######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.GhadatRashid.Hindawi39649030 #META# Tags: novels #META# ID: 39649030 #META# Title: غادة رشيد #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # | غادة رشيد # | غادة رشيد # تأليف # علي الجارم # | الفصل الأول # في اليوم الثاني من شهر يولية 1798م كانت الشمس تدرج من خدرها، فترسل أشعتها فوق النيل ~~براقة وهاجة كالذهب النضار، وقد تكسرت أمواجه وهبت عليه نسمة شمالية وئيدة الخطا، بلل ~~البحر الأبيض أذيالها بمائه، ونفحها ببخاره المملوء بعناصر القوة والحياة. # وكانت مدينة رشيد في هذا الصباح جاثمة فوق الشاطئ الغربي، بعظمة منازلها وارتفاع مآذنها، ~~تنعم بلذة الهدوء الذي احتواها في أثناء الليل، إلا ما كان من العملة الذين اتجهوا ~~أفواجا إلى مضارب الأرز (الدوائر)، وإلا ما كان من زمر الفلاحين الذين قدموا من الشمال ~~والجنوب لبيع حاصلاتهم من الخضر والفاكهة، واللبن والبيض والدجاج، وقد أخذ فتى منهم غض ~~الشباب يرسل صوته عذبا مشجيا بأغنية يذكر فيها ما يبذله من الجهد لجمع مهر حبيبة فؤاده، ~~ثم يتم الأغنية بأن كنوز الأرض وثروة «البك الكبير» بمصر لا تكفي مهرا لهذا الجمال الرائع ~~والحسن الفتان، ويسمعه بعض النساء والعذارى اللائي بكرن إلى النيل لغسل ثيابهن وملء ~~جرارهن، وقد انتثرن على شاطئه في ثيابهن الزاهية الألوان كأنهن عقد اختلفت حباته حول جيد ~~الحسناء، وقد زاد جمال الصبح في جمالهن، وأمن نظرات العيون فكشفن عن سوق خدال، ومعاصم ~~رخصة صافية البياض، لولا ما يحبسها من حجول وأساور لسالت في الماء، كما يسيل الماء. # ضحكت إحداهن في دلال وعجب، وقالت لإحدى صويحباتها: أتسمعين غناء هذا الفلاح ~~الأبله؟ # فأجابت: لعله ms001 يا فاطمة يتغزل في جاموسة لأحد جيرانه يريد شراءها، فأسرعت فتاة لا تعرف مكر ~~النساء ولا أساليبهن، تقول في سذاجة: ولكنه يصفها بأنها سوداء العينين، صغيرة الأذنين! ~~فأرسلت فاطمة ضحكة مغرية الرنين وقالت: إنها الجاموسة بعينها كما قالت سعاد! وهي التي من ~~أجلها يكدر علينا هذا الفلاح الجافي جمال هذا الصباح بصوته المنكر، من أين يأتي لهؤلاء ~~الفلاحات الجمال؟ ولو قدر لهن شيء منه لطمسنه ببلاهتهن وقذارتهن، وجهلهن بطبائع الرجال، إن ~~الجمال مهارة قبل أن يكون خلقة وفطرة، والمرأة التي لا تستطيع التعبير بعينيها وابتساماتها، ~~وأسارير وجهها عما تحب وتكره، والتي لم تدرس طبائع الرجل، ولم تعرف مواطن ضعفه وغروره، لن ~~يكون لها حظ عند زوجها، ولو بلغت في الجمال ما بلغت زبيدة بنت البواب. # ارتفعت الشمس وعاد النساء بجرارهن، واستيقظت المدينة الآهلة بسكانها، الزاخرة بنزلائها من ~~جميع أقطار الشرق، فقد بلغت رشيد في هذا الحين شأوا بعيدا من الثروة واتساع التجارة ~~واستبحار العمران، وكانت ترد إليها السفن من مصر والشام، وتركيا وأوربا، محملة بأصناف ~~البضائع، وكانت تمتد على شاطئ النيل من الشرق، ويحيط بها من الغرب الكثبان الرملية التي ~~ملأها نشاط أهلها بالنخيل والكروم، وأشجار الزيتون والتين، وكان بجهتها الشمالية والجنوبية ~~حدائق فيح، وبساتين خضر، ازدحمت بأشجار الموز والليمون، والبرتقال والنارنج، وأنواع الزهر ~~والرياحين، فكان النسيم في غدوه ورواحه يحمل أريجها إلى المدينة، لا يكاد يخلو منه منزل ولا ~~طريق، فحيثما ذهبت شممت عطرا، وأينما أقمت تنفست طيبا. # وكانت شوارعها ضيقة ملتوية، تقوم على حافتيها منازل بنيت بطوب صغير الحجم أجيد إحراقه، ~~حتى أصبح كالحجر الصلد، وصناعة هذا الطوب خاصة بأهل رشيد ودمياط، وأعظم ما كانت رشيد تزهى ~~به شارعان عظيمان، أحدهما شارع البحر، والثاني شارع مواز له يبتدئ من مسجد المحلى، وينتهي ~~جنوبا بالمسجد الجامع المسمى بمسجد زغلول، وهو من المساجد النادرة المثال بمصر، تزيد رقعته ~~على رقعة الجامع الأزهر، به مساكن لطلاب العلم الغرباء، وكان يلقي الدروس به طائفة من كبار ~~علماء المدينة، أشهرهم الشيخ أحمد الخضري، ms002 والشيخ إبراهيم الجارم، والشيخ محمد صديق. # وكان يسكن عظماء المدينة وكبار تجارها بشارع دهليز الملك، وهو يبتدئ من الغرب بمسجد ~~العرابي، وينتهي في الشرق إلى النيل، ويمتاز بسعته واستقامته، وبالمنازل على جانبيه فقد ~~كانت فخمة البناء شاهقة الارتفاع، تتألف في أكثرها من أربع طباق، وتكثر بها الزخارف الفنية ~~والشبابيك، والمشربيات التي أبدعت صناعتها من قطع الخشب الصغيرة المخروطة، ذات الأشكال ~~الهندسية البارعة الدقة، الرائعة الحسن، وكان يسكن بهذا الشارع عثمان خجا حاكم رشيد من قبل ~~مراد بك، وكان رجلا فاتكا بطاشا، ظالما جماعا للأموال أين وجدها ومن أي طريق وصل ~~إليها، وكان به منزل محمد بدوي جوربجي سردار مستحفظان، والسيد محمد البواب، والسيد إبراهيم ~~الجمال - وهما من كبار تجار الأرز بالثغر - والحاج عبد الله البربير شاعر المدينة ~~وزجالها، إلى غير هؤلاء من الأعيان والعلماء والكبراء. # وميناء المدينة أشد أحيائها ازدحاما وأكثرها جلبة وصخبا، تراصت به السفن آتية من أقطار ~~الشرق والغرب، وسار ملاحوها في شارع البحر يلغطون، وقد اختلفت أزياؤهم وألسنتهم وألوانهم، ~~واختص شارع البحر بمضارب الأرز فطل عليه منها أكثر من ثلاثين دائرة، يبيض فيها الأرز ~~بطواحين تدور بالخيل والبقر، وكان بهذا الشارع متجران: أحدهما لفرنسي يدعى مسيو فارسي، وهو ~~يتجر في الحبوب والعقاقير الطبية، والثاني لإنجليزي يتجر في المنسوجات الحريرية والصوفية، ~~هو مستر أوليفر نيكلسون، وقد كان عند بدء تاريخنا هذا في سن الأربعين، رحب الجسم قوي العضل، ~~يدل تألق عينيه الزرقاوين على قوة العزم، ويوحي انبساط أسارير وجهه بالوداعة واللطف وسلامة ~~دواعي الصدر، وكان كامل الثقافة وافر العلم بأحوال الدول والأمم. # في ضحوة هذا اليوم جلست زبيدة بنت السيد محمد البواب في غرفة نومها، وكانت تلبس قميصا من ~~الحرير الأبيض الشفاف، يتسع كماه ويضيقان عند الرسغين، فوق صدار من القطيفة القرمزية طرز ~~بالقصب، وكثرت أزراره حتى التصق بعضها ببعض، أما سروالها فكان من الأطلس البنفسجي واسعا ~~فضفاضا، زين عند نهاية الساقين بطراز من الفضة المموهة بالذهب، وقد انتطقت فوقه بحزام ~~حريري، جعلت عقدته إلى الجانب الأيسر من ms003 خصرها ، واتشحت بوشاح (يسمى الشمار) دمشقي ~~الصنعة، بديع الألوان، وكان فوق رأسها قرص من القطيفة رصع بالماس ونفيس الجواهر، أما ~~شعرها: فقد ضفر «بالصفا» وهو خيوط من الحرير وصل بها كثير من القطع الذهبية، وفصل بين كل ~~قطعة بنظم من اللؤلؤ. # جلست زبيدة في غرفة نومها ثم اتجهت إلى المرآة ذاهلة حالمة: فرأت وجها كأنه إشراقة الصبح ~~أو صفحة البدر، أو تبلج الحق بين ظلمات الشكوك، به عينان حوراوان امتزجت بهما صولة السحر ~~بنشوة الخمر، فكانتا شباك الفتنة لصيد القلوب، وأنف أحسن الله تقويمه وأبدع تكوينه فزاد ~~وجهها جمالا، وثغر دري ياقوتي، تهيم به الشفاه، وتحوم حوله القلوب ظمأى، كما تحوم طيور ~~الصحراء حول معين الماء العذب النمير، ثم رأت صدرا صافي البياض ممتلئا بالأنوثة الناضجة، ~~يعبث بالعقول، كأنه سبيكة من لجين، استعارت من الزئبق لينه فظهرت ناصعة رجراجة. # كانت زبيدة في الثامنة عشرة من عمرها، وقد تفتح فيها الشباب كما تتفتح زهرات الربيع، ~~وجالت بنفسها خواطر وثارت بها نزعات لم تعرفها في عهد الطفولة الغريرة، وأحست بما تحسه ~~الفتاة في هذا السن، من ميول متدفقة يكبتها الحياء وتكظمها بقية من أدب ودين، وللعرف قانون ~~لم يكتب في أوراق، وهو أشد القوانين عنفا، والناس أكثر له طاعة وقبولا، وللمجتمع آداب، ~~يحكم بها المرء بنفسه مستكينا مستسلما. # كانت زبيدة فارعة القد ممتلئة الجسم، جرى حديث جمالها الفاتن من فم إلى فم، وتنقل من دار ~~إلى دار، حتى أصبحت مضرب المثل بين فتيات المدينة، ومقياس الجمال كلما عرض ذكر الجمال، ~~وتهافت أبناء التجار والأعيان والحكام على خطبتها والتقرب من قدس حسنها، ولكنها كانت ترد كل ~~توسل بالإدلال، وكل إغراء بالرفض والإباء، ولم تكن أمها لتستطيع أن تعمل شيئا أمام هذه ~~الحسناء الجامحة، ولم يكن أبوها - وهي وحيدته - ليرد لها كلمة أو يقف بينها وبين ما تكره أو ~~تحب، كانت الفتاة المدللة العابثة المتحكمة، وقد ملأتها ثقتها بجمالها كبرا وغرورا، ~~وزادتها ثروة أبيها الضخمة ميلا إلى الإسراف، والتأنق في الرفه، وإنفاق المال الكثير ms004 على ~~الحلي والجواهر والملابس، فكانت في جمالها وأزيائها، ودلالها وإبائها جنة محرمة ~~الثمرات، وأملا حلوا عز على كل شيء حتى على الخيال. # جلست زبيدة أمام مرآتها ورأت ما رأت، فابتسمت ابتسامة لؤلؤية، ثم عبست وتجهمت أساريرها، ~~ثم رفعت حاجبيها وشخصت بعينيها كالمفكرة المأخوذة، ثم قالت تحدث نفسها: ولم تكذب «رابحة» ~~العرافة؟ أليس في حسني ما يذل له كل عزيز، ويخضع لسطوته كل ذي نفوذ وسلطان؟ ألم يسر ذكر ~~جمالي مع كل سائر؟ ويطر مع كل ريح؟ نعم إن رشيد مدينة نائية عن القاهرة مقر عظماء الحكام ~~وكبار الأمراء، ولكن الملاحين الذين يسافرون إليها في كل يوم لا يزال يحفظون ويتغنون بتلك ~~الأغنية السائرة، التي نظمها سرا الحاج عبد الله البربير والتي فيها: # الحسن كله في رشيد في بيت # وإن كنت تنكر إسأل البواب # لا، لا، لن تكذب رابحة، وهي لم تتكهن بشيء مستحيل أو بعيد المنال، لقد سمعت من أبي ما ~~أخبره به السيد أحمد المحروقي زوج خالتي من أن السيدة نفيسة زوج مراد بك لها حظ من الجمال، ~~وهي مع ذلك صاحبة الصولة والنفوذ في حكم مصر، فلم لا أكون حاكمة مصر؟! إن كان بها فتاة ~~تشبهني، فأنا أول من يأخذ بيدها إلى كرسي المملكة. # ثم ضحكت ضحكة اليأس والاستخفاف وقالت: ألست أتشبث بخيوط من الوهم، وتعبث بي عاصفة هوجاء ~~من الخيال الكاذب؟ من أنا حتى أكون حاكمة مصر؟ بنت السيد محمد البواب أحد تجار الأرز برشيد! ~~هاها. وهذا كل ما أقدمه من الذرائع لأكون أول سيدة بمصر؟! لا يا زبيدة هذا لا يكفي، ثم إنني ~~جميلة فائقة الحسن فاتكة اللحظات، رائعة القسمات، لم تطلع الشمس على أنضر مني وجها ولا ~~أملد عودا، ولا أشد إغراء وفتنة! وهذا أيضا لا يكفي يا زبيدة، فإن منازل الرفعة لا تنال ~~بالجمال، وحكام مصر وبكواتها يتصاهرون فيما بينهم لحصر الملك فيهم، وجمع السلطة في أسرهم، ~~لا يغريهم سحر العيون ولا اعتدال القدود. # حقا إنني أتعلق بأمل خداع وغرور مضلل!! وسأسقط من القمة ms005 التي أنشبت فيها أظافري ~~مهشمة العظام، مفككة الأوصال، حينئذ سأفيق بعد أن قضيت زهرة شبابي في جنون وأحلام، ~~وحينئذ سأنظر حولي وقد بلغت الثلاثين أو نحوها، فأجد الخطاب وقد طاروا وتركوا عش فاتنتهم ~~حطاما مبعثرا، ثم أنظر في هذه المرآة التي أمامي فلا أرى فيها تلك الفتاة الناعمة التي ~~أراها اليوم، ولكني أرى فيها امرأة سواها، دبت في وجهها الغضون، وخمد من عينيها ذلك البريق ~~الساحر اللماح، وأخذت شعرة بيضاء تطل من طرتها كأنها راية التسليم البيضاء، يلوح بها ~~الجندي المنهزم. # لا، لا، الله لعن الله تلك العرافة، ولعن الله اليوم الذي قابلتها فيه! # ثم أطالت النظر في المرآة، فرأت فحصة رائعة الحسن في خدها الأيمن، فابتسمت، فزاد ~~الابتسام تلك الفحصة ظهورا وحسنا، فعاودها الأمل، ورفعت رأسها في شمم وعزة، وهمست: ولكن ~~العرافة لا تكذب، إنني لم أعرض عليها كفي، وقد كنت جالسة بجانب أمي فجذبتها ونظرت فيها ~~لحظة، ثم صاحت دهشة حائرة، وكانت الحيرة تبدو في عينيها حقيقة لا تكلف فيها، وكان شيء يشبه ~~الذهول يتحكم في أسارير وجهها، صاحت: إنني لم أر في حياتي هذا الخط في كف غير كفك وكف ~~إبراهيم بك الكبير، إنه خط الملك!! خط العظمة! خط الحكم! ولكن ما هذا يا ربي؟! سبحانك لا ~~راد لمشيئتك، انظري يا زبيدة! ما أنا بمخطئة، انظري يا مليكتي! أترين هذا الخط الذي يمر ~~بأسفل الإبهام قويا بارزا، ثم لا يقف عند ذلك كأغلب الأكف، بل يمتد إلى نهاية الأصابع ~~الأخرى حتى يصل إلى الخنصر، هذا هو خط الملك!! انظري إلى كفي، فهل ترينه؟ ثم إلى كف أمك فهل ~~تجدين له أثرا؟! ثم إذا شئت فانظري إلى أكف أهل رشيد جميعا، وأنا زعيمة بأنك لن تعثري على ~~مثله. # دهشت ودهشت أمي، وقهقهت قهقهة المذهول وقالت: ما هذا يا رابحة؟ ما هذا الكذب الصراح؟ ~~كنا نرضى منك بدون هذا، وأين نحن من الحكم ومن مراتب الحكم؟ إن الحكم في مصر قسمة بين ~~البشوات والبكوات، ولم يناله مصري أنبتته أرض ms006 مصر ، إننا نعيش في بلادنا غرباء نتلقف فتات ما ~~يتركون، إن ابنة عثمان خجا تأنف أن تزور بيت رشيدي كيفما علا مقامه، وعظم جاهه، إنها لا ~~تسميننا إلا بالفلاحين، كأن الله خلقنا من طين وخلق الترك من مسك وكافور، بنتي تحكم مصر؟! ~~دعيها أولا تحكم رشيد، أو شارع دهليز الملك، قبل أن تطيري بها في جو الأحلام والأكاذيب، ~~لعلك تظنين أنه كلما عظمت الأمنية عظم الأجر، ولكن الأماني المعقولة شيء، وهذا الجنون ~~الجديد شيء آخر. # قالت أمي هذا، فتطاير الشرر من عيني رابحة، ووثبت من مكانها كمن لدغه ثعبان، ووضعت يدها ~~في جيبها في حنق وغضب، فأخرجت أنصاف الفضة التي كانت أمي أعطتها إياها، وقذفت بها في وجه ~~أمي وهي تصيح: جنون جديد! هذه أنصافك يا سيدتي فإني في غنى عن مالك بما وهب الله لي من علم ~~ومعرفة، وإذا كنت تظنين أن تكهني دجل وخرافة، فلم دعوتني؟ ولم أرسلت خادما بعد خادم ~~ملحة في طلبي؟ لعل الذي جرأك علي أني أتقبل أجرا لقاء الإفضاء ببعض ما يتكشف لي من ~~ملامح الغيب، والله لولا مس الحاجة ما تدليت إلى هذا الحضيض، ولا سمعت اليوم من سيدتي ~~نفسية التي تظنني امرأة أفاقة أفاكة، هذا السب الشنيع، حقا إن كل شيء يمتهن إذا بيع ~~بالمال: فالجمال يمتهن إذا بيع بالمال، والجاه يمتهن إذا بيع بالمال، والعلم يمتهن إذا بيع ~~بالمال. # قالت كل ذلك وأوصالها ترتعد، وفمها يقذف بالزبد كأنما مسها شيطان، ثم زايلها الغضب دفعة ~~واحدة والتفتت إلي وحنت رأسها في إجلال وخشية وقالت: والآن تحيتي وخضوعي لمولاتي زبيدة ~~ملكة مصر، ثم انفلتت كما ينفلت الطائر من الشبكة، فلم نر لها أثرا. # هذا ما جرى من رابحة العرافة، أذكره كلمة كلمة كأنما أقرأه في لوح مكتوب، فهل كان كل ذلك ~~كذبا وزورا؟ وهل أنا مخاطرة بحياتي وجمالي وشبابي، في سبيل كذب وزور؟ إن التردد يكاد ~~يقتلني! ما هذه الأرجوحة التي أرتفع بها مرة، وأنحط أخرى؟ يقين يتملكني فأكاد أرى العرش ~~الذي سأجلس ms007 عليه ، ثم يجيء الشك فيمحو كل هذه الآمال كما يمحو النهار آية الليل، فلا أرى ~~أمامي إلا جنة أصبح ماؤها غورا، وعاد ريحانها حطاما، وأنظر فإذا أنا في صحراء العمر ~~المحرقة، وقد غدا الشباب النضر الريان في هذه الصحراء سرابا خداعا مخاتلا، إذا جئته لم ~~أجده شيئا، إن الزهرة إذا تفتحت اليوم ذبلت غدا، والبدر إذا تم كماله درج إلى النقص ~~والمحاق، وهل بعد بلوغ الفتاة الثامنة عشرة غاية للنضج وتفتح الأنوثة وتفجر الميول؟ فإذا ~~أهملها الخطاب في هذا السن ذوى عودها وخبت نارها، وذهبت بشاشاتها، كالثمرة إذا لم تجن ~~والزرع إذا لم يحصد، هكذا قضت الطبيعة القاسية المستبدة بكل حي، فقد جعلت لكل شيء أوانا، ~~فإذا ذهب أوانه تبدل خلقا آخر، فزهدته النفوس وتقحمته الأعين. # إن ابن خالتي محمودا العسال فتى يزدهي به الشباب، وتعتز به الفتوة، إنه زينة الأنداد ~~وفخر الأمثال: جمال وجه إلى كرم خلق، إلى جرأة وإقدام، إلى كياسة وحزم، ثم إلى ثروة وجاه ~~عريضين، وما رأيته مرة إلا اختلج قلبي له، وهفت روحي إليه، وأحسست في شفتي بدبيب يكاد ~~يدفعهما إلى تقبيله، وجرت في جسمي نشوة عجيبة لا أعرف لها كنها ولا أستطيع لها وصفا، أهذا ~~هو الحب الذي يتغنى بأناشيده الرجال والنساء؟ إن كان إياه فإنه حب عنيف تحكم في ~~نفسي، وملأ علي يقظتي وأحلامي، أما محمود فلم يدع وسيلة يدلي بها إلي إلا اتخذها، ولم ~~يترك كلمة من كلمات الغرام إلا سكبها في أذني، يغري مرة ويتذلل أخرى، ثم يصف ما يلاقيه من ~~الهجر وصفا يستنزل العصم، ويهز الجبال الشم، وأنا أنصت إليه في وجوم وذهول ورعب، وقلب ~~مضطرب خفاق، فإذا زادت بي ثورة الوجد كدت أثب عليه فألتهمه ضما وتقبيلا لولا أطياف ذلك ~~الخيال الخداع، والأمل الختال، التي كانت تسرع إلى نفسي فتجتذبني من السماء إلى الأرض، ~~وتطفئ نار نزواتي، وتهدئ من خفقات قلبي، ذلك الخيال الذي يصور لي الملك الموهوم، والذي ~~يوسوس إلي أن من قسم لها أن تكون حاكمة مصر ms008 لا ينبغي لها أن تصغي إلى كلمات الغرام من أي ~~شخص، ولو كان في جمال محمود العسال ورجولته، أسمع هذا الوسواس الخناس فيعود إلي هدوئي، ~~وأرده عني بكلمات تقتل الأمل وتجتث الرجاء، ويعلم الله أني أقولها وكل حرف منها سكين في ~~فؤادي وغصة في حلقي، إنه زهد في جميع الفتيات لأجلي، ولو أنه رفع إصبعا لأجملهن لطارت إليه ~~شغفا، واهتزت كالعصفور للقائه شوقا، ولكنه أبى أن يتزوج إلا بي، ذكرت له أمه بنت الشيخ ~~الجارم «رقية» - وهي من هي في جمالها وخفة روحها ومنصب أبيها - فأبى، ثم ذكرت له بنت ~~السيد أحمد المحروقي زوج خالتي - وهي بنت الشرف والسيادة والجاه - فأبى، فهل حكم علي ~~وعليه أن نبقي هكذا محرومين من ثمار هذا الحب، ومن تلك الجنة الدانية القطوف، وبيننا وبينها ~~كلمة تقال؟! # وبينما هي في أحلامها وأحاديث نفسها؛ إذ سمعت صوت حركة لدى البابا، ففزعت واتجهت إليه، ~~فإذا قطتها تدخل متباطئة، حتى إذا أبصرت سيدتها جرت نحوها وأخذت تتمسح بها في حب وحنان، ~~فأخذتها زبيدة بين يديها وطفقت تقبلها والقطة تزمزم وتقلب وجهها فوق خديها، ثم وضعتها ~~أمامها وضحكت ضحكة الفتاة العابثة اللعوب، وأخذت تقول: تعالي أيتها القطة الماجنة الخبيثة، ~~واعترفي لي كما اعترفت لنفسي، أتحبين غيري؟ لا؟ تحبينني أنا وحدي؟ أليس هناك قط في خيالك قد ~~يكون ملك القططة؟ أراضية أنت عن حياتك كما هي؟ ألا يكدر عليك صفوك طيف كاذب يطمعك فيما لا ~~يمكن أن يكون؟ لا؟ ما أسعدك يا قطتي، وما أوفر حظك من الحياة! أنت أعقل من سيدتك المفتونة ~~بالأوهام، ولكن ألا تحبين أن تكوني قطة الملكة؟ الخدم أمامك ووراءك! والوصائف تدللك! وأصحاب ~~الحاجات تتملقك! تحبين هذا؟ بلا شك؟ نعم يا قطتي، نعم يا قطتي، إن قلبي يحدثني أنني لست ~~واهمة، وإن صوتا يهمس في نفسي ألا تخافي ولا تحزني، وأن «رابحة» العرافة لم تكذب، أكاذبة ~~رابحة؟ لا؟ صدقت، إنها قالت مرة: إن أبي سيسافر إلى استانبول فلم يمض أسبوع حتى دعاه داع ~~للسفر إليها من ms009 حيث لا يتوقع، وألحت مرة على عمتي أن تحذر ابنها من الماء فمات بعد شهر ~~غريقا، وقالت للورا بنت الخواجة نيكلسون: إن ضيفا سيزور أباها من بلاد بعيدة فحضر عمها ~~بعد يومين. # لا، لا يا قطتي، إن رابحة لا تكذب، وليس علي إلا أن أرتقب وأصطبر. # وما كادت تتم جملتها حتى رأت خادمها الخاص «سرورا» يقبل نحو غرفتها ويقول: إن سيدي ~~محمودا حضر منذ ساعة، وهو جالس مع سيدتي الكبيرة، وقد أرسلتني لأدعوك إليهما، فقالت زبيدة: ~~فيم يتحدثان يا سرور؟ ~~- لا أدري يا سيدتي، إنه حديث طويل، وسيدي محمود هو الذي كان يتكلم، وسيدتي تهز رأسها ~~وتربت كتفه. ~~- أما فهمت موضوع الحديث؟ # فأطرق الخادم في خبث وقال: أنا يا سيدتي لا أفهم الكلام السريع، فإن سيدي محمودا كان ~~منطلقا في حديثه كما ينطلق النمر في بلادنا خلف الغزال، وكل ما فهمته كلمات متقطعة مثل: ~~نذهب إلى مصر، السعادة، طال الزمن، هل هذا يجوز ... ~~- فهمت يا سرور، تعالي يا قطتي وساعديني على الثبات والصبر. # وخرجت تمشي في دلال وعجب، والقطة تدخل بين قدميها وتخرج في أثناء مشيها، وهي تكاد تعثر ~~بها في كل خطوة، حتى نزلت إلى أمها في الطبقة الثانية من المنزل، فلما رأتها أمها قالت: ~~أهلا بعروسي الحسناء، تعالي بجانبي يا فتاتي وأنصفيني من ابن خالتك هذا، فقد حطم رأسي ~~بكثرة حديثه هذا الصباح! ولولا حبي له وإعجابي بخلقه وأدبه ورجولته، وضعفي أمام وجهه ~~الوسيم، لكان لي معه شأن آخر. # فحيت زبيدة ابن خالتها بعينين مطبقتين تصنعت فيهما الحياء والخفر، ثم جلست إلى جانب ~~أمها ورفعت رأسها قليلا نحو محمود، وقالت: كيف حال خالتي زينب اليوم؟ ~~- الحمد لله، ولكنها لا تزال عاجزة عن المشي، ولا تزال تقاسي آلاما مبرحة في ساقيها، ~~وبخاصة في الليل. ~~- كانت هنا بالأمس «بدور» الدلالة وقالت: إنها كانت أصيبت بهذا المرض، ولم يشفها منه إلا ~~دهن ساقيها بزيت ساخن خلط به دقاق الفلفل الأسود، والقرفة والمر. ~~- عملنا يا زبيدة كل شيء، ولم نترك في تذكرة ms010 داود علاجا إلا جربناه، واضطررت آخر الأمر ~~إلى استشارة الطبيب الفرنسي «شوفور» فقال لي: إنه مرض في المفاصل، وإن له مرهما في فرنسا، ~~ولكن هذه الحرب بين الدول سدت سبل البحار، فلم يصل إلى مصر إلا قليل جدا من البضائع ~~التي كانت تغرق الأسواق. ~~- صحيح، إن أبي يقول: إن التجارة في كساد لقلة البضائع التي تسافر من رشيد أو تأتي إليها؛ ~~لأن ناسا يقفون في البحر ويغرقون السفن. # كانت نفيسة أم زبيدة جالسة تعبث بسبحتها، وهي بادية العبوس تكاد تحترق غيظا من الحديث في ~~السفن والتجارة؛ لأنها كانت تود لو أن محمودا قذف بنفسه على قدمي زبيدة يبللهما بدموعه، ~~ويشتكي لها لوعة الحب والغرام، وليس أشهى لدى المرأة في سن اليأس من أن تشهد منظرا للحب، ~~أو تسمع عنه حديثا، لقد حرمتها الطبيعة الحب الذي لم تنس حلاوته، فلا أقل من أن تراه في ~~غيرهما، ولقد ودعت راحل الشباب من عهد بعيد، فهل يحال بينها وبين أن تسمع عنه خبرا؟! # وهل يجوز في شرعة الإنصاف أن تجحد هذا الحق الضئيل، الذي اكتفى به أبو نواس حينما نهاه ~~المأمون عن الخمر فقال: # جل قصدي منها إذا هي دارت # أن أراها وأن أشم النسيما # وهل عليها من حرج إذا طافت بها ذكريات الماضي، فحنت إلى رؤية أطيافها في فتى أو فتاة؟! # ثم إن نزوات القلوب لا تموت، ولكنها تفقد وسائلها من صحة وفتاء، وحسرات الشيخ على الشباب ~~إنما هي حسرات الجائع يرى الطعام عن بعد، فلا يستطيع إليه وصولا، ولا يجد له سبيلا، إن ~~ألذ شيء عند العجائز أن يقضين النهار كله في أن فلانة خطبت، وفلانة تزوجت، وأن يحضرون ~~الأفراح ويشاهدون العروس ليلة جلائها. # لما رأت أم زبيدة الحديث تافها، خطر لها بحق أن وجودها قد يكون سببا في كبح جماح عاطفة ~~محمود فقامت مسرعة وهي تقول: يا حسرتي! لقد نسيت أن أنظر فيما تعده الطاهية لغداء اليوم، ثم ~~ذهبت نحو المطبخ ولقبقابها العالي جلبة وقعقعة. # وهنا نظر محمود إلى زبيدة ms011 في ذل واستجداء، وقد أحست في لمحة خاطر ما وراء هذه النظرة، ~~وهدتها فطرتها النسوية الماكرة إلى السكوت حتى تتفتح لها السبيل التي يجب أن تسلكها، فأطرقت ~~إطراق المذنب الخاضع الذي وطد النفس على تلقي ما يقذف به من تهم، وهنا قال محمود: لقد ~~وعدتني في آخر لقاء لنا يا زبيدة أنك ستفكرين في الأمر، وستصارحينني بما انتهى إليه رأيك، ~~وسألتك الرحمة بي فيما تفكرين، والإشفاق علي فيما تبتين، ووالله ما لقيتك بعدها إلا خفت ~~أن أسألك عما هداك إليه التفكير من الحكم لي أو علي؛ لأني رأيت من الخير لي أن أعيش في ~~نعمة من الشك، وأن أستمر في مداعبة أمل واهن أضعف من أنفاس المحتضر، والذي قال: إن اليأس ~~إحدى الراحتين لم يكن يعرف أن العشاق كالغريق يتوكأ على الثمامة، وأنه لولا ما يلازم الحب ~~من الرجاء والخوف لكان إحساسا حقيرا كإحساس الجوع والعطش، مضى شهران يا زبيدة وأنا في هذا ~~الشك، فهل لديك اليوم كلمة أقوي بها أملي، وأتوسم فيها وجه سعادتي؟ لا تقولي: «لا» يا ~~زبيدة، فإنه لم يبق لي إلا وتر واحد ضعيف من أوتار الأمل، أعزف عليه أنشودة غرامي، فإذا ~~قطعته يا زبيدة سكتت أنشودتي، وسكتت معها نبضات قلبي، قولي: «نعم» يا حبيبتي، وإذا عز عليك ~~أن تقوليها فلا تقولي: «لا». # كانت لواعج الحب تضطرم في نفس زبيدة، وكانت تحس كأن سكاكين مثلمة تحز في قرارها؛ لأنها ~~كانت تهوى ابن خالتها وتراه المثل الأعلى للزوج والحبيب، وتتمنى لو ألقت بنفسها بين ذراعيه، ~~ومزجت دموعها بدموعه، ولكن المسكينة كان لنفسها ناحيتان: ناحية يكتم فيها الوجدان وتطغى ~~النزوات، وناحية ألقت بزمامها إلى العقل واستسلمت إلى سلطان الإرادة، وطالما تحكمت الثانية ~~في الأولى، وأسكنت صيحاتها، فالتفتت إليه وقالت: أنت لا تشك يا محمود أني أحبك كما أحب أخي ~~عليا، وأني كلما فكرت في أمرك ارتفع في نظري هذا الحب الأخوي الطاهر الشفاف على حب الزوجة ~~لزوجها، فأضن به أن يذهب من يدي لاستبدل به حبا ماديا أرضيا، ms012 قلقا مضطربا، ربما دام ~~وربما لا يدوم. ~~- حبا قلقا مضطربا؟ إن حبي يا حبيبتي لو تجسم لكان ركانة في الجبال، وصلابة وبأسا في ~~الحديد، إنه قطعة من الروح وفلذة من القلب، فإذا زال زالت الروح، وذهب القلب معه، إن الحب ~~الأخوي نفحة وراثية، والحب الغرامي نفحة روحانية، وشتان ما بين النفحتين!! إن الحب الأخوي ~~أثر المعاشرة والإلف، والحب الغرامي أثر الوحي والإلهام، لا تغالطيني يا حبيبتي، وإذا رضيت ~~أن أكون لك أخا فأطلقي لهذا الحب قليلا من فضلة العنان، ليكون حبا قدسيا تتعانق فيه ~~الروحان، وتتلاقى الشفتان. ~~- هل سألت أبي؟ ~~- لقد أمللته حتى إنه كاد يفر مني، ولما ضاق بي ذرعا آخر الأمر، التفت إلي حزينا ~~وقال: «إنك تزيد في آلامي يا بني بكثرة الإلحاح، لقد ذكرتك أمامها مرات، ويعلم الله أني ~~لم أترك وصفا مما يرغب النساء في الرجال إلا خلعته عليك، ولكني لم أر منها اتجاها ~~إليك ولا رغبة فيك، وقد عاهدت نفسي ألا أجري إلا على ما أرادت، وألا أدفعها إلى أمر لا ترغب ~~فيه، فإذا رضيت بك زوجا فإنني أكون أسعد خلق الله بهذا الزواج»، أما أمك: فقد قضيت معها ~~ساعة اليوم فلم أجد منها إلا موافقة تامة ورضا كاملا، غير أنها كانت كأبيك تخشى أن تلزمك ~~إرادة أو تحملك على عزيمة، فالأمر بين يديك يا زبيدة، إن في فمك كلمة هي الحياة أو الموت، ~~فأشفقي على ابن خالتك المسكين!! # نظرت إليه زبيدة في شيء من القلق مكتوم وقالت: لم يبق إلا رضاي؟! وهذا شيء هين، ولن يخلو ~~زواج من عقبات، وهذه عقبة صغيرة أسأل الله أن يقدرني على تذليلها، فدعني الآن يا محمود، ~~فإن لكل شيء أوانا، والذي سطر في لوح القدر سيكون، ولا بد أن يكون، وماذا أكون أنا ~~أمام علم الله وقدرته؟ # وهنا ظهرت عند باب السلم الشيخة أمينة، وهي امرأة كفيف تحفظ القرآن وتقرأ في بيوت أغنياء ~~المدينة، وكانت تقودها فتاة صغيرة قذرة الجلباب حافية القدمين، أصاب الرمد عينيها بدموع لا ~~تنقطع، ms013 فأوشكت أن تشبه من تقودها، دخلت الشيخة أمينة وهي تقول: صبحكم الله بالخير جميعا، ~~وكفاكم شرور هذا الزمان، إن المدينة اليوم في ثورة جامحة، فإن عثمان خجا لم يكتف بما يفرضه ~~من الضرائب والمكوس والمصادرات في كل يوم، حتى ابتكر ضريبة جديدة لا تترك للفقير ما يقتات ~~به، ولا تبقي للغني ما تبقى له من قليل. # وهنا ظهر الحزن والهم على وجه محمود العسال، ونهض واقفا وهو يقول: لا يمكن أن نعيش يوما ~~آخر مع هؤلاء المماليك، ثم حيا زبيدة ومال إلى أذنها وهو يهمس: طال الصبر يا زبيدة فإلى ~~متى؟ ثم أسرع نحو الباب. # وعندئذ قامت زبيدة متثاقلة حزينة، فهرعت إلى غرفة نومها لتكتم آلامها، وما وصلت ~~إليها حتى رمت بنفسها على السرير وكتمت أنفاسها الحرى في وسادة من الحرير، وأخذت تبكي ~~بكاء مكتوما اهتزت له أضلاعها في خفقات مضطربة، وهي تقول: أحبه!! ... أحبه!! ... # | الفصل الثاني # وصل محمود إلى الشارع فرأى الناس يتسابقون إلى شارع زغلول، وفي كل وجه صورة مخيفة للغضب ~~والحزن وحب الانتقام، وكانت العين لا ترى فيهم إلا أشباحا للفقر والجوع والذل، لن تستطيع ~~ريشة رسام أن تبوح بوصفها، مشى محمود في إثرهم حتى إذا وصلوا إلى الشارع رآهم يتجهون نحو ~~مسجد زغلول، فهز رأسه حزينا وقال: مسكين هذا المسجد! أصبح من يلتجئ إليه من المظلومين أكثر ~~ممن يقصده للصلاة والعبادة، والناس لا يجدون غياثا في هذه الأيام إلا العلماء والأعيان، ~~وويل لهؤلاء العلماء والأعيان! إنهم أصبحوا أضعف من ذات خمار أمام ظلم عثمان خجا وظلم ~~أعوانه وعصابته، اذهبوا أيها المساكين اذهبوا، فإن عثمان خجا لن يرضى إلا بامتصاص آخر قطرة ~~من دمائكم، وهو غراب مشئوم لا يستريح إلا بعد أن يرى المدينة قفرا يبابا، اذهبي اذهبي ~~أيتها الضحايا المنكودة، فإن مراد بك إن رضي بقضم اللحوم فإن وكيله خجا لا يشبعه إلا التهام ~~الجلود، ما هذا الحظ العاثر يا رشيد؟ إذا اقتسم إبراهيم بك ومراد بك أرض مصر، لا تكونين إلا ~~من نصيب مراد بك ms014 الفاتك الجبار، الذي لم يبق بالبلاد قائما ولا حصيدا، والذي إذا فر منه ~~برغوث في مدينة أحرق المدينة كلها ليقتله. # ثم يأخذ محمود سمته إلى شارع البحر، ويميل إلى متجر أوليفر نيكلسون فيراه جالسا ومذبته ~~في يده، يذود بها الذباب عن وجهه، وهو جهم الوجه حزين النفس يظهر عليه القلق والاضطراب، ~~وكانت الصلة وثيقة العرا بين محمود ونيكلسون لتلاؤم في أخلاقهما، وللمعاملة المتصلة ~~بينهما، فقد كان لمحمود متجر للمنسوجات الصوفية بالقاهرة ترك الإشراف عليه لابن عم له، فكان ~~يشتري البضائع من نيكلسون ويبعث بها إلى القاهرة، وكان لنيكلسون اتصال وثيق أيضا بأسرة ~~البواب، فقد كان له أخ يتجر في الأرز بدمشق فكان يبعث إليه به من مضرب البواب لثقته ~~بأمانته وحسن معاملته؛ لذلك نمت الصداقة بين الأسرتين، فكانت بنته لورا نيكلسون لا تجد لها ~~في رشيد صديقة أوفى ولا أكرم صحبة من زبيدة، فأكثرت من زيارتها والائتناس بها، وأحبت في ~~زبيدة لطفها وارتفاع مستوى تفكيرها وثقافتها عن مثيلاتها، وأن لها من صفات الأنوثة والبراعة ~~في إظهار جمالها ما يشبه ما تتحلى به الأوربيات، ورأت زبيدة في لورا نضارة الجمال ~~الإنجليزي ورقته وحنانه، وكمال أدبه ودقة إحساسه، ففتنت بها وحاكتها - من حيث لا تدري - في ~~كثير من أخلاقها وعاداتها وآدابها، وطالما جلست لورا لتفصل لها الحلل على الطراز ~~الأوربي. # حيا محمود صاحبه، وجلس وهو يلهث من الحر والتعب وقال: أرأيت الزمر الحزينة ~~البائسة وهي تهرول مستغيثة مولولة إلى مسجد زغلول؟ ~~- نعم يا محمود رأيتها، وقد زادني مرآها حزنا على حزن، وألما على ألم، إن هؤلاء ~~المماليك جزارون لا يحسنون الذبح، إنهم مصابون بجنون التدمير والتخريب، وكم لاقت منهم مصر ~~وتلاقي إن امتد بهم الحكم وطاولهم الزمان، إني لم أر بلدا - فيما قرأت من تاريخ - فدح ~~بمثل هذا الحكم، إن صح أن يسمى ما نحن فيه حكما، إن الزنوج الذين يسكنون في وسط ~~إفريقية لا يمكن أن يخطر بعقول رؤسائهم الضعيفة الجاهلة أن يحكموا أتباعهم بهذه القسوة ~~الطائشة والظلم الجارف، ولقد ضاعت ms015 مصر بين ضعف الدولة العثمانية وجهلها، وغباوة المماليك ~~واستبدادهم، إن مصر اليوم تحكمها طائفة من اللصوص الأشقياء، الذين لا يقف شيء أمام جشعهم، ~~ولا يزعهم شرف ولا دين، نهبوا كل ما في أيدي المصريين ولم يعطوهم شيئا، فالوباء المتفشي في ~~الناس أشد من ظلم المماليك، والجهل الذي عطل عقولهم أشد من هذين. ~~- هذا بلاء محيق لا كاشف له إلا الله، فالناس يثورون في كل يوم، ولكنهم لا يلاقون إلا ~~الجلد والقتل، والتعذيب وهتك الحرمات، حتى لقد فر كثير من الأسر إلى دمياط والقاهرة ~~لعلهم يجدون متنفسا. ~~- يفرون من المقلاة إلى النار، كما نقول في بلادنا، المماليك مماليك في كل أرض وبلد. ~~اشنقوه، اقتلوه، أحرقوه، كلمات خفت على ألسنتهم وتكررت كأنها تراتيل القساوسة، أرأيت كيف ~~يسيئون إلى الإفرنج في كل حين، على الرغم من أن لهم قناصل يحمونهم، فكم صادروا متجر «فارسي» ~~الفرنسي ومتاجر سواه، وحينما كتبنا احتجاجا إلى دولنا بأوربا لم يزدهم هذا إلا إيغالا في ~~العسف وإغراقا في النكاية. ~~- إنهم يبغضون الفرنسيين ويجاملون غيرهم أحيانا، ألديك أخبار جديدة عن الحرب بين الدول؟ ~~- قرأت أمس في جريدة إيطالية صدرت منذ شهر أن العداء شديد مستحكم بين إنجلترا وفرنسا، وأن ~~الحرب قائمة بينهما على أشد ما تكون عنفا وقسوة، وأن أساطيل إنجلترا تجوب البحار لحماية ~~شواطئها وحصر فرنسا وحليفاتها، ومنع أي مدد يصل إليها، وأن الفرنسيين بعد أن فتحوا إيطاليا ~~والنمسا وخافتهم بقية الدول الضعيفة في أوربا، وأصبحوا يصيحون في كل شارع في زهو وشموخ ~~قائلين: إلى إنجلترا ... إلى إنجلترا ... وكلما مر نابليون بونابرت ذلك القائد الجديد الذي ~~تمخضت عنه ثورتهم من حيث لا يعلمون، صاحوا: إلى النصر، إلى إنجلترا، إلى العالم! ~~- هل تظن أن مصر ينالها شيء من شرار هذه الحرب؟ ~~- لقد أصابها الشرار فعلا يا بني، ألا ترى الكساد الذي نحن فيه وانقطاع الصادر والوارد؟ ~~- إذا هجم هذا البونابرت على بلادك، أتسرع للدفاع عن حوزتها؟ وماذا يكون من أمر لورا؟ ~~أتأخذها معك؟ إني أرى من الخير أن تدعها عند ms016 خالتي أم زبيدة فإنها تكون إذا بين أهلها. ~~- لن أستطيع أن أسافر يا محمود بعد أن أصبح البحر شعلة من نار، ثم إني واثق أن بلادي لن ~~تنال، وأن لها من قلوب أهلها وشجاعتهم سورا من فولاذ يصد عنها كل فاتح، إن غزوها محال، ~~ولكن الذي يهمني ويقض علي مضجعي، أن يكون في الأمر خدعة، والذي يخيل إلي أن هؤلاء ~~الفرنسيين يظهرون أنهم يستعدون للهجوم على إنجلترا، ليدفعوها إلى التفكير في حماية ثغورها ~~والتفرغ إلى الاستعداد في بلادها، وليصرفوها عن النظر في أية خطة أخرى، ثم هم من وراء ذلك ~~يتجهون بجيوشهم وأساطيلهم إلى ناحية لم تخطر للإنجليز ببال، ويغلب على ظني أنهم بعد أن ~~عجزوا عن غزو إنجلترا سيوجهون ضربتهم إلى مصر، ليسدوا طريق التجارة الهندية في وجه إنجلترا ~~بالسيطرة على البحر الأحمر، وربما خطر لهم، أن يتخذوا مصر طريقا لغزو الهند نفسها، لذلك ~~أعددت لكل شيء عدته منذ أشهر، فأسرعت في جمع ما على عملائي من ديون، وعقدت شركة مع عامل ~~متجري «أورلندو» وهو رجل أمين أثق به، حتى إذا صح حدسي، ونزل الفرنسيون مصر، فررت من ~~المدينة، وتركت له تجارتي، وهو إيطالي لا يمسه الفرنسيون بسوء، أما أنا والإنجليزية لغتي، ~~وإنجلترا موطني، فلو بقيت بعد دخولهم يوما واحدا للقيت منهم شر ما يلقى المرء من عدوه: من ~~مصادرة واعتقال وإذلال، وربما هان على نفسي كل هذا في جانب ما أخاف على لورا. ~~- أنت رجل قوي الخيال يا نيكلسون، والذي يستمع لحديثك هذا يظن أن أعلام سفنهم تخفق اليوم ~~على ميناء الإسكندرية. ~~- إن الإنجليز يا محمود قد يصفهم الناس ببطء الفهم، ولكنهم إذا فهموا لم يخطئوا شاكلة ~~الصواب، وهم قوم يجمعون الحوادث والمظاهر ويدرسونها درسا دقيقا، ليستنبطوا منها نتيجة قل ~~أن تخطئ، والحوادث التي درستها من شهر تنبئني بأن أعلام سفنهم ستخفق على ميناء الإسكندرية، ~~وكيفما يكن الأمر فلست أرى في الحذر والحيطة بأسا، فالسفينة التي سأسافر بها راسية الآن ~~أمام المتجر، حتى إذا حانت الساعة نقلت إليها ms017 ما أحتاج إليه، وخرجت من المدينة بلورا على ~~حين غفلة من أهلها، أين تسهر هذه الليلة؟ ~~- إنني أسهر عادة عند السيد إبراهيم الجمال، حيث نتحدث في التجارة ونتعرف أخبار المدينة ~~وحوادثها، وكثيرا ما يجرنا الحديث إلى تعداد مظالم عثمان خجا وافتنانه في ضروب العسف، وهو ~~حديث طويل محزن لولا ما يتخلله من فكاهات الحاج عبد الله البربير، وطرائفه ومضحكاته. ~~- إن اليوم عيد ميلاد لورا وقد أعدت لنا الليلة وليمة، وألحت علي أن أدعوك إليها فهل ~~تستطيع أن تزورنا بعد الغروب؟ ~~- إنني أسر لكل ما يسر لورا، وسأكون عندكم في الموعد الذي ذكرت، وما أتم عبارته حتى سمع ~~ضجيجا وصياحا وجلبة، فنظر فإذا جمع حاشد كأنه البحر المائج، فيه الرجال والنساء والأطفال ~~وهم يصرخون ويولولون، وأمام هذا الجمع علماء المدينة وقد اتجهوا جميعا نحو ديوان الحاكم، ~~فوثب محمود واندمج بينهم، فلما انتهوا إلى الديوان زاد الضجيج وعلا الصياح، وأخذ الأطفال ~~يصفقون ويرددون عبارات يسجعونها وينغمونها مثل: # موجه رايحة وجية موجه # غرقنا ظلمك يا خوجه # ومثل: # ما فينا إلا العريان # إيش راح نعمل يا عثمان # ودخل العلماء الديوان وهم في حزن وغضب على ما أصاب مدينتهم، فلما رآهم عثمان خجا - وكان ~~متكئا على أريكة - لم يتحرك للقائهم وبادرهم قائلا: لقد سئمت هذه اللعبة ومجتها نفسي ~~كلما هممت بعمل في هذه المدينة رأيتكم تتصدون لمعارضتي، وتقفون في طريقي، حتى لم يبق ~~علي إلا أن أستشيركم في كل خطوة أخطوها، فتقدم إليه الشيخ صديق - وكانت إليه زعامة البلد ~~- وهو عالم تقي زاهد، ذرب اللسان قوي العارضة، يجبه الناس بالحق ولا يخاف في سبيله أحدا، ~~فقال: يا حضرة الأغا: كان يجب عليك أولا أن تقوم إجلالا للعلماء وتكريما لهم، والعلماء ~~ورثة الأنبياء كما جاء في الأثر الشريف، فالذي لا يبجل العلماء لا يبجل الأنبياء ~~والعياذ بالله، وإذا رضيت لنفسك بهذا فإننا لا نرضى أن يقيم بمدينتنا من يتصف بهذا الوصف. ~~ثم انفجر صائحا: قم للعلماء أولا، ثم تكلم بما شئت، فإن لكل كلام كلاما. # فأحس ms018 الأغا بما يحيط به من خطر، ورأى أن الشيخ جاءه من ناحية الدين، وأن أية كلمة يقولها ~~ستنقلب عليه وبالا، فتعلثم وقال: يا مولانا، إن العلماء سادة الناس جميعا، وإني أول من ~~يتقرب إلى الله بإرضائهم، غير أن صياح هؤلاء العوام وما تجرءوا عليه من قذف الديوان ~~بالطوب والأحجار، سلبني صوابي وقلب ميزان تفكيري، ثم أخذ يصافح العلماء في أدب ورعب، ~~فابتدره الشيخ قائلا: قلت يا حضرة الأغا: إنك سئمت هذه اللعبة، فسميت الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الذي فرضه الدين على كل مسلم ومسلمة: لعبة، وهذا تعد على الشرع الشريف، ~~واستهزاء بأحكامه، واعلم يا حضرة الأغا أننا سنستمر فيما تسميه: لعبة، ما دمت مستمرا فيما ~~نسميه ظلما وإرهاقا، ثم قلت مستنكرا: إنه لم يبق عليك إلا أن تستشيرنا في كل خطوة ~~تخطوها، وقد أمر الله أشرف الخلق وسيدهم محمد بن عبد الله، أن يستشير قومه وأين أنت من هذا ~~المقام الأسمى؟ وإذا كنت تأنف أن تتشبه بالنبي الكريم، فتلك مسألة أنت تعرف سوء مغبتها. # إنك لم تدع في المدينة رطبا ولا يابسا، لقد عصرت كل شيء حتى الأحجار والخشب، ولم يبق في ~~الناس إلا رمق خافت تريد اليوم أن تأتي عليه، إن العلماء قرروا وقف الدروس في المسجد ~~وإغلاقه، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، ثم هم الشيخ والعلماء بالخروج فتشبث بهم ~~عثمان خجا، وهو يقول في تلعثم الخبيث اللئيم، الذي يريد أن يؤجل الضربة إلى فرصة قريبة: هذا ~~أمر مراد بك الكبير وليس لي فيه يد، وسأرسل إلى القاهرة اليوم رسولا لأرى رأيه في الأمر. # فأجابه الشيخ صديق: ترسل أو لا ترسل، إننا سنذهب إلى بيوتنا وسنغلق أبوابها، وسنلتجئ إلى ~~الله مستغيثين داعين أن يكشف عنا وعن أهل المدينة تلك الغاشية، وبينما العلماء نازلون من ~~السلم؛ إذ هدأ الجمع المحتشد حول الديوان، وإذا صوت يجلجل في الفضاء خشنا مرعبا وهو يصيح: ~~خراب يا بيت خجا خراب، خراب يا بيت خجا خراب! # كان ذلك صوت الشيخ علي سريط، ms019 وهو شيخ كان أول أمره طالبا ذكيا نابغا، بمسجد زغلول، ~~ثم تجرد لكتب التصوف وأكثر من قراءتها، فاختلط عقله وأدركته جذبة، فكان يقضي ليله ونهاره ~~ماشيا في طرق المدينة وهو عاري الجسم، إلا خرقة يلفها حول وسطه، وكان للناس فيه اعتقاد ~~راسخ ينقلون عنه كثيرا من الكرامات، ويرون أنه من أهل الله المقربين، وأنه له لمحات يكشف ~~بها ما خلف ستار الغيب، فلما سمع الجمع نداءه انطلق يردد ما يقول كما يقصف الرعد: خراب يا ~~بيت خجا خراب! # | الفصل الثالث # كانت لورا تخطو إلى الثالثة والعشرين من سنها، يزينها جمال فاتن وطلعة مشرقة، وهي شقراء ~~أميل إلى الطول منها إلى القصر، معتدلة القد خفيفة الروح والحركات، لها شعر ذهبي لماع ~~كأنه إكليل من نضار توجها به الجمال، وعينان زرقاوان فيهما السحر وفيهما الفتنة، وفيهما ~~الوداعة وكرم الخلق وصفاء الضمير، وكان لها جسم بض كأنه البلور المذاب، يكاد لصفائه تنعكس ~~عليه الأشباح والصور، ولدت لورا في مدينة «بليموث» من مقاطعة «ديفنشير» بإنجلترا، حيث كان ~~يقيم أبوها وأمها، وكانت أمها من أسرة ميسورة تشتغل بصناعة السفن، وما مر على ولادتها أربعة ~~أعوام حتى مرضت أمها ولم ينجع في علاجها دواء، فماتت، وحزن عليها نيكلسون حزنا أوشك أن ~~يقضي عيه، وأقسم ألا يتزوج بعدها، وأصابه شيء من الذهول كاد يكون خبلا، فأشار عليه أبو ~~زوجته أن يرحل من إنجلترا، فغادرها إلى مصر، وأخذ يتجر في الصوف والحرير، وترك لورا ~~بإنجلترا عند جدتها لأمها، فرأت فيها جدتها صورة من بنتها فشغفت بها وبذلت أقصى جهودها في ~~تهذيبها وتعليمها، وبعثت بها إلى المدرسة في سن السادسة، فبرزت مواهبها وفاقت أتبرابها، ~~واشتهرت بين التلميذات بالذكاء والأدب الجم وحسن المعاشرة، ولما بلغت الخامسة عشرة أتمت ~~الدراسة وألمت بكل ما يجب أن تعرفه البنت من نظام البيت وشئونه، وسافر أبوها من مصر إلى ~~إنجلترا في صيف سنة 1790م فوجد ابنته وقد نضجت ثمرتها، وبدت فيها صورة ناطقة من أمها، ورأى ~~أن بعده عنها في بلاد الغربة قد كدر ms020 عليه صفو حياته، وجعله عرضة للسأم والحنين والهواجس، ~~فعاد بها إلى رشيد، وأخذ يلقنها العربية ويعمل على اتصالها ببنات الأسر العريقة بالمدينة، ~~فالتقطت اللهجة الرشيدية صحيحة واضحة بعد سنة أو أكثر، وأصبحت تتكلم بها في طلاقة ويسر، ~~وأغرم بها نساء المدينة وبناتها، فكانت قبلة أنظارهن وسمر مجالسهن، وطابت للورا الحياة في ~~هذا المجتمع، وطبعت نفسها بكثير من عاداته وآدابه، وكانت إذا خرجت لزيارة صديقاتها تلبس ~~الحبرة السوداء والبرقع الكثيف، الذي ليس به إلا ثقبان صغيران للعينين فلا يكاد يميزها أحد ~~من بنات المدينة. # وكانت تختلط بمحمود العسال لكثرة زياراته لأبيها للمسامرة والحديث في التجارة، ولأنها ~~كثيرا ما كانت تراه عند زياراتها الكثيرة لأمه أو لزبيدة بنت البواب، وكان محمود على ما ~~وصفنا من وسامة ورجولة وخلق عظيم، فأحسست نحوه أول الأمر بشيء من الإكبار، كما يعجب ~~الأطفال بأبطال القصص التي تروى لهم، ثم زاد هذا الإحساس قليلا فصار رغبة في مقابلته ~~ومجالسته والحديث معه، ثم نما فصار شغفا بالتحدث عنه والإكثار من ذكره، حتى كادت تسئم ~~خادمتها الحاجة مبروكة، ثم انقلب هذا الإحساس ولوعا وحبا بالغت في كتمانه، واستعانت بكل ~~ما تستطيع المرأة من رياء لكبته ودفنه في صدرها، فلم يره أحد، ولم يشعر به أحد، وبقي سرا ~~غامضا في سويدائها لا تبوح به إلا لأحلامها، ولا تهمس به إلا لوسادتها، حينما تتقلب على ~~سريرها قلقة تتمنى الأماني وتتوجس العقبات: لم تسمع أن مسيحية تزوجت بمسلم، وهي لا يمكن أن ~~تفرط في دينها من أجل حب، وإذا كان قاتلا، ثم إذا جاز في الإسلام أن يتزوج المسلم بمسيحية، ~~فمن أين لها أن تعلم أن أباها سيرضى عن هذا الزواج ويباركه؟ وإذا رضي أبوها فهل يحبها ~~محمود كما تحبه؟ وهل يطغي على المأثور من العادات في سبيل ضمها بين ذراعيه؟ إنه لم ينظر ~~إليها نظرة مريبة، ولم تظفر منه كلمة فيها أقل تورية أو تلميح، وكل ما في أمره أنه يختلط ~~بالأسرة اختلاط الصديق الوفي الطاهر القلب، الذي يجري على سجيته ms021 ولا يبدو في كلماته أو ~~لمحاته أو أعماله إلا اللطف والحنان، إنه لم يعرف الحب، ولم تهتز له أوتار قلبه، إنه ملك ~~كريم، والملائكة لا يعشقون. # شغفت لورا بمحمود وكتمت غرامها، وأصبحت تعلل نفسها برؤيته بين الحين والحين، فطلبت إلى ~~أبيها أن يدعوه لوليمة عيد ميلادها، واجتهدت في أن تجعلها حافلة بالألوان متقنة الطهو، فقضت ~~النهار كله مع مبروكة وخادمها عبد الدايم في إعدادها، وأكثرت من أنواع الكعك، وتأنقت في عمل ~~«البودنج» حتى إذا جاء وقت العصر تفرغت لزينتها ولبست أجمل ما لديها من الحلل، ونظرت في ~~مرآتها، فرأت صورة للجمال الإنجليزي الفاتن، ثم نظرت في مرآة خيالها فبدا لها محمود العسال ~~وهو صورة للجمال المصري الرائع، فتمنت لو اجتمع الشرق والغرب، وودت لو تدانى البعيدان، ~~وتعانقت الصورتان! # أذن مؤذن جامع «الإدفيني» للمغرب، واتجه «نيكلسون» إلى داره حزينا مفكرا، حتى إذا ~~قابلته لورا أخفى ما في نفسه وغمرها بالعناق والقبل، وقال باسما: ماذا صنعت لنا سيدة الدار ~~في هذه الليلة؟ إني أشم روائح مشهية لألوان مختلفة، وأكاد من السرور والجوع ألتهم السيدة ~~الطاهية قبل أن ألتهم ما طهته من أصناف الطعام. ~~- إن السيدة الطاهية تحكمت اليوم في مال أبيها، وبذرت فيه تبذيرا. ~~- إن الأب والمال لك يا فتاتي الحلوة، فافعلي بهما ما شئت. ~~- نحن هنا يا أبي في الشرق موطن الكرم وحسن الضيافة، وقد أردت أن أحاكي زبيدة فيما تصنع ~~من ولائم، فأكثرت من الألوان وخاصة بعد أن دعونا محمودا العسال، أوعدك بالحضور يا أبي؟ ~~- إنه أجاب مغتبطا مسرورا، هذا الشاب أحبه كما أحبك يا لورا، لم أر فيه منقصة ولم أقع ~~له على زلة، وله أخلاق تقرب كثيرا من أخلاقنا: فيه الشهامة والصراحة، والصدق والغضب للحق، ~~ونصرة الضعيف، إنه شهم يا لورا، وطالما تمنيت لو يكون لي ولد مثله. ~~- لو كان ذلك لفزت بأخ كريم! وهنا سمعت دقات على الباب ودخل محمود فحياهما، وهنأ لورا ~~فابتسمت له ابتسامة مشرقة، وصاحت بخادميها أن يعدا المائدة، وكان نيكلسون بادي السرور ~~والمرح، ms022 كثير النوادر والنكات، مسرفا في الضحك، أما محمود: فقد استولى عليه وجوم عجز عن ~~إخفائه، وحاول كثيرا أن يندمج في الحديث والضحك فظهر تكلفه، وبان تصنعه، فمال عليه نيكلسون ~~قائلا: ما بال بطلنا الليلة منقبض الأسارير على غير عادته؟ ~~- هذه الحوادث التي جرت اليوم أزعجتني. ~~- حوادث شغب العوام وقذفهم ديوان الوالي بالأحجار؟ # هذا يا بني يحدث في كل يوم حتى اعتادته النفس، ولو حزنا لكل ما نراه لقضينا العمر غما ~~وأسفا، لا يا بني! أظن أن شيئا آخر يحزنك، فإني ما رأيتك إلا باسما مستبشرا، وهذه ليلة ~~لورا فكان عليك أن تكون فيها على أحسن ما تكون. ~~- الحق أن هناك مسألة تنغص علي حياتي كلها، ولست بغريب مني يا نيكلسون، ولا أعد لورا ~~إلا أختا لي لا يكتم دونها حديث، لقد برح بي حب بنت خالتي زبيدة، وكثيرا ما كاشفتها ~~بهذا الحب وهي تروغ مني وتلتمس المعاذير، حتى إذا كدت أيأس منها وأيأس من نفسي ذهبت إليها ~~في هذا الصباح لأظفر منها بوعد أو خيال من وعد، فلم أنل منها إلا المماطلة والتسويف، ~~والإحالة إلى الأقدار. # سمعت لورا ذلك فأحست بقذيفة تنفجر في قلبها فتذهب به بددا، فشخصت عيناها في ذهول، وأوشكت ~~أن يغمى عليها، لولا عزيمة جبارة انتشلتها من يد العواطف الثائرة، ثم نظرت إلى محمود في شغف ~~وألم وحسرة، وقد طارت آمالها مع الرياح، ودك ما بنته من الآمال والأحلام دكا، ورأت ~~أن قلب حبيبها قد شغل عنها بسواها، وأنه لم يبق به زاوية صغيرة يلجأ إليها غرامها العنيف ~~القاتل، وأن من عجائب القدر أن يشغف محمود بزبيدة أحب صديقاتها إليها، وأقربهن إلى هواها ~~وعطفها وحنانها، إن حبها له يحملها على صرفه عن زبيدة والضن به عن أية امرأة كيفما كانت، ثم ~~إن هذا الحب نفسه وما فيه من حنان، يفرض عليها أن تبذل كل ما في قدرتها لإسعاده وهناءته، ~~ولن يسعده إلا أن ينال يد زبيدة، فهل يدفعها حبها إلى التضحية بآمال حبها؟ وهل يستطيع ذلك ~~الحب ms023 أن يبلغ ذروة الشرف فيكتم ناره في قلبه، ويقضي على الغيرة الطبيعية التي تمزقه، ويقنع ~~بأن يرى حبيبه هانئا سعيدا؟ إن اجتذاب الحبيب بالإغراء وسيلة رخيصة لا تليق بحبها الطاهر، ~~والحب الذي لا ينال إلا بغمز العيون ومضغ الكلام، قليلا ما يدوم، وهناك مسألة أخرى: تلك أن ~~تكون زبيدة مرائية ختالة، وأن فرط حبها به يحملها على فرط الإدلال عليه، فإذا عملت لورا ~~على اجتذابه إليها فرقت بين عاشقين هما أحب الناس إليها، وأقربهم إلى قلبها. # نظرت لورا إلى محمود وهذه العواطف الجامحة تعتلج في نفسها، ولكن عزيمتها الإنجليزية أبت ~~أن يظهر منها أي أثر على وجهها، وقالت: مسكين يا محمود!! لم أعرف أنك متعلق بزبيدة، ولكني ~~أعرف أنها تهتم بذكرك، وتكيل لك الثناء والمديح كيلا. ~~- يظهر أن الثناء غير الحب، ويظهر أن شيطانا عنيدا يتحكم في رأس زبيدة، ويحذرها من ~~التزوج بي. ~~- هذا عجيب! إن مثلك يا محمود تتمناه وتشرف به أية فتاة رشيدية. ~~- الذي يهمني أن أعرف هذا السر الذي يحول بينها وبيني. ~~- مسكين يا محمود! ثم قالت وقلبها يكاد يتقطع حسرة وألما: سأكون سفيرتك في هذا الأمر يا ~~محمود، وسأبذل جهد الأخت الشقيقة حتى تفوز بأمنيتك، دع الأمر لي فإننا في هذا المجال أمهر ~~من الرجال وأشد تأثيرا. ~~- جزاك الله خيرا يا لورا، وأرجو أن توفقي حيث خبت وتقطعت حبائلي وأشراكي. # وهنا أطل نيكلسون من النافذة، فرأى في الشارع طوائف من الناس يلغطون، فظن أنهم يتحدثون في ~~شأن عثمان خجا، ولكنه سمع أحدهم يقول: «إنه جاء من الإسكندرية، ويقال: إن السيد محمد كريم ~~هو الذي أرسله» فظهر عليه الاضطراب، وبرقت عيناه واصفر وجهه، وقال لمحمود: يظهر أن ~~الواقعة وقعت، وأن شيئا جللا حدث بالإسكندرية، هلم يا محمود لنعرف جلية الخبر، في وديعة ~~الله يا لورا، وسأعود بعد ساعة. # ارتبكت لورا وظهر عليها الخوف، وألحت على أبيها أن يكشف لها عن حقيقة الأمر، ولكنه ~~أسكتها بقبلتين، وأثار شكوكها بدمعتين سقطتا على خديها، وانصرف مع محمود مسرعين. # أخذ محمود ms024 يسأل المجتمعين عن سبب ضجيجهم، فقال له أحدهم: إن صديقا أكد له أن الإفرنج ~~نزلوا الإسكندرية وامتلكوها، وأن رسولا أرسله السيد محمد كريم محافظ الإسكندرية إلى عثمان ~~خجا ليخبره بالأمر، وأن الناس يذهبون أفواجا إلى الديوان. # فأسرع محمود ونيكلسون إلى الديوان - وكان الزحام حوله شديدا - فاخترقا الصفوف حتى دخلا، ~~فرأيا عثمان خجا ومعه الأعيان والتجار - لأن العلماء أبوا أن يستجيبوا لدعوته - وقد جلسوا ~~وهم صموت يبدو عليهم الذعر والحيرة، ورأيا رسول السيد محمد كريم واقفا أمامهم، فاتجه ~~عثمان خجا، وقد جف ريقه وارتعدت أوصاله وقال للرسول: نبئنا بخبر هذه الداهية ~~مفصلا. # فقال: وصلت بالأمس إلى مياه الإسكندرية عمارة فرنسية عند مطلع الفجر، فلما ارتفع النهار ~~رآها أهل الثغر وقد غطت سفنها مياه البحر، ولكنها لم تقف بالميناء بل اتجهت إلى ناحية ~~العجمي، فأرسل السيد محمد كريم طوائف العربان إلى هذه الجهة، فرأوا أنها أخذت تنزل الجنود ~~بالزوارق عند المكس بعد منتصف الليل، حتى إذا تجمع الجيش سار في ثلاث فرق نحو الإسكندرية، ~~وحاول بعض عربان الهنادي مناوشة الجنود فلم يفلحوا إلا قليلا، وجمع السيد محمد كريم كل ~~رجاله وجنوده فانهزموا لقلة عددهم وسلاحهم، وقدم مدافعهم وتهدم حصونهم، ودخل الإفرنج ~~المدينة في صباح اليوم بعد أن قاومهم الأهالي فمزقوهم بقذائفهم. أما رئيسهم: فيدعى: ~~نابليون، وهو شاب صغير السن نحيف الجسم، ولكن جميع قواده يبجلونه ويخضعون له خضوع العبيد ~~للسيد، وهو يدعي أنه صديق الدولة العثمانية، وحبيب الإسلام والمسلمين، وأنه لم يأت إلى ~~مصر إلا لإنقاذ أهلها من ظلم المماليك، ويبلغ جيشه نحو الثلاثين ألفا، ومعهم من آلات الحرب ~~ما لا عهد لنا به، وقد أظهر السيد كريم الخضوع لنابليون وشرع يساعده في الظاهر في جمع الخيل ~~والجمال، ودعوة العربان إلى مناصرته، وأرسلني إليكم سرا لتأخذوا حذركم وأسلحتكم وتحصنوا ~~المدينة، وتجمعوا الجنود والأهلين للقاء هذا الطاغية، فقد يسقط جيشه على رشيد في أي يوم، ~~فقال عثمان خجا: لا بد من المقاومة والاستماتة في الدفاع، وربما استطعنا أن نلقن هؤلاء ~~الإفرنج درسا لا ms025 ينسى. # فقال السيد محمد البواب، وكان شيخا في الخمسين فارع الطول متين بناء الجسم، جريئا ~~شجاعا: إن حصون المدينة ضعيفة وأسوارها مهدمة، ومحال أن يستطاع تقويتها في زمن قصير. # فقال خجا غاضبا: هذا دأبكم دائما يا أبناء العرب، لا تثبتون على الشدائد. ~~- نحن أثبت على الشدائد من الجبال، ولكنا نحمل الآن أوزار ظلمكم وعبثكم بشئون البلد، أتظن ~~يا أغا أن في المدينة رجلا واحدا يرضى أن يشد أزرك في قتال؟ لقد زهدتهم في الحياة، ~~وأخمدت في نفوسهم البطولة وحب الوطن، حتى أصبحوا يؤثرون في قرارة نفوسهم أن يحكمهم مجوسي أو ~~وثني، لقد زرعتم الحنظل واليوم تجنون ثماره، وقتلتم كل نازعة للرجولة في كل نفس، ثم جئتم ~~تستنهضون الهمم بعد أن ماتت الهمم، إنما يدافع عن وطنه من يشعر أنه ملهى صباه ومصدر مجده، ~~ومقر سعادته وموئل حريته، وأن ما فيه من أرض وماء وهواء ملك له ولسلالته من بعده، أما من ~~يعذب في وطنه ويحرم خيراته، ويساق إلى العمل كما تساق البهائم لينعم غيره وهو ~~جائع، فلن يعرف معنى للوطن، أو معنى للدفاع عن الوطن. # فبهت عثمان أغا والتفت إلى التجار، وقال: أهذا رأيكم في رجال مدينتكم؟ فانبرى إليه الحاج ~~أحمد شهاب وقال: إن هذا ليس عارا على أهل المدينة، إنما العار على من يطلب من المذبوح أن ~~يدفع عن نفسه، وهنا قام السيد محمد البواب وقام الأعيان منصرفين خلفه، وتركوا عثمان خجا ~~يتحرق غيظا، ولو استطاع أن يقبض عليهم ويذيقهم صنوف النكال لفعل، ولكن اضطراب المدينة ~~واقتراب الأعداء لم يدعا له سبيلا لشفاء نفسه، ومال نيكلسون في الطريق على أذن محمود يقول ~~في صوت خافت: سأرحل الليلة فقد أعددت كل شيء، ثم أسرعا إلى الدار وأحضرا من يحمل المتاع إلى ~~السفينة، وغير نيكلسون ملابسه وتزيا بزي المغاربة، وحمل في منطقته مسدسين وأكياسا ~~بها من الذهب ما يزيد على ألف محبوب، ولبست لورا حبرتها والدموع تتساقط من عينيها، وسارت ~~معهما إلى السفينة، وهناك ودع نيكلسون صديقه وداع الأب الشفيق للولد ms026 البار، وهمس في أذنه: ~~إذا قدمت القاهرة فسل عن الحاج محمد السوسي بسوق المغاربة. وتقدمت لورا نحو محمود باكية ~~الطرف دامية القلب وهي تقول: إلى اللقاء القريب يا محمود! ثم أقلعت السفينة وهبت الريح ~~شمالية فدفعتها إلى الجنوب، ووقف محمود حزينا يقلب كفيه أسفا، وقد أحس أنه كان له ~~جناحان فرماه الدهر فيهما، ثم نظر فرأى السفينة وقد التقمها اليم وطواها الظلام. # | الفصل الرابع # في يوم الثلاثاء الثالث من شهر يولية سنة 1798م كانت رشيد كالبحر المائج المضطرب، عصفت ~~رياحه وتواثبت أمواجه، فكنت تسمع جلبة في كل مكان، وترى أفواجا من الأهلين تساق بالسياط، ~~وجنودا من الفرسان تعدو بخيولها هنا وهناك، والبنادق في أيديهم يهددون بها كل من لاذ بداره ~~أو حاول الفرار، فقد أصدر عثمان خجا أوامر قاسية، بأن يقوم كل رشيدي بالمعاونة في تجديد ~~الأسوار وتقوية الأبواب والحصون، وأن يعد كل رشيدي سلاحا كيفما كان نوعه لقتال الغزاة ~~الغاصبين، ولم تستثن أوامره طفلا ولا شيخا هما ولا مريضا زمنا، وكان سليم بك رئيس ~~العسكر، وعلي جاويش مساعده، يمران على الجند لحثهم على بذل أقصى الجهد في حشد الناس، واتخاذ ~~كل وسائل الشدة والعسف في سوقهم إلى العمل، فوثبوا على المنازل واستباحوا حرمتها، وقبضوا ~~على النساء لدفع أزواجهن أو آبائهن إلى الظهور، وقتلوا كثيرا ونهبوا من مدخرات البيوت ~~كثيرا، كانت رشيد في هذا اليوم وما تلاه من أيام جحيما أججها الظلم وأشعلها الغباء، فكنت ~~لا تسمع فيها إلا رنات السياط على الظهور، وقصف المدافع والبنادق ممتزجا بصراخ الأطفال ~~وولولة النساء. # وفي صبيحة يوم الجمعة السادس من شهر يولية، رأى الناس من المآذن - وكانوا يصعدون إليها في ~~كل يوم - جيشا يبلغ عدده نحو ألفي مقاتل يزحف على رشيد بعد أن غادر أدكو، وهنا أعد عثمان ~~خجا جنوده، وكانوا لا يزيدون على مائة من الإنكشارية وبعض الباشبوزق، وانضم إلى هؤلاء بعض ~~الأهلين كارهين، وقد سلحوا بالعصي والسكاكين، وهجم الجنرال «دوجا» بجيوشه وآلاته الحديثة ~~على رشيد عند الظهيرة، وما كان أشد دهشته ms027 حين رأى جيش المماليك يفر من غير أن يجرد ~~سلاحا، وحين رأى الأهلين يرحبون بقدومه ويحيونه تحية الفارس المنقذ الذي أرسله الله ~~لخلاصهم من ظلم المماليك، أما عثمان خجا وسليم بك: فقد كانا في الفرار أسرع من جنودهما، ~~فركبا النيل إلى دمياط. # دخل «دوجا» رشيد دخول الفاتحين، وبقي بها يومين أو ثلاثة حتى قدم الجنرال «جاك فرنسوا ~~مينو» الذي عينه نابليون حاكما لرشيد، فهرع الأعيان وعظماء المدينة إلى استقباله، وأظهروا ~~البشر والسرور، وتلقوه بالزمر والطبول، وأطلت النساء من النوافذ ومن فوق سطوح الدور، ~~يحيينه بالأغاريد، وسلم إليه علي جاويش مفاتيح المدينة في حفل حافل، وقف فيه مينو فألقى ~~خطبة مسهبة لخصها ترجمانه «إلياس فخر» فقال: إن جناب الجنرال لن يتدخل في الحكم الداخلي ~~للمدينة، ويطلب من الأعيان وكبار البلد أن يؤلفوا منهم ديوانا للنظر في شئون الناس، ثم إنه ~~يؤكد أن كل ما يشترى للجيش يصرف ثمنه للتجار ذهبا، ويعلن ميله وميل دولته الشديد للإسلام، ~~وأنه سيكون أول من يذهب إلى المساجد للصلاة، وأن حكم الجمهورية الفرنسية مؤسس على الإخاء ~~والمساواة، وأنه جاء لينشر العدل ويبدد ظلام الجهل والظلم. # كان مينو في نحو الثامنة والأربعين من عمره، ربعة في الرجال غليظ الوجه ثقيل الملامح، ~~أشقر الشعر دب الشيب إلى فوديه قليلا، وكان سريع التأثر، يفعل ما لا يقول، ويقول ما لا ~~يفعل، سريع الغضب والرضا ومعتدا بنفسه كثير الزهو بذكائه، يعتقد أن حكمة الدنيا وفلسفتها ~~أنزلت عليه وحيا، وأن محجبات الغيب دانت لعبقريته طوعا، وقد أدى به ذلك الاعتقاد إلى ~~الصلف واحتقار آراء غيره، ودعاه إلى العجلة وسرعة البت في الأمور الخطيرة بلا أناة أو تفكير ~~أو مشاورة، فجر عليه ذلك بغض زملائه ومرءوسيه، وسخطهم عليه والسخرية منه، وكان من أسرة ~~نبيلة بفرنسا، وربما زاد هذا النسب في كبريائه على أنداده من رجال الحملة، وربما أبطره عطف ~~نابليون عليه عطفا حار في تعليله المؤرخون. # اجتمع العلماء والتجار وأعيان المدينة بمنزل السيد محمد البواب، لينظروا في هذا الحادث ~~الجلل، بعد أن ms028 صرح مينو بسياسته ، فقال الحاج أحمد شهاب: يظهر أن الله أراد الخير لهذا البلد ~~المسكين، فأرسل هؤلاء الفرنسيين لإنقاذه، # فقال الشيخ الخضري: أفتى بعض العلماء تيمور لنك بأن الحاكم الكافر إذا كان عادلا، خير من ~~الحاكم المسلم إذا كان ظالما، وهنا زفر الشيخ صديق: صدق الله العظيم: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون ~~. # فاتجه إليه الشيخ الخضري وقال: يا مولانا لقد سمعناه اليوم يقول: إنه سيترك الحكم لأهل ~~البلد، وإنه يحب الإسلام، وإنه سيؤدي الصلوات، فتنحنح الحاج عبد الله البربير وقال: # قد بلينا بأمير # ظلم الناس وسبح # فهو كالجزار فينا # يذكر الله ويذبح # وهل يصلي بهذا السروال المقمط، وهذه القبعة التي تشبه زنبيل الأرز!! # فوقف محمود العسال وقال: إني لشديد العجب من أن أرى قوما يرحبون بغاز لبلادهم، مغير على ~~وطنهم كيفما كان جنسه أو دينه أو خلقه، إن الرجل منكم إذا غالطه جاره في حد من حدود أرضه، ~~أو فتح نافذة على أرض خربة يملكها، أقام الدنيا وأقعدها، وراح يثير عليه الحكام ويصب عليه ~~صنوف الانتقام، ولكني أراكم وقد ضاع الوطن العزيز واستبيح حماه، وديس عرينه وتمكن من رقبته ~~عدو جبار، تسرون وتفرحون ويهنئ بعضكم بعضا بهذا الفتح المبين والنصر المؤزر، إننا نبغض ~~المماليك ونضج من ظلمهم وطغيانهم، فهل معنى هذا أن نترك الدفاع عن البلد لنستريح منهم بدخول ~~عدو جديد؟ عار أيها الناس وأي عار أن يقال: إن رشيد لم تدفع عن حوزتها دفاع الأسود، وإنها ~~قابلت فاتحيها بالطبل والزمور! عار وأي عار أن يقال: إن شرذمة قليلة من الفرنسيين لا تزيد ~~على الألفين، فتحت مدينة حصينة آهلة بسكانها، وإن هذه المدينة التي سيسخر منها التاريخ ~~قابلت أعداءها بنثر الأزهار والرياحين، كما يقابل الغزاة الفاتحون، نحن نبغض المماليك ~~حقا، فهل كانت تقصر همتنا - ونحن نستطيع أن نجمع عشرين ألفا من أشداء الرجال - عن ms029 القضاء ~~على المماليك والفرنسيين معا، وأن نقتنص هذه الفرصة الطائرة لنغسل عار رشيد بدمائهم ~~جميعا؟ كان علينا ألا نقبع في دورنا حتى يصلوا إلينا، فقد قال ابن أبي طالب: ما غزي قوم في ~~عقر دارهم إلا ذلوا، بل كان يجب أن نقابلهم في الرمال المحرقة فنبيد جموعهم في الصحراء بين ~~رشيد والإسكندرية، ولكن لن يصلح قوم لا قائد لهم! والأمم إباء وكبرياء، فإذا مات الإباء ~~وذلت الكبرياء بادت الأمم، قال هذا وخرج مسرعا وقد عصف به الحزن والغضب، وترك القوم واجمين ~~ذاهلين، وإذا صوت الشيخ علي سريط يملأ جوانب الفضاء وهو يصيح: إذا ذهب الذئب وجاء الأسد، ~~فيا ضيعة المال والولد!! # وبعد أيام أنشأ مينو ديوانا للأحكام عين به بعض العلماء والأعيان، والفرنسيين ~~والمترجمين، وأظهر في أول عهده العدل والتسامح، وبالغ في الاختلاط بالأهلين، فكان بيته في ~~كل ليلة مثابة للعظماء والعلماء، وكان يتحدث في هذه السهرات في عظمة فرنسا وقوتها، وأنها ~~اجتاحت الممالك وقهرت الأمم، وكثيرا ما كان يمازح الشيخ البربير ويبادله النكات، وكان من ~~بين المتزاحمين على مودته والتقرب إليه السيد علي الحمامي أخو زبيدة من أمها، فإنه بعد أن ~~عين عضوا في الديوان أخذ يملأ الدنيا ثناء على الفرنسيين، ويضع «الجوكار» وهو شعار ~~الجمهورية على صدره فخورا تياها، حتى سماه بعض خبثاء المدينة «الأوفيسيال علي»، أما محمود ~~العسال: فكان يرأس جماعة الساخطين من شبان المدينة، وكان يجهر برأيه في حكم الفرنسيين غير ~~هياب حتى لقد شكاه الضابط «لوي أوجست» نائب الحاكم العام إلى مينو مرات، فكان يشفع له علي ~~الحمامي، والسيد محمد البواب. # وكانت زبيدة في هذا الحين مريضة طريح فراشها، فإنها منذ رفضت مكرهة خطبة محمود ضاقت نفسها ~~عن احتمال ما هي فيه من حب ورياء، وأمل كاذب، فتوالت عليها الأوهام وتزاحمت الآلام، ومضت ~~الأيام والأسابيع، وهي لا تزيد إلا سقما، ولا تجد إلى الشفاء من سبيل، وكانت تنتعش قليلا ~~لزيارة محمود ويعود إلى وجهها شيء من نضارة الحياة، حتى إن أمها كانت ترجوه أن يزورها ms030 في كل ~~يوم ، وما كان في حاجة إلى رجاء، ولم تبق أمها دواء ولا بخورا ولا حجابا ولا تميمة، إلا ~~بذلت فيه المال الكثير طامعة راضية، ولكن المرض كان يطغى بزبيدة ويعصف بشبابها، زارها يوما ~~محمود وقد كاد يبلغ بها الوصب غايته، فأطفأ بريق العيون ومحا نضارة الخدود، ولم يبق منها ~~إلا هيكلا من جمال قديم، فنظرت إليه في شغف ويأس، وقالت: مسكين يا محمود! إن الزهرة التي ~~سقيتها بدمعك، وأدفأتها بزفراتك، وغرستها في سويداء قلبك، وكنت تغار من النسيم أن يمسها، ~~ومن الطل أن يلثمها، ومن الشمس الضاحكة أن تداعب أوراقها، وكنت تباهي بها الأزهار وتتحدى ~~البساتين قد هبت عليها عاصفة هوجاء فتركتها هشيما، واصطلحت عليها الأنواء فغادرتها حطاما، ~~انظر إلي يا محمود فهل تراني كما كنت أكون، أو كما كنت تحب أن أكون! الشباب والصحة جمال ~~الجمال، والشباب والصحة جمال الروح، والشباب والصحة جمال الحياة، إني أحس وأنا راقدة في ~~فراشي أن هذا السرير يعدو بي إلى الموت عدوا، وأود أن أملأ عيني من كل شيء في الحياة، قبل ~~أن أفارق الحياة!! # كان محمود حزينا مطرقا، يغالب دموع عينيه ويكبت زفرات صدره، فالتفت إليها وقد تكلف ~~الابتسام قائلا: أنت تفارقين الحياة؟ هذا مستحيل! إن الله أرحم بعباده من أن يفجعهم بهذه ~~الفجيعة، إن روحك يا زبيدة متصل بكل روح، وقلبك يرسل الحياة والأمل إلى كل قلب، فهل تظنين ~~أن الله سيطفئ روحا بها حياة الأرواح وأمل القلوب؟ إن زهرتي إن ذبلت اليوم فإن في جمالها ~~الكامن ما يتحدى العواصف والأنواء، وسنراها غدا، وهي تتخايل فوق غصنها ناضرة فتانة، إن ~~الشمس يا زبيدة لا تموت، ولكنها إذا جاء الأصيل درجت إلى سريرها فنامت الليل كما تنامين فوق ~~هذا السرير، ثم بزغت في الصباح متلألئة باسمة. # وهنا ألقت بيدها النحيلة بين يديه، وقالت: هذا كلام لطيف يا محمود ولكني أشعر بما لا تشعر ~~به، وكثيرا ما سررت وأنا في غمرة أحزاني من أني لم أسرع إلى إجابة خطبتك، حتى لكأني ms031 كنت ~~أقرأ ما دونه القدر، فما كان أعظم الكارثة علينا لو دهمني الموت بعد زواجنا، فشرقنا بكأس ~~النعيم، وذهبت الحياة ونحن في أول نشوة من خمر الحياة! # وماذا يكون من أمرك حين تدفن العروس بثوب جلائها، ويسلبك القدر ريحانة لم تنعم طويلا ~~بشذاها؟ وحين يكاد يختلط بسمعك لقرب ما بينهما عزف الراقصات بلطم النادبات، وضحكات المغنيات ~~بولولة الناعيات؟! # فقاطعها قائلا: رفقا بي يا زبيدة ولا تسترسلي في هذه الناحية المظلمة القاتمة، ارحميني ~~يا حبيبتي، ودعي ذكر الموت والنادبات، أتذكرين حين خرجنا يوم شم النسيم الماضي وقضينا يوما ~~سعيدا ضاحكا مع أمك وأخيك علي ولورا، إني لن أنسى هذا اليوم، وأشعر واثقا أننا سنعيد ~~ذكراه معا وأنت في أنضر ما تكونين صحة ومرحا وشبابا، فانتعشت زبيدة وقالت: ما كان أجمله ~~يا محمود! خرجنا في ذلك اليوم في غبش الفجر، وقد كنا أعددنا كل شيء، وكان أبي نائما، فكانت ~~أمي تمشي على أطراف أصابعها خشية إيقاظه كما تمشي الناقة العرجاء، ثم طافت بوجهها ابتسامة ~~خفيفة واستمرت تقول: وقد أدرك أمي سعال فكانت تكتمه بيديها، وأخي يلطم خده ويقول: ضعنا ~~والله، لو استيقظ ما سمح بخروج النساء. ~~- وقد مشينا في هذا اليوم على شاطئ النيل والنسيم يهب خفيفا بليلا كأنه هبات الأمل في ~~نفوس البائسين، حتى إذا اجتزنا دوائر الأرز ذهبنا جنوبا بين تلك الحدائق الزهر الباسمة، ~~وأشجار الفاكهة التي أحست بالربيع فتفتحت أنوارها لتقبيله، وامتدت غصونها لعناقه. ~~- وقد نظرت حينئذ فلم أجد أحدا، فخلعت ملاءتي أنا ولورا وذهبنا نمرح بين الأغصان كأننا ~~طفلتان صانتهما الطفولة من خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أتذكر حين تسلقت لورا شجرة الجميز ~~ثم قبضت بيديها على أحد فروعها، وأخذت تتأرجح به ضاحكة لاهية، وأمي تحت الشجرة تصرخ ~~وتستحلفها أن تكف، وتضرب بيدها على صدرها خوفا وذعرا؟ # لقد كان ذلك منظرا بديعا حقا، حتى إذا جاوزنا الحدائق ظهر لنا (كوم الأفراح). ~~- ما أجمل هذا التل العالي يا زبيدة، وما أنقى رماله، وما أروع أن تشاهدي من فوقه النيل ms032 ~~وهو يلتف حول الرمال كما يلتف السوار؟! ~~- لقد غاصت رجلي في الرمل يومئذ فحاولت إخراجها فتهورت من أعلى التل إلى سفحه، وكنت ~~أصرخ وأضحك في آن، وأعجبت لورا هذه اللعبة فتدحرجت خلفي، ثم وصلنا إلى مسجد «أبي منظور» ~~ونحن أشد ما نكون جوعا فكنا نتخاطف الطعام في عبث ولهو ومجون. ~~- ثم صعدنا في المئذنة فرأينا مدينة رشيد تحتنا بمآذنها وقبابها ومنازلها السعيدة ~~الهانئة، والنخيل تحيط بها كأنها حراس من جنود الله، يدفعون عنها كل سوء. ~~- أذكر كل هذا يا محمود كأنه مثال أمامي، ما أجمل الحياة وما أجمل أن يشعر المرء بجمالها! ~~ثم انتقلنا إلى قارب يمخر بنا في النيل جيئة وذهابا كأنه الحوت الضخم ضل مكان أليفته، فجال ~~يبحث عنها هائما مضطربا، وكان المراكبي شيخا هرما فلم يمنعه هرمه من أن يرسل إلي وإلى ~~لورا عينين جائعتين كادتا تلتهماننا التهاما، إن شباب القلوب وضعف الأجسام كارثة الشيوخ يا ~~محمود، وجلست لورا في القارب وأخذت تصف لنا جمال بلادها وأخلاق أهليها، واطمئنان نفوس الناس ~~لحكامها، وأن النساء هناك سافرات يخالطن الرجال ويقضين شئونهن بأنفسهن، إنه كان يوما ~~سعيدا يا محمود، لم نرجع منه إلا بعد أن غابت الشمس، وكان أبي حازما فلم يسأل سؤالا ~~واحدا؛ لأنه رأى من صون كرامته أن يغضي إغضاء المتجاهل، إن ذكرى ذلك اليوم جددت الحياة في ~~نفسي وجعلتني أحس أن كتاب حياتي لم ينفد بعد، وأنه لا يزال به صحف كثيرة من بيض وسود، أين ~~لورا؟ إنها لم تعدني؟ ~~- لقد سافرت مع أبيها منذ دخول الفرنسيين، ولا أعلم أين استقرت بهما النوى. ~~- إنها أجمل فتاة رأيتها خلقا وخلقا، ولو أنها كانت مسلمة لكانت خير زوجة، إنها ~~الحنان والعقل لفا في أبدع صورة من صور الجمال، فهل نراها مرة أخرى؟! ~~- إن سفن الحياة تفترق وتلتقي في بحر العمر المائج، والحب كفيل بألا يطيل الفرقة بين ~~الشتيتين. # وهنا دخلت أمها فرأتها باشة مستبشرة، فانصبت على خدي محمود تقبلهما كالمجنونة وهي ~~تقول: أنت شفاء ابنتي يا محمود، وكأن ms033 فيك سحرا يبعث في جسمها العافية. # فالتفت إليها محمود قائلا: تعالي يا خالتي نتحدث في الأمر حديث جد وصراحة، هذه الأحجبة ~~وهذا البخور لا تفيد شيئا، إن زبيدة لا تشكو إلا من وعكة تزول إن شاء الله، إذا اتخذت ~~الوسائل الصحيحة لعلاجها، أتمانعين في أن يراها الطبيب «شوفور» الفرنسي؟ ~~- أيجوز يا بني أن يرى الطبيب الإفرنجي بنتي، وأن يكشف عن جسمها كما يفعل بالرجال؟ ~~- كان يقول لنا شيخنا الخضري: «إن الضرورات تبيح المحظورات» وسلامة زبيدة من أشد ضرورات ~~الدنيا، أنا ذاهب لأدعوه، ثم انطلق كما ينطلق السهم وعاد بعد ساعة ومعه الطبيب «شوفور» وهو ~~رجل قضى برشيد أكثر من عشر سنوات، وعرف أهلها واختلط بأسرها، فلما فحص زبيدة اتجه إلى محمود ~~وقال: إن حال زبيدة لا تقضي الانزعاج بتاتا، إن كل أجهزتها سليمة طبيعية، ويغلب على ظني ~~أنها مصابة بمرض الأعصاب، وهي تحتاج إلى الهدوء وإلى كل ما يبعث السرور في النفس: وسأرسل ~~لها دواء أرجو أن يكون شافيا، ثم ضحك وقال: لا تخافوا شيئا إنها بخير، وبعد أن أطرق إطراق ~~المفكر قال: أظن أن تغيير الجو الذي هي فيه، والسفر إلى مدينة أخرى سيكون لها أشفى من ألف ~~دواء، فقالت أمها: إن خالتها زوج السيد أحمد المحروقي بالقاهرة قد أرسلت منذ يومين رسالة ~~تتشوق فيها إليها وتلح في طلبها. ~~- هذا خير ما يكون، وبالقاهرة من أشهر أطباء الحملة الطبيب «ديجنت» فلو توصلتم إلى أن ~~يراها لشفاها في أقرب وقت. # ثم انصرف الطبيب بعد أن ترك وراءه في الدار روحا من الأمل والابتهاج، ورأت نفيسة ووافقها ~~محمود وجوب سفر زبيدة إلى القاهرة، وأقنعت الأم السيد محمدا البواب بذلك فاقتنع، وكانت ~~سفينة عظيمة محملة بالأرز على وشك السفر، فأعدت بها غرفتان، وسافرت بها زبيدة وأخوها علي ~~الحمامي، وبعد سفرها أحس محمود بالوحشة والقلق، وضايقه جواسيس الفرنسيين، فوطد العزم على ~~الرحيل إلى القاهرة، فسافر إليها بعد عشرة أيام. # | الفصل الخامس # حينما جاوزت السفينة بنيكلسون وابنته لورا معالم رشيد، أحست لورا بكثير من ms034 الحزن على ~~فراق وطنها الثاني، وموطن حبيبها الأول، وذكرت أيام سرورها ومجالس البهجة والأنس بين ~~صديقاتها، وتفتت قلبها حسرة على فراق محمود؛ لأنها رأت في لحظة أن صروح آمالها قد تهدمت ~~مرتين: مرة بانصراف هواه إلى زبيدة، ومرة بتلك الضربة القاسية التي قضت بتفريقهما وحرمانها ~~أن تتمتع بمشاهدة وجهه الوضاح، وسماع حديثه الساحر. وجلس نيكلسون مهموما مفكرا كثير ~~القلق، وأخذ يستحث النوتي على الإسراع ونشر جميع القلوع، ويمنيه الأماني إذا سابق ~~الرياح ولم يعوق؛ لأنه كان يريد أن يصل إلى القاهرة قبل وصول الحملة إليها. وصلت السفينة ~~إلى شاطئ بولاق بعد سبعة أيام، فنزل نيكلسون ولورا واستأجرا حميرا لحملهما وحمل أمتعتهما ~~إلى خان بالقرب من مشهد سيدنا الحسين، حتى إذا استقرا فيه يومين، كان نيكلسون قد اهتدى ~~إلى دكان صغير بسوق المغاربة وضع فيه قليلا من البضائع، واستأجر دارا صغيرة بالكحكيين ~~فانتقلا إليهما. وكانت تخدمهما صاحبة الدار، وهي أرملة عجوز ورهاء غاب وحيدها منذ سنوات ولم ~~تقف له على أثر، فأصابها مس من الجنون خيل إليها أن السيدة عديلة بنت إبراهيم بك هامت ~~بحبه، فاختطفته واحتجزته بقصرها. وحينما وضع نيكلسون قدمه بالقاهرة رآها في هرج واضطراب ~~وذعر، فقد وصل إليها الرسل الذين بعث بهم السيد محمد كريم إلى مراد بك، وعقد اجتماع بقصر ~~إبراهيم بك حضره مراد بك وأبو بكر باشا والي العثمانيين، وقواد المماليك، وكبار العلماء ~~وهم المشايخ: الشيخ عبد الله الشرقاوي، وسليمان الفيومي، ومصطفى الصاوي، ومحمد المهدي، ~~وخليل البكري، والسيد عمر مكرم وغيرهم، وفي هذا المجلس أظهر المماليك الغرور والاعتداد ~~بالقوة، فقرروا سجن قنصل فرنسا وجميع التجار الفرنسيين بقلعة الجبل، وأن يستعد مراد بك ~~للسفر لمقاومة الفرنسيين ودحرهم قبل أن يصلوا إلى القاهرة، وفي اليوم التاسع من شهر يولية ~~زحف مراد بك من الجيزة، وكان بالجيش كثير من المدافع والبرود، وقد بلغ عدد جنوده من فرسان ~~المماليك ومشاة الإنكشارية ما يزيد على ثمانية آلاف، وصحبه في النيل نحو خمس وعشرين سفينة ~~مسلحة، يقودها علي باشا الطرابلسي، ونحو خمس ms035 وثلاثين من السفن التي تحمل الجنود والذخائر ~~والمئونة، وبقي إبراهيم بك الكبير معسكرا في بولاق في ألفين أو أكثر من المماليك، ينضم ~~إليهم بعض الجنود المرتزقة والعربان والأهلين المتحمسين، ووصلت الأخبار بعد أيام بهزيمة ~~مراد بك في موقعة شبراخيت، واحتراق ذخائره بقذيفة ألقتها العمارة الفرنسية على إحدى سفنه، ~~وعلم أهل القاهرة أن طلائع التمرد بدت في جنود نابليون، لطول الشقة وقلة الغذاء، وشدة الحر ~~وقحول الأرض، حتى وصلوا بعد جهد إلى قرية أم دينار في اليوم التاسع عشر من يولية، ورأوا ~~الأهرام شامخة متحدية، وفي اليوم التالي رأوا جيش المماليك على ضفة النيل اليسرى، وقد امتدت ~~صفوفهم بين إمبابة وسفح الأهرام، وكانوا في نحو أربعين ألفا، وكان الفرنسيون في نحو ثلاثين ~~ألفا، وهنا وقف نابليون يستحث جنوده، ويشير إلى قمم الأهرام وهو يقول قولته المشهورة: «إن ~~أربعين قرنا من الزمان تنظر إليكم». # ولكن الأهرام التي سمعته أرسلت إليه نظرة ساخرة من مؤخر عينيها، ثم ابتسمت في ازدراء ~~وأنفة لهذا المخلوق الذي توهم إنه يستطيع أن يخرق الأرض، وأن يبلغ الجبال طولا. ولو أن ~~إنسانا استطاع أن يسمع الحديث الصامت لسمعها تقول لنابليون: ومن تكون أيها المعتز بقوتك؟ ~~وما هذه الشراذم التي ضللت بها في سبيل غنم كاذب ومجد موهوم؟ وما هذا الذي مسك فقذفت ~~بخيرة رجالك في شرك لا خلاص لهم منه؟ نعم إن أربعين قرنا مني تنظر إليكم، ولكنها تنظر ~~دهشة مبهوتة؛ لأنها ترى أن حب العظمة والسلطان لا يزال ينقلب في الناس هوسا وجنونا، إنك ~~لو نظرت في سفحي وكان في استطاعتك أن تميز الأجناس البشرية من جماجمها، لرأيت جماجم الفرس ~~مبعثرة يعفرها التراب بين جماجم الهكسوس واليونان، والرومان والعرب، والفاطميين ~~والأيوبيين. # ذهبوا جميعا فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ من أنت إلى جانب هؤلاء؟! وماذا يكون ~~جيشك بين هذه الجيوش! تريد أن تكون خليفة الإسكندر الذي بكى كما يبكي الطفل المدلل؛ لأنه ~~يريد أن يلعب بكرة الأرض فلعبت به، وكان كل نصيبه منها في ms036 النهاية حفرة لا تزيد على أربع ~~أذرع في ذراعين! إن مصر يا هذا بلاد الفراعنة والسحر، وموطن الرسل والأنبياء، يرد الله عنها ~~كل سهم، ويقصم كل من أرادها بسوء، وهي مقبرة الجبارين وقاصمة العتاة الطاغين. # خرج نيكلسون صباح اليوم الحادي والعشرين إلى معسكر إبراهيم بك ببولاق مع طائفة من ~~المغاربة، فرأى الطرق وقد ازدحمت بالذاهبين إليها؛ لأن جميع المتاجر والحوانيت بالقاهرة ~~أغلقت في هذا اليوم، ولم يبق منها إلا النساء والأطفال والشيوخ، وبدأت المعركة بين ~~الفرنسيين وجيش مراد بك عند الظهيرة، وفتك الفرنسيون بالمماليك، وتم لهم الغلب عند الغروب، ~~وفر مراد بك إلى الجنوب، وتقدم نابليون ببعض قواده حتى وصل إلى قصر مراد بك بالجيزة، وكان ~~قصرا فخما رفيع البنيان، ثمين الأثاث والرياش به كثير من مخازن الزاد والذخيرة، ولما وقعت ~~الواقعة رجع نيكلسون مع الراجعين والهموم والأحزان تخيم على الجموع، والذعر يعصف بالقوم ~~عصفا، فلا تسمع إلا نادبا أو محوقلا، أو ساخطا على المماليك، أو ضاربا بكف على كف، أو ~~مستنجدا بالأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين. # ذهب نيكلسون إلى داره فطرق الباب، فأسرعت لورا ففتحته وهي ترتعد من الخوف، وقد طار الدم ~~من وجهها، فلما رأت أباها رمت بنفسها بين ذراعيه، ولم تستطيع أن تحبس عاصفة من البكاء كانت ~~قد كبحتها طول يومها فضمها أبوها إلى صدره في رفق وحنان وتركها تبكي لتروح عن نفسها وتخفف ~~من أعباء أحزانها، ثم أخذت تضحك كالمحموم، وتملأ وجه أبيها قبلا، حتى إذا هدأت النوبة ~~التفتت إلى أبيها كالمتفرسة وقالت: أنت بخير يا أبي؟ ~~- بكل خير أيتها الفتاة المحبوبة المعربدة، الباكية الضاحكة. ~~- إن أفواجا من الناس مروا منذ لحظة من الحارة وهم يلطمون وجوههم ويصيحون يا لطيف ... يا ~~لطيف ... # ومن أحوج منهم إلى الاستغاثة بالله يا فتاتي، بعد أن قضي الأمر وامتلك الفرنسيون مصر؟! ~~- انهزم المماليك؟! ~~- شر هزيمة! فقد هجم مراد بك بنحو خمسة آلاف من فرسانه على فرقة «دوجا» فصدته مدافعها، ثم ~~هجم على فرقة «ديزيه» وكان هجوما شديدا، فحصد ديزيه المماليك ms037 حصدا، فانقلبوا إلى فرقة ~~«رينييه» فقابلتهم بنار حامية، وهنا ثبت المماليك وزلزل الفرنسيون زلزالا شديدا، وكانت ~~المدافع تقصف كالرعد، ودخانها يسد الأفق، ولكن الفرنسيين صبروا وصابروا حتى حصروا المماليك ~~بين فرقتي «ديزيه» و«رينييه» فأخذهم الموت من كل جانب، وقذف كثير منهم بأنفسهم في النيل ~~واستطاعت شرذمة قليلة أن تفر مع مراد بك إلى الجنوب، بعد أن أحرقوا سفنهم، فسقط في يد الجيش ~~كله، واستولى الفرنسيون على مدافعه وأسلحته ومئونته، وكانت النكبة ماحقة، أما إبراهيم بك ~~ومماليكه بالشاطئ الشرقي: فقد فروا بأموالهم وذخائرهم إلى بلبيس ثم إلى الشام، عندما تبينت ~~لهم الهزيمة، ولا أدري لم فرق المماليك جيوشهم على الشاطئين؟ ولم تهاونوا فلم يدهموا ~~نابليون في طريقه بين الإسكندرية ودمنهور، حينما كان الجوع والظمأ والقيظ قد فك عزائم ~~الجنود وأوهن قواهم؟! ~~- يا للخيبة؟ لقد كان مراد يظن أن ضربة من سوطه تكفي لسوقهم إلى بلادهم! ~~- إن المماليك متنافروا القلوب مفككو العزائم، وقد استناموا إلى الراحة منذ عهد بعيد ~~وأهملوا الاستعداد لكل مفاجأة، ثم إنهم اعتادوا الحرب على نمط قديم، فلم يستطيعوا الوقوف ~~أمام فنون أوربا وآلاتها الحديثة. ~~- وأين نابليون الآن؟ ~~- نائم يا حبيبتي ملء جفنيه، على سرير مراد بك بعد أن ملأ بطنه من شهي طعامه وشرابه، ~~وسيدخل القاهرة غدا فاتحا منصورا. ~~- مساكين هؤلاء المصريين! لقد أصبحوا نهبة لكل ناهب، ولم جاء نابليون إلى مصر يا أبي؟ ~~- جاء ليسد على إنجلترا طريق الهند أو ليفتح الهند كما يزعم، ثم ابتسم ابتسامة حزينة ~~وقال: عجيب شأن هذا الرجل المغامر! كيف يترك أوربا الآن ومراجلها تغلي بالثورات والفتن ~~والحروب، ليطوح بجيشه في بلاد بعيدة، بينها وبين فرنسا بحر يتحكم فيه الإنجليز بأساطيلهم؟ ~~والأدهى والأمر أنه ضمن الخلود في مصر قبل الوصول إليها، فأحضر معه طوائف من العلماء ~~والفنانين في أكثر شعب العلوم والفنون. ~~- وهل تغضي عنه إنجلترا، يا أبي، وتترك له الحبل على الغارب، يتحكم في بلاد الله كما ~~أراد؟ ~~- سنرى أيتها السياسية الخطيرة، ثم قرص خدها في حنان وقال: ولو كنت في ms038 كرسي «وليم بت» ~~فماذا كنت تصنعين؟ ~~- لا تسخر مني يا أبت، فلو كنت في كرسي وليم بت لدرست الموضوع من جميع أطرافه، وقررت ما ~~يهديني إليه رأيي، بعد استشارة رجال الجيش والأسطول. ~~- وإذا هداك رأيك بعد كل ذلك إلى ترك نابليون، أتتركينه؟ ~~- أتركه ولا أدع عيني تفارقه حتى يحين حينه، وحتى يفتل لنفسه حبلا ليشنق به رقبته. ~~- حقا إنك إنجليزية إلى أطراف بنانك! إن إنجلترا لن تغضي طويلا على رجل يريد أن يعبث ~~بسيطرتها على البحار. ~~- والمصريون! أينامون على الضيم؟ ~~- إن المصريين سيكونون أشد ويلا على الفاتح من الإنجليز؛ لأن دخول الفرنسيين في نظرهم ~~ليس مشكلا وطنيا فحسب، وإنما هو مشكل ديني قبل كل شيء، وقد ظن نابليون أنه يستطيع أن ~~يضحك من ذقونهم بالمنشورات التي يعلن فيها أنه يحب الإسلام ويبغض المسيحية، ويدين ~~بالاحترام والطاعة للدولة العثمانية، رأيت اليوم طالبا من الأزهر يقرأ منشورا من هذه بين ~~جمع حافل من إخوانه، فلما انتهى من قراءته قال ساخرا: ما شاء الله! إن الشيخ الشرقاوي سيجد ~~له منافسا في مشيخة الأزهر. وقال ثان: ما أحقرها حيلة! إنه يبيع دينه ليلتهم مصر، ثم ~~يظن أننا نصدقه. وقال ثالث: هنيئا للمسيحية حين نقصت واحدا، ويا ويلتا للإسلام بزيادة هذا ~~الواحد! # هذه يا حبيبتي نفسية هذه الأمة الهادئة الوادعة، إن فيها ذكاء مكبوتا، وفيها بطولة ~~مدفونة، وهي كالنار تحت الرماد تضطرم وتستشري إذا مستها جائحة في دين أو عرض أو وطن، فاصبري ~~قليلا فتري كثيرا. ~~- كيف حال محمود العسال يا ترى في وسط هذه العواصف؟ ~~- إني لشديد الخوف عليه، فإنه عظيم الأنفة قوي الشكيمة، مخاطر في حب وطنه، وقد سبق هذا ~~الشاب أوانه، فظهر فيه كثير من صفات البطولة التي تعز في سواه، وتفتح ذهنه عن لمحات بعيدة ~~المرمى قل أن ترى في أنداده. ~~- لا تخف عليه يا أبي، فإنه إلى ذلك حازم حذر، لا يضع قدمه إلا حيث ترى عيناه. آه، لقد ~~كانت أيام رشيد هانئة سعيدة، ولقد لقينا فيها أهلا بأهل، وأوطانا ms039 بأوطان. ~~- إن نظام الكون مؤسس على الإعادة والتكرار، فالشمس تعود، والقمر يعود، وفصول السنة تعود، ~~فهل من البعيد أن نعود كما كنا إلى رشيد؟ ~~- وماذا ستعمل الآن يا أبي حيال هذه الكارثة المصرية الإنجليزية؟ ~~- سأخدم وطني، وسأخدم مصر بكل ما في مكنتي من فكر وقوة وحيلة، وسأنتظر ما تجيء به ~~الأيام. # قضى نيكلسون وابنته لورا هذه الفترة في القاهرة، في درس الحوادث وتتبع ما يجول في نفوس ~~المصريين من اضطراب وغضب، وفي أثناء هذه المدة دخل نابليون القاهرة واستقبله علماؤها ~~وأعيانها بما يستقبل المغلوب الضعيف غالبه القوي الظافر، ونزل بيت محمد الألفي الكبير، وكان ~~قد تم بناؤه وتأثيثه قبل الحملة بأيام، وأظهر البشر والمجاملة والعطف على المصريين، ورأى أن ~~يجتذب إليه العلماء وكبار البلد، فألف منهم ديوانا للأحكام، وأغدق عليهم، مدعيا أنه يدع ~~للأمة حكم نفسها بنفسها، ثم عين من قواده حكاما لأقاليم الوجه البحري، وترك «دوجا» يتعقب ~~مراد بك بالصعيد، وكان نيكلسون يختلف في كل يوم إلى قهوة مجاورة للأزهر، ليلتقط الأحاديث، ~~ويتعرف نفوس الشعب، فكان لا يسمع إلا سخطا على الفرنسيين، وسخرية من وعودهم، وحنقا على ~~العلماء وعلى كل من يمد يدا لمعونتهم، وفي ذات يوم دخل القهوة حشد من طلاب الأزهر، يتقدمهم ~~الشيخ إسماعيل البراوي، وهو عالم أزهري ضخم الجثة، عرف بالجرأة والسلاطة وبغض الفرنسيين، ~~فما جلس الشيخ حتى صاح: أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة، أسمعتم الأخبار اليوم؟ إنها ~~كارثة الكوارث، وقاصمة الظهر لهؤلاء الفرنسيين! لقد سمع بعض الناس اليوم من أحمد الزرو ~~التاجر بوكالة الصابون، أن عمارة إنجليزية حطمت أسطول الفرنسيين بأبي قير في الثامن عشر من ~~شهر صفر وقتلت قائده وكثيرا من بحارته، حتى لم يبق منه إلا أربع سفن صغيرة، فشمل الفرح كل ~~مكان، وهبت رياح الثورة في كل إقليم، والآن ماذا بقي لهؤلاء الفرنسيين إلا أن نصيدهم كما ~~تصاد الفيران؟ # فقال أحد الحاضرين: إنني سمعت أن رئيسهم ذهب مع جيشه لمحاربة إبراهيم بك في الصالحية. # فقال الشيخ البراوي: لا بد ms040 أن يسرع إلى القاهرة، وإذا كان بالقاهرة رجال حقا يحبون ~~دينهم ووطنهم، فإنه لن يبقى بها يوما أو بعض يوم. # فتهللت وجوه الحاضرين: وصاحوا: نحن معك يا شيخ إسماعيل، ولا بد من استئصال شأفة هؤلاء ~~الغزاة. # وهنا أسرع نيكلسون ليبلغ لورا الخبر السار، وبعد أيام قدم نابليون من الغزو، فبهت حين ~~ألقي إليه خبر دمار الأسطول، ثم عاد إلى جلده واستخفافه بالشدائد، وأراد أن يهون الكارثة ~~على الجنود، فخطب في قواده خطبة حماسية جاء فيها: «إذا قضي علينا أن ننشئ مملكة في الشرق، ~~فلننشئها أشداء فاتحين، وإذا فصلت البحار بيننا وبين بلادنا، فإنه ليس ثمة بحار بيننا وبين ~~إفريقية وآسية، ولا نزال في عدد وعدة، وفي استطاعتنا أن نتخذ من أبناء هذه البلاد جنودا ~~أقوياء، وفي استطاعة «شامبي» و«كونتيه» أن يمدانا بما شئنا من ذخائر وعدة، فلنكن عظماء، ~~ولنعمل العظائم، ولنرفع رءوسنا، ولنصعد فوق الموجة، ولنهزأ بالزعازع، فقد يكون القدر قد كتب ~~لنا أن نغير صحيفة الشرق، وأن نضم أسماءنا إلى أسماء عظماء الرجال الذين خلد التاريخ ~~ذكراهم»، ثم أراد أن يظهر أمام المصريين بمظهر القوي الذي لا تنال منه الخطوب، فاحتفل بفتح ~~الخليج احتفالا باهرا، ثم بالمولد النبوي، ثم بعيد الجمهورية الفرنسية. # | الفصل السادس # وصلت السفينة إلى شاطئ بولاق مقلة زبيدة وأخاها عليا الحمامي، ولم تمض ساعة حتى بلغا ~~بيت السيد أحمد المحروقي، بالقرب من الفحامين، وكان المحروقي في ذلك الحين رئيس التجار، ~~وكان عظيم الثروة والجاه، سخي الكف نهاضا بالأعباء، عالي الهمة، ذكي الفؤاد واسع الحيلة، ~~ولما دخل الفرنسيون القاهرة فر مع إبراهيم بك، ولكنه عاد إليها واستطاع بدهائه وماله أن ~~يجتذب إليه قلوب الفاتحين، وأن يستعبدهم بإحسانه وإغداقه. # مدت أمينة خالة زبيدة إليها ذراعيها في شوق وشغف، فطوقتها بهما وهي تقول: أهلا بزهرة ~~رشيد الناضرة، التي لم تتحل بمثلها بساتين القاهرة، إن نسيم البحر الأبيض إذا تزاوج بنسيم ~~النيل الهفاف، ولدا ذلك الجمال البارع الذي يتحدى ريشة كل رسام، فضحك السيد أحمد المحروقي ~~وقال عابثا: إنها يا ms041 زبيدة امرأة لعوب فاحذريها، إنها تتخذ منك وسيلة لإطراء نفسها، ~~والمباهاة بحسنها، ألم تري أنها بحركة لولبية سريعة حصرت الجمال كله في رشيد؟ فابتسمت أمينة ~~ابتسامة خفيفة ونظرت في المرآة بحركة لا تحس، وقالت: هذا دأبك دائما، تسيء التأويل، وتوجه ~~الكلام إلى غير وجهه، وهل لامرأة عجوز مثلي في السابعة والثلاثين - ثم لمحت المرآة ثانية - ~~أن تتحدث عن جمالها؟ ولكني أعتقد أن رشيد وهي ميناء أقطار الشرق والغرب، توافد عليها ~~النزلاء من كل صوب: بين تركي وجركسي وشامي ومغربي، وامتزجوا بأهلها وأصهروا فيهم، فأخرجوا ~~نسلا قويا جميلا، إن السلالات البشرية تضعف وتتضاءل إذا لم تختلط بها العناصر والأجناس، ~~وشتان بين الوردة يتيمة منعزلة، والوردة في طاقة تجمع فواتن الورود والأزهار! ~~- دعينا من هذه الفلسفة أيتها العجوز الفاتنة، وحدثينا يا زبيدة عن رشيد وأحوالها، ~~فقاطعته زوجه متعجلة واتجهت إلى زبيدة: لقد هدت رسالة أمك قواي حين قالت: إنك مريضة. ~~ولكني لا أرى للمرض عليك أثرا، فما حقيقة الأمر؟ ~~- لقد كنت مريضة أشد المرض، ولكن الطبيب «شوفور» وصف لي علاجا وأشار علي بالرحلة إلى ~~القاهرة، فما كدت أقضي بالسفينة أياما حتى أحسست دبيب العافية. ~~- حماك الله من كل مكروه يا حبيبتي، وكيف حال أمك وأبيك؟ ~~- أما أمي فبخير، وأما أبي فإنه كثير الوجوم والحزن منذ دخول الفرنسيين. # وهنا قال المحروقي: أظنهم لا يظفرون بحب أهل رشيد. ~~- لا أدري، لقد كنت مريضة عند دخولهم، وأظن أنهم لا يبلغون في الظلم مبلغ المماليك، وهنا ~~دخل ابن خالتها محمد المحروقي، وكان فتى وسيما في التاسعة عشرة من عمره، فحيا زبيدة وجلس ~~وهو يلقي إليها نظرات طويلة، فيها ذهول وفيها إعجاب، وفيها نهم الشباب، والتفتت أمينة إلى ~~الفتى، ثم همست في أذن زوجها فهز رأسه وقال: نعم الفكرة نرجو الله أن يهيئ لنا الخير. ثم ~~التفت إلى ابنه وقال: هلم يا بني، فقد آن أن نراجع دفاتر حساب اليوم. # وانفردت أمينة ببنت أختها كالمشغوفة الوالهة؛ لأنها أثارت في نفسها ذكريات عزيزة عندها، ~~أثيرة لديها، فقد شاهدت ms042 في زبيدة صورة شبابها الغض، الذي كان فتنة العيون، وشرك القلوب، ~~وعادت بخيالها إلى الماضي منذ أكثر من عشرين عاما، فرأت نفسها في بيت أبيها بشارع البحر ~~برشيد، وهي تنظر إلى النيل من خلال مشربية أدق الصانع صنعها، وكان النهار قد أخذ يولي؛ ~~لأن شمس الأصيل ألقت بشعاعها على زجاج المنازل ذهبيا هادئ الوميض، ثم ترى نفسها وهي تتجه ~~بعينيها إلى اليسار فترى أباها في طلاقته وبشاشته وجميل زيه، يحادث رجلا غريبا قد يكون ~~تخطى الثلاثين، تظهر عليه دلائل النعمة والجاه، وهو إلى ذلك جميل القسمات حلو اللفتات، يصغي ~~إلى الحديث ويبتسم، وربما زاد بين الكلام كلمة أو كلمتين، ليدل على العناية وحسن الإضغاء، ~~ثم تتخيل نفسها وقد أسرعت دقات قلبها، ودبت في جسمها نشوة عجيبة لم تعرف لها كنها، ولم ~~تدر لها تأويلا، وشعرت بحافز عنيف لا تستطيع صده، يدفعها إلى إطالة النظر إلى هذا الرجل ~~الغريب وملء عينيها منه، فتنظر ثانية فترى أباها وقد دخل به إلى الدار، وتسمع حركة الخدم ~~والجواري التي اعتادت أن تسمعها كلما زارهم ضيف عظيم، ثم ترى «زهرة» الجارية وهي تدخل على ~~سيدتها لاهثة، بعد أن قطعت السلم وثبا وهي تقول: لقد بعث سيدي يخبرك بأن ضيفه الليلة السيد ~~أحمد المحروقي أكبر تجار القاهرة وأعظمهم جاها، فيجب ألا يدخر جهد في أن يكون العشاء ~~لائقا بمثله ومثل سيدي، ثم ترى الدار بمن فيها وقد نهضت نهضة واحدة لإعداد العشاء، وتستمر ~~أمينة في هذه الذكريات ساهمة تقلب صفحة من كتاب خيالها وتنظر في أخرى، فتتراءى لها تلك ~~الليلة التي باتت فيها على سريرها، وهي تفكر في الضيف، وتدهش لم تطيل فيه تفكيرها، وتحاول ~~أن تختار من ماضيها صورة تمحو بها صورته، فإذا بها تعود إليه قوية شديدة، فتمحوا ما جهدت في ~~تذكره من صور، ثم تنظر في صفحة ثالثة، فيتجلى لها ذلك الصباح المشرق الذي زاده انعكاس ~~أشعته على النيل بريقا ولألاء، وقد دخلت عليها أمها باسمة مشرقة الوجه كالصباح، وهي تقول: ~~مبارك يا ms043 أمينة ، لا تنسي أن تقرئي لنا الفاتحة في السيدة زينب، ثم تتخيل ما أصابها من ~~الوجوم والذهول، وتذكر ما كان يهمس به قلبها وهي تبكي أمام أمها حين قالت لها: لقد عرفت كل ~~شيء من النظرة الأولى أيتها الماكرة المتجاهلة، إنه الحب ... إنه الحب ... إن للحب إلهاما لا ~~يكذب فلم توارين؟ ابكي كما شئت أمام أمك، فهذا دأبكن يا بنات حواء، تتخذن من البكاء لغة ~~مبهمة لكل ما يجول في نفوسكن حتى لا تفهمن، وحتى تبقين سرا في البشرية غامضا. # تخيلت أمينة كل هذه الصور في ثوان، ثم اتجهت إلى زبيدة وقالت: علمت من أمك أن محمودا ~~العسال يلح في زواجك وأنك تأبين، إن محمودا شاب تطمح إليه عيون الفتيات، ولكن للقلوب ~~أسرارا لا تدرك، ولهواها سرائر لا تعلم، ولعل لك آمالا تسمو بك عن رشيد وأهلها، ولعلك ~~تودين أن تكوني بالقاهرة كخالتك، جليسة نساء الأمراء والكبراء وأرباب الدولة، إنني أرحب بك ~~يا زبيدة في هذه الدار سيدة مسيطرة، وأقصى أماني أن أراك زوجا لابني محمد، وهو شاب كريم ~~الخلق، رفيع المنزلة، يمهد له أبوه السبيل من بعده، ويمد له أسباب الشهرة مدا، ألا تحبين ~~أن أكون أما لك ثانية؟! إن شمسك في رشيد لا يتسع لها الأفق، أما هنا فستنفذ أشعتها بعيدة ~~وضاءة، وسيتحدث كل بيت من بيوت الأمراء والأعيان، وكبار الفرنسيين أنفسهم عن زبيدة وجمال ~~زبيدة. # أطرقت زبيدة وطال إطراقها، وجال بخاطرها سريعا أن العرض مقبول، وأن زواجها بابن المحروقي ~~سيكون من ورائه الثروة والشهرة، والجاه العظيم ما في ذلك شك. ولكن أين هو من محمود العسال ~~كيفما أطنبوا في وسامته وكريم خلقه؟! لا شيء. إن في محمود تلك الرجولة الخشنة التي تشتهيها ~~كل فتاة، لتكمل بها ما في أنوثتها الناعمة من نقص، لا ... شتان ما بين الرجلين! ثم ما لها ~~ولمحمود وغير محمود، إن للعرافة نبوءة يجب أن تتحقق، وهي واقعة لا محالة إذا أطالت لها ~~عنان الصبر، فرفعت رأسها إلى خالتها وقالت: يجب يا خالتي أن ms044 ننسى الحديث في الزواج الآن، ~~حتى تزول تلك الغمة التي أطبقت على مصر، وحتى نرى آخر سفينة وهي تحمل الفرنسيين إلى بلادهم، ~~إن زواجي بابن خالتي شرف لا يناله مثلي، ولكن الزواج الآن أشبه بالضحك في المآتم، والرقص في ~~بيت يحترق، فنظرت إليها أمينة نظرة الخبيرة الطبة بالنساء وخداعهن، ثم تنهدت وقالت: ~~كثيرا ما يرغب الإنسان عن الثمرة الدانية ويأبى إلا أن يتسلق لغيرها! ومن يدري؟ ثم ضحكت ~~وقالت: تعالي أيتها الفتاة المقدرة المدبرة فقد أعد الطعام. # مرت أيام فسافر علي الحمامي إلى رشيد، وبقيت زبيدة في بيت خالتها، تلاقي فيه صنوف ~~الكرامة والعطف، وتزور بها خالتها سيدات القاهرة وكرائم أسرها، فزارت السيدة نفيسة المرادية ~~زوج مراد بك ورأت في قصرها من الفخامة وأبهة الملك ما يقصر دونه البيان، وشاهدت في السيدة ~~نفسها صورة بارزة للعظمة غير المتكلفة، التي لم يستطع زوال الملك أن يغض منها، وزارت بيت ~~الشيخ خليل البكري، وهفت نفسها إلى زينب البكرية، التي كان لها من الجمال والإدلال وحسن ~~الحديث وسحر الأنوثة، ما يفتن ويغري، فأحبتها وأكثرت من ازديارها. # وبينما هي جالسة ذات صباح مع خالتها إذا إحدى الخادمات تقول: إن سيدي محمودا العسال قد ~~حضر وهو يصعد في السلم، فأسرعت زبيدة إلى شعرها تسويه، وإلى ثوبها تصلح من غضونه، وقد دق ~~قلبها واحمر وجهها، ولمحتها خالتها فتنهدت، ثم دخل محمود مشرقا بساما، فحيا زبيدة وقبل يد ~~خالته أمينة، التي أخذت تصب عليه وابلا من عبارات الترحيب ومختلف الأسئلة، فقص عليهما كل ~~ما لديه من أخبار رشيد، وهنأ زبيدة بسلامتها، ثم اتجه إلى السيدة أمينة قائلا: لقد أدهشني ~~اليوم أن أرى حوانيت المدينة مقفلة، وأن أرى الناس في الشوارع جماعات يتهامسون كأنما حزبهم ~~أمر، أو حلت بهم كارثة. ~~- لقد توالت عليهم المظالم يا محمود، وكانت قاصمة الظهر تلك الضريبة الأخيرة التي لم تترك ~~فقيرا ولم تبق على غني، فالذي رأيته اليوم مظهر من مظاهر سخطهم، فإنهم إذا فدحهم ظلم ~~أغلقوا متاجرهم والتجئوا إلى الأزهر يستغيثون برجاله. ms045 # فهز محمود رأسه في حزن وألم وقال: وبمن يستغيث رجال الأزهر يا ترى؟ # ثم أحس أن المجلس طال به، فتحفز للانصراف، وودعته خالته وذهبت معه زبيدة خطوتين أو ~~ثلاثا، فنظر إليها نظرة طويلة وقال: متى يا زبيدة؟ فأسرع إلى نجدتها عذرها التي خدعت به ~~خالتها، فمست كتفه في رفق وقالت: حتى يخرج الفرنسيون يا محمود. # | الفصل السابع # ذهب محمود إلى سوق المغاربة غاضبا آسفا، يفكر في هذا العذر الجديد الذي سدت به عليه ~~زبيدة طريق الأمل، وسأل عن الحاج محمد السوسي فأرشد إلى دكانه، فرآه مغلقا، ثم سأل عن داره ~~فوصفت له، فطرق بابها ففتحت له العجوز خائفة مرتابة، فقد تكرر في هذه الأيام تطفل الجند على ~~المنازل. ولما سمعت لورا صوته كاد يجن جنونها ويضطرب ميزانها، وشعرت بنار مشتعلة تدب في ~~أوصالها، وودت لو أنها قطعت السلم بوثبة واحدة، لتقع بين ذراعي حبيبها، وتغمر وجهه بالقبل، ~~ولكنها كبحت جماحها جهد ما تستطيع، واستنجدت بالطبيعة الإنجليزية الرزينة، وقالت دون أن ينم ~~صوتها عن شيء: أبي! إني أسمع صوت محمود العسال بالسلم. فنهض نيكلسون فرحا وصاح: أهلا ~~بولدي، أية ريح سعيدة طوحت بك إلينا؟ لن أحس بعد اليوم ألم الغربة والنفي. ثم عانقه ~~طويلا وشد على يديه في محبة وشوق وتقدمت إليه لورا تتكلف الابتسام وتجاهد عينيها ألا تهتكا ~~لها سترا، وقالت في تلعثم: مرحبا يا محمود، إنك صورة من رشيد التي أحبها، فاليوم أراها ~~كما هي ولا أشعر بلوعة نحو أهلها. ثم جلسوا إلى القهوة بعد أن أعدتها لورا، وبدأ نيكلسون ~~الحديث فقال: كيف حال الفرنسيين في رشيد؟ فأجاب محمود وقد زاد سخطه عليهم وعزم على أن يبذل ~~نفسه في مقاومتهم، بعد أن سمع من زبيدة اليوم أنهم الحائل بينه وبين التزوج بها: لقد أرسلوا ~~إلينا بحاكم مضطرب الرأي، يلين مرة حتى تظنه ماء زلالا، ويقسو أخرى حتى تحسبه نار الجحيم، ~~لم يف بوعد واحد من تلك الوعود التي ملأ بها خطبه وأحاديثه، والرشيديون في جمهرتهم لا ~~يثقون به ولا ms046 يلقون إليه بقياد، وهم كتلة مخيفة من العصيان والتمرد، فقد فرض على الأهلين - ~~ولم يكد يستقر في كرسي الحكم - ضريبة فادحة، قوبلت بثورة صاخبة وعصيان جامح، ولولا هذه ~~المدافع الجديدة ما استقر لهؤلاء الغزاة أمر، وفي مساء يوم رأى أحد العلماء الذين قدموا مع ~~الحملة - ويسمونه دينون - من برج أبي منظور العمارة الإنجليزية وهي تهجم على العمارة ~~الفرنسية بأبي قير، وتصليها نارا حامية، وسمع أهل المدينة الضرب عنيفا متواصلا، وطارت ~~إليهم الأخبار بأن الإنجليز دمروا جميع سفن الفرنسيين، فوثبوا من الفرح، وطاشت عقولهم، ~~ومشوا في جماعات يصيحون ويهللون ويكبرون، ولم يستطع مينو أن يعمل شيئا فأغضى إغضاء الذئب ~~الضغن الحقود. ~~- حقا إنه كان نصرا مبينا يا محمود، فإن هذه الموقعة ستسد الطريق بين نابليون وبلاده، ~~وستقضي على آماله في ضرب إنجلترا وإنشاء دولة شرقية فرنسية، وستشد من عضد المماليك الضعيفة ~~بأوربا وتدفعها إلى محاربة فرنسا وتحديها. ~~- لله الحمد والشكر: ثم قام أهل رشيد بثورة عنيفة، حينما وصلت السفينة التي تحمل السيد ~~محمد كريم مصفدا ليشنق بالقاهرة. ~~- إن هذا السيد بطل من أبطال التاريخ يا محمود، وكل جريمته عند الفرنسيين أنه جاهد في ~~سبيل وطنه، وكتب سرا إلى مراد بك يدعوه إلى صدهم ومحاربتهم، ولقد علمت أنه لقي الموت ~~شهما كريما، وأن الفرنسيين راودوه على أن يفتدي نفسه بثلاثين ألف ريال، فأبى في ازدراء ~~وشمم، وأجاب فانتور كبير تراجمة الحملة وهو يلح عليه في قبول الفدية، ويلحف: «إذا كان ~~مقدرا علي أن أموت فلن يعصمنى من الموت المال، وإذا كان في الكتاب أن أعيش كان بذل المال ~~عبثا»، ثم ضرب بالرصاص في ميدان الرميلة فلقي ربه شهيدا، فلمعت عينا محمود وقال: إن ~~البطولة لن تموت، وهذا معني قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ~~. ~~- هذا صحيح يا محمود، أعندكم هذا في كتابكم؟ ~~- نعم، وكم في القرآن من أدب وتشريع وحكمة وهداية، ثم إن الذي يزيد في سروري ويبعث في ~~نفسي نشوة الأمل، أن ms047 مينو قلق به مكانه في رشيد وأحس بالحرج، فقد قبض أحد العربان على رسول ~~له إلى كليبر حاكم الإسكندرية، فرأى معه رسالة ترجمها لنا أورلندو، يلح فيها على كليبر في ~~إمداده بالرجال؛ لأن حاميته لا تزيد على أربعمائة رجل، ويخبره فيها أن العرب يزعجونه ليلا ~~ونهارا، وأن الأهلين يثورون عليه لأقل سبب، وأنهم استخفوا بسلطة الفرنسيين بعد نكبة ~~أسطولهم، ثم يقول: لقد تحرج مقامي هنا، فإنني ما جئت من فرنسا لأدفن في هذه المدينة، أو ~~لأقوم فيها بجمع الضرائب. ~~- سمعنا أنه أحرق قرية السالمية. ~~- نعم، فقد قتل بعض رجالها ثمانية من جنده، فأمر بقتل كل من يحمل السلاح فيها، وصادر ~~جميع ما بها من الماشية، ثم أضرم النيران في القرية. ~~- هذا أمر له ما بعده يا بني، وسيف الظلم مفلول دائما، هلم لنشهد اليوم اجتماع الناس ~~بالأزهر، فقد أخبرني الشيخ إسماعيل البراوي أن مرجل الثورة يغلي بالقاهرة، من أجل هذه ~~الضريبة الجديدة الفادحة، التي ستأتي على كل ما بقي عند الناس من صامت وناطق. # ثم سارا صوب الجامع الأزهر فسمعا المؤذنين وهم يؤذنون لصلاة الظهر، ويتبعون أذانهم بدعوة ~~ملتهبة إلى الثورة والجهاد، فدخلا المسجد فإذا هو يدوي بمن فيه من الحشد العظيم، وقد ~~ارتفعت أصوات الغضب، وبسرت الوجوه، وأخذ كل شخص يتكلم ويسمع في آن، وجلس إلى جانب القبلة ~~الشيخ السادات، والمشايخ: يوسف المصيلحي، وإسماعيل البراوي، وعبد الوهاب الشبراوي، وسليمان ~~الجوسقي، وأحمد الشرقاوي، وهم مساعير الثورة ومؤججوها، ثم وقف الشيخ يوسف المصيلحي، وكان ~~ذرب اللسان ملتهب الوطنية قوي التأثير وقال: «يظن الفرنسيون أن مصر أقفرت من الرجال، ~~وانحلت فيها العزائم وكلت الهمم، وأنها شعب من نساء لا يميز فيه الرجل من المرأة إلا ~~عمامة ولحية، وأن أهلها قطيع من الغنم نام عنه رعاته وتركوه نهبا للذئاب، وهم يتندرون في ~~مجالس مجونهم وعلى كئوس شرابهم، بجبن المصري وهلعه من السيف والمدفع، وأنه إذا رأى جنديا ~~فرنسيا في الطريق أقعى له في ذلة وخنوع كما يقعي الكلب، فهل هذا صحيح؟». # فهزت أصوات ms048 جوانب المسجد صائحة في غيظ وغضب! # كلا. كلا. ~~- «نعم، كلا، وكذب ما يظنون، فإنني أرى في هذه الوجوه غضبة الأسود لعرينها، وحمية الشجاع ~~الباسل لعرضه ودينه، أنتم أبناء الفاتحين، ولأجدادكم سجل من المجد والجهاد لا ينقصه إلا أن ~~تنقشوا تحته أسماءكم بسلاحكم، فهلموا إلى المجد والشرف هلموا، هلموا إلى الجنة والشهادة ~~هلموا، فلا نامت أعين الجبناء، ولا هدأت قلوب المعوقين والمنافقين! لقد طال بكم أمد الصبر ~~فماذا بقي لكم أن تصبروا عليه؟ لقد ألزموكم حمل شارة الفرنسيين، وافتنوا في فرض الضرائب، ~~وهدموا أبواب الحارات حتى لا يعوقهم عن الهجوم عليكم في ظلمة الليل عائق، هل نحن أمة ~~محمدية؟ هل نحن أمة جعل الله الجهاد في مقدمة فروضها؟ أيها الشجعان البسلاء: ثوروا لكرامتكم ~~ثوروا لوطنكم، ثم ثوروا لتاريخكم»! وهنا انفجرت حماسة محمود العسال ونفدت طاقته العصبية ~~فصاح: كفى كفى بالله عليك يا مولانا، فلن ترى منا مصر بعد اليوم إلا رجالا أرواحهم في أسنة ~~رماحهم، ثم اتجه إلى الناس ونادى: هلموا معي إلى الجهاد، فرددت الجموع الزاخرة صوته: إلى ~~الجهاد! إلى الجهاد! وتزاحموا إلى أبواب الجامع يتقدمهم محمود ووراءه نيكلسون، وما كان يشك ~~من رأى هذه الأمواج المتدفقة من الناس في أن أيام الفرنسيين بمصر أصبحت تعد على أصابع ~~اليدين. # اشتعلت الثورة بالقاهرة وتقدم محمود الثوار، فأخذوا سمتهم إلى مخافر الجنود الفرنسية ~~فقبضوا عليهم، وازدحمت بالناس شوارع الموسكي والغورية والنحاسين وغيرها، وجاء الجنرال ~~«ديبوي» حاكم القاهرة ليصد الثوار مع طائفة من فرسانه، فأطبقوا عليه، وأصابه أحدهم بطعنة من ~~رمحه فخر صريعا مجدلا، فزادت بذلك حميتهم، وتكاثر عددهم بمن انضم إليهم من أرباض ~~القاهرة، واستولوا على المواقع الحصينة: كباب الفتوح، وباب النصر، والبرقية، وباب زويلة، ~~وباب الشعرية وأخذوا يحفرون الخنادق وينشئون الحصون، ويطلقون منها النار على الفرنسيين. # وأدرك الفرنسيون الخطر المحدق بهم، فجمعوا جموعهم وعزموا على استئصال الثورة بالحديد ~~والنار، وقضى أهل القاهرة الليل في تأهب وإصرار، وكان محمود يمر على من بالخنادق والمتارس ~~حافزا للعزائم، مثيرا للهمم، حتى إذا بزغت شمس ms049 اليوم الثاني كان الفرنسيون قد احتلوا جميع ~~المرتفعات خارج المدينة، ونقلوا إليها مدافعهم وذخيرتهم، فأرسلوا منها القذائف متتالية ~~مرهبة على نواحي الأزهر والصنادقية، والغورية والفحامين، حتى أوشك الأزهر أن يتداعى من شدة ~~الضرب وأن يسقط على الجماهير الحاشدة به، وصارت الأحياء المجاورة صورة من الخراب والدمار، ~~فتهدمت البيوت، ومات تحت أنقاضها آلاف من السكان البائسين، وطال الهول واشتد، وبددت قذائف ~~المدافع قوة العزائم، ويئست الحماسة الوطنية من أن تقاوم جهنميات العلم الحديث، وعجز ~~الإيمان الأعزل أن يقف أمام الطغيان المسلح، فسقط في أيدي المصريين ودارت عليهم الدائرة، ~~واستشفعوا بالمشايخ عند نابليون أن يرفع عنهم سخطه وغضبه، ولكنه بعد أن أسكت عنهم أصوات ~~المدافع أطلق جنوده تعيث في القاهرة كما تشاء، وتتحكم في الناس كما تشاء، فدخلوا الأزهر ~~بخيولهم وعبثوا بما فيه من كتب وخزائن. # إن نابليون كسب المعركة وقضى على الثورة، ولكنه قضى معها على كل أمل له في اجتذاب ~~المصريين، وعلى كل عاطفة تنبض بها قلوبهم. # وخرج محمود من الثورة كالسيف المحطم: تحطم جسمه، وتحطمت روحه، وتحطمت آماله، فأسرع إلى ~~بيت ابن عمه يائسا حزينا، وانطلقت شياطين الجواسيس من عقالها تقبض على كل من كان له ضلع ~~في الثورة، واعتنقت آلة الإعدام كل من حامت حوله شبهة فقضت عليه، ومل الفرنسيون تكلفهم ~~المودة للمصريين فصارحوهم العداء ومشوا لهم الضراء، وعرف المصريون بعد هذه الكارثة أن الخطب ~~والمؤامرات شيء، والسيف والمدفع شيء آخر. # وذهب نيكلسون إلى بيته يحمل لابنته لورا حوادث الثورة، وما رآه من جرأة محمود وبطولته، ~~وقذفه بنفسه بين براثن الموت، ثم زفر وقال: لقد كان بطلا حقا، ولكن ماذا تفعل العصا أمام ~~السيف الحسام؟ ~~- لقد كنت أتوجس خيفة عليكما، وكلما سقطت القذائف من القلعة وقمم المقطم، كنت أدخل تحت ~~السرير فأسجد وأصلي لكما، أهو بخير يا أبي؟ ~~- بخير وعافية، ولكن شعوره بالهزيمة يكاد يقضي عليه. ~~- هذه طبيعة الشرقيين، فمتى يعرفون أن الهزيمة دائما أول حافز إلى الظفر؟ أتصدق يا أبي ~~أني مسرورة بنتائج هذه الثورة، إنها لم ms050 تنجح في مرآى العين، ولكنني أعتقد أنها بلغت غاية ~~النجاح، وأن الفرنسيين لن يتم لهم أمر بعدها في مصر؛ لأنك إذا وضعت هذه الثورة إلى جانب ~~تحطيم نلسون لأسطولهم، رأيتهم في مصر كأنهم في بيت يحترق، وقد حرموا كل وسائل النجاة. # وتوالت الأيام، وخرج محمود من مخبئه، وأكثر من زيارة نيكلسون، ورأى من لورا عطفا سحريا ~~شفى مريض نفسه، وبعث فيها أملا جديدا، فحديثها حلو، وخلقها كريم، ومعدنها ذهب نضار، ثم هو ~~إذا رفع إليها عينه رأى الجمال الهادئ المطمئن، الذي لم يحاول مرة أن يكون جميلا فبز كل ~~صنوف الجمال، كان ينصت إليها فيسمع أدبا وحكمة، ويتعلم كثيرا عن الدنيا وأحوالها، والدول ~~وسياساتها، وكانت تنظر إليه نظرة حنانة حالمة، فتلتقي بها نظرته فيحس بأريحية يكاد ينتفض ~~لها جسمه، سمه ميلا، أو سمه حبا أخويا، أو سمه ما شئت فإنه شيء لذيذ وكفى، أكثر ~~محمود من زيارة لورا واصطحبها لزيارة زبيدة كثيرا، وكانت زبيدة تسر بلورا وتأنس بها، حتى ~~لقد كانت تلزمها البقاء معها ببيت خالتها أياما. # وفي صبيحة يوم قدم السيد علي الحمامي من رشيد، وأخبر زبيدة بأن أمها في شوق إليها، وأنها ~~مريضة منذ حين، وأنها ألحت عليه أن يسافر إلى القاهرة ليعود بها، فلم تجد زبيدة بدا من ~~السفر، فنزلت في سفينة إلى رشيد، فودعها محمود العسال ولورا بين الزفرات والتنهدات، ومال ~~محمود على أذنها، فأجابته في ضحكة متكلفة: لم يبق إلا القليل. # | الفصل الثامن # جلس مينو في صدر إيوان بيته في رشيد تحفه تلك العظمة الحبيبة إلى نفسه، والأبهة التي تميل ~~إليها غرائزه، والجنود والديدبانات الفرنسية تحيط بأسوار الدار شاكي السلاح، في أزهى ~~ملابسهم وأروع ما به يظهرون، والخدم والأغوات يذهبون ويجيئون في اهتمام وخشية، يدلان على ~~جلالة شأو المخدوم وشدة صرامته، واحتفاله بصغائر الأمور، جلس مينو في صدر الإيوان جلسة ~~الأمير المدلل، الذي يشعر أن الدنيا في يده، والخلائق طوع أمره، والقضاء والقدر من جنده، ~~وقد قوى عنده هذا الخيال ما كان يراه في حاشيته ms051 من رءوس خاضعة، وظهور منحنية، وتسليم ~~وإعجاب بكل ما يقول، كأنه وحي من السماء، وكان في مجلسه ذلك اليوم الجنرال «مارمون» ~~و«دينون» الأديب الكاتب الفرنسي، و«دولوميو» الرسام، وهما من أعضاء لجنة العلوم والفنون، ~~والطبيب «شوفور». # بدأ مينو الحديث في شيء من التضجر والسأم عما يحيط برشيد من الثورات التي لا ينطفئ ~~أوارها، ثم هز كتفيه وقال: عجيب أمر هذه الثورات، إنها مع حقارتها وهوان خطرها، تشغل منا ~~وقتا كان أولى بنا أن نصرفه في عظائم الأمور. # فهز «مارمون» رأسه وقال: إننا نكاد نكون قد أخطأنا الطريق في سياسة هؤلاء المصريين، وقد ~~كان عدد الجنود الذين فتحنا بهم مصر يمكن أن يكفي، لو أن الطريق بيننا وبين فرنسا بقيت ~~مفتوحة آمنة، أما الآن، فقد اضطررنا إلى تشتيت هذه القوة الصغيرة في الصعيد لمحاربة مراد ~~بك، ثم في جميع أنحاء مصر السفلى؛ لأن الثورات لا تكاد تنقطع فيها، وبذلك تمزق الجيش وقتل ~~من الجنود عدد عظيم. # وهنا قال دينون: ومن العجيب أن يترك نابليون هذا الأتون الملتهب بالثورة والعصيان، ويقتطع ~~من هذا الجيش الضئيل ثلاثة عشر ألف جندي مع كبار قوادهم، ليذهب لغزو سورية! كأن مصر قد ~~استقر بها كل شيء، واستقام بها كل شيء، واستقام بها كل أمر. # فنظر مينو إلى دينون نظرة المغضب وقال: أنت لا تعرف نابليون: إن سر عبقريته إنما هي في ~~تحدي الأقدار والسخرية من الكوارث، إنه ليس رجلا مثلك أيها الفنان الأديب، إن العقول ~~تستطيع أن تعلل الأشياء في مدى محدود، أما أعمال العباقرة ففوق منال العقول. # وهنا أطرق مارمون وقال: إن المقامر قد يلقي بما بقي له من مال ليكسب الدست، فقال مينو: لا ~~يا مارمون، إن المقامر ليست له بصيرة نابليون التي تكشف الغيب، ثم إنكم تبالغون في شأن هذه ~~الثورات، ولو كنت على رأس خمسمائة جندي لأطفأتها جميعا، ولكن هذه الدنيا تعطي السيف دائما ~~لصاحب المحراث! ثم زفر وقال: عجيب ألا يختارني نابليون وكيلا له بالقاهرة بدل «دوجا» ولكن ~~يظهر أن حماية الثغر ms052 أهم وأعظم. # فأجاب دولوميو: من غير شك. # ثم انصرف القوم عدا الطبيب شوفور، وبقي مينو مطرقا، وطال إطراقه، فقال شوفور: إن سيدي ~~يكثر التفكير ويبدو عليه القلق، وقد لحظت منذ أيام أن صحته ليست على ما أحب له. # فرفع مينو رأسه وقال: إنني أعيش هنا يا شوفور عيشة الأسير، وهذا الجو المحدود أضيق من أن ~~يتسع لآمالي، وكلما أطلت التفكير في أمري برح بي الحزن واشتملني عارض يشبه الخيال، إنني ~~خلقت للعظمة والمرح، أما العظمة: فقد لقيتها هنا في صورة ضئيلة لا تكاد تتعدى حدود رشيد، ~~ولو أنني ملكت فرنسا كلها ما قنعت بها نفسي، وأما المرح: فقد تركت ورائي منه في باريس ما لا ~~يمكن أن يعود. ~~- لا بد للنفس الكبيرة والعقل الدائب المفكر من المرح واللهو، ولو لم يغسل عبث الليل ~~ولهوه آلام كدح النهار وكده، لتبلد العقل وقتله الإعياء. ~~- وأين منا السبيل إلى اللهو في مدينة نصفها مساجد، ولأهلها عيشة الرهبان والراهبات في ~~الصوامع؟ ~~- السبيل الزواج يا مولاي. ~~- الزواج؟ وهل لرجل مثلي من أعرق الأسر الشريفة بفرنسا، أن يتزوج بفتاة إفريقية شوهاء، ~~ليس لها قدم في المجد، ولا لآبائها ذكر في التاريخ؟! ~~- أما الفتاة الإفريقية الشوهاء فلا وجود لها في رشيد، إن بهذه الدور التي يمر بها ~~مولاي فوق جواده لآلئ بشرية لم تقذف بمثلها كنوز البحار، وإن فيها من الجمال النادر ما يعجز ~~عن تحديه أفخم القصور بباريس وفلورنسا وروما، إن الحسن الرشيدي يا مولاي صورة في هذه ~~الأرض لجمال الجنة وما فيها من نعيم، ورب فتاة ملففة مختبلة في ملاءتها، لو أسفرت ~~لفضحت جميع ما تخيله روفائيل من فنون الجمال، أنا طبيب يا سيدي وتقتضيني صناعتي أن أرى ~~الوجوه، وقد رأيت من حسنها هنا ما زهدني فيما بالغ فيه الشعراء وأبدع فيه المثالون، ~~وأما الشرف: فإن في رشيد منه ما في فرنسا، إن الشرف هنا لا يكون بالانتماء إلى بطل، وإنما ~~يكون باتصال النسب بالنبي الكريم، وهذا خير ضروب الشرف والنبل. ~~- في رشيد من الأسر ms053 من ينتمي إلى النبي محمد؟ ~~- كثيرا جدا؛ لأن أهلها من قريش نزحوا إلى رشيد بعد فتح العرب بقليل، ولكننا نريد ~~شيئين: الشرف والجمال، وهذان لا يجتمعان في رأيي إلا في أسرتين: أسرة الشيخ الجارم، وأسرة ~~السيد محمد البواب فاتجه إليه مينو في شغف وقد أعجبه الحديث وقال: حدثني عنهما يا شوفور ~~حدثني ... ~~- أما رقية وآمنة بنتا الشيخ إبراهيم الجارم: فجمالهما فوق وصف الواصف، وأما زبيدة بنت ~~السيد محمد البواب فإنها في الحق ساحرة فاتنة. # فجحظت عينا مينو وقال: هذا بديع جدا، ولكن ماذا أفعل بخليلاتي اللاتي يخطئهن العد ~~بفرنسا وإيطاليا، إن أظافرهن لن تقنع بتمزيق جلدي! ~~- وأين هن منك اليوم وبينك وبينهن المهامه الفيح والبحار الخضر؟ إن الفرنسيين سيؤسسون ~~بمصر مملكة شرقية واسعة الأطراف، وسيكون لك فيها الشأن الأول والملك العظيم. ~~- هذا ما تحدثني به نفسي، وإذا لا بد من الزواج، وبمن أتزوج؟ سأختار بنت الشيخ الجارم؛ ~~لأنه فوق شرفه النبوي من أكبر علماء المدينة. ~~- غير أن في الأمر عقبة يجب أن تذلل، تلك أن الإسلام يحظر تزوج المسيحي بمسلمة. ~~- ألست مسلما؟ ألم يشهدني أهل رشيد في مسجد المحلي وأنا أقوم وأقعد حتى كدت ألهث من ~~التعب في صلاة التراويح؟ ~~- أظن أن هذا لا يكفي، فإن عقد الزواج في مثل هذه الحال يجب أن تسبقه وثيقة مسجلة ~~بالإسلام، على أننا نستطيع أن نسأل مفتي المدينة في هذا الأمر. # فوثب مينو يصفق بيديه يدعو مملوكه الخاص «إينال» فلما مثل بين يديه، أمره أن يدعو إليه ~~الشيخ أحمد الخضري. # حضر الشيخ الخضري بعد قليل، وهو خائف يرتعد لهذه الدعوة التي فاجأته في جوف الليل، وأخذت ~~شفتاه تتمتمان بالأدعية وضروب الاستغاثة بالأنبياء والصالحين، فسلم على الجنرال، وجلس بعد ~~أن جمع ثيابه وتكور في عباءته كأنه صوان ضخم للثياب، وبعد أن هدأت نفسه قليلا اتجه إليه ~~مينو سائلا: ما قول مولانا المفتي في مسيحي أسلم، أيجوز أن يتزوج بمسلمة؟ ~~- نعم يجوز شرعا إذا ثبت إسلامه لدى مسجل العقود بالطرق الشرعية. ~~- وما الطرق الشرعية ؟ # الإقرار ms054 والبينة، وأقوم السبل أن يقدم هذا الرجل إلى المسجل وثيقة شرعية بإسلامه. ~~- إننا في فرنسا لا نتشدد هذا التشدد، فالناس أحرار في عقائدهم وتصرفاتهم. ~~- إن الإسلام أيها الجنرال يدعو إلى الحرية، ولكنه يحيطها بسياج حتى لا يضر بعض الناس ~~بعضا بتصرفاتهم، والله جل شأنه يقول في كتابه الكريم: # ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ~~. ~~- هذه حكمة يجب أن تكون أساسا لجميع القوانين، لقد أفدتنا كثيرا يا مولانا، وقد دعوتكم ~~لأن جدلا قام بيني وبين شوفور فيما سألتك عنه، يا إينال مر بعض الجند أن يكون في خدمة ~~الشيخ حتى يصل إلى داره. # مضى بعد ذلك يومان قضاهما مينو في التفكير وتقليب وجوه الرأي، وذهب في أثنائهما الشيخ ~~الخضري إلى الشيخ إبراهيم الجارم ليقضي السهرة بداره على عادته، وجاء ذكر الفرنسيين وأعاجيب ~~أفعالهم، كما كان يجيء في كل ليلة، فقال الشيخ الحضري: دعاني الجنرال ليلة أمس بعد أن ذهبت ~~إلى فراشي، فلما كنت عنده سألني سؤالا عجيبا، فقال الشيخ الجارم: عن أي شيء سألك؟ ~~- سألني عن صحة زواج المسيحي الذي أعلن إسلامه بمسلمة. ~~- ما شأنه بهذا؟ ~~- لا أدري يا شيخ إبراهيم. # فأحس الشيخ الجارم - وكان بعيد النظر نافذ البصيرة - أن وراء هذا السؤال داهية دهماء، ~~توشك أن تسقط على المدينة، ودفعته غريزة الحذر أن يكتم عن الشيخ اهتمامه فقال: إن هذا الرجل ~~أخطأته عمامة الفلاسفة، وقد خرف القدر فسماه جنرالا، ولعل اهتمامه بسؤالك عن الزواج وغيره ~~خطرات من وساوسة التي لا يفيق منها. # وانقضت السهرة وودع الشيخ ضيفه، وجلس واجما وقد حمل رأسه براحتيه، وتواردت عليه الأفكار ~~والهواجس، وأخذ يحدث نفسه: هذا المينو يريد أن يتزوج ما في ذلك من شك، ثم هو يريد أن يتزوج ~~بمسلمة، وهذا بديهي أيضا، وما شأني أنا بهذا؟ فليتزوج فلن أستطيع دفعه! ولكنها مصيبة ستحل ~~بأسرة في رشيد، وبأي الأسر تنزل؟ بأكبر الأسر وأرفعهن شأنا، لقد قرب الخطر مني، وأخذت ~~النار تمتد إلى ثيابي، إن لي بنتين فيا للكارثة! كيف أدفع هذا العار ms055 عني، إن كلمة «لا» ~~أصبحت في عرف الفرنسيين لا تفيد النفي، وإذا استطاع شجاع أن يقولها فلن تكون نهايته إلا ~~الذل والدمار، إن هذا الجنرال سيظن أن زواجه بأكرم بنت في المدينة تنزل منه وتواضع، وشرف ~~عظيم وتفضل واسع على من يصاهره، فالويل كل الويل لمن يرد هذا الشرف المزعوم في وجهه، أو ~~تبدو منه أية رغبة عن هذا الفضل العظيم! أليس من مفر؟ أليس من حيلة؟ ليتني زوجتهما منذ حين، ~~وليتني لم أذد عنهما الخطاب كما يذود حارس البستان الطيور عن ثمره! إنني واثق أن إسلام ~~الجنرال رياء، ولو كان مسلما حقا، وأخلاقه أخلاقه التي أعرفها، ما رضيته زوجا لأية فتاة ~~تتصل بي من بعد أو من قرب، لا، لا، لا، إن هذا لن يكون، ثم رفع رأسه وبدا في عينه بريق ~~الظفر، وهدأت نفسه هدوء من يهتدي إلى حل أمر عسير، فنادى بخادمه وقال: اذهب الآن مسرعا ~~وادع إلي الشيخ عثمان شبايك، والشيخ حسنا أبا السعود، أتعرفهما؟ إنهما الطالبان اللذان ~~يجيئان هنا في عصر كل يوم لتلقي الدروس، واذهب بعد أن تدعوهما إلى بيت الشيخ محمد غرا، ~~واطلب منه أن يعجل إلي. # وأقبل الطالبان بعد قليل فحياهما الشيخ وقال: إنما دعوتكما في هذه الساعة لأعرض عليكما ~~زواج بنتي، فقد أدركني الهرم وخشيت إن أنا مت أن يزوجهما أخوهما من غير العلماء، وقد ~~تعجبان من هذا العرض المفاجئ، ولكن لو علمتما ما أحاط بي من الوساوس والهموم لزال عجبكما، ~~فنظر الطالبان إليه في ذهول، وقال أولهما: هذا شرف كبير يا مولانا يطير اللب ويثير العجب، ~~وإنما نحن خادماك اللذان يتنافسان في حمل نعليك، فإذا تفضلت علينا بهذه الكرامة، فليس لنا ~~إلا أن نشعر بأن ما أصبناه من خير إنما هو بركة من بركاتك، ونفحة من نفحاتك، ثم انقضا على ~~يديه لثما وتقبيلا، وهنا دخل الشيخ محمد غرا، فطلب منه الشيخ أن يدون عقدي زواج؛ لأنه زوج ~~الشيخ شبايك برقية بنته، والشيخ أبا السعود بآمنة، فانزعج الشيخ غرا وشرع يتلعثم، ms056 ولكن ~~الشيخ صوب إليه عينين غاضبتين، فاستل قلمه وكتب. # وفي بكرة النهار أقبل أعوان مينو يتواثبون إلى دار الشيخ الجارم حتى ملئوا رحبتها، وهم ~~يتعجلونه إلى مقابلة الجنرال، فخلل الشيخ لحيته بأصابعه - وقد كانت تلك عادته إذا أحس بظفر ~~أو كتم شماتة في عدو - ثم وجد نفسه وهو ينشد: # فأصبحت من ليلى الغداة كقابض # على الماء خانته فروج الأصابع! # وركب الشيخ بغلته وسار معهم وهو يردد في همس خافت استغاثته التي أغرم بترديدها: # نحن بالله عزنا # والحبيب المقرب # بهما عز نصرنا # لا بجاه ولا منصب # والذي رام ذلنا # من قريب وأجنبي # سيفنا فيه قولنا # حسبنا الله والنبي # حتى إذا كان بحضرة مينو فجأه الجنرال بمحاضرة طويلة الذيول عدد فيها أجداده الأبطال، ~~وما كان لهم من أثر مجيد في تاريخ فرنسا، وأطال في إطراء شرف محتده ونبل أعراقه، والشيخ ~~مطرق يخلل لحيته بأصابعه، ولسانه لا يفتر عن قراءة القرآن، ثم انتقل مينو إلى غايته فقال: ~~وقد أردت ألا أضن على هذا البلد بما يصلني بأهله، فعزمت على إعلان إسلامي والإصهار من أسرة ~~شريفة، يتصل نسبها بالسلالة النبوية، وعلمت أن لك بنتين فلم أجد علي من عار إذا تزوجت ~~بكبراهما، إن الناس سيدهشون حقا لهذه المصاهرة، ولكنهم لو علموا أن التواضع من أول صفات ~~الجنرال مينو ما عجبوا، فرفع الشيخ رأسه وقال: هذا يا سيدي شرف عظيم، ولو كنت أعلم ذلك الحظ ~~السعيد الذي ينتظرني ما زوجت ابنتي بالأمس. ~~- هذا شيء يؤسف له فقد كنت أرضى أن تكون لي صهرا. ~~- ذلك تقدير العزيز العليم. # وهنا وقف مينو وفي وجهه دلائل الحقد والغضب، فوقف الشيخ وسلم وانصرف. # ولم يستقر مينو في مجلسه حتى أرسل في طلب السيد محمد البواب، والسيد علي الحمامي، فلما ~~دخلا عليه دهمهما بطلب الزواج بزبيدة، فكاد البواب يصعق لهول ما ألقى عليه، وراعه الموقف ~~وأصماه سهم القضاء، وأخذ الحمامي يسهب فيما سينالهم من الشرف والجاه بهذه المصاهرة، فأفاق ~~البواب وقد سمع نفسه وهو يقول في خوف وتلعثم: إني كنت ms057 أتمنى أن أنال هذا الشرف لولا ... ولكن ~~الحمامي أسرع فقال في صوت مرتفع حجب كل صوت: إننا يا سيدي الجنرال طوع أمرك، وإن نزولك إلى ~~مصاهرتنا واختصاصنا بهذه الكرامة دون غيرنا، فضل دونه كل فضل، وكرامة ليس بعدها كرامة، وهنا ~~هز مينو رأسه في كبر وأنفة وقال: سيكون الزواج بعد أسبوع، فقال الحمامي: إنها الآن ~~بالقاهرة، وسأسرع غدا إليها، وفي يوم حضورها يتم الزواج. # خرج الرجلان من دار مينو، فقال السيد محمد البواب للحمامي في ذهول: لقد قتلتني يا رجل ~~وجلبت علي عار الأبد. ~~- إن هذا الزواج سيرفع من شأنك ويجعلك سيد المدينة. ~~- إني لن أشتري سيادة الدنيا بهذه الوصمة. ~~- هون عليك يا عم، فلن يضيرك أن تكون صهر أكبر جنرال فرنسي، ولن تلبث حتى يتزاحم عليك ~~وفود المهنئين من كل مكان. ~~- لن أبقى في المدينة حتى أرى واحدا منهم! ~~- لن تبقى؟! ~~- نعم. ~~- سألتك بالله أن تتريث يا عم، فإن الوهم يلعب برأسك، ويصور لك من حادث يتمناه الناس ~~جميعا خطبا فادحا. ~~- لن أبقى برشيد لأرى الناس يراءونني، ولو كشف عنهم الغطاء لبدت قلوبهم وكلها زراية بي ~~واحتقار وسخرية، ماذا تظنني يا رجل؟ # إنني لن أعيش في مدينة كل ما فيها ومن فيها يذكرني بأن ابنتي في عصمة إفرنجي مغتصب. ~~- ولكنك ستقتل أمي. ~~- إن الموت قد يكون أحيانا خيرا من الحياة. ~~- يا للمصيبة وماذا نعمل الآن. ~~- ماطل الرجل إن استطعت ومنه الأماني، فلعل الله يعقب بعد عسر يسرا. ~~- لن أستطيع يا عمي، إنني إن فعلت فتك بنا جميعا وصادر أموالنا، فإنه إذا تملكه الغضب ~~انقلب أسدا هصورا. ~~- الله أقوى منه، سأرحل الآن حيث لا يعلم أحد مكاني، وقد أعددت العدة للسفر قبل أن أذهب ~~لمقابلة الرجل، فإني أوجست منه شرا، ثم انفلت هائما نحو غرب المدينة، فاكترى بغلا سار ~~به في طريق الإسكندرية، منطلقا في عجلة كأنه الصيد المذعور. # وسار الحمامي إلى أمه حزينا، ولكنه ما زال بنفسه في الطريق حتى مسح عنها الحزن، وصور ~~لها ما يستقبله من الثروة ms058 والجاه ورفيع المنزلة فاطمأنت، ثم طغى عليه سيل من الأماني ~~والأحلام فسخر من عمه، وهزئ من تزمته وتحرجه، واعتقد أنه رجل لا يفهم الحياة ولا يهتبل ~~الفرص، وما دام الزواج شرعيا فأي شيء فيه من العار الذي يتخيله الأغبياء المتحذلقون؟! # دخل على أمه ضاحكا مرحا، وألقى إليها الخبر في جذل وابتهاج، وأخذ يسهب في وصف الجنرال ~~وكرم أخلاقه وشدة تمسكه بدينه، وأن كرائم الأسر في رشيد ستحسد أخته على هذا الشرف الباذخ، ~~الذي طالما ترامت على أعتابه فلم تظفر منه بطائل. ~~- وهل قبل أبوها؟ ~~- قبل مسرورا، وسافر ليعد لزبيدة جهازا يليق بالجنرال. ~~- إنني لا أعرف ما يعرفه الرجال، ولكني غير مسرورة لهذا الزواج؛ لأنه زواج غير عادي، ولا ~~أظن أنه ينتهي بخير. ~~- دعي الأمر لله. ~~- آمنت بالله لا رب سواه. # وأسرع الحمامي إلى القاهرة في غد يومه، واحتال لأخذ زبيدة، فادعى أن أمها مريضة، ثم مضت ~~أيام وصلت بعدها إلى رشيد، وكانت أمها مريضة حقا؛ لأن غيبة زوجها أقلقت بالها وأقضت ~~مضجعها، وجعلتها تظن الظنون، فدخلت عليها زبيدة فقبلتها باكية، وحين سألت عن أبيها أخبرتها ~~بأنه سافر منذ حين، وسيعود قريبا، وحينما فجأها أخوها بخبر خطبتها تلقته ذاهلة أول الأمر، ~~وطاف بها خيال محمود وما له في سويداء قلبها من حب مكين، ثم طاف بها خيال العرافة رابحة، ~~وتنبهت فيها غرائز الطموح، وقضت الليل كله تحمل ميزانا من الوهم، تضع مينو في إحدى كفتيه ~~ومحمود في الأخرى، فمرة ترجح هذه، ومرة ترجح تلك، حتى كادت تصاب بالجنون، وكانت تثب من ~~سريرها وتقول: هذه هي الموقعة الفاصلة في حياتي، فأي الرجلين أختار؟ مينو ليس الآن ملك مصر ~~ولكنه قد يكون، ومحمود أحب الناس إلى قلبي وأقربهم إلى نفسي، مينو إفرنجي يقولون: إنه أسلم، ~~ولكني لا أعرف أخلاقه وصفاته، وهو ليس من جنسي ولا من قبيلي، ومحمود ترب صباي وشقيق روحي، ~~وفيه صفات الأبطال وخلائق سكان السماء، ولكن ليس لديه ملك وليس لديه عرش، وليس لديه صولجان، ~~مسكين يا محمود، لو كنت ms059 ملكا! ولكن ما لي وللملك أسلك إليه طريقا مظلمة موحشة مجهولة؟ ~~أأتزوج بفرنسي لأكون ملكة؟! ومن يضمن لي هذا؟ إنه حاكم رشيد، والثورات تحيط بالفرنسيين من ~~كل مكان، فماذا يكون الأمر إذا جاء الترك وطردوهم، وبقي هذا الفرنسي المسمى مينو معلقا ~~برقبتي؟ تلك هي الطامة الكبرى والكارثة العظمى، وهنا يصدق قول خالتي أمينة بأنني أزهد في ~~الثمرة الدانية لأتعلق بالأشواك، ثم أين أبي؟ أليس في أكبر الظن أنه فر من ذلك العار الذي ~~لطخته به يد القدر العاتية؟ لا، لن أتزوج بهذا الفرنسي ولو انطبقت السماء على الأرض، ولكن ~~من يدري فقد يكون هذا الرجل مطيتي إلى ما أريد؟ إن العرافة لم تكذب قط، فلم تكذب في ~~أمري وحدي؟ إن الفرنسيين سيبقون بمصر، وإن مينو سيكون حاكم مصر، وهكذا ظلت زبيدة تخلط وتهذي ~~حتى بزغ النهار، وحينما ملأت الشمس الأفق غصت دار البواب بالزوار، وكان بينهم الحاج حسين ~~الميقاتي، والسيد علي الحمامي، والسيد أحمد النقرزان، والسيد إبراهيم النقرزان، فطلبوا من ~~زبيدة توكيل الحاج حسين في تزويجها بمينو، فوكلته أمام الشهود في تردد ووجل، وكان مينو أشهد ~~على إسلامه قبل ذلك أمام القاضي الشرعي، وسمى نفسه عبد الله جاك مينو، واختار أن يكون ~~الحاج أحمد شهاب وكيله في الزواج، فاجتمع الوكيلان والشهود والمفتون بالمحكمة في اليوم ~~الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وعقد لعبد الله مينو على زبيدة، ~~ولا تزال وثيقة هذا الزواج في محفوظات محكمة رشيد الشرعية إلى اليوم. # وزفت المسكينة الطموح إلى مينو بعد أسبوع، فقذفت بسفينة حياتها في خضم قاتم مضطرب ~~الأمواج، لا يهديها فيه إلا شعاع من أمل متقطع كاذب، ولو نفذ إلى سمعها صوت من بين هذه ~~الأمواج الصاخبة حولها، لسمعت قهقهة القدر وهي تجلجل في شماتة وسخرية. # | الفصل التاسع # بقي محمود العسال ونيكلسون بالقاهرة يترقبان الحوادث ويتصلان بجماعات الثوار، ويبتكران ~~الوسائل للانتقاض على الفرنسيين وزعزعة حكمهم في مصر، وذهب محمود ذات صباح إلى متجره بخان ~~الخليلي الذي يشرف عليه ابن عمه، ms060 وبعد أن جلس قليلا رأى آثار الحزن والوجوم بادية في وجه ~~ابن عمه فحاول أن يتغافل عما بدا له؛ لأن عبوس الوجوه وانقباضها ليس بالشيء الغريب في هذا ~~الزمن الغريب، ولكن حسينا زاد ارتباكه وانصرافه إلى الأمور التافهة وتجنبه النظر في وجه ~~محمود، فابتدره قائلا: هل من جديد يا حسين؟ ~~- فتلعثم الفتى وحاول أن يبتسم فلم يستطع، ثم نظر في وجه محمود نظرة حزن وإشفاق وقال: إن ~~سعدا الشباسي المراكبي جاء اليوم من رشيد. ~~- وماذا في هذا؟ أماتت أمي؟ ~~- لا قدر الله، إنه يقول: إن سيدتي زينب بخير. ~~- هذا شيء يسر، فلم أراك عابسا حزينا؟ ~~- إن ما قص علي من أعمال الفرنسيين برشيد أثار أحزاني. ~~- هذا شيء لا يقابل بالحزن، وإنما يقابل بالجهاد وجمع الكلمة وتوحيد الرأي. ~~- أخشى ألا نستطيع جمع الكلمة إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن تداس كل كرامة، فإن قلبي ~~ليتفتت حينما أرى النساء المتبذلات، وقد مزقن حجابهن، وركبن الحمير مع جنود الفرنسيين يذهبن ~~معهم كل مذهب، ويجلسن معهم في القهوات دون نكير من أزواجهن أو آبائهن، وإن الحسرة لتمزق ~~فؤادي حينما أرى بعض الناس الذين تأبى الإنسانية أن ينسبوا إليها يساعدون الفرنسيين ~~ويتملقونهم ويذللون لهم السبل. ~~- إنهم ليسوا بأكثر ملقا واستخذاء من العلماء أعضاء مجلس الديوان الذين يحملهم الفرنسيون ~~كل يوم على كتابة منشور مملوء بالآيات القرآنية لتأييد حكم الغاصب ودعوة الناس إلى طاعته، ~~آه يا حسين، إن مصر كانت مريضة بأهلها، فلما جاء الفاتح لم يجد بها مناعة تصد الداء الوبيل ~~الذي رماها به، وماذا برشيد من أفانين مينو؟ ~~- علمت أن نزعته الجديدة أن يزج بنفسه في الأسر الكريمة. ~~- كيف؟ يكثر من زيارتها؟ ~~- يكثر من زياراتها أو يصهر فيها. ~~- يا للكارثة! يتزوج بمسلمة شريفة؟ إن دون هذا وتسيل الدماء! من يقبل أن يزوجه ابنته؟ ~~- ليست المسألة مسألة قبول، إنما هي إلزام وقهر، ومن يستطيع أن يقف في وجهه؟ ~~- أتزوج فعلا؟ ~~- نعم. ~~- بمن؟ ~~- فتنهد حسين وغلبه دمعه وقال: بزبيدة. # فوجم محمود وذهل، وألقى برأسه بين راحتيه، ms061 وترك عينيه شاخصتين كأنهما عينا المحتضر وقد ~~جمد الدمع فيهما، وتملكه حزن وغضب حبسا لسانه عن الكلام والأنين، بقي أكثر من نصف ساعة على ~~هذه الحال، ثم هب واقفا وقال: ما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب، ثم ~~قال: كنت أحارب الفرنسيين للوطن، واليوم أحاربهم للوطن والشرف والانتقام، ثم انطلق مطرق ~~الرأس كمن به جنة، ولزم داره أياما ليبث حزنه لنفسه، ويرسل الدمع مدرارا دون أن يخاف ~~رقيبا أو مليما. # غاب محمود ولم يزر نيكلسون أياما، فقلقت لورا ولعبت بظنونها الأوهام، فقالت في هيئة ~~من عرض له أمر غير خطير، غير أنه يريد أن يتحدث، وكانت تملأ فنجانة القهوة لأبيها. ~~- هل سافر محمود إلى رشيد؟ ~~- ما أظن يا بنيتي، فإنه لو عزم على السفر لأخبرني، إنني لم أره منذ أربعة أيام وقد ~~شغلني عنه انصرافي إلى استهواء ذلك الضابط الفرنسي حتى أصبحت جميع أخبار القيادة العليا ملك ~~يميني، وفي متناول كفي. ~~- عجيب أن يبوح ضابط بهذه الأسرار، كيف استملته يا أبي؟ ~~- الجنود يا لورا ساخطون على البقاء في هذه الديار، وبخاصة بعد أن هددتهم الثورات وحوادث ~~الاغتيال، وهم يعتقدون أن قدومهم إلى مصر لم يكن إلا لإشباع نزوة لنابليون المولع بأن يجلجل ~~اسمه دائما بين الطبول والزمور، ولو أورد جنوده موارد التلف، ثم إنه ضللهم ودفعهم إلى ~~الاعتقاد بأنهم سيجدون في مصر باريسا أخرى، فلم يجدوا من ذلك شيئا. # عرفت هذا الضابط أول ما عرفته بحانة للإفرنج بحارة الرويعي، فرأيت فيه فتى وسيم الطلعة، ~~يدل حديثه وملامحه على أنه من الطبقة المتوسطة بفرنسا، وعلمت من خادم الحانة أنه مرافق ~~«ياور» الجنرال دوجا الذي قام مقام نابليون بعد سفره إلى سورية، رأيته جالسا وقد خيم على ~~وجهه الحزن والسأم، فبدأت الحديث في الجو، وكان لي بالفرنسية إلمام حسن فأطلقت سراح ~~كلماته لتشم الهواء وتتمتع بنعمة الظهور، فابتسم نحوي في وداعة وتأفف وقال: إن جو مصر ~~خداع كنسائها، فإنه يصفو لك يوما ليذيقك عذاب الجحيم أياما وشهورا. ms062 آه يا شيخ! لقد ذقت ~~حرارة الجو حينما قدمنا مصر واخترقنا هذه الصحراء الملعونة بين الإسكندرية ودمنهور. عند ~~ذلك قربت من خوانه، ومددت يدي إلى كرسي فجلست بجانبه، ودعوت الخادم أن يأتي بكوبين من ~~الجعة، وطال بيننا الحديث في جمال باريس وجمال نسائها، وقبح القاهرة وقذارتها وانتشار ~~الأمراض بها، وجدبها من مسارح اللهو والتسلية، وبغض سكانها للفرنسيين، وقد أعلمته في غضون ~~الحديث أني مغربي وأني مولع بالفرنسيين أحب فيهم الشهامة والشرف وخفة الروح، وأعتقد أن ~~ثورتهم التي قاموا بها في بلادهم للحرية والإخاء والمساواة ستخلد أمتهم على الدهر، وستبقى ~~مثلا عاليا في العالمين، فقبض على يدي وهزها في جذل ونشوة، واقتنصت الفرصة وأخرجت خاتمي ~~الثمين من إصبعي، وقلت: هذا يا سيدي ... فعاجلني وقال: ألبير، ألبير، فقلت: هذا يا سيدي ألبير ~~سيكون رابطة الصداقة والمحبة بينك وبين صديقك السوسي، فالتقطه ألبير مبتهجا وأخذ ينظر إليه ~~دهشا وقال: هذا لي؟ قلت: نعم يا صديقي، ولي من الثروة ما لا يعد هذا بجانبه شيئا، ثم قمت ~~بعد أن واعدني على أن نلتقي عصر كل يوم بالحانة. ~~- وهل أخبرك بشيء يا أبي؟ ~~- أخبرني أنه بعد أن سافر نابليون إلى سورية ظهر التمرد والانتفاض في أكثر بلاد مصر ~~السفلى، لكثرة ما دهى الناس من عبث الجنود ومصادرتهم لماشيتهم وحاصلاتهم، فشبت الثورة ~~بالشرقية، وانضم خلق كثير تحت لواء مصطفى بك أمير الحج الذي خرج على الفرنسيين، ثم سرت ~~نيران العصيان متأججة مخيفة إلى ميت غمر، والبلاد التي حولها، ثم اشتد الهياج في منطقة ~~رشيد، وظهر بالبحيرة رجل ادعى المهدية ودعا الناس إلى الجهاد، وانضم إليه رجال القبائل ~~وغيرهم، وقد هزم الفرنسيين مرات حتى تكاثروا عليه آخر الأمر فقتلوه، وكان الفرنسيون إذا ~~تغلبوا على مدينة فتكوا بمن فيها ودمروها. ~~- هذا منطق مقلوب يا أبي، أن قلوب الأمم لا تملك بالقسر والقسوة. ~~- إن هؤلاء القوم يظنون يا فتاتي أن السيف هو قانون أمم الشرق، ولم يعلموا أن هذه الأمم ~~هي التي علمت أوربا في القرون الوسطى قوانين سياسة ms063 الأمم، وأرسلت إليها شعاعا وهاجا من ~~المدنية والعلم، لا يزال ينير لها الطريق إلى اليوم، وبينما هما يتجاذبان الحديث إذا طرق ~~خفيف على الباب، فقام نيكلسون يفتحه فرأى محمود العسال فلم يملك إلا أن يعانقه مرحبا، ثم ~~صاح: لورا هاهو ذا محمود العسال الذي أقلق بالنا بغيابه طول هذه المدة، فأسرعت لورا فرحة ~~بلقاء محمود، ومدت إليه يدها في حب أخوي صادق، وقالت: لا يا محمود ... إن مثلثنا المتماسك ~~إذا غابت منه ضلع عاد خطا منكسرا! ثم قالت في مرح لطيف: وإهمالك زيارتنا ذنب لا يغتفر، ~~فلا بد أن تؤدي لنا حسابا دقيقا عما كنت تفعل في هذه الأيام. حياها محمود تحية ملؤها ~~الشكر، وجلس واجما ينكت الأرض بعصاه، وهنا قال نيكلسون: ما لي أراك اليوم منقبض الأسارير ~~يا محمود؟ ~~- لخبر هائل وصل إلي من رشيد منذ أيام، ثم طفرت دمعتان من عينيه لم يستطع لهما حبسا، ~~وأخذ يصل الحديث فقال في تمتمة المذهول: علمت أن الجنرال مينو تزوج بزبيدة. سمعت لورا الخبر ~~فدارت بها الغرفة كأنما ركبت فوق محور، وماجت بنفسها إحساسات عنيفة مبهمة، وعجيب شأن ~~هذه الإحساسات، فإنها تهجم عليك كتلة مجتمعة، ثم تنحل إلى عناصر منفردة تترجمها النفس في ~~سرعة البرق، سمعت لورا الخبر فأحست بشيء من الفرح يمتزج بالحزن الأليم، تزوجت زبيدة حبيبة ~~محمود فأصبح خالصا لها، لا يزاحمها في حبه شريك. والأثرة أول صفات الحب؛ لأنه دائما غيور ~~حذر، إذا يئس محمود من زبيدة تفتحت أمامه السبيل إلى حب آخر، وقد رأت منه في الأشهر القليلة ~~الماضية ميلا كاد يكون حبا، وحنانا جاوز حد الحنان، وقرأت في نظراته ما لا تستطيع ~~ترجمته إلا النساء، ولحظت أنه يكثر من الزيارات ويصغي في شغف إلى أحاديثها، نعم إنها جذوة ~~صغيرة خامدة تحت الرماد ولكن لا يصعب عليها إشعالها، تمر هذه الصور سريعة خاطفة بذهن لورا ~~فتسر وتبتهج، ولكن صورا أخرى في سرعتها ومضائها تدهمها قوية جياشة فتبتئس وتحزن، إن ~~محمودا في ألم شديد فكيف تسر وحبيبها يتألم؟ ms064 إن بطلها قد خاب أمله، وعبثت بعواطفه فتاة ~~كانت تغذي حبه بوعود خلابة كاذبة، وإلا فلماذا لم تتزوجه، وهو زينة الفتيان وفخر أبناء ~~الزمان؟ ولكن من يدري؟ فقد تكون زبيدة المسكينة قد رميت بهذه الداهية على الرغم منها، وقد ~~يكون أهلها قد غلبوا على أمرهم فزوجوها بهذا الفرنسي مكرهين، وهنا يجب أن تحزن لزبيدة ~~أيضا، فهي صديقتها وأختها، وقد كانت تحب محمودا حبا جما، فيا لنكبة العاشقين! ويا ~~لمصيبة الحبيبين! لا لا، إنها لا تفرح لمصائب الآخرين، فكيف بنكبات أصدقائها المخلصين؟ هكذا ~~كانت الأفكار تتزاحم على لورا، وهكذا كانت عواصف الوجدان تطوح بها من ناحية إلى أخرى؛ ~~لذلك اتجهت إلى محمود وقالت: إنها لكارثة حقا، مسكين يا محمود! ولكن الرجال لا يبكون، ~~ومثلك من يحمل الأرزاء فخورا باحتمالها. وقال نيكلسون وقد برح به الهم: عجيب أن يصهر ~~الفرنسيون من المصريين، وخناجرهم في جنوبهم، ولكنني أعتقد أن زبيدة أرغمت على هذا الزواج ~~إرغاما، وأنه لم يعقده قاضي المدينة إلا بعد أن عقده السيف والمدفع، هون عليك يا بني فإن ~~هذه المصيبة سيمحوها ما هو أشد منها ما دمنا في هذا الزمن الأغبر، ارفع رأسك يا بني وكن ~~رجلا، فقال محمود: نعم سأكون رجلا، وسأعمل بوصاتك ووصاة لورا، وسأثور على الفرنسيين لوطني ~~وشرفي، هلم يا نيكلسون فقد علمت أن نابليون سيعود اليوم من الشام وقد أقاموا له الزينات ~~وأعدوا الطبول والزمور، واعتقادي أنه هزم شر هزيمة على الرغم من منشورات الديوان، ومن تلك ~~الرايات التي رفعوها على مآذن الأزهر، ومن كل ما يذيعه أبواق الفرنسيين، هلم معنا يا لورا ~~فإن النظر إليك ينسينا ما نحن فيه من هموم، فارتدت لورا حبرتها وغطت وجهها بنقابها، واتجه ~~ثلاثتهم إلى باب النصر ينتظرون قدوم الفاتح العظيم، حتى إذا وقفوا هناك مع الجماهير ~~المتزاحمة ورأوا فرسان الجند يذهبون ويجيئون في تيه وعظمة، قال أحد القاهريين لمجاوره: أما ~~والله لولا هذه البنادق التي يتسلحون بها، وتلك المدافع التي ينصبونها فوق القلاع لقضينا ~~عليهم في ساعة من نهار، ms065 فأجابه صاحبه حزينا: آه يا أخي لقد ضيعنا المماليك وفروا، إنهم لم ~~يعملوا منا أمة، ولم يحصنونا من عدوان الأمم، ثم مر عليهم جماعات من عظماء المدينة يركبون ~~البغال المطهمة. # فسألت لورا محمودا عنهم، فقال: أما هذا يا لورا فهو الشيخ عبد الله الشرقاوي رئيس ~~الديوان الخصوصي شيخ العلماء، وهو رجل أذله حب المال والجاه، فتعلق بأذيال الفرنسيين لا ~~يهمه أخربت البلاد أم عمرت، وهذا هو الشيخ محمد المهدي وهو داهية واسع الحيلة، يقتنص ~~العصفور من بين براثن النسور، ويختطف الزبد من فم الثعلب، يتملق الفرنسيين ليجتلب رضاهم، ~~ويصانع المصريين بالدفاع عنهم، والسعي في تخفيف ويلاتهم، أما هذا الشيخ الأسمر النحيل الجسد ~~فهو رجل عظيم يا لورا، إنه الشيخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الكبير، علمت أنه يدون الحوادث ~~كل ليلة قبل أن يذهب إلى فراشه، وله حكم دقيق عادل على الوقائع والأشخاص، ولو علم الفرنسيون ~~بتاريخه لأحرقوه مع هذا التاريخ، وهذا الشيخ الضئيل هو الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف، أما ~~الشيخ الوقور الراكب إلى يمينه فهو السيد محمد السادات وهو رجل خطير الشأن، يبغض الفرنسيين ~~ويبغضونه، وقد يرجى أن تكون له يد في إنقاذ مصر، وهذا الذي ترينه منحنيا على قربوس بغلته، ~~وقد وشيت جبته بالذهب، هو المعلم جرجس الجوهري القبطي كبير المباشرين والكتبة، وله في هذه ~~الدولة نفوذ عظيم، وانظري يا لورا إلى هذا العتل الزنيم الراكب وراءه، إنه برثلمي الرومي، ~~وهو نكبة مصر في لأوائها، كان من أسافل جند المماليك فعينه الفرنسيون وكيلا لحاكم القاهرة ~~فطغى أشد الطغيان، وأصبح صورة بشعة للقسوة والنهب وسفك الدماء والتجسس على الناس، ثم مر في ~~الطريق السيد أحمد المحروقي والسيد أحمد محرم والشيخ الصاوي وغيرهم من الكبراء والأعيان ~~فكان محمود يعرف كلا منهم للورا بكلمة موجزة. # ودخل نابليون في عظمته وجلاله من باب النصر يتبعه الجيش، فاخترق شوارع الجمالية وبين ~~القصرين والموسكى، حتى وصل إلى ميدان الأزبكية بين قصف المدافع ودق الطبول، وكان سير الموكب ~~بطيئا، فاجتاز هذه المسافة في خمس ساعات. ms066 # ولما انفرد محمود بنيكلسون ولورا قال: أشهد أن نابليون هزم في هذه الموقعة وعاد مدحورا، ~~أرأيتما كيف كانت عيناه تنطبقان أحيانا لكيلا تؤلمه رؤية هذا الاحتفال الكاذب؟ أرأيتما ~~جيشه خلفه وهو يكاد يسقط من الإعياء؟ إني أقسم أنه فقد نصف عدده، أرأيتما هذا النفر الضئيل ~~الذي يسميه أسرى؟ هؤلاء يا لورا من باعة الصابون الفلسطينيين الذين يتجرون في مصر، وفي ظني ~~أنه ظفر بهم وهم قادمون فزين له عجبه أن يتخذهم أسرى، فقالت لورا: أعتقد أن المبالغة في ~~الاحتفاء به وحدها هي أوضح دليل على خذلانه، وقال نيكلسون: صدقت أيتها الفيلسوفة الصغيرة، ~~ولكني أقول: إن عودته وحدها من سورية برهان نكبته؛ لأن نابليون كان يرجي بعد فتح عكا أن ~~يزحف إلى دمشق وحلب، وأن يصل منهما إلى الأناضول فيحتل إستانبول ويقوض أركان الدولة ~~العثمانية، ثم يمضي بجيوشه نحو النمسا ويصل منها إلى باريس ظافرا منصورا بعد أن امتلك ~~الشرق والغرب، فعودته بعد أن طاحت هذه الآمال خيبة ليس وراءها خيبة، على أننا سنسمع الخبر ~~اليقين من ألبير غدا، فقال محمود: ومن ألبير هذا؟ ~~- ضابط فرنسي ساخط على بقاء الفرنسيين بمصر. # وكانوا بلغوا منزل نيكلسون فودعهم محمود وانصرف. # قضت لورا ليلتها في أحلام مضطربة، فمرة ترى زبيدة غارقة في نهر ومحمود يحاول إنقاذها ~~فيحول بينهما تيار جارف شديد، ومرة ترى محمودا وهو متعلق بفرع شجرة عالية، وقد كلت ذراعاه ~~وأشرف على الهلاك، فتسرع إليه بسلم عال فينحدر به إلى الأرض، وهكذا كانت كلما خرجت من حلم ~~دخلت في غيره حتى أشرق النهار. # وقضى نيكلسون اليوم في رسم خريطة للقاهرة تبين شوارعها ودروبها وأشهر معالمها، حتى إذا ~~جاء وقت العصر غادر داره متجها نحو دكان محمود، فرآه جالسا قلقا ينتظره، فسارا معا حتى ~~بلغا الحانة ورأى نيكلسون ألبير جالسا في إحدى زواياها، وهو يذود الذباب عن وجهه ضجرا ~~مغتاظا، وقد تواثب عليه من كل ناحية، فلما رآه ألبير صاح مبتهجا: أدركني يا صاحبي ~~المغربي! فإنه يظهر أن ذباب مصر ملتهب الوطنية ، وأنه ms067 حينما رأى أن المصريين لم يستطيعوا ~~إخراجنا من مصر، أراد أن يقوم بالأمر عنهم، واعتقادي أنه سيفوز بالتغلب علينا وقذفنا في ~~البحر، فابتسم نيكلسون وقال: إن الذباب يسقط على ما يحب لا على ما يكره. ~~- إنه حب من النوع القاتل، فقد نكب هذا الحب جنودنا بالرمد المصري والزحار وأنواع لا ~~تكاد تحصى من الحميات القاتلة. # الشاعر العربي يقول: # ولا بد دون الشهد من إبر النحل # والشهد هنا هو النيل، فمن أراد أن يمتلكه ويتمتع بعذب مائه فليصبر على ما بشاطئيه من ~~حشرات وأمراض، ثم التفت إلى محمود وقال: هذا ابن أخي، فنظر إليه ألبير مبتسما وقال: ولكنه ~~يتزيا بزي المصريين. ~~- لأنه يريد مجاملتهم لتروج تجارته بينهم، أوصلت إليك السجادات العجمية؟ ~~- أنت لم تمهلني لشكرك، وهذا الذباب قد علمني سوء الأدب فلم أسارع منذ رأيتك إلى إظهار ~~ما يملأ نفسي إعجابا بك وبهديتك الغالية، حقا إنها سجادات يزدهي بمثلها قصر الشاه ~~بإيران. ~~- هذا شيء قليل يا صديقي، أشهدت الاحتفال بمقدم نابليون بالأمس؟ لقد كان غاية في العظمة ~~وجلالة الملك. ~~- نعم لقد كان احتفالا فخما، ولم ندخر وسعا في أن يكون صورة لقوة فرنسا وضخامة ~~سلطانها. ~~- ولكني كنت أحب أن يصل نابليون إلى أبعد من عكا. ~~- فابتسم ألبير ابتسامة فاترة حزينة وقال: هذا ما كان يتمناه نابليون ويتمناه كل فرنسي ~~معتقل في أرض مصر، فإنه بعد أن سد علينا طريق البحر بتدمير أسطولنا حاول قائدنا أن يسخر من ~~العقبات، وأن يشق لنا طريقا برية تصلنا بفرنسا، فوقف القدر في وجهه فلم يجد إلا أن يعود ~~أدراجه إلى مصر. ~~- إنها محاولة جريئة، لن يقوم بها إلا نابليون العبقري. ~~- ولكن الثمن كان غاليا جدا، والنكبة فادحة جدا، ولمح نيكلسون غلام الحانة فأمره ~~بإحضار كأس من الخمر، وفنجانتين من القهوة ثم قال: إنهم يقولون: إن نابليون عاد منتصرا، ~~ولكن ألبير مط شفته السفلى في غيظ وأسف، وقال: إن للسياسة يا صديقي لغة لا يفهمها الناس، ~~وحضر الغلام فاحتسى ألبير كأسه دفعة واحدة، وأمر له نيكلسون ms068 بأخرى، وهنا مال ألبير نحوه ~~برأسه وقال هامسا: لقد أصبحت لي يا سوسي أخا وحبيبا، ولقد رأيت فيك ميلا للفرنسيين ~~وحبا خالصا لهم، وليس من حرج أن أكشف لك خبيئة كل أمر، لقد اطلعت بالأمس على رسالة طويلة ~~كان بعث بها الجنرال «رينييه» إلى دوجا منذ أسبوع يصف فيها هذه الحملة وصفا دقيقا فيقول: ~~إنهم تغلبوا على الجيش العثماني في العريش، ثم ملكوا خان يونس وغزة والرملة واللد، واستولوا ~~على يافا بعد حصار شديد ومعركة عنيفة، وإن الجنود ارتكبوا في يافا من القتل والنهب ما تقشعر ~~له الأبدان، وفي هذه المدينة انتشر بين الجند وباء ماحق كاد يقضي عليهم جميعا، وفيها أمر ~~نابليون بإعدام ثلاثة آلاف من الجنود العثمانيين دفعة واحدة بعد أن ألقوا السلاح، وبعد أن ~~تعهد لهم بعض ضباطه بسلامة أرواحهم إذا سلموا، ثم استأنف الجيش سيره فاحتل حيفا، ثم اتجه ~~نحو عكا وهي مدينة محصنة بها جيش قوي من العثمانيين يقوده أحمد باشا الجزار، وهو قائد شديد ~~المراس قاس، ذكي الفؤاد، خبير بشئون الحرب، وأخذ نابليون يحاصر عكا من اليوم التاسع عشر من ~~مارس 1799م إلى اليوم الحادي والعشرين من مايو فضرب أسوارها ومعاقلها، واشتعلت المعارك بينه ~~وبين الجزار طاحنة شديدة الأوار، ولما طال الحصار وضعف جند نابليون وعظمت خسائره، ارتد ~~عنها بالبقية الباقية من جيشه، وزاد في قوة عكا أن الأسطول الإنجليزي بقيادة سدني اسمث كان ~~يظاهر جيش الجزار ويحول دون وصول السفن الفرنسية بالذخائر إلى الشاطئ، وقد أسر منها سبعا ~~كانت قادمة من مصر تحمل مدافع الحصار وكثيرا من الذخيرة، فضمها إلى أسطوله، وهكذا عاد ~~نابليون إلى مصر حزينا يائسا بعد أن فقد خيرة رجاله، وبعد أن اضطر أن يترك بيافا جنوده ~~الذين أصيبوا بالطاعون فريسة في أيدي أعدائه، وأن يتخلى عن كثير من مدافعه وذخائره في ~~الطريق لوعورته وضعف جنوده عن جرها، وقد طغى عليه الغضب فأحرق القرى بين يافا وغزة، هذه ~~يا صديقي حملة سورية التي كنا نريد أن نجعل منها بابا خلفيا ms069 إلى أوربا. ~~- لقد أحزنتني يا ألبير، إنها حقا لكارثة جائحة تشبه كارثة الأسطول الذي دمره نلسون، ~~ولكن نابليون رجل خلاق للفرص يتخذ دائما من خذلانه ذريعة لفوزه وانتصاره، وسنسمع عنه بعد ~~حين ما ينسينا نكبة سوريا. ~~- إنه يحارب في غير ميدانه يا صديقي، ويحاول اغتصاب بيت بعيد عنه، وهو غافل عن بيته الذي ~~كادت تلتهمه النيران، ويضيع جهوده في صحراء قاحلة بينما يترك جنات أوربا يتواثب عليها ~~الأعداء! هل يعرف الآن ماذا يحصل في أوربا أو في فرنسا من الحوادث الجسام بعد أن انقطعت عنه ~~أخبارها شهورا؟ أنا قد أكون رجلا غبيا، ولكني مع غباوتي هذه أستطيع أن أفهم البديهيات ~~التي لا يدركها سادتنا الأذكياء النابغون. # وطال المجلس فوقف نيكلسون ومحمود وودعا صاحبهما وانصرفا، وأجمل نيكلسون لمحمود ما حدثه ~~به ألبير فاغتبط وقال: هذه ضربة قاصمة ستليها بحول الله ضربات، فقال نيكلسون: أغلب ظني أن ~~نابليون لن يستطيع البقاء في مصر طويلا بعد هذه النازلة، وعلى المصريين أن يهتبلوا الفرصة ~~ويثبوا على الأسد وهو يلعق جراحه. # مضت أيام والمصريون في صورة نفسية عنيفة يكتمها الحذر بعد أن شاعت الأخبار بينهم بهزيمة ~~نابليون بسورية وارتداده عن حصون عكا، ثم ملأت الإشاعات جو القاهرة بنزول الجنود العثمانية ~~بأبي قبر، وأحس نابليون بالحرج وأدرك ما في الموقف من خطر، وبخاصة بعد أن علم أن أسطول سدني ~~اسمث يرافق العمارة العثمانية، فأرسل أوامره إلى قواده ووثب بجيشه على العثمانيين واشتد ~~الصراع وطال أمده، حتى انتهى بهزيمة الأتراك والاستيلاء على مدافعهم وذخائرهم. # ما كاد محمود يتنفس الصعداء ويستبشر بقدوم العثمانيين، حتى دهمه الخبر بهزيمتهم فلزم داره ~~أياما، وحين برحت به آلام الوحدة ذهب إلى نيكلسون بداره يشكو إليه بثه وحزنه، ولكن ~~نيكلسون لاقاه ضاحكا مستبشرا وقال: قربت النهاية يا بني فلا تبتئس. ثم أخرج من صندوق ~~أمامه جريدة إنجليزية وقال: بودي لو كنت تستطيع قراءة هذه الجريدة يا محمود. قابلت بالأمس ~~ألبير وبعد أن تحدثنا طويلا، وهممت بالانصراف أدخل يده في جيب معطفه وأعطاني هذه ms070 الجريدة، ~~وقال: اقرأ هذه يا صديقي تعلم أن كل ما تخيلته منذ أيام كان صحيحا. فسألته من أين له بهذه ~~الجريدة فقال: إن سدني اسمث قائد الأسطول الإنجليزي - وهو من نوابغ الإنجليز وكبار عباقرتهم ~~- اغتنم فرصة ذهاب ضابطين بعث بهما إليه نابليون للتحدث في تبادل الأسرى، فأحسن لقاءهما، ~~وزودهما ببعض الصحف الإنجليزية التي كان منها هذه الجريدة، وما كان يريد سدني اسمث بهذه ~~الهدية الغالية إلا أن يطلع نابليون على ما أصاب أوربا من الاضطراب، وما دهيت به جيوش ~~الفرنسيين في إيطاليا من الهزائم، وأن البنيان الذي أقام قواعده في فرنسا بقوة عزيمته وصدق ~~بلائه أخذ ينهار، وأكبر ظني أن نابليون لن يقيم طويلا في مصر بعد أن وصلت إليه أنباء هذه ~~الكوارث. # ثم أخذ يقرأ علي فقرات مما جاء بالجريدة فكان منها أن الفتن اشتدت بألمانيا والنمسا ~~وإيطاليا، وأن السخط وبوادر الثورة على حكومة فرنسا عام شامل، وأن إنجلترا لا تفتأ تشن ~~غاراتها على أملاك فرنسا بالبحار، وأنها اجتذبت إليها روسيا وتركيا فصارحتا فرنسا بالعدوان. ~~وهنا قال محمود: إن خروج نابليون من مصر فرار من الميدان، واعتراف صريح بأن السيف والنار لا ~~يستطيعان أن يملكا القلوب أو ينهنها من عزيمة أمة عزلاء أمضت إرادتها أن تعيش عزيزة لا ~~تلين قناتها لغاصب، هذه الأخبار يجب أن يطلع عليها الشيخ السادات، فهلم بنا إليه. # | الفصل العاشر # لقيت زبيدة من زوجها مينو أول الأمر شغفا وهياما وطرقا في الغزل وشكوى الصبابة لا عهد ~~لها بها، فكان يجثو أمامها في ذلة واستعطاف كما يجثو الراهب في محرابه، ويتمتم في أذنها ~~بأحاديث من الحب والوله تختلط بإشارات وحركات ينتفض لها قلب كل فتاة، وقد أتقن مينو هذا ~~الفن بعد أن تدرب عليه طويلا في مجتمعات باريس، وكان كثير من شبان أوربا في هذا الحين الذي ~~كثرت فيه الثورات، وخرجت فيه الأمم على كل قديم، وتغلب فيه المذهب الأبيقوري، يعدون إغراء ~~المحصنات بأساليب الختل والكذب فنا رفيعا وثقافة عالية، لا يكمل الرجل بغيرها، فالذي لا ms071 ~~يغازل أبله، والذي لا يستنزل فضيلة المرأة البتول من قمة قدسها إلى أسفل درك لا يعد رجلا ~~كامل الذوق واسع العلم بالحياة، وكلما صعب نيل الفريسة زادت مهارة الصائد، وكلما مزقت ~~الحجب كان العمل فتحا مبينا، وإذا تنافس فرسان العصور الوسطى في الشجاعة وإغاثة الملهوف ~~والأخذ بيد الضعيف، فإن فرسان أوربا في هذا العصر كانوا يتنافسون في نصب الحبائل للغيد ~~الفاتنات، ولقد سرى الداء إلى النساء فلم يعد الطهر طهرا، ولا العفاف عفافا، حتى إن ~~المرأة كانت تباهي بكثرة عشاقها، وتحاول بكل وسائل الإغراء أن تزيد في عددهم، وفتحت الأبواب ~~في كل قصر لتلاقي الأخدان واجتماع الخلان في جهر وعلانية، وأجاد الشبان دروس الغزل، وأعدوا ~~لكل نوع من النساء نوعا خاصا منه، كأنهم باعة ثياب يبيعون لكل مستام ثوبا على قده، وقد ~~قطعوا الصلة بين اللسان والقلب، وبين الوجه والضمير، فهم يتحدثون عن الحب وليس في قلبهم منه ~~إلا فتكات اللص وشهوات البهيم، ويبكون في ضراعة ووجد وضميرهم يسخر ويقهقه من غرور المرأة ~~وقرب وقوعها في الشرك. # ولكن مينو كان زوجا، عقد له على زبيدة بكتاب الله وسنة رسوله بعد أن أعلن إسلامه وسجله ~~بالدفاتر، فلماذا يعصف به الحب ويدلهه الغرام، ومحبوبته بين ذراعيه، وهي له وحده لا يزاحمه ~~في حبها مزاحم؟ ألأن النشوة الأولى بهرت الرجل ولعب بلبه ما رأى من زوجته من سحر وفتنة، وهو ~~من أخبر الناس بفنون الجمال؟ أم لأن الرجولة كانت عاتية طاغية فلم يملك إلا أن يجد لما يجيش ~~في نفسه متنفسا بالغزل وبث الغرام؟ أم لأن العادة جرفته فأخذ يكرر في بيت الحاكم برشيد تلك ~~الدروس التي حفظها وأجاد إلقاءها في حفلات فرنسا؟ # وكانت زبيدة بعد زفافها في بحر مائج مضطرب من الأفكار والهواجس، أترضى بما قسمه لها ~~القدر، وتقنع بهذا الزوج الذي سيجلسها على عرش مصر، فتجزي زوجها حبا بحب؟ أم تسخط على صلة ~~دفعها إليه أمل كاذب مغرر فتنكمش بقدر ما يحسن بها الانكماش، ولا تعطي هذا الفرنسي إلا ما ~~تسمح ms072 به الفتاة الملول؟ لم يكن في الجنرال مينو شيء يغري المرأة بالرجل قط: وجه غليظ دميم ~~القسمات ثقيل الملمح، وجسم بدين إلى القماءة أقرب، وكرش بارزة كأنها الزق المنتفخ، ثم هو ~~وقد خطا نحو الخمسين لم يبق فيه مأرب للنساء ولو كان في جمال يوسف الصديق، فكرت زبيدة ~~طويلا وقدرت طويلا، وسار بها الفكر في شعاب مترامية البعد كثيرة الالتواء، فجال بخاطرها ~~محمود وما أنعم الله به عليه من كمال في الخلق والخلق، وجمال في النفس والجسم، ورجولة ~~ناضجة تهوي إليها قلوب النساء، وعقل راجح يلعب بألباب الرجال، جال ذلك بخاطرها فثار حبها ~~القديم، وهاجت عواطفها الكامنة، وتأججت بفؤادها نار من الوجد طالما أخمدتها بماء دموعها؛ ~~لأنها لن تصل بمحمود إلى ما تريد من ملك مصر، ولأن حبه لا يحقق لها تلك الأحلام الذهبية ~~التي منتها بها رابحة العرافة، وماذا تعمل وقد خلقها الله من آمال وطموح، وسلحها بعزيمة ~~ماضية الحد ترد عنها كل ما يصدها عن هذه الآمال؟ محمود ريحانة قلبها ونور عينيها ومطمح ~~غرائزها، وهي لو أرادت أن تعيش كمثيلاتها لم ترض به بديلا، ولنعمت في ظل حنانه بالحب ~~والنشوة الحلوة والسعادة التي تصبو إليها كل فتاة، ولكنها لا تريد أن تكون كمثيلاتها ولو ~~أحرق الوجد فؤادها، وجشمها إسكات غرائزها النهمة عناء طويلا، وأين الحب وأين لذته، وأين ~~محمود وأين جهارته، من ملك سامق البنيان عزيز السلطان تعنو إليه الوجوه وتنحني الرءوس؟ ~~هكذا مضت أيام زبيدة، وهي تفكر وتثير غبار الماضي، لا يمر بخاطرها ذكر محمود حتى تثور عليه ~~حزينة متألمة، فإذا نسيته أو شغلها عنه شاغل حنت إليه وتشبثت بخياله تبثه وجدا متأججا ~~وحبا كمينا، ولكنها أبت في النهاية على الرغم من طموحها وتضحيتها في سبيل هذا الطموح بكل ~~غال، أن تمنح قلبها رجلا جر العار إليها وإلى أهلها، فقد فر أبوها من المدينة يوم ~~خطبتها، وبخع الحزن نفس أمها أسفا، وجانبتها عشيرتها فأصبحت أشبه بأسيرة في جيش الأعداء، ~~وإن أحاطت بها صنوف النعيم، ثم هزت رأسها ms073 في تصميم وقالت: محال أن يظفر هذا الفرنسي بحبي، ~~وفي ذات صباح أطلت من نافذة قصرها فرأت الجنود والحراس وقد التفوا حول امرأة في ملاءة ~~بالية، وهي تصيح في وجوههم وتقذفهم بأبلغ ما تضمنته معجمات العامة من شتائم، فأطالت زبيدة ~~النظر فإذا هي رابحة العرافة، فأرسلت في عجل إحدى وصائفها لتأمر الجند بإدخالها، وبعد قليل ~~دخلت رابحة وهي تصخب وتلعن، والنساء دائما أشد جرأة على الجنود الغزاة من الرجال؛ لأنهن ~~يتسلحن بالضعف، ويملكن من وسائل التشهير والصراخ والولولة ما ليس في مكنة الرجال، دخلت ~~رابحة على زبيدة مربدة الوجه، وبعد أن تنهدت طويلا، قالت: أسعد الله صباح الملكة. ~~- الملكة؟ هكذا مرة واحدة يا رابحة؟ إن الفرنسيين لم يدعوا في مصر ملكا ولا ملكة ولا ~~أميرا ولا أميرة. ~~- نعم، ولكن كل هذا لن يحول دون أن تكوني ملكة، إن علمي لن يكذب أبدا، اللهم إلا إذا ~~محيت خطوط كفك اليمنى. ~~- وهل تمحى خطوط الكف؟ ليتها تمحى! ~~- لن تمحى؛ لأنها صورة في كتاب القدر. ~~- ولكن أين أنا الآن من هذا الملك الموهوم؟ وهل زواجي هذا الفرنسي يقربني خطوة إليه. ~~- لا أدري؛ لأنني أعرف الغايات ولا أعرف الوسائل، وكثيرا ما دهشت لأعاجيب القدر، وكثيرا ~~ما كتمت ما أراه من لمحاته حتى لا يسخر الناس مني، وكثيرا ما توقعني صناعتي في مشكلات ~~يصعب منها المخرج، أذكر أني قبل أن يدخل الفرنسيون البلد بسنة واحدة كنت مارة بهذا القصر، ~~وكان به عثمان خجا حاكم المدينة فوسوس إليه شيطانه وزين له غروره أن يدعوني لأبصر له كفه ~~حتى يتسلى بالضحك مني والاستخفاف بتكهناتي، فدخلت عليه وهو متكئ في صلف وكبرياء على ~~مقعد طويل، والجند حوله شاكو السلاح، والرهبة تطبق على أنحاء المكان، والشيخ البربير يحتال ~~جهده على أن يستل ابتسامة خفيفة من بين شفتيه لكثرة ما يقص من نوادره المضحكة ونكاته ~~البارعة. دخلت فلم أسلم عليه؛ لأن الدماء البريئة التي كان يريقها كل يوم ظلما، والأموال ~~التي يغتصبها اغتصابا حبست لساني ودفعتني إلى ازدرائه واحتقاره، كيفما ms074 كانت سطوته وكيفما ~~علا مقامه الزائف، وما أنا والخوف من سطوته، ونحن الضعفاء الفقراء قد حصننا الضعف وصد عنا ~~الفقر يد الظالمين؟ دخلت فلم أسلم فجمجم الحراس مستنكرين في رياء وملق فلم أبال بهم، ثم ~~قلت: ماذا تريد مني يا عثمان؟ أتريد أن أبحث في كفك عن مدينة أخرى تخربها بعد أن أتممت خراب ~~رشيد؟ فنهرني سليم بك، وكان في المجلس، وهم بطردي، ولكن الشيخ البربير قال شيئا من ~~الشعر معناه أن طنين الذباب لا يضير، وأن السحاب لا يضرها نبح الكلاب، وهو في قرارة نفسه ~~يريد أن يذود عني هؤلاء الكلاب. فضحك الحاكم كأنه فهم الشعر، ومد إلي كفه قائلا: انظري ~~يا محتالة لعلك ترين في كفي أني سآمر بقتلك. فنظرت في خطوط كفه وهالني ما نظرت! رأيت خطا ~~فيها لا يظهر إلا في كف من يموت مصلوبا، فوجمت وتمتمت، وترددت بين الصراحة وفيها الضرب ~~والهوان أو الموت، والمداجاة وفيها الخلاص من براثن هذا الأحمق. ولكني عاهدت الله وعاهدتني ~~أمي أن أكون أمينة على علمي، فرفعت رأسي في اعتزاز وجرأة وقلت: أيها الحاكم إنك ستموت، فضحك ~~من بالمجلس وصاح الشيخ البربير قائلا في سخرية مصنوعة: أفادك الله يا رابحة! ما كنا نظن ~~أن أحدا مخلدا في الأرض: و # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # هاتي كفك يا ~~رابحة، إني أرى فيك أنك ستموتين، ولكني لويت عنه وجهي وقلت: أيها الحاكم إنك ستموت في هذا ~~البلد بعد سنتين، وسيكون موتك بين السماء والأرض. فضحك سليم بك، وقال الشيخ البربير ساخرا: ~~أخشى يا سيدي الأغا أن يكون لك جناحان تخفيهما تحت ثيابك، ثم التفت إلي وقال: انصرفي يا ~~رابحة، إن شيطانك اليوم ساخط عليك، يأبى أن يطلعك على لمحة من الغيب، فانصرفت بعد أن لمحت ~~في وجه الحاكم الفزع والغضب فعلمت أنه فهم ما قلت على الرغم من سخرية أصحابه بي واستخفافهم ~~بقولي. ~~- ولكن عثمان خجا فر بجنوده يوم دخول الفرنسيين المدينة، وأكبر الظن أنه لن يعود ms075 ما ~~داموا فيها. ~~- إنه سيعود حتما، وسيعود بعد أيام، وسيصلب في رشيد. ~~- وإنني سأكون ملكة حتما؟ ومتى؟ ~~- قريبا وإن كنت أعتقد أن حكم الفرنسيين لا يدوم طويلا. ~~- لا يدوم طويلا! إذا متى أكون ملكة؟ ~~- ستكونين ملكة فلا تخافي. ~~- وكيف لا أخاف وقد عقد القدر مآلي بمآلهم بعد أن أصبحت زوجة لأحد كبرائهم؟ ~~- هذا ما لست أدريه، لكن الذي أعلمه حقا أنك ستكونين ملكة مصر، والله وحده هو الذي ~~يصرف الأسباب ويقلب الليل والنهار، لقد زرت أمك منذ أيام فساءني ما رأيت من ذبولها وشدة ~~حزنها لاختفاء أبيك، أما أعجب العجب فابتهاج أخيك علي الحمامي وازدهاؤه بصهره الجديد! لقد ~~نسي المسكين كل معنى للرجولة بعد أن أغدق الجنرال عليه وجعله رئيس التجار وموضع الشفاعات، ~~وأجرى عليه النعم، فهو اليوم يركب جواده في كبر وتيه، وأمامه ثلة من الجنود الفرنسيين ~~توسع له الطريق، ولن تذهب سفينة إلى القاهرة أو الإسكندرية إلا بإذن منه، ولن يصدر هذا ~~الإذن إلا بمال يكاد يصل إلى قيمة ما تحمله السفينة، كل هذا ثمن أسرك يا فتاتي في هذا ~~السجن الجميل المشرف على نهر النيل المبارك. وبينما هي في الحديث إذا صوت جهير تتردد صيحاته ~~في الأفق تبينتا فيه صوت الشيخ علي سريط وهو يقول: «طأطئوا الرءوس، للعروس، وإن ذهب ~~الإسلام، وعبث الذئب بالأغنام». # فتجهمت زبيدة ووجمت رابحة ثم قامت وهي تقول: سأطأطئ الرأس للملكة، أما الإسلام فله رب ~~يحميه، وانفلتت كأنها الطائر المروع، وبعد خروجها دخل المترجم إلياس فخر ليلقن زبيدة درسا ~~في اللغة الفرنسية، وقد عهد إليه مينو في ذلك، فكان يلقي عليها جملا بالفرنسية مع بيان ~~معانيها بالعربية ويطلب إليها تكرارها، وكان لهذه الجمل سبيل واحدة، فكلها من أمثال: أحبك، ~~لقد ملأ حبك قلبي، لقد ملكت فؤادي، إن غيابك يؤلمني، إلى غير ذلك من أمثال هذه الترهات، ~~وكانت زبيدة تكرر هذه الجمل ذاهلة حزينة كأنها بريء من العصور الوسطى يحمل على الاعتراف ~~بوسائل التعذيب، وبعد انتهاء الدرس أخذ المترجم كعادته يفيض في عظمة الجنرال ms076 وشرف محتده ~~وعلو منزلته، ويصور لها ما ينتظرها من المجد الشامخ والعز السامق، وهي تهز رأسها بحركات ~~آلية لا أثر للحياة فيها، وبعد قليل سمعت أصوات الأبواق، وعلا صياح الجند بالتحية لقدوم ~~الجنرال مينو، واصطف الحراس واهتزت أرجاء المكان، ودخل مينو القصر في عظمة وجبرية، فسار ~~توا إلى حجرة زبيدة فانحنى أمامها يقبل يدها، وحيا إلياس فخر بإيماءة من رأسه، وقال: كيف ~~تلميذتك اليوم؟ إنها أدهشتني بالأمس، فقد فهمت كل ما ألقيته في أذنها من الجمل اللطيفة، ثم ~~التفت إلى زبيدة قائلا: ألم تكن لطيفة يا حبيبتي؟ فأسبلت عينيها في ضجر يشبه الخفر، وقالت ~~بعد أن تنهدت: نعم لطيفة، ثم قامت تتعثر في أذيالها كما يمشي الحالم، وغادرت الغرفة، وهنا ~~التفت مينو إلى إياس وقال: سيكون يوم الجمعة يوما تاريخيا في رشيد، أتعرف حاكم رشيد ~~التركي عثمان خجا؟ ~~- كيف لا أعرفه يا سيدي وفي كل بيت في هذه المدينة من ظلمه دماء ودموع؟ ~~- أرسل إلي نابليون من عشرة أيام كتابا من أبي قير يخبرني فيه بانتصاره على مصطفى باشا ~~كوسه، وأنه أسر من جيشه عددا عظيما بينهم عثمان خجا هذا. ~~- ولكن عثمان خجا كان قد فر إلى إستانبول عند دخول الفرنسيين. ~~- نعم ولكنه عاد مع جيش مصطفى باشا ليطردنا من مصر، ويقضي على البقية الباقية من رشيد، ~~قاتل الله هؤلاء الترك! نريد أن نصانعهم فيأبون إلا الانضواء تحت راية أعدائنا الإنجليز، ~~أرسل إلي نابليون كتابا كما قلت يشيد فيه بانتصاره الحاسم، ويطلب مني أن أجمع مجلسا من ~~العلماء والأعيان لإصدار فتوى بقتل عثمان خجا، وقد اجتمع المجلس وأصدر الفتوى، وسيصل ~~المسكين إلى رشيد بعد أسبوع، ثم أخرج من جيبه ورقة فقرأها إلياس، وترجم لسيده ما فيها، ~~فكانت هذه عبارتها لم تغير فيها حرفا: «وصلتنا مكاتبتكم، بالأمر أننا نستخبر ونكشف عن جميع ~~الأعمال التي حدثت في طرف عثمان خجا كردلي، وننظر إن كان حصل منه الشر أكثر من الخير، ~~وبموجب هذا الأمر بحضور: حضرة سيدنا شيخ الإسلام العالم المتورع الشريف أحمد ms077 الحضري المفتي، ~~ونقيب الأشراف المكرم المحترم الشيخ بدوي، وقدوة الأعيان أحمد أغا السلحدار، والمكرم علي ~~شاويش كتخدا، وقدوة التجار إبراهيم الجمال، والشريف علي الحمامي، والشيخ مصطفى طاهر، ~~والشريف إبراهيم سعيد وبحضور جماعة المسلمين خلاف المذكورين أعلاه. # ثم حضر رمضان حموده، ومصطفى الجيار، وأحمد شاويش عبد الله، والحاج حسن أبو جوده، وبدوي ~~دياب، وحسن عرب، وثبت من إقرارهم ومن شهاداتهم أن عثمان خجا المذكور كان ظلمهم ظلما شديدا ~~بالضرب والحبس بدون وجه حق، ونهب أملاكهم، وخلاف ذلك سئل جماعة من المسلمين الحاضرين في ~~المجلس إن كان حصل من عثمان خجا الشر أكثر من الخير، فكلهم قالوا بلسان واحد: إنه حصل من ~~عثمان خجا الشر أكثر من الخير، وبسبب ذلك يقطع رأس عثمان خجا حاكم رشيد سابقا». # وبعد أن أتم إلياس قراءة هذه الفتوى، دخل علي الحمامي فحيا الجنرال كما تحيا الملوك، ~~وانتحى ناحية قاصية في الغرفة حتى إذا أومأ إليه مينو بالجلوس جلس مطرق الرأس يجمع أطراف ~~ثوبه في أدب وذلة، ويخفي قدميه تحت الكرسي مبالغة في الخضوع، فلما اطمأن به المجلس سأل ~~مينو: هل سافرت السفن إلى القاهرة؟ ~~- نعم يا سيدي سافر اليوم عشرون سفينة محملة بالأرز الأبيض، فيكون ما بعث به إلى القاهرة ~~في هذا الشهر سبعين سفينة، منها ثلاثون محملة قمحا. ~~- هل تألم التجار من إرسال هذا المقدار العظيم؟ ~~- إنهم دائما يتألمون يا سيدي، ولو ترك لهم الأمر ما سمحوا بسفينة واحدة؛ لأنهم يبيعون ~~أردب القمح خفية بسبعة عشر ريالا، في حين أنه يباع للجيش الفرنسي بثلاثة ريالات، أما ~~الأرز فكثيرا ما ضبطت السفن وهي ذاهبة به إلى دسوق ليباع هناك بسعر مرتفع، ثم التفت إلى ~~المترجم ليعينه في ترجمة ما يصعب على الجنرال فهمه، وقال: هؤلاء التجار يا سيدي لا يملأ ~~عيونهم شيء، وهم يعلمون حق العلم أن هذه الحبوب ترسل إلى الجيش الفرنسي الذي يدفع عنهم فتك ~~الترك ونهب العرب، ومع هذا لا يخرجون شيئا من الأرز أو القمح إلا بعد التهديد والتعذيب، ~~ولولا الخوف الذي ms078 يملأ نفوسهم ما جادوا على الجيش بحبة واحدة، ومن الغريب المعجب أني كنت ~~بالأمس عند الحاج سالم الغزولي، وهو رجل ماكر ختال واسع الحيلة، عبقري في تزويق الكذب ~~وإحاطته بإطار من الأيمان التي تغمس صاحبها في النار، لذلك أعددت العدة لمكره ومحاله، فبعثت ~~حوله العيون وأصحاب الأخبار حتى علمت أنه يخبأ قدرا عظيما من الأرز في مخازن داره، فلما ~~ترادفت عندي الأخبار ذهبت إليه في دائرته بعد أن أرسلت إلى داره طائفة من العمال والحمالين ~~لينقبوا جدار مخازن الدار، ويستخرجوا منها ما يجدونه من أرز وقمح، فلما رآني تهلل وجهه ~~بشرا، ونثر فوقي من عبارات الترحيب والشوق ما تعجز عنه أم عاد إليها وحديها بعد لوعة ~~وإياس، والعجيب أن لألفاظه رنين الذهب الخالص الذي لم يشبه زيف، ولم يخلط به ما يكدر معدنه ~~الكريم، ثم وثب مع التحية إلى امتداح الفرنسيين والإشادة بعدلهم وسماحة حكمهم، وأخذ يوازن ~~بينهم وبين الترك في ذلاقة لا يستطيعها سواه، ثم التفت إلي وقال: كن معهم يا سيدي الشريف ~~كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا ~~على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا في الظلام، فإذا سطع عليها النور اضطربت ولاذت ~~منه بالفرار، وهؤلاء العبيد الذين نسومهم الخسف لو أطلقنا سراحهم في الصباح لعادوا إلينا في ~~المساء، ولحنوا إلى الذل الهنيء في ظلال ساداتهم، ثم انطلق إلى حديث ثان وثالث، وأظنه كان ~~يتوجس أني جئت لطلب شيء فأخذ يملأ الحجرة حديثا حتى لا يتسع فيها قول لغيره، وحتى يصرفني ~~بسحر محاضرته عن أن أنبس بكلام، ولكني قاطعته وهو ينتقل إلى موضوع فسيح يستطيع أن يتكلم فيه ~~اليوم كله، وطلبت منه مائة إردب أرز للجيش الفرنسي، فقال: آه يا سيدي هؤلاء الفرنسيون لو ~~أطعمناهم المن والسلوى ما كافأناهم، ولو شوينا لهم فلذات أكبادنا ما وفينا ديننا لهم! من ~~يضن على هؤلاء المجاهدين بقوته وقوت عياله؟ إنه لن يكون إلا حجرا صلدا لا خلاق له من ~~الرجولة ms079 والإحساس الكريم. # ولو أن لقمة كانت في أذيال السحاب، وكان لي نهوض الطائر لحلقت حولها واختطفتها لأضعها في ~~فم فرنسي، إن ما نحن فيه من نعمة واطمئنان وثروة لم يكن إلا منحة أيديهم وفضل سماحتهم، دع ~~مسألة الدين بالله عليك يا سيدي، فإن الدين لله، وأنف العمامة راغم، وأنف العلماء راغم، على ~~أن صفات الوفاء والاعتراف بالجميل وشكر المحسن على إحسانه لا تعرف مذهبا ولا جنسا ولا ~~دينا، من يا سيدي لا يبذل كل ما عنده للفرنسيين؟ ولكني أقسم بذات الله العلية، وقدرته ~~الصمدانية، وبقبر المصطفى صاحب المقام المحمود، والشفاعة العظمى في اليوم المشهود، إني لا ~~أملك حبة أرز ولا أحوز حبة قمح، وإليك الدائرة يا سيدي الشريف ففتش كل مكان فيها إن شئت، ~~ولقد كنت أتمنى أن تمتلئ هذه المخازن سمنا وعسلا وحبا لأهبها جميعا للفرنسيين! آه ما ~~أشد حزني حين أريد فلا أقدر، وقد كنت في أيام الترك أقدر ولا أريد! ليت الأرض تمور بي ~~مورا، وليت الموت ينسفني نسفا، بعد أن عجزت عن أن أعمل شيئا يكون آية إخلاصي للفرنسيين ~~وفنائي في حبهم، وبينما هو منهمر في حديثه كالسيل الهدار؛ إذ أقبل أحد عماله صائحا في ذعر ~~وهلع: يا سيدي إن بعض عمال السيد علي الحمامي نقبوا جدار المخازن بالدار، وهم الآن يحملون ~~كل ما فيها من أرز وقمح، فبهت الرجل وهو ممن لا يبهتون سريعا، غير أن المفاجأة خلطت عليه ~~أمره وأذهلته لحظة عن نفسه استطاع بعدها أن يثوب إلى طبعه، فالتفت إلي وأخذ يقهقه ويضرب ~~الأرض بقدميه، ويهز كتفي هزا عنيفا، ويقول والضحك يفصل كل كلمة من كلماته عن صويحباتها: ~~كنت أختبر ذكاءك يا سيدي! وكنت من الغرور بحيث أظن أن حلاوة منطقي وبريق ألفاظي يذهلانك عن ~~الحق، وأقسم بذات الله العلية، وقدرته الصمدانية، ولو أنك خدعت لاحتقرتك وازدريتك، وحزنت ~~أشد الحزن أن يكون سليل النبي الكريم فدما مغفلا، أما الآن فالحمد لله ثم الحمد لله على ~~أن لم يضع أملي فيك وأنت صديق ابن ms080 صديق، وعزيز ابن عزيز، خذ ما حمله رجالك من مالي حلالا ~~وإن شئت فادفع ثمنه أو فدع. # فعجبت من حسن انفلات الرجل وسرعة عارضته، ودفعت له الثمن وهو مرح ضحوك، وهنا قال الجنرال: ~~هذا رجل ذكي دوار ولكني أخشى ألا نكون قد تركنا لأهل البلد من الحبوب ما يكفيهم. ~~- الواقع يا سيدي أنهم في ضائقة، ولكن غلة العام القابل ستكون وافرة. # وفي هذه اللحظة دخل إينال مملوك الجنرال الخاص وقال في صوت خافت: حان وقت الجمعة يا سيدي ~~الجنرال، والجنود على استعداد لموكب الصلاة التي ستكون في مسجد زغلول، فظهر على وجه مينو ~~الامتعاض الذي يظهر على وجه مريض تقدم إليه جرعة لا تساغ، وقام في تثاقل وهو يقول: الصلاة، ~~الصلاة، دائما الصلاة، ولا شيء غير الصلاة! ثم خرج فإذا موكب حافل من فرسان الفرنسيين ~~وجنود المماليك والترك، وقد حمل كل فارس الراية الفرنسية خفاقة في الهواء متخايلة في ~~الفضاء، والموسيقى تعزف النشيد الوطني الفرنسي، وكان مينو في وسط الموكب فوق جواد كميت ~~يختال في مشيته كأنما سرى إليه زهو صاحبه، حتى إذا بلغ الركب المسجد دخل مينو حاسرا عن ~~رأسه، فتلقاه الإمام وفي يده عمامة خاصة به كانت تحفظ في خزانة بالمسجد، فلما وضعها على ~~رأسه طافت حول شفتيه ابتسامة خفيفة مبهمة، تذكر عندها باريس، وتذكر ملاهيه في مرسيليا ~~وبوردو، وعجب من الضرورة التي دفعته إلى دين لا يعرفه بعد أن طلقت فرنسا كل دين، وتذكر ~~هنري الرابع الذي اعتنق المذهب الكاثوليكي ليفوز بملك فرنسا وقال: ليس بغال أن يشترى عرش ~~فرنسا بقداس، تذكر كل هذا فتملكه زهو الملوك، وطاف بنفسه أنه فوق طبقة البشر، غير أن صوتا ~~جهيرا في هذه اللحظة انطلق من المئذنة فصك أذنيه صائحا: الله أكبر! الله أكبر! فلم يلبث ~~المسكين أن نكس رأسه في استخذاء، وعلم أنه لا شيء. # | الفصل الحادي عشر # انفردت زبيدة في حجرتها بعد أن تركت مينو، وقد ساءها كثيرا حديث العرافة وتكهناتها، وهجم ~~عليها هم جاثم لا تستطيع له دفعا ms081 ، وهالها أن تصطدم آمالها بصخرة من الحقائق لا ترحم ~~حزينا ولا تواسي بائسا، وبينما هي تحملق في صور ماضيها الجميل، وهي تمر بخيالها متتابعة، ~~وتود لو تستطيع أن تطيل وقفة هذه الصور المرحة الضاحكة قليلا، أو أن تحول دون ظهور أية ~~صورة من ماضيها القريب الذي كله هموم وأحزان، إذا خادمها سرور يدق الباب ويعلن قدوم سيدته ~~نفيسة، ولم يمض إلا قليل حتى دخلت أم زبيدة وقد برح بها المرض حتى أصبحت لا يكاد يعرفها من ~~رآها، فقد زادت غضون وجهها، وانطفأ بريق عينيها، وانحنى ظهرها تحت ما يحمل من أرزاء وأعباء، ~~دخلت فقبلت وجنتي بنتها في شغف واحتراق، ثم حاولت أن تكتم ما يبدو من جزعها بضحكة مصنوعة أو ~~نكتة بارعة فلم تستطع، ولكنها قالت في النهاية: كيف حالك يا زبيدة؟ # فتنهدت زبيدة طويلا وقالت: تسألين عن حالي يا أماه؟ أو تريدين حقا أن تعريفها؟ إذا ~~فاسمعي: لقد كنت يا أمي في سفينة بين أهل وأحباب، حديثهم ابتسام، ومناجاتهم غرام، ينعمون ~~فيها بنعيم الروح ولذة الجسد، بين روح وريحان، وضحك من القلوب لا من الأفواه، وحب تعجز أن ~~تعبر عنه الشفاه، كأن الدنيا لم تخلق إلا لهم، والسعادة لم ترف إلا عليهم، ألغوا الزمن فلا ~~ليل ولا نهار، وألغوا الفكر فلا خوف ولا حذر، وألغوا الغيرة فلا حقد ولا دخل، وبينما كانت ~~هذه السفينة الفردوسية تمخر العباب يا أماه مزدهية مختالة، تجري فتداعبها اللجج، وتجر ذيلها ~~فتقبله الأمواج، إذا عاصفة عاتية هوجاء كالجنون، مدمرة كالموت، ترفع البحر ثم تقذف به، ثم ~~ترفعه ثم تقذف به، ثم ترفعه ثم تقذف به، كأنه كرة في يد مارد جبار، فلم تلبث السفينة يا ~~أماه أن ذهبت بددا، وتمزقت قطعا، وهالني الأمر، وأخذ مني الهلع فنسيت التدبير، ونسيت ~~الرأي، ونسيت الحيلة، وتشبثت بقطعة من السفينة خائرة قذفتني بها الأمواج إلى جزيرة فيها ~~أشجار، وفيها أنهار، ولكن ثمر أشجارها زقوم، وماء أنهارها سموم، وهي قفر من بني الإنسان إلا ~~مخلوقا غريب السمة جاء يتودد ms082 إلي ويتخذني له زوجا، أما أهلي، وأما أحبائي، فقد تفرقوا ~~أيدي سبا، وبقيت وحدي في هذه الجزيرة الملعونة مع هذا المخلوق الغريب، هذه حالي يا أمي، ~~وكيف حالك أنت؟ ~~- أنا كنت في ركاب هذه السفينة، وقذفت إلى جزيرة أخرى ليس فيها أحد من بني الإنسان، ~~ولكنها ملأى بوحوش من هموم وآلام، أما أبوك فرماه الموج إلى جزيرة نائبة لا نعرف إليها ~~طريقا. ~~- وابن خالتي محمود في جزيرة رابعة!! آه يا أماه! هل يلتقي هذا الجمع الشتيت؟ وهل تعود ~~تلك الأيام التي كانت حلما هنيئا؟ ~~- تعود عندما تهدأ العاصفة، ويسكن البحر المائج، وتجري فيه السفن مرة أخرى، حينئذ يستطيع ~~كل منا أن يلوح لإحدى السفن بطرف ثوبه لتنتشله من جزيرة الأحزان، إلى الدار التي كانت ~~تجمعنا في ظلال العز والنعيم، لهفي على محمود! لقد وضع بين يديك حبا لو فرق على الناس ~~جميعا ما ترك في صدر غلا ولا حفيظة؛ فنبذته في قسوة وعزوف، فلم ييأس بل ثنى يده على قلبه ~~صابرا وفيا وقلبه يقطر دما، وراح يناجي الطير لما صرفت عنه أذنيك، ويضاحك الآمال لما ~~أقصاه عنك العبوس، وقد كنت عنده رضيت أم غضبت، وصلت أم هجرت، القدس الطاهر الذي لا يطلب على ~~حبه ثوابا. ~~- كفى يا أمي إنك لا تعرفين، قاتل الله رابحة العرافة، وقاتل الله الطموح الكاذب، وقاتل ~~الله الخيال الخصيب الذي جعلني أبيع عزا حاضرا، وحبا طاهرا، بأمل عقيم وأمنية حمقاء، ~~فقدت ما في يدي لأقبض على برق خلب يلمع في أجواز الفضاء! ~~- أكنت تحبين محمودا حقا؟ ~~- كنت أحبه؟ كنت ولا أزال ولن أزال، وسأموت شهيدة حبه، وسأردد للملكين عند سؤال القبر أني ~~أحبه. ~~- ولماذا رضيت بهذا الفرنسي؟ ~~- لأن القدر هو الذي رضي به لي، على أنني أظن أني ساعدت القدر بجنوني وتسويفي وتمسكي ~~بخرافة بعت بها روحي وجسمي للشيطان، بالله دعي الحديث في هذا يا أمي، فإنني أتخيل دائما أن ~~شبابي ميت مسجي، وأنني بجانبه أنثر عليه الدموع. ~~- ولكن هذا يقتلك يا بنيتي، فاطوي الماضي، وأصلحي ms083 من شأنك بالطمأنينة لحكم الله، إن حسن ~~الأشياء وقبحها أمران خياليان: فالنفس الجميلة الراضية ترى كل شيء جميلا، والنفس الساخطة ~~الصاخبة ترى كل شيء قبيحا، انظري إلى ما أنت فيه من عز وجاه، وإلى هذا القصر الفخم والرياش ~~الفاخر، ثم إلى هؤلاء الخدم والعبيد وقولي: إني سعيدة، وأقنعي نفسك بأنك سعيدة تكوني سعيدة ~~حقا. ~~- هيهات يا أمي! هذا كلام لطيف براق، إن الجائز أن يقنع الإنسان غيره بما يحس أنه حق، ~~أما أن يقنع المرء نفسه بعكس ما يحسه فهو محال، إن محمودا خلق ليكون لي زوجا، وخلقت ~~لأكون له زوجة، ولكن القدر الساخر أراد أن يتحكم في طبائع الأشياء، وأن يعبث بالغرائز ~~والميول، فاستهوى غرائزي وخدع ميولي، فأغلقت باب سعادتي بيدي، وسننت السكين لقطع كل صلة ~~بيني وبين السعادة والحب والحياة، ويحي عليك يا محمود! إنك تظنني امرأة غادرة فاجرة، ولك ~~الحق في أن تظن ما تشاء، أفنيت كل أساليب الاستعطاف والغزل والتذلل والاستجداء أمام قلب ~~صخري كان عنك ذاهلا تغويه الأحلام، وتصده دونك الأوهام، لم لا أطير إليه في القاهرة ~~وأحطم هذه القيود الظالمة التي يسمونها قيود الزوجية؟ وهل كانت الصلة بيني وبين هذا الفرنسي ~~شرعية؟ وهل ينعقد زواج فتاة فر أبوها فاقتنصتها طائفة من أصحاب المنافع من أهلها فكتبوا ما ~~كتبوا وسجلوا ما سجلوا؟ وهل يعد قبول فتاة في هذيان حمى الأوهام، وجنون الطموح المأفون ~~قبولا؟ لا يا أماه، إن الناس جميعا يعدونني خليلة لهذا الفرنسي، وإن ائتمار طائفة من ~~العمائم بفتاة مسكينة، وتدوين عقد زواج في محكمة، لا يغير من المسألة شيئا، إن الشرع ~~الشريف كما أخبرني الشيخ صديق يوجب الكفاءة بين الزوجين، وأول ما أفهمه من معنى الكفاءة ~~إنما هو تماثل الأخلاق واتساق الطبائع، وأين ذلك التماثل بين فتاة مصرية في رشيد وشيخ ~~فرنسي من باريس؟ وقد كان محمود العسال يقول لي: إن زوج الرجل يجب أن تكون قطعة منه، ويكرر ~~الآية الكريمة # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ms084 مودة ورحمة ~~، ~~فالقرآن ينص على أن الزوجة من نفس الرجل، ويجعل ذلك سببا للسكون إليها والسعادة في كنفها، ~~وتبادل المودة والرحمة والحنان بين الزوجين، وأعتقد أن هذه الآية صورت في إيجاز ما يريده ~~الفقهاء من معنى الكفاءة الزوجية؛ لأن المرأة إذا كانت من نفس الرجل وجب أن يتماثلا في الحب ~~والعادات والأفكار والميول. وأين أنا من هذا الفرنسي؟ شرق وغرب بينهما أميال وأميال! وتباين ~~كامل في كل شيء، حتى لنكاد نكون من صنفين مختلفين، فهل بعد هذا أخضع لهذا الزواج؟ وهل بعد ~~هذا أرضى بهذا السجن الموحش ولا أفر إلى محمود؟ ~~- بالله عليك يا زبيدة لا تضمي إلى حرننا حزنا جديدا، فقد طفح الكيل، وبلغ السيل ~~الزبى. ~~- إن الفرار من العار ليس بعار. ~~- ولكن فرار الزوجة من بيت زوجها إلى بيت رجل آخر عار أي عار، ثم من هو زوجك؟ هو رجل ~~نافذ الأمر قوي السلطة شديد البطش، فلو فررت منه في أنفاق الأرض، أو أبراج السماء لامتدت ~~إليك يده، ولنكل بك وبنا وبابن خالتك محمود، على أن فرارك سيثير الفضيحة من جديد، وينبه ~~العقول إلى أمر أوشكت أن تنساه، ويجرئ الأيدي القاسية على العبث بجرح أخذ يندمل. ~~- ليس لشيء من هذا يا أمي أخشى الفرار، فما أبالي الناس ولا آبه لحديثهم إذا ظفرت بمحمود، ~~واختبأت معه بقرية مجهولة نائية، لا تصل إليها عيون الفرنسيين. ولكني أخشى الفرار لشيء واحد ~~كلما مر بخاطري وددت أن الأرض ابتلعتني، أو أن السماء أقلتني، ويلاه يا أمي! إني أخشى ~~ألا يمر بنا هذا الحادث دون أن يضع وصمته. ~~- ماذا تقصدين يا زبيدة؟ ~~- أقصد أن المرأة إذا عاشت مع رجل شهورا ففي أغلب الظن أن ينشأ بينهما ثالث. ~~- وهل شعرت بما تشعر به الحامل؟ ~~- لا، ولكن من يدريني؟ ~~- صانك الله يا ابنتي من كل سوء، وكشف عنك كل ضر. ~~- ليس لنا إلا أن نلجأ إلى الله، فإن في الالتجاء إلى رحمته راحة للمحزونين، أسمعت شيئا ~~عن أبي؟ ~~- لا يا زبيدة، وقد كتبت إلى أختي ms085 أمينة وإلى محمود فكان جوابهما أنهما لم يعثرا له على ~~أثر بالقاهرة بعد طول البحث، وأخشى أن يكون ... ~~- لا تقوليها يا أمي! فيكفي ما نحن فيه من مصائب وأحزان. # وهنا دخل سرور في أدب وتردد، وجثا على قدمي نفيسة باكيا وهو يقول: سيدتي لا تحرمي سيدتي ~~الصغيرة من زيارتك فإني أراها دائما حزينة كاسفة البال، فإذا جاء الجنرال تكلفت الجلد ~~والابتسام، وهذا التكلف كما تعلمين أشد عليها من الحزن، وأنكى من البث والبكاء، أراها ~~دائما ساهمة حزينة فيتقطع قلبي، ويشتد ألمي؛ لأنها ابنتي، ربيتها على كتفي، وكنت أطعمها ~~فأشبع، وأسقيها فأروى، إنها تغلق عليها باب الغرفة طيلة النهار لتنفرد بأحزانها وبكائها، ~~وماذا يجدي البكاء؟ وهل ينفع حذر من قدر؟ بالله عليك لا تغيبي عنها يا سيدتي حتى تمسحي عنها ~~بعض آلامها؟ إنها ليست بنتي زبيدة التي أعرفها من حين أن كانت في مهدها، أين ضحكاتها ~~المجلجلات، وبسماتها الساحرات، وأحاديثها الفاتنات؟ لا تغيبي عنها يا سيدتي؟ # فقاطعته نفيسة وقد وضعت يدها على كتفه في حنان، وقالت: لن أغيب عنها يا سرور، إنني لم يبق ~~لي من الدنيا إلا زبيدة وأنت، فاحرسها لي يا سرور، واسهر عليها وصنها بروحك ودمك، إن أول ~~شيء اشترطته عند زواجها أن تكون معها، فهي وديعتي عند الله وعندك، وهذا هو الذي يهدئ نفسي، ~~ويخفف من شجوني، ثم أسرعت فقبلت زبيدة، وحيت سرورا، وخرجت وهي تخفي تحت نقابها سيلا من ~~الدموع. # | الفصل الثاني عشر # كان يوم الجمعة السادس عشر من أغسطس سنة 1799م يوما مشهودا في رشيد، فقد اجتمع له الناس ~~في الصباح أسرابا، وحشروا أرسالا، وانطلقوا إلى ظاهر المدينة ينتظرون قدوم عثمان خجا من ~~أبي قير، فازدحم الرجال والنساء والأطفال ازدحاما لم يترك مجالا لقدم، ولا حركة لذراع، ~~فكانوا كتلة من البشر تلاصقت أجزاؤها، وارتفع ضجيجها، وعلا صياحها، وغصت سطوح الدور بمن ~~فوقها حتى كادت تنقض، وامتلأت النوافذ بمن فيها، وكلما تقدم الناس خطوات رأيت بحرا عب ~~عبابه، واضطربت أمواجه، وتذكرت يوم النشور، يوم ينفخ في ms086 صور ، ويبعث من في القبور. # تقدم هذا الخضم المائج حتى إذا وصل إلى الكثبان الرملية بالجانب الغربي من المدينة فاض ~~فوقها، وسال بين شعابها، فخف التزاحم قليلا، ووجد الناس متنفسا، فجلسوا ينتظرون الضيف ~~الكريم الذي قضوا ليلتهم يفكرون في خير الوسائل لاستقباله، فمنهم من أعد نعلا بالية، ومنهم ~~من تسلح بمكنسة من عراجين النخل، ومنهم من أخذ يتمرن على ملء فمه بصاقا لينضح به وجهه ~~الوسيم، والتنافس في الشر غريزة في الناس، وللشعب إذا اجتمع نفسية خاصة لا تجدها في الفرد، ~~فهو إذا صال جريء مخاطر حقود بطاش، في حين أن كل فرد من أفراده فسل جبان منخوب الفؤاد، وإذا ~~غضب الشعب المجتمع فليس يعلم إلا الله ما ينتهي إليه غضبه من وحشية وجنون، والشعب الثائر ~~طفل كبير، له عقل الطفل وتدلله وعبثه وتدميره، والشعوب تخضع للقوة الغاشمة وتخشاها، ثم ~~تعتادها، وقد تتملقها أحيانا، وقد تستعذب عذابها أحيانا، ولكنها لا تنسى ظلما، ولا تفر ~~منها إساءة، وكأن للشعب المقهور نفسين: نفسا تجامل وتصانع، ونفسا تدون وتسجل، حتى إذا ~~ضعفت القوة التي تكبته قامت النفس المدونة المسجلة تعد سيئات الماضي وتشهر بمظالمه، ووثبت ~~وثبة الذئاب الضارية تنهش القوة نهشا، وتضرسها تضريسا، والجماهير مخادعة ختالة، تحمل ~~اليوم على الأعناق من ستضرب به الأرض غدا. # بقي الناس ينتظرون قدوم عثمان خجا، ووقف الجند يستعدون للموكب الحافل، وجلس العلماء ~~والأعيان بعيدا على رصيف مسجد العرابي، حتى إذا مر نحو ساعتين ظهرت طلائع القادمين، وذاعت ~~البشرى بين الجمع الحاشد، فترددت صيحات المتجمهرين تهز الأفق، وغلت دماؤهم بالغيظ وتواثبت ~~قلوبهم للتشفي والانتقام. # وكان عثمان خجا في حلقة من الفرسان الفرنسيين والمماليك، وقد شهروا السيوف، وتنكبوا ~~البنادق، وهو بينهم قميء القامة، طويل الوجه، أشقر اللون، صغير العينين، قليل شعر العارضين، ~~مطرق الرأس، تذهب حدقتاه يمنة ويسرة في حيرة وذهول، كأنه الهر المطارد سدت دون فراره ~~السبل، وكان يلبس عمامة طويلة عليها شاشة حمراء، وحلة من الحرير الأخضر واسعة الكمين، ~~وسروالا أزرق زينت ساقاه بشريط مطرز بالذهب. # وقف ms087 الفرسان ونزلوا عن خيولهم، وأقبل رئيسهم فكبل يدي خجا، وهنا سمعت ضجة من بعيد فتصايح ~~الناس: أقبل مينو، أقبل مينو، فانفرجت الصفوف، ومشى الجنرال وخلفه العلماء والأعيان، فلما ~~وصلوا إلى عثمان خجا وقف الشيخ أحمد الخضري وأخذ يتلو حكم المجلس عليه بالقتل، وفي أثناء ~~القراءة طفرت من شفتي عثمان خجا ابتسامة خفيفة مبهمة تصعب ترجمتها، فيها سخرية، وفيها ~~امتعاض، وفيها ذعر، وفيها استخفاف بالموت. # وما كادت تنتهي القراءة حتى تواثب الناس لتمزيق الأسير المسكين، فحال الجنود بينهم وبينه، ~~لا شفقة عليه، ولا رحمة به، ولكن ليطيلوا تعذيبه، وليشفوا النفوس من السخرية منه، فأركبوه ~~حمارا على وضع مقلوب، وعلقوا في عنقه أجراسا «ويسمون ذلك التجريس» وسمحوا للناس بالبصق في ~~وجهه وتلطيخه بالأقذار، وكان الشيخ بركات منادي المدينة يصيح بصوته الجهير: هذا جزاء ~~الظالمين، هذا يوم الانتقام من المماليك السفاكين، أيتها القبور تحدثي عمن فيك، ~~وأيتها الأعراض اشتفي اليوم ممن دنسك تدنيسا، ويا أيتها الأموال المنهوبة قولي كيف وصلت ~~إلى خزائن الناهبين! # ووثب «عطية البحطيطي» وهو قراد المدينة ومضحكها إلى عثمان خجا فاتحا ذراعيه وهو يقول: ~~أين كنت يا حبيب عيني، وأنيس وحدتي، وباب رزقي؟ لقد حزنا عليك طويلا حين غبت عنا، ~~واستوحش إخوانك القرود لبعدك الطويل، أين كنت يا جلجل؟ أين كنت يا يدي ورجلي؟ فهم الجنود ~~بطرده، ولكنه صاح في غضب مصنوع: إنه قردي جلجل الذي فر مني، فساءت حالي، وكسدت صناعتي، ~~إنه قرد نجيب جدا، يكفيه الإيماء ليقوم بأحسن الألاعيب، الحمد لله على السلامة يا جلجل! ~~ثم جذبه إليه ووضع في عنقه حبلا وهوى فوق رأسه بالسوط، وأخذ يحمله بالضرب العنيف على ~~القيام بألعاب القرود. # ثم سار الموكب حتى وصل إلى شارع دهليز الملك، وهناك رأى عثمان خجا أمام بيته مشنقة ~~أعدت للقائه، فجر إليها جرا، ووضع الحبل في رقبته، وكانت رابحة العرافة قريبة ~~منه، فلما شد الجلاد الحبل صاحت: الله أكبر! لقد صدقت كهانتي، ومات اللعين بين الأرض ~~والسماء! # وفي مساء ذلك اليوم اجتمع فريق من الأعيان والعلماء ms088 بمنزل الحاج أحمد شهاب، وتذاكروا ~~حوادث النهار، فقال الشيخ صديق: كنت أود أن يكون القصاص من عثمان خجا مطابقا للشرع ~~الشريف، فقال السيد أحمد بدوي: إن المجلس يا سيدي سمع شهادة الشهود وكانوا كلهم إجماعا على ~~أنه كان سفاكا غاشما، على أن رجال المجلس يعرفون من ظلم عثمان خجا وفتكه بالأموال أكثر ~~مما يعرف الشهود. ~~- إن الشرع يشترط في مثل هذه الوقائع أن تقام الدعوى من أولياء المقتول، فهل أقيمت؟ ~~ويشترط أن يكون المدعى عليه حاضرا بمجلس القاضي ليرد الدعوى إن استطاع، فهل كان ~~عثمان خجا حاضرا؟ أنا لا أقول: إنه لا يستحق القتل، فقد كان شيطانا مريدا، ولكني أرى ~~أنه لا يصح أن يحكم القاضي على رجل بالقتل؛ لأنه يعلم أنه يستحق القتل، فإن من الأصول ~~الثابتة أن القاضي لا يقضي بعلمه، هذه ناحية الشرع، فإذا اتجهنا إلى ناحية الأخلاق كانت ~~الطامة أعظم، والمصيبة أفدح، أليس هذا الرجل هو عثمان خجا حاكم رشيد الذي كنا نحن العلماء ~~وأعيان البلد نتملقه، ونزين له أعماله، ونقبل يديه، والدماء تقطر منهما؟ أئذا تنكر له ~~الدهر فلوى عنه وجهه، اجتمعنا في مجلس الشرع الشريف ننبش قبور ماضيه، ونحاسبه على ما كان قد ~~اقترف من سيئات؟ ولو كان اجتماعنا بوازع من أنفسنا، وغيرة صادقة على الحق والدين، لكان لنا ~~بعض العذر، فقد يقول الناس: إنهم حينما قدروا فعلوا، ولكن المؤلم حقا، والمثير للشجن ~~حقا، إننا لم نجتمع إلا بإيعاز من الفرنسيين، وأخشى أن أقول: إننا لم نحكم بالقتل إلا ~~لإرضاء الفرنسيين، فقال الحاج أحمد شهاب: ليس من شك في أنه يستحق القتل يا مولانا. ~~- أنا لا أجادل في هذا! ولكني أنظر إلى ناحيتين لو حافظ المسلمون عليهما لبقي الإسلام ~~عزيزا كما كان، هما: الدين والأخلاق، أليس كذلك يا مولانا الخضري؟ # فبهت الشيخ، واصفر وجهه؛ لأنه كان يستمع لكلام الشيخ صديق واجما، فقد كان شيخ المجلس ~~الذي أصدر حكم القتل، ولكنه بعد أن تردد قال: القضاء يا سيدي الشيخ في هذه الأيام ابتلاء، ~~وإننا نعمل ms089 في هذا العصر الأنكد بمذهب من يجيز التقية، فنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم. # وحينئذ رأى الشيخ البربير الشاعر بلباقته أن يوجه الحديث إلى مجرى آخر فقال: اسمعوا ما ~~قلته اليوم فلعل فيه شيئا من السلوى، فنشط إليه الجماعة، وكانوا ملوا الحديث في الأخلاق ~~والدين وقالوا: قل، فقال: # قالوا هوى رأس عثمان فقلت لهم # نفستم الكرب عنا بعض تنفيس # مضى بنو الترك فارتاحت سرائرنا # فهل رحيل قريب للفرنسيس؟ # فضحك القوم وتسارع بعض الشبان إلى كتابة البيتين، فأشار إليهم بيده وقال اكتبوا ~~أيضا: # مضى ابن عفان إلى جنة # وابن خجا عثمان للنار # هذا شهيد الدار أكرم به # وذا قتيل الخزي والعار # ثم اتجه السيد إبراهيم الجمال إلى البربير سائلا: أرأيت عثمان خجا على الحمار؟ ~~- رأيته فلم أدر أيهما الحمار؟ ~~- وهل قلت في ذلك شيئا؟ ~~- لا يا سيدي لقد كان «الموقف» صعبا، والمسألة لا تحتاج إلى «تعليق» فعلا الضحك من كل ~~ناحية، فلما هدأ المجلس التفت السيد بدوي إلى الجمال وقال: أرسلت خادمي اليوم إلى ساحة ~~القمح لشراء إردب من القمح فلم يجد بها حبة واحدة! فأسرع البربير قائلا: إن القمح يا سيدي ~~أندر اليوم من اللؤلؤ، وقد علمت أن النساء يتخذن منه قلائد في نحورهن، فقال الشيخ صديق: لقد ~~أصبحت الحال لا تطاق، ومن العجيب أن يعين الفرنسيين طائفة من أهل البلد، فصاح الشيخ ~~البربير قائلا: مدد يا حمامي مدد! # صاهرت مينو فلم تترك لجائعنا # بزا نصون به نفسا من العطب # متنا ومات بنونا بين أعيننا! # جوعا وعريا فرفقا يا أبا نسب! # فظهر الألم والحزن في وجوه القوم، وبينما هم سكوت واجمون، إذا صوت يجلجل في فناء الدار، ~~هو صوت الشيخ علي سريط، وكان يقول: القاتل والمقتول سواء، وقد يتأخر الجزاء، طال الليل، ~~وظهرت تباشير الصباح، ولكل غدو رواح، والرحيل الرحيل، بعد قليل قليل، فنظر بعض القوم إلى ~~بعض، وقال الشيخ البربير: إن الشيخ عليا شديد التفاؤل هذه الليلة، أرجو أن يحقق الله ~~رجاءه، ثم أخذوا في الانصراف. # | الفصل الثالث عشر ms090 # نعود بالقارئ إلى القاهرة بعد أن قضينا معه وقتا طويلا في رشيد، شهدنا فيه بعض حوادثها ~~الجسام، نعود به إلى القاهرة لنرى أن الخطوب فيها ما زالت تتلاحق وتتعاقب، وسحائب الكوارث ~~ما فتئت تتجمع وتتراكم. # فقد غادر نابليون القاهرة على حين غفلة من جيشه ومن أهلها، في الثامن عشر من أغسطس 1799م ~~بعد أن رأى آماله ركاما، وأطماعه أحلاما، وبعد أن سمع بأذنيه ضحك القدر، وأحس بسخرية ~~الأيام، فانطلق به النيل إلى أحد شاطئيه بالقرب من الإسكندرية حزينا مهموما، يرى في كل ~~موضع قدم قبرا، وفي كل لجة من لجج البحر شركا، انطلق به النيل وطفق يجري ويمور كما كان ~~يجري ويمور منذ القدم، وأخذت أمواجه تقهقه من طموح الإنسان، وتحديه أحكام الزمان. نابليون ~~يعود أدراجه إلى بلاده مخاطرا بنفسه، بعد أن انقطعت به إليها السبل، وربضت له بوارج ~~الإنجليز في البحر تنتظره، كما ينتظر الأسد الطاوي فريسته! جاء إلى مصر فلم يظفر بشيء، ~~وأضاع كل شيء، فكم وعد وكم صانع، وكم تنمر وهدد، فلم تفتح له مصر قلبها، ولم تلق أمام ~~قوته سلاح ضعفها، قامت الثورات في كل مكان فعجز بطل إيطاليا وقاهر النمسا، والفارس المعلم ~~في فرنسا، أن يخمد نارها أو يطفئ أوارها، ولم تغن عنه عدده وآلاته الحديثة شيئا أمام عصي ~~المصريين المخلصين، الذين قذفوا بأنفسهم للموت في سبيل وطنهم، ثم ذهب إلى الشام فلقنه ~~الجزار درسا أطار من نفسه ذلك الزعم، الذي سول له أنه رجل الدنيا وواحدها، نظر - وهو ~~يغادر مصر - إلى جنوده المغاوير، فإذا هم حفنة من المهازيل الساخطين، أكلت الحروب والثورات ~~والطواعين خيرة رجالهم، وحصدت نخبة أبطالهم، ثم التفت فرأى الجوع والفقر والسخط في ظل ~~سياسته، يمزق أوصال مصر ويهدد كيانها، وأن قوانينه وفلسفته لم تجعل مصر سعيدة، وأن ما جمعه ~~من الضرائب والمكوس لم يكف لنفقة جنده، وأن إيراد مصر أيام المماليك الجهلة الأغبياء كان ~~أربعة أمثال إيرادها في عهده المتلألئ الزاهر! ثم فكر في فرنسا وفيمن فيها، فإذا هم أعداء ~~ألداء ms091 قذفوا به في أتون مصر، ليستريحوا من توثبه وطموحه، وإذا زوجه «جوزفين» التي ألقى بحبه ~~تحت قدميها، تدوس ذلك الحب وتنسى ذكراه، كأنها أضغاث حالم، ذكر كل هذا وهو واقف إلى جانب ~~قصر القياصرة، على شاطئ البحر بالإسكندرية، فبكى ملء عينيه، وأن أنين البائسين، ولو أن ~~مصورا ماهرا رسم صورته عند قدومه مصر، وهو ينزل من قصر مراد بك ليعبر النيل إلى القاهرة، ~~فاتحا متحديا مرتفع الصدر أصيد العنق، كأن الأرض لم تنجب غيره، والتاريخ لم يظفر بسواه، ~~ثم رسم صورته وهو ينزل إلى السفينة بالقرب من المكس، فيلقي بنفسه بين أيدي الأقدار، مطرق ~~الرأس مثقلا بالأحزان؛ لظهرت قدرة الله وعزته، ولعلمنا أن الحياة سراب، وكأن هاتفا كان ~~يهمس في أذنه وهو يجر رجليه إلى السفينة قائلا: انزل أيها الفاتح المغوار، وانج من البحر ~~كما يشاء لك الله أن تنجو، وادخل فرنسا مؤزر الجانب عزيز السلطان، واقهر المماليك، وأذل ~~الملوك كما يزين لك الطموح، وكن إمبراطورا لفرنسا، وتطلع لحيازة الدنيا بحذافيرها، فلن ~~تفلت من مخالب القضاء، واعلم أن في نهاية المحيط جزيرة قاحلة تسمى «سنت هيلانة» لا تزال ~~فاغرة فاها لالتقامك. # سافر نابليون إلى فرنسا بعد أن جعل الجنرال كليبر خلفا له بها، وكان كليبر شديد الاعتداد ~~بنفسه، مولعا بمظاهر الملك، وقد فدح المصريين في أول عهد بفنون من الضرائب اعتصرتهم ~~اعتصارا، فزاد سخط الناس، وتأججت الصدور بالغيظ، وكثرت الاجتماعات السرية والمؤامرات، وكان ~~محمود العسال في ذلك الحين لا يزال بالقاهرة، وكان يكثر من زيارة لورا ونيكلسون، وقد آن لنا ~~أن ندون هنا أن هذه الزيارة المتكررة، إلى قنوطه من التزوج بزبيدة، إلى ما كان يحسه من ~~عطف لورا ورقتها وقوة جاذبيتها، جعلته يحن إلى بيت نيكلسون ويشعر عند مشاهدة لورا والجلوس ~~إليها بلذة روحانية عجيبة، أبى عليه كبره أن يعللها؛ لأنه كان يريد أن يقبر حب زبيدة في ~~قلبه، وأن يعتز به، ويتسلى بذكرياته، وإن كان حبا يائسا عميقا، وحينما رأى نيكلسون ~~تكرار هذه الزيارات، وقرأ في وجه ابنته ms092 ابتهاجا بها ، عرض عيه أن يساكنهما في هذا الزمن ~~المضطرب بالمخاوف والأحداث، فقبل محمود شاكرا، وانتقل من بيت ابن عمه حسين إلى بيت لورا ~~بالكحكيين، وكان يخرج مع نيكلسون لزيارة المتآمرين على الفرنسيين، أمثال: الشيخ السادات، ~~والسيد عمر مكرم، والسيد المحروقي، وغيرهم، وكانا يسقطان بين الحين والحين على الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي، ليلتقطا منه أخبار القاهرة والأقاليم، فغشيا داره بالصناديق ذات ليلة، ~~فوجداه منحنيا على بعض الأوراق وقد وضعها على فخذه، وأخذ يكتب فيها ما دون في صحف ~~انتثرت حوله، فلما دخلا ذعر الشيخ أول الأمر، وانكب على الصحف يجمعها ويخبئها تحت سجادته، ~~ولكنه حين عرفهما أخذ يقهقه ويقول: لا تؤاخذاني يا سيدي، فإننا أصبحنا في زمان نخاف فيه من ~~خيالنا في المرآة، أسعد الله مساءك يا سيدي محمودا، ثم اتجه إلى نيكلسون وقال: كيف حال ~~الحاج السوسي؟ هل من أخبار؟ ~~- الأخبار عندك أنت يا مولانا. ~~- عندي أخبار سارة، ويا حبذا لو صحت الأحلام؟ فأسرع محمود سائلا في لهفة واضطراب: وما هي ~~يا مولانا الشيخ؟ ~~- علمت اليوم فقط من المعلم نقولا الترك المترجم، أن كليبر في أول ولايته كتب إلى الصدر ~~الأعظم للدولة العثمانية رسالة مطولة يطلب فيها الصلح بين الدولتين، وأن تعقد معاهدة لخروج ~~الفرنسيين من مصر. # فقال نيكلسون: هذا ما ظننته، فإن موقعة أبي قير الأولى التي حطمت سفنهم، لم تترك في ~~نفوسهم خيالا من أمل في البقاء بمصر. # ثم قال الشيخ الجبرتي: وبلغني أن الأتراك بعد أن قابلوا هذا الطلب بالازدراء، أرسلوا ~~بسفنهم وجنودهم - كما تعلمون - إلى دمياط، فهزمهم الفرنسيون شر هزيمة، فقال محمد: نعم يا ~~سيدي إن كارثتنا بأصدقائنا أنكى من كارثتنا بالفرنسيين، فاستمر الشيخ وقال: ولكن الفرنسيين ~~- على الرغم من انتصارهم - ألحوا في طلب الصلح من العثمانيين، وقد علمت أن معاهدة وضعت ~~شروطها باتفاق الفرنسيين والترك، والإنجليز والروس، وأن خير ما في شروطها أن يخرج الفرنسيون ~~من مصر، وأن يؤمن سفر الجيش الفرنسي الذي يبحر من مصر بأسلحته وأمتعته إلى فرنسا. # فقال محمود: يا فرج ms093 الله! # وقال نيكلسون وهو يهز رأسه هزة نفي واستنكار: يخرج الجيش الفرنسي آمنا بعدده وآلاته، ~~ليشعل نار الحرب من جديد على إنجلترا؟ ما أظن إنجلترا ترضى بهذا. # فقال الشيخ الجبرتي: إن «سدني اسميث» أمضى هذه الشروط. ~~- ما أظن، وهنا قال محمود لنيكلسون: يا سيدي إذا أرادت إنجلترا أن تمزق جيش فرنسا ~~فلتخرجه من مصر أولا، ثم تمزقه في أي مكان آخر! ~~- أتمنى يا محمود أن يحقق الله ما تريد، فقد نزل بمصر من الويلات ما يدك الجبال، وإذا ~~لم توافق إنجلترا على هذه المعاهدة، فستكون الكارثة أفدح والبلاء أعظم، ولكني أعرف سياسة ~~إنجلترا، وقليلا ما تكذبني ظنوني. # وصدقت الأيام ظنون نيكلسون، وأبت إنجلترا أن توافق على المعاهدة فنقضها الفرنسيون، وبرز ~~«كليبر» بجيوشه لمحاربة العثمانيين عندما بلغت جيوشهم «عين شمس». # عندئذ اجتمع عدد عظيم من المتآمرين بدار السيد عمر مكرم، وكان بين الجميع الشيخ ~~السادات، والسيد أحمد المحروقي، والشيخ الجوهري، ونيكلسون ومحمود العسال. # وبعد أن طال الاجتماع وزاد اللغط والجدال، دخل الحاج مصطفي البشتيلي زعيم الثوار ببولاق ~~فقال: إن العثمانيين دخلوا القاهرة وانتصروا على الفرنسيين في موقعة عين شمس، فصاح محمود ~~العسال: يجب أن نقضي على الحامية الفرنسية الباقية بالقاهرة، وألا نبقي على أحد منهم، ~~فصمم الجميع على الجهاد، وأرسلوا المنادين يدعون الناس إلى إقامة المتارس وحفر الخنادق، ~~وبعثوا البعوث في شمال مصر وجنوبها لبث روح المقاومة والعصيان في كل مكان، وزاد في حماسة ~~المصريين دخول ناصف باشا قائد جيش العثمانيين إلى القاهرة، وحوله عدد من كبار قواد ~~المماليك، وكان من أشد الناس نهوضا بالأمر وتعصبا له أعرابي ملثم، أخذ يعدو بجواده بين ~~أحياء القاهرة محرضا مشجعا داعيا إلى الموت في سبيل الله والوطن، ومن المحزن أن نقرر ~~هنا: أن هزيمة الفرنسيين كانت أكذوبة خدع الترك والمماليك بها سكان القاهرة، وأن كليبر ~~انتصر على الترك انتصارا حاسما ورد جيوشهم إلى الصالحية، وانقلب إلى القاهرة بجنوده ليطفئ ~~ثورة الثائرين. # ذهب نيكلسون ومحمود إلى دارهما بعد أن انفض الاجتماع، وقد هالهما ما رأيا ms094 وسمعا، وتوجسا ~~خيفة من عواقب الأمر، وخشيا أن تبوخ الثورة كما باخ غيرها، وتعود مصر إلى الأسر المهين. # قابلتهما لورا مذعورة وقالت: ما هذا يا محمود؟ إني رأيت من النافذة رجال الحي جميعا ~~يتسلحون للقتال، وشهدت فارسا أعرابيا يدعوهم إلى الجهاد، ويحثهم على قتال الفرنسيين!! ~~- هذه الثورة يا لورا، وهي آخر سهم في الكنانة، فإذا أخمدت فقدنا كل شيء. ~~- لن تخمد، وليست هي آخر سهم في الكنانة، إن الشجاع دائما يخلق من اليأس أملا؛ لأن ~~اليأس فيه معنى الموت، ولأن في الشجاعة معنى الحياة، ادخلا وأخبراني بكل شيء، فقال نيكلسون. ~~- إن الأمة أجمعت على الجهاد يا فتاتي، وإن الفرصة مواتية، فلم يبق من جنود الفرنسيين عدد ~~يؤبه له، أو يستطيع الصمود أمام الكثرة والتضحية. ~~- هذا صحيح يا أبي، ثم عادت إليها غريزتها النسوية، وما تشعر به المرأة من الخوف والإشفاق ~~على من تحب، فقالت: وهل تحارب يا محمود؟ ~~- سأكون في أول الصفوف، وإذا بترت يميني انتقل السيف إلى شمالي، إنني يا لورا كلما فكرت ~~في أنك من أمة عزيزة مهيبة الجانب لا يداس لها عرين، ولمحت ما فيك من الاعتزاز بقومك الذين ~~لا يحوم بخيال غاصب أن يقترب من شواطئهم، أدركني ما يشبه الحسد، ووددت أن أفخر ببلادي وقومي ~~كما تفخرين. ~~- ستفخر يا محمود ببلادك، وهي خالصة لأمتك لا يتحكم فيها غاصب، وإذا لم يتنفس لك العمر، ~~فسيفخر التاريخ بك وبأمثالك المجاهدين، وأنت يا أبي ماذا سيكون شأنك؟ ~~- سأكون بجانب محمود، وسأجاهد في سبيل مصر جهادا يحسدني عليه أبناؤها. # ثم قامت لتعد الطعام، وهي في خوف ووجل وإشفاق، وتمنت لو ظفرت بمحمود وبحب محمود في بلد ~~هادئ أمين! وهل من العسير على القدر أن يحملهما معا إلى «بليموث» مقر أهلها، ومهد صباها، ~~ليعيشا في ظلال الحب وادعين؟! وصورت لها الهواجس صورا مخيفة ملأت نفسها رعبا، إن محمودا ~~مقدام مخاطر، وهو إذا حمي وطيس الحرب أدركه جنونها فقذف بنفسه للموت سمحا كريما، ولكن هذا ~~الخلق هو الذي تحبه فيه، وهو الذي ms095 تعشقه من أجله، فكيف تذوده عما تحب؟ ولو أنه أطاعها لعاد ~~في عينيها فسلا مسلوب الرجولة هزيلا. # وأشرقت شمس اليوم الحادي والعشرين من مارس سنة 1800م على مصر كلها أشأم شروق وأنحسه، وكأن ~~حمرتها عند البزوغ دماء الشهداء الذين كتب عليهم أن تحصدهم المدافع وتنوشهم السيوف البواتر، ~~وكأن أشعتها وهي تضرب في الأفق، أسباب المنية امتدت فجمعت أبناء مصر المساكين في شباكها. # خرج نيكلسون ومحمود في هذا الصباح، وودعتهما لورا والهة حزينة، تظهر الجلد بقدر ما ~~تستطيع، فإذا غلبها الدمع قهقهت لتزعم أن دموع الحزن من دمعات السرور، خرجا فوجدا القاهرة ~~في هرج وحركة دائبة، واستعداد للوثوب واستخفاف بالموت، وخلت البيوت من قطانها، واختلط ~~الحابل بالنابل، وتسلح كل من يستطيع بما يستطيع: فمنهم من كان يحمل سيفا، ومنهم من كان ~~يحمل بندقية، ومنهم من كان يلوح بعصا غليظة في الفضاء، ومنهم من تسلح بسكين ماضية، أما ~~الأطفال والنساء: فملئوا حجورهم بالأحجار وساروا خلف الشجعان المجاهدين، يتنغمون بأناشيد ~~نظمتها الفطرة الساذجة، فأذكت من نار الحماسة ما تعجز عنه بدائع الأشعار، وقد قسموا أنفسهم ~~فرقا، وأقاموا المتارس في جميع أحياء القاهرة وبولاق، ووثب بعض الثوار وفي مقدمتهم نيكلسون ~~ومحمود على معسكر الفرنسيين في ميدان الأزبكية كما تثب أمواج البحر الخضم على الشاطئ لتتكسر ~~ثم تعود، وكان الفرنسيون - وقد امتلكوا القلاع والتلال حول المدينة - يصبون عليها وابلا لا ~~ينقطع من النيران والقذائف، يدك أرجاءها دكا، وينشر الذعر والموت في كل مكان، وشمر الترك ~~والمماليك عن سواعدهم وصالوا في المدينة وجالوا، وأخذوا يرسلون النجدات ويقوون العزائم، ~~وبينما كان نيكلسون ومحمود عائدين إلى دارهما في أصيل ذلك اليوم؛ إذ لمح محمود الأعرابي ~~الملثم، وهو يخوض بفرسه في جحيم المعامع ويصيح: إني أرى الجنة وقد فتحت أبوابها للمجاهدين، ~~ولم تبق إلا ساعة من نهار لتنجو مصر وينجو أبناؤها، فهلم إلى الموت! هلم إلى الموت! فالتفت ~~إليه محمود - وكانت حماسته قد حسرت من لثامه - فإذا هو زوج خالته السيد محمد البواب! فتملكه ~~الدهش ووثب حتى أخذ بعنان ms096 فرسه وصاح: خالي ! أنت هنا؟ أنت بالقاهرة؟ إني لم أدع ركنا في ~~المدينة إلا بحثت عنك فيه، ثم حبسه البكاء عن الكلام، فوثب السيد البواب إليه وعانقه، ~~وارتفع البكاء والنشيج، ولغة الوجدان دائما أفصح من لغة اللسان، حتى إذا هدأت نفساهما ~~قليلا، قال محمود في صوت خافت حزين: لم تستطع البقاء في رشيد يا خالي؟ ~~- إن حياة الكريم ليست نفسا يذهب ويجيء، وليست طعاما وشرابا، وإنما هي شرف وكرامة، ~~فإذا امتهن الشرف وضاعت الكرامة كان الكريم بين إحدى خلتين: إما أن يموت؛ وإما أن ينتقم، ~~وقد جئت إلى القاهرة لأنتقم، ولأغسل غيظي بدماء أعدائي. ~~- ذلك ما أفعله أنا الآن، وهذا ما سأموت في سبيله، وكيف جئت يا خالي؟ ~~- غادرت رشيد ومعي مقدار من المال، فسافرت إلى بادية البحيرة، وكان لي بين عرب «الهنادي» ~~صديق قديم هو الشيخ عويس معوض، فنزلت بخيامه وأخبرته بفاجعتي، فأظهر لي من حسن المواساة ~~وكرم الضيافة ما هو خليق بالعربي الكريم، ثم غيرت زيي عنده، ورحلت مع ثلاثة من أتباعه، حتى ~~وصلنا إلى القاهرة فنزلت بخان جعفر بخطة سيدنا الحسين، وعزمت على إخفاء أمري والجهاد في ~~سبيل الله، حتى ألقى الله. ~~- لا يا خالي، لا بد أن تنزل عندنا، ثم أشار إلى نيكلسون وقال: هذا صديقي وأخي في الجهاد ~~الحاج محمد السوسي، انظر إليه فهل تعرفه؟ فحدق فيه السيد البواب طويلا وقال مرددا: أعرفه ~~...؟ أعرفه ...؟ وكيف لا أعرفه؟ إنه الخواجة نيكلسون تاجر الصوف والحرير برشيد، ثم طوقه بذراعيه ~~في شوق وحب صادقين وهو يردد: كيف حالك يا خواجة نيكلسون؟ أو إن شئت: كيف حال الحاج محمد ~~السوسي؟ ما كدت أعرفك لولا أن نبهني محمود، لقد تغيرت كثيرا يا نيكلسون في زمان تغير فيه كل ~~شيء. # ثم ألح عليه محمود أن ينزل معه بدار نيكلسون فقال: دعني يا بني فإني أستأنس بوحشتي، ~~وأرتاح إلى وحدتي، ثم انساب كما ينساب الهم فلم يريا إلا غبار جواده، وعاد نيكلسون ومحمود ~~إلى دارهما، فأخبرا لورا بحوادث اليوم، وكان نيكلسون حزينا ms097 شديد التطير، وأخبرها محمود بما ~~كان من لقاء زوج خالته، وبما كان يظهر عليه من الحزن وحب الانتقام، فعجبت لورا وقالت: السيد ~~محمد البواب أصبح فارسا مغوارا؟ هكذا تخلق الحوادث الرجال!! وهنا قال نيكلسون لمحمود: ~~أرأيت اليوم كيف يخدع المماليك الشعب المصري الأعزل المسكين. ~~- كيف؟! ~~- زعموا أولا أن الجيش الفرنسي انهزم بعين شمس، وكان كل ذلك كذبا وزورا، ثم إن نصوحا ~~باشا كان يخدع الناس اليوم، حينما أرسل المنادين في أرجاء البلد يصيحون بأن يوسف باشا الصدر ~~الأعظم للدولة العثمانية، سيصل غدا أو بعد غد بجيشه اللهام، ليستأصل شأفة الفرنسيين، ~~والصدر الأعظم - كما أعلم علم اليقين - فر بجيشه إلى الصالحية ولن يعود. ~~- تبا لهم من قتلة سفاكين!! والآن وقد لعق الشعب لجامه، وأطارت الثورة عقله، وأصبح من ~~العسير أن يكبح، ماذا ترى يا نيكلسون؟ ~~- أرى أن العاقبة غير واضحة، وأنه يجب علينا ألا نجبن أو نعتزل القتال، فلعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا! وقالت لورا: لن يصح شعب يقتله طبيبه، وهؤلاء المماليك يبنون من جثث المصريين ~~جسرا لمأربهم: يفرون من الميدان عند أول صيحة، فإذا انتصر المصريون تسارعوا إلى انتهاب ~~الغنائم، وإذا هزموا أو قتلوا فليس الأمر عندهم بذي خطر، وما شأنهم بفراشات ضعيفة جاهلة ~~تهافتت على النار فاحترقت؟ وزفر محمود، وهز نيكلسون رأسه، وقام كل إلى سريره لينام إن ~~استطاع النوم. # وهكذا توالت الأيام والثورة مشتعلة الأوار، وفي كل يوم يضعف المجاهدون، ويقوى الفرنسيون، ~~واستمرت المدافع تصب حميمها على المنازل ليلا ونهارا، فهجر الناس بيوتهم، وتهدم أكثر من ~~نصف المدينة، وبذل المصريون جهد اليائسين: فأنشئوا معملا للبارود في بيت قائد آغا ~~بالخرنفش، ومصنعا لإصلاح الأسلحة وصب المدافع وجمعوا كل ما استطاعوا الحصول عليه من حديد ~~ونحاس وخشب، ولكن كل ذلك لم يغن فتيلا أمام قوة الفرنسيين الجبارة، ومما زاد الحال سوءا ~~حصار المدينة وامتناع وصول الأقوات إليها، فجاع الناس، وانتشرت الأمراض، وخرجت النساء ~~مولولات صاخبات باكيات، يصورون الهزيمة والذعر، والمسغبة وضيعة الأمل. # وبينما كان الفرنسيون في اليوم الثاني عشر ms098 من إبريل يحاولون احتلال كوم أبي الريش ~~بالفجالة، بقيادة الجنرال روبان؛ إذ رأى محمود العسال زوج خالته فوق جواده وهو يصول بين ~~الفرنسيين غير هياب، ورصاص بنادقهم يبني فوقه ظلة من الموت، فذعر محمود وتقدم لإنقاذه، ~~ولكنه قبل أن يصل إليه رآه يترنح فوق فرسه، وقد أصابته رصاصة في العنق، فأسرع إليه فاختطفه ~~من سرجه، وحمله فوق كتفيه، وما كاد يسير قليلا حتى أصابته رصاصة في فخذه، فسقط على الأرض ~~بحمله، وفي هذه اللحظة وثب نيكلسون فجر الرجلين إلى مكان أمين، وكان محمود شديد التألم من ~~جرحه، أما السيد محمد البواب فكان يجود بأنفاس قصار، ويردد كلمات أقصر من أنفاسه ويقول: ~~الحمد لله! قتلت خمسة هذا اليوم! شفيت نفسي، وأطفأت غلي، ما أهون الحياة في سبيل الشرف! ثم ~~فاضت روحه شهيدا كريما، فاكترى نيكلسون حمارين واتجه بالرجلين نحو داره، فلقيته لورا ~~مذعورة، وجاء بعض الجيران فحملوا الجريح والقتيل، وكانت الشمس قد غابت في الأفق، فشمل ~~القاهرة ظلام دامس، يزعجه قصف المدافع، وندب الثكالى، وأنات الجرحى، وصياح الأطفال الخائفين ~~الجائعين. # | الفصل الرابع عشر # جهز الميت الشهيد ودفن في الصباح، وأخذت لورا تبذل ما يستطاع في علاج محمود وتمريضه ~~والهم يكاد يعصف بفؤادها، ودهمت محمودا الحمى ثلاثة أيام لم تغمض فيها جفنا، ولم تحبس دمع ~~عين، وأراد أبوها أن يتناوب معها السهر عليه، فأبت وقالت في سخرية مصنوعة: ما أكثر طمعكم ~~أيها الرجال!! لم تكتفوا بمنع المرأة من الجهاد في ميدان القتال، حتى جئتم تشاركنها في ~~نصيبها القليل من العناية بالجرحى! دعني يا أبي فإن للمرأة صبرا ليس للرجال، ثم ضحكت ~~وقالت: وإن للمرأة قوة روحانية تبعث في المريض الأمل وحب الحياة. # أفاق محمود من الحمى ضعيفا هزيلا، ورأى من رعاية لورا له وحدبها عليه، وتفرغها لخدمته، ~~وافتنانها في تسليته، والترويح عنه - ما ملأ قلبه حبا لها، وإعجابا بخلقها، ثم نظر فرأى ~~جمالا يأخذ باللب، ويملأ العين والقلب، وقد كان إليها قبل ذلك دائم الحنين، ولم يكن يحول ~~بينه وبين مصارحتها بحبه، ms099 إلا كبر موهوم ، وعزيمة كاذبة، هي أن يصوب قلبه لحب زبيدة، وألا ~~يزحمه بحب جديد. # ولكن أين زبيدة الآن؟ وأين الثريا من يد المتناول؟ إنها زوجة، إنه فقدها إلى الأبد، إنها ~~بعد أن تزوجت بالأجنبي أصبحت لا تصلح له ولا يصلح لها، وإن التشبث بحبها خيال شعري، لا ~~يستطيع أن يثبت أمام قسوة الحقائق ... جالت كل هذه الخواطر بنفس محمود وهو ينظر إلى لورا، وقد ~~كانت تغسل جرحه وتعد له الأربطة واللفائف فقال: لقد أزعجتك يا لورا وأتعبتك. ~~- أنت دائما رجل متعب يا محمود، وإذا أردت أن تريحني فباعد بينك وبين الخطر. ~~- وهل يسوءك أن يدفع المرء عن وطنه؟ ~~- لا، وهذا خير ما أحبه فيك، ولكن يسوءني أن يمسك سوء. ~~- ولماذا؟ ~~- هكذا أنت دائما كالأطفال، تحب أن تعرف كل شيء. ~~- أتخافين علي حقا؟ ~~- إنني أخاف دائما على الأبطال. ~~- وتحبينهم يا لورا؟ فثارت عواطفها، وطفرت من عينيها دمعتان، وأسرعت فقالت: وأحبهم. ~~- وإذا كانوا يحبونك يا لورا ويقدمون قلوبهم بين يديك، فهل تحبينهم حبا آخر؟! ~~- وهل الحب أنواع؟ ~~- الحب أنواع وأشكال: حب الرجل للوطن، وحب الأم لولدها، وحب الجندي لقائده، وحب الفتى ~~للفتاة. # فتلعثمت لورا وقالت: وما شأنك بهذا الحب الأخير؟! ~~- هو حبي لك يا لورا الذي فيه حياتي وشرفي، وفيه نعيمي وجنتي. # ثم مد إليها ذراعيه وجلا مستعطفا، فسقطت بينهما باكية وهي تتمتم: أحبك يا محمود، ~~وأحبك من حين أن رأيتك، وأحبك لأني أرى فيك كل ما يصوره خيالي للرجل الكامل، من بطولة وكرم ~~ودين، أحبك، أحبك. # فقبلها محمود بين عينيها وقال وهو يلهث: وهل تقبلينني زوجا؟ ~~- ذلك كان أملي في الحياة. # ثم أخذا في الحديث والضحك والقبل، وبعد قليل دخل نيكلسون يسأل عن المريض، فصاحت لورا: ~~احذر يا أبي أن تزعج زوجي بكثرة الأسئلة! فبهت نيكلسون وأخذ يتأمل فيهما مشدوها، وهما ~~يضحكان، فقال محمود: نعم زوجها بكتاب الله وسنة رسوله. ووثب نيكلسون على لورا يقبلها ~~ويقول: تهنئاتي ودعواتي يا لورا، نعم الصهر ونعم الكفء محمود. هذا أسعد يوم في حياتي، ms100 كان ~~هذا الخاطر السعيد يطوف بخيالي فأظنه بعيدا، وكنت أعتقد أن ابنتي لورا لا تصلح إلا لمحمود. # ثم اتجه نحو كرسي ليجلس عليه، فصاح به محمود: لا تجلس يا رجل! الآن تجد جارنا الشيخ ~~محمدا الصعيدي في داره، وتستطيع أن تتفضل بدعوته ليعقد العقد، فخرج نيكلسون غير متباطئ ~~وأحضر الشيخ الصعيدي وتم العقد، وأصبح محمود العسال ولورا نيكلسون زوجا وزوجة. # ومضى على الثورة ثلاثون يوما، وهي تحصد الأرواح حصدا، وتدمر كل شيء تدميرا، ولما اشتد ~~الخطب، وعظم الهول، وبلغت القلوب الحناجر، قام وفد من العلماء وألح على ناصف باشا وإبراهيم ~~بك وغيرهما أن يضعا حدا لهذه الفاجعة، وتم إبرام الاتفاق بين الترك والفرنسيين في الحادي ~~والعشرين من إبريل سنة 1800م على أن يغادر العثمانيون مصر، وعلى أن يصدر كليبر عفوا عاما ~~عن جميع سكان القاهرة، وعاد النفوذ للفرنسيين كما كان وزادهم الظفر تمكنا وسلطانا. # وفي هذه الأثناء تماثل محمود وعادت إليه قوته، وبينما كان في منزله في أحد الأيام؛ إذ سمع ~~طرقا على بابه، فلما فتح رأى سرورا خادم زبيدة فدهش لرؤيته، واستقبله استقبال الصديق، ~~وشد على يديه في شوق وترحيب وقال: أهلا بسرور، ما كنت أترقب أن أراك بالقاهرة! كيف حال ~~أهل رشيد؟ ثم تردد قليلا وقال: وكيف حال بنت خالتي زبيدة؟ ~~- كلنا بخير يا سيدي والحمد لله على سلامتك، لقد انتقل الجنرال مينو من رشيد وعين حاكما ~~للقاهرة، وجئنا منذ عشرة أيام، وجاءت معنا سيدتي نفيسة، وسكنا بالقلعة، وقد أحبت سيدتي ~~زبيدة وسيدتي نفيسة أن ترياك، فسألنا عن منزلك وجئنا، وهما الآن بالحارة تنتظران. # فلما سمع محمود ذلك أسرع إلى الباب وثبا، وحينما وصل إلى الحارة رأى زبيدة وأمها، ~~فحياهما في تكريم وحفاوة وشوق، وقادهما إلى مسكنه، وأقبلت لورا فمدت ذراعيها لزبيدة وملأت ~~وجهها بالقبل، ثم مالت إلى يد السيدة نفيسة فقبلتها وقالت: من كان يظن أن يجمع الله ~~الشتيتين بعد أن حالت بينهما الخطوب والأحداث؟ فالحمد لله على السلامة يا زبيدة، شرفت يا ~~سيدتي نفيسة، لقد أراد ms101 الله بكما خيرا أن كنتما بعيدتين عن القاهرة في أثناء الثورة، لقد ~~قضينا ثلاثين يوما كنا نموت فيها ونحيا في كل يوم ألف مرة. # فقالت زبيدة في ضجر وألم: وهل نجت رشيد من الثورة؟ إن جميع البلاد المصرية كانت شعلة من ~~النيران، فأشارت لورا إلى محمود وقالت: لقد كدنا نفقد في الثورة هذا الولد المدلل المخاطر، ~~فنظرت إليه زبيدة، والشوق إليه يكاد يفضحها، وقالت: لقد خلق محمود جريئا لا يبالي ~~بالأخطار، ولا بد له من يد حكيمة حازمة تكبح جماحه، فضحك محمود وقال: إني سأتعب يدك كثيرا ~~يا لورا؛ لأنني فرس جموح، فهال زبيدة ما تسمع، وراعها أن ترى تلك السهولة في الحديث بين ~~لورا ومحمود وقالت: أظن أن يجدر بك يا محمود أن تذهب إلى رشيد بعد هذه الغربة الطويلة ~~والجهاد الممض، فإن أمك تتحرق لرؤيتك. # فأجابت لورا: إنه أقسم ألا نعود إلى رشيد إلا بعد أن يغادر الفرنسيون أرض مصر، فقالت ~~نفيسة: أتنوين العودة إلى رشيد يا لورا؟ فأطرقت لورا في حياء وقالت: أنا سأكون دائما حيث ~~يكون محمود، وهنا أسرع محمود فقال: لقد نسيت أن أخبركما أننا أصبحنا زوجين، فقالت نفيسة وقد ~~دهمها الخبر: مبارك، مبارك ... أرجو أن يكون زواجا سعيدا، ثم تنهدت وبلعت ريقها، واحتالت ~~على ابتسامة خفيفة تخفي بها ما أصابها من ألم وحسرة، أما زبيدة: فقد أخذتها عاصفة من الذهول ~~والحزن والغيرة، فأطرقت واجمة كأنها كانت تسمع صحيفة الحكم عليها بالموت، إنها تحب ابن ~~خالتها حبا يقهر كل حب، وتهيم به هياما يعصف بكل هيام، وهو لها دون غيرها، وهو تمثال ~~غرامها الطاهر، فكيف تمتد إليه يد؟ وكيف تجرؤ امرأة أخرى على أن تنعم بحبه؟ ولكنها هي التي ~~نبذت هذا الحب، وأغلقت بابها دون ذلك الهيام، وحطمت ذلك التمثال بيديها، كل ذلك في سبيل أمل ~~موهوم وأمنية كاذبة ... إن لورا لم تعمل شيئا، وإن محمودا لم يعمل شيئا، وهي وحدها التي ~~نفسها تلوم، هي وحدها التي دمرت سعادتها، وهي وحدها التي انتزعت قلبها من ms102 صدرها وقذفت به في ~~التراب. # رفعت زبيدة رأسها بعد لحظات وقالت: مبارك يا محمود، ثم أخذت تخوض في حديث آخر فقالت: إننا ~~جئنا إلى القاهرة وأحببنا أن نراك فأرشدنا ابن عمك حسين إلى منزلك، فقد كنا نود أن نراك يا ~~محمود، وهنا قالت نفيسة: إن زوجها الجنرال لا يقبل زيارة أحد من أقاربها، فقال محمود: إن كل ~~سعادتنا أن نعلم أن زبيدة هانئة سعيدة. # فقالت زبيدة: أما السعادة والهناء فبيني وبينهما سدود وأسوار، ولكني راضية بالقضاء خيره ~~وشره، وقد علمتني الأيام ألا أجرؤ على تغيير القدر، وألا أفسد حياتي بآرائي وآمالي. وهنا ~~تنهدت نفيسة طويلا وقالت: هل عثرت يا محمود على مكان خالك؟ فأطرق مليا وانساب الدمع من ~~عينيه غزيرا وقال: أعظم الله أجرك فيه يا خالتي، فقد نال شرف الشهادة، ومات في ميدان ~~الجهاد شجاعا كريما، وانتقل إلى جوار ربه راضيا مرضيا. وما كاد يتم قوله حتى ارتفع ~~البكاء والعويل، وكادت نفيسة يغمى عليها من هول الخبر، وأخذت زبيدة تبكي وتعدد مآثر أبيها ~~ونبله وشرفه، وتصيح كما يصيح الهاذي المحموم: إنه مات من أجلي ... إنه مات من أجلي ... لقد ~~قتلته ... لقد قتلته! ولما هدأت الأصوات قليلا رفعت نفيسة رأسها وقالت: هلم يا زبيدة، إن ~~المرء لا يستطيع أن يمحو ما كتبه القدر، هلم يا بنتي، إننا لا نملك من أمرنا شيئا، وليس ~~لنا إلا الصبر، وقد يكون ما نحن فيه اليوم خيرا مما نلاقيه غدا، ثم ودعتا لورا ومحمودا ~~وانصرفتا. # | الفصل الخامس عشر # في اليوم الثاني والعشرين من إبريل سنة 1800م استيقظت القاهرة على موكب حافل؛ أراد به ~~كليبر أن يظهر عظمة ملكه وقوة بطشه، وأن يحتفل بالنصر المؤزر الحاسم. # فخرج من داره بالأزبكية في جمع خضم من مشاته وفرسانه، وقد انتضوا سيوفهم فكان لها بريق ~~يكاد يذهب بالأبصار، وخفقت فوقهم رايات الجمهورية يداعبها نسيم الربيع، وجرت أمامهم المدافع ~~الثقيلة التي تركت القاهرة ركاما، وخلفت قصورها أطلالا، وقد سار في طليعة الموكب نحو ~~خمسمائة قواس في أيديهم العصي الغليظة ms103 ينادون بأصوات تكاد تثقب آذان السماء، كلها حمد ~~وتمجيد للقائد العظيم، ويأمرون الناس بالقيام وحني الرءوس، وموسيقى الجيش تصدح بالأناشيد ~~الفرنسية، وكان الجنرال يمتطي جوادا أشهب عربي السلالة، وقد بدا في وجهه العبوس والأنفة، ~~وامتلأت خياشيمه عظمة واعتدادا. # سار الموكب يشق أحياء المدينة وأسواقها، فاختفى الناس - وقد أكمدهم الحزن - في بيوتهم، ~~وسدوا أبوابهم دون هذا المشهد الذي عدوه احتفاء بموتهم، والمصريون بغريزتهم وفي كل أطوار ~~تاريخهم يحبون الطبل والزمر، ويتزاحمون على المواكب كيفما كانت، ولكنهم في هذه المرة عزفوا ~~في إباء عن أن ينقلوا في هذا الموكب قدما، أو يمدوا إليه عينا. # في هذا اليوم نفسه - والجنرال في قمة مجده - كان يجلس بفناء المسجد الأقصى بمدينة القدس، ~~شاب في الرابعة والعشرين، نحيل الجسم شاحب اللون، حائر العينين مستطيل الوجه، أنافي، رث ~~الثياب، يكثر من هز رأسه في حزن واضطراب، كان طالب علم، وكان فقير الحال، وكان عصبي المزاج ~~كثير التأمل والتفكير، وكان موغلا في دينه، حريصا على إحياء السنن وإماتة البدع ومحاربة ~~المنكر وإن لاقى في سبيل ذلك أشد الجنف، وكثيرا ما كان يدخل الحانات فيحطم زجاجها ويريق ~~خمورها، غير مبال بما يصيبه من أذى، أو يناله من مكروه. # جلس هذا الطالب مفكرا حزينا، فمر بخياله صلاح الدين بن أيوب وجهاده وبلاؤه في محاربة ~~الصليبيين، وخطر له أنه لولا هذا الكردي، ولولا عزائمه التي كانت أقوى من جيوشه، ما سمع ~~للأذان صوت في هذه النواحي، وما استطاع هو أن يجلس كما يجلس الآن في فناء المسجد الذي بارك ~~الله حوله، فكان مثابة الرسل ومهبط الرحمات، وبينما كانت هذه الخواطر تتواثب إلى نفسه، رمى ~~ببصره فرأى طائفة من الجنود العثمانيين تتجه إلى مسجد الصخرة، وقد نهكهم التعب، وأكلهم ~~السغب، وتمزقت ثيابهم وجللها الغبار، فهاله أن يرى جنود الإسلام على تلك الحال من المسغبة ~~والمهانة، وحز في قلبه أن يئول أمر حماة الدين الذي يقول قرآنه: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~، إلى ذلك ms104 الخور والصغار، رأى تلك ~~الطائفة من الجنود فقام يسعى إليهم، وما كاد يقترب منهم قليلا حتى رأى بينهم ضابط كان ~~يعرفه بحلب، هو أحمد أغا، فحياه في شوق وحفاوة، ثم قال: يبدو عليك وعلى أصحابك يا سيدي ~~أنكم قدمتم من سفر طويل. ~~- لم يكن السفر طويلا يا سليمان، ولكن ... ثم لوى وجهه في ألم واستخذاء كأنه يريد أن يحجب ~~ما قد يبدو عليه من دلائل الضعف النفسي. ~~- وماذا وراء (لكن) هذه؟ ~~- وراءها الخزي والهزيمة. # فبادره سليمان سائلا: كيف؟! ~~- هلم يا صاحبي نجلس إلى جانب هذا الجدار، فقد يطول بنا الحديث، وكان النهار شديد القيظ ~~مختنق أنفاس النسيم، استظلت فيه بومة بشجرة زيتون، وأخذت تنعب وتولول، كأنما كانت تبكي ملك ~~سليمان، وبعد أن جلسا قال أحمد أغا: خبرني أولا عن شأنك أنت، فإن آخر عهدي بك كان بمدينة ~~حلب منذ أربع سنين. ~~- نعم كان ذلك منذ أربع سنين، ولن أنسى كريم عنايتك بأبي وحدبك عليه، ومنذ ذلك الحين نزعت ~~نفسي إلى أن أكون جنديا، وكان الجهاد في سبيل الله أقصى ما تهفو إليه آمالي، وزادتني ~~قراءة سير أبطال الإسلام شغفا بلقاء الموت، وكانت تتناوب خيالي صور رائعة للمجد الذي ~~ينتظرني، حتى كدت أجن جنونا، فطالما أيقظتني من غفوتي أصوات الجماهير، وهي تصيح: الله ~~أكبر! الله أكبر! لقد أنقذ سليمان الحلبي الإسلام من أعدائه، وروى سيفه من دمائهم! فكنت إذا ~~دهمتني هذه النوبة، أجلس في ظلام الليل الدامس حزينا باكيا، أتلفت فلا أجد سيفا ولا ~~رمحا، وأتسمع فلا أسمع إلا سكون الليل وهدوءه، والسكون صوت موحش، هو صوت الموت والفناء، ~~ثم أحاول أن أهز ذراعي لأستأنس بما قد يكون بهما من قوة على الجهاد، فلا أهز إلا ذراعين ~~ناحلتين، لا تقويان على قتل ذبابة، فيزيد بكائي ويطول أنيني، وكثيرا ما كان يستيقظ أبي، ~~وتستيقظ أمي، فيسرعان نحوي مذعورين واجفين، وما كان أشد حنان كف أمي، وهي تمسح على رأسي ~~وجبهتي، وتتمتم بآيات من القرآن مبدلة ملحونة، لتطرد عني الجن والشياطين، حتى إذا ms105 زاد ما ~~بي، وطال الأمر علي، وخفت أن أوصم بالجنون، ذهبت إلى إبراهيم باشا والي حلب. ~~- ويل له من ظالم غاشم!! ~~- دعك من هذا فلسنا الآن بصدد الحديث عن الناس، فإن الناس أضغاث بجانب إنهاض الدين وإعادة ~~الإسلام إلى سابق مجده، ذهبت إليه في قصره، فسخرت في نفسي مما رأيت من جنود وأعوان، وخدم ~~وخصيان، وأبهة كاذبة وعظمة جوفاء، يعرف هؤلاء الأتراك كيف يصطنعونها بإطالة الشوارب وكثرة ~~ما ينتطقون به من خناجر، ويتنكبونه من بنادق، وبذلك الصوت الخشن المفزع، الذي يظنون أنه ~~يغني عن جرأة القلوب وصدق العزائم، فلما حاولت أن أجاوز الباب تواثب علي الحراس والأجناد ~~من كل مكان في عجب ودهشة، وانطلقت السيوف من أغمادها، وركض الفرسان من مواقفهم، وأقسم لو ~~أنهم دعوا ليوم كريهة، ما كانت لهم هذه الوثبات ولا تلك الحماسة المتأججة، نظروا إلي ~~مشدوهين، كيف جرؤت؟ وكيف جال بنفس بعوضة مثلي أن تخترق هذا الحصن المنيع والحرم الحرام؟! ~~وكيف يصح لفتى فقير ممزق الثياب من أبناء العرب، أن يتحدى ذلك الملك الذي لا ينال، ويطأ ~~بقدميه فناء تلك العظمة الشماء؟! وقفت أنظر في وجوههم، وفي لمحات وجهي شيء غير قليل من ~~السخرية، فصاح بي كبيرهم قائلا في اشمئزاز: ماذا تبغي يا عربي؟! قلت: أريد أن أقابل ~~الوالي، فابتسم في صلف وقال: أنت تقابل الوالي؟! قلت: نعم، قال: ألا تدري أن ذلك ممنوع؟ ~~قلت: الذي أعرفه أنه الوالي، وأنه يجب عليه أن يقابل من هم في ولايته، قال: وماذا تريد منه؟ ~~قلت: ذلك ما أوثر أن أحدثه به بنفسي. # وكان الباشا حينما سمع ضجيج الحراس أطل من نافذة غرفته، وسأل عن الخبر، فلما علم بأمري ~~دعاني إليه، وقابلني عابسا، ثم قال بصوت يشبه الزجر: ماذا تريد يا فتى؟! قلت: أريد أن ألحق ~~بالجندية لأجاهد في سبيل الله، فضحك حتى سقطت عمامته، وجلس بعد أن كان قائما، ولما التقط ~~أنفاسه، قال في رفق يتعمده الناس عند مخاطبة المجانين: تريد أن تجاهد في سبيل الله؟! آه ... ~~آه ... قلت ms106 لي ... هذا شيء عظيم! وأنا يا بني أريد أن أطير الآن إلى زوجتي وأولادي بإستانبول، ~~وأريد أن أضعك في علبة «النشوق» هذه، وأسد فتحتها بالرصاص والحديد، حتى لا أسمع منك هذا ~~الهذر! أنت رجل لو نفخت فيه الآن نفخة لطار إلى الغرفة التي أمامي، من الذي وضع في رأسك ~~فكرة الجهاد هذه؟! الجهاد يا بني منزلة لا ينال شرفها إلا الرجل القوي الضخم ذو المتن الأزل ~~والساعد المفتول، ولو فتحنا باب الجهاد لأمثالك لأنشأنا جيشا جرارا للهزيمة والعار، ~~تتزاحم فيه النساء قبل الرجال، ماذا بك بالله؟! وماذا فيك للجندية؟! ذلك الجسم النحيل ~~الشاحب الملتوي، وهاتان العينان الزائغتان، وذلك الصدر الذي هو أصغر من أفحوص القطاة؟! لعلك ~~تخيلت نفسك وأنت في زي الجندية رشيقا فتانا تتسابق إليك الفتيات وتجتذب نظراتك الغانيات! ~~لا يا فتى!! لقد كذبتك نفسك، لن تكون في ثياب الجند إلا مثار ضحك القيان، وسخرية الصبيان. # قال كل ذلك وأنا واجم مفكر، وقد تطلعت لأجد حولي خنجرا أغمده في صدره لأستريح من زهوه ~~وعتوه، فلم أجد، ثم رفعت رأسي إليه في كبر واعتداد وقلت: هون عليك يا سيدي، إن ميدان ~~الجهاد أوسع من ميدان القتال، وسأختار الميدان الأول ولله في كل ذلك شأن هو مقدره. ~~- وماذا فعلت بعد ذلك؟ ~~- خرجت من عنده، وعزمت وأنا في الطريق على أن أتجرد لدراسة علوم التصوف والتاريخ، لأستبين ~~منها خير سبيل للجهاد، ذهبت إلى أبي، وطلبت منه أن يعينني على الدراسة بالجامع الأزهر، ~~فزودني بما أردت وذهبت إلى مصر، وقضيت بالأزهر ثلاث سنوات، قرأت فيها على كثير من علمائه، ~~ولما دخل الفرنسيون مصر، ورأيتهم يصبون على الأزهر حاصبا من قذائفهم، تحركت في نفسي ~~عوامل الانتقام وعزمت على أن أقتل كبيرهم «بونابرت» ولكني جبنت، واجتذب الشيطان السكين من ~~يميني فلم أجد لي عزما، وعندئذ غادرت مصر وأقمت بالقدس حيث تجدني، والآن حدثني عن نفسك، ~~فقد علمت طوية أمري. # فزفر أحمد أغا وقال: إن حديثي لن يطول وإن كان ألمي طويلا: قمنا من غزة لغزو ms107 الفرنسيين ~~بمصر بقيادة الصدر الأعظم يوسف باشا ضياء، وحاصرنا قلعة (العريش) حتى استولينا عليها بعد ~~جهد، وعندئذ شرع الفرنسيون يفاوضوننا في الصلح على أن ينزحوا عن البلاد، وسمعت من بعض ~~الضباط أن المعاهدة تمت وأنها وقع عليها منا ومنهم، ولكني علمت بعد ذلك أن الإنجليز لم ~~يرضوا عن هذه المعاهدة، وأن ساري عسكر كليبر استأنف القتال، فالتقى بجيشنا عند عين شمس، ~~فانهار الجيش أمامه كما ينهار الطلل البالي، وتقهقرنا إلى بلبيس، ثم إلى الصالحية، وتفرق ~~جنودنا بددا؛ وهاموا على وجوههم في الصحراء أذلاء مهزومين حتى وصلت اليوم مع طائفة منهم ~~إلى القدس. ~~- وانتصر الفرنسيون وعادوا إلى ملك مصر كما كانوا؟! ~~- نعم وا حسرتاه!! ~~- وكان إبراهيم باشا والي حلب يسخر مني ومن ضآلة جسمي؟ فماذا يقول اليوم في جنوده ~~الأشداء؟! ~~- حقا إنه كان مخطئا، إن النفوس هي التي تحارب لا الأجسام. ~~- لقد أصبحت أعتقد أن سيوف الترك أضعف من أن تنال من الفرنسيين منالا؛ لأنني علمت أنهم ~~يحاربون بأساليب جديدة وبآلات جديدة. # وهنا جلس أحمد أغا على ركبتيه وقال: سليمان! ألا تستطيع أن تعمل عملا عجز عنه الجيش؟! ~~- هذه هي آمالي منذ سنوات، ولكن النفس الإنسانية تتبلد باليأس وتثبيط العزائم. ~~- إن نفسك فوق النفوس، وهي أبعد من أن تنالها يد اليأس، لقد قرأت كثيرا في سير الأبطال، ~~وتشوقت كثيرا إلى كأس الشهداء وما أعد الله لهم من نعيم مقيم، ما هذا يا رجل؟! إن الإسلام ~~يدعوك لنصرته، وإذا ضاعت مصر ضاع الحجاز وانقطع السبيل إلى بيت الله، وضريح رسول الله. ~~- آه يا أحمد!! إن مما يؤلم حقا أن تريد فلا تقدر، إن نفسي تريد، ويدي لا تقوى. # وهنا خاف أحمد أن تفلت الفريسة من يديه، فاتخذ منهجا آخر في الإغراء وقال: ألعلك تخاف ~~الموت؟! ما كنت أظن أن للخوف عليك سلطانا، ولكني أرى اليوم أن الضعف الإنساني لم يجاوزك، ~~ما هذا؟! أين تلك النفس الوثابة، وأين التهافت على الجهاد، وأين تلك النفحات الربانية؟! لقد ~~عاد الضياء ظلاما، والعزم أوهاما، والسيف الصارم ms108 كهاما!! وأصبحت مخلوقا أرضيا حقيرا ، ~~بعد أن كنت تسبح في سماء كلها إشراق ونور، وقد كنا نرفع إليك الرءوس لنراك فأصبحنا نطأطئها ~~لنبحث عن مكانك في الحضيض. ~~- أنا لست في الحضيض وإن التصق به جسدي الفاني. ~~- جسدك الفاني فيه روحك الباقية، فإذا رفعته ارتفع، لقد كنت أفخر بمثلك، وكان الدين يستعد ~~لشدائده بمثلك، والناس يدعون في صلواتهم أن يفيض الله لهم رجلا مثلك لكشف الضر عنهم، ~~وحينما قرأت في بعض الكتب أن بعض الأولياء قال للشيخ كمال الدين الدميري: إنه سمع قائلا ~~يقول: إن الله يبعث على رأس كل مائة لهذه الأمة من يجدد لها دينها - لم أشك في أنك بطل هذه ~~المائة، وأنك ستعيد الإسلام إلى جدته ونضارته. # فتألقت عينا سليمان، وتجمعت أسارير وجهه وتقبضت شفتاه شأن العازم المصمم وقال: وماذا أعمل ~~يا أحمد؟! ~~- تأخذ هذا الكيس وفيه مائة محبوب ذهبا، وتذهب اليوم إلى ياسين أغا حاكم غزة، ليذلل لك ~~سبيل السفر إلى مصر. # ثم أخرج خنجره من منطقته وقال: وإذا بلغت مصر فأغمد هذا الخنجر في صدر كليبر قائد الجيش ~~الفرنسي. # فقذف سليمان بالكيس في وجه صاحبه، وقال وهو ينتفض: إن المجاهد في سيبل الله لا يحتاج إلى ~~مال، حسبي هذا الخنجر وسأهز به الدنيا هزا، وسأترك فيها دويا. # سافر سليمان الحلبي إلى غزة، وبقي بها أياما ينتظر قيام قافلة للتجارة تقصد إلى مصر، حتى ~~إذا قامت صحبها، فبلغ القاهرة بعد ستة أيام، وكان ذلك في اليوم الرابع عشر من مايو، وكان ~~يعرف القاهرة من قبل، ويعرف طرقها المعوجة، وحاراتها الضيقة، فحمل خرجه واتجه صوب الأزهر ~~ليقيم برواق الشاميين، وقضى وقتا وهو يحضر الدروس، ويعيش من نسخ الكتب، وكانت الفكرة ~~تنتابه كما تنتاب الحمى صريعها فينتفض انتفاضا، ويمس خنجره الذي أخفاه في طيات ثيابه، ~~ويهم بإنفاذ خطته، ولكنه يعود فيقعده الخور، وتصده النفس المطبوعة على حب الحياة. # وهكذا بقي ريشة في مهب العواصف، وكرة تتقاذف بها العواطف، فكان بين إقدام وإحجام، وثورة ~~وخمود، وشجاعة وجبن، «وبعض الحجا داع ms109 إلى البخل والجبن»، ولما ضاق بالأمر صدره أفشى بعض ~~سره إلى الطلبة من أصدقائه، وهم: محمد الغزي، وأحمد الوالي، وعبد الله الغزي، وعبد القادر ~~الغزي - فسخروا منه، وهزءوا به، ورموه بالجنون، وقال له عبد الله الغزي: إنك يا سيدي البطل ~~المغوار أعجز من أن تقتل ذلك الفأر الذي يزعجنا في كل ليلة بالوثوب على وجوهنا! فزاد ذلك من ~~غيظه وحفزه على التصميم، فخرج في صباح اليوم الثالث عشر من شهر يونية إلى الجيزة، يمشي مطرق ~~الرأس مذعورا، كما يمشي الكلب المسعور، باحثا عن كليبر في كل مكان كما يبحث الصائد عن ~~طريدته، فعلم بعد طول التساءل من نواتي سفينته، أنه يتمشى في كل مساء في حديقة قصره ~~بالأزبكية، فرجع إلى القاهرة وكان قد أظله الليل، فحاول أن يصل إلى حديقة القصر فلم يستطع، ~~فقضى ليلته في مسجد قريب، ولما أصبح تتبع خطوات الجنرال وسار في إثره إلى «الروضة»، ثم عاد ~~خلفه إلى القاهرة، واستطاع التسلل إلى الحديقة فكمن فيها خلف ساقية، وكم جال بخياله في هذه ~~اللحظة من صور: جال بخياله سخرية والي حلب، وجال بخياله ما فعل الفرنسيون بيافا، وجال ~~بخياله أن الملائكة يستعدون الليلة للقائه في جنة الخلد بين المجاهدين والشهداء، وجال ~~بخياله أن ذلك الخنجر الذي ترتعش به يده، سينقذ أمة كاملة من ويلات الذل والاسترقاق، ثم ~~جال بخياله أن اسم سليمان الحلبي المغمور المجهول، سيجلجل في الآفاق ويدونه التاريخ بين ~~أسماء أبطاله الأمجاد، وهنا أغمض عينيه وتشهد، وأخذ يتلو آيات من القرآن في الجهاد وفي ~~ثواب المجاهدين، وما كاد يفتح عينيه حتى دخل كليبر ومسيو «بروتان» المهندس الحديقة، فنهض ~~سليمان واقترب من الجنرال في ذل متصنع، فظنه مستجديا فلم يأبه له، ولكن سليمان وثب عليه ~~كما يثب النمر الجائع، وطعنه بخنجره طعنة قاتلة فسقط مضرجا بدمائه، وهم مسيو بروتان أن ~~يتعقب القاتل، فلما أمسك به طعنه سليمان ست طعنات، خر بعدها لليدين والفم، ثم عاد إلى ~~كليبر فطنعه ثلاث طعنات ليقضي على آخر مسكة من حياته، ms110 ولم تحدثه نفسه بالفرار، ولكن ~~غريزة حب البقاء دفعته إلى جدار في الحديقة فاختفى عنده، وجاء الحراس فرأوا قائدهم وقد أسلم ~~الروح، فهالهم الأمر وتملكهم الجزع، وأقسموا على الانتقام من مصر وأهلها، وأن يدكوا ~~أركانها دكا، ونفخوا في أبواقهم ليجمعوا شتات الجنود المنتشرين بالقاهرة، واهتزت أرجاء ~~المدينة وزلزلت للحادث الجلل. # | الفصل السادس عشر # كانت القاهرة يلفها غبش الظلام، حينما انطلق جنود الفرنسيين في أنحائها غاضبين مهددين ~~بمحو القاهرة من صحيفة الوجود، وقد تسابقوا إلى القلاع والتلال، وصوبوا مدافعهم نحو ~~المدينة المسكينة، واعتزموا أن يجعلوها نسفا وألا يبقوا بها نفسا، ووصل الخبر المشئوم ~~إلى السكان المنكوبين فهرعوا إلى ديارهم ليفروا من الموت إلى الموت، وعلا الضجيج، وصاح ~~النساء من نوافذ المنازل مولولات ناعيات، وبكى الأطفال مفزوعين لهذا الهول العظيم، وتذكر ~~الناس ما أصابهم في الثورة القريبة العهد من فوادح فأخذتهم الرجفة، وانطلقوا في الطريق ~~يصيحون: يا لطيف ... يا لطيف! # وكان نيكلسون ومحمود بقهوة بخطة سيدنا الحسين، فلما وصل إليهما الخبر بهتا وأخذهما أول ~~الأمر ما يشبه الذهول، ثم قال نيكلسون: من يكون القاتل يا ترى؟ ~~- يكون من يكون، فلن تفلت مصر من أكبر نكبة في تاريخها، وتكون النازلة أعظم إذا لم ~~يعثروا على القاتل. ~~- ويل للقاهرة ثم ويل لها! لقد أصبحت منذ دخل الفرنسيون غرضا لا تخطئه السهام، هلم بنا ~~إلى الدار فقد تركنا بها لورا وحيدة، وأخاف أن يمسها سوء. # وبينما هما في الطريق قابلهما السيد أحمد المحروقي، وصاح بهما: لقد وجدوا القاتل، فعاجله ~~نيكلسون: وأين وجدوه؟ ~~- الحق أنه هو الذي أوجد نفسه، فإنه - كما يبدو لي - لم يحاول الفرار، ولم يغادر حديقة ~~القصر، وقد علمت أنه طالب علم حلبي، والفرنسيون يعتقدون أن وراء الأكمة ما وراءها. # فقال محمود: غدا يتبلج الصبح لذي عينين، إن القاهرة في هذه الليلة لن تنام، وكيف تنام من ~~تنصب له أشراك الحمام؟! # ثم انطلقا حتى بلغا دارهما، فوجدا لورا لدى الباب والهة حزينة، حتى إذا رأت محمود ~~سقطت بين ذراعيه، وأخذت تبكي وتضحك في ms111 آن، ثم اتجهت إلى أبيها وقالت: لقد قتلني طول ~~انتظاركما في هذه الليلة الليلاء، وقد أصمت صفارات الفرنسيين أذني وهم يجوسون خلال ~~الطرق في شبه جنون محموم، هل قتل كليبر حقا؟ # فقال محمود: نعم قتل حقا، وهو فيما أعتقد آخر ركن للفرنسيين في مصر، قتله شاب حلبي ~~فدائي فيما يظهر، وإني أمقت الوسيلة وإن ارتحت إلى الغاية. ~~- حسنا يا محمود، وإن كان بعض الناس يرى أن الغاية تبرئ الوسيلة. # فقال نيكلسون: هذا رأي فائل شديد الخطر، لو أخذ به لهدمت الأخلاق جميعا، ولتحول ~~الناس إلى ذئاب وثعالب، إن الغدر ليس من الشجاعة في شيء، وإن من الرجولة أن يجبه الرجل ~~خصمه في نزال شريف، لا أن يكمن له كما تكمن الصلال. # فقالت لورا: هذا صحيح يا أبي، ولكني أظن أن الأمر يختلف إذا اختلف الخصمان في القوة، ~~تصور يا أبي عدوا يسلط عليك السيف وأنت أعزل حتى تخضع له مرغما مقهورا، ثم يأخذك ~~بأساليب الإذلال والقسوة، أليس من حقك في هذا الحين أن تكيد له، وأن تثب عليه في الظلام؟ ~~هؤلاء الفرنسيون غزوا بني مصر بسلاح جديد، وأذلوهم بالمدافع الحديثة الابتكار، وقد كان ~~قصارى ما يعرفه المصريون من الحرب، أن يجول الفارس من المماليك بفرسه مزهوا متحديا، ثم ~~يثب على خصومه ليجالدهم بالسيف، فهل من العدل أن نصمهم بالخيانة والغدر، إذا هب أحدهم ~~من وراء جدار فأغمد خنجره في ظهر خصمه العنيف الجبار؟ ليس للأخلاق يا أبي ميزان واحد؛ لأنها ~~تختلف باختلاف الأحوال والأزمان والحوادث، فالعمل الشريف في حال، قد يكون دنيئا في أخرى، ~~وإنما هو العقل الحكيم الذي يقدر الأمور، ويحكم على الأحوال. # فقال نيكلسون: لم نتمتع بسماع فلسفتك منذ عهد بعيد يا لورا، ولكني أعتقد أن القتل الشريف ~~لا يكون إلا في القصاص، وفي ميدان القتال. ~~- إن مصر لم تكن منذ دخلها الفرنسيون إلا ميدان قتال، وهذا الشاب الحلبي قتل كليبر في ~~ميدان القتال. # فقال محمود: إنه قتله غدرا، فقالت لورا: وأكثر القتل في الميدان لا يكون إلا ms112 غدرا، إن ~~الفارس يتحين غفلة من صاحبه فيفجؤه بالطعنة، أسمعت فارسا يقول لخصمه: خذ حذرك يا صاحبي ~~فإني سأضربك في جنبك الأيسر؟ ما هذا الكلام يا محمود؟ إن الحدود بين الأخلاق مائعة متموجة، ~~فقال أبوها: أنت تحكمين العقل يا لورا، ونحن نحكم الضمير. ~~- ما الضمير؟ كلمة جديدة أخرى من الكلمات التي ابتدعوها، لو طلبت من «سقراط» تحديدها ما ~~استطاع، هذا ضميره يؤنبه؛ لأنه قبض على قاتل وساقه إلى القضاء، وهذا ضميره يؤنبه؛ لأنه لم ~~يقبض عليه، وهذا ضميره يحزنه؛ لأنه ضرب ابنه وعنف عليه، وهذا ضميره يخزه؛ لأنه لم يضربه، ما ~~هذه الفوضى وما هذا الارتباك الخلقي؟ وأظن أنني سمعت منك يا أبي، أن القضاء الإنجليزي لا ~~يصدر أحكامه عن قانون مدون، وإنما يحكم القاضي في كل مسألة على حسب الأحوال المحيطة بها؛ ~~ذلك لأن لكل حال حكما، فقال نيكلسون: هوني عليك يا بنيتي، ودعينا - كما يقول الإنجليز - ~~نتفق على أن نختلف، أتظنين أن الفرنسيين سيصبون نقمتهم على البلد؟ ~~- ما أظن بعد أن قبض على القاتل وتبين أنه حلبي. # وقال محمود: أخشى أن يجرهم البحث إلى تتبع المتآمرين الذين كانوا يغشون بيت الشيخ ~~السادات، وحينئذ فعلي وعلى نيكلسون وعلى السيد عمر مكرم، والسيد المحروقي - السلام، فقال ~~نيكلسون: لا يا محمود إننا كنا نتآمر على إخراجهم من البلد لا على قتلهم غيلة، الذي أظنه أن ~~موجة العذاب ستزحف على الأزهر؛ لأن القاتل كان أحد طلابه، ثم دلفوا إلى مضاجعهم، والقاهرة ~~ساهدة ناصبة، ومر يومان تم فيهما تحقيق الحادث الجلل، وحكم على سليمان الحلبي بقطع يمينه ~~التي صوبت الخنجر إلى صدر القائد العظيم، وبصلبه فوق مخزق وترك جسمه لجوارح الطير ~~تتخطفه، وبقتل الطلبة الأربعة الذين أفضى إليهم بسره، ثم احتفل الفرنسيون بجنازة المقتول ~~احتفالا ضخما، ودفنوه بحديقة قصر العيني. # وحينما قتل كليبر، أطل الجنرال مينو برأسه من الغمرة التي كان فيها ووثب إلى قيادة ~~الجيوش الفرنسية، وأصبح حاكم مصر المطلق، لا لموهبة ممتازة أو لعبقرية نادرة أو لنبوغ في ~~ميدان الحرب أو ms113 ميدان السياسة، ولكنه وصل إلى هذه القمة قضاء وقدرا، كما وصل من قبل إلى ~~المراتب السامية في الجيش، دون أن يفتح فتحا، أو يحرز انتصارا، وصل إليهما كما نقول اليوم ~~بالأقدمية لا بالكفاية؛ لأنه كان أقدم قواد الفرق في الخدمة، وانتقل من القلعة إلى قصر ~~القائد العام بالأزبكية، وأظهر من العظمة والبذخ والتباهي ما لا يستطيعه غير «مينو». # أما زبيدة: فإنها حينما وصل إليها الخبر، وعلمت أن زوجها أصبح حاكم البلاد، وأنها أصبحت ~~ملكة مصر كما زينت لها «رابحة» العرافة منذ سنتين - أخذتها نوبة مبهمة مختلطة، يمتزج فيها ~~السرور بالحزن، والرضا بالسخط، والتصديق بالسخرية والازدراء، وفتحت عينيها كأنها تستيقظ من ~~حلم مخيف مفزع، وأخذت تناجي نفسها في أسى ممض قاتل: أهذه غاية المطاف؟! وتلك هي الأمنية ~~الخداعة التي أطفأت بها سراج حياتي؟! ولهذه الصفقة الخاسرة بعت جسمي ونفسي؟! ولذلك الاسم ~~الأجوف ضحيت بحب محمود الطاهر النقي؟! ذلك الحب الملائكي الذي لو مس الهاجرة لعادت نسيما، ~~أو امتزج بالماء لكان تنسيما؟! كيف صدقت هذه الخرافة؟ وكيف أغواني الشيطان بتصديقها؟! أنا ~~ملكة مصر؟! ثم أخذت تضحك كما يضحك الأبله المأفون، أنا ثانية شجرة الدر بمصر؟! مرحى!! ~~مرحى!! مرحى!! أين عرشي، وأين وزرائي، وأين جيشي وأين أمري ونهيي؟ ملكة من أوهام، وعرش من ~~أحلام، وجيوش من حطام، ثم أين مصر التي أنا ملكتها؟ رسوم وأطلال، وأخلاق بالية وأسمال، ~~وأشباح كالظلال، أنا ملكة مصر؟ ولن أستطيع أن أخرج من داري، أو أجرد حملة على طاهي مطبخي ~~الفرنسي!! يا لضحك القدر ويا للسخرية ويا للعار!! كيف صدقت أن أكون ملكة مصر؟ حقا إن بين ~~من يدعون العقل كثيرا من المجانين، وإن شر الجنون ما كان خفيا مستورا، وهذه العرافة ~~«رابحة» - قطع الله لسانها - هي التي خدعتني، ورأت في عقلي مسلكا إلى الجنون فسلكته، هؤلاء ~~العرافون قد تكون لهم لمحات من الغيب، ولكنهم لا يحسنون تفسيرها، يقولون لرجل: أبشر ستكون ~~لك شهرة ولاسمك ذيوع، فيذيع اسمه في جريمة! ويقولون لآخر: إنك ستنزل في بيت الحاكم، فيسجن! ms114 ~~قالت رابحة: إنك ستكونين ملكة مصر، ولم تقل: إنك ستعتقلين في بيت حاكم مصر الأجنبي، ويحي ~~على شبابي، وويلي من خيالي وأوهامي!! لقد فقدت كل شيء، ونكبت بكل شيء، وحصلت وأنا ملكة على ~~غير شيء. # ودخل «سرور» فرآها باكية حزينة فقال لها: ما هذا البكاء يا سيدتي؟ نحن مؤمنون، وإن الله ~~لا يغير في لوح القدر ما كتب فيه. ~~- أعلم ذلك يا سرور، ولذلك أبكي. ~~- هوني عليك يا سيدتي، إن الله مع الصابرين. # هكذا كانت حال زبيدة عندما أصبحت سيدة نساء مصر، وقد روح عنها قليلا أن زوجها انصرف ~~عنها إلى شئون الدولة، وترك لها وقتا غير قصير تنعم فيه بالبعد عنه. # وتوالت الأيام، وأظهر كل يوم منها تعثر «مينو» في سياسته، وأبان كل حادث «خلقا من أبي ~~سعيد عجيبا»: فقد عبث بقواد الجيش كما شاء حقده، فعزل منهم من عزل لسخائم في نفسه، ورفع من ~~رفع من غير حق، فذعر القواد لهذه الفوضى وسخط الجنود، وتبددت وحدة الجيش، وألف ديوانا ~~جديدا للأحكام، جعل بين أعضائه صهره العزيز السيد عليا الحمامي، ثم اتجه إلى أهل مصر ~~فأرهقهم بالضرائب الفادحة، وأكثر من المصادرة وسجن الأبرياء وهدم الدور، حتى محيت أحياء ~~بأكملها، وأصبح معظم القاهرة قفرا يبابا، وبلغت القلوب الحناجر، وضاق بالناس الخناق، ~~فأخذوا يهجرون القاهرة أفواجا، وزاد في سخط الجيش أن زبيدة وضعت له غلاما فسماه: سليمان، ~~شماتة في كليبر، وتنويها باسم قاتله. # وفي مارس سنة 1801م ذاعت بين الناس ذائعة تلقفتها الأفواه ورددتها المجامع، وتنفس الناس ~~لها الصعداء، وكان نيكلسون ومحمود العسال يزوران السيد المحروقي في داره، فوجدا عنده الشيخ ~~عبد الرحمن الجبرتي، فسأله نيكلسون: ما هذا الخبر الغريب يا مولانا؟ ~~- لم يصبح الخبر غريبا يا سيدي السوسي، فقد وصلت عمارة إنجليزية إلى أبي قير، فهزمت ~~الفرنسيين ونزلت إلى البر، ودارت معركة بالإسكندرية بالمكان الذي يدعونه بقصر القياصرة، ~~كانت الغلبة فيها للإنجليز أيضا، وسافر «مينو» إلى الإسكندرية، لتتم الهزيمة. ~~- أواثق أنت من هزيمة الفرنسيين. ~~- كما أثق بالعدل الإلهي، إن الفرنسيين ms115 ليسوا كما كانوا أيام بونابرت، وقد قضى مينو على ~~البقية الباقية من حماستهم واجتماع كلمتهم، وراح يبدد جيشه في كل أنحاء مصر، فكيف يستطيع ~~بفئة قليلة أن يلاقي جيشا عظيما؟ ~~- ما رأي سيدنا الشيخ في الإنجليز؟ ~~- أخاف أن تكون لهم نية في مصر، وأنهم يركبون الترك مطية لأغراضهم. ~~- إن الإنجليز قوم شرفاء. ~~- وما شأن هذا بالشرف؟ إن للكون نظاما، والفوز دائما للقوي يا سيدي. ~~- هذا الذي يسميه أهل أوربا: نظام بقاء الأصلح. ~~- سبقهم إلى ذلك القرآن الكريم: # فأما الزبد فيذهب ~~جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~، وقال عز ~~شأنه: # إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين ~~. # وانفض المجلس وتوالت الإشاعات في كل يوم، ورقص عوام القاهرة وطربوا لكل خبر جديد، وأنشد ~~الصبيان الأناشيد في المكاتب والطرق، وخرج شذاذ «الحسينية» و«العطوف» و«الرميلة» في جموعهم ~~يتحدون الفرنسيين، ولم تمض أيام حتى وثب جيش من الترك والإنجليز على أرباض القاهرة، فذعر ~~الجنرال «بليار» نائب «مينو» وعقد مع المغيرين معاهدة من شروطها أن يغادر الجيش الفرنسي ~~بلاد مصر في أقرب ما يكفي من الزمان لرحيله. # أما مينو فاضطرب أمره بالإسكندرية وركب رأسه، وقذف بجنوده في غير حزم إلى موت محتوم حتى ~~إذا سقط في يده، ورأى أنه ضل الجادة وتقطعت به وسائل الدفاع سلم سيفه مهزوما، وعاهد ~~الترك والإنجليز في السادس والعشرين من أغسطس سنة 1801 على مغادرة مصر، فأقيمت معالم ~~الأفراح في كل مكان، وأشرقت الشمس بنور ربها فبددت غياهب الأحزان، ونظر الفرنسيون إلى ~~الجنوب وهم مبحرون من الإسكندرية، بعد أن تمزقت آمالهم، فإذا أبو الهول لا يزال يبتسم!! # | الفصل السابع عشر # كانت زبيدة ذات صباح في غرفتها، وهي في هم ناصب وحيرة قاتلة: أتفرح لجلاء الغاصبين عن ~~بلادها، أم تحزن لجلائها عن بلادها؟ ولماذا تفارق أهلها وديارها إلى قوم هم عنها غرباء وهي ~~فيهم دخيلة؟ ألهذا الزواج الذي عبث بنسبتها فأصبحت لا شرقية ولا غربية، وبتر ما كان لها من ~~صلات محبوبة من الحب والسعادة والشباب، ونقلها ms116 من بيئتها التي فيها نشأت ، وفي جوها نمت، ~~وفي ظلال آمالها تفيأت إلى بيئة أعجمية أصبحت فيها غريبة الوجه واليد واللسان، كما ينقل ~~النبات من مصر الدفيئة الضاحكة إلى مثالج سيبريا الباكية الحزينة؟ لماذا تفارق أرضها ~~وديارها؟ إن زواجها كان خطرة من وسواس مينو ذي الخيال الخصيب والعقل العجيب، ولبانة أراد ~~قضاءها في مصر، حتى إذا نبت به مصر، وأزمع عنها الرحيل، تركها وراءه كما يقذف الطفل بلعبته ~~الأثيرة عنده إذا رأى غيرها. # وهنا تنهدت وقالت: كنت لعبة مصرية، وسيجد القائد العظيم بفرنسا لعبا كثيرة تحسن القفز ~~والرقص، وتعرف كيف تستهوي الرجال الذين لهم عقول الأطفال، وبينما هي تغوص وتطفو في هذا ~~الخضم المائج من الأخيلة والأفكار؛ إذ صاح ابنها سليمان وكان نائما، فهرعت إليه حدبة مشفقة ~~مدللة، وأخذت تناغيه وتناجيه بألفاظ عذبة، تعرف الأمومة العطوف كيف تصوغها، ثم شرعت تحدثه ~~كأنما تحدث فتى يافعا وتقول: ستبقى معي هنا يا فتاي العزيز إذا ذهب أبوك إلى فرنسا، سنعيش ~~هنا يا سليمان سعيدين، وستنال من حبي أضعاف أضعاف ما كنت تناله من حب أبيك، إن في قلبي ~~حبا قديما مكظوما كتمته وأحكمت سده، وقد كنت في أول يوم من الأيام أريد أن أسعد به كما ~~تسعد الفتيات، فجاء أبوك في طريقي فسددته عنه وعن الناس جميعا، فخذه كله يا سليمان، فإنه ~~حب نقي كماء الغمام، طاهر كصحائف الأبرار، عظيم كموج البحر، إنك إن تذوقته أغناك عن حب ~~أبيك، إنه حب فتاة والهة ضاع أملها، وأم رءوم تحيا مرة أخرى في وحيدها. # وهنا ضحك الطفل - وكان في شهره السابع، وحرك يديه، فقبلته وقالت: أتضحك من أمك يا ~~سليمان؟! اضحك منها كما تشاء فقد ضحك منها أبوك، وضحك منها الناس جميعا، ولكنك ستبقى لي ~~على كل حال، ريحانة حياتي وقرة عيني، وإذا طلبك أبوك فقل له في رجولة وشهامة: سأبقى مع أمي ~~فاذهب أنت حيث شئت، إن أبناء النيل لا يبغون بمائه الطاهر بديلا! أنت مصري يا سليمان ... أنت ~~مصري بلا شك؛ لأني ms117 مصرية، وأنت فلذة مني، فدع أباك الفرنسي يذهب إلى بلاده كما يريد، وتعالى ~~نعد إلى دارنا في رشيد ونجمع حطام تلك الذكريات الحلوة، التي عبثت بها العواصف وبددتها ~~الخطوب. # ثم طافت بوجهها جهومة قاتمة وقالت: وإذا حتم أن تذهب معه إلى فرنسا فماذا تفعل؟ أتذهب ~~معه؟ إنك إن فعلت قتلت أمك يا سليمان، إني أوثر أن تنزع روحي من جسمي على أن تنزع أنت من ~~يدي، وهنا طرق الباب خادمها «سرور» وكان معه «روفائيل» المترجم جاء يترجم الرسالة وكانت ~~موجزة جافة يأمر فيها زبيدة بالرحيل العاجل إلى رشيد، لتدرك السفن التي ستقل جيش الجنرال ~~«بليار» إلى فرنسا، ويهددها في آخر رسالته بأنها إن أبت الرحيل، فعليها أن تسلم ولدها إلى ~~مسيو «إستيف» مدير الشئون المالية، ليحمله إلى أبيه بالإسكندرية. # وما كادت زبيدة تسمع الرسالة، حتى جن جنونها، وصاحت في وجه روفائيل: اذهب وقل لسيدك: إن ~~مخلوقا في الأرض لن يستطيع أن يأخذ مني ولدي، ثم قل لسيدك: إنه لم يعد حاكما على مصر حتى ~~يتبع معي أساليبه التي قضت عليه وعلى ملكه، ثم قل له مرة ثالثة: إن زبيدة مصرية، وإن ابنها ~~مصري، رغم أنف القوانين التي تأنقتم في وضعها. # وحينما سمعت أمها صياحها أقبلت مذعورة، وكانت في غرفة بعيدة مع ابنها علي الحمامي، فلما ~~علمت الخبر انفجرت بالبكاء، ووقف إلى جانبها «سرور» وهو يدافع الدمع فلا يستطيع، وأخذت ~~زبيدة تذكر تاريخها الأسود، وتعدد ما أصابها من النكبات بين بكاء يمزق الصخر، ونشيج يذيب ~~الحديد، وكان المترجم «روفائيل» قد خرج بعد أداء رسالته مسرعا، فلحق بالمسيو «إستيف» في ~~دار ديوان الأحكام وأخبره الخبر، فأسرع إستيف إلى قصر مينو وطلب مقابلة زبيدة، وكان ينتفض ~~من الغضب، فلما قابلها قال لها في حزم وتصميم: إن زواجها بالجنرال لم يكن لعبة لاعب أو ~~سخرية ساخر، وإنما هو زواج شرعي له كل مطالب الزواج الشرعي ونتائجه، أما أن الجنرال لم يعد ~~حاكما لمصر، فتلك مسألة ليست للنساء أن يخضن فيها، ولكن الذي يعلمه، والذي ms118 يجب على السيدة ~~أن تعلمه ، أن من مطالب الجنرال مينو الأولى عند الاتفاق على نزوح الفرنسيين عن مصر أن تتخذ ~~الوسائل الأمينة لسفر زوجه وابنه إلى فرنسا، فإذا كان مينو حاكم مصر أو لم يكن، فإن الترك ~~والإنجليز سينفذون هذا المطلب، رضيت السيدة أم أبت، وإذا بلغت بالسيدة رقة العاطفة بحيث لا ~~تستطيع أن تغادر وطنها، فإننا لن نجرؤ على مس تلك العاطفة النبيلة، ولكننا نكتفي بحمل ابن ~~الجنرال إليه؛ لأنه فرنسي السلالة، بمقتضى المادة الحادية عشرة من عقد الاتفاق المسجل ~~بمحكمة رشيد. # سمعت زبيدة هذا الحديث أو هذا التهديد فصعقت، وتطلعت إلى مسيو إستيف في استعطاف يفتت ~~الصخر، فلم تجد في وجهه إلا عبوسا ويبسا، ثم تنهدت وقالت: ألا ينتظر الجنرال سنة حتى ينمو ~~الطفل قليلا ويتحمل مشاق السفر؟ فقال إستيف في إيجاز: السفر غدا. # وهنا هزت زبيدة رأسها وقالت في شمم اليائس: سأسافر غدا، ويفعل الله ما يشاء، ثم كفكفت ~~دموعها وقالت لسرور: أعد كل شيء يا سرور، وهمت أمها بالبكاء فصاحت بها: ليس هذا وقت ~~البكاء يا أماه، إنما هو وقت الصبر والتسليم لأحكام القدر. # فأعد سرور كل شيء للرحيل وحتمت والدة زبيدة عليه أن يسافر مع سيدته إلى فرنسا؛ لأنها ~~لا تطمئن على سلامتها إلا وهي في حياطته وحراسته، وذاع خبر سفر زبيدة بين أهلها بالقاهرة، ~~فاجتمع في الصباح بالقصر: السيد المحروقي، وزوجته أمينة، وابنته وابنه، ومحمود العسال ~~ونيكلسون، ولورا، وكانت فترة من الحزن تعلو وجوههم كأنهم جاءوا لتشييع جنازة، ونزلت زبيدة ~~من السلم وحولها أمها وأخوها وسرور، وخادمة تحمل ابنها سليمان، فسلمت على مودعيها واحدا ~~واحدا في صمت وتجلد، ولما جاءت للسلام على ابن خالتها محمود لم تملك إلا أن تعانقه، وتطبع ~~على جبينه قبلة صامتة، ثم ترسل زفرة حزينة فيها كل معجمات اللغة من الحب والحنان، ولما ~~همت لتركب المحفة إلى ساحل بولاق، اتجهت نفيسة إلى سرور وهي تحمل في يدها كيسا ثقيلا ~~وقالت: هذا الكيس يا سرور به ألف محبوب، فاحفظه معك ولا ms119 تنفق منه شيئا، فإذا وقعت سيدتك ~~زبيدة في ضائقة فأنفق منه ما تشاء لتخليصها، نحن لا ندري يا سرور ما يكون، ولكن إياك أن ~~يمسها سوء وأنت معها، أنت خير أمين عليها يا سرور، ابذل روحك ومالك في أن تنجيها لوالدتها ~~الحزينة، في وديعة الله ... في وديعة الله! # وركبت زبيدة المحفة بين بكاء الباكين وعويل المعولين، واختفت عن الأنظار كما يختفي حجر ~~صغير يقذف به في بحر خضم. # وسار محمود ولورا مع خالته نفيسة حتى بلغا دارهما، وحينئذ قالت لورا: لم يعد لنا بقاء ~~بالقاهرة يا محمود. ~~- إن سرورنا بخروج الفرنسيين ضيع نشوته حزننا على زبيدة، وقد أقمنا بالقاهرة لمناجزة ~~الغاصبين، لذلك أرى ما ترين. # فأسرع نيكلسون قائلا: لنسافر غدا إذا مع السيدة نفيسة، ولما عقد الاتفاق على السفر، ~~خرج محمود إلى ابن عمه حسين فأخبره بما عزم عليه، ووجد عنده سعدا الشباسي المراكبي، فعلم ~~منه أنه سيسافر إلى رشيد بعد يومين، فتركهما محمود وأخذ في الاستعداد للسفر، حتى إذا جاء ~~اليوم الموعود ركبوا في السفينة إلى رشيد. # | الفصل الثامن عشر # وصلت السفينة إلى رشيد بعد ستة أيام، والتقى محمود بأمه بعد طول الغيبة، فرآها لا تزال ~~ملازمة فراشها، ولكنها انتعشت لرؤيته ودب فيها دبيب الحياة، ثم قدم إليها لورا، فقبلت يدها ~~في أدب وحياء، وأخذت السيدة زينب تحدد النظر إليها وتصوبه ثم صاحت: هذه ابنتنا لورا؟ أين ~~كنت يا بنيتي كل هذه المدة؟ أيجمل بك أن تتركي خالتك المريضة دون أن تروحي عنها بزيارة ~~قصيرة؟ حقا إن البعيد عن العين بعيد عن القلب. # فقال محمود: إنها كانت في القاهرة يا أمي منذ دخول الفرنسيين مصر، وقد كانت ترعى ابنك ~~محمودا بعطفها، وتمرضه وهو جريح، حتى عاد إليك رجلا قويا يحملك هكذا، ويقبلك هكذا، ثم ~~حملها وأخذ يغمر وجهها ويديها بالقبل، وهي جذلى فرحة تتصنع الصياح والعربدة، ثم قالت وقد ~~التقطت أنفاسها: إنك لا تزال غلاما شقيا كعهدي بك، وأين أبو لورا؟ ~~- ذهب إلى منزله الذي كان يسكنه «إلياس فخر» ms120 المترجم؛ لأنه رحل مع الفرنسيين ... وعادت إليه ~~خادمته مبروكة، وخادمه عبد الدايم، فاتجهت إلى لورا وقالت: لقد كان منزلك جميلا يا لورا، ~~كنت كلما زرت مقام سيدي الإدفيني عرجت عليه لأجلس بجانب إحدى نوافذه الشمالية، لأتمتع ~~بشميم أزهار الحدائق حوله، فأسرع محمود وقال: إنه لم يعد منزل لورا يا أمي. ~~- ألم تقل: إن المترجم رحل عنه، وإن الخواجة نيكلسون عاد إليه! ... ~~- نعم، ولكن لورا يحول الآن بينها وبين سكناه حائل عظيم. ~~- حائل عظيم!! ما هو؟ # فابتسم نحو لورا وقال: الشرع الشريف والحب الشريف. # فقالت أمه: أنا لا أفهم هذه الألغاز! ~~- وهذا بعض ما تستحقين، فطالما ربكت عقلي بالأحاجي (الفوازير) وأنا صغير لا قبل لعقلي ~~بها. ~~- دع هذا يا محمود وخبرني جلية الخبر. ~~- إن لورا تزوجت. ~~- ألف مبارك يا لورا، بمن؟ # فقال محمود: بمن لا يحب في الدنيا إلا امرأتين: هي ... وامرأة أخرى تجلس في سريرها. ~~- رجعنا إلى الألغاز ... بمن بحقك؟! ~~- بابنك محمود. # فاتجهت زينب إلى لورا ومدت إليها ذراعيها، وأخذت تقبلها بين الضحك وانهمار الدموع، ثم ~~قالت وهي تداعبها: عرفت سر تكرار زياراتك لخالتك المريضة حينما كنت برشيد، ثم ضحكت وقالت: ~~هؤلاء البنات لا يغلبهن غالب حينما يردن، وقد خلقت لهن أمهن حواء تلك الشبكة المحكمة ~~الأطراف التي تصيدت بها أباهن آدم، ألف مبارك، ألف مبارك يا لورا، من مثلي الآن في رشيد؟ لي ~~ولد وبنت صورهما الله من جمال وحسب وخلق كريم! الآن لا أحب أن أموت # ثم أمرت الخدم أن يعدوا لهما غرفا خاصة بهما، وبعد قليل هجس بنفسها هاجس أليم انقبض له ~~وجهها فقالت: لقد علمت بخاتمة نكبة بنت خالتك يا محمود، إنها لمصيبة أخف منها الموت، وكيف ~~حال أختي نفيسة؟ ~~- جاءت معنا من القاهرة وذهبت إلى دارها. ~~- مسكينة!! لن تجد بدارها أنيسا إلا إذا ائتنس البائس بما يؤلم من الذكريات!! مسكينة!! ~~مات زوجها الشهم الذي لم تشرق شمس رشيد على مثله، وضاعت بنتها غنيمة للفرنسيين، حتى كأنهم ~~لم ينزلوا مصر إلا لاختطافها، وبقي لها ... ماذا بقي ms121 لها؟! الثكل والجزع، وابنها علي الحمامي. ~~- آه يا أماه!! إن رزيئتنا في زبيدة فوق الاحتمال. # فأرسلت أمه نظرة خاطفة إلى لورا وقالت: ذلك قضاء الله يا بني ... من كان يظن أن الشرقي ~~يتزوج غربية، والغربي يتزوج شرقية!! آمنت بالله، وآمنت بالقدر خيره وشره!! # وفي هذا اليوم غير نيكلسون زيه فارتدى ملابسه الإفرنجية، وطلق اسم الحاج محمد السوسي إلى ~~غير عودة، وقابل شريكه «أورلندو» فضبط معه حسابه مدة غيبته، وعاد إلى متجره بشارع البحر كما ~~كان، مغتبطا مسرورا برحيل الفرنسيين، مزهوا فخورا بأن قومه هم الذين أجلوهم عن البلاد. # واستبشر أهل رشيد بعودة محمود العسال ونيكلسون صديقهم القديم وتوافد عليهما المهنئون، ~~وكان حديث بطولتهما ملء المسامع والأفواه، وزواج محمود بلورا موضع جدل ونقاش بين الفتيات ~~والأمهات. # ومرت سنوات ست على محمود حتى أظلته سنة 1807م وهو هانئ سعيد بزوجته وقد زاد بها تعلقا ~~وزادت به حبا، وفي خلال هذه السنوات اضطربت الأحوال بمصر، واشتد الصراع بين الترك ~~والمماليك، وشايع زعماء المصريين محمد علي باشا، فاختارته الأمة واليا على مصر، وتجرد ~~لمحاربة المماليك واستئصال شأفتهم. # وفي ذات ليلة بينما كان محمود ولورا يزوران نيكلسون، دخل حسين العسال ابن عم محمود، وقال ~~وهو يلهث من التعب: لقد بحثت عنك يا محمود في كل مكان، جئت اليوم من الإسكندرية وهي في أشد ~~أحوال الكرب والاضطراب، فقد نزل بها بالأمس جيش إنجليزي واحتل المدينة، والناس في حال يرثى ~~لها؛ لأنهم لم يكادوا يفيقون من صدمات الفرنسيين، حتى سقطوا في أيدي الإنجليز، وقد علمت من ~~الشيخ المسيري أن قائد هذه الحملة يدعى: فريزر، فبهت محمود وقال في ذهول: جيش إنجليزي؟ ~~- نعم، فإني أعرف الراية الإنجليزية، وأميز ملامح الإنجليز من أي جنس آخر. فقال محمود: ~~ولماذا قدموا يا ترى؟ فأجاب نيكلسون وقد أدرك حرج موقفه: إنهم لم يجيئوا لامتلاك البلاد، ~~والذي أعلمه أن الدولة العثمانية حالفت نابليون، وقطعت صلاتها بإنجلترا، فخاف الإنجليز أن ~~يستغل الفرنسيون صداقتهم الجديدة للترك فيعودوا إلى احتلال مصر، فجاءوا لدرء الخطر الفرنسي ~~عن ms122 مصر، وربما كان مجيئهم استجابة لدعوة من المماليك. فقال محمود ساهما: هذا كلام حسن يا ~~صاحبي، وأرجو أن يكون الأمر كما تقول. # فقال نيكلسون: هذا هو الذي أظن. # وبعد أيام كانت رشيد في قلق واضطراب، فقد شهد الناس من مئذنة مسجد زغلول جيشا مقبلا على ~~المدينة، ولم يكن برشيد من العدة وآلات القتال ما تستطيع أن تدرأ به جيشا غازيا، ولم ~~يكن لها من الأسوار إلا أطلال عصفت بها الرياح والأنواء، وما كانت إلا ساعة من نهار، حتى ~~دخل الإنجليز المدينة بغير قتال، فثار السكان وغضبوا، وقام الخطباء يستحثون العامة على ~~الدفاع، وكان محمود العسال في حيرة بين واجبه وحبه، فما كان يصح في عقله أن يقتحم المغيرون ~~مدينته وهو واقف مكتوف اليدين، ولكن لورا؟ أيحارب قومها؟ لقد كاد قلبه لشدة شغفه بها يتسع ~~لحب الإنجليز جميعهم. # جلس حزينا مفكرا، وأصوات الناس وعجيجهم تملأ أذنيه، وهم مسرعون للقتال، فدخلت عليه لورا ~~وقالت: في أي شيء تفكر يا محمود؟ ~~- أنا في حيرة يا حبيبتي. ~~- وفيم الحيرة؟ ~~- أنا في حيرة بينك وبين وطني. ~~- بيني وبين وطنك؟ إن قومي بخير يا محمود، وإن قومي يمجدون الشهامة كيفما كانت، حتى ~~إنهم يمجدونها في أعدائهم. وإنني لم أحبك إلا لبطولتك وإقدامك وغيرتك على بلادك، فإذا تخليت ~~عن هذه الصفات لأجلي فقد تخليت عن حبي، إن زوجي محمودا الذي أحببته فوق كل حب، وملأت به ~~قلبي غراما، وفمي إعجابا وفخرا، لن يجلس في داره كما تجلس العجائز وطلقات رصاص الفاتحين ~~تصم المسامع، إنه إن رضي بهذا فإن زوجته لورا لن ترضى، وماذا يقول الناس، وبم يهمسون؟ ~~سيقولون: لقد كان محمود محمودا قبل أن يتزوج، لقد كان بطلا يلاقي الموت جريئا بساما، ~~فلما فتنته الإنجليزية سلبته كل صفات الرجولة، فأصبح فسلا رعديدا خائر العزم قليل الغناء، ~~أتحب أن يقول الناس هذا عني وعنك؟ ثم قهقهت وقالت: لا يا زوجي الباسل أنا أعرف أن شيئا في ~~الأرض أو في السماء لن يحول بينك وبين الذود عن وطنك، ولو ms123 كان ذلك الشيء حبي، ولكنك تجاملني ~~يا محمود، تجامل زوجتك التي ليس لها سواك، والتي تحب فيك الهمة ومضاء العزيمة. ~~- نعم أجاملك يا لورا، ولكني لم لو أنل رضاك لسرت إلى القتال مشتت القلب مثقلا ~~بالهموم. ~~- لا يا حبيبي على بركة الله مجمع القلب باسم الوجه، وعد إلى زوجتك الوالهة مظفرا ~~منصورا. # فوثب إليها يقبلها وتقبله في شغف وحنان، وقد امتزجت الدموع بالدموع، وتلاقت الزفرات ~~بالزفرات، ثم اختطف بندقيته وقفز إلى باب الدار ليلحق بالجموع الزاخرة التي شمرت للدفاع ~~عن المدينة. # وكان الحشد عجيبا حقا: اجتمع فيه الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وكانت العصي ~~والحجارة أكثر ما يزهى به هذا الجيش من عدد القتال، فتقدم محمود الجمع، ودعا إلى الهجوم ~~بين تهليل المهللين وتكبير المكبرين، وكان القتال في الحارات والبيوت، واستمرت المعركة ~~ساعات سقط فيها عدد غير قليل من الجانبين، ولما احتدم القتال ولاح النصر في جانب أهل ~~المدينة، ورأى محمود رابية لا تزال تتحصن بها ثلة من الجنود، فدعا بعض الفتيان إلى ~~محاصرتهم، ولكنه لم يكد يتقدم منهم قليلا حتى رماه أحد برصاصة اخترقت صدره فسقط على الأرض ~~صريعا. # وهنا ثار السكان ووثبوا وثبة رجل واحد، فتراجع الغزاة وغادروا المدينة، وعاد الجموع ~~يحملون جثة محمود بين البكاء والعويل، حتى وصلوا إلى بيته، فهرعت لورا المسكينة إلى زوجها ~~المقتول نادبة باكية، ورمت بنفسها عليه تعانقه وتقبله، وتخاطبه كأنما هو حي مدرك، بألفاظ ~~تقطع نياط القلوب، وعبارات تستنزف ماء العيون، حتى إذا حاول أبوها وحسين العسال أن يواريا ~~عنها الجثة، صاحت بهما غاضبة صاخبة: اذهبا إلى شأنكما، ودعاني أقبله فإن الحب لا يعرفه إلا ~~من يكابده، ودعاني أحدثه فإنه يأنس لحديثي ويطرب لنبرات صوتي، ثم انكبت عليه ثانية، وهي ~~تقول: محمود يا حبيبي: أحقا عدت منصورا وجئت إلى زوجتك الحبيبة تطلب أجر بطولتك؟ هذه ~~قبلة، وهذه قبلة أخرى، أهذا يكفيك يا نور عيني؟ لا يكفي؟! أنت ولد طماع جشع! خبرني بالله ~~ماذا فعلت؟ تقدمت الصفوف كميا شجاعا، وسخرت من الموت جريئا تياها، ms124 وذكرت زوجتك الغالية ~~فوثبت غير هياب لتحظى بحبها وإعجابها؟ لم يبق لي حب أدخره يا محمود، لقد أخذته كله، ولم ~~أترك في نفسي إعجابا إلا توجت رأسك به، إنك لم تمت يا محمود، قل إنك لم تمت!! هؤلاء ~~المساكين الذين حملوك إلي، يظنون أنك ميت لا ترجى!! كذبهم يا محمود، وقل لهم: إنك حي، ~~وإن مثلك لن يموت. # ثم حمل البطل إلى الدار، وبقيت لورا طول الليل إلى جانبه تحادثه وتقبله، حتى خاف أبوها ~~عليها الجنون، فأخذ يهدئ من نفسها، ويذكرها بما يجب من التسليم لأحكام الله، ويدعوها إلى ~~الجلد والصبر، فسكنت بعض السكون، واستسلمت إلى البكاء، وفي البكاء شفاء المحزونين. # وفي الصباح هرع الناس للاحتفال للجنازة، وأخذ المؤذنون فوق المآذن يشيدون ببطولة الراحل ~~ويمجدونه، ويستمطرون عليه الرحمات، وازدحم مسجد المحلي بالجموع التي أقبلت للصلاة عليه ~~واجمة حزينة؛ ووقف الحاج عبد الله البربير، فأنشد قصيدة في رثائه، بكى فيها وأبكى الناس، ~~كان من أبياتها: # محمود إن حمد العزاء فإنه # في يوم خطبك ليس بالمحمود # لم يبق في سوى الدموع فهاكها # دفاقة والجود بالموجود # ثم حمل أعيان المدينة النعش على أعناقهم إلى مدفن شهاب، وعاد المشيعون يرددون الدعوات ~~ويرسلون الزفرات. # أما لورا: فقد أصابها طائف من الذهول، فكانت تخرج في كل صباح مع خادمتها مبروكة ذاهلة ~~مأخوذة كأنها تمشي في حلم مزعج مخيف، فتذهب إلى الحدائق لتجمع أنضر أزهارها، ثم تتجه إلى ~~قبر زوجها فتنثرها فوقه، وتجلس مطرقة صامتة حتى يظلها الليل، فتعود مع الخادمة، وقد اعتاد ~~الناس هذا المنظر، فكانوا إذا مرت بهم أطرقوا في خشوع، واتجهوا إلى السماء يسألون لها ~~الصبر، ولبطلهم الرحمة، وكان الأطفال يسمونها: بالسيدة الحزينة، ولقد طالما تسابقوا إلى جمع ~~الأزهار لها، ليظفروا منها بتلك النظرة الباكية الحنون. # وفي إحدى الليالي الممطرة المظلمة، سمعت السيدة نفيسة طرقا على باب دارها، فأيقظت ~~خادمتها لفتح الباب، وما هي إلا لحظة حتى صعد سرور ومعه سيدته زبيدة، فلما رأت زبيدة أمها ~~سقطت بين ذراعيها باكية، وطفقت تقبلها وتهتف بكلمات ms125 متقطعة، أما أمها: فقد أدهشتها ~~المفاجأة ، فأخذت تهذي وتبكي، ثم تفتح عينيها واسعتين لترى أفي يقظة هي أم في منام، فلما ~~سرى عنها قليلا تأملت فتاتها المحبوبة، فرأت هزالا وسقما، ووجها شاحبا شاعت فيه ~~الغضون، وبحثت عن جمالها الرائع فلم تجد منه إلا بقية من آثار جالدت المصائب فلم تستطع أن ~~تعصف بها فهزت رأسها في شجن وأسى واتجهت إلى سرور فقالت: قل لي كل شيء يا سرور، فزفر سرور، ~~زفرة طويلة ثم قال: سافرنا من رشيد إلى فرنسا ثم لحق بنا الجنرال مينو بعد شهر، وأقمنا ~~بباريس، وفي هذه المدينة تبدلت أخلاق الجنرال، فكان خشنا، كثير الصخب سريع الغضب، وقد ~~انصرف إلى سهرات الليل وغشيان الحانات، وكنت دائما أوصي سيدتي بالصبر، وأدعوها إلى مقابلة ~~هذه الجفوة بالازدراء، ثم رحلنا إلى إيطاليا في مدينة يسمونها «تورينو» فزادت حدته، وتضاعف ~~احتقاره لسيدتي بما لا يحتمل، ثم هجر المنزل، وترك سيدتي تقاسي غصة الفقر وألم المهانة، ~~ولم تصبر هذه المدة الطويلة على هذا الأذى، إلا من أجل ابن سيدتي سليمان، ولكن الجنرال شمر ~~أخيرا على ساعديه، وضرب الضربة القاصمة فأرسل ابنه إلى فرنسا ليضعه في إحدى الأسر الشريفة ~~لتثقيفه وتعليمه، وعندئذ لم يبق في قوس الصبر منزع، ولم تجد سيدتي في البقاء بإيطاليا - بعد ~~أن انتزع ابنها منها - إلا موتا بطيئا تحيط به الهموم والأحزان، فعزمنا على الفرار، ~~وأخرجت كيس المال الذي أودعته عندي يوم رحيلنا، فسافرنا خفية في ظلام الليل إلى مدينة تسمى ~~«نابلي» ومنها ركبنا سفينة إلى الإسكندرية، فوصلنا إليها أمس، ثم اكترينا بغلين إلى رشيد، ~~فتنهدت نفيسة وقالت: نعم ما صنعت يا زبيدة!! ~~- إن عودتي يا أمي لن تصلح شيئا مما تهدم من حياتي. ~~- ستعيشين بجانب أمك هانئة سعيدة، وستمحو الأيام تلك الذكريات القاسية، فإن كل شيء ينسى ~~يا بنيتي في هذه الحياة. ~~- إلا الشباب الضائع. ~~- كوني سلوى لأمك يا فتاتي، ولا تزيدي بالله في أشجانها. ~~- كما تشائين يا أمي، كيف حال ابن خالتي محمود؟ # فوجمت نفيسة وسقط في ms126 يدها؛ لأنها ما كادت تظفر بتهدئة بنتها حتى اصطدمت بسؤال يثير ~~الآلام، ولكنها جمعت شجاعتها وقالت: إن هذه الدنيا لا يركن إليها يا زبيدة. ~~- ما معنى هذا؟ ~~- لقد قامت حرب بالمدينة منذ شهر، كان محمود بطلها المغوار. ~~- أجرح؟ ~~- نعم جرح جرحا بالغا. ~~- وكيف حاله الآن؟ ~~- إنه الآن لا يتألم يا زبيدة، إنه في جنات النعيم!! # فشهقت زبيدة شهقة كادت تودي بها، ثم اشتدت بها نوبة بكاء، وأخذت تهرف وتهذي وتقول: إنه ~~كان حياتي يا أمي، لقد وهبت له حبي وقلبي على الرغم من قسوة الأقدار، ووقوف الدهر بينه ~~وبيني، لا أمل في الحياة بعد محمود، ولا طعم للحياة بعد محمود!! # فعادت أمها إلى تهدئتها وتسكين ثورتها، وانقضى الليل كله في بث وبكاء، ومحاولة للتصبر ~~والعزاء. # وعندما بزغت الشمس سألت زبيدة أمها عن مكان قبر محمود، وأخذت معها سرورا، فانطلقت إلى ~~القبر هالعة جازعة، حتى إذا بلغته رأت امرأة جاثية عنده، مطرقة ذاهلة، فلم تتبين وجهها، ~~فجثت قبالتها في صمت وخشوع، ثم غلبتها الزفرات فتنبهت المرأة ورفعت رأسها، وحين نظرت زبيدة ~~إليها من خلال الدموع صاحت: لورا؟ أنت لورا؟ ونظرت إليها لورا نظرة المذهول وقالت: زبيدة؟ ~~أحقا أنت زبيدة؟ ثم غلبهما البكاء فأطرقتا، وطال هذا الإطراق، حتى إذا قلق سرور لطول ~~صمتهما قام فرأى لهوله أنهما فارقتا الحياة، فأسرع إلى سيدته فأخبرها الخبر الأليم. # وشاع الأمر في المدينة، فجاء السيد علي الحمامي وجاء نيكلسون، وتزاحم الناس فحملوا ~~الجثتين، وبعد صلاة الظهر احتفل أهل رشيد لجنازتهما، ووضعوهما في نعش واحد، ودفنوهما في قبر ~~واحد. # وإذا ذهبت إلى رشيد اليوم وقصدت إلى مدفن شهاب، رأيت قاعة طال القدم على جدرانها، بها قبر ~~نثرت عليه الأزهار، ورأيت رخامة كتب عليها بخط الثلث الجميل: ~~(هذا قبر الشهيدتين) ms127