######OpenITI# #META# URI: 1366MustafaCabdRazzaq.TamhidTarikhFalsafaIslamiyya.Hindawi52718095 #META# Tags: philosophy #META# ID: 52718095 #META# Title: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية #META# AuthorID: 58628571 #META# Author: مصطفى عبد الرازق #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القسم الأول: مقالات الغربيين والإسلاميين في الفلسفة ~~الإسلامية‏ # 1 - مقالات المؤلفين الغربيين‏ # 2 - مقالات المؤلفين الإسلاميين‏ # 3 - تعريف الفلسفة وتقسيمها عند الإسلاميين‏ # 4 - الصلة بين الدين والفلسفة عند الإسلاميين‏ # القسم الثاني: منهجنا في درس تاريخ الفلسفة الإسلامية‏ # 1 - بداية التفكير الفلسفي الإسلامي‏ # 2 - النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه‏ # 3 - الرأي وأطواره‏ # ضميمة في علم الكلام وتاريخه‏ # علم الكلام وتاريخه‏ # القسم الأول: مقالات الغربيين والإسلاميين في الفلسفة ~~الإسلامية‏ # 1 - مقالات المؤلفين الغربيين‏ # 2 - مقالات المؤلفين الإسلاميين‏ # 3 - تعريف الفلسفة وتقسيمها عند الإسلاميين‏ # 4 - الصلة بين الدين والفلسفة عند الإسلاميين‏ # القسم الثاني: منهجنا في درس تاريخ الفلسفة الإسلامية‏ # 1 - بداية التفكير الفلسفي الإسلامي‏ # 2 - النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه‏ # 3 - الرأي وأطواره‏ # ضميمة في علم الكلام وتاريخه‏ # علم الكلام وتاريخه‏ # | تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية # | تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية # تأليف # مصطفى عبد الرازق # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية يشتمل على بيان لمنازع ~~الغربيين والإسلاميين، ومناهجهم في دراسة الفلسفة الإسلامية ~~وتاريخها. # والباحثون من الغربيين كأنما يقصدون إلى استخلاص عناصر أجنبية ~~في هذه الفلسفة؛ ليردوها إلى مصدر غير عربي ولا إسلامي، وليكشفوا ~~عن أثرها في توجيه الفكر الإسلامي. # أما الباحثون الإسلاميون فكأنما يزنون الفلسفة بميزان ~~الدين. # ويتلو هذا البيان شرح لمنهج في درس تاريخ الفلسفة الإسلامية ~~مغاير لهذه المناهج؛ فهو يتوخى الرجوع إلى النظر العقلي ~~الإسلامي في سذاجته الأولى وتتبع مدارجه في ثنايا العصور وأسرار ~~تطوره. # ويلي بيان هذا المنهج، تطبيق له وتوضيح بما هو أشبه بالنموذج ~~والمثال. # ثم لهذا التمهيد ضميمة في علم الكلام وتاريخه، ليست مقطوعة الصلة ~~به؛ إذ هي لا تعدو أن تكون نموذجا أيضا من نماذج المنهج ~~الجديد. # هذا، وقد كنت أيام اشتغالي بتدريس الفلسفة الإسلامية وتاريخها ~~في الجامعة المصرية، معنيا بدرس هذه الموضوعات واستكمال بحثها، ~~ودونت فيها صحفا، طويتها على غرها منذ تركت الجامعة في صدر ~~سنة 1939 وصرفتني الشواغل عنها. # واليوم، أعود إلى هذه الصحف؛ لأنشرها كما هي بصورتها يوم كتبت ~~من غير ms001 تنقيح ولا تعديل، وفي صياغتها التعليمية، التي تراعي حاجة ~~الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة، وحسن التدبر والفهم للأساليب ~~المتفاوتة، وإن لم يخف ذلك على ذوق المطالعين جميعا. # وأرجو أن يكون في هذه الصفحات عون لباحث، أو فائدة لقارئ. # شوال 1363 / أكتوبر 1944 # مصطفى عبد الرازق # القسم الأول # | مقالات الغربيين والإسلاميين في الفلسفة ~~الإسلامية # الفصل الأول # | مقالات المؤلفين الغربيين # لا بد للباحث في الفلسفة الإسلامية وتاريخها من الإلمام بمقالات ~~من سبقوه في هذا الشأن، ليكون على بصيرة فيما يتخيره من وجهة ~~النظر، وفيما يتحرى اجتنابه من أسباب الزلل. # والسابقون إلى النظر في الفلسفة الإسلامية فريقان: ~~(أ) # فريق الغربيين من مستشرقين ومشتغلين بتاريخ ~~الفلسفة. ~~(ب) # فريق المؤلفين الإسلاميين. # وسنتناولهما على هذا الترتيب. # ليس من همنا أن نتقصى ما قاله علماء الغرب في الفلسفة ~~الإسلامية منذ العصور البعيدة، فإن ذلك على ما فيه من عسر قليل ~~الغناء. # لكنا نريد أن نتتبع جملة نظر الغربيين إلى الفلسفة الإسلامية ~~وحكمهم عليها منذ استقرت معالم النهضة الحديثة لتاريخ الفلسفة إلى ~~أيامنا هذه؛ أي منذ صدر القرن التاسع عشر، كما يؤيد ذلك قول ~~الأستاذ برهيه: # 1 ~~«ولئن كان مفكرو القرن الثامن عشر قد حاولوا أن يدخلوا في تاريخ ~~الفلسفة وحدة واطرادا، فإن كل الشطر الأول من القرن التاسع عشر ~~قد شهد مجهودا في تشييد هذا الذي لم يكن إلا تخطيطا.» # 2 # ولنا أن نعتبر ما يقوله «تنمان». # 3 # في كتابه «المختصر في تاريخ الفلسفة»، # 4 # معبرا عن رأي مؤرخي الفلسفة في الفلسفة الإسلامية ~~في بداية القرن التاسع عشر، ذلك بأن «بروكر». # 5 # الألماني المتوفى سنة 1770م هو أبو تاريخ الفلسفة، ~~وتنمان هو الخليفة الحق لبروكر كما يقول كوزان. # 6 # ثم نتتبع بعد ذلك نماذج من تطور هذا الرأي حتى نصل إلى عهدنا ~~الحاضر. ~~(1) قول تنمان # يقول تنمان بعنوان «عرب»: ~~«العرب شعب مجبول على استعدادات قوية وثابة، ولقد كان ~~أولا صابئيا، ثم استمد حماسة دينية وحربية من دين محمد ~~المتوفى سنة 632م، وهو دين شهواني وعقلي معا، ومن ms002 آثار ~~خلفائه وتفاسيرهم لما يزعمونه وحيا أوحاه الله إلى هذا النبي. ~~وفي قليل من الزمن تغلب العرب على قسم عظيم من آسيا وأفريقيا ~~وأوروبا، وأخضعوه للإسلام، وكان اختلاطهم بالأمم المغلوبة، ~~خصوصا السوريين واليهود واليونان، وتقدمهم في ألوان الترف وكل ~~ما يستتبعه الترف، وحاجتهم إلى الاستعانة بصناعة الأجانب من ~~الأطباء ومن المنجمين، وتأثير هؤلاء فيهم، كل أولئك ولد فيهم ~~شهوة متأججة إلى تحصيل المعارف، وقد عاون هذه النزعات ~~خلفاء العباسيين؛ المنصور الذي ولي الخلافة من سنة 753م إلى ~~سنة 775م، والمهدي الذي توفي سنة 784م، وهارون الرشيد ~~المعاصر لشرلمان، وكان خليفة ما بين سنتي 786، 808م، والمأمون ~~الخليفة من سنة 813 إلى سنة 833م، والمعتصم المتوفى سنة ~~841م. هؤلاء الخلفاء أمروا بنقل كتب اليونانيين إلى العربية ~~وأنشئوا المدارس ودور الكتب الحافلة.» # 7 # ثم يقول في الفصل نفسه: ~~«يكاد يكون أرسطو مع شراحه إلى فيلوبنوس، # 8 # من بين سائر الفلاسفة، هو الذي استرعى أنظار ~~العرب، وقد تلقوا جملة ما ألفه أرسطو، ولكنهم تلقوها ~~على الحقيقة عن تراجم ناقصة جدا بوساطة خادعة هي وساطة ~~المذهب الأفلاطوني الجديد، وأضافوا إلى هذا دراسة العلوم ~~الرياضية والتاريخ الطبيعي والطب، لكن عدة عقبات ثبطت ~~تقدمهم في الفلسفة، وهذه العقبات هي: ~~(1) # كتابهم المقدس الذي يعوق النظر العقلي ~~الحر. ~~(2) # حزب أهل السنة، وهو حزب مستمسك ~~بالنصوص. ~~(3) # أنهم لم يلبثوا أن جعلوا لأرسطو سلطانا ~~مستبدا على عقولهم، ذلك إلى ما يقوم دون حسن ~~تفهمهم لمذهبه من الصعوبات. ~~(4) # ما في طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثر ~~بالأوهام. # من أجل ذلك لم يستطيعوا أن يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب ~~أرسطو، وتطبيقه على قواعد دينهم الذي يتطلب إيمانا أعمى، ~~وكثيرا ما أضعفوا مذهب أرسطو وشوهوه؛ وبذلك نشأت بينهم ~~فلسفة تشبه فلسفة الأمم المسيحية في القرون الوسطى، تعنى ~~بالبراهين الجدلية المتعسفة وتقوم على أساس من النصوص ~~الدينية. # ثم جاء التصوف # 9 # فعرض لهذا العلم المؤلف من اصطلاحات خاوية، ~~وانضم إليه، خصوصا عند فرقة القائلين بوحدة الوجود من أهل ~~التصوف الذي وضعه قبل القرن الثاني أو ms003 في ثناياه أبو سعيد ~~أبو الخير # 10 # ولا تزال الفرقة منتشرة في فارس والهند. # على أن الآثار الفلسفية العربية لما تدرس إلا دراسة ضئيلة ~~جدا لا تجعل علمنا بها مستكملا.» # 11 # ثم قال المؤلف نفسه في فصل عنوانه: «فرق الفلاسفة عند ~~العرب»: ~~«كان يوجد غالبا عند العرب طائفتان من الفلاسفة عظيمتان: # إحداهما: # طائفة الفلاسفة على الحقيقة، وهم من ~~القائلين بالوجود المثالي، # 12 # يعتقدون تبعا للمذهب الأفلاطوني ~~الإسكندري أن العالم قديم، ويبحثون عن ~~سبيل لوضع هذه الفكرة بالدين المنصوص، ويدخل ~~في هذا القسم الزهاد الذين هم ~~الصوفية. # والثانية: # طائفة فلاسفة جدليين أهل نظر عقلي، هم ~~المتكلمون أو المشاءون الذين تقوم عقائدهم ~~على الأصول الدينية الواردة في القرآن، ثم ~~يحاولون أن يبينوا مبدأ العالم على وجه ~~فلسفي، وهم يقاومون الأولين، وعلمنا بأمر ~~الفريقين لا يزال علما ناقصا. # ثم يعدون طائفة ثالثة: هي طائفة الأشعرية ~~المؤلفة من جبريين لا يرون للأشياء ~~عللا إلا إرادة الله.» # 13 # والذي يعنينا أن نلاحظه هو: ~~(أ) # أن تنمان ينسب الفلسفة التي نحن بصددها إلى ~~الشعب العربي. ~~(ب) # ويعتبر هذه الفلسفة شاملة لما يسمى فلسفة ~~على الحقيقة مع ما اتصل به عرضا في بعض الأطوار ~~من منازع الإشراقيين # 14 # وشاملة لمذاهب المتكلمين. ~~(ج) # ثم هو يجعل هذه الفلسفة ليست في الغالب إلا ~~شرحا مضعفا لمذهب أرسطو ومفسريه، وإلا ~~تطبيقا لهذا المذهب على قواعد الدين ~~العربي. ~~(د) # ويعدد العقبات التي عاقت سير الفلسفة عند ~~العرب فيردها إلى دينية: وهي ~~القرآن، وحزب ~~أهل السنة؛ وقومية: وهي استعداد العرب للتأثر ~~بالأوهام، وخضوع عقولهم لسلطان أرسطو. ~~(ه) # ثم ينتهي إلى الاعتراف المكرر بأن مصنفات ~~الفلاسفة من العرب لم تدرس حق دراستها. ~~(2) روح العصر الدينية عند مؤلفي القرن التاسع عشر # وقد لا يخلو حديث تنمان عن العوامل المثبطة لرقي الفلسفة ~~عند العرب من نفحة العاطفة الدينية، وتلك كانت يومئذ روح ~~العصر، حتى عند الفلاسفة المشتغلين بتاريخ الفلسفة من أمثال ~~«فكتور كوزان» الفيلسوف الفرنسي المتوفى سنة 1847م، الذي ~~يقول في محاضراته في تاريخ الفلسفة ms004 بجامعة باريس: # 15 # قول كوزان # أيها السادة: ~~«المسيحية التي هي آخر ما ظهر على الأرض من الأديان، ~~هي أيضا أكملها، والمسيحية تمام كل دين سابق، وغاية ~~الثمرات التي تمخضت عنها الحركات الدينية في العالم، ~~وبها ختم الدين المسيحي ناسخ لجميع الأديان ... كذلك كان ~~الدين المسيحي إنسانيا واجتماعيا إلى أقصى الغايات، ~~ومن أراد دليلا فلينظر ماذا أخرجت المسيحية وجماعة ~~المسيحيين للناس؛ أخرجت الحرية الحديثة والحكومات ~~النيابية، ثم لينظر من دون المسيحية ماذا أخرجت منذ ~~عشرين قرنا سائر الأديان. # ماذا أنتج الدين البرهمي والدين الإسلامي، وسائر ~~الأديان التي لا تزال قائمة فوق ظهر الأرض؟ # أنتج بعضها انحلالا موغلا، وبعضها أثمر استبدادا ليس ~~له مدى. # أما أوروبا المسيحية فهي لا سواها مهد الحرية، ولو ~~أن المقام والوقت يسعدان، لأثبت لكم أن المسيحية ~~التي كانت الحكومات النيابية ثمرة لها هي التي تستطيع ~~وحدها أن تقوم هذه الصورة العجيبة من صور الحكم التي ~~تؤلف بين النظام والحرية، والمسيحية أيضا هي التي بعد أن ~~صانت ذخائر الفنون والآداب والعلوم بعثتها بعثا قويا، ~~المسيحية هي أصل الفلسفة الحديثة.» ~~(3) روح العصر من ناحية التعصب للجنس # أما التعصب الجنسي على العرب الذي تبدو له بوادر في كلام ~~تنمان فقد كان أيضا في روح العصر، ولم يلبث «إرنست ~~رنان». # 16 # الفيلسوف الفرنسي المتوفى سنة 1892م أن زخرف ~~له لباسا علميا من أبحاثه في تاريخ اللغات السامية، ثم جعله ~~حملة شعواء تصوب كتبه سهامها إلى الجنس السامي كله، وشاركه ~~في حملته المستشرق الألماني «كرستيان لاسن». # 17 # المتوفى سنة 1876م. ~~(3-1) ساميون وآريون # وتقسيم الناس إلى ~~ساميين وآرييين هو من صنع علماء تاريخ اللغات في القرن ~~التاسع عشر. # والسامي نسبة إلى سام، على ما جاء في التوراة من أنه ~~كان لنوح أبناء ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو ~~الإسرائيليين وإخوانهم، وحام أبو الزنوج، ويافث أبو بقية ~~البشر. # أما الآري فمنسوب إلى آريا، وآريا اسم شعب كان مهده ~~النجد الفارسي من بلاد الأفغان وما إليها، ثم انحدر فيما ~~حوالي 2000 عام قبل المسيح ms005 إلى الشمال الغربي من الهند، ~~ومعه دين جديد من أديان الشرك هو دين الفيديين، له كتاب ~~مقدس هو مجموع مزامير موجهة إلى الآلهة تسمى: فيدا، وهو ~~اليوم دين البراهمة ودين الهندوسيين لم يدخله إلا تغير ~~يسير. # وقد كان لمزامير هذا الدين المقدسة وما ألهمته من ~~فلسفة أثر كبير في حياة آسيا العقلية، ووصل صدى ذلك إلى ~~أوروبا منذ القدم. # لذلك لم يكد يستقر الاستعمار الأوروبي في بعض أنحاء ~~الهند حتى أقبل علماء أوروبا على دراسة الفيدا، وقد راعهم ~~ما لاحظوا من التشابه بين اللغة السنسكريتية التي هي لغة ~~الفيدا وبين اللغات الأوروبية. # وهكذا نشأ علم مقارنة اللغات، # 18 # فصنفت اللغات أصنافا، وردت كل مجموعة ~~منها إلى أصل واحد، ثم جعل العلماء هذه الأنساب اللغوية ~~أنسابا للأمم التي تتكلم بها. # ونبتت في القرن التاسع عشر نظرية شعب آرى هو أصل للأمم ~~الأوروبية ولبعض الأمم الآسيوية، ممن ترجع لغاتهم إلى ~~أصل واحد هو اللغة السنسكريتية أو غيرها. ~~(3-2) رأي رنان في الساميين والآريين من الناحية ~~الفلسفية # ويصرح رنان في كتاب «تاريخ اللغات السامية» # 19 # بأنه أول من قرر أن الجنس السامي دون ~~الجنس الآري، وتأثر برنان بعض معاصريه، ومن جاء بعده؛ ~~لوثوقهم بمعرفته في هذا الشأن؛ إذ هو قد عرف لغات سامية، ~~وزار الساميين في بلادهم. # ومما ورد في كتاب رنان: «ابن رشد ومذهبه»: ~~«ما يكون لنا أن نلتمس عند الجنس السامي دروسا فلسفية، ~~ومن عجائب القدر أن هذا الجنس الذي استطاع أن يطبع ما ~~ابتدعه من الأديان بطابع القوة في أسمى درجاتهم لم يثمر ~~أدنى بحث فلسفي خاص، وما كانت الفلسفة قط عند الساميين إلا ~~اقتباسا صرفا جديبا وتقليدا للفلسفة ~~اليونانية.» # 20 # وبذلك أدخل رنان في المباحث المتعلقة بتاريخ الفلسفة عند ~~العرب دعوى الطبيعة السامية وجعلها أساسا للحكم على تلك ~~الفلسفة. # وعنده كما ورد مفصلا في كتاب «تاريخ اللغات السامية» ~~أن خواص النفس السامية تتجلى في انسياق فطرتها إلى ~~التوحيد من جهة الدين، وإلى البساطة في اللغة والصناعة ~~والفن والمدنية. # أما ms006 النفس الآرية فيميزها ميل فطري إلى التعدد ~~وانسجام التأليف (ص165). ~~(3-3) نقد رأى رنان # ورأي رنان في الفلسفة عند العرب لا يخلو من اضطراب؛ فهو ~~يقول في مؤلفه «تاريخ اللغات السامية»: # 21 ~~«ومن الخطأ وسوء الدلالة بالألفاظ على المعاني أن ~~نطلق على فلسفة اليونان المنقولة إلى العربية لفظ ~~«فلسفة عربية»، مع أنه لم يظهر لهذه الفلسفة في شبه ~~جزيرة العرب مبادئ ولا مقدمات، فكل ما في الأمر أنها ~~مكتوبة بلغة عربية، ثم هي لم تزدهر إلا في النواحي النائية ~~عن بلاد العرب مثل إسبانيا ومراكش وسمرقند، وكان معظم ~~أهلها من غير الساميين.» # وهو يقول في كتابه «ابن رشد ومذهبه» مرة، هذا ~~القول: ~~«لا يزال حكمي بأن مباحث العقائد الدينية لم يكن لها ~~كبير شأن في نشأة هذه الفلسفة العربية حكما جازما، وما ~~صنع العرب شيئا إلا أنهم تلقوا جملة المعارف اليونانية ~~في صورتها التي كان العالم كله مسلما بها في القرنين ~~السابع والثامن.» # 22 # ثم نجده يقول مرة أخرى: ~~«اتخذ العرب من تفسير آراء أرسطو وسيلة لإنشاء فلسفة ~~ملأى بالعناصر الخاصة، المخالفة جد المخالفة لما كان ~~يدرس عند اليونان، وكذلك فعل فلاسفة القرون ~~الوسطى.» # 23 # ويقول غير ذلك: ~~«إن الحركة الفلسفية الحقيقية في الإسلام ينبغي أن ~~تلتمس في مذاهب المتكلمين.» # 24 # ويستخلص من أقوال رنان المختلفة بعد تجريدها من زينة ~~البلاغة، وخيال الشعر، وثبات الحماسة، والهوى، والتناقض أن ~~هناك فلسفة عربية هي تعريب الفلسفة اليونانية، وهناك فلسفة ~~إسلامية هي علم الكلام. ويصرح رنان في كتبه بأن في ~~هذه الفلسفة الإسلامية موضعا للطرافة. # ولعل رنان أول من استعمل في الغرب كلمة «الفلسفة ~~الإسلامية». ثم إن رنان لا يرى رأي من سبقه في أن ~~العرب آثروا أرسطو على من عداه من فلاسفة اليونان وخصوه ~~بالتقدير؛ فهو يذكر في كتاب «ابن رشد ومذهبه»: ~~«إن الأسباب التي يعللون بها في العادة إيثار العرب ~~لأرسطو هي أقرب إلى التمويه منها إلى الحق، فإن العرب لم ~~يؤثروا، إذا لم يكن ثمت اختيار عن روية، إنما تقبل ms007 العرب ~~معارف يونان كما وصلت إليهم.» # 25 # وجملة القول: أن رنان الذي هو خصيم الجنس السامي ~~والدين الإسلامي جميعا، كان فيما يتعلق بالفلسفة شديد ~~الشكيمة على ما سماه «فلسفة عربية»، لكنه ألين جانبا ~~لما دعاه «فلسفة إسلامية». ~~(3-4) نقد معاصري رنان لحكمه # على أنا نجد من معاصري رنان الفرنسيين من يرميه ~~بالحيف في حكمه على الفلسفة عند العرب. # ففي كتاب دوجا # 26 ~~«تاريخ الفلاسفة المتكلمين من المسلمين» ~~المطبوع بباريس سنة 1889م نجد رواية ما يورده ~~شمويلدرز # 27 # الألماني في رسالة له في المذاهب الفلسفية ~~عند العرب نشرت عام 1842 من نحو قوله: ~~«لا نستطيع أن نذكر قط فلسفة عربية على الوجه الدقيق ~~لما يفهم من هذه العبارة كما نذكر فلسفة يونانية وفلسفة ~~ألمانية ... إلخ، ومهما ذكرنا هذه العبارة، فإنا لا نريد ~~شيئا غير الفلسفة اليونانية كما فهمها العرب.» # 28 # ثم نجد رواية ما قاله رنان في مثل هذا المعنى، # 29 # ثم يعقب المؤلف على ذلك بقوله: ~~«فعند هذين العالمين ليست الفلسفة العربية إلا تقليدا ~~للفلسفة اليونانية، ولم يكن لها أي نتاج خاص. # وهذه أحكام تذهب في البت إلى حد الشطط، ومصدرها سوء ~~التحديد للفلسفة وجهلنا بما للعرب من مصنفات غير شروحهم ~~لمؤلفات أرسطو. # وما أسوق إلا شاهدا واحدا: # فهل يظن ظان أن عقلا كعقل ابن سينا لم ينتج في ~~الفلسفة شيئا طريفا، وأنه لم يكن إلا مقلدا ~~لليونان؟ # وهل مذاهب المعتزلة والأشعرية ليست ثمارا بديعة أنتجها ~~الجنس العربي؟ # وعندي أن طريقة العالم «منك» # 30 # في التعريف بهذه الفلسفة أدنى إلى ~~السداد.» # 31 # وقول منك، على ما ذكره دوجا، هو: ~~«يمكننا أن نقول في الجملة إن الفلسفة لدى العرب لم ~~تتقيد بمذهب المشائين صرفا، بل هي توشك أن تكون ~~تقلبت في كل الأطوار التي مر بها العالم المسيحي؛ ففيها ~~مذهب أهل السنة الواقفين عند النصوص، ومذهب الشك، ومذهب ~~التولد، بل فيها مذاهب شبيهة بمقال اسبينوزا # 32 # ومذهب وحدة الوجود الحديث.» # 33 # وبعدما بين دوجا اختلاف الأقاويل في الفلسفة والغرض ~~منها اختار ms008 أن غرض الفلسفة هو تكوين عقائد جديدة، ثم ~~قال: «من أراد أن يحكم في خصائص الفلسفة العربية حكما ~~سديدا فعليه أن ينظر إليها من ناحية إصلاحها للعقائد، ~~وتلك كما بينا آنفا حقيقة الغرض الذي ترمي إليه ~~الفلسفة. # وعندي أن النظر العقلي العربي كان على الحقيقة محاولة ~~لإصلاح القرآن، وتكميل الإسلام؛ حاول ذلك المعتزلة قادة ~~الحركة الفلسفية لدى المسلمين ... وقد أنكروا عقيدة أن ~~القرآن غير مخلوق؛ لكي لا يمسوا وحدانية الله ، وقرروا: ~~عقيدة أن القرآن مخلوق ... وهم يقولون إنه كان من المستطاع ~~أن يؤتى بخير # 34 # منه، وهذا التعرض لكتاب المسلمين المقدس ~~بالبحث يكاد يكون من نوع ما فعل فلاسفة الأوروبيين في ~~تمحيص التوراة والإنجيل كما تمحص سائر الكتب. # وكذلك صنع داود اشتروس # 35 # ورنان في مؤلفاتهما.» # 36 # ومنك إذ يقول: «إن الفلسفة العربية تقلبت في جميع ~~الأدوار التي مرت بها الفلسفة المسيحية» يخالف قول تنمان: ~~«إن كتاب الإسلام المقدس يعوق النظر العقلي الحر»، ويثبت ~~أن الإسلام ليس دون المسيحية اتساعا لنمو الفلسفة ~~وتطورها، وهو أيضا بقوله هذا لا يؤيد دعوى انحطاط الجنس ~~السامي عن الجنس الآري فيما يتعلق بالبحث الفلسفي. # ولمنك رأي مخالف لرأي رنان في اختيار المسلمين ~~لأرسطو يبينه كما يلي: ~~«اختير أرسطو من بين الفلاسفة؛ لأن منهجه التجريبي ~~أدنى إلى موافقة ميل العرب العلمي الوضعي من منهج أفلاطون ~~المثالي، ولأن منطق أرسطو كان يعتبر سلاحا مجديا في ~~المنازعات المستمرة بين أهل المذاهب الكلامية.» # 37 # ومقال منك هذا يناقض رأي رنان في سبب إيثار العرب ~~لأرسطو، ويناقضه أيضا في دعوى الطبيعة السامية المجدبة في ~~الفلسفة، فإن الطبيعة العلمية الوضعية التي تلائم طبيعة ~~أرسطو لا تكون جدبة من الناحية الفلسفية إلا إذا كانت ~~طبيعية أرسطو المعلم الأول جدبة من الناحية ~~الفلسفية. ~~(4) تلخيص اختلاف الرأي ما بين بداية القرن التاسع عشر ~~ونهايته # كان الرأي العلمي عند الغربيين في الفلسفة العربية مستهل ~~القرن التاسع عشر مبنيا في جملته على القضايا الخمس التي ~~استخلصناها من مقال تنمان، والتي كانت يومئذ تكاد تكون من ms009 ~~المسلمات فيما يظهر. وفي أواخر ذلك القرن اختلف النظر في ~~تلك الأحكام، ولم تعد مسلمة ما عدا قضية واحدة لعلها لا ~~تزال إلى اليوم غير مكذبة: وهي أن مصنفات الفلاسفة ~~الإسلاميين لما تدرس حق دراستها؛ فلا اتفاق على التعبير ~~بالفلسفة العربية نسبة إلى الجنس العربي، ولا على بيان ما ~~تشتمل عليه هذه الفلسفة، ولا على أن الفلسفة العربية ~~بأقسامها شرح مضعف مشوه لمذهب أرسطو ومفسريه، وتطبيق لهذا ~~المذهب على نصوص الدين الإسلامي، ولا اتفاق على ما دعوه ~~عقبات ثبطت رقي الفلسفة الإسلامية. # دخلت كل هذه النظريات في دور تمحيص علمي، وهدأت رويدا ~~سورة العصبية والهوى. ~~(5) آراء الغربيين في الفلسفة الإسلامية في القرن ~~الحاضر # وجاء القرن الحاضر، فماذا كان شأن الفلسفة الإسلامية عند ~~الغربيين في القرن الحاضر؟ ~~(5-1) الخلاف في التسمية: إسلامية أو عربية؟ # لا يزالون مختلفين في الوصف الذي يصفون به هذه الفلسفة؛ ~~فمنهم من يقول: «فلسفة عربية»؛ لأن رجالها كانوا يكتبون ~~آثارهم بالعربية، كما فعل موريس دي ولف # 38 # الأستاذ بجامعة لوفان في كتابه «تاريخ فلسفة ~~القرون الوسطى» # 39 # الذي نعتمد على طبعته الخامسة سنة 1925، وكما ~~فعل الأستاذ برهيه الأستاذ بالسربون في كتابه الكبير في ~~«تاريخ الفلسفة» الذي ظهر أول أجزائه عام 1926. # ويقتفي الأستاذ لطفي باشا السيد أثر هؤلاء في تصديره ~~لتعريب كتاب أرسطو «الأخلاق إلى نيقوماخوس»؛ فهو يعبر ~~بالفلسفة العربية. # ومنهم من يقول: «فلسفة إسلامية»، مثل هورتن # 40 # الألماني العالم بالإسلاميات ومحرر الفصل ~~الذي عنوانه «فلسفة» في دائرة المعارف الإسلامية، ومثل دي ~~بور # 41 # في كتابه في تاريخ الفلسفة الإسلامية، ومثل ~~جوتييه، # 42 # والبارون كارا دي فو، # 43 # وغيرهم. # ويظهر أن هؤلاء يرون أن هذه الفلسفة ليست عربية؛ ~~لأن جمهرة أهلها لم يكونوا من أصل سامي، ويرون أنها ~~أحق أن تضاف إلى الإسلام لأن له فيها أثرا ظاهرا، ~~ولأنها نشأت في بلاد إسلامية وعاشت تحت راية ~~الإسلام. # وقد رأيت للدكتور جميل صليبا الدكتور في الفلسفة من ~~جامعة باريس، كتابا عنوانه: «بحث في الفلسفة الإلهية لابن ~~سينا»، # 44 # طبع ms010 بالفرنسية في باريس سنة 1926، ناضل فيه ~~نضالا قويا عن الفلسفة العربية، وهذا الكتاب هو رسالته ~~التي نال بها الدكتوراه من السربون. # ومن أمثلة نضاله فيما نحن بصدده قوله: ~~«إن الذين يجحدون وجود فلسفة عربية يثبتون وجود فلسفة ~~إسلامية، بيد أن الإسلام، برغم كل ما نفذ إليه من ~~العناصر الأجنبية، ظل أثرا من آثار العبقرية ~~العربية. # أما أن أكثر الفلاسفة من أصل غير عربي؛ فلا نكران له، ~~لكن الذي لا نجد له مستساغا هو القول بأن الفلسفة التي ~~يسميها العامة فلسفة إسلامية ليست تستند إلى الجنس ~~العربي، نحن نتكلم عن فلسفة عربية كما نتكلم عن دين ~~عربي.» # 45 # وقد يصدق هذا القول على رنان الذي جعل فلسفة عربية ~~وفلسفة إسلامية. # أما أهل هذا العصر الذين يعبرون بالفلسفة العربية مرة ~~وبالفلسفة الإسلامية أخرى لمعنى واحد، فما أحسبهم يرمون ~~بذلك إلى الغرض الذي ينكره المؤلف. # ومثلهم كمثل الجامعة المصرية نفسها، التي كانت إلى ~~عهد قريب تستعمل في قوانينها ومناهجها ومكاتباتها ~~العبارتين على أنهما مترادفتان. # وللأستاذ كارلو نلينو # 46 # رأي يمس هذا الموضوع، بسطه في محاضراته في ~~«علم الفلك وتاريخه عند العرب في القرون الوسطى» بما ~~نصه: ~~«قد قلت في الدرس الماضي: إن محاضراتي ستدور على تاريخ ~~علم الهيئة عند العرب في القرون الوسطى؛ أي لغاية سنة ~~تسعمائة للهجرة النبوية تقريبا، فينبغي الآن تعريف من ~~يطلق عليه لفظ «العرب»، كلما يكون الكلام عن زمان الجاهلية ~~أو أوائل الإسلام. لا شك أن كلمة «العرب» مستعملة ~~بمعناها الحقيقي الطبيعي، المشير إلى الأمة القاطنة في ~~شبه الجزيرة المعروفة بجزيرة العرب، ولكن إذا كان الكلام ~~عن العصور التالية للقرن الأول من الهجرة، اتخذنا ذلك ~~اللفظ بمعنى اصطلاحي وأطلقناه على جميع الأمم والشعوب ~~الساكنين في الممالك الإسلامية، المستخدمين اللغة العربية ~~في أكثر تآليفهم العلمية، فتدخل في تسمية (العرب) الفرس ~~والهند والترك والسوريون والمصريون والبربر والأندلسيون ~~وهلم جرا، المتشاركون في لغة كتب العلم وفي كونهم تبعة ~~الدول الإسلامية، ولو لم نطلق عليهم لفظ «العرب» كدنا ~~ما نقدر نتحدث عن علم ms011 الهيئة عند «العرب» لقلة البارعين ~~فيه من أولاد قحطان وعدنان.» # قال ابن خلدون المتوفى سنة 808ه/1406م في ~~مقدمته: ~~«من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة ~~الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية ولا من ~~العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي ~~في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملة ~~العربية وصاحب شريعتها عربي.» # فإن اعترض أحد على هذا الاصطلاح، وقال: إن استعمال لفظ ~~«المسلمين» أصح وأصلح من استعمال لفظ «العرب»، قلت: إن ~~هذا أيضا غير مصيب لسببين: # الأول : # أن لفظ المسلمين يخرج النصارى ~~والإسرائيليين والصابئة وأصحاب ديانات ~~أخرى، الذين لهم نصيب غير يسير في العلوم ~~والتصانيف العربية، وخصوصا فيما يتعلق ~~بالرياضيات والهيئة والطب ~~والفلسفة. # والثاني: # أن لفظ المسلمين يستلزم البحث أيضا ~~عما صنفته أهل الإسلام بلغات غير ~~العربية كالفارسية والتركية، وهذا خارج عن ~~موضوعنا، فالأرجح أن نتفق فيما كثر ~~استعماله عند الكتبة الحديثين ونتخذ لفظ ~~«العرب» بالاصطلاح المذكور، أي نسبا إلى ~~لغة الكتب لا إلى الأمة (ج1، ~~ص16-18). ~~(5-2) الرأي المختار في التسمية # وعندي أن هذه الفلسفة قد وضع لها أهلها اسما ~~اصطلحوا عليه؛ فلا يصح العدول عنه، ولا تجوز المشاحة ~~فيه. # فإنا نجد مثلا في كتابي «الشفاء» و«النجاة» لابن سينا ~~المتوفى سنة 428ه/1037م التعبير بالمتفلسفة الإسلامية، ~~ونجد في كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني استعمال كلمة ~~«فلاسفة الإسلام» في مواضع متعددة، منها: # المتأخرون من فلاسفة الإسلام مثل يعقوب بن إسحاق الكندي، ~~وحنين بن إسحاق ... إلخ. # 47 # فهؤلاء المشتغلون بالفلسفة في ظل الإسلام من ~~مسلمين وغير مسلمين يسمون فلاسفة الإسلام، وتسمى ~~فلسفتهم «فلسفة إسلامية» بالمعنى الاصطلاحي، وهذا يرفع ~~اعتراض الأستاذ نلينو على التعبير «بالمسلمين» بدل ~~«العرب»، ويدخل في هذه التسمية ما كتبه الإسلاميون من ~~الفلاسفة بلغات غير العربية كالفارسية والهندية والتركية، ~~وإن أصبح درس هذه الآثار عسيرا على غير أهل تلك اللغات ~~أنفسهم أو من أحاط بلغاتهم وهم قليل. # ووردت عبارة «فلاسفة الإسلام» و«حكماء الإسلام» في كتاب ~~«أخبار الحكماء» و«مقدمة ابن خلدون». # ولظهير الدين أبي ms012 الحسن البيهقي كتاب يسمى «تاريخ حكماء ~~الإسلام»، توجد منه نسخة فوتوغرافية بدار الكتب ~~المصرية. # 48 # وجاء في كتاب «نزهة الأرواح وروضة الأفراح» في تواريخ ~~حكماء المتقدمين والمتأخرين، لشمس الحق والدين الشهرزوري ~~(نسخة فوتوغرافية بمكتبة الجامعة): ~~«نريد أن نضم إلى تواريخ القدماء تواريخ الحكماء ~~المتأخرين من الإسلاميين.» # من أجل ذلك كله نرى أن نسمي الفلسفة التي نحن بصددها ~~كما سماها أهلها «فلسفة إسلامية»، بمعنى أنها نشأت في ~~بلاد الإسلام وفي ظل دولته، من غير نظر لدين أصحابها ولا ~~لغتهم، ولا نرى في هذه التسمية موضع نقد يدعو للتفكير في ~~تبديلها. ~~(6) الخلاف في الحكم على الفلسفة الإسلامية في القرن ~~الحاضر # وإذا كان بين المعاصرين من الغربيين خلاف في التعبير عن هذه ~~الفلسفة يقسمهم قسمين؛ فإنهم فريقان أيضا في الحكم على هذه ~~الفلسفة: ففريق يمكن أن يعتبر من نماذجه المستشرق جفوتييه، ~~الذي كان أستاذا لتاريخ الفلسفة الإسلامية في الجزائر، وهو ~~الفريق الأقل عددا، يقرر الحدود الفاصلة بين العقل السامي ~~والعقل الآري حتى لا تتلاقى منازعها، ثم يبين أن الإسلام ~~دين قوي في ساميته جدا، فلا يمكن تصور نظام أشد منه ~~معارضة للفلسفة اليونانية القوية في آريتها جدا، وأنه كان ~~أول واجب على الفلاسفة المسلمين أن يوقفوا بين هذين التيارين ~~بحكم أنهم مسلمون متمسكون بدينهم، وبحكم أنهم فلاسفة همهم ~~أن ينشروا مذاهب الفلسفة اليونانية. # ويقول جوتييه: ~~«إن الفلاسفة الإسلاميين لم يألوا جهدا في القيام بواجبهم ~~من هذه الناحية، وقد أبدوا في ممارسته على ما فيه من دقة ~~وعناء خصالا منقطعة النظير؛ من مهارة ونفاذ وبعد نظر، ~~ورأيهم فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال هو معقد ~~الطرافة في هذه الفلسفة اليونانية الإسلامية.» # 49 # ويبين الأستاذ بعد ذلك أن الفلسفة اليونانية هي التي ~~ساقت فلاسفة الإسلام إلى هذا الاتجاه، وهي كانت مستمد ~~عناصره، ذلك بأن فكرة التوفيق بين الفلسفة والدين هي فكرة ~~مزج واتصال، وليس غير التفكير الآري لمحاولة الاتصال بوسائط ~~متدرجة في سلسلة متتابعة بين ضدين هما: الإسلام دين الفصل، ~~وفلسفة الوصل اليونانية. # ولقد ذكرنا ms013 آنفا مذهب رنان في خصائص الجنسين السامي ~~والآري. # واختلفت المذاهب بعد رنان في تبيين هذه الخصائص؛ يقول مؤلف ~~معاصر اسمه لابي # 50 # في كتاب له عنوان «المدنيات التونسية»: ~~«النفس اليهودية منساقة بفطرتها إلى المستقبل، والنفس ~~العربية منساقة بفطرتها إلى الماضي، فهما متنافرتان، والنفس ~~الأوروبية تختلف عنهما.» # 51 # ويريد جوتييه أن يميز بين الجنس السامي والجنس الآري ~~بخصائص أخرى يبينها في كتابه «المدخل إلى دروس الفلسفة ~~الإسلامية» كما يأتي: ~~«في كل مظاهر النشاط الإنساني، من أدناها كمسائل الطعام ~~واللباس إلى أعلاها كالنظم السياسية والاجتماعية، تتجلى في ~~الجنس الآري من ناحية، والجنس السامي معتبرا في أخلص أنواعه ~~أي النوع العربي نزعات أصلية متقابلة. العقل السامي يجمع بين ~~الأشياء متناسبة وغير متناسبة، مع تركها منفصلة بلا رباط ~~يصلها، متنقلا بينها بوثبات مباغتة لا تدرج فيها. # أما العقل الآري فعلى عكس ذلك، يؤلف بين الأشياء بوسائط ~~تدريجية لا يتخطى واحدا منها إلى غيره إلا على سلم متداني ~~الدرج لا يكاد يحس التنقل فيه.» # 52 # هذا وقد كادت تتلاشى في القرن العشرين فكرة إقحام السامية ~~والآرية في الحكم على الفلسفة الإسلامية، وذلك بحكم تضاؤل ~~نظرية السامية والآرية نفسها وضعف سنادها العلمي. # على أننا لا ننكر أنه قد بقي أنصار لهذه النظرية من أمثال ~~الأستاذ جوتييه. # وفي دائرة المعارف البريطانية عند الكلام على كلمة ~~«عرب»: # إنه ليس من صواب الرأي ما فعله رنان ولسن بإضافتهما صفات ~~خاصة إلى الجنس السامي؛ هي في الواقع ناشئة عن عوامل خارجية، ~~فهي نتيجة البيئة التي عاشوا فيها والأحوال التي اكتنفتهم، ~~ولو أنهم عاشوا في بيئة أخرى وفي أحوال مغايرة لكانت لهم صفات ~~جديدة. # أما الأستاذ برهيه، أستاذ تاريخ الفلسفة في السربون؛ فهو من ~~حزب السامية والآرية، وإن لم يغرق في ذلك إغراق مواطنه ~~جوتييه، يقول الأستاذ في كتابه في «تاريخ الفلسفة»: ~~«كان فلاسفة العرب ممن اعتنقوا الإسلام، وكانوا يكتبون ~~آثارهم بالعربية، لكن جمهرتهم لم تكن من أصل سامي بل من أصل ~~آري؛ لذلك التمسوا موضوعات تفكيرهم في الكتب اليونانية، التي ms014 ~~أخذ في ترجمتها إلى السريانية والعربية منذ القرن السادس ~~المسيحيون النسطوريون، والتمسوها أيضا في الآثار المزدكية ~~الباقية في فارس المختلطة أشد الاختلاط بالآراء ~~الهندية.» # 53 # والأستاذ في كلامه هذا يصرح بأصل من أصول الفلسفة ~~الإسلامية أو عنصر من عناصرها الأجنبية، لم يكن واضحا ~~للباحثين في القرن التاسع عشر، مصرحا به تصريحا، وهو الأثر ~~الهندي الفارسي. # أما الفريق الثاني من العلماء المعاصرين الغربيين الذين ~~تصدوا لدرس تاريخ الفلسفة الإسلامية من غير ذكر للآرية ~~والسامية في حكمهم على هذه الفلسفة، فمن ممثليهم الأستاذ ~~هورتن، الذي يقول في الفصل الذي كتبه في «دائرة المعارف ~~الإسلامية» بعنوان «فلسفة»: ~~«يراد بهذه الكلمة النزعة اليونانية في الحكمة الإسلامية، ~~ويجب أن يعتبر أيضا إلى جانب ذلك ما بذله المفكرون من جهود ~~عقلية مبنية على ما كان معروفا في عصورهم من معاني البحث ~~العلمي عن أحوال الوجود على ما هو عليه، أو على الأقل البحث عن ~~مسائل متصلة بإدراك شامل للعالم، فهي بهذا الاعتبار ينبغي أن ~~تعد من الفلسفة، ذلك ينطبق أولا على علم الكلام النظري ~~الذي يرمي إلى رفع مستوى العقائد الإسلامية المحتوية على ~~تصور للوجود بالغ من السذاجة حد الطفولة، حتى تلتئم مع ~~مطالب العلم في ذلك الزمان.» # وبعد أن بين الأستاذ ما في مذاهب المتكلمين من آثار ~~يونانية وفارسية وهندية، بل ومسيحية ويهودية، وبعد أن ألم ~~بأدوار علم الكلام، عاد إلى الفلسفة يبين ما لها من ~~شأن: ~~«ولتقدير ما للفلسفة الإسلامية من الشأن يجب البدء ببيان ما ~~في مذهب أرسطو من النقص، ولا نظير لأرسطو في ضبط المعاني ~~الجزئية، لكنه لم يفلح في تقدير نسق شامل للعالم كله معتبرا ~~في ثنايا صورة ذهنية واحدة؛ فهو لم يرد جملة العالم إلى ~~مبدأ واحد، إنما هي اثنينية تتقابل فيها الهيولى القديمة ~~والله. # وفي هذا المذهب الأرسططاليسي عناصر علمية نظرية ممحصة، لكن ~~النزوع القوي إلى الاعتماد على ما في الوجود الخارجي وحده ~~يشوبها ويعطلها، أنى جاءت الصور إذا كان الله عقلا صرفا ~~ليس له إرادة، وهو يحيي العالم ms015 باعتباره معشوقا لا أنه ~~العلة الفاعلة، ثم هو يجهل الجزئيات، ذلك مذهب في الألوهية ~~ليس بفلسفي، ثم جاءت الفلسفة الإسلامية مستمدة من المذهب ~~الأفلاطوني الجديد، فجاءت معها فكرة قوية هي فكرة الإمكان التي ~~تحيط بجملة الموجودات وتجمعها في وحدة، فكانت هذه الفكرة ~~نورا أضاء مسائل الموجودات الجزئية وأظهرها في أسمى ~~مظاهرها. # كل شيء في هذا العالم يحتوي على ذات ووجود، وهما أمران ~~ممتازان في جوهرهما، وليس هذان الأمران بمتلازمين تلازما ~~ضروريا، فالذي يهب الوجود للأشياء ابتداء ويحفظه عليها في ~~البقاء لا بد أن يكون موجودا واجب الوجود، فالعالم سيل من ~~الوجود يفيض من معين لا ينضب، ويغمر كل ما عدا الله. # هذا الرأي يتخلل تاريخ الفلسفة الإسلامية إلى عهدنا الحاضر، ~~ولا يزال يتجدد شرحه وإبرازه في الصور الواضحة، وابن رشد وحده ~~هو الذي لم يفهمه حق الفهم. # وناحية أخرى من نواحي الفلسفة الإسلامية آيتها إيمان أهل هذه ~~الفلسفة بالدين، يعتقد هؤلاء الفلاسفة اعتقادا جازما بأن ~~الإسلام هو أكمل وحي إلهي، النبي يرى في حالات إشراق وكشف ~~خارق للعادة، الحقائق الإلهية التي لا ينفذ إليها العقل ~~البشري (أي: الغيب) ثم يبلغها للناس، أما الفيلسوف فيكشف بعقله ~~الضعيف بعض هذه الحقائق غير مخالف لما نزل به القرآن، فكأنما ~~وظيفة الفلاسفة الإسلامية الدعوة إلى دين الإسلام.» # وتبيين مذهب الفلاسفة الإسلاميين في الفرق بين النبي ~~والحكيم، أو الفلسفة والدين على هذا الوجه، لا دقة فيه، وسنعرض ~~لهذا البحث بعد. ~~(6-1) إجمال الآراء في الفلسفة الإسلامية في القرن ~~العشرين # ونعود إلى تقرير موقف الفلسفة الإسلامية عند الغربيين في ~~القرن العشرين، مستندين إلى أقوال المؤلفين المعاصرين، ~~فنجمل هذا الموقف في الوجوه الآتية: ~~(أ) # تلاشى ~~القول بأن الفلسفة العربية أو الإسلامية ~~ليست إلا صورة مشوهة من مذهب أرسطو ~~ومفسريه أو كاد أن يتلاشى، وأصبح في حكم ~~المسلم أن للفلسفة الإسلامية كيانا ~~خاصا يميزها عن مذهب أرسطو ومذاهب ~~مفسريه: فإن فيها عناصر مستمدة من ~~مذاهب يونانية غير مذهب أرسطو، وفيها عناصر ~~ليست يونانية من الآراء الهندية والفارسية ... ~~إلخ، ms016 ثم إن فيها ثمرات من عبقرية أهلها ظهرت ~~في تأليف نسق فلسفي قائم على أساس من مذهب ~~أرسطو، مع تلافي ما في هذا المذهب من النقص ~~باختيار آراء من مذاهب أخرى وبالتخريج ~~والابتكار، وظهرت أيضا في أبحاثهم في الصلة ~~بين الدين والفلسفة، ويقول ولف: «على أنه ~~من الخطأ أن يظن أن الفلسفة العربية هي ~~نسخة منقولة عن مذاهب المشائية.» # 54 # ثم يقول: «وبهذه المثابة انتهى العرب إلى ~~نسق فلسفي فريد في بابه، يوفق بين مقالات ~~متخالفة.» # 55 # ويقول أيضا: «وعلى كل حال، فليس ينبغي أن ~~يعزب عن البال أن فلاسفة العرب نحوا في ~~البحث عن الوجود منحى مستقلا، غير تابع ~~لتعلقهم بالقرآن.» # 56 # ولعل ~~جهود الباحثين ستكشف عن وجوه بديعة من الفلسفة ~~الإسلامية لما تزل خافية. ~~(ب) # تلاشى القول بأن الإسلام وكتابه المقدس ~~كانا بطبيعتهما سجنا لحرية العقل، وعقبة في ~~سبيل نهوض الفلسفة أو كاد يتلاشى، ووجد من ~~يقول ما يقوله الأستاذ بيكافيه في كتابه: ~~«تخطيط لتاريخ عام مقارن لفلسفة القرون ~~الوسطى» المطبوع سنة 1905: # 57 ~~«إذا قارنا بين المؤلفات التي قرأها ~~المسيحيون الغربيون والمؤلفات التي كانت في ~~متناول العرب، عرفنا أن هؤلاء ينبغي أن ~~يكونوا أدنى إلى الإبداع، فقد تميزوا بفضل ~~معارفهم التي نسقوها، فكانوا في القرن الثالث ~~عشر أساتذة أولئك، فعاونوا على تأسيس الفلسفة ~~الكاثوليكية والكلام الكاثوليكي بما نقلوا عن ~~القدماء وبما ولدته أفكارهم.» ويقول الأستاذ ~~ليون جوتييه في مقال له نشر في مجلة «تاريخ ~~الفلسفة». # 58 # الجزء الرابع من السنة الثانية ~~بعنوان: «إسكولاستية إسلامية وإسكولاستية ~~مسيحية»، # 59 # ما نصه: ~~«أما في الإسلام فالفلسفة السكولاستية ~~تنجو من هذه العبودية للكلام التي تدمغ ~~السكولاستية المسيحية. # هي بعيدة عن أن تكون من أي وجه خاضعة ~~للكلام، بل لا يمكن أن يقال إنها خاضعة ~~للعقائد، هي شيء مختلف تمام الاختلاف؛ لأن ~~العقائد وسيلة لتحقيق مصلحة الجماعة، أو كما ~~يقال الآن «براجماتيك». # 60 # أما تلك الفلسفة فهي وحدها التي ~~تعبر عن الحقيقة النظرية بذاتها، على حين ~~أن العقيدة ليست إلا مثالا تخييليا ~~لها. ms017 # والفلسفة التي تحترم العقائد الدينية ~~الموجهة للجمهور لا لأهل النظر الفلسفي، ~~لمكان نفعها للجماعة ولمصدرها الديني، ليست ~~تقيم وزنا للكلام الذي تبين خطره على ~~الدين وعلى الجماعة.» ~~(ج) # أصبح لفظ الفلسفة الإسلامية أو العربية ~~شاملا، كما بينه الأستاذ هورتن، لما يسمى ~~فلسفة أو حكمة ولمباحث علم الكلام، وقد اشتد ~~الميل إلى اعتبار التصوف أيضا من شعب هذه ~~الفلسفة، خصوصا في العهد الأخير الذي عني ~~فيه المستشرقون بدراسة التصوف. # ويعد الأستاذ ماسينيون من متصوفة ~~الإسلام الكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم ~~من الفلاسفة في كتابه المطبوع سنة 1929 ~~المسمى «مجموع نصوص لم تنشر متعلقة ~~بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام». # 61 ~~(6-2) رأي فيما تشمله الفلسفة الإسلامية # وعندي أنه إذا كان لعلم الكلام ولعلم التصوف من الصلة ~~بالفلسفة ما يسوغ جعل اللفظ شاملا لهما فإن «علم أصول ~~الفقه» المسمى أيضا: «علم أصول الأحكام» ليس ضعيف ~~الصلة بالفلسفة، ومباحث أصول الفقه تكاد تكون في جملتها من ~~جنس المباحث التي يتناولها علم أصول العقائد الذي هو علم ~~الكلام، بل إنك لترى في كتب أصول الفقه أبحاثا يسمونها ~~«مبادئ كلامية» هي من مباحث علم الكلام، وأظن أن ~~التوسع في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية سينتهي إلى ضم ~~هذا العلم إلى شعبها، كما يوضحه بعض ما نعرض له فيما ~~يأتي. ~~(7) كلمة في جهود الغربيين # أما بعد؛ فإن الناظر فيما بذل الغربيون من جهود في دراسة ~~الفلسفة الإسلامية وتاريخها لا يسعه إلا الإعجاب بصبرهم ~~ونشاطهم، وسعة اطلاعهم وحسن طريقتهم، وإذا كنا ألمعنا إلى ~~نزوات من الضعف الإنساني تشوب أحيانا جهودهم في خدمة العلم، ~~فإنا نرجو أن يكون في تيقظ عواطف الخير في البشر وانسياقها إلى ~~دعوة السلم العام والنزاهة الخالصة والإنصاف والتسامح، مدعاة ~~للتعاون بين الناس جميعا على خدمة العلم باعتباره نورا لا ~~ينبغي أن يخالط صفاءه كدر. # وليس يوئسنا من ذلك أن تهب في بعض البلاد نزعات كانت ركدت ~~ريحها، ليس من شأنها أن تخلص نفوس الناس من عوامل العصبية ~~والهوى، مثل نظرية تفوق السلالة النوردية الشاملة لشعوب ms018 أوروبا ~~الشمالية، التي تحيا في ألمانيا لهذا العهد، ومثل فكرة تفوق ~~البيض على السود المنتشرة في أمريكا الشمالية، وفكرة تفوق ~~الجنس الأبيض على الجنس الهندي التي دعت إلى تسمية المتولدين ~~بين إنجليز وهنديين تسمية خاصة في بلاد الهند وفي بلاد أفريقيا ~~الجنوبية، بل نحن نرجو أن يغلب العلم والحق هذه النزوات التي ~~لا يسندها علم ولا حق، ويقوي رجاءنا أن نجد في أمريكا نفسها ~~أصواتا تقرر باسم العلم أحيانا ما نقرره نحن الآن. # وفي مقال معرب عن مجلة «السينتفيك # 62 # أمريكان» نشر في مجلة «المقتطف» (يونيو سنة 1934) ~~بعنوان: «بماذا تتفوق السلالات؟»: ~~«وليس في الدعوى القائمة على تفوق السلالة النوردية شيء ~~جديد، بل هي ناحية جديدة من مذهب سرى في خلال القرن التاسع ~~عشر، مؤداه أن بعض طوائف من الناس لها حق منزل في أن ~~تسود الطوائف الأخرى، ومن قبل ذلك أحس المؤلف الإنجليزي ~~دانيال # 63 # ده فوا مؤلف رواية «روبنسن كروزو» بأنه مطالب من ~~قبل نفسه بل ومن قبل الحق والعدل بأن يهب إلى السخرية من ~~مثل هذا الرأي الذي يرمي إلى تبوء سلالة معينة المكانة ~~العليا في تاريخ الإنسانية، كأن هذه المكانة خاصة بها من طريق ~~الوضع الإلهي، ولكن العواطف الإنسانية قوية لتأصلها في الطبيعة ~~البشرية فتطغى على صوت العقل ونوازع المنطق؛ فتبدو نظرية ~~التفوق العنصري أو تفوق سلالة خاصة مرة بعد أخرى في خلال عصور ~~التاريخ، مع أن العقل والعلم لا يؤيدان الأركان الواهية التي ~~تقوم عليها. # ونحن الآن نشهد انبثاق هذه الفكرة أو هذه النزعة من جديد، ~~بعدما كنا قد ظننا أنه قد قضي عليها في أواخر القرن ~~التاسع عشر، ونظرية التفوق النوردي هي فرع من نظرية التفوق ~~الآري، أي تفوق الشعوب الآرية التي كان زعيمها ذلك الأرستقراطي ~~الفرنسي الكونت جوزيف آرثر جوبينو # 64 # المتوفى سنة 1882، فده جوبينو هذا ذهب إلى أن ~~الشعوب الآرية وحدها دون غيرها هي التي خلفت كل ما له قيمة ~~في الحضارة وحافظت عليه، وفكرة وجود سلالة آرية نشأت من تشابه ~~اللغات الهندية ms019 الأوروبية مما حدا إلى القول بأنها جميعها ~~ترتد إلى أصل واحد هي اللغة الآرية. # والقول بتفرع اللغات الهندية الأوروبية من اللغة الآرية قول ~~له سند صحيح، أما ما ذهب إليه جوبينو من أن وجود لغة آرية ~~أصلية تفرعت منها اللغات الهندية الأوروبية يقتضي كذلك وجود ~~سلالة آرية، فقد كان وهما من الأوهام. # فلما خلقت هذه السلالة الموهومة على الطريق المتقدم ~~أسندت إليها جميع الفضائل، وقيل إنها منبع جميع الحضارات ~~العالمية من قديم الزمان إلى حديثه، وقيل إن النورديين هم ~~سلالة الآريين الذين توطنوا شمال أوروبا في القدم، ومنهم ~~الشعوب التيوتونية والأنجلو سكسونية، ومع ذلك لم يستطع أحد من ~~العلماء أن يأتي بسند علمي واحد على أن السلالة الآرية كانت ~~موجودة حقيقة؛ إذ ليس ثمة علاقة حتمية بين اللغة والسلالة؛ ~~فالآرية لغة، واستعمالها للدلالة على سلالة معينة كما يستعملها ~~الألمان اليوم ليس له مسوغ علمي واحد. # أما الشعوب النوردية؛ فلا يعلم أصلهم على وجه التحقيق، ~~بل ليس من المؤكد أنهم ينتمون إلى سلالة صريحة ~~النسب.» # وقد قرأنا في مجلة «الشهر» الفرنسية جملة تتعلق بكتاب ظهر ~~حديثا اسمه «الآريون»، فيها إعراب عن منزع العلماء الفرنسيين ~~المعاصرين في مسألة الآرية، وهذا تعريب تلك الجملة: ~~«الآريون: # 65 # كتاب مسيو جورج بواسون # 66 # الذي ظهر غير بعيد يعرض لمسألة جعلتها الحوادث ~~الحاضرة في مقدمة المسائل، وهي أثر الجنس في تكوين الشعوب ~~الحديثة، وإذا كان العلم الألماني قد أوغل في الدراسات الآرية ~~إيغالا بعيدا، فإنه انتحى نحوا يجعل صحة نتائجه موضع إنكار ~~من علماء البلاد الأخرى، أما العلم الفرنسي فلم يعط هذه ~~الأبحاث من عنايته إلا بقدر؛ لذلك لم يوجد إلى الآن مصنف ~~يتناول هذا الموضوع من كل جوانبه مبينا الطبيعة الحقة ~~للطائفة الموسومة بالآرية، وأصولها الجنسية وتطوراتها في ثنايا ~~الأجيال، وهذا ما عالجه مسيو جورج بواسون العالم بما قبل ~~التاريخ، المحيط بآخر ما دون العلماء الفرنسيون ~~والأجانب. # كان الاهتمام بدرس مسألة الآرية في فرنسا متروكا إلى الآن ~~لعلماء اللغات وحدهم، ويرى مسيو بواسون أن ذلك ms020 خطأ، وأن ~~النهوض بهذه الأبحاث يستلزم ألا ننسى أن دعوى الآرية هي ~~أولا من مسائل العلم الباحث عن أصول الشعوب، وفوق ذلك فإن ~~الوصول إلى الأصول الحقيقية لتاريخ الشعوب والمدنيات يقتضي ~~الاستعانة بما انتهى إليه المشتغلون بدرس ما قبل التاريخ، ~~فمسيو بواسون يتخذ نمطا في البحث يعتمد على علم اللغات، ~~وعلم أصول الشعوب، وعلم ما قبل التاريخ معا، وكتابه هو تاريخ ~~حقيقي للتطور الأوروبي منذ نشأة الأجناس الحاضرة إلى يومنا ~~هذا، على طريقة التقسيم المسماة بتركيب القياس. # 67 # وهذا التاريخ يبين كيف تكونت الأمم والشعوب في عهود ~~التاريخ، وما هي العناصر التي كونتها، وأين نشأت منابتها، ~~وكيف تنقلت في البلاد، وما مدنياتها المتعاقبة، وما أثرها في ~~التطور العام للإنسانية. # ونجد فيه أن كل الأمم التي هي من الأسرة الآرية صيغت من ~~خليط من عناصر الأجناس الأولى، وما يكون لأمة أن تعتز بأن ~~لها من النقاء حظا أكبر من حظ غيرها، على أن هذا النقاء ~~ليس مما يستطاع تحديده. # ثم إن المدنية الآرية هي أثر مشترك لجميع العناصر ~~الجنسية التي شملتها هذه المدنية؛ إذ إن كل عنصر ساهم فيها ~~بشمائله ومعارفه على نسب متعادلة.» # 68 # | هوامش # الفصل الثاني # | مقالات المؤلفين الإسلاميين # ذكرنا في الفصل السابق قول العلماء الغربيين من المستشرقين ~~ومؤرخي الفلسفة في الفلسفة الإسلامية، وتتبعنا نظرهم إليها ~~وحكمهم عليها منذ تأسيس تاريخ الفلسفة بالمعنى الحديث إلى أيامنا ~~هذه. # ونريد في هذا الفصل: أن نتناول آراء المؤلفين الشرقيين من أهل ~~البلاد الإسلامية الذين كتبوا مؤلفاتهم بالعربية غالبا. # وسنحاول أن نتبين وجهة نظرهم إلى الفلسفة الإسلامية ومقالاتهم ~~في أصولها وحكمهم على منزلتها. # وقد يكون من العسير أن نسلك في هذا البحث نفس النسق الذي ~~سلكناه في الفصل الأول، خصوصا فيما يتعلق بمراعاة الترتيب ~~التاريخي في سرد الآراء وملاحظة تطورها، على أنا سنبذل جهدنا ~~في التقريب بين مناهج البحثين. ~~(1) الفلسفة والأمة العربية # يقول القاضي أبو القاسم (صاعد بن أحمد) المتوفى سنة ~~462ه/1070م في كتابه «طبقات الأمم» بعد ذكر علم العرب في ~~جاهليتهم: ~~«وأما ms021 علم الفلسفة فلم يمنحهم الله - عز وجل - شيئا ~~منه، ولا هيأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحدا من صميم ~~العرب شهر به إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي # 1 # وأبا محمد # 2 # الحسن الهمداني. # 3 # وكلام صاعد نص في أن العرب لم يكن عندهم شيء من علم ~~الفلسفة. وفي أن طبعهم خلو من التهيؤ لهذا العلم إلا ~~شذوذا.» # لكن الشهرستاني المتوفى سنة 548ه/1155م يقول في كتابه ~~«الملل والنحل» عند الكلام على الفلاسفة في الأمم ~~المختلفة: ~~«ومنهم حكماء العرب، وهم شرذمة قليلة؛ لأن أكثر حكمهم ~~فلتات الطبع وخطرات الفكر، وربما قالوا بالنبوات.» # 4 # فالشهرستاني يرى أن العرب قبل الإسلام كان عندهم حكماء، هم ~~شرذمة قليلة، وكان عندهم حكمة أكثرها فلتات الطبع وخطرات ~~الفكر، ولا شك أن العرب في جاهليتهم كانوا يعرفون كلمة ~~«حكمة» وكلمة حكماء. # ولم يبين صاحب كتاب «الملل والنحل» في هذا القول سبب قلة ~~الحكماء عند العرب، ولم يرد ذلك إلى طبيعتهم على نحو ما ~~صنع القاضي أبو القاسم صاعد، بل هو لم يرد ذلك إلى طبيعة العرب ~~عندما ذكر آراء الناس في تقسيم أهل العالم فقال: ~~«من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة، وأعطى ~~أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها ~~الألوان والألسن، ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي ~~هي الشرق والغرب والجنوب والشمال، ووفر على كل قطر حقه من ~~اختلاف الطبائع وتباين الشرائع، ومنهم من قسمهم بحسب الأمم، ~~فقال: كبار الأمم أربعة: العرب، والعجم، والروم، والهند. ثم ~~زاوج بين أمة وأمة، فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب ~~واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام ~~الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية، والروم والعجم ~~يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء، ~~والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور ~~الجسمانية.» # 5 # ولم يرد الشهرستاني ذلك إلى طبيعة العرب عند الكلام على ~~آراء العرب في الجاهلية، # 6 # وسيأتي ذكر هذا النص في كلام الأستاذ أحمد أمين ~~بك. # على أن ms022 الأستاذ أحمد أمين بك يرى رأيا آخر في كلام ~~الشهرستاني؛ فهو يقول في كتابه «فجر الإسلام» ما نصه: ~~«لاحظ بعض المستشرقين أن طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى ~~الأشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك، وقبله لاحظ ~~هذا المعنى بعض المؤلفين الأقدمين من المسلمين، فقد جاء في ~~«الملل والنحل» للشهرستاني عند الكلام على الحكماء: ~~«الصنف الثاني حكماء العرب وهم شرذمة قليلة، وأكثر حكمهم ~~فلتات الطبع وخطرات الفكر. # إن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، والمقاربة بين ~~الأمتين مقصورة على اعتبار خواص الأشياء والحكم بأحكام ~~الماهيات، والغالب عليهم الفطرة والطبع، وإن الروم والعجم ~~يتقاربان على مذهب واحد؛ حيث كانت المقاربة مقصورة على ~~اعتبار كيفية الأشياء والحكم بأحكام الطبائع، والغالب عليهم ~~الاجتهاد والجهد.»» # 7 # ولست أرى أن كلام الشهرستاني بسبب من عجز العقل العربي عن ~~النظر إلى الأشياء نظرة شاملة، بل قد يكون على عكس ~~ذلك. # فإن الذي يفهم من نصوص الشهرستاني هو أن العرب والهند ~~يميلون إلى الأحكام الكلية والأمور العقلية والمجردات، وهم ~~ينزعون إلى الروحانيات، بخلاف الروم والفرس الميالين إلى ~~الأمور الجزئية، وإلى تتبع آثار الطبائع والأمزجة وما يقع عليه ~~الحس من الأجسام والجسمانيات، ولعل قول الشهرستاني: «إن أكثر ~~حكم العرب فلتات الطبع وخطرات الفكر»، وقوله: «والغالب عليهم ~~الفطرة والطبع»، كل ذلك لا يخرج عما يقوله الجاحظ في كتاب ~~«البيان والتبيين»: «إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم ~~فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة وعن مشاورة ومعاونة، ~~وعن طول التفكير ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، ~~وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند ~~آخرهم، وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه ~~إلهام.» # 8 # ولا يريد الجاحظ بمقاله إلا أن يصف العرب بسرعة الذكاء ~~وحدة الذهن وإصابة الرأي فيما يحتاج غيرهم فيه إلى أناة ~~وطول تفكير واستعانة وبحث. # هذا ويوشك أن يكون التخالف بين مقال صاعد ومقال الشهرستاني ~~في أمر الفلسفة عند العرب يرجع إلى عدم اتفاقهما على ~~المراد بالفلسفة التي يتكلمان ms023 عنها، فصاعد يريد بالفلسفة ~~النظر العقلي الموجه إلى تعرف الحقائق على أسلوب علمي، وهو ~~يذكر ما يذكره من علوم العرب كعلم لسانها، وعلم الأخبار، ~~ومعرفة السير والأمصار، ثم يذكر معرفتهم لمطالع النجوم ~~ومغاربها، وأنواء الكواكب وأمطارها، فيقول: ~~«على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى ~~معرفة ذلك في أسباب المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق ولا على ~~سبيل التدرب في العلوم.» # 9 # فلم يكن عند العرب علم على طريق تعلم الحقائق والتدرب في ~~العلوم مطلقا، لا ما يسمى بالفلسفة ولا غيره. # أما الشهرستاني فالظاهر أن الفلاسفة عنده يقابلون أهل ~~الديانات والنحل، وهو يقول: «المستبدون بالرأي مطلقا هم ~~المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة والصابئة والبراهمة، وهم لا ~~يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودا عقلية حتى ~~يمكنهم التعايش عليها، والمستفيدون هم القائلون ~~بالنبوات.» # 10 # وقد كان عند العرب من غير الصابئة والبراهمة من يضعون لهم ~~حدودا عقلية تكفل شيئا من النظام والعدل لمعيشتهم هم ~~حكماؤهم وحكامهم. # وهذا التفكير العقلي وما إليه يسمى فلسفة عند ~~الشهرستاني، ما دام غير معتمد على أساس من الدين، وإن لم يكن ~~على المنهج العلمي. # وصاعد مع قوله بأن العرب لم يمنحهم الله شيئا من علم ~~الفلسفة ولا هيأ طباعهم للعناية به، فإنه لم يتبين لنا ما ~~هي تلك الطبيعة العربية التي تنبو عن الفلسفة. # أما الشهرستاني فقد ميز الطبيعة العربية تمييزا يجعلها ~~قريبة من النظر المجرد والمباحث الكلية التي هي بالفلسفة ~~أشبه، ثم ذكر أن حكماء العرب قليلون وأكثر حكمهم بديهة ~~وارتجال، ولم يبين وجها لقلة حكمائهم مع توفر استعدادهم ~~الطبيعي. # وجاء بعد ذلك عبد الرحمن بن خلدون المتوفى سنة 808ه/1406م ~~فذهب في بيان معنى الفلسفة مذهبا غير بعيد من رأي الشهرستاني؛ ~~فهو يقول في المقدمة: اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ~~ويتداولونها في الأمصار تحصيلا وتعليما على صنفين: ~~(1) # صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره. ~~(2) # وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. # والأول: # هو العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن ~~أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ms024 ويهتدي ~~بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها ~~وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقفه نظره ~~وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو ~~إنسان ذو فكر. # والثاني: # العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة ~~إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال للعقل ~~فيها إلا في إلحاق الفروع من مسائلها ~~بالأصول. # 11 # ويظهر أن هذا الفيلسوف الاجتماعي لا يرى رأي القائلين ~~بأن في طبيعة العرب ما يصدهم عن الفلسفة ويضعف استعدادهم ~~لها؛ إذ هو لا يقسم البشر أجناسا لكل جنس طبيعة لازمة، على ~~نحو ما يميل إليه صاعد والشهرستاني فيما يؤخذ من كلامهما، بل ~~هو يرد صفات الشعوب الحسية والمعنوية إلى عوامل طارئة من ~~الهواء، واختلاف أحوال العمران، فهو يبين في «مقدمته» أثر ~~الموقع الجغرافي وتأثير الهواء في ألوان البشر والكثير من ~~أحوالهم، ويذكر اختلاف أحوال العمران في الخصب والجدب، وما ~~ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم. # وقد عقد في المقدمة فصلا للكلام على أن حملة العلم في ~~الإسلام أكثرهم العجم، حلل فيه الأسباب التي يرى أنها ~~صرفت العرب عن العناية بالعلم والفلسفة في جاهليتهم ~~وإسلامهم، وهي أسباب خارجة عن طبيعتهم الجنسية. # قال في هذا الفصل: «من الغريب الواقع أن حملة العلم في ~~الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية ولا من ~~العلوم العقلية، إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في ~~نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية ~~وصاحب شريعتها عربي، والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن ~~فيها علم ولا صناعة؛ لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة، والقوم ~~يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين.» # وبعد أن ذكر نشأة العلوم الشرعية وغيرها قال: «فصارت هذه الع ~~لوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في ~~جملة الصنائع، وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر، ~~وأن العرب أبعد الناس عنها، فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد ~~عنها العرب، وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها ~~وخرجوا إليها عن البداوة، فشغلتهم الرئاسة ms025 في الدولة العباسية ~~وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر ~~فيه، فإنهم أهل الدولة وأولو سياستها ... مع ما يلحقهم من الأنفة ~~عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع، والرؤساء ~~أبدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها، وأما ~~العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز ~~حملة العلم ومؤلفوه، واستقر العلم كله صناعة، فاختصت ~~بالعجم وتركها العرب وانصرفوا عن انتحالها، فلم يحملها إلا ~~المعلمون من العجم شأن الصنائع، كما قلناه أولا.» # 12 # فابن خلدون لا يرى أن انصراف العرب عن الفلسفة إلا قليلا ~~كان لقصور في طبيعتهم، لكنه كان بحكم البداوة البعيدة عن ~~ممارسة الصناعات العلمية وغيرها، ثم بحكم اشتغالهم بالرياسة ~~وتدبير الدولة والدفاع عنها، واستنكافهم عن معالجة الصناعات ~~حتى العلمية منها التي تركوها للمرءوسين من الأعاجم. # وعرض تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ~~845ه/1441م في «الخطط» لفلاسفة العرب في الجاهلية؛ فجعلهم دون ~~غيرهم من فلاسفة الأمم، وجعل فلاسفة الإسلام في نسق مع حكماء ~~الروم حتى لكأنهم طبقة منهم، قال: واسم الفلاسفة يطلق على ~~جماعة من الهند هم الطبسيون # 13 # والبراهمة، ولهم رياضة شديدة، وهم ينكرون النبوة ~~أصلا، ويطلق أيضا على العرب بوجه أنقص، وحكمتهم ترجع إلى ~~أفكارهم وإلى ملاحظة طبيعية، ويقرون بالنبوات، وهم أضعف ~~الناس في العلوم، ومن الفلاسفة حكماء الروم وهم طبقات، فمنهم ~~أساطين الحكمة وهم أقدمهم، ومنهم المشاءون، وأصحاب الرواق، ~~وأصحاب أرسطو، وفلاسفة الإسلام.» # 14 ~~(2) مصادر الفلسفة في الملة الإسلامية # لم يكن للعرب في جاهليتهم حظ من الفلسفة من حيث هي علم له ~~موضوعه وأسلوبه في البحث وغايته. # لكن هذا العلم كان موجودا عند أمم من غير العرب، وانتقل ~~منها إلى العرب في ريعان دولتهم الناهضة. ~~(2-1) الاعتراف بسلطان الفلسفة اليونانية # قال ابن خلدون في المقدمة: ~~«واعلم أن أكثر من عني بها (يعني العلوم العقلية) في ~~الأجيال الذين عرفنا أخبارهم؛ الأمتان العظيمتان في ~~الدولة قبل الإسلام، وهما: فارس # 15 # والروم.» # 16 # وجاء في كتاب «إخبار العلماء بأخبار ms026 الحكماء». # 17 # في ترجمة الكندي: ~~«يعقوب بن إسحاق ... أبو يوسف الكندي المشتهر في الملة ~~الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية ~~والهندية.» # 18 # وقد ذكر صاحب # 19 # كتاب «الفهرست» أسماء # 20 # من نقلوا إلى العربية كتب العلوم الفلسفية في ~~عهد العباسيين عن اليونانية والفارسية والهندية. # وفي ذلك اعتراف بقيام العلوم الفلسفية في الإسلام على ~~أصول يونانية وفارسية وهندية، لكن ابن خلدون يقول في ~~المقدمة: ~~«وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما، ~~ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة، كتب سعد بن ~~أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذن في شأنها وتلقيها ~~للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما ~~فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد ~~كفانا الله، فطرحوها في الماء أو في النار، وذهبت علوم ~~الفرس فيها عن أن تصل إلينا.» # 21 # ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإنها لا تثبت أن آثار ~~الفرس محيت كلها غير أنها قد تدل على أن ما وصل إلى ~~العرب من مؤلفات الفرس هو دون ما وصل إليهم من مؤلفات ~~اليونان مثلا. # واعتراف مؤلفي العربية بأن علوم الفلسفة دخيلة عليهم، ~~ظاهر في شيوع وصفها في كتبهم بأنها من علوم الأوائل ~~والعلوم القديمة، في مقابلة العلوم المحدثة في الملة ~~الإسلامية، وقد جاء هذا التعبير في كتاب «الفهرست» لابن ~~النديم، وكتاب «طبقات الأمم» لأبي القاسم صاعد، و«كتاب ~~إخبار العلماء بأخبار الحكماء»، وغيرها. ~~«واسم الفلسفة كما نقله عن الفارابي صاحب # 22 ~~«عيون الأنباء في طبقات الأطباء» يوناني، وهو ~~دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلاسوفيا، ومعناه ~~إيثار الحكمة، وهو في لسانهم مركب من فيلا وسوفيا، ففيلا ~~«الإيثار» وسوفيا «الحكمة»، والفيلسوف مشتق من الفلسفة، ~~وهو على مذهب لسانهم فيلوسوفوس، فإن هذا التغيير هو تغيير ~~كثير من الاشتقاقات عندهم ومعناه «المؤثر للحكمة»، ~~والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه ~~من عمره الحكمة.» # 23 # واستعمال العرب للفظ «الفلسفة» اليوناني إشعار بأن ~~مصدر الفلسفة عندهم يوناني، ms027 بل إن مؤلفي العرب يرون ~~أن الأصل في الفلسفة والمبدأ في الحكمة للروم، قال ~~صاحب كتاب «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»: ~~«وبسبب أرسطوطاليس كثرت الفلسفة وغيرها من العلوم ~~القديمة في البلاد الإسلامية.» # 24 # وقال صاحب كتاب «الملل والنحل»: ~~«فنحن نذكر مذاهب الحكماء القدماء من الروم واليونانيين ~~في الترتيب الذي نقل في كتبهم، ونعقب ذلك بذكر سائر ~~الحكماء، فإن الأصل في الفلسفة والمبدأ في الحكمة للروم، ~~وغيرهم كالعيال عليهم.» # 25 # وفي كتاب «أبجد العلوم» لصديق حسن خان: ~~«وجميع العلوم العقلية مأخوذة عن أهل يونان.» # 26 # والرأي السائد عند المؤلفين الإسلاميين هو أن ~~الفلسفة الإسلامية ليست إلا مقالات أرسطوطاليس مع بعض آراء ~~أفلاطون والمتقدمين من فلاسفة اليونان قبل أفلاطون، وهذا ~~ما يقوله الشهرستاني في «الملل والنحل» عند الكلام على ~~المتأخرين من فلاسفة الإسلام: ~~«قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ما ذهب إليه ~~وانفرد به سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي ~~أفلاطون والمتقدمين .» # 27 # وابن خلدون يقول تارة في المقدمة في: «فصل في إبطال ~~الفلسفة وفساد منتحلها» كقول الشهرستاني: ~~«وإمام هذه المذاهب الذي حصل مسائلها، ودون علمها، ~~وسطر حجاجها فيما بلغنا في هذه الأحقاب، هو أرسطو ~~المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم ... ويسمونه المعلم ~~الأول على الإطلاق، يعنون معلم صناعة المنطق؛ إذ لم تكن ~~قبله مهذبة، وهو أول من رتب قانونها، واستوفى ~~مسائلها، وأحسن بسطها ... ثم كان من بعده في الإسلام من ~~أخذ بتلك المذاهب، واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل ~~إلا في القليل.» # 28 # ويرى تارة رأيا آخر فيقول في فصل: «العلوم العقلية ~~وأصنافها» بعد ذكر عصر المأمون، وما كان فيه من العناية ~~باستخراج كتب اليونانيين وترجمتها: ~~«وعكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا فنونها، ~~وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها، وخالفوا كثيرا من آراء ~~المعلم الأول، واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة ~~عنده، ودونوا في ذلك الدواوين، وأربوا على من ~~تقدمهم في هذه العلوم.» # 29 # ومن فلاسفة الإسلام أنفسهم من لا يرى في الفلسفة ~~الإسلامية في جملتها أفضل من هذه الآراء. ms028 # وقد نقل ماسينيون في كتابه «مجموع نصوص لم تنشر متعلقة ~~بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام»، جملة من كتاب لابن ~~سبعين الفيلسوف الأندلسي المتوفى سنة 669ه/1270م، صور ~~فيها ابن رشد والفارابي وابن سينا تصويرا يشف عن رأيه ~~في فلسفتهم، وهم أئمة الفلسفة الإسلامية. قال في ابن ~~رشد: ~~«وهذا الرجل مفتون بأرسطو ومعظم له، ويكاد أن ~~يقلده في الحس والمعقولات الأولى، ولو سمع الحكيم ~~يقول: إن القائم قاعد في زمان واحد، لقال هو به واعتقده، ~~وأكثر تآليفه من كلام أرسطو؛ إما يلخصها، وإما يمشي ~~معها.» # وقال في الفارابي: ~~«وهذا الرجل أفهم فلاسفة الإسلام وأذكرهم للعلوم ~~القديمة، وهو الفيلسوف فيها لا غير، وهو مدرك ~~محقق.» # أما ابن سينا عنده: ~~«فمموه مسفسط، كثير الطنطنة، قليل الفائدة، وما له من ~~التآليف لا يصلح لشيء، ويزعم أنه أدرك الفلسفة ~~المشرقية، ولو أدركها لتضوع ريحها عليه، وهو في العين ~~الحمئة، وأكثر كتبه مؤلفة ومستنبطة من كتب أفلاطون، ~~وما فيها من عنده فشيء لا يصلح، وكلامه لا يعول عليه، ~~و«الشفاء» أجل كتبه، وهو كثير التخبط ومخالف للحكيم، ~~وإن كان خلافه له مما يشكر له، فإنه بين ما كتبه ~~الحكيم، وأحسن ما له في الإلهيات «التنبيهات والإشارات»، ~~وما رمزه في حي ابن يقظان، على أن جميع ما ذكره فيها هو ~~من مفهوم «النواميس» لأفلاطون وكلام الصوفية.» # والواقع أن افتتان الجمهرة من متفلسفة الإسلام بأرسطو ~~وبالمشائين وغيرهم من حكماء اليونان كان أمرا غير ~~خفي. # وفي كلام ابن سبعين نفسه بوادر تنم عن شيء من هذا، ألست ~~تراه يعتبر الفارابي هو الفيلسوف لا غيره؛ لأنه أفهم ~~فلاسفة الإسلام، وأذكرهم للعلوم القديمة، وهو يريد علوم ~~الفلسفة المترجمة عن يونان؟ ثم ألست تراه يلمز ابن سينا ~~لمخالفته للحكيم - أي أرسطو - ويعود فيرى في ذلك موضعا ~~للشكر لأن فيه تبينا لآراء المعلم الأول؟ ~~(2-2) الخطأ والتحريف في تعريب الكتب الفلسفية # ولم يغفل المؤلفون الإسلاميون التنبيه إلى ما وقع من ~~الخطأ والتحريف في ترجمة الكتب الفلسفية، ونقلها إلى ~~العربية. # قال أبو حيان التوحيدي المتوفى سنة ms029 400ه/1009م في ~~«المقايسات»: ~~«... على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية ومن ~~العبرانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، قد ~~أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق إخلالا لا يخفى ~~على أحد، ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع ~~بيانها الرائع، وتصرفها الواسع، وافتنانها المعجز، ~~وسعتها المشهورة، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، ~~وكاملة بلا نقص، ولو كنا نفقه عن الأوائل أغراضهم ~~بلغتهم، كان ذلك أيضا ناقعا للغليل، وناهجا للسبيل، ~~ومبلغا إلى الحد المطلوب.» # 30 # ويقول الغزالي المتوفى سنة 505ه/1111م في كتابه «تهافت ~~الفلاسفة»: ~~«ثم المترجمون لكلام أرسطاليس لم ينفك كلامهم عن تحريف ~~وتبديل محوج إلى تفسير وتأويل، حتى أثار ذلك أيضا نزاعا ~~بينهم، وأقومهم بالنقل والتحقيق من المتفلسفة في الإسلام ~~الفارابي أبو نصر وابن سينا، فنقتصر على إبطال ما اختاروه ~~ورأوه الصحيح من مذهب رؤسائهم في الضلال، فإن ما هجروه ~~واستنكفوا (5) من المتابعة فيه لا يتمارى في اختلاله، ولا ~~يفتقر إلى نظر طويل في إبطاله .» # 31 ~~(3) وفي كتاب «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» ~~«وكل من نقل كلامه - أرسطوطاليس - من اليونانية إلى الرومية ~~وإلى السريانية وإلى الفارسية وإلى العربية حرف وجزف، وظن ~~بنقله الإنصاف وما أنصف، وأقرب الجماعة حالا في تفهيم مقاصده ~~في كلامه الفارابي أبو نصر وابن سينا، فإنهما دققا وحققا؛ ~~فحملا علمه على الوجه المقصود، وأعذبا منه لوارده منهله ~~المورود، ووافقاه على شيء من أصوله، فكفرا بكفره، وجعل ~~قدرهما بين أهل الشهادة كقدره.» # 32 ~~(3-1) رأي ابن سينا # وقد بين ابن سينا في مقدمة كتابه «منطق المشرقيين» ~~تحكم أرسطو والمشائين في عقول المتفلسفة الإسلامية، ~~وكشف عن فلسفته هو وموقفها فقال: ~~«وبعد؛ فقد نزعت الهمة بنا إلى أن نجمع كلاما ~~فيما اختلف أهل البحث فيه، لا نلتفت فيه لفت عصبية أو ~~هوى أو عادة أو إلف، ولا نبالي مفارقة تظهر منا ~~لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين إلفا عن غفلة وقلة ~~فهم، ولما سمع منا في كتب ألفناها للعاميين من ~~المتفلسفة، المشغوفين بالمشائين، الظانين أن الله لم ~~يهد إلا ms030 إياهم، ولم ينل رحمته سواهم، مع اعتراف منا ~~بفضل أفضل سلهم (يريد به أرسطو) في تنبهه لما نام عنه ~~ذووه وأستاذوه. وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض. وفي ~~ترتيبه العلوم خيرا مما رتبوه. وفي إدراكه الحق في ~~كثير من الأشياء. وفي تفطنه لأصول صحيحة سرية في أكثر ~~العلوم. وفي إطلاعه الناس على ما بينها فيه السلف وأهل ~~بلاده، وهذا أقصى ما يقدر عليه إنسان يكون أول من مد ~~يديه إلى تمييز مخلوط وتهذيب مفسد، ويحق على من بعده ~~أن يلموا شعثه، ويرموا ثلما يجدونه فيما بناه، ~~ويفرعوا أصولا أعطاها، فما قدر من بعده على أن يفرغ ~~نفسه من عهدة ما ورثه منه، فذهب عمره في تفهم ما أحسن فيه، ~~والتعصب لبعض ما فرط من تقصيره؛ فهو مشغول عمره بما سلف، ~~ليس له مهلة يراجع فيها عقله ولو وجدها ما استحل أن ~~يضع ما قاله الأولون موضع المفتقر إلى مزيد عليه، أو ~~إصلاح له أو تنقيح إياه، وأما نحن فسهل علينا التفهم لما ~~قالوه أول ما اشتغلنا به، ولا يبعد أن يكون قد وقع إلينا ~~من غير جهة اليونانيين علوم. # وكان الزمان الذي ~~اشتغلنا فيه بذلك ريعان الحداثة، ووجدنا من توفيق الله ما ~~قصر علينا بسببه مدة التفطن لما أورثوه، ثم قابلنا ~~جميع ذلك بالنمط من العلم الذي يسميه اليونانيون ~~«المنطق» - ولا يبعد أن يكون له عند المشرقيين اسم غيره - ~~حرفا حرفا، فوقفنا على ما تقابل وعلى ما عصى، وطلبنا لكل ~~شيء وجهة، فحق ما حق وزاف ما زاف، ولما كان المشتغلون ~~بالعلم شديدي الاعتزاء إلى المشائين من اليونانيين، ~~كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور، فانحزنا إليهم، ~~وتعصبنا للمشائين؛ إذ كانوا أولى فرقهم بالتعصب لهم، ~~وأكملنا ما أرادوه وقصروا فيه ولم يبلغوا أربهم منه، ~~وأغضينا عما تحطبوا فيه وجعلنا له وجها ومخرجا، ونحن ~~بدخلته شاعرون، وعلى ظله واقفون، فإن جاهرنا بمخالفتهم ~~فعن الشيء الذي لم يمكن الصبر عليه، وأما الكثير؛ فقد ~~غطيناه بأغطية التغافل.» # 33 # وما يكون لنا أن ~~نلتمس وراء ms031 ابن سينا مرجعا للحكم في الفلسفة الإسلامية، ~~وجماع حكمه، أن الفلسفة الإسلامية كانت في غالب أمرها ~~قائمة على العصبية لأرسطو وللمشائين، لكن فلاسفة الإسلام ~~على الحقيقة، من أمثال ابن سينا، كانوا يعرفون لأرسطو فضله ~~من غير غفلة عن قصوره أحيانا وخطئه، وكانت تقع لهم علوم ~~من غير أرسطو، بل من غير علوم يونان، وكانت وجهتهم أن ~~يشيدوا هيكلا فلسفيا يقوم على قواعد مما محصه ~~النقد من مقالات أرسطو والمشائين، وترفع أركانه بما عملته ~~أيديهم وما كسبوه من غير اليونانيين. # ومتى درست آثار الفلاسفة الإسلاميين حق دراستها - وذلك ~~يحتاج إلى كد الذهن وطول الصبر، وحسن الاستعداد، وتحصيل ~~الآلة المعينة على تفهم تلك الأساليب - ومتى نشر ~~للباحثين ما لم ينشر من آثار القوم، وهو كثير، فسنعرف عن ~~يقين نصيب الفلسفة الإسلامية من التراث الفلسفي في ~~العالم. ~~(3-2) فلسفة وحكمة # ولا يفوتنا أن نشير إلى أن فلاسفة الإسلام استعملوا، ~~إلى جانب كلمة «فلسفة» اليونانية وما اشتق منها، كلمة ~~«حكمة» العربية وما أخذ منها، فقالوا: حكمة، وحكيم ، وعلوم ~~حكمية. # ويظهر أن هذا الاستعمال بعيد العهد يتصل بأول نقل ~~للعلوم القديمة في الإسلام، على ما جاء في كتاب «الفهرست»، ~~فقد ورد فيه: ~~«كان خالد بن يزيد بن معاوية (المتوفى سنة 85ه/704م) ~~يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ~~ومحبة للعلوم، خطر بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من ~~فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مدينة مصر، وقد تفصح ~~بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني ~~والقبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في ~~الإسلام.» # 34 # وقال صاحب «الفهرست» في موضع آخر: ~~«قال محمد بن إسحاق: الذي عني بإخراج كتب القدماء في ~~الصنعة خالد بن يزيد بن معاوية، وكان خطيبا شاعرا فصيحا ~~حازما ذا رأي، وهو أول من ترجم له كتب الطب والنجوم ~~وكتب الكيمياء، وكان جوادا، يقال إنه قيل له لقد جعلت ~~أكثر شغلك في طلب الصنعة، فقال خالد: ما أطلب بذلك إلا أن ~~أغني أصحابي وإخواني، إني طمعت في الخلافة فاختزلت ms032 ~~دوني، فلم أجد منها عوضا إلا أن أبلغ آخر هذه الصناعة، ~~فلا أحوج أحدا عرفني يوما أو عرفته إلى أن يقف ~~بباب سلطان رغبة أو رهبة.» # 35 # وفي كتاب «فضل هاشم على عبد شمس» للجاحظ: ~~«وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وجيد ~~الرأي أريبا، كثير الأدب حكيما، وكان أول من أعطى ~~التراجمة والفلاسفة، وقرب أهل الحكمة ورؤساء أهل كل ~~صناعة، وترجم كتب النجوم والطب والكيمياء والحروب والآداب ~~والآلات والصناعات.» # 36 # وفي كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ: ~~«وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا ~~جامعا، وجيد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب ~~النجوم والطب والكيمياء.» # 37 # وقد أنشيء في عهد الرشيد وولده المأمون بيت الحكمة، ~~ونجد لبيت الحكمة هذا ذكرا في كتاب «الفهرست»، ففي أخبار ~~غيلان الشعوبي: ~~«أصله من الفرس، وكان راوية عارفا بالأنساب والمثالب ~~والمنافرات، منقطعا إلى البرامكة، وينسخ في بيت ~~الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة.» # 38 # وفي أخبار سهل بن هارون: ~~«وكان متحققا بخدمة المأمون وصاحب خزانة الحكمة له، ~~وكان حكيما فصيحا شاعرا، فارسي الأصل، شعوبي المذهب، ~~شديد العصبية على العرب.» # 39 # ثم ذكر سعيد بن هارون الكاتب، وأنه شريك سهل بن هارون ~~في بيت الحكمة، وذكر «سلما» صاحب بيت الحكمة مع سهل بن ~~هارون. # وفي كتاب «سرح العيون» لابن نباتة المصري # 40 # في ترجمة سهل بن هارون: «وهو سهل بن هارون بن ~~راهبون، ويكنى أبا عمرو، من أهل نيسابور، نزل البصرة ~~فنسب إليها، ويقال إنه كان شعوبيا، والشعوبية فرقة ~~تبغض العرب وتتعصب عليها للفرس، وانفرد سهل في زمانه ~~بالبلاغة والحكمة، وصنف الكتب معارضا بها كتب الأوائل، ~~حتى قيل له بزرجمهر الإسلام، وكان في أول أمره خصيصا ~~بالفضل بن سهل ثم قدمه إلى المأمون فأعجب ببلاغته ~~وعقله، وجعله كاتبا على خزانة الحكمة، وهي كتب الفلاسفة ~~التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أن المأمون ~~لما هادن صاحب هذه الجزيرة، أرسل إليه يطلب خزانة كتب ~~اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليها أحد ~~أبدا، ms033 فجمع صاحب هذه الجزيرة بطانته وذوي الرأي واستشارهم ~~في حمل الخزانة إلى المأمون، فكلهم أشاروا بعدم الموافقة ~~إلا مطرانا واحدا، فإنه قال: ~~«الرأي أن تعجل بإنفاذها إليه، فما دخلت هذه العلوم ~~العقلية على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها، ~~فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هارون ~~خازنا لها.» # 41 # وكثيرا ما نجد في كتب مؤلفي العربية وضع الحكمة والحكيم ~~مكان الفلسفة والفيلسوف وبالعكس، وعبروا بحكماء الإسلام ~~وفلاسفة الإسلام، والحكيم عندهم على إطلاقه هو ~~أرسطو. # وقد يدل قدم العهد باستعمال كلمة «الحكمة» في معنى ~~الفلسفة، وامتداد ذلك إلى أول نقل بالعربية للعلوم ~~القديمة، على أن أصل معنى كلمة «الحكمة» في كلام العرب ~~كان ممهدا لهذا الاستعمال غير بعيد منه. # | هوامش # الفصل الثالث # | تعريف الفلسفة وتقسيمها عند الإسلاميين # (1) الكندي # أقدم ما عرفنا من أقوال الفلاسفة الإسلاميين في التعريف ~~بالفلسفة هو ما نقله ابن نباته المصري # 1 # عن أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب، ~~قال: ~~«ومن كلامه (يعني الكندي) في الفلسفة: «علوم الفلسفة ثلاثة؛ ~~فأولها: العلم الرياضي في التعليم، وهو أوسطها في الطبع. ~~والثاني: علم الطبيعيات، وهو أسفلها في الطبع. والثالث: علم ~~الربوبية، وهو أعلاها في الطبع. # وإنما كانت العلوم ثلاثة لأن المعلومات ثلاثة: إما علم ~~ما يقع عليه الحس، وهو ذوات الهيولى، وإما علم ما ليس بذي ~~هيولى؛ إما أن يكون لا يتصل بالهيولى البتة، وإما أن يكون قد ~~يتصل بها. # فأما ذات الهيولى فهي المحسوسات، وعلمها هو العلم الطبيعي، ~~وإما أن يتصل بالهيولى وإن له انفرادا بذاته، كعلم ~~الرياضيات التي هي العدد والهندسة والتنجيم ~~والتأليف، # 2 # وإما لا يتصل بالهيولى # 3 # البتة، وهو علم الربوبية.» # 4 # وليس في هذا القول ~~الموجز المجمل الذي لا يخلص من نفحات عجمة، بحكم أنه من ~~المحاولات الأولى لإبراز المعاني والاصطلاحات الفلسفية في ~~أساليب عربية، إلا تعرض للقسم النظري من الفلسفة دون العملي، ~~وليس فيه محاولة وضع تعريف للفلسفة جامع، ولا ذكر ~~للمنطق. # 5 ~~(2) الفارابي # وجاء بعد ذلك أبو نصر الفارابي ms034 المعلم الثاني المتوفى سنة ~~335ه/950م فعرض لتحديد معنى الفلسفة، وعرض للإحاطة بأقسامها، ~~وذكر الغاية منها والفرق بين الدين والفلسفة في بيان أفصح ~~وأبسط؛ لكنه فرق هذه الأبحاث في مواضع من كتبه لمناسبات، لم ~~يعمد إلى جمعها في نسق، ولم تخل أقواله على بسطها من اضطراب ~~وغموض في بعض الأحايين. # قال في كتابه «الجمع بين رأيي الحكيمين»: ~~«إذ الفلسفة حدها وماهيتها أنها العلم بالموجودات بما ~~هي موجودة، وكان هذان الحكيمان هما مبدعان للفلسفة ومنشئان ~~لأوائلها وأصولها، ومتممان لأواخرها وفروعها، وعليهما المعول ~~في قليلها وكثيرها، وإليهما المرجع في يسيرها وخطيرها، وما ~~يصدر عنهما في كل فن إنما هو الأصل المعتمد عليه لخلوه من ~~الشوائب والكدر، بذلك نطقت الألسن وشهدت العقول، إن لم يكن من ~~الكافة، فمن الأكثرين من ذوي الألباب الناصعة والعقول ~~الصافية. # ولما كان القول والاعتقاد إنما يكون صادقا متى كان ~~للموجود المعبر عنه مطابقا، ثم كان بين قول هذين الحكيمين ~~في كثير من أنواع الفلسفة خلاف، لم يخل الأمر فيه من إحدى ~~ثلاث خلال: إما أن يكون هذا الحد المبين عن ماهية الفلسفة ~~غير صحيح، وإما أن يكون رأي الجميع أو الأكثرين واعتقادهم في ~~تفلسف هذين الرجلين سخيفا ومدخولا. وإما أن يكون في معرفة ~~الظانين فيهما بأن بينهما خلافا في هذه الأصول تقصير، والحد ~~صحيح مطابق لصناعة الفلسفة، وذلك يتبين من استقراء جزئيات ~~هذه الصناعة، وذلك أن موضوعات العلوم وموادها لا تخلو من أن ~~تكون: إما إلهية، وإما طبيعية، وإما منطقية، وإما رياضية أو ~~سياسية. # وصناعة # 6 # الفلسفة هي المستنبطة لهذه والمخرجة لها، حتى ~~إنه لا يوجد شيء من موجودات العالم إلا وللفلسفة فيه مدخل، ~~وعليه غرض، ومنه علم بمقدار الطاقة الإنسية، وطريق ~~القسمة # 7 # يصرح ويوضح ما ذكرناه، وهو الذي يؤثر الحكيم ~~أفلاطون، فإن المقسم يروم ألا يشذ عنه شيء موجود من ~~الموجودات، ولو لم يسلكها أفلاطون، لما كان الحكيم أرسطوطاليس ~~يتصدى لسلوكها. # غير أنه لما وجد أفلاطون قد أحكمها وبينها وأتقنها ~~وأوضحها، اهتم أرسطوطاليس باحتمال الكد وإعمال الجهد ms035 في إنشاء ~~طريق القياس، وشرع في بيانه وتهذيبه ليستعمل القياس والبرهان ~~في جزء جزء مما توجبه القسمة؛ ليكون كالتابع والمتمم ~~والمساعد والناصح. # ومن تدرب في علم المنطق وأحكم علم الآداب الخلقية، ثم شرع ~~في الطبيعيات والإلهيات، ودرس كتب هذين الحكيمين، يتبين له ~~مصداق ما أقوله، حيث يجدهما قد قصدا تدوين العلوم بموجودات ~~العالم، واجتهدا في إيضاح أحوالها على ما هي عليه من غير قصد ~~منهما لاختراع أو إغراب أو إبداع وزخرفة وتشويق، بل لتوفيته ~~كلا منها قسطه ونصيبه بحسب الوسع والطاقة. # وإذا كان ذلك كذلك، فالحد الذي قيل في الفلسفة: «إنها العلم ~~بالموجودات بما هي موجودة» صحيح يبين عن ذات المحدود ويدل ~~على ماهيته.» # 8 # ويتفق مع هذا التعريف للفلسفة ويوضحه قول الفارابي أيضا ~~في كتاب «تحصيل السعادة»: ~~«وأول هذه العلوم كلها هو العلم الذي يعطي الموجودات معقولة ~~ببراهين يقينية، وهذه الأخر إنما تأخذ تلك بأعيانها، فتقنع ~~فيها أو تخيلها؛ ليسهل بذلك تعليم جمهور الأمم وأهل المدن، ~~فالطرق الإقناعية والتخيلات إنما تستعمل إذن في تعليم ~~العامة وجمهور الأمم والمدن، وطرق البراهين اليقينية في أن ~~يحصل بها الموجودات أنفسها معقولة # 9 # تستعمل في تعليم من سبيله أن يكون ~~خاصيا. # وهذا العلم هو أقدم العلوم وأكملها رياسة، وسائر العلوم ~~الأخر الرئيسية هي تحت رياسة هذا العلم ... # وكان الذين عندهم هذا العلم من اليونانيين يسمونه الحكمة على ~~الإطلاق، والحكمة العظمى، ويسمون اقتناءها العلم، وملكتها ~~الفلسفة، ويعنون به إيثار الحكمة العظمى ومحبتها، ويسمون ~~المقتني لها فيلسوفا، يعنون به المحب والمؤثر للحكمة ~~العظمى.» # 10 # وللفارابي تعريف وتقسيم للفلسفة نحا بهما منحى آخر؛ فهو ~~يقول في كتاب «التنبيه على سبيل السعادة»: ~~«فإن الصنائع صنفان: صنف مقصوده تحصيل الجميل، وصنف ~~مقصوده تحصيل النافع، والصناعة التي مقصودها تحصيل الجميل فقط ~~هي التي تسمى الفلسفة، وتسمى الحكمة على الإطلاق، ~~ولما كانت السعادة إنما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة ~~قنية، وكانت الأشياء الجميلة إنما تصير لنا قنية بصناعة ~~الفلسفة، فلزم ضرورة أن تكون الفلسفة هي التي بها تنال ~~السعادة، ms036 ولما كان الجميل صنفين؛ صنف به يحصل معرفة الموجودات ~~التي ليس للإنسان فعلها، وهذه تسمى النظرية، والثاني: به تحصل ~~معرفة الأشياء التي شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل ~~منها، وهذه تسمى الفلسفة العملية والفلسفة المدنية. # والفلسفة النظرية تشتمل على ثلاثة أصناف من العلوم؛ أحدها: ~~علم التعاليم. والثاني: العلم الطبيعي. والثالث: علم ما بعد ~~الطبيعيات. # وكل واحد من هذه العلوم الثلاثة يشتمل على صنف من الموجودات ~~التي من شأنها أن تعلم فقط ... # والفلسفة المدنية صنفان؛ أحدهما: يحصل به علم الأفعال ~~الجميلة، والأخلاق التي تصدر عنها الأفعال الجميلة، والقدرة ~~على أسبابها، وبه تصير الأشياء الجميلة قنية لنا، وهذه ~~تسمى الصناعة الخلقية، والثاني: يشتمل على معرفة الأمور ~~التي بها تحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن، والقدرة على ~~تحصيلها لهم وحفظها عليهم، وهذه تسمى الفلسفة السياسية، ~~فهذه جمل أجزاء صناعة الفلسفة.» # 11 # وبعد أن عرف الفارابي الفلسفة على هذا الوجه واستوفى ~~أقسامها، ذكر المنطق على أنه آلة للفلسفة وممهد لسبيلها، لا ~~على أنه قسم من أقسامها، فقال: ~~«وأقول: لما كانت الفلسفة تحصل بجودة التمييز، وكانت جودة ~~التمييز تحصل بقوة الذهن، إنما تحصل متى كانت قوة الذهن حاصلة ~~لنا قبل جميع هذا، وقوة الذهن إنما تحصل متى كانت لنا قوة بها ~~نقف على الحق أنه حق يقين فنعتقده، وبها نقف على الباطل أنه ~~باطل بيقين فنجتنبه، ونقف على الباطل الشبيه بالحق فلا نغلط ~~فيه، ونقف على ما هو حق في ذاته وقد أشبه الباطل فلا نغلط فيه ~~ولا ننخدع، والصناعة التي بها نستفيد هذه القوة تسمى صناعة ~~المنطق.» # 12 # وإذا كنا نرى في هذا المقال اتجاها من الفارابي إلى عد ~~المنطق كالآلة للفلسفة يخالف اتجاهه إلى عده قسما من ~~صميمها فيما نقلناه من كلامه؛ أولا: فإنا نجد الفارابي يذكر ~~في كتابه: «ما ينبغي أن يقدم قبل تعلم فلسفة أرسطو» ~~الغاية التي يقصد إليها في تعلم الفلسفة بما نصه: ~~«وأما الغاية التي يقصد إليها في تعلم الفلسفة فهي معرفة ~~الخالق - تعالى - وأنه واحد غير متحرك، وأنه ms037 العلة الفاعلة ~~لجميع الأشياء، وأنه المرتب لهذا العالم بجوده وحكمته ~~وعدله. # 13 # وتبيين الغاية من الفلسفة هذا البيان يشعر بقصر الفلسفة على ~~القسم الإلهي. # ويعين على هذا الفهم ما جاء في الكتاب نفسه عند الكلام على ~~العلم الذي ينبغي أن يبدأ به في تعلم الفلسفة.» # 14 # فقد ذكر الفارابي أن العلم الذي ينبغي أن يبدأ به قبل ~~تعلم الفلسفة موضع خلاف بين الحكماء، فمنهم من يرون أنه علم ~~الهندسة، ومنهم من يقولون علم إصلاح الأخلاق، ومنهم من يرون ~~الابتداء بعلم الطبائع، ومنهم من يذكرون علم المنطق. # وظاهر أن هذه العلوم التي دار عليها القول فيما ينبغي أن ~~يقدم قبل تعلم الفلسفة لا تكون أقساما من الفلسفة. # ومما ينحو هذا النحو في الميل إلى اعتبار الفلسفة على ~~الحقيقة هي القسم الإلهي قول الفارابي في التعليقات: ~~«وقال: الحكمة معرفة الوجود الحق، والوجود الحق هو واجب ~~الوجود بذاته، والحكيم هو من عنده علم الواجب بذاته بالكمال، ~~وهو # 15 # ما سوى الواجب بذاته، ففي وجوده نقصان عن درجة ~~الأول بحسبه، فإذن يكون ناقص الإدراك، فلا حكيم إلا الأول لأنه ~~كامل المعرفة بذاته.» # 16 ~~(3) إخوان الصفاء # وهذا الاختلاف في تعريف الفلسفة وتقسيمها الذي نصادفه في ~~أقوال الفارابي، نجد شيئا منه في كلام من بعده، فرسائل إخوان ~~الصفاء التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الرابع بعد زمن ~~الفارابي، تقول في التعريف بالفلسفة وتقسيمها: ~~«الفلسفة أولها محبة العلوم، وأوسطها معرفة حقائق الموجودات ~~بحسب الطاقة الإنسانية، وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم، ~~والعلوم الفلسفية أربعة أنواع؛ أولها: الرياضيات. والثاني: ~~المنطقيات. والثالث: العلوم الطبيعيات. والرابع: العلوم ~~الإلهيات.» # 17 # وتقول في موضع آخر: ~~«وأما العلوم الفلسفية فهي أربعة أنواع؛ منها الرياضيات، ~~ومنها المنطقيات، ومنها الطبيعيات، ومنها الإلهيات.» # وبعد الكلام على أنواع الرياضيات من العدد والهندسة والنجوم ~~والموسيقى وأنواع المنطقيات، وهي: معرفة صناعة الشعر، ومعرفة ~~صناعة الخطب، ومعرفة صناعة الجدل، ومعرفة صناعة البرهان، ~~ومعرفة صناعة المغالطين في المناظرة والجدل، وأنواع العلوم ~~الطبيعية وهي سبعة: علم المبادئ الجسمانية، وعلم السماء ~~والعالم، ms038 وعلم الكون والفساد، وعلم حوادث الجو، وعلم المعادن، ~~وعلم النبات، وعلم الحيوان. بعد ذلك ذكرت أنواع العلوم ~~الإلهية وهي خمسة؛ أولها: معرفة الباري جل جلاله. والثاني: علم ~~الروحانيات، وهو معرفة الجواهر البسيطة العقلية العلامة ~~الفعالة التي هي ملائكة الله. والثالث: علم النفسيات، وهي ~~معرفة النفوس والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية. ~~والرابع: علم السياسة وهي خمسة أنواع: السياسة النبوية، ~~السياسة الملوكية، السياسة العامية، السياسة الخاصية، السياسة ~~الذاتية. والخامس: علم المعاد وهو معرفة ماهية النشأة ~~الأخرى. # 18 # فإخوان الصفاء لا يقسمون العلوم الفلسفية إلى نظرية وعملية، ~~بل يدخلون القسم العملي كله في الإلهيات، ويدخلون في علوم ~~الفلسفة ما لم يدخله من قبلهم من السياسة النبوية وعلم ~~المعاد. # ومع أنا نجد في هذه النصوص تصريحا بأن المنطقيات من ~~علوم الفلسفة، فإن في رسائل إخوان الصفاء فصلا عنوانه: «فصل ~~في أن المنطق أداة الفيلسوف» جاء فيه: ~~«واعلم بأن المنطق ميزان الفلسفة، وقد قيل إنه أداة ~~الفيلسوف، وذلك أنه لما كانت الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد ~~النبوة، صار من الواجب أن يكون ميزان الفلسفة أصح الموازين، ~~وأداة الفيلسوف أشرف الأدوات؛ لأنه قيل في حد الفلسفة إنها ~~التشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية، واعلم بأن معنى قولهم : ~~«طاقة الإنسان» هو أن يجتهد الإنسان ويتحرز من الكذب في كلامه ~~وأقاويله، ويتجنب من الباطل في اعتقاده، ومن الخطأ في ~~معلوماته، ومن الرداءة في أخلاقه ومن الشر في أفعاله، ومن ~~الزلل في أعماله، ومن النقص في صناعته، هذا هو معنى قولهم ~~التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسان؛ لأن الله - عز وجل - لا ~~يقول إلا الصدق، ولا يفعل إلا الخير.» # 19 ~~(4) ابن سينا # أما ابن سينا المتوفى سنة 428ه/1087م فيعرض لتعريف الحكمة ~~وتقسيمها في أسلوبه العلمي الدقيق، ولا تخلو مع هذا أقواله في ~~كتبه المختلفة من تفاوت. # وهذا قوله في «رسالة الطبيعيات» من عيون الحكمة: ~~«الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق ~~بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية؛ فالحكمة ~~المتعلقة بالأمور التي لنا أن نعلمها وليس لنا أن نعمل بها ms039 ~~تسمى حكمة نظرية، والحكمة المتعلقة بالأمور العملية التي ~~لنا أن نعلمها ونعمل بها تسمى حكمة عملية، وكل واحدة من هاتين ~~الحكمتين تنحصر في أقسام ثلاثة: فأقسام الحكمة العملية: حكمة ~~مدنية، وحكمة منزلية، وحكمة خلقية، ومبدأ هذه الأقسام الثلاثة ~~مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، وكمالات حدودها تستبين بها ~~وتتصرف فيها بعد ذلك القوة النظرية من البشر بمعرفة القوانين ~~واستعمالها في الجزئيات. # فالحكمة المدنية فائدتها أن يعلم أنه كيف يجب أن تكون ~~المشاركة التي تقع فيما بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح ~~الأبدان، ومصالح بقاء نوع الإنسان، والحكمة المنزلية فائدتها ~~أن تعلم المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد لتنظم ~~به المصلحة المنزلية، والمشاركة المنزلية تتم بين زوج وزوجة، ~~ووالد ومولود، ومالك وعبد. # وأما الحكمة الخلقية ففائدتها أن تعلم الفضائل وكيفية ~~اقتنائها لتزكو بها النفس، وتعلم الرذائل وكيفية توقيها ~~لتطهر عنها النفس، وأما الحكمة النظرية فأقسامها ثلاثة: حكمة ~~تتعلق بما في الحركة والتغير من حيث هو في الحركة والتغير، ~~وتسمى حكمة طبيعية، وحكمة تتعلق بما من شأنه أن يجرده ~~الذهن عن التغير، وإن كان وجوده مخالطا للتغير، وتسمى حكمة ~~رياضية، وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير؛ فلا ~~يخالطها أصلا، وإن خالطها فبالعرض لا أن ذاتها مفتقرة في ~~تحقيق الوجود إليها، وهي الفلسفة الأولى، والفلسفة الإلهية جزء ~~منها، وهي معرفة الربوبية، ومبادئ هذه الأقسام التي للفلسفة ~~النظرية مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه، ~~ومتصرف على تحصيلها بالكمال بالقوة العقلية على سبيل ~~الحجة، ومن أوتي استكمال نفسه بهاتين الحكمتين، والعمل مع ~~ذلك بإحداهما فقد أوتي خيرا كثيرا. # 20 # وتعريف ابن سينا للحكمة فيما أسلفنا محتمل لأن تعتبر الحكمة ~~نفس المعلومات التصورية والتصديقية، بناء على أن السين ~~والتاء في لفظة: «استكمال» مزيدتان بغير معنى، ومحتمل لأن ~~تكون السين والتاء للدلالة على الطلب، فتكون الحكمة هي ~~التماس تحصيل هذه المعلومات بالنظر العقلي، وفيما سبق من كلام ~~الفارابي ما ينحو إلى كليهما. # واقتفى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي # 21 # في ms040 كتاب «الأسفار الأربعة» أثر الشيخ الرئيس في ~~هذا التعريف فقال: ~~«اعلم أن الفلسفة استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق ~~الموجودات على ما هي عليها، والحكم بوجودها تحقيقا بالبراهين ~~لا أخذا بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني، وإن شئت قلت ~~نظم العالم نظما عقليا على حسب الطاقة البشرية؛ ليحصل ~~التشبه بالباري تعالى.» # 22 # ثم إن ابن سينا لم يعرض للمنطق في أقسام الحكمة، وعرض لصلة ~~كل من الحكمة العملية، والحكمة النظرية بالدين ببيان لم يرد ~~في كلام من سبقوه. # ويقول ابن سينا في «رسالة في أقسام العلوم العقلية»: ~~«فصل في ماهية الحكمة: الحكمة صناعة نظر يستفيد منها الإنسان ~~تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه عمله مما ~~ينبغي أن يكتسب فعله، لتشرف بذلك نفسه وتستكمل وتصير عالما ~~معقولا مضاهيا للعالم الموجود، وتستعد للسعادة القصوى ~~بالآخرة، وذلك بحسب الطاقة الإنسانية. # فصل في أول أقسام الحكمة الحكمة: تنقسم إلى قسم نظري مجرد ~~وقسم عملي، والقسم النظري هو الذي الغاية فيه حصول الاعتقاد ~~اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان، ~~ويكون المقصود إنما هو حصول رأي فقط مثل علم التوحيد وعلم ~~الهيئة، والقسم العملي هو الذي ليس الغاية فيه حصول الاعتقاد ~~اليقيني بالموجودات، بل ربما يكون المقصود فيه حصول صحة رأي ~~في أمر يحصل بكسب الإنسان؛ ليكتسب ما هو الخير منه؛ فلا يكون ~~المقصود حصول رأي فقط، بل حصول رأي لأجل عمل، فغاية النظري هو ~~الحق، وغاية العملي هو الخير. # فصل في أقسام الحكمة النظرية: أقسام الحكمة النظرية ثلاثة: ~~العلم الأسفل، ويسمى العلم الطبيعي، والعلم الأوسط، ويسمى ~~العلم الرياضي، والعلم الأعلى، ويسمى العلم الإلهي، وإنما ~~كانت أقسامه هذه الأقسام لأن الأمور التي يبحث عنها إما أن ~~تكون أمورا حدودها ووجودها متعلقان بالمادة الجسمانية والحركة ~~مثل: أجرام الفلك والعناصر الأربعة وما يتكون منها، وما يوجد ~~من الأحوال خاصا بها مثل الحركة والسكون والتغير والاستحالة ~~والكون والفساد والنشوء # 23 # والبلى، والقوى والكيفيات التي تصدر عنها هذه ~~الأحوال وسائر ما يشبهها، فهذا قسم. وإما ms041 أن تكون أمورا ~~وجودها متعلق بالمادة والحركة، وحدودها غير متعلقة بهما، مثل ~~التربيع والتدوير والكرية والمخروطية، ومثل العدد وخواصه، ~~فإنك تفهم الكرة من غير أن تحتاج في تفهمها إلى فهم أنها ~~من خشب أو ذهب أو فضة، ولا تفهم الإنسان إلا وتحتاج إلى أن ~~تفهم أن صورته من لحم وعظم، وكذلك تفهم التقعير من غير حاجة ~~إلى فهم الشيء الذي فيه التقعير، ولا تفهم الفطوسة إلا مع حاجة ~~إلى فهم الشيء الذي فيه الفطوسة. ومع هذا كله فالتدوير ~~والتربيع والتقعير والاحدايداب لا توجد إلا فيما يحملها من ~~الأجرام الواقعة في الحركة، فهذا قسم ثان، وإما أن تكون ~~أمورا لا وجودها ولا حدودها مفتقرين إلى المادة والحركة، ~~أما من الذوات فمثل ذات الأحد الحق رب العالمين، وأما من ~~الصفات فمثل الهوية والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول، ~~والجزئية والكلية، والتمامية والنقصان، وما أشبه هذه المعاني، ~~ولما كانت الموجودات على هذه الأقسام الثلاثة كانت العلوم ~~النظرية بحسبها على أقسام ثلاثة، والعلم الخاص بالقسم الأول ~~يسمى طبيعيا، والعلم الخاص بالقسم الثاني يسمى ~~رياضيا، والعلم الخاص بالقسم الثالث يسمى إلهيا. # فصل في أقسام الحكمة العملية: لما كان تدبير الإنسان إما ~~أن يكون خاصا بشخص واحد، وإما أن يكون غير خاص بشخص واحد، ~~والذي يكون غير خاص هو الذي إنما يتم بالشركة، والشركة إما ~~بحسب اجتماع منزلي عائلي، وإما بحسب اجتماع مدني؛ كانت العلوم ~~العملية ثلاثة: واحد منها خاص بالقسم الأول، ويعرف به أن ~~الإنسان كيف ينبغي أن تكون أخلاقه وأفعاله حتى تكون حياته ~~الأولى والأخرى سعيدة، ويشتمل عليه كتاب أرسطوطاليس في ~~الأخلاق. والثاني منها خاص بالقسم الثاني، ويعرف منه أن ~~الإنسان كيف ينبغي أن يكون تدبيره لمنزله المشترك بينه وبين ~~زوجه وولده ومملوكه، حتى تكون حاله منتظمة مؤدية إلى التمكن ~~من كسب السعادة، ويشتمل عليه كتاب أرونس # 24 # في تدبير المنزل، وكتب فيه لقوم آخرين غيره. ~~والثالث منها خاص بالقسم الثالث، ويعرف به أصناف السياسات ~~والرياسات والاجتماعات المدنية الفاضلة والردية، ويعرف ~~وجه استيفاء كل واحد منها ms042 وعلة زواله وجهة انتقاله، فما كان ~~يتعلق من ذلك بالملك فيشتمل عليه كتاب أفلاطون وأرسطو في ~~السياسة، وما كان من ذلك يتعلق بالنبوة والشريعة فيشتمل عليه ~~كتابان هما في النواميس، والفلاسفة لا تريد بالناموس ما تظنه ~~العامة أن الناموس هو الحيلة والخديعة، بل الناموس عندهم ~~هو السنة والمثال القائم ونزول الوحي. والعرب أيضا تسمي ~~الملك النازل بالوحي ناموسا، وهذا الجزء من الحكمة العملية ~~يعرف به وجود النبوة وحاجة نوع الإنسان في وجوده وبقائه ~~ومنقلبه إلى الشريعة، وتعرف بعض الحكمة في الحدود الكلية ~~المشتركة في الشرائع، والتي تخص شريعة شريعة بحسب قوم قوم ~~وزمان زمان، ويعرف به الفرق بين النبوة الإلهية وبين الدعاوى ~~الباطلة كلها. # وذكر ابن سينا بعد ذلك أقسام الحكمة الطبيعية ما يقوم منها ~~مقام الأصل، وأقسام الحكمة الطبيعية الفرعية، وأتبع ما ذكر ~~ببيان الأقسام الأصلية للحكمة الرياضية، والأقسام الفرعية ~~للعلوم الرياضية، وأول الأقسام الأصلية للعلم الإلهي، ثم ذكر ~~من فروع العلم الإلهي معرفة كيفية نزول الوحي والجواهر ~~الروحانية التي تؤدي الوحي، وأن الوحي كيف يتأدى حتى يصير ~~مبصرا ومسموعا بعد روحانيته، وعلم المعاد ويشتمل على تعريف ~~الإنسان أنه لو لم يبعث بدنه مثلا لكان له ببقاء روحه بعد ~~موته ثواب وعقاب غير بدنيين، وكانت الروح التقية التي هي النفس ~~المطمئنة الصحيحة الاعتقاد للحق، العاملة بالخير الذي يوجبه ~~الشرع والعقل، فائزة بسعادة وغبطة ولذة فوق كل سعادة وغبطة ~~ولذة، وأنها أجمل من الذي صح بالشرع ولم يخالفه العقل ~~أنها تكون لبدنه، إلا أن الله - تعالى - أكرم عباده المتقين ~~على لسان رسله - عليهم السلام - بموعد بالجمع بين السعادتين ~~الروحانية بقاء النفس والجسمانية ببعث البدن الذي هو عليه قدير ~~إن شاء هو ومتى شاء هو. وتبين أن تلك السعادة الروحانية كيف ~~أن العقل وحده طريق إلى معرفتها، وأما السعادة البدنية فلا ~~يفي بوصفها إلا الوحي والشريعة، وبمثل ذلك يعرف حد الشقاوة ~~الروحانية التي لأنفس الفجار، وأنها أشد إيلاما وإيذاء من ~~الشقاوة التي أوعدوا بحلولها بهم بعد البعث، ويعرف أن تلك ~~الشقاوة ms043 على من تدوم وعمن تنقطع، وأما التي تختص بالبدن ~~فالشريعة أوقفتهم على صحتها، دون النظر والعقل وحده، وأما ~~الشقاوة الروحانية فإن العقل طريق إليها من جهة النظر ~~والقياس والبرهان، والجسمانية تصح بالنبوة التي صحت بالعقل ~~ووجبت بالدليل وهي متممة للعقل، فإن كل ما لا يتوصل ~~العقل إلى إثبات وجوده أو وجوبه بالدليل؛ فإنما يكون معه جوازه ~~فقط، فإن النبوة تعقد على وجوده أو عدمه فصلا، وقد صح ~~عنده صدقها فيتم عنده ما صح وقصر عنه من معرفته.» # ولما فرغ ابن سينا من الكلام على أقسام الحكمة قال: ~~«وإذ قد أتى وصفنا على الأقسام الأصلية والفرعية للحكمة، فقد ~~حان لنا أن نعرف أقسام العلم الذي هو آلة للإنسان موصلة إلى ~~كسب الحكمة النظرية والعملية، واقية عن السهو والغلط في البحث ~~والروية، مرشدة إلى الطريق الذي يجب أن يسلك في كل بحث ومعرفة ~~حقيقة الحد الصحيح، وحقيقة الدليل الصحيح الذي هو البرهان، ~~وحقيقة الجدلي المقارب للبرهان، وحقيقة الإقناعي القاصر عنهما، ~~وحقيقة المغالطي المدلس منهما، وحقيقة الشعري الموهم ~~تخيلا، وهو صناعة المنطق.» # وعقد فصلا عنوانه «في الأقسام التسعة للحكمة التي هي ~~المنطق» ذكر فيه أقسام المنطق التسعة، وختم بقوله: ~~«فقد دللت على أقسام الحكمة، وظهر أنه ليس شيء منها يشتمل ~~على ما يخالف الشرع؛ فإن الذين يدعونها ثم يزيغون عن منهاج ~~الشرع إنما يضلون من تلقاء أنفسهم ومن عجزهم وتقصيرهم، لا أن ~~الصناعة نفسها توجبه، فإنها بريئة منهم.» # 25 # وذكر في نهاية الرسالة ما نصه: ~~«فجملة العلوم المعقولة المضبوطة في هذه الرسالة العظيمة ~~ثلاثة وخمسون علما.» # ولم يبلغ أحد علمناه قبل ابن سينا بالعلوم العقلية أو العلوم ~~الفلسفية هذا العدد، وقد جعل المنطق آلة للعلوم العقلية أو ~~الفلسفة بقسميها النظري والعملي، ثم أسماه مع ذلك حكمة. # وذكر في فروع العلم الإلهي علم الوحي وعلم المعاد، وهو في ~~ذلك يقارب منهج إخوان الصفاء، ولابن سينا في تعريف الحكمة ~~وتقسيمها مسلك طريف سلكه في منطق المشرقيين فقال: «في ذكر ~~العلوم: إن العلوم كثيرة، والشهوات لها ms044 مختلفة، ولكنها ~~تنقسم أول ما تنقسم قسمين: # علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من ~~الزمان ثم تسقط بعدها، أو تكون مغفولا عن الحاجة إليها ~~بأعيانها برهة من الدهر، ثم يدل عليها من بعد. # وعلوم متساوية النسب إلى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم ~~أولى العلوم بأن تسمى «حكمة». # وهذه منها «أصول» ومنها «توابع وفروع»، وغرضنا ها هنا ما هو ~~في الأصول، وهذه التي سميناها توابع وفروعا؛ فهي كالطب ~~والفلاحة، وعلوم جزئية تنسب إلى التنجيم، وصنائع أخرى لا حاجة ~~بنا إلى ذكرها. # وتنقسم «العلوم الأصلية» إلى قسمين أيضا؛ فإن العلم لا ~~يخلو؛ إما أن ينتفع به في أمور العالم الموجودة، وما هو قبل ~~العالم، ولا يكون قصارى طالبه أن يتعلمه حتى يصير آلة لعقله ~~يتوصل بها إلى علوم هي «علوم أمور العالم وما قبله»، وإما أن ~~ينتفع به من حيث يصير آلة لطالبه فيما يروم تحصيله من العلم ~~بالأمور الموجودة في العالم وقبله. # والعلم الذي يطلب؛ ليكون آلة قد جرت العادة في هذا الزمان ~~وفي هذه البلدان أن يسمى «علم المنطق»، ولعل له عند قوم ~~آخرين اسما آخر، لكننا نؤثر أن نسميه الآن بهذا الاسم ~~المشهور. # وإنما يكون هذا العلم آلة في سائر العلوم؛ لأنه يكون علما ~~منبها على الأصول التي يحتاج إليها كل من يقتنص المجهول من ~~العلوم باستعمال للمعلوم على نحو وجهة يكون ذلك النحو ~~وتلك الجهة مؤديا بالباحث إلى الإحاطة بالمجهول، فيكون هذا ~~العلم مشيرا إلى جميع الأنحاء والجهات التي تنقل الذهن من ~~المعلوم إلى المجهول، وكذلك يكون مشيرا إلى جميع الأنحاء ~~والجهات التي تضل الذهن وتوهمه استقامة مأخذ نحو المطلوب من ~~المجهول ولا يكون كذلك، فهذا هو أحد قسمي العلوم. # وأما القسم الآخر؛ فهو ينقسم أيضا أول ما ينقسم قسمين؛ ~~لأنه إما أن تكون الغاية في العلم تزكية النفس مما يحصل ~~لها من صورة المعلوم فقط، وإما أن تكون الغاية ليس ذاك فقط، بل ~~وأن يعمل الشيء الذي انتقشت صورته في النفس. # فيكون ms045 الأول تتعاطى به الموجودات لا من حيث هي أفعالنا ~~وأحوالنا، لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدورها عنا ووجودها ~~فينا. والثاني يلتفت فيه لفت موجودات هي أفعالنا وأحوالنا ~~لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدورها عنا ووجودها ~~فينا. # والمشهود من أهل الزمان أنهم يسمون الأول «علما نظريا»؛ ~~لأن غايته القصوى نظر، ويسمون الثاني منها «عمليا» لأن ~~غايته عمل. # وأقسام العلم النظري أربعة؛ وذلك لأن الأمور إما مخالطة ~~للمادة المعينة حدا وقواما، فلا يصلح وجودها في الطبع في كل ~~مادة، ولا يعقل إلا في مادة معينة مثل الإنسانية والعظمية، ~~وإن كانت بحيث لا يمتنع الذهن في أول نظرة، عن أن يحلها كل ~~مادة؛ فيكون على سبيل من غلط الذهن بل يحتاج الذهن ضرورة في ~~الصواب أن ينصرف عن هذا التجويز، ويعلم أن ذلك المعنى لا يحل ~~مادة إلا إذا حصل معنى زائد يهيئها له، وهذا كالسواد ~~والبياض فهذا # 26 # من قبيل الموجودات والأمور. # وإما أمور مخالطة أيضا كذلك، والذهن وإن كان يحوج في صحة ~~تصور كثير منها إلى إلصاقه بما هو مادة أو جار مجرى المادة؛ ~~فليس يمتنع عنده وعند الوجود ألا يتعين له مادة، وكل مادة ~~تصلح لأن تخالطه ما لم يمنع مانع، وليس يحتاج في الصلوح له ~~إلى ممهد يخصصه به مثل الثلاثية والثنائية من حيث هي متكونة ~~ويعرض لها الجمع والتفريق، ومثل التدوير والتربيع وجميع ما لا ~~يفتقر وجوده ولا تصوره إلى تعيين مادة له، وهذا قبيل ثان ~~في الأمور والموجودات. # وإما أمور مباينة للمادة والحركة أصلا؛ فلا تصلح لأن ~~تخلط بالمادة ولا في التصور العقلي الحق، مثل الخالق الأول - ~~تعالى - ومثل ضروب من الملائكة، وهذا قبيل ثالث من ~~الموجودات. # وإما أمور ومعان قد تخالط المادة وقد لا تخالطها، فتكون ~~في جملة ما يخالط وفي جملة ما لا يخالط، مثل الوحدة والكثرة، ~~والكلي والجزئي، والعلة والمعلول. # كذلك أقسام العلوم النظرية أربعة، لكل قبيل علم، وقد جرت ~~العادة بأن يسمى العلم بالقسم الأول «علما طبيعيا»، ~~وبالقسم الثاني «رياضيا»، وبالقسم الثالث «إلهيا»، ms046 وبالقسم ~~الرابع «كليا»، وإن لم يكن هذا التفصيل متعارفا، فهذا هو ~~العلم النظري. # وأما «العلم العملي» فمنه ما يعلم كيفية ما يجب أن يكون ~~عليه الإنسان في نفسه وأحواله التي تخصه، حتى يكون سعيدا في ~~دنياه هذه وفي آخرته، وقوم يخصون هذا باسم «علم ~~الأخلاق». # ومنه ما يعلم كيف يجب أن يجري عليه أمر المشاركات الإنسانية ~~لغيره، حتى يكون على نظام فاضل؛ إما في المشاركة الجزئية ~~وإما في المشاركة الكلية، والمشاركة الجزئية هي التي تكون في ~~منزل واحد، والمشاركة الكلية هي التي تكون في المدينة. # وكل مشاركة فإنما تتم بقانون مشروع، وبمتول لذلك القانون ~~المشروع يراعيه ويعمل عليه ويحفظه، ولا يجوز أن يكون المتولي ~~لحفظ المقنن في الأمرين جميعا إنسانا واحدا، فإنه لا يجوز ~~أن يتولى تدبير المنزل من يتولى المدينة، بل يكون للمدينة ~~مدبر، ولكل منزل مدبر آخر؛ ولذلك يحسن أن يفرد «تدبير ~~المنزل» بحسب المتولي بابا مفردا، «وتدبير المدينة» بحسب ~~المتولي بابا مفردا، ولا يحسن أن يفرد التقنين للمنزل ~~والتقنين للمدينة كل على حدة، بل الأحسن أن يكون المقنن لما ~~يجب أن يراعى في خاصة كل شخص. وفي المشاركة الصغرى وفي ~~المشاركة الكبرى شخص واحد بصناعة واحدة وهو «النبي». # وأما المتولي للتدبير وكيف يجب أن يتولى، فالأحسن ألا ~~تدخل بعضه في بعض، وإن جعلت كل تقنين بابا آخر، فعلت ولا بأس ~~بذلك لكنك تجد الأحسن أن يفرد العلم بالأخلاق والعلم بتدبير ~~المنزل والعلم بتدبير المدينة كل على حدة، وأن تجعل الصناعة ~~الشارعة، وما ينبغي أن تكون عليه أمرا مفردا، وليس قولنا: ~~«وما ينبغي أن تكون عليه»، مشيرا إلى أنها صناعة ملفقة ~~مخترعة ليست من عند الله، ولكل إنسان ذي عقل أن يتولاها، ~~كلا! بل هي من عند الله، وليس لكل إنسان ذي عقل أن يتولاها، ~~ولا حرج علينا إذا نظرنا في أشياء كثيرة، مما يكون من عند ~~الله، أنها كيف ينبغي أن تكون. # فلتكن هذه العلوم الأربعة أقسام العلم العملي، كما كانت تلك ~~الأربعة أقسام العلم النظري. # وليس ms047 من عزمنا أن ~~نورد في هذا الكتاب جميع أقسام العلم النظري والعلم العملي، ~~بل نريد أن نورد من أصناف العلوم هذا العدد: نورد منه «العلم ~~الآلي»، ونورد «العلم الكلي»، ونورد «العلم الإلهي»، ونورد ~~«العلم الطبيعي الأصلي»، ونورد من العلم العملي القدر الذي ~~يحتاج إليه طالب النجاة، وأما العلم الرياضي فليس من العلم ~~الذي يختلف فيه. # والذي أوردناه منه في «كتاب الشفاء» هو الذي نورده ها هنا لو ~~اشتغلنا بإيراده، وكذلك الحال في أصناف من العلم العملي لم ~~نورده ها هنا، وهذا هو حين نشتغل بإيراد «العلم الآلي» الذي هو ~~المنطق.» # 27 # ميز ابن سينا في هذا الفصل العلم الحكمي بأنه لا يتغير ~~بتغير الأمكنة والأزمان، ولا يتبدل بتبدل الدول والأديان، وكما ~~تسمى هذه العلوم الحكمية يقال لها العلوم الحقيقية أيضا؛ أي ~~العلوم الثابتة على مر الدهور والأعوام، وجعل العلوم النظرية ~~على أربعة أقسام، والعلوم العملية على أربعة أقسام كذلك، ~~والتقسيم على هذا الوجه لم يسبق إليه. # وقد بين حدود ما بين الشريعة والفلسفة بقسميها النظري ~~والعملي بيانا كمل به ما لم يستوفه الفارابي، فإن الفارابي ~~إنما عرض للقسم العلمي من الدين ومن الفلسفة فيما نقلناه من ~~كتاب «الجمع بين رأيي الحكيمين». # بقي أن ابن سينا لم يفته أن يشرح ما أجمله الفارابي من ~~التنبيه على مكانة العلم الإلهي بين العلوم الفلسفية، فقال في ~~«الشفاء» في الفصل الأول من المقالة الأولى من جملة الإلهيات ~~في ابتداء طلب موضوع الفلسفة الأولى لتبيين إنيته # 28 # في العلوم: ~~«وأيضا قد كنت تسمع أن ها هنا فلسفة بالحقيقة وفلسفة ~~أولى، وأنها تفيد تصحيح مبادئ سائر العلوم، وأنها هي الحكمة ~~بالحقيقة، وقد كنت تسمع تارة أن الحكمة هي أفضل علم بأفضل ~~معلوم، وأخرى أن الحكمة هي المعرفة التي هي أصح معرفة ~~وأتقنها، وأخرى أنها العلم بالأسباب الأولى للكل، وكنت لا ~~تعرف ما هذه الفلسفة الأولى وما هذه الحكمة، وهل الحدود ~~والصفات الثلاث لصناعة واحدة أو لصناعات مختلفة كل واحدة منها ~~تسمى حكمة، ونحن نبين لك الآن ms048 أن هذا العلم الذي نحن ~~بسبيله هو الفلسفة الأولى، وأنها الحكمة المطلقة، وأن ~~الصفات الثلاث التي ترسم بها الحكمة هي صفات صناعة واحدة وهي ~~هذه الصناعة.» # 29 # ثم يقول بعد هذا: «فهذا العلم يبحث عن أحوال الموجود والأمور ~~التي هي له كالأقسام والأنواع، حتى يبلغ إلى تخصيص يحدث معه ~~موضوع العلم الطبيعي؛ فيسلمه إليه، وتخصيص يحدث معه موضوع ~~الرياضي فيسلمه إليه، وكذلك في غير ذلك، وما قبل ذلك التخصيص ~~فكالمبدأ فنبحث عنه ونقرر حاله، فيكون إذن مسائل هذا العلم ~~بعضها في أسباب الموجود المعلول بما هو موجود معلول، وبعضها في ~~عوارض الموجود، وبعضها في مبادئ العلوم الجزئية، فهذا هو العلم ~~المطلوب في هذه الصناعة، وهو الفلسفة الأولى لأنه العلم بأول ~~الأمور في الوجود، وهو العلة الأولى وأول الأمور في العموم، ~~وهو الوجود والوحدة، وهو أيضا الحكمة التي هي أفضل علم بأفضل ~~معلوم، فإنها أفضل علم؛ أي اليقين بأفضل معلوم؛ أي بالله - ~~تعالى - وبالأسباب من بعده، وهو أيضا معرفة الأسباب القصوى ~~للكل، وهو أيضا المعرفة بالله، وله حد العلم الإلهي الذي هو ~~أنه علم بالأمور المفارقة للمادة في الحد والوجود.» # 30 ~~(5) ما بعد ابن سينا والحديث عن الصلة بين الفلسفة والكلام ~~والتصوف # أما ما يتعلق بتعريف الحكمة وتقسيمها بعد ابن سينا؛ فيوشك ~~ألا يخرج عن الاستمداد من تلك التعاريف والتقاسيم التي ~~أوردناها، ونكتفي في بيان جملة ذلك بما ذكره مصطفى بن عبد الله ~~كاتب جلبي المشهور باسم حاجي خليفة، المتوفى سنة 1067ه/1658م ~~في كتاب «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون»: ~~«علم الحكمة: وهو علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي ~~عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية، وموضوعه: الأشياء ~~الموجودة في الأعيان والأذهان. وعرفه بعض المحققين بأحوال ~~أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة ~~البشرية، فيكون موضوعه الأعيان الموجودة، وغايته: هي التشريف ~~الكمالات في العاجل، والفوز بالسعادة الأخروية في ~~الآجل. # وتلك الأعيان إما الأفعال والأعمال التي وجودها بقدرتنا ~~واختيارنا أولا، فالعلم بأحوال الأول من حيث ms049 يؤدي إلى إصلاح ~~المعاش والمعاد يسمى حكمة عملية، والعلم بأحوال الثاني ~~يسمى حكمة نظرية؛ لأن المقصود منها حصل بالنظر، وكل ~~منهما ثلاثة أقسام؛ أما العملية؛ فلأنها إما علم بمصالح شخص ~~بانفراده ليتحلى بالفضائل، ويتخلى عن الرذائل، ويسمى ~~تهذيب الأخلاق، وقد ذكر في علم الأخلاق، وإما علم بمصالح ~~جماعة متشاركة في المنزل كالوالد والمولود، والمالك والمملوك، ~~ويسمى تدبير المنزل، وقد سبق في التاء، وإما علم بمصالح ~~جماعة متشاركة في المدينة ويسمى السياسة المدنية، وسيأتي في ~~السين، وأما النظرية فلأنها إما علم بأحوال ما لا يفتقر في ~~الوجود الخارجي، والتعقل إلى المادة كالإله، وهو علم الإلهي ~~وقد سبق في الألف، وإما علم بأحوال ما يفتقر إليها في الوجود ~~الخارجي دون التعقل كالكرة، وهو علم الأوسط ويسمى بالرياضي ~~والتعليمي وسيأتي في الراء، وإما علم بأحوال ما يفتقر إليها في ~~الوجود الخارجي والتعقل كالإنسان، وهو العلم الأدنى، ويسمى ~~بالطبيعي وسيأتي في الطاء. # وجعل بعضهم ما لا يفتقر إلى المادة أصلا قسمين: ما لا ~~يقارنها مطلقا كالإله والعقول، وما يقارنها، لكن على وجه ~~الافتقار كالوحدة والكثرة وسائر الأمور العامة، فيسمى ~~العلم بأحوال الأول علما إلهيا. والعلم بأحوال الثاني علما ~~كليا وفلسفة أولى. # 31 ~~«واختلفوا في أن المنطق من الحكمة أم لا، فمن فسرها بما ~~يخرج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل جعله ~~منها، بل جعل العمل أيضا منها، وكذا من ترك الأعيان من ~~تعريفها جعله من أقسام الحكمة النظرية؛ إذ لا يبحث فيه إلا عن ~~المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا، وأما من ~~فسرها بأحوال الأعيان الموجودة، وهو المشهور بينها، فلم ~~يعده منها؛ لأن موضوعه ليس من أعيان الموجودات، والأمور ~~العامة ليست بموضوعات بل محمولات تثبت للأعيان فتدخل في ~~التعريف. # ومن الناس من جعل الحكمة اسما لاستكمال النفس الإنسانية في ~~قوتها النظرية؛ أي خروجها من القوة إلى الفعل في الإدراكات ~~التصورية والتصديقية بحسب الطاقة البشرية، ومنهم من جعلها ~~اسما لاستكمال القوة النظرية بالإدراكات المذكورة، واستكمال ~~القوة العملية باكتساب الملكة التامة على الأقوال ms050 # 32 # الفاضلة المتوسطة بين طرفي الإفراط ~~والتفريط. # وكلام الشيخ في «عيون الحكمة» يشعر بالقول الأول، وهو ~~جعل الحكمة اسما للكمالات المعتبرة في القوة النظرية فقط؛ ~~وذلك لأنه فسر الحكمة باستكمال النفس الإنسانية بالتصورات ~~والتصديقات، سواء كانت في الأشياء النظرية أو في الأشياء ~~العملية، فهي مفسرة عنده باكتساب هذه الإدراكات، وأما اكتساب ~~الملكة التامة على الأفعال الفاضلة فما جعلها جزءا منها، بل ~~جعلها غاية للحكمة العملية.» ~~(6) حكمة الإشراق ~~«وأما حكمة الإشراق فهي من العلوم الفلسفية بمنزلة التصوف ~~من العلوم الإسلامية، كما أن الحكمة الطبيعية والإلهية منها ~~بمنزلة الكلام منها، وبيان ذلك أن السعادة العظمى والمرتبة ~~العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع بما له من صفات ~~الكمال والتنزه عن النقصان، وبما صدر عنه من الآثار والأفعال ~~في النشأة الأولى والآخرة، وبالجملة معرفة المبدأ والمعاد، ~~والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين؛ أحدهما: طريقة أهل النظر ~~والاستدلال. وثانيهما: طريقة أهل الرياضة والمجاهدات. # والسالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهم المتكلمون، وإلا فهم ~~الحكماء المشاءون، والسالكون إلى الطريقة الثانية إن وافقوا في ~~رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، وإلا فهم الحكماء ~~الإشراقيون، فلكل طريقة طائفتان، وحاصل الطريقة الأولى ~~الاستكمال بالقوة النظرية والترقي في مراتبها الأربعة، أعني ~~مرتبة العقل الهيولى، والعقل بالفعل، والعقل بالملكة، والعقل ~~المستفاد، والأخيرة هي الغاية القصوى لكونها عبارة عن مشاهدة ~~النظريات التي أدركتها النفس بحيث لا يغيب عنها شيء؛ ولهذا ~~قيل: لا يوجد المستفاد لأحد في هذه الدار، بل في دار القرار، ~~اللهم إلا بعض المتجردين من علائق البدن والمنخرطين في سلك ~~المجردات.» # 33 # وحاصل الطريقة الثانية الاستكمال بالقوة العملية والترقي في ~~درجاتها التي: # أولها: # تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع والنواميس ~~الإلهية. # وثانيها: # تهذيب الباطن عن الأخلاق الذميمة. # وثالثها: # تحلي النفس بالصور القدسية الخالصة عن شوائب ~~الشكوك والأوهام. # ورابعها: # ملاحظة جمال الله - سبحانه وتعالى - وجلاله، ~~وقصر النظر على كماله. # والدرجة الثالثة من هذه القوة، وإن شاركتها المرتبة ~~الرابعة من القوة النظرية، فإنها تفيض على النفس منها صور ~~المعلومات ms051 على سبيل المشاهدة كما في العقل المستفاد، إلا أنها ~~تفارقها من وجهين: # أحدهما: # أن الحاصل المستفاد لا يخلو عن الشبهات ~~الوهمية؛ لأن الوهم له استيلاء في طريق ~~المباحثة، بخلاف تلك الصور القدسية، فإن القوى ~~الحسية قد سخرت هناك للقوة العقلية؛ فلا ~~تنازعها فيما تحكم به. # وثانيهما: # أن الفائض على النفس في الدرجة الثالثة قد ~~تكون صورا كثيرة استعدت النفس بصفائها عن ~~الكدورات وصقالتها عن أوساخ التعلقات؛ لأن ~~تفيض تلك الصور عليها، كمرآة صقلت وحوذي بها ~~ما فيه صور كثيرة، فإنه يتراءى فيها ما تسع ~~من تلك الصور، والفائض عليها في العقل ~~المستفاد هو العلم التي تناسب منها تلك ~~المبادئ التي رتبت معا للتأدي إلى مجهول، ~~كمرآة صقل شيء يسير منها فلا يرتسم فيها إلا ~~شيء قليل من الأشياء المحاذية لها (ذكره ابن ~~خلدون في «المقدمة»). # 34 ~~(7) طريق النظر وطريقة التصفية # ولطاش كبرى زاده المتوفى سنة 962ه/1554-1555م قول مفصل ~~في الفرق بين طريقي النظر والتصفية، وحجة أهل كل منهما في ~~المفاضلة بينهما، نورده فيما يلي: # المقدمة الرابعة في بيان النسبة بين طريق النظر وطريق ~~التصفية، اعلم أن الكل متفقون على أن السعادة الأبدية، ~~والسيادة السرمدية، لا تتم إلا بالعلم والعمل، وأنهما توأمان، ~~وله توجهان؛ أحدهما: الشائع المشهور، وهو أنه لا يعتد بواحد ~~منهما بدون الآخر؛ إذ العلم بدون العمل وبال، والعمل بلا علم ~~ضلال، وقال الله تعالى: # إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ~~. وثانيهما: أن كلا منهما ثمرة ~~للآخر، مثلا إذا تمهر الرجل في اكتساب العلم وحذق فيه، لا ~~مندوحة له عن العمل بموجبه، إذ لو قصر في العمل لم يكن في ~~علمه كمال، وأيضا إذا باشر الرجل العمل وجاهد فيه وارتاض ~~حسبما بينوه من الشرائط، ينصب على قلبه العلوم النظرية ~~بكمالها، كما قال الله تعالى: # والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~، ~~وهاتان طريقتان؛ الأولى منهما: طريقة الاستدلال. الثانية: ~~طريقة المشاهدة. والأول درجة العلماء الراسخين، والثاني درجة ~~الصديقين، وقد تنتهي كل من الطريقتين إلى الأخرى؛ فيكون صاحبه ~~مجمعا للبحرين؛ أي بحري ms052 الاستدلال والمشاهدة، أو العلم ~~والعرفان، أو الشهادة والغيب. # وإذا عرفت أن السالكين إلى الحق، مع كثرة الطرق وخروجها عن ~~حد الإحصاء، نوعان؛ أحدهما: ما يبتدئ من طريق العلم إلى ~~العرفان، ومن طريق الشهادة إلى الغيب. وثانيهما: ما ينجلي الحق ~~له بالجذبة الإلهية فيبتدئ من الغيب ثم ينكشف له عالم ~~الشهادة. # قال بعض العارفين: يشبه أن يكون الأول طريقة الخليل، حيث ~~ابتدأ من الاستدلال بأفول الشمس والقمر إلى وجود رب العالمين، ~~والثاني طريقة الحبيب، حيث ابتدأ بشرح الصدور وكشف له ~~سبحات # 35 # وجه ذي الجلال وأحرقته حتى انمحق جميع ما أدركه ~~وتلاشى في ذاته، ولم يبق له لحظة إلى نفسه لفنائه عن نفسه، ~~فتحقق رتبة كل شيء هالك إلا وجهه ذوقا وحالا لا علما ~~وقالا. # هذا حال الجامعين بين المرتبتين، وأما السالكون إلى إحدى ~~الطريقتين فقد اختلفوا، وقال أرباب النظر: الأفضل طريق ~~النظر؛ لأن طريق التصفية صعب الوصول لأن مسلكها وعر، ~~وإفضاؤها إلى المقصد بعيد؛ لأن محو العلائق إلى حد يؤدي ~~إلى انكشاف المعارف متعذر بل قريب من الممتنع، وإن أفضى إلى ~~المقصد فثباته أبعد منه، إذ أدنى وسواس وخاطر يمحو ما حصل ~~ويقطع ما وصل، على أنه قد يفسد المزاج ويختلط العقل في أثناء ~~تلك المجاهدات الصعبة، والرياضات الشاقة. # وقال أرباب التصفية: العلوم الحاصلة بالنظر لا تصفو في ~~الأكثر عن شوب أحكام الوهم، ولا تخلص عن مخالطة الخيال في ~~الغالب؛ ولهذا كثيرا ما يقيسون الغائب على الشاهد فيضلون ~~ويضلون، كما تراه في أكثر مذاهب الاعتزال، وغير ذلك من ~~اعتقادات الجهال من أصحاب الضلال، وأيضا لا يتخلصون في ~~مناظراتهم ومباحثاتهم عن اتباع الأهواء والعادات، بخلاف ~~التصوف فإن ذلك تصفية للروح وجلاء للنفوس، وتطهير القلوب ~~عن أحكام النفس وتخليتها عن الأوهام والحيالات، فلا يبقى إلا ~~الانتظار للفيض من العلوم الإلهية الحقة؛ فتنكشف عليهم علوم ~~إلهية ومعارف ربانية، ويرد عليهم وارد إلهام هو حديث عهد ~~بربه، وأما وعورة المسلك وبعده فلا يقدح في قوة اليقين وصحة ~~العلم، مع أنه يسير على من يسره ms053 الله - تعالى - من ~~السالكين سبل أنبيائه والمتبعين لكمال أوليائه. # وأما اختلال المزاج؛ فإن وقع فيقبل العلاج؛ لأنهم كما ~~أنهم أطباء النفوس والأرواح كذلك عارفون أحوال الأبدان ~~والأشباح، فالرياضة على ما شرطوه من الآداب والأحوال أمان ~~من الفساد والاختلال، وخلاص من الأفزاع والأهوال. # يحكى أن أهل الصين والروم في زمان قديم، تباهوا في ~~صناعة النقش والرسم، وطال بينهم النزاع والجدال، ودار ~~بينهم الكلام في النقص والكمال، حتى أدى الافتخار في هذا ~~الشأن إلى الاختبار والامتحان، فعين لكل من الطائفتين ~~جدار بينهما حجاب ليتميز الكامل من الناقص في هذا الباب، ~~فجمع أهل الصين من الأصباغ العجيبة والألوان الغريبة، وتكلفوا ~~الصنائع النادرة والرسوم الباهرة، حتى استفرغوا المجهود في ~~تحصيل المقصود، واشتغل أهل الروم عن الترسيم بالتصقيل، وعرفوا ~~أن ترك التخلية إلى التحلية هو التكميل، فلما كشف الغطاء ~~وارتفع الحجاب لمعرفة الحال بين الأصحاب، رأوا أن جانب أهل ~~الروم تلألأ لجميع نقوش أهل الصين مع زيادة الصفاء ولطافة ~~الصقالة والجلاء، فهذا مثال العلوم النظرية والكشفية، والأول ~~يحصل من طريق الحواس بالكد والعناء، والثاني يحصل من اللوح ~~المحفوظ والملأ الأعلى. # إذا عرفت هذا؛ فاعلم أن المحاكمة بين هذين الفريقين، ~~وتعيين الأفضل من الطريقين، هي أن العلوم مع تكثر فنونها ~~وتعدد شجونها منحصرة في أربعة أنواع: وذلك لأن الأشياء ~~وجودا في أربع مراتب: في الأعيان. وفي الأذهان ، وفي العبارة. ~~وفي الكتابة، فالعلوم المتعلقة في الأول من حيث حالها في نفس ~~الأمر هي العلوم الحقيقية التي لا تتبدل باختلاف الأزمان ~~وتجدد الملك والأديان، وهذه تسمى علوما حكمية إن جرى ~~الباحث عن أحوالها فيها على مقتضى عقله، وعلوما شرعية إن ~~بحث عنها فيها على قانون الإسلام، والعلوم المتعلقة بالثانية ~~هي العلوم الإلهية المعنوية كالمنطق ونحوه، والعلوم المتعلقة ~~بالأخيرين هي العلوم الآلية اللفظية أو الخطية، وهذه هي العلوم ~~العربية المعتبرة في ديننا هذا لورود شريعتنا هذه على لسان ~~العرب وعلى كتابته، ثم إن الثلاثة الأخيرة من هذه الأنواع لا ~~سبيل إلى تحصيلها إلا بالكسب بالنظر، وأما النوع الأول منها ms054 ~~فقد يتحصل بالنظر وقد يتحصل بالتصفية.» # 36 ~~(8) اصطباغ الكلام والتصوف بالفلسفة # وإذا كانت هذه النصوص تشعر بقوة الصلة بين العلوم ~~الفلسفية، وعلم الكلام وعلم التصوف الشرعيين؛ فإن ابن ~~خلدون في «المقدمة» بين، عند كلامه على هذين ~~العلمين، في حدوثهما وتدرج كلام الناس فيهما صدرا بعد ~~صدر، أنهما اختلطا بالفلسفة في آخر أمرهما. # يقول ابن خلدون في علم الكلام: «ولقد اختلطت الطريقتان - ~~يعني طريقتي المتقدمين من المتكلمين والمتأخرين - عند هؤلاء ~~المتأخرين، والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة؛ بحيث لا ~~يتميز أحد الفنين من الآخر.» # 37 # ويقول ابن خلدون في علم التصوف ما يشبه هذا القول؛ فهو ~~يذكر ما نصه: «ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة ~~المتكلمين في الكشف، وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب ~~الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملئوا الصحف ~~منه.» # 38 # ويقول في موضع آخر في نفس الفصل: «والذي يظهر من ~~كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في ~~الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الألوان، من أن وجودها ~~مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة ~~بوجه.» # 39 # وجملة القول أن المؤلفين الإسلاميين لا يعدون علم الكلام ~~وعلم التصوف من العلوم الفلسفية في حقيقة أمرهما، ولكنهم ~~يرونهما قريبي الشبه بهذه العلوم، ويرون أن الفلسفة طغت ~~عليهما في بعض أدوار تدرجهما فصبغتهما بالصبغة ~~الفلسفية. ~~(9) علم أصول الفقه والفلسفة # وعلم أصول الفقه لم يخل من أثر الفلسفة أيضا، وقد أشار إلى ~~ذلك ابن خلدون في الفصل الخاص بأصول الفقه، وما يتعلق به من ~~الجدل والخلافيات؛ فهو يذكر أن للمتكلمين فيه طريقة عني ~~بها الناس، والمتكلمون ليسوا بعيدين من الفلاسفة، ويجعل ابن ~~خلدون علم الخلافيات وعلم الجدل تبعا لعلم أصول الفقه، وهما ~~علمان لا ينكر صلتهما بالمنطق منكر، وعلم الجدل كما في ~~كتاب «مفتاح السعادة»: ~~«هو علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام أي وضع ~~أريد، وعلى هدم أي وضع كان، وهذا من فروع علم النظر ومبني لعلم ~~الخلاف، وهذا مأخوذ ms055 من الجدل الذي هو أحد أجزاء مباحث المنطق، ~~لكنه خص بالعلوم الدينية.» # 40 # وفي كتاب «أبجد العلوم» بعد نقل كلام «مفتاح ~~السعادة»: # ولا يبعد أن يقال: إن علم الجدل هو علم المناظرة؛ لأن ~~المآل منهما واحد، إلا أن الجدل أخص منه، ويؤيده كلام ابن ~~خلدون في «المقدمة»؛ حيث قال: «هو معرفة آداب المناظرة التي ~~تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم ... ولذلك قيل فيه: إنه ~~معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل ~~بها إلى حفظ رأي وهدمه، كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره ~~...» # 41 # وعلم الخلاف هو كما في الكتاب نفسه: «الجدل الواقع ~~بين أصحاب المذاهب الفرعية كأبي حنيفة والشافعي وأمثالهما»، ~~والفرق بينه وبين علم الجدل بالمادة والصورة، فإن الجدل بحث ~~عن مواد الأدلة الخلافية، والخلاف بحث عن صورها.» # 42 # وفي موضع آخر من الكتاب نفسه: ~~«علم الخلاف، وهو علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة من ~~الأدلة الإجمالية والتفصيلية، الذاهب إلى كل منها طائفة من ~~العلماء أفضلهم وأمثلهم أبو حنيفة ... إلخ.» # 43 # ويقول ابن خلدون في «المقدمة» ما خلاصته: ~~«اعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه ~~الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، ثم لما ~~انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة واقتصر الناس على تقليدهم، ~~أقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة، وأجري الخلاف بين ~~الآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول ~~الفقهية، وجرت المناظرات في تصحيح كل مقلد مذهب إمامه، ~~وكان في هذه المناظرات بيان مأخذ هؤلاء الأئمة ومثارات ~~اختلافهم ومواقع اجتهادهم، وكان هذا الصنف يسمى ~~بالخلافيات.» # 44 # بل قد جعل طاش كبرى زاده فروع علم أصول الفقه أربعة علوم: ~~«علم النظر، وهو علم المنطق الباحث عن أحوال الأدلة السمعية أو ~~حدود الأحكام الشرعية، وعلم المناظرة، وهو علم باحث عن أحوال ~~المتخاصمين؛ ليكون ترتيب البحث بينهما على وجه الصواب حتى ~~يظهر الحق بينهما، ثم علم الجدل، وعلم الخلاف.» # 45 # وكل هذه العلوم من العلوم العقلية الفلسفية، وجعلها فروعا ~~لعلم أصول الفقه يدل على مبلغ اصطباغ هذا ms056 العلم بالصبغة ~~الفلسفية. # | هوامش # الفصل الرابع # | الصلة بين الدين والفلسفة عند الإسلاميين # بقي أمر الصلة بين الفلسفة والدين في رأي فلاسفة الإسلام وغيرهم ~~من المؤلفين الإسلاميين، وهو الأمر الذي جعله بعض الغربيين مناط ~~الابتكار في الفلسفة الإسلامية، وجعله بعضهم سببا لانقلاب فلاسفة ~~الإسلام مبشرين بالدين الإسلامي ودعاة له. ~~(1) رأي الفلاسفة # يقول ابن حزم المتوفى سنة 456ه/1063م في كتابه «الفصل في ~~الملل والنحل»: ~~«الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها، والغرض المقصود ~~نحوه بتعلمها، ليس هو شيئا غير إصلاح النفس بأن تستعمل في ~~دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد، ~~وحسن سياستها للمنزل والرعية، وهذا نفسه، لا غيره، هو الغرض ~~في الشريعة؛ هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة ~~ولا بين أحد من العلماء بالشريعة.» # 1 # ودعوى ابن حزم أنه لا خلاف بين أحد من الفلاسفة، ولا بين أحد ~~من العلماء بالشريعة على أن ما ذكره هو غرض الشريعة والفلسفة ~~جميعا ليست دعوى مسلمة، فإن معنى كلام ابن حزم هو أن ~~غرض الفلسفة والشريعة غرض عملي، وليس ذلك بمذهب الفلاسفة ولا ~~هو بمذهب الدينيين. # قال ابن رشد المتوفى سنة 595ه/1198م في كتابه «فصل المقال ~~فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»: ~~«وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق ~~والعمل الحق، والعلم الحق هو معرفة الله - تعالى - وسائر ~~الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة ~~السعادة الأخروية والشقاء الأخروي، والعمل الحق هو امتثال ~~الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الأفعال التي تفيد ~~الشقاء، والمعرفة بهذه الأفعال هو الذي يسمى العلم ~~العملي.» # 2 # وقال الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل»: ~~«قالت الفلاسفة: ولما كانت السعادة هي المطلوبة لذاتها، ~~وإنما يكدح الإنسان لنيلها والوصول إليها، وهي لا تنال إلا ~~بالحكمة، فالحكمة تطلب إما ليعمل بها، وإما تعلم فقط، ~~فانقسمت الحكمة قسمين: علمي وعملي ... فالقسم العملي هو عمل ~~الخير، والقسم العلمي هو علم الحق.» # 3 # وبهذا تتشابه غاية الدين وغاية الفلسفة، وإن لم يكن هذا ~~التشابه على الوجه ms057 الذي قرره ابن حزم، فكلاهما يرمي إلى ~~تحقيق السعادة من طريق الاعتقاد الحق وعمل الخير، بل موضوعات ~~الدين وموضوعات الفلسفة واحدة، وذلك رأي الفارابي في كتابه ~~«تحصيل السعادة»؛ إذ يقول: ~~«فالملة محاكية للفلسفة عندهم، وهما تشتملان على موضوعات ~~بأعيانها، وكلاهما تعطي المبادئ القصوى للموجودات، فإنهما ~~يعطيان علم المبدأ الأول والسبب الأول للموجودات، وتعطيان ~~الغاية القصوى التي لأجلها كون الإنسان، وهي السعادة القصوى ~~والغاية القصوى في كل واحد من الموجودات الأخر، وكل ما تعطي ~~الفلسفة فيه البراهين اليقينية؛ فإن الملة تعطي فيه ~~الإقناعات، والفلسفة تتقدم بالزمان الملة.» # 4 # والدين والحكمة عند ~~هؤلاء الفلاسفة يفيض كلاهما عن واجب الوجود على عقول البشر ~~بواسطة العقل الفعال؛ إذ المعارف كلها صادرة عن واجب الوجود ~~بواسطة العقل الفعال، وحيا كانت تلك المعرفة أم غير وحي، ~~فلا فرق بين الحكمة والدين من جهة غايتهما، ولا من جهة مصدرهما ~~وطريق وصولهما إلى الإنسان، والفرق بين الدين والفلسفة عند ~~الفارابي هو من جهة أن طرق الفلسفة يقينية، أما طريق الدين ~~فإقناعي، ومن جهة أخرى تعطي الفلسفة حقائق الأشياء كما هي، ~~ولا يعطي الدين إلا تمثيلا لها وتخييلا، وقد ذكر الفارابي ~~ذلك في مواضع مختلفة من كتبه، منها قوله في كتاب «تحصيل ~~السعادة»: ~~«تفهيم الشيء على ضربين؛ أحدهما: أن يعقل ذاته، والثاني: ~~أن يتخيل بمثاله الذي يحاكيه، وإيقاع التصديق يكون بأحد ~~طريقتين: إما بطريق البرهان اليقيني، وإما بطريق الإقناع، ~~ومتى حصل علم الموجودات أو تعلمت فإن عقلت معانيها أنفسها ووقع ~~التصديق بها عن البراهين اليقينية كان العلم المشتمل على ~~تلك المعلومات فلسفة، وإن علمت بأن تخيلت بمثالاتها التي ~~تحاكيها، وحصل التصديق بما خيل منها عن الطرق الإقناعية، ~~كان المشتمل على تلك المعلومات بتسمية القدماء ~~ملة.» # 5 # ويرى ابن سينا أن بين الدين والفلسفة فرقا آخر، هو أن ~~وجهة الدين عملية أصالة، ووجهة الفلسفة بالأصالة نظرية، وهو ~~يقول في رسالة «الطبيعيات»: ~~«مبدأ «الحكمة العملية» مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، ~~وكمالات حدودها تتبين بها، وتتصرف فيها بعد ذلك القوة ~~النظرية من ms058 البشر بمعرفة القوانين واستعمالها في الجزئيات ... ~~ومبادئ «الحكمة النظرية» مستفادة من أرباب الملة الإلهية على ~~سبيل التنبيه، ومتصرف على تحصيلها بالكمال بالقوة العقلية، ~~على سبيل الحجة.» # 6 # ويقول الشهرستاني في كتاب «الملل والنحل» في معنى قول ابن ~~سينا ما يأتي: ~~«الأنبياء أيدوا ~~بأمداد روحانية لتقرير القسم العملي، وبطرف ما من القسم ~~العلمي، والحكماء تعرضوا لأمداد عقلية تقريرا للقسم العلمي، ~~وبطرف ما من القسم العملي، فغاية الحكيم هو أن يتجلى لعقله ~~كل الكون، ويتشبه بالإله الحق - تعالى - بغاية الإمكان، وغاية ~~الدين أن يتجلى له نظام الكون فيقدر على ذلك مصالح العامة ~~حتى يبقى نظام العالم، وينتظم مصالح العباد، وذلك لا يتأتى إلا ~~بترغيب وترهيب وتشكيل وتخييل؛ فكل ما وردت به أصحاب الشرائع ~~والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة، إلا من أخذ ~~علمه من مشكاة النبوة فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم، ~~وحسن الاعتقاد في كمال درجتهم.» # 7 # والتشكيل والتخييل في كلام الشهرستاني خاص بالأمور العلمية؛ ~~فالفلاسفة يقولون، كما يذكره ابن تيمية المتوفى سنة 728ه/1327م ~~في كتابه «موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول»: ~~«إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة ~~والنار، بل وعن الملائكة بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ~~لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله - تعالى - ~~جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيما محسوسا، وإن ~~كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر؛ لأن مصلحة الجمهور أن ~~يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا ، وإن كان ~~هذا كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور؛ إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا ~~تمكن إلا بهذا الطريق، وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه ~~الألفاظ ظواهرها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منهم هذه الظواهر، ~~وإن كانت الظواهر في نفس الأمر كذبا وباطلا ومخالفة للحق، ~~فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب وبالباطل للمصلحة. # ثم إن من هؤلاء من يقول: «النبي كان يعلم الحق، ولكن أظهر ~~خلافه للمصلحة.»