######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.QissatCarabFiIsbaniya.Hindawi26949253 #META# Tags: history #META# ID: 26949253 #META# Title: قصة العرب في إسبانيا #META# AuthorID: 25292816 #META# Author: ستانلي لين بول #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 92581481 #META# Translator: علي الجارم #META# Related_books: 1350StanleyLanePoole.MoorsInSpain (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # آخر أيام القوط‏ # موجة الفتح‏ # الأندلسيون‏ # الشاب الداخل‏ # النصارى الشهداء‏ # الخليفة العظيم‏ # الحرب المقدسة‏ # حاضرة الخلافة‏ # الحاجب العظيم‏ # عودة البربر إلى الحكم‏ # السيد المبارز‏ # مملكة غرناطة‏ # سقوط غرناطة‏ # ظهور الصليب‏ # تقديم‏ # آخر أيام القوط‏ # موجة الفتح‏ # الأندلسيون‏ # الشاب الداخل‏ # النصارى الشهداء‏ # الخليفة العظيم‏ # الحرب المقدسة‏ # حاضرة الخلافة‏ # الحاجب العظيم‏ # عودة البربر إلى الحكم‏ # السيد المبارز‏ # مملكة غرناطة‏ # سقوط غرناطة‏ # ظهور الصليب‏ # | قصة العرب في إسبانيا # | قصة العرب في إسبانيا # تأليف # ستانلي لين بول # ترجمة # علي الجارم # عاثت بساحتك الظبى يا دار # ومحا محاسنك البلى والنار # فإذا تردد في جنابك ناظر # طال اعتبار فيك واستعبار # أرض تقاذفت النوى بقطينها # وتمخضت بخرابها الأقدار # كتبت يد الحدثان في عرصاتها ~~(لا أنت أنت ولا الديار ديار) # ابن خفاجة الأندلسي # | تقديم # شغف الناس في القديم والحديث بتاريخ العرب في الأندلس، ووجدوا في قراءته والاستماع ~~لأحاديثه لذة روحانية عجيبة لا يجدونها في سواه، ولعل من أسباب هذا الشغف أنهم يقرءون فيه ~~قصة رائعة للبشرية تتقلب فيها أحداث الزمان، وتصطخب صروف الأيام، ويداول الدهر فيها بين ~~شطريه، فهو مرة صفاء لا يشوبه كدر، وابتسام لا تحوم حوله جهومة، وأمن لا يخالطه حذر، وعز ~~راسخ، وقوة، وسلطان، ونعيم، وملك كبير، وهو في أخرى هم، ونصب، وخذلان، وبلاء مستطير. # إن قصة الأندلس عجيبة حقا، مثيرة للنفس حقا، فيها من أحاديث البطولة والإقدام ما يعجب ~~له العجب، ويهتز له عطف العربي الكريم، فيها جرأة طارق، وإقدام عبد الرحمن الداخل، وعزيمة ~~الناصر، وعبقرية المنصور، وفيها إلى جانب كل هذا أمثلة رائعة للصبر حين البأس، وللجلد على ~~أشد المكروه، وللتمسك بالعقيدة والسيف معا فوق الرءوس، وللثبات في مأزق يفر فيه ~~الشجاع. # وقصة الأندلس - ككل القصص - كما تصور الرجولة تستهوي النفوس وتسحر العيون، ترسم إلى ~~جانبها الفسولة والجبن، والحقد والنفج الكاذب، والشره في حطام الدنيا الزائل، وبيع النفوس ~~للشهوات في أقبح ما يصوره المصورون. # وتاريخ الأندلس كله عراك ونضال وصخب، لا تكاد تقلب صفحة من صفحاته حتى تسمع قعقعة السيوف، ~~وصليل الرماح ms001 : صراع بين ملوك المسلمين، وصراع بينهم وبين نصارى الشمال، وصراع بين الأجناس ~~والقبائل، وصراع بين العقائد والمذاهب، ثم صراع أخير بين الحياة والموت، وبين الأذان ~~والناقوس. # ومن العجب أنك على الرغم من هذا الاضطراب الشامل، تقرأ في قصة الأندلس صحائف من ذهب، ~~تتجلى فيها مدنية العرب معجزة من المعجزات وآية من الآيات. # فلقد كانت الأندلس في العصور الوسطى شعلة النور ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة، ~~وإشبيلية، وغرناطة، وغيرها ملتقى طلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للأدب والشعر ~~والفنون عامة منزلة لم تكد تصل إليها أمة، وإذا تحدثنا عن فنون العمارة، والهندسة، والنقش، ~~وغيرها، طال بنا الكلام، وخرجنا عما قصدنا إليه من الإيجاز. # إن سقوط الأندلس لم يكن إلا سقوط النجم المتلألئ اللامع، وانهيار الجبل الأشم الراسخ، وإن ~~دولة في الأرض لم تشيع بعبرات العيون، وحسرات القلوب، كما شيعت الأندلس، ولم يبك ~~الشعراء ملكا طواه الزمان كما بكوا ملك الأندلس، ولم يقف المؤرخون وهم يدونون خاتمة أمة ~~حاسري الرءوس خاشعين، يرسلون الزفرات - كما وقفوا عند قبر دولة العرب بالأندلس. # خفقت الجوانح بحب الأندلسيين على الرغم مما يزعمه التاريخ من أنهم أعطوا ملكا فلم ~~يحسنوا سياسته، واستناموا إلى الشهوات، واستعان بعضهم على بعض بالأعداء، على أنه يجدر بأهل ~~الرأي ألا يتعجلوا في الحكم على أهل الأندلس وهم لم يعيشوا في بيئتهم، ولم يدرسوا أتم ~~الدرس الأحوال التي مرت بهم، ولم يدققوا النظر في نظام الحكم الذي التزمته الأمم في هذه ~~الأزمان. # إن المسلمين بالأندلس كانوا في أرض غير أرضهم، وفي إقليم اجتمعت فيه كل صنوف الفتنة ~~والجمال، وكان أعداؤهم من الإسبان يحيطون بهم من كل جانب، وأعداؤهم في المشرق ينصبون لهم ~~الحبائل، أفبعد هذا نصب عليهم اللوم حميما، ونحملهم وزر تصاريف الزمان، وتحكم ~~البيئة، وسيطرة الأحوال التي وضعتهم فيها يد القدر؟! # إن العرب عاشوا في هذه الفتن الجائحة نحو ثمانمائة عام، قل أن تستطيع أمة سواهم البقاء ~~في مثلها، ليقل الشعوبية ما شاءوا، وليقس ابن خلدون وأمثال ابن خلدون على العرب ms002 كما ~~أرادوا، أليس من التجني على الحقائق أن يدعي ابن خلدون أن العرب لا يصلحون لسياسة الأمم، ~~وأنهم أمة جهل وتدمير، وأنهم إذا نزلوا بلدا أسرع إليه الخراب؟! # إن سماحة حكم العرب بالأندلس، وجمال مدنيتهم، واتساع مدى ثقافتهم أسمى من أن يصل إليه ~~إنكار منكر أو جحود جاحد، وإن في آثار قرطبة، وإشبيلية، وغرناطة - التي لا تزال ماثلة إلى ~~اليوم من معجزات البناء والهندسة - ما يخجل كل من يدعي أن أمة العرب أمة خراب وتدمير، ~~وأنهم يهدمون القصور ليتخذوا من أحجارها أثافي للقدور، ومن خشبها أوتادا للخيام، أين هذه ~~الأثافي وأين تلك الخيام من جنات الأندلس الباسمات، وقصورها الشامخات؟! ثم أين هي من عظمة ~~دمشق أيام الأمويين، وجمال بغداد في حكم العباسيين، وازدهار القاهرة في عهد ~~الفاطميين؟! # إن العرب يبنون ولا يهدمون، وإن الهدامين لآثارهم ومدنياتهم إنما هم أعداؤهم من البربر، ~~والإفرنج، والتتار، وغيرهم، وإذا كانت دول العرب قد منيت بالانحلال السريع في الشرق ~~والغرب، فإن أكثر السبب في هذا - فيما يغلب على الظن - إنما يعود إلى نظام الحكم الذي كان ~~قائما، لا إلى طبائع العرب أنفسهم، ولو نظرنا في عهودهم إلى الأمم حولهم في أقطار الأرض، ~~لرأينا أنها أصيبت بما أصيب به العرب. # والآن نعود إلى قصة الأندلس فنرى أن ما كتبه الأولون فيها لا يشفي نفس القارئ، ولا يبل ~~غلته، وهذا كتاب نفح الطيب - وهو خير كتاب ألف في تاريخ الأندلس - كله اضطراب، ~~واستطراد، وتكرار، والتواء، وتشتت؛ لهذا كانت خزائن الكتب العربية في أشد الحاجة إلى مثل ~~كتاب «إستانلي لين بول» الذي سماه قصة العرب في إسبانيا، والذي قرأته فأحسست بدافع نفسي يلح ~~بوجوب ترجمته إلى لغة العرب، وشعرت بأن النكول عن هذه الرغبة عقوق لحسبي وقومي وتاريخي، ~~وإذا كان هذا القلم الذي جردته أربعين عاما لا يجيد إلا تنميق قصيدة في الغزل، أو المديح، ~~أو الرثاء، ولا يصول إلا فوق صفحات من الأدب واللغة، حتى إذا جاء كاتب إنجليزي محقق فألف ~~كتابا بلغته فيه إنصاف للعرب وتاريخهم ms003 ، وفيه إشادة بحكمهم وعلمهم وأدبهم وحضارتهم - انكمش ~~في دواته وأدركه الحصر، فأجدر بهذا القلم أن يحطم، وأحرى بسنانه أن يقصف، وأخلق بصاحبه ألا ~~يباهي مرة أخرى بعروبته!! # إن إستانلي لين بول يحب العرب ويتغنى بمجدهم، ويؤلف لأبناء أمته في تاريخهم كتابا، أو قل ~~قصيدة طويلة الذيول كلها ثناء وإطراء، وحب وإعجاب، وعطف وحنان، ولوعة وبكاء، فهل كان يصح في ~~حكم البر بالعربية أن يبقى أبناؤها محجوبين عن هذا الكتاب دهرا طويلا؟! # ترجمت الكتاب فارتاحت نفسي؛ لأني في حين واحد أذعت فضل العرب على لسان رجل ليس منهم، ثم ~~أذعت فضل هذا الرجل؛ لأنه جدير بإعجاب العرب. # أما طريقة لين بول في التأليف فجامعة بين التحقيق العلمي وربط الحوادث بعضها ببعض، وتأدية ~~قصة الأندلس كاملة متصلة الأواصر، في أسلوب شائق وسياق رائع، فإنه بعد أن قرأ تاريخ الأندلس ~~في مراجع شتى بين عربية وإفرنجية، ولقي ما لاقى في اجتياز ذلك الخضم المضطرب بالروايات ~~والحوادث - استطاع أن يخرج للأدب والتاريخ قصة بديعة الأسلوب، متماسكة الحلقات، لها - مع ~~صدق حقائقها - كل ما للقصص الخيالية من فتنة وسحر. # وقد يداخلك بعض الريب في أن المؤلف متعصب للعرب، محتطب في حبلهم؛ لأنك تراه يقتنص الفرص ~~أو يخلقها للإشادة بدينهم، وسياستهم للأمم، ثم بآدابهم ومدنيتهم التي يعدها شعلة النور في ~~أرجاء أوربا بعد أن خمدت مدنية الرومان، وزالت حضارة اليونان، ثم إنه رسم لعبد الرحمن ~~الداخل، والناصر، والمنصور بن أبي عامر صورا من القوة والحزم، والعدل والدهاء، لم يستطع ~~مؤرخ عربي أن يجمع ألوانها، وإذا غمز بعض المحسنين من الأمراء بنقد، كان خفيف المس رفيقا، ~~حتى إنه لم يبخل بفضلة من عطفه على ملوك الطوائف الذين بددوا شمل الدولة، فأحسن رثاء ~~دولتهم، وبكى فيهم الهمة والسخاء، وإنهاض العلوم، وإعلاء شأن الأدب والشعر، أما حديثه عن ~~مملكة غرناطة وأفول شمس العرب بالأندلس، فلم يكن إلا أنات وزفرات ودموعا. # وقف على أطلال الأندلس كما يقف العاشق المحزون، فبكى مدنية زالت، وفنونا بادت، وعزا ~~طاح مع الرياح، وملكا كأن ms004 لم يمض عليه إلا ليلة وصباح، ومجالس أنس كانت نغما في مسامع ~~الدهور، ودروس علم هرعت إليها الدنيا وتلفتت العصور. # نعم، إن إستانلي لين بول كان يحب العرب حقا، ولكن هذا الحب لم يجاوز به الحق، ولم يخدعه ~~عن نفسه، ولم يسلبه صفة المؤرخ المحقق، وكل ما في الأمر أنه كان صريحا في نشر الحقائق، ~~فصدع بها حين أنكرها أو شوه من جمالها كثير ممن يكتمون الحق وهم يعلمون، إن لين بول لم يكن ~~متعصبا للعرب، ولكنه كان لهم منصفا، وعلى تاريخهم أمينا، ولهم أخا وصديقا، حين قل ~~الأخ وعز الصديق، على أن في الكتاب عتابا في مواطن العتاب، ولوما في مواضع اللوم، وتعنيف ~~المحب المخلص حين يحسن التعنيف. # ومما تجمل الإشارة إليه أن المؤلف في حديثه عن الإسبان خاصة وأهل أوربا عامة، إنما كان ~~يتحدث عن حياة قوم في العصور الوسطى، أو في أيام حكم البربون، قبل أن يتسع نطاق المدنية، ~~وينبلج فجر العصر الحديث الذي غير كثيرا من أخلاق الناس وعقولهم ونظرهم إلى الأشياء، ~~فإذا نقد المؤلف رجال العهود الماضية بأوربا وإسبانيا، فإنه لن يتردد اليوم في الحكم بأن ~~الزمن دار دورته، وأن التاريخ لو نظر إلى الخلف لرأى مدنية جديدة وقوما آخرين. # وقد قصدت في ترجمة هذا الكتاب إلى ترجمة المعاني مع الحرص على الروح التي أملته، فإن لكل ~~لغة بيانا، وحسب النقل أن يدرك الغاية، ويصيب اللباب، والله سبحانه المستعان. # علي الجارم # جزيرة الروضة # 7 من أكتوبر سنة 1944 # | آخر أيام القوط # بقيت بلاد العرب آمنة مطمئنة لها عرين، ولا يباح حماها، عندما كانت جيوش الإسكندر ~~الأكبر تغير على الإمبراطوريات الشرقية القديمة؛ فلزم سكان شبه الجزيرة العربية صحراءهم في ~~عزلة وأنفة، لا يبعثون إلى الفاتح العظيم رسلا، ولا يقدمون إليه طاعة ولا خضوعا، وعقد ~~الإسكندر العزيمة على إذلال هؤلاء العرب المستكبرين، وأخذ الأهبة لغزوهم ووطئهم تحت ~~قدميه، وما كاد يهم بذلك حتى أدركته المنية، # 1 # فحالت دون أمنيته، وبقي العرب أعزاء لا يغلبون. # كان ذلك قبل ms005 السيد المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، والعرب من ذلك الحين وقبله أعزاء ~~مستقلون بصحرائهم الواسعة، لا يخضعون لسطوة فاتح جبار، وقد مر بهم زهاء ألف سنة في هذه ~~العزلة الهادئة التي قل أن يكون لها مثيل بين بقاع الأرض، وقامت من حولهم إمبراطوريات ~~جديدة، فأنشأ خلفاء الإسكندر المملكة السورية، وكان بها السلاسدة ~~(the ~~Seleucids) # وأبناء الأسرة المصرية من البطالسة، وتوج أغسطوس ~~إمبراطورا لرومة، وأصبح قسطنطين أول إمبراطور مسيحي لبيزنطة، وخضع حشود البربر ~~لإمبراطورية القياصرة البعيدة الأطراف واندمجوا فيها، كل ذلك والعرب متحصنون بشبه جزيرتهم، ~~لا يزعزع لهم أمن، ولا يطرقهم طارق، ولا يحاول غزوهم فاتح، وإذا دانت بعض مشارف بلادهم ~~وثغورها بشيء من الطاعة أحيانا لأكاسرة الفرس وقياصرة الروم، وجاست بعض الفرق الرومانية ~~بين الحين والحين خلال بعض مفاوزها، فإن شيئا من ذلك كان ضئيلا متقطعا، لم يمس استقلال ~~البلاد ولم ينل من عزتها. # وهكذا ربض العرب في جزيرتهم لا تزعجهم صائحة، وطفقوا وقد أحاطت بهم الممالك الضاربة ~~الظامئة إلى الغزو والفتوح، وادعين بصحرائهم، مستلئمين بشجاعتهم التي لا تقهر، وبقي لذلك ~~تاريخ العرب مغمورا منذ أزمان بعيدة في القدم إلى القرن السابع الميلادي، فلم يعرف عنهم ~~إلا أن لهم وجودا، وإلا أن أحدا من الغزاة لم يحاول غزوهم، إلا قعدت به الوساوس وساوره ~~خوف الهزيمة، ثم حدث فجاءة في أخلاق العرب تطور جديد، فلم يعودوا يرغبون في العزلة كما ~~كانوا، بل انطلقوا يجابهون الدنيا، وأخذوا في جد وحزم يحاولون غزو العالم. # نشأ هذا التطور من عزيمة رجل واحد هو محمد بن عبد الله، فإن هذا النبي العربي شرع في ~~طليعة القرن السابع ينشر الإسلام، فلقيت دعوته آذانا واعية، وعظم تأثيرها في قلوب العرب، ~~فأثارت في طبائعهم وأخلاقهم ثورة عنيفة شاملة، وكان ما يدعو إليه محمد سهلا حنيفا، قريبا ~~إلى النفوس، يتفق مع شريعة اليهود التي كان لها أحبار بالجزيرة، وقد أبطل كثيرا من الأحكام ~~والعادات، وأضاف أحكاما جديدة كان العرب في حاجة إليها، ودعا إلى الوحدانية، فكان ذلك ~~فتحا جديدا ms006 بين قوم مردوا على عبادة الأوثان. # ويصعب علينا في هذه الأيام أن ندرك التأثير الشديد الذي بعثه هذا الدين الهادئ في قلوب ~~العرب، ولكننا نعرف أن هذا التطور الديني قد تم فعلا، وأن للأنبياء الصادقين دائما قوة ~~غريبة في اجتذاب النفوس، ولقد كان محمد حين دعا قومه صادقا، ولقد بلغ دينه الذي يراه ~~الدين الحق أمينا مثابرا، ولقد كان في الدين من السمو، وفي النبي وأصحابه من الرغبة ~~الحافزة في نشره ما أثار موجة ملكت على العرب شعورهم، وأجج في نفوسهم جذوة يسميها الناس ~~اليوم بالتعصب الديني. # وكان العرب قبل بعثة محمد أشتاتا من شعوب وقبائل متطاحنة، تتنافس في الشجاعة الوحشية، ~~والكرم والبطولة، وتعيش من الغارات وانتهاب الغنائم، فحولهم النبي في طرفة عين إلى قوم ~~مسلمين، وملأ قلوبهم بحماسة الشهداء، ووصل حبهم الفطري للدنيا والمغانم بطموح نبيل هو ~~تبليغ الدين إلى الناس كافة. # خضعت جزيرة العرب كلها لمحمد قبل أن يلاقي ربه، وانتشرت القبائل التي وحد كلمتها في ~~الممالك المجاورة للجزيرة، وألقى أهلها لهم القياد دهشين مشدوهين، ثم اكتسحت جيوش ~~خلفائه بلاد الفرس، ومصر، وشمال إفريقية، حتى بلغوا منه المكان المعروف بأعمدة هرقل، وردد ~~المؤذنون أذانهم من وراء نهر جيحون بآسيا الوسطى إلى شواطئ المحيط الأطلنطي. # وصدت الهجوم العربي بآسيا الصغرى قوات إمبراطور الروم، ولم يتح للمسلمين أن ينالوا من ~~هذه البلاد حظا إلا في القرن الخامس عشر، حين بلغوا ما طال إليه تشوقهم من فتح ~~القسطنطينية التي دكت حصونها شجاعة الترك العثمانيين وشدة مراسهم، وفي النهاية المقابلة ~~من بحر الروم، صد أحد قواد الروم تيار العرب إلى حين، فاتجه العرب الفاتحون إلى ممالك ~~شمالي إفريقية، وكبحوا جماح أمة البربر الشامسة العنيدة بعد جهاد عنيف، وأخضعوها ~~لسلطانهم، ولم يقف في وجوههم إلا قلاع سبتة وحصونها، وكانت سبتة كغيرها من بلاد جنوبي ~~بحر الروم، تحت حكم إمبراطور الروم، غير أنها لبعدها من القسطنطينية كانت تتوجه إلى مملكة ~~إسبانيا بطلب المعونة، فهي تابعة للروم من حيث الحكم، مضافة في الحقيقة إلى ملك ms007 طليطلة ~~لحمايتها والدفاع عنها، ولم يكن في حكم الظن أن تكون معاونة إسبانيا لها كافية لصد أمواج ~~العرب الفاتحين، على أنه حدث فوق هذا أن كان هناك شقاق بين «يوليان» حاكم «سبتة» ~~و«لذريق» ملك إسبانيا ففتح هذا الشقاق الباب واسعا لدخول العرب، وذلل سبيل الفتح ~~للغزاة. # كان يحكم إسبانيا في ذلك الوقت القوط الغربيون، وهم قبيلة متوحشة كغيرها من القبائل التي ~~اكتسحت ممالك الإمبراطورية الرومانية إبان ترنحها للسقوط، أما القوط الشرقيون فقد ~~احتلوا إيطاليا، وتركوا أبناء عمومتهم من القوط الغربيين يأخذون مكان بعض القبائل الجرمانية ~~الجافية، ويدقون أطناب حكمهم بإسبانيا في القرن الخامس الميلادي. # وكانت إسبانيا عندما دخلها القوط منحلة العرا، غارقة في ألوان من الترف الفاجر، ~~والنعيم الذي يسلب الرجولة، وبمثل هذا العبث وذلك الفجور ذهبت ريح دولة الرومان قبلهم، فإن ~~الرومان كغيرهم من رجال الحروب، حينما انتهوا من غزواتهم الكثيرة المتعاقبة بالنصر والغلب ~~ورأوا الدنيا تحت أقدامهم، انصرفوا إلى الراحة بعد الجهد الشاق، والجهاد المضني، وألقوا ~~بأنفسهم في أحضان النعيم، وناموا في ظل ظليل من الغنى الواسع والأمن الشامل، فذهبت أخلاقهم، ~~وماتت فيهم حمية آبائهم الشجعان البسل الذين كانوا يرضون بالكفاف، ويتركون آلة الحرث ~~ليجردوا السيوف ماضية بتارة، إذا دعاهم أحد القياصرة لحماية بلادهم، أو لغزو قارة ~~جديدة. # كانت الطبقة الغنية بإسبانيا في عهد ~~الرومان قد خلعت العذار لأنواع الترف والشهوات، حتى لكأنها لم تخلق إلا للطعام والشراب، ~~واللهو والقمار، ولكل ما يثير النفس العابثة ويرضي نزعاتها، وكانت الطبقة الدنيا تشمل ~~العبيد وأحلاس الأرض الذين أخلدوا إلى زراعتها حتى كأنهم قطعة منها لا يفارقونها حياتهم، ~~فإذا انتقلت إلى مالك جديد، انتقلوا إليه معها. # وبين هاتين الطبقتين - طبقة الأثرياء، وطبقة العبيد والأحلاس ~~- كانت الطبقة الوسطى من سكان المدن الأحرار ~~تلاقي من سوء الحال وضنك العيش ما كان شرا مما يلاقي العبيد وأشد نكرا، فعليهم كان ~~يقع عبء الإنفاق على الدولة، فهم الذين يؤدون الضرائب، ويقومون بخدمة الدولة وما تتطلبه ~~المدن من الأعمال، وهم الذين يجمعون الأموال للأغنياء ليبعثروها في ms008 لذائذهم، وبديهي أن دولة ~~تصاب بهذا الفساد وذلك الضعف لن تكون بها منة على صد فاتح بطاش شديد الشكيمة. # كان النبلاء والأغنياء - وهم في غمرة من النعيم ورفاغة العيش - لا يسمعون ما يلغط به ~~الناس من اقتراب الأعداء، وكانت سيوفهم قد صدئت من طول ما مكثت في أغمادها، وكان العبيد لا ~~يأبهون لتغلب حاكم على حاكم؛ لأنهم وصلوا إلى حال من الذل والبؤس بحيث لا يستطيع حاكم ~~جديد أن يصيبهم بشر منها، وكانت الطبقة الوسطى ساخطة حانقة، وقد بهظها ما كانت تحمل من ~~تكاليف الدولة، وما كان يقع عليها من الغرم من غير أن تنال من الغنم شيئا. # وإن شعبا هوى إلى هذه الهوة، وتدهور في هذا الدرك لا يستطاع في حكم البديهة أن يؤلف من ~~رجاله جيش قوي مكافح؛ لذلك دخل القوط إسبانيا واستولوا عليها بدون عناء، وفتحت لهم المدن ~~أبوابها عن طواعية، وخضعت لهم الحضارة الرومانية العليلة دون أن تمد للدفاع كفا، وفي الحق ~~إن طريق القوط إلى الفتح كانت قد مهدت بمن نزل قبلهم بإسبانيا من متوحشي الأللان ~~والوندال والسوابي، فلم يكلفهم الغزو جهدا، أو يحملهم عنتا؛ فقد علم الرومانيون من سكان ~~إسبانيا حق العلم، ما يجر وراءه غزو المتوحشين من نكبات وأوزار، فكم رأوا مدائنهم والنار ~~تلتهمها التهاما، وكم رأوا زوجاتهم وأولادهم يساقون إلى الذل والأسر، وكم رأوا قوادهم ~~يقتلون صبرا، رأوا عواقب هذه الحروب ولعناتها، وما يتصل بأذيالها من الطواعين والمجاعات ~~والقحط وشيوع الفوضى الضاربة، وعلمتهم هذه الكوارث درسا لم ينسوه، فألقوا القياد للقوط ~~خاضعين. # وكان للقوط بإسبانيا أكثر من مائتي سنة حينما وصل العرب في أوائل القرن الثامن إلى شواطئ ~~المحيط الأطلنطي بإفريقية، وعبروا بأبصارهم مضيق هرقل، فشاهدوا من بعد ولايات إسبانيا ~~المشرقة. # وكان للقوط منذ أن فتحوا إسبانيا متسع من الوقت لإصلاح ما فسد من شئونها، وبعث روح جديدة ~~في الشباب، وكان عليهم أن يستفيدوا من مدنية الرومان، فكثيرا ما استفادت العناصر المتوحشة ~~التي كملت فيها صفات الرجولة من اندماجها في المدنيات القديمة ms009 الذابلة، وكان هناك أسباب ~~خاصة تدعو القوط إلى إصلاح أحوالهم، فإنهم لم يكونوا شجعانا أشداء فحسب، بل كانوا - فيما ~~يزعمون - نصارى مخلصين، والحقيقة أنهم عندما استولوا على إسبانيا لم تكن النصرانية فيها إلا ~~صورة ورسما؛ لأن قسطنطين اكتفى بجعل النصرانية دين الإمبراطورية الرومانية، ولم يعن ~~بتقوية دعائمها في الممالك الغربية، وكان في حكم الظن أن يكون هبوط دين جديد على أمة جاهلة ~~كالقوط جديرا بأن يثير حماستها، ويملأ صدورها بالأمل بعد أن رزحت تحت أثقال الوثنية ~~طويلا، حتى لقد طمع قساوسة الكاثوليك في أن يكون لهم ولكنائسهم في العهد الجديد شأن مذكور، ~~ولكن النتائج لم تؤيد المقدمات، فإن القوط جعلوا من أعمالهم الدينية ذرائع لغفران ما ~~يجترحون من ذنوب وآثام، وأعدوا لكل إثم نوعا من التوبة، واقترفوا الذنب ليتوبوا منه من ~~جديد، دون أن يجدوا لذلك في صدورهم حرجا! # وجملة القول أنهم كانوا كأشراف الرومان الذين سبقوهم عادة وسوء خلق، ولم تدفعهم ~~النصرانية إلى شيء من الخير والإصلاح، فكانت حال أحلاس الأرض اللازمين خدمتها أسوأ مما كانت ~~في عهد الرومان؛ لأنهم لم يكتفوا بإلزامهم خدمة أرض بذاتها، أو سيد بعينه، بل حتموا ~~عليهم ألا يتزوجوا إلا برضاء السيد، وأنهم إذا أصهروا من ضيعة مجاورة قسمت ذريتهم بين ~~صاحبي الضيعتين. وحملت الطبقة الوسطى - كما كانت الحال في حكم الرومان - عبء الضرائب، فجر ~~ذلك إلى خراب هذه الطبقة وإفلاسها، وكانت الأراضي في قبضة عدد قليل من الأغنياء، يقوم على ~~خدمتها وزراعتها عدد عديد من العبيد البائسين الذين يعيشون بلا أمل في الانتعاش من كبوتهم، ~~أو حلم في الخلاص من بؤسهم، وحسبك أن رجال الدين كانوا يخطبون ويشيدون بالأخوة المسيحية ~~بعد أن أثروا وملكوا الضياع الواسعة، اتبعوا السياسة الموروثة، وعاملوا عبيدهم وخولهم ~~بالعسف والشدة كما كان يفعل أثرياء الرومان، ثم إن أغنياء القوط غرقوا في صنوف من النعيم ~~أفقدتهم الحس، ونافسوا الوثنيين في الفجور، ففلجوا عليهم حتى أدركهم ذلك السبات الذي ~~أطاح بدولة الرومان. # يقول بعض المؤرخين - وهو يحاول تمحيص ~~الأسباب التي أدت ms010 إلى تغلب المسلمين على المسيحيين: «إن الملك ويتزا «غيطشة» علم ~~إسبانيا كيف تقترف الآثام»، ولكن إسبانيا كانت قد تعلمت ذلك على أحسن وجوه العلم قبل ~~«غيطشة» بزمن بعيد، وربما لم يكن هذا الملك أسوأ من سابقيه الذين أغرقوا في الشهوات، ~~وترخصوا في كل ما أصاب الدولة من الفساد والتدهور، ولما كانت آثام القوط المتوحشين قريبة ~~الشبه جدا من مآثم الرومان الدائلين، لم تشعر المملكة عند انتقال الحكم من الرومان إليهم ~~بشيء جديد. # هكذا كانت إسبانيا حينما اقترب المسلمون من حدودها، طبقة فاسدة مفسدة من الأغنياء، قسمت ~~الأرض بينها ليزرعها العبيد وأحلاس الأرض البائسون اليائسون، ثم طبقة من سكان المدن لم ~~يبق لها الظلم والعسف رطبا ولا يابسا. # 2 # هكذا كانت إسبانيا حينما كان جنود الإسلام يقيمون على الجانب الآخر من بحر الزقاق الذي ~~عرف فيما بعد بمضيق جبل طارق، وهم قوم بسل أشداء، تلتهب نفوسهم حماسة لدينهم، وتتأجج ~~شوقا إلى ما في أرض الكفار الخصيبة من غنائم وخيرات، وقد تدربوا على السلاح منذ نعومة ~~أظفارهم، وعاشوا في صحرائهم عيشة خشنة جافية، وإن موازنة بين هذين الفريقين لا تترك مجالا ~~للشك فيمن سيكون له النصر والغلب، على أن الخيانة التي جاءت بعد ذلك فساعدت الفاتحين على ~~اقتحام البلاد، أزالت كل أثر للشك في انتصارهم. # خلع لذريق غيطشة من عرشه، # 3 # وبدأ حكمه بداءة حسنة، ولكنه خضع آخر الأمر لإغراء الثروة والقوة، وجمح به ~~النهم في الشهوات الدنيئة حتى نفرت منه القلوب، وأصبح كل ما حوله مستعدا للاشتعال، لا ~~ينتظر إلا شرارة صغيرة لينفجر ويذهب بمملكته. # وكانت العادة بين أمراء المملكة أن يرسلوا ببناتهم وأبنائهم إلى القصر لتهذيبهم وأخذهم ~~بكل ما يثقف النفس ويغرس الخلق الكريم! فأرسل الكونت (يوليان) حاكم سبتة، ابنته فلورندا إلى ~~قصر لذريق بطليطلة لتنال قسطا من التربية بين وصائف الملكة، وكانت فلورندا غاية في الجمال ~~فشغف لذريق بها، ودنس عفافها ذاهلا عما يوجبه عليه الشرف من حمايتها كما يحمي إحدى ~~بناته، # 4 # وزاد في بشاعة الجريمة أن زوج ms011 يوليان كانت بنت غيطشة، فكان في فعلة لذريق ~~تلطيخ للشرف الملكي بالعار. # وقد كتبت الفتاة إلى أبيها حينما شعرت بجسامة الكارثة، ودعت غلاما تثق به وأوصته أن يسرع ~~بالكتاب، وأن يصل ليله بالنهار حتى يضعه في يد أبيها، ثم منته الأماني. # ولم يكن يوليان يحب لذريق؛ لأن صلته بالملك المعزول - أو المقتول على الأرجح - صدته عن ~~الميل إلى الغاصب، ثم جاء العبث بشرف ابنته فزاد نار حقده اشتعالا، وأغراه بالكيد ~~والانتقام، وقد استطاع أول الأمر أن يقف في وجه غارات العرب، ولكنه عزم الآن على ألا يدفع ~~عن مملكة أثيم ثلب عرض ابنته، وصمم على أن يترك العرب يملكون إسبانيا إذا أرادوا، ثم زاد ~~فقرر في قرارة نفسه أن يرشدهم إلى الطريق، فأسرع وحب الانتقام يملأ صدره، إلى لذريق - بعد ~~أن أسكت غضبه وأخفى ما في نفسه - فأحس الملك بشيء من الندم، ووثق في نفسه من أن فلورندا ~~كتمت سره وسرها، وأخذ يغمر يوليان بصنوف من الإجلال والتكريم، ويستشيره في كل ما يتصل ~~بحماية المملكة، ويصيخ إلى ما يزوق له من الخديعة والختل، حتى إنه أرسل أكرم خيوله وخير ~~عتاده إلى الجنوب؛ لتكون تحت إمرة يوليان إذا هجم الفاتحون. # وغادر الكونت طليطلة ومعه ابنته، محفوفا بعطف الملك ورضاه، وطلب لذريق منه عند افتراقهما ~~أن يرسل إليه نوعا خاصا من البزاة المعلمة، فأجاب يوليان بأنه سيرسل إليه بزاة لا عهد ~~له بها، وبهذه الإشارة الخفية إلى قدوم العرب عاد أدراجه إلى سبتة. # وما كاد يصل إليها حتى زار موسى بن نصير، ~~الوالي من قبل الخليفة على شمال إفريقية، الذي طالما اشتبكت سيوفه بسيوفه في حروب مشتعلة ~~الأوار، فأخبره أن الحرب بينهما قد وضعت أوزارها، وأنهما منذ اليوم صديقان حميمان، ثم أخذ ~~يملأ أذني القائد العربي بأحسن القصص عما في إسبانيا من الجمال والثروة، ويحكي عن أنهارها ~~ومروجها، وأعنابها، وزيتونها، وعظمة مدنها وقصورها، وما فيها للقوط من كنوز، ثم قال إنها ~~أرض تموج باللبن والشهد، وليس على موسى إلا أن يخطو فينالها ms012 بقبضته، وأخذ يوليان على نفسه ~~أن يرشده إلى الطريق، ويعد له السفن، وكان القائد العربي داهية شديد الحذر، فخشي أن تكون ~~هذه الدعوة خديعة واستهواء إلى الوقوع في شرك أو كمين؛ لذلك أرسل إلى الخليفة بدمشق رسلا ~~ليرى رأيه في الأمر، واكتفى فيما بين ذلك سنة 710م/91ه بإرسال خمسمائة رجل بقيادة (طريف) ~~أبحروا في أربع سفن ليوليان للإغارة على شاطئ الأندلس، ولم يرض موسى أن يعرض من رجاله ~~للخطر أكثر من هذا العدد؛ لأن العرب لم يكونوا قد اعتادوا بعد الإبحار في بحر الروم. # عاد طريف في شهر يوليه بعد أن نجح في الغرض الذي أرسل من أجله، فقد أرسى سفنه في المكان ~~الذي لا يزال يسمى باسمه، ونزل الجزيرة الخضراء وانتهبها، ورأى بعينه ما كفى لاقتناعه بصدق ~~ما قاله الكونت يوليان من فقدان وسائل الدفاع بإسبانيا، وبأن إخلاصه للفاتحين لا يقبل ~~الشك. # ولكن موسى على الرغم من هذا لم تمل نفسه إلى المخاطرة في سبيل فتح جديد، وجاء كتاب من ~~الخليفة بدمشق يأمره بألا يقذف بجيش المسلمين في أخطار مجهولة العاقبة، وعهد إليه أن يكتفي ~~بإرسال فرق قليلة من آن لآن للإغارة المفاجئة. # ولكنه بعد أن ملأه نجاح طريف ثقة بالنصر والتغلب، عزم على أن يوسع نطاق غزوه. # فحين علم في سنة 711م/92ه أن لذريق مقيم بشمال مملكته لقمع ثورة البشكنس، أرسل أحد ~~قواده، وهو طارق البربري، ومعه سبعة آلاف رجل جلهم من البربر للإغارة على الأندلس، فنال ~~من هذه الإغارة فوق ما كان يتوقع؛ فإنه أرسى سفنه عند صخرة الأسد التي حملت اسمه منذ ذلك ~~الحين، فدعيت جبل طارق، وبعد أن ملك كارتية توغل في داخل البلاد، ولم يسر بعيدا حتى رأى ~~جيوش القوط بقيادة لذريق تقترب لنزاله، فالتقى الجيشان على شاطئ نهير سماه المسلمون وادي ~~بكة، بالقرب من نهر وادي لكة الذي يصب في المضيق عند رأس الأغر. # 5 # وتقص علينا الأساطير أن الملك لذريق قبل هذه الموقعة كان جالسا على سرير ملكه بمدينة ~~طليطلة، فدخل عليه ms013 رجلان جلل الشيب رأسيهما، وهما في ثياب بيض من نسج قديم، وكان حزاماهما ~~مزينين بصور مواقع النجوم وما لها من شأن في تصاريف القدر، وقد علق بهما كثير من ~~المفاتيح، فلما مثلا بين يدي الملك قالا له: اعلم أيها الملك أن هرقل منذ الزمن القديم، ~~وحين نصب صنمه عند مضيق البحر أنشأ حصنا قويا بالقرب من طليطلة القديمة، وأخفى فيه ~~طلسما جعل عليه بابا من الحديد ثقيلا، له أقفال من الصلب توكيدا لحفظه، ثم إنه أمر ~~أن يقوم كل ملك جديد بإضافة قفل جديد لهذا الباب، وأنذر بالويل والثبور كل من يهم بكشف ~~هذا الطلسم، وقد قمنا وقام أسلافنا بحراسة باب الحصن منذ أيام هرقل إلى هذه الساعة، وعلمنا ~~أن بعض الملوك حاول كشف هذا الطلسم فكانت عاقبة أمرهم الموت أو الجنون، ولم يصل واحد منهم ~~إلى أبعد من عتبة بابه، وقد جئنا الآن أيها الملك لنرجوك أن تضع قفلك على باب الحصن كما فعل ~~جميع الملوك قبلك، ثم انصرف الشيخان. # وحينما فكر لذريق فيما قالاه ثارت في نفسه الرغبة في دخول هذا الحصن المسحور، على الرغم ~~من تحذير بطارقته ووزرائه الذين قالوا له: إن كنت تظن أن فيه مالا فقدره ونحن نجمع لك من ~~أموالنا نظيره، ولا تحدث علينا بفتحه حادثا لا نعرف عاقبته، وقد علمت أن قيصرا الأكبر ~~على جرأته لم يحاول دخوله ... # ولن يفتح الحصن إلا لمن # قضى الله في ملكه بالزوال # ممالكه زال سلطانها # بنشر الفساد وكيد الرجال # فنالت من الله شر انتقام # وآب بنوها بشر المآل # ولكن الملك أصر وصمم على الرغم من هذه النصيحة، فركب يوما مع فرسانه إلى الحصن، وكان ~~فوق صخرة عالية تحيط به مهاو سحيقة، وكانت حيطانه من المرمر الذي إذا واجهته الشمس كاد ~~شعاعه يذهب بالأبصار، وكان مدخله في طريق منحوت في الصخر، وقد أغلق عليه باب عظيم من ~~الحديد، غطي بالأقفال الصدئة من عهد هرقل إلى أيام غيطشة. # ووقف الحارسان إلى جانبي الباب، وحاول فرسان الملك وبعض الحراس فتحه، ms014 فاستطاعوا بعد لأي ~~فك أغلاقه قبيل الغروب، ودخل الملك وحاشيته من الباب إلى بهو في نهايته باب آخر، وقف ~~أمامه تمثال من البرنز ضخم هائل المنظر، بيده رمح عظيم أخذ يحركه ويضرب به ما حوله من ~~الأرض. # ولما رأى لذريق هذا التمثال هاله منظره، وأخذه البهر، وتملكته الدهشة والعجب، ولكنه ~~حينما قرأ ما كتب على صدره وهو: «إني أقوم بواجبي» استرد شجاعته، وأمر التمثال أن يفسح له ~~الطريق زاعما أنه لم يأت لاستباحة حرمة المكان، وإنما جاء ليعرف سر ما فيه، فهدأت عندئذ ~~ثائرة التمثال ورفع رمحه، فمر الملك ومرت حاشيته من تحته إلى حجرة ثانية، فوجدوا جدرانها ~~مغطاة بكريم الأحجار، ورأوا في وسطها مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر، وعليها تابوت ~~من الفولاذ به قفل علق به مفتاحه، وقد كتب عليه: «في هذا التابوت طلسم الحصن، ولن تفتحه ~~إلا يد ملك، ولكن ليحذر هذا الملك، فإن أشياء عجيبة ستصور له ما يحصل له قبل ~~موته». # وحين فتح الملك التابوت لم يجد به سوى رق به صور فرسان عابسي الوجوه مسلحين بالقسي ~~والخناجر، وقد كتب فوق هذه الصور: «انظر أيها الطائش الأرعن إلى هؤلاء، فإنهم سيثلون عرشك ~~ويخضعون مملكتك»، وبينما كان الملك وأصحابه يحدقون في الصور إذ سمعوا زمازم الحرب ولجبها، ~~ورأوا أن الصور طفقت تتحرك كأنها في غمام حتى أخذت هيئة حرب في ميدان. # 6 # رأى لذريق في هول وحزن # بهذا المنظر السحري حربا # عواقبها تراها العين جهرا # وإن كانت من القدر المخبا # ثم أبصروا ميدانا عظيما يتفانى فيه المسيحيون والمسلمون في موقعة طاحنة، وسمعوا أصوات ~~جري الخيل ووقع حوافرها، وزعق الأبواق والصنوج، وما يصم الآذان من ضرب آلاف من الطبول بين ~~بريق السيوف والقضب وحفيف السهام وصليل الرماح، ورأوا أن النصارى يتضاءلون أمام أعدائهم ~~الذين تدفقوا عليهم كما يتدفق السيل، فتبدد شملهم، وسقط إلى الأرض بيرق الصليب، وديس علم ~~إسبانيا تحت الأقدام، وامتلأ الجو بصيحات الانتصار يخالطها صراخ الغضب وأنين ~~المحتضرين. # ورأى الملك لذريق بين هذه الفرق ms015 الفارة من الميدان فارسا متوجا، كان ظهره إليه، ولحظ أن ~~سلاح هذا الفارس وعدته تشبه سلاحه وعدته، وأنه كان يركب جوادا أشهب يشبه جواده ~~«أوريليا». # ثم رأى أن الفارس بعد قليل سقط عن جواده في هرج الحرب ومرجها فلم يعد يرى، وأن ~~أوريليا أخذ يعدو في الميدان بغير راكب. # وحينما خرج الملك وحاشيته من الحصن دهشين خائفين اختفى التمثال من الوجود، وسقط الشيخان ~~الحارسان ميتين عند مدخل الحصن، وكان من إرهاص الطبيعة الغاضبة أن التهمت النار الحصن، ~~فتأجج كل حجر فيه وآض رمادا تذروه الرياح، ويقول القصاصون إنه كلما سقط رماد من هذه ~~الأحجار في مكان، وجد بجانبه نقطة من الدم المسفوك. # أولع مؤرخو العصور الوسطى من النصارى ~~والعرب بالإفاضة في هذه الحادثة وإمدادها بكثير من صور الخيال وضروب الإرهاص كما ~~قيل: # كم من رؤى وأساطير مزوقة # بها وعيد وإرهاص وإنذار # فيها تلاقى خيال العرب مازجه # ما خيلته لأهل القوط أشعار # وكم قرأنا أن كلا الفريقين قبيل الموقعة كان ينشرح صدره أو ينقبض بالفأل والطيرة، وزعموا ~~أن النبي نفسه ظهر لطارق في المعركة وحثه على الإقدام، وأمره أن يضرب ويغلب، إلى غير ذلك من ~~أمثال هذه الروايات. # وكيفما كانت رؤى الجيشين وأحلام رجالهما، فإن نتيجة القتال حين وقف الجيشان بالقرب من ~~وادي لكة، كان لا يشوبها شك ... نعم إن طارقا أمد بخمسة آلاف مقاتل من البربر، فبلغ ~~جيشه الصغير اثني عشر ألفا حينما كان جيش لذريق يبلغ ستة أمثاله في العدد، لكن الفاتحين ~~كانوا شجعانا مغاوير أشداء، مرنوا على الحروب، وكان قائدهم بطلا باسلا، بينما كان ~~الإسبان خليطا من العبيد المستضعفين في الأرض، وكان بين قوادهم بعض الخونة من الأشراف، فإن ~~أقرباء غيطشة - وإن أطاعوا لذريق في ظاهر الأمر وحضروا المعركة - كانوا عازمين على الانضمام ~~إلى الأعداء عندما ينكشف لهم وجه القتال، ولم يخطر لهم ببال أن في فعلهم هذا خيانة ~~لإسبانيا، فقد ظنوا واهمين أن الغزاة لم يقصدوا إلا إلى النهب والغنيمة، وأنهم عند انتهاء ~~الغارة وحصولهم على الأسلاب ms016 يذهبون توا إلى إفريقية، فتعود سلالة غيطشة إلى عرشها القديم ~~المغصوب ، # 7 # وبهذا الظن الخاطئ عاونوا من حيث لا يشعرون على وضع أجمل ولايات إسبانيا نحو ~~ثمانية قرون تحت حكم العرب. # وقد سقطت قلوب المسلمين بين جنوبهم ذعرا حينما رأوا الجيش اللهام الذي أعده لذريق ~~لنزالهم، وحينما رأوا الملك في درعه الفاخرة وفوقه المظلة الملكية، ولكن طارقا صاح في ~~رجاله: «أيها الناس؛ العدو أمامكم والبحر وراءكم، وليس لكم والله إلا الجلد والصبر.» ~~فاستنجد المسلمون بشجاعتهم وصاحوا: «إنا وراءك يا طارق.» ثم هجموا خلف قائدهم يقذفون ~~بأنفسهم في وطيس الحرب وأتونها، واستمرت المعركة أسبوعا، أظهر فيه الفريقان كثيرا من ضروب ~~الشجاعة والإقدام، وكان لذريق يستحث قومه مرة بعد أخرى، ولكن فرار أتباع غيطشة رجح كفة ~~الميزان، فصار الميدان صورة محزنة للدمار والهزيمة. # ومزق جيش لذريق وخارت # بمن فيه العزائم والقلوب # وحين رأى الهزيمة فر يعدو # وحيدا مستكينا لا يؤوب # عليه من غبار الحرب ثوب # ومن لون الدماء به لهيب # وتحمل كفه سيفا خضيبا # كمنشار أفلته الحروب # فلامة صدره فيها شقوق # وخوذة رأسه فيها ثقوب # أطل بقمة فرأى دمارا # له كادت حشاشته تذوب # وأعلاما ممزقة تبدت # وكل بالدم القاني خضيب # وجال بسمعه للعرب صوت # بنصر الله ردده السهوب # رأى قواده فروا وأبقوا # جريحا أو قتيلا لا يجيب # وأنى عينه لمحت مكانا # بدا للعين فيه دم صبيب # فقال وقد بكى: قد كنت ملكا # وماذا ينفع الآن النحيب؟ # ونمت الأمس فوق فراش عز # وفرشي اليوم تجفوه الجنوب # جثا الخدام أمس أمام عرشي # وليس اليوم لي منهم عريب # فيوم ولادتي يوم عبوس # ويوم ولايتي يوم عصيب # فما أشقى نهاري حين أرنو # لشمس الأفق يحجبها المغيب! # فعجل أيها الموت المرجى # فما لي اليوم في الدنيا حبيب # هكذا تقول الأنشودة الإسبانية، ولكن نهاية لذريق بقيت سرا خفيا إلى اليوم؛ فقد وجد ~~فرسه وخفاه عند شاطئ النهر بعد يوم من المعركة ولم يظهر له أثر، ومن المحقق أنه غرق، وأن ~~النهر حمل جثته إلى المحيط، ولكن الإسبان يأبون ms017 أن يصدقوا هذا، فقد ألبسوا الملك الراحل ~~حللا قدسية خفية الأسرار لم يخلعوها عليه في حياته، وجعلوا منه معينا فياضا لكثير من ~~القصص والروايات، وخلعوا عليه صفات المنقذ المخلص، كما فعل الإنجليز بالملك آرثر، ~~فاعتقدوا أنه سيعود مرة أخرى من مقره في بعض جزائر المحيط بريئا من جراحه ليقود المسيحيين ~~لقتال الملحدين. # وجاء في أساطيرهم أنه قضى بقية حياته في أعمال الخير والإنابة، وأن ثعابين أخذت تبتلعه ~~شيئا فشيئا عقابا لما كان يقترف من إثم حتى محيت ذنوبه «فإن عقاب البدن ينقذ الروح من ~~الآلام»، ثم إنه حمل إلى الجزيرة الهادئة المطمئنة، ولا يزال رجاله منذ ذلك الحين ينتظرون ~~أوبته إليهم كما يؤوب الظافر المنتصر. # | هوامش # | موجة الفتح # لم يكن هذا فتحا كغيره من الفتوح يا أمير المؤمنين، فإن الوقعة كانت أشبه باجتماع ~~الحشر يوم القيامة ... # هكذا كتب موسى بن نصير أمير إفريقية إلى الخليفة الوليد في وصف انتصاره بموقعة وادي ~~لكة. # وليس عجيبا أن يدهش المسلمون لنصرهم المؤزر الحاسم، أو أن يتملكهم الزهو بهذا الفتح ~~المبين؛ لأننا إذا ألقينا جانبا الأساطير والأوهام التي لفقها مؤرخو الإسبان حول سقوط ~~لذريق، ورجعنا إلى التاريخ المتئد غير المتحيز، رأينا أن انتصار المسلمين في وادي لكة ~~ألقى بإسبانيا كلها في أيدي العرب؛ فقد ربح طارق ومن معه من الاثني عشر ألف بربري الجزيرة ~~جميعها، ولم يكن في حاجة إلا إلى قليل من الجهد ليقضي على المقاومة الخائرة في بعض ~~المدن. # ولم يضع طارق وقتا في متابعة انتصاره؛ فقد تقدم هذا القائد المجدود بلا تردد متحديا ~~أمر موسى الذي كان يتحرق حسدا لما ناله جنديه البربري من المجد الذي لم يكن يخطر له ~~ببال، وقسم طارق قوته ثلاث فرق أو كتائب وبثها جميعا في شبه الجزيرة، فأخضع مدينة إثر ~~مدينة بعد مقاومة لا تكاد تذكر. # وأرسل مغيث بن الحارث على سبعمائة فارس لامتلاك قرطبة، فأخفى جنوده حتى إذا جاء ~~الليل تقدم نحو المدينة، واتفق في ذلك الحين أن سقط هاطل من البرد أخفى وقع ms018 سنابك الخيل، ~~فعد المسلمون ذلك عناية من الرحمن، والتقوا براعي غنم أرشدهم إلى ثغرة في سور المدينة، ~~فعزموا أن يجعلوا منها منفذا لهجومهم، وتسلق رجل منهم كان أكثرهم نشاطا وأشدهم حمية شجرة ~~تين كانت تحت الثغرة، ثم وثب منها إلى السور حتى إذا استقر به خلع عمامته، وأرسل بطرفها إلى ~~بعض أصحابه، ثم جذبهم إليه واحدا واحدا، حتى إذا نزلوا من السور إلى داخل المدينة دهموا ~~حراس الأبواب ففتحوها للفاتحين، وتم الاستيلاء عليها دون عناء. # وعندما دخل المسلمون قرطبة التجأ حاكمها وحرسها إلى دير يعصمهم من العدو، ولزموه ثلاثة ~~أشهر محاصرين، حتى إذا انتهى أمرهم إلى التسليم بقيت المدينة بأيدي اليهود الذين أثبتوا ~~صدق إخلاصهم للمسلمين فنالوا عطفهم ورعايتهم، ونظر العرب إليهم نظرتهم إلى الصديق، فلم ~~يضطهدوهم كما اضطهدهم قساوسة القوط إلا في العهد الأخير، فحيثما اتجه سلاح المسلمين سار ~~اليهود من ورائه متابعين متزاحمين، فالعرب يحاربون واليهود يتجرون، حتى إذا ألقت الحرب ~~سلاحها رأيت اليهود والعرب والفرس وقد اجتمعوا على إنماء التعليم، والفلسفة، والآداب، ~~والعلوم، إلى غير ذلك مما ميز حكم العرب، وأرسل شعاعه في العصور الوسطى منيرا ~~وهاجا. # وجرت فتوح طارق شوطا بعيدا بمعاونة ~~اليهود وشدة فزع الإسبان، فاستولى على أرشذونة دون أن يلقى مقاومة، وفر سكانها إلى ~~التلال، وألقت القياد مالقة، وعصفت الحرب بإلبيرة (بالقرب من مكان غرناطة الآن). # ودافع تدمير # Theodemir # حينا عن شعاب جبل مرسية بشجاعة وصبر، ولكنه دفع إلى ترك ~~معقله والاشتباك مع العرب في موقعة طاحنة حطم فيها جيشه تحطيما، وفر مع خادم له إلى ~~مدينة أوريولة، وهناك فكر في أن يلقى مطارديه بخديعة بارعة، فإنه حينما رأى أن الحرب لم ~~تكد تبقي على رجل بالمدينة لسقوط شبان مرسية في المعركة جميعا، جمع النساء وألبسهن ثياب ~~الرجال ووضع الخوذ على رءوسهن وسلحهن بقصب يشبه الرماح، وأمرهن أن يضعن شعورهن فوق الذقون ~~كاللحى، ثم وزعهن على أسوار المدينة، فلما اقترب المسلمون في دغش الشفق، سقط في ~~أيديهم لما رأوا من قوة الدفاع عن المدينة، ms019 وبعدئذ حمل «تدمير» بيده راية الهدنة، وألبس ~~خادمه عباءة يلبسها السفراء، وذهبا لمفاوضة القائد المسلم الذي لم يعرف الأمير الإسباني ~~فأحسن استقبالهما، ثم قال له تدمير: «لقد قدمت نائبا عن حاكم المدينة لأفاوض في شروط تليق ~~بعظيم تسامحك وشرف منزلته، فأنت ترى أن المدينة جديرة بأن تثبت أمام حصار طويل، ولكن الحاكم ~~شديد الرغبة في الإبقاء على حياة جنوده، فعدني بأن يغادروا المدينة أحرارا دون أن ~~يمسهم سوء أسلمها إليك غدا بغير حرب، وإلا فقد وطدنا العزم على القتال إلى آخر رجل.» فقبل ~~القائد ما عرضه عليه. # ثم وضعت شروط التسليم كما أحب، وبعد أن ختمها القائد وأمضاها تدمير، التفت إلى القائد ~~قائلا: «انظر إلي فأنا حاكم المدينة.» # وعند الفجر فتحت أبواب المدينة، واتجه المسلمون ليروا الحامية القوية خارجة منها، ولكنهم ~~لم يروا إلا تدمير وخادمه في درع محطمة، وخلفها جمع من الشيوخ والنساء والأطفال، فسأله ~~القائد العربي: «أين الجنود ورجال الحامية الذين رأيتهم حول الأسوار البارحة؟» فأجابه: ~~«ليس لدي من الجند أحد، أما رجال الحامية فها هم أولاء أمامك فانظر إليهم، فبهؤلاء ~~النسوة حصنت أسواري، أما هذا الخادم فهو سفيري وحارسي وحاشيتي.» فأخذ القائد العجب من ~~جرأته، وسر من براعة حيلته فعينه حاكما لمقاطعة مرسية التي سماها العرب بعد ذلك ~~باسمه. # وتدل هذه القصة على كرم العرب ورقة طباعهم، ولا ريب فقد كانوا مثلا عالية للفروسية ~~الحقة التي طالما ازدانت بها أعمالهم، وكانوا يمتازون بالعفو عند المقدرة وبكثير من صفات ~~البطولة والنجدة التي حملت الإسبان بعد تغلبهم عليهم على أن يلقبوهم «بفوارس غرناطة ~~وبالغطارفة، وإن كانوا عربا». # وفي هذه الأثناء كان يضغط طارق على طليطلة قصبة القوط؛ لأنه كان يجد في طلب أشراف ~~القوط، فقد بحث عنهم في قرطبة ففروا قبل جيئته، ولما دخل طليطلة التي أسلمها إليه اليهود لم ~~يجد بها للأشراف أثرا، فقد غادروا المدينة قبل دخوله والتجئوا إلى صخرة أشتورش ~~(أستورياس) ولم يبق بطليطلة إلا الخونة من أسرتي غيطشة ويوليان الذين كوفئوا بمناصب في ~~الدولة، أما ms020 سراة المملكة فقد هجروها وأسلموها للعرب فصارت ولاية تابعة للدولة الأموية ~~التي جعلت مقر حكمها بدمشق ووسعت رقعة مملكتها من جبال الهند إلى أعمدة هرقل. # وترك لموسى بن نصير إخضاع ما بقي من ~~الأندلس، فإنه حينما سمع بفوز طارق المطرد عبر المضيق على عجل بجيش من العرب في صيف سنة ~~93ه/712م لينال نصيبه كاملا من المجد، وكان عدد رجاله ثمانية عشر ألفا، فاتصل بطارق في ~~طليطلة بعد أن أخضع قرمونة وإشبيلية وماردة، ولم تكن مقابلة القائد الأعلى الفاتح مقابلة ~~ود وصداقة، فإن طارقا حينما سارع إلى لقاء موسى في حفاوة وتكرمة عاجله هذا بالسوط، وأخذ ~~يقرعه ويعنفه على مجاوزة أوامره معلنا أنه لن يستطيع أن يضمن سلامة المسلمين في يد قائد ~~مخاطر مثله، ثم زج به في غيابة السجن. # 1 # ولما علم الخليفة الوليد بما وقع لطارق وما أصابه من الظلم الذي أثارته الغيرة ~~وصبه الحسد استدعى موسى إلى دمشق، وأعاد طارقا إلى القيادة بإسبانيا. # وقبل أن يعود موسى إلى الشام، كان قد بلغ جبال البرت (البرانس) # 2 # وأطل منها، فجالت بخياله صورة لفتح أوربا كلها، ولكن دعوة الخليفة عاقته عن ~~الاستمرار في تقدمه، فقام بهذا الأمر غيره. # 3 # ذلك أن حاكما # 4 # عربيا تملك في سنة 719م/101ه القسم الجنوبي من الغال المسمى «سبتمانيا» ~~بما فيه من مدينة قرقشونة، وأربونة ... وأخذ من هذين المركزين يغير بجيشه على برغاندي، ~~وأقيتانية، غير أن يوديس دوق أقيتانية استطاع قهر العرب عند أسوار طلوشة (تولوز) سنة ~~721م/103ه، فلم يفت هذا الغلب في عضدهم، بل حفزهم إلى الاتجاه نحو الغرب، فنهبوا بونة ~~وفرضوا الضرائب والإتاوات على سان، واستولوا على أفينون سنة 730م/112ه وتوالت غاراتهم على ~~الولايات المجاورة. # وقد وطد العزم عبد الرحمن حاكم أربونة الجديد على التغلب على كل بلاد الغال، فإنه بعد ~~أن وقف تقدم يوديس الذي حاول بعد انتصاره في طلوشة أن يغزو أرض المسلمين، هجم على ~~طركونه وفتح أقيتانية، وهزم يوديس عند شواطئ الجارون. # واستولى على برديل (بوردو) عنوة عندما سمع بالكنوز ms021 المذخورة بدير القديس مارتن، ~~وقابل شارل بن بيبين الذي كان في الواقع ملك فرنسا الفعلي؛ لأن ملكها كان ضعيف العزم يكاد ~~يكون محجورا عليه من رئيس القصر. # وتقدم المسلمون إلى الغزو فرحين مستبشرين ظانين أنهم سيلاقون من النصر ما لاقوه في موقعة ~~وادي لكة، وتوقعوا أن يروا فرنسا الجميلة من كاليه إلى مرسيليا وقد سقطت فريسة في أيديهم، ~~وفي الحق إن مصير أوربا كان في الميزان، حتى لقد عدت هذه الموقعة من المواقع الخمس عشرة ~~الفاصلة في حياة البشر، وكان السؤال العظيم الذي كان جوابه في شفار السيوف وأسنة الرماح هو: ~~«أتصبح أوربا مسيحية أم مسلمة؟ أتكون نوتردام التي لم تبن بعد كنيسة أم مسجدا؟ ~~أتردد كنيسة سنت بول تراتيل المسيحية، أم تدوي بها أصوات المصلين من المسلمين؟» ذلك أنه ~~لم يكن هناك من سبب يدعو مطلقا إلى وقوف الفاتحين عند ساحل المنش إذا لم تصد جيوشهم عند ~~تور، ولكن قضت الأقدار بأن مد الغزو الإسلامي قد بلغ غايته، وأن الجزر أخذت تبدو مظاهره ~~للعيان. # لم يكن شارل والإفرنج من أتباعه من الصنف الخائر العزيمة الضعيف المخنث كبقايا الإسبان ~~والرومانيين والقوط، بل كانوا في الشجاعة والشدة أكفاء للعرب أنفسهم وأمثالا، وكان لهم من ~~بسطة الجسم وعنفوان القوة ما كان له أكبر الأثر في أعدائهم. # وقد قضى الجيشان ستة أيام في المناوشة، واشتد الالتحام في السابع وحمي الصدام، فاخترق ~~شارل صفوف العرب بصولة لا تقاوم، ثم أخذ يرسل يمينا وشمالا ضرباته القوية التي سمي من ~~أجلها: بشارل مارتل، أو إن شئت «شارل المرزبة أو المطرقة»، وسرت روحه في جنوده فانقضوا ~~على المسلمين بقوة ساحقة، فتمزق جيشهم ولاذوا بالفرار، ودعي بين الحزن والذعر مكان هذه ~~الموقعة ببلاط الشهداء حينا من الدهر طويلا. # زال الخطر عن غرب أوربا لأن كارثة العرب كانت فادحة حتى إنهم لم يفكروا طوال القرون التي ~~حكموا فيها في الجنوب أن يغزوا فرنسا، نعم إنهم احتفظوا بأربونة والجهات المشارفة للسفوح ~~الشمالية لجبال البرت (البرانس) حتى سنة 797م/181ه، ثم خاطروا ms022 بإرسال غزوات على بروفانس، ~~ولكن طموحهم لم يصل بهم إلى أبعد من هذا، فإن موقعة «تور» حققت استقلال فرنسا، ووقفت سدا ~~أمام الفتوح العربية. # لقد غمرت حشود العرب الأرض كما يغمرها مد البحر، وكانت جيوشهم تملأ كل مكان، ولكنهم ~~الآن بعد هزيمتهم الساحقة أصبحوا يسمعون صوتا غريبا يرن في آذانهم صائحا: «هنا ستقفون، ~~وهنا ستستقر أمواجكم المزهوة المغرورة». # وكان ملوك فرنسا مع كل هذا يثقون بشجاعة جيرانهم العرب ويخشون بأسهم، حتى إنهم - وإن ~~فرحوا أحيانا بانتصارهم عليهم في وقائع صغيرة - لم يحاولوا إخضاع إسبانيا إلا مرة واحدة، ~~ذلك حينما فقد قارله (شارلمان) - الذي شبهوه بالإسكندر - راحته وأحس بقلقه لشدة مناعة ~~العرب في الجانب الآخر من جبال البرت، وظن أن من واجب المسيحي أن يستأصل شأفة الملحدين، ~~ورأى أنه - وهو الملك العظيم المظفر - لا يجمل به أن يحتمل إلى جانبه دولة مستقلة ~~بالأندلس، وقد سنحت له الفرصة في النهاية حينما ثار بإسبانيا بعض القبائل لتولية أول أمير ~~أموي، وقد دأبت القبائل طيلة أيام العرب بالأندلس على السخط والهياج، فدعي شارلمان للتدخل ~~في الأمر وطرد الأمير الغاصب. # ويزعم مؤرخو الإسبان أن ألفونسو ملك أشتورش (أستورياس) هو الذي استنجد بملك فرنسا، ولكن ~~الأرجح أن الدعوة جاءت من بعض زعماء المسلمين الذين خابت آمالهم وانعكست مطامعهم في عبد ~~الرحمن الداخل الأموي، # 5 # حتى أصبحوا يؤثرون الخضوع لعدو الإسلام اللدود على قبول هذا الأمير ~~الجديد. # وكان ما طلبوه من شارلمان محبوبا إلى نفسه، ملائما للفرصة التي كان يتوقعها، وكان الدهر ~~في هذا الحين مبتسما لشارلمان؛ لأنه أتم إخضاع السكسون ونفى زعيمهم «وتكند» وأقبلت الألوف ~~من أصحابه إلى بادربون للدخول في المسيحية زمرا، وأصبحت يد الفاتح حرة طليقة تتجه أنى ~~شاءت للغلب والانتصار. # فتم الاتفاق بين المتآمرين على أن يغزو شارلمان إسبانيا، بينما يعمل الزعماء الساخطون على ~~توجيه الجيش العربي إلى ثلاث جهات متباعدة، وكان من حسن طالع أمير قرطبة أن هذا الاتفاق ~~الخطر لم يتم منه شيء، فإن حلفاء شارلمان أخطئوا في حسبان الزمن، ثم ms023 تنازعوا وصاحت صائحة ~~الحرب بينهم، فلما اخترق شارلمان البرت سنة 777م/161ه لم يجد ناصرا ولا معينا، فأخذ يحاصر ~~سرقسطة، وبينما هو عند أسوارها إذ وصلت إليه الأخبار بأن «وتكند» عاد وأثار السكسون ~~وتقدم بهم حتى وصل إلى كولون، فلم يجد شارلمان بدا من أن يعود أدراجه لحماية مملكته، ~~فاقتحم بجيشه شعاب الجبال، وفي شعب رونسسفال # 6 # نزلت بمؤخرته كارثة فادحة قضت عليها، فإن البشكنش - وقد أحرقت صدورهم العداوة ~~القديمة الدائمة للإفرنج - وضعوا لهم كمينا في أغوار صخور البرت، وانتظروا حتى إذا مرت ~~مقدمة الجيش من الشعب انقضوا على المؤخرة وكانت بطيئة السير محملة بالأثقال، فاستأصلوا ~~رجالها حتى لم يكد يفر منهم أحد من يد الموت. # ويقص علينا المؤرخون المسيحيون ما تقشعر له الأبدان من مذابح هذا اليوم، وذكروا أن ~~المسلمين وفرسان ليون تعاونوا على تحطيم جيش الإفرنج، وتصور لنا أنشودة إسبانية كيف أن ~~البطل برناردو كان يقود فرسان ليون في مذبحة جيش الإفرنج فتقول: # مشى برنارد في جيش خضم # يسوق إلى الفرنج به أسودا # ليحمي أرض إسبانيا ويعلي # شعار «بلاي» والشرف التليدا # وإنا سادة الأحرار لكن # رضينا أن نكون له عبيدا # نتابع ريش خوذته ونمضي # قريبا كان يقصد أو بعيدا # وعاهدناه أن نفنى جميعا # وإنا خير من حفظ العهودا # أنلقي بالبنين لمستبد # يطيح بهم ويرهقهم صعودا # وبين ضلوعنا قلب جريء # يمد إلى العدا زندا شديدا؟! # أيطمع شارل أن يبقى مليكا # لعرش ليون جبارا عنيدا؟! # لقد كذبت أمانيه فإنا # سنحصد جمعه حتى يبيدا # ويبقى شعب ألفونسو شريفا # ويبقى ملك ألفونسو مجيدا # حارب العرب كتفا إلى كتف لاستئصال الإفرنج مع أبطال ليون الذين أبوا أن ينضموا إلى ~~أمير أستورياس في خضوعه لشارلمان، ويحدثنا أبسيدو تربن في تاريخه القصصي لشارلمان ~~وأرلاندو «بهجوم ثلاثين ألفا من العرب على جيش المسيحيين، وقد امتلئوا غضبا وحقدا، وكان ~~المسيحيون مجهدين يترنحون للسقوط لطول ما قاتلوا من قبل، فحصد المسلمون رجالهم، ولم يبقوا ~~منهم على أحد، فمنهم من نفذت الرماح من أحشائه، ومنهم من هشمته القضبان، ومنهم من ms024 طاح رأسه ~~بالسيف، ومنهم من سلخ حيا، ومنهم من شنق فتدلى من الأشجار». # كانت المذبحة مفجعة، ولم تمح ذكرى هذا اليوم من أخيلة سكان هذه الجهة على طول الدهر ~~حتى إن الجيش الإنجليزي حينما تعقب قواد نابليون في شعب رونسسفال سمع الناس يتغنون ~~بالأنشودة القديمة التي قيلت في هذه المعركة الطاحنة، وأخذ شعراء إسبانيا الجوالون يضيفون ~~إليها كثيرا من الحوادث إن صدقا وإن كذبا، ومن أشهر الأناشيد أنشودة أمير البحر جارينو ~~التي سمعها الدون كيشوت، وشانكو بانزا تغنى بتوبوسو، وهي: # يا فرنسا قد كان يومك حقا # عند رونسسفال يوما عصيبا # كان برنارد فيه سيفا فولى # وسنانا لشارلمان صليبا # وجرينو قد كبلته قيود # فهو يدعو فلا يلاقي مجيبا # حوله سبعة من العرب أبطا # ل يرى بينهم أسيرا غريبا # وهكذا تمضي الأنشودة فتقص علينا قصة أسر جارينو، ثم انتقامه بذبح آسره في المبارزة، ثم ~~فراره إلى فرنسا. # وكان ممن ذبحوا في هذا اليوم الأيوم رولند الشجاع، وهو من قواد شارلمان الاثني عشر ~~وقائد حدود بريتاني، وقد صوره خيال الشعراء بطلا في قصة شارلمان، ونسب إليه من أعمال ~~الفروسية والشجاعة ما يتردد العقل في قبوله. # فقد قيل إنه حارب طول اليوم وقذف بنفسه في أشد مواقع المعركة التحاما ضاربا بسيفه ~~«ديورندا» إلى اليمين وإلى الشمال، ولكن شجاعته لم تغن عنه شيئا ولم تكسبه المعركة، ~~فارتمى إلى الأرض جريحا محاطا برجاله وأخذ يجود بنفسه، ويقولون إنه قبل أن يسلم الروح ~~استل سيفه الأمين من قرابه وكان به ضنينا، يؤثر أن يفقد الذراع التي جردته على أن يفقده ~~وشرع يقول: # أيها الحسام الذي لم يماثله سيف في بريقه وصفاء مائه وعظمته ولينه، ثم في قبضته ~~العاجية البيضاء المزينة بصليب ذهبي فاخر، فوقه تفاحة زبرجدية، حفر بها اسم الله ~~الأقدس، لقد منحت مضاء، واستأثرت بمزايا ليست في سواك، من ذا الذي سيشهرك في ~~المعارك بعدي؟! ومن هذا الذي سيكون لك صاحبا؟ فإن مالكك لا يغلب ولا ترهبه ~~الأعداء ولا تخيفه الأوهام، فإذا صحبك وصحبته معونة الله ms025 حطم المسلمين، وأعلى ~~كلمة المسيح، وبلغ قمة المجد. # يا أيها السيف السعيد، يا أمضى المواضي، لقد عز لك النديد والنظير، فإن القين ~~الذي طبعك لم يطبع لك أخا، وإذا ضربت لم يستطع الفرار من ضربتك ~~أحد. # ثم ضرب به صخرة قسمته نصفين مخافة أن يسقط في يد جبان أو مسلم، ثم نفخ بجمع قوته في ~~بوقه الذي كان صوته يحطم الأبواق، حتى انفجرت أوداجه. # وأرسل بوقه المحزون صوتا # فردد فونترابيان صداه # ووصل الصوت إلى أذن شارلمان وهو في معسكره على ثمانية أميال غير عالم بالمصيبة التي حلت ~~بمؤخرة جيشه، وكاد الملك يهم بنجدة صاحب البوق المستصرخ، لولا أن أحد الخونة أخبره بأن ~~رولند ينفخ في بوقه للصيد، وهكذا لم يسعف شارلمان قائده الأمين الذي فاظ بعد أن رتل صلاته ~~وأدى اعترافه، ثم أسرع بولدوين إلى شارلمان - وكان من نبلاء فرنسا - وأخبره بما حاق بمؤخرة ~~الجيش وبموت رولند وأوليفر، عندئذ حول الملك عنان فرسه وعاد بجيشه إلى رونسسفال، فرأى ~~الجثث مبعثرة في الميدان، ورأى جثة البطل ممددة على هيئة الصليب وبوقه وسيفه المحطم إلى ~~جانبه، فوقف يندبه في حزن وأسى، وهو يردد الزفرات، ويعول إعوال الثكالى، ويضرب كفا ~~بكف، وينتف لحيته، ويقول: # يا يدي اليمنى، يا فخر الإفرنج، ويا سيف العدل، ويا رمحا لا يلين ودرعا لا ~~تحطم، يا ترس الطمأنينة والسلام، يا حامي المسيحية وسوط عذاب الإسلام، يا حائط ~~القساوسة، وصديق الأرامل واليتامى، يا أمين الرأي، ويا صادق الحكم، ويا أشرف قومك، ~~ويا أشجع قائد لجيش، لم تركتك هنا لتموت؟ كيف أراك ميتا ولا أموت بعدك؟! لماذا ~~تركتني حزينا وحيدا، وخلفتني ملكا بائسا مسكينا؟ ولكنك رفعت إلى السماء، ~~وأصبحت تسعد بصحبة الملائكة والشهداء. # وهكذا ظل شارلمان يبكي رولند ويندبه طيلة حياته، ثم أقام الجنود في البقعة التي مات بها، ~~وضمخوا جسده بالبلسم والطيب، وسهر الجيش على حراسته يرتل الأدعية ويتلو الأناشيد ويوقد ~~النيران على قمم الجبال حوله، ثم حمله الجنود معهم واحتفلوا لدفنه كما يحتفل للملوك، ~~وهكذا انتهى هذا اليوم ms026 الأسود ... # حيث رونسسفال كانت # للفرنج الحمس لحدا # أليفر لاقى بها الحت # ف ورولند تردى # ولم يشد التاريخ بعمل قليل الشأن كما أشاد بهذه الحركة، حتى لقد جعلها منبعا لأساطير ~~البطولة وأناشيد الشعراء، فهي ثرموبيلى # 7 # جبال البرت (البرانس) في التغني بها وطول الحديث عنها، وإن لم يكن لها ذلك ~~المجد ولا هذا المغزى. # | هوامش # | الأندلسيون # وضع انتصار شارل مارتل سنة 733م/511ه سدا أمام غزو المسلمين لأوربا، فلم يعودوا يفكرون ~~في دفع فتوحهم إلى الأمام، واتجهوا إلى توحيد المملكة التي افتتحوها وجمع أطرافها، وبعد أن ~~وقعت الواقعة بجيش شارلمان عاشوا في بلادهم آمنين لا ينازعهم منازع مدة ثلاثمائة سنة، نعم ~~إن أبناء القوط المنهزمين تمسكوا باستقلالهم في المقاطعات الجبلية الشمالية، وأخذوا من آن ~~لآن يستردون أجزاء من مملكتهم القديمة، ولكن هذه الغارات - وإن ضاقت بها صدور العرب - لم ~~تكن إلى الآن خطرا عليهم؛ لأنهم كانوا يقطنون القسم الأعظم من إسبانيا في رخاء ~~وبلهنية، ولم يتحقق خطر المقاطعات إلا في القرن الحادي عشر. # وقبل الفاتحون أول الأمر الاعتراف باستقلال هذه المقاطعات، وعدوا ذلك شرا لا بد ~~منه؛ لأن انتزاعها من أيدي الإسبان كان يكلفهم دماء أغلى ما تستحق، فتركوا للمسيحيين ~~جليقية (غاليسية)، وليون، وقشتالة، ومقاطعات غسقونية، وقنعوا بأحسن قسم في إسبانيا، ~~وأرغموا المسيحيين على التمتع بمفاوز الشمال الموحشة الباردة، وصخوره القاسية الجافية على ~~ألا يطمحوا أو يمدوا أعينهم إلى ما ينعم به العرب من الولايات الجنوبية والشرقية ~~الدفيئة الخصيبة. # ومنذ نهاية القرن الثامن - حينما وقفت حدود مملكة العرب عند غاية، إلى أن زحف المسيحيون ~~على ممالك الإسلام في القرن الحادي عشر - كان الحد بين المسلمين والمسيحيين على التقريب عند ~~امتداد شارات وادي الرمل # 1 # التي تمتد في اتجاه شمالي شرقي من قلمرية في البرتقال إلى سرقسطة، ~~ويمكن أن يعد نهر إبره حدا تقريبيا، فكان المسلمون ينعمون بالسهول الخصيبة لأنهار ~~تاجه، ووادي يانه، والوادي الكبير، وهو الاسم الذي سمى به العرب هذا النهر لعظمه، وكانوا ~~يملكون إلى جانب مدن الأندلس الشهيرة مزايا الثروة، ms027 ورواج التجارة، واعتدال الجو إلى غير ~~ذلك مما اشتهر به هذا القسم من عهود الرومان. # وهذا التقسيم طبيعي، فقد تميز القسمان تميزا جغرافيا منذ القدم لاختلاف أجوائهما، ~~فالشمال موحش معرض للرياح الهوج والأمطار الهاطلة والبرد الشديد، وهو على جودة بعض المروج ~~والمراعي به لا يصلح كثير من أراضيه للزراعة، أما الجنوب وإن كان مهددا بالرياح الحارة ~~التي تهب من إفريقية، فمزدهر كثير المياه صالح للزراعة، وبين القسمين مساحة واسعة كان ~~المسلمون ينتفعون بها على الرغم من أن ملكيتها كانت موضع شك وجدال، وأبغض العرب - وهم عشاق ~~الشمس المتألقة - هذه المساحة الباردة، فتركوها لقبائل البربر أصحاب طارق، وكان هؤلاء ~~دائما موضع زراية العرب الخلص الذين جنوا ثمرات الفتوح. # ملك المسلمون ثلثي شبه الجزيرة وسموها بالأندلس، وأنشأوا بها مملكة قرطبة العظيمة التي ~~كانت أعجوبة العصور الوسطى، والتي حملت وحدها في الغرب شعلة الثقافة والمدنية مؤتلقة ~~وهاجة وقت أن كانت أوربا غارقة في الجهالة البربرية، فريسة للشقاق والحروب. # ويجب ألا يجول ببال أحد أن العرب عاثوا في البلاد أو خربوها بصنوف الإرهاق والظلم كما ~~فعل قطعان المتوحشين قبلهم، فإن الأندلس لم تحكم في عهد من عهودها بسماحة، وعدل، وحكمة كما ~~حكمت في عهد العرب الفاتحين. # وقد يسأل المرء نفسه دهشا: من أين جاء لهؤلاء العرب كل هذه المواهب السامية في ~~الإدارة والحكم؟ فقد جاءوا مباشرة من صحرائهم العربية ولم تترك لهم فتوحهم المتوالية من ~~الزمن إلا قليلا لدراسة فنون سياسة الأمم المغلوبة، نعم، إن بعض رجال دولتهم كانوا من ~~اليونان والإسبان، ولكن هذا لا يبطل العجب؛ لأن هؤلاء لو تركوا وحدهم أو عملوا في ميدان ~~آخر بعيد عن العرب لعجزوا عن أن يكون لهم أمثال هذه النتائج الباهرة، وكل ما هيئ للعقول ~~الإسبانية من القدرة الإدارية لم يكف لجعل الحياة أيام دولة القوط محتملة هنيئة، ولكن ~~الأمة الإسبانية على النقيض من ذلك كانت في ظلال حكم العرب راضية هانئة كما يمكن أن يرضى ~~ويهنأ شعب مغلوب يحكمه غاصب، بل إنها كانت أسعد حالا ms028 وأرخى بالا مما كانت عليه حين كان ~~حكامها القوط يدينون بدينها الذي تراءوا باسمه دون حقيقته، فإن اختلاف الدين كان في الحق ~~أقل المصاعب التي لاقاها العرب في أول حكمهم، وإن أصبح بعد ذلك مثار عنت واضطراب؛ لأن ميول ~~الإسبانيين للمسيحية كانت لا تقل عن ميولهم للوثنية، فقد فرض عليهم قسطنطين المسيحية ~~فرضا، فبقي الناس متشبثين برومانيتهم، ولم يترك الدين في نفوسهم إلا أثرا ضئيلا، وهم في ~~الواقع لم يكونوا في حاجة إلى دين جديد، بل كانوا في أشد الحاجة إلى القدرة على أن يعيشوا ~~حياتهم في أمن ورغد، وقد منحهم ساداتهم المسلمون هذين. # وفي بداءة الفتح، مر بالأندلس وقت قصير مضطرب، شوهته حوادث الإحراق والقتل والمصادرة، ~~غير أن حكام العرب أسرعوا إلى وقف كل ذلك، ورأت الرعية بعد أن استقرت الأمور في نصابها أن ~~حياتها على كل حال لم تكن أسوأ مما كانت عليه من قبل، ثم أخذ الناس بعد قليل يشعرون بأنهم ~~أفادوا من تغير الحكم، فقد كان للإسبانيين أن يحتفظوا بشرائعهم وقضاتهم، وعين لهم حكام ~~من أنفسهم يديرون المقاطعات ويجمعون الضرائب ويفصلون فيما شجر بينهم من خلاف، وأصبح سكان ~~المدن لا يكلفون إلا الجزية والخراج - إن كانت لهم أرض تزرع - بعد أن كانوا في عهد القوط ~~يحملون وحدهم عبء الضرائب والأموال التي تنفق على الدولة، وكانت الجزية متدرجة على حسب ~~منزلة المطالبين بها، فكانت تبتدئ من اثني عشر درهما إلى ثمانية وأربعين في العام، أو من ~~نحو ثلاثة جنيهات إلى اثني عشر، وقد قسمت اثني عشر قسطا، يجبى قسط في كل شهر للتخفيف عن ~~الرعية، وقصرت الجزية على المخالفين في الدين من النصارى واليهود، أما ضريبة الأراضي ~~التي كانت تتفاوت على حسب قدرة إنتاج الأرض، فإنها فرضت بعدل ومساواة على النصارى واليهود ~~والمسلمين جميعا، ولم تمتد يد المسلمين في الغالب إلى أملاك المدن والأهلين التي كانت ~~لهم قبل الفتح، نعم، إن أملاك الكنائس صودرت، وكذلك الأملاك التي فر أصحابها إلى جبال ~~الشمال، ولكن العرب تركوا عبيد هذه ms029 الأراضي يعملون بها على أن يؤدوا إلى ساداتهم المسلمين ~~نسبة من الحاصل تتفاوت بين الثلث وأربعة الأخماس، وعومل بعض المدن كماردة وأريولة معاملة ~~خاصة، وفازت من الفاتحين بخير الشروط، فاحتفظ السكان فيها ببضائعهم وأراضيهم على أن تؤدى ~~إلى الحاكم إتاوة في كل عام، ولم يكن المسيحيون على أسوأ الفروض ملزمين دفع ضرائب أكثر مما ~~كان يدفع جيرانهم المسلمون، على أنهم قد ظفروا بحق لم يكن لهم أيام ملوك القوط، فأصبحوا في ~~عهد الإسلام قادرين على نقل ملكية أراضيهم لغيرهم، أما التسامح الديني فلم يدع للإسبانيين ~~سببا للشكوى، فقد تركهم العرب يعبدون كما يشاءون من غير أن يضطهدوهم أو يلزموهم اعتناق ~~عقيدة خاصة كما كان يفعل القوط باليهود، وكانت الجزية كبيرة الفائدة لخزانة الدولة، حتى إن ~~بعض أمراء قرطبة كانوا يميلون لتثبيط عزائم المتحمسين من المسلمين الذين أخذوا يدعون إلى ~~الإسلام؛ لأن هذه الدعوة كانت تحرم الدول منبعا غزيرا من موارد جبايتها. # وكان من أثر هذه المعاملة وذلك التسامح أن رضي المسيحيون بالنظام الجديد، واعترفوا في ~~صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الإفرنج أو القوط، حتى إن القساوسة أنفسهم لم يكونوا ~~شديدي التألم لحكم العرب كما يدل على ذلك التاريخ المنسوب إلى (إيزيدور) الباجي # 2 # الذي كتب بقرطبة سنة 754م/137ه فإن هذا الراهب الصالح لم يتحرج من تدوين تلك ~~الصلة غير الجائزة من زواج أرملة لذريق بابن موسى ابن نصير، # 3 # وأسطع الأدلة على رضا المسيحيين عن حكامهم الجدد أن ثورة دينية واحدة لم تحدث ~~في خلال القرن الثامن. # أما فرح العبيد بما طرأ على نظام الحكم من التغير فقد كان عظيما حقا بعد أن لاقوا من ~~ضروب العسف والقسوة من القوط والرومان ما تقشعر له الأبدان، فإن الرق في رأي المسلمين ~~الأخيار نظام إنساني رفيق، حتى إن النبي # صلى الله عليه وسلم # حينما لم يجد بدا من الإبقاء على هذا ~~النظام العتيق الذي يعارض مبادئ الإسلام بذل كل جهد في تخفيف ويلاته في كثير من الوصايا ~~والأحاديث، فهو يقول ms030 في الأرقاء: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه ~~تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإذا كلفتوهم ~~فأعينوهم.» وعن أبي مسعود الأنصاري قال : «كنت أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا يقول: ~~اعلم أبا مسعود: لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقلت: يا ~~رسول الله، هو حر لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار.» # ولم يكن بين القرب التي يتقرب بها المسلمون إلى الله أجل من إعتاق العبيد، وكثيرا ما ~~حض النبي على تحريرهم، وقد جعل الإسلام إعتاقهم كفارة لبعض ما يجترح من الذنوب. # سعد العبيد بدخول العرب، وأصبحوا في رق المسلمين بمنزلة صغار الزراع، فتركهم سادتهم ~~أحرارا يزرعون الأرض كما يشاءون على أن يؤدوا إليهم نصيبا من الغلة؛ لأنهم كانوا مشتغلين ~~بالحروب، ولأنهم كانوا بطبيعتهم يأنفون من أعمال الفلاحة، أما عبيد المسيحيين الذين ظلوا ~~يائسين من التخلص من الرق طول حياتهم، فقد مهد أمامهم اليوم طريق إلى الحرية من أسهل ~~الطرق وأهونها، فليس عليهم إلا أن يذهبوا إلى أقرب محتسب أو قاض وينطقوا أمامه بالشهادتين، ~~فيصبحوا في التو أحرارا فإن الحرية تتبع الإسلام، فليس عجيبا إذا أن نجد العبيد ~~الإسبانيين مسرعين إلى إعلان دينهم الجديد ليتخلصوا من ربقة العبودية، ولم يبذل القساوسة في ~~الماضي إلا جهدا ضئيلا لغرس المسيحية في قلوب هؤلاء الأرقاء، فقد كان لديهم من العمل ~~والإشراف على ضيعاتهم ثم من العناية الدينية بالنبلاء ما صرفهم عن الاهتمام بهؤلاء الجهلاء، ~~ثم إن الانتقال من مزيج الوثنية والمسيحية إلى إدراك ضعيف للإسلام لم يكن صدمة شديدة للعقل ~~المقلد. # ولم يكن العبيد وحدهم هم الذين تسابقوا إلى الدين الجديد؛ فقد أسلم كثير من كبار ~~الملاك والسراة؛ إما للفرار من الجزية، وإما للمحافظة على ضياعهم، وإما لأن نفوسهم مالت ~~مخلصة إلى الإسلام وأحبت ما في التوحيد من جلال ويسر، وكان هؤلاء الداخلون في الإسلام أو ~~المتسلمون # 4 # سببا لإثارة القلاقل في الدولة ms031 كما سيتلى عليك بعد، فإن إسلامهم وإن تضمن ~~مساواتهم بالمسلمين لم يصل بهم إلى التمتع بحقوق المسلمين وميزاتهم كاملة؛ فقد حيل بينهم ~~وبين مناصب الدولة، ونظر إليهم نظرة اشتباه وحذر كما ينظر إلى من يبيع نفسه رخيصة يريد ~~عرض الحياة الدنيا. وقد زالت هذه الفروق في النهاية، ولكن بعد أن أحدثت نزاعا خطيرا ~~وثورات متعاقبة. # كان فتح العرب للأندلس في جملته نعمة ورخاء على الأندلسيين المحكومين؛ لأنه أبطل ما كان ~~يملكه كبار النبلاء ورجال الكنيسة من الضياع الواسعة، وحولها ملكيات صغيرة، ثم رفع ~~عبء الضرائب عن الطبقة الوسطى، واقتصر منها على الجزية على غير المسلمين، والخراج على ~~المسلمين وسواهم، ثم حث على تحرير العبيد والرفق بهم، وإصلاح أحوالهم فأصبحوا زراعا ~~مستقلين في خدمة ساداتهم المسلمين. # وكان الفتح على النقيض من ذلك شرا وبلاء على الحاكمين، فليس هناك أبعد شططا من أن ~~تتخيل أن العرب الذين انتشروا بهذه السرعة فوق نصف العالم المتمدين كانوا متحدين على أي ~~معنى مقبول من معاني الاتحاد، فإن ذلك لم يكن صحيحا، وقد بذل محمد جهده، وكد بكل ما أوتي ~~من حكمة وحزم وشخصية مهيبة عجيبة ليحافظ جهد المستطيع على صورة للوحدة العربية؛ لأن العرب ~~كانوا شعوبا وقبائل، وكان بين هذه القبائل حروب وترات دامية استمرت طويلا، وكان للنعرة ~~القبلية التي لم تنطفئ شعلتها بعد الإسلام أكبر سلطان على نفوسهم، ولو بقيت دولة الإسلام في ~~حدود بلاد العرب ولم تتجاوزها، ما بقي شك في سرعة انتقاضها وزوالها؛ لكثرة ما كان يقع بين ~~القبائل من التنافس والتحاسد، وقد تبع وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # خروج عام من القبائل. # والحق أن الإسلام لم تثبت أركانه ولم يصبح دين الدنيا إلا حينما سلح نفسه وأصبح دينا ~~محاربا، فنجا من الانتكاس بتوالي انتصاراته؛ لأن العرب إذ ذاك ألقوا إلى حين تحاسدهم ~~المدمر القاتل جانبا ليتعاونوا في اقتناص الغنائم، على أنه من المحقق أن تحمسهم للفتوح كان ~~يؤججه عنصر قوي من التعصب للدين والرغبة في نشره؛ فقد حاربوا لأنهم يقاتلون ms032 أعداء الله ~~ورسوله، وحاربوا لأن مثوبة الشهداء وكئوس السعادة والنعيم كانت تنتظر من يقتلون في سبيل ~~الله، غير أننا لا نستطيع أن ننكر أن ثروة القياصرة والأكاسرة، والأراضي الخصبة، والمدن ~~العامرة في الممالك المجاورة - كانت عاملا كبيرا في تحمس المسلمين لنشر الإسلام. # وحينما استقر لهم الملك وهدأت موجة الفتوح، عادت إليهم الشحناء، وتحركت فيهم عقارب الحسد ~~والغيرة والتفريق التي كانت استلتها جلبة الحروب وغنائم الفاتحين، فانطلقت بعد احتباسها ~~منذرة بالشر والدمار، فإن روح العنصرية القبلية انتشر في كل جزء من أجزاء المملكة التي ~~أخضعوها، وتأثر به الخلفاء بدمشق، فكان تعيين الأمراء في الولايات يتبع هذه النزعة القبلية، ~~وكان اختلاف القبائل وتعصبها بالأندلس داعية لكثير من الفوضى واضطراب الأمن والنظام في ~~أثناء الخمسين سنة الأولى من حكم العرب حينما كان حاكم إفريقية أو الخليفة نفسه يعين أمير ~~الأندلس، فكان هؤلاء الأمراء يبقون في مناصبهم، أو يعزلون، أو يقتلون تبعا لميول بعض ~~العشائر والقبائل الذين كانوا يعارضون مرة أن يكون الأمير مدنيا، ومرة في أن يكون ~~قيسيا، وثالثة في أن يكون يمنيا، واستمرت هذه النعرة تقذف سمومها طول مدة حكم العرب ~~بالأندلس. # يضاف إلى ذلك، أن الأندلس كان بها إلى جانب العشائر العربية المختلفة حزب آخر عظيم الخطر ~~يجب أن يحسب له حساب، فإن طارقا لم يتم له فتح الجزيرة إلا بجيش جمهرته من البربر؛ لذلك ~~أصبح هؤلاء عنصرا عظيم الشأن في الحياة الجديدة، ولم تكن أمة البربر ضعيفة خائرة كالإسبان ~~الذين اصطبغوا بصبغة الرومان، ولكنهم كانوا ممتلئين حياة وعزما وإقداما، وحينما غزا العرب ~~بلادهم، قاومهم عديد من قبائلهم الباسلة في معاقلهم الجبلية وفي السهول الممتدة من مصر إلى ~~المحيط الأطلنطي مقاومة عنيدة كانت أشد عنفا من مقاومة الفرس وجنود رومة المدربين، وكانوا ~~يشبهون العرب في كثير من الوجوه، فكان لهم قبائل كما كان لهؤلاء، وكانت ميولهم السياسية ~~ديمقراطية كالعرب، غير أنهم كانوا يجلون الأسر الشريفة إجلالا ذهب بخطر الديمقراطية ~~بين قوم جاهلين، وكانت صفاتهم الحربية عربية في أكثر مظاهرها، واستمر القتال ms033 بين هذين ~~الفريقين من الرعاة المنتجعين سبعين سنة، حتى إذا تغلب عليهم العرب في النهاية كان هذا ~~الفوز عن رضا من البربر أكثر من أن يكون هزيمة محققة، فسمح البربر للأمير العربي أن يجعل ~~دار حكمه قريبة من الساحل، ولكنهم حتموا إبقاء حكومتهم القبلية للفصل في شئونهم كما كانت، ~~وطلبوا أن يكونوا إخوانا لا خولا ولا عبيدا للفاتحين. # واستمر هذا النظام الأجوف قائما مدة من الزمن، وتسابق البربر إلى الإسلام، وتحمسوا له ~~حماسة تفوق تحمس العرب أنفسهم، وبعد قليل أصبحت بلادهم عشا للمذاهب الدينية المبتدعة ~~التي بدلت بالأصول الإسلامية الفطرية عناصر وهمية مثيرة للعواطف، يدسها أصحاب العقول ~~البعيدة الخيال في كل دين، ووجد المبتدعون - بعد أن طردوا من حظيرة الدين الحق - في ~~عقول السذج من البربر أرضا خصبة لإنماء مذاهبهم، وقديما عرف البربر بسرعة قبولهم لما يلقى ~~عليهم من المذاهب الدينية، وبشدة تأثرهم بها وتحمسهم لها، ذلك التأثر الذي ذهب بهم أفواجا ~~إلى اعتناق الإسلام، والذي مكن طارقا واثني عشر ألفا منهم من فتح الأندلس. # وقد استغل هذه السذاجة في حركته السياسية الدينية زعيم المرابطين الذي قدم إلى المغرب ~~ليبث في نفوس القوم نفوذا أقوى من نفوذ رؤساء قبائلهم، ويخضعهم بسطوة فوق سطوة حاكمهم، ولم ~~يكن يحتاج هذا الزعيم إلى أكثر من كرامات زائفة ليسوق قطيعا من المصدقين الدهشين إلى ~~حظيرته. # وتحقق أحد حكام العرب من رواج هذا الدجل بين قبائل البربر حين رآهم يخضعون لامرأة ~~تدعي الولاية وتؤيد دعواها بألاعيب من الشعوذة، فأخذ يدرب نفسه على مثل هذه الألاعيب ~~حتى برع في أساليب الحواة، فنال من طاعة القوم واستسلامهم فوق ما كان يبتغي، ومثل هؤلاء ~~يتبعون كل صائح، ويستمعون لكل داع، ويسرعون خفافا إلى الثورات العنيفة التي يشعلها زعيمهم ~~بكلمة واحدة، وكان البربر سببا لكل التطورات التي حدثت في شمال إفريقية، فإنهم أقاموا دولة ~~الفاطميين، ثم لحقوا بجيوش المرابطين فسارت منتصرة الأعلام حتى ملكت بلاد البربر وإسبانيا، ~~ثم أسقطوا المرابطين وأحلوا محلهم الموحدين. # وشرع البربر في الأندلس - منذ حكم ms034 العرب - يناصبون الحكام العداء، وحدث أن أحد هؤلاء بالغ ~~في إرضاء ميوله بالتمتع والإغراق في النعيم، مرهقا في سبيل ذلك رعيته، فأغضب ذلك العلماء ~~والفقهاء فأثاروا البربر عليه، فما كانت إلا لحظة حتى هب للسلاح جميع سكان نصف الساحل ~~الغربي لبحر الروم، وحتى دهي العرب بالأندلس بهزيمة نكراء، وأقبل من الشام ثلاثون ألفا ~~من الجنود لاستعادة الولايات التي احتلها البربر، فحيل بين معظم هؤلاء ومن انضم إليهم من ~~العرب بإفريقية والذهاب إلى الأندلس، وأعمل فيهم البربر السيف ذبحا وتقتيلا، وفرت فلولهم ~~إلى سبتة بأرواحهم، فكان يهددهم في كل لحظة عدوان من الجوع والقتل. # وتأثر بربر الأندلس بوثيق اتصالهم بإخوانهم في الساحل الإفريقي بهذه الثورة التي قامت ~~بإفريقية سنة 741م/124ه وكان يتغلغل في نفوسهم حسد قديم للعرب؛ لأنهم نالوا نصيب الأسد من ~~غنائم إسبانيا التي لم تدن قطوفها إلا بقسي البربر ورماحهم، ورأوا أن العرب الذين لم يدخلوا ~~البلاد إلا وقت اجتناء ثمرات الفتح اختصوا أنفسهم بكل الولايات الخصبة الباسمة من شبه ~~الجزيرة، وتركوا لهم أبغض الأجزاء إلى النفس من سهول إسترامادور العفر، وجبال ليون ~~الثلجية، فأقاموا بها مرغمين في جو قارس لا يحتمله من عاش في حر إفريقية، ثم إنهم رأوا ~~أنفسهم في وضع يجعلهم دائما حامية دفاع بين حلفائهم العرب ونصارى الشمال. # تأثر البربر بكل هذا، وقام مونوسا البربري - أحد قواد طارق الذي تزوج بنت يوديس دوق ~~أقيتانية - فأشعل نار الثورة لما أصاب إخوانه بإفريقية من الظلم، وبعد أن فاز بربر إفريقية ~~بمطالبهم هبت ثورة عامة في الولايات الشمالية بإسبانيا، وحمل السلاح بربر غاليسية، ~~وماردة، وقورية، وتقدموا للهجوم على طليطلة، وقرطبة، والجزيرة الخضراء، وصمموا على أن ~~يبحروا منها إلى إفريقية للاتصال بأبناء وطنهم. # وكان الموقف شديد الخطر عصيبا، وجد فيه عبد الملك بن قطن الفهري # 5 # أمير الأندلس نفسه أمام مشكلة تكاد تستعصي على الحل؛ لأنه كان قد أبى أن يمد يد ~~المساعدة لجنود الشام بسبتة، فأصبح الآن أمام أمرين أحلاهما مر وخيرهما شر: إما أن يخضع ~~للبربر العصاة، ms035 وإما أن يستجدي معونة جنود الشام الذين رفض معاونتهم، والذين قد يكونون إذا ~~أذن لهم بنزول الأندلس أشد بلاء وشرا من هؤلاء الذين جاءوا لطردهم، ولكنه صمم آخر على ~~إرسال سفن لنقل جنود الشام بعد أن أخذ عليهم عهدا أن يعودوا من حيث أتوا بعد التغلب على ~~البربر، وبعد أن قوي جيش العرب بهذا المدد، كر على البربر فاستأصل شأفتهم، ثم تعقبهم في ~~كل مكان وبين معاقلهم الجبلية، كما يتعقب الصائد الوحوش الضارية، حتى شفى نفسه بنيل الثأر ~~منهم. # غير أن الخطر الذي أراد عبد الملك أن يتوقاه ظهر وأبدى ناجذيه؛ فقد أبى جنود الشام أن ~~يستبدلوا بالمروج الخضر والحدائق الفيح