######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.ShacirMalik.Hindawi96853080 #META# Tags: novels #META# ID: 96853080 #META# Title: شاعر ملك #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ليلة‏ # فندق‏ # تهنئة‏ # عزاء‏ # قتل‏ # عبث‏ # خيبة‏ # ولاية‏ # فجائع‏ # دسيسة‏ # هزيمة‏ # معاهدة‏ # ثورة‏ # الزلاقة‏ # ضيافة‏ # أفول‏ # أسر‏ # ليلة‏ # فندق‏ # تهنئة‏ # عزاء‏ # قتل‏ # عبث‏ # خيبة‏ # ولاية‏ # فجائع‏ # دسيسة‏ # هزيمة‏ # معاهدة‏ # ثورة‏ # الزلاقة‏ # ضيافة‏ # أفول‏ # أسر‏ # | شاعر ملك # | شاعر ملك # | قصة المعتمد بن عباد الأندلسي # تأليف # علي الجارم # | ليلة # في ليلة من ليالي ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة للهجرة، كانت مدينة باجة ~~بالأندلس يلفها ظلام دامس بعد أن ظهر القمر في طليعة الليل قليلا، يرسل شعاعه في رعدة ~~وضعف، حتى إذا دنا من الغرب، التقمته لجة الليل، فغاص فيها وترك وراءه المدينة في تجهم ~~وسكون وحداد، وكانت الرياح تعصف من الجنوب والشرق شديدة عاتية، فتسوق السحائب أمامها بسياط ~~من البروق، وتزجرها بهزيم من الرعد غاضب عنيف، وكانت النجوم لا تكاد تطل من بين ثنايا هذه ~~السحائب الراجفة المسرعة حتى تختفي، كأنها لمحات الأمل الكاذب يلتمع في سواد الخطوب، أو ~~تلويح الغريق جاءه الموج من كل مكان، فهو يرسب ويطفو، حتى يحول الموج بينه وبين ~~الحياة. # فزع الناس إلى بيوتهم في هذه الليلة الليلاء، والتجأ المسافرون إلى فنادقهم، وخلت الدروب ~~من السابلة، فلا يجد المطل من خلال نافذته، إلا العسس والحراس يذهبون ويجيئون، وبأيديهم ~~العصي الغليظة يضربون بها الأرض في عنف وقوة، حتى يعلم من لم يكن يعلم من اللصوص وقطاع ~~الطرق، مقدار صولتهم ومدى فتكهم. # وكان يسمع بين الحين والحين عواء كلب أضر به البرد، وآذاه المطر، فالتجأ إلى حائط ~~يعصمه من الماء، وأخذ يرتعد ارتعاد المقرور، ويرسل صوتا مستطيلا حزينا، زاده سواد الليل ~~وهدوءه هما وحزنا. # وسكتت الطيور في عشاشها فوق أشجار الزيتون والتين، إلا بومة سكنت في جحر من بيت خرب، راحت ~~ترسل نعيبا مؤلما، تنقبض له النفس وتضطرب الأعصاب، ويوحي بالموت والفجيعة والدمار. # في تلك اللحظة - وكان الليل في منتصفه - التقى أحد العسس بزميل له في أثناء دورته، فما ~~كاد يراه حتى سري عنه، وتولى من نفسه عارض الهم والخوف؛ لأنه في الحق كان خائفا، على ~~أنه يرضى ms01 أن يموت بين براثن الأخطار المحدقة، ولا يرضى أن يقول قائل: إن أبا عوف الخزامي ~~خاف مرة في حياته! # إنه جندي قديم خاض غمار الحروب الطاحنة المستمرة بين المسلمين ومغيرة الإسبان، وطالما قذف ~~بنفسه بين الصفوف، والموت جذلان ينظر، فلم يبال بالموت، ولم يأبه للحياة. # كان أبو عوف قوي العضل، ضخم الجسم شعشاعا، دب الشيب قليلا في عوارض لحيته، ولكنه كان ~~على قوته الجسمية التي كانت في مقتبل شبابه مضرب الأمثال، ساذجا بطئ الفهم قليل التفكير؛ ~~كثير الغفلة، يؤمن بالخرافات إيمان الواثق، ويصدق أقاصيص الجن والشياطين تصديق ~~العجائز. # وقد عرف مخالطوه فيه هذا الضعف، فأكثروا من تنميته واستغلاله. # أحس أبو عوف في هذه الليلة خوفا ورهبة، زاد فيهما نعيب البومة، وهدوء الليل، وانقطاع ~~الطريق من السابلة، فبدت أمام عينيه أشباح مخيفة غريبة الخلق، مرة تبتسم له، وأخرى تعبس ~~مهددة متوعدة، وهو بين ذلك يحاول أن يغمض عينيه؛ ليفر من هذه المخلوقات المنكرة، فلا يزيده ~~الإغماض إلا نكالا؛ لأنه إذا أغمض رأى أصنافا أشد بشاعة، وأعظم نكرا. أخذ يهز رأسه هزا ~~شديدا، وحاول أن يرفع صوته بأنشودة فلم يستطع، ثم شرع يضحك ضحك الهاذي المحموم؛ ليقوي من ~~نفسه، وليدعو إليه شجاعته، وليظهر عدم مبالاته، فكانت الضحكات خافتة، أشبه بفحيح الأفاعي أو ~~نقيق الضفادع، منها بضحك المرح والسرور. # كان في تلك الحال حينما التقى بزميله أبي عبد الله الشنتمري، فما كاد يراه حتى أخذ يبل ~~شفتيه بلسانه، ويمسح بيديه على وجهه مسحا عنيفا، كأنه كان يريد أن يمحو منه كل أثر للخوف، ~~ثم تنحنح قليلا باحثا عن صوته الذي كاد أن يذهب به الفزع، وبعد أن حيا صاحبه قال: يا ~~لهذه الليلة!! كأن أرواح الجن جميعا انطلقت فيها من قماقم سليمان بعد طول احتباسها. ~~- أتصدق أبا عوف، أن سليمان بن داود كان يحبس الجن في قماقم؟ ~~- أأصدق؟! إن هذا السؤال منك لعجيب. إن سليمان منح من الملك والقوة، ما لم يمنحه أحد ~~فيما كان، أو فيما يكون. ~~- هل كان الجن صغارا أقزاما ms02 ، لا يزيد الواحد منهم على قبضة اليد؟ ~~- لا. إن الجن خلق ضخام الأجسام جدا، حتى إنهم ليستطيعون أن يصلوا بأيديهم إلى الشمس، ~~ليقتبسوا منها جذوة إذا أرادوا. ~~- وهل تظن أن هؤلاء - مع ما ذكرت من ضخامتهم - يستطاع حبسهم في قماقم لا تكاد تتسع ~~لهريرة؟ ~~- إن القماقم تتسع، أو هم يصغرون. ~~- إذا اتسعت القماقم لم تكن قماقم، وإذا صغرت الجن لم تكن جنا. ~~- إن لعقلك أبا عبد الله لفتات ودورات، وفروضا تدعو إلى الحيرة والارتباك، وإني لا أحب ~~أن يتخذ الحوار هذه الطرق الملتوية؛ لأنني أفكر في طريق مستقيم، ولا أريد أن أجهد عقلي بهذا ~~التشعب الذي لا يؤدي إلى شيء. الجن جن، والقماقم قماقم، وقد سمعنا من أمهاتنا، ومن شيوخ ~~القصاصين: أن سليمان كان يحبس الجن في قماقم، وهذا كاف، فدعنا من هذا بحقك ... أرأيت في ~~حياتك مثل هذه الليلة؟ ~~- إنها - بلا شك - ليلة شديدة الأنواء، عاصفة الرياح منهمرة المطر، وقليلا ما نجد لها ~~مثيلا في هذه الولاية من الجزيرة ... غير أني علمت من أبي: أنه في شتاء السنة التي حدثت فيها ~~الفتنة بقرطبة، اشتدت الأنواء، وأنذرت السماء بالصواعق، وكاد المطر يهدم الدور، حتى ظن بعض ~~الناس أن ذلك كان غضبا من السماء، وإنذارا بالويل والعذاب، لما شاع بين المسلمين - وبخاصة ~~الأمراء والوزراء وجماعة المثرين المستهترين - من الانغماس في الشهوات، والاستسلام للنعيم، ~~وإهمال شئون الدولة إهمالا كاد يذهب بريحها، ويلقي بها في أيدي أعدائنا الإسبان الذين ~~يتربصون بنا الدوائر، والذين لا ينسون أن لهم عندنا ثارا. بعد هذه الحادثة السماوية، وقعت ~~الفتنة بقرطبة، بين محمد بن هشام المهدي وسليمان الملقب بالمستعين، وقد كانت فتنة شعواء ~~ضلت فيها العقول وانحطت الدولة، واستعان كلا الأميرين بالأذفونش (الفونسو) على صاحبه، ~~واشتد الحصار على قرطبة ونهبها البربر وعرب زناتة والرعاع. ~~- حقا إنها لحادثة مفجعة ... لقد كنت في الخامسة عشرة في ذلك العهد، وأذكر أن أبي كان ~~كثير الاهتمام بالأمر، يستطلع الأخبار من البريد القادم من قرطبة في كل يوم، وكان أبي ~~جنديا شجاعا، ولكنه ms03 كان مولعا بقراءة التاريخ، وقد أنفق نصف ماله على الوراقين الذين ~~كانت لهم أساليب الأبالسة في اجتذابه إليهم، لشراء كتب عتيقة بالية، يزعمون أنها جاءت من ~~المشرق، حتى لقد ضاقت نفسي بذلك الإسراف يوما فلم أستطع عليه صبرا، فقلت: يا أبي لقد ~~أضعفت بصرك بقراءة هذه الكتب، وهؤلاء الوراقون لصوص أدنياء، وقد استلانوا منك مغمزا ~~فأخذوك بحيلهم الخداعة، وكتبهم الكاذبة الزائفة. # فاتجه إلي ولمحات الغضب في عينيه، وقال: اعلم يا بني أن العقل عقلان: مولود، ومكتسب. ~~فأخذتني الدهشة، وقلت: إذا كانت عقبى قراءة الكتب يا أبي، أن تزعم أن العقل عقلان، فهذا في ~~الحق ما كنت أخشى عليك منه؛ فضحك أبي، وهزني من كتفي، وقال: هون عليك أبا عوف، أنت ثور ~~وحشي صغير! ~~- وقد أصبحت الآن ثورا كبيرا. ~~- ذاك مزاح مضى وقته ... أليس من العجب ألا يفهمني الناس؟، وأنني كلما صدعت برأي، تهامسوا ~~أو ابتسموا كأن الله أنزل عليهم حكمة داود دوني!! منذ شهرين عزم ابني محمد على التزوج بفتاة ~~نصرانية شغفته حبا، فذهبنا إلى قاضي العقود، فلما هم بعقد الزواج طلب شاهدين، فبصرته ~~بأنه يجب أن يكون أحدهما نصرانيا؛ ليكون المسلم شاهدا على الزوج، والنصراني شاهدا على ~~الزوجة. فابتسم وصرف وجهه عني في صلف وغرور يعرف هؤلاء الفقهاء كيف يتقنونه، فلما ألححت، مد ~~عينيه في من قمة رأسي إلى جوف أخمصي، وقال: ما لك ولهذا أبا عوف؟! إنما أنت رجل حرب وجلاد، ~~فدع ما لغيرك لغيرك. فغضبت وقلت: لو لم أكن رجل حرب، ولو لم أدفع عنك وعن أمثالك صولة ~~الإسبان بسيفي وبساعدي، لكنت اليوم من سكان القبور، وما استطعت أن تنظر إلي - كما تفعل ~~الآن - نظراتك إلى حيوان عجيب الخلق، ولذهب علمك وفقهك اللذان تتبجح بهما طعمة للسيف ~~والنار. فسكت الرجل على دخل، ومن العجب أنه تمسك برأيه، وعقد الزواج بشاهدين ~~مسلمين. ~~- دعنا من هؤلاء الفقهاء أبا عوف، فإن بينك وبينهم بعد ما بين باجة وأربونة ... أسمعت تلك ~~البومة التي أخذت تولول بصوت مفزع مليء بالأحزان؟! ~~- سمعتها وتشاءمت ms04 منها أشد التشاؤم، وأعتقد أنها نذير سوء. ~~- تلك أوهام أبا عوف، فإن ما كان يكون: # وما غراب البين # إلا ناقة أو جمل # وبينما هما في حديثهما؛ إذ سمعا خطوات أشباح في الظلام، يدنو صوتها إلى حيث وقفا، فقال ~~أبو عبد الله: لا بد أن أمرا ذا بال دفع هؤلاء الناس إلى النزول في هذه الليلة ~~القاسية. # وما كاد يأخذ في الحديث، حتى مرت بهما طائفة من حرس الوالي عباد بن أبي القاسم وبينهم ~~امرأة متلففة بالصوف، مجللة بالسواد، وقد حملها الخدم في محفة غطيت بنسيج من الكتان ~~الغليظ لا يكاد ينفذ منه المطر. فوقفت المحفة قليلا، وسأل أبو عبد الله عن الخبر، فأجابه ~~جوهر السوداني: بأن امرأة الأمير جاءها المخاض في منتصف الليل، وأنهم أحضروا لها نزهة ~~الغرناطية القابلة (وأشار إلى المرأة التي بالمحفة). حينئذ ساروا جميعا إلى قصر الأمير، ~~وكان قصرا فخما بني على الطراز العربي، وزخرف بعجائب الصنعة ودائع الفنون، وقد أطل النور ~~من جميع نوافذه ومشارفه، وكان الخدم والجواري في شغل شاغل يجيئون ويذهبون. # فدخلت القابلة القصر، وجلس أبو عوف مع الحراس في بناء أعد لهم، حتى إذا مضت ساعة أو ~~ساعتان، علت الأصوات في القصر، وانبسطت الوجوه، ونزلت جارية تثب فوق درجات السلم وثبا، وهي ~~تصيح في لغة عربية متكسرة تمتزج بالرطانة الإسبانية: البشرى ... البشرى ... ولدت الأميرة ... ولدت ~~بنت مجاهد ... إنه غلام ... إنه غلام ... إنه جميل جدا. حينئذ سحب أبو عوف عصاه، وهو يردد: ~~إنه غلام ... إنه غلام. # | فندق # بزغت شمس اليوم الثاني مشرقة وضاءة، وانحسرت الغيوم عن السماء وصحا الجو، كأن لم يكن ~~نوء، وكأن لم يكن أمطار، وكأن لم يكن رياح هوج، ومضى الناس في شوارع باجة مستبشرين بعد ما ~~دهمهم من الغم والعرب في الليلة الفائتة. # ولم يكن لهم من حديث إلا ما كان حول السقوف وكيف نفذ منها المطر، والشرفات وكيف أطاحت بها ~~العواصف، والبرق وما كان من خوف أولادهم ونسائهم من توهجه، والرعد وما ترك في النفوس من رعب ~~وفزع ... وجلست ms05 طائفة من الشبان المثقفين بفندق يتناشدون الشعر ويتطارحون النوادر وطرائف ~~الأحاديث، وكان يقيم بالفندق شيخ جاوز الأربعين هو العالم الزاهد أبو حفص عمر الهوزني، قدم ~~من إشبيلية لينسخ بعض كتب الحديث التي بخزائن باجة. # جلس الشيخ في صمت وإطراق، تتحرك شفتاه بما لا يكاد يسمع من أدعية أو تسبيح، وقد كان عرفه ~~أحد الفتيان حينما كان يدرس العلم بإشبيلية، فاتجه إليه سائلا: كيف كانت ليلة الشيخ أمس؟ ~~فأجاب الشيخ: الحمد لله على كل حال ... صدق الله العظيم: # حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس ~~. # هذا يا بني إنذار من الله لهذه الأمة التي نسيت الله فأنساها أنفسها، وانغمست في النعيم ~~فغطى على أعينها فهي لا تبصر، وعلى آذانها فهي لا تسمع ... ولا تجد أينما سرت إلا مجالس لهو ~~ومحاضر أنس ... خمر ونساء ... نساء وخمر ... هذا شعار هذه الأمة المنكودة، كأنما هي في حلم لذيذ ~~لا تريد أن تستيقظ منه، وقد جاءتها المثلات وصاحت في آذانها العبر ... ولكنها سادرة عابثة ~~تسير إلى الهوة التي لا قرار لها وهي لا تشعر. # إن هذه الأمة المسكينة كقطيع من الشاء. لا راعي له ولا حافظ، وقد أحاطت بها الأسود من كل ~~جانب، والأمراء الأمراء؟؟ ... أين هم؟! ... إنهم في تصارع وتطاحن ~~... بعضهم أعداء بعض، لا تنطفئ نيران الحروب بينهم، يريد كل ~~واحد منهم أن ينفرد بالقوة والسلطان، ويريد أن يمحو ملك أخيه، ويستأصل شأفته ولو أدى ذلك ~~إلى الاستعانة بملوك الإسبان، وهؤلاء يغرون بعضهم ببعض، ويزينون لهم ما هم فيه من حقد ~~وخلاف وحرب؛ ليضربوا هذا بذاك، حتى يضعفوا جميعا. # كان على هؤلاء الأمراء أن يلتف بعضهم حول بعض، وأن يكونوا حلفا عربيا قويا أساسه ~~المحبة والتعاضد، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص، إذا فجأتهم صيحة، أو حلت بهم نازلة. # إن الله سبحانه وهب لأحط أنواع الحيوان غريزة تدفعه إلى التجمع والتعاون للدفاع عن النفس ~~والحوزة: فالنمل تعيش أسرابا ... والنحل تعيش أسرابا ms06 ... والطير تصف في جو السماء أسرابا ... ~~والظباء تسير أسرابا ... فما للإنسان المسكين يميت غريزته، وتتغلب عليه شهوة التملك والقهر، ~~فيحارب من يجب أن يستعين بهم، ويبدد قوته في سبيل أن يعيش منفردا بعظمة موهومة وسلطان ~~كاذب. # انظروا كيف أضعف هذه الأمة صبية بني أمية الذين دعوا أنفسهم ملوكا، ثم خلعوا على ~~أنفسهم ألقاب الخلافة أسوة ببني العباس!! فقد استعان بعضهم على بعض بالبربر والصقالبة وملوك ~~الإسبان، فهلك أربعة منهم في نحو سبع سنين وأضاعوا ملكا عظيما، بناه آباؤهم الأولون ~~بآرائهم وسيوفهم. # ثم ماذا حصل لما تفرقت الكلمة وكثر الأمراء، وانفرد كل أمير بولاية؟؟ المصيبة نفسها ... ~~لهو وسرف، وإغراق في الشهوات، ثم تفرق وتخاذل وغدر. # ارجعوا إلى ما حصل في هذه المدينة منذ عهد قريب ... ثار فيها البربر واشتد فيها الخلاف، ~~وتأججت نار العصبية بين البربر والعرب، فتنازع للتغلب عليها أبو القاسم ابن عباد وبنو ~~الأفطس، وأرسل أبو القاسم ابنه عبادا لإخضاعها، فحاصر ابن الأفطس بها وأفنى رجاله، ثم أسره ~~وتملك المدينة. # وكانت هذه الحادثة صائحة الشر بينهم، ولا يزالون إلى اليوم في حروب لا تنطفئ نارها، ولا ~~يخمد أوارها، ومثل هذا من الشر والتنازع، ترونه في بقية الأمراء. # نحن يا أبنائي غرباء في هذه الأرض ... غرباء في مملكة ~~قوية ملكناها من أهلها بقوة السلاح، ولا نستطيع أن نبقى فيها إلا بقوة السلاح. نحن غرباء ~~فاتحون بين قوم أولي قوة وأولي بأس شديد، لا ينامون على الضيم طويلا، ولا يصبرون على ضياع ~~ملكهم ... غرباء فاتحون نزلنا أرض الأندلس، وهي جنة وارفة ~~الظلال، متدفقة الأنهار، كثيرة النعم، وافرة الخير، فكان علينا أن نشكر الله - عز شأنه - ~~بالحرص على هذا الفردوس الأرضي، وأن نجاهد متواثقين لتنمية خيراته وإعداد العدة للذود عنه، ~~وأن نستعيذ دائما من نزعات إبليس الذي أخرج آدم من الجنة، وما كان فيها من نعيم مقيم. كان ~~علينا أن نعلم - وقد نزلنا أرض الإسبان، وأخضعنا أهلها ووضعنا الجزية على سادتها وكبرائها - ~~أننا قد انعزلنا بديننا وقومنا - وهم فئة قليلة - في بلاد ms07 نائية، وفي جزيرة منقطعة عن ~~المشرق، وكان علينا أن ندرك المرمى البعيد الذي ألمع إليه طارق حين أحرق سفنه وقواربه، وصاح ~~في قومه: «البحر وراءكم والعدو أمامكم، وليس لكم إلا الجلد والصبر». # كان الشيخ يتحدث في تأن وصوت مرتعد، وكانت آثار الغضب والحزن بادية على وجهه، وكان ~~الفتيان ينصتون إليه واجمين، كأن شيئا مما ذكره وأفاض فيه لم يخطر لهم ببال، ثم ابتدره ~~أحدهم قائلا: «صدقت يا شيخ، إن أخلاقنا العربية ذهبت عنا منذ حين، وإني أعتقد أن العرب لا ~~تسود إلا إذا تمسكت بعاداتها، عادات البداوة والخشونة، فإذا انصرفت إلى الحضارة أذهلها ~~بريقها فتفننت في النعيم، واستنامت إلى الدعة وتجردت من الشجاعة والحمية، وضعفت فيها تلك ~~العقيدة الإسلامية القوية التي هزمت بها الممالك وثلت العروش، أمام عدد أكبر من عددها، وقوة ~~أضخم من قوتها، وأظن هذا معنى قول الله - وهو الصادق العليم: # كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين ~~. # وقال ثان من الفتيان: أظن أن الشيخ صور داء الأندلس في كلمتين: التنازع على الملك ~~والشهوات! # إن هؤلاء الإسبانيات وبال على الملك والملة معا ... إن فيهن لفتنة وسحرا يستلان من النفوس ~~كل أخلاق الرجولة ويستعبدان القلوب ... وفي بيت كل أمير من هؤلاء مئات يتمتع بهن، ويلهو بين ~~الكاس والطاس، وأعتقد أن كثيرا من هؤلاء الجواري جاسوسات لملوك قشتالة وغيرها، ينقلن إليهم ~~أخبار كل أمير، وينفذن ما يأمرونهن به من كل ما يضعف الدولة ويذهب بصولتها. # إن جمال هؤلاء الإسبانيات ورقة حديثهن ولطف دلالهن، مما يعجز عنه الصف ويكبو دونه ~~التعبير، حتى كثرت الأسواق التي يبعن فيها في كل بلد من الأندلس، وأقبل الشبان على ~~التسري بهن، وامتنعوا عن التزوج بالحرائر، فكسدت سوق بناتنا وأصبحن يحتلن على الزواج ~~بالتبرج وإظهار الزينة، واتخاذ وسائل الإغراء، واجتذاب الرجال، ففسدن وسقطن في حمأة من ~~الرذيلة ذادت عنهن الرجال. # وهكذا عدن بالخيبة بعد أن حاولن الاستشفاء من داء بداء. # فقال الشيخ: إننا أتينا من ذلك الجنون الذي أصاب أمراءنا، وهو ms08 غرامهم بالتشبه بملوك بني ~~العباس. # سمعوا كثيرا عن إغراق هؤلاء في اللهو والمجون، واقتناء القيان والغلمان، وتبديد الأموال ~~في العظمة الكاذبة، فأبوا أن يكونوا دونهم في شيء من هذا: خمر وقيان وغلمان، ولهو وعبث ~~ومجون، ثم قصور شامخات، وحدائق باسمات ... أما الدولة والأمة ... فلها رب يحميها. # فانبرى ثالث وقال: إن روح اللهو والمجون هذه سرت إلى كثير من الناس، حتى جازت ~~الحد. # دعاني مرة أبو منصور السلامي للتنزه بمنية الفرح، وهي على بعد فرسخين من المدينة، وكان قد ~~صنع صنيعا دعا له طائفة من الأدباء والشعراء والتجار وبعض الفقهاء، فلما استقررنا بالمنية ~~- وكان قد سبقنا غلمانه وعبيده إليها مدت الموائد فلنا منها طعاما شهيا، ثم رفع ~~الطعام، وصفت أواني الشراب، وأخذت القيان في الغناء والرقص، ولعبت الخمر برءوس أصحابي، ~~وعلا ضجيجهم، فكانت قهقهة الإبريق تمتزج بقهقهة المرح، ورنات العيدان والطنابير تختلط ~~بأغاريد طيور الربيع، وخطوات الرقص تساير الألحان فتثير الأعصاب وتهيج الأشجان ... بين نكات ~~وطرف، وفرائد من الشعر تتناثر هنا وهناك: # كما نثرت فوق العروس الدراهم # أما القوم: فقد خلعوا عذارهم، وأرسلوا للهو عنانهم، فطاروا إلى اللذات، وأغرقوا عقولهم في ~~الكاسات، والقيان تمشي بينهم وكلهن فتن وإغراء، يرسلن الشباك لاصطياد العقول، بين غمزة ~~بالعين، ومدة للشفتين في دلال يشبه الغضب، وكلام هو السحر أو دونه السحر. # وإذا بماجن يستخفه الطرب فيصيح منشدا: # لا تنم واغتنم ملذة يوم # إن تحت التراب نوما طويلا! # وثان ينشد: # يقولون: تب والكأس في يد أغيد # وصوت المثاني والمثالث عالي! # وثالث ذهبت الخمر بصوابه، فأخذ يغني في تلعثم: # أفنيت عمري شربا # على وجوه الملاح # أحيي الليالي طروبا # في نشوة ومزاح # ولست أسمع ماذا # يقول داعي الفلاح # ورابع يغني، ويقول: # سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا # جبال حنين ما سقوني لغنت # ثم قام شيخ جاوز الستين، وأخذ يرقص وهو متوكئ على عصاه، وقد غلبه السكر، ثم شرع يترنم ~~بأبيات ابن شهيد، التي أنشدها حينما رقص في مجلس المنصور ابن أبي عامر: # هاك شيخا قاده عذر لكا # قام ms09 في رقصته مستهلكا # عاقه عن هزها منفردا # نقرس أخنى عليه فاتكا # من وزير فيهم رقاصة # قام للسكر يناغي ملكا؟ # أنا لو كنت كما تعرفني # قمت إجلالا على رأسي لكا # قهقه الإبريق مني ضاحكا # ورأى رعشة رجلي فبكى # وبينما نحن على تلك الحال، إذا غلام قروي خبيث يصيح: الإسبان ... الإسبان ... إنهم قادمون مع ~~جيش من البربر للوثوب على باجة. # فأطار الخوف الخمر من رءوس القوم، وأخذ منهم الذعر والهلع كل مأخذ، واصطدم بعضهم ببعض، ~~وداسوا فوق العيدان والكئوس، واجتذبوا ذيولهم من القيان اللاتي حاولن الاحتماء بهم ... ثم ~~تبين بعد قليل أنها فرية دنيئة، وأن الغلام اللئيم أراد أن يكدر صفوهم، ويفرق ~~جمعهم. # فأسرع الشيخ قائلا: إن إنذار الغلام لم يكن كاذبا، وستأتي إليهم الإسبان حتما، إن لم ~~يكن اليوم فغدا. # ويحي على الأندلس ويحي!! أين أيام عبد الرحمن الناصر؟، حينما كانت راية الإسلام تخفق على ~~أرجاء الجزيرة في عزة وشموخ، وحينما كانت الوفود من ملوك الإسبان تأتي إلى الزهراء فتحسر عن ~~رءوسها إجلالا وهيبة؟! # فهز أحد الفتيان رأسه في تحسر، وقال: هذا كلام صحيح، ولكني أنصح للشيخ أن يكتم السخط على ~~أمراء هذا الزمان في نفسه، فإن أميرنا عبادا رجل بطاش ظالم، يسبق السيف كلمته، ويصطاد ~~العصفور من بين براثن النسور، وهو كثير الجواسيس، ينقلون إليه أخبار الناس وأحاديثهم حتى ~~ليقال: إنه يعرف ما يحصل في كل دار، ويكاد يعرف ما يجول في كل نفس. # فأجاب الشيخ: هون عليك يا فتى ... إن الله كتب لكل نفس أجلها، وإنما ضيع الناس الرياء، ~~والنفاق، والسكوت على الداء وهو يدب ويستشري. # وبينما هم في الحديث، إذ دخل شاب من طلاب العلم بالمدينة وهو يقول: إن عظماء المدينة ~~وعلماءها وشعراءها يذهبون إلى القصر لتهنئة الأمير بمولود جديد. # فنظر الشيخ في السماء ... وأخذ يردد: # بشر الدهر بمولود جديد # ليت شعري أشقي أم سعيد؟ # | تهنئة # أعد العبيد كرسيا للأمير عباد إلى جانب سرير زوجه، طاهرة بنت مجاهد العامري أمير ~~دانية، وكانت أحظى زوجاته عنده وأقربهن إلى قلبه ms10 . # فدخل الأمير باشا يتلألأ وجهه بشرا على غير عادته ~~التي اعتادها من مظاهر الجد والعبوس، وما نظر إلى طاهرة، وهي في سريرها تهش لمقدمه، وتصوب ~~إليه عينيها الناعستين في حب وجذل - حتى عاجلها بقوله: أتذكرين يا طاهرة يوم قلت ~~فيك: # رعى الله من يصلي فؤادي بحبه # سعيرا، وعيني منه في جنة الخلد # غزالية العينين شمسية السنا # كثيبية الردفين غصنية القد # شكوت إليها حبها بمدامعي # وعلمتها ما قد لقيت من الوجد # فصادف قلبي قلبها وهو عالم # فأعداه، والشوق المبرح قد يعدي # فقاطعته: نعم أعداه يا مولاي ... والشوق المبرح قد يعدي! # ولكن عبادا استمر ينشد: # فقلت لها هاتي ثناياك إنني # أفضل نوار الأقاح على الورد # فجلست طاهرة وقالت: والله يا مولاي ما عذبتك بصد، ولا روعتك بهجر ... ولكنها عادة الشعراء ~~كأنهم لرغبة التمتع بلذة الوصل يقرنون إليها ألم الهجر ~~وذل القطيعة؛ ليشعروا بكل ما في الوصل من سعادة ونعيم!! أتراني صدقتك يا مولاي - وأنت صادق ~~دائما - حين قلت: # تنام ومدنفها يسهر # وتصبر عنه ولا يصبر # لئن دام هذا وهذا به # سيهلك وجدا ولا يشعر # فعبث الأمير بخدها، وقال: أين الغلام؟؟ وكيف الطلى وأمه؟؟ # فحملته بين ذراعيها في رفق وحنان، وكشفت عن وجهه غطاء من الحرير الرقيق، وقالت: إنه جميل ~~وسيم يا مولاي ... إن فيه كثيرا منك، وكثيرا مني. # فنظر الأمير إلى وجهه، وقال: نعم يا جارية. هذا أنفك بعينه لا يكاد يخطئ الشبه من ينظر ~~إليهما ... أنف إسباني ورب الكعبة. # فتكلفت طاهرة الغضب في دلال وفتنة، وقالت: ألا يزال الأمير يعيرني بأبي؟! والله إن ~~إصهارك منه لأكبر دليل على شرف محتده ونبل منزله. # نعم، إن أبي كان مولى إسبانيا من موالي المنصور بن أبي عامر، ولكن نسبه يرجع إلى أسرة ~~عريقة من ملوك الشمال، ثم زاده الإسلام شرفا على شرف، وأضاف إلى مجده التليد مجدا ~~طريفا. ~~- أنا أعرف ذلك يا طاهرة، وإنما هي مزحة أردت أن أثير بها غضبك. أرجو أن يكون هذا الغلام ~~سعيدا، كما أرجو السعادة لأخويه: إسماعيل وجابر، فإنني ms11 يا طاهرة دائم القلق على ذريتي، ~~وعلى ذلك الملك الذي أثلناه بعزم يدك الجبال، ولاقينا في توطيده وتوسيع رقعته ما يشيب نواصي ~~الأطفال. # إنك قوي الخيال يا مولاي، تجري وراءه فيصور لك التصاوير المزعجة، ويقض مضجعك كأنه حلم ~~مزعج حتى إذا صحوت منه لم تجده شيئا. ~~- لا يا ابنة مجاهد. إن المنجمين يكادون يجمعون على أن زوال ملكنا يكون على أيدي قوم ~~يطرءون على الجزيرة من غير سكانها، وأغلب الظن أن يكون هؤلاء هم البرازلة، الذين طرأوا على ~~الأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر؛ لذلك صممت - إن تنفس لي العمر، وامتد الأجل - أن اكتسح ~~غرب الجزيرة، وألا أبقي من ملوكه ملكا على عرش. ~~- زادك الله يا مولاي قوة وتمكينا، وأمتع بحياتك. # عند ذلك تهيأ الأمير للقيام، وقبل زوجه قبلة في جبينها، ثم مشى نحو الباب وهبط من السلم ~~والعبيد حوله، والحراس أمامه وخلفه، حتى إذا وصل إلى البهو، قام الناس جميعا في هيبة وخوف ~~وإجلال، وتقدم إليه رجال الدولة، ورؤساء الجند، وعظماء المدينة، بالتهنئة والدعوات بتمام ~~الإقبال وسعادة المولود. ثم تقدم الشعراء فأنشد كل منهم ما كان أسرع في إعداده، وكان فارس ~~حلبتهم في هذا اليوم أحمد الأنصاري الشاعر، الذي أنشد قصيدة سينية كانت غاية في الإبداع. ~~منها: # أصاخت الخيل آذانا لصرخته # واهتز كل هزبر عندما عطسا # وآثر الدرع مذ شدت لفائفه # وأبغض المهد لما أبصر الفرسا # وبعد أن انصرف القوم، دعا الأمير بالمنجمين ليروا طالع المولد، فاجتمعوا والرعب يملأ ~~قلوبهم، فقد كانوا يعلمون أنهم دعوا لأمر جد خطير، وكان بينهم أبو مسلم الحضرمي ~~الإشبيلي. # وبعد أن نظروا في أسطر لاباتهم وقلبوا في كتبهم، أقبل بعضهم على بعض يهمسون: ماذا نقول ~~للأمير؟ فقال أحدهم: إن الطالع سيئ، وهز آخر رأسه في أسف قائلا: إن ما تقوله حق أبا ~~الحسين ... ولكننا عاهدنا صناعتنا ألا نقول الحق إلا إذا كان سارا، أو تضمن شرا يمكن ~~اتقاؤه. # فقال أبو مسلم: إن رءوسكم لا تكفي لإسكات غضب الأمير لو جبهتموه بسوء طالع ابنه ms12 ، ثم إن ~~قتلكم لن يغير مما كتب في صفحة القدر حرفا، ولن يقول الناس إن تغيبوا في القبور: برد ~~الله مثواهم، لأنهم كانوا شجعانا لا يبالون في الحق صولة أمير جبار ... وهبوهم قالوا شيئا ~~من هذا، فماذا يفيدكم قولهم وأنتم تراب؟! رحم الله ذلك الأعرابي الذي قيل له حين فر من ~~القتال: ألا تخشى العار؟ فقال: لأن يقولوا: فر لعنه الله خير عندي من أن يقولوا: مات رحمه ~~الله! # فقال أبو الحسين: وماذا ترى أبا مسلم؟ قال: أرى أننا خوفنا الأمير منذ سنتين من خطر ~~يدهمه، من قوم يطرءون على الجزيرة من غير سكانها، فيجب أن نستمسك بهذا، وأن نظهر البشر ~~والابتسام وحسن التفاءل، ونبلغه بأن الطالع سعيد، غير أننا لا نزال نلح في اتقاء خطر ~~الطارئين. # فخرجوا على هذا الرأي، ولما ألقوا كلمتهم للأمير أطرق مرددا: يفعل الله ما يشاء ... ~~الطارئون ... الطارئون ... دائما الطارئون!! # ثم دعا بصاحب البريد، وطلب إليه أن يسير توا إلى إشبيلية لينقل الخبر إلى أبيه. # وما كاد حمدون اللخمي يتلقى أمر مولاه، حتى أسرع إلى خيل البريد فاختار أكرمهم سلالة، ~~وأسبقها عدوا، وأقواها جلدا. # ومضى به يسابق الريح بين غياض فيح، وحدائق نضر، وأشجار فينانة مختلفة الثمار، حتى أدركه ~~الصباح عند «لبلة» وظهرت له أسوارها المنيعة القديمة، وما يحيط بها من أشجار الزيتون ومروج ~~القرنفل والعصفر، فاجتاز القنطرة التي فوق النهر، ودخل المدينة تعبا ساغبا منهوك القوى، ~~فأخذ سمته إلى فندق في سوق التجار، وما كاد الطعام يقدم إليه حتى طفق يلتهمه التهاما، وكان ~~بالفندق فتاة إسبانية تنظر في شئون المسافرين، امتزجت فيها الصحة بالجمال، فكونت منها ~~إنسانة حسانة فاتنة عربيدة، تعرض عمن يهيم بها، وتدعو المعرض عنها يهيم بها، حتى إذا ~~اقتنصته أرته الدلال كيف يكون. # فلما رأت حمدونا لا يرفع عينيه من وعائه، يضع اللقمة في فمه ويعد أخرى، وينظر إلى ~~الثالثة ... قالت له في رشاقة تتخللها ضحكة خفيفة: يظهر أن الطعام صرفك حسن طهوه عن جميع ~~الناس!! # فرفع عينيه إليها في بله ms13 أو تباله وقال: ماذا تقولين يا فتاة؟؟ ~~- أقول: إن طعام «لبلة» أو طعام فندقنا خاصة، يستهوي البطون ويحظى بغزلها ~~وصبابتها. # فأعاد فيها حمدون النظر، فرأى ما بهره وأطار صوابه، أو أنه كان قد شبع قليلا فتنبه قلبه ~~بعد طول غفلته. فقال لها: انتظريني يا فتاتي حتى أسكت صياح تلك العصافير التي ملأت بطني ... ~~إن غزل القلوب يأتي بعد غزل البطون. ~~- هذا أضعف الحب. ~~- أتؤثرين الحب الصائم؟؟ ~~- إن الحب الصحيح لا يدعك تحس جوعا أو عطشا. ~~- أنا أقبل أن يمسني هذا الحب، بشرط أن يتساوى فيه الطرفان: أنا، وأنت. فما رأيك في أن ~~يسد علينا باب حجرة من هذا الفندق مدى الحياة، نستقي من رضاب الشفاه، ونقضم تفاح الخدود ... ~~ورمان النهود؟؟ فتهانفت الفتاة في دلال، وقالت: انتظر حتى أصاب أولا بحبك، ثم اقترح ما ~~تشاء. ~~- آه منك يا فتاة ... إنني أحتاج في اجتذابك إلى وقت أطول من وقتي، فإن ساعة لا تكفي ~~لاقتناص مثلك. # فأجابت الفتاة، وهي تلقي بسحرها، وتعبث بعيونها: ساعة لا تكفي!! إنك مغرور عظيم التفاؤل ~~يا فتى ... ألا قلت: شهرا ... ألا قلت: سنة ... ألا قلت: دهرا. # إن لين الكلام ولطفه، وتجاذب النظرات، وتبادل الضحكات شيء، والغرام شيء آخر. إن كل فتاة ~~تحييكم بكلمة طيبة أيها الشبان تظنونها قد تدلهت في حبكم، ووقعت في شباككم؟؟ # لا يا سيدي، لا ... أنا لست من هذا الطراز. ~~- من هذا الطراز أو من غيره ... كلكن بنات حواء. عمى صباحا أيتها الفتاة، واحتفظي بجمالك ~~حتى أعود. # ثم وثب على جواده وهو لا يصرف عينيه عنها. حتى حال البعد بينهما، وأخذ جواده يمر بجبل ~~الشرف، وهو تل أحمر التربة، دائم الخضرة، يمتد من الشمال إلى الجنوب نحو أربعين ميلا، به ~~كثير من القرى، لا تكاد تشمس من أرضه قطعة لالتفاف أشجار الزيتون به. # فسار حمدون في ظل دائم بين هذه الأشجار، حتى انتهى بعد خمس ساعات إلى «طريانة» وهي إلى ~~الشاطئ الأيمن من نهر الوادي الكبير، تقابل من شاطئه الآخر مدينة إشبيلية، وما وصل حمدون ms14 ~~إلى «طريانة» حتى سلم قياد جواده إلى أحد رجال البريد هناك، ونزل قاربا اجتاز به إلى ~~إشبيلية، ثم أخذ طريقة إلى القصر. فلما مثل بين أبي القاسم محمد بن عباد - وكان رجلا داهية ~~في الرجال، قد جلله الشيب وأطفأ منه الهرم كل قوة إلا قوة عقله، وقوة إرادته، وقوة نفوذ ~~عينيه وشدة بريقهما - ابتدره أبو القاسم قائلا: خير ما جاء بك. ~~- خير إن شاء الله يا مولاي ... ولد غلام لسيدي عباد أمير باجة. # فاستشهد أبو القاسم: # إذا بلغ الرضيع لنا فطاما # تخر له الجبابر ساجدينا ~~- وهل مررت بطريقك على بطليوس؟ وهل سمعت شيئا عن المظفر بن الأفطس أميرها؟ ~~- لا يا مولاي، إني اتخذت أقصر طريق. # ثم أراد أن يتملقه فقال: ولكني سمعت بباجة: أن المظفر لا يزال عاكفا على تأليف كتابه، ~~وقد بلغ فيه - فيما نقل إلي - إلى الجزء الرابع والأربعين. ~~- وي وي ... دعه يؤلف ... إننا نؤلف له كتابا سطوره صفوف الجيوش، ونقطه أسنة الرماح. # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # | عزاء # دار الفلك دوراته ... ومضى نحو سنتين من ولادة محمد بن عباد، والدنيا مقبلة على دولة بني ~~عباد، والأيام تضاحك آمالها. # حتى إذا كان يوم من أيام الربيع، أقبل على قصر باجة فارس يحث جواده وقد تصبب منه العرق ~~وجلله الغبار، فلما دخل الفناء تواثب إليه الحراس والجنود من كل مكان، فعرفوا فيه الحارث ~~بن ربيعة، موضع ثقة الملك أبي القاسم صاحب إشبيلية. فابتدرهم الفارس وهو يلهث: أين مولاي ~~عباد؟ فأشاروا إلى داخل القصر، فقفز الحارث حتى إذا مثل بين يدي الأمير، أدى كريم التحية، ~~وقال: يا مولاي. إن سيدي أبا القاسم قد اشتد به المرض منذ أيام، وقد طلب إلي أن أسرع إليك ~~لتراه. # فوجم عباد عند إلقاء الخبر إليه، وبدا على وجهه مزيج من حزن وأمل وخوف وتفكير، ثم قال: ~~أتراه بارئا يا ابن ربيعة؟؟ فقال: يا مولاي إن المرض لشديد. # وما كاد يسري الخبر في القصر، حتى سرى النحيب والنشيج بين ms15 الجواري؛ فغضب عباد وقال: إنهن ~~فاجرات يملكن عيونهن ... مر صاحب بريدي أن يعد «داحسا» فإنه أقوى خيلي على العدو. ثم قام ~~وودع زوجه، وتأهب للسفر إلى إشبيلية، وأمر أن ترحل الأسرة والحاشية بعد يومين. # عدا الفرس بعباد كأنه البرق الخاطف، حتى لقد عجز الحارث عن مداركته، وما كانت إلا ليلة ~~وبعض نهار، حتى وصل عباد إلى إشبيلية وكان في حجرة أبيه. فرأى شبحا نهكته الأيام وافترسته ~~الأمراض، يردد أنفاسا قصارا، ويرسل أنات خافتة فلما رآه أبو القاسم ابتسم ابتسامة ترحيب، ~~وأشار إليه بالجلوس، ثم قال في عبارات متقطعة: إننا ملكنا يا عباد بالدهاء والحيلة، ثم ~~ثنينا بعد ذلك بالقوة والبطش والجبروت ... أملك الجزيرة كلها أبا عمرو، وأبدأ بالأدارسة، ~~فإنهم أعداؤك وأعداء أبيك ... إنك لخمي يا بني ... إنك من ~~بني المنذر بن ماء السماء، فلست بمحدث في الملك ولا واغل فيه. عند ذاك أقبل يحيى بن إسحاق ~~الطيب، وفي يده كأس بها دواء، فصرفه عنه أبو القاسم، وقال: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # ثم مال برأسه على وسادته ومات. # دفن أبو القاسم، وأصبح عباد ملك إشبيلية وغرب الأندلس، وسمى نفسه بالمعتضد، وكان عباد ~~باقعة في السياسة، داهية في اقتناص الفرص، حولا قلبا. # وكان بعيد الهوى والمدى # يكون الصبا ويكون الدبورا # أسد يفترس وهو رابض، وينصب المكايد وهو بين جواريه وكاساته وندمائه ... قاس أشد القسوة، ~~وعنيد أشد العناد، ومخيف أشد الإخافة ... لا يرحم قريبا، ولا تقصر ذراعه عن بعيد، وطد دولته ~~وقوى جيشه، ووسع بغزواته ملكه، ونصب في حديقة قصره خشبا ربط بأعلى كل خشبة رأس ملك، أو ~~أمير، أو قائد ممن ظفر بهم في غزواته، وقد أكثر من الجواسيس حتى خافت الرعية أن تهجس بما في ~~نفوسها، فدانت له الرقاب، وذلت الصعاب، وقهر ملوك غربي الأندلس، وقد صور نفسه بنفسه حين ~~يقول: # حميت ذمار المجد بالبيض والسمر # وقصرت أعمال العداة على قسر # ووسعت طرق المجد طبعا وصنعه # لأشياء في العلياء ضاق بها صدري # فلا مجد للإنسان ما ms16 كان ضده # يشاركه في الدهر بالنهي والأمر # ثم أعطى نفسه صورة أخرى حين قال: # لعمري إني بالمدامة قوال # وإني لما يهوى الندامى لفعال # قسمت زماني بين كد وراحة # فللرأي أسحار وللطيب آصال # فأمسي على اللذات واللهو عاكفا # وأضحي بساحات الرياسة أختال # ولست على الإدمان أغفل بغيتي # من المجد، إني في المعالي لمحتال # | قتل # استقر الملك للمعتضد وتتابع الانتصار، واستمر الزمان يسير والأيام تتوالى، وبلغ محمد بن ~~عباد الحادية عشرة، وكان قد أتقن القراءة والكتابة، وشدا في مبادئ العلوم، فأحضر له أبوه في ~~القصر خير الأساتذة بالأندلس لتثقيفه وتلقينه، فكان يعيش بن دينار يدرس معه فقه الإمام ~~مالك، وبقي بن مخلد تفسير القرآن، ومحمد بن أيمن الحديث، وإسماعيل بن القاسم الأدب ~~والتاريخ، والخوفي النحو، وأبو القاسم الصفار التنجيم، ووكل إلى رئيس قواده تعليمه الفروسية ~~وعلوم الحرب. # وكان الشاب محمد وسيم الوجه، زكي الفؤاد، صادق الحس، قوي العارضة، فسيح مدى الخيال، فيه ~~كثير من الجرأة والشجاعة، وشيء من التهور والعجلة، وكان مولعا بقراءة الشعر، وأكثر ما ~~يعجبه فيه شعر الغزل والحماسة. # وقد استمرت دراسته ست سنين، خرج بعدها كامل التثقيف وافر العدة للملك والرياسة. # جلس إلى إسماعيل بن القاسم يوما بعد أن تمكن في الأدب، فلما انتهى الشيخ من شرح قصيدة ~~عمر بن أبي ربيعة: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # وكان ابن عباد قاسيا في نقدها، التفت إلى أستاذه وقال: ما يقول الشيخ في هذين ~~البيتين: # أكثرت هجرك غير أنك ربما # عطفتك أحيانا علي أمور # فكأنما زمن التهاجر بيننا # ليل وساعات الوصال بدور # فقال الشيخ: هذا شعر حسن. لمن هذان البيتان؟ فقال ابن عباد: وما تظن في هذه ~~الأبيات؟؟ # تظن بنا أم الربيع سآمة # ألا غفر الرحمن دنبا تواقعه # أأهجر ظبيا في فؤادي كناسه # وبدر تمام، في ضلوعي مطالعه؟ # وروضة حسن أجتنبها، وباردا # من الظلم، لم تحظر علي شرائعه؟ # إذا عدمت كفي نوالا تفيضه # على معتفيها، أو عدوا تقارعه # فطرب الشيخ وصاح: هذا والله الشعر، لمن ms17 هذا؟ فقال ابن عباد: للجالس بين يديك، الذي طابت ~~بأدبك أصائله، وغنت بلابله. فقال الشيخ: مرحى يا ابن مولاي مرحى!! هذا هو شعر الملوك، ومن ~~سواك يقول مثله، وفيكم الرياسة والأدب والشعر منذ عهد ابن المنذر؟ # خرج الشاب والعجب يملأ جوانبه، فالتقى بأخيه إسماعيل في أحد دهاليز القصر، فأنشده الأبيات ~~فبهر إسماعيل وقال: ويلك يا محمد!! أغزل في هذا السن؟! والله لو علم أبوك ما سلمت من عصاه. ~~فأجاب محمد: إن الناس يتناقلون لأبي كثيرا من شعر الغزل. ~~- إن الكلب الغاضب ينبح، فإذا حاكيت نباحه وثب عليك. ~~- هذا تشبيه عجيب يا إسماعيل ... أتشبه أبي بالكلب بعد أن قدمك على إخوتك وجعلك ولي ~~عهده؟! ~~- أما تشبيهي إياه بالكلب، فقد سبقني إليه علي بن الجهم في مدح المتوكل العباسي حين قال: # أنت كالكلب في حفاظك للود # وكالتيس في قراع الخطوب ~~- ذلك كان أعرابيا جافيا جاء من البادية، ولم تصقله الحضارة، ولكن الله تعالى يقول: # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ~~أو تتركه يلهث # فدع المغالطة يا إسماعيل. ثم أين «أما» ~~الثانية؟ ~~- وأما ولاية العهد، فهي في يد الرحمن ... الرجل كثير التقلب يا محمد لا يثبت على حال، ~~وعيونه حولك وحولي في كل مكان. أتعرف جاريتي «ماريا» التي تضرب الحاشية بها المثل في فنائها ~~في حبي وطاعتي؟ أتعرف أنها جاسوسة له علي؟! ~~- جاسوسة؟! ~~- نعم جاسوسة، وقد حذرتني أمي منها بعد أن وعظتني طويلا، ونصحتني بالاتبعاد عن الاتصال ~~بالجنود، وبالتزام الطاعة في كل ما يأمر به أبي، ولقد يحسن بك أن تعلم أن الجارية «فلورا» ~~تتجسس عليك أيضا، وتنقل أخبار لهوك وعبثك إلى أبي. ~~- ومن أخبرك بهذا؟ ~~- أخبرتني الجارية «صباح» لأنها رأتها تختلف إلى حجرة أبي، وهي تعلم أن الغيرة تنهش صدرها ~~عليك؛ لما تظهر من الصبابة والغرام بالجاريتين: سحر، وجوهرة. ~~- ويل لابنة الأسبان ... ~~- هذا ما يجب أن تخشاه يا محمد، أما أنا فما ذنبي؟! ~~- حدة الطبع والتشبث بالرأي، والعجلة التي تدعوك أحيانا إلى جني الفاكهة قبل نضجها، ~~وللفقهاء قاعدة مليحة يرددونها: «من ms18 استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه». # وبينما هما يتحدثان، أقبل «صاعد» خادم المعتضد الخاص يدعو إسماعيل لمقابلة أبيه، فهرول ~~مسرعا، حتى إذا دخل عليه رآه مطرقا عابسا، فقال: اجلس يا إسماعيل ... لمثل هذا اليوم ~~أعددتك ... أتعرف قرطبة؟ هي قصبة الأندلس جميعها ... هي رقبتها، فإذا حزتها في قبضتي أخفت ~~الملوك جميعا، وسيطرت عليهم جميعا ... خذ الجيش غدا ... ~~وهات لي قرطبة بعد ثلاث أيام ... قم. # فتلكأ إسماعيل وقال: ولكن يا مولاي، جيشنا قليل العدد، وإن بقرطبة جيشا عظيما تؤيده ~~العامة، وليس ببعيد أن تستنجد قرطبة بحليفها باديس بن حبوس، فيقع رجالي بين شقي ~~الرحا. # فصاح المعتضد: لقد صدق فيك ظني ... إنك لجبان رعديد منخوب الفؤاد ... بمثلك تضيع الممالك؛ ~~وتهزم الجيوش ... أغرب عني ... أغرب ... ثم وثب عليه ففر من أمامه. # فر وهو يعتقد أنه مائت لا محالة لو بقي في عرين هذا الأسد، فاختفى بعيدا عن إشبيلية ~~أياما، ثم علم أن أباه قد غاب عن القصر، وذهب إلى حصن الزاهر. فعاد إسماعيل إلى إشبيلية، ~~واقتحم القصر وأخذ كثيرا من ذخائره، واستكثر من المال والمتاع ومضى مع بعض الجند الموالين ~~له إلى الجزيرة الخضراء، ومر في طريقه بقلعة ابن أبي حصاد فاستجار به فأجاره، ولكنه بادر ~~بالكتابة إلى المعتضد سرا يخبره بنزول ابنه عنده، فأرسل إليه المعتضد من أعاده إلى ~~إشبيلية، فاعتقله المعتضد، وبقي أياما يقلب الرأي في أمره. # حتى إذا كانت ليلة - والمعتضد أرق يتقلب على سريره لما دهمه من الهم والنكد - لمح رجلا ~~يتسور عليه القصر، فنظر، فإذا هو ابنه مع طائفة من الجند كانوا يمالئونه، فهم المعتضد ~~وهم معه حراسه، وقبض على إسماعيل ابنه، وحدثت ضجة في القصر استيقظ لها النوام، وجاءت أم ~~إسماعيل حاسرة عن رأسها باكية مولولة، فسقطت على قدمي المعتضد صائحة: بحقك يا مولاي إلا ما ~~وهبته لي ... فزمجر المعتضد وقال، وقد نحاها عنه: يكفي أن أهب لك نفسك، فقد سئمت الموالسة ~~والمخالسة، ولن أكون كالمتوكل العباسي الغر، الذي ما زال يغمض عينيه عن الخطر، ويستجيب ~~للحنان الكاذب ms19 - حتى صرعه ابنه، والآن فليهنأ برثاء البحتري! لا. لا ... # ثم قام إلى إسماعيل فحز رأسه بسيفه وهو يقول: # إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ~~. # ولو أن كفي لم تطعني قطعتها # وألقيتها للكلب يقضمها حولي # | عبث # وكرت الأيام وتوالت الشهور، والقصر في صمت القبور، والوزراء والأمراء والخدم يمشون فيه ~~واجفين مطرقين، ومحمد بن عباد - بعد أن جعله أبوه ولي عهده ولقبه بالمعتمد - أصبح لا يكاد ~~يؤدي واجب تقبيل يد والده كل صباح، حتى يفر إلى أخدانه من أبناء كبار الساسة والأدباء ~~والشعراء، وكان يطيب له اللهو بالزاهي، وهو قصر عند باب العطارين بإشبيلية، فيه كان يخلع ~~عذراه، ويرسل لطبعه الشعري عنانه؛ ففي يوم دعا جماعته إليه، وطاب المجلس، وغنت القيان، ~~ودارت الراح ... وكان بينهم الداني الشاعر، وأبو بكر بن زيدون، وأبو القاسم الهوزني، ثم شرعت ~~«نشوة» المغنية تغني بشعر المعتمد: # ولقد شربت الراح يسطع نورها # والليل قد مد الظلام رداء # حتى تبدى البدر في ظلمائه # ملكا، تناهى بهجة وبهاء # وحكيته في الأرض بين مواكب # وكواعب جمعت سنا وسناء # إن نشرت تلك الدروع حنادسا # ملأت لنا هذي الكئوس ضياء # وإذا تغنت هذه في مزهر # لم تأل تلك على التريك غناء # فطرب القوم، وقام بين يديه أحد سقاته فقال: # لله ساق مهفهف عبق # قام ليسقي فجاء بالعجب # أهدى لنا من لطيف حكمته # في جامد الماء ذائب الذهب # ثم غنت «نشوة» من قول المعتمد: # يا صفوتي من البشر # يا كوكبا بل يا قمر # يا غصنا إذا مشى # يا رشأ إذا خطر # يا نفس الروضة قد # هب لنا عند السحر # يا ربة اللحظ الذي # شد وثاقي إذ فتر # متى أداوي يا دوا # ء السمع مني والبصر # ما بفؤادي من جوى # بما بفيك من خصر؟ # فأبدعت إنشادا وإيقاعا. # ثم التفت المعتمد وقال: أين ابن عمار؟ فتهامس القوم، وقال أبو بكر بن زيدون: يا مولاي: ~~إنه دون هذه المنزلة، وهو رجل لا تؤمن مغبته يرتزق بشعره، ويمدح اليوم من يهجوه ~~غدا. # فظهر الغضب في عيني ابن ms20 عباد وقال: والله إنها الغيرة ~~التي تأكل القلوب، وتظهر البغضاء على الأفواه، ليس منكم والله من يستطيع أن يقول كما قال ~~ابن عمار: # علي وإلا ما بكاء الغمائم؟ # وفي وإلا فيم نوح الحمائم؟ # يا غلام: اذهب فأحضره، ولو كان بين براثن الأسد. # وبينما هو في انتظاره إذ أقبل صاعد خادم المعتضد مسرعا حتى إذا بلغ المعتمد قال: يا ~~سيدي، إن مولاي يدعوك إليه لأمر لا أعلمه. فبدا الخوف في وجه المعتمد، وتمتم لأصدقائه ~~بكلمات يعتذر فيها عن مغادرتهم. # كان المعتضد في مساء ذلك اليوم منفردا في الحجرة ~~التي خصصها بتدبير شئون ملكه، وإذ الباب يقرع خفيفا، وإذا الجارية «فلورا» تدخل في اضطراب ~~ورعب. # فيعالجها المعتضد صائحا: ما وراءك؟؟ # فتتلعثم قائلة: يا مولاي قد طلبت إلي أن أرصد أحوال ~~سيدي المعتمد، وقد تسللت اليوم إلى غرفة نومه، فرأيت فيها هذه الأوراق التي لا أدري ما ~~فيها، فقلت: لعل لمولاي فيها رأيا. فاختطفها منها المعتضد وقرأ، فإذا غزل رائع لابنه ~~المعتمد. فيه: # داوى ثلاثته بلطف ثلاثة # فغدا بذاك رقيبه لم يشعر # أسراره بتستر، وأواره # بتبصر، وخباله بتوقر # وفيه: # أسر الهوى قلبي فعذبني # يوم الوداع فلم أطلق منعا # فأذاب حر صبابتي كبدي # وأسألها في وجنتي دمعا # وفيه: # حرم النوم علينا ورقد # وابتلانا بهواه ثم صد # يا هلالا حسن خد يا رشا # سحر لحظ، يا قضيبا لين قد # بودادي لك، بالشوق الذي # في فؤادي، لا تدعني للكمد # لست أرضي عن زماني أو أرى # منك حسنا لا أراه من أحد # وفيه: # يا ليت مدة بعدك # رشيقة مثل قدك # كمدة الورد ورد الر # بيع، لا ورد خدك # فعمر ذا عمر صبري # وعمر ذا عمر صدك # رضيت منك - وإن لم # تنجز - بلذة وعدك # وفيه: # سرورنا بعدكم ناقص # والطيب لا صاف ولا خالص # والسعد إن طالعنا نجمه # وغبت، فهو الآفل الناكص # سموك بالجوهر مظلومة # مثلك لا يدركه الغائص # وفيه: # قلت: متى ترحمني؟ # قال: ولا طول الأبد # قلت: فقد أيأستني # من الحياة، قال: قد # وفيه: # يا غرة الشمس التي ms21 # قلبي لها أحد البروج # لولاك لم أك مؤثرا # فرش الحرير على السروج # فبدا الغضب على المعتضد عندما قرأ البيتين الأخيرين، وقال: يا ضيعة الملك بمثله!! إنه ~~لأجل جارية لا تساوي عقال بعير، يؤثر الحرير على السروج ... اذهبي يا جارية ... يا صاعد ... علي ~~بمحمد، ولعلك تجده في أحد مجالس أنسه، بين الأفاقين من ندمائه، والعواهر من جواريه ~~وقيانه. # وقف المعتمد بين يدي والده يرتعد فرقا، فابتدره المعتضد: إني لا أحظر الشعر ولكني أحظر ~~الفجور، وأحظر أن تؤثر فرش الحرير على السروج، وأبغض أن أراك عبد شهواتك صريع غانية وكأس، ~~وأكره أن تكون بطانتك من السفلة المخادعين، الذين لا يبالون أبقيت الدولة أم زالت ما داموا ~~يطعمون ويشربون. # إن السيف الذي قتلت به أخاك لا يزال الدم عليه جاسدا ... ويل ~~للدولة من الخلعاء ... ويل للدولة من الخمر والنساء. # يا محمد: إن أردت أن تكون خليفتي من بعدي، فاجعل كلماتي هذه في أذنيك أقراطا. ~~اذهب. # | خيبة # أراد المعتضد أن يصرف عن ابنه إخوان السوء، وأن ~~يدربه على شئون الملك، فدعاه في غداة يوم، فلما ذهب إليه رآه يقرأ في رسالة، فرفع المعتضد ~~عينيه وقال: هذه يا محمد رسالة من أشياخ «مالقة» يشكون فيها من أميرها باديس بن حبوس عدو ~~دولتنا الألد، ويستحثونني على أخذ المدينة وأن يكونوا لي عونا في قتاله، فاذهب أنت وأخوك ~~جابر بجيوشنا، واستأصل جماعة ابن حبوس، وهات لي رأسه ... غدا ترحل. # لم يجد المعتمد مناصا من الطاعة أمام رجل لا يعف سيفه عن أبنائه، فقال: السمع لك والطاعة ~~لك يا أبي ... سأرحل، وسأكون ابن المعتضد والحقيق بنسبه. # رحل المعتمد وأخوه جابر يقودان جيشا عظيما، فدان ~~لهم البلد وخضع أهله إلا فلولا من السودان لاذوا بقلعة مالقة، فأشار أهل المدينة على ~~المعتمد بالاحتراس منهم، وأن يكون جيشه على أهبة الاستعداد والحذر، فلم يلق المعتمد لهذه ~~النصيحة سمعا، وقضى ليلته في لهو ومجون، وقضى السودان ليلتهم في بث الرسل لباديس ~~والاستنجاد به؛ فجاءهم في جيوش زاخرة، وفتك بجيش المعتمد، وانتهب ذخائره ms22 وأثقاله، وفر ~~المعتمد وأخوه إلى «رندة» يجران ذيل الخزي والعار، ويرهبان صولة أبيهما الجبار. # كان المعتمد في حيرة فقال لأخيه: ما نصنع يا جابر؟؟ ~~- إني أؤثر أن أغمد سيفي هذا في صدري على أن أرى وجه المعتضد. # وشاعت القالة في «رندة» أن المعتضد نذر دم ابنه المعتمد، وأعد لمقابلته سيفا بتارا، ~~فقضى المعتمد ليلة في هم وسهد، يكتب ويمحو، ثم يكتب ويمحو، وبزغ الفجر وقد أتم قصيدة في ~~استعطاف أبيه، ثم ذهب فأيقظ أخاه وقال: اسمع يا جابر، سأكتب بهذه لأبي، وقرأ: # سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر # ماذا يعيد عليك الهم والحذر؟ # وازجر جفونك لا ترض البكاء لها # واصبر، فقد كنت عند الخطب تصطبر # فإن يكن قدر قد عاق عن وطر # فلا مرد لما يأتي به القدر # وإن تكن خيبة في الدهر واحدة # فكم غزوت ومن أشياعك الظفر! # يا ضيغما يقتل الأقران مفترسا # لا توهنني، فإني الناب والظفر # كم وقعة لك في الأعداء واضحة # تفنى الليالي ولا يفنى بها الخبر # سارت بها العيس في الآفاق فانتشرت # فليس في كل حي غيرها سمر # قد أخلفتني ظنون أنت تعلمها # وغال مورد آمالي بها كدر # فالنفس جازعة، والعين دامعة # والصوت منخفض، والطرف منكسر # قد حلت لونا، وما بالجسم من سقم # وشب رأسا، ولم يبلغني الكبر # ومت إلا ذماء في يمسكه # إني عهدتك تعفو حين تقتدر # لم يأت عبدك ذنبا يستحق به # عتبي، وها هو قد ناداك يعتذر # ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل # وفى لهم عدلك المألوف إذ غدروا # قوم نصيحتهم غش، وحبهم # بغض، ونفعهم إن صدقوا ضرر # يميز البغض في الألفاظ إن نطقوا # ويعرف الحقد في الألحاظ إن نظروا # أجب نداء أخي قلب تملكه # أسى، وذي مقلة أوهى بها سهر # رضاك راحة نفسي، لا فجعت به # فهو العتاد الذي للدهر أدخر # وهو المدام التي أسلو بها فإذا # عدمتها عبثت في قلبي الفكر # وإنما أنا ساع في رضاك فإن # أخفقت فيه، فلا يفسح لي العمر # فظهر السرور على وجه جابر وصاح ms23 : نجوت من صولة الحجاج ... إن أبي على قسوته وجبروته أديب ~~أريحي يؤثر فيه سحر الكلام، والله إنها لخير من اعتذار النابغة لجدك النعمان ... ابعث بها ~~إليه يا أبا القاسم على جناح طائر. # فبعث بها المعتمد إلى أبيه، وبقي أياما خائفا يترقب حتى جاء البريد الخاص برسالة من ~~المعتضد، يقبل فيها عذره ويقلده ولاية «شلب»، ويأمر جابرا بالعودة إلى إشبيلية. فطار ~~الأخوان فرحا وتعانقا كأنهما قاما من جدثين، وأخذ يستقبلان الحياة من جديد. # | ولاية # سافر المعتمد إلى شلب متمتعا برضاء أبيه، وقلبه يكاد يسابق جواده، وشلب هذه مدينة إلى ~~الجنوب من باجة ذات بسائط فسيحة ومروج خضر، وبها جبل منيف بديع المناظر، به كثير من المياه ~~وأشجار التفاح العجيب. # وسكان المدينة عرب من اليمن، وهم مطبوعون على قول الشعر، حتى إن العامي منهم ليقول الشعر ~~في كل ما يقترح عليه. نزل المعتمد بقصر الشراحيب، وأرسل إلى جواريه وخدامه وحاشيته بموافاته ~~إليها، وأقبل عليه عظماء المدينة يتملقونه، وعلماؤها يصانعونه، وشعراؤها يستجدونه، ووفد ~~عليه ابن عمار صديقه وشاعره ووزيره، الذي كان المعتمد لا يصبر على فراقه، فاتسقت الأمور ~~للأمير، وقضى في هذه الولاية سنوات سعيدة. # وكان يقضي النهار في تصريف شئون الدولة، وإصدار الأوامر في حزم وسداد ورفق وتؤدة، ويقضي ~~الليل في قرض الشعر، أو مجالسة الحسان، وفي ليلة وإلى جانبه ابن عمار وحوله جواريه، وبينهن ~~«سحر» تغمز له بعين، و«وداد» تقدم له الكأس في دلال ورشاقة، والمغنية «فتنة» تغني من شعره ~~قوله: # أشرب الكأس في وداد «ودادك» # وتأنس بذكرها في انفرادك # قمر غاب عن جفونك مرآ # ه وسكناه في سواد فؤادك # إذا سيف رئيس الخدم يدخل ويقول: إن أبا القاسم بن عمر الهوزني بالباب، فصاح المعتمد ~~مستبشرا: يدخل ... إنه لصديق كريم رفيع الحسب. # دخل أبو القاسم فبادره المعتمد قائلا: لم أبطأت علينا وقد بعثت إليك برسولي إلى ~~إشبيلية مرتين؟ فأجاب أبو القاسم إن الذي عاقني عن الإسراع إلى الحضرة قدوم أبي من المشرق ~~منذ شهر، بعد أن طالت غيبته، فأحببت أن أكون ms24 بجانب الشيخ آنس به ويأنس بي، وأبل من نفسي ~~شوقا كان يتأجج لرؤيته. فقال المعتمد: لقد سمعت أنه كان شديد الخوف من بطش أبي به، وأنه ~~لذلك اتخذ الذهاب إلى الحج ذريعة للابتعاد عنه، فأقام زمنا طويلا بمكة ومصر، والآن عاد ~~إلى أشبيلية، فهل اطمأنت نفسه وذهبت مخاوفه؟؟ حرق أبو القاسم أسنانه، وكتم غيظا دفينا في ~~نفسه وقال: لا يا مولاي، هذه أكذوبة يذيعها أعداؤه ... إن الخوف لم يكن مرة من شيم أبي، وقد ~~اشتهر بأنه جريء في الحق لا تأخذه فيه لومة لائم ... إنه غاب تلك المدة الطويلة؛ لأنه كان ~~يتلقى صحيح البخاري، ليصل روايته بسند رجاله حتى يأخذه عنه أهل الأندلس. # كان أبو القاسم هذا في نحو الثلاثين، قوي البنيان فارها، يدل ضيق عينيه على المكر ~~والخديعة، وتدل رقة شفتيه على القسوة والصرامة، ويدل صيد في رأسه على اعتزاز بالنفس، وعلى ~~عزيمة لا تترك ثأرا ولا تصفح عن ذنب. قال المعتمد: وكيف تركت المعتضد؟؟ ~~- في أوج عزه ... فقد دان غرب الجزيرة كله، وأصبح له الملوك خولا وأتباعا، فملأ مديحه كل ~~فم، وجوده كل كف. # فصاح المعتمد: غني يا فتنة بما قلته في أبي: # يا ملكا قد أصبحت كفه # ساخرة بالعارض الهاطل # قد أفحمتني منة مثلها # يضيق القول على القائل # وإن أكن قصرت في وصفها # فحسنها عن وصفها شاغلي # واستمر اللهو والضحك والمجون ساعات. # ثم التفت المعتمد وقال: أين ابن عمار؟ ... يا سيف ... اذهب فانظر في أي مكان من القصر هو. ~~فذهب سيف وقال: بحثت في كل الحجرات يا مولاي فلم أجده، وسألت حراس الباب فقالوا: إنهم لم ~~يشهدوه خارجا. فبدا الاختبال على وجه المعتمد وكأنما فقد نفس الحياة، فقام وقال: هات شمعة ~~يا سيف لأبحث عنه معك. # ثم سارا في أنحاء القصر، والمعتمد زائغ البصر ينظر في كل مكان، حتى إذا بلغا، بعد بحث ~~طويل، أحد دهاليز القصر، رأى المعتمد حصيرا مطويا فقال: ابسط يا سيف هذا الحصير. فقال ~~سيف: أيظن الأمير أن مثل الوزير يلتف بحصير ؟! فبسط ms25 المعتمد الحصير بنفسه، فإذا ابن عمار فيه ~~وهو عريان وقد غلبه السكر وذهبت بلبه الخمر، فلما أحس البرد أفاق وقام وهو يستر نفسه بفضلة ~~من الحصير، وقد أفحمه البكاء، ففاضت عينا المعتمد، وأمر طائفة من الخدم بحمله إلى سريره، ثم ~~ذهب إليه بعد أن هدأت نفسه، وقال: ما هذا يا ابن عمار؟! وما هذه الفعلة؟! أأصابك ~~جنون؟! ~~- هو جنون أو شبه جنون يا مولاي، إنني كلما أخذت مني الخمر في حضرتك، وأحسست بالنعيم يحيط ~~بي، والنعم التي طوقتني بها، والمنزلة الرفيعة التي بلغتني إياها، والشغف بي الذي لا ~~تستطيع كتمانه - أسمع هاتفا في أذني يقول: يا ابن عمار لا تغتر، إنه سيقتلك ولو بعد حين. ~~فأستعيذ من الشيطان، فيعيد الهاتف الكرة ثانية وثالثة، وقد حصل ذلك يا مولاي في هذه ~~الليلة، فدعاني السكر إلى التجرد من ثياب الإمارة، والنوم إلى الفجر، حتى إذا ظهر أول ~~بصيص منه، ارتديت ما اعتدته من الثياب قبل الاتصال بك، وخرجت مستخفيا حتى آتي البحر، ~~فأركبه وأقصد بر العدوة. فضحك المعتمد وقال: هذه آثار الخمر يا أبا بكر، وكيف أقتلك؟! ~~أرأيت أحدا يقتل نفسه؟! وهل أنت عندي إلا كنفسي؟؟ # وفي الصباح، ورد صاعد خادم المعتضد ومعه أمران: الأول: أن ينفي ابن عمار إلى سرقسطة، ~~والثاني: أن يعود المعتمد إلى إشبيلية. # حزن المعتمد أشد الحزن، وودع صاحبه وخليله ابن عمار، والبكاء يغلب عينيه، ثم أمر بالرحيل ~~إلى إشبيلية. # وبعد أن اجتاز حدود المدينة وبعدت عنه مشاهدها، أخذ يقول: # ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر # وسلهن هل عهد الوصال كما أدري؟ # وسلم على قصر الشراجيب عن فتى # له أبدا شوق إلى ذلك القصر # منازل آساد وبيض نواعم # فناهيك من غيل، وناهيك من خدر # فكم ليلة قد بت أنعم جنحها # بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر # نضت بردها عن غصن بان منعم # نضير، كما انشق الكمام عن الزهر # | فجائع # جلس المعتضد في الصباح في حجرة نومه، وأطال نومه، وأطال الجلوس، ثم دعا صاعدا، وأمره أن ~~يحضر ابنته بثينة، وكان شديد ms26 الكلف بها حتى أصبحت متعته الباقية من الحياة. # جاءت بثينة وخلفها جاريتها، وهي تثب وثبة الجذل وتصيح: أبي، أبي. ثم ألقت بنفسها بين ~~ساعديه، وأخذ يقبلها في شغف وحنان، ثم مرت بيدها على لحيته تجتذب شعراتها في رفق، ~~والمعتضد يعبث بخديها، ويمر بشفتيه حول عنقها وهي تضحك وتقهقه. # كانت بثينة في السادسة من عمرها بارعة الجمال، خفيفة الروح، لا تشبع العين من رؤيتها، ~~وحين فرغ المعتضد من مداعبتها قال: ماذا كنت تعملين يا بنية؟ ~~- كنت ألعب وأعدو خلف بنات القصر، وكانت جاريتي تنهاني عن الصياح والوثب، وتخوفني غضبك ~~إذا سمعت صياحي. ~~- لا تخافي يا حبيبتي، والعبي وصيحي كما تشائين ... آه يا بثينة ... ليتني ألعب وأصيح ~~مثلك!! ~~- لماذا لا تلعب يا أبي؟ تعال معنا فإننا قد عرفنا لعبة جديدة علمتنا إياها «جميلة» ~~الإسبانية. ~~- إن لي يا بنتي لعبا أخرى، ولكنها لا تضحك، وكثيرا ما تبكي!! ~~- آه ... يجب أن تضحك يا أبي، فإني أراك دائم العبوس ... ثم لماذا يخافك الناس جميعا ولا أحس ~~في نفسي خوفا منك؟! ~~- لأنك صغيرة. ~~- لا. إن جميع الأطفال في القصر يخافونك. ~~- لأنهم يتشبهون بآبائهم وأمهاتهم. ~~- ولم يخافك الآباء والأمهات يا أبي؟ ~~- آه يا بنيتي!! لأنهم يخفون عني ما لو ظهر لطارت رءوسهم، ولو كان الناس جميعا في طهارتك ~~ونقاء قلبك ما خافوني. # وفي تلك اللحظة، أعلن قدوم المعتمد، فدخل على أبيه في ثياب السفر، فقال له المعتضد: ~~أحببت أبا القاسم أن تكون بجانبي وتحت عيني فدعوتك، أما هذا الشاعر المجتدي العربيد ابن ~~عمار، فنفيته؛ لأنه ليس من أخدانك، ولا أحب أن أراه معك ... اذهب إلى أمك فلعلها في شوق لأن ~~تراك. # قضى المعتمد أيامه في إشبيلية في فراغ ولهو، وعاد إلى مجالس أنسه، ومخالطة الأدباء ~~والندماء، ومطارحة الشعر، ومغازلة الحسان. # ففي يوم طاب أصيله، ورق نسيمه، خرج للتنزه هو وأبو القاسم الهوزني في الموضع المعروف ~~بمرج الفضة، وكان مرجا بهيجا، كثير الأشجار، يجتمع فيه الرجال والنساء للفرجة والتمتع ~~بشاطئ نهر الوادي الكبير. # وبينما هو وصاحبه على الشاطئ؛ ms27 إذ هبت ريح لطيفة عقدت على سطح النهر حبكا، فقال لصاحبه: ~~أجز: # صنع الريح من الماء زرد # فتلكأ الهوزني، فبادرت فتاة كانت بمقربة منهما، وقالت: # أي درع لقتال لو جمد! # فتعجب المعتمد، ونظر إليها، فإذا وجه يبهر العيون، وجسم يثير الفتنة النائمة. فقال ~~لخادم كان وراءه: سل عن هذه الفتاة واعرف مكان أهلها، فإنها سلبت لبي، فجاء الخادم بعد ~~يومين وأخبره أنها جارية رميك بن حجاج، فذهب المعتمد إلى أمه فكاشفها بغرامه بهذه الجارية، ~~وأنها أصابت شغاف قلبه، وأنه لا يستطيع البعد عنها، وسألها أن تستعطف أباه وترجوه في أن ~~يزوجه منها، فوعدته خيرا. # ثم اغتنمت في يوم فرصة ابتسامة اختلست طريقها بين شفتي المعتضد، فقالت: يا مولاي. إني ~~نظرت اليوم من خلال نافذة القصر، فرأيت المعتمد بين قواد الجيش وعليه مهابة وجلال ملأ جوانب ~~نفسي زهوا وإعجابا. إن كل لمحة من لمحاته يا مولاي، تقول إنه ملك، وقد وقف الرؤساء أمامه ~~خاشعين وهو يشير بأصبعه هنا وهناك، في حسن سمت، وجلالة موقف. ~~- إنه ابني يا طاهرة، وفيه دم ملوك بني المنذر، وإن أخوف ما أخافه عليه تلك النزعة ~~الجائعة إلى اللهو والعبث. ~~- إنه في ميعة شبابه يا مولاي، ولو نظر كل شيخ نظرة إلى الوراء لأغضى عن هفوات ~~الشباب. ~~- لكن لا يا طاهرة، إن التمادي في الشهوات نكبة الملوك، وكارثة العروش. ~~- لعله لو تزوج بمن يحب كف وارعوى. ~~- هو كالعصفور المرح لا يثبت على غصن، له نقرة في كل ثمرة، فإذا فرغ من نقر الثمار، ملأ ~~الجو غناء وشدوا. ~~- لا يا مولاي، إنه يريد أن يفرغ إلى شئون الملك بالزواج، وقد أحب جارية أديبة مهذبة ~~عاقلة، لرميك بن حجاج، وألح في أن أطلب إليك أن تزوجه منها. ~~- قد يصبر المرء على مر الدواء إذا كان فيه شفاؤه، فليتزوجها لو كان في ذلك أن يقصر ~~باطله، وترعوي نوازعه. # دعي في اليوم الثاني رميك بن حجاج إلى القصر، ونزل عن جاريته للمعتمد فأعتقها وتزوج ~~منها، وكان لها الأثر الكبير في حياته ms28 وسياسته، وسماها (اعتمادا) ليشتق اسمها من اسمه، ~~وهو يقول في تطريز اسمها، وقد أرسل إليها برسالة وهو بعيد عنها: # أغائبة الشخص عن ناظري # وحاضرة في صميم الفؤاد # عليك السلام بقدر الشجون # ودمع الشئون وطول السهاد # تملكت منك شموس الحران # وصادفت مني سهل القياد # مرادي أعياك في كل حين # فيا ليت أني أعطى مرادي # أقيمي على العهد في بيننا # ولا تستحيلي لطول البعاد # دسست اسمك الحلو في طيه # وألفت منه حروف اعتماد # مرت شهور على زواج المعتمد وهو سعيد بحبه، يزيد في كل يوم بالرميكية هياما، ويفنى في ~~نظراتها غراما، فلندعه في نشوته ولننتقل لنرى المعتضد في قصره، والقواد والرؤساء وقوف في ~~خدمته، وقد قدم لزيارته العالم الحسيب أبو حفص عمر الهوزني، فسلم على المعتضد وجلس، ثم ~~قال: جئت أليك أبا عمرو، لأسدي إليك نصحا لم أستطع كتمانه، وكلما سوفت فيه، اعتقدت أنني ~~خائن لله ولك وللمسلمين. # إن أعداءنا الإسبان لا يتركون فرصة لقص البلاد من أطرافها إلا اهتبلوها، وهم لا ينامون عن ~~غزو البلاد والإيقاع بملوكها، وإثارة بعضهم على بعض ليلة أو بعض نهار، وقد رأيت أن ملوك ~~المسلمين فارت بينهم الأحقاد وخدعهم الأعداء، فأصبح بعضهم عدوا لبعض، ثم إنهم انصرفوا إلى ~~اللهو والخمر والنساء، وتركوا الإسبانيين يفتكون بهم أميرا أميرا، حتى إن بعضهم اليوم ~~يدفعون لهم إتاوات كل سنة، ويتزلفون إليهم. # صرح الشر فلا يستقل # إن نهلتهم جاءكم بعد عل # انهضوا فالداء رزء أجل # واكسروا سيفا عليكم يسل # فقال المعتضد: وما شأنك أنت وهذا يا شيخ؟! عجبي منكم أيها الفقهاء!! تريدون أن تدسوا ~~أنفكم في كل شيء ... # تركنا لكم دين الله تعملون به ما تشاءون، فاتركوا له دنيانا. ~~- إن دين الله أثبت أركانا وأقوى دعائم من أن يعمل المرء فيه ما يشاء، أما الدنيا فليست ~~لك وحدك وإنما هي للمسلمين عامة، وقد قال سيدك وسيدي أبو بكر الصديق: إذا رأيتم في ~~اعوجاجا فقوموه بسيوفكم، ونحن لا نقومك بسيوفنا ولكن بالنصيحة لله ولرسوله ~~وللمؤمنين. ~~- وهل أنا معوج؟ ~~- لقد زاد اعوجاجك ms29 وصلب، حتى يئسنا من تقويمك. ~~- خذوا هذا الشيخ عني، وإلا قتلته بسيفي. ~~- اقتلني إن شئت. فقد اشترى الله مني نفسي ومالي بالجنة. # وحينئذ وثب عليه المعتضد وهو كالأسد الثائر، فحز رأسه، وقال لخدمه: احملوه إلى ~~الجحيم. # فحمله الخدم، والألم على الشيخ يكاد يخرجهم عن حد الطاعة لسيدهم. ثم جاء ابنه أبو القاسم ~~الهوزني، والحزن الشديد يمتزج في صدره بالغضب الشديد وقد جمدت عيناه، وارتعدت شفتاه، ورفع ~~خدمه الشيخ على الأعناق، وأبو القاسم خلفه يحدث نفسه ويتمتم. # والله لآخذن بثأرك يا أبي ... والله لن أهدأ حتى أرى دولتهم قفرا يبابا ... لن ينعموا ~~طويلا بعد اليوم ... سأثير القلوب عليه، ثم على ابنه من بعده حتى أثل عرشه ... سأثير عليه ~~القشتاليين، وسأثير عليه ملوك الأندلس جميعا، وسأغري به ملك المغرب، وسأبعث عليه بجانب ~~هؤلاء جيوشا من مكري وخديعتي لن يستطيع لها دفعا ... سيذهب ملكه وملك ابنه ولو ذهبت معه ~~الأندلس جميعا ... كل الأندلس فداؤك يا أبي. # كان حزن أهل إشبيلية شديدا على الشيخ، وقد كادت العامة تثور له لولا ما كان يخيفها من ~~بطش المعتضد وجبروته. # وبعد مضي أشهر من الحادثة، نرى المعتضد ذات مساء في قصره، ونسمع ضوضاء بين الجواري ~~والخدم، ونرى طاهرة تدخل عليه مذعورة وهي ترتعد من الحزن، وتقول: إن بثينة مريضة جدا ... ~~أخذها المرض فجأة وهي تلعب بين أترابها. # فهب المعتضد كالمصعوق، وقال: ماذا تقولين؟! ... بثينة!! ... بثينة مريضة؟! لعلها وعكة تزول!! ~~أين الطبيب؟؟ أين خلف الزهراوي؟؟ أين هو؟؟ وما هي إلا فترة قصيرة حتى جاء الزهراوي، فبادره ~~المعتضد قائلا: كيف وجدتها؟ فقال الطبيب في صوت خافت مرتعد: إنها علة الخناق (الدفتريا) يا ~~مولاي، ولا نعرف لها علاجا إلا تطهير الحلق، وقد بذلت كل ما في وسعى وفي وسع الطب، لأخذ ~~الأغشية البيض من حلقها، غير أنني أخشى أن تكون أبعد من متناول يدي. ~~- سأراها معك. آه يا بثينتي ... أنت دنياي أو ما بقي من دنياي ... أنت سلوتي بعد أن نفر مني ~~الناس ونفرت منهم ... خذ أيها الطبيب ملكي واشفها ms30 ... لا تستطيع شفاء بنية صغيرة؟! ... ماذا في ~~طبك إذا؟؟ إنه دجل، وخرافة ... دجل وخرافة. # ولما وقعت عينه على ابنته، رأى وجهها محتقنا بالدم في زرقة وكمدة، ورآها تعالج الأنفاس ~~فلا تستطيع، ورأى المعتمد ابنه واقفا بحذاء سريرها والدموع تتساقط من عينيه، وحاول الطبيب ~~أن يعطيها دواء للمضمضة فلم تستطع، ثم جس يدها فرأى البرودة تدب فيها، فهز رأسه كاليائس، ~~والمعتضد أمامه ينظر في وجهه ليرى فيه بارقة من أمل، فلما لم يجد أخذ يبكي كالطفل، واجتذب ~~الفتاة إلى صدره وهو يقول: سأداويك أنا بحبي يا بثينتي إذا عجز الطب ... سأقوي نبضك بنبضي، ~~وأبعث إليك حرارة من جسمي، سأهب لك جزءا من طول أنفاسي. عيشي يا ريحانتي فإن حياتي جزء من ~~حياتك، وإذا ذهب الكل ذهب الجزء معه. يا أيها الغصن الرطيب من أين هبت عليك هذا الزعزع ~~النكباء؟! ويا هذه الوردة الذابلة إن ربيع الحياة لا يزال أمامك ~~ممتد المدى ... ويا أيتها اللؤلؤة ما كان ذلك أن تغيبي ~~ثانية في جوف ذلك البحر المجهول، قبل أن تزيني الصدور وتحلي النحور. # بثينة. هل تسمعين أباك الحيران؟؟ ... أجيبي. # وحينئذ غطى الطبيب وجهها، ومس ذراع أبيها في رفق وهو يقول: أجمل الله عزاءك يا ~~مولاي. # وهنا ارتفع الصراخ بالقصر، ومشى المعتضد وهو ينتحب ويتوكأ على الطبيب وابنه ~~المعتمد. # قضى المعتضد أيام العزاء في ابنته وهو لا يكاد يفيق من الحزن، وشعر في أثناء ذلك بزكام ~~ثقيل تصحبه حرارة محرقة، فأحضر طبيبه فأشار عليه بالحجامة، ولكن المعتضد رأى تأخير ذلك إلى ~~غد يومه. # فلما جاء الغد، زاد عليه الداء واشتد، ودعا بابنه المعتمد، فأخرج له من تحت وسادته رسالة ~~يخبره فيها مرسلها بأن الثائرين المدعوين بالمرابطين، قد وصلت طلائعهم إلى رحبة مراكش، فلما ~~قرأها المعتمد قال: هون عليك يا أبي وأنت في هذه الحال، إن بينهم وبين الأندلس اللجج ~~والمهامة. فهز أبوه رأسه وقال وهو يتعثر في كلماته: والله يا بني هذا الذي كنت أتوقعه ~~وأخشاه، ولئن طالت بك حياة ... لترين هؤلاء الملثمين هنا ms31 ... # ثم ضعف قليلا، وأخذ يعالج الموت ساعات، حتى قضى يوم السبت لليلتين خلتا من جمادي الآخرة ~~سنة إحدى وستين وأربعمائة. # وارتفع الضجيج، ورددت أرجاء القصر: مات المعتضد ... مات المعتضد ... # وكان أبو القاسم الهوزني يمر تحت القصر ليلتقط أخبار المعتضد وصدره يغلي حقدا، فلما ~~سمع الضجيج أخذ يتمتم: # لقد سرني أن النعي موكل # بطاغية قد حم منه حمام # تجنب صوب الغيث قبرك جافيا # ومرت عليه المزن وهي جهام # | دسيسة # حزن المعتمد لموت أبيه وعزم أن يكفى كفايته، وأن يرفع دولة بني عباد إلى أوج العظمة، وأن ~~يزيدها من شجاعته وحسن تدبيره وإحكام سياسته، قوة على قوة. كانت نفسه تجيش بآمال ضخام ~~وأحلام بعيدة، وكانت تصور له أن ملكا لا ينتظم بلاد الأندلس جميعها لا يصح أن يسمى ملكا. ~~شباب وذكاء وثروة ... ماذا تريد الدولة لتكون عظيمة سامقة غير هذه الثلاثة؟! # وهذه جميعا موفورة تمامة، حتى لو خلط بعضها ببعض وصنع من المخلوط تمثال لكان المعتمد بن ~~عباد. # كان أول ما صنعه المعتمد، أن دعا خليله ابن عمار من منفاه وقلده الوزارة، ثم دعا بأبي ~~القاسم الهوزني، ومنحه لقب المشير في الدولة، رغبة منه في استرضائه لما فرط من المعتضد من ~~قتل أبيه ظلما وعسفا، وعندما جلس على العرش، أقبل عليه الناس من جميع أقطار الأندلس ~~مهنئين مستبشرين متيامنين بهذا الأمير الشاب، العربي الوسيم. # وجاء الشعراء للإنشاد، وبينهم: أبو الوليد بن زيدون، والداني، وابن وهبون، وعلي الحصري ~~الكفيف، والنحلي. فشرع ابن زيدون ينشد قصيدة منها: # لك الخير إن الرزء كان غيابة # طلعت لنا فيها كما طلع البدر # فقرت عيون كان أسخنها البكا # وقرت قلوب كان زلزلها الذعر # وصاح الحصري يقول: # مات عباد ولكن # بقي الفرع الكريم # فكأن الميت حي # غير أن الضاد ميم # وأنشد الداني قصيدة منها: # من بني المنذرين - وهو انتساب # زاد في فخرهم - بنو عباد # فتية لم تلد سواها المعالي # والمعالي قليلة الأولاد # والمعتمد في هذا الجمع الحاشد يهتز للمديح، ويرتاح للإطراء، شأن العربي الكريم؛ حتى إذا ~~انفض الحفل دعا ms32 خزائنه أحمد العامري، وأمر بمئات من الدنانير لكل شاعر، ثم أمر بقدر واف ~~من المال يوزع على كل معوز محتاج بإشبيلية. # ثم خلا بنفسه، ودعا إليه وزيره ابن عمار ومشيره الهوزني، ليبحث معهما في شئون الدولة، ~~فقال ابن عباد: إن الأدارسة أعداء دولتنا، لا يزالون يتربصون بنا الدوائر، وينصبون لنا ~~الشباك، وأرى أن نكون أصحاب الضربة الأولى حتى نلقي في قلوبهم الرعب، فإما أن يلقوا القياد ~~مستسلمين، وإما أن يكونوا طعمة للنسور. فقال ابن عمار وهو يتطلع إلى أن يكون أميرا بإحدى ~~مدن الأدارسة: يا مولاي: أنت اليوم أعظم ملوك الأندلس قوة وبسطة، وإن جيشا إلى مرسية يحارب ~~بسلاح رأيك، ويقوده صنيعتك ابن عمار - كفيل أن يخترق أسوار المدينة في ساعة من نهار، ~~وحينئذ اعترض الحديث الهوزني وقال: يا مولاي غفرا! إن لي غير هذا الرأي. إن الأندلسيين ~~عامة، وأهل إشبيلية خاصة سئموا الحروب، وقد تيمنوا بطالعك، وقرءوا في وجهك آيات الخير ~~والسلام، ولم يمض على وفاة المعتضد إلا أيام قليلة، فهب سنتين أو ثلاثا يا مولاي لعظمة ~~الملك وإعلاء مراسمه، وللإغداق على الرعية وبعث روح السرور والبهجة فيهم. دعهم يفهموا أن ~~ملكهم أريحي كريم، يطرب للهو كما يطربون، ويفرح بالملك كما يفرحون، بعد أن قضوا سنوات كبتت ~~فيه نفوسهم ووجلت قلوبهم. دعهم يا مولاي يعرفوا أن المعتمد جمع صفات الحزم والقوة والذكاء، ~~التي كان يتحلى بها أبوه، وأنه أضاف إليها اللين والسماح، وانبساط النفس، والتمتع بلذائذ ~~الحياة. # فقال ابن عمار: أما إذا دعوت إلى التمتع بلذائذ الحياة، فأنا أول من يستجيب. ~~- لذائذ الحياة التي أريد الأمير أن يتمتع بها، غير ما تفهم منها أنت. # فقال المعتمد: عزمت على ألا أشرب الخمر. فقال ابن عمار: هذا حسن، وهو يرفع من قدر الأمير ~~في نظر الرعية. # فقال الهوزني: إن المعتضد كان يعاقر الخمر ولم يسقط ذلك من هيبته في نظر الرعية، على أننا ~~سننشر بين الناس جميعا أن مولاي كسر قوارير الخمر وأراق ما في دنانها، وإذا دعت الحاجة إلى ~~كأس ms33 في مجلس أنس مستتر، فإن ذلك لا يعمل شيئا. # ابسط كفيك للناس، واعف عن هفواتهم، وأدخل السرور على قلوبهم، ودعهم يفرحوا بملكهم ~~ويقولوا: إن أيامه كانت بهجة الأيام، وعصره كان زينة العصور. # فقال ابن عمار: أنا أحب هذا الكلام، وأنا أحب البهجة والسرور. # فقال المعتمد: إلى حين. فأسرع الهوزني قائلا: يا مولاي إلى حين. # ثم انفض المجلس، وخرج ابن عمار مع الهوزني، فمال ابن عمار إليه هامسا: ماذا تقصد أبا ~~القاسم بهذه النصائح الغالية؟؟ ~~- اسمع يا ابن عمار. أنا أعرف أنك رجل طموح، وأن نفسك الكبيرة الوثابة لا ترضى لك أن تكون ~~ذيلا للمعتمد، وفيك دم الملوك، وفيك عزائمهم ... إن شبيهك المتنبي خاب في المشرق فلم ينل ~~ولاية أو ضيعة؛ لأنه لم تكن فيه صفات الملوك ... أتعاهدني؟ ~~- على أي شيء أعاهدك؟؟ ~~- على ألا تقف في طريقي، ما دمت لا أقف في طريقك. أنت تريد أن تكون ملكا بالأندلس ولست ~~بأقل من ملوكه منزلة وقدرا، وسأحتطب في حبلك وأساعدك على ما تبتغي، على شريطة ألا تعترض لي ~~رأيا، أو تفند قولا، أو تفسد علي خطة، ولو أني علمت أنك فعلت شيئا من ذلك؛ لأشعلت الحرب ~~ضروسا بيني وبينك ... أتقبل؟؟ ~~- أقبل أبا القاسم. # ذهب الهوزني إلى منزله، فرأى في دهليزه فتاة متلففة لا يظهر من جسمها شيء، فلما رأته ~~كشفت عن وجهها، فإذا هي أرماندا جارية المعتمد الجديدة، التي أهداها إليه الهوزني منذ ~~أشهر، وهي في جمالها ورشاقتها ولطف حديثها وقوة سحرها، فتنة تنتهب القلوب انتهابا، وقد كلف ~~بها المعتمد كلفا أنساه أو كاد ينسيه زوجته الرميكية. نظرت أرماندا إلى الهوزني وقالت: ~~إني فهمت غمزتك حينما لقيتني اليوم بالقصر، وعرفت أنك تريد مقابلتي على انفراد في ~~منزلك. ~~- ذكية وحق عيسى بن مريم. ~~- إنك لم تخترني للمعتمد عبثا، ألست تريد مني أن أفتنة بسحري عن كل شأن من شئون المملكة، ~~حتى يضعف ملكه وتهن قوته؟؟ ~~- نعم اخترتك لإبادة هذه الدولة الطاغية اللاهية؛ لتخلفها في الملك إحدى الأسر العريقة من ~~المسلمين بإشبيلية. ~~- أما من ms34 يخلفها، فلسنا الآن بصدده؛ لأننا اعتدنا في قشتالة، أن نعمل شيئا واحدا في وقت ~~واحد. # فقال الهوزني متبرما: هذا يكفي، وقد دعوتك لأحثك على البدء بالعمل، واحذري أن يعرف ~~مخلوق هذه الصلة التي بيننا، ثم احذري أن يراك إنسان خارجة من القصر أو داخلة بيتي. ~~- إني أخرج دائما من باب القصر الخلفي، ثم إني ماهرة في أساليب الاختفاء. # غادر المعتمد مجلس ابن عمار والهوزني، وهو يخادع نفسه بالاقتناع بصحة أيهما، حتى إذا ~~تنبه فيه العقل وهمست الحكمة، أسكتتهما صيحات الغرائز والشهوات فأخذ يقول: # أباح لطرفي طيفها الخد والنهدا # فعض به تفاحة واجتنى وردا # ولو قدرت زارت على حال يقظة # ولكن حجاب البين ما بيننا مدا # هي الظبي جيدا، والغزالة مقلة # وروض الربا عرفا، وغصن النقا قدا # ثم دخل عليه صاحب خزائنه يقول: يا مولاي، إن سهلون بن إسحاق الجوهري، جاء يطلب خمسين ألف ~~دينار، ثمن عقد من الجوهر اختارته سيدتي اعتماد، وقد كتبت له بذلك صكا. ~~- ادفع له، ومره أن يدخل لأرى شيئا من نفائسه. # فدخل سهلون يحمل خرجا فوق كتفه، وقال: يا مولاي! عندي في هذا الخرج ما لم يقتنه ملك، ولم ~~تتحل به خزائن بني العباس. ثم أخرج تمثالا من البلور لجمل له عينان من الياقوت، وقد حلى ~~جسمه بنفائس الدر والماس. فأعجب به المعتمد، وقال: بكم تبيع هذا يا ابن إسرائيل؟ فقال: ~~بعشرة آلاف دينار، فقال المعتمد: حسن، يا أحمد أعطله ما طلب. # وبينما هما في الحديث، إذا أبو العرب الصقلي الشاعر يستأذن في المثول، فأذن له، فأنشد ~~قصيدة رائعة في تهنئة المعتمد، فتألق وجهه وأمر له بعشرين كيسا من الفضة. فنظر أبو العرب ~~إلى تمثال الجمل، وأعجبه حسن صنعه، ونفاسة جواهره. فقال: لا يحمل هذه الصلة إلا جمل (وأشار ~~إلى التمثال). فأخذه المعتمد بيده وقال: خذه، فإنه حمال أثقال. # ثم انفض المجلس، وخرج اليهودي يهز رأسه ويضرب بكف على كف ويقول: أنفق الأمير الجديد في ~~هذا اليوم خراج دولة!! # هكذا هكذا تكون المعالي # طرق الجد غير ms35 طرق المزاح!! # | هزيمة # مرت سنوات قليلة، والمعتمد هانئ البال مستقيم الأمر، يصرف شئون الدولة، ويقيم مراسيم ~~الملك في عظمة وجلال، حتى هابته الملوك وأحبته الرعية، وأصبح اسمه يدوي في الأندلس مقرونا ~~بالثناء محفوفا بالإكبار. # أجزل إلى الشعراء العطاء فانتجعوا ساحته من أقاصي الأندلس يتسابقون إلى مديحه وجوائزه، ~~ويذيعون أينما ساروا فضله ومكارمه، وحاط الرعية بعطف اجتذب إليه النفوس، وجمع على حبة ~~القلوب، وعظم العلماء والفقهاء وأعلى مجالسهم، والعلماء في الأندلس - وربما كانوا في غيرها ~~- عقدة الصلة بين الملك وشعبه، غير أنه مع كل هذه الخلال التي أنست الرعية ويلات أبيه، كان ~~مولعا بمجالس الشراب، مفتونا بالحسان، كأن شيئا من ذلك جزء من مقومات حياته لا يكاد ~~يعيش بدونه، وكان من عيوبه مع هذه الخلال، انقياده لآراء بعض الموالسين المخادعين من ~~بطانته. # قابل الهوزني يوما ابن عمار بعد أن أصبحا صديقين، وقال: لم لا تطلب أبا بكر من الملك ~~أن تذهب بجيش لأخذ مرسية، فقد طابت الثمرة وحان قطافها، فإذا أخذتها أصبحت ملكا عليها. ~~فقال ابن عمار: سأخاطبه الليلة في مجلس أنسه وأنا واثق من أنه سيجيب طلبي؛ لأنه يتحرق ~~شوقا إلى الغزو، فقال الهوزني: هذا حسن، وسأكون عضدك في الوصول إلى أمنيتك. # ثم ذهب إلى داره ودعا عبده سهما وقال: أتعرف الطريق إلى طليطية؟ فقال: نعم يا مولاي، ~~إنها على مسيرة ثلاثة أيام للمجد. فقال: خذ خير أفراسي، واذهب مستخفيا إلى قصر المأمون ~~بن ذي النون حاكمها، وقل له: إن الريح تهب على مرسية ... لا تقل له غير هذا ... اركب ~~الآن. # كان المعتمد بعد أيام من هذه الحادثة، يطل من إحدى شرفات قصره، واعتماد إلى يمينه، ~~وأرماندا إلى يساره، فنظرت الرميكية إلى النساء وهن يملأن جرارهن من النهر، ويمشين حافيات ~~في الطين، وقد بدت سوقهن إلى ما فوق الركب بيضا نواصع، فقالت: وددت يا حبيبي لو مشيت في ~~الطين حافية كهؤلاء. # فقالت أرماندا: ما أجمل وما أبهى!! إنما الجمال الحق في الرجوع إلى الطبع، فقال المعتمد: ~~إن هذا أهون ما ms36 يكون، فقالت أرماندا: ولكن الأميرة لا تمشي في الطين، إنما تمشي في خليط من ~~المسك والكافور، فقالت اعتماد: نعم ما رأيت يا فتاة ... أسمعت يا مولاي؟ فقال المعتمد: وأطعت ~~... # ودعا بأحمد العامري، وأمره ألا يترك بإشبيلية مسكا أو كافورا أو أي نوع من الطيب عند ~~عطار، وأن تجمع ورود إشبيلية، ويستخرج ماؤها، وأن تعمل في الحديقة بركة واسعة، طينها الطيب، ~~وماؤها ماء الورد؛ لتمشي بها الأميرة حافية بين جواريها، فأطاع أحمد العامري مطرقا، وكانت ~~أرماندا تنظر إلى اعتماد مبتسمة، وتقول: آه ما أسعدك؟؟ ... إنه الحب ... إنه الحب. # وبعد أيام عملت البركة. # وكان المعتمد جالسا في قصره، متكئا على وسادته، وجاريته جوهرة تهز المروحة فوق رأسه، في ~~يوم اشتد حره، وأرماندا تغمزه في يده غمزة خفيفة، وهي تناوله الكأس، وحبيبته وزوجه اعتماد، ~~تسلط عليه سحر عينيها الناعستين فتسقيه خمرا من صنف جديد ربما كان أحلى وألذ نشوة من ~~الخمر، والجواري جائيات ذاهبات في خدمته، كأنهن اللؤلؤ المكنون، والمغنية تطلق صوتها في ~~أرجاء الحديقة فضيا لؤلؤيا فتكاد تردد صداه الأطيار، وكانت تغني قول المعتمد: # رحلوا وأخفى وجده فأذاعه # ماء الشئون مصرحا ومجمجما # سايرتهم والليل غفل ثوبه # حتى تراءى للنواظر معلما # فوقفت ثم محيرا وتسلبت # مني يد الإصباح تلك الأنجما # ثم صاح المعتمد: هلم أيها الفواتن إلى البركة، واكشفن عن سوقكن. فوثبت اعتماد وجواريها ~~إلى البركة حافيات جذلات يقهقهن ويغنين غناء القرويات، ويثرن طين المسك بأيديهن يمينا ~~وشمالا، وتزلج رجل إحداهن في الطين فيزداد الضحك والصياح، وبينما هن كذلك، أقبل الخادم سيف ~~يقول: يا مولاي، إن ابن عمار يطلب المقابلة، فقال المعتمد دهشا: ابن عمار؟! ولم جاء من ~~مرسية؟! ثم أسرع إليه، فدل مظهر ابن عمار على سوء خبره؛ فقال الأمير: ماذا جرى أبا ~~بكر؟؟ ~~- ذهب الجيش يا مولاي إلى مرسية، ولكننا رأينا قوتنا دون قوة ابن ذي النون، فجمعنا عشرة ~~آلاف من الذهب نستأجر بها مددا من ريموند فجاء بجيشه، ولكن ريموند فر حينما رأى عظم جيش ~~ابن ذي النون، فيئسنا ، وهجم ms37 جيشنا وحده، فهزم ولاذ جنودنا بالفرار، وقد عدت إليك يا مولاي ~~واجفا لما أصابنا من الفشل. # فامتقع ابن عباد وقال: لا عليك أبا بكر، سنعد له جيشا يلتهمه ويلتهم طليطلة معه. أتظن أن ~~جاسوسا أخبر ابن ذي النون بوثوبك على مرسية؟ ~~- لا يا مولاي، فقد كان الأمر سرا مكتوما. ~~- لا تيأس أبا بكر، فلن يفلت ابن ذي النون منا. # وحينما خرج ابن عمار رأى الهوزني عند باب القصر، فقال: هزمنا يا أبا القاسم. # فقال: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس. اذهب إلى ~~دارك أبا بكر، وكن كما تقول في شعرك: # وقبل خلع نجاد السيف فاسع إلى # ذات الوشاح وخذ للحب بالثار # ضما ولثما يغني الحلي بينهما # كما تجاوب أطيار بأسحار # | معاهدة # تمر ست سنوات يموت في أثنائها المأمون بن ذي النون، فيتجهز المعتمد للإغارة على ~~قرطبة، وها نحن أولاء نراه يقطع الطريق إليها عدوا، في جيش كثير العدد، وحوله قواده ~~ومشيروه وفيهم ابن عمار والهوزني، ثم يدركهم الليل، فينزل المعتمد وحاشيته في خيمة وهو حزين ~~كاسف البال. # ذكر اغتصاب جيش ابن ذي النون لقرطبة درة ملكه ... وذكر والألم يحز في نفسه هجوم حريز بن ~~عكاشة بثلة من رجاله على قصر ابنه الظافر بقرطبة في جنح الليل، ثم خروج ابنه إليهم في لبسه ~~المفضل يقاتل دون حوزة القصر فريدا بعد أن فر عسكره. ثم ذكر كيف أن حريزا قتله وتركه ~~ملقى بالعراء، حتى جاء أحد المارة في الغلس فرآه، فغطاه بثوبه ... فأخذ المعتمد ~~يردد: # ولم أدر من ألقى عليه رداءه # على أنه قد سل عن ماجد محض # ثم يقبل الجيش على قرطبة وقد خلت من جيوش القار بن ذي النون، فينزل بها جيش إشبيلية، ويفر ~~حريز بن عكاشة في فصيلة من جنده، فيتعقبه المعتمد بنفسه حتى إذا ظفر به أغمد سيفه في صدره ~~وصاح: نم هنيئا يا ولدي فقد أخذ أبوك بثأرك! # يدخل المعتمد بحاشيته قصر قرطبة، ويقبل عليه الناس والشعراء يهنئونه، ويبتهج أهل ms38 قرطبة ~~جميعا بالمعتمد، بعد أن طال عليهم حكم بني ذي النون؛ لأن القرطبيين قوم ذوو ملل، لا يصبرون ~~على حكم وال طويلا، وحينما وقف النحلي الشاعر، قال له المعتمد مازحا: يا نحلي، أينا ينشد ~~أولا؟ # فقال النحلي: الملك الشاعر يا مولاي أولى بالتقدم. # فأنشد المعتمد: # من للمملوك بشأو الأصيد البطل # هيهات جاءتكم مهدية الدول # خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت # من جاء يخطبها - بالبيض والأسل # وكم غدت عاطلا حتى عرضت لها # فأصبحت في سرى الحلى والحلل # فراقبوا عن قريب لا أبا لكم # هجوم لبث بدرع البأس مشتمل # فالتفت الشعراء بعضهم إلى بعض، وقال النحلي - وكان أعرقهم في الملق وطرق الاستجداء: ~~«والله لن يستطيع شاعر أن يقول شعرا بعد هذا، أكسدت علينا بضاعتنا يا مولاي، وتشبث الشعراء ~~برأي النحلي، بعد أن وثق كلا منهم من الجائزة، ففرق عليهم المعتمد الجوائز في إغداق ~~وإسراف، وأمر أن تنصب الموائد وتمد الأسمطة لأهل قرطبة ثلاثة أيام. # ثم اجتمع المعتمد بابن عمار والهوزني وقال: إن دولة بني ذي النون ضعفت بموت المأمون، ~~والفرصة اليوم سانحة للإغارة على بلاده، وضمها إلى ملكنا. فقال الهوزني: نعم يا مولاي. إن ~~القادر بن المأمون حدث غر، ليس فيه شيء من صفات الملوك، غير أن الأذفونش (ألفونسو) يحالفه ~~ويناصره، ويذود عنه، حتى ليقال: إن المأمون قبل موته، أوصى الأذفونش بحماية ابنه. فقال ~~المعتمد: الأذفونش صديقنا، ونحن نمنحه مالا وهدايا في كل عام. فقال ابن عمار: الأذفونش ~~تاجر، يتجر بقوته وجنوده وهو يمنحهما من يعطيه أغلى ثمن، وقال الهوزني: ثم إن مولاي وقد ~~أصبح أقوى ملك بالأندلس، يحسن به ألا يقتصر على فتح بلاد بني ذي النون؛ بل أرى أن تتوجه همة ~~مولاي إلى بني الأفطس ببطليوس، وبني صمادح بألمرية. فقال ابن عمار: هذه الأماني لا تتحقق ~~إلا بوسيلتين: كثرة عدد الجيوش المقاتلة، وعدد مقاتلينا لا يكفي، ثم باتقاء شر الأذفونش ~~واجتذابه إلى جانبنا. فقال الهوزني: هذا سهل هين ... نعقد معه معاهدة على أن يمدنا بجنود ~~من قشتالة وعلى ألا يساعد علينا ms39 عدوا، ولو كان ابن صديقه المأمون. فقال ابن عمار: إن ~~الأذفونش سيغالي في الثمن. فقال المعتمد: ليغال ما يشاء ... لابد أن أملك الأندلس كلها. فقال ~~الهوزني: هذا يوم يا مولاي سيكون أغر محجلا في التاريخ، وأود أن أعيش لأسمع ما يقول ~~شعراؤنا فيه، وأنت جالس على عرشك تحكم الشرق والغرب. ثم قال المعتمد: قم أبا بكر واذهب إلى ~~الأذفونش، واستعمل معه أساليب مكرك ومحالك، ولا ترجع إلا والمعاهدة في يدك. فقال ابن عمار: ~~على أن تكون بلنسية في يدي الأخرى. # ورحل المعتمد مع الهوزني إلى إشبيلية، بعد أن ترك ابنه المأمون أميرا على قرطبة، وبعد ~~أن ودع ابن عمار ورجا له التوفيق في سفارته. جد ابن عمار في السير إلى مدينة قورية ~~بعد أن علم أن ألفونسو مقيم بها، حتى إذا وصل إلى القصر، رأى ملك الإسبان في بهوه الملكي، ~~ورأى زوجته أجنيس بنت دوق جويانة، جالسة بجانبه، وكانت رائعة الطلعة فائقة الجمال، وكان ~~العرب يلقبون زوجة ملك الإسبان بالقمجيطة، فسلم عليهما ابن عمار، ثم أخذ مجلسه بعد أن أحسن ~~ألفونسو تحيته، وقال: أي ريح سعيدة بعثت بك إلينا؟! ~~- دعني أولا يا سيدي أملأ عيني من جمال القمجيطة، فقد بهرني حسنها، وأذهل عقلي، وأضاع ~~تفكيري ... هكذا تكون زوجات عظماء الملوك!! # فقالت أجنيس: ماذا يقول العربي؟؟ ~~- يقول: إنه فتن بحسنك وسحر بجمالك، حتى فقد عقله. # فضحكت في سرور وإدلال، وقالت: قل له: أليس عند ابن عباد من هن في جمالي؟ فلما نقل ألفونسو ~~سؤالها إليه قال: في قصر ابن عباد أمثالها؟، ... ولا في جنة الخلد. # ثم التفت إلى صورة للعذراء معلقة بالحائط، وقال: في هذه الصورة الجميلة شبه قليل ~~منها. # سر ألفونسو لإطراء زوجته، وترجم لها ما قاله ابن عمار، فقالت لزوجها: سله أي شيء في وجهي ~~كان أكثر تأثيرا في نفسه، فترجم له ألفونسو فقال: لقد أوقعتني هذه الدرة الإسبانية ~~المتلألئة في حيرة أخرى ... عيناها أجمل ما في وجهها ... إنهما مغناطيستان تجتذبان العقول ... لا. ~~بل خداها ثم ثغرها الفاتن وهو ms40 عقيق يغطي عقدين من لآلئ الجنة، نظمتها يد الرحمن ... لا يا ~~سيدي، قل لها: إن كل شيء فيها حسن، وإنها فتنة للناظرين. # فلما بلغها ألفونسو ما قاله، زادت زهوا ودلالا، وقالت: سله أهو شاعر؟؟ # فقال ابن عمار: قل لها يا سيدي: إن محاسنها لا تحتاج إلى شعر شاعر، إنها وحدها قصيدة ~~نظمها الزمان، لتكون آية الزمان. # اهتزت أجنيس طربا وقالت: يا ألفونسو، هذا عربي لطيف عذب الكلام، فبحقي عليك إلا أحسنت ~~مجاملته وسهلت له حاجته. # ثم تركت المجلس. فقال ألفونسو: نعود إلى سؤالك عن سبب زيارتنا. # فقال: جئت يا سيدي من قبل المعتمد، وهو يرجو أن يكون لك صديقا ثابت الود، دائم ~~الإخلاص. فما قولك؟؟ ~~- هذا حسن، لولا أن مطامع ابن عباد دائما تتعارض مع مطامعي، وتقف في طريقها، ثم إني لا ~~أحب فيه تلك النزعة الجشعة، التي تدفعه إلى الرغبة في امتلاك الأندلس، واغتصاب صغار الولاة ~~بلادهم. ~~- الأذفونش ملك عظيم، فلم لا يحب أن يكون حليفا وصديقا لملك عظيم؟ ~~- نحن الملوك لا نحالف إلا من نخاف شره، وأنا لا أخاف ابن عباد. ~~- إنك تشكو منه الآن؛ لأن مطامعه تصطدم بمطامعك، فلم لا تحالفه إذا حتى يسير كل منكما في ~~طريقه من غير اصطدام ... يترك لك ما تريد، وتترك له ما يريد. ~~- لا يا ابن عمار، إن الذي يترك الأسد طليقا يغتاله الأسد. ~~- إننا سنفرض يا سيدي أسدين قويين، وهما فوق ذلك صديقان. ~~- لا يا عربي. إنك ربما تعرف ما في نفسي، وتحاول أن تخدعني. ~~- هلم إلى المصارحة إذا. أنت تخشى أنك إذا حالفته ~~قويت ملكا مسلما، وأنتم لا تريدون أن تعيدوا في الجزيرة أيام عبد الرحمن الناصر، أو أيام ~~المنصور بن أبي عامر. ~~- ليس كذلك تماما. ~~- هو كذلك تماما ... دعني أخبرك أن تلك الأيام لن تعود، وأنك إذا حالفت المعتمد كنت الرابح ~~من غير أن يعود عليك خطر. ~~- أنا حليف القادر بن المأمون. ~~- ولكننا سندفع ثمنا أغلى. # ثم انتقل إلى المساومة والمماسكة، واتفقا على معاهدة من نصوصها: أن يتعهد ms41 ملك قشتالة ~~بمعاونة المعتمد بالجند في حروبه مع جميع أعدائه المسلمين؛ وأن يتعهد المعتمد بمضاعفة ~~الإتاوة التي يؤديها إلى ملك قشتالة في كل سنة، وألا يعترض خطته في افتتاح طليطلة، وهي ~~معاهدة مشئومة، ضحى فيها المعتمد بإسبانيا كلها؛ لكي يبسط سيادته على بضع إمارات. # عاد ابن عمار إلى إشبيلية، وأطلع المعتمد على المعاهدة، فسر بها، وبدأ إنفاذها بإرسال ~~ابن عمار على جيش لأخذ مرسية وبلنسية، على أن يكون أميرا لبلنسية. # وبعد سبع سنوات من هذه المعاهدة، سقطت طليطلة قاعدة القوط القدية ومعقل النصرانية في يد ~~ألفونسو، بعد أن حكمها المسلمون اثنين وسبعين وثلاثمائة ~~عام، فشمل الحزن عليها جميع بلاد الإسلام، وذعر ملوك الولايات وأحسوا بالخطر الداهم، وبغي ~~ألفونسو وتكبر، ولقب نفسه بالإمبراطور حامي الملتين، ثم أقسم ألا يبقي أحدا من ملوك ~~الأندلس فوق عرشه، إلا إذا خضع لسلطانه، وعد نفسه من عماله، ووصل الخبر إلى إشبيلية في ~~ليلة سوداء، فهاج الشعب وهدد بثورة جامحة، واجتمع الناس في الخانات وعند أفواه الطرق، ~~يتحدثون في حزن وسخط على ملوكهم الذي أدى بهم تخاذلهم وإسرافهم، والانهماك في شهواتهم إلى ~~هذه الفاجعة، التي تهدد بزوال ملك العرب من الجزيرة. # وجلس المعتمد في قصره حزينا، تتناهبه الأفكار، وتتقاذفه الأوهام، ودخل عليه الهوزني، ~~فسأله المعتمد في ذهول وشتات فكر: كيف الحال؟؟ فقال الهوزني: الحال حسنة يا مولاي، لولا ~~فضول أهل إشبيلية، فإن المصيبة فيهم أنهم يزجون أنفسهم فيما لا شأن لهم به من سياسة الملك ~~وشئون الدولة. # لقد مررت في الطريق وأنا قادم، بسوق القصابين، وكان أحد الجنود يشتري لحما، فابتدره ~~القصاب قائلا: حرام أن تأكلوا وتشربوا أيها الجنود المترفون. # وكاد الشر يتافقم، لولا تدخل الناس. ~~- إن استيلاء الأذفونش على طليطلة له ما بعده. ~~- وقد بلغني يا مولاي أنه فتك بأهل المدينة، وسامهم كل أصناف العذاب ... تعسا لهذه ~~المعاهدة الظالمة، فإنها الجذوة التي طارت منها كل هذه الشرور. فأطرق المعتمد وقال: حقا ~~يا أبا القاسم، لقد فارق التوفيق ابن عمار عند عقدها. ~~- إن ابن عمار يا ms42 مولاي رجل لا يوثق به، وهو أول من يبيع نفسه وذمته لمن يلوح له بالذهب ~~النضار، فقد سمعت أن الأذفونش أهدى إليه خاتمين من نفيس الجواهر، وأنه خدعه بصنوف من ~~الإطراء، حتى لقد دعاه أذكى رجل بالأندلس، وأنه خلق ملكا، وأظهر له أسفه أنه لم يكن في ~~مكان ابن عباد. ~~- وظن الخائن المفلوك ذلك صحيحا؟! ~~- إنه أول من يخدع، على الرغم مما يظهر من الحصافة والذكاء، ثم لقد بلغني أن زوجة ~~الأذفونش - وهي من يعلم مولاي قوة سحر جمالها - فتنتة وأطمعته، حتى وقع في الشرك فوقع ~~المعاهدة. ~~- ويل للأبله المخدوع!! ~~- إنه رجل كبير الآمال ... وقد وصل إلى علمي أنه أظهر العصيان ببلنسية، بعد النعم التي ~~واليتها عليه، ثم إن كارثة الكوارث، أنه أرسل شعرا في هجاء مولاي وزوجه اعتماد، يردده أهل ~~الأندلس جميعها، يقول فيه: # تخيرتها من بنات الهجان # رميكية لا تساوي عقالا # فجاءت بكل قصير العذار # لئيم النجارين عما وخالا # فالتهب المعتمد غضبا، وصاح بعبد الجليل بن وهبون، وأمره أن يكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، ~~وزيره ببلنسية: أن يرسل إليه ابن عمار مصفودا، وبعد أيام وصل ابن عمار، ولم يبق وسيلة من ~~وسائل الاستعطاف إلا بذلها، ولكن الغضب لم يترك في نفس المعتمد مكانا لرحمة، فوثب عليه ~~وقتله بيده، وخرج الهوزني وهو يقول في نفسه: هذه بداية الخاتمة، ومر ابن وهبون بجثة ابن ~~عمار فقال: # عجبا لمن أرثيه ملء مدامعي # وأقول: لا شلت يمين القاتل! # | ثورة # كان القاضي عبد الله بن أدهم من أشد الساخطين على المعتمد؛ لتهاونه بشئون الدين والملك ~~معا، ولانغماسه في اللهو، وتحالفه مع الإسبان. # وكان عبد الله شيخا جليل القدر، وقور السمت، له نفوذ روحي قوي التأثير في العامة، فكان ~~يوجههم بإشارة من يده كيف شاء، ومتى شاء، وقد سمع من القادمين من بر العدوة ما عليه ابن ~~تاشفين، ملك مراكش، من الزهد والصراحة في الحق، والتمسك بالدين، والتأدب بآداب الصحابة، ~~والميل إلى الغزو في سبيل الله، فكان يود لو أن زمام الأندلس أسلم ms43 إلى يده بعد أن كبا بها ~~الزمان، واصطلحت عليها النوائب؛ ليملأها عدلا بعد أن ملئت جورا، وليعيد إليها ما كان لها ~~من العز الشامخ والملك العظيم. # كان عبد الله جالسا في دارة مطرقا مفكرا، وإذا أبو القاسم الهوزني يطرق بابه، ويسلم ~~في أدب ويجلس، فيلتفت إليه ابن أدهم ويقول: كيف حال المعتمد اليوم؟ ألا يزال سادرا في ~~لذاته، أم أيقظه قرع الحوادث؟؟ ~~- لا يزال سادرا في لذاته، وهو الآن أشبه بالقنديل في آخر الليل، تخفق ذبالته حتى إذا لم ~~تجد زيتا انطفأت. ~~- ليته كان ينطفئ وحده! إنه ليس قنديلا أبا القاسم. إنه راع ترك شياهه للسباع ~~... إن الأمة لا تصلح إلا بابن خطاب جديد. ~~- وأين نجد عمر بن الخطاب الآن؟؟ ~~- هو على مرمى سهم منك ... هو في بر العدوة ... هو في مراكش ... هو يوسف بن تاشفين. ~~- فهمت. هذا حسن، وهو خير من يعيد إلى الأندلس مجدها. ~~- ولكن كيف الوصول إليه؟؟ ... إن وفدا من رجال الأندلس لا يكفي لدعوته؛ لأنه قد يرتاب في ~~أن البلد ممهد لدخوله، فيخشى أن يقع بين شقي رحا، وأن تطبق عليه جيوش المسلمين وجيوش ~~الإسبان. ~~- دع هذا الأمر لي يا سيدي، ويكفيك أنك أوحيت بالفكرة ... إني سأحتال حتى يدعوه المعتمد ~~نفسه. # ثم ينطلق إلى القصر فيلتقي بأحمد العامري صاحب الخزائن، فيقول له: عم صباحا أبا محمد، من ~~مثلك اليوم يمشي في إعجاب وزهو، كمشية بنت المستكفي التي تقول: # أنا والله أصلح للمعالي # وأمشي مشيتي وأتيه تيها ~~- ولا عجب، فإنك حارس خزائن الملك، تعطي من تشاء وتمنع من تشاء. ~~- لا تمزح أبا القاسم فإن الوقت وقت جد، إن النفقات الكثيرة تكاد تلتهم ما في الخزائن: ~~جوائز للشعراء لا تنتهي عند حد في كل يوم، وجواهر وحلي وملابس للجواري، ولأرماندا، ولسيدتي ~~الرميكية - تزيد أثمانها على ما يتوهمه العقل، ثم نفقات قصر الملك، ثم ما ينفق على القصور ~~الأخرى: وهي الزهراء، والمبارك، والوحيد، والزاهي، والمؤيد. ثم ما يدفع من الإتاوات ~~للأذفونش. ماذا يبقى يا أبا القاسم؟؟ ~~- يبقى ما يدفع ms44 للجيش. ~~- أنت لا تزال تمزح. عم صباحا. # وتركه الهوزني، فرأى المعتمد جالسا بين حاشيته، ووجهه مربد، وهو يتكلف الكلام ~~والابتسام، حتى إذا أخذ مجلسه، جاء سيف الخادم وقال بصوت مرتعد: إن ابن شاليب اليهودي قدم ~~يا مولاي، وقد ترك بربض إشبيلية نحو ثلاثمائة جندي، قدموا معه. فالتفت المعتمد إلى من حوله ~~وقال. ليدخل. # ودخل ابن شاليب، وكان رجلا في الستين، أشيب اللحية، كبير الأنف، يسيل ماء عينيه لرمد ~~ملازم، فهو لا يفتأ يمسح دموعهما بيده بحركة عصبية؛ وكان وسخ الوجه واليدين، له خصلتان ~~طويلتان تتدليان على عارضيه، يلبس فوق صداره وسراويله جبة طويلة ممزقة الذيل وسخة. # سلم ابن شاليب وقال: إن مولاي الأذفونش يصدر إليكم أمرين: الأول: أن تقيم زوجه كونستانس ~~بمدينة الزهراء حتى تلد، وأن تلد بالجانب الغربي من جامع قرطبة، وهو مكان الكنيسة القديمة، ~~والثاني: أن تضاعف الإتاوة هذا العام. # فقال المعتمد: اسمع يا رجل. نحن لا نتلقى من أحد أمرا، وولادة القمجيطة بجامع قرطبة ~~أبعد من المحال، وهو طلب نرده في وجه مولاك بأنفة وازدراء؛ وأما المال فخذوه إن كان يسد ذلك ~~جشع الأذفونش. ثم أمر أحمد العامري بإعطائه الإتاوة. # وبعد ساعة عاد ابن شاليب وهو يصيح في غضب: لا آخذ هذه الدنانير ... إنها زائفة ... إنها ~~مغشوشة ... إن الأذفونش سئم هذه الألاعيب، وإننا في العام القابل لن نأخذ دنانير بل نأخذ ~~مدنا وحصونا. # فقال الهوزني: أطبق فمك يا فاجر، إنك أمام الأمير. # فقال ابن شاليب: إن أراد الأمير أن يحترم نفسه فلينقدني الدنانير صحيحة غير زائفة، وقد ~~كان الغضب قد أطبق على المعتمد فلم يستطع صبرا، وكانت أمامه دواة ضخمة، فقبض على رقبة ابن ~~شاليب، ودق رأسه بالدواة حتى تناثر مخه، ثم أمر سيفا خادمه - وعيناه تكادان تثبان من ~~محجريهما - أن يرسل جنودا في جنح الليل على فرسان الأذفونش ليقتلوهم. # طار خبر مقتل اليهودي في إشبيلية، وتنقل من لسان إلى لسان، وكان الناس قد سئموا حكم ~~المعتمد، ولكنهم كانوا يكتمون غيظا تغلي في نفوسهم مراجله، وأسرع من ms45 نجا من فرسان الأذفونش ~~إليه، يقصون عليه ما كان من المعتمد ويزيدون ويهولون، فأذهله وقع الخبر، وأقسم برأس أبيه ~~أن يرسل عليه جيوشا لا قبل له بها، وألا يقل عددها عن شعر رأسه، وقد أنجز وعيده فأرسل ~~جيشا لهاما لا يبلغ الطرف مدى آخره، وكان يقوده بنفسه، حتى وصل إلى شاطئ النهر الكبير، ~~فعسكر قبالة قصر المعتمد بإشبيلية، وربض متنمرا كالليث الغاضب. # فلما وقعت الواقعة، ذهب الهوزني إلى دار عبد الله بن أدهم وقال له: لقد نضجت الثمرة ~~اليوم يا سيدي، وأصبح قدوم ابن تاشفين قريبا، بعد أن نزل الأذفونش بطريانة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- لقد أرسلا في هذا الصباح حمادا المريني ليخطب في العامة، ويثير كوامن غيظهم على ~~المعتمد، وهو شاب ذرب اللسان، يعرف كيف يلهب النفوس، ويلعب بالعقول. ~~- ماذا نفيد من هذه الثورة؟ إنها قد تقوي الأذفونش. ~~- إن الأذفونش ستطول إقامته بطريانة قبل أن يهجم؛ لأنه سينظر جيشا آخر قادما من طليطلة ~~لم يغادرها بعد، ثم إن هذه الثورة ستدفع المعتمد إلى الاستعانة بابن تاشفين على الرغم منه؛ ~~لأنه سيصبح بغيضا إلى العامة فلا يتقدمون لنصرته. ~~- وما كاد يفرغ الهوزني من كلامه، حتى دخل حماد المريني وآثار الإجهاد والتعب بادية ~~عليه، فقال: إن إشبيلية الآن ثائرة كلها، يستوي فيها الرجل والمرأة، والطفل والشيخ. # فقال الهوزني: كيف ذلك؟ فقال المريني: لقد خطبت في الميدان الكبير وكان الجمع حاشدا يموج ~~كالبحر الزاخر، وما فرغت من خطبتي حتى وقف الناس يخبطون، وصار كل واحد منهم حمادا ~~المريني. ~~- ماذا قلت لهم؟ ~~- عددت مثالب ابن عباد: فذكرت إسرافه في اللهو والمجون، وجنونه بحب النساء والجواري ~~الإسبانيات، وفتنته بأرماندا وبزوجه الرميكية التي كانت نكبة على الأندلس جميعها، ثم ~~تبديده أموال الدولة على المتعطلين من الشعراء والمضحكين والمجان، ومعاقرته الخمر حتى لا ~~يكاد يفيق من سكر، وتبذيره في بناء القصور، ثم تحقيره الفقهاء والعلماء، وإهمال شهود الجمع ~~ومعاهدته مع الأذفونش التي جرت الخراب على البلاد، ثم ترك الجيش حتى فقد قوته، والأسطول ~~حتى تعطن في الماء ، ثم ms46 طرح شئون الدولة وراء ظهره، وترك زمامها في يد ابنه الغر الجاهل ~~الذي سماه بالرشيد. ~~- مرحى مرحى أبا هاشم!! # ثم ودعهما الهوزني وانصرف إلى القصر، فرأى من فيه يموج بعضهم في بعض، ورأى المعتمد ~~جالسا مع ابنه الرشيد، ومعهما أبو بكر بن زيدون، فقال له المعتمد: اجلس أبا القاسم ... إنما ~~تعرف الرجال في الشدة ... هل لك في هذه النازلة رأي؟ # فقال الهوزني: يا مولاي. رأيي أننا نحتاج إلى حليف قوي في هذه الشدة. # وقال ابن زيدون: يجب أن نكتب إلى جميع ملوك الطوائف؛ ليشاركونا بجيوشهم في دفع هذا البلاء ~~فإن خطره يشملنا ويشملهم. # عندئذ قال الهوزني: إن ملوك الطوائف جميعا أضعف من الثمام، وهم يخافون الأذفونش ويتقون ~~غضبه، حتى لقد بلغني أنهم أرسلوا إليه التهنئات والهدايا حينما ملكت جيوشه طليطلة ... إن ملوك ~~الطوائف لا يصلحون. # فقال المعتمد: من يصلح إذا؟ فقال الهوزني: سمعت أن يوسف بن تاشفين رجل ليس له أطماع ~~ألبتة، وأنه مجنون بشيء يسميه الغزو في سبيل الله، فإذا خدعناه بهذه الفكرة، جاء بجيش من ~~البربر، فتمتع بالغزو الذي يحبه وتتوق إليه نفسه، ثم عاد من حيث أتى، وأعتقد أن ملوك ~~الطوائف إذا وثقوا من انتصاره على الأذفونش - وهو أمر محقق - تدفقوا على مولاي ملحين في أن ~~تشترك جيوشهم في الجهاد. # ثم إني واثق أن العامة إذا عرفوا أن مولاي يبذل أقصى جهد في استئصال شأفة الأذفونش - ~~تقدموا لنصرته ملبين. # فظهر الاقتناع على وجه المعتمد، وحينئذ خرج الرشيد من صمته وقال: يا مولاي: إن هؤلاء ~~البربر قوم جياع، جاءوا من الصحراء وفيهم الجشع والوحشية، وأخشى أنهم إذا نزلوا بلادنا، ~~ورأوا ما فيها من أسباب الحضارة والنعيم، صعب عليهم مبارحتها؛ فنكون كمن يفر من الذئب، فيقع ~~بين أنياب الأسد. # وأرى أن نصانع الأذفونش، وأن نبذل له من الأموال فوق ما يتخيل، حتى يعدل عن عزمه، ويذهب ~~إلى طليطلة، ثم نتخذ من هذه الحادثة عبرة، فنفرغ لتقوية جيوشنا، وننفق كل درهم من أموال ~~الدولة فيما يقوي أركانها، ويصد عنها أعداءها. ms47 # فغضب المعتمد وقال: والله لن أصانع هذا الأذفونش بعد أن أهان أرضي، وأهانني رجاله ~~الأدنياء، والله لن يقول قائل بعدي: إن ابن عباد أضاع ملك الأندلس ... ولأن أرعى الجمال عند ~~ابن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند الأذفونش. # ثم إني من أمري على حالين: حال شك، وحال يقين، ولا بد من إحداهما ... لأنني إذا استندت إلى ~~ابن تاشفين، أو إلى الأذفونش، فمن الجائز أن يفي لي كل منهما بعهده، ومن الجائز ألا يفي ... ~~فهذه حالة شك. # ولكني إذا استندت إلى ابن تاشفين، أرضيت الله، وإذا استندت إلى الأذفونش، أسخطت الله، ~~فهذه حالة يقين. # ولأن يغدر بي ابن تاشفين مع رضا الله، خير من أن يفي لي الأذفونش مع سخطه. أتعلم أبا ~~القاسم أن الطاغية أرسل إلي بالأمس رسالة كلها تهكم وسخرية وصلف: أرسل يقول: إنه طال مقامه ~~بشاطئ النهر، فاشتد عليه الحر وكثر الذباب، وطلب الصفيق مراوح تطرد الذباب عنه وعن ~~جنده؟! # فقال الهوزني: يا للداهية!! بم أجبته يا مولاي؟؟ ~~- أجبته بأني سأرسل إليه مراوح من نوع جديد ... مراوح من الدرق اللمطية تروح منه، ولا ~~تروح عليه. # ثم هب واقفا وقال: أنا ذاهب الآن إلى ابن تاشفين. يا ابن زيدون ... اكتب إلى ملوك الولايات ~~ليكونوا على استعداد. # ركب المعتمد سفينته، وكان لا يصحبه إلا خادمه سيف، حتى وصل إلى مراكش فطرقها ليلا، وذهب ~~إلى قصر أمير المسلمين ابن تاشفين وطلب مقابلته، فذعر ابن تاشفين وخاف أن يكون قادما ~~بجيشه، وقد بسط إليه المعتمد - ودموعه تتناثر فوق خديه - حال الأندلس، وما أصاب الإسلام، ~~وأن الأمر يدعو إلى الجهاد وبذل النفوس في سبيل الله، وأن الله الذي نصر أمير المسلمين في ~~جميع غزواته، قد أعد له في الأندلس النصر المبين، واختاره لحفظ دينه، وإعلاء كلمته. # وافق ابن تاشفين على إرسال جيس للأندلس، وعاد المعتمد إلى إشبيلية فرحا مسرورا، فاستبشر ~~الناس وهنأ بعضهم بعضا، وهمس الهوزني في أذن عبد الله بن أدهم: ألم أنبئك أني سأعمل على ~~أن يدعو المعتمد ابن تاشفين ms48 لدخول الأندلس؟؟ ~~- إن لك سحرا لا تنفع فيه الرقى!! ولكن ابن تاشفين وعد أن يعود إلى بلاده بعد أن يقهر ~~الأذفونش. ~~- إن وعود السياسة كوعود الحسان ... قاتل الله المتنبي حين يقول: # ومن يجعل الضرغام بازا لصيده # تصيده الضرغام فيما تصيدا # | الزلاقة # رفرف على شاطئ الأندلس عند الجزيرة الخضراء، مائة شراع يعبث بها النسيم، وتتخايل فوقها ~~الرايات. # وكانت السفن تعج بالمجاهدين من البربر، وعرب زناته، وتزخر بالخيل والجمال، ومعدات القتال: ~~فكان الصهيل فيها يختلط بالهدير، وأصوات المقاتلين تمتزج بصليل السيوف وقعقعة الرماح، ~~والركاب فوقها في حركة دائبة، وضوضاء صاخبة. # وأبناء الصحراء من البربر يطلون على شاطئ الأندلس في ذهول وإعجاب، وقد طرزت حواشيه الرياض ~~والمروج، وانتثرت فيه الكروم وأشجار التوت والزيتون والتين. # لقد كانوا في السعير فأقبلوا إلى النعيم، وكانوا في الجدب المحرق، فأشرفوا على الخصب ~~والعيش الرخيم. # وحينئذ التفت سير بن أبي بكر - أكبر قواد ابن تاشفين - إلى القائد داود ابن عائشة ~~قائلا: يا داود. إن هذه البلاد هي الجنة التي كنتم توعدون، وأعجب من فاتح يضع فيها قدمه ثم ~~يستطيع أن يفارقها. ~~- إن الجنة تحف دائما بالمكاره، ولا تخلو من وسوسة الشياطين. ثم إن ما في هذه البلاد من ~~الرفه واللهو والجمال، يستلب من الفاتح كل صفات الرجولة والحمية، ويفقده صفات البداوة، حتى ~~يعود أضعف من ذات خمار، ونحن العرب، خلقت أخلاقنا من صخور الصحراء، فلا نعيش إلا في ~~الصحراء، فإذا خرجنا منها فسدنا، كما يفسد السمك إذا خرج من الماء ... أمامك تاريخ العرب كله، ~~فاقرأه ثم انظر إلى ما هو أمامك من أمر ملوك الأندلس، وتأمل لماذا قدمنا اليوم إلى ~~هنا. ~~- أنت رجل عميق الغور، ولكني أخشى أن تكون مخطئا ... أتظن أن فاتحا عظيما يعزف عن هذا ~~الملك العظيم، وهو في قبضة يده، لهذه الأوهام والأباطيل؟! ~~- ليست أوهاما، وليست أباطيل، وإنما هي الحق ... خير لنا أن نقيم بصحرائنا أقوياء أشداء، ~~من أن ننغمس في مدينة كاذبة قصيرة الأمد، تقضي على كل ما فينا من شجاعة ونخوة. ~~- أتفضل خبز ms49 الشعير على الفطائر المغموسة في الزبد والعسل؟! ~~- أفضله على الفطائر المسمومة. # وهنا صاح الجند: أمير المسلمين ينزل إلى الشاطئ. # وأقبل ابن تاشفين تحيط به الجنود: وهو رجل في الثمانين من عمره، ربعة، أميل إلى القصر، ~~نحيف الجسم، أسمر اللون، في وجهه عينان كعيني النسر، وله لحية خفيفة جللها الشيب. # نزل ابن تاشفين إلى الشاطئ فصلى بجميع جيشه، ثم أقبل عليه الرشيد بن المعتمد نائبا عن ~~أبيه، فقبل يده، ورحب بمقدمه، وقدم له الهدايا وصنوف المئونة ما يليق بكرم ابن عباد، وفرح ~~أهل الجزيرة الخضراء، واستبشروا بقدومه، ورفعوا الرايات، وقدموا للجند من الطعام والتحف ما ~~يستطيعون. # وبعد أيام قدم المعتمد إلى الجزيرة الخضراء في ثلة من عسكره، فلما قابل ابن تاشفين ~~تعانقا عناق الحبيب للحبيب، وامتزجت دموع السرور منهما بدموع الحب والإشفاق. # وفي هذه الأثناء كانت جيوش ملوك الطوائف تفد على إشبيلية براياتها وقوادها كأنها الأمواج ~~تلتقي على شاطئ المحيط. # ثم تحركت جيوش ابن تاشفين إلى إشبيلية، وأقامت بها قليلا، ووصل خبر قدوم جيش ابن تاشفين ~~إلى ألفونسو وهو بطليطلة فنادى بالحشد العظيم، وجمع جموعا كثيفة العدد من الجلالقة ~~والفرنجة، وعزم على أن يقودها بنفسه. # ولما نظر فرأى جيوشه تسد الأفق، التفت إلى أكبر قواده الكونت الڤيرفانز، وتسميه العرب ~~«البرهانس» وقال: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء. # وفي صباح اليوم، هب ألفونسو من نومه قلقا؛ لأنه رأى رؤيا عجيبة لم يستطع لها تأويلا، ~~فجمع القساوسة النصارى وأحبار اليهود وقال: رأيت فيما يرى النائم: أني أركب فيلا - والفيل ~~ليس في بلادنا، ولم يخطر ببالي ذكر له قبل نومي - وأن أمامي رجلا يدق طبلا. فتحيروا في ~~تعبير هذه الرؤيا، وقالوا: رأيت خيرا أيها الملك، إن هذه الرؤيا دليل النصر، ولكن ألفونسو ~~لم يثق بهم، وهز رأسه قلقا مضطربا، وتسرب أحد اليهود حتى أتى مسجد طليطلة، فقابل الشيخ ~~أبا عبد الله المغامي وقص عليه الرؤيا، ونسبها لنفسه، فقال له الشيخ: كذبت، ما هذه الرؤيا ~~لك، ولن أعبرها إلا إذا صدقتني. # فقال: إنها رؤيا الأذفونش ms50 . فقال الشيخ: الآن صدقت فلن يرى هذه الرؤيا غيره ... اذهب بي ~~إليه؟ # فذهبا إلى ألفونسو، فقال له الشيخ: أيها الأذفونش! إن هذه الرؤيا تدل على بلاء عظيم، ~~ومصيبة فادحة تقع عليك وعلى عسكرك، وتفسير الفيل في قوله تعالى: # ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل ~~كيدهم في تضليل ~~، وتفسير الطبل من قوله تعالى: # فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسي ~~* على الكافرين غير يسير ~~. # فهاج غضب ألفونسو وقال: والله لئن ظهر كذبك يا شيخ لأقطعن جسمك لكلاب الصيد. فابتسم ~~المغامي وقال: وإن صدقت فلن تنالني يدك! ثم تحركت جيوش ألفونسو، وتحركت جيوش ابن تاشفين حتى ~~وصلت إلى مكان بالقرب من بطليوس يعرف بالزلاقة، وأقام بعسكره بعيدا عن عسكر ابن عباد، وهنا ~~أرسل ابن تاشفين - على عادة الغزاة - كتابا إلى ألفونسو ~~يدعوه فيه إلى إحدى سبل ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال. فسخر ألفونسو من الكتاب، وبعث ~~يقول لابن تاشفين: إن اليوم الخميس، وغدا الجمعة وهو عيد المسلمين، وبعده السبت وهو عيد ~~اليهود، ثم الأحد وهو عيد النصارى، وأرى أن نلتقي يوم الاثنين. # فقال المعتمد: إنها دسيسة من الطاغية، وأرسل عيونه إلى معسكر ألفونسو، فرأوا إسراعا في ~~الاستعداد والأهبة، وسمعوا همس الإسبان بأن الهجوم سيتجه أولا إلى جيش ابن عباد. # وفي هذه الليلة، قام الوعاظ في الفريقين من المسلمين والقساوسة، يعظون الجنود ويحثونهم ~~على الجهاد والصبر، والاستماتة في نصرة الحق، وكان ابن عباد يمر بين جيوشه ويقول: # لابد من فرج قريب # يأتيك بالعجب العجيب # غزو عليك مبارك # سيعود بالفتح القريب # لابد من يوم يكو # ن له أخا يوم القليب # وفي صبيحة الجمعة، العاشر من رجب سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، لم يشعر جيش ابن عباد إلا ~~وجموع ألفونسو المائجة تطبق عليه، فجالد المسلمون وصبروا عند الصدمة الأولى، ولكن قوة ~~الإسبانيين وكثرة عددهم، كانت فوق طاقة الأندلسيين، ففر كثير من جند ابن عباد، ولكنه كان ~~يقدم إقدام المستبسل المستميت، حتى لقد جرح صدره ويداه، وشدخ رأسه، وعقر تحته ثلاثة أفراس ms51 ~~وهو لا يفتأ كارا واثبا حتى انكشفت بعض أصحابه وفيهم ابنه عبد الله. ثم تحركت فيه عاطفة ~~الأبوة في هذا المأزق الذي يخب الموت فيه ويضع، فذكر ابنا له صغيرا، وتركه عليلا ~~بإشبيلية، وكان به مغرما، فقال: # أيا هاشم هشمتني الشفار # فلله صبري لذاك الأوار # ذكرت شخيصك تحت العجاج # فلم تثنني ذكره للفرار # وبينما كان ابن عباد يقاتل جيوش الإسبان، أرسل ابن تاشفين جنودا إلى معسكر ألفونسو، ~~وأمرهم بإحراق كل ما فيه من مئونة وعدة، فملأ لهيبه الجو. # ثم جاءت اللحظة الأخيرة التي وصل فيها ابن عباد إلى اليأس وكاد يلقي السلاح مستسلما، ~~ولكنه ما كاد يهم بإغماد سيفه، حتى رأى جيوش داود ابن عائشة أحد قواد ابن تاشفين مقبلة ~~عليه، فعاد إليه الأمل، وانضم ببقية من معه إليها. # وأقبل ابن تاشفين، بخيله ورجله، وعاد الفارون حينما لمعت لهم بوارق الانتصار، وصدق ~~المسلمون الحملة، فشتتوا جيوش الإسبان. # وانكشف ألفونسو، ووثب عليه غلام بربري يدعى بلاطس، بخنجر، فضربه فقد درعه وأصاب فخذه، ~~ففر بنحو خمسمائة من رجاله إلى تل بعيد عن المعركة، بعد أن فنى جيشه، وقتلت أبطاله، ثم ~~رحل إلى طليطلة يجر ذيول الخذلان. # وسجد ابن عباد لله شكرا، وأرسل لابنه الرشيد بأنباء النصر على جناح طائر: وحز المنتصرون ~~رءوس القتلى، وعملوا من رءوسهم مآذن ينادون من فوقها للصلاة، وقضوا الوقت في تهليل ~~وتكبير. # ورأى ابن تاشفين جرح ابن عباد فاشتد أسفه، فقال المعتمد: # وقالوا: كفه جرحت. فقلنا: # أغادية تسيل بها الجراح؟! # وما أثر الجراحة ما رأيتم # فتوهنها المناصل والرماح # ولكن فاض سيل البأس منها # ففيها من مجاريه انسياح # أما ألفونسو: فأمضه الحزن، وعضه عار الهزيمة، فلم يمكث بعد الموقعة أياما حتى ~~مات. # | ضيافة # عف ابن تاشفين هو وجيشه عن اقتسام الغنائم، وفاء بعهده للمعتمد، وظهورا بأنه إنما حارب ~~للجهاد والمثوبة، وأنه لا يريد عرض الحياة الدنيا. ثم دعاه المعتمد إلى الضيافة بإشبيلية، ~~فقبل الدعوة، ورحلا وأعلام النصر تخفق فوق رأسيهما، وكلما مرا ببلدة أو مدينة، هرع إليهما ~~الناس يحيون ms52 فيهما البطولة، والعزيمة الصادقة، والصبر عند اليأس، حتى إذا بلغا إشبيلية أقبل ~~المهنئون والشعراء وكان ابن وهبون قد أعد للموقف قصيدة طويلة، فلما هم بإلقائها سمع قارئا ~~في صدر المجلس يقرأ: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~، فلما سمع الآية قال: بعدا لي ~~ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية شيئا. # نزل ابن تاشفين في ضيافة المعتمد، فرأى من البذخ والترف والنعيم، ومن عظمة القصور وكثرة ~~الحشم والجواري، وجمال الفراش والأثاث، والإسراف في الإنفاق - ما أذهله وذهب بلبه. # ثم نظر حول القصر، فرأى نهرا عظيما تتكسر أمواجه كأنها قطع البلور، والسفن مقبلة فيه ~~مدبرة، تلعب الرياح بشرعها البيض كأنها الحمائم تحوم على مشرع، ورأى إلى ناحية الغرب شرف ~~إشبيلية وقد كثرت فيه الضياع، وحجبت الكروم وأشجار التين والزيتون عن أرضه الشمس. # وكان سير ابن أبي بكر بجانبه، فالتفت إليه وقال: يا سير! أترى ما نحن فيه من النعيم؟! ... ~~إن هذه البلاد قطعة من الفردوس، وهذا القصر الذي نحن فيه أحد قصور الجنة. يا سير ... إن هذه ~~الأموال التي تبعثر بجنون على هذه القصور، وفي هذا الترف الذي تجاوز الحد، لابد أن تكون ~~مأخوذة من الرعية قسرا واغتصابا. ~~- إن ابن عباد يا مولاي لا يهتم إلا بنفسه وإشباع شهواته. ~~- أتحبه رعيته يا ابن أبي بكر؟؟ ~~- إن الرعية تبغضه، وتود لو تستريح من حكمه، وها هي ذي الفرصة سانحة يا مولاي، فمرني ~~أنقض بجيشي على هذا الخليع؛ فلن يأخذ مني ثل عرشه المتداعي ساعة من نهار. ~~- ليس الآن يا ابن أبي بكر ... إن ملوك الأندلس لا يزالون أقوياء بعد هذه النصرة، وبعد أن ~~استرحوا من الأذفنوش، والأمور مرهونة بأوقاتها. ~~- إنني قابلت بالأمس ابن أدهم، قاضي الجماعة بقرطبة، وأبا القاسم الهوزني وهما صديقان ~~وفيان لمولاي أمير المسلمين. فأخذا يحثانني على الوثوب على ابن عباد، واستئصال ملكه. ~~- نعم إنهما صديقان، ولكن الوقت لم يحن بعد، فاترك لي ms53 يا ابن أبي بكر. ثم غلبه النوم، ~~فتركه سير يغط غطيطا. # وكان المعتمد في هذه اللحظة في قصره، بين وزرائه وقواده، والسرور يملأ جوانب نفسه، وليس ~~له حديث إلا الفتح والنصر، وما أفاء الله على المسلمين من غنائم، وبينما هو في الحديث إذ ~~استأذن عليه شيخ مجهول الاسم، رث الهيئة. فلما مثل بين يديه قال: أصلحك الله أيها الملك ... ~~إن من واجب شكر النعمة لله، إسداء النصح لك: لقد وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك ابن تاشفين، ~~خبر يدل على أنهم يرون أنفسهم ويرون ملكهم أحق بهذا الملك منك، أو قد بدا لي رأي، فإن آثرت ~~الإصغاء إليه قتلته. فقال المعتمد: قله ولا تخف، فقال الشيخ: إن هذا الملك الذي أطلعته على ~~سر دولتك، طماح مستأثر، وقد حطم ملوك زناته ببر العدوة واغتصب ملكهم، وهو فاعل بك ما فعل ~~بهم، بعدما رأى من عظم الأندلس وخصبها، وبعد أن فتك بجيوش الأذفونش، فأعدمك بإضعافه أقوى ~~ناصر لك عليه، فاتخذ الحزم فيما هو ممكن اليوم. ~~- وما الذي هو ممكن اليوم؟؟ ~~- أن تجمع أمرك على القبض على ابن تاشفين واعتقاله، ثم تصارحه بأنك لا تطلقه حتى يأمر كل ~~من بالجزيرة من عسكره أن يرجع من حيث جاء. ثم تتعاهد مع ملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر، ~~والقضاء على كل سفينة له تجرى فيه، ثم تأخذ منه رهائن عزيزة على نفسه، وتستحلفه بأغلظ ~~الإيمان ألا يضمر عودا إلى هذه الجزيرة ... حينئذ تنظر في ملكك بعين اليقظة والحزم، ويعظم ~~قدرك وتهابك الملوك. فأطرق المعتمد طويلا وقد استسحسن رأي الرجل، وراق في نفسه، وحينئذ ~~أسرع الهوزني وقال: يا شيخ، ما كان المعتمد على الله - وهو الكريم العنصر، والملك الذي ~~اجتمعت فيه كل مكارم العرب ممن يغدر بضيفه. فقال الشيخ: الغدر أن تغتصب حقا ليس لك، لا أن ~~تدفع عن نفسك ضرا وضيما. # فقال الهوزني: ضيم مع وفاء، خير من حزم مع جفاء. # ووافق المعتمد على هذه الحكمة الغريبة، التي تأنق الهوزني في سجعها، فخرج الهوزني ms54 وهو ~~يقول: # إحدى لياليك فهيسي هيسي # لا تنعمي الليلة بالتعريس! # | أفول # رحل ابن تاشفين إلى مراكش وترك بالأندلس جنوده ~~وقواده، وعاد المعتمد إلى ما كان فيه من اللهو والعبث، وقضى أكثر من سنتين في بلهنية عيش ~~وانغماس في النعيم. # وعادت أرماندا إلى ما كان لها من الحظوة، وعادت الرميكية إلى بذخها وإسرافها، وتمدد ذات ~~صباح على كرسيه في حديقة قصره، وجاريته لونا (قمر) تحجب عنه الشمس، وهو يقرأ في شعر ابن أبي ~~ربيعة، والمغنية تنشده من شعره: # قامت لتحجب قرص الشمس قامتها # عن ناظري - حجبت عن ناظر الغير # علما لعمرك منها أنها قمر # هل تحجب الشمس إلا غرة القمر؟! # ودخل الهوزني، فملأ الجو أنسا بحسن حديثه، والأمير ~~مغرور بأساليب ملقه وكثرة إطرائه، وقبله في أثناء ذلك يتحرق سخطا على المعتمد، ويتلهب ~~شوقا إلى زوال دولته. # ثم رأى عنقودا يتدلى من كرم، فذهب لقطفه، فلحقت به أرماندا لأخذه، متكلفة شدة الرغبة في ~~اختطافه منه، فهمس في أذنها: ما هذا يا أرماندا؟ ماذا فعلت بابن عباد؟ فقالت: تركته كما ~~تراه في حلم دائم من النعيم والنسيان، لا يستطيع أن يدفع عدوا، أو يصطنع صديقا. فقال ~~الهوزني: كيف فعلت هذا؟ قالت: لا أدري غير أنهم يقولون في قشتالة: إن المرأة شرك ~~الشيطان. # وعندئذ دخل على المعتمد أخوه ذخر الدولة، وهو مكفهر الوجه متشائم، فقال: يا مولاي. إني ~~رأيت في منامي بالأمس: كأن رجلا صعد فوق منبر قرطبة، واستقبل الناس، وأخذ ينشدهم: # رب ركب قد أناخوا عيسهم # في ذرا مجدهم حين بسق # سكت الدهر زمانا عنهم # ثم أبكاهم دما حين نطق # فصاح الهوزني مقهقها: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. # ثم استأذن وانصرف، فلقي في الطريق سير بن أبي بكر، فمال به إلى ناحية، وأخذ يلح عليه، ~~ويحثه على الوثوب على المعتمد، ويذلل له كل صعب، ويسد عليه كل باب. فقال له سير: وماذا أصنع ~~وأمير المسلمين ينصح بالانتظار؟ ~~- اكتب إليه ما أمليه عليك. ~~- اكتب أنت، فما أنا بكاتب. # فكتب الهوزني كتابا عن ms55 لسانه لابن تاشفين، يشكو منه من ملوك الأندلس جميعا، ويقول: ~~إنهم منصرفون إلى لذاتهم، وقد تركوه يقاسي الشدائد هو وجنده من غير أن يمدوه بمال أو رجال، ~~وإنه يخشى أن ينقلب هؤلاء الملوك عليهم بالاستعانة بالإسبان. بعث سير الرسالة إلى ابن ~~تاشفين، فأمره ابن تاشفين أن يحارب ملوك الأندلس واحدا واحدا، وأن يجعل آخر غزوه لابن ~~عباد. # فأسرع ابن أبي بكر إلى إنفاذ أمر سيده، واستولى على ولايات ملوك الطوائف. ثم حاصر ~~إشبيلية، ووصل خبر حصارها إلى المعتمد وهو بين جواريه وندمائه فذعر من بالقصر، وولول النساء ~~والجواري، وخرج المعتمد وعليه غلالة شفافة، فامتطى صهوة جواده، واستل سيفه في يده، وصاح في ~~حرس قصره: اقتلوا البربر الغادرين. # وكان البربر قد دخلوا المدينة من باب الفرج، فصال فيهم بسيفه فتقهقروا، حتى إذا ذهبوا ~~بعيدا عاد المعتمد، فرأى ابنه ملكا مقتولا عند باب الصباغين، فحمله بعض الحراس وهو ~~ينتحب خلفه. # وكان الناس قد شملهم الذعر وخامرهم الجزع، فكانوا يثبون في النهر، ويقذفون بأنفسهم من ~~شرفات الأسوار. # فلما كان العشرون من رجب، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، اقتحم جند «سير» القصر، وقبضوا ~~بالأيدي على المعتمد، فطلب الأمان لنفسه وأهله فأمن، وكان يبكي وينشد: # إن يسلب القوم العدا # ملكي وتسلمني الجموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # لم أستلب شرف الطبا # ع. أيلسب الشرف الرفيع؟ # شيم الألى أنا منهم # والأصل تتبعه الفروع # ثم قيده أعداؤه بالأغلال، وأعدوا له ولأولاده وأهله السفن للرحيل إلى طنجة. # فاجتازت السفن شاطئ إشبيلية، والجموع المتراكمة عليه من الرجال والنساء والأطفال، تبكي ~~وتنوح. # وكان في مكان بعيد من الشاطئ رجلان، ينظران إلى السفن في شماته وجذل، هما: عبد الله بن ~~أدهم، وأبو القاسم الهوزني. # وكان أبو القاسم يردد: # أين ابن معن وعباد ومعتصم # وأين باديس، بل أين ابن ذي النون؟! # كانت لهم في هضاب العز أبنية # فأصبحوا بين مقبور ومسجون!! # | أسر # سارت السفن بابن عباد وأسرته وهم في غم ونواح: ملك زال كأنه ضحوة من نهار، وعز طار كأنه ~~حلم ms56 نائم، وسطوة وسلطان حل مكانهم الذل والإسار، فكان المعتمد دائما مطرقا مفكرا، وكان ~~ينظر إلى قيده ويقول: # قيدي، أما تعلمني مسلما؟ # أبيت أن تشفق أو ترحما! # يبصرني فيك أبو هاشم # فينثني القلب وقد هشما # ولما بلغت السفن طنجة، رأى المعتمد جماعة بالبادية يستسقون لقلة المطر، وشدة الجفاف، ~~فقال: # خرجوا ليستسقوا فقلت لهم: خذوا # دمعي ينوب لكم عن الأنواء # قالوا: حقيق في دموعك مقنع # لكنها ممزوجة بدماء! # ثم نقل إلى أغمات، وأودع السجن فقال: # غريب بأرض المغربين أسير # سيبكي عليه منبر وسرير # وتندبه البيض الصوارم والقنا # وينهل دمع بينهن غزير # وكانت بناته يعشن في السجن من غزل أيديهن في فقر وكفاف ~~عيش، فحل أول عيد له بالأسر، فدخلن عليه في أطمار بالية، وقد غيرهن البؤس، وأنحلهن السغب، ~~فلما رآهن قال: # فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا # فساءك العيد في «أغمات» مأسورا # ترى بناتك في الأطمار جائعة # يغزلن للناس، لا يملكن قطميرا # يطأن في الطين والأقدام حافية # كأنها لم تطأ مسكا وكافورا! # ورأى من نافذة السجن، سربا من القطا، يطير حرا طليقا، فهاج وجده وأنشده: # بكيت إلى سرب القطا أن مررن بي # سوارح لا سجن يعوق ولا كبل # هنيئا لها أن لم يفرق جمعها # ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل # ألا عصم الله القطا في فراخها # فإن فراخي خانها الماء والظل # وقتل المرابطون ابنه المأمون بقرطبة، وابنه الراضي برندة، فزاد جزعه واشتد حزنه، ~~فقال: # يا غيم عيني أقوى منك تهتانا # أبكي لحزن وما حملت أحزانا # بكيت «فتحا» فإن ناديت سلوته # بدا «يزيد» فزاد القلب نيرانا # يا فلذتي كبد يأبى تقطعها # عن وجدها بكما ما عشت سلوانا # ولم يزل في أنين وحنين، يرسل الزفرات ويطوي صدره على اليأس، حتى أدركته منيته سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة. # ومن العجيب أن هذا الملك الذي سار في الخافقين ذكره، وهز أعطاف الزمان شعره، وكان اسمه ~~على كل لسان، والثناء عليه يجلجل في كل مكان - ينادى للصلاة عليه بعد موته فيقال: الصلاة ~~على الغريب!! # إن من الغريب أن ms57 يكون ابن عباد غريبا!! # وبعد أيام من موته، قدم إلى «أغمات» شاعره أبو بكر بن عبد الصمد، وكان اليوم يوم عيد، ~~فوقف على قبره خاشعا باكيا. # وحشد الناس حول القبر يبكون وينتحبون، ثم سكن الجمع، وأخذ ابن عبد الصمد ينشد: # ملك الملوك أسماع فأنادي # أم قد عدتك عن السماع عوادي؟! # وقرأ قارئ بصوت ندي، شجي النبرات: # قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز ~~من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير ~~. ms58