######OpenITI# #META# URI: 1368AntunSacada.Qissatan.Hindawi58590941 #META# Tags: novels #META# ID: 58590941 #META# Title: قصتان: عِيدُ سَيِّدةِ صَيْدنايا وفاجعَةُ حُبٍّ #META# AuthorID: 62827060 #META# Author: أنطون سعادة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # نظرة المؤلف في القصتين‏ # عيد سيدة صيدنايا‏ # فاجعة حب‏ # نظرة المؤلف في القصتين‏ # عيد سيدة صيدنايا‏ # فاجعة حب‏ # | قصتان # | قصتان # | عيد سيدة صيدنايا وفاجعة حب # تأليف # أنطون سعادة # | نظرة المؤلف في القصتين # إن الغرض الذي وضعته نصب عيني، والقصد الذي ~~رميت إليه حين شعرت بدافع داخلي يدفعني إلى تأليف القصص كانا: تصوير حياتنا الشعبية، ~~واستخراج دروس قومية واجتماعية منها، بل إني شعرت بدافع يدفعني إلى هذا الغرض، وهذا القصد ~~كالدافع الفني الذي حدا بي إلى إنشاء قصتي عيد سيدة صيدنايا وفاجعة حب؛ أي: إن ~~الغرض والقصد المذكورين لم يكونا هما الدافع الذي حملني على مكابدة الأدب القصصي، ولو كان ~~الأمر كذلك لما وجدت مبررا للإقدام على هذا العمل الشاق واتخاذ هذه الخطوة ~~الخطرة. # بنيت القصة الأولى على مشاهداتي الشخصية في عيد سيدة صيدنايا المشهور، الذي حضرته ~~للمرة الأولى سنة 1930، فجاءت قصة بسيطة الموضوع الحيوي، إلا أنها دقيقة الموضوع الفني، ~~غنية بمظاهر الحياة الشعبية، ويرى القارئ أني قد انتخبت لبطولة هذه القصة شخصا نادرا ~~جهزته الطبيعة بمزاج قوي، وتركب فيه خلق خاص فهو رجل وحده، مستقل بذاته ~~استقلالا نفسيا يفرده عنا، حتى إننا كثيرا ما نسيء اختباره وفهمه، ولكني لم أجتهد ~~أن أجعله رجلا خارقا خارجا عن حدود الرجال الطبيعية، أو شخصا خياليا يستحيل أن ~~يوجد في عالمنا هذا أو في محيطنا القومي، بل إني اجتهدت كثيرا في انتقائه من بيئتنا، فهو ~~شخص منا وحي من أحيائنا، وقد عنيت عناية خاصة بوصف المكان والزمان اللذين حدثت فيهما ~~القصة، وتصوير المظاهر الشعبية التي رافقت حوادثها، فالدروس التي تتضمنها قصة عيد سيدة ~~صيدنايا هي دروس في شخصية أحد أفراد الشعب، وفي مظاهر الشعب العادية، لا في المواضيع ~~النظرية والفلسفية. # أما القصة الثانية فهي ذات موضوع حيوي دقيق، له علاقة كبيرة بحياتنا الاجتماعية ~~وآدابنا القومية، ويتناول موضوعها كبرى قضايا حياتنا الاجتماعية والقومية العصرية: الصراع ~~بين عهد الخمول وعصر التنبه والنهوض، العراك بين الأنانية والخير العام، بين المادية ~~الحقيرة والنفسية السامية، بين الحيوانية والإنسانية، بين ms01 الرذيلة والفضيلة، وبطلها «سليم» ~~شخص ذو نفس فنية شعرية حساسة إلى الدرجة القصوى، كما بينت ذلك في بداءة القصة. # ضمنت فاجعة حب انتقاد بعض عاداتنا وتقاليدنا القديمة، ونظرة في بعض نواحي حياتنا ~~الاجتماعية العصرية، وبعض المسائل النفسية والمثالية، وقد تناولت فيها - عدا البطل - ~~أشخاصا آخرين كالسيدة ك. والسيدة و. والسيد ج. وزوجه، والشاب مخائيل والآنسة دعد، واعتنيت ~~كثيرا في انتقاء هؤلاء الأشخاص من مجتمعنا حتى ظهروا بصفات طبيعية لا تكلف ولا خيال فيها، ~~أما الحديث الموسيقي الذي أثبته في صدر القصة فهو درس خاص قصدت أن أشرح فيه خلاصة ~~النظرية العصرية الراقية في الموسيقى وأغراضها، وعسى أن أكون توفقت في ذلك، وأعتقد أن ~~نفسية سليم ودعد تمثل ظاهرة نفسية جديدة في حياتنا الاجتماعية مختلفة كل الاختلاف عن ~~النفسية البادية في جميع الأشخاص المحيطين بهما. # وقصدي الأول من هذه القصة أن أوضح الحالة المادية المسيطرة على عقولنا ونفوسنا، حتى إننا ~~نجبن عن مواجهة الحياة الفنية، ونفضل الخمول على المجازفة ببعض راحتنا، ونخاف كثيرا من ~~الوقوع في صعوبات الحياة ومجابهتها، ولا نشعر أن للإنسان قيمة غير قيمته المادية، بل إننا ~~دائما مستعدون لقتل العواطف الحية من أجل تأمين راحة الجسد، ورأيت أن أبين فيها إغراق ~~مجموعنا في إهمال فضائل كثيرة ضرورية لارتقاء نفسيتنا وعقليتنا، ولو أدى إهمالها إلى القضاء ~~على كل أمل لنا بحياة حرة راقية، وكل مطلب أعلى تتجه نحوه بصائرنا. # ولا أكتم القارئ خشيتي من أن ينحي بعض الكتاب الانتقاديين باللائمة علي؛ لجعلي ~~القصة فاجعة انتصرت فيها الحيوانية على الإنسانية والرذيلة على الفضيلة، فعاكست بذلك ~~المبدأ الذي اتبعه شكسبير في قصته الشعرية التي صدرت فاجعة حب ببيت منها، وهو ~~المبدأ القائل بضرورة تأييد الفضيلة، وجعلها دائما وأبدا منتصرة، والحقيقة أني أنا نفسي ~~ترددت كثيرا في بادئ الأمر حتى كدت أتبع المبدأ المشار إليه، ولكنني عدت فرجحت ~~النظرية التي عملت بها وهي: أن انتصار الفضيلة الدائم في الأدب قد يقلل من أهمية ~~الدعوة إلى نصرتها في الحياة، ولما أنعمت النظر في ms02 ظروف القصة وجدت الأسباب الروائية ~~الخاصة بها، والأمانة للواقع توجب جعل الختام على الوجه الذي وضعته، خصوصا بعد أن درست ~~حالة البطل سليم ووجدت أنه سابق زمانه بعقد أو عقدين من السنين على الأقل، فضلا عن ~~أن ظروف المحيط والبيئة يجعلان النتيجة التي اخترتها أكثر انطباقا على الواقع. # أرجو أن أكون قد أحسنت انتقاء الغاية، وأصبت اختيار السبيل إليها. # المؤلف # Meine Laura! Nenne mit den ~~Wirbel, # Der an Koerper Koerper maechtig ~~reisst! # Nenne, meine Laura, mir den ~~Zauber, # Der zum Geist gewalting zwingt den ~~Geist! # Schiller # | عيد سيدة صيدنايا # صيدنايا بلدة صغيرة بالقرب من دمشق، كل منازلها تقريبا أكواخ بالمعنى الصحيح، وليس فيها ~~بناء كبير يستحق الذكر سوى ديرها المشهور، وهو بناء على شيء من الفخامة، مبني على ذروة ~~تل تشرف على جميع الجهات التي حول البلدة القائمة في السفح، وليس في كل تلك الجهات موقع ~~أجمل من موقعه - إن احتلال الأديرة أجمل مواقع البلاد لأمر بديهي عندنا؛ فالأديرة في ~~بلادنا تقوم مقام قصور الأمراء والأشراف في البلدان الغربية - ويتألف دير صيدنايا من بناء ~~صغير قديم جدا أضيفت أبنية جديدة إليه تدريجيا، والمعروف أن جزءا هاما منه أقامه ~~بناءون شويريون كانوا مشهورين بالهندسة والبناء. # ليست أكواخ صيدنايا على شيء من الرواء والرونق؛ فلا شجر ولا نبات يكتنفها، ولكن في السهل ~~المنبسط عند أسفل التل بستان كبير فيه أغراس زيتون عديدة، وأشجار جوز باسقة الأغصان وارفة ~~الظلال، يرويه ماء نبع غزير، وتقوم فوقه هضبة لا تبعد عن التل القائم عليه الدير، في أعلاها ~~وسفحها كروم عنب وتين قليلة، وفي سفح هذه الهضبة مغارة تسمى مغارة «أم بزاز» - ذات الأثدي، ~~ويعتقد أهل تلك النواحي أنها مقدسة، ويعدون الحج إليها من جملة الفرائض. # أما «أم بزاز» التي أطلق اسمها على هذه المغارة فهي قديسة قديمة - هكذا يقولون - أو ~~هي «سيدة صيدنايا»، والقرويون يتناقلون عنها حكايات غريبة تدل على قوتها العجائبية، ويوقدون ~~لها الشموع، ويوفون نذورهم لها على مذبح محفور في جانب المغارة إلى ms03 يمين المدخل، ولا يزال ~~هؤلاء القرويون البسطاء يستدلون على صحة حكايات القديسة وعجائبها بوجود مكان معين في قبة ~~المغارة يرشح منه ماء؛ قطرة كل ثلاث دقائق تقريبا، يجدون في انتظام رشح الماء على الوصف ~~المتقدم رمزا لقوة أم بزاز السحرية، ومع أن تعليل رشح الماء سهل جدا؛ نظرا لوجود ~~الماء على الهضبة، فإن القرويين يرون في رشحه من مكان معين سرا مختصا بالسيدة أم بزاز، ~~وهم يتبركون بقطرات الماء، حتى إنهم وضعوا تحت المكان الذي ترشح منه حجرا يقعد عليه من ~~أراد التبرك، ويتقبل قطرة الماء على جبينه. # يؤم صيدنايا في عيد السيدة خلق كثير من أنحاء كثيرة من القطر السوري؛ من دمشق العاصمة؛ ~~أقدم مدينة موجودة في العالم، ومن حلب وأنطاكية والإسكندرونة وحمص الغنيات بآثارهن ~~التاريخية، ومن جبيل أو ببلوس القديمة؛ مدينة الإله أودنيس، ومن بيروت عروس المتوسط مدينة ~~عشتروت القديمة ومنارة العلم في الشرق الأدنى قديما وحديثا، ومن صيداء وصور المدينتين ~~الخالدتي الأثر في تاريخ المدنية والعمران، ومن حيفا ويافا والقدس منائر الجنوب، ومن قرى ~~لبنان الجبل الجميل الفخم، وبقية البلاد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، فيجتمع في العيد ~~المذكور خلق كثير، لا من المسيحيين فقط بل من المحمديين أيضا؛ لأن عيد صيدنايا يتخذ صفة ~~عيد شعبي لسكان تلك المنطقة، فيبتهج فيه الشعب على اختلاف نحله؛ الأمر الذي ينبهنا ~~إلى الفائدة الاجتماعية الجليلة التي يجنيها الشعب السوري كله من جعل الأعياد الدينية ~~المحمدية والمسيحية الكبرى أعيادا شعبية، يوحد فيها السرور والابتهاج عواطف جميع ~~السوريين، ويجعلهم يشعرون بوحدتهم القومية والاجتماعية. # يبتدئ القوم يتقاطرون إلى صيدنايا قبل العيد بأيام، ثم تفد جموعهم في اليوم السابق ~~للعيد ويوم العيد الأول - مدة عيد سيدة صيدنايا ثلاثة أيام - وهم يستخدمون وسائل النقل ~~العصرية كالسيارات والدراجات النارية، بدلا من العربات والخيل والحمير وغيرها التي كانت ~~تستعمل قبلا حتى عهد قريب، وطريق صيدنايا سهلة غير أنه لا يزال قسم منها غير معبد، ~~فكلما مرت سيارة أثارت غبارا، ولكن القادمين قلما يبالون بالغبار، فلا ينتصف نهار العيد ms04 ~~الأول إلا وغرف الدير وكنيسته وساحاته الداخلية وسطوحه قد غصت بالجموع، ولم يعد فيها ~~متسع للجموع الأخرى التي لا تنقطع وفودها كل ذلك النهار، فيحدث هرج ومرج عظيمان تضطرب لهما ~~البلدة الصغيرة، وبينما الجماهير في غدو ورواح إذا بالشبان يؤلفون فرق «العراضات» ~~التي تتجول في كل مكان ويملأ هتافها كل تلك الناحية، أما أهل البلدة فبعضهم ينصرفون إلى ~~إعداد بيوتهم؛ لنزول القادمين الذين يضيق بهم الدير على رحبه، والبعض الآخرون يعدون ~~المآكل من لحم مشوي، وبيض مسلوق، وخبز وجبن وزيتون، أو يجيئون بالعنب والتين وأنواع ~~البزور إلى الدير ليبيعوها للزائرين، ويدور في الدير رقص «الدبكة» فيؤلف الرجال حلقاتهم ~~وتؤلف النساء حلقاتهن، ولا يخلو الأمر من جاهل أو أحمق لا يعرف آداب السلوك والمعاشرة، أو ~~هو يعرفها ولا يعرف أن يحافظ عليها، فيكون سببا في تشويه العيد على القوم وعلى ~~نفسه. # وأهم ما يسترعي انتباه الزائر القادم إلى العيد لأول مرة من شئون الخلق المزدحمين هناك: ~~ملابس القرويات وحللهن الخاصة بالأعياد، فللقرويات السوريات حلل زاهية الألوان، ~~بديعة المنظر، حتى إنه يحق لهن أن يباهين بها قرويات العالم في سلامة الذوق وجمال ~~المظهر، وملابس قروياتنا إجمالا جميلة ولها رونق الزي القومي، بيد أن قرويات معلولا ~~يمتزن بزي خاص هو من أجمل أزيائنا القروية القومية، وبقية زي القرويات السوريات ~~القديم الأصلي. # قلت: إنه لا يخلو الأمر في الحوادث الشعبية؛ مثل عيد سيدة صيدنايا، من جاهل أو أحمق ~~يعكر بسوء تصرفه صفو الأفراح، والظاهر أن الجهال والحمقى لا يتركون فرصة تمر دون ~~أن يغتنموها لإظهار جهلهم وحماقتهم، فاجتمع منهم في عيد سيدة صيدنايا سنة 1930 عدد غير ~~يسير، إلا أن واحدا منهم امتاز عنهم بجرأته وإقدامه، وجعل للحادث التالي أهمية روائية ~~ما كان ليكتسبها لولا الأعمال المرسحية والأدوار التمثيلية التي أتاها. # كان بين القادمين إلى دير صيدنايا في عيد السنة المذكورة شاب من لبنان ربعة إلى ~~الطول، مرير القوى، مسمور الجسم، في قامته استقامة الرمح، ذو صدر يشبه ~~بارتفاعه برجا حصينا، وهو مستوي الوقفة، ms05 معتدل الخطوة، ولعينيه بريق تظهر فيه قوة ~~روحه، وهيئته إجمالا تدل على أنه غير ميال كثيرا إلى الهزل، بيد أنه كان يحب ~~مشاهدة الألعاب ويسر بها سرور الطفل، والناظر إليه يدرك لأول وهلة أنه ليس من الذين ~~ذهبت أخلاقهم وفسدت طباعهم من شبان هذا العصر، الذين لم يحصلوا حين نشأتهم على تربية ~~عائلية اجتماعية صحيحة، ولا من الذين أنشبت مخالبها بهم المشارب القديمة الفاسدة التي ~~لا تجر على من يتمسك بها في القرن الحاضر إلا الوبال، كانت نفسه بسيطة وكان في مقتبل ~~العمر، وأسميته إبرهيم، لا أريد أن أدعوه باسمه الحقيقي ولا أن أذكر اسم البلدة التي جاء ~~منها؛ لكيلا تتحول الحكاية إلى أمر شخصي وتفقد صفة الواقعة الروائية المقصودة، ومن ~~المؤكد أن إبرهيم لم يأت إلى صيدنايا للقيام بفروض كنسية؛ لأنه كان يحب الله والطبيعة ~~حبا خاليا من الرهبة التي تدعو إلى السجود وتقديم القرابين، ويهرب من الطقوس، ورغبته ~~الوحيدة كانت أن يشترك في العيد ويرى مظاهر جديدة من مظاهر قومه الشعبية؛ لذلك كان إعجابه ~~بالمشاهد الكثيرة التي وقعت عليها عيناه المتقدتان شديدا، بل كان ابتهاج الطفل يبدو ~~على وجهه كلما رأى حلل القرويات المزركشة الزاهية. # لإبرهيم في بلدته سيرة بطولة مشهورة يعرفها كل الذين يهتمون بتناقل سير الأبطال، وكان ~~الشبان الذين يعرفونه ينظرون إليه نظرهم إلى مثال فخم لقوة الجسد والروح، حتى إنه إذا وجد ~~بينهم وخطر لهم أن يدخلوا على الأسود في عرائنها، أو أن يتصدوا لمحاربة جيش مسلح ~~ولا سلاح لهم إلا العصي، أقدموا موقنين بالفوز، وفيما سوى ذلك كان هذا الشاب مشهورا ~~بغرابة الأطوار، من ذلك أنه كان يكره الظهور ويأنف من عرض قوته البدنية العظيمة على الناس، ~~فخالف بذلك عادة الفتيان الذي لا يكادون يطمئنون إلى شيء من القوة في عضلاتهم، حتى يعمدوا ~~إلى إظهاره والمفاخرة به، وكان يبتعد عن مخالطة الناس خصوصا الجنس اللطيف، فكان يفارق كل ~~مجلس يضم سيدات أو آنسات، ويعرض عن الحسان اللواتي كن يخفين في صدورهن شوقا لاعجا ~~للاجتماع ms06 به مثيرا كوامن غيظهن بعدم مبالاته وعبثه، حتى أخذن يتناقلن عنه حكايات ~~مختلفة القصد منها الحط من شأنه، وشاركهن في غيظهن كل الشبان الذين كانوا يحسدونه؛ ~~لعلوه عن مستواهم في القوة البدنية وقوة الإرادة، فجعلوا يذيعون عنه حكايات قصدوا منها ~~أن يطعنوه في رجولته، أما هو فكان يترفع عنهم ويمر بأقاصيصهم مرور الكرام، ومع ذلك ~~لم ير بدا من تأديب واحد أو اثنين بلغت بهما الوقاحة حدا حملهم على الاقتناع بما ~~كانوا يختلقونه عنه. # مما يجب ألا يغفل ذكره هنا أمر له علاقة كبيرة بنهاية هذه القصة، وهو أن إبرهيم ~~سئل مرة: كيف يجب أن تكون امرأته فيما لو أراد أن يتزوج؟ وكان السائل صديقا حميما ~~لإبرهيم، فأجابه: أنه يرى انتخاب امرأة صحيحة الجسم، قوية البنية، مليئة، مكتنزة، موردة ~~الخدين، وافرة العقل، حسنة المدارك، تعرف كيف تدير شئون بيتها ويكون من صحتها صحة ~~لأولادها. # دخل إبرهيم الدير وأخذ يتجول في باحاته وأروقته ويتنقل على سطوحه، ثم إنه أشرف على أحد ~~السطوح ليراقب ما يجري في الباحة الكبيرة التي أمامه، فوقعت عينه على حلقة «دبكة» في وسطها، ~~مؤلفة من فتيات قرويات، والجمع يحدق بها من جميع النواحي حتى صارت حلقة ضمن حلقات، وبينما ~~هو يتمتع بمرأى حلقة الرقص إذا بإحدى الراقصات تنفرد عن رفيقاتها وتدخل وسط الحلقة، وتأخذ ~~في رقص فردي مبتكر بينما رفيقاتها يتابعن الدبكة حولها، وكانت الفتاة معتدلة القد، ~~هيفاء القوام، تلعاء الجيد، أسيلة الخد، ذلفاء الأنف، حوراء العينين، وطفاء الأهداب، ~~وكانت لابسة حلة أرجوانية، شادة وسطها بنطاق مذهب، معلقة في أذنيها الصغيرتين ~~قرطين كبيرين تتدلى منهما قطع نقود ذهبية صغيرة، لافة شعرها بمنديل تتعلق به قطع نقود ~~فضية، ومن فوقه وشاح أبيض مسدل على ظهرها، لم يكن إبرهيم قد رأى من قبل راقصة مثل هذه، ~~ولا فتاة شبيهة بها، فأعجب بمرآها أيما إعجاب، وأخذ يتأمل قدها الجميل وهيئتها اللطيفة، ~~ويراقبها في خطوها وتنقلها، وسرعة دورانها ورشاقتها في انحنائها وتمايلها، صفات تتجلى ~~فيها قوة عاطفتها وشدة إحساسها، وكانت بين ms07 حين وآخر ترفع رأسها بشمم واعتزاز، وتلقي على ما ~~حولها ومن حولها نظرات فيها كل معاني عدم المبالاة. # وقف صاحبنا ينظر إلى هذه الراقصة برغبة عظيمة وارتياح تام، ولأول مرة في حياته شعر ~~بخفقان في قلبه، وأحس حرارة شديدة تغشى سطح بدنه دون أن ينتبه إلى هذه الحالة الجديدة ~~التي صار إليها، ولو رآه على هذه الحالة من يعرفه جيدا، لعجب كثيرا من استئناسه بمرأى ~~الفتيات، وإعجابه بمظهر الراقصة الحسناء وهو الذي كان يهرب من النساء، ومن كل مجتمع نسائي ~~هربا، ولا يرغب في أن يرى منهن إلا من كانت ممتلئة البدن. # لا شك في أنه لو انتبه إبرهيم إلى نفسه في هذه الآونة ورأى الحالة التي هو عليها، لكان ~~أخلى مكانه بغاية السرعة وهرب جريا على عادته وهزأ من نفسه، كيف أطاق أن يطيل النظر إلى ~~حلقة من النساء، ويبتهج بمرأى فتاة غريبة جدا عن نوع الجمال الذي كان يملأ تصوراته؟! ~~ولكنه لم ينتبه قط، لأن الرقصة كانت آية في الذوق والإبداع، ولها مدلولات نفسية تثير ~~كوامن الشعور، لم يكن هو الوحيد الذي ترك كل شيء آخر وأقبل لمشاهدة الراقصة الأنيقة، بل ~~إن الباحة التي كانت ترقص فيها كانت كلها أعناقا متطاولة نحوها. # أخيرا أتمت الراقصة رقصها الفردي فأقبلت عليها رفيقاتها يهنئنها وسط عاصفة من التصفيق ~~توردت لها وجنتاها، أما إبرهيم فبقي في مكانه لا يصفق ولا يهتف، ولكن عينيه كانتا ~~تراقبان ما يجري في الأسفل باضطراب وقلق، فإن فريقا من الجمهور المزدحم في الباحة مؤلفا ~~من أولئك البلهاء الذين يظنون الفطنة كل الفطنة في انتهاز مثل هذه الفرصة للتلذذ بأتفه ~~الملذات وأحقرها، كملامسة أجساد الفتيات والنظر إلى وجوههن عن كثب بوقاحة، وصلابة جبين تظهر ~~فيهما الغريزة الحيوانية بوضوح تام - أطبق على الراقصات وضرب حولهن نطاقا ~~ضيقا أصبح اختراقه من الصعب عليهن، إذا لم يكن من المستحيل، فتضايقن جدا وعبثا نظرن ~~إلى من حولهن نظرات ملؤها التضرع، وكان بين الجمع شاب أخذ يشق طريقه نحو الفتيات، ~~وعليه دلائل الجذل ms08 الممزوج بالخبث، فاغتاظ إبرهيم جدا من هذه الحال، خصوصا من الشاب الذي ~~كان يتقدم نحو الفتيات، وليس في هيئته ما يدل على أنه يقصد الإفراج عنهن، ولم يتمالك أن ~~انحدر إلى الساحة وطلب من جمهور الرجال الواقفين هناك أن يفسحوا له مجالا للتقدم، ~~ولما رأى أنهم قابلوا طلبه بعدم الاكتراث، ابتدأ يجذب بعضهم ويدفع آخرين بقوته الملكارثية ~~حتى شق لنفسه بين الجمع طريقا عريضة كافية لمرور شخص واحد دون انزعاج، فلما بلغ المكان ~~الذي انحصرت فيه الفتيات، كان الشاب الذي انسل بين الجمع قدامه قد سبقه وجعل يحادث ~~الراقصة الحسناء بتودد، أما هي فامتعضت من وجوده وازدادت اضطرابا لما رأت مضايقة ~~القوم لها ولرفيقاتها، فلما رأت إبرهيم مقبلا والرجال تتطاير من يديه ذات اليمين وذات ~~اليسار، دهشت دهشا عظيما ثم إنها لم تلبث أن أدركت أنه آت للإفراج عنها وعن رفيقاتها ~~فأكبرت نخوته وشجاعته، فتقدم إبرهيم إلى هذه الفتاة ووقف لحظة يبادلها النظر وهو لا ~~يدري ماذا يفعل، وكأن الفتاة أيضا لم تكن تدري ماذا تفعل، ثم خاطبها قائلا: «أيتها ~~الآنسة، إن الطريق مفتوحة لك ولرفيقاتك.» فأجابته بصوت خريد وقد تضرج خداها: «إني ~~أشكرك من كل قلبي فإنك قد أنقذتنا وحدك.» وعلى الأثر غضت نظرها وانطلقت في الممر الذي ~~افتتحه إبرهيم وسارت رفيقاتها في أثرها. # أما إبرهيم فإنه بقي في مكانه مبهوتا حائرا، وكان قد هم أولا بالإجابة على شكر ~~الفتاة، ولكن عواطفه كانت أقوى من آداب المجاملات فلم يسعده النطق ولم يعد يعرف كيف ~~يتصرف؛ لأن هذا اللقاء ربك رأيه تربيكا. # بيد أن حيرة إبرهيم لم تستمر طويلا؛ لأن الشاب الآخر الذي ظل لحظة واقفا ~~يحرق الأرم على إبرهيم لقطعه عليه ما كان آخذا فيه، تحرك بغتة من موقفه وهم ~~باللحاق بالفتاة التي لما تكن قد توارت عن النظر، فنبه تحركه إبرهيم فمد إليه يده ~~القوية بسرعة البرق وجذبه إلى الوراء وصاح به بغضب: «إذا كنت لا تترك مطاردة الفتيات فقد ~~تقع في ورطة يعسر عليك الخروج منها.» وكانت ms09 صيحته قوية إلى حد أن الفتاة سمعتها ~~فالتفتت إلى ورائها ورأته قابضا على عضد الشاب، فكرت عائدة ملهوفة وخاطبته بتضرع ~~قائلة: «سامح هذا الشاب وأخل سبيله؛ لأنه لا يدري ما يفعل.» فتركه إبرهيم وقد دهش لتصرف ~~الفتاة التي لم تكد ترى يده رجعت حتى أخذت بساعد الشاب، وحاولت أن تجره وهي تقول: «تعال ~~عجل!» ولكن هذا بدلا من أن يتبعها نظر إلى إبرهيم شزرا وقال له: «سنلتقي مرة أخرى في ~~هذا المساء وحينئذ أريك كيف تكون نتيجة تعرضك لما لا يعنيك.» وأفلت على الأثر من الفتاة ~~وسار منفردا، وكان كلما بعد عن المكان ازداد رأسه التهابا وقلبه حقدا. # حينئذ نكست الفتاة رأسها ورجعت مسرعة من حيث أتت كمن يريد الهرب من شيء يخشاه، وبقي ~~إبرهيم في مكانه وهو ما كاد يستفيق من ذهول حتى عاجله ذهول أشد منه، ولكن لغط الناس حوله ~~نبهه فرفع رأسه ونظر إلى الجمع بعينين ضاقت الدنيا بهما، ثم سدد خطاه نحو الممر المؤدي ~~إلى خارج، وسار والناس تتراجع من طريقه كما من أمام جبار أو أمير. # لم يكن قد بقي لغيوب الشمس سوى ساعة أو أكثر قليلا، ولم يكن إبرهيم يدري لم أراد الخروج ~~من الدير ولا إلى أين يتوجه، ولكنه لما صار في الخارج استرسل إلى إحساسه وهام على وجهه بين ~~الهضاب التي بجانب الدير، ورأسه مثقل بالألغاز والأحاجي وكل ما مر به كان يبدو له ~~معميات: من تكون تلك القروية الحسناء؟ ومن يكون ذلك الشاب وما شأنه معها؟ ولكن لماذا ~~يقلقني ذلك، وما يعنيني أنا من أمر الاثنين؟ ولماذا يجب أن أفكر دائما بتلك الفتاة؟ وكان ~~كلما حاول أن يضعف من شأن هذه المسائل ازداد قلقه لها وشعر أنها مسيطرة على شعوره، حتى ~~أيقن أنه لا يمكنه أن ينساها مهما بدت له عادية أو تافهة، فحاول أن يسري همه ~~بالانتباه إلى طبيعة الأرض التي يمر بها، وإذا به يرى نفسه تجاه كهف محفور في منحدر الهضبة، ~~وشاهد ناسا واقفين عند مدخله وآخرين في ms10 داخله، فاقترب من صبي كان آتيا من جهة الكهف ~~وسأله عن شأن الناس المجتمعين هناك فأجابه الصبي: «هذه مغارة القديسة أم بزاز، والناس يأتون ~~لزيارتها.» # ولم يكد إبرهيم يسمع ذلك حتى شعر برغبة شديدة في دخول الكهف والوقوف على ما فيه، ولم ~~يتردد لحظة واحدة في تحقيق هذه الرغبة، فلما صار في داخله لم يجد فيه شيئا غير عادي في ~~الكهوف التي تكثر في مناطق البلاد الجبلية سوى المذبح الصغير في جانبه الأيمن، وكان في ~~الكهف بعض النساء ينتظرن فتاة قعدت تحت مرشح الماء تتوقع حلول بركة القديسة عليها، وشاهد ~~إبرهيم قطرة الماء تسقط على جبينها، وكيف أن النساء ابتهجن لذلك، فاكتفى بما شاهد واقتلع ~~من سقف الكهف حجرين صغيرين للذكرى وتحول إلى المخرج، ولكن امرأة كانت واقفة هناك استوقفته ~~قائلة: «تبرك أولا ثم اخرج؛ لأنه لا يحسن أن يزور إنسان هذا المكان ويعود بدون بركة ~~القديسة.» ولكن إبرهيم انحاز عنها وقفز إلى الخارج وعاد في طريق الدير. # وفيما هو في الطريق عاد يفكر: «إن ذلك الشاب قال لي: إننا سنلتقي في هذا المساء. فكيف ~~يعلم أننا سنلتقي؟ قد يخطر لي أن أغادر صيدنايا الآن؛ ومن ثم لا نعود نلتقي، ولكن لم ~~أبرح هذه البلدة؟ أيوجد ما يضطرني إلى ذلك؟ ثم ماذا سيحدث في هذه العشية؟ أهو شيء جديد، ~~غريب يعرض لي لأول مرة؟ أف لهذه الوساوس، وهل يمكن أن أكون قد أمسيت عرضة لها؟» # لما بلغ إبرهيم الدير كانت الشمس قد توارت منذ بضع دقائق وأخذ الليل يرخي سدوله، فإنه كان ~~ليلا داجيا. # وكانت ساحات الدير الداخلية قد أنيرت بقناديل البترول، والجموع لا تزال على حالها من ~~الازدحام والهرج والمرج، إلا القروية الحسناء فإنها لم تعد تظهر لهم، فسار إبرهيم في ذلك ~~المحيط الخضم على غير هدى، ودخل أحد الأروقة وكانت قاعة الطعام في آخره فرأته إحدى الراهبات ~~ودعته إلى العشاء، ولكنه لم يكن يشعر بميل للأكل فشكر واعتذر، وتحول إلى ممر قريب قامت ~~في وسطه غرفة صغيرة كان ms11 بابها مفتوحا قليلا، وفيما هو يجتاز هذا الباب سمع من داخل الغرفة ~~صوتا رخيما أدرك حالا أنه صوت الراقصة القروية، فتوقف عن غير عمد وطرقت مسامعه الكلمات ~~الآتية: «لا تكن عنيدا يا جرجس، فيكفيني أن أكون تدخلت من أجلك أصيل هذا النهار، لا تنس ~~أن أمك مريضة وأنه يجب عليك ألا تجعلني سببا للشر، وأنت قد توعدت شابا كريم الأخلاق ~~دافع عنا وأخرجنا من المأزق الحرج الذي كنا فيه، وهو شاب قوي يخشى منه ولا يخشى ~~عليه فلا تتعرض له.» # فأجابها المخاطب: «إذا كان الشاب قويا فإن ضربة سيفي لا ترد، وسترين صدق ~~قولي.» # فأسرع إبرهيم بالابتعاد، موبخا نفسه على وقوفه عند الباب كمن يتعمد استراق السمع، وصعد ~~إلى أحد السطوح، وقد خطر له أن يغادر صيدنايا في الحال، ولكنه عاد ففكر: «لماذا يجب أن ~~أغادر صيدنايا، وهل من عادتي أن أهرب؟ ولكن ما هذا القلق المستولي علي ولم أعهد في نفسي ~~شيئا من ذلك من قبل؟» وبعد أن هدأ روعه قال في سره: «من تكون هذه الفتاة؟ إنها ~~تقول: إني أخشى ولا يخشى علي.» عند هذا الخاطر ابتسم ولم يشأ أن يطيل التفكير، فأخذ ~~يجول ويتنقل من سطح إلى ساحة، ومن ساحة إلى سطح؛ لعله يزيل ما به من حيرة. # وبينما هو في جولانه إذا بفتى لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، جميل الطلعة، حسن ~~الهندام، معتدل القامة، شديد الأسر قبض على ساعده في إحدى الساحات وصاح به: «ما الذي جاء بك ~~إلى هنا يا إبرهيم؟ إنها والله لصدفة تستحق التسجيل.» فالتفت إبرهيم ليرى من ذا الذي ~~أمسكه، ومرت عليه بضع ثوان قبل أن تمكن من استرداد أفكاره الشاردة، ثم ظهرت عليه علائم ~~البشر وقال: «آه، هذا أنت يا رشيد! مرحبا مرحبا، لقد جئت أنا لحضور العيد وأنت ما الذي ~~جاء بك؟» ~~- «وأنا أيضا جئت لحضور العيد، ولكني جئت على ميعاد، وأرجو أن يكون مواعدي قد حضر، ~~وإني أشكر التقادير التي جمعتني بك الآن لتكون شاهدا على ما سيجري.» ms12 ~~- «ماذا سيجري؟» وتسارعت الخواطر في دماغ إبرهيم. ~~- «سيجري ضراب بالسيف، مبارزة حكمية أنا أحد المتنازلين فيها، ويسرني كثيرا وجودك هنا، ~~فقد لا يكون هنا أحد غيرك صديقا وخبيرا بهذه اللعبة الخطرة.» ~~- «من خصمك؟» ~~- «أرجو أن ألتقي به قريبا فهل لك أن تصحبني؟» ~~- «بطيبة خاطر، ولكن ما هذا الميعاد الغريب للمبارزة؟» ~~- «إن لذلك حكاية لا مجال لقصها عليك الآن، وقد تأتي فرصة أخرى لذلك، هلم نصعد إلى ~~السطح.» # فصعد الاثنان إلى أحد السطوح وجعلا يتسامران، وكان رشيد لا يغفل عن مراقبة الساحة التي ~~تحت، وبغتة توقف وأمسك رفيقه وهزه قائلا: «انظر إلى ذلك الشاب الذي يخوض عباب الجمع هناك! ~~هذا هو خصمي، إنه ولا شك يبحث عني فهلم بنا نلاقه.» # فنظر إبرهيم ورأى شابا ما عتم أن عرف أنه نفس الشاب الذي توعده في النهار، فبهت ~~لهذه الصدفة المفاجئة، وتبع رفيقه وهو يتمتم لنفسه: «إنه من لاعبي الحكم # 1 # ويبارز في الليل على ميعاد، وأمه مريضة ولكنه لا يعبأ بها، ويوجد فتاة تتدخل من ~~أجله وتنصحه من أجل أمه، ومع ذلك يظل على عناده.» # عندما لاقى رشيد خصمه ابتدره قائلا: «لقد كدت أتأخر عن المجيء لأسباب، وأرجو ألا يكون ~~الميعاد قد فات.» # فأجابه ذاك وهو ينظر إلى إبرهيم متعجبا من وجوده: «لما يفت الوقت، بل لا يزال ~~أمامنا نحو نصف ساعة يمكننا أثناءها أن ندرس المكان ونعين الحكم.» # فقال رشيد: «اسمح لي أن أقدم صديقي إبرهيم إليك فهو غير مشهور في عالم الحكم، ولكنه أبرع ~~من انتضى سيفا.» والتفت إلى إبرهيم وقال له: «أقدم إليك السيد جرجس أحد البارعين بضرب ~~السيف.» # فانحنى إبرهيم وانحنى الشاب ولكنهما لم يتصافحا، وسار الثلاثة يبحثون عن مكان موافق ~~للمبارزة إلى أن اهتدوا إلى باحة صغيرة منعزلة، واقعة في القسم الخلفي من الدير، معلق في ~~وسطها قنديل غازي نوره كاف لإنارة المكان، ثم إن جرجس قدم رجلا عارفا بأبواب الحكم ~~ورشحه للقضاء بينه وبين خصمه، فقبله رشيد وزاد جرجس أن يكون لإبرهيم الحق في مراقبة ~~المبارزة ms13 بما أنه ممن يحسنون الحكم، بعد ذلك افترق الخصمان فذهب جرجس مع الرجل الذي رشحه هو ~~ليكون حكما، وانصرف رشيد برفقة إبرهيم، فقال إبرهيم: «إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى ~~فيها مثل هذه الألغاز.» # فأجابه رشيد: «سترى أن للألغاز لذتها، بل أنت تعلم ذلك؛ لأن حياتك كلها ألغاز بألغاز، ~~ألم تقم مرات كثيرة بأعمال غريبة كان يعدها الناس ألغازا، ولكنك أنت كنت تعدها شيئا ~~طبيعيا بديهيا؟ إني أقتبس من نورك وأقتفي خطاك، وأعلم أن ألغازي ليست شيئا مذكورا ~~بالنسبة إلى ألغازك، وأرى أن ألغاز حياتك المقبلة ستكون أعظم من ألغاز حياتك ~~الماضية.» # لم يجب إبرهيم على كلام صديقه، إما لأنه وجده مصيبا أو لسبب آخر لم يرد إظهاره، وصمت ~~رشيد أيضا؛ لأنه كان عليه أن يستعد للمبارزة، ودخل الاثنان إحدى الغرف حيث نزع رشيد ثيابه ~~المدنية، ولبس بدلا منها ثوبا بسيطا تسهل معه حركة جسمه واحتذى نعلا خفيفة، ثم أخرج من ~~حقيبة مستطيلة كان يحملها معه سيفا وترسا يبدو حالا من مظهرهما أنهما خصوصيان، فجرد ~~السيف وجعل يمتحن حده وأداره في الهواء عدة مرات لتمرين ذراعه، وأعاده على الأثر إلى ~~غمده، وتأبطه وحمل الترس والتفت إلى صديقه وقال: «ها أنا حاضر للقتال فكيف تراني؟» ~~- «أراك نشيطا وفي حالة حسنة، ولكنك لم تقل لي إلى أي حد من الخطر ستبلغ ~~المبارزة.» ~~- «إلى الحد الأخير.» ~~- «وهل هذا التصميم نهائي لا رجوع عنه؟» ~~- «إنه نهائي إلى النهاية.» ونظر إلى ساعته وقال: «هيا بنا فقد حان الميعاد.» وخرج من ~~الغرفة وتبعه إبرهيم صامتا، ولما بلغا الساحة المعينة وجدا أنهما الأولان للقدوم، ولم يكن ~~هنالك جمع غفير فجعلا يتمشيان ذهابا وإيابا، ويتكلمان عن أشياء تافهة وأمور لا محل لها، ~~قتلا للوقت، إلى أن قدم الاثنان الآخران فاستقبلاهما وتفاهموا على بعض النقط المتعلقة ~~بالأصول المتبعة في الجلاد بالسيف، ثم اتخذ كل من الخصمين مركزه مقابل الآخر، واتخذ ~~الحكم موقفه، ووقف إبرهيم في طرف الساحة عند متوسطها، وأعطى الحكم الإشارة فتناول ~~المتنازلان سيفيهما وترسيهما، وشرعا يتجاولان ms14 من بعيد تمهيدا للالتحام. # ما كاد سيفا المتبارزين يلمعان على ضوء القنديل ويقبقبان على الترسين حتى أقبل الجمع ~~وضربوا نطاقا عند مدار الساحة، وشعر القوم على السطوح بما يجري فأشرفوا من كل مكان مناسب ~~واشرأبت الأعناق، وأمسى المتضاربان قبلة الأنظار، وكان الناس يظنون أنهما يلعبان بالسيف ~~من قبيل اللهو. # تجاول الخصمان حتى سبر كل منهما غور الآخر، ثم تقاربا والتحما وسمع لسيفيهما طرق ~~متكرر على الترسين، ولكن لم ينل أحدهما من الآخر منالا فأشار الحكم بالتراجع فتراجعا، ثم ~~عادا إلى التجالد بين كر وفر، وفي هذه الأثناء أصاب سيف جرجس صدر رشيد فجرحه، ولاحظ ~~إبرهيم أن جرجس يستعمل في التسايف ضروبا لا يستعملها من عنده شيء من كرامة وآداب السيف، ~~بعكس رشيد الذي كان نزيها في كل أبوابه، يجيب على ضربات الغش المسددة نحوه بضربات صريحة، ~~فصبر على هذه الضربة الأولى، ولكن لم يطل الوقت حتى عاد جرجس فجرح رشيدا في كتفه جرحا ~~بالغا، مستعملا نفس الضروب المعيبة لرجال السيف، فلم يطق إبرهيم صبرا على ذلك، خصوصا ~~بعد أن رأى الحكم لا يتدخل، وصديقه أشرف على حالة حرجة فقفز إلى وسط الساحة وحال بين ~~الخصمين في الوقت المناسب؛ لمنع ضربة أخرى قوية كان جرجس يهيئها وصاح بهذا: «ليس هكذا ~~يستعمل أهل السيف سيوفهم.» # فاستاء جرجس جدا من حئول إبرهيم بينه وبين خصمه وأجابه: «إذا كنت تدعي معرفة استعمال ~~السيف أحسن مني فجرب نفسك!» # فأجابه إبرهيم وقد نسي أفكاره السابقة: «حذار يا هذا فإنك تعرض نفسك للإهانة.» ~~«إن من يعرض نفسه للإهانة هو أنت فكن على حذر.» قال جرجس هذا وهز حسامه وتراجع بضع ~~خطوات إلى الوراء داعيا مخاطبه إلى المبارزة، فثار ثائر إبرهيم الذي لم يتفق له فيما مضى ~~أن يصبر على وقاحة وقح إلى هذا الحد، فأخذ رشيدا إلى جانب وهو في حالة خطر شديد وأخذ ~~حسامه منه، وأقبل على جرجس بغير ترس وعيناه تقدحان شررا من شدة الغضب، ثم إنه لاعب سيفه ~~مرسلا منه بريقا كوميض البرق، وحمل ms15 على خصمه والتحم معه توا، فدافع هذا عن نفسه بالترس ~~وحاول أن يرد الضربة ضربة، ولكن سرعة دوران سيف إبرهيم عرقلت حركة سيفه وأبطلت أبواب ~~خداعه، وافترق الخصمان وقد أصيب جرجس في كتفه الأيسر وجرح جرحا غير بالغ، وفيما إبرهيم ~~يجول ليعيد الكرة على منازله، إذ حانت منه التفاتة إلى جانب ووقع نظره على الراقصة التي ~~شغلت قلبه وسلبت لبه، وكانت تراقب ما يجري بوجه يدل على مبلغ جزعها، والتحم المتضاربان مرة ~~أخرى وسمع لسيفيهما صليل وقبقبة، وحانت لإبرهيم فرصة يدرك كل من يعرفه أنها قاضية له، ~~ولكنه بدلا من أن يهوي بسيفه على منكشف منازله تباطأ كمن يشعر بارتخاء ساعده، وكان جرجس ~~قد سدد ضربة شديدة إلى عنقه