بالأندلس، صحراء إفريقية القاحلة؛ حيث تنوشهم رماح ~~البربر المتغلبين، فتحدوا عبد الملك وقتلوه، واختاروا للأندلس أميرا منهم، # 6 # وكان من نتائج ذلك أن شب بين العرب القدماء والجنود الداخلين صراع عنيف طويل ~~المدى، كثرت فيه المذابح، وعم الدمار، ولم ينته هذا الصراع إلا بعد أن أرسل الخليفة ~~بدمشق أميرا # 7 # قديرا فرق بين القبائل المتطاحنة بإعطاء كل من الفريقين مدنا تبعد عن مدن ~~الآخر، ثم بنفي أكثر زعماء الفريقين عنادا وشغبا، فنزل المصريون الذين كانوا بجند الشام ~~مرسية وسموها مصر، ونزل الفلسطينيون شذونة، وحل أهل الأردن بمالقة، وأقام الدمشقيون ~~بغرناطة، واستقر أهل قنسرين بجيان، وبهذا الوضع زال سبب من أسباب النزاع الحزبي ~~بالأندلس، ولكن الروح القبلية لم تضعف سيطرتها بعد، وبقيت الثورات تتغلب على الحكومات ~~وتستبد بها، واستمرت الحال على هذا حتى نزل الأندلس حاكم من طابع جديد، سلاحه الجلال ~~والمهابة، يحمل بين جنبيه عزة الخلفاء الأمويين، وتجري في عروقه دماؤهم، قدم إلى الأندلس ~~ليحمل صولجان الحكم في مملكة مضطربة منحلة الأواصر، وليجمع في حقبة من الزمن كل القبائل ~~والعشائر تحت لواء أمير قرطبة ... هذا الشاب هو الأمير الجديد الذي جاء شارلمان لقتاله فآب ~~بالخيبة، هذا الشاب هو عبد الرحمن الأموي!! # | هوامش # | الشاب الداخل # استمر الخلفاء يحكمون القسم الأعظم من المملكة الإسلامية ستة قرون، وكان هذا الحكم في أول ms036 ~~الأمر قويا واسع السلطة، فكان الخليفة يعين أمراء الولايات ويعزلهم إن شاء ومتى شاء من ~~إسبانيا إلى حدود الهند. # ولكن المملكة وقد امتدت رقعتها كانت أوسع من أن تجتمع أمدا طويلا حول محور واحد؛ لذلك ~~أخذ عدد من الأمراء في الفينة بعد الفينة، يعمل مستقلا مع إظهار الولاء الأكيد للخليفة، ~~ومنحه كل ما يجب من تشريف وتبجيل إلا الطاعة، ودار الزمن دوراته ففقد الخلفاء هذا التشريف ~~وذلك التبجيل، ونبتت سلالات من الأمراء انتحلت مذاهب دينية مبتدعة، فجحدت سلطة الخليفة ~~الدينية وعدته وعدت أبناءه من الغاصبين، ثم جاء زمن كانت سلطة الخلفاء الزمنية فيه أشبه ~~بسلطة البابا برومة في الضعف والخور، حتى إن حراسهم المرتزقين الذين استأجروهم لحمايتهم ~~من أعدائهم كانوا يحبسونهم أحيانا في قصورهم، وقد وقع شيء من ذلك بعد نحو ثلاثمائة سنة من ~~ابتداء الخلافة، أما فيما بعد ذلك، فكان الخلفاء رمزا قليل القيمة، يلعب به كبار أمراء ~~المملكة كيف شاءوا، وكانوا لا ينالون شيئا من الحفاوة إلا يوم توليتهم، ثم محا المغول في ~~القرن الثالث عشر الخلافة بآسيا، ولم يعد للمسلمين اليوم خليفة بالمعنى الصحيح، على الرغم ~~من تمسك سلطان تركيا بهذا اللقب. # 1 # وكانت الأندلس أول ولاية نفضت عنها سلطة الخليفة، ولكي نفهم هذا يجب أن نذكر أن الخلفاء ~~لم يتبع بعضهم بعضا في سلالة متصلة الوراثة، فبعد الخلفاء الراشدين: «أبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي» الذين نالوا الخلافة بقليل أو كثير من رغبة الأمة واختيارها - نصب أهل الشام ~~معاوية خليفة بدمشق، فكان من نسله الخلفاء الأمويون، وكان عددهم أربعة عشر، حكموا من سنة ~~661م/41ه إلى سنة 750م/132ه ثم أسقط السفاح دولتهم، فكان أول العباسيين المنسوبين إلى جدهم ~~العباس عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ونقل العباسيون مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد، واستمرت خلافتهم ~~حتى أسقطها المغول سنة 1258م/656ه. # وكان عبد الرحمن الداخل من الأسرة الأموية المغلوبة التي طاردها العباسيون واستأصلوا شأفة ~~أبنائها، وتتبعوهم في كل نواحي الأرض يذبحونهم بلا رحمة ولا هوادة، ففر عبد ~~الرحمن # 2 ms037 # كما فر غيره، ولكنه كان سعيد الطالع؛ إذ وصل إلى شواطئ الفرات سالما بعد جهد ~~وأين، وبينما كان ذات يوم جالسا في خيمته يرقب ابنه الصغير وهو يلعب في فنائها، جرى إليه ~~الصبي خائفا مذعورا، فخرج عبد الرحمن ليتعرف سبب خوفه ، فرأى القرية في اضطراب، ورأى العلم ~~العباسي الأسود يرفرف في الأفق، فاجتذب ابنه في عجلة وفر من القرية، ووصل إلى النهر فقذف ~~بنفسه ومن معه فيه، واقترب الأعداء إلى شاطئ النهر وصاحوا بهم أن لا بأس عليكم فلن يصيبكم ~~منا أذى، فصدقهم أخ له صغير كان معه وكان قد أجهدته السباحة، فذهب إليهم فاحتزوا رأسه في ~~التو والحين، ولكن عبد الرحمن طفق يجاهد حاملا ابنه ووراءه خادمه بدر حتى وصل إلى الشاطئ ~~الآخر، فلما وضعت أقدامهم على اليابسة أخذوا يسيرون ليلا ونهارا حتى بلغوا إفريقية حيث ~~تبعه بقية أهله هناك، وحيث وجد ذلك الناجي الوحيد من الأمراء الأمويين وقتا للتفكير فيما ~~يكون في غده. # كانت سنه إحدى وعشرين سنة، وكان كبير الأمل طموحا، وكان يتحلى إلى سداد الرأي بامتداد ~~القامة، والوسامة، والقوة والشجاعة، ويضيف بعض مؤرخي العرب إلى هذه الصفات ما لا نحب أن ~~يتصف به بطلنا، كالعور، والخشم. # 3 # وكان قومه يتحينون له ملكا بالمغرب، ويرون فيه علامات لذلك، # 4 # وهو الآن على الرغم مما أصاب قومه من الهلاك قوي العزيمة غير مستكين، وقد اتجه ~~نظره إلى إفريقية أولا؛ لأنه رأى أن قوة العباسيين لم تدع له فرصة في الشرق، # 5 # فلما بلغها بقي سنين هائما على سواحل البربر، تحقق في خلالها أنه لا يستطيع ~~التغلب على أمير إفريقية، # 6 # وأن ثوار البربر في المغرب لن يتخلوا عن الاستقلال الجديد الذي نالوه ليحظوا ~~بالشرف الأجوف بتولية أحد الأمويين عليهم. # عند ذلك حول نظره إلى الأندلس؛ حيث كان الصراع الدائم بين القبائل والعشائر المتنافسة ~~جديرا بأن يفتح بابا لعبقري مثله، يؤيده النسب الأموي وتزكيه الهمة العالية؛ لذلك أرسل ~~خادمه بدرا إلى زعماء حزب الشام بإسبانيا، وكان بينهم كثير من ms038 موالي الأمويين الذين يوجب ~~عليهم الشرف العربي نصر من ينتمي إلى ساداتهم الأولين، ورأى بدر من هؤلاء الزعماء رغبة في ~~استقبال الأمير الشاب بعد أن فاوضوا القبائل المعادية من اليمن فوعدت بنصرته، عندئذ عاد ~~بدر إلى إفريقية. # وكان عبد الرحمن يصلي على سيف البحر حينما رأى السفينة التي تحمل خير الأخبار مقبلة ~~إليه، وكان يميل إلى الأخذ بالفأل كجميع المشارقة الذين طبعوا على التفاؤل والتطير، واتفق ~~أن أول رسول أندلسي قدم مع بدر كان اسمه أبا غالب تماما، فلما عرف عبد الرحمن اسمه صاح: ~~«تم أمرنا وغلبنا بحول الله وقوته.» ثم نزل إلى السفينة فأبحرت به إلى إسبانيا في سبتمبر ~~سنة 755م/138ه وكان دخول هذا الناجي الفذ من بين السلالة الأموية الأندلس أشبه بصفحة ~~من قصة عجيبة، وهو يشبه وصول الشاب الذي ادعى ملك إنجلترا إلى أسكتلندة سنة ~~1745م. # وانتشر خبر دخوله الأندلس انتشار النار في الهشيم، فتزاحم عليه المناصرون القدماء للدولة ~~الأموية يقدمون الطاعة، ووضع أبناء موالي الأمويين أنفسهم تحت أمره، وتأثرت قبائل اليمن ~~التي لم تكن تشعر بانعطاف نحو الأمير الشاب، بحماسة أنصاره، فانتقلت إليها العدوى، وعقدت ~~الخناصر على البر بوعدها، وتواثقت على نصرته. # ورأى أمير الأندلس معظم جنوده وقد انصرف عنه، فاضطر إلى انتظار جيش جديد، على أن الأمطار ~~في هذا الفصل من السنة جعلت القتال مستحيلا، فترك ذلك لعبد الرحمن متسعا من الزمن يجمع ~~فيه جنوده، ويدبر أمره. # بدأ الصدام شديدا في ربيع السنة التالية، واستقبل عبد الرحمن بحماسة وترحاب في ~~أرشذونة وإشبيلية، فأعد جيشه للهجوم على قرطبة، وزحف الأمير يوسف بن عبد الرحمن الفهري ~~لوقف تقدمه، ولكن الوادي الكبير كان فياضا بماء المطر، فتسابق الجيشان على كلا شاطئيه، ~~أيهما يكون أسبق وصولا إلى قرطبة. # 7 # ولكن عبد الرحمن خدع يوسف بحيلة لا تليق بالأبطال، فطلب منه أن يتركه يجتاز النهر بعد أن ~~هبط ماؤه ليعقد معه صلحا، فلما وصل إلى الشاطئ الآخر انقض على جيش يوسف بعد أن وثق ~~الأمير بوعده، فتغلب عليه ودخل قرطبة ms039 ظافرا، وكان له من الهيبة والشهامة والنخوة ما منع ~~الجند من النهب والتخريب، وحمل نساء الأمير المهزوم وأسرته إلى مأمنها، ولم تمض السنة إلا ~~وهو مسيطر على جميع ما احتازه المسلمون من أرض إسبانيا، وبهذا الإقدام النادر وبهمة عبد ~~الرحمن قدر للدولة الأموية بقرطبة أن تستمر في الحكم نحو ثلاثة قرون. # ولم يثبت أمير قرطبة الجديد فوق عرشه بغير جهاد أو نصب، فإن الذي أجلسه على العرش وذلل ~~سبيله إليه لم يكن إلا حزبا صغيرا من الأحزاب الكثيرة التي اقتسمت المملكة فيما بينها، ~~غير أن عبد الرحمن كان أكثر استعدادا وأوسع حيلة من سواه للاحتفاظ بملكه بين هذه العناصر ~~المضطربة المشاغبة، فإنه كان سريعا عند الخطب، قوي العزيمة، غير متحرج إذا صمم، شديد ~~البطش، لا يرعى إلا ولا ذمة، سياسيا داهية، أعد لكل مفاجأة عدتها، وكثيرا ما دهمته ~~الحوادث فرأت فيه بطلا هماما. # ولم يستقر بعرشه طويلا حتى اجتاز العلاء بن مغيث من إفريقية ليرفع العلم العباسي ~~بإسبانيا، ولم ينزل برجاله في ولاية باجة حتى اتخذ له مناصرين من بين الساخطين المستعدين ~~دائما للانضمام إلى من يدعوهم لغنم جديد، فحاصر عبد الرحمن شهرين في قرمونة، وكان هذا ~~الحصار شديد الخطر؛ لأن كل يوم يمر فيه كان يحمل إلى الأعداء مددا جديدا، ولكن عبد الرحمن ~~كان عبقريا، فما كاد يسمع أن الأعداء خففوا بعض التخفيف من مراقبتهم وحذرهم حتى جمع ~~سبعمائة من أشجع أصحابه، ثم أوقد نارا عظيمة وصاح فيهم: «إننا الآن بين حالين: فإما إلى ~~نصر مؤزر، وإما إلى موت محقق.» ثم ألقى بقراب سيفه في اللهب، وتأثر رجاله فألقوا ~~بقربهم في النار معه معلنين أنهم لن يضعوا سيوفهم في أغمادها حتى يفك حصارهم ويصبحوا ~~أحرارا، ثم انطلقوا خلف قائدهم، وانقضوا على محاصريهم بالأسنان والأظافر، فمزق الجيش ~~العباسي وذهب بددا. # 8 # وأمر عبد الرحمن في إحدى نوبات قسوته التي شوهت من سيرته، أن توضع رءوس قوادهم في ~~جوالق، وأن يعلق بكل أذن صك يرقم عليه اسم صاحبه، وأن يبعث بهذا ms040 الجوالق مع أحد الحجاج ~~ليوصله إلى الخليفة المنصور نفسه، وذهب الحاج وبلغ حضرة المنصور وسلم إليه ~~الجوالق. # 9 # فلما رأى الخليفة ما به اشتد غضبه، واحتدم وجهه بالغيظ، ولكنه لم يستطع إلا أن ~~يقول: «الحمد لله أن كان يفصل بيني وبين هذا الرجل بحر.» وعلى الرغم من شدة ألم المنصور ~~لفوز أمير قرطبة، لم يجد بدا من أن يطري مهارته وشجاعته، حتى إنه سمى عبد الرحمن (صقر ~~قريش)، وكان يقول: «لا تعجبوا لامتداد أمرنا مع طول مراسه وقوة أسبابه، فالشأن في أمر فتى ~~قريش الأحوذي الفذ في جميع شئونه، وعدمه لأهله ونشبه، وتسليه عن جميع ذلك ببعد مرقى ~~همته، ومضاء عزيمته، حتى قذف بنفسه في لجج المهالك لابتناء مجده، فاقتحم جزيرة شاسعة ~~المحل نائية المطمع، عصبية الجند، ضرب بين جندها بخصوصيته، وقمع بعضهم ببعض بقوة حيلته، ~~واستمال قلوب رعيتها بسياسته، حتى انقاد له عصيهم، وذل له أبيهم، فاستولى فيها على ~~أريكته ملكا على قضيته، قاهرا لأعدائه، حاميا لذماره مانعا لحوزته، خالطا الرغبة ~~إليه بالرهبة منه ... إن ذلك لهو الفتى كل الفتى، لا يكذب مادحه.» # وتوالت بعد هزيمة العباسيين انتصارات للأمير الجديد، فإنه أغرى أهل طليطلة الذين امتنعوا ~~عليه طويلا، بأن يعقدوا معه صلحا، وأن يبعثوا إليه برؤسائهم، وما كاد يصل إليه هؤلاء ~~الرؤساء حتى صلبهم جميعا، وكان رئيس اليمانية شديد الخطر، فمنحه عبد الرحمن الأمان، ثم ~~استهواه إلى قصره وحاول أن يقتله بنفسه فلم يستطع؛ لأن الرجل كان قويا شديد الأسر، فدعا ~~إليه بحرسه فقتلوه. # 10 # وبعد ذلك بقليل ثار البربر في الشمال ثورة جامحة، فقضى عبد الرحمن عشر سنين في ~~كبح جماحهم وتذليل شماسهم، وكانت نار الغضب لم تخمد بعد في قلوب اليمانية لقتل رئيسهم، ~~فهبوا للثأر، واغتنموا غيبة الأمير في الشمال، وكانوا يجهلون نشاط الرجل ودهاءه ومكره، فإنه ~~بعد أن أطفأ ثورة البربر في الشمال وأذلهم ببث الفتنة بينهم، أخذ يعمل للتفريق بين ~~اليمانية، فخدع البربر الذين كانوا قوام جيشهم، ومناهم الأماني، فتركوا القتال عند ~~اشتداده، فانقض بجيوشه ms041 على اليمنيين فاستأصلهم، وقتل منهم ثلاثين ألفا، دفنوا جميعا في ~~قبر عظيم بقي الناس يزورونه مدة من الزمان، ثم تلت هذه المعركة المعاهدة المنذرة بالخطر ~~التي عقدها شارلمان مع ثلاثة من زعماء العرب الساخطين، والتي كادت تدمر الصرح الذي بناه عبد ~~الرحمن بعد جهد وآلام، ولكن هذه المعاهدة لم تتم، وانحل عقدها في معارك سرقسطة، ~~ورونسسفال من غير أن يضرب فيها الرجل الذي اجتمعوا لسحقه ضربة واحدة. # ومنذ ذلك الحين أخذ الأمير ينعم فيما يشبه السلم بثمرات جهاده وانتصاره؛ فقد أخضع بعزيمته ~~الفولاذية كل العناصر المعادية له بإسبانيا، وأسقط كل زعيم صلف أصيد جرؤ على أن يستل ~~لحربه سيفا، وقتل وذبح قواد البربر، وأثبت غير منازع أنه سيد الموقف، ولكن ظلما قاسيا ~~ناكثا للعهد كظلم عبد الرحمن لا بد أن يجر وراءه عقابه وآلامه، فإن الظالم قد يستطيع إخضاع ~~قومه ولكنه لن يستطيع أن يفوز بإخلاصهم، والملك الذي ينال بالسيف لا يبقى إلا بالسيف؛ ~~فقد نفر الناس من الأمير الأموي بعد أن تجرعوا مرارة حكمه، وأبى الأمناء من رجال الدولة أن ~~يدخلوا في خدمة رجل خداع فتاك مثله، وانصرف عنه أنصاره الأولون الذين آزروه ورحبوا بمقدمه ~~حينما رأوا ظلمه صارخا، وقسوته مهتوكة الأستار، ودبر له المكايد مرة بعد أخرى أهله ~~الأقربون الذين احتموا بقصره من العباسيين، لما ظهر لهم من عسفه الذي لا يطاق، ففقدوا في ~~سبيل ذلك رءوسهم. # 11 # نبذ الناس عبد الرحمن فبقي وحيدا محزونا، هجره أصدقاؤه، ويئس منه أعداؤه فصبوا عليه ~~لعناتهم، ونصب له الحبائل أهله وخدامه. # وقد تكون حروبه الطويلة للقبائل قد أفسدت طبيعته العربية السمحة، وقد يكون قد فطر هكذا ~~على أخلاق شرسة لا تلين، فهو الآن لا يستطيع أن يندمج كعادته في زحام شوارع قرطبة، وإذا مر ~~بهذه الشوارع فإنما يمر راكبا محاطا بحراس أقوياء من الغرباء، مشتبها في كل شيء، ~~ومتهما كل إنسان، تنتابه أفكار مظلمة، وتزعجه ذكريات الدماء، فكان له أربعون ألف حارس من ~~مرتزقة البربر يحمونه من أعدائه الذين سحقهم تحت ms042 قدميه، وكان إخلاص هؤلاء الحراس المأجورين ~~لمولاهم يعادل بغضهم لجميع الأهلين الذين أذلهم سيدهم وألصق آنافهم بالتراب. # وقد نظم عبد الرحمن في وحدته هذه القصيدة يناجي فيها نخلة نقلها من أرض أجداده وغرسها ~~بالأندلس؛ لأنه كان يقول الشعر، وهو في أبياته يحنو على النخلة في منفاها ويقول: # تبدت لنا بين الرصافة نخلة # تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت: شبيهي في التغرب والنوى # وطول ابتعادي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة # فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي # أدرك الغرض الذي سعى إليه في ميعة طموحه، فأخضع العرب والبربر، وأعاد إلى الملك عدلا ~~ونظاما، ولكنه كسب كل هذا فخسر قلوب رعيته. # فوارحمتا لذلك الفتى الوسيم الذي دخل الأندلس بطلا مقداما ففاز بطاعة أهلها وإخلاصهم، ~~ثم وارحمتا له وهو يدلف إلى قبره بعد اثنتين وثلاثين سنة، بغيضا جبارا، يحمي عرشه الملطخ ~~بالدماء بسيوف المرتزقة الذين يبيعون إخلاصهم بالذهب، لقد حكم إسبانيا بالسيف، وعلى خلفائه ~~أن يجروا على هذا السنن. # وقد رأى أكبر مؤرخ للأندلس: «أنه كان من الصعب على عبد الرحمن أن يسلك سبيلا أخرى لتوطيد ~~الحكم بين مشاغبي العرب والبربر، وأنه لم تكن لديه وسيلة لاجتثاث الفوضى إلا أن يقابل هذه ~~الفوضى بالشدة والعسف؛ لأن كلا الفريقين لم يعتد الحكم المنظم». # ومهما يكن من شيء فإن استمرار ظلم كهذا يخلق جوا من الحزن واليأس على الرغم من بهجة ~~الانتصارات التي تشع في جوانبه. # وقد أعطانا ابن حيان - وهو مؤرخ قديم للأندلس - صورة لأمير قرطبة فقال: # كان عبد الرحمن راجح الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، ~~بريئا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ~~ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعا مقداما، بعيد ~~الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغا مفوها، شاعرا محسنا، سمحا سخيا، ~~طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتم به ويؤثره، وكان قد أعطي هيبة من وليه ~~وعدوه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي ms043 بالناس إذا كان حاضرا الجمع ~~والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، ويكثر مباشرة الناس والمشي ~~بينهم. # هذا هو بلا شك عبد الرحمن الشاب قبل أن تجعله المقاومة والدسائس قاسيا جافيا كثير ~~الفزع والشكوك، وللقوة دائما طرق مروعة في عقاب أصحابها. # وكلما مات ملك جبار تساءل الناس: من يخلفه؟ والجواب العام في مثل تلك الحال هو: ثورة ~~وفوضى، إن العرش الذي يثبت على رءوس الحراب لا ينتقل في سهولة من الأب إلى الولد، ومع هذا ~~لم تسقط دولة عبد الرحمن بموت مؤسسها المستبد، وكان من المتوقع أن تثور القبائل المناجزة ~~التي كبح جماحها بمشقة وجهد بعد أن أطلقت من عقالها بموته، ولكن شيئا من ذلك لم يكن؛ لأن ~~الرعب الذي غرسه في قلوبهم كان شديدا، فلم يستطيعوا أن يتخلصوا من هوله، أو لأنهم رأوا في ~~ولي عهده أميرا محبوبا يتحلى بصفات تضاد صفات أبيه؛ فقد كان هشام الذي تولى الملك بعده ~~سنة 788م/172ه، وهو في الثلاثين من عمره - مثالا لجميع الفضائل، وزاده ميلا إلى عمل الخير ~~وبذل العناية في الإصلاح، ما تكهن له به أحد المنجمين من أن ما بقي من عمره لا يزيد على ~~ثماني سنوات؛ لذلك تفرغ الأمير في هذه المدة القصيرة للاستعداد للدار الأخرى، وكان قصره في ~~أيام نشأته الأولى يموج بالعلماء والشعراء والحكماء، فأثرت فيه هذه النشأة، والولد كما ~~يقولون أبو الوالد، وكان له من أعمال التقوى والصلاح ما لا يحصر عدا، ورأى في حماه ~~الغاضبون والمضطهدون معقلا وملاذا، وكان يرسل من يثق به من الوعاظ والدعاة إلى جميع ~~أجزاء مملكته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعين بالمدن عسسا لمنع الشجار وارتكاب ~~الجرائم، ورأى أن تقسم الغرامات المفروضة على الأشرار يبن الأتقياء الذين لا يمنعهم مطر أو ~~برد من غشيان المساجد، وكان يعود المرضى، وكثيرا ما كان يخرج في الليالي العاصفة وهو يحمل ~~الطعام لمريض من الزهاد، حتى إذا بلغ داره جلس بجانب فراشه يراعيه ويرعاه. # ثم هو مع كل هذا لم يكن جبانا ولا زميلا، بل ms044 كان يقود جيشه بنفسه لمحاربة نصارى ~~الشمال، كما يفعل العربي الصميم، ولقبه الناس بالشفيق وبالعادل لسهولة خليقته، ولكنه كان ~~إذا جد الجد، وهددت ملكه مؤامرات أعمامه، ثابت العزم، قاسيا لا يلين، وزاد في عدد حرسه من ~~المماليك، فكان يقف منهم على شاطئ النهر ألف فارس لحراسة قصره ليلا ونهارا، وكان بارعا ~~في الصيد ، شديد التحرج من الشبهات، سمع بعد أن أعاد بناء قنطرة قرطبة الباقية إلى اليوم أن ~~الناس يهمسون بأنه إنما أقام هذا البناء العظيم ليسهل عليه الوصول إلى الصيد، فأقسم ألا ~~يعبر القنطرة مرة أخرى، وقد بر في قسمه، وقبل أن تمر ثماني السنوات اختاره الله إلى جواره ~~تقيا نقيا. # 12 # وإذا نبت الشر من الخير فإن أعمال هذا الملك الخيرة كانت أكبر حافز على إثارة عامل جديد ~~للثورة والعصيان بالأندلس، ونشأ هذا الخطر الجديد من السلطة التي وضعت في أيدي الفقهاء ~~والعلماء، وقد سميناهم بقساوسة الإسلام، وإن لم يكن هذا الاسم صحيحا؛ لأن الإسلام لا يعرف ~~هذه الطائفة بالمعنى الدقيق الذي تريده المسيحية الكاثوليكية، فليس المسلمون الذين يؤدون ~~الصلاة في المساجد ويخطبون الناس يوم الجمعة إلا قوما عاديين، يؤخذون من متاجرهم أو ~~غيرها من الأعمال ويطلب إليهم في أي وقت أن يؤموا المصلين، فالدين الإسلامي لا يفرق ~~بين رجل الدين وغيره، على أن بالإسلام شيئا يقرب قليلا أو كثيرا مما يقصد من معنى ~~الكهنوت، فإن بالممالك الإسلامية دائما قوما تجردوا للدين وخصصوا حياتهم به، قد يكونون ~~دراويش لهم مذهب ديني خاص، أو طلاب شريعة وفقه، أو أتباعا لإمام مشهور يتحمسون لمذهبه ~~ويذودون دونه، وقد يكونون من حفظة القرآن الكريم أو شيوخا يلقنون الناس العلم، نجد هذه ~~الطائفة في كل أقطار الإسلام، وهي طائفة يخشى جانبها في كل مملكة، فطالما أظهر شيوخ الأزهر ~~بالقاهرة وطائفة الصوفطة # 13 # بالقسطنطينية والمولوية في كثير من مدن الشرق - ما للحماسة الدينية من الشأن في ~~أوقات الاضطراب، واليوم أخذت تظهر هذه النعرة بالأندلس خطيرة منذرة بالسوء. # وتأجج أول عصيان بعد موت عبد الرحمن ms045 من حيث لا يرتقب، لم يحدث من المسيحيين، ولم يحدث من ~~قبائل العرب وعشائر البربر، وإنما حدث من أبناء الإسلام المخلصين، حدث من فقهاء قرطبة، وكان ~~معظم هؤلاء الفقهاء من المتسلمين أو أبنائهم، وقد ذكرنا آنفا أن الإسبانيين أسلموا برغبة ~~وحماسة فأصبحوا كشأن كل داخل في دين جديد أكثر تعصبا من المسلمين أنفسهم، وكان عبد الرحمن ~~أبعد نظرا وأكثر علما بالحياة من أن يسمح لهؤلاء الفقهاء - وبخاصة الإسبانيون منهم - ~~بنفوذ له وزن أو قيمة، ولكن التقي هشاما لم ير الخطر الذي كان يخشاه أبوه، ولو رآه ما ~~عده خطرا، فكان يميل إلى وضع ثقته في رجال الدين المحافظين عليه، المتبعين طريقه، الذين لم ~~ير في أعمالهم بادرة ميل إلى الدنيا أو حب للظهور، وكان على رأس الفقهاء في هذا الحين رجل ~~عبقري المواهب وافر العقل، كان تلميذا محبوبا لأحد أئمة المدينة المنورة، # 14 # وقد تملك نفسه من الحماسة الدينية والطموح السياسي مزيج طالما جر الممالك إلى ~~الخراب، هذا الشيخ هو يحيى بن يحيى الليثي # 15 # الذي رأى في إخلاص هشام وتقواه فرصة لرفع الفقهاء بقرطبة إلى قمة من القوة ~~والنفوذ لو علم بها عبد الرحمن الداهية لتفزز في قبره. # وكانت الأمور تسير سيرا حسنا ما نالت هذه ~~الطائفة رغباتها، غير أنه في سنة 796م/180ه بعد أن انتقل هشام إلى رحمة ربه، طرأ على قصر ~~الخلافة تغير عظيم، لم يكن الأمير الجديد «الحكم» قليل الاهتمام بالدين أو خليعا ~~مستهترا، ولكنه كان مرحا يحب الحياة ويتمتع بها كلما أقبلت عليه، ليس به صفة من صفات ~~الزهد والتقشف، وكانت هذه الأخلاق وأشباهها بغيضة إلى المتزمتين، فانطلقوا يتحدثون بمثالب ~~الأمير في ذعر وإشفاق ويدعون له بالمغفرة والتوبة، ثم تجاوزوا الحد فسبوه في وجهه وصبوا ~~عليه اللعنات، ولما يئسوا من إصلاحه تآمروا على عزله وإجلاس آخر من أسرته مكانه، ولكن ~~المؤامرات خابت، وكان جزاء المتآمرين أن صلب الأمراء الذين اشتركوا في المؤامرة وبعض ~~الفقهاء المتعصبين، وقد كان يكون مثل هذا كافيا لولا أن الفقهاء عادوا ms046 إلى الثورة، فعاد ~~الأمير إلى إطفائها باستئصال مشعليها، ولكن القرطبيين لم يرعووا بعد كل هذا، وبقيت مراجل ~~الثورة تغلي في قلوبهم، ولم يرعبهم ما سمعوه مما أصاب زعماء طليطلة الذين أظهروا العصيان ~~كعادتهم، والذين استدرجهم ولي العهد بالحيلة والخديعة، حتى إذا قبض عليهم أفناهم ذبحا ~~وتقتيلا. # بقيت ذكرى يوم الخندق «الذي سميت به مذبحة طليطلة» كابحة جماح المتعصبين والمشاغبين في ~~قرطبة سبع سنين، ولما نصلت ذكرى ذلك الخندق المخيف الذي قذف فيه بجثث زعماء طليطلة، شرعت ~~الفتنة تطل برءوسها في قصبة الأندلس، ولم يزدد بغض الأهلين للأمير؛ لأنه أبى أن يلبس الخشن ~~من الثياب، وأبى أن يتراءى بالزهد والتقوى أمام أمته، بل كان يتجه هذا البغض أكثر ما يتجه ~~إلى مماليك الأمير الذين كانوا يدعون «بالخرس»، سموا بذلك لأنهم كانوا من الزنوج ~~وأشباههم الذين كانوا لا يستطيعون التكلم بالعربية، وكان هؤلاء الزنوج لا يجرؤون على ~~السير في شوارع المدينة إلا جماعات؛ لشدة كراهية الناس لهم وتحفزهم لإيذائهم، وإذا خرج جندي ~~وحده كان عرضة للضرب أو القتل، وحدث يوما أن ضرب أحد هؤلاء الجنود بعض العامة فثارت ~~ثورتهم جميعا، وهجموا بقلب رجل واحد على القصر، يقودهم آلاف من الفقهاء الذين كانوا يسكنون ~~الربض الجنوبي لقرطبة، وصاح الشر بينهم وطاشت عقولهم وصمموا على أن يقتحموا القصر على ~~الرغم من حصونه وحراسه، فأطل الحكم من إحدى النوافذ فرأى بحرا زاخرا من الوجوه، وأبصر - ~~والدهش يملأ نفسه - شدة مكافحة العامة لهجمات فرسانه، ولكنه لم يفقد هدوءه في هذه الساعة ~~المحفوفة بالمخاطر، وتلك ميزة العظماء وشنشنة النسب الكريم، فعاد إلى بهوه، وأمر خادمه ~~الخاص أن يحضر له قارورة الغالية، وأخذ في تؤدة وثبات يضمخ رأسه ولحيته، ولم يستطع فتاه ~~يزنت أن يكتم عجبه من فعل سيده وهو يسمع تهشيم الشعب المفترس للأبواب، فقال: أهذا وقت ~~الغالية يا مولاي؟! ولكن الحكم قاطعه قائلا: اسكت أيها الغر، كيف تتصور أن يتعرف ~~العصاة رأسي بين بقية الرءوس إذا لم يتميز بريحه العطرة؟! ثم نادى قواده وشرع في اتخاذ ms047 ~~الوسائل للدفاع، وكانت هذه الوسائل غاية في السهولة وقوة الأثر، فقد أرسل ابن عم له مع ~~بعض الفرسان من طريق خلفية إلى الربض، فأشعل فيه النار، فلما رآها المشاغبون غادروا القصر ~~وأسرعوا في ذعر وفزع لإنقاذ زوجاتهم وأطفالهم من اللهيب، فانقض الحكم وحراسه على مؤخرتهم، ~~ووقع العصاة بين قوتين فحطموا تحطيما، وجال بينهم «الخرس» يقتلون بالمئات ولا يستجيبون ~~إلى توسلاتهم وصياحهم المؤلم بطلب الرحمة، وانتهت الثورة بمذبحة عامة، ونجى الحكم بهذه ~~الضربة القاصمة قصره وسلالته. # وكان الأمير كريما فقبض يده عن الإيذاء بعد انتصاره، ولم يجاوز به الحد، واكتفى بهدم دور ~~العصاة بالربض ونفيهم، فرحل بعضهم إلى الإسكندرية وكانوا نحو خمسة عشر ألفا غير النساء ~~والأطفال، وبعد أن أقاموا بها قليلا أبحروا منها إلى إقريطش (كريت) ورحل ثمانية آلاف إلى ~~(فاس) وكانت جمهرة هؤلاء المنفيين من أبناء الإسبانيين المتسلمين الذين كانوا يرحبون بكل ~~فرصة يظهرون فيها بغضهم لحكم العرب، وترك الفقهاء - وهم أس العصيان والثورة - بلا عقاب، ~~إما لأن كثيرا منهم من أصل عربي، وإما لمنزلتهم الدينية، وقد جر أحد زعمائهم إلى القصر ~~جرا، فصارح الحكم في حدة غضبه وتعصبه بأنه ببغضه للأمير إنما يطيع أمر الله، فأجابه الحكم ~~جوابه المأثور إذ قال: «إن الذي أمرك - كما تزعم - ببغضي أمرني بالعفو عنك، اذهب في رعاية ~~الله.» # | هوامش # | النصارى الشهداء # مات الحكم في سنة 822م/207ه. بعد أن قضى في الحكم ستا وعشرين سنة، ترك وراءها الملك ~~هادئا بعض الهدوء لابنه عبد الرحمن الأوسط؛ فقد أخضع المتسلمون في قرطبة بالسيف ثم ~~نفوا، وتلقى المتزمتون من الفقهاء درسا لا ينسى، ولم يبق إلا إطفاء الاضطراب الدائم ~~على التخوم المسيحية، وورث عبد الرحمن الأوسط ميل أبيه إلى التمتع باللذات والاستنامة إلى ~~النعيم، ولكنه لم يرث منه قوة الخلق التي تحوط هذا التمتع وتلك الاستنامة من أن تكون ~~ضعفا، # 1 # فقد أغرق في اللهو، وحول قرطبة إلى بغداد ثانية، وأخذ يحاكي إسراف هارون ~~الرشيد الذي كان قد انتقل من عهد قريب من عالم الدنيا، ومن ms048 مشاهد لهوه ومسراته، إلى عالم ~~نأمل أن يكون خيرا له وأبقى. # 2 # بنى عبد الرحمن القصور، وغرس الحدائق، وجمل مدينته بالمساجد والقناطر، وأولع بالشعر ~~كغيره من ملوك الإسلام المثقفين، وكان يرى أن شعره لا يقل في منزلته عن شعر المجيدين، وإن ~~زعم بعض المؤرخين أن كثيرا منه كان من أقلام غيره، وكان الأمير نقي الذوق، لين الخلق، سهل ~~القياد، ملك زمامه طول حياته أربعة نالوا عنده الحظوة الكاملة، وهم: مغن، وفقيه، ~~وامرأة، وعبد أسود، وكان أشد هؤلاء تسلطا عليه الفقيه يحيى بن يحيى الليثى، وهو هو نفسه ~~الذي أثار الفقهاء على أبيه الحكم، ولكنه أصبح اليوم صاحب التأثير المطلق والكلمة التي لا ~~ترد لدى الأمير الجديد، وكانت للأميرة «طروب» وعبده «نصر» سلطة نافذة في شئون الملك، أما ~~«زرياب» المغني فإنه استغل حظوته عند عبد الرحمن في إنهاض الفنون والثقافة، وأبى أن ~~يزج بنفسه في أمور الدولة التي قد تكون سيئة المغبة. # 3 # كان فارسيا، وكان تلميذا لإسحاق الموصلي المغني المقدم ببغداد، فحدث ذات يوم لسوء ~~طالعه أن فاق أستاذه في غناء صوت بحضرة الرشيد، فحنق عليه إسحاق وخيره بين الموت والنفي، ~~فاختار النفي ورحل إلى الأندلس، فأحسن عبد الرحمن استقباله وبالغ في إكرامه والإغداق عليه، ~~وقرر له راتبا ضخما، ووهب له الدور، وأدر عليه الأرزاق، ومنحه الكثير من الميزات ~~والهدايا، حتى بلغ الذروة في الجاه والثروة، وزاد إعجاب الملك بمواهبه حتى إنه كان ~~يجلسه إلى جانبه ويؤاكله وينصت ساعات إلى غنائه وإلى ما يقص عليه من أخبار الأولين، ~~ومن الحكم والأمثال التي وعتها حافظته من قراءاته الكثيرة. # وكان يحفظ في الغناء أكثر من ألف صوت، ويقول إن الجن تلقنه إياها، وهو الذي أضاف إلى ~~العود وترا خامسا، وكان في ضربه العود منقطع النظير، يوشك من يستمع لضربه مرة أن يأبى ~~الإنصات إلى سواه، وكانت له طريقة غريبة مع المبتدئين من تلاميذه، فكان يأمر من يريد تعلم ~~الغناء أن يجلس ويغني بأعلى صوته، فإن كان ضعيف الصوت أمره أن يعقد حزاما ms049 حول خصره ليزيد ~~في قوة صوته، فإذا كان ألص الأضراس لا يقدر أن يفتح فاه واسعا، أو كانت عادته أن يزم ~~أسنانه عند النطق، أمره أن يضع في فمه قطعة خشب عدة ليال حتى ينفرج فكاه، فإن استطاع بعد ~~ذلك أن يصيح بكلمة (آه) بأندى ما يكون من الصوت وأن يستمر صوته بمثابة واحدة في العلو، ~~قبل أن يعلمه ويمرنه، وإلا أمره أن يذهب إلى حال سبيله، وبذ زرياب الناس جميعا في تهذيبه ~~وفكاهته وحسن محاضرته، فأصبح أشهر رجل بالأندلس، وتحكم في الأزياء والعادات كما كان يتحكم ~~فيها «بيترونيس» # 4 # و«برومل» الوسيم، # 5 # من ذلك أنه أبطل عادة إعفاء الشعر وإسداله مفروقا إلى الحاجبين والصدغين، ~~وأدخل بالأندلس بقلة الهليون (أسباراجس) وزاد في الأطعمة لونا كانوا يسمونه بالنقايا، ~~وهو يصنع بماء الكزبرة مع السنبوسق والكباب، ولونا آخر سموه تقلية زرياب، يطبخ فيه ~~الدجاج أو الأرانب في ماء كثرت به التوابل والأفاويه، وأبدل بالأكواب المعدنية الأكواب ~~الزجاجية، وابتدع النوم على أسرة من الجلد، وابتكر أن تكون أسمطة الطعام من جلد كذلك، إلى ~~كثير من وسائل الرفاهية والنعيم، ثم إنه أرشد الناس إلى التأنق في تغيير الملابس بحيث ينزل ~~غلظها على التدريج، من أصفق الملابس في زمهرير الشتاء، إلى أخفها في هجير الصيف، وكانوا ~~يغيرون ملابسهم مرة عند الشتاء وأخرى عند الصيف، وقصارى القول إن هذا الأبيقوري # 6 # المرح لم يبتدع شيئا إلا رآه الأندلسيون ضروريا جميلا. # وبينما كان القصر ورجاله منهمكين في تذوق ألوان جديدة من الطعام متأنقين في قص شعرهم، كان ~~فريق من أهل قرطبة يفكر وينهمك فيما هو أعظم وأبعد أثرا؛ لأن الخطر في هذا الحين لم يدهم ~~الدولة من خارج حدودها، فإن عبد الرحمن الأوسط - على علاته - لم تعوزه الشجاعة التي تدفعه ~~إلى خوض معامع القتال، فكثيرا ما قاد الجيوش إلى نصارى الشمال الذين كانوا بزعامة لويس ~~الجميل الخلق والخلق لا يفتأون يغيرون على الحدود، وكثيرا ما حلق النصر حول ~~رايته، # 7 # على أن هذه المناوشات لم يكن لها ms050 الآن من الشأن والخطر ما يهز ركن الدولة ~~الوطيد، فإن الاضطراب في عهود الدولة الأولى لم يجئ إلا منها نفسها، وقد جاءت الزعازع في ~~هذه الآونة من عدد قليل من النصارى بقرطبة التهبت نفوسهم غيرة وتعصبا لدينهم، أما جمهرة ~~النصارى بالأندلس فلم يصابوا بشيء من هذه الغيرة العنيفة؛ لأنهم رأوا أنهم يعاملون خير ~~معاملة، وأن المسلمين قد تركوهم أحرارا فيما يعبدون، وأن الحكام لا يتدخلون في شيء من ~~عقائدهم، وأنهم يتجرون كما أرادوا، ويجمعون الثروة حيثما وجدوها، وأنهم يعيشون كما يعيش ~~إخوانهم المسلمون، فما الذي بقي لهم من أمانيهم؟ لا شيء، اللهم إلا إذا كانوا يتطلعون إلى ~~استرجاع ملكهم، وشيء من هذا يعد الآن من المستحيلات، فقنعوا بالأمور كما هي، واجتهدوا أن ~~يستفيدوا من سماحة حكامهم ولينهم. # كان هذا الميل عاما بين نصارى الأندلس، وإن ظهر هنا وهناك روح طموح متحمس أغاظه هذا ~~الخنوع لحكم المسلمين، وطافت بخيال أصحابه أطياف من قوتهم الماضية وعلو شأن الكنيسة، ولم ~~يستطع القساوسة أن يكبحوا جماح بغضهم للمسلمين الذين سلبوهم عزهم وسلطانهم، وأبدلوا ~~بالنصرانية دينا جديدا، ومن العجب أن تسامح المسلمين كان يزيد في سخط النفوس المتعصبة، ~~فلقد كان أصحاب هذه النفوس يؤثرون أن يعذبوا وأن يضطهدوا كما اضطهد القديسون من قبل، ~~وكانوا يتشوفون إلى الاستشهاد تشوف الظمآن إلى الماء الفرات، وينقمون من المسلمين أنهم لم ~~«يعذبوهم في سبيل دعوتهم الحقة» حتى يضمنوا لأنفسهم الفوز في جنات النعيم، وكان أشد ما يكره ~~هؤلاء المتشددون المتزمتون ما شغف به العرب من التمتع بلذائذ الحياة، والإغراق في اللهو ~~والسرور، والعيش في ظلال الرفه والنعيم، فكان تمتعهم بالحياة وزينتها وحبهم للغناء ~~والموسيقى وولوعهم بالعلوم من أكبر ما يثير بغض هؤلاء الزهاد وحقدهم، فإن حياة المؤمن الحق ~~عندهم يجب أن تكون سوط عذاب، وصوما متصلا، وتوبة وبكاء، وتطهيرا بالآلام، وإماتة للجسد ~~في سبيل إحياء الروح. # واكتفى هؤلاء أول الأمر بإظهار جانب الزهادة المسيحية والتحرج بين الأهلين، ولكن الأيام ~~دارت دورتها ونشأ في المسيحية جيل جديد، فإذا تحمس مفاجئ ms051 عميق الغور يأخذ مكان التهاون ~~القديم، وإذا حمى حب الموت والاستشهاد في سبيل المسيحية تظهر في كل مكان. # وكان من المحزن المستدر للرحمة حقا أن ترى رجالا يقذفون بأرواحهم وأرواح غيرهم في سبيل ~~حلم كاذب، فإن هذا الانتحار الديني لم يكن أكثر تعقلا أو أدخل في باب الدين، مما كان ~~يقاسيه قساوسة «بال» الذين كانوا يقطعون أجسامهم بالسكاكين، أو مما يفعله زهاد الهنود الذين ~~كانوا يدخلون أظفارهم في راحهم ثم يتركونها لتنمو فيها، وجنون الشهداء في سبيل أشرف وأعلى ~~من سبيل هؤلاء لن يجعلهم أقل منهم جنونا، إن المسيحية لا تعلم دعاتها أن يطوحوا بحياتهم ~~هدرا لمحض التمتع بالتعذيب والقتل، على أن نصارى الأندلس لم يضطهدوا ولم يحل بينهم ~~وبين شعائر دينهم حائل، ولم يكن المسلمون يجهلون المسيحية أو يحتاجون إلى من يلقنهم ~~تعاليمها؛ فقد كانوا يعرفون من الكتاب المقدس أكثر مما يعرف نصارى الأندلس أنفسهم، وكانوا ~~لا يذكرون اسم عيسى من غير أن يتبعوه بالصلاة والتسليم؛ لأن قدسية المسيح وإحاطة اسمه ~~بالإجلال والتبجيل من أظهر مبادئ الإسلام، وكل ما في الأمر أن المسلمين كانوا يؤثرون دينهم، ~~فلم يكن للنصارى من عذر في الظهور بمظهر المضطهدين المستذلين بعد أن ترك لهم المسلمون ~~دينهم، وفي الحق إننا لا نجد سببا معقولا لتهافت النصارى على الموت ما دام المسلمون قد ~~سمحوا لهم بإقامة شعائرهم، وأجازوا لهم أن يعظوا وأن يعلموا من غير عائق أو حائل. # ليس هناك من علة مشروعة لبحث هؤلاء عن حتفهم بظلفهم، إلا إذا أرادوا أن يتنكبوا عمدا ~~طريق الإنجيل، وأن ينبذوا جانبا تعاليم المسيح الذي يقول: «أحبوا أعداءكم، اعملوا الخير ~~لمن يبغضكم، واستغفروا لمن يظلمونكم أو يضطهدونكم.» إنهم لم يظلموا ولم يضطهدوا ولم ~~يمس المسلمون جمهرة النصارى بسوء، نعم إن بعض العامة كان يسخر أحيانا من القساوسة، ولكن ~~طبقات المسلمين الأخرى لم تشترك في شيء من هذا، مع كل هذا التسامح وهذا العطف واللين أبى ~~هؤلاء النصارى المساكين أن يحبوا أعداءهم، وتجاوزوا جادة الصواب في سبهم ولعنهم وإثارة ms052 ~~غضبهم، لا لشيء إلا لحملهم على قتلهم ليموتوا شهداء في سبيل الدين. # ومن الأحكام المعروفة في بلاد المسلمين أن يعاقب من يسب النبي أو دينه بالقتل، نعم إنه ~~حكم شديد قاس، ولكن الدنيا شهدت من القوانين ما لا يقل عنه قسوة وشدة؛ فقد كان الناس ~~يحرقون بين صيحات السرور في إسمثفيلد وأكسفورد في عصور تلي هذا العصر الذي نكتب ~~فيه. # 8 # ليس من المسيحية أن تثير عمدا عراكا دينيا أو تسب دينا غير دينك، وليس استشهادا بل ~~انتحارا أن تتعدى مختارا حدود شريعة يجر تعديها إلى الموت، إن الرحمة التي تثير نفوسنا ~~لشهداء قرطبة هي بعينها الرحمة التي تخالجنا لمن أصيبوا بالخباط (الهيستريا)؛ لأن من قتل ~~منهم كان في الحقيقة شهيدا لمرض نفسي، وحال هذا تستدعي من الرحمة ما يستدعيه موت المستشهد ~~في سبيل الدين. # كان يولوجيوس الروح المثيرة لهذه الانتحارات، وهو قسيس ينتمي إلى أسرة عريقة بقرطبة، ~~اشتهر بحماسته الدينية؛ فقد قضى سنوات في الصوم والصلوات والإنابة وتعذيب النفس، حتى وصل ~~إلى حال من الذهول دفعته في سبيل إخلاصه لدينه إلى الجرأة والتهور، وعزف به الزهد عن الميل ~~إلى الحياة الدنيا، فلم يفكر يوما في نفسه، ولم يطمح إلى مأرب دنيوي، بل كانت كل أمانيه ~~ومقاصده أن يصب اللعنات على دين المسلمين، وأن يوقظ روح التضحية السامية بين النصارى، ~~وأعانه على الوصول إلى غايته شاب غني بقرطبة يدعى «الفارو» ثم عدد قليل من متحمسي القساوسة ~~والرهبان والنساء والمسيحيين، وكان بين من أعجبوا بهذا القسيس الشاب المخلص فتاة على ~~غاية من الجمال تدعى «فلورا» كان أبوها مسلما وأمها نصرانية، فنشأتها سرا على ~~النصرانية، وبقيت فلورا عدة سنين مسلمة في ظاهر أحوالها، ولكنها فرت بعد ذلك من دار أخيها، ~~وكان أبوها قد فارق الحياة، والتجأت إلى النصارى متأثرة بروح التضحية والتعصب التي أثارها ~~يولوجيوس في سامعيه، وبما سمعت من بعض فقرات في الكتاب المقدس هاجت شعورها مثل: «إن الذي ~~يجحدني أمام الناس سأجحده أمام أبي في السماء.» # ولما افتقدها أخوها المسلم ms053 بحث عنها في كل مكان فلم يجد بحثه شيئا، فاتهم القساوسة ~~فقذف كثير منهم في السجن لتآمرهم على اختطافها، ولما لم ترد فلورا أن يؤذى أحد في ~~سبيلها عادت إلى دارها وأعلنت نصرانيتها في صراحة وجرأة، وبذل أخوها أشد الوسائل وأعنفها ~~لقسرها على العودة إلى الإسلام فلم يفلح، حتى إذا يئس في النهاية ساقها إلى القاضي متهما ~~إياها بالردة، ومن المقرر أن الإسلام يعد ابن المسلم مسلما وإن