######OpenITI# #META# URI: 1367HudaShacrawi.Mudhakkirat.Hindawi90647493 #META# Tags: biographies #META# ID: 90647493 #META# Title: مذكرات هدى شعراوي #META# AuthorID: 84606415 #META# Author: هدى شعراوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # | مذكرات هدى شعراوي # | مذكرات هدى شعراوي # تأليف # هدى شعراوي # | الفصل الأول # عندما أقف أمام ذكريات طفولتي، يتبين لي منذ البداية ذلك الفارق الكبير بين حياة الطفل ~~وتربيته في الماضي، وبين ما أصبحت عليه أساليب التربية في الوقت الحاضر. # لقد كان الاهتمام منصبا على تغذية الطفل ونموه الجسماني، دون أدنى اهتمام أو التفات إلى ~~مشاعره ونمو مداركه، ولذلك كان هناك فارق هائل بين ms001 النمو الجسماني والنمو العقلي. أما الآن ~~فإن هناك توازنا بين الجانبين، لذلك ينشأ الطفل قادرا على الفهم والاستيعاب في سن ~~مبكرة. # وكان الأهل يخفون عن الأطفال كل الحوادث والأحداث المحيطة بهم، فإذا مات أحد أفراد ~~الأسرة، قيل للطفل: إنه قد سافر، وإذا أراد أن يسأل عن حقيقة من حقائق الحياة، أجابوه ~~بخرافات لا تروي ظمأه لمعرفة الحقيقة، أو قيل له: إنه ليس من الأدب أن يتدخل فيما لا ~~يعنيه. # ولقد كنت واحدة من هؤلاء الأطفال، وكان يعنى بنا خدم جهلاء يخفون عنا ما كان يجب أن ~~نعرفه من حقائق، ويحيطوننا بسياج من الخرافات التي تؤثر في العقول الصغيرة الساذجة. # ولأنني كنت قليلة الالتصاق بوالدي، فإنني لا أذكر من حياتنا العائلية في طفولتي إلا ~~القليل، ومن ذلك أنني كنت أذهب إلى غرفة والدي كل صباح لأقبل يده، وكان يصحبني في هذه ~~الرحلة الصباحية أخ لي من أم ثانية اسمه «إسماعيل»، وكنا نجد أبي متربعا على سجادة الصلاة ~~يسبح بمسبحته، فنقبل يده ويقبلنا، ثم ينهض ويفتح خزانة كتبه ويخرج لكل واحد منا قطعة من ~~الشيكولاته، فنأخذها ونخرج متهللين. # ثم جاء ذلك اليوم الذي لا يمكن أن أنساه أبدا ... كنت ألعب مع شقيقي «عمر» عندما تناهى ~~إلينا فجأة صراخ عال يملأ أرجاء البيت وملأ الخوف قلبي، وتعلقت أنا وأخي بمربيتنا، وفي ذلك ~~الوقت أقبلت مرضعتي مهرولة، وهي تتشح بالسواد، وتصيح قائلة: لقد تحقق خبر الباشا ... فأعطني ~~يا «سياج» الطفلين لأذهب بهما إلى منزل مسعود باشا ... حتى لا يزعجهما الصراخ والعويل. # إن هذه الجملة لا تزال ترن في أذني حتى اليوم، ولا تزال تحدث صداها في أعماقي ... ولا تزال ~~حرارتها في قلبي ونفسي ... # كنت في الخامسة من عمري عندما وقع هذا الحدث الجسيم، فقد توفي والدي المرحوم محمد سلطان ~~باشا يوم 14 أغسطس 1884 في مدينة جراتس بالنمسا، كان قد سافر إلى سويسرا للاستشفاء، ثم ذهب ~~إلى جراتس بعد ذلك، وكان يعاني من صدمتين عنيفتين أثرتا في حالته الصحية إلى حد بعيد؛ لدرجة ~~أن ms002 الأطباء لم يجدوا دواء لدائه إلا أن يسافر بحثا عن العلاج، وكانت الصدمة الأولى هي وفاة ~~أخي إسماعيل الذي كان يعقد عليه أبي كل آماله في المستقبل، فقد كان ذكيا يبدو أكبر من ~~عمره في كل شيء، في الوقت الذي كان فيه شقيقي «عمر» ضعيف البنية والأمل في حياته ضئيل جدا ~~... أما الصدمة الثانية فكانت تلك المأساة التي أودت باستقلال البلاد إثر الحوادث العرابية، ~~وما ظهر من سوء نية الإنجليز بعد دخولهم مصر؛ حيث بدا واضحا أنهم لن يفكروا في الجلاء ~~عنها! ... # ولقد كان بودي أن أتحدث طويلا وتفصيليا عن حياة أبي وأعماله، ولكن للأسف عندما فكرت في ~~كتابة مذكراتي، كان كثيرون من الذين عاشوا هذا التاريخ وعرفوا أبي عن قرب قد فارقوا الحياة، ~~ولم يكن أمامي إلا فهمي باشا الذي لازم أبي خلال سنواته الأخيرة. # ولقد عرف عن أبي أنه كان يميل إلى مجالس الأدب والعلم، وقد تغنى كثير من الأدباء ~~والشعراء بصفاته الطيبة وأخلاقه الحميدة، وكان من أبرز شيمه: الكرم والوفاء والترفع والتمسك ~~بشعائر الدين، وتميز بالإخلاص والصراحة والشجاعة في إبداء الرأي والنزاهة والتجرد عن ~~الغايات. كذلك فقد كان بارا بأهله في حياته وبعد مماته؛ حيث أوقف عليهم جانبا كبيرا من ~~ممتلكاته، كما فعل الشيء نفسه بالنسبة للفقراء، حتى لا يجد واحد من الذين كان يعولهم مشقة ~~في الحياة من بعده، وقد أوقف على الحرمين الشريفين والأزهر الشريف والمساجد والمدارس جانبا ~~من أوقافه. # وإذا كانت هذه هي شخصية أبي في حياته الخاصة، فقد كان له مثل هذا الدور في الحياة العامة. ~~وإذا أردنا أن نتناول الجانب الاجتماعي في هذا الدور، فسوف نجد أنه كان وراء إلغاء نظام ~~السخرة والكرباج؛ حيث قدم اقتراحا بذلك إلى نوبار باشا رئيس مجلس النظار، وانتهى الأمر ~~بإلغاء هذا النظام الذي كان يعتبر وصمة في جبين مصر في ذلك الوقت. كذلك فقد قدم اقتراحا ~~بإلغاء جميع الضرائب الإضافية التي كانت ترهق كاهل الفلاحين. # وقد بعثني إلى فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعه، أسأله عن ذكرياته ms003 حول والدي ؛ حيث إنه كان في ~~ذلك الوقت لا يغادر منزله بسبب شيخوخته فقال: إنه في ليلة سفره إلى أوروبا للاستشفاء، وهي ~~الرحلة التي صاحبه فيها، كان يجلس في مجتمع من الأصدقاء، وفي هذا المجلس تلا أبياتا من ~~شعره يقول فيها: # أتذكر مصر إنني منذ نشأتي # أدافع عن أبنائها وأذود # وأمنع من رام اهتضام حقوقهم # ولو خفقت فوق الرءوس بنود # وفي تلك الليلة، تحدث عن ابنه الراحل «إسماعيل»، وتلا أبياتا من قصيدة كان قد كتبها في ~~رثائه. وفيها يقول: # دعوني في اكتئابي وابتئاسي # أقاسي من زماني ما أقاسي # دعوني أسكب العبرات وحدي # فما لجراح قلبي قط آسي # ولقد عاش أبي صدر حياته بعيدا عن المناصب الحكومية، فقد كان عليه أن يرعى إخوته وأسرته، ~~ثم اختير مأمورا لقسم قلوصنا، وحاول أن يعتذر عنه، فلم يجد إلا الإصرار. # وتدرج بعد ذلك ليصبح وكيلا لمديرية بني سويف، ثم مديرا لها، ثم مديرا للفيوم، ثم ~~مديرا لأسيوط، ثم مديرا للغربية، ثم مفتشا عاما للوجه القبلي، ثم رئيسا لمجلس النواب ~~ومجلس شورى القوانين ثم قائم مقام الخديوي. # وقد سمعت من بعض أقاربنا نقلا عن آبائهم وأجدادهم أن والدي من أصل عربي، وقد استوطن ~~أجداده أرض الحجاز، وهاجر نفر منهم إلى مصر قبل عهد علي باشا واتخذوها موطنا لهم، وتزوجوا ~~من مصريات. # وعلى ما قيل كان جدي الحاج سلطان عميد الجيل الخامس من عائلته في مصر، وكان ولعا ~~بالزراعة وبالأخص زراعة القصب واستخراج العسل الأسود، وكان مشهورا بالكرم وطيبة القلب ~~ودماثة الخلق، حتى إنه من كثرة استرساله في عمل الخير والبر ومن فرط تقواه، كان يقول عنه ~~معاصروه: إنه ولي تشمل بركته أهله وكل من حوله. # ومن طريف ما سمعته عن سماحته وعطفه، أن بعض عملائه التجار كانوا يتقاضون حقوقهم أكثر من ~~مرة؛ ظنا منهم أنه قد نسي ما دفعه لهم، وقد جاءه ذات مرة رجل كان قد باعه «تقاوي» قصب ~~وقبض ثمنها، ليطالب بثمنها مرة أخرى، فأمر جدي بصرف ثمنها له، وحاول كاتب الدائرة أن ms004 يلفت ~~نظره ، إلى أن هذا التاجر سبق أن استلم الثمن، وليس له أي شيء، فأجابه جدي: ادفع له الثمن؛ ~~لأنه لم يتسلمه، فدفعه له، وبعد مدة عاد التاجر نفسه يطالب بثمن التقاوي للمرة الثالثة، ~~فثار الكاتب وقال لجدي: إنه سبق أن قبض الثمن مرتين، ولكن جدي تناسى ذلك وقال للكاتب: إنني ~~لا أتذكر، فأعطه نقوده، ولما هم الكاتب أن يثبت لجدي أن المبلغ قد دفع مرتين وأمسك بدفتر ~~الحساب لإثبات ذلك، مد جدي يده إلى الدفتر وأغلقه، وأمر الكاتب بدفع المبلغ في الحال، وبعد ~~انصراف الرجل، قال جدي للكاتب: ألا تستطيع أن تفهم أن الرجل ربما كان في ضائقة مالية، وأن ~~مطالبته هذه ما هي إلا طلب مستتر للمعونة؟ في مثل هذه الحالات لا تعد مطلقا إلى الإلحاح في ~~تنبيهي؛ لأنني أتذكر جيدا ما لي وما علي! # ومن الطرائف التي تروى أيضا أن أحد مستخدميه غافل المسئولين وخرج ومعه «بلاص» عسل، ~~وبينما هو خارج به من الدوار، وقد ركب حمارا، رأى جدي على خلاف عادته في الظهيرة جالسا ~~أمام باب الدوار، فأسقط في يد الخادم واضطرب؛ لأنه كان يريد الترجل لتحية مخدومه، وأدرك جدي ~~ما كان يعتمل في سريرة الخادم، فأسرع إليه وأمسك طرف عباءته وهو راكب، وغطى به البلاص وقال ~~له: إذا لم يكن هذا الذي أمرت لك به كافيا لعيالك، فتعال إلي غدا لآمر لك بواحد ~~آخر. # وكان هذا الموقف رفقا بإحساس الرجل، حتى لا يشيع بين العمال والخدم أنه سارق، وتصبح هذه ~~الحادثة سبة في جبينه. # ولقد كانت هذه المواقف وغيرها سببا في اجتذاب محبة مستخدميه وولائهم ووفائهم، فجازاه ~~أحدهم في ابنه من بعده، وقصة ذلك أن والدي عندما اشترى تفتيش «دماريس» جعل يفكر في تدبير ما ~~بقي عليه من ثمنه، ولاحظ انشغاله رجل مسن من مستخدمي والده فقال له: ما بك؟ فأجابه بأنني ~~أفكر في تدبير باقي ثمن التفتيش الجديد، فقال الرجل: لا تفكر واتبعني، وتبعه والدي من حجرة ~~إلى أخرى حتى وصلا إلى غرفة متطرفة ms005 مغلقة، وفتحها الرجل بمفتاح كان معه وأدخل والدي فيها، ~~وجاء ببساط كبير من الصوف وفرشه على أرض الغرفة، ثم فتح «زلعة» وألقى ما بها من نقود فضية ~~على البساط، وهكذا واحدة بعد الأخرى حتى وجد أبي نفسه أمام كومة كبيرة من النقود الفضية، ~~فقال والدي للرجل: ما هذا؟ قال الرجل: هذه نقود تركها لك أبوك في ذمتي، وحلفني ألا أعطيها ~~لك إلا إذا كنت محتاجا لها، وها هي قد نفعتك اليوم. # وقيل لي: إن هذه النقود قد عبئت في جوالات كثيرة، وحملت على الدواب إلى المراكب حيث أرسلت ~~للبنك. # وخلال الفترة التي كان فيها أبي في قلب الحياة العامة، وقعت الحوادث العرابية، وقد تكون ~~هذه فرصة لكي أذكر بعض ما أعرفه عن بعض مدعي الوطنية الذين اتهموا والدي بأنه ساعد على دخول ~~الإنجليز نزولا على إرادة الخديوي توفيق. # وليس أدل على أن ما ذكر كان مجافيا للحقيقة، من أن الصحف كانت قد نشرت مذكرات منسوبة إلى ~~عرابي باشا بعد وفاته، وكان ما نشر يصادف هوى لدى أولي الأمر في ذلك الوقت. فلما تركوا زمام ~~الحكم، جاء إلي عبد السميع أفندي عرابي يطلب مني المساهمة في طبع مذكرات أبيه، فلما أبديت ~~له دهشتي من أن يطلب طبع هذه المذكرات على نفقتي وفيها طعن في وطنية والدي كذبا وبهتانا، ~~أبدى استعداده لحذف هذا الجزء من المذكرات، وكانت دهشتي هذه المرة أشد من سابقتها، وقد رفضت ~~ذلك مقتنعة بأنه كما أراد حذف هذا الجزء بشرط المساعدة، فإنه لا بد قد وضعه بشرط مثله خدمة ~~لغرض آخر، وأسفت أن هذا حدث شفويا، وإلا لكنت قد أدليت بالبرهان على كذب ما جاء في هذه ~~المذكرات لعرابي باشا، ومع ذلك فسوف يأتي الحديث فيما بعد عن خطابين أرسلهما إلي عبد ~~العزيز وعبد السميع عرابي ابنا عرابي باشا. # وكان عبد السميع قد كتب مقالات في جريدة المحروسة، ذكر فيها أن سلطان باشا كان من رؤساء ~~الحركة الوطنية، وكان يظن أنه يستطيع بمواهب عرابي وقوة الجيش الحصول على ms006 رئاسة البرلمان ، ~~فأيد عرابي في جميع الأحوال إلى أن فازت الأمة بالمجلس النيابي. ولكنه لما رأى الأمة تتحدث ~~باسم عرابي بكل إعجاب وثناء تسرب الحسد إلى نفسه. ولما تشكلت وزارة محمود باشا سامي كان ~~يطمع أن يكون فيها وزيرا فلم يتحقق أمله. # وعلى ذلك أخذ يضلل أعضاء مجلس النواب وغيرهم وينفرهم من عرابي ويغريهم بالتخلي عنه. ولكنه ~~لم يفز؛ لأن الأمة بكل طبقاتها كانت في جانب عرابي إلى النهاية. # وقد تصدى له قليني باشا فهمي؛ حيث نشر مقالا في جريدة المقطم يوم الأربعاء نوفمبر 1923 ~~قال فيه: # إن منشأ الحركة العرابية كان سببا عن الظلم والجور اللذين لحقا بضباط الجيش ~~المصريين؛ حيث كان لا يسمح لأي ضابط مصري مهما كانت مواهبه أن يتعدى رتبة أميرالاي، ~~فأوجب هذا تذمر الضباط المصريين ما ترتب عليه قيامهم بحركة ضد هذا الاحتلال التركي ~~الجركسي، وكان هذا هو الأساس الذي قامت من أجله الحركة العرابية. # ولما كان البرنامج يشمل أيضا طهارة المصالح الملكية من الموظفين الأتراك والجراكسة، فقد ~~انضم إليهم كثير من أعيان البلاد وكبرائها، وأخذ يناصرهم المرحوم سلطان باشا بما كان له من ~~النفوذ الكبير والسلطة العالية. # وأضاف قليني باشا: # إن سلطان باشا كان يشغل مركز حاكم الصعيد العام، وكان ذا جاه عريض وسلطة واسعة. ~~فمن هذا يعلم أنه لم يكن في احتياج إلى جاه غيره ليتوصل إلى مركز عال. ولما بدأت ~~الحركة العرابية ورأى من مبادئها خدمة البلاد، انضم إليها بكل نفوذه وعضدها بكل ~~قواه، لا حبا بوظيفة؛ لأنه كان يشغل أعظم المراكز، بل حبا في خدمة ~~البلاد. # وعندما ألف البرلمان، انتخبته الأمة رئيسا له، ولا يعقل أن الذي يتقلد وظيفة رئيس ~~البرلمان يطمع في أن يكون وزيرا؛ لأن وظيفة رئيس البرلمان فوق وظيفة رئيس الوزراء. وقال: # أذكر أنني كنت مع المرحوم سلطان باشا في سراية ذات يوم، وإذا بعرابي قد حضر ومعه ~~ضباط من الجيش وطلبوا منه عقد البرلمان في الحال، فسألهم عن الموضوع الذي يريدون أن ~~يتكلموا فيه، فقالوا: عزل الخديوي، ms007 فقال لهم: وهل رشحتم من يخلفه حتى يكون قرار ~~البرلمان بالعزل شاملا لتعيين الخلف. وكان عرابي ينتظر من الجميع أن يقولوا: إن ~~الخلف عرابي، ولكن لم ينطق أحد منهم، وبعد أن تداولوا فيما بينهم قرروا تأجيل البت ~~في ذلك إلى الغد. # وعقدوا اجتماعا في منزل عرابي للمداولة، فاشتد الهرج بينهم، فقال محمود سامي ~~البارودي إنني أولى بالملك لأني من سلالة ملوك، وقال عرابي: ولكني أنا رئيس الحركة ~~الوطنية وموحدها، وقال آخرون غير ذلك إلى أن قال طلبه عصمت باشا: لكل منا أعمال ~~عظيمة في هذه الحركة، فيجب أن نعامل كلنا بالسواء بلا تمييز واحد على الآخر، فيحسن ~~أن نجعل كل مديرية خديوية قائمة بنفسها، وكل منا يكون خديوا لها. وحينئذ يئس ~~عرابي، واستحسن مع البعض أن تبقى الحالة كما هي عليه. وبعد ذلك توجه عرابي إلى سراي ~~سلطان باشا، وشكره على نظره البعيد. # نظر سلطان باشا إلى كل هذه الأحوال، وقال للعرابيين: إنه يحسن بالجيش المصري أن ~~يقف عند هذا الحد؛ لأن الأجانب قلقون جدا من العسكرية الدائمة، فلم يرق هذا القول ~~للعرابيين وعدوه خيانة من سلطان باشا، ولم يعبئوا بنصيحته، بل ظلوا على تهديد العرش ~~مما استوجب مخاوف الخديوي، فاستغاث بأوروبا لتساعده على خلاص عرشه من ~~التهديد. # وعند دخول الإنجليز إلى مصر، أراد سلطان باشا أن يتحقق إلى أي حد ترمي المقاصد ~~الإنجليزية. فأكد الجنرال دلسلي قائد الحملة أن مهمتهم هي إخماد الفتنة العرابية ~~وحفظ العرش من التهديد. وبانتهاء ذلك تكون مهمتهم قد انتهت وينصرفون إلى بلادهم ... ~~أكدوا هذا لسلطان باشا الذي كان مشغوفا بحب وطنه وخائفا من سيطرة الإنجليز عليه؛ ~~لأنه ليس من المعقول أن سلطان باشا يحارب الاحتلال التركي، الذي كان في نظره ~~كابوسا على البلاد، ويسعى للاستعاضة عنه بالاحتلال الإنجليزي. # وأود أن أذكر هنا أن عرابي باشا كان قد أمر بأن تؤخذ ممتلكات أبي من غلال وخيل وغيرهما، ~~وترسل إلى مخازن الإنجليز، وأن يختم البيت بالشمع الأحمر حتى ينظر في أمره. # وبعد فشل عرابي ونفيه إلى ms008 جزيرة سرنديب، أمرت الحكومة بصرف عشرة آلاف جنيه لوالدي على ~~سبيل التعويض الرمزي، عن الخسائر المادية التي لحقته من جراء تلك التصرفات، فانتهز ضعاف ~~العقول والبصائر هذا الأمر للتشهير بوالدي، وقالوا: إنه منح المبلغ مع الخديوي توفيق ~~لمساعدة الإنجليز على كذبهم وافترائهم، ولو فرضنا المستحيل، فإنه لا يمكن أن يبيع مصر بهذا ~~الثمن البخس الذي لا يوازي قطرة في بحر ثروته. # ولقد كان من نتيجة فشل والدي في إقناع عرابي، قيام تلك الحوادث التي أدت إلى دخول ~~الإنجليز إلى البلاد عنوة، متذرعين بالفتن والاضطرابات الداخلية والخارجية. # وما الذي كان يستطيع والدي أن يفعله إزاء الجيوش التي هزمت جيش عرابي؟ # هل كان في إمكانه محاربتها والتغلب عليها، أو تصديق ما كان يقال من إنهم مدافعون عن العرش ~~واستتباب الأمن وحماية الأجانب، بدلا من أن يدخلوا فاتحين بحد السيف؟ # | الفصل الثاني # منذ البداية، أريد أن أؤكد حقيقة هامة، وهي إنني في هذه المذكرات لا أحاول أن أدلل على ~~وطنية أبي محمد سلطان باشا، فهذه في رأيي قضية واضحة لا تحتاج إلى كثير من المناقشة، ولو ~~كنت أعرف أنها موضع شك، لاخترت منذ زمن طويل أن ألتقي بكل الذين عرفوا والدي وعرفهم ... وأبحث ~~في أوراقهم وأنقب في ذكرياتهم. # ومع ذلك، فإنني إزاء ما يثار في هذه الأيام من أقاويل، أرى أنه من الأفضل أن أضع النقاط ~~على الحروف، وأن ألتزم في ذلك بما جرى على ألسنة الأطراف الأخرى، فلا جدال في أن أعظم شهادة ~~هي ما يشهد به الأعداء. فقد حاول البعض أن يفسر المواقف بما يخدم مصالح أطراف معينة، بعيدا ~~عن وجه الحقيقة، ولكن تشاء إرادة الله أن يبدو وجه الحقيقة على أيديهم. # لقد قلت: إن أبي هو الذي حذر منذ وقت مبكر مما يمكن أن يحدث نتيجة الاندفاع في مواقف ~~متطرفة، دون استعداد من ناحية، ودون دراسة وافية ومتأنية من ناحية أخرى. ولكن الاندفاع غلب ~~على صوت العقل، فكانت تلك النتائج السيئة التي أشار إلى إمكانية وقوعها من قبل أن تحدث ms009 ... ~~وهذا هو الفارق بين الرجال، وهذا هو أيضا الفارق بين المواقف، وهذا هو كذلك الفارق بين ~~النتائج. # ولكي أبرهن على تعمد البعض تشويه التاريخ حبا في المصلحة الشخصية، أو تبريرا لآراء بعض ~~المتطرفين في أفكارهم، فإنني أسجل هنا كلمة الأستاذ حسن القاياتي التي نشرت بجريدة الأهرام ~~الغراء بتاريخ 22 سبتمبر 1920 بعنوان «حول عرابي». وفيها يقول: # كتب عبد السميع عرابي في «المنبر» الكلمة الآتية فيما يدافع به عن أبيه زعيم ~~الثورة. قال: في يوم الأربعاء 13 سبتمبر 1882 كان عرابي يصلي الفجر، فسمع ضرب ~~المدافع بشدة، ولما تفقد الأمر وجد الضرب على طول خط الاستحكام، وأن الاستحكامات ~~تضرب المركز العمومي الذي يبعد عنها نحو أربعة آلاف متر، ولما لم يكن هناك غير ~~الأهالي المتطوعين مع (المدعو) الشيخ محمد عبد الجواد وأخيه وجابر بك من بندر ببا، ~~وكانوا جميعا نحو الألفين، دعاهم للهجوم على بطارية الأعداء فامتنعوا. وما زال بهم ~~يذكرهم بالوطن وواجب الجهاد إلى آخر عبارات الاستفزاز المشتعلة في مثل هذا المقام ~~حتى يئس من نفعهم وحتى تفرقوا جميعا فرارا من هول الموقف. # تلك كلمة عبد السميع بك عرابي فيما يفصح به عن أبيه ويؤيد به فعلته في ذلك الموقف. أما ~~أنا فلم تتقدم بي العين إلى شهود تلك الموقعة، وأنا أؤيد بأن أباه كان رجلا مخلصا بر ~~الطوية نبيل النزعة في ثورته، ولكني على ذلك ناقل هذه الحقيقة عمن شاهدها، فأدى ما سمع ~~وأبلغ ما رأى؛ قضاء لحق التاريخ والعلم. # حدثني رجل خصيص بالشيخ محمد عبد الجواد القاياتي (والد كاتب هذه الكلمة) حضر معه الموقعة. ~~قال: بعد أن وقعت الهزيمة على الجيش المصري العرابي، وحقت كلمة الفشل والخزي، لم يرعني إلا ~~عرابي باشا على فرس ضامر ينهب به الأرض نهبا ويطير به في كل مطار، حتى إذا اجتاز السرادق ~~الذي كان فيه الشيخ محمد عبد الجواد وأخوه الشيخ أحمد عبد الجواد، جعل ينادي ويهتف: «يا ~~سيدنا الشيخ ... لقد ضاعت البلد ... دافعوا عن المسلمين» في أمثال هذه الكلمات الجوفاء، فأجابه ms010 ~~الشيخ محمد عبد الجواد بكلمات فيها شتم وتحقير ورمي بالخيانة ... ثم مر عرابي لا يلوي على ~~شيء، وكيف تستطيع المتطوعة القتال بعد هزيمة الجيش؟ # ومن ناحية أخرى، فقد وصلني خطاب من الأستاذ عبد السميع أفندي عرابي بتاريخ 15 فبراير ~~1926، وفي هذا الخطاب يسترعي الالتفات عبارة يقول فيها: «هذه المجهودات الوطنية وما لبيتكم ~~من الآثار الجليلة فيها». وأعتقد تمام الاعتقاد أن هذا الوضع هو المطابق تمام المطابقة لما ~~جاء في المذكرات الأصلية لعرابي باشا؛ لأنه ما كان يستطيع تدوين غير الحقيقة هو وغيره من ~~المعاصرين له على قيد الحياة. # ولو كان الموقف بالنسبة لوالدي غير ذلك، لما أقر واعترف عبد السميع أفندي كتابة بما بيننا ~~من الآثار الجليلة في هذه المجهودات الوطنية، وإلا لكان مخالفا لواقع وحقيقة مذكرات والده، ~~ولكن المحير في الأمر أن يعترف عبد السميع أفندي بالآثار الجليلة لبيتنا في هذه المجهودات ~~الوطنية قبل طبعها، ثم يرمي والدي بضد هذه الآثار بعد الطبع؟! # ومما يحقق اعتقادي بعدم صحة كل ما أثاره المغرضون حول والدي، خطاب آخر وصلني من عبد ~~العزيز أفندي عرابي مع نسخة مهداة إلي من الجزء الأول من تاريخ والده، وفيه يسجل قراره ~~بخطه أن والدي قد اشترك في تلك الثورة؛ إذ قال: هذه نسخة من الجزء الأول من تاريخ والدي ~~رحمه الله عن الثورة العرابية التي اشترك فيها ساكن الجنان سلطان باشا، وكان فيها من ~~المبرزين. ويقول أيضا: فحسبي أن أتقدم بهذه الهدية وفاء لوالدك الذي له حقه علينا. # ولعل مثار دهشتي من الخطابين اتفاقهما قبل الطبع على ذكر أفضال والدي، والإشادة بمواقفه ~~ومجهوداته والرغبة في خدمة الحقيقة والتاريخ، ثم ظهور بعض الشوائب التي أحيط بها والدي، ~~الذي كان بالأمس محل التقدير لمجهوداته الوطنية، والذي كان من المبرزين في تلك الثورة! ~~... # ومن هذا الاستشهاد وغيره من مجريات الحوادث يستطيع القارئ أن يتبين أين الحقيقة، ولو عاش ~~والدي بضع سنين أخر، لاستطاع أن يكشف النقاب عن كثير من الأسرار التي أحاطت بموقف الجميع، ~~ولكنه للأسف مرض في ms011 أعقاب نتائج الثورة، واشتد مرضه بسبب نتائجها التي أدت إلى أسوأ ما منيت ~~به مصر الحديثة، وهو احتلال البلاد. # وفضلا عن ذلك، فإنني أنشر هنا مقالا للأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مجال ما دار من ~~المساجلات والمشادات، التي نشرت في الصحف بينه وبين عبد السميع أفندي عرابي حول مذكرات ~~والده. وفيه يبدو جليا رأي أحد المؤرخين في المآخذ التي تعرض لها سلوك عرابي باشا ومقاصده ~~ونواياه، وإظهار نواحي الضعف والإهمال في إعداد الجيش العرابي لمنازلة الإنجليز، وتحميل ~~زعماء الثورة العرابية مسئولية المخاطرة بمستقبل البلاد، فضلا عن نوايا بعضهم في اعتلاء ~~العرش. # وقد نشر هذا المقال في جريدة كوكب الشرق في 26 سبتمبر 1933، تحت عنوان «كلمة ختامية»: # قرأت المقالات الثلاث التي كتبها حضرة عبد السميع أفندي ردا على كلمتي عن ذكر ~~14 سبتمبر، وليس من قصدي أن أدخل وإياه في مناقشة طويلة، فإني أعتقد أن أعمدة الصحف ~~اليومية لا تتسع لهذه المناقشات؛ لذلك أقتصر على الرد التالي ليكون من «ناحيتي» ~~كلمتي الختامية لهذا الموضوع. # أنا لم أزل على رأيي في أن زعماء الثورة العرابية قد ركبوا من الشطط من يوم أن ~~أكرهوا شريف باشا على الاستقالة من الوزارة. لقد ذكر عبد السميع أفندي قصة هذه ~~الاستقالة وأراد بها أن يبرر مسلك العرابيين في الدور الثاني للثورة، واستدل بقرار ~~مجلس النواب في هذا الصد، وقال: إن النظام الدستوري هو الذي أكره شريف باشا على ~~الاستقالة، وجوابي على ذلك أن يستتر وراءه الزعماء لتغطية مسئولياتهم في الحوادث ~~الجسام؛ لأن المعلوم أن النواب في عهود الثورات والانقلابات يستلهمون الرأي من ~~زعمائهم. فإذا شط النواب في قراراتهم وكانوا في شططهم نازلين على حكم زعمائهم ثم ~~وقعت الكارثة، كانت المسئولية واقعة على الزعماء أولا ثم على النواب ~~ثانيا. # فشريف باشا كان يرى درءا للأزمة السياسية التي نشأت عن تدخل الدولتين في مسألة ~~الميزانية، ألا يبت مجلس النواب في قراره النهائي في المادة المتعلقة بها من ~~اللائحة الأساسية ويرجئها إلى حين تنتهي الغمة؛ وبذلك يتفادى التدخل ms012 المسلح من جانب ~~إنجلترا وفرنسا. # والتأجيل في ذاته لم يكن مضيعا لحقوق الأمة؛ لأن وضع الدستور قد يستغرق زمنا ~~يطول أو يقصر على حسب الظروف والملابسات، والتأجيل كثيرا ما يكون وسيلة لحل بعض ~~الأزمات السياسية، ولكن العرابيين رفضوا الأخذ برأي شريف باشا؛ لأنهم رأوا في هذه ~~الأزمة فرصة للاستئثار بالحكم وتولية أحد زعمائهم رئاسة الوزارة بعد إقصاء شريف ~~باشا عنها. وقد تم لهم ما دبروه واستقال شريف باشا، وتولى الرئاسة محمود باشا سامي ~~البارودي. ومن يومئذ تلاحقت الأحداث والخطوب حتى انتهت بالاحتلال. # فالعرابيون قد عرضوا البلاد للتدخل المسلح من جانب إنجلترا ... ويا ليتهم عرضوها ~~لهذا التدخل بعد أن أحسنوا الاستعداد للحرب والقتال، فإن الحكمة والسياسة تقضي على ~~أقوى الدول الحربية أن تأخذ عدتها للحرب قبل أن تغامر فيها. ولكن العرابيين غامروا ~~بمستقبل البلاد في وقت كانت عوامل الضعف والارتباك قد نالت من قوة الجيش ومكانته. ~~فكان ما كان من هزائم سنة 1882. فالذين خاطروا بمستقبل البلاد من زعماء الثورة ~~العرابية يتحملون أكبر تبعة في وقوع الاحتلال. # والنظام الدستوري ليس مسئولا عن هذه التبعات، بل النزعات والأطماع الشخصية هي ~~المسئولة عنها، ولا نزاع في أن هذه النزعات والمطامع قد تغلبت على نفوس الزعماء في ~~الدور الثاني للثورة، وقد شهد بذلك زعماء الثورة بعضهم على بعض، فشهد عرابي باشا في ~~مذكراته بما كان يساور محمود باشا سامي البارودي من المطامع في عرش الخديوية. وشهد ~~محمود باشا فهمي على عرابي بمثل ذلك القول في كتابه «البحر الزاخر» إذ قال عنه: «إن ~~المقصد الأصلي له أن ينال أريكة الخديوية المصرية، وإن الثورة العرابية هي ثورة ~~مشئومة، وأمرها وأحوالها كانت مكتومة في قلب عرابي لم تظهر حقائقها، ولم تبد ~~دقائقها للعيان إلا بعد النفي في سيلان؛ حيث أفشى كل من عرابي وعبد العال وعلي فهمي ~~ما كانوا عليه للعيان.» # وشهادة محمود باشا فهمي لها قيمتها التي لا تنكر؛ لأنه أحد زعماء الثورة الذين ثبتوا فيها ~~حتى النهاية، وأحد المنفيين في سيلان، وكان وزيرا للأشغال العمومية في ms013 «وزارة الثورة» التي ~~كان يرأسها البارودي، وفيها كان عرابي وزيرا للحربية، وكان فوق ذلك رئيسا لأركان حرب ~~الجيش العرابي في وقائع سنة 1882 فأقواله حجة، وثمة شهادة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ~~فإنه كان يتوقع الشر من الثورة العرابية، ويقول: «إنها قد تجر إلى البلاد احتلالا أجنبيا ~~يستدعي تسجيل اللعنة على مسببه إلى يوم القيامة.» وقد تحقق مع الأسف ما كان يتوقعه، وانتهت ~~الثورة بالاحتلال الإنجليزي الذي تعانيه البلاد إلى اليوم. # أما طعن عبد السميع أفندي في أمثال الشيخ محمد عبده ومحمد باشا فهمي، فنحسب أنه لا ينقص ~~من قيمة آرائهما شيئا، وثمة كلمة أخرى أرد بها على عبد السميع أفندي، فإنه يسألني: «ما هي ~~تلك الآراء والتصريحات التي أدلى بها عرابي حين عودته إلى مصر وكان فيها تأييد مطلق ~~للاحتلال الإنجليزي؟ هذه تهمة خطيرة يحسن ألا يقذف بها هكذا جزافا من غير أن تقترن ~~بالبينة.» # ويلوح لي أن هذا السؤال هو من قبيل تجاهل العارف، فإن عبد السميع أفندي وهو أحرص الناس ~~على كل ما له علاقة بتاريخ عرابي باشا، لا يمكن أن تفوته تلك الأحاديث. ولم أكن أريد أن ~~أعيدها ولذلك اكتفيت بالإشارة إليها. ولكن ما دام عبد السميع أفندي يذكرها ويطلب منا ~~البيان، فإني أحيله على حديث المغفور له عرابي باشا في جريدة «ذي تيمس أوف سيلان» عدد 26 ~~مايو 1901 بعد العفو عنه، إذ قال فيه: «كلما أتفكر في مصر أحس بفرح عظيم وسعادة أكيدة لعلمي ~~بأنه ليس بها الآن أقل اضطراب، وإن ما كنت أتمناه لأمتي من استتباب الأمن وتمام الراحة ~~نالتها اليوم بلا تعب ولا عناء وما ذلك إلا بهمة الحكومة الإنجليزية.» # وأحيله أيضا على حديث هام نشر له في عدد 3 أكتوبر 1901 من جريدة المقطم، إذ قابله ~~مندوبها بعد عودته لمصر، وسأله: هل وجدتم ما رأيتموه في مصر في هذين اليومين مختلفا عما ~~كانت عليه حين مفارقتكم إياها؟ # فقال عرابي باشا: إن عائلتنا كبيرة تعد أكثر من عشرة آلاف نفس منتشرين في ms014 طول هذا القطر ~~وعرضه. وقد قابلت أكابرهم الذين جاءوا السويس للتسليم علي، فسألتهم عن الأحوال بالتفصيل ~~والإجمال، فوجدتهم متفقين في الجواب، قلت لهم: أصحيح أن السخرة ألغيت عندكم، فقالوا: نعم ~~صحيح، قلت والكرباج، قالوا: أبطل من زمان، قلت: وكيف تحصل الأموال من الأهالي، قالوا: بالحق ~~والعدل، وكل إنسان يعرف ما له وما عليه ... فسألتهم وكيف الاستبداد في الأحكام الآن، أجابوا ~~أنه لم يبق للاستبداد أثر في البلاد، فكل شيء مقيد بقانون ونظام ولا خوف على محكوم من جور ~~حاكم؛ لأن كل من له أو عليه قضايا رفع مظلمته إلى المحاكم. فشكرت الله حينئذ وحمدته؛ لأنه ~~حقق مناي وأراني قبل مماتي ما طالما كنت أتمناه لبلادي وأبناء وطني في حياتي. وقلت هذا هو ~~الإصلاح الذي كان غايتي من أفعالي الماضية. # وقد شاء الله أن ينعم على وطني ولكن لحكمة له جل جلاله قضى ألا يتم ذلك على يدي، بل على ~~يد الذين نازلناهم في ساحة القتال وكانوا لنا أعداء، فصاروا لمصر اليوم خير الأصدقاء، وقضى ~~الله أن أكون واسطة هذا التغيير فينال وطني ما كنت أتوخى وأتمنى له من الخير. # فهل هذه التصريحات لزعيم ثورة يحمل في قلبه رسالة الوطنية لقومه. إن الزعيم الوطني لا ~~يمكن أن يمتدح الاحتلال الأجنبي المضروب على بلاده بمثل هذه الأقوال، ولا يمكن أن يصف جرائم ~~الاحتلال بأنها الإصلاح الذي كان يبتغيه وإنها غايته من «أفعاله الماضية» أي من الثورة التي ~~حمل لواءها وتولى زعامتها. هذا إلى أن عرابي باشا يمن على بلاده في هذا الحديث بأن الإنجليز ~~قد أبطلوا السخرة والكرباج ونظموا المحاكم وأقاموا منار العدل فيها، وهو لعمري قد ظلم مصر ~~بقوله هذا ولم ينصف الحقيقة والتاريخ، فإن السخرة والكرباج قد أبطلا في عهد وزارة رياض باشا ~~الأولى سنة 1880 قبل الاحتلال، ونظام المحاكم الحالي قد تقرر بادئ ذي بدء في عهد وزارة شريف ~~باشا الثانية بمقتضى المرسوم الصادر في 17 سبتمبر 1881 قبل الاحتلال أيضا. # ومن تهكم الأقدار ومن المؤلم حقا أن زعيم ms015 الحركة التي قامت في الأصل لتخليص الجيش من ~~سيطرة شرذمة من الشراكسة، يغتبط بوقوع مصر تحت سيطرة الإنجليز . وكانوا يوم أن أدلى بهذا ~~الحديث قد مضى عليهم عشرون عاما قضوا فيها على استقلال البلاد وحريتها، وسلخوا السودان ~~عنها، وجعلوا أملاكها ومرافقها نهبا مقسما بينهم وبين الدول الاستعمارية، واغتصبوا سلطة ~~الحكم وأفسدوا الجيش والإدارة والتعليم والأخلاق في البلاد. # وبعد، فلم أكن أريد أن تصل المناقشة إلى هذه التفاصيل. ولكن ردود عبد السميع أفندي قد ~~اقتضت ذلك، وجعلتني أعيد البحث فيما أدلي به من حجج في مقالاته، وكنت أود أن أقتنع بها، ~~ولكنها لم تزدني إلا اقتناعا بالرأي الذي وصلت إليه من قبل، وهو أن الثورة العرابية في ~~دورها الثاني كانت مع شديد الأسف صفحة محزنة من تاريخ مصر الحربي والقومي ... # هذا ما كتبه عبد الرحمن الرافعي، وكشف فيه الرجال والمواقف والأدوار، ونبه الأذهان إلى ~~مجريات الأمور في الدور الثاني للثورة العرابية، ولقد كان من بين الرجال الذي تنبهوا مبكرا ~~لذلك، والدي محمد سلطان باشا؛ فقد ظل مؤازرا للثورة العرابية باعتبارها ضمير الأمة وصوت ~~الشعب، إلى أن جاءه رجال الثورة ليطلبوا منه، باعتباره رئيس البرلمان، أن يدعو إلى جلسة ~~لعزل الخديوي، فلما سألهم عمن سوف يشغل مكانه بعد عزله حتى يقرر البرلمان ذلك، لم يلبثوا أن ~~اختلفوا وتناحروا وادعى كل واحد منهم أنه الأحق بالأريكة الخديوية. وربما كان هذا هو الموقف ~~الذي أسلم أبي للمرض، فقد غاب صوت العقل في المناقشات التي دارت بينه وبين رجال الثورة ~~العرابية، واندفعوا رغم تحذيره بأن هذا الاندفاع قد يؤدي إلى أسوأ العواقب. # فلما وقعت الواقعة اشتدت العلة وسافر إلى سويسرا ومنها إلى جراتس في النمسا؛ حيث قضى نحبه ~~عام 1884. # | الفصل الثالث # كانت والدتي لم تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها بعد عندما مات والدي في مدينة جراتس ~~بالنمسا. # إنني ما زالت حتى الآن أتذكر يوم وصل إلينا نعي والدي الحبيب. ثم أيام الحزن العميق التي ~~اجتزناها، والسنين المدلهمة الطويلة التي جلل فيها السواد كل أثاث المنزل ms016 ورياشه. # لقد وقع الخبر مثل الصاعقة على رأس والدتي، وما زلت أذكر صورتها وهي طريحة الفراش يعودها ~~الأطباء من آن لآخر، وكانوا يأخذونني أنا وأخي فنقف بجانب فراشها، وإذ ذاك تنظر إلينا بحزن ~~ثم تخنقها العبرات وتدس رأسها تحت الغطاء، وهي تقول: أبعدوا الطفلين عني! ... # وعندما كنا نذهب إلى الغرفة المجاورة ... عند والدة أخي إسماعيل ... التي كنا نناديها باسم ~~«ماما الكبيرة» ... كنا نشاهد منظرا أقسى لشابة أخرى فقدت ابنها قبل وفاة زوجها، ففقدت كل ~~أمل في الحياة، ومرضت مرضا ألزمها الفراش طوال السنوات الثماني التي عاشتها بعد ولدها، ~~وعندما كان يلح عليها من حولها لترك الفراش وترييض جسمها، كانت تذعن في النهاية تحت ~~إلحاحهم، فتتمشى من غرفة إلى أخرى، وكنا نفرح لذلك كثيرا ونجري أمامها مهللين مصفقين، ~~فتعلوا شفتيها القرمزيتين - بفعل الحمى - ابتسامة باهتة واهنة ممزوجة بالأحزان التي تنبع من ~~أعماق قلبها. كنت أحب هذه السيدة حبا عظيما، وكانت تبادلني الحب وتعطف علي، وكانت هي ~~الوحيدة التي تجاذبني الحديث بصراحة في مختلف الأمور والشئون، وقد لاحظت ما كنت أحاول أن ~~أخفيه من آلام نفسية؛ بسبب تفضيل أخي علي سواء من جانب والدتي أو أهل البيت جميعا، فكانت ~~تحاول أن تقنعني بأن هذا ليس تفضيلا، ولكن لأن الولد هو الذي يحمل اسم الأسرة وهو الذي ~~يحمل مسئوليتها. # وكان بيتنا مفتوحا لكل زائرة ولكل قاصد، ذلك أن والدتي كانت خيرة وديمقراطية، ولذلك كان ~~منزلها لا يكاد يخلو من الضيوف يوما واحدا، وكثيرا ما كانت تطول تلك الضيافة نظرا لما ~~يجده الضيوف من حسن الوفاء وكرم المعاملة، وكثيرا ما وفد الزائرون فجأة، في الأوقات ~~المناسبة وغير المناسبة. ولذلك كانت مائدتنا مستعدة دائما لاستقبال الضيوف، وكانت الغرفة ~~معدة لإقامة النازلين، وكثيرا ما كنت أثور على هذا التطفل الذي يضطرني إلى ترك غرفتي لإحدى ~~الضيفات أو قبولها شريكة لي فيها، وكنت دائما أفضل الحالة الأولى؛ لأنني أتألم من بعض ~~الروائح ومن عدم تجدد هواء غرفتي. # وكان «السلاملك» هو مهبط الأقارب والموظفين، وكنت أحتفي بمن أصطفيهم ms017 من هؤلاء، وفي ~~مقدمتهم زوج أختي الكبيرة إسماعيل بك؛ لأنه كان يبالغ في ملاطفتي وكان مع كبر سنه لطيفا، ~~واسع الصدر، يدلعني ويقربني منه، كذلك كنت أؤثر من أقاربي أحمد حجازي ابن عم والدي الذي كان ~~كثير الاهتمام بأمري، وكان يحدثني عن أبي ويقص علي بعض صفاته وتاريخه، كذلك كنت أفرح ~~لمجيء أحمد بك مرزوق؛ لأنه كان مرحا خفيف الروح، وكان يملأ البيت سرورا بفكاهاته وصوته ~~العالي. # وعندما كان يحضر علي بك شعراوي الوصي علينا وناظر أوقاف والدي، كانوا يأخذونني أنا وأخي ~~للسلام عليه، وبعد ذلك كنت أتحاشى الذهاب إلى السلاملك؛ لأنه لم يكن يلتفت إلي على ~~الإطلاق، وكان يوجه كل حديثه واهتمامه إلى شقيقي الذي كان يحبه حبا جما. وكان منزلنا ~~يتخذ شكلا غير مألوف طوال مدة إقامته بسبب الخوف الذي كان يستولي على الخدم وعلى الأقارب ~~والزائرين. # ومن الزائرين الذين كنا ننتظر قدومهم بلهفة وشوق جدتي وأخوالي، وكانوا يأتون من تركيا كل ~~سنة أو سنتين تقريبا لزيارتنا، ويغمروننا بهداياهم الكثيرة التي كانت تزيد على حاجتنا ~~فنهدي منها للجيران والأصدقاء. # كانت جدتي على خلاف والدتي، قصيرة القامة ليست بالبدينة أو النحيفة، ناصعة البياض، زرقاء ~~العينين، ترتدي الثياب البيضاء، وتضع على رأسها طرحة بيضاء تتخللها ضفيرتان من شعرها الأبيض ~~تكادان تعادلان جسمها طولا، وكانت تبدو في هذا البياض الشامل كالقديسة وكانت السماحة تشيع ~~في محياها فتكسبها إشراقا وطيبة. # ولقد أحببت جدتي كثيرا، وإن كنت لم أستطع التفاهم معها إلا بالإشارة لجهل كل واحدة منا ~~بلغة الأخرى، ولكن هذا ما كان ليمنعنا من تبادل العواطف وكانت تدللني ببعض كلمات وأغان ~~شركسية ما زلت حتى الآن أحفظ الكثير منها. # وكان خالي الكبير يوسف شديد الشبه بوالدته في طوله وسماحة وجهه ودماثة خلقه، أما خالي ~~إدريس - والد حواء وحورية - فكان شديد الشبه بوالدتي في رشاقته وجمال قسمات وجهه، وكان طويل ~~القامة، نحيف القوام، رقيقا في حركاته ومعاملاته، وكان يحبنا الحب كله ويقضي معظم أوقاته ~~معنا لدرجة أنه كان لا يغادر المنزل إلا قليلا. ms018 # كان هؤلاء الأهل يقضون معنا فصل الشتاء، حتى إذا أقبل الصيف بدأت جدتي تتأثر بحر بلادنا، ~~فتلتهب أجفانها وتدمع عيناها ويحمر وجهها، فتطلب العودة إلى تركيا، ولكن خالي إدريس كان ~~يبقى معنا لميله الشديد إلى تعلم اللغة العربية، فكان يتتلمذ معنا على أيدي مدرسينا. # ولما توفيت جدتي، وكان خالي الكبير قد تزوج، جاءت معه زوجته، فقلت له يوما: لماذا لا ~~تبقون معنا هنا ولم يبق لكم في الآستانة أحد بعد وفاة جدتي؟ فابتسم وقال: لقد عرض علي ~~المرحوم والدك ذلك، ولكنني اعتذرت؛ لأن في ذلك هدما لبيتنا ومحوا لاسم عائلتنا. # قلت: وهل بندرته التي تقطنونها كانت بلاد آبائكم وأجدادكم؟ ألستم من القوقاز لا من ~~الأناضول؟ # فابتسم مرة ثانية وهز رأسه قائلا: هذه الألفاظ نفسها قد سمعتها من والدك عندما ألح علينا ~~للبقاء في مصر، ولترغيبنا وعدني بأن يكل إلي إدارة أعماله الزراعية ويدخل أخي المدارس ~~ليتم تعليمه، ولكنني لم أقبل حفاظا على اسمنا في بلادنا، كما اعتذرت عن عدم استبقاء أخي؛ ~~لأن كل من أتم تعليمه من أفراد عائلتنا مات ميتة غير طبيعية. # وبعد ذلك بمدة، تخلف خالي إدريس وبقي بيننا يتعلم، ولما ألحت عليه والدتي في الزواج، أراد ~~أن يتزوج من مصر ويبقى بجوارنا، فخطبت له إحدى فتيات البيوت العريقة، وعندما تحدد موعد ~~القران اشترط أهل العروس ألا تفارقهم ابنتهم، وألا تسافر معه إذا سافر، ورفض هو هذا الشرط ~~قائلا: إن الزوجة لا بد أن تتبع زوجها في حياته وتنقلاته، وسافر إلى بلاده وتزوج هناك، ~~وأنجب ابنتيه حواء وحورية. # وذات يوم دعي هو وأخوه مع أهل القرية لحضور فرح في قرية مجاورة، وكانت العادة هناك أن ~~يركب المدعوون عربات تجرها الثيران، وطلب خالي الكبير من أخيه أن يصحبه في هذه العربات، ~~ولكنه اعتذر لوجود ضيوف عنده، ووعد بأن يلحق به على ظهر جواده الجديد السريع، وكان الجواد ~~قويا فجمح به أثناء الطريق وصدمه مقدم السرج في صدره؛ فسقط من فوق الجواد ميتا، وانقلبت ~~الأفراح أتراحا، وتحقق بذلك اعتقاد خالي ms019 الخبير بأن من يتم تعليمه من أفراد الأسرة يموت ~~ميتة غير طبيعية، وهكذا قضى خالي المسكين تاركا طفلتيه الصغيرتين حواء وحورية، وكبراهما لم ~~تبلغ الثانية بينما الصغرى ما زالت رضيعا. # والحقيقة أنني لم أجرؤ في يوم من الأيام على سؤال والدتي عن أصلها وسبب نزولها في مصر، ~~فقد كانت رحمها الله زاهدة في الكلام عن نفسها، قليلة الشكوى والجهر بآلامها، تتحكم في ~~عواطفها وتخفي في قرارة نفسها كل ما يؤلمها، على إنني كنت تواقة لمعرفة شيء عن حياتها ~~وأهلها. ولذلك سألت خالي يوسف عن سبب هجرة عائلته من القوقاز إلى الأناضول، وكيف وصلت ~~والدتي إلى مصر إلى أن تزوج أبي منها، فقص علي أنه عندما شبت الحرب بين الجراكسة وروسيا ~~القيصرية حوالي عام 1860، دافع الجراكسة عن القوقاز بكل شجاعة وبسالة، وكان جدي لأمي أحد ~~القواد المشهورين، وكان يدعى «شار الوقه جواتيش»، وكان هو الذي يقود المعركة في القرم. ~~وأثناء الحرب هزمت فرقته ووقع أسيرا وكان له بين القواد المعروفين خصم هو القائد ~~الداغستاني الشهير «الشيخ شامل» فانتهز هذا القائد فرصة أسره للتشهير به، وأشاع أنه انضم ~~إلى الروس وخان بلاده، فقبضت السلطة المحلية على ولده يوسف الذي كان دون السادسة عشرة من ~~عمره، وألقت به رهينة في الحبس توطئة للحكم عليه بالإعدام إذا لم يعد أبوه؛ وعندئذ قررت ~~جماعة من حزبه وأقارب والده وأصدقائه، التطوع لتخليص والده وأصدقائه من أسر الروس؛ إنقاذا ~~لابنه المسكين. فارتدوا ملابس الجنود الروس واندسوا بينهم وقد ساعدهم على ذلك معرفتهم للغة ~~الروسية، وصحبتهم في هذه المغامرة ابنة أخيه «حورية»، وكانت مع جمالها مغامرة فلم تتردد في ~~الاندماج مع الرجال الذين تطوعوا لخلاص عمها، وقد ساعدهم الحظ، فوفقوا إلى تحقيق خطتهم ~~وتمكنوا من تخليصه، ولكن الروس فطنوا إلى خلاصه فتعقبوه وقاتلوهم في الطريق، ولما كانوا ~~قليلي العدد والعدة، فقد تغلب عليهم الروس، ومات وجرح معظمهم، وكان بين الجرحى جدي «جواتيش» ~~الذي احتمى ببعض الصخور وظل يحارب المتعقبين من الروس في انتظار نجدة من الجراكسة كانت ~~«حورية» ms020 قد ذهبت لإحضارها، وما زال يحارب حتى أصابته رصاصة أودت بحياته، وحمله منقذوه ميتا ~~إلى مسقط رأسه ليدفن هناك، وليثبتوا كذب الشائعات التي روجها خصمه الشيخ شامل وبذلك أنقذ ~~ابنه من السجن والموت. # وقد روت «حورية» عن عمها أنه أنبأها خلال فترة الخلاص، أن الروس عندما أسروه بدءوا ~~يلاطفونه ويطرون شجاعته ومعرفته بأصول الحرب وقيادة المعارك، ثم طلبوا منه أن ينضم إليهم ~~ويحارب في صفوفهم للاستفادة من خبرته الحربية ومن شجاعته النادرة. فما كان منه عندئذ إلا أن ~~خلع «الكلبق» من على رأسه وألقى به على الأرض، ثم أمسك بسيفه وكسره على ركبته وألقى به في ~~وجه القائد الروسي الذي كان يفاوضه في هذا الأمر، وكان معنى ذلك أنه يمتهن كرامة الدولة ~~التي أهانت شرفه. # وعندما وضعت الحرب أوزارها وخسر الجراكسة، لم تشأ جدتي البقاء في القوقاز فهاجرت مع من ~~هاجروا إلى الآستانة، مصطحبة أولادها الخمسة بنتين وثلاثة ذكور، وقد قص علي خالي يوسف ما ~~قاسوه في هذه الهجرة من ألم الجوع ومرارة الحرمان طوال المدة التي قضتها الحكومة التركية في ~~إجراءات البحث في أمر المهاجرين، وتعويضهم عن بعض أملاكهم وأموالهم. وأثناء ذلك مات أصغر ~~الذكور، وكان يدعى «يعقوب»؛ نتيجة إصابته بالتهاب رئوي، كما سرقت أخته الرضيع من مرضعتها، ~~وخوفا من سرقة الأخت الباقية - وهي والدتي - قرروا إرسالها إلى مصر للإقامة عند خالها ~~الضابط يوسف باشا صبري، فقد صادف أن كان أحد أصدقائهم قاصدا مصر لزيارة عائلة راغب بك، ~~فسلموها له ليوصلها إلى خالها، ولكنه عندما وصل مصر، كان خالها في رحلة حربية في السودان، ~~وذهب بالطفلة إلى زوجة يوسف باشا، فأنكرت أن يكون لزوجها أقارب، ورفضت قبولها وهكذا بقيت ~~والدتي في بيت راغب بك على أمل أن يعود خالها ويطلبها، ولكن يبدو أن زوجته أخفت عنه هذا ~~الخبر، وكان أن استمرت والدتي في رعاية ابنة راغب بك التي أحبتها كثيرا وعنيت بأمرها ولكن ~~بعد أن تزوجت هذه السيدة، دبت الغيرة في قلبها من والدتي التي كانت على جانب كبير ms021 من ~~الجمال، وأرادت التخلص منها، وكان من حسن حظها أن اختارها والدي زوجة له. # وذات يوم، كانت تساعد والدي على ارتداء ملابسه، وتصادف أن كانت قريبة من النافذة المطلة ~~على الحديقة، فدمعت عيناها، وهنا سألها والدي عن سبب بكائها، فقالت له: إنها لمحت بين ~~الزائرين الوافدين إلى السلاملك شابا يشبه أخاها يوسف، فلم تتمالك نفسها من البكاء، ~~فسألها والدي عن أهلها وعشيرتها، ولما قصت عليه قصتها، أرسل على الفور إلى منزل علي بك راغب ~~من يستفسر عن عنوان أهلها، ولحسن الصدف كان قريبهم الذي أحضر والدتي موجودا في مصر، فحضر ~~عند والدي الذي كلفه بإحضار العائلة بعد أن سلمه تكاليف السفر، وبالفعل سافر إلى بندرته ~~وأحضرهم؛ فكان لهذا اللقاء فرحة عظيمة وتأثير كبير في حياة والدتي التي أنزلها والدي ~~المنزلة الأولى من نفسه وبيته، وبعد ذلك دعوا خاليها للتعارف، وهما يوسف باشا والد منيرة ~~هانم حرم المرحوم المهندس علي باشا فهمي، وموسى بك والد اللواء محمد رفقي باشا، والبكباشي ~~أحمد فخري، وعلي بك رضا؛ فأصبحت بذلك بين أهلها وعشيرتها. # هذا عن والدتي ... # أما والدتي الكبيرة، فلقد كنت أطمئن إلى عشرتها لما كنت ألقاه منها من عطف وحنان وصراحة ~~تزيد من ثقتي بها، وتخفف من أحزاني التي كنت أبثها إياها، إذا ضاقت بي الحال وأزعجتني ~~الهواجس والأفكار. وكثيرا ما كنت استأذن والدتي في تمضية بعض الليالي مع والدتي الكبيرة، ~~فكانت تأذن لي رغم علمها بمرضها ولكنها لم تكن تخشى العدوى. وكنت أقضي معها ليالي عديدة، ~~أنام معها في سرير واحد مسرورة قريرة العين منتعشة؛ لأنها كانت مثلي تحب الهواء الطلق، ولا ~~تنام إلا والنوافذ مفتوحة وبخاصة في الصيف، وذلك على خلاف والدتي التي كانت تغلق علينا ~~الأبواب والنوافذ خشية أن يصيبنا البرد، فكنت أسهر معها حتى يغلبني النعاس، وأستيقظ في ~~الصباح الباكر على صوت الأطيار وتغريدها، وكانت الطبيعة بما فيها من جمال وجلال تأخذني ~~فأسبح في جمالها إلى ما لا نهاية، وأشعر بالسعادة والهناء لما ألقاه من عطف وما أسبح فيه ms022 من ~~خيال. # وكان يلذ لي أن أشارك هذه السيدة البارة الرحيمة أفكارها لتشابه أذواقنا في كل شيء، كانت ~~تحب اللبن البارد المغلي في المساء والمغطى بالقشدة، فكنا نغمس فيه الخبز اليابس ثم ننتهي ~~بالفاكهة. وفي ليالي الشتاء كنت أجلس القرفصاء بجانب الموقد للتدفئة وأضع الكستناء على ~~الفحم المتوهج واحدة بعد الأخرى، وكلما فرقعت إحداها، قفزت من مكاني ضاحكة، فتضحك هي الأخرى ~~وهي ترنو لي بعين الشفقة والحنان. # وأتذكر إنني طلبت منها ذات يوم أن تفسر لي حكمة تفضيل شقيقي علي، فأجابتني في ابتسامتها ~~الحلوة: ألم تشعري الآن بالفارق الذي بينك وبينه، قلت: نعم ولكني أنا الأكبر وأنا الأولى، ~~ويجب أن يكون نصيبي أوفر منه ومركزي أعلى من مركزه. # قالت: ولكنك فتاة وهو غلام. وليس هذا فحسب، بل أنت لست الفتاة الوحيدة وهو الولد الوحيد ~~الذي عليه عمار الدار، أنت عندما تتزوجين ستذهبين إلى منزل الزوجية وتحملين اسم زوجك، أما ~~هو فسيحيي اسم أبيه ويفتح بيته. # هذا الجواب الصريح المعقول، رد إلي رشدي، ولم أتألم من سماعه بل نزل على قلبي بردا ~~وسلاما، وزادني حبا لأخي الذي سيخلد اسم أبي الحبيب ويحل محله في العائلة. # وقد فهمت والدتي الكبيرة ما أقاسيه من هذا الشعور، فأضافت: إن أخاك ضعيف البنية، لذلك ~~يخافون على صحته ويعطفون عليه، أما أنت فقوية سليمة الصحة. # وقد تمنيت بعد ذلك أن أمرض لأتساوى معه في حب والدتي، وتصادف أن تفشت حمى الدنج في البلد، ~~وكنت أول من أصيب بها في المنزل، ففرحت بهذا الاختبار ولازمت الفراش، وكم تأثرت من اهتمام ~~والدتي بمرضي وانزعاجها منه؛ لأنها لم تتعود أن تراني مريضة، وأمرت في الحال بإحضار طبيب ~~العائلة «علوي باشا»، وبعد يومين أو ثلاثة، أصيب أخي بالمرض نفسه، فقام أهل المنزل على قدم ~~وساق، ورأيت الأطباء يدخلون غرفتنا قاصدين فراش أخي، ثم يقومون بفحصه ويغادرون الغرفة دون ~~أن يلتفتوا إلي، رغم أن فراشه كان بالقرب من فراشي، وقد أثر في ذلك كثيرا، وارتفعت الحمى ~~من فرط تأثري، ولكن أحدا ms023 لم يهتم بأمري إلا بعد أن ازدادت حالتي سوءا. # ولقد زادتني هذه التجربة المريرة انكماشا وحقدا على من حولي، فصرت أقضي معظم أوقات ~~الفراغ بعد الدرس في حديقتنا التي كانت أشبه بغابة صغيرة، وكنت أحب الحيوانات، وكان يخيل ~~إلي أنها تفهمني وترثي لحالي، كما كنت أرى في الأشجار مرتعا للألعاب الرياضية التي كنت ~~مشغوفة بها. # وكنت أجد تسلية كبرى في أوقات الدرس، إذ كنا نمضي كل صباح في تلقي مختلف العلوم من ~~المدرسين باللغات العربية والتركية والفرنسية، وكنت مغرمة جدا، باللغة العربية. وكان يحضر ~~الدرس معنا مربينا «سعيد آغا» الذي كان يلازمنا في كل مكان. وكان صاحب الأمر والنهي على ~~الخدم وعلى معلمينا. وبهذه المناسبة أذكر أنه لتعطشي للغة العربية، سألت أستاذي يوما عن ~~السبب في عدم إمكاني قراءة القرآن مثله دون خطأ، فقال: لأنك لم تتعلمي قواعد النحو. # ولما سألته إن كان في إمكاني أن أقرأ مثله بلا لحن ولا خطأ بعد تعلمي القواعد، أجابني ~~بالإيجاب، فرجوته أن يعلمني القواعد، ففرح وقال لي: بكل سرور، وفي اليوم التالي أتى يحمل ~~تحت إبطه كتاب النحو، فسأله سعيد آغا بعظمة وكبرياء: ما هذا الكتاب؟ قال: كتاب النحو، طلبته ~~الآنسة نور الهدى لتتعلم القواعد، فقهقه الآغا وقال له: خذ كتابك ... لا لزوم للنحو؛ لأنها لن ~~تكون محامية يوما من الأيام! # وقد أثرت هذه الصدمة الجديدة في نفسي تأثيرا شديدا، وبدأ اليأس يتسرب إلى قلبي ويتولاني ~~الملل حتى أهملت دروسي، وصرت أكره أنوثتي؛ لأنها حرمتني متعة التعليم وممارسة الحياة ~~الرياضية التي كنت أحبها، كما كانت تحول بعد ذلك بيني وبين الحرية التي كنت أعشقها ... # | الفصل الرابع # كنت في التاسعة من عمري عندما ختمت القرآن الشريف، فأرادت والدتي أن تحتفي بهذه المناسبة ~~بإحياء ليلة تتلى فيها آيات الذكر الحكيم تحت إشراف معلمي. ودعت بعض صاحباتها لتناول العشاء ~~وسماع القرآن، فكان هذا أول يوم مفرح رأيناه بعد وفاة والدي. # ولما كنت أعلم أن الشيخ إبراهيم معلمي يتمنى الوصول إلى وظيفة شيخ جامع بلدته بمركز ~~مغاغة، ms024 وأن يكون عنده «ركوبة حصاوي»، فقد أخبرت والدتي بذلك لتحقق أمنيته مكافأة له على ~~تعليمي، ولما جاء في اليوم التالي يودعني، فرحت كثيرا لسروره العظيم عندما أعطته والدتي ~~«ثمن الركوبة» وخطابا لعلي بك شعراوي الذي كان وصيا علينا وناظرا على أوقاف والدي لكي ~~يتوسط في تعيينه شيخا لجامع بلدته، وقد عين فعلا. # ختمت القرآن، فظن من حولي أنني ملكت ناصية اللغة العربية والديانة. ولكني في الحقيقة لم ~~أكن أستطيع قراءة شيء غير القرآن؛ لأنه مشكل، ولا أعرف من علوم الديانة إلا كيفية الوضوء ~~والصلاة والصوم ومع ذلك فقد ساعدني على فك الخط والكتابة دراسة اللغة التركية التي تلقيتها ~~على أيدي معلمين أكفاء مثل أنور أفندي وحسن أفندي الخطاط المشهور وحافظ أفندي ... وكان الأخير ~~رصينا في الإلقاء ومجيدا في ترتيل الشعر التركي والفارسي، وقد نهجوا في تعليمي للغة ~~التركية الطريقة الصحيحة، فتعلمت قواعدها والخط الرقعة والنسخ، وقد أفادني ذلك بالنسبة للغة ~~العربية نظرا لتماثل حروف اللغتين. # وكنت أشتري من أمام الباب خلسة الكتب العربية من الباعة المتجولين، وكان ذلك محظورا ~~علينا، ولم أكن أميز ما أشتريه، ولكن الكتاب الذي كان يسهل علي فهمه، كنت أفرح به وأقرظه ~~وأقول إنه كتاب جيد، أما الكتاب الذي كنت لا أفهمه، فقد كنت أحكم عليه بأنه كتاب رديء ~~وأهمله في دولاب صغير عندي. # وكنت بفطرتي أميل للشعر، ولذلك كنت أشتري كل كتاب فيه أشعار، وقد زادني ميلا إلى الشعر ~~في طفولتي السيدة خديجة المغربية الشاعرة التي كانت تتردد علينا كثيرا، وتقضي عندنا أياما ~~عديدة في غرفة تخصص لها طوال إقامتها، وكنت أذهب إلى غرفتها كل صباح، فأجدها تحت ~~«الناموسية» في فراشها تكتب في أوراقها. # وإذا سألتها ماذا تكتبين؟ أجابتني إنها تكتب شعرا، فأطلب منها روايته فتروي لي ما نظمته، ~~وقد بلغ من تعلقي بالشعر وحبي له في ذلك الوقت أن طلبت منها أن تعلمني نظم الشعر، فقالت لي: ~~إنه يحتاج إلى الإلمام بعلوم كثيرة منها النحو والصرف والعروض، وقد كنت أجهل هذا تمام ~~الجهل. # لقد ms025 كنت معجبة بتلك السيدة إعجابا شديدا؛ لأنها كانت تحضر مجالس الرجال، وتتباحث معهم ~~في أمور أدبية واجتماعية بينما كنت أرى المرأة الجاهلة ترتعد فرائصها خوفا ويتصبب جبينها ~~عرقا؛ إذا قضى الحال أن تحادث رجلا حتى ولو كان من وراء ستار، وقد أعطتني بذلك فكرة أن ~~المرأة الفاضلة تستطيع أن تتساوى بالرجل إن لم تفقه ... فازددت إعجابا بها، وتمنيت أن أكون ~~مثلها رغم دمامتها. # ولم يعد يكفيني ما أشتريه من الكتب بين الحين والآخر، وإنما أصبحت في مطالعة كتب والدي، ~~لعلمي أنه كان رحمه الله يحب الأدب والشعر، وكان دائما محوطا بالشعراء والأدباء، ولذلك ~~كنت أتحين الفرص لأتمكن من فتح مكتبه بتجربة المفاتيح التي كانت تحت يدي، وكانت معي فتاتان ~~في سني تربيتا معي، إحداهما شركسية والأخرى مصرية، فكنت أعهد إليهما بمراقبة الدهليز في ~~الوقت الذي أحاول فيه فتح خزانة الكتب، وكانت موجودة في غرفة التدريس. وأخيرا تمكنت من ~~فتحها. وكم تألمت لما فوجئت بمنظر الشيكولاته التي كان يحتفظ بها والدي لنا، وقد أذابتها ~~السنون، فسالت على الأوراق وتركت بها أثرا، ولكن حب الاستطلاع تغلب على عاطفتي، ودفعني إلى ~~مد يدي المرتجفة إلى تلك الكتب، فآخذ منها كتابين دون معرفة ما بهما، وكان أحدهما الجزء ~~الثاني من «العقد الفريد»، والثاني «ديوان أبو النصر» أحد شعراء ذلك العصر، وما زالا عندي ~~حتى الآن. وأذكر أن أول قصة قرأتها هي قصة «المملوك الشارد» تأليف جورجي زيدان، وقد حببت ~~إلي قراءة القصص التاريخية. # أما اللغة الفرنسية، فقد بدأت أتعلمها وأنا في سن التاسعة بعد ما ختمت القرآن. وكانت ~~معلمتي إيطالية الجنسية تحسن تعليم الموسيقى أكثر من تعليم الفرنسية. وبهذه المناسبة أذكر ~~كيف بدأت دراسة البيانو في تلك السن. # أشار الطبيب الذي كان يعالج أخي أن يشتروا له مهرا صغيرا «سيسي» ليتعلم ركوب الخيل - ~~وهو إذ ذاك في السابعة من عمره - لأن الركوب رياضة سامية تقوي الجسم وتنشط حركة الأمعاء وفي ~~الوقت نفسه لا تتطلب مجهودا كبيرا، فطلبت أنا أيضا أن يشتروا لي مهرا لأركب ms026 مثله، ~~وحاولوا إقناعي بأن ركوب الخيل لا يليق بالبنات، ولكني دحضت زعمهم هذا بحجة دامغة، فضربت ~~لهم مثلا بجارتنا ابنة الضابط لمعي بك التي تركب الخيل وتقود عربتها الصغيرة بنفسها، ولما ~~عجزت والدتي عن إقناعي، خيرتني بين الحصان والبيانو، وكانت تعرف ميلي الشديد للموسيقى فنجحت ~~إذ فضلت البيانو على الحصان، قائلة في نفسي: أكسب البيانو وأتمتع بركوب حصان أخي كلما أردت ~~... # ويمكن هنا أن أروي ما أتذكره من برنامج حياتنا اليومية، فقد كنا ننتهي أنا وشقيقي وفتاتان ~~تربيتا معي من تلقي الدروس في الظهر، وبعد تناول الغداء، كانوا يأخذون أخي إلى غرفة النوم ~~للراحة. أما أنا فكنت أنزل إلى الحديقة لألعب على الأرجوحة أو أقوم بتجاربي في تسلق الأشجار ~~والأسوار أو تنسيق حديقتي الصغيرة؛ إذ كان لكل منا قطعة صغيرة في وسط الحديقة يزرعها كيف ~~يشاء. وأذكر أنني بينما كنت أشتغل بزراعة حديقتي، كان يساعدني أحيانا في تنظيمها وإرشادي ~~إلى فن الزراعة بستاني يدعى «متى» وكذلك الساقي الذي كان يخدم والدي، وهو عبد حبشي اسمه ~~«عنبر» كان كثير المزاح والضحك، وقد أوهمني يوما بأن الدراهم تزرع وتؤتي ثمرها فأبديت ~~رغبتي في زراعتها، فصار يأخذ مني قروشا ويدفنها أمامي في الأرض، ثم يوصيني بألا أخبر ~~بمكانها أحدا حتى لا تسرق، وقال: إنها إذا سرقت لا نجني من وراء زرعنا ثمرا، واستمر ~~الحال هكذا مدة طويلة وكنت كلما سألته على انفراد: لماذا تأخر ظهور شجر الدراهم؟ أجاب إن ~~هذه الأشجار ليست كغيرها في سرعة نباتها، ولذلك فإن الدراهم غالية ولا يملكها كل إنسان. ~~فانتظرت ولما أعياني الانتظار ولم أجد الأرض قد أنبتت ذهبا ولا فضة، سألت «متى» البستاني ~~قائلة: هل الأغنياء يجنون كثيرا من النقود من زراعتهم الواسعة؟ فقال لي: نعم، فقلت له: ~~لماذا إذن لم تثمر نقودي؟ فقصصت عليه القصة، فقهقه طويلا وقال لي: هل يعقل أن تزرع المعادن ~~وتنبت؟ فكان ذلك درسا في إساءة الظن بالناس وعدم التسليم بما يقال بدون تحكيم عقلي أو ~~الاسترشاد بمن حولي فيما لا أعرفه ms027 قبل القيام بمثل هذه المشروعات. # وقد زادني يقظة وحرصا، اختبار آخر أودى بما كنت قد ادخرته منذ عام من المصروف اليومي ~~الذي كانت تعطيه لي والدتي ووالدتي الكبيرة. # كنت ألعب بعد ظهر أحد أيام رمضان في الحديقة كعادتي عندما رأيت سيدة ملثمة تهرول نحو ~~المنزل، ولم أكن أعرفها، وقد عجبت لمجيئها في مثل هذه الساعة على خلاف العادة في رمضان؛ حيث ~~تجري الزيارات ليلا بعد الإفطار، فتبعتها وصعدت السلم خلفها ثم رجوتها أن تنتظر في البهو ~~حتى أخبر والدتي لمقابلتها. ولما دخلت غرفة والدتي وجدتها مستغرقة في النوم، فقصدت إلى غرفة ~~والدتي الكبيرة، وكانت مستيقظة، فأخبرتها بوجود زائرة، فرفضت مقابلتها وأشارت إلى الخادم ~~بإغلاق باب غرفتها، فرجعت إلى السيدة التي بقيت متسترة في برقعها الكثيف لأعتذر لها وأنا في ~~شدة الخجل بأن كل من في البيت نائمون الآن. وسألتها عن حاجتها، فقالت: إنها زوجة أحد ~~الباشوات من جيراننا، توفي زوجها الثري بعد أن فقد كل أمواله في أخريات حياته وتركها هي ~~وأولادها في حالة سيئة من الفقر والبؤس حتى إنهم كثيرا ما ينامون جياعا. وكانت قد أتت ~~لتطلب المعونة من والدتي، فتأثرت بما سمعت وعدت إلى غرفة والدتي لأوقظها ولكني لم أجرؤ على ~~ذلك، وتذكرت المبلغ الذي وفرته من مصروفي لشراء بعض اللعب واللوازم، وكان داخل دولاب في ~~غرفة والدتي، فمشيت على أطراف أصابعي وفتحته برفق واحتراس كي لا أوقظها، وأخذت المبلغ كله - ~~وكان سبعة جنيهات - وأعطيته لها في خجل نظرا لضآلته، وكدت أصعق عندما اختطفت مني النقود ~~وتركتني مهرولة نحو السلم دون أن تشكرني، فبقيت في مكاني لا أبدي حراكا، ولكني تغلبت على ~~ذلك ورجعت إلى حسن ظني قائلة في نفسي لا بد إنها من فرحها واستعجالها لشراء الطعام لأطفالها ~~نسيت واجب الشكر. وبذلك عاودتني الطمأنينة، ونزلت إلى الحديقة أستأنف اللعب وقلبي تملؤه ~~الغبطة والرضا عن نفسي. # وبعد بضعة أيام، جاءتني إحدى جاراتنا لزيارة والدتي. وسمعتها في حديثها تقص عليها نبأ لص ~~متنكر في زي امرأة أو لصة تدخل ms028 البيوت في ساعات الراحة لتسرق ما يمكنها سرقته، أو لتستغل ~~رحمة أصحابها بطلب المعونة بزعم إنها من بيت عريق، وعندما سمعت ذلك، أسفت كل الأسف، ليس ~~لضياع نقودي فقط، بل لأنني كنت للمرة الثانية ألعوبة الخادعين، وكتمت الأمر عن والدتي وكل ~~أهل المنزل. # قلت إنني كنت أمضي كل أوقات فراغي في الحديقة، وأفضل اللعب فيها بعد الغداء على النوم، ~~فإذا حل العصر، خرج «سعيد آغا» من غرفته، وأمرني في عبوس أن أصعد لتغيير ملابسي استعدادا ~~للخروج للنزهة مع شقيقي الذي كان يقول لي بتهكم: أما تستحين من بقائك طول الوقت في الحديقة، ~~وأنا مع كوني ولدا أمضي أكثر أوقاتي داخل المنزل؟ فكنت أرد عليه بحسرة قائلة: غدا ستنعكس ~~الآية، وأنا التي سأبقى في البيت وتكون أنت خارجه. # ثم كنا نخرج مع «سعيد آغا» خائفين في معظم الأحيان، ذلك أننا إذا كنا قد أذنبنا في شيء ~~نحو مربيتنا، فقد كانت تشكو إليه ذنوبنا وهو الذي يتولى القصاص. كان يأخذنا إلى الجبلاية ~~ومعنا الفتاتان ويصعد بنا إلى قمتها، ويأمرنا واحدا واحدا أن نأتي إليه بفرع من فروع ~~الشجر، ثم يسرد علينا ما وصله من الشكاوى ضدنا، وبعد ذلك يتلو الحكم على المذنب منا، ويأخذ ~~منه الفرع قائلا: افتح يدك، ثم يضربنا على كفوفنا حسب درجة الذنب ويتركنا نبكي، وبعد ذلك ~~يخرج مناديلنا من جيوبنا ويمسح لنا دموعنا، ويقول: الآن وقد نال كل منكم جزاءه، حذار أن ~~يعود أحدكم إلى مثل ما فعل، وإن عدتم إلى مثل ذلك فسيكون العقاب مضاعفا. # وبعد ذلك يصبح طفلا مثلنا، يلعب معنا ويجري أمامنا ونجري خلفه، فكنت أنسى سيئاته ~~بالحسنات التي تعقبها. وذلك بخلاف شقيقي الذي كان يضمر في نفسه كل شيء، وعندما يصل إلى داخل ~~المنزل ويشعر أنه في مأمن منه، يصرخ صراخا عاليا وهو يصعد السلم، فتسرع والدتي لاستطلاع ~~الخبر، فيشكو لها وهو يشهق بالبكاء ما فعله الآغا قائلا: ضربني هذا العبد. # وكنت أحدق فيه ببصري ليسكت، ولكن عبثا كنت أحاول إسكاته، ولما كانت والدتي ms029 تحقق في سبب ~~عقابنا، كان يخبرها الآغا بأننا كنا نستحق هذا العقاب، ويقص عليها الأسباب، فكانت تهدئ من ~~ثورة أخي قائلة: هذا مربيك ولم يفعل ذلك إلا لصالحك ... # كنت أحب «لا لا سعيد آغا» لأني كنت أشعر بحبه وإخلاصه لنا رغم ما يظهره من القسوة ~~أحيانا، ولا أنسى مدى الحياة ساعة خطر رأيته فيها يضمنا إلى صدره ناسيا نفسه، وكان ذلك ~~ذات يوم توجهنا فيه إلى الجزيرة للنزهة في عربتنا، وكان يجرها جوادان روسيان كبيران في غاية ~~القوة، وكانا لم يخرجا منذ بضعة أيام، وما كدنا نجتاز كوبري قصر النيل حتى جمحا على جسر ~~الجزيرة متجهين إلى منحدر نحو النيل. فذعر «سعيد آغا» وأخذنا بين ذراعيه وصرخ بأعلى صوته: ~~آه يا أولاد سيدي ... # وكأن الله قد أراد أن يكافئ إخلاصه هذا بنجاتنا؛ حيث شكم السائق الجوادين بقوة، فوقفا ~~تماما، ونزلنا من العربة حتى هدأت ثورتهما، ثم استأنفنا نزهتنا. # كان «لا لا سعيد» أبيا، معتدا بنفسه، مفاخرا بانتسابه لبيتنا، وكانت والدتي تعزه ~~كثيرا وتعطف عليه؛ لأن والدي اشتراه صغيرا وعني بتربيته، وتعليمه في المدارس، وكان يحب ~~والدي إلى درجة العبادة، ولما كبر، وجه حبه إلينا، وكانت والدتي تقدر فيه الحب لوالدي ولنا ~~من بعده، وقد شببت وأنا أقدره وأعرف له فضل تربيتنا، وكان تأثير ذلك علي كبيرا. # كانت الأعياد والمواسم من أكثر عوامل بشرنا وسرورنا ... وكنا ننتظرها بفارغ الصبر ونستعد ~~لها من قبل حلولها بمدة طويلة، وكنا نهتم بإعداد ثيابنا لهذه المناسبات، ولكن كثيرا ما ~~كانت هذه الثياب تنغص علي وتعكر صفوي وتسلبني بهجة العيد وفرحته إذا ما حيكت على خلاف ما ~~كنت أود. وكان يزيدنا حزنا وألما إنني لا أستطيع أن أجهر بذلك، فقد كان علي دائما أن ~~أتسلمها صاغرة شاكرة دون إبداء أية ملاحظة أو اعتراض. # وكلما فكرت أنه كان من السهل تحاشي ما ينغص علي من جراء ذلك أو غيره من الأسباب، وددت ~~لو أن العادات وقتئذ كانت تسمح للصغار بإبداء ما يجول بأنفسهم في شيء من الصراحة ms030 ... فالصراحة ~~هي أساس حسن التفاهم بين الناس ... وقد حرمتني تلك العادات والتقاليد القديمة من التمتع ~~بمزاياها وفوائدها، بحجة أنه لا يليق بالصغير أن يعارض أو يبدي رأيا، وإنما يجب عليه أن ~~يأخذ كل ما يقال قضية مسلما بها، وأن يتقبل كل ما يعرض عليه دون مناقشة أو معارضة. # ولقد كانت والدتي - رحمها الله - محافظة متمسكة بالتقاليد ... وكانت ميالة إلى الخير ~~والإحسان، ولذلك كان للفقراء في كل أعيادنا نصيب كبير من برها ... ففي ليلة السابع والعشرين ~~من رجب، تحتشد جموع السائلين في الشارع على جانبي الطريق دون سابق دعوة إليهم، بل بحكم ~~عادتهم في مثل هذا اليوم. وكانت والدتي تنزل إلى صحن الدار الفسيح لتشارك بنفسها في إعداد ~~الفت واللحم والأرز ... وكانت الأبواب تفتح لأفواج السائلين فوجا بعد فوج، حتى يشبع الجميع ~~ويحمل كل منهم في وعائه عشاء زوجته وأولاده وأهل بيته. # كان هذا المنظر يؤلمنا ويؤثر فينا، إذ كنا نرى بين هؤلاء المتسولين الضرير والأعرج ~~والمقعد والمريض والعجوز ... فكنا نطلب من والدتنا أن تأمر بإعطاء من كان يستدر عطفنا بسوء ~~حالته نقودا أكثر من غيره. # وكان لكل منا متسول أو أكثر يتردد بعد ذلك يوميا تقريبا. وكان متسولي رجلا مبتور ~~الساق، وكان ينبهني إلى وجوده بقوله: «يا رب» ... وكان هناك أيضا مداح يدعى «عبد الرحيم» ~~وكان خفيف الروح، يرتجل المدائح والمواويل وقد ظل يتردد على منزلنا إلى أن تقدمت به السن، ~~فخصصنا له مرتبا شهريا، ويطول استمرار هذا الحال حوالي أربعين عاما، كان يعتبر نفسه ~~كأحد المستحقين فيطالبنا بكل ما يلزمه، وقد توفي إلى رحمة الله عام 1938. # وكذلك كانت تفعل والدتي في ليلة النصف من شعبان وبعد انتهائنا من إطعام الفقراء، كنا ~~نجتمع في غرفة واسعة، وتأتي «الشيخة جلسن» لتجلس في وسط الغرفة وتقرأ علينا دعاء نصف شعبان، ~~ونحن نردد بصوت عال، وكان لهذا الدعاء في نفوسنا رهبة وروعة. # أما في ليلة القدر، فقد كنا نتوضأ قبل النوم ونصلي، ثم يترقب كل منا ظهور «طاقة النور» ~~التي يستجاب الدعاء عند ms031 ظهورها، حتى يغلبنا النعاس. # وعندما كان يحل عيد الفطر ... كنا نستيقظ في الصباح الباكر، ونرتدي ثيابنا الجديدة ... ثم ~~نخرج لزيارة أصدقائنا، وكنا نمضي باقي النهار في منزل ثابت باشا نلعب في حديقته، أو كان ~~أولاده يأتون عندنا، وكانوا أقرب جيراننا. # وكنا نترقب عيد الأضحى الذي تنحر فيه الذبائح، فنستيقظ مبكرين لنرى توزيع اللحوم على ~~المستخدمين والفقراء. وكانت «دادتي» تعد لنا الكبد المحمرة للإفطار قائلة: إن السنة تقضي ~~بأن نذوق لحم ذبائح العيد. # وكانت الاستعدادات لعاشوراء تبدأ قبل موعدها بيومين أو ثلاثة أيام، وكنا نحن الصغار نشترك ~~في نقش الصحون والأواني بالزبيب والصنوبر والجوز والفستق، وكانت الأسر الكبيرة تتبادل إهداء ~~العاشوراء، وكم كان منظر الشوارع جميلا وهي مزدحمة بحاملي هدايا العاشوراء ما بين رائح ~~وغاد، وجميعهم في ملابسهم الشاهية أو الحرير يتمنطقون بأحزمة جميلة ويحملون على رءوسهم ~~الصواني ذات الغطاءات الزاهية. # ومن الأعياد التي كانت تدخل السرور علينا، مولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ حيث كنا نخرج في المساء ~~لنشاهد الصواريخ والسرادقات الجميلة ... ونشتري حلوى المولد من عرائس وخيل وغير ذلك من مختلف ~~أنواع حلوى المولد. # أما يوم وفاء النيل، فكان له في نفوسنا روعة كبرى؛ حيث كنا نتخيل ما نسمعه من أن القدماء ~~كانوا يزفون إلى النيل في ذلك اليوم أجمل فتاة مصرية، وكنا أحيانا نمضي الليلة في ذهبية ~~المرحوم علي باشا فهمي، وكان منظر النيل في تلك الليلة بأنوار الذهبيات والمراكب المزدانة ~~بالأعلام والأزهار والأنوار الملونة. # إن كل عيد من هذه الأعياد كان حقا مظهرا من مظاهر الاحتفاظ بالقومية المصرية الرائعة، ~~التي نأسف أشد الأسف لتضاؤلها واضمحلالها بانتشار التقليد الإفرنجي في بلادنا، وميل الجيل ~~الجديد إلى الاحتفال بالأعياد الإفرنجية بدلا من إحياء أعيادنا الوطنية الرائعة وتمجيدها ~~وتخليدها كما يفعل الأجانب في بلادهم بأعيادهم الدينية والقومية ... # | الفصل الخامس # لا يستطيع أحد أن يتحدث عن طفولته وذكرياته، وينسى البيت الذي نشأ فيه، وذكريات الطفولة ~~في أرجاء هذا البيت. # وأذكر من طفولتي أنني كنت أجد تسلية كبرى في مشاركة مربياتنا في أداء ms032 الأعمال المنزلية ~~المختلفة مثل نظافة البيت وغسل الملابس. وكن في البداية يتذمرن من اشتراكي في هذه الأعمال، ~~ولكن عندما وجدنني جادة وراغبة، اشترين لي طستا صغيرا للغسيل، ولكنهن لم يكن يسمحن لي ~~باستخدام المكواة إلا نادرا؛ لأنها كانت تملأ بالفحم، وكن يخشين علي من رائحة الفحم ~~المحترق ومن تطاير الشرر من فوهتها. # إنني أجد سعادة قصوى في تذكر تلك الأيام النائية، وبخاصة عندما أصطدم ببعض العادات ~~الحديثة التي تدفعني إلى استرجاع الماضي وما كان فيه من عادات وذكريات. # أذكر مثلا بيتنا الكبير ذا الحجرات الفسيحة والبهو الواسع، والذي كان يغص بالجواري ~~والمماليك. كانوا مدربين على العمل، مخلصين في أداء واجباتهم، شاعرين بالمسئولية الملقاة ~~على عواتقهم، محترمين مخدوميهم، محافظين على ما بين أيديهم من الأشياء، محبين لصغار ~~مخدوميهم الذين ولدوا بين أيديهم، كل واحد يقوم بعمله خير قيام، ويشاركنا في السراء ~~والضراء، ولا تمتد يده إلى شيء مهما كانت قيمته، ولا يطمع إلا في رضاء أولياء أمره. وكنا ~~نبادلهم هذا الحب، ونقدر لهم هذا الإخلاص. # واليوم، أغمض عيني وأستعيد ذكريات الغرف الخالية واحدة بعد الأخرى، فأرى والدتي جاثية على ~~ركبتيها تفصل ثيابنا فوق ملاءة بيضاء مفروشة على البساط في وسط غرفتها، أو جالسة على الشلتة ~~وأمامها ماكينة اليد التي تحيك بها ثيابنا، أو تلعب الطاولة أو الورق مع صديقاتها مبتسمة ~~متهللة إذا كانت هي الغالبة، أو تناقش بعض الأمور فيرتفع منها الصوت الذي تعودناه هادئا، ~~وهي تدافع عن وجهة نظرها. # ثم أتحول إلى غرفة والدتي الكبيرة، فأراها مستلقية على سريرها وبيدها المصحف ترتل آيات ~~القرآن الحكيم، أو تذاكر الدرس اليومي الذي فرضته على نفسها حبا في تعلم اللغة العربية ~~وتعلقا بها. وأراها مرة أخرى جالسة في فراشها ومن خلفها خادمتها الصغيرة تدلك ظهرها بيديها ~~الصغيرتين، فإذا رأيتها على هذه الحال، دنوت منها ورجوتها أن تسمح لي أيضا بتخفيف آلامها، ~~فتضحك وتصرف الفتاة وتقول لي: قومي بدورك، فأصعد إلى السرير، وأتفنن في تدليكها بكل ما عندي ~~من قوة. # وأتجول في أنحاء البيت، ms033 فأرى الجواري كالنحل يصعدن في الصباح الباكر إلى الدور العلوي، ~~وتتوجه كل واحدة منهن إلى موقعها لتقوم بأداء ما هو مطلوب منها، بعد أن يشتركن جميعا في ~~تنظيف البهو الفسيح. # وكانت غرفة المائدة لا تتميز عن باقي الغرف إلا بوجود دولابين في الحائط لحفظ الأطباق ~~الفضية والأكواب، وحمالة الطست والإبريق التي كانت تشغل ركنا بجانب الباب، وكرسي مرتفع ~~مستدير في وسط الغرفة توضع عليه صينية كبيرة وقت تناول الطعام، ثم ترفع بعد ذلك وتسند إلى ~~الحائط. # أما غرفة الاستقبال فكانت فسيحة، وعلى جانبيها مرآتان كبيرتان، أمام كل واحدة منهما ~~«كونسول» مذهب عليه قطعة من الرخام، وفي الوسط منضدة من الطراز نفسه، والمقاعد والكتب مذهبة ~~ومكسوة بالحرير، وأمام كل كنبة منضدة صغيرة. # وكان يزيد من بهجة هذه الغرفة أبسطة ثمينة ونجفة جميلة من الكريستال والبرونز المذهب ~~مدلاة من السقف، وعلى جانبي المرآتين مجموعة من المصابيح، وقد بقي كل ذلك مجللا بالسواد ~~منذ وفاة والدي حتى قرب زواجي. # أما غرف نومنا فكانت بسيطة للغاية، تضم الأسرة والدواليب والمقاعد وبعض الأبسطة والثريات. ~~وكانت مربياتنا يدخلن غرفتنا في الصباح لإيقاظنا، وتتولى «سياح» مساعدة أخي في غسل وجهه ~~وارتداء ملابسه بينما تتولى «دادة زهرة» مساعدتي في ارتداء ملابسي وتمشيط شعري. # وكان بيتنا يسوده النظام ويشمله الهدوء وترفرف عليه الطمأنينة نتيجة الوفاق بين الخدم ~~وحسن التفاهم والتعاضد بين من فيه، وظل حال بيتنا هكذا مدة طويلة، ولكن يبدو أن لكل فردوس ~~شيطانا، وكان لا بد لفردوسنا من شيطان يعكر صفوه وينفث فيه سموم الفتن. وكان هذا الشيطان ~~في شخص امرأة بدينة، قصيرة القامة، مستديرة الوجه، خضراء العينين حادة النظرات، رقيقة ~~الشفتين، ذات أنف مدبب كمنقار الببغاء، وهي من أصل جركسي وتدعي «فطنات» وكانت معتوقة لأحد ~~الباشوات وتزوجت في المنيا من رجل يمت بصلة إلى بعض محاسبينا، وكان يعمل كاتبا في إحدى ~~المحاكم. # وقد جاءت فطنات ومعها طفلة في مثل سني تقريبا هي ابنة أخت زوجها اليتيمة التي تكفل بها ~~خالها، وقامت هي بتربيتها، وكانت غاضبة؛ لأن ms034 زوجها تزوج من أخرى، فقابلتها والدتي كعادتها ~~بالترحيب والإكرام، وقالت لها: اعتبري نفسك في بيتك إلى أن نعمل ما فيه راحتك. وأرسلت ~~والدتي إلى زوجها تؤنبه فأتى بعد مدة طويلة يطلب الصلح، ولكنها أقسمت ألا تعود إليه، وطلبت ~~منه الطلاق، فما كان منه أمام إصرارها إلا أن طلقها، وما كاد يحدث ذلك حتى شاهدنا منظرا لم ~~نر مثله في حياتنا، إذ قامت «فطنات»، ثائرة تفتح صناديقها وتخرج منها ملابسه وتقذف بها إليه ~~من النافذة إلى فناء البيت، ثم كادت تلقي إليه أيضا بابنة أخته؛ لأنه طلبها، وطوال ذلك ~~الوقت كانت تتناهى إلى أسماعنا أنواع من السباب والشتائم لم نسمع بها من قبل، ولما كانت ~~الطفلة قد مكثت عندنا مدة من الزمن ولعبت معنا وتعودنا عليها، فقد عز علينا فراقها وتمسكنا ~~بها لدرجة أننا بكينا ونزلنا إلى خالها نرجوه أن يبقيها معنا، وبعد إلحاح وافق على أن تبقى ~~في رعاية والدتي، بشرط أن نحميها، من شر «فطنات». # أما ليالينا فقد كنا نمضي معظم السهرات جالسات على «الشلت» حول فانوس كبير؛ لأن الكهرباء ~~لم تكن قد انتشرت بمصر بعد. وكانت مربياتنا يقصصن علينا كيف أسرن، وكيف كانت بلادهن وعادات ~~أهلها، حتى يغلبنا النعاس، فنأوي إلى فراشنا. وكانت تلك السهرات تطول وتكتسب كثيرا من ~~الأهمية والبهجة عندما كانت تحضر لزيارتنا سيدة كانت تستخرج ماء الزهر ونسميها «الست ~~الزهارة». كانت طويلة القامة، ضخمة الجسم، مستديرة الوجه، عليها سيماء الهيبة والوقار، ~~ترتدي دائما الملابس البيضاء وعلى رأسها طرحة بيضاء. وكنا نحبها كثيرا وننتظر زيارتها ~~بشوق ولهفة لنسمع منها القصص المسلية. ولشدة حبنا لها كنا نخفي إزارها لنضطرها للبقاء عندنا ~~مدة طويلة، وكنا نترقب المساء لتتصدر المجلس وتقص علينا بصوتها الجهوري حكاياتها الممتعة، ~~فنجلس حولها وكلنا عيون شاخصة وآذن مصغية. وكانت تخرج من قصة إلى أخرى إذعانا لإرادتنا ~~وإلحاحنا. وكانت الغرفة في مثل تلك الليالي تكتظ بجميع أهل المنزل الذين يجيئون تباعا ~~ويجلسون حتى تتسع الدائرة وتبلغ باب الغرفة، وما كان النعاس في تلك السهرات يتسرب ms035 إلى ~~أجفاننا حتى نرغم على القيام للنوم، فكنا نتوسد الفراش ونتخيل ما كانت تقصه علينا، ونسبح في ~~عالم الخيال. وأظن أنه كان لهذه السيدة الفضل الأكبر في اتساع دائرة خيالنا. # وقد استمرت هذه السيدة تتردد علينا طوال حياتها كما كانت تتردد على كل البيوت الكبيرة ~~لتبيع ما تستخرجه من ماء الزهر وماء الورد وغير ذلك من المياه العطرية. # وكانت تأتي على عربة نقل تسميها «الفيتون» ... ولما كانت تدخل منزلنا، كان يمتلئ الجو بتلك ~~الروائح الزكية، كما كان يمتلئ فرحا. # وكانت صورتها تختلف تماما عن البائعات الجائلات اللاتي كن يحضرن أحيانا، وهن يحملن ~~بضائعهن داخل ربطات «بقج» أو يحملنها لفتيات صغيرات يصحبنهن لهذا الغرض، ثم يفتحن هذه ~~الربطات وسط الغرفة ويعرضن بضائعهن على أهل المنزل، وللترغيب في شرائها كن يذكرن أن حرم ~~فلان باشا اشترت من هذا القماش، وكريمة فلان بك اختارت هذا النوع، وهكذا ... وإذا سأل أحد عن ~~تلك السيدات، انطلقن يسردن ما رأينه في بيوتهن أو ما سمعنه عنهن مع المبالغة في سرد هذه ~~الأخبار. # وكنت أكره هؤلاء النسوة؛ لأني كنت أعلم إنهن كثيرا ما تسببن في خراب البيوت الكبيرة ~~ماديا وأدبيا عن طريق الربا الفاحش أو بذور الخلاف والشر ... وكانت صديقتي «مدام ريشار» ~~هي التي حذرتني منهن، وروت لي حوادث واقعية كن بطلاتها، وقد تحققت من ذلك عندما كبرت وحاولت ~~بعضهن استغلال الشقاق الذي كان بيني وبين زوجي في التدخل في أموري. وقد وصلت الجرأة بإحداهن ~~أن صرحت لي يوما بأنها وزوجها يشفقان علي ويضعن نفسيهما رهن خدمي وأن زوجها بما له من ~~الاتصال بعظماء البلد يمكنه أن يساعدني على الطلاق من زوجي، وأن في إمكانه أن يأتي لي بفتاة ~~تخول لي حق الانفصال عنه، ولكن هذا يستدعي مصروفات كثيرة. وكانت صديقتي «مدام ريشار» قد ~~حذرتني من هذه المرأة بالذات ... وكنت لحسن ظني بالناس أتصور أن صديقتي تغالي أحيانا في سوء ~~ظنها بهم، ولكن في تلك الساعة ظهرت لي هذه السيدة في صورتها الحقيقية، فقلت لها وقد منعني ms036 ~~الحياء لصغر سني من طردها أو إظهار امتعاضي منها أو سوء ظني بها، إنني لا أملك المبالغ التي ~~يتطلبها مثل هذا العمل، فقالت لي في خبث ودهاء: إن عندك من الجواهر كثيرا، فيمكنك أن تبيعي ~~منها، فأجبتها بأن والدتي هي التي تحفظ لي هذه الجواهر، فقالت: يمكنك أن تعطيني فردة من هذا ~~القرط الجميل الذي ترتدينه، وأعتقد بأن ثمنها يفي بكل المصروفات ويزيد، وإذا سألتك والدتك ~~عنه فقولي لها إنه فقد منك في زيارة أو فرح، عند ذلك تجلت لي في صورة أبشع مما صورتها لي ~~صديقتي، فقلت لها وقد أعيتني الحيلة: إنني أبغض الكذب، ولا أريد الانفصال عن زوجي ولا أسعى ~~إليه ... # وكانت هذه هي الحقيقة ... # ولكن هذا الموقف لم يثن من عزمها، بل أخذت تتحين الفرص للتقرب مني واستغلال سذاجتي لتصل ~~إلى الاستفادة المادية التي تنشدها، فلما اشتريت قطعة الأرض التي بنيت عليها فيما بعد منزلي ~~الحالي، كان الشراء بوساطة زوجي الذي كان وكيلا عنا، وقد حاولت هذه السيدة أن تدس عليه، ~~فسألتني يوما عن ثمن المتر من هذه الأرض، فأجبتها، فقالت لي: كم يظلمونك. إن هذه الأرض لا ~~تساوي نصف ثمنها. فأثر في ذلك وصدقته إلى حد ما، ولكن لم يمض شهر حتى عادت تقول لي إن زوجها ~~وجد مشتريا لهذه الأرض بالقيمة التي دفعت فيها، ونصحتني بأن أنتهز هذه الفرصة فأبيعها ~~وأشتري بثمنها قطعة أفضل منها، فرفضت. # وعادت بعد أسبوع تعطيني فيها 50٪ زيادة على ثمنها الأصلي، فأظهرت لها دهشتي من عرض هذه ~~الزيادة وقد كانت منذ حين تبخس قيمة هذه الأرض، وظلت تتردد بين الحين والآخر تزيد في الثمن ~~حتى بلغ ما عرضته ثلاثة أضعاف الثمن الأصلي، وكان نصيبها الرفض في كل مرة. # ولقد وصلت الجرأة بزوجها إلى أن يتسلم عربونا لبيع الأرض أثناء غيابي عن مصر، دون تفويض ~~مني يخوله ذلك، كما أرسل إلي برقية يخبرني فيها أنه تسلم العربون ويطلب موافقتي على ~~البيع، فكان ردي هو الرفض البات، فأثار هذا حقده، وحول مؤامراته للدس ms037 لي عند زوجي وشقيقي ~~بخطابات مجهولة الإمضاء يحمل علي فيها، ولما ضقت به ذرعا، سردت على صديقتي حرم المغفور ~~له حسين رشدي باشا هذه القصة، وسلمتها خطاباته لتطلع زوجها عليها، وكان لدي خطاب منه بخط ~~الخطابات المجهولة نفسه ... وكان رشدي باشا يشغل في ذلك الوقت منصبا كبيرا في وزارة ~~الحقانية، فما كان منه إلا أن استدعاه وهدده بالنفي من مصر في ظرف أربع وعشرين إذا لم ~~يرتدع، وبعد ذلك لم أسمع عنه أو عن زوجته شيئا. وهكذا نجوت منهما. # ولعل هذه القصة تكون درسا للسيدات والفتيات، فيأخذن حذرهن من أمثال هؤلاء النسوة اللاتي ~~يترددن على البيوت، ويمشين بالشر بين أهلها. # كانت هذه هي صورة تسليتنا في حياتنا العائلية على ما كان بيتنا فيه من حداد. # وكان يزيد في اغتباطنا زيارة أصدقاء المرحوم والدي لنا، وحدبهم علينا، واهتمامهم بنا، ~~وأذكر منهم الزبير باشا والشيخ علي الليثي والأنبا كيرلس بطريرك الأقباط وقليني فهمي باشا ~~وحسن حسني باشا وثابت باشا الذي كانت تربطنا بأبنائه أواصر صداقة منذ الصغر؛ لأنه كان جارنا ~~وصديقا لوالدي، كما كانت والدتهم صديقة لوالدتي. # وكنا نقضي أغلب أوقاتنا في اللعب والمرح في حديقتهم الفسيحة المترامية التي كانت تشغل كل ~~الأرض التي بنيت عليها لوكاندة سافوي القديمة وعمارة بهلر الحديثة. وكان ممرنا الموصل إليها ~~حديقة قطاوي باشا التي كانت تمتد من شارع الشريفين إلى ميدان سليمان باشا. وكثيرا ما كنا ~~نلعب في تلك الحديقة ومعنا أنجال قطاوي باشا. # ومن كثرة اختلاطي بالصبيان ولعبي معهم، تطبعت بطباعهم وشببت عليها، وهنا أقرر أن اختلاط ~~الجنسين منذ الصغر إن لم يكن له تأثير حسن في تربية الأطفال، فليس من ورائه الضرر الذي يحدث ~~من الاختلاط في أدوار المراهقة وما بعدها؛ لأن اختلاط الأطفال يجعلهم يشبون على عدم ~~الفوارق، وتربطهم الصداقة البريئة ومن كثرة تعود بعضهم على بعض يصبحون كأنهم إخوة. # وأؤكد أن كثيرا من الفتيات اللاتي تآخين منذ الصغر مع زملائهن من الفتيان؛ كن أقل علما ~~بكثير من الأمور التي عرفها أترابهن ممن ms038 تعارفن في سن كبيرة، فما من شك في أن الفوارق ~~والنزعات في هذه الأعمار تكون ظاهرة ومحسوسة ... أما الاختلاط منذ الصغر وبين أولاد من طبقة ~~متساوية تربوا على أساس من الحشمة والاحترام، فهو قليل الشوائب والأخطاء. # | الفصل السادس # كنت أحب أخي حبا متناهيا رغم غيرتي منه، وكان يزيد من عطفي عليه ضعف صحته، ويزيد من ~~حبي له أنه سيحيي اسم والدي الحبيب، ويرفعه بما كان يتحلى به من صفات حميدة. # ولقد ضاعف من تعلقي بأخي ذلك الحادث الذي وقع ذات يوم، وتجلى فيه فرط حبه لوالده؛ ذلك ~~إننا كنا نلعب ذات يوم في شرفة الطابق العلوي، ولم يكن معنا أحد، فذكرت له أننا على موعد مع ~~أولاد ثابت باشا، وأن هذا الموعد قد أزف، وعلينا أن نستبدل ملابسنا استعدادا للزيارة، ~~وبخاصة أن والدهم يريد أن يرانا. وعندئذ نظر إلي أخي بحزن وسألني: لماذا ليس لنا أب ~~مثلهم؟ ولماذا لم يعد والدنا من سياحته الطويلة كما تقول لي مربيتي كلما سألتها عنه؟ ألا ~~يشعر بالشوق إلينا مثل ثابت باشا؟ قلت له: ألا تعرف السبب؟ قال: لا. فهل تعرفينه أنت؟ قلت: ~~نعم، ولكن إذا أطلعتك عليه فهل تعدني بأن تحتفظ بهذا السر دون أن تبوح به لأحد؟ قال: نعم ... ~~تعدني بذلك، قلت له: إنهم يكذبون علينا ... إن والدنا لن يعود إلينا أبدا ... فقال في دهشة ~~واستغراب: لماذا؟ قلت: لأنه قد مات! ... # وكم ندمت على خروج هذه الكلمة من فمي؛ لأنه كاد يصعق من هول المفاجأة، وارتمى على الأرض ~~يبكي وينتحب ويصرخ صراخا عاليا، وانحنيت عليه باكية أحاول أن أهدئ من روعه وأكفكف عبراته ~~... ولكن حناني لم يهون عليه شيئا، بل ظل على هذه الحالة إلى أن سمعته والدتي، فهرولت نحونا ~~صارخة: ما لك يا خطاب؟ # وعندئذ تواريت خلف الباب وأنا أرتعد خوفا وفزعا، مخافة أن يطلعها أخي على ما قلته له، ~~فتحقد علي، ومالت عليه والدتي ورفعته عن الأرض وضمته إلى صدرها وهو ما زال يبكي دون أن ~~يجيب عن أسئلتها ... فظنت ms039 أني ضربته، فالتفتت إلي غاضبة وسألتني: هل ضربته؟ فرد عليها وهو ~~يشهق قائلا: لا ... أبلة لم تفعل لي شيئا! ... # وتعجبت والدتي من أمره، وظلت تحاول تهدئته إلى أن نام في حضنها، وأمضينا ليلة سوداء؛ لأن ~~ذلك الانفعال أثر في صحته الضعيفة، فقضى يومين أو أكثر دون أن يقوى على مغادرة فراشه، ~~واجتهدت والدتي أن تعرف منه السبب، فلم يعترف لها بشيء. ولما كان لا يعرف الكذب، فإنه لم ~~يستطع أن يهدئ خاطرها. # وهكذا بر أخي الصغير بوعده، وشب على هذه الفضيلة، ولم يعد يسأل بعد ذلك عن أبيه؛ لأنه عرف ~~مكانه، ومنذ ذلك اليوم زاد تقديري لأخي، وتضاعفت محبتي له، وشعرت أنه يغمرني بحبه أكثر من ~~ذي قبل ويسر إلي بخفايا نفسه، وقد ظل الحب بيننا متبادلا وكبيرا حتى فرق بيننا القدر، ~~وكانت وفاته أقسى صدمة واجهتني في حياتي. # كانت في حياتنا الأسرية صداقات وطيدة، وفي مقدمة السيدات اللائي كنت أكن لهن الحب ~~والاحترام، المغفور لها سمو الأميرة أمينة إلهامي قرينة الخديوي توفيق، فقد كنت أجد منها ~~العطف والمجاملة، ولذلك ظلت منزلتها في نفسي كما كانت حتى الآن. # وقد عرفتها وأحببتها وأعجبت بجمالها وجلالها وأنا طفلة بعد وفاة والدي، إذ كانت والدتي ~~تأخذنا معها إلى السراي كلما التمست المساعدة في أمورنا وأشغالنا، أو حسم النزاع بالنسبة ~~لبعض مشاكل الميراث، وأذكر أنها كانت تنظر إلينا في حنان، وتأمر الجواري بأن يذهبن بنا إلى ~~غرفة أولادها الأمراء والأميرات، فكنا نلعب معهم حتى تنتهي زيارة والدتي وتستأذن ~~للانصراف. # وأذكر أن أخي الذي لم يكن قد تجاوز الرابعة من عمره، قد أعجبته ذات مرة لعبة كبيرة من لعب ~~الأميرات، وأصر على ألا يخرج بدونها، وعندما عرفت الأميرة الوالدة أمرت بإعطائها له، فخرج ~~مسرورا بينما كنت أتصبب عرقا من الخجل لأني بحكم السن كنت أدرك أكثر منه ما يليق وما لا ~~يليق. # ومن بين هؤلاء أيضا سيدة فرنسية كانت زوجة أحد كبار مهندسي الري في الوجه القبلي، وكانت ~~قد جاءت إلى مصر مع خالها وهو ms040 مهندس أيضا؛ حيث لم يكن لها من عائل سواه إذ كانت يتيمة ~~الوالدين. وقد أحبها ريشار وتزوج منها ، ثم مات خالها وبقيت هي مع زوجها في مصر. # وكانت هذه السيدة خفيفة الروح، رقيقة الحاشية، جذابة أكثر منها جميلة، وكانت ذات عينين ~~سوداوين فاتنتين مثل شعرها الفاحم. وكان زوجها يفوقها جمالا تزينه الرجولة والشجاعة ~~والمروءة. وكانت زوجته مكروهة من النساء، وكان هو أيضا مكروها من الرجال؛ لأن حبهما ~~المتبادل الوثيق لم يسمح لأحد أن يطمع في الوصول إليهما. # وفي ذلك الوقت، كان أحد الباشوات يشغل منصب مفتش عام الوجه القبلي، قبل أن يشغل والدي هذا ~~المنصب، فكان بحكم وظيفته رئيسا للمسيو ريشار، وكثيرا ما كان يدعوه مع زوجته إلى سراياه ~~ويحتفي بهما حفاوة بالغة. وقد فهمت مدام ريشار من مجاملته لهما وكثرة تردده عليهما أنه يقصد ~~استمالتها إليه، فصارت تحتجب عنه وتعتذر عن قبول دعوته وإذا أتى للزيارة في غياب زوجها ~~امتنعت عن مقابلته، وكان من نتيجة هذا الصد من جانبها أن فصل زوجها من عمله، ولما كانا ~~فقيرين لا مورد لهما إلا الوظيفة، فقد ذاقا مرارة العيش وبؤسه مدة طويلة، تحملاها بصبر في ~~سبيل الذود عن شرفهما وكرامتهما. ولم تشأ عدالة السماء أن يستمر عذاب هذين الزوجين البريئين ~~طويلا، فنقل هذا الباشا إلى وظيفة أخرى، وخلفه والدي الذي كان على علم بما نالهما من جور ~~سلفه، فأعاد ريشار إلى وظيفته وأولاه كثيرا من عطفه وتقديره، وقد جعلهما هذا الموقف يدينان ~~بفضله. وبقيت هذه المودة إلى أن توفي المسيو «ريشار» عام 1883 أي قبل وفاة والدي بسنة ~~واحدة، ومنذ ذلك الوقت تحول حب هذه السيدة نحونا بإخلاص شديد، وكان لي من هذا الحب أوفر ~~نصيب؛ لأنها كانت ترى في صورة شبيهة بصورة والدي وأخلاقه، فتعلقت بي تعلقا شديدا كان له ~~الأثر الكبير في تربيتي معنويا وأدبيا. وأعتقد أنني قدرت شعورها نحوي حق قدره، فبادلتها ~~هذا الحب طول حياتها ... وكانت عندي المثل الأعلى للوفاء والإخلاص والأمانة، وكانت والدتي من ~~قبل قد آنست ms041 فيها هذه الصفات، فكانت تعهد إليها بالبقاء معنا كلما تغيبت عنا أو سافرت ~~المنيا لزيارة قبر والدي. ولم تكن تأتمن أحدا غيرها علينا. # وكانت مدام ريشار في هذه الأثناء تلازمنا ليل نهار وتراقب دروسنا وتحثنا على الدرس ~~والتحصيل وتلعب معنا كأنها طفلة وتلقي علينا النصائح والحكم، وعندما كانت تعود والدتي، كانت ~~تغادرنا آسفة على فراقنا، وكثيرا ما كانت تأتي لتصحبنا لمشاهدة السيرك والحفلات المختلفة، ~~وعندما كان يسألها أحد عما إذا كنت ابنتها، كانت تطير فرحا وتقبلني قائلة: إذن هدى ~~تشبهني. # كانت «فطنات» وصيفة والدتي تكرهني كرها شديدا ... وكانت أيضا تكره مدام ريشار من أجلي؛ ~~لأنها كانت تدافع عني وتحميني من شرها. قد حاولت هذه الوصيفة مرارا أن تشي بمدام ريشار عند ~~والدتي، وقد نجحت فعلا في آخر الأمر، وكان علي أن أدافع عن صديقتي وأنفي عنها ما كانت ~~ترميها به «فطنات» من تهم. # وكانت تتمادى في الإساءة إلى من في البيت، وفي مقدمتهم فتاتان مصريتان تربيتا معي ... وقد ~~ظلت كذلك إلى أن هربت الأولى «فردوس» من المنزل، ولجأت إلى دار الحرية، ورفضت العودة إلى ~~البيت؛ رغم حبها الشديد لي، وبقيت أنا والفتاة الأخرى «ياسمين» نتقاسم اللعنات التي كانت ~~تصبها علينا، وفضلا عن ذلك فقد كان علي أن أواجه محاولتها بذر الشقاق بيني وبين أخي، فقد ~~كنت أنصحه بالمواظبة على دروسه والجد في طلب العلم، بينما كانت هي توحي إليه بأنه غني ومثله ~~ليس في احتياج للتعليم. وما زالت وراءه تحضه على التراخي والتكاسل حتى اتسعت بيني وبينه شقة ~~التنافر وقد أرادت أن تستغل هذا الخلاف لتقصيه عني، ولكنها فشلت في أن تؤثر في عواطفه ~~نحوي. # وقد استمر الحال على هذا المنوال حتى ناهزت الثالثة عشرة من عمري، فتقدم لطلب يدي من ~~والدتي شاب من رجال القصر، وكان ذلك في أواخر عهد الخديوي توفيق، ولكن والدتي لم تقبل طلبه، ~~وقد علمت بذلك مصادفة فيما بعد. # فقد حدث عندما كنت في دور النقاهة من مرض ألم بي، وكانت والدتي تجلس بجانب فراشي ms042 فغلبني ~~النعاس، وعندما أفقت من النوم، وجدتها في جانب من الغرفة ومعها خالتي تتبادلان حديثا يشوبه ~~الجد، وسمعت خالتي تقول: إنه سيأخذها رغما عنك؛ لأنه سيطلبها من الخديوي، وحينئذ لا يمكنك ~~إلا الإذعان لأمره. فردت عليها والدتي قائلة: وهل ابنتي بلا عريس؟ إنني سأزوجها من ابن ~~عمتها، فقالت خالتي: حرام عليك أن تفعلي ذلك، وتزوجي هذه الطفلة من رجل له أولاد أكبر منها ~~سنا، فقالت لها أمي: إنه ابن عمتها وصاحب الأمر في كل شيء ... عندئذ غضبت خالتي وقالت لها ~~سنرى من الذي يفوز في النهاية؟ ... # وشعرت كأن الغرفة تدور بي، وبكيت في صمت بكاء مريرا، وتذكرت ما كنت أسمعه من الجواري ~~والمربيات عندما كان يأتي ابن عمتي لزيارتنا، فقد كن يقلن لي إذ ذاك: لقد أتى عريسك فأنزلي ~~لتسلمي عليه. # وبعد فترة من هذا الحديث لاحظت أن ابن عمتي يكثر من المجيء إلى مصر، ويجالس والدتي ~~كثيرا، فكان يداخلني الشك في أن الأمور تسير في مجرى التحقيق، ولكن كان يزول هذا الشك ~~عندما كنت أرى والدتي تناقشه في غضب وحدة، ولذلك فإنني بتوالي الأيام نسيت هذه ~~المسألة. # إلى أن جاء يوم نادتني فيه والدتي، وكان أمامها صندوق مليء بالحلي والمجوهرات من محل نجيب ~~بك الجواهرجي ... وقد خيرتني في انتخاب قطعتين منها فسألتها عن السبب في ذلك، فأجابتني بأن ~~هذا وفاء لنذر عليها نذرته لشفائي من مرضي. وصدقت، واخترت عقدا جميلا وسوارين من الماس ... ~~ثم هرولت إلى غرفة والدتي الكبيرة لأريها هذه الهدايا النفيسة لتشاركني فرحتي بها، وكانت ~~وطأة المرض قد اشتدت عليها، ورغم ذلك فرحت لفرحتي ونثرت علي عطرا كان بيدها، ولولا ~~وفاتها بعد ذلك، لكنت قد علمت منها الحقيقة، ولكن للأسف لم يعد بعد وفاتها من يكاشفني ~~الحقائق أو يفسر لي ما يتعسر علي فهمه. # ولقد حزنت عليها حزنا عميقا، وكانت قد أهدت لي خاتما يوم ختمت القرآن، فأصبح هذا ~~الخاتم تذكارا خالدا وعزيزا لا يفارق إصبعي. # وقد لاحظت بعد ذلك أنه كلما أتت زائرة لوالدتي، صعدت «فطنات» ms043 إلى الطابق العلوي، وأخرجت ~~قطعتي الماس من الدولاب وعادت بهما إلى غرفة الضيوف لتتفرج عليهما الزائرات. وكنت أبدي ~~دهشتي لذلك، وأخجل من أن يظن الناس أننا حديثو نعمة! # ثم لاحظت بعد ذلك أن «فطنات» وبعض الجواري يهيئن «الشور» وهي عبارة عن قطع مربعة من ~~الحرير أو التيل الأبيض مزركشة بخيوط الذهب أو الفضة. # ولما كنت أدرك أن هذه القطع تهدى للمدعوين يوم عقد القران، فقد سألت لمن تعدون هذه ~~«الشور» فقيل لي: إنها لقران ابنة أحد الباشوات الذي سيعقد قريبا ... # ثم رأيت بعض إصلاحات تجري في المنزل، وقررت والدتي أن نقضي فصل الشتاء في حلوان إلى أن ~~يتم الإصلاح ... فاستأجروا لنا بيتا صغيرا بالجهة الشرقية قرب الأرض المقامة عليها المصحة ~~الآن ... وكانت من قبل خالية تؤدي إلى الجبل. # فسافرنا إلى حلوان دون أن يساورني أي شك من ناحية هذه الاستعدادات. # وقد أعجبتني تلك الضاحية الرائعة التي كانت في أبهى حلل بهجتها في ذلك الوقت؛ حيث كان ~~الخديوي توفيق يتخذها مشتى له، كما كانت أغلب العائلات الكبيرة تقضي فصل الشتاء فيها. ~~ويؤمها في أيام الجمع والآحاد والأعياد معظم أهل القاهرة للنزهة وقضاء الوقت في الكازينو ~~ودور التمثيل. وكان الشيخ سلامة حجازي رحمه الله يمثل في مسرح الكازينو روايات تاريخية غاية ~~في الإتقان والإبداع، ولما كنت أميل كثيرا للروايات المسرحية وأحب الموسيقى، فقد صادفت ~~حلوان في نفسي قبولا وسرورا، فضلا عن أن المرأة لم تكن تخرج كثيرا في المدن في ذلك ~~الوقت، ولذلك كانت تجد في حلوان بعض الحرية التي لا تتمتع بها في القاهرة فتخرج النساء ~~للنزهة هناك. # وقد حدث ذات يوم أن جاءت إحدى صديقاتي من القاهرة لتقضي معي بضعة أيام في حلوان، وفرحت ~~كثيرا، وخرجت معها بعد الظهر، لأطلعها على ما في حلوان من روعة وجمال، ولم نكد نتجه إلى ~~المحطة حتى فوجئت بقدوم «سعيد آغا» عابسا ليقول لي: إلى أين أنت ذاهبة؟ عودي إلى البيت ~~فورا. # وأذعنت لأمره رغما عني ... وعدت ومعي صديقتي. فلما دخلت أدهشني وجود معلمة ms044 اللغة التركية ~~بالباب. ولما سلمت عليها، وجدت بيدها طرحة بيضاء وضعتها على رأسي في الحال، ثم وضعت مصحفا ~~تحت إبطي، فازدادت دهشتي من هذا العمل الذي لم أتعوده أو أفهم له معنى. ثم جاء سعيد آغا ~~وخلفه علي بك فهمي وزوج خالتي سعد الدين بك، فهرولت إلى غرفتي ... وعندما وجدتهم يتبعونني، ~~لجأت إلى النافذة وأعطيتهم ظهري ففاجأني علي بك قائلا: إن ابن عمتك علي بك شعراوي يريد ~~الزواج منك ... فمن توكلين منا؟ # في تلك اللحظة بالذات، فهمت معنى كل تلك الاستعدادات وهذه الأشياء التي لم يمكنني تفسيرها ~~من قبل. وأخذت أبكي وأنا مولية لهم ظهري ... ولما طال وقوفهم، تقدم «سعيد آغا» وهمس في أذني: ~~أتريدين إغضاب روح والدك والقضاء على والدتك المريضة ... إنها في غرفتها تتلوى على سرير المرض ~~وتبكي ... وربما لا تحتمل الصدمة إن أنت رفضت. # وأصابت مني هذه الكلمات مواطن الضعف، فقلت لهم: افعلوا ما تشاءون، وخرجت مهرولة إلى غرفة ~~والدتي، فاصطدمت بمسمار كان في جانب الباب، فشج رأسي وأسال دمائي، وكان المنظر محزنا ~~ومؤلما فبكت صديقتي وبكى كل من حولي. # وهكذا أمضيت مدة إقامتنا في حلوان حزينة النفس دامعة العينين، كلما فكرت في أنني سأزف إلى ~~ابن عمتي. وكان سبب عدم رغبتي في الزواج منه هو أنني شببت أراه عميدنا، والمشرف على شئوننا ~~إشراف الأب أو الأخ الأكبر، الذي يجب أن أخشاه وأحترمه، ثم أتذكر أنه أب لثلاث بنات يعشن ~~معه ومع أمهن، وأن ابنته الكبرى كانت تعيرني بأنني سأكون زوجة أبيها ... وكانت كلما أرادت ~~إغاظتي نادتني «يا امرأة أبي»، ثم أتذكر أيضا أنني كلما ذهبت لتحيته، لم أجد منه تلطفا في ~~الحديث، على خلاف معاملته لأخي. # ولما انتهت إقامتنا في حلوان وعدنا إلى القاهرة، وجدت تغييرا عظيما في منزلنا، وبدأت ~~الخياطة تتردد علينا لإعداد ثياب الجهاز، فكنت أرفض ارتداءها ولا ألتفت إلى شيء مما يدور ~~حولي، إلى أن اقترب موعد الزفاف وبدءوا في إقامة الزينات، وقد لاحظت أن والدتي كانت خلال ~~هذه الفترة دائمة الثورة والغضب، ms045 تماما كما كانت عندما خطبت، ولكني لم أعلم سبب ذلك لأنني ~~كنت أتجنب السؤال عن أي شيء. # وحتى يوم حفلة زواجي، كنت أجهل الاستعدادات التي عملت من أجلي، ولا أعرف الجناح الذي أعد ~~لي في المنزل ... فأخذتني والدتي للفرجة عليه، وهنا أعترف بأن ما رأيته من الرياش الفاخر قد ~~أدخل على نفسي شيئا من السرور، وغابت عني الحقيقة التي كنت أخشاها أمام هذا الجمال ~~الساحر. # ولما بدأت ليالي الفرح الثلاث، أخرجني ما سمعته من الموسيقى وما رأيته من المظاهر المفرحة ~~عن تلك الأحاسيس التي كانت تنتابني، وكنت أضحك وأمرح مع زميلاتي اللائي يحضرن هذه الليالي، ~~حتى ظن أهل البيت أن الحالة الأولى لم تكن إلا مظهرا من مظاهر الخجل التي تستولي على ~~الفتيات في مثل هذه الظروف. وزاد من فرحي ما رأيته ليلة الزفاف من العناية الفائقة بشخصي، ~~وكدت أطير من الفرحة عندما دخلت غرفة الزينة وارتديت حلة العرس المزركشة بالذهب والفضة، ~~وأذهلني لمعان الماس والجواهر التي حلوا بها صدري وتوجوا رأسي وزينوا ساعدي. وتصورت أنني ~~سأبقى في هذا الزي وعلى هذه الحال إلى ما شاء الله. # ولما أقبلت المغنيات لزفافي إلى الجناح الذي أعد لي، وكان على مسافة طويلة، وبدأت أشعر ~~بثقل هذه الأشياء، فصرت أتوكأ على زميلاتي فتيات الشرف وأنا أسير بين الشموع المتوهجة ~~ورائحة الأزهار الزكية حتى وصلت إلى البهو الكبير، وهناك رأيت حشدا ضخما من السيدات ~~المصريات والأجنبيات في ثياب السهرة البديعة، وكلهن عيون شاخصة إلي، مليئة بالتأثر ~~والحنان. # وعندما أجلسوني على عرش العرس، جاءت السيدات الأجنبيات كل بدورها تضم يدي وتقدم إلي ~~باقة من الورد أو تضعها تحت قدمي في شيء من التأثر. ولم أفهم وقتئذ أن هذا الشعور كان رفقا ~~بطفولتي لتزويجي في تلك السن المبكرة. # وعلى قرع الطبول، انصرفت السيدات ودخل الآغا معلنا قدوم العريس. ودخل وصلى ركعتين، ثم ~~قام وأقبل نحوي ورفع القناع عن وجهي، وقبلني على جبيني، ثم أخذ بيدي وصعد بي إلى عرش العرس، ~~وجلس إلى جانبي يحدثني حديثا لم ms046 أفهم منه شيئا، ثم أتوا كما هي العادة بكأسين من الشربات ~~الأحمر، فأعطاني كأسا وتناول الأخرى. # في صباح اليوم التالي، نظرت من نافذة غرفتي للترويح عن نفسي بمشاهدة السرادق الكبير ~~المزين بأفخر الأبسطة والرياش والأنوار الزاهية التي خلبتني في الليالي الماضية ... ولكني ~~انقبضت عندما رأيت أيدي الهدم تعمل فيه، كما وجدت أرض الحديقة التي كان منصوبا عليها خالية ~~من تلك الأشجار العديدة التي كنت أحبها، وكان لي مع كل منها شأن وذكرى. # كل تلك الأشجار التي كنت أحبها وآنس إليها وأتسلقها وأتأرجح عليها في طفولتي، والتي كانت ~~من غرس والدي وكان يحبها مثلي ويعتني بها. أصبحت أثرا بعد عين فداء ليلة واحدة ظننت أنها ~~ستبقى ببهائها وجلالها، ولكنها سرعان ما تلاشت كالحلم الجميل. # بكيت على أشجاري، وبكيت على طفولتي، ورأيت في تلك الحديقة الجدباء صورة من الحياة التي ~~سأعيشها منفصلة عن كل ما كان يؤنسني ويسليني ... فابتعدت عن النافذة كاسفة البال محزونة ~~القلب، وصرت أتحاشى النظر إليها مدة طويلة حتى لا تعاودني تلك الذكريات الأليمة. # | الفصل السابع # بعد زواجي، تعود شقيقي أن يعود كل يوم من مدرسته فيقصد الجناح الذي أسكنه وكتبه تحت إبطه ~~ليراني قبل أن يذهب إلى الجناح الخاص به وبوالدتنا. وكان ذلك يدخل كثيرا من السرور على ~~نفسي وقلبي. # على أنني كنت ألمح تغيرا في نظراته، فقد كان يقف أمامي شاخصا إلي ببصره في كلفة لم ~~أتعودها منه، وكنت كذلك أحار في بدء الحديث معه، كأنما كان كلانا يشعر بأن حادثا جد علينا ~~فغير من مجرى حياتنا. # وعادة كنت أضع حدا لصمتنا بسؤاله عن دروسه وأصدقائه، وعن نتائج تناطح خراف لا لا بشير ~~وشجار ديوكه، وعما يعتزم عمله، وهكذا تنبسط أسارير وجهه شيئا فشيئا، ولا نلبث أن نعود إلى ~~حالتنا الأولى من الضحك واللعب، وكثيرا ما كان يترك لي بعض كتبه لأتسلى بقراءتها، ويقاسمني ~~بعض أدواته المدرسية كما كان يفعل من قبل. # وقد أحضر لي ذات يوم باقة زهر البانسيه يضمها شريط حريري سماوي اللون، وكنت أحب ms047 هذا اللون ~~وهذا النوع من الأزهار والذي يرمز للذكرى، ولذلك فقد فرحت بها كثيرا، وما زالت أحتفظ بها ~~عندي حتى اليوم. # ولقد ظللت بعد ذلك فترة طويلة دون أن أقدر وضعي الجديد الذي كان يقتضي مني الرزانة، ويحتم ~~علي أن أظهر بمظهر ربة البيت بمعنى الكلمة، فقد كنت بحكم سني أميل إلى عالم الطفولة وألعب ~~كلما وجدت إلى اللعب سبيلا. # على أنني لم أتهيب حياتي الزوجية طويلا، فقد كنت أميل إلى زوجي بحكم قرابتي له، ولما كان ~~يظهره من عطف علي بعد زواجنا. وبدأت آنس به وأطمئن إليه شيئا فشيئا، إلى أن لاحظت بعد ~~أشهر أن هناك شيئا غامضا قد استولى عليه، فتغيرت أحواله معي ومعاملته لي، ولم أكن حتى ذلك ~~الوقت أدري لهذا التغيير سببا. # كنت إذا أردت زيارة صديقة أو قريبة، منعني من الخروج، وإذا زارتني صديقة أو قريبة ~~استجوبني استجوابات كثيرة وملحة عما جرى بيننا من أحاديث، كأنما كان يخشى أن يكون قد وصل ~~إلى علمي شيء لا يريد أن أعلمه. وكنت إذا لجأت إلى التسلية بالعزف على البيانو، أرسل يطلب ~~إلي أن أكف عن العزف لوجود ضيوف معه. وهكذا شعرت أنه يقيد حريتي تقييدا ظالما. وتألمت ~~لذلك كثيرا، وبدأت أشعر بالكآبة والسأم، وضاقت الحياة في وجهي، وأصبحت أبكي كثيرا بسبب أو ~~لغير سبب، وحتى لا يدرك أحد حقيقة معاناتي، فإنني كنت أحتفظ معي دائما بكتاب، وأدعي لمن ~~يراني باكية أو متأثرة أنني منفعلة بأحداث محزنة كنت أقرؤها، وما كان يبكيني في الحقيقة غير ~~قصتي المؤلمة! # ولقد لاحظت أن زوجي يكثر من الصلاة والدعاء، فكنت أقول له مازحة: لا بد أنك اقترفت ذنبا ~~يستوجب التكفير، ولكن الله لن يستمع لدعواتك، وعندئذ كنت أجده أكثر اضطرابا دون أن أدري ~~لذلك سببا. # وفي قلب هذه الظروف، وقع حادث سياسي خارجي دفعني إلى التفكير بعيدا عن دائرة حياتي ~~الخاصة. كان ذلك عام 1895 عندما نشبت حرب تساليا بين تركيا واليونان؛ حيث وجد المصريون ~~أنفسهم في موقف يستوجب مساعدة الأتراك، وكان ms048 أن شكلت لجنة من الرجال للمساعدة برئاسة ~~المرحوم رياض باشا، وتولت السيدة قرينته رئاسة لجنة السيدات، وقد طلب من زوجي أن أكون عضوا ~~فيها رغم صغر سني، فوافق على الفور، وكانت هذه أول مرة أقوم فيها بالمساهمة في عمل اجتماعي ~~إنساني عام نبهني إلى واجب الفرد نحو المجتمع وجعلني أقدر فائدة التضامن. # وقد وجدت في هذا الأمل أكبر تسلية وعزاء وصرت أنظر إلى نفسي بعين الاعتبار والتقدير بعد ~~أن خضت عباب المجتمع، وتمكنت من دراسة أخلاق الناس عن كثب، والمقارنة بين شعورهم وآرائهم ~~وعرفت كم يعاني الإنسان في سبيل التعاون على الخير. وكم يريق ماء وجهه في السعي إليه ~~مدفوعا بشعور الواجب والإنسانية. # وكان الدرس الثاني الذي تعلمته هو أنه بعد أن انتهت الحرب بانتصار تركيا، أراد الباب ~~العالي أن يعبر عن عرفانه لمصر بالجميل، فأرسل النياشين وآيات الشكر إلى رئيس الحكومة الذي ~~خلف رياض باشا، وبذلك نال التقدير من لم يناصروا تركيا أو يأخذوا بيدها، وهكذا تعطي الحياة ~~غالبا من لا يستحق وكفى المجاهد أنه أرضى ضميره. # وهكذا خرجت من هذه التجربة وقد استفدت في مدة قصيرة أضعاف ما كان يمكن أن أكسبه من خبرة ~~في سنين طويلة، كما تعلمت منها الصبر وسعة الصدر، وكان علي بعد أن انتهت المعركة أن أعود ~~إلى دائرة حياتي الضيقة من جديد. # ذات يوم من الأيام، سمعت والدتي تناقش زوجي في غضب وبصوت عال، ثم نادتني وسألتني عن ~~الوثيقة التي أعطاها لي زوجي، فلم أجب لأنني لم أتذكر أنه أعطاني وثيقة، ولكنه قال لي: إنها ~~داخل المظروف الذي سلمته لك غداة يوم زواجنا. وتذكرت أنه كان قد أعطاني مظروفا مغلقا ~~مكتوبا عليه «يحفظ طرف الهانم» وأنني كنت قد وضعته في دولابه دون أن أعلم ما بداخله، ~~وعندما أحضرته لاحظت أن والدتي قد اطمأنت وأخذت المظروف مني واحتفظت به. # لقد تعودت والدتي أن تسافر من وقت إلى آخر لزيارة قبر والدي وقضاء ليلة في المنيا في منزل ~~عمتي «والدة زوجي»؛ حيث كانت تسكن معها ms049 بناته ووالدتهن، ولما عادت في هذه المرة الأخيرة، ~~استقبلتها على السلم كالعادة فوجدتها حانقة مكفهرة، وعندما دخلت غرفتها وخلعت إزارها ، ~~فاجأتني قائلة: لماذا أخفيت عني طوال هذه المدة ما يؤلمك ويحزنك، وكلما سألت عن سبب بكائك، ~~ادعيت أنك تقرئين قصة محزنة؟ قلت: إنني لم أخف شيئا، والحقيقة هي ما كنت أقول. ردت: أما ~~زلت تحاولين الإخفاء؟ لقد عرفت الأمر. سألت: أي أمر؟ قالت: عودة زوجك إلى أم أولاده التي ~~حملت منه وهي الآن على وشك الوضع. # وعندما سمعت ذلك، هللت فرحا وصفقت بيدي، فدهشت والدتي لهذا المنظر وسألتني إن كنت أمثل ~~هذا الدور لإخفاء الحقيقة مرة أخرى، فأقسمت لها إن هذه أول مرة أسمع فيها هذا النبأ، وأكدت ~~لها فرحتي واغتباطي لأنني كنت في غاية التعاسة، وبدأت أروي لها أول مرة بعض ما كنت أعانيه ~~في حياتي تلك، ولم أكن من قبل أجرؤ على أن أفعل ذلك، وما هي إلا فترة قصيرة، حتى سمعت زوجي ~~يصفق كعادته عند قدومه من الدهليز لينبهني إلى مجيئه. فأسرعت نحوه لأهنئه بقرب قدوم ~~المولود، وتمنيت أن يكون ولدا ليحقق أمنيته ويطلق عليه اسم والده «حسن» فظهرت عليه علامات ~~الارتباك دون أن ينطق، وعندئذ أوليته ظهري، وذهبت إلى غرفة أعدت لي في الجناح الذي كانت ~~تسكنه والدتي، ولم يكن قد مضى على زواجنا إذ ذاك أكثر من خمسة عشر شهرا. # وإنني أفضل أن أتحدث باختصار عن هذه المسألة، فأقول إنه قد بدا لي من مجريات الحوادث ما ~~كنت أجهله، فقد عرفت من تلك الوثيقة التي ظلت تحت يدي مدة طويلة دون أن أعرف مضمونها، أنهم ~~لإتمام زواجي من ابن عمتي كانوا قد اتفقوا معه على أن أكون الزوجة الوحيدة، وقد تم زواجي ~~منه بعد أن نفذ التزامه، ولكن عندما رأت والدتي أنه عاد إلى حياته الأولى مع أم بناته ~~وتأكدت من ذلك بحدوث الحمل قررت انفصالي عنه. # ولقد حاول زوجي بعد مضي فترة من الزمن إصلاح ذات البين، ولكن والدتي كانت في حالة ثورة ~~وغضب ms050 عليه نظرا لموقفه الذي أثر في نفسيتها، وإن كان قد تبين لنا فيما بعد خلاف ذلك، فقد ~~اتضح أن مفهوم الإقرار هو أنني الزوجة الوحيدة، وأنه إن راجع أم أولاده تكون طالقا بينما ~~التبس الأمر علينا وقصرناه على أساس وقوع الطلاق بالنسبة لي أنا. # وبقيت منفصلة عنه سبع سنوات، كونت نفسي خلالها تكوينا علميا لا بأس به، فطلبت من معلمة ~~اللغة الفرنسية أن تستأنف دروسي معها، وكذلك مدرسة البيانو، ولميلي الشديد للغة العربية ~~طلبت من زوج خالتي أن يبحث لي عن شيخ أزهري طاعن في السن حتى يسمح له بدخول الحريم في ~~منزلنا المحافظ، وأحضر لي يوما رجلا يدعى الشيخ موسى له هذه المواصفات، ومع ذلك فقد كان ~~يجد صعوبات كثيرة في الوصول إلي كل مرة، ولما طال به هذا الحال تركني قبل أن أتم علوم ~~القواعد والأدب، فاضطررت أن أدرس بنفسي. # وكان تعلقي بالموسيقى وحبي للألحان الإفرنجية يدفعني إلى قضاء أغلب سهراتي وأنا أعزف على ~~البيانو، كنت أنتهي من العشاء، وأقصد غرفة البيانو وأظل أعزف حتى ساعة متأخرة من الليل. ~~وكان يساعدني على إتقان العزف كثرة ترددي على دار الأوبرا؛ حيث كنت أشترك مع صديقتي «عديلة ~~هانم النبراوي» في تأجير مقصورة. # كانت صديقتي هذه رشيقة القوام، جميلة الوجه طيبة القلب، رقيقة الحاشية، تربت في فرنسا ~~ونهلت من الثقافة الفرنسية؛ حيث كان والدها يوسف باشا النبراوي يعيش هناك بحكم عمله في ~~السلك الدبلوماسي. وقد تزوج من فرنسية بعد وفاة والدتها. # وقبيل وفاة والدها نصحت له زوجته بإرسال ابنته إلى مصر لتتعود على معيشة بلادها وتتعلم ~~لغتها. وقد تزوجت من ابن عمها صبحي النبراوي ولما لم ترزق منه أولادا وكانت تتوق لأن يكون ~~لها ابنة، فقد وهبتها كريمة عمتها ابنتها زينب «سيزا نبراوي» التي كانت في الثالثة من ~~عمرها، فتبنتها وأحسنت تربيتها وثقافتها. وكانت عديلة هانم سبب معرفتي بسيزا وتعلقي بها. ~~وقد أوصتني بها خيرا قبل وفاتها؛ إذ كانت تحبها حبا عظيما. # وكم كانت الصدمة شديدة على سيزا المسكينة التي كانت ms051 تجهل حتى ذلك الوقت أن لها أما ~~غيرها، وكانت سيزا في ذلك الوقت في السادسة عشرة من عمرها. # قلت إنني كنت أميل إلى العزف على البيانو، ومن حسن حظي أن جاءت من أوروبا فتاة في مثل ~~عمري تقريبا، وكانت ابنة أحد جيراننا وهو فرنسي الجنسية ويعمل موظفا كبيرا في وزارة ~~الحربية، وقد ربطت بيني وبين هذه الفتاة صداقة متينة لتوافق أفكارنا وتقارب عمرينا وتشابه ~~ميولنا وكانت ذا خلق وثقافة كبيرة، كانت تزورني في كل يوم تقريبا، نقضي معظم أوقاتنا في ~~قراءة القصص والأدب والشعر الفرنسي أو العزف على البيانو، وكان ذلك سببا في تمكني من اللغة ~~الفرنسية وتقدمي في فن الموسيقى. # وكانت هذه الفتاة يتيمة الأم وقد تزوج والدها بعد ذلك ورزق من زوجته أولادا، وكانت تعيش ~~معهم عمتاها. وكانتا لا تتفقان مع زوجة أبيها، ولذلك فقد كانت دائما موضع غضب أحد ~~الجانبين، فضلا عن أن والدها كان رجلا غريب الأطوار لا يريد أن يسمع لأحد شكوى، فكانت تجد ~~في وجودها معي ترفيها عنها. # وكانت «لويزيت» تتألم لحرمانها عطف من حولها. وكان والدها لا يفكر إلا قليلا جدا في ~~الترفيه عن أولاده. وكان من نتيجة هذا الحرمان وتلك القيود أن تعرفت «لويزيت» على شاب يعمل ~~في أحد المحال التجارية الكبيرة وأحبته حبا عظيما، ولما كان هذا الشاب فقيرا ودونها ~~مقاما فقد أدركت أن والدها سوف يرفض زواجها منه. ولذلك انتظرت حتى بلغت سن الرشد وهربت معه ~~إلى أوروبا ليتزوجا هناك حتى علمت أنه كان على اتصال بفتاة غيرها، وأنه كان قد وعدها ~~بالزواج، وجاءت تطالبه بتحقيق وعده، فتركته لويزيت لها، وعادت إلى مصر والتحقت بأحد البيوت ~~كمربية للأطفال. ولما علم أبوها بذلك، عفا عنها وأراد أن يعيدها إلى منزله لتعيش معه، ~~ولكنها رفضت؛ لأنها لم تجد في نفسها الشجاعة على مواجهة أبيها بعد ما حدث فأوعز الأب إلى ~~أخيه أن يدعوها لتقيم معه في فرنسا، فبعث إليها عمها يدعوها، فوافقت؛ لأنها شعرت بأنه ليس ~~في مقدورها الاستمرار في خدمة البيوت. ms052 وذهبت إلى هناك حيث انتابتها حمى، وأجريت لها عملية ~~الزائدة الدودية وماتت على إثر ذلك. # ولم تكن أختها الصغرى أوفر حظا منها. فقد أحبت شابا، ورفض أبوها أن تتزوج منه لفقره، ~~وعندما أراد أن يزوجها من غيره، رفضت ومرضت وسافر بها الأب إلى فرنسا لتغيير الهواء ~~ولإبعادها عن هذا الشاب، وفي إحدى النزهات صادفت هذا الشاب، فأصابتها رعدة ومرضت بالحمى إلى ~~أن ماتت هي الأخرى. # وكم من فتيات ذهبن ضحية ظلم الآباء ونتيجة تفضيل المادة على سعادة بناتهم. ولذلك تنتهي ~~حياة هؤلاء الفتيات بالموت أو السقوط. # طوال تلك الفترة، لم تنقطع الوساطة بيني وبين زوجي، وأذكر أن الزبير باشا طلب مقابلتي ~~يوما، فلما قابلته سألني عن سبب عدم عودتي لزوجي وقيامي بخدمته، وقال: إن هذا لا يليق أن ~~تفعله بنت سلطان باشا، ثم انبرى غاضبا ليقول: ألا تعلمي أن من حق زوجك أن يأخذك عنوة إلى ~~محل الطاعة؟ ... واستمر يخاطبني بغلظة وعنف وأنا صامتة، ولما رأى دموعي على خدي، قال لي لقد ~~سمحت لنفسي أن أكلمك بهذه اللهجة؛ لأن والدك كان بمنزلة شقيقي، ولذلك فإنني أعتبر نفسي ~~أتكلم بلسانه ... فلم أستطع بعد ذلك صمتا وقلت: لو كان والدي على قيد الحياة لما أسمعني مثل ~~هذا الكلام لأنني لم أذنب، وإن كان هناك مذنب فهو ابن عمتي، ورغم ذلك فلو كنت أعلم أنه في ~~احتياج لي، ما ترددت في التضحية بنفسي، ولكنه الآن يعيش مع أم أولاده التي تلد له كل سنة ~~طفلا، ويكفي أنني لا أطلب منه شيئا، وأتحمل مناوءاته، ولو كان أبي حيا لما قبل أن تتعذب ~~ابنته بهذه الصورة؛ لأنه كان رجلا عادلا وأبا رحيما. ثم تركته وخرجت. وفي اليوم التالي ~~أرسل زوجته لتعتذر لي عن قسوته. # وبعد أيام علمت أن الشيخ علي الليثي يريد هو أيضا أن يتوسط في الصلح، وأنه يعتزم القدوم ~~لهذا الغرض. ولقد ارتعت لذلك لأنني كنت أحبه كثيرا، وكنت أخشى إن حاول معاملتي بخشونة ~~الزبير باشا أن يقل حبي واحترامي له، ومع ذلك ms053 انتظرته بشجاعة. ولكنه لم يأت، وعلمت أنه عز ~~عليه أن يكدر خاطري لاعتقاده بأنني لست المخطئة، فازداد حبي وتقديري له . # وتعددت بعد ذلك المساعي وتنوعت الوسائل لإرغامي على الصلح، وكثيرا ما كان يأتي زوجي ~~بنفسه ويستخدم كافة الوسائل ما بين الرجاء والعطف تارة وما بين الوعيد والعنف تارة أخرى. ~~ولكني في كل هذه الحالات. كنت أتمالك مشاعري، وأحاول إقناعه بالمنطق، وأذكره بواجباته نحو ~~أولاده ووالدتهم. وكنت أقول له إنني أعتقد أن الذي يدفعك إلى هذا السعي إنما هو وخز الضمير ~~لظنك أنك أسأت إلي ولكن ثق أنك قد أحسنت بعملك؛ لأن واجبك نحو أولادك يقضي عليك أن تعيش ~~بينهم. فكان يدعي أن حبه لي هو دافعه الوحيد للإلحاح علي بالعودة ... وكنت أرى على وجهه ~~علامات الحزن الصادق أحيانا. # وقد أثرت كل هذه العوامل والانفعالات في أعصابي وصحتي، فمرضت مرضا شديدا ألزمني الفراش ~~عدة أشهر، وعندما جاء الصيف أشار علي صديقنا وطبيبنا الدكتور علوي باشا بضرورة سفري إلى ~~الإسكندرية لتغيير الهواء والاستفادة بحمامات البحر، وسافرنا بالفعل، وعدت بعد ثلاثة أشهر ~~وقد استفدت إلى حد ما من بعدي عن المنازعات، كما أصبحت أكثر تعلقا بالبحر مما كنت، وعندما ~~جاء الصيف التالي، وأردت السفر إلى الرمل، أراد زوجي أن يستغل هذه الفرصة وظن أنه إذا منعني ~~من السفر قبلت الصلح معه. فامتنع عن صرف المبلغ الذي اعتمدته لسفري، ولكن والدتي عندما عرفت ~~ذلك، سافرت على الفور لتستأجر لي منزلا على حسابها الخاص، وسمحت لي بالسفر مع خالتي لقضاء ~~الصيف هناك وكان لهذا العطف أبلغ الأثر في نفسي. # وفي الإسكندرية ... في ذلك الصيف بالذات ... كانت لي أول تجربة من نوعها. فقد قررت أن أشتري ~~لوازمي بنفسي من المحلات الكبيرة. بالرغم من تذمر «سعيد آغا» ورغم امتعاض أهل المنزل ~~ودهشتهم من هذه الخطوة وتحدثهم عنها وكأنني قد خالفت قوانين الشريعة. # كنت قد حصلت على إذن من والدتي بذلك بعد جهد وإقناع، وكان علي أن أصحب وصيفاتي و«سعيد ~~آغا»؛ لأنه لا يليق بي أن أتوجه بمفردي، ms054 وكان علي أن أسدل إزاري على حاجبي وأن ألتف بحيث ~~لا يظهر من شعري أو ملابسي أي شيء. وعندما دخلنا المحل، دهش الموظفون والمشترون من هذه ~~المظاهر غير المألوفة، وبخاصة عندما رأوا الآغا يحملق بنظراته الحادة في وجوه الناس وكأنه ~~يحذرهم من النظر إلينا، ثم اندفع نحو أحد مديري الأقسام يسأله في لهفة وحدة: ألا يوجد عندكم ~~محل للحريم؟ فأشار له إلى قسم ملابس السيدات. ونادوا على الفتيات البائعات ليتولين خدمتي ~~بعد أن وضعن حاجزين يحولان بيني وبين الموجودين، وإزاء ذلك لم تتمالك أصغر الفتيات من أن ~~تسأل الآغا من أي بلد ومن أي عائلة نحن، فحملق فيها غاضبا، وشكا للمدير وقاحتها. # وكاد صاحب المتجر يطرد تلك البائعة، لولا أنني رجوته ألا يفعل. وكنت أنا في غاية الخجل من ~~هذه التصرفات. # ورغم مرارة التجربة الأولى فقد تكررت زياراتي للمحال التجارية بعد ذلك، واستطعت أن أقنع ~~والدتي بالفائدة المادية التي تعود علينا من شراء مستلزماتنا بأنفسنا، وكيف يتسنى لنا ~~اختيار أحسن الأشياء، وكيف نستغني عن الدلالات والبائعات المتجولات ونتقي شرورهن ومساوئهن، ~~وما زلت بها حتى قبلت التوجه معي مرة، فتأكدت من صدق قولي، وتعودت بعد ذلك التوجه إلى ~~المحلات التجارية لقضاء لوازمها بنفسها. # | الفصل الثامن # بعد عودتي من الإسكندرية في أواخر الصيف، نادتني والدتي يوما لأقرأ لها بطاقة جاء بها ~~الخادم، وقال: إن صاحبتها بالباب في انتظار الرد، وعندما قرأت اسم السيدة، فرحت والدتي ~~فرحا شديدا، وقالت للخادم: لتتفضل بالدخول. وأخبرتني أن هذه السيدة إحدى قريباتها، وأنها ~~جاءت من الآستانة في طريقها إلى الحجاز؛ حيث يقيم زوجها وأولادها. # ولم أكن قد رأيت أو سمعت عن هذه السيدة شيئا من قبل، وعندما دخلت وتعارفنا، وجدتها شابة ~~جميلة في الثلاثين من عمرها تقريبا، وبعد أن جلست معها فترة من الوقت، تركتها مع والدتي ~~وعدت إلى جناحي الخاص، وفوجئت بها بعد قليل تقبل ناحيتي وتحدثني دون كلفة كأنها تعرفني منذ ~~أمد بعيد. وكنت بطبيعتي قليلة الاندفاع، ولذلك لم يعجبني منها هذا التدخل في أموري، ms055 وبخاصة ~~أنها ظلت طوال الأسبوع الذي قضته بيننا تسألني عن كل ما يكتنف حياتي وتبدي فيه آراءها، ~~ولذلك كنت أحاول تجنبها قدر المستطاع. # وعندما عزمت على الرحيل، نزلت أودعها عند الباب وبيدي باقة من أزهار الحديقة قدمتها ~~إليها، وبعد سفرها بشهر أو أكثر، وصلتنا منها رسالة من المدينة المنورة تشكرنا فيها على حسن ~~ضيافتنا لها خلال الأيام التي أمضتها بيننا. وقالت: إنها ما زالت تحتفظ بباقة الورد التي ~~أهديتها لها عند رحيلها تذكارا لتلك الأيام الجميلة التي تجد فيها العزاء والسلوى عن أيام ~~الشدة التي تعانيها، بعد أن انفصلت عن زوجها، وقالت: إنها ستبقى في المدينة لمدة سنة مع ~~أولادها حتى يتم ولدها الصغير سن الحضانة، فتتركه هو وأخته لوالدهما وترجع إلى وطنها؛ حيث ~~يقيم أخوها، وقد أسفت والدتي وطلبت مني أن أكتب لها رسالة نيابة عنها، أدعوها لتأتي عندنا ~~بعد انقضاء المدة؛ حيث تجد من والدتي الأم الثانية لها وتجد مني الأخت المخلصة، وظللنا ~~نتبادل الخطابات حتى انقضت السنة، وجاءت لتعيش معنا، وكان بؤسها عاملا على ميلي إليها ~~وعطفي عليها، وبخاصة أنني كنت أقرأ في ملامحها علامات اليأس والحزن العميق مما أثر في صحتها ~~تأثيرا شديدا. # وعندما كنا نتسامر ذات ليلة روت لي قصتها المؤثرة، وهي التي تكاد تكون صورة طبق الأصل من ~~حياة المرأة الشرقية في ذلك العصر. # قالت: أنا من أم شركسية وأب تركي، وكان والدي أحد السادة الأثرياء، وقد تزوج من والدتي؛ ~~لأنه لم يرزق أبناء من زوجته الأولى، وقد أنجبت له والدتي أخي وأنا، ثم مات بعد أن ضاعت ~~أمواله في أوراق مالية تدهور ثمنها، ولم يترك لنا سوى بيت ذي حديقة واسعة، وكانت والدتي ~~صغيرة وخشيت عجزها عن مواجهة الحياة، فتزوجت من رجل طيب أحسن معاملتها وتكفل بنا كأنه ~~والدنا. # وذات يوم حضر زوج والدتي ومعه رجل من أشراف الحجاز طلبني من والدتي، وزكاه زوجها فرضيت ~~بزواجي منه إذا وعد صدقا أنه لا يفرقني عنها ولا يطلب مني مغادرة وطني. وسألته إذا كانت له ms056 ~~زوجة أخرى فطمأنها بقوله: إنه لم يتزوج بعد. وقد عرف كيف يستميلني ويجذبني إليه ويحببني فيه ~~فأحببته، حتى إنه لما أراد العودة إلى بلاده رغبت في مرافقته، ورافقتنا والدتي إلى الحجاز، ~~ووجدت أنه لم يكذب عليها ولم تكن له زوجة غيري، ولما اطمأنت إلى ذلك، تركتني ورجعت إلى ~~بلادها. وعشت معه عيشة هادئة، وبعد ثلاث سنوات رزقت منه بطفلة سميتها «زينب». # كان زوجي في كل حج يتوجه إلى مكة ويغيب فيها، فساورتني الشكوك. وذات يوم عثرت على خطاب في ~~درج مكتبه من سيدة فهمت منه أنه تزوجها، فثارت ثائرتي، وفارقته عائدة إلى إسطنبول وفي نيتي ~~عدم العودة إليه. # ولكن زوجي حضر في صيف تلك السنة، وبذل كل جهده لينال رضاي وعفوي عنه، وعزا زواجه بابنة ~~عمته بأنها قريبته يخشى على مالها من الضياع، فرجعت معه، ورزقت منه ولدا هو «السيد محمد». ~~ولكن تبين لي بعد ذلك أنه مزواج، وأنه من كثرة زواجه لا يعلم عدد من تزوج منهن، وكذلك لا ~~يعرف أولاده، ولما وصلت إلى المدينة وكانت لي عمة تعيش فيها قصدت بيتها ونزلت عندها وأرسلت ~~إليه طالبة طلاقي بشرط أن أبقى مع ولدي حتى يبلغ سن الحضانة، فقبل ذلك. وبقيت مع ولدي حتى ~~انقضت المدة، وكتبت إليكم فجاءني كتابكم بالأمل. # وقد تألمت لحال هذه السيدة ورثيت لها ووعدتها بأن أعاملها معاملة الأخت لشقيقتها، ومن ~~محاسن الصدف أنها جاءت في وقت كنت محتاجة فيه إلى شيء يحول اتجاه تفكيري في حالتي. # وكانت هذه السيدة ذات صفات طيبة ومخلصة وفية. وكانت تحبني حبا جما أشعرني بسعادة ~~عظيمة: ولكن كثيرا ما كانت محبتها تدفعها إلى محاولة الاستئثار بي، وكان ذلك يحدث عندي ~~شيئا من الثورة النفسية لأنني أكره كل ما يحد من حريتي واستقلالي، وإن كنت أشفق عليها ~~لعلمي أنه لا ملجأ لها إلا بيتنا وبخاصة بعد أن توفي شقيقها الوحيد بعد وفاة أمها، وصارت ~~وحيدة لا معين لها في الحياة. # كانت تميل إلى العزلة والأشغال اليدوية والبقاء في الغرفة التي تعودت ms057 الوجود فيها وتكره ~~كل شيء يحدث الضوضاء، ولذلك كانت تضيق بعزفي الموسيقي رغم أنني كنت قد وصلت في العزف على ~~البيانو إلى درجة لا بأس بها، وكنت مرغمة على الإقلال من هذه الهواية مراعاة ~~لخاطرها. # وقد فكرت في وسيلة تشغلها عني قليلا، فعرضت عليها أن تأخذ معي دروسا في الرسم، وأن ~~تشاركني أيضا في دروس اللغة العربية واللغة الفرنسية، فقبلت، ولكنها لم تستمر إلا في الرسم ~~لميلها الشديد للأشغال اليدوية. وقد أتقنت هذا الفن لدرجة كبيرة. # عاشت هذه السيدة بجانبي خمس سنوات حتى صرنا خلالها كأختين تفرح الواحدة لفرح الأخرى وتحزن ~~لحزنها. وفي هذه الفترة تعرفت بسيدة أخرى أحببتها حبا صادقا، وكانت هي الوحيدة التي لا ~~تغار منها صديقتي وتعترف بأنها جديرة بحبي وإخلاصي، تلك هي الزوجة الأولى للمرحوم حسين رشدي ~~باشا، وكانت فرنسية الجنسية. # عرفتها في حفل زفاف حسين بك رياض، وكنت مع صديقة لي بغرفة الزفاف عندما دخلت هذه السيدة ~~وعليها سيماء الوقار وملامح الذكاء، فاسترعت انتباهي. وأظن أنني أيضا كنت موضع اهتمامها ~~رغم صغر سني في ذلك الوقت. قدمتني إليها شقيقة رشدي باشا، وأمضيت بجانبها معظم السهرة ~~مغتبطة بجانبها؛ إذ وجدتها في أفكارها وحديثها تختلف عن غيرها من السيدات المثقفات ~~المغرورات، وقد زادنا ارتباطا يوم أمضيناه بباخرة على النيل ذهبت بنا إلى القناطر الخيرية ~~ومعنا سيدات أخريات من الإفرنجيات، وقد مكننا الوقت الطويل الذي أمضيناه معا من حسن ~~التعارف وربطنا بأواصر المودة الأدبية والروحية، وقد صارحتني أنها سمعت عني كثيرا ولكن على ~~غير الحقيقة التي لمستها من معاشرتها لي ... فسألتها عما وصل إليها عني، فقالت سمعت بعض الناس ~~يقولون إنك تركت زوجك لأنك تريدين الزواج من غيره من الشبان، وأنه تعس لفراقك وعدم انقيادك ~~له، وقد امتحناك دون أن تشعري، فظهر لنا خلاف ما سمعنا. فلما أظهرت لها دهشتي من امتحانها ~~الذي لم أشعر به ... قالت دخلت عندي إحدى صديقاتي يوم استقبالي، وكنت أنت عندي وقتئذ، فقدمتك ~~إليها، وبعد خروجك تحدثنا، وأكثرت من الثناء عليك وتحدثنا عن ms058 السيدات المصريات عامة. فقالت ~~هذه السيدة، كم من خفايا يخبئها البرقع! ... فقلت لها: ماذا تعنين بهذا القول؟ قالت: كل هؤلاء ~~السيدات يسلكن تحت شعار براقعهن أسوأ المسالك. أما نحن معشر الفرنجيات فإننا نخرج سافرات ... ~~وكل واحد يعرفنا ولذلك لا يمكننا أن نطرق مكانا مشتبها فيه، قلت لها: إن هذا الكلام لا ~~ينطبق على صديقاتي وخاصة صديقتي الصغيرة، قالت لي: هل تسمحين لي أن أمتحنها، وعند الامتحان ~~يكرم المرء أو يهان. فقلت لها: افعلي ما تشائين، فإني على ثقة تامة بصديقتي. # عندئذ سألتها عن تلك السيدة، ولما عرفتها، تذكرت أنها كانت تتردد علينا حتى بلغت من نفسي ~~مكانة طيبة، وفي صباح يوم كنا نتحدث عن التحف والآثار القديمة، فقالت: إنها تعرف أحد ~~الحوانيت وفيه مما أحب الأشياء كثيرة، وحببت إلي مرافقتها إلى ذلك الحانوت لأرى لوحات ~~الرسم والتحف الموجودة به، فوافقت وخرجنا معا في عربتها، وبعد أن تفرجنا، دعتني بإلحاح ~~لتناول الشاي معها في أحد محلات الحلوى، فرفضت؛ لأن ذلك لا يليق بي شخصيا فضلا عن خروجه ~~عن التقاليد ... وكررت رجاءها وإلحاحها، وكررت الرفض بدوري. ولما لم توفق إلى إقناعي، ظنت ~~أنني ربما أقبل هذه الدعوة إذا كانت في محل آخر بعيد عن المدينة، فعرضت علي الذهاب إلى ~~مقهى بجهة الجزيرة لا يؤمه أحد من معارفنا، فرفضت أيضا رفضا باتا، وقد دهشت السيدة لهذا ~~الرفض من شابة مثلي إزاء سيدة مثلها، فلم أعبأ بدهشتها، ورجوتها في شيء من الخشونة ~~والاستياء أن تعيدني إلى منزلي. ولما فهمت مني أن رفضي يرجع إلى أن الاختلاط يتنافى مع ~~تقاليدنا، قالت لي: إن كثيرا من السيدات المسلمات يحضرن عندي الحفلات، ويمكثن داخل حجرة ~~مظلمة يمكنهن من خلالها مشاهدة الحفلة من وراء ستار دون أن يراهن أحد، ولكنني أقنعتها أن ~~هؤلاء السيدات يذهبن مع أزواجهن أو إخوتهن أو آبائهن، وأن حالتي تختلف عنهن. # وكنت قد حدثت صديقتي حرم رشدي بك في أمر هذه الصديقة بعد أن كثر إلحاحها علي، فقالت لي: ~~إن خير ما تقدمينه لها ms059 دليلا على إخلاصك وحبك هو ألا تطلبي منها زيارتك أو حضور أية حفلة ~~عندك. # وكان هذا يزيد في تقديري وإخلاصي لصديقتي حرم رشدي باشا، فهي لم تكن تعني بظروفي وحالتي ~~واسمي فقط، وإنما كانت أيضا تجتهد في تثقيفي في اللغة الفرنسية، وكانت ترشدني إلى أثمن ~~الكتب وأنفعها ... وكانت تناقشني فيما قرأت وتفسر لي ما يصعب علي فهمه، وكانت تغذي عقلي ~~وروحي بكل أنواع الجمال والكمال. # ثم إنها كانت تحتم علي أن أحضر عندها كل يوم سبت من كل أسبوع، وهو يوم استقبالها ... في ~~الموعد المحدد للسيدات ... قائلة لي: «أنت زهرة صالوني»، وفي الأيام التي لم أكن أتمكن فيها ~~من زيارتها، كنت أرسل لها باقات الزهور، فكانت تشكرني برسالة رقيقة تقول فيها: إن هذه ~~الزهور الجميلة التي أرسلتها إلي لا يمكن أن تملأ الفراغ الذي أوجده غياب زهرتي المحبوبة، ~~فحاولي التقليل من تلك الباقات حتى لا تنقصي بغيابك من بهجة صالوني. # ولقد كانت هذه السيدة الفاضلة مثال العفة والطهر والوفاء والكمال، وكانت تحب أن يتصف كل ~~أصحابها ومعارفها بتلك الصفات النبيلة، ولذلك كانت تحاول دائما أن تبث فيهم هذه ~~الفضائل. # وأذكر في أحد أيام استقبالها أن دار الحديث حول موضوع التقاليد والحجاب، فقالت: إنني رغم ~~إعجابي بالزي المصري وما يكسبه الحجاب للمرأة من روعة وجمال، فإنني أشعر بالأسف في الوقت ~~نفسه؛ لأنه يحول دون تقدمها ويحرمها التمتع بقسط أوفر من التعليم والرياضة البدنية، ولذلك ~~تتعرض للبدانة، كما أنه في الأوساط الغربية يظن الكثيرون أن الحجاب أداة تستر على ما خفي ~~تحته، ولذلك يرجع كثير من السائحين إلى بلادهم بفكرة خاطئة؛ حيث إن بعض من يقودونهم إلى ~~المنازل الساقطة، كثيرا ما يدخلون في روعهم أنهم يقدمونهم لسيدات من العائلات الكبيرة، ~~فيعودون إلى بلادهم مشبعين بهذا الاعتقاد الخاطئ ... ويكتب بعضهم ما يمليه عليه خياليه الضال ~~واعتقاده الفاسد. ثم انتقلنا للحديث عن كتابها «حريم ومسلمات مصر» الذي قدمته باسم مستعار. ~~وقالت: لقد كان غرضي من هذا الكتاب هو وصف حياة المصريين على حقيقتها ليعلم ms060 الإفرنج أنهم ~~ظلوا يسيئون الظن بهم طويلا، ولأقنعهم بأن المصريين في عاداتهم وتقاليدهم لا يختلفون عنهم ~~إلا قليلا، بل لقد ميزهم دينهم الحنيف بما فيه من حكمة وعدالة على غيرهم من البشر. # وقالت: إنني بدأت في تأليف كتاب آخر أبين فيه سوء حال المرأة المصرية كزوجة وأم من جراء ~~التقاليد والعادات البعيدة عن الدين، فالحقيقة أن الدين الإسلامي قد أنصف المرأة أكثر من أي ~~دين آخر، وسأسمي هذا الكتاب «المطلقات»؛ حيث إني حضرت عدة جلسات في المحكمة الشرعية، وتألمت ~~كثيرا لتعاسة المرأة المصرية وبخاصة الفقيرة وظلم الرجل لها. # وقد سألتها عما إذا كانت تقبل الزواج من رشدي باشا فيما لو عرفت مثل هذا من قبل؟ فقالت: ~~نعم ... كنت تزوجته لأني قدرت فيه كرم الأخلاق وأحببته، ولا سيما أنني كنت أعلم أن الدين ~~الإسلامي يحرم الخمر والميسر، ولقد كان زوج أختي من المدمنين على الشراب المولعين باللعب، ~~ولذلك كان ينغص عليها حياتها، كما فقد معظم أمواله، فلما طلبني رشدي، فرحت به لعلمي بأن ~~دينه يحرم عليه هذين المنكرين، وأنه بذلك لن يجلب لي من التعاسة ما جلبه زوج أختي ~~لها. # وقد سألتها عما إذا كانت لا تزال على رأيها الأول في أن المسلمين بحكم دينهم لا يشربون ~~الخمر ولا يقربون الميسر ... قالت: لا مع الأسف، ولو أنني عرفت ذلك، لما تزوجت رشدي رغم حبي ~~له ... ليس لهذا السبب فقط، وإنما لما يتكبده الأزواج مختلفو الجنسية من جراء التصادم الناشئ ~~عن اختلاف العادات التي يتعذر على كل منهم التخلي عنها دون تضحية أو ألم. ويؤلمني أن أغلب ~~الإفرنجيات اللاتي تزوجن من المصريين هن من طبقات لا أحب أن يظن أحد أنني منها. # ثم أضافت: ومع كل ما قدمت من حديث، فإنني سعيدة وقريرة العين بحياتي الراهنة. وأكبر دليل ~~على عدم أسفي وامتزاجي بالأسرة المصرية أنني أعددت لي قبرا بالإمام بجانب قبر زوجي كي لا ~~نفترق في الدنيا أو في الآخرة. # ونظرت إليها في دهشة، فإذا بها تقول أمام صاحباتها الفرنجيات: ألا تعلمين ms061 أني اعتنقت ~~الدين الإسلامي منذ زواجي من رشدي، وأنني الآن مسلمة وأريد أن أدفن في مقابر المسلمين ... ~~ولقد كتبت ذلك في وصيتي لأهلي. # حقيقة إن صديقتي كانت وقتئذ الوحيدة بين الإفرنج التي أمكنها أن تدرس وتتفهم وتقدر أخلاق ~~المصريين وصفاتهم ... وكانت تعرف كثيرا من الأمثلة العربية الدارجة، وتحيط بكثير من العادات ~~والتقاليد التي لا تعرفها كثيرات من المصريات أنفسهن. # وكثيرا ما كنا نتريض في طريق الجيزة أو في حدائقها. وكان يدور حديثنا غالبا حول البحث ~~عن الطريقة العملية المجدية للوصول إلى تحسين حال المرأة المصرية والترفيه عنها. وقد استقر ~~رأينا على أن نبدأ مشروعنا بتوجيه المرأة إلى ممارسة الرياضة البدنية أولا، وتنبيهها إلى ~~خوض الحياة الاجتماعية وترغيبها في دراسة الفنون والآداب، وذلك بعقد اجتماعات تجمع بين ~~الرياضة الفكرية والرياضة البدينة ... وقررنا أن نبدأ بإعداد ملعب للتنس في حديقة مصطفى رياض ~~باشا؛ حيث كانت أوسع من غيرها وأنسب إذ كانت محوطة بسور مرتفع يحجبها عن الأنظار، واتفقنا ~~أن نعرض هذا الموضوع على صديقتنا شريفة هانم رياض، فرحبت بالفكرة، وبعد أن حصلت على موافقة ~~زوجها أعدت الملعب وأقامت سرادقا بالحديقة ليكون بمثابة استراحة للاعبات، ولنجتمع فيه ~~لتبادل الآراء والمحادثات الأدبية ... ثم دعونا يوم استقبالها لعرض المشروع على الزائرات في ~~ذلك اليوم ... ولن أنسى ما أصابنا من خيبة وفشل عندما شرحنا الموضوع لسيداتنا ودعوناهن للنزول ~~إلى الملعب فلم تتحرك واحدة منهن ... وانتهى الأمر بأن انتفع به أولادنا بدلا من ~~أمهاتهم. # وأذكر هنا أيضا أنه في ذلك الوقت نفسه، كان المرحوم رشدي باشا وبعض أصحابه يفكرون في ~~تكوين جمعية ومؤسسة لرعاية الأطفال، وقد طلبوا من شريفة هانم رياض كما طلبوا منا أن نكون ~~لجنة من السيدات تشترك معهم في تحقيق هذا المشروع، فحبذنا الفكرة، وقررنا في أول اجتماع لنا ~~وضع لائحة داخلية لهذه اللجنة، وكلفت سكرتيرة اللجنة بتحضيرها، بينما قامت الأعضاء بتجهيز ~~ما يلزم للعرض والبيع في سوق خيرية تقام لصالح المشروع. وأثناء ذلك قدمت السكرتيرة اللائحة، ~~فإذا بها تتضمن بنودا أو شروطا أوجبت ms062 تذمر أغلب الأعضاء، فانسحبن من عضوية اللجنة، ومن ~~ذلك مثلا ارتداء زي خاص بأعضاء اللجنة، وضرورة حصول كل عضو تريد الالتحاق بالجمعية على ~~تزكية من عضوين مع شهادتهما بحسن سيرها وسلوكها. وهكذا انفضت اللجنة ... وخاب أملنا في إيجاد ~~رابطة أدبية لتوجيه السيدات إلى ما يهذب أفكارهن وينهض بهن. # وكان من جراء ذلك أن حاز الرجال وحدهم شرف تحقيق هذا المشروع الحيوي العظيم، الذي كانت ~~المرأة أولى بالقيام به من الرجل! ... # | الفصل التاسع # بعد أن فشلت أول محاولة لإيجاد رابطة أدبية لتوجيه السيدات إلى ما يهذب أفكارهن وينهض ~~بهن، بقينا بعد ذلك نتلمس كل فرصة لتوجيه اهتمام السيدات إلى الأمور الاجتماعية، وذلك من ~~خلال دعوتهن لزيارة معارض الفنون الجميلة في أوقات محددة لهن. # وكان يقوم جماعة من الفنانين الإفرنج بعرض لوحاتهم وكذلك لوحات مشاهير الفنانين ~~الأوروبيين في معارض فنية سنوية بشارع المدابغ «شارع شريف الآن» لتنمية روح الفن في الأوساط ~~المصرية. وقد نجحوا في ذلك حتى إن الأمير يوسف كمال شجع هذه الروح بتأسيس مدرسة الفنون ~~الجميلة التي صادفت نجاحا باهرا، وانتهى الأمر بأن وضعتها وزارة المعارف تحت إشرافها، وقد ~~كانت هذه المدرسة أول معهد ساعد على إظهار استعداد المصريين وميلهم الفطري للفن ~~الجميل. # وفي ذلك الوقت ظهر كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة» الذي نبه الأذهان إلى وجوب خلق نهضة ~~عامة من خلال تثقيف المرأة وتحريرها. وكان كتابه الجريء بمثابة الحجر الأول في بناء أساس ~~تلك النهضة التي قابلها الرأي العام بعاصفة شديدة من الاستنكار والمقاومة. ولو أن تلك ~~العواصف قد أثرت في قاسم وهزته، إلا أنها لم تستطع أن تنال من رسالة الحق التي أداها في ~~جرأة وشجاعة ... وكم سمعنا في ذلك الوقت السيدات أنفسهن يستنكرن تصريحات قاسم أمين ومبادئه ~~رغم إنها كانت في صالحهن؛ لأنها كانت تظهرن في الثوب الحقيقي من عدم الكفاءة، وكان ذلك يجرح ~~كبرياءهن، فكن بذلك يذكرنني بالجواري عندما تعطي لهن ورقة العتق من الرق، إذ كن يبكين على ~~حياة العبودية والأسر ... # ولقد كانت صديقتي حرم ms063 رشدي بك موضع تقدير أصدقاء زوجها، ومنهم قاسم أمين بك والإمام الشيخ ~~محمد عبده وسعد زغلول باشا ومصطفى كامل باشا والشيخ عبد العزيز جاويش وغيرهم من رجالات مصر ~~المعدودين، وكانت كثيرا ما تقص علي ما يدور بينها وبينهم من الحديث، وكانت تعجب بآراء ~~قاسم أمين وشجاعته الأدبية، وفي الوقت نفسه تأسف لعدم تقدير مواطنيه له إلا القليل من ~~أصدقائه، كما كانت ترثي لتألمه من جحود مواطنيه لفضله وتخلي أصدق أصدقائه ومؤيدي مبادئه عنه ~~أثناء هبوب العاصفة التي أثيرت ضده عندما صرح بآرائه في تحرير المرأة. # لقد كانت صديقتي حرم رشدي باشا المثل الأعلى للمرأة المهذبة الكاملة، وكانت لا تطيق أن ~~ترى أي سوء تفاهم أو بغضاء بين أصدقائها أو معارفها ... وكان لها التأثير الكبير علي في ~~الصلح مع زوجي. # ولقد قدر لهذه السيدة أن تتلقى صدمات عائلية ومادية متتالية، فلم تقو على احتمال هذه ~~الصدمات نظرا لما كانت عليه من قلة المقاومة نتيجة مرض مزمن فضلا عن إرهاق نفسها ~~بالأعمال، فأضعف كل ذلك قلبها الطيب، وكان أن مرضت وتوفيت إثر عملية جراحية أجريت لها في ~~باريس في أكتوبر 1908. # وقد علمت من زوجي الذي كان بباريس في تلك السنة وقابلها هناك، أنني كنت شغلها الشاغل، ~~وإنها كانت تعرض عليها الأشياء التي كلفتها بها وهي على سرير المرض. وكان هذا دليلا على ~~الاهتمام والصداقة والمحبة. وقد كتبت لي عند دخولها المستشفى تقول: «دخلت المستشفى لتجرى لي ~~عملية جراحية صغيرة، فلا تجزعي إذا وصلك نبأ خاطئ بأنني قد مت، ولا تبكي علي كما رأيتك ~~تبكين عندما أشيع خطأ خبر وفاة الدكتور هيس.» # وجاءت وفاتها بعد وفاة الزعيم المعروف مصطفى كامل باشا الذي كانت تقدره وتناصر آراءه، ~~وكان مصطفى كامل أصدق أصدقاء أخي، ثم لحق بهما قاسم أمين نصير المرأة والصديق الحميم لسعد ~~زغلول باشا ورشدي باشا، فخسرت مصر ثلاثة من المجاهدين المخلصين في خدمة قضيتها. ومن غريب ~~الصدف أن شقيقي رزئ في أعز صديق لديه في الوقت الذي رزئت فيه في أعز صديقاتي ms064 وأحبهن إلي، ~~ومن شدة حزني عليها مرضت مرضا شديدا، أدى إلى إذعان زوجي أخيرا لمشورة الأطباء بسفرنا ~~إلى الخارج للاستشفاء في فرنسا، وهناك أدركت هول الفاجعة التي لحقت بي بفقدان صديقتي لما ~~لقيته من كل معارفها وأصحابها من العناية بي والاهتمام بأمري. # وأعود إلى قصتي ... فأقول إن صديقتي حرم رشدي بك باشا كانت من الذين أثروا في للصلح مع زوجي ~~الذي كان يسعى عند كل من يعرف أن له مكانة عندي ليطلب وساطته في ذلك، وكان أخي قد بلغ ~~الثامنة عشرة من عمره، وأرادت والدتي أن تزوجه فخطبت له كريمة عباس باشا الدرة مللي وبقي ~~زهاء سنتين خاطبا ممتنعا عن الزفاف، ولما كنت أعيب عليه هذا وأسأله عن السبب، كان يتهرب ~~من الرد، إلى أن قال لي علوي باشا يوما: إن أخاك قد أقسم ألا يدخل بعروسه إلا إذا عدت ~~لزوجك، وكان قد مضى على انفصالي عنه سبع سنين، فأدركت أن هذا فخ نصب لي، وأردت أن أمكر ~~عليهم فقلت له: «إن كان هذا هو السبب، فإنني مستعدة للصلح»، وانتشر هذا الخبر، وقوبل ~~بالارتياح من كل أفراد العائلة وبخاصة شقيقي الذي جاء ليشكرني، فقلت له لأجل خاطرك أقبل هذا ~~الصلح بشروط كنت أظن أن زوجي يرفضها ... وطلبت منه مقابل ذلك أن يستعد للدخول بعروسه. # واستقر رأي أخي على القيام بالاستعدادات اللازمة. وكان يفضل أن يتم الزفاف دون طنطنة أو ~~حفلات، وأن تعطى المبالغ التي ستصرف للفقراء والمعوزين. وقلت له: ما دام في إمكانك عمل هذا ~~وذاك ففي الأمرين صدقة، لأنك بإقامة الأفراح ستحسن إلى الكثيرين من العمال المساكين ~~كالفراشين والطهاة، وستطعم الفقراء، فتصدق وأقم أفراحا تتحدث بجمالها وروعتها الناس ~~أعواما طويلة. فضحك لقولي هذا، ووعدني بتنفيذ رغباتي، وقد نفذها فعلا، وقد وصف ليالي ~~الفرح صديقنا شاعر القطرين خليل بك مطران في افتتاحية العدد الثالث والعشرين من المجلة ~~المصرية الصادر يوم أول مايو 1902. # وبعد أن تزوج شقيقي، ظننت أنني وفقت إلى لعب الدور الذي أردته، وأنه سيمكنني بعد ذلك أن ~~أماطل ms065 حتى يسأم زوجي كثرة المماطلة ويكف عن المطالبة برجوعي إليه فيتركني وشأني، ولكني رأيت ~~مع الأسف أن بقائي في المنزل سيكون سببا في شقاء أخي، لأنني لاحظت أن زوجته لم تكن تنظر ~~بعين الرضا إلى كثرة زياراته لي وعطفه الكبير علي، فرأيت من الواجب علي أن أضحي بنفسي ~~من أجل سعادة أخي وراحته، فقبلت الصلح مع زوجي الذي أظهر استعداده لتنفيذ ما طلبته وشملني ~~بعطفه واحترامه الشخصي. وعشنا كذلك بضع سنوات رزقت خلالها بابنتي «بثنة» وابني «محمد» ... ~~وكادت حياتي تكون هادئة، لولا أن ابنتي التي ولدت هزيلة اعتراها مرض في الشهر العاشر من ~~عمرها بعد أن تحملت في سبيل تغذيتها وتقويتها أنواع العذاب، كنت قد عاهدت نفسي أن أغذيها ~~بلبني لكي لا يشاركني في حبها أحد، ولكن للأسف لم يمكنني ذلك لشرود اللبن مني. وكانت تلك ~~السنة شحيحة بالمرضعات فالتزمنا تغييرهن الواحدة بعد الأخرى. وكان أن ساءت صحة طفلتي وبخاصة ~~بعد أن انتابتها حمى شديدة، وقد اختلف الأطباء حول حقيقة مرضها، وإن كانوا قد اتفقوا على ~~ضرورة تغيير الهواء لها، ولكن والدها كان يكره التنقل لكثرة مشاغله، فاستحسن أن نأخذها إلى ~~«الذهبية» التي كانت راسية بجانب الجزيرة الصغيرة. وبعد أن وصلنا وذهبت المرضعة بالطفلة إلى ~~فراشها في آخر الذهبية، بينما كنت أتهيأ لخلع إزاري. إذا بنور شديد يملأ الأرجاء، وإذا ~~بزوجي يندفع في اللحظة نفسها ممتقع الوجه قائلا: اخرجي حالا وألقي بنفسك في النيل وأنت ~~تعرفين السباحة ... لأن الذهبية تلتهمها النيران. فلما سمعت ذلك، اندفعت إلى غرفة ابنتي ~~وأخذتها وضممتها إلى صدري وجريت نحو الباب الخارجي، فرأيت النيران تلتهم «التندة»، فخرجت من ~~تحتها منحنية على ابنتي حتى لا يمسها اللهب الذي كنت أشعر بحرارته فوق ظهري، إلى أن صعدت ~~إلى أعلى الشاطئ. وتزاحم الناس حولنا وكان الشبان من أولاد الذوات يتغامزون علينا، وأعين ~~السوقة على الحقيبة الصغيرة ظنا منهم أنها تحتوي مجوهرات أو أشياء ثمينة، فصرخت فيهم ~~جميعا: «هل فقدت المروءة أنصارها حتى لا تسعفونا أو تقدموا لنا عربة؟ بئست ms066 مصر بأمثالكم» ~~فقدم لنا أحدهم عربته، فحملت ابنتي والمرضعة إلى البيت، بينما بقيت أنا لأطمئن على ~~زوجي. # أذكر هذا الحادث متألمة؛ لأن بعض شبابنا ما زال حتى اليوم لا يحركه شيء إلا ما كان لغرض ~~شخصي. أما المشاعر الإنسانية فهي ضعيفة أو تكاد تكون معدومة لدى كثير منهم، وهذا أمر يؤسف ~~له ولا سيما في زمن يجب أن يعيش فيه الفرد للمجموع والمجموع للفرد، تحقيقا للرابطة الأدبية ~~والمعنوية التي تؤلف بين العواطف والمصالح العامة. # وعندما عدت إلى البيت. ولن أنسى تلك الليلة المفزعة الرهيبة التي قضيتها بجنب ابنتي ~~الحبيبة بين اليأس والرجاء، إلى أن جاء الدكتور هيس في الصباح. وعندما رآها، ارتمى على ~~الكرسي وهو يقول: الحمد لله ... إنها لا تزال على قيد الحياة. # وأذكر أن الدكتور هيس كان طيب القلب، كريم النفس، يحب الأطفال الذين خرجوا إلى نور الحياة ~~على يديه محبة الوالد العطوف على أولاده. كذلك فإنني أذكر له بالشكر دائما خدماته ~~الإنسانية كلما كنت أقصده في عيادته بعض الفقراء في بيوتهم وأكواخهم، فقد كان يلبي طلبي في ~~أية ساعة من الليل أو النهار، وأكثر من ذلك أنه كثيرا ما كان يدفع من جيبه ثمن الأدوية إذا ~~لمس فقرهم وعجزهم عن شرائها. # وقد ظلت ابنتي تعاني من ضعف شديد لعدة سنوات. وكانت كلما أصيبت بمرض شديد اشتدت وطأته ~~عليها بسبب ضعفها. وفي كل مرة كان الأطباء يشيرون علي بضرورة سفرها إلى أوروبا لاعتقادهم ~~بأن تغيير الهواء يفيدها وكان والدها يرفض رفضا باتا إلى أن ساءت حالة ابنتي ذات مرة ~~وعيل صبري، فهددت زوجي بالافتراق عنه إذا تسبب عن رفضه هذا وفاة ابنتي دون أن نقضي على هذه ~~المصيبة. وانتهى الأمر أن أذن لي بالسفر إلى الآستانة. # كانت هذه هي أولى أسفارنا للخارج. وقد سافر معنا الباشا لتوصيلنا على باخرة روسية صغيرة ~~اسمها «تزاريستا» وقد بدأت صحة «بثنة» تتحسن منذ ثاني يوم لوجودنا على المركب، فأخذت تجري ~~هنا وهناك ويلاطفها جميع الركاب. # وكنت أتوق لرؤية تركيا لما كنت أسمعه ms067 عن جمال الطبيعة ورفاهية الحياة فيها. وقد صادف ~~وصولنا غروب الشمس وفي بوغاز استنابول الجميل كانت الشمس تلقي بأشعتها الجميلة الأخيرة على ~~«قرن الذهب» فتنعكس تلك الأشعة على المآذن البيضاء وقباب المساجد الكبيرة فوق بساط سندسي من ~~الخضرة. # وكان بشير آغا قد استأجر لنا منزلا على الطريق المرتفع اتقاء تأثير الرطوبة في صحة ~~الطفلة وبناء على طلب الطبيب فقد ركبنا إليه عربة مغطاة بخيمة صغيرة من تلك التي يطلق عليها ~~اسم عربات المهاجرين «مهاجر عربة س». ولم تستطع العربة أن تواصل بنا الطريق فصعدنا أكثر من ~~نصفه على أقدامنا حتى وصلنا المرتفع «البقوش»؛ حيث كان البيت، وكنت أظن أنني سأجد فيه كل ~~أسباب الراحة، ولذلك شد ما كان تأثري عندما وجدته بيتا له حديقة صغيرة وكدت أتركه في الحال ~~لولا وجود ابنتي ووالدتي معي، ولذلك رأيت أن نقضي به الليلة وفي نيتي أن أغادره عند طلوع ~~الشمس لأبحث بنفسي عن منزل آخر أفضل منه. ولكن ما إن بزغ الفجر حتى رأيت منظرا من أبدع ~~المناظر الطبيعية التي رأتها عيناي فقد رأيت البوسفور ممتدا أمامي في شكل شريط تحده من ~~الجانبين مرتفعات مكسوة بالخضرة وتتناثر عليها أكشاك صغيرة مغطاة بالجمالون الأحمر أو ~~الأسود وتتخللها قصور بيضاء أعدت دورا للسفارات الأجنبية على شكل نصف دائرة تطل على المضيق ~~الموصل للبحر الأسود. كذلك رأيت المنزل محوطا بحديقة لطيفة تحوي أشجارا مثمرة أو مزهرة، ~~وقد ذكرتني شجرة منها محملة بالمشمش بتلك الشجرة التي كنت أحبها في منزل والدي، واقتلعوها ~~بسبب زفافي! ... # وتبين لي أن هذا المنزل هو أفضل منزل في المنطقة المرتفعة وقد وطنت نفسي على البقاء فيه ~~وبدأت أنظمه قدر المستطاع، وغادرنا الباشا للرجوع على الباخرة نفسها عند عودتها. وبقيت مع ~~والدتي وابنتي وسيدة شركسية من معاتيق الخديوي إسماعيل باشا أبت إلا أن ترافقني في رحلتي ~~بعد أن رفضت خادمتي أن تصحبني؛ لأن لها ولدا لا يمكنها أن تبتعد عنه زمنا طويلا. ولقد ~~أفادتني هذه السيدة كثيرا وقدمت لي خدمات كبيرة لا أنساها. ms068 وكان اسمها «مهرماه هانم» وكانت ~~كبيرة قالغوات «وصيفات» سراي إسماعيل باشا ... وكانت حائزة رتبة باشجاويش، ووظيفتها في ~~الحفلات والمواسم أن تسير أمام والدة باشا وبيدها صولجان طويل. وعندما تدخل الوالدة غرفة ~~استقبالها وتجلس تلقي أمامها مهرماه هانم خطبة التعظيم المعتادة، ثم تقف إلى جانبها. # كانت هذه السيدة تتردد علينا وتحب ابنتي كثيرا ولكن حبها تحول كلية بعد ذلك إلى ابني ~~«محمد» حتى صارت تزاحمني في حبه. # وقد بقينا في استنابول ببيوك دره ثلاثة أشهر، وكان يعالج ابنتي طوال هذه المدة طبيب ~~إيطالي اختصاص في أمراض الأطفال. ورغم أنه كان ذائع الصيت، فإن ابنتي كانت تتحسن فترة، ثم ~~لا تلبث أن تسوء أضعاف هذه الفترة، ولذلك أمضيت فترة وجودي في إسطنبول دون أن أحظى برؤية ~~آثارها ومعالمها، وأذكر أنني لم أنزل إلى المدينة إلا مرة أو اثنتين لشراء بعض لوازمنا ~~الضرورية، وقد لفت نظري تزاحم الكلاب في الشوارع والأزقة لدرجة يتعطل معها السير، وعندما ~~سألت عن سر هذه الظاهرة العجيبة، قيل لي: إن الخليفة يحمي هذه الكلاب ويتبرك بها، ولذلك ~~أجرى عليها راتبا خاصا من الجراية. كذلك فقد استرعى انتباهي السوق الكبيرة «أوزوث جارشي» ~~وهي تشبه سوق خان الخليلي في مصر، وكنا نرى السيدات التركيات يجبن السوق في المآزر الحريرية ~~المختلفة الألوان وعلى وجوههن النقاب الأسود. # وعندما رأيت أنه لا فائدة من إطالة البقاء، رجعت إلى وطني وأنا أكثر بؤسا مني عند السفر ~~إلى تركيا التي غادرتها دون أن أعرف عنها أكثر من بيوك دره والبوسفور، وأذكر هنا أن الطبيب ~~الإيطالي الذي كان يعالج ابنتي هناك، رفض أن يتقاضى أتعابا؛ لأنه لم يوفق لشفائها، فوضعت ~~النقود في جيبه عند نزوله من المركب دون أن يشعر؛ حيث كان قد أتى ليوصلنا إلى ~~الباخرة. # | الفصل العاشر # عدت إلى مصر واليأس يملأ قلبي، إن السفر لم يغير شيئا بالنسبة لابنتي، والطبيب الإيطالي ~~أعلن في نهاية الأمر، وبينما كنت أحارب الموت في ابنتي لدرجة يتألم معها كل من حولي لحالي ~~وحالها، أتت صديقتي حرم رشدي ms069 باشا ذات يوم مهللة مستبشرة، وقالت لي: لقد حضر من فرنسا طبيب ~~أخصائي في أمراض الأمعاء وهو «الدكتور هويس »، وسوف أحضره معي ليرى بثنة، وأنا متفائلة ~~بقدومه خيرا. # وشكرتها، ولكنني كنت في الحقيقة غير مبالية بما تقول بعد أن استولى اليأس علي تماما، ~~وجاءت في اليوم التالي ومعها الطبيب الذي فحص ابنتي، ثم قال لي: إن مرض هذه الطفلة ناشئ ~~أغلبه من الجوع، وسوف تموت من الضعف إذا داومتم على اتباع الحمية معها؛ لأن لكل شيء ~~حدا. # ولا أستطيع أن أنسى منظرها في هذه اللحظة وهي تتطلع إلى الطبيب بابتسامة شاحبة ~~هزيلة. # وسألني الطبيب عن تلك الأمراض التي اعترتها من يوم ولادتها. ولما عرف بأمر الحمى التي ~~كانت تعتريها، قال: لا شك في أن الملاريا هي التي تسبب كل هذه المضاعفات. ووصف لها العلاج ~~اللازم للملاريا، وأمر بتغذيتها، وقد نجحت طريقته وصرت ألجأ إلى اتباعها كلما اقتضى ~~الحال. # بقيت كذلك مع ابنتي حتى بلغت السادسة من عمرها. وانقطعت عن كل شيء طوال هذه المدة تفرغا ~~لعلاجها ومحاربة الموت فيها. فانفضت بعض صديقاتي من حولي وغضب بعضهن الآخر لانقطاعي عنهن. ~~وكن ينادينني «أم بثنة» رغم أنني رزقت بولدي «محمد» بعد ولادتها بسنتين ونصف سنة. # كذلك فقد كنت أرى زوجي يمتعض أحيانا لانشغالي عنه بابنتي التي كنت مجنونة بها، وكان يخيل ~~إلي أنها إذا ماتت فإنني لا بد أن أموت معها حزنا عليها، وتعلقت بي الطفلة وأحبتني لدرجة ~~إنها كانت لا تحتمل البعد عني دقائق، حتى كان يضرب بحبنا المثل في البيت، ومن شدة حبها لي، ~~لم تكن تخالف لي أمرا في شيء، وكثيرا ما كنت أقسو عليها في اتباع الحمية بسبب مرضها مدة ~~أشهر، وكثيرا ما كنت أتناول طعامي وهي تنظر إلي دون أن تجرؤ على أن تطلب مني شيئا من ~~الطعام؛ لأنها كانت تفهم أن ذلك في صالحها، وكانت إذا عرضت عليها إحدى المربيات شيئا مما ~~تحب في غيابي، رفضته وفاء لوعدها لي. وإذا رأتني أعطي شقيقها قطعة من الحلوى، ms070 تبسمت وهي ~~تنظر إلينا ثم تقول لي: «ماما ... أعطني أنا أيضا نصيبي من الحلوى»، ثم تمد إلي فمها ~~وتقبلني . وكانت هذه القبلة عندها بمنزلة الحلوى. # وكان من في البيت يلومونني على عدم تجنب الأكل أمامها ويعتبرون ذلك قسوة مني، إلا إنني ما ~~كنت أفعل ذلك إلا لأربي فيها قوة الإرادة والأمانة وكبح جماح النفس. وأظنني نجحت في ذلك ~~كله، إلا في إرغامها على تعاطي الدواء؛ لأنها سئمت كثرة تعاطيه. # وأذكر أنني كنت أتوسل إليها يوما أن تتناول جرعة من زيت الخروع، وسرت وراءها من غرفة ~~لأخرى والملعقة في يدي، وفي النهاية هربت مني إلى غرفة شقيقها، وتقدم هو لكي يساعدني في ~~إقناعها بوجوب تناول الشربة، ولما لم يفلح هو أيضا، قال لها بلطف: «انظري يا أبلة بثنة كيف ~~يمكنني أن أشرب الشربة دون امتعاض.» وظننته يمزح، فقربت الملعقة من فمه، وكم كانت دهشتي؛ إذ ~~شربها دون تردد لتحذو أخته حذوه. فأكبرت فيه روح التضحية وهو أصغر منها سنا ... ومع ذلك ~~فإنها لم تشرب الشربة! # ولقد ربيت ابنتي وابني عن طريق الإقناع، فلم أنهرهما أبدا وأستعمل الغلظة معهما حتى ولو ~~وقع من أحدهما خطأ يستوجب ذلك؛ بل كنت أحاول إقناعه بخطئه في لطف حتى يقتنع ويشعر بشيء من ~~الخجل فلا يأتيه ثانية من نفسه، وبذلك أمكنني أن أبث فيهما روح تقدير المسئولية وتحملها ~~بأهداب الأمانة والصدق، وقد شبا على هذه الصفات وتطبعا بهذه الفضائل، وشجعني ذلك على المضي ~~في هذه الطريقة التربوية الصحيحة التي لا تتطلب من الأم إلا قليلا من الصبر والتفرغ لأقدس ~~الواجبات. # بعد أن تحسنت صحة ابنتي واطمأننت عليها وعلى أخيها. وبدآ حياتهما الدراسية، أخذت أعود إلى ~~حياتي الأولى من مخالطة صديقاتي، وبخاصة بعد وفاة صديقتي مدام رشدي باشا التي كنت أعتمد ~~عليها في كثير من أموري والتي كانت تملأ الفراغ الذي أحدثه ابتعادي عن الناس لانشغالي ~~بابنتي، وقد اضطررت إزاء ذلك أن أعتمد على نفسي، وألا أنتظر من أحد أي معونة. # وفي هذه الأثناء، حضرت من أوروبا ms071 آنسة فاضلة تدعى «مدموازيل مارجريت كليمان» وقد مرت بمصر ~~في طوافها حول العالم منتدبة من نادي السياحة لمؤسسة كازنيجي ، وقد أرسلها إلي صديقنا ~~المرحوم علي بك بهجت؛ حيث أرادت أن تتعرف بسيدات مصريات، فقمت بواجبي نحوها ودعوتها ذات ~~ليلة إلى الأوبرا الخديوية، وبينما كانت تحدثني عن جولاتها والخطب التي كانت تلقيها في ~~مختلف البلاد، سألتني عما إذا كانت سيداتنا يتلقين محاضرات أو يحضرنها، فلم يمكنني إلا ~~مصارحتها بالحقيقة وهي أن شيئا من ذلك لم يحدث بعد، وسألتها أن تلقي علينا محاضرة عن ~~المرأة الشرقية والغربية في مسألة الحجاب، فقبلت على أن تكون المحاضرة تحت رئاسة إحدى ~~السيدات الكبيرات سنا ومقاما؛ لأن سني إذ ذاك لم تكن تسمح بذلك. # فوعدتها بالبحث غير آملة في إقناع والدتنا بترؤس بهذه الحفلة، ولكن ساعدني الحظ في تلك ~~الليلة نفسها، إذ قابلت وأنا خارجة من مقصورتي «الأميرة عين الحياة أحمد»، وكنت أحبها ~~وتحبني، فتقدمت إليها وعرضت عليها المشروع ورجوتها أن تقبل رئاسة الاجتماع، فقبلت من غير ~~تردد وأخذت على عاتقي إيجاد القاعة المناسبة وإعداد تذاكر الدعوة وتوزيعها بأسرع ما يمكن، ~~وعندما عدت إلى المنزل عرضت الأمر على زوجي فاستصوب أن يكون الاجتماع في إدارة «الجريدة» أو ~~بإحدى صالات الجامعة التي كانت في منزل خيري باشا «الجامعة الأمريكية الآن»، وقد فضلت ~~الأخيرة وطلبناها من المرحوم علوي باشا وتحدد للاجتماع يوم الجمعة 15 يناير 1909 لتكون ~~الجامعة خالية من المعلمين والطلبة، وكانت الجامعة إذ ذاك تحت رئاسة سمو الأمير أحمد فؤاد ~~«الملك فؤاد فيما بعد»، وكانت هذه أول محاضرة ألقيت على جمع من السيدات في الجامعة المصرية، ~~وقد لقيت نجاحا وتقديرا شجعاني على أن أطلب من «الآنسة كليمان» أن تعود إلينا بعد ذلك ~~لتلقي سلسلة محاضرات مفيدة على سيداتنا، وبخاصة بعد أن رتب سمو الأمير محاضرات خاصة للسيدات ~~في أيام الجمع. # وقد تكون هذه مناسبة طيبة للحديث عن إنشاء الجامعة الأهلية ... ففي سنة 1905 نشرت الصحف ~~مقالات ومناظرات لكثير من المفكرين عن أيهما أنفع للقطر المصري في ms072 الحالة التي كان عليها ... ~~الكتاتيب أم مدرسة كلية عالية ... وقد اشترك في هذه المناقشات كثيرون من أصحاب الفكر ~~والأقلام. أما الخطوة الأولى الأساسية والعملية فقد بدأها مصطفى بك كامل الغمراوي الذي رأى ~~حاجة البلاد إلى المحصول العلمي ووجوب توفيره في مصر توفيرا للجهود والإنفاق على طلاب ~~العلم في أوروبا. # ففكر في إنشاء جامعة تضم كليات مختلفة مثل جامعات أوروبا، وفكر في الدعوة لمشروع الجامعة ~~والتبرع لها؛ حيث نشر نداء في الصحف المحلية العربية والإفرنجية داعيا لهذه الفكرة في 30 ~~سبتمبر 1906، وقد بادر المرحوم أحمد شفيق باشا فاكتتب بخمسمائة جنيه. # وكان الخديوي عباس راضيا عن هذا المشروع، ما شجع على عقد أول اجتماع لمناقشته في دار سعد ~~زغلول باشا وكيلا، وقاسم بك أمين سكرتيرا، وحسن باشا سعيد أمينا للصندوق، وعضوية مصطفى ~~بك كامل الغمراوي ومحمد بك عثمان أباظة ومحمد بك راسم وحسن بك جمجوم وحسن باشا السيوفي ~~وغيرهم. وكان المعتمد البريطاني اللورد كرومر يحارب كل ما من شأنه تقدم البلاد، فنادى بأن ~~تعميم التعليم الابتدائي أهم من ذلك، وأن الأمة أحوج إليه من التعليم الجامعي، بل إنه ذهب ~~في محاربة المشروع إلى حد تعيين سعد زغلول باشا وزيرا للمعارف بقصد إبعاده عن الاشتغال ~~بأمر الجامعة. # وقد قام قاسم بك أمين بمجهودات عظيمة لنجاح المشروع؛ حيث قابل الخديوي وعرض عليه