فمال عنها واعترضها بكتفه، فجرحته جرحا بالغا وقبل أن يتمكن ~~الاثنان من العودة إلى الالتحام، ركضت الراقصة ووقفت بينهما وأسرع الناس وكفوهما عن القتال، ~~وأقبلت إحدى راهبات الدير لترى ما الخبر فلما رأت إبرهيم ورشيدا والدم يسيل منهما، قادتهما ~~إلى غرفة وأحضرت راهبتين أخريين ساعدتاها على ضمد جراحهما، ورأت ما حل بإبرهيم بعض النساء ~~اللواتي التقين به في مغارة «أم بزاز»، وحالا سرى بين القوم الاعتقاد بأن القديسة أم بزاز ~~قد اقتصت لنفسها من هذا المتكبر الذي لم يشأ أن يطلب بركتها. # واتصل الخبر حالا برجال الدرك المرسلين خصيصا؛ لحفظ الأمن أثناء العيد فأسرع اثنان منهم ~~للوقوف على جلية الأمر، وكانا أرمنيين لا يحسنان التكلم بالعربية، فأقبلا على الجريحين ~~المضطجعين في سريرين قدمتهما لهما راهبات الدير، واقترب أحدهما من إبرهيم، الذي جعل ينظر ~~إليهما باستياء شديد، وسأله: «مين بيضرب إنت؟» وتقدم الآخر إلى رشيد وسأله: «مين بيضربك ~~إنت؟» فنسي إبرهيم جرحه واستغرق في الضحك، ولم يتمالك رشيد عن متابعته، ولكن لما أعاد ~~الدركيان سؤاليهما نفد صبر إبرهيم فصاح بهما بصوت دوت له الغرفة: «اخرجا حالا من هنا! ~~وإلا ...» وحاول النهوض، ولكن ما كاد الدركيان يسمعان صيحته الشديدة حتى أسرعا بالخروج ~~وعادا إلى المركز، حيث قدما إلى الرئيس السوري تقريرا لم يفهم ms16 منه شيئا ولكنه أظهر ~~اكتفاءه به. # بعيد ذلك جاءت رئيسة الدير فتفقدت حالهما وأوصت بالعناية بهما، وقبل أن تترك الغرفة ~~ابتهلت إلى الله أن يرد عنهما الخطر. # أخيرا خلت غرفة الجريحين من الناس فالتفت كل منهما إلى الآخر وهو يبتسم، وقال رشيد: ~~«منذ هنيهة قلت لي يا إبرهيم أن ما قد قمت به لغز، وأنا نفسي كنت أعتقد أنه أعظم لغز، ولكني ~~وجدته لا يستحق الذكر بالنسبة إلى ما قد فعلته أنت، فقد كدت تترك الرجل يقضي عليك في حين ~~أن الضربة كانت لك لا له، وهذا أغرب ما رأيته منك.» # فأجابه إبرهيم: «أولم تقل لي إن للألغاز لذتها، فهل ابتدأت تشعر بها كما أشعر أنا بها ~~الآن؟» # قبل أن يتمكن رشيد من الإجابة فتح الباب ودخلت منه القروية الراقصة، واقتربت ببطء من ~~سريري الجريحين ووقفت عند مضجع إبرهيم، وكان إبرهيم ينظر إليها ساكنا متعجبا؛ لأنه لم يكن ~~ينتظر مجيئها، فنظرت في عينيه وقالت بصوت خافت: «قد رأيت وفهمت ... كيف جرحك؟» ~~- «إنه بالغ ولكنه ليس خطرا.» أجاب إبرهيم وهو لا يزال ينظر في عينيها، كأنه يرى فيهما ~~لغزا يريد أن يستجليه. ~~- «أشكرك وأتمنى لك شفاء سريعا.» قالت ذلك وتحولت إلى رشيد وسألته: «وأنت أيها السيد ~~كيف جراحك؟» ~~- «لا أظن أنها ذات بال شكرا لك.» ~~- «شفاك الله عاجلا.» ثم نظرت إلى إبرهيم طويلا وعادت أدراجها مسرعة، فشيعها الاثنان ~~بأنظارهما إلى أن توارت وراء الباب ولم يعودا ينبسا ببنت شفة. # بعد قليل كان رشيد قد نام، أما إبرهيم فأصيب بأرق شديد وهواجس منعته من النوم، ~~فاستلقى وأطلق فكره في مجال التصورات، وكان بين حين وآخر يستعيد ما مر به في العشية ~~ويسائل نفسه: «أما كان يجب علي أن أضربه لينال جزاءه؟ ولو فعلت ذلك فبأي عينين كانت تنظر ~~إلي الفتاة؟» وطال به الأمر حتى نبا جنبه عن الفراش فنهض وخرج من الغرفة، ومشى الهويناء ~~في الرواق المؤدي إلى غرفة الطعام وهو لا يدري إلى أين يذهب حتى إذا بلغها، أراد أن يعود ms17 ~~ليصعد إلى السطح، وكان إلى جانب باب قاعة الطعام مربع منكشف اتخذه بعض القرويين محلا لهم، ~~وكان منارا بقنديل ضئيل النور، فاقترب إبرهيم من ذلك المربع وجعل يتأمل النيام وأكثرهم من ~~النساء والفتيات، ولا فرش تحتهم سوى بسط وأغطيتهم شراشف خفيفة، ونظر تحت ضوء القنديل رأس ~~فتاة تدلى منه شعر مسود ستر بعض وجهها الأسيل وعنقها الجيداء، وللحال عرف الراقصة القروية ~~وكانت نائمة بين أترابها، فخفق فؤاده لهذه المفاجأة وتقدم من حافة المربع المرتفعة، وقعد ~~عليه يتأمل وجه الفتاة وعينيها الساحرتين فتململت الفتاة تحت نظره ولكنها لم تستيقظ؛ لأن ~~النوم كان مثقلها. # وبقي إبرهيم في مكانه ساهرا يكلأ الفتاة ويسامر نجواه، حتى انقطعت ضوضاء القوم في الخارج ~~وهدأت الرجل، وفيما هو كذلك لاحظ أشباحا تقترب نحوه ثم تعود أدراجها، وبدا له أن لهذه ~~الأشباح قصدا، وأنه يرى بينها قامة جرجس وطريقة خطوه، فما برح مكانه حتى طلع الفجر وقامت ~~الراهبات إلى صلواتهن. # في ذلك الصباح برحت الراقصة وزمرة من رفيقاتها الدير عائدة إلى قريتها، وغادر إبرهيم ~~ورشيد صيدنايا إلى دمشق، حيث أسعفا بالعلاج ورجعا بعد ذلك إلى بلدتهما في لبنان، وبعد مدة ~~قصيرة شفيت جراحهما شفاء تاما. ~~••• # منذ ذلك الحادث طرأ على حياة إبرهيم تغير كبير لم يخف على أحد من الذين كانت لهم به ~~صلة، فتبدلت أطواره من النشاط والانشراح إلى الفتور والتأمل، وانقطع عن التحدث إلى رفقائه، ~~كما كان يفعل من قبل، وصار يفضل الصمت وأخذت علائم الكآبة تظهر على محياه، فلاحظ أصحابه ~~ذلك منه وعبثا حاولوا أن يعيدوه إلى سابق عهده، وانتقل رشيد إلى بيروت لمتابعة دروسه فلم ~~يعد إبرهيم يراه، وظل وحده في البلدة يستعيد حوادث صيدنايا ويحاول أن يستجلي غوامضها، ثم ~~ابتدأ يشعر بسأم مما هو فيه، فجرب أن يصرف صيدنايا عن فكره ولكن عبثا ففي الشتاء في ~~لبنان، لا يستطيع ذو العاطفة أن يبعد فكره عن التصورات؛ لأن تساقط الثلج في الخارج وتوهج ~~نار الموقد في الداخل والسكون الذي يشمل الطبيعة، كل هذه العوامل ms18 تطلق للفكر مجال التصور، ~~وتفتح إلى النفس طريقا للمؤثرات، فرأى أن يسلو بالمطالعة وكاد ينجح لولا صور كانت تنتصب ~~أمامه فتقاطع مطالعاته أو أفكاره الأخرى، وتجلب معها كل الذكريات التي اكتنفتها، ألا وهي ~~صور الفتاة الراقصة في صيدنايا حين كانت ترقص، وحين زارته بعد جرحه وزودته نظرة لم يفقه ~~معناها في الحال، ولكنه أخذ يشعر بتأثيرها أكثر فأكثر مع مرور الزمان، وابتدأت معانيها ~~تنجلي له مع تعاقب الأيام، حتى صار يشعر لأول مرة في حياته بذلك الشعور السري العجيب، الذي ~~يدفع الوعل إلى الهيام على وجهه في أيام الربيع، حاكا بقرونه الجديدة سوق الأشجار ~~وأغصانها حتى إذا التقى بوعل آخر حاله كحاله، التحم وإياه بمعركة فاصلة تشتبك فيها قرونهما ~~اشتباكا يقضي على كليهما بالهلاك، بل إنه أبصر في الحلم وعلا عظيما وقف على قنة جبل ~~عال، وقد اعلولت قرونه إلى الجو، ثم رآه ينقض على وعل آخر عظيم مثله، فسره ذلك ~~وأقلقه معا. # ظلت الحال بإبرهيم على هذا المنوال إلى أن حسر الثلج عن وجه الأرض، وأورق الشجر ونور ~~الزهر، واكتست الأرض حلة سندسية فلها إبرهيم قليلا بمناظر الطبيعة، فكان يخرج للتفرج كل ~~صباح وكل مساء، ولكنه لم يعد إلى مرحه السابق، وزال هذا الفصل وجاء الصيف وعاد رشيد من ~~المدرسة إلا أن الصديقين لم يجتمعا إلا نادرا، إلى أن لم يبق لعيد سيدة صيدنايا سوى ~~أيام معدودة، ففي صباح يوم جميل أقبل رشيد على إبرهيم عند الفجر ودعاه إلى النزهة؛ لأن له ~~ما يريد أن يحدثه به، فلبى إبرهيم الدعوة وسار الاثنان إلى إحدى الغابات البعيدة ~~ليكون انفرادهما تاما وهناك اضطجعا تحت أشجار الصنوبر، فقال رشيد: «هل تذكر ذلك الشاب ~~الذي بارزناه في صيدنايا في العام الماضي؟» ~~- «أذكر.» ~~- «كنت وعدتك بأن أحدثك في الأمر الذي دعاني إلى مبارزة ذلك الشاب، وقد رأيت أن ~~أفي بوعدي الآن: أنت لا بد تذكر الفتاة التي دخلت إلى غرفتنا ونحن جريحان وتفقدت ~~حالنا.» فخفق قلب إبرهيم خفقانا شديدا ولكنه ظل صامتا ينتظر تتمة ms19 حديث صديقه الذي ~~تابع: «اعلم أن هذه الفتاة رصيفة التلمذة، وكانت تأتي كل سنة إلى مدرسة البنات القومية في ~~بيروت، وذلك الشاب الذي بارزته من بلدتها ومن عائلة لها نفوذ كبير فيها، وأظنك لم تنس أنه ~~يدعى جرجس، ففي ذات يوم جاء جرجس إلى بيروت وذهب إلى مدرسة البنات حيث قابل الفتاة بحجة ~~أنه يحمل إليها كتابا من أبيها، وفي اليوم التالي قام بزيارة أخرى للفتاة، وكنت أنا هناك ~~في زيارة لنسيبة لي هي صديقة حميمة للفتاة، فجرى له معها حديث حاد انتهى بأن الشاب حاول ~~اختطافها فأسرعت وحلت بينه وبين تنفيذ ما عقد العزيمة عليه، فحقد علي جرجس منذ ذلك ~~اليوم، وصار كلما رآني تهددني وتوعدني، إلى أن كان ذات يوم اتفقنا فيه على المبارزة، ~~فاقترحت أن يكون ذلك في دير صيدنايا فقبل وهكذا كان كما تعلم. # أما الفتاة فلم تكن تعلم شيئا من أمري، ولكني وقفت من نسيبتي على الكثير من أمرها، ~~فعلمت أن الفتاة تدعى نجلا، وأنها مضطرة إلى مجاملة جرجس؛ لأن أمه كانت قد اعتنت ~~بها في صغرها بعد وفاة أمها، وهي كانت ترجو منها أن تفعل ذلك من أجلها، والظاهر أن أم ~~جرجس كانت تأمل أن تولد هذه المجاملة حبا ينتهي بزواج الاثنين؛ لأنها أحبت صفات نجلا ~~وأخلاقها، وكانت الفتاة تحب الأم وتفعل ما يرضيها، ولكن البون الشاسع بين نفسها ونفس جرجس ~~يجعل مبادلتها إياه الحب أمرا مستحيلا، وعلمت أيضا أن أم نجلا كانت قد نذرت عن ~~ابنتها زيارتين لدير صيدنايا، وأن الابنة تريد أن توفي نذر أمها وهو ما جعلني أقترح على ~~جرجس أن تكون المبارزة هناك؛ لأني كنت موقنا أنه سيتبعها إلى هناك، ولقد ماتت أم جرجس ~~منذ بضعة أشهر وزال ما كان يدعو نجلا إلى مجاملة ابنها، فكتبت إلى صديقتها نسيبتي تقول: ~~إن جرجس يلاحقها الآن ملاحقة شديدة تتألم منها، وذكرت لها في آخر الكتاب أنها ذاهبة ~~إلى صيدنايا في عيد العذراء؛ لكي تقوم بالزيارة الثانية من أجل أمها، ويقيني أن جرجس ms20 ~~سيتبعها إلى هناك هذه المرة كما في المرة السابقة ويحاول اختطافها هناك؛ لأنه قد لا يجد ~~فرصة أوفق من هذه للقيام بذلك.» # عند هذا الحد انتهى حديث رشيد ، أما إبرهيم فإنه كان يصغي إلى الحديث المتقدم بصمت ~~وإمعان، ثم إنه استرسل في تأملات عميقة، واستغرق فيها استغراقا لم يعد يعي معه على شيء، ~~فقام رشيد وانصرف على مهل دون أن يتنبه إبرهيم إلى انصرافه، أخيرا انتبه ووجد نفسه ~~وحيدا فتعجب من حاله، ونهض وعاد إلى البيت وقد نسي كل القصة التي حدثه بها رشيد، ولكن ~~أمرا واحدا رسخ في ذهنه ورسا رسو الجبال، فلم يعد شيء في العالم يتمكن من زحزحته: ~~نجلا - صيدنايا. # في تلك الليلة حلم إبرهيم كثيرا، ومرة أخرى أبصر في حلمه وعلا عظيما على قمة جبل ~~عال، رافعا رأسه مطاولا بقرونه السحاب، وحدق إبرهيم في قرونه فوجدها محددة كرءوس ~~الحراب، ثم نظر إلى عينيه فوجدهما ترسلان أشعة تشبه الأشعة التي ترسلها الشمس من خلال ~~الغيوم، فهي مستقيمة وحادة، وكان منظره وهو يتنشق الهواء بلهفة؛ لعله يجد فيه رائحة مخصوصة ~~يرتاح إليها، منظرا رائعا يأخذ بمجامع القلب، أخيرا رآه يتنشق الهواء بسرعة بمنخريه ~~اللذين كانا يهتزان للشم، ويحول رأسه نحو جهة معلومة وينطلق كالسهم! فتململ إبرهيم في فراشه ~~واستيقظ وإذا الفجر قد لاح، ولكنه لم ينهض حالا، بل ظل مستلقيا يتأمل في حلمه والوعل ~~العظيم الذي رآه. # ظل إبرهيم منفردا خاليا بنفسه، متحاشيا الاجتماع بأي كان من أصدقائه ومعارفه كل ~~الأيام القليلة الباقية لمجيء عيد سيدة صيدنايا، وكان صامتا هادئا، وفي هدوئه دلائل ~~انصباب الفكر على مسألة معينة هامة، كان ذلك الهدوء أشبه شيء بستار المرسح المسدل الذي ~~يدل على الاستعدادات المتخذة وراءه، فبعث تصرفه هذا على استغراب معارفه أمره استغرابا ~~شديدا، فمن جميع تصرفاته الغريبة لم يستغربوا أكثر من تصرفه الجديد الذين وقفوا حياله ~~حيارى لا يدرون ما يبدون ولا ما يعيدون، وهم الذين كانوا يعدون أنفسهم صحبه وتلاميذه، ~~ويدافعون عن كل تصرفاته السابقة ويردون التهم التي ms21 كان جماعة يحاولون إلصاقها به لمجرد أنهم ~~لم يكونوا يستطيعون فهم أطواره وشذوذه عن أساليب تفكيرهم وطرائق فهمهم، وابتدأ ضعاف الثقة ~~منهم يشكون في مصير هذا البطل، الذي كان آية في القوة والبطش، ومثالا للشجاعة والإقدام، ~~وقدوة صالحة في الاعتماد على النفس، وأخذ بعضهم يتكهن بأفول نجمه وتداعي بنائه الفخم، ~~فوقع ذلك عند الفريق الذي ظل يوده ويحترمه ويؤمن به وقعا أثار أسفهم الشديد، وكاد يؤدي ~~إلى الشقاق بينهم وبين أولئك المتكهنين. # وقع عيد سيدة صيدنايا هذه المرة في يوم أحد، فلما كان الصباح استيقظ إبرهيم باكرا ونهض ~~إلى تمريناته وحمامه البارد، وكان نشيطا في قوته، رائق النفس، مرتاح البال، ثم بادر إلى ~~لوازم سفره فجمعها في حقيبة يدوية صغيرة وودع أهل بيته بعبارات مقتضبة، وتوجه إلى صديق له ~~عنده سيارة وقال له: «هلم نسافر معا يا أنيس.» ~~- «ماذا؟ هذا أنت يا إبرهيم؟ وإلى أين نسافر؟» ~~- «إلى صيدنايا، فإن لي نذرا يجب علي أن أوفيه هناك في هذا العيد.» # فاكتفى أنيس بهذا الجواب؛ لأنه كان يعرف مزاج إبرهيم الذي لم يكن يطيق كثرة الأسئلة ~~والكلام في مهماته ومشاريعه، فبادر إلى إعداد سيارته وبعد نصف ساعة خرجا بها وحدهما، ولم ~~يعلم أمرهما أحد في البلدة، وفي طريقهما عرجا على دمشق حيث تغديا معا وشاهدا بعض ~~أسواقها القديمة، ثم تابعا مسيرهما إلى صيدنايا فبلغاها عند العصر، وكان الدير قد امتلأ ~~بالخلق وسيارات القادمين لا تزال تتوافد بكثرة، ولاحظ إبرهيم أن الإقبال على العيد هذه ~~السنة يربي على الإقبال في السنة الماضية، فطاف وصديقه نواحي البلدة ودخلا الدير وطافا به ~~حتى المساء. # عندما دخل إبرهيم الدير وجده غاصا بالخلق كما في المرة الأولى، والقوم في هرج ومرج ~~عظيمين، ففي ساحاته وعلى سطوحه اجتمعت جماهير غفيرة، وكانت الدبكة في الساحات آخذة مجراها ~~كالسابق؛ حلقات للرجال وحلقات للنساء، والجماعات المحيطة بها تصفق وتصيح مثيرة الحماسة في ~~الراقصين، فلما شاهد إبرهيم هذه الحلقات خفق قلبه خفقانا شديدا، وثارت في نفسه عاصفة من ~~الانفعال لم تلبث أن ms22 تلاشت وعاد إليه هدوءه ورباطة جأشه، فجعل يجيل نظره في الناس بسرعة، ~~ولكنه لم يجد من يستقر عليه، وبينما هو كذلك رأته بعض النساء وجعلن يتهامسن قائلات: ~~«انظرن ، هذا هو الرجل الذي جازته القديسة أم بزاز في السنة الفائتة بأن جرح من خصمه في ~~البراز بالحكم.» وبأسرع من البرق تنوقلت هذه العبارة وتجاوزت النساء إلى الرجال، أما ~~إبرهيم فإنه لم يسمع شيئا قط، وهو لو سمع شيئا لما كان أعاره اهتمامه؛ فقد كان له من ~~شواغل نفسه ما يغنيه عن شواغل الناس. # بعد أن أجال إبرهيم نظره في تلك الجموع طويلا دون أن يحظى بما يستوقفه، ترك مكانه ~~وشرع يتنقل من مكان إلى مكان على غير هدى من أمره وأنيس يرافقه صامتا متعجبا، حتى أشرفت ~~الشمس على المغيب، وكان أنيس قد لاحظ قلق إبرهيم الداخلي وشرود فكره، فقرر أن يبقى ~~في الساحة الكبرى ينتظره ويراقب ما يجري، وتابع إبرهيم تجواله دون أن ينتبه إلى تخلف ~~صديقه عنه، ثم إنه عاد فمر في الساحة الكبرى، حيث كان أنيس دون أن يراه أو يفتقده، وجاوزها ~~إلى ممر يؤدي إلى جناح الدير الأيسر من المدخل، فمشى فيه إلى آخره وإذا هناك مدخل صغير ~~فدخل فيه ووجد نفسه في غرفة صغيرة خاوية، في مؤخرها باب يؤدي إلى غرفة أخرى، فولج هذا الباب ~~ووقف قريبا منه؛ لأن الغرفة كانت مظلمة لمن يأتي من الخارج، فهي أشبه شيء بكهف عميق ولا ~~ينفذ إليها نور النهار إلا من كوة صغيرة في أعلاها لا تطل على الفضاء الرحب، بل على ~~حائط من حيطان الدير. # بعد قليل ابتدأ إبرهيم يتبين ما في هذه الغرفة على نور شمعات قليلة متفرقة في جوانبها، ~~فرأى أن جدرانها مبطنة بصور القديسين فتزحزح من موقفه، وأخذ يطوف بالمكان ويدقق النظر ~~في الأطر المعلقة حتى بلغ صورة كبيرة قائمة في وسط الغرفة، مضاءة أمامها شمعتان أكبر ~~قليلا من بقية الشموع، فلم يشك في أن الصورة هي صورة العذراء التي تخشى راهبات الدير أن ~~يخرجنها من ms23 ذلك المكان المظلم، ويعرضن قداستها للنور وخطر الضياع، فاقترب من إحدى ~~الشمعتين ليتمكن من رؤية الصورة عن كثب، وما إن فعل حتى استلفت نظره شخص امرأة كانت ~~واقفة أمام الصورة بين الشمعتين، وهي كأنها تتأملها أو تناجيها، فبهت إبرهيم لهذه المفاجأة ~~وتعجب من أنه لم يتنبه إلى وجود إنسان آخر في هذا المكان من قبل وهم بالتراجع، ولكن ~~المرأة كانت قد شعرت بوجوده قربها وحولت وجهها إليه لترى من هو، وكم كانت دهشته ~~عظيمة حين تبين على نور الشمعة الضئيل التي بينهما وجه نجلا؛ الراقصة القروية التي ظلت ~~صورتها