كانت أمه نصرانية، ~~ويعاقب على الردة بالقتل، ولا يزال هذا الحكم قائما إلى اليوم بتركيا، وإن تغافل الحكام عن ~~تنفيذه من أربعين سنة. # ولن ينتظر من عرب الأندلس الذين سبقوا عهد الترك بألف سنة أن يكونوا أكثر تسامحا من ~~الترك نحو المرتدين، ومع هذا أظهر القاضي الذي حضرت أمامه فلورا بعض الشفقة على الفتاة ~~التعسة فلم يحكم بقتلها كما يوجب الدين، ولم يحكم بسجنها، ولكنه أمر بها فضربت ضربا ~~شديدا، وطلب من أخيها أن يأخذها إلى داره ويلقنها تعاليم الإسلام، ولكنها فرت ثانية ~~والتجأت إلى بعض أصدقائها، وهناك قابلت أول مرة يولوجيوس الذي أكن لهذه الفتاة الجميلة ~~البائسة المخلصة حبا طاهرا حنانا يشبه حب الملائكة، فإن سمو نفسها وورعها وشجاعتها ~~التي لا تغلب جعلتها قديسة في عينيه، حتى إنه بعد ست سنوات من هذه المقابلة لم ينس ما ~~تركته في نفسه من الأثر حينما كتب إليها: # لقد تفضلت أيتها الأخت القديسة أن تريني عنقك وقد مزقته السياط، وقد قص ~~الظلمة من حوله تلك الخصل الجميلة التي كانت تتدلى فوقه كأسلاك الذهب، فعلت ~~ذلك لأنك عددتني أبا روحانيا، واعتقدت أن نفسي كنفسك صافية طاهرة، وقد وضعت يدي ~~برفق على هذه الجروح، ووددت أن أبرئها بشفتي لو استطعت، وحينما فارقتك كنت كمن ~~يمشي في حلم، واستمرت زفراتي وتأوهاتي. # نقلت فلورا مع أخت لها تماثلها في الرأي والتعصب إلى مكان خفي أمين، فلم يرها يولوجيوس ~~فترة من الزمن. # وفي هذه الأثناء كان تعصب النصارى بقرطبة قد نضجت ثمرته؛ فقد أغرم قسيس مختبل هو ~~برفكيوس بسب ms054 الإسلام، فأخذ وشنق في عيد الفطر حينما كان المسلمون رجالا ونساء يحتفلون ~~بهذا اليوم وينعمون فيه بكل ما يبعث الابتهاج والسرور، وقد زاد شنق هذا القسيس في مرح ~~الحشود التي زحمت الشوارع أو ركبت القوارب في النهر أو لعبت بالسهل الفسيح خارج ~~المدينة. # مات هذا القسيس المسكين شجاعا مرسلا آخر أنفاسه بسب النبي ودينه، محاطا بزحام عظيم ~~من المسلمين الساخرين الشامتين، وجاء أسقف قرطبة ووراءه جيش من القساوسة والمخلصين، فحمل ~~جثته ودفنها مع آثار القديس إسيسكلوس من شهداء ديوكلتيان، وكان برفكيوس واعظا بكنيسته، ثم ~~خلع عليه لقب القديس، وفي مساء ذلك اليوم غرق مسلمان فعد ذلك غضبا من الله لقتل ~~برفكيوس، ومات نصر العبد الأسود في أثناء السنة وكان مشرفا على تنفيذ الإعدام، فزعم ~~المسيحيون في شماتة بأن برفكيوس هو الذي قضى عليه، وأن موته كان انتقاما آخر. # وطلب بعد ذلك بقليل راهب يدعى إسحاق مقابلة القاضي بحجة أنه يريد الدخول في الإسلام فأذن ~~له، وما كاد القاضي ينتهي من شرح مبادئ الإسلام وأصوله حتى انبرى له ذلك الذي جاء ليتسلم، ~~وأخذ يصب على الإسلام أقذر الشتائم والسباب، فلم يكن عجيبا من القاضي - وقد أخذته الدهشة - ~~أن صفعه على قفاه ثم قال: أتعلم أن ديننا يأمر بقتل كل من يجرؤ على أن يقول ما قلت؟! فأجاب ~~الراهب: نعم، أعلم ذلك، فاحكم علي بالقتل فإنني أتشوق إليه، لأنني أعلم أن الله يقول: «ما ~~أسعد الذين يضطهدون في سبيل الحق، إن لهؤلاء مملكة السماء.» حزن القاضي للرجل، وألح على ~~الأمير أن يتجاهل ذنبه فلم يفلح، وقطع رأس إسحاق فأصبح قديسا، وكان المسيحيون عامة ~~ينسبون إليه كثيرا من الخوارق، ويدعون أن هذه الخوارق لم تظهر منذ طفولته فحسب، بل ظهرت ~~من قبل أن يولد! # ثم ظهر بعد ذلك سانشو (شانجة) أحد حراس الأمير، وكان تلميذا ليولوجيوس فسب محمدا وفقد ~~رأسه، وفي يوم الأحد التالي أسرع ستة من الرهبان إلى مجلس القاضي وصاحوا: إن رأينا كرأي ~~أخوينا القديسين إسحاق وسانشو فاقتلنا، ثم أخذوا يسبون ms055 محمدا ويصرخون بالقاضي: انتقم لسيدك ~~محمد، وعاملنا بكل ما لديك من وحشية، فقطعت رءوسهم، وتقدم يوم القصاص من هؤلاء ثلاثة من ~~القساوسة أو الرهبان أصيبوا بحمى الانتحار فقدموا أعناقهم إلى الجلاد مغتبطين، وهكذا قتل ~~أحد عشر رجلا في أقل من شهرين في صيف سنة 851م/237ه. # أخذت الدهشة جمهور المسيحيين من تعصب إخوانهم الطائش إذ لم يكن يعرف عن الإسبانيين شيء ~~من هذا التحمس حتى هذا الحين؛ فقد مستهم المسيحية مسا خفيفا، حتى إن الكثير منهم ~~هرعوا إلى الإسلام راغبين راضين، فامتزج الدينان وعاش الفريقان في خلطة وصداقة وحسن ~~معاملة، وأخذ النصارى يبغضون لغتهم اللاتينية القديمة ويصدفون عن آدابها، فتعلموا العربية ~~واستطاعوا بعد حين أن يكتبوا بها كما يكتب العرب أنفسهم، وقد ندد يولوجيوس نفسه بهذه الحال؛ ~~إذ يقول: «إن النصارى يولعون بقصائد الشعر العربي وقصصه، ويهجرون الكتاب المقدس وآثار ~~القديسين، ومما يوجب الحزن والأسى أن الجيل الناشئ لا يعرف غير العربية، فهو يقرأ كتب ~~المسلمين بشغف وينشئ لها الخزائن ويراها جديرة بالإعجاب، في حين أنه يبخل بنظرة إلى كتاب ~~مسيحي.» ثم يقول: «لقد نسي النصارى لغتهم، ومن العسير أن نجد واحدا منهم في كل ألف يكتب ~~حرفا لاتينيا كتابة سائغة، وهم مع هذا يستطيعون أن ينظموا شعرا عربيا رائعا.» # وفي الحق إن النصارى وجدوا في قصص العربية وشعرها متعة ألهتهم عما كتبه آباء الكنيسة، ~~وكانوا يتدرجون إلى الاستعراب ويقتربون من العرب شيئا فشيئا، حتى أصبحوا أعظم مدنية وأتم ~~صقلا وأكثر تهاونا بالفروق الدينية، وكانوا يشكرون للعرب رفقهم بهم وحسن معاملتهم إياهم ~~إلى أن صدمهم العداء الفجائي الذي أظهره إخوانهم المتعصبون، فحاولوا جهدهم صد تلك العاصفة ~~الهوجاء قبل هبوبها، وأخذوا يصارحون إخوانهم بعقم ما يعملون، ويجادلونهم ويذكرونهم بسماحة ~~المسلمين ولينهم، وينبهونهم على ما جاء في الكتاب المقدس من الدعوة إلى الرفق والسلام، فإن ~~من آياته: «لا يدخل الشتامون العيابون مملكة السماء»، ويحدثونهم بأن المسلمين لا يأبهون ~~لمن يقتل من المسيحيين؛ لأنهم يرون أن دينهم لو كان حقا لانتقم الله لشهدائه. # كان ms056 هذا رأي جمهور المسيحيين الذين لم تسيطر عليهم وساوس التعصب، والذين لم يروا في ~~الدنيا خيرا من أن يحسنوا إلى جيرانهم وأن يؤدوا صلواتهم في هدوء وسلام، وهؤلاء حاولوا جهد ~~المستميت أن يردوا من جماح المتعصبين فلم يفلحوا، وخافوا مغبة الأمر؛ لأنهم أدركوا أن ~~استمرار الطعن في الإسلام وما يتبعه من عقاب متوال سيؤدي حتما إلى اضطهاد حقيقي ~~للمسيحيين، ولكن يولوجيوس الذي نصب نفسه للرد على كل ما اعترضوا به عليه مستدلين بنصوص ~~الكتاب المقدس وكتاب حياة القديسين - كان يتمنى هذه العاقبة، وكان أمثاله من المتعصبين لا ~~يرغبون في شيء رغبتهم في انتشار اضطهاد المسلمين للنصارى وتأجج ناره، غير أن سلطات الكنيسة ~~أبت أن تسمح باستمرار روح العصيان من غير ردع، وكانت في ذلك متأثرة بالفريق المعتدل وبسماحة ~~الحكم العربي، فاجتمع الأساقفة في مجلس يرأسه أسقف إشبيلية وأصدروا قرارا خطيرا لم يوجهوا ~~فيه نقدا لحوادث الاستشهاد السابقة؛ لأن الكنيسة دونت أسماء أصحابها في سجل الشهداء، ~~ولكنهم أمروا أن يمنع كل شغب من هذا القبيل، وذاع هذا القرار بين الناس، وكان من أثره أن ~~ألقي المتعصبون في غيابات السجون. # وفي هذا الحين، التقى يولوجيوس بفلورا مرة ثانية، ذلك أنها بينما كانت تصلي في الكنيسة ~~بقنوت وخشية إذ رأت إلى جانبها زميلة متعصبة، هي ماري أخت إسحاق الراهب الذي لقي حتفه في ~~طليعة الشهداء، فأخبرتها ماري بشدة رغبتها في اللحاق بأخيها بمملكة السماء، وعزمت فلورا أن ~~ترافقها في هذه الرحلة، فذهبتا إلى القاضي، وبذلتا ما في وسعهما لإثارة غضبه بالإكثار من سب ~~محمد ودينه، وكانتا فتاتين جميلتين تدينان في ورع وإخلاص بالدين الذي يدعو إلى «السلام في ~~الأرض وبذل الخير والمحبة للناس»، وقد وقفتا أمام القاضي وشفاههما تقذف بالحقد والسباب ونعت ~~دينه بأنه من عمل الشيطان، ولكنهما لم تثيرا غضب هذا القاضي الكريم بالسهولة التي ظنتاها؛ ~~فقد مجت نفسه هذا الجنون الخباطي، وكثيرا ما تصامم حينما كان الناس يحاولون قذف أنفسهم ~~إلى الموت، فأشفق على هاتين الفتاتين، وتمنى لو كانتا أقل طيشا ms057 وجنونا، وحاول أن يقنعهما ~~بالرجوع عن رأيهما أو أن يتجاهل إقذاعهما، ولكن الفتاتين أصرتا على التمسك بما زعمتاه من ~~بطولة وتضحية، فاضطر إلى إلقائهما في السجن. # وقد أثرت مدة السجن الطويلة في الفتاتين أشد تأثير، فأوشكت أن تخفف من غلوائهما وأن ~~تزحزحهما عن حماستهما القاتلة، لولا اتصالهما بيولوجيوس الذي قواهما وقضى عليهما. # ولقد كان عمله هذا أشق عمل في الحياة، ذلك أنه كان يستحث إلى خشبة الجلاد المرأة التي ~~أحبها وسكنت سويداء قلبه؛ لأنه - على الرغم من كل شعور طبيعي أو إنساني - راض نفسه على ~~إثارة التعصب والنفخ في نار الاستشهاد، وانغمس في هذا العمل المضني المؤلم دون أن يهن أو ~~يضعف لاعتقاده أنه السبيل الحق لنصرة الدين، حتى إنه كتب مقالا رائعا لفلورا يقنعها فيه ~~بجلال الاستشهاد وجماله الروحي، وما كانت فلورا في حاجة إلى إقناع أو تحريض، واستمر ليله ~~ونهاره يقرأ ويكتب ليطرد من قلبه الشعور بالرحمة والحب اللذين كانا يهددان عزيمته بالتردد ~~والخور، ولكنها كانت أثبت من الجبال. # وثبتت فلورا وماري على عزمهما فلم تتحولا عنه على الرغم مما بذله القاضي من جهود ~~لإنقاذهما، فحكم عليهما بالموت، وقبل أن يحكم عليهما قابل يولوجيوس فلورا آخر مرة، وقد كتب ~~عن هذا اللقاء فخورا بهذا الفوز الروحي: «لقد تصورتها ملكا كريما، وقد أحاطت بها هالة ~~قدسية وأشع وجهها بالسعادة والفوز، كأنما كانت تحس بمباهج جنات النعيم، ولقد حاولت حينما ~~سمعت الكلمات التي تحدرت من فمها العذب أن أثبت إيمانها، فأريتها التاج الذي أعد ~~لاستشهادها، لقد عبدتها وجثوت أمام هذا الملك السماوي، ثم رجوتها أن تذكرني في صلواتها، ~~وحينما بعث حديثها في نفسي قوة واعتزاما عدت إلى سجني الموحش.» # قتلت فلورا وصاحبتها في الرابع والعشرين من نوفمبر سنة 851م/237ه وكتب يولوجيوس بعد موتها ~~قصيدة تفيض بالسرور والبهجة تمجيدا لهذا الحادث الذي ظنه انتصارا عظيما للكنيسة. # بعد ذلك بقليل أطلق سراح يولوجيوس وغيره من القساوسة، وفي السنة التالية مات عبد الرحمن ~~الأوسط وخلفه ابنه محمد، وكان قاسيا جامد العاطفة موصوفا بالأثرة، ms058 مصادرا لوزرائه، ~~فأبغضه الناس عامة، ونعوا عليه جشعه وفسولته، ولم يحبه إلا الفقهاء؛ لأنهم توسموا أنه سيبطش ~~بالمسيحيين الذين سخروا من المسلمين ومن دينهم، وكان هذا التوسم صادقا؛ فقد هدمت ~~الكنائس، واتخذت وسائل عنيفة للاضطهاد، فأسلم كثير من النصارى بعد الأفواج التي دخلت في ~~الإسلام حينما قرر مجلس الأساقفة استنكاره حوادث الانتحار الذي دعي استشهادا. # واغتبط يولوجيوس والفارو بهذه الشدة، وزعما أنها دعت كثيرا من المتسلمين إلى العودة إلى ~~المسيحية، وتغيرت تلك السياسة الحكيمة الشفيقة، سياسة عبد الرحمن الأوسط ووزرائه التي كانت ~~تغمض العين عن نزوة المسيحيين وطيشهم، وتلتها سياسة قاسية عسوف، فلم يكن عجيبا أن يفر ~~المسيحيون بأنفسهم إلى الإسلام. # ولكن كل هذا لم يطفئ جذوة المتعصبين؛ فقد زادها الاضطهاد اشتعالا، وامتد شررها إلى خارج ~~قرطبة، ورسمت طليطلة يولوجيوس أسقفا لها، وحينما أبى الأمير الموافقة على هذا القرار، ~~ترك مكان الأسقفية خاليا حتى تسنح الفرصة ليولوجيوس بشغله. # وقدم على قرطبة راهبان فرنسيان ليستجديا شيئا من آثار الشهداء، ثم عادا بحقيبة مملوءة ~~بعظامهم لتعرض في باريس، ولكن عاصفة أخرى كانت موشكة الهبوب على المتعصبين، فقد هجرت فتاة ~~أخرى أبويها لتلحق بيولوجيوس، فأحضرت هي وأستاذها أمام القاضي، وكانت تهمة يولوجيوس إغواء ~~الفتاة على الارتداد، فعوقب بالجلد بالسياط، ولم يكن هذا القسيس الضعيف الناحل ممن يتحملون ~~السياط، إنه كان شديد الخشوع لله متقبلا في سبيله كل تضحية، راغبا أن يلقى في نصرة ~~دينه كل ضروب العذاب، ولكنه لم يحتمل أن يسوطه المسلمون، فصاح أمام القاضي: عجل بسيفك ~~أيها القاضي، وابعث بروحي إلى ربها، وإياك أن تظن أن ألقي بجسدي إلى سياطك، ثم أخذ يقذف ~~الإسلام بسيل من الشتائم والسباب. # وهنا تحرج القاضي وأبى أن يحمل تبعة قتل ~~زعيم مثله، فأمر بعرضه على مجلس الدولة، وفي هذا المجلس أخذ بعض الأعضاء يحاجه ويهدئ من ~~ثورته، ويعجب كيف أن رجلا عاقلا مثقفا مثله يقذف برأسه طواعية، بين أنياب الموت، ثم قال ~~له: لو فعل هذا رجل أبله أو مجنون ما أثار عجبي، ولكن صدوره ms059 من مثل يولوجيوس هو العجب كله، ~~ثم همس في أذنه قائلا: «أنصت إلي؛ إني أرجوك أن تخضع مرة للضرورة، وأن ترجع عما قلته ~~أمام القاضي، قلها كلمة واحدة، تجد نفسك حرا طليقا.» # ولكن هذا النصح جاء بعد أوانه، نعم إن يولوجيوس كان يؤثر تخريج الشهداء وإثارتهم على أن ~~يخط لهم المثال بنفسه، ولكنه رأى أنه لا يستطيع الآن التقهقر موفور الكرامة، وأنه يجب أن ~~يصابر ويثابر إلى النهاية ، وحينما أبى أن يتراجع حكم بقتله، فمات شجاعا مخلصا في الحادي ~~والعشرين من مارس سنة 859م/244ه وحين فقد المسيحيون زعيمهم سرى اليأس إلى قلوبهم، ولم نعد ~~نسمع لهم ضجيجا مرة أخرى. # | هوامش # | الخليفة العظيم # قد يشعر القارئ بشيء من خيبة الأمل حين يرى أننا قد بلغنا هذا القدر من الكتاب ولم نسرد ~~له إلا قليلا من أعمال البطولة وأحاديث الحروب، وأننا بدل أن نقص عليه سير الأبطال، ~~طغى بنا القلم إلى الإسهاب في اضطراب حركات الأجناس، وثورات الأديان، نعم؛ إننا بدأنا بداءة ~~تستثير العاطفة وتحبس الأنفاس بذكر طارق وجنده من البربر الذين لم تكن فتوحهم اللامعة من ~~أساطير الخيال، ولم تكن في صحة حوادثها أقل من تاريخ القرن التاسع عشر، وقفينا على ذلك بذكر ~~الموقعة الكبرى الفاصلة، موقعة طلوشة (تولوز) وهي حقا من الوقائع المؤثرة وإن أعوزها ~~كثير من الإسهاب التاريخي، ثم ألممنا بموقعة العرب مع الإفرنج، وبمعركة رونسسفال التي أبعد ~~وصفها في الخيال، وغشاها غمام من خطرات الأوهام، ومر على هذه المعركة مائة عام، فوصلنا ~~إلى مقتل يولوجيوس، وإلى خمود حركة الاستشهاد الدينية. # ولم نكن في غضون هذا القرن نقرأ في تاريخ الأندلس إلا صراعا عنيفا بين العشائر والمذاهب ~~الدينية المختلفة التي تمثل الشعب الإسباني، ومهما يكن من شيء، فإن أعمال البطولة نادرة ~~دائما، وكثيرا ما تكون من خلق الشعراء، فإن عقولهم الروحانية كثيرا ما تلبس بعض حوادث ~~الحرب العادية أثوابا من البطولة لا تدركها الأفهام، في حين أن الصراع بين قبيل وآخر أو ~~مذهب وآخر هو كل ما شهدته الدنيا ms060 منذ وجد الإنسان، فمن الحق إذا ألا ننساق مع أنفسنا في ~~اعتقاد أن تاريخ الحركات العظيمة خال من الروعة لأنه خال مما يسحر النفس من أعمال البطولة ~~الفردية؛ فقد كان لكثير من المغمورين من الرجال والنساء في غضون عصر الاستشهاد الديني إخلاص ~~وجهاد وبطولة تفوق أعمال الفرسان في ساحة القتال؛ لأنه من السهل أن تكون شجاعا في معركة ~~تغلي فيها الدماء، أما أن تبصر نذر الهلاك وتحتمل السجن الطويل المدى، وتنتظر بشجاعة وجلد ~~يوم الإعدام وأنت ثابت القلب رابط الجنان - فشيء فوق طاقة كثير من الناس. # أخطأ شهداء المسيحيين في رأيهم جادة الصواب، وقذفوا بأرواحهم في غير مقذف، ولكن ~~شجاعتهم مع هذا كانت جديرة بالإعجاب كما كانت عقولهم جديرة بالرحمة. # كانت فلورا بطلة حقا، كما لو ضحت بحياتها في سبيل حقيق بالتضحية، وخلق يولوجيوس من ~~طينة الأبطال على الرغم من تعصبه وتزمته، وكم في كل هذه الثورات السياسية والدينية التي مرت ~~بنا من أعمال تجلى فيها الإخلاص والثبات والعزم والاحتمال! وهذه - وإن فرت من عين المؤرخ ~~- لا تقل عن أعمال البطولة اللامعة في ميادين القتال. # إن أشق واجبات الإنسان لا يظهر غالبا إلا في صغار حوادث البطولة، وإن في المعارك والتحام ~~الجيوش فرصا لا تعد لتكوين الأبطال. # ويسهل جدا أن ترى البطولة واضحة في شخص من أن تراها في شعب أو مدينة، وها نحن أولاء ~~بصدد حياة رجل يعد بين قليل ممن قربوا من المثل الأعلى في عظمة الملك وقوة السلطان. # إن الملك العظيم أثر الحاجة الملحة والخطب العظيم، فإذا اشتدت آلام الأمة وطال بأسها، ~~وازدحمت أيامها بالكوارث، ورف غراب الدمار بجناحيه في الأفق، جاء الملك العظيم لينقذ قومه ~~من بين براثن الخطر، وليعيد إليهم الرفاهية والهدوء والأمن، وليحكم مملكة كتب لها أن تنهض ~~بهمته ومساعيه إلى القوة والسعادة بعد الضعف والانتكاس، وقد كانت الحاجة بالأندلس إلى مثل ~~هذا الملك شديدة في طليعة القرن العاشر، فقد تلت ثورة المسيحية التي اشتعلت بقرطبة ثورات، ~~وانتشر العصيان في ولايات الأندلس، وتناوب عرش ms061 المملكة أمراء لا خير فيهم، ولا غناء ~~عندهم، # 1 # وقضي على السياسة النشيطة العاملة التي قام بها المنذر الذي خلف أباه في سنة ~~886م/273ه بقتله في سنة 888م/275ه وجاء بعده أخوه عبد الله الذي دبر مقتله، فكان أضعف من أن ~~يقف على قدميه في وجه الخطر الذي كاد يذهب بملكه؛ لأنه كان متقلبا مضطربا، وكان يناوب بين ~~الشدة والاستخذاء فلم ينجح في كليهما، وكان حقيرا قاسيا شريرا، فأجمع الناس لأول مرة على ~~كراهيته ونبذ طاعته، ولم تمض ثلاث سنوات من حكمه حتى كان القسم الأعظم من الأندلس مستقلا، ~~فإن الأحزاب المختلفة التقت على معارضته، واهتبل كل نبيل أو زعيم من العرب أو البربر أو ~~الإسبان فرصة ضعفه وسوء حكمه وما أصبحت فيه الأندلس من الفوضى الطخياء الشاملة - فاختص نفسه ~~بقسم من المملكة، وقام يتحدى الأمير من وراء حصونه. # وكان عظماء العرب من أبناء الفاتحين قليلي العدد، فلم يمنعهم ضعفهم، ولم تقعد بهم قلتهم ~~عن أن يقلبوا للأمير ظهر المجن، فاستولوا على بعض إمارات منها إشبيلية التي أصبحت ~~منافسا مخيفا لقرطبة، أما في المدائن الأخرى وحيث كان العرب أضعف من أن يقاوموا الأمير، ~~فإنهم خضعوا له خضوعا صوريا، واستقل حاكما لورقة وسرقسطة استقلالا حقيقيا، ولم يبق ~~للأمير من يستنصر به إلا الجنود المرتزقة الذين أخضعوا له أهل قرطبة إخضاعا ظاهريا، بحيث ~~إذا جاوز المرء قرطبة لم يجد عربيا واحدا يرجى منه أن ينصر الأمير أو يدافع عن الدولة ~~الأموية. # وكان البربر أكثر عددا من العرب، وأشبه بهم في السخط والعصيان، فخلعوا ربقة الطاعة ~~للأمير، وعادوا إلى نظام القبائل، واستقلوا بالولايات الغربية مثل: استرامادور، وجنوب ~~البرتغال، واحتلوا مراكز عظيمة الشأن في الأندلس نفسها كمدينة جيان، وكانت أسرة ذي النون ~~البربرية تتألف من أبيهم موسى وهو شرير كبير ولص بغيض، ثم من أولاده الثلاثة الذين أشبهوه ~~في قوته وقسوته # 2 # فدهمت هذه الأسرة الأندلس كلها بالسيف والنار، وعاثت بالفساد في جميع نواحيها ~~تحرق وتنهب وتقتل أينما سارت. # وكان الإسبان المتسلمون الذين صقلتهم مدنية ms062 العرب بعض الصقل، أقل وحشية من البربر وإن لم ~~يقلوا عنهم في بغض الحكومة، فاستولوا على ولاية الجرف في الزاوية الجنوبية الغربية من شبه ~~الجزيرة، وملكوا عددا عديدا من المدن والولايات المستقلة بالأندلس، وفي الحق إن معظم ~~المدن العظيمة كانت في ثورة مقنعة أو سافرة، فقد اتحد حكام العرب وزعماء البربر والإسبان ~~المتسلمين على معارضة الأمير والاستهانة بأمره، وكان ابن حفصون أكثر هؤلاء قوة وأشد مراسا، ~~وهو مسيحي # 3 # أثار سكان الجبال بغرناطة، وأقام في حصانة معقله ببشتر (بوباستور) يحكم ويشرع ~~للبلاد حوله، وطالما جرد الأمير عليه جيوشا فآبت بالخذلان والهزيمة، ثم التجأ الأمير آخر ~~الأمر إلى مصالحته وملاينته، ولكن ابن حفصون كان في هذه الناحية أوسع منه حيلة وأشد ~~مكرا، # 4 # وكانت مرسية مستقلة يحكمها أمير متسلم، حكما رفيقا حازما، فأحبته رعيته، ~~ولم يغفل مع ولوعه بالشعر والأدب عن تحصين مملكته بجيش عظيم، عدته خمسة آلاف فارس، وكانت ~~طليطلة كعادتها ثائرة صاخبة، ولم يعق نصارى الشمال عن الاستيلاء عليها واسترداد ملكهم ~~المسلوب إلا ما شجر بينهم من خلاف وانقسام. # هكذا كانت حال الأندلس، وهذا ما آل إليه أمرها؛ فقد أصبحت ممزقة الأشلاء، منبتة ~~الأواصر، تبعثرت فيها المقاطعات المستقلة التي صارت أشبه بالضياع منها بالولايات التي ~~تكون دولة قوية، وصارت أعجز من أن تقف في وجه فاتح قوي عزوم. # وكانت تلتمع أحيانا أشعة من النور في ظلام هذه الفوضى القاتمة؛ فقد ذكرنا آنفا أن حاكم ~~مرسية كان أديبا مثقفا كما كان يشتهر حاكم قسطلونة بإغداقه على الشعراء ورجال الفنون، ~~وكان يعيش في قصر فوق أعمدة من الرخام، غطيت حيطانه بزخارف من المرمر والذهب، واشتمل على ~~كل ما تشتهي النفس من النعيم. # أما ابن حجاج حاكم إشبيلية فإنه اضطر الأمير إلى مصالحته ومصادقته وحمل أعباء الحكم ~~كريما نبيلا، وأخذ رعيته بالرفق، فرفرف فوقها علم السلام والطمأنينة، وعاقب المجرمين ~~بعدل وصرامة، وأقام مراسم الملك في جلال وعظمة، وبلغ حرسه خمسمائة فارس، وكان رداؤه الملكي ~~من الحرير المنسوج بخيوط الذهب والفضة، كتب عليه ms063 اسمه وألقابه بالذهب الخالص، وذاعت شهرته ~~فراسله الملوك من وراء البحر وبعثوا إليه بهداياهم، وتوافد عليه العلماء والفقهاء من ~~المدينة المنورة، وازدان قصره بأشهر المغنين من بغداد، وكانت جاريته «قمر» البغدادية شاعرة ~~رائعة الحسن، بديعة الصوت، فصيحة اللسان، مرهفة الحس، وهي التي تقول فيه: # ما في المغارب من كريم يرتجى # إلا حليف الجود إبراهيم # أنى حللت لديه منزل نعمة # كل المنازل ما عداه ذميم # وقد اجتذب إلى قصره الشعراء، فأمه جميعهم، حتى شعراء قرطبة الذين وثقوا من كرمه ~~وتكريمه، وأعرض مرة عن شاعر وأنبه لأنه أراد أن يسره بهجاء منافسيه من أشراف قرطبة، ~~وكان من قوله له: لقد كذبتك نفسك يا هذا إن ظننت أن رجلا مثلى يهش لسماع هذا الهجاء ~~الدنيء. # ولكن كل هذه الأشعة اللامعة من الحياة الأدبية والثقافية لم تخفف إلا قليلا من اضطراب ~~الفوضى العامة التي شملت ربوع الأندلس وصيرتها فريسة للكوارث التي منها ضعف حكومة قرطبة، ~~وخروج كثير من حكام الأقاليم عن الطاعة، وانتشار عصابات اللصوص وقطاع الطرق بالبلاد، حتى ~~صارت المملكة إلى حال تستنزف الدمع من الشئون، وأصبحت قرطبة نفسها - وقد توالت عليها غارات ~~ابن حفصون ورجال عصائبه - في حزن مقعد مقيم، وكانت وإن لم تحاصر بالفعل تقاسي ما هو شر من ~~الغزو وأشد من الحصار، ويقول مؤرخو العرب: # كانت حال قرطبة تشبه حال ثغر ~~تعرض لهجمات الأعداء، فكثيرا ما فزع سكانها من نومهم في جوف الليل لصياح ~~الزراع على شاطئ النهر وقد وثب عليهم لصوص الطرق يغمدون سيوفهم في ~~رقابهم. # وكتب بعض من حضر هذا العهد يقول: «لقد أصيبت المملكة بانحلال شامل؛ فقد تلت المصائب ~~المصائب فهي لا تنقطع، واستمر النهب والسرقات، وجرت زوجاتنا وأولادنا قسرا إلى الأسر ~~والعبودية.» # وعمت الشكاية من تهاون الأمير وضعفه وضعته، وتذمر الجنود لمنع أعطياتهم، وضنت الولايات ~~بإرسال حاصلاتها، وخلت خزائن الدولة من المال فأصبحت قفرا يبابا، وكل ما استطاع الأمير أن ~~يقترضه من المال رشا به بعض العرب الذين كانوا يراءونه ويصطنعون له الإخلاص، وأظهر خلاء ~~الأسواق ms064 من الأقوات ما أصاب التجارة من الضرر الفادح والبوار، وأصبح ثمن الخبز فوق متناول ~~الخيال، وعاد الناس - وقد ملكهم اليأس - لا يفكرون إلا في يومهم، أما الفقهاء والمتزمتون ~~فقد عدوا ذلك من سخط السماء، وأن ابن حفصون لم يكن إلا آلة لنقمة الله وغضبه، ثم أخذوا ~~ينشرون بين الناس تكهنات مفجعة محزنة، وكم صاحوا يقولون: # ويل لك يا ~~قرطبة، ويل لك يا بؤرة الفساد ونذير الزوال، يا موطن الفجائع والاضمحلال، لقد أصبحت ~~بلا صديق أو حليف، ستحل مصيبتك حينما يصل إلى أبوابك القائد الكبير الأنف، الدميم ~~الوجه، الذي يحرسه المسلمون من أمامه والكافرون من خلفه، فإن في وصول ابن حفصون إلى ~~أسوارك القضاء المبرم والفناء المحتوم. # وحينما ازدادت الأمور حلكة وظلاما، سطع شعاع من الأمل لليائسين من سكان قرطبة، فإن ~~الأمير عبد الله الذي تملكه اليأس كما تملك رعيته حاول أول مرة أن يعزم على عمل سياسي جريء، ~~وأن يخرج من المأزق الذي وضع فيه نفسه، فنهض بما عزم # 5 # على الرغم من تثبيط أتباعه له وكثرة عدد الأعداء المحيطين به من كل جانب، ولكنه ~~بعد قليل عمل خيرا من كل هذا، عمل ما كان يجب أن يعمله لأمته من زمن بعيد، ذلك أنه مات في ~~الخامس عشر من أكتوبر سنة 912م/300ه بعد أن بلغ الثامنة والستين، وبعد أن قضى في الحكم ~~أربعة وعشرين عاما كلها حزن وشقاء؛ فقد رأى بعينيه من تدهور سلطان الأمويين - وكان تدهورا ~~سريعا مفاجئا - ما يصعب علاجه على المصلحين، ولكن الله قدر لحكم خليفته أن يرى أيضا لهذا ~~السلطان بعثا سريعا مفاجئا كاملا شاملا. # كان الخليفة عبد الرحمن الناصر حفيدا لعبد الله، وقد ولي الحكم في الحادية والعشرين من ~~عمره، وكان يظن أن يزاحمه عمه وأقاربه على الإمارة وهو في هذه السن وفي هذا الوقت العصيب، ~~ولكن شيئا من ذلك لم يكن، واستقبلت الأمة ولايته بصيحات الاستبشار والرضا من كل ~~ناحية. # وكان الخليفة الجديد محبوبا من الشعب ورجال القصر، تضافرت وسامة طلعته، وحسن سمته، وكرم ms065 ~~أخلاقه، وقوة إدراكه، على أن تجعل منه خليفة تعشقه الجماهير، وأحس القرطبيون - وهم البقية ~~الباقية من رعيته - بتجدد الأمل فيهم وهم يرقبون بواكير أعماله. # ولم يحاول عبد الرحمن إخفاء مراميه ومآربه، فقد هجر سياسة جده إلى غير عودة، وكان تناوحها ~~بين الضعف والقوة سببا في دمار البلاد، وأعلن مكانها في صراحة أنه لن يسمح بأي عصيان في أي ~~جزء من أجزاء المملكة الأموية، ثم دعا الساخطين ورؤساء القبائل إلى الخضوع لسلطانه بعد أن ~~أرسلها كلمة صريحة بأنه لن يترك جزءا من مملكته يتحكم فيه العصاة، وكان في برنامجه من ~~الجرأة ما ينعش آمال أكثر المتفائلين، وإن خاف كثير منهم من أن هذا البرنامج قد يؤلب العصاة ~~في جميع أنحاء المملكة، ويجمعهم عصبة واحدة لسحق هذا الأمير الشاب العنيد، ولكن عبد الرحمن ~~كان يعرف أخلاق أهل مملكته، فلم يكن في جرأته عابثا أو متهورا. # لقد مضى جيل منذ أن رفع ابن حفصون وأشياعه علم الثورة، واعتقد أكثر الناس أن فيما نالهم ~~من أوزارها ما يكفي، وفوق الذي يكفي، وبردت تلك النار التي كانت تتأجج في قلوب الإسبان ~~المتسلمين والمسيحيين وتدفعهم إلى الكفاح في سبيل الاستقلال، وأمثال هذه البدوات لن تعيش ~~إلا إذا بلغت غاية الفوز عند أول اشتعالها، لقد كان الزعماء الآن بين ملحود لا ~~يعود، # 6 # وشيخ لا يرجى، فهدأت الروح الثائرة في نفوس أتباعهم، وأخذ الناس يسائلون أنفسهم ~~عما حصلوا عليه من جراء ثوراتهم؟ إنهم لم يطهروا الأندلس من الكفار، ولكنهم على النقيض ~~أسلموها إلى أكثر من الكفار شرا، إلى زعماء اللصوص والمجرمين المخاطرين؛ فقد منيت ~~المملكة في جميع جهاتها بعصابات من اللصوص أتلفت الزرع والكروم، وتركت الأراضي وراءها قفرا ~~يبابا، وأحس الناس أن كل شيء كيفما كان خير من تحكم هذه العصابات، وأن الأمير لن ينقل ~~الأمور إلى أسوأ مما هي عليه؛ لذلك اتجهوا إليه ينظرون إلى ما يستطيع عمله لإصلاح هذه ~~الحال. # وكان من أثر كل هذا أن الخليفة حينما هب يقود جيوشه لمحاربة الولايات الخارجة عليه، ms066 رأى ~~أن أكثرها أقرب إلى الخضوع من العصيان، وزاد في حماسة جنوده أن رأوا أميرهم الشاب الشجاع في ~~مقدمتهم، وهو شيء لم يعهدوه من عبد الله جده، فساروا وراءه معجبين مستميتين، وأخذت المدن ~~بالأندلس تفتح للأمير أبوابها واحدة إثر واحدة، فسلمت الولايات التي في جنوب قرطبة أولا، ~~ثم ألقت إشبيلية بقيادها، وأجبر البربر في الغرب على الطاعة، وأسرع أمير الجرف بإرسال ~~الإتاوة، ثم تقدم الأمير لقتال النصارى بمقاطعة ريه (ريو) حيث يسكن منذ ثلاثين عاما ~~رعايا ابن حفصون الشجعان في معاقلهم الجبلية، وكان عبد الرحمن أعرف الناس بأن مثل هذه ~~المعاقل لن ينال بظفر سريع؛ لذلك خطا خطوات متئدة حتى أخضعها لسلطانه، فسلم إليه معقل بعد ~~معقل، بعد ما رأى أعداؤه ما بهرهم من عدله وشرفه، وأنه قد حافظ على معاهدته مع النصارى أكرم ~~محافظة، وأنه أظهر غاية الحلم والصفح لكل من سلموا إليه، ولكن ابن حفصون بقي في معقله ~~متحديا مغالبا كعادته، غير أنه كان قد شاخ فأدركته المنية، وأصبح استيلاء الخليفة على حصن ~~«ببشتر» أمرا هينا موكولا إلى الزمان. # وحينما وقف الأمير على مشارف هذا الحصن المنيع بعد استيلائه عليه، ونظر من بعده الشاهق ~~إلى القمم الشديدة الانحدار التي تحيط به، ثار وجدانه، وغمرته عواطفه، فسجد لله شكرا على ~~هذا الفتح المبين، وبقي مدة إقامته بالحصن صائما، وشمل أعداءه بالصفح والغفران. # ثم ألقت مرسية بالقياد وخضعت للخليفة، أما طليطلة فبقيت على تحديها وعصيانها ورفضت في ~~كبرياء وغرور ما عرضه عليها عبد الرحمن من الهدنة، وانتظرت الحصار بصبر وجلد، ولم يخطر ببال ~~أهل المدينة أنهم منوا بأمير يخالف طابعه من عرفوهم من القواد الضعفاء الذين طالما آبوا ~~بالعار والخيبة أمام حصونها المنيعة. # هجم الخليفة على طليطلة ووقف بجيشه لحصارها، ثم أراد أن يفهم من لم يكن يفهم أن هذا ~~الحصار لم يكن محض تهديد، فأمر أن تبنى مدينة صغيرة فوق الجبل المقابل لها سماها «الفتح» ~~وربض ينتظر عواقب الحصار، فلما اشتد الجوع بالسكان سلمت المدينة ودخلها عبد الرحمن فكانت ms067 ~~آخر مدينة دانت له بالطاعة في المملكة التي ورثها من سميه عبد الرحمن الداخل، والتي بلغت ~~الآن في سنة 930م/318ه غاية امتدادها. # وقد اقتضته إعادة ما ضيعه أسلافه من المملكة ثمانية عشر عاما، غير أنه فاز بما أراده ~~وأتمه، وعادت سلطته قوية الدعائم بين العرب والبربر والإسبان والمسلمين والمتسلمين، ومن هذا ~~الحين أبى أن يخص أي حزب من رعيته بميزة أو يرفعه فوق غيره، وشدد الضغط على زعماء العرب، ~~فابتهج الإسبان بإذلالهم، وأصبح الملك اليوم خالصا للخليفة وحده، فحكم مستقل الرأي ~~مستبدا، وقابلت الأمة استبداده بسرور وغبطة بعد عدة سنوات قضتها في الاضطراب والفوضى، ~~وبعد أن استراح الناس من العصابات التي كانت تغير على زروعهم وكرومهم. # وإذا كان الخليفة مستبد السلطان، فإنه لم يتجاوز الحد في استبداده الذي أعاد الناس إلى ~~حياة الأمن والثروة، وأطلق عقالهم لينالوا من الغنى ورغد العيش ما يشتهون على النحو الذي ~~يشتهون. # | هوامش # | الحرب المقدسة # كان مذهب عبد الرحمن الناصر في نظام الحكم أن يحتفظ لنفسه بالسلطة كاملة، وأن يختار ~~لتصريف أمور الدولة رجالا من صنائعه، الذين رفعهم بعد ضعة، وأعزهم بعد مهانة، # 1 # وحرص قبل كل شيء على أن يجرد زعماء العرب الذين لعبوا بالأمراء قبله من كل ~~قوة، فكان رؤساء دولته من المحدثين في النعمة الذين لم يرفعهم نسب ولم تنهض بهم في المجد ~~سابقة، فتوثقت عراهم بسيدهم كما يتشبث الضعيف بالقوي؛ إذ لولاه لداستهم الأسر العربية ~~بالأقدام، ثم إنه حاط ملكه بجيش عظيم جرار، انتقى قواده من خيار رجال حرسه من الصقالبة، ~~وأضاف إليهم رجالا من الفرنجة، وغاليسية، ولومبارديا، وغير هؤلاء من أجناس شتى، وكان تجار ~~الإغريق والبندقية يجلبون هؤلاء الأرقاء ويبيعونهم صغارا للخليفة ليهذبهم وينشئهم في ~~الإسلام، وكثير منهم من أصبح كامل الثقافة شديد الإخلاص لمولاه، وهم يشبهون من نواح كثيرة ~~مماليك خلفاء صلاح الدين بمصر، الذين اختاروهم لحراستهم، والذين بلغوا في النهاية ذروة ~~المجد، فكانوا سلاطين لمصر والشام، نعم يشبهونهم فيما كان لهم من عبيد ينصرونهم، وفي أن ~~الخليفة أقطعهم ms068 ضياعا يقوم على زراعتها الخول والعبيد، وفي أنهم كانوا دائما يستجيبون ~~لدعوة سيدهم إذا دعاهم للحرب، فيقبلون مسرعين على رأس أتباعهم وعبيدهم، ثم يشبهونهم في أنهم ~~وصلوا بعد حين من الدهر إلى قمة السيطرة والنفوذ، فاغتنموا فرصة ذبول الدولة وتدهورها بعد ~~موت عبد الرحمن الناصر وخليفته، وأسسوا لأنفسهم دولة، فكان لهم بذلك سهم بين السهام، ويد ~~بين الأيدي التي قضت على حكم الإسلام بالأندلس. # استطاع الأمير مستعينا بالصقالبة أن يطهر البلاد من عصابات السوء، وأن يسل منها روح ~~التمرد، ثم أن يشعل حربا ضروسا على نصارى الشمال ويعود مظفرا منصورا؛ فقد كانت مملكة ~~الإسلام في أيامه مهددة بخطر أشد من خطر الفوضى والثورات؛ ذلك أنها كانت محصورة بين مملكتين ~~متحديتين شديدتي المراس، تتطلب كلتاهما شدة اليقظة والحذر، ففي الجنوب ربضت مملكة الفاطميين ~~في شمال إفريقية متنمرة متوثبة، وكان من الطبيعي أن يذكر حكام الساحل البربري أن العرب ~~قبلهم جعلوا من إفريقية معبرا إلى إسبانيا، كما أن السياسة المتوارثة بين حكام البربر كانت ~~توسوس إليهم دائما أن يضموا - إذا استطاعوا - ولايات إسبانيا المشرقة إلى إفريقية. # ورأى الخليفة أنه لا يستطيع التخلص من الفاطميين أو تجنب شرورهم إلا ببث الفتن وإشعال نار ~~الخلاف بين قبائل البربر، فنجح في ذلك أيما نجاح، وأخضع بدهائه قسما كبيرا من ساحل ~~البربر، وتملك قلعة سبتة الحصينة، ثم إنه خصص مقدارا كبيرا من دخل الدولة ببناء أسطول ~~عظيم، نازع به الفاطميين سلطتهم في بحر الروم. # أما في الناحية المقابلة نحو الشمال، فكان على المسلمين أن يقابلوا عدوا هو أشد من ~~الفاطميين كيدا، وأبعد خطرا؛ فقد نبتت نصارى أستورياس وتأثلت من حفنة من الرجال زاد ~~عددهم في هذه الأيام واشتد ساعدهم، فاعتزوا بالكثرة والقوة، ونما في نفوسهم حافز قوي إلى ~~استرجاع وطنهم المسلوب. # وقصة ذلك: أنهم حينما اصطدموا بالمسلمين عند الفتح، فقدوا صوابهم، وطارت نفوسهم شعاعا، ~~وتمزقوا شذر مذر مذعورين من هؤلاء الشياطين، فالتجئوا إلى جبال أستورياس وأقاموا بها، ~~فكان لهم من قلة عددهم ووعورة الجبال التي نزلوها ms069 شفيع ذاد المسلمين عنهم، ولم يجتمع حول ~~زعيمهم «بلاي» في كهف «دونجا» إلا ثلاثون رجلا وعشر نساء، فلم ير العرب أن مثل هذه ~~الطغمة القليلة من الفارين تستحق المطاردة والاقتناص، فتركوهم وشأنهم يقيمون في مغاور ~~هذا الكهف الذي لا ينال إلا من شعب ضيق لا يرقى إليه إلا بسبعين درجة، ودارت الأيام ~~وتعاقبت الأعوام، وهم يتكاثرون ويتناسلون، حتى استطاعوا بعد حين أن يؤلفوا في معقلهم الحصين ~~جيشا تاما. # ووصف ابن حيان المؤرخ نشأة هذه الدولة المسيحية في حزن وأسى فقال : # وفي ولاية عنبسة بن سحيم الكلبي، # 2 # قام بجليقية علج خبيث يدعى (بلاي) فعاب على العلوج طول الفرار، ~~وأذكى قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثأر، ودافع عن أرضه، ومن وقته أخذ نصارى ~~الأندلس في مدافعة المسلمين عما بقي من أرضهم، والحماية عن حريمهم، وكانوا لا ~~يطعمون في ذلك، وقيل إنه لم يبق بأرض جليقية قرية لم تفتح إلا الصخرة التي لاذ بها ~~هذا العلج، ومات أصحابه جوعا إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلا ونحو عشر نسوة، وما ~~لهم عيش إلا من عسل النحل في جباح (خلايا) معهم في خروق الصخرة، وما زالوا ممتنعين ~~إلى أن أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروهم، وقالوا: ثلاثون علجا ما عسى أن يجيء ~~منهم؟! فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به. # ويقول مؤرخ آخر: «كم تمنينا على الله لو أن المسلمين أطفئوا - دفعة واحدة - شرارة هذه ~~الجذوة التي قدر لها أن تلتهم دولة الإسلام بالأندلس!» # تقوت هذه العصابة الفارة شيئا فشيئا، وزاد في بأسها وفود النصارى إليها من أقطار ~~الشمال، وحينما شعرت بالقوة، واطمأنت إلى الثقة بنفسها، خرج رجالها من معقلهم وأخذوا ~~يناوشون البربر النازلين بحدود الأندلس، حتى اضطر العرب في النهاية إلى أن يزحفوا على كهف ~~هؤلاء المغيرين البسلاء ليستأصلوهم، ولكنهم لم يظفروا بطائل؛ فقد هزمهم المسيحيون في هذه ~~المحاولة وغنموا منهم مغانم كثيرة، وفي سنة 751م/134ه تزوج ألفونسو (الأذفونش) صاحب ~~كانتابريه (التي لم ينفذ إليها العرب) بابنة بلاي، ms070 فوحد هذا الزواج كلمة المسيحية، وهب ~~ألفونسو فأثار الولايات الشمالية على العرب، وشن بجنود من أهل غاليسية على المسلمين حروبا ~~متعاقبة دفعتهم إلى التقهقر نحو الجنوب، واسترد من أيديهم مدن براجا، وبورتو (مدينة ~~البرتقال)، واستروجة، وليون، وطلمنكة، وزمورة، وليدسمة، وسلادانة، وشقوبية، وآبلة، ~~وأوسما، وميراندة، وامتد الحد المسيحي إلى الجبال الكبرى وأصبحت حصون الحد الإسلامي مدن: ~~قلمرية، وقورية، وتالاڨيرة، وطليطلة، ووادي الحجارة، وتدلة (تيوديلة)، ~~وبنبلونة. # والحقيقة أن ألفونسو استرد ولايات قشتالة، وليون، وأستورياس، وغاليسية، غير أن هذه ~~العصابة بعد أن ملكت ما ملكت، خلت إلى أنفسها فرأت أيديها صفرا من المال، ورأت أنه لم يكن ~~لها من العبيد والخول من يقومون ببناء القلاع واستنبات الأرض في تلك البقاع الواسعة التي ~~استرجعتها، فخطر لها أن تتركها للعرب على أن تكون حدودا بينهما غير ثابتة، وارتدت إلى ~~المقاطعات حول خليج غسقونية حتى يحين الوقت الذي تسوغ لها فيه كثرة العدد والمال احتلال ~~بقاع أوسع. # وجاء القرن التاسع وأحس المسيحيون بما يحفزهم إلى استعادة البقاع التي تغلبوا عليها من ~~قبل، فانتشروا بمقاطعة ليون وابتنوا لصد أعدائهم قلاع زمورة، وسان استيبان، وأوسما، ~~وسيمنقاس، ثم تقدموا فضيقوا فسحة الحدود بينهم وبين العرب حتى لقد كانت تتلاصق جيوش ~~الفريقين في بعض المواطن، وحاول العرب في بداءة القرن العاشر أشد محاولة أن يستردوا أراضيهم ~~بما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، ولكن المسيحيين هزموهم شر هزيمة، وتواثبوا على حدودهم ~~بعد أن استعانوا برجال من طليطلة، وبعد أن شد أزرهم سانشو (شانجة) ملك نافار (بنارة) الذي ~~أصبح موئل المسيحية في الشمال. # وكانت حروب المسيحيين نقمة وسوط عذاب على أعدائهم؛ فقد كانوا جفاة أميين، وكانت أخلاقهم ~~على اتساق مع أميتهم، وما كان يتوقع من هؤلاء الجفاة المتوحشين إلا التعصب والقسوة، ~~فإنهم لم يؤمنوا مستجيرا، ولم يتركوا فارا، ولم يبقوا على جريح، وهذا يذكرنا - والحزن ~~ملء صدورنا - بما كان للعرب من بطولة ورفق وسماحة خلق، فكثيرا ما عفوا عن أعدائهم نبلاء ~~متكرمين، بينما نرى اليوم