######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.HatifMinAndalus.Hindawi17979520 #META# Tags: novels #META# ID: 17979520 #META# Title: هاتف من الأندلس #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # | هاتف من الأندلس # | هاتف من الأندلس # تأليف # علي الجارم # | الفصل الأول # في يوم من أيام الربيع رقت فيه أنفاس النسيم، وجملت أفقه أضواء الأصيل، ظهرت قرطبة ~~عروس المدائن وأم قرى الأندلس، وحولها البساتين والخمائل، تحيط بها أشعة الشمس الذهبية ~~فتبدو كأنها صورة في إطار من ذهب، وقد انحدر تحت قدميها الوادي الكبير نقيا صافيا كأنه ~~خالص اللجين، وجرت به السفن ترف قلاعها البيض كما ترف الحمائم رأت ماء وخضرة فحنت إلى ~~الورود. وانطلق الملاحون ينغمون أهازيج لهم، فيها حب، وفيها أمل، وفيها مجد وبطولة، فسرت ~~ألحانهم مع هبات النسيم ناعمة مطربة، وتوثبت كل موجة علها تقتنص منها لحنا. وامتد فوق ~~النهر الجسر العظيم الذي أمر ببنائه عمر بن عبد العزيز ضخما تياها يباهي بأقواسه السبع ~~عشرة ما بناه الأولون، ويتحدى أن يكون له مثل في الآخرين. # هذه قرطبة في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وفي حكم أبي الحزم ابن جهور، انطلقت قبابها ~~في السماء شامخة معجبة على الرغم مما لاقت من الويلات والفتن والحروب وضروب التخريب ~~والتدمير. # هذه قرطبة التي كانت أيام الناصر لدين الله بهجة الدنيا وقبلة الأمم، وملتقى الشرق ~~والغرب، وشعلة النور التي تعشو إلى ضيائها الأبصار، وتفد إليها طلاب العلم من أقاصي الأرض، ~~لعلهم يأتون منها بقبس أو يجدون على النار هدى، والتي لا تزال إلى اليوم تحتفظ بآثار مجدها ~~القديم، وشرفها الصميم. # هذه قرطبة في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، تراها فترى صفحة عجزت الخطوب عن محو سطورها، ~~ودوحة لم تعبث الأعاصير إلا ببعض غصونها، وأملا ضاحكا لم تبكه غوابس الليالي، وصوتا ~~مجلجلا لم ms001 تخفته رعود الأحداث الجسام. إنها لا تزال تروعك بجمال باهر وقوة كامنة لم ~~تزعزعها الدهارير! إنها الحسناء الفاتنة وخطها الشيب فأضاف إلى حسنها وقارا، والحلية ~~النادرة زادها قدم العهد ثمانة وغلاء. تزدان بالقصور السامقة، والمساجد الفسيحة، ومعاهد ~~العلم الزاخرة بالطلاب، والأسواق العامرة والتجارات الرابحة، وحولها من الأرباض ما يجاوز ~~العشرين عدا، بكل ربض ما يقوم بأهله حتى لكأنه مدينة قائمة بذاتها. أما الحدائق والمروج ~~التي تحيط بها فلن تجد لها فيما سجله التاريخ في ألواحه مثيلا. وكان القرطبيون يسمون هذه ~~الحدائق بالمنى: فهناك منية الرصافة، ومنية الزبير، والمنية المصحفية، ومنية عجب. ~~وكانت هذه المنى ملاعب لهو الأندلسيين ومسرح صباباتهم، فلقد كانت قرطبة مدينة العلم والزهد ~~والتصوف، كما كانت مدينة اللهو والعبث والمجون. وكان لشبابها جولات أساموا فيها سرح اللهو. ~~واستناموا إلى النعيم، وأطلقوا العنان للذات، حتى ليقول شاعرهم: # لا تنم واغتنم ملذة يوم # إن تحت التراب نوما طويلا # ولقد لدغوا مرات من جراء هذا العبث والتغالي في حب الحياة، فما أغنتهم النذر، وما حاكت ~~فيهم العبر والمثلات، إلى أن جرهم حب الحياة أو الموت الذي لا صحوة بعده! # كانت الشمس على وشك الغروب، وكانت المدينة تتطلع لاستقبال الليل وما يحمله إليها من ~~لهو ومرح وبهجة، حينما كان فتى يجلس في إحدى حجرات داره، وفي يده قلم يخط به كلمات ~~يثبتها حينا، ويشطب فوقها حينا، ثم يقف مفكرا حينا، وعيناه ذاهلتان في السقف وفي أرجاء ~~الحجرة، كأنه يتلقف الخيال الطائر، أو يستهوي الوحي الحائر، أو يخشى أن ينزلق قلمه بكلمة ~~تأباها الحيطة، ولا يرضاها الحذر. ذلك الفتى هو أحمد أبو الوليد بن زيدون أديب الأندلس ~~وشاعرها، وهو شاب مؤتلق الشباب، ناضر العود، معتدل القامة، وسيم الوجه، عربي الملامح ~~والشمائل. حاجبان إذا اقتربا عرفت فيهما التصميم والعناد وقوة الشكيمة، وعينان فيهما ذهول ~~الشاعرية وبعد مدى الخيال، وأنف أشم يدل على الكبرياء والثقة بالنفس، وفم مفوه خلق ~~ليكون خطيبا! # وابن زيدون من بيت علم وأدب وثراء ونعمة، كان أبوه من كبار قضاة قرطبة ms002 ، رفيع المنزلة عزيز ~~الجانب، فنشأ الفتى كما ينشأ أبناء المترفين ناعم العيش مدللا، يتقلب في جنبات النعيم، ~~ولكن ميوله الفطرية، ومواهبه الموروثة، كانت تختطف من فراغه ساعات لدراسة الأدب وفنون ~~اللغة، فاطلع على مكنونها، وظفر بذخائرها، وخرج منها وافر النصيب ضليعا متمكنا. ~~والعبقرية تكفيها النظرة، وتجزئها الإلمامة لتحصل في قليل على ما تنفق فيه الأعمار، وتشيب ~~دون نيله النواصي. # كان ابن زيدون ينظم أبياتا يجيب بها عائشة بنت غالب التي دعته إلى ندوتها مع ثلة من ~~الشعراء والأدباء، وكان كثير التحزر، يثبت ويمحو، ويختار كل لفظ قبل أن يجري به قلمه، ~~فكتب بعد تردد: # أجل عينيك في أسطار كتبي # تجد دمعي مزاجا للمداد # وبينما كان يهم بكتابة البيت الثاني، إذ دخل خادمه علي الباجي يؤذنه بقدوم أبي مروان بن ~~حيان مع شاب في زي المشارقة. وكان ابن حيان مؤرخ الأندلس شيخا باقعة # 1 # عنيف النقد سليط اللسان، لا يكاد يترك أديما صحيحا، فلم يسلم أحد ترجم له في ~~تاريخه من غمزة تقضي على محاسنه، وتذهب بمآثره، لا يستثني من ذلك ملكا جبارا، ولا ثريا ~~عريض الجاه، ولا عالما بعيد الشهرة، فهابه العظماء، وخافه الأمراء، وتقرب إليه بالود ~~الشعراء والأدباء. وكان يحمل في كمه كراسة لا تفارقه في ليله ونهاره، وكلما شاهد حادثة، ~~أو نما إليه خبر، أو وقعت واقعة أسرع فدون فيها ما رأى أو سمع مصحوبا برأيه وما توحي به ~~إليه نفسه. # كان صديقا لابن زيدون حميما، ولكنه كان شديد النقد له، قاسيا في نصحه، حريصا على أن ~~يجنبه مزالق الشباب. # دخل ابن حيان على ابن زيدون فلما رأى حوله الأوراق والدواة صاح في دعابة قاسية: وهكذا يا ~~أبا الوليد لا تفتأ بين أوراق وأقلام! وأشهد أنك لا تخط فيها إلا ما يمليه الفراغ والشباب. ~~ويلي من أدباء قرطبة ويلي! كأن الشيطان اشترى أقلامهم فما تكتب إلا عبثا ومجونا! فاتجه ~~ابن زيدون إلى الشاب المشرقي وقال في مزح يشبه الجد: ألا تعجب لهذا الشيخ الذي يقتحم داري، ~~ويتجافى عن ms003 تحيتي ، ثم يبدأني بالسخرية والتقريع؟ # والتفت إلى ابن حيان فقال: اجلس يا أخي واهدأ فقد كاد يذهب بأنفاسك طول الطريق، ثم عرفني ~~بهذا السيد حتى أقوم له بحق الكرامة. فقهقه ابن حيان وقال: على أن نعرف ما كنت تكتب! ~~- قبلت شريطتك. ~~- هذا يا أخي أبو الفضل محمد الدارمي، قدم إلينا من بغداد تحفزه رغبة بعيدة المنال، ~~ويحدوه أمل في جمع كلمة العرب بعد أن فرقتهم النوازل والأضغان. فتهلل وجه ابن زيدون وصاح: ~~هذه أمنيتي يا سيدي! فإني أعتقد أن العرب لن تعود إليهم قوتهم إلا إذا اتحدت رايتهم، ~~واتفقت كلمتهم، وكانوا بنيانا مرصوصا لا مطمع فيه لعدو. فزفر ابن حيان ثم قال: وأين ~~الثريا من يد المتناول؟ # فأسرع ابن زيدون يقول: لا تيأس يا شيخ من روح الله! # وهنا قال الدارمي: لقد تنقلت في إفريقية، وحادثت أمراءها، ثم بلغت الأندلس منذ عام، ~~وقابلت ابن عباد صاحب إشبيلية، وابن ذو النون أمير طليطلة، وابن صمادح زعيم بطليوس ~~ورأيت منهم ميلا إلى لم الشمل وجمع الكلمة. # فهز ابن حيان رأسه في تهكم وسخرية وقال: بشرط أن يكون كل أمير منهم هو الرئيس الأكبر! # فعجل ابن زيدون وقال: اتق الله يا حطيئة التاريخ! ~~- لو وجدت خيرا ما كتمته. ~~- إن لك عينا لا ترى إلا الشر. ~~- لا والله! ولكني لا أكتم الحق ولو طاح فيه رأسي. ~~- ما رأيك في ابن جهور عميد الجماعة؟ قل وكن شجاعا. # فتردد أبو مروان قليلا ثم قال: إني أقولها في وجهه يا فتى، ولو كنت أهاب السيف ما حملت ~~كفي قلما. إن ابن جهور خير من ساس هذه الدولة بعد أن تمزقت أوصالها، ورثت حبالها، وهو من ~~أشد الناس تواضعا وعفة، وأشبههم ظاهرا بباطن، وأولا بآخر، لولا أنه يحوط ماله بالبخل ~~الشديد، ويغلق باب خزائنه في وجوه السائلين. # فقهقه ابن زيدون وقال: لم يسلم الرجل من لدغة الثعبان! # وعجل أبو مروان يقول: أي ثعبان يا فتى؟ لقد أطريت الرجل، وكفى المرء نبلا أن تعد ~~معايبه. # فزفر الدارمي في أسف ms004 قائلا : لقد زرته فرأيته على سجاحة # 2 # خلقه وحرصه على سلامة رعيته، شديد العداء لمن جاوره من الأمراء، كثير الزراية ~~بهم. وهذا هو الداء العقام الذي أصاب هذه الأمة فهد أركانها، وزعزع بنيانها، ولن يعود ~~للعرب مجدهم إلا إذا عادت لهم أخلاقهم الأولى، وكانوا - كما جاء في الأثر الشريف - في ~~توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فهز ~~ابن حيان رأسه وقال: ~~- ما رأيت دستورا للمسلمين أجمع ولا أوجز من قول النبي الكريم: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ~~ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. # إن التحاسد والتنافس والاعتصام بالأجنبي والتكالب على الحكم والغلب، كل أولئك كان شره ~~مستطيرا. # فقال الدارمي: عندنا في المشرق استعان المعتصم بالأتراك، ومكنهم من رقاب العرب، فكانوا ~~حربا عليه وعلى خلفائه من بعده، وأصبحت الخلافة في أيديهم لعبة لاعب، يولون من يشاءون، ~~ويعزلون من يشاءون، فقاطعه ابن حيان قائلا: أما في الأندلس فالمصيبة أشد وأنكى، فإن ~~الدولة منذ سنة أربعمائة - وهي سنة الفتنة الكبرى - تتقاسمها ذئاب ضارية: من مضرية ويمنية ~~وصقالبة وبربر وإفرنجة، فما كادت تنتهي الدولة العامرية حتى نعبت غربان الشر من كل جانب، ~~وعاثت شياطين الدمار، واندلعت نيران الفتنة فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. ~~ويبدأ عهد الخذلان - والعياذ بالله - من ولاية سليمان بن الحكم الذي لقبوه بالمستعين ~~بالله، وكانت أيامه شدادا نكدات، صعابا مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى ~~والخاتمة. دولة كفاها ذما أن أنشأها «شانجة» ومزقتها الإفرنجة! # وكان من نحس رأيه، واختبال عقله، أن اختار علي بن حمود ليكون أكبر قواده، وأقوى ~~مناصريه. اختار بازيا فاصطاده، وسيفا فحز أوداجه. وإذا أراد الله شيئا أمضاه! # ثم اتجه إلى ابن زيدون وقال في تهكم: لقد كان شاعرا مثلك يا أبا الوليد، فاحذر فإن الشعر ~~كثيرا ما يكون شؤما على قائليه، وإني أستطيع أن أعد لك مئات ممن قتلتهم أشعارهم. # فقال الدارمي: لست أحفظ له إلا قوله: # عجبا يهاب الليث حد سناني # وأهاب لحظ فواتر ms005 الأجفان! # وتملكت نفسي ثلاث كالدمى # زهر الوجوه نواعم الأبدان # هذي الهلال، وتلك بنت المشترى # حسنا، وهذي أخت غصن البان # فقال ابن حيان: يزعمون أنه يعارض بهذه الأبيات أبياتا للرشيد يقول فيها: # ملك الثلاث الآنسات عناني # وحللن من قلبي بكل مكان # مالي تطاوعني البرية كلها # وأطيعهن وهن في عصياني # ما ذاك إلا أن سلطان الهوى # وبه قوين، أعز من سلطاني # فقال ابن زيدون: هذا من وضع الرواة فإن الرشيد لم يكن شاعرا. # فوافق أبو مروان بإشارة برأسه، واتجه إليه الدارمي سائلا: وماذا جرى على قرطبة بعد قتل ~~المستعين؟ ~~- تولى الحكم أبناء حمود سبع سنين فكانت كسني يوسف. ثم تولى المستظهر بالله عبد الرحمن ~~بن هشام، ولم يبق في الملك إلا سبعة وأربعين يوما لم تنتشر له فيها طاعة، ولا التأمت ~~جماعة. # وهنا أسرع ابن زيدون وقال: هذا كان شاعرا بحق يا أبا مروان. ~~- ما لنا وللشعر يا فتى، إننا أحوج إلى العقل والسياسة منا إلى خيال رائع أو تشبيه نادر، ~~لقد كان ابن المعتز في المشرق أبدع شاعر منذ أن تنفس الشعر بقافية. فهل أغنى عنه شعره ~~شيئا؟ # فانبرى الدارمي يقول: ولقد وصلت إلينا ببغداد قصيدة للمستظهر بالله من أرق الشعر ~~وأروعه، قالها بعد أن خطب ابنة عمه فلوته أمها وحجبتها عنه، يقول فيها: # وجالبة عذرا لتصرف رغبتي # وتأبى المعالي أن تجيز لها عذرا # يكلفها الأهلون ردى جهاله # وهل حسن بالشمس أن تمنع البدرا؟ # وماذا على أم الحبيبة إذا رأت # جلالة قدري، أن أكون لها صهرا؟ # جعلت لها شرطا علي تعبدي # وسقت إليها في الهوى مهجتي مهرا # تعلقتها من عبد شمس غريرة # محدرة من صيد آبائها عرا # حمامة عش العبشميين رفرفت # فطرت إليها من سراتهم صقرا # وأني لأولى الناس من قومها بها # وأنبهم ذكرا وأرفعهم قدرا # جمال وآداب وخلق موطأ # ولفظ إذا ما شئت أسمعك السحرا # فقال ابن زيدون: هذا هو الشعر! وددت الله لو كان لي بعضه بنصف شعري! # فقال أبو مروان: النصف الرديء أم النصف الجيد؟ ~~- ليس في شعري ms006 رديء يا علقمة بن مرة، وخير لك أن تأخذ في تاريخك الأسود الذي لا تتقن ~~سواه. # فقهقه ابن حيان وقال: هؤلاء هم غلمان بني أمية الأغرار الذين كنت تخطب الناس في ميدان ~~الجامع الكبير داعيا إليهم، معددا مناقبهم، وكثيرا ما ضحكت منك في كمي، وأنت تبكي أو ~~تتباكى على مجدهم التليد، وشرفهم العريق. وإني أشهد، والله يشهد أنك لا تبتغي من وراء ذلك ~~إلا منصبا وجاها. # فقال ابن زيدون غاضبا: كنت أدعو لابن المرتضى الأموي. ~~- أعرف، وأعرف أنه فر من قرطبة قبل أن تتم له دعوة، وأنك لم تنل شيئا إلا أن ملأت ~~الصدور عليك حقدا. # ثم طفق يقول: لا تغضب يا أخي، فإني أكن لك من الحب وصادق الود ما أنت به عليم، ولكن ~~ماذا أصنع وقد خلقني الله جافا شائكا لا أضع فوق الحق ستارا من الباطل. # فقال الدارمي: وهذا خير ما فيك يا أبا مروان. وكيف استقر الأمر بقرطبة بعد قتل ~~المستظهر؟ ~~- لم يستقر لها أمر، جاء المستكفي بالله ولم يكن من الحكم في ورد ولا صدر، وإنما أرسله ~~الله على قرطبة محنة وبلية، وفي أيامه هدم البربر بقية قصور جده الناصر، فطوي بخرابها ~~بساط الدنيا، وذهبت بهجة الأيام، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت! ولما ~~اشتد الكرب بالقرطبيين فر المستكفي، وانتهت الرياسة بعد حين إلى أبي الحزم ابن جهور عميد ~~الجماعة. # فقال الدارمي: المستكفي هذا أبو ولادة الأديبة الشاعرة؟ ~~- نعم. وهي والحمد لله لم ترزأ بصفة من صفات أبيها. ثم التفت إلى ابن زيدون سائلا: ~~أتحضر ندوتها يا أبا الوليد؟ # فمد ابن زيدون شفته السفلى في أسف وقال: أنى لمثلي أن ينال هذا الشرف؟ إن ندوتها يا ~~سيدي لا تفتح أبوابها لمثلي. أتعرف يا أبا مروان أنني لا أزال كاتبا في الديوان صغير ~~المنزلة أنظر في شئون أهل الذمة؟! ~~- كيف يا ابن أخي؟ لقد كنت عند ابن جهور منذ أيام، وجاء ذكرك في المجلس، فأثنى عليك وأشاد ~~بذكائك وعبقريتك. ~~- ولكنه أمامي يا سيدي ms007 باب مبهم ، ولغز مغلق، أنظر في وجهه فأرى صفحة خلت من لمحات ~~العواطف، فأنت لا تعرف أراض هو أم ساخط؟ أمستحسن هو أم مستقبح؟ قدمت إليه بالأمس رسالة ~~أراد أن يبعث بها إلى أمير بطليوس، وبذلت في كتابتها جهدا، وبلغت قمة لم يصل إليها كاتب، ~~فلما عرضتها عليه وقرأها، لم يزد على أن قال: لقد أطنبت يا فتى! ثم انصرف عني يخاطب الوزير ~~محمد بن عباس، كأن إنسانا من بني آدم لم يكن له وجود بحجرته! ~~- إن الرجل يخافك يا أبا الوليد. ~~- يخافني؟! ~~- نعم فلقد لمحت ذلك من حديثي معه حين شبهك بأبي الطيب المتنبي، والرجل داهية بعيد الغور، ~~فإنه لم يشبهك بهذا الشاعر بعينه إلا لما وصل إلى علمه من طموحك وبعد غايتك، فاحذر يا أبا ~~الوليد وتجنب مواطن الشبهات، واحبس لسانك ما استطعت. # فصاح ابن زيدون فيما يشبه الغضب: يجب أن يكون لمثلي آمال ومطامح، وإلا فلمن خلقت خطيرات ~~الأمور؟ ~~- مرحى مرحى؛ إني لأجد ريح الشر والفتنة. ~~- لا شر ولا فتنة يا أبا مروان، ولكن لا بد للمصدور أن ينفث، # 3 # وللأسير أن يتمرد على القيد. ~~- لا تعجل أبا الوليد فالأمور مرهونة بأوقاتها، ولا بد بعد الليلة الليلاء من فجر باسم. ~~كيف حالك مع الوزير ابن عبدوس! ~~- إنه صديق مداج وعدو محاذر. ~~- حقا لقد جمعته في كلمة. وهنا تهيأ الدارمي للقيام فصاح به ابن حيان: يجب أن نعرف ~~قبل أن نقوم من مقامنا ماذا كان يكتب هذا الفتى العربيد. # فقال ابن زيدون: كنت أكتب أبياتا لعائشة بنت غالب وقد جئتما قبل أن أتمها، وربما ~~مزقتها وعدلت عن إرسالها. # فأمال ابن حيان رأسه إلى الخلف، ورفع حاجبيه في سهوم وقال: عائشة بنت غالب؟! إنها فتاة ~~مهذبة، يحضر ندوتها كبراء المدينة وأدباؤها، ولكنها شؤم على الرجال، فاحذر من براثنها يا ~~أخي، فإنها إذا نشبت قتلت. ثم إن بعض قالة السوء يهمسون بأنها جاسوسة لابن الأذفونش، ~~ولكني لا أثق بكل ما يقال، لأن الكلام صدى لما في النفوس من حب وبغض. ms008 ثم مد يده إلى ابن ~~زيدون وهو يقول: عم مساء يا صريع الغواني، وابتعد ما استطعت عن شباكهن، وكن كما ~~تقول: # وإني لتنهاني نهاي عن التي # أشاد بها الواشي، ويعقلني عقلي # | الفصل الثاني # يمتد «طريق الخلفاء» على شاطئ الوادي الكبير بالجهة الجنوبية من قرطبة، وهو طريق طويل ~~عظيم الاتساع، قامت على جانبيه الأشجار، واتسقت به دور الأمراء والوزراء والعظماء وكبار ~~رجال الدولة، فبدت ضخمة سامقة، وغرست أمامها الحدائق مبتسمة ناضرة فياحة تزهى بما حوت ~~من أزهار غريبة النوع رائعة الألوان. # وكان بين هذه الدور دار يدل مظهرها على مجد قديم كادت تعبث به يد البلى، وعز سالف ~~داعبته عوادي الأيام. دار ينطق كل حجر فيها بأنه شهد عظمة وسلطانا، وشهد جندا وأعوانا، ~~وشهد وفود الأرض جاثية على عتبتها بين يأس ورجاء، وفي استخذاء وذلة. ولكن هذا الحجر يكمن ~~اليوم في جداره باسر # 1 # الوجه مستكينا، وقد عبثت به الأنواء، ونالت منه عواصف الرياح. والهرم يدرك ~~كل شيء حتى البناء. والدور كالبلاد والعباد يصانعها السعد ويسطو عليها الشقاء. بنى هذه ~~الدار الناصر لدين الله أعظم خلفاء الأندلس، فتوارثها أبناؤه إلى أن انتهت إلى محمد بن عبد ~~الرحمن الملقب بالمستكفي بالله، فلو كانت كتابا لضمت دفتاه ما دار على الأندلس في هذه ~~الفترة من خير وشر، ونعيم وبلاء. # كانت الشمس لا تزال تتثاءب في خدرها بعد ضجعة ليل طويل، وكانت أشعتها تتكسر على صفحة ~~النهر الكبير كأنها كانت تقبله قبلة الصباح، وكان الطريق هادئا خاليا من السابلة إلا ~~قليلا، فلم تكن تسمع به إلا أصوات الملاحين من بعيد، وهم منحدرون إلى إشبيلية، أو صوت خادم ~~طروب هزتها الأريحية وهي تنظف بعض الحجر، فانطلقت في نغم خافت تعيد الأغنية التي ~~سمعتها بالأمس من بعض القيان اللاتي كن يغنين لسيدها في مجلس أنسه وشرابه. ومجالس الأنس ~~والشراب بقرطبة لا تكاد تخلو منها ليلة في بيت عظيم أو أمير. إن الأندلسيين خلقوا للطرب، ~~وعاشوا على الطرب، ولو فجأهم الموت ما لقيهم إلا بين زق وعود. ms009 # تيقظت ولادة بنت المستكفي في هذا الصباح كما يتفتح الزهر الوسنان بلله الندى، وداعب ~~أوراقه النسيم، فأسرعت إليها وصيفتها مهجة القرطبية تحييها وتدللها في محبة وشغف، كما ~~تدلل الأم طفلتها اللعوب. # وكانت ولادة في الثامنة عشرة، رائعة الطلعة، فاتنة مباهر الحسن. وجه لم تشرق الشمس على ~~أنضر منه ولا أصبح، وقسمات تأنق في صنعها الجمال، وقوام لو أدرك عهده الإغريق لجعلوا منه ~~تمثالا لكل ما يتخيلونه من رشاقة ولدانة # 2 # واتساق خلق. وكان أجمل ما فيها تلك النظرات الساحرة التي تنفذ إلى كل قلب، ~~وذلك الشمم العبشمي الذي تراه فتحبه وتهابه، والذي يوحي إليك أن الجمال معنى من المعاني ~~التي يعجز البيان عن وصفها ببيان. # وولادة - إلى كل هذا - أديبة شاعرة، يغشى ندوتها كبار الأدباء والشعراء فيرون أجمل ما ~~يرى، ويسمعون أحسن ما يسمع. # قامت ولادة من سريرها فنالت ما تحب من طعام، وبعد لأي همت بارتداء ثيابها، فأعدت لها ~~مهجة ثوبا من الحرير البنفسجي الموشى بالذهب، أتقن نسجه، وأحكم تفصيله، فوقفت أمام ~~مرآتها، وقد لاح في وجهها شيء من الدهش، كأنها كانت تبحث لها عن مثيلة بقرطبة فوجدتها في ~~المرآة! وهنا قالت مهجة وهي تنظر إلى صاحبتها في إعجاب وزهو: لو علم ابن جهور بأن مناسج ~~الحرير بالمرية ستخرج مثل هذا الثوب في فتنته وإغرائه، لمنع ورود كل ثوب مثله إلى ~~قرطبة. # فتهانفت ولادة وقالت: إن هذا الرجل عبقري في الرياء يا مهجة، وهو لا يظهر التحرج ~~والزهد إلا تملقا للفقهاء الذين لو أرادوا لأطاحوه عن عرشه في لمحة عين. ~~- إنه يا سيدتي أمر بمنع شرب الخمر، وكان الاحتفاء بكسر دنانها عظيما في ميدان الجامع ~~الكبير، وقد مدحه شاعر قرطبة أحمد ابن زيدون بقصيدة رائعة جاء فيها: # أباح حمى الخمر الخبيثة حائطا # حمى الدين من أن يستباح له حد # فطوق باستئصالها المصرمنة # يكاد يؤدي شكرها الحجر الصلد # هي الرجس إن يذهبه عنه فمحسن # شهير الأيادي ما لآلائه جحد # مظنة آثام، وأم كبائر # يقصر عن أدنى معايبها العد # فرفعت ولادة ms010 رأسها كالمفكرة وقالت: ابن زيدون ؟! هذا فتى يزاحم حول سلم المجد، ولكنه ~~يلاقي أقداما أثبت من قدمه، وسواعد أشد من ساعده. وهو يبيع نفسه رخيصة في سوق الحسان. ~~والمجد وعبث الشباب لا يجتمعان! ~~- إنه يا سيدتي فتنة أهل قرطبة، وبطل أحلام كل فتاة، وقد أصبح شعره أنشودة في كل فم، ~~وقرطا في كل أذن. غنى به المغنون، وأنشده المنشدون، ولا يكاد يخلو مجلس في قرطبة من ~~إنشاد أبيات له تهتز لها الأعطاف، وتطرب النفوس. # ذهبت يوم الثلاثاء الفائت على عادتي إلى دار مريم العروضية، لأحضر بعض دروسها، لأنها ~~تعقد في دارها مجالس لتهذيب بنات العظماء والأشراف في اللغة والأدب. ~~- أعرفها وأعرف أن كثيرا من أدباء قرطبة يأخذون عنها، وأنها تحفظ «الكامل» للمبرد و ~~«النوادر» لأبي علي القالي. ~~- نعم يا سيدتي. جلسنا في بهو فسيح في دارها، وكان هناك بعض الفتيات الجميلات اللاتي تظهر ~~عليهن آثار النعمة، ودلائل الثراء، وأخذت مريم تتحدث عن الشعر في إشبيلية، وما يبدو من ~~الفروق بينه وبين شعر قرطبة، ثم أنشأت تشيد بشاعر إشبيلي سمته أبا بكر، زعمت أن له غزلا ~~رقيقا، وأسلوبا ناعما، وخيالا لطيفا، وأنشدت له: # يا أبدع الخلق بلا مرية # وجهك فيه فتنة الناظرين # لاسيما إذ نلتقي خطرة # فيغلب الورد على الياسمين # وما كادت تنشد البيتين يا سيدتي حتى انبرت لها فتاة طلقة اللسان، حاضرة الخاطر قوية ~~العارضة تقول: إنني لا أريد أن أباهي بمدينتي يا سيدتي، فكل ما يشرف بقعة من الأندلس ~~يشرفني، والشعر والأدب ليس لهما وطن، ونحن نعتز بأشعار المشارقة كما نعتز بأشعارنا، ولكن ~~الشاعر الإشبيلي الذي أطنبت في الثناء عليه لا يصل إلى مواطئ أقدام شاعرنا ابن زيدون. أما ~~بيته الأول فهراء مكرر لم يرد به إلا الدخول على البيت الثاني، وكلمة «بلا مرية» حشو ~~سخيف. على أني لا أرى في البيت الثاني إلا معنى مبذولا ملقى على الطرق، فتشبيه الخد بالورد ~~والياسمين تشبيه قديم، سئم منه الشعر، ومجه الشعراء. فأسرعت مريم تقول: نعم يا فتاتي، إن ~~تشبيه الخد ms011 بالورد والياسمين قديم، ولكن الشاعر كون من هذا التشبيه صورة جديدة، هي صورة ما ~~يدرك الحبيب من الخجل عند ملاقاة حبيبه فجأة، فتطغى حمرة خديه على بياضهما. # فهزت الفتاة رأسها في عناد وقالت: وتعجبك «لا سيما» هذه التي جاءت في أول البيت فكانت ~~أشبه بعبارات الفقاء؟ أين ذلك يا سيدتي من قول ابن زيدون؟ # ألداعيك مجيب؟ # أم لشاكيك طبيب؟ # يا قريبا حين ينأى # حاضرا حين يغيب! # كيف يسلوك محب # زانه منك حبيب؟ # إنما أنت نسيم # تتلقاه القلوب # هذا شعر لو نسب إلى ابن المعتز لأنساه نكبته، ولأسلاه عن زوال ملكه. # وهنا صاحت فتاة عصبية المزاج تقول: نعم إنه الشعر الذي يغنى وحده بغير موسيقى. والمؤلم ~~أن يشبه دعاة الأدب شاعرنا بالبحتري، وهل يستطيع البحتري أن يقول؟ # أنى تضيع عهدك؟ # أم كيف تخلف وعدك؟ # وقد رأتك الأماني # رضا فلم تتعدك # يا ليت شعري وعندي # ما ليس في الحب عندك # هل طال ليلك بعدي # كطول ليلي بعدك؟ # سلني حياتي أهبها # فلست أملك ردك # الدهر عبدي لما # أصبحت في الحب عبدك # فقالت مريم: هذا كرم لا مراء في حسنه، وفضل شاعرنا ابن زيدون لا يجحده جاحد، حتى لقد قال ~~بعض أدبائنا: من لبس البياض، وتختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وروى شعر ابن ~~زيدون فقد استكمل الظرف كله. # وهنا تحركت ولادة في مجلسها متأففة وقد بدا على وجهها السأم وقالت: أنت متعصبة لهذا ~~الرجل يا مهجة. ~~- لست متعصبة، ولكني أحس لشعره حلاوة لا أجدها في سواه، ولا أعيب على الرجل إلا شيئا ~~واحدا: هو صداقته لعائشة بنت غالب! أتعرفينها يا سيدتي؟ ~~- أعرفها، وأعرف أنها فتاة غيور، تظهر للناس غير ما تبطن، وأن لها نفس نمرة في جسم ~~امرأة وأن صاحبك ابن زيدون صب بها مفتون. ~~- من أخبرك بهذا يا سيدتي؟ ~~- أخبرتني امرأة تعرف كل شيء في هذه المدينة، فلو غاب دلو في الوادي الكبير لعرفت مستقره ~~ومستودعه. ولكنها غربال أسرار. تقول لك الخبر في صوت خافت. وتستحلفك بأغلظ الأيمان ألا ~~تبوحي به ms012 لإنسان. فإذا تجاوزتك إلى الباب أخبرت خادمتك نفس الخبر. وكررت عليها نفس ~~الأيمان. وهي من الخيرات الكريمات. تفنى في محبة أصدقائها، ولا تأخذها رحمة في البطش ~~بأعدائها. ~~- من هذه بالله عليك يا سيدتي؟ ~~- كنت أظنك أذكى من ذلك وأفطن. ~~- إن اسمها يجري على لساني. ولكني أبغض الرجم بالظنون. أليست هي نائلة الدمشقية؟ ~~- هي هي يا حبيبتي بعينها تحفة قرطبة. وعجوزها المدللة. وهل يخفى القمر؟ ~~- إنها امرأة بارعة أديبة. لها أسلوب عجيب في اجتذاب الرجال. والتسلط عليهم وإخضاعهم ~~لأمرها، لا يوصد في وجهها باب، ولا تخلو منها ندوة، ولا تحجب دونها أسرار القصور. ودارها ~~ملتقى شباب قرطبة، حتى لكأنها حينما يئست من بشاشات الشباب، أرادت أن تراها في سواها. ~~والغريزة إذا عجزت قنعت بالنظر، واكتفت بالخيال. # وبينما هي منهمرة في الحديث، إذ دخلت عتبة جارية ولادة تقول: إن سيدتي نائلة الدمشقية ~~حضرت الساعة، وهي تنتظر في بهو الورد. فنظرت ولادة إلى مهجة في ابتسام وعجب وقالت: لو ذكرنا ~~الشيطان ما جاءنا هكذا وثبا! ما سبب هذه الزيارة في تلك الساعة يا ترى؟ فهزت مهجة ~~كتفيها، ومطت فمها تقول: أغلب الظن أنها جاءت للحديث وإطلاق عنان اللسان، وذكر أخبار ~~المدينة وما يجري فيها من خير وشر. ~~- ولكنها مسلية حقا، ولها أسلوب في الحديث يقهرك على الاستماع له، ويجتذبك إلى الاشتراك ~~فيه، وهي مزية لا يظفر بها ثرثار إلا في الندرى. # 3 # هلم إليها يا مهجة. # كانت نائلة الدمشقية وقد خنقت الستين لا تزال تحتفظ بأطياف هزيلة من الجمال الغابر، فكانت ~~تشبه حديقة أهملها صاحبها سنوات فصوح # 4 # فيها ما صوح، وذبل ما ذبل، وتهدلت أغصان لم تمتد إليها يد بتشذيب، وتهدمت ~~أسوار بقيت أنقاضها حولها صرعى حزينة كأنها ملت طول القيام. أو لعلها كانت تشبه بيت شعر ~~أصابه التحريف، وتوالت عليه أغاليط الرواة، حتى كاد يفقد وزنه ومعناه. أو مزهرا ذهب ~~طلاؤه، وتراخت أوتاره فأصبحت رناته طنينا مائتا، وأصواتا موصولة الأنين. أو رسالة غرام ~~خط على ما فيها من غزل ونسيب، وأبقى ms013 على ما بها من شكوى السهاد وتبريح السقام. # كانت نائلة طويلة بادنة مترهلة اللحم، سطت على وجهها التجاعيد، وعلى جلدها آثار السنين، ~~فعجزت التطرية، ولم تجد الأدهان والأصباغ في إصلاح ما أفسد الدهر إلا قليلا، واستبدت ~~الطبيعة فأبت إلا أن تظهر آثارها، على الرغم مما يبذل في سبيل إخفائها من صنعة وفنون. كانت ~~شاهدا صادقا على جريمة السنين، ومثلا قائما لمن يترك خلفه أجيالا ليدخل في جيل جديد. ومن ~~العجيب أن الدهر مع عبثه بجمالها، لم يستطع أن ينال من سحر عينيها وحسن صوتها، فقد كان ~~للمحاتها بريق ولألاء لا تعتز بهما فتاة في العشرين وكان لصوتها رنين ونغم لم تظفر بمثلهما ~~أفنان الخمائل. # دخلت ولادة البهو فتلقفتها نائلة بين ذراعيها في وله وشغف، وأخذت تمطر خديها قبلات ~~كان لها صوت متلاحق كزقزقة العصافير في الصباح، وبعد أن حيتها ابنة المستكفي في سرور ~~وترحيب انطلقت نائلة تقول: لا لا يا حبيبتي! لقد أطلت هجري، وأصررت على قطيعتي على شدة حبي ~~لك، وطول حنيني إلى رؤيتك! هذه هي المرة الثالثة التي أزورك فيها دون أن تسعد داري بإلمامة ~~منك تشرق بها رحابها، وتشمخ على السماء قبابها. لقد كان أبوك - عليه ألف رحمة - مولعا بي، ~~مشغوفا بمجالستي والاستماع إلى حديثي، وكنت أعرض عنه أحيانا، فعاقبني الله بإعراض ابنته ~~عني. كان رجلا يقطر ظرفا وأدبا. ثم ضحكت وقالت: وكان أعرف بسياسة الحياة منه بسياسة ~~الملك. زرته بعد أن خلع بيوم واحد، وقد انصرف عنه الناس، وجفاه أقربهم إليه، فأخذت ~~أنضح # 5 # عنه الهم، وأسري عن نفسه بعض ما تجد بالفكاهات والأضاحيك، حتى زال عنه الحزن ~~والأسى، وعندما ودعته شد على يدي وهو يقول باسما: لو أن الناس كانوا في وفائك يا نائلة ~~لنسيت مرارة العزل؛ والملك امرأة فروك، # 6 # لا تكاد تنعم النفس بوصلها حتى تعاني صدها وقطيعتها. فأجبته مسرعة: أنتم يا ~~بني أمية ولدتم ملوكا، وستموتون ملوكا، وإن لكم من أخلاقكم وقوة نفوسكم تاجا وصولجانا، ~~إذا فقدتم التاج والصولجان. هذا كان حديثي ms014 مع أبيك، وهذا كان آخر العهد به. والآن أصبحت ~~أقاسي الهجر والملال من فتاته المدللة اللعوب ولادة! # فابتسمت ولادة ابتسامة مشرقة وقالت: إن هذه الفتاة يا سيدتي تكن لك أخلص الحب وأصدق ~~الوفاء، ولولا وعكة أصابتني ما حجبني عن زيارتك حاجب. ~~- إنه البرد يا سيدتي! حاذريه ولا تستهيني به، فإنه كالحب يبدأ خفيف الوقع ضعيف الأثر، ثم ~~يعظم ويستشري حتى يصبح داء عضالا. ثم اعتدلت في جلستها وقالت: أتخرجين في المساء يا ~~بنيتي؟ نزهة مثلا في قارب في ليالي البدر، أو قضاء ليلة في منية الرصافة، أو تسلية مع ~~بعض الصديقات في حانة «راميرز» فإن بهذه الحانة فتيات أسبانيات لهن رقص عجيب. ~~- أحيانا قليلة يا سيدتي. ~~- أحسنت أحسنت يا بنيتي! فإن هذه الدنيا أقصر من أن تضع بين هم وأحزان. ثم رمت ذراعيها ~~إلى جانبيها في ألم وحسرة وقالت: آه لو عرف الشباب ما وراء المشيب! زارني بالأمس الشيخ ~~مجاهد الأنصاري خطيب مسجد أم سلمة، وهو رجل متزمت متحرج، يخاف أن يتكلم فيأثم، أو ~~يرسل نظرة فتهوى به في قعر جهنم. وهو فقيه مقلص، ولا يلبس «القالص» فوق رأسه بقرطبة ~~إلا من حفظ الموطأ للإمام مالك. لم يزرني الشيخ إلا لأن له ابنا يريد أن يجعله مسجلا ~~لأموال الزكاة، بعد أن عرف صلتي بالوزير أبي حفص بن برد. قابلني وهو مطرق مغمض العينين، ~~يجمع ثيابه في تحرز كأنه يخشى أن يمسها طرف ثوبي. فقلت في نفسي ساخرة: أفق أيها الأبله ~~وافتح عينيك، فإنك إن فعلت فلن تصاب بسوء، وأقسم لو زرتني من ثلاثين عاما لحملقت في كما ~~يحملق النمر الفاتك؛ أخبرني بما شاء من شأن ابنه، ورجاني في أن ألح على الوزير في قبوله، ثم ~~انطلق كأنه السيل الهدار # 7 # يصف جهنم وما فيها من ألوان العذاب المقيم. فلما ذكرته بأن الله واسع الرحمة، ~~وأنه غافر الذنب، وقابل التوب. ذعر كما يذعر الصائد حين تجد طريدته منفذا للفرار، وقال ~~على الفور في حدة بهذا يا سيدتي يخدع العصاة أنفسهم، وإن ms015 الاعتماد على رحمة الله مطية ~~العابثين. وحينئذ أردت أن أعابث الرجل فقلت: ولم خلق الله لنا النعم يا مولانا في هذه ~~الدنيا؟ فأخذ يغمغم في حيرة ويقول: النعم؟ النعم؟ فقلت نعم النعم. لم خلق لنا الجاه والمال؟ ~~لم أبدع الأزهار الناضرة، والثمار اليانعة، والأطيار المغردة، والأنهار الدافقة؟ لم خلق ~~الصبح السافر، والأصيل الناعم، والبدر الساهر، والليل الساجي؟ كل هذه نعم عظيمة يا مولانا، ~~وفيها يقول جل شأنه: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار ~~. وكأنه خشي أن أطيل فلبس خفيه على ~~عجل، وانطلق خائفا مذعورا. # فتنهدت ولادة وقالت: عجيب أمر هؤلاء القوم يضيقون من فضل الله ما اتسع وعظم. # فأسرعت نائلة تقول: ولكن منهم من يستمتع بالنعيم المباح، وتهزه طرائف الشعر والأدب من ~~غير أن يضيع لله حقا. أخبرني أبو عمرو المالقي: أنه كان يزور الجبانة في يوم شديد ~~القيظ، فسعت به قدماه إلى مسجد هناك، فلما بلغه التقى بخطيبه وكان رجلا حسن ~~السمت، # 8 # ظاهر الزهادة، فلما ذهبا في شئون من الحديث، طلب إليه الخطيب أن ينشده شعرا ~~لبعض الأندلسيين فأنشده: # غصبوا الصباح فقسموه خدودا # واستوعبوا قضب الأراك قدودا # وروا حصى الياقوت دون نحورهم # فتقلدوا شهب النجوم عقودا # فصاح الشيخ من الطرب، وصفق بيديه في مرح خرج به عن وقاره، فلما عاد إلى نفسه قال: اعذرني ~~يا بني فشيئان يقهرانني ولا أملك نفسي عندهما: الصوت الحسن، والشعر المطبوع الرقيق. # وسمعت أن محمد بن عبد الله قاضي الجماعة في عهد الناصر خرج يوما لحضور جنازة، وكان لرجل ~~من إخوانه منزل بالقرب من مقبرة قريش فعزم عليه في الميل إليه فنزل، وأحضر له طعاما، ودعا ~~جارية له فغنت: # طابت بطيب لثاتك الأقداح # وزها بحمرة وجهك التفاح # وإذا الربيع تنسمت أرواحه # نمت بعرف نسيمك الأرواح # وإذا الحنادس ألبست ظلماءها # فضياء وجهك في الدجى مصباح # فطرب القاضي، وكتب الأبيات على يده، ثم خرج للصلاة على الميت فرأى الناس الأبيات على ظهر ~~يده، وهو يكبر على الجنازة. وقد كان هذا القاضي ms016 من أزهد الناس وأعدلهم حكما. والحقيقة يا ~~فتاتي أن الإنسان إذا خشي ربه في السر والعلانية، واجتنب كبائر الإثم والعدوان، فله أن ~~ينعم بكل ما خلق الله من متاع حلال. ثم حدقت في وجه ولادة كأنها تريد أن تستكشف ما وراءه ~~من أسرار وقالت في دعابة: ومن الفائز الأول الآن في خطبة سيدة الحسن والجمال؟ ~~- أي فوز وأي حسن وجمال يا نائلة؟ فتكلفت نائلة العبوس وقالت: أنت لا تكتمين عني شيئا ~~يا بنيتي، وما فائدة الكتمان وقد أصبح الأمر حديث الناس، ومدار سمرهم؟ حتى كاد كل غصن من ~~حدائق قرطبة ينادي صاحبه هامسا: ولادة وابن عبدوس، ولادة وابن عبدوس! ~~- إن ابن عبدوس يزور ندوتي كل ليلة، وهو فتى أديب شاعر عذب الحديث حلو النادرة. ~~- آه من عذوبة الحديث وحلاوة النادرة؛ إنهما يا فتاتي أول ما ينصبه الرجل لنا من حبائل. ~~سليني يا ولادة عن شئون الحياة قبل أن تفقديني. إنني سجلها الجامع الذي يجد فيه كل جائر ~~ما يهديه ويسدد خطاه. ابن عبدوس رجل عظيم متألق، ابن عبدوس شاعر مجيد وكاتب فذ. ابن ~~عبدوس وزير له جاه ومكانة، غير أنه ذئب لا يؤمن جانبه، ولا ترجى عواقبه، وكفاه وصمة اسمه ~~الأسباني الذي يدل على سوء أصله، والذي يجب أن يقصيه عن أن يأمل في الاتصال ببنات ~~الخلفاء، هذا أسقطه من حسابي، وأحسب أنك تسقطينه من حسابك أيضا، وبين شباب قرطبة من ذوي ~~الحسب والمجد من يهبون حياتهم ليشرفوا بالتزوج بك، ولكن الذي آخذه عليك يا بنيتي أنك طير ~~لا يستقر على غصن، ولا يطمئن إلى ركن. أنت شديدة الطموح يا فتاتي، وكلما ظفرت بشيء هان ~~عندك، لأنك ظفرت به، فطلبت غيره مما يصعب مناله، أنت تائهة في بحر الحياة المائج، والسفن ~~تمر بك، فإذا تشبثت بسفينة ظهرت لك في الأفق أخرى، فغادرت الأولى وألقيت بنفسك إلى ~~الثانية. إن مجلسك يحوي أكرم فتيان قرطبة أرومة، وأشرفهم منبتا، وأنت تلهين هذا بابتسامة، ~~وهذا بهزة رأس، وهذا بكلمة طيبة، وذاك بوعد كاذب، لا ms017 لأنك لا تحبينهم جميعا، بل لأنك ~~ترغبين في مهلة حتى يهتدي قلبك الحائر، أو عقلك المملوء بالمطامح إلى من يحسن اختياره، ومن ~~تتحقق به الغاية التي ترمين إليها. أنت يا سيدتي كالبخيل الذي حبس ماله فلا يبيع ولا يشتري ~~مخافة أن يغبن في درهم أو درهمين. أسرعي الاختيار يا فتاتي، فإن للشباب أوانا، وإن الورد ~~إذا ذبل لم يبق منه غير أشواكه! أسرعي الاختيار يا ولادة، وابتعدي عن كل ما يمت إلى أصل ~~قوطي أو بربري، فإني لا أحب البربر. إنهم يدلون علينا بطارق بن زياد، وأنا لا أحب ~~طارقهم هذا. وأين هو من موسى بن نصير أو من ابنه عبد العزيز الذي قتله البربر؟ ~~- دعينا بالله يا نائلة من ذكر البربر ومن ذكر الزواج، وخذي في الحديث عن المدينة وما ~~فيها من أخبار وأسرار. ~~- المدينة هادئة، ولكني أظنه هدوءا لا يدوم، إنه يا سيدتي هدوء الطفل الغضبان، الذي طلب ~~لعبة فلم يظفر بها، فطفق يبربر ويهمهم، حتى مل البربرة والهمهمة فسكت على دخل، وتربص ~~لفرصة الوثوب. إن القرطبيين يا ولادة لا يرضون بغير الخلفاء بديلا. إنهم يحبون الخلافة، ~~ويعشقون مظاهرها، ويحنون إلى مراسمها. هاتي لهم خليفة من فخار ثم انظري كيف يجلونه ~~ويبجلونه؛ إنهم رضوا حينا بحكم المنصور عن ابن أبي عامر الحاجب، لأنه بهرهم بتوالي فتوحه ~~وانتصاره، ولولا ذلك ما صبروا عليه يوما أو بعض يوم. وهذا الحكم الذي ابتدعه لنا ابن جهور ~~- ثقي يا فتاتي أني أحب الرجل وأكبر فيه الإخلاص والنزاهة - هذا الحكم الذي يشترك فيه جماعة ~~لسياسة الدولة وحياطتها لا أستطيع استساغته. ~~- إنهم يقولون إن ابن جهور نقله عن قدماء الإغريق والرومان. ~~- لا إغريق ولا رومان يا ولادة. وإنما الرجل رأى رءوس من استبدوا بالحكم قبله تتدحرج من ~~عروشهم، فاحتاط لحياته، واختبأ وراء جماعة ليحكم من غير أن يكون له اسم حاكم أو ~~تبعته. ~~- إنك تعرفين كل شيء يا نائلة! ~~- إنني أعرف سر كل رجل وسر كل امرأة في هذه المدينة، ولولا ذلك ما لقيت ms018 منهم كل هذا ~~التبجيل. إن الإنسان يخضعه الخوف، ولا يخضعه بذل المعروف. # زارني ابن زيدون منذ أيام فنصحت له أن يبتعد عن تلك المرأة التي يدعونها عائشة بنت غالب، ~~إنها أسبانية الأصل، لئيمة المنبت، جاسوسة للأسبان وإن بالغت في كتم أسرارها. وهي امرأة ~~مخيفة، تقتنص الرجال، وتلزمهم التزوج بها، حتى إذا سئمتهم قذفت بهم من حالق # 9 # كما تقذفين بقشرة البرتقال. نصحت للفتى كثيرا، وحدثته بجملة من أخبارها، ~~وأخبرته بأنها ألقت شباكها مرة على أبي القاسم ابن قاضي الجماعة، فسدت عليه المسالك، ~~واجتذبته بأفانينها، فانقاد إليها مسحورا مأخوذا. ثم تزوجها وعاش في جنة حبها كما يعيش ~~الطائر في قفص من ذهب، فلما هدأت نار السحر، وانقشعت عن عينيه الغيابة، أراد أن يخرج من هذه ~~الجنة وأن يلوذ بغيرها من جنات الأندلس العالية، ولكنها ما كادت تلمح في عينيه ما كان يدور ~~في نفسه من طلاقها، حتى ضاعفت من إغرائها ونصبت حوله حبائلها، غير أن شيئا من ذلك لم ~~يفلح، وتشبث الفتى بالطلاق، فلما يئست منه، وعلمت أنه مطلقها لا محالة، أرسلت في طلبه ~~فحضر إليها، وكانت قد أعدت قرصا وشطرته شطرين، ووضعت في نصفه سما، فلما هم بوداعها ~~بكت أشد بكاء وهمت لعناقه وهي تقول والعبرة تخنقها، إن أمها أخبرتها أن الحبيبين إذا ~~تناصفا قرصا عند الوداع فلا بد أن يعود كل منهما إلى صاحبه، لأن أحد نصفي القرص لا يفتأ ~~الدهر يطلب قسيمه، فصدقها المسكين، وقسمت القرص، وأعطته النصف المشغول فأكله، وانصرف إلى ~~داره، ولم تمر به ساعات حتى كان من سكان القبور. # وما كاد ابن زيدون يسمع مني هذا الخبر حتى ذعر واصفر لونه، وهاله الأمر، وأكثر ظني أنه ~~سينفلت منها قبل أن تحكم انطباق الشبكة. إن ابن زيدون يا ولادة أبرع كاتب، وأصدح شاعر في ~~جزيرة الأندلس جميعها، وسيكون له شأن أي شأن، وأولى بك أن تجتذبيه إلى ندوتك التي تزخر ~~بأدباء قرطبة وعظمائها. # فتململت ولادة في مجلسها قلقة مضطربة، وطاف برأسها أنها لم تسمع منذ الصباح ms019 إلا حديثا عن ~~ابن زيدون، ومواهب ابن زيدون، وفتنة الناس جميعا بابن زيدون. وهي ترى في الرجل وفي أدبه ما ~~تحن إليه نفسها الطموح، ولكنها كانت تخاف إن هي وصلت به حبالها، واتخذته لها زوجا، أن ~~يبقى كما هو أديبا شاعرا، دون أن يكون له من صفات الرياسة وعلو المكانة ما يحقق ~~آمالها. # أذهلتها هذه الأفكار عن جليستها وقتا قصيرا، ثم سمعت نفسها تقول: ~~- إن ندوتي يا نائلة لا تتسع لصغار الكتاب. وما كادت تتم عبارتها حتى ملأت نائلة فضاء ~~البهو قهقهة، وصاحت في عجب ودهشة: ~~- ابن زيدون من صغار الكتاب؟! أتعيشين يا ابنة الخليفة في قرطبة، أم فوق السحاب، أم ~~وراء سد يأجوج ومأجوج؟ أسرعي يا سيدتي فقد فاتك الركب، ثم هاتي أذنك أحدثك بسر أقسمت ~~على أن أكتمه وألا أبوح به لأحد. ثم قالت في صوت خافت: إن ابن جهور يضع عليه عينه ليوليه ~~منصب الوزارة بعد وقت قصير. # فظهرت الدهشة على وجه ولادة، وأحست نائلة أنها تشك في صلتها بابن جهور، وفي أنه يتخذ ~~منها موضعا لسره، فقالت في هدوء: إن ابن جهور رجل داهية قناص للفرص، يعرف أين يجد ما ~~يطلبه، ويعرف كيف يستعين لما يطلبه، وقد عرف صلتي بالوزارء وكبار الدول ورؤساء الجماعة، ~~وعرف أن أخبار قرطبة تتزاحم على بابي كما يتزاحم الموج على ساحل البحر الأخضر، فليس بعجيب ~~يا سيدتي أن يزورني بين الحين والحين، وليس بعجيب أن يتحدث إلي في شئون الدولة. وقد جرى ~~ذكر ابن زيدون على لساني عندما زارني آخر مرة ورأيت وجهه ينقبض وينبسط هكذا كما تنقبض ~~وتنبسط يدي هذه. فقلت له: ألا يعجبك الرجل؟ فابتسم وقال: يعجبني، ولكن الذي أخشاه أن يجني ~~عليه ذكاؤه، وتتعثر به مطامحه. هذه كانت عبارة الرجل كما قالها. فقلت له: إنه خير ألف مرة ~~من وزرائك المهازيل عبيد الحسان، الذين هم دائما زينة المحافل، وهزيمة الجحافل، والذين لا ~~يحبون أن يروا كأسا فارغة أو مملوءة: فإن كانت فارغة ملئوها، وإن كانت مملوءة أفرغوها في ms020 ~~بطونهم، فابتسم ابن جهور متألما وقال: وابن زيدون صاحبك أسبقهم في هذا الميدان، وأخبرهم ~~بقلوب الحسان، وقد سمعت أخيرا بصلته بعائشة بنت غالب، وأنت تعلمين من أمرها أكثر مما أعلم. ~~فاجترأت على الكذب وصحت في وجهه: إنه تركها وقطع صلته بها. فأجاب: هذا حسن، هذا حسن. ثم هز ~~كتفي بيده مازحا وقال: إن ابن زيدون رجل ستطلبه المناصب قبل أن يطلبها، وثقي أنه سيكون ~~وزيرا بعد أيام. فقلت له: إن الدولة في أشد الحاجة إلى رأيه وإلى قلمه وإلى دهائه، وإن حب ~~القرطبيين له سيجمع حول دولتك الكلمة، ويحول دون الثوارت التي هزت عروش من سبقوك، فهل أسمع ~~غدا أنك اخترته وزيرا؟ # ثم اتجهت إلى ولادة وقالت: أتعجبك هذه الصراحة يا فتاتي؟ فتكلفت ولادة الابتسام وقالت: ~~- وبم أجابك؟ ~~- لم يقل شيئا، غير أنه حينما هم بالقيام همس في أذني قائلا: لقد تبسطنا الليلة في ~~الحديث فوق ما كنت أريد يا نائلة، فاكتمي هذا السر واجعليه بيني وبينك، ولا تشركي فيه ~~ثالثا. # ثم قهقهت وغمزت بعينها وقالت: أرأيت كيف أني حفظت السر ولم أشرك فيه ثالثا؟ ~~- وعلى هذا سيصل ابن زيدون إلى منصب الوزارة غدا أو بعد غد؟ ~~- بعد ثلاثة أيام، ودعيني الآن أذكر لك ما قدمت لأجله، إني سأدعو ابن زيدون وأصحابه من ~~كبار الكتاب والشعراء والوزراء، وسأدعو أجمل فتيات قرطبة وأشرف أسرها، وستكون ليلة مشرقة ~~ضاحكة قل أن يجود بمثلها الزمان. وقد جئت لأدعوك، فإن ندوة لا تكون بها ولادة بنت المستكفي ~~تفقد روح المرح والجمال والبهجة والسرور. أرجو يا سيدتي أن تشرفيني بقبول هذه ~~الدعوة. # ففكرت ولادة قليلا، ومر بخيالها أن القدر يريد أن يجمعها بابن زيدون، وأنها كيفما ~~حاولت لا تستطيع الفكاك من أيدي القدر، فأجابت: إني أقبل هذه الدعوة مسرورة مغتبطة، وأشكرك ~~أجزل الشكر على هذه العناية. # وتحركت نائلة للقيام، وتكررت القبلات للوداع، وغادرت البهو بعد أن ملأته حديثا مختلف ~~الفنون، كثير الشجون. # وما كادت تستوي على محفتها # 10 # حتى أمرت حامليها أن يذهبوا بها إلى ms021 دار ابن زيدون لتدعوه إلى صنيعها. فلما ~~دخلت عليه رأته حزينا مهموما، فسألته عما به في ذعر وقلق فقال: لقد نصحني كل صديق ~~باجتناب عائشة، وكثيرا ما حذرتني من التزوج بها، ولكني أخاف عاقبة مغاضبتها، ولا أجد ~~في نفسي من الجرأة ما يمكنني من قطع حبالها. # فضحكت نائلة وقالت: أهذا ما يقلق بالك، ويكدر صفاء وجهك الوسيم؟ اكتب إليها الآن رسالة ~~موجزة فاصلة تقطع كل ما بينكما من صداقة، ولا تبال ولا تأبه لما تجر من عواقب. ~~- لا أستطيع يا نائلة وأخاف ... # فقاطعته في حزم: اكتب يا أبا الوليد، واترك الأمر لي، فإن الخوف من الثعبان لا يقتل ~~الثعبان. إن جاريتها «غالية» جاسوسة لي عليها منذ زمن بعيد، وسأعمل كل ما أستطيع لأجنبك ~~شرها. قم يا بني فإن الوزارة ترف بجناحيها فوق بابك، وقد خدعت ابن جهور وأخبرته كذبا ~~أنك هجرتها وسللت ثيابك عن ثيابها. فقام ابن زيدون إلى أوراقه يتعثر، وكتب بعد تردد: # هذه آخر رسالة إليك، فلا تطمعي بعدها في لقاء، وحصني نفسك باليأس، فإن نفسي إذا ~~انصرفت عن الشيء فلن تعود إليه. # ونادى خادمه عليا وأمره أن يسرع بالرسالة إلى دار عائشة. ثم اتجه إلى نائلة يقول: أسمعت ~~بقصة طارق بن زياد حين أحرق سفنه على شاطئ بحر الزقاق؟ أنا اليوم أحرقت سفني، ولله الأمر من ~~قبل ومن بعد! # | الفصل الثالث # عرضنا على القارئ صورة لنائلة الدمشقية بقدر ما يستطيع القلم أن يصور، وتركناه يستشف ~~صفاتها وطبائعها وأسلوب حياتها من حديثها الفياض الطويل الذيول، الحائر المذاهب، الذي يطرق ~~كل باب، ويسلك كل سبيل. ولا نريد أن نتبرع للقارئ بذكر ما نعلم من حقيقة مزاجها وفلسفتها ~~في الحياة، حتى لا نفسد عليه نهج تفكيره. على أنه قد يصل بنفسه وبالقليل مما مر ويمر عليه ~~من أحوالها إلى أكثر مما نعلمه، أو إلى أدق مما نزعم أننا نعلمه. وأعظم ما يفسد على المرء ~~تفكيره أو يشوه خياله، أن تخبره بكل شيء فلا تدع لتفكيره أو خياله مجالا يجول فيه، ms022 ويخلق ~~من الصور ما تطمئن إليه نفسه. # كانت أسرة نائلة من الأسر الطارئة على الأندلس، استدعى عبد الرحمن الناصر لدين الله جدها ~~من الشام سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان ذا معرفة بزراعة الأرض وطرق استنبات الفاكهة، فوكل ~~إليه شئون ضياعه الواسعة، فقام عليها أحسن قيام، وأشرف أدق إشراف، وبذل فيها من جهده وفنه ~~خير ما يبذل العامل القوي الأمين، حتى أصبحت بعد سنوات جنات وافرة الثمار، كثيرة الغلة، ~~فمنحه الخليفة جزاء إخلاصه أرضا تقرب من قرطبة تمتد على شاطئ الوادي الكبير إلى مسافة ~~بعيدة، فعمل فيها الدمشقي جادا، ونقل إليها من الشام كثيرا من أشجار الفاكهة مما جعلها ~~مضرب المثل في النماء والازدهار، وأخرجت من أنواع الثمار ما يندر أن يكون له مثيل في ~~المشرق، فزاد دخله، وعظمت ثروته وأصبح من كبار أثرياء المدينة، ولما أدركته المنية، ترك ~~ثروته لابنه الذي لم يرزق سواه. وكان ابنه قد تزوج فتاة جميلة لها مجد ومكانة وثروة، فولدت ~~له نائلة. ثم مرت سنون مات في غضونها أبو نائلة وترك لها مالا وجاها. وتزوجت بعد وفاته أحد ~~أبناء عمومتها فسعدت بزواجها، غير أن سعادتها لم تدم طويلا فمات لها ولد في ريعانه، ثم ~~قتل زوجها في أعوام الفتنة، قتله البربر فيمن قتلوا في ذلك اليوم العصيب حين دخلوا قرطبة ~~عنوة لإعادة المستعين بالله إلى عرش ملكه. وقد حزنت نائلة لفقد زوجها، غير أن الحزن ككل ~~شيء في هذا الوجود قلق ملول، لا يلازم أصحابه طويلا. فما كاد يمر عام أو بعض عام حتى عادت ~~إلى مرحها وما فطرت عليه من لهو وإسراف. كان لها مال وجمال وفراغ، وكانت لها ثروة من أدب ~~وتثقيف ولطف حديث ودعابة حلوة، وكان أظهر ما تمتاز به بين أترابها إجادتها اللغة ~~الأسبانية، شغفت بها منذ نشأتها، وتلقتها عن أساتذة من اليهود والقساوسة الأسبان. كانت ~~امرأة ضحوكا تحب الحياة وتعشق كل ما فيها من بهجة ونعيم، فأصبحت ندوتها حافلة بوزراء ~~قرطبة وعظمائها وأدبائها. # جلست نائلة في سريرها وقد ارتفع الضحا، فأقبل ms023 عليها جواريها ليقمن بواجب الخدمة على ~~عادتهن في كل صباح، فهذه تملأ أخاديد الوجه بالمساحيق، وهذه تكحل العينين وتزجج # 1 # الحاجبين، وهذه تطارد كل شعرة بيضاء في رأسها نصل عنها الخضاب، فتعيدها سوداء ~~كحالك الليل، وهذه تدلك الساقين الباردتين لترد إليهما حرارة الحياة. وجملة القول إنهن كن ~~ينشئنها إنشاء في كل صباح، ويصانعن جيش الطبيعة التتاري المدمر بألوان من الخداع لا تجوز ~~عليه ولا على الناس. # جلست نائلة في سريرها تتثاءب في تكاسل. ثم دعت إليها سعدى قهرمانة القصر فاتجهت ~~إليها وقالت: أريد أن تبذلي كل فنونك في أن تكون حفلة الليلة من أروع ما صنع بقرطبة من ~~حفلات، لا تدخري مالا، ولا تتحرجي من لوم المتزمتين، وقد أعلمتك أمس بضيوفي، ولكل منهم ~~ميل، ولكل منهم نزعة، فأعدي لكل واحد ما ترتاح إليه نفسه، ثم أعدي لهم جميعا ما يبعث ~~المرح ويطلق النفوس المكبوتة، أريد أن تتحدث قرطبة كلها بما يكون في هذه الليلة من مبتدعات ~~السرور أريد أن أعيد بها عظمة الأندلس، ومرح الأندلس، وعبث الأندلس، فماذا تقولين؟ ~~- فأطرقت سعدى كالمفكرة، وأخذت تمر بسبابتها فوق جبهتها ثم قالت: أما أنواع الطعام ~~وألوانها فقد دونتها في صحيفة بالأمس، وهي تجمع كل ما يخطر وما لا يخطر ببال من لذائذ ~~الطعام، وبقبو القصر كل صنوف الشراب، وكل رحيق مختوم مزاجه من تسنيم. أما ضروب اللهو ~~الأخرى فإني أنتظر أمرك فيها. ~~- أرسلي إلى «غاية المنى» المغنية، وإلى «جمانة» الراقصة، ثم إلى الراقصات الأسبانيات ~~«بحانة راميرز»، وادعي «الزرافة» المضحك الممخرق، ولا تنسي يا سعدى شيئا مما يبهج النفس ~~ويثير الطرب. وهذا مفتاح خزانتي فخذي منها من المال ما شئت. # وما كادت سعدى تغادر الغرفة حتى دخلت إحدى جواريها لتنبئها بأن امرأة محجبة الوجه تلح ~~في لقائها، وتأبى أن تبوح باسمها، أو تذكر حاجتها. فأطرقت نائلة طويلا، ثم رفعت رأسها وقد ~~طافت بوجهها ابتسامة طائرة، وقالت: دعيها تدخل يا نشوة. فدخلت بعد قليل امرأة ملففة ~~بخمارها، كأنها قطعة من الليل، فلما جاوزت باب الغرفة، ms024 رفعت قناعها فإذا هي «غالية» جارية ~~عائشة بنت غالب. وبعد أن حيت نائلة قالت : إن الحرب يا سيدتي في دارنا قد صفت جنودها، ~~وأرهفت سيوفها، ولن تمضي أيام حتى يندلع لهيبها في أرجاء قرطبة. ~~- أعرف يا غالية أن عائشة ممن يحرق مدينة بأسرها ليقتل فيها عدوا واحدا، وأعرف أنها لن ~~تترك لعدوها فرصا ليعد عدته أو يأخذ حذره، ولذلك سبقت للاستعانة بك لتكوني ناقوس الخطر ~~بيننا وبينها حتى نستطيع إحباط كل شر تدبره، وإخماد كل نار تشعلها. ماذا فعلت حينما وصلت ~~إليها رسالة ابن زيدون؟ ~~- أرأيت جبال النار يا سيدتي؟ كانت جبل نار. أرأيت البحر الثائر حينما يشتد النوء، وتعصف ~~الزعازع. كانت البحر الثائر. أرأيت .... ~~- كفى يا غالية! أعرف كل هذا وأكثر من هذا، ولكني أريد أن أعرف ما اعتزمته، أريد أن أعرف ~~السلاح الأول الذي اختارته، ثم ناحية الهجوم التي تصوب إليها سهامها. ~~- إن سلاحها الأول مسموم قاتل يا سيدتي، وهو أحط سلاح وأحقره، وقد تبينت من حديثها أن ~~سيدي ابن زيدون أيام تدلهه في هواها، لم يحترس ولم يحترز، فكان يبعث إليها برسائل فيها ~~سخرية وتندر واستخفاف بعميد الجماعة ابن جهور ورجال دولته. وقد حفظت الملعونة هذه الرسائل ~~في خزانتها لتشهرها في وجهه إذا حدثته نفسه بالانفلات من يديها. وأعلنت بالأمس في صراحة ~~أنها ستضع هذه الرسائل في يد ابن جهور. ~~- ويل للفاجرة! إن لها شيطانا عبقريا. أهكذا ونحن على أبواب الوزارة تنقض علينا هذه ~~الحية الرقطاء لتفسد كل شيء؟ ثم صمتت طويلا وقالت: سأزورها غدا يا غالية ثم يكون ما يكون. ~~أين تضع هذه الرسائل؟ ~~- في خزانة بجانب مرآتها بالغرفة الغربية. ~~- وأين تحفظ مفتاح الخزانة؟ ~~- إنها لا تتركه يا سيدتي في يقظة أو في منام، فهو دائما معلق بخيط من حرير في ~~عنقها. ~~- حسن يا غالية، حسن جدا. وهنا عادت إلى وجه نائلة ابتسامته، ومدت يدها تحت وسادتها، ~~فأخرجت قبضة من دنانير ألقتها في يد غالية وهي تقول: شكرا يا فتاة. إن خبرك هذا يساوي ~~أضعاف هذه ms025 الدنانير. ثم سألت كأن خاطرا جديدا عرض لها: ~~- ألا يزال ذلك الأسباني الطالب بجامعة قرطبة يزورها؟ ~~- يزورها الآن قليلا يا سيدتي. ~~- هل بينها وبينه صلة غرام؟ # فابتسمت غالية وقالت: لا يا سيدتي، إنه شاب دميم سقيم الجسم، لا يتحدث إلا عن دروسه ~~بالجامعة، وأساتذته بالجامعة. ~~- لعل وراء الأكمة ما وراءها يا غالية! ~~- يجوز يا سيدتي، ولكن لا يظهر لي إلى الآن من زيارته شيء إلا أن عائشة تعطف عليه لأنه ~~أسباني، ولأنه طالب علم فقير. ~~- ما اسمه؟ ~~- أسبيوتو. وهو يدرس الطب على ابن زهر. ~~- أسبيوتو! يدرس الطب على ابن زهر! ثم تنهدت وقالت: ندع هذا الرجل الآن. ولكن افتحي ~~عينيك يا غالية والله معك ومعنا. فشكرتها الفتاة وخرجت محجبة كما دخلت. # وجاء المساء، وتوافد على القصر وزراء قرطبة وعظماؤها وشعراؤها، وأديبات قرطبة وكرائم ~~أسرها. وكان بين الجمع من كبار المدعوين أبو الوليد محمد بن عميد الجماعة، وأبو حفص بن ~~برد، وأبو مروان بن حيان المؤرخ، وابن زيدون، وابن عبدوس، وابن الحناط الكفيف الشاعر ~~الطبيب. وكان بين المدعوات أم العلاء الحجازية الأديبة الشاعرة، ومريم العروضية مولاة ابن ~~غلبون، وقد ازدان الجمع بكثير من الفتيات اللاتي نشأن في النعيم، ودرجن في باحة العز ~~والثراء، وصورهن الله فتنة لخلق الله في هذه الأرض. والجمال العربي الأسباني مزيج عجيب من ~~سحر الشرق وقسامة الغرب، وصورة رائعة لما تستطيع أن تبدعه الصحراء الجافية إذا نعمت بالظل ~~والماء، ونفحها برد الشمال. وإذا أضيف إلى هذا الجمال لطف الحديث وأدب الطبع ونزاهة ~~الخلق، كان فتنة العيون، وشرك الألباب. # وبعد قليل وصلت محفة ولادة ومهجة القرطبية إلى القصر، فهرعت نائلة للقائهما، وأقبل الضيوف ~~إليهما يحيونهما في حفاوة وتكريم. وحينما تقدم ابن زيدون لتحية ولادة، قالت نائلة: هذا ~~يا ابنة الخليفة شاعر قرطبة أحمد بن زيدون الذي جعل شعره مرايا للحسان، فمدت ولادة يدها ~~إليه في ابتسامة زهراء وقالت: أرجو أن تكون مراياك صادقة يا سيدي، فبهر ابن زيدون وتلعثم ~~لسانه، ثم قال: إنني يا سيدتي سأحطم مرايا شعري ms026 كلها، لأنها أصبحت لا تعجبني، وسأصطنع ~~مرآة جديدة لأجمل فتاة في أرجاء الأندلس. # فأرسلت ولادة ضحكة هادئة، ثم قالت في صوت ساحر، ودهشة مصنوعة: أجمل فتاة في أرجاء ~~الأندلس؟ من هي؟ ليتني كنت أعرفها! ~~- لو نظرت في مرآتك لعرفتها لأول نظرة. فاحمر وجهها من الخفر، # 2 # وأسبلت جفنيها على عينين تأتلقان بوميض الشباب ثم قالت: إنك لطيف مجامل يا أبا ~~الوليد، وإن لكم أيها الشعراء نمطا في التعبير نعرفه ونعرف أنه محض خيال لا يسكن الحق في ~~بيت من أبياته، ومع هذا نلقي إليه بأنفسنا في غير خوف أو حذر، ونستمع إلى أنغامه في شغف، ~~وندنو منه رويدا مأخوذات، كأنه رقية ساحر. ~~- قرأت في بعض أساطير قدامى الأسبان يا سيدتي: أن الله حينما خلق الجمال وسواه على أبدع ~~صورة وأحسن تقويم، انطلق مع الناس في الأرض يضطرب فيما هم فيه يضطربون ويعيش كما يعيشون لا ~~يمتاز عنهم بميزة، ولا يختص بكرامة. # وبينما كان يشرب من غدير ساكن، إذ رأى خيال وجهه في الماء، فبهر لما راعه من قسامة وجهه، ~~ووسامة طلعته، وإبداع الخالق العظيم في تكوينه، وسخط على الناس لأن لهم عيونا لا ترى، ~~وقلوبا لا تنبض بعاطفة. ثم أخذ طريقه إلى مأواه حزينا كاسف البال، فلما طال حزنه، هبط ~~عليه ملك من السماء فبثه الجمال آلامه، وشكا إليه إهمال الناس إياه، وأن الله وهب له ~~نعمة ولم يخلق من يقدرها ويعرف لها قيمتها. فرق الملك لشكواه، واستجاب الله بعد قليل ~~لدعائه، وخلق في الناس الحب، فتهافتوا على الجمال، وتراموا نحوه، وأخذوا يصيحون حوله بكلام ~~مختلط مضطرب، حتى كادوا يصمون أذنيه. ففر الجمال منهم إلى الغابة فزعا مكدودا، برما ~~بما سمع من صيحات جافية، وأصوات نابية، قد تدل على حب، ولكنه حب عنيف قاس، خلا من ~~الحنان، وأجدب من رقة العاطفة. عاد الجمال يبكي، فهبط عليه الملك غاضبا في هذه المرة ~~وقال: مم تبكي أيها الجمال؟ فأجابه: إنني أبكي لأن الله أنعم علي بنعمة عادت نقمة وشرا ~~مستطيرا، حتى أصبحت ms027 أوثر عليها الموت، ليتني كنت دميما، فإني أرى كل دميم يعيش في أمن ~~وعافية. أما أنا فمن الصباح إلى المساء يحيط بي قوم غلاظ عابسو الوجوه، يدقون صدروهم، ~~ويعوون في وجهي عواء الذئاب الجائعة، إن كان هذا هو الحب، وإن كان هذا الصياح اليابس في ~~لغة البشر تقديرا للجمال، فإني في غنى عن هذا الحب، وفي غنى عن هذا التقدير، وأتمنى لو عدت ~~كأول عهدي بين قوم لا قلوب لهم، فقد كنت - على تعس ما كنت فيه - قرير النفس هادئا ~~مطمئنا. # فأشفق عليه الملك، وسأل الله أن يمنح الناس الشعر، فأجاب الله سؤاله، وخلق فيهم الشعر، ~~وخلق معه الغناء والموسيقى، فاتجهت هذه الفنون إلى الجمال في أدب المتوسل، وذلة المستعطف، ~~وأرسلت أصواتها رخيمة صداحة، تصور خوالج النفس ولواعجها في نغم تقف له الطيور في سمائها، ~~وتهتز الغصون في أدواحها. وما كاد الجمال يلقي نحوها سمعه، حتى أسكرته رناتها، وأطربته ~~ألحانها. ومر به الملك وهو مضطجع في ظل زيتونة مهدلة الأفنان، يجري من تحتها غدير هادئ ~~الخطا، يتعثر فوقه النسيم، والشعراء ينشدون، وآلات الطرب تعزف، فقرب من الجمال وقال: لم لا ~~تناديني اليوم؟ فظهرت الحيرة على وجه الجمال وقال: لقد ناديتك يا أخي مرتين، فلم أرد أن ~~أزعجك بعدهما، فاذهب إلى السماء موفقا، فالأرض بخير ما لقيت حبا شريفا، وجمالا ~~عفيفا. ~~- هذا عجيب. وقد رأيت في إقليم طالقة، وهو من أقاليم إشبيلية، تمثالا من المرمر لجارية ~~لم تقع العين على أجمل منها، وعلمت أن الأقدمين كانوا يدعونها إلهة الجمال. أما أسطورتك ~~هذه فلم أسمع بها، ثم حدقت فيه النظر وقالت: وأخشى يا أبا الوليد أن تكون من أساطير خيالك، ~~فأسرع ابن زيدون قائلا: لا يا سيدتي، إن بيننا من اليهود من يتقنون الأسبانية، وقد عثروا ~~على آثار كثيرة للقوط في بيت الحكمة بطليطلة بعد هزيمة «لذريق» ومن هذه الآثار كتب في ~~العلوم والشعر والأدب ترجمها اليهود وأذاعوا أسرارها. وبينما هم في الحديث إذ أقبل عليهما ~~الوزير ابن عبدوس، وأخذ بيد ولادة ms028 قائلا: ألا تحب سيدتي أن تخرج إلى الحديقة قليلا لتتمتع ~~بأنفاس النسيم في هذه الليلة المقمرة قبل موعد العشاء؟ أنا واثق أنك لا تملين حديث شاعرها ~~أبي الوليد، ولكننا نترك في الكأس بقية إلى ما بعد العشاء. # وقامت معه ولادة وهي تنظر إلى ابن زيدون نظرة مبهمة، فيها اعتذار، وفيها ألم ~~وإشفاق. # سارت ولادة وابن عبدوس فانطلقا مع الضيوف هنا وهناك في أفناء الحديقة يتجاذبون أطراف ~~الحديث، ويتناقلون الأفاكيه والنوادر في مرح وابتهاج. وجلس ابن زيدون وحده مطرقا وقد لعبت ~~به هواجس نفسه، وعصفت به لواعج حبه: أين أنا؟ وأين كنت؟ ومن هذه التي كانت بجانبي حتى أخذها ~~هذا المنحوس الطلعة، الأغم القفا، الوغد المأفون؟ أهذه ولادة؟ ولادة بنت المستكفي التي ~~صورها الله للجمال مثالا، وجعلها للظرف عنوانا. ولادة التي تأنقت القدرة الإلهية في خلقها ~~لتكون نموذجا لما أعد الله للمؤمنين من ثواب في جنات النعيم، ومعنى مجسما لما حاول ~~الشعراء أن يبوحوا ببعضه فوقف بهم الخيال، وضاق النظم، وعجزت القافية؟ وأين أنا منها؟ أين ~~منها ذلك الشاعر التائه المضطرب، الذي أضاع ردحا # 3 # من شبابه في غزل كاذب، ونعيم موهوم، وأبواب الجنة منه على قيد خطوات، وحوراء ~~الفردوس في دار تكاد تصاقب داره؟ إني رأيت في عينيها حبا ملائكيا طاهرا، كاد يحترق له ~~قلبي، وسمعت في صوتها رنة عذبة سحرت لبي. فهل أنا محب محسوب؟ هل أنا بهذا الجمال قمين؟ ~~وقل تقبل الجنة علي هكذا مرة واحدة من غير أن أخوض إليها المكاره؟ وهل يسعى إلي هذا ~~الحسن الفاتن طائعا مرخي العنان من غير أن أقضي فيه ليلة سهاد، أو أسفح دمعة عين؟ إنني ~~لا أكاد أصدق. إن قوانين الدنيا ومناهج الأيام لا تأتي على هذا النحو. إن الدنيا لا تجود ~~بنعيم إلا إذا أخذت من الجهد والكد والتبريح ما يساوي ثمنه أو يزيد، وهي إذا أعطت لا تعطي ~~مرة واحدة هكذا بالهيل والهيلمان، # 4 # ولكنها تبض بقطرة قطرة، حتى تفسد معنى العطاء والإحسان. لا. إنني مخطئ. إنني ~~مخدوع. ms029 إنها لا تحبني. وأنا رجل مغفل سريع إلى الحكم، وثاب إلى التشبث بالوهم. إنها ~~فتاة مهذبة كريمة النجار، مرهفة الذوق، رأت رجلا شاعرا مغرورا، فأرادت أن تجامله وتلاطفه ~~وترفق به، فابتسمت له، وأطالت معه حبل الحديث. هذا كل ما في الأمر، لا أكثر منه ولا أقل، ~~وهذا هو شأن النفوس النبيلة، تعطف على الغر الجاهل المتبجح من أمثالي. أما أن أقول إنها ~~تميل إلي، فأمر مضحك. # ثم أخذ في الضحك، ولكنه وقف عنه فجأة وقال عابسا: لا. لا. إن نظرتها الأخيرة إلي حينما ~~دعاها هذا الغراب المشئوم للخروج إلى الحديقة، كانت كفلق الصبح، ليس فيها شك ولا ~~مرية، # 5 # إن القوة البشرية أعجز من أن يصل بها التصنع إلى هذا الإتقان. إنها كانت نظرة ~~حزينة وامقة. # 6 # لقد قرأت في عينيها كل شيء، وفهمت كل شيء، ولست من الغرارة والغفلة بحيث لا ~~أفهم مثل هذه النظرات. لأترك الآن هذا، فقد فرغت منه، وبلغت الغاية، ولأنظر في الدنيا التي ~~بسطت رحابها أمامي فياحة ناضرة، ترف على جوانبها الورود والرياحين. سأكون زوج ولادة ~~أجمل فتيات الأندلس وأشرفهن، وسأصعد إلى أسمى المراتب في الدولة. ثم رفع رأسه هنيهة وقال ~~مسائلا نفسه: أسمى المراتب في الدولة؟ من أين لي هذا؟ ابن جهور رجل مغلق ضنين، والوزراء ~~حوله لئام عيابون، لا يريدون أن يصل إلى مراتبهم ناشئ طموح مثلي، والشيخان ابنا عمه محمد ~~بن عباس، وعبد العزيز بن حسن، يستثقلان ظلي، وينفران من أدبي وشعري. ولكن نائلة ألقت في ~~أذني بالأمس كلمات كان لها في نفسي مواقع الماء من ذي الغلة الصادي. قالت: إن الوزارة ترف ~~بجناحيها فوق بابي. ونائلة وثيقة الصلة برجال الحكم، وهي تعرف من شئون الدولة ما قد يجهله ~~ابن جهور نفسه. ثم إنها لا تكذب، ولماذا تكذب؟ وهل لها غاية من وراء الكذب؟ إنها امرأة ~~خبيرة طبة # 7 # لبيقة، وإلا فلماذا أسرعت وقدمتني إلى ولادة، وفتحت أمامي بابا للرفعة وعظم ~~الشأن لا يدخله إلا الوزراء وكبار الدولة؟ إن ولادة لا تجالس ms030 كاتبا في الديوان، ولا تبتسم ~~لصغير من عمال قرطبة، فأغلب ظني أن نائلة لم تدفع بي إلى هذه المنزلة إلا وهي جد واثقة ~~أنني منها قاب قوسين أو أدنى نفرغ من هذا أيضا ونحن منه على يقين. # ثم بدا على وجهه العبوس، وطافت بوجهه غمامة هم ذهبت بنضارته، وأخذ يعض سبابته يقول: ~~عائشة بنت غالب، هذه المصيبة التي قذفت علي من الجحيم، ورماني بها إبليس اللعين ليفسد ~~حياتي، ويبدد شبابي، ويقضي على آمالي. عائشة بنت غالب! إنها شر بنات حواء إنها امرأة ~~فاتكة هباشة، إذا ظفرت مخالبها بفتى فعليه الرحمة، وأحسن الله فيه العزاء! إنها العنكبوت ~~ذو الأيدي الطوال، والمخالب الحداد. إنها الذئبة الجائعة التي لا تترك فريستها وفيها ~~دماء. ويل لي منها وويل لمقتبل أيامي، وما كنت أرتجيه من هناء وسعادة! ليت شعري ما الذي ~~ستصبه علي من صواعق بعد أن وصلت إليها رسالتي؟ إنها لن تتركني بعد هذه الرسالة لأهنأ بزواج ~~ولادة، إنها ستعمل كل شيء لتفسد ما بيني وبينها، إنها ستهجم عليها في دارها، وتملأ الدنيا ~~ضجيجا بثلب عرضها وعرضي، وستنشر في المحافل والمجامع من التهم ما يتعفف عن سماعه غلمان ~~الحانات، إنها ستذهب إلى أبي الحزم بن جهور في دموع البائسة المخدوعة، فتملأ صدره علي ~~غلا وغيظا، ثم؟ ثم إن عندها رسائل مني كنت أبعث بها إليها أيام جهلي وجنوني، وأتندر ~~فيها بعظماء الدولة، وأتبسط فيها بالطعن في ابن جهور ووصفه بالرياء والنفاق وسخف الرأي ~~والتدبير. وامصيبتاه! إنها ستجمع كل هذه الرسائل في أمانة وصيانة، وستطلع كل وزير على ما ~~يخصه منها، وهكذا أراني سقطت حينما ارتفعت، وطفوت كما يطفو الغريق ليغطس في الماء إلى غير ~~رجعة! ما الذي دفعني إلى هذه الحية الرقطاء؟ وما الذي أوقعني في حبالها؟ الجهل والشباب ~~العربيد والتظرف الممقوت! خسئ أبو الوليد! ولعن الله لحظات مرت به تحت سقف هذه الهرة ~~الشكسة النهوس! # وبينما هو يتعثر في هذه الخواطر السود وتتعثر به، إذ سمع نائلة تصيح بالعبيد والغلمان ~~قائلة: ادعوا الضيوف ms031 إلى العشاء فقد أعد الطعام. فأفاق من سبحاته كما يفيق المحموم من ~~نوم مضطرب كريه، وهز رأسه في عنف، كأنه يريد أن يميط عنه مخيفات الهواجس، وقال لنفسه أو ~~قالت له نفسه، إن من الخير ألا أسبق الأيام، ومن الخير ألا أفترض الكوارث، وعلي أن أتمتع ~~بالساعة التي أنا فيها، وأن أترك ما لغد لغد، ولله أمر هو فاعله، وحكم هو قاضيه، لا راد ~~لقضائه، ولا معقب لحكمه. # ثم تقدم إلى نائلة باسما وهو يقول: لقد أحسنت بي يا سيدتي إذ مهدت لي سبيل الوصول إلى ~~ذلك الملك السماوي الذي كانت تعجز عن بلوغه الأسباب، وتتعثر الأوهام. فأجابته نائلة وهي ~~تهز كتفه في حنو. ~~- اصبر يا فتى، فإنك لا تدري ما تدبره لك نائلة من رفيع الشأن وبعيد المنزلة. ثم تنهدت ~~وقالت: والله ما أدري سر ذلك الحافز العنيف الذي يدفعني إلى الاهتمام بأمرك، والكدح في ~~الوصول بك إلى أسمى الغايات، وبذل الجهد في حياطتك من كل يد تمتد إليك بأذى. لعلي أحببتك يا ~~أبا الوليد لأني بعد أن فقدت ابني منذ حين بعيد بقي حنان الأمومة في كمينا حائرا ~~متطلعا، فلم يجد بين شباب قرطبة إلا إياك، لقد مر بحياتي كثير وكثير ممن تزدان بهم ~~المحافل، ولكن قلبي لم يهتف إلا بك، ولم يرف جناحاه إلا لك، و«لهوى النفس سريرة لا تعلم» ~~كما يقول متنبي المشرق. على أنك مع هذا سيد الفتيان وسامة وقسامة وجرأة وبطولة وأدبا - ~~لست أراك إلا ابنا لي يا أبا الوليد، وسأكون ملكك الحافظ، ومجنك الوافي في جو قرطبة ~~المضطرب بالفتن والدسائس والأحقاد. هلم إلى العشاء يا بني. # ومدت المائدة، ووضعت عليها غرائب الألوان، ونفائس الأطعمة وأحاط الخدم والعبيد بالضيوف ~~في أدب واحتفاء، يفهمون الإشارة ويكتفون بالإيماء، وجلست ولادة وإلى يمينها ابن زيدون، وإلى ~~يسارها أبو الوليد محمد بن عميد الجماعة، وأخذ الضيوف يتنقلون بين الطعام والشراب بطرائف ~~الأحاديث، ومد ابن زيدون يده بطبق من الطعام نحو ابن الحناط الكفيف وهو يقول: بدع قصيدتك ~~التي ms032 تقول في أولها: # راحت تذكر بالنسيم الراحا # وطفاء تكسر للجنوح جناحا # أخفى مسالكها الظلام فأوقدت # من برقها كي تهتدي مصباحا # وكأن صوت الرعد خلف سحابها # حاد، إذا ونت السحائب صاحا # فقال أبو حفص بن برد، وكان يحقد على ابن الحناط: شعر حسن، ولكنه يحتاج إلى صقلة ~~الفن. # فرفع الكفيف رأسه في غضب، وكان شيخا في الثمانين. وقال في سخرية: ما الذي يحتاج فيه إلى ~~صقلة الفن يا مولاي الوزير؟! ~~- يحتاج إلى كثير يا سيدي: إنك تقول «راحت تذكر بالنسيم الرحا» ثم تصف ليلة مظلمة مبرقة ~~مرعدة، فأين مكان النسيم هنا؟ إن هذه الليلة يجب أن تكون فيما يقتضي التصور ذات ريح عاصفة. ~~أما كلمة «كي تهتدي» فحشو ثقيل أفسد عليك البيت كله، وكان يجب أن تفتح آخرها، لأن المضارع ~~اليائي يظهر عليه النصب، والعجيب أنك تصف سحابة وطفاء من أول بيت في القصيدة ثم تقول: ~~«وكأن صوت الرعد خلف سحابها» والضمير في «سحابها» يعود إلى السحابة، فيكون محصل الكلام: ~~وكأن صوت الرعد خلف سحاب السحابة، وهذا تهافت لا يستطاع الفرار منه، وبعد أن شبهت الرعد ~~بالحادي قلت: «إذا ونت السحائب صاحا» والشعر يتطلب أن تقول: «إذا ونت الركائب صاحا» حتى ~~يجيء للحادي ما يلائمه. فاكفهر وجه الكفيف، وانتفخت أوداجه من الغضب، وصاح: هذا هراء! ~~ولكن الحق الذي لا مرية فيه أنك أردت أن تسرق مني هذه المقطوعة، فأسأت الصناعة، ولم تتقن ~~السرقة حين تقول: # ويوم تفنن في طيبه # وجاءت مواقيته بالعجب # تجلى الصباح به عن حيا # قد اسقى، وعن زهر قد شرب # وما زلت أحسب فيه السحا # ب ونار بوارقها تلتهب # بخاتى توضع في سيرها # وقد قرعت بسياط الذهب # فقولك: «وجاءت مواقيته بالعجب» كلام لم يأت إلا لتكملة البيت، ثم ما هذه البدعة في «قد ~~اسقى» فإن العرب حققوا الهمزة في «أسقى» وأنت تأبى إلا أن تسهلها، قد تقول إن هذه ~~ضرورة، فأجيبك بأن الضرورة لا يلتجئ إليها شاعر يتحدى كبار الشعراء. والبيت الثالث ألفاظ ~~كثيرة متزاحمة ليس فيها إلا ms033 أن البرق كالنار. ثم تقول: «وقد قرعت بسياط الذهب» والقرع يكون ~~بالعصا لا بالسوط يا سيدي! أما سياط الذهب هذه، فهي أدهى وأشنع من «ماء الملام» التي عابوها ~~على أبي تمام. # وأراد ابن زيدون أن يحول دون الجدل والخلاف، فقهقه وقال: إن الشعر لا يبحث فيه على هذا ~~النحو، ولو تعمدنا النقد، وتكلفنا التدقيق، لم يسلم بيت لشاعر من المتقدمين أو ~~المتأخرين. فصاح ابن الحناط قائلا: لا يا سيدي، إن آفة الشعر أن ينقده من لا يفهمه. # فأسرع شاب في العشرين قدم من «المرية» منذ أيام وقال: إذا أذن لناشئ مثلي في الكلام، ~~فإني أقول: إن الأندلس جميعها تدين في الشعر لثلاثة، هم ابن برد وابن الحناط وابن ~~زيدون. # فضحك القوم، ومال ابن الحناط على من بجانبه سائلا: من هذا الفتى؟ ~~- هذا عبد الله بن الحداد شاعر موسيقي مبدع، وله فن في الغزل عجيب. # وقالت نائلة: إنه يتغزل في الأسبانيات يا مولانا الشيخ، يتغزل في «نورا» الأسبانية التي ~~فتنته. فهمست ولادة في أذن ابن زيدون ترجوه في أن يطلب إليه أن ينشدهن شيئا من هذا الغزل. ~~فصاح ابن زيدون: أنشدنا يا عبد الله بعض نورياتك. فتردد قليلا ثم أنشد: # متى أحظى بمرآك # ويهدأ قلبي الشاكي؟ # رأيت الحسن قد ولا # ك إحيائي وإهلاكي # ولا أستطيع سلوانا # فقد أوثقت أشراكي # فكم أبكي عليك دما # ولا ترثين للباكي # فهل تدرين ما تقضي # على عيني عيناك؟ # وما يذكيه من نار # بقلبي نورك الذاكي؟ # نويرة إن قليت فإن # ني أهواك أهواك # ثم أنشد: # وبين الحسان الغيد لي سامرية # بعيد على الصب الحنيفي أن تدنو # مثلثة قد وحد الله حسنها # فثنى في قلبها الوجد والحزن # فطربت ولادة وقالت: يعجبني الشعر الواقعي. فقال أبو الوليد محمد في شيء من الدعابة: إن ~~شعر صديقنا ابن زيدون كله واقعي، وأبياته الجديدة تغنى الآن في كل مكان. ثم انطلق ينشد: # متى أبثك ما بي؟ # يا راحتي وعذابي # متى ينوب لساني # في شرحه عن كتابي؟ # يا منية المتعزي # وحجة المتصابي # الشمس ms034 أنت توارت # عن ناظري بالحجاب # ما البدر شف سناه # على رقيق السحاب # إلا كوجهك لما # أضاء تحت النقاب # وهنا صاحت نائلة قائلة: هذا هو الشعر الذي يذهل الفتاة عن نقابها، ويبكي العجوز على ~~شبابها. فظهر الكمد # 8 # في وجه ابن عبدوس، وعمد إلى توجيه الحديث إلى ناحية أخرى، فالتفت نحو ابن حيان ~~وقال: ~~- عثرت من أيام على نسخة من تاريخك يا مولانا، فأعجبت به، غير أنه عيبة عيواب، فقد ملأته ~~بمثالب الناس، ولم تعف لأحد فيه عن زلة. # فاتجه إليه ابن حيان وقال: وماذا أعمل يا فتى الأسبان، والدنيا خلقت هكذا؟ وتاريخي صورة ~~للدنيا التي أعيش فيها، فأحسنوا أعمالكم أحسن كتابتي. ~~- ألم تقل عن أبي عامر بن شهيد مفخرة الأندلس جميعها في أدبه وظرفه وحلو فكاهته: «كان ~~بقرطبة في رقته وبراعته وظرفه، خليعها المنهمك في بطالته، وأعجب الناس تفاوتا بين قوله ~~وفعله، وأحطهم في هوى نفسه، وأهتكهم لعرضه، وأجرأهم على خالقه؟» فأسرع ابن زيدون وقال: ~~وهكذا والله كان أبو عامر ما ظلمه الرجل فتيلا. # وهنا نظرت ولادة إلى ابن حيان وقالت: لو بدا لك أن تترجم لي في تاريخك، فبحقي عليك ماذا ~~كنت تقول؟ # فابتسم ابن حيان وقال: كنت أقول: «إنها في زمانها واحدة أقرانها: حضور شاهد، وحرارة ~~أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر» ثم سكت فصاح ابن برد: أتمم يا أبا مروان، فإن ~~الحية لا بد أن تمج لعابها: فقال ابن حيان: لا. إني لا أقول في ابنة المستكفي إلا هذا أو ~~مثله، وإذا أردت أن أمسها مسا خفيفا قلت: «على أنها - سمح الله لها، وتغمد زللها - ~~اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل». فضحك القوم وتصايحوا. قال ابن زيدون؛ ~~وماذا كنت تقول في؟ فزفر ابن حيان وقال: ~~- كنت أقول: «فتى الآداب، وعمدة الظرف، والشاعر البديع الوصف، ذو الأبوة النبيهة بقرطبة، ~~والوسامة والدراية وقوة العارضة، غير أنه سليط اللسان، جرئ الجنان، يذهب به طموحه كل مذهب، ~~ويهون عليه كل مطلب». # وأسرع ابن عبدوس وقدم له طبقا من القطائف ms035 في أدب وملق، وقال في صوت المستعطف: ماذا كنت ~~تقول في يا سيدي؟ # فاتجه إليه أبو مروان وقال: أعفني بالله فإني لا أحب أن أجبهك بما لا تحب! فألح ابن ~~عبدوس وألح القوم فقال: أديب بلغ به أدبه أبعد ما يبلغه سواه، وقذفت به حيلته إلى ما فوق ~~مرتقاه، يزاحم العرب بدهائه، ويستر نسبه بجوده وذكائه، دن شراب، وزير كواعب أتراب، يعادي ~~كل سباق سبوح، ويحسد كل مجد طموح». # فوقف ابن عبدوس غاضبا وقال: وهذا سب صريح، وقذف أملاه حقد كمين، وإني أرفع مكانة من أن ~~آبه لمثل هذا الهراء. # فأسرع ابن برد وقال: إن الشيخ لم يكن يريد أن يقول عنك شيئا، ولكنك ألححت وألححت. بعد أن ~~ألمع لك برأيه فيك. # وهنا صاحت نائلة: إننا لا نغضب لما يكتبه أبو مروان، والمؤرخ يجب أن يكون حرا فيما يكتب، ~~وإلا فسد التاريخ، وضاعت ثقة الناس بالمؤرخين، ومما يهون الأمر أنه لا يحابي صديقا ~~لصداقته، ولا يشهر بعدو لعداوته. أنا أعرف ما كتبه عني وأستحلفه بالله ورسله وأنبيائه ألا ~~يذكر منه الآن حرفا. هلم إلى قاعة الشراب. # فانطلق القوم يتزاحمون، ودار عليهم السقاة، وفاحت روائح الند والعود، وجلست «غاية ~~المنى» المغنية بين جوقتها، وأخذت بعد أن أصلحت عودها تغني بصوت كأنه همسات الأمل في نفس ~~اليائس الحزين، وكانت تردد من شعر ابن زيدون: # وضح الحق المبين # ونفى الشك اليقين # ورأى الأعداء ما غر # تهم منه الظنون # قل لمن دان بهجري # وهواه لي دين # يا هلالا تتراءا # ه نفوس لا عيون # عجبا للقلب يقسو # فيك، والقد يلين! # ما الذي ضرك لو سر # بمرآك الحزين؟ # وتلطف لصب # حينه فيك يحين؟ # فوجوه اللفظ شتى # والمعاذير فنون # وطار الطرب بالقوم بعد أن طار الشراب برءوسهم. ووقف «الزرافة» الممخوق # 9 # على كرسي فمد رقبته الطويلة، وصاح كما يؤذن الديك ثم قال: يا أدباء قرطبة؛ ~~ويا شعراء قرطبة؛ إذا كنتم سمعتم قول أبي نواس: # فاسقني حتى تراني # أحسب الديك حمارا # فاملئوا عيونكم مني جميعا وتبينوا في وجهي: ms036 أكان أبو نواس صادقا؟ ثم نهق حتى لم يشك من ~~يسمعه من بعيد أنه يسمع حمارا، ووثب وهو يصيح: لقد كان اللئيم صادقا فاشربوا ~~واطربوا!! # وجاء دور الراقصات الأسبانيات فبهرن العقول بفنهن ورنين صنوجهن، وانقضى الليل في مرح ~~وبهجة، حتى كاد يبدو عمود الصباح، فأخذ القوم في الانصراف آسفين على ساعات حلوة اختطفوها من ~~يد الزمان. # وعندما هم ابن زيدون بشكر نائلة وتوديعها همس في أذنها قائلا: إني أخشى عاقبة الرسالة ~~التي بعثت بها إلى عائشة يا خالتي، فخلصيني بالله منها، فإنها المعول الذي سيهدم كل ما ~~بنيت. فأجابته باسمة: طب نفسا أبا الوليد فسوف أزورها، وسوف أستل ذنابي العقرب فلا تعود ~~لها صولة. # وأقبلت ولادة عليهما متألقة باسمة، فودعته وشكرت نائلة على كريم ضيافتها، وجميل ما أعدت ~~من أسباب السرور. # | الفصل الرابع # من عائشة بنت غالب؟ ومن أي أرومة نبتت؟ فقد ترامت حولها تهم وخلعت عليها صفات تغري ~~المتطلع إلى تطلب المزيد. فمن عائشة؟ ومن أبوها؟ ومن أمها؟ ومن أي عش درجت، وفي أي ~~الأجواء نشأت؟ # كانت «فلورندا» أم عائشة تقيم بمدينة «شنت ياقب» أو القديس يعقوب، في أسرة رقيقة الحال. ~~وكان أبوها «جارسيا» يخدم في الكنيسة نهارا، ويرتزق من اللصوصية وقطع الطريق ليلا، وكانت ~~كنيسة شنت ياقب أعظم كنيسة بأسبانيا، وأكبر مشهد فيها، يحج إليها الناس من بلاد القبط ~~والنوبة، ومن أقصى بلاد رومة وما وراءها، فكان جارسيا ينال بالنهار من بعض صدقات الحجاج، ~~ويسطو بالليل على بعض أمتعتهم. # وفي صبيحة يوم من أيام شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، شمل الذعر مدينة شنت ياقب، ~~واستولى الهلع على أهلها، ودقت أجراس الكنيسة الكبرى، وتصايح الناس في أصوات مرتعدة واجفة ~~قائلين: لقد قرب جيش المنصور بن أبي عامر من المدينة!! # إنهم كانوا في أمن آمن، وكانوا يظنون أن بعد مدينتهم ووعورة المسالك بينها وبين قرطبة ~~تجعلهم في حرز من غزوات العرب، ولكن أصحاب الأخبار حملوا إليهم أن المنصور بلغ بجيوشه ~~مدينة «قورية»، ثم قطع المفاوز حتى بلغ مدينة «البرتقال» على ms037 نهر «دويرة» وهناك أنشأ على ~~النهر جسرا من السفن فعبره جنوده، وانطلقوا كأنهم شياطين الجن إلى السهول والقيعان، وما ~~زالوا يقطعون أنهارا، ويخترقون جبالا، حتى بلغوا جبلا شامخ الذرا وعر الشعاب، فأمر ~~المنصور الفعلة بتمهيد طريق فيه يتسع للجيش، فأخذوا يشقونه بالحديد حتى بلغوا أقصاه، ~~وانهمر سيلهم منه إلى أن وصلوا إلى نهر «أبله» ولم يصبح بينهم وبين شنت ياقب إلا أيام ~~قصار. # ذعر الرجال، وولولت النساء، وبكت الأطفال، ولم يجد أهل المدينة نجاة من هذه الكارثة إلا ~~الهرب، فجمعوا ما خف من شملهم، وانسابوا من المدينة كأنهم أسراب نحل ملأ المشتارون بالدخان ~~خلاياها. شيوخ وشبان وأطفال، ونساء يحملن صغارهن، ودموع وحسرات وأنات. أين يذهبون؟ إنهم ~~يفرون من الموت إلى الموت، ولكنهم يظنون أن موتا مشكوكا فيه خير من موت محقق. والناس في ~~ساعات الوهل # 1 # يطير صوابهم، فيركبون من الخطر ما هو أشد مما يتوقعون من خطر. إن غريزة ~~المحافظة على الحياة قد تنقلب جنونا يودي بالحياة، أليست الفراشة تلقى بنفسها في النار ~~لأنها تراها مصدر الحياة؟ ألا تلسع النحلة للدفاع عن بقائها، وفي لسعتها موتها؟ ألا يقتل ~~المنتحر نفسه، لأنه يحب الحياة؟ إن السفينة إذا أدركها الغرق جن ركابها وماج بعضهم في ~~بعض، فماتوا قبل أن يلتقمهم اليم. والدار قد تشب فيها النيران فيقتل الذعر أهلها قبل أن ~~تلتهمهم النيران. والفار من الثعبان الأرقم لو ثبت قليلا ما عدا عليه الثعبان. والحق أن ~~في الخوف من الموت موتا، وأن الذي يبذل الحياة توهب له الحياة. # خرج جارسيا وزوجه «مارايا» وابنته فلورندا مع الفارين الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت، وكان الرجل فارع القامة، قوي البناء، موثق العضل، فحمل على ظهره ما لا يسعهم ~~تركه من خفيف المتاع وكانت زوجه ناحلة سقيمة الجسم، تنظر في سهوم واضطراب إلى ما يمتد إليه ~~طرفها من المفاوز والجبال، ثم تهز رأسها في حسرة ويأس، وتدعو جميع القديسين والقديسات ~~لإنقاذها مما هي مقبلة عليه من موت محتوم. وكانت فلورندا في نحو ms038 الخامسة عشرة من سنيها، وقد ~~خلع عليها الشباب والجمال أغلى ما يخلعه الشباب والجمال على فتاة من حلي وحلل. # سارت الأسرة في صمت حزين، وكمد دفين، وهي لا تدري: أي مكان تريد؟ ولا أي طريق تقصد؟ ~~ولكنها كانت تريد أن تفارق المدينة، تريد أن تفر من ذلك السيل العربي الجارف الذي يوشك أن ~~يبتلعها، تريد أن تحيد عن طريق ذلك الضرغام الذي سمعت زئيره عن بعد يصم آذان السهول ~~والآكام. # وكان الصباح شديد البرد، وكانت الريح زعزعا. فكانوا كثلاث ريشات ظفرت بها الريح في يوم ~~عاصف، فقذفتها هنا وهناك فلم تستطع ثباتا ولا دفعا. سارت الأسرة أياما حتى نال منها ~~الأين، وهرأ # 2 # أطرافها البرد، فلجأت إلى سفح جبل يصد عنها صولة العواصف، وجلست مارايا ~~القرفصاء وقد دفنت وجهها بين ركبتيها من البرد، وأخذت ترسل أنفاسا متلاحقة مضطربة، ورمت ~~فوقها فلورندا طرفا من دثارها، وأخذت تبث في أذنها كلمات الحنان، وتحثها في رفق على ~~الصبر والتجلد. أما جارسيا فكان فظا صخري الفؤاد، لم ينل منه هذا المشهد المفجع إلا ~~السخرية والتهكم، فزجر زوجته في غلظة وعنف على ضعفها وانحلال قواها. # ولكن ابنته، وقد ضاق به ذرعها، التفتت إليه وقالت؛ إنها لا تستطيع المشي يا أبي. إن ~~يديها قطعتان من جليد، وقد لمست رأسها فإذا هو يتقد من الحمى. ثم أرسلت دمعتين يائستين ~~وصاحت: إن أمي مريضة يا أبي. انظر إلى عينيها، إنك لا تجد بهما بريقا. ثم احتضنتها إلى ~~صدرها لتعيرها قليلا من دفء شبابها، ولكن مارايا كانت في غير حاجة إلى دفء، لأنها خرجت ~~من دنيا العواصف والأنواء، وتركت شعاب أسبانيا الوعرة القاسية، إلى شعاب محجبة عن ~~العيون! # صرخت فلورندا حينما رأت أمها جثة فارقتها الحياة، ونظر جارسيا في ذهول ووهل إلى امرأته ~~وقد أحاطت بها رهبة الموت، ودارت حولها هالة من ذلك الجلال الذي لا يعرفه الأحياء إلا في ~~لحظات الوداع. ومن العجب أن هذه اللحظات قلبت طبائع الرجل، أو أظهرت الجانب الخفي المكبوت ~~من طبائعه على الأصح، ms039 فما كاد يستيقن موت زوجه حتى انكب عليها يقبلها وهو يبكي بكاء ~~الأطفال، ويندب ندب الثكالى، ويناجيها في لوعة وحسرة بأرق ما يناجي به حبيب حبيبا. وكأنه ~~كان يلمح ماضي قسوته وجفائه، وسابق تفريطه في حبها، فيزيده كل ذلك بكاء وألما وإفراطا في ~~الحزن والأسى. وحينما عاد إليه بعض صوابه شق لها قبرا تحت شجرة تين، وعمد على غصنين فصنع ~~منهما صليبا أقامه عند رأسها، ثم حمل متاعه، وأخذ بيد ابنته، فسارا مطرقين كأنهما لا ~~يزالان يحسان رفيف أجنحة الموت. وقالت البنت في صوت خافت: إلى أين يا أبي؟ ~~- لا أدري وحق العذراء يا فلورندا. ~~- أرى أن نعود إلى مدينتنا، فإن العرب لن يكونوا أقسى مما نحن فيه من هول وعذاب. ~~- نعود إلى مدينتنا؟ هذا لن يكون يا فتاة. ثم مد شفتيه في سخرية وألم وقال: ماذا فعلنا ~~أو فعل بنا القدر؟ أخرجنا لنفقد أعز امرأة في هذا الوجود، ثم نعود أدراجنا كأننا أدينا ~~واجبا مقدسا؟ لا يا فتاة. لن نعود إلى شنت ياقب بغير أمك. إن كل شيء فيها سيذكرني بها، ~~وسيهمس في أذني بأني لم أكن لها زوجا صالحا، ولكنني كنت كلبا عقورا. خير لي أن أموت وأن ~~تموت معي هذه الذكريات. ~~- وأين نذهب يا أبي؟ ~~- إلى قرطبة. ~~- إلى قرطبة قصبة الإسلام، وعرين الضواري، ووكر النسور الكواسر، الذين فررنا من بطشهم، ~~وخاطرنا بالحياة للنجاة من شرهم؟ لم لا نذهب إلى الشمال، ونلجأ إلى «ليون» أو «نافار» أو ~~«قشتالة» حيث نجد في ممالك النصارى الأمن والسلامة، وحيث نعيش مع قوم ديننا دينهم، وبلادنا ~~بلادهم؟ ~~- نعيش بينهم شهرا أو شهرين، ثم تقع الواقعة، فنعود إلى الفرار واقتحام الأخطار، ~~والتعرض لموت محقق! ~~- كيف يا أبي؟ ~~- إن هذا الخليفة العربي الذي يسمونه المنصور لن يستقر له قرار حتى يخضع جميع بلاد ~~أسبانيا، وحتى يزحف سيله إلى الأرض الكبيرة، على أنه استولى على ليون، وأذل نافار، وإذا لم ~~يملك قشتالة اليوم فسيملكها غدا. أتعرفين أن غزوته لشنت ياقب إنما هي الغزوة السادسة ~~والأربعون. ms040 وأنها ستتلوها غزوات وغزوات. إن من الخير لنا أن نلجأ إلى قرطبة عاصمة الإسلام ~~لنأمن شر الغزو إلى الأبد، ونعيش بين المسلمين أنفسهم ، لأنهم لا يؤذون ذميا ولا ~~مستأمنا، وكل ما يطلبونه من مثلي جزية لا تزيد على اثني عشر درهما في العام. هلم إلى ~~قرطبة يا بنيتي، فإن المثل الأسباني يقول: إن صديق الأسد لا يخاف وثبته. # انطلق جارسيا وابنته نحو قرطبة، وقد فرغ زادهما، فكانا إذا نزلا قرية استطعما أهلها، ~~وكانت فلورندا تحسن الرقص والغناء، فكانت تنتقل مع أبيها من باب إلى باب ترقص وتغني، حتى ~~ينالا من صدقات المحسنين ما يكفيهما، وما زالت هذه حالهما حتى بلغا قرطبة، فنزلا منها ~~بالربض الجنوبي، حيث يقيم أكثر النصارى والأسبان المتسلمين، ولم يجد الرجل من وسيلة ~~للرزق إلا أن يبيع الفاكهة متنقلا بها طيلة النهار وطرفا من الليل بين قرطبة وأزقتها، ~~وأبت فلورندا إلا أن تعين أباها، فكانت تجمع كل يوم بعض دريهمات من الرقص والغناء، وكانت ~~هذه الدريهمات تزيد في كل يوم كلما زاد الإعجاب بها والإقبال عليها. # وبينما كانت في أحد الأيام تبرز فنونها في سوق البزازين، # 3 # وقد التف حولها حشد حاشد من السابلة الذين أخذوا برنات صنوجها، إذ مر «بترو» ~~الذي ما كاد يسمع الرنين والإيقاع، حتى هزه الطرب، فدنا منها فإذا حسن فتان، وجسم ~~ريان، وفن في الرقص والغناء لو ثقف لفتن الناس وهز الأندلس. # كان بترو الأسباني صاحب أكبر حانة بالمدينة، وكانت له عين بصيرة بالجمال، وأذن موسيقية ~~تدرك أدق الفروق، وتحس بأخفى درجات النشوز. وكان يجلب إلى حانته أبرع الفاتنات ~~الأسبانيات وأجملهن، وامتدت تجارته إلى ما وراء الأندلس، فكان سماسرته في الغرب والشرق ~~يبعثون إليه أجمل بضائعهم من فرنسا ومراكش ومصر والشام وبغداد، وكانت حانته مثابة لفتيان ~~قرطبة المترفين الذين أطغاهم الفراغ والشباب وأفسدتهم الجدة. # رأى بترو فلورندا فملكه الدهش، وعز عليه أن يرى تلك اللؤلؤة اللامعة، وتلك الثروة ~~الفنية الغالية، تتقاذف بها طرقات قرطبة، هذا يرمي لها بدرهم، وهذا يلوي وجهه عنها ms041 كلما ~~مدت إليه يدها بدفها. # دهش بترو وعجب، فمد يده إلى جيبه وأخرج دينارا، فلما مرت الفتاة تستجدي بدفها، رمى ~~فيه الدينار. فنظرت إليه مبهورة وقالت: هذا دينار يا سيدي! # فأظهر بترو الحيرة والتردد وقال: أصحيح هو دينار؟ لقد أخطأت يا فتاة، فقد أردت درهما ~~وأراد جمالك وفنك دينارا خذيه باركت العذراء لك فيه؛ فأخذته فلورندا وهي لا تكاد تصدق أن ~~أصابعها تنطبق على دينار. وطافت برأسها أماني وأحلام، وأخذت تفكر في خير الطرق التي ~~تفجأ بها أباها لتطلعه على ذلك الكنز الثمين. ثم سارت لتعقد حلقة أخرى بسوق الصيارف، ~~ولكنها رأت بترو يتبع خطواتها، فلما دنا منها قال: ما اسمك يا فتاة؟ ~~- فلورندا. # ما أجمل الاسم، لولا أنه يثير في نفس الأسباني ذكريات لا تطفئ نيرانها الدموع! ~~- ذكريات؟ أنا لا أفهم ما تقول. ~~- عجيب. ألا تعرفين شيئا من تاريخ أسبانيا يا فتاتي؟ ألم تحدثك العجائز بتلك الداهية ~~الدهياء التي حلت بأسبانيا بنزول العرب فيها؟ # فظهرت سذاجة الجهل واضحة على وجه فلورندا الجميل وقالت وهي تهز رأسها: لا. لم يحدثني ~~أحد. ~~- إن فلورندا بنت يوليان هي التي أضاعت ملك أسبانيا، ووضعته لقمة سائغة في فم ~~العرب. ~~- امرأة فعلت هذا؟! ~~- امرأة ورجل، وقديما أخرجت الجنة من ظلالها رجلا وامرأة. فثارت رغبة فلورندا لمعرفة ما ~~يقصد، لأنها في الحق لم تفهم إلا قليلا فقالت: حدثني بحق «جوليوس» كيف أضاعت فلورندا جنة ~~الأندلس؟ ~~- فلورندا يا فتاتي كانت في بلاط لذريق ملك أسبانيا، فوصل إلى علم أبيها عن الملك ما ~~يمس شرفه، فغضب، ودفعه حب الانتقام إلى أن يذهب إلى موسى بن نصير قائد العرب بإفريقية، ~~ويمده بالسفن، ويرشده إلى مواطن الضعف في الدولة، ويذلل له السبيل لفتحها. ~~- لعن الله لذريق، ولعن الله فلورندا هذه؛ لن أتسمى بهذا الاسم بعد اليوم. آه يا سيدي ... ~~فأسرع بترو يلقنها اسمه: بترو. ~~- آه يا سيدي بترو لو رأيت ما فعله العرب بولايتنا لرأيت ما تشيب له النواصي، إنهم شياطين ~~مردة، ينسفون الجبال، ويثبون فوق الأنهار، كأنهم أسود ms042 لها أجنحة النسور. وهنا طفرت الدموع ~~من عينيها فلم تستطع لها دفعا وقالت: بهؤلاء العرب فقدت أمي يا سيدي بترو، لقد وثبوا على ~~شنت ياقب كأنهم العاصفة الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر، فخرجنا من المدينة ليقتلنا البرد ~~والجوع والكلال. ~~- أنت من شنت ياقب إذا؟ ~~- نعم. ~~- مع من تعيشين يا فتاتي؟ ~~- مع أبي جارسيا. ~~- وأين تسكنين؟ ~~- في قاعة بزقاق الصيادين. ~~- سأزور أباك الليلة، ثم مد إليها يده فحياها وانصرف وهو يحدث نفسه ويغمغم: إنها كنز ~~ثمين. إنها بوق الساحر الذي إذا نفخت فيه ألقى إلي فتيان قرطبة ما في جيوبهم ذاهلين ~~مأخوذين. عجيب أمر هذه المصادفات، تلقي بين يديك في سهولة ويسر ما لو ضربت في الأرض إليه ~~أعواما لم تجده! وكثيرا ما تضع هذه المصادفات التبر في الأرض الجرداء، وكثيرا ما تقذف ~~باللآلئ بين القمامات، والناس يمرون بها، وقد نهكهم الفقر، ونالت منهم البأساء، وهي على ~~قيد نظرة منهم. فلورندا؛ لو بعثت إلى أقصى بلاد الروم، وأبعد مطارح التركستان لم أجد لها ~~مثيلا! # والتقت فلورندا بأبيها في حجرتهما المظلمة بعد أن أجهدهما كد النهار، فرأته عابسا ~~منهوكا، فإنه لم يترك بقرطبة وأرباضها سوقا أو طريقا إلا سلكه صائحا مرغبا في اقتناء ~~فاكهته، واصفا جمالها ولذة مذاقها، ولكن الناس كانوا في هذا اليوم في صمم عنه وعن فاكهته، ~~كأنهم أقسموا يمينا مؤكدة ألا يذوقوا للفاكهة طعما، أو كأنهم رأوا في الفاكهة سما ~~زعافا فخافوا أن تمسها أيديهم. # قالت فلورندا بعد أن قبلت أباها: كيف الحال يا أبت اليوم؟ فابتسم جارسيا ابتسامة ~~اليائس وقال: أحسن حال يا حبيبتي؛ حملت الفاكهة في الصباح، وجئت بها كاملة في المساء، بعد ~~أن تمتع التفاح بمشاهدة كل ما في المدينة من أسواق وميادين ثم عاد سالما إلى مقره، ولكن ~~الخبيث كان يلح علي قبل أن تدخلي في أن أريه المدينة غدا وبعد غد، فقبلت غير أني اشترطت ~~عليه ألا أحمل الميزان، فقد أصبحت في غير حاجة إليه! ~~- ما الخبر؟ ~~- لم أبع بدانق. فإذا كان لديك ms043 درهم أو درهمان فاذهبي وأتينا بما نتبلع به الليلة. ~~فتصنعت فلورندا الجزع، وأمرت سحابة من اليأس أن تغيم على وجهها ثم قالت: إنني لم أكسب ~~دانقا # 4 # اليوم، فماذا نعمل؟ ~~- عظيم! نبيت على الطوى يا حبيبتي، وندعو للمنصور بن أبي عامر بدوام النصر والتأييد؟ ~~أتعرفين لم حرمنا الرزق هذا اليوم يا فلورندا؟ حرمنا لأنه يوم أحد، وهو يوم الراحة منذ خلق ~~الله السموات والأرض. ~~- نعم إنه يوم الأحد. ثم هزت ثوبها فسقط منه شيء لامع التقى بأشعة المصباح الواهنة، ~~فأرسل شعاعا وهاجا أسر عيني جارسيا فصاح: ما هذا؟ ثم مد إليه كفه فالتقطه، وقد انتابه ~~ما يشبه الجنون، وأخذ يتمتم: دينار! دينار! هذا دينار يا فلورندا! أنى لك هذا؟ وكيف ظفرت ~~به؟ # فابتسمت في وجهه وقالت في خبث: ببركة يوم الأحد. ~~- قولي بحق المسيح كيف حصلت عليه؟ فهزت كتفه في حنان وقالت: اجلس يا أبي فإنها قصة ~~عجيبة حقا، ثم أخذت تنبئه بمقابلة بترو وبما دار بينهما من حديث، وما كادت تتم قصتها ~~حتى سمعا قرعا على الباب، فوضعت إصبعها على فمها إشارة لأبيها بالسكوت، ثم أسرعت فقامت ~~تصلح ما في الحجرة من اضطراب، وتستر منها مواطن الفاقة، وبعد قليل أقبلت نحو الباب ففتحته ~~فإذا صوت خشن أصحل يقول: سعد مساؤك يا فلورندا. فمدت يدها وهي تبتسم وتقول: أهلا بسيدي ~~بترو. مساء جميل وضيف كريم لولا أن حجرتنا الحقيرة لا تليق بمثله. ~~- إن أنضر الأزهار ينبثق من الدمن، # 5 # وليس في الفقر من عار يا فلورندا لو جعله المرء سلما إلى الغنى. ~~- الغنى؟ أنت تحلم يا سيدي! هلم إلى أبي، ثم صاحت: يا أبي هذا السيد بترو الذي كنا ~~نتحدث بشأنه. # فوقف جارسيا ومد يده إلى الضيف مرحبا وهو يقول: خادمك جارسيا فرانسكوس يا سيدي. ثم نشر ~~حصيرا إلى جانب الحائط، وأومأ إليه بالجلوس، وأخذ ثلاثتهم يتداولون الأحاديث حول قرطبة وما ~~فيها من ثروة واستبحار في العمران، ثم ما فيها إزاء ذلك من فقر مدقع ومتربة، فقال بترو: ~~- إن العاقل ms044 من يعرف كيف يقتنص الفرص. وأسرع جارسيا قائلا: أي فرص يا سيدي؟ إن لي خمسة ~~أشهر أدور في شوارع هذه المدينة الملعونة وطرقها، وأتطلع إلى كل حجر في أبنيتها فلم أجد ~~يوما لهذه الفرص ظلا! ~~- لأنك تبحث عنها وهي في يديك. ~~- في يدي؟! ~~- نعم في يديك، وما مثلك، إلا كمثل من ينام فوق فراش وهو يتضور جوعا، ولو مد عينيه ~~إلى ما تحت الفراش لرأى من الذهب ما يغني دول الأرض. أنت يا سيدي جارسيا وجهت كل عقلك إلى ~~العنب والتفاح، وإلى أنك قد تكسب من هذا درهما وقد تكسب من هذا نصف درهم، ثم نظر إلى ~~فلورندا واستمر يقول: ولو أنك نظرت في غرفتك الحقيرة الآن لرأيت كنزا ثمينا. ~~- كنزا ثمينا؟ ~~- نعم. إن أمامك كنزا ينقلك من سكنى القبور، إلى سكنى القصور، ويجعل الذهب يسيل من بين ~~أصابعك كما يسيل الماء من أفواه الأسود في حدائق الزهراء. ~~- ما هذا يا رجل؟ أنت تعابثني، وقد جرأك على هذا فقري وسوء حالي، ثم قام في غضب: ولكني ~~أعلمك يا سيد بترو أنني على فاقتي لا أقبل مزاحا مهينا ولو جاء من أمير الأندلس. لا يا ~~سيدي، نحن سكان الجبال نرضى بالشظف، ولا نرضى بالمهانة. ~~- أي مهانة يا سيدي جارسيا؟ إن كنزك الثمين هو فلورندا. ~~- كنزي فلورندا؟ ~~- نعم. إن لها من الجمال ما لم تظفر بمثله قصور الملوك، ومن سحر الصوت ما تحسدها عليه ~~العنادل، ومن الرشاقة ما تتقطع دونه رشاقة الغصون. إن هذا الحسن الرائع، وذلك الفن ~~الموهوب، لم يخلقا ليطرحا في هذه الحجرة المظلمة التي تفر منها الخفافيش. # فأسرعت فلورندا تقول: وماذا ترى أن أصنع؟ ~~- تأتين عندي. فظهر السخط على وجه فلورندا، ووثبت إلى أبيها تعانقه وتدلله وهي تقول: لا ~~يا سيد بترو. إنني لن أترك أبي ولو وازنت لي الأرض ذهبا. هل أتركك يا أبي؟ إنني إذا ~~لعقوق. لا تصدق يا أبي أن ابنتك فلورندا تفارقك لحظة عين. إنها تجد لذة للجوع والفاقة في ~~جوارك. لقد فررنا من بلدنا ms045 معا، وقاسينا شظف العيش معا، وفقدت أمي بين العواصف ~~والزعازع، ولست أريد أن أمنى بفقد جديد. ففك أبوها عنه ذراعيها، ثم أسكتها بقبلة، والتفت ~~إلى بترو وقال: ~~- ماذا تقصد يا سيدي من أخذ فلورندا عندك؟ فتمكن بترو في مجلسه، وأخذ يذود عن وجهه ~~بعوضة أكثرت حوله الكر والفر وقال: أنا يا سيدي أملك أعظم حانة بالمدينة، وهي على الشاطئ ~~الأيمن من الوادي الكبير، تحيط بها الحدائق الفيح، والمروج الخضر، وبها أجمل ما خلق الله من ~~قيان، وأمهر من دقت بدف، أو عزفت على مزهر، أو صفرت بناي، أو ضربت على جنك. ~~- عرفتها، وطالما ذهبت إليها ليلا لأبيع التفاح عند بابها. أنت تملك هذه الحانة؟ إنك لرجل ~~عظيم، فلوى بترو عنه وجهه لية كان معناها لو ترجمت: ومن أنت أيها الأحمق حتى تشهد لي ~~بالعظم أو لا تشهد؟ ثم عاد إليه يقول: إن فلورندا بعد أن تثقف وتهذب ستكون كوكب هذه ~~الحانة الذي يتهافت الشبان على شعاعه تهافت الفراش، فإذا وكلت إلي أمرها فإنه لا يمضي شهر ~~أو شهران حتى يكون راتبها في كل شهر خمسمائة دينار. # ففغر جارسيا فمه وصاح: وي وي! ماذا تقول؟ خمسمائة دينار! ~~- وأكثر. ~~- وما شروطك يا سيدي؟ ~~- إني لا أشترط شيئا، كل ما في الأمر أن تقبل أن آخذ فلورندا إلى بيتي لأعدها للمجد ~~العظيم الذي هي مقبلة عليه، ولن يمر زمن طويل حتى تكون ماسة لماعة أزيلت عنها قشرتها، ~~وحينئذ تظهر في الحانة، للغناء والرقص بأجر لا يقل عن خمسمائة دينار كل شهر. # فقهقه جارسيا قهقهة طويلة ظهرت فيها أسنانه القارحة كأنها المسامير الصدئة، ثم أتبع ذلك ~~ببكاء وشهيق عصبي وقف عنده على قدميه وهو يصيح: لا يا سيدي. بالله عليك لا تغريني بالمال، ~~فإنني لا أفارق ابنتي ولو سففت التراب. ~~- ومن قال إنك ستفارق ابنتك؟ ~~- سأكون عندك إلى جانبها؟ ~~- نعم. ولن تبيع تفاحا بعد اليوم، فمد إليه جارسيا يده وهو يقول في لعثمة الفرح: أسرع ~~بيدك يا سيدي، فإنا كنا نتحدث الآن في الفرص ms046 وكيف تقتنص. فمد إليه بترو يده قائلا: اتفقنا. ~~ثم نظر إلى فلورندا كالمتسائل فأطرقت ثم قالت: مادام أبي معي فأني راضية مسرورة. فقال بترو: ~~هلم إلى داري من الآن. فقبل جارسيا، وهمت فلورندا لتجمع بعض متاعها، وكان قليلا تافها، ~~ولكن بترو جذب ذراعها في لطف قائلا: لا حاجة لك ولا لأبيك بشيء من هذه الغرفة، اتركي كل ~~شيء. ثم خرج ثلاثتهم، ومالت فلورندا لتغلق الباب فصاح بها أبوها: ماذا تفعلين يا ابنتي؟ ~~دعي الباب كما هو، فإن كل ما في الحجرة من متاع ليس إلا درسا يعلم الناس الأمانة ~~... # وانطلقوا إلى دار بترو، فذهل جارسيا وذهلت فلورندا لعظمتها وفخامتها وما فيها من فراش ~~ورياش، وما يجول في أنحائها من عبيد وخدم. وفي الصباح أحضرت الملابس لفلورندا، وأحاط بها ~~جمع من الخياطات والماشطات والجواري، فبرز جمالها، وتميزت مواطن الحسن فيها، وأصبحت فتنة ~~المجتلي، وتردد عليها كبار الموسيقيين والراقصين ليلقنوها دقائق الفن، فبرعت حتى بذت ~~معلميها، ورأى بترو أن الوقت قد حان لظهورها في الحانة. # وفي إحدى ليالي الربيع بقرطبة، ظهرت فلورندا في الحانة، فبعثت فيها حياة لم يكن للناس بها ~~عهد، وأرسلت صوتها حلوا ناعما، كأنه خرير أمواه الجنة، وأطلقت العنان لفنونها فأظهرت من ~~الرشاقة ودقة الأداء والإيقاع ما يسحر الألباب. جمال وفن وابتسامات وروح أخف من ريش ~~النعام، فإذا لم تلعب كل هذه بالعقول فلا لعب بها لاعب! جن النظارة ونبذوا وقارهم، ~~وخيل إليهم أن أرواحهم تسبح في بحر كله طرب وألحان، فصاحوا مأخوذين، وكلما كلت حناجرهم ~~صاحوا ثانية وثالثة، وكان بين الجمع الحاشد شاعر ناشئ ملكته أريحية الطرب فصاح: # وراقصة أما نضارة خدها ... # ثم توقف قليلا، ففتح عليه شاعر من مكان بعيد يقول: # فورد وأما خصرها فقضيب # فقال الأول: # عشقت بني الأسبان طرا لأجلها ... # فأسرع الثاني يقول: # وكل حبيب للحبيب حبيب # فقال الأول: # لها بين أحناء الضلوع كنيسة ... # فأجاب الثاني: # وعزمي على حمل الغرام صليب # فضج الناس وصفقوا من الطرب. # وسار ذكر فلورندا في شرق قرطبة وغربها. وأصبح جمالها ms047 وفنها حديث كل دار، وسمر كل مجلس، ~~وانهمر الذهب على بترو انهمارا. أما السيد جارسيا فقد صار من أثرياء قرطبة وظرفائها، يسكن ~~قصرا فخما، ويلبس الأقبية والبرانس الحريرية من خير ما تخرجه مناسج المرية، ويعيش عيشة ~~الترف والنعيم، ويتسابق الناس إلى معرفته والتقرب إليه، وأصبح حديثه ظريفا رائعا، ونكتته ~~بارعة الخيال، ولكنته في العربية جميلة رشيقة زادت العربية جمالا! # وكان يغشى حانة بترو زمرة من أبناء الوزراء والقضاة وكبار تجار المدينة، منهم غالب بن ~~محمد بن أبي حفص، كان أبوه من وزراء المنصور المقربين عنده، الذين جمع لهم جاههم ومنصبهم ~~ثروة تتحلب لمثلها أشداق اليهود. # كان غالب في الثلاثين، وكان ظريفا أديبا، وفتى مدللا، ففتن بفلورندا أول ليلة رآها، ~~ودلهه حبها، وأصبح صبا بها متبولا، # 6 # فكان يذهب مع خاصة أصدقائه في كل ليلة إلى الحانة، وينثر الذهب على فلورندا، ~~ليحظى منها بنظرة رضا أو ابتسامة حنان. # وطال الأمد على هذا الحب، وغالب مثابر، ينعشه بصيص من أمل، وفلورندا جادة في التيه ~~المتقطع الذي تذهب به بسمة مشرقة، وتعود به تعبيسة غائمة. فلما ناء صدره بما يحمل، وضاق ~~ذرعه بما يلاقي، ذهب صبيحة يوم إلى جارسيا، وأطلعه على أمره، وأنه لا يطيق الحياة بغير ~~فلورندا، وأنه يطلبها له زوجا، وأنه يبذل فيها كل ما أرادت وأراد أبوها من مال. فأطرق الأب ~~وعبث بلحيته طويلا، وأحب العرض، لأنه لم يكن يحلم يوما أن تصبح ابنته في يوم من الأيام ~~زوجا لابن وزير المنصور، وإذا كان ينعم الآن بالمال الذي يغرقه فيه بترو، فإنه سوف ينعم ~~بالمال الذي يفيض عليه من غالب، والمال الأول يأتي من ابنته وهي راقصة متبذلة، والمال ~~الثاني يأتي من ابنته وهي زوج مصونة تعيش في كنف وزير. ما أبعد البون، وما أعظم الفرق بين ~~الحالين! وهنا رفع رأسه وقال: ولكن ماذا نفعل ببترو؟ إنه لن يفرط في فلورندا. ~~- هل اشتراها بالمال؟ أهي إحدى جواريه فهو يحوزها بملك اليمين؟ ~~- لا. ولكنه هو الذي نشأها، وهو الذي صنعها، فلو ms048 أخذت منه الآن لأصبحت حانته أخلى من شنت ~~ياقب حينما دخلها المنصور. ~~- إنه كسب من ورائها مالا كثيرا. ~~- نعم يا سيدي، ولكنني أصر على مقابلته وإرضائه. # ورأى غالب أنه لو عرض على بترو الأمر في رجاء واستعطاف لفسد كل شيء، لأنه رجل جشع نهم، لا ~~يرضى بانتزاع فلورندا منه في سهولة ولين، لذلك اتجه إلى جارسيا وقال: أواثق أن فلورندا ~~سترضاني زوجا؟ ~~- أنا رضيتك زوجا لابنتي يا سيدي، وهي لا تعصى لي أمرا. ~~- عظيم! نجتمع هنا الليلة مع بعض أصدقائي لنعقد الزواج. ~~- كيف يا سيدي؟ وماذا نعمل لبترو؟ ~~- هذا ما ستعلم نبأه بعد حين، غير أني أرجوك ألا تخبر أحدا بما دار بيننا إلا ~~فلورندا. # وانطلق غالب فجمع بعض جند أبيه وأعوانه، وأمرهم أن يذهبوا جميعا إلى دار بترو، وأن ~~يحضروه إليه في عنف وقسوة، كأنه اقترف أشنع الجرائم. وجاء بترو خائفا مرتعدا، فلما مثل ~~بين يدي غالب صاح في وجهه: أنت بترو بن برفكيوس؟ # فعجب بترو أن يسأله غالب عن اسمه، وهو من رواد حانته في كل ليلة، وأعرف الناس به من أمه ~~وأبيه، ولكنه أطرق خائفا مستحذيا وقال: نعم يا سيدي. # فنظر غالب في أوراق أمامه وأخذ يقلبها ثم رفع رأسه وقال: جاءت هذه الأوراق إلى أبي في ~~الصباح، وكان على وشك أن يبعث بها إلى عبد الرحمن بن الفطيس صاحب الشرطة. ~~- وماذا فيها يا سيدي؟ ~~- فيها المصائب، وفيها ضياع مالك ودمك، فيها يا سيد بترو أنك أفسدت المدينة، وعبثت بأخلاق ~~شبانها، وأبحت الخمر تجري أنهارا في حانتك بعد أن حرمها الخليفة المنصور. إن هذه الشكاة ~~لو وصلت إلى صاحب الشرطة لأغلق حانتك وصادر أموالك ونفاك إلى الشمال. # فاصفر وجه بترو وقال واجفا: أشكر لك يا سيدي هذه الصنيعة، ولا بد أن تكون هذه الشكاة من ~~أحد أعدائي. ~~- نعم هي من أحد أعدائك، وأعتقد أن سبب العداوة إنما جاء من ظهور تلك الفتاة المسماة ~~بفلورندا بحانتك: ورأيي أنهم لا يسكتون عنك إلا إذا صرفتها بأية سبيل. ~~- إنها حياة ms049 الحانة وجمالها ورونقها. ~~- وكنزها الذي لا يفنى أيضا. ولكن ما رأيك يا سيد بترو في أن هذا الكنز الثمين سيجر ~~عليك الفقر والوبال والنفي؟ أليس من الخير أن تعيش هادئ النفس كما كنت تعيش، وألا تتشبث ~~بمطمع في هلاكك وذهاب مالك؟ ~~- إنني لا أستطيع أن أستغني عن فلورندا. ~~- حسن جدا، ولكنك سترى حانتك الليلة مغلقة الأبواب إلى الأبد. ثم التفت إلى الأعوان ~~وقال في صرامة: خذوه عني. # فتوقف بترو قليلا مستعطفا وطفق يقول: وكيف أطرد فتاة يا سيدي بلغت قمة الفن والجمال؟ ~~إنني إن طردتها أسرع إليها غيري من أصحاب الحانات بقرطبة. ~~- لا. لن ينالها أحد بعدك، ولن تغني بعد اليوم في حانة. ~~- كيف يا سيدي؟ ~~- لأنها ستعتزل الرقص والغناء بتاتا. ~~- هذا يخفف المصيبة قليلا، هل تنوي أن تعيش مع أبيها؟ ~~- لا. فظهرت ابتسامة خبيثة على وجه بترو وقال: إن أباها مدين لي بألف دينار. ~~- ستنالها منجزة. ثم التفت إلى أحد الحراس وقال: اذهب معه يا أبا عوف إلى دار جارسيا ~~وأبلغني ما سيقوله له، لا تخرم منه حرفا. إنه سيقول له: إنه نزل عن حقه في فلورندا، وأصبح ~~لا يد له عليها. ثم نظر إلى بترو نظرة غاضبة وقال: اذهبا. # وفي المساء ذهب غالب بن أبي حفص مع ثلة من أصحابه إلى دار جارسيا، فتلقاهم بترحيب ~~وبشاشة، وأقبلت فلورندا في جمالها الفردوسي فحيت غالبا تحية فيها أدب، وفيها حب، وفيها ~~أمل خبئ. وكان جارسيا قد صنع صنيعا احتفل له، وبذل فيه عن سخاء، فأعدت الموائد للطعام ~~والشراب، وعليها أنواع الورود والرياحين وكل ما أخرجت أرض الأندلس الخصيبة من فاكهة ونقل، ~~وكان بين ضيوف غالب أبو العلاء صاعد اللغوي، وهو أديب أخباري لغوي شاعر، قدم على المنصور من ~~ديار الموصل فأكرمه وأحسن وفادته، وثابت بن قاسم وهو من أكبر محدثي الأندلس، وفاتن الصقلبي ~~مملوك المنصور. # وملأ أحد السقاة كأسا فلما ملأها بقيت نقطة في فم الإبريق، فلحظها فاتن، وكان يميل إلى ~~معابثة صاعد، ويزعم أنه ينقل الشعر من كتب مجهولة ms050 ثم يدعيه، وأنه يبتدع في اللغة كلمات ~~ليست منها، ليظهر لسائله أنه عالم بكل ما غاب عن الناس. فالتفت إليه وقال: هل لك يا أبا ~~العلاء أن تصف لنا تلك النقطة الحائرة في فم الإبريق؟ # فنظر إليه صاعد في تحد واستخفاف وقال: وما الذي أعجبك فيها؟ ~~- الذي اعجبني فيها أن تكون خلت من وصفها كتب المشرق! # فقال صاعد في خبث متعمد: لعلها وصفت في كتب الصقالبة! خذ وصفها يا فتى ثم قال: # وقهوة في فم الإبريق صافية # كالدمع مفجوعة بالإلف مغيار # كان إبريقنا والراح في فمه # طير تناول ياقوتا بمنقار # فصاح القوم: لله أبوك يا أبا العلاء! لقد جبهت فتانا وألقمته حجرا! # وبعد أن قضى القوم وقتا في الحديث تقدم غالب في أدب وإكبار نحو القاضي ثابت بن قاسم، ~~وطلب منه أن يعقد له على فلورندا، فعقد له عليها ثم انصرف القوم جذلين يكررون التهنئات ~~للعروسين. # وعاش غالب مع زوجه في سعادة ورفاهة عيش وحب تزيده الأيام تجددا، ورزق منها بنتا ~~سماها عائشة، نشأت في عز ونعيم. ولما انقضت الدولة العامرية، وولي الخلافة المستعين بالله، ~~كان لغالب عنده مكانة مرموقة، واتفق أن وثب على قرطبة علي بن حمود الحسني وأخوه قاسم، ~~يعاونهما جيش من البربر، فخرج المستعين لقتالهم، وكان غالب في أول صفوف المجاهدين، فدارت ~~الدائرة على الخليفة فقتل وقتل معه غالب ابن أبي حفص، وترك زوجه فلورندا وابنته عائشة ~~تقاسيان لوعة الثكل، وتنعمان بثروة مؤثلة # 7 # وعز مقيم. # ونشأت عائشة في كنف أمها مدللة لعوبا، تعمل ما تشاء، وتجري مع شيطان غيها كما تريد، ~~واندمجت في المجتمع القرطبي، يذلل المال لها كل طريق، ويفتح الجمال أمامها كل باب. # كانت عائشة في بدء قصتنا هذه في الخامسة والعشرين من عمرها، وكانت ذات جمال وملاحة ووجه ~~نضير مشرق، إذا تأملته جزءا جزءا كان أنيقا جميلا، وإذا نظرت إليه جملة كان آنق وأجمل. ~~وجه تنافست فيه العروبة السمحة والأسبانية الفاتنة، فجاء كل جنس منهما بأبدع ما فيه وأروع. ~~هكذا كانت عائشة بنت ms051 غالب فيما ترى العين، وفيما يبدو منها من جمال باهر. أما روحها وأما ~~أخلاقها وأما فلسفتها في الحياة، فكانت على النقيض المخالف من ذلك المظهر الخلاب ولو أن ~~هذه الروح صورت، أو لو أن العلم استطاع أن يرسم الصفات والمعاني، لرسم لها مخلوقا بشعا ~~لم يصور الله أدم منه فيما صور. وكما خلق الله للأفاعي أوعية تخفي سمومها، خلق لهذه ~~المرأة خلقا واحدا يستر كل هذه المثالب وتحجبها عن أعين الناظرين. ذلك هو خلق الرياء، فقد ~~بلغت فيه الذروة، ووصلت إلى القمة كان في مكنتها أن تظهر طيبة القلب، رقيقة العاطفة، تمزج ~~دموعها بدموع البائسين وكان في مكنتها أن تبدو خجولا خفرة تطرق حياء من تطفل الناظرين. ~~وكانت تستطيع أن تستر في مهارة وحذق كل رذيلة فيها بنقيضها، حتى يعود الجهل علما، والحقد ~~عطفا، والبغض حبا، والشره زهدا. ولقد رمتها الوراثة بنفس حقود وشغف بالانتقام وكراهة ~~متأصلة للعرب، ولكنها كانت تخفي كل ذلك وراء ستار كثيف من الدهاء والملق والظهور بالغيرة ~~على العرب، وكل ما يتصل بالعرب. # فتنت بابن زيدون وفتن بها إلى أن أيقظه صائح الرشد فقطع حبالها، وكتب إليها الرسالة التي ~~أملتها عليه نائلة. كتبها خائفا مترددا، لأنه كان يعلم أن وراءها حربا حامية الوطيس، ~~ولأنه كان يعلم أن عائشة ليست من النوع الذي يصرف بالرسائل، ولا من الصنف الأبي الذي ~~يقابل هجرانا بهجران، ولكنها من الطراز الذي لا ينهزم، من الطراز الذي يحب كثيرا، فإذا ~~أبغض أبغض كثيرا. وهي إذا مست عاطفتها، أو طعنت كبرياؤها، انقلبت وحشا لا ترويه ~~الدماء، وأفعوانا لا تنفع في سمه رقية ولا يجدي دواء. # بلغت رسالة ابن زيدون عائشة فأصابها وجوم عجيب، وذهول مريب، وأخذت تهتز هزة المذبوح، ~~وتقهقه قهقهة مجنونة خير منها العويل والنواح، فأسرعت إليها جاريتها غالية في شماتة ~~مكتومة، ودهشت أمها فأقبلت نحوها في ذعر وهي تقول: ما الخبر يا عائشة؟ # ولكنها دفنت وجهها بين كفيها، وأخذتها نوبة بكاء ونشيج، يقطع نياط القلوب، فانكبت ~~فلورندا على رأسها تقبله في ms052 حنان وتحاول أن تنزع إحدى كفيها عن وجهها في دعابة مصنوعة، ~~واستهانة بالأمر متكلفة، وشرعت تقول: إن ابنتي أشجع من أن يدفعها إلى البكاء خطب وإن جل، ~~إنها مصاص الدم الأسباني الذي لا يعرف الخوف، ولا يأبه للكوارث، إنني أزهى بك يا عائشة على ~~جميع بنات قرطبة الضعيفات النفوس المنحلات العزائم، فيك عزم جدك جارسيا، وفيك مضاؤه وفتكه ~~بالأعداء. لقد رأيته في أشد نوازله فما رأيت دمعة تطفر من عينيه. وكان يقول حينما يراك ~~وأنت تضربين الصبيان، وتأخذين بشعر نواصيهم: «هذه ابنتي يا فلورندا حقا، وقد كنت أخاف أن ~~يطغى عليها الدم العربي» ثم يطرق مبتسما ويقول في صوت خافت: «إنها ستنتقم لنا من العرب». ~~فماذا جرى يا عائشة؟ أضاعت فيك فراسة جدك أم عاودك عرق من لين أبيك ورخاوة طبعه؟ وماذا في ~~هذه الورقة؟ ثم جذبتها بعيدا في إحدى زوايا الغرفة وهمست في أذنها قائلة: ~~- أبالورقة نذير بخطر؟ هل قبض على أسبيوتو؟ لقد كان هنا بالأمس، وكان مرحا ضحوكا، فما ~~الذي جرى؟ احذري يا فتاتي! وإياك أن تدفعك الغريزة إلى ما لا يدفع من الشر! واعلمي أن من ~~الناس من يتصنع النوم وهو ليس بنائم، ويتغابى وهو ليس بغبي، والصيد قد يفجأ من حيث لا ~~يرتقب، والسفينة قد تدهم بالعاصفة وهي في ريح سجسج # 8 # رخاء. ماذا في هذه الورقة يا فتاتي؟ إن كانت من أسبيوتو فمزقيها. فرفعت عائشة ~~كفيها عن وجهها، والكلمات تتعثر في فيها وقالت: إنها من ابن زيدون. ~~- هل قال فيها إنه مات بعد كتابتها؟ ~~- لو مات لكان الخطب أهون وأيسر. ~~- ماذا قال في رسالته؟ ~~- لطمني لطمة سأترنح لها إلى الأبد، وداس على حبي بقدميه، ومرغ كبريائي في التراب، وركل ~~برجله عاطفة كنت أعتز بها، وصورني سائلة مستجدية ممزقة الثياب تمد يدها إليه للإحسان ~~فيبصق على اليد الممتدة إليه ويوسعها زجرا ونهرا. ~~- كانت عقيدتي فيه دائما أنه شاب ماجن دوار، كالطائر الذي يغرد في كل روض، ويأكل من كل ~~ثمر. دعيه يا عائشة فإن ألف شاب ms053 في قرطبة يرى من أكبر نعم الحياة أن يكون لك زوجا. # فعادت نوبة القهقهة إلى عائشة وصاحت في غضب: أدع ذلك العربي الغادر؟ إنه آذنني بحرب، ~~وسأريه كيف تكون الحروب! سأريه أن في دمي عزيمة الأسبان؛ إنه يتبجح بشعره، ويزهي بأدبه، ~~ويطمح إلى أسمى المناصب، ولكني سأفضح هذا الخبيث وأكشف لرجال الدولة مكنون أسراره، حتى ~~يسد في وجهه كل باب، ويطفأ في صدره كل أمل، ويصبح شبحا هزيلا منبوذا، تهارشه # 9 # الصبيان، ويرميه كل رجل بحجر. سأريه أن المرأة - حينما تريد - تستطيع أن تعصف ~~بأكبر رجل إذا نفذت إلى أسراره. إن لكل إنسان في هذه الدنيا خزانة مخبوءة تجمع أخبار ماضيه ~~وما فيه من مخاز وفضائح، وهو حريص على هذه الخزانة حفي بألا يرى ما فيها شعاع للشمس، يحكم ~~إقفالها كل يوم، ثم يدفنها تحت أطباق الثرى، لا تعرف عنها زوجه شيئا، ولا يسري منها إلى ~~أولاده أو أخصائه خبر. وهو رجل في أعين الناس عظيم المكانة، مرموق المنزلة، لا ترقى الشبهة ~~إلى خلائقه، ولا يمس الدنس لد ذيلا. ولكن اختفاء بعض هذه الخزائن لا يدوم، فقد ينسى الغر ~~مفتاحها في جيب ثوب يخلعه، أو يذهل عنه بحادث مزعج فيتركه في ثقبه، أو يفقده في الطريق ~~فيعثر عليه لص ماهر يسعى للبحث عما في هذه الخزائن، أو تزول الكلفة بينه وبين صديق فيفتح ~~له بابها، ويقذف أمامه بما فيها من أوساخ وأقذار. وهكذا فعل معي هذا الأحمق ابن زيدون يا ~~أماه، فإن مفتاح خزانته في يدي، وسر واحد من أسرارها كاف لأن يهدم حياته، ويقضي على ما بها ~~من آمال. ~~- سحقا للخائن! إنه سيلقى عقابه جزاء وفاقا. والمثل الأسباني يقول: إذا قذفت الزجاج ~~بحجر قذفك بشظاياه. # أما غالية فقد جعلت بين قلبها ووجهها حجابا لا ينفذ منه شعاع، والنساء أقدر خلق الله ~~على إسدال هذا الحجاب. ثم أمرت عينيها أن تصبا شيئا من الدمع لإكمال صورة الحزن والأسف ~~وقالت: إن هذا المأفون لم يكن شيئا ولم تسمع به قرطبة إلا ms054 بعد أن اتصل بسيدتي، فرفعت قدره، ~~وأعلت مكانته، وأرغمت الناس على التحدث بأدبه والتغني بشعره. وإني أعرف من مباذل هذا ~~المائق ما لا تستطيع غسله أمواج البحار. # فنظرت إليها عائشة نظرة شكر وارتياح وقالت: لا يا غالية. دعيه لي. فإنه لعبة صغيرة ~~سأروح بها عن نفسي، فإذا فرغت منها فرجت همومي بتحطيمها، وسيعلم الوغد أن حفيدة جارسيا ~~إذا عزمت صممت، وإذا رمت أصمت. # | الفصل الخامس # استيقظ ابن زيدون من نومه بعد أن قضى أول ليلة في وليمة نائلة في لهو وطرب، وبعد أن قضى ~~آخره في هم ونصب وأرق. فإن الماضي الدميم لا يزور أصحابه إلا إذا أووا إلى مضاجعهم، ~~وانفردوا بأنفسهم، وبعدوا عن ضجيج الحياة وصخبها. فما كاد رأس ابن زيدون يمس الوسادة، حتى ~~أطلت عليه الذكريات برءوسها بشعة منكرة، كأنها رءوس الشياطين. وهذه الذكريات تظهر أول ~~الأمر في هيئة أشعة ملونة مبهمة، ثم تتجمع وتتناسق لتبرز صورة واضحة لشخص أو لحادثة، لا ~~يجد المرء عنها محيدا، ولا دونها منصرفا. وكلما زاحمها بالتفكير في شيء يسره ويشرح ~~صدره، ويجذب إليه النوم الهادئ الهنيء، طردته في عنف وجبرية، وأخذت مكانه شامتة ساخرة. ~~وكلما حاول أن يجعل بينه وبين التفكير المطلق سدا، وأن يحملق في الظلام كما يحملق ~~المعتوه، أبى الدماغ أن يبقى فارغا، وأسرعت إليه الصورة كأول ما كانت قوة وظهورا.. وقد ~~يرى أن يفر من الوحدة بالقراءة، فيوقد المصباح ويختار أجلب كتاب في خزانته للتسلية ~~والتفريج، ويطل على السطور، فإذا هي تتراقص أمامه مخرجة له لسانها في تحد وعبث، وإذا ~~الصورة السمجة تزاحم الكلمات وتحجب عنه السطور. # ألقى ابن زيدون رأسه على وسادته فظهرت له أشباح وصور: هذه صورة عائشة يراها ولأول مرة في ~~ليلة ساهرة بدار ابن عبدوس. كانت مع أمها، وكانت تجلس حيية خفرة، يبعث حولها جمالها هالة ~~من نور، كأنها من سكان السماء، وقد عرفه ابن عبدوس بها، فما زادت على أن ابتسمت ابتسامة ~~خفيفة، كأنها شعاعة الشمس فوق الزهرة المطلولة، ولقد كان المدعوون في نشوة ms055 ومرح ~~وزياط، # 1 # ولكنها كانت هادئة وادعة دون أن ينم وجهها عن تبرم أو استنكار. ثم غابت ~~الصورة، وتجمعت أشعة جديدة، فأظهرت له صورة أخرى: كان في سفينة بالوادي الكبير في جمع من ~~إخوانه، وكان الوقت ربيعا، وكانوا يقذفون بالورود والرياحين ركاب كل سفينة تمر بهم، وكان ~~ابن زيدون أكثرهم مرحا، ومرت بهم سفينة بها عائشة، وكان بها عدد من القيان يعزفن ~~بالمزاهر، وراقصة مراكشية لصنوجها رنين ساحر. وقذف ابن زيدون وردة دون أن يقصد إلى هدف ~~فسقطت على وجه عائشة، فإذا الابتسامة الخفيفة المشرقة تعود وتصحبها إيماءة رضا ومجاملة، ~~وإذا ابن زيدون يعتذر في استخذاء، ولكن السفينة تسير دون أن ينعم بقبول اعتذاره. # وذهبت الصورة بذهاب السفينة في أمواج النهر، وتجمعت أشعة جديدة: فإذا صباح مشرق، وإذا ~~خادمه علي يدخل عليه برسالة ينتظر حاملها الجواب عنها، إنه الآن ينظر إلى نفسه وهو يفتح ~~غلاف الرسالة، وها هو ذا الآن يقرأ ما فيها: # يا سيدي الشاعر المبدع، سمعتك تقول: # سأقنع منك بلحظ البصر # وأرضى بتسليمك ~~المختصر # ولا أتخطى التماس المنى # ولا أتعدى اختلاس ~~النظر # أصونك من لحظات الظنون # وأعليك من خطرات ~~الفكر # وأحذر من لحظات الرقيب # وقد يستدام الهوى ~~بالحذر # فأحببت غزلك العفيف، وأكبرت أدبك وفنك، فاصدح في أفق الأندلس بلبلا غريدا، وعش ~~للمعجبة بك عائشة بنت غالب. # يذهل ابن زيدون عند قراءة الرسالة، ويخالط نفسه سرور مبهم، ثم يتخيل عائشة التي رآها في ~~دار ابن عبدوس وفي السفينة، فيراها صورة من النبل وكرم الخلال، ويرى أنها كما يبدو من ~~رسالتها أديبة تقدر شعره، وتتابع منه ما يذيع بين الناس، والشاعر أفتن الناس بشعره، ~~والإشادة بما يقول أضعف مدخل يلج منه الخبثاء إلى نفسه. سر ابن زيدون بالرسالة فأسرع ~~يشكرها عليها، ويثني على أدبها وحسن تقديرها. # وتذهب هذه الصورة، وتتجمع أشعة جديدة: ويرى ابن زيدون نفسه في ذات أصيل أمام مريم ~~العروضية، وقد جاءت تزوره وتذكر له أن عائشة بنت غالب زارتها في الصباح، وطلبت منها في ~~إلحاح آخر قصيدة ms056 له، ثم تتجه إليه باسمة وهي تقول: إنها معجبة بك، مولعة بشعرك، فإنني ~~حينما أخبرتها أنني لا أحتفظ بنسخة من القصيدة، ظهر الأسف على وجهها وقالت ذاهلة: وكيف أحصل ~~عليها؟ فقلت لها إن الأمر أهون من أن يسهم له وجهك الجميل، نذهب إليه يا فتاتي لنستملي ~~القصيدة، وسيكون أسر خلق الله برؤيتك، وأكثرهم زهوا بإعجابك بشعره، ولكنها أطرقت في ~~استحياء وقالت: إنه ليخجلني أن أذهب إلى رجل في داره، فهل من رأي آخر يا خالتي؟ قلت: يذهب ~~هو إلى دارك، فهو رجل سمح الخلق كريم النجار. # 2 # فقالت متلهفة وجلة: وتكونين معه يا خالتي. قلت أكون معه يا فتاتي، ثم تنظر إلى ~~ابن زيدون وتقول: فماذا ترى يا أبا الوليد؟ فيسمع نفسه وهو يقول: أزورها معك وسرورا ~~وكرامة. # وتتجمع أشعة جديدة: فيرى دارا رفيعة البناء، يدل مظهرها على العظمة والغنى والجاه ~~العريض، وتقبل عائشة في تؤدة وبطء، تتألق البشاشة في وجهها كما يتألق نور اليقين بين ظلام ~~الشكوك، وتمد يدها إليه مرحبة مؤهلة فيحييها في لطف وأدب. ويجلس الثلاثة في بهو رحب، ~~ويدور حديث رقيق الحواشي في الأدب والسياسة، وتزول الهيبة عن عائشة رويدا رويدا، ويتفتح ~~طبعها كما تتفتح الوردة لأضواء الصباح، وتذهب الكلفة، ويحل المرح محل الحياء، وتنثر ~~الفكاهات والملح، ثم تأمر عائشة جاريتها غالية أن تحضر أقلاما وأوراقا، وتجلس جلسة ~~التلميذة المطيعة في تصنع محبب وتقول: أمل علي يا سيدي رائعتك الأخيرة في ابن جهور. ~~فيرى نفسه وهو يملي عليها: # أما علمت أن الشفيع شباب # فيقصر عن لوم المحب عتاب؟ # علام الصبا غض يرف رواؤه # إذا عن من وصل الحسان ذهاب؟ # وفيم الهوى محض يشف صفاؤه # إذا لم يكن منهن عنه ثواب؟ # تظن النوى تعدو الهوى عن مزارها # وداعي الهوى نحو البعيد مجاب # ثم يتخيل نفسه وهو يقرب منها ليرى أين انتهت في الكتابة، فيفعمه من شعرها طيب فردوسي ~~الشذا سماوي النفحات. وتنتهي القصيدة ويحييها وينصرف وهو أشغف الناس بها. # ثم تتجمع الأشعة وتتكون الصور في سرعة وتعاقب: ms057 فيرى أنه أصبح لعائشة عبدا، وأن إرادته ~~سلبت منه سلبا، وأنه صار شبحا يروح ويجيء كما تريد هي أن يروح ويجيء، وقد انطفأ في نفسه ~~كل أمل، ومات كل طموح، وخمدت كل عزيمة. ثم تطير كل هذه الصور، وتتجمع أشعة جديدة تبرز صورة ~~صارخة الألوان، هي صورة الرسائل التي كان يبعث بها إليها أيام جنونه بغرامها، فيئن أنين ~~المجروح، ويطبق عينيه في ألم ممض قاتل. # استيقظ ابن زيدون من نومه في رائعة الضحا فدخلت إحدى جواريه وهي تقول: هذه رسالة يا سيدي ~~جاء بها بلال عبد سيدتي عائشة ولم ينتظر. فيأخذ ابن زيدون الرسالة بيد ترتعد، ثم يفض ~~غلافها ويقرأ: # يا ساريا بين الأسنة والقنا # إني أشم عليك رائحة الدم! # فيقذف بها غاضبا، وينهض من سريره كأنه يريد أن يفر مما حوله من نذر الشر والدمار، ولا ~~يمضي قليل حتى تعود الجارية فتقول: إن أعوان ابن جهور حضروا الساعة يطلبون من سيدي أن يذهب ~~على الفور معهم لمقابلة عميد الجماعة. # كاد ابن زيدون يسقط على الأرض حينما فجأته الجارية بهذا الخبر، وحاول أن يشد من ساقيه ~~فلم يستطع، فألقى نفسه على كرسي كان بجانبه وقال وهو يلهث: أعوان ابن جهور؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- ما عددهم؟ ~~- أربعة يا سيدي. ~~- هل يبدو على وجوههم العبوس؟ ~~- هم دائما عابسون يا سيدي! ~~- حينما تحدثوا إليك هل كان في كلامهم غلظة وخشونة؟ ~~- كانوا أشد غلظة من زبانية الجحيم. # فأطرق ابن زيدون طويلا، وأخذ يحدث نفسه قائلا: أربعة من أعوان ابن جهور، يرسلون إلي في ~~الصباح! لن يكون هذا لخير، ولن يكون إلا لشر ماحق، وبلاء محيق. لقد أسرعت عائشة بالهجوم، ~~كنت أظن أنها ستقضي بعض الزمن في استرضائي أو تهديدي، ولكنها رأت أن تفجأ عدوها بالوثوب قبل ~~أن تسنح له فرصة الفرار أو يتفتق له الرأي عن حيلة، إنها محارب مدرب، يرى أن الضربة ~~الأولى نصف الانتصار. ومما لا يحوم حوله شك أنها ذهبت بالرسائل أمس إلى ابن جهور، وكل سطر ~~بها فيه الموت القزام، ms058 # 3 # والكوارث الجسام. إن ابن جهور رجل عنيف جبار، لا يغضى عن شبهة، ولا يتجاوز عن ~~اللمم. لعن الله الحب، ولعن الله الأدب! ولعن الله التظرف الذي يجر إلى التفكه بأعراض ~~الناس لا لشيء إلا أن يقولوا: إن فلانا أديب بارع لاذع النكتة صادق الرماية! لقد جر إلي ~~حبي الجنوني، وأدبي المعربد، وطبعي المرح الضحوك أعظم الويلات وأوخم العواقب. الآن أدخل على ~~ابن جهور فأرى ذلك الوجه العبوس الجهم، # 4 # وأسمع ذلك الصوت الجهوري الحانق، وأشهد من بوادر غضبه ما يهون أمامه كل خطب ~~جلل. # يقوم ابن زيدون فيرتدي ثيابه، ويأمر خادمه أن يعد له بغلته، ثم يخرج وهو يتكلف الابتسام، ~~فيرى أعوان ابن جهور فيحييهم بإيماءة العظيم المحس بجلال منصبه، ولكنه يلمح من طرف خفي ~~أنهم لم يطأطئوا له رءوسهم، ولم يظهروا الخضوع الذي يصطنعونه لكبار الساسة فيغوص قلبه بين ~~جنبيه، ويؤكد له الخوف أنهم لو جاءوا لخير أو لغير شر لتكلفوا الأدب والملق. # ويمتطي ابن زيدون بغلته ويحيط به الأعوان فيسألهم: من عند مولاي أبي الحزم؟ فيجيب ~~أحدهم؟ ~~- إنه منذ باكورة الصباح في مجلس حافل بوزراء الدولة وعظمائها. ~~- هل سمعته يضحك؟ فيدهش العون ويخالجه شك في عقل من يخاطبه ويقول: يضحك؟ ماذا يريد ~~سيدي بهذا؟ ~~- يضحك يعني يضحك. الضحك يا شيخ ألا تعرفه؟ ~~- أعرفه، ولكن مولانا أبا الحزم قليل الابتسام بله الضحك، وهو في هذا اليوم أشد خلق ~~الله جهومة. ~~- هل زارته امرأة بالأمس في دار الرياسة؟ فتزيد دهشة العون ويقول: ماذا يقصد سيدي؟ ~~- امرأة ... امرأة ... هل جاءت بالأمس امرأة وطلبت مقابلة ابن جهور في شكاية أو رفع ~~مظلمة؟ ~~- نعم، وهذا يحصل كثيرا يا سيدي. # وبلغ ابن زيدون دار الرياسة، وكان أول من قابله ابن عبدوس فحياه ضاحكا وهو يقول: إن ~~لهذا اليوم ما بعده يا أبا الوليد! ثم رأى محمد بن عباس يمر به مقطبا لا يخاطبه بكلمة. وقد ~~كان في هذه اللحظات القليلة هدفا للهواجس، فكان يؤول الابتسامة بالسخرية والشماتة، ~~والعبوس بالاشمئزاز والإهانة، ويفسر كل كلمة ms059 تلقى إليه بما يملأ نفسه من خوف وإحساس ~~بالخطر، وأخيرا جاءه الإذن بالمثول أمام ابن جهور. # كان ابن جهور في نحو الثالثة والستين، ضخم الجسم، وسيم الوجه، يركد فوق وجهه عبوس قاتم ~~لا يكاد يفارقه. وكان عظيم اللحية يصبغها بالحناء، شديد بريق العينين، له نظرات نافذة ~~كأنها تحاول أن تصل إلى ما في القلوب. وكان جليل المهابة مخوفا، ليس فيه جانب للهو، ولا ~~مكان للإغضاء عن عيب، وهو رجل قديم الرياسة، شريف البيت، كان آباؤه وزراء في دولة الحكم بن ~~الناصر لدين الله، ثم استوزرهم المنصور بن أبي عامر. وهو باقعة # 5 # بعيد الغور، حصيف العقل، نأى به دهاؤه عن أن يدخل في الفتن التي اشتعلت نيرانها ~~بالأندلس بعد انقضاء الدولة العامرية، فلما خلا له الجو، وأقفر النادي من الرؤساء، وثب إلى ~~الحكم فتولى أمره، وقام على رعايته. ذلك أنه في منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين ~~وأربعمائة، بعد خلع هشام ومقتل وزيره، اجتمع الملأ من أهل قرطبة على تقديمه، وعددوا من ~~خصاله ما لم يختلف فيه أحد، فأبى عليهم ذلك، فألحوا وألحفوا، فقبل بعد أن اشترط أن يحكم ~~البلد جماعة فيهم الشيخان محمد بن عباس وعبد العزيز بن حسن، وأن يكتفي هو بالإشراف على هذه ~~الجماعة وتوجيهها إلى الخير والسداد. # دخل ابن زيدون فحيا عميد الجماعة وجلا مهولا، فمد إليه ابن جهور يده قائلا: كانت ليلتك ~~بالأمس في دار نائلة الدمشقية ليلة ماجنة! # فانحلت أوصال ابن زيدون، وعلم أن الزوبعة تتجمع لتثور، وأن الصاعقة توشك أن تنقض فقال: ~~إنها جمعت يا سيدي أدباء قرطبة وشعراءها، وكان السمر فيها عفا لا يخمش وجه الأدب. ~~- وكانت الألحان! وكان الرقص! وكانت الخمر! فقال ابن زيدون في نفسه: هذه بداية الشر. إنه ~~سيخرج من هذا إلى مسألة الرسائل. # فجمع قوة جأشه المبددة وقال: ولكني كنت أقول يا مولانا كما قال الرسول الكريم: «اللهم ~~حوالينا ولا علينا». # فنظر إليه ابن جهور نظرة حائرة وقال: أخشى أنك تخدعني يا فتى. ~~- كيف أخدعك يا سيدي وقد ms060 زانني قديم خدمتك، وزهاني وسم نعمتك، وأبليت البلاء الجميل في ~~سماطك، # 6 # وقمت المقام المحمود على بساطك؟ ثم يقوى فيه واهن الأمل بعدما رأى من هدوء ابن ~~جهور فيقول: # فديتك إني قائل فمعرض # بأوطار نفس منك لم تقضها بعد # أمثلي غفل خامل الذكر ضائع # ضياع الحسام العضب أصدأه الغمد # أنا السيف لا ينبو مع الهز غربه # إذا ما نبا السيف الذي تطبع الهند # بدأت بنعمى غضة إن توالها # فحسن الألى في أن يواليها سرد # لعمرك ما للمال أسعى، فإنما # يرى المال أسنى حظه الطبع الوغد # ولكن لحال إن لبست جمالها # كسوتك ثوب النصح أعلامه الحمد # فلما أتم الأبيات تحرك ابن جهور في مجلسه وقال: لقد اجتمع الوزراء في هذا الصباح وأسندوا ~~إليك منصب الوزارة، ورأيت إلى ذلك أن تلقب بذي الوزارتين، لأنك ستكون وزيري وسفيري إلى ~~أمراء الأندلس. ولن أنسى لك يا أبا الوليد عظيم جهادك وكريم بلائك في كبح جماح ~~البربر. # أرأيت الغريق ولم يبق منه إلا الذ ماء يرى يدا تمتد إليه بين الأمواج فتقذف به إلى ~~الشاطئ الأمين؟! أرأيت ميتا مسجى جلس حوله أهله يبكونه، فإذا الغطاء ينكشف، وإذا الميت ~~يثب كأحسن ما يكون صحة وعنفوانا؟ تلك كانت حال ابن زيدون. فإنه ما كاد يسمع كلمات ابن ~~جهور حتى طافت بعينيه غشية، وأخذ لسانه يتلعثم بكلمات كان فيها الخفاء إفصاحا، والإبهام ~~بيانا. ثم عاد فملك زمام نفسه فشكر ابن جهور على عظيم ثقته وجميل رأيه، وخرج من لدنه ~~مزهوا كأن ملك الأرض جمع له في منديل، وكأن الشمس توجته بالأكاليل. # وفي نفس هذا الصباح قبل أن يستيقظ ابن زيدون من نومه، ارتدت نائلة خير ثيابها، وأخذت ~~مقصا صغيرا أخفته في جيبها، ثم قابلت عبيدها الذين أعدوا محفتها فسألتهم: هل أحضرتم ~~قوارير النفط وأعواد الثقاب؟ # فأجاب كبيرهم: نعم يا سيدتي. أعددنا خمس قوارير أخفيناها تحت ثيابنا. ~~- حسن. سنذهب الآن إلى دار عائشة بنت غالب، فإذا صعدت إليها فاجلسوا أنتم إلى عبيدها، ~~وخذوا معهم في الأحاديث، ثم اطلبوا منهم ms061 أن يعدوا لكم شرابا ساخنا، فإذا أوقدوا النار ~~فغافلوهم، وليسكب كل منكم ما في قارورته على النار، وأحدثوا نوعا من الهرج تتمكنون فيه ~~من إلقاء بعض المتاع على النار لتزيد اشتعالا، وإياكم أن يراكم من العبيد أحد، أو يدرك ~~حيلتكم أحد، ثم ارفعوا أصواتكم في هلع وذعر صائحين: النار! النار! هذا ما أريد منكم أن ~~تعملوه في هذا الصباح، ولا بد من إتقانه على أحسن وجه، كما يجب ألا تحوم حولكم شبهة. # وركبت نائلة المحفة، وانطلق العبيد حتى بلغوا الدار، فصعدت الدرج وقابلتها عائشة في ~~فتور وكبرياء ولكن نائلة الداهية لم تحفل بما رأت في سبيل غايتها، ففتحت ذراعيها لعائشة في ~~شغف ووله، وأخذت تمطر خديها قبلا، وتناجيها بأصدق ما يناجي الحب، وألطف ما يكن الوداد، ~~ثم صاحت: ما هذا يا عائشة؟ في كل يوم تزيدين نضارة وإشراقا؟ لقد حببت إلي الشباب يا ~~ساحرة، ولكن أين الشباب؟ أتعلمين أنني بعد أن حرمته أشعر بلذة عجيبة حينما أراه في فتاة ~~مثلك لم تشرق على مثلها شمس قرطبة؟ # فأجابت عائشة: هذا إطراء يا سيدتي يزيدني زهوا وغرورا. أرأيت ابن زيدون منذ ~~قريب؟ ~~- كيف أراه يا حبيبتي، وهو لا يفارق دارك؟ ولكني في الحق أعذره وأعذر كل فتى يفتن بهذا ~~الجمال الرائع. ثم لا أخفي عليك أن من أسباب زيارتي لك في هذا الصباح أن أراك وأن أراه، فإن ~~هذا الملعون هجر داري منذ عهد بعيد، حتى كدت أنسى ملامح وجهه. ثم ألقت بنظرة خفية فرأت ~~الغرفة الغربية، ورأت بابها مفتوحا، ثم أرسلت نظرة أخرى فرأت مفتاح خزانة الرسائل وقد ~~شد بخيط إلى عنق عائشة. وهنا تنهدت عائشة وقالت: إنه هجر داري أيضا. ~~- هجر دارك؟! هذا مستحيل. ~~- هجرني فعلا، ولكنه سيندم حين لا يجديه الندم. ~~- لا تقولي هذا يا بنية، واتركي الأمر لي، فلن يأتي المساء إلا وخطيبك في دارك. # وطال الحديث، وامتد حبل الكلام، وإذا صراخ وضجيج وأصوات منكرة تصيح: النار النار: ~~ففزعت عائشة، وأدركها الوهل، وأسرعت تثب فوق الدرج لتعلم حقيقة ms062 الأمر. وبينما هي في ~~ذهولها إذ مدت نائلة يدها بالمقص فقطعت خيط المفتاح، وأخفته في كمها. وما كاد البهو يخلو ~~من عائشة حتى نهضت إلى الغرفة الغربية، فرأت المرآة وبجانبها الخزانة كما أخبرتها غالية، ~~ففتحتها مسرعة ، وندلت # 7 # منها الرسائل بعد أن حققت النظر فيها، ثم أسرعت في النزول وكانت النار قد ~~أخمدت، فحمدت الله على زوال الخطر وقبلت عائشة في حنو، ومحبة وهي تودعها، وحينما بلغت ~~الباب التفتت إليها وقالت وهي تغمز بإحدى عينيها: أظن هذا المفتاح سقط منك يا زهرتي ~~الصغيرة، وأنت تسرعين إلى إطفاء النار. فصعقت عائشة، وفتحت فاها دهشة مذهولة، وهمت بأن ~~تثب على نائلة، ولكنها كانت فوق المحفة يعدو بها عبيدها كما تعدو كرائم الخيل. # وأمرتهم نائلة أن يذهبوا إلى دار ابن زيدون، وما كادوا يصلون إليها حتى أشرف عليهم فوق ~~بغلته، وحين رأى نائلة نزل ليحييها وهو يصيح في فرح وصوت متقطع: تقلدت الوزارة! جئت الآن ~~من دار الرياسة. قابلت ابن جهور. إنه رجل عظيم. من أين جئت يا خالتي؟ ~~- من دار عائشة. ~~- عائشة! عائشة! قاتل الله عائشة! ماذا كنت تصنعين في دارها؟ # فضحكت وقالت: كنت أطفئ نارا بنار. ثم ألقت في يده الرسائل وهي تقول: خذ رسائلك أيها ~~الوزير العظيم، واحذر أن تكتب غيرها. فصاح ابن زيدون في فرح يشبه الجنون. ~~- الرسائل! الرسائل! ورمى بنفسه يقبلها ويعانقها، ويحجل بإحدى قدميه كما يحجل الصبيان، ~~ثم أخذ يهب نحو الباب قائلا: كيف حصلت عليها يا خالة؟ فقصت عليه الخبر، فقام إليها يكرر ~~عناقها وتقبيلها وهو يغمغم: أنت ملكي الحارس! أنت نبراس حياتي ومنقذ آمالي؛ ثم ودعته ~~وانصرفت بعد أن كررت تهنئته بالوزارة. # جلس ابن زيدون وفتح الرسائل، فكان في إحداها: # أما ابن جهور فزق # 8 # نفخته الكبرياء، وصورة من نفاق ورياء، يخدع الناس بلحيته الحمراء، ~~ومسبحته السوداء. من رجل يثب عند الطمع، ويختفي عند الفزع! لو كان في الجاهلية ~~لكان هبل، # 9 # أو كان كوكبا لكان زحل. # فارتعش وقال: هذه الرسالة وحدها تكفي لإهدار دمي ms063 ومحو اسمي من سجل الوجود. ثم نظر في ~~رسالة أخرى وقرأ: # رأيت محمد بن عباس بالأمس، فرأيت الجهل في ثياب، والوقاحة في جلباب، نظر إلي ~~نظرة البطرة الأشر، كأنه يظن الشمس تشرق بأمره، وأن الألسنة تسبح بحمده، غني ~~المال ، فقير العرض، دنس الذيل هزيل المروءة. # فجمجم وقال: وهذه أشد وأنكى، ثم قرأ في رسالة ثالثة: # وهذا عبد العزيز بن حسن ابن عم عميد الجماعة، سألني اليوم عن بيت من الشعر، ~~فوالله ما أقام له وزنا، ولا عرف له معنى، يا له من عتل زنيم، # 10 # وثعلب لئيم، يقضي ليله بين الكاسات، ونهاره في ظلم المسلمين ~~والمسلمات. # فاضطرب وقال: وهذه ثالثة الأثافي. ثم صاح: يا علي هات موقد النار. فلما حمله إليه قذف ~~فيه بالرسائل، ولم تهدأ له نفسه حتى رآها رمادا. # | الفصل السادس # ومرت الأيام تتلو الأيام وابن زيدون في أطيب عيش وأهدأ بال. أقبلت عليه الدنيا بعد تدلل ~~وشماس، # 1 # والدنيا إذا أقبلت أقبل معها كل شيء. وكأن الأمور فيها تجذب أمثالها، فالنحس ~~يجتذب النحوس، والسعد يدعو إليه السعود. وقديما قالوا: المصائب لا تأتي فرادى، ولا ندري ~~لم لم يقولوا أيضا: إن النعم لا تأتي فرادى! # عاش ابن زيدون في هناءة وبلهنية، وصبح فتى قرطبة المدلل، وبطلها المرجى، وشاعرها ~~الذي لا يجارى، وكاتبها الذي لا يمارى # 2 # نال السعادة في الحب حينما رضيته ولادة خطيبا، فغنى بهذا الحب، وأرسل فيه ~~أشعارا أرق من النسيم، وأنضر من صفحة الروض الوسيم. ولقد كان حبهما عذريا فردوسيا ~~أطهر من ماء الغمام، وأصفى من بسمات الصباح، ثم نال السعادة في منصبه، فأعلى ابن جهور ~~مكانه، واصطنعه لنفسه، ونوه بفضله، وأشاد بذكره، وقدمه على نظرائه، وكثيرا ما أنفذه إلى ~~ملوك الطوائف ليسفر بينه وبينهم، وكثيرا ما استكتبه الرسائل التي تضرب ببلاغتها الأمثال. # ولما عظم إقبال الدنيا عليه كثر حاسدوه والناقمون منه، فهو يقول لابن جهور في ~~قصيدة: # فديتك كم ألقى الفواغر من عدا # قراهم لنيران الفساد ثقاب # عفا عنهم قدري الرفيع فأهجروا # وباينهم خلقي ms064 الجميل فعابوا # إذا راق حسن الروض أو فاح طيبه # فما ضره أن طن فيه ذباب # وكان أبو عامر بن عبدوس أشد الناس له حسدا، ذلك لأن ابن زيدون كان يزاحمه بجانبين: جانب ~~حبه لولادة، وجانب قربه من ابن جهور حتى أصبح لا يكاد يبرم أمرا دون مشورته. # كان ابن زيدون يقضي طليعة الليل في ندوة ولادة بين طرب وإيناس ولهو ومرح، ولطالما هزه ~~الوجد وأثار الحب في نفسه كامن الشعر فقال: # إليك من الأنام غدا ارتياحي # وأنت على الزمان مدى اقتراحي # وما اعترضت هموم النفس إلا # ومن ذكراك ريحاني وراحي # فديتك إن صبري عنك صبري # لدى عطشي، على الماء القراح # ولي أمل لو الواشون كفوا # لأطلع غرسه ثمر النجاح # نعم كانت الحياة في أعينهما جنة وارفة الظلال، وفي سمعيهما أنشودة رائعة الألحان. كانا ~~عصفورين غردين يتنقلان في خفة ومرح من فنن إلى فنن، ومن دوحة إلى دوحة، تبتسم لهما كل ~~روضة، ويصفق كل غدير، وقد أمنا عواصف الرياح ومكايد الفخاخ. هكذا كان يعيش ابن زيدون في ~~كنف ولادة، وهكذا كانت تعيش ولادة تحت جناح ابن زيدون، فهما في ليلة في قارب في النهر ~~يتهادى بين الضفتين، يعبث بشراعه النسيم، وتنبعث منه ألحان القيان، وضحكات الندامى في ~~الليل الساجي، فتملؤه حياة ومرحا. وهما في ليلة في دار القاضي ابن ذكوان صديق ابن زيدون ~~وحبيبه؛ بين ضحك ومزاح. وهما في ليلة في مرج الخز، أو القصر الفارسي أو عين شهدة يناغيان ~~البدر ويسامران النجوم. # عاش ابن زيدون بعد خطبته لولادة سعيدا، فنسي أيام شدته، وغفر للزمان زلته ولم يفكر في ~~عائشة بنت غالب وكاد يغفر لها كل ذنوبها. غير أنه كان يحس بأن شيئا يلاحقه، ويعترض ~~طريقه، ويكدر عليه صفوه، ذلك هو حسد الحاسدين، وكيد الكائدين. ولكنه كان كلما مر به هذا ~~الخاطر هز له كتفيه، ومط شفتيه، وأراد أن يعيش في الساعة التي هو فيها. # وقد حدث أن بعثه ابن جهور في شأن من شئون الدولة إلى المظفر صاحب بطليوس، فأكرم ms065 ~~استقباله، وألح عليه في أن يقيم عنده، وأغراه بالجاه والمال إن قبل منصب الوزارة في دولته. ~~وكان ابن عبدوس قد أرسل وراءه أحد جواسيسه ليسجل عليه كل كلمة، ويدون كل لفتة. وكانت ~~مواهب أبي الوليد من أكبر مصائبه، ومناقبه من أسباب كوارثه ، ولقد يكون في الذكاء وسلامة ~~الطبع ومرح النفس وذرابة # 3 # اللسان هلاك محقق، وبلاء ماحق. وفي الأذكياء العباقرة فضلة من نشاط تضطرب ~~دائما في نفوسهم، وكثيرا ما تسوقهم إلى المكروه. إن الغبي يفكر في كل كلمة، ويقدر لرجله ~~موضعها قبل كل خطوة، لأنه قليل الثقة بنفسه، حذر من أن يكون رمية جهله، أما الذكي ~~المتوقد، فمتوثب جوال، يجري وراء البديهة، ويقتنص فرص الارتجال، ويرمي بالكلمة لا يبالي ~~أين رماها، ويصدع بالري في جرأة واعتزاز. وابن زيدون شاعر أديب عالم بالأخبار، سريع حركة ~~الفكر، ذرب اللسان، عظيم الزهو بنفسه، لا يرى له في الأندلس نديدا، ثم هو إلى ذلك مرح ~~ضحوك مستهتر، سريع النكتة، جم الفكاهة. فكان يجلس في حضرة المظفر ويطلق لنفسه العنان، ~~ويخوض في كل حديث من غير أن يستصحب الحذر، وإذا جاء ذكر مملكة قرطبة، أو جاء ذكر ابن جهور، ~~كان يدفعه الطيش إلى أن ينبز ويهمز، وإلى أن يمزح ويسخر، وقد تجاوز الحد وأبعد في الاستهانة ~~بالخطر، حينما مدح صاحب بطليوس فبالغ، وغفل عن أن ابن جهور قد يغضبه أن يمدح وزيره أميرا ~~سواه، دع عنك ما خلع على الرجل من الصفات التي تحصر فيه العظمة، وتعرض بغيره من الأمراء، ~~وكان من قصيدته: # مليك إذا سابقته الملوك # حوى الخصل أو ساهمته سهم # فأطولهم بالأيادي يدا # وأثبتهم في المعالي قدم # وأورع، لا معتفي رفده # يخيب، ولا جاره يهتضم # ذلول الدماثة صعب الإباء # ثقيف العزيم إذا ما اعتزم # ظفر جاسوس ابن عبدوس بكل هذا، ودون كلماته التي كان ينثرها جزافا في مجالس المظفر، ~~ولونها بما شاء له فنه واقتضته صناعته، وذهب به إلى صاحبه فزاد فيه ابن عبدوس ما أراد - ~~وما آفة الأخبار إلا رواتها - وملأ به ms066 صدر ابن جهور، وكان رجلا أذنا يلقي السمع لكل ~~واش، وينصت إلى كل نمام. وعاد ابن زيدون بعد شهرين فلحظ في ابن جهور انصرافا عنه، ~~وفتورا عند لقائه، ورأى أن الابتسام أصبح جهومة، والثقة أضحت شكا، والميل صار مللا. ~~فبعث إليه بقصيدة فيها استعطاف، وفيها تهديد، وفيها شمم وإباء. منها: # مالي وللدنيا؟ غررت من المنى # فيها ببارقة السراب الخادع # ما إن أزال أروم شهدة عاسل # حميت مجاجتها بإبرة لاسع # من مبلغ عني البلاد إذا نبت # أن لست للنفس الألوف بباخع # أما الهوان فصنت عنه صفحة # أغشى بها حد الزمان الشارع # فليرغم الحظ المولى أنه # ولى فلم أتبعه خطوة تابع # إن الغني لهو القناعة لا الذي # يشتف قطرة ماء وجه القانع # ولكن ابن جهور استمر في تيهه وانحرافه عنه، غير أن ابن زيدون كان قوي الصلة بابنه أبي ~~الوليد محمد بن جهور، وكان يظن ألا يناله من الوالد مكروه، مادام يحظى بمحبة الولد. # ذهب بعد عودته من بطليوس إلى دار ولادة، فقابلته بوجه بش، وأشواق كادت تملأ جوانب الدار، ~~ثم قالت في غضب مصطنع: لا يا أحمد! لقد أطلت علي الغيبة، وأنساك جاهك وعظيم مكانك بين ~~أمراء الأندلس فتاتك المزهوة بك. ثم رفعت رأسها في اعتداد وقالت: لست أنت وحدك الشاعر الذي ~~هز أعطاف قرطبة، فإن نفسي تحدثني أن أنظم في تيهك وجفوتك قصيدة يتناقلها الرواة، وتخلد ~~على الزمان. ~~- لا لا يا سيدتي. شعر وجمال لا يجتمعان! فأجابت في دعابة: يجتمعان يا مولانا الوزير، ~~فليس الشعر إلا جمالا، وليس الجمال إلا شعرا. # ثم جذبته من ذراعه إلى البهو، حتى إذا جلس أخذت تقول: ألا من سبيل إلى إنقاذي من ابن ~~عبدوس؟! إنه يا أبا الوليد يلاحقني كما يطارد الصائد فريسته، إنه يفرض علي حبه فرضا كما ~~يفرض ابن جهور الجزية على كل ذمي، إنه من الصنف الذي لا يرده الإعراض، ولا يكفكف من ~~غربة الملال. إنه وقح مغرور يظن أن قلوب الحسان ملك يمينه، وأن له وحده أن يختار منها ما ms067 ~~يشاء. والأدهى والأمر أنه يرى أنه أجمل شاب بقرطبة، وأن الأندلس لم تحو جنباتها من يساويه ~~في جاهه وأدبه وثروته. كان ينكبني بزيارته كل يوم وأنت غائب، ويصارحني بحبه في سماجة ~~وإلحاح، فلما سددت الطريق في وجهه، وأخبرته أنني أصبحت لك خطيبة، بعث إلي بالأمس امرأة من ~~صويحباته، تشيد بمحاسنه، وتجتذب مودتي له، فرددتها أقبح رد، ورجعتها إليه حنينا بلا ~~خفين؛ وهناك رجل آخر أشد منه بلاهة وأكثر جهلا، ذلك هو أبو عبد الله بن القلاس البطليوسي. ~~ظن هذا المغرور أن المال الذي جمعه أيام الفتن والكوارث ينيله كل شيء، فراح يتابعني ~~بنظراته، ويضايقني بزياراته. لقد ضقت بهما ذرعا يا أبا الوليد، والذي أرجوه أن تكتب إلى ~~ابن عبدوس رسالة عني ترده إلى صوابه، وتذوده عن بابي. # فتأوه ابن زيدون واضطرب في مجلسه وقال: إن ابن عبدوس كان فيما يزعم لي صديقا، ولكني ~~أقرأ في عينيه الآن الحقد والبغضاء، وأكبر ظني أنه يدس لي عند ابن جهور. ~~- كيف يا أبا الوليد؟ ~~- لا أدري. ولكني منذ عودتي من بطليوس لم أجد ابن جهور كعهدي به. ~~- هذه دسائس الأندلس! فانظر هل عصف بمجدنا، وقطع مملكتنا أجزاء، وأغرى بنا ملوك ~~الإفرنجية إلا التحاسد والتباغض والأثرة؟ لا تبال يا سيدي، إنهم ذباب لا يملك إلا الطنين. ~~ثم أسرعت إلى ورقة كانت فوق خوان وقالت في إصرار: بحقي عليك يا أبا الوليد إلا ما كتبت إلى ~~ابن عبدوس حتى تستريح داري من شؤم طلعته. # فأخذ ابن زيدون القلم، واختلى بنفسه ساعة، ثم عاد يقول: استمعي للرسالة يا سيدتي: # أما بعد. أيها المصاب بعقله، المورط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العاثر ~~في ذيل اغتراره، الأعمى في شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب. # فصاحت ولادة قائلة: لو طلبت من الحطيئة أن يكتب إلى ابن عبدوس ما كتب أقذع من هذا! ثم ~~جذبت منه الورقة وأخذت تقرأ حتى بلغت قوله: # فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم، والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر. كيف رأيت لؤمك ~~لكرمي كفاء؟ وضعتك ms068 لشرفي وفاء؟ وأنى جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها؟ ~~والطير إنما تقع على ألافها؟ وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن ~~المؤمن والكافر لا يتقاربان. # وهنا قالت ولادة: لقد قتلت الرجل. وإن من السهام كلاما، ومن البيان موتا زؤاما. ثم مالت ~~عليه وقالت: بالله عليك إلا قلت فيه شعرا، حتى لا ينبض بعد له عرق، ولا يطرد نفس! فجذب ~~ابن زيدون ورقة وأخذ يفكر ساعة، ثم كتب: # أثرت هزبر الشرى إذ ربض # ونبهته إذا هدا فاغتمض # حذار حذار فإن الكريم # إذا سيم خسفا أبى فامتعض # فإن سكون الشجاع النهو # س ليس بمانعه أن يعض # وإن الكواكب لا تستزل # وإن المقادير لا تعترض # أبا عامر، أين ذاك الوفاء # إذ الدهر وسنان والعيش غض؟ # أبن لي، ألم أضطلع ناهضا # بأعباء برك فيمن نهض؟ # لعمري لفوقت سهم النضال # وأرسلته لو أصبت الغرض # وغرك من عهد ولادة # سراب تراءى وبرق ومض # هي الماء يأبى على قابض # ويمنع زبدته من مخض # وما كاد يتم قراءة الأبيات حتى صفقت بيديها طربا وإعجابا كما يصفق الأطفال، ثم صاحت في ~~لهجة الآمر: لا تضع القلم قبل أن تكتب أبياتا للفدم # 4 # الجاهل ابن القلاس. فأطرق ابن زيدون قليلا ثم كتب وهي تطل عليه وهو يكتب: # أصخ لمقالتي واسمع # وخذ فيما ترى أو دع # وأقصر بعدها أو زد # وطر في إثرها أو قع # ألم تعلم بأن الده # ر يعطي بعد ما يمنع؟ # وأن السعي قد يكدى # وأن الظن قد يخدع؟ # وكأن رامت الأيا # م ترويعي فلم أرتع # أعد نظرا فإن البغ # ي مما لم يزل يصرع # ولا تك منك تلك الدا # ر بالمرأى ولا المسمع # فإن قصارك الدهلي # ز حين سواك في المضجع # فقهقهت ولادة وقالت: حتى والله ولا الدهليز! قل بالله عليك يا أحمد: # فإن قصارك الإصطب # ل حين سواك في المضجع # وجمعت الرسائل، ودعت عبدها رابحا وأمرته أن يسرع بكل رسالة إلى صاحبها. # وبعد قليل أقبل أبو بكر بن ذكوان، وعمار الباجي، وعبد الله ms069 بن المكري، فاتسع نطاق ~~الحديث وتعددت طوائفه، فقال ابن ذكوان: لقد تناثر اليوم في قرطبة خبر يهمس به الناس في سخط ~~واستنكار، هو يدور حول المأمون بن ذي النون أمير طليطلة وما تسول له نفسه من الهجوم على ~~قرطبة والاستيلاء عليها. # فقال الباجي: إن القرطبيين لا يبغضون شيئا في الدنيا كما يبغضون البربر، بعد أن شهدوا ~~حكمهم، وولعهم بالتخريب والتدمير. وهذا المأمون ليس إلا عصارة السلالة البربرية، وهو لا ~~يدل علينا بشيء إلا أنه حبيب الأذفونش. # فتململ ابن زيدون وقال: إنه لو خدعته نفسه، وزين له الغرور غزو قرطبة، لرأى حولها ~~أسوارا من سيوف وقلوب، فخير له أن يقبع في داره، وأن يتخلى عن الهوى ويعمل على جمع ~~الكلمة ونبذ الفرقة. إن عرب الأندلس لن يعود إليهم مجدهم حتى تعود إليهم وحدتهم، وتتألف ~~قلوبهم.. ثم زفر زفرة طويلة وقال: لقد ضاعت الأندلس، وتبدد بها ملك كان بهجة الدنيا، وزينة ~~الدهور، وانفصمت تلك العروة العربية التي جمعت الآراء على رأي، وجعلت من الزنود المفتولة ~~زندا، ومن السيوف الصارمة سيفا، فأصبح العرب بعد انحلالهم في هذه الجزيرة النائية بددا ~~كالشياه فتك الذئاب برعاتها، فهامت في بيداء الخوف والجوع لا تسكن إلى ظل ولا تأوي إلى ~~سياج. # نزلنا هذه الجزيرة في قلة من العدد والسلاح، ولكنا كنا من عزائمنا وإقدامنا وإيماننا ~~بالحق في جيش لجب، # 5 # وقوة تزلزل الجبال. لن أذكر طارقا، فإن إقدامه ودهاءه أصبحا مضرب الأمثال، ولا ~~تزال الإفرنجة حولنا تروي حديث وثوبه على الأندلس وقلوبهم ترتجف فزعا. أعرابي في اثني عشر ~~ألفا من البربر والعرب، أقوى سلاح لهم سيف مثلم، أو رمح محطم، يهجمون على جيش لذريق، وهو ~~كأمواج البحر، ثم لا تنثني لهم عزيمة، ولا تجيش لهم نفس، حتى يكتب لهم الظفر، وتعود سيوفهم ~~ضاحكة إلى أغمادها! فأين هذه القوة؟ وأين هذه العزائم؟ وأين ذلك الروح الإسلامي العاصف الذي ~~لم تقف أمامه أسوار، ولم تصعب عليه أبراج، ولو كانت تتلفع بأردية السحاب؟ # أين أيام عبد الرحمن الداخل؟ ذلك الفتى ms070 الشمري الأحوذي الذي قدم الأندلس وحيدا، فلم ~~تمر به سنة حتى كانت جميعها في قبضته. وأين منا عهد الناصر لدين الله، والناس ناس، والزمان ~~زمان، حين كان ملوك الإفرنجة يستجدون رضاه ويتسابقون إلى طاعته؟ بعث إليه صاحب القسطنطينية ~~العظمى سفراءه ومعهم أشرف الهدايا وأنبلها، فتلقتهم قرطبة في يوم مشهود، وأقبلوا في خضوع ~~نحو قصر الزهراء يقدمون للناصر إخلاص سيدهم وصادق مودته. ثم أين منا أيام ابنه الحكم ~~المستنصر بالله حين اعتزم غزو بلاد الملك أردون؟ ذعر الملك فسار إلى الحكم في عشرين رجلا ~~من أصحابه راجيا منه أمانا واعتصاما بذمته، فلما دخل قرطبة سأل أول ما سأل عن قبر الناصر ~~لدين الله، فلما أرشد إليه وقف أمامه في صمت وخشوع خالعا قلنسوته حانيا ظهره، وأمر الحكم ~~بإنزاله بدار الناعورة فأقام بها يومين، ثم استدعاه إليه وكان قد أعد لليوم عدته من الزينة ~~ومظاهر القوة، وجاء محمد بن القاسم بأردون وأصحابه فدخلوا بين صفوف الجند، والملك ذاهل ~~يقلب الطرف ويجيل الفكر في كثرتهم وكمال عدتهم، حتى وصل هو وصحبه إلى أول باب للزهراء ~~فترجل وترجلوا، فلما بلغوا البهو جاء الإذن للملك بالدخول فتقدم وأصحابه وراءه، حتى قابل ~~مجلس المستنصر بالله، فوقف وكشف رأسه وخلع برنسه وبقي حاسرا إعظاما، فلما قابل سرير ~~الملك خر ساجدا سويعة ثم استوى قائما وأهوى على يد الخليفة يقبلها ويبتهل داعيا ~~شاكرا، وقد علاه البهر من هول ما باشره، وجلالة ما عاينه من فخامة وعظمة وملك وسلطان. ~~وكان يوما حافلا، وكان للخطباء والشعراء فيه مقامات حسان. # هكذا كانت صولتنا، وهكذا كان سلطاننا، فأين منا ذلك المجد الضائع، وذلك السلطان الذي ~~احتسبته أسفار التاريخ حتى لا يظهر للعيان؟ # فأسرع ابن المكري يقول: الله الله! إن من البيان لسحرا! # وقال ابن ذكوان: حقا إنك لخطيب يا أبا الوليد؟ # فابتسم ابن زيدون ابتسامة حزينة وقال: وماذا تفيد الخطب يا أبا بكر إذا لم تجد آذانا ~~وعقولا؟ يجب أن نستيقظ، ويجب ألا نسد أعيننا دون الخطر الداهم. إن ملك الإفرنجة بعد ms071 أن ~~وحد ولايات أستورياس وليون وقشتالة، اتجه إلى تفريق كلمة العرب، وبث التحاسد بين ~~امرائهم، وأخذ يغري بعضهم ببعض، وينصر فريقا ويخذل فريقا، لا يبغي من وراء ذلك إلا ~~إضعافهم جميعا. فإذا لم نصدمه الصدمة القاصمة، شالت نعامتنا، # 6 # وذهبت ريحنا. لقد حادثت ابن جهور كثيرا في هذا الأمر، ولكنه كان يطرق طويلا، ~~ثم لا يزيد بعد أن يرفع رأسه على أن يقول: أنت طموح يا فتى! # فصاح ابن المكري: ابن جهور أقدر الناس على حمل هذا العبء العظيم بذكائه ودهائه وبعد رأيه، ~~ولا يقف في طريقه إلا أنه ليس من سلالة الملوك. والقرطبيون خلقوا وفي دمائهم حب الملوك، ~~فهم لا يبذلون أرواحهم رخيصة، ولا يجبهون الموت، إلا إذا قادهم ملك أو خليفة. # فهز ابن زيدون رأسه في حزن وقال: هذا صحيح يا أبا يزيد. فأسرع الخبيث يقول: لم يبق بقرطبة ~~اليوم أحد يصلح لمقاومة الإفرنجة. وكان الناس منذ حين يلتفون حول فتى من أبناء الناصر لدين ~~الله يسمى ابن المرتضى، ولكنه لا يعلم له الآن مكان، وأظنه قضى نحبه. # فتحرك الباجي في مجلسه وهو يقول في صوت خافت: أخشى يا ابن أخي ألا تكون محيطا بالخفي ~~من الأمور، فإن بعض الناس يظن أن ابن المرتضى عاد إلى قرطبة منذ شهر، وأنه في مكان لا يعرفه ~~إلا خاصة أتباعه. فانقبض وجه ابن زيدون، وقال في صوت مختلج. ~~- من أخبرك بهذا؟ ~~- لم يخبرني أحد، ولعله ظن يا أخي، وإن بعض الظن إثم. ~~- هذه أباطيل يصطنعها مختلقو الأكاذيب، ويرجف بها المرجفون ثم تحفز القوم للقيام فودعوا ~~ولادة وانصرفوا. # ولما بلغ ابن زيدون داره التفت خلفه فرأى رجلا كان يتبع خطواته، يسرع ثم يختفي وراء جدار، ~~فسهم وجهه وقال متأففا: سحقا لجواسيس قرطبة؟ # | الفصل السابع # كان من عادة ابن جهور أن يجلس كل صباح مع ابنه وخليفته أبي الوليد ليقرأ له ما يرد عليه ~~من أخبار المدينة، وما تطالعه به جواسيسه من شئون وحوادث، وكان في هذا اليوم عبوسا ~~مهموما، يحمل في يده ms072 ورقة صغيرة، أطال النظر فيها، ثم ألقى بها إلى أبي الوليد وهو يقول: ~~لقد كان ما خفت أن يكون، صدقت فراستي في الرجل وكنت أرجو الله ألا تصدق. ~~- من هو يا سيدي؟ ~~- الرجل العبقري الباقعة الداهية الكاتب الشاعر والسياسي البارع! كانت تبهرني فيه تلك ~~المزايا، وكنت أتحرق شوقا إلى أن أراها تتجه دائما إلى رفع شأن المملكة وإحياء رميم ~~مجدها، وكنت أرى أن مثله خليق بأن يقتعد أشرف المناصب، ويسمو إلى أرفع الرتب، ولكن كان ~~يصرفني عنه كلما هممت بالانتفاع بمواهبه ما فيه من نزق وعجب، وما تلتهب به نفسه من طموح ~~طائش خفت أن يورده ويورد الدولة معه موارد الهلكة، فكنت أهمل أمره آسفا، وأقنع بأن يقصر ~~عمله على النظر في شئون أهل الذمة كارها، ولكني آخر الآمر عصيت نفسي، وكذبت صادق فراستي، ~~ووليته الوزارة، وأطلقت يده في الدولة سيدا مطاعا، فكان منه ما جعلني أسمع كل يوم عنه ~~خبرا، وأتوجس شرا. ~~- يريد سيدي أبا الوليد بن زيدون؟ ~~- نعم هو يا ولدي. ~~- إن ابن زيدون يا مولاي من أخلص الناس لك، وأصدقهم في النصح لدولتك. وأطولهم باعا في ~~الذياد عنها، وهو يطلعنا في كل حين بقصيدة من روائعه كلها ثناء عليك، وإعلاء لك، وإشادة ~~بمجدك. وهو في مديحه غير متكلف ولا مخادع، فإن للصدق في شعره رنينا يدركه كل أديب، وفيه ~~للإخلاص والوفاء روحا يطل من كل بيت. إن ابن زيدون قد يكون شديد الزهو بنفسه، وله العذر، ~~فمثله حقيق بأن يزهى. وقد يكون طموحا وثابا، ولكنه طموح المعتز بدولته، الناهض ~~بأمته. ~~- ما أظن يا أبا الوليد. إنه يمدحني بشعره كثيرا كما تقول، ولكني أخشى أن يكون هذا ~~المديح دريئة يخفي وراءها سيء مساعيه، وحجابا يسد به عيني من أن تريا ما يعمل في الظلام. ~~ثم زفر في ألم وحسرة وقال: أتظن أنه يمدحني مخلصا، وهو يمدح صاحب بطليوس ويحصر فيه كل صفات ~~العظمة، ويعرض بغيره من الأمراء، ويقول له: # أشف الورى في النهى رتبة # وأشهرهم في المعالي مثل ms073 # وأحرى الأنام بأمر ونهي # وأدرى الملوك بعقد وحل # غمام يظل، وشمس تنير # وبحر يفيض، وسيف يسل # قسيم المحيا ضحوك السماح # لطيف الحوار أديب الجدل # سواك إذا قلد الأمر جار # وغيرك إن ملك الفيء غل # فإذا كان المظفر أشف الناس رأيا، وأحراهم بالأمر والنهي، فماذا بقي لي ؟ ثم من سواه ~~الذي إذا قلد الأمر جار؟ ومن سواه الذي إذا ملك الفيء # 1 # غل؟ إن كان يقصدني فلأمه الهبل! ~~- يا أبي إن الشاعر إذا مدح بالغ وأبعد، والناس جميعا يعرفون هذا ويتجاوزون عنه، ~~والمبالغة ميزة الشاعر وخاصته منذ أن هلهل ابن ربيعة الشعر، ولو أخذ الشاعر على ما يقول لم ~~يستطع أن يقول شيئا، والشعر ليس فلسفة ولا منطقا، ولكنه أوهام تصورها أنغام. ~~- صدقت أيها الفتى، إن الشعر أوهام تصورها أنغام. وهكذا كان شعر الرجل في مديحي، ثم ألقى ~~إليه بالورقة التي كانت في يده وهو يقول: اقرأ يا أبا الوليد هذه الورقة، واكشف لي وجه ~~الرأي فيها فقد غم # 2 # علي أمري. فقرأ: # من ابن عبدوس إلى الرئيس الأكبر عميد الجماعة: # أما بعد فقد أخبرني الرجل الذي طلبت إليه أن يرافق ابن زيدون ويرقبه عن كثب: أنه ~~منذ حضر من بطليوس، والحيرة لا تفارقه، فهو يتنقل من دار إلى دار، ويزور أقواما لم ~~يكن يزورهم من قبل، وقد تردد في الأسبوع الفائت على دار راجح الصنهاجي، وكان يودعه ~~عند الباب في كل مرة، وسمعته يقول له في إحدى المرات: سيكون الأمر هينا والجو ~~ملائما. وزاره منذ يومين ثابت الغافقي، وخرج من عنده عابس الوجه يبدو عليه التفكير ~~والقلق. وكان بالأمس مع ابن ذكوان عند ولادة، وخرجا قبيل الفجر، وأخذا يتهامسان في ~~الطريق في جد واهتمام. # ما كاد أبو الوليد يتم قراءة الرسالة حتى صاح ابن جهور: أرأيت أن الرجل لا يخالط إلا ~~المترددين المزعزعين الذين لا يحجبهم عن الفتنة إلا العجز أو الخوف من أن يكونوا حطبا ~~لنارها؟ ~~- إنني أخاف يا أبي أن يكون أعداء ابن زيدون قد أحكموا دهاءهم، ولاحت ms074 لهم فرصة من حسن ~~استماعك لهم فراحوا يصورون لك أوهاما، لو ألقيت عليها نظرة واحدة من نظراتك الثاقبة لطارت ~~في الهواء. ما هذا يا مولاي؟ كل الذي سمعته وقرأته في هذا المجلس أن ابن زيدون عبقري طموح، ~~وليس في ذلك عيب ولا عار، وأنه مدح بعض الأمراء فأغرق ، وهو إذا مدحهم فبلسانك نطق، وإلى ~~إعلاء دولتك قصد، لأنه سفيرك ووزيرك، وقد يرى من حسن الرأي، وخدع السياسة أن يمدح من يكون ~~لك عدوا، ويحسن إلى من يكون لك مسيئا. على أن عبيد الله بن قيس الرقيات وهو زبيري ~~المذهب خارج على بني أمية، كان يمدح مصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان في آن. وكان ~~الكميت بن علي من مداحي الأمويين، ومن أشد الشعراء بغضا لهم. أما كل ما في هذه الورقة ~~فهراء لا يقام له وزن، ولا يحسب له حساب، فليس فيها إلا أن ابن زيدون قابل فلانا وفلانا ~~وفلانا، وماذا في هذا يا أبي؟ إنك أنت تقابلهم وتخالطهم وتزورهم في دورهم. ثم إن هذا كان ~~عابسا، وهذا كان مفكرا، وهذا كان هامسا، هذا كلام لا ينهض بجناحين، ولا يسير على قدمين، ~~فلو أن العبوس أو التفكير أو الهمس كان يدل على العمل لإسقاط الدول ما بقيت دولة في بقاع ~~الأرض يوما واحدا. مزق يا مولاي هذه الورقة، وامح ما كان فيها من لوح فكرك، واترك عنك ~~هذا الهاجس الذي ليس من ورائه إلا أن قوما يتخذون منك سيفا للقضاء على عدوهم، وازجر هؤلاء ~~الوشاة الدساسين، فإنك لن تجد مثل أبي الوليد في كرم نصابه، وبعد همته، وجلالة ~~قدره. ~~- أرجو أن تكون موفق الرأي صادق الفراسة يا ولدي! فإن أود ما أوده أن يبقى ابن زيدون ~~لهذه الدولة عضدا وزندا. ~~- لا تأبه لحديث ابن عبدوس يا مولاي فإنه غريم ابن زيدون في الحب والسياسة. ~~- في الحب؟ ~~- نعم في حب ولادة. فابتسم ابن جهور وقال: هكذا رأينا الحب ينبت البغضاء! ثم نظر إلى ابنه ~~نظرة طويلة وقال: اكتم هذا المجلس ms075 أبا الوليد ولا تحدث به نفسك في خلوتك، وأرجو الله أن ~~يبعد عنا المكروه، ويوفقنا لما نحب ويحب. # وفي ضحا هذا اليوم ذهبت ولادة لزيارة نائلة فوجدتها لا تزال في سريرها تصلح لها جواريها ~~ما أفسد الليل من زينة المساء، فقابلتها نائلة في شوق وشغف، وأمرت أن يقرب لها كرسي إلى ~~جانبها، وقالت: كيف حال أبي الوليد؟ إن هذا الولد العاق لم يزرني منذ حين. ~~- إن ابن زيدون في هذه الأيام ليس كعهد الناس به، فهو كثير الوجوم، بادي الهموم. وقد ~~فارقه ذلك المرح الذي كان ينشر الأنس في كل مكان، ويغتصب الضحك من فم الحزين. ~~- تزيد هموم الناس يا بنية إذا ارتفعت منازلهم وعظمت مناصبهم، وقد كنت تبغين أن يكون ~~خطيبك وزيرا، فلما أصبح وزيرا برمت برزانته، وضقت ذرعا لصرامته وجده. ~~- لا يا خالة. ليست المسألة مسألة رزانة أو صرامة، ولكني أشك في أن أمرا عظيما يشغل ~~باله ويملك عليه نواحي نفسه. # فقهقهت نائلة وقالت: ليس الأمر كما تتوهمين يا ولادة. وإذا كان هناك ما يشغل باله فهو أنه ~~أسير حبك، ينتظر اليوم الذي يصبح فيه بعلا لأجمل فتاة. # فابتسمت ولادة ابتسامة زهو وإعجاب وقالت: أخشى يا نائلة أن أعداءه يكيدون له، وأخشى أن ~~يجدوا من ابن جهور أذنا صاغية. ~~- ما أظن يا حبيبتي أن يجرؤ أعداؤه على منابذته، فإن أيديهم أقصر من أن تنال له ذيلا. على ~~أن ابن جهور على تزمته وجفوته، من أطوع الناس لي عنانا، وهو في يدي كالعجينة في يد ~~الخباز، وكلمة مني واحدة كفيلة بأن تطرد ما ألقى النمامون في أذنه من كلمات. # زارتني عائشة بنت غالب من أيام، وأظهرت لي تمام الود وصادق المحبة، واتخذت من سرقتي ~~لرسائل ابن زيدون من خزانتها مجالا للفكاهة والضحك والتندر، وأقسمت أغلظ الأيمان أنها كانت ~~تريد أن ترد إليه هذه الرسائل، وأن كل وعيدها وتهديدها كان كاذبا مصطنعا لم تقصد به إلا ~~أن يعود إلى ظلال حبها، وأن يعيشا كما كانا سعيدين هانئين. ثم تفرست في ms076 وجهي طويلا، وتابعت ~~حديثها تقول: ولكنه حين أبى، وحين يئست من عودته، طويت نفسي على آلامها، وتمنيت له خير ما ~~يتمنى محب لحبيب. ولقد سرني والله قبل كل امرأة بقرطبة أن ينال تلك الحظوة التي نالها عند ~~ابن جهور، وأن يرقى إلى منصب الوزارة، نبئيه يا خالتي أني أحفظ الناس لوده، وأبقاهم على ~~عهده، وأزهاهم برفعته وعلو شأنه. لقد رأيته مرة «برحبة مغيث» فوق بغلته الشهباء، والأعوان ~~من حوله، ورجال الديوان من ورائه، فسألت الله أن يصونه ويعمي عنه أعين الحاسدين، وتمثلت ~~بقوله في صاحب بطليوس: # ألا هل سبيل إلى العيب فيه # فكم عين من قبله من كمل؟ # فأسرعت ولادة تقول: وهل صدقت شيئا من هذا يا نائلة؟ فغمزت العجوز بإحدى عينيها وقالت: ~~صدقت أو لم أصدق. إنها هدنة على أية حال. ~~- ولا هدنة! ~~- وأي ضرر في أن نتغابى ونأخذ الحذر؟ ~~- من أخبر هذه الرقطاء أن أبا الوليد قال قصيدة في مدح صاحب بطليوس؟ ومن الذي نقل إليها ~~هذه القصيدة؟ ~~- الجواسيس! الجواسيس! إنهم أكثر من ذباب قرطبة. ثم اتجهت إلى ولادة كأنها تذكرت شيئا ~~وقالت فيما يشبه العتاب: ماذا فعلتم بابن عبدوس يا ابنة المستكفي؟ # فظهر الضجر على وجه ولادة وقالت: اسمعي يا نائلة ما رواه القصاصون، فقد قالوا: إن الجبال ~~يوم خلقت اشتكت من ثقلها وصلادة صخورها، ولكنها هدأت حينما علمت أن الله خلق من هو أثقل ~~منها. وقالوا: إن الأفاعي باهت يوما بسمومها فقيل لها: أطرقي؛ فإن الله خلق من هو أوحى منك ~~سما. أتعرفين يا خالتي من ذلك الذي هو أثقل من الجبال وأفتك سما من الأفاعي؟ هو ابن ~~عبدوس. لقد كدت أفارق قرطبة لأجله، جاء بثقله ودمامته وخبثه يرمي نفسه علي رميا، ويلزمني ~~حبه إلزاما، فلم أجد محيصا إلا أن أرسل إليه رسالة باسمي بل صفعات متتابعة يدمى لها ~~قذاله # 3 # العريض وأرسل إليه أبو الوليد أبياتا ستقض مضجعه، وتؤرق وساده. ~~- جاءني بالأمس يشتكي من الرسالة والأبيات، ويرجوني أن أصلح ما فسد بينه وبين ابن زيدون، ms077 ~~لأنه يغالي بصداقته، ويحرص على مودته، ثم ألح في أن أكون وسيلته إليك على أن يقنع منك ~~بالحديث والمجاملة، وأن يرضى منك بقبوله في ندوتك صديقا مخلصا. ~~- خير لي وله أن يبتعد عن ندوتي يا نائلة. ~~- ألا ترين في الأمر شيئا يدعو إلى التوجس والقلق؟ فإنه ليس من محض المصادفة في رأيي أن ~~تأتي عائشة ثم يليها ابن عبدوس فيعلنا في أسلوب يكاد يكون واحدا حبهما لابن زيدون، ~~ووفاءهما له، إني أكاد أرى وراء الأكمة شيئا. وعلى أبي الوليد أن يحذر وعلى كل أصحابه أن ~~يحذروا ويتربصوا. فظهر الذعر على وجه ولادة وقالت: ماذا نصنع يا خالتي؟ ~~- نحذر ونتربص! # وكأن الخوف أعجل قيامها فقالت وهي تتحفز له: إنني أحذره دائما، ولكنه لا يأبه ولا ~~يبالي، وهو لك أطوع، ولكلمتك أسمع، فهولي له الأمر يا حبيبتي، لعله يرعوي. # 4 # ثم أسرعت إلى الباب مرتجفة الأوصال. # وفي مساء هذا اليوم كان يجتمع في دار عائشة مربع له أربعة رءوس، لو أراد إبليس وكان أبرع ~~خلق الله في علم الهندسة أن يؤلف مثله مربعا للؤم والدهاء والمكيدة والخسة ما استطاع - ~~اجتمع أبو عامر ابن عبدوس، وابن القلاس، وابن المكري وعائشة وأغلقوا الباب دونهم، واتجهت ~~عائشة نحو ابن المكري تقول: عجيب أن نراك بيننا اليوم يا أبا يزيد، وأنت تعرف. والناس ~~يعرفون أنك أقرب الناس إلى ابن زيدون! وأحرصهم على صداقته، فإذا حدثتك نفسك يا سيدي بأن ~~تلعب على حبلين، وأن تشهد طعام معاوية وتصلي خلف علي، فإنا لسنا من الغفلة بحيث تخفي علينا ~~هذه الأخاديع، أو تلتبس علينا وجوه الحق من وراءها. # فأسرع ابن عبدوس يقول: على رسلك يا عائشة! فإن ابن المكري من أشد أعداء ابن زيدون ~~وأحقدهم عليه، وأبعدهم له كيدا، ولكنه بارع في الرياء، عبقري في ألا يظهر فوق وجهه شعاع ~~من قلبه، يعانق عدوه ويقبله في الصباح، ليطعن أحشاءه آمنا مطمئنا في المساء، أنت لا ~~تعرفينه يا عائشة. إنه داهية الدواهي، وباقعة البواقع. # فابتسمت عائشة فيما يشبه السخرية وقالت: ms078 ومن يدريني - بعد أن وصفت الرجل بما وصفت - أنه ~~اليوم صادق أمين؟ ألا يجوز أنه الآن يلبس غير ثوبه، ويقتعد غير سرجه، ويدلس علينا كما يدلس ~~على كل مخلوق؟ # فانبرى ابن المكري يقول: اسمعي يا عائشة، إن العداوة والبغضاء يجريان وراء المنفعة، فأعدى ~~أعدائك من يزاحمك في رزق أو جاه أو منصب. تلك غريزة يا سيدتي، ترينها في الإنسان كما ترينها ~~في الحيوان. أسقطي حفنة من الحب بين أفراخ الدجاج، ثم انظري ماذا تعمل، يثب هذا على ذاك، ~~وينقر هذا ذاك، ويضرب هذا بجناحه ذاك. وابن زيدون يزاحمني الآن في كل شيء: يزاحمني في الأدب ~~والجاه والرزق، حتى أصبحت في الديوان حشرة ملقاة على كرسي لا رأي لها ولا عمل. أصبحت ~~مغمورا في الظلام لا يراني الناس، بعد أن بهر أبصارهم ضياؤه المتوهج، وأصبح شعري هذاء ~~محموم، وأدبي لا جسم له ولا روح، ومنصبي لا يحتفظ إلا باسم أجوف يتندر به المتندرون، ويسخر ~~منه الساخرون، فكنت يا عائشة بين أمرين: إما أن أناصبه العداء، وأجاهره بالبغضاء، كما فعل ~~صاحبي ابن عبدوس، وإما أن أطوي نفسي على الغل والكمد، وأعمل في الظلام لدك ذلك الجبل ~~الشامخ، واصطياد ذلك الأسد الزائر! فرأيت أن الأولى ستدفعه إلى الحذر، واتخاذ الحيطة، ثم ~~إلى محاربتي بسيف أصلب من سيفي، وقوة تنهار أمامها قوتي. ورأيت أن الثانية أقرب من ~~السلامة، وأدنى إلى الحزم، وأكفل ببلوغ الغاية، فزدت له من بسط وجهي، ولطف حديثي، وما أجيد ~~اصطناعه من الملق والدهان والخديعة، حتى سكن إلي واطمأنت نفسه لمودتي، فأصبحت له الخل ~~الوفي، والصديق الأمين. ولو فعلت معه كما فعل ابن عبدوس لم أزد على أني نفرت الصيد من ~~الصائد، وأبعدته عن الشرك، ونطحت برأسي صخرة لأوهنها كما يفعل الوعل الأحمق. # فقال ابن عبدوس: مرحى يا أبا بدير! إن للناس وجها واحدا ولك ألف وجه ليس فيها وجه ~~صحيح! # فضحك ابن القلاس وقال: أخشى كما تخشى عائشة أن يكون اليوم قد لبس أحد هذه الوجوه. # فقالت عائشة: لا يا ms079 عبد الله. إنني فهمت الرجل وأدركت فلسفته. ثم اتجهت نحو ابن عبدوس ~~وقالت: أخبرني بلال - وهو من أخص عبيدي بعد أن أطلقته خلف ابن زيدون يقتص آثاره، ويتلقف ~~أخباره - أنه لا يكثر من زيارة ولادة في هذه الأيام، وأنه يقضي أكثر الليالي بداره ~~منفردا. # فقال ابن عبدوس: ألا يجوز أن يكون الرجل يخفي بداره شخصا؟ وأنه يكتم خبره عن أخص ~~أصدقائه. # فصاح ابن المكري: يجوز جدا. ولقد علمت علما ليس بالظن أن ابن المرتضى نزل قرطبة ~~خفية، وأن ابن زيدون يتصل به، فإذا استطعنا أن نقنع ابن جهور بهذه الصلة فقد قضي الأمر، ~~وقضي على الرجل. # فقال ابن عبدوس: إن الجو جد ملائم، فإن ابن جهور تساوره الوساوس من قبل ابن زيدون، ~~ولكنها كالبعوض يطن في أذنه ثم يطير فلا يستطيع له قبضا. # فصاحت عائشة: كيف نقنع ابن جهور بهذا الأمر الخطير، وهو رجل صارم في الحق، لا يأخذ ~~بالشبهة، ولا يحكم إلا عن بينة؟ # فقال ابن القلاس: هذا هو الذي جئنا لنتشاور فيه. # فالتفتت عائشة إلى ابن المكري وقالت: أواثق أنت تمام الوثوق من أن ابن المرتضى يقيم الآن ~~بقرطبة، وأن ابن زيدون يتصل به؟ ~~- نعم. ~~- من نبأك هذا؟ ~~- نبأنيه صديق ما كذبني قط، وقد كان ينادم ابن زيدون على شراب فتعثر لسانه وهو في نشوته ~~بكلمات فهم منها صاحبي أنه يلتقي بابن المرتضى في كل ليلة. # فأطرقت عائشة ثم قالت وهي تمد ذراعيها كأنها ترحب بمقدم مكيدة جديدة: لقد وجدت الرأي! ~~لقد وقفت على مفتاح اللغز! الآن أستطيع أن أرى، وأستطيع أن أدبر. ثم اتجهت إلى ابن المكري ~~سائلة: أتستطيع أن تدعو ابن زيدون إلى دارك غدا؟ ~~- هذا سهل يسير، وهو الآن يكثر من زيارتي لتوثق الصداقة بيننا. ~~- حسن. ادعه غدا للعشاء، وادع معه من يحب من خلانه. ~~- ثم؟ ~~- ثم تذهب الآن إلى ابن جهور، وتطلب إليه أن يزورك غدا في دارك مستخفيا، ليتحقق من خروج ~~ابن زيدون عليه ونكثه لعهده. # ثم؟ فابتسمت عائشة وقالت: ثم تتحادثون بعد ms080 العشاء، فتسمعون جلبة وضجيجا بين عبيدك ~~وغلمانك، فتسألون عن جلية الخبر، فيخبركم أحدهم بأن ابن جهور قبض على ولادة لأنها كانت ~~تخفي في قصرها ابن المرتضى الأموي. ~~- ثم؟ ~~- ثم إني أعرف الناس بأخلاق ابن زيدون، فإن الحزن والغضب سيدفعانه إلى أن يكشف عن ذات ~~نفسه، وإلى أن يقذف بألفاظ يحبسها في صدره الخوف والحذر، فإذا سمعها ابن جهور لم يتردد في ~~التنكيل به وإراحتنا منه ومن كبره وغروره. # فقال ابن عبدوس: أخشى ألا يكون حسابك مستقيما. ~~- إني إذا فكرت بإمعان وهدوء استطعت أن أقرأ المستقبل كأنه صفحة من الماضي. ليس عندي شك ~~في أن ابن زيدون سيقع في الفخ. # فقال ابن المكري: حسن. سأذهب الآن إلى ابن جهور. فصاح ابن عبدوس: إذهب إليه بالوجه الذي ~~لا يرى فيه أثرا للشك ولا لمحة من الريبة، وإذا وفقت فسوف تراه غدا في دارك. # وأسرع ابن المكري نحو دار الجماعة، وقابل ابن جهور، ولبث في حضرته طويلا، فلما انتهى ~~الحديث، واتجه نحو الباب صاح ابن جهور: إني لست ألعوبة يا فتى! فإذا كنت في شك من أمرك ~~فارجع عما قلته قبل أن تجاوز الباب. ~~- أنا واثق يا سيدي. ~~- عظيم. إن سيفي غدا سيطيح أحد رأسين، فاحذر أن يكون رأسك هذا الأحد. إذهب. # وجاء الغد، وانطوى نهاره فغشي قرطبة وأهلها ليل حالك الإهاب كأنه حظ الأديب، أو صحيفة ~~الزنديق، ليل رآه قوم موطن الصبابة واللهو والطرب والمجون، ورآه آخرون باعث الأحزان ومثير ~~الأشجان والهموم. شمل الليل قرطبة، وأخذ الناس يضطربون فيما يضطربون فيه كل ليلة، واجتمع ~~ابن زيدون وبعض صحبه بدار ابن المكري، وقصد إليها ابن جهور ووزراؤه وصاحب شرطته وأعوانه ~~مستخفين متنكرين، فجلسوا في حجرة إلى جانب حجرة الضيوف. ومدت الموائد فنال منها القوم ما ~~اشتهوا، ثم أخذوا في الحديث، وكان ابن زيدون في هذه الليلة كثير التفكير كثير الذهول ~~والقلق، يغتصب منه أصحابه الكلمة اغتصابا، ويغرونه بالنوادر والأفاكيه فلا يظفرون منه إلا ~~بابتسامة فاترة واهنة، وبينما القوم يسمرون إذا ضجيج بين الخدم ms081 ولغط وجلبة، فنادى ابن ~~المكري كبير العبيد وسأله في استنكار وتأنيب: ما هذا يا رباح؟ # فظهر التردد على وجه العبد وقال: لقد أخبرنا الآن أحد أعوان صاحب الشرطة بأن مولانا عميد ~~الجماعة قبض على سيدتي ولادة، ووكل بها طائفة من الجند يعذبونها أشد أنواع العذاب. # فارتعد ابن المكري وقال بصوت كاد يخنقه الغضب: يعذبونها؟ لم يعذبونها؟ ~~- لأنهم وجدوا مولاي ابن المرتضى بقصرها. فوقف ابن زيدون مذعورا والغضب ينفخ أوداجه ~~وصاح: هذا كذب صراح؛ إن ابن المرتضى لا يختفي بقصر ولادة؛ أنا أعرف مكان اختفائه. إن ولادة ~~بريئة من كل ما يتصل بابن المرتضى إنها وشاية نمامين. إن ابن المرتضى في داري، وسأذهب ~~فأخبر ابن جهور بهذا حتى يكف زبانية عذابه عن أشرف امرأة، وأطهر امرأة بقرطبة. # وهنا فتح باب الحجرة، ووقف ابن جهور في وسطها كأنما نبع من أرضها، وصاح بصوت يشبه هزيم ~~الرعد: ولم تخف ابن المرتضى في دارك يا منبع الدسائس؟ لم تخفه إلا لتشعل به فتنة تبدد ~~الجماعة وتفرق الكلمة. لقد كنت أرى آخرتك منذ عرفتك، وكنت أتجاوز وأغضى حتى أصل إلى وجه ~~الحق. الآن صرح # 5 # الزبد عن اللبن وترك الخداع من كشف القناع، وتبلج الصبح لذي عينين! # ثم أشار في غضب إلى عبيد الله بن يزيد صاحب شرطته وهو يقول: ابعث أعوانك إلى دار هذا ~~المارق ليبحثوا عن الرجل الذي يخفيه. # وغاب الجند ساعة ثم عادوا يقولون: إنهم لم يجدوا لابن المرتضى ظلا، فتنفس ابن زيدون ~~الصعداء وطفق يردد: الحمد لله! الحمد لله! # وزاد غضب ابن جهور: فر الطائر من القفص، واختفى ثانية ليعيد الفتنة مرة أخرى. ثم وجه ~~الكلام إلى صاحب الشرطة وقال: خذ هذا الوغد إلى السجن حتى ننظر في أمره ونرى حكم الله فيه. ~~صدق الله العظيم: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من ~~الأرض ~~. # | الفصل الثامن # انتشر في الصباح خبر القبض على ابن زيدون وزجه ms082 بالسجن، فابتهج قوم وابتأس آخرون، وطفق كل ~~رجل يتحدث في هذا الحادث مدفوعا بعاطفته وما يمليه عليه وجدانه، كدأب الناس في الحديث عن ~~الشئون العامة، واجتمع بخان أبي إسحاق اليهودي، وهو خان فخم بسوق اليمانية، جمع من شبان ~~قرطبة الذين يجدون من فراغهم وجدتهم # 1 # ما يسوغ لهم الحديث في كل أمر من أمور الدولة، قال أحدهم وكان يدعى عمر ~~البلنسي: بلغني في الصباح ممن أثق به ولا تخالجني في أخباره خطرة شك، أن ابن زيدون كان ~~متفقا مع ابن جهور على القبض عليه، وأن في الأمر مكيدة مدبرة يراد بها الاستيلاء على ~~إشبيلية، والقضاء على ملك ابن عباد. # فدهش القوم وقالوا في صوت واحد: هذا غير معقول. أين الصلة بين سجن ابن زيدون والاستيلاء ~~على إشبيلية؟ وأسرع عمر يقول: أنتم لا تدركون خفايا السياسة، فإن لها سراديب ملتوية تمرون ~~بها أعواما ثم تعودون إلى المكان الذي بدأتم منه. # فقال أحدهم في سخرية: وهذا يا ابن عبد الله أظلم السراديب وأشدها إبهاما! ~~- الأمر في غاية الوضوح للسياسي الداهية، والخطة لعب أطفال للبصير الحاذق الفطن. ~~- كيف يا سيدي؟ ~~- يحبس ابن زيدون لخروجه على ابن جهور، ويلاقي صنوف العذاب. ثم يفر إلى إشبيلية موتورا ~~ساخطا على ابن جهور، فيتلقاه ابن عباد بالسرور والغبطة، وينزله أكرم منزل، ويثق به ~~فيطلعه على خفايا مملكته وأسرارها، ويعود ابن زيدون فيفر من إشبيلية وقد أحاط علما بمواطن ~~الضعف فيها، وفي أسهل طريق وآمنة لغزوها، وتكر جيوش ابن جهور على المدينة، فلا تمضي ساعة ~~من نهار إلا وهي تحت قدميه فقال أحدهم - مرحى مرحى وقال ثان يجوز، وقال ثالث الحيلة معقولة ~~جدا. وابتسم البلنسي لمخالفيه في عطف وإشفاق وقال: غدا ستكشف لكم الأيام صدق ما أقول، ~~وتحمس شاب منهم فقال: ليس في المسألة سياسة، وليس فيها خديعة، والذي أعلمه علم اليقين أن ~~ابن جهور سقط على رسالة بعث بها ابن زيدون إلى ابنته رملة، فكبر عليه الأمر، وخاف إن هو ~~انتقم منه على فعلته أن يشيع الخبر ms083 بين الناس، ويكثر فيه اللغط، فاختار أن يختلق له ذنبا ~~بعيدا كل البعد عما يتصل بأهله، فدبر له هذه الأخلوقة وسجنه. # وتحرك شاب هادئ مستكين في مكانه وقال مترددا: ولم لا يكون اعتقال الرجل صحيحا، وأنه كان ~~يكيد لعميد الجماعة حقا؟ فقال البلنسي: ما أظن. # وبينما هم في الحديث إذ دخل أحد أصدقائهم، وحين عرف ما يتمارون فيه صاح: على رسلكم ~~أيها الإخوان. لقد أخطأتم جميعا، وكل ما شاع عن اعتقال ابن زيدون كذب وهراء، فقد قابلت في ~~طريقي أبا القاسم ابن رفق، فسألته فأخبرني أن الخبر غير صحيح، وأنه من إشاعات قرطبة التي ~~تولد في اليوم ألف مرة وتموت ألف مرة، وبعد أن فارقته لمحت من بعيد شخصا يشبه ابن زيدون ~~على بغلته الشهباء وخلفه الخدم والعبيد. # فاضطرب القوم بين مصدق ومكذب، وكثر الحوار والجدال حتى ملئوا المكان ضجيجا. # وطار الخبر ليلا إلى دار عائشة بنت غالب فاستخفها السرور، ووقفت ترقص أمام مرآتها كأن ~~بها مسا من جنون. ولذة الانتقام لدى النفوس المريضة أقوى من لذة الخير والإحسان في نفوس ~~المحسنين. # وجلس ابن جهور وإلى جانبه ابنه أبو الوليد، فأخذ ينظر في وجوه وزرائه صامتا حزينا ينفخ ~~من الهم، ويتململ من هول الحادثة. لقد كان يعرف ابن زيدون طموحا، ويعرفه قلقا متوثبا ~~جريئا، ولكنه لم يكن يظن أن تطرحه المطامع هذا المطرح، وأن يصل به الأمر إلى إشعال فتنة ~~طائشة لن يكون لها إلا حطبا. لقد كان يقدر نبوغ ابن زيدون ويعلي مواهبه، وكان يرد كل ما ~~يرد إليه من وشايات به إلى حسد أنداده له وغيظهم من عجزهم عن الوصول إلى مرتبته، ولكنه علم ~~الآن والأسف يملأ جوانحه أنهم كانوا فيما يرمونه به غير مبطلين. والتفت إلى ابن عباس وقال: ~~ماذا ترى أن نفعل بهذا الرجل؟ ~~- أرى أن نبقيه في السجن حينا حتى تتحطم شوكته، وتنطفئ حدته، ثم ننفيه إلى الشمال، وقال ~~الوزير عبد العزيز بن حسن: الرأي يا سيدي أن نقتله ونستريح منه، وبذلك يحسم الداء، ~~وتستأصل ms084 شأفة الفتنة. أما بقاؤه في السجن فمدعاة إلى الخوف الدائم، وإغراء لمن لف لفه ~~وسلك مذهبه. وقد يتحين نصراؤه فرصة لفراره فيقتنصونها. # وأسرع ابن عبدوس فقال: هذا هو الرأي الحاسم الحازم، فإن السجن سيزيد ابن زيدون عنفا ~~وسخطا وإصرارا وحبا للانتقام، وهو لن يعدم وسيلة للفرار، وإذا فر فذلك هو الشر ~~المستطير ، فانتقل أبو الوليد عميد الجماعة إلى جانب ابن برد وهمس في أذنه كلمات. فوقف ابن ~~برد عابسا وهو يقول: مهلا أبا عامر. إن ابن زيدون ليس من الهوان على الدولة بحيث تستطيع أن ~~تمحو اسمه من سجل الحياة بكلمة هادئة راضية، والدولة التي تقتل أبناءها لزلة طائشة هي ~~الهرة المضطربة الغريرة التي تأكل صغارها، وهي في جنونها الوحشي لا تدري ما تفعل. إن ابن ~~زيدون قليل الأنداد والنظراء، وهو عمود هذه الدولة، وخير لنا إذا مال العمود أن نقومه حتى ~~يثبت ما عليه من بناء، ولعله دفع إلى ما قاله بالأمس دفعا ولم يكن فيما قال ~~صادقا. # ودخل الحاجب في هذه اللحظة يقول: إن امرأتين محجبتين بالباب تلحان في لقاء سيدي. فالتفت ~~ابن جهور إلى وزرائه كالمتعجب وهو يقول: من هاتان المرأتان؟ # فقال الحاجب: إنهما تقولان يا مولانا، إنهما جاءتا للنصح للدولة ودرء الخطر عنها. ~~- أي خطر ويحك تدرؤه النساء؟ لتدخلا. # وفتح الباب فحسرت المرأتان عن وجهيهما القناع، فإذا نائلة الدمشقية، وولادة بنت المستكفي. ~~فلما رآهما عميد الجماعة ظهر على وجهه الدهش وقال في عبوس: شر ما جاء بكما إلينا. # فقالت نائلة: شر وأي شر؛ إنك يا مولانا جمعت أشتات الفرقة بقرطبة، واستأصلت الفتنة، ~~وكنت في كل ما تأتي وتذر حكيما حازما فدعيت بحق أبا الحزم. ثم إنك لم تقبض على زمام الحكم ~~راغبا في جاه أو مال أو علو منزلة، فإن لك من كريم محتدك، وجلال أبوتك ما يغني عن الجاه ~~والمناصب، ولكنك رأيت ملكا يترنح، وعزا يريد أن ينقض، فوثبت لإغاثته كريما مخلصا ~~صبورا على اللأواء، واخترت من الرجال من تعتز بهم الدولة، وتفخر بهم الأمة، ms085 ولم تستخلصهم ~~لنفسك إلا بعد طول التجربة ودقة الاختبار، ولكنك يا سيدي تركت هؤلاء الوزراء المخلصين لك، ~~الدائبين على خدمتك عرضة للوشاة وغرضا للحساد، وزدت فساعدتهم عليهم بأذنيك، ومكنتهم منهم ~~بتصديق ما يأفكون. إن ابن زيدون يا سيدي الذي قبضت عليه بالأمس وألقيته في غيابة السجن جمال ~~دولتك، وسياج حوزتك، وسيفك الذي تدفع به الأعداء، ورأيك الذي تقارع به الآراء، ولو أنه كان ~~وزيرا بالمشرق لضربت به الأمثال، ولشدت إليه الرحال، ولكن الأندلس تدفن كنوزها، وتحطم ~~بأيديها سيوفها. ثم من هذا النذل الفسل الدنيء الذي دفعك إلى ما عملت؟ ألم تملأ قصائده فيك ~~أرجاء الأندلس؟ ألم يرحل في سفارتك إلى الأمراء فيرفع من قدر ملكك، ويشيد بسداد رأيك، ويملأ ~~قلوب الأمراء رعبا من قوتك، ألم يبذل لك النصح أمينا، والولاء مخلصا؟ عار وأي عار أن ~~يشيع بين الولايات أن أبا الحزم ابن جهور آخذ أعظم وزرائه وخير رجاله بسعاية كذاب أثيم - ~~عار وأي عار أن يكون حديث البيوت والمجالس والسوامر أن أبا الحزم بن جهور يؤذي أوفى الناس ~~له، ويقطع اليد التي لم تخلق إلا للذياد عن ملكه! # ثم سكتت قليلا بعد أن نال منها الجهد وانبرت ولادة تقول: إن ابن زيدون يا سيدي خطيبي ~~وشقيق نفسي، فإذا بدرت منه هفوة كما يزعم الزاعمون فخذني به لأننا روح في بدنين، وما يصدر ~~عنه فعني صدر، وما يتحرك لسانه به جهرا، فإنما هو حديث نفسي سرا. إنني يا مولاي بعد تقلص ~~ظل الخلافة عن أهلي وقومي، لم أحزن ولم أبتئس، لأني رأيت فيك خير من يقوم بأعبائها، ويرفع ~~من ألويتها. وعلم الله لو رأيت فيك نقصا، أو علمت ضعفا، لحملت راية الأموية، ولدعوت الناس ~~لمبايعة ابن المرتضى، ولأعدت الفتنة جذعة ماحقة تأكل الرطب واليابس، ولكنك يا مولاي جئت ~~فقومت المعوج، وأقمت المائل، ووطدت أركان الدولة، ورفعت ذكر قرطبة في الخافقين، ونشرت ~~العدل بين الرعية، فجزاك الله خير ما يجزي به عباده العاملين. ولن أكتمك يا مولاي أني لم ~~أعجب بابن زيدون، ms086 ولم أمنحه حبي وصداقتي، إلا لأنه من المخلصين في محبتك، المشيدين بفضلك، ~~المداحين لمناقبك. وأقسم أني لو علمت فيه شرا لكنت أول من يكشف لك أمره ويفضح لديك سره. ~~إنها سعاية يا مولاي، سعاية خبيثة من بعض المنافسين له والحاقدين عليه. # فتململ ابن جهور وقال: أية سعاية يا فتاة؟ إنني سمعته بأذني ! # ووقفت نائلة تقول: أين سمعته يا مولاي؟ ~~- بدار ابن المكري. ~~- ومن الذي حملك على الذهاب إليها؟ ~~- هذا سر الدولة يا نائلة. فغمغمت تقول بما لا يسمع: إنها عائشة بنت غالب. ويل للخائنة! ~~لقد سبقتني هذه المرة، وستكون الحرب بيني وبينها مشتعلة الأوار. ثم اتجهت إليه تقول: قد ~~يكون مما دفعه إلى القول بأن ابن المرتضى في داره شدة حبه لولادة حينما أدخل عليه أعداؤه ~~أنك قبضت عليها ووكلت إلى عبيدك تعذيبها. # فصرخت ولادة والدموع تتناثر من عينيها: أحضره يا سيدي واسأله عما قصد إليه من هذا ~~الاعتراف الكاذب، فلعل له حجة يدلي بها، وقد يكون مخطئا ولو أرشد إلى الحق لعاد إليه أقوى ~~تمسكا به، وأشد صلابة في النفخ دونه، إن الدولة يا سيدي أحوج إلى أمثال ابن زيدون من ~~الجيش والسلاح، وليس من الهين على كل قرطبي أن يراه ملقى في السجن دون أن يسأل عما فعل. ~~إنه ملك الأمة، فمن حق أبناء الأمة أن يسألوا عما يبيت لبطلهم من المكايد. # فصرخ ابن جهور قائلا: هذا تهديد يا فتاة! فقالت نائلة: إنه ليس بتهديد ولكنه الحق الصراح ~~الذي لا مواربة فيه. وهب ابن زيدون مخطئا، أليس في ساحة عفوك، ما يتسع للصفح عنه؟ وقديما ~~قال المتنبي: # ترفق أيها المولى عليهم # فإن الرفق بالجاني عتاب # ويقول: # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم # ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟ # ويقول الله عز شأنه لمن هو خير منك فيمن هم شر منه: # خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~. # وماذا صنع ابن زيدون؟ ادعى على نفسه كذبا أن ابن المرتضى في داره، ليصرف عن ولادة فيما ~~خيلوه له سوء عذابك وتنكيلك، ms087 ثم ثبت أن الرجل لم يكن بداره، وأنه لم يظهر له أثر بقرطبة ~~كلها. أيكون جزاؤه بعد ذلك أن يسجن وأن يطوق بالأغلال كما يفعل بالأشرار والمجرمين؟ ادعه ~~يا مولاي إليك، وخذه بالمعروف والموعظة الحسنة، فإنك واجد فيه بعد محنته ذهبا نضارا ~~أخلصته النار، وسيفا بتارا صقله الكفاح. ~~- لا يا نائلة إنه مسعر فتنة، ونذير شر، ولن تهدأ قرطبة وهو طليق ينفث سمومه. لقد كان ~~يمر بخاطري أن أقتله، ولكني سأكتفي الآن بسجنه. # فتقدمت ولادة إليه متوسلة تقول: انفه يا سيدي إلى أية مملكة من ممالك الأندلس وانفني معه ~~إن كنت لا تزال ملحا في إقصائه. ~~- لا يا سيدتي، إني لا آمن غوائله إلا إذا كان في قبضة يدي، وتحت سمعي وبصري، ويحسن ألا ~~نطيل الحديث في هذا الشأن فقد جلتما فيه بأكثر مما أحب. ثم قام من مجلسه فانصرفتا حزينتين ~~باكيتين. # دخل ابن زيدون السجن بائسا كاسف البال بعد أن طارت آماله، وتقطعت حباله، وبعد أن زلت ~~به القدم، وأخطأ سهمه الهدف. كان يبني له الخيال عزا كبيرا، ويصور له الطموح جاها ~~عريضا، ألم يكن من قبيلة بني مخزوم ذات الشرف الباذخ، والمحتد الراسخ، التي دخلت الأندلس ~~مع الفاتحين فملكت البلاد، ووطدت دعائم الإسلام؟ ألم تكن لأبيه غالب الرياسة والمنزلة ~~الرفيعة في القضاء والعلم والأدب؟ ثم يزفر طويلا وهو يقول: والآن ماذا أصنع؟ أو ماذا سيصنع ~~بي؟ إن ابن جهور إذا غضب كانت نار الجحيم بردا وسلاما، وإذا صمم نكب عن ذكر العواقب ~~جانبا، وبعد حين يرى نفسه وقد قبض على قلم أمامه فكتب: # قل للوزير وقد قطعت بمدحه # زمنا فكان السجن منه ثوابي # لا تخش في حقي بما أمضيته # من ذاك في، ولا توق عتابي # لم تخط في أمري الصواب موفقا # هذا جزاء الشاعر الكذاب! # ولكنه بعد أن يقرأ الأبيات يمزق الورقة ويصيح: هذا لن يكون، يجب أن أحتال لاتقاء شره، ~~ويجب أن أستعطفه وأستنجد بعفوه، ويجب أن أعتذر له بشعر ينسي الناس قصائد النابغة في ~~الاعتذار للنعمان ms088 بن المنذر. لن أيأس مادام في العمر فسحة، ولن أقنط من روح الله، ولن ~~أدع وسيلة للخروج من هذا المأزق إلا سلكتها. إن أمامي حياة وآمالا ومطامح، وإن البطل إذا ~~عثر انتعش، وإذا سقط وثب، ورب ضارة نافعة، ورب نقمة من ورائها نعمة! # هكذا كانت نفس أبي الوليد، وهكذا كان تشبثه بالحياة وتعلقه بالآمال، فأخذ يبعث في كل يوم ~~إلى ابن جهور بقصائد في الرجاء والاعتذار من عيون الشعر. بعث له مرة بقصيدة منها: # إيه أبا الحزم اهتبل منة # ألسنة الشكر عليها فصاح # لا طار بي حظ إلى غاية # إن لم أكن منك مريش الجناح # لم يثنني عن أمل ما جرى # قد يرقع الخرق وتؤسى الجراح! # وقاك ما تخشى من الدهر من # تعبت في تأمينه واستراح # وبعث مرة بأخرى منها: # من يسأل الناس عن حالي فشاهدها # محض العيان الذي يغني عن الخبر # لم تطو برد شبابي كبرة وأرى # برق المشيب اعتلى في عارض الشعر # قبل الثلاثين إذ عهد الصبا كثب # وللشبيبة غصن غير مهتصر # ها إنها لوعة في الصدر قادحة # نار الأسى ومشيبي طائر الشرر # لا يهنئ الشامت المرتاح خاطره # أنى معنى الأماني ضائع الخطر # هل الرياح بنجم الأرض عاصفة؟ # أو الكسوف لغير الشمس والقمر؟ # إن طال في السجن إيداعي فلا عجب # قد يودع الجفن حد الصارم الذكر # وإن يثبط أبا الحزم الرضا قدر # عن كشف ضري فلا عتب على القدر # ولكن ابن جهور لم يلق إلى شعر أبي الوليد سمعا، ولم يقبل له عذرا، ولم تعطفه عليه ~~عاطفة، وبقي ابن زيدون يسخط على الحياة، ويبكي الأمل الضائع، والرجاء الخائب. ولم يكن يفرج ~~عنه بعض همومه وأوجاله إلا زيارة نائلة وولادة، فإنهما لم تنقطعا عن زيارته يوما واحدا. ~~والحب والوفاء خلتان لم يخلقهما الله يوم خلق الأحزان والكوارث إلا لتخففا من شدتها ~~ويهدئا من عاصفتها. ومن الناس من يتحلى بقدرة عجيبة على استلال هم المهمومين، ولباقة ~~نادرة في الحديث إلى المحزونين بحيث لا يدعهم يشعرون أنه يقصد إلى تسليتهم، أو ms089 الترويح ~~عنهم، فإن مما يدعو إلى تمرد النفوس أن تشعر أن هناك حيلة تحاك لتغفلها وصرفها عما هي فيه. ~~وأكثر ما يبدو ذلك في الأطفال، فإن من أنجع وسائل الإيحاء إليهم بنصح أو إرشاد ألا يدور ~~بخلدهم أن ما يوجه إليهم إنما صنع قصدا للاحتيال لإرشادهم. # كانت نائلة تتحلى بهذه الصفة النادرة ، فلم يدر حديثها مع ابن زيدون على السجن والآمال ~~الضائعة، ولكنه كان حديثا لطيفا عذبا تتخلله الضحكات، وتمتزج به الفكاهات، كما لو كانت ~~تسامره في بهو دارها، والدنيا مقبلة، وثغر الزمان بسام، وكأن تلك الفواجع الجسام من قبض ~~واعتقال وتعذيب، قد خط عليها في سجل الماضي، كما خط في القرطاس سطر على سطر. ولكن ولادة ~~كانت من طابع آخر، كانت من الصنف الذي يعتقد أن الأحزان لا تنقشع إلا بالحديث فيها، وأن ~~الحزين إنما يخف حزنه إذا أكثر ألم الناس له وامتزجت دموعهم بدموعه. لم ترقأ لها عين، ولم ~~يهدأ لها وجيب قلب، وكانت كلما نظرت إلى حبيبها وهو في تلك الغرفة المظلمة المعفنة الهواء ~~في سرداب الجامع الكبير، زادت شجونها، وفاضت شئونها. # 2 # فسألت ابن زيدون: من الذي دعا ابن جهور إلى الذهاب إلى دار ابن المكري؟ فأجاب ~~في نبرة حزينة: لا أدري يا سيدتي، إلا أنه فجأنا بغتة فرأيناه في الدار من حيث لم نكن ~~نحتسب. # وأسرعت نائلة تقول: ما لنا وللحديث في هذا الآن يا ابنة الخليفة! يجب ألا ننظر إلى الخلف، ~~وأن نتجه دائما إلى الأمام، فكثيرا ما أضاع الناس حياتهم بالنظر إلى الماضي، والغفلة عن ~~الحاضر والمستقبل، وكم طارت منهم فرص لو رأوها وهي مقبلة عليهم لاقتنصوها. أنا أعرف كيف ~~دبرت الدسيسة، وكيف دعي ابن جهور إلى دار ابن المكري، وسأعرف كيف أنتقم من الدساسين. ~~دعينا بالله يا فتاة من الخوض في هذا الحديث، وقولي لأبي الوليد خبر العجوز ~~المراكشية. # فانفرجت شفتا ولادة عن ابتسامة حزينة، وقالت: إن أمر هذه المرأة كان عجبا من العجب، كنت ~~أجلس بالأمس أنا ونائلة في شرفة القصر، ms090 فسمعنا صياحا وضجيجا، فنظرنا فإذا عدد عظيم من ~~الصبيان يتبعون عجوزا تحمل فوق رأسها سفطا، # 3 # وتجر وراءها كلبا ومعزاة، وكانت ثياب العجوز ممزقة بالية، وكان وجهها يتكلم ~~بما هي فيه من فقر وجهد. وتملك الصبيان شيطان الشر، فأخذوا يقذفونها بالحجارة وهي تتقي ~~سهامهم بالانحراف عنها يمنة ويسرة، حتى إذا أحردوها لجأت إلى باب القصر فدخلته وأغلقت بابه، ~~ثم سقطت وراءه من الإعياء لا تكاد تتنفس، فأسرعت إليها جاريتي عتبة، وأخذت تسري عنها بعض ~~ما هي فيه وأحضرت لها طعاما وشرابا، فلما سكن ما بها، وأفرخ روعها، نزلنا لمعرفة أمرها ~~فأخبرتنا: أنها من مراكش، وأنها جاءت من إشبيلية ماشية حافية. ثم سألناها عن الكلب والمعزاة ~~فقالت: هذا أخي يجود علي بأمانته ووفائه، وهذه أختي تجود علي بلبنها وزبدها. ثم سألناها ~~عن مورد رزقها فقالت: إنني عرافة، وإنني ألمح في سطور الكف ما حجبه الماضي في موجاته، وما ~~يخبؤه المستقبل في طياته، وأقرأ ما في نفس سائلي كأنما أقرأ في كتاب مفتوح. ثم تناولت كفي ~~في خشونة وجفوة، فلما نظرت فيها صاحت: هذه كف عجيبة! هذا خط الملك يا سيدتي، ولكنه واحسرتاه ~~ينحرف نحو اليسار قليلا، فسبحان من لا يبيد ملكه! له الملك وله الأمر وهو على كل شيء قدير. ~~تاج هوى، وصولجان تحطم، ثم جذبتها إلى عينيها كأنها تريد أن تصوب النظر إلى خطوطها وقالت: ~~وهذا الخط خط الحب، ماذا به؟ إنه يتدارك ما فات من انحراف خط الملك، هو أعمق خط رأيته في ~~حياتي. حب يملك القلوب، ويخضع جامحات النفوس، ولكنه كان حائرا مضطربا مختلج العزيمة، كلما ~~جلس فوق عرش من القلوب قلق به الموضع، فطار يبتغي سواه، ولكنه استقر الآن، نعم إنه استقر في ~~قاعة مظلمة تحت مسجد كبير. إني أسمع شكوى، وأسمع أنينا في هذه القاعة المظلمة، وأرى فتى ~~كان يملأ الدنيا همة ونبوغا يحصره مكان ضيق ليس به إلا نافذة صغيرة في أعلاه. ثم بدا على ~~وجهها الدهش وصاحت: انظري يا سيدتي، إن النافذة تتسع، انظري ms091 بالله عليك إلى قضبانها، إنها ~~تتحطم وتطير في الهواء. ما هذا؟ لقد أصبحت النافذة بابا، والفتى الحزين يهم بالخروج من ~~الباب. ثم قهقهت وصاحت: لقد خرج إلى الهواء والنور! إنه طليق ينفض أثوابه كما يصفق الطائر ~~بجناحيه إذا هم بالطيران. إنه يضحك ويمزح، ويستقبل الحياة كأشهى ما تكون الحياة. سبحانك يا ~~رب! ما أقصر الزمن في هذه الدنيا بين الحزن والسرور! وما أوهى الحد بين الأفراح والأتراح؛ ~~ثم عادت إلى عبوسها وقالت: ولكن الحب شحيح ضنين، فهل يجمع في هذه المرة بين القلبين ويأسو ~~مرهمه الجرحين؟ ثم التفتت إلي وقالت: اضحكي يا سيدتي واستبشري واغتنمي فرصة الشباب فإن ~~الشباب لن يعود! # فتنهدت نائلة وقالت: أي والله إن الشباب لن يعود؛ ووددت لو كان بالسجن مرآة لترى في وجهها ~~منه بقية. وابتسم ابن زيدون لولادة وقال: لن يطول سجني يا فتاتي وستزيد مرارة الماضي في ~~حلاوة ما يقتبل من الأيام. # ويعود ابن زيدون بعد خروج حبيبتيه الوفيتين إلى أشجانه، ويتمرد على سجنه، وتثور نفسه، ~~ويتذكر أصدقاءه، ويرجو حسن شفاعتهم فيه، فيكتب إلى صديقه أبي الوليد ابن عميد الجماعة ~~متوسلا: # هل النداء الذي أعلنت مستمع # أم في المئات التي قدمت منتفع # قل للوزير الذي تأميله وزري # إن ضاق مضطرب، أو هال مطلع # أصخ لهمس عتاب تحته مقة # وكلف النفس منه فوق ما تسع # لا تستجز وضع قدري بعد رفعته # فالله لا يرفع القدر الذي تضع # ولكن أبا الوليد على حبه له ورغبته في فك أسره كان يهاب أن يخاطب أباه في شأنه، فذهبت ~~صيحة ابن زيدون في الهواء. # وفي صبيحة يوم يدخل عليه حارس السجن وبيده رسالة من نائلة، فيسرع إلى فضها ويقرأ فيها: # إذا ما الدهر جر على أناس # كلاكله أناخ ~~بآخرينا # فقل للشامتين بنا: أفيقوا # سيلقى الشامتون كما ~~لقينا # كادت لك عائشة بنت غالب فكدنا لها، وهي اليوم في طريقها إلى منفاها بقشتالة بعد ~~أن صادر ابن جهور كل ما تملكه من صامت وناطق، إني أرى تباشير الفرج، فاصبر ولا ms092 ~~تبتئس. # وما قرأ الرسالة حتى ابتسم للخبر، ثم أخذ يغمغم: # ليس الركون إلى الدنيا دليل حجا # فإنها دول أيامها متع # | الفصل التاسع # مرت شهور على سجن ابن زيدون لم تهدأ نائلة فيها لحظة، ولم تسكن ثورتها للانتقام منذ جال ~~في ظنها أول وهلة أن عائشة بنت غالب هي ناصبة الشرك، ومدبرة المكيدة، وازدادت يقينا حينما ~~أخبرها أبو حفص ابن برد بكل ما يتصل بالحادثة جملة وتفصيلا. كانت تقضي ساعات ذاهلة مفكرة، ~~ترسم الخطط، وتنصب الحبائل، وكلما رسمت خطة وظهر فيها جانب يضيع فيه الحزم، وينكشف السر ~~ألقت بها ضجرة يائسة، وكلما نصبت حبالة وبدا لها فيها فتوق تتسع لفرار الفيل طرحتها آسفة ~~على ذكائها، متهمة نبوغها. وهكذا كانت تقضي أيامها في غزل ونقض، وبناء وهدم، لا تستقر على ~~شيء، كأن دهاءها القديم فارقها، أو كأن علوها في السن أضعف مواهبها. لقد كان شيطانها أيام ~~الشباب حاضر البديهة، لا يعجزه شيء في باب الحيل والمكايد، فما باله الآن أصبح فدما سقيم ~~الرأي بليدا؟ كانت تأكل وهي تفكر، فيما تنكب به عائشة، وتنام وهي تفكر، وتحادث الناس وهي ~~تفكر، ولكنها بعد كل ذلك لم تصل إلى شيء يعجبها، أو يرضى عنه فنها. لقد أكدت العزم على أن ~~تنكب عائشة، وأن تذيقها نكال أمرها، ولكن من أي ناحية تهجم عليها؟ ومن أي ثغرة تثب على هذا ~~الحصن المنيع؟ إن بعض الناس يهمسون بأن لها ضلعا مع نصارى الشمال، ولكنها تكمن في درقة ~~من الحذر كما تكمن السلحفاة فلا يبدو منها إلا حب العرب، والإخلاص للعرب. من أين تصل إلى ~~هذه المرأة المبهمة الخفية؟ إن غريزتها وحاستها السادسة تؤكدان أن لها صلة بالأسبان ولكن ~~أين السبيل إلى إثبات شيء من ذلك؟ أين السبيل إلى فضح المستور، ونبش هذا القبر المزدحم ~~بالأسرار؟ فكرت طويلا، وقدرت كثيرا، ثم أفاقت من تفكيرها وتقديرها، وهي تصيح: أسبيوتو! ~~أسبيوتو! إنه مفتاح السر، ورقية هذا الحرز المدفون، لقد نبأتني غالية في كل مرة تزورني ~~فيها أنه يكثر من التردد على ms093 عائشة، فلا بد من معرفته، ولا بد من صداقته، ولا بد من اجتذابه ~~بالحيل الخفية حتى يقع في الشرك فتقع معه عائشة. ولكن كيف أصل إليه من غير أن يحوم بذهنه ظل ~~من شبهة؟ فإن هؤلاء الجواسيس أشد حذرا من الذئب الذي ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى ~~المنايا، فهو يقظان نائم. # لقد علمت من غالية أنه يتلقى الطب على ابن زهر، فلم لا تشكو ولادة وعكة خفيفة فتدعوه إلى ~~قصرها للعشاء وليصف لها دواء؟ وحينئذ أستطيع بما يفتح الله به علي أن أصل معه إلى ~~غاية. # ونهضت إلى قصر ولادة، وطلبت إليها أن تدعو ابن زهر في الغد للعشاء، وأن تتمارض وتشكو له ~~أية علة تمر بخاطرها. وعجبت ولادة، وحاولت أن تعرف السبب، ولكن نائلة غادرت القصر وهي تهمس ~~في أذنها: ستعلمين نبأه بعد حين. # وجاء ابن زهر للعشاء، وشكت إليه ولادة صداعا شديدا يلم بها كل صباح، فوصف لها دواء، ~~ثم سلك الحديث شعابا شتى، وجاء ذكر ابن زيدون وذكر حساده وما أوغروا به صدر ابن جهور عليه ~~حتى سجنه. فقال ابن زهر: إن سجن ابن زيدون نكبة لقرطبة، وكل ذنب الرجل، إن كان له ذنب، أنه ~~يريد أن يعيد مجد العرب وقوتهم، فقالت ولادة حزينة: هذا كلام قد يلقي بك في السجن غدا يا ~~سيدي. # وأسرعت نائلة لتغير مجرى الحديث فقالت: هل يلقي مولانا دروسا في الطب بجامعة ~~قرطبة؟ ~~- نعم يا سيدتي. وهذه الجامعة مفخرة الأندلس، فيها آلاف من الطلاب يحجون إليها من أقصى ~~بلاد الإفرنجة، ومن جميع أقطار المشرق، وتدرس بها جميع علوم الدين والعربية والأدب، إلى ~~جانب فلسفة اليونان والطب والفلك والأرتماطيقي والجغرافية والكيمياء والطبيعيات. ويغرم ~~أبناء الإفرنجة بالأدب العربي إغراما أفزع قساوستهم، حتى لقد أخبرني أحدهم، وهو يتحرق ~~غيظا، بأن طلاب الجامعة الأسبان أصبحوا يبغضون لغتهم الأسبانية، لشغفهم بالعربية وآدابها، ~~ولقد نسي كثير منهم لغته وأصبح لا يستسيغها، ولكنه إذا نظم شعرا عربيا أتى بالبديع ~~الرائع. # فأسرعت نائلة إلى غرضها وسألت: هل بين تلاميذك أسبان ms094 وافدون من الشمال؟ ~~- كثير يا سيدتي، وأكثرهم حريص على طلب العلم مشغوف بتفهم دقائقه. ~~- إني أشعر - ولا أعرف علة لهذا الشعور - بعطف على هؤلاء الطلبة، قد يكون لأنهم غرباء ~~مقصون عن أهلهم وذويهم، وقد يكون سببه الاعتزاز بأندلسيتي، وأن قرطبة أصبحت مشرق النور ~~والعرفان للعالم أجمع، وأن هؤلاء الطلاب جاءوا إلينا ملتمسين مستنجدين قبسا من هذا النور، ~~وقد يكون سببه معرفتي لغة الأسبان، فإن للغات صلات روحية تؤلف بين من ينطقون بها. ~~- ربما كانت هذه الأسباب مجتمعة منشأ هذا العطف النبيل يا سيدتي. ~~- سمعت من أبي إسحاق الطبيب أن بين طلابك شابا أسبانيا شديد الذكاء لا يحضرني الآن ~~اسمه، ثم قالت: عجيب أمر هذه الأسماء، تطوف بالذهن حين لا نريدها، وتستعصي إذا طلبناها. أنا ~~أعرف أن فيه سينا وباء، ولكن صورته تغيب عني، ثم أسرعت وقالت: لقد وجدته. أسبيوتو! أسبيوتو ~~يا سيدي! ~~- هو طالب ذكي حقا، ومجد حقا، ولكن يظهر أن شئونا في بلاده تلجئه إلى السفر مرتين أو ~~ثلاثا في أثناء العام. # فبدت لنائلة بارقة أمل في صدق ظنها، وأن هذا السفر لم يكن إلا لنقل رسائل عائشة إلى ملك ~~الأسبان، فهزت رأسها وقالت: لعله فقير يا سيدي، ولعل أهله لا يمدونه بالمال إلا إذا ذهب ~~إليهم، وأخذه اقتسارا. ~~- الظاهر من أمره أنه فقير حقيقة، ولكنه يخفي خصاصته بقناعته. ~~- هل يتفضل سيدي بإرساله إلى داري في مساء غد لعلي أستطيع أن أسد خلته؟ # 1 ~~- نعم وكرامة يا سيدتي. # والتفتت ولادة إلى نائلة كالمتسائلة عن سر كل هذا، ولكن نائلة لم تمهلها، فاستأذنت في ~~الخروج وغادرت القصر. # لزمت نائلة دارها في اليوم التالي وهي تفكر وتدبر، فأخذت صحيفة وكتبت فيها بالأسبانية ~~رسالة لملك الأسبان بها بعض أسرار مملكة قرطبة، ثم وضعت الصحيفة بين أوراق كتاب الأدوية ~~ليونس الحراني، ووضعت الكتاب بين الكتب في خزانة كتبها. حتى إذا جاء المساء دخلت جاريتها ~~نشوة تقول: إن شابا أسبانيا يطلب لقاء سيدتي. فأمرتها بإحضاره. # وكان أسبيوتو في نحو السابعة والعشرين، قصير القامة، نحيل ms095 الجسم تدل ملامح وجهه على الشر ~~والقسوة، وإن سترها بغشاء من الذلة والتواضع. دخل مطرقا لا تفارق عيناه الأرض، فإذا ~~تحدث رفعهما قليلا إلى محدثه ليطمئن إلى معارف وجهه. # حيته نائلة في حنان ورفق، ثم أمرته بالجلوس، وأخذت تحادثه بالأسبانية عن بلاده وأهله، ~~حتى إذا اطمأنت نفسه، وذهبت وحشته قالت: إن الطبيب ابن زهر يثني عليك خير ثناء، حتى لقد ~~أحببت أن أراك. والحق يا ولدي أن بين ما أحب شيئين أصبح القرطبيون يتندرون بهما هما: علم ~~الطب واللغة الأسبانية. ~~- أنت يا سيدتي تنطقين بالأسبانية كما ينطق بها أهلها. # فضحكت وقالت: لا تخدعني يا ولدي، فإن رطانتي بالأسبانية لا تقل عن رطانة الأسبان ~~بالعربية، ولكن الذي يؤلمني في الأمر أن بعض قصار العقول من رجال الدولة، يرمونني بحب ~~الأسبان لأنني أعرف لغتهم. وحب الأسبان أصبح جريمة لا تغتفر في هذا الزمن الأغبر المملوء ~~بالدسائس والفتن. إنني عربية النبعة، هكذا كان يقول لي أبي، ولكني لا أستبعد أن يكون في دمي ~~قطرات من وراثات أسبانية، أبوح بذلك للأصدقاء ليس غير يا أسبيوتو. إن الحال في قرطبة لا ~~تعجبني، أنا أريد حكما سمحا لطيفا لا يحس المحكوم فيه بسيف الحاكم يلمع فوق ~~رأسه. # فأصاب أسبيوتو شيء من الدهش لأنه سمع كلاما جريئا لم يألف سماعه في قرطبة، فقال: إن ~~العرب يا سيدتي من أصلح خلق الله لحكم الأمم، وإن من يقرأ القرآن ويتفهم ما سن من قوانين ~~لسياسة الحكم، وحسن معاملة الأمم المغلوبة، يملؤه العجب والإكبار معا. ~~- صحيح. ولكن من يعمل الآن بكتاب الله وما فيه من هدى ونور؟ أترى هذا التنابذ والتحاسد ~~بين أمراء الأندلس؟ إنه كارثة جائحة. ثم تبسمت وقالت متهكمة: وربما كنت لا أدري، ورب ~~ضارة نافعة. ثم وقفت أمام خزانة كتبها وقالت: تجد في هذه الخزانة كتبا كثيرة في الشعر ~~والأدب. # فوقف أسبيوتو ومد يده في حذر إلى رف كتب الطب، وقال: إن لديك كتبا كثيرة في الطب يا ~~سيدتي. ~~- أستطيع أن أعيرك بعضها. ~~- فأخرج كتابا لابن حسداي ms096 الطبيب اليهودي في أيام الناصر لدين الله، وقلب صفحاته، ورأى ~~إلى جانبه كتاب الأدوية ليونس الحراني فأسرع بيده وقال: هذا كتاب نادر يا سيدتي. ~~- إنه بخط مؤلفه. # وبينما هو يقلب صفحاته إذ سقطت الصحيفة التي كتبتها نائلة على الأرض، فانحنى ليأخذها، ~~فرأى في صدرها اسم ملك الأسبان فبهت وامتد بصره إلى السطور الأولى منها، ولمحته نائلة ~~فلبسها الغضب، وانقلبت نمرة شرسة ضارية، ومدت يديها إلى عنق أسبيوتو وهي تصيح في ذعر يشبه ~~الجنون: هل قرأت ما في الصحيفة؟ هل امتدت عينك إلى كلمة فيها؟ يا للنحس! ويا للشئوم! ويا ~~للداهية الدهياء! إن كلمة واحدة تخرج من هذه الصحيفة كفيلة بضرب عنقي. قل: هل قرأت منها ~~كلمة أو جملة؟ فذعر أسبيوتو وارتجف وقال وهو يتمتم. لم أقرأ منها إلا «إلى ملك الأسبان ~~العظيم» ثم سطرا بعد ذلك. # فهمت نائلة وأغلقت الباب، وقالت وعيناها تتقدان: أنت الآن تعرف سري، فيجب أن يموت ~~أحدنا، ولست أريد أن أموت. لن تخرج من هذا الدار حيا؛ وما كنت أود أن أقتل شابا أحب ~~قومه، ولكن ما حيلتي وتطفل الشاب ودسه أنفه في كل شيء هو الذي قضى على حياته! # فزاد رعب أسبيوتو وقال متعلثما مضطربا: هوني عليك يا سيدتي، فإنه لم يطلع على سرك إلا ~~جاسوس للأسبان. فتصنعت نائلة الدهشة والسرور وهمست: أنت جاسوس للأسبان؟! ~~- نعم يا سيدتي. وقد سرني أن أرى مثلك معنا. # فتنفست نائلة الصعداء شأن من تفتح له أمل بعد يأس، وأحس بأمن بعد خوف، وقالت: مع من ~~تعمل يا أسبيوتو؟ ~~- مع واحد أو اثنين، ولكني أعتقد أن الدنيا بخير، وأرجو ألا يمر زمن طويل حتى يدخل ملك ~~الأسبان قرطبة بجيوشه. حينئذ تكون الدولة دولتنا، وحينئذ ينال كل من بذل معونته وإخلاصه ~~أقصى ما يشاء من جاه ومال. ولكن خبريني أنت يا سيدتي: أتعرفين أحدا يعمل إلى ~~جانبنا؟ # فرأت نائلة أن تخترع له أسماء لا وجود لأعيانها، عله ينزلق إلى ذكر عائشة بنت غالب. ~~فترددت كالمتمنعة ثم قالت: أعرف عاتكة القوطية، ونزهة ms097 الغرناطية، وسلمى بنت حجاج. # فهز أسبيوتو رأسه ليدل على أنه لا يعرفهن وقال: أتعرفين عائشة بنت غالب؟ فقالت في هدوء: ~~أعرفها. فقال أسبيوتو في شيء من الزهو: إني أعمل معها. ~~- ما خطة عملكما؟ ~~- تكتب الرسائل وبها كثير من أخبار الدولة وأسرار الجيش والحصون، لأنها على اتصال وثيق ~~بالوزراء وكبار المملكة، فأمضي بها إلى الشمال وأضعها في يد ملك الأسبان. وسأسافر بعد يومين ~~لحمل رسالة جديدة. ~~- حسن جدا. وإذا تستطيع أن تأخذ رسالتي هذه معك بعد أن أهذبها وأزيد عليها ~~أخبارا. ~~- سأمر عليك يوم الثلاثاء في الصباح. ~~- عظيم. ولكن اسمع. يجب ألا تبوح بكلمة مما جرى اليوم لعائشة، ولا تذكر لها اسمي، لأن أول ~~قواعد الجاسوسية؛ التي نقضناها اليوم، أن يكتم الجاسوس سر نفسه حتى عن أمثاله ~~الحاطبين # 2 # في حبله. ~~- ثقي أني لا أفوه بكلمة لأحد، عمي يا سيدتي مساء. ~~- عم مساء يا أسبيوتو، وسنلتقي صباح الثلاثاء. # وما كاد يفارق الدار حتى كانت نائلة في قصر ابن جهور تقص عليه الأمر من أوله إلى آخره، ~~فدهش الرجل وهز إحدى كتفي نائلة بعنف وهو يقول غاضبا: ثقي يا نائلة أنني لست ممن تلعب بهم ~~النساء، فإن كان ما تقولين كذبا، فقولي إنه كذب أعفك من كل عقاب. ~~- إنه حق صريح يا مولاي، والذي أطلبه منك أن تبعث أعوانك إلى داري يوم الثلاثاء في غبش ~~الفجر، وأنا أعرف كيف أجد لهم مخبأ. # وجاء يوم الثلاثاء، وجاء أسبيوتو معه إلى دار نائلة، فقبض عليه الأعوان وعقلوه إلى قصر ~~ابن جهور، وفتشت ثيابه، فإذا هو يخفي الرسالة في جبة مبطنة، وأحضر العارفون بالأسبانية ~~فقرءوها وترجموها، ورأوا فيها إفشاء لسر الدولة، وحضا على غزوها، فغضب ابن جهور أشد ~~الغضب وصاح بالجنود أن يحضروا عائشة. فانطلقوا إلى دارها كأنهم زبانية الجحيم، فلما رأتهم ~~هلعت وطار صوابها، وحين قذفت بالتهمة جن جنونها، لأنها كانت تبالغ في الكتمان، وكانت ~~تخفي أسرارها عن كل إنسان، فمن هذا الشيطان المريد الذي استطاع أن ينفذ إلى حجب الغيب، وأن ~~يستل أسرارها ms098 المدفونة تحت أطباق الثرى؟ من هذا اللص الخفي الماهر الذي يسترق حديث النفوس، ~~ويسطو على خلجات القلوب؟ من يكون غير نائلة؟ إن ابن زيدون في سجنه منذ شهور، فهو ليس من أهل ~~الدنيا ولا من أهل الآخرة. ليس لي عدو إلا نائلة. عليها لعنة الله ولعنة الشيطان! # أنكرت كل شيء أمام ابن جهور، ثم رجت، ثم استعطفت، ثم بكت بكاء يقطع نياط القلوب، ولكن ~~ابن جهور كان صخرا صلدا شديدا قاسيا، فحكم بقتل أسبيوتو في ميدان الخلافة، وبأن تجلد ~~عائشة وتوسم بالنار في كتفها اليسرى، وتصادر أموالها، ثم تنفى إلى قشتالة. فجرها الأعوان من ~~مجلس الحكم، وهي تبكي وتصيح وتضرب الأرض بقدميها، حتى بح صوتها، وخذلتها قواها. ووكل ابن ~~جهور بها خمسة جنود ليصحبوها في سفرها. # وكانت نائلة على كثب من دار الجماعة تشرف على تنفيذ التدبير الذي أحكمت رسمه، كما يشرف ~~القائد على خطة هجومه، فلما علمت بالحكم على عائشة أسرعت فبعثت بالبشرى إلى ابن زيدون ~~وولادة، ثم أمرت حملة محفتها أن يتبعوا الجنود الموكلين بعائشة إلى مشارف المدينة، وهناك ~~مدت يدها لتوديعها، وقلبها يفيض شماتة، وعيناها تفيض بدموع الانتصار. فصاحت بها عائشة في ~~غيظ وتهديد: سنلتقي مرة أخرى يا نائلة! فقهقهت وهي تقول: نعم في الأفراح والسرور!! # | الفصل العاشر # بلغت عائشة مدينة «برغش» بقشتالة بعد جهد وعناء وأين، بلغتها يائسة محطمة، غليلة ~~الجسم والنفس: ذهبت أموالها، وانتزعت من عزها وجاهها كما ينتزع الظفر من اللحم، وفتحت ~~عينيها فرأت كل نعمة تنحل عنها كما تنحل ثلوج جبال نيفادا إذا لفحتها شمس الصيف، وشاهدت ~~كل أمل ينفر من حولها كما تنفر الطير وقد ألقيت بينها بحجر. # كانت الطريق وعرة، والبرد شديدا، والسير حقحقة، # 1 # والجنود جفاة، فمن أين لعائشة أن تحتمل إحدى هذه الكوارث، وقد نشأت في مهد ~~الترف، ودرجت في باحة النعيم، وعاشت في ظل ظليل من الغنى ورفاغة العيش؟ لقد كانت تستخشن ~~الحرير، ويؤلمها الفراش الوثير، وتجرح خديها خطرات النسيم، فكيف هي الآن وفراشها ~~الجندل، # 2 # وطعامها الحنظل، ms099 والعواصف الثلجية تتناوح فوق رأسها في الليل والنهار؟ كيف ~~تستطيع هذه الفتاة المترفة الناعمة أن تثبت لهذه النوازل، أو تصبر على هذه المكارة؟ إنها ~~كلما رأت السهول والسهوب والأكام والصخور، ورأت جسمها يهبط ويرتفع فوق سرج بغلتها كأنه ~~شكية لبن يمخضه ماخض، تذكرت ما حدثتها به أمها حينما خرجت مع جدها وجدتها من شنت ياقب ~~فرارا من وجه المنصور أبي عامر وما لاقى الركب البائس يوم ذاك من كوارث وويلات. # كانت تفكر في ماضيها وحاضرها، أما الماضي فكان يبكيها، وأما الحاضر فكان سوادا بهيما ~~ليس فيه بصيص من ضياء. كانت تفكر في ابن زيدون وكيف انتقمت لنفسها منه، وكانت تفكر في نائلة ~~وكيف تستطيع أن تنتقم لنفسها منها على بعد الشقة، وتنائي الديار. إنها صديقة ابن زيدون التي ~~سرقت رسائله من دارها، فلما حبس لم تجد إلا أن تصب الشبهة عليها، وأن تثأر منها، فاتخذت من ~~هذا الأسباني المفلوك الأبله شصا لاصطيادها. ثم ما هذا الصنم الأجوف الذي يسمونه بابن ~~جهور؟ إنه لم يستجب لبكائي، ولم تهزه عاطفة لأنوثتي. ويل لي! وويل من بلاهتي! فلكم أوصتني ~~أمي بأن أحذر، وأن أقدر لرجلي قبل كل خطوة موضعها، وهكذا فعلت، ولكني ألم أحسب حسابا لمن ~~يقرءون ما في الصدور. لقد عرف الأشقياء أنني حليفة الأسبان عدوة العرب! وماذا أفعل في ضغن ~~ورثته من أهلي وبغض امتصصته من ثدي أمي؟ إنني أسبانية الدم والأرومة، وإن للوراثة سلطانا ~~يسخر من وسائل التهذيب، ويهرأ بالبيئة وما يزعمون لها من سيطرة في تنشئة الأخلاق. إن ~~للوراثة ينبوعا لا بد أن ينبثق وإن غطته طبقات السنين وحجبه تعاقب الأجيال. لقد كان جدي ~~يبغض العرب وإن أخفى بغضه تحت ستار من المكر والدهاء، وقد يكون من سلالة ذاقت ويلات الذل ~~من حاكم عربي عنيف، ملأ صدورها حقدا، فتسربت من هذا الحقد رواسب إلى أعقابها. ولكني لن ~~أطيق الحياة بين أهل الشمال، إن هؤلاء العرب يعرفون كيف يعيشون وكيف ينعمون بملاذ العيش ~~ومتعه، أما أولئك فغلاظ جفاة أميون، لم ms100 تهذبهم حضارة ولم يصقلهم أدب ولا تأديب. كيف أعيش ~~بين هؤلاء بعد زهو قرطبة، وتلألؤ ندواتها، ورنين ضحكاتها، وقهقهة كاساتها وتغريد عيدانها، ~~وازدحامها برجال الشعر والأدب والفنون؟ لقد خلفت ورائي مدينة صبغ السرور ليلها صباحا، ~~وجعل أيامها السعيدة أفراحا، مدينة لا تنام إذا نامت الكواكب، ولا يكدر صفو شرابها ذكر ~~العواقب. مدينة كأنها قطعة من الفردوس، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ثم تنهدت ~~وانهمرت الدموع من عينيها، ولكنها أماطتها عن خديها في كبر وغضب وهي تقول: إن ابنة جارسيا ~~لا تبكي للخطوب! # نزلت عائشة «برغش» وقد أرخى الليل سدوله، وشمل المدينة برد قارس عضوض، كادت تجمد له أنات ~~البائسين. وكانت برغش فوق شرف عال بعثرت فوقه الأكواخ في أزقة ملتوية، تكدست بها الأقذار ~~والأوحال، وأرسل كل كوخ من خصاصه # 3 # ضوءا خافتا مضطربا، كأنه فواق المحتضر. ولم يرتفع بين أبنية المدينة إلا ~~بناءان: أحدهما في الوسط، وهو قصر ملك قشتالة، وحوله منازل الجند ورجال الدولة، والثاني دير ~~سنت بدو للراهبات. # وقفت عائشة حزينة باكية في هذا الظلام الدامس، حيرى لا تدري أين تقضي ليلتها. إنها لا ~~تستطيع أن تزور الملك في قصره بعد أن مضى الهزيع الأول من الليل، ولا تستطيع أن تنزل في ~~خان، لأن بؤسها ورثاثة أثمالها يغلقان في وجهها كل باب. وبعد تفكير مضطرب رأت أن تقصد إلى ~~الدير، وكان منها على كثب، فطرقت بابه وجلة مترددة، وفتحت لها راهبة عجوز عابسة الوجه ساخطة ~~على الحياة، متمردة على التبتل، فلقد ظنت في ضحا شبابها أن في البعد عن الناس سلامة وطهرا، ~~ولكنها رأت في أصيل العمر أن الحياة لا تكون إلا بين الناس، وأن الطهر وعلاج النفوس لا ~~يكونان إلا حيث تكون الفتن ونزغات الشياطين تجهمت الراهبة «شيمانة» لعائشة وقالت في صوت ~~خشن أجش: ضحية جديدة للشيطان؟ # فأجابت عائشة بصوت متردد حزين: لا يا أختي، إنها فتاة بائسة لا تجد في هذه الليلة القاسية ~~مأوى ولا طعاما. وهي لا تريد إلا كنا وحسوة من حساء، وستغادر ms101 الدير في أول شعاع ~~للصباح، فهل تجد فيه ما يمسك به رمقها؟ ~~- أما المأوى فهين ميسور، وأما الطعام فلن تجدي منه الليلة إلا لقيمات. ادخلي. # ودخلت عائشة، وقضت ليلتها نهبا للأحزان والبرد والجوع، حتى إذا صاحت الديكة التفت ~~بإزارها وودعت صاحبة الدير وخرجت قاصدة قصر الملك. فلما اقتربت منه أسرع خدم القصر ~~يذودونها عنه، لولا أن همست في أذن كبيرهم بأنها تحمل إلى الملك رسالة من قرطبة، وما كان ~~إلا ذهاب وجيئة، وانتظار وترقب حتى كانت في حضرة ملك الإفرنجة، فرأت فيه رجلا كهلا أسمر ~~اللون ضخم الجثة، أميل إلى الطول، جالسا على وسادة عالية، مكشوف الرأس أصلع، لم يغلب عليه ~~الشيب بعد، وكان عليه ثياب من ثياب المسلمين. تقدمت منه عائشة فقبلت يده، ثم غلبها ~~البكاء أو اصطنعته وصاحت: انتقم لي يا سيدي من ابن جهور ومن جماعة المسلمين، فابتسم الملك ~~وكان داهية في الرجال، وقال وهو لا يحول عنها نظراته النافذة المخيفة: خففي عن نفسك يا ~~فتاة، وانفضي إلي جلية الخبر. ثم من أنت أولا فإني لا أحب أن أخاطب مجهولا؟ ~~- أنا يا سيدي عائشة بنت غالب، فشده الملك واتسعت حدقتاه وصاح: صديقتنا عائشة العاملة ~~المخلصة لنصرة الأسبان؟! فكشفت عائشة عن كتفها اليسرى لتظهر أثر الوسم بالنار وقالت: وهذا ~~يا سيدي عاقبة إخلاصي في خدمتك، وبلائي في نصرتك. # فوقف الملك بعد أن كان جالسا وقال في غضب مضطرم: من فعل هذا؟ ~~- ابن جهور بعد أن صادرأموالي، وطردني من قرطبة بلد آبائي. فأطرق برأسه كالمفكر وقال: هل ~~أصابك كل هذا لأجلي؟ ~~- لأجلك يا مولاي، ولأجل الغاية التي نسعى إليها معا. ~~- ومن الذي وشى بك؟ ~~- امرأة تنازعني في رجل. ~~- آه. كان عليك يا فتاتي أن تعرفي أن الجاسوس لا قلب له، وأنه إذا أحب فسد عليه كل أمره، ~~ولكنا نتعلم من هفواتنا. والآن لا عتب عليك ولا تثريب، فالأيام كفيلة بأن ننتقم لك، والضعيف ~~الذي يدرج إلى القوة أقوى من القوى الذي يتدلى إلى الضعف. لقد تغلب علينا العرب بقوة ms102 ~~كانت فوق قوتنا، وإيمان كان أعظم من إيماننا، ومدنية لم يكن لنا منها قليل أو كثير، ولكن ~~جذوة خامدة بقيت في صدورنا، فطفقنا ننفخ فيها حتى تقطعت أنفاسنا، غير أنها تأججت في ~~النهاية وأصبحت نارا صاخبة اللهب فوارة السعير، يخافها العرب، ويصم آذانهم حسيسها. ولن ~~ننام عن ثأرنا يا بنية، ولكن الأمور تعالج بالصبر والدهاء، حتى يسكت قرع النواقيس أصوات ~~الأذان. أتدرين ما كان من أول أمرنا يا فتاة؟ كان بجليقة قس قوي الشكيمة شديد المراس، يسمى ~~«بلاي» رأى قومه وهم يفرون أمام الفاتحين، فامتلأ قلبه غيظا، وصاح بينهم يذكي عزائمهم، ~~ويثير هممهم لطلب الثأر، والاستماتة في الذود عن بلادهم، ولكن سيل العرب كان جارفا، فتحصن ~~مع نفر من قومه في قنة صخرة، فمات أكثرهم جوعا، ولم يبق منهم إلا ثلاثون رجلا وعشر ~~نسوة، ولم يكن لهم من طعام إلا ما يشتارونه من عسل النحل. وبقي هؤلاء الأبطال ممتنعين ~~بالصخرة، وقد أعيا العرب أمرهم حتى يئسوا في النهاية من الوصول إليهم، وقالوا: ثلاثون رجلا ~~ما عسى أن يجيء منهم؟ ولكن هؤلاء الثلاثين ما زالوا يتكاثرون ويقوون ويغيرون على أطراف ~~ممالك العرب، حتى أصبحوا الآن كما ترين، وأصبحت دولتهم عزيزة الجانب، يهابها الملوك ويتقرب ~~إليها الأمراء. صبرا يا بنيتي، فإن الخمر والنساء والتبذل في الشهوات وتفرق الكلمة، كفيلة ~~بأن تذهب بشوكتهم. ربما لا ندرك هذا في أيامنا، ولكن من تحقق من وقوع الشيء فقد رآه. # وهنا قالت عائشة: والآن يا سيدي ألا تريد أن تثأر لي منهم؟ ~~- لا يا عائشة. ~~- يجمل بسيدي أن يدعوني «روزالي» فقد ألقيت باسم عائشة من ورائي منذ غادرت قرطبة. ~~- روزالي؟ أصبح اسمك الآن روزالي؟ ~~- نعم يا سيدي. ~~- حسن، اطمئني يا روزالي، أقيمي بيننا الآن حتى تسكت العاطفة، وسآمر لك بدار تنزلين بها، ~~وأجري عليك من المال ما يكفل لك حياة رغدة. # وأقامت عائشة أو روزالي ببرغش شهورا في سعة من العيش والجاه، وتوثقت صلتها بالملك، وظفرت ~~منه بالرعاية والثقة. وفي صبيحة يوم دخلت عليه فصاح بها ms103 قبل أن تجاوز باب البهو: كنت سأبعث ~~في طلبك يا روزالي. أقبلي بعد أن تغلقي الباب، فإن حديثنا يجب ألا يطرق أذن ثالث. # فسعت إليه بخطوات خافتة كأنها تخشى أن يكون في صوت أقدامها إذاعة لهذا السر الخطير وقالت ~~في همس: أجد جديد يا سيدي؟ ~~- لا يا روزالي ولكن رسولا طرق القصر عند منتصف الليل قادما من قرطبة. ~~- أثار القرطبيون على ابن جهور؟ ~~- لا، فإن ابن جهور أدهى من أن يدع الزمام يفلت من يديه، وهو يعرف متى يرخيه، ومتى ~~يجذبه، ولكن الرجل تدب إليه الآن شيخوخة تسرع به إلى القبر، وما أظن أن الأمر يستقيم ~~لأولاده من بعده. ثم زفر وقال: ولكننا نسبق الأيام، ولن يتم أمرنا بهذه العجلة، ومن يسبق ~~إلى الطعام في قدرة تحترق يداه. جاء الرسول بالأمس من قبل راميرز بن بترو. ~~- صاحب أكبر حانة بقرطبة. ~~- نعم، وهو زعيم جواسيسنا هناك بعد أن مات أبوه. ~~- إنه يعيش مع العرب كأنه واحد منهم، ويلتهب غيرة على الإسلام وتعصبا للمسلمين. ~~- وهذا سر نجاحه يا بنية. ~~- ما يحمل الرسول يا سيدي من أخبار؟ # يقول إن ابن عباد بإشبيلية، يفكر في الإغارة على قرطبة واستخلاصها من يد ابن جهور، وأنه ~~بعث إلى راميرز رسولا يرجو ويلح عليه في أن يحملني على محالفته ومعاونته بجنودي، لقاء إتاوة ~~دائمة يبعث إلي بها في كل عام. ~~- وماذا يرى سيدي؟ ~~- أرى أن ابن عباد أسد رابض، وأن ابن جهور ثعلب ماكر، وأننا لو أعنا ابن عباد لم يكتف ~~بقرطبة، وسمت نفسه الطموح إلى جمع الولايات العربية تحت رايته، وبذلك يضطرب الميزان، وينهار ~~كل ما بنيناه. أما ابن جهور فرجل حذر شديد المراس حول قلب، يأخذ ولا يعطي، ويتقبل العون ~~على ألا يدفع له ثمنا. ~~- حقا إن الأمر لمعضل. ~~- لا يا روزالي إن كل معضل يهون بالتفكير والصبر وحسن التأني. ~~- وهل فكرت في الأمر يا مولاي؟ ~~- فكرت فيه طويلا، ذلك أن ابن المرتضى الأموي الذي نفاه ابن جهور إلى شرقي الأندلس منذ ~~شهور، عاد ثانية ms104 إلى قرطبة مختفيا، وأنصاره يبثون له الدعوة في الخفاء، والقرطبيون ~~يتلهفون شوقا إلى عهود الخلافة الأموية. فوثبت عائشة قائلة: أتريد يا سيدي أن تجلسه على ~~عرش قرطبة؟ ~~- ولم لا؟ إنه رجل هادئ النفس لين القيادة، فإذا ناصرناه كان حليفا لنا، ويدا على ~~أعدائنا. ~~- وماذا تريد مني أن أفعل؟ ~~- الحق أني لم أرد أن أزعجك، ولكني رأيت أن راميرز لا يستطيع أن يقوم بما أريد. ~~- أتريدني على أن أعود إلى قرطبة؟ إنني لو عدت يا مولاي لقطعوني إربا إربا. ~~- لا، أنت تحسنين التنكر، وستقيمين بدار راميرز ثم مد يده إلى خزانة بجانبه، وأخرج منها ~~رسالة، وأخذ يتابع حديثه ويقول: الذي أريده أن تذهبي بهذه الرسالة إلى ابن المرتضى، وهو ~~مختف في دار بأحد أرباض قرطبة يدعى «بربض البرج» وراميرز يعرف مكان الدار، وأترك لك يا ~~روزالي اجتذابه، فإن لحديثك سحرا لا تنفع فيه الرقى. # فكتمت عائشة ابتسامة وقالت: وماذا كتبت له في الرسالة يا سيدي، إذا ساغ لي أن ~~أسأل؟ ~~- ذكرته بمجد آبائه، وأوغرت صدره على ابن جهور، وعرضت عليه معونتي، وأني لا أطلب من ~~ورائها إلا نصرة الحق على الظلم الصراح، ولكني اشترطت قبل أن أبعث جيوشي لنصرته، أن يرسل ~~إلي رسالة يطلب مني فيها المعونة. ~~- إنها صك الاستعباد يكتبه بيده! ~~- لقد فهمت يا روزالي، لو كان لبعض رجالي بعض ذكائك لنمت هادئ البال. ثم وقف مادا يده ~~بالرسالة إليها وقال: اذهبي الآن فقد أمرت بأن يعد كل شيء لسفرك، ولن أوصيك بشدة الحذر، ~~فقبلت يديه وانصرفت. # كانت عائشة قد ألفت حياة الترف والنعيم ببرغش، واستمرأت ما غمرها به ملك الإفرنجة من صنوف ~~البر، وما أحاطها به من العطف، حتى أصبحت بالمكان المرموق والخطر المرموق، وحتى بلغت في ~~الدولة من الجاه والكلمة المطاعة والدالة على الرؤساء ما تتوق إليه نفس كل متوثب طموح. ~~نسيت عائشة في ظل هذا النعيم ما لاقت في ماضيها القريب من ذل ومهانة ونفي وتشريد. نسيت ~~خروجها من قرطبة وحيدة منبوذة تعصف بها الرياح، وتتقاذف بها ms105 الطرق في قسوة وجفاء كأنها لعنة ~~من السماء. نسيت ليلة الدير الذي بني للرحمة وأقيم للإحسان فلم تجد فيه رحمة ولا إحسانا. ~~نسيت عائشة كل هذا، ولكنها لم تنس أمرين حفرا في دماغها وأثرين لا يعفي عليهما النسيان هما: ~~ابن زيدون وابن جهور أو ابن جهور وابن زيدون، فإنها لا تستطيع أن تعقد بينهما ترتيبا، فهما ~~عندها سواء فيما تثور به نفسها من كراهية وحقد ورغبة في الانتقام. ابن زيدون يجب أن يخضع ~~لها خضوع العبد، وأن يتزوجها وأنفه راغم، وأن يهجر ولادة تلك المرأة اللعوب التي تخدع الناس ~~برشاقة مصنوعة، وغرام بالأدب زائف، ونسب إلى الخلفاء حينما هزلت أنساب الخلفاء. وابن جهور ~~الرجل المرائي الماكر، الذي وثب إلى الحكم، برغم أنه لا يحب الحكم، وأنه يتعفف عن الرياسة. ~~ذلك الرجل الذي جلدها ووصمها بميسم العار ونفاها من الأرض، كأن دولته الزائلة لم يكن بها من ~~أسباب الاختلال إلا أن تكاتب ملك الإفرنجة امرأة مثلها لا حول لها ولا قوة! # لم تنس عائشة هذين. وحينما رأت أن الفرصة مواتية للانتقام، حركت الحية رأسها، ولمعت ~~عيناها بشر ولم يكن إلا أثرا لما يضطرم به فؤادها، وهمست تحدث نفسها: غدا يعلم ابن جهور ~~أن النار التي أوقدت لوصمي بالعار ستجتاح دولته. وغدا يعلم ابن زيدون أن اليد التي امتدت ~~إليه ضارعة مستعطفة ستنقلب عاصفة تهوي به إلى الجحيم، إلا إذا آثر السلامة وألقى ~~الخطام # 4 # خاضعا ذليلا. # | الفصل الحادي عشر # لم يكن الصبح قد تبسم حينما أخذت عائشة تستعد لسفرها الطويل. هل يبتسم الصبح حقا؟ إن ~~كان كذلك فهو إنما يبتسم لغرور الإنسان وجهله وافتنانه في الكيد لأخيه الإنسان. إنه يبتسم ~~سخرية من هؤلاء الذين إذا هبوا من نومهم، لم يفكروا في جمال النهار المشرق، والزهر ~~الضاحك، والطير المغرد، والنسيم الذي يعبث بالغصون، ولم يصرفوا لحظة في الاستمتاع بما وهب ~~الله لهم من نعم، وما أجزل من خيرات حسان. الموسيقى عندهم صخب ونقيق، والجمال طلاء كاذب لا ~~يدوم، والفضيلة أسطورة كتبها فلاسفة ms106 لا يفهمون. يهبون من نومهم في الصباح على غل لازم ~~وسادتهم، وحقد اختلطت به أحلامهم، وتدبير شيطاني تفتحت عنه قرائحهم بعد طول الكد وبعد ~~التفكير. إن للحيوان الأعجم سلاحا يذود به عن نفسه، ويحافظ على بقائه، فله مرة ناب، ومرة ~~حمة، ومرة فنون في الفرار، ومرة درقة تحميه الغوائل. وهو لا يلجأ إلى هذا السلاح إلا ~~مدافعا أو جائعا. أما الكثير من بني الإنسان فقد اتخذوا من ذكائهم سلاحا هو أوحى سما ~~من لعاب الأفعى، وأمضى فتكا من ناب الليث، وقد جردوا هذا السلاح، وافتنوا فيه، ووثبوا ~~به على الناس والحيوان جميعا في حمق وجنون، لا يريدون إلا شفاء شهوة تغلي في الصدور. هؤلاء ~~يقولون: إن الحلم للذلة إذعان، وإن الرحمة خور في العزيمة، وإن التسامح جبن وخذلان، ويزعمون ~~أن الكذب دهاء وكياسة، وأن الخدع مهارة وسياسة وأن في نصب الحبائل ذكاء وعبقرية، وفي بث ~~الفتن حذقا ولقانة، وقد يخدعون أنفسهم، أو تخدعهم أنفسهم بأنهم بذلك إنما يذودون عنهم ~~الشر، والشر بالشر يدفع، أو ينالون حقهم، ولا ينال الحق إلا بشيء من الباطل، أو يزاحمون ~~في سباق الحياة، فيصرعون من يقفون في وجوههم، فهم من أجل ذلك دائما بين صارع ومصروع، وسالب ~~ومسلوب، وحاسد ومحسود، وباك وشامت. لهذا يسخر الصبح منهم، ولهذا تسخر الطبيعة الفاتنة منهم، ~~ولهذا صاح المعري الفيلسوف الساخط يقول: # عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # ولهذا قال المتنبي قبله: # ومن عرف الأيام معرفتي بها # وبالناس، روى رمحه غير راحم # أتمت عائشة عدتها للسفر، وكان ينتظرها لدى الباب ثلاثة فرسان أشداء، وستة من جياد الخيل ~~فحيت الجند، وامتطت فرسا وردا # 1 # كأنه قطعة من الشفق، طغى به نشاطه فسخر من الرياح، وكاد يسبق الظلال وطار الركب ~~إلى طيتهم في غبش الفجر كأنهم القضاء المحتوم، فذعرت منهم الآكام، وثار من خلفهم الغبار ~~ركاما فوق ركام، وما زالوا يصعدون نجادا، وينزلون وهادا، إلى أن أدركهم الليل، فأقاموا ~~لعائشة خيمة وربضوا حولها يتوسدون أسلحتهم في حذر واحتراس، ms107 كأنهم يقظى وهم نيام. وهكذا ~~توالت الأيام، وتعاقب نور وظلام، حتى بلغوا مشارف قرطبة في أصيل يوم صائف، فنزلت عائشة عن ~~جوادها، وأمرت أن تنصب لها الخيمة، فما لبثت بها طويلا حتى ظهرت في زي غريب دهش له الجند، ~~حتى إن أحدهم دخل الخيمة ليبحث عن السيدة التي كانت معهم منذ حين. # ظهرت عائشة في زي امرأة ريفية تحمل فوق رأسها جرة قديمة طال عليها الزمان، فلما رأت ما ~~بدا على وجوه الجند من حيرة ابتسمت وقالت: هكذا يجب أن يتنكر من يخاطر بحياته في مدينة ~~الأعداء. أترونني أحسنت التخفي حقا؟ # فصاح كبيرهم وكان داهية في الملق: لقد كدت يا مولاتي أجرد سيفي وأسألك عما صنعت بسيدتنا. ~~فهزت عائشة رأسها في حزن وقالت: لا، إنني لن أموت بسيف أسباني. ~~- كلنا فداؤك يا سيدتي! ~~- باركتكم العذراء؛ عودوا الآن إلى قشتالة واتركوني، فإني سأخوض حربا لا تعرفونها، ولي ~~من الحيل سلاح تكل دونه أسلحتكم. إننا جميعا جنود لنصرة راية الأسبان واستعادة ما كان لها ~~من ملك وسلطان، ولكن أسلحتنا تختلف، وقد ينال بالدهاء ما لا ينال بالسيف البتار. إنني أيها ~~الأبطال من جنود الطليعة الذين يمهدون لكم الطريق، ويثبطون العزائم، ويبثون الفتن، فإذا ~~جئتم بعدنا فحسبكم جولة صادقة لتكون البلاد تحت أقدامكم. اذهبوا وسوف نلتقي جميعا في قرطبة ~~لنصلي صلاة الظفر والانتصار. # ثم انطلقت نحو المدينة في مشية متعثرة مكدودة، شأن القرويات اللائي آلمهن طول المشي ~~ووعورة الطريق. # دخلت عائشة قرطبة تحمل جرتها، وما كادت تبلغ «حي المضرية» حتى رأت هرجا وسمعت صياحا، ~~وشاهدت الناس يتسابقون نحو ميدان الفتح، كأن حادثا جللا هالهم، أو مشهدا رائعا اجتذبهم، ~~فاقتربت من شيخ أثقلته السنون، يتزيا بزي العلماء، ويرتسم على وجهه التزمت والعبوس، ~~وسألته في لهجة ريفية ساذجة: ماذا حدث يا مولانا؟ # فهز الشيخ رأسه في حزن الساخط على الحياة وقال: نحن يا ابنتي في اضطراب لا ينتهي، وفتن لا ~~تخمد نارها، ففي كل يوم ثائر، وفي كل يوم جاسوس، وفي كل يوم لصوص يغيرون، ms108 أما المنكر ~~والافتنان في العبث والمجون فقد جاوز الحد، وتحدى ملائكة السماء. ويل لقرطبة من بنيها! ثم ~~ويل لها من أعدائها! إن هذا من غضب الله على الناس. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد. # فتنهدت عائشة وقالت: الإسلام بخير يا مولانا. ~~- الإسلام بخير يا فتاة، ولكن أهله ليسوا بخير. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم. ~~- ولكن ما أسباب هذا الفزع وهذه الضجة يا مولانا؟ ~~- هذا ابن المرتضى يا بنية، وهو بقية من ولد الناصر، عاد إلى قرطبة مستخفيا، والتفت حوله ~~دعاة وأشياع يمهدون له سبيل الخلافة، فعقد ناصيته بالثريا، وأصبح من طماح همته في جهد، وقد ~~اهتدى إلى مكانه جواسيس ابن جهور، فانقض عليه صاحب المدينة بجنده وأعوانه في داره بربض ~~البرج، وهو الآن يقاد إلى عميد الجماعة بالسلاسل، أو يقاد إلى الموت بالسلاسل، فكلاهما عندي ~~وعنده سواء. # ذهلت عائشة لهول الخبر حتى لكأن صاعقة انقضت عليها، أو كأن عاصفة اجترفتها وتركتها معلقة ~~بين الأرض والسماء. وقفت ولم تدر أين وقفت. واضطربت ميزانها فسقطت الجرة وتناثر ما بها من ~~ماء فأفاقت من غشيتها، ونظر إليها الشيخ في عجب وقال مترفقا: ماذا أصابك يا فتاة؟ ~~- آلمني يا سيدي ما نحن فيه دائما من شغب وانقسام. ~~- إن قرطبة لا ترضى عن حاكم ولا يرضى حاكم عنها، وهذا أصل الشر ومنبت البلاء، وإني لا ~~أخشى على المسلمين من عدو مفاجئ بقدر خشيتي عليهم من أنفسهم. اذهبي إلى قريتك يا فتاة، ~~وعيشي آمنة في سربك، فلن تري في هذه المدينة إلا صراعا وخصاما. # غادرته عائشة وهي حزينة مختبلة، تصور مشيتها ما في نفسها من قلق، وما في عقلها من وساوس ~~وهموم، وكانت تهز رأسها واجمة وتقول: هذا أول بيت في القصيدة، كله رثاء وعويل وبكاء. هذه ~~أول خطوة أمد بها رجلي في سبيل الانتقام من أعدائي، ليس فيها إلا تعثر وسقوط. ألهذا قضيت ~~شهرا كاملا في الوصول إلى قرطبة أعاني عذاب السفر وأكابد قسوة ms109 الطريق؟ اليوم تلتقي كفا ابن ~~جهور بعنق ابن المرتضى، وينتهي الأمر، ويفسد التدبير كله، ويبقى عدوي على عرشه عظيما ~~مملكا رغم أنفي وأنف ملك قشتالة. يا للخذلان! ويا للخيبة! كأنما القدر انتظر بابن ~~المرتضى، حتى إذا فكرنا في اتخاذه أحبولة اختطفه من أيدينا ليتركنا ساهمين حائرين. لقد كانت ~~الخطة محكمة، وكان التدبير سليما، وكانت الغاية محققة، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يلمح ما ~~وراء الغيب؟ ومن الذي في يده أن يكف يد القدر؟ ثم ابتسمت ابتسامة المفجوع وقالت: القدر؟ هذه ~~تكأة العاجزين. أفيقي يا عائشة، إن اللوذعي # 2 # إذا لم يستطع أن يوقف القدر، فإنه يستطيع أن يتخيل مجرى القدر، وأن يعد لكل شيء ~~عدته. # ثم أخذت سمتها نحو دار راميرز، فأنكرها أول ما رآها، فلما عرفته بنفسها، وثب نحوها ~~يعانقها في محبة وشوق ويقول في صوت خافت: ~~- كيف جازفت بنفسك يا سيدتي عائشة؟ ~~- اسمي روزالي. ~~- روزالي؟ مرحبا بروزالي، وهناء لدولة الأسبان بأمثالها. كيف خاطرت بالمجيء إلى قرطبة يا ~~روزالي، وأعداؤك هنا لا يحصون عددا؟ ~~- إن روزالي ليس لها أعداء، وقد ذهبت عائشة بنت غالب إلى غير رجعة، ولن تستطيع العين ~~الطلعة أن تنفذ إلى عائشة بعد أن سترتها روزالي بحجاب من التنكر كثيف. أسمعت بالحادث ~~المحزن الجديد؟ فارتاع راميرز وارتجف وقال في تلعثم. ~~- أي حادث يا سيدتي؟ ~~- قبض ابن جهور على ابن المرتضى. # فقهقه راميرز وصاح: لقد رعبتني يا سيدتي روزالي، وأي حزن، وأي أسى في هذا الحادث؟ إنني ~~أنا الذي وشى به إلى ابن جهور، وأنا الذي أرشده إلى مكان اختفائه. # فصرخت عائشة: أنت أيها الجاهل الغر الأحمق! ومدت ذراعيها إلى رقبته تريد أن تخنقه لما ~~انتابها من الغيظ، فتراجع خطوات في دهشة وقال: ماذا بك يا سيدتي؟ إنني أعد القضاء على أبناء ~~الخلائف من أشرف الغايات التي نعمل لها ونسعى إليها. إن الملك لن يعود إلينا، ولن تخفق راية ~~الأسبان على البلاد مختالة عزيزة، إلا إذا قضينا على هؤلاء النفر واحدا واحدا، مرة ~~بالكيد، ومرة في ms110 ميادين القتال. لقد سمعت ملك قشتالة يقول: إننا سننقض # 3 # بنيان هذه الدولة حجرا حجرا. فهل يريد إلا أن يطوي أمراءهم واحدا بعد ~~واحد؟ ~~- سمعته يقول ذلك يا غبي؟ ~~- نعم سمعته، وأنا ألقن الناس بما يريد. ~~- اجلس. قاتل الله الجهل! وقاتل الله الغرور! أتدري أيها المفتون بذكائه أنك بفعلتك هذه ~~لم تهدم البناء، ولكنك وطدت أركانه، وشددت أواسيه، ليبقى أعواما وأعواما حصينا ~~ممنعا ؟ فبهت راميرز وقال متخاذلا: كيف يا سيدتي؟ ~~- كان تدبير مولاي الملك أن يظاهر ابن المرتضى على ابن جهور، ويجلسه بقوة جنده وسلاحه على ~~عرش قرطبة، ثم يتخذه وسيلة لغزو الولايات الأخرى، ويجعل منه طعما لصيد دويلات العرب واحدة ~~تلو واحدة. وكانت رسالتي من قشتالة إلى قرطبة لإنفاذ هذه الخطة. أفهمت أيها العبقري ~~المأفون؟ أفهمت أنك بذكائك الخارق ولوذعيتك التي لا تدرك أضعت على الأسبان جميعا فرصة ~~سانحة لن يجود الزمان بمثلها؟ # فاصفر وجه راميرز وأكثر من بلع ريقه وقال في توسل: لم أكن أعرف كل هذا يا سيدتي، وإنما ~~فعلت مجتهدا ما ظننت فيه الخير لدولة الأسبان، وإني لأخشى أن يصل خبر فعلتي هذه إلى مولاي ~~الملك فأكون من الهالكين. ~~- لا عليك يا ابن بترو فلن يعرف الخبر إلا أنا وأنت. والمثل الأسباني يقول: ما أضيع الحزن ~~على زجاج تحطم. أعندك خبر عن ابن زيدون؟ ~~- لا يزال سجينا يقاسي مر العذاب. ~~- ليتني أستطيع زيارته. ~~- هذا ممكن، فكبير السجانين صديقي، وهو يزور حانتي بين الفينة والفينة. ~~- نترك هذا إلى حين. # | الفصل الثاني عشر # كان ابن زيدون لا يزال في سجنه يقاسي ألم الوحدة وذل الإسار، ويبكي بعده عن ولادة، ~~ويندب آماله التي طارت مع الرياح. فقضى في السجن أكثر من عام يخاطب الجدران، وينادم ~~القضبان، ويشكو بثه إلى نفسه، وينتظر الفرج في كل لحظة، فيخيب أمله في كل لحظة، ويستقبل ~~النهار المشرق بمثل ما يستقبل به الليل العابس. وإذا أظلمت نفس المرء فماذا يفيد الضياء؟ ~~وسعادة الإنسان وشقاؤه من نفسه التي بين جنبيه، فقد تريه الأمن خوفا، وقد ms111 تريه البؤس ~~نعيما. # كان يوالي إرسال قصائد الاعتذار إلى ابن جهور فما أجدى، وكان يكرر الاستنجاد بابنه أبي ~~الوليد فلا يجد مجيبا، فالتجأ آخر الأمر إلى صديقه الوزير أبي حفص بن برد، وكانت له منزلة ~~أثيرة عند ابن جهور فكتب إليه: # ما على ظني باس # يجرح الدهر وياسو # ربما أشرف بالمر # ء على الآمال ياس # ولقد ينجيك إغفا # ل ويرديك احتراس # ولكم أجدى قعود # ولكم أكدى التماس # وكذا الدهر إذا ما # عز ناس ذل ناس # يا أبا حفص! وما سا # واك في فهم إياس # أنا حيران، وللأم # ر ظهور والتباس # لا يكن عهدك وردا # إن عهدي لك آس # وأدر ذكري كأسا # ما امتطت كفك كاس # وعسى أن يسمح الده # ر، فقد طال الشماس # فما كادت تصل الأبيات إلى ابن برد حتى أسرع إليه يواسيه ويروح عنه، ويعده بأن يعيد الكرة ~~على ابن جهور، وأن يلحف في طلب العفو عنه، ثم طلب إليه أن يكتب إلى عميد الجماعة رسالة يصف ~~فيها سوء حاله في السجن، ويعتذر من زلته، ويذكره بسالف بلائه في خدمته، وإخلاصه لدولته. ~~فكتب ابن زيدون الرسالة بعد أيام، وبعث بها مع نائلة، وهي من روائع النثر العربي جاء فيها: # يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتمادي عليه، واعتدادي به، وامتدادي منه، ومن ~~أبقاه الله ماضي حد العزم، وارى زند الأمل، ثابت عهد النعمة. إن سلبتني أعزك الله ~~لباس نعمائك، وعطلتني من حلي إيناسك، وأظمأتني إلى برود إسعافك، ونفضت بي كف ~~حياطتك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ~~ثنائي عليك، وأحس الجماد باستحمادي إليك، فلا غرو قد يغص بالماء شاربه، ويقتل ~~الدواء المستشفي به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وتكون منية المتمني في أمنيته، ~~والحين قد يسبق جهد الحريص. # كل المصائب قد تمر على الفتى # وتهون غير شماتة ~~الحساد # ثم يقول: # هذا العتب محمود عواقبه، وهذه النبوة غمرة تنجلي، وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل ~~تقشع. ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، ms112 أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء ~~فيضا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها، وألذ الشراب ما أصاب غليلا، ومع اليوم ~~غد، ولكل أجل كتاب. # ثم يقول: # ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك؟ والجهل الذي لم يأت من ورائه حلمك؟ والتطاول ~~الذي لم يستغرقه تطولك؟ والتحامل الذي لم يف به احتمالك؟ ولا أخلو من أن أكون ~~بريئا فأين العدل؟ أو مسيئا فأين الفضل ؟ # ألا يكن ذنب فعدلك واسع # أو كان لي ذنب ففضلك ~~أوسع # حنانيك قد بلغ السيل الزبى، ونالني ما حسبي به وكفى. # ثم يقول: # وحسبك من حادث بامرئ # ترى حاسديه له راحمينا # فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح؟ ونبأ جاء به فاسق؟ وهم الهمازون المشاءون ~~بنميم، والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا، والغواة الذين لا يتركون ~~أديما صحيحا. # ويقول: # وهل لبس الصباح إلا بردا طرزته بفضائلك؟ وتقلدت الجوزاء إلا عقدا فصلته ~~بمآثرك؟ واستملى الربيع إلا ثناء ملأته بمحاسنك؟ وبث المسك إلا حديثا أذعته في ~~محامدك؟ # ثم يقول: # أعيذك ونفسي من أن أشيم خلبا، وأستمطر جهاما، وأكدم في غير مكدم، وأشكو شكوى ~~الجريح إلى العقبان والرخم # ويقول: # لعلي ألقى العصا بذراك، وتستقر بي النوى في ظلك، وأستأنف التأدب بأدبك، حسبما أنت ~~خليق له وأنا منك حري به. # يصور ابن زيدون لعميد الجماعة في هذه الرسالة أشتات نفسه الحائرة، ونوازعه الثائرة، فهو ~~يعتذر حينا، ويعتب حينا، ثم يعترف بذنبه في ذل واستخذاء، ويعود فيغالي بنفسه فيرفعها في ~~ثقة واعتداد عن دنس الإثم واقتراف الذنوب، ثم يثور ثورة جائحة فيمن على العميد سابق فضله ~~عليه، ثم تهزه عاطفة الشاعر ويرى أن النثر قد يعيا عن التأثير الذي يريد، فيصحب الرسالة ~~بقصيدة يقول فيها: # الهوى في طلوع تلك النجوم # والمنى في هبوب ذاك النسيم # سرنا عيشنا الرقيق الحواشي # لو يدوم السرور للمستديم! # وطر ما انقضى إلى أن تقضى # زمن، ما ذمامه بالذميم # إذ ختام الرضا المسوغ مسك # ومزاج الوصال من تسنيم # أيها المؤذني بظلم الليالي # ليس يومي بواجد من ظلوم ms113 # قمر الأفق إن تأملت والشم # س، هما يكسفان دون النجوم # وهو الدهر ليس ينفك ينحو # بالمصاب العظيم نحو العظيم # بوأ الله جهورا شرف السو # دد في السرو واللباب الصميم # واحد سلم الجميع له الأم # ر، فكان الخصوص وفق العموم # أيها ذا الوزير ها أنا أشكو # والعصا بدء قرعها للحليم # أفصبر مئين خمسا من الأي # ام، ناهيك من عذاب أليم # سقم لا أعاد فيه وفي العا # ئد أنس يفي ببرء السقيم # بأبي أنت؛ إن تشأ، تك بردا # وسلاما كنار إبراهيم # وتصل الرسالة والقصيدة إلى ابن جهور فلا تتركا في نفسه من الأثر إلا ما يتركه دبيب النمال ~~في الجبال، أو مناجاة الشعر للأطلال في الأطلال. # وبقي ابن زيدون كما هو في أسره وذله حزين النفس، واجف القلب، بعد أن تقطعت به الأسباب، ~~وجفاه الصحاب. وكانت نائلة تزوره، وكانت ولادة لا تنقطع عنه، فبينما كانتا عنده في أحد ~~الأيام راعهما ما بدا عليه من شحوب وذبول وقنوط من الحياة، وحنين إلى الموت. وكان يقول ~~ويكرر؛ أما لهذا الليل من آخر؟ أما آن للطائر السجين أن يرف بجناحيه في الفضاء الطليق؟ ألم ~~يأن للمقبور أن يبعث فيحاسب حسابا يسيرا أو عسيرا؟ # فقالت ولادة: لا ينطلق الطائر إلا إذا حطم القفص. فنظرت إليها نائلة في استنكار وقالت: ما ~~هذا يا ولادة؟ إن مما يؤلم اليائس أن يلوح له بأمل لا يتحقق ~~- لماذا لا يتحقق؟ ~~- لأن هذا السجن ليس قفصا يحطم، لأن حراس الطائر غلاظ شداد. ~~- إن من الحيلة ما يعجز القوة. فعجل ابن زيدون وقال: وأين الحيلة يا سيدتي؟ ~~- هينة يسيرة، وطالما فكرت فيها، وأقلقت وسادي في تصويرها. ~~- وما هي؟ ~~- إننا نبعث إليك بالطعام في كل يوم، وسيكون بين ألوانه في الغد طبق من الفالوذج خلط به ~~عقار مخدر، فإذا حمله إليك السجان فأظهر الرضا عنه، وكافئه بطبق الفالوذج فيلتهمه، وعليك ~~الباقي. # فوثب ابن زيدون نحو ولادة يقبلها من جبينها ويصيح: أنت ملك كريم يا سيدتي! عجبا كيف ~~غاب عنا مثل هذه الحيلة! # فالتفتت ms114 إليه نائلة وقالت: وإذا تم خروجك من السجن سالما فاذهب إلى دار ابنة خالي، وهي ~~مصاقبة # 1 # لدار ابن الحناط الكفيف، فاختف عندها حتى ندبر وسيلة للفرار من قرطبة، وسأخبرها ~~الليلة حتى لا تدهش للقائك، ولا تخش عندها شيئا، فهي تعيش مع خادم عجوز بلهاء، زادتها السن ~~خرفا وبلاهة. وبعد أن طال الحديث في الفرار وعواقبه، وفي تقصي كل ما يزيل عنه أسباب الخطر ، ~~ودعتاه وانصرفتا. # وجاء الغد، وجاء السجان بالعشاء، وكان خبيثا لئيم الطبع، استعار قلبه صلابته من قضبان ~~السجن وأغلاله، فلما رآه ابن زيدون بسط له وجهه وقال: ألا تزال كعهدي بك عابسا يا ~~مخلف؟ ~~- وما عليك من عبوسي إذا كنت منشرح الصدر مسرورا؟! ~~- لقد وطنت نفسي على الآلام ورضيت السجن منزلا، وأنزل الله علي سكينة غسلت همومي، وعادت ~~بي إلى الإيمان الحق والخضوع لأحكام القدر. ~~- كلهم عندنا يعودون إلى ما عدت إليه، فهم أول الأمر ينوحون ويصخبون ويسخطون على الأرض ~~والسماء، حتى إذا عركهم السجن وأذل نفوسهم، عادوا إلى التسليم بأحكام القدر، ورأوا أن لا بد ~~مما ليس منه بد. ~~- إن النقم يا مخلف لا تخلو في أطوائها من نعم. فليس في تصاريف الأيام شر محض ولا خير ~~خالص. أليس من محاسن السجن أن نأمن الوشاية، وننام ملء العيون، لا نخاف حديث نمام ولا وقيعة ~~كاشح # 2 ~~؟ أليس من محاسن السجن أن نبتعد عن الناس وما يرتكسون فيه من شرور وآثام؟ أليس ~~من محاسن السجن أن ينصرف المرء إلى ربه كما ينقطع الزهاد لعبادته في قمم الجبال؟ أليس.. ~~فعجل مخلف وقال: كفى يا سيدي! فقد كدت تجعل من السجون جنات تجري من تحتها الأنهار. فضحك ابن ~~زيدون ومد يده إلى مائدة الطعام وهو يقول: أرني ما أحضرت إلينا اليوم يا مخلف. ~~- إن به ألوانا يسيل لها اللعاب. ~~- هذا ديك مشوي، وهذا لحم متبل بالأفاويه، وهذا رقاق محشو بالجوز، وهذا تين ما لقي، ~~وهذا فالوذج بالفستق. ما أحبه إلى نفسي! ثم ابتسم وقال: ولكنني أراك تكثر من النظر ms115 إليه يا ~~مخلف، فخذه بارك الله لك فيه! فليس أشهى إلي من أن أشهد رجلا يأكل ما اشتهى. خذه يا مخلف ~~ومتعني برؤيتك وأنت تأكله. التهمه يا مخلف فلم يوضع من قبله طعام في بطن من هو أحق به ~~منك. # وما كاد يلمح مخلف في عين ابن زيدون أنه لا يمزح حتى وضع رأسه في الطبق ولم يرفعه إلا ~~والطبق أجدب من كف اللئيم. ولم تمض لحظات حتى أخذ يترنح ويغمغم بألفاظ لم تستقم حروفها، ثم ~~سقط على الأرض لا يعي. فهب ابن زيدون مسرعا، وجرده من ثيابه فارتداها، وخرج من الحجرة في ~~زي مخلف وفي مثل سمته # 3 # وعبوسه وهيئة مشيته وحركاته، فما كان يشك شاك في ظلام السجن وغبش # 4 # الليل أنه هو، واتجه نحو الباب، فصاح به حارس الباب: إلى أين يا مخلف؟ إن موعد ~~خروجك لم يحن بعد. # فنتر ابن زيدون ذراعه نحوه كالمغضب، فقهقه الحارس وقال: هكذا أنت دائما ساخط على ~~الدنيا. # وكان ابن زيدون قد جاوزه بعيدا فعاد الاطمئنان إلى نفسه، وسار في سرعة يخترق دروب قرطبة ~~وأزقتها، حتى بلغ دار حمدانة ابنة خال نائلة فطرق الباب في وجل ورعب، ففتحت العجوز الباب ~~وصاحت مذعورة: اللص! اللص! فدفعها ابن زيدون بيده في رفق، ودخل وأغلق الباب دونه، وقدمت ~~حمدانة ضاحكة من بلاهة خادمتها، ولكنها حينما رأت زي ابن زيدون لعب برأسها الشك، ولمح ابن ~~زيدون ذلك في وجهها، فهمس: أنا يا سيدتي ضيف نائلة، فشدت حمدانة على يده في بشر وترحيب، ثم ~~جذبته إلى حجرة من الدار منعزلة أعدت له فيها طعاما شهيا. ودار الحديث طويلا حول قصة ~~سجنه وما لاقى من عنت وآلام، ثم في طريقة خلاصه وما فيها من مغامرة وإقدام. وقضى ابن زيدون ~~ليله قلقا ينفس عن نفسه بالشعر ويقول: # شحطنا وما بالدار نأي ولا شحط # وشط بمن نهوى المزار وما شطوا # أأحبابنا ألوت بحادث عهدنا # حوادث لا عقد عليها ولا شرط # لعمركم إن الزمان الذي قضى # بشت جميع الشمل منا ms116 لمشتط! # ألا هل أتى الفتيان أن فتاهم # فريسة من يعدو ونهزة من يسطو # وأن الجواد الفائت الشأو صافن # تخونه شكل أزري به ربط # وأن الحسام العضب ثاو بجفنه # وما ذم من غربيه قد ولا قط # هرمت وما للشيب وخط بمفرقي # ولكن للشيب الهم في كيدي وخط # أتدنو قطوف الجنتين لمعشر # وغايتي السدر القليل أو الخمط؟ # بلغت المدى إذ قصروا فقلوبهم # مكامن أضغان أساودها رقط # يولونني عرض الكراهة والقلى # وما دأبهم إلا النفاسة والغمط # وقد وسموني بالتي لست أهلها # ولم يمن أمثالي بأمثالها قط # فررت، فإن قالوا: الفرار إرابة # فقد فر موسى حين هم به القبط # وإني لراج أن تعود كبدئها # لي الشيمة الزهراء والخلق البسط # وشاع في الصباح خبر فرار ابن زيدون، وقام له ابن جهور وقعد، واجتمع الوزراء والقواد لهذا ~~الحادث الجلل، وجمع كبير الشرطة أعوانه وأمرهم أن ينبثوا في المدينة وأرباضها، وأن يطلقوا ~~عيونهم في كل مكان للوقوف على موضع اختفائه. ولم يكن للناس حديث في مجالسهم وندواتهم إلا في ~~فرار ابن زيدون وما صحبه من إحكام الحيلة وإجادة التدبير، وقهقه العامة كعادتهم من غفلة ~~المشرفين على المدينة مع ما يتبجحون به من صرامة وحزم وحذر. وانتقل الخبر من فم إلى فم، ~~وذعر ابن عبدوس وجماعة الناقمين من ابن زيدون للحادث. ووصل النبأ إلى عائشة فتلقته في حيرة ~~ووجوم. أتحزن أم تسر؟ لا تدري. تحزن، لأن عدوها الذي عملت على سجنه وتعذيبه أصبح حرا ~~طليقا، وتسر، لأن أملا خافقا يخدعها بأن فراره قد يمهد لها السبيل إلى لقائه، وأن لقاءه ~~قد يدفعه طوعا أو كرها إلى الرجوع إليها وإضفاء محبته عليها. فقابلت راميرز وقالت له: إن ~~ابن زيدون فر من سجنه. # فأجابها مسرعا: حسنا فعل. وهو سيكون شجا في حلق ابن جهور، والعرب تقول: الكلاب على ~~البقر! ~~- أي كلاب؟ وأي بقر يا راميرز؟ ~~- ماذا تريدين؟ ~~- أريد أن أعرف مكانه دون أن أقبض عليه. ~~- وهل تطلبين معونتي؟ ~~- لا. ثم ابتسمت وقالت: لا أدري لم أحدثك في هذا؟ ولكنه ضعف ms117 النساء الذي ينتابني بين ~~الحين والحين. # ومضت أشهر على اختفاء ابن زيدون كانت فيها عائشة تفكر في وسائل العثور على مخبئه، وما كاد ~~يلتمع لها قبس من الرأي حتى قصدت في إحدى الليالي إلى دار خادمها بلال، فلما رآها ولم يكن ~~متوقعا أدركه البهر وأخذ لسانه يتلجلج بكلمات كان منها: سيدتي عائشة؟ ... ماذا أرى؟ ... نعم ~~... أهلا بسيدتي ... كيف بلغت بك الطريق إلى داري؟ ألا تخافين عيون ابن جهور؟ ... ما كان أسعد ~~أيامي بك وبأمك يرحمها الله! إنها ماتت حزنا عليك يا سيدتي. ~~- علمت بموتها يا بلال منذ عدت إلى قرطبة. اسمع - ووضعت في يديه كيسا من الدنانير - أريد ~~أن أعرف مكان اختفاء ابن زيدون. ~~- ابن زيدون؟ وأين نجده وقد عجز عن العثور به الشرط وجميع جواسيس الدولة؟ # اسمع يا بلال، إنه في المدينة من غير شك، ولن يستطيع مغادرتها وإلا قبض عليه حراس ~~التخوم. ~~- نعم في المدينة. نعم صحيح. ثم جرؤ على الابتسام وقال: ولكن المدينة يا سيدتي ليست جحرا ~~أو دارا أو زقاقا أو محلة، وإنما هي بحر زاخر بأمم من أقطار الشرق والغرب. إن الذي يبحث ~~عن مختف في هذه المدينة كمن يبحث عن دينار سقط في الوادي الكبير. ~~- ليس الأمر كما تظن يا بلال. وقد توفق إذا حصرنا البحث عنه في دائرة أصدقائه. ~~- أصدقاؤه لا يشون بصاحبهم. ~~- يا بلال، تأن قليلا، وألصق هؤلاء الأصدقاء بابن زيدون امرأتان: ولادة ونائلة ~~الدمشقية. ~~- هذا صحيح يا سيدتي. ~~- ولا بد أن يتردد على داريهما كيفما بالغ في الاختفاء، وأغلب الظن أن يكثر من زيارة ~~ولادة. فهل تستطيع أن تتحسس منه في دارها؟ # فصاح بلال قائلا: أستطيع وأستطيع! إن جاريتها عتبة لي صديق، وهي تطمع في أن أكون لها ~~بعلا. ~~- حسن جدا. كرر زيارتها وتلطف ولا تشعرن بك أحدا، حتى تحصل منها على ما تريد دون أن ~~تعرف من الأمر شيئا، وسأزورك أو ستزورك دنانيري مضاعفة بعد أيام، ثم مدت إليه يدها ~~واندست في الظلام كأنها طيف خيال. # وسعى بلال جاهدا ليعرف ms118 مخبأ ابن زيدون، فتردد على عتبة وأكثر من التودد إليها، وبذل لها ~~الوعود البراقة الخاتلة، حتى بلغ منها بعض ما يريد، ثم طفق ينتظر وعد عائشة بزيارته، حتى ~~إذا كانت ليلة حالكة السواد، مريضة النجوم، سمع طرقا على بابه فأسرع للقاء عائشة محتفلا ~~فرحا بما سينال من أجر، ولكنه ما كاد يفتح الباب حتى بهت وذعر وكاد يسقط على الأرض مما ~~أصابه من الهول، فإنه ما كان يظن أن يرى عبيد الله بن يزيد صاحب المدينة بين جنده وأعوانه، ~~وهؤلاء لا يزورون رجلا في جنح الظلام للسؤال عن غالي صحته، أو للتمتع بحسن حديثه. # وقف بلال مبهورا، وصاح به صاحب المدينة: أين كنت بالأمس بعد العشاء الآخرة؟ فتلعثم بلال ~~وأرتج عليه باب الكلام فوقف مشدوها. ~~- أين كنت بالأمس يا رجل؟ قل ولا تخف عني شيئا، فإن جواسيسي يقرءون ما في الصدور ~~ويعرفون ما تخفيه السرائر. ~~- كنت يا سيدي.. عند عتبة ... عند عتبة. ~~- جارية ولادة بنت المستكفي؟ وماذا كنت تصنع في دار ولادة؟ ~~- أزور عتبة يا سيدي. ~~- تزورها في كل ليلة؟! ~~- حقا لقد أخطأت وجاوزت الحد. هل شكت سيدتي ولادة من زيارتي لدارها؟ إني سأتزوج عتبة ~~يا سيدي، وقد تواثقنا على الزواج، وإذا كان أحد لا يحب أن أزورها قبل الزواج فإني أعاهدك ~~ألا أطرق لها بابا. ~~- ليس هذا ما أقصد يا رجل. ألم تقابل ولادة في إحدى زياراتك؟ ~~- لا يا سيدي، وأنى لمثلي أن يقابل مثلها؟ ~~- ألم تحمل منها رسالة إلى صديق أو تحضر إليها رسالة من صديق؟ ~~- أي صديق يا سيدي؟ ~~- لا شأن لك بهذا يا رجل، وإياك أن تتباله فإننا لسنا من الغفلة بحيث نصدق ما ~~تقول؟ ~~- أقسم بالله يا سيدي إني لا صلة لي بسيدتي ولادة، وإني لا أعرف من أمر الرسائل التي ~~تذكرها شيئا. ~~- اعلم يا رجل أنك إذا خطوت مرة أخرى نحو دار ولادة كان دمك مهدرا. ~~- عهد الله يا سيدي ألا يراني أحد من رجالك مارا بدارها! # فأطال إليه صاحب المدينة النظر في شك ms119 وتردد، وبين تصديق وتكذيب، ثم انصرف، وبقي بلال خافق ~~القلب مرتعد الأوصال، يلعن الشرطة ورجالها، واللحظة التي زارته فيها عائشة فنصبته هدفا ~~للشكوك، وجعلت داره مغدى ومراحا لأعوان السلطان كلما حلا لهم أن يخلعوا قلبه من ~~مكانه. # لم تمس يده في هذه الليلة طعاما، وأخذ يبسط فراشه في تكاسل ورعب، وهو على يقين من أن ~~النوم لن يطرق له جفنا. وبينما هو يتقلب على الفراش، والوهم يرسم له من التهاويل ما يزلزل ~~فؤاد الشجاع، إذا طرق خفيف على الباب فأنصت مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم، ومن شر رجال ~~الشرطة، وقام وهو يقول لنفسه: عادوا ثانية للقبض علي وإلقائي في غيابات السجون، لأني رأيت ~~في عين كبيرهم كأنه في شك من أمري، ولن أملك إلا التسليم، فإن ظلم هؤلاء ليس له من ~~مرد. # وفتح الباب فإذا عائشة بوجهها المؤتلق، وثغرها الباسم، تحييه، وتمد إليه يدا كانت في ~~يده الجافية السوداء كقطعة من الزبد في جفنة من القار. همس بلال قائلا والرعب لم يفارقه: ~~أهلا بسيدتي عائشة! هل قابلت صاحب المدينة بالطريق؟ ~~- من صاحب المدينة؟ أنت تحلم يا بلال؟ ~~- لا يا سيدتي. إني يقظان، هذه يدي أهزها، وهذا جسمي لا أزال أراه مرتعدا. ~~- ماذا بك يا بلال؟ ~~- الذي بي يا سيدتي أن صاحب المدينة زارني منذ ساعة. ~~- وهل هذا كل ما يهولك؟ إن صاحب المدينة لا يزور الناس دائما ليقتلهم، وقد يكون من ~~متممات بحثه أن يهتدي بسؤال هذا أو ذاك. ~~- إن نظراته مخيفة يا سيدتي، وإني لا أحب مقابلة أحد من هؤلاء ولو سألني عن ~~الطريق. ~~- هون عليك يا بلال. عم سألك؟ ~~- سألني عن أسباب ترددي على دار سيدتي ولادة. ~~- آه فهمت. إنهم يرقبون دارها لعلهم يصلون إلى موطن اختفاء ابن زيدون؛ وهم يسلكون الطريق ~~التي أسلكها، ولكني سأبلغ الغاية قبلهم. ماذا وراءك من أخبار عتبة؟ # ولمح بلال أنها تحمل في يدها كيسين فأطال النظر إليهما وقال: من أخبار عتبة؟ ~~- نعم يا بلال من أخبار عتبة. وألقت في يده الكيسين فسمع ms120 إلهما وسوسة ورنينا طار لهما ~~لبه فقال: علمت من عتبة أن الوزير أبا حفص بن برد يزور ولادة في كل خميس بعد الهزيع الأول ~~من الليل ومعه رجل ملثم، وأنهم يختلون في غرفة بعيدة عن الخدم، وأن الرجلين ينصرفان قبل ~~انبثاق الفجر. ~~- حسن يا بلال، ثم أسرعت وقالت: وماذا فعلت بعد ذلك يا بلال؟ ~~- كمنت وراء جدار، حتى إذا غادر الرجلان الدار تبعتهما من بعيد في حيطة وحذر، فلما فصل ~~ابن برد ليذهب إلى داره واصل الرجل الملثم السير حتى بلغ خطة جند الشام فدخل دارا تقرب من ~~مسجد الشهداء. ~~- مرحى يا بلال! لقد عثرنا على الدينار الضائع في الوادي الكبير. إن الرجل الملثم هو ابن ~~زيدون من غير شك، وسينالك مني أضعاف ما نالك من مال عندما أقتنص هذا الطائر النفور. عم مساء ~~يا بلال. ثم انفلتت نحو الباب مرحة جذلى، كأنها سيقت إليها الدنيا بحذافيرها. # وجاء الصباح، وانقضى النهار وأقبل الليل، ومرت منه زلف، # 5 # وكانت عائشة في هذا الحين تسير وبلال خلفها نحو خطة الشام، بين خوف وتوجس ويأس ~~وأمل، حتى بلغت دار حمدانة مالت نحوه وقالت: قف خلف هذا الجدار يا بلال، وسأدخل الدار فأمكث ~~بها قليلا أو كثيرا، فإذا سمعتني أهتف باسمك فادع رجال الشرطة، وناد بأعلى صوتك بأن ابن ~~زيدون مختف بهذه الدار. # ثم طرقت الباب ففتحت لها العجوز مرتاعة، ووثبت عائشة إلى فناء الدار وقالت: أريد لقاء ~~السيد الذي يقيم عندكم. # وتنبهت حمدانة من نومها فذهبت لتستجلي الخبر، واستيقظ ابن زيدون على أصوات مختلطة فيها ~~غضب، وفيها استنكار وفيها سخرية، ففتح باب حجرته قليلا، ولمحته عائشة فصاحت به. ~~- قضي الأمر يا أبا الوليد، وبلغ الكتاب أجله، وأخذت الطرق على الفريسة، ووقع البلبل ~~الغريد في الفخ، وليس لك إلا أن تلقي السلاح عاجزا مستنيبا. ثم وثبت نحو حجرته فدخلتها ~~وأغلقت الباب، وقالت في هدوء كأن الموقف وما حوله من أحداث وخطوب لم يترك في أعصابها أثرا: ~~اجلس يا أبا الوليد، فإننا قد نتحدث طويلا، ms121 وقد تحتاج إلى كل ما منحك الله من عقل وحكمة ~~وصدق أناة، لتخرج من هذا الأمر الجلل كريما سليما دون أن يصيبك من أوضاره رشاش، أو يمسك ~~خطر. أنصت إلي أبا الوليد، فقد كنت منذ أزمان تحن إلى حديثي، وترتاح إلى أنغام صوتي، كنت ~~في ذلك الحين شابا مكتمل الرجولة، وافر العقل، سديد الرأي، لم تلعب بفؤادك الحسان، ولم ~~يخدعك الطلاء الكاذب، والجمال المصنوع، والكلام المتكسر الممضوغ، ولم تقتنصك الحبائل ~~المدفونة في التراب، ولم تلعب بك الآمال المضللة التي أسخطتك على حياتك الهادئة الناعمة، ~~لتدفعك إلى حياة موهومة فيها مناصب، وفيها جاه وصولة، وفيها عز وسلطان، والتي لم تفتأ أن ~~أردتك في الهاوية، وأوردتك ظلمات السجون. # كنت تحبني يا أبا الوليد، وتريد أن تكون لي بعلا، وكنت ولا أزال بك مفتونة، وبحبك ضنينة، ~~وعليك غيورا، وكنا نعيش في دوحة هذا الحب طائرين غردين، تنبسط أمامهما الحياة بحدائقها ~~الغلب، ومروجها الخضر، وأزهارها الباسمات، وأنهارها الجاريات، لتصور ما في نفسيهما من ~~قناعة ورضا ولذة نعيم، ولكن بومة شريرة تزيت بزي الطاووس، وتصنعت صوت العندليب، حامت حول ~~عشنا يوما، فأفسدت كل شيء، وجرتك بخيط كاذب من الأمل، ولون خداع من الجمال إلى تدمير ~~سعادتك وهلاك نفسك. # أنصت إلي يا أبا الوليد، إني لن أسلوك إذا سلوتني، ولن أهجرك إذا هجرتني، وسأعمل وأعمل ~~حتى نصبح زوجين سعيدين، فلا تظن أنك تستطيع الخلاص من يدي. إنك لي، وإنني لك وليس في الأرض ~~من قوة تحول بيني وبينك. وإذا حاول الموت أن يفرقنا فسأموت معك، وسأرى في الموت هناء ~~وراحة. # أنصت إلي يا أبا الوليد وكن عاقلا، لقد جربت الناس والأيام، فهل رأيت أوفى مني عهدا، ~~أو أصدق حبا؟ نعم إني كدت لك عند ابن جهور، وطوحت بك في غيابة السجن، ولكني أقسم إني ~~فعلت ما فعلت وأنت أعز الناس علي، وأحبهم إلى نفسي. إن الحب مجنون يا أبا الوليد، وإذا ~~اشتد لم يعرف ماذا يأتي وماذا يدع، والغيرة نار مشتعلة الأوار تلتهم كل شيء ألم ms122 تسمع بذلك ~~الشاعر المشرقي الذي قتل حبيبته لولهه بها وشدة غيرته عليها من أن تنالها عين ناظر، أو يصل ~~إلى أذنها حديث عاشق. # كنت أحبك يا أبا الوليد حبا عاصفا، وكنت أغار عليك في الصباح من الضياء، وفي المساء ~~من الظلام، فاعذرني يا أبا الوليد واغفر لي. # كان الغيظ يحتدم في صدر ابن زيدون، والخوف من العودة إلى السجن يزيده ارتباكا، وكانت ~~لتلك المفاجأة صرعة بددت نفسه وأطارت صوابه فقال في صوت أجش حزين: أما الغفران فقد غفرت لك، ~~ولن أحمل لك في نفسي ضغنا أو حفيظة، وإذا كان لنا صلة وداد في الماضي فإني سأحرص على ~~ذكراها، ولكن الأحوال تتبدل والقلب يتقلب # لا يلبث القرناء أن يتفرقوا # ليل يكر عليهم ونهار # وخير لنا يا سيدتي وقد طار من بيننا الحب، أن نضع مكانه صداقة نقية كريمة، هي بنا أليق، ~~وبذكرياتنا القديمة أجدر. # إن حبنا لم يطر يا أحمد. ~~- قولي ما شئت يا سيدتي. ~~- لا تقل «يا سيدتي» قل «يا عائشة». ~~- قولي ما شئت يا عائشة، فإن قلبي إذا انصرف عن شيء عجز أهل الأرض عن إكراهه عليه. ~~- دعه لي يا أحمد وأنا أعرف كيف أروضه، وكيف أعيده إلى سالف عهده، دعه لي يا أحمد، وهلم ~~بنا نفر من هذا البلد المشئوم لنعيش في أي بلد آخر زوجين سعيدين. ~~- إن قلبي ليس بين جنبي. ~~- آه إنه عند ولادة أيها الأحمق! لقد كنت أريد لك الخير كله، كنت أريد أن أنقذك من ابن ~~جهور، وكنت أريد أن أنقذك من ولادة، ولكنك كالفراشة الخرقاء تسقط على النار فلا تفارقها حتى ~~تحترق. إن صيحة مني الآن تجمع عليك العسس ورجال الشرطة، وتزج بك في ظلمات السجون. فقلها ~~كلمة واحدة أتريد أن تكون لي زوجا؟ ~~- لا. ~~- فصاحت عائشة: يا بلال! وما كاد بلال يسمع نداءها حتى صرخ بأعلى صوته: اقبضوا على ابن ~~زيدون! اقبضوا على ابن زيدون! وسمع أعوان الوالي صوته فاندفعوا نحو الدار في لغط وصياح، ~~وأقبلوا ليقفوا على جلية الأمر، وقال أحد ms123 الجنود: أين ابن زيدون؟ فأشار بلال إلى دار ~~حمدانة، وتكاثر الجند على الباب فخلعوه، واندفعوا في فناء الدار كأنهم الأتي # 6 # الجارف، وتسللت عائشة من الباب، واندست بين الجمع المحتشد تبحث عن بلال لتبادر ~~معه الفرار. وما كان الجند يقبضون على ابن زيدون حتى سمعوا نداء من مئذنة مسجد الشهداء، ~~فتسمعوا فإذا المؤذن يقول: سلام على الإسلام بعد ابن جهور! سلام على الحق والعدل بعد ابن ~~جهور! سلام على الجهاد في سبيل الله بعد ابن جهور! أيها المسلمون مات ابن جهور وصعدت روحه ~~الطاهرة إلى بارئها الساعة راضية مرضية. أيها القرطبيون! مات خادم الدين، وحامي المسلمين، ~~فترحموا على تلك النفس الزكية، واضرعوا إلى الله أن ينزلها عنده في جنات النعيم. أيها ~~القرطبيون! مات ابن جهور وخلفه ابنه أبو الوليد محمد، وهو من تعرفون حزمه وعزمه ودينه ~~وغيرته على الإسلام، فادعوا له بالعز والتوفيق. # وما كاد ابن زيدون يسمع الدعاء حتى صاح بالجند: أدركوا المرأة الأسبانية، أدركوا جاسوسة ~~الإفرنجة. ثم جذب رئيسهم من ذراعه، وأشار بيده إلى المرأة وكانت قد ابتعدت عن الدار، فكر ~~نحوها الجنود، وقبضوا عليها، ثم اتجه ابن زيدون إلى رئيس الجند وقال: والآن تستطيع أن تشد ~~وثاقي إذا أردت. # فقال الجندي متهكما: وإذا لم أرد؟ ~~- كان ذلك خيرا لك وأدعى إلى مكافأتك. ~~- كيف؟ # لأني كنت طريد ابن جهور، وهو قد لاقى ربه كما سمعت من نداء المؤذن. أما خليفته أبو الوليد ~~فأحب الناس لي، وأعطفهم علي، وقد بذل جهد طاقته لتخليصي من السجن أيام أبيه فلم ~~يستطع. ~~- عذرا يا سيدي فإني لا أعرف ذلك، ولكني أمام شخص يقال إنه فر من سجنه، ولا أملك إلا أن ~~أذهب به إلى صاحب المدينة ليرى فيه رأيه. ~~- افعل ما شئت أيها الجندي الشجاع، ولكن حذار من أن تفلت من يدك هذه المرأة، فإنها أضر ~~على الدولة من جميع الأسبان في الشمال. ثم انطلقوا جميعا إلى دار عميد الجماعة ~~الجديد. # وكان ابن زيدون وهو في الطريق يغمغم بأبيات من الشعر ازدحمت ms124 بصدره تطلب متنفسا، فلما ~~مثل أمام أبي الوليد ابن جهور، قام له وأخذ يعانقه مداولا بين الترحيب والاعتذار له عما ~~ناله من ضر أيام أبيه، ثم شد على يديه وهو يقول: لقد عفا عنك أبي قبل موته، دخلت عليه في ~~مرضه فأحسنت فيك القول، وذكرت ما أصابك من ضعف النفس والجسد، وألححت عليه في ألا يجعل إهدار ~~حياتك آخر ما يتقدم به إلى ربه. فقال في صوت خافت: إن ابن زيدون كوكب الأندلس، والكواكب لا ~~تطفأ بالأفواه، وقد تمر السحب فتحجب من ضيائها، ثم تنقشع. فأسرعت أقول: أعفوت عنه يا أبي؟ ~~فهز رأسه فيما يشبه الرضا وقال: ومن أنا يا ولدي حتى أعفو عنه؟ الله يعفو عنه ويعفو عنا ~~جميعا. ولم أرد أن أثقل عليه بعد أن عرفت حسن رأيه فيك. ورجوت أن يبل من مرضه بعد أيام، ~~وأن يطلق سراحك بنفسه، ولكن المنية فاجأتنا فيه يا أبا الوليد. # فاتجه ابن زيدون إلى السماء يستمطر الرحمات على الكريم الراحل، ويعتذر عنه بأنه لم يعمل ~~إلا ما كان يراه حقا وصوابا، وبأنه أنصت إلى الوشاة فزينوا له الباطل، وأدخلوا عليه من ~~زخارف القول ما لم يستطع له تكذيبا. ثم هنأ الحاكم الجديد ودعا له بالتوفيق والسداد، ~~ومد يده فأخرج من كمه رقعة ثم أنشد: # ألم تر أن الشمس قد ضمها القبر # وأن قد كفانا فقدنا القمر البدر # إن الحيا إن كان أقلع صوبه # فقد فاض للآمال في إثره البحر # إساءة دهر أحسن الفعل بعدها # وذنب زمان جاء يتبعه العذر # فلا يتهن الكاشحون فما دجى # لنا الليل إلا ريثما طلع الفجر # وإن يك ولى جهور فمحمد # خليفته العدل الرضا وابنه البر # عزاء فدتك النفس عنه فإن ثوى # فإنك لا الواني ولا الضرع الغمر # لك الخير إني واثق بك شاكر # لمثنى أياديك التي كفرها الكفر # فصدق ظنونا لي وفي فإنني # لأهل اليد البيضاء منك ولا فخر # ومن يك للدنيا وللوفر سعيه # فتقريبك الدنيا وإقبالك الوفر # فطرب أبو الوليد للمديح، وقام فأجلس الشاعر إلى ms125 جانبه، وبذل له من صنوف التكريم ما ملأ ~~نفسه ثقة وسرورا. # وهنا اتجه ابن زيدون نحو عائشة وقال: هذه - يا مولاي - عائشة بنت غالب جاسوسة ملك الأسبان ~~التي وصمها أبوك بالنار ونفاها إلى الشمال، وعادت اليوم إلى قرطبة لتتجسس للأسبان، ولتبث ~~الفتنة في صفوف المسلمين. # فاتجه أبو الوليد إليها وقال غاضبا: متى وصلت إلى قرطبة أيتها المرأة؟ ~~- منذ شهور. ~~- ولم جئت؟ ~~- لا أدري. ~~- ومن الذي ينفق عليك؟ ~~- أهل الخير والإحسان. # فغضب أبو الوليد ودعا عبيد الله بن يزيد صاحب المدينة وقال: اسجن هذه المرأة في المكان ~~الذي كان يسجن فيه أبو الوليد بن زيدون جزاء وفاقا لكل ما اقترفت من إثم وخيانة. # وابتسم ابن زيدون لصاحب المدينة وهمس في أذنه: قل لمخلف السجان أن يحذر هذه المرأة فإنها ~~عظيمة الدهاء، لها في الختل أفانين لم يهتد لمثلها إبليس اللعين، وقل له إن ابن زيدون يقرئك ~~السلام ويوصيك أن تبتعد عن أكل الفالوذج ولو خلط بفستق من الجنة! # | الفصل الثالث عشر # كان لقاء ابن زيدون لولادة في فضاء الحرية وبعد انقشاع الهموم لقاء الطائر يعود إلى إلفه ~~بعد أن ظل طويلا يتخبطه الفخ، ويعض حديده جناحه. أو لقاء الصح الباسم بالأمل، ~~لدنف # 1 # طال به ليل الشكوك، وأقضت فراشه الآلام. كان لقاء اضطربت فيه العواطف، ~~واختلطت طرائق التعبير، ففيه ضحك، وفيه بكاء، وفيه لذة، وفيه ألم، وفيه رضا، وفيه سخط. ~~والعاطفة إذا قويت جاوزت حدها، فانقلبت إلى ضدها. وللنفوس لغة مألوفة في إظهار ما يجيش ~~بها، ولكنها إذا تملكتها عاطفة شديدة عاتية نبذت لغتها زاعمة أنها لا تفي ببث ما فيها، ~~ولجأت إلى النقيض، فبكت للسرور، وضحكت عند ازدحام المصائب. وربما كان من أسباب اختلاج ~~العواطف أن النفس تذكر عند السرور ما مر بها من أحزان، وعند اللذة ما عانته من ألم، فتهم ~~أن تعبر عن العاطفتين في آن، فتتغلب أقواهما أثرا، وأكثرهما عن النفس تفريجا. # كان لقاء عجيبا لو حاول القلم وصفه لعجز القلم. نعم إنهما كانا يلتقيان، ولم يغلق ms126 باب ~~السجن يوما في وجه ولادة، ولكن لقاء السجن خير من الافتراق. لقاء أوله أسف، وآخره ألم. ~~لقاء تحيط به القضبان، وتطل عليه أعين الجواسيس. إنه في الحق لم يكن لقاء ولكنه كان إثارة ~~للأشجان، وتنبيها لراقد الهموم. # تكلم الشوق في هذا اللقاء صامتا فأطال وأسهب، وطافت الذكريات عزيزة محبوبة رائعة الألوان ~~ذهبية الحواشي، ولمعت الآمال براقة فتفتحت لها النفوس، وانبسطت الوجوه، ثم أخذ ابن زيدون ~~يصف حفاوة أبي الوليد بن جهور به، واحتفاظه بمودته. وإلحاحه عليه في أن يبقى في خدمته عزيز ~~الجانب ملحوظ المكانة. # فأطرقت ولادة كالمفكرة، وقالت: كل هذا حسن يا أحمد. ولكن احذره فإن الولد صورة من الوالد. ~~وأبو الوليد ورث أباه في كل شيء. وزاده عنفوان الشباب غرورا لم يكن بين صفات أبيه. إن ~~أعداءك لم يناموا عنك طرفة عين يا أبا الوليد، وكأني بابن عبدوس وابن المكري يجمعان اليوم ~~رأسيهما في دسيسة تعود بك إلى السجن. أو تلقي بك في مهاوي الحتوف، فليس من الهين عليهما أن ~~تبعث من القبر المظلم الذي قذفاك فيه سليما ناشطا، تنفض عن أثوابك التراب في مرح وغبطة. ~~وليس من الهين عليهما أن يرياك وقد عدت إلى مكانتك عند الأمير تأمر وتنهي، وتقاد إليك ~~النجائب، وتسير بك المواكب. وليس من الهين عليهما أن تتألق عبقريتك بدار الحكم فيفضح ضوؤها ~~تلك القناديل المريضة، والسرج الخافتة. ثم ابتسمت في استحياء وقالت: ثم إنه ليس من الهين ~~عليهما أن ينتصر الحب على الدسائس، وأن يجمع الله شتيتين لم يكن لهما في الحياة من مأرب ~~إلا أن يفرقاهما. لقد انتهينا من عائشة بنت غالب، وطواها السجن كما يطوي الخضم أشلاء ~~الغريق، وكانت خصما لدودا، وعدوا مثابرا، وكان لها من الدهاء ما لا تنفع معه الرقى، ~~ولا يفيد الحذر، ولكن لا يزال لك بين جنبات قرطبة أعداء وحساد لا يقلون عن عائشة مكرا ~~ومحالا. ولقد كنت فيما مضى يا أبا الوليد جريئا غير هياب، سريعا إلى الثقة بمن حولك، ~~قليل الاعتداد بما يكون وراء ms127 الكلام من عواقب، فكبا بك الجواد دون الشوط، ووقفت بك العجلة ~~إلى المجد دون الغاية، وهوت بك التمائم إلى هاوية بعيدة القرار، وأريدك اليوم أن تكون أشد ~~حذرا، وأكثر صمتا، وأبعد عن قرناء السوء، وأقوى على الأيام تجربة ومراسا. # إن الفتن في قرطبة في تأجج واضطرام، فدعنا نكن حولها من المشاهدين دون أن نكون لها حطبا، ~~وإذا كان لك رأي فيما يجب أن يكون عليه الحكم فبالله عليك دعه الآن ، وهلم بنا إلى حياة ~~هادئة حلوة المجتنى، يرف فوقها جناحان من أمن وسكينة. # فنظر إليها ابن زيدون نظرة ساهمة حزينة وقال: ومن الذي يراك يا سيدتي ولا يختطفك ليفر بك ~~إلى قمة جبل بعيد عن دسائس البشر ونمائمهم؟ إن للعيش في ظلالك معنى ليس في جنات النعيم، ~~ولكن ماذا أفعل يا سيدتي في نفس جموح طموح لا يلين لها زمام، ولا تذل لقائد؟ لقد خلقت ~~للمجد ولعظائم الأمور، فإذا ثارت نفسي إلى مطلب ركبت إليه أسنة الرماح، ولم أبال بما يملأ ~~طريقي من أشراك وحبائل، وسخرت من الكاشحين، وغبرت في وجوه الحاسدين، وإن شيئا واحدا هو ~~الذي يغض من جماحي، ويخفف من غلوائي. أتعرفين ما هو؟ # فابتسمت ولادة وقالت: أعرف. وإني أستحلفك بحق هذا الحب أن تطامن من نفسك قليلا، وأن ~~تتركنا نعيش في سلامة وهدوء بال زوجين سعيدين. اهجر هذه المطامح البعيدة أبا الوليد التي ~~ستوردنا موارد التلف. ~~- إلا مطمحي الأسمى، فإني سأعمل له أو أموت دونه، ولن أستحق أن أكون بعلا لأكرم نساء ~~قرطبة إلا إذا ظفرت به يدي. ~~- أي مطمح؟ ~~- أن أعيد الدولة العربية بالأندلس إلى سالف مجدها أيام عبد الرحمن الداخل والناصر ~~والمنصور بن أبي عامر. يجب أن يتحد العرب، ويجب أن تجمعهم عروة لا تنفصم، ويجب أن تتجمع ~~دويلات الأندلس في دولة عربية موحدة يخفق فوقها علم واحد يصور وحدة الكلمة، ووحدة القوة، ~~ووحدة الغاية. فلقد قالوا قديما، وكان قولهم حقا: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. ~~أتعرفين يا سيدتي أننا لم ينفعنا إلا تفرق ms128 كلمة ملوك الإفرنجة، وهم ولله الحمد على نعمائه ~~دائما في شجار وشقاق وتنافس، ولولا ذلك ما كنت بجانبك اليوم في مدينة قرطبة، وربما كنا ~~نكون تائهين في صحراء مراكش، نحسد رعاة الإبل على ما منحهم الله من دار ووطن. ولكن عراك ~~الإفرنجة لن يطول، وسوف يدفعهم حب الغلب، ويحفزهم طلب الثأر إلى توحيد الكلمة ونسيان ~~الأحقاد والوثوب على العرب من كل مكان، فإذا لم نأخذ الأهبة للهجمة الكبرى، ونعد العدة ~~للداهية العظمى، ذهب كل شيء من أيدينا. فتنهدت ولادة وقالت: لن تجد اليوم من أبناء الخلائف ~~من أمية من يعيد لك أيام الناصر، ولن تجد بين الأمراء من يعيد لك أيام الناصر، وهذا الأمر ~~لا يصلح إلا بما صلح به أوله، ذلك بأن ينبع من أرض الأندلس رجل له عزيمة عبد الرحمن الداخل ~~وصرامته وعبقريته، فيجمع الأواصر، ويوحد الكلمة، ويستميل القلوب، ويرد الدعاة المتهافتين ~~على الحكم إلى أجحارهم. ولكن أين هذا الرجل الآن يا أبا الوليد بعد أن أقفرت الأندلس من ~~الرجال؟ # فأطرق ابن زيدون ثم رفع رأسه وقال: بعد أن مات ابن المرتضى فليس لي أمل إلا في رجل واحد، ~~ولكنه أمل ضعيف خائر. ~~- من هو؟ ~~- إني أنظر إلى أشبيلية. ~~- إلى بني عباد؟ ~~- ربما. ~~- إنهم طبل أجوف. ~~- ولكنهم خير الشر. ~~- أفي الشر خيار؟ ~~- نعم إذا أجدب الزمان، وقلت الأعوان. وبينما هما في الحديث إذ دخلت نائلة فقبلت ابن ~~زيدون في جبينه فعل الأم الرءوم، وانطلقت على طريقتها في سيل من الحديث لم يترك كلمة لقائل. ~~ثم صاحت: أسمعتما بالنبأ العجيب؟ فقالت ولادة: هاتي يا جهينة الأخبار هاتي. ~~- لقد ولى أبو الوليد بن جهور صفيه وخليله ابن السقاء الإشراف على شئون الدولة، وجمع في ~~يديه كل أزمة المملكة، يصرفها كيف شاء. # فصاح ابن زيدون: هذا أول البلاء ونذير الزوال، إن ابن السقاء رجل واسع مدى العقل، كبير ~~الآمال، ولكن كبار العقول بعيدي الآمال كثيرا ما يكونون خطرا على الدولة. إنه رجل متسلق ~~هجام بعيد الحيلة، لا يتعفف عن جريمة إذا ms129 كان يصل بها إلى غايته. إنه يقطع اليد التي امتدت ~~لمعونته بعد أن ينال منها مأربه. # فقالت نائلة: لا تبالغ يا أبا الوليد. ~~- ستعلمين نبأه بعد حين. ~~- إنه أرسله اليوم للسفارة بينه وبين ابن عباد. ~~- ثعلب يلتقي بذئب! ~~- ومن الفريسة؟ ~~- قرطبة المسكينة. ~~- لا تكن متطيرا، فالدنيا لا تزال بخير. ثم هرولت إلى الباب وهي تتجه نحو ولادة وتقول: ~~الدنيا بخير مادام فيها حب وأمل. # وعاش ابن زيدون في كنف أبي الوليد بن جهور أول الأمر هانئا سعيدا، وعاد إليه ما كان من ~~نفوذ وعلو مكانة، وكان يجمعهما المساء في ندوة ولادة بين أخدان من الشعراء والأدباء، فيطوون ~~الليل بين سمر وطرب وفكاهة. # وترامت الأيام، وكرت الليالي، وأخذ شغف ابن جهور بابن زيدون يهدأ قليلا ويعدو عليه السأم ~~ويصيبه الملال. واستمر أعداء ابن زيدون يرسلون الأخلوقة إثر الأخلوقة، والنمة وراء ~~النمة، وكانوا من اللباقة في الكذب والبراعة في الدس بحيث ينقلون الخطا فيما هموا به من ~~الفساد وئيدة وئيدة، حتى لا يشعر من يسعون عنده بأنهم يتغفلونه أو يستغلون ثقته. # بعث ابن جهور ابن زيدون للسفارة بينه وبين إدريس الحسني بمالقة، فأحتفى به الحسني مقدرا ~~عظيم منزلته ورفيع أدبه، وأنزله خير منزل، وأجزل له الصلات، وأجرى عليه من الخدمة ما لم ~~يجره قبله على عظيم. ثم أنس بمجلسه، وشغف بالاستماع إلى أدبه، وفتن بروائع أخباره وبدائع ~~نوادره، وألح في أن يطيل ثواءه عنده، وتمنى لو جعل مالقة دار إقامته، واختار من مناصبها ~~أعلاها قدرا وأبعدها نفوذا، فمالت نفس ابن زيدون إليه، وهفت إلى كريم وعوده، وذكر أعداءه ~~بقرطبة، وذكر دالة ابن جهور عليه، وذكر أنه يعيش في كنفه كما يعيش راكب البحر، لا يفتأ في ~~خوف وحذر وإن سكنت الريح وصحت السماء. ولكنه ذكر أيضا ولادة، وذكر أن العيش بدونها لا ~~يطيب، فنفض عنه الرغبة في البقاء، ورأى أن قرطبة جنة نعيمة وإن حفت بالنار من كل ~~جانب. # ولما طالت إقامته بمالقة دخل ابن عبدوس وابن المكري على ابن جهور ذات ms130 صباح، فقال ابن ~~عبدوس: هل وصل إلى سمع مولاي أن ابن زيدون عزم آخر الأمر على الإقامة بمالقة؟ ~~- لا. وكيف يتاح لوزير في دولة أن يكون في خدمة دولة أخرى تنافسها وتضمر لها ~~العداء؟ # فقال ابن المكري: إنه يا مولاي قد يسدي إلى قرطبة من الخدم وهو بمالقة ما لا يستطيعه ~~هنا. ~~- إن القائد الحذر لا يبتعد عن ميدانه. ولقد سقطت علينا أخبار من مالقة تدل على أن الرجل ~~ألقى زمامه للحسني يصرفه كيف يشاء. # فقال ابن عبدوس: علمت أنه يعمل معه على إعادة قرطبة لبني الحسن بن علي. # فظهر الغضب على وجه ابن جهور وقال: لا يا أبا عامر إنه لن يتدلى إلى هذا الدرك، ولن ~~يستطيع أعدى أعدائه أن يقول إنه يفرط مثقال خردلة في وطنه الذي يفديه بروحه. إن ابن زيدون ~~إذا جرد من كل صفة من صفات الرجولة والكرامة، فلن يستطيع أحد أن يرميه بخيانة وطنه. ثم ~~إنه لا يجهل ما أصاب قرطبة على أيدي الحسنيين من كوارث وفتن حاطمة، ولن ينسى أهل قرطبة تلك ~~السنين السبع الشداد التي دمر فيها الحسنيون قصور الزهراء، وفتكوا بالناس، ونهبوا كل شيء، ~~وسلطوا البربر فانبسطوا في قرطبة يقتلون ويأسرون، إلى أن أنقذ أبي البلاد من شرهم، ورد ~~الأمر إلى بني أمية. لا يا ابن عبدوس، إن أبا الوليد لا يبيع بلاده لأحد، فكيف يبيعها ~~لهؤلاء المردة الطغاة؟ # فقال ابن المكري: كنت أعتقد كل هذا يا سيدي، ولكن الأخبار التي تحملها إلينا ريح مالقة ~~زلزلت يقيني، ووضعت مكانه حيرة وشكوكا. وإني أرى أن يتحصن مولاي بسوء الظن، فإنه أسلم ~~عاقبة وأدنى إلى الحيطة والحذر. ~~- أي حيطة وأي حذر؟ إن الرجل من هذه الناحية فوق مطار الظنون. # فأسرع ابن عبدوس وقال مبتسما: إن القلوب تتقلب يا سيدي، والطموح والآمال الكاذبة قد تعصف ~~بالمرء فتخدعه عن نفسه، وتزعم له أن الخير لا ينال إلا بالشر، وأن الحق لا يمشي إلا على ~~قدمين من الباطل، وإلا فلماذا كلما قابلت ابن ذكوان أو ثابتا ms131 الغافقي أو عمارا الباجي، ~~وهؤلاء حملة رسالته وموطن أسراره، تسللوا لواذا، # 2 # وصرفوا وجوههم عني في خوف الجبان وحذر اللئيم لماذا كلما سألت أحدهم عن ابن ~~زيدون وعن طول غيبته بمالقة تردد وتلعثم واصفر وجهه وبلع ريقه وأدركه البهر؟ # 3 # لا يا مولاي، إن ترك النار تدب في الهشيم تهاون واستهداف للخطر، وإن السكوت ~~على الجريمة جريمة. # وأسرع ابن المكري فقال: لقد علمت أنه بعث برسالة إلى خادمه علي أمره فيها أن يلحق به ~~بمالقة مع عبيدة وأهل بيته، ولكني غير واثق بهذا الخبر. # فتحرك ابن جهور في مجلسه، وقد بدا على وجهه القلق، وطلب من رئيس كتابه أن يبعث رسالة ~~إلى ابن زيدون يستعجل قفوله، ويصرفه عن السفارة. # وقفل ابن زيدون إلى قرطبة حزينا كاسف البال، لأنه علم أن الحيات بقرطبة عادت تهز ~~رءوسها، وأن عناصر الشر التي خمدت حينا أخذت تتجمع من جديد لتفعل أفاعيلها، وأنه أصبح ~~بقرطبة بين فكي أسد لا يبعد أن يحلو له يوما أن يحرك ماضغيه. # عاد ابن زيدون إلى قرطبة، وقابل ابن جهور فعتب عليه عتبا خفيف المس خفي الإشارة، تتخلله ~~الأفاكيه، وتخفف من وقعه البسمات، فخرج من لدنه وهو يعلم أن ابتساماته أشبه بالبروق التي ~~تسبق الصواعق، وأن وراء هذا اللطف أحابيل تنصب، وقضاء يدبر. وقابل ولادة ونائلة ونفض إليهما ~~جلية أمره، وما يجيش بصدره من مخاوف، ثم أخرج من جيبه رسالة بعث بها إليه المعتضد بن عباد ~~يدعوه فيها إلى حضرته بإشبيلية، ويعده بأرفع المناصب وأسمى المراتب. # فقالت نائلة: إن ابن عباد داهية ماكر، وأخشى أن يتخذ منك أحبولة لمآربه. # فقالت ولادة: وما مآربه يا ترى؟ ~~- أن ينال قرطبة. إنه مجنون بشيء يسمى قرطبة. أتعلمين أنه قتل بيديه ابنه إسماعيل، لأنه ~~دعاه إلى غزو قرطبة فتردد واعتذر لقلة الرجال والعتاد؟ ~~- إنه قتله حينما قبض عليه وهو يتآمر مع طائفة من الجند على قتله. ~~- ولم تآمر على قتله يا فتاة؟ تآمر على قتله لأنه عرف أنه بعد أن أبى أن يغزو له ms132 قرطبة ~~مقتول لا محالة. # وقال ابن زيدون: وما عيب الرجل إذا أراد امتلاك قرطبة؟ إنه أقوى أمراء الأندلس وهو قمين ~~بأن يملك جميع ولاياتها ويجعل منها دولة تهابها الإفرنجة ويخشى بأسها شذاذ العرب والبربر. ~~إن هذا الرجل لا يبرح من بالي كلما خطرت به فكرة جمع كلمة العرب. # فجعلت نائلة تقول: لا تبث هذا السر لأحد، وإلا عدنا إلى مصائب الأغلال والسجون. ثم ضحكت ~~وقالت: ولسنا نستطيع أن نغري مخلفا بأكل الفالوذج في كل مرة! # وانفض المجلس، وأقام ابن زيدون شهرا يهيئ فيه لفراره، وعزمت ولادة ونائلة أن تلحقا به ~~بإشبيلية. # وفي إحدى الليالي انطلق ابن زيدون نحو إشبيلية بجواده في خوف وتوجس كما ينطلق السهم، ولفه ~~الليل كأنه طيف نائم، أو خيال شاعر. # وأصبحت المدينة ولا حديث لها إلا فرار ابن زيدون، والتقى ابن عبدوس بابن المكري آسفين ~~فرحين، لأنهما كانا يريدان القضاء عليه والتنكيل به، ولكنهما رضيا آخر الأمر بأن انفسح ~~أمامهما الطريق وخلا لهما الميدان. وأرسل ابن جهور جنوده حول قرطبة للبحث عنه والقبض عليه ~~ولو غاص في الماء، أو طار في الهواء، ولكنهم لم يجدوا له أثرا بعد أن سلكوا كل مسلك، ~~وقلبوا للبحث عنه كل حجر. # ومضت أشهر أوشك فيها الناس أن ينسوا فرار ابن زيدون، فأزمعت ولادة ونائلة الرحيل إلى ~~إشبيلية، ولكن جواسيس ابن عبدوس أوصلوا إليه الخبر فنقله إلى ابن جهور وأغراه بمنعهما من ~~السفر، فأرسل إليهما صاحب المدينة ينذرهما بسوء العاقبة إذا غادرتا قرطبة، ووضع حول داريهما ~~الأرصاد والعيون. # | الفصل الرابع عشر # بلغ ابن زيدون إشبيلية بعد أيام، وكانت في ذلك العهد من أعظم مدن الدنيا بهجة ورواء وطيب ~~أرض واعتدال جو واتساع رقعة، وهي على الضفة اليسرى من الوادي الكبير الذي يصعد المد فيه ~~كل يوم نحو اثنين وسبعين ميلا، فيسقي الرياض والحدائق، ثم ينحسر # 1 # عنها كما ينحسر السحاب في الليلة المزهرة عن صفحة السماء. وبها جبل الشرف، وهو ~~أحمر التربة، يمتد من الشمال إلى الجنوب نحو أربعين ميلا، لا ms133 تكاد تسقط أشعة الشمس على بقعة ~~من أرضه، لالتفاف أشجار الزيتون والتين به. # وبإشبيلية أسواق قائمة، وتجارات رابحة، وقصور سامقة، وبساتين ناضرة. وبأهلها يضرب المثل ~~في الخلاعة والترف والمجون حتى قيل: إنه كلما مات عالم بإشبيلية حملت كتبه لتباع بقرطبة، ~~وكلما مات مطرب بقرطبة حملت آلاته لتباع بإشبيلية. # ما بلغ ابن زيدون المدينة حتى قصد لتوه قصر المعتضد، وهو قصر فخم يطل على النهر، فسيح ~~الأرجاء سامق البناء، كأن لقبابه حديثا لا ينقطع مع السماء. وخير لنا ألا يجرؤ قلمنا على ~~وصفه، فإنه يكفي أن نقول: إنه قصر بني عباد، وبنو عباد هؤلاء خلقوا وفي دمهم الانفراد ~~بالعظمة، والغيرة من أن يسبقهم في فخامة الملك وجلالة السلطان سابق، ثم إن من طبائعهم السرف ~~والافتنان في النعيم والتمتع بلذائذ الحياة. # استأذن ابن زيدون على المعتضد، وكان يجلس في قاعته الكبرى التي يستقبل فيها الوزراء ~~والسفراء وكبار رجال الدولة، فلم يصل إلى حضرته إلا بعد جهد ولأي، فقد أخذ يتلقفه عبد أسود، ~~ليسلمه إلى خادم صقلبي ليسير به إلى بعض كبار القصر، ثم إلى ذي الوزارتين أبي علي بن جبلة، ~~كأنه كرة يقذف بها لاعب للاعب. وحينما رآه ابن جبلة رحب به وعانقه وأظهر له من الود ~~والحفاوة ما يرتاح لهما قلب الكريم. ثم دخل به إلى المعتضد وكان جالسا على كرسي عال تحيط ~~به الوسائد، ويقوم إلى جانبيه عن يمين وشمال عبدان لا يكاد الناظر يرى منهما إلا لهيب ~~عينيهما لكثرة ما تدججا به من سلاح. # وكان المعتضد في نحو الخامسة والأربعين، مديد القامة جهم الوجه، براق العينين، يكاد سنا ~~برقهما يذهب بالأبصار. وكان على كبريائه وغروره داهية حاد الذكاء، باقعة في السياسة، شديد ~~البطش جبارا. كان أسدا يفترس وهو رابض، وثعلبا يعرف متى يثب ومتى يفر، وكان كثير ~~الأطماع بعيد منال الآمال، لا يكاد يستقر له سيف في غمد، أو يلقي عن جواد له لجام، فهو ~~دائما مع من حوله من الوزراء في صدام وعراك وحرب ضروس. # دخل ابن زيدون ms134 فحياه الأمير في عظمة الملوك وسطوة الجبابرة، وتصدق عليه بابتسامة ~~ذابلة، وكلمات هادئة في الترحيب بمقدمه، وكأن ناطق حاله كان يقول: هذا كل ما أستطيع أن ~~أتبسط فيه مع مثلك، فاحمد الله عليه، فإني لا أجود به على أحد. وأخرج ابن زيدون من كمه ~~قصيدة كان أعدها لمدحه في الطريق جاء فيها: # للحب في تلك القباب مراد # لو ساعف الكلف المشوق مراد # من مبلغ عني الأحبة إذ أبت # ذكراهم أن يطمئن مهاد؟ # إن أغترب، فمواقع الكرم الذي # في الغرب شمت بروقه، أرتاد # أو أنأ عن صيد الملوك بجانبي # فهم العبيد مليكهم عباد # المجد عذر في الفراق لمن نأى # ليرى المصانع منه كيف تشاد # في آل عباد حططت فأعصمت # هممي بحيث أنافت الأطواد # أهل المناذرة الذين هم الربا # فوق الملوك، إذا الملوك وهاد # بيت تود الشهب في أفلاكها # لو أنها لبنائه أوتاد # نفسي فداؤك أيها الملك الذي # زهر النجوم لوجهه حساد! # تبدو عليك من الوسامة حلة # يهفو إليها بالنفوس وداد # لم تشف منك العين أول نظرة # لولا المهابة راجعت تزداد # فلئن فخرت بما بلغت لقل لي # ألا يكون من النجوم عتاد # مهما امتدحت سواك قبل فإنما # مدحي إلى مدحي لك استطراد # فاهتز المعتضد للمديح وزاد في الثناء عليه والترحيب به، وخلع عليه منصب الوزارة، وأمر ابن ~~جبلة أن يهيء له دارا تليق بمنزلته، وأن يعد له بها من الخدم والعبيد ما يوائم جلال ~~منصبه. # وعاش ابن زيدون في كنف المعتضد عظيم الجاه مسموع الكلمة نافذ الرأي، وأخذ إقبال الأمير ~~عليه ورعاؤه له يزداد مع الأيام شيئا فشيئا كلما ظهر نبوغه في حل المعضلات، وبدا مضاؤه في ~~تصريف الأمور. # وتحدثت حسان المدينة بقدوم ابن زيدون، وودت كل ذات وجه صبيح أن تسعد بأبيات من غزله ~~تباهي بها صويحباتها، وتدل بها على خطابها، فقد سبقه إلى إشبيلية شعره في ولادة، فرددته ~~جنباتها، وأنشده المنشدون، وغنى به المغنون، ولكن شاعرنا جاوز الآن مرحلة الشباب، وعرى ~~أفراس الصبا ورواحله، ولم يعد بقلبه متسع لنزيل جديد ms135 بعد أن شغله حب ولادة ولم يترك في إحدى ~~زواياه مكانا خاليا. لم ينس ابن زيدون عهد ولادة ولم يزده تنائي الديار إلا شغفا بها، ~~وهياما بذكراها وكان إذا طواه الليل وقف بنافذة داره، ولمح البارق المؤتلق في شمال الأفق ~~وتلقى الريح السارية من نحو قرطبة بليلة شذية، فهاجت بلابله، وثارت شاعريته فقال: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # وناب عن طيب لقيانا تجافينا # إن الزمان الذي ما زال يضحكنا # أنسا بقربهم قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا # بأن نغص فقال الدهر آمينا # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا # وانبت ما كان موصولا بأيدينا # وقد نكون وما يخشى تفرقنا # فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا # لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم # رأيا، ولم نتقلد غيره دينا # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم، ولا جفت مآقينا # نكاد حين تناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى لولا تأسينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت # سودا، وكانت بكم بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تآلفنا # ومرتع اللهو صاف من تصافينا # ليسق عهدكم عهد السرور فما # كنتم لأرواحنا إلا رياحينا # والله ما طلبت أهواؤنا بدلا # منكم، ولا انصرفت عنكم أمانينا # يا ساري البرق غاد القصر واسق به # من كان صرف الهوى والود يسقينا # ربيب ملك كأن الله أنشأه # مسكا، وقدر إنشاء الورى طينا # يا روضة طالما أجنت لواحظنا # وردا، جلاه الصبا غضا ونسرينا # ويا حياة تملينا بزهرتها # في وشى نعمى سحبنا ذيله حينا # لسنا نسميك إجلالا وتكرمة # فقدرك المعتلى عن ذاك يغنينا # وأظله عيد الأضحى وهو بعيد عن مغاني هواه وملاعب صباه، فتوالت عليه الذكريات، وزاد به ~~الحنين، واستبد به الشوق، فردد في همهمة الحزين، وترنيم الطائر السجين: # خليلي لا فطر يسر ولا أضحى # فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى؟ # ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح # تقضى تنائيها مدامعه نزحا # محل ارتياح يذكر الخلد طيبه # إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحى # وحمل إليه البريد خبر موت نائلة فذهبت نفسه عليها حسرات، وتقطعت زفرات، ms136 وبكى فيها الوفاء ~~والحنان والحب السماوي النقي الطاهر وأنشد: # لرزئك تنهل الدموع فمثله # إذا حل ود القلب لو كان مدمعا # لقد أجهش الإخلاص بالأمس باكيا # عليك كما حن الوفاء فرجعا # ودنيا وجدنا العيش في غفلاتها # طريقا إلى ورد المنية مهيعا # نعلل فيها بالمنى فتغرنا # بوارق ليس الآل فيها بأخدعا # وكانت الرسل بينه وبين ولادة لا ينقطع لها مجيء وذهاب، كأنها وشيعة الحائك لا تكاد تلتقي ~~بيمينه حتى تعود إلى شماله، ولكن ماذا تعمل الرسل، وماذا تجدي الرسائل، وحبيبته حبيسة عند ~~ابن جهور، ربيطة بقرطبة، لا تستطيع منها فكاكا؟ قاتل الله ابن جهور! ولعن الله الأيام السود ~~التي نصبته عميدا للجماعة وسيدا مطاعا بين ساداتها وكبرائها! لقد بذل نفسه في خدمته فما ~~أجدى، وخلع عليه من المديح أثوابا يبلى الدهر ولا تبلى، ثم يجيء آخر الأمر فيحول بينه وبين ~~ريحانة حياته وخاتمة آماله. # بني جهور أحرقتم بجفائكم # حياتي ولكن المدائح تعبق # تعدونني كالعنبر الورد إنما # تطيب لكم أنفاسه حين يحرق # وطالما همت ولاده باللحاق به بإشبيلية تحت ستار الليل، فكان ابن عبدوس يفشي سر ~~مؤامرتها، ويحول بينها وبين السفر. # عاش ابن زيدون بإشبيلية سنوات قلق النفس مضطرب الخاطر، لم ترتح نفسه للمعتضد وإن أغدق ~~عليه، ولم يطمئن له قلبه وإن توالت مواهبه، لأنه كان من الصنف الذي يعطي من غير أريحية، ~~ويبتسم من غير حب، ويسأل عنك من غير شوق، ويجاملك في غير مودة. صنف تشعر وأنت تجالسه بأنك ~~تحت كابوس مخيف لأنه يراك دونه، ويريد أن يكون لطيفا، ويريد أن يكون ظريفا، ولكن شتان بين ~~الخلق والتخلق، وشتان بين الروح الخفيفة المرحة والروح التي تريد أن تكون خفيفة وتريد أن ~~تكون مرحة. ومثل هذا الصنف قد يمدحك وقد يثني عليك، ولكن مديحه يطن في أذنك كما يطن مديح ~~السيد لعبده، وقد يطرح معك الكلفة، ويتبسط في الحديث، ولكنه يحرص دائما على أن يشعرك في ~~غضون كل هذا أنه إنما يتصدق عليك بتواضعه، ويتخذ منك وسيلة للاستراحة من عظمته التي ضاق ms137 بها ~~صدره. # لكل هذا أبى ابن زيدون أن يعرض على المعتضد أمنيته التي لاقى في سبيلها عذاب الهون وآلام ~~الحبس والتشريد. أبى أن يدعوه إلى توحيد دويلات العرب بالأندلس لأنه رأى فيه جبارا يضع ~~السيف في موضع الندى، ومتكبرا صلفا لا يدين إلا بسياسة العنف والجبروت، لذلك كتم سره في ~~صدره، ولم يومئ به لأحد لا في صراحة ولا في تلويح. ولم يكن له من سلوى في غربته إلا في محمد ~~بن عباد ولي عهد المملكة، فقد كان شابا طموحا، تزدحم نفسه بالآمال الكبار، وكان إلى ~~بطولته الكامنة مرحا مولعا باللهو والشراب، وكانت له مجالس يجتمع بها ابن زيدون وابن عمار ~~وابن مرتين، وكانت هذه المجالس صورة من العبث الأندلسي الذي قضى على دولة العرب، وأمات في ~~شبانها النخوة والإقدام وصدق العزيمة. # ومرت الأيام، وتعاقبت السنوات، فلحق المعتضد بربه، وشغلت الرهبة منه قلوب الناس عن الحزن ~~عليه، وأكد ابن زيدون قريحته فبضت له بأبيات سقيمة في رثائه. وخلف المعتمد أباه، واستوى ~~على عرش إشبيلية، فاستبشر الناس وتمنوا على الله لو صدقت فيه المخايل. وكان أديبا شاعرا ~~فأقبل على ابن زيدون ووالى عليه نعمه، فملأ قلوب حاسديه عليه حقدا، وتألب عليه نفر كان ~~يحمل لواءهم ابن عمار وابن مرتين، فما برحوا يدسون له عند المعتمد حتى إنهم زينوا لمغنيته ~~«صبح» أن تغنيه: # يأيها الملك العلي الأعظم # اقطع وريدى كل باغ يلؤم # واحسم بسيفك كل داء منافق # يبدي الجميل وضد ذلك يكتم # فبدأ الغضب على وجه المعتمد وصاح بابن عمار: ماذا تقصد هذه الجارية؟ # فابتسم ابن عمار في خبث ودهاء وقال: لا أدري يا مولاي من تقصد على التحقيق، ولكنها تردد ~~صدى ما تتحدث به المجالس والأندية بأشبيلية. ~~- وبأي شيء تتحدث هذه الأندية؟ ~~- اعفني يا مولاي فقد يكون حديثها عن أقرب الناس إليك، وأحظاهم عندك. ~~- من هو؟ صرح وإلا سبق كلمتي إليك سيفي! ~~- هو ابن زيدون يا مولاي. ~~- ابن زيدون؟ ~~- نعم يا مولاي، فإنهم ينسبون إليه بيتين قالهما عندما بلغه نعي مولاي ms138 المعتضد. ~~- ما هما؟ ~~- يقولون إنه قال: # لقد سرني أن النعي موكل # بطاغية قد حم منه حمام # تجنب صوب الغيث قبرك جافيا # ومرت عليه المزن وهي جهام # فقهقه المعتمد في سخرية واستخفاف وصاح: الآن عرفت سخف النمائم وما يمكن أن تنفثه سموم ~~الوشايات! هذان البيتان قلتهما أنا حينما علمت بموت ابن ذي النون صاحب طليطلة، وابن زيدون ~~بريء منهما كبراءتي من كل أعدائه ومنافسيه. # وعلم ابن زيدون بالخبر فنظم قصيدة بارعة يمدح بها المعتمد ويندد بحساده منها: # قل للبغاة المنبضين قسيهم # سترون من تصميه تلك الأسهم! # ما كان حلم محمد ليحيله # عن عهده دغل الضمير مذمم # وزادت منزلة ابن زيدون عند المعتمد علاء ورفعة، فاهتبل فرصة خلوته به ليلة، وأخذ يحضه في ~~إغراء واستهواء على أن يعيد لدولة العرب مجدها، ويجدد شبابها، ويذكره بما كان لها من الحول ~~والصول، ثم يعود إلى ذكر ما ارتكست فيه من الضعف بعد أن فصمت عروتها، ثم يصيح في ألم وحسرة: ~~انظر يا مولاي إلى هؤلاء الذين سموا أنفسهم أمراء وحدثني بحقك عمن تراه منهم جديرا ~~بالرياسة. ابن هود ذلك الغادر؟ أم ابن الأفطس الذي يقضي ليله ونهاره في اللهو والطرب؟ أم ~~ابن ذي النون الذي أصبح سيفا في يد ملك الأسبان؟ أم ابن باديس البربري الجاهل؟ من من ~~هؤلاء يا مولاي يصلح لقيادة العرب وتوحيد الكلمة؟ لم يبق إلا أنت لرأب # 2 # الصدع وجمع الشمل، فاحمل العبء ثقيلا لتكتب في سجل العظماء، وليدوي ذكرك في ~~أجواء التاريخ كل صباح ومساء. ثم إنك لم تكن دخيلا في الملك، ولا لصيقا في الرياسة، وإنك ~~لخمي يا مولاي، إنك من بني المنذر بن ماء السماء ملك العرب وسيد سادتها. # كان المعتمد يصغي وغرائز العظمة تتوثب في نفسه، فمال على ابن زيدون وقال: وما الطريق إلى ~~هذه القمة الشامخة وهذا الأمل البعيد؟ ~~- الطريق يا مولاي أن تستولي على قرطبة أولا وأن تجعلها قصبة ملكك، ثم تغير منها على هذه ~~الدويلات واحدة في إثر واحدة، والنصر يا مولاي يجلب ms139 النصر، والرعب إذا استولى على قلوب ~~أعدائك سجن سيوفهم في أغمادها. ~~- إن قرطبة الآن في يد هذا الطاغية الفاجر حريز بن عكاشة، فقد استولى عليها بعد أن رحل ~~عنها المأمون بن ذي النون بجنوده، وقد علمت أن عبد الملك بن جهور يقاسي الآن من ابن عكاشة ~~ما هو شر من الموت وأنكى من الذل والإسار. ~~- نعم يا مولاي والرأي أن يتقدم مولاي بجيشه إلى قرطبة، وأن يذيع قبل مقدمه أنه إنما يزحف ~~لإنقاذها من ابن عكاشة وإعادتها إلى عبد الملك بن جهور، ولا بد أن يكون لمولاي بين وزراء ~~قرطبة وعظمائها من يمهدون لهذه الحيلة حتى لا يجد الجيش من القرطبيين مقاومة أو ~~دفعا. ~~- إن رجلنا هناك الوزير ابن السقاء، وهو أخلص الناس لنا وأحرصهم على خدمتنا. ~~- حسن يا مولاي، فلنبعث إليه رسولا الليلة، ولنعد الجيش في أيام لننقض به على ~~قرطبة. # واقتنع المعتمد بالرأي، وسار الرسول، وأعد الجيش وكان في مقدمته المعتمد وابن زيدون، ~~وبلغ الجنود أسوار قرطبة فدخلوها وقد فتحت أمامهم الأبواب، وذللت لهم السبل، وقتل المعتمد ~~ابن عكاشة وأباد جيشه، وظن عبد الملك أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأن المعتمد سيعود بجيشه ~~إلى إشبيلية، ولكن المعتمد لم يفعل شيئا من هذا، بل قبض على عبد الملك وعلى إخوته وسائر ~~أهل بيته وأودعهم غيابات السجون. # وسر ابن زيدون بلقاء ولادة، فبكيا معا من شدة سرورهما باللقاء، وبكيا معا لأن نائلة ~~لم تكن معهما بعد أن عادت إليهما الأيام. # التقى ابن زيدون بولادة ولكن بعد أن فات الفوت، وذهبت بشبابه السنون، ولوت قناته كوارث ~~الأيام، ونيفت سنه على الثامنة والستين. فكان كالمتمني أن يرى فلقا من الصباح، فلما أن ~~رآه عمي عاد ابن زيدون إلى قرطبة، ولكن لم يعد إليه هناء قرطبة وطيب أيام قرطبة، فقد لبث ~~أشهرا يعاني آلام الأمراض وآلام الخيبة، لأنه رأى بعد طول التجربة أن المعتمد لا يصلح لما ~~كان يرجى منه من خطيرات الأمور. # واشتد في إحدى الليالي به المرض، فجلست ولادة حول ms140 سريره باكية نادبة، وهو يجود بنفسه، ~~ويلفظ أنفاسا قصارا كأنها خفقات السراج آخر الليل، ويردد: # ألم يأن أن يبكي الغمام على مثلي # ويطلب ثأري البرق منصلت النصل # وهلا أقامت أنجم الليل مأتما # لتندب في الآفاق ما ضاع من فضلي # وما زال يكرر البيتين حتى أدركته غشية أوردته الردى، ولم تجعل ليومه غدا. ms141