######OpenITI# #META# URI: 1368CaliJarim.ShacirTamuh.Hindawi40204702 #META# Tags: novels #META# ID: 40204702 #META# Title: الشاعر الطموح #META# AuthorID: 92581481 #META# Author: علي الجارم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # وقيعة‏ # صلح‏ # صراع‏ # رحيل‏ # لقاء‏ # ضجيج‏ # حب‏ # دسائس‏ # خيبة‏ # مرض‏ # فرار‏ # وقيعة‏ # صلح‏ # صراع‏ # رحيل‏ # لقاء‏ # ضجيج‏ # حب‏ # دسائس‏ # خيبة‏ # مرض‏ # فرار‏ # | الشاعر الطموح # | الشاعر الطموح # تأليف # علي الجارم # | وقيعة # فارس فارع القد، وسيم الطلعة، تكشف أسارير وجهه عن نبل عريق، وشرف رفيع، وتنطق ملامحه ~~ونظرات عينيه بشجاعة تفرق منها الشجعان، وبطولة يعز مثلها على الأبطال، وكان يتقلد ~~سيفا حلي غمده بالذهب، وزين بنفيس الجوهر، ويتنكب رمحا تقبل أشعة الشمس سنانه ~~فترسل بريقا وهاجا يكاد يحسر العيون، وقد امتطى جوادا كريما راح يهملج في بخترة ~~وزهو، كأنه كان يعتز بكرم سلالته، أو يتيه بشرف منبت فارسه الشعشاع. # سار الجواد بين الوخد والخبب في طريق مدينة حلب، في يوم صائف من سنة إحدى وأربعين ~~وثلاثمائة، فانفجرت السابلة عن طريقه كما تنفرج أمواج البحر أمام سفينة تداعب شراعها ~~الرياح، وأخذ الناس يتهامسون في إجلال وخشية: هذا أبو فراس! هذا ابن عم الأمير! هذا بطل حصن ~~برزويه! هذا فارس الدولة وشاعرها المغرد! وكان بين القوم رجل قوي الأسر مفتول العضلات، ~~ظهرت في وجهه سطور كتبتها السيوف، ونقطتها النبال، فدلت على أن عمارا القضاعي جندي ~~قديم مغامر، عرك الوقائع وعركته، وخاض غمارها فغمرته، قال عمار لمن بجانبه في صوت خافت: ~~لقد شهدت خمس وقائع مع هذا البطل، رأيت فيها من إقدامه وجرأته، وصدق درايته بالحروب، ما ~~يكاد يذهل المجاهد عن كوارث الحروب. فأجابه صاحبه: لقد كنت إذا مشاهدا لا محاربا. فابتسم ~~عمار ابتسامة مبهمة فيها ازدراء، وفيها رفق القوي بالضعيف، وفيها اعتزاز الشجاع بمكانته. ~~ثم قال: كنت مشاهدا حقا، ولكن لا كما تشاهد اليوم أبا فراس، وهو يتمايل فوق جواده اللعوب ~~في دروب حلب، وقد نصبت السلم على المدينة ورواقها، وأصبح أهلها لا يخافون إلا من سهام عيون ~~الحسان! دعك يا صاحبي من ذكر الحرب والمحاربين فتلك دماء طهر الله منها سيوف الجبناء. ~~- أتعد كل من لم يشهد الحرب جبانا؟ ~~- إن اقتراب الروم من أطراف مملكتنا، وضغنهم القديم الموروث على المسلمين وملوك المسلمين، ~~وادعاءهم ms01 أن بلادنا قطعة من مملكتهم الواسعة، اغتصبها منهم الإسلام بسيفه، ثم ما أعدوه ~~لنا من غوائل الحرب؛ كالنار اليونانية والدبابات الهائلة، كل هؤلاء مما يوجب الجهاد، ويدفع ~~كل مسلم إلى امتشاق الحسام، والموت في سبيل دينه ووطنه شهما كريما. ~~- أما أنا فلن أمتشق الحسام، ولن أخوض غمار الهيجاء. فنظر إليه عمار في اشمئزاز، وقال ~~ولسانه يتعثر من الغيظ: كنت أظن قبل أن أراك أن اللحى من خصائص الرجال. ~~- وهي لا تزال من خصائص الرجال، وإن أمامك لرجلا. ~~- رجل بلا قلب. ~~- رجل لولاه ما امتلأت خياشيمك كبرا، ولا انثنى عطفك تيها عند ذكر الحرب ~~والنزال. ~~- من تكون؟ ~~- أكون كما أكون. ~~- بالله قل لي من تكون؟ فأجاب الرجل وفوق شفتيه ابتسامة ماكرة: أنا يا سيدي الشجاع ~~المغوار صانع سيوف، لولا يده هذه ما جردت أنت ولا قائدك أبو فراس في الحرب صمصاما. # فضحك عمار طويلا، ومد يده إلى صاحبه في سرور، يشعر به من وجد في عدو صديقا جديدا. ثم ~~أخذ يشد على يده ويهزها هزا، ويقول: صانع سيوف؟! حقا لولاك ما حملتنا إلى الجهاد ~~قدم. نعم يا صاحبي، أنت لا تشهد الهيجاء، ولكنك حقا نون النصر فيها وصاده وراؤه، ولولاك ~~ما عز للمسلمين جانب، ولا خفق على حصونهم علم. انظر؛ ما أظن أبا فراس إلا ذاهبا إلى ~~قصر الرحبة. ~~- إني لمحت في وجهه كدرة الغضب، وأخشى أن يكون قد جاء إلى الأمير نذير جديد من قبل ~~الروم. ~~- أظنهم سيقضون وقتا طويلا يلعقون فيه جراحهم، بعد هزيمتهم في «سروج». تلك كانت موقعة ~~رائعة حقا. لقد زحف فيها الروم علينا في عديد الحصى، وقد اشتجرت رماحهم حتى سدت الأفق، ~~وصال بطاريقهم، ووثبت دباباتهم، وتطايرت نيرانهم