######OpenITI# #META# URI: 1366IlyasAbuShabaka.Lamartine.Hindawi97573697 #META# Tags: biographies #META# ID: 97573697 #META# Title: لامرتين #META# AuthorID: 95147246 #META# Author: إلياس أبو شبكة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لامرتين في حداثته‏ # لامرتين في طريق النضوج‏ # لامرتين في طريق المجد‏ # لامرتين في ذروة المجد‏ # المقاصد الكبرى‏ # لامرتين في عشرين سنة‏ # خاتمة‏ # لامرتين في حداثته‏ # لامرتين في طريق النضوج‏ # لامرتين في طريق المجد‏ # لامرتين في ذروة المجد‏ # المقاصد الكبرى‏ # لامرتين في عشرين سنة‏ # خاتمة‏ # | لامرتين # | لامرتين # تأليف # إلياس أبو شبكة # | لامرتين في حداثته # 1790-1808 # قبل أن تنطلق الثورة الكبرى في فرنسا كان الشيفاليه بيير ده لامرتين، والد الشاعر، يتظاهر ~~بميل شديد للفكرة الجديدة التي انبعثت منها جذوة المبدأ الثوري، وكان كمعظم أشراف المقاطعات ~~ميالا إلى التفكير الحر، على أنه لم يفقد من صدره إيمانه بالملك والمبدأ الملكي. وهذا ~~الإيمان بالملكية كان راسخا في نفسه، ففي شهر نوار من العام 1792، اتصل به أن العرش في ~~خطر يتهدده، فأسرع إلى باريس ووضع سيفه تحت تصرف الملك، وما لبث أن راح يدافع عن قصر ~~التويلري، فأصيب بجرح وكاد يقع في قبضة الثوار لو لم يخلع عليه بستاني القصر ثوبه ليحجبه ~~عن الأنظار. # على أن سوء الطالع ما لبث أن هدى إليه الثوار في مدينة ماكون، فقبضوا عليه في 5 تشرين ~~الأول 1793، وبقي يعاني آلام السجن إلى 30 تشرين الأول 1794. # من هذا الفارس ولد شاعرنا الكبير ألفونس ده لامرتين، في العاشر من تشرين الأول 1790. ~~قال الكاتب جورج ليكونت، أحد أعضاء المجمع العلمي الفرنسي، في محاضرة عن لامرتين ألقاها ~~مؤخرا في جامعة الأنال: «إن الشاعر ده لامرتين لم يولد في قصبة ميللي كما شاء هو نفسه ~~أن يقول في إحدى قصائده الجميلة، بل في مدينة ماكون. وقد يكون الشاعر أبى أن يعترف بالحقيقة ~~إيثارا لقصبة ميللي التي كان يحبها ويلقبها «بعش الحمام»، والتي كان يرى فيها إطارا ~~جميلا لشواعره.» # وكانت أمه من النساء التقيات المتعبدات، فعلمته عبادة الخالق من خلال الجمال الذي ~~يمزجه الله بالطبيعة، وكانت ميالة إلى الأدب، وتؤثر من رجاله فنيلون وراسين، ومن روائعه ~~أسفار التوراة، وكثيرا ما كانت تقرأ هذه الأسفار على مسمع أبنائها، ومن هؤلاء ألفونس الذي ~~ما عتم أن أشرب ms01 في قلبه الميل إلى الأدب وإلى الشعر بنوع خاص. # فلما بلغ الشاعر الثامنة من عمره، كانت الثورة قد سمحت لبعض الكهنة الذين خضعوا للدستور ~~بأن ينشئوا مدارس في القرى، فدخل ألفونس إلى مدرسة بوسيير التي أنشأها الكاهنان فرنسوى ~~أنطوان ديتر وأنطوان فرنسوى ديمون، وبقي ثلاث سنوات يتردد على هذه المدرسة مع أولاد ~~الفلاحين، فيجتاز كل يوم الطريق المنحدرة من ميللي إلى بوسيير والمغمورة بالثلج طوال ~~أشهر الشتاء. وكأن الأب ديمون شعر بميل خاص إلى الفتى لامرتين، فكان يختصه بعناية ~~كبيرة، فيعلمه الفرنسية واللاتينية بغيرة وإخلاص، ويصحبه معه في نزهاته، حتى أصبح الفتى ~~شديد التعلق بأستاذه الكاهن الشاب، وقد يكون لهذا الأخير على بجوسلين، أو قد يكون هو نفسه ~~جوسلين الذي صوره الشاعر فيما بعد في روايته الشعرية المعروفة بهذا الاسم. قال جورج ~~ليكونت: «لا مشاحة في أن الكاهن ديمون أثر على حداثة لامرتين تأثيرا شديدا، حتى إن سكان ~~ماكون لا يذكرون ذلك الكاهن إلا مرفوقا باسم الشاعر، وحتى إن العابرين في طريق بوسيير إذا ~~سألوا أحد الفتيان عن الطريق المؤدية إلى قبر الأب ديمون في النادر ما لا يجيبهم بسذاجة ~~طبيعية: ضريح جوسلين؟ ...» # وكان ألفونس ده لامرتين كلما كبر تصعب طبعه ومال إلى الاستقلال، حتى لم يجد أهله ~~بدا من إقصائه عن البيت الوالدي وعن أمه التي كانت تغرق في تدليلها إياه؛ ففي شهر آذار ~~من العام 1801 جيء به إلى مأوى لاكاي الذي كان يديره الأستاذ بوبيه وشقيقتاه، إلا أنه لم ~~يستفد كثيرا من تلك المدرسة التي كان يؤمها أبناء الأسر الكبيرة والغنية في ليون، ~~والتي كانت تتقاضى 420 فرنكا كل ثلاثة أشهر، وهو مبلغ كبير إذا قيس بمرتبات المدارس في ذلك ~~العهد. وما هو وقت قصير حتى بدأ لامرتين يشعر بالحنين إلى الطبيعة التي تعشقها في ميللي، ~~ولكنه لم يجد مفيضا من الامتثال لمشيئة أهله، وبقي سنتين متواليتين في ذلك المأوى الموحش، ~~حتى اقتنع أهله أخيرا بأن طريقة الضغط لن تنجح في ولدهم الذي كان ينطوي على أخلاق ms02 وطباع ~~مستقلة حرة، فنقلوه إلى مدرسة بيللي. وإنا لننقل هذه الفقرة من مذكرات والدة الشاعر، قالت: «... وضعت هذا الابن العزيز بين أيدي «آباء الإيمان»، فالدير جميل والبلد جميل ~~أيضا. ولقد زرت المدرسة هذا الصباح، واجتمعت بألفونس، فقال لي إنه مسرور جدا ~~...» # بقي لامرتين في مدرسة بيللي التي يديرها آباء الإيمان من العام 1803 إلى العام 1808، ولقد ~~درس في هذه المدرسة البيان والفلسفة ومبادئ في الحقوق والرياضيات. ويلاحظ من يقرأ لامرتين ~~أن الشاعر يذكر دائما أنه كان تلميذ اليسوعيين، سوى أن أمه كانت أدق منه عندما كتبت في ~~مذكراتها أن بيللي لم تكن مدرسة يسوعية؛ فآباء الإيمان كانوا جمعية مستقلة تأسست أولا في ~~النمسا عام 1799، ثم انتقلت إلى فرنسا في العام 1802 بمساعدة الكردينال فيش، خال نابوليون ~~الأول، فأسست بضعة معاهد علمية سارت فيها على منهاج اليسوعيين. # وفي مدرسة بيللي تعرف لامرتين إلى الكاتب العظيم شاتوبريان الذي استطاع أن يملك الشاعر ~~من جميع أطرافه، ويغرس في نفسه الميل إلى الأدب الرومانطيقي، وهو المذهب الأدبي الجديد الذي ~~اعتنقه أدباء فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر. فقد قرأ «روح النصرانية» وروايتي «أتالا» ~~و«رينه»، وهي مؤلفات شعرية من الطراز العالي أسكرت الشاعر بجمالها الجذاب، وأيقظت فيه جذوة ~~الشاعرية، ولقد أبقى لامرتين من القصائد التي نظمها في المدرسة تحت تأثير شاتوبريان ثلاثا ~~هي: البلبل، الوداع، ونشيد. # البلبل # نشر لامرتين هذه القصيدة في كتابه «مذكرات أدبية»، وقدمها بهذه الكلمة: «وجدت ~~صدفة في حقيبة قديمة ملأى بأوراق قضمتها الجراذين أبياتا في البلبل، لا أذكر أني ~~نظمتها في الماضي البعيد، على أن الخط والورقة الصفراء أكدا لي أن هذه الأبيات إنما هي ~~إحدى لعب مخيلتي الأولى، فأرجو صفحا عن القوافي والوزن.» # وقال يصف العوامل التي دفعته إلى نظم هذه القصيدة: «كانت النافذة القريبة من سريري في ~~قاعة النوم تطل على وادي بوجاي الأخضر، المحاط بأحراج الصفصاف، والمنتهي بجبال زرقاء، ~~يخفق على أكنافها البخار الأبيض المنتشر من الشلالات البعيدة، وكنت كلما رقد رفاقي وبدت ~~لي الليلة قمراء، نهضت من ms03 سريري من غير أن يشعر بي أحد، وتسلقت عضائد الكرسي إلى ~~النافذة، ثم أرسلت نظري في الشفق الهادئ ... أستمع إلى نحيب الهواء، وأناشيد البلبل، ~~وحفيف الورق، وهمس المجاري البعيدة، ورنين أجراس المواشي في الجبال، حتى إذا مليت ~~كل ذلك وذرفت كثيرا من دموع الذكريات، عدت إلى سريري لأستعرض في مخيلتي، في أحلامي ~~المستيقظة، صور تلك الرءوس الجميلة الساحرة.» # نشيد # يصف لامرتين في هذه القصيدة شلالات المياه المتكسرة على صخور وادي بيللي، أما ~~الشعور الذي أوحى إليه قصيدته هذه، فهو أن الطبيعة تحتوي الله وتظهره من غير أن تعرفه، ~~وأن الإنسان يرى الله من خلال الأشياء. # الوداع # ودع لامرتين بهذه القصيدة مدرسة بيللي، التي خرج منها وهو في الثامنة عشرة من عمره. ~~ولقد يرى المعجبون بالشاعر، في هذه القصيدة الجميلة، جذوة الشاعرية التي ستصبح فيما ~~بعد شعلة خالدة تنير طريق الأدب والأدباء. # | لامرتين في طريق النضوج # 1808-1816 # عندما ترك لامرتين مدرسة بيللي كان له من العمر سبع عشرة سنة وثلاثة أشهر، فراح يطمح إلى ~~مركز في العالم؛ والمراكز في ذلك العهد كانت منوطة بنابوليون، ولم يكن نابوليون سوى مختلس ~~في نظر أسرة لامرتين الأريستوقراطية. # ما العمل؟ لم يكن بد من التريث إلى أن يحدث انقلاب ما في الجو السياسي. على أنه لم ~~يكن يرجى انقلاب في ذلك العهد؛ لأن نابوليون كان قابضا على زمام فرنسا بيد من حديد، ولم ~~يكن مر على معاهدة تلسيت سوى بضعة أشهر. وهذه المعاهدة التي جرت بين فرنسا وبروسيا ~~وروسيا، كانت قد سلخت عن بروسيا جميع مقاطعاتها البولونية، فلم يجد لامرتين بدا من ~~ملازمته داره، حيث انصرف إلى المطالعة والكتابة. # ومرت الأيام على عزلته، وكان كلما مر عام أحس بالشاعرية تنضج في روحه على مصابيح ~~الشعراء، رفاقه في عزلته. وكان قد التهم التوراة، وهوميروس، وأفلاطون، وشاتوبريان، ومدام ده ~~ستال، وأوسيان، وروسو، وفولتير، وكثيرا من الشعراء والروائيين الإنكليز، والطليان، ~~واللاتين كفرجيل، ودنتي، وملتون، وأوفيد، وشكسبير وغيرهم. أما الشعراء الألمان فقد أحب ~~منهم غوتي، وتأثر بفرتر التي قرأها ms04 مرارا عديدة إلى درجة أنه أوشك أن ينتحر تمثلا ~~ببطلها. # غرامه الأول وسفره إلى إيطاليا # ما كاد الشاعر يبلغ العشرين من عمره، حتى تعرف إلى فتاة جذابة تدعى هنرييت بوميه، ~~ولدت في أول نوار عام 1790، فكان عمرها يزيد ستة أشهر عن عمر لامرتين، وكانت تجيد ~~الرقص إجادة تامة؛ إذ إن أمها كانت تود أن تهيئها لتكون «أرتيست» في الأوبرا. # قال لامرتين يتكلم عنها في المذكرات التي كتبها بعد خمسين سنة على ذلك العهد: «إن ~~قامتها النحيفة، ومشيتها الرشيقة، وجمال ذراعيها، وتناسق أعضائها، وسكبة قدميها، ولطافة ~~جيدها، وابتسامتها الجذابة، كانت كلها تدل على أنها ستكون نموذجا للراقصة ~~العصرية.» أجل، ونموذجا لعروس الشعر العاطفي أيضا؛ إذ إن جمالها المفكر الجذاب كان ~~يحمل خيالا من الحزن والألم. # وفي مساء أحد الأيام، بعد أن رقص لامرتين مع هنرييت بوميه، وسمعها تعزف على «البيانة» ~~سقط في شرك غرامها وآلى على نفسه أن يتزوجها، إلا أن ثمة عراقيل كانت تحول بينه ~~وبين تحقيق هذه الرغبة؛ فلامرتين الفارغ الجيب، الذي لا مركز له، لم يكن يستطيع أن يجعل ~~فتاة فقيرة لزاما في عنقه، فهام على وجهه تائها في الحقول مع كلبه، باكيا مع الشعراء ~~أوسيان ويونغ وشكسبير! وما عتم الأمر أن أطلع أهله على رغبته في طلب يد هنرييت، فثار ~~ثائر والده وعمه، ووقفا عثرة في وجهه. عند هذا غضب لامرتين الفتى، وصحت عزيمته على ~~الانخراط في سلك الجندية «فإما أن يقتل، وإما أن يحصل على رتبة عالية تضمن حياته وحياة ~~زوجته.» زوجته؟ هكذا كان الشاعر يدعو الآنسة بوميه؛ لأنه كان يعتقد أن لا قوة في العالم ~~تستطيع أن تفصله عنها. # لا قوة في العالم؟ هذا وهم محض ... فلم يمر شهران حتى عدل لامرتين عن عزمه، وراح ~~يفكر في سفرة إلى إيطاليا، في سفرة طويلة تنسيه هنرييت بوميه. # وصل لامرتين إلى روما في أول تشرين الثاني ليلا، ونزل ضيفا على أحد أقربائه هناك، ~~ولكن الوحدة ما لبثت أن أصبحت ثقلا عليه، فجنح إلى نوادي القمار. وفي الثاني ms05 ~~والعشرين من كانون الثاني 1812 كتب إلى صديقه فيريو يقول: «لم أكن أملك فلسا، لو لم ~~أربح أمس أربعين غرشا، ولكن سأخسرها هذا المساء. لعنة الله على كل شيء!» # ولم تمض مدة قصيرة حتى قدم إليه صديقه فيريو؛ ذلك الصديق الذي بقي وفيا له حتى ~~يومه الأخير. # أإلى هذا العهد ترجع هذه القصة التي خلدها لامرتين في روايته «غرازييللا»؟ إذا شئنا ~~أن نصدقه، فنرى أنه صرف أياما عديدة في كوخ أحد الصيادين في جزيرة بروسيدا حيث ~~علقت به فتاة بريئة طاهرة تدعى غرازييللا، ورفضت من أجله أن تتزوج من الصياد بيبو، ~~الذي كان قد خطبها من والديها، ونرى أيضا أن رحيله من الجزيرة أوقع الفتاة في يأس ~~عظيم، فماتت بعد أيام بداء التلاشي والانحلال. # ولكن يغلب على الظن أن غرازييللا هذه فتاة خيالية، تصورتها مخيلة الشاعر في السنة ~~1830، وذكرها في«مطارحاته» في العام 1849. # العودة إلى باريس وإلى عرائس الشعر # ولما عاد لامرتين إلى باريس - وكان صديقه فيريو قد عين قبله كاتم أسرار في السفارة ~~الفرنسية في البرازيل - شعر بثقل الوحدة يضغط على نفسه، ويزداد ضغطا من يوم إلى يوم، ~~فترامى بين أذرع العرائس الشعرية، وراح ينظم القصائد الكئيبة، التي أكد الشاعر فيما ~~بعد أنه أحرقها كلها. # على أن هناك بضعا من القصائد يرجع عهدها إلى ما قبل العام 1816 ترى مدرجة في ~~ديوانيه «التأملات» و«االتأملات الجديدة»، وهي قصائد ملؤها العاطفة الكئيبة، التي ~~لازمت الشاعر إلى آخر حياته، وقد يكون استوحاها من حبه لهنرييت بوميه، التي أيقظت في ~~قلبه أولى جذوات الحب. # ولا بد هنا من القول أن لامرتين لم يستوح جميع القصائد التي نظمها قبل العام 1816 ~~من امرأة واحدة شاء أن يطلق عليها اسم «إلفير»، بل هو قد استوحى كثيرا منها من تذكره ~~جميع النساء اللواتي استطاع أن يحبهن في مراحل شبابه الأول، أو اللواتي حاول أن يحبهن ~~ولم يستطع إلى ذلك سبيلا. # وكان بوده أن ينشر هذه القصائد قبل العام 1816، قال: «سأطبع أربعة دواوين شعرية ~~صغيرة، فإذا نجحت كنت ms06 رجلا عظيما، وإلا فتكون فرنسا قد أضافت إلى دجاليها ~~دجالا آخر.» # | لامرتين في طريق المجد # 1816-1820 # بعد أن تأثر لامرتين بمطالعاته وأسفاره، ونضج فيه الميل إلى المطامح الأدبية الكبرى ~~والمطامح السياسية الواسعة، أصبح وهو في السادسة والعشرين من عمره عاجزا عن أن يهيئ له ~~مستقبلا؛ لأنه إنما كان يعف عن أن يحذو حذو هؤلاء المتملقين، الذين استطاعوا بخنوعهم أن ~~يبلغوا إلى المراكز التي طمحوا إليها وهم دونه معارف وذكاء. # إلا أن الأيام لم تلبث أن وفرت له نوبتين أنضجتاه: نوبة عاطفة، ونوبة فكر، فخرج منهما ~~وهو شاعر العصر الكبير ... # أما أساس هاتين النوبتين فكان نفوذ امرأة، هي جوليا بوشو، زوجة العالم الطبيعي الشهير ~~شارل، عضو مجمع العلوم والمعارف، التي ساعدت لامرتين، من حيث لم يقصد، على أن يفتح لنفسه ~~طريق الخلود، والتي خلدتها قصائده الأولى تحت اسم «إلفير». # جوليا بوشو # كانت جوليا بوشو في الثانية والثلاثين من العمر عندما أشار عليها الأطباء بأن تصرف ~~أشهر الصيف في قرية إكس لوبان؛ إذ إن داء الصدر في تلك السنة 1812 كان قد بلغ منها ~~أشده. # صادف لامرتين هذه المرأة في هذه القرية نفسها؛ إذ إن الأطباء كانوا قد أشاروا عليه هو ~~أيضا بأن يصرف أشهر الصيف فيها. ففي العاشر من شهر تشرين الأول، كان لامرتين يتنزه ~~على بحيرة بورجه في إكس لوبان، فالتقى زورقه زورقا صغيرا كان يقل جوليا بوشو، وإذا ~~بزوبعة شديدة قلبت الزورق الصغير، وجعلت المرأة في خطر. # أتراها سقطت في الماء فأنقذها لامرتين؟ أم أن لامرتين أدركها قبل أن تسقط وأعانها ~~على ما بها؟ لا نعلم، ولكن الحقيقة هي أن لامرتين كتب إلى صديقه لويس ده فينييت في ~~اليوم التالي يقول له إنه «أنقذ مدام شارل من الغرق.» وزاد على ذلك بقوله: «إن هذه ~~المخلوقة العذبة أصبحت تملأ أيامه، وإنها توشك أن تشفى من مرضها.» ودعا صديقه للحضور ~~إلى القرية ليتحقق ذلك بنفسه. # في الخامس عشر من تشرين الأول، عندما وصل لويس ده فينييت إلى إكس لوبان، كان لامرتين ms07 ~~وجوليا بوشو قد نظما حياتهما في القرية، وكانا قد صرفا مساء اليوم العاشر أو الحادي ~~عشر من تشرين الأول في التنزه بعد العشاء على ضوء القمر، وتبادلا الحديث عن ماضيهما، ~~وعن الملل الذي قاسياه والآمال التي ينتظران تحقيقها. وفي ذلك المساء نفسه صحت عزيمة ~~الاثنين على أن يكون كل منهما للآخر، فتحافظ هي على حبه، ويحافظ هو على ~~حبها. # وكانت جوليا بوشو تزيد لامرتين ست سنوات؛ إذ كانت هي في الثانية والثلاثين، وكان هو ~~في السادسة والعشرين، فأكدت له أنها ستحرص عليه كما تحرص الأم على ولدها، وأنها ~~ستساعده على إيجاد مركز له، لما كان لزوجها الشيخ البالغ الحادية والخمسين من النفوذ في ~~فرنسا. # وفي السادس والعشرين من تشرين الأول طوت جوليا بوشو (إلفير) جناحيها الملائكيين ~~لتعود إلى باريس، فشيعها لامرتين إلى ماكون، ورجع إلى ميللي ينتظر الرسالة الأولى ~~التي وعدته بها. وما هي إلا أيام قلائل حتى قدم الشاعر إلى باريس، وظهر في منزل ~~جوليا، حيث بقي أياما عديدة. # كان كل مساء يذهب بها إلى النزهة، فتتكئ على ذراعه نحيلة صفراء، وتستسلم إلى ~~أفكارها السوداء ... أما العابرون فكانوا يخالونهما أخا وأختا، ويظنون أن لامرتين شقيق ~~محب ساهر على نقاهة أخته، إلا أن الفناء كان يقضم ذلك الهيكل الهزيل، فلا تطلع الشمس ~~إلا على جسد أخذت الليلة الفائتة حصتها منه. ولما اضطر لامرتين إلى أن يعود إلى ~~أشغاله تواعدا بلقاء في إكس، وأعطته دفترا صغيرا من «الماروكان» الأحمر ليملأه بما ~~يوحيه إليه فراق «إلفير». # كان لامرتين أمينا على الوعد؛ ففي الحادي والعشرين من شهر آب صعد إلى إكس لينتظر ~~جوليا، إلا أن آماله ذهبت أدراج الرياح؛ فقد تناهى إليه أن الحمى تفتك بها فتكا ~~ذريعا، ولا سبيل إلى وصولها إليه، فهام على نفسه يفكر في «الغائبة»، وفي نفسه ما فيها ~~من الشجون واليأس. # وكان في القرية، أو في المنزل الذي يقيم به، فتاة تدعى ألينور كانوننج، تعرف إليها ~~صدفة، فلم يكتم عنها عذابه ويأسه، ولم يرفض رغبتها إليه في التنزه ms08 ساعة على ضفاف ~~البحيرة في إكس. # كان الصيف يذيب عواطفه العذبة على بحيرة بورجه، فاستسلم لامرتين إلى الذكريات، وما ~~هي هنيهة حتى شعر برعشة سرت في جميع مفاصله، فاستأذن الآنسة وانصرف عنها إلى خلوة على ~~الضفة الشمالية من البحيرة، حيث كان يجلس في الصيف الماضي مع تلك التي ملكت عليه مشاعره ~~وقلبه. # ولم تأذن الساعة السادسة من المساء حتى كان لامرتين قد أفرغ ما كان في قلبه من ~~الدموع، وكأنه شعر بعاصفة من العواطف تنطلق في صدره، فاختلج فترة، وغارت عيناه في ~~محجريهما، فأخذ من جيبه الدفتر الصغير الذي أعطته إياه جوليا، وكتب على الصفحة التي ~~عرضت له هذه الكلمات: «أنا جالس على صخرة الضفة الشمالية أفكر فيك يا جوليا.» إلا أنه ~~تذكر أن جوليا تحتضر، وأن الكلمات الموجعة لم يتلفظ بها بعد، فكتب: «تذكار الأيام ~~الجميلة التي صرفناها معا على شاطئ البحيرة.» ثم أطبق الدفتر وراح يحلم بعض دقائق، ~~وإذا بأغنية تستفيق في قلبه، ففتح الدفتر وفكر فترة من الوقت ثم كتب: # ذات مساء، أتذكرين؟ كنا نعوم بسكون # على أحشاء أمواجك المفضضة بضوء القمر # وعلى دوي الجذافين الضاربين بإيقاع ... # ثم توقف فضرب على البيت الثاني، واستبدل به هذه الكلمات: # ولم يكن يسمع في الأبعاد، على الماء وتحت السماء # إلا دوي الجذافين الضاربين بإيقاع # أمواجك الموسيقية. # ثم بدأ بمقطع آخر: # إن مركبة الليالي الموسيقية # كانت تنير ضآلة شواطئك القفراء ... # وهنا توقف فترة، وكأنه أمسك بأهداب فكرة أخرى، هي أن يدرج في القصيدة «أغنية ~~جوليا»، فكتب: «تابع، تابع مجراك أيها الزورق الشارد.» # ويظهر أن رفاقه في تلك القرية «الصيفية» فاجئوه في تلك الآونة، فأخفى الدفتر في ~~جيبه وعاد معهم إلى المنزل. # وفي اليوم التالي عاد إلى البحيرة من غير أن يشعر به أحد، وأكمل تلك القصيدة الساحرة ~~«البحيرة»، إلا أن لامرتين كان تشبع من روسو وشاتوبريان، فاستعرض في مخيلته «هلويز ~~الجديدة» و«أتالا»، ولكن هذا الاستعراض لم يحل بينه وبين صدقه في عاطفته، وهو ينظم ~~قصيدته على شاطئ البحيرة. # قال لامرتين في ms09 قصيدته «البحيرة»: «ذات مساء، أتذكرين؟» وقال روسو قبل سنوات عديدة: ~~«كنا صامتين صمتا عميقا، وكان دوي المجاذيف ذات الإيقاع المتوازن يهيج في قلبي ~~الرغبة في الأحلام!» وقال شاتوبريان في «أتالا»: «كانت أتالا تنشد فلا يقاطع شكاياتها ~~إلا دوي زورقنا فوق المياه ...» # وبعد يومين ترك لامرتين إكس؛ ليلحق بصديقه فيريو فيذرف بين ذراعيه بقايا دموع غادرتها ~~الأيام في قلبه، أما الداء فكان يسير مسيرته في جسد جوليا التي انقطعت إلا عن الماء، ~~عملا بإشارة الطبيب، وكان لامرتين يعرف حق المعرفة أن الموت يتأهب لاختطاف تلك التي ~~أوحت إليه قصائده الخالدة، فكتب إلى الآنسة كانوننج في الرابع والعشرين من تشرين الأول ~~يقول: «إن التي أحبها فوق كل إنسان في هذا العالم تتلوى منذ أسابيع في نزع أليم، ~~وأراني غير قادر أن أكون بالقرب منها.» # وفي الثامن من شهر كانون الأول فاضت روح جوليا بمهل وسكون، وشفتاها لاصقتان بخشب ~~صليب صغير، وكان طيف لامرتين لا يزايل عينيها في تلك الليالي الأخيرة التي صرفتها، على ~~ما بها من الضعف، في قراءة رسائله وترتيبها بحسب تواريخها، ووضعها في غلافين كبيرين كتب ~~عليهما هذه الكلمات: «أوراق تخص السيد فيريو.» وفيريو هذا صديق لامرتين الأكبر - كما ~~علمنا - ومواسيه في ليالي الدموع واليأس. # | لامرتين في ذروة المجد # 1820-1830 # كان على لامرتين أن يخطو بضع خطوات إلى الأمام؛ لينسى آلامه وبؤسه، فالمجد الذي كثيرا ما ~~طمح إليه في حياته المضطربة وعزلته الموحشة كان على وشك أن يخيم عليه بجناحيه الكبيرين؛ ~~ففي الحادي عشر من شهر آذار من العام 1820، نشر لامرتين ديوانه الأول «التأملات» محتويا ~~أربعا وعشرين قصيدة، ذاعت ذيوعا عظيما، حتى بين الذين لا يأبهون للشعر، فالملك نفسه أثنى ~~عليها ثناء طيبا، وراح أقطاب السياسة يقرءونها ويحفظونها عن ظهر قلب. # وكانت الأميرة ده تالمون قد بعثت بنسخة من «التأملات» إلى الأسقف ده تالليران، أعظم رجال ~~السياسة في ذلك العهد، فقرأها في ليلة واحدة وكتب إليها يقول: «أعيد إليك أيتها الأميرة، ~~قبل أن أرقد، الكتاب الصغير الذي أعرتني إياه أمس، ms10 ويكفيك أن تعلمي أني لم أنم، وأني ~~سهرت إلى الساعة الرابعة من الصباح أقرأ هذا الكتاب وأعيد قراءته. لست نبيا أيتها ~~الأميرة، على أني أؤكد لك أن وراء ذلك الشعور المتدفق من هذه القصائد رجلا رجلا، وسنتحدث ~~عنه بعد.» # وقال تيوفيل غوتيه: «إن التأملات الشعرية هي أعظم أثر شعري ظهر في هذا العصر. إنها لنفس ~~عذب ومحي معا، لا، بل هي خفقان أجنحة تلامس الأرواح! فالشبان والفتيات والنساء هاموا ~~بلامرتين حتى أوشكوا أن يعبدوه! وحتى أصبح اسم الشاعر منطبعا على جميع الشفاه. والباريسيون ~~الذين يميلون إلى الشعر أصبحوا منقادين بفطرة الجمال والإحساس إلى ترديد مقاطع من «البحيرة» ~~في مجالسهم وسهراتهم.» # كان الشعب يجهل لامرتين قبل أن أصدر «التأملات»، غير أن المجتمع الباريسي وأشراف البلاط ~~كانوا يمهدون له الشهرة بكل ما أوتوه من النفوذ العظيم؛ لأن الشاعر كان قد انضم إلى ~~الملكية منذ العام 1816، وتقرب إلى السيدة النبيلة مدام ده ريجكور، الصديقة القديمة ~~للأميرة أليصابات، ومن السيدة مدام ده مونكالم، ومدام ده بروغلي، وتعرف إلى الدوق دورليان ~~والدوق ده مونمورانسي، أعظم رجال فرنسا في ذلك العهد، والدوق ده روهان الذي بقي محافظا على ~~صداقته إلى آخر حياته. # لقد عرفنا أن حب لامرتين لجوليا بوشو أجرى في روحه ينابيع الإحساس، فتدفق الشعر من ~~قلبه كما تدفق من قلب بيترارك يوم أحب لور، ومن قلب دنتي يوم أحب بياتريس؛ فقصائده ~~«البحيرة»، و«الخلود»، و«الهيكل»، و«المصلوب»، و«الرؤيا»، و«الوحدة»، و«اليأس»، و«الإيمان»، ~~هذه القصائد كلها استوحاها الشاعر من حبه لجوليا؛ لإلفير التي كان لها اليد البيضاء في ~~تكوين الشاعر العظيم. # زواج الشاعر # في ربيع العام 1819 تعرف لامرتين إلى الآنسة ماريان إليزا بيرك، وهي فتاة إنكليزية ~~ميالة ميلا شديدا إلى الفنون الجميلة والشعر، فضلا عن أنها موسيقية ورسامة من الطراز ~~الأول، وكانت قد سمعت لويس فينييت، صديق لامرتين، ينشد بعض قصائد للشاعر فأعجبت بها، ~~وأظهرت رغبتها في التعرف إلى ناظمها. وما إن قدر لها ذلك حتى شعرت بميل إليه، ما لبث ~~أن استحال إلى حب، وهكذا مهد ms11 الشعر طريق الزواج للشاعر . # على أن لامرتين لم يشعر في الأول بسوى ميل طفيف نحو الآنسة ماريان بيرك، التي لم تكن ~~على قسط من الجمال، بل كانت على كثير من اللطف والثقافة، وهذه الثقافة لم يكتشفها ~~الشاعر في زوجته العتيدة إلا في صيف العام التالي 1820، فكتب إليها يطارحها حبه ويعرض ~~عليها الزواج، فلم ترفض ... # وكان أن علاقتها بالشاعر أثارت غيرة صديقه لويس فينييت، الذي كان مأخوذا بالآنسة ~~بيرك، فراح يدس بين الخطيب وخطيبته رجاء أن يعكر الماء بينهما فلم يفلح؛ لأن خطيبة ~~الشاعر كانت واثقة من جدارة خطيبها، فلم تزعزعها النميمة. # وفي السادس من شهر حزيران 1820 عقد لهما في كنيسة قصر شامبيري، مأوى آل بيرك. وفي ~~الخامس عشر منه، سافر الشاعر وزوجته إلى إيطاليا ليتسلم وظيفته الجديدة في سفارة ~~نابولي. # كانت زوجته غنية؛ فقد أعطتها أمها مهرا قدره عشرة آلاف ليرة إنكليزية، وكان هو ~~غنيا أيضا؛ فقد وهبه والده قصر سان بوان وثمنه مائة ألف فرنك، على أن يعطي كلا من ~~أختيه أربعة وعشرين ألف فرنك، ووهبه عماه وعمتاه قصرا كبيرا في ماكون، ومبلغا ~~قدره مائة وخمسة