######OpenITI# #META# URI: 1366MustafaCabdRazzaq.DinWaWahyWaIslam.Hindawi18613191 #META# Tags: history #META# ID: 18613191 #META# Title: الدين والوحي والإسلام #META# AuthorID: 58628571 #META# Author: مصطفى عبد الرازق #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الدين‏ # تمهيد في العلاقة بين العلم والدين‏ # 1 - تحديد الدين وبيان أصله في نظر الباحثين من الفرنجة‏ # 2 - الدين في النظر الإسلامي‏ # الوحي‏ # 1 - معاني كلمة: «الوحي»‏ # 2 - أهم النظريات في تفسير الوحي‏ # الإسلام‏ # 1 - النظريات المختلفة في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة ~~«إسلام»‏ # 2 - الرأي الراجح في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة «إسلام»‏ # مقدمة‏ # الدين‏ # تمهيد في العلاقة بين العلم والدين‏ # 1 - تحديد الدين وبيان أصله في نظر الباحثين من الفرنجة‏ # 2 - الدين في النظر الإسلامي‏ # الوحي‏ # 1 - معاني كلمة: «الوحي»‏ # 2 - أهم النظريات في تفسير الوحي‏ # الإسلام‏ # 1 - النظريات المختلفة في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة ~~«إسلام»‏ # 2 - الرأي الراجح في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة «إسلام»‏ # | الدين والوحي والإسلام # | الدين والوحي والإسلام # تأليف # مصطفى عبد الرازق # | مقدمة # عالجنا في هذا الكتاب ثلاثة موضوعات يكمل بعضها بعضا، ويرتبط بعضها ببعض أوثق الارتباط، ~~وهي الدين والوحي والإسلام؛ فأولها بحث في حقيقة الدين على العموم، وثانيها تفسير لظاهرة ~~هامة صاحبت معظم الأديان وتوقفت عليها نشأتها وهي ظاهرة الوحي، وثالثها توضيح للدين القائم ~~على الوحي بمثال عال من أمثلته وهو الإسلام. # وقد عرضنا في الموضوع الأول لثلاثة مباحث: أحدها في العلاقة بين العلم والدين، وثانيها في ~~تحديد الدين وبيان أصله في نظر الباحثين من الفرنجة (بداية الاهتمام بهذا البحث وصلة ذلك ~~بتكون علم اللغات، معاني الكلمة الأوروبية الدالة على الدين وأصل مادتها اللاتيني، مذاهب ~~علماء النفس ومذاهب علماء الاجتماع في أصل الدين، مناقشة التعاريف المختلفة للدين، حيرة ~~العلماء في تعريف الدين ودلالتها)، وثالثها في الدين في النظر الإسلامي (أصل مادة الدين ~~ومعانيها اللغوية المختلفة، الدين في لسان القرآن، المعنى الشرعي لكلمة دين، الدين عند ~~الفلاسفة الإسلاميين والفرق بين الدين والفلسفة.) # وعرضنا في الموضوع الثاني لمبحثين؛ أحدهما في المعاني المختلفة لكلمة «الوحي» في اللغة ~~والقرآن والسنة، وثانيهما أهم النظريات في تفسير ظاهرة الوحي (مذاهب المتكلمين، مذهب ~~الفلسفة الإسلامية، رأي الصوفية، مذهب ابن خلدون، ms01 آراء المسلمين في العصور الحالية.) # وأما الموضوع الثالث فقد عرضنا في قسمه الأول للنظريات المختلفة في العلاقة بين المعنى ~~اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة «إسلام»، وبسطنا في قسمه الثاني رأينا في هذا الموضوع. # مصطفى عبد الرازق # 21 ذو القعدة سنة 1364ه / 27 أكتوبر سنة 1945م # | الدين # | تمهيد في العلاقة بين العلم والدين # يقرر العلامة الفرنسي إميل بوترو # Emile Boutroux ~~«أن ~~أمر العلاقات بين الدين والعلم - حين يراقب في ثنايا التاريخ - يثير أشد العجب؛ فإنه ~~على الرغم من تصالح الدين والعلم مرة بعد مرة، وعلى الرغم من جهود أعاظم المفكرين التي ~~بذلوها ملحين في حل هذا المشكل حلا عقليا - لم يبرح العلم والدين قائمين على قدم ~~الكفاح، ولم ينقطع بينهما صراع يريد به كل منهما أن يدمر صاحبه لا أن يغلبه فحسب؛ على ~~أن هذين النظامين لا يزالان قائمين. ولم يكن مجديا أن تحاول العقائد الدينية تسخير ~~العلم؛ فقد تحرر العلم من هذا الرق، وكأنما انعكست الآية منذ ذاك، وأخذ العلم ينذر ~~بفناء الأديان، ولكن الأديان ظلت راسخة وشهد بما فيها من قوة الحياة عنف الصراع.» # 1 # ولسنا نريد أن نعرض لتاريخ العلاقات بين الدين والعلم على مر العصور، وما تناوبها من ~~سلام وحرب؛ فإن ذلك بحث يطول، وليس هو مما قصدنا إليه في هذا الكتاب، على أنه قد يكون ~~غير خلو من المناسبة لغرضنا أن نذكر ما كتبه إميل بوترو عن موقف العلم والدين في أيامنا ~~هذه؛ إذ يقول: # ليس التصادم الآن فيما يظهر بين الدين والعلم باعتبارهما مذهبين، بل التصادم ~~أدنى أن يكون بين الروح العلمي والروح الديني، فليس يعني العالم أن يكون ما ~~جاء في الدين من عقائد متفقا مع نتائج العلم؛ لأن الأساس الذي يعتمد عليه ~~الدين فيما يجيء به يختلف عن الأساس الذي يعتمد عليه العلم؛ فالدين يقدم مسائله ~~على أنها عقائد يجب الإيمان بها؛ أي يجب أن يتقيد بها العقل والوجدان، ويعرضها ~~في صورة تدل على اتصال الإنسان بنوع من الأشياء يعجز علمنا الطبيعي عن إدراكه، ms02 ~~وفي ذلك ما يجعل العالم - إن لم يرفض هذه المسائل نفسها - يرفض الأسلوب الذي ~~يسلكه المتدين في الأخذ بها ، والمتدين من ناحيته إذا وجد جميع عقائده وعواطفه ~~وأحكامه العملية مفسرة - بل مثبتة - بالعلم يكون حينئذ أبعد شيء عن مسألة ~~العلم؛ فإن هذه الشئون إذا شرحت على هذا الوجه فقدت كل خواصها الدينية. # 2 # الفصل الأول # | تحديد الدين وبيان أصله في نظر الباحثين من الفرنجة # (1) بداية الاهتمام بهذا البحث وصلة ذلك بتكون علم اللغات # ندع هذا الصراع وتاريخه لنتجه إلى ناحية أخرى من نواحي الأبحاث العلمية الحديثة ~~في الأديان، هي التي نقصد إلى دراستها، وهي ناحية تعريف الدين. # والمراد بتعريف الدين: تعيين الخصائص التي لا بد لكل دين منها، والتي لا يسمى ~~الدين دينا إلا بها، والبحث في تعريف الدين مرتبط أشد ارتباط بالبحث في أصل الدين ~~وجرثومته الأولى؛ فإن حقيقة الشيء هي العناصر المكونة له في أبسط مظاهره، وقد نهضت ~~همم العلماء لهذا البحث منذ نحو قرن من الزمان؛ ذلك أنه قد تكون في القرن التاسع ~~عشر علم اللغات، وأدى تعاون الباحثين في ألسنة البشر منذ أحدث أدوارها إلى أقدمها - ~~أي دور التكون الأولي للغة - إلى معرفة العناصر المؤلفة للغات الإنسانية، هنالك ~~رأى الباحثون أنه يمكن على هذا المثال إدراك عناصر الفكر الإنساني وجراثيمه، ~~دينيا كان ذلك الفكر أم غير ديني؛ أما ما وراء التكون الأول للغة فهو لا يتصل ~~بتاريخ الإنسان، وإن كان مما يهم الباحث في طبائع الأجسام؛ ذلك بأن الإنسان هو ~~أولا وبالذات مفكر، واللغة أول مظهر من مظاهر تفكيره الديني وغيره، وفي ذلك يقول ~~«ماكس مولر»: # يمكن أن يقال في الدين ما قيل في اللسان من أن كل جديد فيه فهو قديم، وكل ~~قديم فيه فهو جديد، وأنه منذ بداية العالم لم يوجد قط دين كله مبتدع، وإنا ~~لنجد عناصر الدين وجراثيمه مهما سمونا في تاريخ الإنسانية إلى أبعد مدى ~~مستطاع، وتاريخ الدين كتاريخ اللغة؛ يرينا في كل مكان ألوانا متتابعة من ~~التأليف المستحدث بين عناصر ms03 أصلية قديمة. # ثم يقول: «وإني لأشك في أن يكون قد آن الأوان لوضع خطة ثابتة لعلم الدين كالخطة ~~التي وضعت لعلم اللغة.» # 1 # وإذا لم يكن تم وضع هذه الخطة لعلم الدين لعهد «ماكس مولر» في أواخر القرن التاسع ~~عشر؛ فإن علم الدين لما يقم إلى اليوم على خطة ثابتة. # على أن جهود الباحثين في تاريخ الأديان لا تزال متواصلة في تعرف أصل الدين، ووضع ~~تعريف له جامع مانع على حد تعبير المناطقة، ولا يزال الباحثون منذ القرن الماضي ~~يحاولون أن يضعوا للأديان شجرة أنساب كالتي وضعوها للغات. ~~(2) معاني الكلمة الأوروبية الدالة على الدين وأصل المادة اللاتيني # ومما استعانوا به على مقصدهم تعرف أصل المادة التي تدل على «دين» وتتبع المعاني ~~المعروفة لكلمة «دين» نفسها. # والكلمة التي تقابل عند الأمم الأوروبية لفظ «دين» العربي هي «رلجيون # Religion ~~» المقتبسة من اللغة اللاتينية، وقد ~~اختلفوا في مبدأ الاشتقاق لصيغة «رلجيو» # Religio # اللاتينية؛ على أن أكثر المتقدمين يردها إلى مادة تفيد معنى الربط الشامل؛ لربط ~~الناس ببعض الأعمال من جهة التزامهم لها وفرضها عليهم، ولربط الناس بعضهم ببعض، ~~ولربط البشر بالآلهة. بل يحاول بعض متأخري العلماء أن يجعل مأخذ الكلمة شاملا ~~لمعنى الربط وما إليه كالجمع، هذا مع اختلاف الأقاويل في اللفظ الأول الذي هو مصدر ~~الاشتقاق. # وكلمة «رلجيو» # Religio # اللاتينية تدل في غالب ~~استعمالاتها على معنى الشعور بحق الآلهة مع الخشية والإجلال، أما كلمة «رلجيون # Religion ~~» الحديثة فتطلق على معان ~~ثلاثة: ~~(1) # نظام اجتماعي لطائفة من الناس، يؤلف بينها إقامة شعائر موقوتة، وتعبد ~~ببعض الصلوات، وإيمان بأمر هو الكمال الذاتي المطلق، وإيمان باتصال ~~الإنسان بقوة روحانية أسمى منه حالة في الكون، أو متعددة، أو هي الله ~~الواحد. ~~(2) # حالة خاصة بالشخص مؤلفة من عواطف وعقائد ومن أعمال عادية تتعلق ~~بالله. ~~(3) # احترام في خشوع لقانون أو عادة أو عاطفة، ولعل هذا المعنى الأخير ~~هو أقدم هذه المعاني. # ولئن فصلت هذه المعاني ليسهل تحليلها، فإن الغالب أن يدل اللفظ عليها مجتمعة مع ~~غلبة المعنى الأول في ms04 بعض الأحوال، وغلبة المعنى الثاني أحيانا. ~~(3) مذاهب علماء النفس ومذاهب الاجتماعيين في أصل الدين # وقد رأينا أن من معاني الدين المتعارفة معنى يجعله من موضوع علم الاجتماع، ومعنى ~~يرده إلى علم النفس. # أما الذين درسوا أصل الدين من الوجهة «البسيكولوجية» فقد ذهبوا طرائق قددا: ~~فمنهم من يرى أن جرثومة الدين تتولد من الإدراك المغروز في فطرة الإنسان للعلية ~~والمعلولية بين الأشياء، ومنهم من يجعل أصل الدين شعور الإنسان بأنه تابع لغيره ~~وليس مستقلا، ومنهم من يرد أصل الدين إلى ما يلقى في روع الإنسان بالفطرة من وجود ~~لا يتناهى، ومنهم من يرى أن الدين ينبعث من نزوع إلى الزهادة في الدنيا؛ ويقول بعض ~~علماء النفس: إن هذا الحدث من أحداث الحياة «البسيكولوجية» ليس بسيطا يمكن رده إلى ~~سبب واحد بسيط من هذه الأسباب. # وأما علماء الاجتماع: فهم يرون أن الدين لا يخلو من معنى العاطفة النفسية، ولكنه ~~لا يخلو أيضا من الاتصال بشئون الجماعة؛ بل ينتهي الأمر بالعلماء الاجتماعيين ~~الباحثين في تاريخ الأديان وأصولها إلى اعتبار الصبغة الاجتماعية في الدين أقوى ~~وأرسخ من كل صبغة سواها. ~~(4) التعاريف المختلفة للدين ونقدها # وقد ذكر العالم الاجتماعي «دوركايم # Durkheim ~~» في ~~كتابه «الصور الأولى للحياة الدينية # Les Formes Elémentaires de la ~~Vie Religieuse ~~» تعريفات مختلفة للدين، ثم عرض ~~لنقدها، وذكر بعد ذلك تعريفا يراه هو جامعا مانعا لا يرد عليه اعتراض. # فمن المعاني التي جرى الأمر على اعتبارها خاصة مميزة لكل ما هو ديني معنى يجعل ~~الدين مرادفا لما وراء العقل، ويعنون بما وراء العقل كل الأشياء التي تسمو عن ~~متناول إدراكنا؛ أي عالم الغيب الذي لا يدرك ولا يعقل # mystère ou ~~inconnaissable ~~، فالدين هو نوع من الإدراك لما يفوت العلم ~~وينقطع دونه العقل، وممن يرى ذلك الرأي «سبنسر # Spencer ~~» و«ماكس ~~مولر # Max Müller ~~». # ولا يرضى دوركايم عن هذا التعريف؛ فإن أمر الغيب المتعالي عن العقول هو من غير شك ~~ذو أثر عظيم في بعض الأديان، لكن هذا الأثر يتفاوت في أدوار التاريخ الديني. ms05 فقد ~~وجدت عصور تضاءلت فيها هذه الفكرة، وكان التوفيق بين العقائد الدينية وبين ~~العلم والفلسفة غير عسير، كما حصل في أوروبا في القرن السابع عشر مثلا؛ وعلى كل ~~حال: فإن من المحقق أن معنى الغيب الذي لا يعقل ليس فطريا، ولا مركوزا في طبع ~~الإنسان، ولم يظهر في تاريخ الأديان إلا منذ عهد حديث، من أجل ذلك لا نجده في أديان ~~الأمم الساذجة، بل لا نجده في بعض الأديان الراقية، فإذا أخذناه في تعريف الدين خرج ~~من الحد أكثر أفراد المعرف؛ فلم يكن التعريف شاملا كاملا. # ولا يرضى دور كايم كذلك بأن يميز الدين بالخارق للطبيعة كما فعل «برونتيير # Brunetière ~~» فإن تصور الخارق للطبيعة كما نفهمه؛ ~~يستدعي تصور مقابله أي الطبيعي، فما يكون لنا أن نقول في أمر: إنه خارق للطبيعة حتى ~~يكون لنا من قبل شعور بأن للأشياء نظاما طبيعيا، بمعنى أن شئون الكون مرتبطة ~~فيما بينها بروابط ضرورية تسمى «نواميس»، وهذا الشعور هو وليد الأمس، على حين أن ~~الدين أقدم نظام عرفه الإنسان، فلا يعقل إذن أن يكون الدين قد قام على الخارق ~~للطبيعة، ولا أن يكون الخارق للطبيعة هو المميز للدين مما عداه. # وهناك معنى آخر كثر ما حاولوا أن يعرفوا الدين به وهو: الألوهية؛ فالدين في رأي ~~بعضهم هو ضبط الحياة الإنسانية عن طريق الشعور برابطة تصل بين الروح الإنساني وروح ~~غيبي يعترف البشر بسلطانه على العالم كله وعليهم مع شعورهم باتصالهم به. # ويرى دوركايم: أن هذا التعريف ليس بمقبول أيضا، فإنه إذا اعتبرت الألوهية ~~بمعناها الضيق خرجت من التعريف أمور هي دينية بالبداهة، فأرواح الأموات والأرواح ~~الأخر المتعددة الأنواع والمراتب التي يملأ بها الكون الخيال الديني في كثير من ~~الأمم هي دائما موضع لمناسك، بل قد تكون أحيانا موضعا لاحتفالات تعبدية موسمية، ~~وهي على ذلك ليست آلهة بالمعنى الحقيقي. # وقد حاول بعض العلماء أن يجعل هذا التعريف شاملا فوضع عبارة «موجودات روحانية» ~~مكان لفظ «إله»، فالدين على هذا هو: الإيمان بموجودات روحانية، وينبغي أن نفهم ms06 من ~~الموجودات الروحانية موجودات دراكة لها قدرة تعلو على قدرة البشر. # ولا يرضى دوركايم عن هذا التعريف كذلك، ويرى أنه مهما يبد لنا واضحا لما وقر في ~~نفوسنا من أثر التربية الدينية؛ فإن هناك أمورا لا ينطبق عليها، مع أنها لا تخرج ~~عن دائرة الدين، فهذا التعريف ناقص غير شامل؛ وذلك أنه توجد أديان عظيمة خلو من ~~فكرة «الله» ومن فكرة الكائنات الروحانية كما يشهد بذلك دين البوذية القديم الصحيح. ~~فالبوذية لا تؤمن بإله يخضع لسلطانه البشر، ومهما قيل في أمر ألوهية «بوذا»؛ فإن ~~هذا التأليه متأخر عما هو في الحقيقة أصل الديانة البوذية. # أما التعريف الذي يختاره دور كايم فهو يفصله على الوجه الآتي: تنقسم الأمور ~~الدينية بطبيعتها إلى قسمين أصليين: عقائد وعبادات؛ فالعقائد: هي شأن من شئون ~~الفكر، وهي عبارة عن علم، أما العبادات: فهي عبارة عن صور خاصة للعمل، ويميز بين ~~هذين النوعين ما يميز بين العلم والعمل. # ولا يمكن تعريف العبادات وتمييزها من سائر الأعمال الإنسانية وعلى الخصوص الأعمال ~~الخلقية إلا بطبيعة موضوعها ومتعلقها. والواقع أن النواميس الخلقية مفروضة علينا ~~كفرض العبادات، لكن موضوعها ومتعلقها من نوع مختلف. فلا بد إذن من تعريف متعلق ~~العبادات حتى يمكن تعريف العبادات نفسها. ولما كانت العقائد هي التي تبين لنا هذا ~~الموضوع أو المبدأ الذي ترجع إليه العبادة؛ فليس من الممكن تعريف العبادات حتى تعرف ~~العقائد. # وجميع العقائد الدينية المعروفة - ساذجة كانت أم غير ساذجة - تحتوي على ذاتي ~~مشترك بينها، هو أن الأشياء كلها ظاهرة أو باطنة على مرتبتين وعلى نوعين متقابلين: ~~مقدس وغير مقدس، فالمميز للمعنى الديني هو تقسيم العالم إلى مقدس وغير مقدس، ~~والأشياء المقدسة هي المحرمة التي يميزها عن غيرها ويفردها تعلق النهي بها، بخلاف ~~الأشياء التي ليست مقدسة؛ فإنها غير محاطة بسياج من هذه النواهي. فالعقائد الدينية ~~هي العلم بطبائع الأمور المقدسة وما بينها من روابط والعلم بعلاقاتها بالأمور غير ~~المقدسة. # أما العبادات: فهي نظم للسلوك تقرر كيف ينبغي للإنسان أن يكون بإزاء الأشياء ~~المقدسة. ms07 # وليست الأمور المقدسة مقصورة على الآلهة والأرواح؛ فقد يكون التقديس لصخرة أو ~~شجرة أو بئر أو بيت أو غير ذلك. # على أن تعريف الدين بهذا التمييز بين المقدس وغير المقدس ليس وافيا في نظر ~~دوركايم؛ لأنه يشمل أمرين مختلفين يحتاجان إلى تفرقة بينهما، وهما: السحر والدين. ~~فإن الدين ينفر من السحر نفور السحر من الدين، والسحر نزاع إلى امتهان الأمور ~~المقدسة، وهو في أفاعيله يعارض الأعمال الدينية، وإذا لم يكن الدين يحرم أفاعيل ~~السحر فإنه ينظر إليها غالبا نظرة ازدراء وإنكار. # أما الذي يفرق بين الدين والسحر فهو أن العقائد الدينية على الحقيقة هي دائما ~~مشتركة بين جماعة معينة تؤمن بها وتعمل ما يسايرها من العبادات، فليست هذه العقائد ~~مقررة محققة بمجرد إيمان كل فرد من الجماعة بها، بل هي عقيدة الجماعة، وهي التي ~~جعلتها جماعة. والجماعة التي يؤلف بين أفرادها إدراكهم للعالم المقدس واتحادهم في ~~التعبير عن هذا الإدراك بصورة عملية هي ما يسمى «أهل الملة، أو الملة» # 2 # Eglise ~~. # فمعنى الدين لا ينفصل عن معنى الطائفة، وذلك يشعر بأن الدين يجب أن يكون شأنا من ~~شئون الجماعة. # وبناء على ما ذكر يكون التعريف الكامل المطرد المنعكس للدين هو ما يأتي: # الدين هو نظام من عقائد وأعمال متعلقة بشئون مقدسة، أي مميزة محرمة تؤلف ~~من كل من يعتنقونها أمة ذات وحدة معنوية. # 3 # وقد عرض الأستاذ «لالاند # Lalande ~~» في كتابه ~~«معجم اصطلاحي ونقدي للفلسفة» # 4 # لمناقشة دوركايم، فقال: «يبدو لي أنه لا تناقض من جهة الشكل بين تعريف ~~«برونتيير» للدين وتعريف «دوركايم»؛ فإن المقابلة التي يقررها «دوركايم» بين المقدس ~~وغير المقدس # sacré et non sacré # تطابق ما يقرره ~~«برونتيير» بين الطبيعي والخارق للطبيعة # naturel et ~~surnaturel ~~. والواقع: أن الذي يحقق ماهية الدين هو ~~التمييز بين حالتين أو عالمين مختلفين اختلافا ذاتيا، أو هو بعبارة أدق: الإيمان ~~بنوع من الموجودات أسمى من سائر الأنواع، ولعل هذا هو رأي «إكيين» # Euchen # إذ يقول: «إن الذي هو مقوم للدين وضروري ~~له في ms08 جميع صوره هو أن يجعل في مقابلة العالم الذي يحف بنا موجودا آخر أو نوعا ~~جديدا أرقى من سائر الأشياء، وأن يصنف الكون أصنافا من ممالك مختلفة وعوالم ~~متباينة.» وقد يتحقق دين من غير إيمان بالله كما يشهد بذلك دين البوذية القديم ~~الصحيح، أما من غير إثنينية في العالم ولا استشراف إلى نوع من الموجودات مختلف فلا ~~يكون لفظ «الدين» إلا هراء من القول.» # وجملة القول أن الأستاذ «لالاند» يميز الدين بكونه يجعل في العالم إثنينية ويرتب ~~العالم مراتب، فتعريفه للدين أعم من تعريفي «برونتيير» و«دوركايم». # ولعل الأستاذ «لالاند» لا يريد أن يقول: إن معنى الطبيعي والخارق للطبيعة هو معنى ~~المقدس وغير المقدس؛ فقد شرح دوركايم الفرق بينهما بما لا يحتمل لبسا، بل قد يكون ~~غرضه أن المذهبين متحدان في اعتبار الدين قائما على التفرقة بين أنواع الموجودات ~~التي يشملها الكون لا على وحدتها وتشاكلها. # وقد حذف الأستاذ «لالاند» من تعريف الدين قيد الجمع بين طائفة من الناس، وهو ~~القيد الذي زاده «دوركايم» ليخرج السحر، ويظهر من ذلك أنه ليس بحتم عند «لالاند» أن ~~تكون الأمور الدينية شأنا من شئون الجماعة. # لكن يبقى أن الدين يكون حينئذ شاملا للسحر. وليس كل العلماء على رأي دوركايم في ~~التفرقة بين الدين والسحر؛ فإن الأمم الساذجة قد يختلط دينها بسحرها، وقد يكون ~~السحرة فيها هم الزعماء الدينيين. أما العداوة بين السحر والدين التي ذكرها ~~«دوركايم» فلا تنشأ في الأمم حتى تجاوز دور السذاجة؛ على أن جعل الدين شأنا من ~~شئون الجماعة الذي حسبه مخرجا للسحر ليس في الحقيقة مميزا للدين عن السحر؛ فإن ~~السحر أيضا متصل بالجماعة وقائم على عقائدها، كما تدل عليه أبحاث العلماء في أمر ~~السحر عند الشعوب الأسترالية. وفي ذلك يقول الأستاذان هوبير وموس: «إن الساحر ~~الأسترالي هو عند نفسه - كما هو عند غيره - إنسان تصوره الجماعة وتسوقه إلى أداء ما ~~صورته له.» # 5 # وتعريف الدين الذي اختاره الأستاذ «لالاند» هو أيضا يمكن أن يكون محلا ~~للمناقشة؛ فإن اعتبار الموجودات ms09 كلها ليست من نوع واحد ولا في مرتبة واحدة، لا يخرج ~~بعض مذاهب الفلسفة ولا بعض العلوم التي قد تعترف بأن في الكون أنواعا هي أسمى من ~~أنواع في طبيعتها من غير أن يجعلها ذلك دينا، اللهم إلا إذا لوحظ في هذا التعريف ~~معنى الإيمان لا الإدراك العلمي، فحينئذ يسلم من الاعتراض ويصبح أرجح تعريفات ~~الدين كما هو أحدثها فيما نعلم. ~~(5) حيرة العلماء في تعريف الدين ودلالاتها # على أن هذه الحيرة - حيرة العلماء في تحديد عناصر الدين - وهذا الخلاف بينهم على ~~وضع تعريف يعرب عن حقيقته، كل أولئك يدل على أن العلم لم يكشف الحجب عن الدين ~~وأسراره. # وربما كان من غرور العقل البشري أن يزعم لنفسه القدرة على هدم بناء متين متغلغل ~~الأسس في الفطر الإنسانية من قبل أن يعرف مواد هذا البناء، أو يعرف كيف تم ~~بناؤه. # الفصل الثاني # | الدين في النظر الإسلامي # (1) كلمة «دين» العربية # أصل هذه المادة ومعانيها المختلفة في لسان العرب # في معاجم اللغة العربية معان متعددة للفظ «دين»، بلغ بها بعضهم عشرين معنى أو ~~تزيد، لكن في هذه المعاني ما هو مولد بعضه من بعض، وفيها ما هو مجازي، وبعضها ~~متداخل. # ومن معاني الدين اللغوية «الملة»، وهو معنى مولد كما نص عليه الراغب الأصفهاني في ~~كتاب «المفردات في غريب القرآن»؛ إذ يقول: «والدين يقال للطاعة والجزاء، واستعير ~~للشريعة، والدين كالملة، لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة.» فللدين ~~على رأيه معنيان لغويان أصليان هما: الطاعة والجزاء، ومعنى الشريعة مستعار من ~~المعنى الأول. # وفي تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: # إن الدين عند ~~الله الإسلام ~~: «والدين في اللغة الجزاء، ثم الطاعة سميت دينا؛ ~~لأنها سبب الجزاء.» # وفي كليات أبي البقاء: «والشريعة من حيث إنها يطاع بها تسمى دينا، ومن حيث إنها ~~يجزى بها أيضا.» # ويرى الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل» أن المعاني الأصلية لكلمة «دين» هي ~~الطاعة والانقياد والجزاء والحساب، ثم يجعل الدين بمعنى الملة والشريعة متفرعا من ~~جملة تلك المعاني الثلاثة. # ويقول المستشرق «ماكدونالد» # Macdonald # في ms10 الفصل ~~الذي كتبه عن لفظ «دين» في دائرة المعارف الإسلامية: توجد في الحقيقة ثلاث كلمات ~~متباينة في ثنايا الخليط من المعاني الذي يحشده اللغويون للفظ «دين»: ~~(1) # كلمة آرامية عبرية بمعنى حكم. ~~(2) # كلمة عربية بمعنى العادة والديدن. ~~(3) # وكلمة فارسية لا صلة لها بالكلمتين الأوليين تدل على معنى ~~الملة. # ثم نقل عن «فولرس» # Vollers # أنه ينكر وجود هذا ~~اللفظ عربيا أصيلا، ويقرر أن لفظ «دين» الفارسي كان مستعملا عند العرب قبل ~~الإسلام، وأن كلمة «دين» بمعنى العادة أخذت منه. # وبعيد أن يكون لفظ «دين» بمعنى «ملة» لفظا غير عربي خصوصا مع الاعتراف بوجود ~~اللفظ نفسه عربيا بمعنى آخر في رأي «ماكدونالد». والناظر في هذه المادة يجد من ~~تفنن العرب في الاشتقاق منها وتعديد الصيغ وفي تشعب استعمالاتهم لها ما لم تجربه ~~عادتهم في الكلمات المعربة. # وإذا كان استعمال «الدين» في معنى الملة استعمالا مولدا من معنى أصلي للمادة؛ ~~فإنني لست أميل إلى رأي القائلين بأن هذا المعنى الأصيل هو الطاعة أو الجزاء أو هو ~~جملة الطاعة والحساب والجزاء؛ ذلك بأن الطاعة تستلزم آمرا مطاعا وأمرا يطاع، فهي ~~تستدعي أن يكون الدين ذا إله وشريعة، وكذلك الجزاء والحساب يستدعيان مجازيا ~~محاسبا، بيد أن من أديان العرب في الجاهلية التي تسمى في لسانهم «دينا» من غير شك ~~ما ينكر الإله القادر وينكر الحساب والجزاء، وقد أشار القرآن إلى ذلك؛ إذ يقول: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون # 1 # والقرآن نفسه يسمى ما كان عليه العرب دينا؛ إذ يطلب إلى الرسول أن ~~يقول للكافرين: # لكم دينكم ولي دين ~~. # 2 # ويلاحظ أن أكثر معاجم اللغة العربية تجمع لفظ «دين» ولفظ «دين» في مقام واحد ~~باعتبار أنهما من مادة واحدة، بل هما يردان مصدرين لفعل واحد، ولذلك يلوح لي أن ~~صيغة «دين» أجدر بأن تكون أصلا لصيغة «دين». فإن «فعلا» في العربية أكثر ~~استعمالا من «فعل» وأدنى إلى البساطة وسهولة الاستعمال، ويزيد ms11 هذا رجحانا في ~~نظري أن كلمة «دين» تطلق في بعض مدلولاتها على كل شيء غير حاضر. # ففي لسان العرب: «والدين واحد الديون معروف، وكل شيء غير حاضر دين، والجمع ~~أدين مثل أعين وديون»، أفليس من المعقول أن تكون كلمة «دين» بمعنى ملة مأخوذة ~~من كلمة «دين» بمعنى الشيء غير الحاضر؟ فإن أساس الأديان كلها الإيمان بأمر وراء ~~هذا الوجود المحسوس الحاضر. # وليس ذلك بمانع من أن كلمة «دين» مستعملة في لغة العرب لمعان مختلفة منها: ~~الطاعة والحساب والجزاء، ومنها القضاء والحكم، ومنها الحال والعادة ... إلى غير ~~ذلك. ~~(2) الدين في لسان القرآن # هذا وقد ورد لفظ «دين» في أكثر من ثمانين موضعا من القرآن. # وفي كتاب «كليات أبي البقاء»: «وكل ما في القرآن من الدين فهو الحساب.» # ولسنا نجد لهذا القول مساغا، بل إن صاحب الكتاب نفسه ذكر بعد ذلك ما ~~يخالفه. # أما المستشرق «ماكدونالد» فيقول: إن كل ما ورد في القرآن من لفظ «دين» يمكن ~~تفسيره بأحد المعاني الثلاثة التي ذكرناها عنه آنفا، وهي: الحكم، والعادة، ~~والملة. # والمفهوم من كلام الراغب الأصفهاني أن الدين في القرآن يفسر بالطاعة تارة، ~~والجزاء تارة، ويرد بمعنى الملة أيضا. # ولعل أسلم الآراء هو ما يدل عليه كلام الراغب الأصفهاني؛ فإنك قد لا تجد كبير ~~عناء في حمل الدين في الآيات القرآنية على معنى الجزاء أو الطاعة أو الملة. # استعمل القرآن لفظ الدين في المعاني المعروفة عند العرب على وفق استعمالاتهم. ومن ~~تلك الاستعمالات الدلالة بلفظ «دين» على معنى الملة. وبديهي أن العرب كانوا يريدون ~~من الدين بمعنى الملة معنى يشمل ما كان معروفا لهم من الأديان، وقد جاء القرآن ~~والعرب في موقف تشعب ديني واضطراب. والقرآن هو أصدق مرجع في تصوير حالة العرب من ~~هذه الناحية عند ظهور الدين الإسلامي؛ فإن القرآن أقدم ما نعرفه من الكتب العربية، ~~وهو بما لقي من العناية بحفظه على مر العصور بين المسلمين أجدر المراجع بالثقة. # وقد ذكر القرآن في ثلاث آيات من آياته ما يدل على الأديان ms12 التي كان للعرب اتصال ~~بها في عهده: # الآية الأولى: # إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~. # 3 # والآية الثانية: # إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون ~~. # 4 # والآية الثالثة: # إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد ~~. # 5 # ومذهب الصابئة على ما يحيط بتاريخه من غموض يكاد يتم الاتفاق على أنه يقر ~~بالألوهية، ويرى أنا نحتاج في معرفة الله ومعرفة أوامره وأحكامه إلى متوسط، لكن ~~ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، ففزعوا إلى هياكل الأرواح وهي ~~الكواكب، فهم عبدة الكواكب. # أما المجوس فهم ثنوية أثبتوا للعالم أصلين اثنين مدبرين يقتسمان الخير والشر، ~~يسمون أحدهما «النور» والثاني «الظلمة». والمجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز ~~أن يكونا قديمين أزليين، بل النور أزلي والظلمة محدثة، ويعتقد المجوس أن الدين يجب ~~أن يكون بواسطة نبي وأن يعتمد على كتاب. # وأما المشركون فهم طوائف مختلفة؛ فصنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة، وقالوا ~~بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد في قوله: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يظنون ~~، # 6 # وفي قوله: # وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين # 7 # وصنف منهم أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم، وأنكر البعث والإعادة، وهم ~~الذين أخبر عنهم القرآن في قوله: # وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليم ~~. # 8 # وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وابتداء الخلق، وأقر بنوع من ~~الإعادة، وأنكر الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، ~~وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا، ms13 وقربوا القرابين، وهؤلاء هم الدهماء من العرب، ~~وهم الذين حكى الله قولهم في آية: # ألا لله الدين ~~الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم ~~في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار ~~. # 9 # ومعنى الدين الذي يتسع لهذه المذاهب كلها، والذي يكون محتويا على المعنى المشترك ~~بينها من غير أن يشمل ما لا يسمى دينا، هو المعنى القائم على أن الدين هو الإيمان ~~بأن الموجودات كلها ليست من نوع واحد ولا في مرتبة واحدة، بل بعضها أسمى من سائر ~~الأنواع، أو هو الإيمان بذلك بشرط أن يكون ملة تجتمع على الأخذ بها أمة من ~~الناس. # هذا هو المعنى العام الذي ينبغي أن يفهم من لفظ «دين» في لغة العرب، كما هو ~~المعنى العام لما يقابل لفظ «دين» في اللغات الأعجمية، أي إن هذا هو الحد التام ~~لماهية «الدين» الذي لا يتحقق بدونه أي حقيقة دينية في أي جيل من الناس. ~~(3) المعنى الشرعي لكلمة «دين» # ولئن كان القرآن قد استعمل لفظ «دين» بهذا المعنى الشامل كما يدل عليه تسمية نحل ~~المشركين أديانا في قوله: # لكم دينكم ولي ~~دين ~~؛ فإن القرآن قرر في أمر الدين أصولا جعلت للدين معنى شرعيا ~~خاصا. # فالدين لا يكون إلا وحيا من الله إلى أنبيائه الذين يختارهم من عباده ويرسلهم ~~أئمة يهدون بأمر الله كما يؤخذ من كثير من آيات الكتاب: # كذلك أرسلناك في أمة قد ~~خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل ~~هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب ~~. # 10 # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون ~~. # 11 # إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وآتينا داوود زبورا * ~~ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم ms14 الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان ~~الله عزيزا حكيما ~~. # 12 # شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب ~~. # 13 # وهذا الدين الذي يوحيه الله إلى أنبيائه هو واحد لا يختلف في الأولين والآخرين، ~~يدل على ذلك الآية الأخيرة: # شرع لكم من ~~الدين ~~... إلخ. فقد قال مجاهد في معنى هذه الآية: «أوصيناك يا محمد ~~وإياهم دينا واحدا»، وقال الرازي في تفسيرها: «والمراد: شرع لكم من الدين دينا ~~تطابقت الأنبياء على صحته.» ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم * وإن هذه ~~أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون ~~، # 14 # يعني ملتكم ملة واحدة أي متحدة في العقائد وأصول الشرائع، أو جماعتكم ~~جماعة واحدة متفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة. # وقال - تعالى: # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون ~~، # 15 # قال الطبري في تفسير هذه الآية: «ثم ذكر نبينا محمد # صلى الله عليه وسلم # وأخبره ~~أنه أنزل إليه الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه والحكم ~~بما أنزل إليه فيه، دون ما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة ~~غير شريعة الأنبياء والأمم قبله الذين قص عليه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم في توحيد ~~الله والإقرار بما جاءهم به من عنده والانتهاء إلى أمره ونهيه واحدا، فهم مختلفو ~~الأحوال فيما شرع لكل واحد ms15 منهم ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم»، وروى الطبري عن ~~قتادة قوله: « # لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا ~~، يقول سبيلا وسنة، والسنن مختلفة؛ للتوراة شريعة، ~~وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم من ~~يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي ~~جاءت به الرسل»، وروى الطبري عن قتادة أيضا: «والدين واحد والشريعة ~~مختلفة.» # وفي القرآن الكريم أيضا : # وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ~~ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ~~ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون وكذلك نجزي المحسنين * ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين ~~* وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ~~وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم ~~إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي ~~به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين ~~. # 16 # قال الزمخشري: «فاختص ~~هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلا بهم، وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بهداهم ~~طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع؛ فإنها مختلفة، وهي هدى ~~ما لم تنسخ، فإن نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدا.» # وقد بين القرآن هذا الدين الواحد الحق الذي لا يتغير بتغير الأنبياء في الآية ~~الثالثة عشرة من سورة الشورى التي تقدم ذكرها: # شرع لكم ~~من الدين ~~... إلخ والتي يقول البيضاوي في تفسيرها: «أي شرع لكم من ~~الدين دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء - عليهم السلام - من أرباب الشرع.» وهو ~~الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: # أن أقيموا ~~الدين ~~، وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله ... # ولا تتفرقوا فيه ~~: ولا تختلفوا في هذا الأصل، ~~أما فروع الشرع فتختلف ms16 كما بينه في آيات أخر، منها: # قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون ~~، # 17 # ومنها: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا ~~. # 18 # هذا الدين الواحد هو المعبر عنه في آيات من القرآن بالإيمان وعن أهله بالمؤمنين ~~والذين آمنوا. # قال الشيخ محمد عبده في تفسير جزء «عم» عند تفسير آية: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون * فما يكذبك بعد بالدين ~~: # 19 # إلا الذين آمنوا # هم الذين صدقوا بأصل الخير ~~والشر كما قال: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره ~~لليسرى ~~، # 20 # واعتقدوا اعتقادا صحيحا بالفرق بين الفضيلة والرذيلة، وبأن لأنفسهم ~~وللعالم حاكما يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب، وأن لهم جزاء على أعمالهم: الخير بالخير، ~~والشر بالشر، ثم كان تصديقهم هذا بالغا من أنفسهم حد أن يملك إرادتهم، فلا يعملون ~~إلا ما وافق اعتقاداتهم، فهم يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي عددت بالتفصيل في ~~القرآن، وجماعها: أن تكون نافعا لنفسك ولأهلك ولقومك وللناس أجمعين، # فما يكذبك بعد بالدين # الدين ها هنا هو ~~خلوص السريرة للحق، وقيام النفس بصالح العمل، وهو ما كان يدعو إليه # صلى الله عليه وسلم # وسائر ~~إخوانه الأنبياء. # هذا هو الدين في لسان القرآن واصطلاحه الشرعي، فلنأخذ الآن في بيان الدين عند ~~فلاسفة الإسلام. # الدين عند الفلاسفة الإسلاميين والفرق بين الدين والفلسفة # يقول ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل والنحل»: «الفلسفة على الحقيقة إنما ~~معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه بتعلمها ليس هو شيئا غير إصلاح النفس، بأن ~~تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد، وحسن سياستها ~~للمنزل والرعية، وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة، هذا ما لا خلاف فيه بين ~~أحد من العلماء ms17 بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة.» # ودعوى ابن حزم: أنه لا خلاف بين أحد من الفلاسفة ولا بين أحد من العلماء ~~بالشريعة، على أن ما ذكره هو غرض الشريعة والفلسفة جميعا ليست دعوى مسلمة؛ فإن ~~معنى كلام ابن حزم أن غرض الفلسفة والشريعة غرض عملي، وليس ذلك بمذهب الفلاسفة ولا ~~هو بمذهب الدينيين. # قال ابن رشد في كتاب «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»: «وينبغي ~~أن تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق، والعلم الحق هو ~~معرفة الله تعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة ~~السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد ~~السعادة، وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء، والمعرفة بهذه الأفعال هو الذي يسمى ~~العلم العملي.» # وقال الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل»: «قالت الفلاسفة: ولما كانت السعادة هي ~~المطلوبة لذاتها، وإنما يكدح الإنسان لنيلها والوصول إليها، وهي لا تنال إلا ~~بالحكمة، فالحكمة تطلب إما ليعمل بها وإما لتعلم فقط، فانقسمت الحكمة إلى قسمين: ~~علمي وعملي ... فالقسم العملي هو عمل الخير، والقسم العلمي هو علم الحق.» # وبهذا تتشابه غاية الدين وغاية الفلسفة؛ فكلاهما يرمي إلى تحقيق السعادة من طريق ~~الاعتقاد الحق والعمل الخير. # بل موضوعات الدين وموضوعات الفلسفة واحدة؛ ذلك رأى الفارابي في كتابه «تحصيل ~~السعادة»؛ إذ يقول: «فالملة محاكية للفلسفة عندهم، وهما تشتملان على موضوعات ~~بأعيانها، وكلتاهما تعطيان المبادئ القصوى للموجودات، وتعطيان الغاية القصوى التي ~~لأجلها كون الإنسان، وهي السعادة القصوى والغاية القصوى في كل واحد من الموجودات ~~الأخر، وكل ما تعطي الفلسفة فيه البراهين اليقينية، فإن الملة تعطي فيه الإقناعات، ~~والفلسفة تتقدم بالزمان الملة.» # والدين والحكمة عند هؤلاء الفلاسفة يفيض كلاهما عن واجب الوجود على عقول البشر ~~بواسطة العقل الفعال. # فلا فرق إذن بين الحكمة والدين من جهة غايتهما ولا من جهة موضوعاتهما ولا من جهة ~~مصدرهما وطريق وصولهما إلى الإنسان. # والفرق بين الدين والفلسفة عند الفارابي هو من وجه أن طرق الفلسفة يقينية، ms18 أما ~~طريق الدين فإقناعي، ومن جهة أخرى تعطي الفلسفة حقائق الأشياء كما هي، ولا يعطي ~~الدين إلا تمثيلا لها وتخييلا، ولا يفرق الفارابي في ذلك بين ما هو علمي وما هو ~~عملي. # وقد ذكر الفارابي ذلك في مواضع مختلفة من كتبه، ومن ذلك قوله في كتاب «تحصيل ~~السعادة»: «وتفهيم الشيء على ضربين: أحدهما أن تعقل ذاته، والثاني أن يتخيل بمثاله ~~الذي يحاكيه، وإيقاع التصديق يكون بأحد طريقين: إما بطريق البرهان اليقيني، وإما ~~بطريق الإقناع ، ومتى حصل علم الموجودات أو تعلمت فإن عقلت معانيها أنفسها أو وقع ~~التصديق بها على البراهين اليقينية كان العلم المشتمل على تلك المعلومات «فلسفة»، ~~ومتى علمت بأن تخيلت بمثالاتها التي تحاكيها.» وحصل التصديق بما خيل منها عن الطرق ~~الإقناعية كان المشتمل على تلك المعلومات بتسمية القدماء «ملة». # ويرى ابن سينا: أن بين الدين والفلسفة فرقا آخر، هو وجهة الدين عملية أصالة، ~~ووجهة الفلسفة بالأصالة نظرية، وهو يقول في رسالة الطبيعيات: «مبدأ الحكمة العملية ~~مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، وكمالات حدودها تتبين بها، وتتصرف فيها بعد ذلك ~~القوة النظرية من البشر بمعرفة القوانين واستعمالها في الجزئيات، ومبادئ الحكمة ~~النظرية مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه ومنصرف على تحصيلها ~~بالكمال بالقوة العقلية على سبيل الحجة.» # ويقول الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل» في معنى قول ابن سينا ما يأتي: ~~«والأنبياء أيدوا بأمداد روحانية لتقرير القسم العملي وبطرف ما من القسم العلمي، ~~والحكماء تعرضوا لأمداد عقلية تقريرا للقسم العلمي وبطرف ما من القسم العملي، ~~فغاية الحكيم هو أن يتجلى لعقله كل الكون، ويتشبه بالإله الحق تعالى بغاية الإمكان، ~~وغاية الدين أن يتجلى له نظام الكون فيقدر على ذلك مصالح العامة حتى يبقى نظام ~~العالم وينتظم مصالح العباد، وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب وتشكيل وتخييل، فكل ~~ما وردت به أصحاب الشرائع والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة، إلا من أخذ علمه ~~من مشكاة النبوة، فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم وحسن الاعتقاد في كمال ~~درجتهم.» # والتشكيل ms19 والتخييل في كلام الشهرستاني خاص بالأمور العلمية، فالفلاسفة - كما ~~يذكره ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» - يقولون: «إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن ~~اليوم الآخر وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ~~لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون أن الله تعالى جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، ~~وأن لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا، وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر؛ لأن ~~مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا ~~كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور؛ إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذا الطريق، ~~وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها ~~هذه الظواهر، وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا وباطلا ومخالفة للحق، فقصدوا ~~إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة، ثم من هؤلاء من يقول: النبي كان يعلم الحق، ~~ولكن أظهر خلافه للمصلحة، ومنهم من يقول: ما كان يعلم الحق كما يعلم نظار الفلاسفة ~~وأمثالهم، وهؤلاء يفضلون الفيلسوف الكامل على النبي ... وأما الذين يقولون إن النبي ~~كان يعلم ذلك، فقد يقولون: إن النبي أفضل من الفيلسوف؛ لأنه علم ما علمه الفيلسوف ~~وزيادة، وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها الفيلسوف.» # وقول ابن تيمية تقرير واضح لآراء الفلاسفة وإن كان في أسلوبه وألفاظه ما لم ~~تجر به عادة الحكماء. # | الوحي # الفصل الأول # | معاني كلمة: «الوحي» # (1) المعاني اللغوية لكلمة «الوحي» # لم يشر أحد علمناه من اللغويين ومن ألفوا في الدخيل من كلام العرب إلى أن لهذا ~~الحرف أصلا غير عربي، ويؤيد ذلك أن من المعاني التي دل العرب عليها ببعض صيغ هذه ~~المادة شئونا طبيعية تسبق الأمم في بداوتها إلى التعبير عنها من غير انتظار ~~للدخيل، فقد قال اللغويون: إن الوحي كالوحي الصوت عامة، وقيل: الوحاة صوت الطائر، ~~ووحاة الرعد صوته الممدود الخفي، والوحي النار ... إلخ. وإذا كان في اللغة العربية ~~ألفاظ أصيلة لم تستمد من لسان أجنبي - وليس ذلك موضعا لنزاع - فأول ما ينبغي أن ~~يكون ms20 من هذه الألفاظ ما يعبر به عن مثل النار والصوت وصوت الرعد أو صوت ~~الطيور. # والوحي: مصدر «وحى إليه يحي» من باب «وعد»، وأوحى إليه بالألف مثله، ومصدره: ~~الإيحاء، وهو قليل الاستعمال، وبعض العرب يقول: وحيت إليه ووحيت له وأوحيت إليه ~~وأوحيت له، ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف من التعدية بإلى، وأما في غير القرآن ~~العظيم فوحيت إلى فلان مشهورة، يقال: وحيت إليه بالشيء وحيا وأوحيت، وهو أن تكلمه ~~بكلام يفهمه عنك ويخفى على غيره، بأن يكون على سبيل الرمز والتعريض، أو يكون بصوت ~~مجرد عن التركيب، أو يكون إسرارا لا يسمعه غيره، ووحيت إليه بخبر كذا أي: أشرت ~~وصوت به رويدا، ويقال: وحى إليه وأوحى: أومأ ببعض الجوارح أو أشار بسرعة، ومنه: ~~وحى الحاجب واللحظ بمعنى سرعة إشارتهما، ويقال: وحيت الكتاب وحيا فأنا واح، ~~والكتاب موحي، وأوحى لغة فيه أيضا، والوحي: الكتابة والمكتوب، وأوحى الرجل: إذا ~~بعث برسول ثقة إلى عبد من عبيده ثقة، وأوحى إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، ويقال: ~~وحت نفسه: وقع فيها خوف، وأوحى الإنسان: إذا صار ملكا بعد فقر، ووحي وأوحى: إذا ~~ظلم في سلطانه، والنائحة توحي الميت: تنوح عليه، والوحي بالقصر والمد: السرعة، ~~والوحي: النار، ويقال للملك: وحى من هذا، فكأنه مثل النار ينفع ويضر، والوحي: السيد ~~من الرجال، والوحي: الصوت يكون في الناس وغيرهم كالوحي، ووحاة الرعد: صوته الممدود ~~الخفي، وقيل الوحاة: صوت الطائر. # وذكر اللغويون لكلمة الوحي نفسها معاني كثيرة، هي: الإشارة، والكتابة، والرسالة، ~~والإلهام، والكلام الخفي، والمكتوب، والأمر، وكل ما ألقيته إلى غيرك، والتسخير، ~~والرؤيا الصادقة، والصوت يكون في