التي لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم، وقد أعجبتهم في ذلك اليوم قوتهم، وزهاهم ما أجلبوا به من خيل ورجل وعدة وعتاد، ~~وزلزل المسلمون زلزالا شديدا، واتجهت عينا سيف الدولة إلى السماء في رجاء المستغيث، حتى ~~إذا اشتد الكرب، وبلغت القلوب الحناجر، سمعنا على الرغم ms02 من لجب الحرب زمازمها، صوتا ~~مجلجلا يصيح: إلي إلي أيها المجاهدون! إن أبا فراس قائدكم المفاخر بشجاعتكم يدعوكم ~~لتخطفوا ثمر النصر من أيدي هؤلاء العلوج. إن دباباتهم لن تغني عنهم اليوم شيئا، وإن قلبا ~~يملؤه الإيمان، وذراعا تشدها العزيمة، أقوى من كل ما جمعوا وعدوا. إننا أيها الأبطال لم ~~نجاهد لأرض وقلاع، وإنما نجاهد لدين وتاريخ ومجد قديم. إن الروم إذا برعوا في الحرب فهم في ~~الفرار أبرع إذا حمي الوطيس، وصدقت الحملة. إلي إلي أيها المجاهدون، ثم إلى الجنة إلى ~~الجنة أيها الشهداء! وما كاد يتم نداءه حتى وثب بجواده نحو الحصن، ونحن خلفه كالأسود ~~الغاضبة، ريع حماها، وديس عرينها، وتكاثر حوله الروم فكان يطوح برؤوسهم يمنة ويسرة، كما ~~ينثر الزراع الحب. حتى إذا وصل إلى القمة خلع راية الروم، وقذف بها في التراب ثم صاح: الله ~~أكبر! الله أكبر! فردد الجيش صيحته، وتواثب المسلمون على الحصن، حتى أجلوا الروم عنه، ~~فانطلقوا خلف بطاريقهم في سرعة الريح يلتمسون الفرار، وعاد المسلمون بالنصر والأسرى ~~والأسلاب والغنائم. ~~- لقد كان ذلك فتحا مبينا. ~~- وسيتلوه فتوح لو اتحد العرب، وكانوا يدا على من سواهم. عم صباحا يا صاحبي، واعمل في ~~طبع السيوف ليل نهار، فإني أخشى أننا لا نزال في بداية صراع طويل الأمد. # بلغ أبو فراس أرض الحلبة، وهي في سفح جبل الجوشن، ووصل بعد قليل إلى قصر سيف الدولة بن ~~حمدان، وكان قصرا سامق البنيان، يطل على نهر قويق، بذل فيه المهندسون والرسامون كل ما في ~~مكنة البشر من إبداع، وزينت حيطانه وسقوفه بالنقوش البارعة، والتهاويل الرائعة، وكان ~~لقاعته الكبرى، وهي قاعة الرسل خمس قباب تحملها اثنتان وأربعون ومائة سارية من الرخام ~~الأبيض الناصع، المحلى بالذهب، وبها مئات من النوافذ الزجاجية البديعة الألوان، أما الأثاث ~~فكان فوق ما يصف الشعر ويرسم الخيال، وقد أحاطت بالقصر الحدائق والبحيرات يجري إليها الماء ~~من تماثيل سمك ضخم، صنع من خالص النضار، وركبت له عيون من ثمين الجواهر. # وما كاد أبو فراس يثب من صهوة ms03 جواده، حتى تلقاه بشارة ونجا، غلاما سيف الدولة، بما يليق ~~بمنزلته من إجلال وحفاوة، وكان أبو فراس لا يزال عابسا متجهم الوجه، فانحنى نحوه نجا ~~قائلا: سعد صباح الأمير، ما للوجه المشرق البسام تعلوه اليوم سحابة عابسة؟ فهل في الأمر ~~شيء يا مولاي؟ ~~- لا شيء يا نجا، ولكنها ظنون الشاعر وهواجسه، التي كثيرا ما تطغى على ثبات الفارس ~~وركانته، وتصور له في الحلم ذلا، وفي الإقدام طيشا وجهلا. أتعرف يا نجا لمن هذا ~~البيت: # كل حلم أتى بغير اقتدار # حجة لاجئ إليها اللئام؟ # فأسرع نجا، وكان من أنصار المتنبي المعجبين به فقال: هو يا سيدي لأبي الطيب من قصيدته ~~التي يقول فيها: # إن بعضا من القريض هذاء # ليس شيئا وبعضه إحكام # فاربد وجه أبي فراس، وقال: نعم، إنه لذلك الزق المنتفخ بالعظمة الحمقاء، والغرور ~~الكاذب، أين ابن عمي يا نجا؟ ~~- في القاعة الكبرى يا سيدي. فسار أبو فراس في دهاليز القصر وأبهائة، وقد انتثر فيها ~~العبيد والمماليك الروم، يروحون ويجيئون في حركة دائبة، ورهبة وإطراق، يعرف كيف يصطنعهما ~~رجال القصور. فلما وصل إلى القاعة تلقاه سيف الدولة مرحبا باشا، وكان سيف الدولة جسيما ~~قسيما، واسع العينين تشع منهما عزيمة المجاهدين، وفي وجهه سمرة العرب، وملامح النبل ~~والبطولة. # أخذ أبو فراس يتحدث عن الجيش، وما يبذل في إعداده لمكافحة الروم، وردهم إلى تخومهم. ~~فتململ سيف الدولة في حزن وأسى، وقال: أخشى يا ابن عمي أن القوم هنا لا يدركون ما يحيط ~~بالدولة من خطر داهم، فإني أرى أكثرهم منصرفا عن الجهاد ثقة بي، واعتمادا على عظم ~~قوتي، كأن في سيفي سحرا بابليا إذا لوحت به للأعداء انهارت جيوشهم في طرفة عين. إن ~~بمملكتي أبطالا، ولكن