######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.FarisBaniHamdan.Hindawi70593971 #META# Tags: novels #META# ID: 70593971 #META# Title: فارس بني حمدان #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # | فارس بني حمدان # | فارس بني حمدان # تأليف # علي الجارم # | الفصل الأول # - بالله عليك لا تطيلي يا ليلى فإن مما يثير شجون النفس، ويزيد في ألم الحزين، أن يدفع ~~إلى العزاء والصبر بكلمات خاوية متخاذلة حفظها الناس لينثروها في كل مأتم. إن كل كلمة من ~~هذه يا ليلى شعلة تؤجج وجدي، وتضطرم في فؤادي، إن الحزن حرم قدسي يجب أن تخشع ~~أمامه الرءوس بالصمت والإطراق. ~~- ولكنك يا سيدتي «سخينة» تكادين تقتلين نفسك حرضا، # 1 # وتعصفين بهما هما، فقد مرت أيام سبعة منذ دهمنا الخبر المشئوم لم يرقأ ~~لك فيها دمع، ولم تهدأ نفس، ولم يطمئن بك فراش. إن لنا في الله ثقة يا سيدتي. وماذا نصنع ~~وقد مزج الله بالحياة معنى الموت، وبالموت معنى الحياة؟ نحن يا سيدتي في زمن مضطرب لا يركد عجاجه، # 2 # ولا تسكن سيوفه في أغمادها، بعد أن انحلت أواصر بني العباس، وأصبحت دولتهم أشلاء # 3 # ممزقة، يفترسها كل مفترس، ويغير عليها كل واثب. ففي كل أرض حرب مشتعلة الأوار، # 4 # وفي كل دار أنين وبكاء، ولن نملك - نحن النساء - إلا أن نردد قول الخنساء في ~~رثاء أخيها صخر: # ولولا كثرة الباكين حولي # على قتلاهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # 5 ~~- وهذا أعجب ما قيل في العزاء، إن الحزين الذي يتسلى عن مصائبه بمصائب غيره لمأفون # 6 # الرأي سقيم العاطفة. والنفس التي تهدأ للكوارث تحل بسواها، وتستريح في ~~نكبتها لأصوات النادبات وعويل الباكيات ثم تنسى النار التي تلتهم دارها؛ لأن لهيبها اندلع ~~في كل دار، لنفس شريرة حقود ... ~~- ليس الأمر كما تظنين يا سيدتي، وإنما هي طبيعة بني الإنسان تعبر عنها الشاعرة، ~~فالحزين يتأسى بالحزين، ms01 والغريب يسعده الغريب، وقد طبعت النفس على أن تستهين بمصابها ~~عند نزول المصائب العظام والفوادح الجسام، وقد يقيس المرء مصيبته بمصيبة غيرها فيحمد الله ~~على السراء والضراء. ~~- هذا كلام بعيد عن الإقناع يا ليلى؛ لأنني أبكي زوجا كان قليل الأنداد # 7 # في الأحياء، فأصبح قليل الأنداد في الأموات، فليس إلى التعزي فيه من سبيل. ~~فعلى أبي العلاء فليجزع الصبر، وعلى سعيد فلتبك البواكي. ثم أطرقت إطراقة طويلة، وأخذت ~~تهز رأسها في وجوم. # كانت سخينة في نحو الخامسة والثلاثين، صبيحة الوجه، جميلة الطلعة، فارعة الطول، ممتلئة ~~الجسم. امتزج في تكوينها الدم العربي بالسلالة الرومية، فجاءت صورة بارعة للملاحة ~~العربية، والجمال الإغريقي معا. وكانت تجلس في ذلك اليوم، وهو الحادي والعشرون من رجب سنة ~~ثلاث وعشرين وثلاثمائة، في إحدى حجرات قصرها الذي امتاز بين قصور منبج (إحدى مدن ~~الشام) بضخامة بنيانه، وارتفاع شرفاته، وروعة زخارفه. وكان يقوم فوق أكمة بالشمال الغربي ~~من المدينة، بالقرب من «عين المرج» بين الخمائل الزهر، # 8 # والحدائق الفيح، # 9 # يحيط بكل ذلك سور ضخم سامق بني بالحجر الصلد، وربض في كل ركن من أركانه حصن ~~منيع الذرا، يكاد يجبه # 10 # الدهر، ويتحدى نوازل الأيام. أما القصر فكان آية من آيات الفن الإغريقي في ~~اتساع حجراته وأبهائه، وعظم أعمدته التي نحتت من الرخام الأبيض الناصع اللماع، وفخامة ~~أثاثه، وجمال سقوفه وما زينت به من النقوش والصور، التي تعاون المال والفن الرفيع على أن ~~تكون شركا للعيون، وفتنة للعقول، وكان القصر يموج بمن به من الجواري، يذهبن في أنحائه ~~هنا وهناك، وقد غشت وجوههن سحابة من الحزن الصامت المكبوت. # 11 # كان هذا القصر لأبي العلاء سعيد الحمداني عظيم أسرة بني حمدان وشاعرها وفارسها المعلم، ~~الذي هابته القبائل النازلة بالشام والموصل، واستجدت عونه الدولة العباسية وهي تترنح # 12 # للسقوط، واتخذت من شجاعته درعا تقيها صولات الطامحين. # رفعت سخينة رأسها بعد طول الإطراق، ونظرت في وجه وصيفتها ليلى نظرة الذاهل المأخوذ وقالت: ~~إن ابني حسينا يصل من الموصل اليوم، فلعلنا نقف ms02 منه على جلية الأمر في مقتل أبيه. ~~- إنه لن يعوق يا سيدتي ؛ لأنه أرق قلبا من أن يتركنا طويلا بين حرقة الحزن ~~ومرارة الانتظار. # ثم أخذتا في الحديث في مآثر سعيد وجوده وشجاعته، وذكرت ليلى مواقعه اللامعة ونصره المؤزر # 13 # الحاسم على بني كلاب وبني النضير، وما كانت إلا ساعة حتى سمعت جلبة وضوضاء، ثم ~~فتحت أبواب القصر، ودخل الحسين بن سعيد، يمتطي جوادا أشهب، # 14 # كاد يضنيه طول السفر وبعد الشقة # 15 # لولا كرم عربي فيه أنف أن ينال منه التعب أو يمسه اللغوب. # 16 # وكان الحسين شابا فارها # 17 # طويل نجاد السيف، وسيم الوجه، قوي البناء، لم يجاوز العشرين، فوثب من فرسه ~~ناشطا إلى القصر، وأسرع إلى أمه يقبل يديها ورأسها في حنان امتزج فيه البر بالحب، ~~والشغف بالإشفاق، وكان حزين النفس مثقل الكاهل بالهموم، ولكنه حينما رأى وجه أمه، ولمح ما ~~ارتسم فيه من سطور الحزن الأليم، والهلع القاتل، أسرع فبسط قليلا من أسارير وجهه، ومحا من ~~عينيه دمعتين تحيرتا فيهما بين الانهمال والجمود، ثم جلس إلى جانبها، أخذ يدللها - كما ~~يدلل الطفل الجازع - بعبارات أرق من الدموع. وانطلق يقول في صوت صادق النبرات لم يذهب ~~الحزن برنينه، ولم تهزه عواصف الشجون: لقد كان السفر شاقا يا أماه، وكانت الطرق وعرة ~~طويلة على الرغم من أننا كنا نطوي المراحل كما يطوي البرق معصرات الغمام. # 18 # وقد وثب علينا في الطريق جماعة من بني تميم أطمعتهم فينا قلة العدد وكثرة ~~الغنيمة، فما كان إلا أن جردت سيفي ودعوت أصحابي إلى الوثوب، حتى فروا كما يفر الأمن ~~من قلوب الجبناء. ~~- أنت يا ولدي ابن أبيك حقا، ولكن هذه الشجاعة يا حسين هي التي أيتمت أبناء بني حمدان، وأيمت # 19 # نساءهم، انظر اليوم ماذا سيكون من شأن أخيك الحارث أبي فراس، وقد تركه أبوه في غضارة # 20 # الطفولة، يتعثر في سنواته السبع. ~~- إن اليتم في سبيل الشرف عزة وكرامة. إن أبطال بني حمدان يموتون ليحيا أبناؤهم، وإن ~~ذلك المجد الباذخ، ms03 وتلك الصولة العاتية التي ملأت العراق والشام رعبا، لم تكن إلا صدى ~~لقبور الشهداء من بني حمدان، الذين سقطوا في الميدان بعد أن تحطمت سيوفهم في سبيل الشرف ~~والبطولة. إنني يا أماه سأحيا بأبي، وسيحيا في أبي، ولن يقول الناس إن ابن سعيد مات أبوه فبخعه # 21 # الحزن، وجلس في إحدى زوايا قصره يبكي كما تبكي الإماء، # 22 # لا، لا، إن مجد بني حمدان باق على الدهر، وهو سر قدسي يحفظه الأجداد للآباء ~~ويصونه الآباء للأبناء. أما أبو فراس ... ثم أطراق قليلا ورفع رأسه، قال: فلن أعلم ولن تعلمي ~~ما سيكون من أمر هذا الطفل اليتيم. ولكني لا أستطيع أن أشك في صدق ظنوني فيه. وإذا دل الفرند # 23 # على كرم السيف، ونم الغصن على طيب منبته، فإن مخايل أبي فراس تنبئني بأنه ~~سيكون بطلا، وأنه سيترك في الدنيا دويا. إن هذا الطفل أعجوبة الأعاجيب! إنه وهو في ~~السابعة يبهرك برأي أصيل، وعزم صليب، وقلب لم يعرف الرعب، ولم ينل منه الفزع، إنك ترين في ~~عينيه نبل محتده، # 24 # وقوة نفسه، وكرم خيمه. # 25 # وإن في ابتسامته الهادئة المشرقة أشعة من الآمال الجسام، التي تسخر من الدهر، ~~وتطمح إلى عظائم الأمور. هذا الطفل الصغير يا أمي عصارة المجد الحمداني، وملتقى عناصر ~~قوته. # فسالت الدموع من عيني سخينة وقالت: صدقت يا حسين، لقد رأيته أمس من نافذة حجرتي، وهو يقود ~~جيشا من أترابه # 26 # أبناء حراس الحصون، وقد حمل بيمينه غصنا كان يسميه الصارم البتار، وثب به ~~في خفة النمر على من زعمهم أعداءه، فبدد شملهم جميعا، ثم صعد إلي في صلف الشجاع ~~المنتصر يحدثني بأخبار الموقعة، وما ظفر به من أسرى وغنائم، ولكنه أجج نار أشجاني حينما ~~سألني عن أبيه، فلما قلت له: إنه ذهب إلى بغداد ليحارب أعداء الخليفة، أمال رأسه في شمم ~~واعتداد وقال: لم لم يأخذني معه؟ إنني أحب الحرب وأهوى النضال، وإن هذه الحرب الصورية ~~بين هؤلاء الصبية لا تشفي من نفسي غليلا، وحينما أبصر دمعتين ms04 تطفران من عيني قال: أنت ~~لا تحبين الحرب؛ لأنك لم تتذوقي نشوة الانتصار! فأسرعت وقلت: إن الناس سيموتون في الحرب يا ~~بني، فأخذه الضحك طويلا ثم قال: الموت خير من حياة كحياة جاريتي هيلانة التي دخلت حجرتها ~~نحلة بالأمس فطارت نفسها هلعا، وملأت جوانب القصر صياحا وضجيجا. ~~- إنه كما قلت لك أعجوبة الأعاجيب، وصورة صادقة من أبيه، وإن أما تسعد بمثله، وتترقب ~~ما ينتظره من مراتب العظمة وبعد المنزلة، جديرة بألا يجد الحزن إلى قلبها سبيلا، إن أبي ~~لم يمت يا أمي، وإنما تجدد شبابه في وفي أخي أبي فراس. ثم طفق ينشد من قصيدة بشامة ~~النهشلي: # إنا - بني نهشل - لا ندعي لأب # عنه، ولا هو بالأبناء يشرينا # 27 # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة # تلق السوابق منا والمصلينا # 28 # وليس يهلك منا سيد أبدا # إلا افتلينا غلاما ناشئا فينا # إنا لمن معشر أفنى أوائلهم # قيل الكماة: ألا أين المحامونا؟ # 29 # إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم # حد الظبات، وصلناها بأيدينا # 30 # لقد مات أبي ميتة الكريم الشجاع، كان يجود بنفسه وسيفه في يمينه يضرب به ذات اليمين وذات ~~الشمال. ~~- قل لي كيف مات بحقك؟ # فزفر زفرة طويلة، وأطرق إطراقة المفكر الحائر كأنه يريد أن يجمع شوارد نفسه، أو أن ~~يتخلص من الظنون التي كانت تغاديه وتراوحه منذ شهد المعركة، وقال: تعرفين يا أماه ما ~~كان بين أبي والخليفة الراضي العباسي من أواصر المودة، وتعلمين خبر تلك الرسالة التي ~~أرسلها إليه الخليفة منذ ستة أشهر، يستدعيه إليه، ويتعجل رحيله، ويشير فيها في خفاء ~~وإبهام إلى أنه في حاجة إلى عونه، والاستظهار به # 31 # على أعدائه من الترك والعرب، وقد كان أبي إلى إجابة الخليفة أسرع من رجع الصدى ~~كما تعلمين، فرحلنا إلى بغداد في قلة من عبيدنا ورجالنا، فلما وصلنا إلى دار الخلافة لقي ~~أبي من الخليفة من صنوف الإكرام، وحسن الوفادة، وتقريب المنزلة، ما ملأ قلوب الحاشية حقدا ~~وضغنا، وفي ذات ليلة همس أبي في أذني بأن الخليفة ولاه إمارة الموصل ms05 وطلب منه السفر إليها ~~بعد يومين. ~~- يوليه إمارة الموصل وهي في يد ابن أخيه ناصر الدولة! هذه مكيدة خسيسة من هذا الخليفة ~~الضعيف الماكر، يريد بها أن يوقع العداوة والبغضاء بين رجال هذه الأسرة الباسلة، التي ~~أقضت مضجعه، وأخذت تبتر أوصال مملكته في العراق والشام، فلم يجد هذا الخبيث من وسيلة إلا ~~أن يغري أبناء العمومة بعضهم ببعض، وأن يحاربهم بسلاحهم، ويطعنهم برماحهم، فإذا انتصر ~~أحدهم على أخيه هلل له وكبر، ونثر فوقه أزهار المديح والثناء، وهو يرى في دخيلة نفسه ~~أنه قد استراح من فريق عظيم منهم، وأن الفرصة ستواتيه للقضاء على الفريق الآخر. هكذا أصبح ~~دأب هؤلاء الخلفاء منذ دالت دولتهم، # 32 # وأصبحت نهبا مقسما بين الأمم، فإنهم حين فقدوا سلاح القوة، برعوا في الكيد ~~والحيلة. والضعيف دائما يستعير لنفسه قوة من نصب الأشراك، ودس الحبائل. ~~- هذا ما استطعت أن أبوح ببعضه لأبي؛ لأنك تعرفين ما كان له من الهيبة وعنف الشكيمة # 33 # التي تعقل اللسان دون مخالفته، فما كان منه إلا أن قال في استنكار وغضب: ماذا ~~تريد يا فتى؟ أتريد أن تقول إن الخليفة لا يملك عزل أمير وتولية أمير؟ أتريد أن تقول إنه ~~أصبح من الضعف والخور بحيث لا تتجاوز أوامره جدران قصره؟ نحن يا بني خدام الخليفة، ~~وعدته في الشدائد، وقد بقيت الخلافة في أبنائها إلى اليوم بأسنة بني حمدان وسيوفهم. إن ~~ابن أخي ناصر الدولة لا يملك إلا أن يطأطئ رأسه لحكم الخليفة. ~~- فهل طأطأ رأسه حقا؟ ~~- لا أدري. وقد ساورتني في هذا الشأن شكوك مبرحة اضطرب لها ميزان عقلي، وكادت تقضي ~~علي. # فتنهدت سخينة ولمع في عينيها لهيب الغضب وقالت: امض في حديثك يا بني. ~~- أتظنين أن لابن عمي يدا في مقتل أبي؟ ~~- امض في حديثك يا حسين، قاتل الله المناصب، وقاتل الله الجشع، وقاتل الله الحرص الذي أذل ~~أعناق الرجال؛ إن إدراك المسألة سهل هين، ما كان ينبغي أن يخفى على أبيك. ذلك أن الراضي ~~جشع ماكر، وقد حرمه ناصر الدولة ms06 خيرات الموصل وذخائره واستأثر بها دونه، ولم يبعث إليه منها ~~شيئا. وكانت جبايتها أيام المأمون آلاف الآلاف من الذهب والفضة، فأراد الخليفة أن يجعل من ~~أبيك شبكة لاصطياد هذه الأموال على أن يلهيه بقليل منها، وأحس ناصر الدولة بأن الغنيمة ~~ستطير من يديه، فثارت نفسه، وصمم على الاحتفاظ بها ولو قتل في سبيل ذلك أعز الناس لديه. ~~وأكبر ظني أن عيونه وجواسيسه بدار الخلافة طيروا إليه الخبر فأخذ له الأهبة، وأعد له ~~العدة. امض في حديثك يا حسين. ~~- غادرنا بغداد في خمسين رجلا ... ~~- في خمسين رجلا؟ يا له من جيش لهام! # 34 ~~- نحن لم نذهب لحرب، ولم نتحفز لقتال، ولكنا ما كدنا نصل إلى مشارف الموصل حتى خرج ~~علينا كمين في غبش الظلام عدته نحو خمسمائة فارس، فأحاط برجالنا من كل جانب، وجال أبي بفرسه ~~ليخترق ثغرة في صفوفهم، ولكنهم تواثبوا عليه وخزا بالرماح، وضربا بالسيوف، وهو ينثر ~~رءوسهم بسيفه كما ينثر الزراع الحب، ويكر هنا وهاهنا كما يكر النمر اليائس حتى تمزقت ~~درعه، وصبغتها الدماء. وقد عمدت إلى قائد عصابتهم فرميته بسهم فسقط تحت سنابك الخيل، وأسرعت ~~إلى أبي وقد أثقلته جراحه فحملته إلى المؤخرة، ولم تمض لحظات حتى لحق بآبائه ~~الشهداء. # فبكت سخينة طويلا ثم رفعت رأسها وقالت: وبعد موته رحل هذا الجيش المغير، ولم يستأصل ~~بقيتكم؟ ~~- نعم. ~~- وهل بعد هذا تبقى عندك خلجة # 35 # شك في أن المكيدة أعدت لأبيك، وأن الذي أعدها هو الذي يخشى من مزاحمة ~~أبيك؟ ~~- إن لأبي أعداء كثيرين يا أمي، وإن شجاعته لم تترك قبيلة إلا ولها عنده ثئور. ~~- ظن كما تشاء يا حسين، أين دفنتموه؟ ~~- دفناه فوق هضبة شرقي مدينة الموصل تحت شجرة زيتون. # وبينما هما في الحديث إذا صياح وجلبة في بهو الدار، وخادمة أبي فراس «هيلانة» تهرول ~~وهي تلهث وتتمتم بكلمات ارتطمت فيها العربية بالرومية، وأبو فراس يعدو أمامها راكبا رمحا ~~انتزعه من حائط كان معلقا به، واتخذ منه جوادا كريما حتى دخل الحجرة التي بها أمه وأخوه، ~~وهو ms07 يصيح: هذه الجارية البلهاء تستنكر على مثلي أن يمتطي جوادا، لقد كان أبي يحب هذه ~~اللعبة ويعدني بحصان حينما أبلغ التاسعة، أين أبي يا حسين؟ ~~- أبوك في مكان عال تتلاقى فيه الرياح، وتجوده أخلاف # 36 # الغمام . ~~- ولم لم يعد معك؟ ~~- إنه لو استطاع أن يعود لعاد، ولكن الحرب أبت إلا أن تقتضيه دين الشرف ~~والبطولة. ~~- وما دين الشرف والبطولة؟ ~~- الموت! فهز الطفل رأسه وهو يغمغم: الموت، الموت! الموت دين الشرف والبطولة! ثم حملق في ~~وجه أخيه وقال: والثأر أيضا يا حسين دين الشرف والبطولة؛ إنه ماحي العار، ومخمد النار؛ ~~ثم انطلق يعدو بجواده في أنحاء القصر ولم تدمع له عين، ولم يبح صدره بزفرة أنين. # | الفصل الثاني # تابع الفلك دورته، وتعاقبت سنواته، والأمير الصغير في كل يوم تتفتح مواهبه، وتتجلى ~~مخايله، كالزهرة تحس بأنفاس الربيع فتتخايل فوق غصنها، وكالنجم يمتد به الليل فيزيد ~~تألقا وسطوعا. وليس من شك في أن الطفل صورة من الوراثة والبيئة، فإذا اجتمع في ناشئ كرم ~~المنبت، وسلامة الطبع، وصحة الجسم، وحسن الإشراف، كان مثلا عاليا للإنسانية الكاملة. ~~وأميرنا أبو فراس قد فاز بكل هؤلاء؛ فكان جديرا أن تعقد به الآمال، وأن تترقبه ~~الرياسة، وتتهيأ له صدور المحافل. # نشأ في كنف أخيه الحسين، وفي رعاية أم رءوم # 1 # تظله بجناحها، وتغذوه بحنانها. وكان الحسين يثير في نفسه الاعتزاز بقومه ~~وبتاريخه المجيد، ويحفزه إلى العظمة والسيطرة والبطولة. ولم تقصر حاضنته عائشة النزارية ~~في الرمي نحو هذه الغاية، فإنها رأت جذوة في نفسه فطفقت تنفخ فيها حتى تركتها شعلة ~~متأججة، تقذف بالشرر. وكثيرا ما كانت تجلس إلى جانب سريره عندما يأوي إلى فراشه، وتقص ~~عليه سير أجداده، ومآثر آبائه، بأسلوب يهز العاطفة، ويثير الوجدان. فهي إذا تحدثت عن ~~حمدان جد هذه الأسرة، أخذت تجلو من أخبار شجاعته ومروءته صورا امتزجت فيها الحقيقة ~~بالخيال، وتذكر كيف أنه أبى أن يخضع للمعتضد العباسي، وأن يلقي إليه بالقياد، فاقتطع من ~~أملاك الدولة العباسية إمارة «ماردين» ونادى بنفسه عليها ملكا مستبدا، ولم ms08 يبال ما كان ~~للمعتضد في ذلك الحين من دولة وصولة. ثم تصف ما كان بعد ذلك من غضب المعتضد وحنقه على هذا ~~العربي الثائر، وكيف أنه بعث إليه بجيش جرار، ولكن هذا الجيش ما كاد يلتقي برجال حمدان ~~حتى مني بالهزيمة والخذلان، وعاد الخليفة بفلوله # 2 # مدحورا، ونار الغضب تأكل صدره، فلم تهدأ له ثائرة حتى رماه بجيش آخر لا يعرف ~~أوله أين آخره، لكن حمدان كان إلى شجاعته وتحديه الموت ذكيا واسع الحيلة، يقدم - ~~كما يقول عنترة - إذا كان الإقدام عزما، ويحجم إذا كان الإحجام حزما، فلما رأى أنه في ~~قلة من رجاله، وأن من المناجزة # 3 # إلقاء بيده إلى التهلكة، اتخذ الليل مركبا، وسرى في ستار من ظلماته كما يسري ~~طيف الخيال، لا تناله الأكف، ولا تبصره العيون، وتراجع تراجع الليث ليثب، وطلبه الخليفة في ~~كل مكان، وبث وراءه العيون، وأخذ عليه الطرق والمناهل، # 4 # ولكنه كان شعاعا لا تمسكه يد قابض، وسرا لا تدركه العقول. وكان أهون على ~~الخليفة أن يصيد العنقاء، أو يقتنص نجوم السماء، من أن يحاول أن يمسه بضرر، أو يقف له على ~~أثر. اختفى حمدان، ولكن ذكاءه ونفاذ بصيرته لم يختفيا، فأوعز إلى ابنه الحسين أن يصانع ~~الخليفة حتى ينال بالحيلة ما رأت القوة أن تتركه إلى حين، وقد كان رأيه صوابا، فنال الحسين ~~الحظوة عند المعتضد فأغضى عن ثورة حمدان، وأعاد إلى قومه ما كان لهم من نفوذ وسلطان. # تقص هذا القصص وأمثاله، والطفل ذاهل مأخوذ حينا، وواثب من سريره أحيانا، وكلما حاولت ~~الانتهاء طلب إليها المزيد. وكأنه كان يستمد من أرواح أسلافه قوة، ويستلهم من سيرتهم ~~عزيمة، ويتخذ من تاريخهم غذاء لكبريائه. # وفي ليلة ألح عليها أن تحدثه عن أبيه، فنظرت إليه وأطالت النظر، وقالت: أما أبوك فكان ~~سيد بني حمدان وأصدقهم رأيا، وأثبتهم قلبا، وأطهرهم نفسا. ولقد كان إذا ركب بين الفرسان ~~فرعهم طولا، وبزهم جرأة وإقداما، وكان إذا عد الأجواد أبسطهم كفا، وأرحبهم ~~فناء، وأسبقهم نازعة إلى المعروف. أذكر ms09 ليلة حينما قدم من حلب من قتال بني تميم ... ~~- ومن بنو تميم هؤلاء؟ ~~- قبيلة قوية الشكيمة، صعبة منال الزمام، لا تلين أعناقها لحاكم، تحدت جيوش الخليفة ~~المقتدر بالله العباسي، فعاثت في أعمال حلب، فاستنجد الخليفة بأبيك وأخيه الحسين، فبرزا ~~إليها في جيش خضم، # 5 # ونشب بين الفريقين قتال مر المذاق. وحين قدم أبوك من هذه الحرب، ذهب على ~~الفور إلى حجرة أمك حزينا مهموما، فظننا أول الأمر أن الهزيمة لحقت بجيشه. وأخذت أمك بما ~~وهب الله لها من لباقة ومعرفة بفنون الكلام، ترفه عنه، وتلوح من بعيد بأن هزيمة ~~الشجعان خير من انتصار الجبناء، وأن النصر كالمرأة الفروك # 6 # تجفو الرجل أحيانا ليتشبث بها، ويزيد بها حبا وجنونا. فالتفت إليها أبوك ~~وغبرة الحزن لم تفارق وجهه وقال: ماذا تقولين يا سخينة؟! لقد انتصرنا على بني تميم ~~وطاردناهم إلى مضاربهم. وهنا قفز الطفل من سريره صائحا: حياك الله يا أبي، وسقيا لجدثك ~~الطاهر، لقد خفت يا عائشة أن يكون قد هزم أو أن يكون ... # ففهمت عائشة ما تلجلج في صدره، وقالت في غضب: إن أباك لا يعرف الفرار، ولو عرفه لكان ~~بيننا الآن يملأ جوانب القصر حياة وقوة، ويشيع فيه البهجة والسرور. إنه لم يفر في آخرة ~~مواقعة أمام خمسمائة فارس من العتاة الأشداء، فقاتلهم حتى ضاق مجال فرسه، وحتى تحطم ~~حسامه، فمات كريما شهيدا. ثم عادت إلى حديثها الأول فقالت: وحينما علمت أمك بانتصاره ~~قهقهت في سخرية مصنوعة، وقالت: وماذا إذا يحزن فارسنا المغوار، ويشوه من وجهه الوسيم، ~~بعد أن شتت الجموع، وعاد بالأسلاب والغنائم؟ فاتجه إليها الأمير سعيد وقال: الذي يحزنني ~~أنني بعد أن ركد غبار المعركة، سألت عن تمام القضاعي وقد كنت شهدته يجول في ميدان ~~القتال ويصول، ويقذف بنفسه بين الكتائب كأنه أخذ على الموت عهدا، فعلمت أنه قتل، فحزنت ~~أشد الحزن وأمضه. ولم أحزن لأن رجلا قتل، فإن في موت الشجاع في الحومة # 7 # شرفا لا يدرك معناه الجبان، ولكني أعلم أن له زوجا وأما عجوزا ms10 وبنيات ~~أضعف من الثمام، # 8 # وأوهن من أضغاث الأحلام، كبراهن في نحو الخامسة عشرة. لذلك أسرعت عند بلوغي ~~«منبج» إلى داره. وحينما قابلت أمه أخذت في مواساتها فلم تزد على أن تقول: إن ابني اشترى ~~الجنة بحياته ففاز بالثمن الربيح. ولما حاولت أن أقذف بين يديها كيسا به مائتا دينار، شخصت ~~عيناها واربد وجهها في غضب، وصاحت في وجهي قائلة: رحماك بنا أيها الأمير! إننا لا نبيع ~~رجالنا بالمال، وخير لنا أن نموت جوعا من أن نجمع بين موت تمام ومعرة الأبد! خذ مالك ~~أيها الأمير، فإن فتات الخبز في ظل العزة والكرامة خير من موائد الملوك، فبهرت وأطرقت ~~حزينا، وخرجت من الدار حائرا مبهوتا. ثم اتجه إلى أمك وقال: ألا نستطيع أن نعمل شيئا ~~لهذه الأسرة يا سخينة؟ إن لك طرائق في التفكير ورثتها عن أجدادك الروم لم تدع أمامك بابا ~~من الرأي مغلقا. فأسرعت أمك وقالت: هون عليك أبا العلاء، فإن الأمر جد يسير، إننا ~~نستطيع أن نزوج كبرى بناته بأحد حراس القصر، وأن نمهرها بمائتي دينار، ولن تجد العجوز ~~غضاضة في الأمر ولا حرجا، بل تسر؛ لأن الأمير شرفها بالإصهار إلى أحد حراسه، حينئذ ~~تلألأ وجه أبيك بشرا وصاح: مرحى بابنة أفلاطون مرحى! لقد علمت أنك لا يعوزك الرأي الأصيل، ~~والحيلة البارعة. ~~- وهل تم هذا الزواج؟ ~~- تم بعد شهر من قدوم أبيك، وتزوج عمار الحارس بصبيحة القضاعية، وأصغر أبنائها اليوم ~~هو أسامة خادمك، الذي تلعب معه في حدائق القصر. # هكذا كان يغذى الطفل بأحاديث البطولة، وهكذا كانت تثار حميته إلى ترسم خطوات ~~آبائه العظام. وقد وجدت هذه الأحاديث من نفس الطفل أرضا خصبة ومنبتا طيبا فزادها خياله ~~ضخامة وعظما، وكانت شغل نهاره ومسرح أحلامه، فطالما استبطأ الزمن الذي حال دونه أن يجرد ~~سيفا أو يشهد في قتام # 9 # الخيل واشتباك الرماح مشهدا. # ولما بلغ الرابعة عشرة وأجاد القراءة والكتابة، قسمت أمه وقته بين مجلسين: مجلس بين ~~الأدباء والشعراء وعلماء الدين واللغة والتاريخ، ومجلس فوق صهوات الخيل وبين ms11 خيرة ~~المدربين على الفروسية وأساليب الضرب والطعان. وكان من أبرز الشعراء المنقطعين لتعليمه ~~أبو الحسن المعروف بالناشئ الأصغر، فقد أملى عليه شعره، وقرأ معه دواوين القدماء ~~والمحدثين، وأخذ يوجهه إلى طرائق النقد، ويبصره مواطن السحر والجمال في جيد المنثور ~~والمنظوم، وكان أبو فراس يؤثر شعر عنترة في الجاهليين، وشعر الفرزدق والكميت في الأمويين، ~~ويروح عن نفسه بشعر كبار الشعراء العباسيين كبشار وأبي نواس والحسين بن الضحاك. # والحق أن نفسه كانت مختلفة النزعة، فبينما هي جد وصرامة وتوثب إلى معالي الأمور، إذا هي ~~حنانة إلى اللهو العنيف، تواقة إلى التمتع بنعيم الحياة واجتلاء أسرار الجمال. والجمال ~~مظهر من مظاهر هذا الكون تدركه النفس الشفافة وتهفو إليه، وترى فيه متعة وغذاء، ~~والنفوس تصدأ كما يصدأ الحديد ولا يجلوها إلا فترات من السرور الذي لا يخدش الفضيلة ولا يمس ~~الكرامة. # كان الناشئ الأصغر يقرأ معه يوما بائية الكميت في مدح بني هاشم، فلما قضيا في درسها ~~طويلا التفت إليه وقال: أقلت شيئا من الشعر جديدا؟ ~~- لقد جال بالأمس في نفسي شعر أحسست به كأنه همسة الوحي فأسرعت إلى القلم لكتابته. فنشط ~~الناشئ وقال: هات أبا الفراس. فأنشد: # تطالبني البيض الصوارم والقنا # بما وعدت جدي في المخايل # 10 # فمثلي من نال المعالي بسيفه # وربتما غالته عنها الغوائل # وما كل طلاب من الناس بالغ # ولا كل سيار إلى المجد واصل # فصاح الشيخ وقال: إيه يا بن حمدان! هذا هو الشعر الذي عجزت عنه شياطين الشعراء! زدني ~~بالله يا بن سعيد زدني فقال: # خيلي وإن قلت كثير نقعها # بين الصوارم والقنا الرعاف # 11 # ومكارمي عدد النجوم ومنزلي # مأوى الكرام ومنزل الأضياف # لا أقتني لصروف دهري عدة # حتى كأن خطوبها أحلافي # شيم عرفت بها غلاما يافعا # ولقد عرفت بمثلها أسلافي # فطرب الناشئ وقال: حقا إن منبج لم تنجب بعد أبي عبادة البحتري مثلك. اصدح يا بني ~~كما تشاء وغرد، وعلم طيور الشام تلك الألحان القوية المملوءة بذكريات المجد والبطولة، ~~فإن الناس حيث شعراؤهم، فلقد سئمنا تلك الأشعار ms12 الرخوة الخائرة، التي قتلت في نفوس العرب ~~النخوة والشهامة، وصدفتهم عن التطلع إلى المجد والغلب، فعاشوا في بلهنية # 12 # النعيم، واستناموا إلى الراحة بين ظل الأشجار، وخرير الأنهار، وبين قينة # 13 # وكأس، وعبث ومجون. وهذا العبث إلى ما مني به العرب مع الاعتماد على الغرباء، ~~وإلقاء شئون الدولة إليهم ، هو الذي قضى على الدولة العباسية، وأتى على بنيانها من القواعد، ~~بعد أن ملكت أطراف الأرض، وتحدت الدنيا بالعلم وقوة السلطان أيام الرشيد والمأمون. لقد رمحتنا # 14 # الدنيا بعد أن كنا نقتعد منها صهوة العز والصولة. هذا خليفتنا العباسي الذي ~~بايعه الديلم بعد أن خلعوا أخاه وسملوا # 15 # عينيه، يجلس اليوم على عرشه كما يجلس القرد الخائف المذعور تذهب عيناه يمينا ~~وشمالا حيث اتجهت عصا صاحبه، وقد علمت أن هذا البائس المنكود أمر أن تنقش على النقود أسماء ~~ثلاثة من أمراء الديلم بعد أن أصبح بينهم لعبة تشدها ثلاثة خيوط! # وإذا اتجهنا إلى ناحية الروم، رأينا أنهم لم ينسوا ثأرهم عند العرب الذين ثلوا عروشهم، ~~وبددوا ملكهم، فأخذوا في مدى هذه القرون يعدون العدة، وينفثون في رجالهم روح الحقد على ~~المسلمين، ويلوحون لهم بأمل براق، ويمنونهم الأماني، ويصورون لهم ذلك اليوم الموعود ~~الذي تعود فيه مملكة الروم التي اغتصبها المسلمون إلى حوزتهم. وهاهم أولاء اليوم رابضون ~~بالقرب من طرسوس يتحينون الفرصة للوثوب، ويغتبطون بما أصاب دولة الإسلام من تمزق، وبما ~~شجر بين أمرائها من حقد وعداء وانقسام. # وهنا قال أبو فراس في صوت تكاد تخنقه العبرة: إن الأمم تموت حينما تنسى أخلاقها، وتغفل ~~عن تاريخها. ولن تعود دولة العرب إلا إذا عاد أهلها إلى أخلاق العرب! # بهذا وأمثاله كان ينشأ أبو فراس في دراسة الأدب والتاريخ. وقد دفعته هذه الدروس إلى ~~الاستزادة والتوسع والانصباب على العلم حيثما وجده؛ فكان يخلو بنفسه ساعات في خزانة الكتب ~~بالقصر ينتقل بين كتبها كما تنتقل النحلة من زهرة إلى زهرة لتجني العسل طيبا ~~شهيا. # أما تدريبه على الفروسية وأساليب القتال، فكان يقوم به واصل بن ms13 عبد الله أعظم المدربين ~~مهارة، وأبرعهم ضربا بسيف أو طعنا برمح أو إصابة بسهم، ولم يكن يجد في تدريب الفتى الناشئ ~~عنتا أو مشقة، وكأنما كان يعلم السمك أن يسبح في الماء، والطير أن يحلق في السماء، ~~فإن أثر الوراثة في أبي فراس كان عميقا بعيد الغور، فلم يمض شهر حتى حذق فنون الحرب، وركوب ~~الخيل، وأخذ يفاخر أنداده ويصاولهم، ولم يعقد رهان إلا كان فيه المجلي السباق، وكم ~~أغراه التمكن من فنون الفروسية بكثير من التهور والمجازفة، فكان يركض فرسه ويلهبه بالسوط ~~ليثب به فوق مسيل ماء يبلغ عرضه عشر أذرع، دون أن يبتل حافر فرسه، وكان يقيم سدا ~~مرتفعا من جذوع الأشجار، ثم يهمز جواده فيثب فوقه كأنما يطير في الهواء. وقد أفزعت هذه ~~الأفانين واصلا، وخاف عليه مغبتها، فأفضى إلى أمه بمخاوفه، ولكن أمه لم تلبث حين سمعت ~~حديثه أن هزت كتفيها في قلة اكتراث، ونظرت في وجه واصل بعد أن أطبقت عينها اليسرى في غرور ~~وكبرياء، وقالت: ما عليك من هذا يا بن عبد الله. إن بني حمدان يجب أن يعملوا ما لا يستطيع ~~عمله الناس. وإلا فلمن أعدت خطيرات الأمور؟ # | الفصل الثالث # شغلت الشام وبخاصة في مدينة حلب في هذه الأيام بالحديث عن نجلاء الخالدية، وسرت شهرتها ~~بالجمال البارع من فم إلى فم، وتناقل الناس في إعجاب وإكبار ما ازدانت به من خلق ودين ~~ولطف وأدب وخفة روح وعلو نسب. وكانت نجلاء حقا كما يصفون وفوق الذي يصفون، فقد وهب الله ~~لها وجها واضح الجبين، رائع القسمات، # 1 # به عينان يتألق فيهما الطهر ويشع منهما النبل وكرم المحتد، ومنحها نفسا ~~أصفى من قطرات الغمام، وأقرب إلى نفوس الملائكة الأطهار. نشأت في بيت علم وأدب ينتمي إلى ~~أسرة رفيعة المجد باذخة الشرف، وقد بلغ في هذا الحين أخوها محمد وسعيد الخالديان منزلة ~~أثيرة عند سيف الدولة بن حمدان أمير حلب، وكانا يشرفان على خزائن الكتب في قصره. فنمت نجلاء ~~في هذا البيت الكريم، وتعهدها أخواها بالتعليم ms14 والتهذيب حتى برعت في فنون الأدب، وقالت ~~الشعر الجيد الرصين. وكانت دارها مثابة الأدباء والشعراء والعلماء يغشونها لينعموا بطرائف ~~الأحاديث والأخبار، وروائع الشعر والأدب، ولينالوا من كرم نجلاء وحسن ضيافتها ما يعز على ~~موائد الملوك. # وكثيرا ما أشاد بمديحها الشعراء، وكثيرا ما غنى المغنون بحسنها فرددت آفاق حلب هذا ~~الغناء عذبا مشجيا ، وكثيرا ما كانت نجلاء تسمع هذا الغناء فتبتسم وتهز كتفيها في أنفة ~~وشيء غير قليل من الخجل. # شغل الناس بنجلاء، وتسابق فتيان الأسر الكريمة إليها يستجدون نظرة رضا، ويتمنى كل شاب ~~منهم لو أسعده الحظ بأن يكون لها بعلا، باذلا في سبيل ذلك كل ما في يديه من مجد وشهرة ~~ومال، ولكن هذه الزهرة الناضرة النقية لم تقابل هذه النحل المزدحمة حول رحيقها # 2 # المختوم إلا بابتسامة الزهر لأشعة الصباح. فقد علمها أدبها ونبل أخلاقها أن ~~تعطف على الناس جميعا في وداعة وصيانة، وأن تسطع عليهم جميعا كما تسطع الشمس، لا يختص ~~بشعاعها قصر أمير، ولا يحرم ضياءها كوخ بائس فقير. فما يكاد يظن شاب أنه فاز منها بلمحة رضا ~~حتى يدعمه اليقين بأن ما كان يظنه قبولا لخطبته لم يكن إلا لطفا في الرد وأدبا في ~~الإباء. # وكان أشد الفتيان حرصا على خطبتها، وتشبثا بالرغبة في تزوجها، قرعويه غلام سيف ~~الدولة وقائد إحدى كتائبه. # كان شابا جميل الطلعة، مديد الطول، تياها شديد الغرور بنفسه والزهو بها، يجمع إلى ~~ذكائه طبيعة النمر في الفتك، وغريزة الثعلب في الدهاء والحيلة. عرض هذا القائد على نجلاء ~~كل شيء ليكون لها زوجا فلم يظفر بشيء، وكثيرا ما مناها الأماني، وهمس في أذنها بما ~~ينتظرها من جاه وثروة وبعد مكانة، ولكن فتاتنا كانت تقابل كل هذا بابتسامة مهذبة لطيفة ~~تمتزج فيها الدهشة بالحياء، وتقول: ما أجمل هذا! حقا إنه بديع، ثم تنطلق إلى حديث آخر في ~~لباقة وأدب حتى إذا طال الكلام انفلتت منه كما ينفلت الطائر قبل أن تعلق به حبالة ~~الصائد. # وهكذا مضت الأيام وقرعويه يزيد إلحاحا، وهي تزيد عنه ms15 بعدا وانصرافا. # وكانت فاطمة أخت نجلاء تسكن بمنبج، حيث يقيم زوجها الحسين الجوهري أكبر تجار الجواهر ~~بالمدينة. فقدمت نجلاء من حلب لزيارة أختها مع خادمتها سلمى العراقية، وهي امرأة في الستين ~~من عمرها لئيمة الطبع، لها دهاء وفضلة من ذكاء، صرفتهما في الحيل والخبث واقتناص المنافع. ~~ولم تقصد نجلاء من هذه الزيارة إلا أن تروح عن نفسها قليلا من صخب حلب وازدحامها، وقد ~~راقها ما رأت في منبج من حسن منظر، وطيب هواء، فأطالت مدة إقامتها. # وفي ذلك الحين كانت شجاعة أبي فراس وصباحة وجهه، وكرم خلاله قد سارت مسير المثل في ~~المدينة، ووصلت أخبارها إلى كل بيت، وتطلع كل عظيم إلى أن ينال شرف مصاهرته. أما الأمهات ~~فقد رفعن رءوسهن، ومددن عيونهن، وأرهفن آذانهن لكل ما يصل إليهن من أخبار بطل منبج ~~وفارسها الباسل. وأعدت كل أم ابنتها لهذا الشرف، وأخذت تمهد لها إليه السبيل. والأم ~~حينما تلد بنتا لا تفكر في شيء إلا في زواجها، وحينما تهز مهدها - وهي تتفرس في وجهها، ~~وتدعي أن كل هفوة للجمال فيه إنما هي حسن من نوع غريب لا عهد للناس به - لا يخطر ببالها ~~إلا إحصاء أبناء المدينة ممن هم في طبقتها واحدا واحدا، وتخير أكرمهم محتدا، وأعظمهم ~~ثروة وأملحهم وجها، حتى إذا استقر بها الاختيار أخذت في العمل، والاستنجاد بخير الوسائل، ~~فتوددت إلى أمه، ودفعت زوجها من حيث لا يدري إلى مجاملة أبيه ومصادقته، فإذا مات الغلام ~~انصرفت إلى غلام آخر يليه في المرتبة، وأعادت القصة بذاتها، لا تخرم # 3 # منها حرفا. # هكذا كانت حال الآباء والأمهات بمدينة منبج حين شب أبو فراس عن الطوق، وحين أصبح شابا ~~جميلا في نحو الثامنة عشرة، تتيه به العروبة، وتشتاق إليه ميادين القتال. فلم يكن عجبا ~~بعد هذا أن تكثر زيارة الأمهات لقصر سخينة، وأن يرسلن عليها سيلا جارفا من الملق كاد ~~يجترفها. فما فعلت شيئا إلا كان حسنا جميلا، ولا قالت قولا إلا وهو حكمة سليمان، وفصاحة ~~سحبان، وكلما مر ذكر ابنها ms16 في غضون الحديث عرضا نثرن عليه الثناء، وغمرنه بصنوف المديح ~~والإطراء. وسخينة تسمع وتفهم؛ لأنها أم تعرف ما تتمناه الأمهات لبناتهن من الخير ~~والسعادة. # زارها في أحد الأيام بعض كرائم السيدات، وكان بينهن نائلة زوج والي المدينة من قبل سيف ~~الدولة، ومعها ابنتها عزة، فلما استقر بهن المقام أخذت نائلة تملأ البهو حديثا في ~~جمال القصر، وحسن تشريفه، ثم تتبع ذلك بالإشادة بمجد بني حمدان، ثم تنتقل إلى ما تتحلى به ~~سخينة من صفات الشرف والكرامة وأصالة الرأي، ثم تثب بعد كل هذا إلى أن الولد صورة من الأم، ~~وأن كل عرق ينتمي إلى أصله، وأن سيرة أبي فراس أصبحت مثلا عاليا للفتيان. ثم تتابع الحديث ~~وتقول: إن ابني لا يمل الكلام في بطولة أبي فراس حتى لقد قلت له بالأمس: خير لك يا بني أن ~~تؤلف كتابا في أخبار صديقك. فصاح ضاحكا وقال: وبم أسمي الكتاب يا أمي؟ قلت: «سمه روض ~~الآس في أخبار أبي فراس.» فابتسمت سخينة وقالت: خير له أن يسميه: «ظبية الكناس # 4 # في بطولة أبي فراس.» فضحك السيدات جميعهن، وما كدن يخضن في حديث آخر حتى دخلت ~~هيلانة تعلن قدوم السيدة فاطمة الخالدية وأختها نجلاء، فقمن لتحيتها، وقالت فاطمة في ~~دعابة: لقد هززتن أركان البهو قهقهة ففيم كان ضحككن؟ # فحاولت نائلة بعد أن بهرها جمال نجلاء أن تغضي عن السؤال، وأن تصرف الحديث إلى غير وجهه، ~~ولكن سخينة أسرعت فقالت: كنا نختار اسم كتاب يؤلف في سيرة ابني فماذا تقترحين؟ ~~- أقترح أن يسمى «تعطير الأنفاس بسيرة أبي فراس»؛ فظهر الغيظ على وجه نائلة وقالت: كيف ~~حال ابنك الصغير يا فاطمة؟ لقد سمعت أنه كان مريضا. ~~- إنه الآن بخير، مسح الله عنا وعنك السوء. # ثم تجاذبن أطراف القول في فنون شتى، وسخينة لا ترفع عينيها من وجه نجلاء، فقد أعجبها ~~جمالها وأدبها وحسن حديثها. حتى إذا مر وقت غير قليل، ودع الزائرات سخينة وانصرفن. # وحينما انفردت نجلاء بأختها في الطريق قالت: لقد سمعت كثيرا عن أبي ms17 فراس، وسمعت كثيرا ~~من شعره الذي يتناقله الناس، وهو يعد في الطبقة الأولى قوة وروعة وبعد خيال. ~~- إنه شاب لم تر له منبج مثلا في أدبه وسجاحة خلقه وبطولته. ~~- لقد أكثر الناس من المبالغة في وصف شجاعته حتى أحببت أن أراه. ~~- لا تعقد في منبج يا نجلاء مجالس للشعر والأدب كما هو الحال في حلب ، ولكنك تستطيعين أن ~~تريه كل أصيل ممتطيا جواده مع فريق من خلانه في بعض مروج المدينة. ~~- يكفي أن أراه في شعره كما أرى كل شاعر، فإن الشعر صورة صادقة لصاحبه، ومرآة صافية ~~لخوالج نفسه. ~~- ليس دائما يا نجلاء، فإن لأبي نواس شعرا في الزهد، وللحطيئة شعرا في الحث على ~~مكارم الأخلاق. # كان أبو فراس حقيقا بكل هذه الضجة، فقد زادته الرجولة وسامة وقسامة، فكان مشرق الوجه، ~~نافذ نظرات العيون، متين الجسم، قوي العضل، تتأجج فيه نيران الشباب، وتفور في نفسه نزعات ~~عاتية من الطموح إلى المجد والوثوب إلى مراتب العظمة. وكان صورة صادقة للبطولة في القرن ~~الرابع الهجري، شديد الثقة بنفسه، قليل الاكتراث بالنوازل والخطوب، يعيش عيشة الأمراء ~~المترفين في ثروة وجاه ورفاغة # 5 # من العيش، ويتسلى بقرض الشعر وركوب الخيل والمصارعة والصيد. والتف حوله ~~كثير من أبناء القواد وكبار الأسر، فكانوا يقضون أكثر وقتهم في ترف ولهو وتناشد للأشعار، ~~بين مروج منبج الخضر، وأرباضها # 6 # الضاحكة، وبساتينها الناضرة، وكان يحلو لهم عند الأصيل أن يجلسوا إلى جسر أحد ~~النهيرات التي يفيض ماؤها في الشتاء ويجف عند الصيف، والتي يقول فيها أبو فراس: # قف بالمنازل والملا # عب، لا أراها الله محلا # 7 # أوطنتها زمن الصبا # وجعلت منبج لي محلا # حيث التفت رأيت ما # ء سائحا، ورأيت ظلا # والماء يفصل بين زه # ر الروض في الشطين فصلا # كبساط وشي جردت # أيدي القيون عليه نصلا # 8 # وفي ذات مساء اقترح أبو فراس على أصحابه أن يخرجوا للصيد «بعين باصر»، وهي على مسافة ~~فرسخين من حلب، فخرجوا قبل تبلج الصباح، ومعهم الصقور والبزاة وكلاب الصيد والخدم ~~والعبيد، وقضوا ms18 سبع ليال بين صيد وقصف، وقام الطهاة بشي الظباء وطبخها بين ضحك ~~الضاحكين، وعبث العابثين، وتناشد الأشعار، وتبادل النوادر، وأخذوا يتخطفون اللحم، ويعدو ~~بعضهم وراء بعض في هزل يشبه الجد. وفي الحق إنهم كانوا صورة لمرح الشباب وريعانه ولهوه ~~ونشوته، وكانوا يمثلون الفراغ والجدة # 9 # وراحة البال والبراءة من كل ما يكدر الحياة. وبعد أن نالوا من الصيد واللهو ما ~~يشتهون، عادوا إلى المدينة، فبلغوها وقد مال ميزان النهار. وكان أبو فراس يتقدم الجمع فوق ~~جواد عربي كريم. وبينما كان يمر ببعض الدروب إذ جمح به الفرس فجأة لسبب غاب عنه، فحاول ~~أن يكبح جماحه، ولكنه كان قد لعق لجامه، وخرج عن إرادة فارسه. وفي ذلك الحين كانت امرأة ~~عجوز تمشي إلى جانب جدار فزحمها الفرس بكفله فسقطت على الأرض، وتواثب الناس من كل مكان على ~~الفرس، وتعلق كثير منهم برقبته ومعرفته حتى استطاعوا صده، واتجه أبو فراس نحو العجوز، ~~وتقدم خدمه وعبيده فحملوها في محفة # 10 # بعد أن سألوها عن دارها، فعلموا أنها تسكن في دار الحسين الجوهري، وسار خلفهم ~~أبو فراس حتى وصل إلى دار فخمة البناء، رحبة الفناء، فحط العبيد المحفة، وتقدم الحسين ~~الجوهري فحيا الأمير، وسأله مذعورا عن الخبر، فأخبره بالحادثة. وقد تبين الأسف في وجه أبي ~~فراس، وحتم أن يستدعي لها طبيبا، وأن يمنحها من المال ما يخفف آلامها، فأبى الحسين في ~~أدب واستعطاف وقال: إنها ضيفتي يا مولاي، وخادم نجلاء أخت زوجي، ولا أحب أن يقول الناس: إن ~~الجوهري تخلى عن واجبه. ولكن أبا فراس صمم فلم يكن من طاعته بد. فاستدعى الطبيب، ودخل ~~معه الحسين وأبو فراس إلى حجرة المريضة، فجس أطرافها، وأطال البحث، وبعد لأي رفع رأسه في ~~صلف وقال: لا بأس. ثم التفت إلى أبي فراس وقال: ليس بها شيء إلا شدخا في عظم ساقها اليمنى، ~~وهو غير ذي خطر، ولا يحتاج إلا إلى رباط متين يحول بين الساق والحركة، ثم إلى الراحة ~~الكاملة، فأحضرت الأربطة، وربط الطبيب الساق إلى ما ms19 فوق الركبة ربطا وثيقا، وأمر ألا ~~تتناول من الطعام إلا ما كان خفيفا سهل الهضم. ثم اتجه إلى سلمى وكان خشنا لا يحسن تصريف ~~الكلام وقال: وأنت أيتها العجوز المتشبثة بالحياة، والتي لها قدم في كل مكان، ماذا تعملين ~~في وقت الظهيرة التي تذيب دماغ الضب؟ لعلك كنت تبحثين عن زوج مثلي؟! # فأخفت سلمى غضبها، وأرادت أن تثأر لنفسها فقالت في صوت خافت: لولا أني لا أحب الأطباء ~~لتزوجت واحدا منهم. ~~- ولم لا تحبين الأطباء؟! ~~- لأني أبغض طبهم، وإلا فقل لي بحق أبيك متى حال الطب دون الموت؟ ومتى أطال الطب أمد ~~الحياة؟ إن الحيوان يمرض فيشفى بغير طبيب، وإن كثيرا من صنوفه تعمر فوق عمر الإنسان ~~أضعافا دون حاجة إلى طبيب. إن الله يا سيدي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، خلق في طبيعة ~~الإنسان وطبيعة كل حي طبيبا من غرائزه، فهو إذا أحس المرض انصرف إلى الراحة، وابتعد عن ~~الطعام، وحمى نفسه من البرد. وقد توحي له الفطرة بتناول غذاء هو دواؤه وفيه شفاؤه. إن ~~هرتي هذه تعرف متى تمرض، وتعرف كيف تشفى، ولو كنت دعوت لها بطبيب في إحدى مرضاتها لكانت ~~اليوم في الدار الآخرة تصلى نار الجحيم لكثرة ما قتلت من الفيران، وما اختطفت من طعام ~~الجيران. إن الأمراض أيها الطبيب البارع قسمان: أمراض طارئة سهلة الزوال، وأمراض معضلة ~~قاتلة، وهما لا يحتاجان إلى طبيب؛ لأن القسم الأول يزول بقليل من الحماية والعناية، والثاني ~~لا تنفع فيه رقية الراقي. وأنكى من كل هذا أن إنسانا لو مرض ودعا في كل يوم طبيبا - وهبه ~~دعا عشرة منهم - لاختلف تقدير كل واحد للداء، واختلف وصفهم للدواء، وإذا كان الحق لا يتعدد ~~فأحدهم بالبديهة هو الصادق أو هم جميعا كاذبون. ولن تسأل طبيبا عن شيء ويقول لك: إني لا ~~أعرفه، ولن تعرض نفسك على طبيب حتى يهول لك في الأمر، وينذرك بأكبر المصائب، ويكدر عليك ~~صفوة الحياة، ويخيل إليك أنك تسير إلى القبر عدوا. وقد اعتاد بعض الأطباء ms20 حينما يموت ~~المريض أن يلقوا التبعة كلها على أهله، ولهم في ذلك أساليب بارعة، كأن يسألوهم مثلا: هل ~~سقيتموه؟ فإن قالوا: نعم، قالوا: يا للداهية! لقد قضيتم عليه، إن الماء هو الذي قتله! وإن ~~قالوا: لا، قالوا: يا للجهل ويا للغباء، إن أقل الناس معرفة يدرك أن الظمأ يقتل المريض لا ~~محالة! # فأسرع أبو فراس وقال: أنت مخطئة يا خالتي، إن للطب شأنا في استئصال الأمراض أو تخفيف ~~شدتها، أما أن المرء يعالج نفسه بفطرته فصحيح، ولكن هذا العلاج قد يطول فتطول به آلام ~~المريض. إن الطب لا يمنع الموت، ولكنه قد ينقذ من الموت. ~~- لك رأيك يا بني، ولكني إن أنكرت الطب فلن أنكر فضل الجراحين، فإن نتائج أعمالهم ظاهرة ~~بينة. وهنا قال الطبيب: وما رأيك أيتها الفيلسوفة العجوز في جابري العظام؟ ~~- يجب على جابر العظام ألا يشدخ النفوس، ويكسر الخواطر. # فضحك الحسين الجوهري وقال: إن سلمى أيها الطبيب لا تحب أن يدعوها إنسان بالعجوز. # وانصرف الطبيب، وتبعه أبو فراس بعد أن وضع تحت وسادة سلمى كيسا به عشرون دينارا، وعند ~~انصرافه لمح ستارا ينفرج عن وجه لم تشرق الشمس على أجمل منه، ولم تتفتح أزهار البساتين عن ~~أنضر منه، ولم تفاخر لآلئ البحار بأكثر منه صفاء وتألقا. وجه خلقه الله من أشعة الجنة: ~~فيه الجمال، وفيه النبل، وفيه الشرف. رأى أبو فراس هذا الوجه فاضطرب قلبه، ولم يحاول أن ~~يطيل النظر هيبة وإجلالا، فقد ذهل عن نفسه، وأحس على الرغم من ذهوله أن هذا الوجه كان ~~يرسل ابتسامة مشرقة طاهرة كزهرة الربيع، بعثت في نفسه الأمل، كأنها اللوح السابح يراه ~~الغريق من بعيد، وقد اصطلحت عليه الأمواج، وجاءه الموج من كل مكان، فيهرع إليه، ويتشبث ~~به، ويرى فيه بارقا من النجاة. # خرج أبو فراس من الدار، وأخذ سمته إلى قصره كالمأخوذ، وقد سمع نفسه وهو يردد: # تبسم إذ تبسم عن أقاحي # وأسفر حين أسفر عن صباح # | الفصل الرابع # قضى أبو فراس ليلته مضطربا أرقا، وكان دقيق الحس، بعيد ms21 مرمى الخيال، فأخذ يصور له ~~الوهم صورا لهذا الوجه الباسم الوضاح، ويذهب به في طرق كثيرة الشعب، بعيدة المسالك: ~~فمرة يرى نفسه وهو أمام هذه الفتاة يمد يده لخطبتها وهي عنه معرضة عزوف، # 1 # لا تجيب بكلمة، حتى إذا برمت به تمشت نافرة في خفر وحياء، كأن أمرا منه لا ~~يعنيها، وكأن حديثه الطويل لم يوجه إليها. ومرة يلقاها لا تزال باسمة ، فما يكاد ينبس ~~بكلمة حتى تبادله الحديث في وداعة ورفق وأدب. ثم يعود إليه عقله فيجلس جلسة المفكر ~~الرزين، ويسائل نفسه هامسا: من هي؟ ومن تكون؟ إن كانت زوج الحسين الجوهري، فلا برحت دوني ~~عليها ستور! ومتى استساغ كرم محتدي أن ينال بالنظر زوجا كيفما بلغ بها الجمال؟ إن كانت ~~إياها فيا لكمدي، ويا لحسرتي! # حقا لقد قضيت، وماتت آمالي، وذهب شبابي الذي كنت أعده لعظائم الأمور بددا. ويح لك يا ~~أبا فراس، وقاتل الله تلك الساعة المشئومة! وقاتل الله تلك العجوز الورهاء # 2 # التي جرتك إلى حتفك، وقضت بالفناء على صباك، وأماني صباك! ألم أعزم منذ شهر ~~على الذهاب إلى حلب والإقامة في كنف سيف الدولة ابن عمي وزوج أختي، لأحمل عنه نصيبا من ~~أعبائه، ولأجرد سيفي لنصرته في غزواته لعصاة العرب والروم؟ إنني لو فعلت لعشت حياتي ~~خاليا هانئا سعيدا. ولكن أهي حقا زوج الحسين الجوهري؟ لقد سمعته يقول: إن سلمى خادم ~~أخت زوجه، فلعل ذلك الوجه يكون وجه تلك الأخت، فإن الله أرحم بي من أن يصرعني هذا المصرع، ~~ويقضي على أملي هذا القضاء، وهو يعلم أن تلك النظرة العابرة الغافلة لم ترسلها عيني ولها ~~رغبة في الإثم، أو قصد إلى المنكر، وإنما هي رمية لم أشد لها وترا، ولم أصوب فيها إلى ~~هدف. # سبحانك اللهم يا رب؛ آمنت بقضائك؛ وآمنت بقدرك؛ ولكن لنا نفوسا ضعيفة لا تحتمل هذا ~~القضاء، ولا تستطيع الفرار من ذلك القدر. ثم رفع رأسه كما يرتفع رأس الغريق وقد غمره الماء، ~~وهو يقول: ولكنها ليست زوج الحسين، وإنما هي أختها. ms22 إنها ابتسمت لي ابتسامة كلها نقاء وطهر. ~~ثم وثب من الفرح صائحا: حقا إنها ليست زوج الحسين، وحقا إنها أختها، فما أعظم سروري! ~~وما أعظم هنائي وسعادتي! الآن أستطيع أن أرغب، وأستطيع أن أرجو، وأستطيع أن أكون رجلا له ~~في الحياة آمال. ولكن ما اسمها؟ لقد سمعت الحسين يذكره، إنه اسم حلو كصاحبته، لعله: هيفاء؟ ~~لا، غيداء؟ إنه ينتهي بألف ممدودة، ها، لقد وجدته: نجلاء، نجلاء. إن اسمها نجلاء. ما أجمل ~~الاسم! وما أجمل المسمى! حقا إنها نجلاء. # هكذا كان يقضي أبو الفراس ليله في خيال وتفكير، فلما طرقه النعاس دنفا # 3 # مكدودا في الهزيع الأخير من الليل، لم ترحمه الأحلام. فقد رأى فيما يرى النائم ~~أنه في غابة شجراء # 4 # كثيرة الشوك والقتاد، أدمى المشي فيها قدميه وأجهده، رأى عن بعد شجرة سامقة، ~~حاول الوصول إليها، فلما قرب منها رأى بها كثيرا من الأزهار، فمالت نفسه إلى اقتطاف أجمل ~~زهراتها، فتسلق الشجرة وكانت صعبة المرتقى، ونظر في الأزهار فإذا هي وجوه رائعة الحسن، ~~يجري فيها ماء النضارة والشباب، ولكنه لم يجد فيها وجها يشبه وجه نجلاء، فاستمر في الصعود ~~والتسلق، فإذا وجه يشرق عليه من عذبة # 5 # غصن بعيد المنال، فتأمل وحدق فإذا هو وجه نجلاء فطارت نفسه إليه شوقا، ووثب ~~إلى الغصن؛ ولكن الغصن هوى بجسمه؛ وجعل يذهب ويجيء به في الهواء، وهو قابض عليه لا يفلته، ~~والزهرة تنظر إليه وتبتسم، حتى إذا استنجد بقوته، مد إلى الزهرة يدا فاقتطفها، وهي تقهقه ~~بصوت عال أيقظه من رقاده، فنظر، فإذا سيف الفجر يلمع في الأفق، وإذا الديكة تصيح مستبشرة ~~ببزوغ الصباح، فنهض من فراشه، وقد أعادت الرؤيا إلى نفسه شيئا من الأمل، ورأى أن حسن ~~الطالع قد هيأ له من حادثة العجوز وسيلة لزيارتها والاطمئنان على حالها، وأن هذه ~~الزيارات قد تمهد له السبيل إلى رؤية نجلاء، والتعرف إلى أهلها ثم خطبتها منهم. وذهب أبو ~~فراس إلى دار الحسين الجوهري فقابله أحد الخدم لدى الباب، وأخبره أن سلمى بالطبقة ms23 الأولى من ~~الدار، ثم سار أمامه ليصل به إليها. # فلما دخل الحجرة حياها وجلس إلى جانب سريرها، وأخذ يسأل عن حالها، ويسري عنها ويتألم ~~لما أصابها، وكانت قد استردت صحتها فأخذت تهون عليه الأمر وتحدثه بكثير من أخبار حلب، ~~وبينما هما يتجاذبان القول إذا نجلاء تدخل فجأة، ولم يكن يخطر ببالها أن إنسانا غريبا ~~يزور سلمى في هذا الصباح الباكر. دخلت وهي تصيح: كيف حالك اليوم يا سلمى؟ فلما لمحت أبا ~~فراس ذهلت، ووقفت مكانها لا تريم، كأن المفاجأة عقدت رجليها إلى الأرض، حتى إذا أفاقت من ~~هجمة الدهشة دارت نحو الباب في ذعر تتلمس الفرار، ولكن سلمى صاحت بها: على رسلك يا سيدتي، ~~إنه الأمير أبو فراس ابن عم أميرنا سيف الدولة، وهو شاعر عبقري الخيال، وطالما حدثك عنه ~~الناشئ الأصغر أستاذه ومعلمه، وطالما ألححت عليه أن يكتب لك أشعاره، وأنت يا سيدتي أديبة ~~شاعرة تجالسين كبار الشعراء والأدباء، وقد كانت فضليات النساء في الصدر الأول لا ~~يرين من حرج في حضور مجالس العلم والأدب، وكان منهن المحدثات والفقيهات والأديبات ~~والشاعرات. فالتفتت نجلاء في تردد وقالت في صوت خافت يتعثر بالحياء: الأمير أبو فراس ~~الشاعر؟ وكان أبو فراس واقفا فتقدم نحوها في تردد وخشية وقال: نعم يا سيدتي أنا أبو ~~فراس الشاعر، وقد آن لي الآن أن أزهى بشعري وأعتز به؛ لأنه نال استحسان خير الأديبات ~~الشاعرات. فخطت نحوه نجلاء في خجل وأدب وقالت: سألتك بالله يا سيدي أن تجلس فإني كنت في شوق ~~إلى سماع شعرك وقد يطول بنا الحديث. أترى بأسا من أن أكون راويتك؟ ~~- إن شعري يشرف يا سيدتي بأن تكوني له راوية. # فقالت: لقد كنت راويتك قبل أن نلتقي. ثم تمكنت في جلستها وقالت في وقار: حدثنا أبو ~~الحصين الرقي، عن جعفر بن ورقاء، عن أبي فراس بن سعيد أنه قال: # إنا إذا اشتد الزما # ن، وجار خطب وادلهم # ألفيت حول بيوتنا # عدد الشجاعة والكرم # للقا العدا بيض السيو # ف، وللندى حمر النعم # 6 # هذا ms24 وهذا دأبنا # يودى دم ويراق دم # 7 # وقال: # لقد علمت سراة الحي أنا # لنا الجبل الممنع جانباه # يفيء الراغبون إلى ذراه # ويأوي الخائفون إلى حماه # وحدثت عنه أنه يقول: # إذا خلق الأنام لحث كأس # ومزمار وطنبور وعود # فلم يخلق بنو حمدان إلا # لمجد أو لبأس أو لجود # ويقول: # علونا جيشنا بأشد منه # وأثبت عند مشتجر الرماح # بجيش جاش بالفرسان حتى # ظننت البر بحرا من سلاح # وألسنة من العذبات حمر # تخاطبنا بأفواه الرياح # 8 # وأروع جيشه ليل بهيم # وغرته عمود للصباح # صفوح عند قدرته كريم # قليل الصفح ما بين الصفاح # 9 # وكان ثباته للقلب قلبا # وهيبته جناحا للجناح # ثم ابتسمت وقالت: أهذه الرواية صحيحة؟ # فقال أبو فراس: الرواية صحيحة، غير أن حسن إلقائك يا سيدتي زاد في شعري كثيرا لم يكن ~~فيه، هل تروين أبياتا أخرى؟ # فأعادت جلسة الوقار وقالت: حدثنا أبو زهير بن حمدان، عن الناشئ الأصغر، عن أبي فراس أنه ~~قال: # يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا # كأن كل سرور حاضر فيها # باتت وبت وبات الزق ثالثنا # حتى الصباح تسقيني وأسقيها # كأن سود عناقيد بلمتها # أهدت سلافتها خمرا إلى فيها # ثم قالت وهي تبتسم: أحقيقة كانت هذه الليلة أم خيالا؟ ~~- كانت خيال شاعر يا سيدتي، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تري أنهم في كل واد ~~يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ ~~- هذه حيلة يا سيدي يلجأ إليها كل شاعر. ~~- إنني يا سيدتي لم أجد في ماضي أيامي من تصلح لأن تكون شريكة حياتي، وما زلت عصفورا ~~حائرا يسبح في الجو باحثا عن إلف. # وفي هذه اللحظة صاحت سلمى الماكرة صيحة ارتجت لها أرجاء الحجرة، وأخذت تشكو آلام ساقها ~~في تصنع متقن، وأنات تتقطع لها نياط القلوب. ففزعت نجلاء، وأخذ أبو فراس يهدئ من نفس ~~العجوز في حنان ورفق، ويدعوها إلى الصبر والجلد، وهي تتململ وتكتم أنفاسها بواسدتها، ولم ~~تسكن إلا بعد أن كادت تنفد الحيل في إعادتها إلى الهدوء، وعند ذلك هم أبو فراس بالانصراف ~~بعد أن ودع نجلاء وحيا ms25 العجوز. # وتوالت زيارات أبي فراس، وتوالت المقابلات، وزال شيء من الكلفة بين الصديقين. وبينما كان ~~في ذات يوم يزور سلمى إذ قابلته نجلاء مستبشرة وهي تقول: لقد أوشكت سلمى أن تشفى، فأطرق في ~~خجل وقال: ليتني أشفى كما شفيت! فذعرت نجلاء وقالت في صوت رقيق: أأنت مريض حقا يا ~~سيدي؟ ~~- نعم مريض يا فتاتي، ولكن مرضي لا يعرفه الأطباء، إنه المرض الذي أصيب به قبلي قيس بن ~~الملوح وجميل بن معمر. # فابتسمت نجلاء وقالت: أظنك تمزح يا سيدي. ~~- لست أمزح يا نجلاء، إنه الحب الطاهر الشريف. ~~- أرجو أن توفق إلى لقاء من تحب. ~~- إنه أمامي وفي يدي لو كتبت لي السعادة وباركتني ملائكة السماء، فاحمر وجه نجلاء من ~~الخجل، وأطرقت في صمت وحيرة، وأسرع أبو فراس يقول: سيدتي! إن رجائي أن تومئي إيماءة تدل على ~~القبول، كل ما أطلبه يا سيدتي أن أنال الرضا بأن أكون لك بعلا. فابتسمت نجلاء ابتسامة ~~واهنة فهم منها أبو فراس رضاها فصاح: أنت يا سيدتي حياتي، وريحانة روحي، ومطمح آمالي، ~~إنني سأكون أسعد زوج طلعت عليه الشمس. # وبعد أن تنقلا في ضروب شتى من الأحاديث، ودعها وانصرف، وهو يظن أنه ملك الخافقين، ~~وسما فوق مناط الفرقدين. # وذهبت نجلاء إلى أختها فحدثتها بخطبة أبي فراس، وأخذت تطريه وتشيد بصفاته ورفيع أدبه، ~~وكلما بلغت الغاية في المديح عادت أدراجها لتبتدئ من جديد، وفاطمة منصتة جذلة لسرور أختها. ~~وبعد أن استمعت طويلا رفعت رأسها وقالت: وهل تقدم لخطبتك أحد في حلب يا نجلاء؟ ~~- كثير يا أختي، ولكني استطعت أن أدفعهم عني جميعا، إلا فتى يسمونه قرعويه، وهو فارسي ~~المنبت، له بحلب أعظم نفوذ وأكبر صولة؛ لأنه غلام سيف الدولة الأثير عنده، وهو من كبار ~~قواده، ولا يعوزه شيء مما يزدان به الرجال من بسطة في الجسم ووسامة في الوجه وشجاعة في ~~الميدان، ولكنه يطوي بين جوانحه نفسا تتوق إلى الشر، ويخفي وراء بسماته كل معاني الختل ~~والخديعة. هذا الفتى لا يمل من الإلحاح في خطبتي ولا يسأم ms26 من طول المطل والتسويف، فهو غريم ~~مثابر مصمم، يظن أن الحب ميدان قتال يجب أن يكسب فيه المعركة، وألا يتحدث الناس بفراره منه ~~كيفما بلغ به اليأس. وقد كنت أستطيع أن أغلق بابي دونه، أو أزيد في التنكر له، لولا شدة ~~اتصاله بسيف الدولة وخوفي من مكره ومحاله. # 10 # والحق أن أكبر ما دفعني إلى زيارة منبج إنما هو لأراك ولأن أفر منه. # وقطع الحديث عليهما دخول حسين الجوهري، الذي لم يلبث بعد الغداء وبعد أن استمع إلى زوجته ~~طويلا، أن خرج مسرعا لدعوة أبي فراس إلى الطعام في الغد، تقديرا لتفضله بزيارة ~~داره. # وهكذا صح تدبير فاطمة، وهكذا توالت الأيام، وتوالت معها زيارات أبي فراس لنجلاء، وهما ~~في كل زيارة يتحدثان عما ينتظرهما من هناءة في ظل زواج سعيد. # وفي ذات يوم دعا حسين الجوهري أبا فراس للصيد في ضيعة له بأحد أرباض المدينة، وكانت ~~سبقتهما إليها نجلاء وفاطمة وطائفة من العبيد والخدم فقضى أبو فراس أياما هنيئة في اللهو ~~والصيد والتمتع بنشوة الحب إلى جانب نجلاء دون رقيب أو حسيب. وبينما هما في صبيحة يوم ~~يركضان بجواديهما خلف غزال؛ إذ لمحت نجلاء شبح فارس عن بعد يظهر ثم يختفي خلف الآكام في ~~هيئة المريب المتجسس، فتركت مطاردة الغزال، وأرخت العنان لفرسها فانطلق كأنه لمحة البرق، ~~ودارت بجوادها حتى لا يظن الفارس أنها تقصده، حتى إذا صارت على كثب منه، وأبصرت صفحة وجهه، ~~انقبض صدرها، ولمع الغيظ في عينيها، وتمتمت بكلمات كلها سخط على النذالة والأنذال. ثم عادت ~~أدراجها فلحقت بأبي فراس والغضب لا يزال يضطرم في وجهها. فدهش وأخذ يسأل عن سبب انصرافها ~~عنه وعما يبدو في وجهها من غيظ وألم، فسكتت برهة، ثم رفعت وجهها إليه قائلة: إن الله خلق ~~فريقا من الناس يوم خلق الأفاعي. وإن بعض الناس لا يستطاع الفرار من كيدهم وخبثهم ولو ~~سكنا فوق متن الهواء، وعشنا في قرارة الماء. وهم كالموت يدركوننا أينما كنا ولو كنا في بروج ~~مشيدة. ~~- ما هذا التهويل ms27 يا سيدتي؟ ~~- قد يكون تهويلا، ولكني لا أحب الدناءة، ولا أتحمل الأدنياء. ~~- لقد أفزعتني يا نجلاء، فبالله عليك إلا ما صرحت! ~~- رأيت فارسا عن بعد يظهر ويختفي، فعدوت بجوادي من ورائه حتى أقرب منه بحيث لا يراني، ~~فلما دنوت منه عرفت أنه فهد غلام قرعويه. ~~- قرعويه غلام سيف الدولة وقائد جيوشه؟ وما شأن هذا في أن تنالكم هذه الثورة من الغضب ~~التي كادت تكدر صفاء هذا الوجه اللؤلؤي؟ ~~- لن أكتمك شيئا يا سيدي. إن قرعويه هذا يطاردني في حلب، ويلح في خطبتي، وكأنه لم يرد ~~أن يتركني أياما أتمتع فيها بلذة نسيانه، فأرسل غلامه ليتجسس علي، ويكدر صفو حياتي ~~بذكره. ~~- وهل قرعويه هذا من النفوذ والصولة بحيث ترهبينه وتلجئين إلى مصانعته؟ ~~- له من المكانة عند سيف الدولة فوق ما يتخيل المتخيلون، ثم هو ماكر ختال، يلبس لمصارعة ~~الأسود إهاب الثعلب. ~~- هوني عليك يا سيدتي، فإن في سيف حبيبك مصرع الأسود والثعالب، ثم أخذ يفاكهها ويهون ~~عليها الأمر حتى ضحكت، وحملت الريح رنين ضحكها عذبا حلو النغم فامتزج بتغريد ~~الطيور. # ولما قرب أبو فراس من الخيام لمح أسامة خادمه وهو ينزل عن فرسه، فأسرع إليه وسأله عن سبب ~~قدومه، فأخبره بأن رسالة عاجلة جاءت من سيف الدولة لدعوته إلى حلب دون أن يعوق. وهنا ~~التفت أبو فراس إلى نجلاء حزينا كاسفا، والدمع يكاد يثب من عينيه وقال: هكذا الدنيا لا ~~يتم بها سرور، فأجابته: لا، لا، إن الدنيا كلها سرور، سر إلى ابن عمك غدا وستراني قريبا ~~في حلب. إن الفرقدين لا يفترقان. # | الفصل الخامس # عندما تبلج صباح اليوم الخامس من شهر رجب سنة ستة وثلاثين وثلاثمائة، كان أبو فراس قد ~~أعد عدته للسفر، فشدت الحمول على الإبل، وكان يحمل متاعه أربعون بعيرا، سار خلفها ~~الرجال بين فارس وراجل، وقبل أن يمتطي جواده وقف ليودع أمه فأخذت تقبله في جبينه مرات، وتشد ~~ذراعيه القويتين إليها كالمباهية المفاخرة، وتقول: سر أبا فراس وأتمم صحيفة المجد التي وقف ~~الموت بأبيك دون إتمامها، سر ms28 يا بني فإنما ولدت لصهوات # 1 # الجياد، ومصارعة الأهوال. سر ودعني هنا أهنأ بأخبار انتصارك وفوزك، وبعد أن ~~نثرت عليه دعواتها سار أبو فراس ووراءه العبيد والخدم، وقد تجنب الطريق إلى حلب ليمر ~~بمنزل له في قلبه أكبر منزلة، حتى إذا حاذى دار نجلاء نظر فإذا نافذة تفتح، وإذا وجه مشرق ~~وضاح يحييه بابتسامة كابتسامة الربيع، كانت زاده في سفره الطويل. # وكانت الطريق إلى حلب ملتوية بين ارتفاع وانحدار، تزينها المروج الخضر وأشجار الزيتون ~~والفاكهة المنتثرة بين السهول والهضاب، وكان الوقت ربيعا، والنسيم رقيقا، فأطلق لفرسه ~~العنان، وهو ينشد الشعر، ويتغنى بزوجه الجميلة، ويبني الآمال الكبار على اتصاله بسيف ~~الدولة، وحين أدركه الليل أوى إلى فندق فنال من طعامه وشرابه، ثم استراح به إلى الفجر، ~~وواصل السير في طليعة النهار، حتى بلغ حلب في وقت العشاء الآخرة، فحط رحاله في دار ابن ~~عمه أبي زهير الحمداني، وكانت بالقرب من «ساحة الناعورة» ليستقبل سيف الدولة في الصباح، ~~وكانت مدينة حلب من أعظم مدن الشام في ذلك الحين، وكانت تلي دمشق في المنزلة، تقع على نهر ~~قويق، ويحيط بها سور عظيم سامق بني بالحجر الأبيض الضخم، به ستة أبواب، وإلى جانب السور ~~قلعتها الحصينة التي تطل على المدينة شامخة متحدية، تربض أمامها كما يربض الأسد أمام ~~العرين، وإلى الغرب منها جبل الجوشن، والمدينة فسيحة الطرق، فخمة القصور ذات الطابع ~~البيزنطي، كثيرة المساجد والفنادق والمتاجر والحدائق والبساتين، وفي وسطها دار علوة التي ~~يقول فيها البحتري: # تناءت دار علوة بعد قرب # فهل ركب يبلغها السلاما؟ # وجدد طيفها عتبا علينا # فما يعتادنا إلا لماما # 2 # وربت ليلة قد بت أسقى # بعينيها وكفيها المداما # واشتهر أهل حلب بالثراء والظرف والأدب، وازدحم بها السكان من عرب وترك وأرمن وروم، ~~وكثير بها الجنود المرابطون للقتال. # وزاد ازدهارها في عهد سيف الدولة، فقد دخلها فاتحا في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة بعد أن ~~انتزعها من أيدي الإخشيد، وكان سيف الدولة بطلا شجاعا بعيد مدى الغايات، أديبا شاعرا ~~جوادا، جعل حاضرة ms29 ملكة مثابة # 3 # للعلماء والشعراء والأدباء الذين هرعوا إليه من أقطار الأرض، بعد تفكك الدولة ~~العباسية، فأغدق عليهم، وقيدهم بإحسانه «ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا» فعاشوا من نعمه ~~في ظل ظليل. وكان من أشهر من اتصل به المتنبي والصنوبري والنامي وكشاجم وابن نباتة السعدي ~~وابن خالويه وابن جني والفارابي. # استيقظ أبو فراس في الصباح واستعد للقاء سيف الدولة، فركب جواده قاصدا أرض الحلبة، وهي ~~في سفح جبل الجوشن. فوصل بعد قليل إلى القصر وكان رفيع البناء، بلغ الغاية في الفخامة ~~والاتساع، يقع على ضفة نهر قويق. وقد بذل فيه المهندسون والبناءون والمصورون كل ما في ~~مكنة البشر من إبداع، وزينت أبوابه وحيطانه وسقوفه بالنقوش البارعة، والتهاويل الرائعة ~~واتسعت به الغرف والأبهاء، وكان بقاعته الكبرى وهي قاعة السفراء خمس قباب يحملها اثنتان ~~وأربعون ومائة سارية من الرخام الأبيض الناصع المحلى بالذهب، وبها مئات من النوافذ الزجاجية ~~البديعة الألوان؛ أما الأثاث والرياش ففوق ما يصف الشعر ويرسم الخيال. وقد أحاطت بالقصر ~~الحدائق والبحيرات التي كان يجري إليها الماء من تماثيل سمك ضخم صنع من الذهب، وركبت له ~~عيون من ثمين الجوهر. # وصل أبو فراس إلى مدخل القصر فبهره ما رأى من مظاهر العز والسلطان، وأقبل عليه كبير ~~القصر يحييه عن سيده، ويهنئه بسلامة الوصول، فدهش لكثرة العبيد والمماليك الروم الذين ~~انتثروا في أنحاء القصر يروحون ويجيئون في حركة دائبة، وهاله ما رأى من كثرة القواد والجنود ~~والزوار وأصحاب الحاجات. ثم استؤذن له فدخل على سيف الدولة فوقف له واعتنقه، وأقبل عليه ~~يرحب به ويسأله عن منبج وأهلها. وكان سيف الدولة جسيما قسيما عربي الملامح واسع ~~العينين، له نظرات يلمح فيها الذكاء، ويتجلى الطموح، وبوجنته اليسرى أثر لضربة سيف لم ~~يذهب بوسامته. وقد أعجب بما رأى في أبي فراس من البطولة وعلو النفس. وبينما هما يتبادلان ~~الحديث إذ دخل قرعويه، فقال سيف الدولة: هذا قرعويه يا بن عمى قائد جيوشي الذي أعددته ~~للعظائم. فتقدم نحوه أبو فراس بالتحية، وقد علم من قبل بأمره ms30 من نجلاء، فرأى رجلا ~~بساما وضيء الوجه، يدل مظهره على صفاء النية وطهارة النفس، ولكن فراسة أبي فراس كانت ~~جديرة بأن تخترق الحجب، وأن تنفذ من طبقات الرياء إلى ما وراءها من خبث وخديعة، غير أنه رأى ~~من الكياسة وحسن الرأي أن يجزي على ابتسام بابتسام، وأن يخدع الرجل الذي يحاول خداعه، فمد ~~إليه يده في حفاوة كريمة، وأخذ يطريه وذكر ما وصل إليه بمنبج من أخبار شجاعته ونبله ~~وإخلاصه في خدمة الأمير، ثم ابتسم في وجهه وقال: وطالما تمنيت يا سيدي أن أسعد بلقائك، فلما ~~شملني ابن عمي بفضله كان تحقيق هذه الأمنية من أعظم مننه. ثم شد على يديه قائلا: أريد يا ~~قرعويه أن نكون صديقين مخلصين، فهل تحب أن تكون لفارس من فرسان بني حمدان صديقا ~~مخلصا؟ ~~- أحب؟! هذا شرف أتيه به على الدنيا، وسنجتمع يا سيدي في حرب وفي سلم، وستجد مني فيهما ~~الأخ الوفي والصاحب الأمين. # وبعد انصرافه اتجه سيف الدولة إلى ابن عمه مفكرا، وقد طافت غمامة من الحزن فوق وجهه ~~الوسيم وقال: لقد دعوتك يا بن عمي في وقت أحس فيه أن قوائم عرشي تهتز من تحتي لما يعصف ~~بها من خطوب، وما يحيط بها من كوارث، فقد أخذت قبائل العرب المعادية تتنمر حول حدود ~~الدولة، وتتحين فرصة للوثوب، فإن لها عند بني حمدان ترات قديمة لا يمحوها كر السنين. ~~والعربي ينسى كل شيء إلا دين الشرف، ويجف عنده كل شيء إلا الدماء. فلا بد لنا من يقظة ~~الذئب ووثبة النمر، وفتكة الأسد، حتى نستأصل هذا الصلف من رءوسهم. ثم هناك دولة الروم، ~~وهي ألد أعداء الإسلام من ناحيتين: ناحية الدين، وناحية السياسة والملك، فإنها لا تنسى ~~ذلك الملك الضخم الذي دك الإسلام حصونه، وثل عروشه، ومزقه إربا إربا، بعد أن كانت أقوى ~~ممالك الأرض وأعظمها عدة وعديدا، وأبعدها ملكا وأطرافا. لن تنسى مملكة الروم ما نكبها ~~به الإسلام، وما أصابها من سيوف المسلمين ورماحهم، حتى أصبحت دويلة لا شأن لها ولا خطر، ms31 ولا ~~تحكم إلا على القسطنطينية وبعض البلدان حولها. وقد أيقظتها هذه النكبة فأخذت تعد ~~العدة بالليل والنهار، لتسترد ما فاتها من مجد، وتمحو ما نزل بها من هزيمة. وقد اتفق ~~لما يريده الله لي من خير أو شر، أن تتم استعدادها في هذه الأيام، وأن يختارني القدر ~~للدفاع عن ممالك الإسلام والذود عن حياضه. وزاد في جسامة الأمر وهوله أن ملكهم «نيقفور ~~فوكاس» رجل من أكبر الدهاة، وقائد من أعظم القواد، وسيكون الصراع بيننا عنيفا، وستكون ~~الحرب بيننا محتدمة الأوار، وسيرى الناس وسيشهد التاريخ أن الفتى العربي استطاع بسيفه ورمحه ~~وقلة عديده أن يهزم دبابات الروم، وأن يبدد جيشهم اللهام، وأن يطفي نارهم اليونانية، ~~التي يرسلونها على الجيوش كأنها قطع من الجحيم، لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم، لهذا يا بن عمي دعوتك لتكون عضدي وساعدي، ولينال سيفك من النصر ما هو جدير بآل ~~حمدان. ~~- لقد دعوت يا بن العم مجيبا، واخترت أمضى سيوفك حدا، وأصلبها مكسرا، ولم يخلق الله ~~بني حمدان إلا لبذل الرغائب ودفع النوازل، وإن هذا الملك الذي بنيناه بسيوفنا سنصونه ~~بسيوفنا وأرواحنا، لقد كنت أتحرق شوقا إلى خوض المعامع، وآسف لسيفي وهو يكاد يصدأ في ~~غمده، فإذا دعوتني اليوم إلى نصرتك ونصرة البيت الحمداني الكريم، فإنما تدعو إلى الماء ~~هيمان، وإلى الطعام سغبان، إن السيف الذي يسعد بالحرب إلى جانب سيف الدولة لسيد ~~السيوف! ~~- رعاك الله يا أبا فراس، وجعل مقدمك علينا يمنا وبركة، لقد منحتك ولاية منبج، وأعددت ~~لك كل ما تحتاج إليه من سلاح وعدة، وجعلتك قائدا كبيرا بين قواد جيوشي، فاستعد فقد ~~تتمتع بلقاء الروم قريبا. ثم إني وهبت لك قصرا بالقرب من «برج أبي الحارث»، وأمرت أن ~~يبذل كل جهد في فرشه وتأثيثه، وأن يكون به من الجواري والخدم ما يليق بمثلك. اصعد الآن ~~إلى أختك أسماء فإنها في شوق إليك. # خرج أبو فراس، فكان أول من التقى به محمد الخالدي، وكانت رسائل أخته فاطمة قد زودته بكل ~~ما ms32 كان بين أبي فراس ونجلاء، فخطا نحوه قائلا: أنا محمد الخالدي يا سيدي أمين خزائن الكتب ~~بالقصر، أريد أن أشرف بلقاء البطل الشاعر، وأحب أن يعدني من أوفى أصدقائه، ثم مد إليه يده ~~في شوق وقال: سمعنا شعرك يا سيدي - قبل أن نراك - في سجع الحمائم، وشربناه في كئوس المدام، ~~وشممناه في أكمام الزهر. فشد أبو فراس على يديه، ثم مد ذراعيه لعناقه، وهو الحبيب أخو ~~الحبيبة، وقال: ما أسعدني برؤيتك، ثم ما أسعدني أن تكون لي أخا حميما! أما الشعر الرائع ~~الذي تتحدث عنه فلن يصل إلى مدى شعر الخالديين. هل انتهى العراك المحتدم بينكما وبين ~~السري الرفاء؟ ~~- لا يا سيدي، إنه لن ينتهي، وهذا الرجل عجيب أمره، فقد أخذ يذيع في كل مكان أننا نسرق ~~شعره وندعيه لأنفسنا، ويعلم الله أن شعره أهون من أن يدعيه غلام ناشئ. ثم إن اللئيم ~~أراد أن يؤكد هذه الدعوى فذهب إلى أحد الوراقين بحلب واتفق معه على أن يكتب له نسخا ~~من ديواننا، فكتبها ودس في غضونها كثيرا من شعره، ثم صاح بين الأدباء: لقد وجدت الدليل! ~~اذهبوا إلى محمود الوراق تجدوا أن ديوان الخالديين به كثير من شعري! وهنا أقبل عليهما ~~قرعويه وهو لا يزال بشا يكاد يسيل رقة وظرفا، وبعد أن حياه الخالدي انطلق يقول: هل يقبل ~~سيدي أبو فراس وسيدي قرعويه أن يشرفا بيتي الليلة بعد الغروب ليبعثا فيه روحا من البهجة ~~والسرور؟ إن فعلا كان ذلك منة منهما وتكريما. فقبلا الدعوة، وغادرهما أبو فراس ليصعد ~~لزيارة أخته. # وفي ذلك الحين كان فارس يقفز من صهوة فرسه عند باب القصر، ويسرع وعليه وعثاء # 4 # السفر إلى حجرة قرعويه، فلما مثل أمامه اتجه إليه قرعويه وقال: لقد أبطأت علينا ~~يا فهد، فما وراءك؟ ~~- مكثت يا سيدي أياما أرقب نجلاء حتى تحققت أنها تكثر من لقاء أبي فراس، فقد شهدتهما ~~معا في أحد أرباض منبج، وكانا قد خرجا للصيد. أما سبب إبطائي فلأني انتظرت حتى سافر أبو ~~فراس وسافرت نجلاء ms33 بعده بساعة أو ساعتين. ~~- هذه الخبيثة التي طالما ماطلتني، وكلما ظننت أني تملكتها فرت من يدي كما يفر الماء من ~~خلال الأصابع! أما مولانا أبو فراس فلي معه شأن أي شأن! ثم فكر طويلا وقال: إنه سيتعشى ~~الليلة في دار الخالديين، وسوف يخرج في أخريات الليل مع غلامه، فهل تستطيع أن تجمع له عصابة ~~تهجم عليه في الطريق وتقتله؟ ~~- إني أعرف أشرار بني كعب، فكم يكفي لقتله؟ ثلاثة؟ ~~- لا، فإنه فارس شديد المراس، # 5 # وفي رأيي أنه يقهر ما دون العشرة. ~~- سأجمع له اثني عشر فارسا، وسنكمن له في الطريق، أين يسكن؟ ~~- في قصر سيف الدولة أمام برج أبي الحارث. ~~- حسن يا سيدي، لن يضايقك بعد اليوم. # كان لقاء أبي فراس لأخته صورة صادقة من الحب والحنان، فقد كانت أسماء شديدة الشوق إليه، ~~وهي التي دفعت سيف الدولة إلى دعوته، هيأت له المنزلة عنده، وبعد أن سألته عن أمها قامت إلى ~~خزانة لها وأخرجت علبة من الذهب، وقالت: أتعرف ما في هذه العلبة؟ ~~- كيف أعرفه يا أختي؟ ~~- إني وجدتها في خزانة أبيك بعد موته، وقد كتب عليها بخطه «هدية إلى ولدي أبي فراس» ~~فحفظتها لك طول هذه المدة. ففتحها أبو فراس فرأى فيها لؤلؤة ثمينة بقدر البندقة لفت في ~~ورقة، فوضعها في جيبه ووعد أسماء بأن يحتفظ بها، ثم سأل: ومن أين جاءت هذه اللؤلؤة ~~لأبي؟ ~~- أهداها إليه قائد عظيم من قواد الروم، وطلب منه أن يحتفظ بها، ولعل لهذه الهدية معنى لا ~~نعرفه. ~~- قد يكون. # وفي هذه الأثناء دخلت رملة أخت سيف الدولة فوقف أبو فراس يحييها في أدب ومجاملة، وكانت ~~رملة في الرابعة والعشرين من عمرها أميل إلى القصر منها إلى الطول، ليس في وجهها من آثار ~~الجمال إلا شمم في أنفها، وبريق شديد في عينيها، وقد انصرف عنها الخطاب، إما لمنزلة أخيها ~~- وقد يكون بعد المنزلة أحيانا من أسباب العنوس # 6 # والبوار - وإما لأن القدر قسا عليها فلم يرض أن يعطيها الجاه والجمال معا، ~~فانصرف الأمراء عنها، ms34 حتى يكاد يذوي شبابها، ويذبل عودها، وتقع في تلك الوهدة الموحشة التي ~~ترى فيها الفتاة أنها في سن الأم وليست أما، وفي عداد الفتيات وليست في سن ~~الفتيات. # نظرت رملة إلى أبي فراس فرأت فيه الأمير المرح الوثاب، والفارس المقدام، فجالت بنفسها ~~خواطر ووثبت آمال: هذا هو الرجل الذي يجب أن تتزوج به، إنه الرجل الكامل الذي تحن إليه، ~~إنه قريبها وصنيعة أخيها، فلم لا يخطبها منه؟ ولكن ربما كان يهولوه عظم مكانها، وبعد ~~شرفها. وتجتهد رملة في أن تجذب إليها انتباهه. ولكن أبا فراس كان صخرة لا تحس، ورجلا ~~بغير قلب. وكيف وقد أعطى قلبه كله لنجلاء؟ وادخر جميع نظراته لنجلاء؟ لقد كان يحادثها في ~~رفق وأدب، وينصت إلى حديثها إنصات الخاشع المطرق، ولكن نظرة منه واحدة لم تنم عن ميل أو ~~تدل على رغبة في إطالة الحديث. # وحينما هم بالانصراف لم تر فيه رملة إلا مهرا جموحا. وعند أذان المغرب ركب أبو فراس ~~جواده وخلفه مملوكه سهم الذي أهداه إليه سيف الدولة، وذهب إلى دار الخالديين، ووثبت نجلاء ~~للقائه فرحة بسامة، تحييه وترحب به، ثم انطلق بهما الحديث إلى شعب شتى، فتذكر هدية ~~أبيه فأخرج العلبة من جيبه وقال: هذه يا نجلاء أغلى هدية عندي، أقدمها لأغلى فتاة عندي، ~~فتناولتها نجلاء وقالت: ما أجمل هذه العلبة! انظر، إن عليها نقوشا رومية، ثم فتحتها ~~فبهرتها اللؤلؤة بصفائها وعظم حجمها، وقالت دهشة: ما رأيت لؤلؤة مثلها. من أين لك هذه ~~اليتيمة العصماء؟ # 7 ~~- هدية من أبي، ولو عرف أنني سأحلي بها أجمل نحر في الدنيا لأهدى إلي كل ما في خليج ~~عمان من لآلئ. ~~- وما هذه الورقة التي لفت بها؟ إني أرى عليها كتابة بالرومية فما معناها يا ~~ترى؟ ~~- لا أدري، غير أن اللؤلؤة كانت هدية من قائد عظيم من قواد الروم. وهنا أسرعت نجلاء ~~فوضعتها في خزانة حليها ثم قالت: متى تذيع بين الناس خبر خطبتنا؟ ~~- لكل شيء أوان يا سيدتي، ومن الخير أن تبعثي إلي بدعوة كلما دعوت ms35 الأدباء والشعراء ~~للحديث والسمر. ~~- حسنا يا سيدي سأرسل إليك سلمى العراقية، وأرجو أن أراك بين الحين والحين، فإن في حضورك ~~مجالسي شرفا وسعادة. # وفي ذلك الحين قدم الخالديان ومعهما قرعويه، ومدت المائدة وعليها أشهى الألوان، وكان ~~قرعويه مرحا ضحوكا كثير المزاح والدعابة، وبعد الطعام أعدت أكواب الشراب، وأخذ القوم ~~في السمر، وغنت نشوة الدمشقية من شعر أبي فراس قوله: # أساء فزادته الإساءة حظوة # حبيب على ما كان منه حبيب # يعد علي الواشيان ذنوبه # ومن أين للوجه الجميل ذنوب ؟ # وقوله: # قد كان بدر السماء حسنا # والناس في حبه سواء # فزاده ربه جمالا # تم به الحسن والبهاء # لا تعجبوا، ربنا قدير # يزيد في الخلق ما يشاء # فماج القوم من الطرب وخرجوا عن وقارهم. # وتحين قرعويه فرصة فاستأذن من صاحبي الدار في الخروج، وبعد أن انتصف الليل قام أبو فراس ~~بعد أن شكر الخالديين، وامتطى جواده وخلفه سهم، وكان الظلام حالكا، وقد خلت الطرق من ~~السابلة، وبينما هما يمران بميدان أمام باب اليهود؛ إذ خرجت عليهما ثلة من الفرسان كانت ~~تختبئ في أحد الدروب، فوثبت على أبي فراس فطارت النشوة من رأسه، وعاوده عزمه ورأيه، فدار ~~حولهم حتى حاذى جانبهم، فأرادوا أن يتجهوا نحوه بخيولهم، فاضطربت الخيل واصطك بعضها ببعض، ~~واهتبل أبو فراس هذه السانحة فأغمد حسامه في فرسين فسقطا على الأرض، ثم تراجع قليلا، فأراد ~~الفرسان أن يتبعوه فارتطمت الخيل بالفرسين الساقطين، فانقض عليهم كما ينقض النمر، وأعمل ~~فيهم سيفه ضربا وتقتيلا، وفي هذه اللحظة هجم عليه زعيمهم وكان ضخم الجثة، وكأنه قطعة ~~الجبل، فضرب بسيفه سيف أبي فراس فأطاره من يده، فوثب أبو فراس من سرجه إلى صهوة جواد هذا ~~الفارس الشعشاع، حتى إذا كان منه وجها لوجه، مد ذراعه الحديدية إلى عنقه فعصره بيسراه، ~~واختطف بيمناه سيفه من يده. وضربه ضربة أطاحت رأسه، فسقط مجدلا. وحينما رأى من بقي من ~~العصابة ما حل بزعيمهم طاروا من الذعر، وهم لا يكادون يصدقون أنهم أحياء، وعاد أبو فراس ~~إلى جواده فامتطاه كأن ms36 لم يحصل شيء، وكأن هدوء الليل لم يزعجه صليل سيف، ولا وثبة جواد، ~~وجال بخاطره وهو في طريقه إلى داره أن يترنم بقوله: # إذا كان منا واحد في قبيلة # علاها، وإن ضاق الخناق حماها # وما اشتورت إلا وأصبح شيخها # ولا احتربت إلا وكان فتاها # 8 # | الفصل السادس # عاش أبو فراس بحلب في ظل الرفة والنعيم، واختلط بفرسانها وشعرائها، فكان النجم المتلألئ ~~بين الفريقين، والمفرد العلم في الحلبتين، ولقي في كنف سيف الدولة من بعد المكانة ورفاغة # 1 # العيش، ونفوذ الكلمة ، ما تطيب به نفس الكريم. وكانت سلمى العراقية تحمل إليه ~~رسائل الدعوة من نجلاء بين فترات قصيرة لا تتعدى اليومين، فعاش في ظلين من النعيم والجاه ~~سعيدا جذلان هانئا. # وفي ذات يوم عزم على أن يبتاع سيفا ليعتاض به عن السيف الذي فقده ليلة محاولة اغتياله، ~~فأرشده خادمه سهم إلى صانع السيوف «لوسيان» وهو رومي أسره العرب منذ عشرين سنة، استطاع ~~بعد أن مر خمس منها أن يفدي نفسه. وقد طابت له الإقامة في حلب، وكان له من دماثة خلقه، ~~وبراعته في فنه، ما حببه إلى كبار الأسر وعظماء القواد بالمدينة، فراجت صناعته ونمت ثروته، ~~وكان مع تمسكه بدينه يرى أن الأديان كلها وسيلة للحياة الفاضلة، ووازع للناس عن ارتكاب ~~الآثام، وحوط من أن يعبث بعضهم بحقوق بعض، فلم يكن عنده ذرة من التعصب، ولم يكن ينظر ~~إلى مخالفه في الدين نظرة الحقد والضغينة، وكان يقول: إن الأديان سبب العداوة والبغضاء ~~حاربت أول أغراضها، وانحرفت عن أجل غاياتها. لذلك كان شديد التمسك بآداب الإسلام ~~والمسيحية، حريصا على تبجيل رجالهما، يقبل يد القسيس كما يقبل يد إمام المسجد. ولم ~~يرزق من النسل إلا بنتا هي «صوفيا» الجميلة التي كانت بدعا في الحسن، وتمثالا إغريقيا ~~حيا يتألق فيه بريق الشباب. ولكنها أحاطت جمالها بسياج من الرزانة والفضيلة، زاد عنه ~~غربان الشر. علمها أبوها العربية، وأدبها فأحسن تأديبها، فاتصلت ببنات الأسر الشريفة ~~بالمدينة، وأصبحت بينهم مضرب المثل في الجمال والذوق المرهف والخلق الكريم. ms37 وكانت كثيرا ~~ما تلازم أباها في مصنعه، وتعينه في شئون عمله. # ركب أبو فراس جواده، ووصل إلى مصنع لوسيان فعرض عليه كثيرا من السيوف فأباها، وطلب إليه ~~أن يصنع له سيفا وصفه له. وبينما هو في الحديث إذ لمح صوفيا فبهره ما رأى فيها من حسن ~~هادئ، فابتسم نحوها وقال يخاطب أباها: وما لهذه الفتاة ومصانع السيوف والرماح؟ إن لها من ~~نظراتها سيوفا تتحدى صمصامة عمرو، ومن قدها رمحا يسخر من رماح سمهر. ثم تقدم نحوها ~~قائلا: سعد صباحك يا فتاتي، فحيته صوفيا في أدب مرتجل. ثم أخذت تحدثه في لطف وثقة جعلاه ~~ينظر إليها كما ينظر إلى صورة في محراب، وملأ قلبه إجلالا لفضيلة الحسن وحسن الفضيلة. ولما ~~أعجبه انطلاق لسانها وبراعة عبارتها سأل داهشا: أدرست العربية؟ ~~- إني أقرؤها وأكتب بها كما لو كانت لغة أهلي ووطني. ~~- أنت خير مني يا صوفيا، فإنني لا أعرف إلا لغة واحدة، ولكنها سيدة اللغات، فهي لغة الشعر ~~والأدب والعلم، لم تترك خلجة لنفس، أو لمحة لعقل، إلا ترجمت عنها بأوضح بيان. ~~- ولغتي لا تقل عن العربية سطوعا وصدق أداء، فهي لغة الشعراء والفلاسفة. ~~- ولكني أظنها صعبة على من رامها. ~~- وأي شيء دعاك إلى هذا الظن وأنت لم تحاول تعلمها؟ إن اختلاط المسلمين بالروم يوجب - ~~فيما أظن - على رجال الإسلام أن يلموا بلغة جيرانهم. ~~- لو تلقيتها عنك لأتقنتها في أيام، ولكن من لي بهذا؟ ~~- إن الأمر هين، فلن يكون شيء أحب إلى نفسي من أن أكون أستاذة أبي فراس البطل. ~~- هاتي يدك، اتفقنا، سأكون من غد تلميذك المثابر. ولكن احذري فقد يغضبك تبلد ذهني، فلا ~~تجدين لضربي إلا سيفا أو رمحا. # فابتسمت في لطف وقالت: اطمئن يا سيدي فإن أي سيف لن يجرؤ على أن يمتد إلى سيف أرهف منه ~~حدا، وأصدق فرندا، وعندئذ ودعها أبو فراس وحيا لوسيان وانصرف. # وبعد أيام دخل فهد غرفة قرعويه فرآه، وهو يكاد يتميز من الغيظ، لا يستقر في مكان من ~~القلق، فلما نظر إليه سيده صاح ms38 به قائلا: أتعرف أنني أرسلت إلى نجلاء منذ ثلاثة أيام ~~أستأذن لزيارتها فأبت واعتذرت بالمرض، مع أني أعرف وجواسيسي يعرفون أن أبا فراس يزورها في ~~كل يوم أو يومين؟ إن هذا الرجل شغلها عني، قد كانت قبل أن تعرفه أميل إلى القرب منها إلى ~~النفور، ويل لهذا الرجل مني، إن إنسانا واحدا لم يستطع قبل اليوم الوقوف في طريقي، ولو ~~كان هذا الإنسان سيف الدولة نفسه، فما لي أجبن أمام هذا الفتى الغر؟ وما لحيلي تضيق ~~بالفتك به أو صد غوائله عني؟ جردنا له اثني عشر فارسا من صعاليك بني كعب لقتله غيلة ~~فهزمهم منفردا، وقتل زعيمهم بسيفه، أجني هو من جنود سليمان؟ أم خيال طائف لا يمسه سيف ~~ولا يجرحه سنان؟ إنني إن أبعدته عن نجلاء خلصت لي وحدي، ونسيت حبها له في ظلال ثروتي ~~ونعمتي، هل عندك من حيلة؟ ~~- نحن يا سيدي الأيدي الباطشة، وأنت العقل المفكر. ~~- اسمع يا فهد، لقد علمت أنه لا يزورها إلا إذا دعته برسالة تبعث بها مع سلمى العجوز. ~~وهذه العجوز صورة من إبليس على الأرض في الخداع والخيانة والفساد. وهي إذا أسمعناها رنين ~~الذهب طار عقلها، وباعت أمانتها ووفاءها بيع الخسار، فإذا استطعنا أن نجتذبها إلينا، وأن ~~نطلب إليها ألا توصل الرسائل إلى أبي فراس امتنع عن الذهاب إلى نجلاء وقلق، وأسرع فكتب ~~إليها رسالة يسألها عن سبب هجرها، وأغلب الظن أن يبعث بهذه الرسالة مع خادمه سهم، وسهم ~~صنيعتنا، وكثيرا ما استخدمناه في بث الدسائس لأعدائنا، فإذا أخذ من سيده أية رسالة أوصيناه ~~أن يسلمها للعجوز، وبهذه الطريقة لا تصل رسائل نجلاء إلى أبي فراس، ولا تصل رسائله إليها، ~~فإذا امتد الزمن ازدادت القطيعة، وأساء كل الظن بصاحبه، وأدركته العزة فنفر نفور الإباء. ~~وهنا أظهر لنجلاء بمظهر الصديق الوفي الساخط على أمثاله من الأدنياء، ما رأيك في هذه ~~الحيلة؟ ~~- الحيلة محكمة الأطراف، ولكني أضيف إليها حاشية تزيد في إحكامها وإتقانها. لقد تابعت أبا ~~فراس منذ أيام فرأيت أنه يزور مصنع لوسيان ms39 الرومي كل صباح، ليتلقى درسا في الرومية على ~~ابنته صوفيا، وسأوحي إلى سلمى العراقية أن تتحدث إلى نجلاء بأن الناس يهمسون بافتتان أبي ~~فراس بصوفيا، حتى إذا رأت من سيدتها شكا فيما تقول عرضت عليها الرسائل التي سلمها إليها ~~سهم، وزعمت لها أنها صادرة من أبي فراس إلى صوفيا، حينذاك يغلي صدرها بالغيرة، ويدركها ما ~~يدرك النساء من السخط على من ينبذ ودهن، ويجرح كبرياءهن. ~~- مرحى مرحى يا فهد لو أنصفوك لسموك ثعلبا! اذهب وافعل ما شئت فإنك بوسائل الخداع ~~جد عليم. # وتحين فهد الفرص للقاء العجوز، حتى عثر بها مرة في سوق النساجين، وهي تحمل تختا من ~~الثياب، فحياها قائلا: سعد صباحك يا أم. # فقبضت من عينيها، وكانت قصيرة النظر، حتى إذا عرفته ضحكت في سخرية ولؤم، ثم قالت في ~~دعابة لاذعة: لقد كان صباحا سعيدا قبل أن أكون أما لفهد. ~~- إن الفهد نمر صغير. ~~- والبرغوث فيل صغير. ~~- لقد نهينا في مأثور الخبر عن سب البرغوث؛ لأنه أيقظ نبيا للصلاة. ~~- لو نسج غطاء أمك من البراغيث ما استيقظت لعبادة. ~~- إن أمي لم تحمل في شبابها ما حملت من مآثم وأوزار. ~~- لو لم يكن إلا أنها حملتك لكفى. ~~- حملتني لأحمل على عجائز السوء. ~~- ولتفر من الحرب. ~~- لو كان للحرب مثل نابيك وخرطومك وعينيك النضاختين، # 2 # لفر منها أشجع الشجعان. ~~- إن أمك والله أحق مني، فلم لا تشير على سيف الدولة بأن يجرد منها جيشا يطهر به ~~البلاد من غزوات الروم؟ ~~- إن الروم تغير على التخوم والدروب، وأنت تغيرين على ما في الجيوب. ~~- لو وجدت في جيبك مالا لعلمت أنك سرقت ثوب غيرك. ~~- إن في جيبي مائتي دينار. ~~- إن ربع دينار منها يكفي لقطع يدك. ~~- ولو أعطيتك المائتين لقطعت بها لسانك، فكفي عن هذا السباب. ~~- إن عرضك يغري اللسان بالقذف، ولو حاولت إسكاته بكنوز قارون. ~~- وعرضك لا يباع بدرهم. ~~- لأن الكلاب تلغ فيه. ثم ضحكت ضحكة الظافر المنتصر، وربتت كتفه وقالت: من أين لك هذا ~~المال يا جرذ؟ ~~- من قرعويه. ~~- هنيئا ms40 لك بسيدك! ~~- وهنيئا لك بسيدي! ~~- أنا! ~~- نعم أنت، فالمال لك! وأنا الناقة التي تحمل الماء وهي عطشى. ~~- متى بدأ سيدك يتصدق على العجائز؟ ~~- حينما علم أن في أيديهن مفاتيح الجنة. ~~- إن جنتي أغلى من أن تفتح بمائتي دينار. ~~- هذه خطوة تليها خطوات، ونفحة تتبعها نفحات. وثمن أول طرقة على ذلك الباب القدسي ~~الطاهر. ~~- اكشف اللثام عن القول ودعني من الكنى. ~~- تعلمين ميل سيدي المبرح إلى نجلاء، وتعلمين أنها تقابل فتونه بالصد، ولن يغيب ~~عنك أنها بعد صداقتها لأبي فراس زاد إعراضها وجفاؤها لسيدي. ~~- أعلم هذا، وأعلم إلى جانبه أني لو كنت في شباب سيدتي وجمالها، ما عملت غير ما عملت. إن ~~أبا فراس لو علمت به الحور لفرت من الجنة للقائه. وأين منه سيدك يا لكع؟ # 3 ~~- ذلك المتكبر الصلف؟! ~~- هو متكبر صلف علي وعليك يا غبي، أما في مجالس الحسان فحنان وسحر ورقة، وعلى أية حال ~~ماذا تريد مني؟ ~~- أريد أن تقطعي الصلة بينه وبين نجلاء. ~~- وكيف؟ ~~- لا توصلي رسائلها إليه، وسنغري خادمه سهما بألا يوصل رسائله إليها. ~~- هذا حسن، ثم؟ ~~- ثم تشتد الجفوة بينهما، ويظن كلاهما بالآخر الظنون. ~~- معقول، ثم؟ ~~- ثم تنفثين سمومك، وتهونين أمره على نجلاء، وتدعين أنه مدله بحب صوفيا بنت لوسيان، ~~وتطلعينها على رسائله التي سيوصلها إليك سهم، زاعمة أنه بعث بها إلى صوفيا، وأنك حصلت عليها ~~من خادمها. # فاتكأت العجوز بذراعها على كتفه، وغاصت في تأملات عميقة، ثم رفعت رأسها وقالت وهي ذاهلة: ~~كنت أظن أن بحلب مصنعا واحدا للدسائس هو رأسي، ولكني الآن أطرق إجلالا لمصنع جديد في رأس ~~جديد. ثم عاد إليها جشعها فقالت: إن المكيدة قطعة فنية رائعة، ولكن الثمن لتنفيذها لا يزال ~~قليلا. ~~- إن سيدي، لا يفكر في الثمن كيفما عظم، فهو يضع في يدك كل أسبوع مائتي دينار، ~~أتقبلين؟ ~~- قبلت. # فأسرعت يد فهد إلى جيبه فنفحها بالمال. # وكان الاتفاق مع سهم سهلا، ومرت الأيام، واستمرت نجلاء تبعث برسائلها مع العجوز، والعجوز ~~تصونها في حرز حريز، وقلق أبو فراس، فدعا ms41 بسهم وزوده برسالة إلى نجلاء كتب فيها: # إليك أشكو منك يا ظالمي # إذ ليس في العالم عون عليك # أعانك الله بخير أعن # من ليس يشكو منك إلا إليك # وذهب سهم، وأعطى العجوز الرسالة، وزوق لسيده كلاما أخبره فيه أنها تلقت الرسالة ~~متضجرة، حتى إذا قرأتها التفتت إليه وقالت: قل لسيدك إني قرأت الرسالة. وغضب أبو فراس، ~~وزمجر وتطاير الشرر من عينيه، ومد يده إلى قرطاس كتب فيه: # وكنى الرسول عن الجواب تظرفا # وإذا كنى فلقد علمنا ما عنى # قل يا رسول ولا تحاش فإنه # لا بد منه أساء بي أم أحسنا # الذنب لي فيما جناه لأنني # مكنته من مهجتي فتمكنا # ثم دفع به إلى سهم وصاح في وجهه قائلا: يجب أن تعود منها برسالة، ثم جلس ينتظر قلقا ~~مضطربا، يقلب في صفحات فكره فلا يرى أنه ارتكب إثما، أو اجترم جرما. ويعود سهم وقد ~~ارتسم الحزن على وجهه، وصفرت يداه من أية رسالة ويقول في تلعثم وخوف: لقد نهرتني هذه المرة ~~يا سيدي. ~~- نهرتك؟ هكذا هن بنات حواء! وقديما قالوا: ~~«وليس لمخضوب البنان يمين.» ثم انكب على رق # 4 # كتب فيه: # الآن حين عرفت رش # دي واغتديت على حذر # عنفت نفسي فانتهت # وزجرت قلبي فازدجر # هيهات؛ لست أبا فرا # س إن وفيت لمن غدر! # وكانت الدموع تتناثر من عينيه وهو يكتب، ثم أشاح بوجهه ومد يده إلى سهم بالرسالة وهو ~~يقول: خذ هذه وألقها أمامها وأسرع دون أن تنتظر جوابا. # ولم تكن نجلاء خيرا من أبي فراس حالا فقد روعها جفاؤه، فكانت تذهب وتجيء في دارها في ~~ذهول ووجوم. وكانت لا تزال تسأل العجوز وتلح علها تجد في حديثها الجاف المحرق واحة ~~تلجأ إلى ظلها مما هي فيه من عذاب مقعد مقيم، حتى إذا نفد صبرها اتجهت إلى العجوز في هيئة ~~المستعطف الآمل وهي تقول: هل من سبيل إلى معرفة ما أصابه يا سلمى؟ ~~- خففي عنك يا سيدتي، فإن من أهان نفسه هان. ~~- إنني لم أهن نفسي أيتها العجوز، إن ms42 حبنا سماوي قدسي جفا هذه الأرض المظلمة الدنسة ~~وطار مع الملائكة في أفق كله طهر ونور. إنني لا أحب إلا النفس الكريمة والخلق النبيل. ~~أرأيت ما فعلت بقرعويه ذلك الغر الأبله، الذي ظن أنه يستطيع أن يغزوني بجاهه وسلطانه ~~وثروته؟ # فابتسمت العجوز ابتسامة الاستخفاف وقالت: عجيب شأن هذا الحب؟ إنه لا يعطي إلا من لا ~~يسأله. إن قرعويه فتى تود كل فتيات المدينة لو ينلن منه كلمة رضا أو ابتسامة حنان! وأين ~~منه هذا الطائر القلق الذي يغرد كل لحظة فوق فنن، ويسكن كل ليلة في عش جديد؟ ~~- اسكتي أيتها العجوز الماكرة. إن أبا فراس لا يسكن كل ليلة في عش جديد. إن له من نبله ~~وخلقه ما يرفعه إلى منازل الأبرار، وإني أخشى أن يكون في الأمر دسيسة قذرة. ومن يدريني أنه ~~يشكو الآن مما أشكو، ويبكي كما أبكي؟ ~~- أخشى أن تكوني صادقة، ولكنه لا يشكو لبعدك ولا يبكي لفراقك. # فظهر الذعر في وجه نجلاء وصاحت: ما هذه الألغاز يا أخت إبليس؟ أتكتمين شيئا عني؟ ~~- إن أخي إبليس أوحى إلي ألا أثق بالرجال. وعلمني في شبابي أن ألعب بهم، وألا أدع ~~واحدا منهم يلعب بي. ~~- أفصحي بالله عليك يا سلمى! ~~- إن الإشارة تغني عن الكلام، ومن العبث أن يقذف المرء بالحجارة زجاجا محطما. ~~- قولي لي يا سلمى فإن صاحبة الزجاج المحطم تريد أن تعرف مكان الخطر. ~~- كانوا يهمسون باسم صوفيا، ثم تحققت صدق ظنونهم. ~~- صوفيا؟ صديقتي صوفيا بنت لوسيان؟ لا لا يا سلمى. قولي كلاما آخر، إنه إن سقط من عرش ~~كرامته، فإن مثلها لن يقدم على حب يستحيل أن ينتهي بشرف الزواج. إنها على شممها وعلو ~~نفسها لا تنسى أنها بنت أسير رومي، وأنها لن تستطيع أن تتصل بملوك العرب. ~~- إنه يذهب إلى دارها كل مساء، وقد بدأ الأمر بأنه يريد أن يتعلم اللغة الرومية. ~~- أنت كاذبة، إن حبيبي لن ينحدر إلى هذه الوهدة. ~~- وماذا تقولين في رسائل أرسلها إليها واستطاع خادمها أن يسرقها لي من خزانتها؟ ~~- أين ms43 الرسائل؟ # وهنا مدت العجوز يدها إلى جيبها، وأخرجت الرسائل التي سلمها إليها سهم، فاختطفتها نجلاء ~~في غضب يشبه الجنون، وقرأت فإذا استعطاف وشكوى وحنين، وإذا الخط خط حبيبها، وإذا كلمة «يا ~~صوفيا» كتبت في صدر كل رسالة، وكانت قد زورت تزويرا متقنا لم تدركه، وهنا أخذت تئن كما ~~يئن الجريح أقصدته # 5 # السهام، حتى إذا قضت إربتها من البكاء رفعت رأسها في شمم وكبرياء وقالت: إن ~~أحدا لن يعبث بقلبي ولو كان أبا فراس. وسيرى الناس جميعا أن بنت الخالدي ستستمد من ~~الهزيمة قوة الانتصار، قومي يا سلمى فلن تريني باكية بعد اليوم. # أما أبو فراس فكثرت وساوسه، واختلط عليه الأمر، ولزم داره، وبينما هو يناجي شجونه ~~الضائعة، ويسخط على الدنيا وما فيها من خداع ورياء وختل، إذا رسول سيف الدولة يدخل وبيده ~~رسالة من سيده يخبره فيها باقتراب الروم من مرعش، ويهول له في الأمر، وينبئه بأن الفرصة ~~الآن سانحة للإغارة على حصن برزويه واستنقاذه من أيديهم. ما كاد يتم قراءة الرسالة حتى ~~امتطى جواده وانطلق إلى قصر الحلبة وهو يسابق الريح، وقد شعر في نفسه بشيء من السرور لهذه ~~الدعوة إلى القتال الذي قد ينسيه لواعج الحب، أو يريحه منها إلى الأبد. # | الفصل السابع # وصل أبو فراس إلى ميدان القصر في اليوم الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين ~~وثلاثمائة، فرأى زحاما تكاد تلتصق فيه الأجسام، وقد اضطربت آذان الأفق بصهيل الخيل وعجيج ~~الرجال، ورأى جيشا لهاما لا يبلغ الطرف مدى حده، كأنه البحر المائج، وقد لمعت سيوفه، ~~وأشرعت رماحه، واشتاقت فيه النفوس إلى لقاء الموت، ولمح من بعيد سيف الدولة فوق جواده ~~الأشهب، وقد ابتسمت أساريره، وملأه الزهو برجاله وعتاده، فانطلق نحوه حتى إذا بلغه نزل عن ~~فرسه وحياه تحية الملوك وقال: «إنا معك يا بن العم إلى آخر الأرض، ولن نرجع حتى نعلم ~~الدمستق كيف يكون القتال، وحتى نأبى أن نتعلم منه كيف يكون الفرار. سر يا بن العم فإن ~~جيشك غيل # 1 # متحرك به ms44 أسود طال بها الطوى، وحرقها الظمأ إلى دماء الأعداء.» # وهنا صاح الفرسان في حماسة: حيا الله أبا فراس؛ إن جيشا يقوده سيف الدولة ويصول فيه ~~أبو فراس لن يغلب أبدا. وبعد قليل انطلق الجيش كأنه الطود الشامخ يتعثر بالآكام، حتى ~~إذا بلغ حصن برزويه وثب أبو فراس في طليعة الفرسان وسيفه في يده كأنه الشعلة المتوقدة، ~~واحتدمت الحرب، وحمي وطيسها، # 2 # وتنادى الشجعان، واختلطت الأصوات، وعلا الصهيل والصليل، وطال الصراع ساعات، حتى ~~إذا بلغت القلوب الحناجر، صاح الصائحون: إلى الجنة؛ إلى الجنة أيها الشهداء؛ لقد فتحت ~~اليوم أبوابها، إن الحور العين ينظرن إليكم من خلال السحب، فأروهن أنكم أشوق منهن إلى ~~اللقاء. النصر، النصر! لن يخفق للروم علم بعد اليوم! # وأخذ أبو فراس سمته # 3 # نحو الحصن وخلفه ضراغم العرب، وتكاثر عليه الروم فكان يطيح رءوسهم كما يحصد ~~الزارع سنابل القمح، وما زال يصعد والفرسان خلفه، حتى وصل بفرسه إلى قمة الحصن، فخلع رايته ~~وقذف بها في التراب، ثم صاح: الله أكبر؛ فردد الجيش صيحته، وتواثب المسلمون على الحصن حتى ~~أجلوا الروم عنه، فانطلقوا خلف قائدهم في سرعة الريح يلتمسون الفرار، وعاد سيف الدولة إلى ~~أنطاكية، ووراء جيشه جيش ثان من الأسرى والغنائم. # وما كاد سيف الدولة يستقر في ضيافة قريبه أبي العشائر والي أنطاكية، حتى تقدم إليه ~~الوالي وهو يأخذ بذراع رجل في هيئة الفارس، تجاوز الثلاثين، طويل القامة، خفيف الجسم، رقيق ~~الشفتين، أصيد # 4 # العنق، في ملامحه كبرياء الواثق بنفسه، المعتد بها، وفي صدره المرتفع ما يدل ~~على ما يجيش به من آمال جسام، تقدم أبو العشائر إلى سيف الدولة وهو يقول: هذا يا مولاي أحمد ~~بن الحسين المتنبي الشاعر. وهو نادرة الفلك، وفخر عطارد، يريد أن يشيد بمحامد مولاي، وأن ~~يسجل غزواته في جبين الدهور بشعره الخالد. فاشمأز أبو فراس قليلا لطول المديح وكثرة ~~الإطراء، وعجب أن يوصف أمامه شاعر هذا الوصف، وزاد عجبه حينما رأى سيف الدولة يحتفي به ~~ويجلسه إلى جانبه، وحينئذ علم أن زامر ms45 الحي لا يطرب، وأن النبي لا يكرم بين قومه. ~~ووقف المتنبي وأنشد قصيدة ميمية وصف فيها انتصار سيف الدولة واستيلاءه على حصن برزويه، ~~منها: # لقد مل ضوء الصبح مما تغيره # ومل سواد الليل مما تزاحمه # 5 # ومل القنا مما يدق صدوره # ومل حديد الهند مما تلاطمه # 6 # لقد سل سيف الدولة المجد معلما # فلا المجد مخفيه، ولا الضرب ثالمه # 7 # على عاتق الملك الأغر نجاده # وفي يد جبار السموات قائمه # 8 # تحاربه الأعداء وهي عبيده # وتدخر الأموال وهي غنائمه # ويستكبرون الدهر والدهر دونه # ويستعظمون الموت والموت خادمه # وكان سيف الدولة يتمايل من الطرب، وأعجب بعض الشعر أبا فراس، ورأى فيه تجديدا، ولكنه لم ~~يكن يحب من الشاعر ذلك الزهو الذي لا يطاق وبخاصة حينما قال: # عجبت له لما رأيت صفاته # بلا واصف، والشعر تهذي طماطمه # 9 # عند ذلك علم أبو فراس أن حربا أدبية بجانب حرب الروم ستنشب نيرانها بحلب، وأن شعراء ~~الشام وهم خير شعراء العرب لن يلقوا أقلامهم أمام هذا الشاعر المتحدي، وأنه وقد أعده الله ~~ليثل عرش الروم بسيفه لن يصعب عليه أن ينزل هذا المغرور إلى حيث يجب أن يكون. ثم سار أبو ~~العشائر بالمتنبي حتى بلغ أبا فراس وقال: هذا ابن عمي أبو فراس فارس بني حمدان ~~وشاعرهم. ~~- سمعت يا سيدي شعره من قبل فأكبرت فنه وأدبه، ما أحسن الملك والأدب يجتمعان! وددت لو ~~بعت نصف شعري بولاية في أقصى الأرض. # فقال أبو فراس: الشاعر له في دنيا شعره ما هو خير من الولايات والمناصب لو استطاع أن يرفع ~~شعره عن شهوات النفوس. لقد أحسنت أبا الطيب في قصيدتك بعض الإحسان لولا أنك أثرت عليك ~~حفيظة الشعراء. ما لك ولهم يا صاحبي؟ إن نوال ابن عمي بحر فياض لا ينقص منه تزاحم ~~الواردين. ~~- إنها الصنعة يا سيدي، وإن للمدح أساليب هذا أحدها، وأنتم لمكانتكم من الملك لا تحاولون ~~هذه المذاهب. ~~- صدقت. وشعراؤنا - وليس لهم ظل من ملك - لا يحاولونها أيضا. انظر، إن ابن عمي يدعوك ms46 ~~لتذهب إليه. # وأقام سيف الدولة بأنطاكيا أياما، ثم ارتحل إلى حلب، وكان أبو فراس يظن أن الحرب ~~وأهوالها تنسيه حبه لنجلاء، فإذا خيالها يعرض له في كل معترك، وإذا صورتها تبرز له حزينة ~~باكية بين مشتجر الرماح، جرب السلو بالوحدة فزادت في أشجانه وبالامتزاج بالناس ~~فكانت كل كلمة منهم تذكره بها، وتشعل فؤاده شوقا إليها، وجربه بالراح فطفا وجهه الفاتن ~~فوق كل كأس؛ وظهر لؤلؤ ثغرها في كل حبب، # 10 # وجربه بالشعر فكانت كل قافية تشير إليها، وكان كل بيت يفتح أبوابه لينبعث منه ~~نور جبينها الوضاح. ثم جربه بالنوم فكانت أطيافها تنتابه # 11 # في أشكال وصور تثير كامن الآلام، وتنكأ # 12 # هادئ الجروح. # وصل أبو فراس إلى حلب وقضى ليلة بين هم ويأس، حتى إذا بدا حاجب الشمس قام من فراشه ~~مضنى متعبا حزينا، وطفق يحدث نفسه هامسا: إنها وشاية، إنها نميمة كاشح. # 13 # إن نجلاء أنبل وأكرم عرقا من أن تهجرني من غير ذنب. إن صداقتي لها أوغرت علي ~~صدورا ملئت باللؤم، وطباعا خبيثة تعرف كيف تحسن الكيد: فمرة تجتمع شرذمة من شذاذ العرب ~~لقتلي عند خروجي من دارها، ومرة يدخلون عليها بهذه الدسيسة الماكرة التي فرقت بيني وبينها. ~~أين السبيل؟ وكيف أصل إليها بعد أن ظهر أن كل الناس يأتمرون بي؟ صوفيا؟ إني سمعتها تذكر ~~نجلاء، وتثني على نجلاء. أتستطيع أن تعمل لي شيئا؟ ولم لا؟ إنها فتاة كريمة الخلق، رقيقة ~~العاطفة. ولم لا أجرب؟ يا أسامة أعد جوادي. وركب أبو فراس حتى وصل إلى مصنع لوسيان ~~فلاقته صوفيا في طلاقة وبشر، وأكثرت من الترحيب به، ثم قالت تداعبه: أظنك نسيت جميع ~~دروسي. ~~- لقد شغلني عنها درس لا أستطيع فهمه. ~~- لن يصعب شيء على ذهنك الوقاد. ~~- ربما استطعت أن أفهم كل شيء، ولكني أقر لك صادقا أنني عجزت عن فهم النساء. فضحكت ~~صوفيا وقالت: ويحي على فارس الطعان، ومبيد الأقران، وفاتح العواصم والثغور، كيف تعجز عن ~~فهم امرأة؟ ~~- نعم يا صوفيا، إن أمري عجب، فهل لديك من ms47 معونة؟ # وقص عليها أبو فراس أمره من بداءته إلى نهايته، حتى إذا أتم قصته قامت وشرعت تلتف ~~بلفاعها، وهي تقول: سأكون رسولك إليها الساعة. انتظرني هنا. ثم انفلتت كأنها هبة النسيم، ~~وبقي أبو فراس بين أمل يائس، ويأس آمل. # بلغت صوفيا دار نجلاء، فدخلت حتى وصلت إلى البهو الكبير ورأتها سلمى العجوز فجن جنونها. ~~ورأت أن جريمتها أوشكت أن تنكشف، فأخذت تبحث في زوايا رأسها الأشيب عن حيلة تدرأ عنها ~~الخطر، فحيت صوفيا في شوق وترحيب، ثم قالت: أخشى يا بنيتي ألا تستطيع سيدتي نجلاء لقاءك ~~اليوم؛ لأنها تؤثر أن تبقى في سريرها. فأدركت صوفيا أن العجوز - على الرغم من ريائها الظاهر ~~- لم ترتح للقائها، ورأت أنها تكثر من الابتسام ومن بلع ريقها، وتحاول خفض صوتها، فعلمت ~~أن وراء الأمر سرا، وأن هذا السر قد تكون له صلة بما جاءت من أجله، فرفعت صوتها وقالت: ما ~~أجمل هذا البهو يا سلمى! وما أعظم هذه الأعمدة! ثم رفعت صوتها وهي تقول: وهذه النقوش! هذه ~~النقوش! ما أبدعها وما أروع ألوانها! فذعرت العجوز وقالت: خفضي صوتك يا بنيتي. فزادت ~~الشبهة في نفس صوفيا، وأخذت تصيح كالمجنونة: انظري، انظري يا أمي إلى السقف! انظري! انظري! ~~بالله عليك انظري! هذه صورة نسر جارح تفر أمامه الطيور في ذعر ووهل. # 14 # وهذه صورة نمر يطارد غزالا. مسكين مسكين هذا الغزال! # وبينما هي في صياحها إذ فتح باب البهو وبرزت منه نجلاء. فلما رأت صوفيا بهتت وبان الغضب ~~في عينيها، ووقفت في مكانها لا تريم، # 15 # وعادت إليها ذكريات صديقها، وآثار آلامها، إن غاصبة هذا الصديق تزور بيتها، ~~وتقف أمامها باسمة كأنها لم تهدم حياتها، ولم تضرج يديها بدماء قلبها، فقربت منها وقالت ~~وصدرها يرتفع وينخفض كأنه كير حداد: ما كنت أظن أن أراك في منزلي بعد أن أغلقت بيديك ~~بابه دونك. ~~- أنا أغلقت بابه دوني يا نجلاء؟ ولمه؟ ~~- هذا سري وسرك. ~~- وقد يكون سر سلمى فقد هالتها زيارتي في هذا الصباح. ~~- إن لها كثيرا من ms48 العذر. ~~- ماذا أسمع يا رب؟ لقد جئت شفيعة فأصبحت في حاجة إلى شفيع. ~~- جئت شفيعة؟ ~~- نعم. ~~- لمن؟ ~~- لصديق عزيز، فتهانفت # 16 # نجلاء وقالت: تتشفعين لصديق عزيز لتسلبيه مرة أخرى! ~~- ما هذا يا إلهي؟ حبيبتي نجلاء! ماذا بك؟ ~~- أنت بي، وأنت دائي، وأنت بلائي. ~~- نجلاء؟ أين ذهب بعقلك؟ بالله عليك قولي ماذا جنيت؟ ~~- خبريني أولا لمن تتشفعين؟ ~~- لمولاي أبي فراس. # فوثبت نجلاء وقالت في دهشة المحموم: لأبي فراس؟! ~~- نعم لأبي فراس. ماذا فعل أبو فراس حتى هجرته وكدرت عليه صفو حياته، وهو أطهر الشباب ~~قلبا وأكرمهم نفسا، وأعلاهم نسبا؟ ماذا جنى حتى بدلت بنهاره ظلاما، وبريحان حياته ~~شوكا وقتادا؟ ~~- ألا تغارين عليه يا صوفيا؟ # فحملقت صوفيا وقالت: أغار عليه؟ إنه حبيب إلى كل قلب، ولكنه لا يبعثر حبه على الحسان. ~~إنني أحبه كما أحب القمر الزاهي في ليالي الربيع، دون أن تحدثني نفسي بالصعود إليه. إن من ~~الخبل أن تتعلق رومية بعروش الملوك. ~~- إذا ما هذه الرسائل التي كان يبعث بها إليك؟ فقهقهت صوفيا وقالت: مسكينة يا نجلاء! لقد ~~وقعت في دسيسة أشرار أشقياء. أين هذه الرسائل؟ فقامت نجلاء وأخرجت الرسائل من خزانتها. فلما ~~نظرت إليها صوفيا، وكانت نافذة الذكاء، صاحت: انظري، إنها مزورة، إنها بخطه إلا تلك ~~الكلمة التي صدرت بها كل رسالة. تأملي يا حبيبتي في كلمة «يا صوفيا» أهي من نوع ~~خطه؟ # فنظرت نجلاء طويلا، ثم رفعت رأسها كما يرفع الغريق رأسه من اللجة وصاحت: لا يا صوفيا ~~إنها ليست خطه. إنها مزورة، فقد كنا فريسة مكيدة خبيثة. ثم قذفت بنفسها على صوفيا تعانقها ~~وتقبلها في شبه جنون، وهي تغمغم: ويل لي من غباوتي! لقد كدت أضيع صديقي، وأفقد حياتي ~~وسعادتي. مسكين أيها الصديق! ماذا ظننت بي؟ وبم حكمت علي؟ ثم التفتت فلم تجد العجوز ~~فصاحت: أدركوا العجوز! أدركوا العجوز! فهرع الخدم وأسرعوا للبحث عنها في كل مكان من الدار، ~~فلم يعثروا لها على أثر، فاتجهت إلى صوفيا وقالت: هذه العجوز هي رأس الشر، وأم الكبائر. أين ~~أبو ms49 فراس الآن؟ اذهبي يا حبيبتي إليه وقصي عليه ما رأيت وسمعت، وتلطفي به، واطلبي إليه أن ~~يقابلني بعد ساعة بقصر أخته أسماء، لنحل معا هذا اللغز المعقد. # وعادت صوفيا إلى أبي فراس فرأته يذرع الغرفة جيئة وذهوبا في قلق ووجوم، فلما وقعت عليها ~~عينه صاح: ما وراءك؟ فلم تجبه وقالت: اجلس هنا يا فارسي، وبالله عليك لا تحملق عينيك هكذا ~~فإنك تخيفني. اهدأ يا سيدي اهدأ، فإن حديثي سيطول، ثم ما هذا العبوس؟ وما ذلك الحزن الذي ~~كاد يعصف بك؟ وفي تلك اللحظة أخذ كلبها يتواثب حولها فمالت إليه تداعبه وتدلله، وتحمله ~~بين ذراعيها، وتخاطبه بعبارات ملؤها الحب والحنان، فضاق أبو فراس ذرعا واشتدت وساوسه، ~~وقال: قوليها كلمة واحدة يا صوفيا، ففي اليأس راحة المحبين، فأغرقت في الضحك وقالت: أي يأس ~~يا صديقي؟ إنها مكيدة محبوكة الأطراف نسجتها يد العجوز سلمى مع أيد أخرى، أترك لك ولنجلاء ~~البحث عنها. ~~- مكيدة؟ ونجلاء لا تزال على صداقتي؟ ~~- نعم، ثم أخذت تقص عليه القصة في تفصيل وإسهاب، وهو مطرق واجم، يتأوه حينا، ويثب من ~~الغضب أحيانا، فلما نفضت إليه كل ما عندها قال: خادمي سهم خائن، والعجوز خائنة، وأنت ~~مسكينة مظلومة، ويل لسهم! ويل لسهم! ولكن هناك أيديا أثيمة أخرى هي التي كانت تدفع هذين ~~الخائنين. الحمد لله والشكر لك يا صوفيا، ما أعجب تصاريف القدر! إنهم لو لم يدخلوك في هذه ~~الدسيسة ما استطعنا لها كشفا! أنا اليوم أسعد خلق الله. اليوم عاد إلي شبابي، وانبعثت ~~آمالي. ثم أخذ يقبل صوفيا في جبينها، ودموعه تغسل مكان كل قبلة، وهو يقول: أتقولين إنها ~~ستقابلني بعد ساعة عند أختي؟ وما كادت تجيب حتى وثب إلى جواده والشوق يكاد يطير به، فما رأى ~~الناس أشد مرحا من فرس وفارس! # وصل إلى قصر أسماء فعانقها طويلا؛ لأن شوقه الثائر الزخار كان يتطلب منفذا، ولو أنه ~~رأى في السلم عبدها جوهرا لأغرقه عناقا وتقبيلا، وجاذبته أخته كثيرا في الأحاديث، ~~وسمعت رملة بقدومه، فأسرعت نحوه في شغف سافر ms50 فرد تحيتها في أدب هادئ رزين. وبينما هي ~~تحادثه إذا جوهر يعلن عن قدوم نجلاء. فالتفتت أسماء إلى أخيها وقالت: إن نجلاء فتاة أديبة ~~لا تحتجب عن الرجال، وأظنك حضرت مجالسها التي تجمع رجال الشعر والأدب، أتعرفها؟ فقال: نعم، ~~وهنا أمرت جوهرا أن يدعوها إلى المجلس. فدخلت نجلاء فعانقت أسماء ورملة وألقت بابتسامة ~~خفيفة نحو أبي فراس، ومدت إليه يدها في إجلال وقالت: سمعت قصيدتك يا سيدي في موقعة حصن ~~برزويه، وسمعت قصيدة الشاعر الجديد الذي يدعونه بالمتنبي، وعجبت أشد العجب أن يحتاج مولاي ~~سيف الدولة إلى شاعر جديد، وفي الدولة مثلك ومثل النامي والناشئ وكشاجم وغيرهم من الشعراء ~~المجيدين . ~~- إن كل شاعر في المملكة يا سيدتي سيف للملك ودرع لها. وما أحوج الممالك الناشئة إلى ~~كثرة السيوف والدروع، فقالت نجلاء: إن قصيدة المتنبي كلها عيوب، فمطلع القصيدة طلسم مغلق لا ~~يفهم، وأبياتها مفككة الأواصر ليس فيها شيء من إشراق الديباجة أو الفلسفة البارعة. وحينما ~~هم أبو فراس بإجابتها وكانت أخته قد عرفت من منظره وحركاته ما تنطوي عليه نفسه فصاحت: ~~إنني لا أحب الجدال في الشعر والأدب، فهلا ذهبتما إلى الحديقة فإنها أوسع من أن تضيق ~~بالحديث في الشعر وفنونه يا نجلاء، فذهبا إلى الحديقة وأخذا يتحدثان في المكيدة وما لقيا من ~~جرائها، ثم سأل أبو فراس: من الذي حاك خيوط هذه المكيدة يا نجلاء؟ ~~- قرعويه. ~~- هذا عجيب! ~~- ليس بعجيب يا سيدي، فإنه يريد أن يفرق بيننا بكل ما يستطيع من وسائل. وأذكر أن العجوز ~~سلمى في أثناء احتجابك عني كانت تكثر الغض منك، ومن الثناء عليه، وتلح علي في وصل ~~حبال صداقتي به، ثم إني أعتقد جازمة أن العصابة التي حاولت قتلك ليلة خروجك من داري لم تكن ~~إلا بتدبيره وإيعازه. ~~- اللئيم الفاجر! سأذبحه بسكين جزار؛ لأنه أحقر من أن يقتل بسيف. ~~- لا يا سيدي، إن حب سيف الدولة لهذا الخبيث فوق كل حب، وهو لا يتوانى عن محق كل ما يعرض ~~له بسوء ولو كان ابن عمه. ms51 فدعنا بالله نعش في سعادة ونعيم. ودعنا نسخر من مكايد أعدائنا بعد ~~أن نتحصن بالحذر منهم. لا بد أن تحضر الليلة للعشاء فإني سأدعو بعض الأدباء ورجال القصر ~~وبينهم قرعويه، لأمتع نفسي بتعذيبه والتشفي منه. وقد أرسلت إلى نشوة المغنية وإلى الراقصة ~~«صبح» لتكون ليلتنا ليلة سرور وبهجة، ننسى بها ما مر من ليال سود، وأيام نحسات. وبينما ~~كانا في الحديقة كانت رملة تطل عليهما من ثقوب نافذة مقفلة، فلما رأتهما عادت إلى غرفة ~~نومها متعثرة في كل خطوة، ثم ألقت بنفسها على سريرها، وهي تئن أنين اللبؤة المكلومة. ~~وجاءت خادمتها الأمينة «مارينا» فسألتها في ذعر عن سبب بكائها فلم تجبها، وتكرر السؤال، ~~وزاد الإصرار على الكتمان، حتى إذا هدأت نفسها قليلا قالت: دعيني يا مارينا دعيني، فإنني ~~أحترق كما تحترق الشمعة دون أن يرثي أحد لحالي. إنني لست أخت ملك. إنني أبأس فتاة في حلب. ~~ولكن الخادمة أخذت تسكن من ثورتها، وتلح عليها في أن تكشف لها خبيئة أمرها، وبعد لأي مالت ~~رملة إلى أذنها وهمست بكلمات يقطعها النشيج # 17 # والزفير، وحينما أتمت حديثها هزت مارينا رأسها وقالت: إن الأمر جد خطير، ولكن ~~دعيني يا سيدتي أدبر، وأرجو أن تزول من طريقك العقبات، وأن يتم الأمر كما ~~تحبين. # | الفصل الثامن # خرجت سلمى العجوز هائمة حيرى تعض بنانها غيظا وحنقا، ولم يكن غضبها؛ لأن صلتها انقطعت ~~بقوم عاشت في كنفهم عيشة الرغد والنعيم، ولا لأن أواصر رحمة وحنان تشبه أواصر الأمومة كانت ~~بينها وبين نجلاء قد تفككت، ولكنها غضبت واشتد غضبها؛ لأنها لم تحكم المكيدة، ولم تأخذ ~~حيطتها لكل طارئ. وحزنت للفن أكثر من حزنها على نفسها، وخشيت أن يكون لعلو السن يد في ~~اضطراب تفكيرها، وأنها كلما تقدمت بها السنون فقدت هذه المواهب الغالية شيئا فشيئا، حتى ~~تصل إلى الخرف، # 1 # ورأت رجليها تسوقانها إلى بيت قرعويه، فلما مثلت أمامه - وكان فهد واقفا إلى ~~جانبه - عرف بذكائه أن في الأمر شيئا فقال: أهلا بسلمى. هل طار العصفور من القفص؟ ms52 ~~- طار يا سيدي لأن القفص كانت به فجوة تسع النسر. والذنب ذنب صانع القفص، وقد جاء إليك ~~اليوم حزينا معتذرا. ~~- هوني عليك يا سلمى فمثلك من يستطيع صنع قفص جديد لا تنفذ منه الذبابة. والخيبة أول ~~مراتب الفوز. ماذا حصل؟ # فقصت عليه العجوز في خجل واستخذاء جملة الأمر، فلما انتهت من الكلام رفع رأسه في عبوس ~~وصلابة، والتفت إلى فهد وقال: ما كان ينبغي لنا أن ندخل صوفيا في الأمر، فإنها فجوة القفص ~~الواسعة التي فر منها العصفور، ولكن ... لا بأس عليك يا سلمى، أقيمي بدارنا فإننا دائما إليك ~~في حاجة. وفي هذه اللحظة دخل خادم ومعه بطاقة فناولها لقرعويه فقرأها عابسا مرة وباسما ~~أخرى، وقال: هذه رقعة من محمد الخالدي يدعوني للعشاء عنده الليلة، ولعله يحتفل لعودة الصفاء ~~بين الصديقين! ثم التفت إلى فهد وقال: قل لحامل الرسالة إنني سأجيب الدعوة. # وكانت ليلة مشرقة حقا، ضاحكة حقا. نبذت فيها الكلفة، وأرسلت النفوس على سجيتها، ~~وأعد فيها كل ما يبهج ويسر، وكانت نجلاء في روعة جمالها، وحسن زينتها ولطف حديثها، ~~شرك القلوب، وملتقى العيون. أما أبو فراس فقد استخفه الطرب، فطار مع اللذات حيث طارت، وقذف ~~بثوب الوقار من النافذة، وكانت نجلاء تكثر من تحية قرعويه، ومن الإقبال عليه كأنه لم يكن ~~منه ما كان، وكأن لم يخش منه ما يكون. والنساء النساء لا يلذ لهن تسميم أعدائهن إلا في ~~كوب عسل! وقامت صبح فأتقنت الرقص، وأجادت الحركات. # وكانت دقات صنوجها فنا من الفن، وطربا من الطرب، وغنت نشوة من قول أبي فراس: # ولما ثار سيف الدين ثرنا # كما هيجت آسادا غضابا # أسنته إذا لاقى طعانا # صوارمه إذا لاقى ضرابا # دعانا والأسنة مشرعات # فكنا عند دعوته الجوابا # وكنا كالسهام إذا أصابت # مراميها فراميها أصابا # ثم غنت من قوله: # ألزمني ذنبا بلا ذنب # ولج في الهجران والعتب # أحاول الصبر على هجره # والصبر محظور على الصب # وأكتم الوجد وقد أصبحت # عيناي عينيه على قلبي # وكنت ذا صبر وذا سلوة # فاستشهدا في طاعة ms53 الحب # فاهتز القوم من الطرب وعلت صيحاتهم، وما فجعهم إلا شعاع من الشمس يسطع على الحيطان، ~~فقاموا، ودعت نجلاء أبا فراس فهمس في أذنها: متى تصلني منك رسالة يا نجلاء فضحكت وقالت: لقد ~~أذعت سر خطبتنا فليس علينا بعد اليوم من حرج، فاحضر متى شئت وكيف شئت. # وفي صبيحة يوم دخلت مارينا غرفة نوم رملة ورفعت الستور فرأتها في سريرها عابسة، وقد دلت ~~أساريرها أنها لم تنم ليلتها، فقالت لها مارينا: لقد عرفت كل شيء من سهم. ~~- ومن سهم هذا؟ ~~- خادم القصر الذي وهبه سيدي سيف الدولة لأبي فراس. ~~- وما شأنه؟ ~~- لقد فر المسكين من سيده بعد أن انكشفت الدسيسة التي اشترك فيها هو وسلمى العجوز وفهد ~~خادم قرعويه، وكان الغرض من هذه الدسيسة التفريق بين أبي فراس ونجلاء، فإنه قد جن بحبها ~~جنونا. فتنهدت رملة وقالت: علمت ذلك حينما أطللت عليهما من نافذة القصر. ~~- لقد لبثت طول الليل أفكر في وسيلة لإبعاد نجلاء عنه وتيئيسه من الحصول عليها، ثم في ~~اجتذابه إلى القصر، والاستعانة بنفوذ مولاي سيف الدولة من حيث لا يشعر، حتى يأتي خاضعا ~~يستجدي رضاك. ~~- وهل اهتديت إلى شيء؟ ~~- أظن. أتعرفين غالبا التميمي؟ ~~- هو من كبار الجنود في جيش أخي. فضحكت مارينا وقالت: وهو حبيبي المفتون بي، والذي إذا ~~أمرته أن يتسلق الشمس فكر في طريقة للوصول إليها. ~~- وماذا تريدين منه أن يفعل؟ ~~- آه. هنا يقف السر فلا يتقدم خطوة واحدة، فثقي بي يا سيدتي، ولا تتعبي رأسك بالدسائس، ~~فإنها شائكة معقدة. # وبعد أيام زارها غالب في هداة من الليل، فانفردت به في حجرة بحديقة القصر، وطال بينهما ~~الحديث والجدل، وخرج غالب بعد ساعتين وجبينه يتصبب عرقا، وهو يهمس في أذنها: إنها مسألة ~~شديدة الخطر يا حبيبتي، وأخشى أن يقضى عينا جميعا إذا كشف أمرها. ~~- كن رجلا، واعلم أن حبي وزواجي بك في كفة، وقضاء هذا الأمر على ما أريد في كفة، ~~فاختر أية الكفتين شئت. ~~- اخترت الكفة التي فيها حبك، ولو سقطت بي إلى الجحيم، وسأعمل ms54 بكل ما أمرت ~~ودبرت. # وبعد هذه الليلة بسبعة أيام أو ثمانية، ركب أبو فراس للقاء نجلاء في دارها فرأى الدار في ~~اضطراب مائج، وأقبل عليه محمد الخالدي باكيا، يضرب بكف على كف، ويقول: فقدنا نجلاء! ~~فقدنا نجلاء، لقد ماتت، لقد ماتت! ولكن أين جثتها؟ لقد بحثنا في كل ركن، وفي كل درب، وفي كل ~~زقاق من المدينة وأرباضها، فلم نجد لها أثرا. خرجت هذا الصباح لزيارة إحدى صويحباتها فلم ~~تصل إلى دارها، وكأنما غاصت بها الأرض، أو تخطفتها السماء. فذهل أبو فراس وكأن عاصفة جرفت ~~به الأرض، فلوى عنان فرسه كالذاهل المجنون، ينظر في وجه كل شخص ويبحث في كل زاوية، ويمر ~~على كل بيت يظن أنها طرقته، حتى إذا يئس في أخريات الليل ذهب إلى داره شبحا محطما، ولم ~~يبق فيه من الحياة إلا زفرات وأنات ودموع. # ومرت الأيام تتلو الأيام ولا يعلم لنجلاء مكان، واهتم سيف الدولة ورجال دولته بالبحث ~~عنها فلم يفلحوا، وكاد مرور الزمن، وتراكم اليأس على اليأس يمحو ذكراها من نفوس الناس إلا ~~من نفس واحدة حزينة: هي نفس أبي فراس. واتهم قرعويه أبا فراس بأنه اختطف نجلاء، واتهمه ~~أبو فراس بأنه اختطفها، ولكن التهم لم تتجاوز شبهات لا تقف على رجلين. فذهب إليه أبو فراس ~~مرة بعد أن طغت عليه وساوسه، فلما تقابلا جعل كل منهما ينظر إلى صاحبه نظرة الثعلب إلى ~~الثعلب، وقال أبو فراس: وهكذا يا صاحبي عجز رجالك عن معرفة مكان نجلاء! ~~- يظهر أن من دبر اختطافها كان في ذكائك وحصافتك فلم يترك وراءه أثرا يدل ~~عليه. ~~- لا بد أن تكون له سابقة في الدسائس، ودربة في نصب الحبائل. ~~- على أنني لا أستبعد مطلقا أن تكون في حلب، وأن تكون في دار رجل عظيم مثلك. ~~- وقد يكون مختطفها رجلا غيورا، فاختطفها ليروضها على حبه، ويكرهها عليه ~~إكراها. ~~- إني لا أجد من يستطيع ردها سواك يا سيدي أبا فراس إن كانت لا تزال بين ~~الأحياء. ~~- وعليك أن تبحث أنت أيضا فربما لا ms55 تكون بعيدة عنك. سأتركك الآن يا صاحبي وأرجو أن يهديك ~~الله إلى مكانها. # أما رملة فاستبشرت باختفاء نجلاء، ولوحت إلى أسماء من بعيد بأمنيتها، وعملت أسماء على ~~استهواء أخيها بالثناء على رملة والإشادة بما يحيط بها من ملك وجاه عريض، ولكن أبا فراس كان ~~عزوفا يسمع ويغضي، ويساق فيأبى المسير. ولكن ماذا جرى لنجلاء حقا؟ # خرجت في الصباح لزيارة صديقة، فتقدم إليها بالقرب من دارها ثلاثة رجال في زي الحمالين، ~~ومعهم محفة، # 2 # فتقدم أحدهم في أدب وإجلال قائلا: أتأمر سيدتي أن نحملها في محفتنا إلى ما ~~تريد، فإننا لم نشتغل بدرهم طول نهار أمس؟ فعطفت نجلاء عليهم، وركبت المحفة، وأخبرتهم ~~بمقصدها، فانطلقوا بها يسابقون الريح، حتى إذا بلغوا مكانا خلا من الناس، أسرع أحدهم فكم ~~فمها، وقيد يديها ورجليها في سرعة البرق، ثم أمر صاحبيه أن يسرعا، واستمر ثلاثتهم يعدون ~~حتى جاوزوا أرباض المدينة، وأدركهم الليل فلم يستريحوا. ولما ظهرت تباشير الصباح غيروا ~~أزياءهم، ولبسوا لباس الجنود، ووقفوا عند قلعة رومانية قديمة، تسمى «برج الروم» كانت سجنا ~~سياسيا لأعداء سيف الدولة، وقابل كبيرهم صاحب السجن، وقال له: لقد أحضرنا إليك اليوم فتاة ~~هي أشد خطرا على الدولة من الروم، وهي جاسوسة ماهرة، تستعين بجمالها على استهواء الرجال ~~واستخراج أسرارهم من مكامنها، ثم الإفضاء بها إلى الروم. وقد حيرت مولاي سيف الدولة، ~~وأقضت مضجعه، وكان كلما طاردها أو حاول القبض عليها فرت من بين أصابعه كأنها طيف خيال، ~~والذي نخشاه أن تستبيك هذه المرأة بجمالها، أو تستهويك بفنونها، فاحذر يا خالد! فإن رقبتك ~~لن تكفي سيف الدولة في الانتقام منك. وقد تقول لك: إنها بنت فلان العظيم، أو أخت فلان ~~الكبير، أو إن زمرة من الأشقياء اختطفتها، أو إن أبا فراس أو غير أبي فراس سيبحث عنها، ~~ويعاقب كل من له يد في اختطافها وسجنها. قد تقول لك كلاما كثيرا وهذرا كثيرا، فلا ~~تتزعزع واثبت، واعلم أنك أمام أخبث امرأة في هذا الوجود، أفهمت؟ ~~- فهمت وسأضعها في غرفة منفردة، وأصم ms56 أذني عن سماع حديثها وتوسلاتها. ~~- احذر يا خالد واثبت، فإنها ساحرة فاتنة. ~~- لم يبق مني الهرم شيئا يستجيب للسحر والفتنة. # ثم انطلقوا راجعين في أزياء الجنود وما بلغوا حلب حتى قابلوا غالبا التميمي، فمنح كل ~~واحد منهم ثلاثمائة دينار. # انفردت نجلاء بحجرتها، وحينما دخل عليها خالد الشماخ يحمل بعض الطعام سألته: أين أنا؟ ~~فضحك ساخرا وقال: في جنة عالية، قطوفها دانية، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام ~~الخالية. ~~- أأنت زعيم عصابة اللصوص الذين اختطفوني؟ ~~- حقا لقد سرقوا كنزا من كنوز الدولة ثمينا. ~~- أتعرف من أنا؟ ~~- أعرف أنك هنا وهذا يكفيني. ~~- أنا نجلاء بنت الخالدي، أخت محمد وسعيد كاتبي سيف الدولة وشاعريه. ~~- يظهر أن في المسألة شعرا وخيالا. ~~- أنا صديقة الحارث أبي فراس قائد جيوش سيف الدولة. ~~- وقد عرفت منه كل أسرار الجيش. ~~- أين يذهب بك يا شيخ؟ انظر إلي. ~~- أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! ~~- إن سيف الدولة يبحث عني، ولو عرف أني في حوزتك لقتلك. ~~- أعرف أنه كان يبحث عنك كثيرا. ~~- بالله لا تراوغني، واستمع لحديثي بعقل وروية، لقد اختطفني لصوص أدنياء، وأدخلوا عليك ~~الغفلة في أمري، فأسرع واذهب بي إلى حلب لتنال أعظم جائزة، وضاق صدر خالد، ونظر إليها ~~مغضبا وقال: اسمعي يا فتاة، إنني رجل من صخر لا يؤثر فيه مال، ولا يستهويه جمال، وقد خلقني ~~الله آلة جامدة تعمل ما طلب إليها عمله، فلا تتعبي نفسك في الباطل، ودعي مكرك ومحالك # 3 # وادعاءك أنك بنت فلان، أو أخت فلان، وسيصل إليك الطعام مع أحد جنودي؛ لأنني ~~عزمت على ألا أراك مرة أخرى. ثم انصرف مقطبا، واستسلمت نجلاء لأحزانها بعد أن يئست من ~~وسائل النجاة، وتوالت الأيام والليالي وهي لا تجد إلى الأمل منفذا. # وكان أبو فراس قد برح به الحزن لا يجد بعض الراحة إلا عند زيارة صوفيا، التي كانت كثيرة ~~العطف عليه، شديدة الألم لما حل به، وبينما هو في قصره ذات صباح إذا خادمه يعلمه بقدوم ~~صوفيا، فدهش؛ لأن صوفيا كانت ms57 شديدة التحرج، مبالغة في التصون. فأسرع يحييها ويرحب ~~بها، ولكنه لحظ في وجهها آثار الاضطراب فأدنى منها كرسيا فجلست، وهي تلهث متعبة مكدودة، ~~ثم همست في أذنه تقول: علمت السر، فوثب أبو فراس صائحا: أي سر يا صوفيا؟ ~~- سر الجريمة، سر اختطاف نجلاء. # فانكب على يديها يقبلها وهو يقول: أنت ملك كريم يا صوفيا، أنت ملك كريم. بحقك ~~أسرعي ونبئيني: ألا تزال بين الأحياء؟ ~~- إني كنت واثقة بكرم الله ولطفه في قضائه. ~~- قولي يا صوفيا قولي. ~~- في هذا الصباح حضر جندي إلى مصنع أبي ليشتري سيفا، فعرض عليه سيفا رخيص الثمن، فأبى ~~في كبر واعتزاز، وأصر على أن يشتري سيفا بثلاثين دينارا، فعجبت للأمر وأردت أن أعرف ~~خبيئة هذا الجندي البائس، فقلت له: إن هذا السيف غال على مثلك، إنه لا يشتريه إلا كبار ~~القواد، وتماديت في السخرية منه، والازدراء عليه، فاشتد غضبه وقال: أتظنين «بشرا ~~الخزامي» فقيرا يا فتاة؟ ثم مد يده إلى جيبه فأخرج منه ما يزيد عن مائة دينار، فتأجج ~~في الميل إلى معرفة مصدر هذا المال. وحينئذ عدت إلى غريزة النساء، فضحكت ثم قلت: حقا ~~إن هذا السيف الجميل لا يحمله إلا الفارس الجميل! فتيقظ غروره، وظن أن المال اجتذبني ~~إليه، فقرب مني، وهمس في أذني بكلمات الحب الوضيع، فلم أغضب، وأشرت إليه أن يتبعني. ودهش ~~أبي وبهر، ولكني غمزت له بعيني فسكت وأطرق. وذهبنا إلى الغرفة لنتحدث فقال: إني أضع كل ~~مالي تحت قدميك، فأظهرت الفرح وقلت: هذا مال كثير، من أين أتيت به؟ فسكت مطرقا، فقلت له: ~~لا بد أن تخبرني يا حبيبي. إننا سنكون زوجين، فكيف تخفي عني سريرة نفسك؟ ألا تعلم أنني ~~سأعترف لك قبل زواجنا بكل شيء؟ سأقول لك: إني كنت أحب ابن عمي، وسأقول لك: إن هذا العقد ~~الذي أزين به جيدي لم أشتره ولكني سرقته في ليلة عرس لأحد الأمراء، وسأقول لك كثيرا ~~وكثيرا. واعلم أني رومية أبيح لزوجي أن يكون لصا، وأبيح له أن يكون قاتلا، ولكني لا ms58 ~~أبيح له أن يكذب علي، فإن طمعت في زواجي فاكشف لي عما في نفسك كأني أقرؤه في كتاب. قل ~~يا بشر: من أين هذه الدنانير؟ فقال: هذا المال له قصة يا حبيبتي. فقلت: لا بد أن تكون قصة ~~بطولة وإقدام. فتردد طويلا ثم زفر وقال: طلب إلينا غالب التميمي يوما أن نخطف فتاة من ~~بنات أثرياء المدينة، فاختطفناها، وأعطى كل واحد منا ثلاثمائة دينار. فصحت: مرحى بزوجي ~~البطل! ورميت نفسي عليه أملأ وجهه تقبيلا، ثم قلت وقلبي يرتجف: وأين وضعتم الفتاة؟ فقال: ~~وضعناها في برج الروم، فقلت في شماتة: لا بد أن تكون ماتت وذهبت إلى الجحيم. ثم سألته: من ~~كان معك؟ فقال: جنديان هما: حسان بن علي، وعقيل الحارث. ~~- وأين الرجل؟ ~~- مصفد بالقيود في المصنع، فقد دعوت أبي وصناع المصنع فتكاثروا عليه وأحكموا وثاقه. ~~فوثب أبو فراس وحمل صوفيا بين ذراعيه، وقد ذهب بعقله الفرح، وأخذ يدللها كما يدلل الطفل ~~ويقول: أنت الرحمة في جسم، والحنان في شخص! هذه هي المرة الثانية يا صوفيا، التي تنقذين ~~فيها حياتي وحياة نجلاء. ثم خرج مسرعا من الدار. # أسرع أبو فراس إلى سيف الدولة، وأخبره بكل ما سمعه، وأرسلت الجنود فقبضوا على بشر ~~الخزامي وحسان بن علي وعقيل الحارث. أما غالب التميمي فلم يقفوا له على أثر؛ لأن مارينا ~~أسرعت إلى داره فأخبرته بظهور الجريمة، وحثته على الهرب. # | الفصل التاسع # طار أبو فراس إلى «برج الروم» على جواده، كأنه القدر المحتوم، ووراءه خادمه أسامة، وبعد ~~ساعة لمح على الأرض أثر جواد يسلك الطريق نفسها، فثارت شبهاته وظن الظنون، وخاف أن يكون ~~أعداؤه قد سبقوه إلى نجلاء لنقلها إلى مكان آخر، فوكز جواده مستحثا فانطلق ينهب الأرض ~~كأنه البرق الخاطف، أو الخيال الطائف، وبعد ساعتين ظهر شبح فارس، ترفعه النجود، وتخفضه ~~الوهاد، فصاح بجواده وزجره زجر المتيئس، وألهب جنبيه بالسوط، حتى إذا دنا منه وأحس الفارس ~~قربه حاول الفرار فكبا به فرسه، فقبض عليه أبو فراس وتأمل وجهه فإذا هو فهد خادم قرعويه، ms59 ~~فسأله عن طيته، فتلعثم وتردد ثم قال بعد أن بلع ريقه مرتين: أظن أنني لم أكن أسيرا ~~فارا، وأعتقد أن لأي إنسان الحق في أن يذهب في أرض الله متى شاء وحيث شاء دون أن يرهق ~~بسؤال. ~~- صحيح، إلا إذا حامت الشبهة حول شخص يريد الفساد في الأرض. ~~- وأي فساد يخشى من فارس يمتطي جواده ليسافر من بلد إلى بلد آخر؟ ~~- الفساد في الغرض لا في السفر، وفي النية لا في الوسيلة، فإلى أي بلد أنت ذاهب؟ ~~- إلى «بالس». # فالتفت أبو فراس إلى أسامة وقال: فتشه يا أسامة، ففتشه فلم يجد معه شيئا، ثم أعاد ~~التفتيش فلم يعثر على شيء، وهنا أخذ فهد يسخر منه في شماتة لاذعة، فغضب أسامة ولطمه على ~~وجهه فطارت عمامته من على رأسه، فأسرع فهد في ذعر واهتمام إلى التقاط العمامة، ولحظ أبو ~~فراس اهتمامه فصاح: هات العمامة يا أسامة، فلما ناوله إياها دقق البحث فيها ففطن إلى أن ~~أحد جوانب القلنسوة أغلظ من باقيها، ففك خياطتها فإذا ورقة بين الظهارة والبطانة كتب فيها: # من قرعويه قائد جيوش الأمير سيف الدولة، إلى خالد الشماخ، إذا بلغتك رسالتي ~~هذه، فأطلق السجينة نجلاء الخالدية، وابعث بها مع رسولنا فهد. # فلما قرأ أبو فراس الرقعة احتدم وجهه بالغضب، وأمر أسامة أن يقيد رجلي فهد، ويردفه ~~وراء فرسه، بعد أن يربطه بالحبال إلى السرج. فأحكم أسامة وثاقه، وكان في أشد الحنق عليه ~~والبغض له. وبعد أن ركبا خطر لأسامة وهما يعدوان فوق قمة أكمة، أن يقطع الحبال التي تربط ~~الأسير بالفرس، ليستريح منه، ولتستريح الأرض من شره، فأخرج سكينه في خفية وسرعة، وقطع ~~الحبال، ورمى السكين فسقط المسكين يتدهده من صخرة إلى صخرة، حتى وصل إلى الهاوية مهشما، ~~فالتفت أبو فراس مذعورا غاضبا. وصاح: ويل لك يا أسامة، أأنت فعلت هذا؟ ~~- لا يا سيدي، إن الشرير هو الذي قتل نفسه، ويظهر أنه قطع الحبال بشيء كان معه، وقد أخطأت ~~إذ لم أقيد يديه أيضا. ~~- أرجو أن تكون صادقا ... أسرع ms60 فقد خف فرسك. # وبعد ساعات وصلا إلى «برج الروم» فترجل أبو فراس ووثب إلى داخل البرج قلقا يساوره ~~اليأس والأمل، فلقيه خالد الشماخ، ومال ليقبل يده، ولكنه جذبها منه وقال: أين سجينتك ~~نجلاء؟ فأجاب مضطربا: في الطبقة الثانية يا سيدي. فانطلق أبو فراس كما ينطلق السهم حتى بلغ ~~غرفتها فأطل فإذا كومة من الثياب ملقاة على الأرض، لا تهزها حركة. فتأمل فإذا فتاة ساجدة ~~وقد طال سجودها، فهتف وهو يرتعد: نجلاء! نجلاء! فرفعت رأسها فأضاء الغرفة نور وجهها الوضاح، ~~ونظرت فإذا أبو فراس: فوثبت من صلاتها في شبه جنون، وهي تضحك وتبكي وتصيح. ثم ألقت بنفسها ~~عليه والدموع تمتزج بالدموع، وبعد لأي قال أبو فراس وهو يلهث: كيف اختطفوك يا نجلاء! لقد ~~اختطفوا روحي وعقلي وقلبي. ~~- إنني لم أجزع لاختطافي كما جزعت للبعد عنك، فلو أنهم كانوا اختطفوك معي لعشنا هنا عيشة ~~هنيئة. # فضحك أبو فراس وهو يقول: إنني لا يختطفني إلا جيش جرار أيتها البلهاء، أرأيت كيف يعمل ~~أعداؤنا على تفريقنا؟ أرأيت كيف ينصبون لنا الحبائل؟ فمالت إليه وهي تقول: من صاحب هذه ~~المكيدة الجديدة؟ أتظنه قرعويه؟ ~~- أنا في حيرة، إن الذي نفذها جندي يدعى غالبا التميمي، ولكني لا أعلم لمن كان ~~يعمل، وقد أدركنا في الطريق فهدا خادم قرعويه ففتشناه فوجدنا معه رقعة من سيده يأمر فيها ~~السجان بإطلاقك. فهل يدل هذا على أنه واضع المكيدة؟ ~~- لا، لو كان صاحب المكيدة ما مد فيها إصبعه هكذا علانية، وإنما أراد بالإسراع إلى تخليصي ~~أن ينال عندي حظوة ومنزلة. قل لي: متى نستريح يا صاحبي من هذه الدسائس؟ ~~- حينما نتزوج. ~~- ومتى نتزوج؟ ~~- حينما لا تبقى قدم رومية فوق أرض عربية. # فتنهدت نجلاء وقالت: لقد أبعدت كثيرا يا سيدي. ~~- لم أبعد، وإن سيفي ليحدثني بأن نصر الله قريب. # وهنا دخل خالد الشماخ حزينا ذليلا، بعد أن علم كيف خدعه اللصوص، وضحكوا من ذقنه، فصاح ~~به أبو فراس: لا تثريب عليك يا صاحبي، فقد خدع الأشرار قبلك من كان يظن أنه أذكى ms61 ~~منك. ~~- لقد دخلوا علي يا مولاي في ثياب الجنود فما شككت في صدق قولهم. ~~- لقد كانوا جنودا حقا، وإني أعلم أن إخلاصك للدولة، وجمودك في أداء الخدمة حالا بينك ~~وبين الشك والتردد. وهنا قالت نجلاء: لقد كان خالد فيما وراء قيامه بواجبه كريما ~~شريفا. # وبعد أن استراح أبو فراس قليلا، ركب جواده، وأركب نجلاء فرس فهد، وانطلقا يسابقان الريح ~~حتى طلعا على حلب عند طلوع الشمس، وسرت البشرى في المدينة بعودة نجلاء. وأقبل العظماء ~~والأدباء لتهنئتها، وتوافد على دارها كرائم النساء يعلن السرور، ويتوقعن أن يسمعن حديثا ~~عجبا عن اختطافها العجيب، ووصل الخبر إلى رملة فزاد حزنها، وتأججت في قلبها نار الغيرة ~~من جديد ، وكاد يمسها ما يشبه الجنون. # وكان قرعويه بين القادمين لتهنئة نجلاء، فلما وصل إلى باب الدار تقدم أسامة الخبيث نحوه ~~وقد أراد التشفي منه فقال في أدب وإجلال: لقد عثرنا على فرس لمولاي في الطريق يرعى العشب ~~وليس معه فارس، رأينا بجانبه هذه القلنسوة، ومد بها يده نحو قرعويه، فظهر منها الجانب ~~الذي نقضت خياطته، فنظر إليها قرعويه والحقد والغضب يأكلان قلبه وقال وهو يبتسم ابتسامة ~~الأسد: لعل حادثا وقع للفارس يا أسامة، سننظر في كل هذا فيما بعد. # ولاقت نجلاء قرعويه بترحيب، ورآها أبو فراس فحاكاها في ريائها وهو يغمغم # 1 # بقول أبي تمام: # النار تأكل بعضها # إن لم تجد ما تأكله # وصفا العيش لأبي فراس ونجلاء، ومرت شهور وشهور وهما في ظلال النعيم يعبثان كما يعبث ~~الطفلان المدللان، فلم يكن يفرق بينهما إلا غزوات الروم. فقد غزاهم سيف الدولة في سنة ~~إحدى وأربعين وثلاثمائة، وكان يقود أعظم كتائبه فارسه المعلم أبو فراس، فأوقع بالروم في ~~«سروج» ثم عرج على «مرعش» فأعاد بناء قلعتها وشتت جموع الروم، وأسر أبطالهم. # وما كادت تطل سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، حتى اتجه سيف الدولة بجيشه الزاخر، وأبو ~~فراس في طليعته، نحو «ملطية» فهزم الروم شر هزيمة، ووقع في أسره قسطنطين فوكاس ابن ملك ~~الروم. وفي هذه الموقعة يقول أبو ms62 فراس: # وولى على الرسم الدمستق هاربا # وفي وجهه عذر من السيف عاذر # 2 # فدى نفسه بابن عليه كنفسه # وللشدة الصماء تقنى الذخائر # 3 # ولم تمض على هذه الغزوة إلا سنة حتى انقض جيش سيف الدولة على جيش الروم عند حصن «الحدث». ~~وكان الروم في نحو خمسين ألفا، فهزمهم وأسر صهر الملك وحفيده وكثيرا من القواد، وأبلى أبو ~~فراس في هذه الموقعة خير البلاء. حين يقول: # حسبي بها يوم الأحيدب وقعة # على مثلها في العز تثنى الخناصر # 4 # عدلنا بها في قسمة الموت بينهم # وللسيف حكم في الكتيبة جائر # فلم يبق إلا صهره وابن بنته # وثور بالباقين من هو ثائر # وكان يعود بعد كل غزوة وأعلام النصر تخفق فوق رأسه لينعم بالحياة هنيئة رغيدة إلى جانب من ~~يحب، وكانت نجلاء تلوح بزواجهما بين الصبوة # 5 # والحياء، فلا تجد منه إلا إشارة لطيفة تدعوها إلى الصبر والانتظار. # وفي آخر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، عزم سيف الدولة على ضرب الروم في بلادهم، فعقد ~~الراية لأبي فراس على القسم الأعظم من جيشه، وسار الجيش، ودمر كثيرا من الحصون، وأملى ~~قائد الروم لسيف الدولة وخدعه، حتى انتهى جيشه إلى «خرشنة» فدهمه عندها بجمع لا يحصى، ~~فحاول التقهقر ولكنه رأى أن الروم سدوا عليه الطرق والمضايق. وكان قرعويه بجانب أبي فراس، ~~وكان الخبيث يعرف منفذا واحدا أغفله الروم، فرأى الفرصة وقد سنحت للقضاء على أبي فراس، ~~فأرشده إلى منفذ آخر يسمى «مغارة الكحل» فانطلق أبو فراس نحوه بجواده فسقط عليه الروم من ~~كل جانب، فلم يستطع عن نفسه دفعا، فاقتادوه أسيرا، وفر قرعويه مع سيف الدولة في ~~ثلاثمائة غلام، بعد أن فقد رجاله وسلاحه، وكانت هزيمة منكرة. # اقتاد الأعداء أبا فراس إلى قلعة «خرشنة»، فسار بينهم فوق جواده مرتفع الرأس، ثابت القلب، ~~يتحدى الكوارث، ويسخر من طوارق الأيام، وكانت القلعة رومانية البناء ضخمة حصينة شاهقة، ~~تشرف من أكمة على نهر الفرات. فأدخلوه بها والسرور يملأ جوانحهم، والزهو ينفخ خياشيمهم؛ ~~لأنهم ظفروا بصقر العرب وفارسهم المغوار الذي ms63 طالما شتت جموعهم وفزع قلوب شجعانهم. ودخل ~~أبو فراس حجرته المظلمة الضيقة المنافذ وهو يقول: # إن زرت خرشنة أسيرا # فلكم حللت بها مغيرا # من كان مثلي لم يبت # إلا أميرا أو أسيرا # ليست تحل سراتنا # إلا الصدور أو القبورا # وبقي في الأسر أكثر من شهر، وهو في كل يوم يفكر في الفرار فلا يجد إليه من سبيل. وكان ~~يخرج في أصيل كل يوم ممتطيا جواده ليدور في فناء القلعة، وليطل على الفرات، فكان إذا ~~أطل عليه رأى بينه وبين القلعة ما يزيد على خمسمائة ذراع، فيحار بصره ويدركه اليأس. ولكن ~~طائفا من خيال نجلاء كان يبدد هذا اليأس، ويسخر من هذا الارتفاع الشاهق، ويزعم أن للحب ~~أجنحة يطير بها العشاق إلى من يحبون، كان طيف نجلاء لا يفارقه في صحوه ومنامه، وكان اسمها ~~لا يفتر عنه لسانه، وكانت ذكراها لا ترحل عن فكره ولا تريم. رآها مرة في نومها وهي باكية ~~غاضبة، فلما حاول الدنو منها نفرت منه، وقالت: إن الذي لا يستطيع أن يقرب مني في اليقظة، ~~ليس أهلا لأن يقرب مني في المنام، فهب من نومه جزعا حزينا، وخرج إلى فناء القلعة فامتطى ~~جواده، وصمم على الفرار، ولو لقي في سبيله الموت. فوقف بفرسه على صخرة ونظر تحته فرأى ~~الفرات من بعد سحيق وهو يمور ويزمجر كأنه الأسد ينتظر فريسته، فنزل وعصب عيني الفرس، ثم ~~امتطاه وجمع قوته، واستحث عزيمته، واستنجد بكل ما في نفسه من أمل، ونخس الجواد، وصاح به ~~صيحة يعرفها، فوثب كأنه النسر المنقض، وبقي في الهواء زمنا، وأبو فراس فوقه، وقد طوق عنقه ~~بذراعيه كأنه الحرباء فوق فرع شجرة في يوم عاصف، حتى سقط في النهر فمات الفرس من شدة ~~الصدمة، وأفاق أبو فراس من ذهوله، فرأى الموج يتواثب حوله ثائرا صاخبا، فاسترد عقله ~~وعزيمته، وأخذ يسبح كما يسبح الحوت المذعور، وحراس القلعة ينظرون إليه من أعلاها مشدوهين ~~مأخوذين، وقد قيدت الحيرة أرجلهم، وطوحت المفاجأة بصوابهم، فلما بلغ الشاطئ انطلق يعدو ~~كالظليم. ويشاء القدر ms64 أن يمر به في هذه اللحظة فارس من الروم، يمشي الهوينى، فيثب عليه ~~أبو فراس كالذئب الجائع فيسقطه عن جواده، ثم يعلوه ويندفع به نحو حلب، وقلبه يكاد يطير من ~~بين جنبيه، واستمر يغذ # 6 # السير حتى بلغ المدينة، فهبت لاستقباله والإشادة ببطولته. وكان ذكره حديث ~~المجامع، ووصف فراره ملء الأفواه والمسامع. وسعى إلى داره سيف الدولة في جمع من رجاله ~~وبينهم قرعويه، فمد إليه سيف الدولة ذراعيه ضاحكا باكيا، مثنيا على بطل العرب وصاعقة ~~الروم. # وذهب أبو فراس للقاء نجلاء. وهنا نضع القلم عاجزين. فقد يفسد الكلام وصف ما لا يستطيعه ~~الكلام. ومال أبو فراس على أذن نجلاء هامسا: الآن نستطيع الزواج يا حياتي، فإني أخشى ألا ~~تطول حياتي . ففزعت نجلاء لهذا التطير، وعنفته في دعابة ودلال، غير أنه لم تمض إلا أيام ~~حتى أقيمت معالم الأفراح، وتزوج زين الأمراء بأجمل بنات حواء. # | الفصل العاشر # حزن قرعويه وسقط في يده وخاب أمله، وعاش أبو فراس مع زوجه نجلاء في أمن وسعادة، يرف ~~فوقهما جناح الحب الهنيء! وكانت صوفيا تكثر الزيارة لهما، وتشاركهما في كثير من صنوف البهجة ~~والسرور. وأقبلت أمه من منبج بعد طول الفرقة لتنعم بقرب ابنها البطل. وبعد سنة وضعت نجلاء ~~طفلة بارعة الحسن، سمتها «فوزا» لأنها كانت تشعر حقا بحلاوة الفوز بحبيبها، بعد أن وقفت ~~الحوائل طويلا بينهما. # وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، زحف الروم إلى مدينة حلب نفسها، فاشتد الذعر والقلق، ~~وقام أبو فراس يدعو إلى الغزو والجهاد ويصيح: # كيف يرجى الصلاح من أمر قوم # ضيعوا الحق فيه أي ضياع؟ # فمطاع المقال غير سديد # وسديد المقال غير مطاع # ونهض مع سيف الدولة على رأس جيش قليل العدد لا يزيد على أربعة آلاف، وكان جيش الروم يبلغ ~~الثمانين ألفا مجهزا بالعدد الحربية، وآلات التدمير، والنار اليونانية، والدبابات ~~الهائلة، والتقى الجيشان بالقرب من «منبج». ووثب أبو فراس على أعدائه لا يهاب الموت ولا ~~يرهب العدد العديد. وما زال يضرب باليمين وبالشمال طول يومه، حتى تحطم سيفه، وتمزقت ms65 ~~درعه. ولما نفدت طاقته، وأصابه سهم في فخذه كاد يستنزف دمه، تكاثر عليه الروم فقبضوا عليه، ~~بعد أن أعياهم قتاله. ونجا سيف الدولة بنفسه إلى بالس. وهي مدينة بين حلب والرقة على ضفة ~~الفرات. # وقع أبو فراس في الأسر، وخاف الروم أن يفر من أيديهم هذه المرة، فنقلوه إلى ~~القسطنطينية، ووصلت الأخبار إلى حلب فحزن الناس، وأقاموا بكل بيت مأتما. وكانت ثلاثة رءوس ~~تجتمع في كل ليلة مطرقة حزينة سامدة، # 1 # تطيل الإطراق ثم ترتفع وقد شخصت عيونها إلى السماء، وانطلقت ألسنتها بالدعاء ~~والتوسل، هذه هي: رءوس نجلاء وسخينة وصوفيا. # وابتهج قرعويه لأسر عدوه، وعمل على أن يفسد بينه وبين سيف الدولة، وما زال بالرجل حتى ~~أحفظه على ابن عمه، بعد أن كان له محبا وبه كلفا. # ودخل أبو فراس السجن بالقسطنطينية. وكان حصنا رحيبا يشرف على البوسفور. ولم يكن يشغل ~~باله إلا نجلاء وابنته فوز. وأساء إليه الروم أول الأمر، وخشنوا في معاملته، فكان لا يسعده ~~في وحدته إلا الشعر يرسله مع أنات الحنين. وكان يبعث إلى ابن عمه سيف الدولة بطويل القصائد ~~يستحثه على افتدائه، ويصف إليه سوء حاله. وهي تلك القصائد الرائعة، التي فاز بها الأدب ~~العربي في هذه الحقبة. فطالما صاح بابن عمه في ظلمة الليل البهيم وهو يقول: # دعوتك للجفن القريح المسهد # لدي وللنوم القليل المشرد # وما ذاك بخلا بالحياة وإنها # لأول مبذول لأول مجتدي # وما زل عني أن شخصا معرضا # لنبل العدا إن لم يصب فكأن قد # ولكنني أختار موت بني أبي # على صهوات الخيل غير موسد # نضوت على الأيام ثوب جلادتي # ولكنني لم أنض ثوب التجلد # فمن حسن صبر بالسلامة واعدي # ومن ريب دهر بالردى متوعدي # فمثلك من يدعى لكل عظيمة # ومثلي من يفدى بكل مسود # تشبث بها أكرومة قبل فوتها # وقم في خلاصي صادق الوعد واقعد # فإن تفتدوني تفتدوا شرف العلا # وأسرع عواد إليها معود # يطاعن عن أعراضكم بلسانه # ويضرب عنكم بالحسام المهند # متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى # طويل نجاد السيف ms66 رحب المقلد # ولا وأبي ما ساعدان كساعد # ولا وأبي ما سيدان كسيد # وإنك للمولى الذي بك أفتدي # وإنك للنجم الذي بك أهتدي # وأنت الذي بلغتني كل رتبة # مشيت إليها فوق أعناق حسدي # وقد يغلبه اليأس فيصيح: # هل تعطفان على العليل؟ # لا بالأسير ولا القتيل # باتت تقلبه الأكف # سحابة الليل الطويل # فقد الضيوف مكانه # وبكاه أبناء السبيل # وتعطلت سمر الرما # ح، وأغمدت بيض النصول # يا فارج الكرب العظي # م، وكاشف الخطب الجليل! # كن يا قوي لذا الضعي # ف، ويا عزيز لذا الذليل # قربه من سيف الهدى # في ظل دولته الظليل # لم أرو منه ولا شفي # ت بطول خدمته غليلي # ولئن حننت إلى ذرا # ه لقد حننت إلى وصول # لا بالقطوب ولا الغضو # ب ولا الكذوب ولا الملول # يا عدتي في النائبا # ت وظلتي عند المقيل! # أين المحبة والذما # م وما عددت من الجميل؟ # وطالما ثارت نفسه على الناس فغمغم يقول: # بمن يثق الإنسان فيما ينوبه؟ # ومن أين للحر الكريم صحاب # وقد صار هذا الناس إلا أقلهم # ذئابا على أجسادهن ثياب # تغابيت عن قوم فظنوا غباوتي # بمفرق أغبانا حصى وتراب # ولو عرفوني بعض معرفتي بهم # إذا علموا إني شهدت وغابوا # إلى الله أشكو أننا بمنازل # تحكم في آسادهن كلاب # تمر الليالي ليس للنفع موضع # لدي، ولا للمعتفين جناب # وكثيرا ما استطال مدة أسره دون منقذ أو معين فهتف: # أقمت بأرض الروم عامين لا أرى # من الناس محزونا ولا متصنعا # إذا خفت من أخوالي الروم خطة # تخوفت من أعمامي العرب أربعا # وإن أوجعتني من أعادي شيمة # لقيت من الأحباب أدهى وأوجعا # ولو قد رجوت الله لا شيء غيره # رجعت إلى أعلى وأملت أوسعا # لقد قنعوا بعدي من القطر بالندى # ومن لم يجد إلا القنوع تقنعا # وما مر إنسان فأخلف مثله # ولكن يرجى الناس أمرا موقعا # تنكر سيف الدين لما عتبته # وعرض بي تحت الكلام وقرعا # فقولا له من صادق الود إنني # جعلتك مما رابني الدهر مفزعا # ولو أنني أكننته في جوانحي # لأورق ما ms67 بين الضلوع وفرعا # فلا تغترر بالناس ما كل من ترى # أخوك إذا أوضعت في الأمر أوضعا # فلله إحسان علي ونعمة # ولله صنع قد كفاني التصنعا # أراني طريق المكرمات كما أري # علي وأسماني على كل من سعى # فإن يك بطء مرة فلطالما # تعجل بي نحو الجميل فأسرعا # وإن يجف في بعض الأمور فإنني # لأشكره النعمى التي كان أودعا # وإن يستجد الناس بعدي فلم يزل # بذاك البديل المستجد ممتعا # وقد يطالعه خيال نجلاء فينشد: # إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى # وأذللت دمعا من خلائقه الكبر # تكاد تضيء النار بين جوانحي # إذا هي أذكتها الصبابة والفكر # ويحن إلى أمه فيقول: # لولا العجوز بمنبج # ما خفت أسباب المنيه # ولكان لي عما سأل # ت من الفدى نفس أبيه # لكن أردت مرادها # ولو انجذبت إلى الدنيه # أمست بمنبج حرة # بالحزن من بعدي حريه # لا زال يطرق منبجا # في كل غادية تحيه # فيها التقى والدين مج # موعان في نفس زكيه # يا أمتا لا تحزني # وثقي بفضل الله فيه # يا أمتا لا تيأسي # لله ألطاف خفيه # أوصيك بالصبر الجمي # ل فإنه خير الوصيه # وحينما نفد صبره، وضاق صدره بالأسر، حاول الفرار ذات ليلة وكاد يفلت، لولا أن هبت فجأة ~~عاصفة هوجاء، أيقظت الحراس النائمين. وشاع خبر محاولته الهرب في المدينة، وتحدث الروم من ~~جديد بشجاعة الفارس العربي وجرأته، وأخبر ملك الروم زوجه «تيوفانو» بالحادثة، وأفاض في ~~إطراء أبي فراس ووصف وسامته وشجاعته، وأنه مثال رائع للبطولة العربية. فتشوقت إلى رؤيته. ~~وكانت تيوفانو آية من آيات الجمال الإغريقي: تزوجت أول أمرها برومانس ملك الروم، وكان فتى ~~جميل الطلعة نضير الشباب، ولكنها لم تنعم بحبه طويلا حتى طواه الموت. وجلس بعده نيقفور على ~~سرير الملك، واستهواه جمالها، فما زال يتقرب إليها ويتوسل ويستعطف، حتى تزوجته على كره ~~منها. # وما تبلج الصباح حتى خرجت تيوفانو إلى السجن، لتشاهد ذلك الفتى العربي، الذي أثار الناس ~~حوله ضجة من المديح، وكادوا يلحقونه بآلهتهم القدماء. وما كادت تقف أمام أبي فراس حتى رأت ~~تمثالا ms68 أبدع الخالق القدير تنسيقه للقوة والبطولة، ورأت الشهامة العربية والشمم القرشي ~~في وجه لم تستطع الوقائع والأهوال واشتباك السيوف أن تمس شيئا من وسامته، فخطر بنفسها ~~خاطر يشبه الجنون: لم لا يكون هذا الفارس الجميل قائدا من قواد الروم؟ ولم تحرم ~~القسطنطينية هذه الدرع الحصينة التي هي أصلب من أسوارها، وأقوى من قلاعها، إنه إذا انضم إلى ~~جيش الروم قهر الدنيا وأعاد إلى القسطنطينية المجد القديم. لقد وقع هذا الصقر في أيدينا ~~فلم لا نتخذ منه قوة إلى قوتنا، وبازيا لصيد أعدائنا؟ خطر بنفسها هذا الخاطر فمالت نحو ~~الأسير وقالت: ما حالك اليوم يا بطل الصحراء؟ وكان أبو فراس تعلم من صوفيا ما يستطيع به ~~أن يفهم الرومية، وأن يتحدث بها في شيء من اليسر فابتسم وقال: حال الأسير العاني يا درة ~~البحار. ~~- هل فارقت في حلب حبيبا؟ # فزفز أبو فراس وقال: فارقتها ولم يفارقني خيالها. ~~- إن في فتيات الروم من الحسن ما يزهد فيك كل ذات جمال، وقد جئت أيها الفارس لأفتح أمامك ~~باب الأمل، ولأبدد عنك خواطر اليأس، ولأنقلك من هذه الحجرة المظلمة إلى أعظم قصر ~~بالمدينة. ~~- كيف يا سيدتي؟ ~~- إن الأمر بيدك وهو عليك جد يسير. ~~- لا أفهم ما ترمين إليه. ~~- سنخلص لك الود ونغمرك بمحبتنا ونعمنا إذا رضيت بالحياة معنا وجردت حسامك في صفوف ~~جيوشنا. ~~- أنا يا سيدتي؟ ~~- نعم سيجعلك نيقفور قائد جيوش الروم، وستكون مرتبتك تالية لمرتبته. # فضحك أبو فراس وقال: يا سيدتي إن العرب لا يبيعون أنفسهم لأعدائهم ولو لاقوا ما هو شر ~~من الحمام. إننا يا سيدتي أبناء الصحراء نبتت أخلاقنا من صخورها، واتقدت قلوبنا في ~~قيظها وهجيرها. نحن لا نحن إلى النعيم إلا في ظل الشرف والكرامة والذود عن الحوزة ~~والدفاع عن العقيدة والوطن. لا يا سيدتي إنني أجد في الأسر لذة ونعيما كلما ذكرت أنني لم ~~أصل إلى السجن إلا بعد أن سقطت في ميدان الشرف والجهاد. ~~- عجيب أمرك أيها الفتى، تقبل الدنيا عليك بحذافيرها فتركلها بقدمك لوهم كاذب وكبرياء ~~معتوهة؟! ms69 ~~- إنها العقيدة الراسخة يا سيدتي، والخلق العربي الذي ارتضعناه من أثداء ~~أمهاتنا. ~~- تصور أنك ستكون القائد الأعظم لجيوش الروم، وتصور أني سأزوجك إحدى وصيفاتي وهي أجمل ~~امرأة فتحت عليها عين إنسان. ~~- لو كنت جنديا في جيش العرب ما قبلت أن أكون ملكا لكم. أما الزواج يا سيدتي فإني ~~متزوج بمن لا أبيعها بالجنة وملائكتها الأطهار. ~~- إنك ستظل في الأسر ذليلا إلى أن تموت دون أن تجرد سيفا لنصرة العرب ودون أن ترى ~~لزوجك ظلا. ~~- السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. # فظهر الغضب على وجه تيوفانو وغادرت السجن وهي تغمغم بكلمات لم يفهمها. ولم تزره في السجن ~~بعد ذلك، ولكنه لحظ بعد زيارتها تضييقا من الحراس وعنتا. واستمر في السجن أكثر من ثلاث ~~سنين دون أن تقدم فدية لإطلاقه. # وقضت نجلاء طوال هذه المدة في هم مقعد مقيم، لا تجد إلى تخليص زوجها سبيلا، حتى إذا ~~اشتد بها الوجد، فتحت خزائنها لتمتع عينيها برؤية أول هدية أهداها إليها، فأخرجت العلبة ~~الذهبية، وكشفت غطاءها، وأبرزت اللؤلؤة الفريدة ملفوفة بورقتها كما أخذتها من أبي فراس، ~~وجلست تنظر إليها في ألم وحسرة، وقد طافت بها طيوف الماضي البعيد. وبينما هي كذلك إذ دخلت ~~صوفيا، فأرتها اللؤلؤة، وأخبرتها بخبرها، وبأن قائدا من قواد الروم أهداها إلى الأمير سعيد ~~أبي زوجها، وأن سعيدا أهداها قبل موته إلى ابنه أبي فراس. # فعجبت صوفيا من عظمها وصفائها، ثم التفتت فإذا ورقة على بساط الغرفة يعبث بها النسيم، ~~فمدت إليها يدها وبسطتها، فإذا عليها كتابة بالرومية، فلما شرعت تقرؤها بدت على وجهها ~~علامات الدهش، ثم صاحت: نجا أبو فراس! نجا أبو فراس! فهزت نجلاء كتفيها في خشونة وصاحت: ~~كيف؟ كيف؟ بالله قولي كيف؟ ~~- اسمعي يا حبيبتي ترجمة ما في هذه الورقة التي بقيت في خزانتك أكثر من ثلاث سنوات، وزوجك ~~يلاقي ذل الأسر وعذاب الهون، والتي قذفت بها فوق بساط الغرفة تذهب بها الرياح كل ~~مذهب. ~~- ماذا فيها يا صوفيا؟ ~~- فيها ما يأتي: «أنا واسيلوس الأول رأس الأسرة المقدونية ms70 وملك الروم، أقرر بخطي أنني ~~بينما كنت في «قيصرية» وقعت أسيرا في يد أمير من أمراء العرب اسمه أبو العلاء سعيد ~~الحمداني. فأكرمني غاية الإكرام، وفك أسري، فلم أجد وسيلة لشكره إلا أن أهديه علبة من الذهب ~~بها لؤلؤة نفيسة، ليس لها مثيل في الدنيا إلا لؤلؤة محفوظة بقصرنا بالقسطنطينية، وإني آمر ~~كل رومي أن يكرم كل من يحمل هذه الورقة، ويحمل معها اللؤلؤة، وأن يجيب مطالبه.» # وما كادت تتم صوفيا قراءة الرسالة حتى رقصت نجلاء من الفرح، وأقبلت على صوفيا تقبلها، ~~وتجتذب شعرها، والدموع تنهمر على عينيها انهمارا. فلما أفاقت من النوبة، التفتت إليها ~~وقالت: يا صوفيا! أنت نجم أبي فراس الصاعد، وملكه الحارس، هذه هي المرة الثالثة التي ~~تنقذينه فيها. وهنا دخلت سخينة فأخبرتها الخبر، فكادت تجن من الفرح. ثم قامت نجلاء إلى ~~خزانة أبي فراس وأخرجت منها ثلاثة أثواب، وأمرت خادمها أن تأتيها بخيط وإبرة. فدهشت صوفيا ~~وقالت: ماذا تريدين أن تصنعي؟ ~~- أريد أن أقصر هذه الثياب حتى تلائم قدي لأرتديها وأذهب إلى القسطنطينية لإنقاذ ~~زوجي. ~~- وحدك؟ ~~- نعم وحدي، ولن يذهب أحد معي. إنه كان يستهين بالموت في حبي، فلم أهاب الموت في حبه؟ ~~هلم هلم، قصرا الثياب فإن الانتظار يكاد يقتلني. وبعد أن تم تقصير الثياب قصت ~~نجلاء شعرها، ولبست أحد الأثواب، ووضعت الثوبين الآخرين مع عشرة أكياس من الدنانير في علبة، ~~وتمنطقت بحزام به خنجران، وتقلدت أحد سيوف زوجها، وأمرت أسامة أن يعد لها أسبق جواد في ~~الإصطبل، ثم ودعت سخينة وصوفيا، وانطلقت فوق الجواد كأنها البرق الخاطف. # ولو حاولنا وصف الطريق، وما لقيته نجلاء من الجهد والنصب، ومن عصابات اللصوص بين عرب ~~وروم، لامتدت القصة وطال حبل الكلام، ويكفينا أن نقول: إنها بلغت القسطنطينية بعد عشرين ~~يوما قضتها بين الخوف ولقاء الموت، وبين اليأس والأمل. فأخذت سمتها نحو قصر الملك، فقابلها ~~الحراس لدى الباب، وصاح بها زعيمهم وكان له إلمامة بالعربية: من أنت أيها الفتى؟ ~~- رسول من قبل سيف الدولة برسالة إلى الملك. ~~- لعله ms71 يطلب الهدنة بعد أن دمرنا عليه حلب. ~~- إنكم دمرتم بنيانها، ولم تدمروا قلوب رجالها. فظهر الغضب على وجه الزعيم وقال: عجيب ~~شأن هؤلاء العرب فإن اليأس لا يعرف إلى قلوبهم طريقا. ~~- إن العرب يحاربونكم بإيمانهم، وأنتم تحاربون بدباباتكم ونيرانكم اليونانية. ~~- كفى أيها الفتى الشجاع، تسلب من سلاحك وادخل. # فنزعت نجلاء سلاحها، ودخلت القصر مع المترجم، حتى وصلت إلى بهو العرش، فرأت نقفور فوكاس ~~جالسا على سريره وحوله الوزراء والقواد، فأدت تحية الملوك، وقدمت إليه الورقة، فقرأها ~~والدهشة تبدو على وجهه. ثم صاح بالمترجم: سل الفتى أين اللؤلؤة؟ فمدت نجلاء يدها بالعلبة، ~~فأخرجت منها اللؤلؤة فقال: حقا إنها أخت لؤلؤة القصر. ثم اتجه إلى المترجم وهو يقول: هذه ~~الرسالة من مؤسس دولتنا واسيلوس، وأمره حكم واجب الطاعة، ويظهر أن الأمير العربي الذي أحسن ~~به، ووهب له حياته، كان بطلا كريما، فسل الفتى أيها المترجم عما يشاء. فلما ترجم الكلام ~~لنجلاء قالت: أطلب إطلاق رجل في أسر الملك، هو أبو فراس الحمداني! ~~- لقد طلبت عظيما يا فتى. إن أبا فراس وحده جيش لهام، ولم يهدأ للروم روع إلا بعد أن ~~ظفروا به. أطلب ما تشاء يا فتي غير هذا. ~~- لن أطلب سواه. # ففكر نيقفور مليا ثم قال لقواده: اذهبوا معه، وأطلقوا سراح أبي فراس. فخرجت نجلاء وهي ~~لا تكاد تصدق ما سمعت، حتى إذا وصلت مع القواد إلى السجن، واتجهوا نحو غرفة أبي فراس ~~سبقتهم إليها، فلما رآها صاح: نجلاء؟! نجلاء حبيبتي؟! وانكب عليها كالمجنون يقبلها ويبكي، ~~وقد طوقته بذراعيها، وهي تهتف: وجدت حبيبي، وجدت حبيبي! ودخل القواد فعجبوا مما رأوا، ~~وزاد في دهشتهم أن الفتى العربي انقلب فتاة رائعة فاتنة، وبعد لأي هدأ الفتى، وهدأت ~~الفتاة، وأخبرته نجلاء بقصتها، وبأمر الملك بإطلاقه. فحملها بين ذراعيه كأنه يحمل البازي ~~العصفور، وخرج من السجن والقواد أمامه، وإذا هم لدى الباب رأوا تيوفانو واقفة وهي تبكي، ~~وحينما لمحت أبا فراس مدت إليه يدها في حزن وأسى، وهي تتمتم: سحقا للروم لقد سلمت ~~سلاحها لأعدائها! ms72 # واشترى أبو فراس جوادا، وانطلق مع نجلاء نحو حلب، حتى إذا بلغاها هبت المدينة ~~للقائهما، وأصبحت قصة نجلاء حديث كل دار، وأنشودة كل شاعر، ولقي أبو فراس أمه فأبكاهما ~~اللقاء، ولقي صوفيا فعانقها طويلا، وكان شكره لها أطول من عناقه، وملأ السرور كل قلب إلا ~~قلب رجل واحد، هو قرعويه. # | الفصل الحادي عشر # ومرت سنة مات فيها سيف الدولة، فترك موته في كل نفس لوعة، وولي الملك بعده ابنه أبو ~~المعالي سعد الدولة، وكان في الخامسة عشرة من عمره ضعيفا بأعباء الملك كاهله، فتحكم فيه ~~قرعويه. وكاد يقوم بشئون الملك دونه، وملأ صدره حقدا على خاله أبي فراس فبرم أبو فراس ~~بدسائس قرعويه، وأحزنه أن يصبح ابن أخته لعبة في أيدي الطامعين في الملك المتوثبين عليه. ~~فخرج على سعد الدولة في ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وضم إليه بعض الجنود، وسار ~~بهم نحو «حمص» يريد الاستيلاء عليها، وكانت نجلاء وابنته فوز وأمه معه في هذه الغزوة. وما ~~كاد يعلم قرعويه بنيته حتى أغرى سعد الدولة بإرسال جيش عظيم لمحاربته، وحينما التقى ~~الفريقان بالقرب من ضيعة تسمى «صدد» استهوى قرعويه جنود أبي فراس بالمال، فانصرفوا عنه، ~~ودهمه بجيش كثير العدة والعدد. # وحارب أبو فراس حرب المستميت، ولكن السهام انصبت عليه من كل ناحية، وانتاشته السيوف من ~~كل مكان، فسقط عن جواده مثخنا بالجراح، فتركه أعداؤه، وهو يجود بأنفاس قصار، وانطلقت إليه ~~نجلاء وأمه وابنته حزينات نائحات، وحملت نجلاء رأسه فوضعته فوق ركبتها في رفق وحنان، وأخذت ~~تناديه وتناجيه بعبارات تقطع القلب، وتذيب الصخر. وقامت أمه حوله تلطم عينيها حتى أذهبت ~~بصرهما، وطال بكاء فوز وجزعها، وامتد نشيجها، ففتح أبو فراس عينيه وهو يحتضر، والموت ~~يزاحم أنفاسه، ونظر إلى نجلاء، ثم إلى أمه ثم إلى بنته وقال في صوت متقطع: # أبنيتي لا تجزعي # كل الأنام إلى ذهاب # نوحي علي بحسرة # من خلف سترك والحجاب # قولي إذا ناديتني # وعييت عن رد الجواب # زين الشباب أبو فرا # س لم يمتع بالشباب! ms73