وعشرون ألف فرنك. # المشاريع الأدبية الكبرى # على أن لامرتين لم يرتح إلى الإقامة بنابولي؛ وما هي بضعة أشهر حتى مرض بداء ~~الأعصاب، فطلب مأذونية لم يعين مدتها، وغادر نابولي في العشرين من شهر كانون الثاني ~~1821، على أن يمكث في روما بضعة أسابيع ثم يوالي سيره إلى فرنسا بعد أن يصرف بضعة أيام ~~في البندقية. # وإذ هو في الطرق، تفتحت روحه لشعاع داخلي، وراح يحلم بقصيدة رحبة واسعة النطاق ~~يضمنها الرقي البشري منذ فجر التاريخ. # قال: «أشعر بأني صرت شاعرا كبيرا، فلقد بدأت أحلم بقصيدة رحبة كالطبيعة، مفيدة ~~كالقلب البشري، رفيعة كالسماء، ولم يبق علي إلا أن أنتظر ريثما تفسح لي السماء في ~~نظمها.» # بقي لامرتين في روما من أواخر كانون الثاني إلى منتصف نيسان، ولقد صرف وقته هذا، تارة ~~في كنيسة القديس بطرس، وطورا في قصر الدوقة ده ديفونشير، وفي منتصف شهر ms12 شباط رزق ~~غلاما سماه ألفونس وعمده في كنيسة القديس بطرس بروما ... إلا أن الغلام لم يعش ~~طويلا. # وما إن قدم الصيف حتى كان لامرتين وزوجته في إكس لوبان، في ذلك الوادي الحبيب ~~الطافح بتذكارات الشاعر. # وكانت زوجة لامرتين قد عرفت بذلك الحب العظيم الذي أيقظ جذوة الشاعرية في روح زوجها، ~~فشاطرته حسرته على تلك المرأة التي أوحت إليه قصيدة «البحيرة». # وبعد مرور بضعة أشهر على إقامة الشاعر بقصره في ماكون، رزق ابنة جميلة سميت ~~جوليا؛ تذكارا لمدام جوليا شارل أو «إلفير». # وفي تلك السنة 1822، أصدر لامرتين الطبعة التاسعة من «التأملات» مضافا إليها أربع ~~قصائد جديدة، وباشر إعداد الجزء الثاني من هذا الديوان الشعري. أما الطبعات الثماني من ~~«التأملات» فقد بيع منها عشرون ألف نسخة. # التأملات الجديدة # في 15 شباط 1823 كتب لامرتين إلى صديقه فيريو يقول: «لقد بعت ديواني الجديد بمبلغ ~~أربعة عشر ألف فرنك يدفع نقدا في هذا الصيف.» ولما صدر هذا الديوان كتب ألفرد ~~ده فينيي إلى فيكتور هيغو يقول: «إن مجموع قصائد هذا الديوان الجديد لا يوازي مجموع قصائد ~~الديوان الأول، على أن هناك قصيدة «البريلود» وبعض فقرات من قصيدة «بونابرت» لا أظن أن ~~لامرتين سبق له أن نظم مثلها. وعلى كل أرى في شعره قلبا وشعورا يعبد من أجلهما، ~~فهو قد عرف أن يمتزج بجميع القلوب.» # موت سقراط # في السنة 1817 كان الكاتب الفرنسي فيكتور كوزان، الذي عزل من مركزه في جامعة ~~السوربون، قد نقل إلى اللغة الفرنسية جميع مؤلفات أفلاطون مشروحة شرحا وافيا، وكأن ~~تعشق لامرتين للفيلسوف اليوناني أيقظ في مخيلته طيف أستاذه العظيم سقراط؛ ففي 15 شباط ~~1823 كتب إلى صديقه فيريو يقول: «أشرع اليوم بعمل فكرت فيه منذ ست سنوات، وهو نشيد ~~في موت صديقنا سقراط.» وبعد مرور شهر كتب إلى فيريو يبشره بإنجازه النشيد. أما النشيد ~~هذا فكان يحتوي تسعماية بيت لم يسبق للامرتين أن نظم أروع منها؛ ولقد باع الشاعر قصيدته ~~هذه بستة آلاف فرنك، على أن يعود إليه حق نشرها ms13 بعد مرور تسع سنوات. # قال لامرتين في المقدمة التي وضعها لهذا النشيد ما يلي: «لقد حارب سقراط طوال حياته ~~سلطان الحس الذي هدمه المسيح؛ ففلسفته كانت فلسفة دينية وديعة، عذبة، خاضعة، لقد حزرت ~~وحدة الله وخلود النفس.» # آخر أناشيد شيلد هارولد # بعد أن صدر ديوان «التأملات الجديدة» وقصيدة «موت سقراط» اللذان استقبلهما النقاد ~~بفصول قاسية فيها كثير من التحامل، صحت عزيمة لامرتين على أن ينزوي في قصره ويعتزل ~~العالم الأدبي، وأقسم على أن الأوساط الأدبية لن تسمع صوته قبل عشر سنوات أو اثنتي ~~عشرة سنة. وفي شتاء 1823-1824 وجه فكره نحو الملحمة الكبرى التي حلم بها في العام ~~1821، وانصرف إلى نظم النشيدين اللذين استعرض فيهما أنبياء التوراة وفرسان القرون ~~الوسطى. ولم يخرج من قصره إلا في مطلع الخريف؛ ليرشح نفسه لكرسي المجمع العلمي الذي ~~فرغ بموت بيير لاكروتيل. على أن الشاعر لم ينجح هذه المرة، وإن يكن أتباع المذهب ~~الرومانطيقي قد ناصروه، وناصره شاتوبريان، وفيللمان، وفيكتور هيغو - كان فيكتورهيغو ~~وقتئذ في الثانية والعشرين من العمر - فقنط لامرتين وعاد إلى عزلته وانزوى في قصر سان ~~بوان. # وكان أن الشاعر الإنكليزي بيرون توفي في ميسولونغي (اليونان) حيث كان قد تطوع ~~للدفاع عن اليونان في وجه الترك، فتأثر لامرتين تأثرا شديدا لموت شقيقه في الروح، ~~وصحت عزيمته على أن يحيي شعرا ذلك الشاعر البطل الذي أحبه وأعجب به في حياته ~~وموته. وكانت العاطفة المسيحية قد خمدت في روح الشاعر وبدأت جذوة الشكوك تضطرم فيه، ~~فكتب نشيده «شيلد هارولد» تحت هذا التأثير الفجائي، فكان نشيدا فلسفيا أكثر منه ~~مسيحيا. # جاء في مذكرات والدته ما يلي: «يكتب ألفونس قصيدة عنوانها «شيلد هارولد» يحيي فيها ~~موت اللورد بيرون في سبيل الاستقلال اليوناني. على أن القصيدة هذه تحتوي فقرات لا ~~تروقني، وأخشى أن يكون قد تأثر بالأفكار الفلسفية الحديثة التي ترمي إلى هدم الدين ~~والنظام الملكي.» # وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط 1825 أنجز لامرتين نشيده الكبير، وقد حيا ~~فيه بطولة بيرون وعظمة اليونان الثائرين لأجل ms14 الحرية، وحاول أن يثبت أن الشعب اليوناني ~~الحالي إنما هو وارث الشعب الإغريقي القديم، وختم نشيده بتحية هوميروس وأفلاطون والأرض ~~اليونانية، أم جميع الحضارات. # ولم يكد الناشرون يعلمون بأن الشاعر أنجز قصيدته هذه حتى تهافتوا عليه يتبارون في ~~التزامهم إياها، وما هي أن رست على الناشر دونداي دوبري بتسعة آلاف فرنك، وفي الرابع ~~عشر من شهر 1825 صدرت القصيدة في أربع وعشرين صفحة، وبيع منها ستة آلاف نسخة ~~بيومين. # لامرتين في فلورانسا # في العام 1825 عين لامرتين كاتم أسرار السفارة الفرنسية في فلورانسا. على أن ~~الطليان لم يكونوا راضين عن الشاعر؛ لأنه كان قد قارن في قصيدته «شيلد هارولد» بين ~~إيطاليا الحاضرة وبين إيطاليا الماضية، ورأى الإيطاليون في هذه المقارنة إهانة لإيطاليا ~~الحالية، فسخطوا عليه وأضمروا له كرها شديدا، وصور لهم أن توظيف لامرتين في بلادهم ~~إنما هو إهانة لهم وللقضية الوطنية معا، فراحوا يشيحون عنه بوجوههم وينبذونه في ~~المجتمعات والنوادي، ويسخرون منه في الصحف والمجلات. # ومما جاء في إحدى المقالات التي وجهت إليه في الصحف: «إن ناظم «شيلد هارولد»، ~~النشيد السخيف، رجل فارغ صورت له مخيلته العقيمة أن ينال الشهرة الكاذبة عن طريق ~~الطعن والقدح.» # ولكن هذه الحملات ما لبثت أن هدأت عقيب مبارزة جرت بين الشاعر وأحد الضباط ~~الإيطاليين، أصيب فيها الأول بجرح في ذراعه، وبقي لامرتين ثلاث سنوات في إيطاليا، كان ~~في نهايتها قد بدأ يحلم بجولة في الشرق وبوضعه يده على زمام السياسة. # على أن إقامته بإيطاليا وأشغاله السياسية لم تنسه الإصغاء إلى البلبل المنشد في ~~صدره؛ فقد نظم في تلك السنوات الثلاث جملة قصائد حملها معه إلى فرنسا لينشرها فيما بعد ~~في ديوان يسميه: «الإيقاعات الشعرية». ولم يكد يرجع إلى فرنسا حتى شعر بميله إلى الأدب ~~يملكه من جميع أقطاره. قال: «إن قلبي طافح شعرا، وبودي أن أترك كل شيء وأتبع روحي، ~~ولكن لا أعلم أي سبيل أسلك لأصل إلى هذه الغاية التي أنشدها؛ على أن خيال دنتي يتراءى ~~لي ويؤنبني، ففي نفسي سفاح شعر ms15 يمتص دمي.» # 1 # لامرتين ينتخب عضوا في المجمع العلمي # في أواخر شهر حزيران من العام 1829 حضر لامرتين، في منتدى مدام ريكاميه، قراءة ~~«موسى»، وهي الرواية التمثيلية الشعرية التي وضعها الكاتب الكبير شاتوبريان. وكان ~~شاتوبريان في ذلك الحين في أوج مجده الأدبي، وأعظم كاتب في أوروبا؛ فراح الشاعر يعمل ~~لتمكين الصداقة بينه وبين شاتوبريان توصلا إلى كرسي في المجمع العلمي. # وما هي أن تم له ما أراد؛ ففي الخامس من شهر تشرين الثاني انتخب لامرتين خلفا ~~للكونت دارو بتسعة عشر صوتا، مقابل أربعة عشر صوتا نالها الكونت فيليب ده سيغور، مؤلف ~~تاريخ حملة روسيا ومرافق نابوليون في موقعة 1812. # على أن وفاة والدته أوقعته في قنوط شديد، وأفقدته يوما بعد يوم معتقداته السياسية ~~والدينية معا؛ إذ إنها كانت الصلة الوحيدة بينه وبين النظام الملكي. # لامرتين ينشر ديوانه الثالث # قلنا سابقا إن الشاعر كان قد نظم في إيطاليا قصائد بينها «يهوه» أو فكرة الله، ~~و«الدوحة» وهي تابعة لقصيدة «يهوه»، و«الإنسانية» وهي تابعة لقصيدة «يهوه» أيضا، ~~و«ميللي» أو مسقط الرأس، و«أنشودة المسيح»، و«الحسرة الأولى»، وهي مناجاة تذكر فيها ~~الشاعر طيف غرازييلا، و«أنشودة الصباح» وغيرها. ولقد شاء لامرتين أن يبيع حق نشر هذا ~~الديوان بأربعين ألف فرنك، ولا ننسى أنه كان شديد الرغبة في أن يستثمر مؤلفاته ويهب ~~عروس الشعر الفرنسية ذهبا وفضة. على أنه لم ينجح هذه المرة، فتريث إلى أن نجحت ~~المساومة. # وفي 15 يونيو 1830 ظهر الديوان في جزأين يحتوي كل منهما 350 صفحة. أما ملتزمه، ~~فكان الكتبي الشهير شارل غوسلين المشمول برعاية الدوق ده بوردو، وأما الديوان فقد ~~استقبله الأدباء بكثير من الثناء إلا بعضا منهم حمل عليه حملة شديدة لم يعبأ بها ~~الشاعر. # | المقاصد الكبرى # 1830-1849 # عندما انطلقت ثورة 1830 حولت لامرتين عن طريق الأحلام، وطرحته في طريق العمل حيث كان ~~ينتظره شكل جديد من أشكال المجد. وكان منذ العام 1817 قد بدأ يهتم اهتماما كبيرا بالقضايا ~~السياسية، ولقد كتب إلى صديقه فيريو يقول: «إني لأتوقع في البلاد ثورة ms16 تجترف الملك ما كنت ~~لأتوقعها من قبل.» # وفي 27 حزيران 1830 كتب إلى فيريو يقول: «أمريضة فرنسا أم لا؟ أما أنا فأظنها تحتضر؛ ~~وعلى كل، أراني مستعدا للمناضلة ومقاومة الأغبياء والمنافقين.» وكتب إليه أيضا: «إن ~~الجهاد في سبيل الحرية لمن المقدسات عندي؛ على أني أخشى الانتقال من النظام الملكي إلى ~~الفوضى ...» # وبعد مرور ثلاثة أشهر رشح لامرتين نفسه لكرسي في مجلس النواب؛ على أنه لم ينجح؛ لأن ~~الشعب كان ينظر إليه كأحد مناصري الملك كارلوس العاشر وسلالة البوربون. سوى أن الشاعر لم ~~يكن في حاجة ملحة إلى الجلوس على الكرسي النيابي؛ لأن رغبته في زيارة الشرق كانت تملأ روحه، ~~قال: «أود أن أذهب إلى الشرق لأبحث عن تأثيرات شخصية في ذلك الملعب الرحب، حيث وقعت حوادث ~~العالم القديم ومثلت السياسات والأديان. أود أن أقرأ قبل الموت أجمل صفحة من سفر ~~الخليقة، فإذا اهتدى الشعر في ذلك الملعب إلى صور جديدة فلا أتردد عن حملها في زوايا ~~مخيلتي؛ رجاء أن أتوصل بذلك إلى إعارة الآداب ألوانا جديدة.» # ولقد كانت رغبة لامرتين في زيارة الشرق قد بدأت تحرك نفسه منذ العام 1818 أو قبله، ~~فشاتوبريان كان قد شوق الفرنسيين في أحد كتبه إلى زيارة مهبط الأنبياء، وكانت ثورة ~~اليونان على الترك قد نبهت الشباب الرومانطيقي إلى جمال الشرق. ولقد اتصل بالمسيو دوميك ~~رسالة كتبها لامرتين في العام 1818 نأخذ منها ما يلي: «لو استطعت أن أجمع مائة ليرة لذهبت ~~إلى اليونان، فإلى أورشليم، لا أحمل إلا كيسا، ولا آكل إلا خبزا.» وقبل أن يهم بالسفر ~~كتب إلى صديق له يقول: «أود أن أزور في الأول مدينة القسطنطينية فأتفرج على شواطئ ~~البوسفور، ثم أنتقل إلى سوريا فأزور فلسطين ولبنان وتدمر وبعلبك، إذا سمح العرب، فإلى مصر ~~حيث أتفرج على النيل والأهرام.» # ولما حان موعد الرحيل استقل الشاعر مركبا شراعيا محموله مائتان وخمسون طنا، وهو ~~ملك البحري برينو روستان، جد الشاعر إدمون روستان. وعندما وصل لامرتين إلى مرسيليا ~~استقبله رهط من المعجبين به، واحتفى ms17 به احتفاء لم يكن الشاعر قد عرف مثله بعد. ولقد شاء ~~المجمع الأدبي في هذه المدينة أن يكرمه فانتخبه عضو شرف، ولما حان موعد السفر ودع ~~الشاعر إخوانه بقصيدة رائعة، نقتطف منها ما يلي: «لم أسافر بعد في أوقيانوس الرمال على ~~مطية مركب الصحراء، # 1 # ولم أبل غليلي في المساء من آبار العبرانيين المظللة بالنخيل، ولم أبسط وشاحي ~~تحت الخيام وأرقد على التراب الذي رقد عليه أيوب، ولم أحلم بعد أحلام يعقوب على حفيف ~~الأردية الخفاقة. # لم يبق علي أن أقرأ من صفحات العالم السبع إلا صفحة واحدة: فأنا لا أعرف كيف تضطرب ~~النجمة في السماء، ولا كيف يخفق القلب في دنوه من الآلهة! ولم أسمع صراخ الأمم صاعدا من ~~الأرز القديم، ولم أبصر من مرتفعات لبنان أسراب النسور النبوية تتلاطم على أبراج صور، ولم ~~ألق رأسي على الأرض التي لم تبق من تدمر إلا صدى اسمها. # لم أسمع بعد أمواج الأردن ترفع صراخها الأليم ناحبة نحيبا أسمى من نحيب إرميا، ولم ~~أمش على آثار إلهية في ذلك الحقل الذي بكى فيه المسيح تحت أشجار الزيتون، ولم أضع جبيني في ~~التراب الذي انطبعت عليه قدم المخلص، ولم ألطم صدري العميق في المكان الذي فتح فيه المسيح ~~ذراعيه ليعانق العالم ثم انحنى ليباركه!» # وفي العاشر من شهر [...] 