الناس وغيرهم، ثم قالوا: إن الوحي قصر على الإلهام ~~وغلب استعماله فيما يلقى من عند الله تعالى إلى الأنبياء كما في «المصباح المنير»، ~~أو إلى الأنبياء والأولياء كما في «مفردات الراغب الأصفهاني». # وليس لنا من سبيل إلى ترتيب هذه المعاني وتعرف ما هو سابق منها وما هو لاحق، ما ~~هو أصل منها وما هو فرع، بل لا سبيل لنا إلى تمييز ما ms21 استعملته العرب في جاهليتها ~~مما قد يكون ولد في الإسلام أو أنشئ إنشاء. # على أن المفهوم من كلام اللغويين إذ يقولون: إن الوحي غلب استعماله فيما يلقى إلى ~~الأنبياء من عند الله تعالى - وهم يريدون الغلبة في لسان الدين الإسلامي - إن ~~الإسلام قصر الوحي على معنى من معانيه كانت العرب تعرفه في استعمالاتها وكانت تفهمه ~~على وجه من الوجوه. # أما تفاصيل معنى الوحي فقد أحاطتها العهود الإسلامية بنظريات لم يكن ليتوجه إلى ~~مثلها العقل العربي في بداوته، كما سيأتي بيانه. # وقد عرض كثير من اللغويين لبيان المعنى الأصلي لمادة الوحي الذي اشتق منه المعنى ~~الذي غلب في الاستعمال، وهذا دليل على أنهم يجعلون هذا المعنى فرعيا وإن لم يكن ~~من مستحدثات الدين الإسلامي. # ويمكننا أن نجمل هذا البحث في آراء أربعة: # أولها: # أن أصل الوحي في اللغة كلها إسرار وإعلام في خفاء، فهذا أصل ~~الحرف، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا، وقد صرح بذلك «لسان ~~العرب». # وثانيها: # أن اشتقاق الوحي بمعنى الإلهام من الوحي بمعنى السرعة؛ لأن الوحي ~~يجيء بسرعة ويتلقى بسرعة، وهذا ما يشير إليه الراغب الأصفهاني في ~~كتاب «المفردات في غريب القرآن»، وأبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي ~~في كتاب «ألف باء»، وابن خلدون في «المقدمة»، واختاره القاضي عياض ~~في «الشفاء». # وثالثها: # أن أصل المادة السرعة والخفاء معا، فالوحي الإعلام السريع ~~الخفي، وإليه ذهب ابن قيم الجوزية في كتاب «مدارج السالكين» وأبو ~~البقاء في «الكليات». # ورابعها: # أن أصل هذه المادة هو إلقاء الشيء إلى الغير، فأصل الإيحاء إلقاء ~~الموحي إلى الموحى إليه، وهذا رأي ابن جرير الطبري في تفسيره ~~لقوله - تعالى: # ذلك من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك ~~. ~~(2) الوحي في القرآن # ورد ذكر هذه المادة في سبعين آية من القرآن، منها أربع وستون آية مكية، وست آيات ~~مدنيات، وأكثر ما ورد في الآيات القرآنية إنما هو الفعل ماضيا ومضارعا. # أما كلمة «الوحي» فجاءت في القرآن ست مرات في سور كلها مكية. # فعل الوحي في القرآن # وفعل الوحي في القرآن مسند ms22 غالبا إلى الله، وهو في كثير من الآيات مبني ~~للمجهول، وقد جاء في آيات إسناد الوحي إلى غير الله؛ فأسند إلى شياطين الإنس ~~والجن في الآية 112 من السورة 6 (الأنعام، مكية)، وفي الآية 121 من هذه السورة ~~نسبة الوحي إلى الشياطين، وفي الآية 11 من السورة 19 (مريم، مكية) نسبة الوحي ~~إلى زكريا، وفي الآية 51 من السورة 42 (الشورى، مكية): # أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~؛ أي ~~الرسول، وفي الآية العاشرة من السورة 53 (النجم، مكية): # فأوحى إلى عبده ما أوحى ~~، ومن وجوه تفسير هذه ~~الآية فأوحى أي جبريل. # أما الموحى إليه فهو في أكثر الأمر النبي # صلى الله عليه وسلم # أو غيره من الأنبياء - ~~عليهم السلام، وورد الوحي إلى الحواريين في الآية 111 من السورة الخامسة ~~(المائدة، مدنية)، وفي الآية 93 من السورة 6 (الأنعام، مكية) الموحى إليه ليس ~~نبيا على الحقيقة، وفي الآية 112 من السورة 6 (الأنعام، مكية) الموحى إليه ~~شياطين الإنس والجن، وفي الآية 121 من السورة نفسها الموحى إليه هم أولياء ~~الشياطين، وفي الآية 12 من السورة 8 (الأنفال، مدنية) الموحى إليه هم الملائكة، ~~وفي الآية 68 من السورة 16 (النحل، مكية) الموحى إليه النحل، وفي الآية 38 من ~~السورة 20 (طه، مكية) الموحى إليه أم موسى، وفي الآية 7 من السورة 28 (القصص، ~~مكية) الموحى إليه أم موسى أيضا، وفي الآية 12 من السورة ~~41 (فصلت، مكية): # وأوحى في كل سماء أمرها ~~. وفي الآية الخامسة من ~~السورة 99 (الزلزال، مدنية): # بأن ربك أوحى ~~لها # أي الأرض. # وقد فسروا الإيحاء في هذه الآية الأخيرة بالأمر أو الإعلام كما في الطبري، أو ~~التسخير كما ذكره الراغب في المفردات. # أما الآية 12 من سورة فصلت فقد فسر الطبري قوله تعالى فيها: # وأوحى في كل سماء أمرها # بأن المراد: ~~ألقى في كل سماء من السماوات السبع ما أراد من الخلق، وفي تفسير البيضاوي: # وأوحى في كل سماء أمرها ~~: ~~شأنها وما يتأتى منها، وقيل: أوحى إلى ms23 أهلها بأوامره. # أما الوحي إلى أم موسى فقد قال المفسرون إن معنى «أوحينا إليها»: قذفنا في ~~نفسها، وليس وحي نبوة، وفي «الكشاف»: الوحي إلى أم موسى إما أن يكون على لسان ~~نبي في وقتها، كقوله - تعالى: # وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين ~~، وإما أن يكون معناه: بعثت إليها ملكا لا على ~~وجه النبوة كما بعث إلى مريم، وإما أن يكون معناه أنه أراها ذلك في المنام ~~فتتنبه عليه، وإما أن يكون معناه أنه ألهمها، كقوله - تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل ~~، فمعنى الآية ~~إذن: أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ولا العلم به إلا بالوحي، ~~وفيه مصلحة دينية، فوجب أن يوحى . # وفسروا الوحي إلى النحل بالإلهام والقذف في النفس، وفسره الراغب الأصفهاني ~~بالتسخير. # ولم يعن المفسرون بتبيين المراد من الإيحاء إلى الملائكة في آية الأنفال، ~~وقال الراغب الأصفهاني في «المفردات»: «وقوله: # إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة أني معكم # فذلك وحي إليهم ~~بوساطة اللوح والقلم فيما قيل.» # ووحي الشياطين من الإنس والجن بعضهم إلى بعض (آية 112 من سورة الأنعام) كوحي ~~الشياطين إلى أوليائهم، هو الوسوسة والإسرار بالمزين من الأقوال ~~الباطلة. # وأما الآية 93 من السورة 6 (الأنعام): # ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل ~~الله ~~؛ فقد قال الطبري في تفسيرها: «يعني - جل ذكره - بقوله: # ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ~~، يعني ممن اختلق على الله كذبا فادعى عليه أنه بعثه ~~نبيا وأرسله نذيرا، وهو في دعواه مبطل وفي قيله كاذب، وهذا تسفيه من الله ~~لمشركي العرب وتجهيل منه لهم في معارضة عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحنفي ~~مسيلمة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # بدعوى أحدهما النبوة ودعوى الآخر أنه قد جاء بمثل ~~ما جاء به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ونفي عن نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم # اختلاق الكذب عليه ~~ودعوى الباطل.» # أما آية # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي ms24 وبرسولي # فيقول الطبري في تفسيرها: إن ألفاظ أهل ~~التأويل اختلفت في تأويل قوله تعالى # وإذ ~~أوحيت ~~، وإن كانت متفقة المعاني؛ فقال بعضهم: وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين: قذفت في قلوبهم، وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمهم»، وفي البيضاوي: ~~«وإذ أوحيت إلى الحواريين؛ أي: أمرتهم على ألسنة رسلي.» # هذا فيما يتعلق بالآيات التي ورد فيها فعل الوحي موجها إلى غير ~~الأنبياء. # وأما الآيات التي أسند فيها فعل الوحي إلى غير الله تعالى فقد سبق القول في ~~اثنتين منها، وهما آيتا الأنعام. # أما الآية 11 من السورة 19 (مريم، مكية) وهي قوله تعالى: # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن ~~سبحوا بكرة وعشيا # فقد قال الطبري في تفسيرها : «وقوله # فأوحى إليهم # يقول: أشار إليهم، وقد ~~تكون تلك الإشارة باليد وبالكتاب وبغير ذلك مما يفهم به عنه ما يريد.» # وما ورد في الآية 51 من سورة الشورى من قوله: # أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء # فسره الطبري ~~بقوله: «أو يرسل الله من ملائكته رسولا - إما جبريل وإما غيره - فيوحي ذلك ~~الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء، يعني ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من ~~أمر ونهي وغير ذلك من الرسالة والوحي.» # أما قوله تعالى في سورة النجم: # فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى ~~؛ فقال الطبري: اختلف أهل التأويل في ذلك: ~~فقال بعضهم: معناه: فأوحى الله إلى عبده محمد وحيه، وقال آخرون: بل معنى ذلك: ~~فأوحى جبريل إلى عبده محمد # صلى الله عليه وسلم # ما أوحى إليه ربه، وأولى القولين في ذلك ~~عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد # صلى الله عليه وسلم # ما ~~أوحى إليه ربه. # وفيما عدا الآيات السابقة يذكر فعل الوحي في القرآن مسندا إلى الله - تعالى ~~- أو مبنيا للمجهول، وفي حالة بنائه للمجهول يكون الفاعل هو الله تعالى أيضا ~~كما يفهم ذلك من سياق الكلام. # كلمة «الوحي» في القرآن # وأما لفظ «الوحي»؛ فقد ورد في القرآن ست مرات هو فيها كلها من الله تعالى ms25 ~~والموحى إليه فيها جميعها من الأنبياء، وهذا هو إيحاء الله إلى أنبيائه ورسله ~~أي إلقاؤه إليهم ما يريد أن يعلموه من المعارف الدينية. # وعبر القرآن عن هذا المعنى بالتنزيل، فجعل القرآن وحيا وجعله تنزيلا كما ~~قال: # وكذلك أوحينا إليك قرآنا ~~عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ~~، # 1 # وقال: # إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون ~~، # 2 # وقال: # نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ~~* من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان ~~. # 3 # وعبر عنه أيضا بالكلام في قوله: # وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~؛ # 4 # حيث جعل الوحي نوعا من كلامه وقسما من أقسامه؛ ففرق بين تكليم ~~الوحي والتكليم بإرسال الرسول والتكليم من وراء حجاب. # لكن في السورة الرابعة (سورة النساء، مدنية) ما يدل على أن التكليم غير الوحي ~~وقسيم له، وذلك إذ يقول - عز وجل: # إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داوود زبورا * ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ~~ وكلم الله موسى تكليما ~~. # 5 # فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده، ثم خص موسى من ~~بينهم بالإخبار بأنه كلمه، وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق ~~الوحي الذي ذكر في أول الآية، ثم أكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم ~~المجاز، قال الفراء: «العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل، ~~ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام.» # ويذهب ابن قيم الجوزية في كتابه «مدارج السالكين» إلى أنه يمكن جعل الوحي ~~قسما من أقسام التكليم وجعله قسيما للتكليم باعتبارين؛ فإنه قسيم التكليم ~~الخاص الذي يكون من الله لعبده بلا واسطة بل منه إليه، وقسم من التكليم العام ~~الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة. # وعلى هذا فالوحي قسم من كلام ms26 الله العام الذي جاءت به آية الشورى، وهي الآية ~~التي جعلت كلام الله لعباده على ثلاثة أنحاء لا يجاوزها. # وقد ذكر المفسرون في تأويل هذه الآية أنه ما صح لأحد من بني آدم أن يكلمه ربه ~~إلا على أحد ثلاثة أوجه؛ إما على الوحي، وهو الإلهام والقذف في القلب أو ~~المنام، وإما على أن يسمعه كلامه ولا يراه من غير واسطة مبلغ، كما كلم نبيه ~~موسى - عليه السلام - وإما على أن يرسل الله من ملائكته رسولا - جبريل أو غيره ~~- فيبلغ ذلك الملك إلى المرسل إليه البشري ما يشاء الله من أمر ونهي وغير ~~ذلك، وقيل: إن معنى قوله «وحيا» أن يوحي إلى الرسل عن طريق الملائكة، ومعنى ~~قوله: «أو يرسل رسولا » أي نبيا كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم، ~~وكثير من المؤلفين - كابن قيم الجوزية في كتاب «مدارج السالكين» وابن حزم في ~~الفصل - يميل إلى جعل الآية مفيدة لتسمية القسم الأول والثالث وحيا، وتسمية ~~الثاني كلاما بالإطلاق؛ وذلك لأن الثاني لا يسميه القرآن وحيا، وإنما «هو ~~تكليم في اليقظة من وراء حجاب، دون وسيطة الملك، لكن بكلام مسموع بالآذان، ~~معلوم بالقلب، زائد على الوحي الذي هو معلوم بالقلب فقط أو مسموع من الملك عن ~~الله تعالى»، ويؤيد ذلك أن الآية وصفت القسم الأول بأنه وحي، وذكرت في الثالث ~~فعل الوحي، ووصفت الثاني بأنه تكليم من وراء حجاب، ولعل كلام الطبري في تفسيره ~~ينزع هذا المنزع. # أما الفخر الرازي فيرى: أن كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة وحي، إلا أنه ~~تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي؛ لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو ~~يقع دفعة، فكان تخصيص لفظ الوحي به أولى، وكون الأول وحيا ظاهر، وكذلك ~~الثالث، أما الثاني فيستدل عليه بدليل أن الله تعالى أسمع موسى كلامه من غير ~~واسطة مع أنه سماه وحيا، قال - تعالى: # فاستمع لما ~~يوحى ~~. # 6 # ونحن إذا استقصينا مادة الوحي في القرآن وجدنا الاسم المصدري يستعمل في ~~الدلالة على القسم الأول غالبا، ويستعمل ms27 أحيانا في تنزيل القرآن على النبي ~~كما في قوله - تعالى: # ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه ~~، # 7 # وتنزيل القرآن من قبيل النوع الثالث؛ إذ هو كلام من الله بواسطة ~~جبريل بنص القرآن نفسه في أكثر من موضع، أما فعل الوحي فقد استعمل في الأقسام ~~الثلاثة، فيكون القرآن قد قصر اسم الوحي على ما يكون إلهاما وقذفا في النفس ~~أو ما يكون بواسطة الملك، على حين استعمل الفعل في الدلالة على هذين القسمين ~~وعلى كلام الله لأنبيائه بلا واسطة من وراء حجاب. # وليس في القرآن تفصيل لمعاني هذه الأقسام الثلاثة. # غير أن المفهوم من جملة الآيات أن القسم الأول غير خاص بالأنبياء؛ فقد أوحى ~~الله إلى الحواريين وأوحى إلى أم موسى ، وذلك بناء على أن الوحي فيما ذكر مفسر ~~بالإلهام والإلقاء في القلب. وبعض المفسرين يجعل الوحي في ذلك إعلاما بواسطة ~~المرسلين في زمنهم كما سبق، ليخص الوحي بمعنى الإلهام بالأنبياء، وعلى كل حال ~~فهذا المعنى روحي لا يقبل أن تتجه الأفكار فيه إلى التأويل على نحو ~~مادي. # وأما القسم الثاني، وهو الكلام من وراء حجاب، فقد كان منذ فجر الإسلام مجالا ~~لتنازع الآراء وتصادم المذاهب، حتى ليقول الرازي في تفسيره: إن القائلين بأن ~~الله في مكان يستدلون بقوله: # أو من وراء ~~حجاب ~~. # وأما القسم الثالث، وهو إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري فيوحي ~~إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه؛ فإن التوفيق بين نصوص القرآن فيه لم يكن ~~موضع وفاق دائما، وهذا النوع من الوحي هو الذي جاء القرآن من سبيله، وقد عبر ~~عنه بنزول الملائكة، وذلك في ظاهر اللفظ حركة من الأعلى إلى الأسفل تعطي صورة ~~مادية للملك ونزوله، وفي الآية 25 من السورة 25 (الفرقان، مكية): # ونزل الملائكة تنزيلا ~~، ويتسق مع هذه ~~الصورة ما ورد في القرآن من استواء الله على العرش، # 8 # ومن جعل الملائكة حافين من حول العرش، # 9 # ومن رؤية النبي لجبريل، # 10 # ويتسق معه كذلك قوله - عز وجل: # إليه ~~يصعد ms28 الكلم الطيب ~~، # 11 # وقوله: # يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه ~~، # 12 # وقوله: # يخافون ربهم من ~~فوقهم ~~، # 13 # وقوله: # تعرج الملائكة والروح ~~إليه ~~. # 14 # لكن بعض الآيات يفيد أن الملك النازل بالوحي روح، وأنه يتصل بقلب النبي ~~اتصالا روحيا، كقوله - تعالى: # نزله روح ~~القدس ~~، # 15 # وقوله: # نزل به الروح الأمين * على قلبك ~~، # 16 # وقوله: # قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك ~~. # 17 # وهكذا كان الرأي في هذا النوع من الوحي مختلفا بين من يراه نزول الملك من ~~السماء إلى الأرض لإبلاغ النبي دين الله وشرعه، وبين من يراه تلقفا روحانيا ~~عن الله العلي بواسطة الملك الروحاني. ~~(3) الوحي في السنة # أكثر ما ورد في كتب السنة من أمر الوحي - كالذي ورد في كتب الشمائل والسير - إنما ~~هو تفاصيل طويلة الذيول في بدء الوحي إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي كيفية نزول الوحي ~~عليه وبيان العوارض التي كانت تغشاه عندما يأتيه الملك من قبل الله، وبالجملة فهو ~~تحليل موسع لكل ما يتعلق بشأن محمد مع الملأ الأعلى. # والروح السائد فيما تضمنته هذه الكتب ينزع غالبا إلى تصوير الملك والوحي بصور ~~مادية، فأحاديث بدء الوحي تمثل جبريل جسما، حتى إنه يهمز الأرض برجله فينبع عين ~~ماء يتوضأ منه جبريل ويتوضأ منه النبي كما في تاريخ الخميس والمواهب اللدنية. وحديث ~~المعراج كما في البخاري صورة مجسمة للسماء وكل ما في السماء، وفيه تكليم الله لنبيه ~~كفاحا من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول إنه # صلى الله عليه وسلم # رأى ربه تبارك وتعالى، وهي ~~مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة في إنكار ~~رؤية النبي لله مواجهة، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة. # 18 # وقد فصلت في كتب الحديث والسير مراتب الوحي التي كانت للنبي - عليه السلام - ~~تفصيلا بلغ حد السرف أحيانا، فقد نقل صاحب المواهب اللدنية أن الحليمي ذكر أن ~~الوحي كان يأتي النبي على ستة وأربعين نوعا، ولعل المعتدلين ms29 هم الذين أخذوا من ~~الأحاديث سبع مراتب للوحي نعتمد في نقلها على ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» ~~والقسطلاني في «المواهب اللدنية» والسهيلي في «الروض الأنف»: ~~(1) # الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح، والمدة التي كان يوحى إليه في المنام فيها ستة ~~أشهر إلى أن استعلن له جبريل، وقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الرؤيا ثلاثة: ~~رؤيا من الله، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه ~~في اليقظة فيراه في المنام»، والذي هو من أسباب الهداية هو الرؤيا التي ~~تكون من الله خاصة، ورؤيا الأنبياء وحي؛ فإنها معصومة من الشيطان، وهذا ~~باتفاق الأئمة، ولهذا أقدم إبراهيم على ذبح إسماعيل - عليهما السلام - بالرؤيا. # 19 ~~(2) # ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«إن روح القدس # 20 # نفث في روعي # 21 # أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما ~~عند الله لا يطلب إلا بطاعته.» ~~(3) # كان يتمثل له الملك رجلا، فيراه عيانا، ويخاطبه حتى يعي عنه ما ~~يقول له، فقد كان يأتيه أحيانا في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان ~~جميلا وسيما، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانا. ~~(4) # أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك، ~~حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته ~~لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه ~~على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليها حتى كادت ترضها. # وعبر عن هذه المرتبة ابن قيم الجوزية في «مدارج السالكين» بما نصه: ~~«وقد يدخل فيه الملك ويوحي إليه ما يوحيه ثم ينفصم عنه أي ~~يقلع.» ~~(5) # أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ينتشر منها ~~اللؤلؤ والياقوت فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. ms30 ~~(6) # ما أوحى الله إليه به وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلوات ~~وغيرها بواسطة جبريل. ~~(7) # تكليم الله له من وراء حجاب بلا واسطة ملك كما كلم موسى بن عمران، ~~وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى بنص القرآن، وهي ثابتة للنبي في حديث ~~الإسراء. # وزاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي تكليم الله له من غير حجاب، وهذا رأي من يقول إن ~~النبي رأى ربه، وهي مسألة خلافية كما تقدم. # وذكر السهيلي مرتبة أخرى؛ هي نزول إسرافيل عليه بكلمات من الوحي قبل جبرائيل، فقد ~~وكل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي، ثم وكل به ~~جبريل فجاءه بالقرآن. # وذكر السهيلي كذلك حالة أخرى؛ وهي تكليم الله له بلا واسطة في المنام. # هذه هي جملة الصور التي تمثلها لنا السنة من الوحي إلى النبي محمد - عليه الصلاة ~~والسلام. # وذلك مع الذي أسلفناه من القول في الوحي في القرآن يشرح لنا معنى الوحي على ما ~~يؤخذ من النصوص الدينية الإسلامية. # الفصل الثاني # | أهم النظريات في تفسير الوحي # (1) مذاهب المتكلمين في الوحي # مذاهب المتكلمين من أهل السنة خصوصا تنزع في تفسير الوحي نزوعا جسمانيا يناسب ~~ما ورد في أكثر السنن، وما تدل عليه ظواهر الآيات في غير موضع من القرآن ~~الكريم. # ويتناول المتكلمون مباحث الوحي غالبا من ناحيتين: # الأولى: وحي القرآن الكريم إلى محمد # صلى الله عليه وسلم # بواسطة جبريل. # الناحية الثانية: الوحي الحاصل بسماع كلام الله من غير واسطة. # الناحية الأولى: وحي القرآن إلى محمد # الملائكة عند المتكلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة خلافا ~~للفلاسفة وأوائل المعتزلة. # والقرآن منزل على النبي - عليه الصلاة والسلام - بواسطة جبريل، وفي كيفية ~~إنزال القرآن ثلاثة أقوال: # أولها: # أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ~~ذلك منجما في ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو عشرين سنة حسب ~~اختلاف المؤرخين. # وثانيها: # أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس ~~وعشرين ليلة من ليالي القدر، ينزل في ms31 كل ليلة منها ما يقدر ~~الله إنزاله في كل السنة، ثم ينزل بعد ذلك هذا القدر منجما في ~~جميع السنة. # الثالث: # أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في ~~أوقات مختلفة من سائر الأوقات. # وهناك قول رابع غير مشهور، وهو أن القرآن نزل جملة من عند الله من اللوح ~~المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على ~~جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي عشرين سنة. # واختلفوا في معنى الإنزال؛ فمنهم من قال: إن معناه إظهار القراءة، ومنهم من ~~قال: إن الله ألهم كلامه جبريل وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض، ومنهم من ~~قال يتلقفه الملك من الله تلقفا روحانيا، أي يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل ~~به إلى الرسول ويلقيه عليه، ومنهم من جعل اختلاف العلماء في معنى الإنزال ~~مترتبا على اختلافهم في معنى القرآن؛ فالذين يقولون: إن القرآن معنى قائم ~~بذاته تعالى يقررون أن إنزاله هو إيجاد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ~~وإثباته في اللوح المحفوظ، والذين يقولون إن القرآن هو اللفظ يقررون أن إنزاله ~~هو مجرد إثباته في اللوح. # وأشهر ما قيل في المنزل على النبي # صلى الله عليه وسلم # ثلاثة أقوال: أحدها: إنه اللفظ ~~والمعنى، وثانيها: أن جبريل نزل بالمعاني خاصة، وأنه # صلى الله عليه وسلم # علمها وعبر عنها ~~بلغة العرب وقد تمسك أصحاب هذا المذهب بظاهر قوله - تعالى: # نزل به الروح الأمين * على ~~قلبك ~~؛ وثالثها: أن جبريل ألقي عليه المعنى، وأنه عبر عن هذا ~~المعنى بلغة العرب؛ لأن أهل السماء يقرأونه بالعربية، ثم نزل به في هذه الصورة ~~على الرسول. # ومنهم من قال: كلام الله المنزل قسمان: قسم قال الله تعالى بشأنه لجبريل - ~~عليه السلام - قل له كذا وكذا؛ فيجوز تغييره بعبارة نفسه، وقسم قال له بشأنه ~~اقرأ عليه كذا كذا فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا. ويرى أصحاب هذا المذهب أن ~~القرآن هو القسم الثاني، وأن القسم الأول هو السنة، لما ورد أن جبريل نزل ms32 ~~بالسنة كما نزل بالقرآن، ولهذا لم يجز تغيير نظم القرآن وجاز تغيير لفظ ~~السنة. # ويقول المتكلمون: إن في التنزيل طريقين: إحداهما انخلاع النبي # صلى الله عليه وسلم # من ~~صورة البشرية إلى صورة الملكية ثم أخذه من الملك، وثانيتهما تمثل الملك بصورة ~~البشرية حتى يأخذ الرسول منه، ويقررون أن الحالة الأولى - وهي الترقي من ~~البشرية إلى الملكية - ميسورة للرسول، ويؤيدون ذلك بما ورد من نزول جبريل في ~~زمن صبا النبي ليطهر قلبه عن المادة التي تمنعه من الترقي، قال أنس: «إن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، ~~فاستخرج منه علقة، وقال هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طشت من ذهب بماء زمزم، ~~ثم لأمه وأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا: ~~إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.» # ويقررون كذلك: أنه لا يشترط في الرسول شرط من الأعراض والأحوال المكتسبة ~~بالرياضات والمجاهدات في الخلوات والانقطاعات، ولا استعداد ذاتي من صفاء الجوهر ~~وذكاء الفطرة، بل الله يختص برحمته من يشاء من عباده. فالنبوة رحمة وموهبة ~~متعلقة بمشيئة الله تعالى فقط، وإلى هذا يشير صاحب «الجوهرة» في قوله: # ولم تكن نبوة مكتسبة # ولو رقى في الخير أعلى عقبة # بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن # يشاء جل الله واهب المنن # الناحية الثانية: الوحي الحاصل بسماع كلام الله من غير واسطة # ينقسم القائلون بأن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة إلى ~~فريقين: أحدهما: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف، وهؤلاء يرون أن الرسول ~~أو الملك يسمع هذه الحروف والأصوات القديمة من الله بغير واسطة. والفريق الثاني ~~يقول بحدوث هذه الحروف والأصوات، ومن هؤلاء من يقول بأن هذه الحروف والأصوات ~~الحادثة قائمة بذاته الله تعالى فالرسول يسمع الحروف والأصوات الحادثة القائمة ~~بالذات القديمة من غير وساطة، وأولئك هم الكرامية، ومن هذا الفريق الثاني ~~المعتزلة، وهم يقولون: إن هذه الحروف والأصوات ليست قائمة بذاته - تعالى - بل ~~يخلقها في ms33 جسم آخر، وفسروا قوله - تعالى: # أو من وراء ~~حجاب # بأن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر ~~السامع من يكلمه؛ لأنه في ذاته غير مرئي، كما يكلم المحتجب بعض خواصه وهو من ~~وراء حجاب؛ فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة. ويقول ~~المعتزلة: إن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى؛ لأنه تعالى حصر أقسام وحيه ~~في هذه الثلاثة، ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله أن يتكلم مع العبد حينما ~~يراه العبد، ويكون ذلك قسما رابعا، ورد عليهم القائلون بأن الله يرى يوم ~~القيامة بزيادة قيد في الآية - أي في الدنيا - للتوفيق بين الآيات. # وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه العبارات ~~والألفاظ فقد اتفقوا على أن قوله: # من وراء ~~حجاب # هو أن الملك أو الرسول يسمع ذلك الكلام المنزه عن الحروف ~~والصوت من وراء حجاب، قالوا: ولما لم يبعد أن ترى ذات الله - مع أنه ليس بجسم ~~ولا في حيز - فأي بعد في أن يسمع كلام الله، مع أنه لا يكون حرفا ولا ~~صوتا؟! # وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة بذات الله يمتنع ~~كونها مسموعة؛ وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها الله تعالى في شجرة مثلا، ~~وهذا القول قريب من قول المعتزلة. ~~(2) مذهب الفلسفة الإسلامية في الوحي # يقول ابن سينا في رسالته في النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم: «فمن العادة في ~~الشريعة تسمية القوى اللطيفة غير المحسوسة ملائكة.» # ويقول في حد الملك في رسالته الحدود: «هو جوهر بسيط ذو حياة ونطق عقلي غير مائت، ~~وهو واسطة بين الباري - عز وجل - والأجسام الأرضية.» # وفي رسالة إثبات النبوات: «ثم بينوا أن الأفلاك لا تفنى ولا تتغير أبد الدهر، وقد ~~ذاع في الشرع أن الملائكة أحياء قطعا لا يموتون كالإنسان الذي يموت؛ فإذا قيل: إن ~~الأفلاك أحياء ناطقة لا تموت، والحي الناطق الغير الميت يسمى ملكا، فالأفلاك تسمى ~~ملائكة.» # والذي يعنينا فيما نحن بصدده هو ms34 الملك بالمعنى الأخير؛ أي النفوس السماوية ~~والعقول التي هي جواهر روحانية غير متميزة ولا قائمة بمتحيز، أما النفوس فمجردة في ~~ذواتها متعلقة بأجرام الأفلاك تعلق تصريف من غير أن تقوم بها، وتسمى ملائكة سماوية، ~~وأما العقول فمجردة ذاتا وفعلا وتسمى بالملأ الأعلى. # ولئن اختلفت الفلاسفة في أن الملائكة ماهيات مخالفة بالنوع للأرواح البشرية، ~~فإنهم لم يختلفوا في أن النفوس الإنسانية مجردة في ذاتها عن المادة غير حالة فيها ~~بل هي لامكانية، ولها نسبة في التجرد إلى المجردات العالية، وخاصة إلى النفوس ~~السماوية المنتقشة بصور ما يحدث في هذا العالم؛ لكونها مبادئ لما يحدث في هذا ~~العالم؛ وما الوحي عند الفلاسفة الإسلاميين إلا اتصال النفوس الناطقة البشرية بعقول ~~الأفلاك ونفوسها؛ ذلك بأن النفس الإنسانية لها استعداد لقبول المعقولات بالفعل، وكل ~~ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل، وذلك السبب يجب أن ~~يكون موجودا بالفعل، فلا يجوز أن يكون جسما؛ لأن الجسم مركب من مادة وصورة، ~~والمادة أمر بالقوة، فلا بد إذن أن يكون السبب جوهرا مجردا عن المادة، وهو العقل ~~الفعال المجرد عن