######OpenITI# #META# URI: 1366IlyasAbuShabaka.TaqatZuhur.Hindawi16485292 #META# Tags: literature #META# ID: 16485292 #META# Title: طاقات زهور #META# AuthorID: 95147246 #META# Author: إلياس أبو شبكة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # سيدة عابري السبيل‏ # العكاز الذهبي‏ # وردة الجنة‏ # راهب وملك‏ # الزهرات البيضاء‏ # مطوقة الطوباوي يوسف ده كوبرتينو‏ # كتاب الفرض‏ # الناسك‏ # المقدمة‏ # سيدة عابري السبيل‏ # العكاز الذهبي‏ # وردة الجنة‏ # راهب وملك‏ # الزهرات البيضاء‏ # مطوقة الطوباوي يوسف ده كوبرتينو‏ # كتاب الفرض‏ # الناسك‏ # | طاقات زهور # | طاقات زهور # تأليف # إلياس أبو شبكة # | المقدمة # هذه صفحات روحية أرفعها اليوم إلى أبناء بلادي، ففي كل صفحة منها عظة لمن يتعظ، وعبرة ~~لمن يعتبر. # إن من يقرأ قصة «سيدة عابري السبيل» تتجسم أمام عينيه عاقبة القاتل الجبان، ويلامس في كل ~~سطر من سطورها رعشة الضمير الهارب من جريمته، ومن يقرأ قصة «راهب وملك» تتراءى له التضحية ~~ومحبة البائسين، ومن يقرأ قصة «مطوقة الطوباوي يوسف ده كوبرتينو» يرى فيها انتصار الفضيلة ~~على الشر، ومن يقرأ قصة «الزهرات البيضاء» يتمثل له جزاء عرفان الجميل، ومن يقرأ قصة «وردة ~~الجنة» يلامس عذوبة التعزية في وسط الآلام، وينكشف له ينبوع السلام يترقرق صافيا بين مفاوز ~~الشكوك وعقبات الحياة. # هذه صفحات روحية ملؤها التعزية والحب، فليتصفحها كل من يشعر بحاجة إلى التعزية! # إلياس أبو شبكة # | سيدة عابري السبيل # كانت النار تزفر في الموقد. # وكانت أيدي الأحداث الحمراء من شدة البرد تتزاحم مضطربة فوق المستوقد. # وفي الخارج كانت الرياح تعصف بقوة، والهواء المجنون يزمجر في الأبعاد، جارا خلفه أطواد ~~الثلوج، وأغصان الأدواح من أعالي الجبال. # أما الباب المضطرب فوق رزاته، فقد كان يئن أنينا مزعجا. # اقترب الأحداث من وردة المسنة، التي كانت تبرم دولابها تحت مئزر الداخون، وقال لها فريد، ~~وهو أكبر الأحداث سنا: احكي لنا حكاية يا أم وردة، حكاية طويلة وجميلة. # كانت ليالي الشتاء طويلة كثيرة الساعات، وكان الأهل يرسلون أولادهم في أغلب الأحيان إلى ~~الأم وردة؛ لتعلمهم مخافة الله، ومحبة القريب، وتقص على مسامعهم حكايات قديمة. # فابتسمت الأم وردة لفريد وقالت له: أية حكاية تود أن أقصها عليك يا بني؟ أعصفور النار ... ~~أم سيدة البحيرة الوردية؟ # فأجابها الأحداث بحمية: لا، لا، بل حكاية مخيفة يا أم وردة. # فأردفت الفتيات الصغيرات ms01 قائلات وهن يضطربن: أجل نريدها مخيفة يا أم وردة. # فتجمعت الأم وردة، وبعد أن ترددت قليلا تركت شفتيها تتلفظان بهذه الكلمات: أصغوا لأقص ~~عليكم ... فريد، انظر هل الباب مغلق ... فلا يجب أن يمر الروح القدس في هذه الساعة ... أصغوا ~~لأقص عليكم حكاية بيلاطوس البنطي. # عندما سمع الأحداث هذا الاسم المخيف حدق بعضهم في بعض بخوف ورهبة ورسموا شارة الصليب ~~على وجوههم. # ثم أكملت الأم وردة حديثها قائلة: أنتم تعرفون حق المعرفة أن بيلاطوس البنطي حكم بالموت ~~على سيدنا يسوع المسيح. # هذا الرجل الملعون كان الحاكم المطاع في بلاد اليهود؛ وكان لا يحتاج إلى أكثر من إشارة ~~يعطيها لجنوده حتى يقهر الفريسيين الكفرة، إلا أنه كان جبانا ومتكبرا ... # أجل كان متكبرا، أتسمعين يا سليمة؟ ... # كان لا يود أن يفقد مركزه في المدينة؛ إذ إن اليهود كانوا يتهددونه بالخلع عن عرشه إذا ~~عرف عاهل روما أنه لم يحكم بالموت على ملك اليهود. # عند ذلك نزل بيلاطوس عند رغائب الشعب اليهودي، وحكم على المسيح بالصلب على خشبة كبيرة بين ~~لصين. # ثم غسل يديه ليوهم الناس أنه بريء من هذا الذنب الفظيع، وأنه لم يثقل ضميره بتلك الجناية ~~التي لا وجه لها من العدل. # إلا أنه لم يستطع أن يضل نفسه، فلم تكد روح سيدنا يسوع المسيح تفيض على الصليب، حتى ~~تمسك الندم بروح بيلاطوس كما يتمسك الخفاش بشباك أحد الكهوف! # وبعد بضعة أعوام طلب العاهل بيلاطوس، ووبخه غاضبا، وقال له إنه لم يبق بحاجة إليه؛ ~~لأنه لم يحسن إدارة الشعب، وزاد على ذلك بأن أمره بالرحيل عن روما، والسكن بعيدا عنها ~~لكي ينسى الجميع حتى اسمه. # إلا أن العاهل قد أخطأ خطأ عظيما يا بني، إذ إن الشعب لم ينتبه إلى بيلاطوس ويذكر ~~جريمته إلا منذ هجر روما. # يتأكد لنا من مصيبة بيلاطوس وأوجاعه أن الله لا يحب الأردياء، الذين يرتكبون الجرائم ~~بجبانة وخوف! # لا تنسوا هذه العبرة يا أولادي، وأنتن يا صغيراتي، عندما تصبحن كبيرات، وتجلسن إلى ~~أبنائكن لتقصصن عليهم حكايات الأم ms02 وردة، يجب أن تسردنها كما أسردها أنا على مسامعكن ~~الآن. # فهتف حبيب وسليمة بصوت واحد قائلين: نعم يا أم وردة! # فعادت الأم إلى حكايتها فقالت: تملك اليأس من نفس بيلاطوس فذهب إلى أقاصي الأرض هاربا ~~من الضمير، إلا أن شبح الصليب بقي ماثلا أمام عينيه في كل حين. # ولكي يخنق صوت ضميره أخذ يبحث عن جنوده وشعبه، فلم يجد أحدا منهم، فهام على نفسه في ~~مجاهل الأرض، لا يهدأ له روع ولا يقر له قرار! # فعندما كان يمر أمام الينابيع أو البحيرات كان يغمس يديه في مياهها، تينك اليدين اللتين ~~أشارتا بالحكم على المسيح المبارك، وشفتاه المرتعشتان تتمتمان بهذه الكلمات: أنا بريء من دم ~~هذا الصديق! # أما البشر فكانوا يرونه مجتازا من مدينة إلى أخرى بدون أن يضطربوا منه، أو أن يوجسوا ~~خيفة من شره. # وبعد حين عاد بيلاطوس إلى بلاد اليهود، ووقف في روما مرة أخرى ... وفي أحد الأمساء رآه ~~الشعب «مشنوقا» بعصابة وشاحه، فنزعوه عن الشجرة، ورموه في أعماق هوة مظلمة. # أما الأرض فلم تكن ترضى به طعاما في بطنها فبصقته، واضطر الشعب إلى إرجاعه إليها أولا ~~وثانيا وثالثا، حتى أمر عاهل روما بأن يوضع في كيس مثقل بحجارة ضخمة، ويلقى في نهر ~~التيبر، أحد أنهر روما. # إلا أن النهر لم يلبث أن هيج مياهه، وفاض على شواطئه حتى غمر عدة شوارع من ~~المدينة. # أما المراكب فشرعت تتعالى مع الأمواج المجنونة، وينقلب بعضها على بعض، فخشي البحارة هول ~~العاقبة، فنزعوا الجثة من أعماق المياه، وأخذوها إلى فرنسا حيث حفروا هوة عميقة في جبل ~~قريب من مقاطعة فيان رموا فيها جثة بيلاطوس بعد أن ثقلوها بأطواد هائلة. # إلا أن الصواعق بدأت تنقض وتثور متلفة كل ما يتفق لها أن تجده في طريقها، حتى أحدثت ~~أضرارا أكثر من التي حدثت في روما. # إذ ذاك استولى الشعب على الجثة ورموها في الرون، وهو نهر يضارع السهم بجريانه ~~السريع. # إلا أن النهر لم يلبث أن غضب غضبة أشد من التي غضبها التيبر ms03 والجبل القائم في فرنسا ~~والنمسا، فأخذ يطرح الجثة تارة على شاطئه الأيمن، وطورا على الأيسر، حتى دب الخوف في ~~قلوب السكان، فعرضوا أمرهم لشارلمان، الذي كان أعظم ملك في العالم كله. # عند ذلك فكر الملك طويلا يا بني، ثم استشار أساقفته وقواده في الأمر. # إلا أن هؤلاء كانوا أشد تحيرا منه. # أخيرا عندما رأى الملك أن الشعب الفرنسي لم يبق باستطاعته أن يتحمل خوفه ورهبته أصدر ~~أمره بنقل الجثة إلى لوزان. # إلا أن حاكم هذه المدينة لم يتردد بأن استرحم الملك بأن يبعد عنه تلك الجيفة التي أرعبت ~~المدينة بأسرها. # إذ ذاك أشار الملك شارلمان بأن يدفن بيلاطوس في جبلنا العالي، وأن يبقى فيه إلى ما شاء ~~الله. # لم يكن عندنا يوم ذاك من يدافع عنا، يا أعزائي، فجاءوا بالجيفة الملعونة ودفنوها في ~~هذا الجبل الذي أطلق عليه اسم «جبل بيلاطوس». # وهنا توقفت الأم وردة عن الكلام، ثم قالت: لقد مضى هزيع من الليل يا بني، فيجب أن ~~ترجعوا إلى مآويكم، وغدا، إن شاء الله، أكمل لكم قصة بيلاطوس. # فتململ الأحداث لدى توقف الأم وردة عن إكمال الحكاية، وقالوا لها: لا تتوقفي يا أم ~~وردة، وأخبرينا عما جرى في جبل بيلاطوس بعد أن دفنت فيه الجثة، فما من أحد هنا يستطيع أن ~~يقص مثلك حكايات مخيفة، هذا ما قاله لنا أمس رئيس المدرسة. # فتهددتهم الأم وردة بإصبعها، وقالت لهم محدقة من خلال نظاراتها إلى يوحنا الصغير: ~~يا لكم من ملاقين صغار ... ولكن لا بأس فاسمعوا النهاية: عندما دفنت جثة بيلاطوس في جبلنا ~~هذا يبست الأعشاب، وجفت الينابيع، وماتت الطيور، وهربت حيوانات الجبل مذعورة مضطربة، ~~وترامت الأشجار تحت انقضاض الصواعق، وذبلت أجساد السكان وشحبت وجوههم ... # أما الحجارة فكانت تتهير من البروق الزرقاء، وأطواد الصخور تتساقط من قمة الجبل وتترامى ~~في مياه البحيرة الزرقاء، والأرض تتشقق عن لجج عميقة، وكهوف سوداء تشرئب منها أعناق ~~أفاع هائلة وثعابين ذات رءوس عديدة! # أما اليوم، فيقال: إن شبح بيلاطوس يجتاز الجبل في «الجمعة الحزينة» ويمر ms04 «بمعبر الشيطان» ~~متبوعا بالأرواح الشريرة! # من هم هؤلاء الأرواح؟ وما شأنهم في الجبل؟ ... # ما من أحد يدري يا صغاري، ولكن ويل للمسيحيين الذين يمرون بمعبر الشيطان، فإنهم يموتون شر ~~ميتة إذا هم لم يستنجدوا بحراس السماء، ولا تجرؤ العقبان أن تأكل لحومهم الدنسة! # ويل للمسيحيين الخطأة، الذين يجتازون الجبل ويلقون في مياه البحيرة حجرا أو ~~قضيبا! # ويل لهم من شبح مخيف، يتمسك بعنقهم ويرفعهم إلى الفضاء، ثم يطرحهم في أعماق ~~اللجة! # لم تكد الأم وردة تصل إلى هذه الكلمة حتى قرع الباب قرعة هائلة، فتضعضع الأحداث وجمدوا ~~في مكانهم من شدة الخوف. # فانتصبت الأم وردة أمام الباب شاحبة الوجه مضطربة الأعضاء ورسمت على وجهها إشارة ~~الصليب. # عند هذا قرع الباب قرعة أخرى، وسمع صوت قائلا: افتحي يا أم وردة! ... # عرفت الأم وردة صاحب الصوت، فجذبت زلاج الباب واندفع رجلان إلى الغرفة، فقالا لفريد: ~~تعال يا فريد، انهض واتبعنا! ... # وفي حين كان الولد يتوارى في الظلمة المتفلعة بالبروق الزرقاء، عكف أحد الرجلين فوق الأم ~~وردة وقال لها: اضرعي إلى الله يا أم وردة ... فوالد فريد سحق تحت صخر هائل في معبر الشيطان ~~... ~~••• # لم يبق فريد ذلك الولد الضاحك، الذي أطلق عليه فيما مضى اسم «عصفور الغابات» ففمه الحزين ~~كان مستبقيا طية أليمة، وجبهته البيضاء كانت دائما منحنية إلى الأمام، وكانت عينه ~~المغلفة بالدموع مرتسمة عليها معاني فكرة موجعة، هي البحث المستمر عن مشكل لا ~~يدرك! # فعندما كان يذهب إلى ضفاف البحيرة الزرقاء ليرعى مواشيه حسب عادته، كان يرى الجبل صامتا ~~ساكنا لا يجيب إلى أغانيه المفرحة بأغان مفرحة! فالصدى كان أخرس كفريد! # كانت الأشهر الطويلة قد مرت على ذلك اليوم المشئوم، واستحمت الطبيعة بلهاث نيسان ~~الجميل وأنفاسه العطرية العذبة، وتفتحت الأزهار عن براعمها لتستقبل قبلات الشمس الأولى، ~~وأنشدت الطيور أغاني الربيع الزاحف على التلال. # أما مياه البحيرة فلم تبق كما كانت هائجة متلاطمة، بل إنها استعادت جمالها القديم، ~~القديم ... وهدوءها العذب حيث انعكست قمة الجبل البيضاء وزرقة الجلد الصافي. # وأما الأكمات ms05 الخضراء فعادت تؤلف زنارا من الأعشاب، تحيط به تلك البحيرة ذات المياه ~~الممتدة إلى أقاصي الخلجان الصغيرة. # هناك، كان جبل بيلاطوس نفسه يعود إلى الحياة محاطا بأبخرة وردية شفافة، ويتبسم عن أجمل ~~ما وهبته إياه الطبيعة، بعد أن كان نذيرا ينذر الأهلين بالويل! # أما فريد فكان منصرفا عن كل ما لا يمت إلى الحزن والألم. # أحيانا كان يجلس على ضفة البحيرة فيدلي رجليه فوق المياه، ويأخذ بنزع طاقات من القصب ~~الذابل المتلاعبة به تموجات الأمواه؛ وأحيانا كان ينتصب على قدميه مقطب الجبين ~~مشتت الأفكار، ويصرف ساعات طويلة شاخصا إلى جبل بيلاطوس، ثم يهز رأسه المفكر، ويستسلم ~~للنحيب والدموع! ... # ذات مساء قرع جرس الكنيسة قرعات محزنة، مذكرا المؤمنين بموت المسيح، فلم يتردد فريد ~~أن أرجع مواشيه إلى المزود، وسجد عند أعمدة سريره، وجعل يصلي أمام تمثال صغير للسيدة ~~العذراء، ثم نهض فجأة وأخذ عصية حديدية بيده وخرج ... # كان فريد يسير في عقبة ذات مسالك صعبة، فيتسلق المنحدرات الوعرة، والأطواد الشاهقة، ولا ~~يلتفت إلى الحصيات المتهيرة تحت أقدامه من مرتفع العقبات إلى أعماق اللجج. # وكانت العقبة تحتجب شيئا فشيئا وراء السرو المنتصب في أطراف الصخور. # أما النهار فكان يضيء الأشياء بشعاع شاحب باهت، وبعد هنيهة وقف الفتى الهائم على نفسه في ~~المفاوز الوعرة، وكان قلبه يخفق خفقانا شديدا فقال: كن عونا لي يا ملاكي الحارس ولا ~~تهملني! # ثم تقدم إلى الأمام بخطى وثيقة، في حين كانت الهوة تفغر فاها عن يمينه، والسرو ~~الشاهق يهزهز أغصانه المستطيلة عن يساره، حتى انتهى به السير إلى مكان خطر رهيب، فخيل ~~إليه أنه يسمع «طقطقة عظام صادرة من بين الصخور»، فاضطرب اضطرابا عنيفا، وحدق بنظره إلى ~~الشفق البعيد فتراءت له مياه البحيرة من خلال شق في الجبل تذيب عليها الشمس أشعتها ~~الصفراء، كأنها قمين من نحاس مذوب. # بعد فترة قصيرة زحف الضباب الكثيف في وسط أنوار بخارية، فامحقت تحته الأشياء، وأقبل ~~الليل على صهوة جواد أدهم، فساد السكون في مطارح الجبل، ولم يبق من متحرك إلا ms06 حفيف ~~الأوراق، ورقرقة المياه المتسربة من أعالي القمم. # مرت ساعات عديدة وفريد يضطرب وراء صخر منحن، شاخصا إلى الظلمة بعين تائهة ~~بلهاء. # كان يلعن تهوره المجنون، وغباوته التي لا وجه لها من الحكمة، وود لو استطاع أن ~~يهرب. # وإذ به يبصر مشهدا رهيبا تبسط أمام عينيه. # ذلك أنه رأى أشباحا سوداء، مرتدية ثيابا رهيبة، تزحف بسكون على الحضيض، كان بعضهم ~~ينفخون في أبواق معكوفة، والبعض الآخر يحركون أذرعهم المجردة من اللحم، وهم ممددون في ~~أكفان خفاقة من نسيج أبيض، وكانت شعلة مخيفة تعصب جبين أحد هؤلاء الأشباح، في حين كان تاج ~~من الحديد يسحق بثقله رأس شبح يتثاقل بمشيته. # وكان بين الأشباح دودة قذرة، تعد قطعا من الدراهم، بدون أن ينهكها التعب، فيصعد من ~~تلك القطع النحاسية رنين مزعج مخيف! # كان شبح من هؤلاء الأشباح يزحف مضطربا تائها، ويداه المرتعشتان تتجردان من الجلد ~~شيئا فشيئا، وقد أحاطت به أخيلة رهيبة ذات شكل وحشي. # أما هؤلاء الأشباح، فكانوا يضحكون ضحكا عاليا، فيتصاعد من بين أرديتهم الخفاقة دوي ~~عظام يصطك بعضها على بعض، وتنفذ من محاجرهم المجوفة أشعة حمراء جهنمية. # كانوا يسيرون ببطء على الحضيض، وفريد يتبعهم بسكون وتيهان! فمروا خلال المجاري المتحدرة ~~من أعالي الذرى، واجتازوا اللجج العميقة والسهول الرحبة، فكانت السيول والجداول تجف عند ~~مرورهم، وتيبس الأعشاب، وتجمد الشجر بعد أن تعرى من أوراقها! لقد كانوا مندفعين في جولان ~~لا نهاية له ولا قرار ... # بعد فترة انقضت صاعقة هائلة عقبها بروق أنارت الجبل بلمعانها الغريب، عند هذا توقف ~~التطواف