مطبوعة على مخيلته بوضوح تام، حتى كأنه رآها أمس لا منذ سنة! ولم تكن دهشة الفتاة ~~أقل من دهشته حين رأت قامته وعرفت وجهه، فوقف الاثنان ينظر كل منهما إلى الآخر نظر من ~~هو على يقين من أن ما يراه حقيقة لا حلم. # لا يحاول الراوي التعبير عن العواطف التي استولت على قلبي هذين الاثنين في هذه الدقيقة؛ ~~لأنه يعلم أن لبعض العواطف البشرية لغة لا يمكن الاستعاضة عنها بلغة النطق، وهو لا يريد ~~إفساد الأصل بالترجمة، بل يفضل متابعة سرد القصة. ~~- «أنت هنا؟» قالت الفتاة بصوت خافت يقارب الهمس، فطرق هذا السؤال مسامع إبرهيم بشكل ~~مخصوص فهم منه: «أعن قصد مجيئك؟» # فأجابها بصوت لا يعلو كثيرا عن صوتها ولهجة توكيدية ثابتة «نعم، أنا هنا!» # عند هذا الجواب لمعت عينا الفتاة الكسيفتان وقالت: «لقد كنت أفكر منذ هنيهة وأسائل ~~نفسي: هل يجيء؟» ~~- «هل شككت في مجيئي؟» ~~- «أرجوك ألا تحملني على الإباحة بجميع الهواجس التي انتابتني بين عيد سيدة صيدنايا ~~الأخير وهذا اليوم.» # فأخذ إبرهيم يدها بين يديه وقال: «لقد جئت وفي نيتي أننا إذا التقينا فلا فراق، فما هي ~~نيتك أنت؟» ~~- «أنت الشخص الوحيد الذي تمنيت من كل قلبي أن يبقى إلى جانبي دائما؛ فقد أرعبني ~~الكثيرون وملئوا نفسي اشمئزازا وخوفا!» # فضمها إبرهيم إلى صدره بلهفة، وطبع على شفتيها قبلة حارة وأجابها: «إننا لن نفترق، ولن ~~يخيفوك بعد الآن!» وخرج وإياها ms24 من الحجرة وهو يطوقها بيمينه القوية. # كان الليل قد غشي تلك النواحي، ولكن القمر كان قد طلع وأضاء نوره هذه البقعة، فاجتاز ~~إبرهيم ونجلا الممر المؤدي إلى الساحة الكبرى وهما على الحالة التي كانا عليها حين خرجا من ~~غرفة العذراء، ولم يلتفتا إلى أحد من الأشخاص الذين كانوا واقفين أو مارين فيه، أما هؤلاء ~~فإنهم حالما رأوهما شغلوا بهما عما كانوا فيه، وجعلوا يتبعونهما بأعينهم مشرئبي الأعناق ~~نحوهما، مستغربين مظهرهما الذي لم يكونوا قد رأوا مثله من قبل، فلما بلغا الساحة وجدا ما لم ~~يكن في حسبانهما: ففي وسطها وقف جرجس البطل المبارز في السنة الماضية نفسه، وهو يحمل بيده ~~اليمنى سيفا مصلتا وباليسرى ترسا، وذراعاه متقاطعتان على صدره ومن حوله لفيف من الرجال ~~هم مزيج من أهل القرى وأهل المدن، وأمامه على الأرض سيف وترس آخران كان الرجال المحيطون به ~~يتشوقون ليروا من ذا الذي سيلتقطهما، فلما رأى إبرهيم هذا المشهد ضم الفتاة إلى صدره ووقف ~~يحدق إلى جرجس ولفيفه تحديق النسر، حينئذ أدرك أولئك الرجال والجمع الذي وراءهم أن شيئا ~~غير اعتيادي سيأخذ مجراه، وكما بسحر ساحر انقلبت سحن الرجال الذين يحفون بجرجس من ~~الهيئة الهزلية التي كانت عليها إلى هيئة جدية جعلت وجوههم تشبه تماثيل الشبه. # ولم يشأ إبرهيم أن يبقى واقفا في مكانه، فمشى برفيقته بضع خطوات محاولا أن يتابع سيره ~~فاعترضه جرجس وهو لا يزال على الشكل المتقدم وصفه وقال له: «إن ذاك السيف الذي تراه على ~~الأرض ينتظرك لإنهاء البراز الذي بدأناه السنة الماضية في مثل هذا اليوم.» # ما كاد جرجس ينتهي من عبارته هذه حتى أحس إبرهيم أن نجلا قد ارتعشت مع أن ذراعه ~~اليمنى مطوقتها، فالتفت إلى من حوله وإذا أنيس واقف إلى جانبه وفي يده عصاه الكبيرة التي ~~لا تفارقه فقال له: «أعطني عصاك وخذ هذه الفتاة إلى السيارة، وأنا أكون هناك بعد دقيقة.» ~~وتناول العصا وتقدم أنيس من الفتاة ليقودها، ولكنها أبت الذهاب، وقالت لإبرهيم: «إما ~~أن نبقى معا وإما ms25 أن نذهب معا.» فنظر إليها إبرهيم بحنان وقال لأنيس: «إذن ابق إلى ~~جانبها إلى أن أعود.» ثم تحول إلى جرجس وقال له: «لا حاجة إلى ذاك السيف؛ فإن هذه العصا ~~تكفي لتأديبك فخذ مكانك سريعا!» # فأراد جرجس أن يمتنع ولكن إبرهيم أمسكه من عضده وضغط عليه بأصابعه الفولاذية وهزه ~~بشدة، وقال له: «إذا لم تقبل اضطررت إلى ضربك كما يضرب الأولاد الصغار الطائشون.» فأدرك ~~جرجس من قوة خصمه ولهجته الثابتة أن لا مناص له من الإذعان، فالتفت إلى رفقائه وقال لهم: ~~«اشهدوا أني بريء مما سيحدث.» ثم تراجع إلى متوسط الساحة وتقدم إبرهيم أيضا بضع خطوات وقبض ~~على عصاه من طرفها الدقيق، وأدار رأسها الضخم في الهواء. # أخذ جرجس أولا في اللعب بسيفه وضربه على ترسه، وما كاد ينتهي من ذلك ويتحول إلى المجاولة ~~حتى أقبل إبرهيم نحوه بخفة الأسد وثباته، وجاوله مرة واحدة فقط أطبق بعدها عليه مديرا عصاه ~~بسرعة ومهارة عظيمتين، ثم فر منه وعاد فكر عليه كرة لم يكن ذاك يتوقعها وباغته مباغتة ~~خبلته، حتى لم يعد يحسن الدفاع وحانت الفرصة فأهوى عليه بضربة شديدة أصابته في قمة رأسه ~~وألقته على الأرض صريعا، وبينما الناس في دهشة عظيمة مما حدث ذهب إبرهيم إلى رفيقيه، ~~وأحاط نجلا بذراعه اليمنى كما في الأول، واجتاز بها الممر المؤدي إلى الخارج وتبعهما أنيس ~~يحمل عصاه التي استعادها. # في هذه الأثناء كان رجال جرجس قد تغلبوا على دهشتهم فخرج أربعة منهم في أثر إبرهيم، ~~فتصدى أنيس بعصاه لاثنين منهم وكر إبرهيم على الاثنين الآخرين فأمسكهما من عنقهما، ودق ~~رأسيهما الواحد بالآخر دقا أفقدهما الصواب وألقاهما برفق على الأرض، فلما رأى الاثنان ~~الباقيان ما حل برفيقيهما فرا هاربين ودخلا الدير وهما يقولان: «إن الشيطان يحميه!» ~~فأجابتهما إحدى النساء المشاهدات: «بل العذراء تحميه!» وسمع جوابها بعض القرويين فعدوا ~~هذا الحادث من عجائب سيدة صيدنايا الكلية القداسة وهم لا يزالون يروونه من هذا ~~القبيل. # أما إبرهيم ونجلا وأنيس فتابعوا سيرهم إلى السيارة وركبوها وساق أنيس ms26 في طريق قرية ن. ~~حيث تقطن نجلا، فبلغوها بعد سير ساعتين تقريبا، وترجلوا أمام بيت قروي معتدل وطرقت ~~نجلا الباب، وبعد هنيهة فتح الباب ودخلوا البيت، ولم يكن فيه أحد سوى والد نجلا ~~الشيخ. # في صباح اليوم التالي جرى عرس بسيط جدا جمع الفرح والرضى، ولم يجمع شيئا من الضوضاء، ~~وأصبح إبرهيم ونجلا زوجين. ~~••• # لا يستطيع من لم يشهد الحادث بنفسه أن يتصور مبلغ دهشة أهل بيت إبرهيم عندما عاد ~~مصطحبا نجلا وقدمها إليهم بصفة كونها امرأته، ولا شدة وقع ذلك عند معارفه والذين كانوا ~~يعرفون عنه، خلا رشيدا؛ فإنه كان قد قدر الحادث وأخذ ينتظره منذ علم أن إبرهيم برح ~~البلدة يوم العيد، وأقبل كثيرون يريدون تهنئته، ولكنه كان حالما يشعر بقدوم أحد لزيارته ~~يأخذ نجلا ويخرج وإياها من الباب الخلفي ويذهب الاثنان يتنزهان في الغابات، فأدرك أهل ~~البلدة الحيلة وأخذوا يرصدونهما وهم يكادون يذوبون شوقا إلى رؤية الفتاة التي أصبحت ~~امرأته، ولم يكن بينهم من لم يتوقع أن يراها امرأة بدينة رجراجة، فلما أتيح لهم أن ~~يلحظوها ووجدوها فتاة ضامرة الحشى، لطيفة الجوانح، بهتوا وانصرفوا وهم يشكون فيما ~~رأوا. # أخيرا أجمع الناس الذين يجعلون أنفسهم دائما المثل الطبيعية للأطوار البشرية على أن ~~الحادث أمر غير طبيعي، ولم يعدم الشبان الذين كانوا يحسدون إبرهيم والشابات اللواتي كان ~~يغيظهن بتصرفه السابق شيئا جديدا يضيفونه إلى اختلاقاتهم الماضية. # أما إبرهيم ونجلا فلا يزالان يعيشان سعيدين جدا، وكلما عاد إبرهيم إلى نفسه تذكر ~~صديقه رشيدا، وتلك الحكاية التي قصها عليه في الغابة، والوعل العظيم الذي أبصره في ~~الحلم، أما صور الجمال التي كانت أفكاره السابقة تحوم حولها فقد نسيها بتاتا. # Some rise by sin, and some by virtue fall. # Shakespeare # | فاجعة حب # شهدت فيما مضى حوادث كثيرة لست أذكر الآن منها إلا حادثة واحدة ليس إلى نسيانها من ~~سبيل، فلا مرور الزمان وتقادم العهد، ولا شواغل الفكر واضطرابات الحياة تمكنت أو تتمكن من ~~محوها من نفسي، مع ذلك فالواقعة بسيطة خالية من ms27 الشئون الغريبة الباهرة التي تبدو في هذه ~~الحياة شئونا غير عادية، ولكن من يدري؟ فلعلها ليست بسيطة بهذا المقدار، أو لعل في ~~بساطتها شيئا غير عادي جعلها ترسخ في نفسي، ويدفعني الآن إلى روايتها وفي نفسي ألم ~~وأسى ؛ لأنها انتهت بفقد صديق حميم لي على كيفية تجعل قلب كل إنسان رقيق الإحساس يتفطر ~~حزنا. # كان صديقي سليم مولعا بدراسة الموسيقى، وكنت أنتظر أن يخرج ناظما موسيقيا مجيدا لما ~~كنت أعهده فيه من شدة العواطف، وسلامة الذوق، وقوة الشعور، وما كان هو عليه من سمو الإدراك ~~وتعمق في الفهم، كانت نفسه كبيرة حتى كأنها تسع الكون، وكان يحب أن يرى شعبه آخذا قسطه ~~من الموسيقى العالية؛ أي: إنه كان يريد أن يرى في شعبه موسيقى سامية تستطيع أن تعبر ~~حقا عما في القلب من شعور، وما في العقل من تأملات أدبية وفلسفية، ولا أزال أذكر حديثا ~~له حين كان قلبه طافحا بالعواطف القوية، ونفسه مترعة بالآمال الكبيرة، وهو حديث لا يكاد ~~يمثل ما كان عليه سليم، ولكنه يجعل الذين يسمعونه أو يقرءونه يشعرون أن ما كان يجول في ~~فكر المحدث شيء سام، لو أنه تحقق لانتشل حياة شعبه انتشالا تاما من الجمود والخمول ~~اللذين لا يزالان يرافقانها، من أجل ذلك رأيت أن أثبته فيما يلي كما يحضرني، وأظن أنه ~~لا يكاد يفوتني شيء منه: # كنا مرة مجتمعين في حلقة من الأصحاب فأخذنا نتحدث في كل علم وفن حتى تطرقنا أخيرا ~~إلى الموسيقى، وكان بيننا من شب ولم يسمع سوى الألحان الشرقية الشائعة عندنا التي ~~يسمونها خطأ «الألحان العربية»، وإذا كان قد سمع بعض الأنغام الغربية، فهو لم يعبأ بها ولم ~~يحاول فهمها، وكان آخرون ممن سمعوا الألحان الشرقية والأنغام الغربية ووقفوا على ما في هذين ~~النوعين من الموسيقى من فن وافتنان، فقدم هؤلاء الأنغام الغربية على الألحان الشرقية ~~لرقي تلك وغناها في التعبير عن الحياة العاطفية، ولفقر هذه من هذه الوجهة ووقوفها عند ~~حد التعبير عن الحالات الأولية، وتعصب أولئك - ولعل ms28 تعصبهم من باب الشعور القومي غير ~~الناضج وغير الواضح، والتمسك بمبدأ المحافظة - للألحان الشرقية، وهذا شيء طبيعي، فالذين ~~يفهمون لحنا موسيقيا واحدا فقط يفضلونه على كل لحن ونغم غيره. # وكان من وراء ذلك أن الجدل في هذا الموضوع احتدم بين الفريقين وطال أمره، حتى خشيت أن ~~يئول إلى تباغض وشحناء، كما جرت العادة عندنا - نحن السوريين - إلى هذا اليوم، فإننا ~~قليلا ما نتناقش في أمر بقصد التوسع في المعرفة والفهم، وتبين وجه الصواب ووجه الخطأ، ~~إلا أننا لم نبلغ هذا الحد في هذه المرة؛ لأن الفريقين المتجادلين قررا أن يستفتيا ~~سليما في الأمر بصفة كونه خبيرا في نوعي الموسيقى؛ الشرقي والغربي، ومحبا للإنصاف ~~والحقيقة، فسأل سليم أحد المتشبثين بأفضلية الموسيقى الشرقية المحافظة، واسمه بهيج، ~~قائلا: «أتدري - يا صاحبي - لماذا وجدت الموسيقى؟» # فأجاب بهيج بلهجة الموقن: «أجل، وجدت الموسيقى لتكون لغة العواطف.» # قال سليم: «لو كنت خبيرا بالموسيقى لما جزمت بهذا التحديد الذي يجرد الموسيقى من ~~ثلثي مزاياها على الأقل.» # فهتف أربعة دفعة واحدة: «ثلثي مزاياها؟!» # سليم ~~: # نعم، ثلثي مزاياها. # بهيج ~~: # إذن، كيف تحددها أنت؟ # سليم ~~: # إني أحددها بإطلاقها من كل تحديد، فإنك تستطيع أن تعرف الكثير من مزايا ~~الموسيقى، ولكنك لا تتمكن من حصرها، ليست الموسيقى لغة العواطف فحسب، بل هي لغة ~~الفكر والفهم أيضا، إنها لغة النفس الإنسانية بكل ظواهرها وبواطنها، وإن شئت ~~فقل: إن الموسيقى تتناول العواطف الأولية والحالات النفسية على أنواعها، ~~والأصوات على اختلافها، والشعر والأدب والفلسفة، ومن هذه الوجهة لا يمكنك أن تقسم ~~الموسيقى إلى قسمين، شرقي وغربي، وإنما يمكنك أن تميز بين الأساليب الشرقية ~~والأساليب الغربية في التعبير عن المعاني النفسية المقصودة من الموسيقى، وبين أصناف ~~هذه المعاني عينها، فمتى كانت الموسيقى الغربية تعبر عن العواطف والحالات النفسية ~~التي تعبر عنها الموسيقى الشرقية عينها، أمكنك فهمها بكل سهولة وإن اختلف ~~أسلوبها، فيتضح لك مما تقدم أن وجه الفرق فيما تسمونه الموسيقى الشرقية أو ~~العربية والموسيقى الغربية ليس في أساس الموسيقى، فلا يوجد نزاع قط من ms29 هذا القبيل، ~~بل في المعاني التي يقصد التعبير عنها عند الشرقيين وعند الغربيين، وفي الأساليب ~~المتخذة لبلوغ هذا الغرض، وإن الفرق الذي تجده بين أساليب الموسيقى الشرقية ~~ونظائرها الغربية ليس إلا مجرد تنوع يتبع حالات نفسية خاصة، ويمكنك أن تجد ~~البرهان القاطع على صحة هذه النظرية في العلوم الطبيعية والنفسية وفروعها، فإن هذه ~~العلوم تثبت بما لا يقبل الرد أن الطبيعة البشرية واحدة في جميع العناصر ~~والشعوب وإن تعددت الأمزجة. # إن عواطف الحب والبغض والرقة والقساوة والسرور والحزن، وبواعث الطرب والتأمل ~~واللهو والتفكير والطموح والقناعة، وما ينتج عنها جميعها من ثورات وانفعالات ~~وتصورات نفسية، تقصر الكلمات عن وصفها، كل هذه واحدة في جميع الأمم في الشرق ~~والغرب، ولا فرق بينها إلا بمقدار تنبه النفوس وارتقائها، وشدة شعورها أو ~~خمولها وانحطاطها وعدم شعورها، فالقوم الذين لا تزال نفسيتهم في دورها الابتدائي أو ~~كانت محجوزا عليها بحكم العادات والتقاليد العتيقة الناتجة عن تلك النفسية، كانت ~~موسيقاهم ابتدائية أيضا، وهي في هذه الحال لا تعبر إلا عن العواطف التي هي شيء ~~مشترك بين الإنسان والحيوان، كالشهوات الجنسية التي تمثل معظم عواطف هؤلاء ~~القوم، وبعكس ذلك القوم الذين تحررت نفسيتهم وارتقت، فإن موسيقاهم تعبر عن عواطف ~~تسمو على الشهوات الجنسية، وتخيلات تعلو عن الأغراض الحيوانية الدانية، إذ لم يعد ~~مطلبهم في الدنيا مقتصرا على «وصال الحبيب»، بل أصبح مطلبا أعلى يرفع الحب نفوسهم ~~إليه، ويشحذ عزائمهم لتحقيقه مولدا في نفوسهم من العواطف السامية والأفكار ~~والتخيلات الكبيرة، مالا يستطيع فهمه من همه وصال الحبيب وعلى الدنيا السلام، ~~هذه هي العواطف والتصورات والأفكار التي تعبر عنها موسيقى أمثال بيتهوفن، الذي بلغ ~~في الفن الموسيقي حد الألوهية؛ لأن معزوفاته استغرقت أسمى ما تصبو إليه النفس ~~البشرية في الحياة، إنه كان يشعر بعواطف وآمال وأميال جميع إخوانه البشر، حتى كأن ~~نفسه كانت مؤلفة من كل النفوس، وهذه هي صفة النابغة كما هي صفة الشاعر والأديب ~~النابغة، انظر إلى ما تعبر عنه معزوفات هذا الموسيقي الخالد: خذ مثلا سنفونيته ms30 ~~السابعة التي أجاب بها على مدافع السفاح نابليون بتيار من الأنغام، تحول إلى تيار ~~من العواطف البشرية الطالبة الحرية، الثائرة على الظلم والاستبداد، لا يزال جاريا ~~وسيظل جاريا أبد الدهر! انظر إلى معزوفاته الأخرى كسنفونيته الخامسة المعبرة عن ~~الصراع بين عوامل الفناء وعوامل البقاء، بين الموت والحياة وانتصار هذه بفتوتها على ~~ذاك بهرمه، ومعزوفات غيره من الموسيقيين الخالدين فهي لا تقف عند رفع العواطف ~~الروحية فحسب إلى مراتب السمو، بل تتعداه إلى رفع الأفكار والتصورات العقلية ~~أيضا، لا، يا صاحبي، لم توجد الموسيقى لتكون لغة العواطف الأولية التي وقفت عندها ~~الموسيقى التقليدية الشائعة بيننا، بل لغة النفس بجميع ما فيها من عواطف ~~وأفكار.» ~~(بينما كان سليم يتكلم كان الأصحاب جميعهم مصغين كل الإصغاء، فقد ~~كانت هذه المرة الأولى التي يسمعون فيها حديثا من هذا النوع، وبعد صمت ظهر في أثنائه ~~أن الرفقاء كانوا يجتهدون في فهم خطاب سليم، ويحاولون إدراك المدى البعيد الذي بلغه ~~قال بهيج: «ما رأيك إذن في موسيقانا؟») # سليم ~~: # الحقيقة - يا صديقي - أنه ليس لنا موسيقى تعد نتاج نفسيتنا - نحن السوريين ~~- من حيث إننا قوم لنا مزايا خاصة بنا، أما الألحان الشائعة بيننا فليست - ~~باستثناء ألحان شعبية معينة - مما نشأ من نفسيتنا، بل هي مزيج من نفسيات أقوام ~~مختلفة، وإذا كان فيها ما يعبر عن جزء يسير من عواطفنا ومزاجنا، فهي تقصر ~~تقصيرا كبيرا عن استيعاب ما في أعماق نفوسنا من شعور يستغرق ما في الكون من عوامل ~~ومؤثرات نفسية، وما في صميم عقولنا من تصورات وتأملات تظهر فيها حقيقة طبائعنا ~~ومواهبنا، إن الألحان التي تسمعها كل يوم ليست خارجة من نفسيتنا، بل هي مما دخل ~~على تقاليدنا وعاداتنا، إنها ألحان تقليدية فحسب. # بهيج ~~: # إذن، أنت تفضل الموسيقى الغربية. # سليم ~~: # قلت: إنه لا تفضيل في الموسيقى، إنما إذا كنت تريد معرفة رأيي في الفرق بين ~~موقفنا من الموسيقى، وموقف