بطولتهم مخبوءة مغمدة؛ لأنهم يظنون أنهم يعيشون في ظلال وارفة من ~~الأمن، وأن أعظم معونة يبذلونها للدولة أن يسيروا في مواكبها، ويأخذوا زينتهم في صدور ~~مجالسها. ~~- نحن لا تعوزنا السيوف يا مولاي، ولا تعوزنا السواعد المفتولة، ولا القلوب الضيغمية، وكل ~~عربي منا يضع قلبه ورمحه في ms04 أول الصفوف، إذا جد الجد، وأذن مؤذن الجهاد، ولكن الذي نحن ~~في أشد الحاجة إليه حقا أصوات رنانة مجلجلة، تثير الحمية، وتلهب العزائم، وتخلق من اليأس ~~ثقة، ومن التردد إقداما، وتذكر بالمجد الغابر، وتوجه الأمل الحائر، وتوقظ النفوس إلى ما ~~يحيط بها من كوارث تريد أن تنقض. المملكة يا سيدي تتحرق شوقا إلى من يذيع مآثرها، وينشر ~~مفاخرها، ويملأ الآذان بوقائعها المظفرة، وبحسن بلاء أبطالها الميامين. ~~- ألا يقوم المتنبي بهذا، وهو خير شاعر أنبتته أرض العرب؟ ~~- إنه لا يقوم بشيء منه يا مولاي، وهو رجل صلف تياه، شائك الخلق نافر الطبع، أبغض الناس ~~فأبغضوه فنفرت قلوبهم من شعره. ~~- إن بيتا واحدا من شعره كفيل بأن يملأ الآفاق، ويشغل الدنيا، ويرفع الدولة التي يغني ~~بمديحها إلى مسارح النجوم. ~~- إن الشعر يا ابن العم روح قبل أن يكون لفظا ووزنا، وهو شعاع من نفس قائله، ونور يفيض ~~به قلب صاحبه، فإذا كانت تلك النفس مظلمة قاتمة مدنسة بالحقير من الأغراض، وكان ذلك ~~القلب نهبا للأطماع الدنيئة، جاء منهما الكلام فاترا خائرا مقطوع النفس، ضعيف ~~المنة. ~~- هل ترى من هذا النوع قوله: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد؟ ~~- وماذا في هذا البيت يا مولاي؟ إنه لم يبذل فيه جهدا، ولم يعمل روية، ويعلم الله أنه ~~استرق معناه سرقة الطوار البارع في النهار المبصر. استرقه من شاعر دفنته يا مولاي حيا ~~بالانصراف عنه، والاستهانة بشعره. استرقه من شاعر غنى بمجد دولتك، فما ألقيت إليه سمعا، ~~وأشاد بمآثرك فما حققت له أملا. ذلك الشاعر يا مولاي هو أبو الحسين الناشئ الأصغر، الذي ~~يقول فيك حينما شغلك عنه انصرافك إلى ذلك المتنبي، واحتفاؤك به، وإسكات كل صوت للشعراء ~~دونه: # إذا أنا عاتبت الملوك فإنما # أخط بأقلامي على الماء أحرفا # وهبه ارعوى بعد العتاب ألم يكن # تودده طبعا فصار تكلفا؟ ~~- حقا كان من حق الناشئ علي أن ينال من إقبالي عليه ما هو حقيق بشعره وأدبه، إني ~~أعذره يا أبا فراس، فقد ms05 أبطأ عنه عطائي حينا من الدهر طويلا: هل سرق معناه الرائع من هذا ~~الشاعر الذي ظلمناه وبخسناه حقه؟ ~~- نعم يا ابن العم سرق المعنى من قصيدة لهذا الشاعر ينوه فيها بصولة بني حمدان، ويذم ~~بني العباس، الذين لا يفتئون يدسون لهم الدسائس غيرة وحسدا، ويغرون في الخفاء بعض القبائل ~~الخارجة علينا، كبني كلاب وبني العجلان، بالانتقاض على مملكتنا، ومصارحتنا بالعصيان، فهو ~~يقول: # إليكم يا بني العباس عني فإنني # إلى لله من ميلي إليكم لتائب # تركت طريق الرشد بعد اتضاحه # وأقصاكم عنه ظنون كواذب # أترضون أن تطوى صحائف عصبة # كرام لهم في السابقين مراتب # فلا تذكروا منهم مثالب إنما # مثالب قوم عند قوم مناقب ~~- حيا الله أبا الحسين! لقد أحسن الزود عنا، ولكني لا أرى أن أبا الطيب سرق منه معناه، ~~لأن هذه في ناحية، وبيت أبي الطيب في ناحية، إلا أن تدعي أنه سرق الأسلوب والأسلوب ملك شائع ~~لجميع الشعراء. لا يا ابن العم إن المتنبي أرفع قدرا، وأبعد منزلة في الشعر، من أن يتدلى ~~إلى فتات غيره. إنني شاعر قبل أن أكون ملكا وفارسا، ومعرفتي بابتداع الكلام لا تقل عن ~~درايتي بامتشاق الحسام. # فاربد وجه أبي فراس قليلا، وأطرق واجما، ثم رفع رأسه وعلى وجهه ابتسامة الظفر، وقال: ~~مهلا يا ابن العم، فما خالجني شك من تمكنك من ناصية الشعر، واستذلالك أوابد المعاني، ولولا ~~ذلك ما أجاد شعراء المملكة في مديحك، ولا جودوا في الثناء عليك؛ لأنهم يعلمون أنهم يعرضون ~~نسيجهم على خير بزاز، ويقدمون فنهم إلى أمهر الأدباء في تصاريف الكلام، ولعمري إن شاعرا ~~لم يسبق مولاي في وصف قوس قزح حين يقول: # وساق صبيح للصبوح دعوته # فقام وفي أجفانه سنة الغمض # يطوف بكاسات العقار كأنجم # فمن بين منقض علينا ومنفض # وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا # على الجو دكنا، والحواشي على الأرض # يطرزها قوس الغمام بأصفر # على أحمر في أخضر تحت مبيض # كأذيال خود أقبلت في غلائل # مصبغة، والبعض أقصر من بعض # وإذا لم يرض مولاي أن يكون ms06 المتنبي قد أغار على بيت الناشئ، فما أظنه يجحد أن شاعره اللص ~~سرق هذا المعنى بعينه من قول الحارث بن حلزة: # ربما قرت عيون بشجا # مرمض قد سخنت منه عيون # وأكبر الظن أن شاعره، وهو أعجز من أن يمتد حفظه إلى العهد الجاهلي، وجد الطريق سهلة مذللة ~~إلى حبيب بن أوس الطائي، فاغتصب المعنى من قوله: # ما إن ترى شيئا لشيء محييا # حتى تلاقيه لآخر قاتلا # ماذا تقول يا سيدي في هذه السرقة الصارخة، وتلك الإغارة الوقحة، التي لا تقل عن إغارات ~~اللصوص، وقطاع الطريق؟ ~~- لقد نظر المتنبي إلى معنى الطائي ما في ذلك شك. ~~- ثم إن هذا السارق لا ينكس رأسه خزيا، بل ينفخ خياشيمه، ويتحدى كل شاعر من شعراء ~~مولاي في جبرية وعجب، إنه في هذه القصيدة التي استشهد مولاي ببيت منها يقول: # خليلي ما لي لا أرى غير شاعر # فلم منهم الدعوى ومني القصائد؟ # ويقول في أول قصيدة أنشدها بين يدي سيدي: # غضبت له لما رأيت صفاته # بلا واصف، والشعر تهذي طماطمه # فيصف جميع شعراء مملكته بأنهم عجم لا يبينون، وعلوج لا يفهمون، وأشهد أن الشعراء لم ~~يغضوا عنه عجزا عن معارضته، فإن لكل منهم لسانا لو ضرب به حجرا لفلقه، وإن في شاعرك ~~المغرور المتشدق من وضاعة النسب، وسماجة الخلق، ولؤم العنصر، ما يغري ضواري الشعراء، وما ~~تتحلب له نهما أفواه الهجاء، ولكنهم سكتوا مرغمين محزونين؛ لأنه في كنف مولاي وحمايته، ~~ولأنهم يظنون أن ثلبه، وتمريغه في التراب، قد يغضب مولاهم، فتركوه لك يا سيدي ولكنك تركته ~~عليهم يمزق أعراضهم، ويسخر من فنهم، ويتحداهم في بذاءة وجبروت، وقد كان من أثر هذا أن ~~انصرف الشعراء عن مدحك، فلا يحييك منهم شاعر بكلمة، وتفرد بك هذا الشاعر الدخيل فأخذ يتيه ~~عليك، ويخاطبك مخاطبة الند والنظير، ويمر العام فلا يجود عليك إلا بقصيدة أو قصيدتين، بعد ~~أن تلح في الطلب، وتلحف في المسألة، وبذلك انقلب الوضع، وعكس الأمر، وأصبح الأمير يستجدي ~~شاعره، وأصبح الشاعر يراوغ ويماطل في العطاء ms07 ، ما هذه الحال يا مولاي؟! ~~- لقد قلت حقا يا ابن العم، ولكني أخشى إذا انصرفنا عن هذا الشاعر أو صرفناه، أن يلحق ~~بأعدائنا، فيرفع من شأنهم، ويشيد بمجدهم، وقد علمت أن عبد الإخشيد بمصر يبذل الآن فوق ما ~~يستطاع لاستهوائه وإغرائه بالجاه والمال؛ ليصل إلى أرض مصر، ولست تجهل يا أبا فراس ما بيننا ~~وبين الإخشيد من عداء محتدم، فقد وثبت علينا جيوشه منذ سنوات فاستولت على دمشق زينة ~~العواصم، وغرة جبين الشام. # فإذا ذهب المتنبي إلى العبد زاد دولته قوة، ومسح عنه عار الرق ووصل نسبه بمعد بن ~~عدنان. ثم إني أخشى، وهو لدود الخصام علقمي اللسان ألا يتعفف عن أن ينال بهجائه، وهو نفسه ~~الذي يقول: # ومكايد السفهاء واقعة بهم # وعداوة الشعراء بئس المقتنى ~~- إنه لن يذهب إلى مصر يا مولاي، كن من ذلك على يقين. إنه يذهب إلى العراق؛ ليتصل ~~بالخليفة والوزير المهلبي فإن كبره سيزين له أنه أحق شعراء الأرض بالاتصال بالخليفة، ~~وأن شعره أغلى من أن يبعثر على الأمراء وحكام الأطراف، وإذا بلغ بغداد يا ابن العم فإن مائة ~~دينار من خزانتك هذه، ترسل إلى ابن الحجاج وابن سكرة، وهما أقذع الشعراء هجاء، وأفحشهم ~~سبابا كفيلة بأن تشغله عن هجاء الناس جميعا، وتدفعه إلى الانصراف إلى نفسه. ~~- لا أكذبك أبا فراس إني سئمت كبره وإدلاله وتجنيه، ولن أنسى ما اشترطه علي ذلك الأحمق ~~عند أول اتصاله بي من ألا يكلف تقبيل الأرض بين يدي، وألا يخلع سيفه في حضرتي، وألا ينشدني ~~شعرا إلا وهو جالس، ولقد قبلت منه كل ذلك على مضض، حين ظننت أن إغداقي عليه، وإحساني إيه ~~يروضان من نفسه الجامحة، فما أجدى ذلك فتيلا. ~~- إنك يا مولاي تمنحه كل عام ثلاثة آلاف دينار، غير ما تفيض عليه من الصلات والهبات، ثم ~~إنك لا تظفر منه بعد كل هذا إلا بثلاث قصائد، نصف أبياتها في مدح نفسه، والازدهاء بمواهبه، ~~ولو فرقت في كل عام مائتي