الجهنمي، فأبصر فريد بحيرة سوداء ذات مياه وبائية قامت على جوانبها عمد من ~~الصخور الضخمة، وفي طرف هذه البحيرة حجارة ترتفع فوق قبر أسود، وقف على أحدها شبح ~~متوج. # كانت طائفة من البشر أو من الحيوانات - لا أدري - جاثية على جوانب تلك الحجرة، وقد فغرت ~~أشداقا مخيفة تطاير منها شعلات خضراء أنارت مطارح الجبل. # وكانت سحائب من الأشباح المجنحة تتطاير في مذاهب الفضاء، فوق كوم من السمندر والضفادع ~~المدملة والحراذين المنتفخة ms07 ، تدب على الأرض بكل ما فيها من السموم. # أما الشبح التائه، الذي كان يرتعش ارتعاش الأوراق، فصعد إلى حجر عال كأنه كرسي قضاء، ~~وانتصبت تحته الأشباح ذات التيجان الحديدية، وأما الدودة، فقد بقيت تعد قطع الدراهم بدون ~~أن تعي، فيتصاعد منها رنين رهيب. # في تلك الساعة المخيفة صرخت الأشباح والديدان والخلائق ذات الحناجر المفغورة والأفاعي ~~السامة قائلة: يوداص! يوداص! يوداص! ... # عند هذا رمت الدودة الرهيبة، التي أطلق عليها اسم يوداص تلك القطع الفضية من يديها ~~الجشعتين؛ ثم انحنت لتلتقط غنيمتها، وإذا بالأصوات الجهنمية تنطلق صارخة: يوداص! يوداص! ~~يوداص! # عند هذا تشقق الأفق في المشرق، وانتصب الصليب بين هالة من النور، فنزع الخائن حبلا من ~~وسطه وأحاط به عنقه، ثم رمى بنفسه من قمة الصخر إلى الأسفل ... فانشق بطنه وتدفقت أحشاؤه على ~~الأرض. # في تلك الدقيقة فرح الأشباح فرحا عظيما، وانطلق الضحك من أفواههم، وظهر على الصليب رجل ~~مدمى! # فأبصر فريد الشبح الكبير الذي كان جالسا على كرسيه ينتصب على قدميه صارخا: أنا بريء من ~~دم هذا الصديق! ... # وتراءى له طيف في يده قصعة ماء، يسكب منها على يدي بيلاطوس اليائس، فيستحيل ذلك الماء ~~دما على يديه ... # وسمع طائفة الأشباح تهتف بأصوات مرتفعة قائلة: أيها الجبان! أيها الجبان! فيردد الصدى في ~~الأبعاد قائلا: جبان! جبان! ... # ثم رأى الأشباح الرهيبة ذات الشكل الوحشي تعكف فوق قبر بيلاطوس، وتنزع منه بعض عظام ~~نخرة! # أما هذه العظام، فكانت تستحيل تحت لهاث الأشباح إلى أفاع، تحمل على جباهها هذه الكلمة: ~~جبانة! # وتحت لهاث الأشباح الفاسد كانت عظام يوداص تستحيل إلى أفاع تحمل على جباهها هذه الكلمة: ~~خيانة! # وتراءى له أن الأفاعي يشهر بعضها حربا على بعض، حتى إذا استعادت العظام شكلها الأول ~~مزق قيافا رداءه، وصرخ قائلا: لقد جدفت! # وكانت الديدان تفترس صدره، فسقط على الخضيض دفعة واحدة، في حين كان هيرودس يصرخ بملء ~~شدقيه: أنا المجنون! ... أنا المجنون! ... # وكان بيلاطوس وهيرودس وقيافا والفريسيون والكتبة ويوداص «المشنوق» يتخاصمون، ويشتم ~~بعضهم البعض، ويوبخ كل منهم الآخر ms08 على إماتة الصديق، مستسلمين لنيران الجحيم. # لم يكن يسمع من تلك الغوغاء المخيفة إلا أصوات الشتائم واللعنات. # بعد فترة قصيرة توارى الصليب، وسمع صوت عظيم من الحجرة الملعونة صارخا: أيتها الأرواح ~~الساقطة، لقد لعننا الله إلى الأبد! ... فقفوا عن النزاع ولنحارب تلاميذ المصلوب ... إلي يا ~~يوداص! إلي يا بيلاطوس! إلي يا هيرودس وقيافا! ... إلي أيها الكتبة والفريسيون ... إلي ~~أيتها الأرواح المتسربة في أعماق الظلمات، ولنثر ضد العدالة والحرية والحقوق! ولننتقم من ~~البشر أجمعين! ... فهذا الجبل الملطخ بهيكلك يا بيلاطوس هو ملكنا! فاقتل ودمر ولا تدع ~~مسيحيا واحدا يفلت من يديك القاهرتين! ... افرح يا بيلاطوس فدونك ضحية! # عند هذا أبصر فريد الشبح المتوج، يشير إليه بإصبعه النارية، ورأى بيلاطوس ينحدر إليه ~~وفي مقلتيه أشعة ملتهبة ... فاضطرب اضطرابا عظيما وصرخ قائلا: إلي يا سيدة عابري ~~السبيل! # ولم يكد يتلفظ بهذه العبارة حتى أغمي على الأشباح. ~~••• # عندما استفاق فريد على ضفة البحيرة الزرقاء، شعر بيد تمسح العرق البارد عن جبينه، فجلس ~~فجأة مضعضع الأفكار، وصرخ صوتا خنقته الرهبة وقال: من هنا؟ من هنا؟ # فسمع فريد صوتا يقول له: ألم تنادني يا بني؟ ... # وأبصر سيدة مرتدية وشاحا أبيض، ذات عينين تذوبان جمالا سماويا تنظر إليه بعذوبة وحنو، ~~وكانت نظرات السيدة، تلك النظرات الوالدية، تسير في عروقه دما جديدا، وتمحق من رأسه ~~التائه تلك الرؤى الرهيبة! فانطرح فريد على ركبتيه وصرخ قائلا: أيتها الأم! أيتها الأم، ~~أأنت؟ هل أشفقت على ضعفي، ولم تغضبي من تهوري وجسارتي؟ ... # فابتسمت مريم في وجهه وقالت له: أنا عارفة يا بني أن التطفل ليس هو الذي دفعك إلى اقتحام ~~هذه الأخطار. # فلقد رغبت في معرفة الخطر، حتى تميل إخوتك عنه ... فارتعش قلبي الوالدي يا فريد وأسرعت إلى ~~إنقاذك، وإنقاذ إخوتك ... # فريد، أطلب أن يبنى لي معبد في مدخل معبر الشيطان. # فحار الولد في أمره وأجابها: من أنا؟ ومن يصدقني؟ ... ومن يجرؤ أن يصدقني؟ ... ~~- إن قوة الله تسير إلى جنبك يا فريد ... فوالدك يضرع في السماء! ثم توارت الرؤيا ~~البيضاء. ~~••• # تبسم ms09 الرئيس في وجه فريد وقال له: إذن يلزمك معبد يا بني؟ ~~- ولكن يا سيدي الرئيس، ليس أنا الذي يطلب ذلك، فسيدتنا العذراء ترغب في أن يخصص لها ~~معبد في الجبل. ~~- آه! أراك تمتزج بالأرواح السعيدة وتتحدث إليها! ألا تعلم أنه الشرف العظيم للرعية أن ~~يكون بين أفرادها رجل مثلك؟ ... # فأجابه فريد بحزن عميق: لا بأس إذا سخرت مني يا سيدي الرئيس، ولكن ثق بأنني لم أحلم ولم ~~أكذب، فسيدتنا العذراء تريد معبدا لها، وسيتم لها ذلك طوعا أو كرها! ~~- لا تدع الحدة تستولي عليك يا بني، فإذا كانت السيدة ترغب أن يبنى لها معبد فلا بد أن ~~تنال ما ترغب، إذن فلا تغضب وعد إلى قطيعك. ~~••• # شاع في القرية أن العذراء أصدرت أمرها ببناء معبد في مدخل معبر الشيطان ... # أية غرابة في ذلك؟ فالعذراء يحق لها دائما، وفي كل مكان أن تسحق رأس الثعبان الجهنمي! ~~هذا ما ثبتته الكنيسة، وتلفظ به الرئيس مرات عديدة وهو يعظ في الكنيسة أمام ~~المؤمنين. # أليست العذراء القادرة الأم الرحيمة؟ ... # ألم تظهر للقديس منراد بمجد عظيم؟ # فلماذا لا تظهر لفريد، وهو ولد تقي مات والده منسحقا تحت صخرة هائلة في معبر الشيطان؟ ~~... # وهكذا بقيت الإشاعة تتردد من فم إلى فم ... # أما السيد راغب، وهو رجل بدين لين العريكة بالرغم من تصنع في كلامه وأبهة هيئته، فقد قال ~~يوما لكثير من مأموريه إن هذه المسألة تزعجه وتؤلمه، وإنه لا يرى حلا لهذا المشكل ~~الغريب، وزاد على ذلك بقوله إن فريدا مع ما هو عليه من التقاوة وحسن السلوك، لم يخرج عن أن ~~يكون ولدا غير مدرك. # وهنا أخذ السيد راغب يضيع في تآويل شتى عن الأولاد وتهورهم وقصر نظرهم، ثم قال: إذا قدر ~~فريد أن يمهد لي سبيلا أستطيع به أن أؤمن حياة البنائين المعهود إليهم ببناء المعبد، ~~فلا أتردد بأن أقف ما يرغب فيه للسيدة العذراء. # أما فريد فكان يعول على وعد العذراء التي قالت له: إن قوة الله تسير إلى جنبك. # فجعل يتحدث إلى ms10 راغب مدة طويلة، حتى عزم هذا أن يبني المعبد، بشرط أن يذهب فريد إلى معبر ~~الشيطان ويعود سالما. # أخذ راغب البدين يحث الجماهير على الرحيل، فلم يمر وقت قصير حتى كان سكان القرية جميعهم - ~~ما عدا الرئيس - في طريقهم إلى الوادي الملعون. # عندما بلغ الجمهور منتصف الجبل، وأطلوا على معبر الشيطان، ترددوا عن المسير خطوة ~~واحدة، فبقي فريد يتقدم وحده إلى أن وصل إلى صخر متداع، فأمر عليه عصيته ثلاث مرات، فدهش ~~الجميع وحاروا؛ إذ إنهم أبصروا خيوطا واهية دقيقة تتصاعد من الأدغال، وتترامى من قمم ~~الأدواح المرتفعة، وهي تلمع لمعان الفضة، وما لبثت هذه الخيوط الواهية الدقيقة أن شبكت ~~الصخر المتداعي وأوثقته على كنف الجبل. # وكان فريد يذهب ويجيء، فيلامس بعصيته الصخور والحجارة والأطواد، فترتجف هذه كلها، ~~وتمحق تحت شباك فضية، ثم تبين موثقة على كنف الجبل! # بعد أشهر قليلة كان معبد أبيض الجدران قائما في مدخل الوادي، وكان على هذا المعبد تمثال ~~العذراء المجيدة، يبارك بذراع مستطيلة جبل بيلاطوس والمضايق العميقة والبحيرة ~~الزرقاء. # ومنذ عام 1585 كلما مر عابر مسيحي من ذلك الجبل، لا يجد بدا من السجود على أقدام ~~سيدة عابري السبيل. # | العكاز الذهبي # كان في الزمان القديم كاهن يدعى سليما، يقيم في مدينة صور، وكان يدرك خفايا العلوم، ~~ويعرف أمورا لا يعرفها غيره، فلم تكن السماء ولا الأرض ولا المياه لتستطيع أن تخفي عنه ~~أسرارها مهما كانت غامضة ومبهمة. # صرف الأب سليم قسما كبيرا من شبابه في مطالعة الكتب الغريبة، حتى إن الأب يوحنا لم يكن ~~يستطيع النظر إليه بدون أن يرسم على وجهه إشارة الصليب بخوف ورهبة. # أما علماء الطبيعيات والجهابذة المشاهير والكيماويون النوابغ، فقد كانوا يضطربون ويتهيبون ~~لدى حضور الأب سليم، مع أن أنانيتهم كانت تتألم بشدة من تفوقه عليهم، إذ إنهم كانوا ~~يلتجئون إليه في شكوكهم وارتيابهم، ويستنيرون بحكمته وعلومه. # كانوا ينظرون بعجب وخوف إلى هذا الكاهن الشاب، الذي كثيرا ما أرهب العلماء بمعارفه، ~~وأذهلهم بفصاحته وسلامة بيانه. # ومع ذلك كانوا يتوقون إلى ms11 التحدث إليه، ويخضعون أمامه أفكارهم وآراءهم، نازلين بكل رغبة ~~واحترام عند أقل إرشاد يصدر من شفتيه الصفراوين. # بقي الأب سليم يشتغل ويشتغل كثيرا، تحت مقلة الله بدون أن تقرع الكبرياء أو الصلف باب ~~قلبه الوديع، إذ إنه كان ورعا مستقيما. # كان الأب سليم مفخرة الدير، وكان رفاقه الكهنة لا يقسمون إلا به. ~~••• # عندما كان الأب سليم ولدا، كان يسترئي الآفاق والبحار، وكواكب السماء، وأشجار الأحراج ... ~~في حين كان والده يعيش من نتاج شبكته. # ففي أحد الأيام ذهب هذا الوالد في مركبه الصغير ولم يرجع؛ لأن المياه كانت قد ابتلعته ~~ودفنته في أحشائها. # عند هذا تراءى شبح الجوع الرهيب، ووطد مكانا له على عتبة منزل الأرملة المسكينة! # فحارت في أمرها وضاقت الحياة في وجهها، إذ إنها كانت أما لأولاد تسعة. # ذات يوم جميل مر رئيس أحد الأديرة الغنية أمام باب الكوخ الحقير، فأبصر سليما، فأعجبه ~~نظره الوقاد الممتلئ ذكاء، ونجابة، فحدثه، فأجابه الوالد أجوبة أخذت بمجامع قلبه، فوعد ~~أمه بمد يد المساعدة إليها، وأخذ الولد إلى ديره، حيث ألبسوه ثياب مبتدئ بيضاء ورسموا حول ~~جبينه الإكليل الرمزي. # لبث الولد يهز المبخرة الذهبية أمام المذبح، حتى كبر وصار معلما يرجع إليه في حل ~~المشاكل الصعبة، التي كان الكهنة الشيوخ يقفون عندها وقفة العجز. # في ذلك العهد كان يرئس الدير الأب بولس، وهو شيخ مسن بلغ أقصى درجات الفضيلة. # ففي ذات صباح من أيام نيسان، سمعت الأجراس تدق نعيا محزنا! فألبسوا الأب بولس غفارة ~~فضية، وعصبوا جبينه المغضن بتاج من الصوف الأبيض، ثم أرقدوه في ضريح من الرخام، بعد أن ~~خدم الدير خدمة يعجز عن مثلها إلا كل من تشربت روحه الفضائل السامية والإيمان ~~الحي. # بعد ذلك اجتمع الرهبان والمبتدئون؛ ليقيموا خلفا لرئيسهم المتوفى، واتجهوا إلى الكنيسة؛ ~~ليقسموا قسم الطاعة والأمانة للمنتخب الجديد. # كانت شباك الخورس مشرعة الدرفتين، وكان قسيس شاحب اللون ذو نظرات وقادة جالسا ~~على العرش الرئيسي، مرتديا ثوبا تدلت عليه شرائط ثمينة. # يا لأسرار القلب البشري من أسرار غريبة! # كان ms12 سليم قد قوي على تجارب الكبرياء، ونذر لله مواهب ذكائه ومعارفه، تلك المواهب التي ~~حالت بينه وبين سائر البشر؛ فعندما رأى نفسه جالسا على ذلك العرش، عندما اتكأ على العكاز ~~العاجي بيد مضطربة، وأتيح له أن يبارك الشعب والكهنة الساجدين على أقدامه، شعر بعاطفة مجد ~~باطل تحرك قلبه الضعيف السكران ... # عندما وصلت بي المرأة المسنة التي كانت تقص على مسمعي هذه الحكاية إلى هنا، قالت لي: لقد ~~عاقب الله الأب سليما عقابا هائلا! # كان الأب سليم يحب مريم العذراء محبة عظيمة؛ ولذلك أنقذته من عذاب جهنم الأليم. # إلا أنه لم ينج من نيران المطهر، حيث قضي عليه أن يكفر عن خطيئة الكبرياء، حتى يحين ~~يوم الدينونة الأخيرة ... # لا تخف يا سيدي إذا أبصرت الأب سليما منتصبا بين الخرائب في منتصف الليل، فكثيرون هم ~~الذين رأوا خياله التائه في مثل تلك الساعة المتأخرة. # ثم رسمت شارة الصليب واستطردت قائلة: لنبتعد الآن، فالليل على وشك الهبوط، ولا يجمل بنا ~~أن نبقى في هذا المكان عرضة للخوف والرهبة. # ولم تكد المرأة المسنة التي قادتني إلى خرائب الدير، تتلفظ بهذه الكلمات، حتى أسرعت ~~بالعود إلى المدينة. # بقيت وحدي مدة قصيرة أتأمل الكنيسة المدمرة، والدير المهدوم، ثم عدت على أعقابي صامتا ~~مفكرا موقظا في مخيلتي ذكريات الماضي، وقد تراءت لي أخيلة الرهبان الذين أنقذوا من ~~الهمجية شعبا جاهلا، وغرسوا في الصدور محبة الله العظيم! # كانت الشمس قد انحدرت إلى مغيبها، فانعكست على قبة الدير أشعة صفراء باهتة. # وكنت أجتاز الأروقة ناظرا إلى الأعمدة المنهارة على أقدامها حجارة ضخمة، كأنها أشباح ~~بيضاء لا حراك لها! حتى انتهيت إلى مكان كثر فيه العوسج، فأبصرت كاهنا ملتفا برداء طويل ~~نحت في رخام أحد القبور! كان رأسه مستندا إلى مخدة هابطة، ويداه قابضتين على عكاز! ~~... # في تلك الساعة كان القمر يشق الظلمات بصعوبة وعجز، وأشعته الباهتة ترسل إلى الأطواد ~~المحطمة أخيلة رهيبة! فشعرت بخشوع ينتابني أمام هذا المشهد. # ولم ألبث أن اقشعر بدني واعتراني خوف شديد. # دقت الساعة معلنة ms13 منتصف الليل، فجمد الدم البارد في عروقي، وسمرتني الرهبة في مكاني؛ ~~وسمعت طقطقة عظام صاعدة من أعماق القبر ... # ثم تراءى لي شبح كاهن أبيض منتصبا أمامي! ... عقبه أشباح كهنة رهيبة، خرجت من قبور لا ~~يحصى عددها! ورأيت اثنين منهم ينحنيان بخشوع أمام الشبح الأبيض، ثم يجرانه إلى المعبد ~~المنهار! # عند هذا سمعت أنغاما ذات تموجات عذبة، تملأ الهيكل المقدس، وأبصرت بخورا يتصاعد من ~~مباخر عديدة، وبدرت مني التفاتة إلى العرش الرئيسي، فرأيت عليه الشبح الأبيض يلبسه الأشباح ~~الصامتون جبة ذهبية، تخللتها جواهر كريمة كاد يرزح تحت ثقلها العظيم! # أما رأسه فكان معصبا بتاج من ذهب، وقدماه ملتويتين تحت ثقل العكاز الذهبي. # وأما الأنغام، فكانت تتصاعد مخيفة من وراء القبر. # بعد فترة قصيرة تقدم الكهنة اثنين اثنين، حتى بلغوا إلى أعمدة العرش، وعوضا عن أن يحيوا ~~الرئيس استمروا منتصبين على أقدامهم لا يبدون حركة، في حين كان هذا ينعكف تحت الثقل ويخضع ~~أمامهم. # ولما انتهت هذه «الرتبة» انحدرت أشباح الكهنة إلى المعبد، فاجتازته إلى أروقة الدير ~~المتلف، حيث لمستني عند مرورها، فشعرت عندئذ بخوف عظيم في قلبي. # كان الرئيس المسكين يتثاقل وراء الأشباح، غير قادر على رفع عكازه الذهبي الثقيل، وكان ~~محجراه المجوفان المنطفئة فيهما المقلتان طافحتين بالدموع. # تسلق الشبح الأبيض أدراج العرش، وحاول أن يرفع يده ليبارك، إلا أنها لم تستطع أن تتملص ~~من العكاز. # عند هذا صعدت من صدره الملتهب تنهدات مختنقة وشكايات باحة، فانتفض انتفاضة أليمة، وصرخ ~~بصوت ضعيف قائلا: يا مريم! يا أمي الحنونة! # فاستطار العكاز الذهبي من يده وتحطم إلى أجزاء عديدة ... وأبصرت مطوقة بيضاء فرت من بين ~~شفتيه، وصعدت في مذاهب السماء ... # في تلك الدقيقة غسل النور مطارح الأشياء، وأغمي على الأشباح ... فاستفقت من غيبوبتي، ~~فوجدتني على ضريح الأب سليم، خائر القوى مضطرب الأعصاب. وكانت الشمس تتلألأ في ~~الأفق! # | وردة الجنة # كان الظلام يمتد رويدا رويدا. # وكان هيكل الدير الجاثم كوكر النسر على قمة صخر منيع، يترامى عليه آخر شعاع من أشعة ~~المغيب، فيتألق بمجد ms14 لا مجد بعده، في حين كانت الأبراج والشرفات والنوافذ تتصاعد كسنابل من ~~نار، وتشعل في الشفق أنوارا حية. # أما الأحراج العظيمة الممتدة على أقدام جبل كسن، فقد كانت تبرز في وسط بخار من الأنوار ~~البنفسجية الشاحبة، مؤلفة زنارا رحب الجوانب تحيط بذلك الجبل الحصين. # هناك، في منعطف طريق ضيق، كان رجل طويل القامة مرتد جبة سوداء، يفكر بسكون وهدوء، وقد مضى ~~عليه ساعات عديدة وهو مطرق إلى الحضيض، ومستسلم لتأملات رهيبة. # بعد هنيهة اضطرب اضطرابا شديدا! # كان الجرس يدق في الأبعاد مرسلا إلى أصدية الأحراج نداء طويلا يائسا! # نزع القسيس عن رأسه قبعته التي كانت تستر عينيه، واتجه بمهل إلى الدير. # كان الظلام يهبط بسرعة عظيمة، حتى ساد السكون في جميع الأنحاء، ولم يبق من متحرك إلا ~~أغصان الأدواح المرتفعة، يتصاعد منها من فترة إلى أخرى حفيف خافت، كأنه ضوضاء صماء. # بعد هنيهة تراءت خطوط نارية تشق الظلمة بأضوائها، وتنبعث من أعماق الأجمات، ثم قربت أصوات ~~عديدة منادية: يا أخ إلياس! يا أخ الياس! # وبرز بعض القسوس من بقعة لا شجر فيها، تلوح على محياهم أمارات الجزع! # فقال لهم الكاهن مبتسما ابتسامة صفراء: ها أنذا يا أصدقائي، ها أنذا! فما الذي ~~تخافون؟ # فقال له أحد القسوس منحنيا: لقد أمرنا رئيسنا الجزيل الاحترام، بأن نبحث عنك ونصحبك ~~إليه باسم الطاعة المقدسة، فالليلة مظلمة، والغاب شديد الوعورة، والمسالك صعبة خطرة! فلا ~~يبعد أن تضل السبيل، وتقع في مكيدة من مكائد الحرج، وثق بأنك إذا ضعت، أنت مفخرة سر ~~الكهنوت، يموت رئيسنا الجزيل الاحترام حزنا عليك! # ففكر الكاهن فترة، ثم قال: آه! مفخرة سر الكهنوت! أنتم لا تدركون ... وصمت فجأة صمتا ~~غريبا، فاحترم القسوس صمته، ولكن النظرات التي كانوا يتبادلونها كانت تنم عن تعجب من ذلك ~~الاحترام الرفيع. ~~••• # منذ سنوات عديدة كانت امرأة تجتاز مسالك الدير صبيحة يوم جميل، حتى انتهى بها السير إلى ~~قاعة الرقباء، فالتمست مقابلة الرئيس، وكان يتبعها ولد جميل قسمات الوجه، ذو نظرات عذبة تشف ~~عن ذكاء ونجابة. # كان ms15 بود هذه المرأة أن تقف ولدها إلياس لخدمة المعبد؛ لأنه لم يكن يحلم بسوى المباخر ~~والسجود والأغاني الروحية المقدسة. # فكثيرا ما كان يطرح على والديه أسئلة غريبة، فيتحيران في أمرهما فيحيلانه إلى أحد ~~الكهنة؛ ليحل له معقدات أسئلته، فيعجز هذا عن إقناع ذكاء الولد المضطرب. # وأخيرا اعتقد الوالدان أن إرادة الله تتجلى في تلك الدلائل الغريبة، فلم يترددا أن ~~انفصلا عن ابنهما الحبيب. # استقبل الرئيس الولد بسرور وغبطة، فارتدى هذا ثوبه الأسود الخشن وأخذ كل صباح يقدم ~~للكاهن نبيذ الذبيحة. # مرت الأعوام فكبر الولد وأصبح يميل إلى الوحدة، فيتنحى عنه رفاقه المبتدئين ويصرف ~~الساعات الطويلة متمشيا على الأسوار، لا أنيس له سوى أفكاره المضطربة. # أما رفاقه في الدرس وأستاذه فكانوا ينظرون بدهشة إلى الشعلة المنبعثة من عينيه، ويصغون ~~بحيرة إلى الكلمات المتناثرة من شفتيه الفتيتين، أصدية الأفكار السامية التي كانت تزدحم ~~تحت جبينه الصبيح. # ذات يوم، بعد مناظرة لاهوتية طرحت فيها أصعب المسائل الفلسفية، فاز الأخ إلياس على خصومه ~~فوزا باهرا، حتى إن أستاذه الشيخ لم يملك نفسه أن نزل عن كرسيه وضم إليه تلميذه النجيب ~~قائلا له: اصعد إلى هذا المنبر يا ولدي، فأنت أحق به من غيرك، ماذا باستطاعتي أن أعلمك ~~بعد الآن؟ ألست أنا الواجب علي أن أصغي إلى تعاليمك؟ ستكون مفخرة الكهنوت، وضياء ~~الكنيسة. # بقي الأخ إلياس - ذلك المعلم الفتى - يدرس وحيدا في قليته بين مخطوطات اللاهوت، وعلم ~~الفلك، والأسباب الأولية ... وكل ما يمت إلى العلوم الإلهية والإنسانية. # ولم يزل على ما هو حتى اجتازت شهرته حدود جبل كسن، وسادت تعاليمه في الأديرة أجمع، ~~وأصبح القسوس والعلماء والجهابذة الغرباء يحجون إليه من أقاصي البلدان، ويخضعون مشكلاتهم ~~لأنواره السامية، مطلقين عليه لقب العالم المنير. # كان الأستاذ الشيخ صادقا في نبوءته، فالأخ إلياس أصبح بلا منازع مفخرة الكهنوت. # عندما كان يمر في أروقة الدير، كان القسوس، حتى القدماء منهم، ينحنون أمامه باحترام ~~وتؤدة. ~~••• # طرأ على الأخ إلياس طارئ فجائي، قلب أفكاره، وأدب السويداء في نفسه، فتوارت أخيلة ~~البسمات ms16 عن شفتيه، وأصبح مشتت الأفكار مضطربا، لا ينتبه إلى ما حوله إلا نادرا، ولا ~~يعير إصغاءه إلى من يستفتيه في مسألة، فيجيب بكلمات مبهمة غامضة! # كان عقله في مكان قصي سابحا في مبهمات تتناوبه، حتى إنه لم يكن يستطيع البقاء في الدير، ~~فيخرج إلى الحرج ويتيه في أعماقه بين الأشجار الكثيفة والصخور الجرداء! # أما القسوس فكانوا يتساءلون بصوت خافت منذهلين من تصرفه الغريب: ما حل بالأخ إلياس؟ ... ~~ما دهاه؟ ... # وكان الرهبان الشيوخ يرفعون أكتافهم مستغربين تصرفه، جاهلين أمره! # أما الأحداث منهم فكانوا يقولون: إن الأخ إلياس يبحث عن حل لبعض المشاكل السرية، ويشتغل ~~في مؤلف عظيم الشأن. # كان الأخ إلياس، العالم الكبير، رجل اللاهوت المستنير، الفيلسوف الدامغ، الذي بلغ أسمى ~~قمة من قمم الفكر، وأضاء مبهمات عديدة من مبهمات اللاهوت المقدس، كان يقاسي هجمات رهيبة من ~~جهنم! # كانت الشكوك قد تسلطت على ذلك الذكاء المشتعل بكل ما أوتيت من الهول المظلم، وكالحشرة ~~القارضة تسربت إلى القسم الرفيع من تلك الروح، ومدت حواليها مضارب الدمار والغموم والموت! ~~... # ترك الأخ إلياس نفسه تستسلم لمداجنة المقاييس الفاسدة، وكان يسمع من حين إلى آخر صوتا ~~علويا يقول له: أتعتقد أنك تستطيع الوصول إلى الحقائق بعسى وقد يمكن؟ ... # أتظن أنك تقدر أن تبلغ مطارح اليقين بالشك والريبة، أنت الذي اجتزت حدود العلوم؟ ... # إيه لعبة العجائب، اللاعدد لها، هل نفذت إلى جوهر المخلوقات؟ ... # وأحيانا كان يصغي إلى صوت هامس في نفسه: لم صيامك هذا يا أخ إلياس، ولم تقشفك؟ ... أأنت ~~واثق من اللانهاية؟ # كانت أفكار الكاهن رازحة تحت ظلام كثيف، وكان الليل مستوليا على روحه، يوحي إليها عذابات ~~مفجعة، فمرارا كان يترامى على حضيض حجرته البارد بعد أن يكبل رجليه بالسلاسل، ويجعل يجلد ~~نفسه حتى يدمى، فيرفع نظره الكئيب إلى السماء ويهتف صارخا: إلهي، أود أن أؤمن! أود أن ~~أؤمن! ... # ويهبط الظلام القاتم على ما حوله، شديد الرهبة كثيف الحلوك! ... ~~••• # في ليلة جميلة من ليالي الشتاء، أبصر الأخ إلياس تحت رواق من أروقة الدير - رواق رغب ms17 عنه ~~منذ زمن بعيد، وكان شاهدا على حداثته السعيدة، طالما أيقظ في نفسه المعذبة ذكريات أفراحه ~~الطاهرة - أبصر الأخ إلياس نصبا، فتقدم منه، وأخذ يتأمل بكل سكون مبتدئا لا يزال في ميعة ~~عمره، ساجدا على ركبتيه، يرسم بيد واثقة بفنها، صورة تمثل السيدة العذراء. # كانت عينا مريم تكتنفان الطفل الإلهي بنظرات ملؤها الحنو الوالدي، وقد ضمت إليها ابنها ~~بيد، وقدمت له بيد أخرى وردة ذات ألوان عجيبة! # وعندما انتهى المبتدئ من رسم الوردة، هتف الأخ إلياس قائلا: يا لها وردة جميلة! # فتحول المبتدئ مدهوشا، وعندما وقع نظره على المعلم، فاجأت حمرة الخجل وجهه الشاحب، فقال ~~بلهجة غريبة: إنها لجميلة، أليس كذلك؟ # فقال الأخ إلياس مشيرا بيده إلى الحديقة الماحلة: ولكن لم أدرك أية وردة قدرت أن تعطيك ~~نموذجا في هذا الفصل القاحل. ~~- إن وردتي هذه ليست من الأرض، فلقد أبصرتها في الجنة! # قال ذلك وانبعث من عينيه الكبيرتين شعاع رؤيا عجيب! # فتمتم المعلم بصوت ضعيف قائلا: آه! في الجنة! في الجنة! # وابتعد مفكرا! إلا أنه لم يستطع إلى السكينة سبيلا؛ فعاودته أفكاره المجنونة الهائمة! ~~واصطك صدغاه بشدة فقال: آه! لقد أبصر الجنة وهو في ريق حداثته! ... إنه لا يكاد يلكن ببعض ~~منطق فاسد ويرى نفسه مدركا! ... وأنا، أنا الذي تعمقت في العلوم وفتحت لها آفاقا رحبة ~~جديدة لا أراني عارفا، بل أشك! ... # ثم ضغط بيديه المضطربتين على جبينه الملتهب! وبعد فترة قال: آه! لو أستطيع رؤية وردة من ~~أوراد الجنة! # وخرج إلى الحقل قارعا الأعشاب المصفرة برجليه، هائما على نفسه بين الصخور ~~الجرداء. # وفي اليوم الثاني، بينما كانت الشمس تجنح إلى المغيب، وتنطفئ في وسط الضباب، غاسلة ~~الأشياء بهبوات ذهبية ذات أشعة أرجوانية، عاد الأخ إلياس إلى صومعته مصغيا إلى أصوات ~~الأجراس، تنشر على الدير ألحانها البهية معلنة للشعب المسيحي دنو العيد العظيم! ~~••• # كان المبتدئون يذهبون ويجيئون، وعلى محياهم أمارات الانهماك الشديد، وكانوا يتكلمون ~~بأصوات خافتة ويعطي كل منهم أوامره للآخر. # أما في الكنيسة فكانت الجبال ترتفع إلى جانب المغاور، ms18 والرعاة يتجهون إلى المذود، حاملين ~~النعاج البيضاء، وهم في حللهم المطرزة. # وأما القسوس القدماء، فكانوا يتبسمون بحرارة وتؤدة، ويشجعون المبتدئين بنظراتهم الملأى ~~حنوا وإيمانا ... حتى إذا ما انتهى كل شيء، انصرف الرهبان إلى قلياتهم؛ ليأخذوا بعض ~~دقائق من الراحة. ~~••• # وقف الأخ إلياس صامتا أمام المذود، يتأمل الطفل الإلهي ممددا على فراشه القاسي ... وبعد ~~هنيهة حول بصره إلى الجدار، وقد أيقظ المذود في نفسه ذكريات رهيبة وعذبة ... فتراءى له ~~الماضي ينبعث من روحه المستحمة في مياه الألم، ورجع بالتذكار إلى أيام حداثته عندما كان ~~يسجد بخشوع على درجات الخورس، في حين كان الرئيس المحترم يرسم حول جبينه الإكليل الذي جعله ~~عبدا للمسيح، وتذكر تلك الساعة التي أقسم فيها، وهو ساجد على قدم الهيكل، أن يطيع المسيح ~~ويكون له خادما أمينا! ... تلك الساعة التي أقسم فيها أن يحيا فقيرا، ويضحي بجسده في سبيل ~~ابن الله! ... # عند هذا تفطر قلبه واضطرب لدى تذكار اليوم الكبير، فقال بصوت خنقته غموم شديدة: آه! ~~إني أشعر بالظلمات تكتنفني وبالخوف واليأس يتسلطان علي! # ثم شخص إلى ابن الله بعين تائهة، ولم يمض فترة قصيرة حتى ارتعشت أعضاؤه، وتثاقل اللهاث في ~~صدره، وتلاشت ركبتاه من الضعف، فسقط على الحضيض صارخا: رباه! إذا كان حقا أنك تجسدت، ~~وضحيت بنفسك في سبيل البشر، وخرجت من القبر حيا بعد ميتة أخذت من الأيام ثلاثة، آه! إذا ~~كان ذلك حقا فأكده لي، خاطبني يا أبتاه! لا تبقي هذا السر مشكلا يتقاذفني تياره! لقد كنت ~~رجل الأوجاع فانزل إلى نجدتي وأنقذني من مصائبي! كن شفيقا علي، وارحم بائسا حسب رأفتك ~~وحنانك! ... لقد آمنت بذكائي العاجز المريض، فاشفق علي وامح مآثمي! إنك لجدير بكل مجد، فأنت ~~القاعدة المطلقة، ومحور المخلوقات أجمع، خذ معارفي يا الله وأعطني الإيمان! هبني الإيمان يا ~~خالقي، الإيمان! ... # كان يبكي ويتألم، وهو منطرح على البلاط، وبعد ثوان قلائل ساد السكون، فسمع صوتا ينشد في ~~نفسه قائلا: ليس الصيام والتقشفات هي التي تنقذك! ... كن حنونا ومتواضع القلب، ستحني جبينك ~~أمام عظمتي ms19 الملكية ، ستعترف بعدمك وفنائك! ... سلام على البشر أولي الإرادة الطيبة ... # انهض أيها الإنسان وليضئ النور سبيلك! ... # وكأن رؤيا من رؤى السماء لامست مخيلة الكاهن، فشاهد تمثال الطفل الإلهي ينثر بيديه ~~الصغيرتين أوراق وردة أرجوانية، فهتف قائلا: وردة الجنة! وردة الجنة! # واغرورقت عيناه بالدموع وقال: آمنت بالله! آمنت! # | راهب وملك # دير روايومون يحتفل بعيد عظيم. # سينال الرئيس الجزيل الاحترام المنتخب من الكهنة القانونيين طاعة الرهبان وخضوعهم؛ لأنه ~~سيد المدينة المطلق ومولاها الآمر. # أما الكنيسة الكبرى فقد غص فيها الجمهور المحتشد بين أعمدتها الضخمة، حتى إنك لتسمع من ~~حين إلى آخر ضجة مبهمة تتصاعد من بين هذا الشعب، كأنما هي اصطخاب الأمواج في بحر هائج ~~... # فتحت شباك الخورس، وتقدمت طائفة مؤلفة من مئتي راهب أبيض، يتبعهم الرئيس واضعا على رأسه ~~تاجا من الصوف، وفي يده المضطربة عكاز من العاج. # عند هذا علا الهتاف وامتد حتى ضاقت به رحابة الكنيسة، وسمعت أصوات تهتف قائلة: مبارك هو ~~القادم باسم المسيح! ... حياة طويلة لسيدنا روبير! ... حياة طويلة! ... حياة طويلة! ... # صعد الرئيس الجزيل الاحترام إلى العرش المعد له في الكنيسة الكبيرة، ورفع ذراعيه ~~الكبيرتين نحو السماء، وبصوت تقطعه العاطفة والشفقة قال: نحمدك اللهم! # فأكمل الرهبان قائلين بغبطة تقوية: نعترف بك يا رب، وتحترمك الأرض كلها أيها الآب ~~الأزلي! # وكانت آيات التسابيح تتعالى من فترة إلى أخرى مشيرة إلى أن الحمية الدينية قد بلغت أرفع ~~قمة من قممها، وكان الشعب المسيحي المدهوش بتلك القداسة يجمع صوته إلى صوت الإخوة، طالبا ~~إلى فضائل السماء والملائكة والرسل والأنبياء والشهداء وإلى العالم بأسره، أن يعلنوا قداسة ~~الرئيس الجزيل الاحترام. # في تلك الساعة فتح باب الكنيسة الكبرى، واندفع منه فارس مشعث الشعر، مبلبل الأفكار ذو ~~نظرات خائفة وجلة وانطرح أمام الرئيس. # عند هذا قوطعت التسابيح، وساد سكوت رهيب على جماعة المؤمنين، فأخذوا ينظرون بأعين ملؤها ~~الرهبة إلى الغريب المخيف! # أما الفارس فكان ينتحب ويصرخ صراخا متقطعا، وينادي نداء مبهما، ثم انتصب على قدميه ~~وصرخ صوتا، هو أقرب إلى أصوات الأموات منه ms20 إلى أصوات الأحياء قائلا: لقد أذنبت، لقد أذنبت ~~... ضد العذراء أم الله! الرحمة! الرحمة! وكانت يداه تضطربان بشدة، وأسنانه تصطك اصطكاكا ~~موجعا. # وأما الرهبان المضعضعون، فقد غرقوا في ذهولهم أمام هذا المشهد الهائل، ثم استفاقوا ~~وانطرحوا على الحضيض يستمنحون الغفران للبائس المسكين. # وفي حين كان هؤلاء يلحنون في تلاوة الصلوات المؤثرة، كان الخاطئ يصرخ: الرحمة! ... الرحمة! ~~... # بعد هنيهة رفع الرئيس صوته قائلا: ماذا تريد؟ ~~- أبتاه، أبتاه، أطلب غفران الله وغفرانك ... آه! أشفق علي ولا تنبذني! دعني أدفن حيا، ~~ولا تدع مخلوقة بشرية ترفع الحجر عن فوهة قبري ... ولينسني البشر إلى الأبد! ... # فأجابه الرئيس بصوت عذب: ما هو ذنبك؟ # فنهض الرجل لدى هذا السؤال وقد ازداد اضطراب ركبتيه، ورفع يده إلى جبينه وقال بصوت متقطع: ~~ذنبي! آه! رباه! ... لقد صفعت السيدة العذراء على وجهها في ساعة من ساعات الغضب الأعمى ... لقد ~~اقترفت جريمة لا تغتفر، فليبتلعني الجحيم! # ثم انطرح على الأرض والزبد يرغي بين شفتيه! ~~••• # في واد ظليل من أودية روايومون يرتفع دير ذو جدران منحوتة، تحيط به أكمات كثر فيها ~~الشجر، يشرف على نهر جميل ذي مياه زرقاء كمياه البحر. # أما الحور والدردار والأدواح الشاهقة، فقد طفت أخيلتها على مياه النهر الجميل وحركت ~~أشذاءها العطرية في مطارح الوادي. # وأما الدير فقد زنرته الكروم الخضرة وأزهار البنفسج والورد والجداول الرقراقة ~~العذبة. # مرت الأعوام مرور الحلم الجميل ... # بنى الرهبان أمام أسوار الدير في أجمة كثر فيها الشوك والعوسج بناء لا أبواب له ولا ~~نوافذ إلا فتحة ضيقة في بطن الأرض، أطلق عليه اسم «البيت السري». # لم يؤذن لأحد بأن يدخل إليه إلا الأب الرئيس، وكاتم أسراره الأخ بلاسيد. # فعندما كان هذان الكاهنان يخرجان من تلك الفتحة الضيقة، وأمارات الرهبة مرتسمة على ~~محياهما، كانا يقولان للإخوة بصوت تتخلله نبرات الخوف: لنضرع إلى الله يا أبنائي! إن في ~~القبر رجلا دفن حيا في أعماقه ... فلا ريب بأنه عظيم من عظماء المدينة، أو كاهن ثار على ~~القانون، أو مريض أصيب بداء البرص ... # عندما يمر الإخوة ms21 أمام القبر الملعون، يرسمون شارة الصليب برهبة وهول، وفي بعض الأحيان ~~يسمعون شهيقا يتصاعد من أعماقه، يتخلله صراخ موجع وزفرات مختنقة، فيجمد الدم حتى في عروق ~~أشدهم بأسا وشجاعة. # ذات يوم قال الأب إلياس للأب بلاسيد: أستحلفك بالله يا أخي الحبيب أن تطلعني على سر ~~القبر! # فأجابه هذا بهدوء وتواضع: لا أقدر يا أخي، لا أقدر، فلا تعد على مسمعي هذا السؤال، لقد ~~أمرني الرئيس الجزيل الاحترام باسم الطاعة المقدسة ألا أفوه بكلمة عن سر القبر! # فأجابه الأب إلياس وقد امتعض جبينه وظهرت عليه دلائل الانزعاج: حسنا، حسنا، ولكن بعد ~~أيام قليلة سيحضر ملكنا المحبوب لويس ده بواسي إلى روايومون؛ ليسمع تفسير أنشودة الأناشيد، ~~عند ذلك لا بد لي من أن أعرف كل شيء. # قال هذا وجنح عنه وذهب في سبيله. ~~••• # قدم ملك فرنسا إلى روايومون، وفيما هو داخل إلى الدير تبعه الرئيس الجزيل الاحترام ~~والكهنة وحرس الدير. # كان الملك مرتديا عباءة من الحرير الأزرق، وقبعة من ريش الطاووس، وكان يحيط به الآباء ~~الواعظون، فيطرح عليهم أسئلة في اللاهوت صعبة، فيجيبونه عليها بتفاسير محكمة صائبة، فيبتسم ~~ابتسامة رضى وارتياح. # كان الموكب يتجه إلى الكنيسة الكبرى، وكان بود الملك التقي أن يرفع إلى المسيح قبل كل ~~شيء، هبة إيمانه وخدماته الجليلة، فأمر بحضور ثلاثة عشر فقيرا من فقراء المدينة، وعندما ~~امتثلوا أمامه أمرهم بالجلوس إلى جانبه، وأشار إلى الرئيس الجزيل الاحترام بأن يجلس أمامه ~~مع الكهنة المحترمين. # أما السيد جوانفيل، وحاشية الملك المؤلفة من جوفروا ده فيلات، وبيير ده فونتين، وفليب ~~نانتويل، وجوفروا ده سارجين، وغوشي د شاتيليون، فقد شغلوا أطراف السماط، ووقف جيرفه رئيس ~~الخبازين وراء منصة الملك، وفي حين كان الطعام يتعاقب على السماط بكثرة وكرم، كان الملك ~~يصغي بانتباه عظيم إلى حديث الكهنة والأسياد. # كان جوفروا ده بوليو الدومينيكي، معرف الملك، يتكلم عن الإيمان بفصاحة أدهشت رجال ~~الكنيسة، وكان جوانفيل يسمع بدون أن يفهم شيئا مما يقال؛ عند هذا وجه الملك كلامه إليه ~~قائلا: ما اسم والدك يا ms22 جوانفيل ؟ ~~- كان اسمه سيمون يا مولاي. ~~- وكيف عرفت ذلك؟ ~~- هذا ما كانت تقوله لي والدتي يا مولاي، فلا مندوحة من النزول عند كل ما كانت تقوله لي ~~تلك الأم الصادقة. ~~- إذن فيجب عليك أن تنزل عند كل عقيدة من عقائد الإيمان، التي يعلنها الرسل في أيام ~~الآحاد. ~~- ومن أين عرفت أننا لا نصدقها يا مولاي؟ ألم ندافع عنها، ألم ندافع معك عن الإيمان ~~الصحيح في الحروب التي مرت علينا؟ # ثم التفت إلى الحاشية وقال: لقد كنتم معنا في المنصورة يا رفاقي، وشاهدتم بأعينكم تلك ~~الواقعة الهائلة، كنت يوم ذاك مع رجالي البواسل، لا أزال أتمثلك يا مولاي المحبوب قادما ~~مع كتيبتك الباسلة، تدقون على الطبول وتنفخون في الأبواق، لقد كنت جميلا في ذلك الحين، ~~وجميلا سيفك المنتصر في يدك الفتية! # عندما سمع الأسياد كلمة المنصورة، رجعوا بالتذكار إلى ذلك العهد الجميل فتمايلوا وهتفوا ~~قائلين: ليحي الملك! # فأكمل جوانفيل وقد برقت عيناه: ثم ألا تذكر هؤلاء الكافرين الستة، الذين حاولوا أن يأخذوك ~~أسيرا، فتخلصت من بينهم بضربة سيف فرقتهم أيدي سبا؟ ... # فابتسم الملك لهيجان جوانفيل، ذلك الهيجان الساذج، وقال له: أراك نسيت البلاء الحسن الذي ~~أبلاه السيد جوهان، عندما طرد وحده كتيبة كاملة من الإسمعيليين. # فسر غوشي من شهادة ملكه، فبسط على السماط يده الجبارة وقال: وحق الله أيها الملك ~~المحبوب، لقد فتكت هذه اليد بكتيبة من الكفرة الجاحدين! # قال هذا وضحك ضحكة رنت في القاعة الرحبة، رنين جرس من النحاس. # كان النبيذ يدور دورته في الكئوس، فلاحظ الملك أن السيد جوانفيل لم يكن يمزج خمرته بالماء ~~فقال له: لأي سبب لا تضع ماء مع النبيذ يا جوانفيل؟ ~~- إن السبب في ذمة الأطباء أيها الملك، فهم يقولون لي إنني ذو رأس ضخم ومعدة باردة لا ~~تؤثر فيها عوامل الخمرة. ~~- إن الأطباء يخدعونك يا جوانفيل، فإذا كنت لا تتعود شرب الخمر ممزوجة بالماء وأنت في ~~ميعة شبابك، وتضطر إليها في شيخوختك، تصاب بداء المفاصل والمعدة وتفقد صحتك، وإذا شربت ~~الخمر صافية صرفة ms23 وأنت شيخ لا تجد مهربا من السكر كل مساء، والسكر يا صديقي عادة معيبة، ~~وعار على الرجل الشريف. # عندما انتهت الوليمة نهض الأب إلياس، وخضع أمام الملك باحترام كلي، وسأله عما إذا كان ~~يرغب في أن يسمع تفسير أنشودة الأناشيد. # فقال له الملك: أرجئ ذلك إلى حين يا أب إلياس، فلا يجمل بنا أن نفسر بعد الغداء إلا ~~آيات الراحة، هيوا بنا إلى ظلال الأشجار الباسقة، نتحدث معا حسب شروط الصحة. ~~••• # لم يكد الملك يجلس في ظلال دوحة كبيرة، حتى تصاعد في الفضاء زفير رهيب عقبه شهيق ونحيب! ~~فاستغرب الملك وسأل الحاضرين عن سبب ذلك، فلم يفده أحد، وظل القوم صامتين! # أما الرئيس فشحب لون وجهه واكفهر، وأما الأب إلياس فانحنى أمام الملك وقال له: إنه ~~لسر القبر يا مولاي الجميل! # فحدق الرئيس الجزيل الاحترام في الأب إلياس، ورشقه بنظرات ملؤها التوبيخ. # فقال الملك للرئيس مستفهما: ماذا يعني الأب إلياس بهذه العبارة؟ # فأجابه الرئيس مترددا: لا أدري أيها الملك ... ~~- لا بد لي من أن أعرف كل شيء. # ثم حدج الكاهن بنظر متسلط قاهر، ففكر هذا هنيهة ثم نهض وقال: تعال يا مولاي ~~وانظر! # فتقدم الملك وتبعه الرئيس والسيد جوانفيل والأب إلياس وجوفروا الدومينيكي، وفيما هم ~~سائرون كان الصمت مستوليا عليهم جميعا، إذ إنهم لم يكونوا يجرءون على التفوه بكلمة أمام ~~الأب الرئيس ... # فتح الباب الأرضي، ودخل الجميع بصعوبة إلى المأوى المظلم، حيث لا ترى العين إلا سوادا ~~كالحا. # عند هذا فاحت رائحة منتنة علقت بحناجر الحاضرين، وشعر الملك وأتباعه بأن وشاحا من الجليد ~~ألقي على أكتافهم المرتعشة! # في زاوية من زوايا معبر ضيق، كانت أشعة متموجة تنحدر من مكان مرتفع، وتنير حجرة رحبة ... ~~فشخص الجميع أمامهم، فتراءى لهم كاهن مضطرب الأعضاء، ويداه الشاحبتان ملتحمتان على صدره، ~~وقد جلس على منصب بالقرب من منضدة خشبية. # كان هذا الكاهن قطعة من لحم، لا يزال الدم جاريا في عروقها، ذات منظر أرهب من هيكل عظام، ~~إذ إن قطرات صفراء ممزوجة بعصير مروب كانت ms24 تتساقط من محجريها المجوفين؛ وكانت ربوب منتنة ~~تتقطر من مزقها الزرقاء، وتتجمد على الأنف النخر بخطوط سوداء، ومن هذا الجسم البشري النتن ~~كان يتصاعد لهاث سام، كأنما هو ضباب كثيف! ... # ملك الخوف قلوب الحاضرين، فتراجعوا إلى الوراء أمام هذا المشهد الهائل، ولولا احترامهم ~~للملك لما بقوا فترة واحدة في تلك الحجرة المخيفة! # أما الملك فلم يلبث أن شحب وجهه، وتسلطت عليه شفقة عظيمة، فرفع نظره إلى الرئيس مستفهما ~~عن جلية الأمر، فأطلعه هذا على الحادث الذي أدب الخوف في الدير طيلة عشرين سنة، وعلى ~~جريمة الفارس ويأسه وتكفيره وعقابه، ثم زاد على ذلك بقوله: كنت قد وهبته ثيابا مقدسة ورجوت ~~منه أن يبقى مع الإخوة الأحداث، إلا أنه استرحمني أن أدفنه حيا فأذعنت لدموعه، وطلب مني ~~أن أكتم اسمه عن الجميع، وألا أتلفظ به فرضيت، وكنت قد وعدته بألا أبوح بسره، أو أكشف لأحد ~~مكان عزلته، إلا أنني لم أجد الآن بدا من النزول عند مشيئة مولاي الملك. # في تلك الدقيقة تصاعد صوت أجش من الجسم المدمى قائلا: لقد رحمني الله وأشفق على بؤسي ~~وتعاستي، لقد عذبني فباركته! ... وعاقبني فحمدته، أجل، بعد أن مر علي بعض أسابيع وأنا في ~~مدفني هذا، ملأ البرص وجهي، ولا سيما في المكان نفسه الذي صفعت فيه السيدة العذراء والدة ~~الله العظيم! لقد انتقم مني البرص انتقاما عادلا! # آه! إنني أتألم تألما شديدا! وأشعر بعذاب لا طائل تحته يتناوب نفسي الخاطئة! الرحمة يا ~~إلهي، الرحمة! ... إنني لا أستطيع أن أراك، ولكنني أشعر بالسأم الذي أسببه لك ... # ثم شخص إلى الحاضرين وقال لهم: ابتعدوا عني وصلوا لأجلي ولا تذكروني ... # فسجد الملك أمام الأجذم، وقبل رجليه قائلا له بعذوبة: آه يا أخي، يا أخي الموجع، إنك ~~لسعيد بهذا العذاب المستوحى من الله؟ لقد كفرت عن جريمتك طويلا حتى طهرتك الآلام ~~وجعلتك بريئا؛ فأصبحت نفسك بيضاء نقية كردائك الناصع البياض ... رحمة بهذا الأخ المسكين يا ~~أرحم الراحمين! # كان الأجذم يشهق وينتحب ويذرف الدموع الحمراء على ردائه الأبيض وبعد ms25 هنيهة قال: أيها ~~الملك القديس، بوركت إلى الأبد بكلامك العذب وشفقتك العظيمة، ولكن دعني وابتعد عني! # عند هذا تقدم جوانفيل من الملك وصرخ قائلا: دعه يا مولاي، فالله يمقت هذا الكاهن البائس، ~~ويخيل إلي ... # فقاطعه الملك بقوله: اصمت يا جوانفيل، إنك لا تفقه ماذا تقول، يجب على الإنسان أن يحب ~~خالقه فوق كل شيء ... ماذا! ألا تفضل أن تصاب بداء الجذام على أن ترتكب خطيئة مميتة؟ # فصرخ جوانفيل الذي لم يكذب مرة في حياته: وحق السماء يا مولاي، إني لأفضل ارتكاب ثلاثين ~~خطيئة مميتة على أن أصاب بمرض الجذام! ~~- إنك لتتكلم كالمجنون الأبله يا جوانفيل ... ألا تدرك أن الجذام هو دون الخطيئة المميتة ~~خطرا وبشاعة؟ ألا تدرك أن الخطيئة المميتة هي شبيهة بالشيطان، وتؤدي إلى الشيطان، أتوسل ~~إليك بحق الله ومحبتي، بأن تحب الأمراض الجسدية مهما كانت خطرة ومشوهة، وتكره الخطيئة ~~المميتة، ذلك الداء الروحي الذي لا شفاء منه إلى الأبد! # عند هذا هتف الدفين الحي قائلا: أجل إنني أعترف لله بأني أفضل الموت والجذام، الذي ~~يقضم جسدي وأنا حي على أن أرتكب خطيئة مميتة! آه! فليعذبني الله وليرهق جسدي بالمصائب ~~والأمراض، ولكن ليغفر لي، ولتطهر نفسي، يخيل إلي أني أرى وجه الخالق الرحيم في ~~الجنة! # فتأثر الملك من هذا الكلام، فقال له: إنك لسعيد يا أخي؛ لأن الله أوحى إليك أسرار ~~حكمته! # ثم رأى على المنضدة طعاما يعده الأب بلاسيد فقال: أتود أن أطعمك بنفسي؟ أترغب في الدجاج ~~أم في الحجال؟ ~~- كما تريد يا مولاي الملك. # فأشار الملك إلى الأب بلاسيد بأن يخرج لإحضار بعض من الدجاج والحجال، وبقي ساجدا على ~~ركبتيه ينظر بحزن عميق إلى آلام الكاهن الموجع، بعد هنيهة عاد الأب بلاسيد ومعه دجاجتان ~~وثلاثة حجال. # أما الملك فأخذ حجلا وقطع جانحيه بيده الملكية ووضعهما واحدا بعد الآخر في فم الأجذم، ~~وكان الدم الفاسد يتقطر قطرة قطرة على يد الملك الساجد على ركبتيه، حتى اضطر إلى غسل يديه ~~مرتين متواليتين؛ ثم سكب بعضا من النبيذ في كأس ms26 من الزجاج وقدمه بصعوبة كلية إلى الأجذم ~~المسكين. # عند هذا لم يملك جوانفيل نفسه من ذرف دمعة حرى سقطت من عينيه الطافحتين بالشفقة ~~والرحمة. # وأخيرا أخذ الملك يد الكاهن وقال له: أي مجد عظيم ستنال في السماء بعد هذه الآلام المرة؟ ~~ألا فاضرع لأجلي أمام الله يا رمزا حيا للأجذم الإلهي! # ثم انتصب على قدميه وقبل وجه المريض الطافح بالدم الفاسد، فصرخ هذا صرخة عظيمة وجمد في ~~مكانه ... # يا للعجائب! لم يكد الملك يضع شفتيه على وجه الكاهن حتى زال البرص، وبرقت مقلتا الأجذم من ~~خلال وجهه الوردي! عند هذا تنهد الكاهن وترك شفتيه تتلفظان بهذه الكلمات: المجد لله في ~~العلاء! # فتحول الملك إلى جوانفيل وقال له: جوانفيل، هل عرفت الآن من هو الله؟ # فأجابه جوانفيل: آه يا مولاي الكريم، إن الله لأرحم الراحمين! # | الزهرات البيضاء # في ذلك الحين كان أركلاوس بن هيرودس السفاك ملكا على اليهودية. # نسمة خفيفة مبتلة بعطر عذب تحرك بفتور وكسل، مياه بحر الجليل. # أردية بيضاء شفافة تنحني بلطافة على الأمواج. # بحيرة طبرية الجميلة تنعكس عليها أشعة الشمس فتتلون من حين إلى آخر بألوان اللازورد ~~والياقوت ذات البريق المتباين الشكل. # الموج يهدر هديرا خافتا، ويسيل بين القصب المرتفع، فينحني القصب بلطف وعذوبة. # نهر الأردن يتفلت كأفعوان هائل من ذلك البحر الهادئ، ويزأر زئيرا رهيبا، ثم يحل عقدة ~~حلقاته ويطلقها في مطارح الصحراء. # أما شجرات الأرز الكثيف، ذلك التاج العظيم المنعقد على قمم جبلي عجلون وإربل، فإنها تبرز ~~في وسط ضباب بعيد، خضبه الذهب والأرجوان، وأعارته عناقيد الإزدرخت ألوان مشهد ~~جميل. # هناك، ينتصب جبل حرمون ذو الجبين الناصع البياض. # وجملة ذات الأزهار الأرجوانية الجميلة تتنضد على منحدر الأكمات المنهبطة من بلاد ~~جولان. # قرى عديدة يحيط بها النخل والزيتون والطلح والجميز. # قوافل من الجمال كثيرة العدد، ذات نظرات بلهاء تسير على طرق دمشق وبعلبك، ثم قطعان ~~المواشي يليها جماعات من العبيد، فأفواج من الباعة يقصدون المدن البعيدة؛ ليتاجروا بطيوب ~~آسيا، أو بقمح السهول الخصبة من مدينة بيرية. # بعض ms27 من النساء المحجبات يسرن بهدوء وسكينة. # جماعة من اليهود يتحولون بأنفة وازدراء عن سامري بائس. # صراخ وضحك وأصوات مختلفة، ترتفع من على شواطئ البحيرة ... # طاقات من الزهور تتمايل هنا وهناك، أغصان الخروب يتنحى بعضها عن بعض ... هو ذا صبية صغار ~~يتسابقون ... ثمة فراشات شفافة ذات أجنحة ملونة بذهب وفضة تجنح مع النسيم حيثما يجنح ... ~~والأولاد الأحداث يركضون وراءها ويتسابقون. ~~••• # هو ذا رجل لا يزال في ريق عمره قد ظهر في منعطف الطريق، إنه يمشي متثاقلا، ويتوكأ ~~على عصا طويل، وغبار السفر يملأ ثيابه؛ أراه يقود حمارا ذلولا على ظهره امرأة مرتدية ~~ثوبا أسود، تحمل على ذراعيها طفلا نائما، لقد انحنت وتلفظت ببعض كلمات ... هو ذا المسافرون ~~قد عرجوا عن الطريق إلى غيضة كثر فيها الليمون والنخيل؛ إنهم يستريحون على بساط من العشب في ~~ظلال أشجار عطرية؛ لقد ناموا ملء عيونهم بعد أن استأنسوا بزقزقة الطيور المسكرة ... ~~••• # صراخ موجع يتصاعد من الأبعاد! # لقد انقطع الضحك على كثيب الشاطئ، وتهافت الشعب بذعر شديد! # هذه امرأة سامرية تنتصب قبيل البحر، رافعة ذراعيها المضطربتين وعيناها التائهتان تحدقان ~~في المياه! إنها تصرخ قائلة: ولدي! ولدي! # هو ذا صياد غطس في الماء بين الأمواج المصطخبة، وعاد إلى الشاطئ صفر اليدين؛ لقد عقبه ~~ملاح، ثم صعد من المياه وبين يديه جثة هامدة! إنه يضع الولد على قدمي أمه الثكلى! # أرى هذه المسكينة تنظر إلى ولدها الميت بمقلة يائسة! ... # لقد استفاق الطفل النائم بين ذراعي المرأة ذات الثوب الأسود وقال لأمه: فلنذهب يا ~~أم! # فابتسمت الأم ابتسامة عذبة، فابتسم الطفل وقال بهدوء: فلنذهب! # نهضت المرأة من جلستها واتجهت مع طفلها إلى كثيب الشاطئ؛ وعندما وقع نظرها على الأم ~~الحزينة والولد الميت أدركت هول الموقف، فضمت إلى صدرها ولدها الحبيب ضمة ملؤها الحب ~~والخوف. # عند هذا خرجت السامرية المنكودة الحظ من خمودها العميق، ووقفت أمام المرأة المعانقة ولدها ~~وصرخت قائلة: لا تقتربي أيتها المرأة! لا تقتربي! لقد خطف البحر ولدي الوحيد، ولا يصعب عليه ~~أن يخطف ولدك! # هو ذا ms28 جهبذ من جهابذة الشريعة يمر من هناك. # لقد نظر إلى المرأة الثكلى نظرة احتقار وتمتم قائلا: إنها لسامرية! # ثم حجب وجهه بيديه. # أما الطفل فقد تخلص برقة وخفة من عناق المرأة ذات الثوب الأسود، وانحنى فوق الجثة ~~الصغيرة، ونفخ عليها ثلاث مرات، ثم أخذ يدها بيده وأنهضها عن الأرض ملأى بماء ~~الحياة. # عند هذا تراجع القوم منذهلين أمام هذا المشهد الغريب! # أما والدة المنبعث من الموت فقد ترامت على قدميها بسكرة من سكرات الفرح العظيم وهتفت ~~قائلة: أيتها المرأة! أيتها المرأة! ... من أنت؟ ... مبارك هو ابنك! ... مباركة أحشاؤك! ... ما هو ~~اسمك؟ ... لأردده في كل حين وأحمد به الله! # فرفعت المرأة ذات الثوب الأسود نظرها إلى السماء، وجمعت يديها، وقالت: أنا مريم. ~~- أمريم أنت؟ أجل، أنت نجمة البحار، وسلطانة الحياة والموت! ... أنا مديونة لك بولدي ... ~~لأنك لم تزدري بي ... فكيف أشكرك؟ ثم نزعت طاقة زهر عطرية وقدمتها لمريم. # سقطت دمعة من عيني العذراء على ثنايا الأوراق الأرجوانية، فاستحالت إلى أزهار بيضاء! ~~... # | مطوقة الطوباوي يوسف ده كوبرتينو # في مطلع القرن السابع عشر، كانت أسرة فقيرة من أسر العمال تعيش في مدينة كوبرتينو، ~~القريبة من خليج تارانت. # كانت الحياة عبوسة في وجه هذه الأسرة، وكان القوت الضروري يمر مذاقه في أفواه أعضائها، إذ ~~إن الحكمة الإلهية شاءت أن تكبلها بقيود ظالمة من الشقاء والتعاسة. # كان ديزه قد استدان مبلغا من المال، وعجز عن وفائه، فقامت عليه قيامة رجال العدالة ~~وطردوه من كوخه، في حين كانت امرأته المسكينة تضع ولدها يوسف في أعماق مربط مظلم! # كبر الولد بين أحضان البؤس، وكان ذا جمال ينحط عن إدراكه تصور البشر؛ فالابتسامة العذبة ~~كانت تطفو على وجهه الوردي، وعيناه الكبيرتان كانتا تلمعان بأشعة من أشعة الذكاء ~~واللطف. # أما في المدرسة فكان شديد الانتباه، يصغي بدهشة وسرور إلى كلام المعلم عن الخالق وقديسيه، ~~رافعا نظره إلى السماء كمن يضيع في نواح بعيدة عن هذا العالم، مستطلعا أفراح اللانهاية ... ~~وأما رفاقه الأحداث الذين لم يكونوا يستطيعون أن يرتفعوا بعقلهم ms29 العاجز إلى ما فوق هذا ~~العالم فكانوا يسمونه «الفم الفاغر». # كان ذكاؤه الفطري يخترق بدون إجهاد أصعب المسائل العلمية التي تدور حول محور النفس، ~~فيستغرب أهله ومعلموه هذه الفطنة النادرة، وينظرون إليه بريبة قائلين في نفوسهم: ما يكون من ~~أمر هذا الولد؟ # كانت مخيلة يوسف مثقلة بأفكار غريبة، إذ إنه كان يفكر دائما بخطيئة الكبرياء، وبتمرد ~~الملائكة، وبعقاب الجنة، وجبل الجلجلة ومزود البقر ... وكان قلبه يخفق ويضطرب لدى دفع ~~الرغبات المجهولة، والأشواق إلى تلاشي قواه الذاتية، وإلى التضحية في سبيل العزة ~~الإلهية. # ذات يوم بينما كان يوسف ساجدا أمام أيقونة العذراء، شعر بقلبه يتحطم من كثرة الحزن فهتف ~~صارخا: أيتها الملكة، أيتها الأم العذراء، انظري إلي نظرة رحمة وشفقة، فلقد وقفت للخالق ~~نفسي وقلبي، ونذرت له كياني ... لقد كابد ولدك من الآلام ما لا يطاق، أما أنا فأراني مسرورا ~~ومغتبطا في هذه الحياة! لقد ضحى بنفسه في سبيل الإنسان، وأراني يحف بي المديح من كل ~~صوب، هو المجد الأبدي وأنا ابن العدم! ... # عند هذا سمع صوتا صادرا من شفتي العذراء يقول: أيها الولد العزيز بلغت ما ترغب في ~~نيله، فسوف تشبعك الأحزان وتصبح هدفا لسخط البشر، سوف يجحدك أهلك وينكرونك، فأنا أم ~~الأوجاع! ... أنا شافية المرضى! ... والخالق يلذ له أن تضحي بذكائك في سبيله! ستحظى بمجد لا ~~مجد بعده أيها الولد، يا فدية الكبرياء، وستمسي كاهنا! ... # بعد أيام قلائل شحب وجه الولد واصفر، ولامس الذبول عينيه السوداوين، وغطى جسده قروح ~~سمجة، حتى إن أمه نفسها أصبحت لا تقترب منه إلا بتكره ونفور. # بقي الولد منطرحا على فراشه العفن، وقد ابتعد عنه الجميع، حتى أقرب الناس إليه. # ذات يوم قدم البلدة ناسك غريب، فدخل بدون أن يتلفظ بكلمة، إلى الكوخ الحقير، حيث كان يوسف ~~ينزع نزعا أليما، وعندما اقترب من فراش المريض دهنه بمرهم ثمين، فختمت القروح، وتساقطت ~~عنها القشور الكريهة، فنهض البريء هزيل الجسم واهن القوى، وقد أصبح عاجزا عن استرجاع ذكائه ~~القديم. # أما روحه فكانت شاخصة إلى الله، ترتفع ms30 من يوم إلى يوم عن أباطيل هذا العالم وترهاته، ~~وقد شعر بأنه يتنازع بين حياة الدير وحياة هذا الوجود، حتى دفعته النفس يوما إلى أن يطرق ~~باب الكبوشيين، فعين خادما للمائدة في ذلك الدير. # ذات يوم، في حين كان الأخ يوسف يخدم على المائدة سمع القارئ يتلفظ باسم الله والمسيح ~~ومريم، فاضطرب اضطرابا شديدا، وتساقطت الصحون من يده على الأرض، حيث تحطمت إلى أجزاء ~~عديدة. # عندئذ لبث منتصبا على قدميه في منتصف القاعة، لا يبدي حراكا، وعيناه سابحتان في عالم ~~مبهم غير مكترث لتأنيب رئيسه، ولكل ما يحيط به. # أما الرئيس، فود أن يمتحن طاعته، فأمره بأن ينقل ماء من رواق الدير إلى الكهنة ~~القانونيين، فرضخ الأخ المسكين لأمر رئيسه، إلا أنه كلما صادف صورة قديسة يقع في ذهول لا ~~حد له، فيسهو عن واجبه، حتى غضب الرئيس غضبا شديدا، وما عتم أن طرده من الدير بعد أن ~~نزع عنه جبته الثقيلة. # وأخيرا قرر الأخوة الأصغرون أن يرسلوه إلى دير صغير، حيث يتعهد البغال، فقال في نفسه: ~~هذا خير ما يوافقني! # صرف الأخ يوسف سنين عديدة في ذلك الدير طائعا، ورعا حتى اكتسب جميع القلوب، وما عتم أن ~~رسم كاهنا، وظهرت للوجود دلائل تقاه وقداسته. # منذ ذلك الحين أخذ يبذر العجائب في كل مكان، ويقود الشعب إلى الإيمان الحي ومحبة الله، ~~بالرغم مما كان عليه من الجهل؛ لأن المرض كان قد نزع من ذاكرته تلك العلوم التي تلقنها ~~بذكائه الفطري. ~~••• # على مقربة من كوبرتينو تقوم بلدة ماندورة الصغيرة، تحت سماء صافية الأديم، مذهبة بأشعة ~~وردية اللون، تنعكس على مياه بحر هادئ ذات أمواج زرقاء. # ذات يوم شاع نبأ أليم في الجبل، فلم يتردد القديس يوسف أن أسرع إلى ماندورة، فرأى جماعة ~~من البائسين المرضى يجولون في السبل، وأبصر بعض رجال أقوياء يضعون أمام باب الكنيسة حصيرة ~~عليها فقير غطت القروح جسده، وشاهد فتاة لا تزال في ريق صباها تقود شيخا أصيب بالعمى، ~~وامرأة تضم إلى صدرها طفلا أخرس، يتراوح بين ms31 الموت والحياة! # كان هؤلاء القوم يسرعون إلى ملاقاة القديس؛ ليستمنحوه إنزال عجائبه عليهم والرأفة ~~بمصائبهم الأليمة. ~~••• # هناك، تجاه قصر دوريا منزل صغير، أغلق الحزن بابه على العابرين، وتصاعدت منه أنات ~~وتنهدات! # ذلك أن امرأة بائسة من المؤمنات فقدت وحيدها في ذلك المنزل، فتقاطر القوم زرافات إلى ~~مؤاساتها، ودلائل الحزن بادية على وجوههم. # بعد هنيهة أبصروا القديس قادما، فهتفوا قائلين: هو ذا القديس! هو ذا القديس! # أما القديس، فتقدم عاري الرجلين من الجماعة، وقال لهم مبتسما: لا، لا تقولوا: هو ذا ~~القديس، فأنا من الخاطئين، بل قولوا: هو ذا الخاطئ! # ثم اقترب من الولد الأخرس وقال له: قل معي يا بني: الأب يوسف خاطئ يستحق نار ~~الجحيم! # فانتفض الولد وصرخ قائلا: الأب يوسف قديس عظيم يستحق السماء! # عند هذا غرق الشعب في بحر من الهذيان، وتراموا على قدمي القديس الكاهن، وأخذوا يقبلونهما، ~~ويحاولون أن ينزعوا عنه سبحته وجبته. # في تلك الدقيقة أجهش أحد الرجال بالبكاء، وصرخ قائلا: إنه لقديس عظيم! إنه لقديس ~~عظيم! # إذ ذاك حول القديس نظره إلى المنزل المحزون، وقد ارتسمت الآلام على قسمات وجهه، ثم ~~أشرقت أسرته بنور جميل، وقال ناظرا إلى السماء: يجب أن تظهر اليوم عظمة الله يا إخوتي ~~الأعزاء، فالله قد منح إيمانكم جزاء يستحقه، هيوا بي الآن! ... # عند هذا فتحت الأم الثاكلة باب منزلها، فدخل القديس يتبعه الشعب الغفير، فأبصر جثة باردة ~~ممددة على فراش طويل، وبالقرب من الفراش تابوت ينتظر فريسته! فنزع الأب يوسف صليبه وقربه ~~من شفتي الأم فقبلته، ثم انطرح على الأرض ورفع صوته قائلا: باسم المسيح آمرك أن تنهض ~~أيها الشاب! # فانتصب الفتى على قدميه في وسط الغرفة، وأجال نظراته المسغربة فيمن يحيط به، وكانت عيناه ~~لا تزالان مستبقيتين آثارا غريبة من مشاهد اللانهاية! ... # عندئذ تراجع القوم مذعورين، فقالت الأم المغتبطة، والدموع تتناثر من مقلتيها التائهتين: ~~أيها الأب! أيها القديس! ... # إلا أن الكلام تردد بين شفتيها وتلاشى! فاتجهت بقدم متثاقلة إلى فسحة صغيرة، وعادت تحمل ~~بين يديها مطوقة بيضاء، وقدمتها ms32 للقديس قائلة: هذا كل ما أملك أيها الآب فاقبلها ~~مني. # فأخذ الطوباوي المطوقة وجعل يلاطفها قائلا: أيتها المطوقة العزيزة، يا مخلوقة الله ~~العذبة، يا رمز البساطة والوداعة، يا أخت، أترغبين في أن تذهبي مع الأب يوسف؟ # فشرعت المطوقة تهدل وتنحني وتصفق بجناحيها بين يدي الأب المباركتين. ~~••• # ذات يوم بعد أن قام القديس بلم الصدقات حسب عادته اليومية، دخل إلى كنيسة كوبرتينو، فرأى ~~المؤمنات ينشدن فرض الصلاة أمام الهيكل بأصوات ضعيفة متقطعة، فتأثر لدى هذا المشهد، ولم ~~يملك نفسه من البكاء، ثم رفع ذراعيه إلى السماء وقال: رب! اغفر لهن؛ لأنهن لا يدركن ما ~~يفعلن! # وتقدم منهن قائلا: يا أخواتي العزيزات، أنتن تهن الله إهانة عظمى بصلواتكن المبكية! ~~أهكذا يكرمون الخالق؟ إن أحط الناس عقلا يقومون بواجباتهم أحسن من قيامكن، مع أنكن عرائس ~~المسيح! ... احمدي الله أيتها المطوقة الصغيرة يا مخلوقة الله العذبة الوديعة ... # عند هذا أخذت المطوقة التي كانت جاثمة على كتفه، تحرك جناحيها بخفة وعذوبة، وطارت إلى ~~شباك الخورس، حيث شرعت تسجع سجعا جميلا أثار كوامن الدهشة من صدور المؤمنات ... # فاستطرد القديس كلامه قائلا: يا أخواتي العزيزات! أنا تارك لكن هذه المطوقة البريئة؛ ~~لتعلمكن أصول التسابيح، فتعهدنها بكل ما أوتيتن من الحنان. # بقيت المطوقة طيلة سنوات خمس خاضعة لمشيئة الأب يوسف، وذات يوم أساءت إليها إحدى ~~المبتدئات بأن علقت جلجلا برجلها، فاختفت المطوقة ولم ترجع! # عند هذا قلق جميع من في الدير، فبعثن يطلبن الأب يوسف. # عندما قدم الطوباوي قال لهن: لقد وهبتكن موسيقيا بارعا فاستخدمتنه قارعا للجرس، إن ~~المطوقة ذهبت إلى قبر المسيح، ولكنها ستعود. ~~••• # في أثناء ذلك كان الجحيم يثور ثورة الهول، وكان أمير الظلمات قد أذن له من الحكمة ~~الإلهية، بأن يعالج غضبه في خادم الله. # أما الأب يوسف، فأصبح يرى نفسه تارة على أبواب اللجج مدفوعا إلى أعدائه الألداء، ~~وطورا يسمع صوتا يرن في مسمعه قائلا: دع هؤلاء البؤساء أيها القديس العظيم، فتجلس على ~~عرشك السامي! فيظن القديس نفسه مذنبا بإصغائه إلى تلك الأراجيف، فيستسلم ms33 للبكاء ، وينادي ~~الله لإنقاذه، والله أصم لا يسمع كأن السماء من نحاس! # وأما الرجال فقد أصبحوا يضطهدونه، وأنكره إخوته ورؤساؤه وجميع من عرفه وآمن به. # وفي المساء كان يتراءى له أشباح مخيفة تنتصب في حجرته، وتنشد على مسمعه أناشيد رهيبة، هي ~~أقرب إلى الصراخ منها إلى الألحان! # ذات ليلة تراءى له المسيح بمجد عظيم وقال له: اقترب مني يا أب يوسف وقبل رجلي. # فرضخ المسكين طائعا، وعندما أدنى شفتيه من قدمي المسيح شعر بنتانة باردة! كان ملاك الشر ~~قد تزيا بزي جسد براق! # أصبح الأب يوسف عاجزا عن أن يتبين الخير من الشر، فظن نفسه قد أهمل من الله والبشر، ~~وتراكمت الظلمات في روحه وأحاطت به من كل الجهات. # هجع كل من في الدير، وساد سكوت رهيب فانحدر الأب إلى الكنيسة بقدم متثاقلة ووجه شاحب، ~~واجتاز الخورس بسرعة كمن يظن نفسه غير جدير بأن يظهر أمام السيد. # ثم سجد في ناحية منفردة أمام مقعد بعيد. # عند هذا اضطربت ركبتاه، وارتفع صدره، وسال عرق بارد على أعضائه الضعيفة! وفجأة أثبت ~~نظراته في الخورس، فأبصر خيالا صامتا ينحني بعجز أمام الله المحتجب في الهيكل، وبعد هنيهة ~~تقدم الشبح إليه محتذيا حذاء من حديد، وكلما خطا بعض خطوات ضعفت المصابيح في الكنيسة، حتى ~~إذا ما سادت الظلمة الملأى بالوعيد والإرهاب، انتصب الخيال أمام الأب يوسف، وبرقت عيناه ~~ببريق أحمر مخيف، وصرخ فيه صوتا ارتجت من هوله جدران المعبد، وقال: اتبعني إلى الجحيم ~~أيها الخبيث! # ثم جذبه بيده وطرحه إلى الحضيض، ورفع فوقه حذاءه الضخم ... # فصرخ المسكين بصوت أجش: أيتها العذراء، لا تتركيني! ... # في تلك الدقيقة أنيرت المصابيح، وأغمي على الخيال ... فتراءت المطوقة تصفق بجناحيها في ~~فضاء المعبد، وسمع القديس نغمات عذبة، هي نغمات الجنة تنفذ إلى روحه، وشعر بنور الله يذيب ~~على جسده أشعته الطاهرة. # منذ ذلك الحين أخذ الشيطان يصوب غضبه العاجز ضد مطوقة الطوباوي. # كان الأب يوسف في الكنيسة، يضرع إلى الله مختطف الروح، وكانت المطوقة تصفق بجناحيها، ~~طائرة بين أعمدة ms34 الأروقة ، عندما قدم رجل مسلح وطلب الأب يوسف بإلحاح شديد، أما المبتدئون ~~فقالوا له إنه في الكنيسة، عندئذ حاول الرجل الغريب أن يسيء إلى المطوقة، فهربت مسرعة إلى ~~عذراء الدير، فلحق بها، وكاد يقضي عليها لو لم يمنعه التمثال الرخامي، الذي عكف على المطوقة ~~المرتعدة وغطاها بوشاحه الأبيض. # دهش المبتدئون أمام هذا المشهد، وعندما رجعوا إلى صوابهم غضبوا غضبا شديدا، وتحولوا ~~إلى الرجل المسلح، فرأوه قد احتجب كوميضة البرق! ~~••• # بعد أيام قليلة مرض الطوباوي وأشفي، فأحاط به الإخوة وجعلوا ينشدون والدموع تتناثر من ~~أعينهم، فتقطرت أحشاء الأب يوسف ورفع نظره إليهم، وقال لهم بصوت ملؤه التعزية: إلى اللقاء ~~يا إخوتي الأعزاء، إلى اللقاء بين أحضان الله! المجد لله! # ثم استنار بشعاع علوي طفا على قسمات وجهه، وأغمضت عيناه فرقد هنيئا بين يدي ربه! أما ~~المطوقة، فيقال إنها لم تعش بعده. # أخذت الكنيسة هذا المسكين الساذج، ووضعته على المذابح حانية جبهتها أمام مجده ~~النقي. # | كتاب الفرض # قرع الباب قرعتين، ودخل السيد يوسف فقلت له: أأنت يا سيد يوسف؟ أهلا وسهلا، ~~ادخل! # فقال لي، وهو يقترب من الموقد: إن البرد لشديد الوخز في الخارج، فاسمح لي أن أصطلي على ~~نارك، ثم نزع عنه فروته الطويلة، واقترب من النار التي كانت تتلظى في المستوقد، وبعد هنيهة ~~قال لي: ألا تعرف ما الذي قادني إليك في هذه الساعة الباردة؟ # فأملت إليه مسمعي وأصغيت، فقال: جئت أقلق راحة مكتبتك، وأقلبها بطنا لظهر. # فابتسمت له وقلت: إنها تحت أمرك يا سيد يوسف. # كان السيد يوسف كتبيا هجوميا، وكان يصرف نهارات طويلة، وأحيانا ليالي كاملة في ~~البحث بين كتبه ومخطوطاته وتقاويمه ومجلداته، حتى استحالت رغبته في الكتب إلى هوس، هو هوس ~~الشيخ المسن بمعتنياته العزيزة لديه. # كان السيد يوسف قد ناهز الستين من عمره، فاحدودب ظهره، وابيضت شعور رأسه، وأحاطت عينيه ~~الثاقبتين دائرة صادئة، وكان لا يخرج من منزله، كمن أقام بقلعة محصنة، فيجلس إلى أوراقه ~~وكتبه وكتبي أيضا؛ لأنها كانت مشتركة بيني وبينه، فيستعير منها ما ms35 يود ، وهي إرث وصل إلي ~~من عم شيخ غزير المعارف، واسع الاطلاعات، عارف بمخابئ الكتب وقيمها. # أكرر عليك يا سيدي العزيز، أن مكتبتي كلها تحت أمرك. # فأطلق الكتبي زفرة استحسان وقال لي: كنت أخشى ... كنت أخشى رفضا منك. ~~- معاذ الله يا سيد يوسف أرفض طلبك، لا أكتمك أنني شديد التمسك بمكتبتي وكتبي، إلا أنني ~~أشد تمسكا بأصدقائي. # فبسط لي يده فهززتها بعاطفة قوية، وقلت له: ما عليك إلا أن تصدر إشارة فنتعاون في ~~العمل. ~~- كنت أخاف أن أطلب منك ذلك بعجلة. ~~- ولكن في أي كتاب ترغب؟ # فأمر يده على لحيته البيضاء، وهي علامة السرور عند الكتبيين، وقال: أبحث عن كتاب نادر ~~جدا وجدا جدا، أذكر أنني رأيته مرة في مكتبة السيد ... أو في مكتبة ... نادر جدا وجدا ~~جدا ... # فقاطعته قائلا: ألا يمكنني أن أعرف اسم هذا الكتاب النادر جدا وجدا جدا؟ ~~- آه! لقد نسيت اسمه، ولكن ... ولكنه كتاب طبع في باريس عام 76 ... 17 أو عام 79 ... 17 أو عام ~~81 ... 17 أجل عام 1781، اسم الكتاب: منتخبات في قصص القرن الثاني عشر والثالث عشر لمؤلفه ~~ليفران دوسه. ~~- لدي هذا الكتاب ... هنا ... في هذه الخزانة القديمة، حيث أضع كتبي النادرة التي قليلا ما ~~أبحث عنها وأستشيرها. # فشرع السيد يوسف يلاطف لحيته من شدة الفرح، وقال: نادر جدا وجدا جدا! # ثم نهض من جلسته، وعانقني بفرح لا فرح بعده، فقلت في نفسي: قد لا يبعد أن يتحول هوسه إلى ~~جنون! مسكين يوسف! # وعندما نهضت وفتحت الخزانة القديمة، قال لي ببعض الحزن: أأنت واثق بأنك رأيت هذا ~~الكتاب؟ # فأجبته بحدة: واثق جدا وجدا جدا! # فابتسم وقال لي: أرى أنك ترغب في تنكيدي، أنت لا تزال فتيا يا صديقي، ويخيل إلي أني ~~مضحك لديك، يا لي من شيخ مسكين! ~~- آه! يا سيد يوسف! ماذا تقول؟ ... أنت مضحك! ... معاذ الله أن تمر في مخيلتي مثل هذه ~~الفكرة! # فدمدم السيد يوسف، وقال لي: فلنباشر البحث حالا، أليس كذلك؟ # شرعنا في العمل، فكانت المناضد والكراسي والداخون تحتجب ms36 جميعها تحت الكتب المكردسة هنا ~~وهناك! # وكان السيد يوسف يذهب ويجيء، فتارة يصعد إلى فوق، وطورا يهبط إلى تحت، وحينا يميل إلى ~~الشمال، وأحيانا إلى اليمين، ثم يقف لاهثا من التعب. # أما أنا فعندما يقف أنظر إليه مستغربا وقوفه، حتى أبصرته جمد في مكانه وشخص إلى كتاب ~~مجلد تجليدا متقنا، وقال مستعيدا نغمته الأولى: نادر جدا وجدا جدا! # فقلت له: ماذا رأيت يا سيد يوسف؟ # فقال لي: ولكن هذا الكتاب نادر جدا وجدا جدا! ~~- هذا كتاب الفرض، إنه أكثر من كتاب نادر، فهو ذخيرة. # فرفع السيد يوسف نظره إلي، فأكملت حديثي متقطرا، فقلت: ألم يسبق لي أن أخبرتك قصة كتاب ~~الفرض؟ ~~- لا، أبدا، فهل أكون متطفلا إذا سألتك أن تقص علي هذه القصة؟ ~~- ولكن ألم تبق في حاجة إلى كتابك النادر؟ ~~- أبحث عنه ساعة أريد، فمكتبتك هي أمامي دائما! ولكني أتوق الآن إلى معرفة قصتك. ~~- إذن فإليكها. # عند هذا عاد كل منا إلى مكانه بالقرب من الموقد، وبعد أن أذكيت النار، قلت: يجب علي أن ~~أوقظ تذكارات أليمة من رقادها العميق ... عندما حكم المجلس بالموت على لويس السادس عشر - لا ~~أشك في أنك تعرف أكثر مني تفاصيل هذه الفاجعة الأليمة، يوم ألقي رأس هذا الملك أمام ملوك ~~أوروبا. # عند ذلك كان الله قد أبقى للملك لويس عزاء عظيما في وسط آلامه الشديدة، إذ إن الجلادين ~~سمحوا لأحد الكهنة بأن يحضر للملك نجدة الدين، فعندما مثل الكاهن أمام الملك، صرف ~~المسكين الليل كله في الصلاة، فتقبل القربان المقدس كما يتقبله كل مسيحي على الأرض عندما ~~يذهب إلى الاستشهاد. # كانت إحدى العجلات تنتظر الملك، فجلس هذا في تلك العجلة إلى جنب الكاهن، الذي كان في يده ~~كتاب فرض يتمتم فيه ببعض آيات مقدسة، وما لبث أن أخذ الكتاب من يد الكاهن، وجعل يقرأ ~~الصلوات الأخيرة بصوت مرتفع هادئ، في حين كان الشعب يزأر زئيرا رهيبا، منشدا أغاني الموت ~~واللعنات! ... # يا للمشهد الرهيب! صعد الملك درجات المقصلة متكئا على ذراع الكاهن، وقبل أن ms37 ينفذ فيه ~~حكم الموت، رفع الكاهن ذراعيه إلى السماء، وقال للملك: اصعد إلى السماء يا ابن القديس ~~لويس! # عند هذا برقت أشعة ذهبية، وتدحرج الرأس الملكي على درجات المقصلة! أما الكاهن فلم يكد ~~يبصر هذا المشهد، حتى شحب لون وجهه، وسجد على ركبتيه تاركا كتاب الفرض يسقط من يده فوق دم ~~الشهيد. # انظر إلى هذه النقط السوداء على غلاف الكتاب. # فتفحص السيد يوسف الكتاب متفطرا، وقال: أجل، إنه لذخيرة مقدسة ثمينة، ولكن كيف اتصل إليك ~~هذا الكتاب؟ ~~- اسمع ... كانت عائلتي تسكن مقاطعات الأشراف قريبا من أفينيون، ذات صباح دقت الأجراس ~~طويلا طويلا ... فأخذت الجماهير تروح وتجيء والأجراس تقرع في المدينة، فمنهم من قال إنها ~~ساعة النصر بعد الاندحار العظيم الذي حدث لنابوليون في روسيا، ومنهم من قال إنها تبشر بقدوم ~~عظيم من العظماء، ثم أسرع الشعب للاطلاع على الحقيقة، وكان الخوف في تلك الساعة سائدا على ~~المدينة، وبعد هنيهة أعلن قدوم البريد، فأسرع الشعب لملاقاة الساعي، وعندما بلغوا إليه وقف ~~فجأة وصمت صمتا غريبا، ثم قال: أبشركم بقدوم قداسة البابا بيوس السابع إلى رومة واجتيازه ~~مقاطعتنا! # فهتف الشعب هتافا عظيما قائلين: فليحي بيوس السابع! فليحي البابا! ... # كان العاهل نابوليون قد أطلق سراح بيوس السابع، فعاد إلى رومة عن طريق مقاطعة ~~الأشراف. # في ذلك الوقت زين الشعب منازلهم، وطافت الأولاد في الشوارع رافعة أعلاما خضراء من ~~أغصان الأشجار والأوراد النادرة. # بعد مرور ساعتين مرت كوكبة من الخيالة تحيط بعجلة فخمة، فترامى الشعب على الركب، وعلا ~~الهتاف والدعاء، فوقفت العجلة وخرج منها شيخ مسن مرتد ثوبا أسود، زنر بزنار أحمر، ~~وعلى رأسه قبعة حمراء، وبعد أن بارك الشعب قال: من منكم يستطيع أن يحضر بعضا من الطعام ~~لقداسة البابا؟ فلقد فرغ الطعام الذي كان معنا. # عند هذا شقت إحدى النساء صفوف الحاضرين فتبعها ولد صغير، وعندما وصلت إلى العجلة تلفظت ~~ببعض كلمات أمام الكردينال، وبعد هنيهة نزل بيوس السابع من العجلة، وعلى شفتيه ابتسامة عذبة ~~فبارك الشعب، وصعد إلى عرش كان الجمهور ms38 قد أعده لقداسته، فسجدت المرأة والولد أمام البابا، ~~وقدما له بعضا من الأثمار والحلويات وقدحا من النبيذ ... فشكرهما قداسته، ثم وضع يده على ~~كتف الولد وسأله قائلا: ما اسمك يا بني؟ # فأجابت المرأة خاشعة الرأس: لويس، أيها الأب الأقدس! ~~- أهو ولدك؟ ~~- نعم أيها الأب الأقدس! ~~- حسنا، حسنا، إني أباركك يا بني أنت وجميع أهلك، فليحرسك الله وليساعدك! ما اسم ~~والدك؟ # فرفع لويس رأسه، وقال مفتخرا: والدي؟ لقد مات ساعة أقدم على إنقاذ الملك، وهو ذاهب إلى ~~المقصلة، كان والدي شجاعا! # عند هذا أشار البابا إلى الكردينال، فجاء بعد فترة ثم نظرة إلى الولد، وقال: إن كأس ~~الماء التي تعطى إلى الفقراء لا تذهب بلا أجر يا ولدي، فاقبل مني هذا الكتاب، فهو ذخيرة ~~مقدسة، لقد مات والدك في سبيل ملكه، فخذ هذا الكتاب الملطخ بدم ملكك الشهيد. # فبكت الأم، وأخذ الولد كتاب الفرض فقبله، أما الشعب فكان يهتف هتافا عظيما، وقد تفطر ~~من هذا المشهد الجميل المؤثر، وبعد أن بارك البابا الأقدس شعبه الأمين صعد إلى عجلته، وذهب ~~... أما ذلك الولد فقد أمسى اليوم شيخا نبيلا. ~~- ألا يزال في قيد الحياة؟ ~~- بلى، وأنت تعرفه يا سيد يوسف، فهو جدي. # | الناسك # كان في سالف الزمان ناسك يسكن الصحراء. # كان هذا الناسك ابن أسرة عريقة في القدم. # ذات يوم، وهو صغير كان يلعب على ضفاف البحر تحت حراسة عبد يوناني، فمر من هناك جمع من ~~الرجال والنساء يتقدمهم كاهن ذو لحية كثيفة وهيئة وحشية، فسمعهم الولد ينشدون ويهتفون ~~بأصوات مرتفعة، وقد بسطوا أذرعهم الطويلة في الفضاء، فدهش لدى هذا المشهد، وأخذ يضحك بملء ~~شدقيه. # أما الكاهن، فاقترب من الصبي وأخذه بيديه الجبارتين، ورفعه فوق الأمواج المصطخبة، وصرخ ~~قائلا: أيها الإله، يا خالق البشر والأشياء، مر البحر أن يهدأ، لا تدع الروح الشريرة تثير ~~أمواجه على الإنسان، أنت تحب البراءة، يا الله، فأنا أستحلفك بهذا الولد الذي يمثل البراءة ~~نفسها، أستحلفك باسم المسيح المبارك في الأجيال ... # عند هذا أسرع العبد واختطف الولد باكيا ms39 من بين يدي الكاهن، ومضى به حتى وصل إلى كنيسة، ~~فاعتقد حينئذ أن الأناشيد المقدسة، وشذا البخور، ورؤية المؤمنين تسكن جأش الصدور وتخفف ~~الألم، فدخل إلى المعبد وجلس بين المؤمنين، وأخذ يلاطف بيد عذبة جبهة الولد وشعوره. # في تلك الساعة كان الأسقف جالسا على عرش مرتفع أمام باب الخورس يحيط به جمع غفير من ~~الكهنة، وكان أحد القسوس يقرأ الإنجيل على الحاضرين، فتتناثر من شفتيه هذه الكلمات التي ~~تلفظ بها الله: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. ~~••• # صرف الولد حداثته بعذوبة وهدوء، وكان الجميع يعجبون من تقاه واجتهاده في الدروس الأدبية، ~~حتى إنهم تنبئوا له بمستقبل عظيم. # أما الكلمات التي سمعها في الكنيسة، فقد كانت دخلت إلى أقاصي نفسه، ومهدت له مكانا ~~موطدا فيها. # وعندما بلغ الثامنة عشرة من سنيه، نزع عنه ثوب الطفولة، ولبس ثوب الشباب. # إذ ذاك عزم أهله أن يحتفلوا بخروجه من الحداثة ودخوله في الحياة العالمية، فدعوا إلى ~~الحفلة رهطا من الشباب الناهض، ووضعوا على رأس الفتى إكليلا من الأزهار العطرة، وأجلسوه ~~في وسط المدعوين. # لا تسل عن الفرح العظيم الذي استولى على قلوب الحاضرين، عندما تقدم فتيان من المحتفل ~~به ورفعا إليه غصنا من الفضة كتب على أوراقه هذه الكلمات الثلاث: إلى أمير الشباب. # كانت عطور الليمون والأزهار تمتزج بروائح الخمور في تلك الوليمة الكبرى، فشعر الفتى بأن ~~قلبه يتفطر، وخيل إليه أنه يسمع صوتا في نفسه يقول له: إن جمالك وشبابك اليانع ومعارفك ~~الواسعة تمكنك من الجلوس يوما على عرش الألم ... ألا فليذق جسدك طعم الملذات ... إنك لا تزال ~~فتيا، وتستطيع أن تملك جميع ملذات الحياة ... # كانت الأشباح الغرارة تمر أمام عينيه، حاملة مشاهد اللذات الباطلة بدون أن يتمكن من ~~مقاومتها. # في تلك الساعة مالت الشمس إلى المغيب، فخضبت الشفق بألوان حمراء أرجوانية، وانعكست ~~آخريات أشعتها على الأعمدة المرتفعة، وانحدرت إلى جباه المدعوين، كأنما هي رؤيا من رؤى ~~اللانهاية ... # أما الفتى فخفض نظره إلى الأرض، وأخذ سكينا بيده حفر بها بعض ms40 كلمات على المائدة بدون أن ~~ينتبه إلى ما يفعل، ثم رجع إلى نفسه ونظر إلى الكلمات المحفورة أمامه فإذا هي: ماذا ينفع ~~الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ # عند هذا ارتعش ارتعاشا شديدا، وعلا محياه أمارة الخجل، فانتصب واقفا نصف وقفة ... في ~~حين كان المدعوون يهتفون بملء أصواتهم. # بعد هنيهة تحولت الأعين إلى مقام الشرف، وهم المدعوون أن يختموا الحفلة بتهنئة الفتى، ~~إلا أنهم لم يبصروا أحدا! ... # كان الفتى قد احتجب من مكانه. # في تلك الدقيقة ساد سكون غريب في قاعة الوليمة، فتقدم والد المحتفل به من مقام الشرف، ~~وقرأ بقلب منقبض تلك العبارة المحفورة على المائدة، ففهم كل شيء وأخذ يبكي. # أما الفتى فكان قد هرب إلى الصحراء ... ~~••• # أخذ الفتى يمشي بين المفاوز والأكمات، وكانت نفسه المنتصرة ترفع صدره من حين إلى آخر، وقد ~~شعر بأن شعاع اللانهاية يضيء في روحه، حتى وصل إلى مكان منفرد، فأبصر سهولا من القمح تمتد ~~أمام عينيه، فعرف أنه أخطأ الطريق، فعرج على غابة حتى انتهى به السير إلى أكمات ترتفع ~~عليها أشجار المشمش والتين والرمان واللوز، وتتخللها مجاري مياه عذبة، فسكن جوعه ببعض ~~الأثمار وبل غليله ببعض جرعات من الماء، ثم صعد إلى قمة أكمة، فتراءى له واد ضيق يفصل ~~بينه وبين جبل وعر تمتد وراءه صحراء واسعة، فلم يتردد أن أسرع الخطى نحو تلك الصحراء ~~... # شرع الفتى يتسلق المنحدرات بصعوبة وعناء، وكانت الأشجار الغضة تبسط على الجبل أخيلتها ~~السوداء، حتى إذا ما انحدر الوادي سمع دويا يقرب منه دوي الصواعق، فرفع نظره إلى ~~المرتفعات فأبصر منحدر ماء يهبط من محل شاهق، وينساب في وسط الوادي العميق. # كان المساء يحلك رويدا رويدا عند ما وصل الفتى إلى شجرات من النخيل، فحول نظره إلى ~~جهة المشرق، وتمتم بروح مغتبطة قائلا: هو ذا مكان عزلتي. ~~••• # منذ تلك الساعة بدأت حياته الأليمة. # في الغد نهض باكرا وبنى له كوخا من غصون النخل، وأحاط جسده بزنار من الأشواك وعمل من ~~الأوراق رداء له. # أما غذاؤه ms41 الوحيد فقد كان من ثمر النخيل. # مر على الفتى عشرة