رجال ليون وقشتالة العتاة يذبحون جميع ms071 رجال الحاميات، ويستأصلون ~~مدنا مليئة بالقطان، حتى إذا نجا أحد من سيفهم لم ينج من استعبادهم. # لم تمر سنتان من حكم عبد الرحمن الناصر حتى زحف أردون الثالث صاحب ليون بجيوشه على العرب، ~~وأثار حربا شعواء بلغ بها أسوار ماردة، واشتد هلع أهل بطليوس لمقدمه، فأسرعوا إلى ~~مصالحته بالمال لاتقاء شره، واشتد الخطر على المسلمين لقرب هاتين المدينتين من قرطبة، ولم ~~يكن يحول بين جيوش أردون وبينها إلا شارات مورينا الشاهقة، فكان الموقف شديد الحرج على ~~المسلمين، ولو أن الأمير كان جبانا لتلمس لنفسه الأعذار في نكوصه عن القتال؛ لأن ماردة لم ~~تكن تعترف بعد بسلطانه، فأي شأن له إذا وثب النصارى على ولايات خارجة عليه؟! ولكن شيئا من ~~هذا لم يكن من نحيزة عبد الرحمن ولا من خلقه، فوثب في الحال وجمع جموعه وأرسل بعثا إلى ~~الشمال فشن غارات قاسية على مملكة المسيحيين، وأرسل في السنة التالية سنة 917م/305ه حملة ~~أخرى لم يكن لها من التوفيق ما كان للأولى، فهزمها أردون أمام أسوار سان استيبان، واستخلص ~~من المسلمين كثيرا من الغنائم. # وحينما رأى القائد العربي المغوار # 3 # طلائع الهزيمة قذف بنفسه بين الأعداء ومات وسيفه في يده، وكان من جبن ملك ليون ~~ووحشيته أن أمر بحز رأس هذا الجندي الشجاع وتسميره بباب القلعة إلى جانب رأس خنزير، ثم ~~أطغى الانتصار جيوش ليون ونافار، فعاثوا في السنة التالية فيما حول طليطلة، وتغلب عليهم ~~جنود قرطبة في أثناء ذلك في موقعتين، وفي هذا الحين عزم عبد الرحمن على أن يستكمل عدته؛ ~~لأنه رأى أن التغلب على المسيحيين يتطلب جهدا أعظم وأمضى، فقاد في سنة 920م/308ه الجيوش ~~بنفسه، ومضى مسرعا متسلحا بمهارته وحسن رأيه، فدهم أوسما وسوى قلعتها بالأرض، ودمر سان ~~استيبان بعد أن فرت حاميتها، ثم اتجه إلى نافار ونازل سانشو (شانجة) ففر أمامه من الميدان ~~مرتين، ثم جاءت النجدة من ليون إلى جيوش نافار، وكان المسيحيون في موقع طبيعي يمكنهم من ~~العرب، ولكن الأمير نازلهم في وادي القصب واستأصل جموعهم، ms072 وأثارت منعة حدود المسيحيين غضب ~~المسلمين فوضعوا السيف والنار في حامية ميوز. # ومن الحق أن نقرر آسفين أن العرب في بعض هذه الوقائع حاكوا أعداءهم في أعمال القسوة ~~والعنف، وبخاصة حينما كانت تضم جيوشهم عددا من الإفريقيين الذين اشتهروا بالوحشية ~~والشراسة، ولكن عود المسيحيين كان صلبا لا يلين، فلم تستطع الهزائم أن تفل من عزمهم أو ~~تكسر من شوكتهم، ولن يفوق شيء عزم المسيحيين المغلوبين؛ فقد كانوا على توحشهم يمتازون ~~بشجاعة الرجال، فكم حطمت جيوشهم مرة بعد مرة وهم ينهضون في إثر كل هزيمة بقلب ثابت جديد؛ ~~لذلك لم يمض على كارثتهم في موقعة وادي القصب إلا سنة واحدة حتى وثب أردون الذي كان يمثل ~~روح المقاومة المسيحية، وشن بجيوشه حربا ضروسا على الحدود. # وفي سنة 923م/311ه زحف سانشو ملك نافار واستحوذ على بعض القلاع القوية، فأثار ذلك همة ~~الأمير، فقاد جيوشه مرة أخرى نحو الشمال وقد تملكه في هذه المرة عزم عابس، وأدركه غضب ~~الأسود ديس عرينها، فانتهب وأحرق كل ما مر به من المدن والقرى، وملأ الرعب منه النفوس فأخذ ~~الناس يجلون عن المدن كلما شعروا باقترابه، وفتحت له قصبة بنبلونة أبوابها بعد أن فر أهلها، ~~ومزق جيش سانشو فتراجع منهزما مدحورا، وقام المسلمون إلى كنيسة القصبة فهدموها ودمروا ~~كثيرا من دورها، وأصبحت نافار بمن فيها وما فيها تحت قدمي الأمير. # وفي هذا الوقت مات أردون ملك ليون، وثارت الفتنة بين أبنائه واشتعلت بينهم حرب أهلية أعطت ~~الأمير متنفسا وفسحة للنظر في شئون أخرى. # ولما عاد عبد الرحمن الناصر من هذه النصرة اتخذ لنفسه لقبا جديدا فقد كان حكام الأندلس ~~قبله يلقبون بالأمراء، ولم يدع أحد من حكام بني أمية حقا في الخلافة - على الرغم من ~~إنكارهم خلافة العباسيين الذين ثلوا عرشهم بالمشرق - لأنهم رأوا أن لقب الخليفة لا يستحقه ~~إلا من يحكم الحرمين، فقنعوا على كره منهم بأن يتركوا للعباسيين لقبهم غير منازعين فيه، ~~غير أنه حينما شاع في الأندلس أن الخلفاء العباسيين أصبحوا وليس لهم شيء ms073 من النفوذ في خارج ~~حدود بغداد، وأنهم يعيشون بها عيشة السجناء لتشتت أجزاء المملكة، ونشوء الأوطان ~~المستقلة # 4 # أسرع عبد الرحمن فدعا بنفسه خليفة على المسلمين وسمى نفسه الناصر لدين ~~الله. # 5 # انتحل الخليفة هذا اللقب قبل موته بثلاثين سنة ملئت بالحكمة والعدالة والحزم، وصخبت ~~بحروب مستمرة كانت تشن كل عام على المسيحيين، فرفعت من قدره وجعلته جديرا بلقبه الناصر ~~لدين الله. # ولكن الحروب الأهلية التي حدت زمنا من قوة أهل ليون انطفأت الآن وسكن غبارها، وظهر من ~~خلالها ملك مسيحي عسي بالمنصب، جدير بأن يكون خليفة لأردون العظيم ؛ فقد ولي الملك ~~راميرو الثاني (ردمير) في سنة 931م/319ه وبرزت فيه صفات الفروسية بعزمه الصارم على مقاومة ~~جيوش الخليفة، وبعد قليل عقدت في الشمال بين المسيحيين وأمير سرقسطة # 6 # معاهدة شديدة الخطر سيئة المغبة، فأسرع عبد الرحمن إلى تمزيق هذه المعاهدة ~~وإخضاع سرقطسة في سنة 937م/327ه ثم زحف على نافار، ونشر الرعب والفزع أينما سار، حتى إن ~~الملكة الوصية (طوطة) أسرعت إليه لتقدم خضوع المحكوم للحاكم، ولكن راميرو لم يشترك في شيء ~~من هذا الاستسلام، فلم شتات جيشه وتغلب على المسلمين وقهرهم في موقعة الخندق، وكانت ~~كارثة على المسلمين، فسقط منهم خمسون ألفا في الميدان، ونجا الخليفة بنفسه وما كاد ينجو، ~~وفر بأقل من خمسين فارسا، وبقيت هذه السنة المشئومة عهدا طويلا بالأندلس تسمى بسنة ~~الخندق. # 7 # ولو أن المسيحيين سايروا تغلبهم وجاروا تقدمهم، لجاز أن يكتب اليوم لإسبانيا تاريخ ~~آخر، ولكنهم كشأنهم شغلتهم العداوة والبغضاء، ووقع النزاع بين أمرائهم، فحمى ذلك الخليفة ~~من شرهم، واقتنص فرصة تدابرهم للانتعاش من كارثته ولم شعت ما تفرق من جيشه، وأخذ الأهبة ~~لهجوم جديد؛ فقد كانت الفتنة متأججة في قشتالة لمقاومة سيطرة أهل ليون، وكان حاكم قشتالة في ~~هذا الحين فرناندو غونزاليز المشهور # 8 # الذي غنى بمدحه كثير من الشعراء، فإنه كان بطلا من أبطال إسبانيا، تزوج ~~ببطلة خلصته مرتين من السجن بعد أن ألقاه فيه بعض الحسدة من جيرانه أصحاب نافار وليون، ~~وكانت ms074 حيلتها في خلاصه في المرة الثانية أن ارتدت ثياب زوجها وعرضت نفسها للوقوع في أيدي ~~السجانين، أما خلاصه في المرة الأولى فكان قبل زواجها به حينما كان في طريقه ليخطبها من ~~أبيها غرسية ملك نافار الذي قبض عليه أول ما رآه وألقاه في السجن. # وتقص علينا أنشودة إسبانية خبر خلاصه من محبسه فتقول: # لقد حملوا بعيدا كونت قشتالة العظيم إلى نافار، ثم قيدوا رجليه إلى يديه قيدا ~~مؤلما، وطار بهم الفرح، وأولموا الولائم لاقتناصه # حقا إن سجن الملك غرسية يضم أشجع بطل بإسبانيا # ثم يستمر الشاعر فيقص علينا أن فارسا نورمانديا كان مارا بنافار : # ثم جاء وهو يرجو أن يقارع العرب بسيفه في سبيل نصرة المسيح # ثم يقول الشاعر إن هذا الفارس أخبر بنت غرسية بأسر غونزاليز وعدد لها ما في أسره من ~~الضرر الذي يلحق بالمسيحيين بإسبانيا: # إن أسره بهجة ومسرة لقلوب العرب، ولكنه لنا حزن أليم ... # لقد فقدت فيه إسبانيا حارسا، كما فقدت فيه قشتالة زعيما # إن جيوش العرب تتدفق تدفق السيول في النهر # لعنة الله على الأغلال المسيحية التي تغل يدي غونزاليز # ثم أخذ الفارس النورماندي يرجو الأميرة في تخليص السجين: # لم تجب السيدة إلا قليلا غير أنها في حنادس الليل # وقد نام كل الخدم نهضت وانسابت من القصر # ثم أغرت حارس السجن بحليها وذهبها # فباع لها ذلك الحارس الفسل سجينه # وهكذا أخرجت الأميرة الكونت من سجنه وفرا معا إلى قشتالة. # وتعد هذه القصة في هذا الوقت الذي نؤرخ حوادثه قديمة؛ لأن غونزاليز كان قد تزوج بها منذ ~~سنين، وصمم على أن تكون قشتالة مستقلة لا سيطرة عليها لليون. # وفي هذا الحين قبض عليه راميرو ولم ينج من سجنه إلا بعد أن تبين لراميرو أن القشتاليين ~~لا يقبلون سواه حاكما، وأنهم يؤثرون الخضوع لتمثال زعيمهم على أن يدينوا بالطاعة إلى ملك ~~ليون؛ لذلك أطلقه بعد أن أخذ عليه المواثيق أن يبقى خاضعا لمملكة ليون، وأن يزوج ابنته من ~~أردون أحد أبناء راميرو، وقد فترت همة فرناندو بعد ms075 هذا الإذلال عن أن يقابل العرب في صفوف ~~ليون، وعزم على أن يترك الليونيين لينالوا نصيبهم من الإذلال والمهانة، غير أن ذلك لم يكن ~~في عهد راميرو الذي فاز بانتصار على العرب في سنة 950م/339ه بالقرب من طلبيرة، ومات في ~~السنة التي تليها شامخ العز وافر المجد. # وبعد موته اتخذ غونزاليز لنفسه صناعة «عمل الملوك» فأخذ على عاتقه حماية سانشو ~~(شانجة) # 9 # من أخيه أردون الثالث، وحينما خلف سانشو أخاه في سنة 957م/346ه انقلب عليه ~~غونزاليز وطرده من ليون، ووضع على العرش مكانه أردون الرابع، وكان كسيحا ينبزه الناس ~~بالأثيم، فالتجأ سانشو إلى جدته «طوطة» ملكة نافار ، ولم يلبثا إلا قليلا حتى استنجدا ~~بخليفة قرطبة ليأخذ بناصرهما في هذه الشدة # 10 # وكان سانشو عظيم الضخامة والسمنة، لا يكاد يستطيع المشي خطوات إلا مستندا ~~إلى شخصين، فعزم على أن يستشير الأطباء البارزين بقرطبة الذين طارت شهرتهم في جميع الأقطار، ~~وبعثت الملكة «طوطة» برسل إلى عبد الرحمن في هذا الشأن، فعزم على أن يرسل إليه بحسداي ~~وهو طبيب يهودي بارع، # 11 # ولكنه اشترط لذلك شروطا، منها: تسليم عدد من القلاع، وحضور سانشو والملكة طوطة ~~إلى قرطبة. # وقد صعب على الملكة أول الأمر أن تسافر إلى حاضرة المسلمين؛ لأن وجودها سيكون مظهرا من ~~مظاهر قوة الخليفة وعظم سلطانه، ولكنها بعد كل هذا سافرت مع ابنها ملك نافار وحفيدها المنفي ~~ملك ليون، فاستقبلهم عبد الرحمن باحتفال عظيم لما طبع عليه من الكرم والأدب الجم، ولم ~~يتخلص سانشو سريعا من سمنه فحسب، بل عاد إلى الشمال مؤيدا بجيوش من الخليفة استرد بها في ~~النهاية عرش ليون سنة 940م/349ه. # وفي السنة التالية مات الخليفة العظيم عن سبعين عاما بعد أن حكم نحو خمسين سنة أتم بها ~~من وجوه الإصلاح وجلائل الأعمال في الدولة ما يعجز الخيال عن تصوره، فإنه حين تولى الملك ~~شابا في الحادية والعشرين كانت المملكة فريسة لزعماء العصابات والمفسدين في الأرض، ~~فاستقلت الولايات واختارت حكامها، وتحدت الأحزاب سلطة الأمراء وفرقت الدولة فرقا، وعاثت ms076 ~~الفوضى وعم النهب البلاد. # ففي الجنوب كانت الدولة الفاطمية بإفريقية تهدد بابتلاع إسبانيا وضمها إلى ملكها، وفي ~~الشمال أخذ أمراء النصارى أهبتهم للزحف على مملكة أجدادهم وطرد العرب من البلاد، فبين هذه ~~الفوضى الجائحة ومظاهر هذا الدمار الشامل، ظهر عبد الرحمن فبدل بكل هذا الضعف قوة، وبكل ~~هذا الفساد نظاما وفوزا مبينا، وقبل أن يمر النصف الأول من سني حكمه أعاد السلم إلى ~~نصابه، وثبت دعائم حكومة عادلة في طول المملكة الإسلامية وعرضها، وقضى على سلطة الأحزاب، ~~ونشر نفوذه مهيبا مستبدا بين جميع طبقات رعيته. # وفي النصف الثاني من حكمه حاط مملكته بالقوة والمهابة، فأرهب أعداءه في الخارج وأزاح ~~الإفريقيين العتاة عنه بعيدا، وأنشأ حامية بسبتة تقف في وجوههم، وقاسمهم السيطرة على البحر ~~مقاسمة النظير للنظير، وفي الشمال عصف بالقوة النامية لنصارى ليون وقشتالة ونافار، وكانت له ~~اليد العليا عليهم، حتى إنهم كثيرا ما قدموا عليه لحل مشكلاتهم واسترداد حقوقهم. # 12 # نعم، إن عبد الرحمن أنقذ الأندلس من نفسها ومن أعدائها، ولم يكتف بإنقاذها من الدمار، بل ~~خلق منها دولة عزيزة الجانب، ولم تكن قرطبة في عهد من عهودها أغنى ولا أكثر ازدهارا مما ~~كانت عليه في عهد الناصر، ولم تكن الأندلس قبل أيامه في تلك الحال من الخصب والإمراع ~~والإنتاج وتوالي الخيرات التي نماها ووصل بها إلى الكمال كد أهلها ومهارتهم في الصناعة، ~~ولم يكن الحكم الأندلسي في يوم من أيامه أبهر انتصارا على الفوضى، ولم تكن قوة القانون ~~أكثر نفوذا إلى القلوب وأعظم هيبة مثلما كانت في أيام عبد الرحمن، فقد تسابق إلى أبوابه ~~الرسل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا ليقدموا إليه تحية الإجلال والتمجيد. # وكانت قوته وحكمته وثروة مملكته مضرب المثل في أوربا وإفريقية، وبلغت شهرته أقصى حدود ~~المملكة الإسلامية بآسيا، وكان مصدر كل هذا الانقلاب العجيب رجلا واحدا عانده كل شيء ~~فقهره، ووقف في طريقه كل شيء فحطمه، بعث الأندلس من حضيض البؤس إلى قمة القوة والازدهار، ~~ولم تصل البلاد إلى كل هذا إلا بذكاء الخليفة عبد ms077 الرحمن الناصر وصدق عزيمته. # ويلون مؤرخو العرب صورة هذا الرجل الهمام بألوان لا تكاد تتفق مع ما كان له من سياسة ~~عنيفة مسيطرة، على أنهم كانوا أمناء في وصفه «بأنه كان أرحم من حكم مملكة في الأرض، وأكثر ~~الملوك علما، وبأن أحاديث حلمه وكرمه وعدله سارت في الناس مثلا شرودا، وبأنه لم يفقه ~~أحد ممن سبقوه في الشجاعة والغيرة على الدين، وبأنه كان محبا للعلم مكرما لأهله معاشرا ~~لهم». # ويتناقل الناس قصصا كثيرة في صرامته في الحق وبعده عن المجاملة فيه، ويحدثنا ابن خلدون ~~عن هذا الخليفة العظيم فيقول: «وجد بخط الناصر رحمه الله أن أيام السرور التي صفت له دون ~~تكدير كانت يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ويوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، وعدت تلك ~~الأيام فكانت أربعة عشر يوما، فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال ~~الأحوال لأوليائها، هذا الخليفة الناصر حلف السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في ~~الدنيا والصعود، ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام، ولم تصف له إلا أربعة عشر ~~يوما! فسبحان ذي العزة القائمة، والمملكة الدائمة، لا إله إلا هو.» # | هوامش # | حاضرة الخلافة # يقول أحد مؤرخي العرب: «إن قرطبة عروس الأندلس، بها من الجمال والزينة ما يبهر العين ويسر ~~النفس، فأمراؤها المتعاقبون تاج مجدها، وقلادتها نظمت من درر استخرجها شعراؤها من بحر ~~اللغة الخضم، وحلتها أعلام الآداب والعلوم، وأهداب حلتها أصحاب الفنون والصناعات.» # وهكذا يصور المؤرخ الشرقي مدينته المحبوبة بما شاء من خيال الشرق البعيد. # ولقد كانت قرطبة أيام الخليفة العظيم حاضرة جديرة بالفخر والإعجاب، وإذا استثنينا بيزنطة ~~فلن نجد في أوربا مدينة تساميها في جمال أبنيتها، أو في حياتها الرخية المترفة، أو فيما ~~تزخر به من أنواع العلوم وفنون الآداب. # إن الموجز الذي نحن بصدد نقله عن مؤرخي العرب في وصف قرطبة وما كانت فيه من نهضة وازدهار ~~ومجد، إنما يعود زمنه إلى القرن العاشر، وإذا لحظنا أن أسلافنا السكسون في هذا العهد ms078 كانوا ~~يسكنون الأكواخ ويفترشون القصيل، وأن لغتنا لم تكن تكونت بعد، وأن القراءة والكتابة كانتا ~~محصورتين في عدد قليل من الرهبان - عرفنا ما كان للعرب من مدنية عجيبة، وحضارة منقطعة ~~النظير، وتظهر المقابلة جلية غريبة بين حاضرة الأندلس وغيرها من المدن إذا ذكرنا أن أوربا ~~كلها في هذا العهد كانت غارقة في حمأة من الجهل وخشونة الأخلاق، وأنها لم يكن بها شيء من ~~آثار المدنية إلا ما بقي للإمبراطورية الرومانية من أطياف في القسطنطينية وبعض أجزاء ~~إيطاليا. # ويقول مؤرخ عربي آخر: «إن قرطبة مدينة حصينة، تحيط بها أسوار من الحجر ضخمة شاهقة، وهي ~~جميلة الشوارع، وكانت في الزمن القديم مقر سلاطين الكفار، وكانت دورهم داخل سورها المحيط ~~بها، ويشتهر سكانها بالرقة والظرف وكرم الخلق وحدة الذكاء، ولهم الذوق الكامل في مآكلهم، ~~وملابسهم، وانتقاء خيولهم، وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر، إذ كانت مركز الكرماء وميدان ~~العلماء والشعراء، ولم تزل تملأ الصدور منها والحقائب، ويباري فيها أصحاب الكتب أصحاب ~~الكتائب، ولم تبرح ساحتها مجر عوال ومجرى سوابق، ومحط معال وحمى حقائق، وهي من ~~الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، والزور من الأسد.» # وهذا المديح الشرقي عرضة للمبالغة والإغراق، ولكن قرطبة كانت جديرة بكل ما ينثر عليها من ~~الإطراء والثناء، ولن تستطيع إذا رأيتها الآن أن تدرك ما كان لها من جمال رائع أيام الخليفة ~~العظيم، فإن شوارعها الضيقة ودورها المبيضة بالجص لا ترسم إلا صورة ضئيلة لما كان لها من ~~العظمة واستبحار العمران؛ فقد تهدم «القصر» واتخذ الإسبان أطلاله بعد العز السامق سجنا ~~للمجرمين، ولا تزال القنطرة ماثلة فوق الوادي الكبير إلى اليوم، كما لا يزال المسجد الجامع ~~الذي بناه أول الأمويين عجبا من العجب، ومصدر دهشة للسائحين، ومن المحقق أنه كان أجمل ~~روعة أيام عبد الرحمن الناصر أو بعدها بقليل، حينما زاد الوزير الأعظم (المنصور بن أبي ~~عامر) في بنائه. # واختلف المؤرخون في مقدار اتساع رقعة المدينة، والأرجح أن طولها لا يقل عن عشرة أميال، ~~وكانت شواطئ الوادي الكبير متلألئة بالقصور ms079 المبنية بالرخام والمرمر، وبالمساجد والحدائق ~~التي عني فيها أشد عناية بالأزهار والأشجار النادرة المجلوبة من الممالك الأخرى، وأدخل ~~العرب بالأندلس نظامهم في الري الذي لم يصل الإسبانيون إلى مثله من قبل ولا من ~~بعد، # 1 # ونقل أول أمراء الأمويين نخلة من الشام لتذكره بموطنه، ونظم فيها قصيدة محزنة ~~يندب فيها بعده عن أهله ودياره كما بعدت النخلة عن أهلها وديارها، وقد غرسها في حديقة ~~حاكى بها حديقة جده هشام بدمشق التي كانت ملعب لهوه في أيام صباه، وأرسل رسلا في كل بقاع ~~الأرض ليجلبوا إليه أندر ما في البلاد من الشجر والنبات والبذور، وكان بستانيوه غاية في ~~المهارة والذكاء، فنمت هذه الأنواع الغريبة واعتادت الإقليم وانتقلت من حديقة القصر إلى كل ~~بلاد الأندلس، وعرف الرمان ونما وكثر بالأندلس بعد أن جاء في هدية لعبد الرحمن الداخل من ~~دمشق، فأخذت حبوبه واستنبت بحديقته. # 2 # وكانت هذه الحديقة تروى بأنابيب من الرصاص، تصب الماء منها تماثيل مختلفة الأشكال من ~~الذهب الإبريز والفضة الخالصة والنحاس المموه في أحواض الرخام الرومية المنقوشة العجيبة، ~~فترسله إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة. # ويحدثنا المؤرخون بكثير من أعاجيب قصور الأمير عبد الرحمن وما كان بها من الأبواب الفاخرة ~~التي تفتح على الحدائق حولها أو على النهر، أو التي يمر منها الأمير إلى المسجد الجامع في ~~طريق فرشت بالبسط الثمينة ليؤدي صلاة الجمعة. # وكان بعض هذه القصور يسمى «بالزاهر»، وبعضها «بالمعشوق»، وبعضها «بالمؤنس»، ورابع «بقصر ~~التاج» وهكذا، بينما احتفظ قصر خامس باسم حاضرة الأمويين بالشرق وهو «دمشق»، وكان يقوم على ~~أعمدة من الرخام، وقد رصفت أرضه بالفسيفساء وبلغ غاية الروعة والجمال حتى ليقول فيه ~~بعض الشعراء: # 3 # كل قصر بعد الدمشق يذم # فيه طاب الجنى ولذ المشم # منظر رائق وماء نمير # وثرى عاطر وقصر أشم # بت فيه والليل والفجر عندي # عنبر أشهب ومسك أحم # ولبعض بساتين قرطبة أسماء مغرية تدعو المرء إلى الاضطجاع بجانب جداولها المتدفقة، ~~والتمتع بشذى أزهارها وأثمارها، ف «منية الناعورة» توحي إليك بإحساس نحو ms080 الراحة والنعيم، ~~منصتا إلى صوت الماء وهو ينصب من الساقية إلى حياض البستان، و«مرج الخز» كان بلا شك ~~بستانا ساحر المنظر لأهل قرطبة بأزهاره المختلفة الألوان، وكان جريان الوادي الكبير مصدر ~~بهجة وسرور لهم؛ لأن الشرقيين لا يحبون شيئا في الدنيا أكثر من أن يروا منظرا يسمعون فيه ~~تمتمة الأنهار، وعرب إسبانيا شرقيون في كل شيء إلا في موقعهم الجغرافي. # وقد امتد بين شاطئ النهر جسر فخم به سبع عشرة قنطرة، وهو لا يزال ماثلا إلى اليوم يشهد ~~بمهارة العرب في علوم الهندسة، وكانت المدينة مزدحمة بالدور الفخمة، قيل إنه كان بها أكثر ~~من خمسين ألف قصر للعظماء ورجال الدولة، وأكثر من مائة ألف بيت للعامة، ونحو سبعمائة مسجد، ~~وتسعمائة حمام. # وللحمامات شأن كبير في المدن الإسلامية؛ لأن النظافة عند المسلمين ليست من الإيمان فحسب، ~~بل هي شرط لازم لأداء الصلوات والعبادات عامة، ذلك في حين أن كان مسيحيو العصور الوسطى ~~ينهون عن النظافة ويعدونها من عمل الوثنيين، وكان الرهبان والراهبات يفخرون بقذارتهم حتى إن ~~راهبة دونت ببعض مذكراتها في صلف وعجب أنها إلى سن الستين لم يمس الماء منها إلا ~~أناملها عندما كانت تغمسها في ماء الكنيسة المقدس، نقول: بينما كانت القذارة من مميزات ~~القداسة، كان المسلمون شديدي الحرص على النظافة، لا يجرؤون أن يقفوا لعبادة ربهم إلا إذا ~~كانوا متطهرين، وحينما عادت إسبانيا إلى الحكم المسيحي أمر فيليب الثاني زوج ماري ملكة ~~إنجلترا بهدم كل الحمامات العامة؛ لأنها من آثار المسلمين! # وكان لا يزال للمسجد الجامع المنزلة الأولى بين مباني قرطبة الضخمة الجميلة، فقد أنشأه ~~عبد الرحمن الداخل في سنة 784م/168ه وأنفق في بنائه ثمانين ألف دينار حصل عليها من غنائم ~~القوط، ثم أتم هذا المسجد ابنه التقي هشام في سنة 793م/177ه بما اغتنمه من حروب أربونة، ~~وكان كل أمير بعده يضيف جمالا جديدا إلى هذا المسجد الذي يعد أبدع مثال في العالم للفن ~~الإسلامي في أول عهوده؛ فمن الأمراء من صفح السواري والحيطان بالذهب، ومنهم من أضاف ms081 إليه ~~مئذنة، ومنهم من زاد في رقعته ليتسع للعدد الضخم من المصلين، وكان عدد بواكيه # 4 # تسع عشرة من الشرق إلى الغرب، وإحدى وثلاثين من الشمال إلى الجنوب، وبه واحد ~~وعشرون بابا طليت بالنحاس الأصفر اللماع، وثلاث وتسعون ومائتان وألف سارية، وقد أجريت ~~الفضة # 5 # في حيطان محرابه المزين بالفسيفساء، وصب في سواريه الذهب الإبريز ~~واللازورد، أما المنبر فقد صنع من العاج ونفيس الخشب، وهو مؤلف من ستة وثلاثين ألف قطعة ~~منفصلة، رصع أكثرها بالأحجار الكريمة وسمر بمسامير من الذهب، وكان يصل الماء من الجبال ~~إلى الينابيع التي أعدت لوضوء المصلين، وكانت هذه الينابيع تقذف بمائها ليلا ~~ونهارا. # وبنيت دور إلى الجانب الغربي من المسجد لنزول فقراء المسافرين وأبناء السبيل، وبالمسجد ~~مئات من الثريات التي صنعت من نحاس أجراس الكنائس للإضاءة ليلا، وكان به شموع ضخمة زنة ~~الواحدة منها خمسون رطلا، كانت تشتعل ليلا ونهارا إلى جانبي الخطيب أو الواعظ في شهر ~~رمضان، وكان بالمسجد ثلاثمائة خادم لإيقاد البخور من العنبر والعود، ولإعداد الزيت العطر ~~لإضاءة عشرة آلاف فتيل للقناديل، وقد بقي كثير من جمال هذا المسجد ماثلا إلى الآن، فإن ~~السائحين يقفون اليوم دهشين أمام هذه الغابة من السواري، فيروعهم فيها منظر لا يكاد ينتهي ~~من كل جانب، ولا تزال سواري الصوان اللامع والرخام المجزع في مواضعها، ولا يزال الزجاج ~~الفاخر الذي استحضره صناع ماهرون من بيزنطة يلمع لمعان الجواهر، ولا يزال المحراب بقبابه ~~المتلاقية يملأ العيون والقلوب، ولا تزال أشجار البرتقال مورقة بصحن الجامع تساير امتداد ~~السواري، فإذا وقف المرء أمام عظمة هذا المسجد وجماله، عادت به الذكرى إلى أيام مجد قرطبة ~~وازدهارها، أيام الخليفة العظيم التي لن تعود. # وأشد بعدا في باب الغرابة مدينة الزهراء - وإن لم تكن أكثر من المسجد حسنا - بناها عبد ~~الرحمن الناصر في أحد أرباض قرطبة؛ لأن إحدى زوجاته - وقد كان مشغوفا بها - تمنت عليه أن ~~يبني لها مدينة باسمها، وكان الخليفة العظيم كغيره من ملوك المسلمين مولعا بالبناء ~~والتجديد فأجاب طلبتها، وأنشأ ms082 مدينة في سفح الجبل المسمى بجبل العروس على بضعة أميال من ~~قرطبة # 6 # كان ينفق عليها كل سنة ثلث دخل المملكة # 7 # مدة خمس وعشرين سنة، ثم استمر ابنه من بعده في الإنفاق عليها مدة عشر سنين، ~~وكان عدد العمال في كل يوم عشرة آلاف، وكان جملة ما يبنى منها في كل يوم من الصخر المنجور ~~المعدل ستة آلاف صخرة، ويعمل في عمارتها في كل يوم نحو ثلاثة آلاف دابة، وأقيم بها من ~~السواري أربعة آلاف كان كثير منها هدية من إمبراطور القسطنطينية # 8 # أو من رومة، أو قرطاجنة، أو سفاقس، أو غيرها، إلى جانب ما كان يؤخذ من مقاطع ~~طركونة والمرية. # وكان بالزهراء خمسة عشر ألف باب ملبس بالحديد أو النحاس المموه، وكان سقف بهو الخليفة ~~بالزهراء وحيطانه من الرخام والذهب وبفوارته تمثال عجيب أهداه إليه ملك الروم، وبعث إليه ~~معه بدرة نادرة، وفي وسط البهو حوض ملئ بالزئبق الرجراج، إلى كل جانب منه ثمانية ~~أبواب من العاج والآبنوس قد رصعت بالجواهر، فإذا دخلت أشعة الشمس من هذه الأبواب ولاقت ~~اهتزاز الزئبق، ملأت البهو ببريق يشبه لمعان البروق، حتى لقد يحجب رجال الدولة عيونهم ~~بأيديهم لشدته. # 9 # ويجد مؤلفو العرب متعة في التحدث بعجائب الزهراء فيقول بعضهم: «لقد يمتد بنا الحديث إذا ~~اقتصرنا على عد ما بالزهراء من جمال وفن: فهناك الجداول الدافقة، والأمواه المتعرجة، ~~والبساتين الزاهرة، والقصور الفخمة لسكنى رجال الدولة، وهناك صفوف الجند والخدم والعبيد من ~~كل بلد وملة وهم في ملابس الحرير بين إقبال وإدبار في شوارعها الفسيحة، ثم هناك ازدحام ~~القضاة والفقهاء والشعراء وهم يمشون في وقار ورهبة في أبهاء القصر الفخمة وأفنيته ~~الكثيرة.» # وقد قدر عدد الفتيان من خدم القصر بخمسين وسبعمائة وثلاثة عشر ألفا، يصرف لهم في كل ~~يوم من اللحم نحو ثلاثة عشر ألف رطل، حاشا أنواع الطير والحوت، وقدر عدد نساء القصر من ~~كل جنس وطبقة - بما في ذلك نساء الخليفة ووصيفاتهن - بأربع عشرة وثلاثمائة وستة آلاف، وكان ~~بالقصر من الخدم ms083 الصقالبة والخصيان خمسون وثلاثمائة وثلاثة آلاف، خصص بهم من اللحم أو ~~الدجاج أو الطيور ثلاثة عشر ألف رطل، فمنهم من كان يصرف له عشرة أرطال، ومنهم من كان يصرف ~~له أقل من ذلك على حسب منازلهم، وكان يقذف لحيتان بحيرة الزهراء اثنا عشر ألف رغيف في ~~اليوم، غير ستة أقفزة من الحمص الأسود تنقع لها في كل يوم. # وعجائب هذا القصر دونت بإسهاب في كتب مؤرخي هذا العهد، وخطب بها الخطباء ونظمها ~~الشعراء الذين استنفدوا كنوز البلاغة في أوصافهم «وقد أطبق كل من رأى قصر الزهراء على أنه ~~لم يبن مثله في الإسلام البتة، وما دخل إليه أحد من سائر البلاد النائية والنحل المختلفة ~~من ملك وارد، أو رسول وافد، أو تاجر، أو جهبذ - وفي هذه الطبقات من الناس تكون المعرفة ~~والفطنة - إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبيها، بل لم يسمع، بل لم يكن يتوهم كون مثله، ولو ~~لم يكن فيه إلا السطح الممرد المشرف على الروضة المباهي بمجلس الذهب، والقبة وعجيب ما ~~تضمنته من إتقان الصنعة وفخامة الهمة وحسن المستشرف وبراعة الأثاث والفرش والسجف ما بين ~~مرمر مسنون وذهب مصون، وعمد كأنها أفرغت في القوالب، ونقوش كالرياض، وبرك عظيمة محكمة ~~الصنعة، وحياض وتماثيل عجيبة الأشخاص لا تهتدي الأوهام إلى استقصاء التعبير عنها - لكفاه ~~بعض ذلك شرفا ونبلا، فسبحان الذي أقدر هذا المخلوق الضعيف على إبداعها واختراعها من أجزاء ~~الأرض المنحلة لكي يري الغافلين عنه من عباده مثالا لما أعده لأهل السعادة في دار المقامة ~~التي لا يتسلط عليها الفناء ولا تحتاج إلى الرم، لا إله إلا هو المنفرد بالكرم». # وقد استقبل الخليفة بقصر الزهراء ملكة نافار وسانشو (شانجة) في حفل عظيم، وبه جلس ليحيي ~~رسل ملك الروم الذين بعث بهم إلى حضرته، وقعد للقائهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ~~ربيع الأول سنة 338ه/949م في بهو المجلس الزاهر - قعودا حسنا نبيلا، وكان قد أمر كبار ~~رجال الدولة وقواد الجيوش أن يعدوا لهذه المقابلة خير إعداد وأفخمه، ms084 وكان البهو في أكمل ~~زينة، والعرش في وسطه يلمع ذهبه، وتتلألأ نفائس جواهره، ووقف إلى يساره أبناؤه، فالوزراء ~~على مراتبهم يمينا وشمالا، ثم الحجاب من أهل الخدمة، وأبناء الوزراء والموالي ورجال خاصة ~~القصر وغيرهم. # وقد فرش صحن الدار بعتاق البسط وكرائم الدرانك، وظللت أبواب الدار وحناياها بظلل ~~الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين من بهجة الملك وفخامة السلطان، ثم تقدموا ~~خطوات وقدموا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى، قسطنطين بن ليون، وهو في ورق سماوي اللون ~~كتب بالذهب بالخط الإغريقي. # ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه ليذكروا ~~جلالة مقعده وعظيم سلطانه، ويصفوا ما تهيأ من توطيد الخلافة في دولته. # وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، وقام خطيب وأخذ ~~يحاول التكلم فهاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة فلم يهتد إلى لفظة، وغشي عليه وسقط إلى ~~الأرض، ثم قام آخر فحمد الله وأثنى عليه ثم انقطع به القول فوقف ساكتا مبهوتا، # 10 # وقد بذل الخليفة جهده في بناء الزهراء وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها، وانهمك في ~~ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد الجامع ثلاث مرات متواليات، وحينما ذهب إلى المسجد بعد ذلك ~~أنذره الخطيب بالعذاب الأليم في نار الجحيم لتعطيل الجمع. # 11 # ورونق قصور قرطبة وبساتينها - مع استهوائه القلوب - يغرينا بجمال آخر لا يقل عن رونقها ~~الظاهر، فقد كانت عقول أهل قرطبة كقصورها في الحسن والروعة، فإن علماءها وأساتذتها جعلوا ~~منها مركزا للثقافة الأوربية، فكان الطلبة يفدون إليها من جميع أنحاء أوربا ليتلقوا العلم ~~عن جهابذتها الأعلام، حتى إن الراهبة «هروسويذا» - وهي بعيدة في ديرها السكسوني بجودرشيم - ~~حينما أخبرت بشنق يولوجيوس لم تستطع إلا أن تثني على قرطبة وتسميها «ألمع مفخرة للدنيا»، ~~وكان يدرس بقرطبة كل فرع للعلوم البحتة، ونال الطب بكشف أطباء الأندلس وجراحيها من النمو ~~والازدهار نصيبا أعظم مما ناله قبلهم منذ أيام جالينوس، وكان أبو الطيب خلف جراحا ذائع ~~الصيت في القرن الحادي عشر، ms085 وبعض عملياته الجراحية يطابق اليوم العمليات الحديثة، وجاء ابن ~~زهر # 12 # بعده بقليل، فكشف عن أساليب كثيرة في العلاج والجراحة، أما ابن ~~البيطار # 13 # العالم النباتي، فإنه سافر إلى كل بقاع الشرق للبحث عن العقاقير الطبية، وألف ~~في ذلك كتابا جامعا، وكان الفيلسوف ابن رشد # 14 # الحلقة الأولى في السلسلة التي وصلت فلسفة قدامى اليونان بفلسفة أوربا في ~~العصور الوسطى، وكانت علوم الفلك، والجغرافيا، والكيمياء، والتاريخ الطبيعي تدرس بمثابرة ~~وجد بقرطبة. # أما الأدب العربي فإن أوربا لم تر في عهد من عهودها حفاوة بالأدب وأهله كما رأت في ~~الأندلس حين كان الناس من كل طبقة ينظمون الشعر، ويظن أن هذا الشعر هو الذي أوحى للشعراء ~~المغنين بإسبانيا بأناشيدهم القصصية وأغانيهم، وهو الذي حاكاه شعراء «بروفانس» ~~و«إيطاليا ». # ولم تكن تعد الخطبة أو الرسالة كاملة إلا إذا تضمنت أبياتا ترتجل أو تختار من مأثور ~~الشعر الرصين، ويظهر أن العالم الإسلامي اتجه بروحانيته إلى آلهة الفنون، فمن الخليفة في ~~عرشه إلى النوتي في سفينته، كنت تسمع النظم الفائق في مشاهد الأندلس وجمال مدنها، ثم في ~~روعة خرير الأنهار وسحر الليل الساجي وقد هدأت فيه النجوم، ثم في نشوة الحب والخمر ومجتمع ~~الأنس وقد اختلس المحب ساعة لقاء بفاتنته التي ترمي بقوس حاجبها القلوب. # 15 # وقد بلغت الأندلس الغاية في الفنون فبناء مدينة كالزهراء أو مسجد كالمسجد الجامع، ما كان ~~ليتم على هذا الوضع الرائع إلا إذا بلغ العمال قمة المهارة في صناعاتهم، وكانت صناعة الحرير ~~من الصناعات الممتازة بالأندلس، فقد قيل إن عدد النساجين بلغ في قرطبة وحدها مائة وثلاثين ~~ألفا. # واشتهرت المرية بمنسوجاتها الحريرية وبسطها، ووصلت الفخارة في الإتقان حدا عجيبا، ~~فقد انتهى الفن بالصناع بجزيرة ميورقة إلى أن أبرزوا أواني فخارية تلمع ببريق معدني، ومنها ~~استعارت إيطاليا اسم أوانيها التي دعتها بالميورقية، وكانت تصنع الأواني النحاسية والحديدية ~~والزجاجية المزججة والمذهبة بالمرية، ولا يزال لدينا بعض نماذج من العاج المحفور وقد كتب ~~عليها أسماء عظماء قرطبة. # نعم، إن هذه الفنون نقلت من ms086 الشرق بغير شك، ولكن صناع الأندلس كانوا تلاميذ نجباء ~~لأساتذتهم من البيزنطيين، والفرس، والمصريين، فوصلوا إلى درجة النبوغ في صناعة الحلي، ~~وبقي من ذلك إلى اليوم أثر عجيب من آثار ابن الخليفة العظيم، لا يزال يحفظه الإسبان فوق ~~المذبح الأعلى لكنيسة قرطبة، وهو علبة ملبسة بالفضة، مرصعة بالدر، وقد كتب عليها ~~بالعربية دعاء وتمجيد لأمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله، وهو دعاء يعد غريبا فوق مذبح ~~للمسيحية. # وكانت الحلي ومقابض السيوف دقيقة الصنع بارعة الفن، كما يدل على ذلك سيف الأمير أبي عبد ~~الله آخر أمراء غرناطة، واشتهر المسلمون دائما بصناعة المعادن حتى إن بعض الأشياء التافهة ~~كالمفاتيح، كانت جميلة الصنعة فائقة الحلية، والثريا البديعة التي صنعت لمسجد أمير غرناطة ~~محمد الثالث والتي لا تزال ماثلة بمجريط (مدريد ) خير مثال لتفوق العرب في نقش البرنز وإتقان ~~زخارفه. # ووصلت الأندلس إلى منزلة في صناعة المخرمات لم تصلها إلا دمشق والقاهرة، ولا نزال نقرأ في ~~كثير من أمكنة غرناطة تلك العبارة «لا غالب إلا الله» وهي شعار أمرائها، وقد سبق أن تحدثنا ~~عن الأبواب النحاسية بقصور قرطبة، وبعض هذه لا يزال باقيا إلى اليوم بكنائس ~~إسبانيا. # وطالما سمع الناس عن سيوف طليطلة ومهارة أهلها في صناعة الصلب، وهذه الصناعة - وإن كانت ~~في إسبانيا قبل الفتح الإسلامي - زادت تقدما في أيام الخلفاء والأمراء بقرطبة، واشتهرت ~~المرية، وإشبيلية، ومرسية، وغرناطة بصنع الدروع وآلات الحرب. # وجاء بوصية الدون بدرو: «وأوصي أيضا لابني بسيفي القشتالي الذي صنع بإشبيلية ورصع مقبضه ~~بالذهب ونفيس الجوهر.» # وقصارى القول إن قرطبة كانت بحق «مفخرة للدنيا» في الفنون والعلوم وأسباب المدنية ~~جمعاء. # | هوامش # | الحاجب العظيم # كبير الوزراء # كان عبد الرحمن الناصر آخر عظماء الأمراء من بني أمية بالأندلس، وكان ابنه الحكم دودة ~~كتب، ودود الكتب من الناس - وإن أفادوا جدا فيما اتجهوا إليه - قلما يكونون حكاما عظماء، ~~فإن منصب الملك لا يهيئ لصاحبه أن يبلغ الذروة في العلم، فقد يعرف الملك كل شيء تحت الشمس، ~~وقد يصرف فراغه كما كان يفعل ملوك ms087 قرطبة في الشعر والموسيقى، غير أنه يجب ألا يدفن نفسه في ~~خزائن كتبه، أو أن يعنى بالمخطوطات أكثر من عنايته بالحروب، أو أن يؤثر تجليد الكتب ~~ورتقها على رتق مواطن الألم من رعيته، وكان الحكم في شدة انصرافه إلى الكتب كذلك. # إنه لم يكن ضعيف القلب أو غافلا عن تبعاته الجسام، ولكن انهماكه في الدرس سلبه الاهتمام ~~بالغزو والتشوق إلى الظفر في الحرب، فقد أغرق في إلقاء العنان لطبيعته الميالة إلى الاطلاع ~~حتى تكونت له أذواق وميول فنية، هي أثر الدراسات العلمية ونتيجتها. # ولم يضر طبعه الهادئ ومزاجه العلمي مملكته كثيرا، فقد كان ابن الخليفة العظيم حقا ~~حينما كان يقود جيوشه لمحاربة نصارى ليون إذا نقضوا عهودهم، وكان الرعب الذي غرسه أبوه في ~~القلوب عظيما، والشعور بقوة الخلافة شاملا، حتى إن أمراء نصارى الشمال ألقوا بزمام أمورهم ~~إلى الحكم، وقدم أحدهم إلى قرطبة يتوسل إليه ويرجوه في إعادته إلى عرشه. # وتم الصلح بين النصارى والمسلمين فاتسع الوقت للحكم، فعاد إلى جمع الكتب لخزائنه، وكان ~~يرسل رسلا إلى كل بقاع الشرق ليبتاعوا له المخطوطات النادرة ويعودوا بها إلى قرطبة، وكان ~~رسله ينقبون عن الكتب العزيزة المنال عند وراقي القاهرة، ودمشق، وبغداد، وإذا لم يستطع ~~الحصول على كتاب بأي ثمن أمر بنسخه، وكان يسمع أحيانا بكتاب لا يزال في دماغ مؤلفه، فيرسل ~~إليه بهدية ثمينة ويسأله أن يبعث بالنسخة الأولى إلى قرطبة، وقد جمع بهذه الوسائل ما لا يقل ~~عن أربعمائة ألف كتاب، وذلك في وقت لم تعرف فيه الطباعة، وحين كان الخطاطون يلاقون عنتا في ~~كتابة الكتب بالخط الواضح الجميل. # ولم يكتف الحكم بالحصول على هذه الكتب، ولكنه خالف جميع جماعي الكتب بقراءتها جميعا ~~والتعليق عليها، وكان واسع العلم حتى إن تعليقاته كانت تعد عند العلماء من أجل ما يكتب ~~وأنفسه، وكان تدمير البربر لقسم عظيم من هذه الخزائن كارثة على الأدب العربي. # وكان مما يطمئن له الظن أن يستريح خلف الخليفة العظيم وينعم بما جناه له أبوه من ثمار ~~النصر ms088 ويمتع نفسه بالدراسة الهادئة، بينما كان أعداؤه في الخارج يرقبون غزوه لبلادهم من ~~حين إلى حين؛ لأن العمل الذي أتمه عبد الرحمن الناصر لم يستطع خليفة واحد أن ينقضه، ولم ~~ينتقض إلا بعد أن تداوله خليفتان بعده، حينذاك هوى ذلك الملك الأثيل إلى الأرض مرة ~~أخرى. # حكم الحكم المستنصر بالله أربع عشرة سنة، # 1 # وحين مات كان ابنه هشام المؤيد في الثانية عشرة # 2 # حينما جلس على العرش، ولا يستطيع حادس أن يقدر ما كان يكون عليه هذا الخليفة ~~الصغير لو لقي ممن حوله حبا وإخلاصا، والتاريخ يذكر له بعض المخايل التي كانت تبشر ~~بالذكاء وحسن الرأي، وبأنه باستعداده جدير بأن يترسم خطوات جده، # 3 # ولكن حياة (الحكم) العلمية وتهاونه سلبت ابنه ووليه أية فرصة لقوة السلطان، فإن ~~الحكم حينما كان في شغل بجمع الكتب وتجليدها، كان عظماء القواد بمملكته يتدرجون في النفوذ ~~ورفعة الشأن وغير ذلك من الأمور التي لو حدثت في أيام عبد الرحمن الناصر لوقف تيارها، وكان ~~من آثار أعمال الحكم أيضا أن أخذت زوجاته يفرضن نفوذهن على رجال الحكومة. # إن عبد الرحمن بنى مدينة لزوجته الزهراء، ولكنه كان يدهش جدا لو أنها جرؤت على أن تقترح ~~عليه اسم شخص يوليه رياسة الشرطة، وحينما مات الحكم كان نفوذ نساء القصر عظيما، وكانت ~~(صبح) أم الخليفة هشام أعظم من بالمملكة سلطانا، وكان من صنائعها شاب قدر له بعد ~~حين أن يكون أبعد منها نفوذا وشأنا، وذلك هو ابن أبي عامر الذي سندعوه من الآن بالمنصور، ~~وهو