دينار على عشرين شاعرا لأتوا بالمعجز المطرب، ولبزوا ms08 ذلك الوقع ~~في كل ما يتبجح به من إجادة وإعجاز، وإن شعراء مملكتك، والشعراء الوافدين عليك قد يزيدون ~~على المائة وهم يا ابن العم يرتقبون منك نظرة عطف؛ ليملئوا الدنيا باسمك دويا، ويرسلوا ~~أجنحة الشعر بمديحك خفاقة في الآفاق. ~~- صدقت أبا فراس لن يكون لهذا الشاعر الزنيم مكان من رعايتي بعد اليوم! غير أني أرى أن ~~نخرج من هذا الأمر بكياسة ورفق، كما دخلنا فيه بكياسة ورفق. ~~- هذا ما أشير به يا مولاي، ويكفي أن تصد عنه شهرا حتى يزمع الرحيل. # وحينما انتهى أبو فراس من إحكام مؤامرته، حيا سيف الدولة وانصرف، وما كاد يعود إلى قصره، ~~وكان بالقرب من برج أبي الحارث، حتى رأى به طائفة من الشعراء ينتظرون عودته، بينهم أبو ~~العباس النامي، وأبو الحسين الناشئ، وأبو القاسم الزاهي، وأبو الفرج السامري، وكان من ألد ~~أعداء أبي الطيب الحاقدين عليه. فلما رأواه هموا لاستقباله محتفين، وطفقوا يسألونه في شوق ~~ولهفة عما تم في أمر المتنبي وسيف الدولة من نبذ المتنبي، وتقريب شعراء مملكته. فطار الفرح ~~بقلوبهم، وأخذ كل منهم يفكر في مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة؛ ليكون من السابقين ~~الأولين. # أخذ سيف الدولة يفكر في أمر المتنبي، بعد أن تركه أبو فراس وقد تراكمت عليه الهموم، ~~وانتابته الظنون، وعبثت به الهواجس. فهو مرة يرى أن أبا الطيب صناجة ملكه، وناشر فضله، ~~وأنه الغاية التي تقطع دونها أنفاس الملوك، والحلم الذي يتطلع إلى تحقيقه كل أمير، وأنه ~~أشعر من رددت أصداءه آفاق العرب، وأندى صوت يجلجل بالشعر فيخوض البحار، ويثب الجبال، لا يقف ~~دونه سد، ولا يعترضه حائل، وأن شعره جيش أقوى من الجيش، وعتاد يزدري بكل عتاد. من هو سيف ~~الدولة حتى يظفر بدولة الشعر كلها مجتمعة في رجل يمجد أفعاله، ويخلد محامده، ويبث الرعب في ~~قلوب أعدائه؟ # يرى سيف الدولة كل هذا، فيرفع رأسه باسما مبتهجا، وقد كاد يثلج صدره برد اليقين، ~~ولكنه لا يفتأ حتى تهجم عليه الوساوس من كل مكان، صارخة عاوية وهي تصيح ms09 : ما هذا التدلي ~~إلى الحضيض؟ وما هذا الاستخذاء لشاعر مجنون بالعظمة تياه على الملوك؟ أنت يا ابن حمدان ملك ~~من سلالة ملوك، ولكنك في سبيل أمل كاذب، من نبي كاذب، نزلت بنفسك إلى الهاوية حتى صرت له ~~مملوكا! اذكر إن كنت ناسيا أنه يقبل صلاتك الجزيلة آنفا، ويتقلب في نعمتك حاقدا، واذكر ~~إن كنت ناسيا أنه لا يجود عليك بقصيدة إلا كارها متثاقلا، ثم اذكر أنك كثيرا ما استبطأت ~~مديحه فأفنيت الحيل في استجدائه، فتارة ترسل إليه أبياتا لشاعر ليقول على مثالها، وتارة ~~تزعم أنك أعجبت ببيت قديم لتستثير خاطره الراكد، وخياله الكليل. كل هذا وهو سادر في غروره ~~وكبريائه، يسخر في خبيئة نفسه من الملوك والمماليك، ويردد في صدره قولته الحمقاء: # أي محل أرتقي # أي عظيم أتقي # وكل ما خلق الل # ه وما لم يخلق # محتقر في همتي # كشعرة في مفرقي # إنه وايم الحق رجل ثقيل الظل، مستكره الطباع، ولو كان ينطق بالوحي، ويستملي شعره من ~~ملائكة السماء! إن نفرة الناس منه ذهبت بروعة شعره، فلم يجد بين القلوب منزلا، ويل له ~~مني؟ لن يعيش هذا الرجل في مملكتي بعد اليوم، فإنه لا تؤمن عواقبه، وهو حقود لئيم، يسخط على ~~اليد تمتد إليه بالإحسان، ويأنف من النعمة يسوقها إليها كريم. أليس هو القائل: # مدحت قوما وإن عشنا نظمت لهم # قصائدا من إناث الخيل والحصن # تحت العجاج قوافيها مضمرة # إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن # لا. لا. فليخسأ ذلك المتشدق. أو ليرحل من بلادي إلى أي بلد شاء. لا أريد شعرا، ولا ~~أريد ذلك المجد الموهوم الذي سيخلده شعره. # قال سيف الدولة هذا، وهو يحرك ذراعيه فعل الغاضب المحموم. ثم قام متجها إلى الجناح الذي ~~به أهله بعد أن زالت عنه آلام الشكوك، وسكنت نفسه إلى ما عقد عليه العزم، وبينما هو يسير في ~~دهليز طويل، إذ سمع أصواتا في حجرة، فاقترب وأنصت، فإذا غلامه نجا وأبو الحسن بن سعيد ~~راوية المتنبي يتحاوران، فأرهف السمع فإذا نجا يقول: إنها من ms10 أروع قصائده، وكل شعره رائع ~~خلاب. استمع