أهل الغرب منها، فإني أصارحك أن شعوب الشرق - خلا ~~الروسيين إذا كانوا يحسبون شرقيين - قد عدلت عن الأسس ms31 الموسيقية إلى الألحان ~~الموضوعة، أو هي قد اقتصرت في الموسيقى على طائفة من الألحان لا تجد عنها محيدا، ~~وهذا كان شأن أهل الغرب أيضا، إلا أنه لما ارتقت نفسيات البشر وعقلياتهم، اضطرت ~~الموسيقى إلى مجاراة هذا الارتقاء؛ لكي تعطي المثل الصحيح للعواطف والأفكار ~~الجديدة التي لم تعد الألحان الموضوعة تكفي للتعبير عنها، وقد سبق الغربيون أهل ~~الشرق إلى إدراك ذلك فأحدثوا في الموسيقى تطورا خطيرا، إذ إنهم عدلوا عن الألحان ~~إلى الأصوات المفردة التي هي أساس الموسيقى، فرتبوها، وأدخلوا على الموسيقى الأدب ~~والفلسفة، فضلا عن الشعر، وهكذا استتب لهم إظهار مكنونات النفس الراقية ~~بواسطتها، وهذا ما يجب أن يحدث في سوريا وفي كل قطر فيه شعب حي في نفسيته ~~وعقليته. # إن التقاليد القديمة المستعارة قيدت نفوسنا بألحان محدودة ابتدائية، قد أصبحت ~~حائلا بيننا وبين الارتقاء النفسي، إن في فطرتنا ونفوسنا شيئا أسمى مما تعبر ~~عنه هذه الألحان الجامدة، شيئا أسمى من الشهوات أو العواطف الأولية، إن في ~~أنفسنا فكرا عاطفيا وفهما عاطفيا يتناولان التأملات العميقة في الحياة، ~~والرغبة الشديدة في تحسينها من وجوه متعددة: اجتماعي، قومي، روحي، إنساني، ~~ويدفعاننا نحو مطلب أعلى أليق بوجودنا، يحتاج تحقيقه إلى أنواع من الموسيقى غير ~~الألحان المستعارة الموضوعة لحالة أو حالات نفسية محدودة معينة؛ كحالة الحزن أو ~~حالة التدله في الغرام، فإن نغما وضع لحالة من هذا النوع لا يصح أن يستعمل في ~~حالة أخرى تختلف عنها كل الاختلاف، كحالة غضب النفس وثورتها على الاستبداد والظلم، ~~أو حالة الجذل والابتهاج، أو حالة التأمل، بل إن لحنا وضع لحالة نفسية منذ نحو ~~ألفي سنة لا يمكنه أن يعبر عن هذه الحالة بعد مرور زمن طويل اكتسبت فيه النفس من ~~الاختبارات ما رقى شعورها، وأكسب الحالة النفسية المقصودة معاني جديدة تحتاج ~~إلى أنغام جديدة لوصفها، فإذا كنا نريد أن تحيا نفسيتنا حياة راقية تقربنا من ~~أكناف السعادة، وجب علينا أن نحررها من ربقة الألحان التقليدية التي لا تغذي ~~إلا العواطف الدنيا، وأن نعود إلى الأصوات نفسها ms32 فنسلط عليها فكرنا العاطفي ~~وفهمنا العاطفي، ونستخرج منها موسيقى تغذي كل عواطفنا وكل تصوراتنا، وتظهر ~~بواسطتها قوة نفسيتها وجمالها. # لما أتم سليم عبارته التفت إلى الرفقاء، فوجدت بهيجا وأصحابه قد وقفوا عند أفكار ~~جديدة لم يكونوا قد سمعوا مثلها من قبل، ثم إن أحدهم نظر إلي وخاطبني قائلا: «ما رأيك ~~يا سيد، فيما يقوله السيد سليم؟» # قلت: إني أوافق على جميع ما قال، وأتخذ من حكمه في الموسيقى حكما في الأدب، انظر إلى ~~شعرائنا كيف يحدون العيس في منظوماتهم، وما هم في ذلك إلا مقلدين؛ لأن حدو العيس ~~ليس من شئون شعبهم ولا من مظاهر تمدنهم، وإلى كتابنا كيف يتكلمون عن الغبراء والبطحاء ~~وبلادهم جبلية خضراء، إن التقليد قد أعمى بصائرهم عن الحقيقة، وإني أعتقد أنه لا بد من ~~القيام بجهود جبارة قبل أن تصبح النهضة الأدبية معبرة عن حياتنا القومية، ولكني موقن بأنه ~~سيجيء اليوم الذي يتحقق فيه ذلك، وتصير النفسية والعقلية السوريتان الغنيتان بمواهبهما ~~الطبيعية معينين ينهل منهما الأدباء، وأهل الفنون والعلماء والفلاسفة الذين يخرجون من ~~صميم الشعب السوري.» # وبعد صمت قصير انصرفنا، وقد رسخ حديث سليم في ذهني، ولم تزده الأيام إلا رسوخا. # إن الحديث المتقدم يوضح روح التجدد التي ملأت حياة صديقي سليم، وأرادت أن تتناول عصرا ~~وأمة، والذي أعلمه أن سليما كان قد ابتدأ ينظم سنفونية في انتهاء عهد الخمول، وبزوغ شمس ~~يقظة الشعب السوري، والصدق يوجب علي أن أروي أن سليما كان يعتقد أن نهضة الشعب ~~السوري ضرورية للتمدن؛ لأنه كان موقنا من مزايا الحرية والسلام والمحبة المتأصلة في قومه، ~~وهو لم يكن يرمي من وراء ذلك إلى غرض سياسي، بل إلى ما هو أعظم شأنا وأكثر فائدة من ~~الغرض السياسي، إنه كان يرى الفورة السياسية أمرا تافها، إذا لم تكن مرتكزة على نفسية ~~متينة يثبتها في قلب كل فرد، سواء أكان رجلا أم امرأة، شابا أم شابة، أدب حي وفن ~~موسيقي يوحد العواطف ويجمعها حول مطلب أعلى حتى تصبح، ولها إيمان اجتماعي واحد ms33 قائم ~~على المحبة؛ المحبة التي إذا وجدت في نفوس شعب بكامله، أوجدت في وسطه تعاونا خالصا ~~وتعاطفا جميلا يملأ الحياة آمالا ونشاطا، حينئذ يصبح الجهاد السياسي شيئا قابل ~~الإنتاج، وأما الوطنية القائمة على تقاليد رجعية رثة، فهي شيء عقيم ولو أدت إلى ~~الحرية السياسية. # هذه خلاصة نظرية سليم في تجديد حياة قوم، وهي نظرية الرجل الفني الذي يريد أن يبتدئ في ~~القلوب والأفهام، ولست أشك أنه على صواب، وأن نظريته قريبة جدا من نظرية الاجتماعيين ~~الشعوبيين الذين ينظرون في حياة الشعب الداخلية، ولا يأبهون كثيرا للمجد السياسي، أو ~~يعدونه شيئا لا يتقدم على الحياة الحرة في العقل والنفس، ويرون أن حرية النفس أساس كل ~~الحريات، وهي من هذه الجهة لا تتضارب ونظرية السياسيين الشعوبيين، ولكن السياسيين كثيرا ما ~~يقصرون عن فهمها، لا تتضارب النظرية المتقدمة ونظرية السياسيين الذين يعملون للحرية، ولكنها ~~تختلف عن نظريتهم اختلافا كبيرا، ففي حين أنها لا تنكر أهمية الحرية السياسية لا ترى أن ~~الحياة السياسية أساس الحياة القومية، أو أنها هي الوطنية الكاملة كما يدعي ~~السياسيون. # أما وقد شرحت شيئا من خصال سليم وأفكاره في الفن والحياة، فيجب علي أن أذكر شيئا من ~~أطواره الفريدة؛ لأقرب شخصيته من مخيلة القارئ بقدر الإمكان، ولا شك عندي في أن أطواره ~~نتيجة طبيعية لأخلاقه وعواطفه القوية وإحساسه الشديد، فهو إذا تأثر لشيء كان تأثره ~~شديدا عميقا تاما، لا يكاد يبدو منه شيء في الحال، ولكنه لا يلبث أن يبدو أثره بعد مدة ~~من الزمن؛ لذلك كان من الصعب تتبع حالاته النفسية وفهم عواطفه ومزاجه، ولا أظن أن أحدا ~~غيري تمكن من فهمه ومعرفة كنه أمره؛ لأني كنت الصديق الوحيد الذي لازمه وصحبه في ~~أكثر روحاته وغدواته، ووقف على الحوادث التي كانت تنطبع في ذهنه وهو هادئ ساكن كأنه لا ~~يشعر بشيء مما يجري، وكان سليم يدرك أني واقف على حاله، فكان إذا نظر إلي تبسم تبسم ~~الفاهم الخبير، ولكنه مع ذلك كله لم يكن يحدثني في حادثة واحدة قط، ms34 ولا أنا حاولت ~~استطلاع رأيه وسبر غور عواطفه، بل قليلا ما كنا نتبادل النظر في مجرى الحوادث، كأن الواحد ~~منا لم يكن يريد أن يظهر للآخر شعورا يشابه شعوره! # مع كل ذلك ومع عظم المودة التي كانت بيننا كان سليم يخفي في نفسه حبا قويا لفتاة كنت ~~لا أعرفها لذلك الحين، ولكن الحظ أتاح لي التعرف إليها فيما بعد، فإذا بي أرى آنسة ذات ~~نفس جمة اللطف وأخلاق وافرة، وكانت حين تعرفت إليها مكتئبة اكتئابا داخليا عميقا، ~~فكانت كآبتها ستارا يحجب نفسيتها وأطوارها. # لم يطلعني سليم على أمر حبه، ولكني كنت أشعر أن قوة خفية كانت تغذي عواطفه وتوحي إليه ~~أنغامه الموسيقية، ومع كل التكتم الذي أحاط نفسه به، فإن الناس ما لبثوا أن شرعوا يتهامسون ~~بشأنه، ولقد دخلت عليه ذات يوم في غرفته فوجدته طافحا جذلا وحبورا، فابتدرني بقوله: ~~«أظن أني قد قاربت أسعد أوقاتي، وأعظمها شأنا في حياتي الخاصة وحياتي العملية العامة، ~~تعال يا أ. اسمع هذا النغم الذي أوحاه إلي شعوري، إنه عبارة عن قطعة صغيرة بسيطة.» # وجلس إلى البيانو، وجعل يوقع قطعة لم تستغرق أكثر من عشر دقائق، فسمعت أنغاما لطيفة ~~تضاهي أرق الأنغام التي سمعتها في حياتي، ووجدت فيها شعورا جديدا لم أجد في غيرها من ~~الأنغام ما يفوقه قوة وجمالا، فهنأت نفسي بهذا الصديق الذي جاء ليوجد لنا محلا رفيعا ~~في عالم الموسيقى، وأيقنت أن مجهوداته في هذا السبيل غير ذاهبة عبثا. # فلما انتهى التفت إلي وقال: «كيف رأيت؟» قلت: «إني أهنئك من صميم قلبي؛ فإنك قد أجدت ~~النظم والنثر والشعر والأدب.» # وفيما نحن كذلك إذا بالباب يطرق ويدخل السيد ك. فسلم وقال: «جئت أدعو السيد سليما إلى ~~مائدة شاي، ولكن ما دمت أنت أيضا يا سيد أ. هنا، فاسمح لي أن أدعوك إلى مشاركتنا.» ~~فقبلنا الدعوة وخرجنا معا. # ولما بلغنا منزل السيد ك. استقبلتنا ربته، فلاحظت أنها تهتم كثيرا لهذه الزيارة، بل ~~بدا لي أنها تعلق عليها أهمية غير اعتيادية، وأن لها من ms35 ورائها غاية، فرحبت بنا ترحيبا ~~كثيرا، وأظهرت سرورا وابتهاجا زائدين. # لم يكن السيد ك. وزوجه سوريين بل أجنبيين، وكان لهما معارف في دائرة معينة من المجتمع ~~السوري، والسيدة ك. تتكلم العربية بلهجة سورية وبدون تكلف، إلا أن أغلاطها غير قليلة ~~ولفظها غير صحيح، وكان عندها في البيت ساعة مجيئنا زائرتان هما الآنسة السورية أسما والسيدة ~~الأجنبية و. وهذه الأخيرة كانت متزوجة رجلا سوريا، ولم يكن قد مضى على وجودها في سورية ~~زمن طويل، فقامت السيدة ك. بتقديمنا إلى هاتين الزائرتين، ثم جلسنا وجعلنا نتحدث والحديث ذو ~~شجون. # وكان من قسمتي أن أستقل والآنسة أسما بحديث طويل، تناول البحث في شئون المرأة العصرية ~~ومركزها في محيطنا. # وأخذت السيدة ك. في مجادلة زوجها في بعض الشئون جدالا حادا، وبقي سليم في مركز لا سبيل ~~معه إلى الاختيار، ولا حظت أنه مرتبك قليلا؛ لأن السيدة و. كانت تطيل النظر إليه وتنتظر ~~أن يحدثها، وكانت إذا تحدث تميل إليه بكليتها، وتظهر بصورة مخصوصة أنها تسمع كل نبرة ~~من نبرات صوته. # أرى أنه لا غنى لي عن وصف هذه الأجنبية السيدة و. الرقيقة العود، اللدنة القوام، المعتدلة ~~القامة، والتي لها وجه صبيح وبشرة بيضاء ناعمة وحاجبان ظاهرة العناية في تزجيجهما حتى صارا ~~كقوسين، ولها في قيامها وقعودها تأنق ودلال، ومع كل أوصاف هذه السيدة الجميلة لم يظهر لي ~~أن سليما شغف بها، ولكنه كان مضطرا اضطرارا إلى مجالستها ومحادثتها. # ولقد علمت فيما بعد أن هذه السيدة كانت غير سعيدة مع زوجها، فهو كان ممن لا تزال ~~تقاليد التربية القديمة تجعل لتصرفه نوعا من الخشونة والفظاظة مستترا وراء حجاب التهذب ~~والرجولة الذي اكتسبه في أثناء وجوده في أوروبا؛ فكان يختلف من هذا القبيل اختلافا كبيرا ~~عن زوجه التي كانت قد ربيت في محيط أوروبي، ارتفعت فيه أساليب المودة وتكلف اللطافة ~~إلى مستوى عال. # إذن، كانت السيدة و. غير سعيدة، وكانت تتوق إلى السعادة في هذا المحيط الجديد المتراوح ~~بين ما هو عريق في التقاليد وما هو ms36 جديد في التمدن، ولكن هذه حقيقة لم أكن أدري بها في هذا ~~الاجتماع، على أني كنت أشعر أن لهذه السيدة ميولا غريزية قوية تملك قيادها وتتسلط على ~~إرادتها. # وبعد مدة قصيرة فرغت السيدة ك. من مناقشة زوجها، والأصح أنها لم تفرغ قط، ولكن زوجها كان ~~يريد الذهاب لبعض أغراضه، فاعتذر إلينا واستأذن وانصرف، وما كاد يخرج من الباب حتى تحولت ~~السيدة ك. إلي وإلى الآنسة أسما، ولم تلتفت إلى السيدة و. وسليم، بل إنها تجاهلت وجودهما ~~بالمرة، فأيقظ عملها هذا فطنتي، ليس لأنه غريب فلا غرابة قط فيه، بل لأن سليما لم يكن من ~~الرجال الذين يميلون إلى التحدث، وكنت أعرف أنه يحتقر الأحاديث الاعتصابية التي لا تدور حول ~~موضوع معين ينتظر الفراغ منه، فهو لم يكن يتحدث لمجرد قتل الوقت بتجاذب الحديث. # وبينما فكري يتراوح بين هذه الظنون والأحاديث التي كانت دائرة بيني وبين الآنسة أسما، إذا ~~بالسيدة ك. تدعوني وهذه الآنسة لمشاهدة مجموعة الملونات التي عنيت بجمعها. # وكنت مشغوفا بالصور الملونة حتى أني كنت أقف وقتا طويلا أمام الصورة الواحدة الهامة، ~~مطيلا النظر إليها كأني أحاول طبع ما فيها من دلائل الحياة وعظمة الفن في ذهني بحيث لا ~~تعود تبرحه، فتبعت السيدتين إلى الغرفة المجاورة حيث كانت مجموعة الصور، فوجدتها مؤلفة من ~~نحو عشرة أطر، تتضمن كلها صورا لملونين عصريين بينها ثلاث صور أعجبتني كثيرا: الأولى رأس ~~قروي، والثانية برية جبلية، والثالثة منظر وردة على نور شمعة. # لا أدري كم دقيقة استغرق وجودنا في الغرفة المجاورة، ولكني أدري أننا عدنا لنرى سليما ~~والسيدة و. كما تركناهما ورأت السيدة ك. أن تغير مجرى اجتماعنا، فأدارت الغرامفون ولم ~~يبق عن الرقص من محيد؛ لأن عدمه يعتبر إهانة لا سبيل إلى التكفير عنها عند السيدات ~~المتأنقات، وأشارت إلي ربة البيت أن أدعو الآنسة أسما للرقص ففعلت، أما سليم فظل في ~~مكانه لا يتحرك، فحضته السيدة ك. على الرقص، ولكنه اعتذر بأنه لا يحسنه، فلم يلق ~~اعتذاره القبول، وتبرعت السيدة و. بأن ms37 تعلمه قليلا، وكان سليم خجولا جدا فقبل ~~خوفا من أن يسيء التصرف، فجعلنا نرقص والتهت السيدة ك. بتدبير بعض الشئون. # ولم ينته الرقص الأول حتى وضعت السيدة ك. قرصا آخر موسوما: «إني أحبك»، ولاحظت أثناء ~~رقص هذا الدور أن السيدة و. جعلت ذراعها حول عنق سليم بدلا من أن تضع يدها على كتفه، ~~وأنها كانت تضغط عنقه كلما صاح المغني: «إني أحبك.» # فلما انتهت هذه الرقصة رأيت سليما قد تبدل كثيرا، رأيته منفعلا أيما انفعال، وهو ما ~~لبث أن التفت إلي وقال: «هلم نذهب يا صديقي؛ فإنهم ينتظروننا.» # ولم ينتظر أن أجيبه، بل إنه أسرع إلى السيدة ك. فشكرها وودعها، ثم تحول إلى السيدة و. ~~فودعها، وودع الآنسة أسما، وخرج تاركا السيدة و. مبهوتة جدا، وفعلت أنا مثل فعله، ~~وتبعته مهرولا، وقطعنا الطريق كلها صامتين حتى بلغنا منزل سليم، ودخلنا غرفته، فذهب سليم ~~لتوه إلى البيانو، وشرع يوقع ألحان قطعته التي كان قد أسمعنيها، ولكنه أكسبها هذه المرة ~~قوة مؤثرة شديدة، وقد خيل إلي أنه بدل فيها أو زاد عليها، فاقتربت من البيانو، ~~ونظرت في وجهه، فوجدت عينيه محمرتين والدموع تجول فيهما. # كانت المرة هذه الأولى التي لاحظت فيها ظاهرة غريبة من هذا النوع، لم أكن أعهدها في صديقي ~~سليم من قبل، وانتهت القصيدة الموسيقية، ولكن يدي سليم ظلتا ضاغطتين على المواقع الأخيرة، ~~بينما كان هو يحدق في الأفق من النافذة، وكأني به سها عن وجودي معه في الغرفة؛ لشدة ما هو ~~فيه، فرفع يديه عن مواقع البيانو، وأخرج من جيبه محفظة فتحها وأخذ منها صورة جعل يتأملها، ~~ويزيد التأمل كأنه يبحث فيها عن شيء جديد، أو يتفقد شيئا قديما عزيزا، وبعد أن أطال ~~النظر إليها أدناها إلى شفتيه، وطبع عليها قبلة طويلة، ثم أخرج من جيبه منديلا مسح به ~~الدموع التي أخذت تتدفق من عينيه تدفقا. # في هذه اللحظة انكشف لي سر الانفعال الشديد الذي استولى عليه على أثر تطويق السيدة و. ~~عنقه بذراعها البضة، وضمها إياه إلى صدرها ms38 أثناء الرقص، وتأكد لي أن حبا خالصا ~~قويا يفعم نفسه، ورأيت أن سليما في حاجة إلى الاختلاء، وأن وجودي معه لا يخفف شيئا ~~مما به، فانسللت من الغرفة، وعدت إلى منزلي، وقد عقدت النية على أن أزوره في الغد، فلما ~~زرته في اليوم التالي وجدته أميل إلى الهدوء، وإن كان في مظاهره ما ينم عن بقية جزع. # مرت على أثر ذلك أيام، عاد بعدها إلى سليم صفوه، وعاوده جذله ونشاطه، فعكف على عمله ~~الموسيقي بارتياح نفسي جلي، وتفاءلت أنا خيرا إلى أن كان ذات يوم زرته فيه فوجدته ~~جالسا إلى البيانو على عادته، وأمامه أوراق السلم الموسيقية ينظم عليها أنغامه الجديدة، ~~ويجربها ثم يمحو ويغير ويبدل حتى يستقيم له النغم الذي يريد، فجلست حذاءه، وأخذت في ~~مطالعة كتاب أدبي كان بيدي وتابع هو عمله، وبينا نحن كذلك إذا بالباب قد طرق، ودخلت خادمة ~~البيت وفي يدها كتاب دفعته إلى سليم ففتحه وقرأ وفكر قليلا، ثم دفعه إلي فتناولته وقرأت: # عزيزي سليم # لقد مرت الأيام، وكادت تكر الأعوام على اجتماعنا في منزل السيدة ك. وكنت كل ~~هذه المدة أتردد إلى هذه السيدة معللة النفس بالحظوة بلقياك، ولكن على غير طائل، ~~قد تستغرب هذا الأمر مني، ولكن هو الواقع الذي لم يبق لي سبيل إلى كتمانه عنك، ~~فإنك قد وقعت من نفسي موقع الحبيب الذي أصبو إليه، وأشتهي مرآه بل إن حبك قد ~~تملكني حتى لم يعد في قوس صبري منزع، وأنا التي كنت من الهيام مناط الثريا، فلم ~~يجرب رجل أن يستهويني إلا كانت الخيبة نصيبه، ولكني وجدتك رجلا لا كالرجال، بل ~~لا أبالغ إذا قلت: إنه ليس لك مثيل في هذه البلاد العجيبة الغريبة، وإني كلما رأيتك ~~مرة في