######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.MarahWalid.Hindawi81947462 #META# Tags: novels #META# ID: 81947462 #META# Title: مرح الوليد #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # نصح وعناد‏ # رشد وغي‏ # سجن وإطلاق‏ # هجرة ولقاء‏ # نار ورماد‏ # موت وحياة‏ # ضحك وبكاء‏ # قتل ودمار‏ # نصح وعناد‏ # رشد وغي‏ # سجن وإطلاق‏ # هجرة ولقاء‏ # نار ورماد‏ # موت وحياة‏ # ضحك وبكاء‏ # قتل ودمار‏ # | مرح الوليد # | مرح الوليد # تأليف # علي الجارم # | نصح وعناد # قصر راسخ القواعد، شامخ الذرا، رسا أصله فوق شرف عال من الأرض، وارتفعت قبابه في الجو ~~كأنها تطلب شيئا في السماء، وقد موهت بالنضار، وسطع عليها الأصيل، فأرسلت شعاعا كان أجمل ~~من الأصيل، وأبهى من خالص النضار، وامتدت حول القصر البساتين الفيح تجري بها الجداول بطيئة ~~متعثرة، كأنها تخشى أن تلتقي بنهر بردى، فيلتقمها زخاره الخضم، ويدور بها كالمذعور فيقتحم ~~كل دار، وينفذ من كل حائط، ورفت بها الأزهار رائعة الألوان، مسكية الشذا، وقد عبث بها ~~النسيم فراحت تختبئ في أكمامها كأنها الغيد الحسان خافت خائنة الأعين، وفضول العاشقين، ~~وماست أشجار الحور كأنما شجاها تغريد الطير فوقها، فأخذت تسارق الأنغام، وتساير رنين ~~الإيقاع. # ذلك مشهد يجب أن يرى حتى يعرف، ويجب أن تراه عين فنان لتدرك بعض ما به من جمال وروعة. ~~أما القلم، وأما اللسان، فأعجز من أن يصلا فيه إلى صورة، أو شبه صورة، تقر بها العيون، أو ~~تطمئن لها النفوس، يقولون: إن اللغة أداة البيان، ويقولون: إن اللغة بريد العقول، فهل هي ~~أداة البيان حقا؟ وهل هي بريد صادق يحمل ما في نفسك إلى نفس غيرك؟ إن من ضروب الأحاسيس ما ~~يدق عن متناول اللسان، ويستعصي على سنان القلم، وإن من الصور الغريبة الألوان الغريبة ~~التركيب ما يعجز الوصف، ويخرس البيان، ولن يملك المرء إذا رآها إلا أن يصيح: هذا باهر! هذا ~~جميل! هذا فاتن! وكأنه يريد أن يقول شيئا آخر فلا يستطيع. وستبقى الإنسانية هكذا عجماء حتى ~~توفق إلى وضع كلمات جديدة تترجم عن كل ما تراه العين، ويجيش به الوجدان. ويكفي أن أقول: إن ~~هذا المنظر كان بربوة الوادي بالجانب الغربي من دمشق، وإن هذه الربوة تزدان بأبدع ما طرزته ~~يد القدرة على هذه ms01 الأرض من حلل، وإنها إلى جنة الخلد أشبه بالمطلع إلى القصيدة، أو ~~بالمقدمة إلى الكتاب، وهي التي حينما رآها عمر بن الخطاب عند قدومه إلى الشام قرأ قوله ~~تعالى # كم تركوا من جنات وعيون * ~~وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين ~~* كذلك وأورثناها قوما آخرين ~~. # هذه هي ربوة دمشق، وهذا هو قصر الوليد بن يزيد، وكان يسمى قصر «حبابة»، بناه يزيد بن عبد ~~الملك الخليفة الأموي لجاريته «حبابة»، وأنفق فيه كثيرا من كنوز الدولة، وقام على بنائه ~~وزخرفته كبار مهندسي الروم، فجاء صورة للفن الرائع، ومظهرا لفخامة الملك، وصولة ~~السلطان. # وفي أحد أيام شوال من سنة ثلاث وعشرين ومائة جلس ببعض أبهاء هذا القصر يزيد بن الوليد، ~~ويزيد بن عنبسة، ومحمد بن شهاب الزهري، ويزيد السلمي، وقد طال بهم الإطراق، ودلت أسارير ~~وجوههم على ما تنطوي عليه أنفسهم من أمر عظيم، وهم دفين، وبعد لأي رفع الزهري رأسه، وكان ~~من كبار المحدثين، وأعلام التابعين، عظيم المنزلة في الدولة لعلمه وورعه، وقال: لست أدري لم ~~بعثنا الخليفة هشام إلى هذا الرجل، وهو يعلم أن انتقال جبل «قايسون» من مكانه أهون وأيسر في ~~إدراك العقول من هدايته، وزحزحته عما هو فيه من عبث؟ لقد حدثته مرارا، وسقت إليه كثيرا من ~~أقوال الرسول الكريم، ووعظته فأطلت الوعظ، فما كان يزيده كل هذا إلا تماديا، حتى كأنني كنت ~~أغريه بلومي، وأثير فيه شيطان الغرور بمواعظي، # ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون ~~، صدق الله العظيم. # فرفع إليه يزيد بن الوليد بصره، وقد نم وجهه عن ضجر واشمئزاز، وقال: إن الأمر يا أبا ~~بكر لو اقتصر على فتى سادر لهان وقلت نوازله، وخفت أوزاره، ولكنه أمر أسرة كريمة المنبت ~~في الجاهلية والإسلام، وشأن دولة تحمل أعباء الخلافة، وتحمي صخرة الدين أن تنهار، بعد أن ~~بذلت جهود وعقول في إرسائها، وحطمت سيوف في توطيد أركانها. والشيخ يرى ما تنهض به دولة ~~بني أمية كل يوم من أعباء، وما تشهد من عزائم، فجيوشها ms02 لا تكاد تقفل من العراق وخراسان، حتى ~~تسير إلى أرمينية وأرض الروم، فهي أبدا صائفة شاتية. وسيوفها لا تكاد تقر في أغمادها، حتى ~~تستل من جديد، ولا تكاد تجف دماؤها من قهر خارجي، حتى ينبع لها خارجي من أقاصي الأرض، كأن ~~الأرض أجدبت من كل نبات إلا من هؤلاء المناكيد. وإذا أسكتنا زئير أهل خراسان، أطلت علينا ~~ثورة في المدينة، ومدت رأسها فتنة بالعراق، فإذا لم تكن أزمة الدولة في يد جريئة حازمة، ~~ولم يصرف شئونها رجل داهية باقعة لم تستعبده الدنيا، ضاعت الدولة بددا، وكانت حرضا، وهذا ~~الوليد بن يزيد الذي بعثنا اليوم هشام لنصحه ودعوته إلى الكف عن لهوه، لو كان فتى من فتيان ~~بني أمية لا يرتبط بالخلافة، ولا يتصل بسياسة الحكم بسبب، لصرفنا عنه وجوهنا آسفين محزونين، ~~ولقلنا: شاب أطغاه المال، والشباب، والحسب، فراح ينتهب لذات الحياة، وإن له لغاية هو ~~مدركها، وأجلا هو موفيه، ولحظة ندم يهم أن يعتصم فيها بالتوبة، فلا تنفعه التوبة، ولكن ~~يأبى القدر إلا أن يكون الوليد هذا ولي عهد الخلافة، وتأبى الأيام السود إلا أن تعده ليجلس ~~حيث كان يجلس عبد الملك ابن مروان، وعمر بن عبد العزيز. يا ويل الخلافة، ويا ويل الإسلام ~~إذا ألقيت مقاليد الحكم في يد هذا الرجل! وإننا إذا جئنا اليوم لنكفه عن شهواته، أو لنصلح ~~من نفسه - إن كان ذلك الإصلاح مستطاعا - فإنما إلى صون الخلافة نقصد، وحماية الملك ~~نريد. # فتحرك يزيد بن عنبسة في قلق المغيظ المحنق، وقد كان قبل ذلك يعتمد برأسه على قائم سيفه ~~حزينا واجما، وقال: إن الله يريد لهذا الملك أمرا هو قاضيه، فإننا ما كدنا نبتهج بموت ~~أبيه يزيد بن عبد الملك، وقيام خلافة هشام بعده، حتى دهمتنا المقادير فحتمت علينا أن يكون ~~هذا الفتى ولي عهد هشام. لقد كان يزيد مسرفا على نفسه، قسم أيامه وأمواله بين سلامة ~~القس المغنية، وحبابة اللعوب، وبنى لحبابة هذا القصر الشامخ الذي نجلس فيه اليوم، وأنفق ~~عليه من الأموال ما كان ms03 يكفي لغزو الصين، وكل ما وراء البحر الأخضر من ممالك، ولكنا نحمد ~~الله على أن عهده لم يطل، وأن هلاكه كان وشيكا، وكثيرا ما يكون الموت علاجا إذا أعضل ~~الداء، وعز الدواء. كانت خلافته أربع سنين كادت تهوى فيها الدولة إلى الحضيض، لولا قوة ~~فيها كامنة من عزمات صلاب وطدت أساسها من عهد قديم، وكأنه أراد أن يصل حباله بحبال ابنه ~~فلم يمت حتى عهد بالخلافة بعده إلى هشام، ثم من بعد هشام إلى هذا الفتى، وإن أخشى ما نخشاه ~~بعد أن أعاد هشام إلى الخلافة عظمتها، وغرس في القلوب الرهبة منها، وأقام عمودها، وحرص على ~~جمع الأموال لسد مفاقرها أن يأتي بعده هذا الوليد فيمحو آثارها، ويبدد قوتها، ويمكن منها ~~أعداءها القاعدين لها كل مرصد، والمتربصين لها الدوائر، والمتحرقين إلى فرصة يمزقونها فيها ~~أشلاء، ويأتون على بنيانها من القواعد، وليس لدينا من الرجال اليوم ما كان لنا والدولة في ~~عنفوانها، والملك في قوة اكتماله، فليس لنا مثل مسلم بن عقبة، وليس لنا مثل الحجاج بن يوسف، ~~وليس لنا مثل قرة بن شريك، فإذا وقعت الواقعة، وحلت الفادحة، وتركت الدولة في أيد خائرة ~~لم تجد بين الدافعين عنها إلا بنانا مخضبا، ومعصما أدماه السوار، وويل لدولة تحميها ~~النساء! # فأسرع الزهري يقول: لقد حاول يزيد بن عبد الملك أن يخلع هشاما من ولاية العهد، وأن يقدم ~~ابنه عليه لولا أن أدركه الموت من حيث لم يكن يتوقع، ولو أنه فعل لكان للمسلمين اليوم حال ~~غير تلك الحال. وهنا اتجه يزيد بن عنبسة إلى السلمي وقال: مالك لا تنازعنا الحديث أبا ~~مساحق؟ إن أكبر الظن أن كلامنا يثقل عليك، فلقد رأيت سحابة غيظ تركد على وجهك منذ دخولنا، ~~ولعلك لم تكن تتوقع أن يزور صاحبك اليوم قوم غلاظ شداد يصارحونه القول، ويدعونه في عنف إلى ~~تقوى الله، ومخالفة نفسه. فقال الزهري: إن السلمي كان معلم الوليد ونصيحه، وكان الأجدر به، ~~وقد قضى في الإشراف على تهذيبه سنوات، أن يقوم قناته، وأن يصرف ms04 عنه شياطين الفتنة، فإنه لو ~~فعل لأغنانا اليوم عن لقاء هذا الفتى، وجبهه بما يكره، ووالله لولا أن ألح علي الحقيقة، ~~وألحف في وجوب القيام بنصحه، ما نقلت إلى داره قدما. # فقال يزيد بن الوليد: ومن لهذا الأمر سواك يا ابن شهاب، وأنت اليوم مناط هذه الأمة في ~~أمور دينها؟ ولقد كان عمر بن عبد العزيز ناصحا للمسلمين حين كتب إلى عماله في الآفاق ~~يدعوهم إلى الأخذ بآرائك في الدين، ويقول لهم: إنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية من ~~ابن شهاب؛ فمد الزهري يده إلى يزيد كالمتوسل إليه أن يكف عن هذا المديح، ثم قال: أرسل إلي ~~الخليفة إبراهيم المخزومي بعد أن انفتلت من صلاة الغداة، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك ~~إليه الساعة، فذهبت معه على تثاقل وكره، فلما حضرت مجلسه أقبل علي كاسف النفس حزينا، ~~وكان ولداه مسلمة والعباس واقفين في خدمته، ثم قال: اقرب مني قليلا يا أبا بكر. فقربت ~~وسادتي من وسادته، فاتجه إلي وقال: إني نظرت يا ابن شهاب في أمري، وأمر هذا الملك الذي ~~أسوسه، والأمة التي أرعاها، فرأيت أني أسير إلى الفناء وثبا، وأعدو نحو الموت عدوا، فإن ~~هذه الذبحة ما زالت تعتادني بين الحين والحين، وقد استطعت حتى الساعة أن أنجو منها بذلك ~~الدواء الذي أتجرعه، ولكن نوباتها أخذت تتقارب وتطول، وأخشى أن أكون مائتا بعد أيام أو ~~أشهر، وقد بذلت كل ما في قدرة رجل مثلي لإنهاض الدولة، وتمكين سلطانها، ولو كنت أعلم أن ~~الذي يلي هذا الأمر من بعدي رجل حمال للأعباء، شديد على اللأواء، كامل الرجولة، طاهر ~~النفس، نقي الجيب، يخاف ربه، ويخافه عدوه، لهان علي الأمر واستقبلت الموت سعيدا ~~رضيا، ولكن الخلافة ستنتقل إلى ابن أخي الوليد، وهو - كما علمت، وعلم أهل الحضر والمدر - ~~قد نسي نفسه، ونسي حسبه، وانصرف إلى جلساء السوء، فماذا يكون من أمر هذه الأمة إذا ~~وليها هذا الفتى؟ وماذا يكون من أمر أطراف الدولة، والثورات فيها لا تنطفئ نيرانها، ولا ~~يركد قتامها؟ وماذا ms05 يكون من أمر ملك بقي إلى اليوم أكثر من ثمانين عاما تؤثله جبابرة ~~الأمويين بآرائهم وسيوفهم؟ لن يبقى من ذلك شيء، وستتمزق فلول بني أمية في البلاد حيارى ~~مطاردين، يحسدون رعاة الإبل في الصحاري الجرد على ما هم فيه من رخاء ونعمة. لقد بذلت كل ما ~~في وسع البشر لإصلاح هذا الرجل، فلم ألق نجحا؛ وكان من آخر أمري أن وليته الحج بالناس ~~لأصلح من سيرته، وأغريه بتقوى الله إغراء، فكان منه ما علمت وعلم الناس، والآن وقد ضاقت بي ~~الحيلة، أدعوك لتذهب إليه أنت ويزيد بن الوليد وابن عنبسة؛ لتبصروه بما يجب عليه إزاء ~~الله، وإزاء الخلافة، وإزاء نفسه، ولتخبروه بأن صلاحه لن يكون له وحده، بل لهذه الأمة التي ~~نخشى أن تذهب ضياعا، وتصبح نهبا مقسما، هذا يا أبا بكر آخر سهم في كنانتي، فإن أجاب ~~وأطاع هدأت نفسي، وإلا فلله أمر هو فاعله، اذهب الآن مباركا موفقا، وقد أمرت يزيد ~~بن الوليد وابن عنبسة أن ينتظراك لدى الباب. # وكأن طول الحديث قد أجهد الزهري، فأخذ يرسل أنفاسا قصارا متلاحقة، ثم قال وهو ينظر إلى ~~السلمي: وهكذا جئنا أبا مساحق لنروض هذا المهر الحرون؛ حتى يسلس قياده، وإني أرى في ملامحك ~~ما يدل على الاستنكار والمخالفة، فهل لديك من شيء يقال؟ ~~- لقد أطلتم الحديث، وسلكتم فيه فنونا، ولكنكم اتجهتم اتجاها واحدا، ونظرتم إلى الرجل ~~من ناحية واحدة، فصورتموه كما شاءت نفوسكم لاهيا مرحا، تسلب من صفات الرجولة، وقطع كل ~~صلة بينه وبين الخلق الكريم، وهذا تصوير مائن أيها البررة الأتقياء، إني خالطت الوليد منذ ~~كان غلاما في الحادية عشرة، وهو الآن يجاوز الثلاثين، خالطته خلاط معاشرة واختبار، وسبرت ~~غور نفسه، وعرفت ظاهر أمره وباطنه، فرأيت أنه سر آبائه جميعا، ففيه دهاء مروان بن الحكم ~~وشغفه بالانتقام، وفيه تيه عبد الملك وكبرياؤه، وصدق عزيمته، وفيه عناد أبيه، وضعف نفسه، ثم ~~إن به عرقا من أخواله بني هاشم أمده بالبلاغة، وإجادة الشعر، وذلل له سبيل التمكن من ~~اللغة، ومعرفة الأخبار ms06 ، إنه ابن آبائه حقا، ورثهم في الجاه والمال والخلافة، كما ورثهم في ~~الجبلة والخلق، وفيما يزين وفيما يشين، إنه حقيبة من وراثات مختلفة متباينة: فيها الخير، ~~وفيها الشر، وفيها ما يسوء، وفيها ما يسر، وأشهد إني ما رأيته يقرأ القرآن، أو يدرس أحاديث ~~النبي الكريم إلا متطهرا متطيبا جالسا على ركبتيه في خشوع ورهبة، وأشهد أنه طالما حدثني ~~عن نفسه، وما ينساق إليه من هفوات الشباب، والدموع تنهمر من عينيه، والحزن يملأ جوانب نفسه، ~~وكثيرا ما كان يقول وهو في تلك الحال: وماذا أفعل وقد خلقت ريشة في مهب الأهواء، وقصبة ~~جوفاء في بحر مائج بالفتنة والإغراء؟ ثم يرفع رأسه إلى السماء في رعب وضراعة وهو يردد: ~~اللهم إنك إنما سميت الغفور لأنك تغفر لمثلي. وسمعته مرة وقد اجتمع بفتية من بني أمية وهو ~~يقول لهم: يا بني أمية، إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، ~~ويثور ثورة الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء؛ فإن الغناء ~~رقية الشيطان، إني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلي من الماء البارد ~~إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال. # فأسرع ابن عنبسة يقول: أخشى يا أبا مساحق إذا طال بنا المجلس أن تزعم أن صاحبك من ~~الملائكة الأطهار. ~~- لا يا ابن أخي، إنه ليس من الملائكة الأطهار، إنه ~~قد يكون أحيانا عبد نفسه، إذا جمحت به أرخى لها العنان، وتركها تسير به إلى حيث تريد، ~~ولكني أقول: إنه رجل له جانبان: جانب للخير، يظهر فيه نبله، وكرم عنصره، وطهارة عرقه، وجانب ~~للشر يرحل فيه العقل، وتنحل العزيمة، ويختفي الوليد الشريف الكريم، ويأتي الوليد الظريف ~~المرح، وربما كان في انقياده إلى وازع نفسه لا يزيد عن أمثاله من الفتيان الذين خلقوا على ~~غرار فطرته، ولكن الوليد أضاف إلى ما فيه من ضعف العزيمة ما طبع عليه من العناد، والتحدي، ~~والتباهي بازدراء آراء الناس، وعدم المبالاة بلوم اللائمين، فلم يراء ms07 كما يراءون، ولم ~~يخف الرقباء كما يخافون، بل قال ما يقول في علانية وسخرية، وكشف ذات نفسه لأعدائه وأصدقائه ~~في غير خوف أو حذر، ومما أكثر فيه القالة شغف الناس بالأقاصيص، وغرائب الأخبار، فهم إذا نقل ~~إليهم كاذب أنه شرب كأسا لم يرقهم أن ينقلوا الخبر كما هو، وأي طرافة في أن يشرب شاب كأسا ~~محرمة بعد أن فسد الزمان؟ فراحوا يقولون: إنه شرب باطيتين حتى انتفخ بطنه، وهنا ابتدره ابن ~~عنبسة فقال: إن الناس لا ينقلون إلا ما يسمعون من غلمان القصر وجواريه، وقد بلغني أنه اصطنع ~~بركة في هذا القصر، وملأها خمرا، وأنه إذا استخفه الطرب ألقى فيها نفسه، وأخذ يكرع؛ حتى ~~يبين النقص في أطرافها. ~~- هذا اختلاق مائن، وإفك كاذب، فالوليد أبغض الناس للقذر، أو ما فيه احتمال القذر، وهو ~~لحرصه على النظافة لا يشرب من إناء شرب منه غيره، ثم كيف يستساغ في العقل أن يشرب من البركة ~~حتى يظهر النقص فيها؟ إنه لو فعل لكان اليوم من الهالكين، واسترحنا من الجدل في شأنه؛ وهذه ~~الفرية البلقاء لا تقل في بشاعة كذبها عما يتناقله الناس من أنه أراد يوما أن يتفاءل، ففتح ~~القرآن، فكانت أول آية تقع تحت عينيه قوله تعالى: # واستفتحوا ~~وخاب كل جبار عنيد ~~. فقد قالوا إنه غضب عند ذلك وعربد، ومزق ~~المصحف، وقال: # أتوعد كل جبار عنيد؟ # فها أنا ذاك جبار عنيد! # إذا ما جئت ربك يوم الحشر # فقل يا رب مزقني الوليد # ويكفي لتفنيد هذا الهراء أني أعلم، وأنكم تعلمون أن العرب على ولوعها بالتفاؤل لا تتفاءل ~~بالمصاحف، ولا بما يدون في الكتب، فإن ذلك لم يكن من عاداتها منذ خلق الله الصحراء ~~والجمل. # وأكبر الظن عندي أن هناك ثلاث طوائف تعمل على الكيد لبني أمية كلهم لا للوليد وحده، ~~وأنها تبذل الجهد ناشطة لإسقاط الدولة ومحو آثارها، وهذه الطوائف هي: طائفة الناقمين من غير ~~العرب بعد أن أذلهم بني أمية، وقضوا على عزمهم ومجدهم، وأنزلوهم بدار الهوان والإتعاس، ~~وطائفة بني العباس ms08 الذين يدعون «لمحمد بن علي»، والذين ربضوا بخراسان متربصين، يتحينون ~~الفرصة للوثبة، وينشرون جواسيسهم وعمالهم في البلاد؛ ليبثوا في الناس كراهية الخلافة ورجال ~~الدولة، ويذيعوا عنهم خروجهم عن الدين، واحتجانهم الأموال وتبديدها في اللهو والنعيم، وهناك ~~شيعة علي بن أبي طالب الذين يجتذبون الناس بزهدهم، ويستدرون عطفهم بما أوقع بهم بنو أمية ~~من القتل والتشريد، هؤلاء جميعا يعملون كادحين لإسقاط عرش الأمويين، وقد وجدوا في الوليد ~~منبعا فياضا لإشاعة الأكاذيب، وابتداع الأخاليق، وراحوا يهولون من كل ما يبدو منه من لهو، ~~فإذا لم يصدر عنه شيء رسم خيالهم أبشع الصور، ولفق لهم أسوأ الأحاديث، وهنا التفت إليه ~~الزهري وقال: عجيب أمرك يا ابن مساحق، تعترف بعبث صاحبك، ثم تدفع عنه، وحينما ترى أن حجتك ~~لا تنهض بجناح تحاول أن تنقل الأمر من الوليد إلى بني أمية عامة، ثم ما يحيط بهم من أحداث ~~وأعداء. ~~- لا يا أبا بكر إنني إنما أنكر على الناس تعصبهم عليه، وتألبهم للكيد له، وأخشى أن يكون ~~من أسباب ذلك أنه ولي العهد، وأنه يسد الطريق على أبناء هشام، ولعله لو تخلى عن هذه الولاية ~~لارتدت عنه سهامهم، ولعاش كما يعيش غيره، ولسكتت عنه ألسن السوء. # وبينما هم في الحديث إذ بدت لهم من النافذة عن بعد جماعة من الفرسان، تثب الكلاب من ~~حولهم ومن خلفهم، وقد سار في المقدمة فارس معتدل القامة، كأنه عامل الرمح، وهو يعبث بسوطه ~~في الهواء، فقال السلمي: هذا هو الوليد ومعه فتيانه، وقد قدموا من الصيد، وسيكونون بيننا ~~بعد قليل. # فتمكن الزهري في مجلسه، وتمتم بكلمات ربما كانت تسبيحا، وربما كانت استنكارا، وومضت ~~عينا ابن عنبسة بالشر، وتنحنح يزيد بن الوليد وقال في حزن وأسى: وهكذا تدور حياة هذا الشاب ~~بين مرح ولهو، وغناء وطرب! يا لضيعة بني أمية! # ويصل الوليد إلى القصر، ومعه من ندمائه كاتبه عياض بن مسلم، وابن سهيل، والمنذر بن أبي ~~عمر، وعبد الصمد بن عبد الأعلى، فيسرع إليه غلامه رستم الفارسي، وخادمه سبرة، فيخبرانه بكل ms09 ~~ما دار بين القوم من أحاديث، فيعبس وجهه قليلا، ثم ينبسط عن ابتسامة ماكرة، فيها عناد، ~~وفيها تشف، وفيها انتقام وعبث، ثم يقول: أبعثهم إلي هشام لينصحوني، أم يمهدوا السبيل إلى ~~خلعي من ولاية العهد وتولية ابنه مسلمة؟ والله لن أخلع ما وضعه الله في عنقي، أو أموت دونه! ~~يقولون: إني لاه عابث، سأريهم يا سبرة كيف أعبث بهم، وكيف ألهو بأشياخهم، وسأريهم أني لا ~~أبالي بما يذيعون عني من كذب وبهتان، ادع عمر الوادي وأبا كامل، وادع جميع المغنين، فسوف ~~يعرفون اليوم من هو الوليد بن يزيد؟ وانطلق سبرة يطيع أمر مولاه، وما هي إلا لحظات حتى سمع ~~رنين العيدان، ونقر الدفوف، وأقبل المغنون، ومشى أمامهم الوليد نحو زواره، فلما دخل عليهم ~~كان أبو كامل يغني: # عللاني واسقياني # من شراب أصفهاني # من شراب الشيخ كسرى # أو شراب الهرمزان # إن بالكأس لمسكا # أو بكفي من سقاني # إنما الكأس ربيع # يتعاطى بالبنان # وكانت القيان تدق بالكفوف والدفوف، ويمشين في خفة ومرح، كأنهن الحمائم ترف رفيفا، ثم ~~اتجه الوليد إلى عمر الوادي صائحا: يا جامع لذتي ومحيي طربي، غنني من خفيف الرمل بالبنصر، ~~فانطلق يغني: # أصدع نجي الهموم بالطرب # وانعم علي الدهر بابنة العنب # واستقبل العيش في غضارته # لا تقف منه آثار معتقب # من قهوة زانها تقادمها # فهي عجوز تعلو على الحقب # أشهى إلى الشرب يوم جلوتها # من الفتاة الكريمة النسب # فقد تجلت ورق جوهرها # حتى تبدت في منظر عجب # فهي بغير المزاج من شرر # وهي لدى المزج سائل الذهب # في فتية من بني أمية أه # ل المجد والمأثرات والحسب # ما في الورى مثلهم، ولا بهم # مثلي، ولا منتم لمثل أبي # وما كاد ينتهي من غنائه حتى هجم عليه الوليد، وأخذ يقبله ويخلع من عقود الجوهر التي ~~يتحلى بها، ويضعها في عنقه. # وهنا لم يطق الزهري الصبر، فهم بالوقوف، ودعا صاحبيه إلى الخروج، ولكن يزيد بن الوليد ~~اجتذبه من كمه وهو يقول: إننا لا نستطيع أن نغادر القصر من غير أن نقضي ms10 حاجة هشام، فإنك ~~تعرف ثورة غضبه على من يتهاون في تأدية ما يطلبه منه، ولمح الوليد ما يدور بين القوم فصرف ~~المغنين، ثم أقبل على الزهري في أدب وخشوع، وكثير من الوقار، كأن لم يكن شيء، وكأن ما ملأ ~~البهو من لهو وطرب منذ لحظة لم يكن منه شيء، أقبل على الزهري فحياه ورحب به، ثم نظر إلى ~~يزيد بن الوليد، وإلى ابن عنبسة نظرة صلف، أتبعها بتحية، فيها تيه، وفيها اعتزاز، ثم أخذ ~~يسأل الزهري عن مسائل في الحديث، وغريب اللغة، والقرآن، والقوم في دهش جارف ملك عليهم ~~ألسنتهم، وأذهل عقولهم، فلما هدأت نفس الزهري قال: إننا جئنا إليك يا بني من قبل الخليفة ~~لنسدي إليك النصح، وندعوك إلى ترك ما أنت فيه من لهو يقضي على المروءة، ويعبث بالشرف، وقد ~~ضاق الخليفة ذرعا بما يسمعه عنك، وما ينقل إليه من أمرك، ثم إنه الآن - وقد تقدمت به السن ~~- يخشى أن يترك الخلافة في يد من لا يصونها، أو يستطيع النفح دونها، وهؤلاء المسودة - كما ~~يسمونهم - أو دعاة بني العباس قد ظهروا بخراسان، وأصبح لهم عديد وعدة، وأشياع وأنصار، فإذا ~~لم يحم الخلافة رأي نافذ، وعزم باطش ضاع الملك الذي أثلتموه، ولاقى بنو أمية من أعدائهم شر ~~ما يلاقي الذليل المقهور، فالخليفة ينذرك ويدعوك إلى التوبة، ونبذ ما أنت فيه، ويطلب إليك ~~أن تسرح ندماءك وأصفياءك، وأن تبتدئ حياة جديدة كلها جد وصلاح، وابتعاد عن الدنيا، واهتمام ~~بشئون الدولة؛ حتى تكون أهلا لولاية العهد. # كان الوليد ينصت عابسا مفكرا يعبث بأصابعه في شعرات لحيته، وما كاد ينتهي الزهري حتى ~~أرسل قهقهة طويلة اهتزت لها جوانح صدره، ثم نظر إلى القوم وقال: ألأجل ذلك جئتم؟ ومن أجل ~~هذا أتعبتم دوابكم حتى بلغتم قصري؟ لقد سخر منكم هشام وغرر بكم، إن ما يجري في قصري من ~~اللهو العفيف لا يزيد عما يجري في قصور فتيان بني أمية، ثم التفت إلى ابن عنبسة ويزيد، ~~وقال: وعما يجري في دار ابن عنبسة، وفي ms11 قصر يزيد، وإن أبناء هشام أنفسهم يتمتعون بالحياة ~~طولا وعرضا وعمقا، ولكن هشاما يريد شيئا آخر، يريد أن يسخركم من حيث لا تشعرون في ~~مأرب هو أقصى أمانيه ومنتهى آماله، يريد أن يهدم هذا السد الذي يحول بين ابنه مسلمة ~~والخلافة، يريد أن يخلع عني ولاية العهد بعد أن أقسم عليها أمام أبي أغلظ الأيمان، وأعطى ~~أوثق العهود، ليقدمها إلى «أبي شاكر» هدية غالية ثمينة تبقى في أولاده وأحفاده أبد الدهر، ~~ولم ير للوصول إلى ذلك من سبيل إلا أن يثلب عرضي، ويكثر في قالة السوء، ويبعث حولي جواسيسه ~~وعيونه ليجعلوا من الفأرة جملا، ومن بيت النملة قصرا، وليملئوا الدنيا بأخبار زندقتي، حتى ~~لقد أصبحت حديث السمار، ومثلا شرودا في اللهو وحب الطرب، وإني أسخر منه ومن أعوانه، ~~وأزيد في نكايته بإصراري على ما أحب، وتمسكي بما يكره، ثم إنه أراد أن يخطو خطوته الأخيرة ~~فبعثك يا ابن شهاب، وأنت من أنت في رأي العامة والخاصة علما ودينا ونسكا؛ ليستشهد بك لدى ~~الناس إذا خلعني، وليقول لهم: لقد صبرت عليه كثيرا فلم يزدجر، ونصحت له كثيرا فلم يرعو، ~~وهذا الزهري على ما أقول شهيد؛ لقد حرمني العطاء منذ عدت من الحج، وضيق علي وعلى ندمائي، ~~ولكني لم أبال به، ولم آبه له، وإن لي من ميراث أبي ومن أموال أخوالي ما يزيد عن حاجتي، وإن ~~في نفسي يقينا لا يزعزعه إرهاب هشام، ولا تنقص منه صولة هشام؛ ذلك أني سأكون خليفة على رغم ~~أنوف بني أمية جميعا، وإن هشاما سيموت ويزول ملكه، ويذهب معه نهمه، وتدفن مطامعه، وسأكون ~~من بعده الخليفة الأموي الفتي، وسوف أثيب أصدقائي أجزل الثواب، وأذيق أعدائي مر العذاب، ~~فلقد أعددت في سرداب القصر مائة قيد من حديد كتبت على كل قيد اسم صاحبه، ثم التفت إلى ~~ثلاثتهم وقال: وأكبر ظني أن أسماءكم بين ما كتب من أسماء، وسوف يقول الناس: إن الوليد لم ~~يكن غرا مائقا، ولم يكن مغفلا ماجنا؛ لأنه عرف أعداءه فمحقهم، وعرف أحباءه ms12 فأجزل ~~عطاءهم. # أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي # ومروان جدي ذو الفعال وعامر # أنا ابن عظيم القريتين وعزها # ثقيف وفهر والعصاة الأكابر # نبي الهدى خالي، ومن يك خاله # نبي الهدى يقهر به من يفاخر # ثم وقف ومد يده إلى الزهري وهو يقول: إذا لقيت هشاما فقل له عني: # كفرت يدا من منعم لو شكرتها # جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن # رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي # ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني # أراك على الباقين تجني ضغينة # فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني # كأني بهم يوما وأكثر قولهم # ألا ليت أنا، حين «يا ليت» لا تغني # ثم ترك البهو فسار خلفه غلاماه، وترك القوم مشدوهين حائرين، فأخذ الزهري يجمع ثيابه ~~ويتهيأ للخروج، وهو يقول: صدق رسول الله: «إن لكل دين خلقا، وإن خلق الإسلام ~~الحياء». # | رشد وغي # كان الوليد من أصبح الناس وجها، وأشدهم قوة، وأرقهم طبعا، وأظرفهم حديثا، وكان فارعا ~~متين البناء، يكاد يتفجر منه ماء الشباب، وكان أعظم ما يجتذب إليه النظر عيناه السوداوان ~~الواسعتان اللتان يلتمع منهما وميض وهاج، فيه القوة والعزيمة والشراسة، ثم لا يكاد يظهر ~~هذا الوميض حتى يختفي، وتأخذ مكانه نظرات ذابلة ناعسة ذاهلة، فيها شعر، وفيها خيال، وفيها ~~ما يشبه الذهول. وكان يلبس حلة خضراء من الحرير الدبيقي فوقها جبة بيضاء طرزت حواشيها ~~بالذهب، وتغطي رأسه عمامة من الخز الأحمر، حليت أطرافها بالدر الثمين، ويتقلد عقودا من ~~نفيس الجواهر المتلألئة الباهرة الألوان، كان يغير هذه العقود في اليوم مرارا كما يغير ~~حلله وأثوابه. # قصد الوليد بعد أن ترك من جاءوا لنصحه إلى حجرة فسيحة كان بها جماعة من ندمائه وإخوانه، ~~وكان بينهم أشعب بن جبير مضحكه ومندره ومسليه، وكان أشعب آية زمانه في سرعة البديهة، ~~وتوقد الذكاء، وحسن الحيلة، وإجادة النادرة، وإثارة الضحك من غريب ما يقول، وعجيب ما ~~يفعل. # وكان لا يحب أن يزاحمه أحد في فنونه وألاعيبه، فقد زعموا أن رجلا بالمدينة حاول أن يسلك ~~مسلكه، وأخذ يحاكيه في ms13 مذهبه ونوادره، حتى استطابه الناس، وأعجبوا به، وعلم أشعب بخبره ~~فرقبه حتى عرف أنه يختلف إلى مجلس لبعض فتيان قريش يحادثهم ويضحكهم، فسار إليه، ثم قال له: ~~بلغني أنك قد نحوت نحوي، وشغلت عني من كان يألفني، فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل، ثم غضن من ~~وجهه، وعرضه، وشنجه حتى صار عرضه أكثر من طوله، وصار في هيئة لم يعرفه بها أحد، ثم أرسل ~~وجهه وقال: ثم أفعل هكذا، وطول وجهه حتى كاد ذقنه يتجاوز صدره، وصار كأنه وجه الناظر في ~~سيف لامع، ثم نزع ثيابه وتحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير، وأصبح طوله مقدار شبر أو ~~أكثر، ثم قام فتمدد حتى صار أطول ما يكون من الرجال؛ فضحك القوم حتى أغمي عليهم، وبهت الرجل ~~فما تكلم بنادرة، ولا زاد على أن يقول: يا أبا العلاء، على الله عهد ألا أعاود ما تكره، ~~وإنما أنا تلميذك وخريجك. # وكان أشعب في ذلك الحين قد جاوز التسعين، ولكنه بقي مستكملا قوته، حافظا لفنه ~~ودعابته، وكان دقيق الجسم ناحله، أزرق العينين أحولهما، أصلع الرأس حتى كأن رأسه كرة من ~~الشمع اللامع، وحينما ورد على الوليد حظي عنده فأمر خدمه أن يلبسوه سروالا من جلد قرد له ~~ذنب طويل، وأن يشدوا في رجليه أجراسا، وفي عنقه جلاجل. # دخل الوليد على ندمائه باشا مبتهجا كأن وفد هشام لم يثر في نفسه هما، ولم يكدر له ~~صفوا، فشرع ابن سهيل يقول: لقد أحسنت إجابتهم يا مولاي، وكشفت خديعتهم، ولكني أخشى ألا يقف ~~هشام عند هذه الغاية، وأخشى أن يكون ما فعله اليوم إنما هو تحفيز لهجوم، وطليعة لمكيدة ~~جديدة. # فقال عياض: إن هشاما لا يستطيع أن يمس الوليد، ولكنه سيصب غضبه علي وعليك يا أبا وهب، ~~فقد بلغني من مولاه يعقوب - وهو جاسوس لي عليه - أن حديثا جرى منذ يومين بشأن الوليد ~~وندمائه، وأن جواسيسه نقلوا إليه بعض شعرك الذي تمدح به الأمير، وتذكر ما يرجى منه إذا ولي ~~الخلافة، وترمي فيه هشاما بأقبح الصفات ms14 ؛ فغضب حتى كاد يعود حوله عمى، ثم صاح: والله ~~لأقصن جناحيه، ولأفرقن عنه قرناء السوء الذين يمالئونه علي! والرجل بطاش منتقم، يقتنص ~~العصفور من بين براثن النسور، ولا يترك أعداءه للمقادير، وهنا قال عبد الصمد ابن عبد ~~الأعلى: وكل حقده علي أني لم أخضع لأمره، ولم أقنع الوليد بالتخلي عن ولاية العهد، فأسرع ~~عياض وقال: إن لي ولك عنده ذنوبا لا يحصيها العد، ولكنا لن نبالي به، ولن نأبه لوعيده، ~~وسنكون ألصق بالوليد من جلده، وأقرب إليه من عقوده، ولو لقينا في سبيل ذلك الموت، ولله غيب ~~هو مظهره، ولعلها غمرات ثم ينجلين، وظلمة يتبعها سفور الصباح، إن الرجل مضطرب مصاب بمرض ~~يسمى ولاية العهد، ووجوب انتقالها إلى ابنه مسلمة. # فصرخ الوليد: دون هذا وتسيل الدماء، إن ولاية العهد قد كتبت في سجل القدر، ولن يستطيع ~~هشام أن يمحو مداها، ولو استعان بأمواج البحار، ثم قام في اختلاج واضطراب إلى ندمائه، فأخذ ~~يقبلهم واحدا واحدا، والدموع تنهمر من عينيه، وهو يقول: أنا أعلم أن المكروه سيصيبكم من ~~أجلي، ويل لي! وويل لكم مني، أليس مما يمزق القلب أسفا أني لا أقدر أن أدفع عن أصدقائي ~~وخلصائي؟ إنني إزاء بطش هذا الرجل أضعف من ذات خمار، ولقد عرف كيف ينتقم مني فيكم، وعرف كيف ~~يحرمني بفقدكم طيب الحياة، إنني أعلم أن كلمة واحدة من فمي تنقذكم جميعا، ذلك بأن أذهب إلى ~~هشام وأقول له: إني تخليت راضيا عن ولاية العهد، ولكني لن أفعل شيئا من هذا؛ لأني أعلم أني ~~أحب إليكم من أنفسكم، وأنكم تفدونني بأرواحكم، وأن أكبر آمالكم أن أصبح خليفة، وأن أشفي ~~نفسي بدماء أعدائي، ثم ضحك طويلا حتى كادت تسقط عمامته، وقال: موتوا مطمئنين أيها ~~الأوفياء، ثم التفت إلى ابن سهيل وقال: ما أجملك مصلوبا يا أبا وهب، وقد امتدت ذراعاك في ~~الهواء كأنك لا تزال تذكر عناق الحسان، لا تجزع يا حبيبي، ومت آمنا فسأقتل بك عشرين فتى من ~~فتيان بني أمية، أما أنت يا ابن مسلم ms15 فمما تطيب له نفسك أن تعلم أن سيفا منذ طبعت السيوف ~~لم يقطع عنقا أشرف ولا أكرم من عنقك، فلا تبتئس أيها الصديق، وسر إلى الموت كريما، فسأقتل ~~بك خمسين فتى من فتيان بني أمية، وهنا صاح أشعب بصوت يشبه نقيق الضفادع قائلا: أما أنا ~~أيها الأمير فسوف أموت فرحا مسرورا؛ لأنك ستقتل بي مائة عجل من عجول بني أمية! فأغرق ~~القوم في الضحك، وقام الوليد يعدو وراءه، ففر منه وهو يقفز أحيانا، ويمشي على رأسه ~~أحيانا، ولجلاجله صليل ورنين، ثم صاح به الوليد: ماذا كان جواب الرسالة التي بعثتك بها يا ~~قرد السوء؟ ولم لم تخبرني بما تم فيها بالأمس؟ ~~- انتظرتك حتى تفرغ من مجالسك يا أبا العباس، وكنت أظن أن ذلك لن يكون إلا في العام ~~المقبل. ~~- سأكون في العام المقبل خليفة؛ فلا أحتاج إلى الاستشفاع بك. ~~- ولكنك ستكون بطبائعك الوليد بن يزيد الذي نعرفه جميعا، فلا تستغني عن شفاعتي؛ فضحك ~~القوم، وقال ابن سهيل: ما تلك الرسالة أيها الأمير؟ # فتأوه الوليد وغشيت وجهه سحابة من الحزن، وقال: رسالة إلى سعدة. ~~- ألا تزال تذكرها؟ ~~- دعني بالله يا ابن سهيل، ولا تثر لواعج نفسي، فإنني كلما ذكرت عهدها طار بي الشوق ~~إليها، وهزني نحوها الحنين، إنني رجل منكود الحظ، شقي الطالع، لا أكاد أصل في سلم ~~السعادة إلى درجة أشرف منها على الحياة حتى يسقط بي السلم في هوة لا ينادى وليدها، ولا ~~يرجى فقيدها، لقد كان حبنا سماويا لم ينعم بمثله زوجان فوق الأرض الفانية، ولقد مرت ~~بنا سنوات كأنها بسمات الروض لأشعة الصباح، عشنا فيها تظلنا دوحة الحب سعيدين ~~هانئين. ~~- إلى أن رأيت أختها سلمى. ~~- إلى أن رأيت أختها سلمى يا ابن سهيل، ويلاه؛ ليت هذا اليوم لم يكن؛ ذلك كان يوم أن ذهبت ~~لأعود أباها سعيد بن خالد، وإنه ليوم بالغ الأثر، شديد الخطر، تبدلت فيه حياتي، واضطربت ~~من بعده أيامي، لمحت فيه سلمى، وقد برزت بوجه لم تشرق الشمس على أجمل منه، وقامت حولها ~~جواريها ms16 ليسترنها عني ففرعتهن طولا، فاهتز لها قلبي، وخفقت جوانحي، ورحت بها صبا ~~متبولا، لا يستقر لي قرار، ولا ينطفئ أوار. ~~- لذلك طلقت سعدة لتفوز بأختها. ~~- نعم طلقتها في لحظة جنون، وكنت أظن أن الوصول إلى سلمى بعد ذلك من أهون الأمور، وأنه ~~ليس علي إلا أن أخطبها من أبيها، فيجيب شاكرا مسرورا. ~~- ولكن هشام وقف بينك وبينه، وحال بين الثمرة اليانعة وجانيها. ~~- نعم يا أبا وهب فرجعت صفر اليدين، أندب محبوبتين، وأعاني آلام غرامين، فلا على سعدة ~~حصلت، ولا بسلمى ظفرت. ~~- والآن تريد أن تعود إلى مودة سعدة بعد أن هجرتها وهجرتك، وبعد أن أصبحت ذات بعل؟ ~~- إن غرامي بها يكاد يصل إلى حد الجنون، وإن لي أملا في أن ينفصم عقدة زواجها، فأعود ~~إليها كما كنت زوجا وافر الحظ سعيدا. ~~- عجيب كل أمرك أيها الأمير، وأعجب ما فيه أنك بعد أن عاودك الهيام بسعدة لا تزال تحب ~~سلمى. ~~- لا أزال أحبها؟ إنني أحبها كما يقول ابن أبي ربيعة: «عدد الرمل والحصى والتراب»، إن لي ~~في الحب يا ابن سهيل مذهبا لا تعرفه. # ثم اتجه إلى أشعب وصاح: ماذا كان جواب الرسالة أيها القرد الأحمق؟ فتقدم منه أشعب وهو ~~يتصنع الخوف، وقال: ذهبت إليها بالأمس يا سيدي فلما أذن لي عليها، رأيت صورة رائعة الحسن ~~ما وقعت على مثلها عيناي، فملكتني الدهشة، وتعثر بي لساني، فلما اطمأنت نفسي، واستقر بي ~~مجلسي، وقفت أقول وأنا أرتعد رعبا: يا سيدتي، هذه رسالة مولاي إليك، وهو يقول لك ~~فيها: # أسعدة هل إليك لنا سبيل؟ # وهل حتى القيامة من تلاقي؟ # بلى، ولعل دهرا أن يواتي # بموت من حليلك أو طلاق # فأصبح شامتا وتقر عيني # ويجمع شملنا بعد افتراق # وما كدت أتم البيت الثالث حتى صرخت في وجهي، وأخذت تصيح بخدمها: خذوا عني هذا الفاسق ~~الفاجر، جروه من رجليه، ثم اقتلوه في بستان القصر، ولا تدنسوا بدمه بساطي، فلم أملك نفسي من ~~الرعب والوهل، وتعلقت بطرف ثوبها في ذلة وتوسل، وأنا أقول: ارحميني يا مولاتي ms17 ، ارحميني بحق ~~جدك عثمان بن عفان، لقد والله كنت أعرف أني مقدم على مثل هذا، ولكن ماذا أصنع وأنا أشعب، ~~وقد أغراني ثمن هذه الرسالة المشئومة؟ إن ثمنها يا مولاتي عشرة آلاف درهم! عشرة آلاف درهم! ~~فابتسمت قليلا وقالت: والله لأقتلنك، أو تبلغه كما بلغتني؛ فهدأت نفسي وقالت: وماذا تهبين ~~لي من أجر على رسالتك؟ قالت: بساطي الذي تحتي. قلت: قومي عنه إذا؛ فإني لا أحب بيع ~~النسيئة، فقامت عنه وطويته تحت إبطي، ثم قلت: هاتي رسالتك جعلت فداك، قالت: قل له: # أتبكي على لبنى وأنت تركتها؟ # فقد ذهبت لبنى، فما أنت صانع؟! # وما كاد ينتهي حتى وثب عليه الوليد كأنه الجمل الصائل، ولكن أشعب استطاع أن يفر منه قبل ~~أن يلثمه بسوطه، فصرخ الوليد: إنها تقول: فما أنت صانع؟ الذي أصنعه يا ابن أم الخلندج أن ~~أدليك منكسا في بئر، أو أن أقذف بك من قمة القصر، أو أن أضرب رأسك بسيفي ضربة أطيح بها ~~رأسك، هذا هو الذي أنا صانع؛ فوقف أشعب في ثبات وثقة وقال: والله ما كنت لتفعل شيئا من ~~هذا. ~~- ولم يا ابن المجلودة؟ ~~- لأنك لم تكن لتعذب عينين نظرتا إلى سعدة، فارتد الوليد عنه وهو يتأوه ويقول: نجوت يا ~~ابن الورهاء، اغرب عني أيها الأزرق المشئوم. # وأذن مؤذن المغرب فانتفض الوليد كمن يرفع رأسه من لجة غامرة، وتبدلت حاله، ولبسته صورة ~~رائعة من الخشوع والتبتل، ونظر إلى السماء في ذلة وخشية، وأسرع غلامه سبرة فأحضر إبريقا، ~~وطستا فتوضأ، وقام القوم فتوضئوا، ثم صاح بصوت هز أرجاء القصر: الصلاة الصلاة، ونهض فأم ~~من بالقصر، فلما فرغ من الصلاة أخذ يجاذب ندماءه طرائف الأحاديث والأخبار، حتى إذا مر طرف ~~من الليل صاح: أين النوار؟ أين النوار؟ أين سعاد الكوفية؟ أين جامع لذتي ومحيي طربي؟ أين ~~عمر الوادي؟ وكأنهم جميعا كانوا يترقبون هذا الأمر، فما مرت لحظات حتى أقبل الجواري ~~والمغنون، فطلب إلى عمر الوادي أن يغنيه بشعره في سلمى، فعزفت العيدان، وارتفع صوت الناي، ~~ودقت الدفوف ms18 ، وأخذ عمر يغني هزجا بالبنصر: # يا سليمى يا سليمى # كنت للقلب عذابا # يا سليمى ابنة عمي # برد الليل وطابا # أيما واش وشى بي # فاملئي فاه ترابا # ريقها في الصبح مسك # باشر العذب الرضابا # فطار عقل ابن الوليد من الطرب، وخلع جبته، وقذف بها في وجه عمر، وهو يقول: خذها لا بارك ~~الله لك فيها، ثم زدني بالله زدني، فانطلق يغني رملا بالبنصر: # يا من لقلب في الهوى متشعب؟ # بل من لقلب بالحبيب عميد؟ # سلمى هواه ليس يعرف غيرها # دون الطريف ودون كل تليد؟ # إن القرابة والسعادة ألفا # بين الوليد وبين بنت سعيد # فما أتم غناءه حتى قام الوليد فاختطف الدف من جاريته صدوف غاضبا، وقال: أنت لا تحسنين ~~الإيقاع يا جارية! دق عليه أنت يا ابن عائشة، وغننا بالله يا أبا كامل، فأسرع ~~يغني: # ويح سلمى لو تراني # لعناها ما عناني # متلفا في اللهو مالي # عاشقا حور القيان # إنما أحزن قلبي # قول سلمى إذ أتاني # ولقد كنت زمانا # خالي الذرع لشاني # شاق قلبي وعناني # حب سلمى وبراني # ولكم لام نصيح # في سليمى ونهاني # فكاد يخرج من ثيابه لشدة الطرب، فلما هدأت نفسه وثب مسرعا إلى الجناح الذي تسكنه أمه، ~~وهو يصيح: يا سبرة، اطرد المغنين، واصرف الجواري، فقد سئمت هذا العبث، أخرجهم من القصر إن ~~شئت؛ فإنهم جنود إبليس في هذه الأرض. # دخل الوليد على أمه حزينا مطرقا، يكاد يطفر الدمع من عينيه، وكانت أمه بنت محمد بن ~~يوسف بن الحكم الثقفي أخي الحجاج بن يوسف، في نحو السادسة والأربعين، وهي على تجاوزها ~~ريعان الشباب، لا تزال تزهى بلمحات جمال بارع، لم تذهب بنضارته السنون، وكانت مولعة ~~بالوليد، كثيرة التدليل له، والرفق به، والإغضاء عن هفواته. # دخل عليها فرآها جالسة على أريكة نجدت بالحرير، وطرزت ستائرها بالقصب، وقد لفت رأسها ~~بخمار من الحرير الأسود، فبدا منه وجهها كما يبدو البدر في حلك الظلام، وكانت تقرأ القرآن، ~~وأبو رقية أمامها ممسك بالمصحف يستمع لتلاوتها. # وكان أبو رقية هذا في طليعة شبابه ms19 شديد الذكاء متوقد القريحة، تجرد لطلب علوم الدين ~~والقرآن، فأوغل في الدرس، وواصل فيه ليله بنهاره، فغلبت عليه المرة السوداء، فاختلط عقله، ~~وأصابته لوثة، وانتابه البله في أكثر أحواله، ولكنه كان يفيق أحيانا فيثوب إليه عقله، ~~ويعاوده ذكاؤه، ويصدر عنه من الدهاء والمكر ما يعز على أكثر العقلاء، وقد يرى في أثناء ~~إفاقته أن من الخير له أن يتباله، فلا يكاد يفرق من يراه بين بلاهته المطبوعة، وبلاهته ~~المصنوعة، ومما يؤثر من نوادره في إحدى نوبات جنونه، أنه كان يحمل مرة في طوف ثوبه بيض ~~دجاج، فأحرده الصبيان، وهموا برجمه بالحجارة، فخاف على البيض منهم، فوضعه على الأرض، وجلس ~~عليه حتى لا يراه منهم أحد. # واتفق عند دخول الوليد أن كانت أمه تقرأ قوله تعالى: # نبئ ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم ~~. فانكب على يديها يقبلهما في حزن وخشوع، وهو يجهش ~~بالبكاء ويغمغم: نعم يا أماه، إنه هو الغفور الرحيم، ولكن عذابه هو العذاب الأليم، فأين ~~أكون من هذين؟ وهل تتسع رحمته لمثلي؟ إنه كريم يقبل التوب، ويغفر الذنب، ولكن أين غفرانه ~~مني وأنا أشرد منه شراد البعير؟ اسأليه عني يا أماه أن يرد عني كيد الشيطان، فإني أخجل من ~~دعائه، والابتهال إليه، خذيني إليك يا أماه، وضميني إلى صدرك، فلعلي أعود كما كنت طفلا ~~نقي الذيل، طاهر النقيبة، فقد استعبدتني نفسي، وأثقلتني همومي؛ فأقبلت عليه أمه تمسح على ~~رأسه في حنان ورفق، وتملأ وجهه بقبلاتها، ثم قالت: خفف عن نفسك يا ولدي، فإن الدموع تغسل ~~الذنوب، والخوف من الله أول مراتب التوبة النصوح، ثم ابتسمت وأخذت تربت كتفه وتقول: ولكنك ~~يا بني لا تكاد تعري أفراس الصبا حتى تسرجها، وتركض بها غير مبال ولا هياب، ولا تكاد تحطب ~~كأسا من اللهو حتى يسبك لك الشيطان كاسات، إن قلبك يا بني قلب مؤمن، إذا تيقظ كشف لك وجه ~~الحق، فدعه دائما متيقظا. ~~- ليتني أستطيع يا أماه! إن ابن إبليس تمنى على أبيه لعبة يلهو بها، فلم ms20 يجد له اللعين ~~لعبة سواي، إنني أفيق كما يفيق المحموم، ثم أعود إلى الخمود، ويلتمع في نفسي نور من الحق ~~كما يلتمع السراج في آخر الليل ثم يخبو، أرأيت هذا المجنون أبا رقية ...؟ فصاح أبو رقية في ~~استنكار: لست مجنونا، ولكني أشعر بالجنون أحيانا حينما أراني مدفوعا إلى حب أمثالك يا ~~أبا العباس، وإلى بذل ذات نفسي لدفع الشر عنهم. ~~- أتحبني يا أبا رقية؟ ~~- نعم، وأركب كل صعب للوصول إلى ما يرضيك. ~~- أتقول حقا أيها الأبله؟ ~~- لست بأبله؛ لأنني لا أشرب إلا إذا ظمئت، أما غيري فيشرب وهو ريان. ~~- وكثيرا ما صفروا لك لتشرب. ~~- خير لي أن أشرب مع الحمير من أن أشرب مع قرناء السوء. ~~- أما ذقت الخمر يا أبا رقية؟ ~~- ذقتها بعيني عندما رأيت عربدة المخمورين. ~~- تبا لك من معتوه، والله ما رأيت لك مثلا. ~~- إنك ترى كثيرا من أمثالي في مجالس الشراب. # فابتسمت أم الوليد، وأشارت إلى ابنها أن يكف، ثم سألت: ما شأن هؤلاء القوم الذين جاءوا ~~اليوم؟ لقد أخبرتني صدوف بكل شيء. ~~- صدوف؟ إنني لا أحب هذه الجارية يا أمي على جمالها وكمال أدبها، لا أدري لماذا؟ ولكنها ~~نفرة أشعر بها كلما مددت إليها عينا. ~~- إن صدوف من خير جواريك خلقا وخلقا، ولقد شكت لي منذ أيام صدودك عنها، وانصرافك إلى ~~غيرها. ~~- إن الحب والبغض شيئان نحسهما، ولا نعرف أسبابهما. ~~- هذا حق، ولكن الكريم يجامل إذا لم يحب. ~~- بم أخبرتك صدوف؟ ~~- أخبرتني بكل ما قال لك رسل هشام، وبكل ما قلته لهم. إنها خدعة الصبي عن اللبن يا بني، ~~فلا تركن إليهم. إن هشاما يريد أن يتخلص منك، فإياك أن تمكنه من مأربه، وإن ولاية العهد ~~لأمانة لله في يديك، فمت دونها كريما، ولا تفرج عنها أصابعك، لقد مات أبوك بين سحري ونحري ~~وهو ينظر إليك محزونا مكمودا، ويقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبين ولدي! فقد ~~كانت ولاية العهد لك بعد أبيك يا بني، ولكن عمك مسلمة أدخل على أبيك الشبهة، وقد ms21 كنت ~~صغيرا، فحمله على أن يعهد بها إلى هشام على أن تكون لك من بعده، والآن وقد استمرأ هشام ~~مرعاها، واستحلى أفاويقها، يهم بأن يخلعك ليخص بها ابنه من بعده، إن ذلك أبعد إليه من ~~السماكين، وأنأى من الفرقدين، إن بقصر هشام أحابيل تنصب لك، ومكايد تدبر لهلاكك، فكن منها ~~على حذر، وامش يا بني كمن يمشي في مسبعة لا يرد الطرف عن ناحية حتى يصوبه إلى أخرى، وخير ~~سلاح ترد به كيد أعدائك أن تتخلى عما أنت فيه من لهو، فإنهم يجعلون التشهير بك ذريعة إلى ~~نيل ما يؤملون. ~~- ليتني أستطيع أن أتخلى. ~~- كن قوي العزم يا بني، وغالب نفسك بالصبر والجلد. ألا تزال تحن إلى سلمى؟ ~~- حنين النيب إلى إفالتها، لقد قابلت أباها منذ أيام أمام باب الفراديس فسألته عن سلمى، ~~وتذللت له، وألحفت في المسألة، فما كان منه إلا أن نأى بجانبه في أنفة وكبرياء، فأمسكت ~~بذراعيه، وقد اشتد بي الغيظ، وقلت: سحقا لك من رجل منخوب الفؤاد، الآن تردني عنها، وكأني ~~بك وقد وليت الخلافة تتملقني وتخطبني لابنتك فلا أجيبك، فما كان منه إلا أن نتر ذراعيه من ~~يدي، وقال: إن امرءا يجعل كريمته عند مثلك لحقيق بأكثر مما قلت، فلم أملك إلا أن أجبهه بما ~~يكره من شتائم، وتركته مغضبا. ~~- لقد انقلبت الأوضاع يا بني في هذه الدولة، واضطربت الموازين، ولقد عشت حتى أرى سعيد بن ~~خالد يأنف مصاهرة الوليد بن يزيد، كنت أزور اليوم أم عثمان زوج هشام، فسمعت منها أن يزيد بن ~~عنبسة يلح في خطبة أختها سلمى، وأن هشاما يميل إلى تزويجه بها، فوثب الوليد كأنما انقضت ~~عليه صاعقة ثم صاح: ويل للفاجر، يزيد بن عنبسة يخطب سلمى! إنه أقل من أن يشرف بنيل إحدى ~~وصائفها، ألهذا جاء إلي اليوم في صورة الأمين الناصح، وجعل من نفسه صنيعة لهشام ليشهر بي، ~~ويملأ الآفاق بمذمتي؟ ~~- أخشى أن يكون تزويجه بسلمى جزءا من المكيدة التي تدبر لك. ~~- لو نال منها شعرة لرويت منه سيفي ms22 . # وبينما هما في الحديث إذ سمعت ضجة في القصر، ودخل سبرة مذعورا وهو يلهث ويقول: قدم يا ~~مولاي خالد بن القعقاع رئيس شرطة هشام، ومعه كثير من أعوانه، فوثبوا على القصر وقبضوا على ~~ابن سهيل، وعياض، وعبد الصمد، وكبلوهم بالأغلال، ثم ساقوهم إلى سجن الخلافة، وكان أبو رقية ~~ينصت دهشا، وقد اتسعت حدقتاه حتى كادتا تملآن وجهه، وتمتم بكلمات زادها الجنون إبهاما؛ ~~وسقط الوليد لهول الخبر، ثم أخذ يئن أنين المجروح ويقول: أصدقائي! أحبائي! ندمائي! اللهم ~~أجرني منه! اللهم أجرني منه! # أنا النذير لمسدي نعمة أبدا # إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا # إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطرا # وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا # أتشمخون ومنا رأس نعمتكم؟ # ستعلمون إذا أبصرتم الدولا # انظر فإن أنت لم تقدر على مثل # لهم سوى الكلب، فاضربه لهم مثلا # ثم وثب فجأة، وأمر سبرة أن يدعو المغنين، وانطلق من باب الحجرة كما ينطلق السهم، وهو ~~يصيح: إلى مطلع الفجر! إلى مطلع الفجر. # | سجن وإطلاق # كان هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي في نحو الخمسين من عمره، وسيم الوجه، أبيض البشرة ~~بادنا، عريض الجبهة، حسن اللحية، يخضب بالسواد، في عينيه حول، وكان حازما ذا رأي ودهاء، ~~من رآه رأى رجلا محشوا عقلا، وكان بخيلا، جماعا للأموال، وكان يجلس في هذا الصباح بدار ~~الخلافة، وقد وقف أمامه كاتبه سالم أبو العلاء، وجلس إلى يمينه ابناه مسلمة وسعيد، وإلى ~~يساره جمع من رجال بني أمية، منهم يزيد بن الوليد، وإبراهيم المخزومي، ويزيد بن عنبسة، وأخذ ~~سالم يقرأ عليه ما حمله البريد من أخبار الأطراف، وما بعث به الولاة والقواد من رسائل، وما ~~ورد من العيون والجواسيس الذين كان يبثهم الأمويون في أقطار الدولة. # وقرأ سالم أول ما قرأ رسالة من حسان النبطي، يذكر فيها: أن خالد بن عبد الله القسري عسف ~~بأهل العراق، وسلب أموالهم بالقهر، حتى لقد بلغت غلته عشرين ألف ألف درهم؛ فزمجر هشام وصاح: ~~بمثل هؤلاء الولاة تزول الدولة، وتنهار الممالك، والله لأردنه إلى بغلته وطيلسانه ~~الفيروزي ms23 ؟ اكتب إلى يوسف بن عمر عامل اليمن بولاية العراق، ومره أن يسجن ابن النصرانية ~~وعماله، وأن يحتجز كل ما لهم من صامت وناطق، لن يشرب ماء الفرات بعد اليوم، وأنا ابن عبد ~~الملك؛ إن الدولة بولاتها، فإذا فسدوا فسد فيها كل شيء، هل من حدث آخر يا أبا ~~العلاء؟ ~~- وهذا يا أمير المؤمنين كتاب من خراسان بعث به عذافر بن يزيد يقول فيه: إن خراسان أصبحت ~~عشا للفتن، ووكرا لشيعة بني العباس، ينشرون فيها دعوتهم، ويبعثون منها رسلهم، ويعدون فيها ~~ما استطاعوا من قوة، ويتلقون بالطاعة ما يأمر به محمد بن علي بن العباس المقيم بالحميمة. ~~وقد كتب عذافر يقول: إن سليمان بن كثير، وبكير بن ماهان يعملان جاهدين في خفية وحذر؛ لدعوة ~~الناس إلى بني العباس، وصرفهم عن بني أمية، ويقول: إن شابا نشأ بأصفهان يكنى بأبي مسلم، ~~سيكون له شأن وخطر، وإنه دولة في شخص، وجيش في رجل، وإنه ألد الخصام، واسع الحيلة، وإذا لم ~~يقض عليه من أول نشأته عظم أمره، وأثارها شعواء لا تبقي ولا تذر. ~~- إن خراسان مكمن الداء في هذه الدولة، وهي حصن أعدائنا الناقمين علينا، وهذا بكير بن ~~ماهان يعمل منذ أن وليت الخلافة على الانتفاض عليها، وإيغار الصدور على ولاتها، أليس في ~~مملكتي رجل كريم العم والخال، عربي الأرومة يوجر رمحه في أحشاء هذا الكلب العقور؟ ... ويل ~~للخلافة من نصرائها، إنها تتلهف إلى حجاج ثان يثبت ما اهتز من أركانها، ثم إني حرت في أمر ~~محمد بن علي هذا، إنك حيثما قلبته لا تجد إلا زهدا وصلاحا، وانصرافا إلى الله وتبتلا، ~~إن اليد لترتعد إذا امتدت إليه بسوء، وإن السيف ليتحطم في غمده قبل أن يسل في وجهه، ولكني ~~أخشى أن يكون لابسا غير ثوبه، وأن يكون ساترا وراء هذا الزهد خبثا وخديعة وفتكا، وكلما ~~ذكرت خبر أبي معه تملكني الخوف، واعتصمت بالحذر؛ ذلك أن محمدا هذا ورد مع أبيه على أبي، ~~وكان بالمجلس قائف يلمح ما غاب عن الناس من أحكام ms24 القدر، فلما انصرف التفت أبي إلى القائف ~~وسأله: أتعرف هذا؟ قال: لا، ولكني أعرف من أمره واحدة. قال: وما هي؟ قال: إن كان الفتى الذي ~~معه ابنه فإنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض، ولا يناوئهم مناوئ إلا قتلوه، فالتفت إليه ~~يزيد بن الوليد وقال: هون عليك يا أمير المؤمنين، فذلك حديث خرافة، والله لا يطلع على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول، وأنصار العباسيين بخراسان حفنة متخاذلة يكفي أن يسوقها أحد ~~عبيدك بالسوط إلى طاعتك. ~~- لا تستهينوا بصغار الأمور يا بني أمية، فإنها إحدى علائم زوال الدولة. ~~- إن الدولة بخير يا أمير المؤمنين، وقد قمت بالأمر فيها ثماني عشرة سنة، فثبت دعائمها، ~~وشددت أركانها. ~~- أتستكثر علي ثماني عشرة سنة في الخلافة؟ ويل لكم من بعدي! والله ما تشبثت بأهدابها ~~إلا لأصون ملكا ضيعه أهله، وعبث به فتيانه، ولقد أعلم أن كثيرا منكم يعيبني بأني حفي ~~بالخلافة، أكاد أعض عليها بالنواجذ. نعم، إنني عليها حريص، وبها ضنين، ولكني أرى بعين ~~بصيرتي مجدا يترنح، وعرشا تكاد تسقط قوائمه، فأود لو امتدت حياتي، وتنفس لي العمر حتى ~~أعيد إلى الخلافة مجدها القديم. عجيب شأن الإنسان، لا يكاد يكتمل حتى يذبل ويدركه الموت، ~~وإن في الحياة ومطالبها وغاياتها ما يضيق به عمره القصير الأمد، أليس من أعجب العجب أن تعيش ~~السلحفاة، وهي من أحقر المخلوقات مائتي عام، وأن تضن الحياة على الإنسان المسكين بأكثر من ~~ستين أو سبعين عاما؟ ولو أنه عاش عمر السلحفاة لصنع العجائب، وأتى بالمعجزات. وماذا نعمل ~~بالحياة إذا كنا نموت كلما أوشكنا أن نفهم حقيقتها؟ ثم زفر زفرة طويلة، واتجه إلى كاتبه ~~سائلا: أعندك شيء آخر؟ ~~- نعم يا أمير المؤمنين، قبض الشرط بالأمس على رجل بالقرب من الباب الشرقي كان بداره قيان ~~وخمر وطرب، وقد أحضرناه ومعه البربط الذي كان يعزف به. # ودخل الرجل فوثب هشام من مجلسه واختطف البربط من يده، وهو يصيح مهددا: والله لأكسرن هذا ~~الطنبور على رأسك أيها الفاجر؟ فبكى الرجل وأغرق في البكاء ms25 ، فسأله هشام عن سبب بكائه، فقال: ~~والله يا أمير المؤمنين ما أبكي من خوف الضرب، وإنما الذي أبكاني أنك تهين البربط، وتسميه ~~طنبورا. # ولم ينفع الرجل بكاؤه ولا توسله، فضرب وكسر بربطه أو طنبوره على رأسه، وبعد انصرافه ~~اتجه هشام إلى كاتبه يسأله عمن قبض عليهم بالأمس من ندماء الوليد، وعما فعل بهم. ~~- قذفنا بهم في سجن الظلام مكبلين يا أمير المؤمنين. ~~- إن هؤلاء شياطين الشر، وأس البلاء، ولولاهم ما ركب الوليد رأسه، ولا أطاع هوى نفسه، ~~ولقد بعثت الزهري إليه بالأمس لينصح له فلم يلق منه إلا نكرا، وإن من الخيانة لعهد الله ~~ورسوله أن تترك الخلافة في يد هذا الفتى، يقولون: إنني أريد أن أصرفها إلى ولدي مسلمة، ~~وأقسم إنني لو رأيت في ابن أخي خيرا ما جال هذا الأمر لي بخاطر، إنني أريد أن أرقد في قبري ~~هانئا مستريحا، وأن أترك خلق الله في رعاية من يخاف الله، ولو حال ابن أخي بيني وبين ما ~~أحب لهذه الأمة لرويت منه سيفي غير مستحقب إثما. # وبينما هو منساق في حديثه إذ دخل الوليد وهو يمشي في بخترة وعجب، شامخ الأنف، أصيد العنق، ~~فحيا أمير المؤمنين، ثم جلس بجانبه حتى التصقت ركبته بركبته، وكاد يزحمه في مجلسه، ونظر ~~إليه هشام نظرة المغيظ المحنق، ثم أسرع فبسط له وجهه كأنما طافت برأسه فكرة خاطفة صرفته ~~عن نيته، وشرع الوليد يقول: لقد بعث أمير المؤمنين إلي نفرا من جماعته بالأمس ليثلبوا ~~عرضي، ويحطوا ما رفع الله من كرامتي، في أثواب ناصحين مشفقين، وما كنت لعمر الله لأصبر على ~~هذا الضيم، لولا أنهم رسل أمير المؤمنين. إن أبناء عبد شمس - وهم سادة الجاهلية، وخلفاء ~~الإسلام - أقوى شكيمة، وأحمى أنوفا من أن يطأطئوا رءوسهم لناصح متطفل، ثم ما هذا الذي ~~فعلته يا أمير المؤمنين مما أقض مضجعك، وجعلك تترك شئون الخلافة لتفرغ لي ولأخداني؟ أأحدثت ~~في الدين حدثا؟ أم هدمت من الخلافة ركنا؟ أم جردت للفتنة جيشا؟ إنني أعيش في قصري ~~بعيدا عنك ms26 وعن حاشيتك وبطانتك، ولكني لا أسلم من رقبة جواسيسك وتطلع عيونك، حتى أصبحت ~~هدفا لكل رام، ثم لم يكفك هذا فعملت كادحا على الانتقام مني، فقطعت عني عطاءك لأذل لك ~~وأستكين، وأستجدي جدواك، وأقسم بمن خلق للحق ميزانا، وأعد للطاغين نيرانا، إني ما سررت ~~بعطائك، ولا حزنت لانقطاعه، فقد سبب الله لي من العهد، وكتب لي من العمر، وقسم لي من الرزق ~~ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مدته، ولا صرف شيء منه عن مواقعه، ولعل من ~~الخير لك يا أمير المؤمنين أن ترعى في أواصر القربى، وأن تذكر أبي الذي آثرك بها على ~~ولده. # فإن تك قد مللت القرب مني # فسوف ترى مجانبتي وبعدي # وسوف تلوم نفسك إن بقينا # وتبلو الناس والأحوال بعدي # إني جئت اليوم يا أمير المؤمنين لا لأطلب شيئا لنفسي، وإنما جئت لأسألك في فكاك أصحابي ~~الذين ألقيت بهم في السجن، وليس لهم من جرم، إلا أنهم بي حفيون، ولعهدي مخلصون، وإذا كان ~~لا بد لغضب أمير المؤمنين من متنفس فليصبه علي وحدي، فأنا به أوسع صدرا، وأكثر ~~احتمالا. # فاربد وجه هشام، وانتفخت خياشيمه من الغضب، وصاح في وجهه: إني لن أترك الخلافة بين زق ~~وعود، ولن أتركها لندمائك يبيعونها للأعداء، أما ما ذكرت من قطعي ما كنت أجريه فإني أستغفر ~~الله من سبق إجرائه عليك، وأرجو أن يعفو الله عني بعد أن تداركت الأمر، وأسرعت بقطع مال كان ~~ينفق في غير وجهه، وأما ندماؤك فهم عندي جذور الشر ومعاول الفساد، وهل زاد ابن سهيل - لله ~~أبوك - عن أن يكون مغنيا زفانا، قد بلغ في السفه غايته؟ وهو مع ذلك ليس بشر ممن تستصحبهم ~~في الأمور التي أكرم نفسي عن ذكرها، وهل عياض بن مسلم إلا وسيط سوء بيني وبينك، ومزور أخبار ~~يستثيرك بها عن أهلك وقومك؟ وهل عبد الصمد إلا رجل احتال للوصول إليك ليكون لك معلما ~~ومؤدبا، ثم انقلب فاجرا معربدا، وشيطانا مغويا؟ إن سجن الظلام منذ أن بناه ms27 الروم في ~~عهودهم السحيقة لم تضم جدرانه، ولم يظل سقفه، أكثر إجراما، ولا أخبث أنفسا، ولا أجرأ على ~~الشر من ندمائك الملاعين، لن يفك لهم إسار، ولن يروا نور الحياة مادام في نفس يتردد، وأقسم ~~لولا صلة القربى التي ذكرتها، ولولا أن يشمت الأعداء ببني مروان لألحقتك بهم. يا حرسي، سر ~~أمامنا إلى السجن لنري الوليد أحباءه، فلعله يرى فيهم عظة ومعتبرا. ~~- لن أذهب معك يا أمير المؤمنين، فإني أخشى أن ينقض علينا غضب من الله ونحن في ~~السجن. ~~- إن غضب الله لا ينقض إلا على الغاوين. ~~- إن كثيرا من الناس لا يعرفون أنفسهم. ~~- ولو عرفوها ما هزوا أعواد الخلافة باستهتارهم، ولكفى الله المؤمنين شرهم. ~~- وأي شر في مجالسة صديق، وسماع لحن من الثقيل الأول؟ ~~- زوال الإسلام يا فتى، وذهاب ريح المسلمين، هلم إلى السجن لتمتع النظر بأصدقائك ~~المخلصين. # فسار الوليد خلفه في تثاقل واستكراه كأنما يقاد بالسلاسل، ووصل الخليفة والحاشية إلى ~~السجن بعد قليل. # وهو سجن روماني قديم نحت في باطن الأرض، ينزل إليه النازل بدرجات تبلغ الست والثلاثين، ~~وهو متسع الرقعة، لا يزيد ارتفاعه عن قامة الرجل، وقد قسم بالبناء حجرات صغيرة يقيم بها ~~المسجونون، وبه بئر عظيمة، بعيدة الغور تسمى «بئر الموت»، تلقى بها جثث من أنقذهم الموت من ~~ويلات هذا الجحيم، وقد تراكمت به الأقذار، حتى أصبحت أرضا فوق أرضه، واشتد به الظلام حين ~~حرم ضوء الشمس، وركدت به روائح العفن والقذر حين حرم نسمات الرياح، ولم يكن يفرق بينه وبين ~~القبور إلا أن سكانه أحياء يشعرون فيتألمون، وسكانها أموات لا يشعرون، ظلمة لا تسمع فيها ~~إلا شكاة الشاكين، ولا ترى فيها إلا أشباحا هزيلة تروح وتجيء في ضوء خافت من المشاعل تخفق ~~في اضطراب وضعف، كما يخفق قلب الطائر الجريح أقصدته السهام، وسجانون شداد غلاظ كأنهم زبانية ~~السعير، وأنات وزفرات تتلهف إلى قسوة الموت بعد أن يئست من رفق الحياة. # دخل هشام وقد وضع يدع على أنفه كراهية أن تصل إليه ريحه، ومشى أمامه كبير ms28 السجن حتى وصل ~~إلى حجرة ابن سهيل؛ فرآه ملقى على الأرض في مسح خلق، والسوط ينصب عليه من سجان عنيف صخري ~~القلب مفتول العضل، وهو يئن أنين المحتضر، ويستغيث فلا يجد مغيثا؛ فأسرع الوليد وأمسك بيد ~~السجان، ثم وكزه بمرفقه في غضب ونكر حتى ابتعد عنه، واتجه إلي هشام فقال: يا أمير المؤمنين، ~~اجعلني مكانه، أو مر هذا الجبار الأحمق أن يكف عنه، إن الموت يا أمير المؤمنين أروح له من ~~هذا العذاب، فلوى عنه هشام وجهه، وأشار إلى السجان أن يمضي في عمله، وجذب الوليد من كمه، ~~وسار وتبعته الحاشية فشهدوا من عذاب عياض، وعبد الصمد ما تقشعر له الجلود، وكان الوليد ~~حزينا مطرقا يذرف الدمع مدرارا، وترسل أنفاسه حسرات إثر حسرات، حتى إذا بلغوا إحدى حجرات ~~السجن رأوا شيخا في الثمانين، وقد طال شعره، وامتدت أظفاره، ولم يبق منه السجن إلا عينين ~~ذاهلتين، ونفسا قصيرا متلاحقا، وجسما كادت تبرز منه العظام، فسأل هشام كبير السجن عنه ~~فقال: هذا يا أمير المؤمنين «مجاهد بن حبيب» كان من أصحاب «سعيد بن جبير» الذي خلع «الحجاج ~~بن يوسف» وخرج عليه، فلما تمكن الحجاج من سعيد وقبض على أصحابه كان هذا منهم، فألقي في هذا ~~السجن ونسي ذكره، فبقي هنا إلى اليوم. ~~- هذا كان من سنة أربع وتسعين! ~~- نعم يا أمير المؤمنين. ~~- ونحن الآن في سنة ثلاث وعشرين ومائة، أبقي الرجل منسيا في هذا السجن تسعا وعشرين ~~سنة؟ ~~- نعم يا أمير المؤمنين. # وقرب الخليفة من الشيخ وصاح في أذنه: قم أيها الشيخ؛ فأجاب في صوت خافت: وهل أبقى في ~~السجن والهرم ساقين أقف عليهما؟ ~~- خبرنا بحديثك. ~~- نسيته. ~~- من أنت؟ ~~- كنت رجلا فيما مضى، ولكني أصبحت اليوم جثة بها نفس يطيل في عذابها. ~~- أتحب أن نطلق سراحك؟ ~~- ماتت في الرغبة والرهبة منذ زمن بعيد، فأصبحت لا أريد ولا أخشى. ~~- أنا هشام بن عبد الملك الخليفة. ~~- # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء الدماء ms29 # صدق الله العظيم. # فاتجه هشام إلى كبير السجن وقال: أطلقوا الرجل، ثم التفت إلى كاتبه وأمره أن يمنحه ما ~~يكفيه في أيامه الباقية، وما كاد يخرج من السجن حتى رأى خادمه يعقوب يقبل إليه مسرعا، وقد ~~تملكه الاضطراب والفزع، وهو يصيح: مولاي مسلمة يا أمير المؤمنين! ~~- ما شأنه؟ ~~- اختطفه اللصوص يا أمير المؤمنين! فبهت هشام وصرخ: اللصوص؟ أي لصوص ويلك؟ ~~- نعم يا أمير المؤمنين، اختطفه اللصوص. ~~- كيف ثكلتك أمك؟ ~~- لقد خرج في الصباح كعادته على برذونه الطخاري، وصحبته إلى الغوطة، حتى إذا عزمنا على ~~الرجوع بدا لنا من بعد رجل يضرب امرأة بسوط، لا تأخذه بها رحمة، وهي تصيح وتستغيث؛ فأشفق ~~سيدي على المرأة، وجرى نحوها لينقذها وجريت معه، ثم نزل عن برذونه، وتقدم نحو الرجل شاهرا ~~سيفه، وما كاد يفعل حتى خرج علينا كمين من الخلف فانقض علينا رجاله، وقبضوا على أيدينا فلم ~~نستطع دفعا، ثم شدوا وثاقنا فلم نستطع حراكا، ثم جاءوا فربطوا على فمي وفم سيدي، وحملوه ~~على جواد لهم، وانطلقوا به في سرعة الريح العاصفة، وبقيت مكتوفا مكموما حتى عثر بي أحد ~~الأعراب فحل وثاقي، فأسرعت إليك يا أمير المؤمنين لتجد إلى إنقاذه سبيلا. ~~- ويل لهم! يختطفون ابني في حاضرة ملكي وبين سمع أعواني وبصرهم! أي طريق سلكوا لا أم ~~لك؟ ~~- لا أدري يا أمير المؤمنين، فقد أثارت خيولهم غبارا حجب عني طريقهم. ~~- صفهم لي. ~~- كانوا يلبسون ثياب الأعراب، ولكنهم لم يكونوا من الأعراب، وقد دس أحدهم هذه الورقة في ~~يدي، وهو يعقد وثاقي. ~~- هاتها ويلك! فناوله يعقوب الورقة، فأسرع إلى قراءتها، وكان فيها: إن لم تطلق عبد الصمد ~~بن عبد الأعلى، وابن سهيل، وابن مسلم الليلة ذبحنا ابنك كما تذبح الشاة، وقذفنا به في فناء ~~قصرك، إننا جادون غير هازلين، وبيننا وبينك غروب الشمس، فإن أطلقتهم نام ابنك الليلة على ~~فراشه، وإلا فقد أنذرناك. # صعق هشام بعد أن قرأ الورقة، وأخذت يداه ترتعشان، ورمى الوليد بنظرة كادت تسحقه، وصاح ~~بكبير السجن: أطلق الكفرة الفجرة أصحاب ms30 الوليد، وسوف يكون لي ولهم شأن، فإن للعذاب ألوانا ~~غير السجون، وسيعلم الأنذال ما ينتظرهم بعد حين. # | هجرة ولقاء # ترك الوليد هشاما وهو يعجب لتصاريف القدر، ويفكر في أمر الذين جرءوا على ابن الخليفة ~~فاختطفوه في النهار المبصر، كما تختطف السلع، أو كما تطر الجيوب، ثم طاف بخاطره أن هؤلاء ~~القوم إنما كانوا يعملون لأجله، ويحتطبون في حبله، ويناصرونه على أعدائه، وأنهم ما أنقذوا ~~ندماءه من براثن هشام إلا لحبهم إياه، وبغضبهم الخليفة، من يكون هؤلاء يا ترى؟ ومن الذي ~~دفعهم إلى هذه الفعلة الجريئة؟ من هو ذاك الذي أمدهم بالمال، ورسم لهم تلك الخطة المحكمة، ~~وذلك التدبير الحاذق؟ أسئلة لم يستطع الإجابة عنها بعد أن فكر طويلا، وأكد ذهنه طويلا، ~~فسار إلى قصره حتى بلغه، فكان أول من قابله أبو رقية المعتوه بوجهه الأبله، وفمه المفتوح ~~الذي لا ينقطع منه سيلان الريال، فقال الوليد: كيف حال الدنيا يا أبا رقية؟ ~~- الدنيا بخير لأنها تجري على نمط مطرد، وإنما الناس هم الذين يتغيرون، ولو عاش الناس ~~عيشة البهائم لرأوا أن للدنيا صورة واحدة جميلة تتكرر على مر الزمان، وإذا قلنا لهم: عيشوا ~~عيشة البهائم، قالوا: إننا مجانين، إن الإنسان هو الذي يشقي نفسه في هذه الدنيا بمطامعه، ~~وبعد مطالبه وضغنه على كل من يزاحمه في الحياة، أو يسبقه إلى لقيماتها، وكلما نال منها ~~نصيبا زاد طمعه فلون الدنيا بألوان نفسه، فهو يرى فيها خوفا وحقدا، وخداعا وطمعا ~~واغتصابا، ولو حقق لعلم أن هذه الألوان البشعة إنما هي مرائي نفسه وصورها. ~~- مرحى أبا رقية، لقد أصبحت حكيما بصيرا بالحياة بعد أن عمي عنها العقلاء. # فضحك أبو رقية ضحكة أشبه بصراخ الأطفال وقال: وأين العقلاء أيها الأمير؟ إني أخشى أن ~~تعدني منهم، أليس عجيبا أن العقل الذي يعرف الأشياء يعجز عن أن يعرف نفسه، وأن الناس ~~يحصرون المجانين فيمن يرجمهم الصبيان بالأحجار، ولو علموا لرأوا أن الظالم والقاتل، والمدمن ~~والمبذر، والشحيح والمزهو بنفسه، وكثيرا من أنواع الناس لا يعدون في صفوف العقلاء ms31 . ~~- هل تكره الظلم يا أبا رقية؟ ~~- أكرهه وأدفع شره بنفسي وبغيري، ثم رفع عينيه الذاهلتين إلى الوليد وقال: هل زرت الخليفة ~~اليوم؟ ~~- نعم، هل ذكرته حينما ذكرت الظلم والشر؟ ~~- لا. ولكن نبئني: أوصلت إليه رسالة من أحد؟ # فدهش الوليد، وقبض بشدة على ذراعي أبي رقية الرخويتين، وقال: من أنبأك بهذا أيها الأحمق؟ ~~فابتسم أبو رقية ابتسامة الاطمئنان واليقين، وقال: الحمد لله لقد أفلح التدبير، وماذا فعل ~~هشام؟ ~~- أطلق سراح المسجونين، ومن أين لك علم كل هذا؟ ~~- كان ذلك يسيرا علي، فإن الخليفة حينما أرسل أعوانه إلى القصر، فقبضوا على أصدقائك، ~~وقذفوا بهم في السجن، علمت أن كل ذلك للنكاية بك والإساءة إليك، فذهبت باكيا إلى أمك فنفضت ~~إليها الخبر، فقالت: وماذا أصنع في الخليفة؟ فقلت: تعطينني مائتي دينار، فابتسمت في حزن ~~وأسى، وقالت: ترشو بهما الخليفة؟ فقلت: لا، بل أعطيهما «خارجة القيسي» شيخ لصوص الشام، ~~فقالت: وما شأنك باللصوص؟ قلت: إذا قسا الحاكم تحكم اللصوص؛ فتنهدت طويلا، ثم قذفت إلي ~~بثمانية أكياس، فأسرعت إلى خارجة، ورسمت له طريق العمل، ودعوت له بالتوفيق. ~~- لقد أجاب الله دعاءك يا أخا «هبنقة»، ثم صاح: أين أشعب؟ فجاء إليه يحجل في مشيته كما ~~يحجل القرد راعته عصا صاحبه، ثم رفع صوته محاكيا صوت الديك، ووضع رأسه على الأرض، ورجليه ~~إلى الأعلى، ثم انقلب فعاد كما كان، وقال: هل يريد مولاي الأمير أن يعطيني شيئا؟ ~~- أعطيك هذا، ثم قنعه بسوط كان في يده، فأخذ يحاكي صوت الكلب حينما يقذف بحجر، فرمى إليه ~~الوليد دينارا فتلقفه بفمه في مهارة بارعة، ثم قال: الآن نستطيع أن نتحدث، ماذا تريد ~~مولاي؟ ~~- أتعرف ما كان من أمر ابن سهيل، وعياض، وعبد الصمد، فقد اعتقلهم الخليفة، وعذبهم عذابا ~~شديدا، ثم أجبر مكرها على فك عقالهم، وهم الآن في دورهم، فاذهب إليهم أحضرهم إلي ~~الساعة. ~~- أتريد أن أحل محلهم في سجن الظلام؟ إن كل واحد منهم الآن محاط بجواسيس الخليفة، فهل ~~تظنني أبا رقية حتى تقذف بي في هذه المهالك؟ ~~- أتريد ms32 أن تعيش في قصري منعما مترفا دون أن تتعرض لمخوف؟ إن الغنم بالغرم يا ابن ~~جبير. ~~- لقد لقنتني أمي ألا أحمل غرما، وألا أتعفف عن غنم. # فأخرج الوليد من كمه كيسا، وهزه فسمعت وسوسة الدنانير، وقال: وما تقول في هذا؟ ~~- الآن أذهب، ولعن الله أمي، ثم أخذ يمط وجهه، ويطوله حتى بلغ وسط صدره، وأصبح لا يعرفه ~~من كان يعرفه، ثم وثب فاختطف الكيس من يد الوليد، وانطلق كما ينطلق السهم عن القوس. # وبعد قليل أقبل ندماء الوليد ضعفي يتوكئون حتى كأنهم خرجوا من معركة أثخنتهم جراحها، وما ~~كاد يراهم الوليد حتى انقض عليهم معانقا مقبلا، ثم صاح: علي بالمغنين، علي بعمر الوادي ~~وأصحابه، هذه ليلة الليالي، وواحدة الدهر؟ وسننسى الآلام، وسننسى هشاما؛ فأسرع المغنون إلى ~~البهو، ودخل بعدهم نحو الأربعين من الجواري والقيان، بين روميات، وفارسيات، وتركيات في ~~الملابس الزاهية، والحلي الباهر، وكان عمر الوادي قد لقنهن أبياتا للوليد في سلمى، فأخذن ~~ينشدن معا بصوت ساحر بين رنين العيدان ونقر الدفوف: # خبروني أن سلمى # خرجت يوم المصلى # فإذا طير مليح # فوق غصن يتفلى # قلت: هل تعرف سلمى؟ # قال: ها. ثم تدلى # قلت: هل أبصرت سلمى؟ # قال: لا. ثم تولى # ولعب الطرب بالرءوس، وظفر شره العيون بجمال الوجوه، فكان يلتهمها التهاما، وصاح رستم: ~~لنرقص رقصة الفرس، لنرقص الفنزج، ولننشد معا: # نجا عياض وابن وهب قد نجا # ونال مولانا الوليد ما رجا # هلم نرقص في هواه الفنزجا # فأخذ كل رجل بذراع فتاة، وتمايلت الرءوس، وماست الخصور، وسايرت الأقدام دقات الأنغام، ~~واحمرت الوجنات، ولعبت العيون، وانطلقت الضحكات، وطغى المرح فأطلق لنفسه العنان، وطار ~~العقل، وغادر المكان، وكان صياح، وكان هرج، وكان نزق، وبينما القوم في لهوهم إذ علا عند ~~مدخل البهو صوت فيه رصانة، وفيه نبل، فنظر القوم مبهوتين، فإذا أم الوليد في جلال سمتها، ~~واعتدال قوامها، ترسل نظرات ثاقبة ملؤها الغيظ والغضب، فأطرقوا في خشية وخجل، فقالت: ما هذا ~~يا بني إن جواسيس هشام تحيط بقصري من كل جانب، وقد كنت ms33 أرضى كارهة عن الغناء والطرب، أما ~~رقصات العلوج وضجيجهم ففوق احتمالي، وأكثر مما تسعه طاقتي. # وما سمعها القوم حتى تسللوا لواذا مطرقين وجلين. # وبقي الوليد وأمه وأبو رقية فالتفتت الأم إلى الوليد وقالت: يا بني، إن من يريد عرشا لا ~~يصل إليه من هذه الطريق، وإن هشاما يقعد لك كل مرصد، ويسجل كل ما تأتي وما تذر؛ ليثبت ~~لرجال بني أمية أنك لا تصلح للخلافة، وأن الحقيق بها ابنه مسلمة، ولقد غشي حبي لك على سمعي ~~وبصري، فأغضيت عن شيء من اللهو، ولكني أراك تستمرئ ما أنت فيه، وتجاوز الحد فيما لا يليق ~~بك؛ فبكى الوليد بكاء الطفل واحتضن أمه، وسرت العدوى إلى أبي رقية؛ فسالت دموعه مدرارا، ~~وقال الوليد بين النحيب والنشيج: صفحك يا أمي، إني ولد عاق حقا، ولكن ماذا أعمل وخيال ~~سلمى يعاودني في كل لحظة فيؤجج أشجاني، ويثير أحزاني؟ وكلما حاولت نسيانه والانصراف عنه وثب ~~أمامي ساحرا فتانا، يعبس مرة، ويبسم أخرى، ويغرس في الأمل حينا، واليأس أحيانا، حتى ~~كاد يسوقني إلى الجنون، إنني يا أمي أحاول نسيانه بهذا اللهو، وأجهد في طرده عني بضرب ~~الدفوف وعزف المزاهر، إنني شقي يا أماه، جاه ومال وسلطان ودولة، ولكن أين السعادة بين كل ~~هؤلاء؟ لا أرى لها أثرا، ولا ظلا من أثر، إن صلاحي في سلمى، وحياتي ومماتي لها، فلو أني ~~نلتها أو فزت بكلمة منها لكنت أتقى الأتقياء، وخير الأصفياء. # وهنا تلعثم أبو رقية والدموع لا تزال تنهمر من عينيه وقال: إذا كان في قرب سلمى صلاحك ~~فلم لا تتزوجها؟ فابتدره الوليد قائلا: ألم تعلم بما كان من أبيها أيها المجنون؟ ألم تعلم ~~أني أطرد دونها كما تطرد غرائب الإبل عن المناهل، وأنها أبعد إلى مناط الثريا، وأنأى من ~~آمال الحمقى؟ ~~- هون عليك أبا العباس، فكل شيء ينال إذا صبرت له حتى آمال الحمقى. ~~- وكيف ذلك يا رضيع «الجرنفش»؟ ~~- إني سأفكر بعقلي، وأدبر لك لقاءها؟ ~~- لقد يئس العقلاء من اجتذابها إلي فلم يبق إلا المجانين! ~~- إن الناس ms34 يتقون العقلاء؛ لأنهم يعرفون طرق تفكيرهم فيتحصنون منهم، أما المجانين فلهم ~~أسلوب في الحيل لا يهتدي إليه العقلاء، سأذهب إليها غدا، وستراها بعد غد. # فضحك الوليد ضحك اليائس، وأخذ يسخر من أبي رقية ويهزأ به، وأبو رقية مطرق لا ينبس، ثم ~~طلب الوليد المصحف، وشرع يقرأ حتى إذا انتصف الليل ذهب إلى فراشه. # وفي الصباح خرج أبو رقية من القصر، ولما ابتعد عنه كثيرا، وقرب من قصر سعيد بن خالد، ~~أخذ يهارش الصبيان ويغريهم بإيذائه، حتى إذا وصل إلى القصر شرعوا يرجمونه بالحجارة، وقد كثر ~~عددهم، فطفق يصيح ويستغيث، وقد شج رأسه، فخرج العبيد فذادوا عنه الصبيان، وأدخلوه القصر، ~~ولكنه استمر في عويله، وأخذ يرفع الصوت بشتم الصبيان والدعاء عليهم، فأطلت عليه سلمى مع ~~بعض جواريها، وقالت: ماذا أصابك يا أبا رقية؟ ~~- كل ما أصابني بسببك يا سيدتي. ~~- بسببي؟ وهل أنا التي أغرت بك هؤلاء الشياطين؟ ~~- نعم أنت، رأيت لك رؤيا بالأمس فأعجبتني، فجئت لأبشرك بها، فقابلني هؤلاء الأبالسة فشجوا ~~رأسي، ألست أنت السبب في كل هذا؟ فضحكت سلمى ضحكة فاتنة لو سمعها الوليد لباع بها ملك الشام ~~والعراق، ثم أدركتها شفقة على الرجل، ورثاء لما أصابه، وعطف يحسه العاقل على المجانين، ~~فدعته إلى حجرتها، وقالت في دلال وعجب: حدثني بحديث هذه الرؤيا يا أبا رقية. ~~- إنها رؤيا جميلة جدا لم أخبر بها أحدا، وأنا واثق من أنها ستقع؛ لأني لم أر شيئا في ~~المنام إلا تحقق كما رأيته: رأيت مرة ليزيد بن عبد الملك أن حبيبته «حبابة» ستعود إليه، وقد ~~كان يئس من لقائها، فعادت إليه بعد ثلاثة أيام، ورأيت لمسلمة بن عبد الملك قبل سفره إلى ~~العراق أنه سيقود جيشا لمحاربة يزيد بن الملهب، وأنه سيقتله، فلم يمض شهر حتى تحققت ~~الرؤيا. نعم يا سيدتي، إن العقلاء يرون الأشياء في النهار حينما تجيء، ونراها نحن في الليل ~~قبل أن تجيء؛ فأغرقت سلمى في الضحك وقالت: أسرع أبا رقية وخبرني بهذه الرؤيا. ~~- لا بد أن آخذ البشرى أولا. ~~- لك ms35 عشرة دنانير. ~~- لا يا سيدتي، وماذا أصنع بالدنانير؟ إنني أريد منك شيئا أعظم من هذا، بشرط أن تقسمي لي ~~بجدك عثمان بن عفان أن تعطيني ما أطلبه منك. ~~- أقسمت بعثمان فماذا تطلب؟ ~~- أطلب طبقا من هريسة. # فأغرقت في الضحك، وأعجبها ما في الرجل من بلاهة وظرف، وأشارت إلى الجواري أن يغادرن ~~الحجرة، واتجهت إليه قائلة: لك ما تطلب يا أبا رقية فاقصص رؤياك. ~~- رأيت يا سيدتي كأنني في ميدان قصر الخلافة، وإذا بك أنت نفسك يا سيدتي تجرين في ذعر ~~ووهل، ووراءك أسد مفترس ما رأيت في حياتي أشد منه شراسة وأنكر زئيرا، وكنت تصيحين ~~وتستجيرين، فاجتمع الناس وملئوا جوانب الميدان، فأعدت النظر إلى الأسد، فإذا هو ينقلب رجلا ~~أمرق العينين، أحمر الوجه، غزير شعر الحاجبين، أصفر شعر اللحية كثها، عظيم الشفتين، بخده ~~الأيسر أثر ضربة سيف كاد يشوه وجهه، فنظرت إليه سلمى في ذهول وقالت: أنا أعرف هذا ~~الرجل. ~~- أنا لا أعرفه يا مولاتي، ولكني في النوم سمعت الناس يصيحون: ابن عنبسة، ولا أدري من ~~هو. ~~- نعم هو ابن عنبسة، يزيد بن عنبسة، إنه خطبني من أبي. ~~- هذا لم يكن في منامي، ولا شأن لي بالرجل ولا بخطبته، انقلب الأسد رجلا في الوصف الذي ~~ذكرت كأنني أراه أمامي الساعة، وكان في يده خنجر هم أن يطعنك به، فصحت وحاولت التخلص من ~~يديه، وبينما أنت كذلك إذ أقبل رجل يشق صفوف الناس، وسيفه في يده، وعلى وجهه الشهامة ~~والبطولة، وغضب الكريم لعرضه وشرفه، فصاح الناس: الوليد أمير المؤمنين. الخليفة. فرجعت ~~البصر فإذا هو مولاي الوليد بن يزيد، فسألت رجلا بجانبي: أأصبح الوليد خليفة؟! فأجاب: نعم، ~~أصبح الخليفة أيها الأبله، ألم تعلم أن هشاما مات منذ سنوات، وأنه الآن خليفة المسلمين؟ ~~فسكت وترقبت فإذا الوليد يهجم بسيفه فيشطر الرجل الذي أراد طعنك بخنجره شطرين، ويأخذ بذراعك ~~في رفق وحنان، ثم يمشي بك حتى يبلغ دار الخلافة بين صياح الصائحين، والدعاء لك ولزوجك أمير ~~المؤمنين. # كانت سلمى ذاهلة واجمة، كأنها تسبح في ms36 حلم آخر، وكانت بفطرتها جمة المطامع، بعيدة الآمال ~~طموحا، وكانت تبغض ابن عنبسة لثقل فيه ودمامة؛ ولأنه جاوز سن الشباب، فلما تعرض لخطبتها ~~طلبت من أبيها أن يسوف الرجل ويمهله؛ لأن قلبها كان يهفو إلى الوليد على الرغم مما ~~عرف عنه، وعلى الرغم من إباء هشام وتحريضه أباها ألا يزوجها إياه كانت تحب الوليد وتخاف ~~رعونته، وكان مما يزهدها فيه، ويخفف من ثورة حبها له سعي هشام الحثيث لخلعه من ولاية العهد، ~~وإطباق أكثر الناس على أنه لا يصلح للخلافة، بعد أن أرخى لنفسه العنان، وإذا ضاعت الخلافة ~~من الرجل لم يبق منه إلا شبح هزيل من بني الإنسان لا جاه ولا غناء فيه، ولكن الرؤيا التي ~~قصها عليها أبو رقية محت من نفسها كل شك، وأججت خامد الآمال، فالتفتت إليه وقالت: وبم تعبر ~~هذه الرؤيا؟ ~~- إنها لا تحتاج إلى تعبير، إنها كفلق الصبح. ~~- وهل أصبح حقا في يوم من الأيام زوجة الخليفة؟ ~~- ذلك بعد أن آكل الهريسة. فضحكت سلمى طويلا، ثم قالت: ولكني لا أحب الوليد، وقد خطبني ~~من أبي، فرد طلبه في عنف وإباء! فكيف أتزوجه؟ لا يا أبا رقية إنك واهم، فلعلك رأيت في منامك ~~فتاة أخرى تشبهني. ~~- لم أرك وحدي، إن الناس الذين كانوا في ميدان الخلافة رأوك معي، وقالوا: هذه سلمى بنت ~~سعيد، على أني أعرف أن الوليد بك صب مفتون، وأنه إنما يعبث ويلهو لينسى حبك بعد أن أيأسه ~~أبوك من قربك، فلو أنه ظفر بك لرأى في حبك كل ما يحجبه عن اللهو والمرح، ثم إني لمحت منذ ~~أيام أن جارية «عاتكة» بنت العباس بن الوليد قد أكثرت التردد على قصر حبابة، وأكثرت من ~~الخلوة بالوليد، وعلمت من الجواري أن عاتكة مفتونة بحب الوليد، وأنها تحاول أن تجتذب مودته ~~بعد أن يئس منك، ولست أبالي أتزوج عاتكة أم تزوج غيرها، ولكني لا أحب عاتكة؛ لأني ائتمنتها ~~مرة على حجر قذفني به الصبيان فضيعته. # ثارت الغيرة في نفس سلمى، وتيقظت فيها غريزة المرأة فقالت ms37 : وماذا أعمل للوليد، وقد رأيت ~~أنه محجوب عني وعن قصري؟ ثم ماذا أصنع وقد أقسم أبي ألا يزوجني إياه؟ ~~- إنه يريد أن يطفئ نار غرامه برؤيتك والحديث إليك، أما زواجه بك فقد كتب في سجل القدر، ~~ولن يستطيع يمين أبيك أن يمحو ما كتبه القدر. ~~- وكيف أراه وعلي ألف عين من أهلي؟ ~~- ذلك هين يسير، إنه سيأتي إلى القصر غدا متنكرا في هيئة رجل يبيع ثيابا، ومعه حماره ~~وفوقه بضاعته، ولا تثريب عليك في شراء ثياب من بائع ثياب، فصاحت في خوف ممتزج بالفرح: أنت ~~أعقل مجنون رأيته يا أبا رقية. ~~- وأنت أجن عاقلة رأيتها، عمي صباحا، أرجو ألا ألتقي بالصبيان في عودتي، ثم انفتل من ~~حولها فكأنما ابتلعته الأرض. # وعاد أبو رقية إلى القصر فالتقى به الوليد وأمه فحدثهما بكل ما حاك من حيلة وتدبير، ودهش ~~الوليد، واستبد به الفرح، وانكب على أبي رقية يقبله، وأرسل فاشترى أثوابا من جميع الأنواع، ~~وما جاء الصباح حتى غير من زيه وهيئته على نحو ما يرتدي باعة الملابس، فلبس عمامة صفراء ~~وسروالا فضفاضا، وصدارا من الصوف الخشن، ولف حول رأسه شملة من الحرير الأحمر، وخرج من ~~القصر بعد أن وضع الأثواب فوق حمار هزيل، حتى بلغ قصر سعيد نادى بأعلى صوته: أثواب وألوان، ~~للعذارى الحسان، عندي من الحرير ما ليس له نظير، حرير صنعاني، وحرير تنيسي، وخز فارسي، ذهب ~~بذهب، وعجب من عجب، فسمعته سلمى وأمرت إحدى جواريها أن تدعوه، فحمل بعض بضاعته، ودخل القصر، ~~فقادته الجارية إلى حجرة سلمى، فبهره حسنها، وكاد يفضحه جمالها، وأخذ يتلعثم ويتمتم، وهم ~~بأن يمد إليها يده، فنظرت إليه عابسة، وأشارت إلى جاريتها بالخروج، فلما خرجت رمى بالأثواب، ~~وانكب على يديها يلتهمها لثما وتقبيلا، وجعل يئن ويقول: ارحميني يا حبيبتي، أنت حياة ~~روحي، وريحانة نفسي، أنت الهواء الذي أتنسم، والأمل الذي أناغي، والسعادة التي أرجو وإليها ~~أصبو، نظرة واحدة تكفيني، وبسمة تقنعني، وكلمة تفتح أمامي باب الرجاء. ~~- قم أبا العباس فبي مثل ما بك، وحبي لك ms38 صدى لخفقات قلبك، ولكن أبي والخليفة يحولان دون ~~هذا الحب. ~~- إن الحب لا يعرف الحوائل، إنه ينفذ إلى ما لا ينفذ إليه الهواء، ويحلق فوق ما لا يصل ~~إليه جناح، فإذا أحببتني فلا الخليفة ولا أبوك، ولا الدنيا كلها بمستطيعة أن تقف ~~بيننا. ~~- أحبك، فوثب عليها يقبل وجهها في شغف وفتون، فابتعدت عنه قليلا ثم قالت: اهدأ يا حبيبي؛ ~~فإني لست لك بزوجة، وخير لنا أن نصبر حتى يصل الله بين حبلينا، ويقرب منا ما بعد. ~~- إني سأكون خليفة، وسأنعم بزواجك. ~~- هذا لا شك فيه. ~~- ولن تتزوجي ابن عنبسة. ~~- لن أتزوج به. ~~- وكيف أظفر بقربك قبل أن يتم زواجنا؟ ~~- نبيع أثوابا كل أسبوع، وتأتي إلينا بحمارك الناحل الأعجف، ثم قامت كأنها تدعوه إلى ~~الانصراف، فوقف يودعها طويلا، فلما خرج وضع الأثواب على حماره، وهو يكاد يطير من الفرح، ~~وأخذ يضرب الحمار بعصاه ويصيح: أثواب وألوان، للعذارى الحسان! # | نار ورماد # كانت دولة بني أمية عربية النزعة، شديدة التعصب لكل ما هو عربي، تنظر إلى الأعاجم في تيه ~~وتعاظم، وتحول بينهم وبين مناصب الدولة ومراتبها، ثم اشتط بعض الأمويين وغلا في إحياء نزعات ~~الجاهلية، ونبش ما دفن من أحقاد القبائل التي جهد الإسلام في إماتتها، واجتثاث أصولها، فكان ~~الخلفاء يؤثرون بعض القبائل بالمودة والعطاء، والتجاوز عن عدوانهم، وكان كل وال من ولاتهم ~~يختص قبيلته بالبذل والمحاباة، فمرة تكون المحاباة لليمانية، ومرة تكون للمضرية، وكان الناس ~~يشعرون بكل هذا فيطرقون واجمين، ويسكتون وجلين، حينما كانت الخلافة في عنفوانها، والدولة في ~~شبابها، والسيف مصلتا فوق الرءوس، والولاة كلهم من طينة الحجاج بن يوسف الذي كان يقول: من ~~قال برأسه هكذا، قلنا له بالسيف هكذا! فلما ضعفت الدولة بعد موت الوليد بن عبد الملك تطلعت ~~رءوس من الفرس كانت مدفونة تحت أطباق الخوف، ونطقت أفواه من بني العباس كان يسكتها الذعر ~~والحذر، وامتد الزمان بدولة بني أمية فزاد ضعفها باستنامة رجالها إلى النعيم، ففقدوا ~~رجولتهم، وتسلبوا من خصائص عروبتهم، فكان ضعفهم قوة لأعدائهم، وتراخي حبلهم ms39 شدة وبأسا ~~للخارجين عليهم، لهذا قوي أمر بني العباس بمعاونة الفرس في أواخر عهد هشام، وتجمع الناس حول ~~دعاتهم بخراسان، وتكونت في أكثر أقطار الدولة جماعات من أنصارهم، كانوا جميعا يعملون ~~سرا، ويعدون العدة في الخفاء، وينتظرون الفرصة للانقضاض على الدولة وثل عرشها. # وكان بدمشق كثير من المحتطبين في حبل العباسيين بين فرس وعرب، وهؤلاء كانوا يبعثون ~~بأخبار الخلافة وأسرارها إلى الزعماء بخراسان، ويتلقون أوامرهم وإشارتهم، وكانوا ينبثون بين ~~الناس فيشيعون بينهم مساوئ الخلافة، وهفوات فتيان بني أمية بأسلوب شيطاني عجيب لا يلصق بهم ~~تهمة، ولا يدع لسامعيهم شكا في أنهم أمناء مخلصون للدولة، حريصون على بلوغها ما ينبغي لها ~~من عظمة ومجد؛ يبدأ الرجل منهم فخورا بمكانة الخلافة، وفضل رجالها الأولين، وقوادها ~~السالفين، وأنها رفعت راية الإسلام، ونشرت كلمة التوحيد في كل مكان، ثم يقول في رنة حزن، ~~وبصوت تكاد تخنقه العبرة، وتقلبه الحمية بكاء: هدى الله خلفاءنا السداد، وألهم فتيانهم ~~التوفيق! أكان يفعل هشام كذا لو كان عمر بن عبد العزيز حيا؟ وهل كان يفعل الوليد كذا لو ~~كان عبد الملك بن مروان حيا؟ ثم يزفر زفرة طويلة، ويرفع عينيه إلى السماء داعيا للإسلام ~~والمسلمين. هكذا كانت تعمل هذه الفئة الثائرة، ومن أخاليق هؤلاء وأكاذيبهم امتلأت كتب الأدب ~~والتاريخ بكثير من مثالب الأمويين، وكان بين هذه الطائفة أشخاص اندسوا في قصور الأمويين ~~ليكونوا عليهم عيونا، ولينقلوا أسرارهم إلى أعدائهم. # وفي إحدى ليالي شهر رجب سنة أربع وعشرين ومائة وصل من دمشق إلى الكوفة إسماعيل بن يسار ~~رسولا من الشام من قبل محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل بدار بكير بن ماهان، وكان ~~من كبار أنصار العباسيين، وأخبره بما قدم إلى الكوفة بسببه، فسهل له بكير لقاء سليمان بن ~~كثير الحراني زعيم جماعتهم، ومالك بن الهيثم، واتفقوا على زيارة يونس بن عاصم وعيسى وإدريس ~~ابني معقل في السجن، وكان قد اتهمهم يوسف بن عمر عامل هشام على خراسان بالدعاء إلى بني ~~العباس، فلما ذهبوا إلى السجن ms40 قابلهم حارسه، وكان رجلا غليظا مفرطا في الطول، متين ~~البناء، ينطق وجهه بالشراسة والشر، فتعمد ابن كثير أن يسقط من كمه دينارا، فأخذ يدور فوق ~~الأرض، فانقض عليه الحارس يلتقطه، ثم رفعه إلى ابن كثير قائلا: هذا دينار سقط منك يا ~~رجل. # فقال ابن كثير: خذه جزاء أمانتك، فإنما اللقطة لمن وجدها. ثم تعمد إسقاط دينار ثان، فانكب ~~عليه الحارس وقال: وهذا دينار آخر، فأطبق عليه ابن كثير كف الحارث وقال: هو لك أيضا، فقد ~~أحسنت في الأولى والثانية، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فبهت الحارس لهذه الأريحية، ثم ~~اتجه إليه ابن كثير سائلا: هل بين ضيوفك في هذا السجن عيسى بن معقل؟ فإننا قوم من أهله ~~جئنا لنراه، ولنحدثه في أمور أولاده وضياعه. ~~- إن ابن عمر يحظر أن يلقاه أحد، ولكن أوامر الرؤساء دائما تصدر لتنقض، فلا تثريب ~~عليكم من أن تروه على شرط ألا تطيلوا المكوث، وعلى شرط ألا تتحدثوا في أمر بني ~~العباس. # إن لنا من الشغل بأنفسنا ما يذودنا عن الحديث في شئون غيرنا، وأشار إليهم الحارس بالدخول ~~فوصلوا إلى حجرة المسجونين، وكانت واسعة فسيحة منعزلة في ناحية من البناء، وما كاد يراهم من ~~بها حتى أسرعوا إليهم فرحين معانقين، وأخذوا يمطرونهم بالأسئلة عن محمد بن علي بن عبد الله، ~~وعن ابنه وخليفته إبراهيم الإمام، ثم عن الدعوة بخراسان، وعن قوتها ونشاطها وانتشارها، وكان ~~يخدمهم بالسجن شاب قصير في نحو الرابعة والعشرين، أسمر اللون، نقي البشرة، أحور العينين، ~~عريض الجبهة، كانوا يدعونه أبا مسلم، وهو أبو مسلم الخرساني الذي كانت تدخر له الأيام عظمة ~~ومجدا، وهو الذي أقام بسيفه ورأيه بعد ثماني سنوات لبني العباس دولة شامخة الذرا راسخة ~~البيان. # جلس الجماعة بعد التحية وتبادل الأشواق، فقال ابن كثير في صوت خافت: هذا إسماعيل بن يسار ~~شاعر الطائفة العباسية، ومذيع فضلها، وناشر مناقبها، قدم بالأمس من الحميمة بعد أن قابل ابن ~~عم رسول الله، وزوده بما يجب علينا عمله لإشعال الثورة على الأمويين، وبثها في كل ms41 مكان، وهو ~~يستطيع أن يحدثنا بكثير من أخبار فتيان بني أمية وعبثهم، وسخط الناس عليهم، وقد يهدينا ~~تبادل الرأي وتجاذب التفكير إلى ما يحسم هذا الأمر، وإلى أن نرسم طريقا نمضي فيه إلى ~~الغاية موفقين، لقد بلغ السيل الزبى، وجاوزت الشدة طاقة الاحتمال، ولا بد من ضربة سيف قاصمة ~~مصممة تفرق بين الحق والباطل، وتعيد الخلافة إلى أهلها؛ فصاح أبو مسلم والدموع تتناثر من ~~عينيه: نعم لا بد من ضربة سيف، ولا بد أن يمحى كل أثر لأبناء عبد شمس. ~~- اهدأ يا بني، الرأي لا تنضجه نيران الغضب. ~~- إن الغضب هو الذي يصهر العزائم، ويشحذ الهمم، وما حاجتي إلى رأي هزيل، تزيده الشكوك ~~ضعفا وهزالا؟ فالتفت ابن كثير إلى ابن معقل في دهشة وقال: من هذا الشاب؟ ~~- هذا أبو مسلم أشدنا حماسة في الدعوة، وهو أرهف من سيف، وأنفذ إلى مطالبه من سهم، إن نار ~~الثورة تسري في شرايين جسمه، وإننا نسميه صخرة الأرض، وداهية الدواهي. ~~- هذا كله حسن، ولكن أحب أن يضم إلى فورة شبابه حكمة الشيوخ ودهاءهم. ~~- إن عنده من ذلك الشيء الكثير فلا يلفتك أمره عما نحن فيه. ~~- أظن أن الكلام في جبروت الأمويين، وحرمانهم إيانا مناصب الدولة قد أصبح كلاما مكررا، ~~وحديثا معادا، فقال إسماعيل بن يسار: إنهم يتعالون علينا، ويشمخون بأنوفهم حتى كأن الله ~~خلقنا من طين وخلقهم من مسك وكافور، فقال عيسى بن معقل: إن دين الله لا يفرق بين عربي ~~وأعجمي، ولا بين مضري ويماني، ولكن هؤلاء القوم يكيلون للناس بمكيالين، وينزلونهم منزلين، ~~وينظرون لهؤلاء بعين ولأولئك بعين، ثم يزعمون أنهم نصراء القرآن، وحماة الإسلام، وهنا وثب ~~أبو مسلم واقفا وقال: لو زرت خراسان اليوم يا صاحبي لرأيت الأعاجيب. # فقال ابن يسار: إن ما نلقاه بالشام أعجب وأغرب يا فتى. أنشد هشاما مرة قصيدة فدفعني ~~الاعتزاز بقومي إلى أن أفخر بالفرس، وأشيد بمجدهم القديم، فما كان منه إلا أن غضب حتى نفرت ~~أوداجه، وصاح في جبرية وزهو: أعلي تفخر بقومك أيها الأحمق؟ وإياي ms42 تنشد قصيدة تمدح فيها ~~نفسك، وأعلاج قومك؟ ثم أمر عبيده أن يغطوني في الماء، فقذفوني في بركة حتى كدت أغرق، ثم ~~أمر فنفيت إلى الحجاز، فصاح عيسى بن معقل: ماذا كانت قصيدتك لله أبوك؟ ~~- قلت فيها يا سيدي: # إني وجدك ما عودي بذي خور # عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم # أصلي كريم ومجدي لا يقاس به # إلى لسان كحد السيف مسموم # أحمي به مجد أقوام ذوي حسب # من كل قزم بتاج الملك معموم # جحاجح سادة بلج مرازبة # جرد عتاق مساميح مطاعيم # من مثل كسرى وسابور الجنود معا # والهرمزان لفخر أو لتعظيم # فصاح القوم: لا فض فوك يا ابن يسار، بمثلك تنهض الدعوة، وتتأجج الثورة، فلما عادوا إلى ~~الحديث قال إسماعيل: أما العبث بين فتيان بني أمية قد بلغ الغاية، وقد جهدنا جهدنا في إذاعة ~~مثالبهم ونشر أخبارهم، ووصمهم بكثير من النقائص بالحق وبالباطل، حتى أصبحوا حديث كل غاد ~~ورائح، وأخذ الناس يشعرون بوجوب زوال دولتهم وانتهاء أمرهم، والوليد بن يزيد سادر في ~~غلوائه، لا يقف في طريقه شيء، وإذا نصحه ناصح، أو زجره زاجر زاد عنادا وتحديا، كأنه يتعجل ~~نهاية أيام بني أمية، وهو ولي العهد، وإذا ولي الخلافة على تلك الحال قوى ثورتنا، ومكن ~~لدعوتنا، وقدم الخلافة هدية سائغة هنيئة لأمير المؤمنين ابن العباس، لكل هذا تعمل جماعتنا ~~بدمشق على إحباط كل مسعاة لهشام في خلعه من ولاية العهد، ونقلها إلى ابنه مسلمة، ولأجل هذا ~~نحث دائما رستم غلامه أن يوحي إليه بكل شنعاء، وعندكم بخراسان جماعة منظمة تبعث بالجواري ~~الحسان إلى قصور أمراء بني أمية لإغرائهم بالتبذل، وليكن جاسوسات عليهم، ينقلن أخبارهم، ~~ويفشين أسرارهم، وقد نجحن كثيرا، وأصبحن المتحكمات في الدولة، المسيطرات على خلفائها ~~وقوادها، ولو طال عمر «حبابة» جارية يزيد بن عبد الملك قليلا لانتهى حكم بني عبد شمس منذ ~~حين، ولكنا اليوم ناعمين هانئين في ظل خلافة بني العباس، فصاح أبو مسلم: لقد طال حكم هشام ~~حتى كاد يدب اليأس إلى نفوس بعض ضعفاء العزائم من شيعتنا ms43 . # فقال ابن يسار: لقد طال حكمه حقا، وهو قاس صارم يريد أن يعيد الأموية إلى ما كانت عليه ~~أيام معاوية، ومروان، وعبد الله. شحيح بالمال، جماع له، كأنه يريد أن يصون كل دينار ودرهم ~~لحماية الخلافة، والذود عنها إذا خرج عليها خارج، فلم يعط أحدا من بني مروان عطاء إلا إذا ~~خرج للغزو بنفسه، أو أخرج من ينوب عنه، ورد عليه يوما محمد بن زيد للعطاء فقال له: ~~«مالك عندي شيء، وإياك أن يغرك أحد فيقول لك: إن أمير المؤمنين لم يعرفك، فوالله لقد عرفتك، ~~أنت محمد بن زيد بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب، فلا تقيمن وتنفق ما معك، فليس لك عندي ~~صلة»، فعاد الرجل إلى المدينة يخفي حنين، وبعث إليه أحد عماله بسلة خوخ فكتب إليه: قد أعجب ~~الخوخ أمير المؤمنين، فزدنا منه، واستوثق من الوعاء حتى لا يسرق في الطريق. وأخبرني غلامه ~~فيروز أن بعض المشرفين على ضياعه بعث إليه خادما بطائرين ظريفين، فدخل عليه وهو جالس في ~~سرير في عرصة الدار، فقال للخادم: أرسل الطائرين لأنظر إليهما، فأرسلهما، ولما أراد الخادم ~~الانصراف طلب جائزته، فقال له هشام: ويلك وما جائزة طائرين؟ قال: أي شيء تجود به. قال: خذ ~~أحدهما. فعدا في الدار خلفهما، فقال له هشام: ماذا تصنع؟ قال: أختار خيرهما. قال: أتختار ~~خيرهما وتدع لي شرهما؟ لا، والله لا نلت منهما ريشة، لعن الله ناقة حملتك إلينا! وهذا هو ~~الرجل الذي تخضع الدنيا لأمره، وتجبى إليه ثمراتها، ولقد كان مرة في أحد بساتينه، والزراع ~~يجمعون الزيتون، فرآهم يهزون الأشجار ليتناثر زيتونها، فصاح: القطوه لقطا، ولا تنفضوه ~~نفضا فتفقأ عيونه، وتنكسر غصونه. هذا هو هشام: بخل فكرهه الناس، وقسا فحقد عليه الناس، ~~وطال عهده فضجر منه الناس. # فقال ابن كثير: إنه الصخرة الصماء التي تتحطم حولها آمالنا، والتي يجب أن تزول من ~~الطريق، فقال ابن يسار: إنه مصاب بذبحة الصدر، ولولا دواء مزجه له طبيبه «فرات بن شحناثا» ~~لقضي عليه منذ سنوات، واستراحت الدنيا منه ms44 ، ومن صلفه وشحه؛ فزفر عيسى ابن معقل طويلا، ثم ~~قال: ألا يستطيع فتى أحوذي أن يروي خنجره بدمه؟ # فأجاب ابن كثير: إن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا، فقد يكفي أن نوعز إلى خادمه فيروز أن يريق ~~ما في زجاجة الدواء، ويضع مكانه ماء بلونه، فإذا أدركته النوبة وأسعف بالدواء لم يغنه الماء ~~شيئا، فصاح جميعهم: هذا رأي صائب؛ مر فيروز أن يفعل هذا يا ابن يسار، وهنا عاد ابن كثير ~~إلى الحديث فقال: لنوجز الآن ما استقر عليه رأينا ليعمل كل منا على إنفاذه، وليبلغه ابن ~~يسار إلى الإمام محمد بن علي، فقد رأينا أولا أن نبث بين الناس بغض بني أمية، والسخط على ~~حكمهم، وأن نبتدع الأقاصيص والأخبار التي تشوه سيرتهم، وتثير الضغينة عليهم، ثم أن نغري ~~الوليد بالاستمرار فيما هو آخذ فيه بكل ما مكنتنا من وسائل، وأن نذلل له السبيل إلى ~~الخلافة؛ فإنه لن يمكث بها أياما حتى تدول، ثم أن نقلل من مدة هشام، وأن نقطع الخيط الذي ~~يصله بالحياة، وعلينا أن نفكر في كل لحظة في اليوم الذي تنجلي فيه هذه الغمة حتى كأنه ~~الغد، وأن نسخر من العقبات التي يضعها أجراء بني أمية في طريقنا، هلم الآن فقد طال بنا ~~الجلوس. # ويخرج الزوار فيمرون بالحارس لدى الباب، فيتجه إلى ابن كثير وهو يقول في سخرية ودهاء: ~~الآن لا تسقط دنانيرك أيها الشيخ! ~~- كان بثوبي فتق فأصلحته. ~~- أخشى أنك تعمل أنت ومن معك لفتق لا يرتق. ~~- قد يكون الهدم إصلاحا في كثير من الأحيان. ~~- إلا أن تهدم دارا على ساكنيها، احذر يا شيخ فإني أجد في أعطافك ريح الثورة، والثورة ~~نار مجنونة، تأكل أول ما تأكل مشعليها، اذهبوا فإني لا أرى في وجوهكم خيرا. # فسار الثوار حتى بلغوا دار بكير بن ماهان، وأقام معهم إسماعيل بن يسار أياما، ثم عاد ~~إلى دمشق لينهض العزائم، ويثير الهمم. # | موت وحياة # مرت شهور والوليد بن يزيد لا يزال يزور قصر سلمى في كل أسبوع لبيع الثياب، حتى ms45 بليت ~~الثياب، ومل الحمار، ومرت شهور وهشام مازال يتحرق غيظا على الوليد، وعلى أنصاره الذين ~~تحدوه، واختطفوا ابنه مسلمة، وجعلوا رده ثمنا لفك من اعتقلهم من أصحاب الوليد، ومرت شهور ~~ويزيد بن عنبسة لا يزال يلح على سعيد بن خالد في أن يزوجه سلمى، وهو يرجئه ويراوغه، ويرده ~~خائبا محسورا، وفي ذات يوم أعلمته «صدوف» إحدى جواري الوليد - وكانت جاسوسة له عليه - أن ~~الوليد يزور سلمى في كل أسبوع في هيئة بائع ثياب، فيتبادلان الحب والصبابة، فزاد حقده على ~~الوليد، واخذ يدبر له الغوائل. # وساقته قدماه يوما إلى دار الخلافة، فلما بلغ قاعة الحكم رأى «يعقوب» حاجب هشام لدى ~~الباب فسأله عن الخليفة، فقال: إنه بالقاعة مع كثير من رجال بني أمية، وهم يتحدثون في أمر ~~ذي بال، وقد حجب الباب، وأرسل رسولا إلى دارك. ~~- نبئه بقدومي يا يعقوب، فإني أود أن أحدثه أيضا بأمر ذي بال، ودخل يعقوب وعاد سريعا ~~بالإذن، فلما مثل ابن عنبسة أمام هشام رآه مطرقا، وقد اربد وجهه، وانتفض عرق لصدغه الأيسر ~~كان ينتفض كلما غضب، ورأى عنده يزيد بن الوليد والزهري، ومحمد بن هشام المخزومي، وأخاه ~~إبراهيم، وبني القعقاع العبسي، ثم العباس بن الوليد، ويزيد بن خالد. # سلم ابن عنبسة فرفع هشام رأسه متثاقلا وقال: وعليك السلام يا ابن عنبسة! هلم إلينا ~~فإننا بصدد أمر خطير سيكون له ما بعده، ونرجو أن نخرج بعد أن نكون قد نصحنا لله ورسوله، ~~ولصالح المؤمنين، هذا ابن أخي الوليد قد شرد على الله شراد البعير، وجالس قرناء السوء، وركب ~~رأسه جامحا، ثم هو لا يزيده النصح إلا إسرافا في العناد، ولقد عاهدت أخي يزيد بن عبد ~~الملك، وحلفت له أوثق الأيمان أن تكون الخلافة له من بعدي، ولم أكن حين أقسمت أعلم أني ~~أقسمت على أن أترك زمام الخلافة وهي معقد آمال المسلمين، ومعقل أمنهم في يدي مثله، ولكني ~~أقسمت حين أقسمت وأنا أرى غلاما أزهر الوجه، نبيل السمات، توحي مخايله بصدق الأمل فيه، ~~وتنطق ملامحه بالثقة ms46 به، ورب سم كامن في الزهر النضير! وموت راكد في الماء النمير! وأنا ~~الآن يا بني مروان بين خلتين: إما أن أترك الأمة بعد موتي تنساق إلى الدمار بولاية الوليد، ~~وهنا النازلة الفادحة، والقاصمة القارعة، وتمزيق أوصال الدولة، وفناء بني أمية بالموت أو ~~بالذل والهوان، وإما أن أحمي ما ورائي، وأتخذ الأهبة للقاء ربي، وأصون تراث آبائي، فأخلع ~~الوليد من ولاية العهد، وأختار للمسلمين رجلا يحمي ذمارهم، وللخلافة من يبعث فيها العظمة ~~والقوة والشباب. # فقال يزيد بن الوليد: لا يصلح لها إلا ابنك مسلمة. ~~- دعك من هذا الآن يا ابن العم، فلن يحسن في هذا الأمر إلا أن ننسى أنفسنا وأبناءنا، ~~والذي نفس هشام بيده لو علمت أن صلاح هذا الأمر في اعتزالي لاعتزلت، ولو علمت أن غير مسلمة ~~أقوى بالخلافة كاهلا، وأضبط يدا لقدمته عليه، فأسرع إبراهيم المخزومي قائلا: لن تصلح ~~الخلافة إلا بك يا أمير المؤمنين، وإذا كان لنا في الله رجاء فهو أن تبقى فيك، ثم في ابنك ~~مسلمة من بعدك، فإنه بضعة منك، فيه ما فيك من دين وسياسة وحزم؛ فصاح أبناء القعقاع: لن نرضى ~~بمسلمة بديلا، أما الأيمان التي عقدتها لأخيك لتولية ابنه من بعدك فإن الله يحلك ~~منها. # وهنا قال الزهري في صوت خافت: يرى بعض المفسرين في قوله تعالى: # ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس # أن المعنى: لا تجعلوا القسم بالله حائلا بينكم وبين البر ~~والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا حلف رجل أن يأتي منكرا وجب عليه أن ينقض يمينه، ويكفر ~~عنها. فقال ابن عنبسة: هذا تفسير عظيم، وأسرع هشام فقال: إذا أنا في حل من هذه الأيمان، ~~ولم يبق إلا أن نكتب ميثاقا ندون فيه مساوئ الوليد ومثالبه، وأنه لا يصلح للخلافة، ونثبت ~~فيه محامد مسلمة ومناقبه، وأنه خير من يقوم بها من بني أمية، وأن أمير المؤمنين لكل هذا خلع ~~الوليد من ولاية العهد، ونقلها إلى مسلمة، أين سالم أبو العلاء؟ فتحرك العباس بن الوليد في ms47 ~~مجلسه قليلا، وهو يكبت غيظا دفينا، وقال: قبل أن تدعو كاتبك يا أمير المؤمنين أرى أن ~~نبحث في الأمر حتى نصل فيه إلى غاية تثلج الصدر، وتبدد الشكوك. # فأجاب هشام غاضبا: ألم نمحص الأمر بحثا ودراية؟ ألم يصبح عبث الوليد حديث الناس، ~~ومسلاتهم في أسمارهم؟ أليس ابني مسلمة في دينه وعقله خيرا ألف مرة من الوليد؟ فأجاب ~~العباس: إن الأمر يا أمير المؤمنين أعظم خطرا من أن نتقنع فيه بالحياء، وأجل شأنا من أن ~~نجتذب فيه رضاك، أو نجتنب فيه سخطك، أنا شاك غير مستيقن بكل ما قلتم، فلا الوليد قد وصل إلى ~~تلك الهاوية التي زعمتم، ولا مسلمة قد بلغ تلك القمة من الصيانة والتقوى، ولا تلك الأيمان ~~التي وكدتها لأخيك أصبحت لغوا فصرت في حل من نقضها؛ فبهت من بالمجلس، واصفر وجه هشام، ~~واحمرت عيناه من الغيظ، وضرب عرق صدغه، وانتفض وصاح حتى ملأ صوته القاعة: هكذا أنتم دائما ~~يا أولاد الوليد بن عبد الملك! تحقدون علي وعلى أولادي، ولقد كاد يسلبكم الضغن عقولكم حين ~~ازور عنكم وجه الخلافة بعد أن تجاذبتم أطرافها، فأصبحتم تعدون علينا الأيام، وتتمنون أن ~~تتقلص عنا ظلالها، إنكم أعظم كيدا للخلافة، وأكثر عدوانا عليها من العباسيين، والعلويين، ~~والترك، والدليم، ووالله لولا خشية منه، ولولا أن يقول الناس حارب هشام أهل بيته لبدأت بكم ~~قبل أن أبدأ بمقاتلة المتألبين على الدولة من الخوارج، أما قولك: إنك في شك من الأمر فباطل ~~يراد به إزهاق الحق، وإطلاق شيطان الفتنة من عقاله؛ ليعيث معكم في الدولة كما ~~تعيثون. # فوقف يزيد بن خالد وقفة المناضل المتحدي وقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فنقل الخلافة من ~~رجل إلى رجل أمر جلل، لا يكفي فيه أن يكون أمير المؤمنين ساخطا على هذا، أو راضيا على ~~ذاك، لقد قال العباس حقا، وإن رأى من تجمعهم اليوم من أنصارك لا يكفي لإقناع الأمة، ~~وحملها على نبذ العهد الذي عاهدتك عليه، والأمر شديد الخطر على أمير المؤمنين قبل أن يكون ~~شديد الخطر على ms48 الوليد، لقد بايعك الناس في عهد واحد وفي ميثاق واحد على أمرين لا على أمر ~~واحد: بايعوك بالخلافة، وبايعوك على أن تكون الخلافة من بعدك للوليد بن يزيد، فإذا نقضت بعض ~~العهد يا أمير المؤمنين انتقض كله، وتحلل الناس من البيعة لك، وصح لكل خارج عليك، أو ضجر ~~حكمك أن يصيح في الناس: أيها المسلمون، إن هشاما نقض العهد الذي بينه وبينكم، فليس له في ~~رقابكم بيعة، أتريد أن يحصل هذا يا أمير المؤمنين؟ أتريد أن توقظ راقد الفتنة، وتعيد أيام ~~صفين حين احتكم المسلمون إلى سيوفهم في شأن الخلافة؟ إن هؤلاء يا أمير المؤمنين الذين ~~يزينون لك ما تحب، ويقربون لك الأقصى مما تريد، أعداء في ثياب أصدقاء، أو مخبولون في مسوح ~~عقلاء، ثم من هم أبناء الوليد الذين يكيدون لك ويدبرون السوء لدولتك؟ أتستطيع أن تشير إلى ~~واحد منهم عن بينة ويقين؟ دعك من كل هذا يا أمير المؤمنين، واترك الأمر كما هو، فلسنا في ~~حاجة إلى فتن جديدة نشعلها بين الناس، فإن الفتن تنبث في كل مكان، وإن تحت الرماد للهيبا ~~وضراما. # وما كاد يسكت حتى ابتدره ابن عنبسة قائلا: ما هذا التهويل يا ابن خالد، أنا أعرف صلتك ~~بالوليد، ومحبتك له، وتهاديكما الجواري الحسان، أعرف أنك تطمع أنت والعباس في أن يكون لكما ~~شأن في خلافته بعد أن انبت بكما الحبل في هذه الدولة، ثم ما أخلوقة البيعة هذه التي إذا ~~انتقض بعضها انتقض كلها، وهنا تمتم الإمام الزهري قائلا: إن ما قاله ابن خالد حق؛ لأن ~~الجزأين متلازمان، وقد تفهم البيعة على وجه آخر، هو أن الناس بايعوا هشاما بالخلافة شريطة ~~أن يتركها بعده للوليد، فإذا أقصى الوليد عن ولاية العهد فقد نقض شرط ما بايعوه عليه، وبهذا ~~تسقط بيعته من أعناقهم؛ فوجم هشام، وجف ريقه، وظهرت الحيرة على وجوه أنصاره، وهنا قال ~~العباس: قلت: إن عندي شكا، ولم أكن في هذا القول كاذبا ولا متجنيا، إن أكثر ما يشاع عن ~~الوليد إفك ومين، وهي ms49 أكاذيب ولع الناس بها، واختلقها قوم لهم في اختلاقها مأرب ~~ومغنم؛ فعجل الزهري وقال: لا يا ابن الوليد، لقد رأيته بعيني وحوله القيان ينقرن الدفوف، ~~والمغنون يضربون على البرابط والطنابير. ~~- هذا يا مولانا أمر لا يخلو منه قصر من قصور بني أمية، ثم التفت إلى هشام قائلا: ثم إني ~~لا أعرف من رجال بني أمية من يبغض الوليد إلا القليل ممن يحيطون بهذا القصر، ويتزلفون إلى ~~صاحبه، ولو أنك يا أمير المؤمنين خلعت الوليد لأثرت فتنة شعواء في حياتك، وفرقت كلمة ~~المسلمين بعد مماتك؛ فإني أرى بعين الغضب - وأطال الله بقاء أمير المؤمنين - أن الناس ~~سيختلفون بعد موتك، وسوف يعد كثير منهم نقضك الولاية للوليد أمرا باطلا، فينصرفون إليه، ~~ويبقى فريق مع مسلمة، ويتقاتل الفريقان، ويأتي العباسيون فيضربون هذا بذاك، ويختطفون ~~الخلافة من أيديهم، يا أمير المؤمنين: دع الأمر كما هو، ودع كلاب الفتنة نائمة، فإني أخشى ~~أن نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، والله يعلم أني لك ناصح، وعلى خير المسلمين ~~أمين. # فانتفض هشام واقفا وقال: اذهبوا عني الآن، فإن عقلي يكاد يطير من رأسي، اذهبوا فللخلافة ~~رب يحميها، وأين هشام إذا أراد أمرا، وأراد الله غيره؟ فانصرف القوم في وجل ورهبة، وبقي ~~ابن عنبسة متخلفا، فلما خلت القاعة التفت إليه هشام وقال في ألم ممض: طار العصفور من ~~أيدينا، وبقي على دوحته ينظر إلينا مغردا ساخرا، لقد خاب الأمل في بني أمية. ~~- دعه يغرد قليلا يا أمير المؤمنين، فإننا سنعد له بعد قليل فخا وسكينا. ~~- كيف يا ابن عنبسة؟ ~~- إذا لم نستطع خلعه من ولاية العهد استطعنا خلعه من الحياة. ~~- معاذ الله أن أمد يدي إلى الوليد بسوء، لا تفكر في شيء من هذا يا ابن عنبسة، أتريد أن ~~تجعلني أحدوثة في الناس، وأن يقول القالة: إن هشاما قتل ابن أخيه؟ # لن يكون لك يا أمير المؤمنين في هذا الأمر ورد ولا صدر، وإنما: # هو الموت يعتام الكرام ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد ~~- لا، لا، يا ms50 يزيد، وإياك أن تقتل نفسا حرم الله إلا بالحق. ~~- لقد كنت أفكر يا أمير المؤمنين في التخلص من الوليد، لا لأنه يزاحم مسلمة في الخلافة ~~فحسب، بل لأنه يزاحمني في سلمى بنت سعيد. ~~- لقد حلت بينه وبين هذه الأمنية، وأمرت سعيدا ألا يرضى به زوجا لبنته. ~~- من يدري يا أمير المؤمنين؟ فإن الأحوال قد تحول، وقد يصبح سعيدا له راجيا بعد أن كان ~~آبيا. ~~- ماذا تريد أن تقول لا أم لك؟ ~~- أطال الله حياة أمير المؤمنين، ومد في عمره. ~~- سمعت هذه الدعوات من آلاف الآلاف من الناس، ولكن الدعاء لا يمنع القدر. ~~- إن لكل نفس أجلا يا أمير المؤمنين، لا تستقدم عنه ساعة، ولا تستأخر. ~~- دعك من ذكر الموت، وخض في حديث آخر. ~~- كانت لي جارية اسمها «صدوف» يا أمير المؤمنين، اشتراها مني الوليد من خمس سنوات، وهي لا ~~تزال تهفو إلي، وتحن إلى ذكراي، وتنقل لي أخباره، ولو أني أمرتها أن تثب في النار، أو تنام ~~في خيس الأسد لفعلت مطيعة راضية، وقد كنت أريد إغراءها بقتل الوليد قبل أن يستنكره أمير ~~المؤمنين، وينهى عنه، وأمير المؤمنين واجب الطاعة، وقد كان الأمر جد هين، فإن مروان بن ~~الحكم الذي كانت تنتفض منه قلوب الأبطال رعبا لم يقتله إلا امرأة هي زوجه أم خالد، فقد ~~وضعت على وجهه وسادة وهو نائم، فلم ترفعها عنه حتى مات؛ فأغمض هشام عينيه وغادر الحجرة ~~غاضبا وهو يقول: احذر يا ابن عنبسة أن تدنس يديك بالدماء! إني أنهاك ... إني أنهاك! # وخرج ابن عنبسة من عند الخليفة بعد أن خدعه وأظهر له العدول عن الفتك بالوليد، والتقى ~~بعد أيام بصدوف في داره؛ لأنها كانت تتغفل أهلها، وتختلس زيارته بين الحين والحين، فأحسن ~~لقاءها، وأكثر من الحفاوة بها، وطوقها بهالة من غزله وتشبيبه، وبثها كثيرا من أشواقه؛ فأجج ~~في قلبها نار كاد يطفئها اليأس، وفتح بابا من الرجاء أغلقه القنوط، فمالت عليه مذهولة حيرى ~~بعد أن أثار فيها حبا قديما كان يساورها في اليقظة والمنام، وهاج ms51 في نفسها وجدا كامنا ~~لم تفل من حدته الأيام، ثم أخذت تتمتم ورأسها على كتفه قائلة: حبيبي ماذا جد لك؟ لقد كنت ~~ألقاك قبل اليوم فلا أجد فيك تلك النشوة، ولا أحس لقلبك بهذا الخفقان الذي كأنه صدى وجيب ~~قلبي. ~~- كنت أكظمه يا صدوف، وكنت أربأ بمروءتي أن أمد يدي إلى طعام غيري، ولكن لكل شيء طاقة، ~~وقد عجزت طاقتي، وناء صبري بأن يحتمل أكثر مما احتمل، ولا بد للماء في مرجل أن يفور، وللسيل ~~المحتبس أن يخترق ما أمامه من جنادل، لقد بعتك يا حبيبة قلبي في ساعة جنون، ولم أعرف الهدوء ~~منذ ذلك الحين، ولكني كنت أخاف أن أظهرك على ما في نفسي فأجدد لك شوقا وحزنا أنت عنهما في ~~غناء، ثم انكب عليها يقبلها في ظمأ ونهم، ويهمس في أذنها بما يلقى من العصابة والهجر؛ ~~فأحاطت وجهه بيديها الرخصتين وهي تقول: ليتني أعود إليك يا حبيبي، هل من سبيل؟ فأطرق ~~كالمفكر وقال: ليس من سبيل إلا أن يبيعك لي الوليد. ~~- إنه كثير النفور مني، متجن عسوف، ولكنه شديد البغض لك، وهو يؤثر أن يبيعني لمجوسي ولا ~~يبيعني لك، ولو وازنتني بالذهب. ~~- إذا لم يبق من سبيل. ~~- إنني لا أستطيع الحياة بعيدة عنك يا حبيبي. ~~- ويل للوليد، إنه سد منيع بين قلبين. ~~- سد من فولاذ. ~~- أنستطيع أن نحطم هذا السد؟ ~~- كيف يا حبيبي؟ ~~- إن الحديد بالحديد يفلح، بهذا الخنجر، ثم قذف بالخنجر فسقط في حجرها، فقامت مذعورة وقد ~~تفتحت عيناها، وارتعشت يداها، وأدركها ما يدرك النساء ساعة الوهل من الذهول، وارتجاف العصب، ~~ثم همست والكلمات تتعثر بلسانها: تريد أنه يقتل؟ ~~- نعم يقتل؛ لأن الحب لا يقف في طريقه شيء. ~~- لا يا حبيبي، دعني من القتل وذكر الدماء، وخذ في وسيلة أخرى. ~~- ليس أمامي شيء غير القتل، ولو واتتني الفرص كما تواتيك ما توانيت لحظة عن قتله. ~~- كما تواتيني؟ أتريد أني أقتله أنا؟ ~~- ولم لا؟ ~~- لا، إنني أوثر أن يقتلني الحب على أن أمد يدي لقتل رجل أعيش تحت ms52 سقف داره. ~~- تعيشين تحت سقف داره ذليلة منبوذة، تعيشين تحت سقف داره وتتركينه ينام ملء عينيه هانئا ~~سعيدا، وحبيبك يتقلب دنفا حزينا على فراش من سهاد، تعيشين تحت سقف داره وتتحرجين من قتل ~~رجل يقتل نفسين في وقت معا، إنني لن أعيش طويلا إذا ظلت هذه الحال، ولن تمر أيام حتى ~~تذرفي الدموع على شهيد قتلته حبيبته؛ لأنها لم تقتل قاتله. ~~- إن القتل أكبر الجرائم إثما عند الله والناس. ~~- ألا يقتل بعض الناس بعضا في الحرب فرحين متفاخرين؟ ~~- ذلك في ميدان الحرب يا حبيبي. ~~- إن الوليد يحاربني ويحاربك بسلاح مسموم، فيجب أن ندفع عن أنفسنا، وأن نقتل ~~قاتلنا. ~~- ولكني لا أقتل أحدا. ~~- إذا لم تقتليه فخير لي أن أقتل نفسي، ثم وثب نحو الخنجر فدفعته عنه مذعورة وصاحت: لا ~~تفعل يا حبيبي، وقل ما شئت فإنني لك سمع وطاعة، فارتمى على وسادته كالمجهود، ثم قال: إن ~~الأمر أهون ما يكون، إن الوليد ينام وحده، فإذا هدأت الأصوات، ونامت العيون، ولم يبق من ~~الليل إلا أقله، تسللت إلى حجرته كأنك الطيف الطارق، أو الظل الساري، فأغمدت هذا الخنجر في ~~صدره وهو نائم، دون أن تسمع لك نأمة، أو تحس حركة، ثم عدت فغسلت يديك، ونمت مطمئنة هادئة، ~~فإذا جاء الصباح وعلم الأمر سهل أن يتهم بقتله أحد خدمه، وبينهم رستم الفارسي الذي هو جاسوس ~~عليه من خراسان، ثم ناولها الخنجر فخبأته تحت ثيابها، وخرجت من لدنه مضطربة ذاهلة كأن بها ~~مسا من جنون. # ولما بلغت القصر لمحها أبو رقية، وقرأ بعينه البلهاء ما على وجهها من خوف وحذر، ورأى في ~~اضطراب مشيتها، وفي حديثها الذاهل المتعثر ما يريب؛ لأن المسكينة على ما بذلت من جهد لم ~~تستطع أن تكبت ما يجيش في صدرها من أمواج الدسيسة، لمحها أبو رقية فأخذ يغالط نفسه، ويتهم ~~عينيه، ويلوم عقله المختبل على إساءة الظن بفتاة قد يكون عصف بها مطل حبيب، أو فراق خليل، ~~ثم إنه يعرف بصورة مبهمة أن الوليد ينأى عنها بحبه، ويخص ms53 بغرامه سعاد الكوفية، فلعل ثورة من ~~الغيرة طافت بها في هذه اللحظة، والنساء لغز معقد لا يهتدى إلى حله، وتيه مضلل تدور فيه ~~ولا تخرج منه، ولكنه رجع إليها البصر فلمح نتوءا لا يكاد يرى عند أعلى فخذها اليمنى، ~~فعاوده الشك، وتملكته الحيرة: أتخفي صدوف شيئا تحت ثيابها؟ ولم تخفيه إذا لم تقصد شرا؟ ~~وما هو؟ ولعب الشيطان بعقله، وتزاحمت هواجسه، فصمم على أن يتابع حركاتها دون أن تشعر ليرى ~~إلى أي مدى تنتهي، وجاء المساء، وانصرف أهل القصر إلى شيء من اللهو والطرب كعادتهم، وصلى ~~الوليد العشاء الآخرة بعد أن مر هزيع من الليل، وتحين أبو رقية غفلة العيون فدلف إلى حجرة ~~نوم الوليد، واختفى تحت سريره، ثم ذهب الوليد لينام، وأوى من بالقصر إلى مضاجعهم، ولما سكتت ~~الأصوات، ولف القصر ضرب من سكون الموت بعد أن كان يضطرب بضجيج الحياة، وأوشك الليل أن يزمع ~~الرحيل، قامت صدوف من مرقدها خائفة مرتعشة، ولكنها استعانت ببقية من مذخور عزيمتها، فأسرعت ~~الخطا في حذر وترقب، حتى بلغت الحجرة فدخلتها، فسمعت تنفس الوليد هادئا فأدركتها رجفة، ~~ولكنها لم تأبه لها، وتقدمت والخنجر في يمينها، وسمع أبو رقية خطواتها فتزحزح ليخرج من تحت ~~السرير، فرأى صدوف ويدها تمتد بالخنجر إلى صدر الوليد، فوثب من مكانه وقبض على يدها بقوة ~~ليست في طوق البشر، وذعرت الفتاة للمفاجأة؛ فصرخت وقذفت بالخنجر، ودهمتها موجة جارفة من ~~البكاء والنحيب، واستيقظ الوليد؛ فدهش لما رأى وصاح: ما الخبر يا أبا رقية؟ ~~- شيء تافه، فتاة تريد أن تنافسني في الجنون. ~~- قل لي ما الخبر قبل أن أكون مجنونا ثالثا. ~~- سلها يا سيدي. # وكان من بالقصر قد تيقظ للجلبة والصياح، فهرع الجواري والخدم إلى حجرة الوليد، وجاءت أمه ~~ترتعد من الخوف، حتى إذا رأته رمت بنفسها بين ذراعيه وهي تجهش بالبكاء، وقبض الوليد على ~~ذراع الجارية وقال: قولي ماذا كنت تقصدين بهذا الخنجر؟ فأجابت بين الشهيق والعويل: كنت أقصد ~~أن أقتلك. ~~- ولم تقتلينني يا فتاة؟ ~~- ذلك سرا أطويه لنفسي. ~~- هل ms54 أغراك أحد بقتلي؟ ~~- لم يغرني أحد، فازداد غيظ الوليد، ولكنه كبح غضبه، وأمر سبرة أن يحبس الفتاة، وألا ~~يمسها بسوء، ثم التفت إلى أمه وهو يقول مشيرا إلى أبي رقية: لقد أنقذني هذا ~~المجنون. ~~- إنه ليس بمجنون يا بني، إنه إذا أراد كان أعقل العقلاء، حياك الله أبا رقية! لقد نجيت ~~ولدي. ~~- لعل من أكبر علامات جنوني أني أهتم دائما بهذا الوليد الذي لا يساوي جناح بعوضة؛ فضحك ~~الوليد وقال: الآن عاد إليك الجنون، قل لي بالله: كيف وصلت إلى حجرتي؟ ~~- لقد ارتبت في أمر الفتاة منذ الصباح، وجال في نفسي أنها تريد بك شرا لا أدري لماذا، ~~فاختبأت تحت سريرك قبل أن تنام، وقد صدق ظني، وتحققت وساوسي، فقالت أم الوليد: هذه مؤامرات ~~من أعدائك حركت ساعد الفتاة بالخنجر يا بني، فإنك تمشي فوق أرض ملئت بالفخاخ! # وانتهت الحادثة، ومرت أيام وأيام، وعرف ابن عنبسة من اختفاء صدوف أن المؤامرة لم ~~تفلح. # وفي أحد الأيام خرج الوليد للصيد مع فريق من ندمائه، وبينما كان يعدو فرسه «السندي» خلف ~~غزال ظهر فارس من عبيد بني أمية كان مختفيا خلف أكمة، فلمحه الوليد وهو يصوب إليه سهما ~~فراغ منه، فرماه بثان وثالث فأخطأه، وعجل الوليد فدار ووثب عليه بالسيف فأطاح رأسه ~~وقال: # ألم تر أني بينما أنا آمن # يخب بي السندي قفرا فيافيا # تطلعت من غور فأبصرت فارسا # فأوجست منه خيفة أن يرانيا # ولما بدا لي أنما هو فارس # وقفت له حتى أتى فرمانيا # رماني ثلاثا ثم إني طعنته # فرويت منه صعدتي وسنانيا # وقد علم الوليد بعد هذه المخاتلات المتكررة أن حياته أصبحت في خطر داهم، وأنه إذا نجا ~~مرة وأخرى فلن ينجو في كل مرة، وتحدث مع أمه وندمائه في الأمر، فعقدوا العزم على أن يفر ~~بنفسه في البوادي، وأن يتنقل بين المنازل والمناهل فلا يعلم مستقره إلا أخلص خلصائه، فهجر ~~دمشق مع بعض جواريه وأصحابه، وخلف كاتبه عياض بن مسلم بالرصافة ليكون له جاسوسا على ~~هشام، ولينبئه بأخباره. # ونزل ms55 على ماء يسمى «الأغدف» بعمان بين أرض بلقين وفزارة، ونسي الناس بدمشق الوليد، ~~وأطرقت أفاعي أعدائه إلى حين. # ومرت أيام وشهور على الوليد وهو يعاني الهم والضيق، وينتقل بين أحياء العرب كالطريد ~~المنبوذ في خشونة لم يتعودها، وجفوة ليس له بها عهد. # وفي ليلة الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، أحس هشام ضيقا ~~في صدره واختناقا، فأخذ يئن أنينا، ويدلي رأسه من النوافذ ليلتقط بعض النسيم، ويهمس في ~~ضعف ويأس: هذه الذبحة! هذه الذبحة! لقد عاودتني، ليس لي منها نجاة هذه المرة، مروا فيروز ~~يحضر دواء الذبحة فإني ما أراني إلا مائتا. # وأسرع فيروز فأحضر الزجاجة، ولم يكن بها إلا ماء ملون، فجرع هشام منها مرات فلم تفده ~~شيئا، واشتد به الداء فألقى رأسه على الوسادة، وأخذ يردد أنفاسا قصارا. # وعلم عياض بن مسلم بمرضه وإشرافه على الموت، فأسرع وختم على خزائن الأموال، وأمر ~~خزانها أن يحتفظوا بما في أيديهم، وألا يخرجوا من خزائنهم شيئا، وإلا كان جزاؤهم ~~الموت. # وأفاق هشام من غشيته فطلب مروحة من بيت المال يجتذب بها بعض الهواء إلى صدره، فقيل له: ~~إن الخزائن مقفلة موصدة، فزفر زفرة قصيرة، ثم قال بصوت يزاحمه الموت: «أرانا كنا خزانا ~~للوليد»، ثم مات، وحينما هم أهله بغسله طلبوا قميقما ليسخن فيه ماء الغسل، فقيل لهم: إن ~~الخزائن مقفلة موصدة، فاستعاروا قمقما من الجيران، ثم طلبوا له كفنا، فقيل لهم: إن ~~الخزائن مقفلة موصدة، فكفنه أحد عبيده من حر ماله. # وهكذا يموت من ملك الدنيا، ودانت له الأرض، فلا يجد إناء لماء غسله، ولا يجد كفنا ~~فيكفنه العبيد، فسبحان من له الملك الدائم، والعزة التي لا تبيد! # | ضحك وبكاء # أقام الوليد طويلا بالصحراء حتى جفاها وجفته، وأسأمها بالشكاية وأسأمته، وبينما كان ~~جالسا ذات يوم إلى ندمائه وهم يتحدثون في دمشق، وليالي دمشق، وما فيها من إشراق ومتاع؛ إذ ~~طاف به خيال سلمى، فاستبد به شوقه، واشتد إليها حنينه، وصاح: لقد انقطعت الرسل بيني وبينها، ~~وأصبحت ms56 لا أطيق لهذا البين احتمالا، ولا عليه صبرا، ليت شعري أين الآن وجهها؟ وماذا تفعل ~~الآن بعدي؟ ألا تزال راعية لعهدي حافظة لودي؟ أخشى أن يكون ابن عنبسة قد وجد إليها الطريق ~~ذلولا، وأخشى أن يكون أبوها قد تغلب على عنادها، ودفعها إلى قبول هذا العتل الزنيم زوجا، ~~ثم تأوه وزفر، وطلب إلى عمر الوادي أن يغني: # طاف من سلمى خيال # بعد ما نمت فهاجا # قلت عد نحوي أسائل # ك عن الحب فعاجا # بفلاة ليس ترعى # أنبتت شيحا وحاجا # 1 # فغنى الأبيات بصوت حزين بكى له الوليد، وبكى له من معه، ثم عاوده الفرح فجأة، وطلب إلى ~~أبي كامل أن يغني: # أصبح اليوم وليد # هائما بالفلوات # ابعثوا خيلا لخيل # ورماة لرماة! # فلما سكت أطرق الوليد طويلا، ثم اتجه إلى عبد الصمد بن الأعلى وقال: أما لهذا الليل من ~~آخر يا ابن عبد الأعلى؟ أما آن لهذه الغمرات أن تنجلي؟ لقد طالت مدة هشام حتى مللت انتظار ~~يومه، وكأنه يريد أن أسبقه إلى الموت. # فقال عبد الصمد: رفقا بنفسك يا مولاي، فإني أرى في ظلمات الغيب نورا يأتلق، وأسمع في ~~صدري همسا يبشر بالفرح القريب: # ألم تر للنجم إذ شيعا # يبادر في برجه المرجعا؟ # فقلت وأعجبني شأنه # وقد لاح إذ لاح لي مطمعا # لعل الوليد دنا ملكه # فأمسي إليه قد استجمعا # وكنا نؤمل في ملكه # كتأميل ذي الجدب أن يمرعا # عقدنا له محكمات الأمو # ر طوعا، فكان لها موضعا # فاهتز الوليد للشعر وقال: حياك الله يا ابن عبد ~~الأعلى! ألا تزال تؤمل في ملكي كتأميل ذي الجدب أن يمرع؟ إذا فلتؤمل طويلا، ولتصبر ~~طويلا، فإن بينك وبينه سدا من صخر، وجنادل يسميه الناس هشاما، ثم وجه الحديث إلى المنذر ~~بن أبي عمرو، فقال: أتعرف يا ابن أبي عمرو أن ليلة لم تأت علي منذ عقلت عقلي أطول من ليلة ~~الأمس؟ وأخذت أفكر في هذا الرجل الذي شردني وتجرد لإيذائي، فاركب بنا نتنفس؛ فقد كدت أضيق ~~بكل ما حولي، فركبا حتى إذا ms57 سارا ميلين وقف الوليد على كثيب، وأعاد الكلام في هشام، وفي ~~الشكوى من هشام، وبينما هو يعدد أفاعيله، إذا رجلان على البريد مقبلان، أحدهما مولى لأبي ~~محمد السفياني، والآخر يدعى جردبة، فلما قربا أتيا الوليد يعدوان حتى دنوا منه، فسلما ~~عليه بالخلافة، فدهش الوليد وتملكه ذهول كاديسقطه على الأرض، فجعل جردبة يكرر السلام عليه ~~بالخلافة، وهو مشدوه يفتح فمه ولا يستطيع الكلام، ثم جاهد حتى ملك نفسه وقال: ويحك أمات ~~هشام؟ ~~- نعم يا أمير المؤمنين، فصاح الوليد: صدق الله ~~العظيم # حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون ~~. اكتب يا ابن أبي عمرو إلى العباس بن الوليد أن يأتي ~~الرصافة، ويحصي ما فيها من أموال هشام، وأن يسجن أولاده وعماله وخدمه، ثم قال: # طاب يومي ولذ شرب السلافة # إذ أتاني نعي من بالرصافة # وأتانا البريد ينعي هشاما # وأتانا بخاتم للخلافة # وأمر من معه بالرحيل إلى دمشق، ودخل المدينة في موكب حافل وهو فوق فرسه «الرائد»، وقد ~~لبس خلع الخلافة، وقبض على عصاها، ووضع فوق رأسه عمامة بها ياقوتة حمراء بقدر الكف قبلتها ~~أشعة الشمس، ثم ارتدت عنها فأرسلت بريقا وألوانا تتخطف العيون، وحف به ندماؤه وكتابه ~~وعماله وكبار أهل الرأي من بني أمية، واصطف الناس وتزاحموا على الجانبين، ورددوا صيحات ~~الفرح، والاستبشار بالخليفة الشاب، ونثر أمامه النثار الدنانير والدراهم، فانكب عليها ~~الناس في هرج وشره كما تنقض سباع الطير على فرائسها، ومشى المغنون وهم ينقرون الدفوف، ~~ويعزفون بالطنابير، وكان أشعب يرقص أمامهم رقصات عجيبة يتلوى فيها جسمه كما يريد، كأنه خلا ~~من العظام، ويرسل النكات سافرة ومحجبة لا يبالي من يقذف بها. # وبلغ الموكب قصر الخلافة، وجلس الوليد على عرش آبائه بعد أن طال إليه اشتياقه، وكاد يدركه ~~اليأس منه، وتقدم صنايد الأمويين، وعظماؤهم يبايعونه، ويسلمون عليه بالخلافة، وبايع الناس ~~جميعا، وطارت إليه الرسل من أقصى الأرض بالبيعة والتهنئات، وجال بخاطره - وهو في هذه ~~النشوة الساحرة، وذلك العز الشامخ - بيت من الشعر قالته لسليمان بن عبد الملك إحدى ms58 ~~حظاياه : # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان! # فغام وجهه، وزاغ بصره، فهز رأسه هزا عنيفا، كأنه يريد أن يطرد عنه طائر التطير، ثم أمر ~~ابن عبد الأعلى أن يدعو إليه سعيد بن خالد، وقدم عليه في هذه الأثناء وفد الشعراء، وكان في ~~مقدمتهم يزيد بن ضبة، وهو شيخ جاوز السبعين، دخل يتوكأ على عصاه، فهنأ الوليد بالخلافة، ~~وانكب على رجليه يقبلهما، وكان ابن ضبة في أول عهده منقطعا إلى الوليد، فلما أفضت الخلافة ~~إلى هشام فر من وجهه إلى الطائف، وحين رآه الوليد فرح به وهش للقائه وأدناه، وقال لحاشيته: ~~هذا طريد هشام لصحبته إياي، وانقطاعه إلي! هات يا ابن ضبة ما عندك، فأنشده قصيدة ~~منها: # سخا بالذهب الأحمر وزنا بالقناطير # كريم العود والعنصر غمر غير منزور # فطرب الوليد للشعر، وأمر بأن تعد أبيات القصيدة، وأن يعطى بكل بيت ألف درهم، وكانت ~~خمسين بيتا، ثم أمر كاتبه عياضا أن يجري عطاء دائما على عجزة أهل الشام من الشيوخ، ~~والمرضى، والعميان، والفقراء المعدمين، وأن يخص كل واحد منهم بخادم، وأمره بأن يزيد في عطاء ~~كل صاحب عطاء عشرة دنانير، وأن يصل بأعطية أهل الشام إلى ضعف ما كانوا يأخذون. # ثم طلب منه أن يكتب إلى نصر بن سيار عامله على خراسان، أن يسير إليه مع وجوه من أهل ~~خراسان، وأن يحضر معه برابط وطنابير ودفوفا وأباريق من ذهب وفضة، وأن يجمع كل صناجة يقدر ~~عليها، وكل باز، وكل برذون فاره، ثم أطرق قليلا وقال: وعليك أن تحصر علماء الحديث والقرآن ~~بالشام والمدينة، ثم تجري على كل واحد منهم مائتي دينار في العام. # والتفت إلى ابن سهيل وقال: وأنت يا ابن سهيل مر كبير شرطتي أن يقبض على يزيد بن عنبسة، ~~وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن الوليد، والزهري، وأبناء القعقاع، وأن يزج بهم في سجن ~~الظلام، فقد كنت أحن إلى اليوم الذي أشفي فيه نفسي منهم. # وما كاد ينتهي من أوامره حتى وصل سعيد بن خالد ms59 فاستأذن له، فدخل وهو يرتجف من الخوف، ~~فقبل يد الوليد وهنأه بالخلافة، فقال الوليد: أقبل علي يا ابن خالد، فإن بيننا حسابا ~~عسيرا. ~~- لقد سعدت الدنيا بك يا أمير المؤمنين وسعد الناس، وهذا يوم صفاء يجب ألا يكدر بذكر ~~الماضي. ~~- صدقت يا ابن خالد، ولكنك كنت علي إلبا مع هشام، ولو شئت أن أنتقم لفعلت، ولكن شفيعا ~~لا يرد يأتي دونك ودوني، فيرد عنك يدي، ويغمد سيفي. كيف سلمى؟ ~~- هي بخير، تقبل يدي أمير المؤمنين، وترجو رضاه. ~~- ترجو رضاي؟ ولقد لبثت شهورا بائع ثياب لألتمس منها كلمة رضا! والآن وقد أصبحت أمير ~~المؤمنين أتقبل أن تزوجنيها؟ ~~- هي خادمة لأمير المؤمنين، فوثب الوليد من مجلسه وثبة عصبية، وصاح في أصحابه: أعدوا كل ~~شيء للعروس. # وكان عرسا لم تر له دمشق مثيلا، تألقت فيه الأنوار، ومدت الموائد، ونثرت الدنانير ~~واللآلئ، وتواترت فيه الهدايا من كبار الدولة، وعمال الأمصار، ولم يبق عود ولا طنبور ولا دف ~~في المدينة إلا أطلق العنان للألحان، ولم تبق راقصة ولا شادية إلا عرضت من فنونها ما يثير ~~الوجدان، ويعجز البيان، ولعبت نشوة الفرح بالرءوس فسالت الأعطاف، وجمد اللسان، وعرض أشعب ~~ألاعيبه وفنونه بين ابتسامات الشيوخ، وضحكات الحسان، واخترق الوليد الجمع الحاشد وهو يصيح ~~في غير مبالاة: # أو لا تخرج العرو # س فقد طال حبسها؟! # قد دنا الصبح أو بدا # وهي لم يقض لبسها! # وبعد قليل تحققت أمنيته وابتسم له القدر العابس، وزفت إليه حبيبة قلبه وريحانة حياته بعد ~~أن ضرب الدهر بينه وبينها، وكاد اليأس يقضي عليه وعليها. # وكانت سلمى في برد شبابها زينة شبابها، وزهرة أترابها، جسم رخص ريان ناصع البياض كأنما ~~صيغ من صافي الدر، أو سبيك اللجين، وقامة مياسة يزيدها العجب حسنا ولدانة، وصدر ممتلئ ~~رجراج كأنه الزئبق يفر من البنان، ووجه تأنقت يد القدرة في تكوينه وتلوينه، فجاء صورة ~~للجمال البارع الذي حاول وصفه كل شاعر فند على أوزانه، وخطر لكل رسام فأبى على ألواحه ~~وألوانه، جبين يتألق كأنه الصباح الباسم، وعينان فيهما ms60 سحر ، وفيهما خمر، وفيهما كل ما يثير ~~الفتنة، ويعبث بالعقول، وأنف عربي أموي فيه الشمم، وفيه العزة، وفيه الجمال، وفم ياقوتي ~~يبسم عن درر لم تظفر بمثلها صدفات البحار. # جلست سلمى إلى جانب الوليد فتشاكيا البعد، وتبادلا الوجد، وشربا من رحيق الحياة أكوابه ~~صافيه مترعة، ومرت بهما ساعات هنيئات أطلق الدهر الغادر لهما فيها العنان، ومد الحب عليهما ~~الظلال، فمن عناق إلى عناق، ومن قبلات إلى أشواق، ومن ضحك إلى بكاء هو الضحك، ومن مزاح إلى ~~جد هو المزاح، حب وملك ونشوة وشباب وجمال، فماذا بقي من صنوف النعيم؟ وماذا تخلف من نضارة ~~الحياة؟ حقا إن السعادة لو طمعت في أكثر من هذا لكانت بطرة ملولا! # ومضى سبعة أيام والعاشقان يتساقيان كؤوس الحب، ويتراشفان رضاب الغرام، وترك الوليد شؤون ~~الدولة تسير كما تريد أن تسير، أو تقف كما تريد أن تقف، وانفرد بحبيبته في ناحية من قصره ~~كما ينفرد طائران في وكن، وجعل بينه وبين صخب الحياة وضجيجها وآلامها ودسائسها حجابا ~~مستورا، لم يخطر بباله تألب العلويين، ولا مؤامرات العباسيين، ولا تذمر الأمويين، ولا تلك ~~الثورات التي أخذت تشتعل في أطراف الدولة، الدنيا عنده سلمى، والحياة سلمى، وكل جميل في هذا ~~الوجود ليس إلا سلمى، وطالما كان يقول، وطالما كان يردد: # أنا في يمنى يديها # وهي في يسرى يديه # إن هذا لقضاء # ليس عدلا يا أخيه # ليت من لام محبا # في الهوى لاقى منيه # فاستراح الناس منه # ميتة غير سويه! # بقيا على تلك الحال سبعة أيام، وجاء اليوم الثامن فكان شديد الحر، لواح الهجير، متقد ~~أديم الأرض، مات فيه النسيم العليل، وبعثت نيران الجحيم، وصبت الشمس فيه شواظا على جبل ~~قاسيون، فأبى أن يحمله وأشفق منه، فرمى به إلى المدينة شررا وحمما، واغبر الجو فاختفت ~~الأنفاس، وضاقت الصدور، ولم تطق سلمى ذلك الحر اللافح، فأمرت جواريها أن يضعن لها ثلجا في ~~الماء، فلما ذاب فيه قامت لتبترد، فتسلبت من ثيابها، وأخذت تصب الماء على جسمها، وحين شعرت ~~بلذة الماء وبرده ms61 والت الصب، ثم والته، كأنها كانت تطفئ لهيبا، ثم لبست غلالة رقيقة من ~~الحرير، وخرجت إلى أحد مشارف القصر فوقفت به طويلا، وما كاد يولي النهار حتى شعرت ببرد ~~شديد يسري في أوصالها، ثم أخذتها غشية فسقطت على الأرض لا تحس ولا تبين، فأسرع إليه الوليد ~~فحملها إلى سريرها، وأقبلت أمه مذعورة واجفة، وطفق الجواري يدلكن جسمها، وينضحن وجهها بماء ~~الورد لتفيق، واضطرب الوليد وأخذه البكاء، واستولى عليه الهلع، وجعل يصيح: أين الطبيب؟ أين ~~الطبيب؟ اذهبوا إلى فرات بن شحناثا اليهودي، أحضروه على جناح الريح، على جناح البرق، على ~~جناح الشيطان! حبيبتي! حبيبتي تموت وأنتم هنا أمامي يا أولاد الإماء! # ولم يمض إلا قليل حتى جاء الطبيب، وكانت البرودة التي في جسم سلمى انقلبت حرارة متأججة، ~~وأخذ تنفسها يتلاحق، وصدرها يرتفع وينخفض كأنه كير حداد، ثم اعترتها نوبة هذاء وخلاط، ~~فجعلت تثب من سريرها وتصيح: دعوني أذهب إلى زوجي، أنا أعرف أنه بعمان، لقد حال هشام بيني ~~وبينه، حبيبي! أنت لا تصلح بائع ثياب، إن وجهك يشي بك، إن به نبلا موروثا، إنه وجه ملك، ~~أثواب وألوان للعذارى الحسان! دعني يا أبي من ابن عنبسة، عم مساء يا أبي، هاتوا حلي العروس! ~~مشطوا العروس! ما هذه البئر؟ إنها بعيدة الغور مظلمة، لقد زلقت رجلي، أدركوني! أنقذوني! ثم ~~سقطت على السرير مجهودة لاهثة، تطلب نفس النسيم فلا تكاد تجده، وغاصت في غشية لا قرار لها، ~~وارتفع بكاء الوليد، وبكاء من حوله من الجواري والخدم، وأخذ يلطم وجهه كما تفعل النساء إذا ~~حزبهن الحزن، ولا يجدن له متنفسا، ومس الطبيب المريضة، وسأل عما يكون سببا في المرض، ثم ~~اتجه إلى الخليفة مكفهر الوجه حزينا وقال: إن هذا المرض في الرئتين يا أمير المؤمنين، وقد ~~سببه صب الماء البارد، ثم التعرض للجو في غلالة رقيقة، وهو مرض قوي الحملة، شديد الوطأة، ~~ولكن الله يشفي ما هو أشد منه وأعضل، ودواؤه الدفء، والأشربة الساخنة، ويجب ألا تخاطب ~~المريضة وهي تهذي، وإلا اختلط عقلها، وإذا ms62 احتملت مولاتي هذا المرض خمسة عشر يوما نجت ~~وزالت أسباب الخوف، وإني يا أمير المؤمنين مستبشر خيرا، راج في وجه الله الكريم، وسأعد ~~لمولاتي دواء، وسأتردد في كل يوم مرات، مسح الله السوء عن مولاتي، ولا أحزن قلب أمير ~~المؤمنين! # وانصرف الطبيب، ومر يوم وثان وثالث والمرض يستشري، والآمال تتضاءل، حتى إذا كان اليوم ~~السابع هدأت المريضة، وسكن صدرها من الخفقان، فاستبشر الوليد وأرسل صيحة فرح دوت في جوانب ~~الحجرة، وكادت تهز الكلة التي ضربت فوق سريرها، ثم أخذ يداعبها ويدللها ويقول: لقد شفيت يا ~~حبيبتي، وزال عنك الضر، سأذهب بك عندما يتم شفاؤك إلى لبنان، إن هواءه يبرئ السقيم، وماءه ~~من تسنيم، وتفاحه كفمك مسكي النفحات، سكري اللثمات، أتحبين تفاح لبنان يا سلمى؟ حدثيني، ~~أتفضلينه على مشمش دمشق؟ قولي يا حبيبتي أيهما تفضلين؟ مالك ساكنة؟ أواجدة أنت علي؟ لا لا، ~~إن الوليد لا يغضب ريحانة حياته، بالله أجيبي يا سلمى! # ولكنها لم ترد عليه، ولم تجاذبه الحديث، فرفع الكلة ونظر، فإذا جثة هامدة! وإذا الجمال ~~الباهر الذي كان جمالا في جسم وروح أصبح جمالا في تمثال؛ فصرخ وشق ثيابه، وأخذ يدور في ~~الحجرة كالمجنون، ويضرب الجدران برأسه ويصرخ: ماتت سلمى! ماتت سلمى! ذهبت حياتي! طويت ~~آمالي! غابت شمسي! جفت زهرتي! صوحت روضتي! أدركوني يا عبيد القصر، خذوني وادفنوني معها، لا ~~شأن لي بالحياة بعدها، إن الحياة ليست نفسا يتردد، ولكنها أمل ورجاء وحب، وكان أبو رقية ~~يجلس في ناحية من الحجرة مشدوه العينين ساهما، يرتل القرآن ترتيلا، وقدم رجال الدولة وعم ~~البكاء، وارتفع العويل، وطوي بساط السرور، وفرش بساط للأحزان. # وفي اليوم التالي دفنت سلمى بعد إباء من الوليد وممانعة، وبعد أن شيعها بأبيات تقطع نياط ~~القلوب، وتستنزف ماء الشؤون: # ألما تعلما سلمى أقامت # مضمنة من الصحراء لحدا؟ # لعمري يا وليد ولقد أجنوا # بها حسبا ومكرمة ومجدا # ووجها كان يقتصر عن مداه # شعاع الشمس، أهلا أن يفدى # فلم أر ميتا أبكى لعين # وأكثر جازعا، وأجل فقدا! # وعكف بعد ذلك ms63 الوليد على أحزانه، ولم يجد تسلية لهمومه إلا أن يصب عذابه على من ناصبوه ~~العداء أيام هشام، فأحضر سليمان بن هشام من السجن، وأمر بأن يضرب أمامه مائة سوط، وأن يحلق ~~رأسه ولحيته ثم ينفي إلى عمان، وطلب يزيد ابن عنبسة والزهري، فقيل له: إنهما فرا إلى حيث ~~لا يعلم مكانهما، فأرسل خلفهما الجنود ليقبضوا عليهما ولو كانا في أقصى الأرض، ثم أمر بأن ~~يدفع بنو القعقاع إلى عامل قنسرين ليذيقهم مر العذاب إلى أن يموتوا، ودعا عياضا كاتبه، ~~وطلب منه أن يكتب إلى يوسف بن عمرو والي العراق بقتل خالد بن عبد الله القسري، وهكذا كان ~~يقضي الوليد نهاره في تعذيب وانتقام، وليله في تطريب وأنغام! # واجتمع أهل الدعوة بخراسان عندما وصلت إليهم أنباء الوليد وأحاديث لهوه وظلمه، ورأوا أن ~~دولة الأمويين تخطو حثيثا إلى الزوال، وأن من الحكمة أن ينتظروا بإظهار دعوتهم قليلا حتى ~~تجف الثمرة فتسقط وحدها؛ لأن عبث بني أمية وحده سيزيد من كراهية الناس وانصرافهم عنهم، ~~وبذلك يسهل ثل عرشهم، ومحو سلطانهم، واستبشر الدعاة بالوليد خيرا؛ فزادت قوتهم، وتجددت ~~آمالهم، وظهرت منهم بوادر رآها نصر بن سيار عامل خراسان فتوجس الشر، وأحس بسوء المصير، وكتب ~~إلى الوليد: # أرى خلل الرماد وميض نار # ويوشك أن يكون لها ضرام! # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها كلام! # فقلت من التعجب: ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام! # فلما قرأ الوليد كتاب نصر كتب في أسفله: بل نيام يا ابن البلهاء! لقد أقطعك أمير ~~المؤمنين خراسان هبة فاعمل بها ما شئت، فإنه مشغول عنك وعن خراسانك! # | قتل ودمار # ومرت شهور والوليد يشفي نفسه في كل يوم بانتقام جديد حتى خافته خاصة الناس، وسئمته ~~عامتهم، ولقد فرح الناس لتوليته أول الأمر لما أغدق من العطايا والنعم، ولما بذل من المواهب ~~واصطناع المعروف، بعد أن عانوا أيام هشام عهدا شحيحا يحاسب فيه الخليفة على الدانق، ولا ~~يثيب إلا على عمل، ولكن الوليد لم يستطع أن يمد يده بالعطاء في كل حين، ms64 ولم يكن له من ~~الخلال ما يحمل الناس على حبه وإجلاله، فتحولت عنه قلوبهم، ونالت منه ألسنتهم، ولكل دولة في ~~أول عهودها بهجة وإشراق، يستقبلها الناس فرحين مستبشرين، وهي تستقبل الناس بالوعود، وبذل ~~الرغائب، فإذا ذهبت جدتها ولم تواصل إحسانها انصرفوا عنها ساخطين شاكين وهم يتحسرون على ~~العهد القديم، ويتطلعون إلى فجر يوم جديد. # واجتوى الوليد دمشق واجتوته، وكره لقاء الناس وضجروا به، فرحل إلى «الأغدف» بعمان، وسار ~~في ركابه كثير من خدمه وندمائه، وكان الوليد خلقا عجيبا، فقد كانت له نفس واحدة استطاعت ~~أن تتقسم أنفسا، فكانت له نفس باكية حزينة، ونفس مرحة ضحوك، ونفس تقية خيرة، ونفس عارمة ~~صاخبة، وكانت كل نفس من هذه الأنفس تظهر فجأة على غير إرادة من صاحبها، وتطالع الناس ~~متناوبة متعاقبة كما تدور كرة حول محور، فكثيرا ما اتصل منه الضحك بالبكاء، والخير بالشر، ~~والقوة بالضعف، وكان الناس لذلك منه دائما في وجل وخوف، لا يدرون ماذا تكون اللحظة التالية ~~للحظة الحاضرة. # ذهب إلى الأغدف، وأعاد فيه مجالس أنسه، ومجالي صبوته، وكأنه لم يعشق مرة سلمى، ولم ينكب ~~بموت سلمى، ولكن خيالها كان يطوف بنفسه في لحظات متقطعة؛ فيبكي بين رنين المزاهر، ودقات ~~الصنوج، وتنفست دمشق الصعداء لفراقه، ومد فيها الساخطون رءوسهم إلى الفتنة، وعاد إليها كثير ~~من الفارين كابن عنبسة، وبعض بني القعقاع، وزعماء اليمنية. وفي ذات صباح التقى جمع منهم ~~بدار شبيب بن أبي مالك فتذاكروا في شأن الوليد، وأنه إذا امتد عهده لم يبق منهم أحدا، ولم ~~يترك لمجد الخلافة أثرا، واستقر رأيهم على مبايعة يزيد بن الوليد؛ لأنه كان يظهر التقوى ~~والورع، ويتشبه بعمر بن عبد العزيز، فذهبوا إليه وكان بالرصافة فحدثوه بأمرهم، وألقوا إليه ~~بسرهم، فأخذته الدهشة، وتذكر سطوة الوليد وبطشه، فطلب منهم أن يمهلوه حتى يستشير عمرو بن ~~يزيد، ثم تركهم وذهب إلى عمرو في داره، وأطلعه على ما اعتزم عليه القوم، فوقف عمرو وقد كان ~~جالسا وقال: هذا يا ابن العم أمر جسيم لن يفصل فيه ms65 إلا أخوك العباس؛ فإنه صاحب رأي ومعرفة، ~~أما أنا فرجل كثير الشكوك كثير التقلب، وليس لمتقلب رأي. # وانطلق يزيد إلى العباس يستشيره ويستهديه، فما كاد يكشف له عن طرف مما جاء بشأنه حتى وكزه ~~العباس في صدره، وصاح في وجهه غاضبا: حقا إنك لأشأم سخلة في بني مروان، ووالله لولا ما ~~أخاف عليك من حدة غضب الوليد لشددت وثاقك وحملتك إليه، إن دولة بني أمية تهتز للسقوط، ~~فبالله عليك لا تضرب فيها بمعول جديد! إن بها من نيران الفتن ما تعد جهنم إزاءه جذوة ~~خامدة، فدعها أيها الغر، ولا تزدها نكالا! دعها بالله وانصرف إلى شأنك، أتدري معنى خلع ~~خليفة من بني مروان؟ إن معناه أيها الأبله ضياع الدولة كلها، اذهب يا عدو عشيرته، ولا تثر ~~جرحا لا يريد أن يندمل، وإذا حدثتك نفسك بشيء مما في نفسك فاعلم أنه هو الشيطان الخناس ~~الذي يوسوس في صدور الناس، وأن غراب الفتنة هو الذي يدفع الأشقياء إلى أن يخربوا بيوتهم ~~بأيديهم: # إني اعيذكم بالله من فتن # مثل الجبال تسامى ثم تندفع # إن البرية قد ملت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا # وخرج يزيد من لدن العباس حزينا مترددا، ولكن الرغبة في الملك أغرته بنبذ وصايا أخيه، ~~فنفض عنه ما كان قد أصابه من يأس، وطرح ما كان مسه من خوف، والتقى بجماعات الساخطين، وكان ~~بينهم يزيد بن عنبسة فبايعه سرا، ولما اجتمع له أمره قصد إلى دمشق متنكرا في سبعة من ~~أنصاره؛ فنزل على المزة، وهي أرباض دمشق، وقصد قدما إلى دار معاوية بن مصاد زعيم قومه، ~~فبايعه وبايعه كثير من أهله ورجاله، ثم رحل إلى دمشق، وعزم على إظهار الدعوة، فأرسل إلى ~~أصحابه فكمنوا عند باب الفراديس، ودخلوا المسجد الجامع لصلاة العشاء، فلما أتموا المكتوبة ~~قبضوا على من بالمسجد من الحراس وكبلوهم، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأخبره ~~الخبر، ثم قال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه! فاتجه يزيد إلى السماء، وهو ~~يقول: اللهم إن كان ms66 هذا لك رضا فأعني وسددني له، وإن كان غير ذلك فاصرفه عني! وانطق مع ~~ابن عنبسة في دروب دمشق، وكلما سارا خطوات انضم إليهما أعوان وأنصار، وما جاء اليوم الثاني ~~حتى توافدت على يزيد الكتائب يقودها مشايخها، وهي تتحرق للقتال، وترجو ما وراءه من ~~غنائم. # وطار أحد عبيد الوليد على جواد يسابق الريح إلى سيده، فلما بلغ الأغدف رآه بين ندمائه، ~~وعمر الوادي ينشدهم: # أدر الكأس يمينا # لا تدرها باليسار # اسق هذا ثم هذا # صاحب العود النضار # من كميت عتقوها # منذ دهر في جرار # وما كاد يلقى إليه الخبر حتى ثار وقذف بالحمم، وأمر بضربه مائة سوط، ثم بحبسه. # وكان بمجلس الوليد يزيد بن خالد، وعبد الله بن سعيد، والأبرش الكلبي، فقال ابن خالد: إني ~~أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل حمص فإنها حصينة، وأن توجه منها الجنود إلى يزيد حتى يظهرك ~~الله عليه. وقال ابن سعيد: لا ينبغي للخليفة أن يرتحل بجنوده، ويدع نساءه في أيدي أعدائه، ~~والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره، فابتدره ابن خالد قائلا: وماذا يخاف أمير المؤمنين على ~~نسائه، وقائد جيش عدوه هو ابن عمه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك؟ فصاح الوليد في غضب ~~وسآمة: لن أرحل، ولن أترك أهلي ونسائي. وأشار عليه الأبرش أن ينزل بحصن البخراء، وأن يقاتل ~~أعداءه حوله، فأخذ الوليد برأيه، وانتقل إليه. أما دعاة يزيد فانطلقوا ينادون في الناس: من ~~سار للقتال مع يزيد فله ألفان! فهرع إليه كثير من مرتزقة المحاربين. # ثم علم عبد العزيز بن الحجاج قائد جيش يزيد أن العباس بن الوليد قادم لمناصرة الوليد ~~بطائفة من أهله ورجاله، فسقط في يده، وأيقن أن شيئا من ذلك لو يتم لتفرق عنه رجاله لشدة ~~ثقتهم بالعباس، وحبهم إياه، واعتقادهم أن الفئة التي يظاهرها هي الفئة الغالبة، ولذلك أسرع ~~فبعث منصور بن جمهور على رأس فرقة من الجند لتحول بين العباس والوصول إلى الوليد. # وسار منصور وهدد العباس، وساقه مع من معه إلى مخيم ابن الحجاج، فلما وصل ms67 إليه أمره ابن ~~الحجاج أن يبايع لأخيه يزيد فبايع مكرها مغلوبا، ونصب ابن الحجاج راية العباس، وأمر ~~مناديا أن ينادي في الناس: هذه راية العباس، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد، وما كاد أصحاب ~~الوليد يسمعون هذا النداء حتى تفرقوا عنه، وانضموا إلى جيش أعدائه. # ولكن الوليد كان شجاعا مقداما بعروبته، وطبعه الموروث، فلم يأبه لانصراف أصحابه عنه، ~~واعتزم أن يلقى القوم بنفسه، ففي أحد أيام جمادى الأول من سنة ست وعشرين ومائة ركب فرسه ~~«السندي»، وقذف بنفسه في حومة الحرب فقاتل قتالا شديدا، ولكن القوم تزاحموا عليه حتى كادت ~~تنوشه سيوفهم، فدخل الحصن، وأغلق الباب دونه، ثم أخذ المصحف وجلس يرتل آيات القرآن الكريم، ~~وانتحى أبو رقية ناحية من الحجرة، وأخذ يفتح عينيه ويغمضهما كأنه يصلي بإيماء ~~العينين. # ووثب يزيد بن عنبسة نحو الباب وصاح قائلا: كلمني يا وليد، فلقد كنت تبحث عني في كل ~~مكان، وها أنذا قد أتيت إليك طائعا، ولكني أظنك لا تود اليوم لقائي، لقد حاربتني في سلمى ~~أيها الرجل فانتصر الموت علينا جميعا، واستأثر بها، واليوم تلقى جزاءك بما قدمت! لا تخف يا ~~أبا العباس فإني لن ألقاك، ولكن سيفي هو الذي سيلقاك. فقال الوليد: لم تقتلونني لا أبا لكم؟ ~~ألم أزد في أعطيات أصحاب العطاء؟ ألم أرفع المؤن عن كثير من الناس؟ ألم أعط الفقراء؟ ألم ~~أعطف على الزمنى؟ فصاح ابن عنبسة: إنا نقتلك لننقذ الخلافة من يديك، فغضب الوليد وقال: حسبك ~~يا ابن عنبسة، إن الخلافة أكرم على الله من أن ينقذها مثلك، ثم عاد إلى التلاوة وهو يردد: ~~يوم كيوم عثمان! فسخر منه ابن عنبسة، وجبهه بمقذع السباب، وغليظ القول، ثم وثب فوق الحائط، ~~وانطلق وراءه نفر من أصحابه، ولما قرب من الوليد قبض على يده وكان يريد أن يأسره، ويذهب به ~~إلى القوم ليفصلوا في أمره، ولكن رجلا عاجله بضربة سيف فخر صريعا مضرجا بدمائه، وتقدم ~~ثان فاجتز رأسه، وأشرع روح بن مقبل فحمل الرأس وطار إلى يزيد فرحا بما يحمل، ms68 فلما وصل إلى ~~خيمته قذف أمامه به وهو يقول: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد، وأسر من كان معه، هذا نصر ~~مبين مؤزر! فسجد يزيد شكرا، ثم التفت إليه باكيا وقال: كنت أرضى منكم بدون هذا، أما القتل ~~فبلاء عظيم! # ودخل ابن عنبسة فأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله لك، وإتمام ~~نعمته عليك، فارتعد يزيد وقال: ويلي إذا لم يغفر الله لي! قل لي بالله يا ابن عنبسة: ماذا ~~قال لكم الوليد قبل قتله؟ فأجاب ابن عنبسة: لقد كان يقول: أما فيكم ذو حسب فأكلمه؟ أليس ~~منكم رجل رشيد يستمع لما أقول؟ ولكنا أوسعناه تقريعا، وتواثبنا عليه فروينا أديم الأرض ~~بدمائه. فصاح يزيد: كفاك يا ابن عنبسة كفاك! لقد لعمري أكثرت وأغرقت، أما والله لا يرتق ~~بعدها لكم فتق، ولا يلم شعث، ولا تجتمع كلمة! إن الرءوس التي حصدها الحجاج بن يوسف بعد أن ~~أينعت وحان قطافها ستثأر اليوم لنفسها! لقد حق القول على بني أمية، وانهار بناؤها، وخربت ~~- كما يقول العباس - بيوتها بأيديها! وإنما أنا والوليد رجلان المنتصر منهما المهزوم، ~~والقاتل منهما المقتول! # يصاولني والسيف بيني وبينه # وأقتله عمدا، وفي قتله قتلي! ms69