أعوام في تلك العزلة صرفها في التقشفات والصلاة والبكاء، حتى انتشر ~~خبر قداسته في المدينة، فأخذت الوفود تأتي لزيارته من أطراف الجهات البعيدة. # أما هو فلم يتردد أن هرب من تلك الصحراء ... # بعد مسيرة ساعات عديدة بلغ إلى قرية منفردة فاجتازها حتى وصل إلى حائط مرتفع، تقوم على ~~أعمدته مغاور عديدة بعضها مهجور، والبعض الآخر تسكنه عيال من الوطنيين آثروا البقاء في مآوي ~~جدودهم. # اختار الناسك مغارة ضيقة من تلك المغاور، بعيدة عن الناس ووطد إقامته بها. # منذ ذلك الحين آل أحد المسيحيين على نفسه أن يحضر له كل أسبوعين طعامه الضروري. # مرت الأيام على عزلته في تلك المغارة، وهو يضرع إلى الله ويحمل نفسه عذابات الجلد ~~والجوع! # وفي ذات يوم أبصر جماعات من الزوار قادمين إليه ليتبركوا به، إلا أنه لم يخرج من مغارته ~~ورفض أن يتحدث إليهم، فجعلوا يبكون أمام باب المغارة ويتضرعون، ولكنه بقي صامتا مستغرقا ~~في تأملاته. # عند هذا اقترب المسيحي الذي يتعهده بالطعام إلى باب المغارة، وقال له إنه إذا بقي مصرا ~~على صمته لا يحجم الزائرون عن إقلاق راحته، فاضطر الناسك أن ينزل عند توسلات الشعب، وأخذ ~~يملي على بعضهم فقرات حكمية استوحاها من العزة الإلهية. # فاغتبط الجميع وسروا سرورا لا حد له. # وفي الليلة التالية تمكن الناسك من الهرب بمساعدة الرجل المسيحي، فوصل أمام كوخ سقف ~~بالقصب والخيزران، فأبصر شيخا مسنا ذا لحية بيضاء جالسا يصلي على عتبة الباب. # أما الشيخ فعندما وقع نظره على الناسك بادره قائلا: اقترب مني يا بني، فأنا الكاهن ~~باخوميوس، وقد مر علي تسعون سنة في خدمة المسيح. # لقد فتح الله بصيرتي بيده العذبة، فعرفت أنك تدعى سيراب الناسك. # إنك تستطيع أن تقوم بأعمال عظيمة، ولكن يجب عليك قبل ذاك أن تصلي كثيرا وتقاسي عذابات لا ~~طائل تحتها ... # اذهب نحو جهة المشرق، وعندما تغيب الشمس ثلاث مرات، وتصل إلى سهل ملآن عشبا، بالقرب من ~~هيكل مدمر، يفتح الله ms42 بصيرتك ويلهمك أشياء كثيرة. # أكمل طريقك يا بني وصل لأجلي ... # سلك الناسك طريقه حتى انتهى به السير إلى سهل يمتد على أقدام جبل مرتفع لا خصب فيه، فأبصر ~~آبارا عديدة، تنتصب فوقها أدواح مسنة وتماثيل من الحجر محى الزمن رواءها، ووقع نظره على ~~أعمدة متهدمة وأطواد محطمة يرتفع بينها عمود أبيض مستطيل، كأنما هو زهرة من أزهار الأحلام ~~لا تزال مفتحة فوق تلك البقايا المحزنة. # أما الصخور المتهيرة، قفد كانت ترتفع بعضها فوق بعض مؤلفة مغاور كبيرة، أوى إليها بعض ~~الرعاة مع مواشيهم. # اقترب الناسك من راع مسن، وأخبره أنه نذر نفسه لخدمة الله، وأنه بحاجة إلى العزلة ~~والسكون. # ثم سأله أيتاح له أن يعيش على قمة ذلك العمود المرتفع؟ # فأجابه الراعي بعد أن استشار رفاقه، أنه بالرغم من علو العمود يمكنه أن يصعده إلى قمته ~~بواسطة حبل مستطيل، وتعهد له أن يرسل إليه من وقت إلى آخر طعامه الضروري. # ثم قال له: أهبك حبلا يبقى معك في عزلتك تدليه إلي كلما احتجت إلى الطعام. # بعد هنيهة كان الناسك على قمة العمود المرتفع، فجلس يحمد الله، ولم يمر عليه بعض ثوان حتى ~~كانت روحه انتقلت إلى عالم اللانهاية ... # وفي المساء لاحظ الناسك أن ضيق العمود لا يسمح له أن يتمدد ويستريح، إلا أن ذلك لم يزعجه، ~~بل شعر بغبطة لا حد لها. # أطلت الكواكب من كوى السماء، وانتشرت أشعتها في الفضاء الرحب، فأخذ الناسك ينشد بصوته ~~العذب هذه المقاطع المقدسة: # رب! أيها المخلص الغفور # لقد بسطت إلي ذراعي رأفتك ومحبتك # لقد أنقذتني من الهلاك الأبدي # بعد أن خدعت ببريق اللذات الباطلة # وجنحت عن مطارح نورك وهداك! ~~••• # رب! لقد سكبت علي شعاعا من وجهك الجميل # ونثرت في مسمعي كلمة من فهمك القدوس # لقد سمعت وصاياك الجميلة # وشعرت بعذوبة نيرك ~~••• # اغمرني بالسكينة والسلام # ولا تدع أبناء البشر يعرفون مكاني # رب! لا تبعدني عن عزلتي قبل الوصول إليك # وأمدني بعونك وسهرك حتى أتمم مشيئتك ~~••• # أبعد عني حيل إبليس وتجاربه # ومهد لي مأوى في ms43 أعاليك # رب! دعني أرقد وأستريح بين ذراعيك # لأنك أصل بدئي ونهايتي. # كان الرعاة السذج يصغون إلى هذه الأنشودة بدهشة واستغراب فيخيل إليهم أنها هابطة من ~~السماء، فيقول بعضهم لبعض: إن فضائل هذا القديس لمشكاة تنير ذريتنا ... # ذات يوم فرغ الطعام عند الناسك، فلم يشأ أن يزعج الرعاة في راحتهم، فلم يدل إليهم الحبل ~~كعادته، وبينما هو مستغرق في التأملات أبصر غرابا أسود جثم على حافة العمود، وفي منقاره ~~قطعة من الخبز وضعها بالقرب من الناسك. # بقي الغراب تسع سنوات يقوم بهذه المهمة الإلهية. ~~••• # جاء الخريف، فأسرع جمع غفير من الباعة إلى القرى المجاورة لذلك السهل حيث يسكن الناسك، ~~وانتشروا في الأسواق مقلين الذهب، والعاج، والنسائج المختلفة، والأرجوان، والبرفير، وأثواب ~~الكتان والصوف، وغير ذلك من مصنوعات سوريا ومصر واليونان، فكانت سوق راج فيها البيع ~~والشراء. # وعندما هبط المساء واتجه هؤلاء الباعة نحو الخرائب، حيث يقيم الرعاة، أبصروا غرابا أسود ~~يحمل في منقاره قطعة خبز، ويضعها على قمة ذلك العمود، فملكتهم الدهشة لدى هذا المشهد، ~~فأخذوا يهتفون بأصوات شقت الفضاء. # أما الغراب، فعندما سمع ذلك الضجيج، حلق في مذاهب الجو وتوارى عن الأبصار ... # صعد البدر في السماء، ونشر أشعته الزرقاء على الخرائب المنطرحة في ذلك السهل الرحب، في ~~حين كان سيراب الناسك باسطا ذراعيه على قمة العمود، تاركا شفتيه تتلفظان بهذه الكلمات ~~العذبة: # أيتها الكواكب، باركي الله العظيم # احمديه أيتها الأجناد السماوية # فتفطر الجمع الغفير لدى هذه النغمات المقدسة، فأخذ ينشد قائلا: # أيها القمر والنجوم باركي الله العظيم # احمدي الله يا نيران الصيف المحرقة # باركي الله واحمديه أيتها الينابيع ... # كان كسيحان من فقراء إحدى القرى جالسين في مكان منفرد، يستمنحان صدقة المارين، فبلغهما ~~أن قديسا من قديسي الله يسكن على قمة عمود، في وسط سهل قريب من القرية، فعزما أن يذهبا ~~إليه على أمل أن يشفيهما. # وبعد جهد شديد وصلا إلى ذلك العمود بدون أن يشعر بهما أحد من الرعاة، فرسما إشارة الصليب، ~~واستنجدا برحمة الله، ثم أمرا يديهما على حجر العمود. ms44 # عند هذا شعرا برعشة تجول في عروق جنبيهما، ولم يمر بعض ثوان حتى نشطا وقويا وعادا صحيحين ~~كسائر الرجال. # ترامى الرجلان على الأرض، وبكيا طويلا، ثم نهضا وأخذا يقفزان بين الخرائب من شدة ~~السرور. # لا تسل عن دهشة الجمهور عندما وقع نظرهم على ذينك الكسيحين. # أما الناسك فقد كان نائما في تلك الساعة، فاستفاق على الهتاف الشديد، فأبصر شبحا من ~~النور منتصبا أمام عينه، وبعد ثانية سمع شبح النور يقول له: أيها الناسك لا يجمل بك أن ~~تبقى طويلا في هذه الأنحاء المنفردة، ولا يجدر بك أن تبقي نبوغك في مطاوي النسيان، ذلك ~~النبوغ الذي منحته في سبيل كثيرين من أبناء الله ... # فلم يجب الناسك، وظل منقبض القلب، فقال شبح النور: انظر الجماهير الغفيرة تحت قدميك، ~~فالصحراء قد ملئت بالضجيج والعالم أجمع يتحدث بك. # ماذا يكون من أمرك لو امتزجت بالبشر ... وسكبت العزاء في النفوس؟ ... ستصبح أسقفا عظيما، ~~وتقود شعب الله. # بقي الناسك صامتا لا يبدي حركة. # فقال شبح النور: لقد اكتشف الشعب مقرك، فلا سبيل إلى احتجابك بعد الآن؛ لأنك ملئت بمجد ~~لا مجد بعده. # فدهش الناسك عند هذا الكلام، فقال: ماذا؟ ... أي مجد؟ ... ما تعني بهذا الكلام؟ ... # فقال شبح النور: لقد جوزيت جزاء حسنا بتقشفاتك وصلواتك ... حتى إن العمود الذي يحملك أصبح ~~مقدسا بك، فهو يملك فضيلة إلهية، إذ إنه شفى كسيحين من الفقراء في هذه الساعة، إن ~~عجائبك لتفوق عجائب الكتاب المقدس، فأنت قديس لا مثيل له. # فاضطرب الناسك وضرب صدره بكلتا يديه وقال: لا، بل أنا خاطئ، أنا رماد وتراب! ولا مجد إلا ~~لله! ... # فقال شبح النور: لقد شفيت المرضى الكسحاء، فأنت عظيم في عملك ... اذهب فالساعة التي تجعلك ~~سيد العلم قد آذنت. # فقال الناس بصوت جهوري: اذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ عد إلى جحيمك يا ~~إبليس، فلقد تزينت بزي ملاك من النور، ولكنك لن تستطيع أن تحجب أعماق قلبك! عد إلى جحيمك ~~فحيلك لن تجوز علي. # فقال شبح النور متهكما: حسنا ms45 ... أنا ذاهب عنك إلى حين، ولكن لا تظن أنك تملصت مني ~~فستراني مرارا بعد الآن، واعلم أنني أوقعت من هم أشد قوة منك ... ثم توارى شبح النور! ~~... # عند هذا رفع سيراب الناسك نظره إلى السماء، وقال: رب ارمقني بنظرك الرءوف، واجعلني ~~مطيعا لك في كل حين، لا تدع تجارب الشرير توقعني في هوة الهلاك. # مر ملائكتك أن تغمرني بأجنحتها السماوية، وإذا كان صحيحا ما قاله عدوك أنك وهبت الشفاء ~~لرجلين من الكسحاء، فسيحتشد المرضى على أقدام هذا العمود، ويعكرون صفاء عزلتي ~~بضجيجهم. # رب، لماذا سمحت حكمتك بكل هذا؟ # أيمكنني أن أخدمك في وسط الضجيج؟ # آه! لا، فدعني أعود إلى الصحراء المنفردة، وأنزوي في مغارة بعيدة ... # ونادى الرعاة بصوت مرتفع، فأسرعوا إليه قائلين في نفوسهم: ماذا يريد القديس؟ ... ما بدا له؟ ~~... # وعندما وصلوا إلى قدم العمود، أطل فوقهم وسألهم عن سبب تلك الجلبة، فأخبروه عن العجيبة ~~المزدوجة. # فلم يتردد إذ ذاك أن ألح عليهم بأن ينزلوه عن مرتفعه، فحاولوا كثيرا أن يردعوه عن ~~عزمه، فأبى. # وبعد هنيهة كان سيراب الناسك على الأرض، فشكرهم وباركهم جميعا، وأسرع الخطى نحو الصحراء ~~الرحيبة ... ~~••• # بعد أن مشى نهارا كاملا، وقف أمام تينة، فأكل من ثمارها ونام. # ولما كان غد أكمل طريقه في الصحراء، وكانت أشعة الشمس تلهب الرمال بلهاثها المحرق، وبعد ~~فترة قصيرة هب هواء عاصف، ثارت تحته أمواج الرمال. # بقي الناسك يمشي حتى بلغ منه التعب مبلغه، فشعر بعطش محرق وبجوع قتال، إلا أنه لم يجد ~~بدا من السير. # وفجأة أبصر وحشا ضاريا يقترب منه وفي يده قربة ملأى بماء بارد، فبسط يده ليأخذها، إلا ~~أن الوحش تراجع عنه وهرب مسرعا من أمامه. # ثم تراءى له جدول تنساب فيه مياه عذبة، فعكف فوقه وأدنى شفتيه ليبل غليله، إلا أنهما لم ~~يلامسا إلا رمالا مضطرمة. # عند هذا شعر بألم لا ألم بعده، وسال العرق المثلج من جبينه، فأغمي عليه ... ~~••• # بعد هنيهة مرت قافلة من الجمال يقودها جمع من الباعة، ما كادوا يبصرون الناسك منطرحا على ms46 ~~الرمال حتى حملوه إلى مكان ظليل، حيث مسحوا جبهته ووجهه بخرقة مبللة وسقوه بعض نقاط من ~~الماء. # استفاق سيراب الناسك من الإغماء، فعادت إليه قواه المفقودة، وأعطاه الباعة قصعة ماء ~~وبعضا من الزاد، فتمكن إذ ذاك من موالاة سيره ... # إلا أنه لم يكد يجتاز بضعة أميال حتى تراءى له وحش رهيب ذو نظرات نارية، يحدق فيه بعينين ~~ملؤهما الهول! # فخاف بادئ ذي بدء، ولكنه ما لبث أن تشجع ووالى سيره بعد أن وكل الله بأمره. # وإذ به يبصر تمثالا ممددا على الرمال له جسد أسد ورأس رجل، فتبين له أن هذا التمثال ~~يبلغ طوله مئة قدم، وعرضه أربعين، وخيل إليه أن عينيه تحدقان في مشهد لا تستطيع رؤيته ~~الأعين المائتة. # جلس الناسك على صخر محطم، وأخذ يصوب نظره في نظر التمثال، كأنما هو يخاطبه بهذه ~~الكلمات: من أنت أيها الوجه الغريب؟ ... وفي ماذا يحدق نظرك الثاقب؟ ... أفي ظلمات الخليقة ~~وأسرار الحياة والموت؟ أم في الشرائع التي تدير مقدرات العالم؟ ... أفي جهالة الماضي وشكوك ~~الحاضر؟ أم في مخبآت المستقبل المجهول؟ ... من يدري ... ربما هو يحدق في الفضاء اللانهائي ~~... # ثم نهض من جلسته وحاول الهرب، إلا أن قوة هائلة سمرته في مكانه، ذاك أنه أبصر التمثال ~~قد انتصب على قدميه، وحدجه بنظر مخيف قائلا: آه! دعني أحرك مفاصلي المخدرة ... لقد مر ستون ~~قرنا على جمودي ... كنت تظنني تمثالا لا حراك بي ولا حياة إلا في مقلتي ... لا، فأنت مخطئ ... ~~فدم حقيقي يجول في عروقي، وفي عصبي قوة لا تقهر ... # كان لي فيما مضى معبد ترى بقاياه لا تزال بالقرب مني ... وكان في هذا المعبد كهنة يحرقون ~~البخور بين أصابع رجلي ... # كنت يوم ذاك إلها! ... # فاضطرب سيراب الناسك لدى هذا الكلام وصرخ قائلا: ماذا تقول؟ كنت إلها! ... ~~- وكانت الجماهير تستشيرني في أمورها، وهي ترتعش خوفا ورهبة لدن سماعها صوتي الإلهي! إلا ~~أن أجوبتي كانت حكيمة وصادقة ... # لقد تعاقبت ذراري البشر أمام عيني، وما هذه الرمال التي حولي إلا رماد الموتى ... # ثم أشار إلى ms47 الأهرام وقال: لقد شهدت طيلة قرون قطعان العبيد الذين بنوا هذه القبور ~~الهائلة تحت السياط. # لقد أبصرت موكب الفراعنة المنتصرين يمر أمامي على نغمات الأبواق الحربية. # ألا فانظر إلى العبارة المحفورة على الإصبع الثانية من قدمي اليسرى، فهي تقول إن وجهي هو ~~وجه توتموزيس، هذا كذب، إذ إن الفراعنة كانوا يكذبون أحيانا. # لقد أبصرت يوسف منقذ مصر محاطا بإخوته، وموسى الشاعر، وابن الله على ذراعي أمه مريم ~~ووالده يوسف، أتسمع، لقد أبصرت ابن الله يستريح في ظلالي هنا على هذا الحجر الذي إلى ~~يمينك. # فنظر سيراب الناسك إلى الحجر نظرة احترام، ثم قبله بلهفة وخشوع. # فقال التمثال متهكما: تود أن تعرف سر المشكلات وتجهل من أنا! إنك تحمل في نفسك لججا ~~عميقة وغضبا هائلا! إن صواعق البحار لأخف هولا من رغبات قلبك! أراك ظمآن للحياة من جهة، ~~ومن جهة أخرى تشتهي أن تتذوق طعم الموت! كأن في نفسك منتهى القوة ومنتهى الضعف. # تارة تلامس السماء بجبينك الذي يرتفع إلى النجوم، وطورا تغرز عروقك في أعمق أعماق ~~الغرائز الحيوانية. # ماذا! ... أترغب بعد ذلك أن تعرف في ماذا يحدق نظري؟ صبرا فستعرف ذلك! ... # ولكنك تدهشني بتصرفك الغريب. # لقد هجرت أهلك منذ ربع قرن، وملت عن اللذات والآمال والمطامع وآثرت السكينة في الصحاري ~~المنفردة. # لقد أرهقت جسدك بالتقشفات، وظننت أن هربك من العالم يورثك هرب العالم منك. # أيها الجاهل، ألا تعلم أن العالم ورغباته ومطامعه وبؤسه هي ممزوجة بحمأة جسدك؟ # ألا تعي ما قاله سيدك، إن العذابات لا توازي شيئا إذا امتنع القلب عن التكفير؟ ... # لقد احتقر الفلاسفة ظواهر العالم كما فعلت أنت، إلا أن أعمالهم ذهبت سدى؛ لأنهم لم يتبعوا ~~المسيح، أي إنهم لم ينزعوا نفوسهم عن العالم إلا بالظواهر الباطلة ... # تارة أراك تعاهد الله على التثبت في خدمته وحده، وطورا أرى أباطيل العالم توقفك وتميلك ~~عن وجه الله ... # إنك تقف أمامي مستطلعا خفايا أسراري يا سيراب ... # فقاطعه الناسك قائلا: لا، لم أمل مرة عن الله ولم أتردد فترة عن خدمته حق ms48 الخدمة ... ~~ولكن من أنت وأي حق يخولك إلصاقي هذه التهمة؟ ... ~~- أنا أبو الهول الخالد رمز الإنسانية وشعار القوة والذكاء، والذي حفر تمثالي في هذه ~~الصحراء كان رجلا حكيما من أبناء الفراعنة ... # أنا هرميكس، أنا الأشعة والضياء ... أبدد ظلمات الأسرار وأحرس هياكل الموت! لقد جئت ~~تستفتيني، فإليك فتواي: لقد ملأت العالم بدوي أعمالك وبعنايتك امتدت سلطة الدين المسيحي ~~... # كانت الحكمة الإلهية تعول عليك، إلا أنك هربت إلى الصحراء وجنحت عن إخوتك المحتاجين ~~إليك ... # ماذا فعلت بإخوتك يا سيراب؟! ... # أصغ إلى نصيحتي التي ترشدك إلى الطريق القويم: يجب عليك أن تذهب إلى الإسكندرية، انظر ~~إلى هذا المركب في مياه النيل، فهو راحل غدا ... # رفع التمثال رأسه إلى العلاء وحول نظره إلى جهة المشرق، فانبعث من مقلتيه نور عظيم شق ~~ظلمات الليل. # إذ ذاك برزت الأشياء مغتسلة بضياء بنفسجي، فأبصر الناسك مركبا يتراوح فوق مياه ~~النهر. # فقال التمثال: اذهب إلى الإسكندرية، لقد مات أثناسيوس الكبير، فاضطربت عند موته الأفكار ~~واختلفت الآراء، وحلت الفوضى. # اذهب وابذر السلام بعظاتك المقدسة، فيباركك الله. # في الإسكندرية اليوم اختلاف حدث بين الكنيسة وقنصل نيسه، فالكنيسة تقول إن المسيح هو ابن ~~الله ... والحقيقة هي لا ... إذ ... # عندما سمع الناسك هذا التجديف غضب غضبة عظيمة، فأخذ حجرا ورمى به الحيوان الهائل. # فتطاير الشرر من مقلتي التمثال، وحاول أن ينقض على سيراب ليمزقه شر ممزق. # إلا أن هذا صرخ صرخة شديدة، واستعان بالله فاحتجب التمثال كوميضة البرق ... ~~••• # في صحراء قريبة من وادي الملوك تنتصب صخور سوداء، لا تجرؤ قدم بشر أن تبلغ إليها، كأنما ~~الرهبة تحرس مدينة الأموات في ذلك المكان الرهيب! # هناك تخير سيراب الناسك مسكنا له صرف فيه أيامه بالصلوات والتقشفات، وقد خفي مقره عن ~~البشر، فلم يزعج أحد عزلته الهادئة ... # كانت حيطان الغرفة التي أوى إليها الناسك مغطاة بتصاوير متباينة الشكل، تمثل حياة ~~المصريين القدماء. # منها رسوم عجلات تجرها الثيران، ومنها رسوم بشر ذوي لون أحمر مرتدين قبعات وأردية ~~بيضاء، يحرثون السهول الواسعة، وحولهم قطعان من النعاج والمعزى ms49 يحرسها رعاة وكلاب، ومنها ~~رسوم مراكب ماخرة عباب النيل تقل البضائع إلى البلدان البعيدة، ورسوم صيادين يصطادون ~~الأسماك ويضعونها في سلال كبيرة، وكروم ملأى بعناقيد العنب، وموسيقيات في أيديهن آلات من ~~القيثارة والناي، وراقصات يرقصن على نغمات العازفات. # على رأس أحد الجدران رسم يمثل نهرا سارت على ضفته عجلة ذات جياد مزبدة، تقل فرعون ~~واقفا وعلى رأسه تاج مصر العليا والسفلى. # ورسم آخر يمثل اثني عشر أميرا عائدين من ساحة النصر وعلى أكتافهم عرش من الذهب، جلس عليه ~~فرعون الكبير، وعددا من الكهان يرشقون الملك بالأزهار ويرفعون إليه البخور، وجماعة من ~~الملوك مكبلين بالسلاسل يستمنحون فرعون العفو والسماح. # ومن تلك الرسوم عدد يمثل مشاهد الموت. # هناك رسم أقرباء يصلون أمام الموميا المخبوءة في صندوقها المأتمي، ورسم يمثل النفس مسافرة ~~في زورق الإله أنوبيس ووجهتها عرش أمون القاضي المطلق. # وهناك رسم آخر يمثل الميزان الإلهي وضع في كفته الأولى إناء هو رمز النفس، وفي كفته ~~الأخرى ريشة نعامة، هي رمز العدل ... ~~••• # وفي حين كان سيراب الناسك مستغرقا في الصلاة نفذت أشعة القمر إلى الغرفة، وأنارتها بنور ~~ضئيل! # بعد فترة قصيرة أخذ النور يتضاعف رويدا رويدا حتى ملأ الغرفة بضياء عظيم. # فخيل للناسك أن الرسوم تتحرك وتنتعش، ثم أبصر فرعون يضع قدمه على جمجمة أحد الملوك ~~المقهورين. # وما مضى بعض ثوان حتى انفجرت الجمجمة، وتدفق منها دم غزير. # عند هذا رحبت جدران الغرفة واحتجبت الكوة، فأبصر الناسك نفسه في سهل واسع يجتازه نهر ~~كبير. # هناك شاهد الحصادين يحصدون، والجنود يرشقون السهام، والكلاب المفترسة تنبح نباحا ~~مزعجا، والأسود تزأر زئيرا مخيفا، وسمع الطبول تدق، ونغمات الأبواق الحربية تتصاعد في ~~الفضاء، وأبصر ضفادع ذات رءوس فيلة تزحف على الأرض، وفيلة ذات رءوس ضفادع تركض ركضا ~~مخيفا، وتماسيح صغيرة تدب بين الصخور، لا يبلغ طول الواحد منها ما تبلغ الحشرة. # وشهد في الفضاء أفاعي مجنحة ووطاويط مرعبة يتساقط من أجنحتها ألوف من الحيات. # سلم الناسك أمره لله، وسجد ليصلي فتبددت تلك المشاهد المخيفة أمام عينيه. ms50 # وهكذا بقي سيراب طيلة أشهر عديدة عرضة لمثل تلك المشاهد الرهيبة. ~~••• # ذات يوم في حين كان الناسك عائدا إلى غرفته وفي يده قربة ملأها من النيل، سمع أنينا ~~وأبصر فلاحا ممددا على الأرض والدم ينبع غزيرا من جراح في رأسه. # فانحنى فوقه وغسل جراحاته وقرب الماء من شفتيه. # وبعد أن شرب الفلاح من يد الناسك رفع رأسه وحدق في سيراب قائلا: أنت لا تعرف من أنا! ~~... لقد ظننت أنك تنجد أخا من إخوتك، ولكن ساء فألك، فأنا إبليس! # عند هذا توارت الجراح عن رأس الفلاح وبرقت عيناه بريقا هائلا كأنه شعلة من نار. # أما الناسك فلم يضطرب وقال: لقد ظننتك رجلا متألما فأسرعت لنجدتك، فالله يحاسبني على ~~جميلي هذا كما لو كنت قد أنجدت قريبا لي، إنني أعرف حيلك يا إبليس، ولكن نعمة الله ~~تقويني على احتمالها بتجلد وصبر. # إذ ذاك توارى إبليس ولم يرجع بعد ذلك. ~~... مرت الأعوام العديدة على سيراب وهو يقاسي العذاب والجوع، وكان غراب السماء يأتيه كل ~~مساء بقطعة من الخبز. # ذات ليلة بينما كان الناسك ساجدا على عتبة بابه يصلي ويضرع إلى الله، ظهر له ملاك ذو ~~أجنحة نارية، فملكه الخوف والذعر الشديد! ... # قال الملاك: لا تخف فأنا الملاك روفائيل، لقد أذن الله بأن تهبط عليك نعمته العظيمة، فاصغ ~~جيدا إلى ما يطلبه منك: غدا تذهب إلى الإسكندرية وتمثل بين يدي الأسقف بطرس، وهو رجل عادل ~~ويخاف الله، اطلب منه أن يجمع المرضى والكسحاء في كنيسة القديس مرقس الإنجيلي. # وعندما يتم ذلك تتقدم أنت وتشفي جميع المرضى أمام الجماهير الغفيرة! # عندما سمع الناسك هذا الكلام ارتعش ارتعاشا عظيما، وصرخ قائلا والدموع تتناثر من ~~مقلتيه: أجل، سأقوم بهذا العمل، فالله قادر على كل شيء، ولكن كيف أجسر أن أطلب ذلك من ~~الأسقف؟ وهل يصدقني؟ ... # فقال الملاك ذو الأجنحة النارية: إذا طلب الأسقف منك أن تثبت له صحة كلامك فلا تتأخر، ~~واعلم أن الله يكون إلى يمينك. ~~••• # وفي الغد عندما بلغت الشمس كبد السماء، كان الناسك في ms51 الإسكندرية يستخبر عن مقر الأسقف ~~بطرس خلف الأسقف أثناسيوس. # وعندما امتثل الناسك أمامه انحنى بخشوع واحترام، فاستقبله الأسقف مرحبا به. # فقال الناسك: أيها الأب القديس، أنا سيراب الناسك الذي صرف أيامه في العزلة والسكون، كنت ~~قد نذرت ألا أخرج من العزلة السعيدة، إلا أن الله اختارني للرسالة التي سأبسطها الآن على ~~مسمعك. # وأطلعه على كلام الملاك روفائيل وأوامر الله الصريحة، فأعار الأسقف اهتمامه الشديد لكلام ~~الناسك، إذ إنه كان يدرك أن الله يتخذ أحيانا طرقا فوق العادة ليتمم مشيئته. # إلا أنه بالرغم من نزوله عند صدق الناسك بقي متريبا؛ لأنه لم يكن يجسر أن يتحمل تبعة ~~أمر كهذا قبل أن يتأكد من المشيئة الإلهية. # فقال: أذكر أني سمعت منذ خمس عشرة سنة بناسك يدعى سيراب أظهر عجائب غريبة، أهو ~~أنت؟ # فقال الناسك: أبتاه، الحق يقال إنني صرفت بضعة أعوام على قمة عمود في الصحراء، فكنت كل ~~يوم أردد هذه العبارة التي فاه بها المسيح: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر ~~نفسه؟» أما أعمالي فهي غير كاملة ولا تستحق التفات الشعب واكتراثك. # فأجابه الأسقف: وهل قال لك الملاك لماذا يرغب الله في ذلك العمل؟ # فقال الناسك: قال لي الملاك: انهض واذهب إلى الإسكندرية وامتثل بين يدي الأسقف بطرس وباسم ~~المسيح تشفي المرضى والكسحاء. # فالتفت الأسقف بطرس إلى أبيليوس وقال له: ما رأيك يا أبيليوس؟ # فابتسم هذا، وقال: قد يكون الرجل عرضة للهذيان. # فقال الناسك: أظن أني سليم العقل والجسم وأن الهذيان لم يلامس قط مخيلتي. # فقال الأسقف: أتقدر أن تعطيني برهانا عما تقول؟ ~~- أجل ~~- خذ عصاي واعمل بها ما عمله موسى أمام فرعون مصر. # فأخذ الناسك العصا ورماها أمام الأسقف، فانتعشت حالا واستحالت إلى أفعى هائلة كادت تنشب ~~على أبيليوس، فاضطرب هذا وتراجع مذعورا إلى الوراء! # إذ ذاك عمل الناسك إشارة فعادت الحية إلى ما كانت عليه. # وعندما أخذ الأسقف عصاه استحالت في يده إلى غصن ذي رائحة زكية. # فقال: طلبت منك برهانا فأعطيتني اثنين، يكفي ما رأيت، فأنا ms52 واثق من رسالتك. # قال هذا والتفت إلى أبيليوس وقال له: أبيليوس، لقد سمعت مشيئة الله العلي وشهدت البرهان ~~الساطع، فقم غدا واجمع المرضى والكسحاء في كنيسة القديس مرقس. ~~••• # على قمة اصطناعية مشرفة على المدينة تقوم كنيسة القديس مرقس التي بنيت بأمر من قسطنطين ~~الكبير. # يرى الناظر في حديقتها غديرا كان المؤمنون يغسلون أيديهم بمياهه قبل الدخول إلى المعبد ~~كتبت على رخامه هذه العبارة: «لا تغسل يديك فقط، بل اغسل ذنوبك.» # أما الكنيسة فكانت مستطيلة في شكل مركب، تذكر المؤمنين بأن الكنيسة هي هيكل مقدس لا ~~سلام للبشر إلا فيه، وأن الأساقفة والرسل هم الملاحون الذين يقودون ذلك المركب ~~الكبير. # وأما الأسقف إسكندر فقد حفر على بابها هذه العبارة: أيها الأبناء الأحباء يجب أن تذكروا ~~أن هذا العالم بحر مصطخب الأمواج، كثير المخاطر لا تستطيعون أن تعبروه سالمين إلا بواسطة ~~مركب الكنيسة. ~~••• # جاء الأحد المعين فازدانت الكنيسة بحلة الأعياد، إلا أن المرضى والكسحاء لم يحضر منهم ~~إلا عدد قليل. # فتطلع الأسقف فلم ير الناسك، فاستغرب الأمر وسأل الكهنة فلم يفده أحد منهم. # أما أبيليوس فأخذ يتهكم ويقول: لا أدري أية ثقة تضعونها في ذلك الرجل الهارب الذي يطوف في ~~المعمور مموها على عقول الناس ساعيا إلى استمالتهم بخزعبلاته وتدجيله! ... # وفي الغد امتثل سيراب الناسك أمام الأسقف شاحب الوجه، وقال له: أبتاه، لقد احتقروا ~~أوامرك، فأنا لا أود أن أتهم إخوتي، ولكن أرى من الضروري أن تأتي بأبيليوس وتمتحنه. # كان أبيليوس قد اختفى، فكابد الباحثون عنه أتعابا شديدة في إحضاره. # عرف الأسقف أن أبيليوس لم يخبر المرضى أية نعمة يحرزونها إذا هم حضروا إلى الكنيسة، وأنه ~~أعلن فقط لبعض الفقراء عن إحسان يوزع عليهم أمام باب المعبد. # تقدم أبيليوس وأخذ يتهكم عليه ويهينه ... # وإذ هو على هذه الحالة شحب وجهه واضطربت أعضاؤه، وظهر ملاك في يده سيف من نار. # فنهض الأسقف عن عرشه، وتوسل إلى الملاك أن يسكن غضبه، واعدا إياه بأن يتمم مشيئة ~~الله. # ثم التفت إلى أبيليوس، وأمره بأن ينزوي ms53 في دير بعيد حيث يكفر عن ذنبه حتى آخر ساعة من ~~حياته. # عند هذا انتشر الخبر في المدينة، فشك البعض وآمن البعض الآخر، وما عتم الأمر أن أسرعت ~~الجماهير الغفيرة إلى الكنيسة بينهم المؤمن والملحد والمريض والكسيح والبائس والغني. # صعد الأسقف إلى المنبر الرخامي محاطا بكهنته ولفظ العظة الربانية، ثم نزل وتقدم نحو ~~الهيكل. # عند ذلك صرخ أحد الكهنة قائلا: أعيروا انتباهكم! # وتقدم المؤمنون إلى الهيكل بينهم الإكليريكيون والنساك، وجمع من الرجال والفتيان والنساء ~~والعذارى، وتناولوا جسد الرب بتؤدة وخشوع. # أما الرهبان فتقدموا إلى المرضى المؤمنين الذين كانوا يئنون تحت أثقال الأوجاع، ووزعوا ~~عليهم القرابين في حين كانت أصوات الأحداث ترتفع منشدة تسابيح الله: # احمدي الله وباركيه أيتها الأمم والشعوب! # لأن رحمته حلت علينا جميعا # ولتدم إلى الأبد شريعة السيد العظيم! # جلس الأسقف بطرس على عرشه الرخامي، وبعد أن بارك الشعب قال بصوت جهوري: أيها الأبناء ~~الأعزاء، لقد زار الله شعبه المؤمن ويود أن يبسط على آلامكم وأوجاعكم ذراعيه الإلهيتين بدون ~~أن يستثني أحدا منكم. # إن الله يهب نور شمسه للأخيار والأشرار بدون تفاوت. # قولوا معي الصلاة التي أنزلها ابن الله على البشر: # أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء ~~كذلك على الأرض. # أعطنا خبزنا كفاة يومنا واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء ~~إلينا، ولا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير! # إن الله يريد سلام العالم. # فلقد أرسل ابنه الوحيد الذي مات من أجلنا ليعلمنا الحقيقة، ويبني كنيسته حتى تنتشر ~~بواسطتها تلك الحقيقة الضرورية. # ومن جهة أخرى أعطى الله الإنسان حريته في اختيار الشر أو الخير، في اختيار الحقيقة أو ~~الضلال. # يا للأسف! إننا نرى الإسكندرية، هذه المدينة التعسة، تمشي على سنة غير التي وضعها الله، ~~فتحيد عن سيدة النور التي هي الكنيسة لتستسلم لشهواتها وتقع في ضلال معيب! # عند هذا أشار الأسقف بطرس إلى الناسك فصعد إلى المذبح، وقال بصوت جهوري: لقد انتخبني الله ~~بالرغم من صغارتي؛ لكي ms54 أجرب فيكم جميعا عجائبه الإلهية. # إن الله يريد أن تؤمنوا جميعكم بالحقيقة الخالدة، ولذلك يود أن يشفيكم من أمراضكم ~~المزمنة. # فعندما تدركون الحقيقة الناصعة لا تلبثون أن تصبحوا أحرارا؛ لأن الحرية هي بنت ~~الحقيقة. # ولكي يتأكد السيد لوسيوس أن المسيح هو ابن الله أريد أن أشفي هؤلاء المرضى والكسحاء باسم ~~المسيح. # فانتصب لوسيوس شاحب الوجه، وقال بصوت ضعيف: إذن فأظهر لنا قدرتك أيها الرجل. # فصرخ سيراب الناسك بصوت ملؤه الإيمان قائلا: أيها الإخوة الأحباء، اتحدوا معي بقلوبكم ~~وأصغوا إلى ما أقول: # نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء الأرض، كل ما يرى وما لا يرى، وبرب ~~واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، إله من إله، نور ~~من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له وللأب جوهر واحد، الذي به كان كل ~~شيء، والذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ~~ومن مريم العذراء، وصار إنسانا وصلب عنا على عهد بيلاطوس البنطي وتألم ومات وقبر ~~وقام في اليوم الثالث. # ولما وصل الناسك إلى هذه الجملة، رفع نظره إلى العلاء وبسط ذراعيه فوق المرضى وقال: باسم ~~المسيح ابن الله الحقيقي آمركم أن تمشوا، ألا فليحتجب أي مرض كان، ولترجع القوة والنشاط إلى ~~أجسامكم جميعا! # عند هذا تصاعد هتاف عظيم، ونهض الكسحاء على الأرض، وأبصر العمي، وسمع الطرش، وتكلم ~~الخرس، وشفي المرضى اليائسون. # فهجم الأهل والأصدقاء وأخذوا يعانقونهم بلهفة كمن لا يصدق ما يرى. # أما الناسك فجعل يهدئ هياج الشعب، ثم قال: احمدوا الله يا إخوتي الأحباء، المجد للمسيح ~~ابن الله الحقيقي! # فهتف الشعب بصوت واحد كأنما هو الصاعقة المنقضة: في كل الدهور! ms55