######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.SayyidatQusur.Hindawi97031861 #META# Tags: novels #META# ID: 97031861 #META# Title: سيدة القصور #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # | سيدة القصور # | سيدة القصور # | آخر أيام الفاطميين بمصر # تأليف # علي الجارم # | الفصل الأول # كان النهار في صولة شبابه، وكانت الشمس تبعث بأشعتها وهاجة ملتهبة تكاد تشوي الوجوه، ~~وكان الجو على حرارته كثير الرطوبة، والندى المتصاعد من البحر، وكأن النسيم الذي أكثر ~~الشعراء من ادعاء أنه عليل، قد طالت علته فقضى نحبه، فلا تسمع له جرة ذيل، ولا همسة ~~أنين. # وقد أضنى الناس بمدينة عدن هذا الومد، وهزل أجسامهم القيظ بعد أن توالت عليهم شهور ~~الصيف شديدة لواحة، كأنما كانت تتنافس في مسهم بشواظها، فلا يجيء شهر إلا وهو أشد وأنكى ~~من صاحبه. # وظن أهل المدينة أن العري يخفف عنهم بعض ويلات الحر، فتسلبوا من الملابس إلا أزرا ~~قصيرة يشدونها إلى أوساطهم، ولو علموا لصانوا أجسامهم من هذا السعير اللافح، الذي كساهم ~~ثوبا لماعا من العرق، كلما تساقط نسجت لهم الشمس ثوبا جديدا، وكلما مسحوه بأيديهم سال ~~نبعه وتقاطر، حتى كأن كل رجل أصبح إنبيقا يتحول كل ما فيه ماء بالتصعيد والتقطير. # خلت طرق المدينة من السابلة إلا من دعته شدة الحاجة إلى المسير، وفزع المتعطلون إلى الظل ~~والنجائر يتقون بها شدة الهاجرة، أما الأغنياء والموسرون: فلبسوا البيوت، وزرروا الأبواب، ~~والتجأوا إلى سراديب عميقة في الأرض، ينفذ إليها الهواء من بناء إسطواني كالداخنة، يشق ~~طبقات الدار، وتنفذ فوهته إلى سطحها، وكان علي بن مهدي - وهو من دعاة الفاطميين، وكبار ~~رجالهم - في داره في هذا اليوم، ومعه جماعة من الأدباء والعلماء، بينهم أبو كاظم الحراني، ~~والفقيه أبو الحسن النيلي، وأسامة الحضرمي. وكانت الدار على سيف البحر، فخمة شاهقة ms01 البناء، ~~تدل على عظمة صاحبها، واتساع جاهه، وقد أسرع العبيد فبلوا دهاليز السرداب بالماء، حتى بدت ~~فيها بحيرات صغيرة هنا وهناك. # وجلس ابن مهدي وأضيافه في حجرة كان أثاثها غاية في الحسن وجمال التنسيق، وقد كسيت فيها ~~الأرائك بالحرير الأرجواني، واختيرت الستور من الخز التنيسي، وفرشت الأرض بالبسط الهندية، ~~ودل كل شيء فيها على ذوق سليم وبذخ وإسراف، وقد وقف في نهاية الحجرة أربعة عبيد، يمسكون ~~بحبال مروحة مستطيلة، عملت من القطيفة الغليظة النسيج، وعلقت بسقف الحجرة على طول ~~امتداده، فهم لا يفتأون يجذبون الحبال ويرخونها، والمروحة تتحرك إلى الأمام والخلف؛ أملا ~~في أن تجود على من بالحجرة بنفس من نسيم. # بدأ ابن مهدي فقال: هذا يوم لم تر عدن له مثيلا، وستصبح سنة تسع وأربعين وخمسمائة ذكرى ~~خالدة لأهلها، يوقتون بها ويؤرخون. # فقال الحراني - وكان فكها: سيقولون زار الحراني عدن سنة الحر، فعاجله النيلي، وقال: ~~وسيقولون سرق خرج النيلي سنة الحر؛ فضحك القوم، والتفت إليه ابن مهدي وقال: أسرق منك خرج ~~حقا؟؟ ~~- لا أدري ... أسرق؟! ... أم ابتلعته الأرض؟! ... أم تخطفته السماء؟! ... # وصلت القافلة من زبيد عند باب المدينة الذي يسمونه هنا (باب الصدقات)، أو هو باب السرقات ~~على الأرجح، وحط رحلي، ووضع ما عليه من متاع وأثقال، وأنا أنظر إليه لا تكاد عيني تذهب عنه، ~~وكان الخرج بين المتاع، وقد ازدحم حول السفار جماعات من الحمالين والمجتدين، وبينهم امرأة ~~هزيلة شاحبة في أسمال - أو فيما كانت أسمالا - لا تكاد تستر جسمها، وكان وجهها يحكي وهو ~~صامت حكاية مؤلمة للسغب، والفاقة، ومرارة الحاجة، وقد حملت بين يديها طفلا أو جعلا، تركه ~~الجوع عظاما في جلد، أو جلدا على عظام، وأخذت تمد ذراعيها به في وجهي، فراعني سوء حالهما، ~~وبحثت في جيبي عن درهم أمسك به رمقهما، وما كدت أمد يدي به إليهما، وأعود بعيني إلى أمتعتي ~~حتى وجدت مكان الخرج خاليا!! # فقال الحراني: هذه هي اللعبة يا سيدي التي لم تدرسها في الكتب، ولم تجد لها مثيلا في ~~كتاب الحيل ms02 الفقهية للخصاف، وكأنما كان أبو نواس اللئيم يشير إليك بسبابته حين ~~يقول: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # هذه المرأة يا مولانا تعمل مع اللصوص والشطار، وهي آلتهم التي بها يصلون إلى غاياتهم، هي ~~الطعم الذي يقذفون به إلى السمك لاصطياده، هي الحب الذي ينثر حول الفخ ليقع عليه الطائر ~~الغر، هي البؤس المزوق الذي جاء يستلب مالك اضطرارا لما عجز البؤس المحقق عن أخذه منك ~~اختيارا، هذه المرأة وأمثالها يرسلها العيارون إلى من ينكب بهم؛ ليثير منظرها المؤلم نفسه، ~~فيصرفه عن النظر إلى ما حوله، وقد يكون مقدار ذهوله لحظة أو دونها، وهذه اللحيظة كافية لأن ~~يسلبوه ما يشاءون. # فقال النيلي - وقد ظهرت في وجهه آلام من يشعر بالتفريط، أو من يتوقع أنه سيوصم بالغلفة ~~والبلاهة: حقا إنهم شياطين!! # وهنا سأله ابن مهدي في شيء من الاستنكار: ألم تذهب إلى والي المدينة، وتقص عليه قصتك؟ ~~فلعله يجد سبيلا إلى الوصول إلى ما سرق منك!! ~~- ذهبت إلى داره، وهي تقع في محلة الحدادين إلى الجانب الشرقي من المدينة، فوصلت إليها ~~بعد لأي وجهد، فلما طرقت الباب خرج لي أحد غلمانه، فلما سألته عنه، قال: إنه مريض منذ ~~يومين، أكل لحم جزور زهمة فأصيب بالزحار. # فسألته عن وكيله، وأين مكانه؟ فقال: إنه أعرس بالأمس، وإنه نازل عند أصهاره «بذي جبلة»، ~~وإن المسافة بين عدن وبينها سبعة عشر فرسخا؛ فحوقلت ورجعت، وقلت لنفسي: ضاع خرجك يا أبا ~~الحسن بين معاناة الزحار، ومناغاة الأبكار!! # فضحك القوم، وأغرقوا في الضحك، ثم قال ابن مهدي في مواربة ودهاء: خل عن المزاح الآن أبا ~~الحسن ... كيف حال الدعوة الفاطمية بزبيد؟؟ ... لقد جاءت رسالة من الخليفة الفائز إلى محمد بن ~~سبأ ينعي عليه فيها التهاون في نشر الدعوة، ويستحثه على أخذ كل من نكل عنها بالبطش وقوة ~~السلطان. # فأجاب الحراني: إن الدعوة الفاطمية بزبيد على خير ما يتمنى لها من القوة والانتشار، فإن ~~الملك فاتكا لا يفتأ ناشرا لها، عاملا على بثها ms03 في كل نفس، ونائب داعي الدعاة هناك، ~~ونقباءه، ونوابه لا يتركون سنيا حتى يضموه إلى حظيرتهم، فقال ابن مهدي: ذاك كلام أبا ~~كاظم، فإن ما لدينا من الأخبار يجبه ما تقول، ولعل حبك لفاتك هو الذي دفعك إلى الذود ~~عنه! # فأسرع الحراني قائلا: لقد صدقتك يا سيدي، وإذا كان لا بد من الحق الصريح الذي لا يخالطه ~~استثناء، فإنني أوكد لك واثقا أن زبيد كلها فاطمية، إلا أسرة زيدان، وأسرة المثيب، وهما ~~أعمام عمارة بن زيدان وأخواله. # فانبري له الحضرمي - وكان صديق عمارة الوفي - قائلا: ما لك أبا كاظم وعمارة؟! إنك في ~~النيل منه والكيد له جد متهم ... وإن كنت لا أعرف أسباب نقمتك منه وحقدك عليه؟! # وهنا صاح ابن مهدي، وقد رأى الشر يتصاعد شرره: مه أيها الأخوان ... فإننا اجتمعنا للمحادثة ~~والمحاضرة، لا للتنابذ والمهاترة ... أعلمتم أن عمارة بن زيدان، قدم منذ أيام وافدا على محمد ~~بن سبأ صاحب عدن؟ أتعرفون سبب هذه الوفادة؟ فأسرع الحراني قائلا: إنه قناص سديد الرماية، ~~فلعله اشتم هنا رائحة صيد جديد، ثم قال النيلي: إن عمارة اليوم يا سيدي غيره بالأمس، فقد ~~كنا نعرفه بالمدرسة العصامية بزبيد فقيرا مملقا، يعيش عيشة طلاب العلم في عسر وشقاء، ~~ولكنه بعد أن اتصل بأمير زبيد ومدحه أغدق عليه، فأصبح صاحب الحول والطول، وصار موضع ~~الشفاعات، وقاضي الحاجات، ثم إنه تاجر فراجت تجارته، وسارت سفنه بين زبيد وعدن وجدة، لا ~~تكاد تنقطع في ليل أو نهار، حتى لقد قال له يوما أبو عبد الله الحفائلي - وهو رأس العلم ~~والأدب بزبيد: ته علينا أبا محمد، فقد أصبحت ولا مثل لك في الجاه والعلم والثراء! وليته ~~بعد أن أسبغ الله عليه هذه النعمة الطارئة شكر الله عليها بقليل من التواضع، أو أدى زكاتها ~~بشيء من اللطف والمجاملة! ولكنه صلف متكبر مغرور - وإن كره الحضرمي،. فأسرع الحضرمي وقال: ~~كفى كفى أبا الحسن؛ لقد أكلتم لحم أخيكم ميتا، ومزقتم من الرجل وهو غائب ما تخرس دونه ~~ألسنتكم وهو حاضر، إن عمارة ms04 لم يكن دعيا في جاهه، ولم يكن محدثا في نعمته، إن عمه علي بن ~~زيدان أكرم من نثر مالا، وأشجع من جرد سيفا، وخاله محمد بن المثيب أشرف قومه، وسيد ~~قبيلته، ولولا الجدب المحرق الذي أصاب «مرطان» سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فأهلك الحرث ~~والنسل - ما احتاج عمارة إلى السعي في الرزق، والتنقل في طلب المال، وما سمعنا مثل أبي ~~الحسن النيلي يلمزه اليوم بأن نعمته طارئة، وثروته محدثة. فقال ابن مهدي: إن عمارة رجل يجمع ~~كل صفات الرجولة، وقد حادثته بالأمس في دار ابن سبأ، فرأيت فيه علما وأدبا ودهاء، والذي ~~قرأته في وجهه، واستنبطته من خلال حديثه: أنه رجل عظيم الآمال، كبير النفس، طموح بعيد ~~المدى، وهو يذكرني بالمتنبي شاعر كافور، وأرجو ألا تكون له مثل خاتمته. # ثم مدت مائدة الطعام، وقام الغلمان بالخدمة، وقدمت الألوان الشهية، وأنواع التوابل ~~الهندية، فأكل القوم وشربوا، وهم يتنادرون ويتسامرون، ثم استراح الضيوف بعد الأكل قليلا، ~~حتى إذا قاربت الشمس المغيب، ودعوا رب المثوى وانصرفوا. # | الفصل الثاني # خرج الحراني والنيلي والحقد يأكل قلبيهما، لما سمعاه من إطراء ابن مهدي صفات عمارة، وهما ~~يعلمان ما لابن مهدي من عظيم التأثير والكلمة المسموعة عند محمد بن سبأ، وأنه إذا ظفر عمارة ~~بمودتهما، بعد أن فاز عند أمير زبيد بعظم المكانة لم يأمنا شره. # وأسفا على أن طعناه، ونالا منه أمام صديقه الحضرمي، الذي سينقل إليه صورة ما دار بالمجلس ~~كاملة وافية، إن لم يزد عليها كثيرا من ألوان التحسين والتزويق. # بدأ الحراني الحديث قائلا: ما العمل أبا الحسن؟! فقد زلق لساني، وتجاوزت حد الحزم في ثلب ~~عمارة، وتمزيق عرضه؟! # إن عمارة اللئيم الداهية استطاع أن يحافظ على مذهبه السني، وأن يجتذب هؤلاء الفاطميين من ~~ناحية، ورؤساء زبيد من ناحية أخرى. حقا إن أمر هذا الرجل لعجيب! إن له في التأثير في ~~الكبراء ما يشبه السحر، حتى كأنه بقوة روحه أنسى دعاة الفاطمية التشدد في إلزامه مذهبهم، ~~وكأنهم يرونه خلقا عظيما فوق المذاهب والعقائد؟ # إنه يمدح ms05 الفاطميين، ويمدح السنيين بشعره، ولو رأى مجوسيا لمدحه، وإذا خاطبه الناس في ~~هذا ولاموه قال: إن تجارة السلع علمته التجارة في الشعر، وإنه ينسج من قصائده أثوابا ~~مختلفة الأثمان، متنوعة الطول والقصر، يبيعها لكل من تقدم لشرائها، وإنه لم ير في حياته ~~بزازا امتنع عن أن يبيع لوثني أو رافضي، ويظهر أنه بهذا الطريقة نجا بمذهبه السني. ~~- هو في الحق شديد الحرص عليه، وهو في الحق يمتاز علينا في هذا، فإننا أظهرنا التمسك ~~بالمذهب الفاطمي عند أول تهديد من داعي الدعاة. ~~- هون عليك أبا الحسن، فإن قليلا من الرياء في هذه الدنيا ليس بالأمر الجلل، وهو سلاح ~~خلقه الله فينا نتقي به الخطر، كما خلق الدرقة في السلحفاة، والقدرة على التلون في الحرباء، ~~ولو أن سائلا سألني عن منفعة اللغة لأجبته بأن أعظم فوائدها: أنها لا تعبر عما في الضمير!! ~~وهؤلاء السادة الذين تراهم، وهؤلاء العلماء، وهؤلاء الأثرياء لن يستطيعوا العيش بلا ~~رياء. # إن الأطفال في هذا الزمان يراءون! ولست أدري أكان أكثم ين صيفي يدعو إلى الصدق، أم كان ~~يدعو إلى الكذب حين قال: إن قول الحق لم يدع لي صديقا. ~~- صدقت!! لو أن كل إنسان قال ما يجول بنفسه بشأن من يعرف من الناس، ومن لا يعرف - لفتك به ~~الناس ... تخيل أبا كاظم أنني وثبت اليوم علي ابن مهدي مضيفنا، وأخذت بتلابيبه وصحت: إنك ثقيل ~~ورب الكعبة!! إن كبرك لا يحتمل!! إن تعاقلك وزهوك، وتكلمك من أطراف أنفك فوق طاقتي!! اغرب ~~عن وجهي إنك سمج دنيء!! # تخيل أني فعلت هذا، ثم تخيل ماذا يكون. # وهذا الشيخ الذي تراه الآن راكبا بغلته، وخلفه عشرة عبيد يلهثون من التعب، وهو ينظر في ~~الناس يمينا وشمالا في بلاهة وعجب كأنه يريد أن يصيح فيهم: «انظروني أيها العميان، ~~وانظروا ما أنا فيه من جاه وثروة» - ألا تحب أن تعدو خلفه، وتبصق في وجهه، وتعرفه أنه مأفون ~~متبجح نذل؟! ~~- إن أمثال هذا كثير، فدعنا الآن نفكر فيما ينجينا من عمارة وويلاته. ~~- علمنا اليوم ms06 من ابن مهدي الأبله: أن عمارة اجتمع به في دار ابن سبأ، وفهمنا من حديث ابن ~~مهدي الغر: أنه جاء إليهما ليتحدثا معه في أمر جسيم، ألم يقل ابن مهدي: «إن عمارة رجل عظيم ~~الآمال، كبير النفس، طموح بعيد المدى»؟؟ ~~- هذا صحيح، فماذا ترى كان موضوع الحديث؟؟ ~~- إنه فيما يغلب على ظني لم يكن حديثا للمسامرة والتسلية، بل كان مفاوضة ذات شأن. ~~- في أي شأن كانت المفاوضة يا أبا الحسن؟ ~~- لا أدري، ولكن ألا تعرف «مفلحا» خادم ابن سبأ الخاص به، والأثير عنده؟ ~~- أعرفه ... وهو صديق لي حميم ... وهو سني في الباطن، وكثيرا ما كان يرد إلى زبيد ليسألني ~~في فقه الشافعي، و«مفلح» هذا إذا عرف شيئا من المفاوضة، ومما دار بين هؤلاء الثلاثة من ~~الحديث - فلن يتوانى عن إخباري به. ~~- هلم بنا إليه بحقك. # فيأخذ الحراني بيد صاحبه، ويخرجان من درب قذر إلى زقاق كريه الرائحة حتى يصلا إلى غربي ~~المدينة؛ فيظهر لهما بناء شامخ كأنه الحصن، وحوله الحدائق المزهرة، والرياض الباسمة، فيشير ~~الحراني إليه ويقول: هذا هو القصر المسمى بالمنظر، وهو قصر ابن سبأ صاحب عدن، والقائم بدعوة ~~الفاطميين فيها، وخير لنا أن نذهب إلى الباب الخلفي؛ خوفا من أن نلتقي بالأمير. # دخل الشيخان من الباب الخلفي، فقابلهما غلام لمفلح لا يتجاوز الخامسة عشرة، وسيم الوجه، ~~صبيح الطلعة، امتزج فيه الدم العربي بالهندي، فأخرج هذا الامتزاج للناس صورة من الإنسانية ~~بديعة رائعة، فسأل الحراني عن صديقه «مفلح»؛ فأجلسهما الغلام في حجرة، وذهب لدعاء سيده، ~~وأقبل «مفلح» وكان رجلا في الأربعين، وقور السمت، جميل الوجه، يلبس من الحرير والديباج ما ~~لا يجد طريقه إلا حول أعطاف الملوك؛ فحيا الحراني وصاحبه في تجلة وإكرام، وانتقل الحديث ~~إلى جو عدن، وشدة حرارته، وما سيصيب الناس في هذه السنة من الجدب؛ لامتناع المطر، وقسوة ~~الجفاف. # وبعد قليل قال له الحراني: أيتفضل سيدي بأن أستفسر منه في خلوة عن أمر أراه ~~خطيرا؟! ~~- نعم نعم، وكرامة. # ثم يأخذ مفلح بيده إلى حجرة أخرى ، ويغلق ms07 بابها ويقول: ماذا تريد أبا كاظم؟؟ إني لا أنسى ~~لك فضلك في شرح كثير مما التبس علي فهمه من مذهب الشافعي، ولم أجد من فقهاء زبيد من هو ~~أكتم للسر، وأرعى للأمانة منك، فلو عرف ابن سبأ حقيقة مذهبي، ما أبقى رأسي بين كتفي. ~~- يا سيدي، لقد وضعت سرك عند شقيق روحك، نجي نفسك، وكأنك والله ما نقلته إلا من ناحية ~~صدرك اليسرى إلى ناحيته اليمنى ... إننا لا نزال يا سيدي نأمل لك عزا كبيرا، ولا نزال نرجو ~~أن تتقوى السنية وتظهر، لنراك زعيمها المرجى، والملك الحاكم المسيطر في هذه ~~البلاد. ~~- تلك آمال أبا كاظم. ~~- آمال وستحقق إن شاء الله ... أجاء عمارة بن زيدان لمقابلة ابن سبأ هنا بالأمس؟؟ ~~- نعم، وقد كان معه علي بن مهدي، فقضوا وقتا طويلا في حديث طويل. ~~- أتعتقد أنهم كانوا في مفاوضة بشأن أحوال الحكم في اليمن؟؟ # فابتسم «مفلح»، وهز بلطف كتف الحراني وقال: إن عمارة شاب طماح، يريد أن يكون زبيبا ~~قبل أن يكون حصرما. ~~- أسمعت بعض ما قالوا يا سيدي؟ # فأطرق «مفلح» مليا، ثم رفع رأسه وقال مترددا: الذي فهمته من كلمة تتناثر هنا، وأخرى ~~تسقط هناك، وثالثة يرتفع بها الصوت قليلا: أنهم كانوا يتحدثون في شأن زبيد. ~~- ماذا سمعت بالله يا مولاي؟ فإن حياتنا وآمالنا معلقة بما ينقض هؤلاء ويبرمون. ~~- سمعت ما يفهم منه: أن فاتكا ملك زبيد عدو للفاطمية، وأنه يجتهد في إماتة دعوتهم، وأن ~~ابن سبأ قد يجهز عسكرا بقيادة علي بن مهدي؛ لمحاربته والاستيلاء على المدينة، على أن يسبقه ~~عمارة إليها للتمهيد لهذا الغزو، واجتذاب القبائل إلى ابن مهدي، وأن يقلد ابن مهدي حكم ~~زبيد بعد زوال فاتك، وأن يكون عمارة شريكه ونائبه في الحكم، ثم رأيتهم يتعاهدون على ~~الكتمان، حتى تأخذ أهل زبيد الصيحة وهم نائمون. ~~- يا للداهية!! ضعنا بين جنون ابن مهدي، ودهاء عمارة! ~~- كل شيء بقضاء وقدر يا شيخ، ولعلهم كانوا يتحدثون، واللوح المحفوظ يسخر ~~ويقهقه!! ~~- نحن لم نر اللوح المحفوظ يا سيدي، ولكننا نرى بين ms08 الرماد وميض نار، سيكون له تأجج ~~وضرام، وليس لنا في رفع هذا المكروه عنا إلا الله وأنت. # ثم استأذن الشيخان في الانصراف وخرجا، فقال النيلي: أراك عابسا جازعا أبا كاظم، فماذا ~~قال لك؟؟ ~~- ماذا قال لي؟؟ إني لم أسمع كلاما، إنما سمعت رعدا وعزيفا وصواعق ... إنها مصيبة جارفة ~~... هلم إلى فندقنا، فإننا لا نستطيع الكلام في الطريق. # وصلا إلى الفندق واجمين، ودخلا حجرتهما، وأغلقا بابها، وحدث الحراني النيلي بما سمعه من ~~مفلح، فاكفهر وجهه وقال: ضعنا وضاعت زبيد. ~~- الرأي عندي: أن أذهب الليلة مستخفيا إلى زبيد، حتى إذا نزلتها أخذت سمتى قدما إلى ~~قصر فاتك، وطلبت مقابلته وحده، حتى إذا نفضت إليه جملة الخبر عدت من ليلتي غير متوان، ولا ~~معوق ... سأرحل الآن. # ثم قام وذهب إلى سوق البزازين، فاشترى إزارا ورداء، حتى إذا لبسهما لم يكن يميز من أعراب ~~البادية، وودع النيلي، وذهب إلى محط القوافل ليستأجر جملا إلى زبيد. # | الفصل الثالث # امتطى الحراني جملا شديد الأسر، موثق الخلق، مارس الصحراء ومارسته، وتحدته بوعورتها، ~~وبعد شقتها، فتحداها بصبره وشدة جلده، حتى لقد أصبح الضرب في الفيافي جزءا من حياته، لا ~~يكاد يجد له ألما، أو يشكو منه عنتا! سار الحراني وقد لفه الظلام برداء حالك السواد، طرز ~~بثواقب النجوم، سار في صحراء لا يسمع بها إلا عواء ذئب برح به السغب، وشفه الظمأ، ولا يرى ~~فيها إلا تهاويل من الخيال، دميمة الوجوه، فاغرة الأفواه، تتراقص أمامها كأنها تستهويه إلى ~~موت محقق، وكان الحراني متجهم الوجه، منقبض الصدر، مضطرب الفكر، يخشى أن يكون بغض أسرة ~~زيدان قد جاوز به حد الحزم، ودفع به إلى ما لا يجمل بالحذر الحريص، وكلما صور الحوادث التي ~~زلقت بها رجله، وزجه فيها حقده، رأى أنها لم تكن من الإحكام ودقة التدبير بحيث يرضى عنها ~~دهاؤه، أو يستسيغها ذوقه الفني في نصب الأشراك، وابتداع الجرائم، وقد كان في متناول ذكائه ~~من ضروب الحيلة وأساليب المكر ما كان أدق صنعا، وأبعد عن العقول إدراكا، وأخفى على ms09 الباحث ~~المنقب، ماذا فعل؟ وماذا قدر؟ وماذا دبر؟ مكيدة مكشوفة مهتوكة الستر، كأنها عبث أطفال، ~~لقد نال من عمارة، وانتقصه أمام الحضرمي، وهو له أصدق صديق، وأوفى خليل، فإذا أصاب آل زيدان ~~من فاتك أذى أو ضرر كان من الهين السهل أن تتجه العيون إلى الحراني، وأن تشير إليه بالأكف ~~الأصابع، ثم ماذا فعل بعد هذا؟! ذهب مع النيلي إلى «مفلح»، ومن هذا المفلح؟! بائس تركه مبضع ~~الجرائحي وسطا حائرا بين الرجال والنساء، فلا شهامة الرجل نال، ولا بدهاء المرأة ظفر، ثم ~~إن الذي يفرط في سر سيده - وهو سر دولة - أجدر بأن يهب ما في صدره مسئولا أو غير مسئول، ~~وأن يبعثر ما في نفسه في الأسواق على أن هذا الغر الأحمق مفتون بشيء اسمه السنية عدو خفي ~~للفاطمية. # وبنو زيدان أقوى قبائل اليمن، وأشدها تمسكا بالمذهب السني، فليس في مجال الوهم ببعيد أن ~~يبعث إليهم هذا الجاهل رسولا، يخبرهم بما كان من زيارتي، وزيارة النيلي لداره، ثم إن ما ~~بيني وبين علي بن زيدان من الثأر القديم كفيل بأن يحمله على الاعتقاد بأن لي في هذه المكيدة ~~يدا، وأني كنت أول ساع بعمارة عند فاتك، وأول مؤلب عليه، حقا إنها دسيسة لم تحكم ~~أطرافها، ولم تستر فخاخها، ولكن ماذا أعمل الآن، وقد انطلق السهم الطائش!؟ # ألا سحقا لعلي بن زيدان، لقد كان ما أوقعه بأبي منذ سنين من شديد العقاب والخزي الدائم ~~سببا لهذا الحقد الذي يملأ صدري على أسرة زيدان، وكل من يتصل بها. وماذا كان فعل أبي في ~~شبابه؟ أحب فتاة من حيهم وأحبته، فأبوا أن يزوجوه إياها كبرا وصلفا؛ لأنهم يرون الناس ~~جميعا دونهم، ولأنهم لا يصاهرون إلا من كان من قبيلتهم، كأنهم يخشون على هذه السلالة ~~الطاهرة أن تدنس بغير نسبهم، وكان يجدر بأبي - سامحه الله ~~- أن يقابل كبرهم بمثله، وأن يخضع تلك النزوة الطائشة التي يسمونها الحب لسلطان الكرامة ~~والاعتزاز بقومه وقبيلته، ولكنه لم يفعل، واختطف الفتاة من خبائها في ليلة سوداء ، فأحس ms10 به ~~القوم فأدركوهما، وقتلوا الفتاة، وهموا بقتل أبي، ولكن شريرا لئيما منهم أشار بأن يستبقوه ~~لحياة هي شر من الموت، أشار بأن يبقى حيا، وأن يوصم وصمة اللصوص؛ فاستطابوا الرأي، ~~وأوقدوا النار، ووسموه فوق جبهته، وفوق خديه بعلامات يوسم بها السراق وقطاع الطريق، ثم ~~تركوه بالصحراء يئن من الألم، ويئن من الخزي والعار. ووالله ما جلست بعد هذا اليوم مجلسا، ~~ولا سرت في طريق إلا وكأني أرى جميع الأصابع تشير إلي: هذا ابن السارق الموصوم! لا ... لا ... ~~لا بد من الانتقام من آل زيدان، كيفما كانت قوتهم، وكيفما كان عديدهم، وسأتخذ من ضعفي قوة ~~للكيد لهم والوثوب عليهم؛ إن البعوضة لا تنال باليد، ولكنها تطن وتلسع، فإذا حاول من ~~لسعته قتلها لطم خديه، وهذا عمارة صيد سهل، سريع الوقوع في الشرك، فإن ما جبل عليه من ~~الصراحة والطموح والتهور في طلب ما يريد كفيل بأن يوقعه في أهون الدسائس حبكا. # كان الحراني يناجي نفسه وهو حزين مطرق، تتناهبه الأفكار، ويؤلمه طائف الذكريات، ويقبضه ~~الخوف من الإقدام فيبسطه الحقد وشهوة الانتقام، وهو بين هذا وذلك يتسمع أحيانا لصوت ضئيل ~~خافت يهتف به ضميره، أو ما بقي له من ضمير، فيقول: ما هذا الذي أنت فيه أبا كاظم؟! وما هذه ~~العربدة التي ستعود عليك نكالا ووبالا؟! أنت تقف أمام أسرة زيدان! وأنت تكيد لها! وأنت ~~تنصب لها الحبائل! لقد جاوزت طورك، وقذفت بنفسك بين براثن الأسود! وألقيت بيدك إلى التهلكة! ~~إن عبدا من عبيد آل زيدان وحده عسي بأن يقضي عليك وعلى أولادك وأهلك، من غير أن يترك ~~لفعلته أثرا، إن أباك مات منذ حين، ودفن معه عاره، ونسي الناس تلك العلامات البشعة الدميمة ~~التي كانت تشوه وجهه، وطوي ذلك السجل المشئوم، سجل الذل والخزي والشنار. مالك تنبش الماضي؟ ~~وكلما نبشته ملأت جيفته الجو خبثا. أنت تعادي آل زيدان! # هذا إذا عادت النمال الجبال، وصاولت الكلاب السحاب! # عد إلى صوابك أبا كاظم، ثم عد من حيث أتيت، واغسل تلك السخائم التي سودت ms11 صدرك بماء من ~~التسامح والغفران، واقتل تلك الحيات التي أكلت قلبك، وأقضت مضجعك بسلاح من الصفح الجميل، ~~فإن الحاقد ينال من نفسه فوق ما ينال من عدوه، وهو أشبه بالنحلة تلسع وتموت، والسهم يقتل ~~ويتحطم، لم لا تعود إلى علمك ودروسك أبا كاظم، وإلى الضحك من ذقون الناس، فتنال من عقولهم ~~وأموالهم، وتعيش بين أهلك هانئا سعيدا؟ دع الدسائس، ودع النمائم، فإن من يكثر من إيقاد ~~النار يوشك أن يحرق كفيه. إن حديث أبيك مضى وانقضى ذكره، ولا يعرف الجيل الجديد عن الحراني ~~إلا أنه شيخ المتأدبين، وزين المحافل. إن في الحياة أمورا كثيرة علاجها النسيان، والجرح ~~إذا أكثرت من حكه التهب ونغل، الو زمام بعيرك أبا كاظم، وعد إلى زبيد، وتجنب فيها مواطن ~~الشبهات حتى تهدأ الفتنة، وتسكن هذه الثائرة، ما لك وللنيلي! ومالك ولابن مهدي! ومالك ~~ولفاتك! ... كل هؤلاء لا يستطيعون أن يدفعوا عنك شر بني زيدان. أنت تدعي الحزم، وهذا هو موطن ~~الحزم. أتسمع؟ ... ولكن الحراني كان في ثورة من الغل غظت على عقله، فصاح: لا أسمع، ولن أسمع، ~~ولن أترك عمارة، ولن أترك آل زيدان، سأنتقم لأبي، وسأذهب إلى فاتك، وسأكشف إليه سر ~~المؤامرة، ولن يصدني عما اعتزمت عليه صاد مما يسميه الناس عقلا أو حزما. # ثم رفع الحراني رأسه كما يرفع الغائص رأسه من الماء بعد طول المكث فيه، وكأنه كان في عراك ~~عنيف بينه وبين نفسه، خرج منه ظافرا منصورا، فبدد الظنون، وقضى على الشكوك، ثم رمى بعينيه ~~أمامه؛ فرأى في ضوء النجوم شبحا يظهر ويختفي، مرة تبتلعه الوهاد، وأخرى تلفظه الآكام، فحدد ~~النظر، واستحث بعيره، فإذا راكب يجد السير! فخاف الحراني أن يكون الرجل من عبيد عمارة، ~~سبقه ليفتك به في الصحراء قبل أن يلقي بنميمته، وظن الرجل حينما رأى الحراني وراءه أنه من ~~رجال ابن مهدي أسرع خلفه من عدن ليقضي عليه قبل أن يبلغ رسالته إلى فاتك. وبعد قليل التقيا ~~على رأس أكمة، وكلاهما خائف ومخوف، فبدأ الحراني في خوف وتلعثم: ms12 السلام عليكم، لقد كنت أظن ~~أن الصحراء لم تحمل في هذه الليلة إلا جنينا، فإذا هي تحمل توأمين. ~~- إن الصحراء كالليالي تلد كل عجيبة. # رأى الحراني في صوت صاحبه رجفة، وفي لمحاته ما يشعر بالذعر، فقوى قلبه قليلا، واطمأنت ~~نفسه، وقال: ولكنها أحيانا كالهرة تقتل بنيها. ~~- إنها لا تقتل من أبنائها إلا الجبناء الرعاديد، وإن من كان قلبه أمضى من سيفه، وسيفه ~~أثبت من قلبه، لن يموت إلا ميتة الأبطال. # وكأن الرجل لمح في الحراني ما يدل على الضعف، فتابع الحديث بقوله: ولقد يكون من أسباب ~~التسلية والقضاء على السآمة في الصحراء أن يصادق المرء فيها وحشا يداعبه بسيفه، أو لصا ~~فاتكا يلقنه برمحه درسا في الأمانة وصون الحقوق. ~~- ليس بالصحراء لصوص، ولو كان بها الليلة لص لتاب إلى الله على يد رحلي، بعد أن يراه أفرغ ~~من فؤاد الجبان. ~~- إن الساري في مثل هذه الليلة يحمل ما يحرص عليه في صدره لا في رحله، ولعل في صدرك من ~~الأسرار ما هو أغلى من الذهب النضار. ~~- من أين لنا أن نصل إلى الأسرار يا ابن أخي، وإن من ضاق صدره بهموم الحياة أجدر بألا ~~يزيده ضيقا بحفظ الأسرار. من أين الرجل؟ وإلى أين؟ ~~- من عدن إلى الحديدة، اتجر في الإبل بين البلدين. وإلى أين أنت؟ ~~- إلى صنعاء. اتجر في الثياب بين البلدين. ~~- أخشى يا صاحبي أن تكون من ثياب الرياء التي تشف عما تحتها، ولكن ما لنا ولهذا! عم مساء. ~~ثم ألهب بعيره بالسوط، فعدا به ينهب الأرض نهبا. # تنفس الحراني وأطال التنفس، وكادت تعود إليه وساوسه، لولا أن زجرها بالترنم بشعر البطولة، ~~والاعتماد على النفس، والتشفي بأخذ الثأر، وما زال يطوي الصحراء وتطويه أياما، حتى بلغ ~~زبيد في مساء ليلة، فسار قدما إلى قصر فاتك، فالتف عليه الحراس، وسألوه عن شأنه؟ فقال: إنه ~~قادم من مكة برسالة من أميرها: قاسم بن هاشم إلى الأمير فاتك، وبعد قليل استؤذن له، فتقدم ~~من الأمير، وقبل يده، ثم أخذته الرعدة، وهاله ما ms13 هو مقدم عليه من أمر خطير، فأخذ يتمتم ~~بكلمات متقطعة يفهم منها الإخلاص للأمير، والنصح له، والاستهانة بالموت في خدمته؛ فهدأ ~~الأمير من نفسه حتى أفرخ روعه وثبت جأشه، ثم قال فاتك: كيف حال أمير مكة؟ فعاد الذعر إلى ~~الحراني، وطفق يفرك أصابعه في اضطراب عصبي عنيف، ثم قال: لم أجئ من مكة يا سيدي، وإنما جئت ~~من عدن. ~~- لم تجئ من مكة؟! هذه أول أكذوبة للمخلص لنا، المستهين بالموت في خدمتنا. ~~- إنما دعاني إلى الكذب يا سيدي خوف أعدائي، فقد يكون بقصرك عيون لهم. ~~- إن قصري أطهر مما تظن، وخدمي أعف وأشرف مما تصفهم به. أخشى يا رجل أن تكون من هؤلاء ~~الدساسين، الذين يلبسون مسوح الزهاد، ويتقدمون بالنصح إلى الأمراء ليجعلوا منهم آلة للبطش ~~بأعدائهم. إن بابي هذا يطرقه كل يوم كثير من أمثال هؤلاء، حتى لقد التبس علي الحق بالباطل، ~~وكدت أغفل عن شئون الناس بالنظر في شئون هؤلاء الخادعين، والتحقق من أكاذيبهم، فإن كنت ~~فقيرا أعطيناك، وإن كنت مستجيرا بنا أجرناك، وإن كانت لك ظلامة كشفناها، قل الحق يا رجل ~~صريحا، ولا تنل من أحد في حضرتي. ~~- إنني لم أجئ يا سيدي لأطلب مالا، ولا لأبتغي على نصيحتي للأمير أجرا، ولكني علمت ~~بمؤامرة دنيئة تدبر لإسقاط الأمير عن عرشه وعرش آبائه، فأسرعت إليه من عدن أطوي الليل ~~بالنهار، وللأمير بعد ذلك ما يشاء، إما أن يصدق ما أقوله، فيتخذ الأهبة، ويعد العدة؛ ~~ليدفع الشر بالشر، وإما ألا يصدقه فيعرف بعد طول الندم أنني كنت صادقا مخلصا. ~~- وما تلك المؤامرة؟! ~~- المؤامرة: أن يفجأك علي بن مهدي، ومعه عمارة بن زيدان بجيش جرار، فيستوليا على زبيد، ~~ويقتلا أميرها، ويبيدا أهله ونصراءه، ثم يجلس ابن مهدي على عرش المدينة، ويجعل عمارة وزيره ~~ومشيره. هذه هي المؤامرة فصدقها أو كذبها، اللهم إني قد بلغت ونصحت!! ~~- صدقتها، وقد جاءني قبلك رسول من قبل «مفلح» خادم ابن سبأ يبلغني أمر هذه المؤامرة على ~~النحو الذي شرحته. ~~- إذا هو ذلك الرجل الذي صادفته ms14 في طريقي. مفلح أرسله؟ هذا المفلح غربال أسرار! ~~- إنه رجل يكتم إيمانه بالمذهب السني، ويحارب الفاطمية في الخفاء بكل ما يستطيع. آه! ~~عمارة في المؤامرة ...؟! ويل له مني، وويل لقومه بني زيدان، ثم دعا خادمه، وأمره بإحضار صرة ~~بها مائتا دينار، فأعطاها الحراني، وشكر له حسن بلائه. # خرج الحراني يتعثر خائفا من عواقب الشر الذي زج بنفسه فيه، وهو يرجو ألا يراه من يعرفه، ~~ولكنه وهو في أحد دهاليز القصر، رأى إسماعيل بن محمد جليس فاتك مقبلا - وكان من أصدقاء ~~عمارة وخلصائه - فعرفه إسماعيل، ودهش لما رأى من تغير زيه، فقال: خير ما جاء بك إلى القصر ~~أبا كاظم؟ ولم هذا الزي الغريب؟! فبهت الحراني، وتلعثم وجف ريقه، وقال: جئت في نصيحة ~~للأمير، وأرجو أن يبقى الأمر بيننا سرا. ~~- إذا جئت في نصيحة فأدعو الله أن تكون خالصة لوجهه! أما السر في زبيد فكالسر في صدر ~~المرأة، تفشيه لكل من تقابله بعد أن توصيه بكتمانه! عم مساء أبا كاظم، فإني لا أرى في ~~زيك وأسارير وجهك ما يبشر بخير. # انصرف الحراني وهو يلعن إسماعيل بن محمد، ويلعن المصادفة التي أوقعته في طريقه، ويلعن ~~نفسه على ما اندفع إليه من أمر لا يستطيع الخروج منه سالما. # ودخل إسماعيل على فاتك، فرآه يهدر كالبعير الصائل، وقد استأثر به الغضب، فحينما رآه صاح ~~بصوت خشن أجش: أرأيت كيف انتهت بنا الدسائس والمؤامرات؟! أرأيت كيف يعمل هؤلاء الفاطميون ~~أعمالهم في ظلام من الخبث والرياء، ثم يفجأون بها الوادعين الآمنين؟! أعلمت أن ابن مهدي ذلك ~~الرافضي السفاح، سيدهم زبيد على حين غرة منا ليذل رقاب أهلها، ويثل عرشنا وعرش آبائنا؟ ~~أعلمت أن عمارة بن زيدان ذلك اللئيم النذل، الذي أغدقنا عليه، وآويناه حتى أصبح من المقربين ~~في القصر، ومن كبار رجال المال والجاه، هو الذي يمالئه ويغريه، ويرشده إلى مواطن الضعف ~~ليكون وزيره في زبيد!! ويل للخائن المخاتل، دخل القصر فقيرا مملقا، لا يتشفع إلا بأبيات ~~واهنة من الشعر، فما زال يخدعنا بمدائحه، ويستهوينا بعذب ms15 كلامه وسحر حديثه، حتى رفعناه بعد ~~ذلة، ويل لعمارة ... ويل لعمارة ... ~~- هدئ من غضبك يا سيدي، فقد يكون ما وصل إليك نميمة أفاك أثيم، وعمارة رجل ... ~~- لا يا إسماعيل، إن الخبر وصل إلي من مصدرين، إن شككت في أحدهما فلن أشك في الآخر، ~~جاءني به رسول من «مفلح»، ثم نقله إلي الآن أعرابي لا أعرفه، وكانت الرسالة واحدة لا تكاد ~~تختلف. ~~- إن الأعرابي الذي يذكره مولاي عالم من زبيد غير زيه، ولعل له مأربا في الكيد ~~لعمارة. ~~- له مأرب أو ليس له مأرب، إن رسالة «مفلح» تكفيني، ثم نادى خادمه، وأمره أن يدعو إليه ~~الوالي، وقائد جيشه، فلما حضرا أمر القائد بجمع الجيش، واستكمال العدة، والأخذ في تحصين ~~مواضع المخافة من المدينة، ثم أمر الوالي بمصادرة جميع أموال عمارة، وما له من ناطق وصامت، ~~والقبض عليه وقتله أينما كان، وحيثما وجد. # مر إسماعيل بن محمد في صباح هذه الليلة بسوق البزازين، فرأى علي بن زيدان يمشي ووراءه ~~عبيده وخدمه، فدهش لرؤيته، وتقدم للسلام عليه، ثم اجتذبه إلى ناحية، وقال: لقد نقل بعض ~~الجواسيس إلى الأمير فاتك أمس نبأ مؤامرة تدبر لاغتصاب ملكه وقتله، وأن لابن أخيك عمارة ~~يدا طويلة في هذه المؤامرة، فأمر بمصادرة أمواله، وأهدر دمه، وقد حاولت أن أسكت غضب ~~الأمير، فلم أستطع. ~~- إنها دسيسة على ابن أخي، إن عمارة أشرف وأنبل من أن يدنس بهذه الأقذار. نحن نقتل في ~~الضياء، ولا نقتل في الظلام، ومن هذا الجاسوس الذي نقل هذه الفرية؟ ~~- رجل من زبيد يسمى أبا كاظم الحراني. ~~- الحراني! الحراني! لعله ابن ذلك الحراني لص الأعراض الذي وسمنا وجهه بميسم العار منذ ~~أكثر من عشرين عاما؟! ~~- أظنه قضى كل هذه المدة في انتظار الفرصة، حتى إذا لاحت اقتنصها ليشفي صدره بهلاك ابن ~~أخيك، أيعرف عمارة هذه الحادثة؟ ~~- لا، لقد أمرت عبيدي الذين اشتركوا فيها يومئذ، أن يبقوا الأمر سرا دفينا، فإن مثل ~~هذه الفضائح يجب ألا تذاع، هل لهذا الحراني ولد؟ ~~- له ولد في الخامسة والعشرين من ms16 عمره، يتجر في الغنم، ولم تسأل عن هذا؟ ~~- لا لسبب، غير أني كنت أظن أن من ذاق حلاوة الأبوة يتردد في إيذاء الناس في ~~أبنائهم. ~~- وعلام عولت؟ ~~- عولت على السفر إلى مرطان في الغد، ويفعل الله ما يريد. # ولما انصرف إسماعيل، عاد ابن زيدان مع عبيده إلى الفندق الذي نزل به، ثم اختلى بعبده ~~مرداس، وكان أسود فاحم اللون، طويلا ممعنا في الطول، قوي العضل، كبير الرأس، أفطس الأنف، ~~يخالط بياض عينيه حمرة قاتمة، فقال له سيده: يا مرداس، سنسافر غدا؛ فمر العبيد بإعداد ~~الرواحل، أما أنت فستبقى هنا، ولن تعود إلى مرطان حتى تقتل رجلين: الشيخ الحراني، وابنه، ~~وابحث عنهما، واستدرجهما من حيث لا يشعران إلى مكان لا يراك فيه أحد، ثم اقتلهما فإذا ~~قتلتهما فأنت حر، أفهمت؟ اذهب. # وفي صباح الغد يسافر ابن زيدان، ويبقى مرداس بزبيد، يسأل ويبحث حتى يعثر بابن الحراني، ~~فيدخل عليه بحيلة محكمة، يستهويه بها، حتى إذا خرجا إلى ظاهر المدينة وانفرد به في مكان ~~موحش، قتله واختفى. # ويبقى الحراني منتظرا عودة ابنه فلا يعود، ثم يعثر بعض المارة بجثته في الصحراء، ويصل ~~الخبر إلى أبيه، فيعصف به الحزن، ويتملكه الجزع، ويرى والدموع تتساقط من عينيه أن ما أصابه ~~في ابنه إنما هو جواب رسالته لفاتك، وانتقام سريع من آل زيدان على إيقاعه بابنهم عمارة، ~~وأنهم لن يسكتوا عنه، وأن ذراعهم ستمتد إليه بعد أن امتدت إلى ابنه، وأنه يجب أن يفر بنفسه ~~وأهله بعيدا عن اليمن؛ فيجمع بقية ما لديه من مال، ويركب مع أهله سفينة من زبيد إلى جدة، ~~ليأخذ منها سفينة أخرى إلى مدينة القلزم (السويس)، فقد رأى أن مصر خير مكان ينجيه من آل ~~زيدان، ورأى أن يختفي بها رابضا حتى تحين له فرصة الوثوب. # | الفصل الرابع # حينما غادر الحضرمي دار ابن مهدي، سار وحده في الطريق، واتجه نحو دار عمارة، فوجده لا ~~يزال نائما، حتى إذا استيقظ حدثه بما دار في مجلس ابن مهدي من حديث، وبما قاله فيه ms17 الحراني ~~والنيلي. # فهز عمارة كتفيه استخفافا، وقال: من الحراني هذا؟ فإني لا أعرفه، وعجيب أن يحقد علي من ~~لا أعرف!! ~~- إنه رجل من الفقهاء الجوالين، لا يعرف صبحه أين يستقر في مسائه، ولكنه فيما يظهر من ~~عينيه، شديد البغض لك، والحقد عليك. فأجاب عمارة: عجبي من صعلوك ينافس الملوك! ~~- هذا كلام تشم منه رائحة الإمارة!! # فابتسم عمارة ابتسامة ألم واستنكار، وقال: لا يا أسامة ... إنه كلام رجل يحب العدل، ويكره ~~الظلم والظالمين ... رجل نصب نفسه لنصرة الحق، فوهب له دمه وأهله وماله، لا يهاب في سبيله - ~~إذا جد الجد - أشفار السيوف ولا أسنة الرماح ... رجل إذا وفى لقوم نافح عنهم، وكافح دونهم، ~~حتى يحبس الموت لسانه، ويعطل ساعده. ~~- وقد يحتال أحيانا، ويلبس لكل حالة لبوسها. ~~- وقد يحتال أحيانا يا أسامة!! وقد يمدح أحيانا من يصغر عن الهجاء، رجاء الوصول إلى ~~الغاية التي رسمها لنفسه، وقد يصانع أحيانا أناسا أقل ما يستحقون ضرب السياط ... متى ترحل ~~إلى زبيد؟ ~~- بعد عشرين يوما، حتى أبيع جميع البن الذي جئت هنا لبيعه. ~~- ربما رحلت بعد عشرة أيام، فإن الحر هنا لا يطاق. # وبعد عشرة أيام أو نحوها، قامت القافلة إلى زبيد، وكان بين المسافرين عمارة بن زيدان، ~~وبعد ليال بلغت القافلة أسوار المدينة، وكان وصولها عند الغروب فاتجه عمارة نحو بيته، ~~وبينما هو في طريقه مر به القائد إسماعيل بن محمد جليس الملك فاتك، وكان راكبا فرسا، ~~فلما رآه أخذ يقرأ: «يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من ~~الناصحين». # فأسرع عمارة إليه، وأخذ بعنان فرسه، وقال: بحق مودتي عليك، إلا ما أفصحت يا ابن محمد!! ~~فقال: أحاط فاتك بجميع أموالك وتجاراتك، وجعل لمن يأتيه برأسك ألف دينار. ~~- ولم فعل هذا يا ابن محمد؟! ~~- هبط عليه نمام أثيم من عدن، فنقل إليه أنك تتآمر أنت وابن مهدي وابن سبأ على قتله، ~~واستلاب ملكه ... ارحل أبا محمد ... وأسرع، واتخذ الليل مركبا. # فدق عمارة بكف على كف، وقال: لقد أصابتني عين الحفائلي - عليه ms18 لعنة الله - فلطالما قال ~~لي: أنت من كبار التجار ... أنت من أصحاب الوجاهة ... أنت في ثروة ونعيم ... فليهنه اليوم أني ~~أصبحت الفقير إلى الله تعالى لا إليه ... عمارة بن زيدان اليمني الشريد الطريد. # قاتل الله العلم والأدب!! فإن عقارب الحقد لو أرادت أن تتخذ جحرا ما اختارت لها إلا صدور ~~الأدباء. # ثم أسرع عمارة إلى داره، وجمع متاعه، وما بقي لديه من مال قليل، وأعد لأهله وأولاده أربعة ~~من الإبل، وألح على الجمال أن يسرع في السير، فقال الجمال: إلى أين؟؟ قال: إلى مكة ... إلى ~~أم القرى ... إلى البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا. # وصل عمارة وأهله إلى مكة فقيرا بائسا، بعد أن كان في بسطة من الرزق، وظل من السعادة، ~~يعيش عيشة الترف، ويتقلب في أكناف العز والنعيم، فاكترى دارا بالقرب من البيت المحرم، وأخذ ~~ينفق على أهله في ضيق وشدة مما بقي له من مال، انتشله من يد الزمان، وجلس ذات يوم في ~~المسجد، وبدأ درسا في التفسير، فأقبل الناس إلى الاستماع له، فسحرهم ببيانه وفصاحته، وقوة ~~عارضته، ورنين صوته، فتحدث أهل مكه بالشيخ اليمني، وسار ذكره، وتنقل اسمه من لسان إلى لسان، ~~وأقبل عليه عظماء مكة كبار تجارها، يبذلون له ودهم، ويتسابقون إلى إكرامه بالهدايا ~~والأموال. # بقي عمارة على تلك الحال أشهرا، وفي أصيل يوم وهو في داره، أقبل عليه رسول أمير الحرمين ~~- قاسم بن هاشم - يدعوه إلى لقاء الأمير. # فلبس خير ثيابه وتطيب، وأخذ يحدث نفسه ويقول: ليت شعري لم دعاك ابن هاشم؟؟ لقد جربت ~~معاشرة الأمراء والملوك فلم تعد منها إلا بصفقة المغبون!! ... ولكنك يا عمارة لم تخلق لتلقي ~~درسا في مسجد على أغرار مهازيل ... إنما خلقت لتكون زعيما، ولتترك في الدنيا دويا ... ولا ~~بد لهذا من صحبة الأمراء والملوك، سر إليه يا عمارة، فلعل الدهر أراد أن يستغفر من زلته!! ~~ولعله - وأنت من أبنائه - أراد أن يؤدبك تأديب الآباء لأبنائهم!! ثم عاد فأدركه عطف الأبوة ~~وحنانها. # سار عمارة حتى بلغ دار الأمير ، فاستقبله ms19 عبيده وخدمه، وأوصلوه إلى حجرة ثمينة الأثاث، ~~أنيقة الترتيب. # حتى إذا استقر به المجلس، أقبل الأمير بين حاشيته ورجاله، فحياه عمارة في أدب ~~وخشوع. # وأمره ابن هاشم بالجلوس، فجلس بعيدا، فدعاه للجلوس إلى جنبه، وأقبل عليه يسأله عن حاله، ~~وكثير من شئونه، ثم قال: إننا هنا لا نرى الدنيا إلا في موسم الحج، حتى إذا انقضى الموسم ~~عدنا إلى عزلتنا، كأننا في صومعة راهب. # فقال عمارة: هذه يا مولاي نفحة من نفحات البيت الحرام، وبركة من بركاته، ألا ترى أن ~~الدنيا جميعها تسعى إلى أهله وهم لا يسعون إليها؟! ... هنا يا مولاي نرى جميع أمم الأرض في ~~أحسن حوالهم ... نرى هنا: اليمني، والمصري، والمغربي، والعراقي، والهندي، وأبناء كل قطر، ترف ~~عليهم راية الإسلام. هنا البحيرة العظمي المقدسة التي تصب فيها أنهار الدين القيم ~~الحنيف ... هذه يا مولاي دعوة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حين قال: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون ~~. ~~- حياك الله يا شيخ!! إن لحديثك لسحرا!! ولو أن علماء الإسلام كان لهم هذا البيان ~~الرائع، وتلك القوة النادرة في التفكير، واتجهوا إلى هداية الناس وإرشاد الأمراء لكان ~~للإسلام شأن غير شأنه اليوم ... أزرت مصر يا مولانا الشيخ؟؟ ~~- لم أزرها يا مولاي، وقد عزمت على مجاورة بيت الله الحرام، حتى ألقى الله على ~~عتبته. ~~- لا ... لا ... أنت لا تزال في قوة شبابك، ومثلك - فيما أرى - من تضيق بآماله الدنيا إذا ~~اتسع بها صدره. # حدثت في العام الماضي بموسم الحج بعض حوادث صغيرة للحجاج المصريين، بلغت إلي في ~~حينها فلم آبه لها، ولكن يظهر أن الخلافة الفاطمية بالقاهرة، قد عدت وقوعها تعديا عليها، ~~واستهانة بسلطانها؛ لذلك منعت في هذا العام الصدقات التي كانت تبعث بها لفقراء مكة، ~~والمنقطعين إلى مجاورة البيت. ~~- ماذا كان نوع هذه الحوادث يا مولاي؟ ~~- حوادث تافهة ... أغار بعض خدمي على التجار المصريين، واستلبوا جميع ms20 أموالهم. ~~- حقا إنها حوادث تافهة!! ... وما مقدار ما كان يرسله الخليفة إلى مكة في كل سنة من ~~الصدقات؟؟ ~~- كان يرسل عشرين ألف جريب من الحنطة، ومائة ألف دينار. ~~- هذا مقدار عظيم. ~~- نعم هو مقدار عظيم، أحس أهل مكة فقده، وقد جاءني وكيلي منذ أيام، يرجوني في عمل شيء ~~لاسترضاء الخليفة الفاطمي، ووزيره الملك الصالح طلائع بن رزيك، وقد توسمت فيك مما سمعت ~~ورأيت أنك خير من يستعان به في مثل هذه الأمور. ~~- إنني طوع أمرك لولا ... ~~- لا تقل «لولا»؛ فإنني أعددت لك خمسمائة دينار، تعصف بكل ما تجره «لولا» من معاذير، ثم ~~إنني أعددت الرواحل لك ولأهلك، وأمرت أن تصرف لك مئونة السفر بسعة وإغداق ... أرضيت أبا ~~محمد؟؟ ~~- رضيت يا مولاي شاكرا. ~~- تذهب إلى سيدة القصور: عمة الخليفة الفائز، وإلى وزيره: طلائع بن رزيك، وتلقي إليهما ~~بسحرك، وما وهب لك الله من فصاحة وبيان، وقوة حجة وبرهان، وكلما زاد ما يرسلان به إلى البيت ~~الحرام زدناك. ~~- وهل لسيدة القصور شأن كبير في إدارة شئون الدولة الفاطمية؟؟ ~~- لها كل الشأن: فهي العقل المفكر، واليد الباطشة، ولها فنون من الحيل والخداع يعجر عن ~~إدراكها أذكياء الرجال، ثم إنها تتخذ من أنوثتها ستارا لدسائسها، ومن جمالها البارع شباكا ~~لاقتناص أعدائها، فقد سمعت من حجيج مصر: أنها في الحسن والرشاقة واجتذاب العقول آيه الله في ~~خلقه، وأنها فتنة لكل من رآها، ولا يزال العهد قريبا بما كان من قتل نصر بن عباس لابن ~~أخيها الخليفة الظافر، وفراره وفرار أبيه عباس الصنهاجي إلى الشام، أتدري ما فعلت سيدة ~~القصور؟ لم تبك كما تبكي النساء، ولم تضرب كفا بكف كما تفعل العجائز، ولكنها أرسلت رسلها ~~إلى قائد الإفرنج بعسقلان، ومعهم مائة ألف دينار على أن يقضي على عباس وابنه؛ فقتل القائد ~~عباسا، وأرسل ابنه نصرا إلى سيدة القصور، وأظنه الآن في طريقه إلى القاهرة. ~~- إنها حقا امرأة داهية!! ~~- فوق ما تظن!! ... والخليفة الفائز الآن في يدها، وهو صبي لا تزيد سنه على ست سنوات، وهي ~~لذلك ms21 تلعب برجال الدولة، هذا مرة، وذاك أخرى ... فاحترس منها أبا محمد. ~~- وما حال الوزير طلائع بن رزيك معها؟؟ ~~- لا أدري ... ولكنه لا يقل عنها دهاء وخبثا، وسنشهد قريبا صراعا بين ثعبانين. # وهناك رجل آخر أعيذك بالله منه ومن مكره ومحاله: هو مؤتمن الخلافة، خادم الخليفة وسيدة ~~القصور، ورئيس الخدم والجنود السودانية. هذا رجل لو أراد إبليس أن يتخذ له خليفة في الأرض ~~ما اختار غيره ... فاحذره أبا محمد!! # ثم قام وفتح خزانة، أخرج منها صرة بها خمسمائة دينار، فناولها عمارة، وقال: متى ~~الظعن؟؟ ~~- كما تأمر يا سيدي. ~~- بعد ثلاثة أيام ... اكتب عن لساني كتابين: أحدهما للفائز، والآخر لابن رزيك، يمتزج فيهما ~~الاستعطاف بالعتاب، ويلتبس فيهما الاستجداء بالشمم والإباء. # أنت تعرف أبا محمد كيف تكتب مثل هذا ... عم مساء. # | الفصل الخامس # وصل الحراني إلى القاهرة بعد أن أجهده السفر، ونال منه بعد الشقة، إلى ما كان ينتابه من ~~أحزان على ابنه، وأحقاد على عمارة وأهله، وهو بين هؤلاء وأولئك مطرق الرأس دامع العين، ~~يدركه الضعف فيرجع ويحوقل، ويثور به الغضب فيهز قبضته في عنف وقوة: لا ... لا ... لن أبكي بكاء ~~النساء، ولن أستكين استكانة الإماء، وهذه اليد التي لم تخلق لهز السيوف، ولا للعب بالرماح، ~~أعاضني الله بها عقلا يهزم الجحافل، ويدك المعاقل. ولأمر ما يقول المتنبي: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # ولأمر ما يقول: # لولا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان # إن المستعين بالقوة يحارب بسلاح مكشوف، والمستعين بالعقل يحارب بسلاح خفي مستور، وصاحب ~~القوة قد يزل فيهزم، وصاحب الحيلة إن أخطأ استطاع أن يتدارك خطأه بحيلة أخرى، وصاحب القوة ~~يتقيه عدوه فلا ينال منه منالا، أما صاحب الحيلة فهو صديق عدوه، وموضع أمانته ومكان ~~ثقته. # إن الله خلق الإنسان، ومنحه القدرة على التشكل، فهو يستطيع أن يكون أسدا، ويستطيع أن ~~يكون ثعلبا، ويستطيع أن يكون ثعبانا، ويستطيع أن يكون ذبابة تطن وتطير، فلم لا نتشكل؟ ولم ~~لا نقابل كل حالة بحيوان مما في أنفسنا؟ إن البله هم ms22 الذين لا يستطيعون أن يستروا غضبهم ~~بالضحك، وحزنهم بالسرور، وكراهتهم بالبشاشة والتسليم، والعاقل هو الذي يستطيع أن يقف أمام ~~المرآة، بعد أن يقطع الحبل بين وجهه وقلبه، ثم يصور ملامحه كما يشاء ويهوى. # تجول هذه الخواطر بصدر الحراني، فينتعش ويعود إليه نشاطه، ويثوب إليه أمله في ~~الحياة. # أنزل أهله بدار بحي الروم بالقرب من الباب المحروق، وأول شيء أوحى إليه به دهاؤه أن يغير ~~اسمه، فسمى نفسه زين الدين بن نجا، وأن يظهر الزهد والقناعة والتبتل، وأن يدعي أنه من ~~الطائف بالحجاز، ثم رأى أن خير وسيلة تقربه إلى قلوب العامة والخاصة أن يظهر غيرته على ~~المذهب الفاطمي، وشدة التمسك به، وإذاعة محاسنه وفضائله، فتنقل في المساجد والجوامع يخطب في ~~فضل المذهب، ومناقب آل النبي، وكان فصيح اللسان، قوي الحجة، حاضر البديهة، قصاصا بارعا، ~~فكه الحديث جذابا؛ فالتف عليه الناس، وجاء بعض رجال القصر ليستمعوا له بعد أن طارت إليهم ~~شهرته، وكان أحفل أهل القصر به وأكثرهم به ولوعا: إبراهيم بن دخان رئيس ديوان الرواتب ~~بالدولة الفاطمية، وكان ابن دخان في نحو الأربعين، معتدل الطول، نحيف الجسم، أسمر اللون، له ~~عينان شديد سوادهما، بيسراهما حول خفيف لم يذهب بما لها من تأثير نافذ وقوة مسيطرة. وكان ~~أنفه كأنوف أكثر المصريين، كاد يكون أفطس، لولا أن تداركه ارتفاع وبعض استواء في قصبته، ~~وكان بشفته السفلي بعض الغلظ دفعها إلى التدلي قليلا، وكأنه أحس هذا النقص، فهو لا يفتأ ~~يجمع شفتيه كلما خطر له هذا الخاطر. وكان وجهه في جملته يدل على الشره والشهوانية، والختل ~~والأثرة، وكان ابن دخان عارفا بتاريخ مصر واسع الاطلاع فيه، وكان يحب مصر، أو يحب نفسه، ~~ويحب المذهب الفاطمي، أو يحب نفسه، فكلما استطاعت مصر أن تدر عليه الأموال، وتهيئ له عيشة ~~البذخ والنعيم أحبها، وكلما استطاع المذهب الفاطمي أن يمنحه الجاه والنفوذ أحبه ونافح دونه. ~~دعا ابن دخان مرة الحراني إلى داره أو زين الدين بن نجا - كما اختار أن يسمي نفسه - وبعد أن ~~نالا من ms23 طعام العشاء جلسا في روشن يطل على خليج أمير المؤمنين، وتنقلا في ضروب من الحديث، ~~فقال ابن دخان: كيف رأيت القاهرة يا سيدي الشيخ؟ ~~- إنها اليوم زينة العواصم، وموئل الدين، وعش العلماء، وقبلة الشرق. ~~- إن الفاطمية يا سيدي مظهر تلك العظمة، ومبعث ذلك الجمال، وإن مصر لم تر منذ عهد ابن ~~العاص عهدا كعهد الفاطميين، فهو عهد رخاء وعدل، وطمأنينة وثروة، وابتهاج وسرور، أتعرف أن ~~خراج الدولة لا يقل عن ألفي ألف ومائتي ألف دينار؟! وأن ما ينفق على القصر ورجال الدولة، ~~وفي الهبات وإظهار عظمة الملك، يزيد على ثمانمائة ألف دينار؟! ~~- إن مصر يا سيدي هي الجنة التي وعد المتقون، أكلها دائم وظلها، وقد يدهش المرء لما يرى ~~بها من كثرة العلماء والطلاب، وكثرة ما يؤلف من الكتب في العلوم على شتى أنواعها. ~~- لقد كثر العلماء الوافدون على مصر، حتى تضاعف ما تنفقه الدولة عليهم، ولو كانوا جميعا ~~مثلك في الزهد والتقشف، والبعد عن مطامع الدنيا، ما أخذت عليهم مأخذا، ولكن أكثرهم يفد ~~للاستجداء، وانتهاب الغنائم والرواتب! # لم أدعك الليلة للتحدث في شأن الدولة، ولكني دعوتك للائتناس بك، والتمتع بمجالستك، ~~ولأخبرك أن المشرف على خزائن الكتب بالقصر الحسين بن زيد قد انتقل إلى جوار ربه منذ أيام، ~~وأني قد رأيتك خير من يصلح لهذا المنصب؛ لما عرف بين الناس من علمك، وفضلك، وتعصبك ~~للفاطمية. ~~- إنني أزهد الناس يا سيدي في هذه المناصب، وإني أكره أن يكون رزقي محدودا معينا، فأفقد ~~فضيلة التوكل على الله توكلا مطلقا خاليا من الشوائب، ولا أحب من رزق ربي إلا ما كان ~~مجهولا مغيبا. ~~- إن قاضي القضاة، وداعي الدعاة، وجميع زهاد الفاطمية لهم رواتب محدودة معينة، فاقبل هذا ~~الراتب يا مولانا، وتصدق به إن شئت. ~~- هذا حل معقول. ~~- لقد أخبرت مؤتمن الخلافة بك، واقترحت أن يسند إليك هذا المنصب، فقبل مسرورا، ورأى أن ~~يكون الراتب ثلاثين دينارا. ~~- أرجو أن نوفق جميعا إلى الخير. # ثم نهض زين الدين وقال: سبحان الله وبحمده!! اللهم بجاه فاطمة ms24 وابنيها الشهيدين، وخلفائك ~~الطاهرين من عترتها أن تملأ هذا المكان أمنا وإيمانا ونورا وبركة. # ثم ودعه وانصرف، وفي الصباح ذهب إلى القصر، وعرفه ابن دخان بكبار الأساتذة والقواد، وبدأ ~~عمله الجديد. # وكانت خزائن الكتب تشغل بهوا واسعا وحجرا كثيرة، قد قسمت رفوفها أقساما: لكل علم قسم ~~خاص به، وكانت تشتمل على أكثر من مائتي ألف كتاب في الآداب والعلوم، كتبها بالذهب كبار ~~الخطاطين كابن مقلة، وابن البواب، وبها أكثر من ألف نسخة من تاريخ الطبري، منها نسخة بخط ~~الطبري نفسه، وأكثر من مائة نسخة من الجمهرة لابن دريد، وأكثر من ثلاثين نسخة من كتاب العين ~~للخليل بن أحمد، إحداهن بخط الخليل، وجملة القول وقصاراه: أنها كانت أعجوبة الدنيا، بزت ~~جميع دور الكتب في بغداد والأندلس. # بقي الحراني في هذا المنصب الجديد وادعا هانئا، لا يكدر عليه عيشه إلا فجيعته في ابنه، ~~وقصر يده عن أن تنال عمارة أو أحدا من أهله بانتقام. # | الفصل السادس # غادر عمارة وأهله مكة، ومعه كتابا الأمير: قاسم بن هاشم، وسارت به النجائب تشق أديم ~~الصحراء، كأنها ساريات الأحلام في الليل البهيم، وقد بدت الكثبان وسني يوقظها وخد الإبل، ~~وأراجيز الحداة، فتصحو قليلا ثم تغفي. # هدوء وسكون، وصمت، وجلال ورهبة. # هذه هي الصحراء ... من صخورها خلقت أخلاق العرب، ومن أطيافها تلقوا وحي شعرهم، ومن مداها ~~الفسيح المترامي استمدوا خيالهم، وفي جدبها نبت الإباء العربي، والاعتزاز بالنفس، والكرم، ~~والحمية، والصبر على المكاره. # نظر عمارة أمامه - وهو فوق قتب بغيره - فرأى بحرا مائجا من الكثبان والرمال، ورأى فضاء ~~لا تبلغ العين غايته، ورأى نجوم ليل الصحراء وقد زدن لألاء والتماعا وقربا، كأنها اللؤلؤ ~~اللماح علق بخيوط القدرة بين الأرض والسماء؛ فتنهد وقال: آه أيتها الصحراء!! أين أبطالك ~~الذين ملأوا الدنيا عمرانا وعلما، وشرائع وفنونا؟! أين أبطالك الذين كانوا ملائكة ~~العروش، وشياطين الهيجاء!! # علميني يا صحراء تلك الدروس التي تلقاها خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة ~~بن الجراح!! بوحي أيتها الصحراء لي بسرك الدفين ... فإني عليه ms25 جد أمين!! # إني يا صحراء أود أن أكون لك ابنا، فأوصيني بما تشائين ... لي آمال أوسع من مداك، ومطالب ~~صعبة المرتقى كجبالك، فهل أنا بالغ آمالي، فائز بمطالبي؟؟ قولي يا صحراء ماذا يجب أن أفعل!! ~~واهمسي في أذني كما همست في آذان أبنائك الأولين ... # وهكذا ظل عمارة يحدث نفسه، وظلت الإبل تطوي الفلاة، حتى بلغت جدة، فنزل الركب، وتقدم ~~من عمارة نائب الأمير قاسم - وقد سبق إليه خبر قدومه - فأنزله خير منزل، وغمره بصنوف من ~~الحفاوة والإكرام، ثم أعد له سفينة تنقله إلى مصر فأبحر بها في بحر «القلزم»، وكان الجو ~~صحوا، والريح رخاء، فوصل بعد أيام إلى مدينة القلزم «السويس»، ومن ثم استأجر إبلا ~~تحمله، وتحمل أهله ومتاعه إلى القاهرة، وكانت القاهرة في هذا العهد تمتد من ناحية الشمال ~~إلى باب النصر وباب الفتوح، ومن ناحية الجنوب إلى باب زويلة الجديد، ومن الشرق إلى باب ~~البرقية، والباب المحروق، ومن الغرب إلى خليج أمير المؤمنين، وبهذه الجهة باب سعادة، وباب ~~الفرج، وباب القنطرة. # وكانت مزدحمة السكان، واسعة العمران، بها كثير من الجوامع، والربط، والدور العظيمة، ~~والمساكن الجليلة، والأسواق المملوءة بأنواع التجارات، والخانات، والفنادق المكتظة ~~بالمسافرين. # وصل عمارة إلى القاهرة في ظهر يوم من ربيع الأول، سنة خمسين وخمسمائة، وهو شاب في ~~الثلاثين، وسيم الطلعة، مشرق الديباجة، رائع القسمات، معتدل الطول، شديد الأسر، قوي العضل، ~~فسار بأهله من الريدانية إلى باب الفتوح، ونزل في دار تشرف على جامع الحاكم بحارة ~~الريحانية، حتى إذا استراح من لغوب السفر أياما بعث برقعة إلى الوزير ابن رزيك، يطلب فيها ~~شرف المثول أمامه، وأمام الخليفة الفائز، وكتب في آخرها: # دعوا كل برق شمتم غير بارق # يلوك على الفسطاط صادق بشره # وزوروا المقام الصالحي فكل من # على الأرض ينسى ذكره عند ذكره # ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى # فتجنوا على مجد المقام وفخره # ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها # فكل امرئ يرجى على قدر قدره # فأرسل إليه ابن رزيك رسولا يخبره بأن المقابلة يوم الاثنين بالقصر الكبير، ms26 فأعمل عمارة ~~خياله، ودعا إليه شيطان شعره، وكتب قصيدة طويلة أعدها للإنشاد أمام الخليفة. # فلما جاء الموعد استأجر بغلة أوصلته إلى القصر الكبير، فرأى من عظمته، وضخامة بنائه، ~~وإبداع نقوشه، ما أدهشة وأطار لبه، وقصور الفاطميين وما كان لها من سموق بنيان، وبراعة ~~نقوش، وجمال أثاث، وحسن تنسيق - يكل القلم دون وصفها، ويعجز البيان أمام سناها وسنائها - ~~فليس في طوق الخيال أن يلم بما كانت توحي به من عظمة ملك، وقوة سلطان، وضخامة ثروة، وسطوة ~~دولة، وإسراف في الترف، وإغراق في النعيم. # لا يستطيع القلم أن ينقش، ولا البيان أن يرسم، ولا الخيال أن يصور، فخير لنا أن نلقي ~~القلم، ونسكت البيان، ونحبس الخيال، ونترك للقارئ أن يتخيل ما يشاء ويرسم من صور العز ~~والملك والسلطان ما يريد. # وصل عمارة إلى القصر الكبير، فاستقبله الأستاذون المحنكون، وعلى رأسهم مؤتمن الخلافة، ~~يتسلمه أستاذ ليوصله إلى آخر حتى انتهى إلى قاعة الذهب، وكأنها بنيت من الذهب حقا؛ لكثرة ~~النقوش الذهبية التي تملأ حيطانها وسقفها، وهي قاعة العرش التي يستقبل فيها الخليفة رجال ~~دولته في أيام المحافل والأعياد والمواسم. # دخل عمارة خاشعا مطرقا، وكلما حاول أن يرفع من طرفه قليلا رأى مهابة وجلالة، وملكا ~~يبهر العيون، ويهول النفوس. رأى الخليفة الفائز على العرش في أثواب كلها ذهب وديباج، رآه ~~صغيرا لا يتجاوز السادسة، نحيل الجسم، مصفر الوجه، له عينان واسعتان كعيني النمر كلهما ~~بريق والتماع، ورأى الأستاذين المحنكين حوله في رهبة وخضوع، كأنهم يحرسون سرا سماويا ~~مقدسا، ورأى وزيره الصالح بن زريك واقفا إلى يمينه في خشية وقنوت، كأنه في معبد صلاة ~~وتبتل، وإلى يساره داعي الدعاة، وقاضي القضاة، والأمراء، وكبار الرؤساء والقواد، وفيهم ~~الأوحد بن تميم، وشاور بن مجير، وضرغام اللخمي، ومجد الإسلام بن صالح، ونقباء ~~المعلمين. # أما كبار الكتاب، ورجال القصر فجلسوا خلف هؤلاء، وكان بينهم: ابن الخلال صاحب ديوان ~~الإنشاء، والجليس بن الحباب، والمهذب أبو محمد الأسواني، وزين الدين بن نجا، وإبرهيم بن ~~دخان، رئيس ديوان الرواتب. # وكان الصمت يملأ ms27 النفوس هيبة، فتقدم عمارة من الخليفة، فقبل يديه وقدميه، ثم تقهقر ~~قليلا، وأنشد بصوت ندي، ونبرات ساحرة أخاذة: # الحمد للعيس بعد العز والهمم # حمدا يقوم بما أولين من نعم # قربن قرب مزار العز من نظري # حتى رأيت إمام العصر من أمم # فهل درى البيت أني بعد فرقته # ما سرت من حرم إلا إلى حرم # حيث الخلافة مضروب سرادقها # بين النقيضين: من عفو ومن نقم # وللإمامة أنوار ... مقدسة # تجلو البغيضين: من ظلم ومن ظلم # وللعلا ألسن تثنى محامدها # على الحميدين: من فعل ومن شيم # أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا # فوز النجاة وأجر البر في القسم # لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما # وزيره الصالح الفراج للغمم # اللابس الفخر لم تنسج غلائله # إلا يد الصانعين: السيف والقلم # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمي # وكان الصالح شديد التأثر بالشعر الرائع، يؤديه صوت رائع، فاهتز طربا، وأخذ يطلب الإعادة ~~بين بيت وبيت، وملك حسن الشعر على الأستاذين، ورجال الدولة وأدبائها شعورهم، فلم يستطيعوا ~~إلا أن يجهروا بالاستحسان والإطراء. # وكان بقاعة الذهب باب عليه ستار من الحرير المطرز بالذهب، كان ينفرج أحيانا فتطل منه ~~عينان ساحرتان، في وجه يمتزج فيه ماء النعيم بماء الفتنة والجمال، وما كاد عمارة يتم ~~إنشاده، حتى أفيضت عليه الخلع المذهبة من أثواب الخلافة، ووصله الملك الصالح بخمسمائة ~~دينار، وجاء بعض الأستاذين إليه يحمل صرة بها خمسمائة دينار، وهو يقول: إن سيدتي سيدة ~~القصور، قد أعجبت بك وبشعرك أعظم الإعجاب، وهي تبعث إليك بصلتها هذه، وقد أمرت أن تخلى لك ~~«منظرة الغزالة» المشرفة على خليج أمير المؤمنين، ثم ابتسم وقال: على شرط أن تعيد أمامها ~~إنشاد قصيدتك الرائعة؛ لأنها لم تستمتع خلف الستار بكل ما فيها من جمال. # ثم أقبل عليه المهذب أبو محمد الأسواني - وكان زعيم الشعراء بمصر، وسيد كتابها - فشد على ~~يديه مهنئا، وقال: أيها الشاعر اليمني، هل أطمع في أن أكون لك صديقا، فإنني عندما رأيتك ~~أحسست بحبي لك، وحينما سمعتك أحسست بإكباري لأدبك، لقد ألح ms28 علي مولاي الملك الصالح ~~ألا تنقطع عنه، وألا تحرمه زيارتك، وأن تنثر عليه من حين إلى حين فرائد شعرك، فإنه كريم ~~أريحي يهتز للمديح، ويجزل الثواب عليه، وقد أمر أن أن يخلع عليك لقب: شاعر القصر، وأن ~~تمنح راتبا كل شهر يقرب من رواتب كبار الدولة. # فما استطاع عمارة إلا أن يشد على يدي صديقه الجديد، بحماسة وإخلاص صادق، ورجاه أن يبلغ ~~عظيم ثنائه، وجميل شكره للملك الصالح على جزيل ما وهب، وكريم ما أعطى. # وخرج ابن دخان صاحب ديوان الرواتب، وزين الدين بن نجا، فمال ابن دخان على صاحبه، وقال: ما ~~هذه الشعوذة التي شهدناها اليوم يا سيدي؟! شاعر مستجد متكسب بشعره ... يلقي أبياتا سمجة غثة، ~~فينال من الجوائز والعطايا ما لم يستطع المؤرخون ادعاء مثله في عهد الرشيد؟! ماذا قال يا ~~صاحبي بالله عليك ...؟! ماذا قال ...؟! «بين النقيضين: من عفو ~~ومن نقم»؟! ... «تحلو البغيضين: من ظلم ومن ظلم»؟! ... ما أسخف!! ... وأنا أقول له: يا ابن ~~الشقيين: من عاد ومن إرم!! ... وسارق الهاربين: النوق والغنم. وكان زين الدين مربد الوجه ~~حزين النفس، بعد أن رأى عدوه الذي طالما تمنى له الغوائل، يصل إلى هذه المنزلة، ويحظى بذلك ~~الإقبال، فتكلف الابتسام وقال: ما كنت أظنك شاعرا أبا الفضائل، يجب أن تحمد الرجل لا أن ~~تذمه؛ لأنه أول من ألهمك الشعر. ~~- أحمده؟! أنا لا أطيق يا أخي هؤلاء الأفاقين الذين يردون مصر من كل صوب لامتصاص ~~دمائها، واشتفاف لبنها، كأنها بقرة حلوب خلفها لهم أبوهم آدم، هذا يأتي ببيت من الشعر ~~فنسميه سيد الشعراء، وهذا يجيء بحفنة من علم، فنصيح: إنه أعلم العلماء، وهذا متبتل ناسك ~~قطع الفيافي والقفار إلى مصر، ليزور مشهد الحسين رضي الله عنه فنصب عليه العطايا والنعم ~~حتى ننسيه نسكه وتبتله ... ما هذا يا ابن نجا؟! أليس في مصر شاعر يفوق هذا اليمني المحتال؟ ~~أليس بمصر عالم يفوق هؤلاء الذين يسقطون علينا كل يوم من كل نواحي الأرض؟! # وغدا يا سيدي غدا، يجيء هذا الصعلوك ليطالب براتبه ms29 الذي رتبه له الملك الصالح في كل شهر ~~... وما راتبه؟؟ مائة وخمسون دينارا، أنت تكدح وتنصب، وتعمل نهارا وليلا في خزائن الكتب، ~~ولم يزد راتبك على ثلاثين دينارا، أنا لا أدري ماذا سيكون من شأن الخزانة إذا استمررنا في ~~هذا الإسراف؟! # فابتلع الحراني ريقه من هول ما دهمه من قدوم عمارة والحفاوة به، وقال: هون عليك أبا ~~الفضائل؛ إن مصر كثيرة الخيرات، واسعة الثروة، وإن من المحتوم عليها أن تكرم أبناء العربية، ~~وأن تحسن لقاء الوافدين عليها، ثم إني لا أعرف سببا لبغضك هذا الرجل، وهو وسيم الطلعة، ~~خفيف الروح، وإن كان وجهه يدل على الخبث والدهاء واللؤم؟! ~~- لا أدري لم أبغضه يا ابن نجا؟! لقد سمج في عيني منذ رأيته، وأحسست ببغض له يملأ قلبي، ~~وهذا وحي يا أخي، وإذا كان «لهوى النفوس سريرة لا تعلم» فإن لبغضها سريرة لا تعلم كذلك ... لا ~~أدري والله! ولكنني أشعر أنه يجب أن يزول هذا الرجل من طريقي، حتى لكأن غرائز النمر تتحرك ~~في نفسي للوثوب عليه والتهامه. ~~- هذا ما أحس بقليل منه، ولكن ما لنا وللرجل! دعه إلى الأقدار ... دعه إلى ~~الأقدار. # | الفصل السابع # بعد عشرة أيام من إقامة عمارة بالقاهرة، أرسلت سيدة القصور إلى عبدها «راجحا» ليدعوه ~~إليها، فركب حصانا أشهب أهداه إليه الوزير طلائع، وصحبه راجح على جواد عربي كريم، فسارا من ~~حارة برجوان، وكانت طويلة كثيرة التعاريج، والمنحنيات، حتى وصلا إلى طريق باب الفتوح، وبدا ~~لهما الجامع الأقمر إلى اليسار، فانحدرا جنوبا إلى ما بين القصرين، وتقدم راجح بجواده نحو ~~باب الزمرد: وهو أحد أبواب القصر الكبير، يمتاز بحسن بنائه، وجمال زخرفه، وكثرة ما به من ~~أعمدة الرخام الضخمة، دهش عمارة لفخامة الأثاث وجماله: فالأبسطة الفارسية تغرق فيها الأرجل، ~~والستائر المذهبة تذهب العين من جمالها، والأرائك والكراسي كلها من خشب الصندل، والعود ~~المضبب بالذهب، المرصع بالجواهر الكريمة، وقد فرشت بأنواع الحرير الثمينة، والمخمل ~~والخسرواني، والديباج الملكي. # واتجه عمارة إلى يمينه، فرأى حائطا مغطي بنسيج من الحرير الأزرق التستري، ms30 وقد طرز ~~بالذهب، وعليه صورة أقاليم الأرض، وجبالها وبحارها، ومدنها وأنهارها ومسالكها، وفيه صورة ~~مكة والمدينة ظاهرتين للناظر، وقد كتب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر وبحر وطريق اسمه بالذهب ~~أو الفضة أو الحرير، فاقترب عمارة من هذا المصور العظيم، فرأى أنه كتب في حافته: «مما أمر ~~بعمله المعز لدين الله، شوقا إلى حرم الله، وتنويها بمعالم رسول الله في سنة ثلاث وخمسين ~~وثلثمائة، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار». # أما الستائر فكانت من الحرير الأخضر، وعلى كل ستارة ~~صورة لملك أو خليفة أو قائد لكل بلد من بلاد المسلمين، وقد كتب تحت كل صورة اسمه، ومدة ~~حياته، ومجمل تاريخه. # بهت عمارة لهذا الملك العظيم وهذا العز السامي، وذلك الترف الذي بلغ الغاية وجاوز حدود ~~الوهم والخيال، فلم يشعر بالجواري الذاهبات هنا وهناك، من روميات، وصقلبيات، وتركيات، ~~وجركسيات، وقد زادتهن الملابس جمالا، أو زدن الملابس جمالا. # أصيب عمارة بالذهول، أو بما يشبه الجنون، وما شعر إلا براجح يرفع ستارة من الديباج المطرز ~~باللؤلؤ، ويقول له: تقدم. # فتقدم عمارة ورفع بصره قليلا، فرأى سيدة القصور في صدر البهو على كرسي مرتفع يشبه ~~العروش، وقد كان ما لمحه من جمالها فوق ما يصوره الشعراء، ويجسمه المثالون، خلقها الله ~~لتكون فتنة للعيون، وجوى للقلوب، وحيرة للواصفين، هي جميلة كلها، فإذا أخذتها قطعة قطعة ~~كانت أروع وأجمل. # تقدم عمارة فقبل يدها، ثم قبل طراز ثوبها، ووقف مطرقا خاشعا؛ فأعجبت سيدة القصور ~~بجميل طلعته، واعتدال قامته، وبما يبدو في عينيه من صفات النبل والرجولة؛ فمال إليه قلبها ~~وخفق فؤادها، وشعرت بقوة تجذبها إليه، قد تكون ما يسميه الناس حبا، ولما رأت حيرته ~~وارتباكه أرادت أن تخفف عنه، وتبسط ما انقبض من نفسه فقالت: كيف أنت يا يمني؟؟ لعلك رأيت ~~في «قاهرتنا» ما يسليك عن «صنعاء» و«زبيد»!! فقال عمارة: يا مولاتي، إن الذي يعيش في وارف ~~ظلكم، وعزيز كنفكم، ينسي وطنه وأهله ولو كان في صحراء قاحلة، فكيف والقاهرة بكم سيدة ~~الحواضر، ومدينة المدائن ؟! ... إن مصر ms31 يا مولاتي لم تر منذ أن خفقت فوقها راية الإسلام دولة ~~كهذه الدولة: قوة ومنعة، وعدلا، وجودا، وإحسانا، وإن الناس اليوم إذا أرادوا توكيد ~~أيمانهم، لا يقولون إلا: «وحق سيدة القصور»، فمن غير الفاطميين يا مولاتي نشر في مصر ~~الأمن، واليسر، والسرور، والثروة!؟ حتى لو كان الفقر رجلا، وسألني عن صديق يصاحبه لقلت له: ~~لن تجد يا صاحبي لك هنا رفيقا، ولكن عليك باليمن؛ فإنك تجد هنالك أصدقاء بالألوف. # فابتسمت سيدة القصور، وقالت: هذا دأبكم أيها الشعراء تلبسون الحق بالباطل!! ~~- إن وصف مصر في أيامكم يا مولاتي يعجز الشعراء، وكل ما يقال فيها دون ما يجب أن ~~يقال. ~~- أنت لم تر الفاطمية في ذروة مجدها، أظنها الآن تسير بقوة من الماضي. ~~- يا مولاتي: الفاطمية بك، وبمولاي الخليفة دائما في ذروة مجدها. ~~- إن آمالي يا عمارة أبعد ما تناله يدي، ولو استطعت ~~لأعدت أيام «المعز» و«الحاكم»، ولكني أجد الطريق وعرة، والمرمى بعيدا، وأنى تستطيع امرأة ~~ضعيفة مثلي أن تعمل شيئا، ودرعها الخمار، وسيفها البكاء، وعليها جر الذيول لا قيادة ~~الجيوش؟! ... إنني في الحق سررت بمقدمك؛ لأن القصر كان في حاجة إلى شاعر يذيع مآثره، وينشر ~~مفاخره، وينقل صوته من الخاصة إلى العامة، فيزيدهم بالخلافة تمسكا، ولها نصرا ~~وتأييدا. ~~- إن شعري يا مولاتي سيكون جيشا بجانب جيوشكم، وسأكون لكم كما كان «حسان» للمسلمين ~~الأولين. ~~- حياك الله أبا محمد ... هذا ما ترجوه منك الخلافة، إن الخليفة لا يزال صغير السن، وأرى ~~الأعداء يرمقون مصر من كل جانب؛ فالإفرنج نزلوا الشام، وملكوا كثيرا من بلادها، وقد أصبح ~~خطبهم شديدا، وهؤلاء الغز الذين ستروا مطامعهم في اغتصاب الأمم، بدعوى الغزو والجهاد في ~~سبيل الله، والذين يقودهم نور الدين بن زنكي يتحرقون شوقا إلى مصر، وإلى الارتواء من نيل ~~مصر، وهذه الدسائس التي تحاك هنا حولي في سراديب مظلمة في جنح الليل المظلم، تنذر بالخراب ~~والدمار، فماذا تفعل امرأة ضعيفة مثلي يا شيخ في وسط هذه الزوابع والزعازع؟! كان صوت ~~الأميرة حزينا متهدجا ، وقد فرت دمعتان ms32 من عينيها أسرعت إلى مسحهما بمنديل في يدها، ثم ~~كأنها أنفت من هذا الضعف النسوي، فضربت بقدمها الأرض، وقالت: أريد أن أنقي هذا الجو حتى ~~أستطيع أن أتنفس ... أريد أن أنام ملء عيني في قصور المعز من غير أن أشعر أن الكيد والخديعة ~~والأعداء من الخارج تنقبها من قواعدها ... ~~- إن قوادك ووزراءك يا مولاتي طوع أمرك، والملك الصالح طلائع الذي قدم بجيشه من «منية ~~ابن خصيب» لنصرة الخلافة، لا يزال كما كان للخلافة أمينا مخلصا. # فظهرت على وجه الأميرة كدرة خاطفة سريعة من الحقد والغضب لم يدركها عمارة، وابتسمت وقالت: ~~صدقت يا عمارة، ما أعلمك بأخلاق الرجال!! ... إن ابن رزيك قوام هذه الدولة، وهو سيفها القاطع، ~~ورأيها النافذ، وإني أسد أذني عما يقول كثير من حساده، يقولون: إنه أرمني اتخذ الإسلام ~~ذريعة للدنيا لا للآخرة، واتخذ المذهب الفاطمي ذريعة للملك ... قاتلهم الله فهم كذابون ~~أفاكون!! لن تجد مصر رجلا كابن رزيك، ولو كان للإخلاص والوفاء صورة لكانت ابن رزيك ... أما ~~«شاور» و«ضرغام» فلا أعرف عنهما إلا أنهما كبيرا الآمال، ولعل هذه الآمال تتجه إلى إعزاز ~~كلمة الخلافة!! # ثم ضحكت وقالت: أتعبتك من الحديث في شئون الدولة، وكل حديث فيها ممل ثقيل، ما أجمل قصيدتك ~~التي أنشدتها يوم استقبالك!! وأجمل ما فيها: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمي # المعنى قديم مطروق يا أبا محمد، ولكنك أحسنت صياغته، فإيه بالله عليك أبا محمد ... ادن مني ~~قليلا ... ما لي أراك مستوحشا؟! ... انفض عنك هذه الرهبة، وحدثني كما تحدث الناس، فقد سمعت ~~أنك حلو الحديث، عذب المحاضرة والمفاكهة ... اسمع يا عمارة: أتريد أن نكون أصدقاء؟؟ ~~- تلك منزلة لو رأيتها في المنام يا مولاتي ما صدقتها. وأين الثريا من يد ~~المتناول. ~~- لا، صدقها ونحن في اليقظة لا في المنام، وأمامك سيدة القصور بنت الخلائف، وملكة ~~مصر. # فأكب عمارة على يديها، فتركتهما له، فاستمر طويلا يغمرهما تقبيلا ولثما، وقد أحس ~~كهرباهما تسري إلى جسمه، فتملؤه نشوة وانتعاشا ، ثم قال: أنا عبد ms33 مولاتي وخادمها، وإن قلمي، ~~ولساني، وسيفي - إن شاءت - ملك يمينها. ~~- لا ... أنت صديقي، ولكننا قبل أن نبني هذه الصداقة، يجب أن نجعل أساسها ميثاقا مقدسا، ~~وعهدا أكيدا. ~~- ألف عهد وألف ميثاق أبذلها تحت قدميك، وأنثرها أمام هذا الجلال الرائع ... ولولا رهبة ~~الملك لقلت أمام هذا الجمال الفاتن ... فابتسمت الأميرة وقالت: لم تطق أن تصبر لحظة عن ~~شاعريتك فحننت إلى الغزل، كما يحن الطائر إلى التغريد عند سفور الصباح! ~~- يا مولاتي أنا شاعر، والشاعر ليس إلا مرجلا يغلي بضروب الإحساس والوجدان، فإذا لم يجد ~~متنفسا انفجر وتحطم، إننا معاشر الشعراء نرى الصور بعيون من الفن لا يبصر بها سوانا ... نرى ~~الجمال فنذهب بخيالنا في روضاته، فيتكشف لنا عن بدائع لا تراها العيون ... نحن نعيش في دنيا ~~غير دنيا الناس، ونفهم من أسرار الحسن غير ما يفهم الناس، إن الحسن أحيانا قد يتحدى الشعر، ~~وقد يعجز الخيال، وقد يبهر العين كما بهرني، ولكنا لا نلقي أمامه السلاح أول مرة، ولا ~~نستسلم خاضعين، بل نأخذ في إطلاق الشعر حوله رصينا أو غير رصين، مبينا أو غير مبين، ثم ~~نصيح كما يصيح المحموم، حتى نخفف من ثورة قلوبنا، وإلا قتلنا الحب، ورحنا شهداء النظرات ~~الفاتكة، والبسمات الفاتنة. ~~- قصيدة منثورة يا أبا محمد!! إن لبيانك سحرا عجيبا!! ثم تهانفت وقالت: نسينا العهد ~~والميثاق. ~~- صوغي العهد يا سيدتي كما تشائين، ولا تبقي شيئا من الأيمان المحرجة، فإني أكرر بعدك كل ~~ما تقولين. ~~- إن عهود الفاطميين ليست هينة يا عمارة، فهي شديدة قاسية، ووراء كل كلمة منها إسماعيلي ~~فدائي، يغمد سكينه في قلب كل من نكث بها. ~~- إن دمي لك يا مولاتي، وهل أقول قلبي؟؟ ~~- قل ما تشاء. ~~- دمي، وقلبي، وحياتي لك يا مولاتي، فهاتي العهد، وتشددي ووثقي كيف شئت كما يوثق كتاب ~~العقود. ~~- ولكني قبل العهد أريد أن أتحدث معك قليلا: أتعلم أن أهل مصر تحولوا جميعا إلى المذهب ~~الفاطمي، وأصبحوا من أشد الناس غيرة على نشره، والمحافظة على تعاليمه ومراسمه ... إنهم قوم ~~يحبون البهجة ومظاهر ms34 السرور، وحفلات الأنس والطرب، وضجيج المواسم، وقد أكثرنا من ذلك لهم ... ~~أتعلم أن مواسم الفاطميين تزيد في السنة على ثلاثين موسما؟! هذا إلى ما يعمل في رمضان ~~والعيدين من الحفلات الشائقة، وضروب البذخ والإسراف، أتعلم أننا جعلنا سيف المعز وذهبه ~~شعارا لدولتنا؟! أسمعت بقصة جدي المعز في أول اجتماع عام له بالقاهرة، حينما طالبه ابن ~~طباطبا نقيب الطالبيين في مصر بما يثبت نسبه وحسبه؟ فنثر جدي الذهب على الناس، وقال: هذا ~~نسبي!! ثم جرد سيفه من غمده وصاح: وهذا حسبي!! ومن ذلك الحين أصبحت دولتنا تقوم على هاتين ~~الكلمتين: الذهب لمن أطاع وأصلح، والسيف لمن عصى وأفسد. ~~- هذا يا مولاتي هو العز الباذخ، والملك الشامخ، فبأبناء فاطمة تتيه مصر، ويسعد ~~أهلها. # فمالت إليه الأميرة باسمة، وقالت بصوت عذب النبرات: بعد هذا، وبعدما سمعت منك أبا محمد عن ~~سماحة الفاطمية، وجودها، وعدالة حكمها أحب أن تكون فاطميا. ~~- أنا فاطمي يا مولاتي ... أحب فاطمة الزهراء، وأحب عليا - كرم الله وجهه - وأحب أولادهما، ~~وأعتقد أن حبهم قربي إلى الله وشفاعة. ~~- لا يا عمارة ... لا تغالطني بحقك ... أنت تعلم ما أريده، ولكنك تروغ روغان الثعلب، ولولا ~~ميل أحسه نحوك ما طاولتك هذه المطاولة، ثم ظهرت في وجهها شراسة النمرة فقالت: إن لمثلك ~~عندنا إحدى خلتين: إما أن تعتنق مذهبنا، وإما أن تسيل نفسه على سيوفنا ... أتريدنا الآن يا ~~يمني على أن نعود إلى الانحلال، والتجاوز المميت؟! لا ... لا ... لا بد من إحداهما، إما أن تكون ~~فاطميا، وإما ألا توجد. # فارتعدت فرائص عمارة، وقال في تلعثم: فهمت من مولاتي أنها لا تريد من الحياة إلا إعلاء ~~المذهب الفاطمي، وتثبت أركانه، وفهمت أنها لهذه الغاية نفسها تدعوني إلى اعتناق المذهب، فما ~~رأيك يا مولاتي في أننا متفقان في الغاية؟! ... متفقان تمام الاتفاق!! ... سأكون خير عدة في نشر ~~المذهب الفاطمي ... سأكون له لسانا ناطقا، وقلبا خافقا ... سيكون شعري أغنيته التي يطرب لها ~~كل سمع، ويتفتح لها كل قلب ... سيحسدني داعي دعاة المذهب على حسن ما أبليت في ms35 إنهاض الفاطمية، ~~وإعلاء لوائها ... سيرى النقباء الاثنا عشر أنهم لم يعملوا شيئا بجانبي ... سيردد الأطفال في ~~الحارات أناشيد الفاطمية، وستغرد النساء في بيوتهن بمجد الفاطمية، وسيرى الأدباء والعلماء ~~في شعري صورا ساحرة لجمال الفاطمية وسماحتها ... سأعمل كل هذا لأنني أحب مولاتي، ولأنني رأيت ~~من كريم وفادتكم، وجزيل عطائكم، وعميم إحسانكم إلى الناس ما بهرني، وملأ قلبي حبا لكم، ~~ولكل ما يتصل بكم. أما عقيدتي أنا ... التي تنطوي عليها جوانحي، فدعيها لي يا سيدتي ... دعيها ~~بالله فإنها بقية ما يصلني بأهلي الذين فقدتهم ... دعيها فإنها إرث الماضي البعيد ... دعيها ~~فإنها جزء من نفسي، ثم وثب قائما وفي وجهه شهامة العربي الكريم، وقال: لن أغير عقيدتي، ولو ~~طلبت ذلك أجمل امرأة أظلتها السماء، وهي سيدة القصور. ~~- اهدأ أبا محمد. ~~- يا مولاتي، إني أعتقد أنني لو غيرت عقيدتي أول ما تطلبين مني لهزئت بي وسخرت مني، وقلت ~~في نفسك: تعسا له من رجل سقيم الإرادة، هزيل العزيمة!! ثم هبيني كنت رجلا إمعا لا خلق ~~له، ولا عزم، ولا دين، أتظنين أن ذلك يقربك من غايتك؟! لا. سيضحك الناس مني في أكمامهم إذا ~~ناديت فيهم بفضل الفاطمية، ويقولون: يا له من شقي أفاق مأجور!! اشترت منه الخلافة عقيدته ~~بدراهم معدودة، فجاء يدعونا إلى الحرص على مذهبها! وربما همس أحدهم في أذني بخبث وشماتة ~~قائلا: إن رجلا يفرط في مذهبه أولى به أن يتوارى عن الناس، وألا يحثهم على التمسك ~~بمذهبهم، ثم إن الوفاء أظهر خلائقي، وأقوى شيمي، فإذا لم أف لعقيدتي فأجدر بي ألا أفي ~~لمخلوق ... سأعيش للوفاء، وسأموت للوفاء، ولن يقول إنسان: إن ابن علي خان عهدا، أو أخفر ~~ذمة. # فانبسطت أسارير سيدة القصور وقالت: أحسنت أبا محمد، إن هذا البيان وهذا الفكر الواسع لا ~~تستغنى عنهما الفاطمية. ~~- اطمئني يا مولاتي، فسأكون لك عونا، ولمذهبك سيفا ودرعا، وسأكون فاطميا بلساني، ~~سنيا بقلبي، فماذا تريدين مني فوق هذا؟؟ ~~- اكتفيت أبا محمد، فإن لروعة منطقك، إلى وسامة طلعتك، إلى كريم خلقك ، وكمال رجولتك سحرا ~~وفتنة: ms36 أيرضيك هذا الإطراء أبا محمد من امرأة كانت تظن أن الأرض أقفرت من الرجال حتى ~~رأتك؟؟ # فوثب عمارة على يديها يقبلهما، ويرتفع بفيه قليلا قليلا حتى يصل إلى معصميها، ثم قال: ~~يرضيني يا مولاتي؟! أنا لا أدري: أأنا فوق الأرض، أم سابح فوق السحاب؟! ~~- لا ... لا تعد إلى شاعريتك، أنت معي هنا في قصر الزمرد ... هلم إلى العهد، فتنهد عمارة ~~وقال: هاتي يا سيدتي، هاتي ... فأخرجت سيدة القصور ورقة من منديلها، وأخذت تتلو وهو يعيد: ~~«أقسم وأحلف بالله المنتقم القاهر، وبرسوله الكريم، وبوصيه ووليه، وببنته الزهراء سيدة ~~نساء أهل الجنة، وبكريم نسلها وشريف عترتها على أن أكون للفاطمية عونا ولها ناصرا، ~~ولدولتها مؤيدا، وعلى أن أعاضد أولياءها، وأحارب أعداءها، وأتخذ كل وسيلة، وكل أداة، وكل ~~ذريعة لرفع شأنها، وإماطة الضر عنها، وعلى أن يكون دمي، وشرفي، ومالي هدرا مباحا إن خنت ~~لها عهدا، أو نكثت بوعد، أو توانيت عن وفاء». # وبعد حلف اليمين كان جبين عمارة يتصبب عرقا، فرفع عينيه وقال: بقيت مسألة يا سيدتي، ~~وهي أني شاعر، وقد أمدح قوما تضمرين لهم سوءا، فهل ذلك ضائري عندك؟؟ ~~- لا يا عمارة، أيد بمدحك من تشاء منا، واخدع بمدحك من تشاء من غيرنا، ولا تخش شرا ~~فأنت موضع ثقتي ... هلم إلى الطعام والشراب. # ثم قامت سيدة القصور إلى بهو آخر، أعدت فيه مائدة ملكية يحير وصفها الألباب، وبعد ~~الطعام تقدمته الأميرة إلى بهو الأغاني، وقد كانت الجواري أعددن آلات الطرب، فجلست الأميرة، ~~وجلس عمارة بعيدا، وجلست إلى جانب الأميرة جاريتها «باسمة»، وهي جارية جركسية بارعة الحسن، ~~رائعة الطلعة، تفور فيها الأنوثة، وتصطخب في نفسها ثورات الشباب، لمحت عمارة، فرأت فيه ~~محيا عربيا، ووجها صبيحا، وقامة فارعة، فاضطرب له فؤادها، وأخذت تخالسه النظر، ~~وتتحين الفرصة لمحادثته واجتذابه، واستمر الطرب إلى الهزيع الأخير من الليل، حينئذ وقفت ~~الأميرة وسلمت على عمارة، وهمست في أذنه: سأرسل إليك راجحا في كل ثلاثاء. ثم أمرت ~~«باسمة» أن تسير معه إلى الباب الكبير ، وأن تأمر راجحا أن ms37 يصحبه إلى داره. # فسارت «باسمة» معه من سلم إلى سلم، ومن بهو إلى بهو، وقد جاذبته الحديث طويلا في هذه ~~الأثناء، ورمت إليه بكثير من شباكها، وألقت إلى قلبه بالمجرب النافع من سحرها، ولكن عمارة ~~كان عنها وعن فنونها في شغل شاغل، فلم يقابلها إلا بالصد والعبوس؛ فحزنت «باسمة» ولكنها لم ~~تيأس، وقالت في نفسها: ويل لهذا المهر الحرون مني!! سيأتي إلي خاضعا، وسيلقي عنانه بين ~~يدي ذلولا، ثم قابل راجحا فودعته «باسمة» وانصرفت، فركب عمارة وراجح جواديهما، وإذ هما ~~يخرجان إلى الطريق سمع عمارة مؤذن الصبح من مئذنة الجامع الأقمر، وهو يردد بصوت رنان: حي ~~على خير العمل!! ... حي على خير العمل!! # أقام عمارة بالقاهرة طويلا في عز وثروة وهدوء بال، وكان يستدعيه راجح في كل أسبوع للقاء ~~الأميرة، فزاد هيامه بها، وبجودها وذكائها، وحرصها على حياطة الدولة، وكانت «باسمة» في كل ~~زيارة تغازله على أن تصبيه، فيصرفها عنه في تعفف واستنكار. # وبينما كانت تودعه إلى باب القصر في بعض زوراته، دخلت به إلى إحدى الحجرات، وسألته في ~~رشاقة تستنزل العصم، وفي دلال يلين الصخور الصم أن يكتب لها بعض أبيات رقيقة قالها في ~~الغزل، وكانت تحدثه وهي ترفع خصلة متهدلة من شعرها الذهبي اللماح، وتصوب إليه عينيها في ضعف ~~وفتور، يوقظ الفتنة النائمة، ويثير العاطفة الخامدة، والجمال يستعين دائما بقوته إذا ملك، ~~وبضعفه إذا حاول أن يملك، والجمال الهادئ المستكين أقوى أنواع الجمال تحكما في قلوب الرجال، ~~وهو أحبولة المرأة، وأداة وثوبها، ودرع دفاعها، عرفت المرأة بفطرتها الصادقة، وغريزتها ~~النافذة، ما في الرجل من غرور وكبرياء، واعتزاز بحوله وطوله؛ فهي دائما تأتيه من هذه ~~الناحية، فتتوسل بضعفها إلى قوته، وبأنوثتها إلى رجولته، وبلينها إلى خشونته، وبأنها تريد ~~أن تتخذ من قلبه حصنا تلجأ إليه من عواصف الأيام، ومن عطفه حمى تلوذ به من أعاصير الحياة، ~~ثم تبعث بجمالها الوادع الذليل شفيعا إليه، فلا يزال به حتى يجتذب عطفه، ويستهوي حنانه - ~~والحنان أول مراتب الحب ، والإشفاق أول مراحل الغرام ms38 - حتى إذا فازت بعطفه، أخذت في إنمائه ~~بالإيحاء، وبأساليب يعرفها النساء وحدهن: أساليب كأنها غير مقصودة، وهي مقصودة، وكأنها من ~~المصادفات، وليست من المصادفات، وكأنها تصدر على الرغم منهن، وليست إلا من قصدهن، وهنا يقع ~~الرجل في الشرك، وهنا يتغلب الحب، وهنا تتحكم المرأة، وهنا يعود ذلك الضعف المتصنع قوة ~~وجبروتا!! # قالت «باسمة»: إنها ليست أبياتا يا سيدي، إنها همسات الحب في أذن العاشق المهجور، أتعرف ~~أنني كلما سمعت «طروب» تغنيها لم أملك دموعي!! # إن الشعراء يجتذبون المرأة بمثل هذا الشعر الذي لا يخطئ سبيله إلى القلوب، فإذا اهتزت ~~مشاعرها له جاء الحياء فكتم ما تحس ودفنه بين جوانجها حيا، لا لشيء إلا لأنها امرأة يجب ~~ألا تتكلم، ويجب ألا ينم وجهها عن السخرية بالغزل، وأغاني الغرام، أما الرجل فمباح له أن ~~يبوح بما في نفسه، ومباح له أن يغري من يشاء بما شاء، ولقد يكون خداعا، ولقد يكون ماجنا ~~عربيدا، يلهو بقلوب الحسان كما يلهو الطفل بلعبه، حتى إذا سئمها داسها بقدميه، وتركها ~~حطاما. # ليس للمرأة المسكينة أن تقول: أحب، وليس لها أن تجيب عن ابتسامة بابتسامة، ولا عن زفرة ~~بزفرة، وإنما عليها أن تصرف وجهها عن مائدة الحب، ونفسها تشتهي كل ما عليها من ألوان؛ لأنها ~~صنم من جمال، وتمثال من حسن، لا يتكلم ولا يريد، فإذا ضحكت أحيانا ضحكة فيها رنين، أو ~~انزلق لسانها بكلمة تصور خلجة من خلجات النفس الحائرة، أو أدلت برأي في معنى الحسن - سلقتها ~~الألسنة، وحملقت نحوها العيون، وترحم الناس على الحياء والفضيلة، وهزت العجائز رؤوسهن في ~~رعب ودهشة، وبكين ماضي أيامهن، حين كانت البنت ترى ولا تسمع، ثم ينتقلن بالحديث إلى فساد ~~الزمان،. واضطراب الأوضاع، وضياع آداب السلف. # ويا ويل الشباب من المشيب!! فإنه حينما يرى أنه تسلب من القوة، وماتت فيه غرائز اللهو، ~~وقعدت به السن عن الاستمتاع بلذائذ الحياة - يمتلئ صدره على الشباب حقدا، وتغلي نفسه منه ~~غيظا، ويرميه بالجنون والطيش، وتمزيق ستار الأدب، وتمريغ الفضيلة في التراب، ولو أن ms39 شيخا ~~هب من نومه، فأحس بالشباب وقد عاد إليه، والفتوة وقد تمشت في عروقه الواهنة الذابلة، ونظر ~~في المرآة فرأى شيبه، وقد ارتد سوادا، ووجهه وقد صقله الصبا، ومحا منه الغضون - لغير رأيه ~~في الفضيلة، وكان أوسع أفقا، وأكثر تسامحا، وأسرع إلى داعي اللهو استجابة، ولضحك مما كان ~~يراه بالأمس من وجوب التحرج والتزمت، والابتعاد عن التمتع بزينة الله التي أخرج ~~لعباده. ~~- هذه صحيح يا فتاة، ولكن ما لك تعذبين نفسك بهذا التفكير الذي لا يجر إليك إلا الحزن ~~والبلبال؟! ~~- إنني يا سيدي لم أخلق نفسي، ولو خيرت لاستبدلت بهذه النفس التي أشقى بها نفسا جامدة ~~بلهاء، لا تشعر بالمعاني السامية، ولا تهتز للجمال الروحي الذي فيه غذاؤها وريها وحياتها، ~~أنا يا سيدي فتاة منكوبة، أعيش حبيسة في هذا القصر، بين سادة يسومونني الذل والخسف؛ لأنني ~~في أعينهم أمة اشتروها بمالهم، واشتروا معها في زعمهم كل ما فيها من حس وإدراك وشعور، فيجب ~~ألا تحس وألا تدرك وألا تشعر، وبين خدم يحسدونني على منزلتي من سيدة القصور، ويدبرون لي ~~المكايد، وينصبون الحبائل، أرأيت يا سيدي أسوأ من هذه الحال؟ أمة ذليلة محسودة، أمة تضطهد ~~في ضوء النهار، وتحاك لها الدسائس في ظلمة الليل. # أمة ...؟ وهل أنا أمة ...؟! ولكنهم أماتوا روحي، وقتلوا ما كان في نفسي من عزة، فلن أستطيع أن ~~أتكلم!! ~~- إني أتألم لألمك يا فتاتي، تكلمي ... تكلمي ... فلن يزيح عن النفس أحزانها إلا البوح ~~والبكاء. ~~- لك يا سيدي أبوح، ولمثلك أشكو، فإن لك قلبا لا يضيق بفتاة بائسة مثلي، تلتجئ إلى ركن ~~فيه لتعتصم من ويلات الزمان. # أنا لست أمة أبا محمد، إن لي قصة تستنزف ماء الشئون، وتثير لواعج الشجون، ولكن لساني لم ~~ينبس بها لأحد، وماذا في أن تكشف ذات نفسك لقوم لا يلقونك إلا بالسخرية والتكذيب والمراء! ~~أنا لست أمة، ولكن أبي كان حاكما ببلاد الجركس، ولم يكن له من ولد غيري، وكنت ريحانة ~~حياته، وفلذة كبده، وحبة قلبه، وكان بي مشغوفا ، وبحبي كلفا، وكان أبي ms40 شديدا في مطاردة ~~اللصوص، مستقصيا لهم، صارما في عقوبتهم، فقبض مرة على زعيم من زعمائهم فأذاقه صنوف ~~العذاب، ثم وسطه في ميدان المدينة، ويظهر أن أحد رجاله أراد أن ينتقم له، فرأى أشد ما ينتقم ~~به منه أن يختطف ابنته، وأن يذيقه لوعة فقدها - فخطفت في السابعة من عمري، ونقلت إلى الشام ~~في بيت نخاس، كان يحفني بعناية فائقة، ويشملني بعطف سابغ، ويدللني تدليل الأب الشفيق. وقد ~~أحضر لي عجوزا كانت تختلط بنساء الأكابر، لتلقنني آداب السلوك، وآيين القصور، وكنت وأنا ~~بين هذا الترف الكاذب، والنعيم الزائف أسكب الدمع في خلواتي مدرارا، وأكاد أبخع نفسي على ~~أهلي حزنا. # وقد أقمت عند صاحبي طويلا حتى بلغت مبلغ الأنوثة الكاملة، وتفتحت في أكمام الشباب ~~الناضج، وأظهرت مني الخامسة عشرة مكنون الجمال، ومستور الفتنة، وإذا كان الشباب جمالا، ~~فأجمل منه أن يكون جميلا، وكلما تبلج حسني زاد صاحبي بي حفاوة ولي إكراما، وذاع في دمشق ~~أن لدي حسين الدفاني النخاس فتاة لم تحو قصور الملوك مثلها، فتزاحم على بابه سماسرة العبيد ~~والجواري، يغرونه ببيعي، ويزيدون في ثمني بالمئات من الدنانير، وكان الرجل يقابل إسرافهم في ~~العرض بإسراف في الإباء، وكنت في أثناء هذه الضجة وهذه المغالاة بقدري، لا يفارقني خيال ~~أبي، ولا تنأى عني ذكراه، وكان قلبي بالحنين إليه خفاقا، وبالشوق إليه دائم الوجيب، حتى ~~زارتنا في عصر يوم امرأة من بلاد الجركس، فجاذبتها أطراف الأحاديث، ثم انفلت في حذق ولباقة ~~إلى السؤال عن أحوال البلاد، وعادات أهلها، كأني لا أعرف من أمرها شيئا، فانطلقت المرأة في ~~القول، وأسهبت فيما يصيب البلاد من فوضى، وما فيها من عصابات ضارية، مردت على اختطاف البنات ~~وبيعهن في أسواق الرقيق، وعلمت منها أن أبي بعد أن نكب في ابنته، برح به الحزم فمات كمدا، ~~حينئذ يئست من الحياة، وعرفت أني خلقت للذل والمهانة، وأن هذه الحلي التي تزين معصمي وصدري، ~~والحرائر الثمينة التي أرتديها، إنما هي من عبث القدر وأضاحيكه، وأنها أشبه بزخرف القبور، ~~منها بزينة ms41 فتاة تستقبل الحياة. # ثم جاء والي دمشق ذات صباح، وطلب من صاحبي أن يسافر بي إلى مصر؛ ليبيعني لسيدة القصور، ~~على أن يتحكم في الثمن كما يشاء، فسافرنا إلى القاهرة، وعرضت على سيدة القصور، وكان العرض ~~مؤلما ... ثم سئلت عن اسمي، فأطرقت وتبسمت ابتسامة حزينة واجدة، فصاحت سيدة القصور: سميتها ~~«باسمة»، ثم طلبت إلى الخدم، والجواري أن يدعوني بهذا الاسم، فبقيت في القصر منذ ذلك الحين ~~أعامل معاملة الدمى حينا، ومعاملة الإماء الذليلات أحيانا، ارحمني يا سيدي ... ارحمني ... ~~فإنني أتحرق إلى صدر رفيق يجيب خفقات قلبي، وأشعر في دفئه بالحب والحنان. ~~- يحزنني يا فتاتي أنك طرقت قلبا مشغولا، ملأ الحب كل حجراته فلم يترك فيه مكانا لحب ~~جديد. ~~- لك ألا تسمي ما أدعو إليه حبا، سمه عطفا إن شئت. ~~- إن العطف أول الحب، وإذا رضيت بالعطف أول الأمر، فلن ترضي به إذا طال الزمان، إن قلبي ~~يا فتاتي موحد لا يؤمن بالشريك. ~~- لقد حرمت يا حبيبي حب الأب، وحب الصديق، وأريد أن أعيش إنسانة تجتذب الحبيب، ويجتذبها ~~الحبيب، تصبي الحسن وتصبو إليه، إنني من جيل تعنف فيه الغرائز وتشتد، وتسيطر فيه نزعات ~~القلب على حكمة العقول، أريد يا حبيبي أن أحيا ساعة واحدة أشعر فيها أنني لست أمة ~~رقيقة!! ~~- أليس لك في زوجك يا باسمة ملاذ يسكن إليه قلبك، وتهدأ في كنفه جوانحك؟ ~~- زوجي؟ لا تمزح يا سيدي! بالله عليك لا تمزح! إنه ناطور الزواج كما يضعون في البستان ~~ناطورا ليذود الطير عن ثمره، زوجي؟ ذلك الذي أرغمتني سيدتي على التزوج به؛ لتصونني من رجال ~~القصر الذين كادوا يفترسونني بأعينهم، والذين كانوا يلاحقونني في كل مكان، ومن هو الذي ~~ألزمت الزواج به؟ فدم، جاهل، مغفل، غبي متعاقل، سريع الغضب، بطيء الهمة، هذا هو الزوج الذي ~~اختارته لي سيدتي، واختيارها وحي من الرحمن يجب ألا يرد، ولا يجادل فيه، ولا يسائل المرء ~~نفسه عن سره! فهل لي في أن أطمع في عطفة منك تضيء ظلام حياتي!؟ ~~- لا أكاد أفهمك يا باسمة، ms42 ولا أكاد أفهم معنى لهذا التشبث بعدما أظهرت لك من الانصراف عن ~~كل ما يسميه الناس حبا، وقد أكرمتني سيدة القصور بحفاوة لم يظفر بها سواي، وليس من شيمي ~~أن أعبث بهذه الكرامة. ~~- أنت تحب سيدة القصور، وتؤثر حب السيدة على حب الجارية؛ لأنك تظن أن حب السيدات سيد ~~الحب! # فظهر الغضب على وجه عمارة. وصاح: كفى يا جارية، فإن سيدة مصر أقدس من أن تصبح حديثا ~~للإماء!! ولقد صبرت على ثرثرتك طويلا، وتركت نار قلبك تأكل حطبها لتنطفئ، ولكن يبدو لي أن ~~الرفق زادها استشراء، وأضاف إلى جذوتها حطبا، اعزبي عني فقد طال بنا المقام، وأخشى أن ~~ينالني من الجلوس إليك أشنع المكروه. ~~- أعزب عنك بعد أن كشفت لك عن ذات نفسي، وفضحت لك خبيئة صدري؟! بعد أن طرحت حبي على ~~أقدامك فقذفت به كما تقذف النعل الخلق؟! وبعد أن سكبت دموعي على قلبك الصلد فما زاده الماء ~~إلا صلابة ويبسا؟! أعزب عنك بعد أن أهنت أنوثتي، ودست بقدمك على أشرف ما أعتز به وتعز به ~~كل امرأة من حياء وخفر وإباء؟ ويل لك مني! إن كل شيء عندنا - معشر النساء - أمم، إلا أن ~~تجرح المرأة في كرامتها، وإلا أن تقدم جمالها الفاتن لجلف مثلك، فينحيه عنه بالأكف في سخط ~~وأنفة، كأنه كأس مسمومة أو طعام ولغت في الكلاب! ويل لك مني، وويل لكل من يناصرك! لن تفلت ~~من حبائلي، إننا - بنات الجركس - نقتل الرجال: إما بالحب والاستهواء، وإما بالكيد والدهاء، ~~فخذ حذرك فإنك لن تنجو مني يا رجل! ثم قامت غاضبة، وتركت عمارة في ذهول وعجب، وهو يتطلع في ~~أنحاء الحجرة كالمشدوه المأخوذ، ثم ضحك ضحكة جافة مضطربة، وضرب كفا بكف، وقال: حقا إن ~~مصر بلد العجائب!! ماذا كان شأني بهذه الفتاة؟ ومن رماني بهذه المجنونة؟ إنها ستكون البعوضة ~~التي تدمي مهجة الأسد، وستعمل على تكدير عيشي، وتنغيص حياتي، وربما أشعلت بيني وبين سيدة ~~القصور فتنة لا أستطيع لها إطفاء، وربما نشرت بين رجال القصر أسرار حب قدسي ms43 أبالغ في ~~كتمانه، أكان يجب أن أجاريها وأن أخدعها، وأن أظهر لها كالمحب المفتون بها المدله بجمالها؟ ~~لا، إن شيئا من ذلك أو دونه لو ظهر لأفسد ما بيني وبين سيدة القصور، ماذا أعمل؟ إني بالغت ~~في اتقاء دسائس الرجال، ولم أحسب لدسائس النساء حسابا، إن من ضروب العداوة ما لا يستطاع ~~درؤه، وإن من المصائب أن يكون عدوك ضعيفا؛ ولكن سأدرع بالحذر، ثم يكون بعد ذلك ما يكون، ~~وقام وصدره مثقل بالهموم، ثم غادر القصر. # وفي تلك اللحظة التقى ابن دخان بباسمة في أحد أبهاء القصر، وكان لها عاشقا، وبها صبا ~~مفتونا، وكانت تصد عنه في إغراء، ثم تجتذبه لتعرض عنه من جديد، وهي في قرارة نفسها تنفر ~~منه، وتستنكر تصابيه، وطرائق غزله، فلما اقترب منها قال: كيف أنت اليوم يا نور عيني؟ ألا ~~تزالين في دلالك القديم؟! ~~- كما أنك لا تزال في ضلالك القديم، دعني بالله أسر في طريقي، فإني كرهت الدنيا ومن ~~فيها!! ~~- الدنيا بخير يا جنتي، والرواتب تصرف في كل شهر لجواري القصر، وفوق كل راتب قبلة إلا ~~منك، فقد أعيتني فيك الحيل! ~~- أنت رجل فارغ القلب، لا تأبه إلا للرواتب، ودخل الدولة وخرجها، أما ما يصيب صديقا، أو ~~يمس شرف فتاة ضعيفة فقدت الحامي والنصير، فليس من شأنك في قليل أو كثير!! أنني سأغادر القصر ~~إلى الأبد، إن هذا اليمني الأفاق المسمى بعمارة، أطغته منزلته عند سيدة القصور، فاتخذ ~~عطفها عليه سلاحا للعربدة والفجور، لقد ضقت بهذا الرجل ذرعا، إنه يلاحقني أينما رآني في ~~القصر، ويضايقني بإلحاحه وتغزله السمج، ويريد أن يفرض علي حبه فرضا، ويظن المغرور أن الله ~~اختصه برواء الحسن وكمال الظرف، وأن امرأة لا تهيم به مدخولة العقل فاسدة الحس، قابلني في ~~هذا الصباح فحاولت الفرار منه فلم أستطع، وأخذ يصب علي شواظا من غزله المفضوح، فلما زجرته ~~وسخرت منه احتدم غضبه، وتكشف لؤمه، وتوعدني بالشر والإيقاع بي عند سيدة القصور، وبطردي من ~~القصر!! ~~- طردك أنت من القصر ؟! ... أنت ... وماذا يبقى فيه ms44 إذا غابت عنه شمسه؟! ماذا يبقى فيه وأنت ~~بهجته وزينته؟! ولكن هذا اليمني الثقيل الوقح، هو الذي يطرد من القصر، ويزجر منه كما يزجر ~~الكلب. ~~- إن سيدتي متعلقة به ... ~~- ومن هذه الناحية ستأتيه النكبة، دعي هذا الأمر لي يا بنية، فلن يضايقك اليمني الأحمق ~~بعد اليوم. ~~- وكيف؟ ~~- سأفكر، وستكون المؤامرة محكمة لا يجد منها اليمني منفذا، ولكني أطلب أن تزيدي في ~~التودد إلى زوجك؛ فإني أعتمد عليه في مثل هذه الأمور، وكيف حالك معه؟ ~~- إنه زوج شرعي وكفى! ~~- لا يا باسمة ... صانعيه واخدعيه، وأظهري له الحب والميل حتى يتم كل شيء. فظهر الابتهاج ~~على وجه باسمة ... ولكن ابن دخان عاجلها قائلا: ولكني أطلب أجرا على هذا العمل المحفوف ~~بالمخاطر. ~~- ما هو؟ ~~- قبلة واحدة من فمك الحلو. ~~- قبلت على أن يؤجل هذا الأجر إلى أجل غير بعيد، ثم فرت من بين يديه كالظبي النافر، ~~وذهبت إلى مسكنها الخاص بالقصر، ولما رأت زوجها مجاهدا الرملي ألقت بنفسها بين ذراعيه ~~ضاحكة معربدة، عابثة بشاربه ولحيته؛ فدهش «مجاهد» لهذا التغير المفاجئ، وقد كانت منه شديدة ~~النفار، ممعنة في الدلال، فما استطاع إلا أن يضمها ضمة العاشق المهجور، ويملأ وجهها ~~بقبلاته، ثم قال: ما هذه النشوة يا باسمة؟ فقالت: هل على فتاة في أن تحب زوجها من ~~حرج؟ ~~- لا، غير أنه حب مرتجل! ~~- إنه ليس مرتجلا يا مجاهد، إن العجائز - قاتلهن الله - علمتني أن الرجل لا يحب إلا ~~إذا جفته المرأة وتمنعت عليه، وقد أخذت أعمل بنصيحتهن، وأظهر لك النفور والبغض؛ لتزيد بي ~~شغفا، حتى لم أعد أقوى على هذا الرياء، وعزني الصبر، ووهن الجلد، وطغى سلطان حبك على ~~قلبي فلم أستطع له كتمانا ... فارحمني يا حبيبي؟ ~~- أرحمك؟ أرحمك بمائة قبلة وألف ضمة، وبأن أكون لك عبدا مدى حياتي؟ ~~- وأن تدفع عني شر الأشرار، وكيد الكائدين! ~~- بروحي ... ~~- إنني لم أرد أن أخبرك منذ حين بشأن هذا الشيخ اليمني نزيل القاهرة، الذي أخذ يتردد على ~~القصر. ~~- ما شأنه؟ ~~- شأنه أنه أخذ يضايق زوجتك، ويبالغ في احتقارها، ms45 ويدس لها عند سيدة القصور، وقد اتفقت مع ~~ابن دخان على إبعاده عن القصر، وسيخبرك إذا قابلته بكل شيء، وستكون هناك مكافأة جزيلة لمن ~~يقوم بهذا الأمر. ~~- عظيم، كسبنا مالا، واسترجعنا رضا زوجة رائعة الحسن في صفقة واحدة. # ثم مرت أيام قضاها ابن دخان في تدبير المؤامرة، واختيار من يشترك فيها، وعقدت عدة مجالس ~~حضرها مجاهد الرملي، وبعض الجنود، وأكد ابن دخان لهم أنهم لن يصيبهم منها ضرر ألبتة، وأنهم ~~على الضد من ذلك سينالون رضا سيدة القصور، وترتفع عندها منزلتهم، والتقت باسمة به يوما، ~~فقص عليها المؤامرة مفصلة، ووكل إلى دهائها وحذقها طريق الشروع فيها، والإفضاء بها إلى سيدة ~~القصور، ثم قال: إنها ليس من صنعي يا باسمة، وإن عقلي لا يستطيع أن يصل إلى هذه ~~الغيابة. # فقالت في استنكار: من صنع من إذا؟ وهل كان من الحزم أن يطلع عليها غير ذلك العدد ~~القليل الذي اشترك فيها؟! ~~- إن الذي وضع المؤامرة أشد مني حزما، وأكثر احتراسا؛ لأنه لم يرض أن يمد فيها إصبعا ~~إلا بعد أن حلفت له بكل محرجة ألا أبوح باسمه. # فنظرت إليه في سحر وفتنة وقالت: حتى ولا للمدينة لك بقبلة؟ فانهزمت في الرجل كل خصائص ~~الرجولة وقال: أنا حلفت، ولكن القبلة تعدل آلافا من كفارة اليمين ... تعدل الدنيا وما فيها، ~~اعلمي يا فتاتي - وفقك الله - أن مدبر المؤامرة هو الشيخ زين الدين بن نجا المشرف على خزائن ~~الكتب. ~~- ذلك الشيخ الورع الزاهد، الذي لا يتبسم! والذي كلما رآني همهم بأدعية واستغاثات، كأنما ~~رؤية الجمال إثم من أشد الآثام!! # ثم انطلقت باسمة إلى القصر، فرأت سيدة القصور تقرأ بعض الصحف التي يرسلها إليها جواسيسها ~~في كل صباح، فلما رأتها قالت: أين كنت يا باسمة؟ ولم أراك عابسة حزينة؟ ~~- إن حبك يا مولاتي والخوف من أن تمسك هبة من نسيم، هما اللذان يشغلان قلبي، ويكدران ~~صفوي. ~~- فقهقهت سيدة القصور وقالت: لا تتعبي رأسك الجميل يا فتاة، ولا تجني على جمالك الفتان ~~بالخوف علي، فإنك إن فعلت ms46 أذبلت أجمل زهرة بالبستان الكافوري. ما الخبر؟ ~~- لا شيء، أو هو شيء يكفي فيه التحرز والاحتراس. ~~- أي احتراس؟ ومن أي شيء؟ # عند ذلك استنجدت «باسمة» بأدق مواهبها، وأروع أفانينها، وأخذت في الحديث في تحرج وتلعثم، ~~وكان صدرها يخفق، وعيناها تتحير فيهما الدموع، وصوتها يرتعد ... ثم قصت على سيدتها ما اتفقت ~~عليه مع ابن دخان من تفصيل المؤامرة المزعومة، وأن عمارة الذي يبغض المذهب الفاطمي بقلبه، ~~ويناصره بلسانه - إنما استدعاه طلائع بن رزيك من مكة؛ ليكون آلته في الكيد والقضاء على ~~الفاطمية، وأنه قد تآمر مع بعض الجند على اغتيال الخليفة الفائز، والقضاء على سيدة القصور، ~~وإجلاس ابن رزيك على عرش مصر. ~~- من الذي كشف عن هذه المؤامرة؟ ~~- إبراهيم بن دخان. ~~- هذا غير معقول يا فتاة؛ إن عمارة عاهدني ألا يخونني، ثم إن في الرجل صفات تأبى عليه أن ~~ينغمس في هذه الحمأة. ~~- إنه داهية يا سيدتي، وهو يتخذ من سحر شعره ولطف حديثه، وظهوره بمظهر الرجولة والنخوة ~~ستارا يخفي به مكره ومحاله. ~~- أنا لا أكاد أصدق، عمارة؟! ... يدس لي؟! ويعمل على قتلي وتقويض ملكي ...؟! لا ... لا ... هذا ~~إذا عاد الصباح ظلاما، والأسد ثعلبا، والدواء سما زعافا ... ~~- أأنت واثقة يا باسمة؟ ~~- تمام الوثوق، وقد كان من أسباب حزني خوفي من أن تماريني وتنفضي عنك الحذر، والقضاء على ~~الجريمة والمجرمين. ~~- قد يكون، إن هؤلاء الغرباء الذين يفدون على مصر لا تخلو حقائبهم من دسائس ومؤامرات، ~~إذا فمبالغته في التقرب إلي والإخلاص لعرشي كانت رياء في رياء. ~~- لو لم يكن الرجل دساسا ما لفظته بلاده، وهو يدعي أن له فيها الأموال، والأتباع، ~~والجاه العريض. ~~- هذا صحيح، دعيني وحدي قليلا يا فتاة، فإني أريد أن أفكر. # وبعد ساعة أو ساعتين أمرت راجحا أن يدعو إليها ابن دخان، فلما دخل انكب يقبل أطراف ~~قدميها، ثم وثق مطرقا واجما وهو في سمت الخدام المخلصين، فسألته سيدة القصور عن مجمل ~~الخبر، فقال: جاءني خادمي «عيد» السوداني يوما، وعليه آثار الخوف والاضطراب، وفي وجهه ~~لمحات من التردد والحيرة، ms47 فسألته عن شأنه؟ فراوغ وتلعثم؛ فلما أثقلت عليه قال: إننا جميعا ~~عزمنا على أن نلقي إليك جملة الخبر، فانتظرني حتى أعود، ثم عاد ومعه من الجنود: عمران ~~النهري، وعكاشة الحداد، ومجاهد الرملي، فأخبروني أن عمارة أغراهم بالمال، ووعدهم بالمناصب، ~~وذهب معهم إلى قصر ابن رزيك، فزادهم هذا إغراء، وأقسموا أمامه على قتل سيدي الخليفة ~~ومولاتي، ولكنهم بعد أن وزعت عليهم الأموال خارت عزائمهم، وعاودهم إخلاصهم المكين للخليفة ~~ولمولاتي، ورأوا - كما قالوا - أن خزائن الدنيا جميعا لا تغري بأن تمس شعرة من رأس ~~مولاتهم، وألحوا علي في كتمان الخبر، ولكني خفت أن تكون خيبة عمارة وصاحبه في هذه المؤامرة ~~دافعا إلى الشروع في غيرها، فأسرعت إلى جاريتك: باسمة، ورجوتها أن تبلغك أمرها. ~~- لقد أحسنت يا ابن دخان، ثم أشارت بكفها فخرج، وبينما كان ابن دخان يمر بأحد دهاليز ~~القصر رآه مجاهد الرملي، فاختفى وراء ستار؛ لأنه كان مع اشتراكه في الدسيسة يكره الكلام ~~فيها، وفي تلك اللحظة مرت باسمة، فقال لها ابن دخان: الآن وجب قضاء الدين يا فتنة العين، ~~وريحانة النفس، ثم وثب عليها فطوقها بذراعيه، فلم تمانع ولم تعمل على إبعاده، فانكب على ~~وجهها بشره يملؤه قبلا، يزيدها الحب لذة ورنينا. # رأى مجاهد كل هذا فغلى دمه من الغضب، وظهر في عينيه السخط والحنق، وتحركت في صدره أفاعي ~~الانتقام، ولكنه كظم غيظه، وانتظر حتى انصرفا، فخرج من وراء الستار كالمجنون الذي طار عقله ~~وهو يتمتم: ويل لها! ... ويل له! ... ألأجل مال هذا الدميم كانت تتدلل علي وتنفر مني وتزور ~~عني، وتقابل توسلات حبي بالسخرية والاستهزاء؟ والله لأبطشن بهما معا!! # قضت سيدة القصور أياما تقلب الرأي في أمر عمارة. حتى انتهى بها العزم إلى وجوب البطش به، ~~ورميه في بئر القصر المعروفة ببئر الصنم، التي كثيرا ما ابتلعت أعداء الفاطميين، فنادت ~~مؤتمن الخلافة، وأمرته بدعوة عمارة إلى قصر الزمرد. # وفي غد ذلك اليوم جاء عمارة إلى القصر، وهو خائف يرتعد، ودخل بهو الأميرة، فرآها جالسة في ~~الوسط، وإلى جانبها مؤتمن ms48 الخلافة، وجاريتها «باسمة»، ورأى ابن دخان واقفا ومعه ثلاثة من ~~جنود القصر، فتقدم ليقبل طراز الأميرة، فزجرته وأمرته بالوقوف بجانب ابن دخان، فوقف مبهوتا ~~لا يدري لكل ما يرى ويسمع سببا، ثم التفتت سيدة القصور إلى ابن دخان، وقالت: قدم دعواك يا ~~ابن دخان، فأخذ يقص ما حاك من دسيسة، وعمارة في ذهول، يرى البهو يدور بمن فيه، ثم ينقلب ~~فيراهم في سقفه لا في أرضه، حتى إذا أتم ابن دخان دعواه، اتجه إلى الجنود وقال: وهؤلاء ~~الجنود المخلصون الذين أرادوا أن يستغووا المتآمرين حتى يوقعوهم في الشرك، سيقدمون إلى ~~مولاتي ما يؤيد وقوع هذه المؤامرة الخسيسة. فقالت سيدة القصور: وأين مجاهد الرملي؟؟ ... فإذا ~~صوت يصيح في دهليز البهو: هأنذا قادم إليك يا مولاتي. ويدخل مجاهد، فينظر مرة إلى «باسمة»، ~~ومرة إلى ابن دخان، ثم يصيح: هذه دسيسة كاذبة ملفقة يا مولاتي ... إن زوجتي باسمة هذه هي التي ~~نسجت خيوطها الواهية مع ابن دخان، وهؤلاء الجنود الكاذبون وعد كل واحد منهم بمائة دينار؛ ~~لقاء كذبه وزوره، وقد وافقتهم على الاشتراك معهم، ولكني رأيت آخرا أن هذه الوشاية قد تحدث ~~فتنة، وقد تدفع الناس إلى التحدث عما يسمونه: دسائس القصر، فأسرعت إليك يا مولاتي لأعيدها ~~إلى الرمس الذي نبشت منه، ولأقتلها في مهدها. # شمل الصمت والذهول جميع من حضر، وأحس عمارة أن هاتفا يهمس في أذنه: لقد نجوت، واصفر ابن ~~دخان، وارتعدت أوصاله، وصاحت الأميرة في غيظ وحنق: وما برهانك يا مجاهد؟! ~~- برهاني: أنك تجدين في خزانة ديوان الرواتب أربع صرر، بكل واحدة منها مائة دينار، وقد ~~كتب على كل صرة اسم واحد منا؛ لأننا لعلمنا بمخاتلة ابن دخان ومخادعته، خفنا أن يماطلنا في ~~نقد المال بعد إتمام الدسيسة، فحتمنا أن يكتب بيده اسم كل واحد منا على صرته. # فاتجهت الأميرة إلى مؤتمن الخلافة وقالت: اذهب مع هذا الرجل (وأشارت إلى ابن دخان) وأحضر ~~الصرر إن وجدتها. # فذهبا وابن دخان يجر ساقيه، ثم عادا ومعهما الصرر الأربع ، وقد كتبت عليها أسماء ms49 الجند كما ~~قال مجاهد. فقالت الأميرة: لقد انجلى الحق، وأمرت بأن يطرد ابن دخان من رياسة ديوان ~~الرواتب، وأن تطرد باسمة من القصر، وأن تضرب عشرين سوطا، وأن يضرب الآخرون خمسين ~~سوطا. # ثم اتجهت إلى عمارة وقالت: أسأنا بك الظن أبا محمد، وطفقت تعتذر إليه وتستعطفه، وتشكو ~~إليه ما حولها من الدسائس التي تحاك في ظلمة الليل وظلمة النفوس، فتقدم عمارة يقبل يديها ~~وقدميها وهو يبكي ويقول: والله يا مولاتي لو وسوس إلي فؤادي مرة أن أمس شعرة لفاطمي أو ~~فاطمية لخلعت فؤادي من صدري؛ فمست كتفه بلطف وقالت: أعود إلى ما كنت لك ... وتعود إلي ما كنت ~~لي ... وننسى هذه العاصفة الكاذبة التي كانت سببا في توثق ودادنا. # | الفصل الثامن # مرت شهور وأيام، مات في أثنائها الخليفة الفائز، فقد أصابته حمى لم تمهله أياما حتى ~~قضى، وما كادت سيدة القصور تمسح أول دمعة عليه حتى أشارت بتولية عبد الله ابن أخيها يوسف؛ ~~لأنه كان صغير السن، وفي ذلك تمكين لسلطتها في الدولة. # فقد كان في الحادية عشرة، فلقبه ابن زريك: بالخليفة العاضد بالله، وقامت له البيعة بقاعة ~~الذهب في يوم حافل، ووقف عمارة بين الحشد الجامع من المبايعين ينشد: # لئن قل صبر فالمصاب عظيم # وإن جل شكر فالنوال جسيم # لئن عرضت للفائز الطهر نقلة # فأنت أمير المؤمنين مقيم # وإن سلبتنا جنة الخلد قربه # فقربك منا جنة ونعيم # ثم عدد مآثر الفاطمية والفاطميين، فأجاد وحلق. # وبعد أيام ذهب عمارة للقاء سيدة القصور، فرآها في حزن مقعد مقيم، فأخذ يعزيها في الفائز، ~~ويهدئ من ثورة حزنها، فقالت: والله ما على الفائز أبكي يا عمارة، وإنما أبكي على دولتنا؛ ~~لأنني منذ تولية العاضد وأنا أشعر شعورا غريبا لا أعرف كنهه بأنه سيكون آخر خلفائنا، وقد ~~كنت أبيت أن ألقبه بالعاضد، ولكن هذا الأرمني ابن رزيك أبى إلا هذا اللقب ... أتدري أنني ~~لشدة ضيقي بهذا الأمر، ولخفاء سببه علي ذهبت إلى خزانة الكتب بالقصر؛ لأبحث في الأوراق ~~القديمة الخاصة بدولتنا، فعثرت على ورقة ms50 كان طلب جدي المعز من قاضي مصر إذ ذاك - أبي طاهر ~~محمد بن أحمد - أن يكتب له فيها ألقابا يلقب من يأتي بعده من الخلفاء، فكتب القاضي له ~~ألقابا كثيرة، وكان لقب العاضد آخر هذه الألقاب؟! فحزنت حينما رأيت الورقة، وعلمت السر في ~~تطيري ... إن روح الإنسان يا عمارة تلتقط الغيب أحيانا، وكثيرا ما يسر الإنسان بغير سبب ~~ظاهر، فتفد عليه أسباب السرور، وكثيرا ما يحزن كذلك، فيلتقي بما يحزنه في الطريق ... قاتل ~~الله هذا الإنسان! ... لقد وضعه الله في برزخ من الآلام: فلا هو من البهائم؛ فيعيش في ظلام ~~الجهل هانئا، ولا هو من الملائكة؛ فيعيش في صفاء من النور سعيدا. ~~- هذه أوهام يا مولاتي، وإن الخلافة بك وبالمخلصين من أنصارك في حصن حصين. ~~- أرجو أن يكون الأمر كما تقول!! آه!! ليتني كنت رجلا!! ... إن القدر أحيانا يضع نفوسا ~~في غير أجسامها، ويهب السيف لغير حامله ... علمت أن ابن رزيك في هذه الأيام يتبجح بالعظمة، ~~ويكثر من الأعوان، ويلوي لحيته إلى أنفه ليشم رائحة الخلافة، وخير له أن يرعوي ويزدجر، فإن ~~دمالج سيدة القصور أقوى من رماحه وسيوفه، وإن سيدة القصور لا تحارب بالرجال، وإنما تحارب ~~بجيش من الآراء، يأخذ أعداءها بغتة وهم لا يشعرون ... آه!! أريد أن أكون رجلا؛ لأبرز لهؤلاء ~~القوم من وراء الستار ... ثم تضحك وتقول: ما هذا الجنون الذي أصابني؟! وهل أجد رجلا كابن ~~رزيك بين رجال دولتي؟! إنه الملك الصالح!! ... إنه أبو الغارات!! ... إنه ناصر الفاطمية بيده ~~ولسانه وجنده!! ... حقا إن النساء ناقصات عقل ناقصات دين، ولأمر ما حرمت المرأة النبوة ~~والإمامة والقضاء. # أما عمارة: فإنه يتحير في أسباب اضطرابها وتناقضها، وتلويحها باسم ابن رزيك مرة بالسخط، ~~ومرة بالرضا، فيستأذن وينصرف. # ثم يأتي شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة، فتحتفل القاهرة باستقباله، وتظهر المدينة ~~بالليل كأنها شعلة من نور؛ لكثرة ما يسرج فيها من المصابيح التي تعلق فوق المآذن والدور ~~والحوانيت، وفي كل مكان، ونشاهد في القصر حركة غريبة، ونجد سيدة القصور في شغل ms51 شاغل، ونرى ~~اجتماعات كثيرة تقام في سراديب القصر، تحضرها الأميرة، ومؤتمن الخلافة، وابن قوام الدولة ~~صاحب الباب، والأستاذ المحنك عنبر الربعي، وفي أحد هذه الاجتماعات أخذت الأميرة تعدد سيئات ~~ابن رزيك، وتذكر مطامعه في الدولة، وتهول فيما أصاب الخلافة من الضعف في أيامه، وأنه يضعفها ~~قصدا ليلتهمها، فقال مؤتمن الخلافة: إن الخلافة ضاعت هيبتها منذ أن سيطر عليها بدر الجمالي ~~الأرمني في أيام المستنصر، وقد زاد ضعفها بهذا الأرمني الجديد المتبجح، الذي يلقب نفسه ~~بالملك الصالح. وقال ابن قوام الدولة: إن مظالمه عمت مصر جميعها، حتى أصبح المصريون يتمنون ~~موته. فقالت سيدة القصور: وكيف نستريح من شره؟؟ ~~- إنه يزور القصر في كل ليلة بعد العشاء الآخرة، وهو يدخل من باب العبيد إلى الدهليز ~~الموصل إلى قاعة الفضة، حيث يجلس الخليفة في رمضان، وإني سأخلي الدهليز ليلة غد من المارة ~~قرب وصوله، ثم إن بالدهليز خزانة يمكن الأجناد أن يختفوا بها مع رئيسهم ابن الراعي، فإذا ~~مر ابن رزيك شغلته ببعض الحديث، وأصابتني نوبة سعال يسمعها الجند في الخزانة، فينقضون عليه ~~بسيوفهم. # فقال عنبر الربعي: هذا حسن ... ولكن أترون أن أتباعه وجنوده لا يثورون إذا علموا ~~بقتله؟! # فقال مؤتمن الخلافة: دع هذا لي، فإن عندي من جنود السودان عددا يحيل نهار القاهرة ~~ليلا. # وقالت سيدة القصور: إن من السهل أن ندعي أننا لا نعرف من قتله، ويجب لأجل ذلك ألا يكون ~~الجنود من السود، كما يجب أن يغيروا أزياءهم، وأن يلبسوا ثياب عامة المصريين. # فقالوا جميعا: نعم الرأي يا مولاتي، وسيطهر أديم مصر من ابن رزيك غدا، ثم نهضوا ~~للقيام، وكررت الأميرة وصيتها بالكتمان والتدبر، وإحكام المؤامرة. # وفي الليلة الخامسة من رمضان جاء طلائع على عادته يصحبه ابنه مجد الإسلام، ودخل من باب ~~القصر، ونفذت المؤامرة كما صورها ابن قوام الدولة، لم يخرم منها حرف، وهجم جندي على مجد ~~الإسلام بسيفه فشطر عضده، ثم وثب ابن الراعي على طلائع فطعنه في نحره، ولما وصل الخبر إلى ~~سيدة القصور أمرت الجواري والغلمان ms52 بالولولة والصياح والاستغاثة، وأمرت الجنود بإظهار ~~الألم، وبالجري هنا وهناك للقبض على المجرمين، وبثت أعوانها السريين بالقاهرة، يشيعون أن ~~جماعة نقبوا سور القصر واغتالوا ابن رزيك، ثم إنها أرسلت إلى مجد الإسلام ابنه، فجاء إلى ~~القصر، وقابلها في حشد من الأستاذين، فلاقته باكية نادبة، وأشارت من بعيد بأن شاور بن مجير ~~والي قوص، وأكبر منافس للملك الصالح هو مدبر هذه الجريمة. ودخل عمارة وقد أذهله الحادث، ~~وأبكته المصيبة، فأنشد قصيدة طويلة في رثائه، وكانت الأميرة تبكي بعد كل بيت بكاء الثاكل، ~~وتتلوى من الحزن، حتى اضطر الأستاذون إلى إسكات عمارة، وانفض المجلس. وبعد أيام اختلت ~~الأميرة ببعض الأعوان السريين، فأخبروها أن جنود ابن رزيك وأنصاره يتأهبون لثورة جامحة، ~~فدعت رجالها لمشاورتهم في الأمر، ورأت لدرء الفتنة أن يتولى مجد الإسلام رزيك مكان أبيه، ثم ~~نظرت إلى مؤتمن الخلافة وقالت: أشغل دائما عدوك عنك بمحاباته، حتى يدع لك وقتا تستأصل فيه ~~شأفته، وليس بالثمن الغالي أن يحكم رزيك شهورا، لكيلا يبقى رزيكي بأرض مصر، ولكي يستقل ~~العاضد بأمور الخلافة غير مزاحم ولا معارض، إن الأمر يتطلب زمنا طويلا للتفكير، وشر ~~الرأي الفطير. # | الفصل التاسع # خرجت «باسمة» من القصر مطرودة مجلودة، فحملها بعض الجند إلى مسكن زوجها، فمكثت به أياما ~~وزوجها محزون حنق، يأنف من النظر إليها أو القرب منها، حتى إذا نقهت أرسل إلى ابن دخان، ~~فلما حضر قال له مجاهد: أنت أيها الشيطان سبب إغواء هذه المرأة وإفسادها، فاحمل خطيئتك على ~~كتفيك، فليس لي بها من حاجة، خذها لا بارك الله لك فيها، فإنها طالق، وإن الكريم لا يشرب ~~من إناء ولغت فيه الكلاب؛ فزأرت «باسمة» كما تزأر اللبؤة الهائجة، وقالت: لقد رميتني بالإفك ~~... وإنني والله ما فرحت بزواجك، ولقد سرني طلاقك، ولو كان الطلاق من حق المرأة لكنت البادئة ~~به منذ حين ... عجبا للرجل منكم!! يلوي رأسه للمرأة كبرا ويقول: أنت طالق، ولو كشف عنه ~~الغطاء لعلم أن المرأة طلقته قبل ذلك ألف مرة ... إن الطلاق نعمة من نعم ms53 الله إذا تزوجت امرأة ~~بمثلك، أما أن يأخذني ابن دخان أو لا يأخذني فذلك ما لا شأن لك فيه، ولن أريد أن أكشف لك عن ~~طهارتي مع ابن دخان، فإنك عندي دون من تبسط له حجة، أو يقدم إليه اعتذار ... هلم يا ابن ~~دخان خذني إلى حيث شئت. # خرجت تتعثر هي وابن دخان، فقال لها وهما في الطريق: أنا لا أريد أن أبدأ الحديث يا باسمة؛ ~~فإني أخشى أن أزل، فأنا رجل صناعته جمع الأرقام لا تزويق الكلام، ولكني عبدك وطوع يمينك، ~~أمد يدي إليك مد الخادم يده لسيدته، لا مد الآمل إلى أمنيته، وأين أنا منك يا باسمة؟! أنا ~~كلب باسط ذراعيه بالوصيد ليحرس سرا سماويا وملك وملكا أرضيا!! فأرسلت «باسمة» ~~ابتسامة خفيفة اقتحمت طريقها من بين شفتيها العابستين، وقالت: إن الكلاب تعض ~~أحيانا. ~~- أنا كلب أليف أمين يا أميرتي. ~~- ولكني أكره نباح الكلاب كلما رأت شخصا غريبا. ~~- كلبك تكفيه الغمزة والإشارة، فلو رأى الدنيا كلها حولك، وأشرت إليه بإصبع لربض راضيا ~~مغتبطا. ~~- أنت لطيف يا إبراهيم!! ~~- أنا لطيف ... لطيف جدا ... وسعيد ... سعيد جدا ... لأنني لطيف، أعلمت أن مؤامرتنا على عمارة ~~اليمني نجحت؟! ~~- نجحت!! إن جسمي لا يزال يلتهب من السياط!! ... فكر كما يفكر الناس يا إبراهيم لا كما يفكر ~~الكلاب. ~~- إن كنت كاذبا فلا أبقى الله لي رأسا ولا ذنبا ... لقد نجحت المؤامرة، أليس من أكبر ~~آثارها أني أتحدث الآن إليك، وأن آمالي التي طفقت أكتمها في صدري سنين طوالا أخذت تطل ~~برؤوسها؟! هلم إلى منزلي لنفكر في شئون الزواج. ~~- قبل أن تفكر في هذا يجب أن أتحدث معك طويلا ... # دخلا منزل ابن دخان، حتى إذا استقرا في حجرة مطلة على الخليج، التفتت «باسمة» إليه وقالت: ~~أرأيت كيف كان جزاء خدمة هؤلاء الفاطميين؟! انظر كيف بعنا أنفسنا لهم، وكيف عادينا الناس ~~لأجلهم، وكيف تجسسنا، وكيف وقفنا خلف الأبواب نسترق الأحاديث، وكيف عرضنا أنفسنا للسم ~~والقتل من أعدائهم؟! ثم انظر ماذا كان الجزاء الأوفى على هذه الخدم؟! ... كان أن ms54 نطرد ~~ونجلد!! سحقا لهم ولدولتهم!! والله لأنتقمن منهم. ~~- أنا طوع أمرك، فانظري ماذا تأمرين. ~~- ثم هذه الصلفة المنتفخة سيدة القصور، التي تدعي حكمة سليمان، ومكر هامان، وأن فيها ~~أسرار المعز، وسطوة الحاكم، والتي لا تعيش إلا لنصب الأشراك، ودس الدسائس، هؤلاء الفاطميون ~~قتلوني بغرورهم وجنونهم، كأن الله لم ينشئ الكون إلا لهم، ولم يخلق الفضائل إلا انتظارا ~~لقدومهم ... احتفالات ومهرجانات، وأعياد، وطبل وزمر: هذه هي دولتهم، وهذه هي ألاعيبهم التي ~~يلهون بها العامة، ويشغلونهم عما يحيق بهم من الظلم، والعسف، واغتصاب الأموال، وإلا فمن أين ~~هذه الجواهر المكدسة في القصر، وهذه الكومات من الذهب والفضة؟؟ ... ولقد بالغوا في المظاهر ~~إلى حد البله، حتى لقد كدت والله أفضح نفسي، وقد ملكني الضحك حين أخذنا نلبس الخليفة الفائز ~~شعار الخلافة ... تصور غلاما في الخامسة يلبس عمامة أبيه، وجبته وطيلسانه!! ... لقد ملأنا ~~العمامة قطنا، حتى إذا وضعناها على رأسه مال عنق المسكين، ولم يطق لها حملا، فحملها أستاذ ~~لتنوب يده عن رأس سيده، أما الجبة: فقد غرق البائس فيها، واختفى بين حليها وذهبها. لا ... لا ~~... إن دولة الباطل ساعة، وأرجو أن تكون قد دنت نهاية هذه الساعة. ~~- لقد صورت ما في نفسي يا باسمة، فقد أصابنا من الفاطمية ومن سيدة القصور - بعد طول ~~الخدمة وإخلاص النصح - ما لم يصب أحدا، ولكن الوقت لم يحن بعد لتسديد السهم. ~~- هل رأيت زين الدين بن نجا؟ ~~- لم أره منذ حين، وأظنه فر من مصر بعد أن زين الدين بمؤامرته على عمارة. # ثم مضت فترة من الزمن بني فيها ابن دخان بباسمة، ومضت فترة أخرى مات فيها الفائز، وقتل ~~طلائع بن رزيك، وتولى ابنه مجد الإسلام، وهنا تيقظ نائم الأحقاد بصدر «باسمة»، فقالت ~~لزوجها: أصدقت تلك الأكذوبة التي تشيعها العامة؟؟ وهي أن أنصار شاور بن مجير نقبوا جدار ~~القصر وقتلوا طلائع؟! ~~- هذا كلام يقال لغيري وغيرك، على الرغم من بكاء سيدة القصور عليه وطول عويلها؛ لأنها كما ~~تقول العامة: «تقتل القتيل وتمشي في جنازته». ~~- هذا لا شك ms55 فيه، وما أظن أن رزيك بن طلائع صدقها، ولكنه جبان جشع، اكتفى بمكان أبيه من ~~الوزارة ثمنا لرأسه، وسيبقى ألعوبة في يد سيدة القصور ورجال القصر؛ لأنه خائر العزم، ضعيف ~~النفس، ليس فيه صفة من صفات أبيه، التي كبحت جماح الأميرة، وكسرت شوكتها، وألزمتها حدها، ~~وستتركه سيدة القصور قليلا، حتى تحين الفرصة لاغتياله، واغتيال أهله وأنصاره، وحينئذ تستقل ~~بالملك والخلافة، وتعيد - كما كررت على سمعي كثيرا - أيام الحاكم بأمر الله. ~~- إني أنظر بعيني، فلا أرى بين كبار قوادنا من يستطيع أن يكون ندا لهذه المرأة ~~الجبارة، فقد قتل طلائع بن رزيك جميع منافسيه ليخلو له الجو، وكأنما قتلهم ليخليه ~~لها!! ~~- نعم، قتلهم جميعا إلا واحدا، وهو شاور بن مجير والي قوص، وقد كنت صديقة له في القصر، ~~أو كما كان يسميني وكيلته، أو كما كان يقول الناس جاسوسة له، وشاور رجل شجاع قاس، طماح ~~كثير الأتباع والأنصار، فلماذا لا ندفعه إلى اهتبال الفرصة، والقدوم بجيشه إلى القاهرة ~~لاستئصال أبناء رزيك، وقتل الخليفة وسيدة القصور، والجلوس على عرش الخلافة؟! ~~- يا حبذا لو صحت الأحلام!! إذا سيكون لك ولي المقام الأول في القصر. # استمرت هذه الفكرة تدور في رأسيهما أياما، حتى إذا اختمرت غادرا دارهما بالقاهرة، وخرجا ~~إلى الفسطاط مع بعض الخدم، واستأجرا سفينة إلى قوص. # صعدت السفينة، وكان الوقت خريفا، والجو إلى البرودة أميل، وكانوا كلما وصلوا إلى قرية أو ~~مدينة رست السفينة، وخرج الخدم فابتاعوا ما يريدون من طعام، وشراب، وفاكهة، وعاش ابن دخان ~~وباسمة في السفينة شهرا أو بعض شهر، في أنس ونعيم وطرب، حتى لقد قال لها ابن دخان يوما - ~~وقد رأى الشمس غاربة، وقد نفذت أشعتها إلى سحب خفيفة حولها، فأرسلت ألوانا يحار اللغوي في ~~تسميتها والرسام في تكوينها، ثم رآها تسقط رويدا بين النخيل المتكاثفة، فتظهر من خلالها ~~صافية براقة، كأنها سبيكة من نضار: يا باسمتي ... حرام أن نقضي حياتنا في هذا اللغو، وأن ~~نعمى عن التمتع بجمال الكون، وبهجة الحياة، إن عندي من الأموال ما ms56 يكفل لنا العيش الناعم ~~المترف، فلماذا نكدر هذا العيش بالغم والحزن والكيد لفلان، والحقد على فلان؟! انظري إلى ~~الشمس!! ~~- إنك أبله!! ~~- صدقت يا حبيبتي!! أنني أصاب بالبله عند كل مغيب شمس. # فابتسمت «باسمة»، وقالت: لو وقف جوهر القائد وقفتك هذه، وتغزل في الشمس وجمالها كما ~~تتغزل، لتفرقت جيوشه وما فتح مصر، وإني لم أقرأ في التاريخ عن أمير أديب أو شاعر إلا جاءته ~~نكبته من أدبه، وإغراقه في حب الجمال، إن الله خلق في الإنسان وجدانا وفكرا وإرادة، ولكي ~~يكون الإنسان كاملا يجب أن تتوازن فيه هذه وتتعادل؛ لأن من يتحكم فيه وجدانه كان بعد ~~شهواته، ومن يتحكم فيه فكره بقي حزينا عاجزا، أما من تتحكم فيه إرادته فمجنون معربد ... ~~أفهمت يا زوجي المفتون بالجمال؟! ~~- فهمت درسا يعجز عنه كل الشيوخ الذين يدرسون بدار الحكمة. # وصلت السفينة إلى قوص، وذهبت «باسمة» وابن دخان قاصدين قصر شاور، فما إن دخلا وأخبرت ~~«باسمة» الخدم باسمها، حتى أرسل إليها شاور، وبذل في تحيتهما وإكرامهما خير ما يبذل العربي ~~الكريم، ثم سأل «باسمة» عن القاهرة وأحوالها، وعن مجد الإسلام رزيك ووزارته، فأجابته ~~بعبارات مبهمة، وكان يظهر على شاور الغيظ من رزيك، والألم من بعده عن تقلب الأمور ~~بالقاهرة، حتى لكأنه أسد شرس حبيس. وبعد أيام اختلى شاور بباسمة وابن دخان طويلا، فقال ~~شاور لباسمة: كنت أظنك لا تزالين بالقصر!! ~~- سئمت يا سيدي مكايد الفاطميين ودسائسهم، واستبداد سيدة القصور بأمور الدولة، وسئمت تحكم ~~الأستاذين، والجنود السودان في أشراف العرب. ~~- وبم تشيرين علي الآن؟؟ ~~- إن رزيك الآن أضعف من ثمامة، وهو لعبة في يد سيدة القصور، فإذا لم تقتنص الفرصة لدخول ~~القاهرة، والجلوس على عرش الخلافة، ضاعت منك إلى الأبد. ~~- أعتقد أن العامة يحبون الفاطميين، ويحبون أموالهم حبا جما، وأنهم يدافعون بأرواحهم ~~عن خلافتهم. ~~- إذا نثرت أموالك على جيوشهم ألقوا السلاح ليلتقطوا الدراهم ... ~~- ثم هناك الجنود السود، وهؤلاء وحوش، إذا سمعوا قعقعة سلاح طارت رؤوسهم، وقذفوا بأنفسهم ~~كالفراش المتهافت على النار ... لا يا باسمة، إن الأمر ms57 ليس بهين، وإن الوقت لم يحن بعد لهدم ~~الخلافة الفاطمية، ورأيي: أن نصل إلى الغاية في مرحلتين لا في مرحلة واحدة: نهجم على ~~القاهرة أولا مدعين أننا جئنا لنصرة الخلافة، واستنقاذها من أيدي الأجانب، حتى إذا قضينا ~~على آل رزيك وأنصارهم، واسترحنا قليلا اختلقنا أسبابا لاستئصال الخلافة، بعد أن نكون قد ~~أعددنا العدة. ~~- لا يا سيدي، إن سيدة القصور لن تتركك تستريح، والثعبان إذا قطع ذنبه زادت ~~ضرواته. ~~- إن نصف التوفيق توفيق. ~~- ونصف الكمال نقص. ~~- وما تقولين في أن ثلاثة أرباع جيشي الذي سأدخل به القاهره فاطمي النزعة والعقيدة!! ~~وأنني لا أستطيع بحال أن أوجهه إلى هدم الخلافة، ولو أشرت إليه ما أطاعني، دعي لي تدبير هذا ~~الأمر يا باسمة، وسترين أننا بعد شهر أو شهرين من استقرارنا بالقاهرة سينادى بخلافتنا، ~~وستؤخذ لنا البيعة في القصر الكبير، وستكونين سيدة وصائف القصر. ~~- ليكن ما تريد يا سيدي ... ومتى يزحف الجيش من هنا؟ ~~- بعد خمسة أيام. # | الفصل العاشر # زحف شاور بجيشه إلى القاهرة، ومعه ابناه: «طي»، و«شجاع»، وكان الجيش لهاما خضما، خطب ~~فيه شاور خطبة ضافية مثيرة، ودعاه إلى إنقاذ الخلافة الفاطمية من أيدي الأرمن الغاصبين، ~~وبعد فترة طويلة أشرف على أرباض القاهرة. # علمت سيدة القصور بتحرك جيش شاور من قوص، ونقل إليها أصحاب الأخبار مقدار قوته، وعدد ~~رجاله، فلم تحرك ساكنا؛ لأنها رأت أن في اختلاف اللصوص نجاة القافلة، ورأت في شاور أنه - ~~على الرغم من جفوته، ويبس أخلاقه، وشرهه في حب المال - لا ~~يزال عربيا. وعرضت الأمر على عمارة - وكان محبا لرزيك، صديقا لشاور - فروى في الحكم، ~~وغم عليه وجه الصواب. فقالت له سيدة القصور: إني لا أوثر أحدهما على صاحبه، فكلاهما غاصب ~~للدولة معتد على سلطتها، وأرى أن في معاضدة أحدهما زوالا للخلافة، وأن الأمر لا يخلو من ~~إحدى اثنتين: إما أن ينتصر من ساعدناه بجيوشنا، وإما أن ينهزم، فإن انتصر فلن يصل إلى النصر ~~إلا بعد أن تكون جيوش القصر قد ضعفت، وقل عددها، وحينئذ نراه بعد أيام ms58 قد انقلب علينا ~~واستلب عرشنا؛ لما يعلم من عجزنا عن مقاومته، وإما أن ينهزم وينتصر خصمه، وتلك الكارثة ~~العظمى؛ لأن الخصم المنتصر لا يكتفي بهزيمة عدوه، بل يدفعه الانتقام إلى استلاب ملك ~~مناصريه. # لا يا عمارة ... يجب أن نقف من هذين الخصمين وقفة المشاهد، ولا نميل بجانب إلى واحد منهما، ~~وأن نقول كما يقول العرب: الكلاب على البقر!! فاقتنع عمارة، وما هي إلا أيام حتى دخل شاور ~~القاهرة، وفر رزيك إلى إطفيح، وتمكن منه شاور وقتله، ثم أعمل سيفه في آل رزيك، واستولى على ~~أموالهم، ودخل على سيدة القصور فقابلته بخير ما يقابل به الفاتح العظيم، ونثرت فوقه ألقاب ~~الشرف والبطولة، ودعت عمارة إلى مدحه، وولاه الخليفة العاضد شئون الوزارة، واجتمع حفل عظيم ~~بقاعة الذهب عند توليته أنشد فيه عمارة قصيدة رائعة. # استمر شاور في الوزارة، وكان جشعا خبيثا سفاكا للدماء، فأغضب العامة والخاصة، وطالما ~~نصحت له «باسمة» - التي أصبحت ولها أكبر مكانة في قصره - بالرفق، وصرف الناس عن التعلق ~~بالخلافة بما يبذل من مال، وما ينشر من عدل، ولكنه لم يلق لها سمعا؛ لأنه كان بطبعه جافا ~~شريرا سيئ التدبير، وكان أخوه «نجم» مسيطرا عليه، فزاد حكمه فسادا على فساد. # ضج أهل القاهرة من ظلم شاور وعسفه، فاجتمعت جموعهم، وتلاقت حشودهم عند باب زويلة، وكان ~~زعيم الجمع ورئيسه الشيخ عبد الحكم الغفاري المدرس بجامع الحاكم، وكان جهير الصوت، قوي ~~التأثير، فأخذ يرسل فيهم صوته بمخازي شاور، وإرهاقه الأمة بأنواع العسف والقوة الجائرة؛ حتى ~~هاج كوامن أحقادهم، ثم دعاهم إلى السير إلى القصر الكبير، فساروا كالبحر المائج، وكان ~~صياحهم: يا شاور ظلمت!! ... يا شاور طغيت!! ... الله الله فينا! ... بالخليفة نستنجد!! وكانت ~~النساء تطل من النوافذ يحيين الجموع بالأغاريد والدعاء، ولما قربوا من القصر أمرت سيدة ~~القصور عمارة أن يخرج إليهم، ويهدئهم، ويكلمهم كلاما عائما، ويعدهم ويمنيهم، وقد تم كل ~~هذا، وأظهر عمارة براعة في اجتذاب الجموع إليه، وفي تسكين غيظهم من غير أن تند منه كلمة ~~تغضب صاحب الحكم، أو ms59 تغضب الثائرين، وما زال بهم حتى تفرقوا مطمئنين مغتبطين. # وبعد يومين عقدت سيدة القصور مجلسا بالقصر، حضره الأستاذون، ومؤتمن الخلافة، وضرغام بن ~~عامر اللخمي صاحب الباب، ورئيس الجنود البرقية، وتداول من بالمجلس فيما صارت إليه الأمور ~~في عهد شاور من الفساد والعفن، ورأوا أنه لا بد من استئصال شأفته، وتطهير البلاد من ~~شره. # وكان ضرغام فارس عصره، شجاعا جميل الطلعة، أديبا شاعرا، فوقف وقال: يا سيدتي إن لدي من ~~الجنود البرقية عشرة آلاف، وهي تكفي لمحو هذا الطاغية، ومحو عصابته، فقالت سيدة القصور: أني ~~لا أقنع إلا برأس شاور. # خرج ضرغام وقضى أياما في إعداد جيشه في الخفاء، حتى إذا تمت أهبته، وثب فجاءة على شاور، ~~فجمع شاور جيشه، ولكنه لم يستطع الوقوف أمام ضرغام، بعد أن ناصره أهل القاهرة، وجمع له ~~الشيخ عبد الحكم جموعا من أحياء العطوف، وبرجوان، والفرحية، والريحانية، فهزم شاور، وقتل ~~ضرغام ابنه طيا، وفر شاور بجيشه إلى الشام للاستنجاد بنور الدين محمود بن زنكي. # وعاد ضرغام إلى القاهرة فائزا تدق أمامه الطبول، وترفع له الرايات، ووصل إلى القصر، ~~وقابلته الأميرة مرحبة مهنئة، وولاه الخليفة الوزارة. # وكان ابن دخان في ذلك الوقت في داره، فالتفت إلى باسمة وقالت: لقد أكثرت من نصح شاور يا ~~باسمة، ولكنه لم يسمع!! ~~- ما دام حيا فلن أفقد أملا ... إنه صل مخادع يعرف متى يدخل جحره، ومتى يخرج منه، ~~ويجب علينا أيضا أن ندخل جحرنا الآن حتى تزول هذه العاصفة. ~~- أتظنين أن لشاور عودة؟؟ ~~- إنه لما حزبه الأمر، وضايقه جيش ضرغام، دعاني فنصحت له بما يعمل، وقد استجاب لنصحي في ~~هذه المرة. ~~- حسنا ... هلم ندخل جحرنا الآن لنعيش سعيدين متعانقين، فقد شغلتك المؤامرات عني. # | الفصل الحادي عشر # ترك شاور بعد هزيمته جيشه بالفرما، واتجه مع أخيه نجم، وابنه شجاع، وبعض خاصته إلى دمشق، ~~فدخلها في أصيل يوم من أيام الصيف، ورأى جنود ابن زنكي منتشرين بخيامهم وأثقالهم وخيولهم في ~~أرباضها، ولهم ضجيج وعجيج وحركة. وما زال يسأل عن خيمة العادل محمود ms60 نور الدين حتى بلغها، ~~وكانت في غوطة دمشق بين أشجار الفاكهة والرياحين، فنزل شاور ومن معه بخيمة الحاشية، وطلب من ~~حاجب نور الدين أن يعلمه بقدومه، فجاء الإذن بعد ساعة. # ودخل شاور فرأى نور الدين جالسا القرفصاء في صدر الخيمة، وفي يده سبحة تتحرك حباتها ~~بحركات لسانه، وقد جلس إلى يمينه العلماء والفقهاء والمحدثون، وإلى يساره القواد وكبار ~~الجند، وكان نور الدين طويل القامة، أسمر اللون، وسيم الطلعة، فأدى شاور التحية فحياه ~~العادل ورحب بمقدمه، وأخذ العلماء يتناقشون في تفسير آيات في الجهاد، ونور الدين يشاركهم ~~بعض المشاركة، حتى عجب شاور وكاد يظن أنه في صومعة زاهد لا في عرين قائد، حتى إذا انفض ~~المجلس؛ التفت نور الدين إلى شاور وقال: كيف حال مصر؟؟ ~~- مصر يا مولاي في اضطراب مستمر، وأخشى أن ينتهز الإفرنج فرصة ضعفها فينقضوا عليها من ~~الساحل، فإن ضرغاما اللخمي - وهو نصير الفاطميين وعدو أهل السنة - غدر بي وأخذني على غرة، ~~ففزعت إليك، وقد علمت من أيام وأنا في الطريق أنه يراسل الإفرنج ليمدوه بجيش يستعين به على ~~محاربة كل من تحدثه نفسه بإنقاذ مصر. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله!! # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ~~. صدق الله ~~العظيم. ~~- ثم إن الخليفة العاضد ضعيف الرأي، مهزول العزيمة، وعمته سيدة القصور تسيطر على ~~الدولة، وهي حقود مستأثرة، تنظر إلى انتصارات مولاي هنا على الإفرنج بعين البغض والضغينة، ~~وكأن الإفرنج أبناء عمومتها، أما العقيدة الفاطمية التي أكرهت عليها العامة إكراها، فسيدي ~~أعلم بدخائلها وبدعها، وإذا كان مولاي العادل قد وقف حياته على الجهاد في سبيل الله، ~~ومحاربة أهل الزيغ، فمصر تدعوه لإنقاذها من الظلم والإلحاد، ومصر تدعوه لحمايتها من غزو ~~الإفرنج، الذي أصبح منها قاب قوسين. ~~- ولكني في شغل شاغل بمحاربة الإفرنج، ولو أرسلت معك جيشا إلى مصر لوثب علينا الإفرنج ~~هنا، واستعادوا ما استنقذناه من أيديهم من البلاد. لا يا ابن مجير ... كل إنسان أولى بمداواة ~~جراحه. ~~- إني لا أطلب إلا ms61 جيشا صغير العدد، ينضم إلى جيشي المرابط في مدينة الفرما. ~~- ولا هذا يا ابن مجير، فقد جئت في وقت توالت فيه الأمداد على أصحاب الصليب وقويت ~~شوكتهم. ~~- ما كنت أحسب قبلك يا سيدي أن إنسانا يرفض ملك مصر!! لأكن معك صريحا ... أتحب أن أكون ~~نائبا عنك في حكم مصر، وأن أبعث إليك بخراجها في كل سنة، وأن يخطب الخطباء باسمك فوق كل ~~منبر؟؟ # فحملق نور الدين في وجه شاور، ولكنه رأى وجها سمحا متواضعا، ليس فيه أثر للكذب ولا ~~للخديعة، فأطرق وقال: يكون خير إن شاء الله!! وفي الصباح دعا نور الدين أسد الدين شيركوه، ~~وابن أخيه صلاح الدين، وأخبرهما بما كان من أمر شاور، وأمرهما بتجهيز جيش للذهاب إلى مصر ~~بعد أربعة أيام، وقد حاول صلاح الدين أن يدعو نور الدين إلى التريث في الأمر؛ حتى يظهر صدق ~~شاور، أو إلى أن يطلب من شاور ودائع ثمينة لتكون ضمانا لصدقه، ولكن هيبة ابن زنكي والرهبة ~~منه حبستا لسانه فلم يستطع تكلما. # سافر الجيش الشامي مع شاور وعلى رأسه أسد الدين، وصلاح الدين، والتقى عند الفرما بجيش ~~مصر، ووثب الجيشان على القاهرة، وجمع ضرغام جموعه ووثب في مقدمة جيشه على جيش شاور، فطالت ~~الحرب بينهما، ودمر كل منهما كثيرا من مباني المدينة، وأحرق كثيرا من قصورها، وظفر شاور ~~في النهاية بضرغام فقتله، وشتت جموعه، واستولى على القاهرة. # وقبل أن يدخلها اختلى بأسد الدين وصلاح الدين، وقال لهما: إن من الخير لكما ألا تدخلا ~~القاهرة الآن؛ لأن القاهريين إذا رأوا جنود الشام ظنوهم غزاة فاتحين، فجمعوا لهم وقتلوهم، ~~وليس لكم من كثرة العدد ما يمكنكم من المقاومة، والرأي عندي أن تعودا إلى دمشق، وأن تحملا ~~إلى مولاي الملك العادل كريم تحياتي وجزيل شكري. فقال صلاح الدين: إن هذا يخالف ما اتفقت مع ~~الملك العادل عليه. ~~- هو نفس ما اتفقت عليه معه يا قائدي الصغير ... لم تتعد المسألة أن تكون مجاملة بين ~~أميرين ... لقد استنجدت بالعادل ليساعدني على إطفاء ثورة في مصر ms62 فساعدني، وهذا يحصل بين ~~الملوك كل يوم. فقال أسد الدين: ألم تتعهد بأن يكون له ملك مصر، وأن تكون نائبه عليها؟؟ ~~فابتسم شاور ابتسامة دهاء وسخرية وقال: ملك مصر الذي باهى به فرعون ملوك الدنيا، يمنح في ~~مقابل خمسة آلاف جندي يسيرون من دمشق إلى باب الفتوح؟! لا يا سيدي ... إن مصر أغلى من ذلك ~~جدا ... لم يحصل اتفاق على شيء من هذا، وحينئذ ظهر الغضب على وجه صلاح الدين وقال: إننا ~~سنعسكر في «بلبيس»، وسننتظر أوامر مولانا نور الدين، وربما التقينا قريبا يا شاور، ولذلك ~~نرجئ تحية الوداع إلى تحية القدوم!! # دخل شاور القاهرة فاتحا منصورا، ولكن القاهرة لم تستقبله استقبال الفاتح المنصور، ~~وللقاهريين غريزة صادقة في الحكم على الرجال، ومقابلة الحوادث. # وأرسلت سيدة القصور تحياتها للقائد العظيم، فمثل شاور بين يديها، وشكت إليه ما لاقت مصر ~~أيام ضرغام من الظلم والعسف والاضطراب، وخلع عليه الخليفة العاضد خلعة النصر، وقلده سيفا ~~أثريا كان لجوهر الصقلي فاتح مصر، ثم ذهب إلى داره فقابلته «باسمة»، وابنه شجاع، واختليا ~~به، فقال شجاع: أين أسد الدين، وصلاح الدين؟ فقال شاور: أرسلت بهما إلى الجحيم. ~~- أين هما حقا؟؟ ~~- رجعا إلى الشام، فقالت باسمة: يا للعار!! أيطرد العربي أضيافه عند باب داره؟! فظهر ~~الغضب على وجه شاور، وقال: نعم يا حاتمتي الرعناء، يفعل العربي ذلك إذا رأى أن أضيافه ~~سينقلبون لصوصا. وقال شجاع: هذا خطأ يا أبي، قد كان يجب، وقد تعجلت في تعهدك لنور الدين أن ~~تكرم قواده، تزودهم بالهدايا والأموال، وتعدهم وتمنيهم، ثم تتخلص من عهودك في لطف لا يحس. ~~أما الآن، فأخشى أن يعود إليك القائدان بجيوش لا قبل لك بها، فلا نكون قد ضعنا وحدنا، بل ~~ضيعنا مصر معنا. فقال شاور: إن هذه أوهام يا فتى ... فإن الإفرنج بالشام لم يتركوا لنور الدين ~~لحظة يفكر فيها في فتح مصر. # وتركهم شاور غاضبا، ودخل حجرة، فرأى أخاه نجما، فنفض إليه الأمر كله. فقال له نجم - ~~وكان ألأم من شاور، وأشد خبثا: عملت ms63 كل ما يجب أن يعمل، ولو أن هؤلاء الجنود وضعوا أقدامهم ~~في القاهرة ما استطاعت قوة أن تخرجهم منها. ~~- ولكن ماذا نعمل يا نجم إذا بعث القائدان رسولا من بلبيس إلى نور الدين، وبالغا في ~~الشكوى مني، ومما قد يسميانه خيانتي، فأرسل إليهما جيشا جرارا لا نستطيع له ~~دفعا؟؟ ~~- هذا صحيح يا شاور ... وإن له عندي دواء، ولكنه قد يكون مرا!! ~~- ما هو؟؟ ~~- أن نرسل في الخفاء رسولا إلى القائد مري ملك الإفرنج بساحل الشام، لنطلب منه أن يزحف ~~بجيوشه على مصر لطرد الغز من بلبيس، وأن نغريه بقدر كبير من المال ... هذا هو الدواء ... وهو ~~مر حتما، ولكن ألا تظنه قاتلا؟؟ ~~- لا ... إن الإفرنج نستطيع أن نخدعهم، أما هؤلاء الغز: فلا ... أين ثعلبة الشماخ؟؟ فدخل ~~فتى قصير القامة، متين العضل تدل ملامحه على الشراسة والقسوة. # فكتب شاور رسالة طويلة وسلمها إليه، وقال: تسير الليلة مبالغا في الاختفاء، ولن تستريح ~~حتى تصل إلى عسقلان، فتقدم هذه الرسالة إلى الملك مري، ثم نزع خاتمه وقال: وهذا علامة صدقك ~~إن شك الملك في رسالتك ... خذ أسرع خيلي، وعد إلي بعد عشرة أيام. # وذهب الرسول، وقدم الإفرنج إلى مصر في جيش لهام، ووثبوا على أسد الدين ببلبيس فصالحهم ~~بمال، وعاد أدراجه إلى دمشق، ولكنهم لم يقفوا عند بلبيس، بل أخذوا طريقهم إلى القاهرة، ~~ودخلها قائدهم بقسم من جيشه، فأكرم شاور وفادتهم، وأعد لهم منازل وأسواقا، وقرر لهم مائة ~~ألف دينار في السنة، فأقاموا إقامة المحتل، وطغوا وظلموا، وعاثوا في القاهرة فسادا. # | الفصل الثاني عشر # مضت أربع سنوات أو تزيد، والقاهرة في هم ناصب، وكوارث متتابعة، تقاسي من ظلم شاور وعسفه، ~~وولعه بسفك الدماء، واغتصاب الأموال، وتقاسي من تحكم الإفرنج، واستبدادهم بالناس، وتسلطهم ~~عليهم بضروب من الأذى والإرهاق. # وكانت «باسمة» حيرى مضطربة النفس، فقد كانت تريد زوال الدولة الفاطمية، ولكنها لم ترد أن ~~تزول بمثل هذا الحكم الأرعن الأحمق، الذي وضع فيه السيف والسوط والنهب، موضع العدل ~~والحق. # وكان شاور إذا اختلى بنفسه، تيقظ ms64 في نفسه رسيس من ضمير مهزول، فهمس في أذنه: ماذا فعلت يا ~~ابن مجير؟! ... ما هذه الدماء التي لا تزال تقطر من يديك؟! ... لقد تثلم سيفك من قطع الرؤوس، ~~وخدرت يدك من انتهاب الأموال!! ... طلبت الحكم بالقوة والخديعة فلم تهنأ به، وهزئت بالغز ~~فوقعت في يد الإفرنج الذين دخلوا القاهرة ضيوفا مناصرين، فأقاموا بها حكاما ~~غاصبين! # وكانت سيدة القصور وعمارة في ذهول بشبه الحمى، لما أصاب مصر والدولة الفاطمية من نكبات ~~على يد شاور الشرير المعتوه، كانا يريدان حماية الفاطمية من تسلط الوزراء، وكانا يريدان جمع ~~أمورها بيد الخليفة دون غيره، فكانت المصيبة مضاعفة؛ لأن شاور بن مجير لم يغتصب سلطة ~~الخليفة وحده، بل قاسمه الإفرنج فيها؛ فوقع الشعب المسكين ين براثن قوتين من قوى الشر، ~~تسوقانه إلى الدمار والفناء. # واحسرتاه!! ... القاهرة المضيئة، الفرحة المرحة، التي ما كانت تنتهي لها أعياد أو مواسم ~~تصبح مظلمة، حزينة، عابسة، مرتعدة، تخشى في الصباح ما يجئ به المساء، وتترقب مذعورة في ~~المساء ما يجئ به الصباح، القاهرة المعزية التي كانت حاضرة الإسلام، ومعقل المدنية، وأم ~~القرى، وسيدة المدائن، والتي كانت جيوشها لا يفارق النصر راياتها تصير نهبا مقسما بين ~~الظلم والطغيان، ويصبح أهلها أذل من عير ووتد!! # فجع القاهريون لهذه النوازل، وتكونت جماعات سياسية خفية، واجتمعت إحدى هذه الجماعات بمنزل ~~عمارة اليمني، وكان من المجتمعين: المهذب الأسواني، ومحمد بن قادوس، وداعي الدعاة ابن عبد ~~القوي، وغيرهم. قال داعي الدعاة: أرأيتم كيف آلت بنا الحال، وكيف أصبحت القاهرة مجزرا ~~عاما تذبح به الناس مرة لشهوات شاور، وأخرى لنزوات الإفرنج؟! فقال عمارة: والمصيبة يا ~~سيدي أن الخليفة أصبح مغلوبا على أمره، يرى مصر وهي ميراث آبائه الأمجاد تعتصر وتهتضم، ~~ويرى الرعية تسام صنوف العذاب، ثم لا يستطيع أن يعمل شيئا، وسيدة القصور تنظر بحسرات إلى ~~آمالها الكبار، وقد ذهبت مع الهواء، فلا تستطيع إلا أن تردد الزفرات. وقال ثالث: مررت ~~بالأمس بسوق البزازين، فرأيت الإفرنج وقد انتشروا فيها، وهم سكارى يغتصبون ما في الدكاكين، ~~ويؤذون ms65 كل من مر بالطريق، والناس في كرب وذعر، ثم إن النساء في بيوتهن يرتجفن ليل نهار؛ ~~خوفا من هجمات الإفرنج عليهن. فقال داعي الدعاة: وقد سمعت أن مري ملك الإفرنج بساحل الشام ~~وصل منذ أيام إلى أرض مصر بجيش عظيم؛ به أجناس مختلفة من الإفرنج، وأنه نزل على بلبيس ~~وحاصرها، وأخذها عنوة، وسبى أهلها، وهو الآن قاصد إلى القاهرة؛ لأنه لم يكتف ببقاء بعض ~~جنوده بها، بل طمع في امتلاك ديار مصر كلها. # فقال المهذب: إن الخبر وصل إلى سيدي متأخرا. فإن جيش مري نزل في هذا الصباح ببركة الحبش، ~~بالقرب من الفسطاط، ولا يخفى على سيدك أن بالفسطاط جميع مخازن الحبوب والغلات التي تمون ~~القاهرة، وأن بها جميع ذخائر الحرب، فإذا استولى مري عليها سقطت القاهرة في ساعات. # وفي هذه اللحظة دخل الشيخ عبد الحكم الغفاري وهو يلهث من التعب، وقد تصبب وجهه عرقا، ~~وأخذ يصيح: ضعنا وضاعت مصر!! ... إنها كارثة الكوارث، وفادحة الفوادح! هذا شاور المجوسي، أرسل ~~بعض جنوده ينادون بالفسطاط: بأن يرحل عنها جميع سكانها، وألا يقيم فيها رجل ولا امرأة ولا ~~طفل؛ لأنه عزم على إحراق المدينة، وقد أرسل إليها بالأمس عشرين ألف قارورة من النفط، وعشرة ~~آلاف من مشاعل النار؛ لتنثر في جميع أرجائها. وقد رأيت وأنا قادم إليكم ما يفتت الأكباد: ~~رأيت سكان الفسطاط وقد هرعوا إلى القاهرة، بنسائهم وأطفالهم ومرضاهم، معولين صائحين، كأنهم ~~في يوم الحشر الأكبر، بعد أن تركوا دورهم، ومتاجرهم، وأمتعتهم، وذخائرهم ليحرقها شاور ~~الطاغية بالنار، يا للمصيبة!! ماذا جرى على مصر؟؟ وهل كان ذلك مكتوبا لها في لوح القدر؟! ~~وإذا احترقت الفسطاط، واستشرت النار، وسرت إلى القاهرة فالتهمتها في طرفة عين، أتجلسون هنا ~~صامتين حتى تأخذكم الصيحة؟! أليس في مصر رجال؟؟ أليس فيها عقول؟ أليس فيها من يرى رأيا في ~~هذه الداهية الدهياء؟! ليس لنا ملجأ إلا القصر، وإلا الخليفة، وإلا سيدة القصور، فإذا خابت ~~آمالنا في هؤلاء، ذهبنا إلى دورنا، وأغلقنا أبوابها لنكون حطبا للنيران. # فدهش القوم للخبر المفجع، ms66 وكاد يعصف الحزن بقلوبهم، وصاح داعي الدعاة: هلم إلى القصر، ~~دخلوا القصر في صمت وذهول، فرأوا ظلاما مخيما، ورأوا الأستاذين ذاهلين واجمين، يذهبون ~~ويجيئون في اضطراب وحيرة، فتوجهوا إلى غرفة سيدة القصور، فرأوها جالسة وعلى وجهها آثار الغم ~~المكبوت، فأحسنت استقبالهم، ونقلوا إليها ما عندهم من أخبار السوء، فابتسمت ابتسامة اليائس ~~وقالت: علمت كل هذا في الصباح فلم أغادر غرفتي، وبقيت كل هذه المدة أفكر فيما يجب أن يعمل، ~~وقد وصلت في النهاية إلى رأي قد يكون فيه استجارة من الرمضاء بالنار، واستشفاء من الداء ~~بالداء، ولكن تنوع البلاء خير من استمراره، والمصيبة المشكوك فيها خير من المصيبة المحققة. ~~فقال عمارة: على أي شيء عولت يا مولاتي؟؟ ~~- عولت على الاستنجاد بنور الدين بن زنكي. فقال داعي الدعاة: هو خير من شاور، ومن الإفرنج ~~على أي حال، فقال عمارة: هل نضمن بقاء المذهب الفاطمي إذا دخل مصر هذا السني المتعصب؟؟ فقال ~~داعي الدعاة: إنه سيأتي إلى مصر ليحارب الإفرنج لا ليفتح مصر. وقالت سيدة القصور: أرجو ~~ومهما يكن من شيء فبعض الشر أهون من بعض ... أتوافقون على الاستنصار بنور الدين. ~~- نوافق ... # دعت سيدة القصور خادمتها «تغريد» وأمرتها بإحضار مقص، فلما أحضرته قصت شعرها، وأمرت أن ~~تقص شعور جميع نساء القصر من شريفات وجوار، وأن ترسل هذه الشعور مع رسالة استغاثة واستصراخ ~~لنور الدين، فكتب عمارة رسالة موجزة مبكية قوية التأثير، على لسان سيدة القصور، يستثير فيها ~~شهامة نور الدين ورجولته وإسلامه، ويدعوه إلى إنقاذ مصر وإنقاذ المسلمين، ثم سلمت سيدة ~~القصور الشعور والرسالة إلى أحد رجال البريد؛ ليستبق الريح في الوصول إلى نور الدين. # ووقفت سيدة القصور أمام نافذتها تنظر إلى النيران مصعوقة باكية، وهي تصعد زفرات الغيظ، ~~والحقد، والألم ... وتقول: أيتها النيران ماذا تأكلين؟! إنك تأكلين فؤادي وتتأججين في صدري!! ~~أي مسجد تهدمين محرابه، وتحطمين جدرانه؟! وأية دار كان يضيئها الأنس، ويشع في أنحائها ~~السرور، أصبحت بك اليوم ركاما؟! ويحي لما أصاب قومي وأهلي!! كانوا بالأمس في منازل تسامق ~~السماء ms67 وتتحدى الجوزاء، فأصبحوا الليلة ولا مأوى لهم، ولا وزر. ليت شعري أين الليلة ~~بناتهم المحجبات، وعجائزهم الضعيفات؟؟ وأين ما كان لهم من سعادة وعز ونعيم؟ أيتها النيران، ~~التهميني قبل أن تلتهمي رعيتي، وخذيني قبل أن تأخذي ملكي!! أنا فداء لمصر، وفداء لأهلها ~~البررة الأطهار ... ما أشدك أيتها النيران وما أقساك!! كأنك من حقد شاور اشتعلت، ومن لؤمه ~~تأججت ... أما تكفي لإطفائك دموعي وهن غزار؟! لا ... لا ... لن أيأس في حياتي ... إن آمالي وآمال ~~مصر تلتهب فيك، وهي ذهب نضار، وستزيدها النار صفاء وخلوصا من الأوضار!! # | الفصل الثالث عشر # طار البريد إلى نور الدين فحزن على مصر، وبكى على أهلها، وأرسل جيشا لجبا يقوده أسد ~~الدين شيركوه، وصلاح الدين، وما كادا يلتقيان بجيش الإفرنج، حتى تراجع عن مصر عائدا أدراجه ~~إلى الشام، ودخل أسد الدين القاهرة، فلاقته لقاء الفاتح المنقذ، وتنفس أهلها ~~الصعداء. # ودخل جيش القاهرة وفي أخرياته شيخ يتوكأ على عكازه هو أبو كاظم الحراني، أو زين الدين بن ~~نجا، فإنه بعد أن خابت آماله في الإيقاع بعمارة، وكشفت المؤامرة التي دبرها لفتك سيدة ~~القصور به التجأ إلى نور الدين بدمشق، وأظهر النسك والعبادة، فعينه نور الدين واعظا لجنده، ~~وأصبح من المقربين في دولته، فلما عزم الجيش على السفر إلى مصر، وتحرك فيه ذنابي الشر، ~~وثارت فيه غريزة الأخذ بالثأر، والانتقام من عمارة، وجال بخاطره أنه إذا لم يظفر به مرة ~~فسوف يظفر به أخرى، لذلك استأذن نور الدين في أن يلحق بجيش مصر، فأذن له. # وبعد يومين استدعى الخليفة العاضد أسد الدين إلى القصر، وخلع عليه خلعة الوزارة، ولقبه ~~بالمنصور؛ فغضب شاور لعزله من الوزارة، والتقى بابنه شجاع وقال: ألا ترى كيف فعل الغز ~~المغتصبون ... جاءوا لينقذوا البلاد من الإفرنج فاستولوا عليها؟! ~~- يا أبي: من الخير لنا أن نتوارى في دورنا، وألا ترى الناس وجوهنا، فإن القاهريين لو ~~تصدقوا علينا بدمائنا لكانوا أكرم الناس. ~~- أكرم الناس!! هؤلاء البله المفاليك الذين يصفقون لكل غالب!! ... إنني عزمت على مكاتبة ~~جميع ملوك ms68 الساحل من الإفرنج؛ ليهجموا على مصر من طريقين: طريق بلبيس، وطريق دمياط. # فلمع الغضب في عيني شجاع وقال: والله لئن لم تنته عن هذه الأمور؛ لأكشفن الأمر لأسد ~~الدين. ~~- كفكف من غربك يا شجاع، إني إن لم أفعل هذا قتلنا الغز عن آخرنا. ~~- وإذا جاء الإفرنج قتلونا أيضا، ولأن نقتل والبلاد بيد المسلمين خير من أن نقتل والبلاد ~~بيد الإفرنج. # ثم دارت الأيام، ولم يستطع صلاح الدين صبرا على بقاء شاور حيا، يحوك الدسائس ويبث ~~الفتن، فقتله بيده، وبعد قليل مات أسد الدين، فولي الخليفة صلاح الدين الوزارة ولقبه ~~بالملك الناصر. # تولى صلاح الدين الوزارة وهو شديد الحذر من سيدة القصور لا يؤمن ببشاشتها، ولا يحسن ~~لقاءها، وكأنه رأى بعين بصيرته ما ينطوي عليه قلبها له: من الحقد، والضغينة، والكيد، فهم ~~لعبتها فعزم على تفاديها بلعبات أخرى: علم أنها لم تؤثره بالوزارة مع وجود كبار الرؤساء ~~والقواد بالجيش الشامي، وإلا لتوقع الخلاف والفرقة بينه وبين هؤلاء القواد، حتى يصبح بأسهم ~~بينهم شديدا، وحينئذ تتحكم سيدة القصور في الموقف، وترضى عمن ترضى عنه منهم، فيكون صنيعة ~~نعمتها، ومنفذ أمرها. علم صلاح الدين هذا فتملق القواد، وأغدق عليهن، واسترضاهم، وجعل نفسه ~~أداة منفذة لإرادتهم، ثم اتجه إلى القصر، فأخذ يجرده من كل قوة فيه تستطيع أن تقاومه، أو ~~تقف في وجه غايته: فأبعد كثيرا من رجاله، وأخذ يرهق سيدة القصور بطلب الأموال حتى كاد ~~يستنفد ما عندها، ثم رتب بهاء الدين قراقوش - وهو من أشد رجاله عنفا وأكثرهم له إخلاصا - ~~حارسا على القصر، حتى لا يدخل إليه شيء، أو يخرج منه شيء إلا بإذنه. # ضاقت سيدة القصور بهذه الحال، وسدت أمامها سبل الحيلة، ورأت أن ملكها ومذهبها الفاطمي ~~يترنحان تحت ضربات قاسية متتابعة، وأنه من العار عليها أن تقف صامتة مغلولة اليدين، ~~والأعداء يقتلون دولتها بسم بطيء، فطلبت أن يدعى إليها عمارة، فلما حضر قالت: أرأيت أبا ~~محمد ما فعله بنا ذلك الكردي الوضيع؟ كأن وحيا يهبط عليه بما في نفسي، فكلما ms69 فكرت له في ~~مكيدة رأيته قد أعد لها ما يحبطها!! ~~- هذا الرجل كارثة على مصر وعلى الفاطمية، وقد حاولت أن أجتذبه بشعري، وأختدعه بمديحي، ~~فلم أجد منه إلا جفاء وإغفالا، ومن مصيبة مصر أن يكون عبد الرحيم البيساني - الذي يسمونه ~~بالقاضي الفاضل - وزيرا لهذا الرجل الجامح، وهو لا يشير عليه إلا بكل ما يهدم الدولة ~~الفاطمية، ويعصف بها. # ولما ضاقت حيلتي مع هذا الكردي أرسلت إليه بهذه القصيدة: # أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي # لنفثة مصدور وأنة موجع # نزلت بمصر أطلب الجاه والغنى # فنلتهما في ظل عيش ممتع # وفزت بألف من عطية فائز # مواهبه للصنع لا للتصنع # وكم طرقتني من يد عاضدية # سرت بين يقظى من عيون وهجع # فقل لصلاح الدين - والعدل شأنه - # من الحكم المصغي إلي فأدعي؟ # أقمت بكم ضيفا ثلاثة أشهر # أقول لصدري كلما ضاق: وسع # أمن حسنات الدهر أم سيئاته # رضاك عن الدنيا بما فعلت معي؟ # ملكت عنان النصر ثم خذلتني # وحالي بمرأى من علاك ومسمع # فلم أتلق منه إلى هذه الساعة جوابا، وقابلني البيساني فهز رأسه في خبث، وقال: لم أر أعجب ~~من قصيدتك للناصر، لقد غلبت فيها مدحك للفاطمين على مدحه. ~~- استمر في هذه الطريقة أبا محمد، ولا تيأس من اجتذاب هذا المهر الشموس صلاح الدين، وأن ~~هذه الخائنة تخبره بأسرارنا، وبما تعرف من مخابئ القصر وذخائره. ~~- نعم قابلني ابن دخان منذ يومين، وفي عينيه نظرات الشامت، وعلمت منه أن زوجه لا تقيم ~~عنده إلا قليلا، وأنها دائبة العمل مع رجال صلاح الدين. ~~- ويل لها مني!! اسمع يا عمارة ... لم يبق في كنانتي إلا سهم واحد للخلاص من صلاح ~~الدين. ~~- ما هو؟؟ ~~- ستعرفه الآن ... يا «تغريد» ... مري مؤتمن الخلافة أن يقابلني. # فيقبل مؤتمن الخلافة حزينا، فتقول له سيدة القصور: كم عندك من الجنود السودانية؟ ~~- عشرون ألفا يا سيدتي أو يزيدون. ~~- هل تستطيع أن تهجم بهم مفاجأة على جنود الغز، وتطهر البلاد منهم؟؟ ~~- ذلك ممكن يا مولاتي إذا استمر الخلاف الذي أراه بين قوادهم. ~~- أعد العدة، ms70 واهجم عليه متى شئت وأين شئت، والله معنا، فقال عمارة: إذا هزمنا هذه ~~المرة يا مولاتي، ذهب منا كل شيء!! ~~- ليكن ما يكون، فإن آخر الدواء الكي، خلياني وحدي. # انفض المجلس، وخرج عمارة من القصر، وبينما هو في الطريق قابله المهذب الأسواني ومعه شيخ ~~غريب عليه سيما الصلاح والزهد لا يفتأ لسانه متمتما بالتسبيح والأدعية، فسأله عمارة عنه، ~~فقال: إنه زين الدين بن نجا، وهو رجل تقي يعظ جنود الغز، ثم مال على أذن عمارة وهمس: ~~ويبغضهم أشد البغض، فحياه عمارة ودعاهما إلى داره، ورأى من حديث زين الدين وسوء عقيدته في ~~الغز، ما حببه إلى نفسه، وقربه إلى قلبه، ووثق عرا الصداقة بينهما، وبعد أيام ثار السود على ~~الغز، واشتد القتال بينهم، وطال أمد المعركة، وكادت صفحة التاريخ تتغير لولا أن تآلف قواد ~~صلاح الدين، وصدقوا في الحملة، ولولا أو وثب صلاح الدين وأخوه توران شاه على القصر، وقبضا ~~على مؤتمن الخلافة وقتلاه، فسقط في أيدي السودان، وانطفأت حميتهم. # بعد ذلك؛ زاد تمكن صلاح الدين في مصر، وتحكمه في الخليفة، فأغار على ذخائر القصر وكنوزه، ~~ولها من القيمة فوق ما يقدره الخيال، واستولى على قصور الخلافة، وأخرج أبناء الخلفاء ~~وبناتهم منها، وأسكن كل فريق في دار على حدة تحت حراسة قراقوش، وتصرف في العبيد والخدم، ~~ومنع الخليفة من مغادرة القصر، ووهب إقطاعات المصريين إلى أصحابه وجنوده، وعزل قضاة الشيعة، ~~واستناب قضاة الشافعية، وأزال شعار الدولة الفاطمية، وأبطل من الأذان «حي على خير العمل»، ~~ومنع أن يدعى للعاضد على المنابر. # قدف صلاح الدين بهذه السهام دفعة واحدة، فصعقت سيدة القصور لهول هذه المصائب المتتالية، ~~ورأت ملكها ومذهبها يذهبان طعمة للقوة والدهاء، فبكت كما تبكي النساء، وعادت إليها غرائز ~~الضعف والأنوثة. أما العاضد، فقد دهمه الغم وأحرقته الحمى، فألح في أن يراه طبيبه عبد الله ~~بن السديد، ولكن الطبيب أبى أن يذهب إليه، فمات حزينا بائسا منبوذا. # سرى خبر موته في القاهرة، فشاع الحزن عليه في كل مكان، وزاد في بكاء ms71 القاهريين عليه ما ~~أصاب الخلافة من نكبات، بعد أن عاشوا في ظل جناحها في أمن، ودعة، ومواسم، وأعياد، كانت بهجة ~~الدنيا وزينة الدهور، ومر عمارة على القصر فإذا هو طلل دارس، بعد مجد طاول الفرقدين، وعز ~~ملأ الخافقين. فقال: # لي بالديار غداة البين وقفات # أبكي رسوما خلت منهن سادات # يا رب إن كان لي في وصلهم طمع # عجل على فللتأخير آفات # فاجتمع حوله الناس فبكى وبكوا، وثارت ثائرته فأنشد: # أيها الناس والخطاب إلى من # هو من حيث عقله إنسان # هذه خطبة إلى غير شخص # نظمت عقد نثرها الأوزان # لم أخصص بها فلانا لأني # في زمان ما في بنيه فلان # ذمنا للزمان ذم لمن في # ه وحق ألا يذم الزمان # ونظر من خلال دموعه، فرأى زين الدين بن نجا يبكي وينتحب، ورأى «باسمة» تبتسم في جذل وخبث، ~~فجذبها من عضدها: تعالي واسمعي يا فتاة، فإن عمارة اليمني لا يخاف الجواسيس، بلغي سيدك صلاح ~~الدين ما تسمعين: # قلب الزمان على الخلافة قاسي # ما للزمان جري بغير قياس!! # أسقي لملك عاضدي عطلت # حجراته بعد الندى والباس # أخذت بنان الغز من أمواله # ورجاله بمخانق الأنفاس # أبني علي والبتول وأحمد # وكواكب الدنيا وخير الناس # هذي حصون الروم عطل غزوها # وغزت دياركم بنو العباس # واشتد بكاء الناس وعويلهم، وكادت تكون فتنة، لولا أن جاء داعي الدعاة، فجذب عمارة من ~~يمينه، وانطلق به. # | الفصل الرابع عشر # أسرعت باسمة إلى قصر الأيوبيين، وكان قد سبقها إليه زين الدين بن نجا، ولما قابلت صلاح ~~الدين، والقاضي الفاضل، نقلت إليهما ما كان من جرأة عمارة، وما كان من بكائه الفاطميين، ~~واستثارة قلوب الناس على من هدم ملكهم، والتلويح أو التصريح بذم صلاح الدين، ثم أنشدته ما ~~حفظت من أبيات عمارة، وأخرج زين الدين من جيبه ورقة وقال: وهذه قصيدة طويلة لعمارة يتناقلها ~~الناس ويستنسخونها، وشرع يقرأ منها: # رميت يا دهر كف المجد بالشلل # وجيده بعد حسن الحلي بالعطل # لهفي ولهف بني الآمال قاطبة # على فجيعتها في أكرم الدول # بالله زر ms72 ساحة القصرين وابك معي # عليهما لا على «صفين» و«الجمل» # وقل لأهلهما: والله ما التحمت # فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل # ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة # في نسل آل أمير المؤمنين علي؟ # فغضب صلاح الدين، والتفت إلى القاضي الفاضل وقال: ماذا نعمل في هذا الرجل الذي يسبنا ~~جهرا؟! ~~- إنه يا مولاي شاعر ثائر، وقد أكثر من مدح آل أيوب فأهملتموه، ولو أن مولاي قتله لهذا ~~الشعر لأغضب العامة، وما زالت الأشراف تهجي وتمدح. وأرى أن ثورة عمارة لن تصل به إلى سلامة؛ ~~فاصبر عليه حتى يرتكب من الذنوب ما يسوغ قتله. فقال زين الدين: إن له شعرا صريحا في ~~الخروج على الدين، وعلى مذهب أهل السنة، ألا يكفي هذا لقتله؟! فقال القاضي الفاضل: دعه يا ~~ابن نجا فإن من مزايا الشاعر أن يغتفر له ما لا يغتفر لغيره. # مرت أيام وشهور، وثورة عمارة لا تنطفئ، وعزمه على محاربة الدولة الصلاحية لا يكل، فكون ~~جماعة سرية، واشتعل سخط بعض قواد صلاح الدين عليه فضمهم إلى جماعته، ومنهم خاله، وكان بين ~~أفراد الجماعة: داعي الدعاة عبد الجبار بن عبد القوي، وقاضي القضاة، وعبد الصمد الكاتب، ~~ونصر الله بن كامل، وزين الدين بن نجا الواعظ الذي كان عبقريا في الجاسوسية، نابغة في ~~النفاق، وكانت هذه الجماعة تجتمع في داره؛ لأنه كان من المقبولين في دولة صلاح الدين، لا ~~تحوم عليه أية شبهة. # وفي ليلة بينما كان هؤلاء مجتمعين، إذا طرق خفيف على باب الدار، فذعروا جميعا، وظنوا ~~أنهم أحيط بهم، وفتح أحدهم الباب، فرأى امرأة زرية الهيئة في أثواب الخدم، وما إن اجتازت ~~الدهليز، وكشفت عن وجهها، حتى عرف القوم فيها سيدة القصور؛ فظهر عليهم الدهش فابتسمت وقالت: ~~لقد استطعت أن أفر من أسر قراقوش السمج بهذه الحيلة، وكان أقصى ما أريد أن أشهد اجتماعكم، ~~فلعل أن يكون لي رأي فيه، فحياها القوم تحية الإجلال، ثم أخذوا في الحديث والمناقشة. # وطال الكلام واشتد الجدل، وانتهى الأمر إلى أن تكون المؤامرة ذات شعبتين: # الأولى: # أن تكتب ms73 رسالة إلى سنان بن سليمان صاحب الحشيشة بالشام، ورئيس ~~الإسماعيلية، يوصف بها ما حل بالدولة الفاطمية، ويبين فيها ما بين المذهب ~~الإسماعيلي والمذهب الفاطمي من الصلة والقرابة، وأن نصر الفاطمية إنما هو ~~نصر للإسماعيلية، ثم يلح عليه في ندب أحد الفدائيين من الإسماعيلية لقتل ~~صلاح الدين. # الثانية: # أن تكتب رسائل إلى قواد الإفرنج بالشام وصقلية يدعون فيها إلى القاهرة ~~للاستعانة بهم على صلاح الدين، فإذا جاءوا وخرج صلاح الدين لقتالهم أقام ~~المصريون بالقاهرة ثورة؛ فتقسمت قوة صلاح الدين بين الإفرنج والثوار، ~~والخارجين عليه من جنده وقواده. # ولما هم القوم بكتابة الرسائل، قال زين الدين: من الخير أن نرجئ الكتابة حتى نروي فيها، ~~وحتى تكون قوية مؤثرة. # بعد ذلك قامت سيدة القصور، وكانت الشمس قد علت في الأفق، فالتفت بثيابها المستعارة وقالت: ~~الآن أعود إلى محبسي الذي سأخرج منه إلى قبري، أو إلى قصري!! # ذهب الحراني إلى داره فأقام بها نهاره، حتى إذا أظلم الليل قام ولبس ثيابه، وخرج متجها ~~إلى دار القاضي الفاضل، وكان يتمتم وهو يتعثر في ~~الظلام قائلا: اليوم أشفي غيظ نفسي منك يا ابن زيدان ... اليوم أنتقم لابني، وأبي اللذين ~~قتلهما عمك ظلما وعسفا ... لقد كتمت هذا الغل في صدري عشرين عاما، فاليوم يجد صدري متنفسا ~~... لقد كنت أنتهز كل فرصة فتطير من يدي، أما اليوم فلن تطير أبدا!! # ولما بلغ الدار، قابل القاضي الفاضل، وقص عليه خبر المؤامرة، وأسماء المتآمرين، فأخذه ~~القاضي من يده وذهبا إلى قصر صلاح الدين، فلما سمع الخبر الخطير، أمر كبير حراسه أن يرسل ~~جماعة للقبض على كل متآمر أينما كان، ولم تتم ساعتان حتى قبض عليهم، وأودعوا خرانة البنود، ~~وكانت سجن الفاطميين. # دخل عمارة السجن مستريح النفس ثابت القلب، يخالجه شعور بالطمأنينة، وإحساس بأنه أدى واجب ~~الوفاء كاملا للفاطميين، ولسيدة القصور. # ونام ليلته هادئ البال، حتى إذا تنفس الصبح دخل عليه الحراني، وجماعة من الجنود، فلما رآه ~~عمارة قال له: أهكذا تشترى الدنيا، وتباع الآخرة بالنفاق والختل يا زين الدين؟ ~~- لست ms74 زين الدين ... أنا أبو كاظم الحراني الذي باع حياته للشيطان لينتقم منك ومن عمك ... ~~اليوم يزول همي، وتطمئن نفسي، حين أراك مصلوبا بين القصرين. # فصاح عمارة: اخسأ أيها الكلب النابح! وسلم نفسه إلى الجند، وأمرهم أن يمروا به على دار ~~القاضي الفاضل، فلما رآه القاضي مقبلا دخل وأغلق بابه؛ فضحك عمارة ساخرا وقال: # عبد الرحيم قد احتجب # إن الخلاص من العجب # ثم أخذ إلى مجلس القضاء، فاعترف غير هياب بكل ما صدر منه، فحكم عليه بالصلب هو وأصحابه، ~~وبينما كان عمارة على خشبة الموت، مرت جنازة يمشي خلفها فقراء القاهرة وعامتهم باكين ~~معولين، فسأل الجند عن صاحب الجنازة فقيل: هذه سيدة القصور ... سدت أمامها منافذ الأمل، ~~وتجهم لها وجه الزمان، فتجرعت سما زعافا ماتت به ~~لساعتها. # فصاح عمارة بالجند: عجلوا بي!!! ... عجلوا بي!! ... فسيقول الناس غدا: إن اليوم الثاني عشر ~~من رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة كان يوم الشهداء، ماتت فيه شهيدة العزة والإباء، ومات فيه ~~شهيد الكرامة والوفاء!! ... ثم صاح: # نحن في غفلة ونوم وللمو # ت عيون يقظانة لا تنام # قد فزعنا من الحمام سنينا # واسترحنا لما أتانا الحمام ms75