######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.SahmMasmum.Hindawi69204269 #META# Tags: novels #META# ID: 69204269 #META# Title: السهم المسموم #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # السهم المسموم‏ # السهم المسموم‏ # | السهم المسموم # | السهم المسموم # تأليف # علي الجارم # | السهم المسموم # هل نستطيع بما ألقى به إلينا التاريخ من أخبار أبلتها القرون، وطمستها الحوادث أن نصف ~~بغداد في عهد الرشيد العباسي؟ وهل في مكنة الخيال - وإن أبعد وأغرق - أن يملأ الفراغ، أو ~~يكمل صورة العظمة العباسية في هذا العهد، بعد أن عجز المؤرخ والواصف عن إكمالها؟! لا. إن ~~الخليفة الذي كان يتحدى السحب، ويأمرها في اعتزاز وثقة أن تذهب حيث شاءت؛ لأنها لن تمطر إلا ~~بلاده جدير بأن يطرق القلم قليلا قبل أن يفكر في وصف ضخامة ملكه، وبعد سلطانه، وإن ~~الإمبراطورية التي كانت تبسط حكمها على أطراف الأرض، والتي كانت تجبى إليها ثمرات الدنيا، ~~لحقيقة بأن يعتصم الكاتب إذا حاول تصويرها بالسكوت، فإن من المعاني ما يعجز عنه الكلام ~~ويكبو دون بلوغه الخيال. ويكفينا أن ننتقل بالقارئ في إيجاز وتواضع إلى بغداد في أحد شهور ~~سنة مائة وواحد وثمانين أيام خلافة الرشيد. كانت الشمس تتهادى للغروب، وكانت أشعة الأصيل ~~تسقط على نهر دجلة فتحيل لجينه ذهبا نضارا، وكانت القصور تبدو على الشاطئ الشرقي شامخة ~~البناء، بعيدة الذرا، وكان بينها قصر بني على الطراز البيزنطي، وامتاز بكثرة نوافذه، ~~واتساع حديقته التي أحاطت به؛ فجعلت منه صورة للفن الهندسي الرفيع في إطار أخضر ~~بديع. # هذا قصر أبي عبد الله محمد الموصلي، وقد كان من أعظم تجار بغداد، وأكبر سراتها، طوته يد ~~المنون منذ سنين، وترك لزوجه، وابنته حفصة ثروة تتحدى كنوز قارون. ~~••• # كانت حفصة في الثامنة عشرة من سنيها، وكانت رائعة الحسن، باهرة الطلعة، تأنق في صنعها ~~الجمال، فجمع فيها كل ما تدل به المرأة من أنوثة وفتنة، وكانت إلى ما منحها الله من قسامة ~~وجمال ساحر تزدان بقوة النفس، وشجاعة القلب، ومضاء العزيمة مما يحسدها على بعضه كثير من ~~الرجال. وقفت حفصة في أحد مشارف القصر تتطلع ذات اليمين وذات الشمال إلى الغادين والرائحين ~~من صنوف البشر التي تزدحم بهم بغداد، وتغص بهم طرقاتها، وكان يبدو على وجهها ms01 القلق والسأم ~~لطول التطلع والانتظار، وما كادت تمر ساعة أو نحوها حتى انبسطت أساريرها، وتطلق وجهها عن ~~ابتسامة مشرقة زادت نور الأصيل بهاء وائتلاقا، وبدرت منها صيحة حاولت أن تخفيها فما ~~استطاعت، فقد سمعت نفسها تصيح: نزار! نزار! قدم نزار! ثم وثبت في خفة الطفلة الغريرة نحو ~~السلم حتى إذا بلغت نهايته ارتمت بين ذراعي شاب وسيم القسمات، فضمها إليه في شوق وشغف؛ ~~فاختلط الجسمان، وتتابعت القبلات في لحن موسيقي بديع، يعرف الحب كيف يؤلف نغماته. # كان نزار بن حمزة الخزاعي فتى مكتمل الشباب، قوي الأسر، مشرق الوجه، عربي السمات ~~والشمائل، وكان يعتز بصفات البطولة والإقدام، وحب المخاطرة، واقتحام الخطوب، وكان أبوه ~~واليا على خراسان من قبل الرشيد، وقد شغف الفتى بحفصة، وفتن بجمالها، وهزه ما تتحلى به من ~~أخلاق وشيم؛ فتقرب إليها بما يتقرب به العاشق المعمود من وسائل، فقابلته في منتصف الطريق ~~ابتسامة مغرية دفعته إلى أن يسرع إلى أمها فيخطبها إليها، وتمت الخطبة، وقرت عين الحب ~~بعاشقين سعيدين. # جلس الحبيبان في المشرف يتناجيان، ويتطلعان إلى ما ينتظرهما من سعادة وهناءة، ورفاهة عيش، ~~ويرسمان أو ترسم لهما الآمال جنة صغيرة في هذه الأرض يأكلان من شجرتها ما يشاءان، وبينما ~~هما يسبحان في هذه الأحلام إذ لمحت حفصة فيما حول قصرها من الطرق والميادين هرجا بين ~~الناس، ورأت طوائف إثر طوائف تزدحم فوق جسر دجلة آتية من الكرخ في عجلة وإسراع؛ فحارت في ~~تعليل ما رأت، وسألت نزار: هل من حدث جديد في المدينة؟ ~~- لا يا حبيبتي، ولكن هؤلاء البرامكة المناكيد الذين أسلم الرشيد إليهم زمام ملكه، والذين ~~لا ينسون للعرب ما أوقعوا بدولتهم القادسية، والذين لا ينسون للعباسيين دم كبيرهم أبي مسلم ~~الخراساني، برعوا في خلق الدسائس، والنفخ في نار الفتنة، فهم يغرون في كل يوم طائفة بطائفة، ~~لا يريدون من وراء ذلك إلا إضعاف شوكة العرب، وتفريق كلمتهم، ولعلنا نسمع غدا أن خارجيا ~~خرج على الدولة، ثم نفهم بعد غد ما وراء هذا الخارجي من نزعة فارسية ms02 خبيثة لا تريد إلا ~~زلزلة أركان الدولة. ~~- لا يا نزار، إن صخرة الملك العباسي أقوى من أن تحركها هذه الأيدي الهزيلة، والرشيد أرهف ~~ذهنا من أن تخفى عليه هذه الأخاديع، إنه قد يغضي وقد يتغافل، ولكنه كالذئب الذي ينام بإحدى ~~مقلتيه، ويتقي بأخرى المنايا، فهو يقظان نائم، ثم طلبت إلى عبدها رماح أن يذهب ليستجلي ~~حقيقة الأمر، ولم يغب رماح إلا قليلا حتى عاد يقول: إن البريد قدم من الرقة يحمل كتابا من ~~عاملها ينبئ بأن (ريني) ملكة الروم خرجت في مائة ألف مقاتل، فأغارت على بلاد المسلمين، ~~واستولت على حصونهم، ودخلت زبطرة، ونكلت بأهلها، والناس الآن يتوافدون على ميدان دار ~~الخلافة في غضب وحماسة، وفي زحام لم يترك فيه موضعا لقدم، وقد هال الخليفة الخبر، فجمع ~~قواده، وأمر بأن يسرع الجيش بالرحيل. # سمع نزار الخبر فشخصت عيناه في غضب، وظهر على وجهه ما يظهر على وجه الأسد يتحفز للفريسة، ~~ثم حيا حفصة في عجل وقال: لا بد لي من الذهاب الآن يا حبيبتي؛ فقد يرحل الجيش غدا. فذعرت ~~حفصة، وفر الدم من وجهها، وارتعدت أوصالها، وقالت ولسانها يتعثر بكلماتها: لن أصدك عن ~~المسير إلى القتال يا حبيبي؛ لأنك بطل خلقت للكفاح، وخلقت للذود عن حياض الدولة، ولأنك شجاع ~~خلقت للقاء الموت في سبيل دينك وقومك، ويعلم الله أن بين جنبي نفسا تطمح إلى أن تكون ~~مثلك، وتصبو إلى خطيرات الأمور، واقتحام الأهوال كما تصبو، ولكن ماذا أصنع وضعف الأنوثة ~~يقعدها عن مطالبها، ويحول بينها وبين ما تتمنى؟ لو كان لي يا نزار زند مثل زندك، وقبضة ~~من الحديد مثل قبضتك لكانت اليوم كتفي إلى كتفك في ميدان الجهاد. كل هذا حسن وجميل يا نزار، ~~وهو كلام ينطق به لساني، وتوحي به نفسي العربية التي طبعت على الإقدام، والتسابق إلى المجد، ~~ولكن قلبي يقول: لا، قلبي يريد أن أضمك بين ذراعي كما تضم الأم الرءوم وحيدها، وأن أفر بك ~~بعيدا عن كل ما يحوم حولنا من خطر، قلبي يقول: خذيه ms03 يا حفصة؛ إنه لك، واحذري عليه من مر ~~النسيم، ومن قطرات الغمام، إن الحب يا حفصة أرفع شأنا مما يطلب الناس من شرف ومجد وبطولة، ~~فاحرصي عليه، وضعيه بين طيات قلبك في حرز حصين، لا تدعيه يخرج للقتال؛ فإن السيف أغرى ~~بالبطل المقدام منه بالرعديد الجبان، ثم بكت وتعلقت بعنقه تقبله وتقول: قلبي يقول هذا يا ~~نزار، ولكني لن أطيعه؛ فإن ابن حمزة الخزاعي يأنف من أن تكون له زوج لا تسبقه إلى مراتب ~~الشرف، اذهب يا حبيبي إلى دار الخلافة، ولكن يجب أن تعود إلي. لا ترحل يا نزار قبل أن أراك. ~~ثم اتجهت نحو السماء متضرعة