الشارع عدت إلى البيت وفي نفسي ثورة لا تستكن. # إني ترددت كثيرا في كتابة هذه الرسالة إليك، ولكن العاطفة كانت أقوى من الإرادة، ~~وقد دفعني الحب فاندفعت، فإذا بلغتك هذه الرسالة فاعلم أني بانتظارك كل يوم بعد ~~الظهر في منزل السيدة ms39 ك. ولا أراك إلا ملبيا نداء الغرام، ولك مني الآن قبلة ~~حارة أطبعها على توقيعي. # و. # ولما فرغت من قراءة هذا الرقيم تبادلت وسليما نظرا طويلا ثم نهض سليم من مجلسه كمن ~~تنبه لأمر خطير وذهب إلى طاولة صغيرة واقفة في زاوية من زوايا الغرفة، وكان يتخذها مكتبة ~~له فجلس إليها وتناول ورقا وقلما وكتب رسالة إلى السيدة و. أطلعني عليها فإذا هي كما يلي: # أيتها السيدة العزيزة # لقد جمعتنا الصدفة في بيت السيد ك. للمرة الأولى، وإنه ليؤسفني أن يكون ذاك ~~الاجتماع قد أوجد في قلبك مثل العواطف القوية التي تتحدثين عنها، يؤسفني ذلك جدا؛ ~~لأني أشعر بما تعانين في حياتك من الآلام الداخلية دون أن يكون في إمكاني تخفيف ~~شيء منها، وإني لو حاولت ذلك لكنت كاذبا فيما أقول أو أفعل، وقلبي لا يطاوعني على ~~الكذب، وضميري لا يرتاح إلى الخيانة، فإن حبا حقيقيا يملأ نفسي، ومتى وجد الحب ~~الحقيقي فلا سبيل إلى التبديل، وكل محاولة من هذا القبيل تكون بلا شك محاولة ~~فاسدة فاشلة، ولا أظنك ترضين الفشل لنفسك ولي، فتحملي آلامك بصبر، فذلك فضيلة يندر ~~مثلها، ولا تدعي رجلا ينغمس في الإثم، ثقي بأنني أشعر بالألم الذي تشعرين، ولكن ~~لتكن آلامنا عبرة لا نكبة، وإذا كانت نكبة فمن الخير أن تبقى فينا، ومن الشر أن ~~تنتقل إلى غيرنا. # أشكر لك مدحك إياي، ولكنك أخطأت في وضعي فوق أبناء قومي، فما أنا إلا واحد منهم، ~~وأرجو أن تحملي كلامي هذا على محمل الإخلاص، وإذا كانت العواطف التي في قلبك ~~حقيقية، فهي ولا شك تعينك على فهم ما أغلق على الآخرين، والفهم يحولك عن طلب العزاء ~~الخاص الذي قد يكون مصدرا للضرر إلى طلب العزاء العام، فكلنا يحتاج إلى العزاء، ~~وتكرمي بقبول سلامي واحترامي. # سليم # وكان هذا الكتاب آخر العهد بالسيدة و. ~~••• # ومرت بعد ذلك الأيام تباعا، ومضى سليم في توقيعه وتأليفه، وكنت أجيء إليه كل يوم أطلع ~~على تقدمه في عمله، وأسمع ما يجربه من الأنغام الجديدة ms40 التي تمثل عواطف قلبه القوية ~~وأفكار دماغه السامية، وأبدي له ما يحدثه توقيعه في من التأثير العميق، ثم أعود وقد ~~تولاني جذل لا مزيد عليه، وكان أني انقطعت عن زيارته خمسة أيام متوالية، كنت فيها مشغولا ~~بالبحث عن العصر الذي عاش فيه الشاعر السوري الأكليركي القديم الذي ذكر تاريخ الأدب ~~الألماني لمؤلفه ألفرد بيزي # 1 # أن قصائده الإلهية ترجمت إلى اللاتينية، ومن هذه إلى الألمانية وغيرها، ~~وأنها سببت نهضة شعرية في كل أوروبا، فلما زرته بعيدها لم أجده جالسا إلى البيانو ~~كعادته، بل ألفيته طريح الفراش في حال لا أخشى التصريح بأنها هالتني، فإن الأيام الخمسة ~~الماضية كانت قد بدلته تبديلا غريبا، فاصفر وجهه ونحل، وذبلت عيناه وهزل جسمه، ومال ~~إلى السقم، ونمت نظراته عن ألم نفسي عظيم، أثر بي منظره وهو على هذه الكيفية تأثيرا ~~عميقا، وشعرت عين شعور الملون الفني الذي يعرف قيمة التلوين حين يرى ملونة بديعة جديرة ~~بالخلود قد تمزقت، أو متحفا فنيا فخما قد التهمته النيران، أو شعور الإنسان الذي يشاهد ~~مدينة ضخمة عظيمة قد طغى عليها بركان هائل، وأخذها على حين غرة، ولكن في الناس أنانيين ~~شديدي التمسك بأنانيتهم حتى إنهم لو شاهدوا تهدم مدينة عظيمة زاهرة، أو تلاشي شعلة الشباب ~~والحياة من جسد إنسان لما شعروا بغير ما يشعرون حين ينظرون إلى شمعة تذوب احتراقا، أو إلى ~~زهرة تذوي لانقطاع الماء عن جذورها والطل عن أوراقها، وهل يشعر الأناني بشيء حين يرى ذوبان ~~شمعة أو ذبول زهرة؟ أنى للأناني أن يفقه شيئا من هذه الرموز وهو منصرف بكليته إلى لذاته ~~ومصالحه؟! # وقفت عند السرير أتفقد حال صديقي بلهفة وجزع، ولكن سليما أجابني على نظراتي بتبسم وضح ~~لي فيه معنى السخرية من كل شئون الحياة، وكان وسط ما هو فيه من عواطف وزعازع داخلية يتمسك ~~برباطة جأش نادرة المثال، فلم أتمالك عن الإعجاب به لهذه الخلة إعجابا فاق ما كنت أضمره له ~~من الإعجاب بأخلاقه وفنه، ثم إنه لم يلبث أن خاطبني قائلا: «ما ms41 بالك واقفا والكرسي إلى ~~جانبك؟ اجلس لنتحدث قليلا، أين كنت كل هذه المدة؟» # فجلست على الكرسي الذي أشار إليه وقلت: «كنت أنقب عن العصر الذي عاش فيه تاتيان ~~العظيم.» ~~- «تاتيان؟ ومن تاتيان هذا؟» ~~- «يذكر المؤرخ الأدبي الألماني ألفرد بيزي أن تاتيان شاعر سوري أكليركي مجيد، نظم قصائد ~~روحية كان لها تأثير عظيم في تطور الشعر الأوروبي عامة، والشعر الألماني خاصة.» # فزفر سليم، ثم قال: «هل توفقت في تنقيبك أو هل عثرت على شيء من قصائد هذا ~~الشاعر؟» ~~- «كلا، فالوقت لم يكن متسعا بهذا المقدار، ولا يخفى عليك أن آثارنا الأدبية مبعثرة ~~تبعثرا لا مثيل له، وليس في البلاد معاهد أو مكاتب عامة أو خاصة تهتم بجمع شتات الآثار ~~الأدبية السورية، والمؤسف أن يكون جل أدبائنا - إن لم يكن كلهم - جاهلين تاريخ أدبهم ~~القومي جهلا فاضحا، حتى إنه لا يكاد يوجد بينهم من يشعر بوجوب التوقف عن ثرثرته ولو فترة ~~قصيرة لينظر في حياته الأدبية نظرا أعمق من النظر السطحي، الذي تعود أن يلقيه على ~~الأدب والحياة جميعا، إن معظمهم يسيرون في قافلة الأدب التقليدي.» # وما كدت أنتهي إلى هذا الحد حتى رأيت وجه سليم قد جف وتجهم دليلا على زيادة آلامه ~~النفسية، فصمت وكنت راغبا كل الرغبة في معرفة السبب الذي ألقاه في الفراش لغير مرض، ~~ولكني أشفقت عليه، وصبرت على مضض، وبعد هنيهة قال سليم: «إن آلاما عظيمة، آلاما لم يسبق ~~لها مثيل، تنتظر كل ذي نفس كبيرة فينا؛ إذ ليس على الواحد منا أن ينكر ذاته فحسب، بل ~~عليه أن يسير وحيدا بلا أمل ولا عزاء؛ لأن حياتنا الاجتماعية والروحية فاسدة، فكيفما ~~قلبت طرفك رأيت حولك نفوسا صغيرة متذمرة من الظلمة التي هي فيها، ولكنها لا تجرؤ على ~~الخروج إلى النور، وإذا وجدت نفسا تمد يدها إليك مريدة أن ترافقك في سيرك نحو النور وجدت ~~ألف يد أخرى قد امتدت إليها لتبقيها في الظلمة، ليس لابن النور صديق بين أبناء الظلمة، ~~وبقدر ما يبذل لهم من المحبة، يبذلون ms42 له من البغض.» وزفر صديقي زفرة حارة، وتابع ذلك بلهجة ~~ساخرة: «ولأهل الظلمة مقاييس للأخلاق والشرف والخصال! والويل لمن يتخطى حدود هذه المقاييس! ~~ولهم أيضا حدود للعواطف البشرية، من تجاوزها كان معرضا للسخط والانتقاد الشديدين، فإذا ~~وجدت فيك عواطف تحملك على ترك المطالب الأنانية والأغراض الهزيلة وترفعك نحو مطلب أعلى يسمو ~~على الشئون الدنية، فأنت معذب عذابا أليما بين أبناء الجيل في هذا الوطن السيئ ~~الطالع.» # قلت: «إنك تتكلم الآن بمرارة نفس شديدة، فهلا زدت ثقتك بي، وأطلعتني على ما دهاك لعلي ~~أجد رأيا فيه الخير.» ~~- «لا حد لثقتي بك، ولكني أشفق أن تتحمل فوق ما أنت متحمل.» ~~- «لا تشفق، فليس العلم بالسوء أعظم وطأة من الشعور به.» # فنظر إلي نظرا طويلا، ثم تناول من تحت وسادته كتابا دفعه إلي فقرأت: # صديقي العزيز # أخشى أن يكون الليل الذي لا صبح بعده قد أقبل، فإني أكتب إليك هذه الكلمات ~~القليلة لأسألك ألا تأتي إلينا بعد اليوم، وهذا أخير لك ولي، ثق بأني قد فكرت ~~مليا قبل أن أقدمت على هذا السؤال، وإذا كان لي في قلبك شيء من الاحترام فاحسبني ~~صديقة ميتة، لا تكتب ولا تجتهد في أن تراني، واعلم أن أحد هذين الأمرين يسبب لي ~~آلاما شديدة. # أستودعك الله، وإياه أسأل أن يشجعك، ويمدك بالصبر في حياتك. # صديقتك # أعدت قراءة هذا الكتاب باعتناء زائد، ثم رفعت رأسي، وقد تجلت لي خطورته وخطره، فقال ~~سليم: «ليس هذا كل شيء، اقرأ هذا أيضا.» وناولني كتابا آخر، تاريخه بعد تاريخ الكتاب ~~المتقدم وعبارته كما يلي: # حضرة السيد الأكرم # بعد السلام، أبدي أنه بالنظر إلى الصداقة التي تربطني وامرأتي بعائلة الآنسة دعد، ~~فإن أم هذه الآنسة قد كلفتني وامرأتي بمخاطبتكم في قضية ابنتها، تلك القضية التي ~~طال أمرها وتشعبت، حتى لم يعد يحسن السكوت عنها، فإذا أحببتم فتفضلوا بزيارتنا في ~~منزلنا الكائن في شارع م. لنتباحث وإياكم بهذا الشأن؛ إتماما لرغبة السيدة الفاضلة ~~سلمى ودمتم. # حاشية: إذا قبلتم الدعوة، فأرجو أن يكون حضوركم الساعة ms43 الثامنة مساء الجمعة أو ~~السبت القادم. # ج. # وما كدت أنتهي من تلاوة هذا الكتاب حتى أدركت أن صراعا شديدا يجري بين نفسيتين؛ ~~الواحدة تنظر إلى مثال أعلى تريد تحقيقه، والأخرى تنظر إلى المادة، ولا تهمها مطالب النفس، ~~وقد استوقف نظري في هذا الكتاب عبارتان، أولاهما قول المرسل: «تلك القضية التي طال أمرها ~~وتشعبت حتى لم يعد يحسن السكوت عنها.» ففي هذه العبارة خشونة هي أقرب شيء إلى الوقاحة، ~~ناهيك باستعمال لفظة: «قضية» استعمالا قزت منه نفسي، وأحسست أن الرجل يتكلم كلام من ~~يريد القيام بمساومة تجارية مادية، أما العبارة الثانية فهي قوله: «ودمتم»! # أثار في هذا الكتاب عاصفة شديدة من الغضب، وأخذت الخواطر تتوالى على مخيلتي، فأعدت ~~الكتابين إلى سليم، ونهضت من مجلسي، وشرعت أتمشى في الغرفة، وأخاطب صديقي، فقلت له: «إني ~~أفهم الكتاب الأول تمام الفهم، فإن عبارته المقتضبة تدلني على أن صاحبته كتبته في ساعة ~~انفعال شديد، أما الكتاب الثاني ففيه ما ليس يشهد لصاحبه بصفاء السريرة، وأعترف أني لا أفهم ~~السبب الذي حمله على تسمية الأمر «قضية»، وقوله «حتى لم يعد يحسن السكوت عنها» يدل على ~~وقاحة وخروج عن التفويض الذي يزعمه، لا أدري كيف أعلله؟» # فتبسم سليم ببرودة وقال: «أما أنا فلست أرى فيه شذوذا عظيما عن القاعدة المتبعة في هذا ~~المحيط وهذا الزمان، أفلم تختبر كيف أن الناس هنا لا يتركون كبيرة ولا صغيرة مما لا ~~يعنيهم إلا وتدخلوا فيها، فهم إذا اجتمعوا بأحد الناس لم يكفهم أن يتعرفوا إلى شخصيته، بل ~~اندفعوا يبحثون عن جميع شئونه العامة والخاصة، وهم لا يتوانون حتى يقفوا على كيفية ~~معيشته بجميع دقائقها؛ كساعات أكله وشربه، ونومه واستيقاظه، ومقدار أرباحه وخسائره، وكل ما ~~له علاقة بحياته الخاصة، ولست أدري كيف اكتسب قومنا هذه الصفة اليهودية الذميمة، التي تجعل ~~حياتهم منحطة انحطاطا كبيرا، يذهب باحترام النفس وسائر المزايا الشريفة التابعة ~~له.» ~~- «وماذا أجبت السيد ج.؟» ~~- «لم أجبه بشيء، فغد الجمعة، وقد عزمت على الذهاب إليه غدا في الموعد المضروب.» ~~- «أعزمت ms44 حقيقة أن تذهب إليه؟» ~~- «عزمت، ولكن ليس من أجلي أنا نفسي.» ونظر إلي طويلا ثم تابع: «ولا أرى مانعا من ~~ذهابك معي إذا أحببت.» # فأطرقت هنيهة ثم قلت: «قد قبلت اقتراحك.» # فمد يده إلي وقال: «إذن سأكون بانتظارك.» # فصافحته بحرارة، ووعدته بالمجيء، ثم ودعته وانطلقت وكلي أفكار وهواجس؛ لأني أشفقت عليه من ~~مقابلة الغد التي تطيرت منها. # في اليوم التالي كنت عند سليم الساعة السابعة والنصف تماما، وفي الساعة الثامنة تماما ~~نزلنا من العجلة أمام منزل السيد ج. في شارع م. ... فاستقبلنا الرجل في الباب، وأدخلنا مسكنه ~~الذي كان بسيطا جدا، وقادنا إلى غرفة داخلية كانت امرأته جالسة فيها، فقدمني سليم إلى ~~السيد ج. وامرأته وجلسنا، وزاد سليم على تعريفه إياي قوله: «إن السيد أ. صديقي الحميم ~~وموضع سري.» فكأنه أراد بذلك أن يطمئن صاحب الدعوة وامرأته، فلا يمتنعا عن التحدث في الغرض ~~من الاجتماع. # فلما استقر بنا المقام أخذنا في حديث عام في بعض الشئون السياسية والاجتماعية، وظهر ~~أثناء الحديث أن السيد ج. يتسرع في الفهم وفي الجزم بالأمور التي يتسع فيها مجال الدرس ~~والاستقصاء، ولا بأس بأن أصفه وصفا موجزا؛ فهو ليس من ذوي القامات الطويلة، ولكنه يعلو عن ~~متوسطيها قليلا، أسمر البشرة، مستطيل الوجه، أنفه دقيق، متقلص الجانبين قليلا، تعلوه ~~نظارتان مشدودتان عليه ورأسه كبير، ولكنه أكثر بروزا في القحف منه في الجبهة، وعلماء ~~الحيوان يستدلون ببروز القحف على قوة المراكز الغريزية الحيوانية، فهو على عكس بروز الجبهة ~~وسعتها الدالين على قوة مراكز الذكاء والفهم، أما علماء التشريح فيضربون صفحا عن كبر الرأس ~~وشكله، ويؤكدون أن دليل مقدار الذكاء والفهم والقوى المدركة يجب أن يكون في تعاريج الدماغ ~~وتلافيفه، ولكن لما كان الوصول إلى معرفة مبلغ تعاريج الدماغ أمرا شاقا؛ لأنه يقتضي ~~عملية جراحية خطرة، وجب علينا أن نكتفي بالبراهين التي يقدمها لنا علماء الحيوان والإنسان ~~في حكمنا على الأشخاص الذين نتعرف إليهم، وليس في نظر السيد ج. استقرار وإمعان يستدل منهما ~~على تعمق ونضج، ولا يوجد ms45 في وجهه تجعدات تنم عن اختبارات شاقة في الحياة وهموم تابعة لها، ~~أما زوجه فكانت أقصر منه قليلا مخروطة الوجه دقيقة الشبح، بسيطة الهندام، وليس في مظهرها ~~شيء غير عادي، والاثنان يتكلمان بلهجة الخبير المحنك. # وتطرقنا في الحديث إلى ذكر بعض شئوننا القومية، فاندفع السيد ج. في الكلام على ~~«السوريين»! هذه الكلمة: «السوريون» كم نلوكها وكم نمضغها في كل مجتمع وكل حديث؟! آه، كم ~~نحن مغرمون بالكلام على قوميتنا السورية، فكل واحد منا يتكلم عن السوريين يصير فيلسوفا، ~~وكل واحد منا يحاول أن يرقى إلى الفلسفة بنقد السوريين وإظهار مواطن ضعفهم، وقليلون هم ~~الذين يعرفون قيمة الرصانة في هذا الموضوع، وأقل منهم الذين يدركون أن تحسين حياتهم ~~وتقويم أخلاقهم أفضل كثيرا وأعظم نتيجة من الإكثار من نقد المجموع والإنحاء عليه باللائمة! ~~ولعل القارئ تعب من كثرة ما سمع من الكلام في هذا الموضوع الدائم في حياته اليومية، ولكن ~~لما كنت أريد أن أكون أمينا في روايتي لم أر بدا من تسجيل ما فاه به السيد ج. بهذا ~~الصدد قال: «السوريون فاسدون؛ فهم لا يقدمون على أمر إلا ظهر فيه فسادهم وعجزهم.» ووضع ~~لفافة التبغ في فيه، وبعد أن دخن حاجته تابع: «الدليل على فساد حياة السوريين أنهم خالون ~~من الفنون الجميلة، ولا يعرفون قيمة المبادئ، ولولا ذلك لما كانوا قصروا عن بلوغ المراتب ~~التي بلغتها الأمم الأخرى، لقد قلت هذا الكلام في مواقف متعددة، وجميع الذين سمعوني، كانوا ~~يقولون: إن الحق معي.» وعاد إلى تدخين لفافته وهو يبتسم ابتسام المسرور من نفسه لوقوعه ~~على اكتشاف خطير، وبريق عينيه يدل على ارتياحه الشديد إلى ما يقول. # قلت: «لا أعتقد أن شعبنا عند ما تذكرون من الفساد، أجل، يوجد فينا عيوب تهذيبية ~~كثيرة، ولكن نهضة إصلاحية مخلصة تكفل إزالتها.» # قال: «ومن أين يأتي الإصلاح؟ أين رجال الإصلاح؟ أين رجال الإخلاص؟ أين النوابغ؟ أين أهل ~~العزيمة والإقدام؟ بل أين رجال التضحية؟ إن ما تقولون رأي جميل، ولكن الأمر عبث، ~~عبث.» # فأدركت الدرك الذي ms46 تحوم حوله أفكار الرجل، ورأيت أن عدم الكلام خير وأبقى، فصمت ~~وصبرت حتى بلغ السيد ج. منتهى ارتياحه. # وأخيرا انتهى هذا الحديث التمهيدي الذي كنت قد ابتدأت أشعر بملل منه، وجاء دور البحث في ~~«القضية»، فقال السيد ج. يخاطب سليما: «بما أننا أصدقاء عائلة الآنسة دعد، ويهمنا مصير هذه ~~الفتاة، وبما أن والدها المتغيب في أميركا يعتمد علينا، فقد أحبت أمها السيدة سلمى أن ~~تستعين بنا في قضية العلاقات التي بينكم وبين ابنتها، وكلفتني أنا وزوجي بمخابرتكم في هذا ~~الصدد، وهذا هو القصد من دعوتكم إلى هذا الاجتماع كما تعلمون، فأرجوكم أن تكونوا صريحين ~~معنا في الحديث الذي يدور بيننا لكي نصل إلى حل نهائي لهذه المسألة، ولا تسهوا عن أن ~~السيدة سلمى تريد معرفة الحقيقة بكاملها؛ لأن ابنتها عزيزة عليها جدا، وهي حريصة جدا ~~على مستقبلها وسعادتها.» # فقلت في نفسي: إن الرجل يتكلم بأسلوب وعناية، وقد بدا لي أنه يريد أن يظهر الآن بغير ~~مظهره في كتابه حين ذكر: «تلك القضية التي طال أمرها وتشعبت حتى لم يعد يحسن السكوت ~~عنها.» # أما سليم فأجابه: «وحقيقة أي أمر تريد السيدة سلمى أن تعرف؟» ~~- «إنها تريد أن تعرف مركزكم بالتمام ومقدرتكم المادية.» ~~- «إذن الأمر بسيط وقريب المتناول، فالسيدة سلمى تعلم وأنتم أيضا تعلمون أني موسيقي ~~أشتغل في نظم الألحان وصوغ الأنغام، وعدا ذلك أعطي دروسا في الموسيقى وموردي الحالي يكفي ~~لمعيشة عائلة بسيطة، ولي أملاك قليلة في غير هذه المدينة، وآمل أن ينتج عملي الموسيقي ~~خيرا في المستقبل، ولا أظن السيدة سلمى تجهل الغاية من علاقاتي بابنتها، فهي تعلم أمر ~~حبنا، ويمكنها أن تعلم الآن أني مستعد لعقد خطبتنا والتأهب للزواج.» # فقالت السيدة ج: «من يعرفكم في هذه المدينة؟» # فبادلني سليم النظر، ثم قال: «لا يعرفني جيدا هنا سوى صديقي السيد أ. وعائلة صديقي ~~السيد حسني وعائلتان أخريان؛ فلست هنا بين أهلي.» # وقلت أنا: «إن عائلة السيد سليم مشهورة بخدمة العلم والفن، ولأفرادها ذكر في التاريخ، ~~وصديقي سليم يبذل من نفسه ms47 في سبيل فن جميل كبير الشأن في الهيئة الاجتماعية.» # قالت تخاطب سليما: «لقد سألت الكثيرين عنكم، فكان الجواب واحدا، وهو أنهم لا يعرفونكم، ~~ولكنهم يعرفون أنكم غريبو الأطوار!» # فقال سليم: «أيجوز لي أن أسأل من هم الذين تفضلت بسؤالهم ؟» ~~«سألت عائلة السيد ر. وعائلة السيد ح. وعائلة السيد س. وعددا من الرجال الذين ~~نعرفهم.» ~~- «ومن هم السادة المذكورون؟» ~~- «السيد ر. تاجر معروف في البلد، والسيد ح. ماسك دفاتر في محل كبير ومركزه حسن، ~~والسيد س. تاجر آخر.» # سليم ~~: # إني أجهل هذه العائلات تمام الجهل، ومن البديهي ألا تكون أهلا لإعطاء معلومات ~~عني، ولا أكتمك أيتها السيدة أنه بلغني أن الناس هنا يتقولون كثيرا عني وعن ~~غرابة أطواري، فهم يرون في وجودي في هذه المدينة بعيدا عن أهلي حالة لا يمكنهم أن ~~يعللوها إلا بالسوء، ولكن الإنسان الحكيم لا يأخذ بظنون الناس، والناس إذا ساءت ~~فعالهم ساءت ظنونهم، أما أنا فلم أحفل بأقاويل هؤلاء الجماعة الذين يتحدثون عن ~~غرابة أطواري؛ لأني أعرف طباعهم، وأعلم أن الناس في أكثر الأحيان أعداء لما ~~جهلوا، وإني مرتاح إلى أن أطواري تخالف أطوار هؤلاء الجماعة، والحياة التي أحياها ~~تخالف الحياة التي تعودوها. ~~- «ولكن الناس يقولون: إنه لم تكن بينكم وبين والدكم مراسلة في بادئ الأمر، وأن المراسلة ~~بينكما قد ابتدأت منذ عهد قريب.» # فنظر سليم إلي نظرة ذكرتني حديثه السابق الذي ذكر لي فيه تدخل القوم هنا في شئون الفرد ~~الخصوصية، ثم التفت إلى السيدة ج. وقال: «وما معنى ذلك؟» ورأيت أن صبره كاد ~~ينفد. # قالت: «يجب ألا تغضبوا؛ لأننا أحببنا الاستقصاء لمعرفة حقيقة أمركم، فالذي دفعنا إلى ~~ذلك حرصنا نحن أيضا على مستقبل دعد.» ~~- «إذن، حضرتك تعتمدين على كلام الناس.» ~~- «إننا لا نعرفكم كثيرا؛ ولذلك نحن مضطرون إلى الاعتماد على ما نسمع.» ~~- «حتى ولو كان ما تسمعينه مما لا يوثق به؟» # ورأيت أن الحال صائرة إلى ما لا تحمد عقباه، ولكن السيد ج. تدارك الأمر وقال: «الذي ~~أراه يا سيد سليم، أن مركزكم لا ms48 يضمن مستقبل الفتاة التي تريدونها زوجا لكم، ولما كانت ~~السيدة سلمى تريد أن تضمن سعادة ابنتها الوحيدة، فلا أعتقد أنها تسلم لكم بعقد الزواج، ~~ولست أقول: إن السيدة سلمى لا تفقه معنى العشق والغرام والهيام؛ إنها تعلم كل ذلك ، ولكنها ~~تريد الدليل على أن مركز من يتزوج ابنتها يكفي لإسعادها.» # سليم ~~: # ومن يضمن المستقبل؟ بل من يضمن أن السعادة مقرونة بالمراكز؟! # فقالت السيدة: «أما أنا فأرى أن الفن ليس عملا ثابتا كالوظيفة أو أكيدا ~~كالتجارة.» # فقال سليم: «أرى أن الحديث قد شط بنا عن الغاية، ويحسن بنا أن نقف عند هذا الحد، ~~وتكرموا بإبلاغ السيدة سلمى هذا الحديث، وهي تتخذ الموقف الذي تراه أفضل.» # وعلى أثر هذا الكلام ودعنا الزوجين وانصرفنا، فلما صرنا خارج المنزل تنفس سليم الصعداء، ~~أما أنا فأقبلت عليه ألومه على صراحته مع السيد ج. وزوجه، وأبديت له اعتقادي بأني لا أرى ~~مبررا لكثرة الكلام الذي قالاه فقال: «لا تزد علي ما بي، فقد كفاني ما لاقيته من هذه ~~المساومة التجارية، وإذا كنت قد لبيت دعوة السيد ج. فالمسؤولية ليست واقعة علي.» # قلت: «أرى الأمور صائرة إلى شؤم.» ~~- «إني بريء مما يفعل الناس، فهذان الزوجان يريدان أن يقيسا العواطف وشئون الحياة ~~الجديدة بمقاييس التقاليد القديمة، أو لم تسمع السيد ج. يردد كلمات العشق والغرام والهيام؛ ~~لأنه لا يفقه شيئا من معاني الحب النفسي، الذي يربط قلبين على طول الحياة من أجل ما هو ~~أسمى من جميع ما يتصوره هو والذين في دائرته، إنه ينظر إلى الحب من وراء شهوات الجسد، لا من ~~وراء عواطف النفس، ويفهمه بعقله الغريزي، لا بعقله الوجداني، انظر إليه وإلى زوجه كيف ~~يحكمان علي؛ لأني بعيد عن والدي أو لأنهما بعيدان عني، إنهما يريان في شذوذا عن عادة ~~الشبان المتربين على التقاليد العتيقة، الذين يعيشون في أحضان والديهم، يرتكبون ضروب ~~الخلاعة والموبقات في الخارج، ثم يعودون إلى حمى عائلاتهم يتحصنون وراءه، فلو عاش هذان ~~الشخصان الشريفان في سيرهما على التقاليد الرثة البالية في ms49 عصر الموسيقي الخالد شوبرت، ~~فبماذا كانا يحكمان عليه يا ترى؟!» ~~- «وما هي حكاية هذا الموسيقي الذي تخفق لأنغامه العذبة ملايين القلوب؟» # فاستجمع صديقي فكره وقال: «كان شوبرت ابن رئيس مدرسة، فخرجه أبوه في العلوم الابتدائية ~~والثانوية، ثم أرسله إلى الجامعة للتخصص في أحد فروع العلم، ولكن شوبرت الصغير كان يميل إلى ~~الموسيقى ميلا شديدا، وكانت نفسه مملوءة عواطف قوية، فلم يجد لنفسه مهربا من هذا الفن، ~~فتابع في الجامعة دروسه العلمية إكراما لأبيه، وعكف في نفس الوقت على دروسه الموسيقية، ثم ~~عاد إلى أبيه الذي عينه أستاذا في مدرسته، ولم يشأ أن يكترث لميول ابنه الموسيقية، فنشأ ~~عن ذلك أن الدروس التي كان يلقيها الأستاذ شوبرت الصغير كانت تتحول من دروس في العلم إلى ~~دروس في الفن، وصار يلقن تلاميذه مبادئ الموسيقى بدلا من مبادئ العلوم، فاغتاظ أبوه من ~~تصرفه هذا، وطرده من مدرسته وبيته، وخرج شوبرت الصغير إلى ساحة الحياة وحيدا، ليس له من ~~معين إلا فنه، وكان لذلك العهد خامل الذكر، مجهولا بين أهل الفنون، وكان مضطرا إلى ~~تحصيل قوته اليومي، فأخذ في بادئ أمره يشتغل ضاربا على البيانو في بعض الحانات، ومرت به ~~أيام مرة وصعوبات شاقة، وذاق من العذاب ألوانا، ولكنه انتصر أخيرا بمنظوماته الموسيقية ~~التي تحول القلوب الحجرية إلى قلوب من لحم ودم، وأصبح شوبرت الطريد شوبرت المحبوب الخالد، ~~إن في حكاية شوبرت لعظة لقوم يعقلون، ولكن الناس الخاملين تعودوا أن يقيسوا غيرهم ~~بمقياس خمولهم، والنتيجة تكون دائما وأبدا غير ما يتوقعون.» # لما بلغ سليم هذا الحد من الكلام كنا قد بلغنا ساحة المدينة الكبرى وهي محاطة ~~«بالكبريهات»، التي يرقص في كل منها عدد من الراقصات اللواتي اتخذن الخلاعة، لا الرقص ~~فنا، فقال لي سليم: «تعال معي.» فتبعته ودخلنا أحد هذه الكبريهات، فإذا المكان مكتظ ~~بالشبان المجتمعين حول موائد صفت عليها الأقداح والكئوس، وجوه مفعم بالدخان المتصاعد ~~من لفافات التبغ العديدة وهواؤه فاسد سام، فقادني سليم إلى زاوية فيها مائدة غير مشغولة، ~~فجلسنا إليها، وجعلنا ms50 نراقب ما يجري، وإذا بشاب قد وقف بين جماعة من رفقائه كانوا جالسين ~~بالقرب منا، وهو يحمل بيده كأسا ملآنة خمرا وصاح برفقائه: «يا رفقاء، اشربوا ولا تحسبوا! ~~فأنتم اليوم مدعوي لأن الحسناء «غاري» ستكون لي الليلة!» # وتأملت الشاب فوجدته مضرج الخدين وعيناه محمرتان من تأثير الخمر والدخان ولباسه يدل ~~على أنه من الذين أحوالهم المادية حسنة وكذلك كان رفقاؤه، ثم رأيته يأخذ ذراع فتاة كانت ~~جالسة إلى جانبه، ويقودها إلى ساحة الرقص التي في وسط المكان ووجهه يطفح حبورا، فلما عاد ~~من الرقص ملأ كأس الفتاة وكأسه، وجلس يشرب ويسقيها، فقلت لسليم: «بئس الشباب شبابا هذا.» ~~فأجابني: «لا يا صديقي، لا تجدف؛ فإن هؤلاء جميعا من القوم المعروفين في المدينة، سل من ~~تشاء يجبك أنهم من أخيار الناس، فلو كنت رفيقا لهؤلاء في مثل هذه الليالي وعشيرا لهم؛ ~~لكانوا هم وعائلاتهم يشهدون لي لنيل رضا السيد ج. وزوجه! هلم نذهب، فلست أطيق ضوضاء ~~الجاز.» # فرافقت سليما إلى منزله حيث ودعته وعدت إلى غرفتي، فكتبت مذكراتي اليومية، وجلست أفكر ~~فيما صار إليه صديقي من الضنى والنحول وما يكابده من الألم النفسي، ثم اضطجعت في سريري، ~~ونمت بعد هواجس جمة، وكنت في اليوم التالي مدعوا لحضور حفلة في بعض الأندية الاجتماعية، ~~فزرت سليما أولا، فألفيته أسوأ حالا مما كان بالأمس، ولكنه كان هذه المرة جالسا إلى ~~البيانو مكبا على عمله الموسيقي، فحادثته قليلا وخليته وذهبت لحضور الاجتماع. # وكان النادي حافلا بالعائلات، وأكثر المجتمعين من الشبان والفتيات، وكانت هؤلاء ~~مقرطات مسورات يرفلن بحللهن المتنوعة الأزياء، ولكن كان في وجوههن وعيونهن ~~جمود غير طبيعي، جمود صيرهن شبيهات بالتماثيل الرخامية الباردة، الخالية من دلائل الحياة، ~~وأكثرهن من اللائي ارتوت مفاصلهن، وامتلأت أذرعهن وسوقهن، واسترخت جسومهن وترهلت حتى ~~انعدمت فيهن دلائل النشاط ورشاقة الحركة ولطافة الجلسة، أما الشبان «أبناء العائلات» ~~فأكثرهم ممن نال حظا وافرا من السمن والبدانة وبطء الحركة وبلادة الفهم، وكانوا مقسمين ~~إلى جماعات، يتهامس أفرادها كثيرا، وهم يحدجون الفتيات الفاترات العيون بأنظارهم ms51 المتقدة، ~~وما لبثت أن تبينت بينهم ذلك الشاب الذي كان بالأمس يشرب نخب الراقصة الحسناء «غاري» ~~في كبريه ... وهو في ثياب المساء، وألحاظه متجهة نحو إحدى الفتيات اللواتي عليهن مسحة من ~~الجمال، وكانت هذه جالسة في حلقة من أترابها تشعر بنظراته وتتكلف التيه والدلال. # وما كدت أفرغ من تبين وجوه الجماعة والاطلاع على أحوالهم، حتى رأيت السيد ج. وزوجه ~~داخلين، ورأيت أحد الشبان يسرع إلى ملاقاتهما، وكان هذا الشاب في العقد الثالث من العمر، ~~بدينا، بطينا، متداخل الخلق، لا تقل قامته عن قامة السيد ج. طولا، ووقعت عين السيد ج. ~~علي، فلم يبق لي من محيد عن السلام، فأقبلت عليه وصافحته وامرأته، وعرفاني بالشاب ~~الذي لاقاهما وهو يدعى السيد ميخائيل، ثم جلسنا معا، فأخذ الشاب في محادثتي فقال: «لقد سبق ~~لي أن سمعت باسمكم، وإذا لم تخني الذاكرة كنتم قادمين من أميركا.» ~~- «نعم.» ~~- «ماذا كنتم تعملون في أميركا؟» ثم أردف: «ليس من شأني أن أوجه إليكم مثل هذا السؤال، ~~ولكن اسمحوا لي بذلك؛ فإني أسألكم كما أسأل صديقا لي.» # فقلت في نفسي: «إن الرجل يوليني نعمة زائدة.» وكدت أجيبه بما تستحقه الوقاحة الظاهرة ~~في سؤاله، ولكني كظمت غيظي مراعاة للموقف وأجبته: «كنت أبحث عن الألماس!» ~~- «وهل وجدتم كثيرا منه؟» ~~- «كثيرا!» ~~- «وماذا فعلتم به؟» ~~- «أخزنه لحين الحاجة.» ~~- «ولماذا لا تبيعونه؟» ~~- «لأني انتظر ارتفاع ثمنه.» ~~- «أتعجب كثيرا من أمركم! فلماذا عدتم إلى هذه الديار؟» ~~- «إن في ذلك لسرا!» ~~- «لا بد أن يكون الأمر كذلك؛ إذ لا أجد مسوغا لرجوعكم، وماذا تتعاطون هنا؟» ~~- «أثقب اللؤلؤ وأجمع الفراش؟» # على أثر هذا الجواب رأيت وجه الرجل يحمر ثم يمتقع، وأخذ يجيل عينيه محملقا كالحائر، ~~وظهر أنه ابتدأ يدرك عبثي به، والظاهر أن السيدة ج. أدركت هي أيضا معنى أجوبتي، فتدخلت ~~في الحديث وخاطبتني: «ولكن الحقيقة يا سيد أ. أن المرء ليحار في أمر وجودكم هنا، فلقد ~~سئلت وسألت أنا بدوري عن سبب ذلك، ولكن الحقيقة ظلت مجهولة، فهلا صدقتني وأطلعتني على ما ~~حدا بك إلى ms52 ترك تلك الأمصار الغنية الواسعة، والتخلي عن كل ما فيها من أسباب الراحة والسرور ~~والعودة إلى هذه البلاد المسكينة؟» # فوجدت في هذا السؤال سذاجة وبلادة يقف المرء أمامها حائرا مبهوتا، ولكني تذكرت أن ~~المرأة التي تكلمني هي إحدى بنات قومي، فكان ذلك كافيا لحملي على احترامها، فتغلبت على ~~سأمي من هذا الحديث الذي يمس كرامة الإنسان في حريته الشخصية وحياته النفسية ومبادئه ~~الفكرية، وأجبت السيدة بصراحة: «إن هذه البلاد المسكينة هي بلادي، وإن لي فيها مطلبا ~~أعلى قد عدت لتحقيقه.» # فصاحت السيدة ج. وزوجها والشاب ميخائيل بصوت واحد: «آه! مطلبا أعلى؟!» وبعد أن تبادلوا ~~فيما بينهم نظرات تدل على الاستغراب، قالت السيدة بلهجة فاترة: «أمن أجل مطلب أعلى ~~عدتم؟!» ~~- «نعم يا سيدتي من أجل مطلب أعلى.» # وعاد الثلاثة إلى تبادل نظرات تنم عن الاستخفاف، فندمت على صراحتي، وعقدت النية على أن ~~أعود أدراجي في الحال، وزاد في مللي ذلك الجمود القسري الذي ألقى على الاجتماع ظلا من ~~البلادة ثقيلا، فاستسنحت الفرصة، وتركت القوم في لهوهم الممل، ورجعت من حيث أتيت، ~~فلما أمسيت في غرفتي، واستلقيت على سريري، عادت الخواطر تزدحم في مخيلتي، وفكرت مليا في ~~أحاديثي مع صديقي سليم وفي الآمال التي عقدناها معا على نشوء روح جديدة في الأمة تجدد ~~حياتها، وتقوي حيويتها، وتنصرها على عوامل الخمول والجمود، وفيما أنا كذلك إذا بي أسمع ~~ذلك الصوت النسائي الفاتر مقتربا متكررا: «أمن أجل مطلب أعلى عدتم؟!» # فصممت أذني لكيلا أسمع، ولكن الكلمات ارتسمت أحرفا بارزة أمام عيني، فأطبقتهما، وبعد ~~عراك داخلي عنيف استولى علي الوسن، ولم أعد أعي شيئا. # وعندما استيقظت في صباح اليوم التالي شعرت بصداع شديد لما ساورني من الأحلام المقلقة ~~أثناء هجوعي، ولكني ذكرت سليما فجزعت عليه، ورغبت في أن أعرف حاله، فنهضت وتحممت بالماء ~~البارد، على جاري عادتي، وروقت ضيقة النفس بكوبة شاي، وأسرعت بالذهاب إلى منزل صديقي، ~~وكانت الساعة نحو الثامنة، فوجدته جالسا إلى طاولته الصغيرة، وأمامه وريقات يكتب عليها، ~~ولاحظت أنه في هذه المرة ms53 أكثر سكونا وأشد نحولا من ذي قبل، فحييته واقتربت منه، ووضعت يدي ~~على كتفه، فلم تقع إلا على عظام، فوجف قلبي، والتفت إلى البيانو، فوجدت الأوراق كما كانت ~~منذ يومين، فقلت: «هل تكتب رسائل الآن؟» ~~- «لا.» ~~- «ماذا تكتب إذن ؟» # فقال: «لا أدري ماذا تسمي هذا النوع من الكتابة؟» # وأشار إلى وريقتين أمامه، فتناولتهما، فإذا عليهما شعر منثور هذا نصه: # إذا انبثق الفجر وبزغت الغزالة # وفتحت عينيك للنور # ورأيت الأزهار تنشق عنها أكمامها # وتنشر في الفضاء عبق أريجها # فاذكري زمنا كان لنا ربيعه # إذ نركض ونقفز وفي قلوبنا اختلاج! ~~••• # لقد مضى ذياك الربيع وهذا الربيع ليس لنا # فأزهاره غير أزهار ربيعنا # وفجره غير فجرنا # أما المرح والددن فشيء كان # لا، لا تذكري شيئا مما مضى! # لا تنبهي الأحلام! ~~••• # الحب وهم # هكذا يقولون # فإذا اضمحل الحب، فماذا يبقى من الحقيقة؟ # حب يذهب مع المساء، وآخر يجيء من الصباح # فيجب ألا يقام للحب عهد # كذا يقول الجاهلون # لأنهم لا يعرفون # أن # في الحب الجديد # بقية مرة # من حلاوة الحب القديم! # اللهم # إلا إذا كان القلب حجرا # والجسم طينا # فحينذاك لا فرق # بين حب قديم # وحب جديد! # هذا هو الحد الذي كان سليم قد بلغه قبل قدومي، ولعله كان يريد أن يسترسل في إنفاق عواطفه ~~عن هذه الطريق بدلا من طريق الموسيقى، فقمت إلى البيانو وأخذت عنه ورقة السلالم الموسيقية، ~~التي كان سليم قد سجل عليها بعض ما ابتكره من الأنغام ليضيفها إلى الأوراق الأخرى المفروغ ~~منها تتمة للقصيدة الموسيقية، التي كان عاكفا على نظمها، وبعد أن تمعنت في الأنغام ~~المسجلة عليها قلت: «إنك في شعرك كثير الرقة والشجو، ولكنك في موسيقاك أرق وأشجى، فإذا ~~عدلت الآن عن نظم الموسيقى إلى إنشاء الشعر، فمن ذا يقوم بإنجاز ما بدأته؟ وماذا يكون شأن ~~المطلب الأعلى الذي نظرنا إليه جميعا؟» # فزفر زفرة كادت تكون زحيرا وقال: «إنما أردت من هذه الكلمات التي كتبتها أن أجعلها ~~أساسا أدبيا لشجوية موسيقية أروم نظمها؛ لتعبر عن العواطف التي تتضمنها.» ms54 # قلت: «ولكني أراك نحيلا جدا، وأعتقد أنك تحتاج إلى الراحة واستبدال الإقليم.» # قال: «وماذا يفيد استبدال المكان والانقطاع عن العمل، والمسألة ليست مسألة جسم بل مسألة ~~نفس؟ فالنفس لا تحيا باعتدال الإقليم، ولا بتبديل الهواء، ولا بإراحة الجسد، إن النفس ~~تحيا بالعواطف، فإذا قتلت العواطف فكأنك قتلت النفس ذاتها ولا يقتصر ذلك على الأفراد، بل ~~يتناول الأمم أيضا، فإذا عدمت الأمة الشعور الحي فكأنها عدمت وجودها، والشعب الذي يقتل ~~شعور بنيه يقتلهم قتلا، انظر إلى هؤلاء الجماعة الذين يبحثون عن حياة الجسد ويهملون حياة ~~النفس، وقل لي ماذا ترى في حياتهم؟ أترى شيئا غير الخمول يفضلونه على تحمل مشقة النهوض، ~~وغير الجبن يحتمون وراءه لكي يجابهوا مطالب الحياة العليا، وما يصحبها من جهاد يضني الجسد؟ ~~هل لا تراهم يقتلون أنفسهم خوفا على أجسادهم؟ أويعني الحب عندهم شيئا يعلو على حاجة ~~الجسد؟ جردهم من كل كرامة أخلاقية، ومن كل محبة نفسية، ومن كل عاطفة سامية، فذلك أهون ~~عليهم من أن تهان جسومهم، آه كم تؤلمني هذه الحقيقة!» # فأعدت ورقة السلالم الموسيقية إلى مكانها ولزمت الصمت؛ لأن عبارات صديقي كانت كأنها صدى ~~أفكاري وشعوري، ورأيت أنه يحتاج إلى ما ينعش قوته فقلت: «هل تأمر لي بكوبة شاي؟» فقال: ~~«بطيبة خاطر.» وأرسل يأتي بذلك، فلما جاء الشاي جلسنا نشرب، وشرعت أحدثه في أمور من شأنها ~~أن تسري عنه، وبعد أن انتهينا ودعته وتركته ليعود إلى تأملاته التي تمليها عليه نفس ~~شديدة الإحساس، عظيمة الشعور، وعدت إلى منزلي كسيف الوجه جزعا. # وفيما أنا جالس في غرفتي أتأمل في حال صديقي خطر لي أن أزور السيدة سلمى أم الفتاة دعد؛ ~~لأعرف موقفها من «القضية»، فانتظرت إلى المساء ثم ذهبت إلى منزل سليم أولا ودخلت عليه ~~فوجدته يبدل ثوبا بثوب ويستعد للخروج، فسألته إلى أين يقصد فقال: «إلى بيت دعد؛ لأن أمها ~~تريد محادثتي.» فقلت: «ألا سبيل للذهاب معك؟» # فقال: «نعم، لا سبيل إلى ذلك.» ~~- «إذن؛ أستحلفك أن تطلعني على ما تقوله الأم.» ~~- «سأفعل.» وخرج على ms55 الأثر. # وفي اليوم التالي قص علي سليم ما قالته الأم، ومفاده أنها تريد سعادة ابنتها وأنها ~~لهذا السبب لا تقبل أن يكون زوج ابنتها موسيقيا ليس له منصب ثابت! وأنه إذا كان يريد ~~ابنتها زوجا له فعليه أن يتخلى عن عمله الموسيقي، ويوجد لنفسه عملا يزيد أرباحه. # قلت: «إن الأم تردد أقوال السيد ج. وزوجه.» فقال: «لا بد أنهم تشاوروا وقرروا ~~«إسعاد» دعد كما يفهمون من السعادة، ولا بد أن يكون السيد ج. وزوجه قد أظهرا للسيدة ~~سلمى سخافة عقولنا، نحن معشر النفسيين ذوي المطالب العليا، وأطلعاها على حكمتهما البالغة ~~القائلة: إن الحب مجرد عشق وغرام، وإن العشق والغرام فورة عارضة تزول سريعا، إلى آخر ~~ما لهما من آراء تدل على مبلغ ما يعرفانه من الأهواء الجسدية، ومبلغ ما يجهلانه من العواطف ~~النفسية، وهذان هما الصديقان الوحيدان اللذان تعتمد عليهما أم دعد.» ثم أردف: «ولكن يجب ~~ألا يلوم المرء السيدة سلمى فهي تجهل نفسيتي، ولا تعرف إلا ما يقوله له صديقاها ~~الوحيدان، وهي فوق ذلك أم، ومتى كان حولها قوم هم لحسبان الشر أولا، وحسبان الخير آخرا؛ ~~فقلبها لا يقوى على مقاومة سعايات الناس.» # قلت: «ودعد؟» # فوجم وأطرق هنيهة ثم قال: «أخشى أن أحملها فوق ما تحمل، ولا شك في أنها تتألم من ~~جميع ما حدث لي، ومن الكتاب الذي أرسلته طالبة إلي ألا أعود إلى زيارتها، وما أظن أنها ~~أرسلته إلا مرضاة لأمها التي هي وحيدتها، وإني لا يخامرني أدنى شك في محبتها وإخلاصها ~~لي، وقد مضت كل هذه المدة دون أن أحظى بلقياها حتى صرت أخشى أن تكون مريضة، أو أن تكون ~~أرسلت إلى مدينة أخرى ظنا بأنها تسلو وتنسى، وهل تعلم أن شابا يدعى ميخائيل يصبو ~~إلى طلب يدها وأن السيد ج. وزوجه يهرفان كثيرا به وبمركزه الحسن عند أمها؟» # فقلت: «نعم أدري.» ولم أشأ أن أخبره بخبر الشاب ميخائيل وعائلة السيد ج. في حفلة النادي؛ ~~لئلا أزيده ألما على ألم، فتحول عني إلى البيانو، ورأيت أنه ms56 يريد أن يخلو بنفسه فودعته ~~وخرجت مسرعا، وما كدت أبلغ الشارع حتى طرقت أذني أنغام موسيقية رقيقة خارجة من ~~غرفته. # ومنذ ذلك اليوم صرت أجيء إليه كلما فرغت من عملي، فأصرف عنده بضع دقائق أحادثه وأحاول ~~تسليته، ولكني كنت كل مرة أتيته أجده أضنى جسما من المرة السابقة؛ لأنه كان لا يطلب ~~الطعام وإذا جيء به إليه تذوقه تذوقا فقط، كان يذوي كما تذوي الزهرة منع عنها الماء، فبذلت ~~أقصى جهدي لمعرفة مقر الآنسة دعد؛ لأني كنت على يقين من أن كتابا ترسله إليه يكفي لإحياء ~~ميت آماله وإنعاش قلبه، ولكن محاولاتي ذهبت أدراج الرياح. # وحدث ذات يوم أني زرته فألفيته صريع حمى شديدة، فاستحضرت له نطس الأطباء الذين لم ~~يألوا جهدا في معالجته، ولكنهم لم يوفقوا إلى شفائه، وبينما هو في غيبوبة، إذ ورد ~~كتاب مرسل إليه فأخذت الكتاب وقلبته بين يدي وتمعنت في خطه، فعلمت أنه خط نسواني ~~وتبينت أنه آت من مدينة ب. ورأيت أن أفتحه لأعلم ما فيه؛ لأني كنت الوحيد الباقي بقرب ~~سليم، والوحيد الذي يجوز له إتيان مثل هذا الأمر ففتحت الكتاب وقرأت: # عزيزي سليم # أكتب إليك الآن من هذه المدينة التي أرسلت إليها بقصد إبعادي عنك؛ لكي أسألك ~~الصفح عن الإساءة العظيمة التي وجهتها إليك في كتابي الأخير، فقد بلغني ما تكابده ~~الآن رغم أن أهلي والدائرة المحيطة بي يحاولون جهدهم لمنعي من تنسم أخبارك، ~~ومعرفة ما هو جار لك، آه لو تدري كم عانيت من الآلام بسبب الكتاب الذي اضطررت ~~إلى إرساله إليك، وكم أعاني الآن من أجل ما أنت فيه. # علمت أنك زرت السيد ج. وأنا موقنة بأنك إنما فعلت ذلك من أجلي، ومن أجل المطلب ~~الأعلى الذي جمع قلبينا ووحدهما في سبيل مبدأ يسمو على جميع ما يعتقدون وما ~~يوقنون، ولكن تشجع! فإنهم لن يحولوا بين أعيننا والنور؛ فالنور لا تمنعه الظلمة، ~~إنهم يريدوننا أن نكون مجرد أجسام؛ مادة لا تطلب إلا مادة، أما نحن فنشعر أن ~~لنا أنفسا ونحس ms57 ما تصبو إليه نفسانا، فإذا اضمحل هذا الشيء الذي نشعر به فما هي ~~السعادة التي تبقى لنا؟ إنهم لا يدرون إن تعب النفس لأعظم كثيرا من تعب الجسد؛ ~~لذلك يبحثون عن راحة جسدي، أما راحة نفسي فلا يأبهون لها . # سليمي العزيز، اصفح عني لما أكون قد سببته لك من الآلام، وثق بأني لم أقصد ~~شيئا من ذلك، وإن كل قصدي كان أن أحول دون حدوث ما قد حدث، وأن أتحمل الآلام ~~وحدي؛ لأني أعلم كم تحتاج إلى راحة البال في عملك الشاق، تشجع! فقريبا أكون ~~قريبة منك، أما الآن فلك سلام محبتك. # دعد # كنت أقرأ وأنا أشعر بأني أكاد أطير فرحا لورود هذا الكتاب الترياقي العبارة، ولكن لما ~~فرغت منه وتحولت إلى السرير لإيصال البشرى إلى صديقي، انقبضت نفسي أيما انقباض؛ لأني ~~وجدته قد زهف إلى التلف ولم يبق منه إلا رمق ضعيف وذماء قصير، فطويت الكتاب ~~ووضعته في جيبي، وبعد قليل قضى سليم، وانتهى ذلك العراك الهائل الذي كان ثائرا في داخله ~~بين مثاله الأعلى وأغراض الناس الأولية المنحطة، بين مرامي نفس كبيرة ومرامي نفوس صغيرة، ~~بين المطلب الإنساني الأعلى والمطلب الحيواني الأدنى. # فلما أعلنت وفاته أقبل نفر من الأصحاب الذين عرفوه واتصلوا به في حياته، وكانوا ~~قلائل، وبعض تلاميذه الذين كانوا يدرسون الموسيقى عليه، في الوقت المعين لدفنه، وقبل أن ~~نخرج به إلى الجبانة جاءت فتاة ترتدي ثوبا أسود بسيطا، وذهبت توا إلى السرير ~~ووقفت تنظر إلى جثمانه بعينين مغرورقتين، ثم مدت يدها وأمرتها على جبينه ووجهه، وفاضت ~~من عينيها دموع سخينة، كانت هذه الفتاة دعد وكان الحاضرون أثناء هذا المشهد واقفين صامتين ~~كأن على رءوسهم الطير. # أخيرا هدأت دعد روعها ومسحت عينيها بمنديلها، وتحولت عن السرير وجعلت تجيل نظرها ~~في الحضور حتى استقر أخيرا علي فتقدمت إليها وخرجنا من الغرفة، فقالت: «اصدقني كيف كانت ~~أيامه الأخيرة وكيف مات؟» ~~- «كانت أيامه الأخيرة أيام شؤم وعذاب أليم، إن الصدمة كانت عنيفة جدا لنفسه الرقيقة ~~الشعور، فقد خيل إليه أن ms58 مطلبه الأعلى قد اضمحل، وكان تأثره عظيما جدا، وزاد في ~~عذابه أن بعض الناس هنا أضرموا جحيما ماديا حول نفسه حتى ضاق ذرعا، واستولت عليه من ~~جراء ذلك حمى مطبقة قضت عليه.» ~~- «أولم يرده كتابي؟» ~~- «كان ورود الكتاب ساعة دخوله في طور النزع وهذا هو.» ودفعت الكتاب إليها فتناولته ~~وهطلت من عينيها دموع غزيرة مسحتها بمنديلها ووضعت الكتاب في حقيبتها. # وكان الجثمان قد وضع في التابوت، فسرنا إلى الجبانة وواريناه التراب وسط صمت تام، ثم ~~انفرط عقد الجماعة وتفرقوا، ولزمت أنا الآنسة دعد فقالت لي في الطريق: «هل يمكنني أن ~~أعتمد عليك؟» ~~- «بكل تأكيد.» ~~- «إذن؛ أريد أن أذهب برفقتك إلى غرفة سليم؛ لأني أريد أن أقف على ما ترك من آثار ~~موسيقية.» # فقلت: «كما تريدين.» وذهبنا معا إلى الغرفة وقدتها إلى البيانو، فوجدنا عليه أوراق ~~سلالم موسيقية تتضمن شجوية صغيرة كاملة، وإلى جانبها ذلك الشعر المنثور الذي ذكرته فيما ~~تقدم، فتناولت دعد المنظومة الموسيقية أولا وفحصتها، وللحال أدركت رقة أنغامها، وظهر ~~عليها أثر انفعال نفسي شديد، ولكنها تجلدت وتناولت الورقتين المكتوب عليهما الشعر، فما ~~قرأته إلى آخره حتى تأثرت تأثرا لم تعد تقوى معه ركبتاها على الثبات، وكادت تهوي إلى ~~الأرض لولا أني أسرعت إلى إسنادها واقتيادها إلى المقعد بجانب البيانو، فمددتها عليه ~~وبادرت فأتيتها بكأس ماء بارد فسقيتها منها، ورششت الباقي على وجهها، فساعدها ذلك على ~~مقاومة الإغماء، ولما عادت إليها قواها نهضت وعادت إلى الأوراق، فجمعتها وفتحت درج ~~الطاولة الصغيرة الذي كان سليم يحفظ منظوماته الموسيقية فيه، فأخذت دعد الأوراق التي كانت ~~فيه وهي تشتمل على القسم الأول من منظومته الكبرى، وجعلت الجميع رزمة واحدة وقالت: «سآخذ ~~هذه الأوراق جميعها.» # قلت: «لك ما تريدين؛ فليس من يطالب أو يعتني بها.» # قالت: «أشكرك كثيرا، والآن أودعك، وقد نلتقي فيما بعد.» فمددت يدي فصافحتني بشدة ~~الممتن وشيعتها إلى الباب فانطلقت مسرعة لا تلوي على شيء، أما أنا فعدت إلى داخل ~~المنزل وقلت لربة البيت: إنه يمكنها أن تستولي على كل ms59 المقتنيات التي خلفها الراحل؛ لأنه ~~ليس له وارث، ثم ألقيت نظرة أخيرة على الغرفة التي كان يشغلها صديقي، والبيانو الذي كان ~~يضرب عليه أنغامه وانصرفت من ذلك المكان، ولم أعد إليه منذ ذلك اليوم. # رجعت بطريقة آلية توا إلى غرفتي، وانطرحت على سريري معيى، وأخذت أفكر في أيام ~~صديقي الأخيرة والنهاية التي صار إليها، فذكرت حديثه لي عن الموسيقى وشأنها في حياة الأمم ~~والبشرية جمعاء، وحكاية شوبرت، واستعدت في ذهني جميع تصرفاته السابقة واللاحقة، منذ أول يوم ~~عرفته إلى آخر يوم، فشعرت أني خسرت صديقا يندر مثيله، وأن الأمة فقدت رجلا تمثلت روحها ~~في روحه، وجمعت عواطفه أدق وأجمل عواطفها، وهو لو عاش لأتم فعل ما لم يفعله شخص آخر ~~من أبناء هذه الأمة ألا وهو إحياء نفسها. # وانتقل بي الفكر إلى دعد، تلك الفتاة الجميلة النفس الكبيرتها، فقلت في نفسي: أترى يفقه ~~السيد ج. وزوجه شيئا مما في نفسها العميقة؟! ~~••• # لقد مرت على وفاة صديقي سليم عدة سنوات، وقد قضيت هذه المدة مغتربا في أوروبا ~~وأميركا، وأول عمل قمت به بعيد عودتي أني نزلت مساء اليوم الأول لوصولي إلى العاصمة، ~~إلى ساحة المدينة المركزية، وأخذت أتنقل بين كبريهاتها؛ لأرى هل طرأ تغير ما على حياة ~~القوم؟ فوجدتهم كأني لم أفارقهم إلا ليلة أمس، ولكني رأيت هذه المرة وجوها جديدة لم ~~أكن قد رأيتها من قبل. # دخلت أحد هذه الكبريهات عند الساعة الحادية عشرة واتخذت لنفسي مجلسا منفردا، أستطيع أن ~~أرى منه كل مكان وأراقب جميع ما يجري، وبينما أنا مهتم بمراقبة حركات بعض الشبان في إحدى ~~الزوايا، إذا برهط من الرجال تقدموا إلى المكان الذي كنت فيه واتخذوا مائدة محاذية ~~لمائدتي، فتفرست في أوجههم من حيث لا يشعرون، وكدت لعجبي لا أصدق ما أرى حين تبينت ~~بينهم وجه ميخائيل صديق عائلة السيد ج. فوجدته قد تغيرت سحنته قليلا وازداد سمنا، ~~وكان من حسن حظي أن ميخائيل جلس منحرفا قليلا، وصار من الصعب أن يلتفت نحوي ويرى وجهي ~~فأخذت أدرسه ms60 من حيث لا يدري، وكان يدفعني إلى العناية بدرسه رغبتي الشديدة في درس حالات ~~الأشخاص النفسية وتطوراتهم العقلية، وفي معرفة ما طرأ على هذا الرجل من التغيرات الأخلاقية ~~بعد غيابي عنه كل هذه المدة الطويلة. # دار حديث ميخائيل وزمرته حول الراقصات وجمال كل واحدة منهن وصفاتها، وتاريخ حياتها ~~فعدوا لا أقل من عشرين راقصة في مدة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة! # فلما بلغوا الحادية والعشرين قال أحدهم لميخائيل: «إنك كنت سعيد الجد يا ميخائيل، ~~فلم ينل تلك الفتاة أحد سواك، وهي - والحق يقال - كانت من أجمل الراقصات اللواتي ~~أممن بلادنا، قل لي كم من الزمن صرفت معها؟» # فقال ميخائيل، وهو يتيه عجبا بنفسه ويلقي الكلام كمن يلقي على من حوله دررا ~~ثمينة دون أن يكترث لها: «ثلاث سنوات بكاملها، ولو أني قدرت أن أحتفظ بها أكثر لفعلت، ~~إن برتا الفتاة الوحيدة التي أحببتها حقيقة أو تدري يا حسني، إن برتا كلفتني خمسماية ~~ليرة عثمانية ذهبا؟» # فقال ثالث: «ماذا أسمع؟ قل لي بأبيك يا ميخائيل من أين جاءك الوحي الآن لتتكلم عن ~~الحب؟» # فأجاب: «الصحيح أني عشقت برتا حتى إني قاومت بنفوذي دائرة التحري بأمها وأبيها، من ~~أجلها.» قال ذلك بلهجة ملؤها الخيلاء والإعجاب بالنفس وأردف: «أنتم لا تدرون، يا صحاب أن ~~برتا لم تكن ككثيرات من هؤلاء الراقصات، إنها لم تكن قد أحبت أحدا قط، وأنا أول رجل ~~أحبته.» ودق على صدره توكيدا لما يقول: «إنها أحبتني كثيرا ولا تزال تحبني؛ فقد كتبت ~~إلي مؤخرا تقول: إنها لو تمكنت من جمع أجرة السفر لما تأخرت عن المجيء إلي، وقد شكت ~~ما هي عليه بلادها من الفاقة وقلة العمل، ومما يدلني على حبها الشديد لي أنها أرسلت إلي ~~في عيد ميلادي زرين من الذهب مرصعين بحجرين كريمين، فكم تكون اشتغلت وقترت على ~~نفسها في مثل هذه الأحوال لتقدم لي هذا التذكار؟» # فقهقه رابع وقال: «طبعا إن خمسماية ليرة عثمانية ذهبا تستحق حبا شديدا في مثل هذه ~~الأيام، ولا غرو إن تكن ms61 برتا مشتاقة جدا إلى العودة إليك!» # وقال خامس، وكان كل هذه المدة صامتا هادئا: «إذا كنت عشقت برتا، وكان الأمر كما تقول ~~فلماذا لم تتزوجها؟» # فأجاب ميخائيل بحدة: «أتزوجها؟ ها، ها، اسمعوا ولماذا أتزوجها؟» ~~- «لأنك كنت أول من استولى على قلبها، وأنت تعترف بذلك، والإنسان الشهم لا يستولي على ~~قلب امرأة ليقذف بها إلى الحمأة.» ~~- «قد كنت أحسبك فتى عاقلا يا فريد، فما بالك تهذي هذا الهذيان؟ أتريد مني وأنا ابن ~~عائلة معروفة في المدينة أن أتزوج برتا الراقصة؟ نعم، إني أعترف بجريمتي؛ فقد أجرمت ~~وانتهى الأمر، ولكن من كان مثلي ابن عائلة لا يتزوج مثلها، ولا تنس أن لي أخوات في ~~البيت.» ~~- «أعتقد أن وجود أخواتك سبب قوي يكفي لحملك على تزوج برتا، وما يدريك أن هذه ~~الفتاة ليست ابنة عائلة أناخ عليها الدهر؟» # فحملق ميخائيل بعينيه كثيرا وأدار رأسه يمينا وشمالا، ثم استجمع ماله من حدة ذهن ~~وأجاب: «أنت لا تعرف مركزي جيدا، فأنا إنما أشتغل لحسابي الخاص باسم عائلتي، فلو تزوجت ~~برتا لنقم علي أهلي وخسرت تأييدهم المعنوي، وخسارة هذا التأييد تعني خسارة ثقة مالية بي، ~~توازي ثلاثة آلاف عثمانية ذهبا، وفوق ذلك أعلم أن الحب غشاوة رقيقة لا تلبث أن تتخرق ~~وتتبدد، فخير لي أن أتزوج ابنة عائلة معروفة هنا.» # فرأيت الشاب المدعو فريدا يهم بالإجابة على خطاب ميخائيل، ولكن ضجة عظيمة علت في هذه ~~اللحظة في الزاوية التي كنت أراقبها أولا، واستلفتت أنظار الحضور ومن جملتهم ميخائيل ~~ورفقائه، فلما وجدت الحديث قد انقطع ولم تبق لي حاجة إلى زيادة، دفعت ثمن مشروبي وخرجت، ~~وأنا أفكر في ابن العائلة هذا، وفي أبناء العائلات الذين على شاكلته. # أما دعد فقد التقيت بها بعد أيام فإذا هي لا تزال كما عرفتها أولا: تسير في الشارع ~~غير ملتفتة إلى أحد، ولا ملوية على شيء، تقوم بعملها بكل دقة وترتيب، إلا أنها ~~تتجنب الاجتماعات، وإذا اتفق أن حضرت بعضها فإنها تحضرها بوجه جاف وهيئة جدية، فلم ~~يرها أحد قط ابتسمت ms62 في اجتماع، والناس يقولون: إنه لولا عبوستها وجفاف وجهها لكانت فازت ~~بعروس! # وأما السيد ج. وزوجه فقد علمت أنهما حنقا حنقا عظيما على دعد؛ لأنهما لم يكونا ~~يتوقعان منها هذه الأطوار الغريبة التي خالفت نظريتهما في الحياة، وخيبت آمالهما والجهود ~~الكبيرة التي بذلاها لحملها على قبول ميخائيل التاجر المعروف بعلا لها، ولأنها أنكرت ~~جميلهما لاجتهادهما في إنقاذها من حب شاب موسيقي مات سريعا على أثر إصابته بحمى ~~مطبقة! ms63