس أن يبقى هنا لحراسة الصغار. # ثم أشاحت عنه بوجهها مخافة أن يحزر معنى الحزن المرتسم على جبينها. أما هو فقد ~~تشجع فجأة وسأل بصوت خافت: أيقوم والدي فارس بواجبات الفصح؟ # فلما سمعت هذا الكلام أجهشت بالبكاء، ثم نهض فريد وألقى على المنضدة كتبه ms40 ودفاتره ~~وقال: لماذا أنت كثيرة الشجون يا أميمتي العزيزة؟ # كانت السيدة فارس قد جلست على مقعد أمام الموقد فذهبت أشعة الصباح الصغير شعورها ~~الكستنائية على قطرات الدموع المتساقطة من مقلتيها. فردد فريد كلماته قائلا: ما هذه ~~الشجون! كنت أخالك سعيدة قبل الآن! ... # فحاولت أن تهدئ روعها فقالت: أنا سعيدة يا فريد، ففارس هو من خيرة الرجال ... ~~ولكنه لم يحظ بتربية مسيحية كتربيتي أنا! فهو قليل الإيمان! ألا ترى يا فريد أن من ~~يحب الله كما أحبه وله عزيز لم يدخل الله في حياته يشعر بأنه لا يستطيع عن الحزن ~~سبيلا؟ ~~- إن والدي فارس لا يذكر الله في حديثه، ولكن لا يتراءى لي أنه يمقته؛ فهو لم يهزأ ~~مرة بسيدة لورد كالسيد بطرس؛ ولقد أبصرته مرارا عديدة يلقن صغيريه صلاة المساء. ثم ~~إني تلوت عليه يوما أمثولتي في التعليم المسيحي وبعد أن انتهيت أخذ الكتاب من يدي وجعل ~~يقلب صفحاته بسرور ظهر على وجهه ... # فأجابت العاملة التقية: آه! إنني واثقة بأنه ليس بعيدا عن الإيمان؛ فلقد رأيته يوم ~~كنا في لورد يتفطر عند الاحتفالات الدينية وتطواف القربان الأقدس وسماعه صلوات ~~السياح حول برك الماء العجائبية. أجل فتلك الرحلة أبقت في نفسه أثرا لا يمحى. ~~ولكن الجرائد التي يقرأها ورفاقه الأغبياء واللغو الذي يسمعه دائما كل ذلك يثنيه ~~عن معتقده، لقد طالما عزمت أن أرده إلى الدين القويم فكنت أرجئ ذلك إلى عهد ~~الشيخوخة عندما نصبح في عزلتنا ... ولكن، هل يتم لنا ذلك؟ # ثم نهضت عن مقعدها فمسحت دموعها المتساقطة على خديها وقد خجلت من استسلامها للضعف. ~~أما فريد فعاد إلى كتابة فرضه وقلبه ينبض بشدة في صدره وهو يتوق إلى ساعة وحدة ~~يتفق له فيها أن يفكر في إيجاد حل لهذا المشكل؛ وكان يقول في نفسه: هذا هو العمل ~~الذي أبحث عنه ... العمل الذي أحلم به ... يجب أن أتمكن من دفع والدي فارس إلى القيام ~~بواجبات الفصح هذه السنة. # كان فريد شديد الذكاء حافظا هذه الآية من الإنجيل التي تقول: اقرعوا ms41 يفتح لكم. فعزم ~~أن يعمل بها وبكل ما أوتيه من الجرأة ، وقد وثق من استجابة الله طلبه؛ لأن المسيح يقول: ~~دعوا الأولاد يأتون إلي! ~~- أمن الممكن أن يرفض الله سؤالي؟ أيقدر ألا يشفق على يتيم يود أن يبرهن لمن ~~أحسن إليه عن اعترافه بالجميل؟ لا أملك مالا أبذله في سبيلهم ولا قوى، ولكني أستطيع ~~أن أنال أعجوبة من الله تهب أمي التي تبنتني غبطة لا غبطة بعدها ... رب! إنني ~~مستعد للقيام بما ترغب فيه، ولكن هبني ما أتمنى! هبني هذه الأعجوبة. # كتم فريد هذا الحلم عن الجميع، إلا أن كاهن جونية تعجب من تقاه وورعه حتى إنه ~~نسب إليه حياة القديسين الذين كثيرا ما قرأ سيرهم في الكتب المقدسة، فاتسع نطاق ~~أفكاره وانفتحت في نفسه أبواب العالم الخفي. # آه! يا له من مشهد مؤثر رؤية هذا اليتيم ساجدا على أقدام سريره طيلة ليالي الشتاء، ~~في حين يكون قد هجع كل من في المنزل وأطفئت المصابيح وتنوسيت أتعاب النهار في الراحة ~~والأحلام. # يا لعذوبة النفس الساهرة في هدأة الليل! يا لحلاوة الصوت المتصاعد إلى السماء من ذلك ~~البيت الساكن! يا لجمال الروح المحلقة في مذاهب اللانهاية تستعرض مواكب الملائكة ~~والأنبياء وسكان الجنة السعداء! # أي مشهد أشد تأثيرا من رؤية ولد في الثانية عشرة من سنيه يضرع إلى الله ~~بكل ما في نفسه من الحرارة والتقوى؟ أية رؤيا أعذب من رؤيا روح طاهرة تقية لامستها ~~الأحزان وطفت عليها الأوجاع؟ إن الله الذي يصلب أمام الملوك والسلاطين لا يتردد أن ~~يعطف أذنه نحو هؤلاء البائسين! # ومضى كانون الثاني وعقبه شباط بدون أن يجد الولد سبيلا لبلوغ أربه، لم تجرؤ السيدة ~~فارس أن تحدث زوجها فيما يتعلق بالدين فكيف يتسع ذلك لفريد اليتيم؟ # جاء الصوم الكبير وزحف فجر الربيع على روابي لبنان، فقال الولد في نفسه: يجب أن ~~أسرع! ثم أخذ يبحث عن مولج يدخل منه إلى السبب حتى مهدت له ذلك صورة أخذها من ~~الكاهن يوحنا. # كانت هذه الصورة تمثل قطارا كثيف الدخان ms42 ينحدر إلى فوهة من جبل تخللته صلبان ~~وقبور: رمز السفر العظيم إلى ما وراء العالم حيث لا يبلغون مطارح الأنوار إلا بعد ~~اجتيازهم ممر الموت الرهيب! وكان له في ذيل الرسم آيات تنشر رموزه، مفادها أن على ~~الإنسان الذي هو مسافر في هذه الحياة أن يصعد إلى المركبة التي تؤدي إلى الجنة، ويتجه ~~إلى الطرق القصيرة التي تنعطف عن المخاطر والدواهي. # ففي يوم أحد ممطر كان فارس مستريحا في بيته بالقرب من أبنائه الأحداث وامرأته ~~المهتمة برتق ثياب السيدة أديب، فعزم فريد أن يدفع والده المتبنى إلى قراءة كتاب ~~يخصه فقال له: أتود أن أعطيك «الأبطال المردة» لتقرأه، وهو الكتاب الذي جوزيت به ~~في المدرسة والذي راق لك منذ أيام؟ # فقال فارس: هاته! فالنهار شديد الأمطار والقصص تسلي في مثل هذه الساعة. فجاءه ~~الولد بالكتاب فانفتح من نفسه بين يدي فارس، حيث وضع فريد صورة الأب يوحنا. فقال ~~فارس: من الذي أعطاك هذه الصورة يا فريد؟ # ثم أخذ يقلبها بين أنامله الضخمة السمراء وعيناه تتبعان بدون قصد منها سطور ~~الآيات المزيلة. # عند هذا أحاط الأولاد بأبيهم وقالوا له: أصورة هذه؟ ... أرنا إياها. # أما الصغيرة الزرقاء فدهشت مما رسم عليها فقالت: هذا قطار هائل يغور في فوهة ~~جبل، ولكن لماذا هذه القبور فوق الفوهة؟ # فقال فريد: لأن وراء الجبل الجنة؛ ولأنه يجب على الإنسان أن يمر من ثقب الموت ~~الأسود لينتهي إلى السماء. # ففكرت الفتاة هنيهة ثم قالت: أو يذهبون في القطار إلى السماء؟ # فأجابها فريد: أجل، ولكن منهم من يصل بسرعة ومنهم من يتأخر في طريقه على حسب القطار ~~الذي يركبونه. فالقطارات ثلاثة؛ منها سريع، ومنها وسط، ومنها بطيء، وإن من الناس من ~~يلهون بأموالهم وخيراتهم فلا يذهبون إلى السماء إلا في قطار البضائع! أما أنا فأنتظر ~~أن أقوم بهذه الرحلة في قطار سريع. # ثم التفت إلى فارس وقال: وأنت يا والدي في أيها تود الذهاب؟ # فأجابه العامل بصوت يتكلف الكلام: في القطار السريع طبعا! فسأل أحد الأحداث ~~قائلا: وهل ms43 تستطيعون الذهاب إلى السماء في الدرجة الأولى؟ # فقالت الصغيرة الزرقاء: نعم ، ولكن المسيح الذي مات على الصليب يؤثر الذين يسافرون ~~في الدرجة الثالثة على سواهم! ... # كان الأولاد يصرخون ويهتفون حول الصورة الصغيرة المضطربة بين أنامل والدهم ~~فارس. # وفجأة قال بطرس الصغير بعد أن فكر هنيهة واضعا إبهامه في فمه: ولكن الذين يذهبون ~~إلى الجحيم أو إلى المطهر أفيسافرون في القطار أيضا؟ فجمدت الفتاة الزرقاء وقد ملكتها ~~الحيرة. # فقال فريد: أجل، إنهم يركبون قطارا لا أوراق له، وعندما يقوم القديس بطرس بدورة ~~التفتيش يدفعهم إلى أيدي الأبالسة الأشرار. # لاحظ فريد أن أمارات الزهو قد احتجبت عن وجه فارس وحلت محلها أمارات العبوس ~~والحزن، فقال في نفسه: ربما تكون الصورة قد أثرت في نفسه! رب، إذا كنت قد رميت في ~~صدره بذور أفكار صالحة فدعها تنمو وتزهر! ~~••• # انتهى الصوم وجاء أحد الشعانين فأنشد نجيب تسابيح القداس الاحتفالي في كنيسة ~~جونية، وكان قد أصبح منذ أيام قلائل صديقا حميما للأب يوحنا؛ لأن الموسيقى ~~والقصائد الطيبة وذكريات الجندية كانت قد جمعتهما بخيوط متينة من الحب. # ففي مساء هذا الأحد بينما كان مستأجرو أديب مجتمعين تحت شجرة الطلح دفع عزيز ~~نجيبا إلى التحدث عن الدين؛ وفي حين كان هذا يتكلم بما أوحت إليه عاطفة إيمانه ~~كانت النساء صامتات يصغين إلى كلامه إلا السيدة بطرس، فإنها صرحت أن في احتفالات ~~التعبد ينبوعا من الشعر الصحيح طافحا بمياه عذبة. # أما أديب الذي كان شديد التمسك بالأحاديث القديمة فقد صرح بأن في نيته أن يقوم ~~بواجباته في الفصح لكي يحافظ على العادات التي تمشى عليها جده ووالده، وأما عزيز فقد ~~كان مؤمنا، فلم يبق إلا بطرس الذي لم يقف عن خطبه اللادينية بالرغم من تأفف نجيب فقال ~~ساخرا: إنك مندفع عن جهل يا صديقي نجيب، فانظر إلى أين أوصلتك معاشرة الرهبان، ~~أتود أن تتمم واجباتك الدينية في الفصح القريب؟ # فأجاب الجندي القديم مجمجما: ولم لا؟ معاذ الله أن أخجل بهذا الواجب! أما أنت ~~يا بطرس، أنت الذي ربيت ms44 في كنف الدين المسيحي والذي تنكر مباديك الأولية، فجيب عليك ~~أن تخجل بجحودك الذي لا معنى له ... ~~- لا معنى له؟ اصمت يا نجيب فلقد جننت! إن من يكون رجلا عائشا في القرن العشرين ~~لا يجد مندوحة من فتح عينيه ليتأكد أن الله والدين والكنيسة ليسوا إلا أشياء ميتة ~~أو خرافات باطلة. ~~- أما أنا فعندما أفتح عيني أرى نفسا من أنفاس التجدد يحرك العالم ويوقظ ~~الحمية في صدور الشباب ... ~~- لا بل في صدور المغرورين الذين استولى عليهم خداع بعض الرهبان! ~~- إنني لا أتكلم فقط عن الأحداث، بل عن شبان هذا العصر، عن رجال هم أترابك أنت، ~~أتجهل يا بطرس أن في لبنان ألوفا من العملة يتمسكون بمبادئهم الدينية ويجاهرون بها ~~في المجتمعات والمجالس؟ أجل يا صديقي، فسينمو عددنا بالرغم منك، ونؤلف في جونية جمعية ~~كبرى نعطيها اسم «جمعية عمال السكة الكاثوليكية»، هل اتضح لك أن الإيمان لم يمت، بل ~~هو هاجع في الصدور؟ وأنه لا يحتاج إلا إلى رحمة الله ليستيقظ ويهب؟ # أجل يا رفاقي، إنني لا أعرف الذي تهبه لنا قلة الإيمان، ولكنني أعرف حق المعرفة ~~ماذا تضمر لنا مواظبة الدين، فلهذا السبب ترونني مستعدا؛ لأن أتمم واجباتي في هذا ~~الفصح؛ إذ إنني أحترم الرجل الذي يقرن أعماله بمعتقداته. # عند هذا كان فريد قد اقترب من المتحدثين، فاستغرب عندما رأى فارس يحيط نجيبا بنظرات ~~ملؤها الإعجاب، فقال في نفسه: أتراه قد تحرك لدي هذا المثل؟ # ولكن الأسبوع المقدس كان قد فات بدون أن يبدو من فارس ما كان يشغل بال فريد؛ فقال ~~الولد في نفسه: لا، سوف لا يستجاب طلبي! ... ذلك لأنني لم أضرع إلى الله كما يجب أن أضرع ~~... كان الأحرى بي أن أتوسل إليه أكثر مما توسلت! # صرف فريد الليالي التي تقدمت العيد في الصلاة والتضرع بالقرب من سريره، ففي ذات ليلة ~~دخلت إليه السيدة فارس بعد أن صرفت قسما من الليل في إنجاز عملها، فدهشت إذ أبصرت ~~شعاعا من النور أمام الباب، فحدقت في الغرفة فرأته ساجدا ms45 على الأرض ويداه ملتصقتان ~~بسبحة صغيرة ورأسه مستلق على حافة السرير وقد نام نوما عميقا. # قضى فريد معظم نهار السبت المقدس قلق البال، مشتت الأفكار، فإذا جلس إلى الطعام ~~جلس كئيبا شاحبا، وإذا تمشى في الحديقة الصغرى تمشى صامتا مفكرا! ذلك لأن ~~الساعة التي يرغب فيها قد حانت ولم يبلغ لبانته. وفي المساء قالت له السيدة فارس وهي ~~تسكب الحساء: يجب أن تسرع في تناول الطعام يا فريد وتتبع نجيبا وأديبا وعزيزا إلى ~~جونية، حيث يودون أن يعترفوا بخطاياهم. # قالت ذلك في حين كان أولادها يأكلون إلى جنب والدهم الصامت! # فنهض فريد بعد هنيهة ونظر إلى فارس نظرة طويلة، وقال في نفسه: لقد حبطت مساعي ~~وتلاشت أحلامي الجميلة! ولكنه تشجع وقال في نفسه: لا يجب أن أخنق في صدري ما يختلج ~~فيه، فلأجاهر به عاليا! ثم التفت إلى فارس بعيون طافحة بالعبرات، وقال له: إذن ~~فلم يبق سواك والسيد بطرس راغبين عن تتميم واجبكما في هذا الفصح، يا والدي ~~العزيز؟ # فدهشت السيدة فارس من جرأة فريد ومن دموعه السخينة، فنظرت إلى زوجها بحزن وكآبة. ~~أما فارس فانتصب على قدميه في وسط الغرفة، وقال بصوت يختنق: من قال لك إنني أرغب عن ~~تتميم واجبات فصحي؟ لا، بل إنني مصمم نيتي، وسأعترف كسائر رفاقي ... فتعالوا جميعكم ~~وعانقوني. # فانطرحت زوجته بين ذراعيه وقد ملكتها هزة فرح وغبطة ليست من هذه الحياة، فكان ~~فريد ينظر إليهما معانقا كل منهما الآخر، وقد أيقن أن الله حباه تلك النعمة ~~العظيمة التي أدبت التعزية في قلب متبنيه، فترك شفتيه تتمتمان بهذه الكلمات: شكرا ~~لك يا الله! شكرا لك! # عند هذا خيل إلى فريد أنه يلامس بيده قوة الصلاة المضطرمة الثابتة، تلك القوة ~~التي لن تقهر والتي بيدها مفاتيح السماء. # همست الزوجة السعيدة في مسمع زوجها هذه الكلمات: آه يا فارس! إن حلم حياتي قد تحقق! ~~فسنكون من الآن فصاعدا روحين في جسد وقلبين في صدر! # فبكى فارس كولد صغير. أما الأولاد الأحداث فكانوا ينظرون إلى هذا المشهد ms46 الملآن عاطفة ~~بدون أن يفهموا معناه، ولكنهم شعروا بأنه ساعة فرح وعذوبة، فاقتربوا من والديهم كتلة ~~واحدة، وبسطوا أذرعهم الصغيرة وشفاههم الوردية كأنهم يستمنحون القبل. # فقال فريد ثانية: شكرا لك يا الله! # لم يعرف عبارة غير هذه يحمد بها الله؛ لأن الفرح والسرور كانا يتدفقان من عينيه ~~كينبوع لا يعرف النضوب. # | الفصل الثاني # 1 # صرخ رئيس المحطة المنتصب على حافة الرصيف دافعا المسافرين بطرف علمه الأحمر ~~قائلا: انتبهوا! احذروا القطار! # كان قطار بيروت على وشك الوصول إلى المحطة. # عند هذا كان قروي ذو لحية شهباء وجثة كجثة الجبابرة يريد المرور من بين الخطين إلى ~~الرصيف المقابل فلم يسمع أوامر الرئيس. # فقال له هذا: يحظر عليك المرور يا هذا فالقطار قادم! # فلم يكترث الرجل؛ لأنه كان أصم فنزل بهدوء عن الرصيف ووضع قدما على الخط فأسرع إليه ~~السيد راغب وأخذه بين ذراعيه، إلا أن القروي كان أشد من الرئيس فعانده بحماقة ~~وسعى إلى التخلص منه. # دامت المعركة زهاء دقيقتين بين القروي والرئيس حتى أسفرت النتيجة عن انتصار هذا؛ ~~لأن قواه كانت قد تضاعفت أمام الخطر الداهم فتمكن من الرجل فحمله وألقاه على الرصيف، ~~ثم وثب خلفه كالح الوجه مضطرب الأعضاء! # إذ ذاك أدرك القروي الخطر الذي كاد يقع فيه فقال بصوت تخللته الدموع: لقد ~~أنقذتني! كنت على وشك الموت. لم أسمع شيئا إني أصم! ... آه! ما الذي كان قد حل ~~بأولادي؟ عندي ثلاثة أولاد لا يزالون أحداثا! ... # فغضب الرئيس وقال له بصوت ملؤه التأنيب: يا لك من بهيمة! # ثم أبعد الرجل بإشارة غليظة لكيلا يتفطر من مشهده. # ولكن المسافرين أخذوا يثنون على شجاعة السيد راغب، وكان بينهم نائب الإدارة يحيط به ~~عدد من الناس، فجعل يتكلم عن بطولة الرئيس إلى أن قال له: لقد عرضت حياتك لخطر عظيم ~~يا سيد راغب، فغدا تذكر الجرايد عملك بإعجاب وثناء، وأود أن أمنحك وساما تستحقه! ~~... فلم يأبه الرئيس لهذه المنحة وقال: إنني لم أفعل إلا واجبا محتما علي، ولطالما ~~أنقذت غيره من الرجال! فتحول ms47 النائب إلى فتى لابس قبعة تزينها قدد حمراء يهتم ~~بأخذ الأوراق من المسافرين وقال له: وأنت يا عزيزي، ألا ترى أن عمل رئيسك يستحق ~~وساما؟ أتظن أنه من الواجب أن يعرض الإنسان نفسه في سبيل مسافر؟ ... # فنظر الفتى إلى النائب نظرة دهش واستغراب وقال: إن من كان موظفا في السكة ~~الحديدية يتعود اللعب بالأخطار! ~~- مرحى! مرحى! إن محطة جونية هذه لمدرسة تعلم البطولة! فأنا أعرف رئيسك السيد راغبا ~~من عهد طويل، فهو مثال الموظفين ولا بد لي من منحه وسام الاستحقاق. ولكن أنت أيضا ~~لي مدة غير قصيرة أراك فيها عند مروري من هناك، فكم لك من العمر؟ ~~- ثماني عشرة سنة! فأنا موظف في جونية ولي ثلاث سنوات في وظيفتي. ما كدت أبلغ ~~الرابعة عشرة من سني حتى سمح لي هؤلاء المفضلون بأن أتذوق مصاعب الخدمة في مكاتبهم ~~العديدة. ~~- إذن فمتى تتعلم المتاجرة بالبضائع؟ ~~- بعد خدمتي في الجندية. ~~- إنه لوقت بعيد! فإذا احتجت إلي يوما ... ما هو اسمك؟ ~~- سالم، ولكن الجميع هنا يدعونني فريدا. # توصل فريد اليتيم إلى تحقيق حلمه فدخل في السكة الحديدية بعد أن تبنته السيدة فارس ~~منذ ست سنوات خلت؛ فكان شديد الانتباه إلى وظيفته محبوبا من رؤسائه الذين لم يألوا ~~جهدا في تشجيعه ودفعه إلى المثابرة في عمله ليذهب في مذاهب التقدم والفلاح. # لم يكن فريد طماعا، فمرتبه الصغير كان يكفيه لسد حاجته؛ وكان بعيدا عن الاهتمام ~~بالمال والمجد، إلا أنه كان يضمر في قلبه حزنا عميقا أدب السأم في حياته. # بقي الفتى وهو في الثامنة عشرة من عمره سقيم البنية، مجعد ملامح الوجه، ذا خلقة ~~بشعة غريبة الشكل لا يتمالك الناظر إليها من الضحك. # كان فريد كريه المنظر إلا أنه كان يحب الفتاة ابنة أديب، وكيف لا يحبها؟ ألم ينشآ ~~معا تحت سقف واحد؟ ألم يلعبا جنبا إلى جنب طيلة أيام الحداثة؟ # عندما بلغ الفتى الرابعة عشرة وترك المدرسة لينخرط في سلك الموظفين كانت ابنة أديب ~~في الثالثة عشرة من عمرها، وكان جمالها قد برز ms48 بأبهى ما به وارتسمت عليه أمارات الزهو ~~والسرور. # كان للفتاة صوت جميل يملأ منزل العملة بعذوبته المسكرة، وكانت تتغنى به طيلة ~~ساعات النهار؛ وعندما بلغت الخامسة عشرة وبرزت ذات صباح بثوبها الطويل وشعورها السوداء ~~كانت كأنها ملاك من ملائك الجنان. # شعر القرويون الفتيان أنهم ينقادون بفطرتهم الساذجة إلى تعشقها والميل إليها ~~وفيهم الغني والجميل؛ ولكن والدها كان يجيبهم بالسلب على طلبهم يدها مدعيا أنها ~~لا تزال صغيرة. # كانت أحلام الوالد بابنته كبيرة وكان يهيئ لها مهرا يتسع لها به أن تقترن بأفضل شاب ~~في لبنان. # ففي أحد الأيام قال لامرأته: إن أراضينا لا تغل علينا ما يكفي مئونة الحياة وما ~~يتطلبه منا مستقبل فتاتنا؛ فلقد خطر لي خاطر عظيم وهو أن أبذر في كل مكان بذورا ~~مختلفة من الحمص والعدس وما شاكل ذلك، وأذهب إلى بيروت حيث أتفق مع كبار التجار على ~~أن أرسل إليهم كميات كبيرة من هذه الأصناف، فبهذه الطريقة نتوصل إلى الثروة في وقت ~~قريب. # وما عتم أن أخرج فكرته هذه إلى حيز العمل، فقلب أرضه بمساعدة كثير من الفلاحين، ~~وكان هو وامرأته يديران دفة الأشغال، فينهضان باكرا ويصرفان النهار كله في مساعدة ~~العملة وإرشادهم وتشجيعهم، حتى إذا جاء المساء اتجه الجميع إلى خوان مركز على ~~براميل أربعة تحت شجرة الطلح، فجلس أديب في الوسط وسكب الخمرة في الكئوس. # كان معظم هؤلاء العملة من الأرمن قادهم الأمل بالأرباح إلى سهول لبنان. ~~••• # كل مساء عندما يعود فريد إلى المنزل يجد الأولاد الأحداث ينتظرونه أمام القنديل فيجلس ~~إليهم ويشرع يفسر لهم أمثولاتهم ويساعدهم على حل الأرقام الحسابية، ففي ذات ليلة ~~بينما كان الفتى يشرح كيفية رقم من الأرقام شعرت الفتاة الزرقاء بأنه يخطئ فقالت له: ~~إنك تخطئ يا فريد فما الذي يشغل فكرك؟ وبمن أنت تحلم؟ # كان يسمع ضحكة الفتاة ابنة أديب وصوتها العذب يتصاعدان من النافذة المجاورة! آه، إنه ~~لم يكشف لأحد سر حبه الجميل! بل دفنه في أعمق أعماق صدره! ألم يكن من المضحك أن ~~يحب وهو ms49 الفتى المسخ والفقير؟ ألم يكن من المضحك أن يحب ... من؟ أجمل فتاة ! كان يحبها ~~ويهرب منها خلافا لبعض الفتيان الذين كانوا يختلفون دائما إلى منزل عملة السكة! ~~وكان عندما يرى لبيب راغب المتخرج من جامعة «القديس يوسف» في بيروت، وحامل البريد ~~الفتى الذي خلف عزيزا في وظيفته جميل هاني وغيرهم يترددون إلى منزل عملة السكة، يقول ~~في نفسه: هؤلاء أيضا يفكرون في الفتاة ويحلمون بها! # ولكن بينا أصدقاؤه يحيطون بالفتاة ويتوددون إليها كان هو يمر أمامها بدون أن يلتفت ~~أو أن يوجه إليها كلمة، فتمتعض من تصرفه هذا فتقول له: أتمر بدون أن تحيي ~~يا فريد؟ ألا تقف دقيقة واحدة تحت الشجرة؟ فيجيبها: لا يتسع لي الوقت للتحدث، فالصغار ~~ينتظرونني في المنزل لأشرح لهم أمثولاتهم. ~~- كان يجب عليك إذن أن تحترف حرفة التعليم! يظهر لي أنك تسر جدا بتحليل الأرقام ~~الحسابية والإعراب؟ # وا حسرتاه! لقد نسي فريد وهو مستغرق في تصحيح الإعراب أن يعرب قلبه! # غير أنه كان شديد الفرح في تلك الليلة؛ لأنها كلمته وبسمت له! أجل، لقد كفاه غبطة ~~أن تحدثه وتنظر إليه وتجمع إلى تذكاراته التي يضن بها إلا على الليل هذا التذكار ~~الجميل! # 2 # كانت تلك الليلة شديدة العواصف والأمطار حتى إنها حالت دون رقاد المزارعين في جونية. ~~ولما كان غد أبكر أديب فقطر جواده على العجلة وذهب مع امرأته لزيارة أراضيه والوقوف ~~على الأتلاف. # كانت الشمس تنير بأشعتها المتلألئة بين الغيوم المنهزمة طرق المجاري والأودية التي ~~تخللتها الأوراق والأغصان المتكسرة والأدواح المستأصلة من منابتها؛ وعندما اجتاز ~~أديب بعض كيلومترات بلغ سهوله الواسعة فرأى أن العواصف والسقيط قد أشفقت على مزروعاته ~~فأبقتها ولم يمس الهواء العاصف إلا أسلاك الحديد، حيث اتكأت رءوس الأغراس الخضراء؛ ~~فهتف مسرورا ورفع نظره إلى الله وقال: أحمدك اللهم! لقد أبعدت الضرر عني وكفيتني ~~مئونة الخسائر! ثم ربط جواده إلى شجرة وأخذ يعيد مع امرأته أسلاك الحديد إلى ما كانت ~~عليه ويسندان إليها رءوس الأغراس المنطرحة على الأرض. # كان في طرف الحقل ms50 منحدر يرتفع على مقربة من السلك الحديدي؛ فبعد أن صرف أديب بعض ~~الساعات في العمل جلس على حافة العجلة؛ ليأخذ شيئا من الزاد فخيل إليه أنه يرى عمادا ~~«تلغرافيا» على خط القطار، فأسرع ليتحقق ما رآه فتبين أن زوبعة الليل قد حطمت ~~العماد الكبير فاضطرب اضطرابا شديدا ورجع إلى امرأته وقال لها: يستحيل علينا أن نرفع ~~ذلك الثقل الهائل عن الخط؛ بيد أن الخطر قريب؛ لأن القطار أصبح على وشك الوصول، فما ~~العمل؟ يجب أن ننقذ القطار من الداهية! ... # فقالت المرأة ببسالة قليلا ما تتفق للنساء: يجب أن نجد وسيلة قريبة، يجب أن نوقف ~~القطار. أتعرف بأية واسطة نتمكن من إيقافه؟ ~~- بوضع علم أحمر في وسط الطريق. ولكن أين يتفق لنا أن نجد علما أحمر؟ عند هذا خطر ~~له خاطر فجائي فصرخ قائلا: تنورتك الصغيرة! # فلم يكد يتلفظ بهاتين الكلمتين حتى سقطت التنورة الحمراء على قدميها، فأخذها أديب ~~وربطها بقدر ما استطاع إلى مذراة ذات أسنان مستطيلة وركض فاجتاز الحقل حتى بلغ المنحدر ~~فتسلقه إلى الخط حيث ركز علمه الأحمر! # بعد مرور خمس دقائق أبصر سائق القطار العلامة الحمراء فأوقف الآلة تجاه حقل أديب. عند ~~هذا شرع الزوج وامرأته يقصان على مسمع السائق كيفية الحادثة، فنزل أحد المفتشين من ~~القطار وبعد أن استجلى الحقيقة شكر الزوجين على صنيعهما الحميد قائلا لهما: لقد ~~أنقذتما القطار من خطر عظيم أيها الباسلان! فلولا علمكما الأحمر لما نجت مئات من ~~الأرواح! فسأطلع الشركة على جميلكما هذا! # في تلك الآونة كانت رءوس المسافرين تطل من نوافذ القطار وقد ظهرت على محياها ~~أمارات السرور وخرجت من أفواهها عبارات الشكر والثناء. # أما القروية فلم تتردد أن نزعت قماشتها الحمراء عن أسنان المذراة ورفعت على ~~مرأى من الجميع وهي تبتسم ابتسامة جذابة تلك التنورة المرقعة، تنورة القروية ~~اللبنانية التي أنقذت القطار. # أقام سكان منزل العملة حفلة جميلة لعائلة أديب في المساء نفسه، وبعد ثمانية أيام ~~جاء السيد راغب إلى أديب وقال له: إن الشركة مقرة بجميلك وهي تتوسل ms51 إليك أن تقبل ~~منها جائزة قدرها خمسون فرنكا. فغضب بطرس عندما شعر بزهادة المبلغ وقال: خمسون فرنكا! ~~خمسون فرنكا فقط لقاء تضحية كهذه! إن كفاء الشركة لكفاء زهيد! # فعارضه أديب قائلا: لم أفعل ما فعلت في سبيل المال يا سيدي المدير، ولكني لا ~~أرفض مكافأة الشركة؛ لأنها غنية ... بشرط أن يصرف هذا المبلغ في إقامة مأدبة لعمال ~~السكة تتصدرها أنت يا سيدي المدير؛ لكي يتم فرحنا بك. # آه! إن الخمسين الفرنك التي سمحت بها الشركة لا تكفي لدفع نفقات الوليمة! ولكن ~~عائلة أديب، تلك العائلة المضيافة، قلما أمسكت كيسها عن أحد. ~~••• # كانت الليالي عذبة مسكرة في شهر أيار الضاحك؛ ففي ذات ليلة مد الخوان تحت شجرة ~~الطلح المزهرة، فجلس رئيس المحطة في مقدمة المدعوين؛ وكانت السيدة أديب تذهب ~~وتجيء من المطبخ إلى الخوان فتحث النساء على الأكل وتملأ القناني الفارغة أو تسكب ~~الطعام في الصحون، في حين يكون الدسم ينشد في المقلاة فوق نار مضطرمة. # عند هذا كانت روائح أردية شفافة معطرة بعطر قديم تفوح من النساء وتمتزج بأشذاء ~~العناقيد المتدلية من شجرة الطلح أو بأريج الأوراق الذابلة على خصر الفتاة ابنة ~~أديب. # أما النساء فكن مرتديات أجمل ثيابهن في تلك السهرة، حيث برزت السيدة فارس بردائها ~~البسيط وشعورها الكستنائية، كأنها تسترجع عهد شبابها القديم. # والسيدة بطرس بثوب العرس الأسود وقد رث وتخرق فجمعت أطرافه المخرقة ~~بدبابيس وغطيت بأقمشة مزركشة. # وكانت عائلة عزيز من المدعوين إلى تلك الحفلة العائلية فجاءت من جونية، حيث كانت قد ~~استوطنت وابتاعت بيتا صغيرا تحيط به الجنائن والكروم. لا تسل عن فرحها برؤية ~~العملة بعد غيبة طويلة، فأخذت تحدثهم عن مزروعاتها ومواشيها الصغيرة وأولادها ~~الذين وطدوا دعائم مستقبلهم. # أما نجيب فكان يتحدث إلى الرئيس في حين كان بطرس ذو المزاج السوداوي يسخر من ثوب ~~امرأته الجميل، ذلك الثوب الموثقة أطراف خرقه بالدبابيس. # وفي طرف الخوان كان الفتيات يضحكون بملء أشدقاهم، بينهم ابنة أديب التي كانت تلج ~~على جميل الموظف الجديد في الشركة وتجتهد في استمالة ms52 أبصار فريد. # وعندما أوشكت الوليمة أن تنتهي أخذ البعض يتناشدون الأشعار ثم نهضوا للرقص، ~~فأبعدوا المناضد إلى ناحية من الفسحة واصطف العجز على قدم الجدار ليفسحوا مجالا ~~للراقصين. # دارت حلقة الرقص بين القرويين والقرويات فجلست السيدة فارس والسيدة أديب في ~~الظلمة، وأخذتا تنشدان بصوت بطيء أغاني «دبكة» يعرفها الجميع في القرية، في حين كانت ~~العاملات ينحنين على عتبة المطبخ ليتفرجن على الرقص بدون أن يتوقفن عن غسل الصحون ~~وتنشيفها. # في تلك الآونة كان القمر هلالا ينفذ أشعته الفضية من بين الأغصان، فتطفو على الساقية ~~ذات المياه الرقراقة وتعيرها لمعان الزجاج عندما تنعكس عليه أشعة الشمس. # لم يكن فريد يحسن الرقص، فكان جالسا على قدم الجدار مع العجز ينظر إلى ابنة أديب ~~تدور إلى ذراع جميل هاني كأنها خيال أبيض يطفو على ظلمة الليل؛ وكان يتبع بنظراته ~~حركاتها الخفيفة العذبة، وقد جمعت إليها مهابة المساء وأسرار القمر، فأكسبتها ملامح ~~جنية ذات جواذب شعرية غميضة، فتمنى لو أتيح له أن يصرف الليل كله في النظر إلى ~~تينك القدمين اللتين تلامسان الأرض بخفة الطائر. حتى إذا انتهت الفتاة من الرقص ~~تحولت إلى فريد وقالت له بغنج: ألا تود أن ترقص يا فريد؟ ~~- لم أتعلم الرقص. ~~- تعال معي أعلمك إياه بسهولة. ~~- لا، أخاف أن يضحكوا مني. ~~- إني ألومك يا فريد، فالرقص جميل! ... ولا يجمل بك أن تبقى إلى جانب هؤلاء العجز ~~بينما الجميع يرقصون ... ~~- لا، ليس من المحزن أن أبقى على ما أنا! ... ~~- أنت دون الثامنة عشرة يا فريد، والذي ينظر إليك يظنك في الأربعين، ثم إني لا ~~أعرف ما يروق لك، ولقد تبين لي أنك تكره كل ما يلذ لغيرك. ~~- ومن قال لك ذلك؟ ... ~~- إذن فأنت تحب الزهو والشمس والأزهار؟ ~~- كثيرا! ~~- إذا كان ذلك فأود أن أسرك وأنور أفكارك. # قالت ذلك ونزعت الأزهار من خصرها وألقتها بين يديه وهي تنشد أغنية جميلة، فتشنجت ~~أصابع الولد المضطربة على الأزهار الملساء التي كانت على وشك الذبول؛ ثم انتصب على ~~قدميه وقد خيل إليه أنه يسمع ms53 أصوات شبابه تصرخ في حنايا نفسه. وفجأة ضم ~~الأزهار إلى صدره وانسل بعيدا عن العملة حتى دخل غرفته الصغيرة ليجلس وحيدا مع ~~أفكاره! # في تلك الدقيقة كان القمر يملأ بأشعته الزرقاء الطافحة بالأحلام تلك الغرفة الضيقة، ~~فجلس الولد على حافة السرير وفي يده الأزهار العطرة وأخذ يتسمع إلى نداء عذب يتصاعد ~~من قلبه. # كان ذلك النداء أصوات السعادة! # ثم استسلم للبكاء فتناثرت الدموع على الأزهار العطرة فقال: رب، أهذا هو ~~الحب؟ # 3 # كانت السيدة بطرس مستلقية على كرسي من قش تقص على مسامع جاراتها رواية غرامية ~~قرأتها في جريدة «البرق»، حتى إذا وصلت إلى هذا المقطع: شعر المركيز الشاب بأن ~~فخا سريا قد انفتح تحت قدميه فسقط في هوة عميقة ... قاطعها جميل هاني بقوله: عن ~~أي مركيز تتكلمين يا سيدتي؟ ~~- عن الذي قرأت حوادثه في «البرق». ~~- آه! كنت أظنك تقصين حكاية حقيقية! ... # فرفعت السيدة بطرس نظرات ملؤها الشاعرية إلى نجوم الليل وقالت: إن القصص الحقيقية ~~لا تلذ كغيرها من القصص الخيالية يا سيد هاني، ولكن اصمت! ... فأنا أقول ذلك بصوت ~~خافت؛ لأن زوجي لا يزال يعتقد أنني امرأة خيالية. # فقال نجيب: إن زوجك غائب الآن! ~~- ما الذي اضطره إلى البقاء في المحطة حتى هذه الساعة المتأخرة؟ # فأكد لها جميل هاني بقوله: ليس زوجك في المحطة، فلقد مررت بمكتبه منذ هنيهة فلم ~~أجد أحدا. فنهضت السيدة بطرس قلقة البال وقالت: إذن فأين هو؟ إنني لم أره منذ الظهر! ~~ولكن لا بأس، بشرط ألا يكون مريضا! وعلى كل فأنا ذاهبة إلى المحطة لأعرف سبب تأخره! ~~فقالت النساء بصوت واحد: إنا نتبعك! # أما نجيب فاستلقى على ظهره من الضحك وقال: أنت لا تجهلين أن زوجك يحب رفع ~~الكأس من وقت إلى آخر، فهو بدون شك في خمارة يوسف. # فقالت السيدة أديب باحتقار: في خمارة يوسف؟ أويجوز لموظف في الشركة أن يتمرغ ~~بين الرعاة وسواقي العجلات في خمارة يوسف؟ # فقال جميل: ربما ذهب إلى جونية بدون أن يخبر أحدا من أصدقائه، فأنا لا أذكر ms54 أني ~~أبصرته في القطار الأخير، ولا ريب أنه ذهب في عجلة البريد بعد القطار . # عند هذا أسرع الرجال للاستطلاع، فقيل لهم: إن بطرس ليس في المحطة ولا في الخمارة، ~~فلم يترددوا أن بدءوا يبحثون عنه على طرق الأسلاك الحديدية حيث تكثر الأخطار وتتوالى ~~الحوادث؛ فتمتم فريد في مسمع نجيب قائلا: إن شبها غريبا تبينته بين بطرس وبين ~~مسافر ركب هذا المساء قطار باريس. والحق أقول: إنه لو لم يكن هذا المسافر مرتديا ~~برنسا رماديا وقبعة من قش لما استطعت أن أفرق بينه وبين بطرس. ~~- إن ما تقوله يا عزيزي لفظيع، فلا تردده على مسمع أحد من الرفاق، وتعال معي ~~نطلع السيد راغب على ذلك. # فعندما سمع الرئيس ملاحظة فريد قطب حاجبيه وقال: إن هؤلاء الرجال لخطر عظيم على ~~الإنسانية، فهم يلقون بذور الثورة في كل مكان. # ثم دخل الثلاثة إلى مكتب بطرس فرأوا قبعته وسترته ذات الأزرار الصفراء مطروحتين ~~بدون ترتيب تحت المنضدة. # فتساءل السيد راغب قائلا: لماذا يا ترى طرح إلى الأرض ثياب مأموريته؟ # ثم أسرع إلى الدفاتر في الصندوق فرآه فارغا فضرب المكتب بقبضته وقال: لقد نهب كل ~~شيء وفر هاربا! # بقي نجيب وفريد في مكانهما لا يبديان حركة وقد شعرا بأنه من العبث أن يدافعا عن ~~بطرس. # ثم تأوه فريد وقال: يا لله! بأي حزن ستتلقى السيدة بطرس هذا النبأ ~~المشئوم؟ # فأجابه السيد راغب: إن لهذه السيدة يدا في الأمر. فالسيد بطرس لم يكن رجلا شريرا ~~بل كان محبا للهو، محبا للكسل. إلا أنه كان في بادئ أمره نشيطا لا يدخر وسعا ~~في إرضاء رؤسائه، كان طماعا يرغب في الحصول على وظيفة سامية في الشركة؛ ومع كل هذا ~~كان يستهون العمل فيسد بذكائه ورشاقته ما كان ينقصه من الغيرة والاجتهاد. # ربي بطرس في كنف عم كاهن قديم فاستقى منه شعائر مسيحية صالحة، ولو عرفت امرأته ~~كيف يجب أن تتعهد نفسه وتمحو سيئاته بإرشاداتها لكان رجلا كاملا. # آه! أف من النساء الخياليات، النساء المختلطات، اللواتي لا يعرفن واجباتهن ms55 نحو ~~أزواجهن فيستسلمن إلى الأهواء ويطفئن إيمانهن غير مكترثات للعواقب الوخيمة! # آه! إن هؤلاء الجاهلات يمهدن لهن مستقبلا ملؤه الدموع والدماء! # فضرب نجيب يدا على يد وقال متأوها: يا للأسف! ماذا يحل بهذه المسكينة التي لم ~~تتعود مصائب الحياة إذا لم يرجع بطرس ويندم على ما فعل؟ ماذا يحل بها وبولديها إذا ~~تركها تتخبط في ظلمات المصائب التي تنتظرها؟ # ففكر الرئيس هنيهة وقال: إن من الواجب أن نسعى لمساعدة هذه العائلة المسكينة. فلو ~~عرفنا أين هو بطرس وأعدناه إلى وظيفته قبل أن تتبلغ الشركة أمر هربه فتطرده لقمنا ~~بهذا الواجب بأسرع ما يتسع لنا؛ فالسيد بطرس رجل طيب وما دفع إلى هذا العمل إلا في ~~ساعة جنون طرأ عليه، ولا أظنه يتمنع عن الرجوع إلى صوابه إذا نصحه صديق مخلص وخاطبه ~~بلغة العقل الصائب. يجب أن نقوم بهذا الواجب يا نجيب. ~~- إن بطرس لم يترك لنا عنوانه يا سيدي المدير، فيتعذر علينا اكتشاف مقره وتذهب ~~مساعينا أدراج الرياح. ~~- من يعلم؟ ربما نتوصل إلى معرفة ذلك بواسطة امرأته؛ فهي تجهل كل شيء، ولكنها ~~تعطينا تعليمات صحيحة عن عادات زوجها وعلاقاته، وعن الأصدقاء الذين يعرفهم في صوفر أو ~~في عالية أو في بيروت. ~~••• # عندما رأت السيدة بطرس أن زوجها لم يحضر مع العمال الذين ذهبوا للبحث عنه قلقت قلقا ~~شديدا وقالت: لماذا تخفون عني حقيقة الأمر؟ ... فهل حدث لبطرس حادث مشئوم؟ أجيبوا حالا! ~~فهل هو مريض؟ ... أو جريح؟ ... # فأدخلها الرئيس إلى مكتبه وبعد أن هدأ خاطرها أطلعها على كل شيء، فصرخت المرأة ~~الجميلة قائلة: لا يا سيدي، إن زوجي لرجل شريف فلا يرتكب مثل هذه الفظاعة! فتنهد ~~الرئيس وقال: عسى أن يصدق ما تقولين! # فتحولت السيدة بطرس إلى الحاضرين وقالت لنجيب: ما لي أراك لا تنتصر لبطرس يا نجيب؟ ~~ألست أعلم به من سواك؟ ~~- إن من ينتصر لرجل يا سيدتي يجب عليه أن يتحقق براءته. أنا لا أجهل أن أهواء النفس ~~تعمي أبصار الرجل أحيانا وتخنق فيه صوت الضمير والعقل! ولا أنكر ms56 أننا معرضون جميعا ~~للوقوع في مكايد الحياة. # وهذا ما يمنعني عن أن أحتقر زوجك أو أدينه؛ إلا أنني أتكلم فقط عن حادث وقع، وهو ~~أن بطرس قد هرب هذا المساء ... وتريننا نجتهد في إخفاء الأمر عن الشركة، ونسعى لاكتشاف ~~مقر زوجك وإعادته إلى وظيفته؛ ولكن نحتاج إلى إشارة منك ... # واستطرد الرئيس قائلا: أجل، فأطلعينا على حالة زوجك في الأيام الأخيرة، ومن كان ~~يعاشر في جونية. لقد قال لي رفيقه في المكتب: إنه كان يكتب رسائل عديدة. أكان يحب ~~أولاده؟ أكان يهتم بهم؟ ~~- أجل، كان يذهب إلى جونية وكان يحب أولاده، إلا أنه لم يكن يقبلهم لقذارة ~~ثيابهم. ثم إنه كان لا يجد شيئا في البيت يتفق مع ذوقه، وكنت لا أقوم بعمل يرضيه ~~فيغضب علي ويشتمني، كان يعتبر كل ما يلذ لي جريمة فيأخذ علي قراءتي الروايات ~~وانهماكي في التطريز. # أما أغنياته الدائمة فكانت: ما هذا الخلل في البيت؟ ... ما هذا الإفراط في المعيشة؟ ... ~~ما هذا التهاون؟ ... # وكنت قد تعودت احتداده وغيظه فلم أكترث لشتائمه مهما كانت شديدة! آه! ما كنت أدري ~~يوم ذاك أنه أصبح يميل شيئا فشيئا عن تعلقه بي وبولديه، وأنه يبحث عما يسليه بيته ~~ويبغضه عائلته! # ولكن لا أصدق ذلك، فالذي ينهج هذا المنهج يجب أن يعدم حاسة الشرف والضمير! إنني ~~أعرف زوجي حق المعرفة، فهو لا يرتكب فظاعة كهذه! ويتركني عرضة للمصائب مع ولدي ~~الصغيرين! ... # قالت ذلك وانطرحت على مقعد من جلد أخضر قربه إليها رئيس المحطة، واستسلمت ~~للبكاء والشهيق فجعلوا يلاطفونها ويهدئون روعها، إلا أنها لم تتعود في حياتها أن ~~تسطو على تأثراتها وتدفع المصائب بروح صلبة ورباطة جأش، فأخذت يداها تضطربان اضطرابا ~~شديدا واهتز جسدها من قمته إلى قدميه، فخشي الحاضرون أن يصيبها نوبة عصبية ~~فحملوها إلى منزلها حيث بقيت جاراتها ساهرات أمام سريرها طيلة الليل. # في أثناء ذلك تفقد الرئيس ونجيب دفاتر بطرس وأوراقه فثبت لهما أنه صحب معه مبلغ ~~أربع مئة وستين فرنكا كانت في صندوقه، فقال الرئيس: ليس في الأمر ms57 فرار فقط بل سرقة! ... ~~فأنا مضطر إلى التصريح بها أمام الشركة! مسكينة هذه المرأة ، فسيلحق بها وبولديها عار ~~عظيم فوق أحزانها وتعاستها ... # في تلك الآونة كان فارس واقفا لا يتكلم إلا بما يراه مفيدا فعندما سمع كلام ~~الرئيس قال: ألا ترى أن في أكياس العمال ما يضارع مبلغ أربعمئة وستين فرنكا؟ وأننا ~~نعدم الشعور إذا لم نجتهد في جمعها لإنقاذ شرف هذه العائلة المسكينة؟ # فقال نجيب: لقد كان بطرس التعس رفيقا لنا؛ ففكرتك جميلة يا فارس وشريفة، وسأقوم ~~بجمع الجبوة بنفسي. # فقال الرئيس وقد اغرورقت عيناه بالدموع: إن من العزاء أن يصادف الإنسان في طريقه ~~قلوبا شريفة كقلوبكم يا أصدقائي! أجل لقد أصبتم! فلنعطف على البؤساء؛ ولننحن فوق ~~المصيبة بعاطفة ملؤها الاحترام. قم بجمع الجبوة يا نجيب، والذي تحتاجون إليه لاكتمال ~~المبلغ يدفعه لكم رئيسكم القديم ... # كان الهزيع الثاني من الليل قد فات، ولكن لم ينم أحد في منزل العملة إلا السيدة ~~بطرس المسكينة تحرسها جاراتها ويعتنين بها. # هز نجيب كرم العمال فتناثرت الدريهمات من أكياسهم، تلك الأكياس التي تحتوي على ~~التقتير القليل! إذ إن مجرى الإخاء كان قد تدفق من جميع القلوب الورعة. عند هذا أخذ ~~نجيب المبلغ ونزل إلى المحطة ليضعه بين يدي السيد راغب فتبعه فريد وقال له: أود أنا ~~أيضا أن أهب حصتي، فخذ كل ما في كيسي! # فتوقف نجيب وشخص إلى الولد بنظرات ملؤها الإعجاب وقال: أجل يا عزيزي فريد، إن ما ~~صنعه العمال هذا المساء لعمل شريف! ما ضرنا إذا كانت حياتنا ضيقة بائسة وأفكارنا لم ~~تنبت في المعارف والعلوم، ففي قلوبنا شعائر ترفعنا إلى مستوى أسمى من مراتبنا، وتضعنا ~~في أوج عال لا تبلغ إليه حظوظنا! # 4 # مرت أيام عديدة لم يظهر بطرس في خلالها. وفي ذات يوم تلقت امرأته كتابا من ~~بيروت جاء فيه أن خلل بيتها دعاه إلى النزوح إلى أميركا، حيث مهد له أحد أصدقائه ~~مركزا يليق به وأنه لا يعود إلى لبنان قبل مرور عشر سنوات. # وبعد أيام جاء ms58 أهل السيدة بطرس إلى جونية ليأخذوا ابنتهم وولديها، فعندما عرف ~~الأب وهو في العقد السابع من عمره تفاصيل الحادثة أخذ يبكي حتى انتحب وقال: إن ~~الأربع المائة والستين الفرنك سترجع إليك بكاملها، إلا أنني أطلب منكم مهلة ~~لوفائها، فأنا طبيب لا أملك مالا وعندي بنتان لا تزالان في البيت! آه! يا أصدقائي، ~~إنكم سعداء ببناتكم فهن يشتغلن ويساعدن آباءهن العجز إذا لم يتوفقن إلى ~~أزواج صالحين. أما نحن فبناتنا لا شاغل يشغلهن إلا التطريز والعزف على «البيانو» ~~حتى يصادفن الفتيان الأغنياء، وهؤلاء يميلون غالبا عن اللواتي لا مهر لهن. # تركت السيدة بطرس جونية في منتصف شهر أيار قبل أن يخلف أحد زوجها في وظيفته. فأخذ ~~فريد على عهدته القيام بالوظيفة غير عابئ بالأتعاب والجهود التي تستوجب لذلك. فكان ~~المدير يقول له: إن حميتك لا تلبث بدون مكافأة يا فريد، فالمفتش يتفحص عنك كلما زار ~~الإدارة وستجازى عن قريب جزاء تستحقه غيرتك ونشاطك. # كان الفتى يجتهد في عمله ويسعى في إرضاء رؤسائه بما أوتيه من الحذاقة والنشاط، وكان ~~وهو في مكتبه يفتح من حين إلى آخر درجا سريا ويأخذ منه كتابا من الشعر يضم نخبة ~~صالحة لأكبر شعراء العصر. كان فريد قد استظهر معظم هذه الأبيات الرقيقة، وبما أنه كان ~~يستعذبها عهد إليها بكنزه الثمين، وهو زهرة ذابلة وضعها بين طيات الكتاب ففاحت ~~عطورها وامتزجت بأشذاء الأرواح المتنقلة بين سطوره. # كانت هذه الزهرة ذخيرته الوحيدة التي بقيت له من ابنة أديب، فكان يقبلها قائلا: ~~أتراها تحبني؟ أتراها تعطف علي؟ # فهذه الزهرة الذابلة كانت تكفي لأن تنير مكتبه الساكن في ليالي الربيع وتضيء في ظلمات ~~حياته المملة المتعبة! إلا أن فكرة أليمة كانت تعذبه وهي أنه لا يجرؤ أن يكاشف ~~الفتاة بسره! ... ~~••• # جاء عيد العنصرة فتأهب الزائرون صباح الاثنين وذهبوا لحضور القداس في كنيسة «سيدة ~~حريصا»، وكان بينهم السيدة فارس وأولادها والسيدة أديب وزوجها ومعظم عملة السكة ~~الحديدية؛ فعندما بلغوا إلى قمة الجبل تراءت لهم الكنيسة مشرفة على واد من أخصب ~~أوداء ms59 لبنان تتخلله المياه الزرقاء وتضيع بين الأدواح المسنة في مطارح ~~الحقول! # انتهى القداس فجلس الزائرون على الأعشاب أمام الكنيسة ليتناولوا طعام الصباح، ~~وكانت الطيور تزقزق على الأغصان فتمتزج نغماتها برقرقة المياه في الجداول ~~الصغيرة. # وعندما أوشكت وليمة العملة أن تنتهي بسط لبيب راغب بضاعة الحلويات أمام ~~أصدقائه. # في تلك الآونة كانت الفتاة ابنة أديب زاهرة زاهية، وكانت عيناها المخمليتان ترسلان ~~إلى قسمات وجهها أشعة صفراء ذهبية. أما فريد فكان ينظر إليها سرا وقلبه طافح ~~سرورا وغبطة فيقول في نفسه: إنها لا تعرف ما إذا كانت تحبني أم لا، ولكن يخيل لي ~~أنها ستحبني عن قريب. # فرغ الجميع من الطعام فتاهوا في الحدائق الكثيفة بين الصخور والكهوف التي تكتنف ~~الكنيسة. كانت الكهوف مظلمة باردة، فدخلت الفتاة إلى أحدها ولم تكد قدمها تلامس ~~حجرا باردا حتى صرخت مذعورة وأخذت يد فريد الذي كان واقفا إلى جانبها وقالت له: ~~إنني خائفة يا فريد فاحرس علي! # فقال لها بصوت خافت تراوده نبرات عاطفة صحيحة: لا تخافي فأنا هنا! # وكانت يد هذا المنقذ تضطرب اضطراب الورقة في يد الفتاة! فقالت له: إنك تضطرب يا ~~فريد، فهل أنت خائف مثلي؟ ~~- آه! ألا تدركين أن الاضطراب يحدث أحيانا من شدة الفرح؟ # فقادته إلى خارج الكهف وبأسرع من الوميضة أفلتت يدها من يده وركضت إلى أمها ثم ~~أخذت تقفز مع الفتاة الزرقاء وشقيقيها الصغيرين. # ففكر فريد في نفسه وقال: إنها تحاول أن تخفي ميلها ولكنها فهمت رغبتي. آه! ~~بأية ثقة وهبتني يدها! بأية عذوبة كلمتني وبسمت لي! إن هذه البسمة لا تقدر ~~أن تخدعني ... فهي تحبني! ... # ولكن بعد مرور ثوان قلائل في حين كان فريد يسرح أحلامه التائهة في مطارح الأشجار ~~أبصر فتاة في ميعة عمرها جالسة أمام قدم شجرة، وإلى جانبها فتى جميل ساجد على قدم ~~واحدة، يعلق زهرة حمراء بين شعورها الحالكة، وسمع الفتاة تقول له: إذن فأنت تحبني من ~~عهد طويل؟ أعد على مسمعي ذلك! ~~- أجل، أحبك! أحبك من عهد طويل! فيجب عليك أن تنتظريني ms60 بضع سنوات حتى أكمل دروسي؛ ~~فستمسين امرأتي يوما! امرأتي الحبيبة! ... # فابتعد فريد منكسر القلب؛ لأنهما كانا لبيب راغب وابنة أديب! # 5 # بعد مضي وقت قصير من ذلك التاريخ طلب جميل هاني الموظف الثاني يد الفتاة ابنة ~~أديب، وكان شابا حسن الذوق لين العريكة في السادسة والعشرين من عمره، تعلقت به ~~عائلة أديب وتوسمت فيه عريسا صالحا للفتاة؛ إلا أن هذه رفضت طلبه بالرغم من ~~توسلات أهلها وإصرارهم، فتركوا لها فرصة أسبوع تفكر فيها، ولكنها صرحت لهم بأنه ~~من العبث أن تتحد به فقطعوا الرجاء. # عندما قطع بالفتى أحس بأن شعائره قد مست فهجر منزل عائلة أديب وسكن عند ~~بوليت، فأثار هذا المنهج مكمن الاستياء من صدور العملة، فقالوا للسيدة أديب: إن ~~ابنتك قد أخطأت خطأ عظيما؛ لأنها لن تجد أفضل من جميل هاني زوجا لها؛ ثم إن ~~منهجها هذا يدفع الجميع في جونية أن ينسبوا إليها الكبرياء، إنك تدللينها فلا ~~تدعينها تغسل الصحون بيدها مخافة أن تسود أو تتجهم؛ كوني على ثقة بأن طالبي ~~الزواج يعرفون ذلك، ويعرفون أيضا أن فتاة نشأت على مثل هذه التربية لا تلبث أن تصبح ~~معجرفة متصلفة؛ ولا يجهلون ما يتوجب لها من الحلي والزين، وأن ابنة ساذجة مقتصدة ~~أفضل بكثير من ابنة لا تعرف جمالا إلا جمال البهرجة الفارغ ... # فلم تكترث السيدة أديب لهذا الكلام فأجابتهم: كونوا على ثقة يا أصدقائي بأن ابنتي ~~لا تعدم قرينا صالحا. أفلا ترون الفتيان يتسابقون إلى منزلنا ويحيطون لها إحاطة ~~السوار بالمعصم؟ فهذا شكيب النجار وعيسى الموسيقي واسكندر ابن الحلاق، فما على ~~ابنتي إلا أن تومئ بإصبعها لتحظى بالذي ترغب فيه؛ إلا أنها لم تكترث مرة لهؤلاء ~~الثلاثة ولم تحدثها نفسها يوما بأن تلتفت إليهم التفاتة واحدة. ~~••• # مضى عام كان نادر الشتاء فيبست مزروعات أديب وحلت به خسائر جمة حتى اضطر إلى ~~بيع أراضيه لوفاء ديونه، عند هذا تحول المعجبون عن الفتاة؛ لأنها أصبحت بلا مهر، ~~فقالت أمها ذات يوم: إن ابنتنا تهزل من يوم إلى يوم! آه! ms61 ما ضرنا لو زوجناها ~~قبل هذه الحوادث التي طرأت علينا! ما ضرها لو اقترنت بجميل هاني ! ... إنها لتخاف ~~المستقبل فتضعف وترق ... # لا، إن الفتاة لم تكن تأسف على تحول القرويين الفتيان عنها، بل إن حسراتها ~~كانت بسبب لبيب راغب الذي كان قد ترك المدرسة منذ الصيف الماضي ليتابع دروسه في ~~بيروت. # كانت الفتاة ابنة أديب قلقة البال لا يهدأ لها روع ولا يقر لها قرار فتشجعت ذات يوم ~~وذهبت إلى السيدة فارس وأطلعتها على سبب حزنها ثم قالت لها: أود أن تكتبي لي ~~وتسأليه عما عزم أن يفعل. ألم يطلب مني أن أنتظره؟ لقد انتظرته ورفضت أيدي الطالبين ~~لأجله! # أما السيدة فارس فلم تتردد أن كتبت له كتابا رصينا، وبعد أيام قلائل جاءها جواب ~~مطول مبهم، هذا فحواه: # سيدتي الفاضلة # لا يمكنك أن تتصوري كم كانت مفيدة لي نصائحك وتوبيخك! فأنا أستحق بعضها ~~ولي حاجة قصوى بالبعض الآخر. أجل، كنت رصينا يوم حريصا، وكنت أحب الفتاة ~~أو بالحري كنت أعتقدها حبا، تلك العاطفة المضطرمة التي تأججت برهة في ~~مخيلتي الحديثة. في ذلك العهد كنت لا أزال في مدرسة جونية وكنت لا أعرف ~~فتاة إلا تلك الابنة اللطيفة التي كانت رفيقة حداثتي، فضلا عن أنني كنت ~~أجهل متطلبات الحياة فلم أنظر إليها بسوى مقلة شاعر لا يدرك عواقب الأمور. ~~إلا أن الأشهر القليلة التي صرفتها في بيروت بين فتيان أكثر حكمة ودراية ~~مني فتحت لي غلف عيني وأرتني حقيقة الحياة كما هي، لا كما يتصورها ~~الخياليون. أجل يا سيدتي، إن اتحادي مع الفتاة ابنة أديب يكون سببا لشقائي ~~وشقائها وحجر عثرة في طريقي وطريقها؛ لأن ذوقي لا يتفق مع ذوقها وأفكاري لا ~~تتفق مع أفكارها، فابنة أديب جميلة وجذابة عند العملة في جونية وليس في ~~قاعات بيروت ومنتدياتها؛ فالأفضل أن نضع حدا بيننا وأن يتجه كل منا ~~إلى الوجهة التي قدرت له، أشكرك يا سيدتي على تكرمك بأن تكوني صلة بيني ~~وبين الفتاة لا تعدم وسيلة من أن تقول لها الحقيقة ms62 وتعزيها. قولي للصديقة ~~ابنة أديب لتنسيني! ... # فتنهدت الفتاة وقالت في نفسها: آه! أجل، سأنسى! سأنسى بسرعة ! # كان الغضب يثور ثورته في مكمن عواطفها، ذلك لأنها انتظرته مدة طويلة وكانت تبني ~~عليه آمالها الكبيرة وتتوسم في زواجها حياة ملؤها السعادة والهناء، فأحبطت تلك الآمال ~~في ساعة واحدة وتهدمت مباني أحلامها خشبة خشبة! # أجل، نحلت الفتاة الجميلة فتحولت عنها نواظر العشاق في حين كانت رفيقاتها ~~القرويات قد زففن معظمهن إلى فتيان صالحين وبقيت هي رهينة البيت، هي التي طالما ~~خسفهن جمالها! # ذات يوم كانت تتيه في ساحة المنزل فسمعت أحد الناس يقول: فتاة بلا مهر فتاة بلا ~~راغبين! ... # فتأوهت وقالت في نفسها: إذن فلا حب في هذه الحياة؟ أليس من يحبني؟ ... # وفجأة مرت على وجهها أخيلة فكرة فقالت: بلى، فريد! إنه لم يفاتحني بذلك ولكني ~~تبينت حبه مرارا! # ثم أسرعت إليه فرأته منحنيا على جدول ماء يركز دولابا أزاحه التيار عن مكانه، ~~فنادته بصوت خافت، فالتفت إليها فقالت له: لقد سقطت ثمار الخوخ تحت الشجرة ولم أملأ ~~سلتي هذا المساء، فتعال ساعدني لئلا يعتقد والدي أنني أتهاون في عملي! # قالت ذلك وتواريا في الروض المجاور، كان الروض ملآن بأقفار النحل يفوح منه أرج العسل ~~والسكر، وكانت أغراس القرع الأحمر تزحف على الحضيض الجاف، والحرازين العديدة تركض بين ~~الحجارة والصخور، وتتسلق الجدران ذات الألوان الذهبية. فعندما بلغا إلى شجرة الخوخ ~~وضعت الفتاة سلتها على الأرض وجلست على جدار صغير بدون أن تكترث للثمار وقالت: فريد! ~~فريد! إني شقية تعسة! ... # ثم أطلعته على كل شيء بجرأة غريبة، واستطردت قائلة: لقد أصبحت أحتقره وأبغضه، ولا ~~أريد أن أسمع عنه شيئا! ... ولكن حالتنا الرقيقة أبعدت عني كل محب حتى أصبحت يائسة ~~من الزواج! # فتمتم فريد بصوت مختنق قائلا: أما أنا فأعرف واحدا يحبك يا حضرة ~~الفتاة! # فأجابته محدقة فيه: هذا أنت! لقد حزرت ذلك قبل الآن ... فاسمع: أنت لا تزال حديث السن ~~يا فريد وعمرك لا يزيد عن عمري أكثر من سنة واحدة؛ فيجب علي أن ms63 أصبر حتى تعود من ~~الجندية. إلا أني لا أجهل خصالك الشريفة ومزاياك، فهي أسمى من جواذب لبيب راغب ~~المتكبر، تلك الجواذب الخارجية التي لا جوهر لها؛ نعم، إني بحاجة إلى حبك يا فريد! ... ~~فمد لي يدك واتخذني خطيبة لك! ... # ثم بسطت له يدها فأخذها بيد مضطربة وعيناه تنثران الدموع وقال: أنت خطيبتي! أنت ~~خطيبتي! ... # وكانت أسراب النحل توارت في الفضاء المعطر بنكهة الثمر والخوخ المتساقط من ~~الأشجار. # 6 # باع أديب أراضيه الواسعة وكرومه العديدة ولم يبق له إلا بقعة صغيرة من الأرض عزم ~~أن يشتغلها مع امرأته؛ عند هذا ألقيت مصالح البيت على عاتق الفتاة، فاضطرت أن تقوم ~~بغسل الصحون وتنظيف النوافذ ونشل الدلاء من البئر حتى إنها سئمت هذه الحياة التي لم ~~تتعودها، فأصبحت تغفل كنس بعض الزوايا القذرة وترتيب الثياب وإعداد الأواني، ولا ~~تنتبه إلى ملحوظات أمها في ذلك. # أما الفتيات فكن يستغربن توددها إلى فريد الذي كانت تزدريه فيما مضى فيقلن في ~~نفوسهن: إن فقر والديها بدل طباعها القديمة وقادها إلى الإدراك، فأطماعها ~~الماضية قد انطفأت اليوم وأصبحت لا تنظر إلى أعلى من مستواها. # وأما جميل هاني الذي لم يكن قد انتهى إليه اتفاقها مع فريد فقد حاول أن يعود إلى ~~التحبب إليها. # ففي ذات يوم بينما كانت الفتاة واقفة في غرفة الانتظار في المحطة تترقب حضور ~~البريد فتح الباب وبرز منه رأس جميل هاني، فانفتلت الفتاة من مكانها إلا أنه تقدم إليها ~~باسما وقال: لماذا تتبرمين مني يا حضرة الآنسة؟ ~~- لأنك حردت علي منذ سنتين. ~~- لا، لم أحرد عليك مع أنه كان يحق لي ذلك. ألم ترفضي يدي؟ ألم تكرهي قربي؟ ألم ~~يزعجك وجودي في منزلك؟ ~~- إن أحقاد الرجال لشديدة! والذي تقوله لي الآن قديم جدا يا سيد هاني. ~~- أما جمالك الذي يزداد يوما عن يوم فليس بالقديم يا حضرة الآنسة. # فاحمر وجه الفتاة من شدة الفرح وقالت: ولكن البعض يقولون: إنني نحلت وأصبحت ~~شاحبة اللون ... ~~- نعم، وسبب ذلك هو أن من يكون في عمرك يحتاج ms64 إلى سلوى، فأنت تصرفين أيامك بالحزن ~~والكآبة كالزاهدات. اسمعي، فستقام في الأحد القادم حفلة لطيفة في جونية فهل ~~تحضرين؟ ~~- لقد وعدني والدي بأن يصحبني معه. ~~- إذن فذكريه بالوعد ولا تحرميني من الرقص معك في الحفلة. ~~- بطيبة خاطر. ~~- وهل تحقق لك الآن أنني سليم من الأحقاد؟ ~~- بدون شك! # عندما جاء الأحد توسلت الفتاة إلى والدها أن يصحبها إلى الحفلة فنزل عند توسلاتها ~~فرقصت مع جميل هاني في وسط القاعة على مشهد من الحاضرين. # كان فريد في مكتبه يوم ذاك فلم يشهد الحفلة؛ وكانت الفتاة قد طلبت منه أن يستأذن ~~مديره ليذهب معها فأبى ذلك قائلا: إن السيد راغب سيبقى في المحطة، فإذا رجوت منه ~~أن يسمح لي بذلك فيشك برصانتي ويعتقد في ما لا أود أن يعتقده. # آه! كان فريد مجردا من حاسة الزهو، وكانت كلمة «الواجب» منطبعة على شفتيه. # أما جميل هاني فمع تعلقه بوظيفته وانتباهه إلى واجبه كان يعرف أن يعطي لكل ~~ساعة حقها؛ فلا يفوته أن يعطي ملحوظاته إلى ابنة أديب ويقول لها مشيرا إلى ثوبها ~~الحريري: هذه الشريطة تليق بردائك وهذه لا تليق به إلى ما هنالك من المجاملات التي ~~تستحسنها النساء. # أما فريد فلم يكن له أقل ذوق في ذلك، فلقد قال ذات يوم للفتاة لبيبة: إنني ما ~~أحببتك مرة كما أحببتك وأنت مرتدية ثوبك اليومي وقبعتك الصفراء. ~~••• # أخذت الفتاة تفكر في أمرها منذ ذلك اليوم وقد استاءت من نفسها؛ لأنها أسرعت في ~~إعطاء وعدها لفريد بدون أن تتروى في الأمر. # وفي ذات يوم شعر الفتى بأن جميل هاني أصبح يتردد كثيرا إلى منزل أديب فجاءها ~~غاضبا وقال لها: إن الفتاة التي ترفض يد شاب لا يحق لها بعد ذلك أن تستقبله في ~~بيتها! فأجابته الفتاة: إن ما تقوله الآن لعادة قديمة! ~~- قديمة عندك وحدك! فلقد تراءى لي أنك تتوددين إليه. ~~- لأنه لطيف معي يا فريد، فهو يختلف عنك اختلافا واضحا! فأنت لا تفتح فمك إلا ~~عندما ترغب في التوبيخ! ~~- يا لبيبة! ~~- أجل، إن اصطلاحاتك في ms65 الحب قد بدأت تزعجني يا فريد! ثم يجب عليك أن تعرف أنك في ~~التاسعة عشرة من عمرك ولا يتسع لك أن تتزوج قبل انقضاء خدمتك في الجندية ... فأنا لا ~~يسعني أن أبقى مدة طويلة في منزل والدي حيث أراني أفني شبابي في العمل الشاق كأحقر ~~الخادمات! ... ~~- ولكن أتعتقدين أنك تتملصين من الخدمة في بيتك عندما تتزوجين؟ ~~- لا أدري إلا أنني سأكون سعيدة باتحادي مع جميل هاني! ... # قالت ذلك وأعطته ظهرها وانسلت إلى غرفتها بدون أن تكترث به. # فأطلق فريد زفرة محرقة في صدره وقال: لقد أصابت! فستكون سعيدة مع جميل! إنها لا ~~تحبني! ... فأنا فقير وسمج! إلا أنها خطيبتي، ألم تعدني بالمحافظة على عهدها؟ # ثم اتجه إلى غرفته واتكأ على حافة نافذته يفكر! وبعد هنيهة سمع لغطا تحت شجرة ~~الطلح فشخص إلى مصدر الحركة فأبصر المدير وجماعة من النساء بينهن السيدة أديب ~~رافعة ذراعيها إلى السماء وهي تقول: يا إلهي! ... يا إلهي! ... # فأطلت السيدة فارس من الباب وسألت قائلة: ماذا جرى؟ # فصمتت الأصوات! وساد السكون! # فاقتربت السيدة فارس من الجماعة وقالت مذعورة: إن في الأمر حادثة تتعلق بي! قولوا ~~حالا! فهل طرأ طارئ على فارس. # فقال لها المدير: هدئي روعك! # فقالت: ولكن تكلم! لا تخف! هل طرأ طارئ؟ ~~- أجل، طارئ! ~~- أطلعني عليه! هل مات فارس؟ ~~- لا لم يمت، ولكنه يطلب أن يراكم وهو الآن في مستشفى «بيروت» فعجلوا بالذهاب حالا ~~قبل أن يفوتنا القطار. # فألحت النساء بمرافقتهم ولكن السيدة فارس رفضت ذلك وقالت: لم يبق لدينا من الوقت ~~إلا خمس وثلاثون دقيقة فجيب أن تساعدوني. فتقدم فريد من المدير وسأله قائلا: كيف وقع ~~الحادث يا سيدي؟ ~~- آه يا ولدي، لقد أمسكت الحقيقة عن هذه المسكينة! إن فارس قد أصيب بحروق فظيعة ~~في حين كان يقوم بواجبه، وهو الآن في المستشفى يتردد بين الموت والحياة، ولكن حالته ~~تنذر بخطر عظيم، وقد لا يمضي عليه وقت قصير حتى يسلم الروح! # 7 # وصلت السيدة فارس وأتباعها إلى المستشفى فوجدت زوجها في حالة خطرة؛ ms66 فعندما أبصر فارس ~~امرأته وأولاده ضمهم إليه وقال: لست آسفا على حياتي؛ لأنها كانت سعيدة ~~وصالحة! # ثم التفت إلى فريد وقال له: لقد أصبحت رجلا يا فريد فأنا أعهد إليك بعائلتي. # قال هذا وضم الصليب إلى صدره الميت واستطرد قائلا بصوت لا يزال قويا: إلهي! ~~لقد قمت بواجبي بدون أن أفكر بهم! ... إلا أنني أموت مغبوطا؛ لأني واثق بك، عالم ~~أنك لا تميل عنهم في طريق الحياة. # تلفظت شفتاه بهذه الكلمات وأسلم الروح! # صدرت أوامر الشركة بأن يحتفل بمأتمه احتفالا مهيبا، فمشت فيه الجموع المؤلفة من ~~رؤساء الشركة ومديري مكاتبها وتلامذة الفنون والجمعية الكاثوليكية بأعلامها؛ وكانت ~~الأكاليل تتراكم فوق الأكاليل، وقد كتب على بعضها هذه العبارة الملأى بالشعور الحي ~~والإقرار بالجميل: إلى الشهيد الذي مات في سبيل إنقاذنا! # مشت الجموع الغفيرة في هذا المأتم حاسرة الرأس خاشعة الطرف وعندما وصل الموكب أمام ~~المحطة لفظ رؤساء الشركة مراثيهم، في حين كانت امرأة الميت وابنتها وولداها يصغون إلى ~~المراثي بخشوع واحترام، وقد أمسكوا الدموع مهابة وإجلالا مخافة أن يدنسوا بها هيبة ~~البطولة الراقدة. # وقف الرئيس أمام عجلات القطار الملأى بالزهور وصرخ قائلا: إن هذا البطل الشهيد لم ~~ينل وسام الشرف ولكن حسراتكم وإعجابكم قد دفنته في كفن المجد. أجل، إن التضحية في ~~سبيل الواجب لأعظم من رموز البطولة؛ وموت هذا الرجل الباسل أحق بالإكرام من موت ~~الجندي في ساحة القتال! ... # عندما وقف القطار أمام محطة جونية انطلقت الدموع من العيون والزفرات من الصدور، في ~~حين كان القرويون والقرويات يلقون الأزهار على التابوت، وقد قطفوها من حدائقهم ~~وسهولهم. # وبعد ساعة حملت الجثة إلى مقبرة القرية حيث وقف الرؤساء ثانية وودعوا الراحل ~~بمراث مؤثرة! # إلا أن راغب تقدم إلى الحفرة وعلى محياه أمارات الأسى يعلوها اصفرار غريب، ورفع ~~رأسه في الشعب ثم بسط ذراعه فوق الضريح وقال بصوت تخللته الدموع: وداعا يا فارس! ~~وداعا أيها البطل! وداعا أيها الصديق! ليس الرؤساء أو الرفاق هم الذين يبكون عليك ~~الآن، بل الإخوة المحبون، الإخوة المعجبون! إنا ms67 آسفون عليك من صميم أفئدتنا ولكننا ~~من صميم أفئدتنا مفتخرون! أنت راحل إلى حيث تكافأ كفاء يليق بك ، بعد أن تركت لنا ~~مثلا شريفا يقوينا على التمسك بالواجب! لا يا فارس إن العملة الذين يحيطون بك ~~الآن لن ينسوا تضحيتك العظيمة الملأى بالأمثولات الصالحة. ارحل! ... فلقد وفيت ما عليك ~~للمجد، وبذرت بذور الجهاد المقدس في صدور إخوانك! ... وداعا يا فارس فلقد عرفناك ~~حق المعرفة وأحببناك! ... # 8 # لقد أصبحت رجلا يا فريد، فأنا أعهد إليك بعائلتي! هذه الكلمات التي تلفظ بها فارس ~~الميت أقلقت بال فريد قلقا أليما! أعهد إليك بعائلتي! عبارة مريبة رسمت هذا الولد ~~الفتى أبا عائلة وهو في التاسعة عشرة من عمره. # إن يتيم أمس، ذلك الفقير المعدم، أصبح اليوم مضطرا أن يدفع إلى عائلته ~~المتبنية ذلك الدين الثقيل، دين العرفان بالجميل! فكان يقول في نفسه: يجب أن أفرح! ~~فعندما كنت في الثانية عشرة وهبت كل ما لدي للعالم ليتسع لي يوما أن أعضد ~~عائلة فارس وأقف لها حياتي وقواي! لقد سنحت لي الفرصة اليوم؛ فذلك المحتضر عهد إلي ~~بعائلته فيجب أن أحقق أحلامي الماضية ولو قامت دونها مصاعب الحياة! ... # رضي فريد بكل هذا فأضحى يحافظ على عائلة فارس محافظة الوالد على أولاده؛ عند ذلك ~~شعرت الفتاة لبيبة بأنه فقير لا يملك شيئا، وأن على عاتقه حملا ثقيلا ربما ينوء ~~تحته فأخذت تميل عنه شيئا فشيئا؛ لأنها ترغب في البهرجة عن الحياة الساكنة! # أيعدل الفتى عن ابنة أديب أم يخون عهده وينكث بوعده للميت؟ فكرة طالما تنازعت فريدا ~~الصغير وهو مستغرق في تأملاته! فكرة طالما أسهدته الليالي وحيدا على حافة ~~سريره! # آه! إن الشاب ليحتاج إلى بعض السعادة في حياته! # ففي ذات يوم بعد أن قهر الولد نفسه وانتصر على تلك الأنانية التي تزحف حتى إلى ~~النفوس الكريمة الطيبة، التقى بلبيبة وأرجع لها وعدها. # وعندما اختلى بنفسه قال: أية جريرة أقترف إذا قلت لها: لقد أصبح من الصعب علي أن ~~أقترن بك وأكون لك زوجا؛ لأنني رضيت بأثقال ms68 تلك العائلة؟ ثم عاد إلى نفسه فقال: وإذا ~~بقيت تحبني؟ إذا قالت لي بكل ما في قلبها من الألم : إذا حق لك ألا تضحي بنفسك فهل ~~يحق لك أن تضحي بي؟ إذا قالت ذلك فماذا أجيب؟ # أجل، كان لا بد للبيبة أن تقول ذلك لو كانت تحب فريدا، ولكن هذه الفكرة لم تخطر ~~لها، فاحمرت وتضايقت عندما سمعته يحطم قيود حبه بكلماته النهائية، تلك القيود ~~التي حطمتها قبله في ساعة من ساعات كبريائها! ولكنها قالت له: إنك مديون بكثير من ~~الواجب لعائلة فارس! ... ولا يمكنك أن تتملص من وفائه! ... وعندي أن من الجبانة والجحود ~~ألا تقوم بوعدك وتساعد هذه العائلة المنكودة، فالرجل أفضل له أن يضحي بسعادته من أن ~~يرفض تتميم ما عليه من الواجبات المقدسة! # ثم أضافت إلى ذلك قولها: أنا لا أجهل أنك كنت تحبني ... وأثق كل الثقة بأنك تسعدني لو ~~اقترنت بي. # فتشجع فريد وأجابها: إن لك من يحبك غيري، فتقدرين أن تتزوجي من جميل هاني فهو قد ~~أنهى خدمته العسكرية ويستطيع أن يقترن بك بوقت قريب ... ~~- آه! أتوسل إليك ألا تعيد على مسمعي مثل هذا الحديث! # كانت حركاتها تحاول أن تخدعه بالحزن إلا أن بريق عينيها كان يخون حالة نفسها ~~فتلمع فيه هذه الكلمات: لقد كنت حاجزا لي وحجر عثرة يا فريد! أما الآن فقد انسحبت ~~من طريقي؛ لأن الشرف والواجب أوجبا عليك أن تنسحب! لقد أصبحت حرة بفضل شرفك ~~وواجبك، فأود أن أتزوج بأسرع ما يمكنني، فلقد كفى بنات جونية هزءا بي! ... # عرف فريد أن يقرأ ما في عيني الفتاة إلا أنه هرب من أمامها منكسر القلب دامع ~~المقلتين! ~~••• # بعد مرور أيام قلائل طلب فريد إحالته من وظيفته إلى وظيفة أسمى فقال له المدير: ~~أصبت يا عزيزي فقد حق لك أن ترتقي في مهنتك بعد أن خدمت في جونية خدمة نشكرك ~~عليها ويشكرك جميع رؤسائك؛ فاكتب طلبك لأصدق عليه وأساعدك بكل ما يتسع لي. # كان فريد شديد الاضطراب فرغب أن يهجر جونية قبل أن يأذن ms69 وقت خطبة لبيبة؛ وعندما ~~أطلع السيدة فارس على عزمه النهائي وأخبرها أنه ضمن مستقبله، عاد إلى حزنه واستسلم ~~للآلام الشديدة! إلا أنه شعر بعد ذلك بحاجته إلى المؤاساة فاتجه ذات مساء من أيام ~~الخريف إلى قبر فارس ليبحث عن عزاء هناك. # كانت المقبرة الصغيرة قائمة في وسط حقل قريب من القرية وقد تخللتها الصلبان السوداء ~~وحفت به الأعشاب المزهرة وساد عليها سكون مهيب! # سجد فريد أمام الضريح حيث حفرت هذه ~~الكلمات: # هنا يرقد فارس الذي مات موت البواسل. # لقد نسي نفسه لينقذ الغير، فالله لن ينساه؛ فليرقد بسلام! # وبعد أن صلى فترة قصيرة تنهد ~~وقال: # أيها المستريح في كنف السلام هبني قوة أنتصر بها على ضعفي. # أيها الرجل الفدائي، يا من نسيت نفسك لتنقذ الغير امنحني أن أنسى نفسي ~~وآلامي وغرور الحياة! ولا تضن علي بتلك الصلابة التي تمكنني من القيام ~~بواجبي حتى النهاية. # إيه صديقي فارس، إن مستقبلي يتراءى لي فارغا وحياتي لا عذوبة فيها! # ثم أجهش بالبكاء والنحيب، وقد لذ له أن يستسلم للحسرات أمام الضريح وفي سكون ~~الحقل! # كان يظن نفسه وحيدا لا عين ترقبه؛ لأنه لم ير خيال ولد لطيفا يقترب منه بين ~~أشجار السرو. # كان هذا خيال الفتاة الزرقاء وقد جاءت لتزين ضريح والدها بطاقات من الأزهار حملتها ~~تحت ذراعيها. # وقفت الفتاة وراء فريد وقالت له بصوت ملؤه الحزن: لماذا أنت تبكي يا فريد؟ # فانتبه الولد من غيبوبة الحزن وقد استغرب نبرات الفتاة، إلا أنه لم يلبث أن عاد إلى ~~نحيبه بأشد مما كان عليه، فاستطردت قائلة: لقد تغيرت طباعك منذ أيام يا فريد ... ~~فلماذا طلبت إحالتك من جونية؟ أبودك أن تهجرنا؟ ~~- أجل! ~~- ولكن لماذا أنت حزين إلى هذا الحد؟ ماذا صنعوا بك؟ ~~- أشياء لا أستطيع أن أقولها لك! ~~- آه! أتظن أنني لم أحزر؟ إنني في الثالثة عشرة من عمري يا فريد! أترغب في أن أقول ~~لك ما هو سبب شقائك؟ هو أنك تحب لبيبة وهي لا تحبك! ... ~~- أجل، لقد حزرت ... ثم إنها تحب فتى ms70 سواي وتريد الاقتران به! ~~- مسكين أنت يا فريد! ~~- آه! لقد أخطأت بقولي لك ذلك! ... لأنك لا تدركين هذه الأمور . ~~- بل أدركها، فلقد أصبحت في عمر أستطيع به أن أفهم آلامك وأرثي لك. ~~- إن عطفك ليواسيني يا عزيزتي، ولكنني استسلمت لآلامي استسلاما لا يحق لي. ~~أتريدين أن أساعدك في وضع الأزهار على الضريح؟ ~~- بطيبة خاطر؛ ولكن أحتاج إلى ماء عذبة أملأ بها آنيتي. ~~- إذن فاتبعيني. إن بالقرب من جدار المقبرة ساقية ماء صغيرة. # كانت الساقية مختبئة تحت أغراس الخيزران ونباتات النعنع فانحنى فريد فوق الماء ~~الجارية ليملأ الآنية الصينية وجلست الفتاة على الأعشاب وأخذت تهيئ أزهارها. # كانت أغراس المقبرة قد لامستها أنامل الخريف فغطت الأرض بثوب من الأوراق الذهبية ~~فقالت الفتاة الزرقاء: إذن تود أن تهجرنا يا فريد، وتترك البيت حزينا بعدك؟ # فأجابها الفتى بشيء من الحدة: ولكن سيحتفل بخطبة لبيبة في ذلك البيت! لا، لا أقدر ~~أن أرى تهيئة ذلك العرس! آه يا عزيزتي! أنت لا تدركين ما هو الحب! ... # فتركت الفتاة الأزهار تسقط من يدها ونظرت إلى السماء بعينيها الأثيريتين، وبعد أن ~~وقفت صامتة أمام السر العظيم، شاخصة إلى الغيوم التائهة قالت بصوت ساذج مضطرب طفت ~~عليه عذوبة المساء: ما هو الحب يا فريد؟ ~~- الحب؟ آه! وهل أنا أدري ما هو الحب؟ هو أن ينتظر الإنسان سعادة تجعل الحياة ~~جميلة وعذبة ولا يجد إلا مصائب وآلاما! هو الليل الذي يهبط بعد الفجر! # عند هذا أخذت الفتاة تفكر! ثم رفعت إليه نظرها وقالت: ألا يقدر الإنسان أن يحب ~~مرتين يا فريد؟ ~~- لماذا تسأليني عن ذلك يا عزيزتي؟ ~~- لأني أراك لا تزال في ميعة صباك ويتراءى لي أنك ستجد في طريقك فتيات يحببنك أكثر ~~من لبيبة! ... ~~- أتعتقدين يا عزيزتي أن الفتى يستطيع أن يحب مرتين؟ لا، إن القلب إذا وهب نفسه لن ~~يرجع عن هبته، بل إنه يختبئ في حب واحد حتى إذا ما هزئ بذلك الحب يجف القلب ويموت ~~كهذه الأغراس التي يذبلها الخريف ثم يجددها الشتاء! # فنهضت الفتاة لتضع ms71 الأزهار على ضريح والدها فتبعها فريد بدون أن يرى الدموع تتناثر من ~~مقلتيها الزرقاوين! # مسكين هذا الولد إنه لم يختبر الحياة ولم يعرف أن الله أجرى في قلب الرجل كما أجرى ~~في الطبيعة ينبوعا من التجدد لا ينضب. إنه لا يدري أيضا أن الربيع يزهر الأغصان ~~كلما أعراها الشتاء! # 9 ~~- إلى اللقاء! ~~- عن قريب! ~~- لا تضن علينا بأخبارك! ~~- وفقك الله! # كان جمهور من الموظفين واقفين على الرصيف يودعون فريدا قبل ذهابه إلى بيروت ليستلم ~~وظيفته الجديدة؛ وكان الرئيس راغب حاملا تحت ذراعه علمه الأحمر وهو يقول: إلى ~~اللقاء أيها الصغير، يجب أن تسير إلى الأمام وتبرهن عن ثباتك وتفانيك. تذكر هذه ~~العبارات ~~الثلاث: # في القطار السريع يتجه المرء إلى واجبه. # في القطار المستقيم يتجه إلى رفاقه. # في القطار البطيء يتجه إلى ملذاته ... # عند هذا تقدم نجيب من فريد وضمه إليه بعاطفة وقال له: كنت لي بمقام ابن حبيب ~~يا عزيزي، فسأذهب عن قريب إلى بيروت لأراك. # تحرك القطار، فأطل فريد من النافذة فرأى الفتاة الزرقاء تبكي إلى جانب أمها ~~الكئيبة فقال في نفسه: الوداع يا أصدقائي المخلصين ويا عائلتي الكريمة! الوداع يا ~~ماضي الجميل! ... # ثم أخذت المحطة تبتعد عنه رويدا رويدا فتضاءلت على نظره الجدران البيضاء ~~والنوافذ الخضراء والأرصفة الضيقة وقصر المياه والحديقة الجميلة حيث ترقد أحلام حداثته ~~العذبة. # عند هذا شخص إلى الأبعاد وعيناه تبحثان عن منزل العملة فأبصر السطح الأسود يتصاعد ~~مظلما إلى سماء تشرين الملأى بالغيوم وشعاع المغيب ينعكس على نوافذ السيدة فارس؛ ~~وتراءت له شجرة الطلح العارية من الأوراق تهزهز أغصانها المستبقية على أطرافها بعض ~~أوراق ذهبية صفراء! # فتنهد الفتى وقال: إيه منزلي القديم! يا مأوى حداثتي وأحلامي! ... # وفجأة استيقظت في صدره حياته الماضية فتذكر أوجاعه وأفراحه ومرت في مخيلته ~~آماله البعيدة وأحلامه اللذيذة المتصاعدة من ظلمات الماضي، فخيل له أنها تتمتم في مسمعه ~~قائلة: أتعرفنا بعد؟ # لم يكن منزل العملة مأوى حداثته الساذجة وشبابه الطافح بالآمال فقط، فكم من ~~فاجعة جرت له بين جدرانه القديمة ms72 وكم من مشهد عذب وحادث رهيب! # شرع فريد يسمي الرجال والنساء الذين عاشوا في ذلك المأوى واحدا بعد واحد، فيستيقظ ~~أمامه في كل اسم تاريخ طافح بالذكريات. إن تاريخ منزل العملة هو مختصر تاريخ ~~الإنسانية جمعاء. # بعد فترة قصيرة توارى المنزل عن بصره؛ فنزع أفكاره من تلك التذكارات المحزنة وعزم ~~ألا يفكر إلا في وكالته الجديدة التي عهد بها إليه. # إن المرتب الصغير الذي منحته الشركة لأرملة فارس سمح لها أن تنتظر فريدا حتى ~~ينهي خدمته العسكرية. # من يدري؟ ربما يرتقي فريد إلى وظيفة رئيس في الشركة ... ربما يتوصل إلى وظيفة مفتش ~~للمعادن. # آه! كان أمله الوحيد أن يتمكن من مساعدة أبناء السيدة فارس؛ كان أمله الوحيد أن ~~يرى بطرس ناجحا في عمله، وبولس كاهنا كما تنبأ له الأب يوحنا! # والفتاة الزرقاء، ماذا يحل بها؟ آه! كان يتوقع لها مستقبلا باهرا ويرجو لها ~~زوجا صالحا تصرف معه حياتها بحب وسلام! ~~••• # اتبع أحلامك يا فريد! فالمستقبل المبهم لن يخون أمانيك! اتبع أحلامك بنشاط وحمية، ~~فلا يعلم أحد في أي طريق يقوده الله! # | خاتمة # مضت سنوات عديدة على ذلك التاريخ فانطلقت الحرب الكونية وأحرقت العالم بنيرانها ~~الرهيبة، عند هذا انقلبت الأحوال انقلابا غريبا فتطوع الأبناء في الجندية ليدافعوا عن ~~وطنهم وأثكلت الأمهات أولادهن وفقدت الزوجات معظم الأزواج. # وفي سنة 1919 انتهت الحرب وعادت السكينة إلى ما كانت عليه، فاحتفل بزفاف شابين في ميعة ~~العمر أحدهما فتى على صدره صليب الحرب هو فريد والآخر فتاة جميلة هي الفتاة ~~الزرقاء. # كانت كنيسة حريصا مزدانة بالأزهار، فصعد الأب يوحنا إلى المذبح وبعد أن تلا صلاة الذبيحة ~~بارك خاتما صغيرا صنع من سهم قنبلة لم تشأ الفتاة الزرقاء أن تأخذ غيره. # وعندما انتهت الحفلة ترك الأقرباء والمحبون الكنيسة وانتشروا على قمة الأكمة المرتفعة؛ ~~فتقدم نجيب وكان قد رجع إلى وظيفته في السكة بعد أن خدم في الجندية وأعطى الزوجين ~~غلافا يحتوي على ورقة بخمس مائة فرنك وقال: هذه قيمة ما اقتصدت في الجبهة، فلا تشكراني ~~عليها، ms73 فأنا لم أشأ أن أتزوج عن جهل وغباوة فاتركاني أتذوق لذة مساعدة الغير. # قال هذا ثم ترك الزوجين في أحلامهما وعاد مسرعا إلى الأب يوحنا والسيدة فارس وقال لهما: ~~لقد أبصرت الموت مرارا في الحرب وأصبت بجراح عديدة، فأنا الآن أشعر بضعف في قوتي ~~وقد لا يمضي علي سنوات قلائل حتى أموت، أما وصيتي فقد سجلتها عند الكاتب العدل، فهي ~~تهب فريدا والفتاة الزرقاء كل ما أملك في الحياة. # وأما أنت يا سيدة فارس فاحرسي عليهما بعنايتك وتعهدي أولادهما غدا بكل ما أوتيت ~~من العطف والحنان، فسوف تستعيدين عذوبة ملاطفة الأولاد قبل أن تعتزلي في الدير، حيث يقودك ~~ابنك عندما يرتسم كاهنا ... # فتفطرت عواطف السيدة فارس ونظرت إلى الزوجين الجالسين على الأعشاب المزهرة جنبا إلى ~~جنب، ثم شخصت إلى ولديها بطرس التلميذ اللامع وبولس المبتدئ التقي وقالت متأوهة: آه! ~~لماذا لا أرى فارسا بيننا الآن؟ ... ولكن لا، فهو هنا! ... أليس كذلك يا سيدي الكاهن؟ أتقدر ~~روحه ألا تكون معنا في مثل هذه الساعة السعيدة؟ آه! إن مشيئة فارس قد تحققت، فماذا ~~صنعنا من الجميل حتى يكافئنا الله بهذه الحسنات؟ # كان الأب يوحنا يصغي إلى كلامها بعاطفة متألمة، فعندما انتهت قال: إنني أتوسل إلى ~~الله يا سيدة فارس أن يزيد ويكثر في هذه القرية كل من يشبهك ويعمل عملك المقدس! ففضائلهم ~~الصامتة وتضحياتهم المظلمة هي قوة عظيمة من قوى الإنسانية؛ ونحن بحاجة قصوى إلى هؤلاء ~~القوم الودعاء؛ لأن عليهم يتوقف مستقبل الوطن! ms74