تقول: يا رب، إنه قطعة من روحي، وريحانة حياتي، وزهرة آمالي، ~~إنني لا أستطيع الصبر على فراقه ساعة، فظلله اللهم بجناح حمايتك، ورده إلي جميلا كما هو ~~قويا، وكما هو بطلا تزهى به الجحافل. فمد إليها نزار ذراعيه في تدله واستهامة، وطواها ~~إليه مجهشا وهو يقول: أنت كبيرة النفس يا حفصة، رقيقة القلب، فثقي بالله، وانتظري إيابي، ~~إن حبنا يا فتاتي حب يقهر الموت، ويخلد على الزمن، فلا تيأسي، وأقسم أن ما بي منك فوق ما بك ~~مني، ولكن هكذا وضع الله غايات المجد دائما في طريق من الشوك والقتاد، ثم ابتسم ابتسامة ~~حزينة تلتها زفرة طويلة، واستمر يقول: روي عن الأصمعي أن عبد الملك بن مروان حينما تجهز ~~لقتال مصعب بن الزبير، وهم بتوديع زوجه عاتكة بنت يزيد تشبثت به، وبكت، فبكت معها ~~جواريها، فقال عبد الملك: قاتل الله كثير عزة؛ كأنه شاهد هذا حين قال: # إذا ما أراد الغزو لم تثن همه # حصان عليها نظم در يزينها # نهته فلما لم تر النهي عاقه # بكت فبكي مما شجاها قطينها # ثم انسل من بين ذراعيها كالطائر المذعور، فنظرت حفصة فلم تجده كأنها كانت في حلم، أو في ~~نشوة خيال. ~~••• # ذهب نزار لتوه إلى دار الخلافة، فرأى الجيش على أهبة المسير، فتقدم إلى قائده عبد الملك ~~بن صالح سائلا: أعزمتم على الرحيل الليلة ms04 ؟ ~~- نعم يا نزار، وقد طلبناك في الصباح فلم نعثر على مكانك. ~~- علمت الساعة أن البريد قدم اليوم بأخبار الروم، فهز عبد الملك رأسه وقال: صحيح، ولكن ~~الأخبار تواترت إلينا منذ أربعة أيام استكملنا فيها كل عدتنا، وأمر الخليفة أن يسير الجيش ~~الليلة، وهذا جواد خالد بن أسامة، وعليه كل عدته، وشكته، فاركب يا نزار. ثم أمر الجنود في ~~صوت جهير بالركوب، فمس نزار ذراعه في استعطاف يقول: ولكني يا سيدي القائد في حاجة إلى ساعة ~~واحدة أقضي فيها بعض شئوني. ~~- لقد أعددنا العدة لكل مجاهد، فلن تحتاج إلى شيء يا نزار. ~~- أريد أن أودع بعض أهلي. # فضحك عبد الملك ثم همس قائلا: حفصة؟! ~~- نعم حفصة، لقد وعدتها أن أعود إليها، فإذا لم أفعل فإنني أخشى أن يقتلها الحزن، أو تعبث ~~بها الهواجس السود. ~~- اركب يا نزار، فإن للوداع آلاما عرفتها في شبابي، فاصدف عنه ما استطعت، وادخر كل ما في ~~فؤادك من حب وشغف إلى ساعة اللقاء، فإن غيبتنا بأرض الروم لن تطول، اركب يا نزار، ~~اركب. # فركب نزار على كره منه، وتحرك الجيش مائجا زخارا كأنه قطعة من الليل، ومر بأثقاله ~~وضوضائه بقصر حفصة، فأطلت من النافذة متشوقة متطلعة فلم تر لنزار أثرا، فصاحت في حزن يقطع ~~القلوب: لم أر حبيبي! لم أر حبيبي! ~~••• # بلغ الجيش أرض الروم بعد أن طوى الوهاد والنجود، وقاسى من طول السفر وبعد الشقة ما يهد ~~عزائم الشجعان فلما جاوز طرسوس تصدى له جيش الروم بعدته وعديده، وجنوده الضخام، وبطارقته ~~العظام، فوثب عليه العرب بإيمان أقوى من سواعدهم، وعزائم أمضى من سيوفهم، فهدوا أركانه، ~~ومزقوا أوصاله، وتكلمت السيوف، وسكتت الألسنة. وكان نزار يقذف بنفسه في الغمرات، لا يبالي ~~بالموت، ولا يأبه للحياة، ولا يرضى أن ينال سيفه إلا بطريقا أو قائدا، وتقهقر الروم، ~~وتعقب العرب آثارهم في قتال عنيف، كثر فيه القتلى والأسرى، وتبع نزار فصيلة من الفارين ~~فانقض عليه كمين، تكاثر عليه جنوده، فأطاروا حسامه من يده، وتواثبوا عليه فأسروه بعد أن ~~أبلى ms05 أحسن البلاء، وكان أسره عند كبرائهم ظفرا مبينا، ولما ذهبوا به إلى ريني راعها ما ~~رأت فيه من جمال وفتوة، بعد ما سمعت كثيرا من أحاديث بطولته، فنظرت إليه في شغف كأنها لم ~~تر من قبل شابا عربيا وسيما، وأسرع قلبها ينبض نبضات كانت تعرف معناها في ميعة الشباب، ~~فتنهدت وقالت: لقد قتلت صناديد رجالي أيها الفارس الجميل، ولولا أن الملوك لا يقتلون أسراهم ~~لأمرت بقتلك. ~~- لو عقل السيف ما قطع في كف الجبان. ~~- هكذا أنتم أيها العرب، لا نرى فيكم إلا الكبرياء والعناد. ~~- وبهما ملكنا الأرض. ~~- كيف حالكم مع خليفتكم؟ ~~- لو أمرنا بالصعود إلى السماء لتبعنا إشارته، لا نجادله في أمر، ولا نسأله عن ~~سبب. ~~- وكيف رأيت الروم؟ ~~- رأيتهم أشداء تعوزهم قوة الإيمان. ~~- إنى أريد أن أصطفيك لنفسي، فابق عندي أمنحك من مناصب الدولة ما يرفعك فوق منزلة ~~البطارقة. فابتسم نزار وقال: إن الله رفعني بالجهاد فوق منزلتك أيتها الملكة، فدعي يا سيدتي ~~ما عندك من جاه ومناصب، فإننا قوم اشترينا الجنة بنفوسنا. ~~- لعلك تحن إلى بغداد، وإلى حبيب لك هناك، فطفرت دمعتان من عيني نزار، وقال: إن لي بشاطئ ~~دجلة يا سيدتي زهرة لا أبيع بها زهرات الجنة. ~~- إن زهرات الروم أنضر لونا، وأطيب ريحا. ~~- تلك زهرات الدمن حسن منظر، وسوء منبت. ~~- ها قد عدت إلى طبيعتك الجافية، وإلى جهلك بمخاطبة الملوك. ~~- إنني أقول ما أعلم، وأعلم ما أقول. ~~- لن أتركك يا فتى؛ فإن مثلك من تثنى عليه الخناصر، فإذا لم ترض أن تكون من رجال حاشيتي، ~~وأحببت أن تبقى طليقا، فإني أقنع بأن تعيش بيننا حرا على أن تعاهدني ألا تحاول ~~الفرار. ~~- لا أعاهد أحدا. # فغضبت الملكة، وطلبت من رئيس قصرها أن يضعه بسجن القصر، وأقسمت ألا ترده إلى العرب، ولو ~~طلبوا فيه رأسها. # وطال أمد القتال، واشتد مريره، وكتبت الهزيمة على الروم، فألقوا السلاح أذلاء مقهورين، ~~وقدمت الملكة ريني إلى خيمة القائد عبد الملك بن صالح خاضعة تطلب الصلح في تضرع واستجداء، ~~وأملى القائد العربي شروطه ms06 ، فكان منها: أن يغرم الروم مائة ألف دينار رومية عقابا ~~لاعتدائهم على جيرانهم المسلمين، وأن يؤدوا جزية في كل عام مقدارها أربعة وستون ألف دينار ~~رومية، وألفان وخمسمائة دينار عربية، ثم أن يتبادل الفريقان الأسرى. # ووقعت ريني وثيقة الصلح، والدموع تكاد تخفي عنها سطورها، وأرسل الروم أسرى العرب إلى ~~القائد، فلما تفقدهم عبد الملك بن صالح صاح في وجه رسول الروم سائلا: أين نزار بن حمزة؟ ~~فتباله الرجل وقال: هؤلاء يا سيدي هم كل الأسرى، مائة وثلاثة وخمسون رجلا، وهذا هو السجل ~~الذي دونت فيه أسماؤهم، فارجع البصر يا سيدي القائد، فلعلك تراه بينهم، فقال عبد الملك في ~~سخرية: إن نزار ليس ممن يجهل مكانه أيها الأبله، وهو لو كان في مائة ألف لبرز بينهم علما ~~مفردا، اذهب فأحضره، وإلا هدمت المدينة عليكم وعلى ملكتكم. # وذهب الرجل، وغاب ساعات، وعاد ينفض كفيه من اليأس ويقول: لقد بحثنا عنه في كل مكان ياسيدي ~~فلم نقف له على أثر، وأغلب الظن أنه قتل بالمعركة، وهؤلاء أسراكم يشهدون بأنه لم يكن معهم، ~~وأنهم لم يروه مدة أسرهم، وشهد الأسرى بما علموا، وأمر عبد الملك الجيش بالقفول حزينا ~~يائسا كأن انتصاره المؤزر لم يكن شيئا بجانب فقد نزار. ~~••• # عاد الجيش إلى بغداد، وذهبت حفصة تستقبله لتطفئ غليل شوقها بلقاء فتاها، ولكنها بعد أن ~~تفرست كل وجه، وتطلعت إلى كل مقبل دب الذعر إلى فؤادها، وغلبها الشك القاتل، فأعادت ~~النظرات، وكررت اللفتات، وكلما رأت فارسا فارع العود أسرعت إليه فخاب أملها، وكلما لمحت ~~شابا يلوح بيديه حدقت فيه النظر فإذا هو غير فتاها، وكلما سمعت صوتا من بعيد يشبه صوت ~~نزار أصغت إليه طويلا، وانتهت بعد طول الإصغاء إلى ضيعة الرجاء. كلت المسكينة، وتخاذلت ~~قواها، وأبت أن تحملها ساقاها، ثم أسعفها البكاء والنواح، فأرسلت صيحات وأنات تقطع نياط ~~القلوب، وأقبل إليها عبد الملك بن صالح والحزن يكاد يعقد لسانه، وهو يقول في رفق: ما هذا ~~الجزع يا حفصة؟ لقد كنت أعرفك أقوى نفسا، وأشد جلدا ms07 مما أرى، إن نزار حي لا تزال تزهى به ~~الحياة، ولكنه لم يعد معنا، ولا أعرف لذلك سببا، ولكنك يا فتاتي سترينه يوما، وسترينه ~~قريبا، فتأوهت حفصة وقالت في يأس مخيف: نعم سأراه في الجنة، وسأراه قريبا! لماذا لا ~~تقولون الحق الصراح أيها الرجال؟ لم لا تقولون: إنه استشهد؟ لماذا لا تقولون: إنه مضى في ~~ميدان الجهاد؟ ثم اشتد عويلها، وقالت وهي تهرول كأن بها مسا من جنون: لقد مات نزار! لقد ~~مات نزار! # مضت سنوات ست وحفصة في حزن أليم، وهم مقعد مقيم، مرة ينبعث في نفسها وميض من رجاء، ~~فيعود وجهها إلى إشراقه، ويرتد إليها شيء من أنس الحياة، ومرة تغيم في عينيها سماء الشك، ~~وتكاد تقتلها جفوة اليقين، فتطوي نفسها على اليأس، وتتمتع بلذة البكاء، وكم أرسلت الرسل إثر ~~الرسل للسؤال عن نزار في كل مدينة، وقرية، ودسكرة، ولكنهم كانوا يرجعون صامتين واجمين، وكم ~~توسلت إلى الخليفة أن يهدد ملكة الروم بالكتاب يتلو الكتاب، ولكن الجواب دائما: إنه غير ~~موجود. # وعاش نزار في سجن القصر بهرقلة هذه السنوات حزين القلب، مروع الفؤاد، لا يعد من أهل ~~الأرض، قضى هذه الأعوام بين جدران السجن وقضبانه، يهتف باسم حفصة كلما اشتد به الوجد وغلبه ~~الحنين، وكانت الملكة ريني تزوره بين الحين والحين، وتغريه بأن يكون لها على أن تهب له ما ~~دون التاج والصولجان، فيردها في عزة وكبرياء أبيا عزوفا. # وثار الروم على ملكتهم سنة مائة وسبعة وثمانين، وكان مشعل الثورة، ومتولي كبر أمرها ~~نقفور رئيس البطارقة، ثار البطارقة ساخطين على ريني؛ لأنها قبلت شروط الرشيد المهينة المذلة ~~التي جعلت من الروم عبيدا لخليفة العرب، يؤدون له الجزية في كل عام عن يد وهم صاغرون، ~~وامتدت الثورة إلى الشعب؛ فأدخلوا عليه أن كرامته أهينت، وأن عزة دولته مرغت في التراب، فهب ~~الجنود، وهب معهم العامة، وأنزل نقفور الملكة عن عرشها، وولاه البطارقة ملك الروم، وألبسه ~~كبيرهم ميخائيل تاج قسطنطين، واشترطوا عليه أن يعيد لمملكتهم صولتها، وأن يبدأ بمحاربة ~~العرب ms08 ، وأخذ نقفور يجمع أحشاد الجند، ويحصن مدينة هرقلة، ويأخذ الأهبة لقتال مر عنيف، ولما ~~أعد عدته كتب للرشيد: # من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب # أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، ~~فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها، لكن ذلك ضعف النساء ~~وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد بنفسك بما يقع به ~~المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. # حمل رسول نقفور الرسالة إلى الرشيد، فلما بلغ بغداد سار إلى دار الخلافة مستأذنا على ~~الخليفة، وكان الرشيد بين وزرائه وندمائه، فلما وصلت إليه الرسالة وقرأها تملكه الغضب، ~~ولمعت عيناه حتى صارتا كجذوتي حطب، وابتعد عنه وزيره الفضل بن ربيع؛ هيبة منه وخوفا، ثم ~~صاح الرشيد وصوته يرتعد من الغيظ: هات الدواة يا مسرور، فلما أحضرت إليه كتب في ظهر رسالة ~~نقفور: # بسم الله الرحمن الرحيم # من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور # قد قرأت كتابك، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. # ثم ألقى بالورقة، وأشار إلى مسرور أن يرمي بها إلى رسول الروم. # نادى الخليفة بإعداد الجيش، وأنه سيقوده بنفسه. وانتشر ببغداد الخبر، وتزاحم المجاهدون ~~للانضمام إلى الجيش، وعلمت حفصة بمسير الرشيد لغزو الروم، فطلبت إلى أمها في إلحاح أن تسير ~~خلف الجيش مع النساء اللائي يصحبن دائما جيوش العرب؛ لينلن أجر المجاهدين، وسار جيش ~~الرشيد، وسارت خلفه حفصة التي كانت كل آمالها أن ترى نزارا، أو ترى له قبرا. ~~••• # ولكن نزار لم يكن يعلم بزحف الرشيد، ولم يكن يصل إليه من أخبار ثورة الروم إلا أخبار ~~ناقصة مبتورة، ورأته هيلين - إحدى وصائف القصر وبنت ميخائيل كبير البطارقة - فشغفها حبا، ~~وهي فتاة لو أدركت عهد الإغريق الأولين لنحتوا على مثالها تمثالا للجمال. # فتنت هيلين بنزار، فكانت تزوره في سجنه في كل مساء، وتبثه ما تلقى من صبابة ووجد، وهو ~~يصغي إليها، ويميل إلى حسن حديثها، وثارت بها ليلة نشوة الغرام، واستبد بها الهيام، فأخذت ~~تحدثه ms09 ، وتطيل الحديث، ثم انتقلت إلى استعداد الجيش لغزو العرب، وما جهز به من أسباب الدمار، ~~ثم وضعت سبابتها على فمها القرمزي، وهمست قائلة: إننا يا حبيبي سنهزم العرب هذه المرة، ~~وسنقضي على جيشهم وخليفتهم، فابتسم نزار وقال: كيف يا هيلين؟ ~~- لن أبوح بشيء يا حبيبي! إنه سر خطير. ~~- إن حبك إذن من صنف عجيب؛ لأن المرأة العربية إذا أحبت مزجت روحها بروح من تحب، فكانت ~~قطعة منه، وكان قطعة منها، فليس بينهما سر يصان. ~~- هيهات أن تصل المرأة العربية في الحب إلى ما بلغته الإغريقية، إن الفتاة عندنا إذا أحبت ~~قدمت لحبيبها ما تملك، وما لا تملك، وغدا كل شيء في يديها هينا مبذولا أمام الحب، فلا ~~جاه، ولا مال، ولا عزة، ولا وطن. ~~- وأنت تحبينني يا هيلين؟ ~~- حبا لو وزعته على الدنيا لملأها رفقا وبشاشة، وإيثارا وسعادة. ~~- قولي هذا السر الخطير إذن. فاهتزت أوصالها، وأدركتها رعدة كأنها تعاني حمى حاطمة، ثم ~~مالت إلى أذنه وقالت: إنهم الآن يحفرون خندقا عظيم الطول والعرض بعيد الغور شرقي ~~هرقلة. ~~- لا أرى شيئا في هذا يا حبيبتي، فقد اعتاد الناس حفر الخنادق في مواقع القتال. # فأسرعت هيلين تقول: إن هذا الخندق ليس كالخنادق، إن طوله عشرة آلاف ذراع رومية، وعرضه ~~مائتان، وقد عزموا أن يغطوه بالحصير، وفصيل القصب، ثم يضعوا فوقه طبقة من التراب لا تدع ~~للمرء شكا في أنه أرض يابسة كالأرض التي حوله. وقد قدروا أن خليفتكم لا بد واثب على ~~المدينة من الناحية الشرقية؛ لأنها طريق مقدمه من غيتاب، فإذا كر جيشه الكرة الأولى يا ~~حبيبي سقط الآلاف من نخبة أبطاله في الحفرة، ووقع فيه الذعر والخبال فالتف حوله جيشنا من ~~الناحيتين الشمالية والجنوبية فلم يترك فيه رجلا يستطيع أن ينقل أخبار الكارثة إلى بغداد، ~~أرأيت يا حبيبي كيف أن السر جد خطير؟! فاضطربت نفس نزار، وهاله الأمر، ورأى أن الواقعة ~~واقعة بالمسلمين لا محالة، ولكن شعاعا خافتا من الأمل خفق خفقة في ظلام يأسه، فمال نحو ~~هيلين، وشرع يعانقها ms10 في شغف وحنان، ويردد: قبليني يا حبيبتي قبل أن أموت، قبليني قبلة ~~الوداع، فذهلت هيلين، واتسعت حدقتاها من هول ما سمعت، وقالت مذعورة: تموت يا حبيبي؟! إنني ~~وقومي وبلاد الروم كلها فداك، لم تقول هذا يا زهرة آمالي؟! أتحس شيئا؟ ~~- أحس أنني مائت لا محالة، فبالله دعيني أتزود منك بنظرات قليلة قبل أن ألقى حتفي. ~~- تلقى حتفك يا حبيبي؟ ممن؟ ~~- من قومك الروم. ~~- كيف؟ ~~- إنهم إذا هزموا جيش العرب - وهم لا شك هازموه - اتجهوا نحو هذا السجن ليقتلوا أعدى ~~أعدائهم من العرب، وقد كانوا يبقون علي يا هيلين خوفا من غضب الرشيد، فماذا يكون أمرهم معي ~~بعد أن يزول الرشيد، ويزول ملكه؟ ودعيني يا هيلين. وإذا لم تتسع هذه الدنيا لحبنا فإننا ~~سنلتقي في سماء كلها صفاء، وحب، ونور. # فوجمت هيلين ذاهلة، ثم أخذت تغمغم: نعم، إن هذا صحيح، إن كل ما قلته صحيح يا حبيبي، ثم ~~سكتت قليلا كالمفكرة وصاحت: أسرع يا حبيبي أسرع، هلم نفر معا، ونعش بعيدا عن هؤلاء ~~الوحوش من عرب وروم. ~~- ما كان أحب هذا إلى نفسي يا فتاتي، ولكني أخشى إذا عثروا علينا أن يقتلونا معا، وأنت ~~كل شيء عندي في هذه الحياة، وخير لي أن أقتل من أن أرى أظفورا منك يمس بسوء. لا يا هيلين، ~~دعيني أفر وحدي، فإنني إذا اطمأننت إلى سلامتك، وأنك في حرز أمين لتضاعفت قوتي، وزادت ~~جرأتي، واستطعت الفرار من جنود الروم، ولو كانوا من جن سليمان، وسوف نلتقي في ليلة ضاحكة ~~نسخر فيها من رعبنا وجزعنا في هذه الليلة. ~~- صدقت يا حبيبي، ولكن الجنود يحيطون بالمدينة من جميع جهاتها إلا من ناحية النهر، فهل ~~تستطيع السباحة طويلا؟ ~~- نعم. ~~- انتظرني قليلا، ثم عادت بعد لحظات وهي تقول في نبرة مرتجفة: لن تخشى شيئا من حارس ~~القصر، فقد نفحته بحفنة من الذهب، ثم نظرت إليه نظرة طويلة، ومدت إليه ذراعيها تعانقه في ~~شغف حزين، وهمست باكية تقول: اذهب يا نزار، والإله حارسك، وجميع القديسين معك. ~~••• # وخرج نزار في ظلمة ms11 الليل، واتجه إلى الجانب الغربي من المدينة، وكانت الطريق خالية من ~~السابلة إلا قليلا، حتى إذا بلغ النهر خلع ثيابه، وقفز بنفسه في الماء، وكان البرد شديدا، ~~والريح عاصفة، والأمواج تجتمع وتفترق كأنها رءوس الأفاعي، وأدركته لحظات خوف وخور، ولكنه ~~شد على نفسه، وذكر عظيم الغاية التي يقصد إليها، وأنه سينقذ جيشا، ويحمي أمة وخليفة، ~~فسارع في العوم، ومرت به ساعات حتى اجتاز حدود المدينة، وجاوزها بعيدا، فسبح نحو الشاطئ، ~~وقد نال منه الجهد، وكاد يقتله البرد؛ فلمح نورا خافتا يلمع من خصاص كوخ لا يبعد عنه ~~كثيرا، فاتجه إليه، ودفع بابه فإذا راهب رومي يتعبد في عزلة عن الناس، فلما رآه الراهب ذعر ~~وصاح مستنجدا بالعذراء، وجميع القديسين، فقرب منه نزار قائلا: لا تخش سوءا أيها الرجل؛ ~~فإنني - وقد كاد يقتلني البرد - لا أريد منك إلا هذا، ثم جذب ثوب الراهب وقلنسوته فلبسهما ~~واستراح بالكوخ قليلا حتى هدأت نفسه، وعاد إليه نفسه، ثم خرج متجها نحو الشرق وهو حائر ~~يفكر في وسيلة للوصول إلى جيش العرب، وبينما هو في هم ناصب إذ لمح شرذمة من فرسان الروم، ~~فتحركت فيه غريزة النمر، ولمعت عيناه بوميض الأمل، ووثب كالنسر الجائع على أحدهم، وكان عن ~~رفقته بعيدا، فطعنه بخنجره، وأسرع فوثب على فرسه، واندفع اندفاع السهم نحو الشرق، وأحس به ~~بقية الجند، فأسرعوا خلفه صائحين: جاسوس! جاسوس عربي في زي راهب! ثم أطلقوا خلفه وابلا من ~~السهام، فكان يميل يمنة ويسرة ليتقيها، وهو يهمز الفرس ويزجره زجر اليائس حتى بعد عن ~~مرماهم، ولكن بعض السهام أصابه بين كتفيه، وأحس نزار بالدماء تنسال من جسمه، وأدركه ضعف ~~شديد لشدة ما نزف، وكاد يسقط عن جواده، ولكنه تماسك وانتصرت قوة عزيمته على ضعف جسمه، وما ~~زال يغذ السير حتى بلغ جيش الرشيد، فتصايح العرب: راهب رومي! ماذا يريد هذا الراهب؟ إنه ~~يعدو بفرسه في اضطراب وجنون. # وصاح نزار بقدر ما يستطيع أن يصيح: أين الخليفة؟ أين الرشيد؟ # وأسرع الرشيد إليه فقال: ما خطبك أيها ms12 الراهب؟ فأجاب نزار: أنا يا أمير المؤمنين نزار بن ~~حمزة الخزاعي، فررت من سجن الروم، احذروا الناحية الشرقية عند الهجوم على هرقلة، لأن بها ~~خندقا يلتهم الجيش كله، اجتنبوا ناحية شجر الصفصاف، ثم غلبه الإعياء، وألح عليه النزف؛ ~~فسقط عن جواده، فصاح الرشيد: علي بطبيبي! علي بجبريل بن بختيشوع! # وسمعت حفصة ضجة الجنود، ورأت تزاحمهم فأسرعت واندست بين القوم، ثم رمت بنظرها إلى الجريح ~~فكادت تصعق، وأحست بأن قلبها وقف في صدرها، فألقت نفسها عليه، وهي تصيح في خبال بين بكاء ~~وقهقهة: حبيبي نزار! وجدته! ثم ظهر على وجهها الوهل، والذعر، وقالت: ويلاه، إنه يجود بنفسه! ~~إنه يحتضر! # وأقبل جبريل بن بختيشوع ومعه جملة من العقاقير، وقال في رفق: دعيه الآن يا فتاة، وأرجو أن ~~ينقذه الدواء، إنه شاب قوي البناء، ريان الفتوة، ومثل هؤلاء يقاومون الموت، ثم ضرب بكف على ~~كف قائلا: إن جلده يضرب إلى الزرقة، لقد أصابه سهم مسموم، ولكن لي أملا في شفائه لن يخيب، ~~ثم مزج في عجلة له شيئا من الدواء في قدح، وأعطاه ثلاث جرعات، ففتح الجريح عينيه في بطء، ~~فلما رأى حفصة زفر، وقال في صوت خافت: حفصة؟! الحمد لله! الحمد لله! # فاستبشر الطبيب وقال للخليفة: طب نفسا يا أمير المؤمنين؛ فسوف يزول أثر السم بعد قليل، ~~ولن يطول بالمريض مرضه أكثر من أربعة أيام، ثم أشار إلى حفصة قائلا: وهذه الفتاة التي ~~تحتضنه ستسكب فيه الحياة والقوة والأمل، وتغالب في نفسه أسباب الفناء، إنها يا أمير ~~المؤمنين خير له ألف مرة من كل ما في الأرض من دواء. ~~••• # ومرت الأيام، وشفي نزار، وتقدم جيش الرشيد متجها إلى الناحية الشمالية من المدينة فقهر، ~~ودمر، واستاق أمامه جحافل الروم متخاذلة مهزومة، ودخل الرشيد المدينة، وقدم عليه نقفور ~~وبطارقته منكسي الرءوس، مذللي الأعناق، يعلنون التوبة، ويطلبون الصلح، ويقبلون كل جزية ~~يطلبها أمير المؤمنين، وتقدم أبو العتاهية فأنشد الرشيد يهنئه بالفتح: # إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا # وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا # لك اسمان شقا من ms13 رشاد ومن هدى # فأنت الذي تدعى رشيدا ومهديا # إذا ما سخطت الشيء كان مسخطا # وإن ترض شيئا كان في الناس مرضيا # بسطت لنا شرقا وغربا يد العلى # فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا # ووشيت وجه الأرض بالجود والندى # فأصبح وجه الأرض بالجود مغشيا # وأنت أمير المؤمنين فتى التقى # نشرت من الإحسان ما كان مطويا # قضى الله أن يبقى لهرون ملكه # وكان قضاء الله في الخلق مقضيا # تجللت الدنيا لهرون ذي الرضا # وأصبح نقفور لهرون ذميا # فاهتز الرشيد للمديح، وحينما هم بالقفول صاح بين جنده: أين فاتح هرقلة؟ فتلاحظ كبار ~~القواد، واتجهوا نحو يزيد بن مخلد، فقال الرشيد: إن فاتح هرقلة نزار الخزاعي، إنه القائد ~~الأول للجيش، سر أمامنا يا ابن حمزة. # ولما تحرك الجيش للعودة إلى بغداد رأى بعض الجند عن بعد فتاة يذودها الروم برماحهم عن ~~الوصول إلى العرب، وسمعوا لها نواحا وأنينا يدمي القلوب، ويبكي العيون، فتلفت الجند في ~~ألم وإشفاق، وتساءلت حفصة في صوت حزين: من الفتاة؟! من تكون الفتاة؟ ولكن لم يكن بالجيش كله ~~إلا رجل واحد يستطيع أن يجيب، وأن يقول: إنها هيلين! ms14