أن يتولى ~~رعاية المشروع فقبل الخديوي، وانتهى الأمر بتعيين الأمير أحمد فؤاد رئيسا لمجلس الجامعة ~~عام 1907، ومن أعضائها محمد علوي باشا وعبد الخالق ثروت باشا وإسماعيل صدقي باشا ويعقوب ~~أرتين باشا وإسماعيل حسنين باشا ومرقص فهمي بك وعلي بهجت بك والسير جاستون ماسبيرو. وهكذا ~~خرجت الجامعة المصرية إلى عالم الوجود. # وكان في مقدمة المتبرعين لهذا المشروع: الأميرة فاطمة كريمة الخديوي إسماعيل التي تبرعت ~~بستة أفدنة ووقفت ستمائة فدان ليصرف من إيرادها على شئون الجامعة بالإضافة إلى جواهر قيمتها ~~ثمانية عشر ألف جنيه، وتخليدا لفضلها كتب على مدخل كلية الآداب تلك العبارة التي ما زالت ~~موجودة حتى الآن وهي: هذه من آثار حضرة ms073 صاحبة السمو الأمير فاطمة إسماعيل. # وهناك أيضا الأمير يوسف كمال، وأحمد بك الشريف، وحسن باشا زايد وهو من سراة المنوفية. ~~وقد أوقف عزبة سراوة ومساحتها ستون فدانا على الجامعة، ومن أجل ذلك انتقل مجلس إدارة ~~الجامعة المصرية برئاسة الأمير أحمد فؤاد إلى قصر حسن باشا زايد لتقديم الشكر له رسميا في ~~15 أبريل 1908، وألقى خطبة بهذه المناسبة، ورد الأمير فؤاد على خطبة حسن باشا زايد بكلمة ~~تقدير. # وقد افتتحت الجامعة المصرية يوم 21 ديسمبر سنة 1908 في احتفال عظيم تصدره الخديوي ~~إسماعيل، وكان في استقباله رئيس الجامعة الأمير أحمد فؤاد وأعضاء مجلس الجامعة ورئيس مجلس ~~الوزراء والوزراء وعلية القوم. وألقى الأمير فؤاد كلمة في هذه المناسبة الوطنية السارة. ~~وبارك الخديوي باكورة النهضة العلمية التي أذنت بفتح باب التعليم العالي أمام أبنائنا ~~وبناتنا. # والحقيقة أن هذا اليوم كان يوما مشهودا في تاريخ مصر؛ لأن افتتاح الجامعة تحقق بعد حرب ~~لا هوادة فيها بين اللورد كرومر من ناحية وبين المفكرين وأولي الأمر من ناحية أخرى، ويعد ~~ذلك انتصارا لإرادة الأمة على إرادة المستعمر الذي كان يحاول بكافة الوسائل وضع العراقيل ~~أمام تقدم العلم في بلادنا. ويعمل على تخلف أولادنا عن ركب العلم والمعرفة. # وجدير بالذكر أن السيدة ملك حفني ناصف التي اشتهرت باسم «باحثة البادية»، والتي كانت ~~تكتفي من قبل بإعلان آرائها في الجرائد فقط، قامت بإلقاء سلسلة محاضرات مفيدة في الجامعة ~~وفي صالة «الجريدة» التي كان يرأس تحريرها أحمد لطفي السيد بك. # كانت زيارة «الآنسة كليمان» هي بداية توثق الصلة بيني وبين الأميرة عين الحياة أحمد، ~~وأذكر أن الأميرة كانت قد تأخرت عن موعد حضورها ذلك اليوم، فتأخر بدء المحاضرة عشر دقائق، ~~ولما لم تحضر، بدأت المحاضرة حديثها، وكنت قد أجلست بعض قريباتي في مقاعد الصف الأول الذي ~~كان محجوزا للأميرة، ثم لم تلبث أن أقبلت الأميرة، ورأتها قريباتي فأخلين لها المقاعد، ~~ولما رأت السيدات الحاضرات ذلك، قمن جميعا مثلنا، وهنا سكتت المحاضرة عن الحديث وقامت هي ~~الأخرى معتقدة أن هذه ms074 هي تقاليدنا، فأسفت الأميرة؛ لأنها سببت كل هذا الانزعاج واعتذرت ~~للآنسة المحاضرة عن تأخيرها، وهنا رجوت الآنسة كليمان أن تبدأ محاضرتها من جديد. # ولقد كان هذا الحادث موضع انتقاد بعض السيدات الأجنبيات؛ لأن المحاضر عندهن لا يجوز أن ~~يقاطع حديثه أو يقف مهما كان مركز القادم، ولكن العذر أن هذه كانت أول محاضرة تلقى على ~~سيداتنا، وهن لم يتعودن مثل هذه الاجتماعات. # وبعد مضي أيام من محاضرة الآنسة كليمان وصلتني دعوة للشاي من الأميرة عين الحياة أحمد ~~للتعارف بين الليدي كرومر الجديدة والسيدات اللاتي ساعدن في إنشاء مستوصف الليدي كرومر ~~الأولى، ولكنني اعتذرت لأنني لم أشترك في تلك المساعدة، وكانت والدتي هي التي فعلت ~~ذلك. # وبعد فترة قصيرة أرسلت الأميرة تطلبني لمقابلتها معتذرة بمرضها، فبادرت بتلبية الدعوة ~~وقابلتني في فراشها، وبادرتني قائلة: «لقد فهمت حقيقة المشاعر التي منعتك من حضور الحفلة ~~التي أقامتها الليدي كرومر. والحقيقة أنني أشعر بالخجل من عدم قيامنا نحن المصريات بمشروع ~~جليل كهذا، وكان الواجب علينا أن نكون سباقات في هذا الميدان، ولذلك فكرت في تأسيس مستوصف ~~تكتتب لإنشائه الأميرات والسيدات المصريات فنكون قد أدينا خدمة للوطن والإنسانية.» # فأثنيت على هذه الفكرة، ثم سمحت لنفسي أن أقترح على الأميرة تأسيس مدرسة لتعليم البنت ما ~~يلزمها من واجبات الأمومة مثل العناية بصحة الطفل وتربيته وترتيب المنزل؛ لأن الداء لا بد ~~أن يعالج من أصله، والمستوصفات وإن كانت تأتي بفائدة عظيمة إلا أنها فائدة وقتية، وما دامت ~~الأم جاهلة، فلا يرجى من العلاج الوقتي شيء يذكر، بل يجب استئصال الداء من أساسه ... ووعدت ~~الأميرة باشتراكي معها قلبيا وعلميا في تحقيق هذا الغرض، إذا وعدتني بأنها ستفكر في ~~إنشاء مدرسة كهذه لتربية أمهات المستقبل حتى يمكننا تحقيق الغاية المنشودة من «المبرة»، ~~فوعدتني بذلك. # ولما كان هذا المشروع يحتاج إلى مصروفات طائلة واستعدادات هائلة، فقد قالت: إنه لا مانع ~~من أن نقوم من الآن بتحقيق هذا المشروع، ثم أضافت قائلة: إن لي غاية أبعد من ذلك، وهي تنمية ~~روح التعاون ms075 والتعاضد بين الأميرات والسيدات المصريات، وأن يكون هذا العمل مبنيا على أساس ~~العاطفة الإنسانية القومية. # وبعد أسبوع، دعيت للاجتماع الأول في الدار التي كانت تسكنها بشارع الدواوين، فوجدت عددا ~~كبيرا من الأميرات وكرائم السيدات المصريات. وبعد أن تناولنا الشاي وتعارفنا تشكلت لجنة من ~~الأميرة نازلي حليم رئيسة، والأميرة عين الحياة أحمد أمينة للصندوق، ومدام فوكيه وإحدى ~~الأميرات سكرتيرتين، وبعض الأعضاء من باقي السيدات، واكتتبت كل واحدة منا بمبلغ لا يقل عن ~~خمسين جنيها. وأخبرتنا الأميرة أن سمو الأميرة والدة الخديوي ستتبرع بمبلغ كبير وبمئة ~~وعشرين جنيها سنويا، وأن الخديوي عباس حلمي الثاني وقريتنه سيشتركان في هذه المبرة. ثم ~~وزعت علينا طوابع عليها رسم امرأة تضم إليها طفلة فقيرة من فئة القرش صاغ لنبيعها ونضيف ~~حصيلتها على التبرعات لتكون رأس مال الجمعية، كما قررت توزيع بعض هذه الطوابع على المديريات ~~والمحافظات والمراكز والوزارات للمساعدة في رأس مال الجمعية، وتم توريد الحصيلة للأميرة عين ~~الحياة. # ثم حدث أن سافرت الأميرة بعد ذلك في فصل الصيف للاستشفاء في أوروبا، وكان قد اعتراها ~~المرض الذي قضى على حياتها الغالية ولم تكن قد جاوزت إذ ذاك الخمسين من عمرها، فكان لوفاتها ~~حزن عميق في نفسي؛ لأني كنت أحبها وأقدرها لفرط ذكائها ورقة حاشيتها وطيبة قلبها ووداعة ~~نفسها. # وفي ذات ليلة رأيتها في منامي وقد دخلت علي وأنا في غرفة دراستي مدة طفولتي في بيت ~~والدي مرتدية ثيابا سوداء وخلفها كريمتها الأميرة كاظمة تحمل على يديها وسادة صغيرة فوقها ~~كتاب مقفل، فتقدمت لتحيتها، وبعد أن ردت علي التحية، التفتت إلى كريمتها وأخذت منها ~~الوسادة وما عليها وسلمتها إلي صامتة. # ولما كنت أعتقد في الأحلام، فقد فسرت هذا بأنها تعهد إلي بتحقيق مشروعها وتأتمنني عليه ~~... فقررت في نفسي أن أبذل كل جهدي من أجل تنفيذ رغبتها وفاء لها، وكانت الأميرات بعد وفاتها ~~قد أظهرن فتورا نحو تحقيق هذا المشروع، وبخاصة عندما طلبن من نجلها الأمير كمال الدين حسين ~~المبالغ التي كانت لديها من حصيلة التبرعات وبيع الطوابع، ms076 فطلب منهن إثبات ذلك، ولما لم يكن ~~لديهن أي مستند، فقد داخلهن اليأس ... ولكني قلت لهن: إنه لا بد من استرداد هذه المبالغ، ~~وإنني لا أشك في أنها قد أثبتتها في الأوراق التي تركتها، وكان هذا يتطلب وجود مندوبة تتردد ~~على الدائرة وتبحث مع الكتاب والموظفين في الدفاتر، وقد اخترت لذلك صديقة فرنسية لها دراية ~~بإمساك الدفاتر ومعروفة بالأمانة والصدق، وقبلت القيام بهذه المأمورية بلا مقابل إكراما ~~لخاطري، واستطاعت أن تثبت لنا الحق في ثلاثة آلاف من الجنيهات، دفعها لنا الأمير دون تردد. ~~وأمكننا بذلك إنجاز المشروع باستئجار منزل صغير في شارع البراموني، مجهز بكل اللوازم التي ~~يتطلبها المستوصف. ولا يزال المستوصف موجودا إلى الآن يقوم بأجل الخدمات الإنسانية، وهو ~~المعروف باسم «مبرة محمد علي». # وقد أقمنا فيما بعد عدة حفلات بهدف جمع مبالغ جديدة لدعم المبرة، وقد ساعد دخل هذه ~~الليالي الشرقية على نمو رأس مال الجمعية، فأبديت للجنة اقتراحي بشأن إنشاء مدرسة لتربية ~~أمهات المستقبل. وقصصت عليهن ما دار بيني وبين المرحومة الأميرة عين الحياة عند قيامها ~~بتنفيذ مشروع المبرة. فأيدت وجهة نظري معظم الأميرات والسيدات، واعتمدت اللجنة مبلغا لشراء ~~منزل لهذا الغرض. ووفقت إلى منزل كبير بشبرا مساحة فدان ... وهو مبني على طراز القصور القديمة ~~ويفي بالغرض ولا يتطلب إلا بعض التعديلات والترميمات. وقد اشتريناه بمبلغ 2200 جنيه، وكلفنا ~~المرحوم المهندس محمود باشا فهمي بترميمه، وقمنا من جانبنا بإعداد ما يلزمه لاستكمال أثاثات ~~المدرسة. # ولا يسعني إلا أن أذكر الهمة العظيمة التي كانت تبذلها الأميرات والسيدات المصريات أعضاء ~~هذه الجمعية للقيام بواجبهن الإنساني، وكان لي شرف رئاسة اللجنة العاملة فيها، وكانت ~~الأعضاء يحضرن كل جلسة تعقد أسبوعيا ويعتنين بصحة البؤساء من أولاد الفقراء وأمهاتهم، ~~جاعلات نصب أعينهن العناية بأولاد الشعب. كذلك فقد تطوع بعض الأطباء المصريين والأجانب لهذه ~~الخدمة الإنسانية بالمجان. وكانت الخدمات الطبية تجري تحت إشراف الأميرات والسيدات أعضاء ~~اللجنة اللاتي كن يحضرن بالتناوب في أيام محددة. # | الفصل الحادي عشر # في صيف عام 1909، سافرت إلى أوروبا ms077 لأول مرة وقد قصدنا إلى فرنسا نزولا على مشورة ~~الأطباء للاستشفاء. وكان معنا في هذه الرحلة أخي وزوجته وأولاده ووالدتي. # وقد أبحرنا على إحدى البواخر الألمانية، وسارت بنا في هدوء واتزان إلى أن اقتربنا من ~~نابولي، وكنت أتوق لرؤية هذا الميناء الذي طالما شوقتني خالتي إليه بوصفها الجميل له، ~~وعندما أوشكت السفينة على الرسو، أبصرنا زوارق صغيرة ملأى بالمغنين والموسيقيين يوقعون ~~الأغاني الشعبية ابتغاء عطف المسافرين عليهم بدراهم قليلة. # وكم كان مؤثرا وغريبا ومسليا في وقت واحد منظر تلك الزوارق تحوط بها أسراب من الأطفال ~~الصغار يسبحون في الماء كالأسماك في انتظار عطايا المسافرين. فإذا ما ألقى إليهم أحد ببعض ~~الليرات، غاصوا جميعا في الماء لالتقاطها. بينما يطوف بعض الباعة الجائلين بالمركب ليبيعوا ~~الصدف والمرجان وأنواع الأنتيكات والحلي وغيرها. # وعندما رأينا حال أهل تلك المدينة، لم نشعر بأننا بعدنا كثيرا عن الشرق، إذ كنا نرى ~~الأطفال حفاة عراة الرءوس ليسوا على جانب كبير من النظافة كما كان الحال في بعض البلدان ~~الشرقية، كذلك فقد كنا نشاهد في بعض الطرقات الملابس المغسولة منشورة في النوافذ والشرفات، ~~وأحيانا على حبال مشدودة بين منزل وآخر بعرض الشارع، وفي الأحياء الفقيرة كنا نرى بعض ~~النساء جالسات أمام بيوتهن يمشطن شعورهن. # أمضينا في نابولي تلك الليلة بعد أن زرنا بركان فيزوف والجاليري، وعندما استيقظت في ~~الصباح الباكر ونظرت من نافذة غرفتي، رأيت منظرا من أروع مناظر الطبيعة، فقد كانت الشمس ~~تبدو من بين قمم الهضاب وكأنها شعلة متقدة من النيران. # وقد أبحرت بنا الباخرة بعد ذلك في طريقها إلى مرسيليا. وعندما اقتربنا منها، ظهرت أمامنا ~~في ثوب يختلف عما رأيناه في نابولي، فقد كانت السماء قاتمة والهضاب المحيطة بالميناء، ~~رمادية اللون، وقد رست الباخرة في الميناء صباحا ... وأمضينا ذلك اليوم فيها، وهي مدينة ~~جميلة وبهيجة وكثيرة الحركة والنشاط، فهي بلد تجاري، وقد استلفت نظري تقارب عادات أهلها مع ~~أهالي الموانئ الشرقية. وقد قصدنا زيارة بعض معالم تلك المدينة وآثارها، فزرنا الجاليري، ~~والمتحف وكنيسة نوتردام دي ms078 لومباري، وهي كنيسة أثرية عظيمة على مرتفع شاهق. # وفي اليوم التالي، دعانا شقيقي للغداء في فندق «لاريزوف»، وهو يقع على الكورنيش فوق مرتفع ~~مطل على منظر البحر الجميل، وفيه تناولنا نوعا من الحساء يسمى «البويابيس»، وهو مصنوع من ~~جملة أنواع من السمك مضافا إليها التوابل، ويقدم مع قطع من الخبز الجاف والجبن ~~المبشور. # وقد سافرنا في اليوم التالي إلى ليون؛ حيث قضينا يومين تفرجنا خلالهما على مصانع الأقمشة ~~الشهيرة وعلى حوانيتها المنظمة، وقد اشترينا منها بعض ما يلزمنا من ملابس ... وليون بلد ~~أوروبي محض لم نر فيه شيئا يذكرنا بالشرق، وهو فوق ذلك كله بلد صناعي وتجاري وعلمي من أعظم ~~بلاد فرنسا. # غادرنا ليون قاصدين باريس؛ حيث نزلنا في «برنسيس أوتيل» بشارع الشانزليزيه؛ حيث كنا قد ~~حجزنا غرفنا، ولما مررنا بميدان الكونكورد الواسع الجميل، رأيت حركة كبيرة ... وعجبت لوجود ~~المسلة المصرية في وسط ذلك الميدان العظيم تنطق بعظمة مصر ومجدها القديم في تلك البقعة التي ~~تعتبر رمز الحضارة والمدنية الحديثة، وكان وجودها ميثاقا دائما للصداقة الأدبية المتينة ~~التي توطدت أواصرها بين أبناء النيل وأبناء السين. وقد رأيت الرجال والنساء مشاة وركبانا، ~~وزرافات ووحدانا، يمرون بشارع الشانزليزيه في أبهى حلة وأجمل زينة، فظننت أنه يوم عيد، ~~وسألت شقيقي عن هذه المناسبة، فأجابني بأن باريس هكذا كل يوم ... # وقد أعجبتني باريس، ليس فقط لجمال مبانيها، واتساع شوارعها وتنظيم ميادينها وتنسيق ~~متنزهاتها وحسن هندام أهلها، وإنما أيضا؛ لأن الإنسان يجد في كل خطوة فيها ما يغذي عقله ~~ويوسع خياله وينمي مداركه ومواهبه ... هناك الجمال وحسن الذوق يتجليان في كل شيء ويدفعان ~~الإنسان إلى البحث عن معرفة أصله. # وكان يكسب هذه الحركة العظيمة رونقا وبهاء، مرور العربات تحت قوس النصر الذي يقع وسط ~~ميدان النجمة الجميل، وعلى جانبي الشارع تتناثر الفنادق الكبيرة والمقاهي الأنيقة التي تعزف ~~فيها الموسيقى والغاصة بالجماهير، وعلى هذا الميدان يطل فندق «برنسيس أوتيل» وهو من الفنادق ~~العائلية الممتازة، وهو عبارة عن سراي قديمة بها غرف وأبهاء واسعة منسقة تنسيقا جميلا ms079 ~~ومفروشة بأثاث فاخر ورياش ثمين، وقد استأجرنا في هذا الفندق طابقا مستقلا بالاشتراك مع ~~شقيقي، فكنا نشعر في هذا المكان الهادئ أننا لسنا بعيدين عن منازلنا. # وقد خرجنا في اليوم التالي لوصولنا باريس لمشاهدة بعض حوانيتها الكبيرة والتوصية على ما ~~يلزمنا من المحلات الشهيرة، وكم عجبت عندما رأيت محلات الأزياء الكبرى تعرض الملابس على ~~فتيات جميلات أنيقات ... ولم يكن في هذا العرض مجرد الترغيب في شراء الملابس، بل فيه دروس ~~للمشترية تمكنها من تمييز ما يلائم هذه الملابس من باقي اللوازم التي تحتاجها لتكملة أناقة ~~الملبس، وكذلك تستطيع أن تنتقي الألوان المناسبة للون شعرها وبشرتها. # وقد صادف ذلك يوم مهرجان الزهور في غابة بولونيا، فكان طريق الأكاسيا غاصا بالمتفرجين ~~والمتفرجات من المشاة والجالسين على جانبي الطريق، وكانت عربات الزهور تمر مكسوة بأنواع ~~الأزهار المختلفة وأمامها وخلفها عربات تقل السيدات والرجال في أبهى زينة وأجمل ملبس. ~~وكانوا يتراشقون بالأزهار والورود تغمرهم البهجة ويرفرف عليهم السرور، بينما كان المشاة ~~والواقفون يجمعون الأزهار التي تتساقط من العربات ويكونون منها باقات لأنفسهم يزينون بها ~~منازلهم وغرفهم الصغيرة، فمن طابع الأوروبيين ميلهم الشديد للأزهار وتقديرهم لها وحبهم فيها ~~باعتبارها غذاء لأرواحهم، حتى إن معظم الفقراء لا يبخلون على أنفسهم بشراء بعض الأزهار ~~يزينون بها بيوتهم أو يحلون بها صدورهم. # وقد تطوع شقيقي في أن يكون دليلنا مدة إقامتنا في باريس، فكان لنا خير دليل وأكبر معين؛ ~~لأنه كان يعرف كل مرافقها وضواحيها ومنتزهاتها ودور التمثيل والفنون الجميلة والمتاحف ~~والسرايات الملكية القديمة والتاريخية، وكان ذلك يرجع إلى ما يتحلى به من حسن الذوق وتقدير ~~الأشياء حق قدرها، ولذلك كان وجوده معي يكسبها جمالا في عيني فوق جمالها ويزيد من تقديري ~~لها، وهو ما لم أعد أشعر به من بعده. # كم كنت أرتاح لوجودي بجانب شقيقي في الزيارات التي كنا نقوم بها في باريس، لاتفاق شعورنا ~~وميولنا في تقديرنا للفن والعلم والجمال وتقارب أذواقنا، وأظن أنه هو أيضا كان يشعر مثلي ~~بكثير من الغبطة لمرافقتي له ... وكم ms080 شق علي زيارة تلك الأرجاء بدونه من بعده، وكم فقدت من ~~رونقها في نظري كلما حاولت أن أستعيد الذكرى. # وباريس هي الصفحة المنشورة من سجل تاريخ الفرنسيين ؛ حيث يشب الفرنسي في أية بيئة ملما ~~منذ نعومة أظفاره بتاريخ بلاده، قبل أن يدخل المدارس ويتعلم هذا التاريخ في الكتب ... ولذلك ~~تراه فخورا بتاريخها المجيد، حريصا على خلود هذا المجد، وليس هذا فحسب، بل ترى الشعب ~~الفرنسي يطوف بكل القصور الأثرية والميادين التاريخية ودور الآثار والعلم والمتاحف الفنية ~~والكنائس والمعابد التي تفتح له أبوابها في أيام العطلات. # وقد أعجبني في باريس كل شيء حتى شراسة أخلاق الرعاع فيها؛ لأنها لا تخلو من خفة الروح ~~وتعبر عن شخصية لا تكلف فيها ولا تغيير، فالفرنسيون أشخاص متفردون بعبقريتهم، مستقلون في ~~أفكارهم وطباعهم وأعمالهم وصفاتهم وحتى في عيوبهم، ولذلك تجدهم محافظين على شخصيتهم، فخورين ~~بها، متباهين بحريتهم، متفانين في تقديسها. # ومع ذلك فقد تألمت من نتائج التطرف في تلك الحرية في بدء عهدي بزيارتها، إذ كنت أظن أن ~~الصغير والكبير من كل طبقة في تلك الأمة على جانب عظيم من الرقة وحسن المعاملة ... وأذكر بهذه ~~المناسبة إنني عندما أردت لأول مرة زيارة أحد حوانيت باريس الكبرى في يوم حدد لتخفيض أثمان ~~البضائع، وجدت على أبواب الحانوت زحاما شديدا، فوقفت عند الباب لأمكن بعض الداخلين من ~~المرور مجاملة كما هي عادتنا في بلاد الشرق، ظانة أنه سيأتي دوري وأجد من بين الداخلين من ~~يرد لي تلك المجاملة، ولكني لاحظت للأسف أنه لم يشعر بوجودي أحد، ورأيتني مدفوعة بشدة بين ~~تلك الأمواج المتلاطمة من الأجسام البشرية، تتقاذفني موجة وتتلقاني أخرى باللكم والسير على ~~قدمي، فكادت تنهمر دموعي على خدي من هذا التسابق الرهيب، وثم وجدت نفسي أمام منضدة محوطة ~~بالمتفرجين والمتفرجات وقد مددت يدي بلطف إلى قطعة من القماش أعجبتني، ولكن سرعان ما ~~اختطفتها من يدي إحدى المتفرجات بغلظة حتى كادت الدموع تفر من عيني مرة أخرى، ولكني كتمت ~~تأثري حتى لا يضحكوا أو يسخروا مني ... وأخيرا ms081 خرجت من المحل بعد أن اتخذت من ذراعي مجذافين ~~أستعين بهما على النجاة من تلك اللجج البشرية المتراصة. # مثل هذه الأشياء لم ترقني أول الأمر، ولكنني انتهيت منها إلى أن أفهم أن التزاحم في ~~الحياة هو سبب نهضة تلك الأمم وتفوقها، وإن كان ذلك مظهرا من مظاهر الأنانية ... وأن تسامح ~~الشرق ورقة شعوره هما سبب تأخره واضمحلاله، رغم ما في ذلك من نبل ودعة. # ولقد بقينا في باريس مدة شهر أو أكثر، وكنا قد قصدناها لاستشارة الأطباء، وكان في عزمنا ~~في البداية ألا تمتد إقامتنا بها أكثر من أسبوعين، ولكن المدة طالت دون أن نشعر بها؛ لأن ~~تغيير الهواء والمعيشة كان لهما أفضل الأثر على صحتنا جميعا. وقد عزمنا بعد ذلك على السفر ~~إلى «ابنيول دي لورن» بناء على مشورة البروفيسور «روبان» الذي أكد لنا أن مياه تلك الجهة ~~مفيدة جدا بالنسبة لما كنت أشكوه من عدم انتظام الدورة الدموية، وهو ما كان يسبب لي كل ~~الآلام التي كنت أقاسيها ... وكان أخي قد نوى الرحيل إلى «البوي دودوم» في الوقت نفسه، ~~فغادرنا جميعا الفندق في صباح واحد. # بعد عودتي من أوروبا، وقعت أحداث هامة في مصر. ومن ذلك ما وقع يوم 20 فبراير 1910، وهو ~~إطلاق الرصاص على بطرس غالي باشا رئيس النظارة، من فتى يدعى إبراهيم ناصف الورداني، المنتمي ~~للحزب الوطني، وذلك عند مغادرة الرئيس لنظارة الخارجية في الساعة الواحدة بعد الظهر ... وكان ~~هذا من أبرز الأحداث السياسية التي وقعت في تلك الفترة. # أما عن الأحداث الاجتماعية، فإنه قد ظهرت في ذلك الوقت بوادر نهضة أدبية بين السيدات ~~الراقيات، إثر ما ذكرته عن تلك الوثبة التي صاحبت إلقاء المحاضرات في الجامعة، وقد شعرت ~~إزاء ذلك بوجوب تأسيس ناد أدبي لهن يجتمعن فيه للبحث في الشئون الأدبية والاجتماعية، وعرضت ~~هذه الفكرة على الأميرات، وطلبت رعايتهن لهذا المشروع، فقبلن بارتياح وحددن موعدا للاجتماع ~~في منزلي للاتفاق على تفاصيل هذا المشروع. # ومن ناحية أخرى، فقد كنت على اتصال بالكاتبة الفرنسية الآنسة مرجريت كليمان ms082 التي كانت ~~تكاتبني دائما، وكنت أطلعها في خطاباتي على أماني، وقد وعدتني إذا تحققت مشروعاتي أن تحضر ~~خصيصا إلى مصر للاشتراك معنا وإلقاء محاضرات اجتماعية، وقد كتبت إليها أبشرها بقرب تحقيق ~~أمنية من أماني الغالية وهي تأسيس ناد للسيدات، وطلبت إليها أن تحضر في الموعد المحدد لعقد ~~أول اجتماع عندي، وكان أن جاءت، وعقد الاجتماع في منزلي برئاسة شرف الأميرة أمينة حليم ~~وعضوية الأميرات المصريات والأجنبيات، وشكلت لجنة تحت اسم «جمعية الرقي الأدبي ~~للسيدات». # وقد بدأت الآنسة «مرجريت كليمان» بإلقاء سلسلة محاضرات بمنزلي وبالجامعة المصرية، كذلك ~~اشتركت الكاتبة المبدعة الآنسة «مي» في عضوية هذه اللجنة، وكانت لا تزال في بدء حياتها ~~الأدبية. أما السيدة لبيبة هاشم صاحبة مجلة «فتاة الشرق» فقد عينت سكرتيرة عربية لهذه ~~اللجنة. # وقد انهالت علي رسائل التهنئة والترحيب بهذا المشروع الذي صادف قبولا حسنا لدى النفوس ~~المتعطشة إليه، وكان ذلك في أبريل 1914. # وكان علي بعد ذلك أن أقوم بالبحث عن منزل ليكون مقرا لهذا النادي الذي لم نكن نجرؤ ~~على تسميته ناديا، نظرا لأن التقاليد كانت تستهجن مثل هذا العمل، ولا تسمح للمرأة بأن ~~تتنفس أو تجد لنفسها منتدى تلقى فيه صديقاتها والعاملات معها في الحياة الاجتماعية، ثم جاء ~~الصيف وسافر كثير من الأميرات والسيدات إلى أوروبا كعادتهن، على أن يستأنف العمل على تحقيق ~~هذا المشروع الجديد عقب عودتهن إلى الوطن. # وفي غضون هذه المدة، اشتد مرض الحمى الشوكية على ابنة أخي الصغيرة، وكنت أحبها حبا ~~كبيرا، وكنا نتحدث أمامها بأنها ستكون عروسا لابني محمد، فتشبع الطفلان بهذه الفكرة ~~وتوثقت عرى المحبة بينهما، وكانت هي تقول إنني أحبه وسأتزوجه رغم كل شيء، أما هو فأذكر أنني ~~قلت له يوما: «وهل تنتظرك وهي أكبر منك بسنة والبنات يتزوجن مبكرات؟» فأخذ يبكي بالدموع ~~ويقول: «إذن بمن سأتزوج؟» وكأنما ليس في الحياة غيرها! # وزادت وطأة المرض على «هدى» الصغيرة، رغم كل ما بذله والدها من عناية، حتى إنه أحضر ~~البروفيسور «روبين» خصيصا من باريس لعلاجها. ولكن كل هذه المحاولات ms083 لم تفلح ... وبعد أن قاست ~~كثيرا من مرارة المرض، توفيت إلى رحمة الله، وأذكر أنني كتبت في مفكرتي يوم الاثنين 11 ~~مايو 1915 أقول: «قصف المنون صباح اليوم زهرة في عنفوان صباها، بل في طفولتها، فوا ~~حسرتاه.» # ولقد كان لوفاتها تأثير كبير على صحة والدها الذي كان يعزها ويحبها، وكان لذلك رجة كبيرة ~~وهزة عنيفة في نفوسنا جميعا، وقد حزن عليها ولدي محمد حزنا شديدا رغم صغر سنه، وكان إذ ~~ذاك مريضا وضعيف البنية، وكانت تعتريه حمى منخفضة لازمته باستمرار ولم ينفع فيها أي ~~علاج. # ولما عجز الأطباء عن معرفة سبب هذه الحالة، نصحوا بالسفر إلى أوروبا لعرضه على الأخصائيين ~~هناك وليستفيد من تغيير الهواء والإقامة في الجبال. وقد اضطررت للسفر تاركة والدتي على فراش ~~المرض؛ حيث لم يسمح لها الطبيب بالسفر وإن كان قد طمأنها على صحتها ما دامت بعيدة عن ~~المؤثرات وعن الصدمات النفسية والمتاعب الجسمانية، وكان سفرنا من الإسكندرية بعد ظهر يوم ~~الأربعاء 14 يونيو 1914. وكانت هذه أول مرة أفارق فيها والدتي وأسافر بدونها، ورغم أن ~~الطبيب طمأنني عليها، فقد كنت أحس في دخيلتي كأنني لن أراها ثانية، وقد حدثتني نفسي أن أرجع ~~من الإسكندرية لولا الحالة التي كان عليها ولدي وخوفي مما قد يترتب على عدم العناية ~~به. # | الفصل الثاني عشر # وصلنا باريس في الساعة السادسة من مساء يوم الأربعاء 17 يونيو، ولم نجد في «أوتيل برنسيس» ~~محلا مناسبا للإقامة به، وقد سررت لذلك كثيرا؛ لأن وجودي في هذا الفندق كان يشق على ~~نفسي لعدم وجود والدتي معي في هذه المرة، وقد تعودنا أن نكون معا دائما، فأين هي الآن، ~~وفي أي حال يا إلهي، ومع ذلك فقد أرغمتنا الظروف أن نقضي ليلتنا في هذا الفندق بعد أن عجزنا ~~عن أن نجد أماكن مناسبة في أي فندق آخر. # وإنني أعود الآن إلى مفكرتي الخاصة، لأنقل منها بعض يوميات هذه الرحلة، فمن المؤكد أن ما ~~يكتبه الإنسان من وحي اللحظة يكون له وقع آخر مختلف عما يدونه ms084 من ذكرياته فيما بعد. # باريس في 18 يونيو # أمضينا ليلة أمس بأوتيل برنسيس، ثم خرج الباشا صباح اليوم وأجر لنا شقة أوتيل ~~الكونتنتال، فعزلنا في الحال، وها نحن بها والشقة في أول دور تطل على الشارع وعلى ~~الحديقة وقريبة من البلد، ولكن هواء برنسيس أوتيل أنقى وأحسن. وقد خرجنا في الصباح ~~لقضاء بعض مشتريات للأولاد، وبعد الظهر زارتني مدام روس، وبعد العصر ذهبت لزيارة ~~«مدام روبين»، ما ألطف هذه السيدة وما أطيب قلبها، فإنها مثال الوفاء. # الليلة ليلة ميلاد «بثنة». إني أذكر ما قاسيته فيها، ولكن نظرتي لبثنتي تنسيني كل ~~ما مضى، وأسأل الله أن يكافئني ببقائهما وسعادتهما. # الجمعة 19 يونيو # اليوم أتمت بثنة الإحدى عشرة سنة، أشكر الله أن أبقاني لهذا اليوم، فيا ترى أعيش ~~وأراها في سن الحادية والعشرين؟ هيهات أن تسمح صحتي بذلك. # السبت 20 يونيو # سافر الباشا اليوم إلى لوندرة ليرى حسن شعراوي وما يلزمه لإدخاله المدرسة، وتركني ~~مع الأولاد هنا، وكلفني بعمل ما يلزم من مشاورة الأطباء، ولكني أشعر بألم في رأسي ~~وحلقي، وأظنه ابتداء زكام، وأحس بحزن عظيم لا أعلم له سببا إلا اشتياقي إلى والدتي ~~وتألمي لبعادها. # الأحد 21 يونيو # ما أثقل هذا اليوم بالمطر والسحاب، يوم عبوس حزين، مثل قلبي، من الصباح حتى ~~المساء لم تعطف عليه الشمس بابتسامة ولم تكل عيناه من الدموع، فيا حبذا لو كنت ~~أشاركه البكاء، ولكن عيني تبخل علي من زمن به: # يا دهر مهلا إن قلبي ليس صخرا أو حجر # أرجمته بمصائب لولا التجلد لانفطر # فرقت عني أحبتي وكحلت عيني بالسهر # لو كان دمعي مسعفي لليوم سابقت المطر # ويلاه ما أقساك يا دهري وما أقوى القدر # توجهت بعد ظهر اليوم إلى «الدكتور كومبي» وأزعجني بتشخيص مرض «محمد»؛ حيث قال: إن ~~عنده التهابا في المصران. # الاثنين 22 يونيو # توجهنا مع «مدموازيل كليمان» بعد الغداء إلى فرساي وعند وصولنا ذهبنا إلى منزلنا ~~وتوجهنا إلى البارك وتفرجنا عليه، أما السراي فكانت مغلقة كأغلب المتاحف ~~بفرنسا. # الخميس 25 يونيو # توجهت ms085 مع «مدموازيل كليمان» إلى بولونيا، وأخذنا الشاي معا في قاعة استقبال ~~الكلوب. # حضر الدكتور روبين اليوم، وطمأنني على «محمد»؛ حيث إنه لم يجد عنده التهابا في ~~المصران، وقرر لعلاجه 15 يوما. # الاثنين 29 يونيو # دعيت إلى الشاي مع «مدموازيل كليمان » عند «مدام سيجفريد». وتوجهت الساعة الرابعة ~~عند السيدة العاقلة المحترمة، فقابلتنا بترحيب ولطف زائدين. وقدمت لي مدموازيل ~~فيجزون مفتشة مدارس البنات، وكانت قد دعتها خصيصا لكي تعرفني بها ولكي يمكنني ~~بوساطتها مشاهدة المدارس الصناعية والتدبيرية. # الثلاثاء 30 يونيو # توجهت مع «مدموازيل فيجزون» لزيارة المدارس الصناعية والتدبير المنزلي للبنات. ~~وسرني جدا ما رأيته وأحزنني، سررت لهم وحزنت علينا، فرحت لتقدمهم وتكدرت لتأخرنا، ~~يلزمنا جيل بطوله وعرضه إذا كنا حاكمين أنفسنا إذا بقينا محكومين، لنحصل على درجتهم ~~إذا مشينا وحذونا حذوهم. ولكن وا أسفاه من أين نتحصل على هذه الروح الحية، نثبت في ~~عملنا ونثابر عليه لنصل إلى هذه الدرجة من الكمال. # في أثناء وجودي بباريس، دعيت لحضور اجتماع نسائي كبير تطالب فيه السيدات بمساواة ~~المرأة بالرجل في الحقوق والانتخاب، وينادين بالسلام. # وقد عقد اجتماع كبير في صالة «الجورنال»، خطبت فيه عظيمات السيدات الفرنسيات مثل ~~مدام سيجفريد وأفريل دي سانت كروا ومدموازيل كليمان وسيدات أخريات، وقد لاحظت روح ~~الدعوة للسلام بين الشباب حتى بين الضباط أنفسهم، وقد سررت من هذا المظهر الجميل ~~جدا، وصرت أعتقد أن الأوروبيين حقيقة قد وصلوا إلى درجة عظيمة من الرقي. # وقد حدث أن زرت «مدام سيجفريد» بعد ذلك، وتحدثنا في السلام وسألتها عما إذا كانت ~~تعتقد أن السلام سيسود أوروبا، فأجابتني تلك السيدة العظيمة قائلة: لأجل أن يسود ~~السلام العالم يجب أن نوطده في نفوسنا، ونهيئ له فيما حولنا، وبالطبع فإن ذلك يحتاج ~~إلى زمن طويل. # عدنا بعد ذلك إلى «فيتيل»؛ حيث بدأ الباشا في أخذ حماماته وقد شعرت بالوحدة لعدم ~~وجود والدتي معي، فكنت أقضي أغلب أوقاتي في النزهة مع ولدي في الحديقة أو في القرى ~~القريبة من البلدة. # وقد كتبت في مفكرتي الخاصة يوم الجمعة ms086 10 يوليو 1914 هذه السطور: أف، ما أطول ليلة الأمس ~~علي، وما أثقل هذا اليوم الحزين! ... سأمضي كل مدة «الكور» - العلاج - بهذا الشكل ... محرومة ~~من أويقات حريتي التي ألقي فيها العنان على عاتق أفكاري وتذكاراتي وأنفرد بهم عن كل شغل ~~وشاغل بين كتبي وتخيلاتي وأحلامي وأوهامي وصلاتي وعبادتي وماضي وحاضري، وبالجملة حياتي ~~الحقيقية ... حياتي الشخصية التي فيها أكون أنا ... معي نفسي ... فلها أو عليها كما تقتضي الظروف ~~... فإلى اللقاء يا أنا! # وكتبت في اليوم التالي السبت 11 يوليو: أمضيت هذا اليوم أطوف في البارك مثل التائهة وحدي؛ ~~حيث إن الأولاد كانوا يتفرجون على «قرة جوز» وكان الباشا مشغولا بأخذ مياهه في الأوقات ~~المعينة لها، فأين أنت يا والدتي العزيزة؟ وما حالك الآن؟ كنت قبل سنتين تلازمينني في مثل ~~هذه الساعات، والآن ليس معي إلا تذكارك، وأي تذكار يا رباه أينما أكون، أتصورك في فراشك ~~طريحة الآلام، فتظلم الدنيا في عيني فينعكس فيهما ما كنت أراه حسنا. # على أنني قد حاولت أن أملأ فراغ وقتي. ولما كانت بلدة «دون ريمون» وهي بلدة «جان دارك» لا ~~تبعد كثيرا عن «فيتيك» فقد زرتها وشاهدت الغرفة الصغيرة التي كانت تسكنها، والشجرة التي ~~كانت تؤدي صلاتها تحتها فتسمع أصوات «سانت كاترينا» و«سان ميشيل» يأمرانها أن تخلص فرنسا من ~~احتلال الإنجليز في عهد الملك شارك السابع. وقد أعطاها الملك قوة مسلحة صغيرة هجمت بها على ~~الإنجليز وانتصرت عليهم في «باتي» ثم خانها أحد الفرنسيين وحاكمها الإنجليز وحكموا عليها ~~بالإعدام حرقا ... وبعد ذلك أخذ الفرنسيون يقدسونها، واتخذوا من بيتها الصغير متحفا فيه كل ~~الآثار التاريخية القديمة الموجودة في «دون ريمون». # ولما أوشك الباشا أن يتم حماماته، سافرت إلى باريس لقضاء بعض حاجياتي على أن أعود مع حسن ~~شعراوي، وقد نزلت في شقة كان أخي قد استأجرها بدلا من النزول في الفندق لعدم وجود أحد معي ~~سوى خادمتي «مرجريت». # وكم كانت دهشتي عظيمة عندما وجدت باريس خالية، وشوارعها هادئة ساكنة، ووجوه سكانها عابسة ~~كاسفة. وكان قد صادف وجودي ms087 بها أواخر شهر يوليو عندما وقعت حادثة «مدام كايز» التي قتلت ~~«مسيو بينيت» صاحب ومدير جريدة «الفيجارو». وكان الجميع يكيلون لها اللعنات رغم أنهم كانوا ~~يعلمون أن هذه السيدة لم تقدم على ارتكاب جريمتها إلا بعد أن سعت بكل جهدها لكي تمنع «مسيو ~~بينيت» من نشر الوثائق التي كانت تحت يده، والتي كان يهددها هي وزوجها بنشرها وفيها ما يلوث ~~شرفهما، فلما فعل، لم تستطع كبح جماح نفسها فقتلته. # وفي الوقت نفسه، كنت أسمع الناس يتحدثون عن احتمال وقوع الحرب بين فرنسا وألمانيا، وما ~~كنت أصدق ذلك لثقتي العظيمة في أن المدنية التي وصلت إليها أوروبا ستمنعها من خوض غمار ~~الحرب، التي تعتبر أشد أنواع الوحشية. ولكن عندما زارتني صديقتي «مدموازيل كليمان»، وجدتها ~~شاحبة وتكاد تكون مقوسة الظهر من هول الموقف فسألتها: أتظنين حقا أن الحرب قائمة، فقالت: ~~نعم مع الأسف؛ لأن الحالة تفاقمت تفاقما شديدا، فقلت لها: وماذا سيكون موقفكم أنتم يا ~~أنصار السلام؟ قالت: سنكون بجانب شعبنا؛ لأن صوتنا ما زال ضعيفا، وقد عجبت من ذلك، ولم ~~أصدق أبدا أن الحرب ممكنة. # ولكن عندما توجهت في اليوم التالي لقضاء حاجياتي وأردت صرف ورقة مالية قيمتها ألف فرنك، ~~لم أجد قيمة صرفها ذهبا، وأتت إلي الصرافة وبيدها كيس مليء بالفضة، وقالت لي: لقد جمع كل ~~الذهب ولم يبق عندي سوى الفضة ... # وقد فضلت أن تعطيني ورقا بدلا من الفضة الثقيلة، وقد أسفت بعد ذلك لأنني كنت أجهل قيمة ~~الدراهم الفضية. # وفي اليوم الذي أردت فيه العودة إلى «فيتيل» مع حسن شعراوي، سألني الخادم عما إذا كنت قد ~~حجزت في القطار؛ لأنه يتعذر غالبا وجود محلات مرموقة خالية، فأجبته بالنفي، وكان أن سبقنا ~~إلى المحطة لحجز المحلات، ولكننا عندما توجهنا إلى القطار، وجدنا كل دواوينه خالية، فلم ~~يسافر في القطار سوانا نحن الثلاثة وأحد المراكشيين! ... # ولما وصلنا إلى «فيتيل»، وجدت الباشا والأولاد في انتظارنا بالمحطة، وقد استقبلوني في ~~لهفة قائلين إنه لم يبق بالفندق الذي نسكنه أحد غيرنا؛ لأن الناس ms088 هجروا المدينة خوفا من ~~الحرب لقربها من الحدود، وكان ذلك يوم 29 يوليو، وقد قررنا أن نغادر «فيتيل» بعد يومين أو ~~ثلاثة أيام، وعلى الأكثر في اليوم الثاني من شهر أغسطس. # وقد رأيت الخدم بالفندق محزونين، وبخاصة الخادمات؛ لأن أزواجهن قد طلبوا للتجنيد ولما ~~سألنا مدير الفندق عن الحالة، أجابنا بأنه أمر بإغلاق الفندق وهو قائم بجمع الذهب لإرساله ~~إلى المصارف، وأنه ربما يطلب هو أيضا للخدمة العسكرية. # غادرنا «فيتيل» في أول أغسطس قاصدين «سان موريس» بسويسرا، وكان المفروض أن يصل القطار ~~الذي سنستقله في حوالي الساعة الحادية عشرة، ولكننا بقينا في انتظاره على رصيف المحطة حتى ~~الساعة الواحدة، ولما تأخر موعده حوالي ثلاث ساعات، سألنا ناظر المحطة عن السبب، فقال لنا ~~في غضب: هل هذا يوم سباحة مع أطفال؟ فقلنا له: إننا ما كنا نعلم أنه يوم التعبئة والاستعداد ~~للحرب، ودخلت مطعم المحطة لأشتري شيئا من الطعام للأولاد، فوجدته خاليا إلا من رغيف واحد ~~وعلبة من كبد الإوز، فاشتريتها هي والرغيف وكان الأولاد في حالة جوع شديد، فوزعت عليهم ~~الرغيف والكبد. وكان معي بعض الشيكولاتة، فاحتفظت بها في حقيبتي الصغيرة احتياطيا ~~للطوارئ. # بقينا كذلك حتى الساعة الثالثة، عندما مر بنا قطار لا نعلم مقصده، ولما سألنا ناظر المحطة ~~عن وجهته، قال لنا: «إن اليوم يوم ترحيل الجنود، ولا يعلم أحد إلى أين تسير القطارات.» ~~فركبنا هذا القطار حتى وصل بنا إلى «بلفورت». وفي تلك المحطة رأينا قطارا آخر قيل لنا: إنه ~~قاصد إلى الحدود من جهة سويسرا، وأشارت علينا بعض السيدات الفرنسيات بترك قطارنا وركوب هذا ~~القطار، فنزلنا نحمل أمتعتنا بأنفسنا لعدم وجود الحمالين بالمحطات وكانت تمر أمامنا ~~القطارات تحمل المجندين، ونرى النساء اللاتي جئن لودعاهم، بعضهم يبكي وبعضهم الآخر يحاول أن ~~يخفي آلامه وأحزانه. # وسافر بنا القطار الآخر، وكانت قد ركبت معنا فيه سيدة ألمانية وابنتها، وكانت ترتعد ~~خوفا، وقد أتت هذه السيدة بابنتها والتصقت بي ورجتني أن أحميها وأن أقول إنها في معيتي، ~~وقد وعدتها بذلك وطمأنت ms089 خاطرها. # ووقف بنا القطار فترة طويلة في إحدى المحطات، ثم سار بنا في حوالي الساعة العاشرة وكان ~~الأولاد قد جاعوا وعطشوا وكان قد ركب معنا تاجر يهودي مصري وعرفنا بنفسه، فقال لنا: إن هذا ~~القطار سوف يصل بنا إلى قرب الحدود حوالي ساعة، وكان أن أخرجت ما معي من حلوى وقسمته بين ~~الجميع، ووعدنا التاجر بأن يحضر بعض المأكولات من بوفيه المحطة عند وصولنا، وبعد أكثر من ~~ساعة وقف القطار على مسافة قصيرة من الحدود وسمعنا البائعات ينادين باسم نوع من الفطير، ~~فهرول اليهودي ونزل من القطار وجلسنا في انتظار أن يأتي لنا بشيء نأكله، وعلى هذا الأمل لم ~~يتحرك أحد منا، ولما قرب موعد تحرك القطار، صعد التاجر صفر اليدين وهو يقول: حقا، لقد كان ~~طعم الفطير لذيذا جدا، فقلت له: «لعلك تذكرت الأطفال، وأتيت لنا بشيء منه» فإذا به يرتبك ~~ويقول في خجل: «إني آسف جدا ... لقد نسيت!» فلم أستطع أن أمنع نفسي من لومه قائلة: «لقد ~~أعطيتك من زاد أولادي وأنت جائع، فكيف تنساهم؟» ... فلم ينطق من شدة الخجل! # وبعد ساعة وقف القطار مرة أخرى على الحدود؛ حيث كان يجب علينا أن نترك قطارنا ونأخذ ~~القطار السويسري الألماني. وقد حاولت أن انتهز الفرصة لأشرب قليلا من الماء وأحضر بعض ~~المأكولات من بوفيه المحطة، ولكن عبثا حاولت، فقد كانت الألمانيات الجميلات مشغولات بتقديم ~~الطعام والشراب للرجال الألمان ولم ينتبهن إلى أنني كنت أتكلم الفرنسية وهن لا يفهمنها وعدت ~~إلى القطار، وحاولت أن أدخل أولادي إلى الصالون، فوجدت كل الدواوين مكتظة بالألمان، وفي ~~النهاية لم يكن هناك بد من أن نجلس الأطفال على الحقائب وأن نبقى نحن واقفين في الطرقة حتى ~~الساعة الثانية بعد منتصف الليل، إلى أن وصل القطار إلى مدينة «بال» فنزلنا منه قاصدين أقرب ~~فندق للمحطة. # وما إن وصلنا الفندق، حتى ابتدرنا صاحبه قائلا: إنه لا يوجد لديه مكان واحد، فقلت له: هل ~~تظن أنني سأخرج بأطفالي الصغار بعد الثالثة صباحا للبحث عن فندق آخر، إنني ms090 أرى في مقاعد ~~المدخل ما يكفي لإيوائنا هذه الليلة، ولما رأى في لهجتي الإصرار والحزم، قام ليسأل عن أماكن ~~خالية في فندق آخر، واستطاع أخيرا أن يجد لنا أماكن في فندق يقع في «بال» القديمة. وطلب ~~سيارات لتنقلنا إلى هذا الفندق على مسافة نصف ساعة وانتقلنا إلى الضفة الأخرى من نهر الرون، ~~ووصلنا الفندق ونحن في حالة من التعب والإرهاق لا يمكن وصفها: وبخاصة الأطفال، ولم نكد ندخل ~~غرفنا حتى طلبنا من الخادم أن يأتي بلبن وجبن وخبز، فأكلنا ثم نمنا نوما عميقا. # استيقظنا في الصباح على صوت الأطفال يلعبون في الشارع، وقد شعرت بالألم وأنا أنظر إلى ~~هؤلاء الصغار الذين كانوا يضحكون ويمرحون جاهلين كل ما يدور حولهم، غير مدركين أن الحرب سوف ~~تحولهم إلى أيتام بؤساء! ... # وفي يوم الأحد 2 أغسطس 1914، بارحنا «بال» إلى زيورخ؛ حيث وصلنا في الخامسة مساء ... ونزلنا ~~في فندق «بورولاك»، ولم نجد أماكن لائقة رغم أننا كنا قد حجزنا من قبل، ولكن كل الناس كانوا ~~قد هاجروا إلى سويسرا باعتبارها بلد الحياة، ومن كثرة الزحام التزمت الفنادق بالاقتصاد قدر ~~الإمكان في المعيشة والغذاء، فلا يحصل النزلاء إلا على القوت الضروري فقط، وكان علينا أن ~~نتوجه إلى غرفة الطعام للحصول على الإفطار، وانتظرنا في طابور طويل أكثر من نصف ساعة حتى ~~جاء دورنا ... # وذات يوم افتقدنا الملح، فسألنا عن السبب، فقيل لنا: إن هذه بوادر اقتصاد الحرب، وبدأنا ~~نتنزه سيرا على الأقدام بسبب غلاء المعيشة، وصرنا نتحاشى طلب الشاي بعد الظهر؛ لأنه كان ~~يكلفنا جنيها تقريبا. # وإزاء هذه الظروف، قرر الباشا أن نعود إلى مصر عن طريق إيطاليا، فتركنا زيورخ يوم الجمعة ~~7 أغسطس 1914؛ حيث وصلنا إلى ميلانو في الخامسة مساء، وفي الليل كان باعة الجرائد ينادون ~~بأعلى أصواتهم «أخبار الحرب» بمثل ما ينعق البوم بصوته النحس على أسطح المنازل في الليلة ~~الهادئة! # | الفصل الثالث عشر # كانت أخبار الحرب تطاردني في كل مكان في أوروبا، وكانت نداءات باعة الجرائد لا تتوقف طوال ~~الليل، ولذلك فإنني ms091 لم أستطع النوم حتى الصباح. وفضلا عن ذلك فقد كان قلبي يتمزق من أجل ~~هؤلاء الذين يقدمون حياتهم سدى، ظنا منهم بأنهم يخدمون الوطنية وهم لا يدركون أنهم ~~يحاربون الإنسانية ويقتلونها بأيديهم! ... # وكنا قد وصلنا ميلانو، وهي مدينة واسعة جميلة ذات متاحف وكنائس كبيرة، ولكننا لم نتمكن من ~~زيارة هذه الأماكن لقلة النقود بين أيدينا، لدرجة أننا لم نعد نستخدم السيارات في تنقلاتنا، ~~وإنما أصبحنا نركب الترام أو نسير على الأقدام. # وكانت إقامتنا في ميلانو قصيرة جدا، فقد تركناها إلى جنوة لنبحر إلى مصر؛ حيث كان ~~الباشا قد التقى بأحد المصريين الذي تنازل لنا عن محلات على إحدى البواخر الإيطالية ~~العتيقة؛ لأن البواخر كانت جميعها مزدحمة جدا وليس بها سرير واحد خال. # وهكذا بارحنا ميلانو يوم الثلاثاء 11 أغسطس 1914 بقطار الساعة التاسعة والربع؛ حيث وصلنا ~~إلى جنوة في الساعة الثانية عشرة والثلث، وقد ركبنا الباخرة الإيطالية ليلة وصولنا إلى ~~جنوة، وكنت أتوق إلى العودة بأسرع ما يمكن إلى وطني، خوفا من انزعاج والدتي - التي تركتها ~~مريضة - إذا علمت بنشوب الحرب، وكنت أعلم أن كل صدمة نفسية عنيفة كانت تدنيها من ~~القبر. # قامت بنا الباخرة بعد منتصف الليل بقليل، وعندما أردنا النزول إلى غرف النوم، لم يمكننا ~~أن نبقي فيها أكثر من دقائق نظرا لقذارتها وشدة الحر فيها، فتوجه الباشا إلى القبطان يرجوه ~~أن يستبدل لنا هذه الغرف بغيرها، ولكن لم يتيسر ذلك لعدم وجود غيرها. ولكن قوميسيري الباخرة ~~عرضوا عليه تأجير غرفهم نظير مبلغ باهظ، فقبل من أجل راحتنا ودفع كل ما كان يمتلكه تقريبا، ~~وصعدنا فرحين إلى تلك الغرف، وكانت ذات منافذ كثيرة يدخلها الهواء، ولكن ما أن وضعنا رءوسنا ~~على الوسائد حتى تزاحمت علينا الصراصير من كل صوب وحدب ورفعنا المراتب لننظفها، فإذا ~~بالغرفة مكتظة بهذه الحشرات، فغادرناها بأسرع ما يمكن، ثم صعدنا جميعا إلى ظهر الباخرة ~~وأمضينا ليلتنا على المقاعد حتى الصباح ... # وفي الصباح، طلبنا من القبطان أن يضرب لنا خيمة بالقرب من الدفة لننام فيها، ms092 ونقلنا ~~المراتب ووضعناها للأولاد على خشبة مرتفعة بالقرب من الدفة، وكنت أنا على مقعد بجوار فراش ~~«محمد» وكنت أخشى إن أنا غفوت أن يقع أحد الأولاد على الأرض، فكان الخوف يمنعني من ~~النوم. # وذات ليلة غفت عيناي رغما عني نظرا لشدة التعب، وقبل أن نستغرق في النوم، قمت مذعورة ~~صارخة عندما سمعت صوت ارتطام جسم بالأرض وكانت «بثنة» هي التي تدحرجت فلما صرخت سمعتها ~~تقول: لا تنزعجي يا أماه، لم يحدث لي شيء. # وقد أمضينا ثلاثة أيام على هذا الحال. وفي اليوم الرابع ونحن نقترب من نابولي امتلأ الجو ~~بضباب كثيف، فهدأت الباخرة من سيرها وأخذت ترسل صفير الإنذار مستمرا، بشكل مزعج، وأثناء ~~ذلك شعرنا بهزة عنيفة أعقبها صراخ من ركاب الدرجة الثالثة فهرولت نحو الحاجز لأبحث عن ~~أولادي، ظنا مني أن المركب قد اصطدمت بغيرها، ورأيت شبح الموت أمامي عندما نظرت إلى البحر ~~ووجدت قطعا من الخشب وعددا من القبعات طافية على وجه الماء، ولم أشك لحظة واحدة في أن ~~الباخرة قد تحطم جزء منها إثر الصدمة وإنها على وشك أن تغرق، فجريت أبحث عن ولدي ليكونا ~~بجانبي وقت الغرق. ولكن القبطان أسرع فطمأن الركاب بأن باخرتنا قد حطمت سفينة صيد. وأسرع ~~البحارة بإنزال قوارب النجاة ليبحثوا عن الغرقى. # وصاروا ينشلونهم واحدا بعد الآخر فيما عدا واحد منهم ظلوا يبحثون عنه أكثر من ساعتين حتى ~~يئسوا من العثور عليه، وعادت قوارب النجاة بمن فيها وانقشع الضباب كأن لم يكن وكأنما تلك ~~الساعة التي خيم فيها الضباب ما مرت إلا ليقع هذا الحادث وليغرق ذلك الرجل المسكين، وكأنها ~~ساعة من ساعات القضاء التي يهبط فيها ملك الموت ليأخذ من اختاره القدر. # وقد وصلت الباخرة إلى نابولي عند المساء، وأمضينا فيها الليل، ثم وصلنا إلى كتانيا في ~~الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأحد 16 أغسطس 1914 وطوال الوقت، ظلت الباخرة تشحن كميات ~~هائلة من البطاطس، فلم نتمكن من النوم. وظللنا في انتظار تحرك الباخرة في قلق، فإننا نخشى ~~أن تعلن ms093 إيطاليا الحرب بين آن وآخر، فنحجز في أي بلدة من بلادها. # وعندما قامت الباخرة، فرحنا كثيرا ولكنها ما كادت ~~تخرج من الميناء حتى رأينا زورقا بخاريا يتبعنا ويشير إليها بالعودة، فجزعنا وقلنا في ~~أنفسنا لقد دخلت إيطاليا الحرب. وتمثلت بقول القائل: «لقد كان ما خفت أن يكونا»، ولما سألنا ~~القبطان عن سبب رجوعنا، وصارحناه بمخاوفنا من اشتراك إيطاليا في الحرب، رد علينا مازحا: ~~«لقد شحنا من البطاطس ما يكفي لطعامنا مدة طويلة وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا! ~~...» # وقد رأيت بعض السيدات يبكين مثلي من هذه المفاجأة السيئة، كانت نقودهن قد نفدت فتساءلن عن ~~كيفية كسب عيشهن وليس لمعظمهن مهنة يتكسبن منها في ظروف الحرب، أما أنا فقد كنت أبكي؛ لأن ~~هذا التأخير يمكن أن يكون سببا في القضاء على حياة والدتي المريضة، أما بالنسبة لأسباب ~~الحياة، فقد كان معي من الحلي والجواهر ما يكفيني ثمنها أنا وأولادي لعدة سنين. # وكنت وأنا في عزلتي داخل الخيمة أسمع إحدى السيدات تقول: إنني أحسن الطهو، فإذا حجزت في ~~إيطاليا، فيمكنني أن أشتغل في بنسيون أو عند عائلة، وأخرى تقول: أما أنا فأحسن الحياكة ~~والتفصيل، ويمكنني إذا احتجت أن أزاول هذه المهنة ... وثالثة تقول: أما أنا فلا أعرف حتى رتق ~~فتق في ملابسي، ولا طهو أي نوع من الطعام، والقيام بالخدمة ... فماذا أصنع؟ ثم أضافت بعد برهة ~~قائلة: أعمل مربية أطفال! ... # كنت أسمع كل ذلك وأسأل نفسي ... ماذا كان يمكن أن أفعل لو كنت في مثل ظروفهن؟ # وجدتني لا أحسن الطهو، ولا أجيد الحياكة، ولا يمكنني أن أترك ولدي وأدخل بيتا للخدمة، ~~وأعترف أن هذا كان درسا لي، لأنني بعد ذلك اجتهدت في تعلم الطهو، وتقدمت في فن التفصيل ~~والحياكة. # وعندما عادت الباخرة إلى ميناء كتانيا، عرفنا السبب، وهو أن شركة البواخر طلبت من ~~الإسكندرية تموين الباخرة بالفحم اللازم لرحلة العودة، فرفضت طلبها، ولذلك أعيدت لتتزود ~~باحتياجاتها، وبذلك اضطررنا للبقاء ليلة أخرى موعد وصولنا إلى الإسكندرية أربعا وعشرين ~~ساعة، ولكننا من ناحية أخرى ms094 كنا في منتهى الفرحة لعدم دخول إيطاليا الحرب حتى ذلك ~~الوقت. # وقد وصلنا إلى الإسكندرية يوم 19 أغسطس 1914، وقد عجبنا لعدم وجود أحد في انتظارنا إلا ~~الكاتب وفتاة كانت تعلم ابنتي اللغة العربية. وقد شكرتها وفي الوقت نفسه عاتبتها لتكبدها ~~مشاق السفر وهي تعلم أنني لا أستطيع البقاء في الإسكندرية أكثر من ليلة واحدة لأنني في لهفة ~~للقاء والدتي والاطمئنان عليها. # وتوجهنا بعد ذلك إلى محطة الرمل، ولم أكد أنزل من العربة حتى وجدت عامل التلغراف على ~~الباب وسلمني برقية فتحتها بيد مرتعدة، ولما وقع نظري على سطورها، أحسست أن الأرض قد اهتزت ~~وأن الدنيا تدور بي، فقد كان التلغراف يحمل نبأ مشئوما هو خبر وفاة والدتي ~~المسكينة. # وإنني أنقل من مفكرتي الخاصة ما كتبته عن هذه الفاجعة. # يوم الخميس 10 أغسطس 1914 # عدمت في هذا اليوم أعز إنسان لدي، وحرمت بزواله من أعظم نعيم كنت أتمتع به، ما ~~أتعسني! # بعدت وكنت أظن في القرب التلاقي، وعدت فعز في القرب المزار، لا يمكنني أن أصف وقع ~~النبأ المروع على نفسي، فما تلك الساعة المشئومة يمكن أن يغيب هولها عن خاطري مهما ~~طال الأبد. # يا لسخرية القضاء وقسوة القدر، أفي الساعة التي تطأ قدماي أرض بلادي، وفي اللحظة التي كنت ~~أمني نفسي فيها بقرب لقاء والدتي، وأسعد بأني سأطمئن خاطرها وأدخل بعض السرور على نفسها ~~الحزينة، أفي تلك الساعة تغادر والدتي الحياة بما في قلبها الرحيم من لوعة الفراق والجزع ~~على حياتنا. وقد علمت أنها لما فقدت النطق، كانت تحول نظرها من الساعة إلى الباب ومن الباب ~~إلى الساعة مخافة أن يدركها القضاء فتفارق هذا العالم دون رؤية ولديها والاطمئنان عليهما، ~~وكانت «عطية هانم» التي لازمتها مدة غيابي قد اصطنعت لها برقية توهمها بوصولنا إلى ~~الإسكندرية. # كانت الساعة حوالي الثانية بعد الظهر لما وصلنا المنزل، فتركت ولدي مع مربيتهما ~~والمعلمة، وسافرت أنا وزوجي فورا إلى مصر بقطار الساعة الثالثة. ولما وصلنا القاهرة أمضيت ~~الليلة بجانب فراشها أبكيها حتى الصباح. ثم نقلنا ms095 جثمانها إلى المنيا ومنها إلى مقابرنا في ~~الشرق، ودفناها بجوار قبر والدي؛ حيث كانت قد أعدت لنفسها قبرا هناك. وعدت في اليوم التالي ~~كاسفة البال حزينة النفس. # لا يمكنني أن أصف ما انتابني من حزن عميق بفقد أمي التي كنت أشعر نحوها بعاطفتين مختلفتين ~~... عاطفة البنوة وعاطفة الأمومة اللتين امتزجتا أثناء مرضها الطويل ، وما كانت تستلزمه حالتها ~~المحزنة من ملاطفة واهتمام مستمرين. # نعم، شعرت عند موتها بيتم وثكل في وقت واحد. شعور غريب مؤلم أضناني، وكنت أظنه أقصى ما ~~يكون من درجات الحزن، وما كنت أحسب أن القدر يخبئ لي بين طيات غيبه نكبة أفدح وأقسى ... وفاة ~~أخي العزيز وعمادي الوحيد، وأن أحتمل هذه المصيبة كما احتملت غيرها. وكم حمدت الله أن اختار ~~والدتي إلى جواره قبل هذه الفاجعة الكبرى. # ماتت والدتي، وكان يخفف من حزني عليها زيادة عطف أخي علي وملاطفته لي في كل لحظة، إذ ما ~~من يوم يمر إلا وأراني وجهه المحبوب في الصبح والمساء، وغمرني بجميع أنواع البر والحنان، ~~وقد كان هذا من جانب أخي المحبوب يعوضني ما فقدته، كأنه كان يحس بأنني سأحرم منه عاجلا، ~~فكان يفيض علي من حبه وحنانه ليمتعني بأكبر قسط من محبته، وقد عشت بعد ذلك ثلاث سنوات كدت ~~أنسى خلالها مصابي في أمي العزيزة بفضل رعاية أخي وعنايته. # كان أخي يأتي لزياراتي إن لم يكن صباحا ففي المساء، وكنا نتحدث في الأمور السياسية، وكان ~~رأيه مخالفا لرأيي، فقد كنت أعجب بالحلفاء، بينما كان يرى أنهم أناس مستعمرون وأنهم الذين ~~أثاروا الحرب، وكان يطلب النصر للألمان والأتراك. # أثناء رحلتنا في أوروبا ... وصلنا خبر محاولة الاعتداء على حياة الخديوي عباس في إسطنبول، ~~وكان الذي حاول اغتيال الخديوي هو شاب مصري يدعى «محمود مظهر». وكان الخديوي في طريقه إلى ~~الباب العالي، فانقلب الشارع إلى معركة حربية؛ لأن الجندرمة (الشرطة) ظنوا أن هناك انقلابا ~~دبره حزب الائتلاف والحرية ضد حكم حزب الاتحاد والترقي، فسقط في الشارع أكثر من ثلاثين ~~شخصا، وقتل أيضا الجاني «محمود ms096 مظهر»، وأصيب جلال باشا إصابات انتهت بقطع قدميه، فغضبت ~~عليه زوجته وهي بنت الخديوي وكانت قد تزوجته في مصر يوم سقوط «درنة» وقال فيه أحمد شوقي ~~بك: # فرح هنا وهناك قام مآتم # مولى ينوح وتابع يترنم # وقد أصرت على طلب الطلاق منه، وما زالت حتى طلقت. # وبعد أسبوعين تقريبا من حادث الاعتداء، أعلنت الحرب العظمى، وكشفت الحكومة البريطانية عن ~~كراهيتها للخديوي ... وأبلغت قائمقام الخديوي حسين رشدي باشا على لسان ناب اللورد كتشنر في 12 ~~أغسطس 1914 بأنها لا ترغب في عودته في مصر. وبدأت الحرب والخديوي ما زال موجودا خارج مصر، ~~وبعد ذلك بقليل تردد أن الإنجليز أعلنوا عزل الخديوي، وأن جريدة الطان الفرنسية كتبت مقالا ~~افتتاحيا في هذا الموضوع قالت فيه: «إن إنجلترا قد أحسنت بعزل الخديوي؛ لأنه لم يكن ~~صديقا لإنجلترا أو فرنسا.» # وفي يوم 21 ديسمبر وصل إلى الخديوي نبأ إعلان الحماية على مصر، وأنها صارت سلطنة، وأن ~~الأمير حسين كامل عم الخديوي قد عين سلطانا عليها، وأنه نظرا لأن الخديوي قد انضم إلى ~~أعداء ملك الإنجليز، فقد حرم من الرجوع إلى مصر وإن حفظت له أملاكه الخاصة. # حلم رهيب # ذات ليلة رأيت حلما مزعجا أبكاني حتى صرت أشهق في نومي، واستيقظ زوجي وسألني عن سبب ~~بكائي، فأجبته بأني رأيت في منامي أنني سافرت إلى المنيا وقصدت بيت أخي وكان إذ ذاك ~~هناك، فرأيت والدتي أمام باب غرفة نومه تكنس الأرض وهي كئيبة كاسفة. فسألتها عن أخي ~~وزوجته فقالت: لقد افترقا. فخرجت أبحث عنهما، ودخلت غرفة بجانب الباب فوجدت زوجة أخي في ~~ثياب سوداء وبجانبها أختها حرم حسين بك رياض مرتدية أيضا إزارها الأسود، وكأنهما ~~تتأهبان للخروج في غضب، فحاولت منعهما، فنظرتا إلي نظرة حنق، فعز علي ذلك ~~وبكيت. # تشاءمت من ذلك الحلم ... ولكن في صبيحة اليوم التالي حضر شقيقي من المنيا، وزارني ~~وسألني عن سبب تأخري في السفر إليه مع صديقاتي اللاتي دعاهن معي لقضاء بضعة أيام عنده، ~~ولما انتحلت له بعض الأعذار ألح علي في ms097 السفر، في أقرب وقت. وكان ذلك يوم السبت 15 ~~فبراير 1917 فوعدته بحضورنا يوم الثلاثاء. # ولكن حال مرض إحدى صديقاتي دون سفرنا في ذلك اليوم، كما اعترت ولدي في مساء اليوم ~~نفسه حمى شديدة اضطرتني للسهر بجانبه حتى بعد منتصف الليل. # وفي صباح يوم الأربعاء أيقظني زوجي مبكرا كما أيقظني ليلة حلمي، فقمت منزعجة وسألته ~~عما حل بابني ، فقال لي: «لقد أيقظتك لنسافر إلى المنيا؛ لأن أختك مريضة جدا.» فأجبته: ~~«وكيف أسافر وولدي مريض؟» قال: «إنها في مرض الموت، أو في الحقيقة إنها توفيت» ... فشعرت ~~بحزن شديد لهذا النبأ. # وذهبت إلى غرفة ولدي لأطمئن على حالته. وبعد أن أعطيت مربيته التعليمات اللازمة، خرجت ~~وكان موعد الرحيل قد أزف، فارتديت إزاري وخرجت باكية على أختي. مشغولة على ولدي. # ولما وصلت إلى المحطة، وجدت سعيد آغا في انتظارنا وعلى وجهه علامات الحزن الشديد. ~~ولما ركبنا القطار تركني زوجي كعادته وتوجه إلى محل الرجال، وبقي معي سعيد آغا، فقصصت ~~عليه الحلم الذي رأيته، فقال: «لقد تحقق حلمك» ... قلت: كيف ذلك ثم هل حدث خلاف بين أخي ~~وزوجته استدعى فراقهما؟ فسكت ولم يرد. # وطوال مدة السفر، كنت أتخيل أخي ينتظرني كعادته، وأفكر فيما أحدثته عنده وفاة أختي من ~~الكدر؛ لأنه كان يحبها ويجلها إذ كانت عطوفة علينا، وتربى أولادها محمد وإبراهيم وفؤاد ~~سلطان عندنا، وكان شقيقي يحب «فؤاد» ويناديه بابنه، وإن كان في مثل سنه ورضع معه، وهو ~~الذي أعطاه اسمه وسماه «فؤاد سلطان»، وكانت أختي هذه ثانية بنات والدي من ابنة عمه، ~~وكانت تحب والدتي التي كانت في مثل سنها تقريبا، وكانت والدتي تبادلها الحب. # ولما وصل القطار بنا إلى محطة المنيا، لم أجد شقيقي في انتظارنا بل وجدت الآغا ... ~~فظننته مشغولا بالمعزين ... وسألت الآغا إلى أين أذهب ... إلى بني أحمد أم إلى دار شقيقي! ~~فأجابني: طبعا عندنا. فتبادر إلى ذهني أن أختي قد توفيت عند شقيقي. # وكم دهشت لما رأيته من علامات الحزن الشديد على وجوه الناس جميعا، ولما شاهدته من ~~إغلاق ms098 المحلات التجارية ... وازدادت دهشتي أكثر لما سمعته من ندب النساء وعويلهن في الطرق ~~والمنازل. # لاحظت كل ذلك ولم يخطر ببالي قط أن سوءا قد أصاب أخي، وأن كل هذا من أجل وفاته، ولما ~~وصلت المنزل دهشت من كثرة الزحام حتى صار من الصعب علي أن أشق لنفسي طريقا رغم أنهم ~~كانوا يفسحون لي الطريق. وكان الناس ينظرون إلي ذاهلين ... وقد علمت فيما بعد أنهم ~~حسبوني قد فقدت عقلي من هول الصدمة لأنني لم أبك ولم تبدو علي إلا علامات الاندهاش ~~والاستغراب. وقابلتني زوجة أخي قائلة: «انظري ما أصابنا.» فقلت لها: «هل توفيت أختي ~~عندكم؟» فقالت: «إن مصيبتنا في أخيك»، فأحسست كأنها طعنتني بخنجر وصل إلى أعماق ~~قلبي. # وخيل إلي كأنما أخي حي وأنه مغمى عليه، فهرولت مسرعة نحو غرفته، ورأيت ابتسامته ~~الحلوة تعلو شفته، ولم أر عليه اصفرار الموت ولا علاماته، فارتميت عليه أقبله وأناديه ~~وأدلك جسده على أمل أن تدب الحياة فيه. وبقيت بجانب فراشه أرقب يقظته في لهفة وأناجيه ~~لعله يتنبه بسماع صوتي أو يفيق، ولكن للأسف لم يستجب أخي لندائي كما كانت عادته دائما ~~في أن يلبي ندائي. # ودفن أخي إلى جانب والدي في قبر يضمهما معا، وقضينا هناك تلك الليلة، وكانت أسود ~~الليالي في حياتنا جميعا ... وقد استمرت ليالي المآتم أربعين ليلة دون أن أفكر في ولدي ~~الذي تركته مريضا. # وبرحيل أخي، رحلت معه كل آمالي في الحياة؛ لأنه كان بهجة حياتي ومبعث الأنس والبشر ~~فيها. وبدأت صحتي تتدهور، ولولا وجود ولدي وشعوري بالواجب نحوهما، لما بقيت بعده لحظة ~~واحدة. # وطالت مدة مرضي حتى يئست من الشفاء، واهتم الأطباء بحالتي، ولما بدأت أسترد قوتي، ~~صدمت صدمة أخرى جعلتني أشعر أكثر بالخسارة التي لحقتني بوفاة شقيقي! # | الفصل الرابع عشر # أريد قبل أن أتحدث عن الحياة السياسية في مصر في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية ~~الأولى، وما ترتب على ذلك من أحداث أدت إلى قيام ثورة 1919 ... أريد قبل ذلك أن أتحدث عن ~~واقعة حدثت في تلك الأيام، ms099 وكانت ذات أثر ومدلول على نفسيتي وتفكيري. # فقد حدث في صبيحة يوم 21 أكتوبر 1918 أن جاءتني إحدى المربيات في ثياب سوداء تعودت أن ~~تزورني بها مجاملة لي في حزني على شقيقي وقد بادرتني بصوت متهدج قائلة: لقد ماتت الباحثة! ~~... # وشعرت بهزة حزن في نفسي لهذا الخبر ... وما كنت أظن أن شيئا في الحياة بعد فقدان أخي ~~يستطيع أن يهز شعوري هذه الهزة العنيفة، وقد عجبت لذلك إذ كنت قد قطعت كل صلة بالحياة، ~~وحسبت أنه لم يبق في شعوري متسع لغير حزني على أخي، وكدت أثور على نفسي وعلى تلك التي أحدثت ~~هذا التأثير فيها، ما الذي يعنيني أنا أن الباحثة قد قضت؟ وأن البلاد نساءها ورجالها، قد ~~خسروا في نهضتهم عضوا هاما بوفاة تلك السيدة الفاضلة! # وفي تلك اللحظة انفردت في مخيلتي صفحة بيضاء ذات إطار أسود لهذه السيدة، وخيل إلي أنني ~~أسمع صوت باحثة البادية وهو يدوي في قاعة المؤتمر الذي عقد عام 1910 مطالبا بحقوق عشرة ~~للنساء. # لقد تجسم خيالها أمام ناظري في محاضراتها بالجامعة المصرية وهي تلقي على أترابها دروسا ~~في الأخلاق والواجبات، ومرت بخاطري مناقشاتنا في السفور والحجاب في الاجتماعات التي كنا ~~نعقدها قبل الحرب، وكانت تنظر إلى أقوالنا ونشاطنا بابتسامة ممزوجة بشيء من الشك ~~والاستغراب. # وعلى الفور قمت فارتديت ثيابي وخرجت قاصدة دار الراحلة ... وإذ بنعشها يختصر علينا الطريق، ~~ويقابلنا ملفوفا بالعلم المصري وتسير خلفه جماهير المشيعين، وتبعتهم حتى مقرها الأخير؛ حيث ~~واروا التراب ذلك الجسم النشيط، وأغلقوا القبر على شعلة الذكاء المتقدة. # ولما عدت إلى منزلي واختليت بأحزاني، شعرت أن الأموات أكثر تمسكا بحقوقهم منا، فقد ألقوا ~~على عواتقنا تراثا مقدسا يطالبوننا باحترامه واستغلاله في كل فرصة، لذلك لما رأينا نحن ~~النساء أن الرجال قد سبقونا لتكريم ذكرى فقيدتنا، لم أستطع إلا أن أتجرد من أنانية أحزاني، ~~وأطالب زميلاتي بالواجب عليهن نحو «الباحثة» فقمنا بدورنا بإقامة حفل تأبين لها بالجامعة ~~المصرية الأولى. وأرادت السيدات أن تكون تحت رياستي، فاعتليت المنبر أول مرة ms100 في ~~حياتي. # وبعد ذلك كنت أبحث عنها في الأيام العصبية التي اجتزناها إبان الثورة وبعدها، وكنت ~~أناديها في نفسي، فكان لا يتردد صوتها إلا في ضميري. # ما بعد الحرب # انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918، وأعلن الرئيس ولسون مبادئه الأربعة عشر التي ~~كانت تعطي الأمم حق تقرير مصيرها واختيار الحاكم الذي ترضاه، وظلت مصر تترقب تطبيق هذه ~~المبادئ عليها وبخاصة أنها قد ساعدت الحلفاء مساعدات قيمة جدا كان لها أثر كبير في ~~نتائج الحرب، وقد اعترف الإنجليز أنفسهم بقيمة هذه المساعدات. ولما رأت مصر أنه لا يبدو ~~أن إنجلترا ستفي بوعودها وأن الحالة سوف تبقى على ما كانت عليه، تيقظ شعور رجالها ~~وبدءوا يتهيئون لنبذ مجال الكلام وخوض مجال العمل. وبدءوا ينبذون السياسة التي كانت ~~مقصورة على تحرير الاحتجاجات وتشكل الوفد المصري ليتولى القيام بعمل إيجابي. # ويبدو أن التفكير في هذا الموضوع، وفي وجوب وضع حد لهذه السياسة والخروج من عالم ~~الاحتجاجات إلى العمل الإيجابي، كان قد استولى على اهتمام كثير من رجالات مصر. ودار ~~الحديث بشأنه بين الأمير عمر طوسون وسعد زغلول باشا وعدلي يكن باشا وعلي شعراوي باشا ~~ومحمد محمود باشا وحمد الباسل باشا وغيرهم من قادة الرأي في مصر. وقد كان الأمير عمر ~~طوسون في طليعة المشتغلين بهذه القضية لدرجة أن سعد باشا كان يفكر في إسناد رئاسة الوفد ~~إليه، ولكن الأمير لم يتمكن من الاشتراك في هذا العمل بعد أن صدرت إليه أوامر القصر بأن ~~يعود إلى الإسكندرية وألا يتدخل في السياسة، وكان ذلك نتيجة إيعاز السلطة الإنجليزية ~~للقصر. # ولما كانت الجمعية التشريعية التي شكلت بمقتضى القانون الصادر في أول يوليو 1913 ما ~~زالت قائمة حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، فقد اتجهت النية إلى اختيار أعضاء الوفد ~~المصري من بين أعضائها، أو اختيار هيئة يزكيها هؤلاء الأعضاء وتخويل هذه الهيئة صفة ~~الوكالة العامة، فاستقل سعد باشا وأصحابه بتأليف الوفد. وكان مما شجع هذه الفكرة ما ~~عرضه علي باشا شعراوي من استعداده للقيام بكل ما يحتاجه سفر الوفد ms101 من نفقات لغاية ~~أربعين ألف جنيه، ووعد بدفع الباقي إذا لم تقم الأمة بدفع المال اللازم أو قصرت في دفع ~~جانب منه. # وقد تكون الوفد من حضرات أصحاب السعادة والعزة: سعد زغلول باشا، علي شعراوي باشا، ~~عبد العزيز فهمي بك، عبد اللطيف المكباتي بك، محمد محمود باشا، أحمد لطفي السيد بك، ~~إسماعيل صدقي باشا، سينوت حنا بك، حمد الباسل باشا، جورج خياط بك ، محمد أبو النصر بك، ~~مصطفى النحاس بك، الدكتور حافظ عفيفي بك. # وقد بقي الوفد المصري بعد تشكيله، يرقب إعلان الهدنة ليبدأ كفاحه بإبلاغ بريطانيا ~~مطالب مصر. فلما أعلنت الهدنة يوم 11 نوفمبر 1918، بادر سعد وأصحابه إلى طلب مقابلة ~~السير ريجنالد ونجت المعتمد البريطاني، فحدد لهم موعدا يوم الأربعاء 13 نوفمبر، في ~~الساعة الحادية عشرة صباحا؛ حيث التقى به سعد زغلول باشا وعلي شعراوي باشا وعبد العزيز ~~فهمي بك. # وقد بدأ السير ونجت هذا اللقاء التاريخي بقوله: إن الصلح اقترب موعده، وبدأ العالم ~~يفيق بعد غمرات الحرب التي شغلته زمنا طويلا، والمصريون هم أقل الأمم تألما من أضرار ~~الحرب، وهم مع ذلك قد استفادوا منها أموالا طائلة، وعليهم أن يشكروا دولة بريطانيا ~~العظمى التي كانت سببا في قلة ضررهم وكثرة فائدتهم. # ورد عليه سعد زغلول باشا بقوله: ما تقول إن إنجلترا فعلت خيرا لمصر، فإن المصريين ~~بالبداهة يذكرونه لها مع الشكر، ولكنني أظن أنه لا محل لدوام الأحكام العرفية ولا ~~لمراقبة الجرائد والمطبوعات، وأن الهدنة وقد عقدت فإن المصريين لهم حق في أن يكونوا ~~قلقين على مستقبلهم. # وقال السير ونجت: يجب ألا تتعجلوا وعليكم أن تكونوا متبصرين في سلوككم، فإن المصريين ~~في الحقيقة لا ينظرون للعواقب البعيدة. # ورد عليه سعد زغلول باشا: لا أستطيع الموافقة على ذلك. # وتدخل علي شعراوي باشا قائلا: إننا في طلبنا الاستقلال، لسنا مبالغين فيه، فإن أمتنا ~~أرقى من البلغار والصرب والجبل الأسود وغيرها ممن نالوا الاستقلال قديما ~~وحديثا. # فاعترض السير ونجت بأن نسبة الأميين في مصر كبيرة، وهنا رد عليه عبد العزيز فهمي ms102 بك ~~بأن هذه النسبة مسألة ثانوية فيما يتعلق باستقلال الأمم؛ لأن الذين يقودون الأمم في كل ~~البلاد أفراد قلائل، وإن شروط الاستقلال التام متوفرة في مصر. # وقال السير ونجت: لقد كانت مصر عبدا لتركيا، أفتكون أحط منها لو كانت عبدا ~~لإنجلترا؟! وهنا تصدى له علي شعراوي باشا قائلا: قد أكون عبدا لرجل من الجعليين، وقد ~~أكون عبدا للسير ونجت الذي لا مناسبة بينه وبين الجعلي ، ومع ذلك لا تسرني كلتا ~~الحالتين؛ لأن العبودية لا أرضاها ولا تحب نفسي أن تبقى تحت ذلها، ونحن كما قدمت نريد ~~أن نكون أصدقاء لإنجلترا صداقة الأحرار لا صداقة العبيد. # وتذرع السير ونجت بحجة أن موقع مصر حربيا وجغرافيا يجعلها عرضة لاستيلاء كل دولة ~~قوية عليها. فأجابه سعد زغلول باشا بقوله: متى ساعدتنا إنجلترا على استقلالنا التام، ~~فإننا نعطيها ضمانات معقولة على عدم تمكين أي دولة من استقلالها والمساس بمصلحة ~~إنجلترا، ونحالفها على غيرها ونقدم لها عند الاقتضاء ما تستلزمه المحالفة من ~~الجنود. # وأضاف علي شعراوي باشا: يبقى أمر آخر، وهو حقوق أرباب الديون الأجانب، فيمكن بقاء ~~المستشار الإنجليزي؛ حيث تكون سلطته هي سلطة صندوق الدين العمومي. # وأنهى السير ونجت اللقاء بقوله: لقد سمعت أقوالكم، وإني أعتبر محادثتنا محادثة غير ~~رسمية بل بصفة حبية، فإني لا أعرف شيئا عن أفكار الحكومة البريطانية في هذا ~~الصدد! # وقد تدارس الثلاثة أثر هذه المقابلة فيما دار بينهم وبين السير ونجت؛ حيث فهموا أن ~~الحكومة البريطانية لا تفكر في المسألة المصرية قبل عقد الصلح وانتهائها من حل المشاكل ~~المترتبة على الحرب، وفهموا أيضا أنها حتى لو فكرت في ذلك، فليس في نيتها إلغاء ~~الحماية والاعتراف باستقلال البلاد لما بدا من دهشة على السير ونجت عندما تناولوا معه ~~الكلام عن الاستقلال. # ولما كانوا قد عرفوا من خلال حديثهم مع السير ونجت أنه لا يعرف بعد رأي حكومته في ~~المسألة المصرية، فقد انتهزوها فرصة ملائمة لطلب السفر إلى لندن للتباحث مع أولي الأمر ~~هناك في المسألة وإطلاع الرأي العام عليها، وقد ms103 كتب سعد وأصحابه إلى قيادة الجيش ~~الإنجليزي مستأذنين في السفر ومطالبين بجوازات السفر في أقرب فرصة. واتسعت حلقة ~~المكاتبات بينهم وبين القيادة البريطانية ودار المندوب السامي. # وكانت وزارة حسين رشدي باشا في الحكم وقتئذ، فطلبت التصريح لأعضاء الوفد بالسفر إلى ~~مؤتمر الصلح، فلم يوافق الإنجليز، ورأت الوزارات أن تستقيل لهذا السبب. وظل الوفد يطالب ~~بالسماح له بالسفر دون جدوى، وعزز طلبه وتضامن معه جميع الوزراء السابقين وكل أصحاب ~~المكانة والكفاية في البلاد، وأضربوا عن الاشتراك في تأليف أية وزارة ... وبقيت البلاد ~~بلا حكومة فترة من الزمن ... # اعتقال زعماء الوفد # قلنا إن مصر كانت خاضعة للأحكام العسكرية وإزاء الموقف القائم، فقد استدعى القائد ~~العام للقوات البريطانية رجال الوفد المصري يوم 6 مارس 1919، وألقى عليهم هذا البلاغ: ~~«علمت أنكم تضعون مسألة الحماية موضع المناقشة، وأنكم تقيمون العقبات في سير الحكومة ~~المصرية تحت الحماية بالسعي في تأليف الوزارة؛ وحيث إن البلاد تحت الأحكام العسكرية، ~~لهذا يلزمني أن أنذركم أن أي عمل منكم يرمي إلى عرقلة سير الإدارة يجعلكم عرضة للمعاملة ~~الشديدة بموجب هذه الأحكام!» # وبعد أن أتم تلاوة هذا البلاغ، حاول سعد زغلول باشا مناقشته فصاح: «لا مناقشة» ... ~~وتركهم وانصرف. # وعندما انصرفوا من عنده، كتبوا برقية إلى رئيس الحكومة البريطانية، قالوا: # إن وزارة رشدي باشا لما علقت سحب استقالتها على سفر الوفد، قبلت استقالتها ~~نهائيا، وليس لذلك معنى إلا الحيلولة بيننا وبين عرض قضيتنا على مؤتمر ~~السلام، وقد نتج عن هذه السياسة أن أعظم رجال مصر أهلية لإدارة البلاد في هذه ~~الأيام قد رفضوا تأليف وزارة تعارض مشيئة الأمة التي أجمعت على طلب ~~الاستقلال. # فالنتيجة الطبيعية لذلك أن تقع مسئولية بقاء البلاد بلا حكومة على الذين ~~وضعوا هؤلاء في مركز حرج أمام ضمائرهم وأمتهم، غير أن السلطة العسكرية عمدت إلى ~~تحميلنا مسئولية امتناع المرشحين للوزارة عن قبولها. # أنذرتنا السلطة اليوم، وتوعدتنا بأشد العقاب العسكري ... وهي لا تجهل أننا نطلب ~~لبلادنا الاستقلال التام، ونرى الحماية غير مشروعة، كما تعلم بالضرورة أننا قد ~~أخذنا على ms104 عاتقنا واجبا وطنيا لا نتأخر عن أدائه بالطرق المشروعة مهما كلفنا ~~ذلك. # وحسبنا أن نذكر لكم هذا التصرف الجائر الذي يجلب سخط العالم المتمدين، حتى ~~تفكروا في حل هذه الأزمة بسفر الوفد، فيرتاح بال الشعب. # وقد اتخذت السلطة العسكرية البريطانية في مصر من رفع هذه البرقية إلى رئيس حكومة لندن ~~مبررا لاستعمال القوة، وظنت أنها بذلك ترهب المصريين، وتزعزع عقيدتهم في عدالة قضيتهم، ~~وفي يوم 8 مارس 1919 تم اعتقال سعد زغلول باشا ومحمد محمود باشا وحمد الباسل باشا ~~وإسماعيل صدقي باشا، ونفوا إلى جزيرة مالطة. # ولقد شبت الثورة بعد نفي سعد باشا وأصحابه إلى مالطة، وحل محله زوجي الذي كان وكيلا ~~للوفد، وقامت حركة السيدات في ذلك الحين مباشرة، وكنت أنا وزوجي نعمل لخدمة وطننا لا ~~لخدمة الأشخاص، وكان زوجي يطلعني على ما يحدث وما ينتظر أن يحدث، ليمكنني من ملء الفراغ ~~الذي يحدثه نفيه أو سجنه، وكان هو الذي نصحني بالاتصال بحرم سعد باشا وحرم محمد محمود ~~باشا وبعائلات أعضاء الوفد. # وكان نبأ اعتقال سعد وأصحابه قد سرى بطيئا ومتناقضا في اليوم الأول؛ لأن القيادة ~~العسكرية حظرت على الصحف نشره أو التلميح إليه. # ولكن أعضاء الوفد عرفوا النبأ في يومه، ثم علم به طلبة المدارس العليا وغيرهم في ~~اليوم التالي، وسرى في أنحاء القاهرة ومنها إلى الأقاليم. # وقد أضرب طلاب المدارس العليا في صباح اليوم العاشر من شهر مارس، وخرجوا من مدارسهم ~~في مظاهرة كبيرة طافت بدور المعتمدين السياسيين للاحتجاج على اعتقال الزعماء، وعلى كبت ~~شعور الأمة وحرمانها الحق في إبداء مشيئتها، وهي تسمع كل يوم دعوة الأمم كافة إلى بيان ~~حقها وتقرير مصيرها. # وأضرب عمال الترام بعد الظهر، ثم أضرب الحوذية في اليوم الحادي عشر، وأصبحت الدكاكين ~~مغلقة في معظم أنحاء المدينة إلا الدكاكين الأوروبية، وتجددت المظاهرات من طلاب المدارس ~~وطلاب الأزهر وطوائف شتى من الجماهير، فقابلها الجنود البريطانيون بإطلاق المدافع ~~الرشاشة غير مفرقين بين كبير وصغير ولا بين مشترك في المظاهرات أو غير مشترك. # وكانت نقابات ms105 المحامين قد أعلنت الإضراب، فانقطع المحامون عن المحاكم، واستثارت ~~القسوة في قمع المظاهرات غضب الناس وحنقهم، فكثرت المظاهرات بدلا من أن تقل، واضطرمت ~~وقدتها بدلا من أن تخمد، وطاش صواب الحراس العسكريين من جراء المفاجأة، فأصبحوا لا ~~يميزون ولا يطيقون النظر إلى حشد من الناس، ففي يوم الجمعة الرابع عشر من مارس، أطلقت ~~السيارات المدرعة نيرانها على حشد كبير بجوار المسجد الحسيني، فقتلت منهم بضعة عشر ~~رجلا وجرحت خلقا كثيرين ولم يكونوا في مظاهرة ولكنهم كانوا خارجين من المسجد بعد أداء ~~الصلاة. وتعددت المظاهرات في مدن القطر، فقوبلت بمثل ما قوبلت به في القاهرة، وشاع خبر ~~القتل وإطلاق الرصاص في أنحاء الأقاليم، فانفجر السخط الذي طال كظمه في الصدور، وانفجرت ~~الثورة في كل مكان. # على أنه من الخطأ أن يقال إن المظاهرات كانت هي سبب الثورة الوحيد، أو إن الثورة ما ~~كانت لتنفجر في القطر لولا مظاهرات العاصمة، فالمظاهرات كانت مثل الشرر الذي يتطاير في ~~البداية من فوهة بركان يغلي على وشك الانفجار، فمن شهد تلك الثورة الجارفة التي اندفعت ~~اندفاعا يدل على عمق مكامنها وتأجج وقودها، أيقن أنها قوة لا تحبس طويلا، وأنها هي ~~سبب المظاهرات وليست نتيجة المظاهرات. # فقد صبر الناس زمنا على مظالم الحرب وآثارها، ثم انتظروا الفرج بعد الهدنة، فإذا بهم ~~يتجرعون مرارة الخيبة ويوجسون من مخاوف المستقبل فوق ما أوجسوا من مخاوف السنوات ~~الماضية. وزاد من المرارة أنهم يعانون هذا الكظم كله في الوقت الذي تعلو فيه دعوة ~~الإنصاف وتتجاوب فيه الصداء بالظفر والرجاء، وإنهم يطلبون أمرا يسيرا هو حق الشكوى ~~والاحتجاج فإذا بهم يجابهون بالتهديد والإقصاء عن البلاد. # وعندما شاع خبر إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وشاعت أخبار الموتى والمعتقلين من ~~الطلاب والشبان، طغى الغضب وعم، وكان ظهوره على نمط واحد في جميع أنحاء البلاد بغير ~~تدبير ولا سابق اتفاق فبدأ انقطاع السكك الحديدية ما بين طنطا وتلا في اليوم الثالث عشر ~~من مارس، ثم انقطعت في جهات كثيرة دفعة واحدة، وتناول التحطيم والتخريب أسلاك ms106 التلغراف ~~والتليفون وقضبان السكك الحديدية؛ حيثما وصلت إليها أيدي الثائرين. # ولم يخل هذا التحطيم من غرض تعمده الثائرون بتدبير مقصود، وهو إعاقة القطارات المسلحة ~~والفرق الجوالة عن الطواف بالمدن والقرى لجمع السلاح وتفتيش المنازل وإيذاء ~~الناس. # إلا أن الباعث الأكبر للتحطيم والتخريب كان اندفاعا جامحا بغير قصد مرسوم ... اندفاع ~~الساخط يحار فيما يصنع وهو ساخط ... كأنما هو في هذه الثورة الجامحة يريد أن تسمعه الدنيا ~~ولو بتدمير أثاثه وإحراق داره، فجاءت عوارض الثورة متفقة في كل مكان؛ لأنها هي كل ما ~~يستطاع في تلك الحالة. # وقد ظل الإنجليز ضالين في فهم شعور هذه الأمة، يفسرون أعمالها بأسباب المصالح ولا ~~ينظرون إلى بواعثها النفسية، كأنما البواعث النفسية عامل لا يحسب له حساب في حركات ~~الجماهير، فظنوا أن أعمال الثائرين لا تتفق هذا الاتفاق إلا بتدبير مصطنع ودسيسة ~~أجنبية. # وقد بقينا بعد ذلك نتتبع أخبار الوفد ونؤازره، ونزكي نار الغيرة في قلوب الرجال ~~والنساء ... ونواسي أهل المصاب برصاص الإنجليز، ونزور الجرحى قدر استطاعتنا، ونمد يد ~~المساعدة للفقراء والمعوزين وحاولنا أن نحصل على أسماء الجرحى والقتلى، فحصلنا على ~~أسماء كثيرة جدا. # ومن هذه الأسماء نذكر: السيدة شفيقة بنت محمد، والسيدة عائشة بنت عمر، والسيدة فهيمة ~~رياض، والسيدة حميدة بنت خليل، والسيدة نجيبة السيد إسماعيل، هذا بخلاف كثير من النساء ~~اللاتي أصبن بجراح من رصاص الإنجليز داخل بيوتهن وخارجها. # وإن أنس فلن أنسى الأثر المحزن الذي أحدثه ضرب أول شهيدة مصرية، وهي السيدة شفيقة بنت ~~محمد في نفوس الشعب عامة، وقد تجلى ذلك في تشييع جنازتها التي اشتركت فيها كل طبقات ~~الأمة، حتى صارت جنازتها مظهرا من مظاهر الوطنية المشتعلة. # ولقد تتابعت مثل هذه المظاهرات المحزنة، ولكنها لم ترق في أعين السلطة البريطانية ~~فكانت لا تحترم حتى تشييع الجنازات، وبذلك كادت تنقلب الجنازة إلى عراك دموي بين ~~الأهالي والإنجليز. # ولا أنسى الألوف من الأطفال والشبان والشيوخ الذين قتلوا في ساحة عابدين. كذلك لا ~~أنسى تهجم الجنود البريطانيين وانتهاكهم لحرمات المنازل وبخاصة الضواحي، لأسباب طفيفة ms107 ~~وقد تكون مختلفة يفتعلونها على الأعراض والأرواح والممتلكات. # كل هذه الفظائع كانت تثير كراهية الشعب وسخط النساء على جيوش تلك الأمة التي كانت ~~تعتبر راقية متمدينة. # | الفصل الخامس عشر # تحدثت عن بعض مظاهر الثورة في القاهرة، ولم أكن على معرفة بكل ما يجري في الشارع المصري ~~في ذلك الوقت؛ لأن المرأة المصرية لم تكن قد خرجت إلى رحاب الحياة بعد، ولذلك فإنني سجلت عن ~~هذه البداية بعض ما عرفته وما سمعت به وكانت هناك أحداث هامة جرت فيما بعد، وكانت المرأة قد ~~نزلت إلى الشارع لتشارك في الثورة وتتلقى رصاص الإنجليز في بطولة وشجاعة. # على أنني قبل أن أتحدث عن ذلك، أود أن أذكر بعض أحداث مديرية المنيا باعتبار أن هذا هو ~~البلد الذي ولدت فيه. فقد ثار أهل المنيا من جراء حادثة وقعت بالقطار القادم من الصعيد، وقد ~~ترتب على ذلك أن قتل بعض الضباط والجنود الإنجليز. وعندما أنزلت جثث القتلى بمحطة المنيا، ~~جاء أحد الإنجليز بمصور لالتقاط صور القتلى لإرسالها إلى أمريكا، وعلم الأهالي بذلك فدخلوا ~~منزل المصور وأعدموا زجاجات التصوير. # ولما كانت النفوس مليئة بالحماسة ومشتعلة بالوطنية، فقد نشبت الثورة في المنيا، وبالغ بعض ~~الأهالي في ثورتهم، فحالوا الهجوم على بيوت الموظفين الإنجليز. # ولكن بعض الأعيان تصدوا لهم ومنعوهم من ذلك. وكان في مقدمة