اللقب الذي اتخذه لنفسه بعد أن أحرز انتصارات كثيرة على المسيحيين. # بدأ المنصور حياته طالبا مغمورا بجامعة قرطبة، وكان أبوه بها فقيها، ويرجع أصله إلى ~~أسرة طيبة المنبت، وإن لم تكن ذات نفوذ، وقد عزفت نفس الشاب عن أن يحصر مطامحه في الوصول ~~إلى المنزلة التي رضيها أبوه لنفسه، وكان له وهو طالب آمال وأحلام وطموح، حتى إنه همس في ~~أذن بعض إخوانه من الطلبة بأنه سيكون في يوم حاكم الأندلس، ثم ms089 جاوز الحد في أحلامه، فسأل ~~بعض الطلبة عما يختارون من المناصب لو ألقيت إليه أزمة الحكم ووعدهم بتحقيقها، وقد ~~صدق وعوده عندما تحققت آماله. # 4 # ونشأة المنصور مثال رائع لما يمكن أن يعمله الذكاء والشجاعة والأثرة في مملكة إسلامية ~~حيث كانت الطريق إلى المعالي ممهدة للعبقريين كيفما كانت بدايتهم موئسة مثبطة؛ فقد كان ~~المنصور في أول أمره يعيش من كتابة الرسائل لخدم القصر، وما زال يتدرج بلباقة حتى اتصل ~~بكبير الحجاب الذي كانت له في هذا القصر سلطة رئيس الوزراء، فعين في مناصب قليلة الشأن ~~اكتسب فيها بسحر أخلاقه ومهارته في الملق محبة نساء القصر، وبخاصة السيدة «صبح» التي هامت ~~به حبا، ثم ما زال يرقى منزلة منزلة بإظهار الخضوع للأميرات وتقديم الهدايا النفيسة ~~إليهن، وكان يشتريها أحيانا من مال الدولة حتى وصل إلى المناصب الرفيعة، ولما بلغ الحادية ~~والثلاثين كان يشغل عدة مناصب، من بينها الإشراف على أملاك ولي العهد، وقضاء مدينة أو ~~مدينتين، والنظر في الزكاة والمواريث، وسحر المنصور كل من لقيه برفيع أدبه وتواضعه، وكريم ~~عطائه، ورقة إحساسه، ومساعدته للبائسين، وبذلك تمكن من اجتذاب عدد عظيم من الناس بينهم كثير ~~من كبار الدولة. # وحينما عظم نفوذ السيدة «صبح» بموت الحكم وأصبحت أم الخليفة الصغير، وجد المنصور الفرصة ~~التي كان يترقبها لتوسيع مدى سلطانه، فعمل الاثنان معا واستطاعا إجلاس الطفل هشام على ~~العرش بقتل من كان ينازعه فيه، # 5 # ثم تمكن المنصور من القضاء على مؤامرة رجال القصر الصقالبة الذين كانوا يأبون ~~خلافة هشام. # وكان المصحفي # 6 # الحاجب في هذه الفترة رئيس الحكومة، فأعان المنصور على الصعود والترقي في مناصب ~~الحكم، وعمل المنصور في جد وإخلاص على إنفاذ سياسته، وزاد في محبة الأمة لهما ما تجردا له ~~من كسر شوكة الصقالبة وتشتيت كثير منهم؛ لأنها كانت تبغض الجنود الغرباء، ولكن الوفاق بين ~~الرجلين لم يكن طويل الأمد، فإن المنصور كان ينتظر أن يرى طريقه واضحة للتخلص من الحاجب ~~ويتحين الفرص للقضاء عليه من غير تردد أو خشية؛ لأنه ms090 كان يريد أن يصل إلى القمة، وأن تذيع ~~شهرته وترتفع مكانته بين الناس. # وقد لاحت له لائحة فاقتنصها في شجاعة وحزم؛ ذلك أن نصارى الشمال عادوا إلى الشغب ~~والمغالاة بقوتهم، ولم يكن المصحفي جنديا فتحير في اختيار من يصد اعتداءهم، والمنصور ~~القاضي لم يكن أمهر منه في إدارة الحرب ولكنه نبع من أسرة قوية النبعة إذ كان أحد أسلافه من ~~العرب الذين صحبوا طارقا في غزو إسبانيا؛ لذلك لم يتردد لحظة ولم يخالجه شك في كفايته ~~حينما طلب أن يقود الجيش بنفسه، وكانت غارته على ليون موفقة، وكان إغداقه على الجنود ~~عظيما، حتى إنه حينما عاد إلى قرطبة لم يكن القائد المظفر فحسب، بل كان موضع محبة الجيش ~~وإجلاله. # ثم جردت حملة أخرى على نصارى الشمال، وكانت القيادة في الحقيقة ل «غالب» قائد الجنود ~~الغرباء، وكان شجاعا باسلا اجتذبه المنصور إليه معتزا بصداقته، فأعلن غالب في صراحة ~~وجرأة أنهم ما فازوا في المعارك إلا بعبقرية المنصور وذكائه، وبالغ في مواهبه ~~وأغرق # 7 # حتى اعتقد الناس جميعا أن تحت رداء الفقيه القديم نبوغا عسكريا، وكان ~~الأمراء كذلك من غير شك. # وحينما أحس المنصور بالقوة بعد هذه الانتصارات المتوالية وبعد معاضدة غالب له واحتطابه في ~~حبله - أقدم على عزل ابن المصحفي، وكان رئيسا لشرطة قرطبة، وأحل نفسه مكانه فأحسن القيام ~~على الشرطة حتى إن المدينة لم تر في عهودها عهدا استتب فيه النظام، وخضع الناس فيه لأمر ~~الحاكم كما رأت في عهده؛ لأنه كان شديد العنف في الحق، حتى إنه ضرب ابنه حتى مات حينما تعدى ~~حدود الشرع، وما أشبهه بجيونيس برونس # 8 # الذي كان لا يتجاوز عن صغيرة في تنفيذ القانون، وقد أعلت هذه السياسة من شأنه ~~وزادت في محامده؛ لأنه بعد أن اكتسب قبل ذلك محبة الجيش والأمة فاز برضا المتشددين في أحكام ~~الشريعة. # ونضجت الثمرة وآن له أن يضرب ضربة سياسية جديدة، فأخذ في مهارة يلعب بغالب والمصحفي ويوقع ~~ما بينهما حتى اتسعت شقة الخلف بين القائد المحنك والمصحفي ms091 رئيس الوزراء، وكانت الضربة ~~القاصمة أن أغرى القائد على العدول عن تزويج ابنته من المصحفي واتخذها زوجة له، وفي سنة ~~978م/368ه بعد وفاة الحكم بسنين رمى المنصور بآخر سهم في كنانته، فاتهم المصحفي بالخيانة ~~والسرقة وأثبت عليه ذلك بأدلة كثيرة وألقاه في السجن حيث بقي به خمس سنوات في أسوأ عيش وأذل ~~مكانة، ثم مات أشنع ميتة مسجى برداء ممزق للسجان، ويقال إن المنصور دس له السم، وهكذا ~~كانت نهاية كل من جرؤ على أن يقف في طريق مطامح المنصور؛ فقد آل تعس الطالع بالمصحفي ~~الحاجب إلى الفقر والعار بمكايد هذا الشاب المحدث الذي لم يقف خمول أصله في وجه عبقريته بعد ~~أن وصل الحاجب إلى قمة المجد والسلطان، وجثت الآلاف من الراجين عند قدميه، وحاول ملك ليون ~~المعزول تقبيل يديه. # وفي اليوم الذي قبض فيه على المصحفي جلس المنصور في مكانه، فوصل إلى ذروة القوة وأصبح في ~~الحقيقة حاكما للمملكة الإسلامية بالأندلس، وكانت تتألف حكومة الأندلس من الخليفة ووزرائه، ~~ولكن المنصور قصر الخليفة بالقصر، وطوى الوزراء بآرائهم ومشورتهم في شخصيته العاتية، وكان ~~يحكم المملكة كلها من قصره في أحد أرباض قرطبة، # 9 # وأصدر الكتب والأوامر باسمه، ودعي له على المنابر، وضربت باسمه السكة، ولبس ~~الملابس المنسوجة بالذهب، وقد نقش اسمه عليها شأن الخلفاء، وكيفما استوى له الأمر فإنه لم ~~يكن بنجوة من كيد أعدائه، فإن المطامح لها خطرها، ولا بد للمضطهدين الذين ديس عليهم ~~بالأقدام أن يثوروا يوما للأخذ بثأرهم، وهكذا كانت حال المنصور، فإن أحد الصقالبة الذين ~~طردهم من القصر حينما رفضوا تولية الخليفة الصغير حاول اغتياله فلم يفلح، فقبض عليه مع ~~كثير من كبار الدولة المتآمرين معه، وحبسوا ثم حكم عليهم بالموت فصلبوا. # 10 # وأصبح المنصور الحاكم الأعلى بقرطبة؛ لأن الخليفة الشاب لم يبد أي اعتراض على الوصاية ~~التي فرضت عليه، وكانت أمه «صبح» لا تزال صديقة حميمة للمنصور، ولم يكن في المملكة من يزعم ~~أنه يقارع المنصور أو يدانيه في القوة إلا غالب أبو زوجته، نعم ms092 إن الجيش أعجب بالمنصور ~~وعجب من جرأته على قيادة الجيوش دون أن يكون له سابقة في الجندية، ولكنه عشق غالبا وفني ~~في محبته؛ لأنه كان شجاعا حقا وجنديا بفطرته، وله من المهارة والتدابير في الحرب ما لا ~~يغلب؛ لذلك كان غالب منافسا مخيفا للمنصور، وكان يجب أن يزل من طريقه، فاتخذ كبير الوزراء ~~العدة لذلك بطريقته الناعمة وعزيمته الهادئة. # وكلما حاول المنصور عملا سار فيه بثبات لا يتزعزع، وإرادة من الحديد، ومن الأدلة الغريبة ~~على أخلاقه: أنه كان مرة جالسا في مجلس الوزراء وكان القوم يتحدثون في بعض الشئون العامة؛ ~~إذ اشتم من بالمجلس رائحة لحم يشوى، وظهر لهم بعد ذلك أن الرئيس كان أحضر كواء ~~لكي ساقه بينما كان يناقش زملاءه في هدوء وسكينة. # ومثل هذا الرجل لن يصعب عليه القضاء على أية عقبة ولو كانت القائد غالبا؛ فقد دبر ~~مكايده بعناية فنجحت جميعا، وإذا رأى في وسائله من الشدة ما لا تستسيغه الأمة عمد إلى ~~تدبير آخر فيه رضاؤها واستعادة محبتها، فحينما أطفأ المؤامرة التي قام بها عدد من كبار ~~الدولة لاغتياله على النحو الذي سقناه آنفا، وأحس أن له أعداء بين الفقهاء ورجال الدين، ~~أسرع إلى مهادنتهم، فدعا إلى عقد اجتماع من زعماء الفقهاء، وطلب إليهم أن يكتبوا رقا ~~بأسماء كتب الفلسفة التي يرون فيها خطرا على الدين وخروجا عليه، وشهرة مسلمي الأندلس بشدة ~~التحرج والتشدد في الدين معروفة، فطالما لقي الفلاسفة منهم عنتا؛ لذلك عجل الفقهاء وقدموا ~~إليه قائمة بالكتب المقضى عليها بالإعدام، فأسرع المنصور إلى إحراقها علنا في الميادين، ~~والمنصور كان من غير شك واسع الأفق، فسيح الصدر للفلسفة، ولكنه فاز بهذه الوسيلة السهلة بأن ~~يدعى: حامي الإسلام، وبألا يأتمر به الفقهاء مرة أخرى. # إن رجلا مثله واسع الحيلة لن يعجز عن التخلص من غالب، فعمد أولا إلى إحداث بعض الإصلاح ~~في نظام الجيش، فحد من سلطة القواد واختلس هذه السلطة لنفسه، ووصل إلى هذا باجتلاب جنود ~~كثيرة من إفريقية ونصارى الشمال الذين ما كانوا ms093 يأنفون من بيع أنفسهم وسيوفهم لأي قائد ~~مسلم، فأحبوا المنصور وأخلصوا له حينما رأوا سخاءه، وتوالت لديهم الأدلة على نبوغه الحربي، ~~وقد كان دائما قاسيا، أمر مرة أن يقطع رأس جندي بالسيف الذي كان يحمله؛ لأنه لمح وميضه ~~وقت أن كان يجب أن يكون مغمدا، ولكنه كان في غير أمور النظام والتدريب أبا لجنوده ما ~~داموا يحسنون القتال ويفعلون ما يؤمرون. # وكان تأثيره في جنده لا يحد، كان مرة في خيمته فرأى جنوده يفرون في ذعر والنصارى في ~~أعقابهم، فرمى بنفسه من كرسيه وقذف بخوذته بعيدا وجلس فوق التراب، ففهم الجند ما أبداه ~~قائدهم من أمارات اليأس، فعادوا أدراجهم وهجموا على النصارى فاستأصلوهم وتتبعوا الفارين إلى ~~شوارع ليون. # ثم إن الجند لم يجدوا من يسوقهم إلى مغانم كثيرة كالمنصور الذي قادهم إلى النصر في أكثر ~~من خمسين غزوة # 11 # شنها على أمراء الشمال؛ لذلك ازداد تعلق الجيش به، وهوى نجم غالب وأنصاره من ~~المقيمين بالحدود. # ثم مات غالب في إحدى المواقع، وظهر قائد آخر هو جعفر صاحب المسيلة الذي أزعج المنصور ~~بشهرته العظيمة بين جنوده، فدعاه إلى بهو الرياسة وسقاه الخمر حتى غلبه السكر، وحينما عاد ~~إلى داره قتل في الطريق، ولهذه الفعلة الشنيعة التي تدل على غدر المنصور وتلطخ يديه بالدماء ~~أخوات سلبته صفة البطولة بعد أن كان يستحقها بأعماله اللامعة، وجعلت ميل القلوب إليه ~~مستحيلا. # على أن صلابته وإقدامه وصلا بالأندلس إلى قمة من العز والصولة تبعد عن أي خيال، حتى عن ~~خيال الخليفة العظيم عبد الرحمن الناصر، فإن هذا الرجل الذي لا ينال منه التعب ولا يمسه ~~اللغوب شن على إفريقية حربا شعواء، فوسع رقعة الدولة على شواطئ البربر، وغزا نصارى ليون ~~وقشتالة كل عام مرتين، مرة في الربيع وأخرى في الخريف، # 12 # بينما كان يضغط في قرطبة بيد من حديد على العشائر المتنازعة ويستل شوكتها، ~~وبينما كان يتقرب إلى نفوس الشعب بزيادة المسجد الجامع زيادة فخمة رائعة، حينما شعر بأن ~~الأمة أخذت تغضب للعزلة التي ضربها ms094 على خليفتهم الشاب، وتنصت إلى إغراء السيدة «صبح» ورجال ~~القصر الذين سئموا المنصور وحسدوه. # وكان يشرف بعين لا يفر منها شيء على كل قسم من أقسام إدارة الدولة، ويهب كثيرا من وقته ~~لإنماء الأدب وإنهاض الشعر، فقد كان أديبا بطبعه، وكان يأخذ كتبه أينما ذهب بسيفه، ولم تكن ~~كتبه إلا الشعراء الذين كانوا يصاحبونه في غزواته، ولم ينل قائد ما ناله المنصور من ~~الانتصار في كل موقعة؛ فقد قذف نصارى الشمال بالحديد والنار مؤيدا بجنوده الغرباء الأشداء، ~~وبكثير من الجنود المسيحيين الذين جذبتهم إليه كثرة ما يصيبون في ظل قيادته من ~~مغانم. # واستولى على ليون، وأتى على بنيان أسوارها الضخمة وقلاعها من القواعد، وقهر برشلونة، ~~والأدهى والأمر أنه خاطر بنفسه وبجيشه في شعاب غاليسية وجعل كنيسة شنت ياقوب ركاما، ~~تلك الكنيسة الرائعة التي كانت ملتقى الحجاج، والتي كان لها من المنزلة بأوربا ما يقرب من ~~منزلة الكعبة عند المسلمين. # ولم يمس بسوء قبر القديس يعقوب الذي ينسب المسيحيون إلى ما فيه من آثار القديسين كثيرا ~~من الخوارق، ويقال إن الفاتح حينما دخل المدينة بعد أن هجرها أهلها لم يجد بها إلا راهبا ~~جاثيا أمام القبر المقدس، فسأله المنصور: ماذا تعمل هنا؟ فأجاب الراهب الهرم: إني ~~أصلي # 13 # فامتنع المنصور عن قتله، ووضع حراسا لحمايته وحماية القبر من غضب الجنود الذين ~~انطلقوا يهدمون كل شيء في المدينة. # وكان المنصور جديرا بلقبه الذي ناله بحق بعد إحدى هذه المواقع، وبتوالي الغارات على ~~الشمال. # بقي أمراء المسيحية مغلولي الأيدي، وخضعت ليون والممالك المتاخمة لها، وأدت الإتاوات إلى ~~قرطبة؛ فقد تكررت هزائم قشتالة وبرشلونة ونافار، واستولى المنصور على ليون، وبنبلونة، ~~وبرشلونة، وشنت ياقوب، وحمل مرة ملك نافار على أن يجثو أمامه ذليلا على ركبتيه؛ لأن الوزير ~~- وهو لا يتجاوز عن شيء - علم أن امرأة مسلمة مأسورة بمملكته، فأطلقت في الحال مع كثير من ~~ضروب الذلة والاعتذار. # وحدث مرة أن المنصور كان يحارب في الشمال، فسد جيش النصارى عليه وعلى جيشه الطريق إلى ~~قرطبة، واحتلوا ms095 موقعا حصينا لا ينال، فلم يفت ذلك في عضده، وأمر جنوده أن يعيثوا بأرض ~~الأعداء حولهم، وأن يجمعوا ما يستطيعون لبناء الخيام واستقرار الإقامة، ولم يجرؤ النصارى ~~على منازلتهم؛ لأنهم وثقوا من أنهم سييأسون ويسلمون، ولكنهم دهشوا حينما رأوهم يقيمون ~~المعسكرات ويحرثون الأرض ويزرعونها، وحينما سألوهم في عجب واستنكار عما يعملون، كان الجواب ~~الهادئ: «إننا رأينا أن الوقت لا يتسع للعودة إلى قرطبة لأن موعد الغزوة الثانية أصبح ~~قريبا؛ لهذا عزمنا على الإقامة هذه الفترة القصيرة.» ففزع النصارى وهالهم أن يكون احتلال ~~المسلمين دائما، ونزلوا من معاقلهم وفتحوا الطريق لهم ليعودوا إلى قرطبة آمنين محملين بما ~~نالوه من نفل، وزاد بهم الخوف فأعطوهم كثيرا من الحقائب والبغال ليحملوا عليها ~~الغنائم # إن المنصور الذي لم تغلبه الرجال غلبه الموت!! # فإنه مرض ومات بمدينة سالم # 14 # حينما كان في آخر غزواته المظفرة لقشتالة، # 15 # وتنفس النصارى الصعداء لموته، ودل على هذا الارتياح عبارة موجزة دونها أحد ~~الرهبان في تقويمه، وهي «في سنة 1002 مات المنصور، ودفن في الجحيم.» # | هوامش # | عودة البربر إلى الحكم # تتدلى أحسن الممالك نظاما وأضبطها حكاما إلى الفوضى والاضطراب حينما تزول العزيمة التي ~~كانت تهديها سواء السبيل، وبهذه الحقيقة وأمثالها تمسك من يرون أن خير أنواع الحكم أن يحكم ~~الشعب نفسه، وقد قيل: إنك إذا قدت الأمة بخيط فوهى أو انقطع، فإنك لا تدري في أي طريق ~~ستذهب الأمة، وهذه النظرية صادقة على إطلاقها، فمن الشعوب ما هو دائما في حاجة إلى خيط ~~يقوده، وليس في العالم شعب يستغني تمام الاستغناء عن الاهتداء بعقل مسيطر، على أن هذا ~~الاستغناء ليس في منفعة الشعوب في شيء إلا إذا عدت الركود مثلا في الحكم صحيحا. # والأندلس في أية حال لم تستطع الاستغناء عمن يقودها، فإذا مات قائدها وحاكمها سقطت معه ~~الدولة، فهي على حد ما قيل «حينما يسقط سيزار العظيم، فإنني وأنت وجميع الأمة نسقط معه»، ~~ولم يكن ذلك في الأندلس عن محبة للحاكم أو انعطاف نحوه، ولكن كان عن عجز ms096 وخور، فإن كثرة ~~العشائر المتنازعة والقبائل المتنافسة جعلت الوصول إلى ما يشبه الاستقرار في حكم الأندلس ~~مستحيلا، ولن يكبح من جماح هذه العشائر أو يفل من غرب هذه القبائل إلا يد قوية. # واعتبر هذا بما تقرأ في تاريخ إرلندة عن العداوة المتأصلة بين سكان الشمال وسكان الجنوب - ~~تعلم أن العرب ليسوا وحدهم الذين رأوا أن من الاستحالة حكم أمة تختلف فيها العناصر والأديان ~~بالسهولة التي تحكم بها أمة متماثلة الأفراد في الجنس والدين، وتاريخ الأندلس - كما قصصنا ~~عليك - كان حوادث متعاقبة في صعود وهبوط؛ فقد شهدنا فيه أول الأمر غارة عنيفة رائعة لجنود ~~موهوبين، انتهت بفتح لم يكن منتظرا ولا مرتقبا، وما كاد يتم فتح الجزيرة حتى رأينا ~~العشائر المتنافرة التي تجمعت لهذا الفتح المبين تنطلق من عقالها، وتدمر ثمرات الفتح التي ~~جناها السيف واغتصبها الإقدام. # ثم نرى الشمري الذي خلق ليكون ملكا - وهو عبد الرحمن الداخل - فنرى الأندلس وقد عادت ~~مرة أخرى إلى وحدتها وقوتها. # وكان من عادة الفرس عند البدء بمخاطبة ملوكهم أن يقولوا: «أيها الملك أبقاك الله» وهذا ~~الدعاء يوحي إلى النفس بأنه لو صح وتحقق لكان حلا لكثير من المشكلات السياسية، على شريطة ~~أن يكون المدعو له بالخلود ملكا صالحا، وأول ملك بالأندلس لم يكن بطبيعة الحال خالدا، ~~وكان من أثر موته ما كان يحصل دائما حينما يزول الضغط القوي الحازم، فارتكست الأمة في ~~الفوضى والحروب الأهلية، ثم جاء ثانية الملك الملهم لإنقاذ الأمة مما هي فيه، وهو الخليفة ~~العظيم، فألزم الناس القانون والنظام في جميع أرجاء الأندلس، وهزم الواثبين على المملكة، ~~وداس العصاة بقدميه، وبقيت الأندلس خمسين عاما في عهده فردوس سلام وازدهار، ولو قدر لعبد ~~الرحمن الناصر أن يكون خالدا في هذه الدنيا لبقي السلام ورفرفت الطمأنينة على ربوع الأندلس ~~إلى اليوم، وما كنا نسمع بشيء مما حاق باليهود والعرب في ديوان التفتيش من القتل والقسوة ~~الوحشية، ولا بشيء من أخبار الكارلوسيين. # 1 # ومن المحزن أن هذا الدعاء ببقاء الملوك الصالحين لا يمكن أن ms097 يتحقق، ولكن الخليفة العظيم ~~لم يترك المملكة خلوا ممن يصلح لقيادتها، فإن إسبانيا أنقذت بالملوك مرتين، والآن ينقذها ~~ويجمع شتاتها كبير الوزراء وهو المنصور الذي لا يغلب، والذي نفذت سلطته إلى كل زاوية من ~~زوايا الأندلس، ولكن المنصور أيضا لم يكن خالدا، وحينما مات «ودفن في الجحيم» - كما كان ~~يأمل الراهب المتبتل - أصبحت الأندلس التي بلغت في عهده قمة الثروة والقوة وعاشت في كنف ~~السلامة والنظام، فريسة للقوى المتنافرة التي دفنتها عزائمه وسطواته في جحورها، ففي غضون ~~ثمانين سنة كان يمزق الأندلس تحاسد الزعماء وظلم العتاة من البربر والعرب والصقالبة ~~والإسبان. # نعم، إن جذور الحزبية كانت قد اجتثت من أصولها بمرور السنين، وذهب عهد التفاخر بالأنساب ~~والقبائل؛ لأن الناس نسوا أنسابهم، ومع ذلك بقي بالأندلس من التنافس الشخصي والجنسي والديني ~~ما يكفي لجعلها جحيما أرضيا من النوع الذي كان يتمنى الراهب المؤرخ أن يدفن المنصور ~~فيه. # واستطاع ابن المنصور وخليفته أن يصون وحدة المملكة في مدى ست سنوات، تلاها انهمار سيل ~~جارف من الطامعين المخاطرين، والخلفاء المتنافسين، والأدعياء الوقحين، وكان الإسبان الذين ~~يمثلون جمهرة الأمة يؤثرون أن يحكمهم ملك، ويحبون أن يتعاقب الملوك من أسرة واحدة، ويذكرون ~~بالإعجاب ما كان للدولة الأموية العظيمة من أثر عظيم، ولم يكن من رأيهم في الحكومة أن يكون ~~المسيطر فيها وزيرا كيفما كان عادلا صالحا؛ لأن الملك في زعمهم يجب أن يحكم الأمة بنفسه، ~~لذلك رفعوا راية العصيان على ابن ثان للمنصور، وزاد في غضبهم أنه أعلن حقه في وراثة العرش، ~~فمضوا إلى الخليفة هشام المؤيد وحتموا عليه أن يقبض على أزمة الحكم بيديه الضعيفتين ~~الواهنتين. # وقد صعب على هشام المسكين أن ينزع فجاءة من عزلته في القصر بعد أن قضى فيها ثلاثين عاما ~~سجينا مغتبطا بسجنه، فتوسل إليهم ألا يطلبوا منه المستحيل، ولكنهم أصروا على ما يطلبون، ~~فأطاعهم على الرغم منه، غير أنه حينما ظهر للناس جميعا أن هذا الرجل الكهل كان أضعف من ~~طفل، طلبوا إليه أن يعتزل، وأحلوا مكانه رجلا من ms098 أسرته، وكان سقوطه في الحقيقة نهاية ~~الدولة الأموية بالأندلس. # ثم جلس على العرش خليفة بعد خليفة في مدى عشرين عاما، فكان أحدهم لعبة في أيدي ~~القرطبيين، وآخر لعبة في أيدي الحراس من الصقالبة، وثالث لعبة في أيدي البربر، ورابع كان ~~صورة تخفي وراءها مطامح أمير إشبيلية، ولكنهم كانوا جميعا لعبا لبعض الأحزاب، ولم يكن ~~لهم مظهر من النفوذ، وقد شهد بهو القصر قتلا بعد قتل كلما تلا خليفة خليفة، وأخفى مرة ~~أحد هؤلاء الخلفاء المساكين البائسين نفسه في فرن حمامه، وحينما عرف مكانه جر وذبح ~~أمام الخليفة الجديد الذي لم يأت بعد دوره وإن كان قريبا. # ثم ألزم هشام المؤيد المسكين - الذي نشأه المنصور وأمه «صبح» في طفولة دائمة - أن يمثل ~~دوره في صندوق الدنيا، فوضع على العرش ثم خلع، فبدل بقيده الحريري في عزلته بين الفواتن ~~من نساء القصر حيطانا مظلمة لسجن حقيقي، ولا يعرف إلى الآن ما جرى له بعد ذلك، فنساؤه ~~يعلن أنه جاهد للفرار من سجنه والتجأ إلى آسيا أو مكة، لم يغر العرش ذلك الملك البائس ~~بشيء من مغرياته؛ لأنه كان يعشق العزلة والانقطاع إلى العبادة، ولا بد أن يكون قد عرف أن ~~بقاءه بالأندلس سيشجع مطامع أنصاره، وأن ذلك سيؤدي حتما إلى النزاع والتفرقة، فمن المعقول ~~إذا أن يكون قد آثر أن يقضي بقية أيامه بمكة للعبادة والتبتل. # ثم ظهر دعي يشبه هشاما تمام الشبه، وزعم أنه هشام المختفي وادعى ملك إشبيلية، ~~فاعترف به حاكمها؛ لأنه رأى فيه لعبة صالحة في يديه # 2 # ولكن هشاما الحقيقي اختفى إلى الأبد ولم يسمع إنسان عنه شيئا بعد ~~اختفائه. # والذي جرى لهشام المعتد بالله عند عزله يصور لنا ما وصل إليه خلفاء بني أمية التاعسون من ~~الذلة والمهانة بعد أن تركوا زمامهم للبربر المتوحشين، أو الصقالبة يلعبون بهم كما يلعب ~~بقطع الشطرنج؛ فقد أمر رؤساء قرطبة أن يجر هذا الخليفة الرفيق الرقيق العاطفة هو وأسرته ~~إلى سجن تحت الأرض مظلم متصل بجامع قرطبة، فجلس الخليفة في هذا ms099 السجن الدامس الظلمة يرتعد ~~من البرد ويتسمم بهوائه الفاسد من العطن، وقد احتضن ابنته الصغيرة وأحاط به نساؤه يبكين ~~ويولولن ويقضقضن في زمهرير قارص، وقد اشتد الجوع بالسجناء بعد أن تركهم السجانون القساة ~~ساعات دون أن يفكروا في إطعامهم، ثم جاء الشيوخ ليبلغوا هشاما حكم المجلس الذي اجتمع في ~~عجلة ليفصل في أمره، ولكن الخليفة المسكين الذي كان يجهد في أن يبعث شيئا من الدفء إلى ~~ابنته التي كان يحملها بين ذراعيه قاطعهم قائلا: «نعم نعم، إني سأخضع إلى حكمهم كيفما كان، ~~ولكني أسألكم لله تعالى أن ترسلوا إلي شيئا من الخبز، إن هذه الطفلة الصغيرة ستموت بين ~~يدي من الجوع.» فتأثر الشيوخ لأنهم لم يريدوا أن يعذب الخليفة هذا التعذيب، وأمروا فأحضر ~~إليه الخبز، ثم استأنفوا الكلام قائلين: «يا مولانا إن المجلس قرر أن تؤخذ عند الفجر لتسجن ~~في قلعة كذا.» # فأجاب الخليفة: «فليكن، وليس لي الآن إلا رجاء واحد، هو أن تأمروا لنا بمصباح؛ لأن ظلمة ~~هذا المكان الموحش تزعجنا وتخيفنا.» وارحمتاه!! لقد وصل الذل والشدة بحاكم المسلمين الزمني ~~والديني بالأندلس إلى هذا الحضيض وهو أن يستجدي خبزا وشمعة. # 3 # وأمثال هذه الكوارث كانت كثيرة بقرطبة، فكل ثورة كان لها جناها المر من القتل والإرهاب، ~~فإن أهل قرطبة الذين ازداد عددهم كانوا ينزعون إلى الاستقلال وفرض إرادتهم على الحكام، وهذا ~~الاعتداد بالنفس كان نتيجة ثروة الأمة، ونمو التجارة والصناعة فيها. # فحينما أسقطوا أسرة المنصور من الحكم ثار العامة كعادتهم وشفوا غليل غضبهم بنهب قصر ~~المنصور البديع الذي بناه في ربض قرطبة ليكون مقرا له ولرجال حكومته، وبعد أن انتهبوا ما ~~فيه من الكنوز التي لا تقدر بثمن تركوه طعمة للنيران، واستمرت المذابح والنهب والاغتيال ~~أربعة أيام لا ينهنه من حدتها أحد، وأصبحت قرطبة مجزرا. # وحينئذ جاء دور البربر، وانتهى حكم الصقالبة الجبارين بحكم البربر القساة الذين سمنوا ~~ونعموا بانتهاب المدينة، فحيثما سار هؤلاء البربر سار القتل والنهب وسارت النار في إثرهم، ~~فكم نهبوا من قصر ثم أحرقوه، وقد ms100 لاقت منهم مدينة الزهراء الجميلة التي كانت ريحانة الخليفة ~~العظيم شر ما يلاقى؛ فقد استولوا عليها بخيانة ثم انتهبوها ثم أشعلوا فيها النيران، ولم ~~يبق منها من بدائع الفن الرفيع التي زينها بها الخليفتان إلا كومة من حجارة سفع، ووضعوا ~~السيف في حاميتها وفر سكانها معتصمين بالمسجد، ولكن البربر الذين خوت قلوبهم من الخشية ~~والرحمة أحاطوا بهم، وذبحوا في بيت الله الرجال والنساء والأطفال (سنة 1010). # وفي هذا الوقت استقلت الولايات التابعة للخلافة بعد أن حطم الصقالبة والبربر العاصمة، ~~ووضعوا على العرش خليفة بعد آخر، ونقلوا الخلافة من الأمويين إلى بني حمود، أو حاولوا تجربة ~~حكم البلاد بمجلس يؤلف من الزعماء، # 4 # فأصبح لكل مدينة أو مقاطعة أمير مستقل، وذهبت في الهواء تلك الوحدة التي جمع ~~بها المنصور مختلف الأهواء والأحزاب، ولم يرتح الإسبانيون أنفسهم لهذا الانتقال السريع، ~~وإلى تمزيق الدولة إلى ولايات صغيرة، فرأوا والحزن ملء قلوبهم ما صارت إليه بلادهم، وكيف ~~أصبحت نهبا مقسما بين الغرباء، فقد نعم البربر بالجنوب، وأخضع الصقالبة الشرق، أما البقية ~~فقد سقطت بأيدي بعض محدثي النعمة والنفوذ، أو بعض الأسر القديمة التي نجت من ضربات عبد ~~الرحمن الناصر أو المنصور القاصمة. # وكانت قرطبة وإشبيلية - وهما أعظم مدن الأندلس - تحكمان حكما جمهوريا في الصورة لا في ~~الواقع؛ لأن سلطة رئيس المجلس كانت تشبه سلطة الإمبراطور كل الشبه، وحكم في النصف الأول من ~~القرن الحادي عشر نحو عشرين أسرة مستقلة في نحو عشرين مدينة أو مقاطعة، ويسمى هؤلاء بملوك ~~الطوائف، وبينهم: بنو عباد بإشبيلية، وبنو حمود بمالقة والجزيرة، والأدارسة بغرناطة، ~~وبنو هود بسرقسطة، وكان أقوى هؤلاء بني ذي النون الذين ملكوا طليطلة، وحكموا بلنسية، ~~ومرسية، والمرية. # وقد أحسن بعض هؤلاء الملوك الحكم وإن كان أكثرهم عتاة جبارين، غير أنه مما يعجب له أنهم ~~كانوا جميعا غطارفة مثقفين يعضدون العلم والأدب، وكانت قصورهم مثابة للشعراء والمغنين؛ فقد ~~كان المعتضد عالما أديبا شاعرا، ولكنه نصب ببستانه خشبا علق فوقها رءوس أعدائه الذين ~~قضى عليهم، وكان يستبشر ويبتهج برؤيتها ms101 كل يوم. # وقصارى القول إن المملكة كانت في حالة من الفوضى والاضطراب تشبه ما وصلت إليه عند تولية ~~الخليفة الناصر، نعم، إنه لم يقم بها عصيان من المسيحيين كما كان من ابن حفصون أيام الناصر، ~~ولكن الفوضى كانت عامة، والخطر من سقوط الدولة وتحطمها كان بارزا للعيان؛ فإن نصارى الشمال ~~استجمعوا للوثوب، ورأوا الفرصة سانحة فهموا لاهتبالها؛ لأن ألفونسو السادس (الأذفونش) الذي ~~وحد تحت إمرته أستورياس، وليون، وقشتالة، كان قد فهم ما يجب أن يفعله تمام الفهم؛ فقد رأى ~~أنه لم يكن عليه إلا أن يمد حبله لملوك الطوائف مدا كافيا ليشنقوا به أنفسهم؛ لأن هؤلاء ~~الطغاة الذين لم ينظروا في العواقب، ولم يعنوا إلا بأنفسهم، ولم يتركوا جهدا إلا بذلوه في ~~إضعاف منافسيهم - كانوا يجثون عند قدمي ألفونسو لاستجداء معاونته كلما ضعفوا عن مقاومة ~~إخوانهم المسلمين؛ لذلك تقربت كل الدويلات الإسلامية إلى ألفونسو بتقديم الإتاوات، وكان ~~ألفونسو يزيد فيها كل عام كلما زادت قوته؛ لأنها ثمن عطفه وحمايته، ولأنه كان يريد أن يرضخ ~~المسلمون من المال ما يكفي لمحوهم ومحو آثارهم من إسبانيا. # وقد بذل ملوك الطوائف هذه الإتاوات للاستعانة بجيوش ألفونسو، أو للخوف من غاراته العنيفة ~~التي كان يشنها في كل مكان، حتى لقد وصلت جنوده إلى قادس. # وكان شمال إسبانيا فقيرا ممحلا، وكان من أضاحيك القدر أن يجمع ألفونسو من ملوك المسلمين ~~ما يعد به العدة لدمارهم، على أنه مهما اختلف هؤلاء الملوك وتحاسدوا؛ فقد كان لصبرهم على ~~ألفونسو حد يقفون عنده، فإنهم تيقظوا من سباتهم وأحسوا بالخطر المحدق بهم، وعملوا على دفع ~~الكارثة عنهم حينما علموا أن ألفونسو اخترق الأندلس على جواده آمنا مطمئنا حتى وصل إلى ~~أعمدة هرقل فنزل ليبترد في المحيط، وحينما رأوا أنه وضع حامية تزيد على اثني عشر ألفا من ~~الجنود الشجعان في حصن ليط، وهو في وسط بلاد المسلمين ومنه كانت تخرج جنوده لتعيث وتنهب ~~وتغير، وحينما علموا أن لذريق البيفاري أو السيد الكمبيدور # 5 # احتل بلنسية مع القشتاليين، ونهب ما ms102 حولها من الأرض حتى صيرها قفرا يبابا، ~~وحينما ظهر لهم جليا أن ألفونسو لا يقصد إلا أن يعيد إسبانيا إلى المسيحية وأن يستأصل ~~شأفة المسلمين. # ولكن ملوك الطوائف كانوا على الرغم من تفاقم الخطب أضعف من ذات خمار، وكانوا في يأس من ~~توحيد كلمتهم وتواثقهم على مكافحة العدو؛ لكثرة ما بينهم من تحاسد وتنافس وغيرة؛ لذلك صاروا ~~إلى ما ليس منه بد، وهو دعوة الغرباء إلى عونهم. # وقد رأى بعضهم ما في هذه الدعوة من الخطر المحيق، ولكن المعتمد بن عباد # 6 # أسكتهم بقوله: «لأن أكون سائق جمال في صحراء إفريقية، خير من أن أرعى الخنازير ~~في قشتالة!!» ولم تكن المعونة التي التمسوها بعيدة عنهم، فقد شبت ثورة في شمال إفريقية ~~انبثق منها مذهب متعصب جديد سمي أصحابه بالمرابطين، وقد تغلب هؤلاء المرابطون على ~~المملكة جميعها من الجزائر إلى السنغال، وكانوا من طابع طارق وأصحابه، وكانوا على أتم ~~أهبة لاجتياز البحر والتغلب على إسبانيا الخصيبة، وأظهروا للناس أن هذا الغزو مكرمة منهم ~~وجهاد في سبيل الله، ولم تبدر منهم بادرة تدل على رغبتهم في الأندلس، غير أنهم نزلوا ~~بإسبانيا، ومن الهين أن ندرك أنهم نزلوها لتكون دار إقامة. # وحينما وصل المرابطون إلى الأندلس كأرجال الجراد ليلتهموا المملكة التي قدمت نفسها لهم ~~طعاما، كانت الطريق مذللة أمامهم، وابتهج الأندلسيون حينما رأوا فيهم ساعدا أزل ~~مفتولا، جاء ليمحو الفوضى التي بددت هناءتهم منذ أن مات المنصور العظيم، أما ملوك الطوائف ~~أو صغار الطغاة فمنهم من دعاهم للإقامة ببلاده، ومنهم من لم يستطع مقاومتهم فصبر على مضض، ~~ولكنهم اغتبطوا جميعا بكبح القشتاليين وكسر شوكتهم، وعندما وصل يوسف بن تاشفين ملك ~~المرابطين # 7 # إلى الأندلس، وتملك مدينة الجزيرة لتكون ميناء له وقاعدة لجنوده، اخترق ~~الولايات بجيوشه حتى التقى بألفونسو عند الزلاقة بالقرب من بطليوس في الثالث والعشرين ~~من أكتوبر سنة 1086م/479ه وصاح ألفونسو حينما رأى جيشه اللهام: «بمثل هؤلاء أحارب الشياطين ~~والجن والملائكة.» # على أنه مع هذا التجأ إلى حيلة ليدهم بها أعداءه من ms103 البربر والأندلسيين على غرة، ولكن ~~يوسف لم يكن من الهين خداعه، فأحاط في مهارة وحذق بجيش القشتاليين من الأمام والخلف، ووضعهم ~~بين نارين، فتحطم القشتاليون وهزموا شر هزيمة على الرغم من المقاومة العنيفة وأساليب الحرب ~~التي برع فيها هؤلاء الجنود المدربون، وفر ألفونسو - وما كاد يستطيع الفرار - بنحو خمسمائة ~~فارس، وترك آلافا مؤلفة من خيرة جنوده في الميدان، وبعد هذا النصر المبين عاد يوسف بن ~~تاشفين إلى إفريقية، وترك بالأندلس ثلاثة آلاف من جنوده لمعاونة الأندلسيين؛ لأنه وعد ألا ~~يضم الأندلس إلى مملكته، وبر بهذا الوعد إلا في جزيرة طريف فإنه اختارها لنفسه. # فرح الأندلسيون بمقدمه وأطروا شجاعته، وابتهجوا بنجاة بلادهم، وأعجبوا بسذاجته وتقواه؛ ~~إذ رأوا أنه لا يعمل عملا إلا بعد استشارة الفقهاء، حتى إنه أبطل الضرائب بإسبانيا إلا ما ~~أقره عمر بن الخطاب في عهود الإسلام الأولى، ولكن طبقة المتعلمين بالأندلس كانت تسخر من ~~جهله وجفوة أخلاقه، فلم يكن يحسن العربية، ولم يكن يدرك مرامي الشعراء إذا أنشده شاعر قصيدة ~~في مدحه، وليس هذا بالنقص اليسير في رأي الأدباء الأندلسيين الذين لا يغفلون عن إنشاد الشعر ~~والاستشهاد به ولو كانوا في بحر من الدماء، فلم يكن يوسف في أعينهم إلا بربريا، غير أن ~~نقدهم لثقافته لم يكن له وزن ما داموا في حاجة إلى سيفه، أما جمهرة الأندلسيين ففكروا في ~~رفاهيتهم أكثر مما فكروا في علمه، وكانوا على استعداد لقبوله مسرورين ملكا على الأندلس، ~~وفي سنة 1090م/483ه استجدى ملك إشبيلية عون المرابطين ليصدوا عنه غزوات المسيحيين الذين ~~استمروا في عدائهم وطفقوا يرسلون غارات مستمرة من حصن ليط. # أجاب ابن تاشفين الدعوة مظهرا التثاقل وعدم الرغبة، ولكنه في هذه المرة وجه هجومه إلى ~~ملوك الطوائف وإلى نصارى قشتالة على السواء، وملأ الملوك الأغبياء أذنيه بشكوى بعضهم من بعض ~~وخيانة بعضهم لبعض حتى عرفهم يوسف جميعا، ولم يثق بهم جميعا، وكان يعتمد على الأمة وعلى ~~الفقهاء الذين أحلوه سريعا من عهده بألا يضم إليه الأندلس، وغالوا فأدخلوا عليه أن مما ms104 يجب ~~عليه - إرضاء لربه - أن يعيد السلام والرفاهية إلى هذه البلاد المنكوبة. # أطاع ابن تاشفين نصيحة الفقهاء، لما كان يخالجه من الطموح في ملك إسبانيا الذي كان يكتمه ~~ويخفيه، فشرع في إخضاع إسبانيا قبل انتهاء سنة 1090 فدخل غرناطة في نوفمبر، ووزع على قواده ~~الكنوز العجيبة التي لم يروا مثلها أو ما يقرب منها في حياتهم من الماس والدر والياقوت ~~والجواهر الثمينة، والحلي الذهبية والفضية، والكئوس الزجاجية وعتاق البسط، وغير ذلك مما لم ~~يسمع به من النفائس، ثم سقطت جزيرة طريف في ديسمبر، وشهدت السنة التالية سقوط إشبيلية ~~وغيرها من كبار مدن الأندلس، وجرد ألفونسو جيشا يقوده البرهانس فهزمه المرابطون، وأصبح ~~القسم الجنوبي في أيديهم إلا مدينة بلنسية التي لم تفلح فيها محاولة ما دام السيد الكمبيدور ~~يتولى الدفاع عنها، وفي سنة 1102م/495ه سقطت بلنسية بعد موته، فغدت الأندلس الإسلامية كلها ~~- حاشا مدينة طليطلة ورية - تابعة لمملكة المرابطين بإفريقية. # رضي جمهور الأندلسيين إلى حين - ولحاجة في أنفسهم - عما آلت إليه البلاد بعد دعوة ~~المرابطين إليها، ولكن قلة من عظماء الأندلس والمثقفين كانوا ساخطين على تلك الحال، فإنهم ~~كانوا يحكمون بطائفة من الدينيين المتزمتين # 8 # كما كانت تحكم إنجلترا في أحد عهودها، ولكن إنجلترا ظفرت بملتون # 9 # شاعر هذا العهد، فخفف من شدته وعبوسه. # اشمأز الشعراء من جفوة البربر وخشونتهم وجهلهم، فإنهم لم يفهموا روائع أشعارهم، وإذا ~~حاولوا التشبه بملوك الطوائف الأدباء البارعين في ذوقهم المرهف ونقدهم الدقيق، أتوا بما ~~يستثير الضحك، ولم ير المفكرون في رجوع السلطة إلى الفقهاء المتعصبين ما يبعث على التفاؤل؛ ~~فقد كان هؤلاء أصحاب الرأي والشورى عند المرابطين، فحاربوا كل ما يتصل بالفلسفة، وجمدوا على ~~أن يفهموا القرآن من تفسير مفسر واحد، # 10 # أما اليهود والنصارى فإنهم أدركوا سريعا ما يفهم المرابطون من معنى التسامح؛ ~~فقد قسوا في اضطهادهم، وجردوا عليهم سلاحين من القتل والنفي، وأما من بقي من الأسر القديمة ~~ومن فر من السيف من ملوك الطوائف، فإنهم كانوا في يأس قاتل حينما رأوا هذا ms105 الدخيل يعيد إلى ~~أذهانهم أعمال البربر الشنيعة آخر أيام الخلفاء بقرطبة. # ولكن جمهور الأندلسيين كانوا في غبطة وسرور لاستيلاء المرابطين على الأندلس؛ فقد أمنوا ~~على أرواحهم وأموالهم، وذلك شيء لم يستطيعوا تخيله أيام كانت المملكة ممزقة إلى ولايات، ~~وكان أقوى الملوك من يستطيع أن يحمي رعيته حول قلعته، وأيام كانت الطرق غاصة بعصابات ~~اللصوص، وأيام كان النصارى يغيرون على القرى وينهبون البلاد، أما الآن فقد استتب النظام ~~والهدوء ولو إلى حين، وخضع الناس للقانون، وهزم النصارى فعادوا إلى حصونهم، وأخذ الناس مرة ~~أخرى يحلمون بالثروة والرفاهية. # ولكن هذا الحلم كان وهما وخيالا باطلا، فإن القدر لم يدخر نجاحا ولا سعادة لرعية ~~المرابطين، فقد أصاب البربر ما أصاب الرومان والقوط من قبلهم، فإنهم جاءوا إلى إسبانيا ~~غلاظا شدادا لم يعتادوا النعيم والرفه، يتفاخرون بالشجاعة والقوة، ولهم قلوب يملؤها تعصب ~~ديني غضوب ساذج، ولكنهم لم يلبثوا بها إلا قليلا متمتعين بثمار انتصارهم حتى أصيبوا بفساد ~~الأخلاق وانحطاط العزائم الذي أصاب جنود (هانيبال) حينما استناموا إلى لذائذ الحياة في ~~(كابو). # 11 # فقد البربر الميل إلى الحرب والإقدام على الأخطار واحتمال ويلات القتال، أو أقل إنهم ~~فقدوا رجولتهم في أقصر ما يتصور من زمن، فلم يكن لهم بعد عشرين عاما جيش يعول عليه في ~~صد هجمات القشتاليين، بل كان جيشهم حشدا غير منظم من حطام آدمي وكسالى بائسين أدمنوا ~~الخمر، وخدعوا فتوتهم فبددوها، وأصبحوا عبيدا لكل شهوة تجعل الرجل جبانا رعديدا. # وبدل أن يصونوا النظام كانوا هم أول العابثين بالنظام، فقطعوا الطريق على المسافرين ~~وسرقوا كلما لاحت لهم لائحة، ووصل الضعف بحكامهم أن صاروا تحت سيطرة العواهر من النساء، ~~والطامحين من الفقهاء، فنقضوا اليوم ما أبرموه بالأمس، ومثل هؤلاء لا يطول بهم الحكم، فإن ~~ثورة جامحة قامت بإفريقية للقضاء على المرابطين، وجدد القشتاليون بقيادة ألفونسو «المحارب» ~~غاراتهم على الأندلس، ففي سنة 1125 عاثت جنودهم في الجنوب سنة كاملة، وفي سنة 1133 أحرقوا ~~أرباض قرطبة وإشبيلية وقرمونة، وانتهبوا شريش وأشعلوا فيها النار، وامتدت غزوات النصارى ms106 من ~~ليون إلى مضيق جبل طارق، أما الدولة الإسلامية حيال كل هذا فلم تفعل شيئا؛ لذلك غضب ~~الأهلون وثارت جموعهم وطردوا المرابطين من البلاد. # ويقول مؤرخ عربي: «وفي النهاية عندما رأى الأندلسيون تحطم دولة المرابطين لم ينتظروا ~~طويلا، فكشفوا حجاب الرياء وأظهروا العصيان وسمى نفسه بالملك واتخذ شعار السلطان كل حاكم ~~صغير، أو زعيم أو رجل ذي شأن يستطيع أن يجمع حوله ثلة من الأنصار، أو تكون له قلعة يحتمي ~~بها عند الحاجة، وصار الملوك في الأندلس بعدد ما فيها من مدن: فملك ابن حمدين قرطبة، وابن ~~ميمون قادس، وحكم ابن قسي و«ابن وزير سيدراي» بالغرب، واللمتوني بغرناطة، وابن مردنيش ~~ببلنسية، وبعض هؤلاء من الأندلسيين، وبعضهم من البربر. # ثم اختفى جميع هؤلاء حينما ظهر علم الموحدين الذين أزاحوهم عن عروشهم وأخضعوا الأندلس ~~جميعا لحكمهم.» # 12 # وكان عبد المؤمن قائد الموحدين هو الذي أزال ملك المرابطين في إفريقية وإسبانيا. # | هوامش # | السيد المبارز # لقد آن لنا أن نتجه إلى أعداء العرب في الشمال ، وقد ذكرنا آنفا ما كان من أمر (بلاي)، ~~وكيف أنه جمع ما بقي من القوط في كهفه الذي لا ينال ومعقله بصخرة جبال (أستورياس)، وكيف أن ~~هذه الفئة القليلة اجتازت بعد قليل حدودها، وشجعها على التحدي والنضال ما شجر من الخلاف بين ~~قبائل البربر، الذي