، ومنهم من يقول: «ما كان يعلم الحق كما يعلمه ~~نظار الفلاسفة وأمثالهم.» وهؤلاء يفضلون الفيلسوف الكامل ~~على النبي، ms059 وأما الذين يقولون: إن النبي كان يعلم ذلك، فقد ~~يقولون إن النبي أفضل من الفيلسوف؛ لأنه علم ما علمه الفيلسوف ~~وزيادة، وأمكنه أن يخاطب الجمهور بطريقة يعجز عن مثلها ~~الفيلسوف.» # 8 # وقول ابن تيمية تقرير واضح لآراء الفلاسفة، وإن كان في ~~أسلوبه وألفاظه مما لم تجر به عادة الحكماء. # هذه خلاصة رأي الفلاسفة الإسلاميين في العلاقة بين الدين ~~والفلسفة، وإذا كان الفلاسفة يحاولون غالبا التوفيق بين ~~الشريعة والحكمة في أسلوب ليس فيه عنف، ولا نزوع إلى كبرياء، ~~فإن لبعضهم أساليب تكاد تكون مهاجمة للدينيين أو دفاعا ~~بعنف. # نقل أبو حيان التوحيدي، المتوفى سنة 403ه/1012-1013م على ما ~~استظهره السندوبي طابع كتاب «المقابسات». وفي «معجم المطبوعات ~~العربية» لسركيس أنه توفي سنة 400ه/1009-1010م، عن المقدسي ~~الفيلسوف أنه قال: ~~«الشريعة طب المرضى، ~~والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد ~~مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط، وأما الفلاسفة فإنهم ~~يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا، وبين مدبر ~~المريض وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف؛ لأن غاية تدبير ~~المريض أن ينتقل به إلى الصحة، هذا إذا كان الدواء ناجعا، ~~والطبع قابلا، والطبيب ناصحا، وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ ~~الصحة، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل، وفرغه لها، ~~وعرضه لاقتنائها، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى، ~~وقد صار مستحقا للحياة الإلهية، والحياة الإلهية هي الخلود ~~والديمومة (والسرمدية)، # 9 # وإن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحبه الفضائل ~~أيضا، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ؛ لأن إحداهما ~~تقليدية والأخرى برهانية، وهذه مظنونة وهذه مستيقنة، وهذه ~~روحانية وهذه جسمية، وهذه دهرية وهذه زمانية.» # 10 ~~(2) رأي علماء الدين # أما علماء الدين فمنزعهم غير ذلك المنزع، وهم في أكثر ~~الأمر خصوم للفلسفة في غير هوادة ولا رفق، ونقول: في أكثر ~~الأمر؛ لأن بعض الدينيين ممن كان للفلسفة في عقولهم أثر لا ~~يخلو طعنهم على الحكمة من رفق. وفي كتاب «اللطائف» لأحمد بن ~~عبد الرزاق المقدسي أن أبا عثمان الجاحظ مدح الفلسفة ~~وذمها فيما ms060 مدحه وذمه من العلوم، معربا عن قدرته على ~~الكلام وبعد شأوه في البلاغة، قال في الفلسفة مادحا: «قيل ~~ما الفلسفة؟ قال: أداة الضمائر، وآلة الخواطر، ونتائج العقل، ~~وأداة لمعرفة الأجناس والعناصر، وعلم الأعراض والجواهر، وعلل ~~الأشخاص والصور، واختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا ~~والغرائز.» # 11 # وفي باب الذم: «قيل: ما الفلسفة؟ قال: كلام مترجم ~~وعلم مرجم، بعيد مداه، قليل جدواه، مخوف على صاحبه سطوة ~~الملوك وعداوة العامة.» # 12 # والجاحظ من المعتزلة، بل هو رأس فرقة من فرق ~~المعتزلة تنتسب إليه، وتسمى: «الجاحظية»، والصلة بين الفلسفة ~~وبين مذاهب الاعتزال معروفة. # وفي العلماء الدينيين من لا صلة لهم بالاعتزال، ولكنهم مع ~~ذلك ليسوا غرباء عن الفلسفة، وليس في كلامهم عن الصلة ~~بينها وبين الدين تلك الجفوة التي نجدها في أساليب المتأخرين، ~~ومن هؤلاء العلماء أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب ~~الأصفهاني، المتوفى سنة 502ه/1108-1109م، المعتبر من أئمة ~~السنة، وصاحب كتاب «الذريعة إلى مكارم الشريعة» الذي قيل: إن ~~الغزالي كان يستصحبه دائما ويستحسنه لنفاسته. # يقول الراغب الأصفهاني في كتاب «تفصيل النشأتين وتحصيل ~~السعادتين»: ~~«واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء، لا يكاد يتوصل إلا ~~إلى معرفة كليات الأشياء دون جزئياتها، نحو أن يعلم جملة حسن ~~اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي الجميل، وحسن استعمال العدالة ~~وملازمة العفة، ونحو ذلك من غير أن يعرف ذلك في شيء ~~شيء. # والشرع يعرف كليات الأشياء ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في ~~شيء شيء، وما الذي هو معد له في شيء شيء، ولا يعرفنا العقل ~~مثلا أن لحم الخنزير والدم والخمر محرم، وأنه يجب أن ~~يتحامى من تناول الطعام في وقت معلوم، وألا تنكح ذوات ~~المحارم، وألا تجامع المرأة في حال الحيض، فإن أشباه ذلك لا ~~سبيل إليها إلا بالشرع؛ فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة ~~والأفعال المستقيمة، والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن ~~عدل عنه فقد ضل سواء السبيل.» # 13 # والغزالي المتوفى سنة 505ه/1111م، مع شدته في الرد على ~~الفلاسفة ومعاداة الفلسفة، لم يبلغ في ذلك مبلغ من رد ~~الفلسفة جملة وحرم ms061 الاشتغال بها من غير تفصيل، وهو يذكر في ~~كتاب «تهافت الفلاسفة»: ~~«أن الخلاف بينهم وبين غيرهم من الفرق ثلاثة أقسام: قسم ~~يرجع النزاع فيه إلى اللفظ، وقسم لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من ~~أصول الدين، والقسم الثالث ما يتعلق النزاع فيه بأصل من أصول ~~الدين، كالقول في حدوث العالم وصفات الصانع وبيان حشر الأجساد ~~والأبدان.» # ثم يقول: «فهذا الغش ونظائره هو الذي ينبغي أن يظهر ~~فساد مذهبهم فيه دون ما عداه.» # 14 # ويرسم رأي الغزالي فيما بين الدين والفلسفة من الصلة قوله ~~في كتاب «المنقذ من الضلال» عند الكلام عن الإلهيين من ~~الفلاسفة: ~~«الصنف الثالث: الإلهيون، وهم المتأخرون، ومنهم مثل سقراط ~~وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو ~~الذي رتب لهم المنطق وهذب العلوم، وخمر ما لم يكن ~~مخمرا من قبل، وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم، وهم ~~بجملتهم وردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية، ~~وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم «وكفى الله ~~المؤمنين القتال» بتقاتلهم، ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون ~~وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى ~~تبرأ من جميعهم، إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم بقايا ~~لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من ~~المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهما على أنه ~~لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من المتفلسفة الإسلاميين ~~كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبط وتخليط ~~يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم، وما لا يفهم، كيف ~~يرد أو يقبل؟! # ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس - بحسب نقل هذين ~~الرجلين - ينحصر في ثلاثة أقسام؛ قسم يجب التكفير به، وقسم ~~يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلا ~~فلنفصله.» # 15 # وقد يعتبر كلام الغزالي، على ما فيه من قسوة أحيانا، ~~رفيقا إذا قيس إلى كلام كثير من المتأخرين: ويقول الشيخ محمد ~~عبده في «رسالة التوحيد» في وصف موقف الدينيين من الفلاسفة ~~منذ عهد الغزالي: ~~«وجاء الغزالي ومن على طريقته فأخذوا ms062 جميع ما وجد في كتب ~~الفلاسفة مما يتعلق بالإلهيات، وما يتصل بها من الأمور العامة ~~أو أحكام الجواهر والأعراض، ومذاهبهم في المادة وتركيب ~~الأجسام، وجميع ما ظنه المشتغلون بالكلام يمس شيئا من مباني ~~الدين، واشتدوا في نقده، وبالغ المتأخرون منهم حتى كاد يصل ~~بهم السير إلى ما وراء الاعتدال.» # 16 # ومبالغة المتأخرين في معاداة الفلسفة تظهر فيما جاء في ~~«فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والعقائد»، وابن ~~الصلاح هو أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين الشهرزوري ~~المتوفى سنة 643ه، وقد جاء في «فتاواه» ما نصه: ~~«مسألة فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعلما وتعليما، وهل ~~المنطق جملة وتفصيلا مما أباح الشرع تعلمه وتعليمه، ~~والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والسلف الصالحون ذكروا ~~ذلك أو أباحوا الاشتغال به أو سوغوا الاشتغال به أم لا؟ وهل ~~يجوز أن تستعمل في إثبات الأحكام الشرعية الاصطلاحات المنطقية ~~أم لا؟ وهل الأحكام الشرعية مفتقرة إلى ذلك في إثباتها أم لا؟ ~~وما الواجب على من تلبس بتعليمه وتعلمه متظاهرا به؟ ما ~~الذي يجب على سلطان الوقت في أمره؟ وإذا وجد في بعض البلاد ~~شخص من أهل الفلسفة معروفا بتعليمها وإقرائها والتصنيف فيها ~~وهو مدرس في مدرسة من مدارس العلم، فهل يجب على سلطان تلك ~~البلدة عزله وكفاية الناس شره؟ # أجاب رضي الله عنه: «الفلسفة أس السفه والانحلال ومادة ~~الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته ~~عن محاسن الشريعة المطهرة المؤيدة بالحجج الظاهرة ~~والبراهين الباهرة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه ~~الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن ~~يعمي صاحبه ويظلم قلبه عن نبوة نبينا محمد # صلى الله عليه وسلم # كلما ~~ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره غافل، مع انتشار آياته ~~المستبينة ومعجزاته المستنيرة، حتى لقد انتدب بعض العلماء ~~لاستقصائها فجمع منها ألف معجزة، وعددناه مقصرا؛ إذ هي فوق ~~ذلك بأضعاف لا تحصى، فإنها ليست محصورة على ما وجد منها في ~~عصره # صلى الله عليه وسلم # بل تتجدد بعده # صلى الله عليه وسلم ms063 # على تعاقب العصور، وذلك ~~أن كرامات الأولياء من أمته، وإجابات المتوسلين به في ~~حوائجهم وإغاثاتهم عقيب توسلهم به في شدائدهم، براهين له ~~قواطع، ومعجزات له سواطع، ولا يعدها عاد ولا يحصرها حاد. ~~أعاذنا الله من الزيغ عن ملته، وجعلنا من المهتدين الهادين ~~بهديه وسنته. # وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال ~~بتعليمه وتعلمه من إباحة الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة ~~والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين، وسائر من ~~يقتدى به من أعلام الأمة وساداتها، وأركان الأمة وقادتها، قد ~~برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه، فطهرهم من ~~أوصابه، وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام ~~الشرعية، فمن المنكرات المستبشعة والرقاعات المستحدثة، ~~وليس للأحكام الشرعية، والحمد لله، افتقار إلى المنطق أصلا، ~~وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان ~~فقعاقع # 17 # قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم ~~نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر ~~الحقائق والدقائق علماؤها؛ حيث لا منطق ولا فلسفة ولا ~~فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة ~~يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به، فالواجب على السلطان ~~أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المياشيم # 18 # ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم ويعاقب على ~~الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة ~~على السيف أو الإسلام لتخمد نارهم وتمحى آثارها وآثارهم، يسر ~~الله ذلك وعجله، ومن أوجب هذا الواجب عزل من كان ~~مدرس مدرسة من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها، ثم ~~سجنه وإلزامه منزله، وإن زعم أنه غير معتقد لعقائدهم، فإن ~~حاله يكذبه ، والطريق في قلع الشر قلع أصوله، وانتصاب مثله ~~مدرسا من العظائم حمله، والله - تعالى - ولي التوفيق ~~والعصمة، وهو أعلم.» # 19 # ومن أمثلة ذلك أيضا قول المولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش ~~كبرى زاده المتوفى سنة 962ه/1554-1555م في كتاب «مفتاح السعادة ~~ومصباح السيادة» في موضوعات العلوم: ~~«وإياك أن تظن من كلامنا هذا أن # 20 # تعتقد كل ما أطلق عليه اسم العلم حتى الحكمة ~~المموهة ms064 التي اخترعها الفارابي وابن سينا، ونقحه نصير ~~الدين الطوسي، ممدوحا، هيهات هيهات! إن كل ما خالف الشرع ~~فهو مذموم، سيما طائفة سموا أنفسهم حكماء الإسلام عكفوا على ~~دراسة ترهات أهل الضلال وسموها الحكمة، وربما ~~استجهلوا من عرى عنها، وهم أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله ~~والمحرفون كلم الشريعة عن مواضعه، ولا تكاد تلقى أحدا منهم ~~يحفظ قرآنا ولا حديثا، وإنما يتجملون برسوم الشريعة حذرا من ~~تسلط المسلمين عليهم، وإلا فهم لا يعتقدون شيئا من أحكام ~~الشرع، بل يريدون أن يهدموا قواعده وينقضوا عراه عروة عروة. ~~قيل: # وما انتسبوا إلى الإسلام إلا # لصون دمائهم عن أن تسالا # فيأتون المناكر في نشاط # ويأتون الصلاة وهم كسالى # فالحذر الحذر منهم، وإنما الاشتغال بحكمتهم حرام في ~~شريعتنا، وهم أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى؛ ~~لأنهم يتسترون بزي أهل الإسلام، نعم، إن من رسخ ~~قواعد الشريعة في قلبه، وامتلأ قلبه من عظمة هذا النبي الكريم ~~وشريعته، وتأيد دينه بحفظ الكتاب والسنة، وقوى مذهبه في ~~الفروع، يحل له النظر في علوم الفلسفة، لكن بشرطين؛ أحدهما: ~~ألا يتجاوز مسائلهم المخالفة للشريعة، وإن تجاوزها فإنما ~~يطالعها للرد لا لغيره. وثانيهما: ألا يمزج كلامهم بكلام ~~علماء الإسلام، ولقد حصل ضرر عظيم على المسلمين من هذه الجهة؛ ~~لعدم قدرتهم على تمييز الجيد من الرديء، وربما يستدلون ~~بإيرادها في كتب الكلام على صحتها، وما كان هذا إلا منذ ظهر ~~نصير الدين الطوسي وأضرابه، لا حياهم الله، وإنما السلف، مثل ~~الإمام الغزالي والإمام الرازي، مزجوا كتب الكلام بالحكمة، لكن ~~للرد كما تراه في تصانيفهم، ولا بأس بذلك، بل ذلك إعانة ~~للمسلمين وحفظ لعقائدهم، ثبتنا الله وإياكم على الصراط ~~المستقيم، إنه جواد كريم.» # 21 # ومن المتقدمين قبل الغزالي من كانوا حربا على الفلسفة لا ~~يعرفون هوادة ولا لينا، وجل هذا الصنف ممن لم يتذوقوا ~~طعم الفلسفة ولم يتنسموا ريحها. وفي كلامهم من الخلط ما ~~يدل على أنهم لا يتكلمون عن علم فيما عالجوا من أمور ~~الفلسفة، ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب ms065 «مفيد العلوم ومبيد ~~الهموم» للشيخ جمال الدين أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي ~~المتوفى سنة 383ه/993م، «الباب الثالث في الرد على الفلاسفة»: ~~«وهم قوم من اليونانيين تحذلقوا # 22 # في المعقولات حتى وقعوا في وادي الحيرة ~~والخباط، # 23 # وتحيروا في الإلهيات، وبنوا مقالاتهم على ~~التشهي المحض والدعاوى الصرف، ويزعمون أنهم أكيس خلق الله، ~~وسياق مذهبهم يدل على أنهم أجهل خلق الله وأحمق الناس، وأساس ~~الإلحاد والزندقة مبني على مذهبهم، والكفر كله شعبة من ~~شعبهم، وكانوا يترهبون لقطع النسل، ورئيسهم أفلاطون ~~الملحد، لعنه الله، قال لموسى بن عمران رسول الله وكليمه: ~~«كل شيء تقوله أصدقك فيه إلا قولك: «كلمني علة العلل».» ~~انظر إلى اعتقاد هذا الخبيث، كان يكذب رسول الله ويعتقد أن ~~الله - تعالى - لا كلام له البتة، تسميته # 24 # توجب بنفسها من غير اختيار، ويعتقد أن العالم ~~قديم، وإخوانه كأرسطاطاليس وسقراط وجالينوس كلهم ملاحدة العصر ~~وزنادقة الدهر يقينا، فإن هذا تعرفه العلماء دون الأمراء، ~~ثم إن الله - سبحانه وتعالى - علم خبث سرائرهم؛ فأرسل ~~الله عليهم سلا ففرقهم، وعلومهم المشئومة عربتها أقوام ~~في عهد المأمون الخليفة بإذنه ووصيته، ثم اعتقاد الفلاسفة أن ~~الآلهة ثلاثة: المبدأ، والعقل، والنفس، وقضوا بكون العقل ~~والنفس أزليين، وينفون الصفات، ولا يقولون إن الله حي عالم ~~قادر مريد سميع متكلم البتة، وزعموا أن الحركات أزلية ~~سرمدية، إلى غير ذلك، فهم مشركون ملحدون، لعنهم ~~الله!» # 25 # أما الفقهاء من علماء الدين المتأخرين فالظاهر أنهم لا ~~يرون بين الفلسفة وبين الشعبذة # 26 # والسحر # 27 # والكهانة # 28 # فرقا، يقول النووي محيي الدين أبو زكريا يحيى ~~المتوفى سنة 677ه/1278م في كتاب «المجموع شرح ~~المهذب»: ~~«فصل، قد ذكرنا أقسام العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ~~ما هو محرم أو مكروه ومباح، فالمحرم كتعلم السحر؛ فإنه ~~حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور، وفيه خلاف نذكره في ~~الجنايات؛ حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى، وكالفلسفة ~~والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعيين، # 29 # وكل ما كان سببا لإثارة الشكوك، ويتفاوت في ~~التحريم.» # 30 # ويقول صاحب كتاب ms066 «الدر المختار شرح تنوير الأبصار» علاء ~~الدين محمد بن علي الحصكفي المتوفى سنة 1088ه/1677م: ~~«واعلم أن تعلم العلم يكون فرض عين، وهو بقدر ما يحتاج ~~لدينه وفرض كفاية، وهو ما زاد عليه لنفع غيره ومندوبا، وهو ~~التبحر في الفقه وعلم القلب، وحراما، وهو علم الفلسفة ~~والشعبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين والسحر ~~والكهانة.» # 31 # وقد يصح أن يعد من الفقهاء شمس الدين أبو عبد الله ~~محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي المتوفى ~~سنة 751ه/1350م، وليس ابن قيم الجوزية ولا أستاذه شيخ ~~الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد المعروف بابن تيمية المتوفى ~~سنة 728ه/1327م من أنصار الفلسفة، لكنهما ممن اتصل بها، ~~وألم بعلومها فيما ألما به من مختلف العلوم، وأسلوبهما في ~~النقد والجدل عنيف، غير أن نفحات النظر العميق والاطلاع الواسع ~~تخفف من لذع أسلوبهما. # وقد عرض ابن قيم الجوزية في كتاب «مفتاح دار السعادة ~~ومنشور ولاية العلم والإرادة» لنقد العلوم الفلسفية، فقال ~~مبينا ما في المنطق من تهافت وقلة جدوى، ومشيرا إلى ~~صلته بالدين وحكم الشرع في تعلمه «وأما المنطق فلو ~~كان علما صحيحا كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ~~ونحوها، فكيف وباطله أضعاف حقه، وفساده وتناقض أصوله واختلاف ~~مبانيه توجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكره، ولا يؤمن ~~بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه ~~للعقل الصريح، وأخبر بعض من كان قد قرأه وعني به، أنه ~~لم يزل متعجبا من فساد أصوله وقواعده، ومباينتها لصريح ~~المعقول، وتضمنها لدعاوى محضة غير مدلول عليها، وتفريقه بين ~~متساويين، وجمعه بين مختلفين، فيحكم على الشيء بحكم، وعلى ~~نظيره بضد ذلك الحكم، أو يحكم على شيء بحكم ثم يحكم على مضاده ~~أو مناقضه به . # قال: إلى أن سألت بعض رؤسائه وشيوخ أهله عن شيء من ذلك، ~~فأفكر فيه ثم قال: هذا علم قد صقلته الأذهان، ومرت عليه من ~~عهد القرون الأوائل، أو كما ~~قال، فينبغي أن نتسلمه من ~~أهله، وكان هذا من أفضل ما رأيت في المنطق، قال: ms067 إلى أن وقفت ~~على رد متكلمي الإسلام ~~عليه، وتبيين فساده وتناقضه، فوقفت على مصنف ~~لأبي سعيد السيرافي النحوي في ذلك، وعلى رد كثير من أهل الكلام ~~والعربية عليهم كالقاضي أبي بكر بن ~~الطيب، والقاضي عبد الجبار، ~~والجبائي وابنه، وأبي المعالي، وأبي القاسم الأنصاري، وخلق ~~لا يحصون كثرة، ورأيت استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع ~~الإشكال ومخالفتها ما كان ينقدح لي كثير منه، ورأيت آخر من ~~تجرد للرد عليهم شيخ الإسلام - قدس الله روحه - فإنه أتى ~~في كتابيه الكبير والصغير بالعجب العجاب، وكشف أسرارهم وهتك ~~أستارهم، فقلت في ذلك: # واعجبا لمنطق اليونان # كم فيه من إفك ومن بهتان # مخبط لجيد الأذهان # ومفسد لفطرة الإنسان # مضطرب الأصول والمباني # على شفا هار بناه الباني # أحوج ما كان إليه العاني # يخونه في السر والإعلان # يمشي به اللسان في الميدان # مشي مقيد على صفوان # متصل العثار والتواني # كأنه السراب بالقيعان # بدا لعين الظمئ الحيران # فأمه بالظن والحسبان # يرجو شفاء غلة الظمآن # فلم يجد ثم سوى الحرمان # فعاد بالخيبة والخسران # يقرع سن نادم حيران # قد ضاع منه العمر في الأماني # وعاين الخفة في الميزان # وما كان من هوى النفوس بهذه المنزلة فهو بأن يكون جهلا أولى ~~منه بأن يكون علما، تعلمه فرض كفاية أو فرض عين، وهذا ~~الشافعي وأحمد وسائر أئمة الإسلام وتصانيفهم، وسائر أئمة ~~العربية وتصانيفهم، وأئمة التفسير وتصانيفهم، لمن نظر فيها، ~~هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه؟ وهل صح لهم علمهم ~~بدونه أم لا؟ بل هم كانوا أجل قدرا وأعظم عقولا من أن ~~يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين، وما دخل المنطق على علم ~~إلا أفسده وغير أوضاعه وشوش قواعده.» # 32 # هذا وقد بدأنا حديثنا في الصلة بين الدين والفلسفة عند ~~الإسلاميين بذكر آراء الفلاسفة في الغرض من الدين والغرض من ~~الفلسفة، فيحسن أن نختم هذا البحث ببيان آراء الدينيين في ~~الغرض من الدين استكمالا لجميع جوانب الموضوع، وابن قيم ~~الجوزية يبسط الآراء المختلفة في بيان المقصود من الشرائع ~~عند المسلمين من فلاسفة وغيرهم، مع رد ما لا ms068 يرضاه واختيار ما ~~يرتضيه، وذلك في كتاب «مفتاح دار السعادة» فيقول: «فصل، وأما ~~ما ذكره الفلاسفة من مقصود الشرائع، وأن ذلك لاستكمال النفس ~~قوى العلم والعمل، والشرائع ترد بتمهيد ما تقرر في العقل ~~بتعبيره ... إلخ، فهذا مقام يجب الاعتناء بشأنه، وألا نضرب ~~عنه صفحا، فنقول: للناس في المقصود بالشرائع والأوامر ~~والنواهي أربعة طرق: # أحدها: # طريق من يقول من فلاسفة وأتباعهم من ~~المنتسبين إلى الملل: إن المقصود بها تهذيب ~~أخلاق النفوس وتعديلها لتستعد بذلك لقبول ~~الحكمة العلمية والعملية، ومنهم من يقول ~~لتستعد بذلك لأن تكون محلا لانتقاش صور ~~المعقولات فيها؛ ففائدة ذلك عندهم كالفائدة ~~الحاصلة من صقل المرآة لتستعد لظهور الصور ~~فيها، وهؤلاء يجعلون الشرائع من جنس الأخلاق ~~الفاضلة والسياسات العادلة؛ ولهذا رام فلاسفة ~~الإسلام الجمع بين الشريعة والفلسفة، كما فعل ~~ابن سينا والفارابي وأضرابهما، وآل بهم إلى أن ~~تكلموا في خوارق العادات والمعجزات على طريق ~~الفلاسفة المشائين، وجعلوا لها أسبابا ثلاثة؛ ~~أحدها: القوى الفلكية، والثاني: القوى ~~النفسية، والثالث: القوى الطبيعية، وجعلوا جنس ~~الخوارق جنسا واحدا، وأدخلوا ما للسحرة ~~وأرباب الرياضة والكهنة وغيرهم مع ما ~~للأنبياء والرسل في ذلك، وجعلوا سبب ذلك كله ~~واحدا وإن اختلفت بالغايات، والنبي قصده ~~الخير، والساحر قصده الشر، وهذا المذهب من ~~أفسد مذاهب العالم وأخبثها، وهو مبني على ~~إنكار الفاعل المختار وأنه - تعالى - لا يعلم ~~الجزئيات، ولا يقدر على تغيير العالم، ولا ~~يخلق شيئا بمشيئته وقدرته، وعلى إنكار الجن ~~والملائكة ومعاد الأجسام، وبالجملة فهو مبني ~~على الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر. # وليس هذا موضع الرد على هؤلاء وكشف باطلهم ~~وفضائحهم؛ إذ المقصود ذكر طرق الناس في ~~المقصود بالشرائع والعبادات، وهذه الفرقة غاية ~~ما عندها في العبادات والأخلاق والحكمة ~~العلمية # 33 # أنهم رأوا النفس لها شهوة وغضب ~~بقوتها العملية، ولها تصور وعلم بقوتها ~~العلمية، فقالوا كمال الشهوة في العفة، وكمال ~~الغضب في الحلم والشجاعة، وكمال القوة النظرية ~~بالعلم، والتوسط في جميع ذلك بين طرفي الإفراط ~~والتفريط هو العدل. # هذا غاية ما عند القوم من المقصود ms069 بالعبادات ~~والشرائع، وهو عندهم غاية كمال النفس، وهو ~~استكمال قوتيها العلمية والعملية، فاستكمال ~~قوتها العلمية عندهم بانطباع صورة المعلومات ~~في النفس، واستكمال قوتها العملية بالعدل، ~~وهذا مع أنه غاية ما عندهم من العلم والعمل، ~~وليس فيه بيان خاصية النفس التي لا كمال لها ~~بدونه البتة، وهو الذي خلقت له، وأريد منها، ~~بل ما عرفه القوم؛ لأنه لم يكن عندهم من معرفة ~~متعلقه إلا نزر يسير غير مجد ولا ~~محصل للمقصود، وذلك معرفة الله بأسمائه ~~وصفاته، ومعرفة ما ينبغي لجلاله، وما يتعالى ~~ويتقدس عنه، ومعرفة أمره ودينه، والتمييز بين ~~مواقع رضاه وسخطه، واستفراغ الوسع في التقرب ~~إليه، وامتلاء القلب بمحبته، بحيث يكون سلطان ~~حبه قاهرا لكل محبة، وألا سعادة للعبد في ~~دنياه ولا أخراه إلا بذلك، ولا كمال للروح ~~بدون ذلك البتة ... # فليس في حكمتهم العلمية إيمان بالله ولا ~~ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه، وليس في ~~حكمتهم العملية عبادته وحده لا شريك له، ~~واتباع مرضاته واجتناب مساخطه، ومعلوم أن ~~النفس لا سعادة لها ولا فلاح إلا بذلك. # فليس من حكمتهم العلمية والعملية ما تسعد ~~به النفوس وتفوز؛ ولهذا لم يكونوا داخلين في ~~الأمم السعداء في الآخرة، وهم الأمم ~~الأربعة المذكورون في قوله تعالى: # إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~(البقرة، آية ~~62) ... # الطريق الثاني: # طريق من يقول من المعتزلة ومن تابعهم: ~~إن الله - سبحانه - عرضهم بها للثواب، ~~واستأجرهم بتلك الأعمال للخير، فعاوضهم عليها ~~معاوضة، قالوا: والإنعام منه في الآخرة بدون ~~الأعمال، غير حسن؛ لما فيه من تكرير منة ~~العطاء ابتداء، ولما فيه من الإخلال بالمدح ~~والثناء والتعظيم الذي لا يستحق إلا ~~بالتكليف، ومنهم من يقول: إن الواجبات ~~الشرعية لطف في الواجبات العقلية، ومنهم من ~~يقول: إن الغاية المقصودة التي يحصل بها ~~الثواب هي العمل، والعلم وسيلة إليه، حتى ~~ربما قالوا ذلك في معرفة الله تعالى، ~~وأنها إنما وجبت لأنها لطف في أداء ms070 الواجبات ~~العملية، وهذه الأقوال تصور العاقل اللبيب ~~لها حق التصور كاف في جزمه ببطلانها، ~~رافع عنه مئونة الرد عليها، والوجوه الدالة ~~على بطلانها أكثر من أن تذكر ها ~~هنا. # الطريق الثالث: # طريق الجبرية ومن وافقهم، أن الله - ~~سبحانه - امتحن عباده بذلك وكلفهم، لا لحكمة ~~ولا لغاية مطلوبة له، ولا بسبب من الأسباب؛ ~~فلا لام تعليل ولا باء سبب، إن هو إلا محض ~~المشيئة وصرف الإرادة، كما قالوا في الخلق ~~سواء، وهؤلاء قابلوا من قبلهم من القدرية ~~والمعتزلة أعظم مقابلة، فهما طرفا نقيض لا ~~يلتقيان. # والطريق الرابع: # طريق أهل العلم والإيمان الذين عقلوا عن ~~الله أمره ودينه، وعرفوا مراده بما أمرهم ~~ونهاهم عنه، وهي أن نفس معرفة الله ومحبته، ~~وطاعته والتقرب إليه، وابتغاء الوسيلة إليه ~~أمر مقصود لذاته، وأن الله - سبحانه - ~~يستحقه لذاته، وهو - سبحانه - المحبوب لذاته، ~~الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع ~~والتأله إلا له؛ فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن ~~يعبد، ولو لم يخلق جنة ولا نارا، ولو لم ~~يضع ثوابا ولا عقابا، كما جاء في بعض ~~الآثار: «لو لم أخلق جنة ولا نارا، أما كنت ~~أهلا أن أعبد؟» فهو - سبحانه - يستحق غاية ~~الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته، ~~ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال. # وحبه والرضا به، ومنه، والذل له، والخضوع، والتعبد، هو ~~غاية سعادة النفس وكمالها.» # 34 ~~••• # بينا سبيل الباحثين الغربيين في دراسة تاريخ الفلسفة ~~الإسلامية منذ استقرت النهضة الحديثة لتاريخ الفلسفة إلى ~~أيامنا هذه، وهؤلاء الباحثون يعرضون للفلسفة الإسلامية في ~~مصنفاتهم في التاريخ العام للفلسفة، كما صنع تنمان وبرهيه، ~~أو في مصنفاتهم في تاريخ الفلسفة في القرون الوسطى كما فعل ~~وولف، وقد أخذ المستشرقون يعرضون لدراسات خاصة بتاريخ الفلسفة ~~الإسلامية مثل رنان في كتابه «ابن رشد ومذهبه»، ودي بور في ~~كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام». # 35 # وقد صورنا أيضا منازع المؤلفين المسلمين في الكلام على ~~الفلسفة الإسلامية تلقفنا ذلك من كتبهم في الموضوعات ~~المتفرقة، فإن تاريخ الفلسفة بالمعنى الحديث لم يوجد في ~~الإسلام، والذي ms071 عرفه المسلمون من دراسة تاريخ الفلسفة هو كتب ~~الطبقات والتراجم، وقد ذكر صاحب كتاب «كشف الظنون» مما يدخل في ~~هذا الباب الكتب الآتية: ~~(1) ~~«تاريخ حكماء» للإمام محمد عبد الكريم ~~الشهرستاني المتوفى سنة ~~548ه/1153-1154م. ~~(2) ~~«صوان الحكمة» # 36 # لأبي جعفر بن بويه ملك سجستان، ذكره ~~الشهرزوري في تاريخ الحكماء. ~~(3) ~~«صوان الحكم في طبقات الحكماء» للقاضي أبي ~~القاسم صاعد بن أحمد القرطبي، وقد ذكر في «كشف ~~الظنون» في موضع آخر باسم «طبقات الحكماء» ~~المسمى «بصوان الحكمة». وفي موضع ثالث باسم ~~«تاريخ الحكماء» لصاعد و«تاريخ صوان ~~الحكمة». ~~(4) # كتاب للأمير محمد الشهير بالسناني مات سنة ~~548ه/1153-1154م، والظاهر أن اسمه «طبقات ~~الحكماء»، ويسمى «صوان الحكمة»، كما يشعر به ~~كلام «كشف الظنون». ~~(5) ~~«طبقات الحكماء وأصحاب النجوم والأطباء» للوزير ~~علي بن يوسف القفطي المتوفى سنة 646ه/1248-1249م ~~واختصره ابن أبي حمزة وعبد الله بن سعد ~~الأزدي. # هكذا ورد في «كشف الظنون»، وهو نفسه الكتاب ~~المسمى «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»، ~~ويسمى «تاريخ الحكماء»، و«تذكرة الحكماء»، ~~و«أسماء الحكماء وتراجمهم»، واختصره الشيخ محمد بن ~~علي بن محمد الخطيبي الزوزني، والمطبوع في ليبسك. ~~وفي مصر باسم كتاب «إخبار العلماء بأخبار ~~الحكماء» هو مختصر الزوزني. ~~(6) # كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» للشيخ ~~موفق الدين أحمد بن قاسم الخزرجي المعروف بابن أبي ~~أصيبعة المتوفى سنة 668ه/1269-1270م قال فيه: ~~«رأيت أن أذكر في هذا الكتاب نكتا وعيونا في ~~مراتب المتميزين من الأطباء القدماء والمحدثين، ~~ومعرفة طبقاتهم على توالي أزمنتهم، ونبذا من ~~أقوالهم وحكاياتهم، وذكر شيء من أسماء كتبهم، وقد ~~أودعت فيها أيضا ذكر جماعة من الحكماء الفلاسفة ~~ممن لهم نظر وعناية بصناعة الطب، وخملا من ~~أحوالهم، وأما ذكر جميع الحكماء وغيرهم من أرباب ~~النظر؛ فإني أذكر ذلك مستقصى في «معالم الأمم ~~وأخبار ذوي الحكم» انتهى.» # هذا ما جاء في «كشف الظنون»، وفيه إشارة إلى ~~كتاب في تاريخ الحكماء لابن أبي أصيبعة يسمى ~~«معالم الأمم وأخبار ذوي الحكم». ~~(7) # كتاب ابن جلجل، ويذكره صاحب «كشف الظنون» بما ~~يفيد أن اسمه «طبقات الأطباء»؛ إذ يقول: ~~«طبقات الأطباء المسمى بعيون ms072 الأنباء للشيخ ~~موفق الدين، وابن جلجل داود بن حسان، وقيل سليمان ~~بن حسن الطبيب الأندلسي.» # وفي كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» نقل ~~عن هذا الكتاب؛ فهو يقول في مواضع كثيرة: «قال ~~سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل.» ~~(8) ~~«نزهة الأرواح وروضة الأفراح في تاريخ الحكماء» ~~للشيخ شمس الدين الشهرزوري، وهو مشتمل على مائة ~~وإحدى عشرة ترجمة من المتقدمين والمتأخرين ~~اليونانيين والمصريين، وشمس الدين الشهرزوري هو ~~محمد محمود الشهرزوري. ~~(9) ~~«تاريخ حكماء الإسلام» لظهير الدين أبي الحسن ~~البيهقي، ولم يرد هذا الكتاب في «كشف الظنون»، ~~وقد طبع حديثا في لاهور بالهند. # وينقل ابن أبي أصيبعة في كتاب «عيون الأنباء في طبقات ~~الأطباء» عن حنين بن إسحاق المتوفى سنة 260ه/873-874 في كتاب ~~«نوادر الفلاسفة والحكماء»، وينقل كذلك عن مبشر بن فاتك في ~~كتاب «مختار الحكم ومحاسن الكلم»، وقد ذكر هذا الكتاب صاحب ~~«كشف الظنون» فقال: ««مختار الحكم ومحاسن الكلم» لأبي الوفاء ~~مبشر بن فاتك الأمير.» # وتوجد طبقات للمتكلمين كطبقات أبي بكر محمد بن فورك المتوفى ~~سنة 406ه/1015-1016م، ~~وللقاضي عياض بن موسى اليحصبي كتاب في طبقات المتكلمين ~~سماه «ترتيب المدارك»، وللمرزباني أخبار المتكلمين، وتوجد ~~طبقات للمعتزلة «كطبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار بن أحمد ~~بن عبد الجبار الحمداني الإسترابادي المتوفى سنة ~~415ه/1024-1025م ~~ظنا. # وللصوفية والنساك طبقات كثيرة ذكرت في «كشف ~~الظنون». # وما يكون لنا أن نغفل الإشارة إلى أبحاث في تاريخ الفلسفة ~~عالجها من تعرضوا لتاريخ العلوم، والتأليف في الإسلام؛ مثل ~~المسعودي في «مروج الذهب»، ومحمد بن إسحاق النديم في كتاب ~~«الفهرست»، وصاعد بن أحمد في كتاب «طبقات الأمم»، وابن خلدون ~~في المقدمة، والمولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده ~~في كتاب «مفتاح السعادة ومصباح السيادة»، وكتاب «كشف الظنون عن ~~أسامي الكتب والفنون» لملا كاتب جلبي المعروف بحاج ~~خليفة . # ولا تخلو كتب الملل والنحل والمقالات من موضوعات تتصل بتاريخ ~~الفلسفة الإسلامية، كما نجد ذلك في كتاب «مقالات ~~الإسلاميين» للأشعري، وكتاب «الفرق بين الفرق» لأبي منصور ~~عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي المتوفى سنة ms073 ~~429ه/1134-1135م، «ومختصر ~~كتاب الفرق بين الفرق» الذي ألفه عبد الرزاق بن رزق الله ~~بن أبي بكر بن خلف الرسعني، وكتاب «الفصل في الملل والنحل» ~~لابن حزم، وكتاب «الملل والنحل» للشهرستاني. # وفي بعض الكتب الدينية الصرفة مسائل ذات علاقة بهذا ~~الموضوع، كما في بعض كتب الغزالي، وابن الجوزي، وابن تيمية، ~~وابن قيم الجوزية. # هذا وكلام الإسلاميين في الفلسفة الإسلامية، مع قصوره عن ~~تكوين منهج تاريخي، هو في غالب الأمر يعنى ببيان نسبة هذه ~~الفلسفة إلى العلوم الشرعية، وحكم الشرع فيها، ورد ما يعتبر ~~معارضا للدين منها. # وليس بين العلماء نزاع في أن الفلسفة الإسلامية متأثرة ~~بالفلسفة اليونانية، ومذاهب الهند، وآراء الفرس، ولعل هذا هو ~~الذي يجعل الباحثين في تاريخ التفكير الإسلامي والفلسفة ~~الإسلامية من الغربيين، يقصدون في دراستهم إلى استخلاص العناصر ~~الأجنبية التي قامت الفلسفة الإسلامية على أساسها، أو تأثرت ~~بها في أدوارها المختلفة، يجعلون ذلك همهم، ويتحرون على ~~الخصوص إظهار أثر الفكر اليوناني في التفكير الإسلامي واضحا ~~قويا. # وليس من العدل إنكار ما لهذه الأبحاث من نفع علمي، برغم ما ~~قد يلابسها من التسرع في الحكم على القيمة الذاتية لأصل ~~التفكير الإسلامي وعلى مبلغ انفعال هذا التفكير بالعوامل ~~الخارجية من غير اعتبار لما يمكن أن يكون له من عمل ~~فيها. # والعوامل الأجنبية المؤثرة في الفكر الإسلامي وتطوره، مهما ~~يكن من شأنها، فهي أحداث طارئة عليه، صادفته شيئا قائما ~~بنفسه، فاتصلت به لم تخلقه من عدم، وكان بينهما تمازج أو ~~تدافع، لكنها على كل حال لم تمح جوهره محوا. # | هوامش # القسم الثاني # | منهجنا في درس تاريخ الفلسفة الإسلامية # الفصل الأول # | بداية التفكير الفلسفي الإسلامي # من أجل هذا رأينا أن البحث في تاريخ الفلسفة الإسلامية يكون ~~أدنى إلى المسلك الطبيعي، وأهدى إلى الغاية حين نبدأ باستكشاف ~~الجراثيم الأولى للنظر العقلي الإسلامي في سلامتها وخلوصها، ثم ~~نساير خطاها في أدوارها المختلفة، من قبل أن تدخل في نطاق البحث ~~العلمي، ومن بعد أن صارت تفكيرا فلسفيا. # وجريا على هذه الخطة نشرع في البحث عن ms074 بداية التفكير الفلسفي ~~عند المسلمين. # والبحث في بداية التفكير الفلسفي الإسلامي يستدعي إلمامه بحال ~~الفكر العربي واتجاهاته حين ظهر الإسلام. ~~(1) العرب عند ظهور الإسلام # ومهما يكن من أمر العرب عند ظهور الدين المحمدي، فإنهم لم ~~يكونوا في سذاجة الجماعات الإنسانية الأولى من الناحية ~~الفكرية التي تهمنا، يدل على ذلك ما عرف من أديانهم، وما روي ~~من آثارهم الأدبية. ~~(1-1) الدين والجدل الديني # جاء الإسلام والعرب في تشعب ديني وبوادر انبعاث إلى ~~نهضة دينية، والقرآن هو أصدق مرجع في تصوير حالة العرب من ~~هذه الناحية، فإن القرآن هو أقدم ما نعرفه من الكتب ~~العربية، وهو بما لقي من العناية ~~بحفظه على مر العصور ~~أجدر المراجع بالثقة، وقد جمع القرآن الأديان التي كان ~~للعرب اتصال بها في عهده في الآية 17 من السورة 22: الحج، ~~مدنية: # إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد ~~. # كان في العرب يهود ونصارى، وكان فيهم صابئة ومجوس، ثم ~~كان فيهم مشركون ... ومذهب الصابئة - على ما يحيط بتاريخه ~~من غموض - يكاد يتم الاتفاق على أنه يقر بالألوهية، ~~ويرى أنا نحتاج إلى معرفة الله ومعرفة أوامره وأحكامه إلى ~~متوسط، لكن ذلك المتوسط يكون روحانيا لا جسمانيا، ~~ففزعوا إلى هياكل الأرواح، وهي الكواكب، فهم عبدة ~~الكواكب. # أما المجوس، فهم ثنوية: أثبتوا للعالم أصلين اثنين ~~مدبرين يقتسمان الخير والشر، يسمون أحدهما النور، ~~والآخر الظلمة. # وأما المشركون، فهم طوائف مختلفة: فصنف منهم أنكروا ~~الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر ~~المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن في قوله: # وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين ~~، # 1 # وقوله: # وقالوا ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا ~~يظنون ~~. # 2 # وصنف أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم وأنكر البعث ~~والإعادة، وهم الذين أخبر عنهم القرآن في قوله: # وضرب لنا مثلا ونسي ~~خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم ms075 * قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم ~~. # 3 # ومنهم من أقروا بالخالق، وأثبتوا حدوث العالم وابتداء ~~الخلق، وأقروا بنوع من الإعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا ~~الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا ~~إليها وقربوا القرابين، وهم الدهماء من العرب، وهم الذين ~~حكى الله قولهم في آية: # ألا لله ~~الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله ~~يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون ~~. # 4 # وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة أو الجن لتشفع لهم ~~إلى الله، ويزعمون أنها بنات الله، وهم الذين أخبر الله ~~عنهم بقوله تعالى: # ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون ~~، # 5 # وقوله: # وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون ~~. # 6 # وكان بين هذه الأديان والنحل جدال ونزاع. قال الشافعي ~~في «الأم»: «فكانت المجوس يدينون غير دين أهل الأوثان، ~~ويخالفون أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بعض دينهم، ~~وكان أهل الكتاب اليهود والنصارى يختلفون في بعض ~~دينهم.» # 7 # وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في مثل قوله: # وقالت اليهود ليست ~~النصارى على شيء وقالت النصارى ~~ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون ~~، # 8 # وقوله تعالى: # وقالت ~~اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهئون قول الذين ~~كفروا من قبل ~~، # 9 # وقوله: # ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت # 10 # والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا ~~. # 11 # وكان هذا الجدل يتناول بالضرورة شئون الألوهية ~~والرسالة والبعث والآخرة والملائكة والجن والأرواح، ~~ويدعو إلى الموازنة بين المذاهب المختلفة في تلك الشئون، ~~وقوي أمر هذا الجدل الديني في ذلك العهد، حتى تولدت نزعة ~~ترمي إلى تلمس دين إبراهيم أبي العرب. # ذكر ابن هشام المتوفى بالفسطاط سنة 218ه/833م في ~~سيرته: ~~«دين العرب: قال ابن إسحاق: واجتمعت ms076 قريش يوما في عيد ~~لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له، ~~ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة ~~يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: ~~تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا أجل، وهم ورقة ~~بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعبيد الله بن جحش، وعثمان ~~بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل. # فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد ~~أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا ~~يبصر ولا يضر ولا ينفع؟ يا قوم، التمسوا لأنفسكم، فإنكم ~~والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون ~~الحنيفية دين إبراهيم؛ فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في ~~النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل ~~الكتاب، وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من ~~الالتباس حتى أسلم ... قال ابن إسحاق: وأما عثمان بن ~~الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته ~~عنده. # قال ابن إسحاق: وأما زيد بن عمرو بن نفيل؛ فوقف فلم ~~يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه، فاعتزل ~~الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على ~~الأوثان، ونهى عن قتل الموءودة، وقال: أعبد رب إبراهيم، ~~ونادى قومه بعيب ما هم عليه.» # 12 # وذكر المسعودي المتوفى بالفسطاط سنة 346ه/957م في «مروج ~~الذهب» أسماء أناس من العرب دعوا قومهم إلى الله ~~ونبهوهم على آياته في زمن الفترة، كقس بن ساعدة ~~الإيادي، ورباب السبتي وبحيرا الراهب، وكانا من عبد ~~القيس. # كل ذلك يدل على أن العرب عند ظهور الإسلام كانوا ~~يتشبثون بأنواع من النظر العقلي يشبه أن تكون من أبحاث ~~الفلسفة العلمية، لاتصالها بما وراء الطبيعة من الألوهية ~~وقدم العالم أو حدوثه، والأرواح والملائكة والجن والبعث ~~ونحو ذلك. ~~(1-2) التفكير العملي # وقد كان عند العرب نوع آخر من التفكير عملي، دعت ~~إليه حاجة الجماعة البشرية، لا يتصل بما كان يتنازعهم من ~~مختلف العقائد والنحل. # قال صاعد بن أحمد المتوفى سنة ms077 463ه/1070-1071م في كتابه ~~«طبقات الأمم»، بعد أن ذكر معرفة العرب لأحكام لغتها ونظم ~~الأشعار وتأليف الخطب وعلم السير: ~~«وكان للعرب مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغايبها، ~~وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها، على حسب ما أدركوه بفرط ~~العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب ~~المعيشة، لا على طريق تعلم الحقائق، ولا على سبيل ~~التدرب في العلوم.» # 13 # وكان عند العرب طائفة مميزة يسمونهم حكماءهم، جمع حكيم، ~~ويسمونهم حكاما أيضا جمع حاكم أو حكم، ومن أمثالهم: ~~«في بيته يؤتى الحكم»، وهم علماؤهم الذين كانوا ~~يحكمون بينهم إذا تنافروا في الفضل والحسب، وغير ذلك من ~~الأمور التي كانت تقع بينهم. # 14 # ومن حكماء العرب أطباؤهم؛ لما كان لهم من العلم والتجربة ~~ونفوذ الكلمة. # وكان لهؤلاء المفكرين أمثال تجري على ألسنتهم شعرا أو ~~نثرا، حكما بالغة من ثمار الاختبار والعقل الراجح، ~~وكانت هذه الأمثال عند العرب تراثا علميا ثمينا، ~~يتنافسون في الاحتفاظ به، وقد وجهت العناية إلى جمع هذه ~~الأمثال وتدوينها منذ عهد يزيد الأول المتوفى سنة ~~64ه/683-684م ذخيرة أدبية، ثم عني بها بعد ذلك ~~الفلاسفة.» # 15 # وتسمى هذه الأمثال حكمة وحكما وفي الحديث: «إن من ~~الشعر لحكما»؛ أي كلاما نافعا، يمنع من الجهل والسفه، ~~وينهى عنهما، ويروى: «إن من الشعر لحكمة»، وهو بمعنى ~~الحكم، كما في «لسان العرب». ~~(1-3) الحكمة # ومهما اختلفت العبارات في بيان معنى «الحكمة» في لسان ~~العرب، فقد يوشك أن يتفق اللغويون على أن عناصر الحكمة ~~هي إتقان في العلم والعمل يمتنع معه الزيغ والفساد ~~والجور، أو هي العلم الكامل النافع. وفي «كشف البزدوي»: ~~«والحكمة، لغة، اسم للعلم المتقن والعمل به. ألا ترى أن ~~ضده السفه، وهو العمل على خلاف موجب العقل، وضد العلم ~~الجهل.» # 16 ~~«والحكم لا يختلف عن الحكمة اختلافا كبيرا. # فالحكيم هو العاقل الخبير الماهر، وهو المعنى العبري، ~~وقبل ذلك الآرامي للفظ # hkm # ومن هذا المعنى الأصلي جاء في الاستعمال عند العرب لفظ ~~حاكم بمعنى قاض ووال، ولفظ حكيم بمعنى طبيب.» # 17 # ويؤخذ من ذلك ms078 أن ما وسم به العرب علماءهم من صفات ~~الحكمة والحكم كانت تعبر عن معان متقاربة من العلم ~~والفقه، بما يفيد صلاحا للناس في أبدانهم ويحقق معنى ~~العدل والنظام بينهم، ويمنع الخصام. # قال الآلوسي في ~~«بلوغ الأرب»: «حكام العرب في الجاهلية: الحاكم منفذ ~~الحكم كالحكم محركة، جمعه حكام، وحكام العرب علماؤهم ~~الذين كانوا يحكمون بينهم إذا تشاجروا في الفضل والمجد، ~~وعلو الحسب والنسب، وغير ذلك من الأمور التي كانت تقع ~~بينهم، وكان لكل قبيلة من قبائلهم حكم يتحاكمون إليه، ~~وهم كثيرون لا يسعهم الحصر.» # 18 # ولعلنا إذا استعرضنا باختصار تاريخ جماعة من حكماء ~~العرب الذين يقول فيهم أبو الفتح محمد الشهرستاني المتوفى ~~548ه/1153م في «كتاب الملل والنحل»: ~~«ومنهم - أي من الفلاسفة - حكماء العرب، وهم شرذمة ~~قليلة؛ لأن أكثرهم حكمهم فلتات الطبع وخطرات الفكر، ~~وربما قالوا بالنبوات.» استطعنا أن نتبين مجال ~~معارفهم ومذاهب تفكيرهم، وقد ذكر الجاحظ المتوفى ~~255ه/896م في كتاب «البيان والتبيين» أسماء جماعة من هؤلاء ~~الحكماء فقال: «ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر ~~والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء ~~والنكراء: # 19 # لقمان بن عاد، ولقيم بن لقمان، ومجاشع بن ~~دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك لسلاطة لسانه، ~~وقال جرير: إن سليطا كاسمه سليط، ولؤي بن غالب، وقس ~~بن ساعدة، وقصي بن ~~كلاب، ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن ~~صيفي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظرب، ~~ولبيد بن ربيعة.» # ومن هؤلاء الحكماء الحارث بن كلدة الثقفي، وقد ترجم له ~~ابن أبي أصيبعة المصري المتوفى 668ه/1269م في كتابه «عيون ~~الأنباء في طبقات الأطباء»، وذكره الوزير جمال الدين ~~القفطي المتوفى سنة 646ه/1948م في كتابه «إخبار العلماء ~~بأخبار الحكماء». كان الحارث من الطائف وسافر البلاد ~~وتعلم الطب بفارس وتمرن هناك، وكان يضرب العود، تعلم ~~ذلك بفارس أيضا، وعاش إلى زمن معاوية، ومن حكمه ~~المأثورة: دافع بالدواء ما وجدت مدفعا، ولا تشربه إلا ~~من ضرورة؛ فإنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله. # وروي أنه لما احتضر اجتمع الناس إليه فقالوا: ms079 مرنا ~~بأمر ننتهي إليه بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا ~~شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا ~~يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم ~~بالنورة # 20 # في كل شهر؛ فإنها مذيبة للبلغم مهلكة ~~للمرة منبته للحم، وإذا تغدى أحدكم فلينم على إثر ~~غدائه، وإذا تعشى فليخط أربعين خطوة.» # ومن حكماء العرب أكثم بن صيفي بن رباح، وكان حكما من ~~حكام تميم، فصيحا عالما بالأنساب، وأدرك أوائل ~~الإسلام، ومن حكمه: مقتل الرجل بين فكيه، ويل لعالم ~~أمر من جاهله. وذكر الآلوسي من حكم أكثم بن صيفي: إن ~~قول الحق لم يدع لي صديقا، يتشابه الأمر إذا أقبل، ~~وإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق، لا تغضوا عن اليسير فإنه ~~يجني الكثير، حيلة من لا حيلة له الصبر. # وقال الآلوسي في ~~أكثم بن صيفي: «وكان من حديثه أنه لما ظهر النبي - صلى ~~الله تعالى عليه وسلم - بمكة ودعا إلى الإسلام بعث أكثم ~~ابنه حبيشا، فأتاه بخبره فجمع بني تميم وقال: يا بني ~~تميم، لا تحضروني سفيها فإنه من يسمع # 21 # يخل، إن السفيه يوهن من فوقه، ويثبت ~~من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرت سني ودخلتني ~~ذلة، فإذا رأيتم مني حسنا فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ~~ذلك فقوموني أستقم، إن ابني شافه هذا الرجل ~~مشافهة، وأتاني بخبره، وكتابه يأمر فيه بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله - ~~تعالى - وخلع الأوثان وترك الحلف بالنيران، وقد حلف ~~(عرف) ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه، وأن ~~الرأي ترك ما ينهى عنه، إن أحق الناس بمعونة محمد ~~ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو ~~لكم دون الناس، وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه ~~والستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، وكان سفيان ~~بن مجاشع يحدث به قبله وسمى ابنه محمدا، فكونوا ~~في أمره أولا ولا تكونوا آخرا، ائتوا طائعين قبل أن ~~تأتوا كارهين. # إن الذي يدعو إليه محمد لو ms080 لم يكن دينا كان في أخلاق ~~الناس حسنا، أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم أشياء لا ~~تنزع منكم أبدا، وأصبحتم أعز حي في العرب وأكثرهم ~~عددا وأوسعهم دارا؛ فإني أرى أمرا لا يجتنبه عزيز إلا ~~ذل، ولا يلزمه ذليل إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر ~~شيئا، وهذا أمر له ما بعده، ومن سبق إليه غمر المعالي ~~واقتدى به التالي، والعزيمة حزم والاختلاف عجز. # فقال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم، فقال أكثم: ويل ~~للشجي # 22 # من الخلي، ولهفي على أمر لم أشهده، ولم ~~يسبقني؛ فذهب مثلا.» # 23 # ومنهم عامر بن الظرب العدواني من حكام قيس، ~~وكانت العرب لا تعدل بفهمه فهما، ولا بحكمه حكما، ~~ومن كلماته: «من طلب شيئا وجده، وإن لم يجده يوشك أن يقع ~~قريبا منه، رب زارع لنفسه حاصد سواه، رب أكلة تمنع ~~أكلات.» # ومنهم عبد المطلب بن هاشم جد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان من ~~حكام قريش، وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها: ~~كالمنع من نكاح المحارم وقطع يد السارق، والنهي عن قتل ~~الموءودة. # بل قد ذكر المؤرخون أسماء حكيمات من العرب طبيبات وغير ~~طبيبات: كزينب طبيبة بني أود، كانت عارفة بالأعمال الطبية، ~~خبيرة بالعلاج ومداواة آلام العين والجراحات، مشهورة ~~بذلك، قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب «الأغاني»: «أخبرنا ~~محمد بن خلف المرزباني قال: حدثني حماد بن إسحاق عن ~~أبيه عن كناسة عن أبيه عن جده قال: أتيت امرأة من بني ~~أود لتكحلني من رمد كان أصابني فكحلتني، ثم قالت: ~~اضطجع قليلا حتى يدور الدواء في عينيك، فاضجعت ثم تمثلت ~~قول الشاعر: # أمخترمي ريب المنوم ولم أزر # طبيب بني أود على النأي ~~زينبا # فضحكت ثم قالت: أتدري فيمن قيل هذا الشعر؟ قلت: لا، ~~قالت: في والله قيل هذا، وأنا زينب التي عناها، وأنا ~~طبيبة بني أود، أفتدري من الشاعر؟ قلت: لا. قالت: عمك أبو ~~سماك الأسدي.» # ومن حكيمات العرب اللواتي اشتهرن بإصابة الحكم، وفصل ~~الخصومات وحسن الرأي خصيلة بنت عامر بن الظرب ~~العدواني، ولعلها هي ms081 التي كان أبوها عامر يقول لها: ~~مسي سخيل بعدها أو صبحي بناء على أنها كانت ~~تسمى سخيلا أيضا. قال الميداني عند شرحه لهذا ~~المثل: ~~«سخيل: جارية كانت لعامر بن الظرب العدواني، وكان عامر ~~حكم العرب، وكانت سخيل ترعى عليه غنمه، فكان عامر ~~يعاتبها في رعيتها إذا سرحت قال: أصبحت يا سخيل، وإذا ~~راحت قال: أمسيت يا سخيل، وكان عامر عي في فتوى قوم ~~اختلفوا إليه في خنثى يحكم فيه، وسهر في جوابهم ليالي؛ ~~فقالت الجارية: أتبعه المبال فبأيهما بال فهو هو، ~~ففرج عنه وحكم به، وقال: مسي سخيل بعدها أو صبحي. ~~أي: بعد جواب هذه المسألة لا سبيل لأحد عليك بعد ما ~~أخرجتني من هذه الورطة، يضرب لمن يباشر أمرا لا ~~اعتراض لأحد عليه فيه.» # وذكر الآلوسي في «بلوغ الأرب» من حكام العرب غير من ~~ذكرنا: حاجب بن زرارة من حكام تميم، وله معرفة تامة ~~بأخبار العرب وأحوالها وأنسابها، وكان من مشاهير فصحاء ~~زمانه، والأقرع بن حابس من حكام تميم، وكان مرجعهم في ~~واقعاتهم ومنافراتهم، كان حكما في الجاهلية وأدرك الإسلام ~~وأسلم، وربيعة بن مخاشن وضمرة بن ضمرة وكلاهما من تميم، ~~وغيلان بن سلمة الثقفي من حكام قيس، وقد أدرك الإسلام، ~~وهاشم بن عبد مناف، وتنافرت قريش وخزاعة إليه فخطبهم بما ~~أذعن له الفريقان بالطاعة، وأبا طالب عم النبي وناصره، ~~والعاص بن وائل والد عمرو بن العاص، وكان من حكام قريش ~~وأدرك الإسلام ولم يسلم، والعلاء بن حارثة القرشي، ~~وربيعة بن حذار الأسدي، ويعمر بن عوف الشداخ ~~الكناني، وكان من حكام كنانة، وصفوان بن أمية، وسلمى ~~بن نوفل وكلاهما من حكام كنانة، ومالك بن جبير العامري، ~~كان من حكام العرب وحكمائهم، ومن كلامه الذي ضرب به ~~المثل: على الخبير سقطت. وعمرو بن جمعة الدوسي، واختلفوا ~~في أنه أدرك الإسلام، والحارث بن عباد الربعي من حكام ~~ربيعة وفرسانها، والقلمس الكناني. # وذكر الآلوسي أنه كانت في نساء العرب جملة اشتهرن ~~بإصابة الحكم وفصل الخصومات وحسن الرأي في الحكومة منهن، ~~هند بنت الخس ms082 الإيادية، وجمعة بنت حابس الإيادي، ~~وصحر بن لقمان أو أخته، وحذام بنت الريان وهي القائلة: ~~لو ترك القطا ليلا لنام. # 24 # ولسنا نقطع بأن ما روي من هذه الأخبار صحيح ثابت، ~~ولكنا نرى أنه في جملته يكفي في الدلالة على وجهة ~~التفكير الذي كان يسمى حكمة عند العرب وحكما، ويسمى ~~أهله حكماء وحكاما، وهو تفكير عملي متصل بالفصل فيما ~~يقع بينهم من نزاع، والفتوى فيما يحدث لهم من أقضية، والطب ~~لما يعرض لهم من مرض. # وبالجملة فقد كان العرب حين نزول القرآن في منازعة وجدل ~~في العقائد الدينية، وكان البحث في إرسال الرسل والحياة ~~الآخرة وبعث الأجساد بعد الموت، موضع الأخذ والرد على ~~الخصوص بين النحل المتباينة. # قال الآلوسي في «بلوغ الأرب»: «وشبهات العرب كانت ~~مقصورة على إنكار البعث وجحد إرسال الرسل؛ فعلى الأول ~~قالوا: # أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون ~~، ~~إلى غير ذلك من الآيات، وذكروا ذلك في أشعارهم، قال ~~قائلهم: # حياة ثم موت ثم نشر # حديث خرافة يا أم عمرو # وقال شداد بن الأسود بن عبد شمس بن مالك يرثي كفار ~~قريش يوم بدر لما قتلوا وألقاهم النبي # صلى الله عليه وسلم # في ~~القليب، وهي البئر التي لم تطو: # يحدثنا الرسول بأن ~~سنحيا # فكيف حياة أصداء وهام! # وأراد الشاعر ~~إنكار البعث هذا الكلام كأنه يقول: إذا صار الإنسان كهذا ~~الطائر، كيف يصير مرة أخرى إنسانا؟ وأما على الثاني ~~فكان إنكارهم لبعث الرسل في الصورة البشرية أشد وإصرارهم ~~على ذلك أبلغ، وأخبر عنهم التنزيل بقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا # إلى غير ذلك من ~~الآيات. # 25 # وكان يعد العرب للجدل الديني ويحفزهم إليه، إما ~~الدفاع عن أديانهم الموروثة ضد الأديان الدخيلة عليهم، ~~وإما المهاجمة لهذه الأديان جميعا من أجل ما يلتمسون من ~~الدين الحنيف، دين إبراهيم، وهو دين قومي كانت تشرئب ~~إليه أمة تدب فيها مبادئ الحياة القومية. # وكان عندهم نوع من النظر العقلي هو ms083 أهدأ من هذا وأقل ~~عنفا، هو علم الطبقة المميزة، وهو علم الحكمة النافعة في ~~الحياة. ~~(2) العرب بعد ظهور الإسلام: دين وشريعة # جاء الإسلام يقرر أن الدين الحق واحد، هو وحي الله إلى ~~جميع أنبيائه، وهو عبارة عن الأصول التي لا تتبدل بالنسخ، ولا ~~يختلف فيها الرسل، وهي هدى أبدا. # أما الشرائع العملية، فهي متفاوتة بين الأنبياء، وهي هدى ~~ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدى. وفي القرآن الكريم: # ما يقال لك إلا ما قد ~~قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو ~~مغفرة وذو عقاب أليم ~~، # 26 # وفي القرآن أيضا: # شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه ... ~~. # 27 # وقال مجاهد في معنى هذه الآية: أوصيناك يا محمد وإياهم دينا ~~واحدا. # وروى الطبري المتوفى سنة 310ه/922-923م عن قتادة في تفسير ~~قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا # 28 ~~«يقول: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة: للتوراة ~~شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحل الله فيها ما ~~يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ~~ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله، ~~الذي جاءت به الرسل.» # 29 # وروى الطبري عن قتادة أيضا: «الدين واحد، والشريعة ~~مختلفة.» # وقال الزمخشري المتوفى سنة 538ه/1143-1144م في تفسيره ~~«الكشاف» «قوله تعالى: # أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده ~~. # 30 # والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده، وأصول ~~الدين دون الشرائع فإنها مختلفة، وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا ~~نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين فإنها هدى ~~أبدا.» # والإسلام يجمع بين الدين والشريعة، أما الدين فقد استوفاه ~~الله كله في كتابه الكريم، ولم يكل الناس إلى عقولهم في شيء ~~منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها ثم ترك للنظر الاجتهادي ~~تفصيلها، جاء في القرآن المجيد: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ~~، # 31 # وكان نزول هذه الآية في يوم عرفة عام حج النبي # صلى الله عليه وسلم ms084 # حجة الوداع، ولم يعش النبي بعد نزولها إلا إحدى ~~وثمانين ليلة، ولم يمت رسول الله حتى كمل الدين. روى ~~الطبري عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: # اليوم أكملت لكم دينكم ~~، وهو ~~الإسلام. قال: «أخبر الله نبيه # صلى الله عليه وسلم # والمؤمنين أنه قد أكمل ~~لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله - ~~عز وجل - فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه ~~أبدا.» # قال الشاطبي المتوفى سنة 590ه/1193-1194م في كتاب ~~«الاعتصام»: ~~«فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات ~~أو التكميلات إلا وقد بينت غاية البيان. نعم، يبقى تنزيل ~~الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن ~~قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلا بد من ~~إعمالها ولا يسع تركها، وإذا ثبتت في الشريعة أشعرت بأن ~~ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه، ولو ~~كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، ~~الجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء ~~على هذا المعنى؛ فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من ~~القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية له من ~~النوازل.» # 32 # وفي «الرسالة» للشافعي: «قال الشافعي: فجماع ما أبان الله ~~لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى من حكمه - جل ثناؤه ~~- من وجوه: (1) فمنها ما أبانه لخلقه نصا مثل جمل فرائضه ~~في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما، وأنه حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين ~~نصا. (2) ومنها ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان ~~نبيه - صلى الله تعالى عليه وسلم، مثل عدد الصلاة والزكاة ~~ووقتهما، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه. (3) ومنها ما ~~سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - مما ليس لله - ~~عز وجل - فيه نص حكم، وقد فرض الله - عز وجل - في ~~كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه، فمن ms085 قبل عن رسول الله ~~- صلى الله تعالى عليه وسلم - فبفرض الله - جل ثناؤه - قبل . ~~(4) ومنها ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى ~~طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض ~~عليهم.» # 33 ~~(2-1) الإسلام والجدل في الدين # وقد بعث محمد بدين الإسلام داعيا إلى الوحدة في الدين ~~وإلى التآلف، ناهيا عن الفرقة، كما في آيات كثيرة من ~~القرآن، منها: # واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا ~~، # 34 # ومنها # قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون ~~، # 35 # وقال الله تعالى: # شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه ~~... ~~، # 36 # وقال: # ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم ~~، # 37 # وقال: # إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ~~ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون ~~، # 38 # وقال: # وأطيعوا الله ~~ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين ~~. # 39 # وكان على القرآن أن يجادل مخالفيه من أرباب الأديان ~~والملل في العرب ردا للشبهات التي كانوا يثيرونها حول ~~عقائد الدين الجديد، على أنه كان لا يمد في حبل ~~الجدل حرصا على الألفة، وكثيرا ما تختم آيات الجدال ~~بمثل قوله: # إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون ~~، # 40 # وقوله: # وإن جادلوك ~~فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه ~~تختلفون ~~، # 41 # وقوله: # ثم إلى ~~ربكم مرجعكم فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون ~~. # 42 # هذا الجدل # 43 # في العقائد عرض له القرآن للحاجة، وعلى ~~مقدارها من غير أن يشجع المسلمين على المضي فيه، بل هو ~~قد نفرهم منه في قوله: # ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا ms086 بينهم العداوة والبغضاء ~~إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم ~~الله بما كانوا يصنعون ~~. # 44 # جاء في كتاب «مختصر جامع بيان العلم» لابن عبد ~~البر: «وعن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي في قوله ~~تعالى: «فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء»، قال: «الخصومات ~~بالجدال في الدين».» وهذا يتفق مع قول كثير من المفسرين ~~كالزمخشري والبيضاوي. # ودعا القرآن إلى ~~الأخذ في هذا الجدل برفق عند الحاجة إلى الجدال، في مثل ~~قوله: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين ~~، # 45 # وقوله تعالى: # وقل ~~لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن ~~الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان ~~كان للإنسان عدوا ~~مبينا ~~، # 46 # وقوله: # ولا تجادلوا ~~أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون ~~، # 47 # وقوله: # فإن حاجوك ~~فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ~~وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا ~~فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد ~~، # 48 # وقوله: # قل ~~أتحاجوننا في الله وهو ربنا ~~وربكم ولنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ونحن له ~~مخلصون ~~، # 49 # وقوله: # قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ~~لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون ~~. # 50 ~~(2-2) الإسلام والحكمة # وإذا كان القرآن قد نفر المسلمين من الجدل في أمور ~~العقائد، فإن القرآن قد ذكر الحكمة التي كانت معروفة عند ~~العرب، وكانت شرفا لأهلها وجاها، وأثنى عليها وشجع على ~~حياتها ونموها. # والقرآن إنما استعمل الحكمة والحكم وما إليهما ~~في معانيها اللغوية، أو في معان ذات نسب واتصال بها ~~شديد. # ويفسر مالك الحكمة في كثير من آيات القرآن بالفقه في ~~دين الله والعمل به، كما رواه ابن عبد البر في كتاب: ~~«مختصر جامع بيان العلم وفضله». # ويقول الشافعي في كتاب «الرسالة» في أصول الفقه، بعد أن ms087 ~~أورد آيات فيها ذكر الكتاب والحكمة ما نصه: ~~«قال الشافعي: فذكر الله - عز وجل - الكتاب وهو ~~القرآن: وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم ~~بالقرآن يقول: «الحكمة سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال ~~الشافعي: وهذا يشبه ما قاله، والله أعلم.» وقال الشافعي ~~في «الرسالة» أيضا: «وفيما كتبنا في كتابنا هذا من ذكر ما ~~من الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل ~~على أن الحكمة سنة رسول الله.» # 51 # ويقول الطبري في تفسير آية: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله والحكمة إن الله كان لطيفا ~~خبيرا ~~: # 52 ~~«ويعني بالحكمة ما أوحي إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من أحكام دين الله ولم ينزل به قرآن، وذلك ~~السنة.» # وفي كتاب «أصول ~~الفقه» لفخر الإسلام البزدوي عند الكلام على «علم الفروع» ~~وهو الفقه: «وقد دل على هذا المعنى: (أي إن العمل ~~بالعلم معتبر في معنى الفقه) أن الله - تعالى - سمى ~~علم الشريعة «حكمة»، فقال: # يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا ~~، وقد فسر ابن ~~عباس - رضي الله عنهما ~~- الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام، وقال: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ~~، ~~أي: بالفقه والشريعة، والحكمة في اللغة هي العلم والعمل، ~~فكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم، وهو الفقه، دليل عليه: وهو ~~العلم بصفة الإتقان مع اتصال العمل به، والموعظة الحسنة ~~هي التي لا يخفى على من تعظه أنك تناصحه وتقصد نفعه ~~فيها، ووصف الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن الموعظة ~~ربما آلت إلى القبح، بأن وقعت في غير موضعها ~~ووقتها. # قال ابن مسعود - رضي الله عنه: «كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتخولنا # 53 # بالموعظة مخافة السآمة.» فأما الحكمة فحسنة ~~أينما وجدت، إذ هي عبارة عن القول الصواب والفعل ~~الصواب.» # 54 # وفي كتاب «المبسوط» لشمس الدين السرخسي»: ~~«وأما علم الفقه والشرائع فهو الخير الكثير، قال الله ~~عز وجل: # ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. ~~قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه: ms088 «الحكمة في معرفة ~~الأحكام من الحلال والحرام.»» # 55 # وفي «شرح تنوير الأبصار في فقه الإمام الأعظم»: ~~«وقد مدحه الله تعالى بتسميته خيرا بقوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ~~، وقد فسر الحكمة ~~زمرة أرباب التفسير بعلم الفروع الذي هو علم ~~الفقه.» # 56 # وجملة القول أن الحكمة في آية # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولو ~~الألباب ~~، # 57 # هي الحكمة بمعناها اللغوي؛ أي العلم النافع ~~والفقه في شئون الحياة بتعرف الحق فيها وإمضائه. # وفي تفسير الطبري لهذه الآية: ~~«يعني بذلك - جل ثناؤه: يؤتي الله الإصابة في القول ~~والفعل من يشاء من عباده، ومن يؤت الإصابة منهم في ~~ذلك فقد أوتي خيرا كثيرا، وقد بينا فيما مضى معنى ~~الحكمة وأنها مأخوذة من الحكم وفصل القضاء، وأنها ~~الإصابة بما دل على صحته، فأغنى ذلك عن تكريره في هذا ~~الموضع.» # وفي كتاب «العواصم من القواصم» لأبي بكر محمد بن عبد ~~الله بن العربي: ~~«الحكمة» وليس للحكمة معنى إلا العلم، ولا للعلم معنى ~~إلا العقل، إلا أن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم ~~وفائدته، ولفظ العلم مجرد عن دلالته على غير ذاته، وثمرة ~~العلم العمل بموجبه والتصرف بحكمه، والجري على مقتضاه ~~في جميع الأقوال والأفعال. # 58 # والنظر فيما ورد في القرآن والسنة من استعمال كلمة ~~«الحكمة» يدل على أن المراد بها العلم الذي يتصل بالعمل. ~~وفي حديث الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله ~~مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو ~~يقضي بها ويعلمها.» # كان لهذه المعاني الدينية التي قررها الإسلام منذ ~~نشأته أثرها العظيم في توجيه النظر العقلي عند المسلمين في ~~عهدهم الأول، فكرهوا البحث والجدل في أمور الدين. # قال ابن عبد البر المتوفى سنة 463ه/1070-1071م في كتاب ~~«مختصر جامع بيان العلم وفضله»: ~~«ونهى السلف - ~~رحمهم الله - عن الجدال في الله - جل ثناؤه - في صفاته ~~وأسمائه، وأما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه والتناظر؛ ~~لأنه علم يحتاج فيه إلى ms089 رد الفروع إلى الأصول للحاجة إلى ~~ذلك، وليس الاعتقادات كذلك؛ لأن الله - جل وعز - لا ~~يوصف عند الجماعة - أهل السنة - إلا بما وصف به نفسه، ~~أو وصفه به رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، أو أجمعت الأمة عليه، وليس ~~كمثله شيء فيدرك بقياس أو إنعام النظر، وقد نهينا عن ~~التفكر في الله، وأمرنا بالتفكر في خلقه الدال ~~عليه، وعن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: «كان مالك بن أنس ~~يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا ~~يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم، والقدر ~~وما أشبه ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته ~~عمل.» # 59 # وقال أيضا في الكتاب نفسه: «وقال أحمد بن حنبل: لا ~~يفلح صاحب كلام أبدا، ولا نكاد نرى أحدا نظر في الكلام ~~إلا وفي قلبه دغل، وقال مالك: أرأيت إن جاءه من هو ~~أجدل منه، أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟ وقال ابن عبد ~~البر أيضا: «قال أبو عمر: تناظر القوم وتجادلوا في ~~الفقه، ونهوا عن الجدال في الاعتقاد؛ لأنه يؤدي إلى ~~الانسلاخ من الدين، ألا ترى مناظرة بشر في قوله - عز ~~وجل: # ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ~~، حين قال: ~~هو بذاته في كل مكان، فقال له خصمه فهو في قلنسوتك وفي ~~حشك وفي جوف حمار، تعالى الله عما يقولون، حكى ذلك ~~وكيع - رحمه الله - وأنا والله أكره أن أحكي كلامهم ~~قبحهم الله، فعن هذا وشبهه نهى العلماء، وأما الفقه ~~فلا يوصل إليه، ولا ينال أبدا دون نظر وتفهم ~~له.» # 60 # وفي كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة الدينوري ~~المتوفى سنة ~~276ه/889-890م بصدد ~~الطعن على المختلفين في أصول الدين: ~~«قال أبو محمد: ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن ~~لاتسع العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه ~~لأنفسهم، كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم، ~~ولكن اختلافهم في التوحيد وفي صفات الله - تعالى - وفي ~~قدرته. وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وعذاب ~~البرزخ، وفي اللوح. وفي غير ms090 ذلك من الأمور التي لا يعلمها ~~نبي إلا بوحي من الله تعالى.» # 61 # ويقول ابن قتيبة نفسه في كتاب «الاختلاف في اللفظ والرد ~~على الجهمية والمشبهة»: ~~«وكان المتناظرون ~~فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر. وفي تفضيل ~~أحدهما على الآخر. وفي الوساوس والخطرات، ومجاهدة النفس ~~وقمع الهوى ، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة ~~والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون ~~يخبطون في العشوات، وقد تشعبت بهم الطرق، وقادهم الهوى ~~بزمام الردى.» # 62 # وجاء في كتاب «إعلام الموقعين عن رب العالمين»: «وقد ~~تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات ~~المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا ~~في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل ~~كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من ~~أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن ~~مواضعها تبديلا، ولم يبدو لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا ~~لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد ~~منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل ~~تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، ~~وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن ~~واحد، ولم يعملوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث ~~جعلوها عضين وأقروا ببعضها، وأنكروا بعضها، من غير ~~فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما ~~أقروا به وأثبتوه.» # 63 # فالمسلمون في الصدر الأول كانوا يرون أن لا سبيل لتقرير ~~العقائد إلا الوحي، أما العقل؛ فمعزول عن الشرع وأنظاره ~~كما يقول ابن خلدون في المقدمة. وفي كتاب «النبوات» لابن ~~تيمية: ~~«فصل: قد ذكرنا في غير موضع أن أصول الدين الذي بعث ~~الله به رسوله محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، قد بينها الله في القرآن ~~أحسن بيان.» # 64 # وكانوا يرون أن التناظر والتجادل في الاعتقاد يؤدي ~~إلى الانسلاخ من الدين، من أجل ذلك كان المسلمون عند وفاة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # على عقيدة واحدة إلا من كان يبطن ~~النفاق، ولم يظهر البحث والجدل في مسائل العقائد إلا ~~في ms091 أيام الصحابة، حين ظهرت بدع وشبه اضطر المسلمون ~~إلى مدافعتها. # وفي كتاب «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من ~~فرق الهالكين» لأبي المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني ~~المتوفى سنة 471ه/1078م: ~~«وظهر في أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، ~~وكانوا يخوضون في القدر والاستطاعة كمعبد الجهني، ~~وغيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، وكان ينكر عليهم من ~~كان قد بقي من الصحابة.» # 65 # ومن ثم تفرقت الفرق، ونشأ علم الكلام حجاجا ~~للمبتدعة الحائدين عن طريق السلف والمخالفين للدين، ونشأ ~~على أنه ضرورة تقدر بقدرها. # أما النظر العقلي في المسائل الشرعية العملية؛ فقد نشأ ~~في الإسلام مؤيدا من الدين، وقد ورد في الكتاب والسنة ~~الثناء على الحكمة والحكم والتنويه بفضلهما، فمهد ذلك ~~لانتعاش النظر العقلي في الشئون العملية، وهو نوع من ~~التفكير كانت العرب مستعدة لنموه بينها على ما أشرنا ~~إليه آنفا، ووجدت الحاجة إلى هذا النظر في استنباط أحكام ~~الوقائع المتجددة التي لم يكن من الممكن أن تحيط بها ~~النصوص الشرعية. # قال ابن عبد البر في كتاب «مختصر جامع بيان العلم ~~وفضله»: «وقال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى يومنا هذا وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه ~~في جميع الأحكام في أمر دينهم.» # وسن الرسول لولاته في الأمصار أن يجتهدوا رأيهم حين لا ~~يجدون نصا، وجاء في القرآن نفسه بأحكام كلف بها ~~المسلمون على أن يكون سبيلهم في طاعتها الاسترشاد بالعقل، ~~كما في مسألة التوجه إلى القبلة للبعيد عن الكعبة، وقد ~~فصل الشافعي، المتوفى سنة 204ه/819-820م ذلك في «رسالته» ~~فحدث الاجتهاد في التشريع الإسلامي منذ عهد الإسلام ~~الأول في كنف القرآن بترخيص من الرسول عليه ~~السلام. # وقد روى ابن عبد البر في كتاب «مختصر جامع بيان العلم ~~وفضله»: «عن معاذ أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، لما بعثه إلى ~~اليمن قال له: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في ~~كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة ~~رسول الله # صلى الله ms092 عليه وسلم ~~، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ ~~قال أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب بيده في صدري، وقال ~~الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول ~~الله.» # وروى ابن عبد البر أيضا: عن ابن عمر، قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يوم الأحزاب: «لا يصلي أحد العصر إلا في بني ~~قريظة.» فأدركهم وقت العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا ~~نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي ولم يرد منا ذلك، ~~فذكر ذلك للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فلم يعنف واحدة من الطائفتين، ~~قال أبو عمر: هذه سبيل الاجتهاد على الأصول عند جماعة ~~الفقهاء. # 66 ~~(2-3) الاجتهاد بالرأي هو بداية النظر العقلي # هذا الاجتهاد بالرأي في الأحكام الشرعية هو أول ما ~~نبت من النظر العقلي عند المسلمين، وقد نما وترعرع في ~~رعاية القرآن وبسبب من الدين، ونشأت منه المذاهب الفقهية ~~وأينع في جنباته علم فلسفي هو علم «أصول الفقه»، ونبت في ~~تربته التصوف أيضا كما سنبينه، وذلك من قبل أن تفعل ~~الفلسفة اليونانية فعلها في توجيه النظر عند المسلمين إلى ~~البحث فيما وراء الطبيعة والإلهيات على أنحاء خاصة. # والباحث في تاريخ الفلسفة الإسلامية يجب عليه أولا أن ~~يدرس الاجتهاد بالرأي منذ نشأته الساذجة إلى أن صار ~~نسقا من أساليب البحث العلمي، له أصوله وقواعده. # يجب البدء بهذا البحث؛ لأنه بداية التفكير الفلسفي ~~عند المسلمين، والترتيب الطبيعي يقضي بتقديم السابق على ~~اللاحق، ولأن هذه الناحية أقل نواحي التفكير الإسلامي ~~تأثرا بالعناصر الأجنبية، فهي تمثل لنا هذا التفكير ~~مخلصا بسيطا يكاد يكون مسيرا في طريق النمو بقوته ~~الذاتية وحدها، فيسهل بعد ذلك أن نتابع أطواره في ثنايا ~~التاريخ، وأن نتقصى فعله وانفعاله فيما اتصل به من أفكار ~~الأمم. # | هوامش # الفصل الثاني # | النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه # (1) منزع المستشرقين في الفقه وتاريخه # البحث في الرأي وأطواره وأثره في تكوين المذاهب الفقهية ~~يستدعي نظرة في تاريخ الفقه الإسلامي ومصادره في أدواره ~~المختلفة، وللناظرين في هذا البحث من المستشرقين ms093 منزع، ولمن ~~عرض له من المسلمين منزع غيره، والمقارنة بين وجهتي النظر قد ~~تنتهي بنا إلى تمحيص أوسع مدى، وطريقة أدنى إلى ~~السداد. ~~(1-1) وجهة نظر كارا دي فو # يقول البارون كارا دي فو في الجزء الثالث من كتابه ~~المسمى «مفكرو الإسلام»، # 1 # عند الكلام على الفقه: «يرى المسلمون أن ~~الفقه ذو علاقة بالدين متينة، بل هم يرونه ملتحما به ~~التحاما؛ فهو جزء منه، والفقه مأخوذ كله من الوحي؛ أي ~~القرآن، كسائر الدين، ولما كان في القرآن شيء من الإجمال، ~~فقد عمدوا إلى توضيحه بالآثار؛ أي بسنة أصحاب النبي ~~والجيلين الأولين من تابعيه. # هذه هي النظرية ~~الأساسية، وبناء عليها ذكر الفقه في الكتب الإسلامية على ~~أنه وليد القرآن والآثار الإسلامية من غير إشارة إلى أصول ~~أجنبية قط، وهذه نظرية لا تثبت عند النقد، وإذا قرأ قارئ ~~بعض آيات الأحكام في القرآن، ثم قرأ صفحتين أو ثلاثة من ~~بعض مبسوطات الفقه الإسلامي، أحس بما بين الاثنين من ~~فرق؛ فذاك نص ساذج مبهم في صورة من صور البداوة الأولى، ~~وهذا تحليل علمي دقيق من آثار التفكير المثقف، ذاك شبه ~~مسودة جافة بالية قائمة في صحراء، وهذا ممحص مصقول ~~متسق مع الرقي المدني. # هاتان هما حالتا الإسلام اللتان ينبغي شرحهما، فمن أين ~~جاءت قوانين القرآن؟ ومن أين جاءت قوانين الفقهاء؟ وما ~~أريد إلا أن أشير إلى ذلك إشارات عامة، ولست أريد أن ~~أنكر بادئ الأمر كل طرافة في أحكام القرآن، لكني أرى ~~مساغا للبحث عما إذا كانت تلك الأحكام متأثرة ~~بالتلمود # 2 # أو بالقانون المسيحي، وعلى الخصوص هذا القانون ~~كما كان يفهمه رجال الدين، وقد تكون بقايا العادات العربية ~~القديمة وجدت لها منفذا في بعض الأحوال أيضا. # أما فقه الفقهاء؛ فيجب أن يلاحظ أن تدوينه كان في ~~عصر عاصمة الإسلام فيه بغداد، فلعل عناصر آتية من العراق ~~هي التي غلبت عليه، ومن قبل ذلك لما كانت دمشق دار الخلافة ~~كان الفقه عرضة للتأثر بالقوانين البيزنطية (الرومانية ~~الشرقية)، وينبغي أن يلاحظ أن هذا التأثير ms094 وقع - فيما ~~يظهر - من القوانين المحلية التي كانت خاصة بكل إقليم، ~~ولئن كنا نعرف القانون الروماني أحسن معرفة، فإنا لا ~~ندري أكان القانون النافذ في سورية لعهد «هرقل». # 3 # قبل الفتح العربي بقليل هو نفس القانون الذي ~~كان معروفا في «بيزنطة» لعهد «جستنيان». # 4 # أم كان قانونا يغايره؟ ولا ندري أي قانون ~~كان معمولا به في العراق تحت حكم الفرس حين جاء الفتح ~~الإسلامي، لا نكاد نعرف من ذلك شيئا، بيد أن صيغة ~~الفقه الدينية تسوغ لنا أن نفرض أنه كان على الخصوص موضعا ~~للتأثر بالقوانين الدينية أو الشرائع، وقد أدركته هذه ~~التأثيرات في سورية والعراق من المذاهب المسيحية التي كانت ~~موجودة في بلاد فارس. # هذه هي المعلومات القليلة التي لدينا في الموضوع، وهي ~~مقدمات ليس التوصل منها إلى نتيجة سهلا على من ~~يحاوله.» ~~(1-2) ملاحظات على كلام كارا دي فو # والخلاصة التي يصح التعويل عليها من كلام البارون كارا ~~دي فو، هي أن نظرية الإسلاميين ترد الفقه إلى مصادر ~~إسلامية من غير ملاحظة أي تأثير أجنبي في تكوينه. # والنظرية الأخرى تلحظ في نشأة الفقه وتطوره العوامل ~~الخارجية على الخصوص، هذا المقدار صحيح في تقرير ~~النظريتين، على ما في بيان المؤلف من تساهل في مثل قوله: ~~«إن الفقه يعتبر في كتب الإسلام وليد القرآن وآثار ~~الصحابة والجيلين الأولين من التابعين، وليست آثارهما ~~أصلا من أصول الفقه.» دع عنك ما في مقارنته بين نصوص ~~القرآن ونصوص الكتب الفقهية من عسف وحيف في غير رفق، فما ~~كان القرآن كتابا فنيا يصح أن تقارن نصوصه بكتب ~~الفنون، وقد يلحظ أن كارا دي فو يميل في فروضه إلى رد ~~معظم التأثير في تكوين الفقه الإسلامي إلى المذاهب ~~المسيحية. ~~(1-3) وجهة نظر جولدزيهر # أما جولدزيهر # 5 # المتوفى سنة 1921م فهو لا يميل هذا الميل، بل ~~هو ينزع في لطف إلى ما يؤيد ناحية التأثير اليهودي، ويمكن ~~أن يلاحظ أن الأول مسيحي، وأن الثاني يهودي، قال ~~جولدزيهر في مقاله عن الفقه في «دائرة المعارف الإسلامية»: ~~«ومن ms095 السهل أن نفهم أن ما أفاده المشتغلون بالتشريع ~~في الشام والعراق من القانون الروماني ومن القوانين الخاصة ~~ببعض الولايات، كان له أثر في تكامل الفقه الإسلامي من ~~ناحية أحكامه ومن ناحية طرق الاستنباط وكان طبيعيا ~~لهؤلاء الأميين - الخارجين من نظام اجتماعي ساذج إلى ~~بلاد ذات مدنية قديمة ليتبوءوا فيها مكانة الحاكمين - أن ~~يتناولوا في الحوادث المتولدة ما يناسب الحالة القائمة ~~على الفتح، ويلائم نزعات الدين الجديد من عادات القوم ~~وقوانينهم، ودرس هذا الجانب من تاريخ التشريع هو من أهم ~~الأبحاث المتعلقة بالعلوم الإسلامية. # ولئن كان ذلك مقررا من قبل ومعترفا به، فإنه لم ~~يتناول بالبحث إلا في جزئيات قليلة. # وقد جمع سانتلانا # 6 # في مشروع قانوني مدني تجاري وضعه لحكومة تونس ~~سنة 1899 كثيرا من المواد المهيئة لدرس هذا ~~الموضوع. # وفي مقال نشره فرانز فردريك شميدت # 7 # في سترسبورج سنة 1910، في موضوع المقارنة بين ~~القوانين في فصل من فصول القانون الخاص، أدلة قوية على ~~قبول فقهاء الإسلام لكثير من أحكام القانون الروماني، ومن ~~قبل ذلك بين صاحب هذا المقال في بعض مؤلفاته أن تسمية ~~الاستنباط للأحكام الشرعية فقها - حكمة - وتسمية أهل هذا ~~الشأن فقهاء - حكماء - متأثرة بتعبير الرومانيين من رجال ~~الشرع وعلم التشريع بعبارات: «جوريس-برودانتس، # 8 # وجوريس-برودنتيا» # 9 # واستعمال يهود فلسطين لكلمتي «حاخاميم، ~~حخمة» هو من هذا القبيل، ينبغي أن ينسب إلى تأثير ~~روماني أيضا. # ولم تقف عند القانون الروماني أصول التشريع الإسلامي، ~~فإن الخاصة الملازمة لنشوء الإسلام ونموه # 10 # ظهرت أولا في أمور العبادات كما هو طبيعي ~~باقتباس أحكام مما عند اليهود.» # ويقول فون كريمر: «إن بعض أحكام القوانين الرومانية ~~التي دخلت في الإسلام لم تصل إليه إلا في خلال اليهودية، ~~ويجب البحث عما قد يكون للمجوسية من أثر في فروع الفقه ~~الإسلامي وعن مبلغ هذا الأثر.» # ويبين جولدزيهر في كتابه «عقيدة الإسلام وشرعه» مداخل ~~العناصر الأجنبية إلى الفقه الإسلامي: فيذكر أولا أنه ~~وإن كان القرآن لبث في كل تاريخ الإسلام عند أتباع دين ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ms096 # أصلا من الأصول وكتابا إلهيا مجيدا، ~~وظل موضعا لإعجاب لا يظن أن أثرا من الآثار الأدبية ~~في العالم نال مثله - فإنه من الخطأ أن ينسب للقرآن ~~أرجح قسط في رسم حدود الإسلام، إنما تحكم القرآن مدة ~~لا تزيد عن عشرين عاما في صدر التاريخ الإسلامي، ولئن ~~كنا لا نستطيع أن نتصور الإسلام من غير القرآن، فإن ~~القرآن ليس مغنيا وحده في كمال الفهم للإسلام. # إلى جانب ما ورد في القرآن من أحكام شرعية مكتوبة، وجدت ~~أحكام منقولة مشافهة كما هو الأمر عند اليهود، تلك هي ~~السنة، وهي ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، ~~وما يدل على هذه السنة من عبارة يصلها الإسناد إلى عهد ~~الرسول، هو الحديث، ويدل على ما للسنة عندهم من شأن، ~~كلمة منسوبة للإمام علي، وهي وصية يقال إنه وصى بها ~~عبد الله بن عباس؛ إذ أرسله لمحاجة الخوارج: «لا تحتج ~~عليهم بالقرآن، فإن القرآن حمال أوجه، ولكن احتج ~~عليهم بالسنة، فإنها لا تدفع لهم مخرجا.» # ثم يقول جولدزيهر: «ليس الشرع وحده والسنة والعقائد ~~والمبادئ السياسية هي التي اتخذت شكل الحديث، ولكن كل ~~العناصر التي استنبطها الإسلام أو اقتبسها من مصادر أجنبية ~~لبست هذا الشكل، وبذلك بلغ اندماج العناصر الأجنبية في ~~الإسلام حدا ضاعت معه مناشئها، ومن خلف هذا الستار ~~تبوأت مكانا في الإسلام جمل من العهد ~~القديم، # 11 # ومن العهد الجديد، # 12 # وحكم مأثورة عن أحبار اليهود، أو مقتبسة من ~~الأناجيل الموضوعة، بل بعض مذاهب الفلسفة اليونانية، وبعض ~~عبارات من حكمة الفرس والهنود ... وكان الغش بنية ~~الزلفى إلى الله من ناحية وضاع الأحاديث لا يلقى في ~~كل مكان إلا تسامحا متى كانت الأحاديث الموضوعة في ~~الأخلاق والمواعظ، لكن المتشددين من علماء الدين كانوا ~~يتجهمون كل تجهم حينما تكون تلك الأحاديث مما ~~يعتبر أصلا في العبادات، أو الأحكام الشرعية ... # وما كان للحديث أن يكفي وحده أساسا تقوم عليه قواعد ~~العبادة والمعاملة؛ ولهذا الاعتبار أثر كبير فيما ساد منذ ~~بدء تكوين الفقه من نزوع ms097 إلى استنباط الأحكام الدينية ~~باجتهاد الرأي، كما تؤخذ هذه الأحكام مما صح عندهم ~~من السنن مع اعتقاد أنه من المستطاع ضبط الحوادث ~~المتجددة بالقياس الفقهي والاستقراء، بل الاستدلال ~~العقلي، وما ينبغي لنا أن نعجب من أن يكون لبعض المعارف ~~الأجنبية أثر أيضا في تكوين هذه الطريقة وفي تفاصيل ~~تطبيقها، ومن آيات ذلك أن في الفقه الإسلامي، أصوله ~~وأحكامه الفرعية، شواهد غير منكورة لتأثير الفقه ~~الروماني.» # ويذكر جولدزيهر أن للتغير السياسي ، الذي تم بزوال الدولة ~~الأموية وقيام الدولة العباسية، شأنا عظيما في تكوين ~~الفقه وتدوينه، فيقول: «حلت محل حكومة الأمويين، ~~المتهمة بأنها دنيوية، دولة «تيوقراطية». # 13 # مستمدة سلطانها من الله، وسياستها «سياسة ~~ملية». كان العباسيون يجعلون حقهم في الإمامة قائما ~~على أنهم سلالة البيت النبوي، وكانوا كذلك يقولون إنهم ~~سيشيدون على أطلال الحكومة الموسومة بالزندقة عند أهل ~~التقى نظاما منطبقا على سنة النبي وأحكام الدين ~~الإلهي، ويلاحظ أن المثل الأعلى للسياسة الفارسية، وهو ~~الاتحاد الوثيق بين الدين والحكومة، كان برنامج الحكم ~~العباسي، ولم تنته المحاولات الجزئية التي تناولت علوم ~~التشريع في عهد الأمويين إلى طريقة عملية تجمع أبواب ~~الفقه. # وبقيام الدولة الجديدة آن لنهضة التشريع الإسلامي أن ~~تزهر بعدما نشأت ضعيفة متضائلة، وكما أريد جمع ~~الأحكام الشرعية للحاجة إليها في ضبط أمور الدولة على ~~منهاج شرعي، تقررت أصول أربعة لاستنباط الأحكام الشرعية ~~الفقهية، وهي: القرآن، والسنة، والقياس، والإجماع. واعترف ~~علماء الدين بها، وكان الاختلاف بينهم على حسب اختلافهم في ~~كثرة الاعتماد على أصل من الأصول دون الآخر، وفي الاستناد ~~إلى بعض الأحاديث المتضاربة دون بعض، ونشأ عما بين هذه ~~النزعات من تباين مناهج مختلفة في أحكام الوقائع الجزئية. ~~وفي بعض طرائق الاستنباط، وهم يسمونها «مذاهب» واحدها ~~«مذهب»، بمعنى وجهة أو طريقة، ولا يريدون معنى البدعة ~~بحال من الأحوال؛ ذلك بأن اختلاف المذاهب في الفقه قام ~~على أساس من التسامح والتعاون على خدمة الدين، وإنما ~~نجمت مظاهر الروح المذهبي وانساقت في سبيل التعصب منذ ~~طغى سلطان الغرور من جانب الفقهاء.» # هذا الذي ms098 بيناه من أقوال جولدزيهر يكاد يجمع خلاصة ~~ما توجهت إليه أبحاث المستشرقين في الموضوع الذي نحن ~~بصدده، وجملته أن أصول الفقه تأثرت في تكوينها بعناصر ~~أجنبية كما تأثر الفقه نفسه. # وأن القياس والإجماع إنما تقررا أصلين من أصول ~~الاستنباط للأحكام الشرعية حينما تكون الفقه في عهد ~~العباسيين، وإن كانت طلائع النزوع إليهما في زمن ~~الأمويين. # وأن المذاهب الفقهية نشأت مع تكون الفقه واستقرار ~~أصوله، وأساس الخلاف بينها كثرة الاعتماد على بعض الأصول ~~دون بعض، والأخذ ببعض الأحاديث دون بعض. ~~(2) منزع علماء الإسلام في الفقه وتاريخه ~~(2-1) ابن خلدون # أما علماء الإسلام، فمنهم من يرون أنه على عهد ~~النبي كانت الأحكام تتلقى منه بما يوحى إليه من ~~القرآن ويبينه بفعله وقوله بخطاب شفاهي لا يحتاج إلى ~~نقل ولا إلى نظر وقياس، ومن بعده - صلوات الله وسلامه عليه ~~- تعذر الخطاب الشفاهي وانحفظ القرآن بالتواتر، ~~وأجمع الصحابة على وجوب العمل بما يصل إلينا من ~~السنة، قولا أو فعلا، بالنقل الصحيح الذي يغلب على ~~الظن صدقه، وأجمع الصحابة على النكير على مخالفيهم مع ~~شهادة الأدلة بعصمة الجماعة، فصار الإجماع دليلا ثابتا ~~في الشرعيات، ثم إن كثيرا من الواقعات بعده # صلى الله عليه وسلم # لم ~~تندرج في النصوص الثابتة، فقاسها الصحابة بما نص عليه، ~~وصار ذلك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه. # ذلك ما يقوله ابن خلدون المتوفى سنة 808ه/1406م في ~~«المقدمة»: (الفصل التاسع في أصول الفقه). # وقد أشار ابن خلدون، في الفصل السابع في علم الفقه وما ~~يتبعه من الفرائض، إلى أسباب الاختلاف بين علماء التشريع ~~ونشوء المذاهب؛ إذ يقول: ~~«الفقه معرفة أحكام الله - تعالى - في أفعال المكلفين ~~بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة ~~من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، ~~فإذا استخرجت الأحكام من تلك الأدلة، قيل لها فقه، وكان ~~السلف يستخرجونها من تلك الأدلة على اختلاف فيما بينهم، ~~ولا بد من قوعه ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص وهي ~~بلغة العرب. وفي اقتضاء ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف ~~بينهم معروف، وأيضا ms099 فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت، ~~وتتعارض في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح، وهو مختلف ~~أيضا. # فالأدلة من غير النصوص # 14 # مختلف فيها، وأيضا فالوقائع المتجددة لا ~~توفي بها النصوص، وما كان منها غير ظاهر في المنصوص ~~فيحمل على منصوص لمشابهة بينهما، وهذه كلها إشارات ~~للخلاف ضرورية الوقوع، ومن هنا وقع الخلاف بين السلف ~~والأئمة من بعدهم.» # 15 ~~(أ) موازنة بين نظرية المستشرقين ونظرية ابن ~~خلدون # والذي يعنينا ~~في هذا المقام هو أن نميز بين النظريتين فيما يتعلق ~~بالرأي؛ نظرية المستشرقين، ونظرية ابن خلدون. ~~والنظريتان متفقتان على أن الرأي وجد بعد زمن ~~النبوة حين لم تعد النصوص كافية لما يلزم الجماعة ~~من قوانين، وتختلف بعد ذلك النظريتان. # فيذكر ابن خلدون نشأة الإجماع والقياس، بل والسنة ~~المنقولة بالرواية # 16 # لا المعتمدة على المشاهدة والخطاب ~~الشفاهي على أنها أصول إسلامية للأحكام الشرعية اتفق ~~عليها الصحابة بعد عهد الرسول، ولا يشير إلى عامل ~~خارجي في هذه النشأة. # والمرحوم ~~الشيخ محمد الخضري بك في كتابه «تاريخ التشريع ~~الإسلامي» يتفق مع ابن خلدون من كل وجه، لكن جولدزيهر ~~يقرر أن هذين الأصلين - الإجماع والقياس - إنما ~~وجدا في الإسلام بعد اتصاله بالقانون الروماني فيما ~~استولى عليه من البلاد التي كانت تابعة للرومانيين، ~~فلا يخلو نشوء هذين الأصلين وتكونهما من أثر القانون ~~الروماني. ~~(2-2) مذهب ابن القيم وابن عبد البر من قبله # أما ابن قيم الجوزية # 17 # فيصرح في كتابه «إعلام الموقعين عن رب ~~العالمين» بأن الرأي وجد بين الصحابة في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ إذ يقول: ~~«وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، في كثير من ~~الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا ~~العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، ~~وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، ~~فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة، ~~فصلوها ليلا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، ~~وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.» # 18 # وسبق لنا أن نقلنا مثل ms100 هذا النص عن ابن عبد البر في كتاب ~~«مختصر جامع بيان العلم وفضله»، ويقول ابن القيم في ~~موضع آخر: ~~«والمقصود أن أحدا ممن بعدهم (أي: الصحابة) لا ~~يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم، وقد كان أحدهم يرى ~~الرأي فينزل القرآن بموافقته كما رأى عمر في أسارى بدر أن ~~تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته، # 19 # ورأى أن تحجب نساء النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فنزل ~~القرآن بموافقته.» # 20 # وهذه نظرية غير النظريتين الأوليين، تقرر أن الرأي ~~وجد مع الكتاب والسنة في عهد النبي ، وأن العناصر التي ~~كونت المذاهب المختلفة في التشريع الإسلامي عندما شرع ~~في تدوين الفقه، وجدت في عهد النبي أيضا. # ومذهب ابن قيم الجوزية، وابن عبد البر من قبله، يوافق ~~ما بيناه آنفا، من أن الرأي نشأ منذ عهد الإسلام ~~الأول في ظل القرآن ورعايته، وهذا هو المذهب الذي نرضاه، ~~وسيزيده ما نورده بعد بيانا وتوكيدا. ~~(3) نظرة إجمالية # وجملة القول أن الرأي بمعناه العام نشأ في التشريع ~~الإسلامي مع القرآن والسنة منذ عهد النبي على المذهب الذي ~~نرجحه، أو هو نشأ بعد عهد النبي وظل الرأي أصلا من أصول ~~التشريع يستعمل كثرة وقلة، وضيقا وسعة، على حسب الحاجة إليه ~~بكثرة السنن المروية كما في الحجاز، وقلتها كما في ~~العراق. # فلما انتهت الخلافة إلى العباسيين ونهضوا لإحكام الصلة بين ~~دولتهم وبين الشرع، كما بينه جولدزيهر، ونشأت العلوم وأخذ ~~في تدوينها، تكونت المذاهب الفقهية، ووضع علم أصول الفقه، ~~وظهرت الخلافات بين المذاهب ظهورا واضحا في الفروع وفي ~~الأصول، فكان أهل العراق أهل الرأي، يتوسعون في استعماله ما ~~لا يتوسع غيرهم، وإمامهم الذي بقي مذهبه إلى اليوم هو أبو ~~حنيفة المتوفى سنة 150ه/767م، وكان أهل الحجاز أهل الحديث ~~لوفرة حظهم منه، وما ترتب على ذلك من قلة استعمالهم للرأي، مع ~~اعترافهم بأنه أصل من أصول التشريع، وإمامهم الذي انتشر ~~مذهبه واستقر هو مالك بن أنس المتوفى سنة 179ه/795م. # وتوسط بين أهل ~~الحديث وأهل الرأي محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة ~~204ه/820م، وهو الذي ms101 وضع نظام الاستنباط الشرعي من أصول ~~الفقه، وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول في رسالته في أصول ~~الفقه، ويعتبر هذا المذهب أدنى إلى أصحاب الحديث؛ لذلك نشأ من ~~بين أتباعه الإفراط في احترام الفقه المأخوذ من النصوص، نشأ ~~ذلك أولا في مذهب أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241ه/855م. ثم ~~نشأ أشد وأقوى في مذهب الظاهرية، وهو المذهب الذي أسسه داود ~~بن علي الأصفهاني المتوفى سنة 270ه/883م، وداود هو أول من ~~استعمل قول الظاهر، وأخذ بالكتاب والسنة، وألغى ما سوى ذلك ~~من الرأي والقياس. # وقد كتب البقاء للمذاهب الأربعة الأولى المعمول بها عند ~~جمهور المسلمين إلى اليوم، وكتب لها التغلب على سواها من ~~مذاهب أهل السنة: كمذهب الحسن البصري بالبصرة المتوفى سنة ~~110ه/828-829م، ومذهب سفيان الثوري بالكوفة المتوفى سنة ~~161ه/777-778م، ولم يطل العمل بهذين المذهبين لقلة ~~أتباعهما، وبطل العمل بمذهب الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبي ~~عمر من الأوزاع - بطن من همدان - المتوفى سنة 157ه/773-774م ~~وكان مذهبه بالشام والأندلس وغيرهما. # وانقرض مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد المتوفى سنة ~~240ه/854-855م بعد القرن الثالث وكان ببغداد، واشتق مذهبه من ~~مذهب الشافعي، وانقرض مذهب الطبري أبي جعفر محمد بن جرير ~~المتوفى سنة 310ه/922-923م بعد القرن الرابع، كما انقرضت مذاهب ~~أخرى، إلا الظاهري فقد طالت مدته وزاحم الأربعة ودرس بعد ~~القرن الثامن، ولم يبق إلا الأربعة ومذاهب أخرى خاصة بطوائف ~~من المسلمين لا يعدها جمهورهم من مذاهب أهل السنة، وذلك ~~كمذهب الشيعة والخوارج. # 21 # هذا وإنا وإن كنا نرى الدلائل متضافرة على أن الرأي ~~نشأ في التشريع الإسلامي منذ نشأ الإسلام، ومن قبل أن يمتد ~~به الفتح إلى ما وراء البلاد العربية، فإنا لا ننكر أنه كان في ~~تدوينه وتفريعه وضبط قواعده موضعا للتأثر بعناصر خارجية، حتى ~~لقد انتهى علم «أصول الفقه» بأن جمع من مسائل المنطق وأبحاث ~~الفلسفة والكلام شيئا غير قليل، ويقول أهل هذا العلم إن ~~مبادئه مأخوذة من العربية وبعض العلوم الشرعية والعقلية، على ~~أن هذا لا يمس ما قررناه ms102 من أن النظر العقلي نشأ أصلا من ~~أصول التشريع في الإسلام يؤيده ويحميه. # ولم تنزل مكانة الرأي في الفقه الإسلامي إلا من يوم أن جاء ~~دور الجمود، ووقف العلم والعمل بين المسلمين عند حد ~~محدود. # | هوامش # الفصل الثالث # | الرأي وأطواره # ذكرنا في الفصل السابق مذاهب الباحثين في تاريخ الفقه الإسلامي ~~ومصادره في أدواره المختلفة تمهيدا لدرس نشوء الرأي في الإسلام ~~وأطواره. # ونريد بالرأي في هذا الموضع معناه اللغوي أو ما يقرب من معناه ~~اللغوي؛ ففي «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» لأحمد بن محمد ~~بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة 770ه/1368م: ~~«الرأي في اللغة العقل والتدبير، ورجل ذو رأي أي بصيرة وحذق ~~بالأمور، وجمع الرأي: آراء.» وفي «النهاية في غريب الحديث والأثر» ~~لمحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الملقب بابن ~~الأثير الجزري المتوفى سنة 606ه/1309م: وفي حديث عمر وذكر ~~المتعة: «ارتأى امرؤ بعد ذلك ما شاء أن يرى»؛ أي فكر وتأنى، ~~وهو افتعل من رؤية القلب أو من الرأي، ومنه حديث الأزرق بن قيس: ~~وفينا رجل له رأي، يقال فلان من أهل الرأي؛ أي يرى رأي الخوارج ~~ويقول بمذهبهم، وهو المراد ها هنا، والمحدثون يسمون أصحاب القياس ~~أصحاب الرأي، يعنون أنهم يأخذون برأيهم فيما يشكل من الحديث أو ~~ما لم يأت فيه حديث ولا أثر.» # وفي «المغرب في ترتيب المعرب» لأبي الفتح المطرزي المتوفى سنة ~~610ه/1313م «والرأي ما ارتآه الإنسان واعتقده، ومنه ربيعة الرأي ~~- المتوفى سنة 136ه/753-754م على الصحيح - بالإضافة، فقيه أهل ~~المدينة، وكذلك هلال الرأي بن يحيى البصري المتوفى سنة ~~245ه/859-860م.» # وقد بين ابن قيم الجوزية معنى الرأي المراد بيانا ~~واضحا، معتمدا على أصله اللغوي، فقال في كتاب «إعلام الموقعين ~~عن رب العالمين»: # 1 ~~«والرأي، في الأصل، مصدر رأى الشيء، يراه، رأيا. ~~ثم غلب استعماله على المرئي نفسه، من باب استعمال المصدر في ~~المفعول كالهوى في الأصل مصدر هويه يهواه، هوى. ثم استعمل في ~~الشيء الذي يهوى - يقال: هذا هوى فلان. # والعرب تفرق بين مصادر ms103 فعل الرؤية بحسب محالها، فتقول: رأي ~~كذا في النوم رؤيا، ورآه في اليقظة رؤية، ورأى كذا، لما يعلم ~~بالقلب ولا يرى بالعين، رأيا، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد ~~فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تعارض فيه الأمارات، فلا ~~يقال لمن رأى بقلبه أمرا غائبا عنه مما يحس به إنه رأيه، ولا ~~يقال أيضا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه ~~الأمارات إنه رأى وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ~~ونحوها.» # 2 # وفي «إرشاد الفحول» للشوكاني: # 3 ~~«واجتهاد الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب ~~والسنة يكون بالتمسك بالبراءة الأصلية أو بأصالة الإباحة في ~~الأشياء أو الحظر على اختلاف الأقوال في ذلك، أو التمسك ~~بالمصالح، أو التمسك بالاحتياط.» # 4 ~~(1) القياس # والرأي بهذا المعنى مرادف للقياس بالمعنى العام، قال ~~الشوكاني في كتاب «إرشاد الفحول» في بيان معنى القياس: ~~«والقياس هو في اللغة تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته ~~به، وقيل هو مصدر قست الشيء إذا اعتبرته أقيسه قيسا ~~وقياسا، ومنه قيس الرأي، وسمي امرؤ القيس لاعتباره ~~الأمور برأيه، وله في الاصطلاح معان؛ منها بذل الجهد في طلب ~~الحق.» # 5 ~~(2) الاجتهاد # والاجتهاد مرادف للقياس فهو مرادف للرأي أيضا، يقول الشافعي ~~في «الرسالة»: ~~«قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد، أم هما مفترقان؟ قلت: هما ~~اسمان لمعنى واحد.» # 6 # وقد شرح أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي ~~الملقب بسيف الدين الآمدي المتوفى سنة 631ه/1233-1234م في ~~كتاب: «الإحكام»، معنى الاجتهاد فقال: ~~«أما الاجتهاد فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في ~~تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة؛ ولهذا لا يقال: ~~اجتهد فلان في حمل خردلة، وأما في اصطلاح الأصوليين فمخصوص ~~باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه ~~يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.» # 7 # فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط ~~الأحكام الشرعية وهو مرادنا بالقياس والاجتهاد، وهو أيضا ~~مرادف للاستحسان والاستنباط، قال ابن حزم في ms104 كتاب ~~«الإحكام»: ~~«الباب الخامس والثلاثون، في الاستحسان والاستنباط وفي الرأي ~~وإبطال كل ذلك. قال أبو محمد، رحمه الله: إنما جمعنا هذا كله ~~في باب واحد لأنها كلها ألفاظ واقعة على معنى واحد، لا فرق ~~بين شيء من المراد بها، وإن اختلفت الألفاظ، وهو الحكم بما ~~رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحل، وهذا هو الاستحسان لما ~~رأى برأيه من ذلك، وهو استخراج ذلك الحكم الذي رآه.» # 8 # ودرس نشوء الرأي وأطواره يستدعى الإلمام به في عهد ~~الإسلام الأول؛ أي في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # ثم تتبع ما مر ~~به من الأدوار بعد ذلك. ~~(3) الرأي في عهد النبي # الرأي في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # يشتمل على وجهين؛ أحدهما: تشريع ~~النبي نفسه بالرأي من غير وحي. والثاني: اجتهاد الصحابة في زمن ~~النبي واستنباطهم برأيهم أحكاما ليست بعينها في الكتاب ولا في ~~السنة. ~~(3-1) اجتهاد النبي # أما جواز الاجتهاد من النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما لا وحي فيه ~~ووقوعه، فقد استدلوا عليه بأدلة كثيرة، نورد منها ما ~~يأتي نقلا عن كتاب «الإحكام» للآمدي: «قال تعالى: # وشاورهم في ~~الأمر ~~، # 9 # والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق ~~الاجتهاد، لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي. # وروى الشعبي # 10 # أنه كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يقضي القضية ~~وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضى به ~~على حاله ويستقبل ما نزل به القرآن. والحكم بغير القرآن لا ~~يكون إلا باجتهاد، # 11 # وروي عن النبي أيضا أنه قال في مكة: «لا ~~يختلى خلاها ولا يعضد شجرها»، فقال العباس: إلا ~~الإذخر. فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «إلا الإذخر.» # 12 # ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة فكان ~~الاستثناء بالاجتهاد، وأيضا ما روي عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه ~~قال: «العلماء ورثة الأنبياء.» وذلك يدل على أنه كان ~~متعبدا بالاجتهاد، وإلا لما كان علماء أمته وارثة ~~لذلك عنه، وهو خلاف الخبر.» # 13 ~~«ومما احتج به على ms105 وقوع الاجتهاد من النبي ما روي ~~عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه لما سألته الجارية الخثعمية ~~وقالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا ~~زمنا لا يستطيع أن يحج، إن حججت عنه أينفعه ذلك؟ فقال ~~لها: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ~~ذلك؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق بالقضاء.» ووجه ~~الاحتجاج به أنه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب ~~القضاء ونفعه، وهو عين القياس ... # وأيضا ما روي عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قال لأم سلمة وقد ~~سئلت عن قبلة الصائم: «هلا أخبرته أني أقبل وأنا ~~صائم؟» وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه، وأيضا ~~ما روي عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه علل كثيرا من الأحكام، ~~والتعليل موجب لاتباع العلة أينما كانت، وذلك هو نفس ~~القياس؛ ومن ذلك قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «كنت نهيتكم عن ادخار ~~لحوم الأضاحي لأجل الدافة # 14 # فادخروها»، وقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم بالآخرة»، ومنها ~~قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب ~~إذا يبس؟» فقالوا: نعم، قال: «فلا، إذن»، ومنها قوله في ~~حق محرم وقصت # 15 # به ناقته: «لا تخمروا رأسه ولا تقربوه ~~طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا»، ومنها قوله في ~~حق شهداء أحد: «زملوهم # 16 # بكلومهم ودمائهم؛ فإنهم يحشرون يوم القيامة ~~وأوداجهم # 17 # تشخب # 18 # دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك»، ~~ومنها قوله في الهرة: «إنها ليست بنجسة؛ إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات»، وقوله: «إذا استيقظ أحدكم ~~من نوم الليل؛ فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ ~~فإنه لا يدري أين باتت يده»، وقوله في الصيد: «فإن ~~وقع في الماء فلا تأكل منه؛ لعل الماء أعان على ~~قتله»، وأيضا قوله: «أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ~~ينزل فيه وحي»، والرأي إنما هو تشبيه شيء بشيء، وذلك هو ~~القياس، إلى غير ذلك من الأخبار المختلف لفظها، ~~المتحد معناها، النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كان ~~آحادها آحادا.» ms106 # 19 # واستدل أيضا على وقوع القياس من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~بما يأتي: قوله لرجل سأله حين قال: «في بضع أحدكم صدقة»، ~~فقال: «أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها؟» فقال: «أرأيت ~~لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» فقال: نعم، قال: «فذلك ~~إذا وضعها في حلال كان له أجر»، وقال لمن أنكر ولده الذي ~~جاءت به امرأته أسود: ~~«هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال: «فما ألوانها؟» قال: ~~حمر. قال: «فهل فيها من أورق؟» - لونه كلون الرماد - ~~قال: نعم، قال: «فمن أين؟» قال: «لعله نزعه ~~عرق»، # 20 # فقال: «وهذا لعله نزعه عرق»، وقال لعمر، وقد ~~قبل امرأته وهو صائم: «أرأيت لو تمضمضت بماء؟» وقال: ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.» وهذه الأحاديث ثابتة ~~في دواوين الإسلام، وقد وقع منه # صلى الله عليه وسلم # قياسات كثيرة، ~~حتى صنف الناصح الحنبلي جزءا في أقيسته. # 21 # ويقول الشوكاني ما يدل على أنه لا نزاع في حجية ~~القياس الصادر منه # صلى الله عليه وسلم # ونص كلامه: «وكذلك اتفقوا على ~~حجية القياس الصادر منه - # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 22 # ومما يدخل في هذا الباب ما جاء في كتاب «مرآة الجنان ~~وعبرة اليقظان» للإمام عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان ~~اليافعي اليمني المكي المتوفى سنة 768ه/1367م: «قتيلة ~~بضم القاف وفتح المثناة من فوق وتسكين المثناة من تحت، ~~ابنة النضر بن الحارث التي أنشدت عقب وقعة بدر ~~الأبيات التي من جملتها: ~~«ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... إلخ.» # فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما ~~قتلته.» قلت: وهذا مما احتج به للقول الصحيح أن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كان له أن يجتهد في الأحكام.» # 23 ~~«والمختار جواز الخطأ على النبي في اجتهاده، لكن بشرط ~~ألا يقر عليه، ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين ~~. # 24 # وذلك يدل على ~~خطئه في إذنه لهم، وقوله - تعالى - في المفاداة في ms107 يوم ~~بدر: # ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # إلى قوله: # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم # حتى قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر»؛ ~~لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة، وذلك دليل ~~على خطئه في المفاداة. # 25 # وأما السنة فما ~~روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «إنما أحكم بالظاهر ~~وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن ~~قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة ~~من النار.» وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون ~~حقا في نفس الأمر.» # 26 # ومما يتصل بهذا المقام ويوضحه ما ذكره ابن قيم ~~الجوزية في كتاب «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، حيث ~~يقول: «فإن الله - سبحانه - أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم ~~الناس بالقسط وهو العدل، الذي قامت به الأرض والسموات، ~~فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم ~~شرع الله ودينه ... بل قد بين الله - سبحانه - بما شرعه من ~~الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس ~~بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، ~~ليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة ~~مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل هي ~~جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم، ~~وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات؛ ~~فقد حبس رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، في تهمة وعاقب في تهمة لما ~~ظهرت أمارات الريبة على المتهم ... وقد منع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~الغال من الغنيمة سهمه وحرق متاعه هو وخلفاؤه من ~~بعده، ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير ~~السرية، فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع، وعزم على تحريق ~~بيوت تاركي الجمعة والجماعة، وأضعف الغرم على سارق ما لا ~~قطع فيه، وشرع فيه جلدات نكالا وتأديبا، وأضعف الغرم على ~~كاتم الضالة عن ms108 صاحبها، وقال في تارك الزكاة: «إنا ~~آخذوها منه وشطر ماله عزمة (أي: فريضة) من عزمات ربنا»، ~~وأمر بكسر دنان الخمر، وأمر بكسر القدور التي طبخ ~~فيها اللحم الحرام.» # 27 ~~(3-2) اجتهاد الصحابة في عصر النبي في حضرته وفي ~~غيبته # أما وقوع ~~الاجتهاد من الصحابة في عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # في حضرته ~~فيدل عليه قول أبي بكر - رضي الله عنه - في حق أبي قتادة، ~~حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ سلبه # 28 # غيره: «لا نقصد إلى أسد من أسد الله يقاتل ~~عن الله ورسوله فنعطيك سلبه.» فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «صدق ~~وصدق في فتواه.» # 29 # ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد، وأيضا ~~ما روي عن النبي، # صلى الله عليه وسلم ~~، أنه حكم سعد بن معاذ في ~~بني قريظة، فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم بالرأي، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ~~أرقعة»، # 30 # وأيضا ما روي عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه أمر عمرو بن ~~العاص، وعقبة بن عامر الجهني أن يحكما بين خصمين، وقال ~~لهما: «إن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة ~~واحدة.» # 31 # ويدل على جواز الاجتهاد من الصحابة في غيبة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، في حياته ما روي عن النبي أنه قال لمعاذ حين ~~بعثه إلى اليمن قاضيا: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله. ~~قال: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله، قال: «فإن ~~لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي. والنبي # صلى الله عليه وسلم # أقره على ~~ذلك، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما ~~يحبه الله ورسوله.» # وأيضا ما روي عنه، # صلى الله عليه وسلم # أنه قال لمعاذ وأبي موسى ~~الأشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن: «بم تقضيان؟» فقالا: ~~إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا في السنة قسنا الأمر ~~بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به - صرحوا بالعمل ~~بالقياس، والنبي # صلى الله عليه وسلم # أقرهما عليه فكان حجة - ~~وأيضا ما روي عنه # صلى الله ms109 عليه وسلم # أنه قال لابن مسعود: «اقض ~~بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما ~~اجتهد برأيك.» # 32 # وقد جمع ابن حزم حجج القائلين بالرأي، قال في كتاب ~~«الإحكام»: «وأما الرأي؛ فإنهم احتجوا في تصويب القول ~~به، بقول الله عز وجل: «وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت ~~فتوكل على الله»، وبقوله تعالى: «وأمرهم شورى ~~بينهم». # ومن الحديث بالأثر الصحيح في مشاورة النبي # صلى الله عليه وسلم # المسلمين فيما يعملون لوقت الصلاة قبل نزول الأذان، فقال ~~بعضهم: نار، وقال بعضهم: بوق، وقال بعضهم: ناقوس، وبما ~~حدثناه أحمد بن عمر بن أنس، ثنا أبو داود، عن الزهري، وذكر ~~حديث مشاورة النبي # صلى الله عليه وسلم # أصحابه في القتال يوم ~~الحديبية، قال الزهري: فكان أبو هريرة يقول: ما رأيت ~~أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # حدثنا المهلب، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن حسين، قال: ~~سئل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن الحزم، فقال: تستشير الرجل ~~ذا الرأي ثم تمضي إلى ما أمرك به، وبه إلى ابن وهب، عن ~~عيسى الواسطي يرفعه، قال: ما شقي عبد بمشورة ولا سعد ~~عبد استغنى برأيه. # حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص، عن أبيه قال: «جاء خصمان إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لي: «يا عمرو، اقض بينهما.» قلت: أنت أولى مني بذلك ~~يا نبي الله، قال: «وإن كان»، قلت: على ماذا أقضي؟ قال: ~~«إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات، وإن اجتهدت ~~فأخطأت فلك حسنة.» # قال سعيد بن منصور: وحدثنا فرج بن فضالة عن ربيعة بن ~~يزيد، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، مثله، إلا ~~أنه قال: «إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر ~~واحد.» عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: «كيف ~~تقضي إذا عرض ms110 لك القضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله عز ~~وجل. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبسنة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ~~ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسول الله لما يرضي رسول الله.» # كتب إلي يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، عن علي ~~بن أبي طالب، قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ~~ينزل فيه قرآن، ولم يمض فيه منك سنة؟ قال: «اجمعوا له ~~العالمين - أو قال: العابدين - من المؤمنين فاجعلوه شورى ~~بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد.» # حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثني ابن غنم أن رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، لما خرج إلى بني قريظة والنضير، قال له ~~أبو بكر وعمر: «يا رسول الله، إن الناس يزيدهم حرصا على ~~الإسلام أن يروا عليك زيا حسنا من الدنيا، فانظر إلى ~~الحلة التي أهداها لك سعد بن عبادة فالبسها فليرك ~~اليوم المشركون أن عليك زيا حسنا.» قال: «أفعل وايم ~~الله، لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة ~~أبدا، ولقد ضرب لي ربي لكما مثلا، فأمثالكما في الملائكة ~~كمثل جبريل وميكائيل، فأما ابن الخطاب فمثله في ~~الملائكة كمثل جبريل، إن الله لم يدمر أمة قط إلا ~~بجبريل، ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ قال: # رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا # ومثل ابن أبي قحافة ~~في الملائكة كمثل ميكائيل؛ إذ يستغفر لمن في الأرض، ~~ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم، إذ قال: # رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم ~~. ولو ~~أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشاورة ~~أبدا، ولكن شأنكما في المشاورة شيء كمثل جبريل وميكائيل ~~ونوح وإبراهيم».» # 33 # وقد ذكر ابن حزم هذه الأدلة بيانا لحجة القائلين ~~بالرأي، ثم كر عليها ينازع في دلالتها؛ ms111 ولذلك قال بعد ~~ما ذكر: ~~«قال أبو محمد: هذا كل ما موهوا به، ما نعلم لهم شيئا ~~غيره، وكله لا حجة لهم في شيء منه.» # 34 ~~(3-3) أصول التشريع في عهد النبي # ويتبين مما ذكر أنه كان في العصر الذي عاش فيه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أصل للتشريع هو الرأي. قال المزني: ~~«الفقهاء من عصر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى يومنا وهلم ~~جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر ~~دينهم»، # 35 # وذلك إلى جانب الكتاب والسنة. # أما الكتاب فهو القرآن، وهو الكلام المنزل على ~~الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلا ~~متواترا، وأما السنة في اصطلاح أهل الشرع، عند الكلام ~~على الأدلة الشرعية، فهي ما صدر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # غير ~~القرآن من قول أو فعل أو تقرير، والحديث هو قول الرسول ~~وحكاية فعله وتقريره. # وقيل الحديث خاص بقول الرسول دون رواية ما يدل على ~~فعله أو تقريره، وقد يطلق الحديث على ما يشمل قول الصحابة ~~والتابعين والمروي من آثارهم. وفي كتاب «مناقب الإمام ~~الشافعي» لفخر الدين الرازي: ~~«إن الحديث عبارة عن القرآن وعن خبر الرسول، وقد ساق ~~الأدلة على أن لفظ الحديث متناول للقرآن تارة والخبر ~~أخرى.» # 36 # قال الدهلوي في «حجة الله البالغة»، مبينا طريقة ~~تشريع النبي بسنته في بساطة ويسر أيام حياته: ~~«اعلم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم يكن الفقه في زمانه ~~الشريف مدونا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل ~~البحث من هؤلاء الفقهاء، حيث يبينون بأقصى جهدهم الأركان ~~والشروط وآداب كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله، ويفرضون ~~الصور، يتكلمون على تلك الصور المفروضة، ويحدون ما ~~يقبل الحد، ويحصرون ما يقبل الحصر، إلى غير ذلك من ~~صنائعهم، أما رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكان يتوضأ فيرى ~~الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن ~~وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما ~~رأوه يصلي، وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل؛ ms112 ~~فهذا كان غالب حاله # صلى الله عليه وسلم # ولم يبين أن فروض الوضوء ~~ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير ~~موالاة حتى يحكم عليه بالصحة والفساد إلا ما شاء الله، ~~وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء. # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت قوما ~~كانوا خيرا من أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، ~~كلهن في القرآن، منهن: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير ~~، # 37 # ويسألونك عن ~~المحيض ~~. # 38 # قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم، وقال ~~ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب ~~يلعن من سأل عما لم يكن. # قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو ~~علمناها ما حل لنا أن نكتمها. # عن عمر بن إسحاق، قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر ~~سيرة ولا أقل تشديدا منهم، وعن عبادة بن يسر الكندي، ~~وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت ~~قوما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم (أخرج ~~هذه الآثار الدارمي).» # 39 # وكان # صلى الله عليه وسلم # يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم، ~~وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون ~~معروفا فيمدحه، أو منكرا فينكر عليه، وكل ما أفتى به ~~مستفتيا أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في ~~الاجتماعات. # 40 ~~(3-4) الاختلاف في الرأي في ذلك العهد # ولم يكن للخلاف الذي ينشأ حتما عن الاجتهاد بالرأي أثر ~~ظاهر في التشريع لذلك العهد، وهو تشريع - كما رأينا - ~~بسيط، لجماعة تأخذ باليسر في أمرها والبساطة، كان النبي # صلى الله عليه وسلم # غير بعيد من القوم، يفصل بينهم فيما هم فيه ~~مختلفون من أمر الأحكام. # قال ابن حزم: «وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره # صلى الله عليه وسلم # فيبلغه ذلك، فيصوب المصيب، ويخطئ ms113 ~~المخطئ.» # 41 # وكان ينهاهم عن التفرق والتنازع في الدين اتباعا ~~لما جاء به القرآن، من مثل قوله تعالى: # ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ~~، # 42 # وقوله: ، # 43 # وقوله: # ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~، # 44 # وقوله: # إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء ~~، # 45 # وقوله تعالى: # ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا ~~. # 46 # روي أنه نهى الصحابة لما رآهم يتكلمون ~~في مسألة القدر، وقال: إنما هلك من قبلكم لخوضهم في هذا، ~~وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: عليكم بدين العجائز، وهو ترك النظر، ولم ~~ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية ~~مطلقا، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في ~~المسائل الفقهية. # 47 # وكان التنازع والاختلاف - حتى فيما عدا المسائل الكلامية ~~- أشد شيء على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وكان إذا رأى من ~~الصحابة اختلافا يسيرا في فهم النصوص يظهر في وجهه، حتى ~~كأنما فقئ فيه حب الرمان، ويقول: أبهذا أمرتم؟ # 48 # ويقول ابن حزم: «قال أبو محمد: وقد ذم الله - تعالى - ~~الاختلاف في غير ما موضع في كتابه؛ قال الله عز وجل: # وإن الذين اختلفوا ~~في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد ~~، # 49 # وقال تعالى: # فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ~~ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ~~فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه ~~، # 50 # وقال تعالى مفترضا للاتفاق، وموجبا رفض ~~الاختلاف: # يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا ... # الآية، إلى قوله ~~تعالى: # كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم ~~تهتدون ~~، # 51 # وقال تعالى: # ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات وأولئك ~~لهم عذاب عظيم ~~. # 52 # فصح أنه لا هدى في الدين إلا ببيان الله - ~~تعالى - لآياته، وأن التفرق في الدين حرام لا يجوز، ~~وقال تعالى: # ولا تنازعوا ms114 ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~، # 53 # وقال تعالى: # أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ~~، # 54 # وقال تعالى: # وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون ~~، # 55 # وقال تعالى: # إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء ~~، # 56 # وقال تعالى: # ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا ~~. # 57 # حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب ~~بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن ~~الحجاج، ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، نا حماد بن ~~زيد، ثنا أبو عمران الجوني، قال: كتب إلي عبد الله بن ~~رباح الأنصاري، أن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت إلى ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في ~~آية، فخرج علينا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يعرف في وجهه الغضب ~~فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في ~~الكتاب.» # حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا أبو إسحاق البلخي ، ~~ثنا الفهري، ثنا البخاري، ثنا أبو الوليد هو الطيالسي، ثنا ~~شعبة، أخبرني عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن ~~سبرة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رجلا ~~قرأ آية سمعت من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خلافها فأخذت ~~بيده فأتيت به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: «كلاكما ~~محسن.» قال شعبة: أظنه قال: «لا تختلفوا، فإن من قبلكم ~~اختلفوا فهلكوا.» # حدثنا محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن ~~أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا بندار، ثنا ~~غندر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن ميسرة عن النزال عن ~~ابن مسعود عن النبي # صلى الله عليه وسلم # بهذا الحديث، وذكر شعبة في ~~آخره، قال: حدثني مسعر عنه يرفعه إلى ابن مسعود عن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «لا تختلفوا.» # حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا ms115 عبد ~~الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا ~~مسلم، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، ثنا عن ~~محمد بن زياد، سمع أبا هريرة عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~«ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة ~~مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.» وبه إلى مسلم، ثنا يحيى ~~بن يحيى، وإسحاق بن ~~منصور، وأحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، قال يحيى: أنا أبو ~~قدامة الحارث بن عبيد، وقال إسحاق: ثنا عبد الصمد، وهو ~~ابن عبد الوارث التنوري، ثنا همام، وقال أحمد ثنا حبان، ~~ثنا أبان، قالوا كلهم ثنا أبو عمران الجوني عند جندب بن ~~عبد الله البلخي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «اقرءوا ~~القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا.» وبه ~~إلى مسلم، حدثني زهير بن حرب، ثنا جرير، عن سهيل بن أبي ~~صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«إن الله - تعالى - يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، ~~فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة ~~السؤال، وإضاعة المال.» # قال أبو محمد: ففي بعض ما ذكرنا كفاية؛ لأن الله - ~~تعالى - نص على أن الاختلاف شقاق وأنه بغي، ونهى عن ~~التنازع والتفرق في الدين، وأوعد على الاختلاف بالعذاب ~~العظيم وبذهاب الريح، وأخبر أن الاختلاف تفرق عن سبيل ~~الله، ومن عاج عن سبيل الله فقد وقع في سبيل ~~الشيطان.» # 58 ~~(3-5) نظرة إجمالية # وجملة القول أن التشريع في عهد النبي كان يقوم على الوحي ~~من الكتاب والسنة، وعلى الرأي من النبي ومن أهل النظر، ~~والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في تحديد معنى الرأي، ~~وتفصيل وجوهه، وبدون تنازع ولا شقاق بينهم. # فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته (أي النبي) ~~وفتاواه وأقضيته، فحفظها وعقلها، وعرف لكل شيء وجها من ~~قبل حفوف القرائن به. فحمل بعضها على الإباحة، وبعضها ~~على ms116 النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن ~~العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج # 59 # من غير التفات إلى طريق الاستدلال، كما نرى ~~الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم، وتثلج صدورهم ~~بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون. # 60 # وفي نسخة خطية بدار الكتب الأهلية بباريس من كتاب ~~«طبقات الفقهاء» للشيخ أبي إسحاق إبراهيم الفيروزآبادي ~~الشيرازي: ~~«ذكر فقهاء الصحابة رضي الله عنهم: اعلم أن أكثر ~~أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين صحبوه ولازموه كانوا ~~فقهاء؛ وذلك أن طريق الفقه في حق الصحابة، خطاب الله ~~عز وجل، وخطاب رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما عقل منها، فخطاب ~~الله - عز وجل - هو القرآن، وقد أنزل ذلك بلغتهم على ~~أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها، فعرفوها مسطورة ومفهومة ~~ومنطوقة ومعقولة؛ ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب «المجاز»: ~~لم ينقل أن أحدا في الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وخطاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أيضا ~~بلغتهم، يعرفون معناه ويفهمون منطوقه وفحواه، وأفعاله هي ~~التي فعلها من العبادات والمعاملات والسير والسياسات، ~~وقد شاهدوا ذلك كله وعرفوه، وتكرر عليهم وتحروه؛ ~~ولهذا قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم ~~اهتديتم.» ولأن من نظر فيما تعلموه عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من أقواله، وتأمل ما وصفوه من أفعاله في ~~العبادات وغيرها، اضطر إلى العلم بفقههم وفضلهم، غير أن ~~الذي اشتهر منهم بالفتاوى والأحكام، وتكلم في الحلال ~~والحرام جماعة مخصوصة ... إلخ.» ~~(أ) المفتون من الصحابة في عهد النبي ~~«وكان يفتي في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # من الصحابة: ~~أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن بن عوف، وعبد ~~الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ~~وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، ~~وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وسلمان الفارسي، رضي ~~الله عنهم.» # 61 # ويقول ابن حزم: «المكثرون من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - فيما روي عنهم من الفتيا، عائشة أم المؤمنين، ms117 ~~عمر بن الخطاب، ابنه عبد الله، علي بن أبي ~~طالب، عبد الله بن ~~العباس، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، فهم سبعة ~~يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم، وقد ~~جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين ~~فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا، وأبو بكر ~~المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. # والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا، رضي الله ~~عنهم: أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد ~~الخدري، أبو هريرة، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمرو ~~بن العاص، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري، سعد ~~بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ ~~بن جبل، أبو بكر الصديق، فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن ~~يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدا، ويضاف ~~إليهم طلحة، الزبير، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن ~~الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن ~~أبي سفيان، والباقون منهم - رضي الله عنهم - مقلون ~~في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة ~~والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك فقط، يمكن أن ~~يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي ~~والبحث.» # 62 # وكان التشريع على الوجه الذي ذكرنا كافيا في إقامة ~~الدين وسياسة جماعة قريبة عهد بحياة البداوة، لا تزال ~~تخطو خطواتها الأولى في سبيل تكوين الدولة وإقرار ~~النظام. ~~(ب) شرائع العرب قبل الإسلام # على أن الرسول - عليه السلام - إنما كان يريد ~~بشريعته إصلاح ما عند العرب لا تكليفهم بما لا يعرفونه ~~أصلا. # قال الدهلوي: «وكان الأنبياء - عليهم السلام - قبل ~~نبينا # صلى الله عليه وسلم # يزيدون ولا ينقصون ولا يبدلون إلا ~~قليلا، فزاد إبراهيم - عليه السلام - على ملة نوح - ~~عليه السلام - أشياء من المناسك وأعمال الفطرة ~~والختان، وزاد موسى - عليه السلام - على ملة إبراهيم - ~~عليه السلام - أشياء؛ كتحريم لحوم الإبل ووجوب السبت، ~~ورجم الزنا وغير ذلك، ونبينا # صلى الله عليه وسلم # زاد ونقص ~~وبدل، والناظر في دقائق ms118 الشريعة، إذا استقرأ هذه ~~الأمور وجدها على وجوه: منها أن الملة اليهودية ~~حملها الأحبار والرهبان فحرفوها بالوجوه المذكورة ~~فيما سبق، فلما جاء النبي # صلى الله عليه وسلم # رد كل شيء إلى ~~أصله، فاختلفت شريعته بالنسبة إلى اليهودية، التي هي ~~في أيديهم، فقالوا هذه زيادة ونقص وتبديل، وليس ~~تبديلا في الحقيقة. # ومنها أن النبي # صلى الله عليه وسلم # بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى: # فالأولى: # إنما كانت إلى بني إسماعيل، وهو ~~قوله تعالى: # هو ~~الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم ~~، وقوله تعالى: # لتنذر قوما ~~ما أنذر آباؤهم فهم ~~غافلون ~~، وهذه البعثة تستوجب ~~أن يكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر ~~وسنن العبادات ووجوه الارتفاقات؛ إذ الشرع ~~إنما هو إصلاح ما عندهم لا تكليفهم ما لا ~~يعرفونه أصلا، ونظيره قوله تعالى: # قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون ~~، وقوله ~~تعالى: # ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته ~~أأعجمي وعربي ~~، وقوله ~~تعالى: # وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ~~. # والثانية: # كانت إلى جميع أهل الأرض ~~عامة.» # 63 # فكان العرب حين يدخلون في ~~الإسلام يظلون بالضرورة على شريعتهم كما ~~هي، إلا ما يغيره الدين الجديد. # ويبين هذا المعنى ما ذكره مؤلفو أصول الفقه عند ~~الكلام على شرع من قبلنا، قالوا: إن العلماء ~~اختلفوا في النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأمته بعد البعثة، هل هم ~~متعبدون بشرع من تقدم؟ # وقد ذكر الشوكاني في كتاب «إرشاد الفحول» أقوالا ~~أربعة في ذلك: ~~(1) # أنه لم يكن متعبدا باتباع شرع من ~~قبله، بل كان منهيا عنه، ونسب الآمدي ~~هذا المذهب للأشاعرة والمعتزلة. ~~(2) # أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا ~~ما نسخ منه، ونقل هذا المذهب عن أصحاب ~~أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الروايتين، ~~وعن أصحاب الشافعي. ~~(3) # الوقف. حكاه ابن القشيري وابن ~~برهان. # ثم زاد الشوكاني مذهبا رابعا، فقال: «وقد فصل ~~بعضهم تفصيلا حسنا، فقال: إنه إذا بلغنا شرع من ~~قبلنا على لسان الرسول، أو لسان من أسلم، كعبد الله ~~بن سلام وكعب الأحبار، لم يكن منسوخا ولا مخصوصا ~~فإنه شرع لنا، ms119 وممن ذكر هذا القرطبي.» وذيل الشوكاني ~~بقوله: «ولا بد من هذا التفصيل على قول القائلين ~~بالتعبد لما هو معلوم من وقوع التحريف والتبديل، ~~فإطلاقهم مقيد بهذا القيد، ولا أظن أحدا ~~يأباه.» # 64 # وفي كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن ~~حزم: ~~«وأما شرائع الأنبياء - عليهم السلام - الذين ~~كانوا قبل نبينا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فالناس فيها على ~~قولين: فقوم قالوا هي لازمة لنا ما لم ننه عنها، ~~وقال آخرون هي ساقطة عنا ولا يجوز العمل بشيء منها ~~إلا أن نخاطب في ملتنا بشيء موافق لبعضها، فنقف ~~عنده ائتمارا لنبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، لا اتباعا للشرائع ~~الخالية.» # 65 # وذكر علماء أصول الفقه خلافا آخر في النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قبل بعثته، هل كان متعبدا بشرع أم لا. ~~فقيل إنه كان متعبدا قبل البعثة بشريعة آدم، وقيل ~~بشريعة نوح، وقيل بشريعة إبراهيم، وقيل كان متعبدا ~~بشريعة موسى، وقيل بشريعة عيسى، وقيل كان على شرع من ~~الشرائع، ولا يقال كان من أمة نبي ولا على شرعه، وقيل ~~كان متعبدا بشريعة كل من قبله من الأنبياء إلا ما ~~نسخ منها واندرس ، وقال بعضهم: بل كان على شريعة ~~العقل، وقيل بالوقف.» # 66 # وليس يعنينا أن نعرض لاستدلالات هذه المذاهب ~~ومناقضاتها؛ فذلك ما لا طائل تحته. ~~(ج) النبي وشريعة العقل # ولكن الذي يعنينا أن من علماء المسلمين من يرى ~~أن النبي كان على شريعة العقل قبل أن يأتيه الوحي، ~~ومنهم من يرى في الشرائع الماضية أصلا من أصول ~~التشريع الإسلامي، وذلك يبين وجه ما أشرنا إليه من ~~كفاية التشريعات القليلة التي رويت عن عهد النبي ~~لحاجات الأمة العربية في ذلك الحين. # وعلى الذي أسلفناه من قول بعض الأئمة: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان متعبدا قبل الوحي بشريعة العقل، فإن ~~ذلك يقتضي أن يكون النبي ظل على هذه الشريعة بعد ~~الوحي إلا ما غيره الشرع الجديد، والعقل كان أصلا ~~من أصول تشريعه فيما لم ينزل به تنزيل. # وإذا كان شرع من قبلنا معتبرا ms120 في التشريع الإسلامي ~~حين لا يرد في الإسلام ما يبطله، فمعنى ذلك أن ~~شرائع من قبلنا كانت أصلا من أصول التشريع في صدر ~~الإسلام، يثبت بها الحكم فيما لم يرد في الدين ~~الجديد. # وقد ذكر علماء الأصول الاستصحاب باعتباره أصلا من ~~أصول الفقه في بعض المذاهب. # قال الشوكاني: «الاستصحاب أي استصحاب الحال لأمر ~~وجودي أو عدمي عقلي أو شرعي، ومعناه أن ما ثبت في ~~الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، مأخوذ ~~من المصاحبة وهو بقاء ذلك الأمر ما لم يوجد ما يغيره؛ ~~فيقال الحكم الفلاني قد كان فيما مضى، وكل ما كان ~~فيما مضى ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء ... العقل في ~~الأحكام الشرعية كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل ~~شرعي على تغيره، وكنفي صلاة سادسة. # قال القاضي أبو الطيب: وهذا حجة بالإجماع من ~~القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع، قال: الثالثة: ~~استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة، فإن عندهم أن ~~العقل يحكم في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل ~~السمعي، وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يجوز ~~العمل به؛ لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات . # قال: الرابعة: استصحاب الدليل مع احتمال المعارض، ~~إما تخصيصا إن كان الدليل ظاهرا، أو نسخا إن كان ~~الدليل نصا، فهذا أمر معمول به إجماعا، وقد اختلف ~~في تسمية هذا النوع بالاستصحاب، فأثبته جمهور ~~الأصوليين، ومنعه المحققون، منهم: إمام الحرمين في ~~«البرهان»، والكيا في «تعليقه» وابن السمعاني في ~~«القواطع»؛ لأن ثبوت الحكم من ناحية اللفظ لا من ~~ناحية الاستصحاب. # قال: الخامسة: الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع، ~~وهو راجع إلى الحكم الشرعي، بأن يتفق على حكم في ~~حالة ثم تتغير بصفة المجمع عليه؛ فيختلفون فيه فيستدل ~~من لم يغير الحكم باستصحاب الحال، مثاله إذا ~~استدل من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في ~~أثناء صلاته لا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع منعقد ~~على صحتها قبل ذلك فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن ~~رؤية الماء مبطلة، وكقول الظاهرية يجوز بيع أم ~~الولد؛ ms121 لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية ~~قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد، ~~وهذا النوع هو محل الخلاف كما قاله في «القواطع»، ~~وهكذا فرض أئمتنا الأصوليون الخلاف فيها.» # 67 # وبذلك يتبين أن الاستصحاب في بعض صوره أصل من ~~أصول التشريع، يزيد على الأصول التي ذكرناها، ويؤيد ~~اعتبار حكم العقل وشرع من قبلنا في تقرير الأحكام ~~العملية في الإسلام. # وبناء على ما ذكرنا تكون مصادر الحكم في عهد النبي ~~غير ضيقة بما تستلزمه حاجات الجماعات ولا حاجات ~~الأفراد. ~~(4) الرأي في عهد الخلفاء الراشدين # مضى عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين منذ ~~سنة 11ه/632م إلى 40ه/660م. # وقد اتفق الصحابة على استعمال القياس في الوقائع التي لا ~~نص فيها من غير إنكار من أحد منهم، وابن حزم نفسه مع إنكاره ~~للرأي يقول: «قال أبو محمد: فقد ثبت أن الصحابة - رضي الله ~~عنهم - لم يفتوا برأيهم على سبيل الإلزام ولا على أنه حق، ~~ولكن على أنه ظن يستغفرون الله - تعالى - منه، أو على سبيل صلح ~~بين الخصمين.» # 68 # ويقول أيضا في الكتاب نفسه: «وأما القول بالرأي ~~والاستحسان والاختيار فكثير منهم - رضي الله عنهم - جدا، ~~ولكنه لا سبيل إلى أن يوجد لأحد منهم أنه جعل رأيه دينا أوجبه ~~حكما، وإنما قالوا إخبارا منهم بأن هذا الذي يسبق إلى ~~قلوبهم، وهكذا يظنون، وعلى سبيل الصلح بين المختصمين، ونحو ~~هذا.» # 69 # ويكفينا من ابن حزم الظاهري أن يعترف بوقوع الرأي من ~~الصحابة كثيرا، وإن ذهب في تأويل وقوعه مذهبا عجبا. ~~(4-1) عهد أبي بكر # فمن ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر - رضي الله عنه ~~- في أخذ الزكاة من بني حنيفة وقتالهم على ذلك، وقياس ~~خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة ~~للفقراء وأرباب المصارف. ومن ذلك قول أبي بكر لما سئل ~~عن الكلالة: «أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن ~~الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا ~~الوالد والولد.» ومن ذلك ms122 أن أبا بكر ورث أم الأم دون ~~أم الأب، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت ~~لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت، فرجع إلى التشريك بينهما في ~~السدس؛ ومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء ~~حتى قال له عمر: كيف تجعل من ترك دياره وأمواله، ~~وهاجر إلى رسول الله كمن دخل في الإسلام كرها؟ فقال أبو ~~بكر: إنما أسلموا لله وأجورهم على الله، وإنما الدنيا ~~بلاغ، # 70 # وحيث انتهت النوبة إلى عمر فرق بينهم. ومن ~~ذلك قياس أبي بكر تعيين الإمام بالعهد على تعيينه بعقد ~~البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر بالخلافة، ووافقه على ذلك ~~الصحابة. # 71 ~~«ومن ذلك أن الصحابة قدموا الصديق في الخلافة ~~وقالوا: رضيه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لديننا، أفلا نرضاه ~~لدنيانا؟ فقاسوا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة، وكذلك ~~اتفاقهم على كتابة المصحف وجمع القرآن فيه، وكذلك اتفاقهم ~~على جمع الناس على مصحف واحد، وترتيب واحد، وحرف ~~واحد.» # 72 # ومن ذلك - كما في «الطرق الحكمية» # 73 ~~- أن أبا بكر حرق اللوطية وأذاقهم حر ~~النار في الدنيا قبل الآخرة ... فإن خالد بن الوليد - رضي ~~الله عنه - كتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه ~~وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة، ~~فاستشار الصديق أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وفيهم علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه، وكان أشدهم قولا، فقال: إن هذا ~~الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ~~ما قد علمتم، أرى أن يحرقوا بالنار، فكتب أبو بكر إلى ~~خالد أن يحرقوا. فحرقوهم. ~~(4-2) عهد عمر # ومن ذلك ما روي عن عمر، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ~~اعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك. وفي كتاب عمر ~~بن الخطاب إلى شريح: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض ~~به ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في ms123 كتاب الله ~~فاقض بما سن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن أتاك ما ليس في ~~كتاب الله ولم يسن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فاقض بما أجمع ~~عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد ~~رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى ~~التأخر إلا خيرا لك (ذكره سفيان الثوري عن الشيباني عن ~~الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه). # 74 # ومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر ~~من تجار اليهود في العشور، وخللها وباعها، فقال: ~~قاتل الله سمرة! أما علم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~«لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها، # 75 # وباعوها وأكلوا أثمانها»؟ قاس الخمر على ~~الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. # ومن ذلك أنه جلد أبا بكرة؛ حيث لم يكمل نصاب ~~الشهادة، بالقياس على القاذف وإن كان شاهدا لا ~~قاذفا. # ومن ذلك أن عمر حرق حانوت خمار بما فيه، وحرق ~~قريبة يباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما ~~احتجب في قصره عن الرعية، ~~ودعا محمد بن مسلمة ~~فقال : اذهب إلى سعد بالكوفة فحرق عليه قصره ولا تحدثن ~~حدثا حتى تأتيني، فذهب محمد إلى الكوفة فاشترى من ~~نبطي # 76 # حزمة من حطب وشرط عليه حملها إلى قصر سعد، ~~فلما وصل إليه ألقى الحزمة فيه وأضرم فيها النار، فخرج ~~سعد فقال: ما هذا؟ قال: عزمة أمير المؤمنين فتركه حتى ~~أحرق، ثم انصرف إلى المدينة، فعرض عليه سعد نفقة، فأبى أن ~~يقبلها، فلما قدم على عمر قال: هلا قبلت نفقته! ~~قال: إنك قلت لا تحدثن حدثا حتى تأتيني. # وحلق رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لتشبيب النساء ~~به، وضرب صبيغ بن عسيل التميمي على رأسه لما سأله عما ~~لا يعنيه، وصادر عماله، فأخذ شطر أموالهم لما ~~اكتسبوها بجاه العمل، واختلط ما يخصون به بذلك، فجعل ~~أموالهم بينهم ms124 وبين المسلمين شطرين. # وألزم الصحابة أن يقلوا من الحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، لما اشتغلوا به عن القرآن؛ سياسة # 77 # منه، إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها ~~الأمة رضي الله عنه. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: ومن ذلك إلزامه ~~للمطلق ثلاثا بكلمة واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها ~~واحدة، ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم ~~به؛ ومن ذلك منعه بيع أمهات الأولاد، وإنما كان رأيا منه ~~رآه للأمة، وإلا فقد بعن في حياة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ومدة ~~خلافة الصديق؛ ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال ~~إن عدم البيع كان رأيا اتفق عليه هو وعمر، فقال قاضيه ~~عبيدة السلماني: يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في ~~الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، فقال: اقضوا بما كنتم ~~تقضون، فإني أكره الخلاف، فلو كان عنده نص من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بتحريم بيعهن لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ~~ولم يقل إني رأيت أن يبعن. # 78 ~~(4-3) عهد عثمان # ومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة: «إن تتبع رأيك فرأيك ~~أسد، وإن تتبع رأي من قبلك فنعم ذلك الرأي!» ولو ~~كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز تصويبهما. # وجمع عثمان الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي ~~أطلق لهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # القراءة بها، لما كان ذلك ~~مصلحة، فلما خاف الصحابة - رضي الله عنهم - على الأمة ~~أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرف واحد ~~أسلم وأبعد عن وقوع الاختلاف فعلوا ذلك، ومنعوا الناس من ~~القراءة بغيره. # 79 ~~(4-4) عهد علي # ومن ذلك قول علي - رضي الله عنه - في حد شارب الخمر: ~~إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، ~~فحدوه حد المفترين. قاس حد الشارب على ~~القاذف. # ومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في ~~قتله سبعة، فقال له علي: يا أمير المؤمنين، أرأيت ms125 لو أن ~~نفرا اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم، قالوا: ~~كذلك، وهو قياس للقتل على السرقة. # ومن ذلك تحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة الرافضة ~~وهو يعلم سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في قتل الكافر، لكن لما ~~رأى أمرا عظيما جعل عقوبته من أعظم العقوبات ليزجر الناس ~~عن مثله؛ ولذلك قال: # لما رأيت الأمر أمرا ~~منكرا # أججت ناري ودعوت ~~قنبرا # وقنبر غلامه. # 80 # ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها بإرسال ~~عمر إليها: أما المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك، وأرى ~~عليك الدية، فقال له: عزمت عليك ألا تبرح حتى تضربها ~~على بني عدي، يعني قومه، وألحقه عثمان وعبد الرحمن بن ~~عوف بالمؤدب، وقالا: إنما أنت مؤدب ولا شيء عليك. وروى ~~هذه الواقعة ابن عبد البر على الوجه الآتي: «وعن عمر في ~~المرأة التي غاب عنها زوجها، وبلغه أنه يتحدث عندها، ~~فبعث إليها يعظها ويذكرها ويوعدها إن عادت، فمخضت ~~فولدت غلاما فصوت ثم مات، فشاور أصحابه في ذلك، فقالوا: ~~والله، ما نرى عليك شيئا، وما أردت بهذا إلا الخير. ~~وعلي حاضر. فقال: ما ترى يا أبا حسن؟ فقال: قد قال ~~هؤلاء، فإن يك هذا جهد رأيهم فقد قضوا ما عليهم، وإن ~~كانوا قاربوك فقد غشوك ، أما الإثام فأرجو أن يضعه الله ~~عنك بنيتك وما يعلم منك، وأما الغلام فقد والله ~~غرمت، فقال له أنت والله صدقتني، أقسمت عليك لا تجلس ~~حتى تقسمها على بني أبيك، يريد بقوله بني أبيك، أي: بني ~~عدي بن كعب رهط عمر رضي الله عنه.» # 81 ~~«ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته: أنت علي ~~حرام، حتى قال أبو بكر وعمر هو يمين، وقال علي وزيد هو ~~طلاق ثلاث، وقال ابن مسعود هو طلقة واحدة، وقال ابن عباس ~~هو ظهار. # 82 ~~(4-5) ظهور الخلاف بالرأي في الأحكام # وفي هذا العصر ظهر الخلاف بالرأي في مسائل الأحكام، ~~قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام»: «ولقد كان # صلى الله عليه وسلم # حريصا على ألفتنا وهدايتنا ms126 حتى ثبت من حديث ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - أنه قال: لما أحضر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، فقال: «هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده.» ~~فقال عمر: إن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، غلبه الوجع، وعندكم القرآن ~~فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من ~~يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، كتابا لن ~~تضلوا بعده، ومنهم من يقول كما قال عمر. فلما كثر اللغط ~~والاختلاف عند النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «قوموا عني»؛ فكان ~~ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ~~ولغطهم. فكان - والله أعلم - وحيا أوحاه الله إليه، أنه ~~كتب لهم ذلك الكتاب لم يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة من ~~مقتضى قوله: # ولا يزالون مختلفين # بدخولها تحت قوله: # إلا من رحم ~~ربك ~~، فأبى الله إلا ما سبق في علمه من ~~اختلافهم كما اختلف غيرهم.» # 83 # وفي شرح السيد الشريف على «المواقف»: «قال الآمدي: كان ~~المسلمون عند وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # على عقيدة واحدة وطريقة ~~واحدة، إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم ~~نشأ الخلاف فيما بينهم أولا في أمور اجتهادية لا توجب ~~إيمانا ولا كفرا، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين ~~وإدامة مناهج الشرع القويم، وذلك كاختلافهم عند قول النبي ~~في مرض موته: «ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا ~~بعدي»، حتى قال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب ~~الله. # وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي: «قوموا عني، لا ينبغي ~~عندي التنازع.» وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش ~~أسامة، فقال قوم بوجوب الاتباع لقوله عليه السلام: ~~«جهزوا جيش أسامة. لعن الله من تخلف عنه»، وقال قوم ~~بالتخلف انتظارا لما يكون من رسول الله في مرضه، ~~وكاختلافهم بعد ذلك في موته حتى قال عمر: من قال: إن ~~محمدا ms127 قد مات علوته بسيفي، وإنما رفع إلى السماء، ~~كما رفع عيسى بن مريم، وقال أبو بكر: من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله ~~محمد فإنه حي لا يموت، وتلا قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ... # الآية. فرجع القوم إلى قوله، وقال عمر: كأني ما سمعت ~~هذه الآية إلا الآن. # وكاختلافهم بعد ذلك في موضع دفنه بمكة أو بالمدينة أو ~~القدس، حتى سمعوا ما روي عنه، من أن الأنبياء ~~يدفنون حيث يموتون، وكاختلافهم في الإمامة، وثبوت الإرث ~~عن النبي كما مر. وفي قتال مانعي الزكاة حتى قال عمر: ~~كيف نقاتلهم وقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم»؟ فقال له أبو بكر: أليس قد قال: ~~«إلا بحقها»؟ ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~ولو منعوني عقالا مما أدوه إلى النبي لقاتلتهم ~~عليه. # ثم اختلافهم بعد ذلك في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة، ~~ثم في أمر الشورى حتى استقر الأمر على عثمان، ثم اختلافهم ~~في قتله. وفي خلافة علي ومعاوية، وما جرى في وقعة الجمل ~~وصفين، ثم اختلافهم أيضا في بعض الأحكام الفروعية ~~كاختلافهم في الكلالة، وميراث الجد مع الأخوة، وعقل ~~الأصابع، وديات الأسنان، وكان الخلاف يتدرج ويترقى شيئا ~~فشيئا إلى آخر أيام الصحابة.» # 84 # وقد عرض ابن حزم في كتاب «الإحكام» لقصة الصحيفة التي ~~تعتبر أول خلاف قائم على الرأي ظهر في الإسلام فقال: «عن ~~ابن عباس قال: لما اشتد برسول الله # صلى الله عليه وسلم # وجعه، قال: ~~«ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي»، فقال عمر: ~~إن النبي # صلى الله عليه وسلم # غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، ~~فاختلفوا وكثر اللغط، فقال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي ~~التنازع»؛ فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال ~~بين رسول الله وبين كتابه. # وحدثنا عبد الله بن ms128 ربيع عن ابن عباس فذكر هذا الحديث ~~وفيه: أن قوما قالوا عن النبي # صلى الله عليه وسلم # في ذلك اليوم: «ما ~~شأنه؟ هجر؟» قال أبو محمد هذه زلة العالم التي حذر ~~منها الناس قديما، وقد كان في سابق علم الله - تعالى - أن ~~يكون بيننا الاختلاف، وتضل طائفة، وتهتدي بهدى الله أخرى، ~~فلذلك نطق عمر ومن وافقه مما نطقوا به، مما كان ~~سببا إلى حرمان الخير بالكتاب الذي لو كتبه لم يضل بعده، ~~ولم يزل أمر هذا الحديث مهما لنا وشجى في نفوسنا ~~وغصة نألم لها، وكنا على يقين من أن الله - تعالى - ~~لا يدع الكتاب الذي أراد نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، أن يكتبه فلن ~~يضل بعده دون بيان؛ ليحيا من حي عن بينة إلى أن ~~من الله - تعالى - بأن أوجدناه، فانجلت الكربة، ~~والله المحمود، وهو ما حدثناه عبد الله بن يوسف عن عائشة، ~~قالت: قال لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في مرضه: «ادعي لي أبا ~~بكر وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى ~~متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والنبيون إلا ~~أبا بكر.» # قال أبو محمد: هكذا في كتاب عن عبد الله بن يوسف. وفي أم ~~أخرى: «ويأبى الله والمؤمنون»، وهكذا حدثناه عبد الله بن ~~ربيع عن عائشة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفيه أن ذلك كان في ~~اليوم الذي بدئ فيه # صلى الله عليه وسلم # بوجعه الذي مات فيه. # قال أبو محمد: فعلمنا أن الكتاب المراد يوم الخميس ~~قبل موته # صلى الله عليه وسلم # بأربعة أيام كما روينا عن ابن عباس يوم ~~قال عمر ما ذكرنا، إنما كان في معنى الكتاب الذي أراد # صلى الله عليه وسلم # أن يكتبه في أول مرضه قبل يوم الخميس المذكور ~~بسبع ليال؛ لأنه # صلى الله عليه وسلم # ابتدأ وجعه يوم الخميس في بيت ~~ميمونة أم المؤمنين وأراد الكتاب الذي قال فيه عمر ما قال ~~يوم الخميس بعد أن اشتد به المرض، ومات # صلى الله عليه وسلم # يوم ms129 ~~الإثنين، وكانت مدة علته، # صلى الله عليه وسلم # اثني عشر يوما، ~~فصح أن ذلك الكتاب كان في استخلاف أبي بكر لئلا يقع ~~ضلالة في الأمة بعده # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 85 ~~(أ) أسباب الاختلاف # ويشير ابن حزم إلى أسباب الاختلاف الحادث في هذه ~~القصة. وفي نحوها مما وقع في عهد الصحابة ~~بقوله: ~~«وقد تجد الرجل يحفظ الحديث ولا يحضره ذكره؛ حتى ~~يفتي بخلافه، وقد يعرض هذا في آي القرآن، وقد أمر ~~عمر على المنبر بألا يزاد في مهور النساء على ~~عدد ذكره، فذكرته امرأة بقول الله تعالى: «وآتيتم ~~إحداهن قنطارا»، فترك قوله وقال: كل واحد أفقه منك ~~يا عمر! وقال: امرأة أصابت وأمير المؤمنين ~~أخطأ. # وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فذكره علي ~~بقول الله تعالى: # وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا ~~، مع قوله ~~تعالى: # والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين ~~، فرجع عن الأمر برجمها، وهم ~~أن يسطو بعيينة بن حصن؛ إذ قال له: يا عمر، ما ~~تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فذكره الحر ~~بن قيس بن حصن بن حذيفة بقول الله تعالى: # وأعرض عن ~~الجاهلين ~~، وقال له: يا أمير ~~المؤمنين، هذا من الجاهلين، فأمسك عمر، وقال يوم مات ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: والله، ما مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا يموت حتى يكون آخرنا - أو كلاما هذا ~~معناه - حتى قرئت عليه: # إنك ~~ميت وإنهم ميتون ~~، فسقط ~~السيف من يده، وخر إلى الأرض وقال: كأني والله لم ~~أكن قرأتها قط. فإذا أمكن هذا في القرآن فهو في ~~الحديث أمكن، وقد ينساه البتة، وقد لا ينساه بل يذكره، ~~ولكن يتأول فيه تأويلا فيظن فيه خصوصا أو نسخا ~~أو معنى ما.» # 86 # وبقوله أيضا: «والله العظيم، قسما ~~برا، ما اختلف اثنان قط فصاعدا في شيء من الدين إلا ~~في منصوص بين في القرآن والسنة، فمن قائل: ليس عليه ~~العمل، ومن قائل: هذا تلقي بخلاف ظاهره، ومن قائل: ~~هذا خصوص، ومن قائل: هذا منسوخ، ومن قائل: هذا تأويل؛ ~~فعلى هذا، وعلى ms130 النسيان للنص، كان اختلاف من اختلف في ~~خلافة أبي بكر.» # 87 # وابن حزم يريد بذلك أن يفر من جعل الاختلاف بين ~~الصحابة كان بسبب الرأي، ولا شك أن ما ذكره من ~~أسباب الاختلاف صحيح، ولكن الركون إلى الرأي هو ~~سبب الاختلاف؛ حتى في هذا الذي يورده، وقد صرح ~~الشاطبي في كتاب «الاعتصام» # 88 # بأن الله - تعالى - حكم بحكمته أن تكون ~~فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالا للظنون، وأن ~~مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة، وإنا نقطع ~~بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض ~~الرحمة وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، رضي الله ~~عنهم، وأنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز ~~الاختلاف فيه. ~~(ب) تفاوت الخلاف في عهود الخلفاء الراشدين # ولم يكن وقوع الاختلاف مطردا على سواء في عهود ~~الخلفاء الراشدين. # ويقول ابن قيم الجوزية في كتاب «إعلام الموقعين»: ~~«وأما الصديق فصان الله خلافته عن الاختلاف المستقر ~~في واحد من أحكام الدين، وأما خلافة عمر فتنازع ~~الصحابة تنازعا يسيرا في قليل من المسائل جدا، ~~وأقر بعضهم بعضا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن، ~~وترجع قلة الاختلاف في عهد عمر إلى حزمه # 89 # وحريته وحسن سياسته واعتماده على ~~الشورى. # 90 # فلما كانت خلافة عثمان اختلفوا في مسائل يسيرة صحب ~~الاختلاف فيها بعض الكلام واللوم، كما لام علي عثمان ~~في أمر المتعة # 91 # وغيرها، ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض ~~مسائل قسمة الأموال والولايات. # فلما أفضت الخلافة إلى علي - كرم الله وجهه - ~~صار الاختلاف بالسيف.» # وقال الدهلوي في هذا المعنى: «وأكابر هذا الوجه ~~(يريد الفتوى) عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، رضي ~~الله عنهم؛ لكن كان من سيرة عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ~~ويأتيه الثلج، فصار غالب قضاياه وفتاواه متبعة ~~في مشارق الأرض ومغاربها، وهو قول إبراهيم (يريد ~~النخعي): لما مات عمر - رضي الله عنه - ذهب تسعة ~~أعشار العلم، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: كان عمر ~~إذا سلك طريقا وجدناه سهلا، ms131 وكان علي - رضي الله ~~عنه - لا يشاور غالبا، وكان أغلب قضاياه بالكوفة، ~~لم يحملها عنه إلا ناس، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه ~~- بالكوفة، فلم يحمل عنه غالبا إلا أهل تلك الناحية، ~~وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - اجتهد بعد عصر ~~الأولين؛ فناقضهم في كثير من الأحكام، واتبعه في ذلك ~~أصحابه من أهل مكة، ولم يأخذ بما تفرد به جمهور أهل ~~الإسلام، وأما غير هؤلاء الأربعة فكانوا يراوون دلالة ~~- يريد الاستنباط - ولكن ما كانوا يميزون الركن ~~والشرط من الآداب والسنن، ولم يكن لهم قول عند تعارض ~~الأخبار وتقابل الدلائل إلا قليلا، كابن عمر، وعائشة، ~~وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم.» # 92 ~~(4-6) أصول الأحكام الشرعية في هذا العهد # وفي هذا العهد صارت أصول الأحكام الشرعية أربعة: الكتاب، ~~والسنة، # 93 # والرأي أو القياس، والإجماع؛ أي: ما عليه ~~جماعة المسلمين من التحليل والتحريم. ~~(أ) الإجماع # قال الشافعي: «ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين ~~فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول جماعة المسلمين؛ ~~فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون ~~الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يكون فيها كافة ~~غفلة عن معنى كتاب الله - تعالى - ولا سنة، ولا قياس، ~~إن شاء الله تعالى.» # 94 # وليس يخلو من غموض هذا المعنى الذي اتفق المختلفون ~~عليه في بيان معنى الإجماع، ثم اختلفوا توضيحه. # قال ابن حزم: «اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على ~~أن الإجماع من علماء أهل الإسلام حجة، وحق مقطوع به ~~في دين الله عز وجل، ثم اختلفنا: فقالت طائفة: هو ~~شيء غير القرآن وغير ما جاء عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، لكنه ~~أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه لكن برأي ~~منهم أو بقياس منهم على منصوص، وقلنا نحن: هذا باطل ~~ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير ~~نص من قرآن أو سنة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يبين في ~~أن قول المختلفين هو الحق.» # 95 # وقال ابن حزم: «قال أبو محمد: ms132 فقالت طائفة: الإجماع ~~إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فقط، وأما إجماع ~~من بعدهم فليس إجماعا، وقالت طائفة: إجماع أهل كل ~~عصر إجماع صحيح، ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة منهم: ~~إذا صح إجماع كل عصر فهو إجماع صحيح، وليس لهم ولا ~~لأحد من بعدهم أن يقول بخلافه، وقالت طائفة منهم ~~أخرى: بل يجب مراعاة ذلك العصر، فإن انقرضوا كلهم ~~ولم يحدثوا ولا أحد منهم خلافا لما أجمعوا عليه؛ فهو ~~إجماع قد انعقد لا يجوز لأحد خلافه، وإن رجع أحد منهم ~~عما أجمع عليه مع أصحابه؛ فله ذلك، ولا يكون ذلك ~~إجماعا، وقالت طائفة: إذا اختلف أهل عصر في مسألة ما؛ ~~فقد ثبت الاختلاف، ولا ينعقد في تلك المسألة إجماع ~~أبدا، وقالت طائفة: إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ~~ما، ثم أجمع أهل العصر الذي بعدهم على بعض قول بعض أهل ~~العصر الماضي؛ فهو إجماع صحيح لا يسع أحدا خلافه ~~أبدا: وقالت طائفة: إذا اختلف أهل العصر على عشرة ~~أقوال مثلا أو أقل أو أكثر؛ فهو اختلاف فيما اختلفوا ~~فيه، وهو إجماع صحيح على ترك ما لم يقولوا به من ~~الأقوال، فلا يسع أحدا الخروج على تلك الأقوال ~~كلها، وله أن يتخير منها ما أداه إليه اجتهاده، ~~وقالت طائفة: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع صحيح، ~~لا يجوز خلافه لأحد، وقالت طائفة: ليس هو إجماعا، ~~وقالت طائفة : إذا اتفق الجمهور على قول، وخالفهم واحد ~~من العلماء، فلا يلتفت إلى ذلك الواحد، وقول الجمهور ~~هو إجماع صحيح، وهذا قول محمد بن جرير الطبري، وقالت ~~طائفة: ليس هذا إجماعا، وقالت طائفة: قول الجمهور ~~والأكثر إجماع، وإن خالفهم من هو أقل منهم عددا، ~~وقالت طائفة: ليس هذا إجماعا: وقالت طائفة: إجماع أهل ~~المدينة هو الإجماع، وهذا قول المالكيين، ثم اختلفوا، ~~فقال ابن بكير منهم وطائفة معه: سواء كان عن رأي أو ~~قياس، أو نقلا، وقال محمد بن صالح الأبهري منهم ~~وطائفة معه: إنما ذلك فيما كان نقلا فقط، وقالت ~~طائفة: إجماع أهل الكوفة، ms133 وهذا قول بعض الحنفيين، ~~وقالت طائفة: إذا جاء القول عن الصاحب الواحد أو أكثر ~~من واحد من الصحابة، ولم يعرف له مخالف منهم فهو ~~إجماع، وإن خالفه من بعد الصحابة رضي الله عنهم، وهو ~~قول بعض الشافعيين وجمهور الحنفيين والمالكيين، وقال ~~بعض الشافعيين: إنما يكون إجماعا إذا اشتهر ذلك ~~القول فيهم، ولم يعرف له منهم مخالف، وأما إذا لم ~~يشتهر ولا انتشر، فليس إجماعا، بل خلافه ~~جائز.» # 96 ~~(ب) الإجماع طور من أطوار الرأي # كل هذه المعاني المختلفة للإجماع لم تفصل هذا ~~التفصيل إلا حينما دونت العلوم ونظمت قواعدها، ~~لكنها تدل على أن الإجماع في نشأته كان معنى ~~مبهما صالحا لأن يحمل على كل هذه المعاني، كما ~~كان الرأي نفسه مبهما غير مقسم ولا معين، وما ~~الإجماع في بدء أمره إلا طور من أطوار الرأي ومظهر من ~~مظاهر تنظيمه، وتنظيم التشريع والديمقراطية به، في ~~دولة أخذت تخرج من دور البداوة إلى صورة من صور الحكم ~~الديمقراطي المنظم. ~~(ج) شأن عمر في هذا الباب # ومن الطبيعي أن يكون شأن عمر بن الخطاب في هذا الباب ~~شأنا كبيرا، فإنه أول من وضع الأسس الأولى لتنظيم ~~العمل الحكومي في الدولة الإسلامية؛ فإن أبا بكر ~~إنما استطاع في مدة حكمه اليسيرة أن يقمع الفتن ~~ويفتح اليمامة وبعض أطراف العراق والشام، والذي عرف ~~عنه من شئون التنظيم الحكومي هو أنه أول من اتخذ ~~الحاجب وصاحب الشرطة في الإسلام، أما عمر فقد فتح ~~الفتوحات وكثر المال في دولته إلى الغاية حتى عمل بيت ~~المال، ووضع للديوان، ورتب لرعيته ما يكفيهم، وفرض ~~للأجناد، كما في «تاريخ الخميس». # 97 # وجاء أيضا في الكتاب نفسه: «وأول من وضع التاريخ ~~بعام الهجرة وضعه في السنة السابعة عشرة، وهو أول ~~من جمع الناس على إمام في قيام رمضان، وأول من أخر ~~المقام عن موضعه وكان ملصقا بالبيت، وقيل بل أول من ~~أخره رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأول من حمل الدرة لتأديب ~~الناس وتعزيرهم، وفتح الفتوح ووضع الخراج، ومصر ~~الأمصار، ms134 واستقضى القضاة ودون الديوان وفرض ~~العطية.» # 98 # وجاء في كتاب: «الإدارة الإسلامية في عز العرب»: ~~للأستاذ محمد كرد علي بك المطبوع سنة 1934م: ~~«ومما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة ~~اقتضتها حالة التوسع في الفتوح: فهو أول من حمل ~~الدرة، وهو أول من دون الدواوين على مثال ~~دواوين الفرس والروم، دونها عقيل بن أبي طالب ~~ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من ~~نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس. # والديوان: الدفتر أو مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه ~~أهل الجيش وأهل العطية، وعرفوا الديوان بأنه موضع ~~لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن ~~يقوم بها من الجيوش والعمال، وأطلق بعد حين على جميع ~~سجلات الحكومة، وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون ~~على هذه السجلات والأضابير والطوامير، وثبت أنه ~~كان له سجن، وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن ~~صبيغا على سؤاله عن «الذاريات»، و«المرسلات» ~~و«النازعات» وشبههن، وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى ~~العراق، وكتب ألا يجالسه أحد، فلو كانوا مائة ~~تفرقوا عنه، حتى كتب إليه عامله أن حسنت توبته، فأمره ~~عمر فخلى بينه وبين الناس، وكانت أعمال عمر جدا ~~كلها، لا يجوز لأحد أن يجلس في المسجد في غير أوقات ~~الصلاة، وبنى في المسجد رحبة تسمى البطيحا. قال: ~~من كان يريد أن يلفظ أو ينشد شعرا أو يرتفع صوته ~~فليخرج إلى الرحبة، وما كان المسجد في أيامه لغير ~~الصلاة والقضاء، وكان الخلفاء يجلسون في المسجد لقضاء ~~الخصومات، ولما كثرت الفتوحات وأسلمت الأعاجم وأهل ~~البوادي وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ~~ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم. # وضع عمر أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق ~~والبصرة والكوفة على النحو الذي كان عليه قبل، وقيل ~~إن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء، ~~ودواوين الشام تكتب بالرومية، ودواوين العراق ~~بالفارسية ودواوين مصر بالقبطية يتولاها النصارى ~~والمجوس دون المسلمين، والسبب في تدوين الدواوين أن ~~عامل عمر على البحرين أتاه يوما بخمسمائة ألف درهم، ~~فاستعظمها، وجعل عليها حراسا في المسجد، ms135 فأشار ~~عليه بعض من عرفوا فارس والشام أن يدون الدواوين ~~يكتبون فيها الأسماء، وما لواحد واحد، وجعل الأرزاق ~~مشاهرة، وجعل عمر تابوتا - أي صندوقا - لجمع صكوكه ~~ومعاهداته، وجند الأجناد - أي ألف الفيالق - ~~فصير فلسطين جندا، والجزيرة جندا، والموصل ~~وقنسرين جندا، وأصبح كل جند في الشام والعراق ~~يتألف من مقاتلة المسلمين يقبضون أعطياتهم من البلد ~~الذي نزلوه، فأصبحت الجندية خاصة بفئة المسلمين، ويسير ~~الناس بقضهم وقضيضهم إلى الزحف عند الحاجة حتى ~~النساء والأولاد، وما كان الجند يجعلون كلهم في ~~المسالح، بل يترك بعضهم في البلاد يكونون على استعداد ~~للوثبة عند أول إشارة، والغالب أنه كان يترك فضل ~~في بيوت الأموال خارج الحجاز؛ ليستخدم في طارئ إذا ~~طرأ، وما كانت الصوافي تحمل كلها إلى الحجاز بل ~~يدخر بعضها في بيوت الأموال في الشام والعراق ومصر، ~~وجزء عظيم من دخل الدولة يصرف في الوجوه التي أشرنا ~~إليها. # وعمر هو أول من لقب بأمير المؤمنين، وأول من ~~استقضى القضاة، وأول من أحدث التاريخ الهجري فأرخ ~~سنة ستة عشر لهجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، فكان ~~أول من أرخ الكتب وختم على الطين. قال اليعقوبي: ~~وأمر زيد بن ثابت أن يكتب الناس على منازلهم، وأمره أن ~~يكتب لهم صكاكا من قراطيسه ثم يختم أسفلها، فكان أول ~~من صك وختم أسفل الصكاك، وغير أسماء المسلمين ~~بأسماء الأنبياء، وكان أول من مصر الأمصار: مصر ~~المصرين البصرة والكوفة، وكان إذا جاءته الأقضية ~~المعضلة قال لعبد الله بن العباس: إنها قد طرأت ~~علينا أقضية وعضل فأنت لها ولأمثالها، ثم أخذ بقوله، ~~وما كان يدعو لذلك أحدا سواه، وكان في المسائل العامة ~~يسأل الناس في المسجد عن آرائهم ثم يعرض رأيه ورأيهم ~~على مجلس شوراه، وهم من كبار الصحابة، فما استقر ~~عليه رأيهم أمضاه. # فكانت أعماله ثمرة ناضجة من الآراء الصائبة؛ ولذلك ~~ندرت هفواته في الإدارة بالقياس إلى غيره؛ لأنه ~~يتروى ويعمل بآراء أهل الرأي، ولما أرسل عبد الله ~~بن مسعود إلى العراق وزيرا ومعلما مع عمار بن ~~ياسر ms136 الذي ولاه الإمارة كتب إلى أهل العراق: «وقد ~~جعلت على بيت مالكم عبد الله بن مسعود وآثرتكم به ~~على نفسي.» وقد يبعث إلى بعض الأقطار عاملا على ~~الصلاة والحرب ويسميه أميرا، وعاملا على القضاء ~~وبيت المال ويسميه معلما ووزيرا، كما فعل في ~~العراق، أو يجمع للعامل بين الصلاة والخراج كعامل ~~مصر. # وتقسيم العمالات في الشام يختلف عن اليمن، وعامل ~~البحرين لا يكون كعامل اليمامة، وقد يبعث أناسا ~~لمساحة الأرض، وأناسا لتقدير الخراج، وآخرين لإحصاء ~~الناس، وقال لعاملين له توليا مساحة العراق ووضع ~~الخراج على سوادها: أخاف أن تكونا حملتما الأرض ما ~~لا تطيقه، لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا ~~يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، وقال اللهم إني أشهدك ~~على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلموا ~~الناس دينهم وسنة نبيهم، ويعدلوا عليهم ويقسموا ~~فيئهم بينهم، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من ~~أمورهم، وكان يرزق العامل بحسب حاجته وبلده.» # 99 ~~(د) تفسير ظهور الإجماع # ويفسر ظهور الإجماع في هذا العصر، أن الأئمة بعد ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كانوا يستشيرون في الأحكام. # قال الشاطبي في «الاعتصام»: ~~«وكانت الأئمة بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # يستشيرون الأمناء ~~من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، ~~فإذا وقع في الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره، ~~اقتداء بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان القراء أصحاب مشورة ~~عمر، كهولا كانوا أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب ~~الله.» # 100 # وفي كتاب «مختصر جامع بيان العلم وفضله»: ~~«وعن يوسف بن يعقوب بن الماجشون قال: قال لنا ابن ~~شهاب ونحن نسأله: لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ ~~فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا ~~الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم.» # 101 # وعن المسيب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من ~~القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة سمي صوافي ~~الأمراء فيرفع إليهم، فجمع له أهل العلم، فما اجتمع ~~عليه رأيهم فهو الحق. # 102 # وكان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة ~~يسألان ms137 الناس. # وفي كتاب «إعلام الموقعين»: ~~«... ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد ~~عليه حكم نظر في كتاب الله - تعالى - فإن وجد فيه ما ~~يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في ~~سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن وجد ما يقضي به قضى ~~به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون ~~قضى فيه بكذا وكذا، وإن لم يجد سنة سنها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع ~~رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه ~~أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى ~~فيه قضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع ~~علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى ~~به.» # 103 # وفي الكتاب نفسه: «عن عبد الله بن مسعود قال: من ~~عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن ~~في كتاب الله؛ فليقض بما قضى فيه نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن ~~جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب ~~الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد ~~رأيه، فإن لم يحسن فليقم ولا يستحي.» # 104 # قال الأستاذ أحمد أمين بك في كتاب «فجر الإسلام»: ~~«وقد وجدت نزعة من العصر الأول لتنظيم هذا الرأي من ~~طريق الاستشارة، فقد أخرج البغوي عن ميمون بن مهران ~~قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه خصوم نظر في كتاب الله، ~~فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في ~~الكتاب وعلم من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، في ذلك الأمر ~~سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: ~~أنا في كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله # صلى ms138 الله عليه وسلم ~~، ~~قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر ~~فيه عن رسول الله قضاء، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، جمع رءوس الناس وخيارهم ~~فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر - ~~رضي الله عنه - يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن ~~والسنة نظر هل كان فيه لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر ~~قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رءوس الناس، فإذا ~~اجتمعوا على أمر قضى به.» # 105 # وكان العلماء من الصحابة يومئذ، وهم المعتبرون ~~في الإجماع قلة، كما بينا آنفا، لا يتعذر علاج ~~التوفيق بين آرائهم، وتعرف الاتفاق بينهم على حكم ~~من الأحكام. ~~(5) الرأي في عهد بني أمية # وكان بعد ذلك عصر بني أمية من سنة 40ه/660م إلى سنة ~~132ه/749م. # في هذا العصر اتسعت مملكة الإسلام، ودخلت فيها أمم من غير ~~العرب، ونقل مركز الخلافة إلى دمشق الشام، وتفرق القراء ~~وعلماء الصحابة في البلاد، وصار كل واحد مقتدى ناحية ~~من النواحي، فكثرت الوقائع، ودارت المسائل فاستفتوا فيها، ~~فأجاب كل واحد حسبما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو ~~استنبطه ما يصلح للجواب، اجتهد برأيه ... فعند ذلك وقع الاختلاف ~~بينهم على ضروب. # 106 # وانتهى عهد الصحابة في هذا العصر، قال ابن قتيبة المتوفى سنة ~~276ه/889م في كتاب «المعارف»: «قال أبو محمد: قال الواقدي: ~~آخر من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى في ~~سنة ست وثمانين، وآخر من مات بالمدينة من الصحابة سهل بن ~~سعد الساعدي سنة إحدى وتسعين، ويقال هو ابن مائة، وآخر من ~~مات بالبصرة من الصحابة أنس بن مالك سنة إحدى وتسعين، ويقال ~~سنة ثلاث وتسعين، وآخر من مات بالشام عبد الله بن بسر سنة ~~ثمان وثمانين، وممن تأخر موته واثلة بن الأسقع هلك بالشام ~~سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين، وهو من بني ليث بن ~~كنانة. أبو الطفيل، رضي الله - تعالى - عنه هو أبو الطفيل ms139 بن ~~عامر بن وائلة، رأى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان آخر من رآه موتا، ~~ومات بعد سنة مائة.» # 107 # وخلف بعد الصحابة التابعون، الذين ورثوا علمهم، وكل ~~طبقة من التابعين إنما تفقهوا على من كان عندهم من ~~الصحابة، فكانوا لا يتعدون فتاويهم إلا اليسير مما بلغهم ~~من غير من كان في بلادهم من الصحابة رضي الله عنهم، كاتباع ~~أهل المدينة في الأكثر فتاوى عبد الله بن [عمر رضي الله عنهما، ~~واتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوي عبد الله بن] # 108 # مسعود، واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوى عبد الله ~~بن عباس، واتباع أهل مصر في الأكثر فتاوى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص. # 109 # وجاء في كتاب «إعلام الموقعين»: «وأكابر التابعين كانوا ~~يفتون في الدين ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون ~~يجوزون لهم ذلك.» # 110 # ولما انقرض عهد الصحابة وجاء على أثرهم التابعون، انتقل أمر ~~الفتيا والعلم بالأحكام إلى الموالي إلا قليلا. # قال ابن القيم في كتاب «إعلام الموقعين»: «وقال عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة؛ عبد الله بن عباس، وعبد ~~الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، صار الفقه في ~~جميع البلدان إلى الموالي، فكان فقيه أهل مكة عطاء بن رباح، ~~وفقيه أهل اليمن طاوس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن كثير، وفقيه ~~أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام ~~مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن ~~الله خصها بقرشي فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير ~~مدافع.» # 111 ~~(5-1) تشعب وجوه الاختلاف في هذا العصر وأسبابها # تشعبت في هذا العصر وجوه الاختلاف بين المفتين، ~~وتعددت مناحيها، وقد ألف أبو محمد عبد الله بن محمد بن ~~السيد البطليوسي الأندلسي المتوفى سنة 521ه/1127م ~~كتابا سماه: «الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي ~~أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم»، # 112 # نبه فيه على المواضع التي منها نشأ الخلاف ~~بين العلماء حتى تباينوا في المذاهب والآراء، وذكر أن ~~الخلاف عرض لأهل الملة من ms140 ثمانية أوجه: ~~(1) # الخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ ~~واحتمالها التأويلات الكثيرة، وهذا الباب ~~ينقسم إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: # اشتراك في موضوع اللفظة المفردة، ~~بأن تكون اللفظة موضوعة لمعان مختلفة ~~متضادة أو غير متضادة، ومن هذا النوع قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «قصوا الشوارب واعفوا ~~اللحى»، قال قوم معناه وفروا وأكثروا، ~~وقال آخرون قصروا وانقصوا، وكلا ~~القولين له شاهد من اللغة. هذا من ~~الاشتراك في المعاني المتضادة. # أما الاشتراك في المعاني ~~المختلفة غير المتضادة فهو كثير جدا، ~~ومنه قوله تعالى: # إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ~~ينفوا من الأرض ~~. ذهب ~~قوم إلى أن كلمة «أو» هنا للتخيير، ~~فقالوا السلطان مخير في هذه العقوبات، ~~يفعل بقاطع السبيل أيها يشاء، وهو قول ~~الحسن البصري وعطاء، وبه قال مالك، وذهب ~~آخرون إلى أن كلمة «أو» هنا للتفصيل ~~والتعيين: فمن حارب وقتل وأخذ المال، ~~صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ~~ومن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده، وهو ~~قول أبي مجلز لاحق بن حميد التابعي، ~~وحجاج بن أرطاة النخعي الكوفي، وبه قال ~~أبو حنيفة والشافعي واختلفوا في النفي من ~~الأرض ما هو؟ فقال الحجازيون ينفى من ~~موضع إلى موضع، وقال العراقيون يسجن ~~ويحبس، والعرب تستعمل النفي بمعنى ~~السجن. # وثانيها: # الاشتراك العارض من قبل اختلاف ~~أحوال الكلمة دون موضع لفظها، مثل قوله ~~تعالى: # ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد ~~. ~~قال قوم: مضارة الكاتب أن يكتب ما لم ~~يمل عليه ، ومضارة الشهيد أن يشهد بخلاف ~~الشهادة، وقال آخرون: مضارتهما أن ~~يمنعا من أشغالهما ويكلفا الكتابة ~~والشهادة في وقت يشق ذلك فيه عليهما، ~~وإنما أوجب هذا الخلاف أن قوله # ولا يضار # يحتمل أن يكون تقديره ولا يضارر بفتح ~~الراء، ويحتمل أن يكون تقديره أيضا بكسر ~~الراء، وقد رويت القراءتان بإظهار ~~التضعيف مع الفتح ومع الكسر، قرأ بالأولى ~~ابن مسعود، وبالثانية ابن عمر. # ومثل هذا قوله تعالى: # لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له ms141 ~~بولده ~~. # وثالثها: # الاشتراك العارض من قبل تركيب ~~الكلام، وبناء بعض الألفاظ على بعض: ومنه ~~ما يدل على معان مختلفة متضادة، ~~ومنه ما يدل على معان مختلفة غير ~~متضادة؛ فمن النوع الأول قوله تعالى: # وما يتلى ~~عليكم في الكتاب في يتامى ~~النساء اللاتي لا تؤتونهن ~~ما كتب لهن وترغبون أن ~~تنكحوهن ~~. قال قوم: معناه ~~وترغبون في نكاحهن لما لهن، وقال آخرون: ~~إنما أراد وترغبون عن نكاحهن لدمامتهن ~~وقلة ما لهن، ومنه قول علي رضي الله ~~عنه: «أيها الناس، أتزعمون أني قتلت ~~عثمان؟ ألا وإن الله قتله وأنا معه.» ~~أراد علي - رضي الله عنه - أن الله قتله ~~وسيقتلني معه، فعطف «أنا» على «الهاء» من ~~«قتله»، وجعل «الهاء» في «معه» عائدة على ~~عثمان، وتأوله الخوارج على أنه عطف ~~«أنا» على الضمير الفاعل في قتله، أو ~~على موضع المنصوب بأن، كما تقول: إن زيدا ~~قائم وعمرو، فترفع عمرا عطفا على موضع ~~زيد وما عمل فيه، وجعلوا الضمير في قوله ~~معه عائدا على الله تعالى، فأوجبوا عليه ~~من هذا اللفظ أنه شارك في قتل عثمان رضي ~~الله عنه. # ومن الدال على معان مختلفة غير ~~متضادة قوله تعالى: # وما قتلوه يقينا ~~، فإن ~~قوما يرون الضمير من «قتلوه» عائدا إلى ~~المسيح # صلى الله عليه وسلم ~~، وقوما يرونه عائدا إلى ~~العلم المذكور في قوله: # ما لهم به من علم ~~إلا اتباع الظن # فيجعلونه من قول العرب: «قتلت الشيء ~~علما»، ومنه قوله تعالى: # يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم ~~تتقون ~~. اختلفوا في هذا ~~التشبيه: من أين وقع؟ فذهب قوم إلى أن ~~التشبيه إنما وقع في عدد الأيام، واحتجوا ~~بحديث رووه: أن النصارى فرض عليهم ~~في الإنجيل صوم ثلاثين يوما، وأن ~~ملوكهم زادوا فيها تطوعا حتى صيروها ~~خمسين، وذهب آخرون إلى أن التشبيه إنما ~~وقع في الفرض لا في عدد الأيام. # يقول البطليوسي: وهذا القول هو ~~الصحيح، وإن كان القولان جائزين في كلام ~~العرب، فإنك إذا قلت: أعطيت زيدا كما ~~أعطيت عمرا، ms142 احتمل أن تريد تساوي ~~العطيتين، واحتمل أن تريد تساوي ~~الإعطائين، وإن أعطيت أحدهما خلاف ما ~~أعطيت الآخر. ~~(2) # الخلاف العارض من جهة الحقيقة والمجاز، وقد ~~ذهب قوم إلى إثباته. يقول صاحب «الإنصاف»: ~~«وإنما كلامنا فيه على مذهب من أثبته؛ لأنه ~~الصحيح الذي لا يجوز غيره.» والمجاز ثلاثة ~~أنواع: نوع يعرض في موضوع اللفظة، ونوع يعرض ~~في أحوالها المختلفة عليها من إعراب وغيره، ~~ونوع يعرض في التركيب وبناء بعض الألفاظ على ~~بعض. فمثال النوع الأول: السلسلة، فإن العرب ~~تستعملها حقيقة وتستعملها مجازا بمعنى ~~الإجبار والإكراه؛ كقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «عجبت ~~لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.» بمعنى ~~المنع من الشيء والكف عنه، كقول أبي خراش ~~الشاعر المخضرم التابعي: # فليس كعهد الدار يا أم ~~مالك # ولكن أحاطت بالرقاب ~~السلاسل # يريد بالسلاسل حدود الإسلام وموانعه، التي ~~كفت الأيدي الغاشمة، ومنعت من سفك الدماء ~~إلا بحقها، وبمعنى ما تتابع بعضه في أثر بعض، ~~واتصل كقولهم تسلسل الحديث، وقولهم سلاسل ~~الرمل، ومن هذا النوع قول الله عز وجل: # يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم ~~، ومعلوم أن الله لم ~~ينزل من السماء ملابس تلبس، وإنما تأويله ~~- والله أعلم - أنه أنزل المطر فنبت عنه ~~النبات، ثم رعته البهائم فصار صوفا وشعرا ~~ووبرا على أبدانها، ونبت عنه القطن والكتان، ~~واتخذت من ذلك أصناف الملابس، فسمى المطر ~~لباسا إذ كان سبب ذلك، ومن هذا الباب أيضا ~~قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ينزل ربنا كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من ~~سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل ~~من تائب فأتوب عليه؟» جعلته المجسمة ~~نزولا على الحقيقة، وقد أجمع العارفون على ~~أن الله لا ينتقل؛ لأن الانتقال من صفة ~~المحدثات؛ ولهذا الحديث تأويلان: # أحدهما: # أن معناه: ينزل أمره في كل ~~سحر؛ أي إن الله - تعالى - يأمر ~~ملكا بالنزول إلى سماء الدنيا، وقد ~~تقول العرب: كتب الأمير إلى فلان كتابا ~~وقطع الأمير يد اللص، وضرب السلطان ~~فلانا؛ إذ هي تنسب الفعل إلى من ~~أمر ms143 به، كما تنسبه لمن فعله، ويقول ~~العرب: جاء فلان إذا جاء كتابه، ويقولون ~~للرجل: أنت ضربت زيدا وهو لم يضربه، إذا ~~كان قد رضي بذلك وشايع عليه. # وثانيهما: # أن من المعاني المجازية للنزول ~~الإقبال على الشيء بعد الإعراض عنه، ~~والمقاربة بعد المباعدة، فيكون معنى ~~الحديث على هذا أن العبد في هذا الوقت ~~أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من ~~الأوقات، وأن الباري - سبحانه - يقبل ~~على عباده بالتحنن والعطف في هذا الوقت ~~بما يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكير ~~الباعثين لهم على الطاعة والجد في العمل، ~~ومن استعمال العرب النزول في هذا المعنى ~~قول حطان بن المعلى من شعراء ~~«الحماسة»: # أنزلني الدهر على ~~حكمه # من شاهق عال إلى ~~خفض # أي: جعلني أقارب من كنت أباعده، ~~وأقبل على من كنت أعرض عنه؛ ومن ذلك ~~أيضا قوله تعالى: # الله نور السموات ~~والأرض ~~، توهم المجسمة أن ~~الله نور، وإنما المعنى هادي السموات ~~والأرض، والعرب تسمي كل ما جلا الشبهات ~~وأزال الالتباس وأوضح الحق، نورا. قال ~~الله تعالى: # وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا # يعني القرآن، ثم قال ~~المؤلف: ولو منحت المجسمة طرفا من ~~التوفيق، وتأملت الآية بعين التحقيق، ~~لوجدت فيها ما يبطل دعواهم بدون تكلف ~~تأويل، ومن غير طلب دليل؛ لأن الله - ~~تعالى - قال بعقب هذه الآية: # ويضرب الله ~~الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم ~~. # أما النوع الثاني: نوع الحقيقة والمجاز ~~العارضين في اللفظة من قبل أحوالها، فمثاله ~~قوله تعالى: # فإذا ~~عزم الأمر ~~، والأمر لا ~~يعزم وإنما يعزم عليه، ونحو قوله تعالى: # بل مكر ~~الليل والنهار ~~، أي: مكركم ~~في الليل والنهار، ويقول العرب: نهارك صائم، ~~وليلك قائم. # وأما النوع الثالث: أي: المجاز والحقيقة ~~العارضان من طريق التركيب وبناء بعض الألفاظ ~~على بعض، فنحو الأمر يرد بصيغة الخبر، ~~والخبر يرد بصيغة الأمر، والإيجاب يرد بصيغة ~~النفي، والنفي يرد بصيغة الإيجاب، والواجب يرد ~~بصيغة الممكن أو الممتنع، والممكن والممتنع ~~يردان بصيغة الواجب، والمدح يرد بصيغة الذم، ~~والذم يرد بصيغة المدح، والتقليل يرد بصيغة ~~التكثير، والتكثير يرد بصيغة ms144 التقليل، ونحو ~~ذلك من أساليب الكلام التي لا يقف عليها إلا ~~من تحقق بعلم اللسان. # فمن الأمر الوارد بصيغة الخبر قوله تعالى: # والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين ~~، وإنما المعنى ~~لترضع الوالدات أولادهن، والخبر الوارد بصيغة ~~الأمر كقوله تعالى: # أسمع بهم وأبصر # أي: ~~ما أسمعهم وأبصرهم! أما الإيجاب الوارد ~~بصيغة النفي، فكقولك: ما زال زيد عالما، ~~فإن صيغته كصيغة قولك: ما كان زيد عالما، ~~والأول إيجاب، والثاني نفي، وأما النفي ~~الوارد بصورة الإيجاب فنحو قولهم: لو جاءني ~~زيد لأكرمته، فصورته صورة كلام موجب لأنه ~~ليس فيه أداة من أدوات النفي، وهو منفي في ~~المعنى لأنه لم يقع المجيء ولا الإكرام، ومنه ~~قوله تعالى: # ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ~~، # ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم ~~جميعا ~~. # وورود الواجب بصورة الممكن كقوله تعالى: # فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح ~~: وقوله: # عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما ~~محمودا ~~، وورود الممتنع بصورة ~~الممكن كقول النابغة الذبياني يرثي النعمان بن ~~الحارث الغساني: # فإن تحي لا أملل حياتي ~~وإن تمت # فما في حياتي بعد موتك ~~طائل # وأما ورود المدح في صورة الذم فمنه ما ~~ذكره ابن جني أن أعرابيا رأى ثوبا ~~فقال: ما له؟ محقه الله! قال فقلت له: لم ~~تقول هذا؟ فقال: إذا استحسنا شيئا دعونا ~~عليه، وأصل هذا أنهم يكرهون أن يمدحوا الشيء ~~فيصيبونه # 113 # بالعين فيعدلون عن مدحه إلى ~~ذمه، وأما ورود الذم في صورة المدح ~~فكقوله تعالى: # إنك ~~لأنت الحليم ~~الرشيد ~~. ~~(3) # الخلاف العارض من جهة الإفراد والتركيب: ~~وذلك أنك تجد الآية الواحدة ربما استوفت ~~الغرض المقصود بها من التعبد، فلم تحوجك ~~إلى غيرها، مثل قوله تعالى: # يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم ~~، وقوله تعالى: # وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ~~، وقوله ~~تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله ~~، فإن كل واحدة من ~~هذه الآيات قائمة بنفسها مستوفية للغرض ~~المراد منها، وكذلك الأحاديث الواردة كقوله: ~~«الزعيم غارم، والبينة على المدعي، ~~واليمين على المدعى عليه.» وربما وردت ~~الآية غير مستوفية للغرض المراد من التعبد، ~~وورد تمام ms145 الغرض في آية أخرى وكذلك الحديث، ~~ومثال ذلك قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان ~~، ثم قال ~~آية أخرى: # بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء ~~، فدل ~~اشتراط المشيئة في هذه الآية الثانية على أنه ~~مراد في الآية الأولى، وربما وردت الآية ~~مجملة ثم يفسرها الحديث، كالآيات الواردة ~~مجملة في الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم ~~شرحت السنة والآثار جميع ذلك، ولأجل هذا صار ~~الفقيه مضطرا في استعمال القياس إلى الجمع ~~بين الآيات المفترقة وبين الأحاديث المتغايرة ~~وبناء بعضها على بعض، ووجه الخلاف العارض في ~~هذا الموضع أنه ربما أخذ بعض الفقهاء ~~بمفرد الآية أو بمفرد الحديث، وبنى آخر ~~قياسه على جهة التركيب الذي ذكرنا، بأن يأخذ ~~بمجموع آيتين أو بمجموع حديثين، أو بمجموع ~~آيات أو بمجموع أحاديث، فيفضي بهما الحال إلى ~~الخلاف فيما ينتجانه، فعلى مثل هذا ~~ركبت القياسات وأنتجت النتائج، ووقع ~~الخلاف بين أصحاب القياس. وخالفهم قوم ~~آخرون لم يروا القياس، ورأوا الأخذ بظاهر ~~الألفاظ، فنشأ من ذلك نوع آخر من الخلاف، ~~ومما اختلفت فيه أقوال الفقهاء من هذا الباب ~~ما يكون لأخذ كل واحد منهم بحديث مفرد اتصل به ~~ولم يتصل به سواه. ~~(4) # الخلاف العارض من جهة العموم والخصوص، وهو ~~نوعان؛ أحدهما: يعرض في موضوع اللفظة المفردة. ~~والثاني: يعرض في التركيب. فالأول:«كالإنسان»، ~~يستعمل عموما نحو قوله تعالى: # إن الإنسان لفي ~~خسر ~~، ويدل على أنه لفظ عام ~~لا يخص واحدا دون آخر قوله: # إلا الذين ~~آمنوا # فإن الاستثناء لا يكون ~~إلا من جملة، ويستعمل خصوصا نحو ذلك: جاءني ~~الإنسان، تريد شخصا معينا. # والثاني: نحو قوله تعالى: # لا إكراه في ~~الدين ~~. قال قوم: هذا خصوص في ~~أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا ~~أدوا الجزية، وقال قوم: هي عموم ثم نسخت ~~بقوله: # جاهد ~~الكفار والمنافقين ~~، ~~وقد يأتي من هذا الباب ما موضوعه في اللغة على ~~العموم ثم تخصصه الشريعة كالمتعة، ~~فإنها عند العرب اسم لكل شيء استمتع به ~~لا يخص به شيء ms146 دون آخر، ثم نقلت عن ذلك ~~واستعملت في الشريعة على ضربين؛ أحدهما: ~~المتعة التي كانت مباحة في أول الإسلام، ~~ثم نهي عنها ونسخت بالنكاح والولي. # والثاني: ما تمتع به المرأة من مهرها، ~~كقوله تعالى: # ومتعوهن على الموسع ~~قدره وعلى المقتر ~~قدره ~~، وقد وقع الخلاف في قوله ~~تعالى: # فما ~~استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن ~~فريضة ~~، فكان ابن عباس يذهب ~~بمعناه إلى المتعة الأولى، وذهب جماعة الفقهاء ~~إلى أن المتعة الأولى منسوخة، وأن هذه ~~الآية كالتي في «البقرة»، وأن معنى قوله: # فآتوهن ~~أجورهن # إنما المراد ~~المهر. # 114 ~~(5) # الخلاف العارض من جهة الرواية: والعلل التي ~~تعرض للحديث فتحيل معناه، فربما أوهمت فيه ~~معارضته بعضه لبعض، وربما ولدت فيه إشكالا ~~يحوج العلماء إلى طلب التأويل البعيد على ~~أضرب: # العلة الأولى: # فساد الإسناد، وهذه العلة أشهر ~~العلل عند الناس، حتى إن كثيرا منهم ~~يتوهم أنه إذا صح الإسناد صح الحديث، ~~وليس كذلك، وفساد الإسناد يكون من ~~الإرسال # 115 # وعدم الاتصال، ويكون من أن ~~بعض الرواة صاحب بدعة أو متهم بكذب ~~وقلة ثقة، أو مشهورا ببله وغفلة، أو ~~يكون متعصبا لبعض الصحابة منحرفا عن ~~بعضهم، فإن من كان مشهورا بالتعصب ~~ثم روى حديثا في تفضيل من يتعصب له، ~~ولم يرد من غير طريقه، لزم أن يستراب ~~به. # ومما يبعث على الاسترابة بنقل ~~الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا ~~وتهافت على الاتصال بالملوك، ونيل ~~المكانة والحظوة عندهم، فإن من كان بهذه ~~الصفة لم يؤمن عليه التغيير والتبديل ~~والافتعال للحديث والكذب، حرصا على مكسب ~~يحصل عليه، وقد روي أن قوما من الفرس ~~واليهود وغيرهم لما رأوا الإسلام قد ~~ظهر وعم ودوخ وأذل جميع الأمم، ~~ورأوا أنه لا سبيل إلى مناصبته، رجعوا ~~إلى الحيلة والمكيدة، فأظهروا الإسلام من ~~غير رغبة فيه، وأخذوا أنفسهم بالتعبد ~~والتقشف، فلما حمد الناس طريقتهم ~~ولدوا الأحاديث والمقالات، وفرقوا ~~الناس فرقا، وأكثر ذلك في الشيعة، كما ~~يحكى عن عبد الله بن سبأ اليهودي أنه ~~أسلم واتصل بعلي - رضي الله عنه - وصار من ~~شيعته، فلما ms147 أخبر بقتله وموته قال: ~~كذبتم والله! لو جئتمونا بدماغه مصرورا ~~في سبعين صرة ما صدقنا بموته، ولا ~~يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت ~~جورا، نجد ذلك في كتاب الله، فصارت مقالة ~~يعرف أهلها بالسبئية، ويقال: إنه قال: ~~علي هو إله، وإنه يحيي الموتى، وإنما غاب ~~ولم يمت، وإذا كان عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - يتشدد في الحديث ويتوعد ~~عليه، والزمان زمان والصحابة متوافرون، ~~والبدع لم تظهر، فما ظنك بالحال في ~~الأزمنة التي ذمها الرسول، وقد كثرت ~~البدع وقلت الأمانة؟ # العلة الثانية: # نقل الحديث على المعنى دون اللفظ ~~بعينه، فربما اتفق أن يسمع الراوي ~~الحديث فيتصور معناه في نفسه على غير ~~الجهة التي أرادها، وإذا عبر عن ذلك ~~المعنى بألفاظ أخر، كان قد حدث بخلاف ~~ما سمع من غير قصد منه، وذلك أن الكلام ~~الواحد قد يحتمل معنيين وثلاثة، وقد يكون ~~فيه اللفظة المشتركة، ومن ظريف الغلط ~~الواقع في اشتراك الألفاظ ما روي أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وهب عليا - رضي الله عنه ~~- عمامة تسمى «السحاب»، فاجتاز علي - ~~رضي الله عنه - متعمما بها، فقال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، لمن كان معه: «أما رأيتم ~~عليا في السحاب؟» أو نحو ذلك من اللفظ. ~~فسمعه بعض المتشيعين لعلي - رضي الله ~~عنه - فظن أنه يريد السحاب المعروف، ~~فكان ذلك سببا لاعتقاد الشيعة أن ~~عليا في السحاب إلى يومنا هذا. # العلة الثالثة: # الجهل بالإعراب ومباني كلام العرب ~~ومجازاتها. # العلة الرابعة: # وهي التصحيف، وذلك أن كثيرا من ~~المحدثين لا يضبطون الحروف، ولكنهم ~~يرسلونها إرسالا غير مقيدة ولا ~~مثقفة اتكالا على الحفظ، فإذا غفل ~~المحدث عما كتب مدة من زمانه، ثم ~~احتاج إلى قراءة ما كتب أو قرأه غيره، ~~فربما رفع المنصوب ونصب المرفوع، ~~فانقلبت المعاني إلى أضدادها، وربما ~~تصحف له الحرف بحرف آخر لعدم الضبط فيه؛ ~~فانعكس المعنى إلى نقيض المراد، كما ~~يحرف «أفرع» بمعنى تام الشعر إلى ~~«أقرع» بالقاف بمعنى لا شعر برأسه، وذلك ~~أن هذا الخط العربي شديد الاشتباه. # ومن ظريف ms148 ما وقع من التصحيف في كتاب ~~مسلم ومسنده الصحيح: «نحن يوم القيامة على ~~كذا انظر» وهذا شيء لا يتحصل له معنى، ~~وهكذا نجده في كثير من النسخ، وإنما هو: ~~«نحن يوم القيامة على كوم»، والكوم جمع ~~كومة وهو المكان المشرف، فصحفه بعض ~~النقلة فكتب: «نحن يوم القيامة على ~~كذا»، فقرأ من قرأ فلم يفهم ما هو فكتب ~~على طرة الكتاب: «انظر»، يأمر قارئ ~~الكتاب بالنظر فيه وينبهه عليه، فوجده ~~ثالث فظنه من الكتاب وألحقه ~~بمتنه. # العلة الخامسة: # هي إسقاط شيء من الحديث لا يتم ~~المعنى إلا به. # العلة السادسة: # هي أن ينقل المحدث الحديث ويغفل ~~عن نقل السبب الموجب له فيعرض من ذلك ~~إشكال في الحديث أو معارضة لحديث ~~آخر. # العلة السابعة: # هي أن يسمع المحدث بعض الحديث ~~ويفوته سماع بعضه، كنحو ما روي من أن ~~عائشة - رضي الله عنها - أخبرت أن أبا ~~هريرة حدث أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إن يكن الشؤم ففي ثلاث: الدار ~~والمرأة والفرس»، وهذا الحديث معارض ~~للأحاديث الكثيرة الناهية عن التطير، ~~فغضبت عائشة وقالت: والله ما قال هذا رسول ~~الله قط. إنما قال: «أهل الجاهلية ~~يقولون: إن يكن الشؤم ففي ثلاث: الدار ~~والمرأة والفرس.» فدخل أبو هريرة فسمع ~~الحديث ولم يسمع أوله، وهذا غير منكر أن ~~يعرض؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يذكر في ~~مجلسه الأخبار حكاية ويتكلم بما لا يريد ~~به أمرا ولا نهيا، ولا أن يجعله أصلا ~~في دينه ولا شيئا يستسن به، وذلك معلوم ~~من فعله ومشهور من قوله. # العلة الثامنة: # نقل الحديث المصحف دون لقاء ~~الشيوخ والسماع من الأئمة والاكتفاء ~~بالأخذ من الصحف المسودة والكتب التي لا ~~يعلم صحتها من سقمها، وربما كانت ~~مخالفة لرواية شيخه، فيصحف الحروف ~~ويبدل الألفاظ، وينسب جميع ذلك إلى شيخه ~~ظالما. ~~(6) # الخلاف العارض من قبل الاجتهاد والقياس، ~~وهو نوعان؛ أحدهما: الخلاف الواقع بين ~~المنكرين للاجتهاد والقياس والمثبتين لهما، ~~والثاني: خلاف يعرض بين أصحاب القياس في ~~قياسهم. ~~(7) # الخلاف العارض من قبل النسخ ms149 وهو يعرض ~~بين من أنكر النسخ ومن أثبته، ويعرض بين ~~القائلين بالنسخ من جهة اختلافهم في ~~الأخبار: هل يجوز فيها النسخ كما يجوز في ~~الأمر والنهي أم لا؟ واختلافهم في نسخ السنة ~~للقرآن، واختلافهم في أشياء من القرآن ~~والحديث، ذهب بعضهم إلى أنها نسخت وبعضهم ~~إلى أنها لم تنسخ. ~~(8) # الخلاف العارض من قبل الإباحة؛ أي من ~~قبل أشياء أوسع الله - تعالى - فيها على ~~عباده، وأباحها لهم على لسان نبيه، كاختلاف ~~الناس في الأذان ووجوه القراءات السبع، ونحو ~~ذلك. # 116 # وجدت في العصر الذي نحن بصدده كل هذه الخلافات أو ~~أكثرها تبعا لاستقرار الملك واتساعه، وتشعب حاجاته ~~التشريعية، وخروج العرب من طور البداوة والأمية واتصالهم ~~بأمم أعجمية لها حظ من العلم والمدنية، وكانت هذه الخلافات ~~من بواعث النهضة الأولى لإنشاء العلوم العربية، وتدوين ~~الحديث والتفسير على أنها أدوات لاستنباط الأحكام الشرعية ~~من دلائلها، وللاجتهاد بالرأي الذي هو أصل من أصول ~~الشرع. ~~(6) نظرة إجمالية # وجملة القول أن التشريع في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كان يقوم ~~كما بينا آنفا على الوحي من الكتاب والسنة، وعلى الرأي ~~من النبي ومن أهل النظر، والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في ~~تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه، وبدون تنازع ولا شقاق ~~بينهم. # ومضى عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين من ~~سنة 11ه/632م إلى 40ه/660م، وقد اتفق الصحابة في هذا العهد على ~~استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد ~~منهم. # وفي هذا العهد أخذت تبدو الصورة الأولى للإجماع، بما كان ~~يركن إليه الأئمة من مشاورة أهل الفتوى من الصحابة - وهم ~~المعتبرون في انعقاد الإجماع، وكانوا قلة لا يتعذر تعرف ~~الاتفاق بينهم. # 117 # ولم يكن يفتى من الصحابة إلا حملة القرآن الذين قرءوه ~~وكتبوا وفهموا وجوه دلالته وعرفوا ناسخه ومنسوخه، وكانوا ~~يسمون «القراء» لذلك، وتمييزا لهم عن سائر الصحابة ~~بهذا الوصف الغريب في أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. # ولم يكن الرأي في هذا الدور قد تعين ms150 معناه ولا تخصص، قال ~~المرحوم الشيخ محمد الخضري بك في كتاب «تاريخ التشريع ~~الإسلامي»: ~~«بينا أنهم كانوا (أي الصحابة) يعمدون إلى الفتوى ~~بالرأي، إن لم يكن هناك عندهم في الحادثة نص من القرآن والسنة، ~~والرأي عندهم إنما كان للعمل بما يرونه مصلحة وأقرب إلى ~~روح التشريع الإسلامي من غير نظر إلى أن يكون هناك أصل معين ~~للحادثة أو لا يكون. # ألا ترى أن عمر حتم على محمد بن مسلمة أن يمر خليج ~~جاره في أرضه لأنه ينفع الطرفين ولا يضر محمدا في شيء، وأفتى ~~بوقوع الطلاق الثلاث مرة واحدة؛ لأن الناس قد استعجلوا أمرا ~~كانت لهم فيه أناة، وحرم على من تزوج امرأة في عدتها ~~أن يتزوج بها مرة أخرى بعد التفريق بينهما، زجرا له، ~~والنظر في المصالح يختلف باختلاف الناظرين؛ لذلك نجد بعض ~~المفتين في عصر عمر خالفوه فيما رأى، وهناك مسائل خالف فيها ~~عمر أبا بكر وقضى بغير ما كان يقضي به، كما ذكرنا في ميراث ~~الجد مع الأخوة. وفي التفضيل في العطاء، وكذلك هناك مسائل أفتى ~~فيها علي بغير ما أفتى به غيره من إخوانه، فقد كان يخرج ~~الزكاة عن أموال اليتامى الذين في حجره، وكان غيره يقول ليس ~~على مال اليتيم زكاة. # وقد بينا أن الخلاف لم يكن في هذا العصر بالشيء الكثير؛ ~~لأن أقضيتهم كانت بقدر ما ينزل من الحوادث، ولم تدون هذه ~~الأقضية في عصرهم، فقد انتهى ذلك الدور والفقه هو نصوص القرآن ~~الكريم والسنة الطاهرة المتبعة وما ارتضاه كبار الصحابة، ~~مما رواه لهم غيرهم من الصحابة أو ما سمعوه هم، وقليل من ~~الفتاوى صادرة عن آرائهم بعد الاجتهاد والبحث. # وأشهر المتصدرين للفتوى في هذا العصر الخلفاء الأربعة، ~~وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، ~~وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والمكثرون منهم عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ~~وهذا في الفرائض خاصة.» # 118 # وفي كتاب «إعلام الموقعين» لابن قيم الجوزية: «وقال محمد ms151 ~~بن جرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه ~~في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، ~~وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى ~~قوله، وقال الشعبي كان عبد الله لا يقنت، وقال لو قنت عمر ~~لقنت عبد الله. # فصل: وكان من المفتين عثمان بن عفان، غير أنه لم يكن له ~~أصحاب معروفون، والمبلغون عن عمر فتياه ومذاهبه وأحكامه في ~~الدين بعده أكثر من المبلغين عن عثمان والمؤدين عنه، وأما ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فانتشرت أحكامه وفتاويه، ~~ولكن قاتل الله الشيعة! فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب ~~عليه؛ ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من ~~حديثه وفتواه إلا ما كان عن طريق أهل بيته وأصحاب عبد الله بن ~~مسعود كعبيدة السلماني، وشريح وأبي وائل ونحوهم.» # 119 ~~(6-1) علم وفقه # ثم كان عصر بني أمية من سنة 40ه/660م إلى سنة ~~132ه/749م، وتكاثر الممارسون للقراءة والكتابة من العرب، ~~ودخلت في دين الله أمم ليست أمية، فلم يعد لفظ ~~القراء نعتا غريبا يصلح لتمييز أهل الفتوى ومن ~~يؤخذ عنهم الدين، هنالك استعمل لفظ «العلم» للدلالة على ~~حفظ القرآن ورواية السنن والآثار، وسمي أهل هذا الشأن ~~«العلماء»، واستعمل لفظ الفقه للدلالة على استنباط الأحكام ~~الشرعية بالنظر العقلي فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا ~~سنة، وسمي أهل هذا الشأن «الفقهاء»، فإذا جمع امرؤ بين ~~الصفتين جمع له اللفظان أو ما يرادفهما. # وفي «طبقات» ابن سعد: كان ابن عمر جيد الحديث غير جيد ~~الفقه، وكان زيد بن ثابت فقيها في الدين وعالما ~~بالسنن. # وروى ابن القيم في «إعلام الموقعين» عن بعض التابعين، ~~قال: دفعت # 120 # 121 # إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان، قد ~~استعلى عليهم في فقهه وعلمه. وفي «إعلام الموقعين» أيضا ~~عن ميمون بن مهران: «ما رأيت أفقه من ابن عمر ولا أعلم من ~~ابن عباس.» ~~(6-2) الخلاف في كتابه العلم وتخليده في الصحف # وقد كان كثير ms152 من الصحابة والتابعين يكره كتابة ~~العلم، وتخليده في الصحف كعمر وابن عباس والشعبي ~~والنخعي وقتادة ومن ذهب مذهبهم. # قال ابن عبد البر في «مختصر جامع بيان العلم»: ~~«من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين؛ أحدهما: ألا ~~يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب ~~على ما يكتب فلا يحفظ فيقل الحفظ.» # وقال ابن عبد البر أيضا في الكتاب نفسه: ~~«قال أبو عمر: من ذكرنا قوله في هذا الباب فإنما ذهب في ~~ذلك مذهب العرب؛ لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين ~~بذلك، والذين كرهوا الكتابة كابن عباس والشعبي وابن شهاب ~~والنخعي وقتادة ومن ذهب مذهبهم وجبل جبلتهم، كانوا ~~قد طبعوا على الحفظ، فكان أحدهم يجتزي بالسمعة، ألا ~~ترى ما جاء عن ابن شهاب أنه كان يقول: إني لأمر ~~بالبقيع فأسد آذاني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا، ~~فوالله، ما دخل أذني شيء قط فنسيته، وجاء عن الشعبي نحوه ~~وهؤلاء كلهم عرب.» # 122 # وفي «تاريخ التشريع الإسلامي» # 123 # للشيخ محمد الخضري بك: ~~«وقال السيوطي في «تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك»: ~~أخرج الهروي في ذم الكلام من طريق الزهري، قال أخبرني ~~عروة بن الزبير، أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب ~~السنن واستشار فيه أصحاب رسول الله، فأشار عليه ~~عامتهم بذلك، فلبث شهرا يستخير الله في ذلك شاكا فيه، ~~ثم أصبح يوما، وقد عزم الله له فقال: إني كنت ذكرت ~~لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا ~~أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله ~~كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ~~ألبس كتاب الله بشيء ، فترك كتابة السنن، وقال ابن سعد في ~~«الطبقات»: أخبرنا قبيصة بن عقبة، أنبأنا سفيان عن ~~معمر عن الزهري قال: أراد عمر أن يكتب السنن ~~فاستخار الله شهرا، ثم أصبح وقد عزم له، فقال ذكرت قوما ~~كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله. ~~ا.ه.» # 124 # ولما مضى عهد الصحابة ما بين تسعين ومائة من الهجرة، ~~وجاء عهد ms153 التابعين انتقل أمر الفتيا والعلم بالأحكام إلى ~~الموالي إلا قليلا. # جاء في كتاب «مناقب الإمام الأعظم» للبزار: ~~«عن عطاء قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فقال: هل لك ~~علم بعلماء الأمصار؟ قلت: بلى، قال: فمن فقيه المدينة؟ ~~قلت: نافع مولى ابن عمر المتوفى سنة 117ه/735م، وفقيه ~~مكة عطاء بن رباح المولى المتوفى سنة 114ه/732م، وفقيه ~~اليمن طاوس بن كيسان المولى، وهو فارسي توفي سنة ~~106ه/724-725م، وفقيه الشام مكحول (مات سنة بضع ومائة)، ~~وفقيه الجزيرة ميمون بن مهران المولى (مات سنة 117ه/745م) ~~وفقيها البصرة الحسن وابن سيرين (محمد بن سيرين أبو بكر بن ~~أبي عمرة مات سنة 110ه/728-729م) الموليان، وفقيه ~~الكوفة إبراهيم النخعي العربي (أبو عمران إبراهيم بن ~~يزيد مات سنة 95ه/713-714). قال هشام: لولا قولك عربي ~~لكادت نفسي تخرج.» # 125 # وجاء في كتاب «الخطط» للمقريزي: ~~«وعن عون بن سليمان الحضرمي قال: كان عمر بن عبد العزيز ~~قد جعل الفتيا بمصر إلى ثلاثة رجال: رجلان من الموالي، ~~ورجل من العرب، فأما العربي فجعفر بن ربيعة، وأما ~~الموليان فيزيد بن أبي حبيب، وعبد الله بن أبي جعفر، ~~فكأن العرب أنكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز: ما ذنبي ~~إذا كانت الموالي تسمو.» # 126 # بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون؟ # 127 ~~(6-3) تدوين العلم # عندئذ تضاءلت النزعة العربية إلى حظر التدوين، وصارت ~~كتابة العلم أمرا لازما، ومما أكد الحاجة لتدوين ~~السنن شيوع رواية الحديث، وقلة الثقة ببعض الرواة، وظهور ~~الكذب في الحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، لأسباب سياسية أو ~~مذهبية «عن سعد بن إبراهيم قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز - ~~المتوفى سنة 101ه/720م - بجمع السنن فكتبناها دفترا ~~دفترا، فبعث إلى كل بلد له عليها سلطان دفترا.» # 128 # وفي شرح الزرقاني على «موطأ مالك»: ~~«وأفاد في الفتح أن أول من دون الحديث ابن شهاب ~~بأمر عمر بن عبد العزيز، يعني كما رواه أبو نعيم من طريق ~~محمد بن الحسن بن زباله، عن مالك قال: أول من دون ~~العلم ابن شهاب، وأخرج ms154 الهروي في «ذم الكلام» من طريق يحيى ~~بن سعيد عن عبد الله بن دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا ~~التابعون يكتبون الأحاديث، إنما كانوا يؤدونها لفظا، ~~ويأخذونها حفظا، إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف ~~عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في ~~العلماء الموت أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي فيما ~~كتب إليه أن انظر ما كان من سنة أو حديث عمر فاكتبه، ~~وقال مالك في «الموطأ» (رواية محمد بن الحسن): أخبرنا يحيى ~~بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر # 129 # محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، أو سنة أو حديث أو نحو هذا، فاكتبه ~~لي؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء (علقه # 130 # البخاري في صحيحه)، وأخرجه أبو نعيم في ~~تاريخ أصبهان بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: ~~انظروا حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأجمعوه، وروى ابن عبد ~~الرزاق عن ابن وهب، سمعت مالكا يقول: كان عمر بن عبد ~~العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى ~~المدينة يسألهم عما مضى وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى ~~أبي بكر بن حزم أن يجمع السنن ويكتب بها إليه، فتوفي عمر ~~وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إليه.» # 131 # ويقول المرحوم محمد بن الخضري في كتاب «تاريخ التشريع ~~الإسلامي»: ~~«أما السنة فمع كثرة روايتها في هذا الدور - يريد عهد ~~صغار الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين من سنة ~~41ه/661-662م إلى أوائل القرن الثاني من الهجرة - وانقطاع ~~فريق من علماء التابعين لروايتها، لم يكن لها حظ من ~~التدوين، إلا أنه لم يكن من المعقول أن يستمر هذا الأمر ~~طويلا مع اعتبار الجمهور للسنة أنها مكملة للتشريع ~~ببيانها للكتاب، ولم يكن ظهر بين الجمهور من يخالف هذا ~~الرأي، وأول من تنبه لهذا النقص الإمام عمر بن عبد ~~العزيز على رأس المائة الثانية من الهجرة، فقد ms155 كتب إلى ~~عامله بالمدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما ~~كان من حديث رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، أو سنته فاكتبه فإني ~~خفت دروس العلم وذهاب العلماء (رواه مالك في «الموطأ» ~~رواية محمد بن الحسن). وأخرج أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ~~عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى ~~حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأجمعوه.» # 132 # وجاء في كتاب «الإحكام» لابن حزم: ~~«... ولئن كان جمع حديث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، مذموما، فإن ~~مالكا لمن أول من فعل ذلك؛ فإنه أول من ألف في جمع ~~الأحاديث فحماد بن سلمة، ومعمر ثم مالك ثم تلاهم ~~الناس.» # 133 # وقد بدت مخايل نهضة في التشريع الإسلامي منذ ذلك العهد، ~~فحصل تدوين بعض السنن وبعض المسائل، ولم يصل إلينا من تلك ~~المدونات إلا صدى. ~~(أ) أول تدوين السنن بالمعنى الحقيقي # أما أول تدوين للسنن بالمعنى الحقيقي فيقع ما بين ~~سنة 120ه/738م، سنة ~~150ه/767م. # ويقول ابن قتيبة إن ابن شهاب الزهري المتوفى سنة ~~124ه/سنة 741-742م هو أول من كتب الحديث. # وفي «إعلام الموقعين»: ~~«وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على ~~أبواب الفقه.» # 134 # وفي كتاب «كشف الظنون»: ~~«الإشارة الثالثة في أول من صنف في الإسلام: ~~واعلم أنه اختلف في أول من صنف، فقيل الإمام عبد ~~الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة خمس ~~وخمسين ومائة، وقيل: أبو النصر سعيد بن أبي عروبة ~~المتوفى سنة ست وخمسين ومائة، ذكرهما الخطيب ~~البغدادي، وقيل ربيع بن صبيح المتوفى سنة ستين ومائة، ~~قاله أبو محمد الرامهرمزي، ثم صنف سفيان بن عيينة ~~(المتوفى سنة 198ه/813-814م)، ومالك بن أنس بالمدينة، ~~وعبد الله بن وهب (المتوفى سنة 197ه/812-813م بمصر)، ~~وعبد الرزاق باليمن، وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن ~~عزوان بالكوفة، وحماد بن سلمة وروح بن عبادة ~~بالبصرة، وهشيم (المتوفى سنة 183ه/799م) بواسط، وعبد ~~الله بن المبارك (المتوفى سنة 182ه/798م) بخراسان، ~~وكان مطمح نظرهم في التدوين ms156 ضبط معاقد القرآن والحديث ~~ومعانيهما، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة ~~وإليهما.» # 135 # وجاء في «خطط المقريزي»: ~~«فكان أول من دون العلم محمد بن شهاب الزهري، ~~وكان أول من صنف وبوب سعيد بن عروبة والربيع بن ~~صبيح بالبصرة، والوليد بن مسلم بالشام، وجرير بن ~~عبد الحميد بالري، وعبد الله بن المبارك بمرو ~~وخراسان، وهشيم بن بشير بواسط، وتفرد بالكوفة أبو ~~بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة التصنيف وحسن ~~التأليف.» # 136 # وقال الغزالي في «الإحياء»: ~~«بل الكتب والتصانيف محدثة، لم يكن شيء منها في ~~زمن الصحابة وصدر التابعين، وإنما حدثت بعد سنة مائة ~~وعشرين من الهجرة، وبعد وفاة جميع الصحابة وجلة ~~التابعين - رضي الله عنهم - وبعد وفاة سعيد بن ~~المسيب والحسن وخيار التابعين، بل كان الأولون ~~يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب، لئلا يشتغل الناس ~~بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر، ~~وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ، وكان أحمد بن حنبل ~~ينكر على مالك تصنيف «الموطأ»، ويقول: ابتدع ما لم ~~تفعله الصحابة رضي الله عنهم، وقيل أول كتاب صنف في ~~الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف التفاسير عن ~~مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس، - رضي الله عنهم - ~~بمكة، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني (المتوفى سنة ~~154ه/771م) باليمن جمع فيه سننا مأثورة نبوية، ثم ~~كتاب «الموطأ» بالمدينة لمالك بن أنس، ثم «جامع» سفيان ~~الثوري، ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر ~~الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات.» # 137 # وفي كتاب «مختصر جامع بيان العلم»: ~~«وعن عبد العزيز بن محمد الداروردي قال: أول من ~~دون العلم وكتبه ابن شهاب، وعن عبد الرحمن بن أبي ~~الزناد، عن أبيه قال: كنا نكتب الحلال والحرام، ~~وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت ~~أنه أعلم الناس، وعن الحسن أنه كان لا يرى بكتاب ~~العلم بأسا، وقد كان أملى التفسير فكتب، وعن الأعمش ~~قال: قال الحسن: إن لنا كتبا نتعاهدها، وعن هشام بن ~~عروة، عن أبيه أنه قد احترقت كتبه يوم ms157 الحرة وكان ~~يقول: وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي.» # 138 # ويقول جولدزيهر في مقاله عن كلمة «فقه» في دائرة ~~المعارف الإسلامية: ~~«وينبغي ألا يعطى كبير ثقة لما نسب لهشام بن ~~عروة، من أنه في يوم الحرة حرقت لأبيه كتب فقه، ولا ~~يمكن أن يتصور بحال أنه في ذلك العهد البعيد كانت ~~توجد كتب بالمعنى الصحيح، وإنما هي صحائف متفرقة، ~~وتوفي عروة سنة 94ه/712م، وتلك السنة هي التي كانت ~~تسمى سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من الفقهاء ~~...» # لكن جولدزيهر يذكر في المقال الذي أشرنا إليه آنفا ~~ما يأتي: ~~«وقد اكتشف جرفيني بين المخطوطات القديمة في ~~المكتبة الأمبروزية بميلانو الخاصة ببلاد العرب ~~الجنوبية مختصرا في الفقه اسمه «مجموعة زيد بن علي» ~~المتوفى سنة 122ه/740م، وهو منسوب إلى مؤسس فرقة ~~الزيدية من الشيعة، وعلى ذلك تكون هذه المجموعة أقدم ~~مجموعة في الفقه الإسلامي. # وعلى كل حال ينبغي أن يوضع هذا الكتاب موضع الاعتبار ~~فيما يتعلق بتاريخ التأليف في الفقه الإسلامي، وإذا صح ~~أنه وصل إلينا من بطانة زيد بن علي، وجب أن نعترف ~~بأن أقدم ما وصل إلينا من المصنفات الفقهية هو من ~~مؤلفات الشيعة الزيدية، على أن البحث الذي أثير ~~لتعيين مركز هذا الباب بين المؤلفات الفقهية لم ~~يكمل.» # وعلى الجملة فإنه إذا كان دون شيء لضبط معاقد ~~القرآن والحديث ومعانيهما في عهد بني أمية، أو دون ~~شيء مما يتصل بالقضاء في هذا العهد أيضا كما يقول ~~السكتواري في كتاب «محاضرة الأوائل ومسامرة ~~الأواخر»: «أول القضاة بمصر سجل سجلا بقضائه، ~~سليم بن عز؛ قضى في ميراث وأشهد فيه، وكتب كتابا ~~بالقضاء به وأشهد فيه شيوخ الجند؛ فكان أول القضاة ~~تسجيلا، وكانت ولايته من سنة أربعين إلى موت معاوية - ~~رضي الله عنه - سنة ستين» (أوائل السيوطي). # 139 # فإن التدوين في الفقه بالمعنى المحدث لم ~~يكن إلا في عهد العباسيين . هذا هو الرأي الذي يكاد ~~يكون مقررا ومجمعا عليه بين الباحثين. # وقد ذكر صاحب «الفهرست» عند الكلام على الزيدية ما ~~نصه: ~~«الزيدية ms158 الذين قالوا بإمامة زيد بن علي - رضي الله ~~عنه، ثم قالوا بعده بالإمامة في ولد فاطمة، كائنا من ~~كان، بعد أن يكون استوفى شروط الإمامة، وأكثر المحدثين ~~على هذا المذهب مثل سفيان بن عيينة، وسفيان ~~الثوري، وصالح بن حي وولده # 140 # وغيرهم.» # 141 # وعلاقة ابن عيينة والثوري بنهضة الفقه عند أهل السنة ~~تجعل للبحث الذي يشير إليه جولدزيهر شأنا ~~خطيرا. # وفي «رسائل الجاحظ» (كتاب فضل بني هاشم): ~~«فأما الفقه والعلم والتفسير والتأويل فإن ذكرتموه ~~لم يكن فيه أحد، وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب، ~~وعبد الله بن عباس، وزيد ومحمد ابني علي بن الحسين ~~بن علي، وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفضله، ~~ويقال إن أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان ~~الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب؛ ولذلك نسب إلى ~~سفيان أنه زيدي المذهب، وكذلك أبو حنيفة، ومن مثل ~~علي بن الحسين زين العابدين؟ وقال الشافعي في ~~«الرسالة» في إثبات خبر الواحد: وجدت علي بن الحسين ~~وهو أفقه أهل المدينة، يقول على أخبار الآحاد، ومن ~~مثل ابن الحنفية، وابنه أبي هاشم الذي قرر علوم ~~التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة: غلب الناس كلهم ~~بأبي هاشم الأول! # 142 # على أن الشيعة كان بأيديهم بعد علي ~~كتاب يقولون إن فيه قضاياه، وقد عرض هذا الكتاب على ~~ابن عباس فأنكر أكثره.» # قال المرحوم الشيخ الخضري في كتاب «تاريخ التشريع ~~الإسلامي»: ~~«وروي عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس ~~أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني، فقال: ولد ناصح، ~~أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه، قال: فدعا ~~بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر بالشيء ~~فيقول: والله، ما قضى علي بهذا إلا أن يكون ضل، ~~وروي عن طاوس قال: أتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ~~فمحاه إلا قدر (وأشار سفيان بن عيينة بذراعه). وروي ~~عن ابن إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ~~- رضي الله عنه - قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم ~~الله، أي علم أفسدوا! # 143 ms159 # ثم قال: ويظهر من حديث ابن عباس السابق أنه كان ~~عند شيعة علي كتاب فيه أقضيته، وذلك ما لم يثق ابن ~~عباس بصحته، وقال: والله، ما قضى علي بهذا إلا أن يكون ~~ضل، ومحا منه كثيرا ولم يبق إلا ~~أقله.» # 144 ~~(ب) سبق الشيعة إلى تدوين الفقه # وعلى كل حال؛ فإن ذلك لا يخلو من دلالة على أن ~~النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة من سائر ~~المسلمين، ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين ~~الأحكام الشرعية أسرع إلى الشيعة؛ لأن اعتقادهم ~~العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حريا أن ~~يسوقهم إلى الحرص على تدوين أقضيتهم وفتاواهم؛ ذلك إلى ~~أن التشيع تأثر منذ بداية أمره بعناصر من غير ~~العرب الأميين الذين كانوا مجبولين على الحفظ ~~نافرين من الكتابة والتدوين، كما سبقت الإشارة إلى ~~ذلك. # وفي هذا العهد لم يكن عرف بين الناس الانتساب إلى ~~فقيه معين يعمل بما ذهب إليه من رواية أو رأي، ~~وإنما كان هؤلاء المفتون بالأمصار المختلفة ~~معروفين بالفقه ورواية الحديث، فكان المستفتي يذهب ~~إلى من شاء منهم فيسأله عما نزل به فيفتيه، ~~وربما ذهب مرة أخرى إلى مفت آخر، وكان القضاة ~~في الأمصار يقضون بين الناس بما يفهمونه من كتاب الله ~~أو سنة رسوله أو أي رأي، إن ظهر لهم، ~~وربما استفتوا من ببلدهم من الفقهاء المعروفين، ~~وربما أرسلوا إلى الخليفة يسألونه، كما حصل في عهد ~~عمر بن عبد العزيز. # 145 ~~(7) الرأي في العصر العباسي الأول من 132ه/749-750م ~~إلى 232ه/846-847م # جاء عهد العباسيين منذ 132ه/749-750م، وشجع الخلفاء الحركة ~~العلمية وأمدوها بسلطانهم، فكان طبيعيا أن تنتعش ~~العلوم الدينية في ظلهم، بل كانت حركة النهوض أسرع إلى العلوم ~~الشرعية؛ لأنها كانت في دور نمو طبيعي وتكامل. # وهناك سبب يذكره ~~«جولدزيهر» في كتابه «عقيدة الإسلام وشرعه» «وهو أن حكومة ~~الأمويين كانت متهمة بأنها دنيوية، فحلت محلها دولة ~~دينية سياستها سياسة ملية. # كان العباسيون يجعلون ~~حقهم في الإمامة قائما على أنهم سلالة البيت النبوي، وكانوا ~~يقولون إنهم ms160 سيشيدون على أطلال الحكومة الموسومة بالزندقة ~~عند أهل التقى نظاما منطقيا على سنة النبي وأحكام الدين ~~الإلهي، ويلاحظ أن المثل الأعلى للسياسة الفارسية وهو ~~الاتصال الوثيق بين الدين والحكومة كان برنامج الحكم العباسي، ~~وقد اقتضى ضبط أمور الدولة على منهاج شرعي جمع الأحكام الشرعية ~~وتدوينها وترتيبها.» # 146 ~~(7-1) تطور معنى كلمة الفقه في هذا العهد # وفي صدر العهد العباسي تمكن الاستنباط واستقرت أصوله، ~~وجعل لفظ الفقه ينتهي بالتدريج إلى أن يكون غير مقصور على ~~المعنى الأصلي؛ أي الاستنباط من الأدلة التي ليست نصوصا، ~~وأصبح المعنى الأول للفقه هو، كما يقول الآمدي في كتاب ~~«الإحكام»: ~~«وفي عرف المتشرعين الفقه # 147 # مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية ~~الفروعية بالنظر والاستدلال.» # 148 # أو هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية كما ~~اختاره الشوكاني في كتاب «إرشاد الفحول» والمراد من ~~الأدلة التفصيلية ما كان نصا أو رأيا، وسمي أهل هذا ~~الشأن بالفقهاء. ~~(7-2) أهل الرأي وأهل الحديث # ونشأ التأليف على هذا المعنى، وانقسم الفقهاء انقساما ~~ظاهرا إلى فريقين؛ أصحاب الرأي والقياس وهم أهل العراق، ~~وأهل الحديث وهم أهل الحجاز. # ومقدم جماعة أهل الرأي الذي استقر المذهب فيه وفي ~~أصحابه هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة ~~150ه/767م المعتبر أبا لمذهب أهل العراق. أسسه وأعانه ~~على تأسيسه تلميذاه الجليلان أبو يوسف القاضي المتوفى سنة ~~182ه/798م ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ~~189ه/804م. # وبدأ النزاع بين الرأي والحديث، وظهور أنصار لكل منهما ~~يسبق عهد أبي حنيفة، فقد كان في كبار التابعين أهل رأي ~~وأهل حديث. # قال الدهلوي في كتابه «حجة الله البالغة»: ~~«اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب ~~المتوفى سنة 91ه/709-710م، وإبراهيم، # 149 # والزهري المتوفى 124ه/741-742م. وفي عصر مالك ~~وسفيان وبعد ذلك، قوم يكرهون الخوض بالرأي ويهابون الفتيا ~~والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا، وكان أكبر ~~همهم رواية حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 150 # وقال المرحوم الخضري في كتاب «تاريخ التشريع الإسلامي» ~~عند الكلام على الدور الثالث ms161 - التشريع في عهد صغار ~~الصحابة، ومن تلقى عنهم من التابعين - في مميزات هذا ~~الدور: بدء النزاع بين الرأي والحديث، وظهور أنصار لكل من ~~المبدأين: # قدمنا أن كبار الصحابة كانوا في العصر الأول يستندون في ~~فتواهم أولا إلى الكتاب ثم إلى السنة، فإن أعجزهم ذلك ~~أفتوا بالرأي وهو القياس بأوسع معانيه، ولم يكونوا ~~يميلون إلى التوسع في الأخذ بالرأي، ولما جاء هذا الخلف ~~- يريد صغار الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين - وجد ~~منهم من يقف عند الفتوى على الحديث ولا يتعداه، يفتي في ~~كل مسألة بما يجده من ذلك، وليست هناك روابط تربط المسائل ~~بعضها ببعض، ووجد فريق آخر يرى أن الشريعة معقولة المعنى، ~~ولها أصول يرجع إليها، فكانوا لا يخالفون الأولين في العمل ~~بالكتاب والسنة ما وجدوا إليها سبيلا، ولكنهم لاقتناعهم ~~بمعقولية الشريعة وابتنائها على أصول محكمة فهمت من الكتاب ~~والسنة، كانوا لا يحجمون عن الفتوى برأيهم فيما لم يجدوا ~~فيه نصا. # وجد بذلك أهل حديث، وأهل رأي، الأولون يقفون عند ~~ظواهر النصوص بدون بحث في عللها وقلما يفتون برأي، ~~والآخرون يبحثون عن علل الأحكام وربط المسائل بعضها ببعض، ~~ولا يحجمون عن الرأي إذا لم يكن عندهم أثر، وكان أكثر ~~أهل الحجاز أهل حديث، وأكثر أهل العراق أهل رأي؛ ولذلك ~~قال سعيد بن المسيب لربيعة (ابن أبي عبد الرحمن المتوفى ~~سنة 136ه/753-754م) لما سأله عن علة الحكم: أعراقي ~~أنت؟ ~~(7-3) أهل الرأي من فقهاء العراق # وممن اشتهر بالرأي والقياس من فقهاء العراق إبراهيم ~~بن يزيد النخعي الكوفي فقيه العراق، وهو شيخ حماد بن أبي ~~سليمان المتوفى سنة 120ه/737-738 شيخ أبي حنيفة ~~المقدم من أهل العراق، وقد أخذ إبراهيم الفقه عن ~~خاله علقمة المتوفى سنة ~~60ه/679-680م أو ~~70ه/689-690م، وهو علقمة بن قيس النخعي الكوفي، وهو من ~~متقدمي فقهاء التابعين من الطبقة الأولى منهم، وكان أنبل ~~أصحاب ابن مسعود. # وكان إبراهيم يعاصر عامر بن شرحبيل الشعبي ~~المتوفى سنة 104ه/732-733م محدث الكوفة وعالمها، وكان ~~الأمر بعيدا بينهما، فإن الشعبي كان صاحب حديث وأثر، ms162 ~~إذا عرضت له الفتيا ولم يجد فيها نصا انقبض عن الفتوى، ~~وكان يكره الرأي وأرأيت، وقال مرة: أرأيتم لو قتل الأحنف ~~وقتل معه صغير، أكانت ديتهما سواء، أم يفضل الأحنف لعقله ~~وحكمه؟ قالوا: بل سواء، قال: فليس القياس بشيء. فالفرق بين ~~الرجلين أن الشعبي ومن على طريقته من رجال الحديث ~~والأثر يقفون عند السنة لا يتعدونها، وينقبضون أن ~~يقولوا بآرائهم فيما فيه سنة وما ليس فيه سنة، ولا يحكم ~~العقل في شيء من ذلك، وليس هناك مصالح منضبطة اعتبرها ~~الشارع في تشريعه يرجعون إليها عند الفتيا، كأنه لا ~~رابطة بين الأحكام الشرعية. # وقد تألم سعيد بن المسيب شيخ فقهاء أهل الحديث من ~~ربيعة لما سأله عن المعقول في دية الأصابع، وكان أهل ~~المدينة يسمون ربيعة هذا بربيعة الرأي، لما يبحث في علل ~~الشريعة، حتى قال ربيعة بن سوار القاضي: ما رأيت أحدا ~~أعلم من ربيعة بالرأي. فقيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ ~~فقال: ولا الحسن وابن سيرين. # أما إبراهيم النخعي ومن على طريقته من فقهاء العراق ~~وبعض فقهاء المدينة؛ فإنهم كانوا يستندون أيضا في فتاويهم ~~إلى الكتاب والسنة، إلا أنهم فهموا أن هذه الشريعة ~~لا بد أن تكون لها مصالح مقصودة التحصيل من أجلها شرعت، ~~وصح لهم اعتبار هذه المصالح فجعلوها أساسا للاستنباط ~~فيما لم يروا فيه كتابا ولا سنة، ولهم في ذلك سلف ~~صالح؛ فإن الصحابة قاسوا في كثير من المسائل التي عرضت ~~لهم، ولم يكن عندهم فيها كتاب ولا سنة، ولم تكن آراؤهم إلا ~~نتيجة اعتبار تلك المصالح. # 151 ~~(أ) أبو حنيفة # ولئن كان حماد بن أبي سليمان الكوفي المتوفى سنة ~~120ه/738م هو أول من جمع حوله طائفة من التلاميذ ~~يعلمهم الفقه مع ميل غالب للرأي، وكان أبو حنيفة ~~من هؤلاء التلاميذ - كما في مقال جولدزيهر - فإن ~~حمادا لم يترك أثرا علميا مكتوبا. # أما أبو حنيفة فيقول صاحب «الفهرست»: «وله من ~~الكتب كتاب «الفقه الأكبر»، وكتاب «رسالة إلى ~~البستي» (أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي)، وكتاب ~~«العالم والمتعلم» ms163 رواه عنه مقاتل، وكتاب «الرد على ~~القدرية »، والعلم، برا وبحرا وشرقا وغربا بعدا ~~وقربا، تدوينه، رضي الله عنه.» # 152 # وفي كتاب «أصول» فخر الإسلام البزدوي:«وقد صنف أبو ~~حنيفة - رضي الله عنه - في ذلك - أي في علم التوحيد ~~والصفات - كتاب «الفقه الأكبر»، وذكر فيه إثبات ~~الصفات، وإثبات تقدير الخير والشر من الله، وأن ذلك ~~كله بمشيئته، وأثبت الاستطاعة مع الفعل، وأن أفعال ~~العباد مخلوقة بخلق الله - تعالى - إياها كلها، ~~ورد القول بالأصلح، وصنف كتاب «العالم والمتعلم» ~~وكتاب «الرسالة»، وقال فيه لا يكفر أحد بذنب ولا ~~يخرج به من الإيمان ويترحم عليه.» # 153 # ويذكر ~~الموفق بن أحمد المكي الحنفي في كتابه «مناقب الإمام ~~الأعظم» أثر أبي حنيفة في الفقه بقوله: «وأبو حنيفة ~~أول من دون علم هذه الشريعة، لم يسبقه أحد ~~ممن قبله؛ لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في ~~الشريعة أبوابا مبوبة ولا كتبا مرتبة، إنما كانوا ~~يعتمدون على قوة فهمهم، وجعلوا قلوبهم صناديق علمهم، ~~فنشأ أبو حنيفة بعدهم، فرأى العلم منتشرا فخاف عليه ~~الخلف السوء أن يضيعوه؛ ولهذا قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ~~وإنما ينتزعه بموت العلماء، فيبقى رؤساء جهال، ~~فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون».» # 154 # فلذلك دونه أبو حنيفة، فجعله أبوابا ~~مبوبة، وكتبا مرتبة، فبدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم ~~بسائر العبادات على الولاء، ثم بالمعاملات، ثم ختم ~~بكتاب المواريث، وإنما ابتدأ بالطهارة ثم بالصلاة؛ ~~لأن المكلف بعد صحة الاعتقاد أول ما يخاطب ~~بالصلوات؛ لأنها أخص العبادات وأعم وجوبا، ~~وأخر المعاملات لأن الأصل عدمها وبراءة الذمة ~~منها، وختم بالوصايا والمواريث؛ لأنها آخر أحوال ~~الإنسان، فما أحسن ما ابتدأ به وختم! وما أحذق وأفهم ~~وأفقه وأمهر وأعلم وأبصر! # ثم جاء الأئمة من بعده فاقتبسوا من علمه واقتدوا ~~به، وقرنوا كتبهم على كتبه؛ ولهذا روينا بإسناد حسن ~~عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال في حديث طويل: ~~العلماء عيال على أبي حنيفة في الفقه، وروي عن ابن ~~سريح أنه سمع رجلا يتكلم في أبي ms164 حنيفة فقال له: يا ~~هذا، مه، فإن ثلاثة أرباع العلم مسلمة له ~~بالإجماع، والرابع لا يسلمه لهم. قال: وكيف ذلك؟ ~~قال: لأن العلم سؤال وجواب، وهو أول من وضع الأسئلة، ~~فهذا نصف العلم، ثم أجاب عنها، فقال بعض: أصاب، ~~وبعض: أخطأ، فإذا جعلنا صوابه بخطائه صار له نصف ~~النصف الثاني، والربع الرابع ينازعهم فيه ولا يسلمه ~~لهم ... # ولأنه أول من وضع كتابا في الفرائض، وأول من ~~وضع كتابا في الشروط # 155 # والشروط لا يستطيع أن يضعها إلا من ~~تناهى في العلم، وعرف مذاهب العلماء ومقالاتهم؛ ~~لأن الشروط تتفرع على جميع كتب الفقه، ويتحرز ~~بها من كل المذاهب لئلا يتعقبها حاكم بنقض أو فسخ، ~~وقد قيل بلغت مسائل أبي حنيفة خمسمائة ألف مسألة، ~~وكتبه وكتب أصحابه تدل على ذلك. # ويقول صاحب كتاب «المبسوط»: «وأول من فرع فيه ~~(يريد الفقه) وألف وصنف سراج الأمة أبو حنيفة، ~~رحمة الله عليه، بتوفيق من الله - عز وجل - خصه ~~به، واتفاق من أصحاب اجتمعوا له كأبي يوسف يعقوب بن ~~إبراهيم بن خنيس الأنصاري، - رحمه الله تعالى - ~~المقدم في علم الأخبار، والحسن بن زياد اللؤلئي ~~المقدم في السؤال والتفريع، وزفر بن الهذيل - ~~رحمه الله - ابن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ~~ذؤيب بن جذيمة بن عمرو المقدم في القياس، ومحمد بن ~~الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى - المقدم في ~~الفطنة وعلم الإعراب والنحو والحساب. # ومن فرغ نفسه لتصنيف ما فرعه أبو حنيفة، رحمه الله، ~~محمد بن الحسن الشيباني، رحمه الله، فإنه جمع ~~المبسوط لترغيب المتعلمين والتيسير عليهم ببسط ~~الألفاظ، وتكرار المسائل في الكتب ليحفظوها، شاءوا أو ~~أبوا.» # 156 # ويقول الفخر ~~الرازي: «قولهم: إن أبا حنيفة أول من صنف في ~~الفقه؛ فكان قوله أولى من غيره. الجواب أن هذه الحجة ~~بالعكس أولى؛ وذلك لأن الواضع الأول ينقل كلامه عن ~~مساهلات ومسامحات، وأما المتأخر فيكون كلامه أقرب ~~إلى التنقيح والتهذيب، وأيضا إن أرادوا به أن أبا ~~حنيفة صنف كتابا في الفقه فهذا ممنوع؛ لأنه لم يبق ms165 ~~منه كتاب مصنف، بل أصحابه هم الذين صنفوا الكتب، وإن ~~أرادوا به أنه تكلم في المسائل واشتغل بالتفاريع، فلا ~~نسلم أنه أول من فعل ذلك، بل الصحابة والتابعون ~~كلهم كانوا مشتغلين به.» # 157 ~~(ب) أثر أهل الرأي في الفقه الإسلامي # وجملة القول أن مذهب أهل الرأي هو الذي رتب ~~أبواب الفقه، وأكثر من جمع مسائله في الأبواب ~~المختلفة، وكان الحديث قليلا في العراق فاستكثروا من ~~القياس ومهروا فيه، فلذلك قيل أهل الرأي. وفي شرح أصول ~~البزدوي المسمى «كشف الأسرار» لعبد العزيز ~~البخاري: «سموهم أصحاب الرأي تعييرا لهم بذلك، ~~وإنما سموهم بذلك لإتقان معرفتهم بالحلال والحرام، ~~واستخراجهم المعاني من النصوص لبناء الأحكام، ودقة ~~نظرهم فيها، وكثرة تفريعهم عليها، وقد عجز عن ذلك عامة ~~أهل زمانهم، فنسبوا أنفسهم إلى الحديث، وأبا حنيفة ~~وأصحابه إلى الرأي ... # عن مالك بن أنس أنه كان يقول: اجتمعت مع أبي حنيفة ~~وجلسنا أوقاتا، وكلمته في مسائل كثيرة فما رأيت ~~رجلا أفقه منه، ولا أغوص منه في معنى وحجة، وروي ~~أنه كان ينظر في كتب أبي حنيفة - رحمهما الله - وكان ~~يتفقه بها. # وإنما كان أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل ~~العراق؛ لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة، ومن ~~انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد وغيره من ~~شئون الدولة أكثر، ومذهب أهل العراق كان يقصد إلى جعل ~~الفقه وافيا بحاجة الدولة التشريعية، فكان همه أن ~~يجعل الفقه فصولا مرتبة، يسهل الرجوع إليها عند ~~القضاء والاستفتاء، وكان همه أن يكثر التفاريع حتى ~~تقوم بما يعرض ويتجدد من الحوادث. # أبو حنيفة: وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء ~~إليه وقال: حلفت ألا أغتسل من هذه الجنابة، فأخذ ~~الإمام بيده وانطلق به، حتى إذا مر على قنطرة نهر ~~فدفعه في الماء فانغمس في الماء ثم خرج، فقال قد طهرت ~~وبررت؛ لأن اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ~~ولم يحصل منه فعل، وسأله رجل عمن حلف بطلاق امرأته ~~إن اغتسل من جنابة اليوم، ثم حلف كذلك إن ترك صلاة من ms166 ~~هذا اليوم، ثم حلف كذلك إن لم يطأها اليوم. قال: ~~يصلي العصر ثم يطؤها، ثم يؤخر الاغتسال إلى الغروب، ~~فإذا غربت الشمس اغتسل وصلى المغرب ولا يحنث؛ لأنه لم ~~يغتسل في اليوم ولم يترك الصلاة ولا الجماع، وبه قال: ~~سئل عن امرأة صعدت السلم، فقال زوجها: إن صعدت ~~فأنت طالق، وإن نزلت فكذلك، قال: يرفع السلم وهي ~~قائمة عليه ثم يوضع على الأرض، أو ترفع المرأة وتوضع ~~على الأرض، ولا يحنث لأنها ما نزلت ولا طلعت. # وسئل أيضا عن رجل قال لامرأته: إن لبست هذا الثوب ~~فأنت كذا، وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا، فتحير علماء ~~الكوفة، فقال يلبسه الزوج ويجامعها فيه، وسئل أيضا ~~عمن حلف بالطلاق ألا يأكل البيض، فجاءت امرأته ~~وفي كمها بيض ولم يعلم به؛ فقال: إن لم آكل ما في ~~كمك فأنت كذا، قال: تحضن البيض تحت الدجاجة، فإذا ~~خرج منه فرخ شواه إذا كبر وأكله، ولا يعتبر القشر ~~والدم لأنهما لا يؤكلان، أو يطبخ الفرخ في قدر ويأكله ~~ويأكل المرقة فلا يحنث في اليمين. # وبه عن أبي بكر محمد بن عبد الله أن الموالي قدموا ~~الكوفة وكان لواحد منهم امرأة فائقة الجمال، فتعلق بها ~~رجل كوفي، وادعى أنها زوجته، واعترفت المرأة ~~أيضا بذلك، وادعى المولى المرأة وعجز عن البينة، ~~فعرضت القضية على الإمام فذهب إلى رحلهم مع ابن ~~أبي ليلى وجماعة، وأمر جماعة من النساء أن يدخلن ~~رحل المولى، فلما قربن عوت عليهن كلابه، ~~فأمر المرأة أن تدخل وحدها، فلما قربت بصبص ~~الكلاب حولها، فقال الإمام: ظهر الحق، فانقادت المرأة ~~للحق واعترفت. # وسئل أيضا عن رجل قال لامرأته وفى يدها قدح من ماء ~~فقال: إن شربته أو صببته أو وضعته أو ناولته ~~إنسانا فأنت كذا، قال ترسل فيه ثوبا ~~فتنشفه.» # 158 ~~(ج) بين أهل الرأي وأهل الحديث # لا جرم كان مذهب أهل الرأي مذهب القضاء، وكان أئمته ~~قضاة؛ كأبي يوسف ومحمد. # وقد ورد في «أصول» البزدوي: «وقال محمد - رحمه ~~الله تعالى - في كتاب «أدب القاضي»: ms167 «لا يستقيم الحديث ~~إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث، حتى إن ~~من لا يحسن الحديث أو علم الحديث ولا يحسن الرأي، ~~فلا يصلح للقضاء والفتوى.» # 159 # وقد يشعر هذا بما في مذهب أهل الرأي من الاهتمام ~~بشئون القضاء والفتوى، وفي شرح «تنوير الأبصار» الذي ~~كتب عليه ابن عابدين «حاشيته» المشهورة المسماة «رد ~~المحتار إلى الدر المختار»: «وقد جعل الله الحكم ~~لأصحابه وأتباعه - أي أبي حنيفة - من زمنه إلى هذه ~~الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه ~~السلام.» # 160 # وكان أهل الحديث يعيبون أهل الرأي بكثرة مسائلهم ~~وقلة روايتهم. # وسئل رقبة بن مصقلة عن أبي حنيفة، فقال: ~~«هو أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما قد كان، ~~وقد روي هذا القول عن حفص بن غياث في أبي حنيفة، ~~يريد أنه لم يكن له علم بآثار من مضى.» # 161 # ويروي ابن عبد البر في كتاب «الانتقاء»: ~~«عن الحكم بن واقد، قال: رأيت أبا حنيفة يفتي من ~~أول النهار إلى أن يعلو النهار، فلما خف عنه الناس ~~دنوت منه فقلت: يا أبا حنيفة، لو أن أبا بكر وعمر ~~في مجلسنا هذا ثم ورد عليهما ما ورد عليك من هذه ~~المسائل المشكلة لكفا عن بعض الجواب ووقفا عنه، ~~فنظر إليه، وقال: أمحموم أنت؟ يعني ~~مبرسما.» # 162 ~~(7-4) أهل الحديث # أما أهل الحديث - أهل الحجاز - فإمامهم مالك بن أنس ~~المتوفى سنة 179ه/795م، وكانت طريقة أهل الحجاز في ~~الأسانيد أعلى من سواهم وأمتن في الصحة لاشتدادهم في ~~شروط النقل من العدالة والضبط، وتجافيهم عن قبول المجهول ~~الحال في ذلك. ~~(أ) مالك بن أنس وكتاب «الموطأ» # وكتب مالك كتاب «الموطأ»، أودعه أصول الأحكام من ~~الصحيح المتفق عليه، ورتبه على أبواب ~~الفقه. # في «حاشية» الزرقاني على «الموطأ»: وقال أبو عبد ~~الله محمد بن إبراهيم الكتاني الأصفهاني، قلت لأبي ~~حاتم الرازي: موطأ مالك، لم سمي الموطأ؟ فقال: ~~شيء صنعه ووطأه للناس، حتى قيل موطأ مالك، كما قيل ~~جامع سفيان، وروى أبو الحسن بن فهر عن علي بن أحمد ms168 ~~الخلنجي، سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضت ~~كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، ~~فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ. # قال ابن ~~فهر: لم يسبق مالكا أحد إلى هذه التسمية، فإن ~~من ألف في زمانه بعضهم سمى بالجامع، وبعضهم ~~سمى بالمصنف، وبعضهم بالمؤلف، ولفظة «الموطأ» ~~بمعنى الممهد المنقح، وأخرج ابن عبد البر عن ~~الفضل بن محمد بن حرب المدني، قال: أول من عمل ~~كتابا بالمدينة على معنى الموطأ من ذكر ما اجتمع ~~عليه أهل المدينة عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ~~الماجشون، وعمل ذلك كلاما بغير حديث، فأتى به مالكا ~~فنظر فيه، فقال: ما أحسن ما عمل! ولو كنت أنا الذي ~~عملته ابتدأت بالآثار، ثم سددت ذلك بالكلام. # قال: ثم إن مالكا عزم على تصنيف «الموطأ»، فصنفه ~~فعمل من كان يومئذ بالمدينة من العلماء الموطآت، ~~فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شركك ~~فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: ائتوني بما ~~فعلوا، فأتي بذلك فنظر فيه، وقال: لتعلمن أنه لا ~~يرتفع إلا ما أريد به وجه الله، قال: فكأنما ~~ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمعت لشيء منها ~~بعد ذلك بذكر، وروى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور ~~قال لمالك: ضع للناس كتابا أحملهم عليه، فكلمه ~~مالك في ذلك فقال: ضعه؛ فما أحد اليوم أعلم منك، ~~فوضع «الموطأ»، فما فرغ منه حتى مات أبو جعفر. وفي ~~رواية أن المنصور قال: ضع هذا العلم ودون كتابا ~~وجنب فيه شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ~~ابن مسعود، واقصد أوسط الأمور وما أجمع عليه ~~الصحابة والأئمة. وفي رواية قال له: اجعل هذا العلم ~~علما واحدا فقال له: إن أصحاب رسول الله - رضي ~~الله عنهم - تفرقوا في البلاد، فأفتى كل في مصره ~~بما رأى، فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول ~~تعدوا فيه طورهم، فقال: أما أهل العراق فلا ~~أقبل منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل ~~المدينة، فضع للناس العلم. وفي رواية عن مالك: فقلت ~~له: إن أهل العراق ms169 لا يرضون علمنا، فقال أبو ~~جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم ~~بالسياط. # وإذا لم يكن مالك قد وضع «موطأه» تلبية لدعوة ~~المنصور ليجعل هذا العلم علما واحدا، وليحمل الناس ~~عليه، فإن مالكا قد وضع «موطأه» تلبية لحاجة ~~المسلمين الذين اشتدت حاجتهم يومئذ لجمع الأحكام ~~وترتيبها وتنقيحها وتمهيدها، وشعر بهذه الحاجة ~~المنصور، يدل على ذلك ما جاء في «رسالة الصحابة» لابن ~~المقفع. وفي كتاب «ضحى الإسلام»: «ولابن ~~المقفع رسالة سميت بالصحابة - وليس يعني صحابة ~~رسول الله - كما هو المشهور في استعمال الكلمة، وإنما ~~عنى صحابة الولاة والخلفاء ... وللرسالة قيمة ~~كبرى؛ فإنها تقرير في نقد نظام الحكم إذ ذاك، ووجوه ~~إصلاحه، رفعه إلى أمير المؤمنين ولم يسمه، ~~والظاهر أنه أبو جعفر المنصور.» # 163 # وبعد أن لخص المؤلف الرسالة قال: «فمجمل رأي ~~ابن المقفع في إصلاح القضاء وضع قانون رسمي تجري عليه ~~المملكة الإسلامية في جميع أنحائها.» # 164 # وقد يكون المنصور أراد أن يحقق مشورة ابن المقفع ~~بما كان يحاول أن يحمل الناس على «الموطأ» لولا أن ~~أدركه الأجل. # وفي كتاب ~~«تبييض الصحيفة» أن مالكا في ترتيبه «للموطأ» ~~متابع لأبي حنيفة، ومن العسير إثبات ذلك، فإن أبا ~~حنيفة ومالكا كانا متعاصرين، وإن تأخر الأجل ~~بمالك، وأقدم ما حفظ من المجاميع الفقهية المؤلفة ~~في عصور الفقه الأولى بين السنيين هو «موطأ» ~~مالك. # في حاشية محمد الزرقاني على «موطأ» مالك: ~~«و«الموطأ» من أوائل ما صنف، قال في مقدمة فتح ~~الباري: اعلم أن آثار النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، لم تكن في عصر ~~أصحابه، وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا ~~مرتبة لأمرين؛ حدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد ~~نهوا عن ذلك كما في «مسلم»، خشية أن يختلط بعض ذلك ~~بالقرآن. والثاني: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن ~~أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر ~~التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لما انتشر ~~العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج ~~والروافض ومنكري الأقدار. # فأول من جمع ~~ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي ms170 عروبة، وغيرهما، ~~فصنفوا كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل ~~الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا ~~الأحكام ؛ فصنف الإمام مالك «الموطأ» وتوخى فيه ~~القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة ~~وفتاوى التابعين، وصنف ابن جريج بمكة، والأوزاعي ~~بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة ~~بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك ~~بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هؤلاء في ~~عصر واحد؛ فلا يدرى أيهم أسبق. # ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم ~~إلى أن رأى بعض الأئمة أن يفرد حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، خاصة وذلك على رأس المائتين، فصنفوا ~~المسانيد. انتهى.» # 165 # وقال أبو طالب المكي في «القوت»: «هذه الكتب حادثة ~~بعد سنة عشرين أو ثلاثين ومائة، ويقال إن أول ما ~~صنف كتاب ابن جريج بمكة في الآثار وحروف من ~~التفاسير، ثم كتاب معمر باليمن جمع فيه سننا ~~منثورة مبوبة، ثم «الموطأ» بالمدينة، ثم ابن ~~عيينة الجامع والتفسير في أحرف عن علم القرآن وفي ~~الأحاديث المتفرقة، وجامع سفيان الثوري صنفه ~~أيضا في هذه المدة، وقيل إنها صنفت سنة ستين ~~ومائة. انتهى.» # ويقول صاحب «الفهرست» في سرد كتاب مالك: «وله من ~~الكتب كتاب «الموطأ»، وكتاب «رسالة إلى ~~الرشيد».» # 166 # وكانت وجهة أهل الحجاز كوجهة أهل العراق تدوين ~~الأحكام الشرعية مبوبة مرتبة، إلا أن اعتماد أهل ~~الحديث على السنة أكثر من اعتمادهم على الرأي، بل هم ~~كانوا يعتبرون الرأي ضرورة لا يلجئون إليها إلا على ~~كره، وعلى غير اطمئنان. # وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل ~~فيسأل عنه فيجتهد فيه برأيه: «إن نظن إلا ~~ظنا وما نحن بمستيقنين.» # 167 # وكان أهل الحديث يكرهون أن يتكاثر الناس بالمسائل ~~كما يتكاثر أهل الدرهم بالدراهم، وكانوا يكرهون السؤال ~~عما لم يكن قالوا، ألا ترى أنهم كانوا يكرهون في ~~الجواب في مسائل الأحكام ما لم تنزل، فكيف بوضع ~~الاستحسان والظن والتكلف ونظير ذلك واتخاذه ~~دينا؟ # وفي «الانتقاء» قال الهيثم بن جميل: ms171 «شهدت مالك بن ~~أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين ~~وثلاثين منها: «لا أدري.» # ولم يكن أهل الحديث مع ذلك ينكرون اجتهاد الرأي ~~والقياس على الأصول في النازلة تنزل عند عدم ~~النصوص.» ~~(ب) الشافعي وأمر الفقه عند ظهوره # ظهر الشافعي والأمر على ما وصفناه من نهضة الدراسة ~~الفقهية في بلاد الإسلام، نهضة ترمي إلى الوفاء ~~بالحاجة العملية في دولة تريد أن تجعل أحكام الشرع ~~دستورا لها. # ومن انقسام الفقهاء إلى أهل رأي يعتمدون في نهضتهم ~~على سعة أفهامهم ونفاذ عقولهم وقوتهم في الجدل، وأهل ~~حديث يعتمدون على السنن والآثار ولا يأخذون من ~~الرأي إلا بما تدعو إليه الضرورة. # كان أهل الرأي يعيبون أهل الحديث بالإكثار من ~~الروايات الذي هو مظنة لقلة التدبر والتفهم؛ ~~حكي عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش (المتوفى سنة ~~147ه/764م) عن مسألة وأنا وهو لا غير، فأجبته، فقال ~~لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي ~~حدثتني أنت، فقال: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث ~~من قبل أن يجتمع أبواك ما عرفت تأويله إلا ~~الآن.» # 168 # وفي شرح عبد العزيز البخاري على أصول البزدوي: ~~أنه سأل واحدا من أهل الحديث عن صبيين ارتضعا ~~لبن شاة، هل تثبت بينهما حرمة الرضاع؟ فأجاب ~~بأنها ثبتت عملا بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «كل صبيين اجتمعا ~~على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر.» فأخطأ لفوات ~~الرأي، وهو أنه لم يتأمل أن الحكم متعلق ~~بالجزئية والبعضية، وذلك إنما يثبت بين الآدميين لا ~~بين الشاة والآدمي. # وسمعت عن شيخي - رحمه الله - أنه قال: كان واحد ~~من أصحاب الحديث يوتر بعد الاستنجاء عملا بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من استنجى فليوتر.» # 169 # فأصحاب الحديث كانوا حافظين لأخبار رسول الله، إلا ~~أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد ~~عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالا أو إشكالا بقوا في ~~أيديهم متحيرين.» # 170 # هم ضعاف في الاستنباط وفي القدرة على دفع المطاعن ~~والشبهات عن الحديث، وكان أهل الحديث يعيبون أهل ~~الرأي بأنهم ms172 يأخذون في دينهم بالظن، وأنهم ليسوا للسنة ~~أنصارا، ولا هم فيها بمتثبتين، فإن أصحاب أبي ~~حنيفة يقدمون القياس الجلي على خبر الواحد، وهم ~~يقبلون المراسيل والمجاهيل. # وفي كتاب «الانتقاء»: «سمعت عبد الله بن المبارك - ~~المتوفى سنة 181ه/797م - يقول: كان أبو حنيفة قديما ~~أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر، وكان بصير ~~الرأي يسلم له فيه، ولكنه كان تهيما في ~~الحديث.» # 171 # ثم لا يقبلون الحديث الصحيح إذا كان مخالفا ~~للقياس، ولا يقبلونه في الواقعة التي تعم فيها ~~البلوى.» # 172 # وفي كتاب ~~«أصول» البزدوي: «وهم - أي أبو حنيفة وأصحابه - أصحاب ~~الحديث والمعاني، أما المعاني فقد سلم لهم العلماء ~~حتى سموهم أصحاب الرأي - والرأي اسم للفقه الذي ~~ذكرنا - وهم أولى بالحديث أيضا، ألا ترى أنهم ~~جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة منزلة السنة عندهم، ~~وعملوا بالمراسيل تمسكا بالسنة والحديث، ورأوا ~~العمل به مع الإرسال أولى من الرأي ومن رد ~~المراسيل، # 173 # فقد رد كثيرا من السنة وعمل بالفرع ~~بتعطيل الأصل، وقدموا رواية المجهول على القياس، ~~وقدموا قول الصحابي على القياس.» # 174 # نشأة الشافعي # كانت الحال على ما ذكرنا حين جاء الشافعي، وقد ~~تفقه الشافعي أول ما تفقه على أهل الحديث من ~~علماء مكة: كمسلم بن خالد الزنجي المتوفى سنة ~~179ه/795م، وسفيان بن عيينة المتوفى سنة ~~198ه/813م، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث «مالك» بن أنس ~~في المدينة؛ فلزمه ولقي من عطفه وفضله ما جعله ~~يحبه ويجله. # عن أنس بن عبد الأعلى أنه سمع الشافعي يقول: إذا ~~ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي ~~من مالك بن أنس. # 175 # على أن نشأة الشافعي لم تكن من كل وجه نشأة أهل ~~الحديث، ولا استعداده استعدادهم. # لقد توجه في أول أمره إلى درس اللغة والشعر والأدب ~~وأخبار الناس، ولم يقطع صلته بهذه العلوم حين وصل ~~حبله بأهل الحديث الذين كانوا لا يرونها من العلم ~~النافع. # حكي عن مصعب الزبيري قال: «كان أبي والشافعي ~~يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظا، وقال: ~~لا تعلم بهذا أحدا من ms173 أهل الحديث، فإنهم لا يحتملون ~~هذا.» # 176 # وفي كتاب «طبقات الشافعية» للنووي من نسخة خطية في ~~ترجمة محمد بن علي البجلي القيرواني: «قال البجلي: ~~وقال لي الربيع: كان الشافعي إذا خلا في بيته كالسيل ~~يهدر بأيام العرب.» # وكان الشافعي بطبعه نهما في العلم، يلتمس كل ما ~~يجده من فنونه، وقد ذكر من ترجموا له أنه اشتغل ~~بالفراسة حين ذهب إلى اليمن # 177 # وعالج التنجيم والطب، وربما كان درسهما ~~في إحدى رحلاته إلى العراق، حيث كان التنجيم يعتبر ~~فرعا من فروع العلوم الرياضية، وكان الطب فرعا من ~~العلم الطبيعي، والعلم الرياضي والعلم الطبيعي قسمان ~~من أقسام الفلسفة التي كان مسلمو العراق أخذوا ~~يتنسمون ريحها، وكان الشافعي مغرى بالرمي ~~والفروسية في شبابه، ولم يكن في كهولته يأنف من الوقوف ~~عند مهرة الرماة يدعو لهم ويمدهم بالمال، وكان ~~يحب اقتناء الخيل الجيدة والبغال الفارهة. # وفي كتاب «طبقات الشافعية» للقاضي شمس الدين ~~الصفدي في صفة الشافعي: ~~«وكان مقتصدا في لباسه، يتختم في يساره، وكان ذا ~~معرفة تامة في الطب والرمي، وكان أشجع الناس ~~وأفرسهم، يأخذ بأذنه وأذن الفرس والفرس يعدو.» # وفي كتاب «مفتاح السعادة» لطاش كبرى زاده: ~~«روي عن الشافعي أنه رأى على باب مالك ~~كراعا # 178 # من أفراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن ~~منه، فقلت له: ما أحسنه! فقال: هو هدية مني إليك ~~يا أبا عبد الله. قلت: دع لنفسك منها دابة تركبها. ~~فقال: أنا أستحي من الله - تعالى - أن أطأ تربة فيه ~~رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، بحافر دابة.» # 179 # ويظهر أنه لم يكن شديدا في جرح الرجال كعادة أهل ~~الحديث، وقد نقل صاحب «طبقات الشافعية الكبرى» حكاية ~~تدل على سخرية الشافعي من تزمت ~~المزكين. # قال الشافعي - رضي الله عنه: «حضرت بمصر رجلا ~~مزكيا يجرح رجلا فسئل عن سببه، وألح عليه ~~فقال: رأيته يبول قائما. قيل: وما في ذلك؟ قال يرد ~~الريح من رشاشه على بدنه وثيابه فيصلي فيه. قيل: هل ~~رأيته أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه؟ ms174 ~~قال: لا، ولكن أراه سيفعل.» # 180 # وكان في العلماء المعاصرين للشافعي من لا يراه ~~ممعنا في الحديث. عن أبي عبد الله الصاغاني ~~يحدث عن يحيى بن أكثم قال: «كنا عند محمد بن ~~الحسن في المناظرة، وكان الشافعي رجلا قرشي العقل ~~والفهم، صافي الذهن سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماع ~~الحديث لاستغنت أمة محمد به عن غيره من ~~العلماء.» # 181 # ولما ذهب الشافعي إلى العراق استرعى نظره تحامل ~~أهل الرأي على أستاذه مالك وعلى مذهبه، وكان أهل ~~الرأي أقوى سندا وأعظم جاها بما لهم من المكانة عند ~~الخلفاء وبتوليهم شئون القضاء، ذلك إلى أنهم أوسع ~~حيلة في الجدل من أهل الحديث وأنفذ بيانا، ويمثل حال ~~الفريقين من هذه الناحية ما روي عن إمامي أهل ~~الرأي وأهل الحديث: أبي حنيفة ومالك. # روى ابن عبد البر المالكي عن الطبري قال: «وكان مالك ~~قد ضرب بالسياط، واختلف فيمن ضربه وفي السبب ~~الذي ضرب فيه قال: حدثني العباس بن الوليد قال: ~~خبرنا ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى ~~مالكا عن الحديث: «ليس على مستكره طلاق»، ثم دس ~~إليه من يسأله عنه، فحدث به على رءوس ~~الناس.» # 182 # أما أبو حنيفة فينقل في شأنه الموفق المكي في ~~كتاب «المناقب» عن معمر بن الحسن الهروي يقول: اجتمع ~~أبو حنيفة ومحمد بن إسحاق المتوفى سنة 150ه/767م عند ~~أبي جعفر المنصور، وكان جمع العلماء والفقهاء من ~~أهل الكوفة والمدينة وسائر الأمصار لأمر حزبه، وبعث ~~إلى أبي حنيفة فنقله على البريد إلى بغداد، فلم ~~يخرجه من ذلك الأمر الذي وقع له إلا أبو حنيفة، ~~فلما قضيت الحاجة على يديه حبسه عند نفسه ليرفع ~~القضاة والحكام الأمور إليه، فيكون هو الذي ينفذ ~~الأمور ويفصل الأحكام، وحبس محمد بن إسحاق ليجمع ~~لابنه المهدي حروب النبي # صلى الله عليه وسلم # وغزواته، قال: ~~فاجتمعا يوما عنده وكان محمد بن إسحاق يحسده، لما ~~كان يرى من المنصور من تفضيله وتقديمه واستشارته فيما ~~ينوبه وينوب رعيته وقضاته وحكامه، وسأل أبا حنيفة ~~عن مسألة أراد ms175 بها أن يغير المنصور عليه، فقال له: ~~ما تقول يا أبا حنيفة في رجل حلف ألا يفعل كذا ~~وكذا، أو أن يفعل كذا وكذا، ولم يقل: «إن شاء الله» ~~موصولا باليمين، وقال ذلك بعدما فرغ من يمينه وسكت. ~~فقال أبو حنيفة: لا ينفعه الاستثناء إذا كان مقطوعا ~~من اليمين، وإنما ينفعه إذا كان موصولا به. # فقال: وكيف لا ينفعه وقد قال جد أمير المؤمنين ~~الأكبر أبو العباس عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما ~~- إن استثناءه جائز ولو كان بعد سنة، واحتج بقوله ~~عز وجل: # واذكر ربك ~~إذا نسيت ~~. فقال المنصور لمحمد بن ~~إسحاق: أهكذا قال أبو العباس، صلوات الله عليه؟ قال: ~~نعم، فالتفت إلي أبي حنيفة - رحمه الله - وقد علاه ~~الغضب، فقال: تخالف أبا العباس؟ فقال أبو حنيفة: لم ~~أخالف أبا العباس، ولقول أبي العباس عندي تأويل يخرج ~~على الصحة، ولكن بلغني أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~«من حلف على يمين واستثنى فلا حنث عليه.» وإنما ~~وضعناه إذا كان موصولا باليمين، وهؤلاء لا يرون ~~خلافتك؛ لهذا يحتجون بخبر أبي العباس. # فقال له المنصور: كيف ذلك؟ قال: لأنهم يقولون إنهم ~~بايعوك حيث بايعوك تقية، وإن لهم الثنيا متى ~~شاءوا يخرجون من بيعتك، ولا يبقى في أعناقهم من ~~ذلك شيء. قال: هكذا؟ قال: نعم. فقال المنصور: خذوا ~~هذا - يعني محمد بن إسحاق - فأخذ وجعل رداؤه في ~~عنقه وحبسوه.» # 183 # وفي نسخة خطية من كتاب «طبقات الفقهاء» للقاضي شمس ~~الدين العثماني الصفدي: «وكان الطوسي يكره أبا ~~حنيفة، وهو يعرف ذلك؛ فدخل أبو حنيفة على المنصور وكثر ~~الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فقال ~~لأبي حنيفة: إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق ~~الرجل لا ندري ما هو، فهل لنا قتله؟ فقال: يا أبا ~~العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو الباطل؟ فقال: ~~بالحق، قال: اتبع الحق حيث كان ولا تسأل عنه، ثم ~~قال لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني ~~فربطته.» # 184 # كان طبيعيا أن يجادل الشافعي عن أستاذه، وعن ms176 مذهب ~~أستاذه، وقد نهض الشافعي لذلك قويا بعقله، قويا ~~بعلمه، قويا بفصاحته، قويا بشباب في عنفوانه ~~وحمية عربية، وقد رويت لنا نماذج من دفاع الشافعي ~~عن مالك ومذهبه: «عن محمد بن الحكم قال: سمعت ~~الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من ~~صاحبكم ، يعني أبا حنيفة ومالكا، وما كان على صاحبكم ~~أن يتكلم، وما كان لصاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت ~~وقلت: نشدتك الله، من كان أعلم بسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، مالك أم أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا ~~أقيس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله - تعالى - ~~وناسخه ومنسوخه، وسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من أبي ~~حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى ~~بالكلام.» # 185 # كان هذا الحجاج عن مذهب مالك في قدوم الشافعي إلى ~~العراق أول أمره، وأقام الشافعي في العراق زمنا ~~غير قصير، درس فيه كتب محمد بن الحسن وغيره من أهل ~~الرأي فيما درس في العراق، ولازم محمد بن الحسن، ~~ورد على بعض أقواله وآرائه مناصرة لأهل ~~الحديث. # ولا شك أن الشافعي في ذلك العهد كان متأثرا بمذهب ~~أهل الحديث، ومتأثرا بملازمة عالم دار الهجرة؛ فهو ~~كان يدافع عن مذهبه هو، مع دافع من حميته لأستاذه ~~وأنصار أستاذه من المستضعفين. # أما البزار الكردري فهو يروي في سبب اختلاف ~~الشافعي على محمد بن الحسن وصحبه روايات يلمز بها ~~قدرة الشافعي على الدخول في مداخل أهل الرأي تارة، ~~ويطعن بها في وفاء الشافعي لمن أحسن إليه أحيانا؛ ~~فهو يقول: «عن علي بن الحسين الرازي قال: اجتمع في ~~عرس هو وسفيان بن سحبان، وفرقد، وعيسى بن أبان، ~~وأخذوا في مسألة في الوصايا غامضة وفيهم الشافعي، فدخل ~~في نكتة من المسألة غامضة، فظن الإمام الشافعي أنه ~~فطن للمسألة ولم يكن كذلك، فجره سفيان إلى أغمض ~~منها حتى تحير، ولم يتهيأ له الكلام، فحكي ذلك ~~لمحمد فقال: ارفقوا به؛ فإنه جالسنا وصحبنا، ولا ~~تفعلوا به هذا.» # 186 # ويقول أيضا: ~~«عن عبد الرحمن الشافعي: ms177 لم يعرف الشافعي لمحمد ~~حقه، وأحسن إليه فلم يف له، وعن إسماعيل المزني ~~قال الإمام الشافعي: حبست بالعراق لدين، فسمع ~~محمد بي فخلصني، فأنا له شاكر من بين الجميع، وعن ~~ابن سماعة قال: أفلس الشافعي غير مرة، فجاء إلى محمد ~~فحدث أصحابه فجمع له مائة ألف، فكان فيه قضاء حاجته، ~~ثم أفلس مرة أخرى فجمع له سبعين ألف درهم، ثم ~~أتاه الثالثة فقال لا أذهب مروءتي من بين أصحابي، ~~ولو كان فيك خير لكفاك ما جمعته لك ولعقبك، وكان ~~قبل هذا مولعا بكتبه يناظر أوساط أصحابه ويعد نفسه ~~منهم، فلما أتى محمدا الثالثة أظهر ~~الخلاف.» # 187 # والشافعي نفسه ~~يرد على ذلك، فقد أخرج الحاكم من طريق محفوظ بن ~~أبي توبة قال: سمعت الشافعي يقول: «يقولون إني إنما ~~أخالفهم للدنيا، وكيف ذلك والدنيا معهم؟ وإنما ~~يريد الإنسان لبطنه وفرجه، وقد منعت ما ألذ من ~~المطاعم، ولا سبيل إلى النكاح - يعني لما كان به من ~~البواسير - ولكن لست أخالف إلا من خالف سنة رسول ~~الله.» # 188 # ولما عاد الشافعي إلى بغداد في سنة 195ه/810-811م ~~ليقيم فيها سنتين اشتغل بالتدريس والتأليف، وروى ~~البغدادي في كتاب «تاريخ بغداد»: «عن أبي الفضل ~~الزجاج يقول: لما قدم الشافعي إلى بغداد، وكان ~~في الجامع إما نيف وأربعون حلقة أو خمسون حلقة، ~~فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: ~~قال الله وقال الرسول، وهم يقولون: قال أصحابنا، حتى ~~ما بقي في المسجد حلقة غيره.» # 189 # واختلف إلى دروس الشافعي جماعة من كبار أهل الرأي ~~كأحمد بن حنبل وأبي ثور، فانتقلوا عن مذهب أهل الرأي ~~إلى مذهبه. # ويروى عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أحد من أصحاب ~~الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه منة، فقلنا: يا ~~أبا محمد، كيف ذلك؟ قال: «إن أصحاب الرأي كانوا ~~يهزءون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام الحجة ~~عليهم.» # 190 # مذهب الشافعي القديم ومذهبه ~~الجديد # ووضع الشافعي في بغداد كتاب «الحجة»، روى ابن ~~حجر عن البويطي أن الشافعي قال: ms178 اجتمع علي أصحاب ~~الحديث فسألوني أن أضع على كتاب أبي حنيفة، فقلت: لا ~~أعرف قولهم حتى أنظر في كتبهم، فكتبت لي كتب محمد ~~بن الحسن، فنظرت فيها سنة حتى حفظتها، ثم وضعت ~~الكتاب البغدادي، يعني الحجة.» # 191 # ويظهر من ذلك أن مذهب الشافعي القديم الذي وضعه ~~في بغداد كان في جل أمره ردا على مذهب أهل الرأي، ~~وكان قريبا إلى مذهب أهل الحديث. # وروى البغدادي ~~عن حرملة أنه سمع الشافعي يقول: «سميت ببغداد ~~ناصر الحديث.» # 192 # ونقل ابن حجر عن البيهقي أن كتاب «الحجة» الذي ~~صنفه الشافعي ببغداد حمله عنه الزعفراني، وله كتب ~~أخرى حملها غير الزعفراني، منها كتاب «السير» ~~رواية أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي. وفي كتاب ~~«كشف الظنون»: ««الحجة» للإمام الشافعي، وهو مجلد ~~ضخم ألفه بالعراق، إذا أطلق القديم من مذهبه ~~يراد به هذا التصنيف، قاله الإسنوي في «المبهمات»، ~~ويطلق على ما أفتى به هناك أيضا.» # ثم انتهى الشافعي إلى مصر، ويأبى البزار الكردري في ~~كتابه «مناقب الإمام الأعظم» إلا أن يجعل رحيل الشافعي ~~من بغداد إلى مصر هزيمة وفرارا؛ فهو يقول: «عن ~~الجارود بن معاوية قال: كان الشافعي - رضي الله عنه - ~~بالعراق يصنف الكتب وأصحاب محمد يكسرون عليه ~~أقاويله بالحجج ويضعفون أقواله، وضيقوا عليه، ~~وأصحاب الحديث أيضا لا يلتفتون إلى قوله، ويرمونه ~~بالاعتزال، فلما لم يقم له بالعراق سوق خرج إلى ~~مصر، ولم يكن بها فقيه معلوم، فقام بها ~~سوقه.» # 193 # وفي مصر آزره تلاميذ مالك، حتى إذا وضع مذهبه الجديد ~~وأخذ يؤلف الكتب ردا على مالك تنكروا له وأصابته ~~منهم محن. # وفي كتاب طبقات الشافعية للنووي من نسخة خطية بدار ~~الكتب المصرية في ترجمة يوسف بن يحيى أبي يعقوب ~~البويطي: ~~«قال أبو بكر الصيرفي في كتابه «شرح اختلاف الشافعي ~~ومالك، رضي الله عنهما»: عن البويطي: قدم علينا ~~الشافعي مصر فأكثر الرد على مالك، فاتهمته وبقيت ~~متحيرا، فكنت أكثر الصلاة والدعاء رجاء أن ~~يريني الله مع أيهما الحق، فأريت في منامي أن ~~الحق مع الشافعي، ms179 فذهب ما كنت أجده. # فالبويطي مشهور أنه كان يرى مذهب مالك قبل أن يقول ~~بقول الشافعي، وذكر فيه أيضا أن المزني كان يرى ~~أهل العراق.» # قال الربيع: «سمعت الشافعي يقول: قدمت مصر لا ~~أعرف أن مالكا يخالف من أحاديثه إلا ستة عشر ~~حديثا، فنظرت فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ~~ويقول بالفرع ويدع الأصل. # ثم ذكر الشافعي في رده على مالك المسائل التي ترك ~~الأخبار الصحيحة فيها بقول واحد من الصحابة أو بقول ~~واحد من التابعين أو لرأي نفسه. # ثم ذكر ما ترك فيه أقاويل الصحابة لرأي بعض التابعين ~~أو لرأي نفسه، وذلك أنه يدعي الإجماع، وهو مختلف ~~فيه. # ثم بين الشافعي أن ادعاء أن إجماع أهل ~~المدينة حجة قول ضعيف.» # 194 # ويروي بعض الرواة: «أن الشافعي إنما وضع الكتب على ~~مالك؛ لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقى ~~بها، وكان يقال لهم قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فيقولون ~~قال مالك، فقال الشافعي: إن مالكا بشر يخطئ؛ ~~فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتب في اختلافه معه، وكان ~~يقول: استخرت الله - تعالى - في ذلك.» # 195 # وفي كتاب «مغيث الخلق في اختيار الأحق» تصنيف إمام ~~الحرمين الجويني من نسخة خطية بدار الكتب ~~المصرية: ~~«فمالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة ~~المرسلة غير المستندة إلى شواهد الشرع، وأبو ~~حنيفة قصر نظره على الجزئيات والفروع والتفاصيل من غير ~~مراعاة القواعد والأصول، والشافعي - رضي الله عنه - ~~جمع بين القواعد والفروع، فكان مذهبه أقصد المذاهب، ~~ومطلبه أسد المطالب.» # مذهب الشافعي الجديد # ومذهب الشافعي الجديد الذي وضعه في مصر هو الذي ~~يدل على شخصيته وينم على عبقريته، ويبرز ~~استقلاله. ~~«سئل أحمد ما ترى في كتب الشافعي التي عند ~~العراقيين، أهي أحب إليك أم التي بمصر؟ قال: عليك ~~بالكتب التي وضعها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ~~ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك، كما يرويه ~~الذهبي في تاريخه الكبير.» # 196 # وفي كتاب «مغيث الخلق»: «للشافعي مذهبان: مذهب قديم ~~ومذهب جديد ناسخ للقديم، فلا يجوز أن يفتى ms180 ويؤخذ ~~بالقديم مع إمكان الأخذ بالجديد؛ لأن القديم صار ~~منسوخا، ولأن المتأخر يرفع المتقدم لا محالة ~~كالمنسوخ لا يبقى مع الناسخ، فعلى هذا لا تردد، ~~فلم يبق للشافعي تردد إلا في ثماني عشر مسألة، إذ ~~لم يفرغ للتخريج على أصله ويحكمه ويتمه؛ لأنه ~~اخترمته المنية في ريعان شبابه.» # ومذهب الشافعي الجديد وصل إلينا فيما ألفه بمصر من ~~الكتب ، وقد سرد البيهقي المتوفى سنة 458ه/1065-1066م، ~~كتب الشافعي ولخصها عنه ابن حجر: «الرسالة ~~القديمة»، ثم «الرسالة الجديدة»، «اختلاف الحديث»، ~~«جماع العلم»، «إبطال الاستحسان»، «أحكام القرآن»، ~~«بياض الغرض»، «صفة الأمر والنهي»، «اختلاف مالك ~~والشافعي»، «اختلاف العراقيين»، «اختلافه مع محمد بن ~~الحسن»، «كتاب علي وعبد الله»، «فضائل قريش»، كتاب ~~«الأم». # 197 # وعدة كتاب «الأم» # 198 # مائة ونيف وأربعون كتابا، وحمل عنه ~~حرملة كتابا كبيرا يسمى كتاب «السنن»، وحمل عنه ~~المزني في كتابه «المبسوط»، وهو المختصر الكبير ~~والمنثورات، وكذا المختصر المشهور. # قال البيهقي: وبعض كتبه الجديدة لم يعد تصنيفها ~~وهي: الصيام، والحدود، والرهن الصغير، والإجارة، ~~والجنائز. فإنه أمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد ~~وأمر بتحريق ما يغاير اجتهاده، قال: وربما تركته ~~اكتفاء بما نبه عليه من رجوعه عنه في مواضع أخرى. ~~قلت: وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيرا من الإشكال ~~الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعي الرجوع عنها، ~~وهي موجودة في بعض هذه الكتب. # ثم نقل ابن حجر أن لأصحاب الشافعي من أهل الحجاز ~~والعراق عنه مسائل وزيادات، قال: وهذا يدل على ~~أن كتبا أخرى حملها عنه هؤلاء؛ لأن هذه المسائل ~~ليست في الكتب المقدم ذكرها. # وقد ترك ابن ~~حجر في تلخيصه كتاب «مسند الشافعي»، ولا ندري إن كان ~~البيهقي قد تركه أيضا أم لا، ويقول الرازي: «إن ~~كتابه المسمى بمسند الشافعي كتاب مشهور في ~~الدنيا.» # 199 # على أني رأيت في كتاب «طبقات الشافعية» للنووي، ~~من نسخة خطية بدار الكتب المصرية، عند ترجمة محمد بن ~~يعقوب بن يوسف أبي العباس السناني النيسابوري المعروف ~~بالأصم المولود سنة 249ه/863م: «و«مسند الشافعي» ~~المعروف ليس من جمع الشافعي وتأليفه، ms181 وإنما جمعه من ~~سماعات الأصم بعض أصحابه؛ ولذلك لا يستوعب حديث ~~الشافعي؛ فإنه مقصور على ما كان عند الأصم من ~~حديثه.» # توجيه الشافعي للدراسات الفقهية توجيها ~~جديدا # كان اتجاه المذاهب الفقهية قبل الشافعي إلى جمع ~~المسائل وترتيبها وردها إلى أدلتها التفصيلية، ~~خصوصا عندما تكون دلائلها نصوصا. # وأهل الحديث لكثرة اعتمادهم على النص كانوا أكثر ~~تعرضا لذكر الدلائل من أهل الرأي. # فلما جاء الشافعي بمذهبه الجديد كان قد درس المذهبين ~~ولاحظ ما فيهما من نقص بدا له أن يكمله، وأخذ ينقض ~~بعض التعريفات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد ~~في طريقة الاستنباط. # وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاها جديدا هو ~~اتجاه العقل العلمي الذي لا يكاد يعنى بالجزئيات ~~والفروع. # ويدل على أن اتجاه الشافعي لم يكن إلى تمحيص ~~الفروع ما نقله ابن عبد البر في «الانتقاء» من أن ~~أحمد بن حنبل قال: «قال الشافعي لنا: أما أنتم فأعلم ~~بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحا ~~فأعلموني، إن يكن كوفيا أو بصريا أو شاميا ~~أذهب إليه إذا كان صحيحا.» # 200 # وطريقة علاجه للعلم تدل على منهجه، قال محمد ابن أخت ~~الشافعي عن أمه قالت: «ربما قدمنا في ليلة واحدة ~~ثلاثين مرة أو أقل أو أكثر المصباح بين يدي الشافعي، ~~وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي: يا جارية، هلمي ~~مصباحا، فتقدمه، ويكتب ما يكتب، ثم يقول: ارفعيه، ~~فقيل لأحمد: ما أراد برد المصباح؟ قال: الظلمة أجلى ~~للقلب.» # 201 # وليس هذا النوع من التفكير الهادئ في ظلمة الليل ~~كتفكير من يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع، بل ~~يعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وذلك ~~هو النظر الفلسفي. # قال ابن سينا في منطق الشفاء: «إنا لا نشتغل ~~بالنظر في الألفاظ الجزئية ومعانيها، فإنها غير ~~متناهية فتحصر، ولا، لو كانت متناهية، كان علمنا ~~بها من حيث هي جزئية يفيدنا كمالا حكميا أو يبلغنا ~~غاية حكمية.» # وكان أحمد يقول: «الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في ~~اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه.» # 202 # وقد حاول الشافعي أن يجمع أصول الاستنباط الفقهي ms182 ~~وقواعدها علما ممتازا، وأن يجعل الفقه تطبيقا ~~لقواعد هذا العلم، وبهذا يمتاز مذهب الشافعي من مذهب ~~أهل العراق وأهل الحجاز. # قال الغزالي في «المستصفى»: «بيان حد أصول ~~الفقه: اعلم أنك لا تفهم حد أصول الفقه ما لم تعرف ~~أولا معنى الفقه، والفقه عبارة عن العلم والفهم في ~~أصل الوضع، يقال: فلان فقيه الخير والشر؛ أي يعلمه ~~ويفهمه، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم ~~بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة، حتى ~~لا يطلق بحكم العادة اسم الفقيه على متكلم، وفلسفي، ~~ونحوي، ومحدث، ومفسر. # بل يختص بالعلماء بالأحكام الشرعية الثابتة للأفعال ~~الإنسانية كالوجود والحظر والإباحة والندب والكراهة، ~~وكون العقد صحيحا وفاسدا وباطلا، وكون العبادة قضاء ~~وأداء وأمثاله، ولا يخفى عليك أن للأفعال أحكاما ~~عقلية؛ أي مدركة بالعقل، ككونها أعراضا وقائمة ~~بالمحل ومخالفة للجوهر، وكونها أكوانا حركة وسكونا ~~وأمثالها، والعارف بذلك يسمى متكلما لا فقيها، ~~وأما أحكامها من حيث إنها واجبة ومحظورة ومباحة ~~ومكروهة ومندوب إليها، فإنما يتولى الفقيه بيانها، ~~فإذا فهمت هذا فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة ~~هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من ~~حيث الجملة، لا من حيث التفصيل. # فإن علم الخلاف من الفقه أيضا مشتمل على أدلة ~~الأحكام ووجوه دلالتها، ولكن من حيث التفصيل، كدلالة ~~حديث خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص، ~~ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص، ~~وأما الأصول فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل ولا على ~~طريق ضرب المثال، بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة ~~والإجماع، ولشرائط صحتها، وثبوتها ثم لوجوه دلالتها ~~الجميلة، إما من حيث صيغتها أو مفهوم لفظها أو معقول ~~لفظها وهو القياس من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة، ~~فبهذا تقارن أصول الفقه فروعه، وقد عرفت من هذا ~~أن أدلة الأحكام: الكتاب والسنة والإجماع؛ فالعلم ~~بطرق ثبوت هذه الأصول الثلاثة وشروط صحتها ووجوه ~~دلالتها على الأحكام هو: العلم الذي يعبر عنه بأصول ~~الفقه.» # 203 # الشافعي أول من وضع مصنفا في العلوم ~~الدينية على منهج علمي # إذا ms183 كان الشافعي هو أول من وجه الدراسات الفقهية ~~إلى ناحية علمية؛ فهو أيضا من وضع مصنفا في ~~العلوم الدينية الإسلامية على منهج علمي بتصنيفه في ~~أصول الفقه. # قال الرازي: «اتفق الناس على أن أول # 204 # من صنف في هذا العلم - أي أصول الفقه - ~~الشافعي، وهو الذي رتب أبوابه، وميز بعض أقسامه ~~من بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف. # وروي أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي ~~وهو شاب أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال ~~بالقرآن والسنة والإجماع والقياس، وبيان الناسخ ~~والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص فوضع الشافعي - رضي ~~الله عنه - الرسالة وبعثها إليه؛ فلما قرأها عبد ~~الرحمن بن مهدي قال: ما أظن أن الله - عز وجل ~~- خلق مثل هذا الرجل. # 205 # الشافعي واضع علم الأصول # ثم قال الرازي: «واعلم أن نسبة الشافعي إلى علم ~~الأصول كنسبة أرسططاليس إلى علم المنطق، وكنسبة ~~الخليل بن أحمد إلى علم العروض، وذلك أن الناس كانوا ~~قبل أرسططاليس يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم ~~السليمة، لكن ما كان عندهم قانون مخلص في كيفية ترتيب ~~الحدود والبراهين، فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة ~~ومضطربة، فإن مجرد الطبع إذا لم يستعن ~~بالقانون الكلي قلما أفلح، فلما رأى أرسططاليس ~~ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة، واستخرج لهم علم ~~المنطق، ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه ~~في معرفة الحدود والبراهين. # وكذلك الشعراء كانوا قبل الخليل بن أحمد ينظمون ~~أشعارا، وكان اعتمادهم على مجرد الطبع، فاستخرج ~~الخليل علم العروض، وكان ذلك قانونا كليا في مصالح ~~الشعر ومفاسده، فكذلك هنا؛ الناس كانوا قبل الإمام ~~الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ~~ويعترضون، وكذلك ما كان لهم قانون كلي مرجوع إليه في ~~معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها وترجيحها، ~~فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونا ~~كليا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع.» ثم ~~يقول الرازي: «واعلم أن الشافعي صنف كتاب ~~«الرسالة» ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب ~~«الرسالة». وفي كل واحد منهما علم كثير.» # 206 # وفي كتاب ms184 «مغيث الخلق في اختيار الأحق» لإمام ~~الحرمين الجويني: «ولا يخفى على المسترشد ~~المستبصر، وعلى الشادي والمبتدي، وعلى الطغام والعوام ~~رجحان نظر الشافعي في فن الأصول، فإنه أول من ابتدع ~~ترتيب الأصول ومهد الأدلة ورتبها وبينها وصنف ~~فيها رسالته.» # ويقول بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى ~~سنة 794ه/1291-1292م في كتابه «أصول الفقه»، ~~المسمى بالبحر المحيط: «فصل: الشافعي أول من صنف ~~في أصول الفقه، صنف فيه كتاب «الرسالة» وكتاب ~~أحكام القرآن واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب ~~جماع العلم، وكتاب القياس الذي ذكر فيه تضليل ~~المعتزلة ورجوعه عن قبول شهادتهم. # ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال أحمد بن ~~حنبل: «لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد ~~الشافعي.» وقال الجويني في شرح «الرسالة»: «لم ~~يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد ~~حكي عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول ~~بالمفهوم، ومن بعدهم لم يقل في الأصول شيء، ولم يكن ~~لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين ~~وتابعي التابعين وغيرهم، وما رأيناهم صنفوا ~~فيه».» # 207 # وفي موضع آخر من هذه النسخة عند الكلام على منع ~~الشافعي نسخ السنة للكتاب: «كيف وهو الذي مهد هذا ~~الفن ورتبه وأول من أخرجه؟» # ويقول ابن خلدون في المقدمة: «وكان أول من كتب ~~فيه - أي في علم أصول الفقه - الشافعي، أملى فيه ~~رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي، ~~والبيان والخبر، والنسخ وحكم العلة المنصوصة من ~~القياس. # ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد ~~وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون ~~أيضا.» # 208 # وفي كتاب «طبقات الفقهاء» للقاضي شمس الدين ~~العثماني الصفدي: «ثم خرج الشافعي إلى مصر سنة تسع ~~وتسعين ومائة، وصنف بها كتبه الجديدة، وسار ذكره في ~~البلدان وقصده الناس من الشام واليمن والعراق وغيرها ~~من النواحي للأخذ عنه وسماع كتبه، وابتكر الشافعي ما ~~لم يسبق إليه من ذلك أصول الفقه، فإنه أول من صنف ~~أصول الفقه بلا خلاف. # ومن ذلك كتاب القسامة وكتاب الجزية وكتاب قتال ~~أهل البغي.» # 209 # ويقول صاحب كتاب ms185 «كشف الظنون»: «وأول من صنف فيه ~~الإمام الشافعي، ذكره الإسنوي في «التمهيد»، وحكى ~~الإجماع فيه.» # 210 # الباحثون في هذا الشأن من الغربيين يرون الشافعي ~~واضعا لأصول الفقه، يقول جولدزيهر في مقالته في كلمة ~~«فقه» في دائرة المعارف الإسلامية: «وأظهر مزايا محمد ~~بن إدريس الشافعي أنه وضع نظام الاستنباط الشرعي في ~~أصول الفقه، وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول، وقد ~~ابتدع في «رسالته» نظاما للقياس العقلي الذي ينبغي ~~الرجوع إليه في التشريع من غير إخلال بما للكتاب ~~والسنة من الشأن المقدم، رتب الاستنباط من هذه ~~الأصول، ووضع القواعد لاستعمالها بعد ما كان ~~جزافا.» # على أنا نجد في كتاب «الفهرست» في ترجمة محمد بن ~~الحسن ذكر كتاب له يسمى كتاب أصول الفقه، ويقول ~~الموفق المكي في كتاب «مناقب الإمام الأعظم» نقلا ~~عن طلحة بن محمد بن جعفر: «إن أبا يوسف أول من وضع ~~الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة.» # 211 # ونقل ذلك طاش كبرى زاده في كتابه «مفتاح ~~السعادة»، # 212 # ولم يرد في هذا العلم فيما أورده صاحب ~~«الفهرست» لأبي يوسف من الكتب، وإذا صح أن لأبي ~~يوسف أو لمحمد كتابا في أصول الفقه؛ فهو فيما ~~يظهر كتاب لنصرة ما كان يأخذ به أبو حنيفة، ~~ويعيبه أهل الحديث - ومعهم الشافعي - من الاستحسان، ~~وقد يؤيد ذلك أن صاحب «الفهرست» ذكر في أسماء كتب ~~أبي يوسف كتاب «الجوامع»، ألفه ليحيى بن خالد، ~~يحتوي على أربعين كتابا ذكر فيه اختلاف الناس والرأي ~~المأخوذ به، ولم يكن في طبيعة مذهب أهل الرأي الذين ~~كان من همهم أن يجمعوا المسائل ويستكثروا منها ~~النزوع إلى تقييد الاستنباط بقواعد لا تتركه متسعا ~~رحبا. # على أن القول بأن أبا يوسف هو أول من تكلم في ~~أصول الفقه علما ذا قواعد عامة يرجع إليها كل مستنبط ~~لحكم شرعي، هذا وقد نقلنا آنفا عن ابن عابدين أن ~~أبا حنيفة كان إذا وقعت واقعة شاور أصحابه شهورا أو ~~أكثر حتى يستقر آخر الأقوال فيثبته أبو يوسف حتى ~~أثبت الأصول على ms186 هذا المنهاج. # وفي رسالة ابن عابدين: «ثم هذه المسائل التي تسمى ~~بظاهر الرواية والأصول هي ما وجد في كتب محمد التي هي ~~المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسير الصغير ~~والجامع الكبير، وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها ~~رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما ~~متواترة أو مشهورة عنه.» # 213 # وكل ذلك يدل على أن أبا يوسف هو أول من أثبت ~~الأصول التي هي فتاوى اتفق عليها الإمام وأصحابه، ~~وأن محمدا جمع من كتب السنة مسائل الأصول، ~~وتسمى ظاهر الرواية أيضا، وهي - كما يقول ابن ~~عابدين في الرسالة المذكورة - مسائل رويت عن أصحاب ~~المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، رحمهم الله ~~تعالى، ويقال لهم العلماء الثلاثة.» # فليس بمستبعد أن يكون ما نسب لأبي يوسف من أنه ~~أول من وضع الكتب في أصول الفقه، وما نسب لمحمد من ~~أنه ألف كتاب أصول الفقه، إنما أريد به أصول فقه ~~أبي حنيفة؛ أي المسائل التي أشار الإمام بثباتها بعد ~~مشاورة أصحابه، وقد يعضد هذا الفهم تعبير صاحب ~~«الفهرست» عند تعديد كتب أبي يوسف بقوله: «ولأبي يوسف ~~من الكتب في الأصول والأمالي # 214 # كتاب الصلاة وكتاب الزكاة، ... ~~إلخ.» # 215 # وعند ذكر الكتب التي ألفها محمد بقوله: «ولمحمد ~~من الكتب في الأصول كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة ... ~~إلخ.» # 216 # وقد لا يكون بعيدا عن غرض الشافعي في وضع أصول ~~الفقه أن يقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل ~~الحديث، ويمهد الوحدة التي دعا إليها ~~الإسلام. # وفي كتاب «تقويم النظر» لمحمد بن علي المعروف بابن ~~الدهان، من نسخة خطية بدار الكتب الأهلية ~~بباريس: ~~«وقيل لبعض القصاص: ما السر في قصر عمر ~~الشافعي؟ فقال حتى لا يزالوا مختلفين، ولو طال عمره ~~رفع الخلاف.» # تحليل الرسالة # وصف الشافعي في خطبة «الرسالة» حال الناس عند بعثة ~~النبي من الجهة الدينية، فبين أنهم كانوا صنفين: ~~«أهل الكتاب بدلوا أحكامه وكفروا بالله وافتعلوا ~~كذبا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل ~~إليهم. # وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ~~ونصبوا بأيديهم ms187 حجارة وخشبا وصورا استحسنوها، ونبزوا ~~أسماء افتعلوها ودعوها آلهة عبدوها، أو عبدوا ما ~~استحسنوا من حوت ودابة ونجم وغار وغيره.» # ثم ذكر الشافعي أن الله أنقذ الناس بمحمد من هذا ~~الضلال، وأنزل عليه كتابه فقال: # وإنه لكتاب عزيز * ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد # فنقلهم به من الكفر والعمى إلى ~~الضياء والهدى. # وتكلم على منزلة القرآن من الدين واشتماله على ما ~~قد أحل الله وما حرم، وما تعبد الناس به، وما ~~أعد لأهل طاعته من الثواب، وما أوجب لأهل معصيته من ~~العقاب، ووعظهم بالإخبار عمن كان قبلهم. # ورتب الشافعي على ذلك ما يحق على طلبة العلم ~~بالدين من بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علم القرآن ~~وإخلاص النية لله، لاستدراك علمه نصا واستنباطا، ~~فإن من أدرك علم أحكام الله - عز وجل - في كتابه ~~نصا واستدلالا ووفقه الله - تعالى - للقول والعمل ~~بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه ~~الريبة، ونورت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع ~~الإمامة. # ثم ختم الشافعي خطبة «الرسالة» بقوله: «فليست بأحد ~~من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله - جل ثناؤه ~~- الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تعالى: # كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد ~~، وقال: # وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون ~~، وقال: # ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين ~~، ~~وقال: # وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم * صراط الله ~~... # الآية.» # ولما كان قد وضح من هذه المقدمة أن القرآن هو ~~تبيان لكل شئون الدين قال تعالى: # هذا بيان للناس ~~، وأراد به ~~القرآن، وإنه الدليل على سبيل الهدى في كل نازلة تنزل ~~بأي أحد من أهل دين الله، فإن الشافعي عقد بعد هذه ~~المقدمة بابا عنوانه: «باب كيف البيان»، ms188 بدأه بتعريف ~~البيان بأنه اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشعبة ~~الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة ~~أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، ~~متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشد تأكيد ~~بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان ~~العرب. # عرض من جاء بعد الشافعي لتحديد معنى البيان على ~~وجه أوضح، قال الغزالي في «المستصفى»: «مسألة في حد ~~البيان: اعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف ~~والإعلام، وإنما يحصل الإعلام بدليل، والدليل محصل ~~للعلم، فها هنا ثلاثة أمور: إعلام، ودليل به الإعلام، ~~وعلم يحصل من الدليل. من الناس من جعله عبارة عن ~~التعريف فقال في حده: إنه إخراج الشيء من حيز ~~الإشكال إلى حيز التجلي، ومنهم من جعله عبارة ~~عما تحصل به المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة، أعني ~~الأمور التي ليست ضرورية، وهو الدليل، فقال في حده: ~~إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو ~~دليل عليه، وهو اختيار القاضي، ومنهم من جعله عبارة ~~عن نفس العلم وهو تبيين الشيء، فكأن البيان عنده ~~والتبيين واحد، ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل ~~واحد من هذه الأقسام الثلاثة، إلا أن الأقرب إلى ~~اللغة وإلى التداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي، إذ ~~يقال لمن دل غيره على الشيء: بينه له - وهذا ~~بيان منك، لكنه لم يتبين، وقال تعالى: # هذا بيان للناس # وأراد به القرآن. # وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارة وضعت ~~بالاصطلاح، فهي بيان في حق من تقدمت معرفته بوجه ~~المواضعة، وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز إذ الكل ~~دليل ومبين، ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا ~~بالدلالة بالقول؛ فيقال: له بيان حسن؛ أي كلام حسن ~~رشيق الدلالة على المقاصد، واعلم أن ليس من شرط ~~البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد، بل يكون بحيث إذا ~~سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به، ويجوز أن ~~يختلف الناس في تبيين ذلك.» # 217 # ويوشك أن يكون مذهب القاضي الباقلاني هو أقرب ~~المذاهب إلى رأي ms189 الشافعي. # ثم جعل الشافعي ما أبان الله لخلقه في كتابه مما ~~تعبدهم به من وجوه خمسة، وقد سماها المتأخرون ~~مراتب البيان للأحكام؛ أولها: ما أبان الله في كتابه ~~نصا جليا لا يتطرق إليه التأويل فلم يحتج مع ~~التنزيل فيه إلى غيره، وسماه المتأخرون بيان ~~التأكيد. ثانيها: ما أبانه القرآن بنص يحتمل أوجها، ~~فدلت السنة على تعيين المراد به من هذه الأوجه، كما ~~يؤخذ من كلام الشافعي، وقد أسقط الشافعي هذا الثاني في ~~مواضع من «الرسالة» حصل فيها جملة وجوه البيان، كما في ~~الفصل الذي عقده للبيان الرابع. # وذكر الشوكاني وغيره من الأصوليين معنى آخر لهذا ~~البيان. قال الشوكاني: «الثاني النص الذي ينفرد ~~بإدراكه العلماء، كالواو وإلى في آية الوضوء، وأن ~~هذين الحرفين مقتضيان لمعان معلومة عند أهل ~~اللسان.» # وحمل كلام الشافعي على هذا بعيد. # ثالثها: ما أتى الكتاب على غاية البيان في فرضه، ~~وبين رسول الله كيف فرضه وعلى من فرضه، ومتى ~~يزول فرضه ويثبت. # رابعا: ما بين الرسول مما ليس لله فيه نص حكم، ~~وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه، ~~فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل. # خامسها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه وهو ~~القياس، «والقياس ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر ~~المتقدم من الكتاب أو السنة»، وقد سمى المتأخرون ~~هذا البيان ببيان الإشارة. قال الشوكاني: «الخامس بيان ~~الإشارة وهو القياس المستنبط من الكتاب والسنة، مثل ~~الألفاظ التي استنبطت منها المعاني وقيس عليها ~~غيرها؛ لأن الأصل إذا استنبط منه معنى وألحق به ~~غيره لم يقل: لم يتناوله النص، بل تناوله؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أشار إليه بالتنبيه كإلحاق المطعومات في باب ~~الربويات بالأربعة المنصوص عليها؛ لأن حقيقة القياس ~~بيان المراد بالنص، وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - ~~أهل التكليف بالاعتبار والاستنباط والاجتهاد.» # وبعد أن أجمل الشافعي مراتب البيان الخمس أخذ يوضحها ~~ويبين لها الأمثلة والشواهد في أبواب خمسة. # وبعد أن أتم الكلام على البيان الخامس قال: «وهذا ~~الصنف من العلم ms190 (يعني الاجتهاد) دليل على ما وصفت ~~قبل هذا، على أن ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل ~~ولا حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في ~~الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس.» # وهذا يفيد ~~أن الشافعي يرى الإجماع من مراتب البيان، وإن لم يذكره ~~مستقلا، قال الشوكاني: «ذكر هذه المراتب الخمس ~~للبيان الشافعي في أول «الرسالة»، وقد اعترض عليه قوم ~~وقالوا: قد أهمل قسمين، وهما: الإجماع، وقول المجتهد ~~إذا انقرض عصره وانتشر من غير نكير، قال الزركشي في ~~«البحر»: إنما أهملهما الشافعي لأن كل واحد منهما ~~إنما يتوصل إليه بأحد الأقسام الخمسة التي ذكرها ~~الشافعي؛ لأن الإجماع لا يصدر إلا عن دليل، فإن كان ~~نصا فهو من الأقسام الأول، وإن كان استنباطا فهو ~~الخامس.» # وما قاله الزركشي في «البحر» متعلقا بالإجماع ~~بين من كلام الشافعي نفسه في «الرسالة» في باب ~~الإجماع. # وذكر الشافعي في الباب الخامس أن القرآن الذي هو ~~الأصل لكل أقسام البيان عربي، وأنه يخاطب العرب ~~بلسانها «على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف ~~من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب ~~بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ~~ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد ~~به العام ويدخله الخاص؛ فيستدل على هذا ببعض ما ~~خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص، وظاهرا ~~يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، وكل هذا ~~موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتبتدئ ~~الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ ~~الشيء من كلامها يبين آخر لفظها فيه عن أوله، وتكلم ~~بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ كما تعرف ~~الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد ~~أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتسمي الشيء الواحد ~~بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد المعاني ~~الكثيرة، وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في ~~معرفة أهل العلم منها به، وإن اختلفت أسباب معرفتها، ~~معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل ms191 هذا ~~من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة.» # وأخذ الشافعي يشرح وجود هذه الوجوه في القرآن في ~~أبواب مرتبة كما يأتي: باب ما نزل من الكتاب عاما ~~يراد به العام ويدخله الخصوص. باب بيان ما نزل من ~~القرآن عام الظاهر، وهو يجمع العام والخصوص. باب ما ~~نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص. باب ~~الصنف الذي يبين سياقه معناه. باب الصنف الذي يدل ~~لفظه على باطنه دون ظاهره. باب ما نزل عاما فدلت ~~السنة خاصة على أنه يراد به الخاص. # ولما كان في هذا الباب الأخير ما يدل على أن السنة ~~تخصص الكتاب؛ فقد عرض الشافعي للسنة وحجيتها ~~ومنزلتها من الدين، فوضع لذلك الأبواب الآتية: باب ~~بيان فرض الله - تعالى - في كتابه اتباع سنة نبيه، # صلى الله عليه وسلم ~~. باب فرض الله طاعة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، مقرونة ~~بطاعة الله - جل ذكره - ومذكورة وحدها. باب ما أمر ~~الله به من طاعة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. باب ما أبان الله ~~لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه، وما شهد ~~له به من اتباع ما أمر به ومن هداه، وأنه هاد لمن ~~اتبعه. # وفي هذا الباب كرر الشافعي القول بأن رسول ~~الله سن مع كتاب الله، وبين فيما ليس فيه بعينه نص ~~كتاب، وأخذ يستدل على ذلك ويحاج المخالفين في ~~أن النبي يسن فيما ليس فيه نص كتاب، ثم قال: ~~«وسأذكر مما وصفنا من السنة مع كتاب الله، والسنة ~~فيما ليس فيه نص كتاب، بعض ما يدل على جملة ما وصفنا ~~منه، إن شاء الله تعالى، فأول ما نبدأ به من ذكر سنة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، مع كتاب الله ذكر الاستدلال ~~بسنته على الناسخ والمنسوخ من كتاب الله، عز ~~وجل، ثم ذكر الفرائض الجمل التي أبان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن الله كيف هي ومواقيتها، ثم ذكر العام من ~~أمر الله - تعالى - الذي أراد به العام، والعام ~~الذي أراد به الخاص، ms192 ثم ذكر سنته فيما ليس فيه نص ~~كتاب.» # وبعد وضع فصلا عنوانه: «ابتداء الناسخ ~~والمنسوخ» ذكر فيه حكمة النسخ التي هي التخفيف ~~والتوسعة. # وذكر أن الكتاب إنما ينسخ بالكتاب، والسنة إنما ~~تنسخ بالسنة، ويلي ذلك الفصول الآتية: الناسخ ~~والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه. ~~باب فرض الصلاة الذي دل الكتاب، ثم السنة على من ~~تزول عنه بالعذر وعلى من لا تكتب صلاته بالمعصية. باب ~~الناسخ والمنسوخ الذي تدل عليه السنة والإجماع. باب ~~الفرائض التي أنزلها الله - تعالى - نصا . باب ~~الفرائض المنصوصة التي سن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # معها. ~~باب ما جاء في الفرض المنصوص الذي دلت السنة على أنه ~~إنما أريد به الخاص. جمل الفرائض التي أحكم الله ~~- تعالى - فرضها بكتابه وبين كيف فرضها على لسان ~~نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~. باب في الزكاة. # ثم ذكر الشافعي بابا عنوانه: «باب العلل في ~~الأحاديث» ذكر فيه ما يكون بين الأحاديث من اختلاف ~~بسبب أن بعضها ناسخ وبعضها منسوخ، وما يكون ~~من الاختلاف بسبب الغلط في الأحاديث وذكر بعض مناشئ ~~الغلط. # ثم عقد أبوابا للناسخ والمنسوخ من الأحاديث، ~~وأبوابا للاختلاف بسبب غير النسخ، وتكلم في بعض هذه ~~الأبواب على الاختلاف في القراءات في القرآن ~~وسببه. # ووضع بعد ذلك أبوابا في النهي الوارد في ~~الأحاديث، يوضح بعضها معاني بعض، وتكلم على النهي ~~وأقسامه. # ثم وضع بابا للعلم فقال: إن العلم علمان: علم ~~عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله، ~~وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله - ~~تعالى - وموجود عاما عند أهل الإسلام ينقله كله ~~عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول ~~الله لا يتنازعون في حكايته، ولا في وجوبه عليهم، ~~وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ~~ولا التأويل. # أما الثاني فهو ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما ~~يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا ~~في أكثره نص سنة، وإن كانت في شيء منه ms193 سنة فإنما هي ~~من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه ~~يحتمل التأويل ويستدرك قياسا، والفرض في هذا ~~مقصود به قصد الكفاية، فإذا قام به من المسلمين من ~~فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من المأثم، ولو ~~ضيعوه لم يخرج واحد منهم مطيق فيه من ~~المأثم. # ثم عقد بابين؛ أولهما: باب خبر الواحد، والثاني: ~~الحجة في تثبيت خبر الواحد، ويتجلى في هذين البابين ~~أسلوب الشافعي في الجدل ومنهجه في الترجيح. # أما أبواب الرسالة بعد ذلك فهي: باب الإجماع، باب ~~إثبات القياس والاجتهاد، وحيث يجب القياس ولا يجب، ~~ومن له أن يقيس، باب الاجتهاد، باب الاستحسان، وهو ~~يبين فيه أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان ~~إذا خالف الاستحسان الخبر، وقد أفاض في هذا الباب في ~~الكلام على القياس وأنواعه، ورد القول ~~بالاستحسان. # وختم الشافعي رسالة الأصول بالكلام على الاختلاف، ~~فبين أن الاختلاف من وجهين: أحدهما: محرم. ~~والآخر: غير محرم. # أما الاختلاف المحرم فهو: كل ما أقام الله به ~~الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصا بينا، ~~فمن علمه لم يحل له الاختلاف فيه. والثاني: ~~الاختلاف فيما يحتمل التأويل أو يدرك قياسا؛ فيذهب ~~المتأول أو القائس إلى معنى يحتمله الخبر أو ~~القياس، وإن خالفه فيه غيره. # وعقب الشافعي على باب الاختلاف بباب في المواريث ~~يذكر فيه أوجها من الاختلاف في المواريث، ويلي ذلك ~~باب الاختلاف في الجد، وبه تكمل الرسالة، وقد ذكر ~~في هذا الباب الأخير رأيه في أقاويل الصحابة إذا ~~تفرقوا فيها، وصرح بأنه هو يصير إلى اتباع قول ~~واحدهم إذا لم يجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا، ولا ~~شيئا في معنى هذا أو وجد معه القياس. # ورتب الشافعي بعد ذلك مراتب الأصول وأنزلها ~~منازلها بما نصه: «نحكم بالكتاب والسنة المجتمع ~~عليها التي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا بالحق ~~في الظاهر والباطن، ونحكم بسنة رويت من طريق ~~الانفراد لا يجتمع الناس عليها، فنقول: حكمنا بالحق في ~~الظاهر؛ لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث، ~~ونحكم بالإجماع، ثم ms194 القياس وهو أضعف من هذا، ولكنها ~~منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر ~~موجود.» # مظاهر التفكير الفلسفي في ~~الرسالة # ورسالة الشافعي كما رأينا تسلك في سرد مباحثها ~~وترتيب أبوابها نسقا مقررا في ذهن مؤلفها، قد ~~يختل اطراده أحيانا، ويخفى وجه التتابع فيه، ~~ويعرض له الاستطراد ويلحقه التكرار والغموض، ولكنه على ~~ذلك كله بداية قوية للتأليف العلمي المنظم في فن ~~يجمع الشافعي لأول مرة عناصره الأولى. # وإذا كنا نلمح في «الرسالة» نشأة التفكير ~~الفلسفي في الإسلام من ناحية؛ للعناية بضبط الفروع ~~والجزئيات بقواعد كلية، وإن لم تغفل جانب الفقه؛ أي ~~استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها ~~التفصيلية؛ فإنا نلمح للتفكير الفلسفي في الرسالة ~~مظاهر أخرى. # منها هذا الاتجاه المنطقي إلى وضع الحدود ~~والتعاريف أولا، ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل ~~والاستشهاد لكل قسم، وقد يعرض الشافعي لسرد ~~التعاريف المختلفة ليقارن بينها، وينتهي به التمحيص ~~إلى تخير ما يرتضيه منها. # ومنها أسلوبه في الحوار الجدلي المشبع بصور المنطق ~~ومعانيه، حتى لتكاد تحسبه لما فيه من دقة البحث ~~ولطف الفهم، وحسن التصرف في الاستدلال، والنقض ~~ومراعاة النظام المنطقي، حوارا فلسفيا على رغم ~~اعتماده على النقل أولا وبالذات واتصاله بأمور شرعية ~~خالصة. # ومنها الإيماء إلى مباحث من علم الأصول تكاد تهجم ~~على الإلهيات أو علم الكلام؛ كالبحث في العلم، وأن ~~هناك حقا في الظاهر والباطن وحقا في الظاهر دون ~~الباطن، وأن المجتهد مصيب أو مخطئ معذور، ~~والفرق بين القرآن والسنة، وعلل الأحكام، وترتيب ~~الأصول بحسب قوتها وضعفها، وقد استدل الشافعي على ~~حجية السنة وما دونها من الأصول؛ فلفت ~~الأذهان إلى حجية القرآن نفسه، وهي مسألة وثيقة ~~الاتصال بأبحاث المتكلمين. # شراح الرسالة متكلمون وفقهاء # وقد أثارت رسالة الشافعي اهتمام العلماء ~~يروونها، ويتناولونها بالشرح وبالنقد، فمن شرحها: ~~محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي المتوفى سنة ~~330ه/932م. وفي ترجمته في «طبقات الشافعية الكبرى» ~~لابن السبكي: «الإمام الجليل الأصولي، أحد أصحاب ~~الوجوه المسفرة عن فضله، والمقالات الدالة على جلالة ~~قدره، وكان يقال إنه أعلم خلق الله - تعالى ms195 - ~~بالأصول بعد الشافعي، ومن تصانيفه شرح الرسالة.» وذكر ~~له صاحب «الفهرست» من الكتب في الأصول كتاب «البيان في ~~دلائل الأعلام على أصول الأحكام»، وكتاب «شرح رسالة ~~الشافعي»، وقال صاحب «كشف الظنون»: «ومن شروحها - أي ~~«الرسالة» - «دلائل الأعلام للصيرفي».» فجعل الكتاب ~~الأول شرحا للرسالة، وذكر صاحب «الفهرست» من كتب ~~الصيرفي: «كتاب نقض كتاب عبيد الله بن طالب الكاتب ~~لرسالة الشافعي». # ومنهم حسان بن محمد القرشي الأموي أبو الوليد ~~النيسابوري المتوفى سنة 349ه/960م. روى صاحب «الطبقات ~~الشافعية الكبرى» عن الحاكم أنه قال: «كان إمام أهل ~~الحديث بخراسان، وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم، ~~وأكثرهم تقشفا ولزوما لمدرسته وبيته.» ولم يشر ~~صاحب الطبقات إلى شرحه لرسالة الشافعي، لكن صاحب ~~«كشف الظنون» ذكره فيمن شرح الرسالة، وذكر الزركشي ~~في «البحر المحيط» شرحه للرسالة فيما عنده من كتب ~~الفن؛ أي فن الأصول. # ومنهم محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير ~~الشاشي المتوفى سنة 365ه/975-976م. قال صاحب «طبقات ~~الشافعية الكبرى»: «كان إماما في التفسير، إماما في ~~الحديث، إماما في الكلام، إماما في الأصول، إماما ~~في الفروع.» وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: «كان ~~إماما، وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها، وهو أول من ~~صنف الجدل الحسن من الفقهاء؛ فإنه كتاب في أصول الفقه، ~~وله شرح الرسالة، وعنه انتشر فقه الشافعي فيما وراء ~~النهر.» وذكر في «البحر المحيط» للزركشي وفي «كشف ~~الظنون» وفي «الطبقات»: «وقال الحافظ أبو القاسم بن ~~عساكر: بلغني أنه كان مائلا عن الاعتدال، قائلا ~~بالاعتزال في أول أمره، ثم رجع إلى مذهب ~~الأشعري.» # ومنهم الحافظ أبو بكر الجوزقي، # 218 # ومحمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري ~~الشيباني توفي سنة 378ه/998-999م: وفي «طبقات ~~الشافعية»: «كان أبو بكر أحد أئمة المسلمين علما ~~ودينا، وكان محدث نيسابور.» ولم يذكر شرحه ~~للرسالة في «الطبقات»، لكن الزركشي وصاحب «كشف ~~الظنون» ذكراه، قال الزركشي في «البحر ~~المحيط» في الكلام ~~على ما عنده من كتب الفن: «فمن كتب الإمام الشافعي - ~~رضي الله عنه - «الرسالة» و«اختلاف الحديث»، و«أحكام ~~القرآن»، ومواضع متفرقة من «الأم» ms196 و«شرح الرسالة» ~~للصيرفي، وللقفال الشاشي، وللجويني، # 219 # ولأبي الوليد النيسابوري، وكتاب ~~«القياس» للمزني». # أما صاحب «كشف الظنون» فيقول: «رسالة الشافعي في ~~الفقه على مذهبه، وهي مشهورة بينهم، ورواها عنه جماعة ~~وتنافسوا في شرحها، فشرحها أبو بكر محمد بن عبد الله ~~الشيباني الجوزقي النيسابوري المتوفى سنة 388ه/998م، ~~والإمام محمد بن علي القفال الكبير الشاشي المتوفى ~~سنة 365ه/975-976م، وأبو الوليد حسان بن محمد ~~النيسابوري القرشي الأموي المتوفى سنة 349ه/960م، ~~وأبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي سنة 330ه/941-942م ~~واسمه: «دلائل الأعلام»، ذكره في شرح الألفية، وشرحها ~~أبو زيد عبد الرحمن الجزولي، ويوسف بن عمر، وجمال ~~الدين ... الأقفهسي، وابن الفاكهاني أبو القاسم بن عيسى ~~بن ناجي.» # 220 # ولم أعثر على تراجم للشراح الخمسة ~~الأخيرين. # والشراح الذين تناولوا رسالة الشافعي كانوا ما بين ~~متكلمين وفقهاء، فنزع كل فريق منهم المنزع المناسب ~~لفنه، فعني الفقهاء بجانب الاستنباط والتفريع في ~~«الرسالة»، وعني المتكلمون بما توحي به مباحث ~~الكلام. # وتوجه التأليف في علم الأصول هذا الاتجاه؛ قال ابن ~~خلدون # 221 # في المقدمة في باب «أصول الفقه وما يتعلق ~~به من الجدل والخلافيات»: وكان أول من كتب فيه - أي ~~في علم أصول الفقه - الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ~~أملى به رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر ~~والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة ~~المنصوصة من القياس، ثم كتب فقهاء الحنفية فيه ~~وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب ~~المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها ~~أمس بالفقه، وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها ~~والشواهد، وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية، ~~والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل عن الفقه، ~~ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن؛ لأنه غالب ~~فنونهم ومقتضى طريقتهم، وكان لفقهاء الحنفية فيها ~~اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية، والتقاط هذه ~~القوانين من مسائل الفقه ما أمكن، وجاء أبو زيد ~~الدبوسي # 222 # من أئمتهم فكتب في القياس بأوسع من ~~جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه، ~~وكملت صناعة أصول الفقه بكماله، وتهذبت مسائله وتمهدت ~~قواعده، وعني الناس بطريقة ms197 المتكلمين، وكان من أحسن ~~ما كتب فيه المتكلمون كتاب «البرهان» لإمام ~~الحرمين، # 223 # و«المستصفى» للغزالي، # 224 # وهما من الأشعرية، وكتاب «العهد» لعبد ~~الجبار # 225 # وشرحه المعتمد لأبي الحسين ~~البصري # 226 # وهما من المعتزلة، وكانت الأربعة قواعد ~~هذا الفن وأركانه.» # ويقول الزركشي في البحر المحيط: «وجاء من بعده - ~~أي الشافعي - فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا، حتى ~~جاء القاضيان قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، # 227 # وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا ~~العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا ~~الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم وساروا على لاحب ~~نارهم.» # وجملة القول أن المتكلمين منذ القرن الرابع الهجري ~~وضعوا أيديهم على علم أصول الفقه، وغلبت طريقتهم فيه ~~طريقة الفقهاء؛ فنفذت إليه آثار الفلسفة والمنطق، ~~واتصل بهما اتصالا وثيقا. # | هوامش # | ضميمة في علم الكلام وتاريخه # | علم الكلام وتاريخه # (1) تعريف علم الكلام # للعلماء في تعريف علم ~~الكلام عبارات مختلفة، كثيرا ما تدل على الاختلاف في وجهة ~~النظر. # ولأبي نصر الفارابي المتوفى سنة 339ه/950م قول في تعريف ~~الكلام وفرق ما بينه وبين الفقه، تفرد به - فيما نعلم - وهو ~~من أقدم ما وصل إلينا من تعاريف هذا العلم، قال في ~~الكلام: ~~«صناعة الكلام: وصناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة ~~الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، ~~وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل، وهذا ينقسم إلى جزءين أيضا: ~~جزء في الآراء وجزء في الأفعال.» # وهي غير الفقه لأن الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح ~~بها واضع الملة مسلمة ويجعلها أصولا، فيستنبط منها ~~الأشياء اللازمة عنها. # والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير ~~أن يستنبط عنها أشياء أخر. # فإذا اتفق أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعا فهو ~~فقيه متكلم، فيكون نصرته لها بما هو متكلم، واستنباطه عنها بما ~~هو فقيه. # وأما الوجوه والآراء التي ينبغي أن تنصر الملل، فإن ~~قوما من المتكلمين يرون أن ينصروا الملل بأن يقولوا ~~إن آراء الملل وكل ما فيها من الأوضاع ليس سبيلها أن ~~يمتحن بالآراء والروية والعقول الإنسانية؛ لأنها أرفع ~~رتبة منها إذ ms198 كانت مأخوذة عن وحي إلهي؛ لأن # 1 # فيها أسرارا إلهية تضعف عن إدراكها العقول ~~الإنسية ولا تبلغها. # وأيضا فإن الإنسان إنما سبيله أن تفيده الملل بالوحي ~~ما شأنه ألا يدركه بعقله، وما يخور عقله منه، وإلا فلا معنى ~~للوحي ولا فائدة، إذا كان إنما يفيد الإنسان ما كان ~~يعمله # 2 # وما يمكن إذا تأمله أن يدركه بعقله، ولو كان ~~كذلك لوكل الناس إلى عقولهم، ولما كانت بهم حاجة إلى نبوة ولا ~~إلى وحي. # لكن لم يفعل بهم ذلك؛ فلذلك ينبغي أن يكون ما تفيده الملل ~~من العلوم ما ليس في طاقة عقولنا إدراكه، ثم ليس هذا فقط، بل ~~وما تستنكره عقولنا أيضا، فإنه ليس كل ما كان أشد استنكارا ~~عندنا كان أبلغ في أن # 3 # يكون أكثر فوائد، وذلك أن التي يأتي بها الملك ~~مما تستنكره العقول وتستبشعه الأوهام ليست هي بالحقيقة ~~منكرة ولا محالة، بل هي صحيحة في العقول الإلهية. # فإن الإنسان، وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية، فإن ~~منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي و # 4 # الحدث والغمر عند الإنسان الكامل، وكما أن ~~كثيرا من الصبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياء كثيرة، ~~مما ليست في الحقيقة منكرة ولا غير ممكنة ويقع لهؤلاء ~~أنها غير ممكنة، فكذلك منزلة من هو في نهاية كمال العقل ~~الإنسي عند العقول الإلهية. # وكما أن الإنسان من ~~قبل أن يتأدب ويحتنك يستنكر أشياء كثيرة ويستبشعها ويخيل ~~إليه فيها أنها محالة، فإذا تأدب بالعلوم واحتنك بالتجارب ~~زالت عنه تلك الظنون فيها، وانقلبت الأشياء التي كانت عنده ~~محالة فصارت هي الواجبة، وصار عنده ما كان يتعجب منه قديما ~~في حد ما يتعجب من ضده، كذلك الإنسان الكامل الإنسانية ~~لا يمتنع من # 5 # أن يكون يستنكر أشياء ويخيل إليه أنها غير ممكنة ~~من غير أن تكون في الحقيقة كذلك؛ فلهذه الأشياء رأى هؤلاء أن ~~يحيل # 6 # تصحيح الملل، فإن الذي أتانا بالوحي من عند الله - ~~جل ذكره - صادق، ولا يجوز أن يكون قد كذب، ويصح أنه ~~كذلك ms199 من أحد وجهين: # إما بالمعجزات التي يفعلها أو تظهر على يده. # وإما بشهادات من تقدم قبله من الصادقين المقبولي ~~الأقاويل على صدق هذا ومكانه من الله، جل وعز، أو بهما ~~جميعا. # فإذا صححنا صدقه بهذه الوجوه، وأنه لا يجوز أن يكون قد ~~كذب، فليس ينبغي أن يتفق بعد ذلك في الأشياء التي هو # 7 # لها مجال للعقول، ولا تأمل، ولا روية، ولا ~~نظر. # فبهذه وما أشبهها رأى هؤلاء أن ينصروا الملل. # وقوم منهم آخرون يرون أن ينصروا أولا جميع ما صرح به ~~واضع الملة بالألفاظ التي عبر عنها، ثم يتتبعوا المحسوسات ~~والمشهورات والمعقولات، فما وجدوا منها أو من اللوازم عنها، ~~وإن بعد، شاهدا لشيء مما في الملة نصروا به ذلك الشيء، ~~وما وجدوا منها مناقضا لشيء مما في الملة وأمكنهم أن ~~يتأولوا اللفظ الذي به عبر عنه واضع الملة على وجه موافق ~~لذلك المناقض - ولو تأويلا بعيدا - تأولوه عليه، وإن لم ~~يمكنهم ذلك، وأمكن أن يزيف ذلك المناقض و # 8 # أن يحملوه على وجه يوافق ما في الملة فعلوه، فإن ~~تضاد المشهورات والمحسوسات في الشهادة مثل أن تكون المحسوسات ~~أو اللوازم عنها توجب شيئا، والمشهورات أو اللوازم عنها توجب ~~ضد ذلك، نظروا إلى أقواهما شهادة لما في الملة فأخذوه ~~واطرحوا الآخر وزيفوه. # فإن لم يمكن أن تحمل لفظة الملة على ما يوافق أحد هذه، ~~ولا أن يحمل شيء من هذه على ما يوافق الملة، ولم يمكن أن ~~يطرح ولا أن يزيف شيء من المحسوسات ولا من المشهورات ولا ~~من المعقولات التي تضاد شيئا منها، رأوا حينئذ أن ينصروا ~~ذلك الشيء بأن يقال إنه حق لأنه أخبر به من لا يجوز أن ~~يكون قد كذب ولا غلط، ويقول هؤلاء في هذا الجزء من الملة بما ~~قاله أولئك الأولون في جميعها. # فبهذا الوجه رأى هؤلاء أن ينصروا الملل. # وقوم من هؤلاء رأوا أن ينصروا أمثال هذه الأشياء، يعني ~~التي يخيل فيها أنها شنعة، بأن يتتبعوا سائر الملل؛ ~~فيلتقطوا الأشياء الشنعة التي فيها، ms200 فإذا أراد الواحد من ~~أهل تلك الملل تقبيح شيء مما في ملة هؤلاء، تلقاه هؤلاء ~~بما في ملة أولئك من الأشياء الشنعة فدفعوه بذلك عن ~~ملتهم. # وآخرون منهم لما رأوا أن الأقاويل التي يأتون بها في ~~نصرة أمثال هذه الأشياء ليست فيها كفاية في أن تصح بها تلك ~~الأشياء صحة تامة، حتى يكون سكوت خصمهم لصحتها عنده لا لعجزه ~~عن مقاومتهم فيها بالقول، اضطروا عند ذلك إلى أن يستعملوا معه ~~الأشياء التي تلجئه إلى أن يسكت عن مقولتهم إما خجلا ~~وحصرا أو خوفا من مكروه يناله. # وآخرون لما كانت ملتهم عند أنفسهم صحيحة لا يشكون في ~~صحتها، رأوا أن ينصروها عند غيرهم، ويحسنوها ويزيلوا ~~الشبهة منها، ويدفعوا خصومهم عنها بأي شيء اتفق، ولم يبالوا ~~بأن يستعملوا الكذب والمغالطة والبهت والمكابرة؛ لأنهم رأوا ~~أن من يخالف ملتهم أحد رجلين: # إما عدو، والكذب والمغالطة جائز أن يستعمل في دفعه وفي ~~غلبته، كما يكون ذلك في الجهاد والحرب. # وإما ليس بعدو، ولكن جهل حظ نفسه من هذه الملة لضعف عقله ~~وتمييزه، وجائز أن يحمل الإنسان على حظ نفسه بالكذب ~~والمغالطة، كما يفعل ذلك بالنساء والصبيان. # 9 # ويقول الفارابي في الفقه: ~~«علم الفقه: وصناعة الفقه هي التي بها يقتدر الإنسان على أن ~~يستنبط تقدير شيء مما لم يصرح واضع الشريعة بتحديده على ~~الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن يتحرى ~~تصحيح ذلك حسب غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في الأمة ~~التي لها شرع. # وكل ملة فيها آراء وأفعال: فالآراء مثل الآراء التي تشرع في ~~الله، وفيما يوصف به. وفي العلم أو غير ذلك، والأفعال مثل ~~الأفعال التي يعظم بها الله، والأفعال التي بها تكون المعاملات ~~في المدن. # فلذلك يكون علم الفقه جزءين؛ جزء في الآراء، وجزء في ~~الأفعال.» # 10 # ولسنا نعرف لغير الفارابي من علماء الإسلام هذا التمييز بين ~~الكلام والفقه، بأن الأول يتعلق بنصرة العقائد والشرائع التي ~~صرح بها واضع الملة، على حين يتعلق الثاني باستنباط ما لم ~~يصرح به واضع الملة؛ ms201 مما صرح به في العقائد والشرائع جميعا. ~~نعم، للفقه في بعض إطلاقاته عموم يشتمل جميع مسائل الدين، قال ~~صاحب «كشاف اصطلاحات الفنون»: ~~«وقد يطلق الفقه على علم النفس بما لها وما عليها، فيشتمل ~~جميع العلوم الدينية؛ ولهذا سمى أبو حنيفة - رحمه الله - ~~الكلام بالفقه الأكبر.» # وجاء في «تاج العروس»: «وقد غلب - أي الفقه - على علم الدين ~~لشرفه وسيادته وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم ~~على الثريا والعود على المندل. قال ابن الأثير: واشتقاقه ~~من الشق والفتح، وقد جعلته العرب خاصا بعلم الشريعة ~~وتخصيصا بعلم الفروع منها.» # ومع هذا فإن العلماء يكادون يتفقون على أن علم الكلام ~~خاص بالمسائل الاعتقادية، وعلم الفقه متصل بالأحكام ~~العملية . # وفي كتاب «التعريفات» للسيد الشريف علي بن محمد الجرجاني ~~المتوفى سنة 816ه (1413م): ~~«الفقه هو في اللغة عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه. وفي ~~الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من ~~أدلتها التفصيلية، وقيل هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي ~~الذي يتعلق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ~~ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل؛ ولهذا لا يجوز أن يسمى الله ~~- تعالى - فقيها؛ لأنه لا يخفى عليه شيء.» # الكلام علم يبحث فيه عن ذات الله - تعالى - وصفاته، وأحوال ~~الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، والقيد ~~الأخير لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة ... الكلام علم باحث عن ~~أمور يعلم منها المعاد وما يتعلق به من الجنة والنار والصراط ~~والميزان والثواب والعقاب، وقيل الكلام هو العلم بالقواعد ~~الشرعية الاعتقادية المكتسبة من الأدلة. # وفلاسفة الإسلام أنفسهم لا يخالفون ذلك. # قال أبو حيان التوحيدي المتوفى سنة 400ه/1009م في رسالة ~~«ثمرات العلوم»: # 11 ~~«أما الفقه فإنه دائر بين الحلال والحرام، وبين اعتبار ~~العلل في القضايا والأحكام، وبين الفرض والنافلة، وبين المحظور ~~والمباح، وبين الواجب والمستحب، وبين المحثوث عليه والمنزه ~~عنه ...» # 12 ~~«وأما علم الكلام؛ فإنه باب من الاعتبار في أصول الدين ~~يدور النظر فيه على محض العقل في التحسين والتقبيح والإحالة ~~والتصحيح والإيجاب والتجويز والاقتدار والتعديل ~~والتجويز # 13 # والتوحيد ms202 والتكفير، والاعتبار فيه ينقسم بين دقيق ~~يتفرد العقل به، وبين جليل يفزع إلى كتاب الله - تعالى - ~~فيه. # ثم التفاوت في ذلك بين المتحلين به على مقاديرهم في البحث ~~والتنقير والفكر والتحبير، والجدل والمناظرة، والبيان ~~والمناضلة، والظفر بينهم بالحق سجال، ولهم عليه مكر ومجال، ~~وبابه مجاور لباب الفقه والكلام فيهما مشترك، وإن كان بينهما ~~انفصال وتباين، فإن الشركة بينهما واقعة والأدلة فيهما ~~متضارعة، ألا ترى أن الباحث عن العالم في قدمه وحدثه ~~وامتداده وانقراضه يشاور العقل ويخدمه ويستضيء به ويستفهمه، ~~كذلك الناظر في العبد الحاني هل هو مشابه للمال فيرد إليه، ~~أو مشابه للحر فيحمل عليه؛ فهو يخدم العقل ويستضيء ~~به.» # 14 # نعم إن الفارابي في «إحصاء العلوم» لم يقصد إلى بيان ~~الكلام الإسلامي ، والفرق بينه وبين الفقه على مصطلح أهل ~~الإسلام، بل قصد الكلام في العلوم الدينية جملة فجعلها ~~طائفتين: طائفة تبحث فيما يقتدر به الإنسان على الاستنباط من ~~نصوص الدين المأخوذة تسليما، وطائفة تبحث فيما يقتدر به ~~الإنسان على نصرة ما جاء به الدين من العقائد والأحكام وتزييف ~~كل ما خالفه بالبراهين العقلية؛ ولهذا التقسيم في نفسه وجه ~~ظاهر، وللتسمية بالفقه والكلام وجه، ولكن تطبيق ما يراه ~~الفارابي على المعروف من مصطلح المسلمين ليس بظاهر. # أما كلام أبي حيان التوحيدي؛ فلا يخالف الاصطلاح المعروف ~~إلا في قوله: إن الفقه والكلام يشتركان في استخدام العقل، ~~وتتضارع أدلتهما في قيامه على النظر العقلي، وتلك نظرة فيلسوف ~~يقوي سلطان العقل ويوسع ميدانه من غير مخالفة للواقع ذات ~~خطر، فإن الاستنباط الفقهي يحتاج إلى العقل خصوصا إذا كان ~~معتمدا على القياس. # أما المتكلمون فليست تعاريفهم للكلام متفقه من كل ~~وجه، فالغزالي المتوفى سنة 505ه/1111م يقول: ~~«القول في بيان مقصود علم الكلام وحاصله: ثم إني ابتدأت بعلم ~~الكلام فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ~~ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف ~~بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن ~~تشويش أهل البدعة؛ فقد ألقى الله - تعالى - إلى عباده ms203 على لسان ~~رسوله عقيدة هي الحق على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق ~~بمعرفته القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة ~~أمورا مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق ~~على أهلها، فأنشأ الله - تعالى - طائفة المتكلمين، وحرك ~~دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل ~~البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة، فمنه نشأ علم ~~الكلام وأهله؛ فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله - تعالى - ~~إليه، فأحسنوا الذب عن السنة والنضال عن العقيدة ~~المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من ~~البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من ~~خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها إما التقليد أو إجماع الأمة ~~أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. # وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم ~~بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في جنب من لا يسلم سوى ~~الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا ~~لدائي الذي كنت أشكوه شافيا. # نعم، لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، ~~تشوق المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق ~~الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن ~~لما لم يكن مقصود علمهم لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى؛ ~~فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلاف الخلق، ~~ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ~~ذلك لطائفة، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ~~ليست من الأوليات، والغرض الآن حكاية حالي لا الإنكار على من ~~استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من ~~دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر.» # 15 # وتعريف ابن خلدون المتوفى سنة 806ه/1406م لعلم الكلام ملائم ~~تمام الملاءمة لكلام الغزالي؛ فهو يقول: «علم الكلام هو علم ~~يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، ~~والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف ~~وأهل السنة.» # 16 # وابن خلدون يصرح بما صرح به الغزالي، من أن العقائد ~~الإيمانية أخذها السلف عن أدلتها ms204 من الكتاب والسنة، وإنما حدث ~~علم الكلام حجاجا عن هذه العقائد، ودفعا في صدور البدع ~~والشبهات التي أثارها المبتدعة حول عقائد السلف. # ويعرف عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756ه/1355م علم الكلام ~~في كتاب «المواقف» بما نصه: ~~«والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد ~~الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد ~~دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد. # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن ~~الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام.» # وفي «كشاف اصطلاحات الفنون» لمحمد بن علي التهانوي الذي فرغ ~~من تصنيفه سنة 1158ه/1745م شرح لهذا التعريف، نقتبس منه فيما ~~يلي ما يتعلق بغرضنا: ~~«وهو (أي علم الكلام) علم يقتدر معه على إثبات العقائد ~~الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه ... وفي اختيار إثبات ~~العقائد على تحصيلها إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على ~~الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد بها، وإن ~~كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات هنا على ~~التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجا ~~عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه. # فحاصل الحد أنه علم بأمور يقتدر معها؛ أي يحصل مع ذلك ~~العلم حصولا دائما عاديا، قدرة تامة على إثبات العقائد ~~الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشبه ~~عنها. # فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء ~~المانع، ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا: ~~الله - تعالى - عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به ~~العمل كقولنا: الوتر واجب؛ إذ قد دون للعمليات الفقه، ~~والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد # صلى الله عليه وسلم # سواء كانت ~~صوابا أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على ~~إثبات عقائدهم الباطلة من علم الكلام. # ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا يزاد ~~عليها، فلا تتعذر الإحاطة بها والاقتدار عليها، وإنما تتكثر ~~وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها بخلاف العمليات، فإنها ~~غير منحصرة فلا تتأتى الإحاطة بها، ms205 وإنما مبلغ من يعلمها ~~التهيؤ التام.» # وتعريف الإيجي على هذا التفسير غير مختلف مع ما ذهب إليه ~~الغزالي؛ فهو يرى أن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد ~~بها، وإنما ثمرة الكلام إثبات العقائد على الغير ورد ~~الشبه؛ لكن تعريف الإيجي يخالف تعريف الغزالي من ناحية، ~~هي أن الغزالي يجعل علم الكلام أداة لعقائد السلف ودفاعا عن ~~السنة، أما الإيجي فيجعل علم الكلام أداة دفاع لكل معتقد عن ~~عقيدته، فدفاع المبتدع عن عقيدته بالبراهين العقلية كلام ~~أيضا. # ويقول سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 792ه/1389م في كتاب ~~«المقاصد» تعريفا للكلام: ~~«الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية، ~~وموضوعه المعلوم من حيث يتعلق به إثباتها، ومسائله القضايا ~~النظرية الشرعية الاعتقادية، وغايته تحلية الإيمان بالإيقان، ~~ومنفعته الفوز بنظام المعاش ونجاة المعاد؛ فهو أشرف العلوم، ~~والمتقدمون على أن موضوعه الموجود من حيث هو، ويتميز عن الإلهي ~~بكون البحث فيه على قانون الإسلام؛ أي ما علم قطعا من ~~الدين، كصدور الكثرة عن الواحد، ونزول الملك من السماء وكون ~~العالم محفوفا بالعدم والفناء، إلى غير ذلك مما تجزم به ~~الملة دون الفلسفة، لا ما هو الحق ولو ادعاء لمشاركته الفلسفة ~~ككلام المخالف ... وقيل موضوعه ذات الله وحده أو مع ذات الممكنات ~~من حيث استنادها إليه لما إنه يبحث عن ذلك؛ ولهذا يعرف بالعلم ~~الباحث عن أحوال الصانع من صفاته الثبوتية والسلبية، وأفعاله ~~المتعلقة بأمر الدنيا والآخرة، أو عن أحوال الواجب وأحوال ~~الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام ... واعترض بأن ~~إثبات الصانع من أعلى مطالب الكلام، وموضوع العلم لا يبين فيه، ~~بل فيما فوقه، حتى تنتهي إلى ما موضوعه بين الوجود كالموجود ~~من حيث هو.» # وظاهر أن التفتازاني يخالف الإيجي في جعله الكلام شاملا ~~لكلام المخالفين؛ فهو يخصه بالكلام القائم على قانون الإسلام؛ ~~أي مما علم قطعا من الدين، والتفتازاني في هذا موافق ~~للغزالي، وإن كان يعتبر علم الكلام تحصيلا للعقائد بالدليل ~~العقلي ودفاعا عنها خلافا لرأي الغزالي. # والظاهر أن الشيخ محمد عبده المتوفى سنة ms206 1323ه/1905م في ~~رسالة التوحيد ينهج نهج التفتازاني فهو يقول: ~~«التوحيد علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من ~~صفات وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل ~~لإثبات رسالتهم وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب ~~إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم.» # 17 # وعرض طاش كبرى زاده المتوفى سنة 962ه/1457-1458م في كتاب ~~«مفتاح السعادة ومصباح السيادة» لتعريف علم الكلام موضوعه مع ~~ذكر الخلاف في هذا الموضوع، والخلاف في عد كلام المبتدعة ~~من علم الكلام. قال: ~~«الشعبة الخامسة من العلوم الشرعية علم أصول الدين ~~المسمى بعلم الكلام، وهو علم يقتدر معه على إثبات ~~العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه عنها، وموضوعه ذات ~~الله - سبحانه وتعالى - وصفاته عند المتقدمين، وقبل موضوعه ~~الوجود من حيث هو موجود، وإنما يمتاز عن العلم الإلهي الباحث ~~عن أحوال الوجود المطلق باعتبار الغاية؛ لأن البحث في الكلام ~~على قواعد الشرع. وفي الإلهي على مقتضى العقول، وعند المتأخرين ~~موضوع الكلام المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية ~~المنسوبة إلى دين محمد - صلوات الله عليه وسلامه - وذلك ~~بأن يسلم المدعى منه ثم يقام عليه البرهان العقلي، ~~وهذا التسليم هو معنى التدين اللائق بحال المكلفين، حتى لو ~~لم يؤخذ منه، لا يعد كلاما ولا علما دينيا، وإن وافقه ~~في الحقيقة لفوات أمر التدين، بل يعد من الأمور ~~الحكمية. # وبالجملة يشترط في الكلام أن يكون القصد فيه تأييد الشرع ~~بالعقل، وأن تكون العقيدة مما وردت في الكتاب والسنة، ولو ~~فات أحد هذين الشرطين لا يسمى كلاما أصلا، ولما لم ~~يلزم من قصد موافقة الشرع الموافقة في نفس الأمر، عد بعضهم ~~كلام أهل الاعتزال من الكلام، وإن لم يوافق الكتاب والسنة؛ ~~فظهر من هذا التفصيل أن الكلام من العلوم الشرعية، لكن ~~إذا كان على طريقة الكتاب والسنة، وأن هناك كلاما مموها ~~يشبه الكلام وليس بذاك ككلام أهل الاعتزال وأمثاله؛ فذلك علم ~~شرعي باعتبار دلائله.» # 18 # وجملة القول أن المتكلمين متفقون على ms207 أن علم الكلام ~~يعتمد على النظر العقلي في أمر العقائد الدينية، ثم هم يختلفون ~~في أن الكلام يثبت العقائد الدينية بالبراهين العقلية كما ~~يدافع عنها، أو هو إنما يدفع الشبه عن العقائد الإيمانية ~~الثابتة بالكتاب والسنة، وهذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في أن ~~العقائد الإيمانية ثابتة بالشرع، وإنما يفهمها العقل عن الشرع، ~~ويلتمس لها بعد ذلك البراهين النظرية أو هي ثابتة بالعقل على ~~معنى أن النصوص الدينية قررت العقائد الدينية بأدلتها ~~العقلية. # وقد أشار إلى ذلك فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606ه/1209م ~~عند تفسيره للآيتين 19-20 من سورة «البقرة» مدنية فقال: ~~«إن الآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، ~~وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة ~~الأوثان وأصناف المشركين.» # وبعد أن ذكر معاقد الدلائل في القرآن؛ مما يدل على وجود ~~الصانع وعلى صفاته وعلى النبوة والمعاد قال: ~~«وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقدير هذه الدلائل ~~والذب عنها، ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها.» # وقال بعد ذلك: ~~«وأما محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة ~~والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل.» # وقد ذكر الفخر الرازي في ذلك المقام رأي المخالفين ~~القائلين بأن الكلام بدعة، وأنه مذموم نهى عنه الدين ~~وأنكره السلف، وبسط أدلة الفريقين، وستكون لنا فرصة ~~للموازنة بين الرأيين عند الكلام في تاريخ البحث في العقائد ~~الدينية عند المسلمين. ~~(2) ألقاب هذا العلم وسبب تسميته بعلم الكلام # جمع التهانوي في كتاب «كشاف اصطلاحات الفنون» أسماء هذا ~~العلم فقال: «علم الكلام، ويسمى بأصول الدين أيضا، وسماه ~~أبو حنيفة - رحمه الله تعالى (المتوفى سنة 150ه/ 767م) - ~~بالفقه الأكبر. وفي «مجمع السلوك»: ويسمى بعلم النظر ~~والاستدلال أيضا، ويسمى أيضا بعلم التوحيد والصفات. وفي ~~«شرح العقائد» للتفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، ~~أي: العملية، يسمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام ~~الأصلية؛ أي الاعتقادية يسمى علم التوحيد والصفات.» # وقد ذكر المؤلفون أقوالا متباينة في سبب تسمية هذا العلم ~~بالكلام، وجمع عضد الدين الإيجي هذه الأقوال في ms208 كتاب «المواقف» ~~بما نصه: ~~«وإنما سمي الكلام إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة، ~~وإما لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأن مسألة ~~الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التشاجر والسفك فغلب عليه، أو ~~لأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع ~~الخصم.» # ويبدو لي أن البحث في أمور العقائد كان يسمى كلاما ~~قبل تدوين هذا العلم، وكان يسمى أهل هذا البحث متكلمين؛ ~~فلما دونت الدواوين وألفت الكتب في هذه المسائل، أطلق ~~على هذا العلم المدون ما كان لقبا لهذه الأبحاث قبل تدوينها ~~وعلما على المعترضين لها. # وإنما سمي البحث في الشئون الاعتقادية كلاما وسمي ~~أهله متكلمين لأحد وجهين: # أولهما: يؤخذ مما رواه جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة ~~914ه/1505م) في كتاب «صون المنطق والكلام عن فن المنطق ~~والكلام»، وهو مخطوط بدار الكتب الأزهرية. ~~«وأخرج عن مالك - رضي الله عنه (المتوفى سنة 179ه/795م) - ~~قال: إياكم والبدع. قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل ~~البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه ~~وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان.» # ويؤيد ذلك ما نقل السيوطي في كتابه هذا عن كتاب «ذم الكلام ~~وأهله» لشيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ~~الهروي (المتوفى سنة 481ه): وأخرج عن جابر بن عبد الله قال: ~~قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من تكلم في الدين برأيه فقد ~~اتهمه.» # وأخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تقوم ~~الساعة حتى يكفر بالله جهارا، وذلك عند كلامهم في ~~ربهم.» # وأخرج محمد بن الخليفة قال: «لا تهلك هذه الأمة حتى ~~تتكلم في ربها.» # وأخرج عن علي بن أبي طالب قال: «يخرج في آخر الزمان أقوام ~~يتكلمون بكلام لا يعرفه أهل الإسلام ويدعون الناس إلى كلامهم، ~~فمن لقيهم فليقاتلهم؛ فإن قتلهم أجر عند ~~الله.» # وأخرج عن ابن عمر قال: «إن القدرية حملوا ضعف رأيهم على ~~مقدرة الله، وقالوا: لم؟ ولا ينبغي أن يقال لله: لم؛ لأنه ~~لا ms209 يسأل عما يفعل وهم يسألون.» # وأخرج عن هشام بن عبد الملك أنه قال لبنيه: «إياكم وأصحاب ~~الكلام فإن أمرهم لا يئول إلى الرشاد.» # وأخرج عن جعفر بن محمد ~~قال: «إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.» وأخرج عنه قال: ~~«تكلموا فيما دون العرش ولا تكلموا فيما فوق العرش، فإن ~~قوما تكلموا في الله فتاهوا.» # وأخرج عن شعبة قال: «كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء ~~وينهي عن مجالستهم أشد النهي، وكان يقول: «عليكم بالأثر، ~~وإياكم والكلام في ذات الله».» # وأخرج عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: قال أبو حنيفة: ~~«لعن الله عمرو بن عبيد؛ فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام ~~فيما لا يعنيهم من الكلام.» قال: وكان أبو حنيفة يحثنا على ~~الفقه وينهانا عن الكلام. # فالكلام ضد السكوت، والمتكلمون كانوا يقولون حيث ينبغي الصمت ~~اقتداء بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية ~~لا يخوضون فيها. وفي «الكليات» لأبي البقاء: ~~«واختيار محققي أهل السنة أن الكلام في الحقيقة مفهوم ~~ينافي الخرس والسكوت ... والكلام عند أهل الكلام ما يضاد السكوت ~~...» # 19 # أما الثاني فيؤخذ مما نقله ابن عبد البر (المتوفى سنة ~~463ه/1070-1071م) في كتاب «مختصر جامع بيان العلم ~~وفضله»: ~~«وعن مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان مالك بن أنس يقول: ~~الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون ~~عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وما أشبه ذلك، ولا ~~أحب الكلام إلا فيما تحته عمل. # قال أبو عمر: قد بين مالك - رحمه الله - أن الكلام فيما ~~تحته عمل هو المباح عنده وعند أهل بلده، يعني العلماء منهم رضي ~~الله عنهم، وأخبر أن الكلام في الدين نحو قول جهم والقدر، ~~والذي قال مالك رحمه الله، عليه جماعة الفقهاء والعلماء ~~قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف ذلك أهل ~~البدع المعتزلة وسائر الفرق، وأما الجماعة فعلى ما قال مالك، ~~رحمه الله، إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت ~~إذا طمع برد الباطل، وصرف صاحبه عن مذهبه، أو خشي ms210 ضلال ~~عامة أو نحو هذا.» # 20 # واعتبار أن الدين هو شئون الاعتقادات لا شئون الأحكام ~~العملية، يؤيده ما جاء في كتاب شرح أبي منصور الماتريدي ~~(المتوفى سنة 332ه/943-944م أو ~~333ه/944-945م) على كتاب ~~«الفقه الأكبر» المنسوب إلى أبي حنيفة: ~~«قال أبو حنيفة، رضي الله عنه: «الفقه في الدين أفضل من ~~الفقه في العلم»؛ لأن الفقه في الدين أصل والفقه في العلم ~~فرع، وفضل الأصل على الفرع معلوم، قال الله تعالى: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ~~، ولا شك أن العبد أولا يلزمه ~~الإسلام؛ لقوله تعالى: # وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون ~~؛ أي ~~ليوحدون، ثم العلم يبنى على الدين، فصار الدين هو ~~التوحيد، والعلم هو الديانة يعني الشرائع وهو بعد التوحيد، ثم ~~الدين عقد على الصواب والديانة سيرة على الصواب.» # 21 # والكلام على هذا مقابل الفعل، كما يقال فلان قوال لا ~~فعال، والمتكلمون قوم يقولون في أمور ليس تحتها عمل ، ~~فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، بخلاف الفقهاء الباحثين ~~في الأحكام الشرعية العملية. # وعلم الكلام علم يبحث فيما يتصل بالعقائد التي هي شئون ~~غير عملية ورد تسمية هذا العلم بالكلام إلى أحد هذين الوجهين ~~أرجح عندي لمناسبته للواقع من سبق هذه التسمية للتدوين؛ ~~أما سائر الوجوه فتجعل التسمية لاحقة لظهور العلوم ~~وتدوينها. ~~(3) تاريخ علم الكلام # يبدو مما أسلفنا أن العبارات المختلفة في تعريف علم ~~الكلام متفقة على أن هذا العلم يعتمد على البراهين ~~العقلية بالعقائد الإيمانية، وهذا المعنى؛ أي البحث في العقائد ~~الإسلامية اعتمادا على العقل، هو الذي نريده عند البحث في ~~تاريخ علم الكلام. # واستيفاء القول في هذا الباب يستدعي الإلمام بتقرير العقائد ~~الروحية في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # وفي عهد الخلفاء الراشدين ~~من بعده، وفيما تلا ذلك إلى عهد التدوين في علم الكلام، ثم ~~تتبع الأدوار التي مر بها علم الكلام بعد تدوينه. ~~(3-1) تقرير العقائد الدينية في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # جاء الإسلام يقرر أن الدين الحق واحد، هو وحي الله ~~إلى جميع أنبيائه، وهو ms211 عبارة عن الأصول التي لا تتبدل ~~بالنسخ ولا يختلف فيها الرسل، وهي هدى أبدا. # أما الشرائع العملية فهي متفاوتة بين الأنبياء، وهي هدى ~~ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدى. # قال الزمخشري (المتوفى سنة 538ه/1143-1144م) في تفسير ~~قوله تعالى: # أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم ~~اقتده ~~: # 22 ~~«والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده ~~وأصول الدين، دون الشرائع فإنها مختلفة، وهي هدى ما لم ~~تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين ~~فإنها هدى أبدا.» # قال ابن تيمية (المتوفى سنة 728ه/1327م): ~~«وقد أرسل الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب بالتوحيد ~~الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: # وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون ~~، # 23 # وقال تعالى: # واسأل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة ~~، # 24 # وقال تعالى: # ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة ~~، # 25 # وقال تعالى: # يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم ~~فاتقون ~~.» # 26 # وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم: # أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون ~~، فكل الرسل دعوا إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له وإلى طاعتهم، والإيمان بالرسل هو ~~الأصل الثاني من أصلي الإسلام. # 27 # وقد بعث محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، بدين وشريعة، أما الدين فقد ~~استوفاه الله كله في كتابه الكريم ووحيه، ولم يكل الناس ~~إلى عقولهم في شيء منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها ~~ثم ترك للنظر الاجتهادي تفصيلها. # وجاء في القرآن المجيد: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام ~~، # 28 # وكان نزول هذه الآية في يوم عرفة عام حج ~~النبي، # صلى الله عليه وسلم ~~، حجة الوداع، ولم يعش النبي بعد نزول ~~هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ولم يمت رسول الله حتى ~~كمل الدين. # روى ms212 الطبري (المتوفى سنة 310ه/922-923م) عن ابن عباس في ~~تفسير هذه الآية: ~~« # اليوم أكملت لكم ~~دينكم ~~، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيه # صلى الله عليه وسلم # والمؤمنين، أنه قد أكمل لهم الإيمان؛ فلا يحتاجون ~~إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله - عز وجل - فلا ~~ينقصه أبدا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدا.» # وقد بعث محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، بدين الإسلام، داعيا إلى ~~الوحدة في الدين، وإلى التآلف، ناهيا عن الفرقة، كما في ~~آيات كثيرة من القرآن، منها: # إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى ~~الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون ~~. # 29 # وكان على القرآن أن يجادل مخالفيه من أرباب الأديان ~~والملل في العرب، ردا للشبهات التي كانوا يثيرونها ~~حول عقائد الدين الجديد، على إنه كان لا يمد في حبل ~~الجدل حرصا على الألفة، وكثيرا ما تختم آيات الجدل بمثل ~~قوله: # وإن جادلوك فقل الله ~~أعلم بما تعملون * الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة فيما ~~كنتم فيه تختلفون ~~. # 30 # هذا الجدل في العقائد عرض له القرآن للحاجة وعلى ~~مقدارها، من غير أن يشجع المسلمين على المضي فيه، بل ~~هو قد نفرهم منه، في مثل قوله: # ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون ~~. # 31 # جاء في كتاب «مختصر جامع بيان العلم»: ~~«وعن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي في قوله تعالى: # فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء ~~، قال: الخصومات ~~بالجدل في الدين.» # وهذا يتفق مع قول كثير من المفسرين، كالزمخشري، ~~والبيضاوي (المتوفى سنة 791ه/1389م). # كان لهذه المعاني الدينية التي قررها الإسلام منذ ~~نشأته أثرها العظيم في توجيه النظر العقلي عند المسلمين ~~في عهدهم الأول، فكرهوا البحث والجدل في أمور الدين دون ~~أمور الأحكام الفقهية. # وفي كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة الدينوري ~~(المتوفى سنة ~~276ه/878-879م) بصدد ~~الطعن على المختلفين في أصول الدين: ~~«قال أبو محمد: لو كان اختلافهم في الفروع والسنن ~~لاتسع لهم ms213 العذر عندنا، وإن كان لا عذر لهم، مع ما ~~يدعون لأنفسهم كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة ~~بهم، ولكن اختلافهم في التوحيد. وفي صفات الله - تعالى - ~~وفي قدراته. وفي نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وعذاب ~~البرزخ. وفي اللوح. وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها ~~إلا نبي بوحي من الله تعالى.» # 32 # فالمسلمون في الصدر الأول كانوا يرون ألا سبيل ~~لتقرير العقائد إلا بوحي، أما العقل فمعزول عن الشرع ~~وأنظاره، كما يقول ابن خلدون. # وكانوا يرون أن التناظر والتجادل في الاعتقاد يؤدي ~~إلى الانسلاخ من الدين، فقررت عقائد الدين في القرآن ~~الكريم المقطوع به في الجملة والتفصيل. # وقد عرض القرآن للرد على من جادلوا في بعض ما جاء به من ~~العقائد بأساليب تناسب حالهم، مثل: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~* الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين * فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص ~~الحق وما من إله إلا الله وإن الله ~~لهو العزيز الحكيم * فإن ~~تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين ~~. # 33 # وبين في هذا الأسلوب ما أشرنا إليه آنفا من الرغبة ~~عن إطالة حبل الجدل، ومهما يكن في القرآن من تعرض للجدل، ~~ومن دعوة إلى الجدل برفق عند الحاجة، في مثل قوله: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين ~~، # 34 # فإن القرآن ليس كتابا جدليا، ولم تقم ~~دعوته إلى الإيمان على جدال. # وقد مضى زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # والمسلمون على عقيدة واحدة ~~هي ما جاء في كتاب الله؛ لأنهم - كما يقول طاش كبرى ~~زاده: «أدركوا زمان الوحي وشرف صحبة صاحبه، وأزال نور ~~الصحبة عنهم ظلم الشكوك والأوهام.» # 35 # قال تقي الدين المقريزي (المتوفى سنة 845ه/1441-1442م) ~~في كتاب ms214 «الخطط»: ~~«اعلم أن الله - تعالى - لما بعث من العرب نبيه ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم - ~~سبحانه وتعالى - بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز ~~الذي نزل به على قلبه # صلى الله عليه وسلم # الروح الأمين، وبما أوحى ~~إليه ربه تعالى؛ فلم يسأله # صلى الله عليه وسلم # أحد من العرب بأسرهم ~~قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه # صلى الله عليه وسلم # عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك ~~مما لله فيه سبحانه - أمر ونهي، وكما سألوه # صلى الله عليه وسلم # عن ~~أحوال القيامة والجنة والنار، ولو سأله إنسان منهم عن ~~شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة ~~عنه # صلى الله عليه وسلم # في أحكام الحلال والحرام مما تضمنته كتب ~~الحديث، ومعاجمها ومسانيدها وجوامعها. # ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على ~~الآثار السلفية، علم أنه لم يرو قط من طريق صحيح ولا ~~سقيم عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - على اختلاف ~~طبقاتهم وكثرة عددهم، أنه سأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~عن معنى شيء مما وصف الرب - سبحانه - به نفسه الكريمة في ~~القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، بل كلهم ~~فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات. # نعم؛ ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة علة، ~~وإنما أثبتوا له - تعالى - صفات أزلية من العلم والقدرة، ~~والحياة والإرادة، والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام ~~والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا ~~واحدا، وهكذا أثبتوا - رضي الله عنهم - ما أطلقه الله - ~~سبحانه - على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك مع نفي ~~مماثلة المخلوقين، فأثبتوا - رضي الله عنهم - بلا تشبيه، ~~ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى ~~تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما ~~وردت. # ولم يكن عند أحد ~~منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة ~~محمد # صلى ms215 الله عليه وسلم ~~، سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من ~~الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة.» # 36 # وقد بين صاحب «البرهان القاطع» محمد بن إبراهيم ~~الوزير (المتوفى سنة 840ه/1436-1437م) مذهبه في طريقة ~~إيمان المسلمين في عهد النبي بقوله: «ويؤيد ما ذكرناه من ~~أن خبر الواحد إذا انضمت إليه القرائن يفيد العلم، ~~أن خبر التواتر إنما أفاد العلم لكثرة القرائن، وذلك ~~أن خبر كل واحد من أهل التواتر قرينة تولد الظن، فإذا ~~تضامت القرائن وكثرت خلق الله العلم عند خبره، ويؤيد ما ~~ذكرنا أن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، بل الأنبياء كافة ما كانوا ~~يأمرون الصبي إذا بلغ التكليف بالنظر إلى الأدلة، ولا ~~الكافر الذي يأتي مصمما على إنكار الله وجميع الشرائع ~~بالنظر قبل تصديق النبي في إثبات الصانع وأنه حكيم؛ حتى ~~يعلم أن الله متى كان حكيما قادرا لم يظهر المعجز ~~على الكاذب، وحتى إنه إن صدق النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - قبل إتقان معرفة الصانع، وأنه عالم بجميع ~~المعلومات قادر على جميع المقدورات، حكيم لا يفعل ~~القبيح ، فقد بنى تصديقه للنبي على غير أساس، إذ لا يمتنع ~~عنده أن يكون الله قد أظهر المعجز على يد الكاذب، فإن ~~قيل إنه يجوز أنهم كانوا قد نظروا، وأن النبي - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - علم ذلك، أو كان ذلك هو الظاهر ~~منهم، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يحكم بالظاهر؛ ~~قلنا الظاهر أنهم كانوا يعرفون الله بمعجز النبي - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - أو قرائن صدقه، وإنما كانوا ~~يفرعون جميع عقائدهم على تصديق النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - بالمعجز فيهم، أو أكثرهم استفادوا معرفة الله ~~من الأنبياء.» # 37 ~~«فإن قيل فلماذا ~~حث الله على التفكير في خلق السموات والأرض وسائر ~~المخلوقات، وهلا اقتصر البحث على النظر في معجزات ~~الأنبياء وأحوالهم؟ قلنا لسنا ننكر أن ذلك طريق واضح، ~~لكنا نقول إن هذا أيضا طريق آخر، والطرق إلى معرفة ~~الله كثيرة، ولله من قال: # وفي كل شيء له آية # تدل ms216 على أنه واحد # ولا ندعي أن جميع المكلفين ما عرفوا الله إلا من ~~طريق تصديق الأنبياء، بل ندعي أن كثيرا من ~~المكلفين ما عرفوا الله إلا من طريق تصديق الأنبياء، ~~وأن ذلك تواتر إلينا تواترا معنويا عن كثير من ~~الناس، وتواتر إلينا أيضا تواترا معنويا أن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قررهم على تصديقهم له، فلو لم يكن صدقه ~~معلوما ضرورة من قرائن حاله؛ لكان قد أقرهم على التصديق ~~مع الشك في الصانع، وذلك إقرار على الكفر، ولا يجوز ~~عليه مثل ذلك، ومن أراد معرفة ذلك فعليه بمطالعة السيرة ~~النبوية وتواريخ الصحابة ومعرفة أحوالهم؛ فإن الدلالة ~~على مثل ذلك بالبرهان لا تصح.» # 38 ~~«فبهذه الأمور علمنا أن الأنبياء ما أخذوا ~~عقائدهم عن النظر، ولا كانوا بحيث يجوز عليهم التواطؤ ~~على الكذب، فلم يبق إلا أنهم علموا ما دانو به علما ~~ضروريا، ولا يقال إنه - صلى الله عليه وآله وسلم - إنما ~~ترك ذلك لأنه لم يكن في زمان مشبهة؛ لأن اليهود ~~كانوا مجاورين له وكانوا أهل فلسفة، ولأن النصارى ~~وابن الزبعرى ناظروه، فلم يأت بشيء من جنس علم ~~الكلام، وكذلك لما سئل عن الروح، لا يقال إنه ~~أراد جنسا من الملائكة؛ لأن السابق إلى الأفهام خلافه؛ ~~فهو تأويل بغير دليل، كما لا يقال إن الروح جبريل، لمثل ~~ذلك، ولأنه # صلى الله عليه وسلم # قد أمر أحدنا أن يقول عند أن ~~يكثر سؤال الناس: آمنت بالله ورسله. ثبت ذلك في الصحيح عن ~~أبي هريرة. # وخبر الواحد يكفي فيما يعامل به المشبهون ~~والمكثرون للسؤال؛ لأن معاملتهم ليست من مسائل ~~الاعتقاد، وقال تعالى: # فإن ~~حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن ~~، وهذا معنى حديث أبي هريرة فصح ~~بحمد الله ووجب العمل به.» # 39 ~~«وليس القصد بهذا الكلام إنكار صحة علم الكلام؛ فإن ~~فيه ما يعلم صحته بالضرورة، وإنما فيه إنكار اعتماد ~~الأنبياء ومن عاصرهم من المؤلفين على أدلة الكلام ~~الملخصة وبيان أن الذي كانوا عليه يكفي المسلم، ولا ~~يقال كانوا يعلمون ذلك جملة؛ لأنه ms217 لا يصح ذلك لما ~~مضى.» # 40 # وللغزالي قول مفصل في الإيمان ومراتبه وطرقه، يكشف عن ~~وجهة نظره فيما نحن بصدده من تقارير العقائد الدينية في ~~صدر الإسلام، أورده في كتاب «إلجام العوام عن علم ~~الكلام»، قال: ~~«فصل: فإن قال قائل: العامي إذا منع من البحث والنظر ~~لم يعرف الدليل، ومن لم يعرف الدليل كان جاهلا ~~بالمدلول، وقد أمر الله كافة عباده بمعرفته؛ أي ~~بالإيمان به والتصديق بوجوده أولا، وبتقديسه عن سمات ~~الحوادث ومشابهته غيره ثانيا، وبوحدانيته ثالثا، ~~وبصفاته من العلم والقدرة ونفوذ المشيئة وغيرها رابعا، ~~وهذه الأمور ليست ضرورية فهي إذن مطلوبة، وكل علم مطلوب؛ ~~فلا سبيل إلى اقتناصه وتحصيله إلا بشبكة الأدلة ~~والنظر في الأدلة والتفطن لوجه دلالتها على المطلوب ~~وكيفية إنتاجها، وذلك لا يتم إلا بمعرفة شروط البراهين ~~وكيفية ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج، وينجز ذلك شيئا ~~فشيئا إلى تمام علم البحث واستيفاء علم الكلام إلى آخر ~~النظر في المعقولات. # وكذلك يجب على العامي أن يصدق الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، في كل ~~ما جاء به، وصدقه ليس بضروري، بل هو بشر كسائر الخلق، ~~فلا بد من دليل يميزه عن غيره ممن تحدى بالنبوة ~~كاذبا، ولا يمكن ذلك إلا بالنظر في المعجزة ومعرفة حقيقة ~~المعجزة وشروطها إلى آخر النظر في النبوات، وهو علم ~~الكلام. ~~«قلنا» الواجب على الخلق الإيمان بهذه الأمور، والإيمان ~~عبارة عن تصديق جازم لا تردد فيه، ولا يشعر صاحبه بإمكان ~~وقوع الخطأ فيه، وهذا التصديق الجازم يحصل على ست مراتب: # الأولى: # وهي أقصاها: ما يحصل بالبرهان المستقصي ~~المستوفي شروطه المحرر أصوله ومقدماته ~~درجة درجة، وكلمة كلمة، حتى لا يبقى مجال ~~احتمال وتمكن التباس ذلك وهو الغاية ~~القصوى، وربما يتفق ذلك في كل عصر ~~لواحد أو اثنين ممن ينتهي إلى تلك ~~الرتبة، وقد يخلو العصر عنه، ولو كانت ~~النجاة مقصورة على مثل تلك المعرفة ~~لقلت النجاة وقل الناجون. # الثانية: # أن يحصل بالأدلة الوهمية الكلامية ~~المبنية على أمور مسلمة مصدق بها ~~لاشتهارها بين أكابر العلماء، وشناعة ~~إنكارها ونفرة ms218 النفوس عن إبداء المراء ~~فيها، وهذا الجنس أيضا يفيد في بعض ~~الأمور. وفي حق بعض الناس تصديقا جازما ~~بحيث لا يشعر صاحبه بإمكان خلافه ~~أصلا. # الثالثة: # أن يحصل التصديق بالأدلة الخطابية، أعني ~~القدرة التي جرت العادة باستعمالها في ~~المحاورات والمخاطبات الجارية في ~~العادات، وذلك يفيد في حق الأكثرين ~~تصديقا ببادئ الرأي وسابق الفهم، إن لم ~~يكن الباطن مشحونا بالتعصب وبرسوخ اعتقاد ~~على خلاف مقتضى الدليل، ولم يكن ~~المستمع مشغوفا بتكلف المماراة ~~والتشكك، ومنتجعا بتحديق المجادلين في ~~العقائد، وأكثر أدلة القرآن من هذا ~~الجنس، فمن الدليل الظاهر المفيد للتصديق ~~قولهم لا ينتظم تدبير المنزل بمدبرين؛ ~~فلو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا. # فكل قلب باق على الفطرة غير مشوش ~~بمماراة المجادلين يسبق من هذا الدليل ~~إلى فهم تصديق جازم بوحدانية الخالق، لكن ~~لو شوشه مجادل وقال: لم يبعد أن يكون ~~العالم بين إلهين يتوافقان على التدبير ~~ولا يختلفان؛ فإسماعه هذا القدر يشوش ~~عليه تصديقه، ثم ربما يعسر سل هذا ~~السؤال ودفعه في حق بعض الأفهام القاصرة، ~~فيستولي الشك ويتعذر الرفع، وكذلك من ~~الجلي أن من قدر على الخلق فهو على ~~الإعادة أقدر. كما قال: # قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة ~~، ~~فهذا لا يسمعه أحد من العوام، ذكي أو غبي، ~~إلا ويبادر إلى التصديق ويقول: نعم، ليست ~~الإعادة بأعسر من الابتداء، بل هي ~~أهون. # ويمكن أن يشوش عليه بسؤال ربما يعسر ~~عليه فهم جوابه، والدليل المستوفي هو ~~الذي يفيد التصديق بعد تمام الأسئلة ~~وجوابها؛ بحيث لا يبقى للسؤال مجال، ~~والتصديق يحصل قبل ذلك. # الرابعة: # التصديق لمجرد السماع ممن حسن فيه ~~الاعتقاد، بسبب كثرة ثناء الخلق عليه، ~~فإن من حسن اعتقاده في أبيه وأستاذه، ~~أو في رجل من الأفاضل المشهورين قد يخبره ~~عن شيء كموت شخص أو قدوم غائب أو غيره؛ ~~فيسبق إليه اعتقاد وتصديق بما أخبر عنه، ~~بحيث لا يبقى لغيره مجال في قلبه، ~~ومستنده حسن اعتقاده فيه، فالمجرد بالصدق ~~والورع والتقوى مثل الصديق - رضي الله ~~عنه - إذ قال رسول الله # صلى ms219 الله عليه وسلم ~~، كذا، ~~فكم من مصدق به جزما وقابل له قبولا ~~مطلقا لا مستند لقوله إلا حسن اعتقاده ~~فيه، فمثله إذا لقن العامي اعتقادا ~~وقال له: اعلم أن خالق العالم واحد، ~~وأنه عالم قادر، وأنه بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، رسولا، بادر إلى التصديق ولم ~~يمازجه ريب ولا شك في قوله، وكذلك ~~اعتقاد الصبيان في آبائهم ومعلميهم، فلا ~~جرم يسمعون الاعتقادات ويصدقون بها، ~~ويستمرون عليها من غير حاجة إلى دليل ~~وحجة. # الرتبة الخامسة: # التصديق به الذي يسبق إليه القلب عند ~~سماع الشيء مع قرائن أحوال لا تفيد القطع ~~عند المحقق، ولكن يلقي في قلب العوام ~~اعتقادا جازما، كما إذا سمع بالتواتر ~~مرض رئيس البلد ثم ارتفع صراخ وعويل من ~~داره، ثم يسمع من أحد غلمانه أنه قد مات، ~~اعتقد العامي جزما أنه مات، وبنى عليه ~~تدبيره ولا يخطر بباله أن الغلام ربما ~~قال ذلك عن إجاف سمعه، وأن الصراخ ~~والعويل لعله عن غشية أو شدة مرض أو سبب ~~آخر، لكن هذه خواطر بعيدة لا تخطر للعوام؛ ~~فتنطبع في قلوبهم الاعتقادات ~~الجازمة. # وكم من أعرابي نظر إلى أسارير وجه رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإلى حسن كلامه ولطف ~~شمائله وأخلاقه، فآمن به وصدقه، جزما ~~لم يخالجه ريب من غير أن يطالبه بمعجزة ~~يقيمها أو يذكر وجه دلالتها. # الرتبة السادسة: # أن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه ~~فيبادر إلى التصديق لمجرد موافقته لطبعه ~~لا من حسن اعتقاد في قائله، ولا من قرينة ~~تشهد له، لكن لمناسبة ما في طباعه. # فالحريص على موت عدوه وقتله وعزله ~~يصدق جميع ذلك بأدنى إجاف، ويستمر على ~~اعتقاده جازما، ولو أخبر بذلك في حق ~~صديقه أو بشيء يخالف شهوته وهواه، توقف ~~فيه أو أباه كل الإباء، وهذه أضعف ~~التصديقات وأدنى الدرجات؛ لأن ما قبله ~~استند إلى دليل ما، وإن كان ضعيفا، من ~~قرينة أو حسن اعتقاد في المخبر أو نوع من ~~ذلك، وهي أمارات يظنها العامي أدلة ~~فتعمل في حقه عمل الأدلة. # فإذا عرفت مراتب ms220 التصديق؛ فاعلم أن ~~مستند إيمان العوام هذه الأسباب، وأعلى ~~الدرجات في حقه أدلة القرآن وما يجري ~~مجراه مما يحرك القلب إلى التصديق، ولا ~~ينبغي أن يجاوز بالعامي إلى ما وراء ~~أدلة القرآن، وما في معناه من الجليات ~~المسكنة للقلوب، المستجرة لها إلى ~~الطمأنينة والتصديق، وما وراء ذلك ليس على ~~قدر طاقته. # وأكثر الناس آمنوا في الصبا، وكان سبب ~~تصديقهم مجرد التقليد للآباء والمعلمين، ~~لحسن ظنهم بهم وكثرة ثنائهم على أنفسهم، ~~وثناء غيرهم عليهم، وتشديدهم النكير بين ~~أيديهم على مخالفيهم، وحكايات أنواع ~~النكال النازل بمن لا يعتقد اعتقادهم، ~~وقولهم إن فلانا اليهودي في قبره مسخ ~~كلبا وفلانا الرافضي انقلب خنزيرا، ~~وحكايات منامات وأحوال من هذا الجنس تغرس ~~في نفوس الصبيان النفرة عنه والميل إلى ~~ضده؛ حتى ينزع الشك بالكلية عن ~~قلبه. # فالتعلم في الصغر كالنقش في الحجر، ثم ~~يقع نشؤه عليه ولا يزال يؤكد ذلك في ~~نفسه، فإذا بلغ استمر على اعتقاده الجازم ~~وتصديقه المحكم الذي لا يخالجه فيه ريب؛ ~~ولذلك ترى أولاد النصارى والروافض ~~والمجوس والمسلمين كلهم لا يبلغون إلا على ~~عقائد آبائهم، واعتقاداتهم في الباطل ~~والحق جازمة لو قطعوا إربا إربا لما ~~رجعوا عنها، وهم قط لم يسمعوا عليه دليلا ~~لا حقيقيا ولا رسميا، وكذا ترى العبيد ~~والإماء يسبون من المشرك ولا يعرفون ~~الإسلام، فإذا وقعوا في أسر المسلمين ~~وصحبوهم مدة ورأوا ميلهم إلى الإسلام، ~~مالوا معهم واعتقدوا اعتقادهم، وتخلقوا ~~بأخلاقهم، كل ذلك لمجرد التقليد والتشبه ~~بالمتبوعين، والطبائع مجبولة على التشبيه، ~~لا سيما طباع الصبيان وأهل الشباب؛ فبهذا ~~يعرف أن التصديق الجازم غير موقوف على ~~البحث وتحرير الأدلة. # فصل: لعلك تقول: ~~لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه ~~الأسباب، ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء، وقد كلف الناس ~~المعرفة الحقيقية دون اعتقاد هو من جنس الجهل الذي لا ~~يتميز فيه الباطل عن الحق، فالجواب أن هذا غلط ممن ~~ذهب إليه، بل سعادة الخلق في أن يعتقدوا الشيء على ما هو ~~عليه اعتقادا جازما؛ لتنتفش قلوبهم بالصورة ms221 الموافقة ~~لحقيقة الحق، حتى إذا ماتوا وانكشف لهم الغطاء فشاهدوا ~~الأمور على ما اعتقدوها لم يفتضحوا، ولم يحترقوا ~~بنار الخزي والخجلة ولا بنار جهنم ثانيا. # وصورة الحق إذا انتفش بها قلبه فلا نظر إلى السبب المفيد ~~له، أهو دليل حقيقي أو رسمي أو إقناعي، أو قبول بحسن ~~الاعتقاد في قائله، أو قبول لمجرد التقليد من غير سبب، ~~فليس المطلوب الدليل المفيد بل الفائدة وهي حقيقة الحق على ~~ما هي عليه. # فمن اعتقد حقيقة الحق في الله وفي صفاته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر على ما هو عليه فهو سعيد، وإن لم يكن ذلك ~~بدليل محرر كلامي، ولم يكلف الله عباده إلا ذلك، وذلك ~~معلوم على القطع بجملة أخبار متواترة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، في موارد الأعراب عليه، وعرضه الإيمان عليهم، ~~وقبولهم ذلك وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير ~~تكليفه إياهم التفكير في المعجزة ووجه دلالته، والتفكر في ~~حدوث العالم وإثبات الصانع. وفي أدلة الوحدانية وسائر ~~الصفات، بل الأكثر من أجلاف العرب لو كلفوا ذلك لم يفهموه ~~ولم يدركوه بعد طول المدة ، بل كان الواحد منهم يحلفه ~~ويقول: والله، آلله أرسلك رسولا؟ فيقول: والله، الله ~~أرسلني رسولا، وكان يصدقه بيمينه وينصرف، ويقول الآخر ~~إذا قدم عليه ونظر إليه: والله ما هذا وجه كذاب. وأمثال ~~ذلك مما لا يحصى. # بل كان يسلم في غزوة واحدة في عصره وعصر أصحابه آلاف ~~لا يفهم الأكثرون منهم أدلة الكلام، ومن كان يفهمه يحتاج ~~إلى أن يترك صناعته ويختلف إلى معلم مدة مديدة، ولم ينقل ~~قط شيء من ذلك. فعلم علما ضروريا أن الله - تعالى - ~~لم يكلف الخلق إلا الإيمان والتصديق الجازم بما قاله ~~كيفما حصل التصديق. نعم، لا ينكر أن للعارف درجة على ~~المقلد، ولكن المقلد، في الحق مؤمن كما أن العارف ~~مؤمن ...» # 41 # وابن تيمية يرى أن القرآن قرر أصول الدين وقرر ~~دلائلها وبراهينها، والمبتدعة يخالفون ما في القرآن من ~~أصول الاعتقاد، ومن أدلتها السمعية والعقلية، قال في كتاب ~~«النبوات»: ~~«فصل: ms222 قد ذكرنا في غير موضع أن أصول الدين الذي بعث ~~الله به رسوله محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، قد بينها الله في القرآن ~~أحسن بيان، وبين دلائل الربوبية والوحدانية ودلائل أسماء ~~الرب وصفاته، وبين دلائل نبوة أنبيائه، وبين المعاد، ~~بين قدرته عليه في غير موضع، وبين وقوعه بالأدلة ~~السمعية والعقلية. # فكان في بيان الله ~~أصول الدين الحق وهو دين الله، وهي أصول ثابتة صحيحة ~~معلومة، فتضمن بيان العلم النافع، والعمل الصالح الهدى ~~ودين الحق، وأهل البدع الذين ابتدعوا أصول دين يخالف ذلك، ~~وليس فيما ابتدعوه لا هدى ولا دين حق؛ فابتدعوا ما زعموا ~~أنه أدلة وبراهين على إثبات الصانع وصدق الرسول ~~وإمكان المعاد أو وقوعه، وفيما ابتدعوه ما خالفوا بها ~~الشرع، وكل ما خالفوه من الشرع فقد خالفوا فيه العقل ~~أيضا، فإن الذي بعث الله به محمدا وغيره من الأنبياء وهو ~~حق وصدق، وتدل عليه الأدلة العقلية؛ فهو ثابت بالسمع ~~والعقل، والذين خالفوا الرسل ليس معهم لا سمع ولا عقل ~~...» # 42 # لم يكن بين المسلمين في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، خلاف ظاهر، ~~وروي عنهم في مدة مرض النبي خلاف في أمور اجتهادية ~~لا تتصل بمسائل العقائد، وذلك كاختلافهم عند قول النبي في ~~مرض موته: «ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي.» ~~حتى قال عمر: إن النبي قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب ~~الله! وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي: «قوموا عني لا ~~ينبغي عندي التنازع.» وكاختلافهم في التخلف عن جيش ~~أسامة، فقال قوم بوجوب الاتباع لقوله عليه السلام: «لعن ~~الله من تخلف عنه.» وقال قوم بالتخلف انتظارا لما ~~يكون من رسول الله في مرضه. # وإن رويت عنهم ألوان من الجدل؛ نهاهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عنها. # جاء في كتاب «صون المنطق والكلام عن فن النطق والكلام» ~~للسيوطي نقلا عن كتاب «ذم الكلام وأهله» لشيخ الإسلام أبي ~~إسماعيل الهروي (المتوفى سنة 481ه): ~~«وأخرج من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: خرج ~~رسول الله ms223 # صلى الله عليه وسلم ~~، على أصحابه ذات يوم وهم يتراجعون ~~في القدر، فخرج مغضبا حتى وقف عليهم، فقال: «يا قوم، ~~بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم ~~الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ~~ولكن نزل القرآن فصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا ~~به وما تشابه فآمنوا به.» # وأخرج عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، ونحن نتنازع في القدر؛ فغضب حتى احمر وجهه، ~~ثم قال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك ~~من كان قبلكم حتى تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ~~ألا تنازعوا.» وأخرج عن أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس ~~بن مالك وواثلة بن الأسقع قالوا: خرج إلينا رسول الله، # صلى الله عليه وسلم ~~، ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبا ~~شديدا لم يغضب مثله، ثم انتهرنا، قال: «يا أمة ~~محمد، لا تهيجوا على أنفسكم.» ثم قال: «أبهذا أمرتكم؟ ~~أوليس عن هذا نهيتكم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا.» ثم ~~قال: «ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن نفعه ~~قليل ويهيج العداوة بين الإخوان، ذروا المراء فإنه لا ~~تؤمن فتنته، ذروا المراء فإن المراء يورث الشك ويحبط ~~العمل، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء ~~فكفى بك إثما ألا تزال مماريا، ذروا المراء فإن ~~المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم ~~بثلاثة أبيات في الجنة في وسطها ورياضها وأعلاها لمن ترك ~~المراء وهو صادق، ذروا المراء فإنه أول ما نهاني الله عنه ~~بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر، ذروا المراء فإن الشيطان قد ~~يئس من أن يعبد، ولكن رضي بالتحريش وهو المراء في ~~الدين، ذروا المراء فإن بني إسرائيل افترقوا على إحدى ~~وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وإن ~~أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهم على الضلالة إلا ~~السواد الأعظم.» قالوا: يا رسول الله، ومن السواد الأعظم؟ ~~قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي.» ثم قال: «إن ~~الإسلام بدأ غريبا ms224 وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء.» قالوا: ~~يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا ~~فسد الناس، ولا يمارون في دين الله.»» ~~(3-2) العقائد الإيمانية في عهد الخلفاء الراشدين من سنة ~~11ه/632م إلى سنة ~~40ه/660م # كان أمر العقائد في عهد الخلفاء الراشدين على ما كان ~~عليه في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، لكن النبي كان يصدع بكلمة ~~الوحي؛ فلا يستطيع مؤمن أن يجد عنها محيصا، وما كان من ~~خلاف بين المسلمين قضي الأمر فيه برده إلى الرسول، وقد ~~حدث في عهد الخلفاء الراشدين خلاف في أمور اجتهادية، إن ~~تكن متصلة بالأحكام العملية، فإن لها من الخطر ما جعلها ~~أساسا لاختلافات مستمرة بين المسلمين ورفع من شأنها؛ حتى ~~وصلها بأمور العقائد، وعلى قواعدها قام كثير من الفرق ~~الإسلامية. # ظهر بين المسلمين عقب وفاة النبي اختلاف في وفاته حتى ~~قال قوم منهم: إنه لم يمت ولكنه رفع كما عيسى بن ~~مريم، وقد يكون لهذا الخلاف مظهر في بعض أقاويل الشيعة ~~في أئمتهم، واختلفوا في الإمامة فقالت الأنصار: منا إمام ~~ومنكم إمام، وطال بينهم الكلام في ذلك حتى صعد الصديق ~~- رضي الله عنه - المنبر وخطب ثم تلا عليهم قوله تعالى: # للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم ~~الصادقون ~~. # 43 # قال ~~فسمانا الصادقين ثم أمر المؤمنين (أي الله تعالى) أن ~~يكونوا مع الصادقين بقوله تعالى: # يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين ~~، # 44 # وروى لهم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~«الأئمة من قريش.» # وحديث الخلافة له ~~شأن عظيم في قيام الفرق الإسلامية، وهو أكبر مظاهر ~~الخلاف التي حدثت منذ وفاة النبي إلى ختام عهد أبي بكر ~~وأيام عمر، حتى ليقول الإمام أبو الحسن الأشعري (المتوفى ~~سنة 324ه/936م) في كتاب «مقالات الإسلاميين واختلافات ~~المصلين»: ~~«وأول ما حدث من الاختلافات بين المسلمين بعد نبيهم # صلى الله عليه وسلم ~~، اختلافهم في الإمامة.» # 45 # ويقول: «وكان الاختلاف بعد الرسول # صلى الله عليه وسلم ms225 ~~، في ~~الإمامة، ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر - رضوان الله ~~عليه - وأيام عمر.» # 46 # وقد اختلف المسلمون في عهد أبي بكر في قتال مانعي ~~الزكاة حتى قال عمر: كيف تقاتلهم وقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم»؟ فقال له أبو بكر: ~~أليس قد قال: «إلا بحقها»؟ ومن حقها إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة، ولو منعوني عقالا مما أدوه إلى ~~النبي لقاتلتهم عليه، ويبدو لي أن الخلاف في قتال ~~مانعي الزكاة أو أهل الردة - كما يسمونهم - كان أصلا ~~لما حدث بعد ذلك من الخلاف في الإيمان والإسلام وتضمنهما ~~للعمل أو عدم تضمنهما له. # واختلف المسلمون في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة، ~~وفيما اتخذه عمر في أمر الخلافة من الشورى بين ستة من ~~الصحابة، وذلك من ذيول حديث الخلافة الذي بدأ في عهد أبي ~~بكر. # ثم اختلفوا في أمر عثمان، وأنكر قوم عليه في آخر أيامه ~~أفعالا، واختلفوا في قتله، فقال قائلون قتل ظلما ~~وعدوانا، وقال قائلون بخلاف ذلك. # وبويع علي بن أبي طالب فاختلف الناس في أمره، فمن ~~بين منكر لإمامته، ومن بين قاعد عنه، ومن بين قائل ~~بإمامته معتقد لخلافته، ثم حدث الاختلاف في أمر طلحة ~~والزبير وحربهما إياه. وفي قتال معاوية إياه في الوقائع ~~المعروفة بوقعة أصحاب الجمل، ووقعة صفين. وفي حال ~~الحكمين، وظهر من ظهر خلاف الخوارج، ويقول الإمام ~~أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني (المتوفى سنة ~~471ه/1078م) في كتاب «التبصير في الدين، وتمييز الفرقة ~~الناجية عن فرق الهالكين»: ~~«وظهر في وقته - أي علي - خلاف السبئية من الروافض، ~~وهم الذين قالوا إنه إله الخلق، حتى أحرق علي جماعة ~~منهم.» # ويتبين مما ذكرنا أن أسس الخلافات التي قامت عليها بعض ~~الفرق الإسلامية وجدت في عهد الخلفاء الراشدين، ولئن ~~كان الحجاج بين هذه المذاهب قام على النقل في غالب أمره؛ ~~فهو كان أحيانا مشوبا بالنظر العقلي. # وقد ذكر ابن عبد البر مناظرة ابن ms226 عباس للحرورية، وهم ~~الخوارج، وهي مناظرة تعتمد على النقل ولا تخلو من نظر ~~عقلي، وروى ابن عبد البر أنه لما ظهر على البصرة يوم ~~الجمل جعل لأصحابه ما في عسكر القوم من السلاح، ولم يجعل ~~لهم غير ذلك، فقالوا: كيف تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا ~~أموالهم ولا نساؤهم؟ قال: هاتوا سهامكم، فأقرعوا على ~~عائشة، فقالوا: نستغفر الله! فخصمهم علي وعرفهم أنها ~~إذا لم تحل لم يحل بنوهم. ~~(3-3) العقائد الدينية في عهد الأمويين من سنة ~~41ه/661م إلى سنة ~~132ه/750م # انتهى عهد الصحابة في هذا العصر ما بين تسعين ومائة من ~~الهجرة. # وفي كتاب «التبصير في الدين»: ~~«وظهر في أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، ~~وكانوا يخوضون في القدر والاستطاعة كمعبد ~~الجهني، # 47 # وغيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، # 48 # وكان ينكر عليهم من كان قد بقي من الصحابة ~~كعبد الله بن عباس، # 49 # وجابر، # 50 # وأنس، # 51 # وأبي هريرة، # 52 # وعقبة بن عامر، # 53 # وأقرانهم، وكانوا يوصون إلى أخلافهم بألا ~~يسلموا عليهم، ولا يعودوهم إن مرضوا، ولا يصلوا ~~عليهم إذا ماتوا.» # وفي كتاب «مفتاح السعادة»: ~~«إن رجلا قال لابن عمر - رضي الله عنهما - (المتوفى سنة ~~73ه/692-693م): ظهر في زماننا رجال يزنون ويسرقون ~~ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله، ثم يحتجون ~~علينا ويقولون كان ذلك في علم الله، فغضب ابن عمر وقال: ~~سبحان الله! كان ذلك في علم الله، ولم يكن علمه يحملهم على ~~المعاصي ... وأتى عطاء بن يسار (المتوفى سنة 94ه/713م) ~~ومعبد الجهني الحسن البصري وقالا: يا أبا سعيد، ~~هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم ~~ويقولون إنما تجري أعمالنا على قدر الله ~~تعالى!» # 54 # بل قد روي أن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، نهى الصحابة لما رآهم ~~يتكلمون في مسألة القدر وقال: «إنما هلك من قبلكم ~~بخوضهم في هذا.» # وذلك يدل على أن مسألة القدر كانت أول ما خاض فيه ~~المسلمون وتجادلوا من مسائل الاعتقاد. # وقد قال العلماء: ~~إن أول من تكلم في القدر ودعا إليه معبد الجهني، ms227 ثم ~~أبو مروان غيلان بن مسلم الدمشقي. قال ابن قتيبة في ~~«كتاب المعارف»: «غيلان الدمشقي: كان قبطيا قدريا لم ~~يتكلم أحد قبله في القدر ودعا إليه إلا معبد الجهني، ~~وكان غيلان يكنى «أبا مروان»، وأخذه هشام بن عبد الملك ~~(المتوفى سنة 125ه/743) وصلبه بباب دمشق.» # 55 # وفي هذا العهد ظهرت طائفة تكفر مرتكب الكبيرة، وطائفة ~~تقول لا يضر مع الإيمان كبيرة، وقالت فرقة المعتزلة ~~بالمنزلة بين المنزلتين، وأخذ الجدل في هذه المسائل ~~ينتشر وينحو منحى كلاميا. # قال طاش كبرى زاده في «مفتاح السعادة»: ~~«فاعلم أن مبدأ شيوع الكلام كان بأيدي المعتزلة ~~والقدرية في حدود المائة من الهجرة؛ لأن ظهور الاعتزال ~~كان من جهة واصل بن عطاء، وكانت وفاته في سنة ~~131ه/748-749م وولادته ~~في سنة 80ه/699م، فيصير زمن طلبه العلم وقدرته على ~~الاجتهاد في حدود المائة تقريبا.» # 56 # وجملة القول أنه في هذا العهد ظهر الخلاف بين الفرق ~~التي أشرنا إلى مناشئ وجودها في هذا العهد السالف واحتدم ~~النزاع بينها، واعتمد هذا النزاع على كل وسائل الدفاع من ~~جدل يقوم على أدلة نقلية وعقلية، ثم تولدت مسائل ~~اعتقادية كانت موضع تجادل وتنازع، وافترق المسلمون فيها ~~فرقا، فظهر علم الكلام على أيدي هذه الفرق، خصوصا ~~المعتزلة، وإذا كان واصل بن عطاء هو أول من أظهر الاعتزال ~~وأشاعه، فإنه أخذ الاعتزال عن الإمام أبي هاشم عبد الله ~~بن محمد بن الحنفية الهاشمي (المتوفى سنة ~~98ه/716-717م). # وفي «مفتاح السعادة»: ~~«قيل كان أول من أحدث مذهب الاعتزال واخترعه، كان ~~الإمام هاشم المذكور وأخوه الإمام الحسن بن محمد بن ~~الحنفية (المتوفى سنة 101ه/719-720م، وقيل: سنة ~~95ه/713-714م). # وقال برهان الدين الحلبي في «شرح شفاء قاضي عياض»: ~~«إن هذا الرجل وهو الحسن بن محمد بن الحنفية، كان أول ~~المرجئة، وله فيه تصنيف.»» # 57 # وعلى هذا يكون التدوين في مسائل الكلام قد بدأ في العهد ~~الذي نحن بصدده، ولكن التدوين في هذا العهد لم يكن في ~~جملته إلا بداية، ولم يصل إلينا من مؤلفات ذلك العهد ~~شيء. ~~(3-4) العقائد ms228 الدينية منذ عهد العباسيين في سنة ~~131ه/748-749م أو علم ~~الكلام منذ تدوينه # في صدر هذا العهد ظهر التدوين وألفت الكتب في علم ~~الكلام كما ألفت في غيره من العلوم الإسلامية. # ألف في علم الكلام أهل الفرق مثل واصل بن عطاء، وله ~~كما في «خطط» المقريزي كتاب «المنزلة بين المنزلتين»، ~~وكتاب «الفتيا»، وكتاب «التوحيد»، ومثل عمرو بن عبيد ~~المتكلم المعتزلي (المتوفى سنة 142ه/759-760م تقريبا)، ~~وقد ذكروا له كتابا في الرد على القدرية، وكبعض ~~متكلمي الشيعة مثل هشام بن الحكم (المتوفى بعد نكبة ~~البرامكة، وقيل في خلافة المأمون)، وله كتب في الإمامة ~~وفي الرد على المعتزلة وغيرهم، ذكرها صاحب «الفهرست»، كما ~~ذكر متكلمي المجبرة وأسماء ما صنفوه من الكتب، ~~ومتكلمي الخوارج وكتبهم، وألفت في هذا العهد كتب في ~~العقائد لأهل السنة، مثل كتاب «الفقه الأكبر» المنسوب لأبي ~~حنيفة النعمان (المتوفى سنة 150ه/767م)، وكتاب «العالم ~~والمتعلم» له أيضا، وقد صرح فيهما بأكثر مباحث علم ~~الكلام، ومثل «الفقه الأكبر» المنسوب للشافعي (المتوفى سنة ~~204ه/819-820م). # وراج مذهب الاعتزال لما فيه من مظاهر البحث العقلي ~~والاعتماد على أساليب المنطق والجدل، فمالت إليه الطباع ~~وكثر أنصاره، وأصبح المذهب السائد من بين المذاهب ~~الكلامية، قال صاحب كتاب «مفتاح السعادة»: ~~«فاعلم أن مبدأ شيوع الكلام كان بأيدي المعتزلة ~~والقدرية في حدود المائة من الهجرة، وقد ثبت في التواريخ ~~الصحاح أن إحياء طريقة السنة والجماعة كان في حدود ~~الثلاثمائة من الهجرة؛ لأن ظهور الاعتزال كان جهة واصل ~~بن عطاء، وكانت وفاته في إحدى وثلاثين ومائة وولادته في ~~سنة ثمانين، فيصير زمان ~~طلبه العلم، وقدرته على الاجتهاد في حدود المائة تقريبا، ~~وظهر أيضا مذهب أهل السنة والجماعة بالسعي الجميل ~~والإقدام المشهور من جهة أبي الحسن الأشعري في حدود ~~الثلاثمائة، إذ كانت ولادته سنة ستين ومائتين، ودام على ~~الاعتزال أربعين سنة، فيكون علم الكلام بأيدي المعتزلة ~~مائة سنة ما بين المائة والثلاثمائة.» # 58 # وتوفي الأشعري على الأرجح سنة 324ه/936م، والأشعري هو ~~أول من عرض لنصرة عقائد أهل السنة بالبراهين العقلية، ~~وأخذ في ms229 مجادلة مخالفيهم، خصوصا المعتزلة، اعتمادا على ~~النقل والعقل، وقام بمثل ما قام به في زمنه الماتريدي أبو ~~منصور محمد بن محمد بن محمود (المتوفى سنة 333ه/944-945م)، ~~وله كتاب في المقالات كما أن للأشعري كتابا في ~~المقالات، وله كتب في الرد على المعتزلة والقرامطة ~~والروافض، وكتاب الجدل وكتاب في التوحيد، وله شرح لكتاب ~~الأشعري في علم الكلام المسمى ب «الإبانة عن أصول ~~الديانة» على أنه قد حدث بين أتباع الأشعري وأتباع ~~الماتريدي خلاف ذكره المقريزي في «الخطط» بقوله: ~~«هذا وبين الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي منصور محمد بن ~~محمد بن محمود الماتريدي، وهم طائفة الفقهاء الحنفية ~~مقلدو الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت وصاحبيه: أبي ~~يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرمي، ومحمد بن الحسن الشيباني - ~~رضي الله عنهم - من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في ~~موضعه، وهو إذا تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة كان بسببها في ~~أول الأمر تباين وتناقض، وقدح كل منهم في عقيدة الآخر، ~~إلا أن الأمر آل أخيرا إلى الإغضاء ولله ~~الحمد.» # 59 # بدأ الأشعري بكتبه في الرد على المعتزلة، وطريقته في ~~نصرة العقائد الإيمانية على مذهب السلف بالأدلة العقلية، ~~عهدا جديدا تزلزل فيه سلطان الاعتزال، ويقول في هذا ~~الصدد صاحب «مفتاح السعادة»: ~~«ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة، وكانت ~~المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رءوسهم فجرهم الأشعري حتى ~~دخلوا في أقماع السمسم.» # 60 # وإذا كان مذهب الأشعري في محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم ~~من أساليب النظر العقلي قد أضعف مذهب الاعتزال، وأذل من ~~طغيانه، فإن سلطان السياسة كان كبير الأثر فيما ناله ~~مذهب الاعتزال من القوة والسيادة أولا، وكان له أثر في ~~نزوله عن عرشه أخيرا. # وقد نقل المؤرخون صورا من جدل الأشعري تمثل لنا روح ~~مذهبه، تناظر الأشعري مع أبي علي الجبائي أحد أئمة ~~المعتزلة (المتوفى سنة 303ه/915-916م)، وكان الجبائي ~~أستاذا للأشعري قبل أن ينتقل هذا عن مذهب ~~الاعتزال: ~~«تناظر مع الجبائي يوما وسأله عن ثلاثة إخوة ماتوا: ~~الأكبر منهم مؤمن بر تقي، والأوسط كافر فاسق ms230 شقي، ~~والأصغر مات على الصغر لم يبلغ الحلم، فقال الجبائي: ~~أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، ~~بناء على أن ثواب المطيع وعقاب العاصي واجبان على الله - ~~تعالى - عندهم، وأما الصغير فمن أهل السلامة لا يثاب ~~ولا يعاقب، فقال الأشعري: إن طلب الصغير درجات أخيه ~~الأكبر في الجنة؟ فقال الجبائي يقول الله تعالى: الدرجات ~~ثمرة الطاعات. قال الأشعري: فإن قال الصغير ليس مني ~~النقص والتقصير؛ فإنك إن أبقيتني إلى أن أكبر ~~لأطعتك ودخلت الجنة. قال الجبائي: يقول الباري تعالى: قد ~~كنت أعلم منك أنك لو بقيت لعصيت ودخلت العذاب الأليم ~~في دركات الجحيم، فإن الأصلح لك أن تموت صغيرا، فقال ~~الأشعري: إن قال العاصي المقيم في العذاب الأليم ~~مناديا من بين دركات النار وأطباق الجحيم: يا إله ~~العالمين، يا أرحم الراحمين، لم راعيت مصلحة أخي ~~دوني وأنت تعلم أن الأصلح لي أن أموت صغيرا ولا أصير ~~في السعير أسيرا؟ فماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي في ~~الحال وانقطع عن الجدال.» # 61 # كان زمن الأشعري قد امتلأ بالفرق ومجادلتها القائمة ~~على أصول فلسفية، وقد كانت الفلسفة منتشرة المذاهب في ~~الناس منذ أمر بتعريب كتبها المأمون في أعوام بضع ~~عشرة سنة ومائتين. قال المقريزي: ~~«واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة ~~والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة ~~والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في ~~الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق ~~مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة ~~ممن ذكرناهم، وكان أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري قد ~~أخذ عن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي ولازمه ~~عدة أعوام، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال وسلك طريق أبي ~~محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب ونسج على ~~قوانينه في الصفات والقدر، وقال بالفاعل المختار، وترك ~~القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وما قيل في مسائل ~~الصلاح والأصلح، وأثبت أن العقل لا يوجب المعارف قبل ~~الشرع، وأن العلوم وإن حصلت بالعقل فلا تجب به ms231 ولا ~~يجب البحث عنها إلا السمع، وأن الله - تعالى - لا يجب ~~عليه شيء، وأن النبوات من الجائزات العقلية والواجبات ~~السمعية، إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول ~~الدين.» # 62 # وأبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن «كلاب»، ~~كخطاف لفظا ومعنى، كما في «طبقات الشافعية» لابن ~~السبكي، هو عبد الله بن سعيد، ويقال عبد الله بن محمد ~~أبو محمد بن كلاب القطان أحد أئمة المتكلمين، وذكر ابن ~~السبكي أن وفاة ابن كلاب فيما يظهر بعد الأربعين ~~ومائتين بقليل، ونفى ما نسبه إليه محمد بن إسحاق النديم ~~من أنه من أئمة الحشوية، وإن كان يقول إن كلام الله هو ~~الله. # ويقول صاحب «طبقات الشافعية الكبرى» (المتوفى سنة ~~756ه/1355م): ~~«اعلم أن أبا الحسن الأشعري لم يبدع رأيا ولم ~~ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل ~~عما كان عليه صحابة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فالانتساب إليه ~~إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك ~~به، وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ~~ذلك، السالك سبيله في الدلائل، يسمى أشعريا ... وقد ~~ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته اجتمع ~~عليها الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء ~~الحنابلة.» # 63 # ويقول ابن السبكي أيضا: ~~«ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت: هل من ~~الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري ~~ومنتسب إليه، وراض بحميد سعيه في دين الله مثن ~~بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه، ~~وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه، أو تضاهي قول ~~المعتزلة في ذمه، وتباهي بإظهار جهلها بقدره وسعة ~~علمه؟.» # 64 # وقد فصل المقريزي (المتوفى سنة 845ه/1441م) حال المذهب ~~الأشعري منذ نشأته إلى عهده فقال: ~~«وحقيقة مذهب الأشعري - رحمه الله - أنه سلك طريقا بين ~~النفي الذي هو مذهب الاعتزال، وبين الإثبات الذي هو ~~مذهب أهل التجسيم، وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه؛ ~~فمال إليه جماعة وعولوا على رأيه، منهم القاضي أبو بكر ~~محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، وأبو بكر محمد ms232 بن ~~الحسن بن فورك، والشيخ إبراهيم بن محمد بن مهران ~~الإسفراييني، والشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد ~~الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد ~~الشهرستاني والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين ~~الرازي، وغيرهم ممن يطول ذكره، ونصروا مذهبه وناظروا ~~عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات لا تكاد تحصر، ~~فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ~~ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام ...» # وبعد أن ذكر انتشار المذهب في مصر، على يد الملك ~~ناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومن بعده من ملوك ~~الأيوبيين، وانتشار هذا المذهب في بلاد المغرب على يد ~~أبي عبد الله محمد بن تومرت. قال: «فكان هذا هو السبب في ~~اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام بحيث نسي ~~غيره من المذاهب وجهل، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، ~~إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد ~~بن محمد بن حنبل، رضي الله عنه، فإنهم كانوا على ما كان ~~عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات إلى أن ~~كان بعد السبعمائة من الهجرة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي ~~الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن ~~تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ ~~في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم ~~وعلى الرافضة وعلى الصوفية. # فافترق الناس فيه فريقين؛ فريق يقتدي به ويقول على ~~أقواله ويعمل برأيه، ويرى أنه شيخ الإسلام وأجل حفاظ ~~أهل الملة الإسلامية، وفريق يبدعه ويضلله ~~ويرد عليه بإثبات الصفات، وينتقد عليه مسائل منها ما ~~له فيه سلف، ومنها ما زعموا أنه خرق فيه الإجماع، ولم ~~يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة، وحسابه وحسابهم ~~على الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء، ~~وله إلى وقتنا هذا عدة أتباع بالشام وقليل ~~بمصر.» # 65 # بدأ الأشعري أول ما بدأ في طوره الثاني بعد أن ترك ~~الاعتزال مقتصدا في علم الكلام، مقتصدا في مجادلة ~~الخصوم، ms233 وقد نقل ابن السبكي في «طبقات الشافعية» حكايات ~~تدل على أنه كان لا يتكلم في علم الكلام إلا حيث يجب ~~عليه، نصرا للدين، ودفعا للمبطلين، وكان صاحب ~~فراسة تعينه على التماس وجوه من الأساليب مختلفة في ~~مناظرة من يناظرهم. # كان أهل السنة من قبل الأشعري لا يعتمدون إلا على ~~النقل في أمور الاعتقاد على حين أخذت الفلسفة توجه أهل ~~الفرق إلى الاعتماد على العقل؛ فلما أخذ الأشعري في ~~مناضلة المبتدعة بالعقل حفاظا للسنة، جاء أنصار مذهبه من ~~بعده يثبتون عقائدهم بالعقل تدعيما لها ومنعا لإثارة ~~الشبه حولها، ووضعوا المقدمات العقلية التي تتوقف ~~عليها الأدلة والأنظار مثل: إثبات الجوهر الفرد والخلاء، ~~وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، ~~وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعلوا هذه القواعد ~~تبعا للعقائد في وجوب الإيمان بها، وأن بطلان الدليل ~~يؤذن ببطلان المدلول، وهذه الطريقة هي المسماة بطريقة ~~المتقدمين، ورأسها القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفى سنة ~~403ه/1013م)، وإمام الحرمين أبو المعالي (المتوفى سنة ~~478ه/1085م) من بعده، ولم يكن المنطق يومئذ منتشرا في ~~الملة لاعتباره جزءا من أجزاء الفلسفة يجري حكمها ~~عليه، ويتحرج منه كما يتحرج منها. # ثم مارس أتباع مذهب الأشعري المنطق، وفرقوا بينه وبين ~~العلوم الفلسفية، وراعوا في استدلالاتهم ومناظراتهم ~~قواعده، وقرروا أن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان ~~المدلول الذي يمكن أن يثبت بدليل آخر، فصارت هذه ~~الطريقة مباينة للطريقة الأولى، وسميت طريقة ~~المتأخرين. # وأول من كتب في الكلام على هذا المنحى الغزالي وتبعه ~~فخر الدين الرازي، وبعد ذلك توغل المتكلمون في مخالطة ~~كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين ~~فحسبوه واحدا، واختلطت مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث ~~لا يتميز أحد الفنين عن الآخر كما فعل البيضاوي (المتوفى ~~سنة 691ه/1286م)، في «الطوالع»، وعضد الدين الإيجي ~~(المتوفى سنة 750ه/1355م) في كتاب «المواقف». # هذا ما ذكره ابن خلدون (المتوفى سنة 808ه/1405م) في ~~«المقدمة» ولم يعرض ابن خلدون لما حدث في علم الكلام ~~من نزوع مقاوم لغلو الغالين في خلط الفلسفة، وذلك ~~بنهوض ابن ms234 تيمية (المتوفى سنة 728ه/1327) وتلميذه ابن ~~قيم الجوزية (المتوفى سنة 751ه/1350م) لإحياء مذهب ~~السلف على طريقة الحنابلة ومقاومة الأشعري كما ~~أسلفنا. # ويقول المقريزي في «خططه»: إن مذهب الحنابلة الذي ~~أحياه ابن تيمية كان له أنصار بمصر. # ثم ضعفت الهمم عن الدراسات القوية لعلم الكلام، «ولم ~~يبق بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ ~~وتناظر في الأساليب، على أن ذلك في قليل من الكتب ~~اختارها الضعف وفضلها القصور»، كما يقول الشيخ محمد عبده ~~في «رسالة التوحيد». # أما النهضة الحديثة لعلم الكلام فتقوم على نوع من ~~التنافس بين مذهب الأشعرية ومذهب ابن تيمية. # وإنا لنشهد تسابقا في نشر كتب الأشعري وكتب ابن ~~تيمية وتلميذه ابن القيم ويسمي أنصار هذا المذهب ~~الأخير أنفسهم بالسلفية، ولعل الغلبة في بلاد ~~الإسلام لا تزال إلى اليوم لمذهب الأشاعرة. # | هوامش ms235