######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.FarisMulaththam.Hindawi68042963 #META# Tags: novels #META# ID: 68042963 #META# Title: الفارس الملثم #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفارس الملثم‏ # الفارس الملثم‏ # | الفارس الملثم # | الفارس الملثم # تأليف # علي الجارم # | الفارس الملثم # هذه دمشق جنة الله في أرضه، تتخايل بمروجها الخضراء، ورياضها الزهر، وبنسيمها الذي ~~اعتل فصحت به الأجسام، ورق فهفت له الأرواح، ومر وئيد الخطى فتشبثت بذيله الأزهار، وهذه ~~جداولها التي تجري في خرير عذب يناغم تغريد الطيور، تفترق وتلتقي فتصور الحياة بين يأس ~~ورجاء، وفرقة ولقاء، ثم لا تفتأ تتعثر بين الخمائل، وتنحدر بين الغياض، حتى تلتقي بنهر بردى ~~فيلتقمها زخاره الخضم، ويدور بها كالمذعور الحائر يلج كل دار، ويخرج من كل حائط. # هذه دمشق بقبابها العالية، وقصورها الشامخة، ومآذنها التي امتدت إلى السماء كأنها تطلب ~~شيئا في السماء. # هذه دمشق في سنة ثنتين وتسعين للهجرة، في أيام خليفتها العظيم الوليد بن عبد ~~الملك. # عظمة وسلطان وملك عريض، وقوة أخضعت الفرس، وجثت أمامها بيزنطة خاشعة تلقي الزمام في ذل ~~وخضوع، ومشت إليها الرسل من أقاصي أوربا والشرق يطلبون الزلفى، ويستجدون نظرة رضا تضع ~~قلوبهم في أمكنتها، وسارت كتائبها في أرجاء الأرض فاتحة غازية لا يفارق النصر رايتها، ولا ~~ينزل الدهر إلا عند كلمتها. ثم سياسة ودهاء ومراس بالحكم ملأت بها دولة أمية القلوب خشية ~~ورعبا، أو إخلاصا وحبا، وجردت كل سيف من غمده في الذياد عن حوزتها، وبذل النفس رخيصة في ~~توسيع رقعتها. # هذه دمشق أيام الوليد بن عبد الملك، وقد كانت زينة العواصم، وقرة عين الدنيا، تموج بمن ~~يردون عليها من أقطار الأرض من عرب وترك وروم وبربر. وكانت في هذا اليوم الذي تبدأ فيه ~~قصتنا شديدة الزحام، انتشر الناس في أرجائها جماعات جماعات، وأخذ بعضهم يصافح بعضا في سرور ~~ونزق، وخرج كثير منهم عما اعتادوه من وقار وتحرج، وكان الشبان يتغنون بأهازيج تترنم ~~أنغامها بمجد العرب، وبسالة العرب، وإقدام العرب. وانتزعت فتاة خمارها وانتطقت له، ثم ~~انطلقت ترقص بين تصفيق المعجبين، وترديد المنشدين، وكان من أراجيزهم: ~~«لذريق» قد طارت بك الأوهام # ما لك عند طارق كلام # أبطالنا غطارف كرام # الحق في يمينهم حسام # وراية يرفعها ms01 الإسلام # عزيزة في الجو لا ترام # الدير «لذريق» أو الحمام # وكان يقف ناحية شيخ جاوز الثمانين، حطمته الأيام، وحنت ظهره أثقال السنين، فتقدم نحو أحد ~~الشبان، وسأل في كلمات تعثر بها لسانه: ما الخبر يا فتى؟ ~~- فتحنا الأندلس، وانتصرت جيوش طارق بن زياد بوادي «لكة» على علوج «القوط»، وفر صاحب ~~مملكتهم المسمى «لذريق» بجواده فلم يقفوا له على أثر. ~~- هذا فتح مبين يا بني! ولو أطاعتني عصاي، وحملتني ساقاي، لرقصت مع الراقصين. # ثم لوح الشيخ بعصاه، وصاح بقدر ما يستطيع صوته: «هلم إلى دار الخلافة، هلم إلى الوليد بن ~~عبد الملك، إن هذا اليوم يا أبنائي يوم مشهود يجب أن تسرع فيه الوفود إلى تهنئة أمير ~~المؤمنين.» # وكان لهذا الصوت الضعيف من هذا الشيخ الفاني سحر تفتحت له القلوب، وأصغت الأسماع، فتزاحم ~~الناس صائحين. «إلى دار الخلافة! إلى دار الخلافة!» # كانت دار الخلافة بالجانب الشرقي من دمشق تطل على الغوطة التي تعد من أجمل منازه الدنيا، ~~وكانت ترى من بعيد جاثمة فوق ربوتها العالية كأنها الحصن العظيم. وهي بناء بيزنطي قديم ~~بذل فيه الفن والمال ما جعله صورة ناطقة بالجمال، وأثرا باقيا للعظمة والجلال. جلس الوليد ~~في أصيل هذا اليوم في القاعة الكبرى التي يستقبل فيها الوفود وكبار رجال المملكة، وجلس إلى ~~يمينه سليمان بن عبد الملك، وإلى يساره مسلمة بن عبد الملك، الذي لم تترك غزواته للروم ~~بلدا لم يرتفع فيه صوت مؤذن، ثم جلس بعدهما كبار دولته، وكان منهم: عبد الله بن همام ~~السلولي، وقتيبة بن مسلم، وأبو القاسم المخزومي، والمغيث بن الحارث، وحبيب