المادة وعن كل قوة، فهو الفعل من كل وجه. # وقد فصل ابن سينا القول في تمكن النفوس الناطقة من الاتصال بعقول الأفلاك ونفوسها ~~في كتاب «الإشارات» على الوجه الآتي: ~~(1) # إن القوى النفسانية متجاذبة متنازعة، فالنفس حال اشتغالها بتدبير ~~القوة العقلية لا يمكنها الالتفات إلى القوة الشهوانية وبالعكس، والنفس ~~إذا ما استخدمت الحواس الباطنة ضعفت الحواس الظاهرة، فإن الإنسان حالما ~~يكون مستغرقا في تخيل أو فكر ربما حضر عنده المبصر القوي والمسموع ~~القوي، ثم إنه مع سلامة الحس لا يشعر بشيء من ذلك. ~~(2) # الحس المشترك هو القوة التي تحصل فيها صور الأمور التي تحس بالحواس ~~الخمس، وللصور المرتسمة في الحس المشترك أربع درجات: # إحداها: # أن تصير مشاهدة في ابتداء ارتسامها من المحسوسات ~~الخارجة. # ثانيتها: # بقاء الإحساس بهذه الصور مع بقاء المحسوسات في ~~الخارج. # ثالثتها: # بقاء الإحساس بها بعد زوال المحسوس الخارجي. # ورابعتها: ms35 # حصول الإحساس بها وإن لم يوجد المحسوس في الخارج ~~ألبتة. # والدليل على تحقق هذه الدرجة الرابعة أن المرضى والممرورين يشاهدون ~~صورا محسوسة لا يراها غيرهم، فتلك الصور إما أن تكون معدومة أو ~~موجودة، ولا جائز أن تكون معدومة؛ لأن العدم نفي محض لا يكون مشاهدا، ~~فهي إذن موجودة، وليست موجودة في الخارج، وإلا لرآها كل سليم الحس، فهي ~~موجودة في غير الخارج، ولا يمكن أن تكون موجودة في النفس الناطقة التي ~~لا تدرك الجزئيات ولا ترتسم فيها صور المحسوسات، فهي إذن مرتسمة في قوة ~~جسمانية ليست هي البصر؛ لأن هذا الشاهد ربما كان أعمى وربما شاهد ذلك ~~بالليل، ولأن البصر لا يدرك إلا الموجود في الخارج، فثبت أن الحس ~~المشترك قد يشاهد صورا لا وجود لها في الخارج، فكما ترتسم صور محسوسة ~~بالحواس الظاهرة في الحس المشترك ثم تنتقل إلى خزانة الخيال، كذلك لا ~~بأس أن تنتقل الصور الموجودة في خزانة الخيال أو الصور التي تركبها ~~المتخيلة إلى الحس المشترك؛ لأن الحال فيها قريب من الحال بين المرايا ~~المتقابلة. ~~(3) # وإنما يمنع الصور المتخيلة أن تكون جميعها محسوسة في كل الأوقات ~~والأحوال مانعان: # أحدهما: # حسي خارج عائد إلى القابل، وهو الحس المشترك؛ فإنه ~~إذا كان مشغولا بالصور الواردة عليه من الحواس ~~الظاهرة صرفه ذلك عن غيره ولواه عن مخزونات ~~الخيال. # والثاني: # عقلي أو وهمي باطن، وهو عائد إلى الفاعل؛ فإن العقل ~~أو الوهم إذا استخدم القوة المفكرة وصارت مشغولة بخدمة ~~أحدهما لم تتمكن من تركيب الصور وتحليلها وتشبيحها، ~~ومتى لم توجد تلك الصور استحال انجذابها إلى الحس ~~المشترك. # فإذا وجد المانعان معا لم يحصل إحساس بالصور ~~المتخيلة، أما إذا زال أحدهما وبقي الآخر فربما استولى ~~المتخيل على الحس المشترك فلاحت فيه الصور محسوسة ~~مشاهدة. ~~(4) # وعند النوم يزول هذان المانعان عن القابل والفاعل، أما الفاعل فإن ~~النفس مشغولة بتدبير البدن وإعانة القوة الهاضمة، فلا تفرغ لتدبير ~~القوة المتخيلة، فتكون هذه مشغولة بنفسها متمكنة من التشبيح والتلويح ~~كيف شاءت من غير مانع؛ وأما ms36 القابل فلأن الحس المشترك خال عن النقوش ~~الواردة عليه من الحس الظاهر؛ إذ الحس الظاهر يركد بالنوم. # ومتى حصل الفاعل والقابل بالتمام والكمال حصل الفعل لا محالة، فلا ~~جرم ظهرت هذه الصور في المنام وصارت كالأمور المشاهدة. ~~(5) # أما في حالة المرض فإن النفس تنجذب كل الانجذاب إلى جهة المرض ~~فيشغلها أمر التدبير لإصلاح البدن عن تدبير المتخيلة، فضعف أحد ~~الضابطين للمتخيلة، فقويت على التشبيح، فلاحت تلك الأشباح في الحس ~~المشترك. ~~(6) # النفس إذا كانت قوية قويت على حفظ عين ما أدركته ولم تنتقل منه إلى ~~ما يحاكيه، وإذا كانت ضعيفة ضعفت عن حال المدركات، فربما انتقلت من ~~الشيء إلى ما يحاكيه ويشاركه من بعض الوجوه، ثم من ذلك المحاكي إلى ما ~~يحاكيه مرة أخرى؛ فلا تزال تنتقل من الشيء إلى ما يحاكيه إلى أن تصل ~~إلى أمر لا يناسب المدرك الأول بوجه، وهذا إنما يكون لاستيلاء القوة ~~المتخيلة وضعف النفس عن إصلاحها، والنفس إذا قويت جدا لم يكن ~~اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن اتصالها بالعالم العقلي، ولم يكن ~~التفاتها إلى أحد الجانبين شاغلا لها عن الالتفات إلى الآخر. ~~(7) # وكما أن النفس تتصل عند النوم بالعقول التي فيها نقش الموجودات كلها ~~فينطبع في النفس ما في تلك العقول من صور الأشياء لا سيما ما يناسب غرض ~~الرائي كانطباع صورة في مرآة، ثم تركب المتخيلة صورا مناسبة لها، ثم ~~تنحدر تلك الصور إلى الحس المشترك، كذلك قد تحصل مثل هذه الحالة في ~~اليقظة إذا كانت النفس قوية وافية بالجانبين، فتتصل النفس بالعقول ~~وتدرك من هناك أمورا، ثم تركب المتخيلة صورا مناسبة لتلك التعقلات، ~~ثم تنحدر تلك الصور إلى لوح الحس المشترك، فتصير محسوسة، فتحصل حينئذ ~~صور وسماع كلام وإن لم يكن لشيء من ذلك وجود في الخارج. ~~(8) # وإذا اتصلت النفس بالعقول المفارقة في يقظة أو نوم كان الأثر الحاصل ~~فيها على أقسام: # أحدها: # أن يكون ضعيفا جدا فلا يحرك الخيال والذكر ولا ~~يبقى أثر فيهما ألبتة. # وثانيها: # أن يكون أقوى من ذلك، ms37 إلا أن الخيال يمعن في ~~الانتقال من المعنى إلى ما له تعلق به على وجه الشبه ~~أو التضاد. # وثالثها: # أن يكون قويا جدا، فترتسم الصورة في الخيال ~~ارتساما جليا تاما. # فإن كانت الصورة جزئية، ووقعت من النفس في المصورة، ~~وحفظتها الحافظة على وجهها، من غير تصرف المتخيلة، ~~مضبوطة في الذكر في حال اليقظة أو النوم ضبطا ~~مستقرا؛ كان ذلك إلهاما أو وحيا صراحا أو حلما ~~لا يحتاج إلى تعبير. # وما كان قد بطل هو وبقيت محاكياته احتاج الوحي إلى ~~تأويل والحلم إلى تعبير. # فالوحي عند الفلاسفة هو اتصال النفس الإنسانية الناطقة بالنفوس الفلكية اتصالا ~~معنويا يجعلها تشرف على ما فيها من صور الحوادث فترتسم في النفس البشرية من تلك ~~الصور ما يستعد لارتسامه فيها كمرآة يحاذي بها مرآة أخرى فيها نقوش فينعكس منها إلى ~~الأولى ما يقابلها. # وليس عندهم فرق بين الوحي والإلهام إلا أن الأول يكون للنبي ويكون الثاني للعارف ~~أو الولي، وللنبوة استعداد ذاتي، ففي القوى النفسانية لمن له النبوة خصائص ~~ثلاث: ~~(1) # أن تصفو نفسه صفاء شديدا، وتقوى قوة لا تشغلها الحواس عن النظر إلى ~~عالم العقل، فتستعد استعدادا خاصا للاتصال بالعقول المفارقة بأدنى ~~توجه، ويفيض عليها من علم الغيب ما لا يدرك بالفكر والقياس. ~~(2) # أن يكون في جوهر نفسه قوة تؤثر في هيولي العالم بإزالة صورة وإيجاد ~~صورة؛ وذلك أن الهيولي منقادة لتأثير النفوس المفارقة، مطيعة لقواها ~~السارية في العالم، وقد تبلغ نفس إنسانية في الشرف حدا يناسب تلك ~~النفوس فتفعل فعلها وتقوى على ما قويت عليه. ~~(3) # أن يرى الملائكة مصورة بصورة محسوسة ويسمع كلامهم وحيا من الله، ~~وذلك بقوة نفسه واتصالها بعالم الغيب في اليقظة وقوة المتخيلة ~~ومحاكاتها ما أدركته النفس بصورة جميلة وأصوات منظومة، فتكون الصورة ~~المحاكية للجوهر الشريف صورة عجيبة في غاية الحسن، وهو الملك الذي يراه ~~النبي، وتكون المعارف التي تتصل بالنفس من اتصالها بالجواهر الشريفة ~~تتمثل بالكلام الحسن المنظوم الواقع في الحس المشترك فيكون ~~مسموعا. # يكون كل ذلك باستعداد ذاتي في نفس ms38 النبي ويحصل للولي بالرياضة والمجاهدة. ~~(3) رأي التصوف في الوحي # النبوة - كما يقول الغزالي في «المنقذ من الضلال» - عبارة عن طور تحصل فيه عين ~~لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل، كما أن العقل طور من أطوار ~~الآدمي تحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات الحواس معزولة عنها، والعلم ~~الذي يحصل لا بطريق الاكتساب والتعلم وحيلة الدليل ينقسم: إلى ما لا يدري العبد ~~أنه: كيف حصل له؟ ومن أين حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك ~~العلم وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب. والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع، ~~والثاني يسمى وحيا وتختص به الأنبياء، والأول تختص به الأولياء والأصفياء. # فلا فرق بين الوحي والإلهام في شيء إلا في مشاهدة الملك المفيد للعلم، فإن العلم ~~إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة. # وميل أهل التصوف متجه إلى هذه العلوم الإلهامية دون التعليمية، وقد قالوا: إن ~~الطريق إلى ذلك تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال ~~على الله بهمة خالصة، وبذلك يصير العبد متعرضا لنفحات رحمة الله؛ فلا يبقى إلا ~~الانتظار لما يفتح الله من الرحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه ~~الطريق. # وبعد هذا قال الغزالي في كتاب «إحياء علوم الدين»: «إن حقائق الأشياء مسطورة في ~~اللوح المحفوظ، بل في قلوب الملائكة المقربين؛ فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في ~~بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة، فكذلك فاطر السموات والأرض كتب نسخة ~~العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة، ~~ومهما ارتفع الحجاب بين القلب وبين اللوح المحفوظ رأى الأشياء فيه وتفجر إليه العلم ~~منه، فإذن للقلب بابان: باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم ~~الملائكة، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم الملك والشهادة، والفرق بين ~~علوم الأولياء والأنبياء وبين علوم العلماء والحكماء هذا: وهو أن علومهم (يقصد ~~الأولياء والأنبياء) تأتي من داخل القلب المنفتح إلى عالم الملكوت، ms39 وعلم الحكمة ~~يأتي من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك، وهناك فرق آخر: هو أن العلماء ~~يعملون في اكتساب نفس العلوم واجتلابها إلى القلب، وأولياء الصوفية يعملون في جلاء ~~القلوب وتطهيرها وتصفيتها وتصقيلها فقط لتترشح للفيض من جانب الملأ الأعلى.» # أما الملأ الأعلى، فيقول الدهلوي في كتاب «حجة الله البالغة»، بيانا له: # اعلم أنه قد استفاض من الشرع أن لله تعالى عبادا هم أفاضل الملائكة ~~ومقربو الحضرة، لا يزالون يدعون لمن أصلح نفسه وهذبها وسعى في إصلاح الناس، ~~فيكون دعاؤهم سببا لنزول البركات عليه، ويلعنون من عصى الله وسعى في ~~الفساد؛ فيكون لعنهم سببا في وجود حسرة وندامة في نفس العامل وإلهامات من ~~صدور الملأ السافل أن يبغضوه ويسيئوا إليه إما في الدنيا أو بعد الموت، ~~ويكونون سفراء بين الله وبين عباده، وإنهم يلهمون في قلوب بني آدم خيرا ؛ ~~أي يكونون أسبابا لحدوث خواطر الخير فيهم بوجه من وجوه السببية. وإن لهم ~~اجتماعات كيف شاء الله وحيث شاء الله، ويعبر عنهم باعتبار ذلك بالرفيق ~~الأعلى والندي الأعلى والملأ الأعلى، وإن لأرواح الأفاضل من الآدميين ~~دخولا فيهم ولحوقا بهم. # والملائكة على ثلاثة أقسام: قسم علم الحق أن نظام الخير يتوقف عليهم، فخلق ~~أجساما نورية فنفخ فيها نفوسا كريمة. # وقسم اتفق حدوث مزاج في البخارات اللطيفة من العناصر استوجبت فيضان نفوس شاهقة ~~شديدة الرفض للألواث البهيمية. # وقسم هم نفوس إنسانية قريبة المأخذ من الملأ الأعلى ما زالت تعمل أعمالا منجية ~~تفيد اللحوق بهم، حتى طرحت عنها جلابيب أبدانها فانسلكت في سلكهم وعدت منهم. # وأفاضل الملأ الأعلى - الذين هم القسم الأول - تجتمع أنوارهم وتتداخل فيما بينها ~~عند الروح الذي وصفه النبي # صلى الله عليه وسلم # بكثرة الوجوه والألسنة، فتصير هنالك كشيء واحد ~~وتسمى حظيرة القدس. # وربما حصل في حظيرة القدس إجماع على إقامة حيلة لنجاة بني آدم بتكميل أزكى خلق ~~الله يومئذ وإمضاء أمره في الناس، فيوجب ذلك تمثل علوم فيها صلاح البشر وهداهم في ~~قلبه وحيا ورؤيا وهتفا وأن تتراءى له وتكلمه ms40 شفاها. # وهذا أصل من أصول النبوة، ويسمى إجماعهم المستمر بتأييد روح القدس، ويثمر هناك ~~بركات لم تعهد في العادة فتسمى المعجزات. # أما القسم الثاني قسم النفوس التي استوجب فيضانها حدوث مزاج معتدل في بخارات ~~لطيفة فإنهم دون الأولين. # وكمال هذه النفوس أن تكون فارغة لانتظار ما يترشح من فوقها، فإذا ترشح شيء بحسب ~~استعداد القابل وتأثير الفاعل انبعثوا إلى ذلك الشيء، كما تنبعث الطيور والبهائم ~~بالدعاوى الطبيعية، فأثروا في قلوب البشر وغيرهم حتى تنقلب إرادتها وأحاديث نفوسها ~~إلى ما يناسب الأمر المراد، وقد تؤثر في بعض الأشياء الطبيعية بمضاعفة حركاتها ~~وتحولاتها، كما يدحرج حجر فأثر فيه ملك، فمشى في الأرض أكثر مما يتصور في العادة، ~~وربما ألقى الصياد شبكة فجاءت أفواج من الملائكة تلهم في قلب هذه السمكة أن تقتحم ~~وهذه أن تهرب، وربما تقابلت فئتان، فجاءت الملائكة تزين في قلوب هذه الشجاعة ~~والثبات، وتلهم حيل الغلبة، وتؤيد في الرمي وأشباهه، وفي قلوب تلك أضداد هذه الخصال ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # وبين الوحي عند الصوفية والوحي عند الفلاسفة تشابه غير خفي. # فالوحي عند هؤلاء وأولئك إشراف من النفس الإنسانية على حقائق الكون المثبتة في ~~عالم فوق عالمنا، لكن بين المذهبين مع هذا التشابه فروقا. # فالعالم العالي عند الفلاسفة عقول مجردة ونفوس هي عقول الأفلاك ونفوسها وصور ~~الأشياء منقوشة فيها بحكم أنها مصادر لها وأسباب لوجودها وبحكم أنها مجردة بطبعها ~~دراكة. واتصال النفوس البشرية بهذه النفوس الملكية هو اتصال روحي يطبعها بما أشرفت ~~عليه من المعارف كمرآة تحاذى بها مرآة أخرى. # أما العالم العالي عند الصوفية الذي يفيض منه الوحي والإلهام فهو أمران: لوح ~~محفوظ؛ كتب الله فيه على الوجه الذي أراده ما كان وما يكون، وملائكة هم أجسام من ~~نور ذوو نفوس كريمة لها على باقي اللوح اطلاع، وهي أيضا ألواح خطت فيها صنوف من ~~العلم الإلهي، وما الوحي إلا أن يتلقى النبي من الملك شرائع إلهية، مع شهود الملك ~~وسماع خطابه؛ إذ لا يجمع بين شهود الملك وسماع ms41 خطابه إلا الأنبياء، وأما الولي فإن ~~سمع صوتا فإنه لا يرى صاحبه، وإن رأى الملك فإنه لا يسمع له كلاما، كما في كتاب ~~الكبريت الأحمر. # والناظر فيما بين مذهب الفلاسفة والصوفية من تخالف يحس بأن منشأه أن الأولين ~~أخذوا يفسرون النصوص الدينية بما يوافق ما استقر عندهم من نظام الكون وترتيب ~~العوالم سفليها وعلويها، فهم يجعلون الملائكة التي وردت في لسان الشرع عبارة عن ~~العقول المجردة والنفوس الفلكية التي أثبتتها فلسفتهم، ويؤولون النصوص تأويلا يتفق ~~مع أغراضهم. # والصوفية يعتمدون أولا على النصوص الدينية، ويحاولون مبلغ جهدهم أن يشرحوا ~~مبهمها، ويوفقوا بين ظواهر التضارب بينها، مضطرين إلى الركون إلى منازع الفلسفة، ~~وإلى