هؤلاء: الدكتور محمود بك عبد ~~الرازق وابن أختي توفيق بك إسماعيل ... فقد آوى توفيق بعضهم عنده ... وعرض نفسه بذلك لغضب ~~مواطنيه وهجومهم، أما الدكتور محمود عبد الرازق فقد وقف أمام باب أحد الموظفين الإنجليز، ~~وفتح صدره أمام الناس قائلا: «لا تقتلوه إلا بعد أن تقتلوني.» # وقد بدأ هو وبعض الأعيان يهدئون الخواطر الثائرة بإيهام أهالي المنيا بأن المديرية قد ~~استقلت، وقد أداروا بالفعل دفة شئونها لمدة أسبوع لم يحدث خلاله أي حادث إجرامي. ومع ذلك ~~فقد كان جزاؤهما فيما بعد الحكم عليهما بالسجن لمدة ثلاث سنوات. # وقد ارتكب الإنجليز بعد ذلك كثيرا من الفظائع، ومن ذلك أنهم طافوا بالقرى يضربون الرجال ~~بالسياط ويسطون ms108 على البيوت ويعتدون على الحرمات ويقتلون المواشي والطيور. ومما يؤسف له، ~~أنهم عند إجراء التحقيق بعد ذلك، وجدوا مصريا يقوم بوظيفة شاهد الملك، ووجدوا من بين ضباط ~~الشرطة من كان أقسى على مواطنيه من الإنجليز أنفسهم. # ولقد كانت هذه الأحداث تزكي نيران الثورة في نفوس المصريين وبخاصة بعد أن لمسوا مواقف ~~مضادة من بعض الأجانب الذين عاشوا بينهم وربطت بينهم المصالح المشتركة والصداقة أعواما ~~طويلة. # وكانت بداية هذه المواقف عندما قام شخص أرمني كان يسكن حي عابدين بإطلاق الرصاص من مسدسه ~~بلا مبرر على مظاهرة سلمية كانت تمر أمام منزله، فأثار ذلك حنق المتظاهرين وغيظهم، فهجموا ~~على بيته وأحرقوا أثاثه. # وقد تخوفت تلك الطائفة، وأرادت أن تتظاهر بولائها للإنجليز وتقدم لهم حجة ضد المصريين ~~وسلاحا للدعاية ضدنا بأننا قوم متعصبون، وأن ثورتنا هذه ذات دوافع دينية وليست لأسباب ~~دينية. وكذلك تبرأ بعض اليهود منا في ذلك الوقت، والتحق كثير منهم بخدمة الجيش ~~البريطاني. # ولكن موقف الأقباط المصريين كان كفيلا بدحض كل هذه المزاعم، فقد تجلت أروع صور الوحدة ~~الوطنية في العمل الوطني الواحد الذي يجمع بين كل المصريين من مسلمين وأقباط. # على أن الإنجليز انتهزوا فرصة الاعتداء على منزل الأرمني، وجمعوا تلك الطائفة في معسكر من ~~معسكراتهم ليمثلوا الدور نفسه الذي مثلوه في تركيا، وهو أنهم ضحايا، ولكن الأرمن لم يلبثوا ~~أن ندموا وخرجوا ببناتهم من تلك الملاجئ التي أقيمت لهم في المعسكرات، بل وغادر معظمهم ~~القطر نتيجة ما أصابهم من خزي! # وكان الإنجليز بعد اندلاع الثورة قد جاءوا بالجنود من كل ناحية من ممتلكاتهم ومستعمراتهم. ~~وكان هؤلاء الجنود إذا التقوا بشخص من السراة، انقضوا عليه وصوبوا مسدساتهم إلى رأسه أو ~~صدره قائلين: الروح أو المال. # وأذكر بهذه المناسبة ما سمعته من أن المرحوم مظلوم باشا كان فريسة لبعض هؤلاء ذات ليلة، ~~وهو خارج من كلوب محمد علي، إذ ألصقوه بالحائط وسلبوه ساعته ونقوده، وقد أصابه من رعب لدرجة ~~أنه لم يصدق أنه نجا من القوم الظالمين. # كذلك فقد كانوا ms109 يخطفون النساء في الشوارع، وكانوا يجردون الأقراط من آذانهن فتسيل الدماء ~~منها، دون مبالاة بذلك. # وكم تعدى علينا هؤلاء الجنود في المظاهرات، وأذكر على سبيل المثال أننا لما خرجنا في موكب ~~المظاهرة العامة التي ضمت جميع الهيئات المصرية واشتركت فيها السيدات راكبات سياراتهن. ~~وكانت المرحومة ألفت هانم راتب تمسك بيدها علما مصريا صغيرا يرفرف من نافذة سيارتها، ~~وعند مرور المظاهرة أمام فندق الكونتننتال ... انقض أحد الجنود الإنجليز على سيارتها، وحاول ~~انتزاع العلم من يدها، ولكنها تشبثت به ولم تمكنه من انتزاعه، ولما كان ذلك على مشهد من ~~المتفرجين الأجانب، فقد صفقوا لها إعجابا بها، فثار الجندي ثورة حمقاء ... وأخذ يجذب العلم ~~منها بقسوة ويضربها بيده الأخرى على ذراعها ضربات قاسية ليرغمها على التسليم، ورغم ذلك لم ~~يتمكن من قهرها، وعندما صار أضحوكة المتفرجين أقبل بعض زملائه وأخذوا يطعنون سيارتها ... ~~وأسفرت المعركة بين جنود بريطانيين مسلحين وبين سيدة مصرية عزلاء عن احتفاظها بعلم بلادها ~~إلا طرفا منه استطاعوا تمزيقه. # وبعد انتهاء المظاهرة وعودتنا إلى بيوتنا، جاءتني في حالة انفعال شديد، وطلبت مني ~~الاحتجاج على هذا الحادث، فكتبت في الحال احتجاجا وسلمته لها لتذهب به بنفسها إلى دار ~~المعتمد البريطاني، وتريه كيف اعتدى جنوده عليها وعلى سيارتها. # ورد اللورد اللنبي على المذكرة بما تعود عليه الإنجليز من التنصل من المسئولية، قائلا: ~~«نأسف لما أصاب السيدة في الطريق العام!» # وجدير بالذكر أن هذه المظاهرة، اشتركت فيها جميع الهيئات الرسمية، وكانت مظاهرة لم تشهد ~~لها مصر مثيلا، فقد اشترك فيها الجيش والقضاة والمحامون بملابسهم الرسمية، والموظفون ~~والطلبة، والأزهريون من علماء وطلبة، والعمال، ورجال الدين من جميع الأديان، كذلك فقد ~~اشتركت فيها النساء، بعضهن في سياراتهن وعرباتهن، وبعضهن الآخر على عربات الكارو، وبأيدي ~~الكثيرات منهن الأعلام. # وبالرغم من وقار المظاهرة وهيبتها، فإن نظامها وحماستها لم يرق في عين أحد الضباط ~~الإنجليز الذي كان واقفا بفندق شبرد، فما كان منه إلا أن أطلق مسدسه على المتظاهرين، فوقع ~~واحد منهم، ورغم ذلك تابع المتظاهرون سيرهم في نظام، ms110 ما دفع الأجانب لأن يصفقوا لهم ~~ويقولوا: تقدموا ... تقدموا، فالنصر لكم. # عندما حاول الجنود الإنجليز استثارة المصريين المتظاهرين، قام أحد ضباط السواري المصريين ~~بضربهم بعصاة، واستطاع بمفرده أن يشتتهم جميعا. فلجئوا إلى حديقة الأزبكية واختبئوا ~~فيها. # ولقد كان حقا يوما مشهودا مشرفا لمصر. ويذكرني ذلك بيوم مظاهرة الأزهريين الذين ~~كانوا يشتعلون حماسة ووطنية، لدرجة أنهم كانوا يواجهون مدافع الإنجليز بصدورهم، وبلغت ~~الشجاعة بأحدهم أن هجم على مدفع منها ، وضرب الجندي الذي يعمل عليه، ووقف مكانه ليضرب ~~الإنجليز، ولكن للأسف كان جهله باستعماله سببا في ضربه وموته. # وكانت السيدات في هذه الأحوال يصفقن من الشرفات والنوافذ، مستنهضات همم الرجال في هذا ~~النضال الوطني ... حتى إن الجنود الإنجليز كانوا من فرط غيظهم يطلقون الرصاص عليهن، ولم تعلن ~~أسماء من أصبن إنكارا للذات وبعدا عن طلب الجزاء أو الشكر. # محاولة تشويه الثورة # أراد الإنجليز أن يشوهوا جلال ثورتنا في الخارج، فصاروا يعلنون يوما أنها ثورة ضد ~~الأجانب بهدف إثارة الرأي العام العالمي، وفي يوم آخر يسمونها ثورة الأكثرية المسلمة ضد ~~الأقلية من الأديان الأخرى. # وقد أثار هذا الكذب والافتراء وسوء التعليل سخط إخواننا الأقباط والطوائف الأخرى، ~~وكان أن تآخى الجميع، وصاروا يجتمعون في الكنائس والمساجد والمعابد وهم شيع مختلفة، ~~وكان الشيخ يتأبط ذراع القسيس أو الحاخام أمام عدسات المصورين ليظهروا للملأ اتحاد ~~الجميع على الثورة ضد الإنجليز، وكانت احتجاجاتنا على هذه التهم لا تتعدى أرض مصر؛ لأن ~~السلطة كانت تراقب البريد المصري للخارج، وكانت صحفنا لا تصل إلى أبعد من الإسكندرية، ~~فكنا إزاء هذه الحالة نستخدم كل الحيل لإرسال الأخبار مع المسافرين أو بعض الأجانب حتى ~~يصل صوتنا إلى الخارج ... وقد أثار ذلك غضب الإنجليز على كثير من هؤلاء. وكان نصيبهم ~~النفي خارج مصر. وأذكر من بين هؤلاء «الكونت دي كولالتو» الذي حرم عليه الإنجليز العودة ~~إلى مصر حتى توفي بعيدا عنها، رغم أنه ترك فيها زوجته العجوز وابنه الوحيد، وقد قابلته ~~في روما عام 1923 عندما حضرت المؤتمر النسائي بها، ولما رأيته ms111 متألما جدا من هذا ~~النفي المجحف رغم خدماته الجليلة التي قدمها لمصر، كتبت إلى ولاة الأمور بشأن عودته، ~~ونشرت في الصحف خطاباته التي أرسلها إلي يطلب فيها إنصافه وتمكينه من العودة إلى مصر ~~التي يعتبرها وطنه الثاني ... ولكن كل ذلك لم يجد شيئا وبقي هناك حتى توفي. # لقد حدث أثناء سير أورطة إنجليزية أن طفلا مصريا مر من فاصل بين جنود القوة، ~~فاغتاظوا لذلك وضربوه ضربا قاسيا. وكان ذلك قد حدث على مرأى من أحد الموسيقيين ~~الطليان، فأثر فيه هذا المنظر، وانتهرهم قائلا: «أليست في قلوبكم رحمة» ... فضربه ضابط ~~بمؤخرة البندقية على رأسه، فهوى ميتا. ولما علمنا بما حدث لرجل دفعه شعوره الإنساني ~~للدفاع عن طفل بريء، أردنا إظهار مشاعرنا نحو هذا الشهيد، فأرسلنا باقة كبيرة من الزهور ~~لتوضع على قبره باسم نساء مصر، وذهبنا للسفارة للتعزية فيه، فشكرنا ممثل الدولة ~~الإيطالية، ورجانا في الوقت نفسه ألا نطيل مثل هذه المظاهرات خوفا من خلق مشاكل مع ~~دولة بريطانيا العظمى. # الإضراب العام # من المظاهر الكبرى التي كان لها أثرها في خدمة القضية المصرية، ذلك الإضراب العام ~~لجميع طوائف الموظفين والعمال والطلبة، وقد استمر هذا الإضراب مدة طويلة، حتى امتلأت ~~الشوارع بالفضلات والأحجار ما اضطر السلطة الإنجليزية إلى تنظيف الشوارع ... ولما أضرب ~~الحوذية والسائقون، كان الإنسان لا يسمع صوتا للترام أو العربات أو أي وسيلة من وسائل ~~المرور، وأمام الشلل الذي أصاب المواصلات، استدعت السلطة أعضاء الوفد لتطلب منهم كتابة ~~نداء وتوجيهه إلى الأهالي بطلب الكف عن هذا الإضراب، وإلا اعتبرتهم مسئولين عنه وعن ~~نتائجه. # وقد اجتمع هؤلاء الأعضاء بزوجي وكيل الوفد في بيتنا قبل توجههم إلى مركز رئاسة السلطة ~~الإنجليزية بفندق «سافواي» الذي كان الإنجليز احتلوه. وقد ترك الباشا زملاءه المجتمعين ~~في الدور الأول من منزلنا، وصعد إلى الطابق الثاني ليقول لي: «ربما تعتقلنا السلطة، ~~فإذا حدث ذلك، فأرجو أن تسلمي هذا المبلغ حرم سعد باشا، فربما تحتاج إليه في غيبتي.» ~~وكان سعد باشا في المنفى في ذلك الوقت. # ولما نزل، ms112 توجهت إلى النافذة لأراه وهو خارج يتبعه كل أعضاء الوفد، وبعضهم يبتسم ~~ابتسامة مريرة، وبعضهم الآخر مضطرب الخاطر، وأكثرهم يحملون معاطفهم وعصيهم مستعدين ~~للنفي أو لما هو أكثر من ذلك، إذ كان قد أذيع في ذلك اليوم أنهم سيعدمون رميا بالرصاص ~~أو ينفون. # وقد علمت فيما بعد أنهم أدخلوا غرفة، ثم دخل عليهم قائد السلطة، ودون أن يحييهم ألقى ~~عليهم بضع كلمات حادة، وأراد أن ينصرف دون أن يجيب عن أي سؤال، فقال علي باشا شعراوي ~~باللغة العربية: «أنا لم أفهم من كلامه شيئا ... أين هو ذاهب؟» فلما سمعه القائد يقول ~~هذه الكلمات بحدة، عاد ليسأل عما يريده، فلما أفهمه كلام الباشا، أمر بأن تترجم له ~~أقواله، وألح عليهم في أن يكتبوا هذا النداء ... فوافقوا على كتابة ما يصون كرامتهم ولا ~~يتنافى مع وطنيتهم. # ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أذكر مظهرا من مظاهر الوفاء والإخلاص الصادق من سيدة ~~فرنسية صديقة، فقد سمعت ما أشيع من أن زوجي سيحكم بإعدامه، وأن السلطة قد وضعت أمام باب ~~دارنا مدفعا تهديدا لنا، فجاءت على قدميها من روض الفرج؛ حيث كانت تسكن إلى بيتنا ~~بقصر النيل، فوصلت في المساء. ولما دخلت علينا سقطت على الأرض من فرط التعب والتأثر، ~~وصارت تبكي وتقول: سمعت عنكم أخبارا مزعجة، فجئت رغم إضراب السائقين مشيا على قدمي ~~لأطمئن عليكم. # هذه السيدة الفاضلة هي «مدموازيل جان ماركيز» التي أصحبت محررة بمجلة «الاجبسيان» ~~المصرية التي نصدرها باللغة الفرنسية. # المرأة والثورة # ظهر في اليوم التالي ذلك النداء الذي طلب من أعضاء الوفد نشره، فلم يؤثر في الرأي ~~العام؛ لأن الجميع كانوا على علم بأنهم قد أرغموا على إعلانه، واستمر الإضراب يتسع حتى ~~عم كل الفئات والطوائف والمجالات، وكانت أزمة جديدة رزحت تحتها البلاد، فضغطت السلطة ~~على الحكومة لتهدد المواطنين بالفصل والعقاب إذا لم يكفوا عن إضرابهم ... وحاولت حكومة ~~رشدي باشا أن تنصح لهم بالعودة إلى أعمالهم قبل أن تضطرهم القوة إلى ذلك، فثاروا ضدها ~~ونادوا بسقوطها ... وجمع رشدي باشا كبار الموظفين ms113 مرة أخرى وأسدى إليهم النصيحة، فلم ~~يقبلوها. # وقمنا نحن السيدات نؤيد هذا الإضراب، ونشجع الموظفين على عدم العودة إلى أعمالهم حتى ~~تصل البلاد إلى نتيجة. وكتبت لجنة الوفد للسيدات إلى رشدي باشا خطابا تطلب منه ~~الاستقالة إذا كان عاجزا عن تسيير دفة الأمور. # وقد علمت أنه كان عازما على تقديم استقالته، فلما وصله الخطاب قال: «النساء أيضا ~~يطلبن استقالتي، وهأنذا سأقدمها، فلتطمئن نفوسهن.» # وقدم استقالته في الليلة نفسها، ولو أنه كان قد قدمها بعد الإنذار، لكان ذلك أفضل؛ ~~لأنها كانت تعبر في ذلك الوقت عن الاحتجاج، ولو أن الإضراب انتهى قبل الإنذار كما نصح ~~هو لكان أجدى. # وبعد استقالته خشينا أن يتغير الموقف، فأوعزنا إلى كثير من السيدات بالوقوف على أبواب ~~الدواوين لمنع الموظفين المتخاذلين من الدخول إلى مكاتبهم، ولشد ما كانت دهشتنا عندما ~~علمنا أن الموظفين ذهبوا زرافات ووحدانا إلى دواوينهم، كبارهم قبل صغارهم، وإن كان عدد ~~كبير من صغار الموظفين قد أصروا على موقفهم، وظلوا مضربين حتى فصلوا من وظائفهم. # وكانت النساء اللاتي تولين الوقوف أمام الدواوين لمنع الموظفين من الدخول، ينتزعن ~~أساورهن وحليهن، ويقدمنها لهم قائلات: «إذا كان أحدكم في احتياج لمرتبه، فليأخذ هذه ~~الحلي، ولا تسودوا وجوهنا بالرجوع إلى أعمالكم بعد صدور الإنذار البريطاني» ... وللأسف ~~فإن هذا الأسلوب لم يؤثر في بعضهم، فدخلوا إلى مكاتبهم وقدموا اعتذارات مختلفة يبررون ~~بها غيابهم. # وقد رأيت هذا بعيني، فتألمت ألما شديدا رغم أني ألتمس لهم بعض العذر إذ صمدوا مدة ~~طويلة، وليس لهم من سند في الحياة إلا مرتباتهم، ولكن هذا لم يوقف الثورة ولا الإضراب، ~~بل زادهما انتشارا. # ولقد كانت المنشورات التي تطبع سرا وتوزع على المواطنين أثناء الثورة الوطنية هي ~~إحدى الوسائل الفعالة في تبصير الرأي العام بما يجري، وتوجيهه إلى القيام بما يراد منه، ~~ومن ذلك المنشور رقم 6 الذي أصدره الطلبة عن موجبات إجماع الطلبة على الإضراب، وجاء فيه: # إننا ما أضربنا إلا لطلب الاستقلال التام أو البت في قضيتنا أمام مؤتمر ~~السلام ... وحتى الآن ms114 لم نسمع شيئا يتفاءل منه عن مسألتنا المصرية. # إن الفظائع التي ترتكب في أنحاء البلاد والتي تصيب مواطنينا وإخواننا، ~~توهن النفس وتجعلها تتمرد على كل شيء إلى إنهاء هذه الفظائع ~~المنكرة. # إن عدم إلغاء الأحكام العرفية لا يدع مجالا لوصول الأخبار لدينا عن ~~مصرنا العزيزة، ولا يبعث فينا روح الطمأنينة عن وفدنا المصري ... فنحن اليوم ~~قلقون ... والقلق والدرس ضدان لا يتفقان. # إلقاء الشبهات على كل بريء، ومعاملته معاملة قاسية، لا سيما سجن وجلد ~~الطبقات المحترمة الراقية كما فعلوا مع موظفين وطلبة في صفط الملوك ~~بالبحيرة وأسيوط والجزيرة وغيرها. # وقد جاء في المنشور رقم 7 الذي أصدرته اللجنة المستعجلة: # لقد آن أيها الأبطال أن تجردوا سلاحكم في وجه خصمكم العنيد؛ حيث لم يرهبه ~~التهديد، آن لكم أن تضربوا لفك قيود إخوانكم في الوطنية ممن اعتقلوا لاستمرارهم ~~مضربين تنفيذا لقرار اللجنة. # فإن صمم كل منكم على الإضراب وعادت إليه شهامته الأولى، وكلكم وطنيون مخلصون، ~~اتحدت قلوبكم عن بعد، وأضربتم جميعا على غير موعد. # فنستحلفكم باسم الوطنية الصادقة، باسم الشرف والواجب، باسم مصر ألا تتركوا ~~أحدا من أبنائها إخوانكم فريسة لعدوكم، ولا تصدقوا للإنجليز وعدا فهم كاذبون ~~خادعون. # | الفصل السادس عشر # طوال الفترة التي بدأت منذ اعتقال سعد زغلول باشا ورفاقه الثلاثة في 8 مارس 1919 ونفيهم ~~إلى مالطة، وحتى الإفراج عنهم والسماح لباقي أعضاء الوفد بالسفر، كان زوجي علي شعراوي باشا ~~وكيل الوفد هو الذي يتولى رئاسة هذه الهيئة ومتابعة أعمالها خلال هذه الفترة الخطيرة ~~الرهيبة، وقد تحمل المسئولية كاملة مستهدفا لكل أنواع العقاب هو ومن معه من أعضاء الوفد. ~~وهي مسئولية تفوق في خطرها مسئولية رئيس الوفد المنفي؛ لأن سعد باشا نفي في وقت كانت البلاد ~~فيه خالية من المظاهرات، ومن ذلك الغليان الذي أعقبها، ومن تلك الحوادث الخطيرة التي عمت ~~البلاد، وقد اشترك مع زوجي في تحمل هذه المسئولية باقي أعضاء الوفد بجنان ثابت وجأش رابط ~~منذ لحظة اعتقال سعد. # وقد حدث في يوم الاعتقال، أن أرسلت قرينة سعد باشا ms115 إلى زوجي تبلغه أن مكتب سعد مفتوح له ~~ولزملائه في غيابه كما كان في حضوره، وترجوه أن يقبلوا دعوتها للعشاء في ذلك المساء، وأن ~~يعقدوا جلستهم الأولى في مكان انعقادها المألوف كي لا يطرأ على سير الدعوة أدنى تغيير بعد ~~ذلك الحادث الذي أريد به القضاء عليه. # وقد قرر الأعضاء أن يلبوا رجاءها وأن يشكروها عليه، وإن كانوا قد اعتذروا عن حضور العشاء ~~لانشغالهم بإعداد الخطة التي تلائم الموقف الجديد. # ولم يكن شعور الأعضاء بعد الاعتقال شعور فزع وارتداع كما قدرت السلطة، بل كان شعور استياء ~~لاعتبارهم دون من اعتقلتهم السلطة في الخطر والأثر، وشعور رغبة في إفهام السلطة الإنجليزية ~~خطأها وتحديها واستفزازها بإتيان العمل نفسه الذي من أجله اعتقلت سعدا وأصحابه. وقد كتب ~~شعراوي باشا احتجاجا إلى رئيس الحكومة البريطانية على اعتقالهم، وأبلغه فيه أن الوفد مثابر ~~على خطتهم، كما وجه مع زملائه في اليوم التالي خطابا إلى صاحب العظمة السلطان يلقي فيه ~~تبعة إعراض الكبراء عن تأليف الوزارة على السلطة العسكرية، وقال في خطابه إن هذا «هو ~~النتيجة الطبيعية للخطة التي اتخذت في مسألة سفر الوفد، فإن كل مصري ذي كرامة لا يمكنه ~~حقيقة أن يقبل الوزارة في هذا الظرف من غير أن يستهين بمشيئة بلاده». # وكانت الحكومة البريطانية قد اختارت الفيلد مارشال اللنبي مندوبا ساميا لها بمصر بعد ~~نشوب الثورة بأسبوع تقريبا. وكانت تهدف بذلك إلى إشاعة اليأس في نفوس المصريين بتولية هذا ~~المنصب لقائد كبير من قادة الإمبراطورية، ظنا منها بأن فاتح القدس سيدخل الرعب في القلوب، ~~ولن تمضي مدة قليلة على تعيينه ومنحه السلطات العليا حتى تخمد الثورة. # وقد بدأ الفيلد مارشال اللنبي عمله بمصر باستدعاء الكبراء والعظماء ليفهمهم أنه جاء لينهي ~~الاضطرابات ويتحرى أسباب الشكاية ويعمل على الإصلاح. # ولكن مقابلاته لهؤلاء العظماء ومطالبته لهم ببذل النصح، ذهبت كلها سدى ولم تنجح مساعيه في ~~تشكيل الوزارة. # اشتغالي بالحركة الوطنية # بدأت حركاتنا السياسية بالمظاهرة الكبرى التي قمنا بها صباح يوم 20 مارس 1919، وكان ~~ذلك بعد أن ms116 أطلق الإنجليز رصاصهم على المتظاهرين إثر نفي سعد زغلول باشا ورفاقه إلى ~~مالطة، وقد قامت هذه المظاهرة احتجاجا على تصرفات القوة الغاشمة التي أزهقت الأرواح ~~البريئة، التي لم تجن شيئا سوى المطالبة السلمية باستقلال البلاد ورفع الأحكام العرفية ~~عن كاهلها والمناداة بإعادة سعد من منفاه. # وكنت قد وجهت كتابا إلى «لادي برونيت» عقب أول مظاهرة حدث فيها إطلاق الرصاص على ~~المصريين، أظهرت فيه أسفي على ما وقع من الضباط الإنجليز لأبنائنا ... وكانت قد كررت لي ~~مرارا في حديثها عن الحرب أن إنجلترا لم تخض غمار الحرب طمعا في الاستعمار، بل خاضتها ~~رغبة في إنقاذ الأمم الضعيفة وإعادة استقلالها إليها. وكان أن كتبت لها هذا الخطاب ~~لأذكرها فيه بكلماتها. # سيدتي ... # في هذه الظروف المحزنة التي نجتازها، جئت أذكرك بمحادثاتنا أثناء الزيارات ~~التي كنت تؤدينها لي في الصيف الماضي بمنزلنا في الرمل، حينما كنا نتحدث عن ~~نتائج الحرب المؤلمة، وكنت تؤكدين لي إذ ذاك أن بريطانيا العظمة نزيهة في ~~اشتراكها في هذه الحرب، وأنها لم تسهم فيها إلا لخدمة أمنية العدل والإنسانية، ~~وللدفاع عن حرية الشعوب المظلومة وحماية حقوقها. # هل تتفضلين بإجابتي إذا كان هذا ما زال في رأيك؟ وما فكرك يا سيدتي في حكومتك ~~التي تخول نفسها حق إعلان الأحكام العرفية في زمن السلم، وتنفي عن بلادهم ~~أناسا لا يطالبون إلا أن يعيشوا أحرارا في بلادهم كرماء للجميع. # وما قولك في جنودك الذين يجوبون بالمدافع الرشاشة طرقات مصر الهادئة، ويطلقون ~~الرصاص على شعبها الأعزل إذا رفع بعض الصبية صوتهم مطالبين بالحق ~~والحرية. # أرجو أن تخبريني يا سيدتي إذا كانت هذه نتيجة كل المجهودات التي بذلتها ~~إنجلترا في خدمة الإنسانية والعدالة، وإلا فتفضلي بشرح المعنى الصحيح لكلماتك ~~الجميلة التي كنت أسمعها منك. # إذا كانت فئة من الصغار قد ضربت بعض الحوانيت، فإنها لم تفعل ذلك إلا لأنها ~~حذت للأسف الشديد المثل الذي ضربه لها جنودكم المتمدينون جدا في زمن غير ~~بعيد. # وتقبلي يا سيدتي عبارات شعوري الحزين الممزوج بتحياتي. # هدى شعراوي # 22 ms117 مارس 1919 # ولما رآني زوجي على هذه الحالة من الانفعال وأنا أكتب إليها خطابي، لم يشأ أن أرسله ~~إليها قبل أن يعرضه على سكرتير لجنة الوفد، مخافة أن أكون قد تعديت بجرأتي حدود ~~القانون، فأخذه مني وعرضه عليه وعلى زملائه، ثم عاد متهلل الوجه، وقال: «لقد أعجبنا ~~خطابك لدرجة أننا قررنا الاحتفاظ بصورته في المضبطة.» # وقد أخذت الخطاب بعد ذلك وأرسلته إليها، وكان ذلك أول احتجاج كتبته في بدء الثورة ~~الوطنية. # وكنت أنتظر من هذه السيدة - التي كان زوجها يشكل أكبر مركز للسلطة الإنجليزية في مصر، ~~فضلا عن أنها أمريكية الجنسية - أن يكون لها بعض التأثير على السلطة الغاشمة، أو على ~~خطابي، ولكنها لم تفعل شيئا من ذلك، بل صارت تظهر لمعارفها وأصدقائها دهشتها من خطابي ~~هذا وتقول إنها لم تفهمه. # وكان زوجها قد صرح في بدء ثورتنا بكلمات تأثر بها الشعب وظل يتناقلها. فقد قال: «إن ~~ثورة المصريين مثل شرارة في القش تطفئها بصقة.» فلما عرف المصريون ذلك، ثاروا ضده ~~وتربصوا به، فلم يجرؤ على ركوب القطار من العاصمة كما أشيع يوم مغادرته مصر، بل استقل ~~عربة أوصلته إلى إحدى المحطات، ومنها ركب القطار متخفيا حتى لا يعرف فيقتل. # أول مظاهرة للسيدات # قلت إن أول احتجاج لنا كان في ذلك اليوم المشهود الذي خرجت فيه كل سيدات مصر للاحتجاج ~~على أعمال الشدة والإرهاب التي كانت تصدر عن السلطة العسكرية الإنجليزية، وكانت هذه ~~السلطة قد أعلنت قبل ذلك أن جميع المظاهرات تقمع بالقوة ولا يصرح بها إلا بإذن، وقد ~~أرسلنا إلى مقر رئاسة السلطة وفدا من بناتنا، نعلنها اعتزامنا بالقيام بمظاهرة سلمية ... ~~فرفضت السلطة التصريح لنا بالمظاهرة، وكان أن تصرفت بعض الفتيات اللائي كلفناهن بهذه ~~المأمورة من تلقاء أنفسهن؛ حيث اتصلن بكثير من السيدات اللائي اتفقن معنا على السير في ~~المظاهرة، وأخبرنهن بأن المظاهرة قد أجلت، ولكننا بعد ذلك قرأنا في جريدة المقطم أن ~~السلطة قد سمحت للسيدات بإقامة هذه المظاهرة، فأمضينا الليلة في محاولات الاتصال ~~بالسيدات تلفونيا لنخبرهن بالتصريح، ms118 ولكن مع الأسف لم نستطع الاتصال بمعظمهن بسبب ~~الرقابة التي كانت مفروضة على التليفونات ولولا هذا الاضطراب الذي أثاره تصرف هؤلاء ~~الفتيات لبقي العزم على ما كان عليه ولاشتركت كل نساء القاهرة في تلك المظاهرة. # وفي صباح يوم 20 مارس 1919، أرسلت اللوحات التي كنت قد أعددتها للمظاهرة إلى منزل ~~أحمد بك أبو إصبع، مكتوبا عليها باللغتين العربية والفرنسية بالبوية البيضاء على قماش ~~أسود علامة الحداد: «ليحيا ناصرو العدل والحرية ... ليسقط الظالمون المستبدون وليسقط ~~الاحتلال». # وقد نظمنا خط سير المظاهرة ... وأعطيناه للفتيات اللائي سلمناهن العلم واللافتات في ~~المقدمة ... ولشد ما كانت دهشتي عندما لم أر اللافتة المكتوب عليها «ليحيا محبو العدل ~~والحرية». وسألت صديقتي «وجيدة هانم خلوصي» التي كنت قد أوفدتها بهذه اللافتات إلى منزل ~~أحمد بك أبو إصبع عن السبب، فأخبرتني بأن إحدى السيدات قد زعمت وجود خطأ لغوي فيها ... ~~فلم تسمح بظهورها، وأعلنت بأعلى صوتها بين السيدات قائلة: «إن من لا يجيد معرفة الكتابة ~~بلغة، فالأجدر به ألا يكتبها.» وكانت هي في الحقيقة الجاهلة، وقد أقنعتها بخطئها بعد ~~ذلك، فلم تغفر لي هذا الموقف أبدا. # ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد، فقد حدث موقف آخر. # كان الاتفاق يقضي بأن نقصد سفارة أمريكا أولا، ثم سفارة فرنسا ... ولكنني رأيت فتياتنا ~~قد غيرن خط السير وقصدن بيت الأمة أولا. فلما أرسلت صديقتي «وجيدة هانم» لتنبههن إلى ~~ذلك، قلن لها إن غالبية السيدات قررن ذلك، فأذعنت لهذا القرار على مضض، وابتدأنا ببيت ~~الأمة بدلا من أن ننتهي به حسب الاتفاق. # ولم نكد نصل إلى هناك، حتى حاصرنا جنود السلطة الإنجليزية، وأحاطوا بنا مسلحين وقد ~~سدوا الشوارع بمدافع الماكينة، فوقفت صفوفنا تحيط بها صفوف الطلبة الذين كانوا يتبعوننا ~~طوال الطريق لحمايتنا. # وقد أدركت أن هناك تدبيرا مسبقا بين أدلتنا وبين السلطة التي كانت تنتظرنا مطمئنة ~~بشارع سعد زغلول. وبذلك فشلت خطتنا، ولم يرنا إلا قليل من الناس، وعلمنا بعد ذلك أنه ~~كان أمام دور السفارات عدد كبير من الأجانب ينتظروننا بباقات الورد ليلقوها ms119 تحت ~~أقدامنا. # وبينما نحن في تلك الوقفة التي أجبرونا عليها، أردت أن أشق طريقي بالقوة لأقود مسيرة ~~السيدات، فتقدمت إلى الأمام، وإذا بجندي إنجليزي يجلس القرفصاء بسرعة ويصوب فوهة ~~بندقيته إلى صدري، وعندما حاولت أن أتقدم نحوه، أسرعت إحدى السيدات تجذبني من الخلف ~~لتمنعني من التقدم، فقلت لها بصوت عال: «دعيني أتقدم، ليكون لمصر اليوم مس كافيل.» فما ~~كاد الجندي يسمع هذا الاسم، حتى خجل وقام على الفور. # وأردت بعد ذلك أن أخترق صفوف الجنود، وطلبت من السيدات أن يتبعنني، فإذا بذراعين ~~تحيطانني، وإذا بصوت حرم الدكتور حبيب خياط تقول لي: «ما هذا الجنون؟ أتريدين إراقة ~~دماء هؤلاء الأولاد إذا رأوا قطرة من دمك تسيل؟» # وأعادتني هذه الكلمات إلى رشدي في الحال، فقد تصورت هؤلاء المئات من أبنائنا يخوضون ~~المعركة ضد الإنجليز، وتصورت كم ستخسر مصر من بنيها بسبب مجازفتي هذه، فوقفت في مكاني ~~لا أتحرك، وبقينا على هذه الحال ثلاث ساعات تحت وهج الشمس، وكم تمنيت أن تصيبني ضربة ~~شمس لتقع مسئولية ذلك على السلطة الغاشمة، ولكن للأسف لم يحدث لنا أي أذى. # وأثناء ذلك الوقت، توجه الطلبة إلى السفارة الأمريكية، ثم إلى سفارتي إيطاليا وفرنسا، ~~ووقفوا يصرخون: «لقد حاصرت السلطة الإنجليزية سيداتنا أمام منزل زغلول ... نطلب الإنصاف ~~والمساعدة.» # وقد توجه سفير أمريكا إلى موقع الحصار والتقط بعض الصور الفوتوغرافية. # وهال هذا الأمر السلطة البريطانية، وسرعان ما جاء اللواء رسل باشا حكمدار العاصمة، ~~ورجاني أن نعود إلى منازلنا بدعوى أننا قد خالفنا أوامر السلطة بهذه المظاهرة، فقلت له: ~~«لقد قرأنا في جريدة المقطم أن السلطة البريطانية قد صرحت بإقامة هذه المظاهرات، ولذلك ~~خرجنا ... فبأي حق يعترضوننا بعد هذا التصريح؟» ... فأجابني بأن السلطة لم تصرح بذلك، وقد ~~نشر هذا النبأ خطأ، ومن الأفضل أن نعود إلى بيوتنا. # وأمام القوة والتعسف، لم يسعنا إلا الإذعان، على أن نقوم بهذه المظاهرة مرة أخرى ... ~~ولكننا قبل العودة إلى بيوتنا، زرنا السفارات وأبلغناها احتجاجنا على مسلك السلطة ~~إزاءنا، وعلى استمرار الحماية غير المشروعة وقيام ms120 الأحكام العرفية في بلادنا بلا مبرر، ~~وقد لقينا منهم كل عطف ولكن بلا نتائج إيجابية. # وجدير بالذكر أن شاعر الوطنية المرحوم حافظ بك إبراهيم قد نظم أبياتا رائعة تحية ~~لشجاعة المرأة المصرية، وتسجيلا لهذا الحادث التاريخي. وقد نشرت ووزعت دون توقيع؛ ~~نظرا للظروف القائمة في ذلك الوقت. # تقرير الوفد المصري # ظلت الأمور تتطور في البلاد في طريق الثورة يوما بعد يوم، وكان الوفد المصري الذي ~~حمل أمانة المسئولية بعد نفي سعد زغلول باشا ورفاقه، يتصدى للمواقف المختلفة ، ويعبر عن ~~رأي الأمة. # وكان التطور الجديد في الأحداث هو ذلك التقرير الذي قدمه الوفد المصري إلى المندوب ~~السامي البريطاني في 30 مارس 1919، والذي دعا على أثره الأعضاء لمناقشتهم فيه في اليوم ~~التالي مباشرة، أي في يوم 31 مارس 1919. # وقد جاء في هذا التقرير: إن الذي في نفوس المصريين ليس هو العداوة بأي نوع كان، بل هو ~~الإحساس الطبيعي لكل أمة أن تستقل بشئونها. # ولقد أظهرت الأمة في سلوكها طول مدة الحرب أنها تنتظر من بريطانيا العظمى معاملتها ~~على هذا السلوك المستقيم وعلى الضحايا الكبرى التي غرمتها بما تستحق من الرعاية فتعترف ~~لها بالاستقلال بعد زوال السيادة التركية عنها. # ثم إن الوفد المصري الذي وكل لهذه الغاية قد جعل فاتحة برنامجه أن يتجه إلى الشعب ~~البريطاني قبل كل شيء لنيل عطفه على مصر والمصريين، وليتبين للرأي العام هناك أن النقطة ~~التي تلتقي فيها منافع بريطانيا العظمى واستقلال مصر ليست نقطة معدومة بل إيجادها في ~~حيز الإمكان. # وكل ذلك ينفي بتاتا أن هذه الحركة نتيجة عداوة في النفوس، وإن كانت في الجملة بعض ~~نتائج اليأس وخيبة الرجاء. # ثم استعرض التقرير بعد ذلك مجريات الأحداث منذ إعلان الحماية على مصر؛ حيث «ظنوا أن ~~الحماية ضرورة استدعتها الظروف الحربية فقط ... وكان رجاء الناس يزداد يوما فيوما ~~بمقدار ما يقرءونه في الصحف من خطب رجال السياسة في بريطانيا العظمى وفي الولايات ~~المتحدة، وبما يطالعونه بشغف عظيم من الخطب التي كان يلقيها «الدكتور ويلسون» في حرية ~~الشعوب، وأنه ms121 لا يكون بعد الآن شعب سيد وشعب مسود، بل كلهم في الإخاء الإنساني ~~سواء». # وتناول التقرير بعد ذلك ما حدث من أعمال لجنة الامتيازات ... وما ترتب على ذلك من ~~اعتبار المصريين كمية عاطلة ليس لهم في إدارة بلادهم نصيب، فخيم الحزن على نفوس ~~المصريين، ولكنهم اعتقدوا أن كل ذلك من عمل حزب الاستعمار، وأن الشعب البريطاني الحر لا ~~يرضى بهذا التصرف. # وما زالوا يعلقون آمالهم بالرأي العام البريطاني العام وبمؤتمر السلام الذي وضعت ~~قواعده بفضل الأمم الحرة. # ولما نشرت هذه القواعد تألف الوفد المصري وليس أعضاؤه من غير المسئولين ولا غير ~~المعبرين عن الرأي العام كما يقال، بل إنه فضلا على ما لرئيسه وبعض رجاله من صفة ~~النيابة عن الأمة، قد وكله أكثر من ثلاثة أرباع نواب الجمعية التشريعية غير الوزارة، ~~كما وكله أعضاء الهيئات النيابية الأخرى (مجالس المديريات والمجالس البلدية والمحلية) ~~وكثير من الأفراد أولي الرأي في البلاد. # وطلب الوفد الترخيص له بالسفر إلى إنجلترا وفرنسا، فلم يرخص له بذلك، فلما طال به ~~الانتظار، رفع شكواه إلى المندوب السامي وقتئذ ثم إلى رئيس الوزارة البريطانية، وطرق كل ~~باب ليتمكن من السفر. # فلما صرح هنا بعدم التصريح لأحد بالسفر، وقبلت استقالة الوزارة، تلك الاستقالة التي ~~قالت عنها جريدة «المورنينج بوست» في عددها الصادر في 29 يناير 1919 إنها بعبارتها تجعل ~~من الصعب جدا أن مصريا آخر يأخذ محل الرئيس دون أن يستهدف لغضب الشعب، اضطربت ~~الخواطر وشملت الأنفس عوامل اليأس من تحسين الحال. # وقد استدعتنا السلطة العسكرية، وأنذرتنا أننا نعوق سير الحكومة بما نحاول من منع ~~تأليف الوزارة، ولم يمض يومان من هذا الإنذار حتى قبض على رئيسنا سعد زغلول باشا ~~وزملائنا إسماعيل صدقي باشا ومحمد محمود باشا وحمد الباسل باشا، ونفوا إلى ~~مالطة. # واستعرض التقرير بعد ذلك أثر هذه الأحداث على نفسية الشعب، وبخاصة من الشبان الطلبة ~~في المدارس العالية؛ حيث قامت المظاهرات السلمية، ثم مضى التقرير يقول: # ولا شك في إن إطلاق الجنود البريطانيين الرصاص على الطلبة العزل ms122 في هذه ~~المظاهرات السلمية على هذا النحو وفي مثل هذا الظرف، من شأنه أن يحدث في البلاد ~~أثرا سيئا لا بد أن يكون هو النقطة الأخيرة التي فاض بها كأس الصبر في نفوس ~~أهل البلاد؛ لأنه في يوم 15 ابتدأت تأتي أخبار الاعتداء على طرق المواصلات ~~ووقوع البلاد طرا في هذا الإضراب الشديد. ذلك ولم يقف الاستياء من هذه ~~المعاملة القاسية لأمة غير محاربة عند حد الرجال، فإن السيدات المخدرات لم يطقن ~~أيضا احتمال هذه الصدمة، ولم يقف حجابهن الكثيف في طريق إظهار عواطفهن، بل قمن ~~نحو الثلاثمائة من عقائل أعلى البيوت في القاهرة بمظاهرة نشرت الجرائد صبح ~~يومها أي يوم 20 مارس أنها مصرح بها. فلما نزلن من عرباتهن وقطعن مسافة من ~~طريقهن حتى وصلن إلى بيت سعد زغلول باشا، أحدق بهن الجنود البريطانيون مصوبين ~~أفواه البنادق وسنان السنج نحوهن، فوقفن في الشمس محصورات بقوة السلاح نحو ~~الساعتين، ثم سمح لهن أخيرا بعد أن رآهن على تلك الحال رجال الوكالتين ~~السياسيتين الأمريكية والطليانية ... وكان هذا أيضا مظهرا من مظاهر سياسة ~~الإحراج، تلك السياسة التي يجب عدلا وإنصافا أن تكون هي المسئولة عن النتائج ~~التي نجمت عنها. # وانتهى التقرير إلى قوله: # والواقع الذي نؤكده لفخامتكم بالصراحة التامة هو أن استياء المصريين مسبب عن ~~عدم مساواتهم بالأمم الصغرى التي لا تفضلهم في المدنية بمنعهم عن بسط آمالهم ~~أمام مؤتمر السلام، وكل المصريين من أكبر رجل إلى أصغر رجل فيهم في هذا ~~الاستياء سواء، دفعهم اليأس إلى إظهار ما في نفوسهم، كل يترجمه على شاكلته، ~~فالرجال المسئولون من رسميين وغير رسميين قد ترجموه بالاحتجاجات المختلفة ~~وبالامتناع عن العمل كالمحامين، والشبان والمظاهرات السلمية، أما سكان الأقاليم ~~فأعربوا عنه، بعضهم بالمظاهرة السلمية، وبعضهم بالاعتداءات المختلفة التي بعضها ~~موجب للأسف. # تلك هي حقيقة الوضع الذي فيه بلادنا الآن، بسطناها إلى فخامتكم بالاختصار ~~وبالحق، نرجو أن تأمروا بتحقيقها ... والرجاء معقود بعدلكم أن تزيلوا هذا ~~الاستياء بالقضاء على أسبابه، فإن الأخذ بناصر أمة بأسرها أقدس واجب على ms123 عظماء ~~الرجال. # التوقيع # علي شعراوي # وكيل الوفد المصري # | الفصل السابع عشر # بعد أن قدم علي باشا شعراوي تقرير الوفد المصري إلى المندوب السامي البريطاني ببضعة أيام، ~~حل موعد صدور الميزانية الجديدة للبلاد. ولم تكن هناك وزارة تصدرها، فأصدرها الماريشال في ~~بلاغ بتاريخ أول أبريل 1919 وقد اعتبر المصريون هذا العمل تحديا لمشاعرهم واستخفافا ~~بشأنهم، فانفجرت براكين الغضب من جديد. وأضرب التجار وبعض الموظفين الذين لم يكونوا قد ~~أضربوا من قبل، وتمرد طلاب المدرسة الحربية ومدرسة البوليس، وخرجوا متظاهرين أمام قصر ~~السلطان ودور السفارات. أما ثورة الأزهر الشريف فقد اشتدت لدرجة أن السلطة العسكرية لجأت ~~إلى مخاطبة شيخ الأزهر في أمر إغلاقه نهائيا أو الاكتفاء بإغلاقه في غير أوقات الصلاة. ~~وقد أبى شيخ الأزهر أن يفعل ذلك، وقال: إن الله ينهى المسلم عن إغلاق مساجد الله. # ولم يكن أمام اللورد اللنبي إلا أن يلعب بالورقة الأخيرة، فطلب من السلطان فؤاد أن يصدر ~~منشورا ينصح فيه الأهالي بالخلود إلى السكنية، وقد فعل ذلك، وصدر المنشور السلطاني الذي ~~نشر في الوقائع المصرية الصادر يوم الأحد 6 أبريل 1919. # ولكن هذه المحاولة لم تجد نفعا، فقد ظلت الثورة قائمة ومشتعلة وبعد أن رأى اللورد اللنبي ~~أنه قد جرب كل وسيلة بلا جدوى، قرر أن يلجأ إلى الحل الذي طلبه المصريون. فقد استعرض ~~الحوادث التي شبت خلال هذا الشهر، ورأى أن اعتقال سعد ورفاقه قد أثار أحداثا خطيرة، وأنه ~~قد هبت على إثر ذلك أعظم ثورة في تاريخ مصر. ورأى أيضا أن زوجي علي باشا شعراوي باعتباره ~~وكيل الوفد قد عالج هو وزملاؤه من رجال الوفد هذه المواقف بشجاعة مذهلة. وأنهم رغم تعرضهم ~~لقسوة الإنجليز، فإنهم قد مضوا في طريقهم مثابرين، ضاربين أروع الأمثال في شجاعتهم ووطنيتهم ~~وتفانيهم في خدمة البلاد والثبات على المبدأ. # وإزاء ذلك كله، أصدر اللورد اللنبي إعلانا بأن الحكومة البريطانية قد سمحت لأعضاء الوفد ~~المصري بالسفر. # وكان هذا الإعلان تغيرا في السياسة الإنجليزية بعد أن وجدت إنجلترا أنه لا سبيل إلى ~~الاستمرار ms124 في تلك السياسة التي نتج عنها قيام الثورة الخطيرة في البلاد. # وكان أن عدلت عنها، وأفرجت عن سعد ورفاقه يوم 7 أبريل 1919، ورتبت سفر باقي أعضاء الوفد ~~المصري؛ بحيث يلتقون مع سعد زغلول باشا ورفاقه في المركب التي تحملهم إلى باريس. # وقد ابتهجت الأمة ابتهاجا شديدا بهذا النصر السياسي، وعمتها نشوة الفرح، وقامت مظاهرات ~~الابتهاج بدلا من مظاهرات الغضب والثورة. ورغم كثرة المظاهرات في جميع أنحاء البلاد، فقد ~~انعدمت حوادث السرقة والشغب. واشترك في هذه المظاهرات كبار القوم وصغارهم، وكلهم مستبشر بما ~~أحرزته البلاد من فوز نتيجة الوحدة والائتلاف. # وبعد الإفراج عن الزعماء المنفيين وانضمام الأعضاء الآخرين إليهم، ذهبوا جميعا إلى باريس ~~للاشتراك في مؤتمر السلام، وقدموا إليه طلبا فرفض طلبهم، وقوبلوا استقبالا غير مشجع، حتى ~~إن رئيس الوفد سعد زغلول باشا - رغبة منه في توطيد العلاقة بينه وبين الوفود المشتركة في ~~المؤتمر - زار مقر كل وفد وترك بطاقة تحية باسمه، فلم يفكر أحد في رد هذه المجاملة فيما عدا ~~رئيس حكومة بريطانيا. # ورغم هذا التجاهل، قدم الوفد المصري إلى المؤتمر مذكرة بعدالة مطالب مصر. ومن ناحية أخرى، ~~فإنه ردا على هذا التجاهل، نهج الوفد سبيلا آخر هو نشر الدعاية للقضية عن طريق الصحف ~~والرأي العام، وقد استطاع أن يقوم بدور في هذا المجال، رغم أن الصحافة الفرنسية كانت خاضعة ~~لأوامر الحكومة الفرنسية التي كانت بدورها واقعة تحت ضغط الحكومة البريطانية، وقد تمكن ~~الوفد من القيام بدعاية واسعة النطاق كان من أثرها إلمام الأوساط السياسية والرأي العام ~~بقضية مصر. # ومن المعروف أن وزارة حسين باشا رشدي كانت قد استقالت بسبب عدم السماح للوفد بالسفر لعرض ~~القضية المصرية على مؤتمر الصلح، وقد ظلت البلاد بلا وزارة طوال هذه الفترة، فلما سمحت ~~السلطات البريطانية للوفد بالسفر وسافر فعلا، عادت وزارة رشدي باشا إلى الحكم في 9 أبريل ~~1919، ولكنها لم تستطع الاستمرار في الحكم طويلا لعدم تمكنها من التوفيق بين مطالب ~~المصريين وبين إرادة السلطات البريطانية وكان أن استقالت، وأعقبتها وزارة محمد سعيد ms125 باشا ~~الذي صرح للصحف غداة تأليف الوزارة بأن وزارته لا تبت في شيء له مساس بمركز مصر السياسي، ~~وأنها ليست لها صفة سياسية؛ لأن المسألة لم يبت فيها بعد في مؤتمر الصلح. # وقد استطاع سعيد باشا في مدة رئاسته للوزارة، أن يخفف بعض الأحكام الصارمة فرفع شيئا من ~~الضغط عن الصحافة والخطابة. ولكن الناس كانوا يسيئون الظن بنياته؛ لأنهم كانوا يعرفون جفاءه ~~لسعد باشا ووفاقه مع اللورد اللنبي، فأوجسوا منه خيفة، وثار بعضهم عليه، ورماه أحدهم بقنبلة ~~لم تصبه. # على أن الوفاق بين سعيد باشا واللورد اللنبي لم يمتد طويلا، فقد اختلفا في مسألة لجنة ~~ملنر والغرض من قدومها، فقد كان اللورد اللنبي باختصار يرى أن امتعاض المصريين من قدوم لجنة ~~ملنر سبب كاف لتعجيل قدومها بينما كان رئيس الوزارة يرى ألا تحضر اللجنة قبل الفراغ من حل ~~القضية المصرية بين الدولة العثمانية والدولة البريطانية، وقد أدى هذا الخلاف إلى استقالة ~~سعيد باشا من رئاسة الوزارة. # وفي 21 نوفمبر 1919، قبل يوسف باشا وهبة تشكيل الوزارة، ونهج منهاج سلفه على أن تكون ~~وزارته إدارية، واتخذ خطة الحياة بالنسبة للجنة ملنر المقبلة. # وقد وصلت لجنة ملنر إلى القاهرة يوم 7 ديسمبر 1919 في جو مشحون بالكراهية وسوء الظن من ~~جميع المصريين الذين كانوا على إيمان واقتناع كاملين بأن هذه اللجنة تهدف إلى احتواء مصر ~~ضمن المستعمرات البريطانية، لا سيما أن وظيفة رئيس اللجنة لورد ملنر هي «وزير مستعمرات». ~~وهذا وحده كفيل بأن يوحي بوجود هذه النية، فضلا عن أن أعضاءها كلهم من المستعمرين، ورغم أن ~~اللجنة أصدرت بيانا تطمئن فيه الأمة إلى حسن نواياها وإلى رغبتها في التعاون للتوفيق بين ~~أماني الأمة وبين المصالح الخاصة لبريطانيا، فإنها قد تطوعت من الوفد ومن البلاد كافة، ولم ~~يعد أمامه مناص من السفر بعد مدة لم تطل. # أما وزارة يوسف باشا وهبة فقد قوبلت بكثير من الامتعاض من أهل البلاد قاطبة، وتوالت ~~الاحتجاجات على قبول رئيسها للوزارة، وأعتقد أن إخواننا الأقباط قد ضربوا المثل الرائع ms126 في ~~التضامن مع إخوانهم المسلمين، وتوجوا نضالهم الوطني بهذا التضامن الذي ظهر جليا في البيان ~~الذي نشر في 21 نوفمبر تحت عنوان «احتجاج الأقباط على وزارة وهبة باشا - بيان إلى الأمة ~~المصرية». وقد جاء فيه: # علمنا أن صاحب المعالي يوسف وهبة باشا قد قبل، في الظروف القاسية العصبية التي ~~تجتازها الأمة، أن يقوم بتشكيل الوزارة بعد البلاغ الرسمي الأخير الذي تضمن تمسك ~~الإنجليز بالحماية على مصر؛ وحيث إنه لا يمكن تفسير هذا القبول إلا بقبول الحماية ~~والعمل تحت لوائها ومعاونة لجنة ملنر في تقرير مصير البلاد. # وحيث إنه يخشى أن يعتبر الإنجليز الذين يسعون جهدهم لتشويه حركتنا الوطنية ~~ووحدتنا القومية قبول الرجل لهذا المنصب بمنزلة إرضاء أقباط مصر أو فريق منهم عن ~~وزارته أو عن سياسة هذه الوزارة أو أي سياسة لا ترمي إلى إنالة مصر استقلالها ~~التام. # وحيث إن وهبة باشا لم يمثل في وقت من الأوقات أماني الأقباط ولم يشترك معهم في ~~شعورهم القومي أيا كان نوعه. # وحيث إنه لا فرق بين مسلم وقبطي بل المصريون كلهم شخص واحد، ولكن الأقباط يرون ~~أنفسهم مضطرين إلى أن يتقدموا بصفتهم أقباطا لإظهار شعورهم حيال هذا ~~الحادث. # لذلك هم يلعنون براءتهم من كل رجل أو هيئة تقبل الحماية أو تساعد على ~~تعضيدها. # فلكل هذه الأسباب يعلن الموقعون على هذا اشتراكهم مع سائر طبقات الأمة المصرية في ~~الاحتجاج على تشكيل الوزارة الجديدة. # وقد وقع هذا البيان من رجال الدين المسيحي: القمص باسيليوس إبراهيم وكيل البطريركية، ~~والقمص بطرس عوض الله رئيس الكنيسة البطريركية، والقمص سيداروس غالي نائب رئيس المجلس العام ~~وعضو المجلس الروحي، والقمص سلامة منصور رئيس المجلس الأعلى الملي الفرعي، والقمص مرقص ~~سرجيوس، والقمص عبد المسيح ميخائيل رئيس كنيسة الفجالة. # ومن قادة الرأي وأعضاء الوفد: سينوت بك حنا، ويصا بك واصف، فهمي بك حنا ويصا، أمين بك ~~خياط، شكري بك بطرس، سامي أخنوخ فانوس، إبراهيم تكلا، وليم مكرم عبيد، راغب إسكندر، عزيز ~~مشرقي، الدكتور إبراهيم فهمي المنياوي باشا، الدكتور نجيب إسكندر باشا. ms127 # وإلى جانب ذلك، فقد عقد اجتماع كبير في الكنيسة المرقصية الكبرى برئاسة القمص باسيلوس ~~وكيل البطريركية ... وقد تناوب فيه الخطباء محتجين على قبول وهبة باشا تشكيل الوزارة، ومعبرين ~~عن تضامنهم مع إخوانهم المسلمين. وقد أرسل المجتمعون برقية إلى وهبة باشا محتجين على قبوله ~~الوزارة، «إذ هو قبول للحماية ولمناقشة لجنة ملنر، وهذا يخالف ما أجمعت عليه الأمة المصرية ~~من طلب الاستقلال التام ومقاطعة اللجنة». # وفي صباح يوم الاثنين 15 ديسمبر 1919، نشرت الصحف نبأ محاولة اغتيال رئيس الوزراء؛ حيث ~~قام بهذه المحاولة شاب وطني من أقباط مصر يدعى «عريان أفندي يوسف» بمدرسة الطب ، بإطلاق أربع ~~رصاصات من مسدس بيده على سيارة رئيس الوزراء في ميدان سوارس، وقد تحطم زجاج السيارة، ونجا ~~رئيس الوزراء. # لجنة الوفد للسيدات # كنت قد سافرت إلى مدينة الأقصر خلال تلك الفترة التي تم فيها تشكيل لجنة الوفد ~~المركزية للسيدات. وقد تم كل شيء وأنا بعيدة عن القاهرة، إلى أن وصلتني رسالة من السيدة ~~أستر فهمي ويصا، تخبرني فيها بأن السيدات قد اجتمعن في الكنيسة المرقصية الكبرى يوم ~~الخميس 8 يناير 1920. وقد نجحت عملية الانتخاب نجاحا باهرا، وأسفرت النتيجة عن انتخاب ~~السيدات: حرم شعراوي باشا (139 صوتا)، حرم فهمي بك (102 صوت)، حرم عمر باشا سلطان (100 ~~صوت)، حرم رياض باشا (98 صوتا)، حرم حجازي بك (75 صوتا)، الآنسة فكرية حسني (68 ~~صوتا)، حرم أحمد بك أبو أصبح (65 صوتا)، حرم مقاري بك (63 صوتا)، حرم علوي باشا (52 ~~صوتا)، حرم رفيق بك فتحي (50 صوتا)، حرم مجيب بك فتحي (50 صوتا)، حرم تكلا باشا (38 ~~صوتا)، حرم الدكتور أحمد عزت (38 صوتا)، حرم أحمد أفندي شاكر (33 صوتا)، حرم ويصا ~~واصف أفندي (23 صوتا). # وقالت السيدة أستر فهمي ويصا في رسالتها: «ويغلب على ظني أن أغلبية تلك السيدات ~~مناسبة، ومرسل لك الاحتجاج من نسختين للتوقيع عليهما بصفتك الرئيسة وردهما بالتالي ... ~~ونرجو أن يصلا برجوع البريد للأهمية.» # وقد نص قانون لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات على أن «مهمة ms128 هذه اللجنة مساعدة ~~اللجنة المركزية للوفد المصري في تبليغ الوفد المصري أماني السيدات المصريات والسعي بكل ~~ما يمكنها (أي لجنة السيدات) لاستمرار المطالبة باستقلال مصر استقلالا تاما ... وأن ~~تقوم هذه اللجنة ما دام العمل الذي انتدب الوفد لأجله قائما ... وتصدر القرارات بأغلبية ~~الآراء، وإذا تساوت يرجح رأي الفريق الذي فيه الرئيسة». # ولم يكد يعلن عن قيام لجنة الوفد المركزية للسيدات، حتى انهالت علينا التوكيلات ~~الصادرة من المواطنات في القاهرة والأقاليم، مؤكدة أن «للجنة المذكورة أن تمثل أمام ~~جميع الهيئات». كما تلقيت رسالة من السيدة حرم عبد السلام فهمي جمعة باشا رئيسة اتحاد ~~ترقي المرأة المصرية بطنطا، تقول فيها: «ولما كان مفروضا على كل مصرية أن تؤدي الواجب ~~نحو بلادها، رأينا أن نكاتب حضرتكم لتتكرموا بإرسال صورة من التوكيل المعطى للجنة ~~للتوقيع عليه من السيدات هنا حتى تكون الفائدة أعم والصوت أقوى.» # وقد بدأت اللجنة أعمالها بتوجيه خطاب مفتوح لأعضاء لجنة اللورد ملنر وقد جاء فيه: # أيها السادة ... # قررت مصر نهائيا ألا تفاوض لجنتكم الموقرة ما دامت تشتمل على أن تكون مصر ~~تحت الحماية البريطانية. # ومع هذا فإننا نستحسن أن نعطيهم فكرة عن الحالة الحاضرة في مصر كما هي في ~~الواقع، وكثير من الناس قد أبوا رأيهم في أسباب هذه الحركة، وبعضهم قد أصاب ~~قليلا، ولكن معظمهم كانوا بعيدين عن الصواب. # الحركة المصرية حركة وطنية محضة، خالية من كل صبغة دينية أو تأثير تركي، ولا ~~دخل للبلشفية فيها مطلقا، وليست نتيجة حالة الغلاء الحاضر كما ذكر ~~بعضهم. # والمسألة المصرية وطنية محضة ... ويمكننا أن نقول إن ثورة اليوم هي نتيجة سوء ~~الإدارة في مصر، وحقيقة لا يمكننا أن نقول: إن سوء الإدارة هو السبب المباشر في ~~إحداث هذه الثورة، ولكن لا يمكننا أن ننكر أن سوء الإدارة قد أيقظ الصفات ~~الكامنة في المصريين. # إن نار الوطنية الحقيقية التي تزكيها المدنية الصحيحة، وإن أخمدتها الفتوحات ~~المتعددة والمدنيات المظلمة، إلا أنها كامنة على الدوام، وقد ساعد على اشتعالها ~~ثانية النفوذ الإنكليزي ومدنية القرن العشرين، ms129 وقد قدم سوء الإدارة البريطانية ~~الوقود من جديد لاشتعال هذه الروح في قلوب المصريين. # تفخر إنجلترا بأنها حكمت مصر حكما صالحا في الماضي، ونحن نشكرها على ذلك. ~~ولعظمة إنجلترا شأن كبير في ذلك النجاح رغما عما يقوله اللورد ملنر من أنه لا ~~يوجد شيء اسمه عظمة، فلم تكن العظمة المشار إليها عظمة القوة العسكرية التي ~~حفظت خضوع المصريين وهدوءهم في مدة الحكم البريطاني، فإن المصريين لا يخافون ~~المدافع، ولكنها العظمة الناتجة من حسن سمعة إنجلترا. # ولا بد أن إنجلترا قد حضرت إلى مصر لذلك الغرض الوحيد، وهو تأييد مصالحها ~~التجارية وتمهيد الطريق إلى الضم النهائي. فطمع إنجلترا هو ضم مصر، ولكن خوف ~~الاصطدام مع مصالح الدول الأخرى هو الذي جعلها تدعي خلاف ذلك. فلذلك أعلنت ~~إنجلترا أنها دخلت البلاد لأسباب غير حقيقية. وعلى ذلك نكون قد سرقنا في ظلام ~~الليل في الوقت المناسب الذي أمكن إنجلترا فيه أن تفاوض الدول الأخرى على ضحايا ~~مماثلة ... فإذا كانت إنجلترا تنظر للأشياء على حقيقتها، فإننا لا نزال نرجو أنها ~~لا تدور على روح الشهامة والرجولة فتقبل هذا المركز البغيض. # ومصر من الجهة الأخرى كانت تعيش على وهم أن إنجلترا صادقة، وقد اعتمدت على ~~كلمات الشرف التي صدرت منها ولم تشك لحظة واحدة فيها ... وقد قدمت لها كل أنواع ~~المساعدة، فقدمت إلى جيش فلسطين ما يحتاجه من رجال وحيوان ومحصولات، وأصبحت ~~مركزا حربيا للجيوش البريطانية في الشرق. وكل مصري بسلامة نية وباطمئنان عول ~~على شرف إنجلترا وعدالتها، ولكن ظهر بعد ذلك للأسف وبعد فوات الفرصة أنه ~~بمساعدة القائمين في وجه الاستعمار الألماني قد وقعت مصر في أنياب استعمار أعظم ~~وهو استعمال الدولة التي أسرفت مصر في الثقة بها والميل إليها. # فهل تعجبون أيها السادة أن تحتج مصر على ذلك، وهل تعجبون أن يداخلها الريب ~~والشك، وهل لا تكون محقة إذا صممت على عدم المفاوضة معكم؟ إن مبادئكم ~~الإنجليزية تقدم الجواب على هذه الأسئلة. # فبالإضافة عن الأمهات والأخوات والبنات المصريات، نخبركم أن هناك واحدا من ms130 ~~أمرين لحل المسألة المصرية. فإنجلترا إما أن تحافظ على سمعتها وشرفها فتكسب ~~احترامنا وصداقتنا، وبعبارة أخرى تقوم بتنفيذ وعودها التي أمضت عليها فتقرر في ~~الحال محو الحماية وإبطالها وتعلن استقلال مصر. فإن فعلت ذلك كانت الصديقة لنا ~~والمحسنة إلينا ... وكانت كل شيء في نظرنا لا يناقض استقلالنا، فسيكون لها ~~المساعدة العظيمة في تقدم مصر الأدبي حتى يصل أبناء الفراعنة إلى درجات الرقي ~~التي كان فيها أجدادهم. ألا نستحق هذه التجربة. # أما الحل الثاني لهذه المسألة، وهو حل سيئ، هو أن يحمل إنجلترا الطمع وحب ~~المكسب المادي فتسحق شعور نفسها بالشرف والواجب، وتستولي على مصر بالتدريج ~~وبالقوة، فإذا تظلم المصريون قابلتهم بنار البنادق كما حصل ... إن لإنجلترا قوة ~~كافية من الجيش والأسطول والطيارات، ولكننا سنحتج ونتظلم وسنحارب بلا سلاح حتى ~~تروى أرض أبنائنا بدمائنا، فنموت موتة السعداء. # وإن تاريخنا في زمن الرومان وما بعده يؤيد ما سبق من العبارات. لا تنسوا أيها ~~السادة المحترمون المئة ألف شهيد في زمن ديوكليشن ... ونرجو لكم أن تنظروا إلى ~~المصريين في ذلك العهد بأنهم هم آباء المصريين الحاليين والدم فيهم ~~واحد. # وإننا نستميح العذر في الكلام بهذه الصراحة، فإن الأولى يكون الإنسان صريحا ~~لا سيما في زمن سئمت فيه الدنيا من طريقة المحاولات القديمة، وبعد هذه الحرب ~~العظيمة لا يمكن لشيء أن يبقى سوى الحرية والعدل والصدق. سترفع الفضيلة رأسها ~~على مر الزمن، ويخيل لنا أن إنجلترا ستكون أكبر العاملين على ذلك. # عن سيدات مصر # هدى شعراوي # | الفصل الثامن عشر # منذ تشكلت لجنة الوفد المركزية للسيدات، بدأنا مرحلة من الجهاد المنظم والمنتظم، وكانت ~~اللجنة تنعقد باستمرار للنظر في مجريات الأحداث التي تمر بها البلاد، وكانت أعضاء اللجنة ~~حريصات على بذل الجهود المضنية في سبيل الوطن، وإنني أذكر بهذه المناسبة أنه ما من طارئ حل ~~إلا واشتركت اللجنة في بحثه وعلاجه. # وقد انعقدت الجلسة الأولى للجنة يوم 16 يناير 1920 وكان الغرض من هذا الاجتماع هو انتخاب ~~الرئيسة والوكيلة وأمينة الصندوق والسكرتيرة بطريقة الاقتراع السري، وقد ms131 عقد هذا الاجتماع ~~بسراي المرحوم عمر باشا سلطان، ولم أحضره نظرا لوجودي بالأقصر في ذلك الوقت. وتقرر في هذا ~~الاجتماع تعيين كل من السيدات: هدى شعراوي رئيسة، أستر فهمي ويصا وكيلة، روجينة خياط أمينة ~~صندوق، الآنسة فكرية حسني سكرتيرة. # وقد قررت عضوات لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات أن يعلن احتجاجهن الآتي إلى الأمة ~~المصرية وجميع العالم المتمدين: # أولا: # نحتج بشدة على بلاغ اللورد ملنر الأخير المبني على الغموض والإبهام، مع ~~أن مطلب مصر الوحيد لا يحتمل أي شك أو غموض، فالأمة المصرية رجالا ونساء ~~لا تطلب إلا الاستقلال التام، ولا تقبل في تفسير هذا المطلب الصريح إلا ~~الصراحة والحق، وإذا كانت هناك مناقشة، فمع الوفد وعلى مبدأ الاستقلال ~~التام. # ثانيا : # نحتج بكل قوانا على المعاملة الخالية من الذوق والكياسة التي تعامل بها ~~السيدات في مظاهراتهن الوطنية. # ثالثا: # نحتج بكل قوانا على الأعمال الاستبدادية الأخيرة كنفي رجال مصر العاملين ~~إلى قراهم، ونفي قرياقص ميخائيل أفندي ومعاملته السيئة التي لا تتفق مع ~~مبادئ الحرية والعدالة، ونطلب وضع حد لهذه الطرق الاستبدادية التي لا تتفق ~~مع مدنية أمة حرة. # رابعا: # نطلب وسنطالب باستقلال بلادنا التام، ولن نرضى غيره بديلا، «فلتحيا» مصر ~~حرة، و«ليحيا» الاستقلال التام. # هذا وقد اعترضت «بهيرة هانم فتحي» على جملة «وإذا كانت هناك مناقشة فمع الوفد»، قائلة: ~~نحن لا نريد ولا نقبل المفاوضة معهم بأي شكل كان، ولا نريد سوى الاستقلال دون قيد ولا شرط. ~~وأرسلت نسخة منه للورد وأخرى للجنة الوفد المركزية للرجال. # وكان سعد زغلول باشا رئيس الوفد المصري قد أرسل برقية من باريس بتاريخ 26 يناير 1920، ~~أعلن فيها أن الوفد المصري بعد بلاغ اللورد ملنر، وأكد فيها أنه لا يمكن فتح باب المفاوضة ~~إلا بعد الاعتراف باستقلالنا التام، فهناك وهناك فقط، يمكن أن يتفاوض الوفد في دائرة واحدة ~~هي طريق المحافظة على مصالح الأجانب وعلى حرية الملاحة في قناة السويس طبقا لبرنامج الوفد ~~... # وقد عقدت لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات جلستها الثالثة في 30 يناير 1920، وتناولت ~~المسائل ms132 التالية: ~~(1) # عرض إرسال شكر لمعالي سعد باشا ردا على رسالته البرقية، فوافق ~~الجميع. ~~(2) # اقتراح بجعل حرم سعد باشا رئيسة شرف وممثلة للجنة في باريس وإفادتها بذلك مع ~~شكرها على برقيتها، فصدق على ذلك بإجماع الآراء. ~~(3) # عرض عمل احتجاج على فظائع طنطا، فوافق الجميع على ذلك، وعهد إلى إحداهن ~~بكتابته. وتقرر انعقاد جلسة فوق العادة يوم 31 منه بذهبية فهمي بك ويصا الساعة ~~الخامسة مساء للتوقيع على الاحتجاج المذكور بعد الإطلاع عليه. ~~(4) # اقترح أن يكون الاجتماع أسبوعيا لضرورة ذلك، فتقرر قبول ذلك بعد المناقشة، ~~وجعل الاجتماع كل يوم جمعة من كل أسبوع الساعة العاشرة والنصف صباحا. ~~(5) # عرضت استقالة السيدات: بهيرة فتحي، وصديقة محمود عزت، وبتسي تقلا، فتقرر ~~قبولها وتبليغهن ذلك. ~~(6) # تلي الرد على رسالة السير فالنتين شيرول فأقرها الجميع ووقعن عليها وتقرر ~~إرسالها إلى الصحف ولسعد باشا. # وقد أرسلت صفية هانم زغلول برقية من باريس بتاريخ 28 يناير 1920، تقول فيها: # معكم قلبيا، تأثرت تأثرا عميقا، أرجو أن تعدوني ضمن الشقيقات المصريات اللاتي ~~أعطينكن التفويض للتكلم باسمهن، كانت ساعة مباركة تلك التي وجدتنا مستعدات للمطالبة ~~باستقلال بلادنا رغم كل المخاطر التي تحيط بها، ما كنا لنستطيع أن نعيش في مصر وهي ~~محتلة بعدما ضحى أولادنا الأبرياء بأرواحهم لأجل أن تكون حرة إلى الأبد. # وأرسلت برقية مني ردا على هذه البرقية بتاريخ 30 يناير 1920، هذا هو نصها: # مدام زغلول باشا ... # 42 شارع جورج الخامس. باريس # إننا فخورات بانضمامك إلى لجنتنا، ونرجوك قبول قرار انتخابك رئيسة شرف وبفضلك ~~ستكون مجهوداتنا أكثر توفيقا، واثقات من النجاح النهائي. # كانت الجلسة الرابعة هي الجلسة فوق العادة، وقد انعقدت في موعدها يوم 31 يناير 1920، وتم ~~في هذا الاجتماع تلاوة الاحتجاج التالي، فوافق الجميع عليه ووقعن على ثلاث نسخ منه لإرسال ~~واحدة لرئيس الوزراء، وواحدة للجنة الوفد المركزية للرجال، وتقرر إبلاغ الاحتجاج إلى الصحف ~~كلها وكان نص الاحتجاج هو: # تتتابع الحوادث المحزنة في مصر بشكل مروع، فلا يكاد يمر يوم دون أن يقع شيء ~~منها. # وهذه حوادث طنطا قد ms133 أزعجت النفوس وأكمدت الأفئدة؛ لذلك فلجنة الوفد المركزية ~~للسيدات لا ترى بدا من رفع صوتها بالاحتجاج عليها وعلى استمرار الاعتداء على ~~أرواحنا وحريتنا فهي: # أولا: # تحتج على إطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل من كل سلاح وقتل ~~الأبرياء وجرحهم. # ثانيا: # تحتج على مهاجمة القوة المسلحة لقوم هادئين ساكنين في أحد ~~الملاهي بغير مسوغ وإلحاق الأذى الشديد بهم. # ثالثا: # تحتج على تشديد الأحكام العرفية في طنطا، في الوقت الذي تنادي ~~فيه كل الأمة بإلغاء هذه الأحكام إلغاء تاما. # رابعا: # تحتج على استمرار حوادث الاعتداء من الجنود على الأهالي، وعلى ~~مهاجمة الناس في دورهم ولا سيما مهاجمة منزل فضيلة شيخ الجامع ~~الأحمدي. # خامسا: # نطلب إجراء تحقيق رسمي عن هذه الحوادث والمبادرة بإلغاء الأحكام ~~العرفية وسحب الجنود من طنطا. # واللجنة تنتهز هذه الفرصة لتعلن أن سياسة الشدة التي دأبت السلطات الإنجليزية على ~~استعمالها، ليس من شأنها أن تحمل الأمة على العدول عن المطالبة بحقوقها المقدسة، بل ~~على النقيض من ذلك تزيدنا تمسكا بحقوقنا الحقة وتشبثا بحريتنا العزيزة واستقلالنا ~~التام. # أما الجلسة السادسة، فقد عقدت في 13 فبراير 1920 وقد عرض فيها الاحتجاج التالي فصدق عليه ~~بإجماع الآراء. وتقرر إرسال نسخ منه لرئيس الوزراء ولمعالي سعد باشا وللجنة الوفد المركزية ~~وللصحف وهذا نصه: # تحتج لجنة الوفد المصري للسيدات باسم مصر على بقاء الأحكام العرفية واستمرار ~~اعتقال أبناء مصر البررة الذين لا ذنب لهم إلا المطالبة باستقلال بلادهم، كما تحتج ~~على ما يلاقونه من سوء المعاملة. # لا يزال سيف الأحكام العرفية على الرقاب في هذه البلاد الآمنة بعد انقضاء مدة ~~الحرب بنحو أربعة عشر شهرا، في حين أن البلاد لا تطلب استقلالها إلا بالوسائل ~~السلمية المشروعة، ولا تزال الأحكام العرفية تتخذ ذريعة لإيجاد القلق في أنحاء ~~البلاد وبث الجنود الإنجليز في كثير من حياتها للتضييق على الناس في حياتهم اليومية ~~تضييقا لا يرعى حرمة حتى لمنازل كبرائهم وأئمة دينهم. # فهذه مدينة طنطا أصاب أهلها الأبرياء ما أصابهم من قتل وجرح وسلب وغير ذلك من ~~صنوف الاعتداء، ms134 وكان العدل يقضي بالقصاص من المعتدين عليهم، فانقلبت آية ذلك العدل ~~واعتبر البريء جانيا والجاني بريئا، وبدلا من أن يجري تحقيق حتى لا تزر وازرة ~~وزر أخرى، وقع القصاص على الأهالي الأبرياء، وأصبحوا يعاملون معاملة المدن المحاربة ~~التي يفتحها العدو في خلال الحرب الطاحنة. # وهؤلاء كثير من أبناء مصر صودروا في حريتهم الشخصية، وشردوا وأوذوا واعتقلوا بغير ~~جريرة وبلا محاكمة ولا سؤال، بل كان قيامهم بواجبهم الوطني سببا لإيقاع هذا الأذى ~~بهم، مع أنهم لم ينفردوا بهذا فالأمة مشتركة معهم فيما يعزونه إليهم من الإثم إن ~~كانت محبة الوطن إثما والمطالبة بالاستقلال وزرا يستوجب التعذيب. # ومن الغريب أن ترتفع أصوات العدالة من جميع أنحاء العالم، فلا تصادف ملبيا من ~~أولئك المسيطرين على مصر بالرغم من إرادتها، فهم يصمون آذانهم كلما سمعوا نداء ~~منبعثا من القلوب المجروحة المتألمة وكأنهم آلوا على أنفسهم أن يقفوا جامدين حيال ~~كل مطالب بحقوقه. # وليت الأمر لم يتعد هذا النوع من التعذيب لغير ذنب، فإن أنباء المعتقلين تدل على ~~أنهم يعاملون معاملة سيئة، وكيف تطيب هذه المعاملة وسواء هم مبعدون في الصحاري ~~ومحرومون من كل ما يقيهم أذى البرد الشديد الذي يفري أجسامهم ويعرض للخطر حياتهم. ~~وقد أخذت الأمطار الشديدة تهطل عليهم، والرياح العاصفة تهب على خيامهم فتقتلعها ~~تاركة سكانها يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء. # لقد بحت الأصوات وحفيت الأقدام واهتزت الأسلاك البرقية بالمطالبة بالإفراج عن ~~هؤلاء المعتقلين، فالإصرار على هذا الاعتقال بعد ذلك يعد استخفافا بشعور الأمة ~~ومنافيا لأبسط قواعد المدنية والعدل. # فنحن باسم هذه المدنية نطالب بوضع حد لهذه السياسة الغاشمة، وباسم الحق والعدل ~~نلح في ضرورة الإفراج عن كل معتقل سياسي. # وفي الاجتماع السابع الذي عقد في السادس والعشرين من فبراير 1920 برئاستي، كان هذا ~~الاحتجاج الذي صدق عليه بإجماع الآراء، والذي تم توجيهه إلى رئيس الوزراء: # إن الفظائع التي يرتكبها يوميا الجنود البريطانيون بمصر، والمراوغة التي ~~يستعملها رجال الحكومة الإنجليزية لاغتصاب حقوقنا الشرعية، لمن الأمور التي تستفز ~~الأنفس على حلمها، وتهدد الأمن العام ms135 وتنافي الإنسانية، فباسم العدالة وبحق الواجب ~~الذي فرضتم على أنفسكم القيام به نحو وطنكم وأمتكم يوم اعتناقكم منصب الوزارة ~~المصرية، والذي يحتم عليكم المدافعة عن حياة الأمة والمطالبة بحقوق الوطن المقدس، ~~نستحلفكم أن تقوموا بما تمليه عليكم الإنسانية عن لسان الشعب المظلوم، وهو الاحتجاج ~~بشدة على الفظائع المذكورة ومحاكمة الضباط والجنود الذين تعدوا على طلبة المدرسة ~~الإعدادية لعدم تكرار مثل ذلك مرة أخرى. # وفي الاجتماع نفسه، اتخذنا قرارا بالاحتجاج على مشروع ري السودان للأسباب التالية: # أولا: # لأن الإنجليز هم الذين وضعوه باعتبارهم أصحاب الشأن في السودان، مع أن ~~مركز إنجلترا هناك غير شرعي ولا يختلف عن مركزها في مصر، فإن كليهما قطر ~~واحد لا يقبل التجزئة وحقهما في الاستقلال لا يمكن إنكاره. # ثانيا: # لأن هذا المشروع ثبت ضرره بدليل ما نشره المختصون من كبار المهندسين ~~مصريين وإنجليز. # وعلى ذلك فإننا نضم صوتنا إلى صوت الأمة في ضرورة وقف المشروع وقفا تاما حتى يفصل في ~~مسألتنا السياسية العامة؛ لأن البت فيه يجب أن يكون من اختصاص المجلس النيابي الذي يمثل مصر ~~والسودان بعد أن ترد حقوقهما إليهما. # وإننا نطالب الوزارة بأن تنضم إلى الأمة في رأيها وتمنع تنفيذ هذا المشروع بجميع الطرق ~~التي لديها، فإذا لم تستطع ذلك، فعليها أن تتخلى عن منصبها حتى لا تتحمل تبعة هذا العمل ~~الخطير. # احتجاج مارس # وفي يوم 20 مارس 1920، عقدت لجنة الوفد المركزية للسيدات اجتماعا، أقرت فيه هذا ~~الاحتجاج: # اجتمع أعضاء الجمعية التشريعية (على الرغم من سيف الأحكام العرفية المسلط فوق ~~الرءوس ولم تكترث للأمر القاضي بتعطيلها)، اجتمعت فنادت بالاستقلال التام ~~وبطلان الحماية، واحتجت على ما لحق البلاد وأبناءها على يد حماتها القهريين من ~~صنوف الاعتداء على الأرواح والأموال والحرية، وعلى تعطيل الدستور ووضع القوانين ~~والأنظمة المختلفة من غير عرضها على الأمة، وجاهرت بوجوب وقف مشروعات الري إلى ~~أن تبت الأمة المصرية المستقلة في أمرها، ونادت بأن الأمة وحدها صاحبة الشأن في ~~تقرير أمورها الحاضرة والمستقبلة. # وأثنت على ما قام به الوفد المصري من ms136 الجهاد في سبيل الاستقلال فمحضته الشكر ~~بلسان الأمة. # أصدرت الجمعية هذا القرار بالإجماع في جلسة تاريخية عقدتها في 9 مارس 1920 في ~~منزل سعد زغلول باشا وكيلها المنتخب ورئيس الوفد المصري، فكان عملها هذا خير ~~تاج توجت به الوحدة القومية المقدسة التي تجلت في إجماع الأمة المصرية على ~~التمسك بالاستقلال التام، وأسمى مظهر للروح الدستورية المتأصلة في صدر أمة عقدت ~~نيتها على ألا تساد، وأجمعت كلمتها على أن تتولى هي جميع أمورها، كما كان أجل ~~مثال للجرأة السياسية المنبعثة عن عقيدة وطنية ثابتة لا تحفل بتهديد القوة ولا ~~تطأطئ الرأس للباطل مهما ارتدى ثياب البأس والجبروت. # كان هذا العمل الجليل خليقا بألا يروق للإنجليز الذين لا يروموننا إلا على ~~الذل والاستكانة لحكمهم، فأثار سخطهم وحملهم على الاجتراء مرة أخرى على حريتنا ~~بنوع جديد من العدوان، وهو جعل اجتماع الهيئات النيابية المصرية أو أعضائها ~~جريمة تستوجب محاكمة أولئك الأعضاء أمام المحاكم العسكرية الإنجليزية، وذلك ~~ليسكتوا صوت النواب وهو أحق الأصوات بالسماع؛ لأنه من صوت الشعب وصوت الشعب من ~~صوت الله، فكان هذا الاعتداء حلقة جديدة اقترفها الإنجليز في سبيل حمايتنا رغم ~~أنوفنا، وبرهانا آخر على أن إنجلترا لا تحترم الحرية، فإن تغنت بذكرها فما ذلك ~~إلا للتغرير بالعالم وذر الرماد في عيون الشعوب. # وها هي جميع تصرفاتها إزاء الحركة المصرية السليمة من بدايتها إلى الآن لا ~~تنطوي إلا على حكم القهر والإرهاب والاعتداء على حرية الكتابة والعدل والاجتماع ~~وهي أركان الحياة الحرة. # فالمظاهرات السلمية من جانب شبيبة الأمة وطلبتها تقابل برصاص البنادق ~~والمدافع الرشاشة. ومظاهرات السيدات تقاوم بأسنة السيوف، وضروب العنف ~~والامتهان. ومجرد النداء بحياة الوطن والاستقلال يلقي بصاحبه في أعماق السجون، ~~بل يؤدي به إلى الأشغال الشاقة، والجهر بالحق في صحيفة يستنزل عليها الحكم ~~بالتعطيل وعلى مطبعتها بالإقفال. والاجتماعات تمنع بالقوة القهرية. # والمدائن الكبرى تعاقب على المظاهرة التي تقوم بها بحرمان جميع السكان من ~~حرية الرواح والمجيء وإرغامهم على لزوم منازلهم بعد غروب الشمس. # أما القرى فإن القصاص الذي ينزل ms137 بأهلها تشيب لهوله الولدان. # فهم يرغموننا على الاستعباد بدعوى أنهم يريدون أن يؤهلونا للحرية، وقد تناسوا ~~حكمة مؤرخهم «ماكولي»؛ حيث قال: إذا انتظر الناس الحرية إلى أن يكتسبوا الحكمة ~~والصلاح وهم في ظل حكم الاستبداد، فبشرهم أنهم سينتظرون أبدا! # تلك وسائل التضييق والعنف والإرهاب التي يلجأ إليها خصومنا لإطفاء جذوة ~~وطنيتنا وتحويلنا ولو قيد شعرة عن موقفنا الشريف ومطلبنا المقدس فلا تعود عليهم ~~إلا بالخزي ولا تزيد باطلهم إلا وضوحا، في حين أن حقنا يزداد تأييدا يوما ~~فيوما في نظر جميع شعوب العالم، وصفوفنا تزداد تساندا في جهادها السلمي ضد ~~هذا الخصم المغتصب فبالأمس كانوا يدعون أن حركتنا الوطنية مقصورة على بعض ~~المهيجين السياسيين والطلبة. أما اليوم فلا سبيل لهم إلى هذه المغالطة بعد أن ~~أعلنت جميع طبقات الأمة إرادتها إعلانا لا يقبل التأويل، فنادى بالاستقلال ~~أعيان الأمة وعمالها، موظفوها وفلاحوها، علماؤها وأمراؤها، مسلموها وأقباطها، ~~رجالها ونساؤها، ورددوا ذلك النداء في كل الظروف وأيدوه بالمقاطعة التامة لتلك ~~اللجنة التي جاءت لتأكيد الحماية الباطلة وإغراء المصريين على التخلي عن ~~استقلالهم. # فلجنة الوفد للسيدات تحتج اليوم على هذا الاعتداء الجديد الذي اقترفه ~~الإنجليز على حرية النواب المصريين وتسجله عليهم سيئة من أفظع سيئاتهم ضد الشعب ~~المصري. # ولقد حقت عليهم كلمة «جرون» الكاتب الفرنسي الكبير؛ حيث قال: إن الذي لا يريد ~~لخصومه ما يريده لنفسه من الحرية، غير جدير بالحرية. # عن لجنة الوفد المركزية للسيدات # هدى شعراوي # خطابان متبادلان ... # كان هناك بعض الظروف والملابسات التي دفعتني إلى أن أكتب رسالة إلى سعد زغلول باشا ~~رئيس الوفد المصري بشأن هذه الأحداث، وقد تلقيت منه رسالة فيها الكثير من التقدير لجهاد ~~المرأة المصرية والتأييد لموقفها، وهذا هو نص الرسالتين المتبادلتين. # حضرة صاحب المعالي سعد زغلول باشا رئيس الوفد المصري # مرسل لمعالكيم برفقة هذا نسخة من قرار لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات ~~يتضمن نظرياتها في مشروع الاتفاق، وهي تكرر لمعاليكم بنوع خاص، مع عبارات خالص ~~الشكر والثناء على ما قمتم به نحو الأمة المصرية والوطن المحبوب ms138 من أجل ~~الخدمات، تمسكها بتلك التحفظات التي بدونها نكون قد أيدنا على أنفسنا شروط ~~الحماية المقنعة وفقدنا كل حق في المطالبة باستقلال مصر التام وفيه حياتنا، ~~وإنا لنرجو أن ننال على أيديكم غايتنا المنشودة. # ثم نلفت نظر معاليكم إلى الاحتجاج الذي اضطررنا لتقديمه وذلك لأن مندوبي ~~الوفد فضلا عن كونهم قد تساهوا أولا عن دعوتنا كباقي الهيئات لإبداء آرائنا ~~في المشروع، قد أظهروا الضجر وعدم الرغبة في أخذ آرائنا عندما قدمنا لهم طلبا ~~بذلك، مصرحين بأنه لا يجوز للنساء التدخل في الأمور السياسية، ولولا إلحاح ~~مندوبنا الشديد، لما تنازلوا بإجابة طلبنا، وإننا لفي غاية الاندهاش والاستياء ~~من معاملتهم هذه لنا التي تنافي الخطة التي اتبعتموها معنا للآن، وتخالف ~~المعاملة التي عودتمونا عليها بتعضيدكم لنا في مشاركتنا لكم في الحركة الوطنية، ~~وتحبيذكم لعملنا وقت تشكيل لجنتنا بتلغرافاتكم المظللة بأسمى عبارات التهاني ~~والأماني ... والذي يزيد من استيائنا هو أن يثبت الوفد بعمله هذا ظن الهيئات ~~الأجنبية بمصر اللاتي أولن نهضتنا بخلاف الحقيقة؛ حيث قالت: إن اشتراك النساء ~~في الحركة المصرية لم يتم بدافع الوطنية، بل بإيعاز فئة من الوطنيين لاستعمالهن ~~كآلة مؤقتة لإيهام الأمم المتحدة، ولتعتقد هذه بنضوج الأمة المصرية في الرقي ~~وكفاءتها لحكم نفسها بنفسها، وتعضدها في نوال هذه الأمنية ونهضتها كما تعلمون ~~بريئة من مثل هذه التهم، فضلا عن كونها كسبت ميزة لم تنلها مثيلاتها، والآن ~~وقد قربت القضية المصرية من حل مرض، فلا يليق بالوفد المصري الذي يطالب بحقوق ~~مصر ويعمل لنوال استقلالها أن ينكر على نصف الأمة حقها فيه، وجئنا نطرح أمام ~~عدالتكم مسألتنا هذه كي نقف على رأي معاليكم فيها، متسائلين عما سيكون مركز مصر ~~والمرأة المصرية في المستقبل ولنا في صائب حكمكم عظيم شفيع. # وقد رد سعد باشا زغلول على هذه الرسالة برسالته المؤرخة في 27 أكتوبر ~~1920، والتي يقول نصها: # حضرات صاحبات العصمة، رئيسة الوفد النسائي، وأعضائه المصونات، تشرفت بمكتوبكن ~~الكريم ثم تلغرافكن المفيد، وأتأسف شديد الأسف لعدم تشرف حضرات مندوبي الوفد ~~بعرض المشروع عليكن، كما ms139 عرضوه على غيركن، ولكني أؤكد لحضراتكن أنهم لم يفعلوا ~~ذلك استخفافا بكن أو إهمالا لشأنكن، بل لظروف أجنبية عن هذا المعنى، ولو كنت ~~فيهم لامتنع تأثير هذه الظروف، وتعين علي أن أقوم بشخصي بعرض المشروع عليكن ~~وتوضيح معانيه ومراميه؛ رغبة في الاستنارة بآرائكن التي لها المقام الأول من ~~الاعتبار عندي وعند زملائي، ويسرني جدا أنكن مع ذلك فهمتن المشروع حق الفهم، ~~وأبديتن فيه تحفظات أراها غاية في الأهمية، وأرى التشبث بها من أخص أحبائي، ~~وإني أول من يرى أنه لا يمكن أن تتقدم هيئة اجتماعية بدون أن يشترك حسكم اللطيف ~~فيها، وأرجو أن تتفضلوا مع هذه الكلمات بقبول أطيب تحياتي وأوفر ~~احتراماتي. # سعد زغلول # | الفصل التاسع عشر # كنا طوال الوقت نتابع أخبار الوفد ونؤازره في كل ما يتخذ بشأن المسألة المصرية، وقد ظلت ~~الأمور على هذا الحال إلى أن أرسل الوفد مندوبيه الأربعة لعرض المشروع على المصريين. وقد ~~عرضوه بالفعل على جميع الهيئات - فيما عدا هيئة لجنة السيدات. وقامت غالبيتها تقابلهم ~~بالطبل والزمر كما هي عادتنا في استقبال الحوادث. # ولما كان هذا المشروع لم يعرض على هيئة لجنة السيدات التي كان لها نصيب كبير في العمل ~~بجانب الوفد في الحركة الوطنية، فقد اجتمعت لجنة الوفد المركزية للسيدات بمنزلي بالرمل ~~لدراسة المشروع. وبعد دراسته دراسة داخلية، وجدنه لا يفي بتحقيق أمانينا الوطنية، فنشرنا ~~رأينا على صفحات الجرائد، وكتبنا خطابا لسعد باشا ننتقد فيه تصرف هؤلاء المندوبين الذين ~~هضموا حقوقنا وأنكروا وجودنا بإغفال هيبتنا في عرض المشروع، وكانت الرسالتان المتبادلتان ~~بيني وبين سعد باشا زغلول، وقد سبق الحديث عنهما، وبعد ذلك وصلتنا رسالة من سكرتير الوفد في ~~ذلك الوقت مصطفى النحاس بك، ويقول: «إننا لنفخر بنهضة سيداتنا واهتمامهن بمستقبل البلاد، ~~ويسرنا أن تتفضل اللجنة المركزية للسيدات بأن ترسل إلينا برأيهن في مشروع الاتفاق ~~وملاحظاتهن عليه. وإننا سنحلها محل الاعتبار اللائق بها.» # وقد عقدت لجنة الوفد المركزية للسيدات جلستها الثالثة عشرة في منزلي بلوران يوم 25 سبتمبر ~~1920. وسجل محضر الجلسة أن اللجنة قد ms140 استعرضت شروط الاتفاق المنشورة ببلاغ الوفد إلى الأمة ~~والشرح الذي قدمه حضرات مندوبي الوفد لهذه الشروط، وقررت ما يلي: ~~(أ) # شكر حضرات أعضاء الوفد. ~~(ب) # عدم صلاحية قواعد الاتفاق لأن تكون أساسا لمعاهدة تعقد بين مصر وإنجلترا، ~~إلا إذا أضيفت إليها التحفظات الآتية: ~~(1) # أن ينص في الفقرة الأولى من المادة الثالثة على إلغاء ~~الحماية. ~~(2) # أن تعين الحقوق التي تمنحها مصر لإنجلترا بأنها الحقوق المذكورة ~~في مشروع الاتفاق كي لا تتعدى هذه الحقوق ما ذكر في ~~المشروع. ~~(3) # أن تتعهد بريطانيا بتعضيد مصر في الدفاع عن سلامة أرضها إذا طلبت ~~مصر هذا التعضيد، وفي نظير ذلك تسمح مصر لها باستعمال طرق ~~مواصلاتها إذا كانت بريطانيا تحارب في بلاد لا يمكنها الوصول إليها ~~إلا عن طرق مصر. ~~(4) # أن يكون لمصر حق عقد جميع المعاهدات مع الدول الأجنبية إلا ~~المعاهدات السياسية التي تضر بمصالح إنجلترا، وكذلك لا يجوز ~~لإنجلترا عقد محالفات سياسية تتعارض مع مصالح مصر. ~~(5) # أن يحدد عدد الحامية العسكرية ومعداتها ومركزها ومدة وجودها، على ~~شرط أن يكون ذلك المركز بعيدا عن المدن والعواصم وأن تدفع الحكومة ~~الإنجليزية أجرا لهذه الأرض حتى لا تصير ملكا لها، وأن يذكر ~~صراحة أن مهمة هذه الحامية المحافظة على قناة السويس فقط. ~~(6) # أن يسمى الموظف الإنجليزي الذي سيحل محل صندوق الدين بمراقب ~~صندوق الدين، وأن تحدد وظيفته باختصاصات صندوق الدين فقط، ولا يكون ~~له صفة استشارية مطلقا في الحكومة، وأن ينص صراحة على انتهاء ~~وظيفته بمجرد سداد الدين سواء كان ذلك بعمل قرض داخلي بوساطة ~~الحكومة أو انتقال أسهمه إلى أيدي المصريين. ~~(7) # لا داعي لبقاء المستشار القضائي بالمرة ما دام للممثل البريطاني ~~حق نقض القوانين المجحفة بالأجانب. ~~(8) # لا بأس من قبول النص الثاني من الفقرة الخامسة بند رابع مع النص ~~على رفع الأمر عند قيام أي خلاف إلى سلطة عليا وتعيين هذه ~~السلطة. ~~(9) # أن يكون الممثل البريطاني كباقي ممثلي الدول ولا يكون له مركز ~~استثنائي في مصر بأي حال من الأحوال. ~~(10) # أن تستبدل عبارة «الضباط والموظفون الإداريون» ms141 في الفقرة السابقة ~~من البند الرابع بالعبارة الآتية: «الموظفون العسكريون ~~والملكيون». ~~(11) # ألا يوقف تنفيذ المعاهدة على رضاء الدول بإلغاء الامتيازات بل ~~تنفذ عند توقيعها مباشرة وأن تعتمد من جميع الدول. ~~(12) # أن تشترك مصر مع إنجلترا في الاتصال بالدول الأجنبية بخصوص إلغاء ~~الامتيازات وفي توقيع الاتفاقات الخاصة بها. ~~(13) # لا بأس أن يذكر أن الحكومة المصرية تصدر أمرا عاليا يقضي ~~باعتبار جميع الإجراءات التشريعية والإدارية والقضائية التي اتخذها ~~القائد العام لجيوش ملك بريطانيا في مصر بمقتضى الأحكام العرفية ~~صحيحة، ولن تستثني منها التصرفات التي يرى فيها إجحاف بحقوق مصر، ~~وأن يكون للحكومة المصرية الحق في إبطال مفعول هذه الإجراءات إذا ~~كانت مستمرة التنفيذ. ~~(14) # أن تشترك مصر في تبليغ نص المعاهدة المشار إليها في البند الثالث ~~إلى الدول الأجنبية مع بريطانيا لإقرارها، وأن تعضد بريطانيا الطلب ~~الذي تقدمه للانضمام إلى عصبة الأمم. ~~(15) # أن ينص في المعاهدة على رضاء المتعاقدين بتحكيم محكمة لاهاي أو ~~ما يقوم مقامها في كل خلاف ينشب على تفسير شروط المعاهدة أو على ~~عدم تنفيذها. # أما مسألة السودان فيجب أن نتمسك بحقوقنا فيه باعتباره جزءا لا ~~يتجزأ من مصر لا باعتباره مستعمرة. ~~(16) # وكانت الجلسة التي اتخذت فيها هذه التوصيات قد بدأت في الساعة ~~الثامنة صباحا واستمرت حتى الساعة الواحدة ظهرا، ونظرا لخطورة ~~الموقف والأحداث والتطورات، فقد اتفق على العودة للعمل في الساعة ~~الخامسة من مساء اليوم نفسه، وفي هذه الجلسة صدر قرار لجنة الوفد ~~المركزية للسيدات الذي اتفق على نشره في جميع الصحف المحلية، والذي ~~ينص على ما يلي: # اطلعنا على قواعد الاتفاق المنشورة ببلاغ الوفد إلى ~~الأمة وعلى الشرح الذي قدمه حضرات المندوبين لهذه القواعد، ~~ودرسنا كل ما كتب بخصوصها من نقد ومزايا، فقررنا بالإجماع ~~ما يأتي: ~~(1) # شكر حضرات أعضاء الوفد المخلصين على ما بذلوه ~~من الهمة والجهد للوصول إلى تحقيق أمانينا القومية ~~التي نرجو نيلها بحسن تصرفهم في جهادهم للحق الذي ~~أكسبهم إعجاب وثقة شعوب الأمم الراقية رغم كل ~~مقاومة. ~~(2) # عدم صلاحية تلك القواعد لأن تكون أساسا ~~لمعاهدة ms142 تعقد بين مصر وإنجلترا إلا إذا أضيفت إليها ~~التحفظات المذكورة في المحضر السابق. ~~(3) # عرضت مسألة الاحتجاج على مندوبي الوفد لعدم ~~عرض المشروع على لجنة وفد السيدات وطلب إبداء رأيها ~~فيه كما حدث مع جميع الهيئات ... فوافق الجميع على هذا ~~الاقتراح وتقرر كتابة ذلك بالصورة الآتية: # حضرات أصحاب السعادة والعزة مندوبي الوفد ~~المصري # إن لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات بصفتها هيئة ~~منتخبة ممثلة لنصف الأمة المصرية التي انتخبت وتأسست ~~لمساعدة الوفد المصري والسير على برنامجه للمطالبة ~~باستقلال مصر التام، وقد قامت بواجبها نحو الأمة والوفد ~~المصري كما يجب، قد اجتمعت اليوم بمنزل حرم صاحب السعادة ~~علي شعراوي باشا بلوران برمل الإسكندرية، وقررت بناء على ~~دعوتكم ما يأتي: # الاحتجاج على عدم دعوتها لعرض المشروع عليها للمناقشة ~~فيه وأخذ رأيها كما اتبع مع جميع الهيئات أو إبداء رأيها ~~كتابة إلا بعد أن قدمت طلبا بذلك. # وأذكر أنه كان لرأينا هذا ضجة بين المتتبعين لأعمالنا، فأيده بعضهم وأنحت علينا الأغلبية ~~باللائمة كالمعتاد. فقد كان كل شيء يصدر من سعد مقبولا ولو لم يكن في مصلحة الوطن، والدليل ~~على ذلك رفض الأمة لمشروع ملنر بعد الطبل والزمر الذي قوبل به، وكان رفضه بناء على تنويه من ~~سعد باشا بأنه لا يحقق أماني البلاد، إذ علموا أنه لم يرسل المشروع لاستفتاء الأمة إلا ~~إرضاء لرغبة بعض أعضاء الوفد المؤيدين له، وإذا بأعضاء آخرين يرجعون بعد ذلك من باريس ~~الواحد تلو الآخر. وكان أول من رجع منهم قبل عرض المشروع هو زوجي علي باشا شعراوي، الذي دهش ~~مثلنا من عدم عرض المشروع عليه ولم يدع للانضمام إلى مندوبي الوفد الذين قدموا لعرض ~~المشروع رغم أنه وكيل الوفد المصري. وقد أدى ذلك إلى أن بعض السيدات كن يسألنني: هل رجوع ~~الباشا لاختلاف في الرأي بينه وبين سعد باشا؟ فكنت أنفي هذا الزعم؛ لأن الباشا لم يكن قد ~~صرح لي بشيء من هذا القبيل، ولم يقطع صلته بأعضاء الوفد الذين قدموا لعرض المشروع ... وبهذه ~~المناسبة أذكر أن زوجي توجه ms143 لزيارتهم عقب عودتهم من أوروبا رغم أن سعد باشا لم يكتب إليه ~~بالانضمام إليهم في عرض المشروع، ولم يرد أحد منهم زيارته إلا لطفي السيد بك الذي كان صديقه ~~الوفي. # ولما سمع سعد باشا بأن الحكومة الإنجليزية لا ترغب في مفاوضته بصفته نائبا عن الأمة، ~~ولكنها تريد أن تتفاوض مع ممثلي الحكومة المصرية، لم يطق البقاء في باريس وعزم على العودة ~~إلى مصر كما هو معروف. فقامت البلاد تحتفي بقدومه حكومة وشعبا، وكان بعض المفكرين المصريين ~~وبعض أعضاء الوفد ومنهم زوجي يفضلون عدم قيام سعد باشا بمفاوضات رسمية ليبقى كمرجع أخير ~~للمفاوضين الحكوميين، يشد أزرهم ويكون لهم بمنزلة دعامة يرتكزون عليها ويعمل حسابها ~~المفاوضون الإنجليز، وبذلك تنجح المفاوضات. ولكن ذلك لم يكن متفقا مع اتجاه سعد باشا الذي ~~كان يريد أن يتم على يديه كل شيء خاص بالقضية المصرية، فبذر بذور الشقاق، وكانت برقيته ~~الشهيرة التي نوه فيها بأن بعض أعضاء الوفد تواطئوا مع الحكومة على الاتفاق مع الإنجليز على ~~معاهدة لا تحقق مطالب المصريين، فقامت البلاد وقعدت لهذه الجرأة لا سيما وقد جاءت هذه ~~البرقية في وقت كانت النفوس فيه ثائرة متعطشة لشيء من الحرية، ولذلك كانت تنتظر بفارغ الصبر ~~عودة سعد باشا إلى مصر. # وقبيل وصول سعد باشا بيوم أو يومين، كنت في مكتبي ... وإذا بأحد أقاربي جاء ليسألني عن ~~حقيقة ما سمعه من أن شعراوي باشا قرر عدم استقبال سعد باشا بالمحطة يوم حضوره، ولم أكن أعرف ~~من ذلك شيئا. فقال قريبي: هل تجهلين أنه قد حدث بينه وبين سعد باشا خلاف في أوروبا أدى إلى ~~تركه أمانة صندوق الوفد وعودته إلى مصر، ولما كنت أجهل ذلك أيضا، فقد قلت له: لا أظن أن ~~هذا صحيح؛ إذ قال لي شعراوي باشا إنه لم يرجع إلا لأسباب صحية، وحقيقة أن صحته كانت معتلة ~~جدا. فتعجب قريبي وانصرف. # الوحيد الذي لا يقابل زغلول # ولما حضر الباشا، سألت عن حقيقة هذا الخبر وأنا متأثرة من إخفائه عني رغم سؤالي ~~المتكرر ms144 له عن سبب عودته. فقال لي: حقا إنني غضبت من سعد باشا عندما كنا في باريس، ~~لأنني سألته مرارا عن أوجه صرف مبالغ الوفد التي كان يطلبها مني لتدوين ذلك في دفاتر ~~حساب الوفد، فكان سعد باشا يبدي امتعاضه، ولما ألححت عليه يوما في السؤال، رد ردا ~~جافا حملني على الاستقالة. ولكنه بعد ذلك صافحني وتصافينا، وظننت أنه لم يبق في نفسه ~~أثر من ذلك كما هو الحال عندي، ولم أترك بعد ذلك باريس إلى مصر إلا لاضمحلال صحتي، دون ~~أن يكون بيننا جفاء، ولكن يبدو أن سعد باشا حنق علي، وظهر ذلك في عدم طلب إشراكي مع ~~المندوبين الأربعة الذين جاءوا لمصر لعرض مشروع ملنر على الهيئات المصرية، وبناء عليه ~~عزمت على عدم الذهاب لمقابلته في المحطة. # فقلت له: كيف يكون ذلك؟ أتريد أن تكون الوحيد في عدم استقبال سعد، بينما تستقبله ~~الأمة كلها وتحتفي به؟ # فقال لي: سأكون ذلك الوحيد. # وفعلا لم يتوجه لاستقباله ... وكنت مستاءة من ذلك، ولكنني أعطيته الحق عندما رأيت ~~بعيني معاملة سعد باشا لرئيس الوزراء عدلي باشا يكن وباقي الوزراء عندما ذهبوا ~~لاستقباله في المحطة؛ حيث قابلهم ببرود وعدم اكتراث، وقد أثر فيهم ذلك حتى لقد بدت ~~عليهم علامات التأثر ولاحظ ذلك كل الموجودين. # وقد شاهدت بعيني ذلك؛ حيث كنت مع وفد السيدات في استقباله هو وحرمه، ولما عدنا إلى ~~منزل سعد باشا الذي كان غاصا بالجماهير من الرجال والنساء، وقد نصب في جانبيه سرادقان ~~أحدهما للرجال والآخر للنساء، كنت أشعر بشيء من الخجل لوجودي في ذلك الجمع، بينما زوجي ~~الذي خدم الوفد - ولولا خدماته ما كسب ثقة الأمة - قد بقي منفردا في بيته لا تعرف ~~الأمة له قدرا أو حقا. # وبينما أنا في ذلك الجمع الحاشد ينتابني ذلك الشعور المر وتمر في مخيلتي تلك الأفكار، ~~إذا بصوت سعيد آغا يناديني ويقول لي: إن سعد باشا يبحث عنك ويقول أين الرئيسة. فدفعني ~~حرج مركزي إلى التواري بعيدا عن عيني سعد، ولكنني صادفته وأنا في ms145 طريقي للخروج وهو يشق ~~صفوف السيدات قائلا: أين الرئيسة لأشكرها ... # فتقدمت نحوه، وهنأته بسلامة العودة، ورجوت «شريفة هانم رياض» وباقي أعضاء وفد السيدات ~~أن ينبن عني، ويعذرنني في ابتعادي للسبب الذي يعرفنه من حرج الموقف. وخرجت. # ورغم ذلك، كتب صاحب الكشكول في مجلته يقول إنني في ذلك اليوم كنت جالسة بجانب سعد، ~~ألقي على السيدات درسا في السفور. # وقد تألمت عندما علمت أن سعد باشا قد جاء في اليوم التالي إلى منزلنا، وترك لي وحدي ~~بطاقة شكر على مقابلتي له بالمحطة وزيارتي للسرادق، ولكن كان سروري بعد ذلك عظيما، جاء ~~سعد باشا بعد ذلك بيوم وصافح زوجي في بيتنا. نعم فرحت كثيرا وقدرت فيه هذا ~~الوفاء. # حملة على الوزارة # قام سعد باشا بعد ذلك بحملة ضد الوزارة والمؤيدين لها في سفرها للمفاوضة، رغم نصائح ~~زوجي وبعض أقطاب الوفد ... ولست أدري داعيا للخوض في تفاصيل هذه الحملة الشعواء التي ~~شنها ضدهم وإن ذلك شيء يطول شرحه، فضلا عن وجوده في عدة كتب. # وقد تفاوض عدلي باشا في مشروع كيرزون، ولكنه لم ينجح كما كان منتظرا؛ لأنه لم يكن ~~مؤيدا من الوفد الذي لم يأل جهدا في معاكسته بكل الطرق. فلما لم يصل إلى شيء مما كان ~~يأمل فيه، رفض الاستمرار في المفاوضة ورجع إلى بلاده راضي الضمير مستريح البال، فسررنا ~~بذلك. ولكن علمنا أن الوفد بالرغم من رفض عدلي باشا قبول المعاهدة يستعد للقائه بكل ~~تحقير وازدراء بتنظيم مظاهرات ضده وإعداد بعض الناس ليرموه بالطماطم والبيض الفاسد ... ~~فهالنا هذا الأمر، واتفقنا في اجتماع عقدناه نحن أعضاء لجنة الوفد المركزية للسيدات أن ~~نتوجه إلى سعد نفسه، ونطلب منه أن ينصح رجاله بعدم إتيان مثل هذه الأعمال الصبيانية ... ~~فلما وصلنا إلى المنزل وطلبنا مقابلته، اعتذرت لزميلاتي عن عدم إمكاني البقاء معهن في ~~تلك المقابلة، نظرا للخلاف الجديد الذي قام بيني وبين زوجي من جراء معاكسته لعدلي باشا ~~معاكسة لم ير زوجي لها مبررا ... وبقيت مع زوجته صفية هانم في الصالون وتركت الأعضاء ~~بالردهة ms146 الصغيرة لمقابلته. فلما حضر لمقابلتهن ولم يرني بينهن أصر على مقابلتي أولا، ~~فقبلت على شرط أن يكون ذلك من وراء الباب، فحياني بالشكر على ما قمت به من خدمات للقضية ~~المصرية كان لها أثر فعال في تقوية مركز الوفد. وقال لي: إنه يتمنى لو أتيح له أن ~~يكافئني بشيء على خدماتي. فقلت له: يا سعد باشا ... كل منا يعمل لاعتقاده بأن عليه واجبا ~~يؤديه لوطنه في هذا الوقت الحرج، وأنا لم أعمل ما أستحق عليه الشكر ولا الجزاء. # فقال: كيف ذلك وقد خدمت الحركة، وأنا لا أعرف بأي وسيلة أكافئك. # فانتهزت فرصة سروره وتقديره لعملي، وقلت له: ما دمت تصر على إقناعي بأنني أستحق ~~مكافأتك، فإن لي عندك طلبا أرجو تحقيقه. # فقال: بكل سرور ... ما هذا الطلب؟ # قلت له: أن تقابل عدلي باشا بمثل ما قابلك من حفاوة وتكريم يوم عودتك إلى الوطن، وأن ~~تمنع المظاهرات المزمع قيامها وتنظيمها لرميه بالطماطم والبيض الفاسد. # فتمهل قليلا كأنه لم يكن ينتظر مني مثل هذا الطلب، ثم قال: والله لو كان الأمر ~~متعلقا بي شخصيا لأجبت رغبته إرضاء لخاطرك، ولكن إن رضيت أنا، لا يرضى غيري ~~بذلك. # فقلت له: ومن الذي يخالفك في الرأي إذا أردت شيئا؟ # فأسرعت صفية هانم وقالت له: والله يا سعد لو وضعت يدك في يد عدلي، لن أكون لك زوجة ~~بعد الذي فعله. # فقال لي: أسمعت يا سيدتي بآذانك؟ # فقلت: سمعت. ولم يبق لي كلام بعد ذلك إلا أن أطلب من الله عز وجل أن يهدئ الخواطر ~~ويهيئ ما فيه الخير. # وكان أن تركني وانصرف لمقابلة أعضاء اللجنة، وكان اللقاء بينه وبينهن ... قصة أخرى! ~~... # | الفصل العشرون # بعد ذلك اللقاء العاصف بيني وبين سعد باشا زغلول تركني وتوجه إلى الغرفة الأخرى، لمقابلة ~~أعضاء لجنتنا ولم يدم هذا اللقاء إلا دقائق قليلة؛ حيث أخبروني بأن السيدات قد خرجن من ~~الغرفة ويردن الانصراف، وأن سعد باشا قد غادر المكان، وخرجت مع صفية هانم من الصالون فوجدت ~~زميلاتي يرددن في حالة من ms147 التوتر والارتباك: «هيا بنا. مصر لها رب.» # وبعد أن سلمنا على صفية هانم وخرجنا وركبنا عرباتنا، ركبت معي مدام ويصا خياط وسيدة ثالثة ~~لا أتذكر من هي الآن، فسألتهن عما دار بينهن وبين سعد باشا بخصوص الموضوع الذي جئنا من ~~أجله، فأخبرنني أن سعد باشا قد دخل عليهن وهو يقول: «هل أعطيتن رشوة حتى تأتين لطلب مثل ذلك ~~الطلب؟» فقلن له: «نحن لا نرتشي، ولو كان ذلك ما وقفنا هذا الموقف.» فقال لنا: «من هو ذا ~~عدلي؟ الأمة كلها معي.» فردت عليه مدام خياط قائلة: «إذا كان في الأمة واحد يخالفك الرأي، ~~فالأمة إذن ليست بالإجماع معك.» فغضب واحتد عليهن وعاد يقول: «لا بد أنهم أعطوك رشوة.» ~~فقامت السيدات محتدات، وأرسلن إلي لكي أخرج. ورجعنا بعد ذلك إلى منزلي. وبقينا نفكر فيما ~~نفعل مجتمعات لدرء هذا العمل المخزي، وكان التليفون يدق بين الحين والآخر؛ حيث يسأل الطلبة ~~وبعض الأعيان عن نتيجة مقابلتنا لسعد، بعد أن سمعوا أن وفد السيدات قد توجه إليه ليطلب منه ~~أن يحسن مقابلة عدلي باشا، ويستفسرون عما إذا كان هذا صحيحا، وماذا تم في الأمر. # وهنا، لا بد أن أعترف بأننا قد أخطأنا خطأ كبيرا عندما تسترنا على هذا الخبر ونفينا ~~صحته، وأعتقد أننا لو كنا قد أخبرناهم بالحقيقة، لعرف الناس نية سعد باشا ولانفض من حوله ~~كثيرون. # وقد وصل عدلي باشا في اليوم الثاني لهذا اللقاء بعد أن قام بواجبه نحو بلاده، ولكن للأسف ~~لم يقدر الشعب المصري جهود رجاله المخلصين. وقام سعد يرمي عدلي بالخيانة، فكتبت إليه خطابا ~~أرجوه فيه عدم استعمال الكلمات الجارحة في انتقاده، لا سيما أن عدلي لم يسئ إليه بقول أو ~~بإشارة في خطاباته. فوعدني أنه سيلطف من حدته لإرضائي. ولكن للأسف وجدته غير قادر على كبح ~~جماح نفسه في مهاجمة عدلي بمختلف الطرق المبتكرة المنظمة، ثم أرسل لي يقول: «لقد تبعت ~~مشورتك، ولعل كلامي قد أعجبك.» ففهمت أنه يتهكم علي، ولم أرد عليه. # وقد بقي هذا الصراع بعد ذلك ms148 بين سعد وعدلي وثروت وأصحابهم، حتى انتهت المسألة بنفي سعد ~~باشا إلى سيشل، فحرك فينا هذا التصرف شعور الثورة بعد أن كنا نستهجن خطة سعد وأصحابه وتهريج ~~أتباعه، فقمنا نحتج على نفيه ونطالب بإعادته لبلاده، وعقدنا الاجتماعات تلو الاجتماعات، ~~بعضها في منزل أحمد بك أبو إصبع وبعضها الآخر عندي. وقد أقسمنا على أن نقاطع الإنجليز ~~والتجارة الإنجليزية. وكان أعضاء الوفد من الرجال قد قرروا أيضا القيام بمثل هذه المقاطعة، ~~ولكنهم تلقوا تهديدا بالنفي فلم يجرءوا على تنفيذها، واكتفوا بأن أرسلوا إلينا يوم ~~اجتماعنا خطاب شكر وتشجيع. # كذلك فقد فكرنا ذات يوم من الأيام في إرسال نجدة لخلاص سعد باشا وإعادته إلى مصر، وبحثنا ~~الموضوع والأساليب التي تؤدي لنجاحه، ولو ترتب على ذلك نفينا نحن أيضا، وقد وجدنا أن ~~الطريق بعيد والمسالك وعرة، فضلا عن أننا لم نتعود القيام بمثل هذا العمل الخطر، فقررنا ~~الاكتفاء مؤقتا بالدعاية لمقاطعة البضائع الإنجليزية وإنماء روح الثورة في نفوس المصريين، ~~وصرنا نعقد الاجتماعات المتوالية في منزل سعد وفي منزلنا، ونحرص على مواساة زوجته المسكينة ~~في هذه المحنة. # الثورة والاحتجاج # ولقد كان الإنجليز في تلك الأثناء قد وجهوا إلى سعد باشا زغلول إنذارا بالكف عن ~~العمل في السياسة، وبالبقاء في بلدته بعيدا عن كل نشاط سياسي. وقد رد سعد باشا على ~~الماريشال اللنبي برسالة مقتضبة قوية الحجة قال فيها: «لقد اختارتني الأمة للمطالبة ~~باستقلالها، ولا أعترف لغير الأمة بسلطة إعفائي من هذه المهمة، وللقوة أن تصنع بي ما ~~تشاء.» # وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الجمعة 23 ديسمبر 1921، اقتحمت فصيلة من ~~الجنود الإنجليز بيت الأمة، واعتقلت سعدا، وذهبت به إلى جزيرة سيشل التي اختارها ~~الإنجليز منفى له ... # ولم تكد هذه الأخبار تعرف وتنتشر، حتى نشبت الثورة واندلعت نيرانها في القاهرة، ~~وتأججت منتقلة إلى الوجه البحري والوجه القبلي إلى أن عمت مصر كلها. # وقد سار الشعب رحلة شديدة المراس في جهاده ضد الإنجليز وكان جهادا مليئا بأعمال ~~البطولة، وجدير بالذكر أنه على إثر قيام الثورة، اتحدت ms149 الصفوف من جديد، وزالت الخلافات ~~الحزبية، وأصبح المصريون جميعهم رجلا واحدا في الكفاح والجهاد. # ولقد كانت المظاهرات الصاخبة تجتاح كل نواحي القاهرة وتحتشد في الشوارع والميادين، ~~وكانت هذه المظاهرات تواجه بأزيز رصاص الجنود البريطانيين ووقع حوافر فرسان الجيش ~~الإنجليزي وعلى ظهورها الضباط والجنود وقد لمعت سيوفهم في محاولة لإخماد ثورة الشعب، ~~فلا يجدون من المتظاهرين إلا كل أنواع البطولة والبسالة، رغم العشرات الذين كانوا يهوون ~~تحت سنابك الخيل أو يسقطون قتلى بالرصاص. # وخلال هذه الملحمة الشعبية الهائلة، كتبت هذا الاحتجاج الذي هو أقرب ما يكون إلى ~~الإنذار، وبعثت به إلى الماريشال اللنبي في 25 ديسمبر 1921، نيابة عن السيدات المصريات: # إذا كنت يا صاحب الفخامة تعتقد في نفسك القدرة على خنق صوت الأمة المصرية ~~بإبعاد الرجل الذي عهدت إليه بأن يتكلم باسمها، فارجع عن هذا الاعتقاد أيضا ، ~~إذ إن القوة تفنى والحق يبقى! ... وسوف نواصل احتجاجنا بلا انقطاع على التدابير ~~الجائرة الظالمة التي تتخذها فخامتك ضدنا، وهي تدابير لن تؤدي إلا إلى إثارة ~~غضب الشعب وغضب الله! ... # عن السيدات المصريات # هدى شعراوي # خطاب مفتوح # ولقد حرصت لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات أن تكون في قلب الأحداث في هذه ~~الفترة الحاسمة من تاريخ مصر، وكانت تتابع كل التطورات السياسية وتعبر عن رأيها في ~~المواقف والأحداث دون أن يعنيها الأشخاص. # وعندما قطعت مفاوضات عدلي - كيرزون بعد أن باءت بالفشل، تباطأ عدلي باشا يكن في تقديم ~~استقالته، فما كان من لجنة الوفد المركزية للسيدات إلا أن وجهت إليه هذا الخطاب ~~المفتوح: # حضرة صاحب الدولة عدلي يكن باشا ... # إننا نربأ بموقفك الحاضر أن يحوم شك حول استقالتكم لعدم ظهورها للآن ليطلع ~~عليها الشعب التائق لمعرفة صيغتها بعد أن قمت بالواجب عليك لبلادك برفضك مشروع ~~كيرزون ووقوفك موقفا شريفا. # تعلم دولتكم أننا في أحرج موقف تمر به بلادنا، وأن من مصلحة هذا البلد ~~المغلوب على أمره أن تؤدوا واجبكم للنهاية بنشر عريضة استقالتكم حالا حتى لا ~~يسبب موقفكم الغامض طمع بعض من تسول له نفسه الدنيئة ms150 إذا صح أن بمصر خائنا ~~يقبل أن يكون آلة تسخره إنجلترا لتنفيذ حكم الموت على بلاد نشأ فيها وغذاه ~~نباتها ورواه نيلها، ونحن نطالب دولتكم بذلك لظننا أن وطنيتكم لا تقف أمامها ~~قوة في سبيل تأدية واجب عليكم لوطنكم. # عن لجنة الوفد المركزية للسيدات # هدى شعراوي # وبعد أن تناثرت الشائعات عن استقالة عدلي باشا يكن، نتيجة فشل المفاوضات التي أجراها ~~مع اللورد كيرزون، كان المتوقع أن تعيش البلاد فترة مماثلة لتلك التي عاشتها من قبل عقب ~~استقالة وزارة حسين رشدي باشا، ولكن ظهر في ذلك الوقت احتمال قبول أحد المصريين تشكيل ~~الوزارة؛ فواكبت لجنة الوفد المركزية للسيدات هذا الموقف الجديد، ونشرت هذه الكلمة في الصحف: # لقد أدى عدلي باشا الواجب عليه برفضه مشروع كيرزون وتقديم استقالته وإن كانت ~~لم تظهر صيغتها للآن. غير أننا نسمع أن وزارة ستشكل، وأننا إزاء ذلك لنقف ~~مندهشين لا نكاد نصدق أن يوجد مصري تسمح له وطنيته أن يقبل الوزارة في أحرج وقت ~~تمر به بلادنا المغلوبة على أمرها، إذا صح أن بمصر خائنا يقبل أن يكون آلة ~~تسخره إنجلترا لتنفيذ حكم الموت على بلاده التي نشأ فيها وغذاه نباتها ورواه ~~نيلها، بعد أن ظهرت نيات إنجلترا الاستعمارية في مشروع كيرزون ومذكرة اللورد ~~اللنبي، وبعد أن ظهر ظهور الشمس أن إنجلترا تريد أن تكون الوزارة المصرية عونا ~~لها على تنفيذ سياستها وقتل روح الوطنية ومحو كل مقاومة لاستعبادنا بالقوة ~~الغاشمة ... فهل يرضى مصري بهذه الوصمة؟ إننا لا نصدق ذلك، والأمة والتاريخ له ~~بالمرصاد. # ومن ناحية أخرى، فإننا على إثر فشل المفاوضات الرسمية مع اللورد كيرزون ~~ومذكرة اللورد اللنبي، عبرنا عن رأينا فيما حدث في هذا البيان: # لقد انتهت المفاوضات الرسمية بين الحكومة المصرية والحكومة الإنجليزية ونشرت ~~بالجرائد ليطلع عليها الشعب المصري والشعب الإنجليزي في آن واحد، فشهد الشعبان ~~معا بل شهد العالم أجمع استعداد الأمة المصرية لعقد تحالف يضمن استقلال مصر ~~ومصالح إنجلترا وباقي الدول فيها، كما شهد سوء نية الحكومة الإنجليزية وعدم ~~رغبتها في ms151 الوصول إلى حل معقول بين الأمتين. # يهددنا اللورد اللنبي بالنيابة عن حكومته بالالتجاء إلى استعمال القوة والبطش ~~إذا نحن لم نوقع صكا بعبوديتنا الدائمة بأيدينا، ويذكرنا بما لإنجلترا من ~~الفضل علينا وبما نحن مدينون لها به بما قدمته لنا من مساعدات وخدمات ... نحن ~~نعذر اللورد اللنبي لأننا نعتقد أنه لم يتمكن في المدة الوجيزة التي قضاها ~~بيننا وفي ظروف استثنائية من درس أخلاقنا وقوميتنا، وإن كنا لا نظنه على جهل ~~تام من معرفة تاريخنا المجيد. وكذلك نعذر الحكومة الإنجليزية الحالية؛ لأنها ~~استعمارية وقد أعمتها مطامعها عن النظر إلى الحقائق وتقدير العواقب. ولكننا لا ~~نجد عذرا ننتحله للأمة الإنجليزية بل وللأمم المتمدينة الأخرى إذا كانت هي ~~أيضا تنظر بعيني اللورد اللنبي وحكومته، ولم تحسب حسابا للانقلاب الذي سيحدث ~~في نفوس المصريين من قرب اليأس إلى قلوبهم، ولم تستدرك الأمر. إذا كان ~~للإنجليزي فضل علينا، فذلك الفضل راجع إلى اللورد كيرزون الذي أدى إلينا بصراحة ~~مشروعه خدمة لا تقدر، إذ كشف لنا النقاب عن نوايا إنجلترا الاستعمارية، وأوقفنا ~~على درجة مهارة حكومتها من السياسة والحذق. # فليعلم اللورد اللنبي ولتعلم حكومته أنه إذا كان كما يقول من صالح المصريين ~~أن يعيشوا على وفاق تام مع الدولة الإنجليزية، فما من مصري يجهل أنه من صالح ~~إنجلترا أكثر أن تحافظ هي على صداقة الأمة المصرية لها وحسن ثقتها بها، وأنه لا ~~يمكننا أن نتجاهل ولا نقدر ما يهدد مصر بل والدول الأخرى من الخطر العظيم إذا ~~نحن قبلنا المشروع المعروض علينا. أما تهديدات الحكومة الإنجليزية ذاتها فلا ~~ترهبنا ولا تزعجنا، بل تزيدنا ثباتا وعزما واتحادا على المثابرة في العمل ~~لنجاح قضيتنا العادلة؛ لأننا نعلم أن سياسة الإرهاب والقوة قصيرة العمر خطيرة ~~العاقبة على المستند عليها، خصوصا إذا استعملت ضد أمة أثيلة في المجد تحتم ~~عليها كرامتها أن تعيش حرة أو تموت. # وبعد أن ألف عبد الخالق ثروت باشا وزارته، وجهت إليه لجنة الوفد المركزية للسيدات ~~خطابا تعترض فيه على ما انتهجته وزارته من عنف وقسوة ms152 ضد المواطنين، وقد هددناه في هذا ~~الخطاب بأن تكون السيدات أول الطليعة التي تتلقى حراب جنود الحكومة ... وهذا هو نص ~~الخطاب: # يا صاحب الدولة ثروت باشا رئيس مجلس الوزراء # أتيتم في وقت كانت الأمة المصرية تعمل فيه لاسترداد حقها المغتصب، غير طالبة ~~أي مساعدة ... معتصمة بالحق، قوية باتحادها، فصرحتم بأن وزارتكم ستعمل لتحقيق ~~أماني الأمة مسترشدة بإرادتها، فكان لهذا القول أحسن وقع في نفس الشعب الذي ~~طالما انتظر تحقيق ذلك، ولكن مع الأسف قد أتت النتيجة مخيبة للآمال مثبطة ~~للعزائم؛ حيث قد ظهرت أعمالكم مخالفة أقوالكم، فلما انتبه الشعب من سكرته وفطنت ~~الأمة لنتيجة أعمالكم، قامت لإظهار شعورها وإعلان ثباتها على مبدئها، فقابلتم ~~هذه الحركة بالعنف والقسوة وسلحتم الأخ ضد أخيه وأخرجتم القوانين الاستثنائية ~~من قبورها لتعاقبوا بها المخلصين لبلادهم المتفانين في سبيل حريتها. وها قد ~~امتلأت السجون بأبناء مصر الأبرياء وتخضبت الأرض بدماء شهدائها وتقرحت أعين ~~الثكالى وتفتت أفئدة الأرامل واليتامى، فهل تعتقدون للآن بأنكم تعملون لتحقيق ~~أماني الأمة، أم هي قوة تدفعكم إلى القيام بما لا يرضي الحق والعدل؟ فإن كان ~~السبب الأول هو الدافع لكم، فقد ظهر أن سياسة الشدة أسوأ الطرق ... ونحن سيدات ~~مصر أمهات وزوجات وأخوات نطلب منكم منع تدخل البوليس في المظاهرات السلمية، ~~وإلا فنعلنكم نحن معشر السيدات أننا أول من يكون في الطليعة لنتلقى حراب جنودكم ~~فداء عن أزواجنا وأبنائنا وإخوتنا العزل من السلاح، وإن كان السبب الثاني ~~فدعونا نقف وجها أمام أعينكم، وتمثل مأساة سنة 1882 مجسمة، فتقضون على الأمة ~~القضاء الأخير بدل أن تتمشوا على إرادتها كما تقولون. # بيان الوفد المصري # وقد أصدر الوفد المصري بيانا بشأن الوثيقتين الجديدتين، في أول مارس 1922. # وكان هذا البيان عبارة عن منشور تم توزيعه على جماهير المواطنين. وقد وقع البيان: حمد ~~الباسل، ويصا واصف، علي ماهر، جورجي خياط، مرقص حنا، مراد الشريعي، علوي الجزار، علي ~~الشمسي، واصف غالي. # وقد جاء في هذا البيان: # ظهرت وثيقتان جديدتان ليس فيهما من جديد سوى اللين في التعبير، أما ms153 الجوهر ~~فهو هو بعينه الذي عرفناه في مشروع لورد كيرزون وتبليغ 3 ديسمبر 1921. # تصرح هاتان الوثيقتان أن الحماية انتهت، وأن مصر صارت دولة مستقلة ذات سيادة، ~~ولا شك أن هذا التصريح إقرار بحق لمصر كانت تتبوأ به مكانا لائقا بين الأمم، ~~لولا أن هاتين الوثيقتين ما كادتا تصرحان به حتى هدمتاه بسرعة هدما كاملا؛ ~~لأنهما تقرران أن إنجلترا تتولى حماية مصر من كل اعتداء أو تدخل أجنبي بالذات ~~أو بالواسطة وتتولى حماية الأجانب ومصالحهم في مصر. وتزيد على هذا كله أمرا ~~جديدا تقتضيه إنجلترا لنفسها وهو أنها هي التي تحمي الأقليات، وهو تدخل بين ~~الحكومة المصرية ورعاياها الذين أجمعوا بأقليتهم وأكثريتهم على الخلاص من الحكم ~~الأجنبي. # فالدول على هذا لا تعرف لمصر مركزا دوليا غير أنها محمية بالسلطة ~~الإنجليزية خارجا، وهذه السلطة هي نفسها التي تحمي الأجانب والأقليات داخلا، ~~وليس هذا وذاك سوى الحماية قانونا وفعلا. # وأما القول بأن هذه المسائل مؤقتة حتى يحين وقت المفاوضات فلا يغير في ~~الموضوع شيئا؛ لأن التصريح بإلغاء الحماية جاء في وثيقة واحدة مقترنا بهذه ~~القيود، ولأن تحديد وقت المفاوضة ليس من حق مصر وحدها. ومصر التي تعاني ~~الاحتلال المؤقت منذ أربعين سنة أعرف البلاد بالتسويات المؤقتة، على أن ~~المفاوضات قد لا تفلح، فتبقى الضمانات التي احتفظت بها إنجلترا في يدها. # ومتى كانت الحماية الفعلية باقية على هذه الصورة، وكانت إنجلترا لا تزال ~~تعتبر مصر كلها جزءا من مواصلاتها الإمبراطورية وتحفظ في يدها حق تأمين هذه ~~المواصلات بجيش إنجليزي يبقى محتلا للقطر المصري، فكل استقلال تعلنه إنجلترا ~~استقلال لفظي. # أما الأحكام العرفية فتقول الوثيقتان إنها تلغى بعد الموافقة على قانون ~~التضمينات وسريانه على جميع سكان مصر ... فالإلغاء معلق على أمور لا ترجع إلى مصر ~~وحدها، وبذلك قد تبقى الأحكام العرفية إلى زمن غير محدود، أما الوعد بإيقاف ~~سريانها فلا يمكن الاعتماد عليه؛ لأن الإيقاف غير الإلغاء بل هو البقاء ~~والاستعداد للظهور في كل آن. وعلى هذا فيكون تأليف البرلمان حاصلا تحت سلطة ~~الحماية الفعلية ms154 ومع وجود جيش الاحتلال والأحكام العرفية. # وغريب أن تطلب الحكومة البريطانية منا بعد كل هذا أن نحسن الظن بنياتها، إذ ~~كيف يمكن أن يكون سبيل إلى حسن الظن ونحن نرى منها كل هذا الإصرار على أن تضرب ~~على المصريين حماية رفضوها ... ونرى كل هذه المبالغة في إبعاد سعد باشا ورفاقه في ~~الوقت الذي تعرض فيه تسوية وقتية، والذي تدعي فيه أن الكلمة أصبحت لمصر. # يأسفون لأننا نرى في التدابير الاستثنائية التي اتخذت أخيرا مساسا بمطمحنا ~~الأسمى ... والمصريون لا يرون فيها ذلك المساس؛ لأن هذا المطمح أرفع من أن يمس. ~~إنما يرون فيها مساسا بكرامتهم وشرفهم القومي، ويرون فيها إخلالا بمبادئ ~~العدل الأولية. # حريتنا الشخصية مصادرة ... وحريتنا السياسية مخنوقة، والصحافة ما بين مكممة ~~ومعطلة لا تستطيع نشر آراء الأفراد والهيئات في الحالة الجديدة. والاجتماعات ~~العامة محرمة ... وزعيم البلاد رأس الحركة الوطنية مبعد عن الوطن ... والوطنيون ~~مهددون بالنفي والاعتقال، كل هذا ويريدون أن يقنعونا بأن ذلك في ~~مصلحتنا. # حقا إن مصلحتنا ومصلحتهم تقتضيان بأن يوضع حد لهذا الهياج، ولكن ذلك الهياج ~~ليس إلا وليد سياسة الإرهاب والخديعة التي اتبعت في طول البلاد وعرضها. # إن مصلحتنا ومصلحتهم هي في رفع الظلم الذي وقع، وإلغاء التدابير الاستثنائية ~~التي اتخذت، وتحطيم السلاسل التي تقيد حريتنا، وإعادة سعد والمنفيين إلى ~~بلادهم، ورد المعتقلين السياسيين إلى أهلهم. # حينذاك تطمئن النفوس ويصبح في الإمكان بحث المسألة المصرية في جو هادئ، فنقول ~~مصر كلها: # أيها المصريون ... إن السياسة البريطانية تريد أن تختبركم مرة أخرى، لقد سمعت ~~طلباتكم ولم يبق خافيا شيء من الحل الذي يقضي به العدل، ولكن فريقا قليلا ~~منكم أطمعوها فيكم وفي ثبات عزيمتكم، فوضعت يدها في أيديهم كي يكرهوكم بالحيلة ~~والإرهاب على قبول نظام رفضتموه من قبل. # إنهم يظنون أن جهودكم التي بذلتموها بسخاء يمكن أن تضيع عليكم، فأثبتوا لهم ~~مرة أخرى أنهم في ظنهم هذا واهمون، وأنكم تطلبون الاستقلال ولا تقبلون ما دون ~~الاستقلال. «فلتحيا» مصر ... «وليحيا» سعد باشا. # | الفصل الحادي والعشرون # في شهر مارس ms155 1923، تلقينا دعوة من الاتحاد النسائي الدولي لحضور المؤتمر الذي يعقد في ~~روما، وكانت الدعوة موجهة إلى نساء مصر، وكانت لجنة الوفد المركزية للسيدات المصريات هي إذ ~~ذاك الهيئة النسائية البارزة، ومن ثم جاء تفكيري في تشكيل جمعية الاتحاد النسائي المصري ~~من بين أعضاء لجنة الوفد. وقد انتدبت الجمعية عنها وفدا لحضور هذا المؤتمر مكونا مني ومن ~~زميلتي السيدة نبوية موسى والآنسة سيزا نبراوي، وكانت هذه هي أول مرة يرتفع فيها صوت المرأة ~~المصرية في الخارج باشتراكها في هذا المؤتمر. # وأستطيع أن أقول بصراحة إنه بالرغم من سروري بهذه الدعوة واغتباطي بالوصول إلى هذه ~~النتيجة، فإنني قد سافرت متهيبة تلك المسئولية الكبرى، خاشية مغبة الفشل. # ولكن بقي يقيننا بالله يقوي إيماننا بأننا نحمل رسالة المرأة المصرية التي عاشت إلى ذلك ~~الحين مهضومة الحق مهيضة الجناح لا سيما أن هذه كانت فرصة تتيح لنا دحض الافتراءات التي ~~أثيرت في الخارج حول حركتنا الوطنية وحاولت أن تنال من جلالها وعظمتها. # وقبل أن أتحدث عن مؤتمر روما، فإنني أود أن أعطي صورة عن تشكيل الاتحاد النسائي المصري، ~~فبعد أن وصلتنا الدعوة لهذا المؤتمر وجهت إلى بعض السيدات الرسالة التالية: # حضرة السيدة الفاضلة # بما أن مؤتمر النساء الدولي الذي سينعقد في روما بتاريخ 12 مايو 1923 لغاية 19 ~~منه قد أرسل دعوة لسيدات مصر، وبما أن من مصلحتنا نحن معشر السيدات المصريات ومن ~~مصلحة قضيتنا المصرية أن نعمل لرفع شأن المرأة المصرية والمطالبة بما ينقصها من ~~الحقوق، وجب علينا أن نوفد من يمثلنا في هذا المؤتمر للاندماج في عضويته ضمن بعض ~~أعضائه للسعي في تحقيق هذا الغرض. # لذلك نتشرف بدعوة حضرتك للحضور يوم 16 مارس الجاري الساعة الرابعة مساء بمنزلي ~~بشارع قصر النيل نمرة 2 بمصر للاشتراك في تأليف لجنة للعمل وانتخاب من يمثلها في ~~المؤتمر. # واقبلي وافر احترامنا # هدى شعراوي # وقد ترتب على هذا الاجتماع؛ بدء تشكيل الاتحاد النسائي المصري، وقد جاء في القانون ~~الأساسي لهذا الاتحاد ما يلي: # المادة الأولى: # تأسست في شهر ms156 مارس 1923 جمعية باسم الاتحاد النسائي المصري. # المادة الثانية: # أغراض الجمعية هي رفع مستوى المرأة الأدبي والاجتماعي للوصول بها إلى حد ~~يجعلها أهلا للاشتراك مع الرجال في جميع الحقوق والواجبات. # المادة الثالثة: # تسعى الجمعية بكل الوسائل المشروعة لتنال المرأة المصرية حقوقها السياسية ~~والاجتماعية، وهذه الأغراض هي الأغراض نفسها التي تسعى في تحقيقها جمعية ~~الاتحاد النسائي المصري أن تكون ممثلة لها في مصر. # المادة الرابعة: # تمثل هذه الهيئة جمعية عمومية ومجلس إدارة. # المادة الخامسة: # تتألف الجمعية العمومية من أعضاء مشتركات وأعضاء مراسلات. # المادة السادسة: # يتألف مجلس الإدارة من عشرين عضوا ينتخبن بواسطة الجمعية العمومية ومن ~~بين أعضائها المشتركات. # وبعد ذلك تأتي المواد الإدارية والتنظيمية. # مؤتمر روما # ونعود بعد ذلك إلى اشتراكنا في المؤتمر الدولي الذي عقد في روما في مارس 1923، فعندما ~~وصلنا إلى روما، وجدناها تغص بمندوبات الدول الست والثلاثين التي اشتركت في هذا ~~المؤتمر ، وكانت كل دولة قد أوفدت أكثر من عشرين مندوبة عدا الصحافيات والصحافيين ~~والوافدات لمشاهدة المؤتمر. # وأذكر بهذه المناسبة أننا عندما ذهبنا إلى المؤتمر، وجدنا أعلام الدول ترفرف في قاعة ~~الاجتماع، ولم نكن قد استعددنا لذلك لعدم معرفتنا ببروتوكول المؤتمرات، ولذلك فقد طلبنا ~~من طلاب البعثة المصرية هناك تجهيز علم مصري يتعانق فيه الهلال والصليب، وقد صنعوه أكبر ~~حجما من كل الأعلام الموجودة، فلما لفت نظرهم ذلك، قالوا: إن مصر أعرق الأمم ويجب أن ~~يكون علمها أكبر الأعلام، وعندما قدمت العلم المصري لرئيسة المؤتمر، نقلت لها وجهة نظر ~~أبنائها الطلبة، فتبسمت، ولما فتحنا أمامها العلم ورأت عليه الصليب يعانق الهلال، تأثرت ~~تأثرا عظيما، وأمرت بوضعه على يسار المنصة معادلا للعلم الإيطالي الذي كان إلى ~~اليمين فشغل بذلك الموقع الممتاز بعد علم الدولة المنعقد المؤتمر بأرضها، وقدمتنا ~~للمؤتمر تقديما فيه كل التقدير والإعجاب، وكان ذلك أكبر عامل في إزالة الفكرة التي ~~شابت حركتنا الوطنية بوصفها بالتعصب الديني. # وما كدنا نندمج في المؤتمر، حتى لمسنا عن كثب أثر المرأة الأوروبية في نهضة الغرب. ~~ومن ناحية أخرى، فإن وفدنا رغم ms157 أنه كان أقل الوفود عددا، إلا أنه أحدث تأثيرا كبيرا ~~ولقي ترحيبا عظيما؛ لأنه ظهر أمامهن بمظهر أرقى مما كن ينتظرن، فصرن يسألننا في فضول ~~وإلحاح إن كنا حقا مصريات وكلما أكدن لهن ذلك شاهدنا علامات الدهشة على وجوههن كأنما ~~كانت المرأة المصرية المحجبة مطبوعة في مخيلتهن بطابع الجهل والهمجية، ولكن سرعان ما ~~تغيرت تلك الفكرة في أذهانهن عندما رأيننا نؤدي رسالتنا على الوجه الأكمل، تلك الرسالة ~~التي رحبن بها وعضدنها ودعوننا للانخراط في سلك الاتحاد النسائي الدولي كفرع منه يمثل ~~مصر، فإنه مبحث جمعيتنا منذ ذلك الحين في عضوية هذه الهيئة النسائية الدولية، وأصبح ~~اتحادا ذا صفة دولية وصفة قومية، معترفا به في مصر والخارج. وقد أخذنا على أنفسنا ~~عهدا أن نحذو حذو نساء أوروبا في النهوض بنسائنا لنصل ببلادنا إلى المكان اللائق بها ~~بين الأمم الراقية مهما كلفنا ذلك، وأن نؤدي بأمانة وإخلاص الخدمات الاجتماعية ~~والإنسانية التي يتطلبها برنامج الاتحاد النسائي الدولي، ورجعنا بحمد الله مرفوعات ~~الرءوس، معتقدات أننا قد أدينا خدمة جليلة لوطننا ولجنسنا بما قمنا به من دعاية طيبة ~~وسط ذلك الجمع الحاشد من مندوبات الدول الست والثلاثين المشتركة في المؤتمر. # ولقد اندمجت جمعيتنا في الاتحاد النسائي الدولي على أساس المطالبة بحقوق المرأة ~~السياسية والمدنية لتخويلها حق الانتخاب، وللعمل على نشر مبادئ السلام وتوطيد دعائمه، ~~فأصبحت جهود المرأة المصرية عالمية لا محلية فقط، وهذا نصر كبير لبنات القرن العشرين في ~~مصر. # لقد أخطأ الكثيرون فهم المبدأ الأساسي للاتحاد النسائي بشأن المطالبة بالمساواة في ~~الحقوق السياسية للمرأة، فقد توهموا أن غرضها من الحصول على حريتها ومساواتها بالرجل في ~~الحقوق هو الوصول إلى السفور ومزاحمة الرجل في مبادئ السياسة والعمل، مما أدى إلى تذمر ~~بعض الرجال، والحقيقة أن مطالبة المرأة بحقها السياسي ليس معناه التدخل في الأمور ~~السياسية والحزبية المحضة، بل للحصول على حقها في التشريع والتنفيذ حتى يمكنها المساهمة ~~في علاج الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبخاصة ما كان منها متصلا بشئون ~~المرأة والطفل، وكان سفورها من الوسائل ms158 اللازمة للحصول على هذا الحق لا حبا في السفور ~~كوسيلة للتبرج، ولا سيما إلى مزاحمة الرجل كما اتهمت بذلك زورا وبهتانا. # حقوق المرأة المصرية # وكنت قد ألقيت خطابا في المؤتمر النسائي الذي يمثل مصر، وقد يكون من الأفضل أن أسجل ~~هنا هذا الخطاب لتتضح أبعاد الصورة أمام كل الأعين، وهذا هو نص خطابي في المؤتمر: # إنه ليسرني حقيقة أن أجد نفسي بينكن في هذه الجمعية المحترمة التي تمكنت فيها ~~المرأة المصرية لأول مرة في التاريخ من المجيء والمناقشة في حقوقها، وإنني لأجد ~~ما يدعو إلى الفخر والغبطة في اختياري لإظهار تلك الرابطة التي تربط بنات النيل ~~بأخواتهن في أوروبا. # حقا لقد مر عصر طويل كنا نعمل فيه بمعزل عن العالم أجمع خلا أزواجنا ~~وأقاربنا، فنشأ عن ذلك انزواء شخصيتنا وبقاؤنا وراء حجاب، على أننا إذا تأملنا ~~في تاريخنا الغابر رأينا أنه في الوقت الذي كانت مصر فيه تشرق في سماء المجد ~~ويتفجر نورها على البلدان، كانت المرأة المصرية تتمتع بحقوق الرجل نفسها. وقد ~~حافظت على هذه الحقوق إلى اليوم الذي وقعت فيه مصر تحت نير الأجنبي، وأصاب ~~المرأة ما أصاب نساء الشرق اللاتي ظللن ولا قانون يحميهن من استبداد الرجل، وقد ~~بقين في هذا الدرك حتى ظهر الإسلام الذي منح المرأة حقوقا لم تحصل عليها من ~~قبل، والتي تقاتل وستقاتل المرأة الغربية في سبيل الحصول عليها اليوم وغدا ~~وبعد غد. # وقد احتفظت المرأة حتى الساعة بهذه الحقوق التي يعترف بها القانون الديني، ~~غير أنها لم تفكر في استعمالها بسبب الجهل الذي شبت فيه ودرجت أربعة قرون ~~كاملة. # وما أفاقت مصر من سباتها العميق إلا في أوائل حكم محمد علي، ذلك المصلح ~~الكبير الذي نهض بالبلاد، وأنشأ المدارس التي فتح بعضها أبوابها للنساء ولولا ~~الاحتلال الأجنبي لما وقفت في سيرها هذه الجهود التي كانت تعمل على رفع مستوى ~~المرأة العقلي، ولكان من المأمول اجتناء جمع ثمارها. # على أن مسألة التعليم الإجباري كانت موضوع المناقشة والبحث في عهد السلطان ~~حسين، ولكن أولي ms159 الأمر قر رأيهم على تأجيل إصدار هذا القانون بصفة نهائية ~~ثلاثين عاما. # وقد حرمت الحكومة البنات ابتداء من سنة 1909 من حق أداء امتحان البكالوريا، ~~ثم حرمتهن من نيل شهادة الدراسة الابتدائية، ولهذا السبب فإن بناتنا اللاتي ~~يتعلمن في مدارس الحكومة لا يسمح لهن أن يحترفن إلا إحدى المهنتين مهنة مدرسة ~~ومهنة قابلة. # ولكن لا يجوز أن نغفل هذه الحقيقة الأخرى، وهي أن النقاب كان من أكبر العوامل ~~التي أدت إلى بقاء المرأة في درجة من العلم لا متأخر عنها ولا متقدم، ذلك بأنه ~~في سن معينة يحال دون ذهاب الفتيات إلى معاهد التعليم، ورغما من هذه العقبات ~~تمكنت الكثيرات منهن من ارتشاف مناهل العلم الراقي وبلوغ مكانة أخواتهن ~~الأوروبيات، وقد قصد بعضهن جامعاتكن لإتمام دراستهن. # وقد بدأت المرأة المصرية - بفضل تعلمها ومعرفتها حقوقها أكثر من قبل - تظهر ~~الميل إلى الاستفادة من الامتيازات التي يخولها القانون إياها، وها نحن أولاء ~~نراها اليوم تحتل مكانة هامة في الأسرة والمجتمع والحياة السياسية. # والآن، فلنخلص الحقوق والمطالب التي سنبسطها غدا. # أما فيما يتعلق بتعدد الزوجات الذي انتقده أهل الغرب انتقادا مرا، فإني ~~أظن أن القرآن الكريم بتحديده عدد النساء إلى أربع مطاع، ولكنه لا يوحي بهذه ~~العادة التي كانت منتشرة عند قبائل العرب قبل الإسلام، فإنه يقول بالنص: # فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة ~~. # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم ~~. # إذن يكون لها حق المطالبة بإلغاء هذه العادة التي توجد الشقاق في الأسر وتولد ~~البغضاء بين الإخوة والأخوات من أمهات مختلفة، والرجوع إلى حكم الشريعة التي لا ~~تبيح الانقسام والتفرقة. # وإننا ليسرنا أن نرى أن هذه العادة مع انتشار التعليم تتلاشى شيئا فشيئا؛ ~~لأن شعور المرأة بكرامتها في الازدياد يأبى عليها أن تقبل حالة أخرى لزوجها، ~~ولأن الرجل الذي يزداد حرصه على السعادة والطمأنينة في البيت لا يفكر اليوم ~~مطلقا في إدخال عوامل التفرقة من الباب. # أما الطلاق فإنه وإن كان الرجل هو الذي يلجأ إليه عادة، إلا أن المرأة في ~~وسعها ms160 أن تتخذه سلاحا تدافع به عن نفسها؛ لأن القانون لا يعترض على استعمالها ~~هذا الحق. ويمكن للمرأة المصرية أن تحتفظ بأبنائها لغاية السابعة أو التاسعة من ~~عمرهم. # وفيما يتعلق بالوراثة، فإن البنت لا حق لها إلا في نصف ميراث الأخ، ولكن يجب ~~ألا يفوتنا أن مقتضيات الزواج أن يقوم الرجل بنفقات البيت أيا كانت ثروة ~~زوجته. # والمرأة ترث عن زوجها ربع ما يملك إذا لم يكن له ولد، والثمن في الحالة ~~الأخرى، وللأبناء الذين يعترف بهم أبوهم عين حقوق الوراثة التي يتمتع بها ~~الأبناء الشرعيون. # وقد أدخلت أخيرا بعض إصلاحات من شأنها تحسين حالة المرأة من جهة النفقة التي ~~يطالب بها الزوج في حالة الانفصال. فإذا لم يدفع المبلغ الذي تراعي المحكمة في ~~تعيينه مقدرته على الدفع، ألقي به في السجن، فالرجل يخشى الجزاء، والمرأة ~~المهجورة تجد في القانون حماية لها. # وتتمتع المرأة المسلمة في الحياة المدنية بكفاءة كاملة؛ لأن القانون يكفل لها ~~الاستقلال التام في التصرف في أملاكها متى بلغت سن الرشد، وفي إمكانها البيع ~~والشراء والوصية دون وجوب الحصول على تصريح من زوجها بذلك، والاشتراك في أي عمل ~~مالي أو تجاري بالتساوي مع الرجل، وعدا ذلك فإنها تستمد من قانون الإسلام حق ~~الاحتفاظ بجنسيتها في حالة ما إذا تزوجت بأجنبي. # ولم تأخذ المرأة إلى الآن من الحياة العامة بنصيب من النشاط، ومنشأ ذلك ~~جهلها، ولكن بما أن القوانين لا تشتمل على أي تقييد يتعلق بكفاءتها، فسيكون في ~~وسعها متى شاءت أن تطمح إلى الوظائف العمومية وجميع المهن التي يحترفها الرجال ~~والاشتراك في كافة الجمعيات. # وقد ظهرت المرأة المصرية في صورتها الحقيقية في حركة سنة 1919 في الوقت الذي ~~كانت فيه الأمة من أولها إلى آخرها بحاجة إلى قواها كلها للمطالبة ~~باستقلالها. # وشاركت المرأة الرجل في كفاحه السياسي بتداخلها في الإدارة والكتابة في ~~الجرائد وتأسيس المجلات، وأنشأت بمالها الخاص مدارس حرف للفقراء، وملاجئ للمرضى ~~الفقراء، وكونت جمعيات علمية. # يتبين مما تقدم أن المرأة المصرية التي تتمتع في المجتمع بامتيازات ms161 خاصة من ~~وجهة القوانين، ليست بحاجة لتصبح مساوية للرجل إلا في التعلم والمطالبة بإصلاح ~~بعض العوائد المتعلقة بالزواج والطلاق، فإن روح القانون فسرت بها خطأ. # وقد تألفت أخيرا في سبيل الوصول إلى هذه النتيجة، جمعية الاتحاد المصري ~~النسائي، ورسمت لنفسها البرنامج الآتي: ~~(1) # رفع مستوى المرأة الأدبي والخلقي لتحقيق المساواة السياسية ~~والاجتماعية بالرجل من وجهتي القوانين والآداب العامة. ~~(2) # المطالبة بمنح الطالبات حرية الالتحاق بالمدارس العالية. ~~(3) # إصلاح العوائد الجارية فيما يتعلق بطلب الزواج حتى يتيسر للطرفين ~~أن يتعارفا قبل التعاقد. ~~(4) # الاجتهاد في إصلاح بعض طرق تطبيق القوانين الخاصة بالزواج التي ~~يستمد تفسيرها من روح القرآن، ووقاية المرأة بهذه الطريقة من الظلم ~~الذي يقع عليها من تعدد الزوجات الذي لا مبرر له، ومن الطلاق الذي ~~ينطق به صاحبه غالبا من غير روية أو باعث جدي. ~~(5) # المطالبة بقانون يجعل سن الزواج عند البنت 16 سنة. ~~(6) # العمل على نشر الدعوة في سبيل الصحة العمومية. ~~(7) # تشجيع الفضيلة ومحاربة الرذيلة. ~~(8) # محاربة الخرافات وبعض العوائد التي لا تتفق مع العقل. ~~(9) # نشر الدعوة بمبادئ الجمعية بواسطة الصحافة. # والآن قبل أن أنسحب، اسمحن لي أيتها السيدات أن أشكركن على إلحاحكن في إظهار ~~الرغبة في إشراك المرأة المصرية في عمل الاتحاد العظيم. # ولنا الأمل الكبير أن نصل بفضل نصائحكن التي هي لنا الهادي والاحتذاء على ~~مثلكن الذي نجده خير مشجع إلى تحقيق رغباتنا وبلوغ القصد. # وإننا نضع أنفسنا تحت تصرفكن لخدمة مبادئكن ونشر أفكاركن، أما والاتحاد قوة، ~~فإننا نرجو من صميم الفؤاد أن يتحقق في القريب العاجل، الغرض الذي نسعى إليه، ~~أعني انتصار حقوق المرأة في العالم أجمع. # مقابلة موسوليني # كان من بين ما حققه مؤتمر روما الدولي، أننا ~~التقينا بالسنيور موسوليني ثلاث مرات ... # الأولى: عندما ترأس جلسة الافتتاح في سراي المعرض ... والثانية: عندما أقام حفل شاي ~~للمندوبات في الكابيتول ... وكانت المرة الثالثة: بعد أن انتهى المؤتمر من أعماله؛ حيث ~~توجهت المندوبات المشتركات في المؤتمر لمقابلته في قصر الرئاسة وتعمدن أن يذهبن سائرات ~~على الأقدام كرجاء له في أن يمنح المرأة ms162 الإيطالية حق الانتخاب. # وقد استقبلنا وصافح أعضاء المؤتمر واحدة واحدة ... وعندما جاء دوري وقدمت إليه كرئيسة ~~وفد مصر عبر عن جميل عواطفه ومشاعره نحو مصر، وقال: إنه يرقب باهتمام حركات التحرير في ~~مصر، وجهاد المصريين والمصريات في سبيل استقلال بلادهم، ثم تحدث عن تطلعه إلى توطيد ~~العلاقات التي تربط إيطاليا بمصر وغيرها من دول البحر المتوسط، وأشاد بماضي مصر المجيد ~~ومدنيتها العريقة وبما كان بين الدولتين من علاقات طيبة وصداقة قديمة وأعرب عن أمله في ~~تجديد ذلك ودوام ارتباطه. # ولقد كانت هذه اللفتة منه نحو مصر جديرة بالتقدير، فأعربت له عن فائق تأثري بهذه ~~العناية وبدوري تحدثت عن مجد إيطاليا السابق والحاضر. ثم كررت رجائي الخاص بمنح المرأة ~~الإيطالية حقوقها السياسية. # | الفصل الثاني والعشرون # بعد أن عدنا من المؤتمر النسائي الدولي الذي عقد في روما، كان علينا أن نلتقي مع أعضاء ~~جمعية الاتحاد النسائي المصري، لنستعرض جهود مندوبات الجمعية في مؤتمر روما، ونتدارس مطالب ~~المرأة المصرية، وقد انتهى هذا الاجتماع إلى تحديد هذه المطالب، واتخذنا فيه قرارا ~~بتقديمها للوزارة ... # وفي يوم 2 يوليو 1923 ذهب وفد من أعضاء الجمعية لمقابلة دولة رئيس مجلس الوزراء ... وكان ~~هذا الوفد مكونا من السيدات: شريفة رياض، إحسان أحمد، عزيزة فوزي، جميلة عطية، وغيرهن، ~~وكانت الجمعية قد حددت مطلبين أساسيين: # أولهما: # فتح باب التعليم الثانوي والعالي في وجه الفتيات. # ثانيهما: # سن قانون يمنع زواج البنات قبل سن السادسة عشرة. # وكنت قد كتبت رسالة إلى دولة رئيس الوزراء، حملتها الزميلات إليه في هذا اللقاء ... وكان نص ~~هذه الرسالة كالتالي: # حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء # من أهم المسائل التي تناقشت فيها جمعية الاتحاد النسائي التي عقدت بدار الجامعة ~~المصرية يوم الثلاثاء 26 الجاري، موضوعان: # الأول: # حالة التأخر الظاهر في التعليم العام للفتاة. # الثاني: # إغفال الشروط الضرورية لمنع الحظر الصحي والعائلي عن زواج ~~الفتاة. # وبعد المناقشة فيهما، رأت الجمعية في المسألة الأولى أن من أهم العقبات في طريق ~~رقي الفتاة عدم السماح لها من وزارة المعارف في ms163 دخول الامتحانات العامة لنيل ~~الشهادات الدراسية الثانوية والشهادات العالية. # إن تصرف الوزارة المشار إليه في هذا الباب مخالف للمصلحة العامة للرجال والنساء ~~على السواء؛ حيث أصبح من القضايا المسلم بها أن رقي الأمة تابع لدرجة التعليم فيها، ~~ولا يستقيم التعليم إلا إذا انتشر بين جميع الطبقات لا فرق بين الرجال والنساء؛ لأن ~~قانون التضامن بين أبناء الأمة لا يظهر أثره إلا إذا كان كل فرد ذكرا كان أو أنثى ~~أهلا للقيام بنصيبه المفروض عليه للهيئة الاجتماعية. # والأمة المصرية دخلت في مضمار الجهاد، وتريد أن تصل إلى منزلة من المجد والعز مثل ~~تلكم التي وصلت إليها الأمم المتمدنة، فهل، وهذه رغبتنا جميعا رجالا ونساء، يمكن ~~أن نصل في هذا الجهاد إلى أمنيتنا بمجهود الرجل وحده، مع أن الأمم التي نريد اللحاق ~~بها تسير بمجهود الجنسين معا؟! # وزارة المعارف يا دولة الرئيس من وضع هذه العقبات في طريق تعليم الفتاة، إن كان ~~لها بعض العذر في الماضي، فلا شك في أن الظروف قد تغيرت اليوم ... والوزارة بنفسها ~~أخذت ترسل البعثات خاصة من الفتيات لإتمام تعليمهن العالي في أوروبا، وليس من حسن ~~السياسة أن يجعل التعليم مقياسا للفتاة، فإن كان في أوروبا أجزنا أن يكون واصلا ~~إلى التعليم العالي، وإن كان في مدارسنا في مصر وقفناه إلى ما دون ذلك؟ # من أجل هذا يرى دولة الرئيس أن لنا الحق في أن نلتمس منه العمل على إزالة هذه ~~العقبات، وإفساح الطريق أمام الفتاة حتى تنال من العلم ما شاءت لها مواهبها ~~الفطرية. # ورأت الجمعية في المسألة الثانية أن المصلحة العائلية وخطورة الواجبات التي تلقى ~~على الزوجة بعد زواجها سواء من جهة الواجبات المنزلية أو ما تتوقعه من الواجبات ~~التي تعرض لها بصفة عامة، تقضي بوضع حد أدنى من السن يكون شرطا لزواجها، وقد عرضنا ~~في برنامج الجمعية هذا الحد الأدنى بسن 16 سنة، وراعينا في هذا التقدير أنه هو الحد ~~الأدنى لتكوين الفتاة تكوينا طبيعيا، والحد الأدنى لما يمكن أن تصل إليه الفتاة ~~من ms164 التعليم الضروري. # وليلاحظ دولة الرئيس أن هذا الملتمس هو النتيجة الطبيعية لتنفيذ ما اشترطه ~~الدستور من جعل التعليم الابتدائي تعليما إلزاميا؛ لأن الوصول في الغالب إلى ~~إتمام الدراسة الابتدائية لا يتم إلا عند هذه السن. # إن انتشار التعليم بين الشبان من شأنه أن يضاعف مسئولية الزوجة أمام حاجة زوجها ~~المتعلم، ومن المستبعد جدا إن لم يكن مستحيلا أن تدرك الفتاة قبل سن السادسة ~~عشرة وقبل أن تصل إلى درجة وافية من التعليم واجباتها المنزلية نحو هذا الزوج، لذلك ~~يكون من مصلحة العائلة أن يمنع زواج الفتاة قبل بلوغ تلك السن. # كذلك يندر أن الفتاة إذا تزوجت قبل هذه السن ورزقت بأطفال، ألا تتعرض هي وأطفالها ~~إلى أمراض خطيرة تعرض حياتهم دائما للشقاء. # لذلك رأت الجمعية أن تطلب من دولتكم معالجة هذه المسألة الاجتماعية المهمة، وأدنى ~~علاج لها هو ما عرضناه من منع زواج الفتيات قبل وصولهن لسن السادسة عشرة. # ولي الشرف أن أكون لسان الجمعية في تبليغ دولتكم هذا القرار، ملتمسة العمل على ~~تحقيق رغباتها في المسألتين المذكورتين. # انتظرنا وقتا طويلا أن يتحقق ما طالبنا به، أو على الأقل أن نلمس نوعا من الاهتمام ~~بهاتين القضيتين، دون جدوى، ولذلك لم أجد أمامي إلا أن أكتب مرة أخرى إلى دولة رئيس الوزراء ~~مذكرة إياه بالرجاء العظيم الذي عادت به أعضاء اللجنة، وقد جاء في هذه الرسالة التي تحمل ~~تاريخ نوفمبر 1923 ما يلي: # انتظرنا دولة الرئيس نحو الخمسة أشهر، كانت فيما نظن كافية لدراسة ما عرضناه ~~وتقرير وجه المصلحة فيه، ولكن علمنا ما كاد يبدد هذا الأمل؛ حيث قيل لنا: إن ~~عريضتنا لم تفكر أي وزارة من وزارات الحكومة التي يعنيها النظر في مطالب الجمعية ~~لتحقيق المطالب التي تضمنتها عريضتنا. # نعلم أن مشاغل الدولة كثيرة، ونعلم كثرة ما اهتمت به الوزارة من التشريع في ~~المسائل التي رأتها محتاجة للحل السريع، ولكن يا دولة الرئيس اسمح لنا أن نلاحظ ~~أننا نرى أيضا أن إصلاح حال المرأة من الأمراض التي تعانيها وهي نصف ms165 مجموع الأمة، ~~لا يقل أهمية عن المسائل التي عنيت الوزارة بحلها وإصدار القوانين. # قيل لنا أيضا إنه يوجد في الوزارة ميل إلى ترك النظر في مطالبنا حتى يحلها ~~البرلمان، ونحن وإن كنا نقبل بغاية الرضا تشريع نواب الأمة فيما يتعلق بحياة الأمة ~~الاجتماعية التي منها مطالبنا، ولكن نستغرب أن الوزارة التي تأخذ على مسئوليتها حل ~~معضلات كثيرة يرى كثير من الناس أن فيها بعض الإجحاف بحق الأمة، لا تقبل مسئولية ~~تنظيم مسألة جوهرية لحياة المرأة لا تصادف اعتراضا عليها من أحد. # لذلك نرجو أن تعيدوا دولتكم النظر في طلبات الجمعية ... وتقبلوا مسئولية إصلاح حالة ~~المرأة على أيدي وزارتكم، فهي ضرورة مستعجلة تدعو إليها حاجة الإصلاح والحرية ~~والمساواة. # حقوق المرأة في الإسلام # ولقد كان ذهابنا إلى المؤتمر الدولي الذي عقد في روما، فرصة للحديث عن حقوق المرأة، ~~وأصبحت هناك أقلام كثيرة تناقش هذه القضية، وكان من ذلك ما كتبه الشيخ عبد العزيز جاويش ~~في جريدة الأخبار، وقد علقت على هذا المقال في العدد الصادر في 17 يونيو 1923، بالخطاب ~~التالي: # اطلعت بجريدتكم الغراء على كتاب الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز جاويش تحت ~~عنوان: «حقوق المرأة في الإسلام»، فشكرت له حسن عنايته وعظيم اهتمامه بالنهضة ~~النسائية، ولكني مع هذا الشكر والإقرار بالجميل للأستاذ، ألاحظ أن ما تضمنته ~~هذه الرسالة غير متفق مع الخدمات التي أديناها بمؤتمر روما. # لم نذهب إلى ذلك المؤتمر لنلجأ إليه بطلب إلغاء تعدد الزوجات أو تعديل نظام ~~الخطبة أو تضييق دائرة الطلاق على الرجال كما ظن فضيلته. # وإنما الأغراض التي حملتنا إلى التوجه إلى هذا المؤتمر هي: # أولا: # ظهور المرأة المصرية بحقيقتها الثابتة أمام المرأة الغربية ~~التي تجهل عنها كل شيء، أو تعرف عنها معلومات مشوهة قرأتها في ~~كتب ذوي الأغراض الاستعمارية، وبيان أن المرأة المصرية الحديثة ~~تكاد تساوي أختها الغربية في مدنيتها، وأن الدين الإسلامي ~~منحها من الحقوق ما تود المرأة الغربية لو تناله. # ثانيا: # رأينا أن نلبي دعوة هذا المؤتمر رغبة منا في الإعلان عن ~~المرأة المصرية ms166 الناهضة، وحبا في اكتساب عطف الأمم الراقية ~~على مصر بالاختلاط بنسائهم في هذا المؤتمر والتحدث معهن في ~~شئوننا العامة وما نئن منه ونتألم، وقد كانت نتيجة هذا أن ~~أصلحنا معلومات عنا وأزلنا ما كان فيها من تشويه ومسخ، وكنا ~~ندرك ذلك منهن بوضوح وجلاء. # ثالثا: # رأينا أن المرأة المصرية في أشد الحاجة إلى الاشتراك مع ~~المرأة الغربية لتقتبس من أخلاقها وعادتها ومدنيتها ما لا ~~يتنافر مع الدين وما يتفق مع النهضة العامة. # وقد كان لموقفنا في هذا المؤتمر أحسن أثر في نفوس المؤتمرات، ولذلك كنا موضع ~~إجلال وإكبار منهن. # وإني أؤكد للأستاذ إننا لم نترك مطعنا لطاعن أو منفذا للتأويل المشوه الذي ~~خشيه فضيلته في كتابه؛ حيث أثبتنا أن الدين الإسلامي منح المرأة حقوقا كثيرة، ~~إلا أن جهلها لانحطاط التعليم في مصر هو سبب استسلامها لهضم تلك الحقوق. # ولو أنها نالت من التعليم قسطها؛ لتمتعت بكل حقوقها ولأصبحت في رغد من العيش ~~وطمأنينة من الحياة، كل ذلك وضحناه في المؤتمر بصوت عال ودللنا عليه بالحجج ~~والبراهين. # ولا أظن فضيلة الأستاذ يصر بعد ذلك كله على إنكار السفر علينا إلى ~~المؤتمر. # أما مواد البرنامج، فإننا لم نفكر في أخذ رأي المؤتمر فيها ولا في الاستعانة ~~به في تنفيذها، اللهم إلا مادة واحدة هي مساواة المرأة للرجل في جميع أدوار ~~التعليم بمصر. أما بقية المواد فسنتولى تحقيقها وتنفيذها بأنفسنا، وبمعونة ~~عقلائنا من المفكرين أمثال فضيلة الأستاذ. # وفقنا الله جميعا إلى ما فيه الخير للبلاد وإسعادها. # إن جمعية الاتحاد النسائي كانت قد عرفت طريقها وحددت مسارها، ولذلك حرصنا على أن نبذل ~~في مختلف المجالات الاجتماعية. # ومن ذلك ما قمنا به في مجال محاربة المسكرات، فقد كان فضيلة شيخ الأزهر الشيخ محمد ~~أبو الفضل قد تقدم بمذكرة إلى دولة رئيس الوزراء في هذا الشأن، وكان أن كتبت إليه باسم ~~الجمعية الرسالة التالية في 22 أكتوبر 1923: # حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر # تقدم جمعية الاتحاد النسائي المصري التي تكونت بالقاهرة في شهر شعبان الماضي ~~لفضيلتكم ms167 جزيل شكرها وعظيم امتنانها وسرورها للمذكرة التي قدمها فضيلتكم لصاحب ~~الدولة رئيس مجلس الوزراء بخصوص محاربة المسكرات، وترى الجمعية في قيام فضيلتكم ~~بهذا الواجب أكبر عون على تقليل شر هذه الموبقة وتطهير البلاد من أثر أم ~~الخبائث. # ومما يزيد الجمعية سرورا أنها تجد في عمل فضيلتكم مساعدا قويا لتحقيق ~~المادة السابعة من قانونها الذي تسعى بكل قواها لتنفيذه نظرا لمقام فضيلتكم ~~الديني، وترجو الجمعية أن تكون هذه المذكرة أول حلقة من سلسلة مذكرات البلد في ~~أشد الحاجة إليها ... وترجو أن يكون نداؤكم هذا منبها للأفكار إلى ما حوته ~~الشريعة الغراء من تقبيح شرب الخمر وخطر مضاره، كما ترجو أن يقتدي جمهور الأمة ~~بهذا الإرشاد حتى يكون عضدا لجمعية الاتحاد النسائي في تسهيل مهمتها لنشر ~~الدعوة المحققة لما قصدته الشريعة الغراء، وهي ترجو من مقامكم استمرار العناية ~~في حث رجال الحكومة على مؤازرة الفضيلة، وفي حملها على إصدار قانون يحرم ~~استعمال هذه المسكرات. # والجمعية ترجو من فضيلتكم أن تضيفوا إلى ما يستحق عنايتكم لفت نظر الحكومة ~~إلى محلات الفسق التي انتشرت في البلاد بشكل أصبح خطرا على الأخلاق والفضيلة، ~~ففي الاعتراف بها والتصريح بوجودها أكبر عار على حكومة إسلامية تنص في دستورها ~~أن دين الدولة الإسلام. # وللجمعية كبير الأمل في تعضيد فضيلتكم لكل من يعمل بما يعود على البلاد ~~بالخير والإصلاح، ونتشرف بأن نهدي لفضيلتكم نسخة من قانون الجمعية راجية أن ~~ينال من فضيلتكم عطفا وقبولا. # هدى شعراوي # وفي 30 أكتوبر، تلقيت خطابا من فضيلة شيخ الأزهر ردا على خطابي إليه، وقد نشرته ~~الصحف في اليوم التالي. وهذا نص الخطاب: # إلى صاحبة العصمة السيدة هدى شعراوي رئيسة جمعية الاتحاد النسائي ~~المصري # تلقينا بمزيد من السرور كتاب عصمتك الكريم المؤرخ في 22 أكتوبر سنة 1923، ~~الذي تفضلت فيه بإبلاغنا شكر الجمعية على المذكرة التي قدمناها لحضرة صاحب ~~الدولة رئيس مجلس الوزراء ببيان ما في المسكرات من الضرر العقلي والبدني ~~والمالي، والتماسا بلسان الشرع الشريف منع تعاطي المسكرات واقتنائها وإدخالها ~~المملكة المصرية حفاظا للأمة ms168 وعملا بما يقتضيه الدين الحنيف. # ولقد علمنا من قدر هذه الجمعية الشريفة الأمور حق قدرها وسعيها في نشر ~~الفضائل ومحاربة الرذائل. إن في مصر الآن من فضليات السيدات من لا تقل شأنا ~~عمن لهم أثر صالح من الرجال في الهيئة الاجتماعية ... ونسأل الله جل شأنه أن يكثر ~~من السيدات المتمسكات بالآداب الشرعية، الداعيات إليها، لتنال الأسرة المصرية ~~سعادتها الكاملة. # ومما عنينا به ولا يزال نصب أعيننا ما أشارت إليه الجمعية من الكلام في تطهير ~~البلاد المصرية من محلات الفسق التي هي خطر عظيم على الأخلاق الدينية. # وإنا لنثني على الجمعية الثناء المستطاب لتفكيرها في هذا الأمر أيضا، ونشكر ~~لها تفضلها بإرسالها إلينا نسخة من قانونها الذي سننظر فيه من الوجهة ~~الشرعية. # ونسأل الله لها المعونة والتوفيق إلى ما فيه الخير، ولعصمتك وللجمعية منا ~~التحية والسلام. # شيخ الأزهر # محمد أبو الفضل # | الفصل الثالث والعشرون # طوال الفترة التي أعقبت اندلاع ثورة 1919، كانت البلاد تغلي بالأحداث، وكانت الموافق ~~تتصاعد في بعض الظروف والأوقات، وكان الزعماء يتنافسون ويتناحرون؛ ولذلك كثرت البيانات التي ~~تشايع فريقا، والتي تتهم الفريق الآخر. # ومن ذلك أنه بعد أن ألف عدلي باشا يكن وزارته، وأعلن بيان هذه الوزارة، قام الوفد المصري ~~بنشر رده على هذا البيان، ذهب فيه إلى أن الوزارة بدلا من أن تقوم بواجبها الأول من تقوية ~~رابطة الاتحاد بين الجميع واحترام إرادة الأمة، تخلت عن هذا الواجب وطلبت من الأمة أن تهيئ ~~لها جوا صالحا يسهل عليها المفاوضة ... وتساءل البيان: إنها فقدت نفوذها في الأمة، فكيف ~~تلاقي الأجنبي وعلى أي قوة تعتمد أمامه؟ # وكان كل فريق لديه ما يتذرع به من حجج ومواقف لإثبات أنه على حق، وأن الفريق الآخر على ~~باطل، وفي غمار هذه الأحداث، أكدت المرأة المصرية أن الوفاء لمصر أولا وأخيرا، وأنها ~~مخلصة لهذه القضية أكثر من إخلاص الرجال. # لقد كنا حريصات على حقيقة واحدة، وهي أن نكون حيث يكون الحق؛ ولذلك فقد أرسلنا كتابا إلى ~~دولة رئيس الوزراء في يوم 7 مايو 1921، جاء ms169 فيه: # دولة رئيس الوزراء: # بالاطلاع على بيانكم المنشور أمس ومقارنته بكتابكم لعظمة السلطان في 17 مارس ~~1921، وجدنا بهما ذكر «استقلال مصر» فقط خاليا من الكلمة التي يترنم بها كل مصري ~~ويهتز طربا على ذكرها، وهي «الاستقلال التام لمصر والسودان»، مع أنكم صرحتم بأنكم ~~ستحققون الآمال الوطنية مسترشدين بما رسمته إرادة الأمة، وليس للأمة آمال غير ~~الاستقلال التام لمصر والسودان، فهي لا تنزل على إرادتها قيد شعرة، ولا تعضد من ~~يسلك سبيلا يخالف خطتها مهما كانت شخصيته وعقيدته؛ لأنها لا تنظر للأشخاص ولا تغتر ~~بالظواهر والتمويهات، ولكنها تنظر للمبادئ والأعمال، ولذلك فإن لجنة الوفد المركزية ~~للسيدات قررت بجلستها المنعقدة اليوم عدم تعضيد الوزارة للأسباب ~~الآتية: ~~(1) # عدم برها بوعدها إلى الآن من رفع الأحكام العرفية والرقابة الصحفية، ~~بل على العكس شددتها بدليل إصدار قرار جديد يمنع التجمهر وعدم نشر ما ~~يرسل إلى الجرائد من القرارات، وهذا ينافي تصريحاتها، وأيضا حوادث ~~طنطا المؤلمة. ~~(2) # عدم اتباعها برنامج الأمة وهو المطالبة بالاعتراف باستقلال مصر ~~والسودان. ~~(3) # الاستعداد لانتخاب وفد رسمي بدون وكيل الأمة الذي تثق به وثوقا ~~تاما. # واقبلوا ما يليق بمقامكم من الاحترام. # وكانت اللجنة قد أصدرت قبل ذلك بيانا بتاريخ 4 مايو 1921، وكان أيضا موجها إلى رئيس ~~الوزراء، بشأن حادثة طنطا المحزنة المؤلمة، وصدور الأمر بإعادة تنفيذ قانون التجمهر، علاوة ~~على بقاء الأحكام العرفية والرقابة الصحفية. # وقد تلقيت خطابا من سعد باشا زغلول بتاريخ 9 مايو 1921، تعليقا على موقف اللجنة ~~والبيانين اللذين أصدرتهما. وكان نص الخطاب كالتالي: # حضرة صاحبة العصمة رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات # اطلعت على صورة الكتابين اللذين أرسلتهما لجنتكن لرئيس الوزراء ومنعت الحكومة ~~نشرها بالجرائد، ويظهر أن الوزارة عاملة جهدها الآن في منع نشر كل ما من شأنه أن ~~ينمي روح الوطنية في صدور الوطنيين والوطنيات ويشد عزائمهم، ويظهر بمظهر المطالبين ~~للحق الغاضبين لإنكاره، ولكن الظلم لا يدوم، والضغط على الحرية لا يضرها بل يقيدها، ~~وإني أعجب لوطنية السيدات عموما ووطنيتكن خصوصا، وأعتقد تمام الاعتقاد أنه ما دام ~~هذا الشعور الحي ms170 موجودا في صدور الأمة، فلا بد أن تصل إلى مطلوبها مهما وضع أمامها ~~من العقبات، وأرجو تبليغ تشكراتي إلى أعضاء لجنتكن البهية ووافر احتراماتي، وأهديكن ~~تهنئاتي بحلول شهر الصوم المبارك، وأدعو الله أن يعيده علينا جميعا ببركات ~~الاستقلال التام. # سعد زغلول # وفي يوم 25 مايو 1921، تلقيت رسالة أخرى من سعد باشا زغلول، هذا هو نصها: # حضرة صاحبة العصمة رئيسة وفد السيدات # تشرفت بخطابكم الكريم ومعه صورة كتابكم المملوء عزة وغيرة وحماسا إلى عدلي باشا، ~~ونظرا لما اشتمل عليه من العواطف الرحيمة قد وضعت رجاء للأمة بالمعنى الذي تفضلتم ~~بالإشارة إليه. # وأتشرف بأن أرسل لكم نسخة منه، وأملي أن يحل هذا الرجاء من الجمهور محل ~~القبول. # وفي الختام أرجو أن تتقبلوا تشكراتي وتبلغوها لحضرات السيدات أعضاء لجنتكن ~~البهية. # سعد زغلول # وقد نشرت جريدة المقطم في عددها الصادر بتاريخ 29 مايو 1921، تحت عنوان «صوت السيدات ~~المصريات» ما يأتي: # أرسلت حضرة صاحبة العصمة حرم صاحب السعادة شعراوي باشا الكتاب التالي بالفرنسية ~~إلى حضرات معتمدي الدول وهو: # بصفتي رئيسة للجنة السيدات المصريات المركزية، أعرب باسم جميع بنات وطني لجنابكم ~~عن حزننا الشديد من جراء الخبر الذي نشرته أمس جريدة «الجورنال دي كير» وسواها من ~~الصحف الأوروبية بمناسبة حوادث الإسكندرية الأخيرة التي يؤسف لها كل أسف، فقد جاء ~~في هذا الخبر أن قناصل الدول أرسلوا التلغرافات إلى حكوماتهم يبلغونهم الحالة ~~ويطلبون أن تحمي حياة مواطنيهم حماية وافية. # إنه يتعذر علينا أن نصدق أن جنابكم قد سعيتم هذا السعي إذ لم يقع حتى الآن ما ~~يسوغ هذا الخوف؛ نعم إن بعض الصحف شرع من مدة يجسم الحالة ويظهر بمظهر المعادي ~~لحركتنا لأسباب نجهلها حتى الساعة. # فإذا صح ما وقع في ظننا فإننا نرجو منكم يا جناب المعتمد أن تكذبوا هذه الشائعات ~~الباطلة التي تصير موقف شعب حسبه ما لقي من أشياء بأن ينسب إليه خطأ لم يرتكبه ~~وبإثارة الرأي العام عليه. # فإذا كنتم قد أوجستم شرا من هذه الروايات الباطلة التي لا يفتأ أعداؤنا ~~يذيعونها عنا ms171 بجميع الطرق، ويشوهون الحقيقة خدمة لمصالحهم، فسعيتم هذا السعي الضار ~~بقضيتنا والذي لا تستحقه، فإننا نناشدكم بإنصافكم وتنزهكم عن الأغراض، ونطلب أن ~~توقفوا حكومتكم على الحقيقة التامة حالما تتبين على من تقع تبعة ما جرى. # ونرجو أن تتفضلوا فتبلغوا حكومتكم عن لساننا أن الشعب المصري الذي يقدس الضيافة، ~~والذي عرف كيف يكسب عطف مواطنيك وإعجابكم في أعظم ساعات أزمته السياسية، إن هذا ~~الشعب الشاعر بتبعاته دقة، وشدة، وحقوقه، سيظل أهلا لتلك العواطف إلى ~~النهاية. # وتفضلوا يا جناب المعتمد بقبول احترامي الفائق. # هدى شعرواي # وفي 17 يونيو 1921، سلم وفد من السيدات احتجاجا إلى اللورد اللنبي، على أن يقوم بإبلاغ ~~هذا الاحتجاج إلى الحكومة البريطانية. وقد جاء في هذا الاحتجاج: # في اليوم الثالث والعشرين من شهر ديسمبر، رأيتم لثروت باشا أن يؤلف وزارته ~~ولبريطانيا العظمى أن تنفذ سياستها في مصر، وأن يلقى القبض على مختار الشعب «سعد ~~باشا» وأن يرسل إلى المنفى من غير أي مراعاة لشيخوخته وحالته الصحية، ومن غير ~~مبالاة بكرامة شعب هو زعيمه ورمز أمانيه، واحتقارا للعدالة وكل قانون بدون أي سؤال ~~أو محاكمة أو حكم، أخذ سعد إلى عدن ومنها إلى جزيرة سيشل. # وارتفعت على إثر ذلك الاحتجاجات من كل ناحية تطلب لسعد إصلاح الظلم الذي ارتكب، ~~وتطلب للأمة غسل الإهانة التي لحقت بشرفها، ولكن هذه الاحتجاجات الصادرة من شعب ~~بأسره وصوت العدالة الصارخ وصوت الشرف المثلوم لم يستطع أن يحرك أولئك الذين لم ~~يريدوا أن يصغوا إلا لصوت الشهوة والمصلحة. # والآن وقد ظهر تقرير رسمي بأن سعد باشا مريض، وأن جماعة من خيار الإنجليز قد ~~طالبوا بإطلاق سراح هذا المنفي العظيم، فها نحن أولاء: سيدات مصر ننتظر بفارغ الصبر ~~جواب الحكومة البريطانية. # أتراها ستفهم أن شرفها ومصلحتها يحتمان عليها إطلاق سراحه فورا، أم تراها ستضيف ~~إلى جنايات ارتكبت غلطة لا تمحى على مر الدهور؟ # أتراها ستجدد فينا روح الثقة وتخلق فينا شعور الصداقة، أم تراها تفضل استفزاز ~~قضيتنا وإثارة الحقد والكراهية في صدورنا؟ # إن آتون «رواية» قد ms172 جعل من راعية صغيرة أعظم رمز لأطهر وطنية، وإن أسر «سان ~~هيلانة» قد أكسب نابليون من المجد ما لم تكسبه مئة نصر. # وسيشل قد جعلت من سعد زغلول رجلا مقدسا، وإن اعتقاله بها لو طال سيجعل منا شعب ~~أبطال وشهداء. # هدى شعرواي # قرار # وفي 20 يناير 1922 اجتمعت السيدات المصريات في جلسة فوق العادة، وقررن ما يأتي: # أولا: # إعلان إيمانهن القوي في مستقبل بلادهن. # ثانيا: # تقديم أسمى عبارات الاحترام إلى زعيم الأمة وإهداء تحياتهن إلى رفاقه ~~في المنفى. # ثالثا: # المعارضة بكل ما لديهن من قوة لفكرة تشكيل وزارة في الظروف ~~الحاضرة. # رابعا: # مشاركة الأمة في عدم إمكان تشكيل أي وزارة قبل تحقيق الشروط الآتية: ~~(1) # سحب مشروع كيرزون ومذكرة اللورد اللنبي. ~~(2) # عودة صاحب المعالي سعد زغلول باشا وزملائه من منفاهم ~~وإعادة حريتهم إليهم. ~~(3) # إلغاء الأحكام العرفية وجميع الأحكام الظالمة المترتبة ~~عليها ... ~~(4) # إلغاء الحماية الباطلة التي أعلنت على مصر سنة 1914 ~~وصادقت عليها الدول. # خامسا: # تسجيل العار على كل مصري يتقدم بأي بيان سياسي لتشكيل الوزارة قبل ~~تحقيق جميع الشروط السابقة. # سادسا: # إبداء أسفهن الشديد؛ لأن البنوك الأجنبية لم تحتج بلهجة الحزم على ~~المساس بحق سر المهنة. # سابعا: # إبداء أسفهن لعدم ارتفاع صوت ممثلي الشعوب التي انتصرت لقضية العدل ~~وقاتلت في سبيل حق تقرير مصير الشعوب بالاحتجاج على أعمال العسف والقهر ~~التي حلت بنا. # ثامنا: # إعلان المقاطعة العامة لكل ما هو إنجليزي من بضائع وأشخاص سواء كانوا ~~تجارا أو موظفين أو أطباء أو صيادلة ... إلخ، وعدم معاملتهم ~~قطعيا. # تاسعا: # يقسمن أنه إذا لم يتدخل الشعب الإنجليزي لتقويم خطة حكومته نحو مصر ~~وحملها على حل قضيتنا حلا يتفق مع الوعود التي قطعتها على نفسها ~~وتنطبق على الشرف والعدل، ليبذرن في قلوب أبنائهن بذور البغض الشديد ضد ~~الغاصب، ذلك البغض الذي تتوارثه الأجيال المقبلة جيلا بعد جيل. # وقد قامت لجنة الوفد المركزية للسيدات بالفعل بنشر الدعوة إلى المقاطعة، وقررن تشكيل ~~لجان في كل أنحاء القطر المصري لنشر المقاطعة في كل واد وناد، في المنازل، ms173 في الأكواخ، ~~في الدور، في القصور، في المزارع، في الأسواق بين الرجال والنساء، وفي الوقت نفسه نشرت ~~كشفا بأسماء المحلات المصرية الجديرة بالتعضيد. # وكانت هذه بداية الدعوة إلى التعامل مع كل ما هو وطني، وبخاصة الصناعات ~~الوطنية. # | الفصل الرابع والعشرون # سبق أن قلت إنني كنت على اتصال بسعد زغلول في منفاه؛ لدرجة أننا فكرنا في وقت من الأوقات ~~العمل لخلاصه من منفاه، لولا بعد المسافة، لكنني لم أكن أعدم وسيلة الكتابة إليه وإيقافه ~~على مجريات الحوادث قدر الإمكان، كذلك فقد كتبت إليه أكثر من برقية للاطمئنان على حالته ~~الصحية، كما أرسلت إليه برقية يوم 25 مايو 1922 أخبره فيها بهذا القرار: «لجنة الوفد ~~للسيدات قررت عدم الاحتفال بالعيد بسبب إبعادكم، نبعث إليكم بتمنياتنا الطيبة.» # وكانت لجنة السيدات سباقة في هذا القرار، فبعد يومين اجتمع رجال الوفد، وأصدروا منشورا ~~تحت عنوان «نداء العيد من الوفد إلى الأمة»، أعلنوا فيه عدم الاحتفال بالعيد في ذلك العام، ~~وقد جاء في هذا البيان: # أبناء الوطن # لن يضيع في سبيل الوطن بذل، أو مجهود عمل، وكل تضحية تحمل في نفسها جزاءها؛ ~~فأشعروا بالصبر قلوبكم، وقووا بالمثابرة جهودكم، وظلوا على الاتحاد المتين والإرادة ~~الصلبة التي لا تلين، فإنكم واصلون بإذن الله إلى تحقيق أمانيكم جميعا. # سيعود سعد، وستحرر الحرية، وسيحل الاستقلال فيملأ القلوب والرءوس، ويعم أرجاء ~~البلاد. # حينذاك ترتفع بالدعاء والحمد أصوات ملائكة السماء، ومن ارتفع في خدمة الوطن من ~~الشهداء؛ فتمتزج أصواتهم بأصوات الأحياء. # وحينذاك يكون عيد في الأرض وعيد في السماء. # وقد وقع على هذا المنشور الذي صدر يوم وقفة عيد الفطر: حمد الباسل، ويصا واصف، جورجي ~~خياط، مراد الشريعي، علوي الجزار، علي الشمسي، واصف غالي. # وقد ظلت الرسائل متبادلة بيني وبين سعد زغلول باشا، كما كنت أرسل البرقيات إلى زوجته ~~السيدة صفية هانم زغلول للاطمئنان على صحتها، حتى عندما ذهبت في رحلة استشفاء إلى ~~الخارج. # بيان لجنة الوفد للسيدات # وفي الوقت نفسه، فقد ظل نضالنا في الداخل متصلا، وكان لنا رأي في كل ms174 المواقف ~~والأحداث السياسية التي تجري ... ومن ذلك أن لجنة الوفد المركزية للسيدات أصدرت بيانا في ~~30 يونيو 1922 تتناول فيه الأوضاع القائمة في ذلك الوقت، وتحدد موقفها من وزارة عبد ~~الخالق باشا ثروت التي لم تقم بأي عمل من الأعمال من شأنه تحسين الحالة في مصر. وكان نص ~~البيان كالتالي: # تألفت وزارة ثروت في ظروف كانت ترى الأمة تشكيلها فيها مضرا بالقضية ~~المصرية، فقررت اللجنة عدم الاعتراف بها لمخالفتها لإرادة الأمة، وأخذت ترقب ~~أعمالها لعلها تجد بينها ما يبرر خروجها على إرادة الشعب، ولكنها مع الأسف لم ~~تجد للآن ما يسوغ لها ذلك. # أبعد الزعيم وصحبه وكثير من أبناء مصر، فلم تطالب الوزارة بغسل الإهانة التي ~~لحقت الأمة من جراء ذلك، ولو مجاملة للأمة، وليتها وقفت عند هذا الحد، بل ~~استخفت بإرادة الشعب، وصادرت الحرية الشخصية بأكمل معانيها، فشددت الرقابة ~~الصحفية، وحرمت على الصحف نشر الاحتجاجات وكل ما يتعلق بالزعيم وحرمه وصحبه حتى ~~ذكر أسمائهم، ما جعل محلا للشك بأنها راضية عن إبعادهم، ومنعت الاجتماعات ~~السلمية حتى لا يظهر معارض لها، وتعدت على حقوق الأمة بتشكيل لجنة الدستور، ~~والأمة تطلب جمعية وطنية. أتت وزارة الاستقلال بكل ذلك، وانتهت بتعطيل لجنة ~~الدستور عن العمل رغم إرادة أعضائها لأسباب ربما كانت عمل حضرات الأعضاء لصالح ~~الأمة. # كل ذلك والأمة صابرة صامتة تعلل نفسها بالآمال قائلة «لعل لها عذرا وأنت ~~تلوم»، وأما الآن وقد ظهر سوء نية الإنجليز وصاروا يعملون علنا على سلبنا ~~حريتنا وإذلالنا وأخذ أموالنا وبلادنا تدريجيا منا، مخالفين عهودهم ~~وتصريحاتهم المتكررة؛ فهم يعملون الآن على سلخ السودان من مصر، وهو لها بمثابة ~~الروح للجسد، واعتبار السودانيين رعايا بريطانيين رغما عنهم وعن شدة تمسكهم ~~بمصر، والمصريين أجانب بالنسبة للسودانيين كما جاء في تصريح الحاكم العام ~~للسودان، وصادقوا على عمل قرض لتتميم خزان مكوار، مع أن العمل كان قد وقف لحين ~~البت في المسألة المصرية. # ويضيقون على التجار المصريين في السودان بفرض الضرائب الباهظة عليهم ويعاملون ~~الموظفين المصريين في السودان معاملة سيئة ms175 حتى يحملوهم على ترك السودان لهم. ~~ويحاكمون الموظفين الملكيين والعسكريين السودانيين لإخلاصهم لمصر، ويمنعون ~~المحامين المصريين من الدفاع عنهم. # يقتل رجالهم العسكريون المصريين بدون ذنب جنوه، وحادثة بائع البطيخ بشارع ~~الشيخ حمزة أعظم شاهد لذلك، وكثيرا أمثالها من الحوادث التي لم ولن ~~تعلم. # يعملون على منح الموظفين الإنجليز بمصر بدل اغتراب مع ضيق ميزانية الحكومة ~~المصرية، ويطلبون فرض مبلغ كبير بصفة تعويض على الخزينة المصرية لكل إنجليزي ~~يقتل بأي سبب من الأسباب، واعتبار أسباب القتل سياسية مع أنه لا توجد قرائن ~~للآن تدل على أن القاتل مصري، ولم تعارض الحكومة في أي أمر من الأمور السابقة، ~~ولم تقف موقف الدفاع عن حقوق مصر وأبنائها كما يجب، فلا يسعنا إلا مصارحتها ~~القول ومطالبتها بالسهر والعمل لمصلحة البلاد، أو التخلي عن كراسيها إن كانت ~~عاجزة عن القيام بتمام الواجب لمن يمكنهم العمل لمصلحة البلاد. # مواقف ... وبيان # وقد دارت عجلة الأحداث، وإذا بسعد باشا زغلول يطري موقف نسيم باشا في السودان، ولم ~~يكن هذا موقفي أو موقف لجنة الوفد المركزية للسيدات، ولذلك فقد فوجئت بوجود اسمي ضمن ~~أسماء السيدات اللائي حضرن اجتماع يوم 13 نوفمبر 1923 بنادي سيروس، وقد أدركت القصد من ~~ذكر اسمي، وكان علي أن أواجه هذا الموقف صراحة ولذلك أصدرت البيان التالي: # ذكرت جريدتا الأخبار والبلاغ اسمي ضمن أسماء السيدات اللاتي حضرن اجتماع يوم ~~13 نوفمبر بنادي سيروس، على أني لم أحضر هذا الاجتماع لأني لم أدع لحضوره، وكنت ~~ظننت أن ذلك حدث سهوا من سكرتارية الوفد، غير أنه باطلاعي على كلمة معالي ~~الرئيس سعد باشا زغلول فهمت معنى عدم دعوتي لحضور الاجتماع، وأدركت القصد من ~~ذكر اسمي بالجريدتين المذكورتين، يعلم الوفد أني مخالفة لنظريته في سياسة نسيم ~~باشا التي كانت هادمة لحقوق البلاد، ولذلك لم يدعني لتلك الحفلة مكتفيا بذكر ~~اسمي بين أسماء الحاضرات، ولما كنت أخشى إذا لزمت الصمت أن يستنتج الشعب المصري ~~الكريم من صمتي، موافقتي على نظرية معالي الرئيس والوفد في أعمال نسيم باشا ~~وتمجيدها لحفلته ms176 التي احتجت عليها لجنتنا في حينه، فإني مع احترامي لمعالي ~~الرئيس أرى من واجبي في الظروف الحرجة التي تجتازها البلاد أن أجاهر برأيي ورأي ~~اللجنة، مجددة احتجاجنا على أعمال نسيم باشا وما نتج عنها من تفريط في حقوق ~~البلاد، وأسأل الله أن يرشدنا جميعا إلى الطريق السوي بمنه وكرمه. # هدى شعراوي # وأذكر أن إحدى الصحف قد علقت على هذا البيان فقالت: # إنا لنرى في هذا البيان الموجز معاني كبيرة تدعو إلى التبصر والتفكير. ليس في ~~مصر من أقصاها لأقصاها من ينكر على هدى هانم وطنيتها العالية وإخلاصها الذي لا ~~تشوبه شابة. # وليس في مصر من ينكر ما للسيدة هدى هانم من اليد البيضاء على الوفد المصري ~~نفسه. وليس في مصر من ينكر عليها وعلى أعضاء لجنتها ما أبدين من الغيرة ~~والشهامة على الاحتجاج على التصرفات الصادرة من وزارة نسيم باشا ساعة أحجم ~~الوفد عن الاحتجاج، بل ساعة تقدم الوفد وكتابه مدافعين عن نسيم وعن آثام ~~نسيم. # إذا كان هذا هو تصرف الوفد مع هدى هانم على مكانتها من هذه الأمة، فما بالكم ~~بتصرفه مع من لم يسعدهم الحظ بأن تكون لهم مكانة هدى هانم؟! # لا نريد أن نسترسل اليوم في الكلام على نفسية الوفد، فإننا نفضل أن نترك ~~للأيام وحدها تشريح هذه النفسية وبسطها أمام الناس حتى يروا بأعينهم، ويلمسوا ~~بأيديهم حقيقة هذه النفسية من غير حاجة إلى من يفسر أسرارها أو يشرح ~~غوامضها. # عندئذ يدرك الناس مبلغ ما قاسى ذوو الضمائر من أنصار الوفد، إذ لم يستطيعوا ~~مجاراته في الخير وفي الشر جمعيا، فكان جزاؤهم منه الطرد من حظيرة الوطن ~~والحرمان من رحمة الله. # رسالة سعد باشا # وقد تلقيت بعد ذلك رسالة من سعد باشا زغلول بتاريخ 18 نوفمبر 1923، حاول فيها أن يعطي ~~الأمور اتجاها آخر. وهذا يبدو من سطور الرسالة المنشورة مع هذه المذكرات. # على أن ما يعني هنا هو أن هذا الخلاف قد أثار حوارا ساخنا على صفحات ~~الجرائد. # فقد كتبت إحدى الصحف تقول: # يأبى الوفد أن ms177 يدعو هدى هانم لحضور حفلته بأنها مخالفة لنظريته، فهو يحكم ~~بحرمانها من التشرف بحضور اجتماعاته عقابا لها على حرية رأيها، ولكنه لا يريد ~~أن يعلم الناس بأن هدى هانم مخالفة له في هذه النظرية، إذن يجب أن يذكر اسم هدى ~~هانم بين الحاضرين الذين قالوا إنهم صفقوا لنسيم وهتفوا باسم نسيم، يجب أن يذكر ~~اسم هدى هانم - ويجب أن تقبل هدى هانم بهذا الحكم. # فالوفد أجبن من أن يتحرش بهدى هانم، ولكنه أهل لأن يدس اسم هدى هانم دسا في ~~بلاغه للصحف، ليخدع الناس ويضللهم. # ولكن هدى هانم شجاعة وجريئة، فهي لا تهاب تحرش الوفد ولا تقبل دسه؛ تعلن على ~~رءوس الملأ براءتها من نظريته في نسيم وتفضح دسه عليها. # وردت صحيفة أخرى على ما نشرته صحيفة «الليبرتية»، فقالت: يتعرض ذلك الكاتب السفيه في ~~الليبرتية لهدى هانم، فيصف كلمتها للصحف بأنها باعثة على السخرية والضحك، لا يستحي ~~هؤلاء المتطفلون على مصر أن يرموا أبر أبناء مصر بسفاهاتهم ووقاحتهم ... ولكن ماذا يضير ~~كتاب الليبرتية أن يطعنوا في كبار مصر وكبيراتها؟ # يظهر هؤلاء الكتاب التحمس لسعد ولنسيم؛ لأن مال سعد وفير، ولأن نسيما أغدق عليهم ~~النعم في وزارته، وسعد ونسيم لا يهمهما إلا أن يطعن كل إنسان يحاول أن يحتفظ بكرامته ~~وحرية رأيه فكيف إذن تجرؤ هدى هانم على تبرئة نفسها من أي مخالفة لرأي أريد إلصاقه بها ~~غصبا؟! # ولست أريد أن أستطرد في ذكر تفاصيل كل ما حدث في ذلك الوقت، ولكنني فقط أردت أن أبين ~~أبعاد الموقف الذي حدث في احتفال 13 نوفمبر 1923، وهو الموقف الذي ترتب على حوار سابق ~~دار بيني وبين سعد باشا زغلول أثناء عودته إلى مصر من منفاه، فقد حدث أنني كنت في ~~أوروبا في ذلك الوقت، وشاءت الأقدار أن أعود على الباخرة نفسها التي عاد عليها سعد، ~~وتطرق الحديث أثناء رحلة العودة إلى مسائل شتى، إلى أن انتهى عند موقفي من وزارة نسيم ~~باشا بسبب التفريط في السودان. # ورغم أنني ذهبت إلى بيت الأمة مهنئة ms178 بعد عودة سعد باشا إلى البلاد، فإنه ظل على موقفه ~~مني، وبدا ذلك بوضوح في احتفال 13 نوفمبر 1923، وإن كان قد حاول أن يغلف هذا الموقف ~~بدواع وتفسيرات أخرى، أراد بلباقته أن يردها إلى موقف لجنة الاحتفال، وليس إلى موقف ~~الوفد نفسه. # أما ماذا دار بيننا من حوار العودة، فهذه هي القصة على ظهر الباخرة أثناء رحلته، وهي ~~قصة نشرت في ذلك الحين، وكان نشرها هو الذي دفع سعد باشا إلى كتابة رسالته. # | الفصل الخامس والعشرون # كان الغرض من هذا البيان هو ألا يظن الناس أنني كنت أشارك سعد باشا زغلول آراءه في إطراء ~~نسيم باشا الذي تنازل عن حق مصر في السودان، فقد اعتبر سعد باشا أن تخلي نسيم باشا عن الحكم ~~بعد فعلته، جعله يستحق تقدير الوطن، وكان هذا الاختلاف في وجهات النظر موضع مناقشة حادة ~~قامت بيني وبين سعد باشا بشأن هذا الموضوع، عندما تقابلنا على باخرة واحدة في رحلة العودة ~~من أوروبا؛ حيث كان هو إذ ذاك عائدا من منفاه. # رست الباخرة في «برنديزي»؛ حيث كنت في انتظارها للعودة إلى مصر، ولما ركبت الباخرة، علمت ~~أن سعد باشا عائد على ظهرها من جبل طارق، فبادرت بزيارته، وهنأته على إطلاق سراحه وعودته ~~إلى وطنه المحبوب، وبعد أن شكرني، قال وهو مطرق: غريب جدا! # قلت: وما هو الغريب؟ # قال: علمت أنك تغيرت عن المبدأ وانقلبت علينا. # قلت: وما دليلكم على ذلك؟ # قال: تلغرافك الذي أرسلته إلي عندما سألتك عن حالة الوفد وبيت الأمة ومصر، لما اعتقلوا ~~أعضاء الوفد وقفلوا بيتي. # قلت: لقد سألتني وأجبتك كما أعتقد أن مصر بحالة محزنة، وبيت الأمة أقفل، وأعضاء الوفد ~~اعتقلوا بسبب سوء تصرفهم، وما زلت أعتقد ما قلت، ومستعدة لمناقشته ولإثبات أنني على ~~صواب. # قال مندهشا لجرأتي: كيف ذلك؟ # قلت: لما تنازل نسيم باشا عن حقوق مصر في السودان، وقامت الأمة ضده نساء ورجالا ... ~~واضطرته إلى الاستقالة ... رأيناك تحبذ فعله، وتكتب في تلغرافاتك ومقالاتك أن نسيم قد استحق ~~تقدير الوطن، وقد أدهشني ms179 ذلك، فجمعت السيدات أعضاء لجنتنا المركزية واقترحت عليهن أن نكتب ~~إليك بالحقيقة، ظنا بأنك تجهل ما فعله نسيم ولم تصل إليك تفاصيل الأمر. # فقال: ولماذا لم تكتبي إلي؟ # قلت: ظن السيدات أن في ذلك حكمة، وفضلنا أن ننتظر حتى تصلك الصحف ثم نرى تأثيرها عليك، ~~وانتظرنا فعلا، ولكن رأيناك مستمرا في تحبيذ نسيم باشا، فدهشنا وتأسفنا، ولما استقال ~~نسيم، وعرض جلالة الملك على عدلي باشا تشكيل الوزارة، علمت أنه اشترط لقبولها إعادة السودان ~~إلى لقب ملك مصر، فسررنا لهذا الخبر، ولكن حال أعضاء الوفد دون تأليف وزارة عدلي، وأقاموا ~~المظاهرات، وقد سمعنا الغوغاء في هذه المظاهرات يقولون: «الحماية على يد سعد ولا الاستقلال ~~على يد عدلي.» # وحدث إثر ذلك أن أقفل بيت الأمة، واعتقل أعضاء لجنة الوفد، وتنحى عدلي باشا عن تشكيل ~~الوزارة الجديدة. # ولما وصلني تلغرافك الذي فيه تستفهم أولا عن بيت الأمة، ثم عن أعضاء الوفد، أخيرا عن ~~مصر، كتبت ردي على ما كنت أعتقده حقيقة من أن كل ذلك نشأ عن سوء تصرف أعضاء الوفد، ولولا ~~تصرفهم هذا لما رفض عدلي باشا تأليف الوزارة ولا استعادت مصر بتنفيذ شروطه ما فقدته من حق ~~أودى به نسيم. # فقال في ارتباك: أنا لا أحب نسيم، ولكني أعتقد أنه أحرج وتورط، وأنه أدى خدمة باستقالته ... ~~ألم تقرئي ما نشره في الجرائد بعد ذلك؟ # فقلت له: إني أدهش يا باشا من أنك ما زلت تجد في استقالة نسيم بعد تسليمه، شيئا من ~~الشجاعة والوطنية، لقد كان في إمكانه أن يستقيل قبل أن يفرط في حقوق البلاد. # فقال: ليس هذا ذنبه، لقد قدم استقالته، ولكن جلالة الملك لم يقبلها وجميع الوزراء في ~~حضرته، وقال لهم: إن في إصرارهم هذا خطرا على العرش ... وبكى واستبكاهم، فلم يسع نسيم إلا ~~النزول على رغبة الملك، فإذن هو معذور. # قلت له في دهشة كبرى: هل كنت تفعل هذا لو كنت محل نسيم باشا؟ تبيع البلد لأجل دموع ~~الملك؟ # فقال: لا ... لا ... # قلت: لماذا إذن تحبذ ما ms180 لا تفعله؟ # فسكت دون أن يظهر أي غضب، فظننت أنه اقتنع. # الحجاب الشرعي # وبعد ذلك دار الحديث في موضوعات أخرى، وقد بدأ يهنئني على توفيقي في الوصول إلى رفع ~~الحجاب وكيفية عمل الحجاب الشرعي الذي أرتديه، وقال: إنه قد سر عندما رأى صورتي بهذا ~~الزي الجديد في منفاه، ثم طلب من السيدة حرمه أن تقلدني، فوعدت بذلك. # وصرنا في وفاق وائتناس، وسعد باشا في تواضع غريب حتى اقتربنا من الإسكندرية، وبينما ~~كنت جالسة مع صفية هانم على ظهر الباخرة، أقبل سعد باشا متهللا بيده برقية، وقال: صفية ~~... أتدرين ممن هذه البرقية؟ # قالت: لا ... # قال: هي من إسماعيل باشا أباظة ... # وقرأ علينا ما معناه: أكتب إليك هذا وأنا على حافة القبر، ولا أنتظر من الحياة شيئا ~~وليس لي مطمح فيها، راجيا أن تزيل كل خلاف بينك وبين خصومك في خدمة البلاد، وأن توحد ~~صفوف الأمة لخدمة الوطن. # فقالت له صفية هانم: وهل ستجيب عليها؟ # فقال: أنا؟ # وسكت ... # وقد قلت في نفسي: لقد عادت له عظمته لما فهم من هذه البرقية أن الأمة المصرية ما زالت ~~تؤيده، وما كان ذلك التواضع الغريب الذي لاحظته إلا لظنه أنه فقد شيئا من ثقة الأمة ~~بتحبيذه لموقف نسيم باشا الذي أغضبها، ولكنه فهم من برقية إسماعيل أباظة باشا أن مركزه ~~ما زال محفوظا، وإلا لما تنازل أباظة بكتابة هذه البرقية إليه، وقد زاد في اطمئنانه ~~ذلك الاستقبال العظيم الذي ظهرت بوادره عند دخول السفينة البوغاز، فقد التفت حولها ~~القوارب المليئة بالجماهير الهاتفة باسمه. # صعدت إلى ظهر الباخرة للنزول، وإذ بصفية هانم تقابلني ببرقعها وملاءتها. # فقلت لها: «أين وعدك لسعد باشا بارتداء الإزار الشرعي؟» فقالت: «أنا ليس لي زوج واحد ~~... واصف باشا غالي استحسن ألا أغير زيي حتى لا أحدث تأثيرا سيئا في المستقبلين» ... فعجبت ~~من ذلك، وصافحتها، ونزلت إلى اللنش الذي كان في انتظاري. # ولما وصل سعد باشا إلى القاهرة، ذهبت إلى بيت الأمة مهنئة إياه بسلامة العودة ... وأعقب ~~ذلك الاحتفال بيوم 13 نوفمبر في ms181 كازينو سيروس، ولم أدع إليه كالمعتاد، ولكن الجرائد ~~ذكرت اسمي ضمن الحاضرات وأطنبت في الوصف؛ لدرجة أنها قالت: إنني كنت أقابل المدعوات، ~~وقد عجبت لذلك، ولكني فهمت الغرض من عدم دعوتي، ثم نشر اسمي في الصحف بعد أن خطب سعد ~~باشا خطبته التي أعاد فيها إعلان تحبيذه لعمل نسيم باشا، وذكر مآثره الوطنية حتى أنساه ~~ذلك، ذكرى المحتفى بهما في هذا اليوم التاريخي العظيم، ألا وهما: زوجي علي باشا شعراوي، ~~وعبد العزيز باشا فهمي! # وكان من الطبيعي إزاء ذلك كله أن أنشر بياني في الصحف وأن أؤكد فيه أنني لم أحضر هذا ~~الاحتفال، وبالتالي لم أقابل المدعوات ولم أرحب بهن، كذلك فإنني كنت حريصة على أن أعبر ~~عن رأيي إزاء موقف نسيم باشا من مسألة السودان؛ لأنني كنت على اقتناع كامل بوجهة نظري، ~~ولو اختلفت مع وجهة نظر الوفد كما عبر عنها سعد باشا في خطابه في الاحتفال، وكما قلت في ~~احتجاجي، كنت «أرى من واجبي في الظروف الحرجة التي تجتازها البلاد أن أجاهر برأيي ورأي ~~اللجنة، مجددة احتجاجنا على أعمال نسيم باشا وما نتج عنها من تفريط في حقوق ~~البلاد». # اللجنة والوزارة الجديدة # ولم تكن مثل هذه المواقف والأحداث لتؤثر في اهتمامنا بالأمور السياسية وبمشاكل ~~البلاد، والدفاع عن مصالحها، ومستقبلها. # لقد مضينا على الطريق، وليس لنا من هدف إلا خدمة مصر، فبعد أقل من شهر من أحداث 13 ~~نوفمبر 1923 عبرنا عن موقف لجنة الوفد المركزية للسيدات في الوزارة الجديدة، وكان هذا ~~في البيان الذي صدر في 6 ديسمبر 1923. وهذا هو نص البيان: # سقطت الوزارة السابقة، فكان ذلك دليلا ملموسا على أن إرادة الشعب هي ~~الدعامة القوية التي ترتكز عليها الوزارات، وأن كل وزارة تستخف بإرادة الشعب ~~وتستأثر بالأمر مآلها السقوط، وقد تألفت الوزارة الجديدة، ووعدت بالعمل جهدها ~~لتحقيق أماني الأمة، وقالت: إنها تريد أن يحكم عليها بأفعالها لا بالأقوال، ~~وإنا وإن كنا معها في أن الحكم على الأعمال خير، غير أن الظرف الخطير الذي ~~تجتازه الأمة يستوجب سرعة ms182 الإيضاح، وقد رأينا أن الوزارات لا يمكنها الوصول إلى ~~تحقيق شيء من سياستها ما لم تكن حائزة ثقة الأمة مؤيدة منها، وكيف تؤيد الأمة ~~وزارة لا تعرف لها برنامجا، وإن السكوت لا يحمد في هذا الموقف؛ بل تقابله ~~الأمة بكل حذر وتحفظ، وربما تعدى ذلك إلى الريبة، فهل للوزارة أن تزيل هذه ~~الشكوك ببيان توضح فيه خطتها، حتى إذا وافقت مطالب الأمة ساعدتها على تحقيقه، ~~فإن وفقت كان ما تريد، وإن لم توفق تنحت عن العمل، فتكون قد خدمت بذلك بلادها ~~ونفسها. # وقد وقعت هذا البيان ومعي أعضاء لجنة الوفد المركزية للسيدات: شريفة رياض، ألفت راتب، ~~إحسان أحمد، رجينة خياط، نعيمة أبو إصبع. # تعليم نساء الشعب # ومن ناحية أخرى، فقد واصلت جمعية الاتحاد النسائي المصري رسالتها في خدمة الأهداف ~~الاجتماعية، وأعلنا أن تطبيقا للبرنامج الذي وضعته الجمعية، قررت في جلستها المنعقدة ~~بتاريخ 17 نوفمبر 1923 استئجار منزل بحي من الأحياء الوطنية يكون كمدرسة متنقلة لتعليم ~~نساء الشعب مبادئ علم الصحة والتمريض وبعض الصناعات اليدوية، ومحاربة البدع والخرافات، ~~ومعالجة المرضى منهن ومن أطفالهن مجانا، حتى إذا أتمت مهمتها في ذلك الحي، انتقلت إلى ~~حي غيره، وهكذا دواليك حتى يتسنى لأولئك النساء الإلمام بما يقوم نفوسهن ... وينير ~~عقولهن، ويقي أطفالهن شر الأمراض تلافيا لكثرة الوفيات المنتشرة بينهم، وحتى تجد ~~المعوزة منهن طريقا شريفا للكسب. # وقد استأجرت الجمعية دارا لهذا الغرض بشارع يحيى بن زيد رقم 45 بالبغالة قسم السيدة ~~زينب، سمتها «دار التعاون الإصلاحي». # وأعلنت الجمعية أن أعضاءها قد تطوعن لتعليم أولئك النساء، وهي في الوقت نفسه تقبل مع ~~الشكر والسرور كل مساعدة من حضرات الأطباء وأصحاب المحلات التجارية والصيدليات ما يلزم ~~للمعالجة ومساعدة الفقيرات، كما تقبل بكل ارتياح كل سيدة تتطوع لمعاونتها عمليا أو ~~ماديا في القيام بهذا الواجب الإنساني. # | الفصل السادس والعشرون # بعد أن شاركت المرأة المصرية مشاركة فعالة في ثورة 1919، وبعد أن عبرت عن نفسها وصوتها في ~~كل الأحداث الوطنية الكبرى، وبعد أن استطاعت أن ترفع صوتها في المحافل ms183 الدولية، وأن تنال ~~تقدير المرأة الأوروبية في مؤتمر روما، وبعد أن دعت إلى رفع الحد الأدنى لسن الزواج إلى ستة ~~عشر عاما بالنسبة للفتاة، وطالبت بضرورة حصولها على كل فرص التعليم، وبأن تفتح أمامها ~~أبواب المدارس العليا ... بعد كل هذا، فقد كنا نتصور أن يكون هناك اعتراف بأن المرأة تمثل نصف ~~الأمة، وأن يتبلور هذا الاعتراف بتكريمها في المناسبات الوطنية المختلفة. # ولكن الحقيقة جاءت مختلفة عن ذلك تماما؛ فقد فوجئنا أن المرأة المصرية لم يقبل طلبها ~~لحضور حفل افتتاح البرلمان، في الوقت الذي دعيت فيه سيدات أجنبيات لحضور هذا الحفل، وكان أن ~~أصدرنا في 16 مارس 1924 بيان احتجاج على النحو التالي: # لجنة الوفد المركزية للسيدات تحتج بشدة بصفتها هيئة تمثل الأمة التي اشتركت في ~~الجهاد والتضحية لاستقلال بلادها، على رفض طلبها لحضور حفلة افتتاح البرلمان، وترى ~~في إغفال وزارة الشعب دعوتها في وقت دعت فيه سيدات أجنبيات عملا لا يليق ~~بالكرامة. # وفي يوم الجمعة 31 مارس 1924، اجتمعت لجنة الوفد المركزية للسيدات بدار جمعية ~~المرأة الجديدة، وقررت بالإجماع توجيه ما يأتي لمجلس النواب والشيوخ بمناسبة خطاب ~~العرش. # مع ثقة أعضاء اللجنة بالوزارة، ترى أن خطبة العرش غير وافية، وفيها من الغموض ما ~~يمكن أن يؤوله الخصم في مصلحته؛ لذلك تعتمد اللجنة على حضرات النواب أن يتداركوا ~~بحكمتهم إدخال التعديلات الآتية على خطبة العرش: ~~(1) # النص على تعديل الدستور حتى يكون طبق الدساتير الحديثة، وأن تذكر فيه ~~حدود الدولة المصرية مع النص على أن السودان جزء منها لا يتجزأ. ~~(2) # النص على إصلاح القوانين الخاصة بحرية الاجتماعات والصحافة. ~~(3) # النص على تعديل مواد الدستور الخاصة بالمسئولية الوزارية تعديلا ~~يجعل الأمة صاحبة الحق في حكم البلاد. ~~(4) # النص على تقوية الجيش المصري والقوى الحربية الأخرى ما يكفل المحافظة ~~على سلامة الدولة. # توقيعات: هدى شعراوي، نعيمة أبو إصبع، روجينة خياط، نعمت حجازي، أستر ويصا، فايقة ~~رفيق، ألفت راتب، عزيزة فوزي، إحسان أحمد، فكرية حسني. # وكما قلت من قبل، فإننا في الوقت الذي كنا نشارك فيه ونتابع الأحداث ms184 السياسية وتطوراتها، ~~كنا أيضا وبالحماسة نفسها، نبذل في ميدان الخدمة الاجتماعية، وهكذا فإنه في شهر أبريل ~~1924، أعلنت جمعية الاتحاد النسائي المصري الجمهور أنها فتحت أبواب دار التعاون الإصلاحي ~~التي أنشأتها بشارع يحيى بن زيد رقم 45 بالبغالة لمعالجة الفقيرات وأطفالهن، وصرف الدواء ~~لهن مجانا، وتعليمهن بعض الأعمال اليدوية ومبادئ الدين والمبادئ الصحية ومحاربة الخرافات، ~~وأكدت أنها قد باشرت مهمتها منذ أول فبراير الماضي كل يوم صباحا بمساعدة حضرات الأطباء ~~الغيورين المتطوعين لهذا الغرض الشريف حسب النظام الآتي: # يوم السبت: # الدكتور عبد العزيز نظمي لمعالجة أمراض الأطفال والعيون. # يوم الأحد: # الدكتور محجوب ثابت لمعالجة الأمراض الباطنية. # يوم الاثنين: # الدكتور عبد الحميد وفا لمعالجة أمراض النساء والجراحة. # يوم الثلاثاء: # الدكتور سامي كمال لمعالجة الأمراض الباطنية والأطفال. # يوم الأربعاء: # الدكتور عبد الحميد وفا لمعالجة أمراض النساء والجراحة. # هذا؛ ولما كان القيام بهذا المشروع يتطلب الكثير من النفقات، فالجمعية ترجو المعونة ~~المالية من أهل الخير مساعدة لها على القيام بمهمتها الجليلة التي لها أكبر أثر في تحسين ~~حالة الفقيرات الصحية والأخلاقية بما يتمناه كل وطني صادق. # كذلك يسر الجمعية لو تطوع بعض المعلمات أو المعلمين ساعة في اليوم للتعليم في دار ~~الجمعية. # إلى الشعب المصري # كان صاحب الدولة سعد باشا زغلول على رأس الوزارة التي تألفت في شهر مارس 1924، وكنا ~~قد نبهنا الأذهان إلى ضرورة النص على أن السودان جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية، وقد ~~حدث في يوم 24 مايو 1924 أن جرت مناقشة في مجلس النواب بين سعد باشا زغلول وبعض النواب ~~بشأن الأعمال الجارية في السودان، وكان موقف سعد باشا من هذه المناقشة يدعو إلى أن نعبر ~~عن رأينا، وكان هذا البيان الذي وجهناه إلى الشعب المصري رجالا ونساء: # هالنا ما جاء في مناقشة صاحب الدولة سعد زغلول باشا بمجلس النواب، بشأن ~~الأعمال الجارية في السودان بجلسة السبت 24 مايو 1924. # هالنا أن يوجه دولته إلى حضرة النائب المحترم عبد الرحمن بك الرافعي، العبارة ~~الآتية (نريد أن نعرف الطريقة التي نملك بها ms185 السودان والمشروعات ونحن ليس في ~~إمكاننا منع ما هو حاصل). # تقبلنا البرنامج الذي وضعه دولته عند تشكيل وزارته بالرضا، واعتبرناه عهدا ~~وميثاقا على وزارته أمام الأمة، فلم يكن أحد يشك في أنه أعد مع من اختارهم من ~~زملائه الوسائل والطرق التي توصله لتحقيق مطالب الأمة (في الاستقلال الحقيقي ~~لمصر والسودان)، خصوصا عندما رأيناه راغبا كل الرغبة في تبوء منصة الحكم رغم ~~نداء طبقة كبيرة من الأمة على رأسها صاحب السمو الأمير عمر طوسون بعدم قبولها. ~~انتظرنا من عهد توليته الحكم أن يعمل على تحقيق برنامجه، وقد مرت عدة حوادث كان ~~من شأنها أن توجب الريبة والشكوى من تصرف الوزارة مثل تنفيذ قانوني التعويضات ~~والتضمينات، ومثل رفضها إجراء أي تعديل وتوضيح لخطبة العرش. # فاحتطنا هذه التصرفات كلها انتظارا لما عسى أن تؤديه وزارة الأمة من تحقيق ~~مطالبها الحيوية الخاصة بمصر والسودان. فإذا بدولة سعد باشا رئيس الوزارة ورئيس ~~الوفد وواضع ذلك البرنامج ينادي في جلسة مجلس النواب بأنه في حاجة لمن يرشده ~~إلى الطريقة العملية التي تنال بها مصر حقها في السودان، وإذا به كذلك يقول ~~أيضا مخاطبا نواب الأمة (إذا كان في إمكانكم عمل تجريدة أو عندكم قوة لمنع ~~الإنجليز وأخذ السودان من أيديهم، فتفضلوا ودلوني عليها). # إلا أن وضع هذا السؤال بهذه الكيفية - وسعد باشا يعلم كما يعلم غيره أن مصر ~~لا طاقة لها على تعبئة تجريدة عسكرية تقوى على إخراج إنجلترا من السودان - هو ~~اعتراف بالعجز وتصريح لا يقبل الإيهام بأن دولته لم يعد يعتمد على ذلك السلاح ~~الذي كان يعتمد عليه قبل توليته الحكم، أي وهو سلاح الحق الذي تستمد منه الأمة ~~قوتها ثقة أنه أعظم أثرا من القوة المادية التي يملكها خصمها. # في هذه الحالة، يعلن الشعب المصري الكريم رجالا ونساء أنه لا يوجد خطر على ~~القضية المصرية أكبر من أن يتولى المفاوضات مع إنجلترا رجل يعترف علانية أمام ~~هيئة رسمية نيابية، بأنه عاجز عن تنفيذ ما عاهد به الأمة قبل وعند توليه الحكم، ~~ولعل سعد ms186 باشا يكون أول من شعر بعظم المسئولية ويهيئ لأمته مخرجا من هذا ~~الضيق. # هدى شعراوي # استقالة شريفة هانم رياض # كانت السيدة شريفة هانم رياض من أبرز الشخصيات في لجنة الوفد المركزية للسيدات ~~وأكثرهن نشاطا، وقد شاركتني في كثير من المواقف منذ بدأنا التفكير في إنشاء لجنة ~~السيدات إثر اندلاع ثورة 1919. # وخلال الفترة الأخيرة، كانت قد اعتكفت بسبب ظروف الحداد، ولذلك فإنها لم توقع معنا ~~على البيان الذي أصدرناه بمناسبة خطبة العرش في 21 مارس 1924، ولقد كانت الموافقة على ~~هذا البيان بالإجماع، ولكن إزاء تطور الأحداث والمواقف، وقعت بعض الخلافات نتيجة اختلاف ~~وجهات النظر، وفي الوقت الذي كنت أترقب فيه عودة شريفة هانم رياض لممارسة دورها في ~~اللجنة، وصلني منها خطاب استقالة بتاريخ 18 يونيو 1924. وهذا هو نص الخطاب: # حضرة السيدة المحترمة رئيسة لجنة الوفد المركزية للسيدات # لقد حال حدادي دون الاشتراك مع الجمعية في عملها، ولما رأيت أثناء اعتزالي ~~القهري وقع الخلاف في الرأي بين حضرات العاملات بالجمعية، سعيت جهدي للتوفيق ~~بين حضراتهن فلم أوفق؛ ولذا أراني آسفة لاضطراري الاعتزال من العمل بالجمعية، ~~على أني لا أدخر وسعا في العمل لما فيه صالح البلد عامة والمرأة خاصة متى ~~استطعت لذلك سبيلا. # وتفضلي بقبول احتراماتي. # شريفة رياض # وفي اليوم التالي مباشرة، أي في يوم يونيو 1924، كتبت ردي على الاستقالة، الذي نشرته ~~جريدة الأخبار، وكان نصه كالتالي: # حضرة صاحبة العصمة هانم رياض # تسلمت كتاب استقالتك من عضوية لجنة الوفد المركزية للسيدات، فكان له وقع شديد ~~على نفسي، وأسفت غاية الأسف لاعتزالك العمل في هذا الوقت الذي هو أشد الأوقات ~~حاجة لمن يعمل لمصلحة الوطن بنزاهة وإخلاص. # وإني مع تقديري للظروف التي اضطرتك لذلك، ما زلت عظيمة الرجاء في أن تكون هذه ~~الاستقالة مؤقتة، وأنك ستعودين قريبا لاستئناف العمل معنا لما فيه المصلحة ~~العامة. # وأرجو أن تتقبلي مع تكرار عبارات خالص التحية والاحترام. # هدى شعراوي # | الفصل السابع والعشرون # في شهر سبتمبر 1924 تلقيت دعوة لحضور مؤتمر جراتز الدولي لمناقشة قضية إنسانية حيوية، وهي ms187 ~~مشكلة الاتجار بالنساء والأطفال، وقد انعقد هذا المؤتمر لمدة ثلاثة أيام في الفترة ما بين ~~يوم الخميس 18 سبتمبر إلى يوم السبت 20 سبتمبر، وما زلت أحتفظ ببطاقة عضوية هذا المؤتمر ~~التي تحمل اسم «مدام شعراوي باشا» ورقم 142. # وقد حرصت على المشاركة في هذا المؤتمر الدولي لعديد من الأسباب في مقدمتها؛ أننا منذ ~~ذهبنا إلى مؤتمر روما الدولي وأنا حريصة على التعبير عن المرأة المصرية في المؤتمرات ~~الدولية التي تناقش القضايا الإنسانية والاجتماعية وأوضاع المرأة، كذلك فإن قضية الاتجار ~~بالنساء والأطفال من القضايا الحيوية، وكان قد سبق لنا أن قدمنا مذكرة إلى رئيس الوزراء ~~يحيى باشا إبراهيم بشأن أوضاع مماثلة تتعلق بحماية كرامة المرأة وإنسانيتها ... فضلا عن ~~الدور الذي بدأته جمعية الاتحاد النسائي المصري على هذا الطريق وما زلت سائرة فيه ... ~~وأخيرا، فإن هناك ذكرى خاصة، وهي أن مدينة جراتز بالنمسا بالذات هي التي شهدت الساعات ~~الأخيرة لوالدي المغفور له محمد سلطان باشا. # وقد ذهبت إلى مؤتمر جراتز الدولي السادس لأشارك مشاركة إيجابية في أعمال هذا المؤتمر، ~~وكان أن ألقيت هذا الخطاب الذي تناول هذه القضية في جوانبها العامة والخاصة: وهذا هو نص ~~الخطاب: # أتقدم بالشكر إلى مس بيكر إذ دعتني إلى ذلك المؤتمر، فبعثت بذلك عندي فكرة ~~الاشتراك في ذلك الفعل الإنساني العظيم، وسيكون من دواعي ارتياحي التام أن يعطف ~~المؤتمر على الاقتراحات التي أقدمها إليه، إذ يسمح لي ذلك أن أقوم بنصيبي من العمل ~~والمعاونة في تحقيق برنامجه، إني أرى أنه يجب على المؤتمر إذا أراد أن يصل إلى ~~غايته المنشودة أن يجتهد بادئ ذي بدء في تحقيق ذلك المشروع، وهو أن يسعى لدى ~~الحكومات ليحملها على أن تغلق منازل البغاء في جميع بلاد العالم إغلاقا تاما ~~مطلقا. # ولما كانت غاية الاتحاد الدولي هي استئصال الاتجار بالنساء والأطفال، وإذا كانت ~~الجهود التي بذلت إلى الآن لم تؤد إلى النتائج المقصودة، فإني أرى وجوب القضاء على ~~الداء من أساسه، وذلك باجتناب كل تردد في طلب إغلاق منازل البغاء العامة؛ ms188 لأن وجود ~~هذه المنازل بطريقة تقرها الدولة أو تتسامح في إجرائها كما هو الشأن في عدة بلاد ~~منها مصر، في رأيي، إهانة للشرف واعتداء على الفضيلة والحياء العام، إن السماح بفتح ~~هذه المنازل تشجيع للرذيلة وإطلاق لأيدي أولئك الذين يتجرون بالنساء ~~والأطفال. # أرادت بعض الحكومات أن تحدد المضار وأن تقلل المخاطر التي تترتب على وجود هذه ~~المنازل، فاعتقدت بفائدة ترك رقابتها إلى البوليس، ولكن إذا كان من الواجب أن نبت ~~في ذلك الأمر طبقا للنتائج التي أسفر عنها ما يحدث في مصر، فإن لنا أن نعتقد أن ~~البوليس لم يقدم الدليل على أنه يقوم دائما بمهمته كما يجب، أولا لأن من يقبلون ~~أن يكتسبوا عيشهم من استغلال ذلك العمل التعس - البغاء - أشد حذرا وأغور دهاء من ~~أن تضرب على يدهم أية مراقبة؛ بحيث إن رجال البوليس كثيرا ما يتهاونون في مراقبة ~~أولئك النسوة السافلات من جراء اشمئزازهم منهن ومقتهم لهن، فيترتب على ذلك أن رقابة ~~البوليس لا تفي تماما بالغرض، وإن الخطر ليعظم إذا كان رجل البوليس يهمل أداء ~~واجباته من الفحص والتدقيق تحقيقا لمصلحة ما. # وإثباتا لما أقول أقص عليكم مثلا واقعيا. انتهت النيابة المصرية من تحقيق ~~قضية بدأت بها في العام الماضي، وقد أسفر ذلك التحقيق عن إدانة عدد كبير من ~~المتهمين وعن وجود منازل عديدة للدعارة في مدينة القاهرة، منازل كانت تساق إليها ~~فتيات منكورات بينهن بنات قاصرات لم يتجاوزن الستة عشر عاما، بل وطفلات بين ~~السابعة والتاسعة كن يسلبن من أهلهن بإغوائهن بوعود خلابة ووسائل جنائية أخرى؛ فإذا ~~ما سجن في تلك المنازل، روقبن مراقبة صارمة تحول دون اتصالهن بعائلاتهن أو بأي شخص ~~آخر غير مستغل لهن، فتعاني أولئك البغايا المنكودات أفظع ضروب الإنهاك دون أن ~~يستطعن تذمرا أو شكوى؛ بل وثبت ما هو أكثر من ذلك ... ثبت أن كثيرا من المتجرين ~~بأولئك النسوة لم يكونوا يقنعون بالاتجار بهن في منازلهم؛ بل كانوا يبيعونهن أيضا ~~إلى أقرانهم في المنازل الأخرى بثمن من المال كأنهن سلعة يجوز ms189 الاتجار فيها أو ~~تعتبر مصدرا للكسب، وذلك دون أن يصيب الفريسة نصيب من الغنم، وثبت أيضا أن كثيرا ~~من أولئك الفتيات كن يقضين نحبهن بسبب الأمراض الفتاكة وإهمال وسائل الصحة والعلاج، ~~وأن الأطباء المكلفين بالعناية بهن يغفلون أداء مهمتهم كما يجب؛ وذلك للسبب نفسه ~~الذي أبديته عند كلامي عن البوليس. # وكان من نكد الطالع أن أسفر التحقيق في هذه القضية أيضا عن أن عددا من ضباط ~~البوليس، معظمهم من الأوروبيين، كانوا يمالئون أصحاب هذه المنازل بإهمال مراقبتها ~~المطلوبة إهمالا مقصودا، مما أدى إلى استكشاف عدد عديد من الرخص سلم إلى بنات دون ~~العاشرة، وإذ كانت هذه الرخص خلوا من صور حاملاتها خلافا لما تقضي به اللوائح، ~~فقد كانت تتداول من يد إلى أخرى دون أية رقابة أو مسئولية. # وقد ثبت أيضا أن معظم هذه المنازل السافلة تزاول تلك الأعمال الشائنة منذ أكثر ~~من عشرين سنة تحت بصر البوليس وسمعه. # وفي الختام لا يسعني إلا أن أبدي شكري للحكومة المصرية الحاضرة؛ لأنها اهتمت بتلك ~~القضية، ولم تدخر وسعا في محاكمة المتهمين الأصليين وإحالة الضباط الذين اشتركوا ~~في تلك الفظائع وأهملوا في تطبيق القانون عمدا على مجلس التأديب، إذ كان تصرفهم ~~سببا في ذيوع الدعارة في عاصمة الديار المصرية إلى درجة سريعة. لست أستطيع أن ~~أتصور كيف أن الحكومات التي عهد إليها بالسهر على الأمن العام والأخلاق العامة؛ ~~تسمح بوجود هذه المنازل العامة، في حين أن الأزمة الحاضرة التي نجتازها عقب فقد ~~الملايين الكثيرة من الفتيان الذين سقطوا في ميدان الشرف أثناء الحرب الكبرى، تتطلب ~~التشجيع على الزواج؛ لتكثير عدد السكان الذي تحول دون كثرته هذه المنازل، وإنا ~~لنرجو أن تحتذي حكومات العالم كله ببريطانيا العظمى وسويسرا فتحظر وجود هذه ~~المنازل. # وإني لأرجو المؤتمر أن يتناول تلك المسألة بعين الاعتبار، وأن يضعها في مقدمة ~~المسائل، وأن يسعى السعي اللازم لدى الحكومات ليفوز بمحو تلك البؤر الخبيثة. # أما في مصر فإن وجود الامتيازات الأجنبية يحول دون تشريع يقضي بمحو هذه المنازل ~~إذا كان ms190 أصحابها من الأجانب، ولذلك فإني أطلب إلى المؤتمر أن يتدخل لدى الحكومات ~~صاحبات الامتياز وأن يطلب إلى الدول أن تسمح للحكومة المصرية بأن تغلق هذه ~~المنازل. # وإني أختم كلمتي بأن أرجو المؤتمر أن يغضي عن صراحتي فيما لاحظت إذ كنت أكثر مما ~~يجب، فإني معتمدة على الاعتقاد الجازم والنزاهة الصادقة اللتين تخالجان المؤتمر ~~للسعي إلى غايته. لم أتردد في أن أصرح فيما صرحت، ولو أني الشرقية الوحيدة التي ~~حظيت بالمثول في تلك الجمعية الموقرة، فأنا مصرية ومن بلد تحميها حضارتها وتدفعها ~~عواطفها الإنسانية الجمة الفياضة دائما إلى أن تعنى بالصالح العام قبل صالحها ~~الخاص. ولكم في ذلك المثل قناة السويس التي هي اليوم بالنسبة لمصر مصدر للشقاء. إني ~~أعتقد أن عملا إنسانيا كالذي نسعى إليه هنا هو قضية، لا تفريق فيها بين الجنس ~~والوطن. # وقد نشرت جريدة الأخبار هذا الخطاب كاملا بتاريخ 25 سبتمبر 1924 وقالت تعليقا عليه: ~~«وقد حاز خطاب السيدة الجليلة استحسانا جما، وقوطعت بالتصفيق مرارا. وأرسلت جمعية ~~الطلبة المصرية بباريس تلغرافا إلى عصمتها تشكر فيه لها جهودها لخير الوطن ولمصلحة ~~البلاد.» # لجنة المقاطعة # عدت إلى مصر دون أن أجد أي تقدم وتطور في المسألة المصرية، وبخاصة فيما يتعلق ~~بالسودان. كان الزعماء قد انشغلوا بمسائل تتعلق بأشخاصهم دون أن يعطوا كثير اهتمام ~~لقضايا البلاد، وكانت الجماهير قد انقسمت إلى سعديين وعدليين؛ لدرجة أن الصحافة أخذت ~~تسخر من هذه الأوضاع، وتعبر عن مدى اهتمام المرأة بقضية السودان وتطالب الزعماء بأن ~~يهتموا إزاء ذلك بنهضة النساء وترقية المرأة. # وقد دعوت النساء المصريات إلى اجتماع في منزلي يوم الخميس 30 أكتوبر 1924. وقررنا في ~~هذا الاجتماع ما يلي: ~~(1) # الاحتجاج على الحكومة الإنجليزية بشأن تصرفها الأخير في المسألة المصرية ~~وبالأخص مسألة السودان، وأن يبلغ هذا الاحتجاج إلى الحكومتين المصرية ~~والإنجليزية. ~~(2) # المقاطعة العامة لكل ما هو إنجليزي داخل مصر وخارجها، ومطالبة الحكومة ~~المصرية بمشاركة الشعب في هذه المقاطعة، ويكون ذلك: ~~(أ) # سحب الودائع والأموال التي لها في البنك الأهلي. ~~(ب) # سحب مكتب الحكومة المعين ms191 في إنجلترا لمباشرة مشترياتها ~~وإلحاقه أو نقله لمملكة أخرى. ~~(ج) # منع سفر العمال المصريين إلى السودان واستدعاء الموجود منهم ~~في عمل الخزانات هناك، ومن كان منهم مرتبطا بعقد لمدة معينة ~~فيؤمر بالعودة عند انتهاء تلك المدة لكيلا تساعد مصر بأيدي ~~أبنائها على إقامة تلك الخزانات التي في إتمامها خطر على مصالح ~~مصر. ~~(3) # طلب الإفراج عن جميع المقبوض عليهم في السودان بسبب الحوادث السياسية ~~الأخيرة التي لا يعاقب عليها قانون العقوبات المصري، والعمل على عدم تنفيذ ~~الأحكام الصادرة عليهم. ~~(4) # فتح كلية الخرطوم وإعادة التدريس فيها. ~~(5) # أن تطالب حكومة مصر بحقها في إدارة السودان حتى يتم لها الاختصاص بالسلطة ~~بكل الوسائل، والأمة مستعدة لتأييدها فيها. ~~(6) # طلب رفع الراية المصرية الحالية على جميع محلات الحكومة عسكرية كانت أو ~~ملكية في جميع مديريات السودان. ~~(7) # تشكيل لجنة من السيدات تسمى لجنة المقاطعة، وكذلك تشكيل لجنة أخرى من ~~الرجال، تعمل كلتاهما لتنفيذ قرارات هذه الجمعية. # تحيتي للجنس اللطيف # وحتى تبدو أبعاد الصورة واضحة في ذلك الوقت، فإنني أسجل هنا تلك التحية التي وجهها ~~الأستاذ فكري أباظة إلى الجنس اللطيف في شخصي وقد نشرت في جريدة «السياسة» في نوفمبر ~~1924. # يقول الأستاذ فكري أباظة: # سيدتي هدى شعراوي # أحييك ثم أهنئك: أما «التحية» فلجمالك الوطني، وجلالك القومي ، وأما «التهنئة» ~~فلأن «دولة الرجال» في عالم الجهاد قد دالت وقامت على أنقاضها «دولة ~~النساء». # كنت خصما «للجنس اللطيف» لما كان الجنس اللطيف لا يفكر إلا في الأزياء ~~الجديدة والألوان العديدة، وأما اليوم وقد تظاهر للسودان قبل أن يتظاهر الرجال، ~~وأما اليوم وقد احتج على بلاغ السودان قبل أن يحتج الرجال، وأما اليوم وقد ~~استأنف الجهاد بعد الفشل، والرجال غرقى في بحار الفشل ... فقد حق علي أن أعتذر، ~~وقد حق علي أن أستغفر وأن أتوب. # سيدتي ... كان الجنس اللطيف فيما مضى مختصا بتدبير المنزل في الداخل، وكان ~~علينا نحن الرجال تدبير الأمر في الخارج. أما اليوم يا سيدتي فسنعكس ~~الموقف. # اهتمي أنت وجنسك اللطيف بالسودان وبلاغ السودان وتصريحات ماكدونالد عن ~~السودان وتحقيقات ms192 السودان ومحاكمات السودان ومظالم السودان وسجون السودان، ~~اتركي لنا - نحن الرجال - «تدبير المنزل»، فعلينا «الغسيل» و«العجين» و«ترضيع ~~الأطفال» و«مسح السلالم» و«توضيب الأولاد» و«تخزين السمن». وعلى العموم سندير ~~المنزل ونحن جلوس «على الشلت» حتى إذا عاد الجنس اللطيف من جهاده مع العدو ~~الغاصب، قابلناه «بالزغاريد» ووجد كل شيء على أحسن حال؟! # سيدتي هدى ... لا والله ما قصرنا ... وإنما نحن هذه الأيام مشغولون، عندنا أمام ~~محكمة الجنايات قضايا اللواء والسياسة والكشكول، وعندنا في دوائر الحكومات ~~تعيينات وترقيات لأولادنا وأحبابنا وأبنائنا، وتشفيات وانتقامات ورفتيات ~~وإحالات لأعدائنا وأشباه أعدائنا، وعندنا «النادي السعدي» نسعى في إعداده ~~وتأثيثه قبل انعقاد البرلمان. # والنادي السعدي مشغولية كبيرة: فأودة الاستقبال القطيفة المشجرة لا نجد للآن ~~لها «بساطا» أو «سجادة عجمي» توافقها، وأودة «اللعب» لا يزال عليها نزال ونضال ~~... وأودة السكرتارية ينقصها ضرب الحيطان بالزيت ... والبوفيه لم ترد إليه الأصناف ~~بعد من «اسكتلندا» و«ملقا» و«ألمانيا» ... ألسنا معذورين إذا تأخرنا قليلا في ~~مسألة السودان وبلاغ السودان و«بلادي» السودان! # سيدتي هدى فتح «الوفد» باب الاكتتاب لضحايا السودان من نصف عام، فجمع حتى ~~الآن مئة جنيه وكسورا، وفتح في الوقت نفسه باب الاكتتاب «لنادي سعد» فجمع في ~~«لحظة» لنادي سعد ثمانية عشر ألفا من الجنيهات، ولو عملنا النسبة الحسابية ~~لكانت النتيجة ما يأتي: # نادي سعد 1800 جنيه. # السودان 100 جنيه. # إذن النادي أهم من السودان 180 مرة؟! # إذن لن يهتم الوفد بالسودان حتى «ينتهي» نادي سعد! # وعندما «ينتهي» نادي سعد، يكون السودان قد انتهى ... # سيدتي هدى ... أحييك ثم أهنئك ... أما «التحية» فلجمالك الوطني، وجلالك القومي ... ~~أما «التهنئة» فلأن «دولة الرجال» في عالم الجهاد قد دالت ... وقامت على أنقاضها ~~«دولة النساء»! # فكري أباظة المحامي # | الفصل الثامن والعشرون # كنت قد تحدثت عن الاجتماع الذي عقد في منزلي يوم 30 أكتوبر 1924 والذي اتخذت فيه السيدات ~~عدة مرات قرارات هامة، من بينها قرار مقاطعة كل ما هو إنجليزي، وقد أكدنا هذا الموقف بأن ~~أرسلنا إلى اللورد اللنبي صورة مترجمة باللغة الإنجليزية من هذه القرارات، في 10 ms193 نوفمبر ~~1924، وقد كتبت رسالة مع هذه القرارات، قلت فيها: أتشرف بأن أرسل لفخامتكم ترجمة إنجليزية ~~للقرارات التي اتخذتها السيدات المصريات المجتمعات في منزلي، وترون فخامتكم أننا مدفوعون ~~بكرامتنا الوطنية إلى اتخاذ هذه القرارات. # وقد أحدث موقف المرأة المصرية رد فعل عنيفا في الأوساط الشعبية؛ حيث تكونت لجنة ~~المقاطعة، والتي أصدرت منشورات تحث فيها الجماهير على تنفيذ المقاطعة والاقتداء بموقف ~~المرأة المصرية، لتحقيق المقاطعة الكاملة التي تعبر عن استياء الأمة وغضبها من موقف إنجلترا ~~بالنسبة للسودان. # وكان من بين ما جاء في نداء لجنة المقاطعة ما يلي: # ها هو فريق من بنات الوطن قام يرفع صوته بالاحتجاج على تصرفات إنجلترا الضارة ~~بحقوق الأمة والماسة بكرامتها. # فاجتمعت طائفة كبيرة منهن تربطها بكم صلة الوطن الذي مست كرامته، وقررت مقاطعة ~~التجارة والصناعة الإنجليزية إعلانا لاستياء الأمة وغضبها. # وها قد شكلت لجنة منهن لتنفيذ ما أقرته جمعيتهن، وهي عاملة على اختيار لجنة من ~~الرجال للتعاون بأفكاره ونفوذها على تعميم هذه المقاطعة بقدر المستطاع، ولا شك في ~~أن السيدات اللاتي اعتزمن القيام بهذا الواجب لم يقدمن عليه إلا وهن معتمدات على أن ~~هذا النداء يصادف من نفوسكم قبولا، ومن وطنيتكم تشجيعا. # أبناء مصر، ها أنتم أولاء قرأتم الكتاب الأبيض الإنجليزي ينعي إليكم فصل السودان ~~عن مصر، ويقر لكم حكم الإعدام عليكم بهذا الفصل. # وها أنتم علمتم ما أصاب إخوانكم بالسودان من السجن والإرهاب والطرد، لا لذنب جنوه ~~سوى إظهار شعورهم نحو مصر والتمسك بها. # وما أنتم إزاء هذه التصرفات إلا بين أمرين: فإما أن تستسلموا لحياة تعسة وذل ~~أبدي، وإما أن تبرهنوا على إبائكم وأنفتكم. # ليس لكم سلاح تشهرون، ولا أسطول تخوضون به غمار البحار، ليس لكم حول ولا قوة أمام ~~حولهم وقوتهم، ولكن لكم سلاح أمضى ومدفع أبعد مدى، ذلك هو الإضراب عن معونة ~~الإنجليز في جميع الأعمال الاقتصادية والتجارية والصناعية، فلا تشتروا بضائعهم، ولا ~~تستأجروا مزارعهم، ولا تؤجروهم منازلكم، ولا تودعوا نقودا في مصارفهم، وطنوا ~~أنفسكم على ذلك غيرة على حياتكم وشرفكم. # إنهم ms194 يريدون التحكم في مواردنا، ومنهل إسعادنا، وإن شعبا يريد بكم ذلك احتقارا ~~لشأنكم، لخليق بأن تقطعوا كل صلة معاملة بينكم وبينه. # نداء الأمة # كنت قد أرسلت برقية إلى سعد باشا زغلول بشأن موقف الحكومة المصرية من قضية اغتيال ~~السير لي ستاك، وكانت الصحف قد نشرت نص هذه البرقية تحت عنوان «نصيحة رشيدة لم يأخذ بها ~~سعد باشا»؛ حيث طلبت إليه فيها أن يرفض كل طلبات إنجلترا. # وفي يوم 23 نوفمبر 1924، وجهت كتابا مفتوحا، لصاحب الدولة سعد زغلول باشا، وقد ~~نشرته الصحف أيضا، وهذا هو نص الكتاب المفتوح: # قبل أن نطلع على ردكم لطلبات إنجلترا التي وجهتها للحكومة المصرية لمناسبة ~~الاعتداء على حياة السير لي ستاك باشا، بادرت عن لجنة المقاطعة بإرسال تلغراف ~~لدولتكم بما رأته اللجنة أقرب لمصلحة مصر، وهو أن تجيبوا على تلك الطلبات ~~برفضها جميعا؛ لأن ما هو معروف عن التقاليد الدولية في الإنذارات المماثلة ~~لهذا الإنذار أن الدولة المطالبة تعتبر شرفها مرتبطا بنيل طلباتها الواردة ~~بذلك الإنذار. # فما كان أشد دهشتنا عندما قرأنا عكس ما كنا نرجو صدوره من دولتكم وهو الرفض ~~التام، وكنا أكثر استغرابا لقبولكم بعض الطلبات دون احتياط بتعليق هذا القبول ~~على تنازل الدولة عن بقية طلباتها. # والآن وقد حم القضاء ووقعنا فيما كنا نخشاه؛ حيث أصدر المندوب السامي أمره ~~لحكومة السودان بطرد الجيش المصري من الأقطار السودانية، وبالتصريح لتلك ~~الجزيرة أن تزرع ما تشاء دون قيد ولا رعاية لمصلحة مصر، كما أعلن أيضا عزمه ~~على التدخل في شئون مصر الداخلية بحجة حماية مصالح الأجانب، فكانت النتيجة؛ ~~أولا: أنك رضيت إهانة مصر بقبولك تقديم الاعتذار عن تلك الجريمة، وذلك يعد ~~اعترافا رسميا بإدانة حكومة مصر وشعبها فيها أمام حكومة أصرت على العداء رغم ~~تلك الترضية الباهظة، وكانت النتيجة ثانيا: أنك جعلت النصف مليون جنيه حقا ~~مشروعا لتلك الدولة دون عوض عنه. # وكانت النتيجة ثالثا: أنك حرمت على الشعب إظهار شعوره بالمظاهر العلنية مهما ~~كانت سليمة، مخالفا في ذلك الدستور، ولم تق البلاد من خطر ms195 تنفيذ ما بقي من ~~الطلبات التي رفضتها بعدم احتياطك. # يا دولة الرئيس ... # تمسكت بك البلاد، وعهدت إليك بالحكم رجاء أن تفي بما وعدتها من تحقيق ~~استقلالها التام في مصر والسودان، وها أنت ترى أنه كلما طال العهد على ولايتك ~~الحكم، بعدت الأمة عن نيل هذه المطالب، وها أنت ترى أن ختامها اليوم، ما وقع من ~~فصل السودان وطرد المصريين منه وتدخل الإنجليز في شئون مصر الداخلية ~~نفسها. # لذلك ألتمس منك ما دمت لم توفق وأنت في الحكم بتحقيق عهدك بعمل إيجابي، ألا ~~تكون على الأقل حجرة عثرة في سبيل جهاد أمتك للتخلص من الحالة الحرجة التي وصلت ~~إليها (لا أقول بسبب سياستك بل يكفي أن أقول أثناء حكمك)، وذلك بعمل سلبي هو ~~التخلي عن الحكم، فلم يبق سبيل لإظهار استيائك واحتجاجك على هذه التعديات ~~ومشاركتك لأمتك في آلامها إلا الرجوع إلى صفوفها في هذا الوقت العجيب. # هدى شعراوي # وفي يوم 24 نوفمبر 1924، أذاع سعد زغلول باشا في عنوان «نداء للأمة»: # إن الوزارة بعد أن اجتهدت في تسوية الحالة السيئة التي نشأت عن الجناية ~~المنكرة الممقوتة ... وبعد أن أفرغت جهدها في وقاية البلاد من شرها بحسب ما أملته ~~عليها مصلحة الأمة، رأت أن استمرارها في الحكم صعب عليها وربما يعرض الوطن ~~لأخطار قد لا تحدث في تخليها. # فلهذا رأت أن تستقيل من منصبها، وتفضل جلالة الملك حفظه الله بقبول هذه ~~الاستقالة، فترجو الأمة أن تتفهم هذه الحقيقة حق التفهم، وأن تدرك أنها في ~~مصلحة البلاد، وألا تأتي بأي عمل يكون فيه تكدير للراحة أو تشويش للأفكار، ~~والله يحفظها من شر الغايات، وإنني مستعد مع أصدقائي لتأييد أية وزارة تشتغل ~~لمصلحة البلاد ونطلب لها كل توفيق. # سعد زغلول # إعلان الاستياء # وقد يعتقد بعض الناس أننا كنا ننظر إلى الأمور نظرة شخصية، ولكن هذا أبعد ما يكون عن ~~الحقيقة والواقع، فقد ظلت مصر على الدوام هي القضية وهي الهدف. # وحتى تبدو كل الأمور في نصابها، فإنني قبل أن أكتب الرسالة المفتوحة إلى سعد ms196 باشا ~~زغلول، أصدرت بيانا أعبر فيه عن وجهة نظر لجنة المقاطعة من الأحداث الجارية، وقد نشرت ~~الجرائد هذا البيان في 22 نوفمبر 1924، وقد جاء فيه: # اجتمعت لجنة المقاطعة للسيدات بمنزلنا اليوم، وقررت إعلان شديد استيائها ~~لحادث الاعتداء الفظيع الذي وقع على صاحب المعالي السير لي ستاك باشا سردار ~~الجيش المصري ... وهي تعتقد أن تحقيق آمال الأمة لنيل استقلالها أساسه البعد عن ~~ارتكاب أي عمل تحرمه الشرائع سواء كان على الأشخاص أو الأموال كما جاء ذلك ضمن ~~النداء الذي وجهته للأمة عقب تشكيلها. # واللجنة وهي تعلن هذا الأسف، تكرر الرجاء لأبناء الوطن على اختلاف طبقاتهم ~~باجتناب كل عمل جنائي يسيء إلى سمعة مصر، ويكون من نتائجه الضرر على قضيتها ~~الكبرى، وهي في الوقت نفسه تأمل أن تساعدها الجرائد الإنجليزية على تحقيق هذا ~~الرجاء بتخفيف لهجتها عند الكلام على هذه الحادثة وعدم إلباسها ثوبا يشف عن ~~غرض لا يتفق وما ترجوه مصر وإنجلترا من عدم زيادة الهوة ومن تقريب حسن التفاهم ~~بين الشعبين. # الرئيسة # هدى شعراوي # ومن ناحية أخرى، فقد اهتمت لجنة المقاطعة بأن تعطي جهودها لخطوات إيجابية على هذا ~~الطريق، واستطاعت أن تسهم في حل المشاكل التي كانت تعترض فكرة المقاطعة، ومن ذلك ~~المنشور الذي أصدرته في 1924 بشأن مشكلة الفحم ، والذي جاء فيه: # اجتمعت لجنة المقاطعة يوم الجمعة 21 الجاري، وقررت لنجاح مشروعها أن تلجأ إلى ~~وطنيتكم خدمة للقضية الكبرى، راجية قبول دعوتها بمقاطعة المتاجر والمصانع ~~الإنجليزية. # ولما كان صنف الفحم من الحاجات الضرورية، وكان يخشى صعوبة الحصول عليه من غير ~~الإنجليز، فقد وفقت اللجنة لمعاملة محل مصري هو «الكونتوار التجاري المصري» ~~لاستيراد الفحم الألماني اللازم لوابورات الزراعة والري والمطابخ بسعر أنقص من ~~الفحم الإنجليزي وأجود منه، وتجدون عليه «كارت» موضحا به اسم المحل المذكور ~~ونمرة التليفون وهو مستعد لتلبية طلبكم بأول فرصة. # الحقوق المقدسة # ويتجلى معنى الإخلاص للوطن وللقضية المصرية في تلك الجهود التي بذلت من أجل جمع الأمة ~~على كلمة واحدة في مواجهة ما يبيت لها بليل، وبخاصة ms197 بالنسبة لقضية السودان، وقد حاولنا ~~أن نلفت الأنظار إلى ضرورة أن تقف الأحزاب صفا واحدا «في أشد الأوقات خطرا ~~واحتياجا للمؤازرة والتضحية». # وقد قلت في منشور صدر بتاريخ ديسمبر 1924: # ولا يسعني إزاء تلك الحالة المحزنة ونحن على أبواب انتخاب جديد إلا أن أنصح ~~لإخواني المصريين جميعا أن يتحققوا قبل كل شيء من كفاءة من ينتخبونه وإخلاصه، ~~جاعلين مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؛ حتى لا نقع في مثل ما وقعنا فيه بالأمس، ~~وحتى لا يجد الغاصب منفذا لأغراضه من طريق مشروع يسجل علينا الرق والعبودية ~~أبد الآبدين. # وبعد أن استفحل الشقاق بين الأحزاب الوطنية، قلت في منشور في 28 ديسمبر 1924: # أبناء وطني الأعزاء ... # لقد رأيتم رغم الجهود التي بذلتموها في سبيل الاتحاد بين الأحزاب أن تلك ~~المساعي أخفقت وفشلت وبقي حزب منها بمعزل عن الحزبين الآخرين لتشبث رئيسه، مع ~~أن الحالة الدقيقة التي تجتازها القضية المصرية الآن كانت تحتم على كل فرد من ~~المصريين أن يتكاتف مع أخيه ويعاضده، وأن يترك كل اعتبار شخصي إزاء تلك الحالة ~~الحرجة، ليكونوا قوة كبيرة أمام العدو الذي لا يألو جهدا في استغلال هذا ~~الخلاف، ليصل إلى تحقيق مطامعه الاستعمارية. # واليوم نحن أمام انتخاب جديد، أمام أمر واقع يجب البت فيه بشجاعة وإخلاص ~~ونزاهة، ذلك الأمر الواقع هو المذكرة الإنجليزية التي تسجل علينا الموت الأبدي، ~~إذا نحن أقررناها وسلمنا بها. # وقد تقدم الحزب الوطني وحزب الأحرار الدستوريين للانتخاب، ومع كل منهما ~~برنامج هو مسئول عن التمسك به أمام ناخبيه. # أما الحزب السعدي، فلم يعلن إلى الآن برنامجا يرتبط به أمام الأمة، مع أن ~~الحالة الراهنة تتطلب صراحة ولا تحتمل غموضا أو مغالاة في الثقة لما في ذلك من ~~الخطر. # فإذا تقدم الحزب السعدي للانتخاب (وسيتقدم طبعا)، فواجب عليكم أن تطلبوا منه ~~قبل كل شيء إعلان برنامجه، ليكون حجة عليه أمام ناخبيه، وهذه سنة متبعة في ~~جميع الأمم المتمدينة، فإذا طلبتم ذلك فلم تطلبوا بدعة وإنما تطلبون حقا لكم ~~يجب أن يؤدى إليكم، وبذلك تبرهنون للعالم ms198 أننا لا ننقاد انقياد الأعمى ~~لإنسان مهما كانت قيمته ومكانته بين الأمة - وإنما ننقاد للمبادئ الحقة. # هذه نصيحتي أسديها إليكم بإخلاص غير متحيزة لفريق دون آخر، وغير واضعة نصب ~~عيني إلا حقوق البلاد المقدسة. # هدى شعراوي # | الفصل التاسع والعشرون # اهتمت المرأة المصرية منذ عام 1924 بأن تعبر عن وجودها وكيانها في قلب الحياة العامة بما ~~يتناسب مع التطورات التي حدثت في الدول المتقدمة، ولقد دخلت المرأة المصرية هذه الحياة من ~~أفضل الأبواب وأشرفها، وهو باب النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال منذ اندلعت الشرارة ~~الأولى لثورة 1919، وكان من الطبيعي بعد أن عبرت عن صوت المرأة المصرية الجديدة في المحافل ~~الدولية ابتداء من مؤتمر روما حتى المؤتمر الدولي السادس الذي عقد في مدينة جراتس بالنمسا، ~~أن يكون الاهتمام منصبا على تطوير صورة الحياة العامة؛ بحيث تكون هناك مشاركة إيجابية ~~وفعالة للمرأة في هذه الحياة. # ولتحقيق هذه الأهداف، عقدت لجنة الوفد المركزية للسيدات وجمعية الاتحاد النسائي المصري ~~عدة اجتماعات برئاستي لمناقشة مطالب المرأة، وقد انتهينا إلى تصور شامل وعام لهذه المطالب، ~~وأصدرناها في كتيب صغير في عام 1924، وقد وجهنا هذه المطالب إلى رئيس مجلس الشيوخ ورئيس ~~مجلس النواب والصحافة والرأي العام، ولذلك حرصنا على أن يصل هذا الكتيب إلى أكبر عدد من ~~المواطنين والمواطنات. وقد جاء فيه: # حضرة صاحب المعالي رئيس مجلس الشيوخ # إلى الصحافة. # إلى الرأي العام. # الآن وقد تولى التشريع في مصر رجال مختارون يمثلون إرادة الأمة، يحق لنا نحن ~~السيدات أن نطالبهم بالسير بأمتنا المصرية إلى مصاف الأمم الدستورية ~~المتحضرة. # ولما كانت المرأة المصرية هي نصف مجموع الأمة ومربية الجيل القابل رجالا ونساء، ~~شعبا ونوابا، ولما كان هذا النصف قد حرم الاشتراك في وضع الدستور وفي الانتخابات ~~وفي النيابة ومنع كذلك من البت في مصير البلاد، رأت لجنة الوفد المركزية التي مثلت ~~نساء القطر منذ ثورة سنة 1919 منضمة إليها جمعية الاتحاد النسائي المصري التي قامت ~~بكثير من الأعمال الاجتماعية والنسوية لصالح هذا البلد، أن تدلي إلى الأمة بآرائها ms199 ~~ومطالبها بالنيابة عن نساء هذا القطر في الأمور السياسية والنسوية والاجتماعية، ~~راجية أن يفحصها المحترمون بأقصى ما تستحق من همة وعناية وما يؤمل فيهم من شجاعة ~~ووطنية. # وستسعى اللجنة من جهتها لتحقيق هذه المطالب بكل الوسائل المشروعة. # على أننا لا نجهل أن هذه الإصلاحات كثيرة متنوعة. تستلزم مجهودات هائلة ونفقات ~~عظيمة، غير أنا نلفت النظر إليها حتى تدرس من الآن ويبت فيها ثم تنفذ على قاعدة ~~تفضيل الأهم على المهم، وعندنا أن أهم ما يعنينا بعد المحافظة على كيان القطر ~~وسلامته واستقلاله هي أمور التعليم والصحة. # ونرجو من الجرائد والرأي العام السهر على درس هذه المسائل وتشجيع الحكومة ~~والبرلمان حتى يكون المجهود مضاعفا، فتبنى الأمة جميعها على أساس الاستقلال ~~الحقيقي. # القسم السياسي ~~(1) # الاستقلال التام لمصر والسودان. ~~(2) # التمسك بحياد قنال السويس حسبما تحدده الفرمانات والمعاهدات، على أن ~~يوكل لمصر المحافظة على هذا الحياد كما كانت الحال قبل ~~الاحتلال. ~~(3) # عدم التقيد بتصرفات إنجلترا في الأراضي المصرية سواء بالنسبة لنفسها ~~أو للدول، وكذلك عدم التقيد بالاتفاقات التي سبقت دون أن تقرها الأمة ~~وبخاصة اتفاقية السودان وتصرفات إنجلترا فيه وتصريح 28 فبراير وما ~~ينبني عليه من القوانين والإجراءات. ~~(4) # عدم الاعتراف بما ورد في معاهدة لوزان سنة 1923 من تحميل الخزانة ~~المصرية قسما من ديون تركيا القديمة، فإن سيادة تركيا على مصر زالت ~~وليس لها عليها حق ما. ~~(5) # الامتيازات الأجنبية تحل حلا وديا بين حكومة مصر المستقلة ~~(المطلقة التصرف) من جهة وبين الدول ذوات الشأن من جهة أخرى. ~~(6) # إذا رأت الأمة وجوب الدخول في مفاوضة مع إنجلترا لاسترداد حقها ~~المغتصب، فليكن بشرط أن تصرح الهيئة المنتخبة لإجراء المفاوضة بقاعدة ~~صريحة، وبشرط أن تقبل إنجلترا مبدئيا هذه القاعدة حتى تكون المفاوضة ~~مثمرة، ولا تفشل كما حصل مرتين. # تعديل الدستور ~~(1) # النص على أن السودان جزء لا يتجزأ من مصر مع تعديل سائر المواد التي ~~يقتضيها هذا النص، وتسوية الحالة بالنسبة لقروض إنجلترا في السودان ~~تسوية ضمن سيادة مصر في بقاعها حتى لا تكون لإنجلترا مصالح خاصة هناك، ms200 ~~كأن تنتقل ديون السودان إلى مصر، وتسلم الخزانات لمصر أو توقف أعمالها ~~حتى تباشرها لجنة فنية مصرية أو غير ذلك مما يراه المختصون، وإعادة ~~النظر بما يتفق وسلطة الأمة وسيادتها في المواد المتعلقة بالأحكام ~~العرفية: حرية الصحافة، حرية الاجتماع، التعيين في مجلس الشيوخ، ~~التشريع في غياب البرلمان، تعيين الضباط وعزلهم، صيغة يمين الملك (أن ~~يقسم يمين الأمانة للملك الدستوري)، استجواب الوزراء، وغير ذلك مما يرى ~~تعديله. ~~(2) # تعديل قوانين الانتخاب بما يلائم لوائح البلاد المتمدينة لا سيما جعل ~~الانتخاب درجة واحدة. ~~(3) # إلغاء القوانين الاستثنائية والرجعية وتعديلها: ~~(أ) # سواء ما صدر منها قبل الحرب: قانون المطبوعات، إحالة ~~الصحفيين على محكمة الجنايات، قانون التجمهر، النفي ~~الإداري، المحاكم المخصوصة. ~~(ب) # أو ما صدر منها بعد الحرب: قانون الأحكام العرفية، قانون ~~الاجتماعات. ~~(ج) # مراجعة التعديلات التي أدخلت على قانون العقوبات بشكل ~~يتلاءم وروح العصر. ~~(د) # استدراك ما عسى يمكن استدراكه من قانون ~~التضمنيات. ~~(4) # الدفاع: ~~(أ) # وضع أساس شامل للبدء في تنظيم الجيش والبحرية والطيران ~~بقدر ما تقتضيه سلامة البلاد. ~~(ب) # تنظيم وسائل النقل والمواصلات البرية والنهرية والجوية ~~والتلغرافية والتليفونية، وتوزيع الإرساليات المصرية على ~~هذه الأسلحة إلى أقصى حد تسمح به الميزانية من كل ~~عام. ~~(ج) # التدرج في إلقاء مقاليد هذه الأمور إلى أيد مصرية عند ~~نهاية مادة محدودة. # القسم الاجتماعي ~~(1) # المبادرة في تنفيذ حكم الدستور الخاص بنشر التعليم الابتدائي في جميع ~~أنحاء القطر بصفة إلزامية. ~~(2) # إدخال التعليم الديني والخلقي في عموم المدارس. ~~(3) # الإكثار من البعثات العلمية وخصها بالعناية التي هي في أشد الحاجة ~~إليها الآن وانتقاء المشرفين عليها من رجال التعليم الوطنيين ~~الأكفاء. ~~(4) # جعل التعليم الثانوي والعالي غير مقيد بأية سن، مساعدة على نشر ~~العلم. ~~(5) # إدخال القواعد الأولية من علم الصحة ومبادئ القانون العام، وحبذا لو ~~أدخل أيضا فن الموسيقى لما له من الأثر في تهذيب النفوس. ~~(6) # التعجيل في إنشاء الجامعة وإنشاء لجنة لترجمة النفيس من المؤلفات ~~الأجنبية الحديثة إلى اللغة العربية؛ لأن هذا هو السبيل الوحيد ~~لاستقلال التعليم باللغة العربية. ~~(7) # سن الأنظمة المشجعة للصناعات ms201 الوطنية. # والأهم من ذلك: # تعديل أنظمة الجمارك حتى تكون واقية لحماية المصنوعات ~~الوطنية من مزاحمة المصنوعات الأجنبية ولا سيما الكمالي ~~منها. # تشجيع مجال الصناعة بإقراضها النقود ما دامت مضمونة ~~السداد. # الحث على إقامة مصانع متنوعة وتنظيم الأسواق في الداخل ~~والخارج لعرض بضائعها وتصريفها. # وضع حد لإعطاء الامتيازات التجارية للأجانب ووقوفها عند ~~حد الضروري منها. ~~(8) # إصدار القوانين اللازمة لمحاربة المسكرات صيانة للأخلاق وحفظا ~~للنسل. ~~(9) # العمل على تعميم المستشفيات في جميع مراكز القطر ولا سيما مستشفيات ~~الأمراض المعدية والسرية وأمراض البلهارسيا والانكلوستوما والعمل على ~~تقليل أضرارها إن لم يمكن إبادتها. ~~(10) # إقامة الملاجئ للشيوخ والعجزة وأبناء السبيل منعا للتسول. ~~(11) # إصدار قوانين تلزم الآباء مسئولية العناية بأطفالهم إلى سن الرشد، ~~ومنعهم من التسول أو انتهاك حرمات الآداب العمومية. ~~(12) # تنظيم السجون بحيث تكون كمدرسة يدخلها المجرم ويخرج منها صالحا ~~للعمل النافع بعيدا عن الإجرام، كما يجب أن يميز المسجونون السياسيون ~~بمعاملة خاصة. ~~(13) # محاربة البدع والخرافات التي تتعارض مع العلم الصحيح وذلك بأن: ~~(أ) # يضرب على أيدي الدجالين. ~~(ب) # عدم إعطاء رخص لإقامة الزار. ~~(ج) # إنشاء مصحات لأطفال الفقراء يقصدها الضعفاء والناقهون ~~لاسترداد قواهم، وتكون صيفا في جهة مناسبة كالإسكندرية أو ~~بور سعيد، وفي الشتاء في جهة كالأقصر أو حلوان. ~~(د) # إنشاء بساتين داخل المدن الأهلية مع إيجاد ملاحظات ~~وطنيات أو أجنبيات عند الضرورة، لمراقبة أطفال الفقيرات ~~اللاتي يذهبن للتكسب، بينما يكون أطفالهن يلعبون في هذه ~~الحدائق النظيفة الهادئة تحت مراقبة هؤلاء ~~المربيات. ~~(ه) # سن قانون يحمي اليد العاملة من استبداد ~~الرأسماليين. ~~(و) # تعميم النقابات الزراعية في أنحاء القطر. ~~(ز) # إدخال زراعات أخرى خلاف القطن حتى لا تعتمد ثروة البلد ~~على محصول واحد. # القسم النسوي # لا حاجة للتدليل على أن أعمال النساء اللاتي هن نصف مجموع الأمة تمثل حركة تقدمها ~~جميعا، ولا حاجة للاستشهاد بالتاريخ في مواطن عدة على أن رقي الأمم مرتبط طردا ~~وعكسا برقي النساء فيها، فنحن إذا طالبنا بإصلاح النساء خاصة، فلسنا نؤثر أنفسنا ~~على غيرنا من عناصر الأمة، ولكننا نعرف أن في ms202 إصلاح المرأة إصلاح المجموع. # ولا ريب أن خير وجوه الإصلاح العلم والتهذيب؛ لأنهما العامل الحقيقي في إعداد كل ~~فرد للقيام بواجبه على الوجه الأكمل؛ مما ينهض بالبلاد نهوضا حقيقيا. # ولما كان الدين الإسلامي يأمر بتسوية الجنسين في أمور شتى (لا شك في أن التعليم ~~أحدها) فلهذه الأسباب نلح على الحكومة والبرلمان والصحافة وطلاب الإصلاح الحقيقي أن ~~يؤازرونا في هذا الباب الذي هو أولى الإصلاحات بالبدء. # ولا يمنعنا صرف همنا إلى التعليم من المطالبة بحقوق المرأة المهضومة، ولسنا بذلك ~~نطلب بدعة، ولكنا نطالب بالحقوق التي اعترف لنا بها الدين والحق: ~~(1) # مساواة الجنسين في التعليم وفتح أبواب التعليم العالي وامتحاناته لمن ~~يهمها ذلك من الفتيات؛ تشجيعا لنبوغ من لها مواهب خاصة. (ولا يفوتنا ~~ذكر مدام كوري مكتشفة الراديوم استشهادا على نبوغ المرأة)، وتسهيلا ~~للتكسب لمن تحتاج منهن، ورفعا لمستوى العقلية العامة في ~~البلاد. ~~(2) # الإكثار من المدارس الثانوية للبنات، ويبدأ بعواصم المديريات ثم ~~بالمراكز وهكذا. ~~(3) # فصل إدارة تعليم البنات عن تعليم البنين (كما فصلت مراقبة التعليم ~~الابتدائي عن التعليم الأولي على ما بينهما من الشبه). ~~(4) # إحلال الخبيرات بشئون التعليم من النساء محل الرجال في كل فروع ~~التعليم النسوي ومراقبته تدريجيا؛ بحيث لا يبقى فيها أحد من الرجال ~~في نهاية مدة معينة، لأنهن أدرى بحاجة الفتاة وأكثر عناية بالسهر ~~عليها . ~~(5) # تعديل قانون الانتخابات بإشراك النساء مع الرجال في حق الانتخاب ولو ~~بقيود في الدور القادم، كاشتراط التعليم، أو دفعها نصابا معينا على ~~ما لها من الملك. # ولا يكون من الإنصاف الاعتراض على إشراك هذه الطبقة من النساء ولا ~~سيما أن قانون الانتخابات يجعل للرجل الأمي والخالي من الملك حقا في ~~أن ينتخب وينتخب. # وليس من المعقول ولا من العدل وأغلبية الرجال كذلك أن تحرم المرأة مع ~~الشروط المتقدمة من المساواة بمثل هذا الجمهور من الرجال، كما أنه ليس ~~من العدل أن تخضع النساء للتشريع ويتجرعن آثاره وهن نصف الهيئة ~~الاجتماعية دون أن يكون لهن رأي في وضعه. ~~(6) # إصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية وجعلها منطبقة ms203 على ما أرادته ~~روح الدين من الأسر وإحكام الرابطة العائلية وذلك بأن: ~~(أ) # يسن قانون يمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة، كأن تكون ~~الزوجة عقيما أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها ~~الزوجية، وفي هذه الحالات يجب أن يثبت ذلك الطبيب ~~الشرعي. ~~(ب) # سن قانون يلزم المطلق إلا يطلق زوجه إلا أمام القاضي ~~الشرعي، والقاضي عليه معالجة التوفيق بحضور حكم من أهله ~~وحكم من أهلها قبل الحكم بالطلاق طبقا لنص الشرع ~~الشريف. ~~(ج) # العمل مع الدول الأجنبية على نيل رضاها، باعتبارها ~~الأحكام الشرعية التي تصدر بالنفقة واجبة التنفيذ أينما ~~وجد المحكوم عليه ولو في أرض أجنبية. # | الفصل الثلاثون # حل البرلمان في عهد وزارة زيوار باشا عام 1925 بسبب المشاحنات الحزبية التي كانت قائمة ~~بين أفراد الأمة لانشقاقها الحزبي وتباين نزعاتها وألوانها، وكانت الحكومة إذ ذاك تحت إيعاز ~~الإنجليز تحاول هدم الوفد والأحزاب الأخرى، وتكون حزبا جديدا يسمى حزب الاتحاد. في ذلك ~~الوقت قام كبار المصريين وفي مقدمتهم الأمير عمر طوسون يدعون إلى الاتحاد، وقد سعى لذلك عند ~~سعيد باشا، ولكنه لم يقبل المسعى نظرا لتمسكه بفكرة أن خصومه هم الذين يجب عليهم أن ~~يعتذروا له وأن يطلبوا الانضمام إلى الوفد ... # وقد رأيت من جانبي أن أشارك في هذا المسعى، فقمت أولا بجس نبض الأحرار الدستوريين لأعرف ~~إن كانوا حقيقة يميلون إلى الائتلاف، ولديهم استعداد للتضحية في سبيل الوصول إليه، فوجدت من ~~جانبهم ميلا لذلك، وكان أن قفزت فوق عواطفي وكرامتي رغم كل ما فعله السعديون ضدي وكتبت إلى ~~سعد باشا الكتاب التالي يوم 3 أبريل 1925: # حضرة صاحب الدولة سعد زغلول باشا # دفعني إلى أن أبعث بهذا الكتاب إلى دولتكم ما رأيته من أن حقوق البلاد سائرة في ~~سبيل الضياع، وأن هذا إنما هو نتيجة التمادي في المشاحنات الحزبية، واعتقادي أن ~~الحالة إذا استمرت كذلك، فإن نصيب القضية المصرية لن يكون إلا الخسران. # وإني بالرغم من الجفاء السياسي الذي بيني وبينكم، وبالرغم أيضا من المجهودات ~~العظيمة التي بذلت سدى في سبيل الاتحاد، ms204 لا أزال عظيمة الرجاء في أن إخلاصكم لنجاح ~~هذه القضية يجعلكم تدوسون على كل اعتبار، توصلا لإنقاذ البلاد من الحالة السيئة ~~التي وصلت إليها، ولا أشك في أنكم ستقدرون حرج المركز الذي نحن فيه الآن. # لذلك عملت على أن أتشرف بمقابلتكم إذا سمحتم للتفاهم معكم فيما يجب لتدارك الخطر، ~~فإذا رأيتم التفضل بتشريفي في منزلي، شكرت لدولتكم هذا الفضل، وإن أبيتم إلا حرماني ~~من ذلك التفضيل، فإني مستعدة للقائكم في الزمان والمكان اللذين تحددونهما. # هدى شعراوي # وقد رد دولته في اليوم التالي، أي يوم 4 أبريل 1925 بالكتاب التالي: # حضرة السيدة الجليلة هدى شعراوي # تشرفت بكتابكم الكريم، وأشعر القصد الجميل الذي دعاكم إلى كتابته، ويسرني أن ~~أقابلكم عندي في اليوم الذي تختارونه صباحا من الساعة العاشرة أو مساء من الساعة ~~الخامسة. ولحضرتكم فائق احترامي. # سعد زغلول # وفي حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم 5 إبريل، طلبت منزل سعد باشا تليفونيا، فرد خادمه ~~بغلظة: من يريد محادثة الرئيس؟ قلت: منزل شعراوي باشا. قال: ولكن من أنت؟ قلت: أبلغ الباشا ~~ذلك وهو يفهم. قال: هو لا يعرف ولا يكلم من لا يبوح باسمه، فقولي من أنت وماذا تريدين، أو ~~انتظري إلى أن يحضر السكرتير في الساعة العاشرة. # اللقاء العاصف # وفي حوالي الحادية عشرة كلفت سكرتيري أن يطلب سكرتير سعد باشا الخاص، وذهب ليطلب ~~المقابلة، ثم عاد ليقول: لتتفضل السيدة، فذهبت على الفور ... وعندما وصلت استقبلني الخادم ~~على باب الحريم، وفتح لي، وكانت خادمة إفرنجية تنتظرني من جهة الباب الثانية من الداخل، ~~فمشت أمامي إلى الصالون، وبعد أن استقر بي المقام، قالت لي بصوت مضطرب: «سيدي يعتذر ~~لمرضه عن النزول، فإذا كنت تنوين مقابلته ولا يصعب عليك الصعود إلى الطابق الأعلى ~~فتفضلي لمقابلته.» فقلت لها: «أستطيع الصعود ... فقط أخبريه بحضوري»، فذهبت وعادت بعد ~~قليل تدعوني للصعود ... وعندما دخلت، وجدت سعد باشا جالسا على كرسي بمسندين، ولما رآني ~~هم قائما ببطء وقال: «اعذريني إذا كنت قد كلفت خاطرك وأتعبتك بالصعود للدور العلوي، ~~ولكنني أشعر ms205 بتعب في صدري إثر النزلة الشعبية التي اعترتني في الشتاء المنصرم، كنت قد ~~تحسنت في مينا هاوس إلا أن المرض عاودني من مدة، فلم أخرج منذ أربعة أيام تقريبا.» ~~فقلت له: «لا بأس عليك يا دولة الباشا.» وسألني عن صحتي وعن أولادي، فشكرته. وبعد ذلك ~~سكت. قلت له: «يا دولة الباشا أوضحت لكم في كتابي السبب الباعث لطلبي هذه المقابلة، ~~وبالرغم من أني لم أجد في ردكم ما يشجعني على الحضور، إلا أنني أتيت لأتبين ما إذا كنت ~~مخطئة في ظني أو كنت محقة.» فقال: «ألم أشكرك في جوابي على القصد الجميل الذي دعاك إلى ~~كتابته؟» قلت: «نعم. إن هذا ما تستوجبه المجاملة، ولكنه لا يفيد بأنكم توافقون على هذا ~~المسعى.» # قال: «هذا شيء آخر يجب أن نتناقش فيه» ... قلت: «قبل المناقشة، أريد أن أعرف إذا كنتم ~~توافقون مبدئيا على الغرض الذي أتيت من أجله» ... قال: «يجب أن نتناقش أولا» ... قلت: ~~«الموضوع واضح، فإما أنك تشعر مثلي بأن الحالة السيئة التي نحن فيها الآن تحتم الاتحاد ~~... وإما أنك لا تشاركني هذا الرأي، وفي هذه الحالة لا فائدة من المناقشة» ... قال: «سبحان ~~الله، كيف دون مناقشة يمكنني أن أقول شيئا؟ من يكره الاتحاد؟ لا أحد يميل للاتحاد ~~مثلي، ولكني أريد أن أعرف مع من سيكون هذا الاتحاد؟ وعلى أي قاعدة ولأي غرض ؟» قلت: «أما ~~السؤال الأول، فالاتحاد يكون مع خصومك، وعلى القاعدة التي تضعونها بعد التفاهم ... وأما ~~الغرض فهو واضح كالشمس ... إخراج البلد من المأزق الذي هي فيه الآن بسبب الانقسام، ومنعها ~~من السقوط في الهوة السحيقة التي ستسقط فيها إن لم تتحد الأحزاب وتعمل كلها يدا واحدة ~~لمقاومة عدو الجميع ... العدو الخارجي.» قال: «أتريدين أن أتحد مع من هدموا الدستور؟» ~~قلت: «ومن هدم الدستور؟ كيف يكون وراءك أربعة عشر مليونا من الأنفس ثم يأتي زيوار باشا ~~إلى البرلمان بمفرده ويخرجه منه ثم لماذا لم تقل له عندما طلب منك الخروج وقفل مجلس ~~النواب ما قلته عندما طلب الإنجليز نفيك ... أنا ms206 هنا بقوة الأمة ولا أخرج إلا برغبتها؟» ~~قال متأثرا: «لم يكن هناك وقت للتفكير» ... قلت: «سبحان الله. هل في مثل هذه الظروف ينطق ~~القلب أم العقل؟ كان يجب أن تخرج هذه الكلمة من قلبك، فالوطنية الصادقة تنطق بما يوافق ~~الظروف.» # لماذا تحاسبينني وحدي؟ # فأطرق ساكنا ثم رفع رأسه وقال: «لماذا تؤاخذينني على كل ذنب ولا تفعلي ذلك مع ~~غيري؟» قلت: «غيرك مسئول عن نفسه ولا تؤيده الأمة ... فإذا أخطأ فلنفسه، أما أنت ~~فتتكلم عن أربعة عشر مليونا، فإن أخطأت، أخطأت الأمة معك ... ولذلك أحاسبك على كل ما ~~تفعل.» فقال: «ومن أنت؟ ومن تكونين حتى تعطي لنفسك هذا الحق؟» قلت: «أنا مصرية ~~واحدة من الأربعة عشر مليونا الذين تتكلم بلسانهم، ولذلك أجد لنفسي الحق في أن ~~أحاسبك على ما تفعل، وفضلا عن ذلك فإنك لا يمكنك أن تنكر من أنا، ولا ما قمت به من ~~خدمات لوطني، ولا ما لبيتي وأسرتي من الفضل والمساهمة في هذه القضية.» قال: «هل ~~نسيت كل ما فعلته في؟» ... قلت: «ليس هذا مجال عتاب.» قال: «لا بل يجب أن نتعاتب، ~~أتظنين أنه كان من السهل علي أن أوافق على مقابلتك بعد كل ما فعلت بي؟» فأجبته ~~على الفور: «كنت أظن أنك ستفرح وتفخر اليوم بأني نسيت كل أعمالك وأني دست على ~~كرامتي بعد ما فعلته صحفك في ، وكنت أظن أنك ستقدر وطنيتي هذه وتعرف أن ما دفعني ~~إلى ذلك هو حبي لوطني وثقتي بأنك ركن متين في بناء النهضة، فلما رأيت كل المعاول ~~تعمل لهدمك، جئت لأقدم لك مساعدتي ناسية كل شيء ... وما دمت لم تقدر هذا كله ... فنهارك ~~سعيد.» # إذن فالمسألة شخصية # وقمت خارجة، فقام خلفي، وأمسك بيدي وقال: «أعذريني ... لقد تعديت حدود اللياقة، فلا ~~تغضبي»، وأجبرني على الدخول ثانية والجلوس واستئناف المناقشة بعد عتاب تناول بعض ~~الموضوعات الشخصية، مثل عدم سؤالي عنه وهو مريض ... فأعطيته الحق فيما هو محق فيه، ~~وأعطيت نفسي الحق فيما لا حق له فيه، وعند استئناف الحديث قال: «من يقول ms207 إن سعدا ~~يكره الاتحاد؟ ألست أنا الذي بذلت كل جهدي لكي أمنع الانقسام والخلاف وأنا في ~~أوروبا؟ ثم بعد أن عدت إلى مصر، ألم أذهب بنفسي لزيارة خصومي في بيوتهم؟ (ويقصد ~~بذلك زوجي) واجتهدت أن ألم شعثهم.» # قلت: «هذا صحيح، ولكنك بعد ذلك قمت فورا تنشر الانقسام، هل نسيت خطبتك التي ~~ألقيتها في شبرا وغيرها؟ لماذا لم تترك عدلي يسافر؟ وما الذي صنعه عدلي؟ إنه لم ~~يفرط في شيء، بل رفض مشروع كيرزون ورجع مرفوع الرأس موفور الكرامة، فهل كان يستحق ~~المقابلة التي قوبل بها ولا سيما بعد أن أذن له الإنجليز بمبلغ 300 جنيه شهريا؟» ~~قلت: «لهذه المناسبة، هل لك أن تقول لي ما هي الخيانة التي ارتكبها ثروت حتى اقتنع ~~بأنه خائن؟ وهل لك أن تبرز ما عندك من الأدلة على خيانته، فقد داخلني في الرجل الشك ~~وقتا ما لما رميته بالخيانة، وكنت أنتظر منك عند تسلمك مقاليد الحكم بعده أن تقيم ~~الأدلة على خيانته.» قال: «نعم ... كيف لم يرتكب أكبر خيانة؟ إنه انتهك حرمة منزلي في ~~غيابي وأمر بتفتيش أشياء من زوجتي.» وهنا لم أتمكن من منع نفسي من مقاطعته قائلة: ~~«هل هذا كل ما اقترفه ثروت؟ إذن فالمسألة شخصية لا تمس حقوق البلد في شيء ... وإن كنت ~~ترى في عمل ثروت هذا خيانته للبلد، فاسمح لي أن أخلفك في هذا التقدير»، فرد بحدة ~~قائلا: «لماذا تقاطعينني ... دعيني أتكلم كيف ترين هذا قليلا وقد أقدم عليه موعزا ~~من الإنجليز؟» قلت: «وما الذي يثبت لك ذلك؟ هل وجدت عندما وليت الحكم وتسلمت أوراق ~~الوزارة ما يثبت هذا الظن؟» قال: مرة ثانية: «ألم تقرئي الكتاب الأبيض؟» قلت: ~~«وماذا يقول ذلك الكتاب الأبيض؟» قال: «إذا كنت لم تقرئيه، فكيف تقولين إنك تشتغلين ~~بالسياسة؟» قلت: «لقد قرأته، ولكن لم أجد فيه شيئا مما تقول.» قال: «ألم تقرئي في ~~الفقرة التي كتبت فيه لمناسبة قفل بيت الأمة والاعتداء على أشياء زوجتي بتفتيشها أن ~~بعض رجال الدوائر الحكومية قد ارتاحوا لهذا العمل؟» قلت: ms208 «وهل هذا دليل أن ثروت كان ~~ذلك المرتاح؟ ربما كان غيره. ولو فرضنا أنه ارتاح لهذا العمل، فله بعض العذر، فثروت ~~ليس ملاكا يتغاضى عن كل المساوئ ولقد أسأت إليه كثيرا، فهو إنسان وعنده نفس، إذن ~~فله العذر إن كان قد تشفى فيك، إن خصومك يا سعد خونة كانوا أو غير خونة، أنكرتهم أم ~~لم تنكرهم، هم موجودون ولهم حيثية ولهم أولاد وأصهار وأنساب وأحساب وأتباع، ولهم في ~~البلاد مصالح، وهم من كبار البلاد وذوي العقول الناضجة فيها، فلا يمكنك أن تبيدهم ~~عن آخرهم، إذا رأيت في ذلك تطهيرا للبلد منهم ووقاية لها من شرهم، ولكن إذا أردت ~~ذلك، فلا يكون إلا عن طريق واحد وهو تحويل هذه العقول وتلك الهمم إلى ما فيه صالح ~~الوطن وخيره وإزالة الخلاف الذي بينكم، وبذلك تنتفع البلد بالتفافهم حولك بدلا من ~~أن تخسر كما هو جار الآن من جراء انشقاقكم. ولا يمكن أن يكون هذا صعبا عليك أنت ~~الذي أمكنك أن تجتذب قلوب الأربعة عشر مليونا من المصريين، تضللهم إذا شئت وتهديهم ~~بإشارة منك». قال: «أتريدين أن أتحد مع عبد العزيز فهمي الذي قال: إن الشعب المصري ~~غبي وجاهل؟ هل أعجبك منه هذا القول؟» قلت: «لا، أنا لم تعجبني بعض تصريحاته وما كان ~~يليق به وهو وزير أن يتفوه بتلك التصريحات يجاهر بجهل المصري حتى ولو كان ذلك ~~صحيحا.» فقال بلهجة خطابية: «هل الأمة المصرية غبية؛ لأنها جاهلة؟ لا. وأنا أفضل ~~الجاهل المخلص على المتعلم.» # قلت: «كيف تفضل الجاهل على المتعلم العاقل؟ ... وهل يقود الأمم إلا نخبتها أم ~~تقودها العامة والجهلة؟ إن الأمة التي تخضع للعامة تسودها الفوضى». # فقال: «إن الشعب الذي يقوم كما قام الشعب المصري لهو جدير بكل تبجيل، وإنه لشعب ~~نبيل.» قلت: «نعم، ولكنه لم يقم من تلقاء نفسه ... وأنت مثلي تعلم كيف هب ومن الذين ~~ساعدوه على هذا القيام ... وما هم إلا هؤلاء الرجال الذين تسميهم خصومك ... وحرام يا ~~سعد أن تحرم الأمة الانتفاع بهذه العقول النيرة وتلك الكفاءات.» ms209 قال: «ولماذا لا ~~ينضمون إلى الوفد؟» قلت: «كيف ينضمون للوفد وليس للوفد برنامج ولهم برنامجهم؟» قال: ~~«كيف؟ ... لنا برنامج.» قلت: «وأين برنامجكم؟» قال: «ألا تعرفين أن برنامجنا هو ~~الوصول إلى الاستقلال التام لمصر والسودان؟» قلت: «هذه غاية الجميع، وهم وضعوا ~~لتحقيقها برنامجا يوضح طريقة الوصول إلى ذلك الاستقلال. لذلك نريد أن تتحدوا ~~لتتفقوا على تنفيذ هذه الوصية.» # قال: «إذن فليأتوا إلي ليعتذروا أولا، ثم بعد ذلك نتباحث.» قلت: «لا يمكنني أن ~~أطلب منهم ذلك بعد كل الشتائم والتهم التي وجهتها إليهم؛ لأن لكل واحد كرامته وعزة ~~نفسه.» قال: «أتريدين أن أذهب أنا إليهم؟» قلت: «لا ... هناك طريقة تسهل عليكم هذا ~~الأمر، يمكنكم أن تشرفوني وتحددوا موعدا لهذا التشريف، وأنا أدعوهم للحضور ~~والاجتماع بكم في أي وقت تريدون، وإن كنت لا تود أن يعرف أحد أن هذا الاجتماع قد ~~انعقد عندي أو أنني قد نلت هذا الشرف، فلك ألا يعرف أحد ذلك حتى أهل منزلي ... ويمكنك ~~أن تنسب ذلك إلى مسعى الأمير عمر طوسون باشا الذي كان له الفضل الأول في السعي لهذا ~~الاتحاد.» قال: «لا ... لا يمكنني أن أتنازل عن رأيي وهو وجوب انضمامهم إلى الوفد إذا ~~كانوا يريدون الاتحاد» ... وهنا رأيت أن لا فائدة من الإلحاح ... لا سيما وقد استغرقت ~~المقابلة أكثر من ثلاث ساعات، وقمت متأهبة للخروج، فأوصلني حتى السلم ، وهناك وضع ~~يده على كتفي وقال: «لماذا لا تشتغلين معي؟» ... قلت: «لا، أنا مع الحق». فقال ~~محتدا: «وهل أنا الباطل؟» فقلت: «لا أعلم.» قال: «غدا ترين ما يحل بك!» ... قلت: ~~«أنا لا أخشى شيئا لأنني واثقة بأنني لا أعمل لأي غرض إلا لخدمة بلادي، وإن يدك يا ~~سعد لن تصل إلي ولو فرضنا أنك ستحرض علي صبيان الوفد ليرموا منزلي بالحجارة أو ~~ليقتلني أحدهم، فهذا كل ما أتمناه، وهو أقل تضحية في سبيل خدمة بلادي.» # | الفصل الحادي والثلاثون # دخلت المرأة المصرية في الحياة العامة من باب السياسة؛ لأننا في الوقت الذي كنا نفكر فيه ~~في إصلاح حال المرأة ms210 وتنويرها، قامت ثورة 1919، وكان حتما أن يقف كل مصري ومصرية في صفوف ~~الثوار حتى تنال بلادنا استقلالها وحريتها، وتكون صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في أمورها ~~ومستقبلها، ولقد كانت المرأة المصرية صورة طيبة للمشاركة وصدق المشاعر الوطنية، حتى إن ~~الكتاب قارنوا بين موقفها وموقف بعض الرجال، واعترفوا للمرأة بأنها أكثر إيجابية ~~وموضوعية. # وبعد أن استقرت الأمور بعض الشيء في عام 1926 كان علينا أن نتجه بالجهد الأكبر إلى المجال ~~الاجتماعي وأن نهتم بالقضايا الاجتماعية والنسائية باعتبار أن المرأة هي نصف مجموع الأمة، ~~وكل ما تحققه ينعكس على الحياة العامة ويدفع إلى تطور المجتمع. # ولذلك فقد دعوت نساء مصر إلى لقاء في جمعية الاتحاد النسائي المصري في نهاية أبريل 1926، ~~وألقيت فيهن خطابا حول القضايا الاجتماعية والنسائية. # وقد نشرت بعض الصحف هذا الخطاب في أول مايو 1926. وقد جاء فيه: # حضرات السيدات # دعوتكن اليوم لا لأعرض عليكن عملا من الأعمال السياسية التي ألفنا غير مرة ~~الاجتماع للتحدث عن شأن من شئونها، ولا لأحدثكن عن شأن من شئون أي حزب من الأحزاب ~~التي تشتغل بهذه السياسة، فإني أرى اشتغال المرأة بمثل هذه الشئون كان يجب أن يكون ~~بعد أن تنظم من شأنها في العائلة مركزها في المجتمع. # أيتها السيدات: إذا كنا في الماضي بدأنا بمشاركة الرجال في الاشتغال بتلك ~~المسائل، فعذرنا في هذا أن حالة البلد كانت مدة الحرب العالمية وعقبها في مركز ~~استثنائي يثير النفس مهما تعودت الصبر؛ لأن ما نال البلاد في تلك الأيام من الغبن ~~وسوء المعاملة كان يحتم على كل كائن فيه إظهار تذمره وصياحه في وجه ~~الظالمين. # أما اليوم وقد استقرت الحالة على نوع ما، ونالت البلاد الحكم الدستوري، فإن من ~~الواجب علينا أن نترك تلك الأمور السياسية مؤقتا اكتفاء بأولي الشأن فيها من ~~الرجال لنتفرغ لما هو خاص بنا. على أننا قد رأينا بالرغم من مشاركتنا للرجال عدة ~~سنوات؛ إهمالهم شأن المرأة في تقرير حقها السياسي، حتى في أبسط الحقوق الأولية ~~كقبولها ناخبة، مع أن هذا حق لكل رجل ms211 مهما كانت درجته من الجهالة وتجرده من أي ميزة ~~تميزه عن أقل امرأة في الهيئة الاجتماعية، لذلك كانت دعوة اليوم للتحدث معكن فيما ~~تم على يد جمعية الاتحاد النسائي التي لها الحظ الأوفر بمعاضدتكن لها واشتراككن ~~فيها، ولست بحاجة إلى أن أذكركن أن هذه الجمعية تأسست سنة 1923 لتكون واسطة تعارف ~~وتعاون بين المرأة المصرية وأختها الغربية. لقد كان هذا التعارف ضروريا جدا ~~لإزالة ما علق بأذهان الغربيين من تصور المرأة المصرية عضوا أشل أو لعبة من لعب ~~الزينة في أيدي الرجال، ولست أدعي أن الجمعية استطاعت أن تحقق كثيرا من مقاصدها، ~~وذلك: # أولا: # لأن كل عمل إصلاحي تعترضه في بدايته عقبات من ذوي الأفكار ~~الرجعية الذين انطبعوا بطابع التقاليد العتيقة الجامدة. # ثانيا: # لأن المعونة اللازمة لتقوية هذه الجمعية ونشر مبادئها، لم تكن ~~مصحوبة بالغيرة الكافية والمثابرة الواجبة. # سيداتي: بالرغم من السببين السالفين، وبالرغم من أن العاملات المثابرات على خدمة ~~هذه الجمعية من أعضائها لم يزدن على عدد أصابع اليد إلى اليوم ... وبالرغم من كل ذلك، ~~أتت هذه الجمعية بثمرات باهرة في خارج القطر وداخله، ونالت من حسن السمعة ما يشجعنا ~~على مضاعفة مجهوداتنا، ويقوي يقيننا في قرب تحقيق أغراضنا. # أيتها السيدات: عقب إنشاء هذه الجمعية، سافر أول وفد عنها إلى المؤتمر النسائي ~~الدولي العام الذي عقد بمدينة روما في مايو 1923. وهناك تبينت رسلكن وكادت تلمس ~~الفرق العظيم بين حياة المرأة الغربية ومركزها في الهيئة الاجتماعية وبين زميلتها ~~في الشرق، وقد كان هذا الدرس أول قبس اتخذ أساسا لوضع قواعد الإصلاح الواجبة ~~للمرأة عندنا؛ لذلك فكرنا فيما يجب أن نبدأ به؛ لذلك فكرنا في الإصلاح وتنظيم حالة ~~العائلة. # ولما كان الزواج أول مرحلة من مراحل تأسيس العائلة، كان الاشتغال بتنظيمه الحجر ~~الأول في بناء الإصلاح، ولما كان الزواج المبكر عندنا هو أول عقبة تحول بين الفتاة ~~وبين تكوينها تكوينا صحيحا ينهض بها في معترك الحياة، وكان هذا النوع من الزواج ~~شائعا بطريقة مفزعة في أنحاء القطر ولا سيما في القرى ms212 والريف: رأينا أن نبدأ عملنا ~~بطلب تشريع يعصم الفتاة من الزواج قبل بلوغها السادسة عشرة من عمرها، ليكون لديها ~~من الوقت ما يسمح لجسمها بالتكوين ولعقلها بالتهذيب والتثقيف. # وقد كان نظام التعليم لذلك الوقت يحول بين الفتاة وبين أمانيها في التعليم ~~الثانوي، فطلبنا أيضا إلى الحكومة أن تذلل هذه العقبة وتساوي بين الولد والبنت في ~~جميع درجات التعليم. # سيداتي: تذكرن أن وفدا منكن ذهب بتقرير أقرته هذه الجمعية إلى رئيس الوزارة ~~يومئذ صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم، ومما يستحق أن يخلد بجميل الذكر ما نالته هذه ~~الطلبات من عناية دولته؛ إذ قبل انقضاء سنة 1923 صدر المرسوم بمنع مأذوني عقود ~~الزواج عن تحرير أي عقد إلا بعد التثبت من بلوغ البنت السادسة عشرة من عمرها والولد ~~الثامنة عشرة. # وفيما يتعلق بطلب المساواة في التعليم بين الجنسين، قد تلقت الجمعية من صاحب ~~المعالي زكي باشا أبو السعود وزير المعارف في ذلك الوقت كتابا أنه أخذ في درس هذا ~~الطلب ويعد تحقيقه وإجابته قريبا، وها قد تحقق أمر المساواة في التعليم من أوائل ~~سنة 1924. # إذا ذكرنا هذا - ونحن نغتبط بما صادفناه من النجاح - فلا يسعنا أن نمر بدون إظهار ~~أسفنا واستيائنا مما تلا مرسوم الزواج الصريح من صدور منشور سنة 1924 يفسره تفسيرا ~~لا يتفق والروح التشريعية التي صدر من أجلها، إذ إن الحكمة في هذا التشريع صيانة ~~البنت من تصرف والديها تصرفا ضارا بتزويجها تزويجا مبكرا قبل بلوغ تلك السن، ~~فوزير الحقانية أجاز للقضاة في تفسيره أن يقبلوا زواج أية فتاة مهما كانت سنها إذا ~~شهد أبواها أو أحد من أولياء أمرها أنها بلغت السادسة عشرة دون أن يقدموا مع هذه ~~الشهادة ما يؤيدها كورقة الميلاد أو أي وثيقة أخرى رسمية، فكأنه في ذلك اعتبر الخصم ~~حكما، وبهذا أضاع المصلحة وساعد الأولياء على تأدية شهادة قد لا تكون في كثير من ~~الأحوال متفقة مع الواقع. # وإني في هذا المقام مضطرة لأن أطلب من الجمعية الاحتجاج على هذا المنشور، وأن ~~يطلب من ms213 معالي وزير الحقانية الحالي إلغاؤه. # أيتها السيدات: إن نجاح الجمعية في فتح طريق التعليم للفتاة إلى آخر مدى، جعلنا ~~نفكر فيما عسى أن يكون من مركز الأم الجاهلة أمام ابنتها المتعلمة؛ إذ كما بعدت ~~الثقة بينهما في قوة الإدراك والحكم على الأشياء ضعف نفوذ الأم وكرامتها في نفس ~~ابنتها، فرأينا علاجا لهذه الحالة أن نصرف همنا أيضا لإصلاح الأم وترقيتها بقدر ~~الإمكان، فأنشأنا دارا سميت «دار التعاون الإصلاحي» لتدريب الأمهات على المسائل ~~الأولية المنزلية وتعليمها مبادئ القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع اليدوية، ~~وجعلنا بهذه الدار قسما آخر لمعالجة من يؤمه من المرضى الفقيرات وصرف الأدوية ~~مجانا، وتقديم النصائح في كيفية تنظيف أولادهن وتمريضهن وإلقاء محاضرات في قانون ~~الصحة. وكان لنا رجاء أن تنال هذه الدار إقبالا من الأمهات والزوجات الفقيرات ~~معاضدة من السيدات بتطوع فريق منهن لإلقاء هذه المحاضرات والنصائح الصحية بالتناوب ~~بينهن من يوم لآخر، وبالمساعدة المالية التي تمكن الجمعية من إنشاء دور أخرى على ~~هذا النمط في أنحاء متعددة من المدينة، ولكن بقيت هذه الدار وحيدة إلى اليوم، ومما ~~يؤسف له أن السيدات القليلات اللاتي تطوعن في بداية الأمر لإلقاء النصائح على ~~الأمهات، حينما انقطعن عن العمل لأسباب مختلفة، لم يتقدم من يخلفهن في القيام بهذا ~~الواجب الإنساني، وصار القسم الصحي عيادة عادية كالعيادات الأخرى المخصصة ~~للفقراء. # أما القسم الخاص بتعليم القراءة والأشغال، فقد علمتن ما وصل إليه من الرقي ~~والنجاح في مدة قصيرة، وأن ما عرض بنادي الاتحاد النسائي بقصر الدوبارة في أوائل ~~الشهر الجاري من مصنوعات هذا القسم، حاز إعجاب من زاره من جميع الطبقات. # سيداتي: إذا شكوت إليكن من تقصير بعض منا إزاء هذا الواجب الإنساني المقدس، فلي ~~عوض مقابل هذا، وهي تلك اليد البيضاء التي مدها حضرات الأطباء الذين تطوعوا من أول ~~إنشاء هذه الدار بالحضور إلى عيادة المستوصف بعد أن قسموا العمل بينهم يوميا، ~~وكثيرا ما تبرعوا بأموالهم أيضا لمواساة مرضاهم، كما اتفق غير مرة أن يأخذ بعضهم ~~من مرضاه من كان في ms214 حاجة إلى إجراء عملية جراحية كبرى بعيادته الخصوصية وقام ~~بإجرائها مجانا. # بجانب هذا العمل الجليل الذي قام به حضرات الدكاترة، قامت سيدة أجنبية بخدمة هذه ~~الدار مدة طويلة، تذهب إليها يوميا من الصباح إلى المساء، تقسم وقتها هناك بين ~~قسم الشغل وبين المستوصف، تدخل في صفوف التلميذات فتراقب أعمالهن ونظافتهن مراقبة ~~دقيقة، وفي الوقت نفسه تلقي النصائح وتجهد نفسها ليكون النظام تاما والسكون ~~سائدا، وعلى العموم كانت تعمل على إصلاح ما تراه ناقصا، ولم تكن في المستوصف أقل ~~نشاطا في القيام بالواجب الإنساني، وطالما ذهبت إلى بيوت المرضى لتتحقق من حالها ~~الصحية وما تحتاج إليه، وما كانت تطرق هذه المنازل كزائرة عادية ولكن كناصحة ومرشدة ~~للخير. # تلك السيدة اليابانية حرم المرحوم أحمد بك فضلي، وفي الواقع كانت اليد اليمنى ~~لإدارة هذه الدار، وكل ما رأيته من تقدم ونجاح، فإنما هو ثمرات مجهودات هذه السيدة ~~الفاضلة. وأنه ليحزنني جدا أن أخبركن أن هذه السيدة بارحت القطر في أوائل هذا ~~الشهر، وقد دعتها إلى السفر ضرورات شخصية، فشيعت منا ومن كل من يعرفها بالعبرات ~~والحسرات. # بعد هذا فوجئنا بصدمة أخرى لوفاة عضو عامل كفؤ في جمعيتنا، تلك هي صغرى أخواتنا ~~الناهضات العاملات الآنسة «فكرية الصلح» وافتها المنية في الأسبوع الماضي وهي في ~~الثالثة والعشرين من عمرها في السن التي لا تفكر فيها مثيلاتها إلا في ملابسهن ~~وزينتهن، كانت كرفيقتها مدام فضلي بك تمضي أيامها في دار الإصلاح دون أن تضن بوقتها ~~ومجهوداتها. # وإن هذه الصدمة لتذكرنا بخسارة كبيرة أخرى لحقتنا في السنة الماضية، وفي مثل هذا ~~الميعاد تقريبا، بوفاة المأسوف عليها زميلتنا «سعاد الهلباوي»، وكانت بين أعضاء ~~الجمعية مثلا أعلى في الإخلاص والنشاط ومكارم الأخلاق، فتكريما لذكراهما أسمح ~~لنفسي بطلب وقف الجلسة خمس دقائق حدادا عليهما ومناجاة لروحيهما. # سيداتي بجوار هذه الأعمال رأينا أن نعرض عليكن في ختام كلمتنا هذه ثلاثة أمور ~~مهمة: # الأول: # عزمنا على إجابة دعوة مؤتمر النساء الدولي العام الذي سيعقد ~~بباريس في 21 مايو المقبل لتمثيل جمعيتنا هذه ms215 التي هي فرع من ~~فروعه، وحبذا لو سنحت الفرصة لبعض منكن بالسفر معنا لهذا الغرض، إذ ~~كلما كثر عدد الوفد الذي يمثل هذه الجمعية، زادت شأنا وكانت أعظم ~~أثرا في تأييد المشروعات الناقصة التي ستنظر في المؤتمر هذا، ولن ~~تكون مباحث المؤتمر مقصورة على المشروعات النسوية، بل ستتناول ~~مسألة كبرى تطمح إلى تحقيقها جميع شعوب العالم، تلك المسألة هي ~~طريق الوصول إلى تحقيق السلام العام، وإن أكبر فخار لمصر أن يكون ~~لنفر من أبنائها قسط وافر في بحث هذا المشروع ودرسه والمساعدة على ~~تحقيقه. # الثاني: # ملخص التقرير الخاص بإدارة هذه الجمعية والدار التابعة لها من ~~الوجهة المالية، وهذا لكي ترين يقينا أن المساعدة المالية كانت ~~أيضا ضئيلة، ولعل ذلك يستنفر غيرتكن وغيرة كل مصرية ويدعو إلى ~~زيادة البذل والتضحية وانضمام عدد كثير من السيدات إلى ~~صفوفنا. # الثالث: # مشروع تقرير نرغب في عرضه على الوزارة، ويتضمن طلب إصلاح خمس ~~مسائل كبرى تخص المرأة، وهي: ~~(1) # وضع حد لتعدد الزوجات. ~~(2) # وضع حد لفوضى الطلاق الحاصل الآن. ~~(3) # إصلاح القوانين الخاصة بما يسمى دار الطاعة. ~~(4) # حق الأم في حضانة أولادها. ~~(5) # إلغاء منشور سنة 1924 المعطل لقانون تحديد سن ~~الزواج. # وإني لا أشك في أنكن ترين المصلحة العظيمة في إقرارنا على هذه المطالب، فأرجو إذا ~~صح ظني هذا أن تنتخبن بعد الموافقة لجنة لتقوم بتقديمه إلى صاحب الدولة رئيس ~~الوزراء وصاحب المعالي وزير الحقانية . # هذا ما أردت بيانه اليوم، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا إلى النجاح. # | الفصل الثاني والثلاثون # انعقد المؤتمر النسائي الدولي العاشر في باريس، وقد اختيرت جامعة السوربون مقرا لهذا ~~المؤتمر الذي عقد تحت رعاية وزير المعارف الفرنسي، وذلك في الفترة ما بين 30 مايو و6 يونيو ~~1926، وجدير بالذكر أن جلسات هذا المؤتمر قد بدأت بصفة غير رسمية قبل موعد انعقاده بخمسة ~~أيام، كما استمرت بعد موعده الرسمي بيومين، وبذلك تكون أعماله قد امتدت إلى خمسة عشر ~~يوما. # وقد اشتركت في هذا المؤتمر 42 دولة، مثلتها حوالي 500 من الأعضاء الرسميات إلى جانب بضع ms216 ~~مئات أخرى جئن بصفة غير رسمية لمتابعة قضايا المرأة في مختلف أنحاء العالم. # وتناول المؤتمر الذي عقد برئاسة مسز «اشبي» رئيسة الوفد الإنجليزي، عديدا من الموضوعات ~~الاجتماعية والنسائية، وشكلت اللجان المختلفة لدراسة هذه الموضوعات وهي: # الأم غير المتزوجة، وجنسية الزوجة، وحقوق الزوجة. # المساواة بين الجنسين في العمل، وحق المرأة في أن تكون ناخبة وقابلة ~~للانتخاب. # منع تجارة الرقيق ومقاومة البغاء. # السلام العام. # النشر والدعوة لتحرير المرأة. # وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان من الأعمال غير الرسمية التي سعى إليها المؤتمر توثيق الروابط ~~بين الشعوب، ولتحقيق ذلك دعيت الوفود المشتركة في المؤتمر لزيارة البلدية، والمستشفيات ~~الخاصة بالنساء والأطفال، والمعاهد، والمصانع، ودور الفنون. # وقد انتخب الوفد المصري سبع سيدات للذهاب إلى مؤتمر باريس، اعتذرت منهن سيدتان وسافرت ~~الخمس الأخريات. وكان هذا الوفد تحت رئاستي؛ حيث تحدثت في جلستين رسميتين هما حفلة الافتتاح ~~الكبرى بالسوربون وحفلة السلام في تروكاديرو، وتحدثت السكرتيرة الآنسة سيزا نبراوي في حفلة ~~ممثلات الشعوب في مركز الجمعيات البلدية، وتحدثت السيدة أستر فهمي ويصا بالإنجليزية عن ~~رأيها في عصبة الأمم. # وقد وقعت حادثة صغيرة في جلسة الافتتاح، فقد كنت قد سلمت العلم المصري إلى سكرتارية ~~المؤتمر لترفعه بين الأعلام الأخرى في انفتياترو السوربون، ولكن حدث سهو أدى إلى عدم رفعه ~~وعندما جاء دور مصر في إلقاء كلمتها، بدأت خطبتي بإعلان الأسف إذ لم يكن العلم مرفوعا بين ~~الأعلام الأخرى، رغم أن مصر كانت ولا تزال مهد السلام والاعتراف بحقوق المرأة، وهما الأمران ~~اللذان اجتمع المؤتمر للدفاع عنهما. وقد اعتذرت رئيسة المؤتمر لهذا النسيان، كما اعتذر وزير ~~المعارف الفرنسي الذي كان يرأس جلسة الافتتاح، وأضاف أن مصر التي هي أول مناهل الحضارة ~~والتي لا تزال تتصل وفرنسا بروابط ود لا تنسى لا يمكن أن يحصل إزاءها هذا النقص قصدا؛ ~~بدليل العطف والتقدير اللذين أظهرهما جمهور الفرنسيين عند قيامي بإلقاء كلمتي، وقد تم رفع ~~العلم المصري بعد ذلك في كل المواقع التي كان للمؤتمر شأن فيها. # وجدير بالذكر أن الوفد الفرنسي قد عبر ms217 عن أطيب النوايا عندما بدأ بترشيحي عضوا في اللجنة ~~التنفيذية للاتحاد النسائي الدولي، وقد تبعته الوفود الأخرى في تزكية هذا الترشيح. وبذلك ~~أصبحت الممثلة الوحيدة للمرأة في بلاد الشرق الأقصى والأدنى في هذه اللجنة. # كذلك فقد انتخبت ضمن أعضاء اللجنة المعنية ببحث مسألة السلام الدولي، وكان هذا الانتخاب ~~انتصارا لمصر التي كانت تسعى للسلام، وترغب في دخول عصبة الأمم مساواة بالبلاد المستقلة ~~الحرة، وقد صادف هذا الاختيار سعي عدلي باشا يكن لإدراج مصر ضمن عصبة الأمم. # وقد انتهزنا فرصة انعقاد المؤتمر لعرض بعض المصنوعات المصرية الدقيقة إلى جانب معروضات ~~البلاد الأخرى، وقد لقيت مصنوعاتنا إقبالا ونجاحا كبيرين، وكانت وسيلة طيبة للدعاية لمصر ~~ولقضيتها. # وأذكر أن رئيسة المؤتمر «مسز كوريت اشبي» قد هنأتني على نجاح مجلة «المصرية» واعتبرتها من ~~عوامل نهضة المرأة في مصر والشرق، وترجمانا عن هذه النهضة في بلاد الغرب؛ حيث كانت تصدر ~~باللغة الفرنسية، وقالت: إنها من أرقى المجلات النسوية في العالم. # الحركة النسوية في مصر # ولقد شهد مندوب جريدة السياسة هذا المؤتمر، وكتب إلى جريدته في أول يوليو 1926 يتحدث ~~عن المؤتمر فقال: «لقد ساعدني الحظ في شهود هذا المؤتمر فرأيت كيف تتضافر سيدات العالم ~~في النضال عن حقوقهن وعن حقوق الإنسانية جمعاء، وعجبت كيف لا يزال بين المتعلمين ~~النابهين من يمعن في الأثرة على حساب المرأة، وهي كما جاء في مطلب الاتحاد النسوي ~~المصري نصف المجموع ومربية الجيل القابل جميعه، رجالا ونساء، شعبا ونوابا. وشهدت ~~المؤتمر وتتبعت آثاره في الإصلاح والنهوض والمعاونة، فازددت يقينا على يقيني بأحقية ~~المرأة في ضرورة فتح باب المساواة المطلقة يدخل منه كل من يستطيع بمقتضى الأحقية لا ~~بمقتضى النوعية؛ لأن التمييز النوعي لا يفيد التفوق في الكفاءة. # على أنه لا محل للصخب ولا للأخذ والرد الآن ولا تزال مطالب المرأة المصرية محدودة ضمن ~~دائرة صغيرة لا تكاد تتعدى إصلاح العائلة، كتحديد الزواج والطلاق، وحماية المطلقة ~~والطفل، ومقاومة الأمراض الضارة بالنسل، وتعميم التعليم الأولي بين الفتيات، وفتح باب ~~التعليم العالي لمن تريد ms218 منهن. # وعندي أن وزارة عدلي باشا في غنى عمن يقنعها بأحقية هذه المطالب في العصر الحاضر، ~~وأظن أن ثروت باشا كان قد شكل لجنة في الحقانية لإنصاف المرأة حسبما يوافق الشرع وروح ~~العصر. # وبمناسبة هذا المؤتمر، أقول إن هدى هانم شعراوي رئيسة الاتحاد النسائي ومؤسسته في مصر ~~ورئيسة الوفد المصري النسائي خارج القطر؛ بذلت من الجهد سابقا في روما وجراتز وواشنطن ~~وفيينا، ولاحقا في باريس، ما جعل مصر مرفوعة الرأس موفورة الكرامة. # إن هذه الجهود العظيمة على تواضعها، الشاملة على نزاهة مقصدها، الهادئة على ما فيها ~~من تضحية، لتستحق التقدير، وكل ما يستطيع مثلي لا يملك إلا قليلا إزاء هذه المصرية ~~الكبيرة، هو أن يتقدم إليها على صفحات هذه الجريدة الغراء التي طالما خدمت قضية المرأة ~~بأسمى عبارات الاحترام والتقدير.» # زعيمة النهضة النسائية # وبعد عودتنا من المؤتمر، تحدثت الصحف والمجلات عند دور الوفد النسائي المصري في ~~باريس، وكان من ذلك ما كتبته الآنسة «فتاة الريف»، وجاء فيه: # جاء عصر قالوا فيه الرجال بالأعمال، وظهرت هدى هانم شعراوي فمن حقنا أن نقول: ~~هدى من عظماء هذا العصر. # الرجل في كل زمان ومكان بعمله، وهدى لم تظهر بمالها وجاهها ولا بنبل عائلتها، ~~إنما ظهرت بعملها. # بين الرجال والسيدات مكان من ذوي المال والنبل والجاه، وكلهم نكرات لا يعرفهم ~~حتى جيرانهم، حياتهم في خمول فهم أحياء في قبور، ومن الناس كثيرون بلغوا الشهرة ~~غير الخالدة، فهي شهرة لم تدعم ولم تقم على أساس متين، أما وقد برزت زعيمة ~~النهضة النسائية في مصر، فقد جمعت إلى الثروة والنبل، العلم الصحيح والاطلاع ~~الواسع والرغبة القوية في العمل المجدي وقوة الإرادة والاستخفاف بالمصاعب، صفات ~~متى توفرت لإنسان، قام عمله على أساسات قوية متينة، فتلك هي هدى هانم، زعيمة ~~بحق جمعت كل الصفات اللازمة للزعامة كاتبة وخطيبة ومبصرة حكيمة. إنها لم تعمل ~~في دائرة محدودة متناسية قوة فرد من أفراد الجنس اللطيف، إنما طلبت العالم كله ~~ميدانا لعملها الخطير ورفعت صوتها عاليا مطالبة بحقوق المرأة، لا لتسمع ms219 أهل ~~مصر فقط، إنما رفعته باسم المرأة المصرية لترفع صوت مصر ومقام المرأة المصرية ~~في نظر العالم المتمدين كله، وقد فعلت ... كانت هدى في مصر زعيمة للنهضة تدبر ~~الأمر بحزم، وظهرت في المؤتمرات النسائية الأوروبية في أرفع طبقة من طبقات ~~الزعماء في أنحاء العالم، فقدرها الرأي العام قدرها الصحيح وعرف مكانها من ~~العلم والأدب، فأدرك القاصي والداني مقام المرأة المصرية بين طبقات المتحضرات، ~~وما ذلك كله إلا بفضل تلك الزعيمة الخالدة، وليس هذا مقاما عن أعمالها وآرائها ~~في المؤتمرات وفي كل مكان صاحت فيه باسم المرأة المصرية؛ لأن هذا الشيء إذا كتب ~~لا تكفيه المجلدات، إنما كتبت هذه الكلمة بلسان النهضة النسائية لشكر الزعيمة ~~الجليلة على المجهودات التي بذلتها في سبيل هذه النهضة المباركة لرفع اسم ~~المرأة المصرية، ومن حقنا بل ومن الواجب أن نستقبل الزعيمة الخطيرة بقلوب تخفق ~~ابتهاجا بعودتها سالمة في صحة جيدة، وبصدور منشرحة تنطوي على الحب الكامن في ~~القلوب لهذه الزعيمة الجليلة وتقديرها قدرها الذي استحقته بالتضحية والعمل ~~المنتج، ولو أن في وسعنا أن نجعل الأفئدة سرادقا تحل فيه للتكريم، لفعلنا ~~مبتهجات، وإنما المعقول الذي في المقدرة هو تكريس قلوبنا لصورتها المحبوبة، ~~فاتحة عصر جديد للنهضة النسائية تمدها بروح منها فتبعث فينا الهمة والرغبة في ~~العمل. وفقنا الله جميعا للسبيل القويم. # جمعية السلام # لقد قيل الكثير والكثير بالنسبة لمشاركة المرأة المصرية في المؤتمرات النسائية ~~الدولية، وقد أردت هنا أن أسجل بعض ما قاله الرجال، وأيضا ما قالت المرأة، وليس يعنيني ~~هنا الحديث عن هدى شعراوي كشخص بقدر ما يعنيني هذا الحديث كرمز ... فقد انطلق صوت المرأة ~~المصرية في المحافل الدولية، واستطاعت أن تخدم القضية المصرية فضلا عن خدمة القضايا ~~النسوية والاجتماعية. # لقد كتبت الصحف تقول: «خطبت السيدة هدى شعراوي وهي لابسة الثوب الوطني عن النساء ~~المصريات، وكان الاستحسان العظيم الذي قوبلت به خطبتها بمثابة أعظم «بروباجندا» لمصر في ~~الصحف العديدة والأوساط الكثيرة، وقد أذيعت الخطبة باللاسلكي.» # ومن هذه السطور، يبرز معنى أننا كنا نحمل رسالة مصر ms220 إلى كل مكان، ونعبر عن وجه مصر في ~~كل مؤتمر، ونتحدث باسم مصر في كل موقع. # ومن أجل هذا الهدف أيضا ذهبت إلى جنيف في سبتمبر من العام نفسه تلبية لدعوة من ~~المكتب الدولي لجمعية السلام، باعتباري عضوا فيه، لحضور الاجتماعات والمناقشات الخاصة ~~بتقرير أفضل الوسائل لاشتراك النساء في خدمة السلام العام، وقد انتهزت فرصة هذه ~~الاجتماعات لكي أتحدث عن التطور العقلي للحركة النسائية المصرية، وأذكر أن أعضاء المكتب ~~قد قابلن حديثي بإعجاب وتقدير، وكان هذا تعبيرا عن نظرة مصر إلى السلام، وعن جهادها من ~~أجله، وعن دفاعها عن حق الشعوب في أن تعيش حرة كريمة في ظل السلام. # | الفصل الثالث والثلاثون # بعد أن عدنا من مؤتمر باريس، وبعد أن شاركنا فيه بقسط وافر، وحققنا فيه نتائج باهرة من ~~أجل قضية المرأة والتطور الاجتماعي والسلام العام، كان علينا كعادتنا أن نعكف على دراسة ما ~~قام به أعضاء الوفد المصري في المؤتمر، ولذلك دعوت أعضاء الاتحاد النسائي لعقد عدة جلسات من ~~أجل هذا الغرض، وقد انتهت هذه الجلسات إلى إعداد تقرير، رفعته جمعية الاتحاد النسائي المصري ~~في 21 نوفمبر 1926 إلى أصحاب الدولة والمعالي رئيس مجلس الوزراء ووزير الحقانية ورئيس مجلس ~~الشيوخ ورئيس مجلس النواب. # وكان هذا هو نص التقرير: # حضرة صاحب ... # تتشرف جمعية الاتحاد النسائي المصري بأن تعرض على أنظاركم أربعة مطالب حيوية ~~تحتاج لشيء من عنايتكم، وترجو - ولها كبير الأمل في غيرتكم - أن توفقوا في القريب ~~العاجل لوضع نظم لإصلاحها؛ لأنها تمس حياة كل عائلة مصرية تقريبا، ولها كبير الأثر ~~على راحة الأسر وسلامها. # إننا نطلب إصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية، وجعلها منطبقة على ما أرادته ~~الشريعة من إحكام الروابط العائلية وسيادة الهناء فيها، ولذلك نطلب صيانة المرأة من ~~الظلم الواقع عليها: # أولا: # من تعدد الزوجات بدون مبرر. # ثانيا: # من الإسراع في الطلاق بدون سبب جوهري. # ثالثا: # من الظلم والإرهاق اللذين يقعان عليها فيما يدعى بدار ~~الطاعة. # رابعا: # من أخذ أولادها في حالة افتراق الزوجين في سن هم فيها ms221 في أشد ~~الحاجة لعناية أمهم وحنانها. # ونكاد نكون واثقات أن ترى معنا أننا لا نطلب إلا عدلا وسلاما هم غرضان مهمان من ~~غرض الشارع، لا شك أن في إباحة الدين لتعدد الزوجات عند الضرورة وفي إباحة الطلاق ~~عند انقطاع الرجاء من إصلاح ذات البين، حكمة ورحمة، ولو أن كل رجل اتقى الله ~~واستعمل هذا الحق عند الضرورات التي شرع لها، لما كان هناك محل للشكوى، غير أن هذين ~~السلاحين اللذين أوجدهما الشارع ليكونا نعمة ورحمة عند الضرورة، أسيء ويساء ~~استعمالهما خصوصا من الجمهور الجاهل وهو الأغلبية الساحقة في هذه البلاد، وأصبحنا ~~... وهذان السلاحان سيفا نقمة مسلولان يهددان هناء العائلات وسلامها، ومن أدرى سواكم ~~بعدد ضحايا الظلم والجهل. # فإذا نحن طالبنا بسن قانون يمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة، كأن تكون الزوجة عقيما ~~أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية (وفي هذه الحالات يجب أن يثبت ذلك ~~الطبيب)، وإذا نحن طالبنا بسن قانون يلزم المطلق ألا يطلق زوجه إلا أمام القاضي ~~الشرعي الذي عليه معالجة التوفيق بحضور حكم من أهله وحكم من أهلها قبل الحكم ~~بالطلاق، فلأن هذه القوانين تزيل الفوضى الحاصلة في مسائل الزواج والطلاق، وبالتالي ~~تزيل التعس والشقاء اللذين يرزح تحتهما الألوف من النساء بسبب سوء تصرف الرجال في ~~ذلك الحق، فكم من نساء يطلقن لأوهى الأسباب، وفي لحظة تنحل الرابطة العائلية ~~المقدسة، وكم من نساء يتزوج أزواجهن بغيرهن لغير سبب إلا أنانية الرجل ، ناهيك بما ~~يصيب الأولاد في الحالتين من جراء قطع الصلة بين والديهم، مما لا يحتاج إلى ~~شرح. # أخطر من السجن! # أما المسألة الثالثة، أي إكراه الزوجة على الذهاب إلى ما يدعى دار الطاعة، فتتطلب ~~النظر في تحديد الحقوق المقررة في باب ولاية الزوج وما يدعيه من الحقوق على زوجته؛ ~~لأن المسألة من الأهمية بمكان وأصبحت سلاحا يستعمله الرجل حينما تخرج زوجته من دار ~~الزوجية لسوء معاملته أو تعذر العيش معه بهدوء وراحة. تخرج فيتركها تخرج لأي وقت ~~شاءت، وقد يجد سعادة في هذا الفراق. فإن ms222 حدثتها نفسها بطلب الإنفاق عليها (وقد يكون ~~الباعث لها على هذه الرغبة هو الطلاق من الزوج)، تراه يطلب من القاضي الشرعي الحكم ~~عليها، لا رغبة في معاشرتها، وإنما هو سلاح يريد إكراهها به (إن كانت موسرة) على ~~إعطائه مبلغا مقابل الطلاق، وإن كانت معسرة فلإكراهها على إبراء ذمته من نفقة ~~وغيرها. # إن دار الطاعة هي أخطر من دور السجن المعدة لإيواء الأشقياء والمحكوم عليهم ~~بارتكاب الجرائم والمنكرات؛ لأن المسجونين تحت إشراف أناس محدودة سلطتهم في القانون ~~وليس بينهم وبين المحكوم عليهم عداء أو خصومة تستفزهم إلى التنكيل والتعدي على حدود ~~السلطة التي لهم قانونا، أما الزوج (وهو الخصم والحارس على المرأة التعيسة المقضي ~~عليها بالدخول تحت طاعته) فلا سلطان لأحد عليه أمام هذه المسكينة. وهو يملك كما ~~يقول بعض الفقهاء إغلاق الباب عليها ومنع كل إنسان من الدخول عليها إلا بإذن، كما ~~يملك الادعاء عليها وهي في السجن أنها خالفت أمرا، ويتعدى عليها بالسب والضرب، ~~والمحاكم الشرعية لا تعتبر كل هذا خروجا من الزوج على الحدود التي له شرعا على ~~زوجته. # أيكون للحكومة تشريع عام يعاقب أي شخص يعتدي على حرية الغير بالحبس طال الوقت أم ~~قصر. ويعاقب أي شخص اعتدى على كرامة الغير بالسب أو بالشتم، ويعاقب أي شخص آذى غيره ~~مهما كان الإيذاء خفيفا. كل هذا التشريع يتمتع به جميع أفراد الأمة إلا هذه الزوجة ~~المسكينة إذا كان المعتدي عليها زوجها، يحبسها ولا عقوبة عليه ... ويسبها ولا عقوبة ~~عليه ... ويضربها ولا عقوبة عليه ... كل هذه الجرائم ترتكب باسم الدين، ونحن نعتقد ~~ببراءة الدين من كل ذلك، بدليل قوله تعالى: # ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا # وقوله أيضا: # فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ~~. # المسألة الرابعة، وهي رعاية الطفل وتقرير من له حق الولاية عليه عند اختلاف ~~الأبوين أو موت أحدهما، من المسائل التي تستدعي النظر في إصلاحها؛ لأننا نرى أن ~~الجاري عليه العمل في القضاء الشرعي ليس وافيا دائما بوضع الطفل تحت مراقبة صحيحة ~~عطوفة ويد باردة تعنى بتربيته تربية صحيحة ms223 جسميا وأخلاقيا، وأسوأ الحالات ~~وأبعدها عن الإنصاف حالة وجود أم للطفل مطلقة وغير متزوجة، أي متفرغة للسهر على ~~مصلحة أولادها، ينزع ولدها من حضانتها في سن السبع إن كان ذكرا والتسع إن كانت ~~أنثى، ينتزعون منها وهم في سن أحوج ما يكونون فيها لرعايتها وعنايتها، ينزعون منها ~~وهي أحق الناس برعايتهم وأحن عليهم من أي إنسان، تقضي المحاكم الشرعية بحرمان الأم ~~من أولادها في السن المذكورة مع أنه بمقتضى حكم الشريعة يبقى الولد في حضانة أمه ~~حتى يستغني عن النساء، والبنت حتى تحيض، والإمام مالك نص على أن يبقى الصبي في ~~حضانة أمه حتى يحتلم والبنت حتى تتزوج. فهل يصح، وهذا نص الشريعة ورأي إمام مشهور، ~~أن تكون السابعة أو التاسعة سن الاستغناء عن النساء، وإن صح ذلك محتمل يوم أن كانت ~~الحياة أقل تعقيدا وأقرب إلى البداوة منها اليوم، فهل يصح في العصر الذي نعيش فيه ~~وقد تضاعفت الحاجات وتعددت وسائل التربية وطرق الوقاية الصحيحة؟ المشاهد أنه لا ~~يمكن الاستغناء عن معونة الأم ونصائحها قبل السادسة عشرة، والدليل على ذلك أن ~~الحكومة نفسها جرت على هذه القاعدة وقررت حديثا اعتبار سن الرشد مبتدئا من ~~الحادية والعشرين. # الإصلاح الاجتماعي # ولقد كان ما ينادي به الاتحاد النسائي المصري موضع تقدير الرأي العام. وكانت الصحافة ~~تؤيد المطالب التي ننادي بها، ليس باعتبارها مطالب نسائية وإنما باعتبارها في الواقع ~~مطالبة بالإصلاح الاجتماعي. # وقد كتبت جريدة السياسة اليومية في عددها الصادر بتاريخ 5 ديسمبر 1926 تحت عنوان ~~«الاتحاد النسائي المصري ومطالبه في سبيل الإصلاح الاجتماعي» تقول: # يقوم الاتحاد النسائي المصري برئاسة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي إلى جانب ~~نشاطه السياسي بنشاط اجتماعي بعيد المدى في حياة الأسرة المصرية. # ولم يقف نشاط الاتحاد النسائي عند السعي لتطور العادات القديمة تطورا يكفل ~~سير المرأة في السبيل الصالح ويحول دون الطفرة المفسدة. بل أضاف إلى ما قام به ~~في هذه الناحية والسعي لتطور التشريع في الأحوال الشخصية تطورا يجعله دائما ~~في حدود الشريعة الإسلامية السمحة، على ما ms224 أقرها أكابر الفقهاء عليهم رضوان ~~الله مع اتفاقه وحاجات هذا العصر الذي نعيش فيه. # والقراء يذكرون ما تقدم به الاتحاد النسائي في شأن تحديد سن الزواج وما لقيه ~~من نجاح. كما يذكرون مطالبه في شأن الطلاق وتعدد الزوجات وسائر الإصلاحات التي ~~طالب بها ملحا في تحقيقها. # ومن الخطأ تصور هذه الطلبات على اعتبارها نسائية، وهي في الواقع مطالبة ~~بالإصلاح الاجتماعي يشمل النساء والرجال معا ... وهل في الحياة شيء يتأثر به أحد ~~الجنسين ولا يتأثر به الجنس الآخر. # ومضت الصحيفة في مقالها تقول: «ومن الخطأ كذلك النظر إلى هذه المطالب التي تقدمها ~~السيدات نظرة خصومة بين الجنسين، ذلك لأنها كما سبق القول لا تتناول النساء وحدهن بل هي ~~تتناول الأسرة كذلك. والأسرة تجمع الرجل والمرأة والطفل. والأسرة نواة الجماعة، ثم إن ~~تصوير الخصومة بين الرجل والمرأة في الإصلاحات الاجتماعية أو السياسية تصور عتيق أساسه ~~باطل، فالحياة تضمن حتى في التنافس، وأول ما يكون التضامن وأشده وأبعده عن منطقة ~~التنافس، تضامن الرجل والمرأة فهما قوام العائلة. وأنت لا تستطيع أن تتصور عائلة قائمة ~~على التنافس والخصومة بين أعضائها، من غير أن تتصور البؤس والشقاء حليفين لهذا ~~التنافس.» # وواصلت الصحيفة مناقشة بموضوعية، فقالت: «ومن الخطأ النظر إلى هذه المطالب بعين ~~التهاون أو الاستمهال فهي ليست بنت اليوم بل هي بنت سنة 1899 حين تقدم بها المرحوم قاسم ~~أمين في كتابه تحرير المرأة، بل هي أقدم من ذلك عهدا، فقد كان الناس في كل زمان ومكان ~~يطالبون بإصلاح نظام الأسرة وبالعمل لإزالة كل ما يقوم عائقا في سبيل هناءتها وتمكينها ~~من القيام بالواجب الاجتماعي والسياسي العظيم الملقى على عاتق كل فرد من أفرادها. وهبها ~~كانت بنت اليوم، فهي لن تكون كذلك أقل خطورة واستعداء للعناية والاهتمام فليس من ينكر ~~أن لحالة العائلة في مصر اليوم تأثيرا مباشرا على كثير من أمراضنا الاجتماعية، وأن ~~إصلاح هذه الحال يترتب على شفاء هذه الأمراض.» # وانتهت الصحيفة إلى القول: «ومسألة الطلاق ليست أقل من مسألة تعدد الزوجات خطرا. ms225 ~~ونحن في غنى عن وصف الشقاء والبؤس المترتب على إلقاء حبل الرجال على غاربهم في هاتين ~~المسألتين، وفي غنى عن القول إن الشقاء والبؤس لا يتناول النساء والأطفال وحدهم بل ~~يتناول الرجال معهم. وهم إذا لم يحسوا به أول ارتكاب هذه الآثام فإنهم يحسون به فيما ~~بعد. # وما دام في مذاهب الشرع السمح الحنيف ما يسمح بهذا التنظيم كما نظم الزواج والتعاقد ~~عليه من قبل، وكما نظمت أشياء كثيرة تنظيما أقره الفقهاء؛ لأن الشرع أقره، فإنا نكرر ~~أن من حقنا ومن الواجب علينا تأييد الاتحاد النسائي في مطالبه، ومن حق الحكومة ومن ~~الواجب عليها أن تعمل لتنفيذ هذه المطالب، وأن تسن القوانين الخاصة بها لتقدم إلى ~~الهيئة التشريعية لإقرارها وإصدارها.» # وكانت صحيفة «الأهرام» قد أجرت معي حديثا بشأن تعدد الزوجات، أكدت فيه أن منع الرجل ~~من الزواج بامرأة ثانية إلا إذا أذن القاضي، يضع عقبة إلى حد ما في طريق ذوي الشهوات من ~~الرجال، ولكن هذا وحده ليس كافيا لدرء ويلات الجمع بين الزوجات، والحل الأمثل هو منع ~~الرجل المتزوج من أن يتزوج بامرأة ثانية إلا في حالة ما إذا كانت زوجته مصابة بالعقم أو ~~بمرض غير قابل للشفاء. # وقد علقت على هذا مجلة «الحسان»، فقالت: «يجب أن يكون قانون الزواج صريحا في نصه ~~بعدم تعدد الزوجات إلا في حالة الضرورة القصوى التي تضطر الرجل أن يأخذ زوجة أخرى؛ لأن ~~الرجل لا يتزوج بامرأة واثنتين إلا لشهوته ومطامعه البهيمية، وبذلك أصبحت المرأة في ~~نظره مثل الثياب تتغير مع الموضات ويجددها بتغير الفصول!» # | الفصل الرابع والثلاثون # كنت أريد أن يصل صوت المرأة المصرية إلى كل مكان في العالم، وكنت حريصة على أن تعرف ~~الدنيا كلها ما حققته المرأة المصرية الحديثة من تطور، وكنت أدرك أن هذا كله في صالح مصر ~~وفي صالح القضية المصرية، ولا شك في أن الرأي العام يتجاوب مع مطالب بلد تحققت فيه للمرأة ~~مكانة طيبة، فضلا عن أن هذا يعتبر في حد ذاته دليلا على تطور مجتمع ms226 هذا البلد. # وكان قد سبق أن التقيت مع مستر ومسز بيرت تايلور، وهما من الشخصيات المعروفة في المجتمع ~~الأمريكي، وكانا في زيارة إلى القاهرة، فانتهزت هذه الفرصة لدعوتهما للوقوف على تطور المرأة ~~الحديثة، وكان هذا اللقاء مدعاة للتفكير في زيارة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شجعني ~~على القيام بهذه الخطوة أن ابنتي كانت متزوجة من محمود سامي باشا، الذي كان يشغل منصب وزير ~~مصر المفوض في واشنطن في ذلك الوقت. # وقد وصلت إلى أمريكا يوم 27 يوليو 1927، وكنت قد أعددت للقاءات واجتماعات في هذه الرحلة، ~~أكشف فيها عن حقيقة أوضاع تخلفها عن الركب الحضاري، ولكن قبل أن أبدأ نشاطي هناك، استقبلني ~~مندوبو الصحف الأمريكية ليسألوني عن قضية تعدد الزوجات ... وقد قلت لهم: إن تعدد الزوجات أمر ~~شرعي في مصر، ولكنه غير مألوف الآن؛ إذ إن أغلب الناس لا يمكنهم تحمل نفقات أكثر من امرأة ~~واحدة، وأضفت أيضا بأن مصر تحاول الآن سن قانون لمنع تعدد الزوجات، وإن وزير الحقانية قدم ~~مشروعا بذلك إلى البرلمان المصري. كذلك فقد تحدثت إلى مندوبي الصحف عن أهمية التعليم ~~بالنسبة للمرأة، وقلت: إنه أكثر أهمية من المطالبة بحقوقهن الانتخابية، وإن كان هذا لا ~~يمنعني من المطالبة بحق المرأة في التصويت في الانتخابات النيابية. # وقد تمثل لي شعور الأمريكيين نحو المصريين في حادثين مختلفين كل الاختلاف. فقد أكرموني ~~الإكرام كله وأحسنوا استقبالي في نيويورك وواشنطن وبخاصة في ديترويت، وكان ذلك فوق ما ~~أستحق، لولا أنني عرفت أن هذا إعلان لشعور العطف نحو مصر، أما في المرة الثانية فقد تجلى ~~ولكن بشكل آخر، فقد رأيت سيدة كبيرة السن تذرف الدموع السخية تأثرا لوفاة الزعيم الجليل ~~سعد باشا زغلول، وخوفا على مصر من بعده، وتأبى قبول العزاء. وقد أشرت إلى هذا في خطابي ~~الذي وجهته إليهم على صفحات جرائدهم. وهذا نصه: # إلى الشعب الأمريكي ... # أريد قبلما أبرح أرض الولايات المتحدة الأمريكية أن أرسل تحية ود خالصة إلى الأمة ~~الأمريكية ممثلة في الأصدقاء العديدين الذين علموني كيف أحبها. # إلى هؤلاء ms227 الأصدقاء الذين مهدوا لي مثل ذلك الاستقبال الودي والترحيب القلبي، ~~والذين يؤسفني استئذانهم في الرحيل، أريد أن أقول ما أصعب الفراق على النفس بعد ~~شهرين تمتعت خلالهما بلذة صحبتهم والتغلغل في مجتمعهم والإعجاب عن كثب بهمتهم ~~ونشاطهم وحبهم الخير وعملهم البر. # لذلك أود قبلما أغادر هذه البلاد الجميلة، أن أقول لهم إلى اللقاء لا وداعا؛ لأن ~~من يذوق كرم الضيافة الأمريكية كمن يشرب من ماء النيل، كلاهما يعود. # إلى اللقاء أيها الأصدقاء الأمريكان الأعزاء، وشكرا لترحيبكم وبخاصة لما ~~أظهرتموه نحو مصر من عطف وحنان مؤثرين بمناسبة وفاة زعيمنا الوطني المأسوف عليه أشد ~~الأسف زغلول باشا، على الرغم من مشاغلكم المرهقة. # إنني لن أنسى العبرات التي رأيتها تجري من تلك العيون النجل، عيون خير أصدقاء ~~مصر، عند إعلان ذلك الخبر المشئوم، هذه العبرات قد جمعتها في قلبي حتى أضيفها إلى ~~عبرات بني وطني، فإنها ستزيد روابط الأمتين القوية الوثيقة قوة ووثوقا باتحاد ~~المشاعر والتذكار الحزين والشجن الواحد المقدس. # وأذكر أن الكاتب الصحفي المعروف أحمد الصاوي محمد كان قد التقى بي في باريس عقب عودتي، ~~وأجرى معي حديثا صحفيا عن رحلتي إلى أمريكا نشرته جريدة السياسة ... الأسبوعية في عددها ~~الصادر بتاريخ 10 نوفمبر 1927، وبطبيعة الحال فقد سألني عن انطباعاتي عن أمريكا، فقلت له: ~~لقد أردت أن أدرس حركة المرأة فقط، ولكن الحياة الاجتماعية الأمريكية شاقتني، فقد رأيتهم ~~ذوي حيوية نادرة ونشاط خارق، وأمكنني بمساعدة مدام تايلور التي كانت ضيفتنا في مصر في العام ~~الماضي وأرادت ضيافتي هذا العام، أن أزور مستشفيات ومعاهد للأطفال وبيوتا لتعليم الفقراء، ~~أخذت عنها مذكرات أظنها تنفع البلد، وسأعرضها عند عودتي على أولي الشأن لتطبيقها بقدر ~~الإمكان. # أما بالنسبة لمعرض الخزف، فقد استحسنت عرض هذه المصنوعات المصرية في أرض مصرية، ولذلك ~~رفضت عروض بيوت المعارض في نيويورك، واخترت عرضها في المفوضية المصرية بواشنطن. وكانت محل ~~إعجاب كل من رآها وبخاصة من الشرقيين كسفراء اليابان والصين والهند وغيرهم من رجال ~~السياسة. # ومما جعلني لا أعرضها في «جاليري» هو عدم ms228 وجود صور زيتية أو تماثيل ودمى؛ لأنهم يعتقدون ~~أن الفن الجميل قد مات في مصر، فأبيت أن تثبت هذه الفكرة، ولو بطريق غير مباشر، فعدلت عن ~~المعرض. وعندنا مختار ويوسف كامل وعياد وناجي وأحمد يوسف وهدايت وغيرهم ممن لا تحضرني ~~أسماؤهم ... ولذلك أبقيت ذلك للاتفاق مع جماعة محبي الفنون لعمل معرض واف في السنة التي بعدها ~~في فرنسا وأمريكا، ولا شيء يرفع من شأن مصر مثل هذه الأشياء، وكان إقبال الجمهور وإعجابه ~~مما يشجع على عمل مشروع أكبر وأعظم، وأتمنى على مواطني في مصر مساعدتي، ومما لوحظ أن عرض ~~هذه المصنوعات وحدها غير كاف، بل يجب أن يكون مكتوبا «صنع في مصر» على كل قطعة، فهذه وحدها ~~لها قيمتها الكبرى. # وقد سألني الأستاذ الصاوي: وما حكاية المؤتمرات التي تتنازع فخر وجودك فيها؟ # فقلت له: لقد وصلتني وأنا في أمريكا دعوة من مؤتمر التدبير المنزلي بروما، فأرسلت ~~تلغرافا بالاعتذار لبعدي عن المكان، وأرسلت إلي الحكومة المصرية تعرض علي رئاسة وفدها، ~~وهي ثقة أقدرها وأشكرها عليها، ولكنني اعتذرت لأنني مضطرة لحضور مؤتمر الاتحاد النسائي ~~الدولي العام الذي أنا عضو في مكتبه الرئيسي. وسيعقد في 21 الجاري في أمستردام ... وكنت قد ~~رجوت وزارة المعارف الاشتراك في مؤتمر روما؛ لأن الاطلاع على ما يعمل في البلاد المتمدنة ~~يهم بناتنا، ولأنني أحب أن تكون مصر ممثلة في جميع بلاد العالم لأننا في صف الأمم الممتازة، ~~والاحتكاك بالغربيين له نفع جزيل. # مؤتمر أمستردام # عقد المؤتمر النسائي الدولي بأمستردام في موعده، أي في 12 نوفمبر 1927، وقد بدأ ~~المؤتمر يوم الخميس واختتم أعماله يوم الأحد التالي، وجدير بالذكر أن هذا المؤتمر لم ~~يقتصر على بحث المطالب والرغبات النسائية، ولكنه كان ذات أهمية عامة بما لأعضائه ~~وعضواته من الشخصية والصفات الفردية، وبما كان للموضوعات التي طرحت على بساط البحث من ~~الصبغة السياسية الدولية. # فقد تحدث المسيو مرييت في أسباب الحروب، وأكد أن العامل الاقتصادي له تأثير كبير في ~~هذه الأسباب، واختتم حديثه بالدعوة إلى تشييد نظم الدول على قاعدة ms229 اقتصادية عامة تقاوم ~~الروح الاقتصادية التي تسودها الوطنية. # وتكلمت مدام مالاتير، وهي فرنسية، فقالت إن التعاون الدولي يتم بحركة تطور وتحول ~~كالحركة التي أدت إلى إفهام الناس أن الوطنية والحماسة لا تعنيان بغض الأجنبي. # وخطب مسيو شايمان فدعا إلى ضرورة نزع سلاح الدول العظمى بعبارات فصيحة قابلها ~~الحاضرون بالهتاف وقوفا. # وقد خصص المؤتمر يوم الجمعة لبحث مسألة التحكيم والسلامة الوطنية، وفي مساء ذلك اليوم ~~تحدثت في مأدبة العشاء التي أقيمت للوفود، باسم المرأة المصرية، وقد بسطت في كلمتي حالة ~~مصر المفجعة، وقلت: إنها بلاد مسالمة جدا ولكنها مستهدفة بحكم موقعها الجغرافي لأن ~~تعاني حربا لا تريدها ولا تدعو إليها ولا يد لها فيها بسبب قناة السويس المراد بها ~~خدمة السلم ... فإن هذه القناة تقرب من مصر شعبا قد يهددها فجأة، كما أنه يهدد السلم ~~أيضا إذا لم تكفل سلامة الحالة باتفاقية دولة تضمن حياة القناة إلى الأبد. # أما في يوم السبت، فقد بحث المؤتمر مسألة نزع السلاح، وقد استرعى الأسماع بوجه خاص ~~الخطاب الذي ألقاه المسيو مادارياجا مندوب بلجيكا في المؤتمر. # وقد اختتم المؤتمر مباحثاته بإبداء رغبات متعددة فيما يتعلق بالموضوع الاقتصادي، ~~ومسألة التحكيم، ومسألة نزع السلاح، ورغبة النساء في الاشتراك في عضوية اللجنة ~~الاستشارية الاقتصادية المؤلفة في جنيف، وقد انتهزت هذه الفرصة لأعبر للمؤتمر عن رغبة ~~خاصة في إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر، وقد أحيلت هذه الرغبة إلى لجنة البحث، ومن ~~ناحية أخرى فقط طلبت إلى زميلاتي في المؤتمر أن يعملن على معاونة مصر في سبيل إلغاء هذا ~~النظام العتيق. # وبعد انتهاء المؤتمر، عدت إلى مصر يوم 3 ديسمبر 1927، وفي اليوم التالي نشرت جريدة ~~السياسة هذا التعليق على رحلتي إلى أمريكا ثم هولندا: # وصلت في منتصف الساعة الحادية عشرة من مساء أمس صاحبة العصمة السيدة الفاضلة ~~هدى هانم شعراوي، عائدة من رحلتها الطويلة التي تنقلت فيها بين أوروبا وأمريكا، ~~باذلة جهودها في سبيل رفع اسم مصر وإعلاء شأن المصريات. # فقد أقامت حضرتها في المفوضية المصرية بواشنطن معرضا للمنتجات المصرية ms230 ~~النسوية، كان له أحسن الأثر في نفوس الأمريكيات والأمريكيين الذين لم يكونوا ~~يعرفون مصر إلا من خلال الأقاصيص التي تروى لهم. # وقصدت حضرتها إلى أمستردام؛ حيث مثلت مصر في المؤتمر الدولي الذي عقد في ~~المدينة الهولندية، فرفعت صوتها بالاحتجاج على نير الامتيازات الأجنبية، وطلبت ~~إلى زميلاتها في المؤتمر أن يعملن في بيئتهن على معاونة مصر في سبيل إلغاء ذلك ~~النظام العتيق. # وإنا لنهنئ السيدة شعراوي بعودتها، ونذكر لها ما بذلته أثناء رحلتها من جهود ~~... راجين أن تتوج كلها بالنجاح ... كما نرجو للسيدة الفاضلة دوام الصحة ودوام ~~عملها في سبيل التحرر النسوي المصري. # | الفصل الخامس والثلاثون # مات الزعيم سعد زغلول وأنا موجودة في رحلتي بالخارج، ولم يتح لي بالتالي أن أشارك في وداع ~~هذا الزعيم، وإذا كانت هناك مواقف قد حدثت بيني وبينه فإن هذا لا ينتقص من قدره كأحد رجال ~~مصر الأوفياء. # ولقد كتبت الصحف كثيرا عن سعد باشا بعد رحيله، وعددت مواقفه ومناقبه، سواء تلك الصحف ~~التي كانت تؤيده أو تلك التي كانت تعارضه - وأذكر أن مجلة «روز اليوسف» كتبت تحت عنوان «بين ~~المغفور له سعد باشا وصاحب الجلالة الملك فؤاد»: تقول: لعل أبدع الحفلات التي أقيمت ~~ابتهاجا بعيد جلوس جلالة الملك هي الحفلات التي أقيمت أثناء حكم الوزارة السعدية، فقد ~~اشترك فيها الشعب، وبدت العاصمة في مساء يوم عيد الجلوس كأنها شعلة من نار، وازدحمت ~~الجماهير على جانبي الطريق الذي مر منه الموكب الملكي إلى ميدان باب الحديد؛ حيث أقامت لجنة ~~الاحتفال سرادقا فخما شرفه جلالة الملك بزيارته، ازدحمت الجماهير تحيي الركب الملكي ~~بالتصفيق وهتافها العالي يشق عنان السماء: سعد ... سعد ... ويعيش الملك. # ومرت بين الجموع المتراصة سيارة جلالة الملك، وقد ركب المغفور له سعد باشا إلى يسار ~~جلالته، ولما توسطت العربة ميدان الأوبرا، وكان الزحام هنا على أشده، والهتاف يعلو ويتجمع ~~ثم يتدافع، التفت سعد باشا إلى جلالة الملك وقال: «إنهم يهتفون لجلالتكم.» فأجابه صاحب ~~الجلالة على الفور وهو يبتسم: «هل أنت متأكد؟!» # وكانت حادثة السردار المشئومة، ms231 واستقالة الوزارة السعدية، وطلب السلطة البريطانية إلى سعد ~~باشا أن يترك القاهرة ويقيم إلى حين في فندق مينا هاوس. # وزاره ذات يوم في الفندق المذكور نفر من النواب والعيان ودار الحديث حول الحادثة المشئومة ~~ودسائس بعض رجال السراي، والشائعات التي كانت تتناقلها الأفواه في تلك الأيام العصيبة عن ~~البرلمان والدستور والدس للدستور، ورأى سعد باشا أن الحديث يتطور، وأن بعض الألسن بدأت ~~تتكلم بغير ما يجب، فأسكتهم قائلا: «أنا لا أصدق أن جلالة الملك يرضى عن هذه الأفعال، أو ~~يشجع بسكوته على الاستمرار فيها. لقد رأيت من جلالته في أكثر من مناسبة واحدة أنه حريص كل ~~الحرص على صونه، وأن جلالته يعتبر الدستور شجرة من غرس يديه.» # وأضاف قائلا: «وإذا كان في ظواهر الأحوال ما يدعو إلى التأمل أو يدخل على النفس شيئا من ~~سوء الظن، فمن الواجب ألا ينطق اللسان مع الهوى، وأخيرا يحسن بنا أن نقول مع من قال «لعل ~~له عذرا وأنت تلوم!» # وزاره رحمه الله بعد ائتلاف الأحزاب الأستاذ سليمان أفندي فوزي صاحب جريدة الكشكول، وكان ~~متهيبا من مقابلة الفقيد العظيم، ولاحظ سعد باشا على زائره أنه مضطرب قليلا، فقابله ببشر ~~وحفاوة وأخذ يؤانسه حتى ذهب روعه، ثم قال له: «شوف يا سليمان أفندي ... أنا رجل أقدس النقد ~~وحرية الرأي، أنا لا أطلب من أحد أن ينظر إلى أعمالي بغير عينيه، أو يحكم عليها بغير عقله ~~أو ينزل ضميره على غير ما يرضى. لك أن تقول في إعمالي ما تشاء، وأن تبدي فيها رأيا سواء ~~كان لي أو علي، ولكن الذي أبغضه وأمقته ولا أطيقه إنما هو الكذب ... قل للناس إن شئت إن سعدا ~~رجل دجال مشعوذ، فهذا رأي وأنت حر في رأيك، ولكن لا تنشر على الناس أن سعدا ذهب إلى دار ~~المندوب السامي، أو أنه أرسل رسولا إلى العميد البريطاني ليتحدث إليه في كيت وكيت من ~~الأمور، في حين أنني لم أذهب ولم أوفد رسولا. هذا هو السلاح الذي أنزهك وأنزه كل صحفي شريف ms232 ~~عن الالتجاء إليه.» # محاضرة في كلية الأمريكان # عقب عودتي من أوروبا، وجهت إلي رئيسات كلية الأمريكان للبنات الدعوة لإلقاء محاضرة ~~عن الحركة النسائية، وكان لدي من المشاغل ما منعني عن تلبية الدعوة لفترة من الوقت، إلى ~~أن أتيحت لي الفرصة في نهاية شهر مارس 1928. وهذا هو نص المحاضرة: # سيداتي: # شرفتني السيدات الفضليات رئيسات هذه المدرسة فطلبن مني عند عودتي من أوروبا ~~أن ألقي عليهن في هذا المعهد العلمي كلمة في الحركة النسائية، وتركن لي حق ~~اختيار الموضوع فيها، ولكن أشغالي الكثيرة التي تراكمت علي بطول غيابي لم ~~تمكني من القيام بهذا الواجب في حينه، فأرجو قبول معذرتي ... وأشكر السيدات ~~اللاتي منحنني هذا الشرف وتلك الثقة الغالية بالرغم من أنهن وضعنني في مركز ~~حرج، وهو الوقوف أمام سيدات أمثالكن، نلن من العلوم والمعارف وسعة الإطلاع ما ~~لهن فيه غنى عن سماع كلمتي. # وقد توخيت أن يكون حديثي اليوم في موضوع المقارنة بين المرأة المصرية وأختها ~~الغربية في الحركة النسائية؛ إذ إنني صرفت وقتا طويلا في معالجة هذا ~~الموضوع. # سيداتي: # بالرغم من العقبات التي تعترض المرأة في سبيل رقيها من فريق المتشائمين ~~بحركتها والمستخفين بكفاءتها، تسير المرأة في طريق نهضتها للوصول إلى تحقيق ~~غرضها، ألا وهو إسعاد الأسرة البشرية وذلك منذ أدركت أن سعادة هذه الأسرة ~~مرتبطة بسعادتها هي، وأن بيدها وحدها مقاليد الأمور لما لها من السلطان على ~~الرجل في كل أدوار حياته، فهي مربيته طفلا، وعونه زوجا، وممرضته أيام مرضه ~~وشيخوخته، وهي مدبرة البيت وقوام نظامه. # أيتها السيدات: # بينما الرجل يحترف حرفة واحدة، تقوم المرأة الضعيفة (كما يزعمون) بأعمال شتى ~~تندمج فيها كثير من الوظائف الرئيسة فلها شأن كبير في التربية والتدابير ~~الاقتصادية والصحية والسياسية، فهي تجمع في وظيفتها كل ما له اتصال بالحياة، ~~لأجل هذا وجب عليها أن تتهيأ لهذه الوظائف، ولا يتسنى لها القيام بها إلا إذا ~~نالت قسطا وفيرا من الحرية والحقوق التي تمكنها من أداء الواجب عليها. # ولما كانت الأنظمة في بلاد الغرب أكثر إجحافا بحقوق ms233 المرأة منها في بلاد ~~الشرق، المرأة الغربية أول من صاح بالمطالبة برفع هذا الغبن عنها، ونالها من ~~العنف والاضطهاد بالسجن والتعذيب ما نالها حتى وصلت في بعض البلاد إلى ما تصبو ~~إليه من المساواة بالرجل وحتى وقفت معه جنبا إلى جنب في جميع الوظائف. # وفي بعض ولايات أمريكا اتسع المجال أمام المرأة حتى صارت تشترك مع الرجل في ~~جميع الحرف الحرة والمراكز العمومية، وذلك بعد أن تقررت لها الحقوق السياسية ~~كالرجل سواء بسواء، ويوجد الآن في تلك البلاد عدد عظيم من النساء أعضاء في ~~المجالس البلدية ومجالس الأقاليم والمجالس النيابية، وفي كثير من المحاكم ~~الابتدائية والاستئنافية عدد غير قليل منهن بين قاضية ونائبة ومحامية، كما يوجد ~~في القارة الأوروبية كثير من الممالك التي نالت فيها المرأة مثل هذه الحقوق. ~~وقد أظهرت المرأة في وظائف القضاء بجلدها وصبرها وحكمتها وعلمها بنفسية الأحداث ~~مقدرة قل أن تجارى فيها، فإن الإحصاءات والمشاهدات دلت على أن كثيرا من ~~الأحداث يثوبون إلى الرشد ويصبحون أعضاء نافعة صحيحة بفضل تأثير النصائح التي ~~تسدى إليهم من القضاة النساء. # سيداتي: # أتظنن أن المرأة الغربية التي جاهدت لنيل حقوقها، انتهت معركتها منذ تربعها ~~على منصة الحكم بجانب الرجل؟ كلا. إنها لم تجاهد طمعا في المناصب الرفيعة أو ~~حبا في مساواتها بالرجل فقط، بل إنها أرادت من وراء ذلك غرضا أسمى ومقصدا ~~نبيلا هو تهذيب الهيئة البشرية وتقليل الشرور فيها والسمو بها إلى الكمال، ~~فقامت الآن تنشد السلام في العالم وتستعد لمكافحة أسباب الحرب التي هي آفة ~~الإنسانية، وويلاتها. # ولتحقيق هذا الغرض الجليل، يجب أن تتضافر نساء العالم، ولا أخال الطبقات ~~المتعلمة من نساء مصر يحجمن عن مد يد العون وشرف الاشتراك في تحقيق هذه الغاية ~~السامية، وها هو ذا باب الاتحاد النسائي المصري مفتوح على مصراعيه لمن تهزه ~~نخوة الإنسانية للاشتراك في هذه الخدمة المقدسة. # سيداتي: # حقا لقد أعجبت بما كانت تبذله السيدات أعضاء الاتحاد النسائي الدولي في درس ~~هذه المسائل العظيمة الشأن في المحاضرات التي ألقيت في اجتماع ms234 أمستردام، وكم ~~تمنيت لو أن عددا من السيدات المصريات حضرن هذا الاجتماع ليشاهدن ما كانت ~~تبذله المؤتمرات من الجهد في دراسة هذه المسألة الكبرى من جميع وجوهها. # أما المرأة الشرقية التي منحتها الشريعة السمحاء حقوقا تكاد تساوي حقوق ~~الرجل بل تفوقها في بعض المواطن، فمن الأسف أنها لم تخط خطوات تذكر. وقد يعترض ~~على قولي هذا بأن المرأة التركية وثبت وثبة واسعة المدى في مدة وجيزة، وهذا ~~صحيح، غير أنها لم تصل إلى ما وصلت إليه بمحض مجهوداتها، بل يظهر أن الأمة التي ~~تريد رقيا كاملا تشعر أن ذلك لا يتم إلا برقي الجنسين معا، أدرك ذلك مصطفى ~~كمال مؤسس تركيا الفتاة؛ فحث المرأة في بلاده على الاشتراك مع الرجل في القيام ~~بالواجب. وبفضله ارتقت المرأة التركية، فأصبحت تركيا الحديثة بالرغم مما نزع من ~~أملاكها وما قل من عدد أبنائها تعد في مصاف الأمم الكبيرة المتمدينة. # على أن الرغبة في إصلاح المرأة والأخذ بيدها للخروج من الهوة التي وقعت فيها، ~~بدأت عندنا في مصر منذ خمسين سنة تقريبا، أو منذ فتحت المدرسة السنية للبنات ~~بفضل ومسعى الأميرة «جشم ألفت هانم» حرم المغفور له الخديوي إسماعيل باشا، ومنذ ~~ذلك العهد ظهر في عالم الأدب والتحرير أديبات وكاتبات كن طلائع النهضة في تحرير ~~المرأة وتهذيبها، وأخذت هذه الروح تنتشر ويكثر أنصارها بين الرجال والنساء حتى ~~ظهر كتابا «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» للمرحوم قاسم أمين. # إلى أن زادت هذه النهضة قوة وتوسعا، فتقدمت المرأة إلى الجموع العمومية ~~مباشرة خطيبة رافعة صوتها في المطالبة بحقوقها، وأول من دخلت هذا الميدان ~~المرحومة ملك حفني ناصف المعروفة بباحثة البادية، خصص فيها حينذاك قسم للسيدات ~~تلقي عليهن فيه المحاضرات في الموضوعات المختلفة. وقد هم جماعة من السيدات سنة ~~1914 لتشكيل جمعية نسوية لترقية مدارك المرأة، ولكن الحرب عطلت تحقيق هذا ~~المشروع؛ لأن المرأة المصرية لما أدركت الخطر الذي يهدد كيان البلاد، رأت نفسها ~~مدفوعة لمشاركة الرجل في الدفاع عن شرف الوطن بعاطفتين راسختين: عاطفة الوطنية، ~~وعاطفة نسوية ms235 بحتة هي عاطفة الشعور بالواجب، فتألفت منها جمعيات سياسية ~~واجتماعية، وظلت تشتغل حتى تشكلت لجنة الاتحاد النسائي المصري عقب دعوة وصلتنا ~~من جمعية الاتحاد النسائي الدولي أوائل سنة 1923 لحضور مؤتمر روما، فلبينا ~~الدعوة وسافر وفد منا لهذا الغرض. وكان للاشتراك في هذا المؤتمر فضل كبير في ~~تغيير عقيدة الغربيين في المرأة المصرية، ولذلك قبلت لجنة الاتحاد النسائي ~~الدولي ضم جمعيتنا إليها واعتبارها فرعا من فروعها المنبثة في بلاد الشرق ~~والغرب. وكان من أثر هذا النجاح أن تشجعت جمعيتنا بعد عودة مندوباتها من روما، ~~فأرسلت وفدا لرئيس الحكومة المصرية يحمل طلبين مهمين؛ أولهما: إصدار قانون ~~يحرم زواج الفتاة قبل السادسة عشرة. وثانيهما: مساواة البنت للولد في التعليم ~~الثانوي والعالي. وقد وفقن لإجابة هذين الطلبين. # بعد هذا أخذت جمعية الاتحاد النسائي تتدرج في معالجة المسائل الخاصة بإصلاح ~~المرأة سواء كانت من جهة التشريع أو من جهة التربية العقلية والجسمية بإنشائها ~~مشغل ومستوصف دار الاتحاد أوائل سنة 1924، أما من جهة الإصلاح التشريعي فقد ~~قدمت للحكومة مشروعا مطولا بطلب إصلاح قانون الأحوال الشخصية، وهي تعتقد أن ~~جميع النقط التي طلبت إصلاحها ضرورية لتحسين حال العائلة لا المرأة وحدها، لذلك ~~لنا أمل عظيم في أن الحكومة المصرية التي تمثل إرادة الشعب وتسهر على راحته ~~وسعادته ستحقق هذا المشروع الحيوي المفيد. # سيداتي: # طالما كنت فخورة بما أحرزته المرأة المصرية منا لتقدم في هذه المدة القصيرة، ~~ولكني كلما اتصلت بالمرأة الغربية وعلى الأخص الأمريكية ضعف ما كنت أشعر به من ~~الارتياح لحركتنا لأني إذا قست خطواتنا بخطوات المرأة هناك، مع مراعاة أقدميتها ~~في الحركة النسوية أو الاجتماعية أجد ما تتقدم إليه الغربية في عام قد لا نصل ~~إلى مثله في جيل. # وإذا كان من المحقق والمعروف أن المرأة نصف الخليقة البشرية، فاعلمن أن ~~السعادة والغنى في تلك البلاد قائمان على ساعد الرجل ونشاط المرأة. # سيداتي: # نزلت ضيفة عند صديقة لي في ديترويت، وأقمت عندها بضعة أيام ولا أحدثكن عما ~~لقيته من كرم الضيافة الحاتمية وحسن الحفاوة ms236 بأختكن المصرية، ولكن ما رأيته من ~~نظام في بيتها وعناية بأطفالها وروح الوفاق والإخلاص بينها وبين زوجها، كل ذلك ~~كان كافيا لمحو ما علق بذهني مما كنت أسمعه عن طيش بنات اليسار من الأمريكيات، ~~وقد تبينت أن سر النظام في أمريكا هو شعور المرأة بشخصيتها واحترام الرجل لها، ~~وتقدير الرجل والمرأة للواجب، ووضع الشيء في موضعه، فمتى يا سيداتي يسعدنا الحظ ~~ونخطو خطوة هذه الأمم الراقية. # لي أمل عظيم في أن اللاتي تخرجن في هذا المعهد الجليل وتمرن على المبادئ ~~الأمريكية يكن طليعة المرأة الجديدة في بلادنا. # | الفصل السادس والثلاثون # توطدت الصلة بين جمعية الاتحاد النسائي المصري وبين الجامعة الأمريكية في القاهرة بعد ~~عودتي من رحلتي إلى أمريكا وأوروبا، وكان من دوافع ذلك أن دور الاتحاد في الحياة العامة قد ~~أصبح بارزا ومفهوما، وبخاصة لدى المرأة الأمريكية والأوروبية، وكان من الطبيعي أن يحدث ~~هذا التعاطف الذي يدل على التقدير المتبادل. # وكنت بعد عودتي من هذه الرحلة، قد دعيت لإلقاء محاضرة عن الحركة النسائية المصرية في ~~الجامعة الأمريكية، وقد شاءت الظروف أن يتأخر موعد هذا اللقاء فترة من الوقت بسبب انشغالي ~~ببعض القضايا الاجتماعية والنسائية، إلى أن أتيحت الفرصة وألقيت محاضرتي، وقد لقيت من ~~الاهتمام والتقدير ما دفع الجامعة الأمريكية إلى تكرار هذه اللقاءات، تحقيقا للفائدة ~~المرجوة من وراء إبراز دور الحركة النسائية في مصر، وقد رأيت أن تكون المحاضرة التالية ~~للسيدة إحسان القوصي سكرتيرة الجمعية، وقد ألقيت المحاضرة في 14 أبريل 1928؛ حيث تحدثت إلى ~~جماهير الحاضرين عن أعمال الاتحاد والنهضة النسائية وجهود جمعيتنا، وقد رأيت أن أسجل هذه ~~المحاضرة للتاريخ. # أيها السادة ... # ليس بين نابهي المصريين من يجهل اسم أهم جمعية نسائية مصرية. ليس بينهم من لا ~~يعرف شيئا عما قامت وتقوم به جمعية الاتحاد النسوي من جليل الأعمال، غير أن الذين ~~يعلمون حق العلم حقيقة غايتها قليلون، وأرى المصريين تجاه هذه الجمعية ثلاثة أقسام: ~~فريق العامة، وهؤلاء لا يعرفون عنها شيئا، اللهم إلا آلافا منهم نالهم من بر ~~الجمعية ms237 ومساعداتها المادية والأدبية ما جعلهم يشعرون بوجودها وعظيم ~~فائدتها. # وفريق الخاصة العاملين منهم والمتتبعين للحركة الفكرية والمهتمين بالنهضة العامة ~~في جميع أنحائها، وهؤلاء أعرف الناس بها. # أما الفريق الثالث فقد عرف عن الجمعية شيئا وغابت عنه أشياء، ولذلك نرى منه ~~العاطفين عليها والمحايدين وغير المرتاحين للفكرة لإساءتهم فهم غايتها وجهلهم حقائق ~~لو علموها، لكانوا في طليعة المشجعين لنا. # عرف أعضاء الجمعية ذلك، فشعروا بوجوب إيقاف الجمهور على حقيقة أمرها، طلبا ~~للإنصاف وتعضيدا للغاية السامية النبيلة التي تسعى إليها؛ لذلك أحدثكم الآن عن ~~جمعيتنا ... حديثا يقف بكم على حقيقة غايتها وما قامت به داخل البلاد وخارجها وما ~~تواصل السعي لتحقيقه، وغرضي من ذلك أمران؛ الأول: إزالة ما علق بأذهان البعض خطأ عن ~~غايات الجمعية، والثاني: الحصول على المعونة الأدبية والفعلية من كل وطني يغار ~~حقا ويسعى فعلا لنهضة بلاده واستقلالها. # أيها السادة ... # لقد كان من يمن مصر ودلائل نضوج نهضتنا النسوية المباركة، أن اجتمع لفيف من ~~السيدات المصريات في السادس عشر من شهر مارس 1923 بمنزل السيدة الجليلة هدى هانم ~~شعراوي وقررن تأسيس جمعية الاتحاد النسائي المصري التي يتلخص برنامجها الواسع في ~~الأمور الآتية: ~~(1) # ترقية مدارك المرأة عقليا وأدبيا لتحصل على حقها في الحياتين ~~الاجتماعية والسياسية ولتساوي الرجل أمام العرف والقانون. ~~(2) # المطالبة بمساواة النساء للرجال في التعليم العالي لمن أرادت. ~~(3) # تنظيم أسلوب الخطبة بحيث يكون الرجل على علم تام بامرأته قبل العقد، ~~كما تكون هي كذلك. ~~(4) # السعي لإصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية وجعلها منطبقة على ما ~~أرادته الشريعة، وصيانة المرأة منا للظلم الواقع عليها بتعدد الزوجات ~~بدون مبرر والإسراع في الطلاق بدون سبب جوهري. ~~(5) # المطالبة بسن قانون يمنع زواج البنت قبل السادسة عشرة من ~~عمرها. ~~(6) # السعي بمختلف الوسائل لتحسين حالة الشعب الصحية. ~~(7) # السعي لنشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة. ~~(8) # محاربة البدع والخرافات التي تتعارض مع العلم الصحيح. ~~(9) # نشر الدعوة بكل الوسائل المشروعة. # وهنا أيها السادة يجدر بي أن أقول كلمة موجزة عن كل مادة من المواد السابقة وما ~~استطعنا الوصول إلى تحقيقه ... تطلب ms238 الجمعية في المادة الأولى حق الانتخاب والمساواة ~~مع الرجل اجتماعيا وسياسيا وأمام العرف والقانون، وما أظن منصفا حتى ولو كان ~~من غلاة الرجعيين ينكر أن المرأة تدفع الضرائب كالرجل سواء بسواء، وأنها مسئولة ~~مثله أمام الشريعة والقانون، وأن الوطن وطنها كما هو وطن الرجل ويهمها من أمره ما ~~يهمه ... فبأي حق يمنعها الرجل من الاهتمام بشئونه ومشاركته في العمل لخيره؟ وبأي حق ~~وهي تدفع من ثروتها ما ينفق على مختلف المرافق العامة تبعد عن الاشتراك في تقرير ~~وجوه صرفه؟ وبأي حق تخضع لتشريع وتتحمل آثاره وليس لها صوت في وضعه؟ # هذه الأسباب أيها السادة مضافا إليها شعور المرأة بشخصيتها وكرامتها، هي التي ~~حدت بنا للاحتجاج على الحكومة سنة 1922 لإغفالنا عند وضع الدستور وعدم إعطائنا حق ~~الانتخاب، ذلك الحق الذي يتمتع به الأمي الجاهل ويملكه الخالي من الملك ولا تملكه ~~المرأة ولو كانت متعلمة وتدفع الضرائب. # أما المادة الثانية فتطالب بمساواة النساء للرجال في التعليم العالي لمن أرادت، ~~وهو طلب عادل يقضي به المنطق للأسباب الآتية: # أولا: # نعرف أنه كلما زاد تعليم المرأة أحسنت القيام بالواجب عليها زوجة ~~وأما بيدها صوغ رجال المستقبل. # ثانيا: # تسهيلا لمن تبغي من ورائه الكسب الشريف. # ثالثا: # مساعدة لمن تمتاز بمواهبها على ظهور نبوغها والانتفاع به. # رابعا: # رفعا لمستوى العقلية العامة في البلاد. # خامسا: # لأن التفاهم أساس السعادة العائلية ولا يكون على أتمه بين زوج ~~متعلم وامرأة لم تنل التعليم إلا يسيرا. # حقائق لم تغب عن ولاة الأمور، وبذلك أجاب سعادة زكي باشا أبو السعود وزير المعارف ~~في ذلك الوقت بأنه سيدرس الموضوع ووعد بتحقيقه قريبا، ويسرنا أن قد تحققت المساواة ~~في التعليم في أوائل سنة 1924. # أما المادة الثالثة فتقول بتنظيم أسلوب الخطبة؛ بحيث يكون الزوجان بعضهما على علم ~~ببعض قبل العقد؛ ابتغاء للسعادة العائلية؛ وتجنبا لما عساه أن يحدث من عدم الوفاق ~~لاختلاف الأذواق والمشارب بين الأفراد، والجمعية في ذلك غرضها تحقيق ما تقول به ~~الشريعة وتتطلب المصلحة، ولا تريد بذلك التوسع في مقدمات ms239 الزواج كما هو في البلاد ~~الغربية. # أما المادة الرابعة التي تنص على السعي لإصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية ~~وجعلها منطبقة على ما أرادته الشريعة، وصيانة المرأة من الواقع عليها بتعدد الزوجات ~~بدون مبرر والطلاق بدون سبب جوهري؛ فتحتاج إلى عناية كل فرد واهتمام أولي الأمر؛ ~~لأنها تتناول مسائل حيوية يتوقف عليها هناء العائلة وسلامتها. # لذلك رأت الجمعية مطالبة أولي الأمر بإصلاح هذه الحال ليزول الإجحاف ويحقق العدل ~~والسلام، فرفعت تقريرا في 21 نوفمبر 1926 إلى أصحاب الدولة والمعالي رئيس مجلس ~~الوزراء ووزير الحقانية ورئيسي مجلس الشيوخ والنواب، تطلب فيه إصلاح القوانين ~~العملية للعلاقة الزوجية وصيانة المرأة من الظلم الواقع عليها: # أولا: # من تعدد الزوجات. # ثانيا: # من الإسراع في الطلاق بدون سبب جوهري. # ثالثا: # من الظلم والإرهاق الذي يقع عليها فيما يدعى دار الطاعة. # رابعا: # من أخذ أولادها في حالة افتراق الزوجين في سن هم فيها في أشد ~~الحاجة لعنايتها وحنانها. # أمور أربعة أردت بها رفع الحيف وإحكام الرابطة العائلية وسيادة الهناء فيها: ~~أمران هما ولا شك من أهم أغراض الشارع، ولو أن كل رجل اتقى الله وأحسن استعمال حقه ~~عند الضرورات التي شرع لها لما كان هناك محل لشكوانا، لكن كم من نساء يطلقن لأوهى ~~الأسباب، وكم من نساء يتزوج أزواجهن لغير ما سبب إلا أنانية الرجل وهواه. # أما مسألة إكراه الزوجة على الذهاب إلى ما يدعى دار الطاعة، فمسألة من الأهمية ~~بمكان؛ لأنها أصبحت سلاحا يستعمله الرجل حينما تخرج زوجته من داره لسوء معاملته أو ~~تعذر العيش معه بهناء وراحة. تخرج فيتركها لأي وقت شاءت وقد يجد سعادة في هذا ~~الفراق، فإن حدثتها نفسها بطلب الإنفاق عليها، وقد يكون الباعث لها على ذلك رغبتها ~~في الطلاق منه، فإنك تراه يطلب من القاضي الشرعي الحكم عليها بالدخول في طاعته، لا ~~رغبة في معاشرتها وإنما يريد إكراهها على إعطائه مبلغا من المال نظير الطلاق إن ~~كانت موسرة، أو إبراء ذمته من النفقة ومؤخر الصداق إن كانت معسرة. # بقيت المسألة الرابعة، ألا ms240 وهي رعاية الطفل وتقرير من له حق الولاية عليه عند ~~اختلاف الأبوين أو موت أحدهما، وهي تستدعي النظر في إصلاحها لأننا نرى أن الجاري ~~عليه العمل في القضاء الشرعي ليس وافيا دائما بوضع الطفل تحت مراقبة صحية ويد ~~باردة تعنى بتربيته. # المادة الخامسة: رأت الجمعية أن السواد الأعظم من البنات يتزوجن في سن لا تكون ~~فيها أعضاؤهن قد تم نموها، فيتسبب عن ذلك كثير من العلل التناسلية وضعف النسل ~~والعقم ... إلخ، على أنه لصغر سنهن لا يحسن القيام بوظيفة الأمومة؛ لجهلهن بتربية ~~الأطفال وسبل وقايتهم الصحية، فيتسبب عن ذلك موت الأطفال أو على الأقل اعتلالهم، ~~وقد قدمنا طلباتنا في عهد وزارة يحيى باشا إبراهيم سنة 1923 فأعارها الاهتمام ~~واقتنع بصحتها، وصدر القانون القاضي بمنع زواج البنت قبل السادسة عشرة. غير أن ~~الوزارة سنة 1924 أصدرت منشورا يفسر هذا القانون تفسيرا لا يتفق مع الغاية ~~التشريعية التي صدر من أجلها، إذ يجيز لمأذون العقود أن يقبل شهادة الأبوين أو أحد ~~الأولياء بأن البنت بلغت السادسة عشرة، دون أن يقدموا ما يؤيد شهادتهم بوثيقة ~~رسمية، فكأنه بذلك اعتبر الخصم حكما، وأضاع المصلحة بتفسيره، وساعد الأولياء على ~~تأدية شهادة قد لا تكون في كثير من الأحيان متفقة مع الواقع، لذلك طالبنا أولي ~~الأمر، ولنا كبير الأمل، أن يصدروا ما يعيد للقانون الأول قوته ويحقق الغاية من ~~إصداره. # المادة السادسة: السعي بمختلف الوسائل لتحسين حالة الشعب الصحية، فقد عملت له ~~الجمعية أولا بأن ضمنت مطالبها التي قدمتها لنواب الأمة وصحافتها سنة 1924 متحدة ~~مع لجنة الوفد المركزية للسيدات الأمور الآتية: # أولا: # إدخال القواعد الأولية من علم الصحة في برنامج التعليم. # ثانيا: # إصدار القوانين اللازمة لمحاربة المخدرات والمسكرات صيانة ~~للأخلاق وحفظا للنسل. # ثالثا: # العمل على تعميم المستشفيات في جميع مراكز القطر لا سيما ~~مستشفيات الأمراض المعدية والسرية وأمراض البلهارسيا ~~والانكلستوما. # رابعا: # إنشاء مصحات لأطفال الفقراء يقصدها الضعفاء والناقهون لاسترداد ~~قواهم. # خامسا: # إنشاء بساتين داخل المدن مع إيجاد ملاحظات لمراقبة أطفال ~~الفقيرات اللاتي يذهبن للتكسب ويتركن ms241 أطفالهن يلعبون في هذه ~~الحدائق الصحية النظيفة. # المادة السابعة: السعي لنشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، رغبة في تحقيق ذلك الغرض ~~الشريف، وإيمانا بأن الأخلاق هي الأساس المتين الذي تقوم عليه عظمة الأمم، تقوم ~~الجمعية بتهذيب الفقيرات وتعليمهن ما يساعدهن على الكسب الشريف ويقيهن شر مخاطر ~~الحاجة، كما طلبت إدخال التعليم الديني والخلقي في عموم المدارس، ومحاربة المخدرات ~~والمسكرات والبغاء. # المادة الثامنة: محاربة البدع والخرافات التي تتعارض مع العلم الصحيح، ولتحقيق ~~ذلك طلبت الجمعية من الحكومة أن تضرب على أيدي الدجالين وألا تعطي رخصة لإقامة ~~الزار. # المادة التاسعة: وهي تتناول نشر الدعوة بكل الوسائل المشروعة، وفي الداخل كانت ~~أعمال الجمعية كفيلة بتعريف الناس بها ونشر الدعوة لها ... أما في الخارج فكان الفضل ~~الأكبر في نشر دعوة الجمعية ودعوة مصر لرئيسة الجمعية الفاضلة السيدة هدى هانم ~~شعراوي مع اعترافي بما لكل عضو في الجمعية من فضل. # هذه كلمتي، أرجو أن تجد أذنا مصغية وهمة عالية، وقبل أختم كلمتي، أرجو أن يتأكد ~~الرجال أننا لا نطلب حق المساواة لنزاحمهم وننافسهم، وإنما نطلبه لنتعاون وإياهم ~~على ما فيه خيرنا جميعا وخير مستقبل بلادنا، فما الوطن إلا عائلة كبرى في حاجة ~~لتعاون كل فرد فيها. ولا يتم التعاون الحقيقي إلا إذا ساد حسن التفاهم المؤسس على ~~الحق والعدل. # | الفصل السابع والثلاثون # لم يكن المرحوم قاسم أمين رجلا عاديا في تاريخ الحركة النسائية المصرية، فقد كان صاحب ~~تحرير المرآة، وكان الصوت الذي لفت الأنظار إلى هذه القضية، وكان صاحب أكبر رصيد من الهجوم ~~عليه والتجريح في شخصه، رغم أنه لم يكن صاحب أول صوت نادى بتحرر المرأة. # ومن الغريب أن قاسم أمين بدأ حياته الفكرية وهو يقف في صفوف أعداء المرأة، ولكنه عندما ~~رأى صالون الأميرة نازلي فاضل يجمع العلماء والفضلاء وأصحاب الرأي والفكر ورجال الأدب ~~والثقافة، وعندما استمع إلى حديثها بدعوة من صديقه سعد باشا زغلول، لم يلبث أن انتقل من ~~صفوف الأعداء ليقف في مقدمة الصفوف نصيرا لقضية تحرير المرأة. # وفي مايو 1928 انتهزنا فرصة ms242 مرور عشرين عاما على رحيل المصلح الاجتماعي قاسم أمين لنقيم ~~احتفالا لتكريم ذكراه، وقد أقيم هذا الاحتفال في دار مسرح حديقة الأزبكية، وضم عديدا من ~~الشخصيات العامة والقيادات النسائية ... وكان مهرجانا لرد اعتبار الرجل العظيم الذي قضى نحبه ~~حزينا محسورا بعد أن تكاثرت عليه سهام الأعداء من كل جانب، وبعد أن وصل التجريح إلى بيته ~~وأسرته. # وقد كتبت جريدة السياسة في عددها الصادر في 6 مايو 1928 عن هذا الاحتفال بإفاضة، وكان من ~~بين ما قالته عن هذه المناسبة: «إن الوفاء وعرفان الجميل من أخلاق المرأة، فالاتحاد النسائي ~~بدعوته إلى الاحتفال بتكريم ذكرى قاسم أمين زاد شأن المرأة رفعة، وأرضى روح ذلك المصلح ~~العظيم، وبرهن على أن المرأة خليقة بالمقام الرفيع الذي تسعى إلى تبوئه بمساعدة أفضل ~~المصلحين من الرجال.» وأضافت الصحيفة قائلة: «وحسبنا أن ندل على مقام الحفلة بذكر الذين ~~حضروا وفي مقدمتهم صاحبة العصمة أم المصريين، وأصحاب المعالي: واصف غالي باشا، وعلي الشمسي ~~باشا، ومحمد صفوت باشا، وأحمد طلعت باشا، ومحمد علي باشا، وتوفيق دوس باشا، وأحمد شفيق ~~باشا، ولطفي السيد بك، وعلي عمر بك، والدكتور طه حسين، والدكتور مصطفى فهمي، والأستاذ الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق، وإسماعيل شيرين بك، وعدد كبير من السيدات والأوانس.» # وقد ألقيت بهذه المناسبة كلمة قلت فيها: # سادتي وسيداتي ... # اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي بآخر كلمة نطق بها المرحوم قاسم بك أمين في حفلة نادي ~~المدارس العليا وهو يحيي الطلبة الرومانيين ليلة وفاته، إذ قال: (كم أكون سعيدا في ~~اليوم الذي أرى فيه سيداتنا يزين مجالسنا كما تزين طاقات الزهور قاعات الجلوس)، هذه ~~هي آخر جملة نطق بها المرحوم قاسم قبل أن يلبي دعوة ربه ببرهة وجيزة، وهي كما ترون ~~تتضمن أمنية غالية لم يمهله الموت حتى يشهدها. # ولما كان من أجل مظاهر البر بالموتى والوفاء لهم، القيام بما كان يجلب سرورهم ~~لو أنهم على قيد الحياة، رأت جمعية الاتحاد النسائي أن أقل ما عليها نحو روح الفقيد ~~العظيم إنما هو تحقيق تلك الأمنية ms243 بالاشتراك في هذه الحفلة اشتراكا عمليا، فإذا ~~كانت الأرواح في عالمها الأعلى متصلة بعالمنا الذي نحن فيه، فلا شك في أن روح قاسم ~~أمين ترفرف علينا الآن في هذه الحفلة الرهيبة، وهي ممتلئة غبطة وسرورا؛ لتحقيق ~~المبدأ الذي طالما ناضل في سبيل الدعوة إليه حتى مات وهو في ميدان جهاده. # أيها السادة ... إذا قمنا اليوم بهذا الواجب لفقيدنا العظيم، فليس الدافع لنا محض ~~الاعتراف بفضله وجهاده في نصرة المرأة فقط، بل لنحيي فيه العدالة أيضا وأثره في ~~القضاء، ولنحيي فيه حب الخير ومعونته الصادقة في تكوين الجمعية الخيرية الإسلامية، ~~ولنحيي فيه ابتكار فكرة الجامعة المصرية، ثم لنحيي فيه بعد ذلك الشجاعة الأدبية ~~النادرة في تأليف كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» في وقت كان النطق باسم ~~المرأة يعد سبة وخزيا. # نعم إن شخصية قاسم كانت شخصية بارزة عظيمة تزاحمت فيها صفات جمة، صفات القانوني ~~الحكيم، والمصلح الخطير، والأديب القدير، والوطني الغيور، وكان حلية تلك الصفات ~~شجاعته وإقدامه. # أيها السادة ... إذا حيينا في قاسم كل تلك المواهب الممتازة، ولا سيما بلاءه الحسن ~~في تحرير المرأة، فلأننا نعتقد أن شعوره بواجب تحريرها وقيامه بالدفاع عنها والدعوة ~~إلى تعليمها، لم يدفعه إليه مجرد احترامه للعدل والإنصاف فحسب بل وخالص حبه لمصر ~~وتفانيه في رفع شأنها بين الأمم الحية، وهذه الغاية هي غايتنا نفسها التي ننشدها ~~نحن معشر السيدات من وراء نهضتنا النسائية، ولو أمهله الموت وقدره قومه وأنصفه ~~خصومه حينما شرع يطالب بتحرير المرأة ليتمم سلسلة إصلاحه، لخطت مصر خطوات واسعة من ~~عشرين سنة مضت. ولكن القدر أبى علينا أن نتمتع بمواهبه السامية، فحاربه خصومه وخذله ~~قومه وعاجلته المنية فكان موته خطبا فادحا، وقد كان من أمضى الأسلحة التي ~~استعملها خصوم قاسم ضد مبدئه ما توهموه من تناقض بين رده على الدوق داركور وبين ~~كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة، إذ إنه في كتابه الأول يدافع عن عادات بلاده ~~ويحبذ تقاليدها، وفي كتابه الثاني يطالب بتحرير المرأة وفك قيودها. ولم يفهموا أنه ~~في الحالة الأولى ms244 كان مدفوعا بعوامل الإصلاح والإخلاص لبلاده بعد تفكير عميق وبحث ~~دقيق فيما يقتضيه النهوض، وكان مثله في رده مثل الرجل الأبي إذ مس شرفه بكلمة ~~جارحة، دفعه إباؤه للزود عن كرامته، حتى إذا هدأ روعه وعاد إليه رشده، شرع يبحث في ~~حقيقة ما وجه إليه. فإذا تبينه أمرا واقعا عمل على تداركه واستئصاله. # قرأ قاسم كتاب الدوق داركور «مصر والمصريين» الذي انتقد فيه كاتبه عاداتنا ~~انتقادا مرا، وشنع علينا تشنيعا قاسيا، وحمل على الحجاب ونتائجه ومعاملة ~~رجالنا لنسائنا حملة شعواء، قرأ قاسم ذلك الكتاب، فمرض عشرة أيام عقب قراءته لشدة ~~تأثره وتألمه. ولعل بعض هذا التألم نشأ عن اكتشاف حقائق مؤلمة في غضون هذا النقد ~~وكأنه لم ينتبه إليها من قبل بحكم العادة التي نشأ عليها، ومن ذلك الحين نبتت في ~~نفسه فكرة تحرير المرأة المصرية وتعليمها انقيادا للحق وخضوعا لسنن الرقي. # وإذا علمتم أيها السادة أن هذا البناء الذي نحتفل فيه اليوم لإحياء ذكرى قاسم، ~~شيده أحد خصومه بل أشدهم تمسكا بالقديم، أعني به ذلك المصلح الكبير والاقتصادي ~~العظيم الذي يعد في طليعة رجال التطور ببلادنا، إلا وهو مدير بنك مصر محمد طلعت بك، ~~فإذا علمتم ذلك، سلمتم بأن شأن كل مصلح الخضوع لسنن التقدم والرقي. # أيها السادة ... إذا تسنى لبني مصر أن يقيموا التماثيل لأولي الفضل من عظمائهم، وجب ~~عليهم أن يذكروا أن قاسما في طليعة المصلحين المخلصين. # أيها السادة ... يظن البعض أن تعليم المرأة وإعطاءها حريتها يذهب بشيء من مميزاتها ~~الطبيعية ويدخل في طباعها شيئا من الخشونة والرجولة، وقد وقع قاسم في خطأ ذلك الظن ~~عند رده على الدوق داركور، إذ قال في دفاعه عن موضوع المرأة وهو يقارن بين الشرقية ~~والغربية المتعلمة: (إن منظر الأم البارة يملك عواطفي ... ومنظر المرأة وهي قائمة ~~بشئون بيتها يسرني، ولكني حينما أشاهد امرأة تبادرني وكتابها في يدها وتهز يدي بعنف ~~صارخ: كيف الحال يا صديقي؟ أشعر نحوها بشيء لا يبعد عن النفور). # وقد تعلمون أيها السادة أن الإنسان ميال بفطرته ms245 لتشبهه بمن هو أرفع منه قدرا، ~~فإذا حاولت المرأة المهضومة الحقوق أن تتشبه بالرجل، فلأنها تراه أرفع منها وأعز ~~سلطانا في الهيئة الاجتماعية لتمتعه بكل حقوقه. # وإن اليوم الذي تصل فيه المرأة إلى حقوقها وتتبوأ مركزها بجانب الرجل، تحتفظ ~~بأنوثتها ومميزاتها كما يحتفظ الرجل برجولته ومميزاته. # هذا عدا ما تجنيه الأمة من الفوائد العظيمة التي تنتج من تناسب الجنسين في كل ~~مظاهر الحياة، ولست أشك في أن قاسما أدرك هذه الحقيقة أخيرا، فكانت من العوامل ~~التي دفعته للمطالبة بتحرير المرأة وتعليمها، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن ~~المرأة وعن الوطن خير الجزاء. # خلفاء قاسم أمين # وبعد أن انتهيت من كلمتي، قدمت الخطباء واحدا بعد الآخر، وقد تحدث في البداية ~~الأستاذ عبد الحميد حمدي المحرر بالسياسة، فاستهل خطبته بأبيات حسناء خاطب بها قاسما، ~~وانتقل بعد ذلك إلى تاريخ النهضة النسائية في البلاد، وما كان لحركة سنة 1919 من ~~التأثير فيها، وقال: «إن خلفاء قاسم أمين من الرجال وإن كانوا قد عملوا لنشر دعوته، غير ~~أنهم وجدوا أنه خير للمرأة أن تتولى العمل بنفسها، وكان ما أملوه فأصبحت السيدة صفية ~~زغلول في مقدمة العاملات لتحرير المرأة، ولا غرابة في هذا، فهي قرينة سعد زغلول الذي ~~كان أصدق صديق لقاسم حتى إن هذا قدم إليه كتابه: «تحرير المرأة». ثم تقلدت هدى هانم ~~زعامة الحركة، وهي كريمة سلطان باشا وزوج شعراوي باشا، ولكليهما نصيب كبير في الحركة ~~الوطنية.» # وتحدثت بعد ذلك الآنسة عزيزة فوزي عن جهاد قاسم أمين في سبيل تحرير المرأة، وما كلل ~~به عمله من النجاح رغم المعطلات. # دعوة على أساس الدين # وجاءت بعد ذلك كلمة فضيلة الأستاذ الشيخ عبد العزيز البشري، وقد ألقاها نيابة عنه عبد ~~المعطي أفندي مرعي أستاذ اللغة العربية في المدرسة الحربية، وقد افتتحها بقوله: «إن ~~كثيرين من الحاضرين كانوا أشد من وجع الضرس وضرباته على دعوة قاسم أمين وعلى شخص قاسم ~~أمين.» # وقال إن قاسما كان في مبدأ حياته من الرجعيين، حتى إنه لما رد على الدوق ms246 داركور دافع ~~عن الحجاب واستنكر السفور، فظنت الأميرة نازلي فاضل وكان مجلسها يجمع العلماء والفضلاء ~~أمثال محمد عبده، سعد زغلول وعبد الكريم سلمان وفارس نمر ويعقوب صروف والمويلحي وابنه؛ ~~أنه يقصدها، فغضبت لذلك، ولكن سعدا قدم صديقه إليها. # ولما رأى شدة عقلها ورجاحة حلمها ووثاقة فضلها، انقلب عن رأيه وأخذ يطالب بتحرير ~~المرأة. # وأضاف بأن قاسما لم يكن ملحدا في مطالبته بتحرير المرأة بل بنى دعوته على قواعد ~~الدين، كما أنه لم يرد تحرير المرأة من الرجل، بل أراد تحرير الرجل من المرأة ~~الجاهلة. ~~••• # وبعد ذلك تحدثت الآنسة درية أحمد شفيق من فتيات الإسكندرية، وألقت خطبة فرنسية قابلها ~~السامعون بالتصفيق. # وكان أمير الشعراء أحمد شوقي بك قد أعد قصيدة بهذه المناسبة، وقد ألقاها بصوت جهوري ~~شفيق بك جبر مدير مكتب معالي وزير المالية، ولقد كان من آيات نجاح دعوة قاسم أمين أن ~~أمير الشعراء قد أصبح من مؤيديها بعد أن كان من معارضيها. # وكان من بين المتحدثين في هذا المهرجان، السيدة روفية رمضان ناظرة مدرسة الحلمية ~~الابتدائية والأستاذ إبراهيم الهلباوي بك. # وختم الحفل الشاب قاسم أفندي أمين حفيد المرحوم قاسم أمين ونجل حضرة توفيق بك رشدي ~~القاضي بمحكمة مصر، فشكر الاتحاد النسائي والخطيبات والخطباء الذين اشتركوا في حفلة ~~التكريم بكلمات رقيقة، وقال: إن والديه سمياه باسم جده تيمنا باسم جده بذلك وأملا في ~~أن ينهج نهجه. # | الفصل الثامن والثلاثون # بدأت الحركة النسائية الأمريكية في تاريخ مواكب لتاريخ الحركة النسائية المصرية، ولذلك ~~كان هناك اهتمام بما تحققه المرأة الأمريكية باعتبار أن هذا الدور يعطي صورة واضحة عما يمكن ~~أن ينال اهتمام النساء في دول العالم المتقدم، وما يمكن أن تستفيد منه المرأة المصرية في ~~هذا المجال، ومن هنا كان من الطبيعي أن تهتم الحركة النسائية المصرية بكل مؤتمر وكل إنجاز، ~~وأن تتابع الصحافة المصرية معالم هذه النهضة لتفتح الأعين والأذهان على ما تحققه المرأة ~~لخدمة الحياة العامة والاجتماعية. # وقد اهتمت الصحافة العالمية بالمؤتمر النسائي الأمريكي الذي عقد لمناقشة قضية السلام ~~العالمي، ms247 وكتبت الصحف الإنجليزية تحت عنوان «نساء أمريكا ونساء العالم» تشير إلى ذلك ~~المؤتمر الذي حضرته سبعمائة مندوبة من مختلف الولايات يمثلن عشرة ملايين امرأة في تلك ~~البلاد، وقد بحث هذا المؤتمر موقف الحكومة الأمريكية إزاء دول العالم، وانتقد عزلة أمريكا ~~وعدم تعاونها ومشاركتها في السياسة العالمية، وذهب المؤتمر إلى أن هذا الموقف هو الذي يفرض ~~على الشعب الأمريكي بذل النفقات الطائلة لإنشاء أسطول عظيم يرقب الطوارئ ويدفع ~~الملمات. # ومما يدل على أهمية هذا المؤتمر أنه قد حضره المستر دافيز وزير البحرية الأمريكية ~~والأدميرال سكوفيلد بالنيابة عن الأساطيل، وقد ألقى كلاهما خطبة أيد بها سياسة تعزيز ~~الأسطول الأمريكي لأغراض دفاعية فقط، ولكن المؤتمر النسوي استهجن هذا الأسلوب، وأصدر قرارا ~~بأن الحكومة تسير على خطة من شأنها أن تزيد عوامل القلق وتجعل سلام العالم مهددا بأعظم ~~الأخطار؛ لأن هذا البرنامج البحري الأمريكي سيزيد المنافسة بين الدول البحرية، وستؤدي ~~الزيادة إلى تعكير جو السلام. # ولعل أهم القرارات التي أصدرها المؤتمر هو تنظيم خطة حملة عامة لتنوير أذهان الشعب ~~الأمريكي وتحريضه على مطالبة الحكومة الأمريكية ببذل جميع المساعي الممكنة لحمل الدول على ~~عقد محالفات متعددة لتحريم الحرب. # وقد وجه المؤتمر خطابا إلى المستر كوليدج رئيس جمهورية أمريكا، يستحثه به على استئناف ~~المفاوضات مع الدول الأوروبية بقصد انضمام أمريكا إلى المحكمة الدولية. # وقد أثار هذا الموقف بعض الصحف الأمريكية، فانتقدت أعمال المؤتمر وقالت: إن المندوبات ~~اللواتي حضرن المؤتمر لا يحجمن عن التضحية بمصالح الوطن بشرط المحافظة على السلام، وهي خطة ~~لا تتفق مع الكرامة القومية في شيء، وليس للنساء شأن في الأمور الحربية حتى يتعرضن ~~لها. # ولم تصمت المرأة إزاء ذلك ... فقد بعثت إحدى المندوبات برسالة إلى الصحيفة جاء فيها: «هناك ~~أمور كثيرة نود نحن معشر النساء أن نعرفها، لقد كنا في الماضي مقيدات بقيود كثيرة، وكان ~~يطلب منا أن نلزم عقر دارنا ونعنى بشئون بيوتنا، ولكن ذلك العهد قد انقضى وأصبح للمرأة في ~~هذه البلاد وغيرها حقوق معترف بها، فهل يعاب علينا إذا نحن ms248 اهتممنا بمعرفة الأمور التي طالت ~~خبرة الرجال بها، لقد اجتمع منا في هذا المؤتمر تسعمائة مندوبة يمثلن الملايين من النساء ~~الأمريكيات، وإذا تذكرنا أننا شطر الأمة الذي يمد الوطن بالرجال، لم يبق وجه للاعتراض على ~~عملنا ... إن خبرتنا بالشئون المنزلية قد علمتنا العناية بالأموال للاحتفاظ بميزانية الأسرة، ~~وهذه الخبرة هي التي تدفعنا إلى الحرص على ميزانية الدولة ومنع كل عبث بها، فنحن نطلب أن ~~نعرف - ولنا الحق أن نعرف - كيف تنفق الأموال وما هي وجوه ذلك الإنفاق.» # طريق السلام # كذلك فقد ألقت المسز شابمان، رئيسة الاتحاد العام للأندية النسوية الأمريكية، خطبة في ~~المؤتمر قالت فيها: «إننا لا نعرف شيئا يضمن سلام العالم ويقصي شبح الحرب، وإنما نعرف ~~أشياء كثيرة يجب أن نعمل معا إذا أريد تحقيق تلك الغاية، ومن جملة تلك الأشياء إنشاء ~~نظام يضمن السلام ويوجد الطمأنينة في قلوب الدول ولا سيما الصغرى منها، وإيجاد نظام ~~للفصل في المنازعات الدولية، وترسيخ فكرة السلام في عقول الناس وإزالة جميع عوامل القلق ~~من النفوس، وتعويد الناس هذه الفكرة وهي أن القانون يجب أن يكون فوق القوة، وبذل كل سعي ~~من شأنه تقوية دعائم السلام وترويج الدعوة إليه، وأننا نعتقد اعتقادا مخلصا أن السير ~~على هذا السبيل يؤدي حتما إلى ضمان السلام وإزالة عوامل القلق من نفوس الناس. # هذا؛ وإن الاتحاد العام للأندية النسوية الأمريكية سيبذل كل جهوده ويعمل بكل قواه على ~~تحقيق السلام العالمي ... السلام العادل الذي يشرف كل أمة، ويفسح لها مجال الرقي في ظل ~~المدنية الحقيقية، وهذه مسألة جديرة بأن تسعى كل أمة إلى تحقيقها، وإن على نساء أمريكا ~~تبعة خطيرة لا يستطعن التنصل منها، وهي السعي لضمان السلام العالمي.» # وقد نشرت جريدة السياسة الأسبوعية في عددها الصادر بتاريخ 26 مايو 1928 تعليقا ~~مطولا على هذا المؤتمر وما دار فيه، وكتبت في نهاية التعليق تقول: # هذه خلاصة موجزة عن المؤتمر النسوي العظيم الذي عقد في أمريكا للدعوة إلى ~~السلام، وهو كما قلنا أعظم مؤتمر نسوي شهده التاريخ، وقد لا ms249 نرى له نتائج ~~محسوسة عاجلة ولكن تأثيره في المستقبل سيكون عظيما جدا، ومن أعظم الأدلة على ~~عظم شأنه واهتمام الحكومة الأمريكية بأمره، حضور وزير الحربية الأمريكية وأحد ~~أمراء البحر جلساته، واشتراكهما في مباحثاته، ولا نستطيع أن نتكهن الآن بما ~~ستكون خطة الحكومة الأمريكية بعد القرارات التي أصدرها المؤتمر، ولكن ما يكاد ~~يكون مؤكدا أن نساء أمريكا سيواصلن بذل جهودهن في سبيل سلام ورخائه. # السوق الخيرية # كان هذا النبض للحركة النسائية في مختلف أنحاء العالم يصل إلينا، فيدفعنا إلى مزيد من ~~البذل، وكانت الحركة النسائية المصرية تركز على المجال الاجتماعي إلى حد كبير، باعتبار ~~أن أول خطوة على طريق التقدم هي محاربة التخلف وبناء المستقبل السعيد للطفولة. # وتحقيقا لهذا الهدف، أقامت جمعية الاتحاد النسوي سوقا خيرية لصالح فتيات المشغل، ~~كما أقامت حفلا خيريا للمساعدة في إعانة الطفل وتحقيق سلامته. # وقد تفضلت الأميرات آمنة إسماعيل وكمال الدين حسين وعفت حسن بافتتاح السوق وتشجيع ~~الفتيات بشراء بعض منتجاتهن، كما تبرعت صاحبة السمو الأميرة أم المحسنين الوالدة ببعض ~~الأموال للجمعية، فضلا عن مكافأة أربع عشرة فتاة من أوائل الناجحات بأساور وأقراط ~~ذهبية جميلة، كذلك فقد وضع الأمراء آل لطف الله كازينة الجزيرة تحت تصرف الجمعية لإقامة ~~حفلتها الخيرية. # وجدير بالذكر أن كرائم العقائل والآنسات قد تطوعن للظهور في المناظر الحية «التمثيل»، ~~فكان لعلمهن نصيب في نجاح الحفلة وجمال تنسيقها. # وقد اجتمعت جمعية الاتحاد النسوي برئاستي لتقديم الشكر لكل من أسهم في هذا العمل ~~الخيري، وقلنا في البيان الذي أصدرناه بهذه المناسبة: # إن إقبال حضرات الأميرات الكريمات على افتتاح السوق، والمساعدة في إعانة ~~الطفل وسلامته، وحماية الفتاة والعناية بأمرها، يبعث في نفوسنا الأمل، ويقوي في ~~صدورنا العزم، وإن هذا التشجيع الذي تلقاه جمعيتنا من أولي البر والإحسان يشد ~~أزرنا ويدفعنا إلى مضاعفة الجهاد، فنحمد لهن جميعا سعيهن الجميل، وسنبدأ متى ~~تهيأت لنا الأسباب في تشييد بناء مشغل ومكتب دار الاتحاد النسوي ومستوصفه، ~~ليتسنى لنا توسيع دائرة عملنا في إعداد أمهات كاملات للمستقبل ... ومعالجة ~~الأطفال الفقراء، ms250 وإرشاد أمهاتهم إلى مبادئ علم الصحة. # ولا يفوتنا أن نشكر حضرات الصحفيين الذين فرضوا على أنفسهم الجهاد في سبيل ~~نشر التعليم وإعلاء شأن الوطن، ونشكر حضرات الآنسة أم كلثوم والأساتذة محمد ~~العقاد ومحمد عبد الوهاب وسامي الشوا لمعاونتهم لنا بإدخال السرور على الذين ~~شرفوا الحفلة. # وهذه التبرعات التي تفضلت بها: # جنيه # 150 # الأميرة أم المحسنين الوالدة # 150 # الأمير محمد كمال الدين حسين # 100 # محمد بك شعراوي # 50 # الأميرة نعمت مختار # 50 # الأميرة عزيزة حسن # 30 # صاحبة العصمة عائشة هانم فهمي # 200 # مسيو هيرمان، من شركة النقل الأمريكية # 25 # الأميرة خديجة عباس # 20 # الأمير كمال الدين حسين # 10 # الأمير ميشيل لطف الله # 5 # الأميرة فاضلة عزت # 5 # قليني باشا فهمي # 1 # مصطفى النحاس باشا # 1 # شركة الترام # 1,5 # البنك العثماني # 1 # مدام موصيري # 1 # مسيو جوزي كانبري # 1 # حنا بك باخوم # 1 # سعيد ذو الفقار باشا # 1 # إسماعيل سري باشا # 0,5 # حبيب بك دياب # 6 # تبرعات مختلفة # وإلى جانب هؤلاء فقد قدمت للجمعية هدايا من حرم المرحوم الدكتور طلعت باشا، ~~وكريمة إسماعيل صدقي باشا، وكريمة حسين بك عاصم، وكريمات توفيق بك وعلي بك ~~إسماعيل، وحفيدة الهلباوي بك. # هذا؛ وقد تحدثت مجلة «النور» في عددها الصادر بتاريخ 10 أبريل 1928 عن الدور ~~الذي قام به الاتحاد النسائي من أجل تطوير الحياة الاجتماعية للمرأة، وبخاصة في ~~أوساط الفقيرات ... وقالت المجلة: # لحضرة الفاضلة المحسنة الكبيرة هدى هانم شعراوي همة عالية، فهي لا ~~تخطو خطوة ولا تأتي بحركة أو سكون، إلا لتنهض بعمل مفيد يعود على الأمة ~~بالنفع، ناهيك بالمصنع العظيم الذي وهبت له الأموال الطائلة وأنشأته ~~لعمل الخزف وجميع أنواع الصيني وجعلته خاصا لتعليم المئات من أبناء ~~الفقراء والأيتام، وفوق ذلك فها هي المجلة الكبرى «المصرية» التي ~~أنشأتها في مصر باللغة الفرنسية للدفاع عن كرامة السيدات المصريات ~~تبرهن على سمو أفكارها، وكم لحضرتها رحلات في عواصم أوروبا وفي أمريكا ~~ولأعظم مؤتمرات السيدات في الغرب، كانت فيها خير مثال لتشريف اسم ~~السيدة المصرية. # | الفصل التاسع ms251 والثلاثون # كانت مسز بانكهرست من أعظم الشخصيات النسائية التي برزت في بداية القرن العشرين، وكانت ~~ابنة رجل من أعيان مدينة مانشستر، وقد تزوجت من الدكتور ريتشارد بانكهرست، وهو من كبار ~~المحامين الإنجليز، وأنجبت منه ثلاث بنات وابنا واحدا، وكانت قد تلقت دراستها في مانشستر ~~وباريس، وكان زوجها يعنى بكثير من الإصلاحات الاجتماعية، فكانت تساعده في ذلك وتؤيده، ~~وبخاصة في كل ما له علاقة بإصلاح حال المرأة وتحريرها، وفي أوائل هذا القرن انتخبت عضوا في ~~مجلس التعليم بمانشستر، ولكنها استقالت في عام 1906 وتفرغت للدفاع عن حقوق المرأة وإصلاح ~~حالة الفقراء. # وكان زوجها قد مات قبل وفاتها في منتصف يونيو 1928 بثلاثين عاما، فانصرفت كلية طوال هذه ~~الفترة لقضايا الوطن والمرأة، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، وقفت نفسها لخدمة الوطن، ~~وتغاضت عن حقوق المرأة مؤقتا، وأخذت تعمل بين الشبان وتبث الدعوة للتطوع للحرب دفاعا عن ~~الوطن ... وكانت لها خطب حماسية مشهورة يرددها الجنود في طريقهم إلى الميدان لترفع معنوياتهم ~~وتزيدهم حماسة وصلابة. # وقد اهتمت الصحافة المصرية بنبأ وفاة مسز بانكهرست، باعتبارها زعيمة نسائية مرموقة على ~~المستوى العالمي، وكتبت جريدة السياسة تقول: # في منتصف الشهر الحالي ... نعت الأسلاك البرقية مسز بانكهرست زعيمة المطالبات بحقوق ~~المرأة في بلاد الإنجليز، وصاحبة الفضل الأكبر في تمتع النساء الإنجليزيات بما ~~يتمتعن به من حقوق الانتخاب وما يتصل به من المزايا السياسية المختلفة، ولسنا نغالي ~~إذا قلنا إن الثورة التي حملت مسز بانكهرست لواءها في إنجلترا ردحا من الزمن، هي ~~سبب ما تتمتع به النساء اليوم في جميع أنحاء العالم من الحقوق السياسية ~~والاجتماعية، فقد سرى لهيب تلك الثورة إلى جميع الأنحاء، وأيقظ في نفس المرأة ~~الرغبة في التحرر من أصفاد الرق التي كانت ترسف بها منذ العصور المظلمة. # واستطردت الصحيفة تتحدث عن جوانب شخصية مسز بانكهرست، فقالت: # ولم تكن زعامة النهضة النسوية السياسية لتلهي مسز بانكهرست عن السعي لرفع مستوى ~~تعليم المرأة والعناية بالعمال والعاملات وإصلاح شئونهم، وقد وقفت على ذلك قواها ~~العقلية والجسدية ... ولحسن حظها ms252 كان زوجها يؤيدها في جميع مساعيها ... فكانت تزور ~~المراكز التي تكثر فيها النساء العاملات فتدرس أحوالهن وتقف على جميع مطالبهن، ولم ~~تكن حالة المرأة الإنجليزية يومئذ أحسن بكثير من حالة المرأة في العصور المتوسطة، ~~ومع أن مسز بانكهرست رفعت صوتها بالشكوى من تلك الحالة مرارا ... إلا أن عظماء ~~السياسة من الرجال وجميع الذين كان بيدهم مقاليد الأمور كانوا يسخرون بمطالبها ~~ويصمون أذانهم عن سماع صوتها ضاحكين هازئين، ولم يكن عنادهم يزيدها إلا عنادا، ~~فأخذت من سنة 1906 تجمع الأموال اللازمة لها لبث دعوتها ... وقد نجحت في هذا نجاحا ~~غير منتظر، حتى قيل إنه ما من نهضة في إنجلترا جمعت لها الأموال التي جمعتها مسز ~~بانكهرست لنشر دعوتها وإصلاح حالة المرأة الإنجليزية. # وما كادت الحرب تنشب في سنة 1914 حتى تناست مسز بانكهرست وجميع نساء إنجلترا ~~قضيتهن، فسكتن عن المطالبة بحقوقهن مؤقتا وأخذن يوجهن كل جهودهن لخدمة الوطن وبث ~~الدعوة بين الرجال لكي يتطوعوا للحرب، وفي مدة الحرب كلها لم يسمع أحد في إنجلترا ~~بقضية حقوق المرأة، ولكن لما وضعت الحرب أوزارها وعاد الرجال إلى أعمالهم، عادت مسز ~~بانكهرست وأترابها إلى النضال والكفاح، وكانت نفسيات الرجال في إنجلترا قد تغيرت إذ ~~ذاك، فأصبح القوم أكثر عطفا على مطالب المرأة لما أدته لهم من الخدمات الجليلة في ~~الحرب، وفي الواقع أن تلك الخدمات عادت على قضية المرأة الإنجليزية بأحسن النتائج؛ ~~فقد شعرت الحكومة الإنجليزية بعد الحرب بأن الجنود العائدين من ميادين القتال، قد ~~أصبحوا من أكبر مؤيدي المرأة العاطفين على مطالبها، فلم يكن من حسن السياسة ~~الاستخفاف بعواطف الجنود وبدعوة مسز بانكهرست التي تكهربهم كلما وقفت للخطابة فيهم، ~~ولا شك في أن مسز بانكهرست كان في إمكانها أن تسقط أية وزارة وأن توقد في إنجلترا ~~نار حرب أهلية في ختام سنة 1918 لو أصرت الحكومة الإنجليزية على مناصبتها العداء، ~~ولذلك رأت الحكومة أن تصغي إلى صوت العقل والحكمة، فهدمت جميع الحواجز التي كانت ~~تحول دون وصول المرأة إلى حقوقها السياسية وإجابتها إلى ms253 جميع مطالبها ... فلم يكن من ~~حسن ذلك كله لمسز بانكهرست التي كانت أعظم زعيمة نسوية عرفتها إنجلترا، بل أعظم ~~زعيمة ظهرت في التاريخ. # كتاب مفتوح # هكذا كانت تتحدث الصحافة عن القيادات النسائية في مختلف أنحاء العالم، وهكذا كانت ~~تؤازر النهضة النسائية المصرية، لكن رغم ذلك كان علينا أن نشق طريقنا وسط الصعاب، ولذلك ~~وجهت كتابا مفتوحا إلى صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء وصاحب المعالي وزير الحقانية ~~بشأن الدعوة النسائية للإصلاح الاجتماعي. # وقد جاء في هذا الكتاب المفتوح ما يأتي: # في شهر يونيو 1923 أوفدت جمعية الاتحاد النسائي التي لي شرف رئاستها وفدا من ~~أعضائها لرئيس مجلس الوزراء يرفع إليه طلبين مهمين: تحديد سن زواج البنت، ~~ومساواتها بالبنين في التعليم الثانوي والعالي، فرحبت وزارة صاحب الدولة يحيى ~~إبراهيم باشا بهذين الطلبين مقتنعين بعدالتهما، وعملت فعلا على ~~تنفيذهما. # امتلأنا غبطة وسرورا لإنصاف حكومتنا وحبها في الإصلاح، فشجعنا ذلك على تقديم ~~مطالب أخرى حيوية تكفل سعادة الأسرة المصرية لما فيها من عدل وإنصاف يتفقان مع ~~مقتضيات العصر الحاضر وروح الشريعة السمحاء. # رفعنا تلك المطالب في شهر نوفمبر 1926 في عهد وزارة صاحب الدولة عدلي باشا ~~يكن إلى صاحب المعالي أبي السعود باشا وزير الحقانية إذ ذاك، فأعارها من ~~الاهتمام ما هو معهود فيه من حب الإصلاح، ثم رفعناها أيضا إلى مجلس الشيوخ ~~والنواب فصادفت ارتياحا من قبل الحكومة ونواب الأمة، فأحيلت على لجنة مكونة من ~~نخبة من رجال الدين والقانون لدرسها درسا دقيقا، فرأت هذه اللجنة (اتقاء ~~التصادم بأفكار الرجعيين) إدخال تعديلات كادت تذهب بمزاياها، وبعد الانتهاء من ~~تعديلها، عرضها على مجلس النواب للتصديق عليها، فلم تسمح الظروف بنظرها، وتأجلت ~~من جلسة لأخرى لاشتغال المجلس بغيرها من الأمور المستعجلة. # والآن وقد عطلت الحياة النيابية، وأخذت الحكومة الحاضرة على عاتقها القيام ~~بتحقيق كل إصلاح ترى فيه سعادة الأمة المصرية بأسرها، رجالها ونسائها أغنيائها ~~وفقرائها، كنا نأمل أن تعير مشروع الأحوال الشخصية ما يستحقه من العناية ~~والاعتبار، غير متأثرة بعامل من العوامل إلا حب الإصلاح. ms254 # ولما كانت هذه عقيدتنا في الوزارة الحاضرة، هالنا ما قرأناه في جريدة المقطم ~~مما يفهم منه أن الحكومة شارعة في إهمال مسألتي تعدد الزوجات وفوضى الطلاق أو ~~تعديلهما تعديلا يذهب بالبقية الباقية من مزاياهما، بحجة أن تعدد الزوجات أخذ ~~في التلاشي بسبب كثرة النفقات ولانتشار العلم والمعرفة، ولأن وقوع الطلاق على ~~يد القاضي بعد ذكر أسبابه قد لا يكون في مصلحة الزوجين إذا فرض وكان لرجل ~~ولزوجته ابنة في الثامنة عشرة من عمرها مثلا، وقد أتت الزوجة عملا منكرا ~~يستحق الطلاق، فيكون في ذلك من التشويه بسمعة البنت ما يضر بمستقبلها ويقف حجر ~~عثرة في طريق زواجها. # فهل هذه هي الأسباب الخطيرة التي من أجلها ترى الوزارة إهمال النظر في ~~المسألتين السابقتين الحيويتين؟ # لا نظن أن وزير الحقانية على ما نعهده فيه من الحكمة وسداد الرأي، يبدي مثل ~~هذه الأسباب التافهة إذا أراد إهمال النظر في هاتين المسألتين. # أما عن المسألة الأولى، فإذا كنا نسلم بأن تعدد الزوجات قد أخذ في التلاشي، ~~فقد يكون ذلك منحصرا في الطبقة الراقية من الأغنياء؟ لأننا لا نزال نرى بمزيد ~~من الأسف كثيرا من المتعلمين يتزوجون بغير واحدة لا لسبب سوى إرضاء شهواتهم، ~~كما نرى تعدد الزوجات شائعا بين الطبقتين المتوسطة والفقيرة، بالرغم من غلاء ~~المعيشة، حتى إن بعض الفقراء إذا ادخر شيئا ولو قليلا من أجره اليومي، سارع ~~إلى الزواج بزوجة أخرى بدلا من إنفاق ما ادخره في حاجات بيته الضرورية ~~والعناية بأولاده وذويه. # أما المسألة الثانية، فإننا فضلا عن استيائنا لإهمال الوزارة جانب المرأة ~~وحقوقها في هذا التعديل، فقد دهشنا كل الدهشة عند قراءة هذا السبب الغريب، إذ ~~ليس من المعقول أن يعطل إصلاح عام حجم المزايا لفرض جزئي نادر الوقوع، على أن ~~طلب الطلاق قد يكون من جانب المرأة لمثل هذه الأسباب أو غيرها. # ولو فرضنا وقوع مثل هذا الحادث الشائن، يظن أن الأولى بالتفكير في وقاية سمعة ~~الأبناء والأحفاد هما الأبوان دون المشرع، وهما لا يعدمان حيلة تدبير الأسباب ~~المعقولة ms255 لعرضها على القاضي عند طلب الطلاق. # وإذا فتشنا عن أسباب الطلاق، قل أن نجد من بينها مثل السبب الذي يخشاه ~~المشرع. # بيد أن تقييد الطلاق بإذن القاضي قد يحفظ كيان الأسرة ويضمن طمأنينتها ~~وسعادتها وفيه مجال للتريث وأناة، وهذا هو ما يرمي إليه القرآن الكريم إذ أمر ~~بالتحكيم بين الزوجين إذا خيف شقاق بينهما، فقال تعالى: # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما إن الله كان عليما خبيرا ~~. # فنرجو الوزارة باسم العدالة والحق أن تعير هذا المشروع ما يستحقه من العناية ~~والرعاية، واضعة نصب أعينها أن سعادة الأسرة مرتكزة على سعادة المرأة، وأن ~~امرأة اليوم ليست هي امرأة الأمس، وأنها لن تستطيع صبرا على هضم حقوقها إرضاء ~~لشهوة الرجل. # ولنا أمل عظيم أن الوزارة تقدر الموقف، وتتدارك ما عسى أن يكون من ثورة نفس ~~المرأة ونتائجها، فلا يكون نصيب هذا المشروع الحيوي المفيد في عهد وزارة ~~الإصلاح الحاضرة نصيب قانون سن الزواج الذي سنته وزارة صاحب الدولة يحيى ~~إبراهيم باشا، فجاءت وزارة المرحوم سعد باشا وأردفته بمنشور جرده من كل مزاياه ~~وذهب بالفائدة التي كانت مرجوة منه، إذ أباح لموثقي العقود أن يكتفوا بشهادة ~~الآباء والأولياء في تحديد السن دون أن يقدموا وثيقة رسمية بشهادة الميلاد أو ~~شهادة طبيب تثبت السن الحقيقية. # وكان الغرض من سن هذا القانون، وقاية البنت من الزواج المبكر وحمايتها من ~~تحكم آبائها وأوليائها في زواجها. # وبهذه المناسبة، نلفت نظر الوزارة إلى ما أحدثه هذا المنشور من إباحة زواج ~~الصغيرة، وإلى الضرر المادي والمعنوي الذي ينشأ من هذا التصرف كالتشجيع على ~~الكذب والتزوير وتضحية صحة الصغيرة والقضاء على نسبها. # ولنا رجاء عظيم أن الوزارة تحقق آمالنا فيها، ولا تتبع سنة بعض الوزارات ~~السابقة كل منها تهدم ما بنته سالفتها. وأن يكون رائد وزارة الإصلاح في كل ~~مشروع تقوم بتنفيذه العدل والإنصاف. وفقها الله إلى الخير والسداد. # | الفصل الأربعون # كانت دعوتنا إلى إصلاح الأحوال الاجتماعية المتعلقة بالمرأة ms256 موضع مناقشة وجدل على صفحات ~~الجرائد، وكان من الطبيعي أن تختلف الآراء بين مؤيد ومعارض، وكانت جريدة «التاج المصري» من ~~بين الآراء المعارضة، ولكن حدث أن تصدى أديب كبير لوجهة نظرها بالنقد، فكتبت الصحيفة ردا ~~عليه تحت عنوان «كلمة في رأي السيدة الزعيمة»، قالت فيه: # كتب إلينا أديب كبير يذكرنا بأن مبدأ الصحيفة أن تأخذ بالأصلح الأنسب، وأن ما ~~تدعو إليه السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي إنما هو من هذا المبدأ، ورأى أن فيما ~~كتبناه في الأسبوع الفائت من الرد على السيدة انحرافا عنه. # ولو أن سيدنا الأستاذ قد اطلع على الكتاب بأكمله الذي رفعته أخيرا السيدة إلى ~~دولة رئيس الوزراء كما اطلع على ما كتبناه، لتأكد أننا في ردنا لم ننحرف عن مبدأ ~~الصحيفة، ذلك لأن السيدة تطلب فيما رفعته أمرين؛ أولهما: منع تعدد الزوجات، ~~وثانيهما: أن يكون الطلاق على يد القاضي، ونحن لم نرد عليها إلا في الأمر الثاني ~~وتركنا الأول، لأننا نعتقد اعتقادا جازما أنها محقة فيه؛ لأن تعليق تعدد الزوجات ~~على شرط العدل، وأن العدل غير قائم وأنه لفظ لا مدلول له في هذا الأمر، يشعر بأن ~~هذا التعليق ضرب من التحريم، وأن الأولى مع هذا وما يسبب عنه من التعب العائلي ~~واضطراب التربية أن يعدل عنه الراغب فيه. # ولكننا في الأمر الثاني أخذنا في نقده؛ لأننا نعتقد أن ما تطلبه السيدة ليس ~~بالأصلح ولا بالأنسب وإنما هو إحراج ضرره أكبر من نفعه. وقد أبان معالي وزير ~~الحقانية في حديث له بعض ضرره ومعايبه، ما دعانا إلى أن نعتبره غير صالح وما همنا ~~فوق ذلك مما ذكرته السيدة إلا قولها: «وهما أي الوالدان لا يعدمان حيلة لتدبير ~~الأسباب المعقولة لعرضها على القاضي عند طلب الطلاق.» # وواضح في هذه الدعوة التشبث بأن يكون الطلاق على يد القاضي، وأنه في حال وقوع ما ~~يشين الزوجة يختلق الزوجان أسبابا يعقلها القاضي، لتسهيل سبيل الطلاق، وتكون ~~شعارا على ما كتبته الزوجة الخائنة. # ولعمرنا إن التشريع الذي يدعو إلى الاختلاق لا ms257 يكون تشريعا يضعه مصلحون يرمون ~~إلى تقديم الخلق، فإن كان سيدي الأستاذ الكبير لا يزال بعد ذلك يرى أن الطلاق على ~~يد القاضي أوفى وأن السيد لا يزال بعد ذلك يرى صلاحية هذا التشريع، فإننا نقول له ~~مع القائلين: # لكم دينكم ولي دين ~~. # نصيب المرأة في الميراث # وفي ذلك الوقت الذي كانت تدور فيه مثل هذه المناقشات الحارة، اقترح الأستاذ الفاضل ~~سلامة أفندي موسى في كتاب أرسله إلي أن أطلب إلى وزارة الحقانية سن قانون يساوي بين ~~المرأة والرجل في الميراث، وقد أرفق خطابه بملخص محاضرة ألقاها بدار جمعية الشبان ~~المسيحية عن نهضة المرأة في مصر، وكانت هذه المحاضرة قد نشرت في جريدة المقطم الغراء، ~~وقد رددت على هذا الاقتراح بمقال في جريدة السياسة، قلت له: # يهمني أن أبلغ حضرة الأستاذ ومن حضروا خطبته أني في خدمتي لهذه النهضة أؤدي ~~واجبا معهودا إلي من جمعية الاتحاد النسائي التي شرفتني برئاستها، ولما كان ~~نصيب المرأة في الميراث ليس من المسائل الداخلة في هذا الموضوع، لا بإقرار ~~الحالة الحاضرة ولا بتعديلها. # وإن كان لا بد من إبداء رأيي في هذا الموضوع، فأقول بصفتي الشخصية إني لست من ~~الموافقين على رأي الأستاذ الخطيب فيما يتعلق بتعديل نصيب المرأة في الميراث. ~~ولا أظن أن النهضة النسوية في هذه البلاد لتأثرها بالحركة النسوية بأوروبا يجب ~~أن تتبعها في كل مظهر من مظاهرها، وذلك لأن لكل بلد تشريعه وتقاليده وليس كل ما ~~يصلح في بعضها يصلح في البعض الآخر، على أننا لم نلاحظ تذمرا من المرأة أو ~~شكوى من عدم مساواتها لرجل في الميراث، والظاهر أن اقتناعها بما قسم لها من ~~نصيب، ناشئ من أن الشريعة عوضتها مقابل ذلك بتكليف الزوج بالإنفاق عليها وعلى ~~أولادهما، كما منحتها حق استقلال التصرف في أموالها. # أما القول إن عدم المساواة في الميراث من دواعي إحجام كثير من الشبان عن ~~الزواج في الشرق، فغير وجيه لأننا نشاهد في أوروبا انتشار هذا الداء في عصرنا ~~الحالي انتشارا أشد خطورة منه في ms258 الشرق، بالرغم من أن الأوروبية ترث بقدر ما ~~يرث الرجل، فضلا عن أنها ملزمة بدفع المهر، ومكلفة بالتخلي عن إدارة أموالها ~~لزوجها. # ولو سلمنا بنظرية الأستاذ سلامة موسى وجاريناه في طلب تشريع جديد، فهل لا ~~يخشى أن يؤدي ذلك إلى إسقاط الواجبات الملقاة على عاتق الزوج نحو زوجته وأولاده ~~بإلزام الزوجة بالاشتراك في الصرف، وفي ذلك ما فيه من حرمان يعود بالشقاء ~~والبؤس على الزوجات الفقيرات اللاتي لم ينلن ميراثا من ذويهن ... وهذه الطبقة ~~تشمل أغلبية الزوجات، ولا يخفى ما هن عليه من جهل وأمية لا تسمحان لهن بمقاومة ~~هذا الشقاء أو تلطيفه بخلاف مثيلاتهن في الفقر بأوروبا؛ لأن التعليم هناك يشمل ~~كل الطبقات. # ترى الغربية أكثر حظا منها؛ لأنها تظهر لنا حائزة لقسط كبير من الحرية ~~المدنية المساوية لحرية الرجل، بيد أنها أقل حظا من أختها الشرقية في الحرية ~~الاقتصادية. فبينما الشرقية غير المتساوية مع الرجل في حق الميراث تتمتع بكافة ~~أنواع الاستقلال في إدارة أعمالها وأموالها، نجد الغربية المساوية لأخيها في ~~الميراث محرومة من هذه النعم، إذ لا يمكنها أن تنفق أي مبلغ من مالها، ولا أن ~~تحترف حرفة دون تصديق زوجها وموافقته ... لذلك نراها ثائرة في جميع بلدان أوروبا ~~على تلك القيود التي تحول بينها وبين الحرية الحقيقية والاستقلال منذ عصور ~~طويلة. # ومن الرجم بالغيب أن يقال إن المرحوم قاسم أمين لما قام بنشر كتبه في سبيل ~~تحرير المرأة، كان ينوي المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الميراث وإن الذي ~~أخره عن إعلان هذا المطلب هو انتظار نضوج الرأي العام. # فالمطلع على كتب المرحوم قاسم يقرأ من بين سطورها أنه كان يعنى فقط بجعل ~~المرأة عضوا صالحا في الهيئة الاجتماعية، وأن نعد الفتاة لتكون أهلا للقيام ~~بنصيبها من العمل في خدمة عائلتها ووطنها. # ليس في شرائعنا ما يميز بين المرأة والرجل في التعليم، ولا في أنواع الحرف، ~~ولا في الوظائف العامة بدون أي اعتراض بقدر تدرجها في التعليم، ولذلك نشاهد في ~~كل عام ازدياد عدد الموظفات في وظائف ms259 التعليم ومصالح التليفونات والطب وغيرها، ~~ولا فرق في الأجر بين الرجل والمرأة المتساويين في الكفاءة بخلاف ما هو جار في ~~أوروبا اليوم. # إن أهم ما يشغلنا اليوم في الوصول بالمرأة إلى المركز اللائق بها، ليس هو ~~السعي لتغيير القوانين أو قلب الشريعة، فلله الحمد لم نجد في هذه ولا تلك من ~~الأحكام ما يحملنا على التذمر والشكوى ... بل كل ما نسعى إليه هو حسن تطبيق هذه ~~القوانين بما يطابق غرض الشارع وحكمه، وكل المطالب التي تقدمنا بها إلى الحكومة ~~ترجع إلى تحقيق هذا الغرض لتحسين حال العائلة وهنائها. # وما عرضناه تنظيما لمسائل الطلاق والزواج والحضانة وبيت الطاعة يرجع إلى هذا ~~أيضا، ولا يخرج عن أحكام الشريعة الغراء. # فإذا كان هناك من موجب لاستياء المرأة وشكواها، فليس من رجحان نصيب الرجل على نصيبها ~~في الميراث، بل من تصرفات أخرى يتبعها الوالدان، وكثيرا ما تفضي إلى حرمانها من هذا ~~النصيب الضئيل بطريق الوقف. وإذا شكونا منها لا نكون متظلمين من الشريعة نفسها بل من ~~الخروج على أحكامها بهذه الحيل باسم الدين وهو بريء منها، أعني بذلك احتيال الوالدين ~~على حرمان بناتهم مما قدر لهم شرعا بواسطة الوقف، فيرصدون أموالهم على الذكور، على أن ~~المجمع عليه شرعا أن المورث لا يملك في حياته تعديل نصيب ورثته بعده، وكل تصرف يخالف ~~ذلك يعتبر باطلا. # دعاة الإلحاد # ولعل حكومتنا القائمة بالإصلاح الآن توفق لأن تضع حدا لهذا الظلم المخالف للعدل ~~ولروح الشريعة الغراء. # وقد هاجمت صحيفة الأخبار دعوة الأستاذ سلامة هجوما عنيفا. وقالت في مقال منشور ~~بتاريخ 29 ديسمبر 1928: «مكانكم يا دعاة الإلحاد ... لقد كان في النية أن نرد كيد دعاة ~~الفتنة إلى نحورهم، ولكنا رأينا أن حضرة السيدة هدى شعراوي هانم قد قامت بهذا الواجب ... ~~ولعل في رد السيدة ما يرجع دعاة الإلحاد إلى الصواب، وإلا فإن هم عادوا عدنا وأخرجنا من ~~الجراب ما يلقف ما صنعوه، وما صنعوا إلا سحر ساحر # ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى ~~.» # رسالة الأمير طوسون # وقد تلقيت في أعقاب ms260 نشر المقال، رسالة من الأمير عمر طوسون يعلق فيها على موقفي من ~~مسألة الميراث، وقد نشرت الصحف نص هذه الرسالة التي جاء فيها: # قرأنا المقال الحكيم المنشور في جريدة الأهرام الغراء تحت عنوان «نصيب المرأة ~~في الميراث»، فسرنا أن تكون الحكمة رائد عصمتك فيما توخيته من نهضة المرأة ~~المصرية والعمل على رقيها مع الاحتفاظ بالشرائع الإلهية والصالح من عاداتنا ~~وأخلاقنا ومميزاتنا القومية كأمة لها كيان بمقوماتها ومشخصاتها. فهذه هي طريق ~~الإصلاح النافع وسبيل النهضة الصحيحة. # أما الدعوة إلى إطراح قوميتنا والانفصال شيئا فشيئا عن أصول ديانتنا، تلك ~~الدعوة التي يدعو إليها الآن نفر منا رأوا الشقة بيننا وبين الغربيين بعيدة، ~~فأرادوا بحسن قصد فيما نظن أن يعلوا بنا إليهم من طريق الطفرة، وحسبوا من ~~استحكام حلقات التأخر وتغلغله فينا أن ليس لنا نجاة إلا بتحطيم ما نحن عليه من ~~خلق وعادات ودين، فتلك دعوة خطرة المغبة، سيرون بأعينهم قريبا من عملوا بها قد ~~ضلوا الطريق وأصبحوا حيارى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. # لذلك كان إعجابنا بمقال عصمتك في وسط هذه المحن التي تحدق بالشرق والشرقيين ~~إعجابا لا حد له، وارتياحنا إليه من هذه الناحية عظيما كبيرا، خصوصا أنك ~~أيدت فيه جانب الشريعة الإسلامية الغراء، وبينت وجه الحكمة وسر التشريع في نقص ~~نصيب المرأة عن الرجل في الميراث ... وإذا كان اللائق في بعض الأحيان يدعو إلى ~~الإغضاء على القذى والغض عن الإساءة، فالواجب يحتم أن يقال للمحسن أحسنت، وهذا ~~هو الذي أردناه من كتابنا هذا إلى عصمتك. # عيد المصرية # وخلال هذه الفترة ... وبالتحديد في يوم 24 ديسمبر 1928، احتفلنا بالذكرى الثالثة لصدور ~~مجلة المصرية «الاجبسيين»، وهي مجلة كنت أصدرها باللغة الفرنسية للتعريف بأحوال المرأة ~~المصرية وتطوراتها ... وقد أقيم هذا الاحتفال في منزلي، وشاركت فيه شخصيات عامة من الرجال ~~والنساء، تقديرا لدور هذه المجلة. # وقد كتبت جريدة المقطم بهذه المناسبة تقول: «اليوم تستقبل مجلة «المصرية» الذكرى ~~الثالثة لظهورها، وإننا لسعداء بأن نحييها عند بزوغ فجر هذا اليوم سائلين لها عمرا ~~طويلا وجولات ms261 صالحة في ميدان الخير العام. # إن مجلة «المصرية» هي مجلة نسوية تنادي بما يخالف مبادئنا وخطتنا في تربية المرأة وفي ~~تحديد حقوق المرأة وبيان مهمتها، وفي القرن العشرين، عهد توزيع الأعمال والتخصص في فروع ~~كل مهنة، تقول بمزاحمة الجنس اللطيف للجنس الخشن، ولكنها مع ذلك سدت من ناحية أعمال ~~البر بالإنسانية وإغاثة الملهوفين وتشجيع الصنائع المصرية وبخاصة القديمة منها. # على أن الخلاف في الرأي لا بد منه في أمة تريد النهوض ... بل هو بمثابة عنصر في الدواء ~~العام لمختلف الأمراض». # | الفصل الحادي والأربعون # كنت حريصة على متابعة كل مظاهر النهضة النسوية وبخاصة في مجال التعليم، وكان يقيني أن ~~التطور لا بد أن يتحقق مع تعليم الفتاة وتفتحها على الحياة والثقافة العصرية، وكان إيماني ~~أن كل نافذة جديدة للعلم هي بمثابة انتصار جديد لقضية المرأة، ولقد كان تعليم الفتيات ~~مقصورا في البداية على تخريج معلمات، أما في المجالات الأخرى فقد كان مقصورا على مراحل ~~أولية أو متوسطة، ومن ذلك اشتغال الفتيات بالطب كان محصورا في مجال تلقي المبادئ الأولية ~~الكافية لتخرج «قابلات»، ثم عرفت الفتيات بعد ذلك فن التمريض. # ولكن إنشاء الجامعة المصرية فتح الباب أمام الفتيات لتلقي العلوم العالية كما يتلقاها ~~الفتيان، وحدث في أول العام الدراسي 28 / 1929 أن تقدمت ست فتيات ممن أتممن دراستهن ~~الثانوية يطلبن الالتحاق بقسم التحضيري لكلية الطب بالجامعة وقد ترددت إدارة الجامعة أول ~~الأمر في قبولهن، ولكنها لم تجد في القانون ما يساعدها في رفض طلبهن، وكان أن تحقق لهن ما ~~أردن. وهؤلاء الفتيات الست هن: سعادات راشد، وحكمت البدري، وفاطمة فهمي، وعايدة أنطون، ~~ونفيسة أحمد. # ولما كنت قد أزمعت السفر إلى مؤتمر برلين على رأس وفد الاتحاد النسائي، فقد رأيت أن أزور ~~طالبات الطب بالجامعة قبل سفري حتى أقف بنفسي على سير تعليمهن ومبلغ نجاحهن ، وبذلك يمكنني ~~أن أتحدث عن تقدم المرأة المصرية من موقع المعرفة والمتابعة، وهذا هو رأيي دائما: أن أتحدث ~~عن معلومات معروفة بالنسبة لي تمام المعرفة، وأن أكون ملمة ms262 بكافة جوانبها ومستعدة للمناقشة ~~فيها. # وقد تمت هذه الزيارة بالفعل في الساعة الحادية عشرة من صبيحة يوم 2 أبريل 1929، وقد أثنى ~~جميع الأساتذة على سير الفتيات في علومهن، وقالوا: إنهن يتميزن على الفتيان بعدة أمور منها ~~إتقانهن اللغة، وجلدهن على العمل، وتخصيص أغلب أوقاتهن للدرس. أما عن الوجهة الأخلاقية فكان ~~الثناء على الفتيات مقرونا بالإعجاب التام. # مؤتمر برلين # وكان من المقرر أن يعقد مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي اجتماعه السنوي الخامس والعشرين ~~في شهر يونيو في مدينة برلين، وقد تعودت المرأة المصرية منذ شاركت في مؤتمر روما عام ~~1923 أن تحضر هذه المؤتمرات دوريا، وأن تشارك فيها بالدراسة والمناقشة، وكان الغرض من ~~عقد مؤتمر برلين «السعي لتحرير نساء جميع الأمم بتوسيع نطاق حق تصويت المرأة وإصلاح ~~أمور أخرى لا بد منها لإيجاد مساواة حقيقية في الحريات والحالات بين الرجال والنساء، ~~وتعليم النساء ليتمكن من زيادة تنورهن في الحياة العامة». # وكان الاتحاد النسائي الدولي قد ازدهر في هذه الفترة، فبعد أن كان يضم في البداية ~~عددا قليلا من الدول، كبر شأنه واتسع نطاقه وصارت له فروع في 45 قطرا من أقطار ~~العالم، وجدير بالذكر أن اللجنة العاملة للمؤتمر كانت تضم اثنتي عشرة سيدة من اثني عشر ~~قطرا من أوروبا وأمريكا ومصر، فلم يكن بين هذه الأقطار أي قطر شرقي آخر غير ~~مصر. # وقد عقد المؤتمر في 17 يونيو 1929، وبلغ عدد أعضائه 500 عضو، وكان هناك من بين الدول ~~المشتركة فيه 25 دولة قد منحت النساء حق الانتخاب. # وكان المؤتمر وأعضاؤه موضع عناية تامة من الشعب الألماني والحكومة الألمانية ... وقد ~~اشترك وخطب فيه كبار رجال الدولة من وزراء وحكام وسياسيين. وإذا عرفنا أن 55 في المئة ~~من نساء ألمانيا يشاركن الرجال في الأعمال، فإننا نستطيع أن ندرك من خلال ذلك مدى ~~اهتمام الشعب الألماني بالجمعيات والمؤتمرات النسوية. # وقد ألقى الهر سفرنج وزير الداخلية خطبة الافتتاح، وكان مما جاء فيها: لو كان للنساء ~~حق الانتخاب قبل سنة 1914 لما اندلعت الحرب وأنزلت الخراب بالعالم؛ ms263 لأن النساء قد يقدرن ~~مخاطر الحرب ويألمن من عواقبها أكثر من الرجال، فبواسطتهن سيتحقق حلم الإنسانية الرامي ~~إلى نشر السلم والإخاء بين الأمم، وعلينا ألا ننسى أن المرأة هي رئة الأمة، منها يدخل ~~الهواء النقي المنعش لسائر أعضاء الجسم. # وقد أتيح لنا أثناء إقامتنا في برلين زيارة المستوصفات وملاجئ الأطفال وجمعيات رعاية ~~الأمهات، وقد درسنا نظام تلك النشاطات الاجتماعية التي تمت وازدهرت في ألمانيا أكثر من ~~سواها، وكان يتولى إرشاد الأعضاء في هذه الزيارة طائفة من سيدات الطبقة الراقية في ~~برلين. # وإذا كان الوفد النسائي المصري قد استطاع أن يحقق فوائد أدبية كثيرة في هذا المؤتمر، ~~فلا جدال في أن فوزه الأكبر كان في حمل المؤتمر على إقرار الاقتراح التالي: # جهودنا لإلغاء الامتيازات # نظرا؛ لأن نظام الامتيازات لا يدع للسلطات المصرية أية سيطرة على منازل البغاء ~~الأجنبية، كما أنه لا يدع لها أية سلطة لمراقبة تجارة المواد المخدرة التي تفتك ~~بالشرق فتكا ذريعا. # ونظرا لضرورة إلغاء تلك المنازل وهذه التجارة كما تقدمت توصيات بذلك إلى جمعية ~~الأمم. # فإن المؤتمر يطلب من الجمعيات المشتركة فيه أن تسعى كل لدى حكوماتها لتسهيل ما ~~تقوم به السلطات المصرية من أعمال التطهير صحيا وأدبيا. # وقد لقي هذا الاقتراح بعض الاعتراض، وبخاصة من جانب رئيسة الوفد الإنجليزي ~~لعلاقته بنظام الامتيازات ما يجعل له صفة سياسية. وكان المطلوب هو إرجاء النظر فيه ~~إلى مؤتمر قادم. ولكني حرصت على الاتصال برئيسات سائر الوفود بين الجلسات حتى كللت ~~مجهوداتنا بالنجاح. ونذكر هنا بالفضل دور رئيسة الوفد الفرنسي مدام كرامر باك ~~المحامية، فقد حملت على نظام الامتيازات المجحف حملة صادقة، فوافق المؤتمر على ~~الاقتراح المصري بالإجماع ما عدا الوفد الإنجليزي الذي امتنع عن التصويت. # ومما يذكر أيضا أن المؤتمر قرر قبل انفضاض جلساته أن ينتخب مكتبا يسمى «مكتب ~~الاتحاد النسوي العام» وهو مؤلف من عشرين عضوا، وقد أعيد انتخاب رئيسة الوفد ~~المصري عضوا في هذا المكتب بعد أن رشحتها للعضوية ممثلات 211 دولة ونالت في ~~الانتخاب العام 161 صوتا. ms264 فكان هذا إشادة بذكر مصر ورفع اسمها بين الدول. # المرأة المصرية في برلين # وقد كتب الأستاذ كريم ثابت، وهو أحد الصحفيين المصريين البارزين وابن رئيس تحرير ~~جريدة المقطم، مقالا تحت هذا العنوان؛ حيث تصادف وجوده في ألمانيا أثناء انعقاد مؤتمر ~~برلين، قال فيه: # اتفق وجودي في برلين في الشهر الماضي في أثناء انعقاد المؤتمر النسائي الذي ~~دعا إليه الاتحاد النسائي الدولي. وقد مثلت مصر فيه السيدة هدى هانم شعراوي ~~رئيسة الاتحاد النسائي المصري والآنسة حداد والآنسة سيزا نبراوي والآنسة ماري ~~كحيل تمثيلا لائقا مشرفا لهذه البلاد ولسيداتها الناهضات ... وحسبي أن أورد ~~هنا للقراء ما حدث في المأدبة الشائقة التي أقامتها السيدة هدى هانم في فندق ~~«كايزر هوف» ببرلين لجمهور من وزراء الألمان الحاليين والسابقين وكرائم السيدات ~~والأوانس اللواتي ينتمين إلى أكبر البيوت الألمانية العريقة في الحسب ~~والنسب. # وقد كان في مقدمة من لبى الدعوة إلى المأدبة المصرية سعادة الدكتور جرارد ~~وزير الحقانية الألمانية الحالي وسعادة الهر روزن وزير الخارجية الألمانية ~~الأسبق وقريناتهم، والبارونة كاردورف عقيلة وكيل مجلس الرخستاغ وزعيمة الحركة ~~النسائية في ألمانيا، وغيرهم من الكبراء والعظماء. وكان الرجال لابسين ملابس ~~السهرة الرسمية (الفراك لا السموكنج) ومتقلدين أرفع نياشينهم دلالة على عظمة ~~تقديرهم للدعوة التي وجهت إليهم وشدة اعتبارهم لها. # وبعد الفراغ من الطعام، نهضت السيدة هدى هانم شعراوي وخطبت خطبة بليغة باللغة ~~الفرنسوية، شكرت فيها الألمان ولا سيما السيدات الألمانيات على ما لقيه الوفد ~~النسائي المصري من حفاوتهن وإكرامهن، وعلى ما صادفته الاقتراحات المصرية من ~~العطف والتأييد في جلسات المؤتمر وخصوصا ما يتعلق بوجوب تعديل الامتيازات ~~الأجنبية تعديلا يشد أزر الحكومة المصرية في الضرب على أيدي المتاجرين بالمواد ~~المخدرة. وعقبتها الآنسة ماري كحيل فخطبت بالألمانية بطلاقة أدهشت سامعيها من ~~أبناء تلك اللغة وبناتها. فبسطت للحاضرين المراحل المتعاقبة التي اجتازتها ~~النهضة النسائية في مصر في السنوات الأخيرة. # ونهضت بعد ذلك البارونة كاردورف ، وارتجلت خطبة ضافية باللغة الألمانية تولت ~~الآنسة ماري كحيل ترجمتها إلى الفرنسوية، ومما قالت زعيمة الحركة النسائية في ms265 ~~ألمانيا إنها زارت مصر في الشتاء الماضي للاستشفاء، فانتهزت فرصة إقامتها فيها ~~لتدرس حقيقة النهضة النسائية المصرية عن كثب، فخرجت من هذا الدرس وهي مطأطئة ~~احتراما للمجهود الذي بذلته سيدات مصر في هذا الميدان، وقالت: «وبلغ من شدة ~~إعجابي بنشاطهن وحماستهن أنني قلت في نفسي لو لم أكن ألمانية لأحببت أن أكون ~~مصرية.» ثم استطردت إلى الكلام عن السجون والإصلاحيات والملاجئ والعيادات ~~النسائية في مصر. فأفاضت في الكلام عما شاهدته من النظام والنظافة وحسن ~~المعاملة في سجن النساء، وتكلمت بعد ذلك عن الملجأ الذي أنشأته السيدة هدى هانم ~~شعراوي فوصفت أقسامه وما شاهدته من إقبال اليتيمات وغيرهن على الاستفادة من ~~العلوم والصناعات التي يتلقينها فيه. وهنا نوهت الخطيبة بمآثر السيدة هدى هانم ~~ومناقبها وبحسن بلائها في سبيل رفع لواء النهضة النسائية في مصر، فصفق الحاضرون ~~وهتفوا لرئيسة الاتحاد النسائي المصري، فسارت البارونة كاردورف إلى حيث كانت ~~السيدة هدى هانم جالسة وقبلتها بين تصفيق المدعوين الشديد. ثم تكلم كاتب هذه ~~السطور بالفرنسوية. # وعقب سعادة الهر سفرنج ... فقال: «إن أول اجتماع للنهضة النسائية الألمانية عقد ~~في حديقة داره من نحو خمس وعشرين سنة بناء على دعوة وجهت إلى سيدات برلين باسم ~~قرينته، وأنه لما عقد يومئذ ذلك الاجتماع الأول من نوعه، تساءل الناس هل يكون ~~الثبات شعار المرأة الألمانية والنجاح نصيبها، فإذا به اليوم يشاهد المرأة ~~المصرية تجلس إلى جانب المرأة الألمانية وإلى جانب الفرنسوية والإنجليزية ~~والأمريكية وغيرها، وتمثل بلاد الفراعنة تمثيلا خليقا بكل إجلال وإكبار؛ ~~لأنها لا تقل بذكائها وفطنتها وعلمها ونشاطها عن أي امرأة كانت في أي بلد كان ~~من بلدان الغرب. # وتلاه سعادة الهر جرارد وزير الحقانية الألمانية، فقال إنه يتشرف بأن يكون من ~~أنصار النهضة النسائية في العالم، وإنه لمن بواعث اغتباطه أن يجاهر في هذه ~~المأدبة المصرية بأنه وهو كوزير للحقانية الألمانية سيفرغ قصارى طاقته، ليعمل ~~على تحقيق مطالب المرأة الألمانية التي ترمي إلى مساواتها بالرجل في الحقوق ~~المدنية في ألمانيا، فنهضت السيدة هدى هانم وشكرته على ms266 هذه المجاملة ~~الرقيقة. # هذه سطور رأيت أن أخطها عقب عودتي إلى مصر من أوروبا، ليطلع أبناء هذا الشعب ~~وبناته على صفحة وجيزة من صفحات الجهاد القومي الاجتماعي الأدبي الجليل القدر، ~~الذي تجاهده السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي في سبيل نشر الدعوة لبنات جنسها في ~~بلاد الغرب؛ حيث لا يزال الناس يجهلون الشيء الكثير عن مصر والمصريين ~~والمصريات. # | الفصل الثاني والأربعون # كان صوت النهضة النسائية الصاعدة في مصر قد بدأ يحقق صدى طيبا بالنسبة للمرأة العربية في ~~كل البلدان الأخرى، وكان من مظاهر ذلك أن قام المجمع النسائي العربي في بيروت، الذي يضم ~~نساء لبنان وسورية وفلسطين، بعقد اجتماع في أكتوبر 1929 قرر فيه عقد مؤتمر نسوي عام في ~~الربيع المقبل بمدينة دمشق، وذلك للنظر في حالة المرأة، وإحياء آداب اللغة العربية، وترويج ~~المصنوعات الوطنية، وتعزيز الوحدة القومية بين نساء الطوائف المختلفة، وتعليم الفتيات ~~وتهذيبهن لرفع مستواهن. # وقد كتبت الأديبة المعروفة «مي زيادة» مقالا مسهبا عن هذا المؤتمر في جريدة الأهرام ~~الصادرة بتاريخ 12 أكتوبر 1939 قارنت فيه بين اهتمام الرجال بالسياسة، واهتمام المرأة بما ~~هو أهم وأفعل وأنفع. # المرأة والتطور العالمي # وفي 12 نوفمبر 1929، ألقيت محاضرة في الجامعة الأمريكية تلبية لدعوة المستر مكلنهن ~~مدير الجامعة، عن دور المرأة في حركة التطور العالمي، تناولت فيها كفاح المرأة في الغرب ~~من أجل الحرية والمساواة، ثم تطرقت إلى دور الاتحاد النسوي المصري في المؤتمرات ~~النسائية الدولية ابتداء من مؤتمر روما عام 1923 ثم مؤتمر جراتس عام 1925، وباريس عام ~~1926، وأمستردام عام 1927، وبرلين عام 1929، ثم رحلتي إلى أمريكا ولقائي مع المؤسسات ~~النسوية ومعارضنا التي تصور النهضة المصرية، بالإضافة إلى ما حققه الاتحاد من تقدم كبير ~~في حالة المرأة المصرية والغربية. # وقلت: «إذا كنا في نهضتنا لم نجد أساسا من الماضي نبني عليه، فما عدمنا من بين ~~الرجال عضدا في فتح الطريق أمامنا وتشجيعنا على السير فيه. # فقد كان لصاحب الشريعة الإسلامية # صلى الله عليه وسلم # الفضل الأول في منح المرأة أمانة التشريع ~~منذ ثلاثة عشر ms267 قرنا ونيفا؛ حيث قال: «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء»، وهو يشير بذلك ~~إلى السيدة عائشة رضي الله عنها إلى غير ذلك من مكاسب المرأة؛ نتيجة جهود الاتحاد ~~ومؤازرة رجال مصر النابهين.» # وقلت أيضا: «إن موقف المرأة الغربية إزاء الرجل في الحركة النسائية غير موقف المرأة ~~الشرقية، فالغربية وهي تنشد استقلالها تصادف موانع كثيرة أساس معظمها القوانين، فكأنها ~~في جهادها تعمل على إنقاص حق من حقوق الرجل، أما الشرقية فشأنها غير ذلك، فهي لا تطلب ~~من الرجل إلا فتح أبواب الثقافة والتجارب أمامها لتحسن إدارة شئون واستقلال حقوق خولتها ~~لها الشريعة الإسلامية.» # مبنى الاتحاد النسائي # وفي شهر أبريل 1931، قمنا بوضع حجر الأساس لمبنى الاتحاد النسائي قرب قصر العيني، ~~وحضر هذا الاحتفال أعضاء اللجنة الاستشارية المكونة من محمد علي باشا، والدكتور محمد ~~شاهين باشا، والدكتور طه حسين، والدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور منصور بك، وأحمد فهمي ~~العمروسي بك، ومصطفى عبد الرازق بك، وأنطون الجميل بك. ومن أطباء المستوصف التابع ~~للاتحاد الدكتور سامي كمال بك والدكتور حجار. # وقد كتب الأستاذ أحمد الصاوي محمد في عموده «ما قل ودل» بجريدة الأهرام الصادرة في 4 ~~أبريل 1931، يقول: إن يوم الاتحاد النسائي هو يوم مجيد عزيز على الأيام ... وهو يتوج ~~مجهودات السيدة النبيلة هدى هانم شعراوي، وهو يشهد بهمة السيدات الفضليات اللواتي يقفن ~~إلى جانبها، ويعاونها في المكرمات، وهو يوم فخر لمصر. # وقد ألقيت خطبة بهذه المناسبة، قلت في نهايتها: # ليس لدي ثوب أقدمه لحضراتكم اليوم سوى هذا العلم الذي يمثل وحدتنا القومية، ~~وهو العلم الأول الذي اتخذناه رمزا لنهضتنا في أول مؤتمر دولي نسائي اشتركنا ~~فيه بمدينة روما عام 1923. فهيا سادتي وسيداتي نحمل حجرنا الأساسي في هذا العلم ~~المبارك إحياء لهذه الذكرى الجليلة التي نفخر بتدوينها في تاريخ نهضة المرأة ~~المصرية. # مظاهرات السيدات # في أوائل مايو 1931، قامت مظاهرات وطنية قابلتها الحكومة بالقمع الشديد ... وكان أن ~~قامت مظاهرة من النساء في القاهرة تحتج على هذا العنف ... فإذا بها تواجه مثل هذا العنف. ~~وكان أن نشرت ms268 في الصحف تحت عنوان «خطاب مفتوح لرئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا» قلت ~~فيه: «علمنا بمزيد من الحزن والأسف ما لحق سيدات مصر من الإهانة والتعدي على كرامتهن، ~~وسوقهن إلى مراكز البوليس بطريقة وحشية عند خروجهن، للاطمئنان على ذويهن وعلى كبار رجال ~~الأمة. # فباسم العدالة والإنسانية نرفع لدولتكم احتجاجنا هذا، ولعلكم تفطنون إلى أن مثل هذه ~~التصرفات لا تربح منها الحكومة شيئا، سوى نفور الأمة وزيادة انحرافها عنها، وليس هذا ~~من الحكمة السياسية في شيء.» # كذلك فقد قمت بزيارة بيت الأمة، وقابلت أم المصريين، وعبرت لها عن مشاعر المشاركة، ~~وفي اليوم التالي كررت الزيارة مع نحو ستين سيدة في سياراتهن، وتعالت الهتافات بحياة ~~دستور 1923، وحياة الزعيمين المؤتلفين مصطفى النحاس باشا ومحمد محمود باشا، وسقوط ~~الانتخابات، وكانت هذه المظاهرة مفاجأة لوزارة الداخلية التي حاصرت السيارات، ثم أفرجت ~~عنها واحدة بعد الأخرى، على أن تسير كل سيارة في اتجاه مخالف. # رفقا بالأطفال # وقد هالنا فيما بعد ما اتصل بنا من أخبار تعدي رجال البوليس على الأطفال الصغار الذين ~~تجمعوا في شوارع القاهرة لمشاهدة مواكب السيدات، وأصدرنا احتجاجا باسم الإنسانية ~~والقانون ضد هذه التصرفات التي لا مبرر لها إلا نشر الرهبة والفزع بين كل طبقات ~~الأمة. # كذلك فقد احتجت الهيئات النسائية في مصر على هدم الدستور، واستمرار وزارة صدقي باشا ~~في نشر سياسة الطغيان والإرهاب في البلاد، وأعلنا مقاطعة الانتخابات. # وقد امتدت المظاهرات إلى كل أنحاء البلاد، ~~لدرجة إلقاء القبض على الأطفال في بني سويف، وتصدى البوليس لمظاهرة النساء في بور سعيد، ~~ما أدى إلى جرح ثلاثين عسكريا. # غاندي في مصر # كان الزعيم الهندي المهاتما غاندي عائدا من لندن إلى الهند بعد حضوره مؤتمر المائدة ~~المستديرة في ديسمبر 1931، وكان المفروض أن ترسو الباخرة في السويس، وهذا يتيح له زيارة ~~القاهرة، ولكن السلطات البريطانية غيرت هذا الترتيب؛ بحيث ترسو الباخرة في بورسعيد فلا ~~يتمكن من القيام بهذه الزيارة، وبخاصة أنها كانت تعلم مكانة غاندي في قلوب المصريين ~~وإعجاب سعد باشا به، وكان أن فكرت الهيئات ms269 في إرسال وفود عنها لتحيته والتعبير عن مشاعر ~~المصريين نحوه، وقد سافر محمود فهمي النقراشي باشا مندوبا عن الوفد وهو أحد الأعضاء ~~البارزين فيه، والآنسة سيز نبراوي مندوبة الاتحاد النسائي، وقد طلبت منه سيزا أن يوجه ~~كلمة للسيدات المصريات، فكتب بالإنجليزية ما نورد ترجمته بالعربية: # أرجو أن تلعب الأخت المصرية الدور نفسه الذي تلعبه أخواتها الهنديات في حركة ~~تحرير أراضيهم المحترمة؛ لأنني أعتقد أن عدم القسوة هو امتياز المرأة. # محاضرات الاتحاد النسائي # استن الاتحاد النسائي سنة جديدة، وهي إقامة موسم ثقافي يحاضر خلاله كبار الأساتذة ~~والعلماء الأفاضل ... وقد افتتح هذه المحاضرات الدكتور طه حسين عن «الأدب العربي من عهد ~~الحملة الفرنسية إلى عهد الخديوي توفيق». # مقابلتي للملك فيصل # حدث أن كنت مسافرة إلى أوروبا على الباخرة شمبليون عام 1933، وكان جلالة الملك فيصل ~~الأول ملك العراق ضمن المسافرين على هذه الباخرة، وقد التقيت به بعد الغداء وأنا في ~~طريقي إلى المصعد؛ حيث حييته فرد التحية على أحسن ما يكون، ودار بيننا حديث قصير، قال ~~لي في نهايته: «لقد قرأت عنك كثيرا، وأعجبت بجهادك كثيرا، والآن لما رأيتك، اطمأننت ~~على أن النهضة النسائية في بلادنا العربية بخير، ودفتها في يد ربان جدير ~~بإدارتها.» # الاحتفال بأولى الخريجات # وفي شهر فبراير 1932، دعوت عددا كبيرا من أعلام مصر وعظمائها لحضور حفلة احتفال ~~الجمعية بأولى خريجات الجامعة وأول طيارة مصرية، وقد لبى الدعوة عدد كبير في مقدمتهم ~~الأمير محمد باشا، والدكتور بهي الدين بركات باشا، وأحمد شفيق باشا، ومحمد علي علوبة ~~باشا. # وقد تصدر المنصة الدكتور طه حسين والسيدة قرينته والآنسة الأستاذة نعيمة الأيوبي، ~~وخريجات كلية الآداب: الآنسة سهير القلماوي، والآنسة فاطمة فهمي خليل، والآنسة زهيرة ~~عبد العزيز، والآنسة فاطمة سالم، وفي الصفوف الأخرى كان الدكتور سامي كمال وبجانبه ~~الآنسة الدكتورة كوكب حفني ناصف، والأستاذ فؤاد أباظة وبجانبه الآنسة لطيفة النادي، ثم ~~جمعية شقيقات الاتحاد النسائي تتوسطهن الآنسة حواء إدريس، والآنسة أمينة السعيد، ~~والآنسة عظيمة السعيد، ثم الآنسة سيزا نبراوي، وبجانبهن الشاعر الكبير خليل ~~مطران. # وفي ms270 كلمتي التي ألقيتها بهذه المناسبة، قلت: «يقولون في الأمثال السائرة (أول الغيث ~~قطرة ثم ينهمر المطر) غير أن الغيث المصري إذ بدأ، انهمر انهمارا، والمصري أزلي في ~~مدنيته، فإذا صادفه جو طيب جنح إلى أصله وتخطى دور الطفولة في نهضته.» # وقد قام محمد علي علوبة باشا بتقديم الآنسة نعيمة الأيوبي، وقام الدكتور طه حسين ~~بتقديم خريجات كلية الآداب، وقام الدكتور سامي كمال - وهو أحد الأطباء الذين تطوعوا ~~لخدمة الإنسانية في مستوصف الاتحاد منذ إنشائه - بتقديم الآنسة الدكتورة كوكب ناصف ~~خريجة لندرة من بعثة مستشفى كتشنر. # | الفصل الثالث والأربعون # كانت مناسبة طيبة وسعيدة أن نحتفل بتكريم أولى خريجات الجامعة وأول طيارة مصرية مع بدء ~~افتتاح موسم الحفلات والمحاضرات في فبراير 1932. # وقد تحدثت في حفل التكريم، فقلت: باسم جمعية الاتحاد النسائي المصري، أرحب بحضراتكم ~~وأتقدم إليكم بخالص الشكر لتنازلكم بتلبية دعوتنا ومشاطرتنا أفراحنا في هذا اليوم الذي ~~نعتبره من أسعد أيام الاتحاد وأبركها. # فقد أتيح لجمعيتنا فيه أن تفتح موسم حفلات هذا ~~العام بتكريم سرب من فضليات بناتنا حققن بنبوغهن آمالنا، برزن زرافات في ميادين العلم ~~والعمل، فعززن نهضتنا ورفعن رءوسنا بين نساء العالم المتمدين، فأضفن بذلك قوة إلى قوتنا في ~~جهادنا للحق والحرية. # كلمة علوبة باشا # وكانت بعد ذلك كلمة سعادة الأستاذ محمد علي علوبة باشا في تقديم الآنسة نعيمة الأيوبي ~~المحامية؛ حيث قدم لها روب المحاماة هدية من الاتحاد النسائي، ثم قال: والآن يا حضرة ~~الزميلة قد تفضل الاتحاد النسائي وأهداك هذا الثوب، وقد كان قبل أن يصير روبا له قيمة ~~قطعة من القماش لا قيمة لها، والآن رداء المحاماة، رداء الشرف والعدل، هو رداء الشهامة، ~~هذا الرداء قد أهداه الاتحاد فصونيه، واعلمي أن هذا الاتحاد يعطيك هذا الثوب طاهرا ~~نقيا، فاحفظيه طاهرا نقيا. # وقام الدكتور سامي كمال بتقديم الدفعة الأولى من خريجات الطب وهن الآنسة هيلين ~~سيدارس، والسيدة توحيدة عبد الرحمن، والآنسة كوكب حفني ناصف، وقد اعتذرت الأولى ~~لانشغالها بالعمل، والثانية لوجودها بالصعيد. # وقال: من ذكر الآنسة كوكب حفني ms271 ناصف، فقد ذكر معنى من معاني مصر الحديثة، فلا يجهل ~~أحد فضل حفني ناصف على اللغة والآداب، وفضل باحثة البادية ملك التي ترفرف روحها على هذا ~~البناء في هذه الساعة وسترفرف بجناحيها على هذا الوادي كلما فكرت المرأة في النهوض ~~والرقي. # د. طه حسين والمؤامرة # وقدم الدكتور طه حسين تلميذاته خريجات كلية الآداب: سهير القلماوي وفاطمة فهمي خليل ~~وزهيرة عبد العزيز وفاطمة سالم، وقال في كلمته: أظن أن موقفي الآن، ولست من الرجال ~~الرسميين، يسمح لي بأن أكشف لحضراتكم عن مؤامرة خطيرة جدا حدثت منذ أعوام وكان قوامها ~~جماعة من الجامعيين، فقد ائتمر الجامعيون وقرروا فيما بينهم أن يخدعوا الحكومة وأن ~~يختلسوا منها حقا اختلاسا لا ينبئونها به ولا يشاورونها فيه، وهو الإذن للفتيات ~~بالتعليم العالي في الجامعة المصرية. وأؤكد لكم أيها السادة أنه لولا هذه المؤامرة التي ~~اشترك فيها الجامعيون وبنوع خاص أحمد لطفي السيد باشا وعلي إبراهيم باشا وهذا الذي ~~يتحدث إليكم، لولا هذه المؤامرة التي دبرناها سرا في غرفة محكمة الإغلاق لما أتيح لنا ~~ولا للاتحاد النسائي أن أقدم إليكم الآن محامية مصرية وأديبات مصريات؛ اتفق هؤلاء ~~الثلاثة فيما بينهم أن يضعوا وزارة المعارف أمام الأمر الواقع، وكان القانون الأساسي في ~~الجامعة يبيح دخول المصريين، وهو وإن كان لفظا مذكرا ينطبق على المصريين والمصريات. ~~وعلى ذلك ائتمرنا على أن تقبل الفتيات إذا تقدمن إلى الجامعة، وفعلا تقدم هؤلاء ~~الفتيات فقبلناهن ولم نحدث أحدا بذلك، حتى إذا تم الأمر وأصبح لهن حق مكتسب في ~~الجامعة، علمت الوزارة أن الفتيات دخلن الجامعة! # كلمة فؤاد أباظة # ثم وقف فؤاد باشا أباظة، فقدم الآنسة لطفية النادي أول طيارة مصرية، وأشاد بجرأتها ~~وشجاعتها، وعرج على ما ينتظر الطيران في مصر من مستقبل، ثم قدم للآنسة باقة من الزهور ~~باسم الجمعية. # شقيقات الاتحاد النسائي # لم يكن الدور الذي قام به الاتحاد النسائي المصري مؤثرا في مستقبل الفتاة المصرية ~~التعليمي فقط، بل إنه امتد أيضا إلى دورها الاجتماعي، ولذلك فقد سعت سعادة عظيمة بتلك ms272 ~~الرسالة التي وصلتني من إحدى الفتيات النابهات وهي الآنسة أمينة السعيد؛ حيث رأيت فيها ~~ثمرة لمبادئ الاتحاد واستجابة من بنات مصر المثقفات لداعي الوطن، ورغبة منهن في خدمة ~~البلاد. # وما أن وصلني خطابها حتى عرضته على جمعيتنا التي وافقت بمنتهى السرور والتقدير على ~~تحقيق رغبتهن، وشكلت جمعية الشقيقات منها ومن الآنسات المثقفات، وقد أسهمن بقسط وافر في ~~خدمة الاتحاد منذ شكلت لجنتهن، وانضممن إلى صفوف الاتحاد فيما بعد، وكانت لهن أدوار ~~هامة في خدمة الوطن. # وهذا هو نص الخطاب الذي بعثت به الآنسة أمينة السعيد في 27 نوفمبر 1932: # حضرة السيدة الجليلة رئيسة الاتحاد النسائي المصري ... # أهدي عصمتك تحية الإجلال والاحترام ... # في يوم الجمعة 18 نوفمبر اجتمع فريق من الفتيات المصريات، وبعد تشاورهن قررن ~~تأسيس جمعية منهن سمينها شقيقات النهضة النسائية، ولما كان الغرض الأكبر من ذلك ~~هو إيجاد هيئة تتقدم بمجهوداتها إلى عصمتك كرئيسة للاتحاد النسائي لترفع عنك ~~عبء العمل ولو قليلا، وتضع مجهوداتها وإن كانت ضئيلة بين يديك ورهن إشارتك في ~~تنفيذ مشروعاتك النسائية، فلا شك في أن عملنا هذا ما هو إلا تلبية لداعي الوطن ~~واعترافا بخدماتك الجليلة التي بذلت في سبيلها النفس والنفيس، ولم تألي جهدا ~~في سبيل رفع شأن مواطناتك المعترفات بجميلك العظيم، فضربت لنا خاصة ولأمتك عامة ~~المثل الأعلى في الوطنية المنزهة، وجدت بشخصيتك البارزة لقيادة بنات وطنك قيادة ~~يعجز عنها عظماء الرجال، فكنت عزاء لمصر التي هي في حاجة قصوى لأمثالك ~~ومثيلاتك. # ولسنا نريد تكوين هيئة جديدة، بل كل ~~غايتنا أن نمدك بجماعة يملؤها نشاط الشباب وحماسه، ينفذن ما تأمرين ويعملن ما ~~تشائين، فإن قبلت ما نقدمه لك من مجهود، فقد أنلتنا شرف العمل تحت قيادتك ~~وأدخلت علينا غبطة واطمئنانا على شخصك الجليل الذي نشعر أنه مرهق بكثرة العمل ~~والإجهاد. # وقبل أن أختم خطابي هذا، أدعو الله أن يمن على شخصك العزيز بدوام التوفيق وأن ~~يكلل حسن مسعاك بالنجاح، وما زلت أيتها الزعيمة الجليلة مرشدة لأمتك ونصيرة ~~لبنات جنسك والسلام. # عن شقيقات الاتحاد النسائي ms273 # أمينة السعيد (سكرتيرة) # الاكتتاب لشراء الطائرات # كانت «الآنسة لطفية» النادي موظفة في المطار، ثم استطاعت أن تتفوق، وتصبح أول طيارة ~~مصرية، ولذلك فقد دعوت المواطنين المصريين إلى الاكتتاب لشراء طائرة للفتاة المصرية ~~الباسلة والطيارة الأولى «لطفية النادي» وقد اهتمت جريدة الأهرام بهذه الدعوة فكتبت في ~~30 ديسمبر 1933 تقول: «لقد كان نجاح الطيران مقرونا بالاكتتابات الأهلية، كان ذلك في ~~فرنسا فيما قبل الحرب، وفي تركيا، وفي إيران الجديدة، وفي تركيا الفتاة، وقد اقتصدت ~~معلمات اليابان جزءا من مرتباتهن لشراء طائرتين ... والمصريون والمصريات مطالبون جمعيا ~~بالاكتتاب لشراء طائرة لطيارتهم الأولى والوحيدة لطفية النادي، ولا شك في أن أدنى ما ~~تهديه أمة عظيمة كريمة، كالأمة المصرية، لفتاتها الطيارة هو طائرة.» # أصدقاء مختار # كان محمود مختار مثالا مصريا عظيما، وقد فكرنا في تخليد ذكرى أعماله ومآثره ~~الجليلة، ومن أجل هذا الهدف ... عقدنا اجتماعات لتحقيق هذه الفكرة، وقد شارك في هذا ~~الاجتماع مدام أوسكار ستروس عقيلة قنصل النمسا، وعثمان محرم باشا، وإسماعيل بك كامل، ~~والأستاذ أميل زيدان، والأستاذ أحمد راسم وغيرهم، وقد قررت جماعة أصدقاء مختار أن تمنح ~~جائزة سنوية للمثال المصري الذي يخرج أجمل أثر فني خلال السنة، وتبرعت لذلك بمبلغ خمسة ~~وعشرين جنيها وميدالية فنية تذكارية كجائزة سنوية، ومن ناحية أخرى فإنني عندما سافرت ~~إلى باريس، اتصلت بأصدقاء الفقيد وتكونت هناك أيضا لجنة باريسية لأصدقاء مختار. # ملكة الجمال # أقيمت في صيف 1934 مسابقات لملكة الجمال في حمانا بلبنان، وقد كانت هذه المسابقة ~~حافلة، وفازت فيها ابنة خالي الآنسة حورية إدريس بلقب ملكة الجمال، وكانت بهذا الفوز ~~سفيرة مصر الجميلة التي تعبر عن مدى تقدم الفتاة المصرية، وجدير بالذكر أن الشاعر ~~الملازم أول عبد الحميد فهمي مرسي قد هنأها في هذه المناسبة بقصيدة بديعة نقتبس منها ~~الأبيات التالية: # فوق الجمال وعرشه رفعوك # وإلى الجنان وحورها نسبوك # وجدوك يعلوك الجمال فأذعنوا # لأوامر الحسن الذي يعلوك # في الشام في أرض الجمال وأرضه # نصر الحجا والحسن من نصروك # نادوا بأنك للحسان مليكة # والله في ذا الحكم ms274 ما حبوك # مؤتمر مارسيليا # تلقينا دعوة من مؤتمر الاتحادات النسائية في العالم للمشاركة في المؤتمر الذي يعقد في ~~مارسيليا في الفترة ما بين 18 و20 مارس 1933 ... وقد قررنا المشاركة في هذا المؤتمر، وكان ~~المؤتمر قد ركز في دورته على حق المرأة في الانتخاب، وبخاصة بالنسبة للمرأة الفرنسية ~~التي كانت الوحيدة بين نساء الدول المتمدينة التي لم يتقرر لها هذا الحق، وكان من رأي ~~الاتحاد النسائي المصري أن هذا الموضوع سابق لأوانه بالنسبة لمصر؛ حيث إن النظام ~~البرلماني لم يستقر استقرارا تاما، ولذلك فإن الاتحاد المصري يشترك في الفكرة ~~فقط. # أما الموضوع الذي ركز عليه الاتحاد النسائي المصري، فهو مقاومة الرقيق الأبيض، واتجاه ~~الرأي العام في مصر إلى إلغاء البغاء الرسمي وتأليف لجنة لهذا الغرض. # وبالنسبة للحقوق المدنية للنساء فهي مكفولة تماما في مصر، وكان هناك اقتراح بألا ~~تتقيد المرأة بجنسية الزوج، وقد وافق الاتحاد النسائي المصري على الفكرة في حد ذاتها مع ~~عدم الاشتراك في تنفيذها ما دامت الامتيازات الأجنبية قائمة في مصر. # وجدير بالذكر أن هذا المؤتمر قد جاء في الوقت الذي كان فيه الاتحاد النسائي المصري قد ~~تأسس منذ عشر سنوات، ولذلك فقد كان المؤتمر مناسبة طيبة لعرض إنجازاتنا طوال هذه ~~السنوات العشر. # | الفصل الرابع والأربعون # وجه الاتحاد النسائي الدولي دعوته إلى الاتحادات النسوية لعقد المؤتمر الثاني عشر في ~~مدينة إسطنبول في 18 أبريل 1935، وقد حرصت على أن يكون الوفد النسائي المصري إلى هذا ~~المؤتمر كبيرا لإظهار مصر في المستوى اللائق بحضارتها وللتعبير عن الأواصر التي تربط بيننا ~~وبين تركيا، وفعلا تكون الوفد برئاستي وعضوية اثنتي عشرة سيدة، وكان من المهم أن أفعل ذلك. ~~بعد أن قامت مسز كوريث اشبي رئيسة الاتحاد النسائي الدولي بزيارة مصر في يناير، وقد قوبلت ~~بمنتهى الحفاوة سواء من جانب رجال الدولة أو القيادات النسائية في الاتحاد، وقد بالغت ~~الحكومة التركية في العناية بوفد جمعيتنا، فأوفدت معنا الملحق الصحفي بالسفارة التركية ~~بالقاهرة ليسهل لنا مهمة الاتصال بالجهات والهيئات وكذلك شئون السفر والإقامة. ms275 # وقد أبحرنا على الباخرة التركية «أزمير» من ميناء الإسكندرية، وكان معنا الوفد الهندي، ~~ووصلنا إلى أزمير بعد ثلاثة أيام؛ حيث كان الوالي في استقبالنا نيابة عن الحكومة، كما ~~استقبلنا استقبالا حافلا من الهيئات الرسمية ومن الشعب التركي، كذلك فقد وصلتني كثير من ~~رسائل التشجيع والتأييد من مواطنينا ومواطناتنا الأعزاء، ومن بينها برقية من صفية هانم ~~زغلول تتمنى فيها النجاح والتوفيق لأعمالنا. # وفي منتصف أبريل، كان قد اجتمع وفود أربعين دولة، وكذلك مندوبو الصحف من جميع أنحاء ~~العالم، وقد نشط الوفد المصري؛ حيث قام بمجهود مشكور في سبيل الدعاية لمصر ونهضة المرأة ~~المصرية سواء في المحافل أو الأحاديث والمقابلات الصحفية، ما كان له أثر فعال في توجيه ~~الاهتمام بنوع خاص إلى مصر وممثلاتها في المؤتمر. # وفي 18 أبريل، افتتح المؤتمر رسميا؛ حيث اجتمعت مندوبات أربعين دولة يمثلن مائتي مليون ~~من نساء العالم في سراي يلدز. ومن الغريب أن هذه السراي كانت في سالف الزمن تؤوي نساء ~~السلطان عبد الحميد، ثم دار الزمن دورته لتملي النساء على العالم رغباتهن من سراي يلدز ~~نفسها! # رسالة السلام # وقد افتتحت المؤتمر مسز كوريث اشبي رئيسة الاتحاد النسائي الدولي؛ حيث ألقت خطابا ~~مؤثرا وبليغا، دعت فيه الجميع إلى التعاون لتحرير المرأة ونشر السلام العام بين ~~الأمم. # وتكلمت عن الوفد النسائي المصري، ولكنني قبل أن ألقي كلمتي بالفرنسية، ألقيت كلمة ~~باللغة التركية شكرت فيها السلطات التركية والاتحاد النسائي التركي على الحفاوة البالغة ~~التي يلاقيها أعضاء المؤتمر، ثم ألقيت خطبتي عن ضرورة تعاون الشرق والغرب ومقاومة ~~الحروب التي تهدد العالم، وتحدثت عن انضمام الأمم الشرقية إلى الاتحاد النسائي الدولي ~~رغبة في التعاون مع الغرب لنشر السلام العام بين الأمم جميعا، على أن يكون هذا السلام ~~مبنيا على أسس العدل واحترام حقوق الشعوب وإزالة الفوارق الجنسية والدينية وغير ذلك ~~من المسائل الجوهرية. # قرارات المؤتمر # وقد أصدر المؤتمر عدة قرارات هامة، بناء على اقتراحات الوفد النسائي المصري الذي كان ~~له أكبر نصيب في هذه القرارات، ومنها أن الرقي يقضي بأنه ms276 على النساء في جميع بلدان ~~العالم أن يوجهن أنظارهن إلى قاعدة المساواة والعدالة، وأن يجاهدن لاستئصال شأفة انحطاط ~~منزلتهن التي يشكين منها من الوجهة القانونية والاجتماعية والاقتصادية. # وإن تطبيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في مسألة الجنسية يتعذر العمل به في مصر ~~من جراء نظام الامتيازات الأجنبية، ولذلك فإن المؤتمر يتمنى زوال النظام المخالف لمبادئ ~~المساواة، وبخاصة أن مصر هي البلد الوحيد في العالم الذي لا يزال قائما فيه هذا ~~النظام. # ويقترح المؤتمر على الجمعيات المشتركة فيه أن تبحث جديا في الوسائل العملية، ~~لمعالجة بعض الأضرار الحالية، كتقليل ساعات العمل وإنشاء صناعات جديدة وتسهيل ~~الاعتمادات، وتعديل النقد بما يحقق رفع مستوى المعيشة في العالم كله وتثبيت أسعار ~~السلع. # وإن النساء المجتمعات في المؤتمر يحتججن على جميع أنواع التجاهل والمظالم وعدم ~~المساواة المرتكبة بحق الجنس الإفريقي في العالم كله، وكذلك على طريقة أخذ الثأر باليد ~~الهمجية. # قلب الإسلام # وقد طلبت السيدة أستر فهمي ويصا أن يعقد المؤتمر القادم في مصر؛ لأنها قلب الإسلام، ~~كذلك فقد عبر المؤتمر عن تقديره لجهود الوفد النسائي المصري بانتخابي نائبة لرئيسة ~~الاتحاد النسائي الدولي بأغلبية 148 صوتا من بين 166 صوتا، وكنت أول شرقية تنال هذا ~~اللقب الدولي المشرف. # مقابلة أتاتورك # وبعد انتهاء مؤتمر إسطنبول، وصلتنا دعوة لحضور الاحتفال الذي أقامه مصطفى كمال ~~أتاتورك محرر تركيا الحديثة، وكنا قد فرغنا من مشاهدة بعض منشآت أنقرة ومدرسة عصمت ~~أينونو للبنات وبعض المنشآت المهنية. # وفي الصالون المجاور لمكتبه وقفت المندوبات المدعوات على شكل نصف دائرة، وبعد لحظات ~~قليلة فتح الباب، ودخل أتاتورك تحيطه هالة من الجلال والعظمة. وسادنا شعور الهيبة ~~والإجلال؛ لدرجة أن مسز كوريث اشبي رئيسة الاتحاد النسائي الدولي كان يبدو عليها الوجل ~~والتأثر، وهي تلقي كلمتها نيابة عن أعضاء المؤتمر. # ورد أتاتورك بالتركية، فشكر لها وللسيدات وحيا جهودهن في خدمة بلادهن. بدئ في تقديم ~~رئيسة وفد كل دولة، وعندما جاء دوري تحدثت إليه مباشرة من غير ترجمان، وكان المنظر ~~فريدا أن تقف سيدة شرقية مسلمة وكيلة ms277 عن الهيئة النسائية الدولية، وتلقي كلمة باللغة ~~التركية تعبر فيها عن شكر وإعجاب سيدات مصر بحركة التحرير التي قادها في تركيا، وقلت: ~~إن هذا المثل الأعلى من تركيا الشقيقة الكبرى للبلاد الإسلامية شجع كل بلاد الشرق على ~~محاولة التحرر والمطالبة بحقوق المرأة، وقلت إذا كان الأتراك قد اعتبروك (أتاتورك) فأنا ~~أقول: إن هذا لا يكفي، بل أنت بالنسبة لنا «أنا الشرق». فتأثر كثيرا بهذا الكلام الذي ~~انفردت به، ولم يصدر معناه عن أي رئيسة وفد، وشكرني كثيرا في تأثر بالغ، ثم رجوته في ~~إهدائنا صورة لفخامته؛ لنشرها في مجلة «الاجيبسيان». # ولقد كانت صورة تركيا الحديثة غير واضحة في الأذهان، ولذلك ذهب البعض إلى اتهامها ~~بالكفر والإلحاد، وجرت في ذلك مساجلات فوق صفحات الجرائد والمجلات، ولكن الحقيقة كما ~~قلت في حديث صحفي مع جريدة المقطم نشر بعد عودتي بيومين: إنه ليلوح لي أن هذا الجديد ~~الذي أحدثه الغازي العظيم لم يكن يعني به إدخال القشور من مدنية الغرب على أبناء ~~البوسفور أو بناته، وإنما كان يعني به تجديد العقليات وتوجيهها إلى وجهة التفوق مسايرة ~~للجيل الحديث، فالسيدة التركية إذن لم تفقد روعتها الشرقية الغالية، ولكنها فقدت - بحكم ~~النهضة الحديثة - هذا الجمود الذي كان يتناولها فيجعل منها مقعدة رهينة حجرات أربع، ~~ورهينة جهل مريع، وهذا بلا ريب من نعمة الأقدار على أخواتنا في إسطنبول. # إلى رئيس الوزراء # كان من الطبيعي بعد عودتنا من المؤتمر، أن نبذل الجهود من أجل تطبيق هذه القرارات على ~~حياتنا العامة، ولذلك فقد أرسلت باعتباري رئيسة للاتحاد خطابا إلى دولة رئيس الوزراء، ~~ألفت فيه نظر دولته إلى ما جاء في هذه القرارات خاصا بمساواة الجنسين من الوجهة ~~الأخلاقية وبمنع تعدد الزوجات وبحقوق المرأة السياسية. # وقلت في هذا الخطاب أنه فيما يتعلق بالقرار الخاص بالناحية الأخلاقية، فقد علمنا أن ~~الحكومة مهتمة بتنفيذ التقرير الذي قدمته اللجنة الخاصة ببحث مسألة إلغاء البغاء الرسمي ~~في البلاد، وبقاء تعدد الزوجات، فضلا عن كونه يسيء إلى سمعتنا الأدبية أمام العالم ~~المتمدين، فإن له ms278 تأثيره المؤلم في الحياة العائلية والاجتماعية، وهو في الحقيقة يخالف ~~روح الشريعة التي لم تسمح به إلا تحت شروط يستحيل تحقيقها. # وفيما يختص بحقوق المرأة، فقد سجل المؤتمر عقيدته الراسخة في أنه لا يتحقق أي نظام ~~حكومي بصفة دائمة ما لم يراع فيه هناءة المرأة والطفل، وما لم يعمل على الاستفادة من ~~مواهب المرأة. # منشور إلى نواب الأمة # كذلك فقد وجهنا منشورا إلى نواب الأمة تحت هذا الشعار «أنصفوا المرأة تسعد الأمة»، ~~وطالبنا فيه بتحقيق مطالب المرأة المشروعة، وهي: منع تعدد الزوجات لغير الضرورة، ومنع ~~فوضى الطلاق، وإلغاء قضايا الطاعة، ومد أجل الحضانة للولد حتى يبلغ وللبنت حتى تتزوج، ~~وتحديد سن الزواج. # زواج حورية إدريس # كانت الآنسة حورية إدريس (ابنة خالي) ضمن أعضاء وفد الاتحاد النسائي المصري الذي ~~اشترك في المؤتمر الدولي الرابع عشر في إسطنبول، ولم تكن تركيا غريبة بالنسبة لنا، فإن ~~والدتي تنحدر أصلا منها، وقد تعددت زياراتي لها، كما أسلفت في مستهل هذه ~~المذكرات. # وكان من بين الهيئات التي قامت بتكريمنا هناك سفارتنا المصرية، وكان ضمن أعضاء ~~السفارة سكرتير أول هو الأستاذ «حسن شفيق» ابن أحمد شفيق باشا، الذي كان رئيسا لديوان ~~الخديوي، وهو رجل فاضل خدم وطنه حقبة طويلة من الزمن، وكتب تاريخ مصر في ثلاثة مجلدات ~~سماها «مذكراتي في نصف قرن». # وقد نشأت بين حسن وحورية ألفة خلال الفترة القصيرة التي أمضيناها في إسطنبول، وما إن ~~انتهينا من المؤتمر وعدنا إلى مصر، حتى عاد هو الآخر وطلب يد حورية مني، فوافقت على هذا ~~الزواج، وأقمت لهما احتفالا لطيفا بمناسبة عقد قرانهما في منزلي بالرمل في 11 أغسطس ~~1935، وقد حضر هذا الحفل لفيف من الأهل والأصدقاء المقربين الذين كانوا يقضون الصيف ~~بالإسكندرية. # وكانت المهور في ذلك الوقت مرتفعة جدا، ولذلك فقد انتهزت هذه الفرصة لأضع حدا ~~للمغالاة في المهور، وقررت أن يكون مهر حورية خمسة وعشرين قرشا فقط، وكان هذا القرار ~~مجال تعليقات صحفية، وكتب الأستاذ أحمد الصاوي في الأهرام بتاريخ 13 أغسطس 1935 يقول: ~~«سمعنا ms279 المأذون يردد على أسماعنا جملة دهشنا لها أشد الدهش وطربنا لها أشد الطرب، وهي ~~أن مهر هذه العروس قد قررته السيدة هدى هانم شعراوي حدا أدنى للمهر وهو 25 قرشا، ~~ليكون ذلك مثلا يضرب للناس، وحثا على عدم المغالاة في المهور، وإبطالا لحجة كل شاب ~~يعتذر عن عدم زواجه دائما بالمهر، وتوريطا لأولياء أمور الفتيات وتبصرة لهم بواجبهم ~~نحو بناتهم، وأن المهر يذهب والرجل يبقى. # ولكن لما كانت السيدة هدى هانم قد رأت أن يكون هذا الزواج مثالا، فقد وضعت في الوقت ~~نفسه لهذه القاعدة «فرملة» خشية الحظر، وإسراف الشبان في الزواج والطلاق؛ فجعلت الصداق ~~ثلاث مئة جنيه، وبذلك وضعت الضمانات اللازمة لحماية الفتاة.» ms280