بن عقبة. فبدأ ~~الكلام عبد الله بن همام وكان ذرب اللسان حاضر البديهة، فقال: إن هذا الفتح يا أمير ~~المؤمنين إلى ما أنعم الله به علينا من فتح الهند والروم وأقصى بلاد خراسان، لدليل على يمن ~~طالع أمير المؤمنين وسعادة جده، وأن المسلمين في أقطار الأرض ليتجهون نحو دار الخلافة كما ~~يتجهون في صلاتهم إلى القبلة، ويرون أن أمير المؤمنين - أمتعنا الله بحياته - عصمة ms02 دينهم، ~~ومجد دنياهم، وحامل رايتهم إلى الظفر والانتصار. # فتحرك في مجلسه قتيبة بن مسلم جبار خراسان، وظهرت على وجهه كدرة من الغيرة المكبوتة، وقال ~~في تردد: لو كنت في سرج طارق ما اكتفيت بفتح الأندلس، وما خلعت رجلي من ركابي إلا بعد أن ~~أخترق الأرض الكبيرة، وأطل على البحر المحيط. فصاح به أمير المؤمنين: مه يا قتيبة، فإن ~~لطارق من الجرأة ما لا تقف أمامه عقبة، وهو فتى أحوذي بعيد الرأي واسع الحيلة، وأخشى ما ~~أخشاه أن يغرر بالمسلمين، ويسلك بهم مسالك تنسد خلفهم منافذها، وبيننا وبينه المهامه ~~الفيح واللجج الخضر. # فقال المخزومي: قدم في هذا الصباح حبيب بن عقبة رسولا من قبل طارق، وما كاد يصل إلى ~~بساطي حتى سقط من الإعياء بعد أن طوى في السفر إلينا شهرا لا يستقر به جواده في ليل أو ~~نهار ... فلما سكت عنه التعب، وعادت إليه أنفاسه، تقدم إلينا برسالة من طارق لم يكتب فيها إلا ~~سطرا واحدا. # ثم أشار إلى كاتبه وأمره أن يقرأ الرسالة فقرأ: «أيد الله أمير المؤمنين وأعز جنده، إنه ~~ليس فتحا يا أمير المؤمنين، وإنما هو الحشر ويومه!» # ثم اتجه حبيب بن عقبة نحو الخليفة فأومأ إليه بيده أن يتكلم فقال: لقد كانت مغامرة يا ~~أمير المؤمنين، باع فيها المسلمون أنفسهم في سبيل الله والحق، ووثبوا بعزائم كالقضاء ~~المحتوم ليس له من مرد ولا عنه من محيص، ونبذوا الخوف من العواقب وراء ظهورهم ساخرين ~~مستميتين، ولقد كنت إلى جانب طارق حين أبحرت سفننا من «سبتة» في ظلام الليل الدامس كأنها ~~مردة الجن لا تبطش إلا في الظلام، وكنت أراه وهو ينظر نحو الأندلس بوجهه العابس، وعينيه ~~المتقدتين، فما كنت أرى إلا أسدا غاضبا يتحفز للوثوب، أو نسرا جارحا لاحت له الفريسة من ~~بعيد فصفق بجناحيه لاصطيادها. بلغنا بر العدوة فنزلنا في صمت زاده ظلام الليل روعة ~~وإرهابا، وكأن الخيل والإبل أرادت ألا تكون دوننا في الحذر فكتمت ما في صدورها من صهيل ~~ورغاء. # نزلنا يا أمير المؤمنين ms03 كأننا ملائكة الله نزلت على القوم من السماء، وتقدم جيشنا نحو ~~الأعداء، وقدم لذريق بأجناده مدججين مسلحين لا يعرف أوله أين آخره. # فلما رأيت يا أمير المؤمنين كثرة عددهم، وقوة عتادهم، جشأت نفسي وجاشت - كما يقول قطري بن ~~الفجاءة - وهالني ما يهول الشجاع إذا رأى الفرار حزما، فهمست في أذن طارق قائلا: «حذار يا ~~طارق! فإني أرى جيوشا تسد الأفق، كأنها البحر المضطرب، وماذا نصنع أمام هؤلاء باثني عشر ~~ألفا من العرب لا يحمل أكثرهم إلا هراوة أو رمحا محطما؟!» فنظر إلي نظرة ساخت لها ~~نفسي، ثم قال في غضب: «صدق الله العظيم وكذبت يا حبيب»: # كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين ~~«البقرة: 249». # ثم صاح في وجهي وكأن صوته زمزمة الرعد، وقال: «اذهب مع جماعة من جندك وأحرق السفن التي ~~قدمنا عليها.» # فملكتني الدهشة وقلت: «ماذا بك يا طارق؟ أحرق السفن؟» فصاح: «نعم أحرق السفن، واجعلها ~~رمادا؛ حتى ييأس من لم يثبت الإيمان قلبه من الفرار.» ~~«وأحرقت السفن أمام الجنود يا أمير المؤمنين، ووقف طارق بينهم خطيبا، ولا والله ما طرق ~~أذني من مخلوق كلام بعد كلام النبوة أنفذ إلى القلب، وأدعى إلى الإقدام والاستهانة ~~بالموت! # وسار الجيش يا أمير المؤمنين، وتقدم كأنه البنيان المرصوص، فذعر القوط، وأدركهم الوهل، ~~ولمح طارق من بعيد كبيرهم لذريق وهو في سريره، وعليه مظلة مكللة بالدر واليواقيت فصاح: «هذا ~~طاغية القوم! هذا هو بعينه، وإني والله لقاتله!» ثم خلص إليه فضربه بالسيف فقتله على سريره. ~~فلما رأى القوم مصرع