######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.KhatimatMataf.Hindawi17291520 #META# Tags: novels #META# ID: 17291520 #META# Title: خاتمة المطاف #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خوف‏ # حيرة‏ # مخاطرة‏ # ركود‏ # استفزاز‏ # رعونة‏ # قتل‏ # خوف‏ # حيرة‏ # مخاطرة‏ # ركود‏ # استفزاز‏ # رعونة‏ # قتل‏ # | خاتمة المطاف # | خاتمة المطاف # تأليف # علي الجارم # | خوف # لم تشهد مدينة الفسطاط منذ أن دق عمرو بن العاص بها أطنابه كهذين الفارسين، وقد التفا ~~بعباءتيهما السوداوين فزادا ظلمة الليل البهيم وحشة وإرهابا، وخطا بهما جوادهما في حذر ~~وخشية، فلم يكن يتردد من أنفاسهما إلا ما يتردد من همسات النسيم الوادع يهز أطراف الغصون. ~~اخترق الفارسان خضم الظلام كأنهما شبحان من أشباح الظلام، لا تكاد تحس لهما حركة أو تسمع ~~ركزا، أو كأنهما تمثالان من صنع الفراعين الأولين سرت إليهما روح خافتة خامدة فبقيا على ما ~~عهد فيهما من جمود إلا ما كان من يد تقبض على العنان، ورجل تثبت في الركاب. صمت وإطراق ~~مخيفان حقا، وليل وهدوء مخيفان حقا، والهدوء في ذاته رفيق بالنفس، حبيب إليها، ولكنه ~~إذا اقترن بالظلام كان مخيفا، وكان مبعثا للهواجس ومثارا للخيال الجامح الذي يخلق ما شاء ~~من صور، ويبتدع ما أراد من تهاويل. وخير لك ألف مرة إذا لفك الليل في مكان موحش أن تسمع ~~حولك صخبا وضوضاء من أن تسمع هدوءا وصمتا، إذا صح أن الهدوء والصمت يسمعان؛ ذلك لأن ~~الهدوء مظنة المفاجأة والاغتيال، وهل قتل الصيد إلا ذلك الهدوء الذي يتصنعه الصائد لينقض؟ ~~وهل فتك القاتل بفريسته إلا بعد أن خدعها بجو من السكون الشامل؟ وهل يسرت الفطرة للحيوانات ~~الضارية سبيل الفتك إلا بتلك الأقدام اللينة التي لا تحس إذا مست الثرى؟ # سار الفارسان في صمت وإطراق، وظللهما الليل بصمته وإطراقه، فكان لا يرى إلا سراج خافت ~~هنا وهناك يلمع في نافذة، ولا يسمع إلا طنين بعوضة أتخمتها الدماء، فأرسلت صوتا ضعيفا ~~متقطعا، ولا يحس إلا رفيف خفاش عاد من بعض الحدائق بعد أن نال من ثمارها. # سار الفارسان هكذا صامتين جامدين فمرا بجامع العسكر، وكان أبو هلال السبكي مؤذن المسجد ~~ينام فوق سطحه، واتفق أن أيقظه بعض الهوام، فبدرت منه التفاتة، فرأى الفارسين. وكان من بين ~~كبار ms01 المخرفين يحتفظ إلى حفظه القرآن الكريم بثروة واسعة من أقاصيص الجن والشياطين، فما كاد ~~يرى الفارسين حتى حملق وتمتم بكل ما وعى صدره من صنوف الاستعاذات والأدعية، فلما جاوزاه ~~تنفس الصعداء، وأخذ يسكن رعدة هزت أوصاله، ويحدث نفسه في همس لم تسمعه أذنه: أفارسان هما؟ ~~لا. إنهما لم يكونا فارسين، أنا واثق بذلك ثقتي بوجود هذه المئذنة القائمة. وأنى لفارسين ~~أن يسيرا في هذا الليل الداجي، وفي ليلة يسكن فيها كل رجل إلى أهله ويهدأ ليستقل العيد ~~مرحا نشيطا؟ إنهما لم يتحركا ولم يتهامسا فكيف يكونان رجلين؟ لقد رأيت بعيني شرارا ~~يتطاير من أعينهما، ورأيت بعيني أنهما كانا يركبان أسدين لا حصانين. نعم لقد كانا أسدين ما ~~في ذلك شك. لقد سمعت زئيرهما بأذني. ولقد اتجه أحدهما ببصره إلى أعلى كأنه أحس بمكاني ~~فأخفيت وجهي خلف شرفات المسجد. # ويلي من هذه الأرواح الشريرة التي لا تدب إلا في حلك الظلام! وإلى أين كان يسير هذان ~~الشيطانان؟ أغلب الظن أنهما لا ينتهيان إلى خير، أكان علي أن أصيح بملء صوتي حتى أوقظ ~~النوام لينقضوا عليهما؟ لا. لو فعلت وتيقظ الناس لتسربا في الهواء، ولم يكن جزائي إلا أن ~~أشتم وأرمى بالجنون. غدا أقص على الناس هذا الخبر الرائع، وسيكون حديث العيد، وسوف ينالني ~~شيء من الخير كلما قصصته على من لهم ولوع بمثل هذه الأخبار. # ابتعد الفارسان عن جامع العسكر فمال أحدهما على صاحبه وقال هامسا: كيف نجتاز الباب ~~الشرقي يا أبا الطيب؟ ~~- هذا ما كنت أفكر فيه يا ابن يوسف، ومن العجيب أننا دبرنا كل شيء ولم يخطر ببال أحدنا أن ~~الباب سيكون مغلقا، وأن الحارس قد يكون شريرا عنيفا. ~~- لو كان الحارس شكسا صخابا لقضي الأمر وكتبت علينا الخيبة. ~~- خل عنك اليأس يا ابن أخي، فإن من خصائص هذا الخنجر أنه يسكت الأصوات. ~~- لن ألوث يدي بدماء الأبرياء. ~~- إن من يقف في طريق عزيمتي لا يكون بريئا. فابتسم صاحبه ابتسامة ضاعت في الظلام، وقال: ~~أخشى أن أقف في طريق ms02 عزيمتك. ~~- لا تمزح يا خزاعي، فإنما نحن في جد عابس دميم. بم تشير إذا لم نقتل الرجل؟ ~~- لقد اعتدت ألا أفكر في أمر إلا بعد أن أعرف ما يحيط به من شئون، وبعد أن ألتقي بصعابه ~~وجها لوجه، فدعنا الآن من التفكير فلعل الله معقب فرجا. # كان المتكلم عبد العزيز الخزاعي زعيم العرب ببلبيس، وكان يخاطب صديقه وصفيه أحمد بن ~~الحسين المتنبي، وقد عزم في تلك الليلة على الرحيل عن مصر والفرار من وجه كافور، بعد أن ~~أقام أربع سنوات في ضيافة الأسود يمدحه بروائع الشعر، ويخلع عليه من صفات الجلال والبطولة ~~ما يندر اجتماعه في إنسان. ولم يقصد كافورا إلا بعد أن خدعه عماله، أو خدع هو نفسه بأنه ~~سينال عنده الحظوة الكاملة، والمنزلة الرفيعة، وأنه سيوليه إمارة تسكت صائح طموحه، وتشفي ~~غلة نفسه، وترفعه من وهدة الشعراء المجتدين، إلى قمة الملوك الحاكمين. فأقام بمصر يتزلف إلى ~~الأسود ويتملقه؛ ويضفي عليه حللا من الثناء لم ينسجها زهير لهرم بن سنان، ويثب بنسبه ~~المجهول دفعة واحدة حتى يبلغ به ذروة معد بن عدنان. وقد أنفد الأسود حيله، فكان يستجديه ~~ويسأله إنجاز وعده في لطف ووداعة، أو في خشونة وإلحاف. وكثيرا ما كان ييأس فيثور على كافور ~~وعلى نفسه وعلى الناس جميعا، ويلعن الحظ العاثر الذي ساقه إلى مصر، وأوقعه بين براثن هذا ~~الزنجي اللعين، ويبكي على أيام سيف الدولة وعلى سالف عهده بحلب، وما كان يتقلب فيه من نعيم ~~في ظلال هذا العربي المجاهد الكريم الذي كان يفهم شعره، ويقدر مكانته، وينزله بين سمعه ~~وبصره، ولكنه بطر وأشر فلاقى جزاء البطر والأشر. سخط على الجنة التي كان ينعم فيها بوارف من ~~العيش هنيء، فخرج منها مذءوما شريدا، فساقه النحس وقاده نكد الطالع إلى جحيم تأجج فيها ~~الخلف والكذب والمطل والخديعة والرياء. إلى جحيم يرى فيها نفسه وهو العربي العزوف، والشريف ~~الأنوف، الذي تصغر في عينه العظائم، ويرمي بعزيمته إلى أبعد مطارح الآمال، مدفوعا إلى أن ~~يقول للقرد: أنت آية الجمال ms03 ، وللكلب: أنت العزة في تمثال، ولابن آوى أنت صفوة الصحاب، ~~وللثعبان أنت ملح اللمى عذب الرضاب. وأن يقول لكافور: # أنت شمس أنت بدر # أنت نور فوق نور # إلى جحيم أحرق فيها آماله ومطامحه وعزته وشممه، وهدم فيها كل مجد بناه، وشرف أثله ~~وأعلاه، وأصبح من سوقة الناس شاعرا مستجديا بغيضا، يرمي إليه العبد بفتات موائده، ويلزمه ~~أن يقول بكل لقمة يزدردها بيتا من الشعر في وصف آلائه الحسنى، وآيات عظمته الكبرى. إلى ~~جحيم سلط فيها كافور عليه زبانيته ينتقصونه ويزدرونه ويتجسسون عليه، فلا ينطق بكلمة إلا وهي ~~في كتاب، ولا يخطو خطوة إلا ولها عندهم حساب. # ضاق المتنبي بمصر واختنق بعد أن رأى أنه فقد فيها كل شيء، ولم يحصل على شيء. وبعد أن رأى ~~شبابه يولي قبل أن يبلغ من الدنيا مأربا، وغصن عوده يذوي وتسقط أوراقه جافة يابسة كما تسقط ~~أوراق الخريف إذا عصفت بها الرياح، وبعد أن رأى الشر يلمع في عيني كافور، ورأى النمر يستجمع ~~للوثوب، والصل الأسود يقترب منه رويدا رويدا ليقبله قبلة الوداع، وبعد أن تواترت إليه ~~الأخبار بأن كافورا ووزيريه ابن الفرات وأبا بكر بن صالح يعدون الفخ لاصطياد الطائر الطموح ~~المغرور، وبعد أن جلس الجواسيس والعيون حيال داره لا يفارقونها في صباح أو مساء. # ضاق المتنبي بمصر واختنق حينما تنكر له أهلها، وناصبه العداء علماؤها، ومشى له الضراء ~~شعراؤها، وأصبح شعره فيها سخرية في كل مجلس، ومتندرا في كل سامر. ولو لم يخفف الله عنه هذه ~~البلوى بحب عائشة بنت رشدين وصادق وفائها وحلو حديثها، وبإخلاص أخيها صالح وكريم حفاوته، ~~وبمودة عبد العزيز الخزاعي، ورعاية إبراهيم العلوي، لبخع نفسه الحزن، ولقضى عليه الهم، ~~ولذهبت نفسه في الهالكين. كان يحب عائشة، وكانت تحبه حبا عذريا قدسيا شريفا يناغم ~~عزتها وكرم أرومتها، ويساوق شرفه وأنفته. وكان يزور بيت أخيها بين الحين والحين، فيجد في ~~حنوها الجنة والنعيم، وكثيرا ما كان يضم المجلس الشريف إبراهيم العلوي والشاعر ابن أبي ~~الجوع وشيخ العرب عبد العزيز الخزاعي ms04 . # وكان للمتنبي بصيص من أمل في أبي شجاع فاتك، وهو من كبار قواد دولة الإخشيد، ولكن الموت ~~عاجله فأطفأ آخر وميض لمطامع الشاعر، وتركه مع كافور يتنازعان البقاء، ويتباريان في فنون ~~الدهاء والرياء. # لم يبق إذا لأبي الطيب عيش بمصر، ولم يبق له إلا أن يرحل وأن يرحل سريعا، فقد ينطبق ~~عليه الفخ في أية لحظة، وقد تنقض عليه الصاعقة وهو يتأمل في جمال الأفق. ولكن ماذا يصنع ~~وقد نصب له الأسود الأرصاد، وبث خلفه العيون، وعقد العزم على أن يحتبسه بمصر وألا يدع له ~~إلى الفرار سبيلا؟ فقد كان العبد يخشى عاقبة فراره. وكان يخاف بعد أن أذاقه عذاب الهون ~~بمصر أن ينطلق لسانه بهجائه إذا استدبر الفسطاط، وأن يجعل من اسمه سبة الأبد، وأضحوكة ~~الأجيال. # ضاقت الدنيا في وجه المتنبي، ورأى أن حبل كافور أخذ يقترب من رقبته رويدا رويدا، فدبر ~~مع أصدقائه أن يفر من مصر ليلة عيد الأضحى من سنة خمسين وثلاثمائة، وأن يساعده على الفرار ~~صديقه عبد العزيز الخزاعي، وأن يرحل ابنه وعبيده عن مصر قبل فراره بأيام. # وقد تمت المؤامرة ونفذت دون أن يخرم منها حرف، وتسلل الشاعر في هذه الليلة من داره في ~~صحبة صديقه الخزاعي بعد أن ترك تحت غطاء سريره ورقة كتب بها قصيدة في ذم كافور نفث فيها ~~سمه، وشفى غليل صدره، ولطخ كافورا بهجاء مر مقذع يمحي جلده الأسود ولا يمحى، وتزول ~~بشاعة وجهه ولا يزول، ورماه بسخرية لاذعة وكلم ممض أصغت إليه الآفاق، وتداولته الأزمان ~~وتندرت به الأجيال، وبقى بقاء الشمس، وترك للعبد ذكرا خالدا لو كان يطمع في مثل هذا ~~الخلود. ولا يزال أبناؤنا وبناتنا وشبابنا وشيبنا ينصتون في شغف وشوق إلى: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟ # فيضحكون ويطربون. # خرج المتنبي في هذه الليلة من الفسطاط فارا من وجه كافور ومعه صاحبه الخزاعي، فلما ~~اقتربا من الباب الشرقي ألفيا عنده رجلا ضخما مفرطا في الطول، قوي العضل، موثق الخلق، ~~كأنه ms05 صخرة نحتت على هيئة الرجال. ولم يكن فراج القوصي حارس الباب، ولكنه كان ينوب في هذه ~~الليلة عن زوج أخته علقمة السباعي، الذي أراد أن يرفه عن نفسه ليلة العيد بالراحة وبعض ~~اللهو، وكان فراج على قوة جسمه ضعيف العقل خامد الإدراك، ساذجا إلى حد البلاهة، عنيفا إلى ~~حد الجنون، كأنه الهر المستوحش لا تراه إلا متنمرا متوجسا، نشأ في أعلى الصعيد ببلدة قوص ~~نشأة جافية، بين جهل وبداوة وشظف في العيش، فلم تعطف عليه إلا بقليل من الإدراك لا يخرجه من ~~نطاق الحيوان الأعجم إلا بشق الأنفس وبعد لأي وجهد. كان بقوص يرعى الماشية ويعيش معها: يأكل ~~مما تأكل، ويشرب مما تشرب، ويسبح في النيل كما تسبح، وينام حيث تنام ويفهم لغتها وتفهم ~~لغته، ولم يكن بينه وبينها من الفروق إلا أن هذا قائم يمشي على رجلين. وتلك متطامنة تمشي ~~على أربع. وإن أحدا لا يدري إلى الآن أمنها أخذ عقله أم منه أخذت عقلها؟ ولكن الناس كانوا ~~يرون قطيع الجاموس وفيه فراج فيظنونه مالا سائبا، وكانوا في أحيان قليلة يرون فراجا ~~وحده، فيعجبون كيف شرد هذا الحيوان عن القطيع، وكيف ترك هكذا هملا؟ وكان شباب القرية ~~ومجانها كثيرا ما يتندرون به ويهارشونه: جلسوا مساء يوم عند شاطئ النيل، وقد جاء ليسقي ~~قطيعه ويشرب، فسأله خبيث منهم معاجزا: كم عدد قطيعك يا فراج؟ فوقف ذاهلا وقد فتح فاه، ثم ~~بدا على وجهه الجد، وقال في تلعثم: عدد القطيع؟ وماذا أريد من عدد القطيع؟ إنه يأكل ويشرب ~~وكفى. ~~- لو سرق سارق إحدى هذه الجواميس، أكنت تعرف إذا لم تعرف عددها؟ ~~- أعرف كل شيء، والذي أعرفه أكثر وأكثر أن سارقا لو جرؤ على أن يمد يده إلى جاموسة منها ~~لشربت دمه شربا. ثم نظر إلى سائله في سخرية وتحد، وقال: على أن عددها من أيسر الأمور ~~وأهونها، فهذه واحدة، وهذه واحدة، وهذه واحدة ... ~~- كم واحدة إذا؟ فأسرع بعض الشبان ساخرا، وقال: الله سبحانه وتعالى أعلم، فالتقطها ~~فراج في عجلة واغتباط كأنه ms06 ظفر بالقول الفصل والرأي القاطع، وصاح في جذل: الله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # طلب الخزاعي من فراج في رنة الآمر وعظمة الواثق أن يفتح الباب، فنظر إليه فراج وأخذ يصعد ~~فيه بصره ويصوبه، ثم فتح الله عليه بكلمة فقذف بها في سرعة حتى لا ينساها، وقال: إني لست ~~حارس الباب. ~~- من أنت إذا؟ ~~- أنا فراج. فعلم الخزاعي أن في الرجل بلاهة، وأن عليه أن يسير في الأمر على نحو لا ينفر ~~منه ضعاف العقول. فقال: أهلا بفراج! أين المفتاح يا فراج؟ ~~- ماذا تريد من المفتاح؟ إنه في هذه الكوة، ولكن علقمة أمرني ألا أفتح لأحد. ~~- صحيح، إن علقمة رجل أمين ذكي شديد الحذر، وقد عرف كيف يختار رجلا مثلك أمينا ذكيا ~~شديد الحذر، غير أنه من المحقق أنه أمرك ألا تفتح لأحد يجيء من خارج المدينة، ثم يطرق الباب ~~طالبا الدخول إليها، فإن في ذلك خطرا عظيما، إنها تكون مصيبة داهمة حقا أن يدخل ~~المدينة عدو. ولكنه لا يعقل أن يأمرك بألا تفتح الباب لأي رجل يريد الخروج من المدينة، ~~الخروج من المدينة يا فراج غير الدخول إليها، أين تسكن يا فراج؟ ~~- أسكن في حارة الحمالين بجانب الجبل. ~~- هل بحجرتك فيران؟ ~~- كثير جدا. ~~- عظيم، أإذا أراد فأر في حجرتك أن يخرج منها إلى الحارة أكنت تأبى عليه أن يخرج؟ فابتسم ~~فراج ابتسامة جعلت فمه يتصل بأذنيه كأنه فهم معضلة من أعقد مسائل الفلسفة، وقال: لا. يجب أن ~~يخرج، إن الخير في أن يخرج. ~~- إنك رجل متوقد القريحة. وإذا أراد فأر جديد أن يدخل حجرتك فهل تسهل له سبيل ~~الدخول؟ ~~- لا. أبدا. ~~- هكذا نحن يا فراج. نحن سنخرج، وليس في ذلك أي حرج، ولا يمكن أن يكون علقمة نهاك عن أن ~~تخرج أحدا. ~~- إن كلامك صحيح معقول، ولكن يبقى أن علقمة أمرني ألا أفتح الباب، وهو لم يذكر دخولا ولا ~~خروجا، ولكنك تجيء الآن فتربك عقلي بمسألة الدخول والخروج، وأظن الأحوط لي أن أثبت على أمر ~~صاحبي، فاذهب عني بالله عليك فقد ms07 أتعبت عقلي بالحجرة والفيران، وبمشكلة الدخول والخروج، إن ~~أمي حينما أرسلتني إلى الفسطاط لأشتغل بنقل الأحجار للدار التي بناها مولانا كافور، أمرتني ~~أن أطيع علقمة وألا أخالف له أمرا، فاذهب إلى شأنك يا رجل، وبعد قليل يؤذن الفجر، وينبسط ~~النهار، ويجيء علقمة، وهو أعلم مني بمعنى الدخول والخروج. # فظهر الألم على وجه الخزاعي، ورمى بنظرة نحو فراج، ثم أرسلها نحو المتنبي، وكان في هذه ~~النظرة كثير من العجب والدهش والحسرة، وكأنه على سرعة وميضها كانت تقول: أحياة هذه العبقرية ~~الضخمة، وذلك النبوغ الخارق أصبحت معلقة بكلمة يقولها هذا الغر الأبله الذي لا يعقل ولا ~~يبين؟ أذلك العقل الهبرزي، والذهن الوقاد، رمى به نحس الطالع إلى أن يستجدي بسمة رضا من ~~هذا الحيوان الجاهل المعتوه؟ أليس من أضاحيك القدر ومبكياته، أن يقف المتنبي، وهو الفارس ~~الكرار، والبطل المغوار، الذي ملأ خياشيمه غبار الوقائع، ذليلا مستعطفا أمام ذلك الممرور ~~الأحمق، والرعديد المائق؟ أليس من خرف الزمان، وجنون الأيام، أن يخضع الشعر، وتطأطئ ~~الفلسفة، وتتضاءل الحكمة، ويذل المثل الشرود، لهذا الغبي العيي المأفون؟ أهذه تصاريف ~~القدر التي يسمونها؟ أهذه أحكام الفلك الدوار التي يجب أن نقتنع بها راضين أم ساخطين؟ # وما كادت تعود إليه نظرته حتى همس المتنبي في أذنه قائلا: دعني أقتله يا ابن ~~يوسف. ~~- اصبر قليلا فالأمر لا يستحق كل هذا، وليس هو من نوع الشرف الرفيع الذي يجب أن يراق على ~~جوانبه الدم. # وما كاد يتم قولته حتى سمعت خطوات أخذت تقترب قليلا قليلا ظهر من ورائها رجل شعشاع يحمل ~~في يده هراوة طويلة غليظة، ويلبس ثياب العسس. فأخذت قلب الخزاعي رعدة، وغاله ارتباك وذعر، ~~ولكنه جمع إليه نفسه، وقال: وهذا أحد العسس يا فراج وهو يستطيع أن يفهم ما نقول. فاهتز ~~العاس لهذا الثناء الضمني على ذكائه وعبقريته، وقال مبتسما: ما الأمر؟ ~~- الأمر في غاية السهولة واليسر، أنت تعرف يا ... يا ... فأسرع العاس قائلا: شماخ ~~الأحول. ~~- أنت تعرف يا شماخ أن مولانا كافورا أمر بضرب دنانير جديدة، وأمر أن ms08 يرسل قدر منها إلى ~~عامله بالرملة ولا بد أنك تعرفه يا شماخ. فابتلع شماخ ريقه، ورأى من واجب العظمة والذكاء ~~وكرامة المنصب أن يكون يعرفه، فقال: نعم ... نعم ... أعرفه. ~~- إنه الحسن بن طغج. ~~- نعم الحسن بن طغج بلا شك، إنه الحسن بن طغج. ~~- وأنت تعرف يا شماخ أمر عصابات اللصوص الذين تمتلئ بهم هذه المدينة. فهز شماخ رأسه ~~مزهوا حين رأى انسياق الحديث إلى شأن يستطيع الكلام فيه، وقال: اللصوص يا سيدي؟ إنهم ~~كثيرون منتشرون في أنحاء المدينة، وكبيرهم مسافر بن طلحة، وهم يا سيدي من قبائل القيسية، ~~يضربون خيامهم بأهناس، وهي كورة إلى الجانب الآخر من النيل تقرب من الفسطاط، ولا تخلو ليلة ~~من سرقة أو نهب أو غاراة. كنت أمر ليلة أمس بزقاق القناديل فرأيت باب إحدى الدور مفتوحا، ~~فعجبت للأمر، ودخلت الدار فلم أسمع بها حسا، فلما اقتربت من دهليزها رأيت رجلا مكموما ~~مكتوفا ملقى على الأرض، فتأملته فإذا هو إسحاق الجوهري اليهودي، وهو رجل شحيح جديب الكف ~~جماع مناع، لو عرف أن فوق مناط الثريا درهما لطار إليه، وهو يعيش وحده في هذه الدار، لم ~~يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا يؤنسه في وحشته إلا أكداس من المال والجواهر، فأسرعت بحل وثاقه ~~وفك كمامته، وعلمت بعد جهد أن اللصوص سطوا على داره، وأخذوا كل ما فيها من جواهر وتركوه جثة ~~خامدة بين الموت والحياة. إن سرقة كهذه يا سيدي لا يجرؤ عليها إلا مسافر ورجاله. وخاف ~~الخزاعي أن يسترسل هذا الثرثار في الانطلاق في أقاصيص السرقات التي يكاد يخطئها العد، فقال: ~~أراد مولانا كافور أن يرسل أكياسا من الدنانير الجديدة إلى صاحب الرملة، ووكل إلينا السفر ~~بها فكتمنا الأمر خوفا من اللصوص، وعزمنا أن نسير خفية تحت جناح الليل حتى لا يشعر بنا أحد ~~منهم، فيتعقبنا في طريق الصحراء مع بعض رجاله، ويغتصب منا ما نحمله. ~~- هذا رأي حازم يا سيدي، ونعم والله ما فعلت. هؤلاء اللصوص يا سيدي ... وخاف الخزاعي أن ~~يندفع الرجل إلى أحاديث اللصوص ms09 وأفاعيلهم، فأسرع ومد يده إليه بدينار، وقال: وهذا نوع ~~الدنانير التي أخرجتها دار الضرب حديثا. فوثب فراج وأخذ الدينار ونظر فيه، وقال هازئا: ~~وهذا درهم أصفر! فمد شماخ يده واختطف الدينار وحملق فيه بشره ونهم، وقال: تبا لك من أبله ~~ممرور. إن الدرهم لا يكون أصفر أيها الجاهل. إن الدرهم من فضة، والفضة بيضاء، أما الدينار ~~من ذهب، والذهب أصفر. أعرفت أيها الغبي؟ إنه دينار كافوري جديد، وهو يساوي في قيمته خمسة ~~دنانير. # وحينما لمح الخزاعي الجشع في عيني شماخ لمح معه الفرصة المواتية، فقال: فإن هذا الدينار ~~هبة خالصة لمن يسبق منكما إلى فتح الباب. وما كاد يفرغ من قوله حتى وثب شماخ إلى الكوة، ~~وأسرع فالتقط المفتاح وأدخله بغلق الباب وأداره فانفتح، ثم هز يده بالدينار وصاح: اخرجا ~~أيها السيدان. # فأسرعا إلى الباب، وصاح الخزاعي جذلان فرحا: لقد استحققت الدينار يا شماخ! هكذا الشهامة! ~~وهكذا البطولة! # وبقي فراج ينظر إليهما مذهولا دهشا واجما، وهو لا يعرف ما جرى، ويستنجد عقله ليعرف أول ~~الأمر وآخره فلا ينجده، ولم يبق في ذهنه من كل هذه المسألة المعقدة إلا أن الدرهم يجب أن ~~يكون أبيض، وأن الدينار يجب أن يكون أصفر. # وانطلق أبو الطيب والخزاعي كأنما أطلقا من عقال. وجعل المتنبي ينظر من بعيد إلى فراج ~~وشماخ وينشد: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن # يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وإنما نحن في جيل سواسية # شر على الحر من سقم على بدن # حولي بكل مكان منهم خلق # تخطي إذا جئت في استفهامها بمن # لا أقتري بلدا إلى على غرر # ولا أمر بخلق غير مضطعن # ولا أعاشر من أملاكهم أحدا # إلا أحق بضرب الرأس من وثن # | حيرة # أخذت تباشير الصباح تبدو في الشرق كأنها نهر من نور تتهامس أمواجه، ويتلألأ فوقها حبابه، ~~وآذن زنجي الليل بالرحيل فطفق يقتطف أزهار النجوم، فلم يترك إلا واحدة بقيت في الأفق لماعة ~~وهاجة خفاقة، كأنها ترتعد فرقا من أن يغرقها سيل الصباح. وزجر الفارسان جواديهما فانطلقا ~~مع ms10 الرياح كأنهما من الرياح، وانجردا كأنهما القضاء المنقض ليس له مرد ولا عنه محيد. وصبا ~~السوط عليهما ظالمين فانصبا كما ينصب السيل هدارا عجاجا لا يقف في طريقه شيء، ورميا ~~بطرفيهما إلى البعيد فأصبح قريبا، وكأنما أعدى عدوهما الأشجار والنخيل فعدت معهما إلى حيث ~~يقصدان. وعجبت الطيور في السماء أن يكون منها طيور ذات قوائم، وعبس وجه الأفق بعد أن كاد ~~غبارهما يسد معاطس الأفق، وشكت الأرض من ضرب سنابكهما المتلاحق، وظنت أنها تلاقي جزاء زلتها ~~في أن ترضى بأن تكون أما لهذا الإنسان الذي خلق من طين! # أشرقت الشمس على الفارسين كأنها قرص من الذهب النضار، وبعثت إلى الكون نورا وحياة ~~كعادتها في كل يوم، وهي لا تعرف ماذا يفعل الناس بالنور والحياة، ولا تعرف أن الحياة التي ~~تمنحها فيها معنى الموت وفيها معنى الفناء، ولكن ما شأنها هي بمن يعيش أو بمن يموت؟ إنها ~~سراج إلهي يستضيء به من أراد أن يستضيء، إنها تضيء للأعمى، وتضيء للبصير، وتشرق على البار ~~والفاجر، ولكنها على أي حال خير من السحب البله التي تترك الرياض الظمأى، وتصب ماءها ~~مدرارا على الأراضي السبخة التي لا تخرج زرعا ولا تنبت بقلا، وهي خير ألف مرة من الحديد ~~الذي يخدم الإنسان ويقتله. # وأشرقت الشمس على الفارسين فكفكفا من عناني فرسيهما بعد أن جاوزا الفسطاط بأميال، وبدت ~~الزروع والكروم والنخيل يداعبها النسيم، فينفض عنها غشية النعاس، واستيقظت القرى والدساكر ~~ودب فيها ضجيج الحياة، بين ترنيم الطيور، وصياح الديكة، وبين ثغاء وخوار ونباح. وكان كل ~~شيء في الكون مشرقا بساما، وكان كل شيء ضحوكا مرحا، وكان كل شيء يسطع بفطرته النقية على ~~ما حوله فيزيده تألقا وابتهاجا، حب وسلام وجمال، هكذا خلق الكون ليكون، وهكذا يجب أن ~~يكون، ولكن الإنسان المشئوم الشقي بنفسه ومطامعه، يقلب هذا الحب عداء وشكاسة، وهذا السلام ~~حربا وصراعا، وهذا الجمال قبحا ودمامة. كان كل شيء في الكون جميلا مشرقا إلا المتنبي، ~~فإنه كان واجما عابسا منتفخا بالشر مشحونا بالبغضاء، ناقما من ms11 الكون ومن كل من في ~~الكون، يشكو ويهمهم: # أما في هذه الدنيا كريم # تزول به عن القلب الهموم؟ # أما في هذه الدنيا مكان # يسر بأهله الجار المقيم؟ # تشابهت البهائم والعبدى # علينا والموالي والصميم # وما أدري أذا داء حديث # أصاب الناس أم داء قديم؟ # كأن الأسود اللابي فيهم # غراب حوله رخم وبوم # أخذت بمدحه فرأيت لهوا # مقالي للأحيمق: يا حليم # ولما أن هجوت رأيت عيا # مقالي لابن آوى: يا لئيم # فهل من عاذر في ذا وفي ذا # فمدفوع إلى السقم السقيم؟ # إذا أتت الإساءة من وضيع # ولم ألم المسيء فمن ألوم؟ # فالتفت إليه الخزاعي في ألم وحسرة قائلا: هون عليك أبا الطيب، فإن نجاتك من الأسود حياة ~~جديدة، ولا يزال في العمر مقتبل، ولا يزال لآمالك مسبح في هذا الكون المضطرب بالآمال، وإن ~~مثلك من اتخذ من الإخفاق سلما، ومن الهبوط ذريعة إلى الصعود. والتجربة عقل ثان، وإن لك من ~~شعرك ورصين خلقك وبعيد طموحك ما يغزو لك الدنيا ويذل الأمراء. انظر أبا الطيب، إنك لم تفقد ~~شيئا بل لقد ربحت كثيرا، نزلت على كافور فتغفلته واستوليت على كثير من ماله، ثم فررت منه ~~كما يفر الماء من خلال الأصابع، ثم أرسلت هجاءه في الآفاق تتناوح به الرياح، وتسير به ~~الركبان، ويتغنى به الصبيان، ويتنادر به السمار، وسيبقى على الزمن أضحوكة الزمن، وأقسم ~~غير حانث إن هجاءك لأشد على الأسود من وقع السهام في غبش الظلام، وإنه ليود بجدع الأنف لو ~~تخلى عن بعض ملكه ولم يفوق إليه شعرك المسموم قافية. لم تندب يا أبا الطيب؟ لقد ألقيت على ~~أمراء هذا الزمان بهجائك كافورا درسا لن ينسوه، فإذا خسرت اليوم أميرا فلقد كسبت أمراء، ~~إنهم يعطون إذا رغبوا، ولكنهم إذا رهبوا أعطوا أكثر وأكثر، وهم يحبون المديح ويثيبون عليه، ~~ولكنهم يبغضون الهجاء ويثيبون على دفعه عنهم أضعافا وأضعافا، وقد عرف ذلك قبلك اللئيم ~~بشار فكان يقول: إن الهجاء أجلب للمال وأرفع لقدر الشاعر من المديح. اذهب الآن أبا الطيب ~~حيث شئت ms12 تجد كل أمير يسارع إلى لقائك، ويحتفل بمقدمك، ويقبل الأرض بين يديك، ويفتح لك ~~خزائن ملكه. وأكبر الظن أن سيف الدولة ينتفض منك الآن فرقا، ومعز الدولة ببغداد يتحرق ~~لقدومك عليه شوقا، وعضد الدولة بفارس يود لو يحملك إليه السحاب، أفق أبا الطيب ما هذا ~~الحزن؟ وما هذا الوجود؟ إن من يراك يظن أنك فقدت عرشا أو سلبت سلطانا، إنك تملك الكون ~~كله بشعرك، إن الأرض كلها لك مغدى ومراح، وإن من كانت له عبقريتك وعزيمتك يجب أن يسمو فوق ~~الأشخاص ويرتفع فوق الشهوات، ويطل على الناس من سماء مجده كوكبا منيرا. ~~- هذا كلام أشبه بالشعر يا ابن يوسف لا يثبت على النظر، ولا يقوى على البحث، فلقد فقدت ~~بقدومي على العبد كل شيء: فقدت شبابي، وفقدت آمالي، وفقدت كرامتي، ودنست اسمي بين الشعراء. ~~إنني نشأت في أول أمري شاعرا أقرض الشعر فيمن يستحق ومن لا يستحق، وكانت جوائزي لا تتجاوز ~~بضعة دراهم، فلما منحت مرة دينارا على قصيدة من خير ما تنفس به الشعر العربي، توهمت أني ~~لمست السماء، وقطفت عنقود الجوزاء. وكم لاقيت عسرا، وكم لاقيت عنتا، وكم قاسيت مسغبة ~~وفقرا، وكم أطرقت للذل، وشربت المر، وبليت بقوم هم شر على الحر من سقم على بدن، ولكني كنت ~~أزجر النفس إذا سئمت، وأروضها إذا نفرت، وأتواضع لجبروت من أمدحهم، وأصدق أكاذيبهم، ~~وأضحك لنوادرهم الغثة الباردة، وحينما بلغت بدر بن عمار توهمت أني بلغت القمة، واقتعدت ~~سنام الشرف. ~~- بدر بن عمار الذي تقول فيه؟ # لو كان علمك بالإله مقسما # في الناس ما بعث الإله رسولا # لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال # فرقان والتوراة والإنجيلا # لو كان ما تعطيهم من قبل أن # تعطيهم لم يعرفوا التأميلا # لقد أغرقت أبا الطيب وجاوزت النطاق، وهذا شأنك دائما إذا رضيت. ~~- وأغرق أيضا وأجاوز النطاق إذا سخطت. ظننت أني بلغت القمة عند بدر بن عمار هذا، وكان ~~فتى عربيدا سكيرا ماجنا، ولكنه كان جوادا متلافا، فرضيت بحظي منه، وقنعت بجنته ~~المحفوفة بالمكاره، ولكن ms13 حسادي تيقظوا حين نمت، وثاروا حين سكنت، وأفسدوا بيني وبين ~~الأمير، فلم أجد وسيلة إلا أن أفر منه وأن أتخذ الليل مركبا، وأترك عنده آمالا لم تتفتح ~~أزهارها، ولم تزغب أطيارها، وكانت هذه الخيبة الأولى، أما الخيبة الثانية، وهي التي لا أزال ~~أقرع عليها السن، وأعض الأنامل، فهي خصومتي لسيف الدولة وإدلالي عليه أشرا وبطرا، وجفوتي ~~لما كنت فيه من النعيم جنونا وخرقا، ومعاداتي لأهله وحاشيته تجبرا وكبرا، حتى ضاق بي ~~وحق له أن يضيق، وتبرم بمقامي وأجدر به أن يتبرم، فنبت بي حلب وخرجت منها ليلا كما يخرج ~~اللص المطارد. ولطالما نصح لي راويتي أبو الحسن بن سعيد بألا أترك سيف الدولة أو أبغى به ~~بديلا من ملوك الأرض، وكأني أسمع الآن نبرات صوته في أذني، وهو يقول: «إنك الشاعر الذي بعث ~~على رأس هذا القرن لينهض بالعرب، وليغني بمآثر العرب، وليعيد مجد دولة العرب، ولن أجد لك ~~ميدانا بين دويلات الإسلام أوسع من حلب، ولا ملكا يساير رنين شعرك صليل سيوفه إلا سيف ~~الدولة، إنه الملك الفذ الذي يقارع الروم، والحرب يا أبا الطيب لن تسير غازية فاتحة ~~مظفرة إلا عن ألحان من الشعر الحماسي، الذي يلهب الوجدان، ويقذف الرعب من قلب الجبان». ~~هكذا كان يقول ابن سعيد فما سمعت له ولا اكترثت بقوله. ~~- حقا لقد بلغت ذروة مجدك الشعري عند سيف الدولة، وكنت والله جديرا بأن تقول: # وما الدهر إلا من رواة قصائدي # إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا # فسار به من لا يسير مشمرا # وغنى به من لا يغني مغردا # وحقيقا بأن تقول: # وعندي لك الشرد السائرا # ت لا يختصصن من الأرض دارا # قواف إذا سرن من مقولي # وثبن الجبال وخضن البحارا # ولقد صدق ابن سعيد فإن شعرك كان جندا لسيف الدولة أقوى من جنده، وسلاحا أمضى من سلاحه، ~~فمن غيرك كان يستطيع أن يصف الجيش، وصاحبه كما قلت: # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه # وفي أذن الجوزاء منه زمام # تجمع فيه كل لسن وأمة # فما يفهم ms14 الحداث إلا التراجم # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم: أنت بالغيب عالم # ضممت جناحيهم على القلب ضمة # تموت الخوافي تحتها والقوادم # بضرب أتى الهامات والنصر غائب # وصار إلى اللبات والنصر قادم # هذا أفق لم يحلق فيه شاعر، وأوج لم يصدح بجوه طائر. ~~- لا تثر أشجاني بالله عليك يا ابن يوسف، ودع جرح ~~قلبي يندمل. فإن الذكرى تزيده ألما ونغلا. أين أنا من سيف الدولة الآن ومن أيامه النضرات، ~~ولياليه المشرقات؟ تركت هذا الملك الحر الكريم المجاهد يا ابن يوسف، ثم قصدت من؟ قصدت ~~كافورا الزنجي الخبيث النتن الكذاب الماكر المحتال، فجزاني الله على كفري بالنعمة، وألقى ~~بي في عذاب الجحيم بعد أن بطرت على الجنة، ولقد كان أبو الحسن بن سعيد صادقا أيضا حين كان ~~يجذبني من كمي، ويقول: «احذر يا أبا الطيب. فإنه قد يجول بخاطرك أن تذهب إلى مصر، وإني أربأ ~~بك أن تفعل هذا، وأن تجعل من نفسك عبدا للعبد الأسود، ويا لضيعة الشعر. ويا لضيعة الأدب. ~~إذا انحدرا إلى هذه الهاوية». ولكني لم أطعه، وساقني الغرور إلى مصر، وعقدت الآمال بالكذاب ~~الفاجر، وها أنذا أفر اليوم منه كما يفر الطائر من الفخ مهيض الجناح ممزق الأوصال. كأن ~~حياتي أصبحت كلها فرارا، وكأنه كتب على ألا ألقى ملكا إلا فارا من ملك، وألا أودع ~~ممدوحا إلى بمثل ما قلت في كافور. ~~- تقصد «الدالية»؟ إنها قصيدة خالدة على الدهر، ولكن دعك من كافور الآن ووجه همك إلى ما ~~سيكون من أمرك، وما ستتفتح به لك الأيام. ~~- لن أترك كافورا، ولن أكفكف عنه سهام شعري، وستشرق عليه شمس كل صباح بصاعقة جديدة تهز ~~أعواد عرشه. ولعلك لا تصدق يا ابن يوسف أني كنت أقول فيه شعرا حينما كنت تحاور فراجا حارس ~~الباب. ~~- عجيب أمرك يا أبا الطيب، وويل لمن يبتلى بلسانك المر. ~~- كنت أقول: # أريك الرضا لو ms15 أخفت النفس خافيا # وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا # أمينا وإخلافا وغدرا وخسة # وجبنا، أشخصا لحت لي أم مخازيا؟ # تظن ابتساماتي رجاء وغبطة # وما أنا إلا ضاحك من رجائيا # وتعجبني رجلاك في النعل، إنني # رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيا # ولولا فضول الناس جئتك مادحا # بما كنت في سري به لك هاجيا # ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة # ليضحك ربات الخدور البواكيا ~~- هذه صفعات بالنعال لمحض المداعبة. ~~- وستليها صفعات إن كان في الحياة متسع، لقد أهدر هذا الأسود مجدي الشعري كما قلت لك ~~آنفا، وسوف أضطر إلى أن أبدأ بصعود السلم من جديد، فقد كان ملوك العرب يحيطونني بهالة من ~~الهيبة والإجلال، ويظنون أني أحمى أنفا، وأعظم منزلة، وأسمى كرامة، من أن أتدلى إلى مدح ~~العبد، وأن أشد رحالي إليه، وأن أتسلب من المروءة والرجولة فأبيع شعري بالمال لحبشي دعي ~~في نسبه دعي في ملكه، وأن أترك صناديد العرب وأبطالهم يجاهدون فلا يصف وقائعهم واصف، ~~ويبذلون فلا يسجل محامدهم شاعر. فكيف أذهب إليهم الآن يا ابن يوسف؟ إنني إن ذهبت فسوف توصد ~~في وجهي أبوابهم، وأذاد مذءوما عن حضرتهم، وسيقولون متهانفين ساخرين: شاعر أفاق مهين، لا ~~نفس له ولا كرامة، لو وجد في عنق كلب طوقا لمدحه، ولو رأى في جيب بغي درهما لخلع عليها ~~كل صفات الطهر والعفاف. وماذا نبغي من مديح رجل كان يقول للعبد بمصر: # ويغنيك عما ينسب الناس أنه # إليك تناهى المكرمات وتنسب # وأي قبيل يستحقك قدره # معد بن عدنان فداك ويعرب # ويقول فيه: # عند الهمام أبي المسك الذي غرقت # في جوده مضر الحمراء واليمن # إننا نريد شاعرا يصدقه الناس ويوقنون أنه لا يقول للمال ولكن للزعامة القومية، والحمية ~~العربية، والغيرة على الإسلام. هكذا سيقول ملوك العرب يا ابن يوسف ولهم الحق فيما يقولون، ~~وليس الأمور كما تظن من أن هجائي كافورا سيخيفهم، بل إنه سيجرئهم علي ويزهدهم في وفي ~~شعري؛ لأنني أصبحت شاعرا ليس لقوله وزن، ولا لحكمه تقدير، شاعرا لا يمدح للحق ولا يهجو ms16 ~~للحق، وإنما يمدح ليسخر من ممدوحيه؛ ويهجو لأنه يئس منهم؛ أو لأنه امتص كل ما لديهم وراح ~~يبحث في الأفق عن صيد جديد أسمن منهم وأدسم. خبرني بالله يا ابن يوسف، بأي وجه ألقى الآن ~~سيف الدولة بن حمدان، بعد أن خاصمته وناوأته ونافرته؟ إنني رجل أحمق يا ابن يوسف، إذا ~~تملكتني حمى الغضب قذفت الكلام يمينا وشمالا، وبدرت مني بوادر يحتبسها الحازم الحذر فلا ~~يتحرك بها فوه، إنهم يسمونني الشاعر الحكيم، ولكن يظهر أنني أنثر حكمتي على الناس وأنسى ~~نفسي، وأنني كبائع الجوهر يحلي صدور الحسان وهو متسلب عاطل، وإلا فما الذي كان دعاني بعد ~~أن بعدت عن سيف الدولة وانقطع ما بيني وبينه، أن أعرض به عند مديحي للأسود، فأقول: # قواصد كافور توارك غيره # ومن قصد البحر استقل السواقيا # فجاءت بنا إنسان عين زمانه # وخلت بياضا خلفها ومآقيا ~~- هذا صحيح، فقد جعلت كافورا بحرا، وجعلت سيف الدولة ساقية، وجعلت الزنجي إنسان عين ~~الزمان، وجعلت سيف الدولة بياض العين الذي لا غناء له ولا خطر. ~~- ثم ما هذا العرق اللئيم الذي دفعني عند مدح كافور إلى أن أقول: # قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم # إلى غيوث يديه والشآبيب # إلى الذي تهب الدولات راحته # ولا يمن على آثار موهوب ~~- أتظن أن سيف الدولة يدرك هذا التعريض البعيد؟ ~~- إن ذهنه في فهم مرامي الشعر ومواقعه أرهف من سيفه. على أن طيشي وهذري لم يحوجاه إلى كد ~~الفهم وإعمال النظر، فقد أرسلت هجاءه وهجاء قومه صريحا في «نونيتي» الملعونة التي أقول ~~فيها: # رأيتكم لا يصون العرض جاركم # ولا يدر على مرعاكم اللبن # جزاء كل قريب منكم ملل # وحظ كل محب منكم ضغن # وتغضبون على من نال رفدكم # حتى يعاقبه التنغيص والمنن # أبعد هذا أستطيع أن أمد يدا إلى سيف الدولة، أو أن أنزل له بجوار؟ ~~- أنا كفيل بأن أكبر أمنية لسيف الدولة أن يراك في قصره، وأن يعيد بشعرك عظمة ملكه وصولة ~~سلطانه. # هذا كلام يا ابن يوسف، وهبني أطعتك وذهبت صاغرا ms17 إلى سيف الدولة، فكيف أصل إليه إذا لم ~~أمر ببلاد كافور، وأظنه اليوم قد ملأ كل الطرق عيونا علي وأرصادا؟ ~~- فأين تذهب إذا لم تذهب إلى سيف الدولة؟ ~~- والله لا أدري أين أذهب. ~~- هل خطرت ببالك بغداد؟ ~~- بغداد؟ ألا تزال تظنها دار الخلافة، وموئل العربية بعد أن استولى عليها الديلم، واستبد ~~بها معز الدولة؟ إنها لا تجمع اليوم إلا شذاذ الشعراء، وحثالة المسترزقين بالأدب، الذين ~~يغدق عليهم الوزير المهلبي الماجن، ويرسلهم على أعدائه ومنافسيه كما ترسل الكلاب المضراة ~~خلف صيد نافر. على أن حمقي الذي سد علي طريق العودة إلى سيف الدولة قد أوصد الباب بيني ~~وبين بغداد؛ لأنني اندفعت حينما كنت بحضرة سيف الدولة إلى أبيات كلها تعريض بصاحب الأمر ~~ببغداد، فقد قلت أخاطب سيف الدولة: # فدتك ملوك لم تسم مواضيا # فإنك ماضي الشفرتين صقيل # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لها وطبول ~~- ليس في هذا تعريض بمعز الدولة بتاتا، وقد عهد الناس في الشعراء وألفوا منهم أنهم إذا ~~مدحوا ملكا فضلوه على غيره من الملوك، والناس يعرفون هذا، ويعدونه من خصائص الشعر ~~ومنادحه، ويعتقدون أن الشاعر لا يقصد مما يقول إلا المبالغة والإغراق. ~~- أتظن هذا؟ ~~- هذا ما يخطر ببالي كلما قرأت أبياتا من هذا القبيل. ~~- وما قولك في هذين البيتين إذا وقد قلتهما في سياق مدح سيف الدولة؟ # فوا عجبا من دائل أنت سيفه # أما يتوقى شفرتي ما تقلدا؟ # ومن يجعل الضرغام للصيد بازه # تصيده الضرغام فيما تصيدا ~~- لا يا أبا الطيب، هذا تحد صريح، وتشهير بمعز الدولة، وتصوير مخز لضعفه، كيف ساغ لك أن ~~تقول مثل هذا؟ وما لك وللديلم؟ ~~- لا أدري، وإنما هو لساني الذي يسوقني إلى المهالك، أرأيت الآن أني لا أستطيع الرحيل إلى ~~بغداد؟ وماذا بقي من أقطار العرب بعد مصر والشام والعراق، وقد تركت في كل منها جريمة شعرية ~~تذودني عنها؟ ~~- بقي الفاطميون بالمغرب. ~~- للفاطميين عقيدة لا أسيغها، ولهم فلسفة لا أفهمها، على أني لا أستطيع الوصول إليهم إلا ~~إذا ms18 اخترقت بلاد كافور، فأسقط هؤلاء من الحساب أيضا. ~~- لم تبق إلا فارس ولكني لا أشير بها عليك. ~~- وأنا لا أشير بها على نفسي، وإذا لم يبق أمامي بعد أن يئست من الملوك، وبعد أن سدوا ~~أبوابهم دوني، إلا أمران لا ثالث لهما: إما أن أنزل من القمة التي صعدت إليها بعد جهد وكد، ~~وأعود إلى ما كنت عليه في بداية أمري، فأستجدي بشعري صغار الناس وطغامهم، أمثال محمد بن ~~زريق الذي وصلني على قصيدة بعشرة دراهم، فلما عاتبه صديق في قلة الجائزة مع حسن الشعر ~~وجودته، قال له: «والله ما أدري أكان شعره حسنا أم قبيحا؟ ولكني أزيده لأجل خاطرك عشرة ~~دراهم أخرى». وإما أن أعود إلى الكوفة فأقبع في داري، وأهجر الناس جملة، وأقيم بيني وبين ~~الملوك وأشباه الملوك سدا، فقد كفاني ما لقيت منهم، وكفاهم ما لقوا مني، ولي الآن ثروة ~~تكفل الراحة والنعيم وهناءة العيش. ~~- مثلك لا يعمل الأولى ولا يستطيع الثانية، فلن تمد يدك إلى صغار الناس مستجديا، ولن ~~تقبع في دارك خاملا متزاهدا، إنك الحركة الدائبة يا أبا الطيب، والطموح الوثاب، والهمة ~~الغلابة، والعزم الفصال، إن مثلك لا يقبع في داره إلا إذا قبع الفلك الدوار، ووقف الليل ~~وتعب النهار، وسلبت الأسود غرائزها، والسيوف مقاطعها، والسيول تهدارها، والجبال ركانتها ~~وشموخها، وكيف تهدأ وفي نفسك نار لا تهدأ إلا بالتجوال، وفي صدرك أتون يغلي بمضطرب الآمال؟ ~~وإنك لصادق حقا حينما تقول: # وفي الناس من يرضى بميسور عيشه # ومركوبه رجلاه والثوب جلده # ولكن قلبا بين جنبي ما له # مدى ينتهي بي في مراد أحده # يرى جسمه يكسى شفوفا تربه # فيختار أن يكسى دروعا تهده # وحينما تقول: # فما لي وللدنيا طلابي نجومها # ومسعاي منها في شدوق الأراقم؟ # من الحلم أن تستعمل الجهل دونه # إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم # وأن ترد الماء الذي شطره دم # فتسقى إذا لم يسق من لم يزاحم # وحينما تقول: # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون النجوم # فطعم الموت في أمر ms19 حقير # كطعم الموت في أمر عظيم # مثلك يا أبا الطيب لا يهدأ في داره كما تهدأ العجائز يغزلن بأيديهن، وينلن بألسنتهن كل ~~عدو وصديق، لا يا أبا الطيب، إنك لو أردت الاستقرار لغلبتك نفسك على الجلبة والصخب ~~والاضطراب والضرب في كل مكان، إن لسانك لسان شاعر، وقلبك قلب ملك، وعقلك عقل حكيم، وعزمك ~~عزم جبار، وهذه إذا اجتمعت ضاقت بها الدنيا وغصت بها الآفاق، فكيف تجمعها دار؟ وكيف تحبسها ~~حيطان؟ ~~- هذا هو الذي يؤلمني يا ابن يوسف، وهذا هو الذي يحز في نفسي، لقد رحلت إلى مصر طامعا في ~~أن أنال من الأسود ولاية ألقي عندها رحال آمالي، وأسكت بها صيحات مطامعي، وأتعلل بها عن ~~مطالبي الضخام، ومقاصدي الجسام، فضاع أملي في العبد وخاب ظني فيه. ولقد كنت على اعتزام ~~الرحيل عنه بعد إقامتي سنتين في كنفه تحقق لي فيهما كذبه ومينه وخداعه، وأنه عبقري في بذل ~~الوعود، نابغة النوابغ في إخلافها. كنت على أهبة الخروج من مصر حينذاك، وكان الخروج منها ~~سهلا، فلم يكن كافور قد تشكك في أمري، ولم يكن الأبله يعتقد أني عرفت طوايا نفسه، وأدركت ~~خبثه ومحاله. ولم يعقني عن الرحيل في ذلك الحين إلا أمران: أولهما: عائشة بنت رشدين، فلقد ~~كانت ملكا كريما فوق هذه الأرض يا ابن يوسف، إنها الطهر المصفى والعفاف النقي، والأدب ~~الساحر والذكاء النادر، والحنان الذي ينضح الهموم ويبدد الآلام. ~~- والجمال الذي لم تر الشمس له مثيلا منذ طلعت الشمس. ~~- والجمال الفاتن يا ابن يوسف، جمال الروح وجمال الجسم وجمال الخلق وجمال الابتسامة ~~المشرقة وجمال الحديث الذي يختلب العقول. إنني رجل جاف خشن الطبع شائك الملمس يا ابن يوسف، ~~لم تترك آمالي الضخام في قلبي مكانا لحب ولا موضعا لصبابة، ولم تهف نفسي إلى عبث الشباب ~~ومجون الشباب، ولقد استقر في نفسي أني سهم صوبه الله إلى غرض هو المجد فيجب ألا يحيد عن ~~المجد، وصارم بتار لم يعرف في يوم من الأيام إلا أن يسل من غمده ثم يعود إلى ms20 غمده. ما ~~استهواني يوما جمال ولا اجتذبني دلال، ولا فهمت معنى للحب إلا فيما يقول الشعراء، وأنت ~~أعلم بأكاذيب الشعراء، ولكني أحسست نحو عائشة بميل عنيف كفكفت من غربه، وسخرت منه أول ~~الأمر، ولكنه عاودني أعنف مما كان وأشد حينما التقى بميلها، واتصل حبله بحبلها، ولقد كان ~~حبنا عذريا طاهرا منزها عن دنس الدنيا، بريئا من وصمة الشهوات ساميا فوق الحياة ~~ومآرب الحياة، لقد كان حبا يشبه حب الملائكة الأطهار إن كان الملائكة يحبون. فعائشة هي ~~التي حببت إلي البقاء بمصر، وهي التي أماطت عني اليأس وذادت عني هواجس الهموم، وهي التي ~~كانت تضمد تلك الجراح المسمومة التي تركتها في سهام الأسود بلطف حديثها، وفيض حنانها، وسحر ~~بشاشتها. ~~- إن عائشة بهجة مصر وزينة أترابها، وهي أديبة كاتبة شاعرة، وهي فوق ما وصفت جمالا ~~وعفافا وطهرا، ومثلها جدير بحب رجل مثلك يا أبا الطيب، وما الأمر الثاني الذي حملك على ~~إطالة المقام بالفسطاط؟ ~~- حملني على البقاء بالفسطاط تلك الصلة الوثيقة التي عقدتها مع أبي شجاع فاتك، ولعلي ~~اليوم في حل من أن أذيع سرا لأصدق أصدقائي، فقد انتهى الأمر، ومات فاتك وماتت معه آمالي ~~ودفنت مطامحي. ~~- دفنت مطامحك؟ ماذا تريد بهذا؟ ~~- انتظر يا ابن يوسف، لم تكن الصلة بيني وبين فاتك صلة شاعر بقائد، ولكنها كانت أسمى من ~~ذلك وأعظم شأنا، كان فاتك يبغض كافورا وكان كافور يبغضه ويخشى بطشه ويخاف منه على ملكه، ~~فأراد فاتك أن يبتعد عن الأسود فأقام بالفيوم، وقد اتصلت به في الصحراء بالقرب من «كوم ~~أوشيم» مرات، وكثيرا ما دار الحديث حول كافور وظلمه واغتصابه الملك، وعرف منى فاتك بغضي ~~للأسود وما يضطرب في نفسي من آمال، ولمح شدة عجبي من أن يحكم مصر عبد حبشي والدنيا تزخر ~~بسادات العرب وصناديدهم، وكان رجلا شهما ذكيا محبا للعرب مفتونا بعظمة تاريخهم وجلال ~~ماضيهم، فقال: اسمع يا أبا الطيب فإن لي رأيا يسهل تنفيذه إذا حاطته الحكمة وصانه الكتمان. ~~قلت: هات أيها القائد، فقال: إنني عبد رومي رباني ms21 الإخشيد، وليس لي في الملك مطمع ولا في ~~عظمة السلطان أرب، ولكني أبغض الأسود كما تبغضه، وأرى أنه مغتصب ملكا لا يسمو لمثله مثله، ~~وأن غيره أولى به وأحفظ له وأقوى عليه. وابن سيدنا «علي» الذي أمات كافور نفسه، وخنق فيه كل ~~همة، وأطفأ وميض كل فضيلة، أصبح أضعف من ذات خمار، وأوهى من القصبة المرضوضة، لا يصلح أن ~~يكون ملكا، ولا يصلح أن يكون رجلا، ورأيي حينما تسنح الفرصة أن أجمع قبائل العرب الضاربة ~~بالفيوم، وأن أكون منها جيشا لهاما نزحف به على الفسطاط، ونقبض على كافور ونريح الدنيا ~~من اسمه، ثم تكون ولاية مصر شركة بيننا على السواء. ما رأيك يا أبا الطيب؟ فدهشت وبهت وكادت ~~تدركني غشية، لقد كانت مفاجأة عجيبة يا ابن يوسف. أكون ملكا لمصر؟ أنا الذي كان يطمع في ~~ولاية صغيرة من العبد؟ أكون ملكا لمصر، وأدبر الأمر من مصر إلى عدن إلى العراق فأرض الروم ~~فالنوب؟ # هذا أشبه بالأحلام، وأدخل في باب الأوهام. إن مطامحي لم تصل بي إلى هذا، ولكن ماذا أعمل ~~والخطة واضحة، والغاية محققة؟ فبلعت ريقي ثم قلت: ولكن لكافور أيها القائد جيشا بالفسطاط ~~شديد المراس يدبره قواد عركتهم المواقع وعجمت عودهم الحروب. فأسرع وقال: إنني سأحتال على ~~الرحيل عن الفيوم بعد أن أكون قد اتفقت مع مشايخ قبائلها، وسوف أقيم بالفسطاط حينا أستطيع ~~فيه إغراء قواد كافور وجنوده، وأكثرهم ساخط عليه متبرم بحكمه. وتم الاتفاق والتعاهد على ~~كل هذا يا ابن يوسف، وبقيت بمصر أنتظر الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة، وقدم فاتك إلى ~~الفسطاط وأخبرني أن المؤامرة تمت على خير الوجوه وأدقها إحكاما، وأنه لم يبق إلا أن يشعل ~~النار في الحطب، ولكن الموت عاجله قبل أن يمد يده إلى الزناد، فخابت آمالي وتمزقت مطامعي ~~وطارت مع الرياح أحلامي. أرأيت يا ابن يوسف كيف كان حزني على فاتك شديدا؟ أرأيت كيف ضاقت ~~بي الحياة بعده؟ أرأيت كيف اجتويت مصر وأهلها وخرجت منها محطم النفس مهيض الجناح؟ ~~- لم أعرف كل ms22 هذا، ولكن يظهر أن كافورا كان عنده كثير منه. ~~- نعم فإن جواسيسه يكادون يقرءون ما في الصدور. ~~- إذا كنت تطمع في الملك يا أبا محسد! ولكني لم أر في التاريخ شاعرا أحسن القيام على ~~الملك، وأول هؤلاء امرؤ القيس ذلك الملك الضليل، ثم الوليد بن يزيد الخليفة الأموي، ثم عبد ~~الله بن المعتز العباسي. ~~- هؤلاء كانوا شعراء ولم تكن لهم نفوس الملوك وعزائمهم. # وما كاد المتنبي يتم قولته حتى شاهد هو وصاحبه غبارا خلفهما، وسمعا وقع سنابك خيل تعدو ~~نحوهما عدوا، فذهل المتنبي وصاح أدركنا الأسود! أدركنا كافور! يا لخيبة الرجاء ويا لضيعة ~~الأمل! إن هؤلاء بعض جنوده يا ابن يوسف. كنا ظننا أننا نجونا من أظفار الأسد، فإذا هو يرسل ~~علينا ذئابه! سأثب عليهم وأروي منهم صارمي. فصاح به الخزاعي: اهدأ أبا الطيب ولا تسرع إلى ~~الاحتكام إلى السيف. ومضى وقت قصير، فقرب منهما ثلاثة فرسان قد أجهدوا خيلهم شدا وعنقا، ~~وصاح بهما كبيرهم فوقفا ثم قال في صوت الآمر الظافر: ارجعا إلى الفسطاط. فأجابه الخزاعي في ~~رزانة واستخفاف متكلف: بأمر من نرجع إلى الفسطاط؟ بأمرك أنت؟ ~~- بأمر الوالي. ~~- وماذا يريد منا الوالي؟ ~~- يريد المال الذي سرقتماه أول من أمس من دار إسحاق الجوهري، فقد ثبت لنا أن مسافر بن ~~طلحة هو الذي أغار على دار اليهودي، واستولى على جميع جواهره وبعث بها مع فارسين ليبيعاها ~~بالشام. وقد جعل اليهودي ثلث الجواهر أجرا لمن يردها إليه. فقهقه الخزاعي حتى كادت تسقط ~~عمامته، وقال: لله دركم أيها الحراس! ما أشد ذكاءكم! وما أبصركم باقتناص اللصوص! هل ترون ~~في وجوهنا وفي ثيابنا وفي مراكبنا ما يوحي بأننا من اللصوص؟ إنكم أيها السادة الكرام تضيعون ~~وقتكم معنا، فإذا كانت لكم رغبة حافزة للقبض على لصوصكم، فابحثوا عنهم في مكان آخر. ~~- أنتم طلبة الوالي. فصاح المتنبي: إن الوالي أيها الأبله لا يطلب فارسين وكفى، وإنما ~~يطلب لصين. ثم كشف عباءته فظهر تحتها منطقة من النضار المرصع بالجواهر، وبدا سيفه وقد كان ~~مقبضه ونعله ms23 من خالص الذهب، وقال: أهذه ثياب لص؟ أهذه عدة لص؟ فهمس أحد الثلاثة في أذن ~~كبيرهم، وقال: ارجع أبا علي ولا تكثر مع السيدين، فإني أخشى أن يكونا من كبار رجال الدولة. # فتراجع أبو علي، وقال: أرجو أن يعذرني السيدان إذا كنت خشن القول عنيفا في البحث، فأنتما ~~تعرفان ما وصلت إليه حال الفسطاط من جرأة اللصوص واستهانتهم بالحكام. # فقال الخزاعي: لا تثريب عليك يا رجل، وإنما الذي أغضبنا أننا كنا نظن أننا أكرم عند الناس ~~وعند أنفسنا من أن يخلطنا مثلك بطائفة اللصوص. ~~- أسألك العفو يا سيدي، وأغلب ظني أن يكون اللصوص قد سلكوا طريقا أخرى. ثم أمر صاحبيه أن ~~يلويا عناني جواديهما، وعاد ثلاثتهم أدراجهم يملئون جنبات الأفق عثيرا وقتاما. وتنفس ~~الخزاعي الصعداء، وابتسم المتنبي ابتسامة ساخرة، وكانا قد قاربا بلبيس فزجوا جواديهما حتى ~~بلغاها بعد ساعة أو بعض ساعة، ورأيا أبناء الخزاعي ورجاله ومحسدا وعبيده ينتظرونهم عند ~~ظاهر المدينة، فحيا المتنبي ابنه وخادمه مسعودا بنظرة عابرة، ثم شكر الخزاعي على حسن بلائه ~~وعظيم ما أسدى في خدمته من عناء ومخاطرة، فسأله الخزاعي عن الطريق التي سيسلكها، فقال: ~~سأخترق الصحراء، وسأسلك المفاوز المجاهيل التي لا يصل إليها جواسيس العبد، وسأرد المناهل ~~الأواجن، وأنزل المنازل التي لا يطرقها إلا أهلها. ~~- إلى بغداد؟ ~~- إلى الكوفة، إلى منبت عظامي ومسرح صباي. منها خلقناكم وفيها نعيدكم. ~~- ومنها نخرجكم تارة أخرى! ~~- ما أظن يا ابن يوسف. ثم التفت فإذا غلام فاره ناضر العود جميل الزي وسيم الطلعة مشرق ~~الجبين، يتقدم نحوه ويمد يدا لتحيته، فحقق فيه النظر ثم صاح: سيدتي عائشة! ماذا جاء بك يا ~~مولاتي؟ وما الذي حملك على اقتحام المخاطر، واتخاذ هذا الزي الغريب؟ ~~- حملني على كل ذلك أن أراك وأن أودعك يا أبا الطيب، ثم تناثرت الدموع من عينيها كما ~~يتناثر اللؤلؤ من عقد انفصم سمطه، ومضت تقول: إذا جفتك مصر يا أبا الطيب وضاقت بك رحابها، ~~فإن فتاة مصرية معجبة بك مفتونة بفنك تكن لك ودا أصفى من سماء ms24 مصر، وتفتح لك قلبا أوسع ~~من فسيحات رحابها. إنها تمنحك حبا لو كان في عاصفة لعادت نسيما، ولو مازج الملح الأجاج ~~لصار تسنيما، ولو لمس الهجير لحسده الأصيل، أو خالط الليل ما شكا طوله محب أو عليل. دعني ~~أحمل أوزار قومي يا أبا الطيب، وأبدلك بعقوقهم إخلاصا، وبغدرهم وفاء، وبإهمالهم إجلالا ~~وتقديرا. لقد كان حبنا قدسيا طاهرا كأنه حب الغمام، وكانت نفوسنا صافية كصفاء الملائكة، ~~وكان ودنا روحانيا نقيا كنقاء لآلئ الفردوس. والآن يا أبا الطيب آن أن نفترق، وقد ~~يطوينا الموت قبل أن نلتقي، ولكني سأراك في كل لحظة وسأستمع لك في شعرك كلما رددت قصائدك ~~الخوالد، وأبياتك الأوابد، وسأناديك في اليقظة والمنام، وسأهتف باسمك كلما عصفت بي الآلام. ~~فزفر المتنبي وربت يدها في حنان ورفق، وقال: إن هذه الحياة يا عائشة أضيق من أن تتسع لمثل ~~حبنا الذي لا تحده نهاية، فإذا ضاقت بنا الأولى فإن لنا في الأخرى خلودا ونعيما وظلا ~~ظليلا وعيشا لا يكدره علينا مكدر. # وما كاد يستمر في الحديث حتى صاح مسعود: الرحيل يا سيدي الرحيل. ~~- هل أعددتم الزاد والماء؟ ~~- نعم يا سيدي. فحيا المتنبي الخزاعي، ثم حيا عائشة حزينا كاسف البال، وهو يقول: # لعينك ما يلقى الفؤاد وما لقى # وللحب ما لم يبق مني وما بقى # وما كنت ممن يدخل العشق قلبه # ولكن من يبصر جفونك يعشق # ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم # بعثن بكل القتل من كل مشفق # عشية يعدونا عن النظر البكي # وعن لذة التوديع خوف التفرق # | مخاطرة # كان الوقت أصيلا، وكان النسيم خائرا ضعيف المنة يمر بأطراف النخيل فيهتز له سعفها في ~~كبر وسخرية، وكانت الشمس ترسل أشعتها صفرا براقة فوق الرمال الواهنة المجهودة، بعد أن ~~طال بها النهار، واشتد قيظه واشتعل هجيره اللواح. وسار مع المتنبي عشرون بعيرا لحمل ~~الزاد والماء، وخمسة عشر جوادا يمتطيها خدمه وعبيده، وقد اكتملت لهم عدتهم من السيوف ~~والرماح، وتقدم المتنبي الركب وخلفه محسد ومسعود، وكان ينظر إلى الأفق البعيد حيران ذاهلا ~~متجهم الوجه حزين ms25 النفس، يردد الحسرات، ويرسل الزفرات. # لم يكن حديث عقد بالصحراء وجفوة الصحراء، ولم يكن قليل الخبرة بحياة شذاذ الأعراب ~~وصعاليكهم الضاربين في أنحائها وما لهم من أخلاق وعادات، وما يتصفون به من ختل وتلصص ~~واستباحة للأموال، فإن لصعاليك الصحراء قوانين وشرائع غير ما تعارف عليه الناس من قوانين ~~وشرائع، ومن العجيب أن هذه الشرائع كثيرا ما تكون متضاربة متناقضة، فهم يقتتلون لأوهن سبب، ~~ويصفحون لأوهن سبب، ويغتصبون الأموال حراما ليبعثروها في الكرم والضيافة حلالا، وقد يحمون ~~الجراد ولا يحمون بني الإنسان، فإدراكهم لمعنى الشرف إدراك غريب كثيرا ما يؤدي بهم إلى فعل ~~كل ما يخالف قواعد الشرف. # عرف المتنبي حياة الصحراء وأخلاق الأعراب في طليعة صباه، حينما كان يتنقل بين القبائل في ~~بادية الكوفة ليتلقى اللغة من أفواه رجالها، ثم عرف الصحراء حينما أقام طويلا في بادية ~~السماوة بالشام بين بني كلاب؛ لهذا لم يكن على الصحراء دخيلا، ولم يكن عن عادات الأعراب ~~بعيدا. # سار الركب في هذا البحر المائج الخضم بالرمال، وذلك التيه الذي يضل فيه الخريت ويزوغ ~~البصر، وفي تلك الموماة التي يقول في مثلها أبو الطيب: «يهماء تكذب فيها العين والأذن». وقد ~~طمست الأعلام، وانمحت الصور، وزالت الآثار، ولم يبق إلا أن يعتمد الضارب فيها على الشمس أو ~~بعض نجوم السماء. فضاء فسيح كأنه أمل الأحمق، وأرض مجدبة كأنها كف الشحيح، وصخر أصم كأنه ~~قلب اللئيم، ورمال صفر كأنها بطون الحيات. إنها أرض من الأحلام وجو من الأوهام، جفت فيها ~~الحياة وجفتها الحياة، فلا نبات ولا عشب، ولا شوك ولا قتاد، لا يمر بها طير إلا خائفا ~~عابرا، ولا وحش إلا منطلقا واجفا، كأنها نسيت عند خلق الطين والماء فليس بها أثر للطين ~~ولا قطرة من الماء. تبدو الكثبان بها وسنى مكدودة تمد رؤوسها إلى السماء كأنها تتضرع طالبة ~~الفرار، وتبدو الوهاد بها مظلمة مخيفة كأنها أشداق الأسود. جفوة وشقاء ومحول وجمود وقسوة، ~~ثم صمت ورعب وسكون هو سكون الموت، ووحشة القبور. # سار المتنبي يتقدم ركبه في ms26 هذا التيه، ولم يبق في صدره من الآمال الضخام إلا أمل واحد ~~ضئيل خافت هو أن يعيش، هو أن يستطيع أن يخترق هذه الصحراء وفيه ذماء من حياة، هو أن ينجو ~~بجلده من هذا الخطر الداهم والبلاء الواقع، لم يبق من مطامعه أن يكون أميرا أو ملكا، ولم ~~يبق من آماله أن يكبت أعداءه ويدوس بقدمه فوق آنافهم، ولم يبق من وساوس نفسه أن يترك في ~~الدنيا «دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر» طارت كل هذه الأحلام أمام عظمة الصحراء ~~ومخاوفها؛ لأن الصحراء كالبحر الهائج المضطرب ترتعد لهوله الحياة، ويتوارى عنده الأمل، ~~وتخشع النفوس. # وبدا القمر موشكا على الاكتمال فلف الصحراء في غلالة من نور، وكان المتنبي فوق صهوة ~~جواده يرمي طرفه هنا وهناك، كما ينظر الصقر من قنته إلى ما حوله من فضاء فسيح، وكان يهمهم ~~بكلمات تقطعها زفرة حينا، وزمجرة أحيانا، فقرب منه محسد، وقال: ألا نحط الرحال هنا يا أبي ~~فقد انتصف الليل وكلت الرواحل؟ ~~- إن سير الليل أروح للعبيد والدواب، وكلما بعدنا عن الفسطاط زال الحذر وسرنا في أمن ~~واطمئنان. ~~- إننا نسير في طريق لم تطأها قدم مسافر، فمن أين ليد كافور أن تمتد إلينا؟ ~~- إنني أشعر بشيء من الراحة كلما بعدت الشقة بيني وبين الأسود؛ لأنني أريد أن أنسى أني ~~رحلت إلى مصر وأني قصدت الأسود، ويخيل إلي أن بين المسافات والفكر اتصالا، وأنه كلما ~~شسعت المسافات بينك وبين شيء قل تفكيرك فيه. ~~- اترك كافورا يا أبي لشأنه، فأنت أعظم وأنبل من أن تحقد على الرجل أو تلقي لمثله ~~بالا. ~~- لن يفلت من يدي هذا الوغد الذي جعل مني أضحوكة للشعراء والأمراء. إن أباك يا محسدا إذا ~~مست كبرياؤه فقد مس منه مكان السم في الأفعى. انقل عني يا محسد وأذع: # وأسود أما القلب منه فضيق # نخيب، وأما بطنه فرحيب # إذا ما عدمت الأصل والعقل والندى # فما لحياة في جنابك طيب ~~- يلوح لي أنك تخفف بهجائه عن نفسك بعض ما تجد. ~~- نعم يا بني ms27 إن هجاءه يروح عن نفسي، ولا بد للمصدور أن ينفث، وللحزين أن يرسل ~~الدموع. ~~- حقا لقد أساء إليك، وأغرى بك حثالة الشعراء، ومسترزقة العلماء. كنت منذ شهر أسير بخطة ~~مسجد عبد الله مع الشريف إبراهيم العلوي، فقابلنا الشيخ المعتوه الموسوس محمد بن موسى الذي ~~يلقبونه بسيبويه، وكان على حماره، وهو لا ينزل عنه لأمير أو عظيم، فسلم عليه الشريف، ولما ~~عرفه بي صاح: أنت ابن المتنبي! أهلا أهلا بابن شاعر الغبراء! لله أبوك فإنه يأتي في شعره ~~بالعجب العجاب. بالله سل أباك يا بني عن قوله في كافور: # يقل له القيام على الرءوس # وبذل المكرمات من النفوس # أكان يريد حقا أن يقف للأستاذ على رأسه، وأن يطلق رجليه في الهواء؟ يا له من مبتكر ~~بارع! ويا لها من صورة بديعة! ويا لها من مهارة فائقة لا يستطيع أن يباريه فيها إلا «الأزعر ~~الطمطماني» أعظم مضحك بالمدينة! واجتمع الناس حوله لارتفاع صوته وكثرة إشارته، ثم انطلق ~~يقول: كان أبوك بالأمس خيرا منه اليوم حين قال لأبي الحسين المري: # خير أعضائنا الرءوس ولكن # فضلتها بقصدك الأقدام # ثم هلم إلي يا بني هلم! أللإنس يقول أبوك الشعر أم للجن؟ أيقوله ليفهمه الناس أم ~~ليتمتموا به على رءوس المرضى والمصروعين لطرد المردة والشياطين؟ أشهد أني حللت الطلاسم، ~~وفككت الألغاز، وتعلمت لغة الجن، وقرأت خطوط الفراعنة، ولكني لم أفهم قول أبيك: # لا تجزني بضنى بي بعدها بقر # تجري دموعي مسكوبا بمسكوب # لقد كنا نشمئز من أن يتغزل الشعراء في الغزلان حتى جاء أبوك فتغزل في البقر! ثم إني ~~أتحدى السيد الشريف، وهو ابن أفصح قريش، أن يدلني على معنى لهذا الكلام الخنفشاري! فخجل ~~الشريف، وزاد في خجله ازدحام الناس وانتصار بعض طلاب العلم لشيخهم الموسوس، فقال: إن في ~~البيت خفاء من غير شك، ولكن الشاعر يسأل الله ألا تجزيه الحسان بالضنى الذي حل به ضنى يحل ~~بهن، كما جزين دمعه المسكوب بدمع سكبنه لفراقه. فصاح المجنون: الله الله! سبحان الفتاح ~~العليم! سبحان المنعم المتفضل واهب ms28 القوى والقدر! ألا قال كما يقول الناس: # لا قدر الله أن تضنى ضناي بها # كما جزتني مسكوبا بمسكوب # على أن المعنى بعد كل هذا ضئيل سخيف، لو رأيته ملقى على قارعة الطريق ما مددت يدي ~~لالتقاطه. ثم أنحى بعصاه على حماره وهو يصيح: أسرع بنا أيها الحمار قبل أن يفسد ذوقي وذوقك! # وما كاد يتم محسد حديثه حتى زفر المتنبي، وقال في كبر وأنفة: هؤلاء يا بني لا يفهمون ~~معنى الشعر، فإن من أولى خصائصه وأكبر ما يدفع فيه إلى اللذة والاستمتاع، أن يكون خفيا ~~تضطرب في إدراكه العقول. # واستمر الركب يقطع البيداء، يقيل وقت الظهيرة، ويعرس في أخريات الليل، حتى رأى العبيد ~~نخيلات عن بعد فصاحوا في جذل وابتهاج: لقد بلغنا منابت العشب! سنرى بعد قليل الزرع والماء! ~~وسنجد بعد قليل نخلا نلجأ إلى ظلها الظليل! ولقد كانوا في تفاؤلهم صادقين، فقد بلغوا ما ~~يعرف «بنخل» ولكنهم ما كادوا يصلون إليه ويحمدون عاقبة السرى، حتى وجدوا عنده شرذمة من لصوص ~~الأعراب تسقي خيلها، وما إن رأتهم حتى وثبت عليهم تبغي انتهاب ما معهم من خيل وإبل وغنائم، ~~فقاتلهم المتنبي وعبيده وأثخنوا فيهم، فسقط من سقط منهم، وفر الباقون يلتمسون النجاة. وفرح ~~العبيد بانتصارهم، واندفعوا إلى الماء يشربون ويسقون دوابهم ويغمسون رءوسهم فيه حبا له ~~وشوقا إليه، ثم أخذوا يرقصون ويغنون على طريقتهم في الرقص والغناء. # ونزل أبو الطيب بنخل ضيفا على أبي النجم ملاعب الأسنة، وهو كبير الأعراب في هذه الحلة، ~~فأحسن ضيافته، وأكرم مثواه. وبعد أيام نال فيها العبيد شيئا من الراحة أمر المتنبي بالمسير ~~وشد الترحال، فعادت الخيل إلى خبها، والإبل إلى وخيدها، وكان السير مملا مضنيا، والطريق ~~وعرا موحشا، لا ترى فيه العيون إلا هياكل بشرية لقوم قتلهم ظمأ الصحراء، أو إبل قضى عليها ~~طول السفار. # ومضت هكذا أيام وأيام نال فيها طول الطريق وقلة الزاد من العبيد، فضويت أجسامهم، ونفد ~~صبرهم، وشكست أخلاقهم وبدت فيهم روح السخط والتمرد، وكان يسيطر عليهم ويتزعم جماعتهم عبدان، ~~هما ms29 : مجاهد وشعلان، وكانا أقواهم نفسا، وأشدهم عزما، وأمضاهم ذكاء وتدبيرا، وأمهرهم ~~لعبا بسيف أو تحكما في جواد. # وأحسن المتنبي بوادر هذا العصيان، فأمر ابنه ومسعودا أن يراقبا العبيد عندما يخلون إلى ~~أنفسهم. # واجتمع العبيد في معرسهم ذات ليلة، وأخذوا يشكون ويتذمرون، وكان مسعود مختفيا خلف بعير ~~يسمع ولا تراه عين، فقال مجاهد: إن هذا المتنبي الأخرق يسوقنا إلى الدمار. فأجابه شعلان: ~~لقد ضل الطريق ما في ذلك شك، ولن تكون نهايتنا إلا مثل تلك العظام التي نراها في الطريق، ~~والتي كان لها لحوم فأكلتها الصحراء، والعجيب أنني كلما نصحت لعبده مسعود أن ننيخ الإبل ~~للراحة، وأن نبحث عن دليل يرشدنا إلى مكان ينقذنا من هذا التيه، ونجد فيه ما تقتات به ~~الدواب، عبس في وجهي وقال في تيه وصلف: أتظن أنك أعلم من سيدي بمجاهل الصحراء ومناهلها؟ إنك ~~لو نبست بشيء من هذا الكلام أمامه لجعلك طعاما لسيفه. فزمجر العبيد في سخط واستنكار ~~وهمسوا: ماذا نفعل إذا ونحن أمام موت محقق؟ فقال مجاهد: يجب أن نثور ونحن والحمد لله جمع ~~يبلغ الخمسة والثلاثين، ولا نعجز عن أن نقتله ونقتل ابنه وعبده. فقال أحد العبيد في صوت ~~خافت: ثم نأخذ جميع ما جمعه من أموال مصر وكنوزها، فقال مجاهد: وماذا تنفع الكنوز في هذه ~~الصحراء الجرداء الماحلة؟ فأجاب شعلان: إني أعرف طريق العودة إلى نخل. ~~- إذا تكون الثورة غدا حينما يأمرنا هذا المخاطر المجنون بالرحيل. # وسكت القوم وهومت رءوسهم للنوم، وانطلق مسعود إلى سيده فنفض إليه جملة الخبر، فأطرق ~~المتنبي طويلا ثم رفع رأسه، وقال: سنذهب معا حينما يسيطر النوم على هؤلاء الكلاب ونستولي ~~على ما نستطيع من سيوفهم، فإن العقرب لا تلسع إذا قطعت حمتها. اذهب عني الآن يا مسعود وأيقظ ~~محسدا وسأكون معكما بعد قليل. # ومر من الليل ساعة، فغادر المتنبي رحله وقابل ابنه ومسعودا، وانسلوا تحت ستار الظلام ~~إلى معرس العبيد فرأوهم نياما، وقد ألقى كل سائف منهم سيفه إلى جنبه، فمشوا بينهم في هدوء ~~لا يسمع له ms30 ركز ولا تحس نأمة، وندلوا سيوفهم واحدا بعد واحد. والعبيد في سبات كاد يجعله ~~السغب والكلال موتا. وتبلج ضوء الصباح، وتيقظ العبيد فتفقدوا سيوفهم فلم يجدوها فذعروا ~~أول الأمر، ثم عرفوا أن المتنبي شعر بمكيدتهم فسلبهم سلاحهم وهم رقود، فقال مجاهد: لقد سرق ~~سيدنا الأحمق أسلحتنا ونحن نيام، ولكن هذا لن ينجيه من أيدينا، إن بضعة رجال منا يكفون ~~للقبض عليه، ولو كان متسلحا بسيوف الهند كلها. هلموا إلى الثورة أيها الشجعان! # فقام العبيد وكان المتنبي قد أخذ لهم الأهبة، فما كادوا يصلون إليه وإلى من معه حتى ~~أركضوا فيهم جيادهم، وأخذوا يضربون بالسيوف يمينا وشمالا، فبهت العبيد وذعروا وتملكهم ~~الوهل، وفر بعضهم، وقبض أبو الطيب على مجاهد وشعلان وبعض الثوار، وأمر أن يقيدوا وأن يضربوا ~~بالسياط حتى تتهرأ أجسادهم، وتضرع له العبيد وتذللوا وأعلنوا التوبة، وشفع فيهم محسد ~~فأطلقهم فانكبوا على يديه يقبلونها خاضعين آسفين. # ولم تمض أيام حتى بلغ المتنبي «حسمى» وهي أرض طيبة كثيرة الماء تحيط بها الجبال ~~الشامخة، وينبت بها كثير من النبات والفاكهة، فنزل بها القوم بعد أن نهكتهم الصحراء وشفهم ~~طول السفر وبعد الطريق. وكان بنو فزارة يخيمون بحسمى، وكان لأبي الطيب صلة قديمة بأميرهم ~~حسان بن حكمة، فنزل على جار له حتى لا يجر على صديقه غضب كافور إذا علم بنزوله عنده، وكان ~~هذا الجار يدعى «وردان بن ربيعة الطائي» وكان لئيما خسيس الطبع جشعا خائنا، فما كاد يرى ~~حمول المتنبي وذخائره حتى وسوس إليه الجشع أن ينتهب منها ما يستطيع، وبأي وسيلة يستطيع، ~~فأظهر الحب والمودة لعبيد أبي الطيب، وكان يدعوهم إلى خبائه ويدفع زوجه وكانت ذات ملاحة إلى ~~مجالستهم ومجاملتهم وإغرائهم، وتمكن بهذه الذرائع الخبيثة من دفع العبيد إلى استراق كثير من ~~أموال المتنبي وأمتعته، وكان للمتنبي سيف مقبضه ونعله من الذهب الخالص، فطمع فيه وردان وزين ~~لشعلان سرقته، فتربص ذات ليلة حتى علم أن القوم أدركهم النعاس، ومشى في رفق وحذر ثم استرق ~~السيف من الرحل، ودفعه إلى مجاهد وأمره ms31 أن يركب ويسرع إلى وردان، ثم هم بأن يسرق فرس ~~المتنبي ليفر به، ولكن المتنبي رآه وهو يحاول حل رسن الفرس فزجره فلم يزدجر وبدا في وجهه ~~الغدر والعناد، فضرب وجهه بالسيف فشطره شطرين، وخر العبد صريعا، فقال: # لئن تك طيئ كانت لئاما # فألأمها ربيعة أو بنوه # مررنا منه في حسمى بعبد # يمج اللؤم منخره وفوه # أشذ بعرسه عني عبيدي # فأتلفهم ومالي أتلفوه # فإن شقيت بأيديهم جيادي # لقد شقيت بمنصلي الوجوه # وأسرع المتنبي بالرحيل عن حسمى بعد أن أقام بها شهرا، وزادت وساوسه واضطربت نفسه حينما ~~اطلع على كتاب لكافور يطلع فيه إلى رؤساء القبائل النازلين بالصحراء القبض عليه، وإرساله ~~إلى الفسطاط مكبلا، بعد أن أغراهم بالعطاء الجم والمال الكثير. # وكانت للمتنبي ثقة بفتى من بني فزارة يسمى «فليتة بن محمد»، فسأله أن يصحبه في الطريق، ~~وأن ينحرف به عن المسالك التي يطرقها العاوون وراءه المتعقبون لأثره. # وانطلق الركب بين الحذر والوجل، وأرسل المتنبي نظره إلى نواحي الأفق البعيد خائفا ~~مذعورا، «إذا رأى غير شيء ظنه رجلا» كما يقول، وما مر بالقوم يومان حتى صاح فليته ذات ~~صباح، وكان مطرح النظر، يرى بعيني زرقاء اليمامة: إني أرى عن بعد سربا من الخيل يسير إلى ~~جانب الجبل، وأحسب فرسانه من أعوان كافور، فمد المتنبي عنقه، وحدق بعينيه وقال: صدقت يا ~~ابن محمد. يجب أن نختفي جميعا وراء هذه الأكمة وهي منا جد قريب. ومال بجواده نحوها فسار ~~خلفه العبيد وهم لا يعلمون من الأمر شيئا، ووقف هو ومن معه خلف الأكمة ساعتين أو أكثر، ثم ~~أرسل مسعودا ليكشف له أمر الفرسان فلم يجد لهم أثرا. فقال فليته: أغلب الظن أنهم عادوا من ~~حيث أتوا بعد أن يئسوا من الطلب. وزفر المتنبي وقال: ألا يزال هذا الأسود يطلبني ويسأل عني ~~كل رملة من رمال الصحراء؟ تعس العبد. والله لن ينال مني ظلا. # قطعت بسيري كل يهماء مفزع # وجبت بخيلي كل بيداء بلقع # وثلمت سيفي في رءوس وأدرع # وحطمت رمحي في نحور وأضلع ms32 # وفارقت مصرا والأسيود عينه # حذار مسيري تستهل بأدمع # ألم يفهم الأفعى مقالي وأنني # أفارق من أقلي بقلب مشيع؟ # ولا أرعوي إلا إلى من يودني # ولا يطبيني منزل غير ممرع # أبا النتن، قد قيدتني بمواعد # مخافة نظم للفؤاد مروع # وقدرت من فرط الجهالة أنني # أقيم على كذب رصيف مصنع # وأترك سيف الدولة الملك الرضا # كريم المحيا أروعا وابن أروع # فتى بحره عذب، ومقصده غنى # ومرتع مرعى جوده خير مرتع # ورحل القوم بعد أن هدأت أنفاس دوابهم، فواصلوا السير حتى وردوا «البويرة» بعد ثلاث ليال، ~~فأقاموا بها يومين ثم رحلوا عنها يغذون السير ويطوون المراحل إلى أن نزلوا «بسيطة»، وهي ~~أرض تقرب من الكوفة، فانزاح الهم قليلا عن صدر أبي الطيب، وابتهج العبيد بقرب انتهاء ~~الصحراء، وأخذوا يرقصون وينغمون أصواتا يظنونها غناء وتطريبا، وقد زاغت أبصارهم من وهج ~~الصحراء وشدة قيظها، فرأى بعضهم نعامة فظنها نخلة، ورأى ثورا فظنه منارة مسجد. # ثم أمر أبو الطيب بشد الرحال فانطلق الركب، وما زال ينتقل من حلة إلى حلة، ومن منهل إلى ~~منهل، حتى بدت له معالم الكوفة بمآذنها وقبابها، فكبر القوم وهللوا، وصاح محسد: هذه هي ~~الكوفة! هنا ولد أعظم شاعر! هنا ولد شاعر العرب الذي تفتحت له سماوات الوحي، وتدانت له ~~قطوف الإلهام! لقد قهرنا الصحراء وأذللنا صعابها وشققنا منها قلبا لم يشقه منسم ولا حافر، ~~وألقينا على كافور درسا لن ينساه، وعلمناه أن أظافره وإن طالت لم تمس للبطل العربي الهمام ~~شسعا! # ودخل المتنبي الكوفة بعد أن قضى في الصحراء ثلاثة أشهر، وبعد أن نجا من أهوالها كمن ينجو ~~من ماضغي أسد، أو يقذف به اليم إلى الساحل بعد صراع عنيف. دخل الكوفة شامخ الرأي تياها، ~~وهو يقول: # ألا كل ماشية الخيزلي # فدى كل ماشية الهيدبي # ضربت بها التيه ضرب القما # ر إما لهذا وإما لذا # لتعلم مصر ومن بالعراق # ومن بالعواصم أني الفتى! # وأني وفيت، وأني أبيت # وأني عتوت على من عتا # وماذا بمصر من المضحكات # ولكنه ضحك كالبكى؟ # بها نبطي ms33 من أهل السواد # يدرس أنساب أهل الفلا # وأسود مشفره نصفه # يقال له: أنت بدر الدجى # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى # | ركود # كانت الكوفة في ذلك الحين لا تزال مستبحرة العمران كثيرة السكان واسعة الرقعة، بها نحو ~~خمسين ألف دار من ربيعة ومضر،. ونحو أربع وعشرين ألف دار لبقية القبائل العدنانية، وستة ~~آلاف دار للقبائل اليمنية، وبها كثير من العلويين الذين اتخذوها موئلا أيام الدولة الأموية ~~لكثرة أنصارهم بالعراق، وللفرار بأنفسهم من موجات الظلم والاضطهاد. # وكان المسجد الذي بناه علي بن أبي طالب لا يزال ماثلا بعد أن جدد بناءه، وأقام ما انهار ~~منه يوسف بن عمر عامل هشام بن عبد الملك على العراق، وكان هذا المسجد روضة العلماء والأدباء ~~والمحدثين، ومباءة طلاب العلم والأدب، وهو المسجد الذي تلقى فيه أبو الطيب في طليعة صباه ~~علوم الأدب واللغة، وفيه كان يجلس إلى الناشئ الأصغر الشاعر، ويكتب عنه ما يمليه من شعره ~~على الطلاب. # وكان يحكم الكوفة حين عاد إليها أبو الطيب وال من قبل معز الدولة له ميل إلى الأدب ~~والشعر، وحب للعلم والعلماء، ولكنه كان شديد الحرص على منصبه، كثير الخوف والوساوس من كل ما ~~يؤدي إلى سخط بغداد، أو يجر عليه مصيبة العزل التي أصبحت شبحا مخيفا يساوره في اليقظة ~~والمنام. # بلغ أبو الطيب الكوفة بعد رحلته المضنية القاسية الجريئة، فاتجه نحو داره وكانت بمحلة ~~العلويين بالقرب من المسجد الجامع، فمشى في طرق اشتبهت عليه منافذها، ولقي أناسا ليس له ~~بهم عهد، فقد غاب عن الكوفة وعن أهلها أكثر من ثلاثين عاما، مات فيها أقوام وولد أقوام، ~~وتهدمت معالم وقامت معالم، وليس ببعيد أن يكون قد مر بباله وهو يتطلع يمينا وشمالا في ~~دهشة وعجب، ذلك الرجل الذي بعثه إخوانه من أهل الكهف بعد أن لبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا؛ لينظر لهم أيها أزكى طعاما وليأتيهم برزق منه. # كان ينظر فإذا الفناء الرحيب الذي كان يلعب فيه مع أترابه أصبح دورا ms34 ومتاجر، وإذا القصر ~~الذي كان آهلا بسكانه عامرا بأسباب الغنى والسؤدد مائجا بعبيده وجواريه أصبح طللا ~~دارسا وربعا محيلا، وإذا الشجرة التي كانت لا تتجاوز قامته حينما كان يمر بها وهو ذاهب ~~إلى المكتب، أصبحت دوحة باسقة ممتدة الأفنان. كل شيء تغير، وكل مظهر تبدل، والزمن كفيل ~~بأن يغير كل شيء، «ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟» إنه هو نفسه تغير، فليس هو الآن ذلك الطفل ~~المرح الوثاب الذي يسره كل شيء، ويضحكه كل شيء. أين هو الآن من ذلك الطفل بعد أن فارقه ~~ثلاثين عاما ثم عاد إليه بنفس جديدة، وخلق جديد؟ إنه الآن لا يقنع بما دون الملك، ولا يرضى ~~بأقل من اقتناص البزاة إذا اصطاد غيره البغاث والرخم، ولا يهدأ إلا إذا حلق في السماء ورأى ~~الناس تحته كأنهم ذباب أو نمال، إنه الآن يقول: # وما تسع الأزمان علمي بأمرها # وما تحسن الأيام تكتب ما أملي # إنه الشاعر الطموح، والشارد الجموح، والصخرة النطوح. # إنه هو الذي ازدهى على الأمراء وتحكم فيهم ثم هجاهم، وهو الذي تزلف إليه العظماء ~~فازدراهم، وسمت إليه عيون الشعراء فبهرهم وأخرسهم، وحاول علماء الأدب واللغة أن يجروا معه ~~في شوط فبزهم وأخمد أنفاسهم. إنه الفارس المغوار، والبطل الكرار، الذي تحدى الصحراء وأرغم ~~أنف البيداء، وصارع الموت وأفنى الفناء. # يحاذرني حتفي كأني حتفه # وتنكرني الأفعى فيقتلها سمي # هذه هي نفس أبي الطيب حينما عاد إلى الكوفة. وهذه بعض خواطره التي كانت تضطرب في صدره. # بلغ المتنبي داره فطرق ابنه الباب فأسرع «مفلح» إلى ~~فتحه، ودخل أبو الطيب ومحسد وبعض عبيده، فصاح محسد: أين أمي؟ فأطلت من أعلى السلم امرأة في ~~نحو السابعة والثلاثين، لا تزال تزهى بريان شبابها، وتدل بنضرة عودها، وكان في وجهها نبل ~~واستسلام وثقة، وفي نظراتها حيرة وذهول ودهشة. وهي من أسرة عريقة بالشام فتن بها المتنبي ~~وفتنت به، وكانت تشبهه في قوة الجلد وبعد الهمة ومضاء العزيمة. # لم تكد الأم تسمع صوت محسد حتى أسرعت إليه، فوثبت ~~فوق درجات ms35 السلم وثبا، ثم مدت ذراعيها في شوق وحنان فطوته إلى صدرها وهي تغمغم: وهكذا يا ~~ولدي يلتقي الشتيتان وإن طال الزمان. ويعود القارظان بعد قنوط وإياس. ثم ألقت على جبينه ~~قبلة فيها كل معاني الحب والشوق، واتجهت نحو المتنبي في إجلال وشغف فعانقته عناق المحب ~~الواله المهجور، ثم قالت: الحمد لله على سلامتك يا سيدي. لقد طالت الغيبة وانقطعت الرسائل ~~منذ بعثت بي إلى هنا، ورحلت وحدك إلى مصر، ولقد كادت الوساوس تعبث في لولا ما كان يملأ ~~المدينة من أخبارك بين الحين والحين، فإنك يا سيدي ما كنت تنشد قصيدة بمصر حتى تطير إلينا ~~أبياتها بعد قليل. ما لي أرى سيدي مضنى هزيلا؟ ~~- لقد لوحتني الصحراء يا فاطمة، وكان القيظ شديدا والسير مجهدا والطريق وعرا كثير ~~المخاطر، ولكن شوقي إليك هون علي كل شيء. كيف الحال؟ وكيف قضيت هذه السنوات ~~الخمس؟ ~~- بخير يا سيدي، ولقد كان لسيدتي زينب زوج الشريف الحسن بن عمر العلوي الفضل الأكبر في ~~إزالة وحشتي، فإنها كانت تكثر من زيارتي وتنقل لي عن زوجها أخبارك بمصر، ومنذ شهر وصلت ~~قصيدتك التي هجوت بها عبد الإخشيد، وكانت سمر الناس وحديث الأدباء، ولقد علمت منذ أيام بقرب ~~قدومك إلى الكوفة، فقد أرسل إلينا الوالي أحد أعوانه ليتحقق من عودتك، فلما أخبره مفلح بأنك ~~لا تزال غائبا أسر إليه بأنك خرجت من مصر منذ أشهر، وأن معز الدولة بعث إلى الوالي طلبا ~~منه استقصاء خبرك. فأطرق المتنبي مفكرا ثم رفع رأسه، وقال: معز الدولة الديلمي الغاشم ~~مقطوع اليد اليسرى يسأل عني؟ ما هذا النحس الذي يلاحقني؟ أأفر من الأسود الماكر في مصر ~~ليطاردني بأمثال هؤلاء. لن أقول من الآن شعرا، ولن يظفر مني أمثال هؤلاء المناكيد ببيت ~~واحد. ثم لمح على الحائط بيتا من الشعر كان كتبه بخطه وهو في العاشرة فقرأ: # وإلا تمت تحت السيوف مكرما # تمت وتلاق الذل غير مكرم # فأخذته رعدة، وطافت بنفسه ذكريات وأحلام وصاح: نعم، إنني خلقت فارسا قبل أن أخلق شاعرا، ~~وقد ms36 ألقيت عناني للشعر طويلا، فأحلني دار الهوان وزحزحني عن قمة المجد وسأسكت اليوم شعري ~~ليتكلم سيفي: # من اقتضى بسوى الهندي حاجته # أجاب كل سؤال عن هل بلم # ثم قام فخلع ثيابه واستلقى على فراشه شاخص العينين شارد الفكر مضطربا، فقد كانت تطول ~~بذهنه أطياف من الماضي القريب والبعيد، وصور من الحوادث، وتهاويل من الآمال والأحلام التي ~~ذهبت بددا وآضت حطاما. مرت به أيام صباه، وما كان فيها من أمل مكبوت كالزهرة المنطوية في ~~كمها، والناء المخبوءة تحت رمادها، ومرت به أيام رحلته إلى دمشق في طلب العلم والأدب وهو ~~بعد غلام لم يطر شاربه، وما قاسى في تلك الملاوة من فقر وضنك وسغب، ومرت به أيام استجدائه ~~بالشعر ذليلا متصاغرا ينتقل على قدميه من بلد إلى بلد. ويمدح من هو بالصفع أجدر منه ~~بالمديح، وينثر الدر فوق رءوس الخنازير، ثم مرت به أيام حلب وأيام سيف الدولة حين بلغ القمة ~~ووصل بعد طول الكد إلى الغاية، فاختلج فؤاده وهاجت بلابله، وطافت بوجهه سحابة حزن غائمة، ~~وضرب كفا على كف، فقد كان ينبغي ألا يفارق سيف الدولة، وكان ينبغي أن يصل حظه بحظه في ~~ميزان القدر، ثم مرت أيام كافور وما كان فيها من آمال طارت قبل أن ينبت لها جناح، ودفنت قبل ~~أن تلمح نور الحياة، ثم دار فكره دورة سريعة نحو ما يستقبله من أيام وأحوال، وما ينتظره من ~~أحداث وخطوب، هذا معز الدولة يسأل عني. لقد علم بفراري من مصر. ماذا يريد مني؟ إنه رجل خبيث ~~ماكر منتقم، ووزيره المهلبي شر منه وأشد نكرا، إنني سأطوي صحائف الشعر، لقد نلت من جرائه ~~ما كفاني، سأقيم في داري، وسأنكب على دراسة الأدب واللغة، ولن يدوي لأبي الطيب بعد اليوم في ~~الآفاق صوت، ولن يشعر أحد بمكانه. لقد نال من الشهرة والمال فوق ما تطمح إليه الشهرة، ويصبو ~~إليه حب المال، ولكن تلك النفس النزوع لا تطيعني، وهذه الروح الوثابة لا ترضى بالسكون ~~كأنها الطائر القلق لا يستقر في وكن ms37 ، إنني خلقت من عصف الرياح وهدير السيول وقعقعة الرعود، ~~فلن أستطيع أن أجلس هادئا في عقر داري ألفن هذا بيتا من الشعر، وأصحح لهذا كلمة في اللغة. ~~لم أولد وفي يدي مغزل، ولكني ولدت وفي يدي سيف بتار. لست ممن يجلس في شمس الشتاء، ويستظل ~~من لفحات الهجير بدوحة أو جدار. # طوال الردينيات يقصفها دمي # وبيض السريجيات يقطعها لحمي # لا. لا. لن أستطيع الفرار، ولن أستطيع أن أثبت وأدع العالم يموج ويتحرك، ولن أستطيع أن ~~أدع الفلك يدور دون أن يتحدث باسمي ويملأ الأسماع بمحامدي، ولن أطيق أن أرى الأرض تقسم ~~دولها بين منتفخي البطون وأنا واقف أنظر إليهم غرثان ظامئا. كان لي أمل في كافور، وكان لي ~~آمال في فاتك، ولكن هيهات. هيهات. ذهب كل شيء. ولم يبق إلا أن أكتفي من الغاية بما يقرب من ~~الغاية، وإذا فاتني الملك فلن تفوتني المنزلة الرفيعة بين ملوك الأرض، ولن يفوتني أن يعدني ~~الناس ملكا من غير صولجان. أما أن أقبع في داري فليس إلى ذلك من سبيل. ولكن كيف أتقي خطر ~~مطامحي؟ وكيف أتجنب ما تجره مصاحبة كبار الساسة من ويلات؟ يجب أن أحذر. ويجب أن أتعلم من ~~تجاربي. ويجب أن أبتعد قليلا حتى أصون لنفسي كرامتها وعزها، وحتى يطلبني الملوك ولا ~~أطلبهم، وحتى أتخلص من وصمة الشاعر المستجدي الذي يطرق كل باب ويجلس على كل خوان. هذا هو ~~الذي يجب أن يكون، الأمر لله من قبل ومن بعد. ثم أخذته سنة فنام. # وشاع خبر وصول المتنبي إلى الكوفة فتنقل في كل دار، ورف فوق كل سامر، وردده كل لسان، ~~فكانت المرأة تنظر من نافذة دارها وتصيح بجارتها قائلة: أعلمت أن ابن الحسين قد وصل إلى ~~الكوفة بالأمس؟ ~~- لقد أخبرني بذلك أبو محمد فيا له من خبر غريب. إن زوجه كانت من الصابرات حقا، ولعلها ~~اليوم أسعد امرأة بالكوفة. ~~- كانت جدته تتمنى هذا اليوم، فقد كانت وهي على فراش الموت تتلهف للقائه، وتلثم آخر ~~رسالة بعث بها إليها، وكان لسانها ms38 يتلعثم بترديد اسمه حتى ماتت. # ودخل طالب مسجد الكوفة في الصباح، وكان يزخر بالعلماء والطلاب فرفع صوته قائلا: أيها ~~الطلاب لقد عاد بالأمس أبو الطيب المتنبي إلى وطنه. فصاح أحدهم: أهلا أهلا بشاعر العرب، ~~إن المتنبي مجد الكوفة ومجد العروبة، لقد كنا بالأمس نتذاكر قوله: # وإني لنجم تهتدي صحبتي به # إذا حال من دون النجوم سحاب # غني عن الأوطان لا يستفزني # إلى بلد سافرت عنه إياب # فقال أحد الشيوخ: لقد أنذرنا أبو الطيب بأنه لن يعود إلى الكوفة. ولكن الله كذب ظنه وعاد ~~المتنبي ليملأ آفاقنا تغريدا. # والتقى في سوق الوراقين الحسن العلوي بحماد الوراق فحياه وسأله: أبلغك وصول أبي الطيب ~~إلى الكوفة بالأمس؟ ~~- بلغني يا سيدي؟ إن الخبر ملأ المدينة، إن صبيان المكاتب يترنمون بأهازيج الترحيب ~~به. ~~- أظنك تعرفه وهو غلام؟ ~~- أعرفه يا سيدي! لقد كان يتردد على دكاني كل يوم، ولكني لم أكسب منه درهما، كان يتناول ~~الكتاب ويجلس على هذه الدكة، فإذا مرت ساعة أو نحوها أعطانيه لأضعه في مكانه، فإذا طلبت منه ~~أن يشتريه. أخبرني بأنه حفظه عن ظهر قلب من الدفة إلى الدفة. # وأقبل لزيارة المتنبي كبار العلماء والأدباء في المدينة، وتوافد عليه الطلاب يسألونه ~~ويقيدون عنه ما يلي، وكان يجلس على كرسي ضخم في صدر القاعة وبجانبه محسد، وقد وقف عند الباب ~~عبده مفلح، وكان بين زواره الشريف الحسن العلوي وابنه الحسين، وكان فتى في العشرين وسيم ~~الطلعة حسن الحديث حاضر البديهة، فقال العلوي: لقد كانت الكوفة تتشوق إلى قدومك يا أبا ~~الطيب بعد أن تراجع مجدها، وكادت تذوي أفنان الأدب والشعر فيها. ~~- إننا رأينا ما رأينا من ملوك وأمم وممالك، فعرفنا أن كل شيء في هذه الدنيا هباء، وأن ~~آمال المرء فيها هواء. ~~- لقد نلت في هذه الرحلة ما لم ينله شاعر، وبلغت منزلة تتقطع دونها أعناق الآمال. ~~- وماذا حصلت عليه بعد ذلك يا ابن الرسول؟ لا شيء إلا أني عدت إلى داري في الكوفة أحمل ~~فوق كتفي أثقال السنين، بعد أن خرجت ms39 منها يافعا ريان الشباب. ~~- خرجت سنة تسع عشرة وثلثمائة فارا من القرامطة؟ ~~- نعم يا سيدي، فلقد كان القرامطة بلاء على الكوفة وعلى العراق كله. ~~- لقد دمروا وأحرقوا كثيرا من الدور والمساجد، وكم نهبوا وسلبوا وفعلوا الأفاعيل. ~~- وكنت في ذلك الحين شاديا في الشعر فنظمت قصيدة أهجو فيها زعيمهم أبا طاهر فبلغه خبرها ~~فأهدر دمي، فخرجت فارا مع أبي في حماية الليل وستاره حتى بلغنا بغداد، فلم أقم بها طويلا ~~حتى ودعت أبي واتخذت طريقي إلى شمالي الشام. ~~- وقد مضى منذ ذلك الحين أكثر من ثلاثين عاما، ولا يزال هؤلاء القرامطة يعيثون بالفساد ~~حول الكوفة، إنهم قوم فجرة يستحلون كل شيء، ولا يخضعون لحاكم، ولا يرجعون إلى شرع. وبينما ~~هما في الحديث إذ دخل مفلح ينبئ المتنبي بقدوم الوالي، فهنأه بسلامة قدومه ورد المتنبي ~~تحيته بتحية امتزج فيها الإجلال بتواضع الكبراء، وذهب الحديث مذاهب شتى، وجاء ذكر سيف ~~الدولة وكافور فقال الوالي: لقد كانت تصل إلينا قصائدك في الأسود، فكنا نقرؤها وتطرب لها من ~~جهة أنها شعر، لا من وجهة أنها قيلت في كافور. ويعجبني فيك يا أبا الطيب أنك لا تصرف ~~القصيدة كلها إلى ممدوحك كما تفعل جمهرة الشعراء، ولكنك تتصدق عليه بأبيات قليلة، ثم تتجه ~~في بقية القصيدة إلى الحكمة العالية وخوالج النفوس وما يجيش به صدرك من همم وعزائم، ولقد ~~أحزنني حقا أن تقول في كافور: # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه # لعوقه شيء عن الدوران # هذا بيت لم تتفتح عن مثله شفة شاعر منذ عرفت الأوزان وقيلت الأشعار. وكان من مصائب القدر ~~أن يبقى دره مخزونا في أطواء الزمان حتى ينثر على الأسود الحبشي. ما أجل المعنى، وما أروع ~~اللفظ، وما أبعد الخيال. وأبدع ما في البيت كله كلمة «شيء» هذه. فما أحلى هذا التنكير وهذا ~~التجهيل الذي تضمنته. كان مولانا معز الدولة أحق بهذا البيت وأجدر. فهو زند الخلافة وعضدها، ~~وحامي حمى المسلمين، ومعلي كلمة الدين، والملك الذي له من القوة والسلطان ما يصح أن يقال ~~فيه ms40 مثل هذا الكلام. أذاهب أنت إلى بغداد يا أبا الطيب بعد أن تستريح قليلا بالكوفة؟ ~~- إنني سأستريح طويلا يا سيدي، وسيستريح معي شعري. ~~- لا. إن شعرك لا يستريح، إن الطائر لا يستطيع إلا أن يغرد، والمسك لا يملك إلا أن ~~يفوح. قل لي بالله متى تذهب إلى بغداد حتى أكتب إلى مولاي معز الدولة؟ لقد كتبت اليوم رسالة ~~إلى الوزير المهلبي أخبره فيها بقدومك، وأكبر الظن أنه لن يدعك تستريح يا أبا الطيب. إن ~~الناس يطمعون في أدبك وشعرك، لقد رفعت سيف الدولة إلى القمة، وملأت الدنيا بمديح كافور ثم ~~بهجائه، وأظنك لا تبخل على الخلافة ورجالها ببعض ما نثرته على تابعيها من الأمراء. ~~- سأنظر في هذا يا سيدي، ولكني الآن أوثر الهدوء والاستقرار بعد أن طوحت بي الطوائح. ~~- لست ملكا لنفسك يا أبا محسد، وإنما أنت ملك العرب وملك الخلافة، وكان يجب على ابن ~~العراق ألا يشيد إلا بمجد العراق. خلصني بالله يا أبا الطيب، فقد ينالني لوم من دار الخلافة ~~إذا لم تسرع إليها. ~~- لا لوم ولا تثريب يا سيدي، والأمور مرهونة بأوقاتها. وانقض المجلس، وتوالت الأيام ~~وتوالت المجالس، وفي كل يوم يزيد أبو الطيب سأما وتبرما. إنه لا يستطيع أن يعيش كما يعيش ~~الناس، لقد عاد إلى ديوان شعره فرتبه وكتبه وأسقط منه ما أراد أن يسقط وزاد فيه ما راق له ~~أن يزيد، وانتهى الديوان، وعادت الحياة إلى ركودها. ورأى أن يتخذ الصيد مسلاة فما مرت أيام، ~~حتى ضجر بالصيد ومل الركوب، ورجاه صديقه الحسن العلوي أن يمدح بني هاشم بقصيدة فسقط القلم ~~من بين أنامله ولم يستطع أن يخط حرفا، ماذا جرى له؟ وما هذا الحنين إلى الغربة والانتقال؟ ~~إنه اليوم بين أهله وولده يعيش في أرغد عيش وأرفه حال، فما هذا الضجر الذي ينتابه في كل ~~حين؟ وما هذا النزوع إلى القلق والاضطراب في الأرض؟ إن من الناس من تتبعهم الراحة ويضنيهم ~~طول الجمام، يجب أن يرحل عن الكوفة، ويجب ألا يحصره وطن، إن ms41 العباقرة لا وطن لهم أو إن ~~وطنهم الأرض كلها. ولكن أين يذهب؟ لقد رجاه صديقه علي بن حمزة في أن يزوره ببغداد، ولقد ~~توالت كتبه وتتابعت رسائله، وكان في هذه الرسائل ملحا ملحفا، فهو لا يريد أن يدفن أبو ~~الطيب نفسه حيا بين عجائز الكوفة وشيوخها، وهو يضن بهذه الجذوة المتوقدة أن تخمد، وبهذا ~~النبوغ النادر أن ينطفئ، وبهذا الشعر الرائع أن يجبل. ويقول: أن بغداد تتشوف إلى لقائه، ~~وتمد أعناقها لترقبه من الخليفة ومعز الدولة والوزير المهلبي إلى صغار المتأدبين. فلم لا ~~يذهب إلى بغداد؟ ولم لا يعلم دعاة الشعر فيها أن الشعر شيء غير نظم الكلام؟ ولم لا يلوح ~~بشعره لمعز الدولة أو للمهلبي حتى يأتيا إليه حبوا؟ ولم لا يضرب من كانوا يتيهون عليه ~~ويخدعونه كسيف الدولة وكافور ضربة قاصمة بما يناله من الحظوة وعظيم المنزلة عند معز الدولة؟ ~~ولم يستبعد أن ينال من معز الدولة ما تصبو إليه نفسه من الولايات إذا أحسن التأتي وأتقن ~~الخداع، وعرف الطريق إلى نفسه؟ يجب أن يذهب إلى بغداد غدا. نعم غدا يرحل إلى بغداد. ويفيق ~~المتنبي من هذه الغمرات فيسمع صوته وهو ينادي محسدا، ويقبل محسد فيبتدره قائلا: قل لمفلح ~~يعد الخيل والإبل فسنرحل غدا إلى بغداد. وتدخل فاطمة وعلى وجهها مسحة من الحزن لهول ما ~~علمت من وشك رحيله، وتقول: أتطول هذه الرحلة يا سيدي؟ ~~- لا أدري يا فاطمة، ولكني لن أتركك وحدك هذه المرة، فإذا اطمأن بي المقام ببغداد أرسلت ~~مفلحا لإحضارك. # وجاء الغد وأعدت الركائب في الصباح، ووقف المتنبي وفي وجهه لمحات يختلط فيها اليأس ~~بالأمل، فقبل زوجه ثم صاح في وديعة الله. وامتطى جواده وهو يردد: # ليس التعلل بالآمال من أربي # ولا القناعة بالإقلال من شيمي # ولا أظن بنات الدهر تتركني # حتى تسد عليها طرقها هممي # | استفزاز # بلغ الركب بغداد في أصيل يوم من ربيع الآخر سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة، ونزل أبو الطيب ~~وابنه وعبيده في خان من أفخم خانات المدينة، وكانت بغداد في ذلك ms42 الحين لا تزال تحتفظ ببقية ~~من عظمة العباسيين وحضارتهم ومجدهم الأثيل مع ما أصابها من ظلم معز الدولة، وإقطاع قواده ~~وجنوده القرى جميعها، ومصادرته الغاشمة للأموال، وكانت عش العلماء وموئل الأدباء والشعراء ~~وملتقى أمم الأرض من كل أفق ودين، وكانت تزخر في هذا الحين بالجواسيس وأصحاب الأخبار، فمنهم ~~جواسيس لمعز الدولة، وجواسيس لكافور، وجواسيس لسيف الدولة، وجواسيس لعضد الدولة ملك فارس، ~~وآخرون للفاطميين ملوك المغرب. # وصل المتنبي بغداد فتشمم الجواسيس الخبر ونقله بعضهم إلى معز الدولة، وأرسله بعضهم إلى ~~ممالكهم على أجنحة الطير، وما كاد معز الدولة يتلقى الخبر حتى بعث في طلب وزيره المهلبي. ~~وكان معز الدولة في التاسعة والأربعين، قوي البناء قوي الشكيمة أصلع الرأس شديد احمرار ~~الوجه له عينان كأنهما عينا نمر، وكان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع اليمنى، شرسا سريع ~~الغضب حقودا شحيحا، ولم يكن إلا قائدا ماهرا وشجاعا واسع الحيلة، أما الشعر وأما الأدب ~~فكان بينه وبينهما بون بعيد. نشأت به وبأخويه دولة بني بويه، وكان في أول نشأته فقيرا ~~يعيش من جمع الحطب وبيعه، وحينما استولى على بغداد انتزع الحكم من أيدي الخلفاء واستبد به. ~~فخلع الخليفة المستكفي بالله وسمل عينيه، وولى مكانه الخليفة المطيع على أن يكون شبحا من ~~أشباح الماضي لا ينقض ولا يبرم. أما وزيره المهلبي فكان رجلا أديبا شاعرا لين الجانب ~~خصيب الجناب، عرف البؤس مرا أيام شبابه فتمسك بمنصبه حريصا عليه وعطف على الأدباء ~~البائسين، وكان مجلسه منتدى رحيبا للعلماء والأدباء والشعراء أمثال أبي الفرج الأصفهاني ~~والسري الرفاء وابن البقال وابن سكرة وابن الحجاج. # دخل المهلبي على معز الدولة، فسمعه عن بعد وهو يهدر هدير البعير، فلما رآه صاح: لقد قدم ~~المتنبي بغداد الساعة فماذا ترى؟ أليس في قصري من شعراء بغداد والمتطفلين عليها من يزيدون ~~على الحاجة؟ لقد أصبحت معدتي لا تستطيع هضم أشعارهم، وهذه الأموال التي تبعثر في كل عام ~~عليهم أولى بها أن تتدفق على القواد والجنود. ~~- يا مولاي إن المتنبي شاعر مر اللسان مر العود ms43 شائك الجانب، فإذا لم تقبل عليه وتملأ فمه ~~بعطاياك فربما خرج عن جادة الأدب، وشعر هذا الملعون له أجنحة لا تمل الطيران. ~~- إنه عرض بي وكاد يصرح بهجائي في بعض مدائحه لهذا العربي المفتون الذي يدعو نفسه سيف ~~الدولة، فلن يطأ بساطي. ولن ينشد أمامي شعرا. إن له أن يقيم ببغداد كما يشاء، ففي بغداد من ~~هم شر منه من حثالات الأقطار ونفايات الأمم. ~~- إن الرجل يا مولاي ليس ممن يستهان بأمرهم، وليس ممن توصد الأبواب في وجوههم، فقد بلغ ~~منزلة من المجد الشعري يجب أن نخضع لها راضين أو كارهين، والذي أشير به ألا نبدأ الرجل ~~بالعدوان، وألا نلقي بأنفسنا عند أقدامه متزلفين متملقين كما فعل الغر سيف الدولة، وكما فعل ~~المأفون الجاهل كافور، فكان جزاؤهما منه الجفاء وشر الهجاء. والذي أنصح به أن ننتظر ونترقب، ~~فإذا جاء إلى القصر مستجديا متواضعا كما يجيء غيره من الشعراء، والتمس الإذن بمديح مولانا ~~فتحنا له الأبواب مرحبين، وأجزلنا له الصلة مغدقين، أما إذا لم يفعل شيئا من ذلك فليس له ~~عندنا إلا أن نترك لجواسيسنا مراقبته من بعيد، وأن نجعل إقامته ببغداد جحيما لا ~~تطاق. ~~- أليس بين شعراء بغداد وأدبائها من يبلغ منزلة هذا المتنبي، ومن يستطيع أن يحطم صلفه ~~وكبرياءه؟ فإن من العار أن يقال: إن دار الخلافة أقفرت من الشعراء فلم يقف فيها شاعر في وجه ~~هذا المغامر الآفاق. ~~- إن شعراء بغداد يا مولانا كالكلاب المضراة، وهم رهن إشارتي، ولكني لا أعطي هذه الإشارة ~~إلا في وقتها، ويجب أن ننتظر كما قلت. ~~- فلننتظر إذا، وإني سأترك لك الأمر كله. وانتهى الحديث فخاضا في شئون أخرى. # وعلم علي بن حمزة اللغوي بقدوم المتنبي، فأسرع إلى الخان وطلب منه أن ينزل بداره فقبل بعد ~~رجاء وإلحاح. وكانت دار ابن حمزة في ربض حميد بالجانب الغربي. فأقام بها أبو الطيب مدة ~~ثوائه ببغداد، وكان يتردد عليه كل يوم شعراء المدينة وأدباؤها ورجال اللغة فيها، واتصل به ~~في هذه الفترة تلميذه أبو الفتح ms44 عثمان بن جنى، وكان شابا لم يجاوز السادسة والعشرين يتوقد ~~ذكاء ويلتهب غيرة على التحصيل والمدارسة، واقتنص علي بن حمزة الفرصة، فروى عنه ديوانه ~~ووقف منه على ما أشكل عليه من ألفاظه ومعانيه، ومرت بالمتنبي أيام وهو على تلك الحال حتى ~~فاجأه ابن حمزة يوما سائلا: ألا تريد أن تزور الوزير المهلبي؟ ~~- إني أنتظر أن يدعوني إليه. ~~- إن الوزراء والأمراء في بغداد لا يدعون الشعراء، وقد جرت عادة العظماء مثلك أنهم إذا ~~نزلوا بلد ملك أو أمير أن يبدءوه بالزيارة. ~~- إنني لن أبذل نفسي رخيصة، وكان يجب على المهلبي بعد أن علم بوصولي أن يلح في أن أكون ~~ضيفه، وأن يفرد لي جناحا بقصر الخلافة. فنظر إليه ابن حمزة في عجب ودهشة، وقال: إن وزيرنا ~~المهلبي رجل شاعر أديب سخي الكف، ولكنه إلى كل ذلك مغال في تقدير كرامته معتز بكبريائه، يرى ~~أن من دون مقامه أن يستجدي شاعرا أو يتملق أديبا، على أني أعتقد أنه ينتظر زيارتك في قلق ~~وشغف. ~~- فلينتظر إذا طويلا فإني لا أزور هذا الخليج الماجن. ~~- لا يا أبا الطيب، إنك رجل جم الآمال بعيد المطامح، وقد قضيت الحياة في كد ووثوب، فبلغت ~~من بعد المنزلة مكانا قصيا، ولكنك لم تصل بعد إلى الغايات التي أقرؤها في شعرك. لقد سقطت ~~من سلم الطموح مرتين كنت فيهما موشكا على القمة: مرة عندما غضبت على سيف الدولة، ومرة ~~عندما غضب عليك كافور، فإياك وأن تسقط الثالثة! إن لنا أملا كبيرا في المهلبي وفي معز ~~الدولة، وإن رجلا مثلك لو ظفر بمودتهما لظفر بكل شيء. فإذا كنت قد طمعت عند كافور في ~~ولاية، فهنا مصدر الولايات، وهنا النبع الفياض برفيع المناصب، وهنا خلافة المسلمين التي ~~جعلت كافورا ملكا، وسيف الدولة أميرا. ~~- كنت أحب أن يبدأ مهلبيكم بدعوتي، والذي أخشاه الآن ألا أقابل بما يليق بمثلي من ~~الكرامة. ~~- هذا وهم يا سيدي. إن شهرتك غرست في قلوب الناس منك رهبة ولم يخل منها قلب أمير أو وزير. ~~اذهب إليه يا ms45 أبا الطيب غدا. ~~- سأذهب. # وفي صباح اليوم الثاني ركب أبو الطيب في عظمة تشبه عظمة الملوك وخلفه العبيد والخدم بين ~~فارس وراجل، وقصد إلى قصر الخلافة فاستقبلته حاشية الوزير في إكرام وحفاوة، وأسرع المهلبي ~~فأذن له فدخل عليه المتنبي في تؤدة وجلالة سمت مرتفع الصدر شامخ الأنف، كأنه أسد بن عمار ~~الذي يقول فيه: # يطأ الثرى مترفقا من تيهه # فكأنه آس يجس عليلا # فحيا الوزير ورد الوزير تحيته في شيء من الفتور بعدما رأى من تشامخه وتعاظمه، وتقدم ~~المتنبي فجلس إلى جنبه حتى التصقت ركبته بركبته، وكان بالمجلس أبو الفرج الأصفهاني وابن ~~البقال الشاعر، واتجه المهلبي إلى أبي الطيب، وقال في تهكم لا يكاد يلمح: لقد زرت بغداد منذ ~~شهر يا أبا الطيب ولم تزرنا، أتعد هذا تجنبا أو تجنيا؟ ~~- الأعذار كثيرة يا سيدي. ~~- الأعذار تقول: يا أبا الطيب إنك بخير وعافية، وإنك تقضي وقتا طويلا كل يوم في دراسة ~~شعرك مع ابن حمزة وابن جنى. كيف تركت الأسود بمصر؟ ~~- تركته وهو لا يزال أسود. ~~- ألا تزال تهدد الناس بشعرك يا أبا الطيب؟ ~~- إن شعري مرآة أخلاق الناس، وليس على المرآة من ذنب إذا كشفت وجها دميما. ~~- أرجو أن تحسن وجوهنا في مرآة شعرك، فابتسم المتنبي ابتسامة ساخرة، ولم تعجبه ملاقاة ~~المهلبي له، وقال: # وأحسن وجه في الورى وجه محسن # وأيمن كف فيهم كف منعم ~~- نترك الإحسان والإنعام الآن يا أبا الطيب حتى نسمع. والتفت إلى أبي الفرج وأخذ يطارحه ~~الشعر ونوادر الأدب، والمتنبي يشترك في الحديث متعاظما، يخطئ هذا ويجبه ذاك، حتى انقض ~~المجلس فخرج مغيظا ساخطا؛ لأن المهلبي لم يحسن لقاءه كما يحب، ولم يستجد مدحه كما كان ~~يؤمل، واشتد غضب المهلبي على المتنبي؛ لأنه لم يمدحه؛ ولأنه أظهر من الصلف والتيه ما لا ~~يجمل بمجالس الوزراء، فصمم العزم على الكيد له وتلقينه درسا لا ينساه في وجوب التطامن ~~للوزراء والخضوع للعظماء. # وبلغ الشاعر داره فلقيه ابن حمزة وعاجله سائلا: كيف الحال يا أبا الطيب؟ ~~- شر حال! إن ms46 وزيركم يحسبني من شعرائه المهازيل الذين يقعون حول مائدته لالتقاط فتاتها. ~~ثم قص عليه ما دار في المجلس، فانقبض وجه ابن حمزة، وقال في تحسر: لقد أضعت الفرصة يا أبا ~~الطيب، وسلطت عليك أكبر مدرب للكلاب. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أقصد أنه سيرسل عليك عصابته، وسنسمع غدا فيك شعرا هو قيء أمعاء البديع، وأشلاء جيفة ~~البيان. ~~- لقد قلت في أمثالهم: # وأتعب من ناداك من لا تجيبه # وأغيظ من عاداك من لا تشاكل # وما التيه طبي فيهم غير أنني # بغيض إلى الجاهل المتعاقل ~~- لا يا أبا الطيب، إن هؤلاء ليسوا ممن يسهل اتقاء شرهم، أرأيت الأوحال التي كلما حاولت ~~التخلص منها زدت فيها ارتطاما؟ إن لهم في بغداد حكما على الحكام، ونفوذا على ذوي النفوذ، ~~إنهم يهددون كل عظيم في عرضه وشرفه ومزال ماضيه، فيقبل عليهم خاضعا مستغيثا جاثيا على ~~ركبتيه، باذلا كل ما يضربونه عليه من مال. إن قطاع الطريق ولصوص الليل أشرف منهم نفسا ~~وأكرم خلقا؛ لأنهم يعفون عن استلاب النساء وقتل الأطفال، أما هؤلاء فلا تسلم منهم حرمة، ~~ولا يتنزهون عن ملأمة. إنهم يرسلون البيت من الشعر مسموما كما يرسل القرمطي سهمه لا يبالي ~~إلى أي قلب نفذ. وهؤلاء جميعا في قبضة المهلبي يوسوس لهم بالدنانير فيقبلون، ثم يوجههم إلى ~~الصيد فيتواثبون، وهو يطل عليهم من بعيد جذلان مسرورا. وكلما زاد أحدهم في النهش زادت ~~المكافأة وكلما ولغ أحدهم في الدماء عظم الجزاء. إن هؤلاء الشعراء يحكموننا الآن يا أبا ~~الطيب، فهم يوجبون علينا طاعتهم، ويفرضون علينا من الضرائب والإتاوات ما يشاءون. والويل ثم ~~الويل لمن أظهر العصيان أو حدثته نفسه باستنكار شيء أو التأفف من شيء! لا يا أبا الطيب، ~~اشتر عرضك من هؤلاء، واذهب بعد أيام إلى المهلبي وفي كمك قصيدة في مديحه. وأنتم الشعراء ~~أجرأ خلق الله على الكذب، وأقدرهم على تصوير ممدوح خيالي تعطونه اسم من ترجون صلته. والذي ~~مدح كافورا يا أبا محمد لا يعجز عن مدح الجاحظ بالجمال، وهبنقة بالذكاء، والحجاج بالرفق ~~والحنان. ~~- لن ms47 أمدح المغرور المستهتر، ولن أذهب إليه. ولن أبالي بكلابه المساعير. ~~- ذلك لك يا أبا الطيب، ولكني أحذرك من ابن الحجاج وابن سكرة وابن لنكك والحاتمي، أحذر ~~هؤلاء يا أبا الطيب وتجنب الاشتباك معهم، وإذا دفعت إلى لقائهم فجاملهم وتلطف. ~~- لو كانت المجاملة من خلقي يا ابن حمزة لكنت في حال غير هذه الحال. # وبعد مرور يوم أو يومين على هذا الحديث اجتمع بحانة بالكرخ تعرف بحانة أبي نواس ثلاثة ~~رجال جلسوا في حجرة بعيدة عن الطراق، وطلب أحدهم من فتاة الحان خمرا رومية معتقة ~~فأحضرتها، وأخذوا يتساقون ويتهامسون ثم قال أحدهم: لقد جعل لكل شاعر منا خمسمائة ~~دينار. ~~- هذا ليس بالكثير يا ابن الحجاج. ~~- ما أطمعك يا ابن سكرة. أتستقل خمسمائة دينار في عشرين بيتا أو نحوها من أقذر الشعر ~~وأفحشه تقذف بها في وجه المتنبي، ثم تنال من بعدها شهرة الأبد؟ ما رأيك يا ابن لنكك؟ ~~- أرى أن العرض حسن، ولقد أعددت بالأمس أبياتا وسأزيد عليها؛ لأن الوزير وعدني بزيادة ~~العطاء إذا فحش الهجاء وتعددت فنونه. ~~- هذا حسن، ولكن أترى أن نأخذ في هجو الرجل دون أن نستدرجه بشيء من الملاحاة ~~والمهارشة؟ ~~- لا. يجب أن نزوره غدا، وقد علمت أنه غاية في الكبر والأنفة والزهو بنفسه، ومثل هذا ~~يسهل اصطياده واجتذابه إلى المعركة. ~~- عظيم. غدا نلتقي في الصباح بداري، ومنها نذهب إلى دار ابن حمزة للتشرف بمقابلة هذا ~~الزق المنتفخ. وانتهى ما في الإناء من شراب، وانتهى ما في عقولهم من كيد وتدبير، فخرجوا من ~~الحانة يترنحون ويصخبون. وجاء الغد وأسرعوا إلى دار ابن حمزة فاستقبلهم ببشر مصنوع وترحيب ~~متكلف، ثم دلف إلى حجرة المتنبي فأخبره بزواره وكرر تحذيره والنصح له، ودخل الشعراء على ~~أبي الطيب وكان جالسا فلم يتحرك من مكانه، وأخذ ينظر في وجوههم كمن ينظر إلى حشرات غريبة ~~الخلقة دنيئة الفصيلة ليس له بمثلها عهد، وكرر الشعراء التحية فبدرت منه تحية فاترة أردفها ~~في عجلة بأمرهم بالجلوس، فجلس القوم والغيظ يحتدم في وجوههم، ثم أخذت ابن ms48 الحجاج قهقهة ~~طويلة تصنع أنه لا يستطيع لها كتما، فنظر إليه المتنبي في ازدراء وسأل: مم تضحك يا ~~رجل؟ ~~- أضحك. يا سيدي لأنني سخرت بالأمس من رجل زعم أنك كنت تطمع في ملك مصر، وطالما لاحيته ~~وطالما حاججته، ولكن ظهر لي أنك كنت مخطئا. ~~- كيف؟ ~~- لأن هذه الجلسة وهذا الصلف وهذه النظرات التعبة الجافية لا تصدر إلا عن ملك. ~~- ما لك ولكل هذا يا رجل؟ أجئت لتزورني أم لتظهر سخفك؟ فأسرع ابن سكرة، وقال: إن هذه ~~المقابلة التي صدمتنا بها لا تقابل إلا بالسخف والسخرية، أفق أيها الشيخ من سباتك فإننا ~~شعراء بغداد. سل كل إنسان تلاقيه ينبئك من هم شعراء بغداد. إن في جراب أشعارنا علاجا ~~ناجعا لأمثالك المغرورين. إننا خلقنا من الشعر ميسما يشوه الوجوه الصلفة، ولجاما يعقد ~~الألسنة البذيئة، وقارا يلطخ العرض فلا تغسله أمواه السماء، فقال المتنبي باسما وكأنه لم ~~يسمع إلا طنين ذباب: لم تزد على أن جعلت الشعراء عصابة من قطاع الطريق، فسحقا لك من شاعر! ~~وما أتعس الشعر بمثلك! ثم التفت إلى ابن لنكك، وقال: وأنت يا شاعر آخر الزمان، هل في جراب ~~شعرك شيء غير الذي في جراب صاحبك؟ فاتجه إليه متحديا، وقال: أتريد ما في جرابي؟ إذا ~~فاسمع: # ما أوقح المتنبي # فيما حكى وادعاه # أبيح مالا عظيما # لما أباح قفاه # يا سائلي عن غناه # من ذاك كان غناه # إن كان ذاك نبيا # فالجا ثليق إله # فقهقه المتنبي وضرب الأرض برجليه، وقال: هدأ الله أنفسكم كما هدأتم نفسي، وأسعد بالكم كما ~~أسعدتم بالي، أهذا كل شعركم؟ في الحق لقد رعبتموني أول الأمر حتى ظننت أن وراء تهديدكم ~~نارا وصواعق من الشعر الذي أعرفه، والذي أدخره لأعدائي من الملوك، أما الآن وقد سمعت هذا ~~الشعر الذي عمشت مقلتاه، واختلط فيه قفاه بغناه، فإني أستطيع أن أمد رجلي جذلان مرحا، وأن ~~أعتقد أنني سأقضي في بغداد وقتا سعيدا أترقب فيه كل يوم ما يضحكني ويذهب بهمومي. رحم ~~الله بغداد! ورحم الله شعراء بغداد! هنا ms49 كان النواسي، وهنا كان مسلم، وهنا كان ابن الرومي، ~~وأنتم اليوم تلبسون ثيابهم؟ البسوها ما شئتم فرب ثوب يتبرأ من كتفي لابسه! أبقي في جرابكم ~~شيء من السباب؟ إن كان فهاتوه فإني مصغ لكم مشغوف بشعركم، وإن لم يكن فاذهبوا لإعداد ~~غيره. # لا تجسر الفصحاء تنشدها هنا # بيتا ولكني الهزبر الباسل # ما نال أهل الجاهلية كلهم # شعري، ولا سمعت بسحري بابل # وإذا أتتك مذمتي من ناقص # فهي الشهادة لي بأني كامل # ثم وقف فانصرف القوم صاخبين مهددين. وبقي المتنبي باسم الوجه عابس القلب، إنه استطاع ~~حقا أن يسخر منهم وأن يستخف بتهديدهم، ولكنه إلى ذلك علم علم اليقين أن أمله في المهلبي ~~ذهب إلى غير رجعة، وأن بقاءه ببغداد أصبح محفوفا بالمكاره. واتجه إليه ابن حمزة، وقال: لقد ~~كنت داهية واسع الحيلة في مقابلة هؤلاء الأنذال، ولكني لا أزال أحذرك منهم، فإن الثعبان لا ~~يموت إذا قطع ذنبه، فزفر المتنبي، وقال: لا يزعجني شيء يا ابن حمزة إلا أن أمني في نهاية ~~أيامي بمثل هؤلاء الزعانف. # وفي صباح اليوم التالي أطلق ابن الحجاج من داره كلبة هزيلة بعد أن علق بعنقها ورقة شدها ~~بخيط، ووكل بها ثلاثة من عبيده، وأمرهم أن يمروا بها في جميع أحياء بغداد وأرباعها، وأن ~~يطيلوا الوقوف أمام معاهد العلم ومظان الطلاب، وأن يصونوا الورقة ويحافظوا عليها، حتى إذا ~~جاء المساء أطلقوا الكلبة في حديقة دار ابن حمزة. # وسارت الكلبة خارجة من سوق داخلة في غيرها، واجتمع خلفها خلق عظيم، ومرت بمسجد ابن رغبان ~~حيث يزدحم طلاب العلم، فاستوقفها أحدهم وأخذ يقرأ ما في الورقة بصوت جهير، فكان ~~فيها: # له الويل ابن أمي كيف مالت # به الدنيا إلى خلق اللئام؟ # رمى نسب الكلاب وكان زينا # بعار من مثالبه وذام # يبيع الشعر «أحمد» لا يبالي # وأين لمثله خوف الملام؟ # غدا عبدا لكافور بمصر # وذل لآل تغلب بالشآم # سأنشده من الأشعار بيتا # له، إن كان لا يرضى كلامي ~~(وآنف من أخي لأبي وأمي # إذا ما لم أجده من ms50 الكرام) # وما كاد يتم القراءة حتى قهقه الطلاب، وصفقوا وساروا خلف الكلبة يدعون كل عالم وكل أديب ~~وكل ملم بالقراءة إلى قراءة الأبيات، واستمرت الحال هكذا طيلة النهار، وصار المتنبي حديث ~~المدينة، وأصبح اسمه متندرا لكل مازح، ومضغة في فم كل بذيء، حتى إذا مالت الشمس للغروب قاد ~~العبيد الكلبة إلى دار ابن حمزة، فلمحها أبو الطيب وكان في حديقة الدار، فأمر مفلحا أن ~~يحضرها بما في عنقها، وحين قرأ الأبيات اكفهر وجهه، وعلم أنه أمام خصوم عاهرين لا تعجزهم ~~دنيئة، ولا تكفهم ذرة من رجولة، فدعا ابن حمزة وألقى إليه الورقة، فلما قرأها قال: قاتلهم ~~الله، ما ألد خصامهم. وما أسوأ كيدهم. هذه الكلبة مرت طول النهار بكل ناحية من نواحي ~~المدينة، وهذه الأبيات قرأها آلاف من الناس بين سخرية وقحة، وسباب مقذع. تعسا لهم. والله ~~ما كنت أظن أنهم يبلغون هذا. أتحب أن أرسل إلى ابن الحجاج يا أبا الطيب؟ ~~- لا يا أبا حمزة، إياك وأن تظهر المبالاة بهم، فإن الكلب الجبان يشجع إذا أظهرت الخوف ~~منه. # واجتمع الشعراء الثلاثة بالوزير المهلبي، وكان الحديث يدور حول حادثة الكلبة وما أثار في ~~المدينة من ضحك وسخرية وفكاهة، وشكرهم الوزير على ما بذلوا من جهد، ووعدهم بمضاعفة الثواب ~~إذا ثابروا. # ومرت أيام وأيام والمتنبي متحصن بداره يكاد يخشى الخروج ومقابلة الناس، واتفق أن دعاه ~~أبو الفتح بن جنى للغداء بداره فأجاب الدعوة، وركب في حشد من عبيده يقصد دار صاحبه، وما كاد ~~يبلغ صينية الكرخ حتى اخترق ابن الحجاج صفوف الناس، وعلق بلجام جواده، فتزاحم الناس حولهما ~~من كل جانب، وأخذ ابن الحجاج ينشد بصوت عال قصيدة بذيئة في هجاء أبي الطيب أولها: # يا شيخ أهل العلم فينا ومن # يلزم أهل العلم توقيره # وكان المتنبي مطرقا في خشوع وجلال في أثناء الإنشاد، لم تظهر على وجهه لمحة استنكار، ولم ~~تبد منه بادرة تدل على أن شعرا ينشد أو هجاء يقال، وحينما أتم ابن الحجاج إنشاده التفت ~~إليه أبو الطيب، وقال ms51 : لقد أجهدت نفسك يا صاحبي بالوقوف في هذه الشمس المحرقة. ثم أرخى عنان ~~فرسه وأطلقه للمسير. # وكلما طالت إقامة المتنبي ببغداد زادت الحملة قوة وتأجج لهيبها. وكانت تجري هذه الأحاداث ~~وهو ساكت لا ينبس، رزين لا يطيش، ولكن نفسه كانت تتقد غيظا وقلبه يتفتت كمدا، جلس مرة ~~مطرقا حزينا، وقد مرت بذهنه هذه الصورة المخزية، وهذه الحرب الكريهة التي ألقى فيها ~~سلاحه ليصون كرامته من أن تنزل في هذا الميدان، ثم أخذ يحادث نفسه ويقول: إلى متى هذه ~~المطاولة؟ وإلى متى هذا الحلم الذي قد يعده الناس جبنا؟ أين شعرك يا أبا الطيب؟ إن بيتا ~~واحدا منك كفيل بأن يلقف ما صنعوا وأن يلتهم حبالهم وعصيهم. إنهم ذباب قذر يكفي أن تمر ~~بنعلك عليهم فتمحوهم جميعا. ولكنك إذا هجوتهم كنت لهم قرينا، والموت خير ألف مرة من أن ~~تكون قرينا لهؤلاء. اهج المهلبي إذا، اهجه أبا الطيب، اهج معز الدولة، نعم اهج هذين أو ~~واحدا منهما، فإن مثلك لا يهجو إلا الملوك والوزراء، وأقسم بالشعر ومناته وعزاه إن قصيدة ~~واحدة منك في هجائهما لن تكون ألفاظا، ولن تكون حروفا، ولكنها تكون صاعقة تحطم العروش ~~وتبعثر التيجان. ولكن كيف تهجوهما؟ إنك إن فعلت فلن يكون لك مسكن إلا في السماء، نعم إن ~~هجاءهما لا يبقي لك في الأرض مكانا، لقد غاضبت مصر وجفوت الشام، فإذا فررت من العراق فأين ~~تذهب؟ قد يجول بنفسك أن تذهب إلى بلاد فارس، وأظن أن ملكها عضد الدولة لا يلاقي من هجا عمه ~~معز الدولة بالقبل والعناق. لا يا أبا الطيب، اصبر ما استطعت الصبر، واكظم غيظك المحموم ما ~~قدرت، فإذا لم تقدر فارحل إلى الكوفة، وادفن نفسك بين الكتب، فقد أصبحت ميت الأحياء. وجاء ~~ابن حمزة ذات مساء فدخل على المتنبي مهموما يمسح عرقا تصبب من وجهه، وقال: لقد قابلت ~~الساعة أبا علي الحاتمي، فأخبرني بأنه سيزورك غدا. ~~- من أبو علي الحاتمي؟ ~~- إنه من أعلام بغداد وكبار أدبائها، وهو أستاذ كثير من شعرائها وكتابها. ~~- وماذا ms52 يريد مني؟ ~~- يريد أن يسعد بلقائك، وأن يجاذبك الحديث في الشعر والأدب، اسمع يا أبا الطيب. إن ~~الحاتمي رجل مهيب رفيع المكانة في بغداد، وليس هو ممن يقابل بالإعراض والسخرية كما قابلت ~~ابن الحجاج وصاحبيه، فرجائي إليك أن تبسط له من نفسك وحديثك، وأن تقابله بما يليق بمنزلته ~~وكرامته، فقد كفانا ما لقينا من الفضائح في دروب بغداد وأزقتها، وكفانا أننا أصبحنا اليوم ~~حديثا لأدعياء الأدب وسخفاء المجان. ~~- اجعل كل هذا دبر أذنك يا ابن حمزة. ~~- اجعله دبر أذني إن استطعت، ولكني لا أضيف إليه كارثة جديدة بإهانة أعظم أدباء ~~بغداد. ~~- لا. لن نهينه ما أحسن الكلام والتزم الأدب. # وجاء الحاتمي في الغد وقد اعتزم أن يسقط المتنبي من سماء كبريائه، وأن ينكس رأسه في ~~التراب، وأن يظهر جهله بالشعر والأدب واللغة، ثم ينشر في طول بغداد وعرضها أنه حطم الصنم، ~~وخرق الطبل الأجوف، وأن هذا المتنبي الذي يظن أن شمس العراق لم تطلع على مثله ليس إلا ~~دعيا مغرورا أفاقا. # جاء الحاتمي وقد ركب بغلة فارهة وحوله عدة من الغلمان بين مماليك وأحرار، فلما بلغ الدار ~~ولمحه أبو الطيب غادر مجلسه ودخل حجرة أخرى واستأذن الحاتمي وأذن له، فاستقبله ابن حمزة ~~أحسن استقبال وحياه أجمل تحية، وكان بالمجلس أبو الفتح بن جني والقاضي أبو الحسن المحاملي، ~~ثم دخل أبو الطيب فسلم عليه الحاتمي مبتسما، وقال: لقد لمحتك يا أبا الطيب في هذه الحجرة ~~وأنا بباب الدار، فلما علمت بقدومي تركتها، أفعلت ذلك لكي لا تنهض إلي بالسلام؟ فسكت أبو ~~الطيب ولم يجب، ثم جلس على كرسيه معرضا بنظر إلى السقف والحيطان، ولما فرغ من هذا اتجه إلى ~~ابن جني، وقال: إن البيت هو: # حالفته صدورها والعوالي # لتخوضن دونه الأهوالا # والضاد في «تخوضن» مضمومة؛ لأن الفعل مسند إلى واو المذكرين مؤكد بالنون. # فقال ابن جني: كنت أقرؤه «لتخوضن» بفتح الضاد على أن الفعل مسند إلى ضمير مؤنث يعود على ~~الصدور والعوالي، وكيف يا سيدي يسند الفعل إلى واو المذكرين المحذوفة ms53 في «تخوضن»، وهي خاصة ~~بالعقلاء؟ ~~- حينما قلنا: إن صدور الخيل وعوالي الرماح حالفت الممدوح أجريناها مجرى من يعقل من ~~الذكور. # كان يدور هذا الحديث والحاتمي متفزز متوثب، ينفخ من الغضب، فالتفت إليه المتنبي، وقال: ~~كيف حالك؟ فأجاب الحاتمي وهو يتميز من الغيظ: أنا بخير لولا ما جنيته على نفسي من قصدك، ~~وجشمت دابتي من السعي إلى مثلك، أجبني بالله أيها الرجل! فيم تيهك وخيلاؤك؟ وعجبك ~~وكبرياؤك؟ وهل عدوت أن تكون شاعرا متكسبا؟ إذا قصدك شريف في نسبه تجاهلت نسبه، أو عظيم في ~~أدبه صغرت أدبه، أو متقدم عند سلطانه خفضت منزلته، فهل المجد تراث لك دون غيرك؟ # فأطرق المتنبي وعلم أن الرجل ليس بهين، وأنه يمكنه أن يلين معه بعض اللين، فقال: خفض عليك ~~واكفف من غربك واستأن فإن الأناة من شيم مثلك. فهدأ الحاتمي قليلا، ثم قال: إني جئت أسألك ~~عن أشياء وأراجعك في أشياء، حدثني عن قولك: # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لها وطبول # أهكذا تمدح الملوك؟ فالتفت إليه المتنبي في زهو وجبرية، وقال: إن تلاميذي يجيبونك عن كل ~~ما تسأل. # فقال ابن جني: لا أرى في البيت إلا روعة وإبداعا، فإن للجيس عددا هي السيوف والبوقات ~~والطبول، وإن السيف خير هذه العدد وهو اسم الممدوح «سيف الدولة»، أما البوقات والطبول فلها ~~ضجيج وجلجلة، ولكنها لا تعمل شيئا؛ لذلك شبه الشاعر بها غير الممدوح من الملوك. ~~- هل معز الدولة بوق وطبل؟ ~~- لا أدري، وإنما أنا مفسر شعر، ثم غمز بعينه الباقية، وقال: هل قرأت يا سيدي بعد هذا ~~البيت وهو مما لم يسبقه إليه شاعر؟ # أنا السابق الهادي إلى ما أقوله # إذ القول قبل القائلين مقول # وما لكلام الناس فيما يريبني # أصول، ولا لقائليه أصول # أعادي على ما يوجب الحب للفتى # وأهدأ والأفكار في تجول # فقال الحاتمي: وكيف لم يخجل المتنبي من سيف الدولة حين قال في رثاء أمه؟ # صلاة الله خالقنا حنوط # على الوجه المكفن بالجمال # فقال ابن جني: وماذا في هذا يا ms54 سيدي؟ أتستنكر أن توصف أمك بالجمال؟ أتظنه جمالا كجمال ~~الراقصات والقيان؟ إنه يا سيدي جمال النفس الرضية والخلق النبيل. اقرأ يا سيدي من هذه ~~القصيدة وسبح بحمد واهب المواهب: # مشى الأمراء حوليها حفاة # كأن المرو من زف الرئال # وأبرزت الخدور مخبآت # يضغن النقس أمكنة الغوالي # أتتهن المصيبة غافلات # فدمع الحزن في دمع الدلال # ولو كان النساء كمن فقدنا # لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب # ولا التذكير فخر للهلال # فقال الحاتمي: ويقول المتنبي: # وإذا أشار محدثا فكأنه # قرد يقهقه أو عجوز تلطم # أما كان في أفانين الهجاء مندوحة عن هذا الكلام؟ فأسرع إليه ابن جنى قائلا: رحماك يا ~~مولاي، فقد جئت بأبلغ بيت تنفس عنه الهجاء في الشعر العربي! ما أغرب الصورة وما أمهر ~~صناعتها! إنها صورة لو عثر بمثلها حماد عجرد لأغنته عن كل هجائه في بشار. وفي هذه القصيدة ~~يا سيدي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # ومن البلية عذل من لا يرعوي # عن جهله وخطاب من لا يفهم # واستمر الجدل على هذا النحو ساعات، وكان المتنبي يشترك فيه أحيانا في رفق ولين، وشعر ~~الحاتمي أنه إزاء شاعرك لا يدرك، ورأى من عطف المتنبي ومجاملته في أثناء الحديث ما خفف من ~~حدته وهدأ من ثائرته، ولم يجد في نفسه حرجا من أن يجامل المتنبي هنا ثم يدعي للوزير ~~المهلبي أنه انتصر عليه وغلبه، ونهض فنهض المتنبي مشيعا له إلى باب الدار حتى ركب. # وزاد يقين أبي الطيب بأن السحاب يتراكم، وأن الصاعقة توشك أن تنقض، فصبر على دخن، وطوى ~~نفسه على غيظ دفين. # وكان كافور قد أقام أبو عوف الكناني بدار الخلافة منذ سنين؛ لينقل إليه أخبارها وليكون ~~سفيره لدى معز الدولة والخليفة، وقد أنبأه أبو عوف بقدوم المتنبي بغداد، وجاءه الجواب بأن ~~يحتال لقتله غيلة، فإذا لم يستطع ألزمه طائعا أو مكرها أن يمدح كافورا بقصيدة تمحو كل ما ms55 ~~جره عليه هجاؤه من العار. وبذل أبو عوف كل ما في مكنته من جهود لإطاعة أمر كافور فلم يوفق. ~~وفي ليلة دخل عليه منصور الحلي وكان شريكا له في المؤامرة، فقال: لقد اهتديت إلى أحكم ~~الطرق وأسلمها لإنفاذ المؤامرة. فاتجه إليه الكناني في تشوف قائلا: كيف؟ ~~- كنت اليوم أزور أبا إسحاق الصابي ودار الحديث حول المتنبي، فأثنى عليه كثيرا وأخبرني ~~أنه يود أن يدعوه إلى داره؛ ليؤدي له ما يستحق من كرامة، وليعتذر له عما ناله من سلاطة ~~شعراء بغداد وشنيع هجائهم، فقلت له: إنني أؤدي عنك الرسالة يا سيدي، فاكتب إليه رقعة لدعوته ~~غدا وأنا كفيل بحملها إليه. فكتب هذه الرسالة، وأخرج من كمه ورقة بخط الصابئ، فقال ~~الكناني: وماذا نصنع بهذه الرسالة؟ ~~- تسلمها إلى عبيدك غدا في الصباح، وتأمرهم أن يذهبوا بها إلى المتنبي بدار ابن حمزة، ~~زاعمين أنهم عبيد أبي إسحاق، وأن سيدهم أمرهم أن يصحبوا المتنبي إلى داره. ~~- ثم؟ ~~- ثم يذهبون به إلى قصرك الخالي بالزبيدية، وهو قصر منعزل بعيد عن الدور، فإذا بلغوا به ~~القصر وضعوه في إحدى غرفه وقيده، ثم هددوه بأنه إن لم ينظم قصيدة في مدح كافور قتل شر ~~قتلة. # وجاء الصباح وتمت المؤامرة، ورأى المتنبي نفسه مقيد الرجلين وحوله زنوج تلتهب عيونهم ~~بالغضب، وقد وضع كبيرهم على خوان ورقا وأقلاما، وهو يقول: هنا تكتب قصيدة في مدح مولانا ~~كافور، وإلا ذهبت روحك إلى الشيطان! وتكلف المتنبي الرضا وأظهر الرغبة، فتركوه وذهبوا إلى ~~سرداب القصر فعثروا به على دن ممتلئ بخمر من خمر البلح تغلي وتشتد وتقذف بالزبد، فتصايحوا ~~تصايح الزنوح، وقال كبيرهم: لنشرب حتى يتم شاعرنا القصيدة، فتهافتوا على الشراب وأخذوا ~~يكرعون ويغنون حتى صدعت الخمر رءوسهم. # وجلس المتنبي في غرفته يائسا ساخطا، ثم ألقى نظرة على النافذة فلمح من بعيد فتى ينصب ~~فخه للطيور، فأشار إليه وكرر الإشارة فلم يلتفت، فبحث في الغرفة عن حصاة فقذفه بها فرفع ~~الفتى رأسه، ورأى أبا الطيب وهو يشير إليه إشارات تدل على الاستغاثة ms56 وطلب النجدة، فأسرع ~~إليه وصعد في السلم حتى وصل إلى غرفته، فأخبره المتنبي بالقصة وطلب إليه أن يفك قيده فقطعه ~~بسكين كانت في حزامه، ثم قال: هلم يا شيخ فإنك تستطيع أن تخرج الآن آمنا، فلست أسمع بالدار ~~إلا غناء سكارى. ~~- إذا لقد سكر المناكيد! ~~- يظهر ذلك. ~~- دعني الآن أكتب شيئا ثم نخرج معا وأخذ الورقة وكتب فيها: # ولي همة من رأى همتها النوى # فتركبني من عزمها المركب الوعرا # تروق بني الدنيا عجائبها ولي # فؤاد ببيض الهند لا بيضها مغرى # أخو همم رحالة لا تزال في # نوى تقطع البيداء أو أقطع العمرا # ومن كان عزمي بين جنبيه حثه # وخيل طول الأرض في عينه شبرا # صحبت ملوك الأرض مغتبطا بهم # وفارقتهم ملآن من حنق صدرا # ولله آيات وليست كهذه # فإنك يا كافور آيته الكبرى # واكفر يا كافور حين تلوح لي # ففارقت مذ فارقتك الشرك والكفرا # فلما أتم الكتابة تسلل مع الفتى من الدار، ورأى جواده تحت الشجرة فامتطاه وطار. وصحا ~~العبيد وذهبوا إلى الغرفة فلم يجدوا للمتنبي أثرا، ورأوا الورقة فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون في صخب وشكاس، ثم حملوا الورقة إلى الكناني فقرأها وضرب بكف على كف وصاح في ~~العبيد: لقد أفسدتم كل شيء يا عبيد السوء، اكتموا كل ما جرى، وأقنعوا أنفسكم أنه لم يحصل ~~شيء، لو وصل إلى سيدي كافور علم هذه الحادثة لقتلنا جميعا. وإني أيضا سأكتم خبر هذه ~~الورقة. ها هي ذي انظروا!! ثم مزقها قطعة قطعة ونثرها في الهواء. # وبلغ المتنبي دار ابن حمزة مجهدا مكدودا مضطرب العصب، وهو يصيح: يا محسد: يا مفلح، فلما ~~أقبلا عليه قال: لن نقيم بهذه المدينة إلا الليلة، أسمعتما؟ أعدا الرواحل والجياد، سنرحل ~~غدا في الصباح. ثم أخذ يغمغم: # عش عزيزا أو مت وأنت كريم # بين طعن القنا وخفق البنود # فرءوس الرماح أذهب للغي # ظ وأشفى لغل صدر الحقود # لا كما قد حييت غير حميد # وإذا مت مت غير فقيد # فاطلب العز في لظى ودع الذ # ل ولو كان ms57 في جنان الخلود # | رعونة # غادر المتنبي بغداد والغيظ يمزق فؤاده، والغل تغلي في نفسه مراجله، لقد كان يظن أن ~~الأدباء والشعراء سيتنافسون في إجلاله وتكريمه، ويتسابقون إلى التقاط كل كلمة تخرج من فيه ~~كأنما هي قرآن مبين، ويقتتلون على نيل الحظوة عنده والتقرب إليه، ولقد كان يتخيل أن ~~الخليفة سيسرع إلى ملاقاته مرحبا محييا، وأن معز الدولة سيسعى إليه على الأقدام راجيا ~~متملقا، وأن الخلافة ستخلي له قصرا على دجلة من قصور العباسيين يطل منه على رعية مخلصة ~~لأدبه تردد حمده في الغدو والآصال، ولقد كان يتوهم أنه وقد أصبح العلم الفرد في دولة البيان ~~ستجد فيه دار الخلافة علما خفاقا يجمع حولها أقطار العربية، وداعية منقطع النظير يعيد ~~الأوطان المتمردة إلى أحضان بغداد، كان يحلم بكل هذا وهو رجل بعيد الأحلام، وكان يقدر كل ~~هذا وهو رجل ما أصاب مرة في تقدير، وطالما منى نفسه بعد أن خاب في أن ينال ضيعة أو يحكم ~~ولاية أنه بعد أن يمد جناحي نفوذه على عرش الخلافة، سيصبح الآمر في الولاة الناهي في ~~الملوك، فهل حصل من هذه الأوهام على شيء؟ لم يسمع الخليفة السجين أن شخصا يدعى بالمتنبي ~~زار بغداد، ولم يقبل معز الدولة أن شاعرا مستجديا تياها يطأ بساطه، وتكبر عليه المهلبي ~~وعزفت نفسه عن أن يطلب منه شعرا، ثم أغرى به شعراءه، فمزقوا عرضه واعتقلوه في داره فلم يكن ~~يخرج منها إلا خائفا يترقب. هذا ما لقيه في دار الخلافة، لم تر لمواهبه شبحا، ولم تلمح ~~لنبوغه أثرا، ولم تجد فيه إلا شاعرا طليح أسفار كلت يداه من طرق الأبواب. جالت هذه ~~الأفكار بنفس المتنبي وهو يقطع الطريق عدوا بين بغداد والكوفة عائدا إلى موطنه سيفا ~~محطما، وأملا حائرا، وحطاما بشريا، فزفر في حزن وأسى، وقال: # وقت يضيع وعمر ليت مدته # في غير أمته من سالف الأمم! # أتى الزمان بنوه في شبيبته # فسرهم وأتيناه على الهرم # وبعد أيام بلغ الكوفة فألقى بها عصا التسيار، وعزم على أن يعيش بها ms58 كما يعيش سراة ~~المدينة، وخلع ثياب الشاعر ولبس عدة الفارس وسلاحه، وعاد إلى قضاء وقته بين الصيد ومجالسة ~~الأدباء والأشراف، وحاول أن ينسى طموحه، وأن يسخر من آماله، وأن يرضى من الغنيمة بالإياب، ~~ويقنع بعد طول الجهاد بالطعام والشراب. وبينما كان يوما عائدا إلى داره إذ رأى ابنه ~~محسدا يسرع إليه ويهمس: سيدي سعد الدولة هنا. ~~- سعد الدولة؟ ابن سيف الدولة؟ ~~- نعم يا أبي، لقد حضر منذ ساعة. فأسرع المتنبي إلى لقائه، وما كاد يراه حتى انكب عليه ~~يعانقه ويقبله ويرحب به. وكان أبو المعالي سعد الدولة في نحو الثالثة عشرة وسيما قسيما ~~تظهر عليه مخايل البطولة، وتنطق في وجهه ملامح العروبة، فاتجه إليه أبو الطيب، وقال: كيف ~~حال مولاي سيف الدولة؟ ~~- لقد تركت أبي مريضا، ولكن المرض لم يمنعه من الخروج إلى لقاء الروم الذين أغاروا على ~~طرسوس. إنهم لا يتركوننا لحظة للراحة وتجفيف العرق يا أبا الطيب! ولقد كاد أبي يضيق بهم ~~ذرعا. ثم أخرج من كمه رسالة، وقال: هذه رسالة أبي إليك. فقرأ المتنبي فإذا فيها: من سيف ~~الدولة أبي الحسين بن حمدان إلى أبي الطيب أحمد بن الحسين: # أما بعد فإني أحمد الله إليك؛ وأطلب لك العافية والسلامة. علمت بتركك الأسود ~~وشكرت الله على نجاتك من هذا الطاغية. وإني أبعث إليك بابني وهو أغلى ما في الحياة ~~عندي، لأرجوك في العودة إلى حلب، لقد تغيرت بعدك الأحوال يا أبا الطيب، وقويت شوكة ~~الروم وطمى طغيانهم، وتخاذل الناس حولي وسئموا القتال. والإسلام والعروبة في حلب ~~أحوج ما يكونان إلى صوتك الرنان، وشعرك الفياض بالقوة والحماسة ليلهب العزائم ~~ويوقظ الهمم. لقد كان وجودك إلى جانبي بحلب طالع يمن علي وعلى المجاهدين في ~~الإسلام، ولقد كانت أيامك أيام انتصار وفتوح ملأت الدنيا بوصفها، وخلدت في التاريخ ~~ذكرها. أقبل علينا أبا الطيب، فإن السيوف تهتز في أغمادها شوقا إليك، ومجالس الأدب ~~تكتم أنفاسها انتظارا لقدومك. أقبل يا شاعر العرب. وإذا كانت في نفسك مني غضاضة، ~~فإني أقول لك الآن ما ms59 قلته لي من قبل: # وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه # محا الذنب كل المحو من جاء تائبا # قرأ المتنبي الرسالة فتقاطرت الدموع من عينيه، ثم قبلها مرات وقال: إنني لولا العوائق ~~لطرت إلى مولاي سيف الدولة. ثم أطرق طويلا مفكرا مهموما وهو يستمع لحديث نفسه وهي تقول: ~~يطلبك الآن سيف الدولة بعد أن نبذك وازدراك وتغاضى عن إساءة أهله وعشيرته لك، وبعد أن ضجر ~~بإقامتك ومل ثواءك؟ يطلبك بعد أن صرف وجهه عنك تياها، وترك ابن خالويه يقذفك بالمفتاح في ~~وجهك دون أن يلقى منه نكيرا؟ لا يا أبا الطيب لست ألعوبة في أيدي هؤلاء الأمراء ينبذونها ~~كلما ملو اللهو بها. عرفهم أبا الطيب أن نفسك أقوى من نفوسهم، وأن كرامتك فوق كرامتهم، ~~وأنك إذا انصرفت نفسك عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل. على أنك قد لقيت من الشعر ~~ما كفاك، ومن هؤلاء الأمراء المتقلبين ما تئن اليوم تحت أثقاله، لا يا أبا الطيب، لا تذهب ~~إلى حلب، فإن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين! # ثم اتجه إلى سعد الدولة وقال: يقيم مولاي عندنا أياما ليستريح، وربما تبعته إلى حلب. ~~وأقام سعد الدولة بالكوفة حينا، ولما عزم على الرحيل ودعه الشاعر وألقى في رحله قصيدة ~~لأبيه من أروع ما نظمه في سيف الدولة منها: # ليس إلاك يا علي همام # سيفه دون عرضه مسلول # كيف لا تأمن العراق ومصر # وسراياك دونها والخيول؟ # أنت طول الحياة للروم غاز # فمتى الوعد أن يكون القفول؟ # قعد الناس كلهم عن مساع # يك وقامت بها القنا والنصول # ما الذي عنده تدار المنايا # كالذي عنده تدار الشمول # من عبيدي إن عشت لي ألف كا # فور ولي من نداك ريف ونيل # وعاد المتنبي إلى حياة الملل والفراغ، وكان صديقه الحسن العلوي يكثر من ازدياره، ويجتهد ~~في تسليته والترويح عنه، فبينما كانا في أحد الأيام بظاهر الكوفة إذ رأيا شابا في نحو ~~العشرين قوي العضل وثيق البناء قصير القامة غليظ الوجه عابس نظرات العينين، يبدو كأنه ms60 ساخط ~~على الوجود ومن في الوجود، ووراءه طائفة من الأعراب في أسمال وأخلاق، وهم يسيرون خلفه في ~~رهبة ومهابة، كما تسير العبيد خلف السيد المطاع. ومر الشاب ومن معه بالمتنبي وصاحبه، فلم ~~يزد على أن رفع بصره إليهما في اشمئزاز، ثم ابتسم ابتسامة سخرية وازدراء. فقال المتنبي: من ~~هذا الوغد الجافي يا سيدي الشريف؟ ~~- هذا ضبة بن يزيد، وهو فتى قرمطي شرير خبيث، لو أراد الشيطان أن يتخذ لروحه مكانا ما ~~اختار لها غير جسمه. إن هؤلاء القرامطة يا سيدي لم يتمسكوا بمذهبهم عن رأي وعقيدة، ولكنهم ~~قوم صعاليك فتاكون نهابون، عز عليهم أن يروا بعض الناس في نعمة ويسر، فأوغروا صدور ~~الفقراء على الأغنياء، وزينوا لهم نبذ طاعة كل حاكم، وأحلوا لهم السلب والنهب والقتل وكل ما ~~يندى له الجبين من رذائل. وقد وجدت دعوتهم قبولا عند شذاذ الأعراب الذين كانوا يقتلون ~~ويسلبون في خوف وحذر، فأصبحوا الآن يقتلون ويسلبون عن عقيدة ودين. هؤلاء القرامطة كارثة على ~~الإسلام يا أبا الطيب. ~~- بلا شك، وإني أعتقد أن هذه الثورات ليست إلا فتنا سياسية ابتدعها أعداء العرب لإضعاف ~~دولة العرب، وألبسوها ثوب المذاهب الدينية. ~~- هذا صحيح. وضبة هذا يسيطر على فريق من صعاليك بني كلاب، وأظن أنهم يدبرون خطة للهجوم ~~على الكوفة، وقد أخذ أغنياء المدينة يحتاطون لأموالهم، ويعدون العدة لصدهم. ~~- سأمحو بسيفي هذا وساوس عقولهم إن كان لهم عقول. # ومرت شهور ولا حديث للمدينة إلا غارات القرامطة، وتخوف الناس من وحشيتهم وقبح أفاعيلهم، ~~وفي صباح أحد الأيام زار الحسن العلوي دار أبي الطيب وكان مضطربا مهتاجا، فحياه ~~المتنبي، وقال: ما الخبر يا سيدي؟ اجلس واهدأ قليلا. ~~- لن أجلس يا أبا الطيب. فإن الفرصة قد أمكنت من هذا الوغد ضبة، وقد سير إلى بعض رجالي ~~رسولا يطلب النجدة ويقول: إنهم قد ضيقوا عليه الخناق، ولا يحتاجون إلا إلى بضعة فرسان ~~للتغلب عليه وعلى أنصاره. قم يا أبا الطيب واركب معنا. ~~- هذا هو اليوم الذي كنت أتمناه على الأيام فقد صدئ سيفي ms61 في غمده. # وركب أبو الطيب والشريف على رأس شرذمة من الفرسان، وما كادوا يصلون إلى ميدان المعركة حتى ~~فر رجال ضبة شماطيط، والتجأ إلى حصن منيع أحكم إغلاق بابه، وأطل من نافذة ضيقة به وأخذ يسب ~~ويلعن ويصيح: أين متنبيكم هذا الكاذب المنافق الجبان؟ أين ابن عبدان السقاء حتى أبصق في ~~وجهه بصقة تذكره بالماء الذي كان يحمله أبوه؟ أين هذا الدعي الفاجر لأعلمه أن امتشاق ~~الحسام غير نظم الكلام؟ فصاح الشريف: مرحى بمن يفر من الحراب، ويقاتل بالسباب. إنك في الحق ~~أجبن من فأر. ولكنك في الشتم أجرأ من أسد. ~~- إنني أقدم إذا كان الإقدام عزما، وأحجم إذا كان الإحجام حزما. فصاح المتنبي: على شرط ~~أنك لا ترى الإقدام عزما في يوم من الأيام. ~~- اخسأ يا دعي كندة. والله إن سيفي ليحن إلى رأسك، ولكنه يخشى أن يدنس بدمائك. # فمال الشريف على المتنبي، وقال: لقد جاوز الكلب الحد وبلغ الغاية في الإقذاع، اهجه يا أبا ~~الطيب، اهجه من صنف كلامه ونوعه، ومزق عرضه كما تمزق النعل الخلق. فجلس المتنبي هنيهة ثم ~~أخذ ينادي ضبة وهو في حصنه بأقبح الألقاب، وينشده قصيدة قذرة الألفاظ والمعاني قذفه فيها ~~بكل ما حققه من السباب، ورماه ورمى أمه بما يتعفف عن ذكره أبذأ الناس لسانا. وعاد جماعة ~~المحاربين ولم يبلغوا من ضبة مأربا، ولم يجرد أبو الطيب سيفه من قرابه. # وقال أحدهم: لقد كانت قصيدة عجيبة، وأغلب ظني أنها ستثير ضجيجا في بني كلاب. # وقال ثان: لعلها تؤدب هؤلاء القرامطة وتصرفهم عن غيهم. # وقال ثالث: إني أخشى ما أخشاه أن تصل هذه القصيدة إلى أذن فاتك الأسدي. فالتفت المتنبي في ~~انزعاج، وقال: ومن فاتك الأسدي هذا؟ ~~- فاتك الأسدي رجل قرمطي، وهو خال ضبة بن يزيد، وهو لص بطاش مغامر يستحل دم الحجاج في ~~الحرم، والقصيدة كلها قذف في أخته وثلم لعرضها، ولا أعتقد أنه يسكت عن هذا أو بعض هذا. ~~فتهافت المتنبي ساخرا، وقال: # إذا صلت لم أترك مصالا «لفاتك» # وإن قلت لم ms62 أترك مقالا لعالم # واستمر أهل الكوفة في خوف وذعر من القرامطة، وعلمت فاطمة زوج المتنبي بخبر ضبة، وتساقط ~~إلى سمعها بعض أبيات من القصيدة فتوجست شرا، ولم تستطع أن تحادث زوجها في الأمر. # وبعد أن أشهر تجددت ثورة القرامطة وتجمعوا حول زعمائهم بظاهر الكوفة، وصمموا على الهجوم ~~على المدينة، فالتف كبراؤها حول أبي الطيب وجهزوا فصيلة من الفرسان والرجالة لقتالهم، وقد ~~كانوا أرسلوا إلى بغداد رسولا لطلب المعونة، وخرج أبو الطيب وعبيده للقتال وحارب أياما ~~فأثخن في أعدائه، وانتهت المعركة، وفر بنو كلاب، وعاد الشاعر الفارس منصورا مظفرا. وجاء ~~جيش بغداد بعد أيام فخلع قائده «دلير» على المتنبي وأجزل له العطاء، وأنشده أبو الطيب قصيدة ~~في الميدان، وقد كان ممتطيا جواده منها: # ذريني أنل ما لا ينال من العلا # فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل # تريدين إدراك المعالي رخيصة؟ # ولا بد دون الشهد من إبر النحل # وسارت القصيدة في البوادي، وسخط الأعراب على أبي الطيب لمدحه دلير الديلمي، ومرت شهور ضاق ~~فيها الشاعر بالكوفة، وتمنى لو وجد إلى سواها منفدا، وفي يوم طرق بابه فارسان كان أحدهما ~~يحمل رسالة من أبي الفضل بن العميد وزير عضد الدولة «بأرجان» يدعو فيها الشاعر إلى الرحيل ~~إليه، ويبذل له الوعود الحسان، وكان الثاني رسولا من قبل سيف الدولة يلح عليه في الذهاب ~~إلى حلب، ويغريه بكل وسائل الإغراء، وقد فكر المتنبي في الرسالتين وأطال التفكير، فمرة ~~تدفعه عروبته إلى الرحيل إلى حلب وإلى السخط على الديلم وكل من يتصل بالديلم، ومرة ينفر كما ~~ينفر المهر الشموس ويأبى أن يعود إلى رجل أهين في حضرته فلم يدفع عنه، وترك أعداءه وحساده ~~يثلبون عرضه حتى اضطر إلى قصد الأسود الذي هدم حياته وأهدر كرامته. وانتهى بالمتنبي العزم ~~إلى أن يعتذر إلى سيف الدولة بأبيات، وأن يقصد ابن العميد. وما كاد يلقي الخبر على زوجته ~~حتى غشيتها غاشية من الحزن والتطير وصاحت: لا تذهب يا أبا الطيب. بالله عليك لا تذهب. إن ~~أنفاسي لم تهدأ ms63 بعد مما لاقيت من فراقك الطويل، وإن خفقات قلبي لا تزال تأبى أن تظن أنك ~~بجانبي، ولو كنت ممن يتقون المخاطر، ويتوقون المهالك، لكان حزني لفراقك حزن امرأة غاب عنها ~~زوجها وبقيت تمني نفسها بلقائه، ولكنك رجل إذا ابتلعتك القفار تحديت الموت، وسخرت من ~~الخطوب، ولم تبال بالأسود ولا بالحيات السود. # فربت أبو الطيب ذراعها في رفق وقال: لا تخافي يا فاطمة فالطريق آمنة، ولن أغيب عنك ~~طويلا. ~~- إن الوساوس تقتلني يا سيدي، وإني أشعر في هذه المرة - ولا أدري لم أشعر - بشيء يكاد يقف ~~له قلبي، فبالله عليك لا ترحل يا أبا الطيب. ~~- هذه وساوس شيطان يا فاطمة فاصرفيها عنك. ثم مد إليها ذراعيه في رفق فعانقته باكية ~~مكلومة الفؤاد، وأخذت تردد الحسرات، وتزود بالدعوات، فاجتذب نفسه من ذراعيها وأسرع إلى ~~الباب، فرأى عبيده قد أعدوا كل شيء للرحيل. ففصل من الكوفة ومعه ابنه محسد وعبده مفلح في ~~أول صفر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة قاصدا أرجان، وهو يقول: # شر البلاد مكان لا صديق به # وشر ما يكسب الإنسان ما يصم # وشر ما قنصته راحتي قنص # شهب البزاة سواء فيه والرخم ~~- كل شيء ينال بالصبر والحزم. # وبعث المتنبي إلى ابن العميد غلاما يعلمه بقدومه، وكان ابن العميد مضطجعا في دسته وحوله ~~كبار رجاله، وقد علم في الصباح بقرب قدوم المتنبي، فالتفت إلى نديمه العلوي العباسي. ~~- إننا ننتظر من أبي الطيب شعرا أبلغ وأروع مما قاله في سيف الدولة وكافور. ~~- حقا إنه كان ينثر درره فوق من لا يميزون الدر من الحصى، أما وقد جاء ينشد «الجاحظ ~~الثاني» الذي امتلك زمام الأدب، ودانت له رقاب البلاغة، فيجب أن يفكر طويلا قبل أن يقول، ~~وأن يبرز من بدائعه ما لم يمر بخيال شاعر. ~~- أتعرف أن الأديب أحيانا تفوته الإجادة إذا حرص على أن يجيد؟ ~~- كيف يا سيدي؟ ~~- إنه إذا حاول الإتقان التجأ إلى التعمق والتعمل، وأدركته حال عصبية من التشكك تحول بينه ~~وبين فطرته السليمة، وقد لمح المتنبي الذي لم يفته شيء ms64 من خواطر النفوس هذا المعنى إذ ~~يقول: # أبلغ ما يطلب النجاح به الطب # ع وعند التعمق الزلل # وبينما هما في الحديث إذ دخل الحاجب يؤذن بقدوم المتنبي وأنه ينتظر بظاهر المدينة، فوثب ~~ابن العميد من مضجعه وأمر حجابه وقواده باستقباله، فسار الموكب وعاد بأبي الطيب بين مظاهر ~~الحفاوة والإكرام، ولما مثل بين يدي ابن العميد قام له وقرب إليه كرسيا عليه وسادة من ~~ديباج، وقال: لقد شرفت بك بلاد فارس يا أبا الطيب، ولقد كنا في شوق إليك وإلى شعرك وأدبك، ~~وكنا نتلقط أخبارك ونتزود بما يطير إلينا من أشعارك بعد أن ملأت شهرتك الدنيا وشغلت الناس، ~~إن شعرك أصبح حديث كل لسان، ومستشهد كل أديب، فلقد ماتت إحدى أخواتي، فورد علي نيف وستون ~~رقعة في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقولك: # طوى الجزيرة حتى جاءني خبر # فزعت فيه بآمالي إلى الكذب # حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا # شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي # فوقف المتنبي إجلالا لهذا الثناء وقال: أدبي يا ~~سيدي قطرات من بحرك الفياض، ولمحات من عبقريتك النادرة. فابتسم ابن العميد واهتز للمديح، ~~ثم سأله عما لقيه في طريقه وما لاقاه في سفره، فأفاض في وصف الطريق وما احتمله من عناء ~~ونصب، ثم أسرع فقال: وقد هون كل هذا رجاء مولانا والأمل في لقائه، وبحث في كمه فأخرج درجا ~~كتب فيه قصيدة فوقف وأنشدها بين يدي ابن العميد، وكان الجمع حاشدا، وإعجاب السامعين ~~شديدا، والثناء على الشاعر متواليا، ووصله أبو الفضل بمائتي دينار وبسيف من أثمن السيوف ~~وأغلاها، وأفرد له دارا وخص به خدما وعبيدا. وكان الشاعر يزوره في كل يوم ويظهر الابتهاج ~~والسرور، ويحمد الله الذي وفقه إلى قصده. واقتنص ابن العميد الفرصة فقرأ على أبي الطيب ~~كتابه الذي سماه «ديوان اللغة»، وكان يعجب لحفظه وغزارة علمه بالأوابد والنوادر. وأراد ~~يوما أن يتبسط مع أبي الطيب ويداعبه، فقال: إن لي نظرات ومآخذ على قصيدتك التي أنشدتها. ~~فدهش المتنبي، وقال: ما هي يا سيدي؟ ~~- لقد ms65 قلت: # باد هواك صبرت أم لم تصبرا # وبكاك ما لم يجر دمعك أو جرى # ثم قلت بعد هذا البيت: # كم غر صبرك وابتسامك صاحبا # لما رآه وفي الحشا ما لا يرى # وهذا تناقض بين، فقد أخبرتنا في البيت الأول أن حبك وبكاءك ظاهران سواء أصبرت أم لم ~~تصبر، وسواء أجرى دمعك أم لم يجر، ثم عقبت بأن صبرك خدع الناس وأخفى عليهم وجدك وهيامك. ~~فأسرع المتنبي وقال: تلك حال وهذه حال، غاية الأمر أن البيت الثاني متقدم في الوجود على ~~البيت الأول؛ لأن هذا المحب في أول أمره وقبل أن يضنيه الهوى، ويغير حاله الهيام، كان يغر ~~من رآه، ولكنه بعد أن ألح عليه السقم لم ينفعه الجلد ولم يغن عنه الصبر، فبدا هواه لكل ~~ناظر. ~~- هذا طريق ملتو لا تدرج فيه العقول. ثم ماذا تقول في مخالفتك بين مصراعي البيت الأول؟ ~~فقد أتيت في المصراع الأول بإيجاب بعده نفي، وفي المصراع الثاني بنفي بعده إيجاب. ~~- إنها مخالفة في اللفظ لا في المعنى يا سيدي؛ لأن من صبر لم يجر دمعه، ومن لم يصبر جرى ~~دمعه. فقهقه ابن العميد وصاح: لن تغلب يا أبا الطيب، فإن لك في كل مضيق منفذا يخفى على كل ~~عين. # وذهب المتنبي إلى داره وقد آلمه النقد فالتقى بابن حمزة، وقال: لقد ألقى علي سيدك ~~الرئيس اليوم درسا في الأدب والنقد. ثم أخبره بما دار في المجلس فهون عليه الأمر، وقال: ~~إنها ممازحة أديب. فصاح المتنبي: لا أحب هذه الممازحات. ~~- لقد أكرمنا الرجل وأحسن مثوانا، فيجب أن نغضي عن بعض ما لا نحب، بل يجب أن نعترف له ~~بالسبق في ميدان الأدب في شيء من المجاملة والتواضع. # وجاء عيد النيروز وهو عيد يحتفل فيه الفرس بقدوم الربيع، وينثرون الورود في كل مكان، ~~وينظمون من الأزهار عقودا وتيجانا، فأعد المتنبي قصيدة من أروع الشعر وأبدعه خيالا ~~وأحلاه رنين نغم، هنأ فيها أبا الفضل بالنيروز، واعتذر عن بعض تقصيره في قصيدته الرائية، ~~وقد جاء في القصيدة الجديدة ms66 : # نحن في أرض فارس في سرور # ذا الصباح الذي نرى ميلاده # عظمته ممالك الفرس حتى # كل أيام عامه حساده # ما لبسنا فيه الأكاليل حتى # لبستها تلاعه ووهاده # عند من لا يقاس كسرى أبو سا # سان ملكا به ولا أولاده # عربي لسانه فلسفي # رأيه فارسية أعياده # وقضى الشاعر شهرين في ضيافة ابن العميد محفوفا بصنوف الإكرام والرعاية، ولكن نفسه الملول ~~أبت عليه أن يركد في مكان كالماء الآسن، فاغتنم لقاء الرئيس واستأذنه في الرحيل، ولكن ابن ~~العميد فاجأه بأن عضد الدولة ملك شيراز أرسل يلح في قدومه إليه، ويتشوف إلى لقائه، وأنه بعث ~~إليه بهدايا لم تظفر بمثلها الملوك. فاضطرب المتنبي، وقال: بالله يا سيدي دعني من هؤلاء ~~الديلم. إنني شاعر عربي وما أنزل الله الشعر على قلبي إلا لأكون لسان العرب، وعنوان العرب، ~~ومعيد مجد العرب. ~~- إن عضد الدولة رجل ديلمي النسب حقا، ولكنه عربي النفس عربي النزعة، وهو أديب شاعر ~~يناصر العلم ويرفع شأن دولة العرب، وسيصل إليك من عطائه وصلاته فوق ما يتوهم خيال ~~شاعر. ~~- بالله عليك يا سيدي لا تغرني بهذه الوعود، فإني ملقى من هؤلاء الملوك، ملدوغ من جحورهم ~~مرات. ولولا مطامحي ما أصغيت إلى أكاذيبهم، ولعشت في خير حال، أقصد الواحد منهم بعد الآخر، ~~فأتوجه إليه بآيات خالدات من الشعر الذي تحسده لآلئ البحار، فإذا نال مني لا يبتغي تنكر لي، ~~وصرف عني وجهه في صلف وكبرياء. ~~- إن عضد الدولة ليس من هذا الصنف يا أبا الطيب، إنه رجل خلق ليكون ملكا، وملك خلق ~~ليكون رجلا، فلو أقمت عنده ما أقمت لكان في يوم وداعك أحف منه بك في يوم استقبالك. ~~- ولكني يا سيدي رجل ملول شديد الضجر مولع بالنقلة، وهذا لا يرضي هؤلاء الملوك الذين يلذ ~~لهم احتباسي على الرغم مني، فإذا قبلني على أن أقيم عنده كما أشاء، وأرحل عنه متى أشاء ~~توجهت إليه. # وكاتب ابن العميد عضد الدولة بشروط المتنبي، فقبلها فشد الرحال إلى شيراز كارها، وقد زاد ~~به الحنين إلى زوجه ms67 ، وعادت إليه أطياف للشام وحلب، ومر في طريقه بشعب «بوان» وهو غيضة كثيرة ~~الأدواح الملتفة المزهرة، والأشجار المثمرة، والمياه المتدفقة، وهو أحد متنزهات الدنيا ~~الأربعة، وقد أوحى هذا الشعب إلى أبي الطيب بروائع المعاني، وهاج في نفسه ذكريات دمشق ~~والعروبة وما للعرب من كرم ومجد حين يقول: # ولكن الفتى العربي فيها # غريب الوجه واليد واللسان # ملاعب جنة لو سار فيها # سليمان لسار بترجمان # طبت فرساننا والخيل حتى # خشيت وإن كرمن من الحران # غدونا تنفض الأغصان فيها # على أعرافها مثل الجمان # فسرت وقد حجبن الحر عني # وجئن من الضياء بما كفاني # وألقى الشرق منها في ثيابي # دنانيرا تفر من البنان # لها ثمر تشير إليك منه # بأشربة وقفن بلا أواني # وأمواه تصل بها حصاها # صليل الحلي في أيدي الغواني # ولو كانت دمشق ثنى عناني # لبيق الثرد صيني الجفان # ثم عاوده الحنين إلى زوجته وإلى الشام عامة، فقال: # شامية طالما خلوت بها # تبصر في ناظري محياها # فقبلت ناظري تغالطني # وإنما قبلت به فاها # فليتها لا تزال آوية # وليته لا يزال مأواها # كل جريح ترجى سلامته # إلا فؤادا رمته عيناها # ما نفضت في يدي غدائرها # جعلته في المدام أفواها # ولما كان على نحو أربعة أميال من شيراز أرسل عضد الدولة وجوه دولته لاستقباله، وبلغ القصر ~~في هذا الموكب الحافل فأحسن عقد الدولة لقاءه، وأنشده أبو الطيب قصيدة نال عليها أجزل ~~الصلات وأنفس الهدايا. وكان من شهود الحفل أبو علي الفارسي وعبد العزيز الجرجاني، وهما من ~~كبار رجال اللغة والأدب، وأقام في ذرا ممدوحه زهاء ثلاثة أشهر كان فيها موضع الإكرام ~~والحفاوة، ولكنه كان ضجرا كثير القلق، يمل النعيم وينزع إلى المخاطر، ولقد كان يعبر عن ~~نفسه حقا حين قال: # أبوكم آدم سن المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # فلما طغت عليه السآمة دخل على عضد الدولة واستأذنه في السفر وألح، ولم يجد الرجل بدا ~~إلا أن يأذن له، وعاد المتنبي إلى داره فأخبر ابن حمزة ومحسدا بعزمه، وأمر مفلحا أن يستعد ~~بعد ثلاثة أيام، فقال مفلح ms68 : سأعد كل شيء يا سيدي غير أني أود أن أخبر مولاي بأمر يزعجني، ~~وقد يكون تافها، وقد يكون من وساوس نفسي. ~~- ما هو؟ ~~- رأيت قبل أن نرحل من أرجان أعرابيا يطوف حول دارنا ويكثر التلفت والنظر، فلم آبه له ~~ولكني عدت فرأيته هنا بالأمس فسألته عن شأنه، فقال: إنه رجل فقير رحل من العراق إلى فارس ~~طلبا للرزق، ولكنه لم يجد عملا، ثم سألني عن موعد عودة سيدي إلى العراق، فلما قلت له: إني ~~لا أعلم، وأظهرت الريبة في أمره، قال: إنه لا يملك راحلة، وإنه يطمع في أن يحمله سيدي معه ~~إلى العراق، وإنه لذلك يسأل عن موعد سفره، فزجرت الرجل وأبعدته عن الدار. ~~- لا أرى من بأس في أن نحمل الرجل. فقال ابن حمزة: لا تتسرع يا أبا الطيب، فقد يكون الرجل ~~نذير شر، وقد يكون جاسوسا عليك من أعدائك بعثوا به إلى فارس ليخبرهم بيوم رحيلك إلى ~~العراق. ~~- هراء. إنني أتسلح بشجاعتي لا أبالي بمن علم بمقامي أو رحيلي. على أن المتنبي قد ساوره ~~شيء من الخوف. وطافت بنفسه ذكريات ضبة وخاله فاتك، ولكن هذا الخوف لم يدم طويلا، فهز كتفيه ~~في استخفاف، ثم طلب إلى مفلح أن يعد ورقا وأقلاما، وقام إلى حجرته فكتب قصيدة يودع بها ~~عضد الدولة، وركب إليه في الصباح وأنشده القصيدة، فأجزل عطاءه وأحسن توديعه. وبينما كان ~~المتنبي وصحبه وعبيده يستعدون للرحيل إذ لمحوا فارسا على جواد أشهب يسبقهم إلى طريق ~~العراق، فصاح مفلح: هذا هو الأعرابي الذي كان يحوم حول دارنا بأرجان فقال محسد: ويل للوغد. ~~حقا إنه كان يترقب موعد سفرنا ليعوف الطريق الذي نسلكه. وقال ابن حمزة: هذا هو الذي ~~ظننته. وامتطى المتنبي جواده وهو يقول: # فزل يا بعد عن أيدي ركاب # لها وقع الأسنة في حشاكا # وأنى شئت يا طرقي فكوني # أذاة أو نجاة أو هلاكا # | قتل # في أحد أرباض الكوفة، وفي ليلة حالكة السواد شديدة البرد، اجتمع عدد من الرجال يزيد على ~~العشرة بدار مجاشع الكلابي، وجلسوا ms69 حول النار يصطلون. وكان بالحجرة سراج خافت النور كاد يجف ~~زيته، فأخذ يخفق كأنه مريض دنف دهمه الفواق قبل أن يسلم الروح. وكان جو الحجرة يوحي بالحزن ~~والفجيعة والدمار، ولو كشف عن البصر الحجاب لرأى فوق رءوس هؤلاء المقعين حول النار أرواح ~~الشياطين تحوم في مرح، وتصفق بأجنحتها في جذل وشماتة. وكلما التمع السراج كشف من القوم ~~وجوها عابسة شرسة شريرة جرحتها السيوف وخرقتها السهام، وأعينا يتأجج فيها الغدر، وتضطرم ~~الأحقاد. رفع مجاشع الكلابي رأسه، وقال: لقد مر بنا حين من الدهر لم نجرد فيه سيفا، ولم ~~نركض جوادا، حتى كدنا نفقد صفات البطولة، وننام على الطوى، ونعلل صغارنا بالماء. فقال شمر ~~بن وهب: كنا نسقط على مدينة الكوفة بين الحين والحين، ولكن أهلها أخذوا لأنفسهم الحيطة ~~وأعدوا جيشا مرابطا، واستعانوا ببعض جنود بغداد، فكلما أرسلنا عليهم غارة شتتوا شملها، ~~وأثخنوا في رجالها. فقال مجاشع: وكلما توالت هزائمنا تفرق عنا الطامعون في الغنائم؛ حتى ~~أصبحنا قلة ضئيلة خائرة العزائم. فأسرع فهد القيسي قائلا: وكانت قاصمة الظهر تلك الهزيمة ~~التي رمانا بها ذلك المتنبي الشاعر الدعي، والله لو ظفرت به لشربت دمه. ~~- صدقت يا فهد، ولن تفوتنا حياته ولو كانت في قمقم سليمان. أتدرون لم أمرنا ضبة بن يزيد ~~بالاجتماع هنا الليلة؟ فقال شمر: لا أدري، ولكني علمت منذ أيام أن خاله فاتكا قد يزور ~~الكوفة في طريقه إلى واسط. ~~- فاتك؟ إنه رجل أي رجل. ولعله يهدينا إلى صيد جديد، فقد ظمئنا إلى الدماء، وصفرت أيدينا ~~من المال. ثم سكت القوم هنيهة فسمعوا عن بعد عواء كلب جائع مقرور اخترق صوته سواد الليل ~~حزينا مؤلما، كأنه ندب الثواكل، ولم تمر إلا لحظات حتى سمع طرق خافت. فقام مجاشع ففتح ~~الباب وعاد معه فاتك الأسدي وضبة، فقام القوم لتحيتهما في شيء من الرهبة والمهابة، وكان ~~فاتك في الثلاثين من عمره، طويل القامة متين العضل متناسق التكوين شديد السمرة عربي الملامح ~~براق العينين في وميض يكاد يصرع من يراه، وكان كث اللحية وقد ms70 وقف شعرها كأنه شوك قنفذ. ~~حيا فاتك الجماعة في ابتسامة كأنها كشرة الأسد ثم قال في لهجة العاتب: لقد جئت الليلة أيها ~~الإخوان لأمر ذي بال أردت أن أحدثكم فيه، ولو أن واحدا منكم هزته الأريحية وثارت في نفسه ~~الغيرة لقبيلته وقومه لأغناني عن تجشم الطريق واجتياب القفار، كلكم أهل لضبة، وكلكم قبيله ~~وأنصاره، وإذا مس عرض ضبة فقد مست أعراضكم جميعا، وإذا طعن شرفه فقد أصابتكم الطعنة ~~جميعا، ولقد ترامت إلى أخبار أقضت مضجعي، وأنبتت الشوك في وسادي، وتناقل الرواة أبياتا ~~قذرة من شعر نجس لطخ به ذلك الشاعر الدعي المنبوز بالمتنبي ابن أختي ضبة، يا للهول. ويا ~~للعار. إنه لشعر تتعفف البغي عن أن تدنس فمها بكلمة منه، ويأنف مجان الحانات من أن يلقوا ~~إليه سمعا، فقد ولغ هذا الكلب الفاجر في عرض أختي فلم يترك كلمات من مستقذرات اللغة حتى ~~وصمها بها، ولم يدع سهما مسموما بالفحش والإقذاع حتى صوبه إليها، وعجيب أن يقال هذا ~~الكلام الدنس فتتناقله الصبيان، ويتنادر به المجان، وتسير به الرواحل من بلد إلى بلد، وتملأ ~~ريحه المنتنة جو الصحراء، ثم لا تثورون ولا تغضبون. ثم لا تروون سيوفكم من دماء هذا الغوي ~~الأفاك. ثم لا تمحون هذا العار عن أنفسكم وعن قبيلتكم بضربة فيصل. لقد أصبحتم متندر ~~القبائل، وسخرية العرب جميعا. # ولقد جئت أيها الإخوان لأغسل العار عن نفسي وعنكم، لقد جئت لأجرد سيفا وأصون شرفا، لقد ~~جئت لأقطع لسان الأفعى وأهشم أنيابها. مرحى. مرحى. يا لضيعة العرب. شرف أختي يمرغ في ~~التراب في كل مجلس وفي كل سامر، وأخوها فاتك الذي ترتجف لهوله الصحاري، ويخلع اسمه كل قلب، ~~ويجلس في عقر داره هانئا رضيا، لا يأخذ لها بثأر ولا يدفع عنها بيمين؟ شرف أختي يداس ~~بالنعال وأهلها ينظرون واجمين ذاهلين؟ فصاح مجاشع: غدا نذهب إلى الكوفة ونذبحه ولو كان بيد ~~ذراعي أسد. فأجابه فاتك حزينا: إنه ليس بالكوفة، إنه رحل منذ شهر أو أكثر إلى بلاد ~~فارس. ~~- نذهب إلى فارس ونقتله ms71 ولو كان في حماية كسرى أنو شروان. وهنا وقف شمر بن وهب، وقال: ~~الرأي عندي يا سيدي أن يرحل أحدنا إلى فارس، وأن يبحث عنه حتى يصل إلى مكانه، ثم يوجر فيه ~~خنجره. فقال فاتك: لقد قاربت الصواب فإني أوافقك على أن يسافر رجل منا إلى فارس ليعرف ~~مكانه، ويرقبه عن كثب، حتى إذا رحل عائدا إلى العراق أسرع إلينا بدير العاقول، فأخبرنا ~~بطريق مروره فسرنا نحوه ووثبنا عليه ومزقناه تمزيقا، فقال ضبة: ولم لا نقتله بفارس ونستريح ~~من مشقة السفر ومظنة فراره؟ ~~- ذلك لأننا لا نريد أن نكتفي بسفك دمه، وإنما نريد فوق ذلك أن ننهب كل ما سيعود به من ~~فارس من أموال ونفائس وذخائر، وتحف أغلى من أن تقدر بثمن، وأعز من أن يحوزها قصر ملك. فصاح ~~القوم جميعا. ~~- نعم الرأي يا فاتك، إنك لرجل ملقن. # واتفق القوم على أن يرحل شمر بن وهب إلى فارس، وأن يضم ضبة إلى جماعتهم نحو عشرين لصا ~~من فتاك الأعراب، وأن يسيروا جميعا تحت لواء فاتك إلى دير العاقول لينتظروا فريستهم هناك، ~~وليتربصوا للقتل والغنائم. وتفرق القوم على أن يلتقوا في موعد ضربوه. # وخرج المتنبي من شيراز في نحو العشرة من عبيده ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب والطيب ~~والثياب والكتب ونفائس الهدايا، وسار الركب في جو باسم الصباح رقيق النسيم، وكان المتنبي ~~على غير عادته منبسط أسارير الوجه إلى ما يقرب من المرح، حتى إنه كان يمازح ابن حمزة ويصغي ~~في أناه ورفق إلى حديث محسد، ويداعب مفلحا ويدعوه بكافور الأمين. وقد تكون هذه النشوة ~~الطارئة؛ لأنه استطاع أن يتخلص من الديلم من غير اصطدام أو عربدة على خلاف عادته في مفارقة ~~كل أمير أو ملك؛ وقد تكون لأنه أنقذ نفسه ولسانه من مدح غير العرب والإشادة بمجد غير مجد ~~العرب، فقد كان شيء من ذلك يؤلم نزعته العربية، ويكدر عليه صفو حياته؛ وقد تكون لأنه عاد ~~إلى وطنه بهذه الأحمال والأموال والكنوز التي لم يظفر بمثلها شاعر ms72 منذ هلهل ابن ربيعة ~~الشعر؛ وقد تكون لأنه وقد طالت عليه الغربة واشتد به الحنين يشعر اليوم بأنه عائد إلى أهله ~~وزوجته التي لا يزال يحس بخفقات قلبها في صدره ساعة توديعه وبتناثر دموعها فوق خديه. قد ~~تكون هذه النشوة الطارئة لهذا جميعه أو لشيء منه أو لشيء لم نعرفه من نزعات هذه النفس ~~الضخمة المليئة بالأسرار. وحينما لمح ابن حمزة هذه البارقة العابرة التي قليلا ما لمعت ~~بهذا الوجه الغائم العبوس أراد أن يغتنمها، فقال: ما رأيك يا أبا الطيب في سيف ~~الدولة؟ ~~- عربي قصير الباع طويل الأمل. وعيبه أنه إذا من من. ~~- وماذا ترى في كافور؟ ~~- غراب حوله رخم وبوم. ~~- وكيف نصف المهلبي؟ ~~- هر رأى في مرآة كاذبة أنه أسد. ~~- ومعز الدولة؟ ~~- شبح للجهل والبخل والشراسة. # يحسبه الجاهل ما لم يعلما # شيخا على كرسيه معمما ~~- وماذا تقول في ابن العميد؟ ~~- رجل ما زال يغري الشعراء بمدحه بالأدب والكتابة، حتى اعتقد آخر الأمر أنه أديب ~~كاتب. ~~- وعضد الدولة؟ ~~- تاج من ذهب فوق رأس من خزف. ~~- وما رأيك في عبد العزيز الجرجاني؟ ~~- أراد أن يفلسف الأدب فشوه الأدب وأضعف الفلسفة. ~~- وماذا ترى في أبي علي الفارسي؟ ~~- أعجمي حاول أن يطوع اللغة إلى أصول وهمية هي أبعد في الخيال من شعري. ~~- وكيف تراني؟ ~~- فيك ما يجعلك لسان نفسك، ولكنك تأبى إلا أن تكون لسان غيرك. # فضحك ابن حمزة وابتسم المتنبي، ولكن هذا الابتسام طار من وجهه بعد قليل وخلفته سحابة ~~مظلمة من الحزن والكآبة، فزفر وقال: # وما الموت إلا سارق دق شخصه # يصول بلا كف ويسعى بلا رجل # ثم أخذ يردد: # نعد المشرفية والعوالي # وتقتلنا المنون بلا قتال # وهنا قال ابن حمزة: ما هذا الشعر القاتم يا أبا الطيب؟ وما لنا ولذكر الموت ~~والمنون؟ ~~- الموت يا ابن حمزة راحة الحزين وموئل اليائس. كانت لي آمال ومطامح يا ابن حمزة فأين هي؟ ~~أرأيت هذه الذرات التي تتراقص في أشعة الشمس والتي يسمونها بالهباء؟ هذه هي آمالي. أرأيت ~~هذه الحفرة هناك؟ إنها كانت ms73 بئرا فطمرتها الرمال وغطتها السوافي، هذه هي آمالي. أرأيت ~~إلى هذا النسيم الذي إذا مددت إليه يدك لتقبض عليه فر من خلال أصابعك؟ إنه يا ابن حمزة ~~آمالي. كانت لي آمال، وكانت لي مطامح، فعبثت بها يد الأيام، وطوحت بها الطوائح. وكانت لي ~~أحلام ناضرة باسمة فتيقظت بعد نهاية العمر فلم أجد نضرة ولم ألمح ابتساما، كنت أطمح إلى أن ~~أكون رجل الدنيا فأبت علي الدنيا، وكنت أطمح إلى أن أكون ملكا فنبذتني العروش وسخرت مني ~~التيجان. وكنت أقول: # سأطلب حقي بالقنا ومشايخ # كأنهم من طول ما التثموا مرد # فلم أجد مشايخ إذا وجدت الحق، ولم أجد الحق إذا وجدت المشايخ، وأنا اليوم أعود إلى داري ~~بالكوفة شيخا هما حطمته الأيام وثلمته الحوادث. ~~- ما هذه الخواطر السود يا أبا الطيب؟ لقد أعطتك الدنيا من الجاه والمال وبعد المنزلة فوق ~~ما تمتد إليه أعناق الشعراء. # وبلغ الركب الأهواز بعد عشرين يوما، فحط الرحال ليستريح وأسرع أبو الحسن السوسي عامل ~~الأهواز فاستقبل المتنبي وأضافه أياما، ثم استأنف الرحيل إلى واسط، وفيها كتب عنه ابن حمزة ~~بعض قصائده في عضد الدولة، واعتذر عن التخلف عنه لمرض نزل به، فسار الركب قاصدا إلى بغداد ~~ثم الكوفة، ومر المتنبي ببلدة تسمى «جبل»، فنزل ضيفا على أبي نصر محمد الجبلي فأحسن ~~الرجل وفادته وأكرم مثواه. # أما عصابة فاتك فقد أحكمت إنفاذ مؤامرتها، ورحلت عن الكوفة على النحو الذي دبرته، وربضت ~~بدير العاقول تنتظر قدوم المتنبي، فأسرع إلى القوم شمر بن وهب جاسوسهم بفارس وأخبرهم برحيل ~~المتنبي، وبأنه كان يرقب طريق سيره، وبأنه رآه بالأمس وهو يحط رحاله بجبل، فتواثبوا إلى ~~خيولهم وأخذوا يجوبون الطريق بين دير العاقول وجبل. # وحينما عزم المتنبي على الرحيل جلس إليه أبو النصر، وقال: على أي شيء أنت مجمع يا أبا ~~الطيب؟ ~~- لقد عزمت على الرحيل مساء اليوم، وسأتخذ الليل مركبا فإن السير فيه يخف علي. ~~- نعم الرأي يا أبا الطيب. ولكني أرى أن يكون معك جماعة من رجال هذه البلدة الذين ms74 يعرفون ~~هذه المواضع المخيفة. فقطب المتنبي وجهه، وقال: لم تقول هذا يا أبا النصر؟ ~~- إنما أردت أن تستأنس بهذه الجماعة في الطريف فصاح في غضب: أما ونجاد السيف في عنقي فما ~~بي حاجة إلى مؤنس غيره. فأجابه في مضض: الرأي لك يا أبا الطيب، وإنما كنت لك نصيحا. ~~- إن تلويحك يا أبا نصر ينبئ بشيء، فعرفني جلية الأمر. فزفر الجبلي زفرة طويلة وقال: ~~جلية الأمر يا سيدي أن فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو يتقد عليك غضبا؛ لأنك ~~هجوت ابن أخته ضبة، وقد بدرت منه بوادر توجب عليك الاحتراز والتيقظ، ومعه نحو ثلاثين من بني ~~عمه يأكلون النار ويحطمون الحجر الأسود. فالرأي يا سيدي أن تأخذ معك عشرين رجلا يسيرون بين ~~يديك إلى بغداد. فانتفخت أوداج المتنبي من الغيظ وصاح: لا والله لا أرضى أن يتحدث عني الناس ~~بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. # فأسرع أبو النصر يقول وقد نفذ صبره: يا هذا، إني سأوجه معك قوما من قبلي يسيرون بسيرك، ~~ويكونون في خفارتك. ~~- لا والله لا فعلت شيئا من هذا. أمن عبيد العصا تخاف علي؟ والله لو أن مخصرتي هذه ~~ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد كلهم معطشون بخمس، وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات، ما ~~جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده. معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين، إنهم كلاب عاوية يا أبا ~~نصر، ولن يمسوا شعرة مني. ~~- قل: إن شاء الله يا أبا الطيب. ~~- هي كلمة مقولة لا تدفع مقضيا، ولا تستجلب آتيا. # وركب المتنبي ومعه عبيده وذخائره في ليلة حالكة الظلام، وأخذ طريقه حتى حاذى النعمانية، ~~ثم أغذ السير حتى قارب الصافية وبينها وبين بغداد ستة عشر فرسخا. وفي اليوم الثامن ~~والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة خرج عليه في هذا المكان فاتك ورجاله، ~~فقاتلهم الشاعر قتال الأبطال، حتى قتل جميع من كانوا معه وبقي وحيدا يضرب بسيفه ذات ~~اليمين وذات الشمال، وقد نال منه الضعف وأخذ منه الوهن ms75 ، فحمل عليه فاتك وطعنه في جنبه ~~الأيسر فأسقطه عن جواده فارتمى على الأرض، وأخذ يجود بأنفاس قصار تزاحمها حشرجة الموت ~~ويردد: # ردي حياض الردى يا نفس واتركي # حياض خوف الردى للشاء والغنم # إن لم أذرك على الأرماح سائله # فلا دعيت ابن أم المجد والكرم ms76