1832 وصل إلى أثينا، وبعد أن جال جولة بطيئة في جزر الأرخبيل دخل ~~إلى سوريا عن طريق قبرص، ووصل إلى بيروت في اليوم السادس من شهر أيلول. # أما بلاد اليونان فلم ترق لامرتين في شيء. قال في إحدى رسائله: «باطل! لم أقع في بلاد ~~اليونان على جمال إلا في بعض أكمات من جبلي تيجيت ولاكونيا، حتى إن السماء نفسها لا توازي ~~سماء إيطاليا، فهي محجوبة بالضباب وضئيلة العمق.» # وقال في رسالة أخرى: «لقد زرنا أشهر جهات اليونان: أجينا وسلامين وأثينا وغيرها، أما ~~أثينا التي يفرط السواح في مدحها فهي فظيعة، ولا تشوق الزائر إلى العودة إليها، ولولا ~~ماضيها وأسماء رجالها الغابرين لما وجدنا فيها ms18 ذرة من الجمال، وهكذا قل عن جميع جزر ~~الأرخبيل التي زرناها، فليست سوى صخور سوداء عارية.» # لامرتين في بيروت # استأجر لامرتين على أبواب المدينة دارا محاطة بالبساتين، وبعد أن استراح من عناء ~~السفر خمسة عشر يوما، غادر زوجته وابنته جوليا في بيروت، ومضى في قافلة من الجياد تحمل ~~حاشية من اللبنانيين والمصريين يزور بلاد الجليل واليهودية وصور وصيدا. ولدى عودته إلى ~~داره في بيروت كتب إلى صديقه فيريو يقول: «لقد طفت مدة خمسة وأربعين يوما فزرت الجليل ~~وفلسطين ولبنان والأردن وبحيرة طبريا والبحر الميت وصور وصيدا، ولدى وصولي إلى أورشليم ~~رأيت الطاعون ضاربا أطنابه فيها؛ على أني لم أتقهقر بل دخلت، وعدت منها سليما معافى، ~~وهكذا عادت معي حاشيتي الكبيرة بفضل الاحتياطات التي اتخذتها على يد إبراهيم باشا.» # 2 # ولنسمعه الآن يصف مأواه في بيروت، قال: «ما من لذة تعدل اللذة التي تذوقناها ساعة ~~استفقنا من الرقاد عقيب الليلة الأولى التي صرفناها في دارنا. لقد تناولنا طعام الصباح ~~على سطح فسيح يشرف على جهات جميلة تفقدناها جميعا بأبصارنا. # تقوم الدار على مسافة عشر دقائق من المدينة، وينفذ إليها من طرق مظللة بأشجار أمن ~~الصبير تدلي ثمارها الشائكة على رءوس العابرين. يجتاز المار بعض جسور قديمة وبرجا ~~كبيرا مربع البناء شيده أمير الدروز فخر الدين، وهذا البرج يحل اليوم محل مستشرف ~~لبعض الخفراء من جيش إبراهيم باشا، ثم ينسل بين جذوع التوت إلى أن يبلغ جمهرة من بيوت ~~منخفضة، تختبئ بين الأشجار ويحيط بها مرج من الليمون، وهذه البيوت يختلف بعضها في بنائه ~~عن البعض الآخر، أما البيت المنتصب في الوسط فيظهر بشكل برج مربع، ويرتفع شامخا على ~~سائر ما يقوم حوله، وأما سطوح هذه البيوت فيتصل أحدها بالآخر ببعض أدراج من ~~الخشب. # نرى البحر على مائة خطوة منا يتقدم في الأرض فيتراءى لنا، من خلال رءوس الليمون ~~والصبير الخضراء، كبحيرة جميلة أو كنهر عريض لا يظهر منه إلا جزء صغير، ونرى بعض زوارق ~~عربية ملقية المراسي تهدهد على تموجاته المرسلة ms19 برخاوة وكسل. وإذا صعدنا إلى السطح ~~الأعلى، تستحيل هذه البحيرة الجميلة إلى خليج رحب، يسده قصر بيروت المغربي من ناحية ~~وأسوار شاهقة كالحة لسلسلة الجبال المنحدرة بسرعة نحو مدينة طرابلس من الناحية الأخرى. ~~إلا أن الشفق يمتد أمامنا امتدادا بعيدا، فهو يبدأ بالركض على سهول خصبة غرست فيها ~~شجرات تحجب الأرض عن النظر، وانتشرت فوقها بيوت تشبه بيتنا، ترفع سطوحها في الجو كشرع ~~بيضاء على خضم من الخضرة، ثم ينحصر بين أكمة ملساء مستطيلة يقوم على قمتها دير للروم ~~الأرثوذكس بجدرانه البيضاء وقبابه الزرقاء. ويخيم على قباب هذا الدير بعض رءوس من ~~الصنوبر المستوي على مرتفع هناك. # وتنحدر الأكمة على درجات تدعمها أسوار حجرية، وتحمل أحراجا من الزيتون والتوت، ويجيء ~~البحر فيغسل آخر هذه الدرجات ثم يحيد عنها. # وعلى مقربة منها سهل آخر يستدير وينحفر ليفسح مجالا لنهر ينساب طويلا بين غابات ~~الدوح الأخضر، ويرتمي في الخليج المصفرة مياهه على الشواطئ، ولا ينتهي السهل هذا ~~إلا عند أكتاف الجبال الذهبية. # أما الجبال هذه فلا ترتفع دفعة واحدة، بل تبدأ صعودها بأكمات ضخمة بعضها مستدير، ~~والبعض شبه مربع تغطي قممها المزروعات، وتقل كل واحدة منها إما ديرا وإما قرية ~~ينجلي عليها شعاع الشمس، فيجذب الأنظار. وتعرض درجات لبنان فوق أولى هذه الأكمات، فثمة ~~سهول تراوح مسافتها بين فرسخ أو فرسخين، سهول متباينة بعضها محفور، وبعضها متلم، ~~وبعضها حرثته الأودية والسهول والينابيع العميقة والخلجان المبهمة التي يضيع بها ~~النظر. # وإذ تنتهي الجبال من هذه السهول ترجع فترتفع ارتفاعا شبه مستقيم، وقد تراءت عليها ~~أخيلة الأرز السوداء وبعض أديرة صعبة المسالك، وبعض قرى مجهولة يخالها الناظر منحنية ~~فوق لججها وأودائها. # وهناك على قمة السلسلة الثانية، وهي أكثر تلك القمم نتوءا، تقوم أشجار جبارة كأنما ~~هي شعور نادرة على جبين أصلع، ونستطيع من هنا أن نتبين رءوسها المفرضة التي تشبه ~~النوافذ المرتفعة على أحد الأبراج. # أما لبنان الحقيقي فيقوم وراء هذه السلسلة الثانية، إلا أننا لا نستطيع أن نرى أكنافه ~~بوضوح، فنعلم أعارية هي ms20 أم مغطاة بالنبات، لبعد ما بيننا وبينها، ثم إن هذه ~~الأكناف تختلط في شفافة الجو بالجو نفسه، فلا يقع نظرنا إلا على شبهة من أشعة الشمس ~~التي تغلفها، وعلى رءوسها النارية التي تمتزج بغيوم الصباح الأرجوانية، وتحلق في ~~أمواج الجو كجزر لا سبيل إلى بلوغها. # أما إذا انحدرت أبصارنا عن شفق هذه الجبال الجميل، فلا تستطيع أن تنحط إلا على ~~رزم من النخيل غرست هنا وهناك على مقربة من بيوت العرب، وإلا على تموجات رءوس ~~الصنوبر الخضراء المنتشرة في السهل ضمات صغيرة، أو على أديم الأكمات، أو على غراس غير ~~هذه تترامى أوراقها الثقيلة كأوسمة حجرية على الجدران الصغيرة التي تدعم السطوح، وهذه ~~الجدران نفسها ترتدي ثيابا من الزهر واللبلاب الأرضي والكرمة البرية، والأغراس ذات ~~الأزهار المتباينة والعناقيد المختلفة الأشكال، فلا يتاح لك أن تتبين معها الحجارة ~~التي بنيت بها هذه الجدران، فما هي إلا أسوار من الخضرة والأزهار. ويقوم أخيرا على ~~مقربة منا وبمرأى من أبصارنا، بيتان أو ثلاثة تشبه بيوتنا في فرنسا، عليها إزار من قباب ~~البرتقال المزهر والمثمر ... هناك عرب جالسون على البسط في سطوح بيوتهم يدخنون، وبعض ~~نساء يطل من النوافذ ليبصرنا، وإذ ينتبه إلى أننا نمعن النظر فيه يحتجب. # وهناك عيلتان عربيتان تتناولان الغذاء في ظلال شجرة تخيم على عتبة دارهما، وعلى ~~مقربة منهما - تحت شجرة أخرى - فتاتان سوريتان لا يقع النظر على أجمل منهما، ترتديان ~~ثيابهما في الهواء الطلق، وتملآن شعورهما أزهارا بيضاء وحمراء؛ إحداهما ذات شعر مستطيل ~~كثيف يوشك أن يغطي جملة جسدها، كأنما هو أغصان صفصافة باكية تتدلى على جذعها فتحجبه من ~~جميع أطرافه، إلا أنها عندما تحرك تلك الشعور الخصبة يبين من تحتها جبينها الجميل، ~~ومقلتاها المتألقتان بغبطة ساذجة، وكأني بها مرتاحة إلى إعجابنا بها. # لقد ألقيت إليها قبضة من الغازي، وهي قطع صغيرة من الذهب تعلقها السوريات بخيط من ~~الحرير فتصنع منها عقودا وسوارات، فجمعت كلتا يديها ورفعتهما إلى رأسها لتشكرني، ثم ~~دخلت إلى الغرفة السفلى لتراها أمها وأختها.» # وقال ms21 يصف جبال لبنان: «لم يسبق لي أن تأثرت بروعة جبال في العالم كما تأثرت بروعة ~~جبال لبنان؛ فللبنان طابع لم أقع على مثله ، لا في جبال الألب ولا في جبل طوروس، فهو ~~مزيج من روعة الخطوط والقمم، وجمال التقاطيع وتنوع الألوان. # ولبنان جبل عظيم كاسمه، فهو جبال الألب تحت سماء آسيا التي تغمس قممها الهوائية في ~~صفاء عميق من جمال أزلي. # ويخيل إلي أن الشمس تستريح إلى الأبد في زوايا تلك الهضبات الذهبية، وأن البياض ~~الساحر الذي تنطبع به يختلط ببياض الثلوج التي تبقى إلى منتصف الصيف على القمم ~~المرتفعة.» # وقال يصف في بيروت مآذن الجوامع والقلاع: «عندما انحدرت إلى الجهة المعاكسة للبحر ~~شاهدت مآذن الجوامع العالية، شبيهة بأعمدة مهجورة، تنتصب في أديم الصباح الأزرق ~~المتموج، ووقع نظري على القلاع المغربية التي تخيم على المدينة، والتي تعشش في ~~جدرانها المهجورة أغراس من التين البري والقرنفل وغيره.» # لامرتين ولادي إستانهوب # بينا لامرتين يجول في جبال لبنان استقبلته لادي إستانهوب، وهي امرأة إنكليزية ~~متصوفة، كانت منذ سنوات تقيم في لبنان على أكمة صعبة المسالك، تحف بها بهرجة وأبهة، ~~كأنما هي أميرة خطيرة من أميرات الأساطير! وكانت تزعم أنها تقرأ في الغيب وتعرف حظوظ ~~البشر. # على أن حقيقة هذه المرأة لا تزال مبهمة؛ فمن الناس من يقول إنها ساحرة، ومنهم من يقول ~~إنها عميلة سياسية لدولة إنكلترا ... ولكن الأمر الذي اتفق عليه هو أنها تنبأت ~~للامرتين بأنه سيرقى في السياسة إلى ذروة عالية. # قال لامرتين يتكلم عن زيارته للادي إستير إستانهوب: «نهضت لادي إستانهوب عن مقعدها ~~الشرقي، وتقدمت نحوي بقوامها الفخور، مادة إلي يدها وقالت: لقد جئت من بعيد ~~لترى ناسكة، فمرحبا بك. لست لأستقبل إلا القليل من الغرباء، على أن رسالتك راقتني ~~فوددت أن أتعرف إلى رجل يحب الله والطبيعة والعزلة كما أحبها أنا. فاجلس ولنتكلم، ~~فقد صرنا صديقين. # فقلت لها: إنك تتسرعين يا سيدتي، فتمنحين شرف الصداقة لرجل تجهلين اسمه وحياته. ~~أتعرفين من أنا؟ فقالت: صدقت، لست أعرف من أنت ولا ms22 ماذا فعلت في الحياة التي عشتها ~~بين البشر، ولكني لا أجهل موقفك من الله، فلا تتخذني امرأة مجنونة كما يتخذني الناس، ~~فثمة علم فقد اليوم من أوروبا، علم ولد في الشرق ولا يزال يعيش فيه، وهذا العلم ~~أملكه أنا بنفسي؛ فإني أقرأ في النجوم. لا مشاحة في أن جميع البشر إنما هم أبناء إحدى ~~هذه النيران السماوية التي أشرفت على ولادتنا، والتي طبعت سطوتها السعيدة أو المحتالة ~~في أعيننا وجباهنا وقسماتنا وخطوط أيدينا وشكل أقدامنا وحركاتنا. أفتريد أن أكشفك ~~لعيني نفسك؟ أتريد أن أتنبأ لك عن حظك؟ # فقلت لها باسما: كوني مطمئنة يا سيدتي، فأنا لا أنكر ما أجهل، ولا أؤكد أن في ~~الطبيعة المنظورة وغير المنظورة، في الطبيعة التي يرتبط بها كل شيء، مخلوقات من طبقات ~~سفلى كالإنسان، ليست قائمة تحت تأثير مخلوقات سامية كالكواكب أو الملائكة؛ على أني لست ~~بحاجة إليها لأعرف نفسي القائمة على الفساد والضعف والبؤس، أما ما يتعلق بأسرار ~~مستقبلي، فأرى أن استفهام الإنسان عنها إنما هو حط من كرامة الله الذي يخفيها، ولست ~~لأتكل في شأن المستقبل إلا على الله والحرية والفضيلة. # فقالت: لا فرق، فاعتقد بمن تريد واتكل على من شئت، أما أنا فأرى أنك ولدت تحت ~~تأثير ثلاث نجوم سعيدة وقوية معا، وأرى أن الله هو الذي قادك إلى هنا لينير نفسك، فهو ~~بحاجة إلى من كان مثلك ينطوي على طموح وسلامة نية؛ ليستخدمه في الأعمال العجيبة التي ~~سيعالج بها البشر قريبا. أتعتقد أن ملكوت المسيح قد أتى؟ # فقلت لها: ولدت مسيحيا. فقالت: مسيحي! وأنا مسيحية أيضا، ولكن الذي تسميه ~~المسيح ألم يقل: إني أخاطبكم بالآيات، ولكن الذي سيجيء بعدي يخاطبكم بالروح والحقيقة؟ ~~إذن هو هذا الذي ننتظره! هذا هو المسيح الذي لم يأت بعد، والذي سنراه بأعيننا.» # وقال دوميك: «لم تكن لادي إستانهوب ساحرة أو رمالة، ولم يكن لامرتين مكبث، على أن ~~روح الشاعرية المعجونة بالتصوف والمشتهيات التي كان يضمرها، جعلته يؤمن بنبوءة هذه ~~المرأة.» # أما الإيمان هذا فقد قواه لامرتين ms23 بوقوفه على ضريح المسيح في أورشليم. قال ديكونيه: ~~«ماذا ترى لامرتين يجد على ضريح المسيح؟ الإيمان الحي. فهو قد ذهب إلى قبر المسيح ~~ليقوي الإيمان المسيحي الذي تلاشى في نفسه، وهو قد اتجه إلى أرض الأنبياء ليستوحي ~~وحيا جديدا ... وقد خيل إليه في تلك الأرض المقدسة أنه دعي ليصير نبي الفلسفة ~~ومسيحها.» # قال لامرتين يصف زيارته لقبر المسيح: «إن كنيسة القبر المقدس هي أثر جميل من آثار ~~العهد البيزنطي، وهي سرادق نبيل طرحته التقوى البشرية على ضريح ابن البشر. وإذا ما ~~قابلنا هذه الكنيسة بكنائس العهد الذي بنيت فيه، نجدها أفضلها جميعا، فكنيسة القديسة ~~صوفيا هي في شكلها أكثر بربرية وإن تكن أكثر فخامة، فإذا رؤيت من الخارج خيل إلى ~~رائيها أنها جبل ترتفع فيه أكمات من الحجارة. # أما كنيسة القبر المقدس، فهي قبة أثيرية منقوشة يضاف إلى جمال أبوابها ونوافذها ~~المزخرفة دقة في العمل وحذق في الفن؛ فالحجر في هذا الهيكل قد استحال إلى دانتيللا ~~ليصبح جديرا بالدخول في هذا الأثر المشيد لأعظم فكرة بشرية. ولا مشاحة في أن كنيسة ~~القبر المقدس لم تبق اليوم كما كانت في عهد القديسة هيلانة، والدة قسطنطين ومشيدة ~~هذا الهيكل؛ فملوك أورشليم رمموها وجملوها بزخارف الفن المغربي والفن الغربي اللذين ~~اهتدوا إلى قواعدهما في الشرق. إن هذا الأثر غير جدير بالقبر، ولكنه جدير بهؤلاء البشر ~~الذين شاءوا أن يكرموه. # لقد استولى الترك على هذا الهيكل المقدس، استيلاء مكنتهم الحرب منه، إلا أنهم لم ~~يهدموه ولم يشوهوا جهة من جهاته، بل يحرسونه بخشوع واحترام وتقوى تقتضيها العبادة ~~المسيحية. ولقد رأيت حراس هذا الهيكل فلم أقع في وجوههم وحركاتهم وأحاديثهم على شيء ~~من ذلك الاحتقار الذي يتهمهم به البعض. ولولا هؤلاء الترك لكان القبر المقدس الذي ~~يتنازعه الأرثوذكس والكاثوليك من جهة، وسائر الطوائف المسيحية من جهة ثانية، قد استحال ~~مائة مرة إلى موضوع خصام وجدال بين تلك الطوائف المتنازعة. إذن، أي ذنب اقترفه الترك؟ ~~فحيثما يرى المسلم فكرة الله في روح إخوته يحترمها وينحني أمامها. ms24 # ألا فليتساءل المسيحيون بصدق ماذا كانوا فعلوا لو سلمتهم مقدرات الحرب مكة والكعبة؟ ~~أكان باستطاعة الترك أن يقبلوا من جميع جهات أوروبا وآسيا ليكرموا بسلام الآثار ~~المحفوظة للإسلام؟ # وبعد أن جلنا جولة خاشعة في الهيكل المقدس انتهينا إلى الضريح، وهو لا يزال مغطى ~~بشبه تابوت من الرخام الأبيض يحيط إحاطة تامة بالصخر الأول الذي حفر فيه القبر، ~~فشاهدنا مصابيح من الذهب والفضة تنير المعبد بدون انقطاع، ونشقنا فيه عطورا تحترق ليل ~~نهار. # إن هذا القبر - في نظر المسيحي أو في نظر الفيلسوف، في نظر الحكيم أو في نظر المؤرخ ~~- إنما هو الحد الفاصل بين عالمين، بين العالم القديم والعالم الجديد، وهو المركز ~~الأساسي لفكرة جددت العالم، وحضارة بددت كل شيء، وكلمة دوت في الكرة الأرضية من ~~أطرافها إلى أطرافها، وهو ضريح العالم القديم ومهد العالم الجديد. فما من حجر في هذا ~~الملأ الأسفل استطاع أن يكون أساسا لهيكل كهذا الهيكل، وما من ضريح خصب خصبه، وما ~~من مبدأ دفن ثلاثة أيام أو ثلاثة قرون استطاع أن يسحق بمثل هذا الانتصار الصخر الذي ~~أغلقه الإنسان على هذا المبدأ ويكذب الموت بقيامة طلقة مستمرة.» # وكان ثمة حزن عميق ينتظر عودة لامرتين إلى بيروت؛ ففي السابع من شهر كانون الأول ماتت ~~ابنته جوليا البالغة من العمر عشر سنوات على أثر داء في الصدر حملت جرثومته من ~~فرنسا. # ولقد رأينا أن ننقل هنا رسالة ثمينة كتبها ده بارسيفال، صديق لامرتين ورفيقه في ~~رحلته، وهي تتضمن عن مرض جوليا وموتها، تفاصيل لم تكتب في موضع آخر. أما الرسالة هذه ~~فقد وجدت في حوزة الدكتور كابانيس الذي نشرها في جريدة «البحاثون والمتطفلون» في 30 ~~حزيران سنة 1913، وهذا نصها: # سيدتي # كلفني السيد والسيدة ده لامرتين أن أطلعك على الفاجعة الأليمة التي حلت بهما، ~~فالموت قد اختطف ابنتهما الوحيدة، على حين لم يكونا يتوقعان هذه الضربة. فبعد ~~الحمى الخفيفة وتقيوءات الدم التي انتابت جوليا في ماكون، قبيل المجيء إلى ~~سوريا، تحسنت حالة الفتاة وبعد الخطر عنها، وصارت فرحة ms25 ضاحكة مشرقة. ولقد ~~عزونا هذا التحسن إلى عذوبة المناخ الذي تمتعنا به، وإلى العناية التي احتيطت ~~بها؛ على أن الفصل الرديء لم يكد يحل حتى اعتادها السعال وتعب الحنجرة ~~والحمى الخفيفة. # ولقد اعتنى بها طبيب كان السيد ده لامرتين قد صحبه معه في الرحلة، وطبيب ~~إنكليزي آخر لا يقل عن الأول خبرة وعلما؛ على أن جميع المساعي ذهبت أدراج ~~الرياح، فماتت جوليا وهي بين ذراعي والدها وأمها المسكينة، من غير أن تقاسي ~~كثيرا من الآلام وبدون نزع ... # ده ~~بارسيفال # بيروت، 15 كانون الأول 1832 # كان حزن الشاعر على وحيدته عميقا جدا، حتى خيل إليه أن سعادته قد تحطمت إلى ~~الأبد، وكأنه لم يشأ أن يغادر ذلك الهيكل الميت في أرض لم يولد بها آباؤه، فحنط ~~جوليا ودفنها دفنا موقتا على قدم خروبة مزروعة بالقرب من داره. # وكان عليه أن ينتظر قدوم الربيع ليتمكن من العودة إلى فرنسا، فانتظر ثلاثة أشهر ~~كئيبة في بيروت، وفي أحد الأيام شعر بالحزن يملك عليه جميع مشاعره، فكتب إلى صديقه ~~فيريو يقول: «لقد كتبت إليك أطلعك على النكبة التي نزلت بي فهدمت مستقبلي وجهمت ~~في عيني جميع ألوان الحياة. وها أنا اليوم مسمر في مكاني ريثما يسمح لي الربيع القادم ~~بالعودة إلى فرنسا ... أما حياتي في هذا العالم فقد انتهت، وأصبحت أعيش كما تعيش البهيمة ~~...» # وشاء لامرتين أن يروح عن نفسه، فترك بيروت في الثامن عشر من شهر آذار، وراح يطوف ~~بين خرائب بعلبك ودمشق، في حين كانت زوجته الحزينة تزور الأماكن المقدسة. وفي اليوم ~~الثلاثين من شهر نيسان، سافر الشاعر وزوجته والحاشية إلى يافا، ومنها إلى القسطنطينية، ~~حيث صرفوا شهرين كاملين بعد أن أرسلوا تابوت جوليا إلى مرسيليا؛ على أن طارئا فجائيا ~~طرأ على لامرتين في إحدى قرى البلغار، وفي كوخ قائم على قدم جبل هاموس؛ فقد أصيب بداء ~~ذات الرئة، وهو بعيد عن أصدقائه لا يواسيه ويعتني بأمره، إلا زوجته الثكلى. ولقد كان ~~الدكتور ديلاروايير وده بارسيفال قد تقدما الشاعر وزوجته إلى فرنسا، ms26 ولم يبق من ~~الحاشية إلا ده كامبا، وهو رجل عجوز لا يستطيع أمرا. إلا أن العناية شاءت أن يشفى ~~لامرتين من دائه ويواصل سيره إلى فرنسا ؛ ففي منتصف شهر تشرين الأول، في حين كانت زوجته ~~تستريح في تورين مما ألم بها من الأتعاب والمصائب، قصد هو إلى مرسيليا ليجيء بتابوت ~~ابنته، ولقد حمله توا إلى سان بوان ودفن الجثة في الكنيسة الصغيرة التي دفنت فيها ~~بقايا والدته. # قال دارغو، صديق الشاعر، إن لامرتين صرف الليل الذي أعقب دفن الجثة في الكنيسة ~~الصغيرة يتحدث إلى روح وحيدته. وقال دارغو نفسه إن لامرتين أرسل إليه في اليوم التالي ~~كتابا يقول فيه: «لقد وضعت في الليلة الفائتة تابوت وحيدتي على تابوت أمي: كل ~~ماضي وكل مستقبلي، ولقد انسحقت جسديا وروحيا ولم أبق أقوى حتى على الكتابة ~~...» # وفي العام 1834؛ أي بعد مرور أربعة عشر شهرا على موت جوليا، كتب لامرتين قصيدة لذكرى ~~وحيدته، وقد نشرت هذه القصيدة في كتاب «رحلة إلى الشرق» قبل أن تنشر في صحيفة أو في ~~ديوان، وقبل أن يقرأها لامرتين نفسه على مسمع من أصدقائه. وهذه القصيدة أصبحت اليوم ~~مشهورة ولا تقل ذيوعا عن القصيدة التي نظمها فيكتور هيغو لذكرى ابنته ليوبولدين التي ~~ماتت غرقا، وإنا لننقل هنا بعض فقرات منها: # رضعت الآلام من ثدي أمي، فقلبي لا ينفض إلا دموعا بدل الدم. ولقد اختطف الله مني ~~لذة هذه الدموع فإنه جففها في قلبي. فالحسرة أصبحت عسلي، وأصبح الحزن غبطتي، وصرت ~~أشعر بفطرة أخوية تجذبني إلى أي تابوت كان، وصرت لا أجد طريقا توقفني إلا إذا شاهدت ~~فيها خربة أو حدادا! # كانت جوليا الحطمة الوحيدة من حطم عاصفتي الطويلة، والثمرة الوحيدة من تلك الأزهار ~~التي قطفتها، كانت دمعة في رحيلي وقبلة في عودتي، وعيدا دائما في بيتي الطواف، ~~كانت شعاعا من الشمس على نافذتي، وعصفورا غردا يشرب على فمي، ونفسا موسيقيا ~~يتصاعد في الليل بالقرب من مرقدي. # بل كانت أكثر من ذلك كله، كانت - وا حر قلباه - صورة أمي، وكان ms27 يخيل إلي أن ~~نظرات أمي تعود إلي في عينيها. كان صوتها صدى عشر سنوات من الغبطة، وكانت قدمها في ~~البيت تملأ الهواء سحرا وعذوبة، وبصرها يصعد الدموع إلى عيني، وابتسامتها تضيء في ~~قلبي. # ولم تكن نظراتي وقلبي، وهي تسكرني غبطة وصلاة؛ لتنتبه إلى أن جبينها يثقل ذراعي ~~من يوم إلى يوم، وأن قدميها تثلجان يدي كالحجر ... جوليا! جوليا! لماذا تشحبين؟ ... ~~فيم هذا الجبين المبلل؟ وهذا اللون المتبدل؟ تكلمي! ابتسمي لي! وافتحي لي عينيك ~~لأقرأ فيهما! ... # إلا أن زرقة الموت كانت تزنر شفتها الوردية، وكانت الابتسامة تموت عليها حالما ~~تولد، ونفسها المقتضب يزداد سرعة كخفقان جناح يجثم. وعندما حملت روحها في آخر نفس، ~~مات قلبي في صدري كالثمرة التي تحملها المرأة في أحشائها ميتة باردة! # لئن كانت إيطاليا هي التي كشفت للشاعر مغاني النور، فالشرق هو الذي كشف له المدى الذي ~~لا حد له، وجمال الصحراء القاحل. فأمام آثار بعلبك وأمام عظمة أرز لبنان رحبت مخيلة ~~لامرتين، وفي وسط الآلام والوحدة وتجاه مشاهد الطبيعة والماضي اكتسبت مخيلته ذلك النشاط ~~وتلك الرحابة اللذين بقي محافظا عليهما طوال حياته. # إن في روح لامرتين وفي مخيلته جمالا شرقيا تغلب على الجمال الغربي الذي انخسفت ~~آياته لدى انعكاس المشاهد الشرقية عليها. جاء لامرتين إلى الشرق ليبحث عن ذلك الجمال ~~المحتجب وراء أكماته وبين أنقاضه، فتراءت له بقايا الأديان والتقاليد والفن والجمال، ~~فرحبت مخيلته وروحه بهذه الآثار وحمل أسرارها إلى بلاده. فمن يطالع روايته «سقوط ~~ملاك» يرى روح الأنبياء، أنبياء التوراة، متقمصة في شذرات من السفر القديم. ومن ~~يطالع روايته «جوسلين» يرى في وصف مغارة النسور أو في وصف الشتاء والصيف والربيع ~~والخريف ذلك الوصف الذي أعاره الشاعر لجبال الدوفينه صورة واضحة عن صنين وجبل الكرمل. ~~ومن يتمعن في هيئة الفلاح الذي هدى جوسلين إلى مغارته يتمثل له الفلاح اللبناني ~~بعباءته ومهمازه. # تأثير الشرق في لامرتين # قلنا إن مخيلة لامرتين رحبت أمام آثار بعلبك وعظمة أرز لبنان، وإن الشرق كشف له عن ~~المدى الذي لا حد ms28 له، ف «جوسلين» لم تكن سوى قصيدة في أربعة أناشيد صغيرة نظمها ~~الشاعر قبل مجيئه إلينا؛ إلى الشرق، على أنه ما كاد يرجع إلى فرنسا حتى عاد إلى قصيدته ~~فرحبها بما أشرب في روحه ومخيلته من مشاهد الشرق الجميل. # ولم تكن «سقوط ملاك» أيضا سوى هيكل قصيدة رحبة حلم به الشاعر في طريق فلورانسا قبل ~~سفره إلى الشرق؛ على أنه لم يكد يطوف في أرض الأنبياء حتى نضجت تلك القصيدة في مخيلته ~~وقلبه. فتلك الطبيعة المسيحية التي أبرزها الشاعر في «جوسلين» بشكلها الحديث وبكل ما ~~فيها من التنازع والتضحيات، أراد هذه المرة أن يبرزها هي نفسها بشكلها الإنساني الذي ~~يمت إلى العصور الأولى، فسيدار الملاك ودائيده الابنة التي تنتسب إلى إحدى قبائل ~~البشر الأولى، هما البطلان اللذان ذهب لامرتين لكي يبحث عنهما في بلاد الطوفان وبالقرب ~~من مصادر الزمان. # تعرف سيدار، الملاك الساقط، إلى دائيده وأحب كل منهما الآخر على مرتفعات لبنان ~~أولا، ثم انتقلا إلى شواطئ العاصي، ولقد صور لامرتين حولهما تقاليد القبائل ~~الرحالة التي تعودت الخضوع إلى عنف غرائزها الأولى، ثم مضى بهما إلى بابل، قاعدة ~~الحضارة البشرية التي تقدمت الطوفان، وكان ثمة شعب وديع خانع، تسلط عليه قوم رفعوا ~~نفوسهم إلى مصاف الآلهة، فوقع الزوجان بين أيدي هؤلاء الظالمين، وراحا يذوقان من العذاب ~~ما لا يقوى عليه الإنسان، إلى أن قدر لهما الهرب إلى مجاهل الصحراء حيث قضى عليهما ~~العطش والجوع. # وكان سيدار ودائيده قد فرا من وجه القبائل المنتشرة على شواطئ العاصي قبل أن يقعا ~~في قبضة الجلادين الجبابرة، آلهة بابل، وراحا يهيمان على وجههما في مرتفعات جبل ~~الكرمل، حتى اهتديا إلى مغارة يقيم بها ناسك متعبد لله الحقيقي. وكان هذا الناسك ~~الصالح الوحيد في ذلك الزمن الطافح بالمفاسد والموبقات، فأخذ يقرأ عليهما شذرات من ~~السفر القديم، وهذه الشذرات أو هذا الإنجيل الفلسفي إنما هو مختصر الشرائع الدينية ~~والاجتماعية التي أراد الشاعر أن يبثها في البشر. ولقد استوحاها من أسفار التوراة ومن ~~سفر الاشتراع بنوع خاص. ms29 جاء في هذه الشذرات ما يلي: # علموا أبناءكم اسم الله السماوي كما تسقونهم قطرات الحليب عندما يجوعون؛ حتى ~~يذوقوا عذوبة ولذة قبل مرارة الحياة! سيكون اسم الله غوث البريء في محاكمته، ~~ونيران المجرم في تخفيه! سيكون اسم الله صديق الأجذم، وقاضي العبد، ووصي ~~الأرملة والقاصر! سيراه البائسون والمنقطعون من أعماق أوجاعهم يضيء كالشعاع ~~خلال دموعهم. # لا تضع حدا بين أمة وأخرى، وإذا قيل لك إن هذه الذرية لشرسة، وهذا ~~النهر يفرق بينك وبينها، أو إذا قيل لك إن هذا الجبل يفصلك عنها، فقل لمن ~~يقول لك ذلك إن الله يرانا جميعا ويباركنا، والفضاء يجمعنا، والسماء ~~تسترنا. # لا تنزع الغصن مع الثمرة، فطوبى لليد التي تزرع وعار على اليد التي تسيء! لا ~~تترك الأرض عارية قاحلة، فآباؤك رأوها خصبة عند مجيئهم. # لا تشمت بالتراب الذي تحت قدميك، فسوف تجد فيه مرقدك الأخير. واقتسم الأرض ~~بينك وبين إخوتك، فالله لم يتقاض منك ثمنا لها. تعاضدوا في المصائب وكونوا ~~إخوة وآباء، ولتكن الرحمة عدلا بينكم! تلفظوا بالحقيقة دائما فلا تحتاجوا ~~إلى القسم. دعوا خبزكم على عتبة كهوفكم للجائعين، واتركوا بعض ثمار على غصونها ~~لعابري الطرق. # لا يكن عندكم شرائع ولا مجالس لمحاكمة المذنب، ولا تبيحوا للقاضي حق القتل ~~لينتقم للموت بالموت! لا تجلسوا بينكم قضاة يرتكبون الإثم خفية ويعاقبونه ~~جهرا! بل هذبوا نفوسكم وأخلاقكم بالعلوم، فتشعروا بالقاضي والجلاد في ~~ضمائركم! لقد وهبتكم السماء عاطفة الغفران فاغفروا. إن هبة الغفران لأعظم ~~هبات الله للإنسان. # هذه اللهجة التي خاطب بها لامرتين أبناء جنسه في فم الناسك، هي التي خاطب بها الله ~~بلسان موسى جميع بني إسرائيل في البرية. خاطب موسى شعب إسرائيل في الإصحاح الأول من ~~سفر التثنية قائلا: «اسمعوا بين إخوتكم واقضوا بالحق بين الإنسان وأخيه ونزيله. لا ~~تنظروا إلى الوجوه في القضاء. الصغير كالكبير تسمعون. لا تهابوا وجه إنسان لأن القضاء ~~لله.» # وخاطب موسى شعب إسرائيل قائلا: «إذا خبطت زيتونك فابق على غصونه بعض ثمار لعابري ~~الطرق، وإذا حصدت حقلك ونسيت فيه بعض ms30 رزم فلا ترجع لتأخذه، إنه لليتيم والفقير ~~والأرملة يكون.» # والتوراة هي أيضا نفحة من الشرق! وكما أحسن الشرق إلى لامرتين عندما أوحى إليه أسطع ~~كواكبه إن في نثره وإن في شعره، هكذا لامرتين فقد أحسن إلى الشرق وإلى سوريا ولبنان ~~بنوع خاص. # لم يكن لامرتين كهؤلاء الكتبة الأوروبيين، الذين مروا في هذه البلاد مرور الطيف، ~~وكفاهم أسبوع أو أسبوعان ليكتبوا عنها المجلدات ويصفوها من أطرافها إلى أطرافها، بل كان ~~من هؤلاء الذين يحترمون نفوسهم، ومن كان يحترم نفسه يحترم الغير، فلا يبخسه حقه في ~~تقاليده وعاداته، ولا يشوه نواحيه الجميلة بفلتات من اللسان تدل على تحامله أو على ~~جهله. # كان لامرتين أول من عرف الأوروبيين إلى سوريا ولبنان، وكشف لهم تلك الكنوز الشعرية ~~المطمورة فيهما. ولقد نظر إلى آثارنا نظرة احترام وإعجاب وهو يعلم، حق العلم، أنها ~~ليست بقايا مدافن طواها الزمن، بل مدنية عظيمة لا تزال الحياة تتمشى بين رسومها ~~وأنقاضها! # قال يصف هياكل بعلبك: «تراءت لنا في الشفق البعيد جمهرة من الخرب المصفرة، ~~تذهبها الشمس المنحدرة إلى المغيب، وتنفصل رويدا رويدا عن أخيلة الجبال لتغيم في ~~شفافة من أشعة المساء. فأشار الأدلاء إلى هذه الخرب هاتفين: بعلبك! بعلبك! كانت تلك ~~الخرب الجبارة معجزة الصحراء، بعلبك الساحرة التي خرجت من ضريحها المجهول لتقص علينا ~~أنباء الأعمار التي فقد التاريخ تذكارها. # فلما بلغنا إلى تلك الهياكل العجيبة، لبثنا مذهولين أمام السحر المنبثق من أطوادها ~~الساحقة، وأمام قطع الغرانيت الأحمر والأشهب، والرخام الأبيض، والحجارة الصفراء، ~~والأعمدة المفرضة، والتماثيل المطروحة على الأرض، يمتزج بعضها ببعض كحمم بركان لفظ ~~بقايا دولة عظيمة! # ولما هبط الليل صعد القمر في السماء الصافية، وعبر بين شقوق جدار كبير من الحجارة ~~البيضاء، وتخاريم شرفة عربية تطل على الصحراء! عند هذا استولى علينا ذهول غريب، ~~واستسلمنا إلى أحلام عميقة، أما ما فكرنا به في تلك الآونة، وفي ذلك المكان البعيد عن ~~العالم الحي، في ذلك العالم الميت، أمام شهود الماضي المجهول الذي يقلب بطنا لظهر جميع ~~افتراضاتنا في ms31 التاريخ وفلسفاتنا في البشر، فالله وحده عليم به.» # وقال يصف روعة المناظر اللبنانية، وقد صورها بريشة لم يحملها شاعر لبناني إلى ~~الآن: «صعدنا نتسلق الجبال، فأبصرنا وراءنا البحر يحتجب رويدا رويدا عن الأنظار، وقد ~~انبثق الفجر وأطلت شعفات القمم تذوب على رءوسها أكواد الثلوج، فتراءت لنا الصحراء ~~الفسيحة تلمع تحت بخارها الناري كقطعة من الحديد أعارتها النيران لونها الأحمر، أو ~~كمحيط عظيم لا شواطئ له تسبح فيه الشمس والجبال والغيوم! # بقينا ثلاثة أيام نسير في طريق وعرة، فنجتاز المجاري المتحدرة من أعالي الجبال، ~~ونمر على خيم العرب المنتشرة هنا وهناك، كأنها صخور بيضاء تلمع خلال الأغصان، وعندما ~~يهبط الليل نحل ضيوفا مكرمين على قبائل الفلاحين؛ فالشرق يكرم الضيف أيا كان، ~~حتى سمعنا أجراسا تدوي في الأبعاد الشاسعة، فأدركنا أننا على مقربة من جبال الأرز، وما ~~زلنا نسير حتى تراءت لنا أغصان الأرز، تلك الأشجار الجبارة التي غرستها يمين الله، ~~وتوجت بها جبين ملك العواصف. ولما بلغنا إليها أحسسنا برهبة عظيمة تستولي على نفوسنا، ~~وجعلنا نحدق إلى اللجج العميقة التي تكتنف تلك الأشجار الباسقة الغضة، فأشار الدليل ~~إلى فرجة حفرتها المياه، ونحتت عليها نقوشا مختلفة، وإلى فرجة قاتمة تنفتح عن مطارح ~~صعبة كئود يقوم في وجهها صخر كبير، كأنه جدار الطبيعة يتدلى عليه غصن من الأرز متهدل ~~الأوراق، فبصرت بنقاط من الزبد عالقة بثنياته، تضطرب عليها أشعة الصباح ~~المسكرة.» # كتاب لامرتين عن الشرق # لا مشاحة في أن لامرتين سلك في المؤلف الذي وضعه عن الشرق طريق الأدب، كما سلك طريق ~~التاريخ؛ فهو قد شاء أن يزخرف بعض المشاهد، فبالغ في وصفها وتلوينها بحرية مطلقة، حتى ~~إنه اختلق كثيرا من المشاهد التي استوحاها استيحاء من الشرق. # ولقد وضع الدكتور ديلاروايير، رفيقه في رحلته، كتابا موجزا عن الرحلة التي قام بها ~~مع الشاعر الكبير، جاء تصحيحا وافيا للحقائق التي بالغت في أداءها مخيلة الشاعر، ~~الذي عمد في تلوين مشاهده إلى مجاراة الكاتب الكبير شاتوبريان الذي تقدمه في وصف ~~الشرق. # على أن الشاعر، وإن ms32 يكن وفق في ألوانه الساحرة، إلا أنه لم يستطع مجاراة متقدمه ~~في الأنوار المنبعثة من الصور، وفي تحليل الألوان والظلال، وهو، وإن لم يكن استطاع أن ~~يرتفع في دقة الفن إلى مستوى شاتوبريان، إلا أنه بقي أشعر منه وأشد حسا ~~وعاطفة. # ولم يكن قصد لامرتين من سياحته في الشرق أن يضع مؤلفا، قال: «لا أظنني أضع كتابا ~~عن رحلتي، وما قصدي من السياحة إلا البحث عن تأثيرات خاصة.» ولكنه لم يكد يعود إلى ~~بلاده، حتى أخذ صديقه دارغو يلح عليه في كتابة مذكراته، وكان لامرتين في حاجة قصوى ~~إلى المال، فلم يجد بدا من كتابة هذه المذكرات ونشرها، ولقد باع الثلاثة المجلدات ~~الأولى بمبلغ مائة ألف فرنك دفعت نقدا. # وكأن المشاغل السياسية ألهته عن مواصلة العمل، فعاد إليه في منتصف صيف العام 1834، ~~وفي 24 أيلول من هذا العام نفسه كتب إلى فيريو يقول: «لقد أنجزت نسخة مذكراتي السيئة ~~...» وفي 25 كانون الثاني من العام 1835 كتب إلى فيريو يقول: «سأرسل إليك قريبا أربعة ~~مجلدات صغيرة تحتوي مذكراتي البائسة التي تطبع اليوم بعجلة. إني خجول بها، وكنت أود ~~أن أسترجعها لو لم أكن بحاجة مزعجة إلى المال ...» # وظهرت المجلدات الأربعة في 6 نيسان 1835، فصادفت نجاحا كبيرا من حيث الرواج، إلا ~~أنها أثارت انتقادات قاسية عنيفة، ولدى مرور شهرين على انتشارها كتب لامرتين إلى صديقه ~~فيريو يقول: «هل قرأت مذكراتي؟ فقد أثارت انتقادات قاسية في جميع الأوساط السياسية ~~والأدبية والدينية، إلا أن القراء المجردين أقبلوا عليها إقبالا عظيما وتذوقوها، فقد ~~بيع منها عشرون ألف نسخة بين بلجيكا وهنا، أما ألمانيا وإنكلترا فقد طفحتا بها، وبين ~~يدي الآن ترجمتان إنكليزيتان، وأما مقالات الصحف فهي مرة بحقي، وإني أشعر ~~بالملكيين والجمهوريين ورجال القلم جميعا يهوون على ظهري، إلا أن هذا كله لا يؤثر بي ~~أكثر من تأثري بقطرة مطر تسقط على قبعتي في عاصفة من عواصف الربيع ...» # انتصار البلاغة # في أواخر شهر آذار من العام 1833، في حين كان لامرتين يزور خرائب بعلبك، ناوله أحد ms33 ~~الفرسان العرب رسالة من شقيقته، مدام ده كوبان، تطلعه فيها على أنه انتخب عضوا في ~~مجلس النواب. ولم يكد لامرتين يدخل إلى المجلس حتى اتخذ لنفسه برنامجا خاصا؛ وهو ~~اعتناقه المبادئ، واحتقاره الأحزاب السياسية بما فيها من قصر النظر والمساومات القبيحة. ~~وما عتم الأمر أن راح زملاؤه يتجنبونه ويحذرون شره، وكثيرا ما كانوا يتهمونه بأنه ~~يعالج سياسة شعرية خيالية. على أن تاليران كان ينظر إلى لامرتين بعين أصدق وأجلى؛ ففي ~~أحد الأيام كان لامرتين مدعوا إلى وليمة دعي إليها تاليران، السياسي الفرنسي العظيم، ~~وكان وقتئذ في الثانية والثمانين من العمر، فلما انتهى الغداء دنا تاليران من الشاعر ~~وطلب إليه أن يتحدثا على حدة، وإذ اختلى الاثنان قال تاليران للامرتين: «لقد دخلت في ~~المسائل دخولا جميلا.» # فأجابه لامرتين مستغربا: «أنا يا سيدي الأمير؟ في المسائل؟ أظنك تمزح، فأنا باق ~~في الخارج، أو على مقربة من هذه المسائل. إني أعتنق فكرا لا حزبا.» # فاستطرد تاليران بصوته النحاسي الفخور قائلا: «إنه لاتضاع عجيب! قلت إنك دخلت في ~~المسائل، في مسائل هذه البلاد بصدق وجرأة لم يسبقا لأحد منذ تموز إلى اليوم. إن المسائل ~~تسير بسرعة، أنت تسير أيضا بسرعة مثلها، وقد لا يمر وقت قصير حتى تقبض على زمام ~~البلاد.» # قال الشاعر لصديقه فيريو عقيب هذه المقابلة بينه وبين تاليران: «ما رأيك بهذا الدماغ ~~البالغ من العمر اثنتين وثمانين سنة؟ كنت أظنه ينظر إلي نظرته إلى خيالي يحلم ~~بعيدا عن أي عمل كان.» # ولكن تجرد لامرتين ما لبث أن ظهر في المجلس ظهورا واضحا، بفضل الخطب البليغة التي ~~كان لها في المجلس تأثير كبير، والتي تلقاها الرأي العام بعواصف من التصفيق. وفي ~~أواخر السنة 1838 نال فوزه الأول في السياسة بدفاعه عن وزارة موله في وجه الحزب ~~المعارض، الذي كان يرغب في إسقاط الوزارة، والذي يديره غيزو وتيير وأوديلون بارو. وإذ ~~كان يدافع عن هذه الوزارة كان يوجه إلى خصومه وأصدقائه معا حقائق صارمة كهذه مثلا: ~~«لا ينبغي لكم أيها السادة أن تتصوروا ms34 أن جميع الناس تعبون مثلكم، إن كنتم تشعرون بتعب ~~من الحوادث الخطيرة التي هزت هذا العصر وهزتنا معه، فالأعقاب التي تكبر وراءنا ليست ~~تعبة، وهي تريد أن تعمل وتتعب بدورها!» # وكان أن مائتين وواحدا وعشرين نائبا صوتوا مع لامرتين تأييدا للحكومة. ومنذ ذلك ~~الوقت أصبح لامرتين زعيم مبادئ وأفكار، لن يلبث أن يضم حوله الفئة النيرة في المجلس، ~~ومنذ ذلك الوقت أيضا تمكن من موهبته الخطابية التي بقي خمس سنوات يمرنها في المجلس، ~~والتي رقي بها أخيرا إلى مستوى أعظم خطباء أوروبا. قال كورمنين، النقاد المر: «إن ~~لامرتين يرتجل في أي موضوع كان بجرأة وحماسة وذوق وجاذب، وبعبارة ملونة غنية بالصور ~~والأفكار، لا يتاح لأي خطيب في البشر أن يجاريه فيها.» # ومن أروع الخطب التي ألقاها لامرتين في المجلس، الخطاب الذي ارتجله عندما حملت ~~الباخرة رفات الإمبراطور نابوليون من جزيرة القديسة هيلانة، واختلف أعضاء المجلس على ~~المكان الذي يصلح لأن يكون مقرا أخيرا لقاهر أوروبا. قال: «أعترف أمامكم، أمام هذا ~~المجلس وأمام هذه الأمة المضطرمة شوقا إلى تذكار، أنني لا أنظر من غير أسف إلى بقايا ~~هذا الرجل العظيم، تبكر في النزول من تلك الصخرة، في وسط ذلك المحيط الذي اتجه إليه ~~إعجاب العالم وتقواه ليأتينا بها من خلال لجة آلامها.» # فقاطعه النائب أوديلون بارو بقوله: «أطلب الكلام ...» فاستطرد لامرتين قائلا: «أرجو من ~~حضرة الخطيب الذي يقاطعني ألا يحكم على فكرتي قياسيا، فهي وطنية بقدر ما هي فكرته. ~~أجل، أيها الأسياد، معاذ الله أن ألوم الحكومة التي نزلت على فطرة البلاد النبيلة، أو ~~الفكرة الملكية التي تنادي من المنفى رفات القائد العظيم. لقد أبصرت بأم عيني ضريح ~~ثميستوكل، وقد أهيب به هو أيضا من المنفى ليرقد على شاطئ البحر تجاه سلامين، ولقد ~~باركت روح أثينا لأجل ذلك، كما ستبارك الأجيال روح فرنسا أمام الضريح الذي ستختارونه، ~~إلا أني لا أحسبها إهانة لذكر نابوليون أن يبقيه الحظ مدة بعد تحت صفصافة سنت ~~هيلين. # كان الأقدمون يتركون فسحة من الوقت تمر بين ms35 موت الأبطال ومحاكمة الأجيال، فعندما تكون ~~أحكام التاريخ خالية من الأغراض