سيدهم طارت نفوسهم شعاعا، وتفرقوا أيدي سبأ كما تطير العصافير قذفت ~~على دوحتها حجرا، وقد تركت طارقا وهو ينتقل من ظفر إلى ظفر، والحصون تنقض أمامه كأنها ~~كثبان الرمال. # أما ما أفاء الله به علينا من الكنوز والغنائم ففوق إدراك العقل وتصوير الخيال.» # فقال مغيث بن الحارث فيما يشبه الدعابة: «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما!» وزفر ~~الخليفة زفرة طويلة وهو يقول: هذا كله من فضل الله علينا ms04 وعلى الناس، ولكن الخوف لا يزال ~~يساورني، وأكثر ما أخشى أن يجتمع القوم بعد أن فجأتهم الهزيمة فيلموا شعثهم، ويعيدوا ~~الكرة على المسلمين، وليس أقوى من طالب ثأر، ولا أشد شكيمة من ذائد عن وطن، ونحن ~~هناك في قلة، وليس وراء جنودنا ما يحميهم. هذه الوساوس تلعب بي منذ الصباح، ولن تقر لي ~~عين، أو يستقر لي وساد، وأنا أرى المسلمين في خطر محدق وبلاء محيق. # فقال ابن همام: وليهدأ روعك يا أمير المؤمنين؛ فإن جنودك إنما يجاهدون في سبيل الله، وقد ~~وعد الله في كتابه بنصر المؤمنين. ~~- نعم يا عبد الله، ولكن يجب أن نعد لهم - كما أمرنا الله - ما استطعنا من قوة ومن رباط ~~الخيل. # وهنا وقف المغيث بن الحارث وقال: لو أمرني أمير المؤمنين بالرحيل لرحلت الساعة مع ~~جنودي. ~~- كم عدد جنودك؟ ~~- سبعمائة بين فارس وراجل فقال الخليفة في نبرة حزينة: يا له من جيش لهام! ~~- إن كل رجل في جيشي يعدل مائة. ~~- هل أعددت العدة؟ ~~- ثلاثة أيام تكفيني. ~~- اذهب على بركة الله منصورا موفقا! # ثم تهيأ الخليفة للقيام فانصرف القوم، واتجه أبو القاسم المخزومي إلى المغيث فوضع ذراعه ~~على كتفه في حنان الأبوة، ثم همس في أذنه قائلا: ما أعجبك يا بني! لقد كنا نعد العدة ~~لزواجك ببنت أخي عائشة، فماذا أنت قائل اليوم؟ وكيف تنفض إليها الخبر؟ إن نبأ رحيلك سينقض ~~عليها انقضاض الصاعقة، فأجمل لها الحديث يا بني وتلطف. # فقال المغيث وعلى وجهه سحابه من الحزن والقلق: لا تبتئس يا سيدي، فإن عائشة أشجع فتاة ~~بدمشق، وهى لا تحب لمن اختارته لنفسها إلا أن يكون شجاعا مقداما. هلم بنا إليها. # عائشة المخزومية بنت هشام المخزومي من بيت عريق النسب، كريم الأرومة. كان أبوها من ~~حماة الأموية وصناديدها، وكانت في ذلك الحين في العشرين من سنيها صبيحة مليحة رائعة ~~القسمات، مشرقة البسمات، لها عينان يتألق فيهما السحر، وتتوثب الفتنة. ثم هي إلى ما ~~منحها الله من الجمال البارع، والحسن الفاتن، تعتز بنفس عربية كريمة خلقت ms05 للشجاعة ~~والإقدام وخطيرات الأمور. جسم تحسده حور الجنة الحسان، ونفس أمضى عزيمة من الصارم ~~الفصال. # خطبها المغيث إلى عمها فرضيته بعلا لما عرفته وعرفه الناس فيه من البطولة والمروءة ~~والطموح إلى العظائم. إلى قسامة وجه، ورجاحة عقل، وحسن أدب، ولطف حديث. وكان يزور دارها ~~بين الحين والحين؛ فكانت كلما زادت به معرفة زادت به كلفا وحبا، وكلما زالت بينهما ~~الكلفة ونمت الألفة، زاد إكبارها له وافتنانها بأدبه وخلقه العظيم؛ لذلك أصبح حبه خيال ~~أحلامها بالليل، وسمير وحدتها بالنهار. # دخل أبو القاسم مع المغيث فحيتهما عائشة في سرور وابتهاج، وصاحت: أعلمتما الخبر؟ لقد ~~فتحنا الأندلس! # فقال لها المغيث مداعبا: وعلمنا قبل ذلك أن فتاة تدعى عائشة المخزومية غزت القلوب، جلست ~~فوق عروشها ملكة مطاعة! # فابتسمت عائشة وقالت: دع المزاح يا بن الحارث؛ فالأمر جد وما هو بالهزل. ~~- هذا صحيح، وأظن طارقا الآن في طريقه إلى طليطلة. ~~- يا له من فتح مبين! ~~- لا يكون فتحا مبينا إلا إذا ذهب حبيبك فملك الجزيرة كلها، وعاد إليك بتاج ملكة القوط؛ ~~ليزين به أجمل جبين أشرقت عليه الشمس. # فبسر وجه عائشة كأنها توجست شرا وقالت: تذهب إلى الأندلس غازيا؟ ~~- نعم يا فتاتي، أذهب بعد أيام على رأس جيشي بأمر أمير المؤمنين. # فوثبت إليه تعانقه وتمسح بيدها على كتفه في رفق وتدليل وهي تقول: خذني معك يا مغيث، فإني ~~لا أطيق أن يمر يوم واحد دون أن أراك. # فقال المغيث في استنكار: كيف أصحب فتاة لم أكن لها بعلا؟! ~~- نعقد الزواج غدا، ونسير على بركة الله. # فقال في سخرية لاذعة: وماذا نقول للشاعر الذي يقول: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول؟ ~~- نقول: إنه مغرور أحمق، جهل الرجال ولم يعرف بعض خلائق النساء. فليس كل رجل شجاعا، ~~وليست كل غانية خائرة العزم مكسالا. ما هذه الأثرة أيها الرجال؟ كأن الله لم يخلق سواكم ~~للمجد والبطولة. نعم، إن الله ميزكم علينا ببسط الجسم، وقوة العضل. ولكن قوة الروح ~~وجرأة العزيمة أقوى من الحديد والنار. والعزيمة إذا ms06 تمكنت من المرأة وتغذت بعواطفها، ~~ونهلت من غرائزها، خاضت الأهوال، وعصفت بكل ما أمامها من عقبات وصعاب. لقد زينت لكم ~~كبرياؤكم أن المرأة لم تخلق إلا ليلهو بها الرجل في شبابها، ولتلهو هي بالمغزل في هرمها، ~~فرحتم تتندرون بالنساء وبضعف النساء. لم لا تقود المرأة الصفوف، وتلاقي الحتوف، ~~وتضرب في سبيل الله كما تضربون؟ إن الله فرض الجهاد على الرجل والمرأة معا، فدعونا نقاتل ~~في سبيل الله، ودعونا نقاسمكم ثمرات المجد أو نفز بالشهادة إذا وارتنا القبور. # كان المغيث مطرقا واجما، فقد هاله ما سمع من فتاة بني أمية، وأبت عليه نفسه أن يطفئ ~~هذه الشعلة، أو ينال من هذه الحماسة بسوء، فربت كتف عائشة وقال: لم تزيديني يقينا ببطولتك ~~يا عائشة، ولن يزال الإسلام بخير ما زاحم النساء الرجال في ساحات المجد والجهاد. # فتهلل وجه عائشة وصاحت: إذن خذني معك يا مغيث؛ فتلعثم لسانه وقال: دعي هذه الغزوة يا ~~عائشة، فإن الخليفة يخشى فيها على الرجال، فكيف يرضى أن تخوض غمارها النساء؟ ~~- أيقف الخليفة في وجه فتاة رأت أبواب الجنة مفتحة فحنت إلى دخولها؟ ~~- إن شؤون المسلمين أمانة في يده يا بنية، وهو بهم رحيم، وعليهم حريص. # ثم انفلت من بين يديها في خفة الطائر الحذر، وقامت عائشة لتدركه فلم تجد له أثرا، كأنما ~~ابتلعته الأرض أو تخطفته السماء. # رحل المغيث إلى الأندلس برجاله، والتقى بطارق بمدينة «إشبيلية»، فرأى جنودا يتقدون ~~حماسة، وقائدا لم تلهه الغنائم والكنوز عن مقصده الأسمى، ولم تستهوه غانيات الأندلس بما ~~أفاض الحسن عليهن من سحر وملاحة، فاندمج في جيش طارق وانقض معه على «أستجة»، وكان أهلها في ~~قوة ومنعة وعدد وعدة. # أما عائشة، فبقيت بعد رحيله أياما تقاسي ألم الفراق ولوعة الهجر، وتشكو مما أسمته ذل ~~الأنوثة واستخفاف الرجل بالمرأة؛ لأنها لا تشهد حربا ولا تصول بسيف. # وحينما ضاق بها نطاق الصبر، ألحت على أمها أن تأذن لها في الرحيل إلى الأندلس، فبهتت ~~المرأة، وظنت أن مسا من الجنون قد أصاب فتاتها لفراق من ms07 تحب، ولكن عائشة لم تنهزم أمام ~~هذا الاستنكار، فكررت الرجاء، وألحفت في المسألة، وكلما زادت أمها إباء زادت عزيمة ~~وعنادا، وطال الجدل، وطال الحديث، حتى ألقت أمها بالعنان مستنكرة ساخطة، وخضعت لإرادة ~~ابنتها؛ لأنها لم تستطع إلا أن تخضع. وهبت عائشة كأنها النمرة الوثوب، فارتدت ملابس ~~أخيها عبد الله، ولبست درعه، وتسلحت بسلاحه، ثم أعدت حقيبة ملابسها ووضعت بها مائة دينار، ~~وصاحت: «يا رباح!» فأقبل عبد زنجي براق السواد كبير الهامة شعشاع، كأنه قطعة من جبل. ~~وحينما وقف بباب الحجرة دهش لما رأى عائشة في زي الرجال، وهز رأسه في عنف كأنه يريد أن ~~يستيقظ من حلم مخيف، فابتدرته آمرة: خذ الأهبة يا رباح لسفر طويل، فأعد أربعة جياد، ~~واحمل على اثنين منها ما تحتاج إليه من زاد وسلاح. أسرع! ~~- إلى أين يا سيدتي؟ ~~- إلى حيث تغرب الشمس. فبهر العبد وقال: أخشى أن يلتقمها البحر يا سيدتي قبل أن ~~ندركها. ~~- لا تخش شيئا يا رباح. اذهب قبل أن يظلنا الليل. # فانطلق رباح، وكان يرى لذة في خدمة سيدته، وسعادة في أن تأمره فيطيع، وبعد قليل أعدت ~~الخيول، وودعت عائشة أمها بين زفرات الألم وقطرات الدموع. # انطلقت عائشة من دمشق وخلفها رباح في أصيل يوم من أيام ذي الحجة سنة ثنتين وتسعين، وأحرى ~~بنا ألا نحاول وصف ما لاقت هذه الفتاة المقدام في طريقها في الشام ومصر وبلاد المغرب، من ~~أخطار وصعاب، فقد يكون أحيانا من حسن الوصف ألا تصف، ومن حسن الرأي أن تدع الكلام عما ~~يعجز عنه الكلام. # وبلغت عائشة «سبتة»، وهي مدينة حصينة بمراكش، تقع قبالة الجزيرة الخضراء بالأندلس، ~~وبينهما بحر الزقاق الذي يبلغ عرضه بضعة أميال. وحينما وقفت على سيف البحر حاولت أن تجد ~~سفينة تمخر بها إلى عدوة الأندلس، ولكنها لم تجد إلا سفينة واحدة ظهر لها مما فيها من ~~العبيد والخدم أنها خاصة ببعض كبراء المدينة، فوقفت حائرة تجيل الطرف هنا وهناك، علها ~~تظفر بسفينة أخرى، ولم يطل بها الوقوف حتى رأت فتاة تدنو منها ms08 في بشاشة ولطف وتقول: أراك ~~تنظر نظرة الحائر أيها الفتى الشجاع، فهل من حاجة لك نقضيها؟ # فقالت عائشة في نبرة حزينة: أشكرك يا فتاتي، لقد كنت أبحث عن مركب أصل به إلى شاطئ ~~الأندلس. ~~- إني ذاهبة الآن إلى الأندلس في سفينتي هذه، وفيها متسع لعربي كريم مثلك. فهل تسعدني ~~بإجابة طلبتي؟ # وكانت عائشة حريصة على السفر، فلم تأب الكرامة وقالت: «هذه منة لن أنساها أبد الدهر.» ~~ثم التفتت نحو رباح، وكان يقبض على عناني جوادين بقيا لهما بعد سفرهما الطويل، وقالت: ~~«انزل يا رباح بما معك إلى السفينة، فقد تفضلت السيدة بحملنا إلى بر العدوة.» # كانت هذه السيدة، أو الفتاة إن شئت، تدعى «فلورندا»، وهي ابنة «يوليان» الإسباني الذي كان ~~حاكم «سبتة» من قبل القوط، وكانت ذاهبة إلى الأندلس للقاء أبيها. وعندما كانت السفينة على ~~وشك الإبحار لمحت فلورندا عائشة أو لمحت - فيما رأته عيناها - فتى عربيا يتألق فيه ماء ~~الشباب، فأطالت التأمل، وأتبعت النظرة النظرة، فإذا شاب وسيم تظهر عليه سيماء النبل وملامح ~~البطولة، وجه مشرق كأنه تنفس الصباح، وقامة معتدلة كأنها صعدة الرمح، وشباب ورونق وفتوة. ~~رأت فلورندا كل هذا بعينيها فترجمته غريزتها، وغريزة الفتاة في هذه السن الناضجة سريعة ~~التأثر، ماهرة في الانتقال من الاستحسان إلى الرغبة والأمل. وكثيرا ما يطغى بها الخيال ~~فتجعل الأمل حقيقة واقعة، فتنت فلورندا بما رأت، وتيقظت أنوثتها عاتية جامحة، فكادت ~~تلتهم الفتى العربي بنظراتها، وتحرقه بزفراتها، وميل الفتاة إلى الفتى أو ميل الفتى إلى ~~الفتاة أمر فطري يقوى ويضعف كما تقوى كل الميول والغرائز وتضعف، ولكن إذا اختلف الجنسان ~~اشتد هذا الميل وعنف، كالكهرباء فإنها لا تتولد إلا إذا التقى سالب بموجب. وهنا التقى ~~الجنس الآري بالجنس السامي؛ فكانت الشرارة لواحة متأججة اللهب، هتفت نفس فلورندا صاخبة ~~ساغبة: «لم لا تتزوجينه؟ إنك لن تجدي له بين الفتيان مثيلا ولو ذهبت إلى أقصى الأرض، إن له ~~وجها لم تطلع الشمس على أصبح منه. إن سمته وزيه ينمان عن أصل كريم ومجد عريق ms09 ، إن ~~بسمته في الصباح صباح، وطلعته في المساء ضياء المساء، يجب أن تتزوجيه أو أن تعملي على أن ~~تتزوجيه، فإن من جد وجد، وكل من سار على الدرب وصل.» # جالت بنفس فلورندا كل هذه الخواطر وهي جالسة إلى جانب عائشة والسفينة تنشر قلاعها للرحيل، ~~فقالت في صوت تكلفت أن يكون غير مختلج: من أين وإلى أين يا أخا العرب؟ ~~- من دمشق يا سيدتي إلى جيش طارق. ~~- وهل اجتزت هذه الطريق الموحشة المزدحمة بالأخطار مع هذا العبد لا يصحبك سواه؟ ~~- كان يصحبني سواه. ~~- من هو؟ ~~- سيفي. # فابتسمت فلورندا وقالت: «أنتم هكذا أيها العرب؛ لا تفارقكم هذه الثقة بالنفس التي نسميها ~~غرورا؟!» ~~- سموها يا سيدتي كما تشاءون ... ولكننا حينما نثق بأنفسنا نثق معها بخالق أنفسنا. ~~- إني أخاف على هذا الشباب النضر أن تعصف به الحرب في إسبانيا. ~~- نحن عقدنا صفقة بيع ولن نرجع فيها. ~~- مع من؟ ~~- مع الله، فإنه يقول، عز شأنه: # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون ~~«التوبة: 111». # فضحكت فلورندا ضحكة ناعمة، وقالت: إذن لا أستطيع أن أرجعك عن عزمك؟ ~~- يا سيدتي كانت أمي أقوى منك. ~~- ولكني قد أكون أقوى من أمك إذا كان لي مكان من قلبك. # قالتها مبتسمة وهى تنظر إلى عائشة بعينين فيهما كل حبائل الشيطان، فأحست عائشة بالخطر، ~~وهالها ما لم تفكر فيه أو تحسب له حسابا. هالها أن الفتاة مفتونة بها مشغوفة، وأن هذا ~~الشغف قد يكشف سرها الذي بالغت في كتمانه؛ فرأت من حسن الرأي أن تجامل وتراوغ حتى يفصل ~~بينهما غمار الحرب، فقالت: إن لك مكانا يا فتاتي في كل قلب، ولو أن بنات الإسبان كن ~~مثلك لانتصرن على طارق وجيشه بسهام عيونهن. # فضحكت فلورندا، ومدت يدها إلى عائشة، وسألت: أتعرف من أنا؟ ~~- كيف أعرف يا فتاتي وأنا لم أصل إلى سبتة إلا هذا الصباح؟ ~~- أولا ما اسمك؟ ~~- أسامة الفهري. ~~- أنا فلورندا. فلا تقل «يا سيدتي» أو «يا فتاتي»! ولكن ادعني باسمي هكذا مجردا ms10 كما يدعو ~~الصديق الصديق. ~~- سمعا وطاعة يا ... ~~- فلورندا. ~~- يا فلورندا. ~~- إن أبي يوليان كان حاكم سبتة، وهو من عظماء القوط. وكانت العادة أن يرسل أمراء المملكة ~~بناتهم إلى قصر الملك لتدريبهن على آيين القصور، فأرسلني أبي إلى بلاط لذريق؛ فرأيت من ~~لمحاته وكلماته ما أعجلني إلى الفرار بعرضي. وعلم أبي بالأمر فاشتد غضبه، وأقسم بدين المسيح ~~أن يكون حربا عليه مواليا مع العرب، وذهب إلى قائدكم ابن نصير فعاهده على مناصرته وتذليل ~~طريق الفتح لطارق، ولولا أبي ما استطاع جيشكم أن يفوز بهذا النصر المبين. # فابتسمت عائشة وقالت: إن لك أن تنسبي الفضل كله في هذا الفتح إلى أبيك يا فلورندا، فكل ~~فتاة بأبيها معجبة كما تقول العرب في أمثالها. ولكنني أعتقد أن سيل العرب الزخار سيلتهم ~~إسبانيا أساعدهم أبوك أم لم يساعدهم. # إن هذه صاعقة من السماء يا فتاتي لا يقف أمامها جيش، ولا تصدها قوة، وهل كان يوليان يعين ~~جيش عمرو بن العاص حينما فتح مصر بأربعة آلاف مقاتل؟ وهل كان يوليان مع سعد بن أبي وقاص ~~حينما سار لفتح الفرس بسبعة آلاف؟ دعي هذا يا فلورندا فإني أخشى أن أقول: إن أباك كان ~~حكيما ألمعيا، وأنه رأى أن لا بد مما ليس منه بد. ~~- أنت تقسو على أبي. ~~- أنا أصفه بالحكمة والألمعية، وأنت ترمينه بخيانة قومه ووطنه، فأينا أنصف ~~الرجل؟ ~~- هذا جدال على الطريقة العربية يا حبيبي. ~~- أو على طريقة الحق. # وبلغت السفينة في المساء جبل الفتح أو جبل طارق، وأرادت عائشة التخلص من الفتاة، فقالت: ~~أنت ذاهبة إلى أبيك، أما أنا فسأبقى هنا قليلا لأستريح. # فقالت فلورندا: إن أبي مع طارق وأنت ذاهب إليه، فلنذهب معا. فلم تجد عائشة بدا من ~~مرافقتها فامتطتا جواديهما وخلفهما الخدم والعبيد، وما زالتا تغذان السير حتى بلغتا مدينة ~~«أستجة»، وكان طارق قد فتحها، وأقام بها أياما؛ ليستريح جنده. # بلغتا المدينة عند الأصيل، وكانت تموج بالفاتحين، وقد ضربوا حولها خيامهم، وأناخوا إبلهم، ~~وربطوا جيادهم. وزادت عائشة في تنكرها فوضعت على وجهها ms11 لثاما على عادة أشراف العرب؛ ~~فالتفتت إليها فلورندا ضاحكة وقالت: كنت أجتهد في أن أختار لك وصفا جميلا أدعوك به يا ~~أسامة، ولكنك كفيتني عناء البحث. فهل تحب أن أدعوك بالفارس الملثم؟ ~~- ادعيني يا فاتنة الإسبان بما تشائين. # ثم أمرت رباحا أن يبحث في حذر وتلطف عن مكان المغيث، فعاد إليها بعد قليل يقول: إنه مع ~~طارق في فناء قصر أمير المدينة. # وصاحت فلورندا: وهل رأيت أبي؟ ~~- لا أعرف أباك، ولكني رأيت معهما علجا مديد القامة طويل الشاربين كان الجنود يسمونه ~~يوليان. ~~- الجنود يسمونه يوليان وأنت تدعوه علجا يا ليلة المحاق؟ ولولاه ... # فأشارت إليها عائشة أن تكف، وقالت: «إن رباحا رجل خشن لا يعرف مواقع الكلام.» # وانطلقت الفتاتان نحو جيوش القائدين، والتقت فلورندا بأبيها فطلب إليها أن تنزل معه، ~~فهزت رأسها في امتناع، وهمست في أذنه قائلة: «لقد أسرت فتى عربيا جميلا.» فدهش يوليان ~~وقال: أسرت عربيا ونحن نحارب في صفوف العرب؟ # فضحكت فلورندا وقالت: أسرته بشيء آخر غير الأغلال والقيود. # فابتسم يوليان وهو يقول: غمزة بعين، وابتسامة مغرية، وينتهي كل شيء؟ # فهزت فلورندا رأسها في عبث الفتاة المتمكنة من فنونها. فقال أبوها: حسن، وماذا تريدين؟ ~~إن طارقا سيزحف على طليطلة، والمغيث سيذهب لفتح قرطبة غدا. فأي جيش تتبعين؟ ~~- سأتبع الجيش الذي يختاره الفارس الملثم. # ثم شبت على أصابع قدميها وتعلقت بعنق أبيها فأشبعته لثما وتقبيلا، وانفلتت منه كما ~~ينفلت الظبي من الحبالة، تبحث عن فتاها، فألفته قد ضرب خيمته إلى جانب قصر المغيث فأظهرت ~~الدهش وصاحت: أعزمت على النزول هنا يا أسامة؟ ~~- نعم. ~~- سأضرب خيمتي إلى جانب خيمتك. ~~- ألم تري أباك؟ ~~- رأيته، ولكني لا أستطيع أن أفارقك يا حبيبي. # فقالت عائشة وقد أدركها ما يشبه الغيظ: إنني قد أخوض مهالك أخشى أن يصيبك رشاشها، فخير لك ~~يا فلورندا أن تقيمي هنا حتى أعود. إنني سأكون في جيش المغيث وسنثب غدا على قرطبة، فرجي ~~الخير وانتظري إيابي. ~~- لن أنتظر، وسيكون فرسي جنب فرسك. # فهزت عائشة رأسها في صمت ووجوم. # وتحرك ms12 جيش المغيث في الصباح نحو قرطبة، وكان البرد شديدا، والريح صرصرا عاتية، وركبت ~~عائشة وفلورندا ووراءهما العبيد، وكانت عائشة تتبع راية المغيث، وتمشي في ظله لا يرتد طرفها ~~عنه لحظة. # سار الجيش يهز جناحيه متصل الأجزاء متماسك البناء، كأنه وحش هائل الجثة من وحوش ~~الأساطير، ومر بالجند يومان، حتى إذا كانوا على مقربة من نهر «شقندة» والشمس على وشك ~~المغيب، لمحت عائشة فارسا مدججا بالسلاح من فرسان الإسبان، يخرج في تلصص وحذر من غيضة ~~أرز، ويدنو نحو المغيث من الخلف، وسيفه في يده يلمع على صفحته لعاب المنية، وما كاد يرفع ~~به يده حتى انقضت عليه بسيفها انقضاض النسر الغاضب، فأطارت رأسه في الهواء كأنه كرة لاعب. ~~وتلفت المغيث وأصحابه فإذا الإسباني الذي حاول الغدر به صريع مجندل، ورأوا الفتى الذي أنقذ ~~حياته يمر من خلفهم مرور البرق فيندس في الجيش، ويغيب في آذيه المضطرب، ولا يكاد يلمحه ~~المغيث حتى يصيح: «أدركوا الفارس الملثم!» # ويسرع أتباعه يتعقبونه فلا يجدون له أثرا، فيضرب المغيث كفا بكف، ويهمهم: «لقد كاد ~~العلج يقتلني لولا هذا الفارس، فمن يكون يا ترى؟» فيجيبه مالك الجرهمي، وكان من أخص أصحابه: ~~لقد حيرني هذا الفتى بفراره، ولو أن غيره فعل فعلته لتبجح بها، ولملأ الدنيا صياحا بأنه ~~أنقذ حياة القائد. ~~- هذا عجيب! لقد حاولت أن أرى وجهه وهو يطير بجواده فما استطعت؛ لأنه كان ملثما. # فضحك مالح وقال: لعله ملك من السماء. ~~- إن لم يكن ملكا فلقد قتل شيطانا، وإني لأتحرق شوقا إلى لقائه لأجزيه أجر ما صنع ~~لنا. ~~- سنراه بعد المعركة إن تركته شجاعته حيا. # بلغ الجيش نهر قرطبة فعبره، ورفع الجنود أبصارهم فرأوا أسوار المدينة شامخة متحدية، وقد ~~أغلق أهلها أبوابها فلم يتركوا منفذا لهاجم. ورأى المغيث أن ينتظر حتى يقبل الليل؛ ليباغت ~~الحراس، وينقض عليهم انقضاض الباشق، وكان البرد شديدا قارسا، وهطل مطر منهمر أخفى أصوات ~~الجنود، ووقف المغيث بين جنده وهو يقول في صوت خافت: «ليس من وسيلة إلا أن يتسلق رجل منا ms13 ~~السور، حتى إذا بلغ قمته تحين غفلة من الحراس فنزل إلى المدينة في خفة وحذر، وفتح الباب ~~للجيش.» فقال رجل كانت دقات قلبه أعلى من نبرات صوته: إن الحراس لا يتركون الأبواب في هذه ~~الليلة، والذي ينزل إليهم إنما ينزل إلى قبره! # فقال المغيث في غضب: استرح يا أخا الهزيمة، فإني لم أدع الجبناء لهذا الأمر الجسيم، وإنما ~~دعوت من يرون أن الموت في سبيل الله حياة باقية. # وهنا التفت بعض الجنود إلى بعض في ذهول اعترك فيه الجبن والإقدام، ولم تدم حيرتهم طويلا ~~حتى رأوا فارسا ملثما يتسلق شجرة زيتون كانت إلى جانب السور، ثم يتعلق بأحد فروعها ~~العالية، ويترك جسمه يترجح ذهابا وجيئة، وهو في كل مرة يزيد في اتساع قوس حركته، حتى إذا ~~قرب من قمة السور قذف بنفسه إليها في خفة النمر وجرأته، وكان الجنود ينظرون إليه في دهشة ~~وعجب، ورآه المغيث فصاح: «إنه الفارس الملثم! إنه البطل الذي يحمل روحه في يده؛ ليصون أرواح ~~المسلمين.» # وكانت ساعة رهبة وصمت ويأس وأمل، واستمر المطر هطالا والبرد قاسيا. ونظرت عائشة من ~~أعلى السور إلى المدينة