ما يسمونه ذوقا تقصر عنه العبارة ويدركه العارفون، فهم أقل إمعانا في ~~التأويل وهم أقل وضوحا. ~~(4) مذهب ابن خلدون في الوحي # يقول ابن خلدون في «المقدمة»: إن الذي يذكره في تفسير حقيقة النبوة جار على ما ~~شرحه كثير من المحققين. # ولا شك أن الذي أدلى به في أمر النبوة والوحي متأثر بمذاهب الفلاسفة والصوفية، ~~ولكن فيه من الطرافة وجدة التوجيه ما يجعله مذهبا جديدا. # العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة عجيبة من الترتيب وربط الأسباب ~~بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض. فعالم العناصر ~~متدرج من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض، وكل واحد ~~منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا، ويستحيل بعض الأوقات، ~~والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكل على ~~طبقات اتصل بعضها ببعض. # وعالم التكوين يبتدئ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. ~~فآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات، وآخر أفق النبات متصل بأول أفق الحيوان. ~~ومعنى الاتصال في هذه الكائنات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب أن يصير ~~أول الأفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهت في التدريج إلى ~~الإنسان صاحب الفكر والروية. # ثم إنا نجد ms42 في العوالم - على اختلافها - آثارا متنوعة تشهد كلها بأن لها مؤثرا ~~مباينا للأجسام؛ فهو روحاني ويتصل بالكائنات؛ لوجوب اتصاله بهذه العوالم في ~~وجودها، وذلك هو النفس المدركة المحركة، ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى ~~الإدراك والحركة ويتصل بها أيضا ويكون بذاته إدراكا صرفا وتعقلا محضا، وهو ~~عالم الملائكة. # فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية لتصير بالفعل ~~من جنس الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من اللمحات، وذلك بعد أن تكمل ذاتها ~~الروحانية بالفعل، وهؤلاء هم الأنبياء، فطروا على الانسلاخ من البشرية جسمانيتها ~~وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصيروا في لمحة من اللمحات ملائكة ~~بالفعل، ويحصل لهم شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب ~~الإلهي في تلك اللمحة، فإذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملأ الأعلى ~~ما يتلقونه عاجوا به على المدارك البشرية منزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد، ~~فتارة يسمع النبي دويا كأنه رمز من الكلام، وتارة يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ~~ويعي ما يقوله، والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقى عليه ~~كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر؛ لأنه ليس في زمان؛ بل كلها تقع ~~جميعا، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت وحيا؛ لأن الوحي في اللغة: ~~الإسراع. # وترتيب العوالم كلها على درجات منتظمة الحلقات، متصلة ذواتها وقواها بعضها ببعض ~~بحيث يكون آخر كل أفق منها مستعدا استعدادا قريبا لأن يصير أولا للأفق الذي ~~بعده، هو نظر طريف من أنظار ابن خلدون. وتفسير الوحي بأنه مفارقة البشرية إلى أفق ~~الملائكة والملأ الأعلى، وتلقي الكلام الإلهي النفسي كما تتلقاه الملائكة، ثم ~~الرجوع إلى المدارك البشرية التي تمثل ذلك الطور الروحاني بصور وأصوات، وتعليل ~~الشدة التي يعانيها النبي عند التنزيل وما يحدث له من الغيبة والغطيط بأن مفارقة ~~البشرية والانسلاخ عنها إلى أفق آخر شيء عسير خصوصا في بادئ الأمر - كل ذلك منزع ~~من منازع ابن خلدون الجديدة. # ويقول ابن خلدون: إن ms43 نزول القرآن في مكة منجما على سور وآيات أقصر مما نزل ~~بالمدينة سببه أن الاعتياد شيئا فشيئا على ما في الوحي من جهد يورثه بعض السهولة، ~~فبدئ بالقصير حين كانت مشقة الوحي أشد. # ومذهب ابن خلدون يرجع بعد هذا إلى رأي الفلاسفة وشيء من مذهب الصوفية. ~~(5) الوحي عند المسلمين في العصور الحديثة # يلاحظ أن الرأي السائد بين المسلمين في أمر الوحي يميل في عصور الركود النظري إلى ~~مذاهب المتكلمين، ويتأثر برأي الفلاسفة في عصور النهوض. # وقد كان رأي المتكلمين في أبعد صوره عن الروحانيات هو الذائع في البلاد الإسلامية ~~في العصور القريبة لا يكادون يتدارسون غيره، حتى جاء الشيخ محمد عبده يقرر أن الوحي ~~عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة. والأول ~~بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه ~~النفس وتنساق إلى ما يطلب على شعور منها، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن ~~والسرور، ومن النفوس البشرية ما يكون لها من نقاء الجوهر بأصل الفطرة ما تستعد به ~~لأن تتصل بالأفق الأعلى وتنتهي من الإنسانية إلى الذروة العليا وتشهد من أمر الله ~~شهود العيان ما لم يصل غيرها إلى تعقله أو تحسسه بعصا الدليل والبرهان، ووجود بعض ~~الأرواح العالية وظهورها لأهل تلك المرتبة السامية مما لا استحالة فيه عقلا، وتمثل ~~الصوت وأشباح لتلك الأرواح في حس من اختصه الله بتلك المنزلة ليس بالأمر ~~الغريب. # وهذا هو مذهب الفلاسفة بعينه وإن طرزت حواشيه بصور من مذاهب المتكلمين. # | الإسلام # الفصل الأول # | النظريات المختلفة في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة ~~«إسلام» # (1) # الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله النبي العربي المولود بمكة سنة 571م، ~~المتوفى بالمدينة سنة 632م؛ معروف باسم «الإسلام» منذ عهده الأول، وقد يسمى ~~«السلم» (بكسر السين) و«السلم» (بفتحها) على ما ذكره «لسان العرب». وهذه ~~الأسماء الثلاثة هي ألفاظ عربية المادة والصيغة، فلها عند العرب معان هي ~~حقائق لغوية، ولما استعملت النصوص المقدسة ms44 الإسلامية هذه الألفاظ في ~~الدلالة على الدين الإسلامي كان ذلك بالضرورة تصرفا في المعنى اللغوي ~~الأصلي. # وقد جرى عرف العلماء على تسمية الألفاظ المستعملة في معان وضعها لها ~~الشرع «بالأسماء الشرعية» كالصلاة، والزكاة، والحج، وكالإيمان والكفر، ~~وربما خص ما يتعلق بالعقائد، مثل الإيمان والكفر، بالأسماء الدينية، ~~ويذكرون في كتب أصول الفقه خلافا في الأسماء الشرعية نفيا وإثباتا في ~~الوقوع، على معنى أن ما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة كالصوم والإيمان ~~هل خرج به عن وضعهم إلى وضع مستحدث أو لم يخرج به عن وضعهم وإنما استعمله ~~استعمالا مجازيا جاريا على أساليبهم؟ # قال بالأول القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفى سنة 404ه / 1103م)، وقال ~~بالثاني المعتزلة والخوارج والفقهاء. ويستفاد من البحث الذي فصله الآمدي ~~بهذا الصدد أن علماء الإسلام يعتبرون المعاني الشرعية متفرعة عن المعاني ~~اللغوية وثيقة الصلة بها. # 1 ~~(2) # وقد عني المفسرون والمتكلمون واللغويون وغيرهم من الباحثين برد المعنى ~~الشرعي للفظ «إسلام» إلى أصله اللغوي. # وجمع الفخر الرازي (المتوفى سنة 606ه / 1209م) في تفسيره لقوله - تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # جملة المذاهب في ذلك؛ فقال: «وأما الإسلام ففي معناه في أصل اللغة ثلاثة ~~أوجه، الأول: أنه عبارة عن الدخول في السلم؛ أي في الانقياد والمتابعة، قال ~~- تعالى: # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا # 2 ~~... أي لمن صار منقادا لكم ومتابعا لكم، والثاني: من أسلم؛ أي ~~دخل في السلم، كقولهم: أسنى وأقحط، وأصل السلم السلامة، والثالث: قال ابن ~~الأنباري (المتوفى سنة 328ه / 938م): المسلم معناه المخلص لله عبادته من ~~قولهم سلم الشيء لفلان خلص له، فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى.» # 3 ~~(3) # أما المحدثون: فجمهرة المستشرقين منهم ترى أن اسم «إسلام» يرجع إلى معنى ~~من الطاعة والخضوع غير إرادي؛ أي التسخير لإرادة قاهرة، يقول جولد صيهر # Goldziher ~~: «إسلام بمعنى خضوع؛ أي خضوع ~~المؤمن لله، وهذه الكلمة، التي هي أوفى من كل كلمة غيرها في تعيين المنزلة ~~التي جعلها محمد للمؤمن في علاقته بمعبوده، عليها طابع ظاهر من ms45 الشعور ~~بالتبعية والقدوة لا تحيط بها حدود، ويجب على الإنسان أن يستسلم لها ~~متبرئا من كل حول له وقوة». # 4 # ويشير إلى مثل ذلك القول أرنولد # Arnold # في الفصل ~~الذي كتبه عن «إسلام» في دائرة المعارف ~~الإسلامية # Encyclopédie de ~~l’Islam ~~، ولا يختلف ما ذكره بابنجر # Babinger # في الفصل الذي كتبه عن الإسلام في كتاب «أديان العالم» # Religions du Monde # عن كلام جولد صيهر في ~~شيء. # وقد تنبه سيد أمير علي إلى أن أمثال هؤلاء المستشرقين اعتبروا معنى الانقياد الذي فسر ~~به لفظ إسلام انقيادا مطلقا لإرادة لا حدود لسلطانها، ولا كسب لأحد معها، فجاء يبين ~~في كتابيه «روح الإسلام # Sprit of Islam ~~» و«الإسلام # Islam ~~» أن ليس في استعمال كلمة إسلام لغة أو شرعا ما ~~يدل على معنى الانقياد المطلق والخضوع المتضمن لمعنى الجبر كما يفرضه عادة أكثر ~~الباحثين من علماء الغرب. على أن سيد أمير علي يقرر أن المعنى الشرعي للإسلام هو الكد ~~في تحري الرشد والتماس الفلاح بتزكية النفس، كما يؤخذ من الآيات: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا ~~، # 5 # ونفس وما سواها * فألهمها ~~فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ~~. # 6 # وذلك يستلزم معنى الطاعة الإرادية ظاهرا وباطنا، والرشد هو الهدى ~~والفلاح، وهو الذي يهدي إليه القرآن من تصديق خبر الله وامتثال أمره، كما يقول ابن قيم الجوزية. # 7 # وبهذا البيان يتضح ما في كلام «إدوارد ~~سل # Edward Sell ~~» من التعسف في تأويل رأي سيد أمير علي. # 8 # يرى إدوارد سل: أن اعتبار المؤلفين الأوروبيين أن لفظ «إسلام» يعبر عن الإذعان التام ~~لإرادة الله في كل شئون العقائد والأحكام توسع في فهم معنى اللفظ؛ إذ هو إنما يدل على ~~معنى أخص من الإذعان المطلق، فهو إنما يدل على الإذعان العملي، ويستشهد بقول سيد أمير ~~علي أن الإسلام هو تحري الرشد. # ثم يحاول إدوارد سل أن يجعل جملة ما ورد في القرآن من لفظ «إسلام» ومشتقاته مؤديا ~~معنى الانقياد الظاهر والطاعة بالجوارح، ms46 ويزعم أن المفسرين يبدو أنهم مجمعون على ~~استعمال اللفظ في معنى آلي، ويقول: إن هذا يتفق وعدم ورود كلمة «إسلام» في السور ~~الأولى؛ إذا هي لم ترد إلا ثماني مرات منها ست في السور المدنية واثنتان في السور ~~المكية الأخيرة، ويرجع ذلك إلى أن أركان اليد العملية لم تصر جزءا منه على وجه قاطع ~~حتى كون محمد دينه في المدينة، ويخلص من ذلك إلى: أن لفظ «إسلام» عندما ينظر إليه من ~~وجهة النظر المحمدية يفقد كثيرا من جماله الروحي الذي تجمع حول فكرة الخضوع التام ~~لإرادة الله، ويصبح مؤيدا للمبدأ اليهودي القائل بأن المهم ليس هو روح الشريعة، بل ~~المهم هو مراعاة الأداء الصوري لواجبات ظاهرة خاصة. # ودعوى إدوارد سل: أن كلام سيد أمير علي يفيد قصر الإسلام على خضوع الجوارح دون خضوع ~~القلب لا يمكن أن يؤخذ من عبارات «سيد أمير علي» وليس في كتابيه ما يؤيدها، ومحاولة ~~«إدوارد سل» أن يجعل جملة ما ورد في القرآن من لفظ «إسلام» وما اشتق منه مؤديا معنى ~~الانقياد الظاهر والطاعة بالجوارح فقط محاولة لا تقوم على أساس؛ لأن ما ذكر في القرآن ~~من لفظ «إسلام» وما اشتق منه مقابلا للإيمان ومخالفا له - بحيث يدل الإسلام على العمل ~~الظاهر والإيمان على التصديق - لا يعدو ثلاث آيات على ما ورد في كتاب «حجج القرآن»، # 9 # أو لا يعدو أربعا كما هو الواقع؛ إذ ترك صاحب هذا الكتاب آية 5 س66 ~~(التحريم، مدنية)، أما إجماع المفسرين على استعمال لفظ إسلام في معنى آلي فغير صحيح كما ~~يتضح لكل مطلع على التفاسير المختلفة للقرآن، وسيأتي ما يؤيد ذلك فيما يلي، وعدم ورود ~~لفظ «إسلام» في السور الأولى لا ينتج ما يريد أن يستنتجه المؤلف؛ فقد وردت صيغة اسم ~~الفاعل من «أسلم» في 39 آية، المكيات منها 24 والمدنيات 15، وبعض هذه المكيات في سور ~~غير متأخرة كما في آية # أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ~~(آية 35 من سورة 68، القلم، مكية) وهي السورة الثانية في ~~ترتيب نزول القرآن على ms47 ما نقله صاحب الفهرست عن نعمان بن بشير، وكما في آية: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن ~~أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~(آية 14 من سورة 72، الجن، مكية) ~~التي ورد فيها الفعل أيضا. # ولكارا دي فو # Carra de Vaux # رأي في معنى كلمة ~~«إسلام» وأصلها، بينه على الوجه الآتي: # كان من تبع إبراهيم يسمى حنيفا، ومعناه المائل؛ لأنهم مالوا عن عبادة ~~الأصنام التي كانت قد فشت في العالم، أو يسمى المسلم أي الذي يجدد ويصون الشيء ~~سالما، ذلك بأنهم جددوا وصانوا التوحيد الخالص، وتفسير «مسلم» بأنه المستسلم ~~لله أو المسلم نفسه لله أبعد غورا في التصوف من أن يكون المعنى الأصلي. # 10 # وهذا الرأي غير وجيه من الناحية اللغوية؛ فإنه ليس في مادة «إسلام» ولا ~~صورتها ما يؤيده على مقتضى أصول اللغة وقواعد الاشتقاق، فما علمنا بأن من مدلولات هذه ~~المادة التجديد أو الصون، ولا رأينا أن صيغة أفعل تفيد أحد هذين المعنيين. # الفصل الثاني # | الرأي الراجح في العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة «إسلام» # (1) # من تأمل فيما ذكره اللغويون من معاني مادة «سلم» على اختلاف ألفاظها ~~وصيغها متحريا البحث عما يصلح أن يكون أصلا يتفرع عنه سائر المعاني؛ وجد ~~في كتب اللغة المعتبرة - مثل: كتاب الاشتقاق لابن دريد، والصحاح للجوهري، ~~والمفردات في غريب القرآن، ولسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير ~~للفيومي - أن «السلم» بكسر السين و«السلم» بكسر اللام الحجارة الصلبة، سميت ~~بذلك لسلامتها من الرخاوة والواحدة سلمة، واستلم فلان الحجر الأسود هو ~~افتعل من السلمة، وأن «السلم» بفتحتين شجر عظيم له شوك ورقه القرظ يدبغ ~~به، واحده «سلمة» بفتحتين أيضا، كأنما سمي بذلك لاعتقادهم أنه سليم من ~~الآفات، ويقال: منه سلمت الجلد (بفتح اللام) أسلمه (بكسرها) إذا دبغته ~~بالسلم. ولعل هذه المعاني هي التي ينبغي أن تكون هي الأصل الأول لمادة سلم، ~~وعنها تفرعت جميع الاستعمالات الأخرى؛ ذلك بأن هذه المعاني هي أمور مادية ~~محسوسة قريبة إلى حياة البداوة، فهي أجدر أن تكون أصلا لوضع المعاني ~~المجردة. وقد ولد ms48 العرب من هذه المعاني معاني أخرى وضعية حقيقية قائمة على ~~معنى الخلوص الذي هو ملحوظ في المعاني الأولى. # وهذه المعاني الحقيقية المولدة هي: (1) معنى