تصبح وهي ثابتة لا ترد، وقد تكون هذه البقايا لم تزل ~~مضطرمة فلا يصح أن تمسها يد! إن العدالة تربح من هذا التأني، ولا يخسر المجد ومعرفة ~~الجميل شيئا ... ولكن، عرض على فرنسا أن يرجع إليها ذلك القبر، فلم تجد بدا من أن ~~تنهض بأسرها لتستقبله وتحضنه في ضريح وطني. إذن فلنتقبله بتأمل، ولكن من غير تعصب، ~~وليسمع الشعب صوت العقل في وسط ذلك الإعجاب الذي لا يسمع منه إلا صوت الأبهة والمجد؛ ~~فلا ينبغي لنا أن نكون أكثر فخرا بنبوغنا منا بالحقوق التي لنا. إني وإن كنت أحد ~~المعجبين بهذا الرجل العظيم، إلا أني لا أترك للحماسة سبيلا إلي من غير بصيرة! إني ~~لا أسجد أمام هذا التذكار، ولست من ذلك المذهب النابوليوني، أو تلك العبادة القائمة على ~~القوة التي يريد البعض أن تخلف مذهب الحرية الرصين في روح الأمة. # لا أعتقد أنه من الحكمة أن نؤله الحرب من غير انقطاع ... فلقد سمعت مرة أحد الفلاسفة ~~يؤله المجد ويعزو الألوهة إلى هذا الطاغية، فضحكت منه ... فهذه البدع البراقة ليست ~~خطرة في فم الفيلسوف، فهي قياس باطل لا غير، ولكنها تتخذ طابعا آخر في فم الرجل ~~السياسي. إن القياسات الباطلة في الحكومات لا تلبث أن تصبح جرائم الأمم أو نكباتها! ~~فحذار أن تعطوا حساما كهذا الحسام، لعبة لشعب كهذا الشعب! وكما أني لست متهوسا، ~~هكذا لا أريد أن أكون خبيثا، ولا أريد أن أعتنق مذهبا لا أجد بذرة له في قلبي أو في ~~روحي! # يجب علينا، نحن الذين ينظرون إلى الحرية نظرة رصينة، أن نزن براهيننا، فلا نخدع رأي ~~شعب يجيد فهم ما يبهره أكثر مما يجيد فهم ما يحتاج إليه، فحذار أن نجعله يحتقر هذه ~~النظم الأقل سطوعا والأكثر وطنية من تلك، وهي التي نعيش في ظلها، والتي مات آباؤنا في ~~سبيلها بعد أن قاتلوا حقبة من الزمن! حذار أن نمحو حكومة العقل! يؤكد لنا الوزراء أن ~~العرش ms36 لا يتضاءل أمام ضريح كهذا، وأن تلك المواكب وتلك التيجان الموقتة التي وضعت على ~~ما يسمى حلالا، وتلك النشرات الشعبية، والملايين من المجلدات التي تعبر عن الأفكار ~~النابوليونية، وذلك التعبد للانتصارات لا خطر منها على مستقبل الحكومة الممثلة، ولكني ~~أخشى أن يردد على مسامع الناشئة: لا شعبي إلا المجد، ولا نتيجة إلا في الانتصارات؛ ~~كونوا عظماء واعملوا ما يبدو لكم، اشهروا حروبا، واكسبوا مواقع، واجعلوا نظم بلادكم ~~لعبة ... أبهذه التعاليم تصل الأمة إلى معرفة حقوقها؟ ... # لو كان هذا القائد العظيم رجلا عظيما كاملا، لو كان واشنطون أوروبا، لو أنه بعد أن ~~دافع عن الوطن وأدب الذعر في أخصام الثورة في الخارج، أيد التنظيمات الحرة، وثبت ~~ظهور الديموقراطية في فرنسا، لو أنه بدل أن يجعل نفسه رجعة حية للماضي، فيتصرف ~~بالحكم المطلق ويستثمر هوس الروح الموقت، تنحى هو نفسه كصولون أو كواضع شرائع أمريكا، ~~ولو أنه تنحى في نزاهته ومجده ليترك المكان للحرية، قد تكون جميع هذه الاحترامات التي ~~يرفعها إليه جمهور يخص بالعبادة من يسحقه قد جنحت عنه، وقد يكون رقاده في ضريحه أكثر ~~سلاما منه اليوم.» # الشعر في السياسة # كان لامرتين، على انغماسه في السياسة، يجد متسعا لاستقبال عروس شعره؛ فقد كان يصرف ~~فرص الصيف في قصره بسان بوان ساعيا جهده لنسيان السياسة - إن كانت السياسة تتخلى دقيقة ~~عمن يعتنقها - والرجوع إلى قيثارته. إلا أنه كثيرا ما كان يقاطع عمله ليستقبل زواره، ~~وقليلا ما كان هؤلاء الزوار يهادنون في الهبوط عليه؛ فلامرتين في ذلك الوقت كان غنيا ~~وعظيما، وكان عليه أن يستقبل ويضيف أمراء الفكر ورجال الفن والخطباء والسياسيين وملكات ~~الجمال والجاذب والشعراء والكتبة والصحفيين الذين كانوا يفدون عليه جماعات ~~جماعات. # على أن هؤلاء الزوار لم يكونوا يستطيعون الحيلولة التامة بين الشاعر وعروسه؛ فبعد أن ~~نشر «جوسلين» و«سقوط ملاك»؛ الروايتين الشعريتين اللتين أنجزهما في وسط مشاغله ~~السياسية، راح يعد للطبع ديوانا جديدا، إلا أنه كلما كان يكبر ويسمو في مقام السياسة ~~والخطابة كان الجمهور يقصيه عن مقامه الشعري. على ms37 أن هذا الإقصاء المتكلف لم يكن يسلخه ~~عن عروسه، بل كان يستقبلها ويستقبل السياسة معا. # جوسلين # 3 # في أواخر شهر شباط من العام 1831 ظهرت «جوسلين»، وهي رواية شعرية مؤسسة على فكرة ~~التضحية، فراجت رواجا عظيما، إلا أنها لم تسلم من لذعات النقاد، الذين حملوا على ~~الشاعر حملات عنيفة؛ فقد أخذوا عليه نقصا في وحدة القصيدة وضعفا في بعض مقاطعها، وأخذ ~~عليه دكاترة الدين مآخذ شتى، فقد أبى بعضهم إلا أن يرى في «جوسلين» تحاملا على ~~الإكليروس وعلى المسيحية معا، وهذا ما دعا لامرتين إلى الرد على هذا البعض بقوله: ~~«يضل القارئ إذا هو رأى في «جوسلين» غير الوجهة الشعرية، فليس ثمة مقصد خفي، ولا مذهب ~~من المذاهب ولا جدال لنقض إيمان ديني أو لتأييده، وليس موضوع روايتي هذه من المخترعات، ~~بل هو حادث حقيقي.» # سقوط ملاك # 4 # لم تكد «جوسلين» تظهر حتى كتب لامرتين إلى فيريو يقول: «سأصدر بعد مرور ثمانية عشر ~~شهرا رواية شعرية في مجلدين، تختلف اختلافا كبيرا عن «جوسلين»، وهي الصفحة الثانية ~~من ملحمتي الهندية ...» # ماذا يقصد لامرتين بالملحمة الهندية؟ أيقصد أنه يفكر في كتابة ملحمة عن الهند؟ لا، بل ~~إن القصيدة، التي فكر فيها وهو على طريق روما، ستكون شبيهة بالملاحم التي وضعها ~~الشعراء الهنود كملحمتي «مهابهارتا» و«رامايانا». # وكان الشاعر قد فكر في أن يبني روايته هذه على الموضوع الآتي: «تجري مشاهد الملحمة ~~قبل أيام قليلة من اليوم الأخير. ثمة شاب جالس بين خرائب مدينة لا اسم لها، يبصره ~~قوم مارون، فيسألونه من هو، ومن أين أتى، وماذا يريد؟ فيجيبهم أنه رجل، ولكن أشقى البشر ~~أجمعين؛ لأن البشر يريحهم الموت في الآخر، أما هو فليس الموت لديه سوى رقاد قصير أو ~~فترة بين آلامه؛ لأنه قضي عليه أن يموت ثم يبعث ثم يموت ثم يبعث إلى أن يطهر في نظر ~~الله. كان هذا الشاب قبل الخليقة فيسرد مشاهد الخليقة على مسمع القوم ...» # على أن لامرتين ما لبث أن عدل موضوعه هذا، ومن هذا التعديل الذي ms38 استوحاه من الشرق ~~خلقت روايته «سقوط ملاك». وإليكم موضوعها: «يعهد إلى ملاك - قبل الطوفان - أن يحرس ~~إحدى بنات حواء، وهي أجمل روائع العلي العظيم، فيهيم بها ويتمنى أن يصير بشريا ~~ويمتلكها ولو دفع الموت ثمنا لهذا الامتلاك؛ فيغضب الله عليه ويمنحه مشتهاه فيحوله ~~إلى إنسان بعد أن يحكم عليه بأن يفقد من يحب، ولا يجتمع به في السماء إلا بعد أن يتطهر ~~بالحياة والموت مرات عديدة. ثم يأتي الطوفان ويجرفه مع من يهوى.» # لامرتين في أوج السلطة # وكانت ثورة 24 شباط 1848، وهي الثورة التي قلبت الملكية للمرة الثانية، فرأى لامرتين ~~نفسه محاطا بعواطف الشعب، وما عتم أن سمي وزيرا للشئون الخارجية وعضوا لحكومة ~~موقتة. وفي الخامس والعشرين من شهر شباط استطاع لامرتين بخطاب ألقاه في الشعب الثائر أن ~~يسقط العلم الأحمر، علم الثورة، الذي كانت جماهير غفيرة من الفلاحين والعملة قد ~~حملته إلى قصر الحكومة لترفعه إلى الأبد مكان العلم المثلث الألوان. وهذا الخطاب، الذي ~~أسقط به لامرتين علم الدم، كان أعظم فوز أحرزته الكلمة البشرية؛ ففي تلك الدقيقة ~~العصيبة التي كان لامرتين يلقي بها خطابه في الشعب الثائر استطاع هذا الشاعر الخطيب أن ~~يضارع نبوغ ديموشتين وشيشرون! # لامرتين يسقط العلم الأحمر # كانت الجماهير التي غزت قصر الحكومة حاملة العلم الأحمر يراوح عددها بين أربعة أو ~~خمسة آلاف شخص، وكانت قد تدفقت من جميع أحياء باريس تلوح بالعصي والخناجر والفئوس ~~والحراب والبنادق، فاحتلت جميع قاعات القصر بعد أن اغتصبت الأبواب والمعابر مهددة ~~بصراخ الموت وصليل الحراب وإطلاق البنادق. # قال هنري روبير في محاضرة عن ثورة 1848 ألقاها في العشرين من تشرين الثاني من العام ~~1932: «إلا أن الحكومة كانت تملك قوتين تضمن بهما النظام وتدفع الخطر هما: بلاغة ~~لامرتين ومائة ألف رجل من الحرس الوطني.» # وكان لامرتين حاضرا في تلك الساعة العصيبة، فرفع على الأكتاف والأذرع، وما هي دقائق ~~قليلة حتى كان أمام الجماهير الساخطة وجها لوجه؛ على أن وجوده أمام الثائرين لم يخفف ~~من غضب هؤلاء، وعبثا حاول بعض الوطنيين ms39 أن يتوصل إلى إسكات الجماهير لتصغي إلى ~~لامرتين، فكانت تصرخ وتزأر وتهدد بالموت ملوحة بالسلاح يعلوه العلم الأحمر. # وبعد جهد جهيد استطاع رفاق الشاعر أن يصعدوه إلى كرسي مخلع دعموه بأيديهم لئلا ~~يهوي به ، وإذا بصوت لامرتين يرتفع في وسط الضجيج والصخب واللعنات المتتابعة، فخف ~~الضجيج شيئا فشيئا وساد السكوت، واستطرد لامرتين بعد أن امتدح الانتصارات التي ~~أحرزتها الثورة لأجل الجمهورية والديموقراطية، قائلا: «إني لأؤثر على هذا العلم ~~الدموي العلم الأسود الذي يرفع أحيانا في مدينة مدمرة. أفتريدون أن يكون علم ~~جمهوريتكم أشأم من علم المدينة المهدومة؟» # فارتفعت أصوات قائلة: «لا، لا! إن لامرتين محق، أيها الصحاب، فلا نبق للوطنيين هذا ~~العلم المخيف!» وزأرت أصوات قائلة: «بلى، بلى! هذا علمنا، هذا علم الشعب الذي ~~انتصرنا به، ففيم لا نبقي بعد النصر الشعار الذي صبغناه بدمائنا؟» # فأجاب لامرتين: «أيها الوطنيون، تستطيعون أن تسقطوا الحكومة، وأن تأمروها باستبدال ~~علم الأمة واسم فرنسا، وإذا كنتم تريدون أن تتوغلوا في ضلالكم، تستطيعون أيضا أن ~~تفرضوا على الحكومة إنشاء جمهورية حزبية؛ ولكن الحكومة تؤثر الموت على أن تلطخ شرفها ~~بالانصياع لكم. أما أنا فلن توقع يدي على هذا المرسوم! وإني لأدفع حتى الموت هذا ~~العلم الدموي. فهذا العلم الأحمر الذي تحملونه إلينا لم يطف إلا الشان ده مارس ~~مجروفا بدم الشعب في 91 و93، أما العلم المثلث الألوان فقد طاف العالم باسم الوطن ~~ومجده وحريته.» # فارتفعت الأصوات هاتفة للامرتين وللعلم المثلث الألوان. وفي تلك الآونة، تدفق إلى ~~القاعة الكبرى التي كان الشاعر يخطب فيها، جمهور جديد لم يكن قد سمع كلام لامرتين، ~~وعلا الصياح من كل جانب، فكان البعض يهتف للعلم الأحمر، والبعض للعلم المثلث الألوان ~~الذي أنقذه الخطيب، وكانت التجاديف والتهديد والأعلام الحمراء الممزقة والأسلحة النارية ~~الملوحة في الجو فوق الرءوس تمثل مشهدا من أشأم مشاهد الثورة الكبرى، وبينا الجماهير ~~على ما هي عليه، وثب لامرتين إلى ما بين الحزبين، فصرخ الوطنيون الذين سمعوا لامرتين ~~للمرة الأولى قائلين: «هو ذا لامرتين! افسحوا للامرتين! أصغوا ms40 إلى لامرتين!» فزأر ~~الهاجمون قائلين: «لا لا! ليسقط لامرتين! الموت للامرتين! لا كلام ولا خطب! المرسوم أو ~~قتل الحكومة الخائنة!» # إلا أن هذا التهديد لم يرجع لامرتين عن عزمه، ولم يستطع سبيلا حتى إلى تغيير لون ~~بشرته، وكانت حراب البعض توشك أن تلامس وجه الخطيب، وفي تلك الآونة الرهيبة شق الصفوف ~~رجل جبار، ممزق الثياب، يقطر الدم من وجهه ومن صدره، وهجم على لامرتين وراح يقبله ~~ويعانقه، فأثر هذا المشهد في الشعب الثائر فسكن، وارتفع صوت الخطيب قائلا بهدوئه ~~الطبيعي: «أيها المواطنون، لقد خاطبتكم منذ هنيهة بصفتي مواطنا مثلكم، فأصغوا إلي ~~الآن أخاطبكم بصفتي وزير شئونكم الخارجية. إذا نزعتم مني العلم المثلث الألوان تنزعون ~~مني نصف القوة الخارجية في فرنسا! فأوروبا لا تعرف إلا علم انكساراتها وانتصاراتنا، علم ~~الجمهورية والإمبراطورية، وإذا هي أبصرت العلم الأحمر يخيل إليها أنها لا تبصر إلا ~~علم حزب! فيجب علينا أن نرفع على عيون أوروبا علم فرنسا، علم جيوشنا المنتصرة!» # عند هذا خفض الجمهور الثائر أسلحته، وهتف الجميع بصوت واحد: «الثقة! الثقة! لتحي ~~الحكومة الموقتة! لتحي الجمهورية! ليحي لامرتين!» # وفي 27 نيسان جرت الانتخابات في اللجنة الدستورية، فانتخب لامرتين في عشر مقاطعات ~~بمليون وستمائة ألف صوت؛ وهذا الإجماع في الأصوات كان كافيا لأن يجعله ديكتاتورا، وما ~~هو أن دعي لتأليف الوزارة فألفها، على أن يصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية التي كانت ~~الحكومة الموقتة تحل محلها، وبقي ثلاثة أشهر يعالج حكمه الديكتاتوري بالبلاغة ~~السامية. # من القمة إلى الهوة # على أن خصوم لامرتين ما لبثوا أن راحوا يعملون لإسقاطه، ولكي يتم لهم ذلك لجئوا إلى ~~وسائل معيبة لم يخجلوا من استعمالها؛ فقد اتهموه بأنه اختلس من الخزينة مليوني فرنك ~~ليفي ديونه، وأنه ابتاع بمال الخزينة