فإذا الحراس وقد أضناهم التعب والسهر وأضر بهم البرد والمطر، قد ~~اجتمعوا تحت سقيفة والتفوا بأغطيتهم، وأسلموا أجسامهم الهامدة إلى نوم مفزع مضطرب، فنزلت ~~من السور في هدوء كأنها الحرباء، لا تسمع لها نأمة، ولا تحس ركزا، حتى إذا قربت من الأرض ~~وثبت في خفة واحتراس، واتجهت نحو الباب؛ فعالجت مزاليجه، وكانت من الحديد الضخم الثقيل. ~~فعجزت أول الأمر، وخانتها قواها، وسعل أحد الحراس تحت غطائه، فاهتزت أعصابها وأدركها الخوف، ~~وكادت تستسلم لليأس لولا أن استنجدت بما بقي من قواها، واستنفدت كل طاقتها، وأعادت الكرة ~~فخضع لها الحديد، ورفعت المزاليج، وكانت تنوء بالعصبة أولي القوة، وما كادت تفتح الباب حتى ~~اندفع إليه المجاهدون كأنهم السيل المنهمر، وهم يصيحون: «الله أكبر! الله أكبر!» # ففر جيش المدينة أمامهم، وألقى السلم خاضعا مستكينا، ونظرت عائشة فرأت رباحا وفلورندا ~~في طليعة الداخلين، فجذبتهما إليها بإشارة خفيفة ms14 ، ثم امتطت جوادها وأمرتهما أن يركبا، ~~واهتبلت فرصة اشتغال الجيش بالأسرى والغنائم، وخرجت بهما من باب المدينة؛ فصاحت فلورندا في ~~دهش: إلى أين يا حبيبي. ~~- إلى الخيام التي ضربناها بعيدا عن المدينة. ~~- ولم هذا، ألم تأت لفتح قرطبة؟! ~~- فتحتها ... # فضحكت، وقالت: فتحتها، وتفر من شرف فتحها؟ ~~- فر من الشرف يتبعك الشرف! ~~- وحق المسيح إن أمرك لعجيب يا أسامة! ~~- لو عرفت ما أعرف ما تعجبت. # فهزت فلورندا رأسها في يأس وقالت: افعل ما تشاء يا حبيبي، ولكن القائد لن يترك الفتى ~~الذي فتح له المدينة يفر من بين يديه دون أن يجزل له العطاء، أو يرفع منزلته بين ~~القواد. ~~- دعي هذا الحديث يا فلورندا، فإن مما يهين الشجاعة أن تؤجر. # وبعد أن قضى المغيث بعض شؤون القيادة اتجه إلى مالك الجرهمي، وقال: أين الفتى الملثم الذي ~~فتح الباب للجيش؟ ~~- بعثت أطلبه في كل مكان فلم أجده. ~~- ابحث عنه ثانية. ~~- بحثت عنه ثانية وثالثة ... وأغلب الظن أنه لحق بجيش طارق بطليطلة. # ومرت أيام رأت فيها فلورندا أن من الخير لها أن تخبر المغيث بمكان أسامة؛ لأنها أقنعت ~~نفسها بأنه سيكون لها بعلا، وهى تحب أن يكون زوجها رفيع المكانة ملحوظ المنزلة. ورأت أنها ~~لو دلت المغيث على مخبئه لأعلى ذكره وجعله من كبار قواده، فتسللت من خيمتها ذات صباح ~~وقصدت إلى قصر القائد، فلما مثلت أمامه قالت: «إني أعرف يا سيدي مكان الفارس الملثم.» فألقى ~~المغيث قلما كان في يده وقال في دهشة وعجب: أين هو يا فتاة؟ أخبريني وأسرعي. ~~- ليركب معي سيدي القائد لأدله على مكانه. # وصاح المغيث بعبيده، فأعدوا جواده، وسار مع الفتاة حتى بلغ الخيمة، فهمست في أذنه: «إنه ~~هنا في هذه الخيمة.» فأمرها أن تبتعد قليلا ودخل في هدوء وسكون، ويا لدهشته، ويا لذهوله، ~~حينما رأى فتاة رائعة الحسن فاتنة الطلعة، ولكنه ما كاد يحقق فيها النظر حتى صاح: ~~عائشة؟! # فالتفتت عائشة وقد بهرتها المفاجأة وقالت: نعم عائشة يا مغيث. ~~- من جاء بك هنا؟ ~~- جئت بنفسي. ~~- ولم جئت ms15 ؟ ~~- لأراك. ~~- وأين الفارس الملثم؟ # فأسرعت تشير إلى ثياب أخيها في شمم مصطنع وتقول متحدية: هذا هو الفارس الملثم! ~~- كنت تتنكرين بهذه الثياب يا عائشة؟ أنت والله أشجع من حمل سيفا أو صال برمح. أنت والله ~~الشرف الخالد لنساء العرب جميعا. أنت التي نزلت إلى الموت بقدميها؛ لتفتح بابا كان فتحه ~~للعرب فتحا مبينا. # ثم انكب عليها عناقا وتقبيلا، ودخلت فلورندا وهما في نشوة الحب وغشية الغرام فصاحت في ~~رعب: يا مريم العذراء أدركيني! ماذا أرى؟ # فأفاق العاشقان، والتفت إليهما المغيث قائلا: هذه خطيبتي يا فتاة. # فأسرعت تقول في غضب وخبال: لا إنه خطيبي أنا! # فقالت عائشة: لا تجزعي يا فلورندا فلست أول من خابت آماله في الغرام. # وجذب المغيث عائشة إليه ثانية، وهو يردد: سنتزوج الليلة. سنتزوج الليلة. # فلم تطق فلورندا صبرا، وخرجت باكية تتعثر خطواتها بين الحسرة واليأس، وتضرب كفا ~~بكف وهي تولول وتصيح: ضاعت بلادي! وضاع حبي! ms16