انتهى بهزيمتهم عند الحدود الشمالية للدولة العربية. # جدد شيء من ذلك الحياة في هذه الفئة وقوى من عزمها، فاستعادت بالتدريج أكثر الأراضي ~~التي في شمال جبال وادي الرمل، وأسست مملكة ليون، ومقاطعة قشتالة، وكان مملكة نافار تبعد ~~نحو الشرق عند سفح جبال البرت (البرانس)، وذكرنا أيضا كيف أن هذه الممالك المسيحية كانت ~~في حرب مستمرة مع جيرانها المسلمين، وأنه كان في باب الظن أن تكون هذه الحروب خطرا على ~~العرب لولا ذلك الانقسام المستمر والخلف الدائم بين المسيحيين، مما حمل بعض ملوكهم أن يلتزم ~~الحيدة ويتجنب القتال، وكان من السهل اليسير على المسلمين أن يصونوا دولتهم مهيبة عزيزة ~~الجانب لو بقيت مملكة قرطبة قوية ms107 غير متفرقة الأهواء، ولكن حينما سقطت قرطبة وأصبحت الأندلس ~~نهبا مقسما بين ملوك الطوائف الذين لم يفكروا إلا في أنفسهم أولا، ثم - إذا دعت الحال - ~~في المملكة الإسلامية - تجرأ النصارى وتمكنوا من أن يستعيدوا من العرب عددا غير قليل من ~~البلدان، وقد شهدنا كيف أن النصارى زحفوا على أرض المسلمين بجيوشهم المظفرة، وضربوا ~~الإتاوات على أعاظم ملوكهم، حينما ازداد الاضطراب وعمت الفوضى في القرن الحادي عشر، وأصبح ~~لكل مدينة دولة ولكل دولة أمير ووزراء، في هذا الوقت جمع فرديناند الأول القسم الأعظم من ~~الشمال تحت رايته، فألف بين الولايتين المتعاديتين: ليون، وقشتالة، وأضاف إلى ملكه ~~أستورياس، وغاليسية، وكان في هذا الحين أقوى ملك بإسبانيا جميعها، وقد ضم إلى مملكته مدن ~~البرتقال: لورميجو، وبازو، وقلمرية، وأخذ الإتاوات من ملوك سرقسطة، وطليطلة، وبطليوس، ~~وإشبيلية. # نعم، إن رأيه السقيم في تقسيم مملكته بين أبنائه الثلاثة وبنتيه جر على الشمال بعد موته ~~ويلات متصلة الحلقات من الحروب الأهلية، ولكن ألفونسو السادس «الشجاع» تمكن في النهاية من ~~ضم أشتات المملكة فانتعشت القوى المسيحية، وأصبح تغلبها على أعدائها من الحتم ~~المحقق. # ولم يمنع المسيحيين من قهر الأندلس واستردادها في هذا الحين الذي ضعفت فيه العرب إلا ما ~~كان يبعث به إليهم ملوك الطوائف من الرشا التي تأبى على الحصر ليشتروا بها كفهم أو عونهم، ~~وإلا ما كان يظهر في الأفق البعيد من جيوش المرابطين، وعلى أية حال لم يكن ملوك الطوائف ~~حكاما مستقلين؛ لأنهم وقعوا بين شقي رحا: من الخوف من ألفونسو، ثم من الخوف مما هو أعظم ~~خطرا من ألفونسو، وهو تغلب حلفائهم المرابطين، ولكنهم في النهاية اضطروا إلى اللجوء إلى ~~المرابطين. # ويظهر لنا في هذا الوقت تدخل النصارى في أكثر شئون المسلمين السياسية، ونرى التحالف بين ~~الفريقين مشتبك العرا، وأن كثيرا من جنود النصارى المرتزقة كانوا ينضمون إلى جيوش العرب في ~~حروب مدمرة للولايات المسيحية، وأن كثيرا من العرب كانوا يعينون جيوش النصارى على ~~إخوانهم المسلمين. # وقد نخطئ خطأ بالغا إذا قدرنا لجنود ليون ms108 وقشتالة منزلة تقرب من المثل الأعلى للبطولة ~~والفروسية، وأكبر في باب الخطأ أن نتخيلهم رجالا مهذبين مثقفين، فإن نصارى الشمال كانوا من ~~كل وجه على النقيض من منافسيهم العرب؛ لأن العرب - وإن قدموا الأندلس في جفوة طبائع القبائل ~~وخشونتها - رقت أخلاقهم بالاختلاط بالأندلسيين، وبميلهم الطبيعي إلى المرح والترف، فوصلوا ~~إلى قمة المدنية وأغرموا بالشعر والأدب، وتجردوا لطلب العلم، وأحبوا فوق ذلك أن يتمتعوا بكل ~~لذائذ الحياة. # وقد كان ذوقهم العقلي والأدبي مرهفا دقيقا، وكان لهم ذلك الإحساس الذي لا يشعر به من ~~نشأ نشأة سامية في العلم والأدب، وقد كانوا واسعي التصور خياليين شعريين مفكرين، يمنحون ~~من المال على مقطوعة شعرية رائعة ما يكفي للإنفاق على فرقة من الجنود، وكانوا ينظرون ~~باحتقار إلى أقوى ملوكهم وأشدهم بطشا إذا لم يكن شاعرا، أو لم يوهب له ذوق فهم الفكاهة ~~الشعرية والبلاغة العربية، ومنح هؤلاء القوم البارعون استعدادا طبيعيا في الموسيقى، ~~والخطابة، ودقائق العلوم، والنقد، وإدراك التوريات البعيدة التي نعدها اليوم من ميزات ~~الأمة الفرنسية. # أما نصارى الشمال، فكانوا على الخلاف من ذلك بقدر ما يتصور العقل من خلاف، كانوا في بداوة ~~الأمم الناشئة على الرغم من أنهم أخلاف أمة قديمة، فكانوا جفاة غير مثقفين، وقليل من ~~أمرائهم من كان له حظ من مبادئ العلم، وكانوا من الفقر وعسر الحال أعجز من أن يتمتعوا بفنون ~~الرفه التي يتمتع بها أمراء العرب، غير أنهم كانوا رجال حرب وجلاد، لا يقل نزوعهم إلى ~~القتال عن نزوع أعدائهم المسلمين، وقد يفوقون هؤلاء في استعدادهم للنضال واحتمالهم الحرب ~~الطويلة الأمد، وجرأتهم اليائسة المستميتة. # لقد كانوا رجال سيف ليس غير، وطالما دفعهم الفقر وحفزتهم الحاجة إلى خدمة أي إنسان كيفما ~~كان، فكانوا يبيعون شجاعتهم لمن يدفع أغلى ثمن؛ لأنهم يحاربون ليعيشوا، وتاريخ القرن الحادي ~~عشر لإسبانيا مملوء بالوقائع التي حارب فيها أبطال النصارى تحت راية المسلمين، ولكن ليس بين ~~هؤلاء الأبطال من نال شهرة السيد بطل إسبانيا. # هذا السيد هو لذريق البيفاري، وقد سماه أتباعه من العرب ms109 بالسيد، وكان من أسمائه أيضا ~~الكمبيدور ومعناها: البطل، أو المبارز المتحدي؛ لأن شجاعته الفائقة في الحروب جعلته ~~المبارز المشهود له بالسبق في المبارزات التي كانت تسبق التحام الجيشين. # ولم يكن أحد أبعد شهرة وأكثر انتصارا في المبارزات من لذريق، أو سيدي القنبطور «كما كان ~~يحلو لأحد قدامى المؤرخين أن يدعوه»، ومن السهل الهين أن نميز الصحيح مما شاع من الروايات ~~عن ضروب شجاعة السيد وإقدامه التي امتلأ بها تاريخه العجيب. # وأكثر ما حبب السيد إلى نفوس القشتاليين، عزوفه عن طاعة الملك ألفونسو وإن عد ذلك مدون ~~سيرته عيبا يحط من بطولته، فإن صاحب هذه السيرة أو المعين على جمعها وهو ألفونسو العالم لم ~~يستطع أن يتجاوز عن صلف السيد وتحديه لسلفه ألفونسو السادس؛ لذلك نلحظ في ترجمة ~~سوذي # 1 # لسيرة السيد - وهي غنية باستشهادات كثيرة من قصيدة السيد وغيرها - وقوفا ~~مقصودا عن الاسترسال في الإطراء، وكبحا فجائيا لجماح الأناشيد والقصص الموغلة في الملق ~~والمديح، وبهذه السيرة إسهاب كثير فيما لا يشرف السيد ، أو يربأ به عن المذمة، غير أنها ~~تصور أخلاق البطولة الحقة بما فيها من خير وشر، وتعرض صورة شائقة عجيبة لهذا العصر ~~المضطرب، ومثالا رائعا لهذا الفارس المعلم بين الفرسان الإسبانيين. # ولو قصدنا إلى سرد قصة السيد كاملة لملأنا بها مجلدا ضخما؛ لذلك نرى من الخير أن نقصر ~~عنان القلم على اقتطاف بعض فقرات من سيرته. # ولسنا نعلم شيئا عن بطلنا في أيام صباه، والذي نعلمه عنه أن أول ورود لاسمه في التاريخ ~~كان في سنة 1064 حينما فاز بلقب المبارز لانتصاره في مبارزة على أحد فرسان نافار، وأنه ~~عين إثر ذلك قائدا لجنود قشتالة، وكان فوق العشرين بقليل، ثم نعلم أنه ساعد سانشو أمير ~~قشتالة على قهر أخيه بمفاجأة فيها كثير من معاني الغدر والخيانة، وإن عدت من الحيل ~~الحربية في هذا الزمن الجافي الخشن، وبعد أن قتل بليدو سانشو عند أسوار زمورة لحق السيد ~~بخدمة خلفه، وهو ألفونسو نفسه الذي كان السيد سببا في نفيه بعد ms110 انتصار أخيه سانشو عليه، ~~وقد أحسن ألفونسو أول الأمر لقاء فارس قشتالة المظفر في قصره، وزوجه بنت عمه، ولكن حساد ~~السيد ملئوا صدر ألفونسو بالسخائم والحقد عليه، ولم يكن منه سليم دواعي الصدر، فنفاه من ~~مملكته سنة 1081م/474ه، وتقص علينا سيرته ما أصابه بعد ذلك فتقول: ~~«وبعث السيد إلى أصحابه وأقاربه وخدمه، وأخبرهم بما آل إليه حاله، وما كان من أمر الملك ~~بنفيه، ثم سأل عمن يريد منهم أن يتبعه في منفاه، وعمن يريد منهم أن يقيم، فاتجه إليه ~~الڨارڨانز «البرهانس» وهو من أبناء عمومته، قائلا: «إننا أيها السيد سنتبعك جميعا حيثما ~~ذهبت، ولن نخفر لك عهدا، إننا سنسير معك في البدو وفي الحضر، وسنبذل في خدمتك بغالنا، ~~وخيولنا، وأموالنا، وثيابنا إن شئت، وسنبقى لك أوفاء مخلصين مدى الحياة.» وأيد جميعهم مقالة ~~الڨارڨانز فشكر لهم السيد عطفهم ومحبتهم ثم قال: إن الفلك يدور، وإن الأيام قد تمكنه من ~~توفية جزائهم. # وعند رحيله أخذ يتلفت إلى داره فغلبه الدمع وصاح: هذا من عمل أعدائي، فالحمد لله على ~~السراء والضراء، وزاد من شجونه أن رأى بهوه قفرا، وصناديقه مبعثرة، وأبوابه مفتحة، ومشاجبه ~~ملقاة على الأرض، ومقاعد فناء الدار وقد رفعت، والقصور التي كانت تعلو قممها وقد طارت، ثم ~~اتجه إلى الشرق وسجد وهو يتمتم: مريم، مريم، أيتها الأم المقدسة، ويا أيها القديسون جميعا، ~~توسلوا إلى ربي أن يهب لي القوة لاستئصال الوثنيين، وأن يمنحني من غنائمهم ما يقدرني على ~~مكافأة إخواني هؤلاء، ومكافأة كل من يتبعني ويعينني، ثم دعا الڨارڨانز؛ وقال له: يا ابن ~~العم، إن الأمة المسكينة لم يكن لها يد فيما رزأنا به الملك، فاعمل على ألا يصاب أحد منها ~~بسوء في أثناء الطريق، ثم دعا بفرسه، وكانت امرأة عجوز واقفة عند باب دارها، فمذ رأته أجهشت ~~بالبكاء وقالت: ارحل على الطائر الميمون أيها السيد، وانهب من الغنائم ما شئت، وبعد سماع ~~هذه الوصية الغالية، ركب جواده وقال: أيها الأصدقاء إننا سنعود بمشيئة الله إلى قشتالة ~~متوجين بالشرف، فائزين بالغنم ms111 الكثير. وعند رحيلهم من بيڨار، # 2 # رأوا غرابا سانحا، فلما وصلوا إلى برغش رأوا غرابا بارحا. # ولما دخل برغش كان برفقته ستون رجلا، فهرع ~~الرجال والنساء لمشاهدته عن بعد وهم حذرون، وأطل كثير من منافذ دورهم باكين محسورين، وصاحوا ~~بصوت واحد: سبحان الله!! سبحان الله!! يا له من خادم كريم لو ظفر بسيد كريم!! وتمنوا أن ~~يضيفوه في دورهم، ولكنهم لم يجرءوا؛ لأن ألفونسو في حدة غضبه أرسل رسائل إلى أهل برغش ~~يحذرهم فيها من إيواء السيد، وينذر من يخالفه بمصادرة أمواله وسمل عينيه، واستولى الحزن ~~والهم على النصارى حينما شاهدوا هذه المرزأة من بعيد، وأخذوا يختفون حينما قرب السيد منهم؛ ~~لأنهم كانوا يحذرون مشافهته والقرب منه، فذهب السيد إلى «بوسادا» وهو الخان الذي كان ينزل ~~به، فرأى صاحب الخان قد أسرع بإغلاق بابه خوفا من الملك، وعندما صاح رجاله بأبي المثوى أن ~~يفتح الباب لم يجبهم أحد، فقرب السيد من الخان، وخلع قدمه من الركاب، وضرب الباب بها فلم ~~يفتح؛ لأنه كان وثيق الغلق، وعندئذ خرجت فتاة صغيرة في التاسعة من إحدى الدور وقالت: أيها ~~السيد، لقد نهانا الملك أن نؤويك فلم نستطع أن نفتح أبوابنا لاستقبالك، ولو فعلنا لفقدنا ~~دورنا، وأموالنا، وأعيننا التي في رءوسنا، أيها السيد، إن مصيبتنا بإيوائك لن تساعدك، ولكن ~~الله وجميع القديسين معك. # وعندما علم السيد بما أمر الملك به، لوى عنان جواده نحو كنيسة سنت ماري، وهناك ترجل وسجد، ~~وصلى بقلب خافق يفيض رهبة وخشوعا، ثم ركب ثانية وغادر المدينة، حتى إذا كان غير بعيد من ~~نهر أرلنسون عرس ودق أطنابه فوق الرمال؛ لأن أحدا لم يقبل أن يضيفه، فأقام بين أنصاره ~~وصحبه كما لو كان مقيما بين الجبال التي خلت من دبيب الحياة. # وأذنت الديكة بأصواتها الندية، وبدت تباشير الصباح عندما وصل السيد إلى دير سنت بدرو، ~~وكان إذ ذاك راهب الدير الدون سسبيوتو يؤدي صلاة الفجر، ومعه الدونة شيمانة زوج السيد في ~~خمس من وصائفها النبيلات، يدعون الله والقديس بطرس أن ms112 يعين السيد ويشد أزره، فلما سمع ~~الراهب صوت البطل لدى الباب كان سروره عظيما، فخرج هو ومن معه إليه يحملون المشاعل ~~والشموع، وحمد الراهب الله أن متعه بلقائه، وأخذ السيد يقص عليه كل ما حدث له، وما رماه ~~به الملك من النفي والاضطهاد، ثم منحه لنفسه خمسين دينارا، وأعطاه مائة دينار لزوجه ~~وبنتيها وقال: أيها الراهب، إني أكل إلى رعايتك بنتي هاتين بعد أن أتركهما ورائي، ~~فاخفض لهما جناح الرحمة، واعطف على زوجي ووصيفاتها، فإذا نفد هذا المال فأنفق عليهن سخيا ~~مبسوط اليد، فإن كل دينار يصرف عليهم سيرد إلى الدير أربعة دنانير، فوعده الراهب بأنه ~~سيفعل ما يؤمر بمشيئة الله، ثم تقدمت شيمانة إلى زوجها وهي تحمل طفلتيها، كل طفلة فوق ذراع، ~~وجثت أمامه على ركبتيها وهي تبكي بكاء شديدا، وتومئ إلى يديه بالتقبيل، ثم قالت: انظر ~~الآن كيف نبت بك بلادك وشمت بك الأعداء والحاسدون، وانظر الآن ما صار إليه أمري وأمر بنتي ~~الصغيرتين، وكيف حكم علينا بالفراق ونحن أحياء؟! أقسم عليك بحق مريم إلا ما أخبرتني عما ~~أفعل!! فحمل السيد طفلتيه فوق ذراعيه وضمهما إلى قلبه، وانتحب طويلا؛ لأنه كان شديد الحب ~~لهما، وقال: إني سأحيا بمشيئة الله ومشيئة السيدة مريم حتى أزوج ابنتي هاتين، وحتى أقوم ~~بشرف خدمتك أيتها الزوج النبيلة التي أحببتها كنفسي، وأقاموا في هذا الدير وليمة للبطل ~~الكريم، وصدحت أجراس الدير برنات البهجة والسرور. # ومضت ستة أيام من المهلة التي منحها ألفونسو إياه لمغادرة البلاد، وبقي منها ~~ثلاثة. # وكان ألفونسو صلب العود عنيدا، فلو أنه بقي في المملكة بعد انتهاء المهلة يوما واحدا ~~ما استطاع أن ينقذه من براثنه ذهب ولا فضة، وفي هذا اليوم أولم مع أصحابه، ثم وزع عليهم في ~~المساء كل ما يملك، فأعطى كل رجل على قدر منزلته، ثم أمرهم أن يتلاقوا بالدير عند صلاة ~~الفجر ليرحلوا معا، وقبل أن يصيح الديك كانوا قد أخذوا أهبتهم واجتمعوا بالدير، فأدى بهم ~~الراهب الصلاة حتى إذا انفتلوا منها أعدوا خيلهم للرحيل، ms113 وهنا أخذ السيد يعانق شيمانة ~~وبنتيه ويدعو لهن، وكان فراقه لهن أشبه بنزع الظفر من لحم الأنامل، وعند مغادرة الدير طفق ~~يبكي ويكثر من التلفت وترديد الزفرات، فقرب منه الڨارڨانز وقال: أين شجاعتك أيها السيد؟! ~~لقد ولدت سعيد الطالع مجدودا!! فكر الآن في سفرنا، واعلم أن هذه الأحزان ستنقلب في يوم ~~سعادة وسرورا.» # عرض السيد نفسه على أمير سرقسطة، # 3 # وكان أقوى ملوك المسلمين في الشمال، فرحب به وبرجاله وضمهم إلى جيشه. # ومن هناك قاد السيد أتباعه إلى غارة بأراغون، وكانوا قد شغفوا به ورأوا الغنم في متابعته، ~~وكان سريع الضربة في هذه الغارة خفيف الخطا، حتى لقد قطع مسافات بعيدة في خمسة أيام، وفر ~~بغنائمه قبل أن يشعر النصارى بمقدمه، ثم قاد العرب لمحاربة كونت برشلونة ففاز فوزا مبينا، ~~حتى اضطر الكونت إلى محالفته. # وأعظم أعمال السيد تغلبه على بلنسية، وقصة ذلك: أن أمير سرقسطة ندبه لحماية أمير ~~بلنسية، بعد أن اضطرب بها حبل السياسة وتفاقمت الأمور، فدخل المدينة أول ما دخلها مسالما، ~~والسيرة تقول: ~~«فذهب السيد إلى بلنسية، واستقبله الأمير يحيى بن ذي النون أحسن استقبال، وعقد معه ~~ميثاقا تعهد فيه أن يمنحه كل أسبوع أربعة آلاف مرابطي # 4 # لقاء إخضاع أهل الحصن لطاعته حتى يؤدوا إليه الإتاوة التي كانوا يؤدونها ~~لأسلافه من أمراء بلنسية، وعلى أن يحميه السيد من العرب والنصارى، وأن يتخذ بلنسية منزلا ~~له ومقاما، وأن يجلب إليها ما يسطو عليه من الغنائم لبيعه بها، وأن يتخذ بها أهراءه، وقد ~~دون هذا الميثاق حتى يكون حجة لكليهما، فأرسل السيد إلى من بالحصن يأمرهم أن يؤدوا ~~الإتاوة إلى أمير بلنسية كما كانوا يفعلون من قبل، فقبلوا طائعين وتسابقوا إلى ~~مرضاته.» # ومذ ظفر السيد بهذا المنصب شرع يقود جيوشه المظفرة إلى الممالك المصاقبة «فحارب دانية، ~~وشاطبة، وقام بها في أثناء الشتاء مدمرا عاتيا فلم يدع حجرا على حجر من أريولة إلى ~~شاطبة، وكان يبيع غنائمه وأسراه ببلنسية». # وفقد السيد سيطرته على بلنسية حينا من الدهر في أثناء ms114 هذه الحروب والغارات، ذلك أن ~~ألفونسو سنة 1089م/482ه عاد فرضي عنه ومنحه حصونا وأقره على جميع ما استولى عليه في ~~غزواته، وبهذا الإقرار أصبح السيد أميرا مستقلا، غير أنه لم يمض من الزمن إلا قليل حتى ~~عاد الملك إلى الشك في أمره والأخذ فيه بالشبهة، فاقتنص فرصة غيبته بالشمال وأسرع فحاصر ~~بلنسية، وحينما علم الكمبيدور بذلك اشتعل غضبا، ووجه انتقامه إلى مقاطعات ألفونسو، فدمر ~~بالسيف والنار نافار، وقلهرة، وترك حصن لوكرني دكا، وجاء في بعض المدونات اللاتينية ~~القديمة: «وعاث في الأرض جبارا نهابا ثم غادرها قفرا يبابا، بعد أن احتجن خيراتها.» ~~فاضطر ألفونسو إلى رفع الحصار عن بلنسية، وعاد مسرعا لإنقاذ مملكته، ولكن السيد بعد أن نال ~~مأربه من غزو ممالك ألفونسو سلك سبيلا أخرى إلى بلنسية، فوجد أبوابها مغلقة دونه. # ومن ذلك الحين ابتدأ ذلك الحصار التاريخي الذي لبث تسعة أشهر، لاقى فيها أهل بلنسية ~~الشدائد والمحن، فاشتد بهم الجوع والظمأ، كل هذا والسيد ورجاله محيطون بأسوارهم بقلوب أشد ~~صلابة من هذه الأسوار، لم تنفذ إليها الرحمة، ولم تعرف في الحرب لينا ولا رفقا، وآض أهل ~~بلنسية في هذا الحصار القاتل أشباحا هزيلة خائرة القوى، أخذ منها السغب وأنهكتها ~~المخمصة، وكان إذا وثب أحدهم من السور أو ألقاه أهل المدينة لأنه لا غناء فيه ولا معونة ~~عنده، تلقفته سيوف أتباع السيد، أو أبقت عليه فبيع كما تباع العبيد، ويقول مؤرخو العرب: إن ~~السيد أحرق كثيرا من هؤلاء أحياء، وتوجز سيرته في وصف هذا الحصار فتقول: «ولم يبق ~~بالمدينة طعام يباع، وأصبح الناس بها يترنحون بين أمواج الموت، وكثير منهم من سقط في الطرق ~~ميتا.» # وسلمت المدينة في يونيه سنة 1094م/487ه حين ~~يئست من المقاومة، وحين لم يبق لها في قوس الصبر منزع، ووقف السيد مرة أخرى فوق حصونها ~~وأسوارها مؤزرا منتصرا، ثم أملى على أهل بلنسية شروطا قاسية، وطرد كثيرا منهم من ~~المدينة لتخلو أمكنتهم للقشتاليين، وفي الحق إن السيد كان جافيا في معاملة المغلوبين أشد ~~الجفوة ناكثا بعهده، ms115 # 5 # ولكنه لم يدنس انتصاره بحصد الأرواح وذبح من في المدينة كما كان يفعل كثير في ~~هذا الزمان، نعم، إن من السكان من فقدوا ما يملكون، ولكنهم جميعا نجوا بحياتهم، ولم يقتل ~~إلا قوادهم، وأرسل السيد يستقدم زوجه وبنتيه من الدير، ودعا بنفسه ملكا على بلنسية، ~~وحاميا للممالك حولها، وضرب إتاوات فادحة على جيرانه حتى بلغ دخله في السنة من بلنسية ~~وحدها مائة وعشرين ألف دينار، ووصل إلى عشرة آلاف من ابن رزين صاحب السهلة، ومثلها من أمير ~~البنت، والى ستة آلاف من أمير مربيطر، وهكذا. # وخيلت له الأحلام أن يسترد الأندلس كلها؛ فقد قال: إن لذريق خسر إسبانيا وسيعيدها لذريق ~~آخر، وحين حاربه المرابطون شتت جموعهم، وبدد شملهم في معركة حامية. # ولكن الحظوظ تتقلب في الحروب، وكما تكون ~~الأيام لك تكون عليك؛ فقد هزم المرابطون جنود السيد في النهاية، فمات حزنا وغما في يوليه ~~سنة 1099م/493ه وحين مات حنطوا جثته وأقاموا بجانبها حراسا، ثم أنفذوا ما أوصى به - كما ~~تقول الأشعار القصصية - فأقعدوه على جواده الكريم بابيكا، وأحكموا شدة السرج، فجلس عليه ~~معتدل القامة، لم يظهر بوجهه أثر الموت، وقد أبرقت عيناه الشهلاوان، وأرسلت لحيته إلى ~~صدره، وقبضت يده على سيفه الأمين «تيزونة» فبدا كأنه حي لا يتطرق في ذلك شك لرائيه، ثم ~~أخذوا بلجام فرسه وخرجوا من المدينة يتقدمهم بيرو برميودز وهو يحمل علم السيد ومعه خمسمائة ~~فارس لحراسته، وسارت خلفه شيمانة في صويحباتها وحاشيتها، فأخذوا طريقهم بين العرب ~~المحاصرين للمدينة، ويمموا شطر قشتالة، وتركوا العرب في دهشة وعجب من هذا الرحيل الغريب؛ ~~لأنه لم يخطر لهم ببال أن السيد ميت لا يرجى. # ولما وصلوا إلى دير سانت بدور، أجلسوا السيد على كرسي من العاج إلى جانب المذبح تحت ~~ظلة وضعوا فوقها رنوك قشتالة، وليون، ونافار، وأراغون، ورنك الكمبيدور نفسه، وبقي السيد ~~نفسه جالسا إلى جانب المذبح عشر سنين، كان وجهه في أثنائها هادئا نبيلا، حتى إذا تغلبت ~~آثار الموت على الصناعة والتحنيط دفنوه أمام المذبح، وأبقوه في ms116 قبره جالسا كما كان على ~~الكرسي العاجي، مرتديا ملابسه الملكية وسيفه تيزونة في يده، ولا تزال درقة السيد ~~المحفورة بالزخارف وعلم انتصاره معلقين على قبره يفيضان أسى وحزنا. # | هوامش # | مملكة غرناطة # أصبحت عودة إسبانيا إلى حكم المسيحيين وفيهم من الجنود أمثال السيد، ومن الملوك أشباه ~~فرديناند وألفونسو - أمرا متوقعا بين يدي الزمان. # ومن الجلي أن لكل أمة ميقاتا، وأن لكل دولة عهد نمو ثم عهد ازدهار، يتبعهما الذبول ~~والهرم والانحلال، وكما سقطت دولة الإغريق، وكما سقطت رومة، وكما سقطت كل مملكة قديمة شهدت ~~الدنيا نهوضها وقوتها - سقط العرب في إسبانيا وشالت نعامتهم بعد أن دنا أجلهم وحان ~~حينهم، فقد ذهبت ريحهم، وتفاقم الخلاف وزادت الجفوة بين أمرائهم قبل أن يتملكهم ~~المرابطون، ثم إنهم لم يكونوا أحسن حالا حينما دالت دولة المرابطين، فما كاد هؤلاء يغادرون ~~الأندلس حتى ظهر في الميدان عدو جديد، ذلك أن الموحدين الذين تلوا عرش المرابطين بإفريقية ~~راق لهم أن يحاكوهم في ضم الأندلس إلى ملكهم، وذلل أمامهم السبيل ما شجر من النزاع بين ~~أمراء هذه المملكة المنكودة التي طال على تمزقها الأمد ، فأخذ الموحدون الجزيرة الخضراء سنة ~~1145م/541ه، وفي سنة 1146م/542ه نزلوا بإشبيلية ومالقة، وبعد أربع سنوات أصبحت قرطبة وبقية ~~القسم الجنوبي من إسبانيا تحت رايتهم، وامتنع عليهم بعض الأمراء أول الأمر، ولكن الموحدين ~~كانوا أعظم قوة وأشد بأسا من أن يقف في وجوههم أمير أو زعيم. # ولم يفكر الموحدون في أن يجعلوا من الأندلس قاعدة لملكهم، بل لبثوا بإفريقية وأرسلوا من ~~حضرتهم نوابا يقومون بالأمر فيها، وكان من أثر ذلك أن ضعفت قبضتهم على الأندلس، وزلزلت ~~أقدامهم فيها، فإن من الصعب العسير أن تضبط ولايات مضطربة متنازعة كولايات الأندلس بنواب ~~يرسلون من مراكش، أو ببعوث الجند ترسل بين الحين والحين لصد كرات الأعداء، نعم، إن الموحدين ~~قويت شوكتهم أول الأمر حينما قدموا إلى الأندلس بعدتهم وعديدهم، فانتصروا انتصارا مؤزرا ~~في سنة 1195م/591ه بموقعة الأرك بالقرب من بطليوس، وقتلوا آلافا من أعدائهم، وظفروا ~~بغنائم يخطئها العد، ms117 ولكن الحظ وهو متقلب ملول، لوى عنهم وجهه في موقعة العقاب المشئومة ~~سنة 1212م/609ه التي قضت على ملكهم بالأندلس، فقد كان جيشهم ستمائة ألف مقاتل، لم ينج منهم ~~إلا عدد قليل فر لينبئ بهزيمتهم ودحرهم، وسقطت مدينة إثر مدينة في أيدي المسيحيين، وضاعف ~~كارثة الموحدين ما كان من الشغب بين قبائل البربر بإفريقية، وما توالى من وثبات المنافسين ~~لهم فيها، فتبددت قوتهم، وطمع فيهم أمراء الأندلس الذين سئموا حكمهم المتزمت العنيف، ~~فأزاحوهم عن الأندلس في سنة 1235م/633ه وأعلن ابن هود نفسه حاكما لأكثر بلاد الجنوب، وتملك ~~سبتة بإفريقية، وحين قضى نحبه في سنة 1238م/636ه تحول حكم الأندلس إلى بني نصر أمراء ~~غرناطة. # وكانت مملكة غرناطة بقية ما ملك العرب بإسبانيا بعد أن تمزقت أشلاء مملكتهم، ووقع أكثر ~~المدن بأيدي المسيحيين، فبين سنة 1238م/636ه و1260م/658ه فتح فرديناند الثالث ملك قشتالة ~~وجايم الأول ملك أراغون مدن: بلنسية، # 1 # وقرطبة، وإشبيلية، ومرسية، وأصبح حكم العرب محصورا في مقاطعة غرناطة، وهي ~~الرقعة بين جبال نيفادا # 2 # وساحل البحر من المرية إلى جبل طارق، وقدر للعرب بعد هذه الفتوح أن يستمر ~~حكمهم بغرناطة قرنين ونصف قرن. # وكان للعرب جيش ومنعة في هذه البقعة التي أحاط بها أعداؤهم من كل جانب، فإن الجنود ~~الأشداء الذين فروا من المدن بعد استيلاء النصارى عليها هرعوا إلى الملك الباقي من ملوك ~~المسلمين ليقدموا سيوفهم وسواعدهم لخدمته، وقد قيل إن خمسين ألفا من العرب قدموا على سلطان ~~غرناطة من بلنسية، وشريش، وقادس، ومع كل هذه القوة وهذا السلطان كانت غرناطة تومئ لملك ~~قشتالة بالطاعة، وتؤدي إليه الإتاوة كل عام، وكان منشئ دولة بني نصر عربيا يدعى ابن ~~الأحمر # 3 # لشقرة فيه، وكان شديد المراس قوي الأسر، غير أنه لم يستطع الوقوف في وجه ~~النصارى؛ لأن إسبانيا كلها إلا قليلا أصبحت في أيديهم، فخضع ابن الأحمر مرغما لهم، وأدى ~~الإتاوة لفرديناند، ثم لابنه ألفونسو «العالم» وإن حاول مرات أن يخلع نيرهم ويتحدى قوتهم، ~~وفي غضون هذه الفترة ترك ملوك المسيحية غرناطة ms118 وشأنها؛ لأنهم شغلوا بتوطيد دعائم الملك فيما ~~فتحوه من البلاد، وبمكافحة كل دعي في الملك دخيل. # وطالما حاول العرب في حروب متعاقبة أن يتغلبوا على المسيحيين ويتفلتوا من أيديهم، ولكنهم ~~قنعوا في النهاية بالمنزلة التي وضعهم فيها القدر، وكانت الإتاوة التي يؤديها محمد العاشر ~~إلى المسيحيين لصيانة مملكته في سنة 1463م/868ه اثني عشر ألف دوكات. # 4 # وكانت لغرناطة منزلة قرطبة في إنهاض الآداب والعلوم في أثناء هذا الهدوء السياسي، فكان ~~لبنائيها ومهندسيها شهرة ذائعة في أرجاء أوربا، فهم الذين بنوا الحمراء التي دعيت بهذا ~~الاسم للون التربة التي أنشئت عليها، وهم الذين موهوا حيطانها بالزخرف الذهبي البديع، ~~وزينوها بالأشكال المصبوبة ذات الهندسة العربية الفائقة التي لا تزال إلى اليوم موضع عجب ~~الفنانين وإعجابهم في أنحاء العالم، # 5 # وتعد غرناطة نفسها ببرجيها السامقين لؤلؤة في جيد الزمان؛ فقد بنيت عند نهاية ~~المرج الممرع وفي سفح جبال القمر المتوجة بالثلوج (جبال نيفادا). # وإذا أطل المرء من إحدى قمم غرناطة أو الحمراء، التي تقف دبدبانا في نهاية المرج كما ~~يقف الأكروبول في أثينا، # 6 # وسرح نظره في فضاء المرج الأفيح # 7 # وقد تعانقت أشجاره، وتبسمت أزهاره - رأى من الجداول والكروم والبساتين وغياض ~~البرتقال ما يملأ النفس سرورا وبهجة، وفي الحق إن غرناطة تفضل كل مدينة بالأندلس في جمال ~~مناظرها واعتدال جوها، فإن النسيم الذي يهب عليها من الجبال الثلجية يجعل أشد أيام القيظ ~~فيها من أجمل الأيام وألطفها، أما تربتها، فمنقطعة النظير في الخصب وقوة الإنبات، وقد أنشئ ~~قصر الحمراء فوق شرف من الأرض تحيط به قمم عالية صعبة المنحدر، تتدفق في سفحها الشمالي ~~أمواه نهر حدرو # 8 ~~(درو) وقد حصن القصر بأسوار غطيت بالمرمر، وشدت عند كل مسافة بحصون تشرف ~~عليه، وتشبه الرقعة التي قامت عليها الحمراء سن رمح دقيقة الطرف عريضة الجانبين، يبلغ طولها ~~نصف ميل من الشرق إلى الغرب. # 9 # ويمر الزائر من فناء الحمراء بقبة ضخمة برتقالية اللون، تضرب إلى الحمرة فينتهي إلى باب ~~دار العدل؛ حيث كان يجلس ms119 السلاطين للفصل بين الناس # 10 # كما كان يفعل قضاة اليهود، وهناك على قوس من البناء لها شكل حذاء الفرس، ترتفع ~~إلى نحو ثمان وعشرين قدما - صورتان نحتتا في صخرتين عظيمتين، إحداهما لمفتاح رمزي، ~~والأخرى ليد ضخمة مرفوعة إلى السماء # 11 # فإذا اجتاز الداخل هذا الباب وصل إلى فناء مربع، فرأى إلى أحد جوانبه القصر ~~الذي هم بإنشائه شارل الخامس ولم يتمه، ثم يمر بالطريق الموصلة إلى الحمراء، فيرى بعض ~~أطلالها، وينتهي إلى ساحة تسمى (ساحة الريحان) لكثرة ما بها من هذا النبات، ويخرج من هذه ~~الساحة ممر ضيق يوصل إلى فناء البركة، وطوله مائة وأربعون قدما وعرضه نصف ذلك، وبه بركة من ~~الرخام تتألق فوقها الشمس، بها كثير من السمك ذي الألوان، وتزين جوانب هذا الفناء أعمدة ~~ومشارف نادرة الصنعة، ويظهر إلى الشمال منه حصن «قمارش» تياها مخترقا الأفق، ويرفرف ~~السكون والهدوء على هذا الفناء، حتى إن المرء لا يكاد يسمع فيه للماء خريرا وهو منطلق إلى ~~البركة، وما أجمل تألق السمك الذهبي الكثير العدد بالبركة إذا واجهته أشعة الشمس!! وما أروح ~~أن يحس المرء فيه بأنه في عزلة عن الدنيا!! فإن أثرا من آثار الحياة الصاخبة لا يصل إليه؛ ~~إذ كل ما حوله هدوء مطلق لا يبعث في النفس الملالة، فهو طلل صامت رزين هادئ، يصور الموت ~~والدمار، ولن يستطيع المرء وهو يراه إلا أن يشعر بالعطف والإكبار والحب لبناة هذا القصر ~~الأولين. # فإذا مررنا من فناء البركة أو القاعة الزورقية إلى بهو الرسل (السفراء) تخيلنا أيام ~~ازدهار دولة المسلمين، وكدنا نبصر في صدرها خليفة الأمويين جالسا على عرشه في عظمته ~~وجلاله. # فإذا أشرفنا من النافذة المطلة على سهل حدرو ذكرنا كيف أن عائشة زوج السلطان أبي الحسن ~~أدلت منها ابنها أبا عبد الله محمدا في زنبيل منذ خمسة قرون، وكيف أن شارل الخامس قال مرة ~~وهو مشرف منها: «ما أشقى من يفقد كل هذا!» # وفي أثناء بحثنا عن التخطيط المشتبك المعقد لهذه الأطلال، نجد أنفسنا في مخدع الملكة ms120 الذي ~~تطل نوافذه على المرج الفسيح الفياح، فتعود بنا الذكرى إلى العهد القديم وما كان فيه من ~~بلهنية ونعيم ورفه؛ لأننا نرى بين صفوف المرمر الذي رصفت به أرض المخدع شقوقا وفروجا ~~بالقرب من مدخله، يحدثنا القصاصون عنها أن البخور وأنواع الطيب كانت تحرق تحت المخدع، فينفذ ~~إليه شذاها من هذه الشقوق، فتتعطر أرجاؤه، وإذا أطللنا من إحدى نوافذه، رأينا بستان ~~«لينداراجا» ورأينا بالقرب منه حمامات السلاطين المدلة بنحتها الرائع ورسومها العبقرية، ~~وزليجها الجميل. # وبهذه الحمامات فوارة كان يسيل منها الماء في صوت إيقاعي كأنه يحاول الانسجام مع رنات ~~الموسيقى التي كانت تهبط من المشارف، وقد جلس بها القيان يغنين ويعزفن لسيدات القصر، وهن ~~ينعمن بالاستحمام، أو يضطجعن على الأرائك الذهبية، وقد نقر كل مستحم في صخرة عظيمة من ~~المرمر، ووضع في غرفة سقفها من الزجاج المزين بالتهاويل، بينها صور من نجوم وورود ينفذ ~~النور من خلالها. # وقد يكون بهو السباع أشهر جزء وأبدعه في هذا القصر، وإن كان أقل اتساعا من ساحة الريحان، ~~وبهذا البهو مائة وثمانية وعشرون عمودا من المرمر، وضعت أجمل وضع، ونسقت أبدع تنسيق ~~باجتماع كل ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، وفوق هذه الأعمدة صفف ليست سامقة الارتفاع، والبهو ~~غني بروائع الفن ، مليء بنوادره. # ومن هذا البهو يصل الزائر من باب أبدعت الصناعة رسمه وزخرفه إلى قاعة بني سراج، سميت ~~بذلك؛ لأن السلطان أبا عبد الله أمر بذبح بني سراج بها # 12 # ولا نزال اليوم نرى على أرضها نقطا من الدم، يزعم بعض الناس أنها بقية ما سال ~~من دمائهم. # ولن يتسع لنا الوقت إذا حاولنا مشاهدة جميع قاعات هذا القصر الفخم وأبهائه، وخير لنا أن ~~نتجه الآن إلى قصر آخر، يسمى بجنة العريف، وهو جوسق القصر الأكبر، يصور ظاهره بساطة الفن ~~الشرقي، وقد أصابه الآن الدمار، وحطمته يد الدهر والإنسان، حتى إن نقوشه العربية الدقيقة ~~شوهت بما لطختها به يد الجهل من طبقات الملاط، واختفت تماثيله المنحوتة وتولى جماله، ~~وزالت نضارته منذ حين. # لم يكن ms121 يتوقع العرب والمملكة المسيحية القوية على مرمى سهم منهم، أن يعيشوا أكثر من قرنين ~~في رفاغة من العيش وقد همست في آذانهم النذر، وأحسوا قرب زوالهم في الربع الثالث من القرن ~~الخامس عشر، وكان اتحاد أراغون وقشتالة بتزويج فرديناند بإيزابلا أول ناعق بالفناء، وكان ~~يحكم غرناطة في هذا الحين مولاي علي أبو الحسن، وكان من أشجع الشجعان قوة وجرأة، فصمم على ~~أن يسبق مكايدهما، وأن يناجزهما الحرب، وكانت بداءة الشر أن أبى أن يؤدي إليهما الإتاوة، ~~حتى إذا وصل إلى حضرته رسول فرديناند يلح في طلبها وينذر ويوعد، أجابه أبو الحسن في صلف ~~وكبرياء: «قل لمولاك إن سلاطين غرناطة الذين اعتادوا أداء الإتاوات قد ماتوا، وإن دار الضرب ~~بغرناطة لا تطبع الآن غير السيوف.» ثم أرسل غارة شعواء على المسيحيين بقامة الصخرة ليعزز ~~قوله بالعمل. # وقد قص علينا الكاتب الأمريكي الموهوب واشنطون إيرفنج، # 13 # عنف هذه الغارة في كتابه «آخر حروب العرب بإسبانيا» فقال: # في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وألف من الميلاد (886ه) دهم أهل الصخرة بياتا ~~وهم نائمون، وكان حارس القلعة قد هجر مكانه منها، والتجأ إلى كن يقيه العواصف ~~والأنواء التي اشتد غضبها، وثارت ثورتها منذ ثلاث ليال متعاقبة، وقر في نفسه أن ~~أحدا من الأعداء لن يخرج في مثل هذه الليلة الليلاء، وغاب عنه أن أرواح الشر أكثر ~~ما تعمل في ظلام الليالي العاصفة، وفي منتصف الليل ارتفع الضجيج في المدينة، فكان ~~أشد إرهابا من صخب الأنواء، وصاح الإسبان مذعورين: العرب العرب، وسرت أصواتهم في ~~كل ناحية من المدينة ممتزجة بصليل السيوف وأنين القتلى وصيحات الظفر والانتصار، ~~وخيل إلى أهل المدينة وقد شدههم الذعر، أن شياطين الليل طارت إليهم على أجنحة ~~الريح وسلبتهم حصونهم ومعاقلهم، وارتفعت صيحات القتال من كل مكان، نداء يرجع نداء، ~~وصوت يردد صوتا، هذا من فوق، وهذا من تحت، وهذا من معاقل القلعة، وهذا من طرق ~~المدينة، نعم، كان العرب في كل مكان وقد لفهم الظلام وسترتهم الأنواء، غير أنهم ~~مع كل هذا ms122 كانوا يعملون متعاونين على نظام دقيق وخطة محكمة، وباغت جنود أبي الحسن ~~حراس الصخرة بعد أن هبوا من نومهم، فطارت نفوسهم شعاعا، وأناخ عليهم العرب ~~فاستأصلوهم قبل أن يغادروا ثكناتهم، وبعد فترة قصيرة انتهى الصدام والقتال، والتجأ ~~من نجا من أهل المدينة إلى مخابئ دورهم، أو ذهب إلى الأعداء راضيا بالذل والإسار، ~~وسكنت السيوف في أغمادها وسكت صليلها، ولكن العواصف ما زالت تزأر وتصخب مختلطة ~~بأصوات العرب الذين خرجوا هائمين يبحثون عن الغنائم والأسلاب، وبينما كان السكان ~~يرتعدون فرقا مما سيصيبهم، إذا صوت بوق يدوي في أرجاء المدينة داعيا إياهم أن ~~يجتمعوا عزلا في الميدان الكبير، وهنالك أحاط بهم الجند لحراستهم حتى الصباح، ~~وكان مما يثير الحزن والأسى أن ترى - وقد انبثق الفجر - هذه الجموع الحاشدة التي ~~كانت تعيش في ترف ونعيم وقد اختلط حابلهم بنابلهم وشيوخهم بأطفالهم، ونساؤهم ~~برجالهم، وأغنياؤهم بفقرائهم، وليس على أجسامهم ما يقيهم قارس البرد وعاصف الأنواء، ~~وزاد الضجيج وارتفعت أصوات التوسل والرجاء، ولكن مولاي أبا الحسن القاسي سد أذنيه ~~وأغلق قلبه دون العطف والرحمة، وأمر بهم أن يساقوا جميعا إلى غرناطة كما يساق ~~العبيد، وأبقى بالمدينة والقلعة حراسا أشداء، وأمرهم أن يتيقظوا لكل طارق، ثم قفل ~~إلى غرناطة والانتصار ينفخ خياشيمه كبرا وزهوا، ودخلها على رأس جنده ومعهم ~~الغنائم والأسلاب، والبيارق والأعلام، وفي أثناء ما أقيم من الولائم والأفراح لهذا ~~الفتح المبين، قدم أسرى الصخرة من الرجال والنساء والأطفال وقد نهكهم التعب، وأكل ~~قلوبهم اليأس، فدخلوا المدينة كما يدخلها قطيع من البقر قد لفه الليل بسواق ~~حطم. # وبهت أهل غرناطة وذعروا وتألموا لقسوة أبي الحسن، وشعر عقلاؤهم بسوء مغبة هذا التهور ~~وسموه: بداية النهاية، وصاحوا: «ويل لغرناطة! ويل لها! لقد دنت ساعتها، وستقع أنقاض ~~الصخرة فوق رءوسنا.» # ولم يكن الانتقام بعيدا؛ فقد استولى بعد قليل مركيز قادس على حصن الحمة غيلة، وبهذا ~~الاستيلاء تمكن النصارى من وضع حامية قوية في قلب بلاد المسلمين، وعلى مسافة قصيرة من ~~غرناطة نفسها، وكم حاول أبو الحسن أن يسترد ms123 هذا الحصن فلم يفلح؛ لأن من به من الجنود أظهروا ~~شجاعة نادرة المثال، وصبروا وصابروا حتى جاءهم المدد، وأدركتهم النجدة، وارتفع الصياح ~~بغرناطة: «ويل للحمة!! لقد سقطت الحمة وأصبح مفتاح غرناطة اليوم في أيدي الكفار.» # ومن ذلك الحين أصبح هذا الحصن شوكة في جنوب ملوك العرب، فمنه خرج كونت تنديلة وعاث في ~~المرج، وأكثر فيه الفساد. # حفز الانتصار كلا الفريقين من المسلمين والنصارى إلى شن الغارات التي لم يكن لها من أثر ~~إلا التخريب وإثارة الأحقاد، وصمم النصارى آخر الأمر على أن يذيقوا العرب النكال، ويدهموهم ~~بجيش جرار، فعزموا على غزو ولاية مالقة، وجمعوا كتائبهم بزعامة مركيز قادس وغيره من كبار ~~القواد، ثم زحفوا على العرب بهذا الجيش المشئوم، # 14 ~~«وخرج الجيش مزهوا بأبطاله المدججين من أبواب أنتقيرة # 15 # يوم الأربعاء، فمشى جنوده ليلة بنهارها في شعاب الجبال مبالغين في إخفاء أنفسهم ~~حتى يأخذوا العرب بغتة. # ولم يصلوا إلى الطريق الذي كانوا يقصدون العيث والإفساد فيه إلا في اليوم التالي وكان ~~شعبا ممتدا في أملاك العرب بالقرب من ساحل بحر الروم، وفي هذا الشعب لاقوا من الأهوال ~~والفوادح ما يعجز عنه الوصف، فساروا فيه يستحثون الخطا بين الجبال العابسة السامقة ~~والأوعار والأخناق. # وطالما اعترض طريقهم مهاو عميقة، وأودية صلدة بعيدة الغور قليلة الماء بين صخور تريد أن ~~تنقض، وصخور أسقطتها عواصف الخريف، فعز اجتيازها، وقد يمشون ساعات طويلة في أخاديد، أو في ~~مجرى جاف حفره السيل بين الجبال، وغمره بالحصا والأحجار، وكانت تغطي هذه المهاوي وتلك ~~الأخاديد قمم عزيزة المرتقى صعبة المنحدر، جعلت من هذا المكان مخبأ صالحا، كان يكمن فيه ~~الجنود في أثناء الحروب بين العرب والمسيحيين، ثم أصبح بعد ذلك وكرا للصوص يثبون منه على ~~المسافرين. # وعند غروب الشمس بلغ الفرسان قمة بعض الجبال، ونظروا إلى ميامينهم فرأوا عن بعد قسما من ~~مرج مالقة الوسيم وقد ظهر من ورائه بحر الروم، فاشتد فرحهم حتى كأنهم بقية من قوم موسى، ~~ظفروا بعد أين بنظرة إلى أرض الميعاد بعد الفرقة ms124 والشتات، وحين اعتكر الظلام وصلوا إلى ~~بعض الأودية والدساكر التي أطبقت عليها الجبال، ويسمي العرب هذه البقعة بشرقية مالقة، وفيها ~~كتب لآمالهم أن تخيب، ولجيشهم أن يتمزق؛ فإن العرب لما علموا بقربهم ساقوا بقرهم، وحملوا ~~أمتعتهم، والتجئوا بزوجاتهم وأولادهم إلى قلل الجبال ومعاقلها. # واشتد غضب النصارى، وانصرفوا مسرعين طامعين في أن يقعوا في الطريق على غنم أعظم وأوفر، ~~وأرسل الدون ألونزو آل أغيلار وغيره من القواد جنودهم، فعاثوا فيما حولهم من الأرض، ودمروا ~~ما شاء غيظهم أن يدمروا، واستلبوا بعض البقر من زراع العرب في أثناء فرارهم، وبينما كان هذا ~~الفريق يعيث ويدمر ويشعل النار في الدساكر فتنير الجبال، أمر صاحب سنتياغو - وكان يقود ساقة ~~الجيش - أن يجتمع الفرسان صفوفا ليكونوا على استعداد إذا صاحت بهم صائحة. # وحاول بعض فرسان هذه الإخوة الدينية أن يهيموا في الأودية لاقتناص الغنائم، فدعاهم ~~وزجرهم. # ثم قادهم سوء الطالع إلى شعب في الجبل تقطعه الهوات والأخاديد البعيدة العمق، وتغطيه ~~القمم، فكان مستحيلا أن يحتفظ فيه الجيش بنظامه، وضاق