أيضا بعض أملاك في فرنسا وعقارات في لندن، ~~واتهموه أيضا بأنه أخر الانتخابات ليمد سلطته الديكتاتورية، وأنه عقد مع الحزب ~~الاشتراكي اتفاقية شائنة. ولدى هذه الاتهامات المتواصلة عقد مجلس للتحقيق رأسه ~~أوديلون بارو، إلا أن هذا المجلس لم يكلف نفسه غسل شيء ms41 من هذه الافتراءات التي ذهب ~~لامرتين ضحيتها. # ولكن نفوذ الشاعر بقي كبيرا في المجلس؛ ففي 27 أيلول لفظ خطابا اقترح فيه تأليف ~~لجنة تشريعية؛ وفي السادس من تشرين الأول لفظ خطابا قال عنه بارتو: «إن جلال عباراته ~~يذكر ببوسويه»، نصح فيه أن يعهد بانتخاب رئيس الجمهورية إلى التصويت العام؛ وفي ~~العاشر من كانون الأول 1848 جرت الانتخابات لرئاسة الجمهورية، فنال لويس بونابرت ~~5434326 صوتا من 7327345، ولم ينل لامرتين سوى 17910 أصوات. # أما دوره السياسي فكان قد انتهى! # | لامرتين في عشرين سنة # 1849-1869 # كان لويس نابوليون بونابرت يحب لامرتين ويحترمه، فلما قبض على زمام الحكم عرض عليه ~~كرسيا في الوزارة، فرفضه وأنشأ جريدة سماها «مستشار الشعب»، وفي الوقت نفسه كان يبعث إلى ~~الصحف بمقالات سياسية عديدة، ويعد مؤلفا في تاريخ ثورة 1848. ولقد صدر هذا التاريخ ~~في مجلدين كبيرين، ونجح نجاحا باهرا جدا؛ فقد نفد منه خمسة آلاف نسخة بأربعين ~~يوما. # وكان لامرتين في حاجة قصوى إلى المال؛ إذ إنه خرج من الحياة السياسية فقيرا لا يملك ما ~~يسد به عوزه، وقد بلغت ديونه أكثر من خمسة ملايين فرنك! فصور له أن الزعامة الأدبية ~~والسياسية ستعود إليه فتنتقم له من المرجفين. # أما كيف بذر لامرتين الثروة الطائلة التي حصل عليها - ولا ننس أنه ورث عن آبائه ~~أملاكا واسعة، وأن مؤلفاته؛ لا سيما دواوينه الشعرية و«جوسلين» وتاريخ رحلته إلى الشرق، قد ~~أدت عليه أموالا حسده عليها معظم الكتبة حتى فيكتور هيغو نفسه - أما كيف بذر لامرتين هذه ~~الثروة، وانغمس في ديون تبلغ الملايين، فقد اختلف كثيرون على إيضاح هذه النقطة؛ فمنهم من ~~قال إن الدور السياسي الذي مثله قد كلفه مبالغ لا يستهان بها، ومنهم من قال إنه كان ~~يبسط يده إلى درجة الإفراط والتبذير ويعيش عيشة الأمراء والملوك، ولم يكن يمسك كفه عن ~~المساكين فيهبهم بدون ترو ولا حساب؛ على أن المسيو رينه دوميك الذي اهتم بإيضاح هذه ~~النقطة فاستشار بعض وثائق اهتدى إليها، قال: «لقد أغرق البعض في وصف حياة البذخ ms42 التي عزيت ~~إلى لامرتين ... فالمؤلف الذي وضعه عن رحلته إلى الشرق قد در عليه أضعاف ما كلفته هذه ~~الرحلة ... على أن سبب فقره وانغماسه في تلك الديون البالغة الملايين يعود إلى تعلقه ~~باقتناء الأملاك وحراثة الأرض، فقد صرف جهودا كبيرة في شراء السهول والحدائق وحراثتها ~~ونقبها، وكثيرا ما كان يبتاع الغلال بأثمان لا توازي أثمانها الحقيقية، هذا من جهة، ومن ~~جهة أخرى كان ميالا إلى المقامرة والمضاربة ...» # فالانتين ده سيسيا # عندما توفيت جوليا، وحيدة الشاعر، أسقط في يده واستسلم ليأس شديد، وكان بحاجة إلى ~~أن يسند آلامه إلى قلب يفهمه ويشعر بشعوره، ولقد وجد هذا القلب في ابنة شقيقته ~~فالانتين ده سيسيا التي ولدت في العام 1830، وهو العام الذي صدر فيه ديوان لامرتين ~~الأول «التأملات الشعرية». # وفالانتين ده سيسيا مثلت دورا هاما في حياة خالها الشاعر، فقد لبسته إلى آخر ~~حياته ورفضت الزواج لتبقى بالقرب منه تؤاسيه في مصائبه وتبسم له في لياليه؛ على أن ~~الناس أبوا إلا أن يروا في هذا الحب بين الخال وابنة أخته عشقا مشبوها تناولوه بفلتات ~~الألسن. ولكن أي حرج على الرجل أن يضمر لقريبته حبا صوفيا كذلك الحب الذي أضمره ~~أوديب الملك لابنته أنتيغون؟ إلا أن الفطرة البشرية كثيرا ما تزوغ عن طبيعتها، فتخدع ~~الإنسان وتجنح به إلى الشر. # في العام 1863، عندما توفيت زوجة الشاعر، أراد هذا الأخير أن تكون فالانتين وارثته ~~الوحيدة فتزوجها سرا، وكان أن هذا الزواج أثار الشبهة في عقول الناس فراحوا يؤيدون ~~مزاعمهم الباطلة. # رفائيل # في العام 1849 أصدر لامرتين قصتين هما: «غرازييلا»، وهي التي عرضنا لها في بدء هذا ~~الكتاب، و«رفائيل»، وهي صفحات حب عرض فيها الشاعر حبه العظيم لمدام شارل أو جوليا ~~بوشو، وكان قد كتب هذه القصة قبل سنتين على أن لا ينشرها في حياته، ثم عدل عن عزمه هذا ~~إلى عزم آخر، وهو أن ينشرها على نفقته الخاصة. ولما صدرت هذه القصة الدامية نجحت ~~نجاحا كبيرا جدا ودرت عليه مبالغ طائلة. # وحي الماضي # على أن هذه ms43 المبالغ لم تكن كافية لسد حاجة لامرتين ودائنيه معا، فكان عليه أن يبيع ~~ما ورثه عن آبائه؛ ففي شهر أيلول من العام 1849 أذاع في جريدته «مستشار الشعب» عزمه على ~~بيع قصر ميللي وحدائقه المقدسة. قال: «إن فرنسا صماء، أما أنا فقد بدأت ببيع ميللي ~~ومونسو، وأشعر بأني أصبحت ضيفا في بيتي.» # على أن رجاء واحدا بقي له، وهو أن يستثمر مؤلفاته السابقة، وكان حق الطبع قد عاد ~~إليه، فصحت عزيمته على أن يطبع مؤلفاته على نفقته الخاصة، فجمع من شعره «التأملات» ~~و«الإيقاعات الشعرية» و«موت سقراط» و«شيلد هارولد» و«جوسلين»، ولم يجمع من نثره إلا ~~«الرحلة إلى الشرق» وأجمل خطبه السياسية. ولكي يدفع الجمهور إلى اقتناء هذه الطبعات ~~الجديدة مهرها جميعها بمقدمات. # الرحلة الثانية إلى الشرق # كان السلطان عبد المجيد قد وهب لامرتين - جزاء له على إنشاده الشرق في شعره وفي ~~كتابه عن الشرق - قطعة من الأرض مساحتها عشرون ألف هكتار، كائنة في آسيا الصغرى على ~~مقربة من إزمير، فلما ضاقت الحياة في وجهه، أخذ يحلم باستثمار هذه الأرض؛ على أنه لم ~~يكن قد زارها بعد، فصحت عزيمته على القيام برحلة ثانية إلى الشرق. وفي 21 حزيران 1850 ~~سافر إلى تركيا تصحبه زوجته وابنة شقيقته فالانتين، وصديقان هما ده شانبو وده ~~شانبوران. # على أن استثمار هذه الأرض كان يقتضي رأسمالا كبيرا، وإذ لم يقع الشاعر على من ~~يسلفه المبلغ المطلوب، أعاد الأرض إلى السلطان على أن يدفع له هذا الأخير بدلا عنها ~~دخلا سنويا ... ويظهر أن السلطان لم ينزل عند هذه الرغبة، فعاد لامرتين إلى فرنسا ~~صاحبا معه سفرا جديدا عن رحلته الثانية. # الأشغال الأدبية الشاقة # على أن هوة الديون كانت تعمق من يوم إلى يوم حتى أصبحت لجة، وكان على الشاعر أن ~~يكتب ويكتب ويكتب ليفي بعضا من هذه الديون ويحافظ على بسطة عيشه؛ وما هي بضع سنوات حتى ~~نشر «تاريخ الجيروندين» و«تاريخ الانقلاب» و«تاريخ تركيا» و«تاريخ روسيا»، وبقي ثلاث ~~عشرة سنة - من العام 1856 إلى 1869؛ أي إلى آخر حياته ms44 - يصدر كل شهر مجلة أدبية ~~يحررها وحده. # أما المجلة هذه فكانت تتضمن تاريخ الأدب الفرنسي؛ ولقد جمعت في ثمانية وعشرين ~~مجلدا، يحتوي كل منها خمسماية صفحة، درس فيها الشاعر عددا كبيرا من روائع الأدب ~~العالمي؛ كأدب دنتي وله تاس وشكسبير وهوميروس وشيشرون وتاسيت وأريستوت وميكل أنجلو ~~وموزار وغيرهم، وكما درس أدب العصور الماضية هكذا درس أدب عصره بمطلق الحرية. # لامرتين في سنيه الأخيرة # في العام 1860 نشر لامرتين جميع مؤلفاته على نفقته الخاصة في واحد وأربعين مجلدا؛ ~~على أن تلك الجهود المتواصلة التي كان يبذلها لم تبلغه إلى الغاية المنشودة؛ ~~فالدائنون بقوا يرهقونه بطلباتهم المتواصلة، وفي العام 1861 باع قصر ميللي وأتبع به ~~قصر مونسو، ولم يبق من جميع الأملاك التي كان يحبها إلا قصر سان بوان. وكان بعض من ~~أصدقائه قد باشر جمع الإعانات المالية لإنقاذه مما هو فيه، إلا أنه لم يفلح؛ فالشعب كان ~~قد أعرض عنه وحاد عن طريقه. على أن نابوليون الثالث كان لا يزال يعطف على الذي أنقذ ~~البلاد في وقتها العصيب ورفع العلم المثلث الألوان إلى الأبد؛ ففي العام 1867 اقترح على ~~المجلس التشريعي مشروعا وطنيا يمنح لامرتين خمسة وعشرين ألف فرنك دخلا سنويا ~~يعطى من مال الخزينة. # لامرتين على فراش الموت # بقي لامرتين يواصل إصدار مجلته الأدبية، إلا أن جلده ما لبث أن خار وضعف عزمه؛ ففي ~~العام 1868 شعر بتعب شديد يستولي عليه، وراح يغرق في بحران عميق، وكانت فالانتين، ~~مؤاسيته الوحيدة، تقرأ له كل ليلة رسائل شيشرون، ورسائل فولتير، وتاريخ القنصلية ~~والإمبراطورية. # وأقبل الموت عذبا بطيئا، فبعد نزع دام أياما فاضت روح هذا الرجل العظيم، وكانت ~~عيناه محدقتين إلى صليب أرسلته إليه «إلفير» قبل موتها. # قال صديقه ديكونيه: «ترك الحياة ببساطة ومن غير أن يودعها بسوى ابتسامة باسلة. ~~وكان مضجعا على سرير كبير من خشب الورد ومسندا رأسه إلى كتف فالانتين.» # مأتم لامرتين # كان الشاعر قد أوصى فالانتين بأن يدفن ببساطة وهدوء، فلما فاضت روحه، رفضت فالانتين ~~ده سيسيا أو ده ms45 لامرتين نزولا على إرادة خالها أو زوجها، أن تجري له المآتم الشعبية ~~التي كان الإمبراطور قد منحها لجثمان الشاعر، وجيء بالجثة إلى سان بوان من غير أن ~~يواكبها إلا جمع قليل لا يجاوز ثلاثين شخصا، بينهم اثنان من أعضاء المجمع العلمي، هما ~~جول ساندو وإميل أوجيه، وثلاثة من الكتبة، هم ده لابراد وإسكندر ديماس الابن ولويس ~~راتيسبون، ورجل واحد من السياسيين، هو إميل أوليفيه. أما الجمهوريون والحكومة الموقتة ~~التي كان الشاعر رئيسها فلم يحضر واحد منهم. وهكذا مضى الرجل العظيم إلى مقره ~~الأخير. # على أن الموكب لم يكد يصل إلى ماكون وإلى سان بوان حتى هرعت الجماهير الغفيرة ~~لاستقباله، فالشعب الذي أحبه لامرتين في تينك المدينتين تظاهر حول نعشه بكل ما في ~~قلبه من الشعور والنبل. # قال إميل أوليفيه في رسالة بعثها إلى إميل ده جيراردين، ونشرتها الصحف في اليوم ~~التالي 4 آذار 1869 ما يلي: «كان مأتم عزيزنا لامرتين جديرا به ... ففي الصباح هرع جميع ~~سكان ماكون إلى المحطة ليستقبلوا ميتا ذلك الذي أعجبوا به وهو حي. وعند وصول الجثمان، ~~مضوا به إلى الكنيسة ولم يغادروه إلا في طرف المدينة. وإذ هو في الطريق إلى سان بوان، ~~كان سكان القرى يهبطون لاستقباله يتقدمهم الكهنة، وكان كثير منهم يهوون على التابوت ~~يقبلونه ويعانقونه في وسط التأوهات والحسرات. أما النهار فكان جميلا، وكانت الطبيعة ~~فرحة مغبوطة برؤيتها شاعرها في مأمن من الأتعاب والآلام.» # | خاتمة # وأصدق ما رأينا أن نختم به هذا الكتاب كلمة النقاد الفرنسي دورفيللي في الشاعر ~~العظيم، قال: «يجب أن نقول للذين تملكهم كبرياء نثرهم: عندما تموت زعقات السياسة المعاصرة ~~لا يبقى حيا من لامرتين إلا شعره. # شعره! ... الشعر! ... والشعر هو أجمل ما في لغات البشر أية كانت؛ فلا التصوير ولا الموسيقى ~~ولا التماثيل، من الحجر كانت أو من النثر، توازي ذلك الشيء المعبود: الشعر الجميل! وبالشعر ~~الجميل ملك لامرتين على العرش في ماض ليس ببعيد عنا، وسيبقى مالكا عليه في المستقبل ~~البعيد ... مهما بعد! فلا أعرف في عصر ms46 من العصور رجلا أعظم من لامرتين في مصاف الشعراء؛ ~~فقد حمل عصره على كتفيه ليعبر به نهر الشاعرية الكاذبة التي كانت تتمرغ فيه، واستطاع بنفس ~~واحد أن يرفع عصره إلى سماء الشعر الصحيح الأزلي، إلى السماء العالية المسكرة، إلى سماء ~~كانت فرنسا قد نسيتها قبل أن جاء لامرتين. # آه! لم يكن شأن لامرتين كما كان شأن ماليرب! فهو لم يحدث ثورة في الإنشاء أو في الوزن ~~والقافية، بل أحدث ثورة في المخيلات والقلوب! كان الشعر في فرنسا قد مات بموت راسين، وكان ~~القرن الثامن عشر إذا قرأ شعرا جميلا يقول: هذا جميل كالنثر. وفي عهد الإمبراطور حلت ~~البطولة والفروسية محل الشعر، وإن تكن البطولة شعرا فقد كانت تنشد بلسان المدفع وحده. ~~ولكن عندما سكت المدفع ارتفع صوت سماوي لم يكن قد سمع قبل ذلك العهد حتى في أناشيد راسين ~~نفسه، وكان ذلك الصوت: «التأملات»؛ فالتأملات قد نجحت ... لا، لا، لندع مثل هذه التعابير ~~المبتذلة، لم يكن ثمة نجاح، بل سحر فجائي عظيم. # لقد استطاع شاتوبريان أن يطرح الأفكار الثورية من النافذة كما طرح بونابرت ممثلي الأمة، ~~إلا أن فوز لامرتين كان أصدق وأعظم؛ لأنه انبثق من نبوغ لامرتين. كان روح النصرانية يرافق ~~شاتوبريان، أما لامرتين فلم يكن يرافقه إلا روحه. # ثمة شعراء يموتون من غير أن يموتوا، فيصبحون توابيت حية لشعرهم الميت، وثمة أنهار من ~~الشعر تتدفق كما تتدفق أنهار الجنة، ولكنها لا تلبث أن تغور وتغيض على مسافة أربع أقدام من ~~مصبها، إلا أن لامرتين، لامرتين الذي لا ينضب، بقي طوال حياته شاعر «التأملات» ~~الكبير.» ms47