الخلوص من الشوائب الظاهرة ~~أو الباطنة، وفي معاجم اللغة أن السلم بفتح فسكون والسلام والسلامة تكون ~~بمعنى الخلوص والتعري من الآفات الظاهرة أو الباطنة. (2) معنى الصلح ~~والأمان، ويقول اللغويون: إن السلم والسلم بكسر السين وفتحها لغتان في ~~الصلح، يذكران ويؤنثان كالسلام. (3) معنى الطاعة والإذعان، فالسلم ~~بفتحتين على ما في كتب اللغة والسلم بفتح فسكون والسلم بكسر فسكون ~~الاستسلام والإذعان والطاعة. # ويرد اللغويون «السلام» - الذي هو اسم من أسماء الله، والسلام بمعنى ~~التحية والدعاء - إلى معنى الخلوص والسلامة من المكاره والآفات، ورد ~~السلم بمعنى السلف # 1 # إلى هذا المعنى غير عسير. # وفعل أسلم يستعمل في اللغة على وجهين؛ أحدهما: أن يستعمل لازما، والآخر: ~~أن يستعمل متعديا. # واللازم يكون بمعنى الدخول في السلم بمعنى الصلح أو الطاعة، وقد ذكر ~~علماء الصرف أن صيغة أفعل اللازم: تأتي بمعنى الدخول في شيء كأصبح بمعنى ~~دخل في الصباح، وأقحط: دخل في القحط، وأعرق: دخل في العراق. # وأما المتعدي: فصيغة أفعل فيه ترد للتعدية وهي تصيير الفاعل قبل دخول ~~الهمزة مفعولا، فأسلم الشيء لفلان منقول بالهمزة عن سلم الشيء لفلان: خلص ~~له من غير منازع، كسلمه له تسليما المنقول بالتضعيف، وحقيقة معناه: ~~أخلصه له وجعله له سالما. # ولفظ «إسلام» مصدر «أسلم» لازما كان أم متعديا فهو صالح للدلالة على كل ~~ما يدل عليه الفعل من المعاني السالفة. # هذه هي جملة المعاني اللغوية لمادة «سلم» وما تفرع عنها. وقد ورد في ~~القرآن استعمال كثير من صيغ هذه المادة في معانيها اللغوية. # فورد معنى الخلوص والبراءة من الشوائب الظاهرة والباطنة في قوله: # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ~~تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها # 2 # وفي قوله: # إلا من أتى الله ~~بقلب سليم ~~. # 3 # وورد في غير هاتين الآيتين أيضا، وجاء معنى الصلح في مثل قوله ~~تعالى: # فلا تهنوا وتدعوا ms49 إلى السلم ~~وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم # 4 # وقوله: # وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم ~~. # 5 # واستعمل القرآن بعض صيغ هذه المادة في معنى الانقياد والخضوع كما في ~~قوله: # بل هم اليوم مستسلمون ~~. # 6 ~~(2) # على أن القرآن استعمل لفظ «إسلام» وفعله والوصف منه في معنى شرعي خاص، ~~وقد اختلفوا في هذا المعنى الشرعي على مذاهب ثلاثة: ~~(أ) # قال قائلون: إن الإسلام هو الإيمان، ومعنى الإيمان باتفاق ~~أهل العلم من اللغويين وغيرهم التصديق كما في لسان العرب، وذهب ~~هذا المذهب الفخر الرازي في تفسيره لآية: # إن الدين عند الله الإسلام # مستدلا عليه. ~~(ب) # وقال آخرون: إن لفظ «إسلام» يطلق في لسان الشرع على معنيين؛ ~~أحدهما: الإيمان، والثاني: معنى أعم من الإيمان، وهو الانقياد ~~بالقلب أو بالظاهر، وقد نقل هذا المذهب النووي في شرحه على ~~صحيح مسلم عن الخطابي. # ومن القائلين بأن لفظ «إسلام» يطلق في لسان الشرع على معنيين ~~من يفسر هذين المعنيين بما فسرهما به الراغب الأصفهاني؛ فيذهب ~~إلى أن أحد المعنيين هو الإيمان، ويفسر الإيمان بالاعتراف ~~باللسان، وأن الثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف ~~باللسان اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل واستسلام لله في جميع ما ~~قضى وقدر. ~~(ج) # وقال قائلون: إن الإسلام يطلق شرعا على ثلاثة معان، وعلى ~~هذا جرى الغزالي في الإحياء، وهذه المعاني الثلاثة هي: # أولا: # إطلاق الإسلام بمعنى الاستسلام ظاهرا باللسان ~~والجوارح، مع إطلاق الإيمان على التصديق بالقلب فقط، ~~وبذلك يكون الإيمان والإسلام مختلفين. # ثانيا: # أن يكون الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب ~~والقول والعمل جميعا، ويكون الإيمان عبارة عن ~~التصديق بالقلب، فالإيمان أخص من الإسلام. # ثالثا: # أن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب ~~والظاهر جميعا، وكذا الإيمان، وعلى هذا فالإسلام ~~والإيمان مترادفان. ~~(3) # وأثر الفرق الإسلامية ظاهر قوي في هذا الخلاف المرتبط بمسألة احتدم فيها ~~النزاع بين الفرق، وهي مسألة الكفر بارتكاب الكبيرة. # فالأشعرية لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يرتكبه ~~مستحلا له غير ms50 معتقد تحريمه، خلافا للخوارج القائلين بأن مرتكب الكبائر ~~يكفر ويزول عنه الإيمان، وخلافا للقدرية والمعتزلة القائلين بأنه يخرج من ~~الإيمان ولا يدخل في الكفر، فيكون بين الكفر والإيمان. # 7 # بل إن الفرق جعلت مسألة المعنى الشرعي للإسلام والإيمان من أسس نزاعها ~~صراحة؛ فالأشعري يقول في الإبانة: «ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، ~~وليس كل إسلام إيمانا.» # 8 # ويقول الطبرسي الشيعي في تفسيره مجمع البيان: «والإسلام ~~والإيمان بمعنى واحد عندنا وعند المعتزلة.» # 9 # فالخلاف على هذه المسألة إنما هو في الحقيقة من تمحلات الفرق والتماسها ~~دقائق البحث اندفاعا وراء جموح النظر؛ فهو مصطنع اصطناعا. ~~(4) # ولكنهم يريدون أن يلتمسوا سببا لهذا الخلاف في القرآن نفسه، وعندهم أن ~~منشأه أن علماء الإسلام وجدوا في آيات القرآن ما ذكر فيه الإسلام مقابلا ~~للإيمان على وجه يشعر بالتغاير بينهما: # قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~، # 10 # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات ~~، # 11 # إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات ~~، # 12 # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين ~~، # 13 # كما وجدوا في آيات ما يدل على أن الإسلام والإيمان واحد: # وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ~~، # 14 # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ~~* فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين ~~، # 15 # يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ~~. # 16 # وقد أرادوا التحلل من هذا الإشكال بأن جعلوا للإسلام في لسان الشرع معاني ~~مختلفة. # على أن الأمر لا يدعو إلى ذلك فإن القرآن استعمل من مادة «سلم» صيغا ~~كثيرة في معانيها اللغوية كما استعملها العرب، ولكنه استحدث للفظ «إسلام» ~~وما اشتق منه معنى واحدا شرعيا استعمله في آيات غير قليلة؛ وهذا المعنى ~~هو: التوحيد وإخلاص النفس لله وحده لا يكون فيها لغيره شريك يعبد ويسمى ~~إلها، وهو معنى مولد من المعنى اللغوي الذي هو الخلوص والسلامة. ms51 قال ابن ~~دريد في كتاب الاشتقاق: «واشتقاق المسلم من قولهم أسلمت لله؛ أي سلم له ضميري.» # 17 # أما سائر استعمالات القرآن لهذه المادة فاستعمالات لغوية جارية على ~~الأوضاع والاستعمالات العربية الحقيقية. وقد ذكر ما يفيد ذلك الزمخشري في ~~الكشاف عند تفسير آية: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ~~. ~~(5) # والأدلة على أن المعنى الشرعي للإسلام هو التوحيد وإخلاص الضمير لله تظهر ~~في عدة مواطن: # أحدها: # أن القرآن يقرر أن الدين واحد على لسان جميع الأنبياء وهو ~~الإيمان بما يجب الإيمان به، وإنما تختلف الشرائع، أي الأحكام ~~العملية: # شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه الله ~~يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ~~ينيب ~~، # 18 # أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين ~~، # 19 # وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ~~من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم عما جاءك من الحق لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~. # 20 # ودين الله الواحد الذي لا يدخله النسخ ولا يختلف باختلاف ~~الأنبياء هو في عرف القرآن المسمى إسلاما : # إن الدين عند الله الإسلام ~~وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ~~ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب * فإن حاجوك فقل ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ~~وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~والله بصير بالعباد ~~، # 21 # اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~؛ # 22 # وهذه الآية الأخيرة نزلت يوم عرفة في حجة الوداع، ~~قالوا: ولم يعش النبي بعدها إلا 81 ليلة، وهي تدل على أن الدين ~~الذي هو الإسلام هو التنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على ~~أصول الشرائع التي كملت في القرآن؛ أما الأحكام العملية فهي ~~تختلف باختلاف الأنبياء والأمم، وقد ms52 تتغير بتغير المظان، ولم ~~يجمعها القرآن إلا إجمالا بتبيينه الأصول التي تستمد منها تلك ~~الأحكام، ولم تكن كملت عند نزول الآية. # 23 # وقد ثبت بما ذكرناه أن الدين في عرف القرآن هو الإيمان ~~بالأصول الدينية التي هي حقائق خالدة لا يدخلها النسخ ولا ~~تختلف فيها الأنبياء، وأن الإسلام هو هذا الدين؛ إذ لا دين ~~غيره عند الله. # ثانيها: # أن صيغة «إسلام» وردت في القرآن مضافة وغير مضافة في ثمان ~~آيات، منها ست آيات مدنية، وآيتان مكيتان. # فأما المكيتان فهما: # فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~، # 24 # أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه ~~، # 25 # والآيتان صريحتان في أن الإسلام فيهما هو الإيمان ~~الخالص الذي موضعه الصدر أي القلب. # وأما الآيات المدنية فهي: # ومن ~~أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين ~~، # 26 # وتفسير الإسلام في هذه الآية بالإيمان تدل عليه ~~الآيات اللاحقة دلالة ظاهرة. # يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ~~ينالوا # 27 # والإسلام في هذه الآية مذكور في مقابلة الكفر، وقد ~~قوبل الإسلام وما يشتق منه في القرآن بالكفر كما في هذه الآية، ~~وكما في آية: # ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون ~~، # 28 # وآية: # ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~، # 29 # وقوبل الإسلام بالشرك في آيات عدة؛ منها: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما ~~كان من المشركين ~~، # 30 # وآية: # قل أغير الله ~~أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ~~وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت ~~أن أكون أول من أسلم ولا تكونن ~~من المشركين ~~. # 31 # أما باقي الآيات المدنية فهي: # يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم ~~صادقين ~~، # 32 # وهي من الآيات التي ذكرها كتاب «حجج القرآن» في ~~حجج القائلين بأن الإيمان والإسلام واحد، وآية: # إن الدين ms53 عند الله ~~الإسلام ~~، # 33 # وآية: # ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين ~~، # 34 # وآية: # اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا ~~. # 35 # وقد بين الزمخشري وغيره من المفسرين في تفسير هذه الآيات: أن ~~الإسلام فيها هو التوحيد وإسلام الوجه لله، وذلك يقتضي أن لفظ ~~«إسلام» لم يرد في القرآن إلا مستعملا في معناه الشرعي ~~مرادفا للإيمان. # ثالثها: # أن القرآن سمى أتباع دين محمد # الذين ~~آمنوا ~~؛ في آيات منها: # إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ~~، # 36 # وآية: # إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~؛ # 37 # وآية: # إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة إن ~~الله على كل شيء شهيد ~~، # 38 # وسماهم كذلك المسلمين في آيات منها: # وجاهدوا في الله حق جهاده ~~هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو ~~سماكم المسلمين من قبل وفي ~~هذا # 39 ~~... وآية: # يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~، # 40 # وفي ذلك إشعار بأن معنى الإيمان والإسلام متفق غير ~~مختلف. ~~(6) # وإذا كان الإسلام في عرف القرآن هو القواعد الأصولية التي يجب الإيمان ~~بها والتي جمعها القرآن كاملة بحيث يعرف الإسلام بأنه هو ما أوحاه الله إلى ~~نبيه محمد في القرآن، وأمره بتبيينه للناس كما تشير إليه آية: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم # 41 ~~... فقد تطور استعمال لفظ الإسلام إلى ما يشمل الأصول ~~الاعتقادية، أو الفروع العملية، وتطور استعمال لفظ «الدين» كذلك فأصبح ~~تعريف الدين عند المسلمين هو: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه ~~إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وهذا يشمل العقائد والأعمال. # 42 # ومع هذا التطور فقد بقيت بين ms54 المسلمين آثار العرف الشرعي إلى ~~اليوم، فهم يقسمون الدين إلى فروع وأصول باعتباره منقسما إلى معرفة هي ~~الأصل وطاعة هي الفرع، ويقولون إن العقائد يقينية؛ فلا بد أن تكون ثابتة ~~بطريق ديني يقيني قطعي وهو القرآن وحده؛ إذ هو المقطوع به وحده في الجملة ~~والتفصيل، أما الأحكام العملية فيكفي فيها الظن. # 43 # ويقولون: إن النسخ لا يكون في مسائل علم الكلام وإنما يكون في ~~مسائل الفقه. # ثم إن الخلاف بين المسلمين في شئون الأحكام العملية ليس له خطر الخلاف في ~~الأمور الاعتقادية، فالآراء المتباينة في الأولى تسمى مذاهب، وأتباع كل ~~يعتقدون أن مذهبهم صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرهم خطأ يحتمل الصواب، بل يرى ~~بعضهم: أن الحق يتعدد في المسائل الاجتهادية؛ باعتبار أن الله لم يكلف ~~الناس إلا بأن يبذلوا جهدهم في تحري الصواب، فما وصلوا إليه بجهدهم فهو ~~بالنسبة لهم الحق لا يجوز العدول عنه، ولست تجد شيئا من ذلك في أمور ~~العقائد التي يؤدي الاختلاف فيها إلى تفرق الفرق يكفر بعضها بعضا، والحق ~~في مسائل الاعتقاد واحد لا يتعدد وكل ما سواه باطل، أحسن الفروض بالنسبة ~~لصاحبه أن يعذر فينجو من عقاب الأخذ بالباطل. # 44 # هذا والأعمال البدنية نفسها لا يكون لها اعتبار في دين المسلمين بحسب ~~صورها الظاهرة، وإنما هي معتبرة بالنيات والهيئات النفسانية التي هي مصدرها، # 45 # وفي القرآن: # لن ينال الله لحومها ~~ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم # 46 ~~... ويروى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # حديث هو أحد الأحاديث التي عليها ~~مدار الإسلام، وقال الشافعي وأحمد: إنه يدخل فيه ثلث العلم، وهو من أصح ~~الأحاديث النبوية وأشهرها، حتى زعم بعضهم أنه متواتر، # 47 # واعترافا بمكانه بين السنن تجده في فاتحة كثير من كتب السنة ~~المعتبرة، وهذا الحديث هو: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما ~~نوى.» # انتهى طبعه في 5 من ذي الحجة سنة 1364 / 10 نوفمبر سنة 1945. ms55