مجال الخيل عن المسير فخرجت عن طوع ~~فوارسها، وكانت تتسلق من صخرة إلى صخرة، وتنزل غورا وتصعد في نجد، وتنقل سنابكها في مكان ~~يضيق بفرسن الوعل، وحينما مروا بإحدى القرى كشفت لهم أضواؤها ما صاروا إليه من سوء ~~الحال، وتفاقم الخطب، ووعورة الطريق، وهنا بصر بهم العرب الذين كانوا قد سبقوهم إلى معاقلهم ~~الممعنة في الارتفاع، ورأوا الفخ الذي سقطوا فيه، فصاحوا جذلين مستبشرين ونزلوا من حصونهم، ~~وربضوا فوق قمم الجبال التي تشرف على الهوات التي ارتطم فيها المسيحيون، وأخذوا يصبون عليهم ~~وابلا من السهام والأحجار. # وأطبق الليل بظلامه الدامس مرة أخرى على المسيحيين وهم محبوسون في واد ضيق يخترقه جدول ~~عميق، وتحيط به الحبال الذاهبة في السحاب وقد اشتعلت فوقها نيران الدعوة إلى الجهاد، وبينما ~~هم في هذه الحال من اليأس، إذا صيحات مزعجة يتردد صداها في جنبات الوادي: الزغل الزغل!! ~~فسأل صاحب سنتياغو: ما هذه الصيحات؟! فأجابه جندي قديم: هذه صيحات الزغل قائد العرب، ms125 وهي ~~تدل على قدومه بجيشه من مالقة، فالتفت صاحب سنتياغو إلى فرسانه وقال: فلنمت ممهدين الطريق ~~بقلوبنا بعد أن عجزنا عن تمهيدها بسيوفنا، ولنخترق الجبال إلى الأعداء، ولأن نبيع أنفسنا ~~هنا غالية، خير من أن نذبح مستسلمين، وما كاد يتم قولته حتى لوى عنانه وهمز فرسه متسلقا ~~الجبل يتبعه المشاة والفرسان، وقد وقر في نفوسهم أنهم إذا لم يستطيعوا الفرار فلا أقل من أن ~~ينالوا من أعدائهم بعض منال، وبينما هم يتسلقون إذ دهمهم من العرب سيل من السهام والحجارة، ~~وكثيرا ما كانت الصخرة تهوي على جموعهم كالرعد القاصف فتمزقهم تمزيقا. # وكان يطمح صاحب سنتياغو أن يجمع شمل مشاته، وأن يهجم بهم على الأعداء، ولكن قومه من حوله ~~ألحوا في رجائه أن يربأ بنفسه عن التلف، وقالوا له فيما قالوا: إن في بقائك بين براثن هؤلاء ~~الأعداء موتا محققا لا يدفع بسيف، ولا ينفع فيه الإقدام، وإن في فرارك إبقاء على حياة قد ~~تنال في يوم أمنية الانتقام، فخضع القائد بعد لأي لنصحهم وقال: اللهم إني أفر من غضبك لا ~~من هؤلاء الكفار، فإنهم لم يكونوا إلا آلة في يدك أردت أن تطهرنا بها من ذنوبنا، ثم دعا ~~بالأدلاء أن يتقدموه، ونخس جواده فوثب فوق أخاديد الجبل قبل أن يدركه العرب ، ورآه جنوده ~~فتفرقوا أيدي سبأ، واقتفى بعضهم آثاره ولكنهم ضلوا الطريق وأخذتهم الحيرة بين شعاب الجبال ~~المضللة، فذهبوا هنا، ثم ذهبوا هناك، ومات فريق منهم في الطريق، وذبح العرب فريقا وأسروا ~~فريقا.» # 16 # ولم ينس المسيحيون وشيكا هذه الويلات، ويلات جبال مالقة، فكانوا يتحرقون للانتقام، وقد ~~ظفروا بثأرهم وشفوا غلتهم، وفازوا بانتصار باهر حينما شن أبو عبد الله على بلادهم غارة ~~شعواء، وكان في ذلك الحين قد اغتصب ملك غرناطة من أبيه، فزحف بجنوده خفية مدرعا الليل، ~~ولكن النصارى علموا بهذا الزحف، فأشعلوا النيران في قمم التلال للاستغاثة، وقد تنبه كونت ~~قبرة لهذه النيران، وجمع زعماء قومه وأتباعه فعثروا على العرب بالقرب من لشانة، وتربصوا ~~لهم في غابة هناك، ms126 ثم سقطوا عليهم فهزموهم شر هزيمة، وحينما دخل فلول الفارين أبواب غرناطة، ~~تعاظم الأمر أهلها فبكى الباكون، وندب النادبون قائلين: «غرناطة يا أجمل المدن!! أين ذهب ~~جمالك وجلالك؟! لقد دفنت زهرات مجدك في أرض الأعداء، فلن يتردد في بطحاء الرملة بعد اليوم ~~صدى سنابك الخيل، ولا صيحات الأبواق، ولن يزدحم فضاؤها بعد اليوم بشبابك النبلاء، وهم ~~يستعدون للمبارزة والجلاد. # غرناطة يا أجمل المدن!! لن تسري بعد اليوم نغمات العود الناعمة في شوارعك المقمرة، ولن ~~تسمع ألحان العشاق تحت قصورك العالية، وستخرس دقات الصنوج المرحة فوق تلالك الخصيبة، وستقف ~~رقصات الزمبرة الجميلة تحت عرائشك الوريفة. # غرناطة يا أجمل المدن!! لم أقفرت الحمراء من أهلها وأصبحت يبابا؟! إن الريحان وأزهار ~~البرتقال لا تزال ترسل أريجها بين غرفها وفراشها الوثير!! ولا تزال البلابل تصدح في مروجها ~~الفيح، ولا تزال أعمدة أبهائها تنتعش برشاش الفوارات يتساقط عليها، وتنعم بخرير أمواهها ~~كأنه صوت أم تدلل أطفالها، واحسرتاه!! لن نشهد بعد اليوم طلعة السلطان مشرقة بين أبهائها؛ ~~لأن نور الحمراء أطفئ إلى الأبد.» # قبض على أبي عبد الله في هذه الموقعة، وأرسل أسيرا إلى قرطبة، وانقض فرديناند على ~~المرج يعيث فيه فسادا، بينما كان مولاي أبو الحسن - وقد عاد إلى ملكه - شيخا هما يحرق ~~الأرم غيظا من وراء أسواره. # | هوامش # | سقوط غرناطة # كان أسر أبي عبد الله ضربة قاصمة لحكم المسلمين بالأندلس، ولم يكن أبو عبد الله نفسه ~~بالرجل الذي يؤبه له - وإن كان شجاعا مقداما - لأنه كان ضعيف الرأي، كثير التردد، شديد ~~الوساوس والتطير، وزاده خبالا أن استقر في نفسه أن الدهر يعكس آماله، وأن القدر يحاربه، ~~فكان يندب دائما سوء طالعه ونحس نجمه، وعرف الناس فيه ذلك فنبزوه «بالشقيتو» أي الشقي، ~~وبالزغيبي، وكثيرا ما كان يقول وهو يرى آماله تئيض رمادا: لقد كتب في لوح القدر أن ~~أكون مشئوم الطالع، وأن يكون زوال هذه المملكة على يدي. # 1 # وكان من الهين على النصارى أن يطلقوا سراح أبي عبد الله؛ فقد كان فسلا مسلوب القوة، ms127 ~~ولكنهم رأوا أنه على ضعفه قد يكون أداة شديدة الخطر في أيدي آخرين، وقد صدقت الحوادث ~~ظنونهم، فإن خضوع أبي عبد الله لفرديناند وبقاءه في قبضته كان من أسباب سقوط دولة المسلمين ~~بالأندلس، وحينما وصل إلى قرطبة استقبله الملكان الكاثوليكيان أحسن استقبال، وما زالا ~~يأخذانه بضروب الإغراء الخبيثة، ويشرحان له سوء أمره، ويظهران له قوة بطشهما وعظمة ملكهما ~~حتى ذل عنقه وأصبح آلة في أيديهما، وخادما لهما أمينا، وبعد أن وثقا منه طلبا إليه أن ~~يعود إلى غرناطة حيث يتحصن أبوه أبو الحسن بقلاع الحمراء، فدخلها أبو عبد الله مؤيدا ~~بأنصاره النازلين منها بربض البيازين، # 2 # وامتلك حصن القصبة، وشن على أبيه المتحصن قبالته حربا عوانا. # وبقي أبو عبد الله بحصن القصبة مدة تؤيده رماح بني زغبة وسيوفهم، ولكن قوة أبي الحسن كانت ~~فوق قوته، فاضطر إلى أن يلتجئ إلى المرية، ومن ثم أصبح لغرناطة سلطانان: أحدهما أبو عبد ~~الله المنكود الحظ في ميداني السياسة والحروب، البغيض إلى العرب؛ لأنه أصبح أداة في أيدي ~~أعدائهم، والثاني أبو الحسن، أو هو على الأصح أخوه الزغل «الشجاع»؛ # 3 # لأن السلطان كان يقضي بقية أيامه حزينا كئيبا لما أظهره ابنه من العصيان؛ ~~ففقد بصره ثم مات، وأغلب الظن أنه مات مسموما. # أما الزغل: فهو آخر ملك عظيم أنبتته الأندلس؛ فقد كان شجاعا ثابت الرأي، عدوا لدودا ~~شديد المراس قوي العزم في محاربة المسيحيين، ولو لم يفسد عليه ابن أخيه أمره، لبقيت غرناطة ~~في أيدي المسلمين مدة حياته، وإن لم يكن ثمة مفر من انتصار المسيحيين في النهاية، وقد أسرع ~~سلاطين غرناطة بتنازعهم وتكالبهم على الملك بتقريب هذه النهاية، وإذا حكمت الأقدار على ملك ~~بالسقوط أخذت تملي له، وتملأ رأسه بالسخف والغرور. # وهكذا نرى اليوم سلاطين غرناطة وقد استبد بعقولهم الشغف بالانتحار - إن صح أن نسمي ~~تخريبهم بلادهم بأيديهم انتحارا - ففي الحين الذي كان يجب أن يجتمعوا فيه ويتواثقوا لصد ~~المسيحيين، نراهم يبددون قواهم في محاربة بعضهم بعضا، ونرى بعضهم يصد جيش أخيه وهو ms128 زاحف ~~على الإسبان ليكون هو وأخوه آخر الأمر طعمة للإسبان، وتفرق أهل غرناطة شيعا، فزاد ذلك في ~~إشعال نار الغيرة والتحاسد بين السلاطين، ولم يكن من شيء أحب إلى الغرناطيين من إسقاط سلطان ~~ونصب آخر مكانه؛ لأنهم قوم متقبلون لا يصبرون على حال، مولعون بالتغيير، سواء أكان للخير أم ~~للشر، وكانوا يبتهجون بالسلطان ويؤيدونه ما دام سعيدا موفقا في حروبه، تعود جيوشه إليهم ~~بالغنائم والأسلاب، فإذا خاب مرة في شيء من هذا أغلقوا أبواب المدينة دونه، ونادوا بحياة ~~السلطان الذي أعدوه لساعته، وقد يكون هذا أبا عبد الله أو الزغل، أو أي رجل أسعده الحظ في ~~هذه اللحظة بالفوز بحبهم الفروك. # وبينما كان أبو عبد الله المشئوم يبذل وسعه في إحباط جهود عمه الزغل الباسل، كان ~~المسيحيون يضيقون الدائرة المحيطة بالمملكة المنكوبة شيئا فشيئا، فأخذت تسقط في أيديهم ~~مدينة بعد أخرى، وتملكوا حصن لورة وغيره من الحصون سنة 1484م/889ه بنسفها بالمدافع التي ~~ابتكرت حديثا، وتبع ذلك في السنة التالية سقوط ذكوان، وقرطمة، ورندة. # وبذل الزغل في هذه الوقائع ما يستطيع من جهد، ووثب على فرسان قلعة رباح من كمين فأثخن ~~فيهم ضربا وطعنا، ومع هذا استمر النصارى في سبيلهم إلى النصر فسقطت لوشة في سنة ~~1486م/891ه واشترك في معركتها من غزاة الإنجليز اللورد إسكيلز، وكان يقود فرقة من النبالة ~~الإنجليز، # 4 # ثم تملك النصارى إيلورة، ومكلين، فهال ذلك العرب ورددوا مذعورين: لقد عورت عين ~~غرناطة اليمنى، فأجابهم النصارى: بل قولوا: لقد كسر ملوك الكثلكة جناح النسر العربي الأيمن. ~~وتم استيلاء فردينالد ورجاله على القسم الغربي من المملكة، وأصبحت غرناطة تنقص من أطرافها ~~قليلا قليلا، وسخط الغرناطيون على الزغل؛ لأنهم لم يحتملوا كل هذه الهزائم، ودعوا أبا عبد ~~الله مرة ثانية إلى مدينتهم، فصعب عليه أن يثبت وحده أمام عمه فاستعان بالمسيحيين. # وكان فرديناند في هذا الحين يحاصر بلش بالقرب من مالقة، فوصل الخبر إلى غرناطة فأثار غضب ~~أهلها وسخطهم، فاستنهضوا عزيمة الزغل، وكان دائما على أهبة لمصافحة سيوف أعدائه ومنازلة ms129 ~~الموت لاستبقاء الحياة، فقاد جنوده في جرأة وإقدام لتخليص بلش، وكان يعلم حق العلم أن ابن ~~أخيه الخائن سيهتبل فرصة غيبته ويوطد ملكه بغرناطة، ولكن الزغل لم يلقب بالشجاع عبثا، فجعل ~~التفكير في نفسه دبر أذنه وتقدم لإنقاذ مالقة. # وكانت خطته أن يثب المحصورون بالمدينة من الداخل، وأن يفجأ هو وجيوشه أعداءه من الخارج، ~~ولكن عدوه كان عظيم المكر شديد المحال، فقد وصلت هذه الخطة إلى يد فرديناند، فاتخذ لها ~~عدتها. # وفي ليلة رأى أهل بلش جنود الزغل مصطفين فوق شرف قريب فابتهجت نفوسهم، ولكنهم في الصباح ~~حينما رددوا النظر لم يروا من هؤلاء الجنود أحدا؛ لأنهم دحروا في أثناء الليل عند أسوار ~~المدينة، وتمزق جيش الإنقاذ شر ممزق، وتبدد تبدد الضباب أمام هجمات مركيز قادس العاتية، ~~وحينما أخذت فلول هذا الجيش تدخل في خزي وعار أبواب غرناطة، اشتد غضب الغرناطيين، فثارت ~~ثورتهم، وأسرعوا بخلع طاعة الزغل ونصب أبي عبد الله سلطانا مكانه، وبعد قليل أقبل الزغل في ~~بعض رجاله نحو الأبواب، فرآها مغلقة في وجهه، ورفع رأسه فرأى علم أبي عبد الله خفاقا فوق ~~حصون الحمراء فارتد حزينا محسورا إلى مدينة وادي آش، وجعل بها حضرة ملكه بعد أن أغلقت ~~غرناطة أبوابها وقلوبها دونه، ولفظته في ساعة بؤسه كما تلفظ النواة. # ثم شرع النصارى يحاصرون مالقة، ولكنها كانت صعبة المنال شديدة المنعة، لم يكن اقتحامها ~~أمرا يسيرا، فقد أحاطت بها الجبال والأسوار الحصينة التي يعلوها الحصن الرابض قبل جبل ~~فارو، حيث تستطيع حاميته أن تصب القذائف على من بالسهول التي تكتنف المدينة، وتطوع بالدفاع ~~عنها في هذا الحين بطل عنيد، واسع الحيلة، صلب العود، يعرف بحامد الزغبي كان يقود من قبل ~~جيش رندة الذي حطمه النصارى تحطيما، فلم ينس لهم بعد تغلبهم عليه، وانتزاع القلاع ~~الصخرية منه عنوة، وهب هذا الجندي الباسل يبث في أهل المدينة وبين أنصاره من البربر روحا ~~من الجرأة والصبر والتحدي، حاول ملوك الكثلكة جهد استطاعتهم أن يخمدوها فلم يفلحوا، فاستطاع ~~حينما تمكن من جبل ms130 فارو أن يحمي المدينة، على الرغم من انحلال عزيمة بعض أهلها من التجار ~~وأصحاب الأموال، وحاول الملك أن يرشيه، فرد إليه رسوله في أنفة وكبرياء، وحينما أنذر ~~النصارى المدينة بوجوب التسليم، وألح عليه تجارها أن يغمد السيف، أجابهم في شمم وإيجاز: لقد ~~جئت هنا للدفاع عن المدينة لا لتسليمها، وحصر فرديناند ضربه في جبل فارو فغطت مدافعه ~~المعروفة «بأخوات شيمينيس السبع» الحصن برداء من الدخان والنار، واستمرت قذائف اللهيب تضطرم ~~ليلا ونهارا، وهم النصارى أن يأخذوا الحصن عنوة، فصب عليهم الزغبي وأنصاره الأشداء ~~حميما من القار والراتنج، وقذفوا فوق رءوسهم الأحجار والصخور وهم يحاولون تسلق سلالمهم، ~~وسددوا نحو صدورهم السهام فاضطروا إلى النكوص مدحورين. # ثم أخذ النصارى في دس الأنفاط (الألغام) تحت الأسوار فنجحوا، ونسفت بعض المعاقل بالبارود ~~لأول مرة في تاريخ الإسبان، واجتمع الفرسان المسيحيون حول أسوار مالقة، وحضرت الملكة ~~ايزابلا نفسها فأثار حضورها روح الحماسة في الفرسان والجنود، ونصبت عرائش من الخشب لحماية ~~الجنود في أثناء وضعهم الأنفاط تحت الأسوار، كل هذا والزغبي عنيد لا يسلم، قوي لا يغلب، ~~ولكن القدر المحتوم جر إليه في ذيوله ما هو شر من المدافع وأفتك من البارود، فقد اشتدت ~~المجاعة بين سكان المدينة، ففلت عزائمهم وصيرتهم أكثر ميلا للإنصات إلى دعوة الصلح التي ~~يبثها التجار منهم إلى سماع دعوة الصبر والمثابرة من الجنود المستميتين، ولم يكن هناك أمل ~~في نجدة تصل لإنقاذهم، فإن الزغل هم مرة بعد أخرى بإنقاذ المدينة، فجمع ما بقي من جيشه، ~~وزحف من وادي آش للنجدة، ولكن ابن أخيه المشئوم الذي أكد بأعماله شؤم لقبه أدركته الغيرة ~~الكاذبة من عمه، فأمر جنده أن يصدوا جيشه ويشتتوه وهو ذاهب إلى مالقة، وانتهت آخر جهود ~~الزغبي بمذابح شنيعة، وأضر السغب بالسكان، وقذفت الأمهات بأطفالهن أمام جواد الحاكم ~~باكيات صائحات بأن لم يبق لديهن فتاتة من طعام يغذين بها أطفالهن، وبأنهن لم تعد بهن طاقة ~~لسماع بكائهم. # بعد ذلك سلمت المدينة وأجبر الجنود قائدهم الزغبي - وكان لا يزال متشبثا بجبل ms131 فارو - أن ~~يفتح أبواب المدينة ففتحت، وكان جزاء هذا البطل الشجاع الباسل أن يقذف به في جب فلم يسمع ~~عنه خبر إلى اليوم. # وعندما رفع الحصار عن المدينة، أخذ سكانها المساكين يحارب بعضهم بعضا لشراء الطعام من ~~النصارى، وأسر الإسبان الحامية الإفريقية للمدينة وكانت لا تزال تحتفظ بشممها على الرغم مما ~~أصابها من الإعياء والنصب، أما بقية السكان فسمح لهم بأن يفتدوا أنفسهم على شرط أن يسلموا ~~جميع بضائعهم وأمتعتهم إلى الملك لتكون أول قسط من أقساط الفدية، وأنهم إذا لم يؤدوا الباقي ~~بعد ثمانية أشهر عدوا عبيدا، وبعد أن أحصي عددهم وفتشت منازلهم أطلق سراحهم. ~~«فكنت ترى الشيوخ وقد نال منهم الهرم، والنساء وقد فقدن الحامي والنصير، والفتيات في ~~غضاضة شبابهن، وكثير من هؤلاء من عاش في باحة العز وبين أكناف النعيم، ترى هؤلاء جميعا ~~يمشون مشية المتعثر اليائس قاصدين القصبة، وحينما غادروا ديارهم أخذوا يدقون صدورهم حزنا، ~~ويقلبون أكفهم أسفا، ويرفعون أعينهم الباكية إلى السماء في ألم وحسرة، وتحدثنا الروايات ~~أنهم كانوا يقولون وهم يندبون: # يا مالقة يا أجمل المدن وأبعدهن صيتا!! أين منعة حصنك؟! وأين عظمة أبراجك؟! ~~وماذا أفادت أسوارك القوية في حماية أبنائك؟! سيرثي بعض هؤلاء الأبناء لبعض وهم ~~غرباء مشتتون في أرض غير أرضهم!! ولكن هذا الرثاء لن يلقى من الناس إلا سخرية ~~وهزوا. # أرسل هؤلاء البؤساء إلى إشبيلية ليقوموا بخدمة الإسبان فيها، حتى انقضت ثمانية الأشهر، ~~وإذ لم يستطيعوا أداء ما بقي عليهم من الفدية، حكم عليهم جميعا بالعبودية، وكانوا زهاء ~~خمسة عشر ألفا، وهكذا نالت مكايد فرديناند أمنيتها، وبلغ مكره السيئ غايته. # أصبح القسم الغربي من مملكة غرناطة الآن في قبضة النصارى، واحتلت حامياتهم قلاع رندة، ~~ومالقة الجميلة، وكان أبو عبد الله لا يزال يحكم غرناطة، وقد أسرع بتهنئة سيده وسيدته على ~~انتصارهما بمالقة، أما الزغل فكان في الشرق يتحدى الفاتحين، وقد جمع حول لوائه كل من بقي في ~~نفسه شيء من الحمية والتصميم من بين العرب القانطين، وكان يملك غير منازع القسم ms132 من جيان إلى ~~المرية، وهي ثغر عظيم الشأن على بحر الروم، ويدخل في ملكه أيضا بعض المدن العظيمة: كوادي ~~آش، وبسطة، ثم السفوح الوعرة لجبال البشرات، وهي مهد قوم شداد صلاب من الجبليين، تطل على ~~عدد عديد من الأودية التي تسقى بالماء الخصر المنهمر من جبال نيفادا الثلجية حيث تكثر ~~المراعى والكروم، وغياض البرتقال والرمان، والأترج والتوت، ومن هذه الخيرات وغيرها تتكون ~~ثروة هذا الإقليم. # وفي سنة 1488م/893ه وجه فرديناند سيفه المنتصر إلى هذا الجزء الهادئ من مملكة الإسلام، ~~فجمع جموعه في مرسية، ثم زحف إلى الغرب في مملكة الزغل، وهجم على بسطة فصدمه الزغل صدمة ~~عنيفة؛ لأن يده لم تفقد بعد قوتها، ولأن عقله لم يزل ثاقبا بعيد مدى الحيلة، لم تذهب ~~النكبات بذكائه، فرد النصارى عن أبواب بسطة، وزاد فانتقم لنفسه بالهجوم على مملكتهم، ولكن ~~هذه الهزيمة لم تضعف من عزيمة فرديناند، فجدد هجومه على بسطة في السنة التالية، وبدل أن ~~يقذف بجنوده في هجمات خائبة على المدينة، أرسلهم يعيثون ويفسدون في الأرض الخصيبة حولها؛ ~~ليدفع الجوع سكانها إلى التسليم، واستمر حصار المدينة ستة أشهر، مات في خلالها من جنود ~~النصارى نحو عشرين ألفا من المرض والإقامة بالعراء، ومن هجمات المسلمين، # 5 # ثم سقطت المدينة في سبتمبر سنة 1489م/894ه وبسقوطها تبددت قوة الزغل وأفل نجمه، ~~وتلا ذلك أن خضعت القلاع التي تحصن البشرات واحدة بعد واحدة لسيف فرديناند أو ذهبه، وتجلت ~~عند ذلك للزغل الحقيقة المحزنة، وهي أن حكم المسلمين بالأندلس قضي عليه بالزوال. # فألقى القياد على كره منه لفرديناند، وسلم إليه المرية، فأقطعه الملك قطعة من الأرض في ~~البشرات، ومنحه لقب «أمير أندرش» ولكنه لم يقم طويلا بهذه البلاد التي ذهب فيها ~~مجده وتولى سلطانه، فباع أرضه، واجتاز البحر إلى إفريقية، وهناك قبض عليه سلطان فاس فعذبه ~~أشد عذاب وسمل عينيه، فقضى بقية أيامه هائما في الأرض بائسا طريدا، وما كان أشد حزن ~~الناس على هذا البطل المغوار وهو في أسماله البالية، وقد قرءوا على رق غزال ms133 خيط بردائه ~~«هذا سلطان الأندلس العاثر الجد». # لم يبق للمسلمين غير غرناطة التي اغتبط أميرها أبو عبد الله أعظم اغتباط، وتشفى في عدوه ~~القديم عمه أبي عبد الله الزغل حينما سلبه ملوك الكثلكة ملكه، وصاح من الفرح حينما بلغه ~~الرسول الخبر: لن أقبل من الآن أن يلقبني أحد بالزغيبي؛ لأن الحظ أقبل علي بوجهه. # ولكن الرسول أجابه في تؤدة: إن الريح التي تهب من أفق قد تهب من آخر، وإنه يجدر بالسلطان ~~أن يكبح من فرحه وسروره حتى يستقر الجو، وكان أبو عبد الله كثيرا ما يسمع سبه ولعنه ~~بأذنه في جميع شوارع غرناطة، وكثيرا ما يصل إليه ما يرميه الناس به من خيانة قومه ومحالفة ~~أعدائه، ومع كل هذا كان يعيش مطمئنا هادئ البال، تام الثقة بحلفائه، سعيدا بزوال ملك ~~عمه، وفي أثناء ما كان يحرض الملكين عليه، عاهدهما على أنهما إن أفلحا في الاستيلاء على ملك ~~الزغل وأخذا وادي آش والمرية، سلم اليهما غرناطة راضيا، ولكنه لم يلبث طويلا حتى أفاق من ~~غفوته، فإن فرديناند كتب إليه ينبئه بأن الشروط التي دونت لتسليم غرناطة قد تمت من ناحيته، ~~وأنه يحتم تسليمها على حسب نصوص المعاهدة التي دونت بينهما، وألح أبو عبد الله عبثا أن ~~يرجئ فرديناند هذا الأمر قليلا، ولكن الملك لم يتحول عما طلب، وأنذر بأنه إذا لم تسلم إليه ~~المدينة أعاد نكبة مالقة، فارتبك أبو عبد الله ولم يدر ماذا يفعل، غير أن أهل غرناطة ~~بزعامة موسى بن أبي الغسان الفارس الشجاع أخذوا الأمر في أيديهم، وبعثوا إلى فرديناند ~~بأنه إن أراد أسلحتهم فليأت لأخذها بنفسه. # وحينما وصلت هذه العبارة الجريئة إلى أذن فرديناند، كان مرج غرناطة يزخر بالحب والفاكهة، ~~وقد عاد إليه الخصب والنماء بعد أن عاثت فيه الحروب بين الزغل وأبي عبد الله، وبلغ الزرع ~~أشده، وآن حصاده، وتطلب المناجل، فاقتنص فرديناند هذه السانحة ولجأ إلى طريقته المعتادة، ~~فرمى المرج بخمسة وعشرين ألفا من جنوده، غادروه بعد ثلاثين يوما وهو أقفر من كف اللئيم، ms134 ~~واقتنع فرديناند بهذا القدر في هذا العام، ثم أرسل على المرج في سنة 1490م/895ه غارة مدمرة ~~أخرى، ودفع أبا عبد الله إلى شجاعة يائسة، فلبس لأمة الحرب وهجم على أعدائه مستعينا برأي ~~موسى الذي كان نادرة في الرجال، وحينما رأى العرب الذين كانوا عاهدوا فرديناند من قبل على ~~الطاعة سلطان غرناطة وهو يقود جيوشه للجهاد، وثبت عزائمهم من جديد، وألقوا بعهودهم في ~~الهواء وانضموا إلى إخوانهم المحاربين. # وكان يخيل إلى المرء أن أيام العز الماضية قد عادت إلى غرناطة، فإن المسلمين استردوا من ~~النصارى بعض الحصون وعاثوا في تخوم بلادهم، ولكن كل ذلك كان آخر شعاعة للشمس عند المغيب؛ ~~فإن فرديناند وإيزابلا خرجا في إبريل سنة 1491م/896ه للحرب الصليبية التي اعتاداها كل عام، ~~وعزما ألا يعودا إلا وغرناطة في قبضتيهما، فقاد الملك جيشا عدته أربعون ألفا من المشاة، ~~وعشرة آلاف من الفرسان، وعقد أبو عبد الله مجلس الحرب بالحمراء بينما كانت سحب غبار الجيش ~~الإسباني ترى من نوافذها، فرأى بعض رجال المجلس أن لا فائدة من المقاومة وأن الخير في ~~التسليم، ولكن موسى قام واستحثهم أن يكونوا أبناء بررة لآبائهم، وأن يطردوا عنهم اليأس ما ~~دامت فيهم قوة على القتال، وما بقيت لهم جياد سريعة الوثبات، فانتقلت حماسته إلى الناس، ~~وصمموا على الموت، ولم يكن يسمع بغرناطة إلا صليل السلاح وأبواق الجنود. # وكان موسى قائد الدفاع وحارس أبواب المدينة، وكان أهل غرناطة قد أحكموا إيصادها عندما ظهر ~~جيش النصارى فأمر بفتحها وقال: سنسد الأبواب بأجسامنا، فأثارت هذه الكلمات وأمثالها عزائم ~~الشباب، وحين قال مرة لجنوده: إننا لا نحارب لشيء إلا لصيانة الأرض التي تحت أقدامنا، فإننا ~~إن فقدناها فقدنا بيوتنا ومملكتنا - قذفوا بأنفسهم للموت معه، ومن الحق أن ندون هنا أن ~~فرسان العرب تحت لواء هذا القائد الجريء قاموا بأروع ضروب الشجاعة والإقدام. # وعول فرديناند في النهاية على اتباع أساليبه المعتادة في قهر المدن؛ فخرج من معسكره ~~الذي اتفق أن التهمته النيران، وشرع في إفساد ما بقي في المرج من ms135 نبات وثمار، وبذل العرب ~~آخر ما في قلوبهم من شجاعة لحماية المزارع والبساتين، وحارب موسى وأبو عبد الله أمام ~~فرسانهما كما يحارب الأبطال البسلاء، ولكن المشاة وقد كانوا ضعاف القلوب هزموا وتقهقروا إلى ~~أبواب المدينة، فتبعهم موسى حزينا وقد عزم ألا يقذف بنفسه في موقعة حامية وإلى ظهره أمثال ~~هؤلاء الجبناء، وكانت هذه آخر حروب الغرناطيين، فقد لبثوا عشر سنين يناضلون أعداءهم على كل ~~شبر من الأرض، وكلما وجدت أقدامهم مكانا تقف عليه حاربوا الإسبان دونه ثابتين غير مزعزعين، ~~غير أنهم الآن لم يبق لهم غير المدينة، فحبسوا أنفسهم بين أسوارها يائسين جازعين، وعزم ~~فرديناند أن يسلم المدينة إلى الجوع والسغب، فاتبع طريقة عبد الرحمن الناصر في حصار طليطلة ~~وبنى في ثمانين يوما مدينة أمام غرناطة سماها: شنتفى # 6 ~~«الإيمان المقدس» ويقوم إلى اليوم بهذه المدينة تذكار أثري لهذا الحصار، وعمل ~~الجوع بأهل المدينة ما تعجز عن مقاومته الشجاعة، فتوسل أهل غرناطة إلى أبي عبد الله أن ~~ينقذهم من هذا العذاب، وأن يعقد شروطا للتسليم مع الفاتحين، فخضع لهم السلطان الشقي الطالع ~~في النهاية. # أما موسى فلم يرض بالتسليم، ولبس شكته، وامتطى جواده، وخرج من المدينة إلى غير ~~عودة. # وفي الخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1491م/897ه أمضيت شروط التسليم، وكان منها شرط ~~يحدد زمنا للهدنة لا يجوز بعد انقضائه أن تصل إلى المدينة أية نجدة، وأن تسلم عند ذلك ~~للملكين، وترقب العرب عبثا وصول ما كانوا يؤملون من النجدات من مصر أو من سلاطين تركيا فلم ~~تأت، وأرسل أبو عبد الله في آخر ديسمبر إلى فرديناند يطلب إليه أن يدخل المدينة ويستولي ~~عليها، فتقدم جيش النصارى من مدينة شنتفى صفوفا، واخترق المرج، وعيون العرب الباكية تنظر ~~إليه في جزع وحسرة، ودخلت مقدمته الحمراء، ونصبت الصليب الفضي الأكبر فوق قمة برج المدينة ~~إلى جانب بيرق الحواري يعقوب، بين أصوات كانت تملأ الأفق صائحة: سنتياغو!! ثم نصب حولهما ~~علما قشتالة وأراغون، وجثا فرديناند وإيزابلا على ركبتيهما يحمدان الله على هذا الفتح ms136 ~~المبين، وسجد خلفهما الجيش كله، ورتلت فرقة المرتلين الخاصة صلاة الشكر في تبتل ~~وخشوع. # ووقف أبو عبد الله في ثلة من فرسانه بسفح جبل الريحان عند مرور هذا الموكب، فتقدم إلى ~~فرديناند وسلم إليه مفاتيح المدينة، ثم ولى مدينته المحبوبة ظهره منطلقا إلى الجبال حتى ~~إذا وصل إلى قرية البذول وهي على مسافة مرحلتين من المدينة فوق مرقب عال من البشرات - وقف ~~يودع المملكة التي نزع منها كما تنزع السن القادحة، فرأى المرج النضير وأبراج الحمراء، ~~ومنائرها الضاربة في السماء، وبساتين جنة العريف، وكل ما بغرناطة من جمال وعظمة، فأجهش ~~بالبكاء وصاح: الله أكبر!! ووقفت أمه عائشة إلى جانبه وهي تقول: حق لك يا بني أن تبكي كما ~~تبكي النساء؛ لفقد مدينة لم تستطع أن تدافع عنها دفاع الرجال! ولا تزال البقعة التي ودع ~~فيها أبو عبد الله مدينته بدموعه وزفراته تسمى إلى الآن: آخر حسرات العربي، ثم اجتاز أبو ~~عبد الله إلى بر العدوة بإفريقية حيث كان يعيش بها هو وأبناؤه بالاستجداء وسؤال ~~المحسنين. # | هوامش # | ظهور الصليب # لم تكن آخر حسرات أبي عبد الله إلا بداية عصر كله حزن وابتلاء وآلام ونكبات تتوالى على ~~رءوس العرب المساكين، وقد لمع في أول الأمر بصيص أمل بأن الإسبان سينفذون ما عاهدوا ~~المسلمين عليه عند تسليم غرناطة، وأن العرب ستكون لهم حرية العبادة وإقامة أحكام الإسلام، ~~وكان هرناندو تالاڨيرا - أول أسقف بغرناطة بعد نكبتها - رجلا خيرا واسع أفق التفكير، ~~يحافظ على حقوق العرب، ويحاول أن يكتسب مودتهم بالقدوة الصالحة والرفق والعدل، ثم بمشاكلتهم ~~في عاداتهم وأحوالهم بقدر ما يستطيع، فأمر قساوسته أن يتعلموا العربية، وأدى صلاته باللسان ~~العربي المبين، وكان لهذا التسامح أثره في عقول العرب، حتى إنه في سنة 1499م/905ه حينما ~~قدم الكردينال شيمينيس مرسلا من قبل الملكة لمعاونة تالاڨيرا كان يخيل إلى الناس أن ~~مظاهر النصرانية - وهي في أول نشأتها بأورشليم - تجددت ثانية بغرناطة؛ فقد تنصر في يوم واحد ~~ما يبلغ ثلاثة آلاف من العرب، عمدهم المطارنة ونضحوهم بأغصان الثغام ms137 المقدسة، ولم يرض ~~شيمينيس عن سياسة اللين التي كان يصطنعها الأسقف؛ لأنه كان من دعاة الكنيسة الحربية الذين ~~يظهرون نشاطهم عقب كل انتصار، ولأنه كان يريد فيما يزعم أن ينقذ أرواح هؤلاء الملحدين رضوا ~~أم غضبوا، فأدخل في عقل إيزابلا - وما كان أسرع تأثرها بكل ما له صلة بالدين - رأيا شديد ~~الخطر، ووسوس إليها أن في حفظ عهد المسلمين خيانة لعهد الله، فأنفذت أمرها في الحال باضطهاد ~~العرب. # وخابت أول محاولة لإجبار الغرناطيين على التنصر، وأظهر المتشددون من المسلمين ازدراءهم ~~للمرتدين، فأخذوا وحبسوا، وبينما كانت امرأة تساق إلى السجن لهذه الجريمة، أخذت تصيح ~~وتستثير عزائم أهل البيازين، فوثبوا إلى أسلحتهم وأنقذوها، واشتعلت الفتنة بغرناطة وتحفز ~~أهلها للقتال، وكانت حامية غرناطة قليلة العدد لا تستطيع دفع الثائرين، فاشتد غضب شيمينيس ~~وحنقه، ولكن الأسقف خرج هادئا لا يتبعه من رجاله إلا حملة الصليب، ودخل غير خائف ولا وجل ~~ربض البيازين، حيث أحاط به الناس يقبلون طرف عباءته، ويبثون إليه شكواهم، ويبتغون إليه ~~الرفق وحسن الوساطة، فأزال تالاڨيرا أسباب الثورة واضطر الكردينال إلى مغادرة ~~المدينة. # ولم يكن شيمينيس بالرجل الذي يسهل صرفه عن أغراضه ومآربه، فأغرى الملكة أن تصدر مرسوما ~~تخير فيه العرب بين التنصر ومغادرة البلاد، وجاء في هذا المرسوم: أن أسلافهم كانوا مسيحيين، ~~وأن الكنيسة تعدهم - وهم من سلالتهم - مسيحيين منذ الولادة، فيجب عليهم أن يظهروا دينهم ~~الموروث، وبعد هذا المرسوم أغلق الكردينال الحانق المساجد، وأحرق المخطوطات والكتب النفيسة ~~التي هي عصارة الفكر العربي في عدة قرون، وأنذر المسلمون وعذبوا أشد العذاب ليدخلوا في دين ~~الرفق والرحمة، على الأسلوب الذي ارتضاه الملكان الكاثوليكيان لقسر اليهود على التنصر، ~~وبهذه الوسائل خضعت جمهرة من العرب؛ لأنهم آثروا أن يتركوا دينهم على الشرود في بقاع الأرض ~~بلا أهل ولا مأوى، ولكن جذوة من الروح العربية القديمة بقيت متأججة بين سكان جبال البشرات ~~الذين لبثوا حينا من الدهر ثائرين ممتنعين على أعدائهم في معاقلهم الثلجية، وحاول ~~المسيحيون أول الأمر القضاء على هذه الثورة فآبوا بالخيبة ms138 والاندحار. # وهذا الفوز الخلب لم يعمل إلا أن أثار غضب المسيحيين، وحفزهم على أخذ الثأر، فهجم صاحب ~~تنديلة على قوجار، وهدم صاحب سيرين مسجدا على جماعة من النساء والأطفال كانوا التجئوا إليه ~~من ويلات الحرب وكوارثها، وأخذ الملك فرديناند الطرق على العرب بامتلاك قلعة لانجارون، ففر ~~من أبقت عليه السيوف إلى مراكش ومصر وتركيا، وعاشوا في هذه البلاد صناعا ماهرين، وهكذا ~~انتهت الثورة الأولى بالبشرات. # وتلا ذلك نصف قرن والمسلمون في غيظ مكتوم، فقد أدوا مكرهين مرائين أقل ما يستطعيون أداءه ~~من أمور الدين الذي فرض عليهم، ولكنهم كانوا إذا خلوا إلى أنفسهم جهدوا في غسل الماء ~~المقدس الذي عمد به أطفالهم في الكنيسة، وإذا زوجهم قسيس أسرعوا إلى منازلهم فأعادوا عقد ~~الزواج على سنن شريعة الإسلام، ثم إنهم أعانوا لصوص البحر الذين كانوا ينزلون بثغور الأندلس ~~على اختطاف أطفال المسيحيين. # وقد كان في استطاعة حكومة الأندلس أن تتقي هذه الأخطار وتلك الأحقاد الدفينة لو أنها كانت ~~حكومة حازمة أمينة، ترعى عهودها التي واثقت المسلمين عليها عند تسليم غرناطة، ولكن حكام ~~إسبانيا لم يكونوا حازمين، ولم يكونوا أمناء في معاملة العرب، فقد أكرهوهم على أن يخلعوا ~~أزياءهم الوطنية الجميلة ليستبدلوا بها قبعات النصارى وسراويلهم، وعلى أن يهجروا سنة الغسل ~~والاستحمام اقتداء بغالبيهم في الصبر على تراكم الأقذار، ثم على أن ينبذوا لغتهم وعاداتهم ~~وأسماءهم، وأن يتكلموا بالإسبانية، ويعملوا كما يعمل الإسبان، ويغيروا أسماءهم بأسماء ~~إسبانية. # وكان تجريد العرب من قوميتهم ودينهم دفعة ~~واحدة فوق احتمال أي شعب وقبيل، بله سلائل عبد الرحمن والمنصور وبني سراج، وحدث يوما ~~شغب من جراء بعض جباة الضرائب الظلمة، فاشتعلت نار الفتنة الخامدة التي كانت تتحرق إلى ~~الاشتعال، وقتل بعض الزراع بعض جنود الإسبان الذين كانوا يحتلون دورهم، وثار صباغ بغرناطة ~~اسمه فرج بن فرج ينتمي إلى بني سراج، وجمع حوله جماعة من الساخطين ذوي الحمية، وفر بهم إلى ~~الجبال قبل أن تدركهم الحامية، ونادت هذه الجماعة بهرناندو آل فالور ملكا على الأندلس ~~وسموه محمد ms139 بن أمية، وهو رجل من نسل خلفاء قرطبة ومن أعيان غرناطة يزن بإسرافه في ~~الشهوات، وبعد أسبوع عمت الثورة وحمل رجال البشرات كلهم السلاح، وكان هذا بدء الثورة ~~الثانية سنة 1568م/976ه، وكانت منطقة البشرات من أحسن المناطق لنمو الثورات، فإن الأرض ~~المرتفعة بين جبال نيفادا والبحر - وطولها نحو تسعة عشر ميلا، وعرضها نحو أحد عشر ميلا - ~~ليست إلا وعرا تتقاسمه التلال الصلدة، والأخاديد العميقة حتى ليصعب أن يجد فيه المرء قطعة ~~مطمئنة إلا في وادي أندرش الصغير، وإلا في نطاق ضيق يتوسط بين البحر والجبال. # واستمرت الثورة مشتعلة بالبشرات سنتين، ولم يطفئها الإسبان إلا بعد جهد عنيف، وتاريخ هذه ~~الثورة ممتلئ بأعمال الجرأة، والتعذيب، والقتل، والخيانة، والقسوة الوحشية من كلا الفريقين، ~~غير أن هذه الأعمال البشعة كان يتخللها كثير من أعمال البطولة والجلد الجديرة بأن تشرف أي ~~عصر وأي قبيل، وكان صراع العرب شديدا يائسا؛ لأن المعركة كانت آخر معركة لهم في آخر مكان ~~يستطيعون الوقوف فيه، فقد أحسوا أنهم يطاردون، فأخذوا في هجماتهم الأولى، والغضب ملء ~~خياشيمهم، ينتقمون لما نالهم من ضروب الإهانة والاضطهاد في مدى مائة عام، فثارت قرية بعد ~~قرية في وجوه الإسبان، ولطخت الكنائس بالأقذار، وجعلت صورة العذراء غرضا للرماة، وذبح ~~العرب القساوسة، وكثيرا ما نكلوا بالمسيحيين الذين التجئوا إلى الأبراج والحصون. # وفل قائد غرناطة مركيز منديجار من غرب هذا العصيان قليلا بهجمة عنيفة على الجبال ، كان ~~فيها على رأس أربعة آلاف من الجنود الأشداء، ثم حاول أن يأخذ الثوار باللين والمسالمة ~~والصفح، وكاد يفلح لولا أن حدثت مذبحة للعرب بجيوبيليس، ولولا أن غدر الإسبان بالعرب ونكثوا ~~بعهودهم في لارول، فأثار كل ذلك غضب المسلمين، وأعاد نيران الثورة إلى تأججها بعد أن كادت ~~تبوخ، ثم تلا ذلك أن ذبح طائفة من المسجونين الإسبان بسجن البيازين مائة وعشرة من العرب، ~~فجاء ذلك ضغثا على إبالة، وزاد في حنق العرب المضطهدين، وكان منديجار بريئا من تلويث يده ~~بهذه الأعمال الدموية، راغبا في مسالمة العرب، وقد سار بحرسه إلى ms140 السجن ليهدئ ما به من ~~ثورة واضطراب، ولكن رئيس شرطة المدينة أخبره في الطريق أن لا داعي لذهابه؛ لأن جميع من ~~بالسجن من العرب قد ماتوا. # وبعد هذه الحوادث كان العرب يفوزون كل يوم بانتصار جديد، وأصبح ابن أمية أميرا بالفعل ~~على جميع ولاية البشرات، ولكن هذا الأمير الضعيف المستهتر لم ينعم بالحكم فترة قصيرة حتى ~~ذبحه في سريره بعض أتباعه سنة 1569م/977ه لبغضهم إياه، ولما حام حوله من الشبهات، وخلفه ~~في الملك والزعامة مولاي عبد الله ابن أبيه، وكان صنديدا مخلصا، وقائدا صادق العزم، يقذف ~~بنفسه بين مخالب الموت فداء لأتباعه وأنصاره، غير أن القدر كتب على ابن أبية هذا أن يحارب ~~عدوا من صنف جديد، ذلك أن أخا الملك وهو الدون جون الأوستري، وهو شاب في الثانية ~~والعشرين، ملأته الآمال، وتكهنت بعظمته المخايل - خلف منديجار على قيادة الجيوش، فأقنع ~~فيليب بعد أن تبادلا كثيرا من الرسائل بخطورة الموقف وتفاقم الخطب وضرورة اتخاذ وسائل ~~عنيفة لحسمه، فوصل إليه في النهاية أمر من الملك بالهجوم، ولم يتوقع العرب من الإسبان بعد ~~صدور هذا الأمر الخطير إلا أن يمنحوهم وقتا قصيرا للتوبة والإنابة، ففي غضون الشتاء سنة ~~1569-1570 (977-978ه) زحف الدون جون على العرب، ولم يجئ مايو إلا وقد كانت شروط التسليم قد ~~أعدت، أما الأشهر التي مرت بين بدء هذه الحرب ونهايتها فقد لطخت بأنهار من الدماء؛ لأن شعار ~~الدون جون كان «لا إبقاء ولا هوادة» فذبحت النساء والأطفال بأمره، وتحت سمعه وبصره، وأصبحت ~~قرى البشرات مجازر بشرية. # وبعد أن ظهر للعيان أن العصيان قد أخمد وبردت جذوته، انطلقت من بين الرماد آخر شرارة ~~للثورة؛ ذلك أن ابن أبية بقي مجالدا فلم يخضع للإسبان، ولكن القتل أخضعه في النهاية، فحز ~~رأسه وعلق على باب المذبح بغرناطة، وبقي معلقا ثلاثين عاما. # وجاء بعد الدون جون القائد الأعظم ريكيسنس، فقضى على هذه الشرارة الأخيرة للثورة في ~~الخامس من نوفمبر سنة 1570م/978ه بطرق منظمة، فكان يحرق القرى بمن فيها، وكان يرسل الدخان ~~على ms141 الملتجئين إلى الكهوف والأغوار حتى يموتوا أو يخرجوا فيموتوا، وانتظر النفي والرق كل من ~~نجا من هذه الثورة - وكانوا قليلي العدد - فقد قتل في الثورة كما قيل أكثر من عشرين ألف ~~عربي، وبقي منهم نحو خمسين ألفا، فلما جاء عيد جميع القديسين في سنة 1570م/978ه مجد ~~الإسبان ذكرى الحواريين والشهداء، واحتفلوا فيه بالقضاء على من عثروا عليه من العرب، وحكم ~~الإسبان على من أسروا في الثورة بالعبودية، ونفوا الباقين تحت حراسة الجنود بعد أن راقبوا ~~شعاب الجبال حتى لا يفروا، ومات كثير من هؤلاء في الطريق من الجوع والنصب والعري، وذهب ~~بعضهم إلى إفريقية فعاشوا بها يستجدون الناس؛ لأنهم لم يجدوا بها أرضا تصلح للحرث، وسار ~~بعضهم إلى فرنسا فلم يلاقوا ترحيبا من هنري الرابع، وإن وجد فيهم أداة صالحة للكيد ~~لإسبانيا، ولم ينته استمرار نفي العرب إلا في سنة 1610م/1019ه حين حكم في هذا العام على نحو ~~نصف مليون منهم بالنفي، وقد ثبت أن من نفوا من العرب في المدة بين سقوط غرناطة والعقد الأول ~~من القرن السابع عشر يبلغون ثلاثة ملايين. # والمؤرخ العربي يذكر هذه النكبة حزينا، ويعدها ضربة من ضربات القدر ~~ويقول: # إن الله لم يشأ أن يهب نصره للأندلسيين، فأخذوا وذبحوا ~~في كل مكان، ثم أخرجوا من ديارهم، وقد وقعت هذه النائرة في أيامنا سنة 1017 للهجرة ~~(سنة 1608م)، والله جل شأنه وعظم سلطانه يقول: # إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين ~~. # ولم يعرف الإسبان عندما نفوا العرب ماذا كانوا يفعلون!! حقا لقد خربوا بيوتهم بأيديهم، ~~فإنهم ابتهجوا أول الأمر بنفيهم وشمتوا فيهم، وشفت غليلهم المناظر المؤثرة لهؤلاء العرب، ~~وهم يطردون من فردوسهم. # ولكن الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التي تبيض بيضة من ذهب في كل يوم؛ فقد بقيت ~~إسبانيا قرونا في حكم العرب وهي مركز المدنية، ومنبع الفنون والعلوم، ومثابة العلماء ~~والطلاب، ومصباح الهداية والنور، ولم تصل أية مملكة في أوربا إلى ما يقرب منها في ثقافتها ~~وحضارتها، ولم يبلغ عصر ms142 فرديناند وإيزابلا القصير المتلألئ، ولا إمبراطورية شارل الخامس، ~~الأوج الذي بلغه المسلمون في الأندلس، وقد بقيت حضارة العرب إلى حين بعد خروجهم من إسبانيا ~~وضاءة لامعة، ولكن ضوءها كان يشبه ضوء القمر الذي يستعير نوره من الشمس، ثم عقب ذلك كسوف ~~بقيت بعده إسبانيا تتعثر في الظلام. # وإنا لنحس فضل العرب وعظم آثار مجدهم حينما نرى بإسبانيا الأراضي المهجورة القاحلة التي ~~كانت في أيام المسلمين جنات تجري من تحتها الأنهار، تزدهر بما فيها من الكروم والزيتون ~~وسنابل القمح الذهبية، وحينما نذكر تلك البلاد التي كانت في عصور العرب تموج بالعلم ~~والعلماء، وحينما نشعر بالركود العام بعد الرفعة والازدهار. ms143