لي يا مولانا، وأصلح خطئي إذا أخطأت: # فديناك من ربع وإن زدتنا كربا # فإنك كنت الشرق للشمس والغربا # وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا # فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟ # فصاح ابن سعيد: هذا شعر كان في صدور الشعراء سرا مكتوما حتى جاء أبو الطيب فأفشاه، ~~وكان في كهف الغيب رحيقا مختوما حتى ظهر ابن الحسين ففض ختامه. اقرأ يا بني من ~~مديحه: # هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهم # وإنك حزب الله صرت لهم حزبا # وأنك رعت الدهر فيها وريبه # فإن شك فليحدث بساحتها خطبا # فيوما بخيل تطرد الروم عنهم # ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا # سراياك تترى والدمستق هارب # وأصحابه قتلى وأمواله نهبى # أتى (مرعشا) يستقرب البعد مقبلا # وأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا # كذا يترك الأعداء من يكره القنا # ويقفل من كانت غنيمته رعبا # مضى بعدما التف الرماحان ساعة # كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا # ولكنه ولى وللطعن سورة # إذ ذكرتها نفسه لمس الجنبا # الله! الله! هذا فيض الكريم الفتاح، هذا ليس بشعر يا ولدي، إنه يكاد يكون من وحي جبريل. ~~إن شعراء سيف الدولة جميعا أعجز من أن يقولوا: # ولكنه ولى وللطعن سورة # إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا # فصاح نجا قائلا: أتعرف يا سيدي أني كتبت نسخا من هذه القصيدة، وبعثت بها إلى مصر وبغداد ~~ودمشق وفارس وإفريقية والأندلس؟ # كان سيف الدولة يسمع هذا الحوار، ولكنه لم يطق أن يصبر طويلا فدخل الحجرة غاضبا، وقال: ~~ما هذا الهذر الذي تخوضان فيه؟ قاتل الله المتنبي وشعره! أكلما ذهبت إلى مكان سمعت الناس ~~يتحدثون في هذا الوغد أو يدرسون شعره؟ إن بابي سيغلق دونه بعد اليوم. لقد علمت من ابن عمي ~~أبي فراس من شأن هذا الرجل ما كنت أجهل. إنه يتقلب في نعمتي، ويضمر لي ولمملكتي أسوأ ما ~~ينطوي عليه ضمير. فليذهب إلى حيث يشاء، وليجعل من ملوك الأقطار التي ينزل بها آلهة تعبد، ~~فلست في حاجة إلى هذره وهرائه. # ولما انصرف سيف الدولة ms11 التفت ابن سعيد إلى نجا، وقال هامسا: دسيسة جديدة ورب الكعبة. ~~لقد أوشك أعداء أبي الطيب أن يظفروا به هذه المرة، ولكني لن أنيلهم مأربا. لن أتركهم ~~ينالون من هذا السر السماوي غرضا. إنه الحسد يا بني الذي قتل النبوغ في العرب، وذهب ~~بريح العرب. أين نعلاي؟ ~~- إلى أين أيها الشيخ؟ ~~- إلى أبي الطيب. إلى نادرة عطارد. إلى الذي يقول: # وما أنا منهم بالعيش فيهم # ولكن معدن الذهب الرغام # | صلح # سار أبو الحسن بن سعيد حزينا مطرقا، يخرج من درب إلى درب، ويتخلص من زحام ليغرق في ~~زحام، وكانت حلب في ذلك الحين من أعظم مدن الشام، تشرف على نهر قويق، ويحيط بها سور شاهق، ~~بني بالحجر الأبيض الضخم، به ستة أبواب، وإلى جانب السور قلعتها الحصينة الحمراء، التي ~~تطل على المدينة شامخة متحدية كما يربض الأسد حول العرين، وكانت فسيحة الطرق، كثيرة ~~القصور ذات الطابع البيزنطي، كثيرة المساجد والفنادق والمتاجر والحدائق، مزدحمة بالسكان من ~~عرب وترك وأرمن وروم. # سار ابن سعيد حتى بلغ ساحة الناعورة، حيث القصر السامق الذي أهداه سيف الدولة إلى ~~المتنبي، فولج بابه مهرولا، فتلقاه العبيد، وأقبل عليه مسعود كبير الخدم فحياه في أدب ~~ولطف. فابتدره الشيخ: أين سيدك أبو الطيب؟ ~~- في حجرة الزوار يا سيدي. ~~- من معه الآن يا مسعود؟ ~~- معه الحسين الصنوبري وأبو الفرج المخزومي. ~~- فيم يتحدثون؟ فابتسم العبد وأجاب: في الشعر يا سيدي، وهل في حلب اليوم حديث إلا في ~~الشعر، وغزوات الروم؟ # وانفلت ابن سعيد من بين يدي العبد إلى لقاء المتنبي، فدخل حجرة فسيحة، ثمينة الأثاث، فرشت ~~أرضها بالبسط الفارسية، وغطيت نوافذها بسجوف الحرير المصرية، ونضدت حولها الأرائك، وكان ~~أكثر ما يسترعي نظر الناظر فيها كثرة خزائن الكتب، وكثرة المناضد التي ألقيت عليها الكتب ~~أكداسا، وكان المتنبي جالسا أو على الأصح مضطجعا على كرسي ضخم، في صدر المجلس، وهو ~~طويل فاره في التاسعة والثلاثين من عمره، خفيف اللحم، أسمر اللون، عريض الجبهة، براق ~~العينين، شديد سوداهما، مستقيم الأنف، ترتفع أرنبته إلى ms12 ما يقرب من الشمم، في شفتيه رقة، ~~وفي عنقه صيد، وفي ملامحه ثقة المعتز بنفسه، وفي نظراته كبرياء العباقرة، وفي صدره المرتفع ~~ما ينم على ما يملأ هذا الصدر من آمال جسام، وكان يرتدي ثوب فارس كامل العدة، ويهز قدمه ~~بين الحين والحين في إعجاب وزهو، فتصطدم بغمد سيفه الذي طال نجاده. # دخل ابن سعيد فقطع على المتحدثين حديثهم، وحياه المتنبي بنظرة لطيفة، فيها ترحيب لم يذهب ~~بجماله ما فيها من كبرياء، وأخذ المخزومي يصل الحديث، ويقول: فلما رآني ... فابتدره ابن سعيد ~~سائلا: من الذي رآك؟ ~~- أبو الحصين الرقي قاضي حلب. كنت أقول: إنني كنت مارا بالأمس بسوق الوراقين، وكان ~~الرقي جالسا عند وضاح بن سعيد الوراق، فلما رآني صاح: إلي يا أبا الفرج فإن شيطاني لا ~~يريد أن يفارقني اليوم، لقد تلجلج في صدري بيت من الشعر منذ الصباح، وقد عيل صبري في رده ~~إلى قائله، فهل لك أن تنقذ أخاك من خيال الشك؟ قلت: هات يا سيدي، لعل الله معقب بعد عسرا ~~يسرا. قال: من قائل هذا البيت يا ابن أخي؟: # خير أعضائنا الرءوس ولكن # فضلتها بقصدك الأقدام # وكنت أعلم أن الشيخ حاقد على أبي الطيب وشديد الكراهة له، كثير الإيقاع بينه وبين سيف ~~الدولة. فقلت: قائل هذا هو الذي يقول: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مردها الأجسام # فقال: أحسن والله وأجاد! فمن هو؟ قلت: هو الذي يقول: # عقدت سنابكها عليها عثيرا # لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا # فقال: هذا وحي السموات العلا! فمن هو والله ولا تطل؟ قلت: هو أيضا الذي يقول: # أقبلتها غرر الجياد كأنما # أيدي بني عمران في جيهاتها # فصاح هذا تشبيه عز أن يناله خيال، من هذا الشاعر ناشدتك الله؟ قلت هو الذي يكيد له سيدي ~~القاضي، ويصارحه بالعداء، ويدس له عند سيف الدولة! فصاح: هو المتنبي إذا. آمنت أنه الشاعر! ~~إنه يا ابن أخي يحيينا بشعره، ولكنه يميتنا في اليوم ألف مرة بزهوه وإعجابه. # فضحك القوم، وابتسم المتنبي ابتسامة فاترة، ملؤها السخرية والأنفة ms13 . ثم قال في تعاظم: ~~عجبا لهؤلاء القوم! إن لم أنزل إلى الوهدة التي تردوا فيها، والحمأة التي تمرغوا في دنسها، ~~قالوا: إنني مزهو متكبر. إنهم يسمون الفضيلة عجبا، والإباء كبرا، والتنزه عن الدنايا ~~تيها وصلفا، وماذا أصنع وقد خلق الله لي نفسا عزوفا عن كل ما يشين، طموحا إلى ما فوق ~~السماء إن كان للسماء فوق؟ وإني أشهدكم أني ضقت بهم قبل أن يضيقوا بي. إنني طائر يعيش في ~~غير وكره، وأمل حائر لا يجد له مستقرا، ولطالما نفرت نفسي من مجالسهم، واشمأزت من عبثهم ~~ولهوهم. فإني إذا لم أعاقر الخمر معهم، قالوا جلف نابي الخلق سيء المعاشرة، وإذا لم أتدل ~~إلى مغازلة النساء المتبذلات، قالوا: سمج الذوق، غير مصقول الطباع، وإذا لم أتخذ من ~~الغلمان أسرابا وأسرابا كما يفعلون نبزوني بأسوأ الصفات، وأشنع الألقاب. فماذا أصنع في ~~هؤلاء، والفجور عندهم محمدة، والسمو إلى معالي الأمور كبر وغرور؟ ولقد يذهب بي الفكر والهم ~~أحيانا إلى أن أعتزم الرحيل عنهم، وقطع المفاوز دونهم، فإنه لا يزال في فسيح الأرض مضطرب ~~للكريم الذي يطلب ما يعجز الطير ورده، ويبتغي ما هو أجل من أن يسمى. # دعاني منذ أيام أحمد بن نصر وزير سيف الدولة، إلى مجلس من مجالس أنسه ولهوه، فأبيت وأبيت، ~~ولكنه أطال في الرجاء وألحف، فذهبت إلى داره كأنما أقاد إليها بالسلاسل. وماذا رأيت؟ رأيت ~~طائفة من كبار المملكة، بينهم أبو فراس وأبو الحصين الرقي هذا الذي يزعم أن زهوي وإعجابي ~~يميته في اليوم ألف مرة، ورأيت كثيرا من قواد الجيش، وأدعياء الشعر والأدب في هذه المدينة، ~~رأيتهم وقد لعبت الخمر برءوسهم جميعا، فذهب عنهم العقل، وطار منهم الحياء، وكان السقاة ~~يطوفون بالأكواب، فما مروا برجل إلا أفرغ كؤوسهم في بطنه، وشرب شرب الهيم، وكانت الجواري ~~الروميات، وهن في أجمل زينتهن، يرسلن شباكهن لصيد القلوب وإثارة النزوات: بين غمزة ساحرة، ~~وبسمة فاتنة، وانثناء لعطف، واهتزاز لنهد، وقبلات ترسل بالأكف، وإشارات تعبث بالعقول، ~~وهمسات أثيمات، وذعر مصطنع، واستنكار مبتدع، ودلال ينسي ms14 الرجل عرضه، وإغراء يوقظ الفتنة ~~النائمة، وقرب في تباعد، وتباعد في قرب، وغضب في طيه رضا، ورضا في غضونه غضب، وقامت بين ~~القوم راقصة تكاد تكون متجردة فذهبت بالبقية من عقولهم، وأخذت ما تركته الخمر فيهم، وزينت ~~النشوة لهذا الرقي قاضي حلب، الذي يكره مني زهوي وإعجابي أن يقوم ويرقص بين تصفيق والقوم، ~~وترديد الألحان، وكان ينشد أبياتا عبث السكر بأوزانها، ولعبت بنت الحان بقوافيها. أما أنا ~~فلم أستطع البقاء، فاتخذت من انصراف القوم إلى لهوهم سترا، وخرجت أتلفت ورائي، وأجمع من ~~هذا الدنس أثوابي. # ذلك هو الذي يريدني هؤلاء المستهترون علي أن أفعله، وأن أشاركهم فيه، وإلا كنت ثقيل ~~الظل، شائك الجانب، غليظ القلب فظا. لا يا صحابي إني خلقت من طينة غير طينتهم، ورميت إلى ~~غاية غير غايتهم، وإذا كان لساني لسان شاعر، فإن قلبي قلب ... ثم ترددت قليلا، فقال ~~المخزومي: قلب أسد؟ فالتفت إليه المتنبي، وقال: لا. كنت أريد كلمة أخرى ندعها الآن يا أبا ~~الفرج. ثم أذن العصر، فقام من حضر للصلاة، وبقي المتنبي جالسا في متكئه يقلب في ديوان ~~أبي تمام، وكان على منضدة أمامه، وكان يرسل إليه لمحات خاطفة، فمرة يبتسم احتقارا، وأخرى ~~يهز رأسه استحسانا، وثالثة يمد شفتيه في استنكار وسخط. # فلما قضيت الصلاة حيا القوم أبا الطيب وانصرفوا، وبقي ابن سعيد قلقا ينفخ من الهم ~~والغضب، فالتفت إليه أبو الطيب سائلا: ما لي أراك قلقا يا أبا الحسن؟ ~~- لا شيء يا أخي، إلا أني سمعت اليوم حديثا أطار صوابي، وضاعفت من همي وحزني. فلقد ~~علمت في هذا الصباح أن القوم يأتمرون بك، وأنهم لم يتركوا في كنانتهم سهما مسموما حتى ~~رموك به. فخذ حذرك أبا الطيب، إني لك من الناصحين. ~~- القوم يأتمرون بي؟! حياك الله وبياك يا أبا الحسن! ولكن ليس هذا بنبأ جديد. قل لهم ما ~~قلته لغيرهم: # إني وإن لمت حاسدي فما # أنكر أني عقوبة لهم # وكيف لا يحسد امرؤ علم # له على كل هامة قدم ~~- إن الأمر يا سيدي ms15 جد وما هو بالهزل، وإن أبا فراس وشيعته أعظم من أن يستهان بأمرهم، ~~أو يفض الحديث عنهم ببيتين من الشعر، إنهم يكيدون لك، وينصبون لك الحبائل، ويمشون لك ~~الضراء، فحاربهم بسيوفهم، واقتلهم بالسم الذي أعدوه لك. إن الفلسفة التي تسير بهديها، ~~والتي تستريح إليك نفسك، وتهدأ بها هواجسك، لن تغني في هذا الزمان فتيلا. إننا يا سيدي ~~نعيش في جو قاتم بالدسائس، مختنق بالفتن، ومن خطل الرأي أن يخطو المرء في أرض تزدحم ~~بالأفاعي وهو لا يحمل ترياقا، أو يسير في مسبعة وهو لا يستصحب الحذر. لقد أزعج القوم إباؤك ~~وشممك، وتلك المشية المزهوة التي تكاد تشم فيها عظمة الملك من أعطافك، وتلك النظرات ~~المتسامية التي تعد من تحتها من الناس ذبابا أو نمالا. إن العظمة يا أبا الطيب لا يراها ~~الناس إلا تحت رداء من التواضع، والنبل معنى تدركه العقول ولا تبصره العيون. خض مع الناس ~~فيما يخوضون، وخذهم كما يكونون، واحتل إذا وجدت الاحتيال مطية لمآربك، وبش في وجوه قوم ~~وقلبك يلعنهم. ~~- لا. لا. يا أبا الحسن. ذلك عهد ودعته منذ حين، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله ~~وجيها، ولن أفسد خلقي لفساد أخلاق الناس، ولن أضيع مروءتي بين ملق دنيء، وخداع وبيء. أنت ~~تريدني على أن أقذف بأخلاقي ورجولتي في التراب؛ لأرتدي ثوبا من الرياء مخرقا، ولماذا؟ ~~لأن طائفة من السادرين الآثمة الذين أعيش بينهم، تؤلمهم رؤية الفضيلة، ويؤذيهم أن يعتز ~~المرء بنفسه. لا يا أبا الحسن عرج على حديث آخر. ~~- ليس لي اليوم حديث إلا هذا، فإن لي فيك اعتقادا أرسخ من الجبال. أعتقد أنك الشاعر الذي ~~بعث على رأس هذا القرن لينهض بالعرب، وليغني بمآثر العرب، وليعيد مجد دولة العرب، ولن أجد ~~لك ميدانا بين دويلات الإسلام أوسع من حلب، ولا ملكا يساير رنين شعرك صليل سيوفه إلا ~~سيف الدولة. إنه الملك الفذ الذي يقارع الروم، وهم يتوثبون على أطراف مملكته بعددهم ~~وعديدهم في صولة وقوة وشهوة للانتقام، والحرب يا أبا الطيب لن تسير ms16 غازية، فاتحة، مظفرة إلا ~~على ألحان الشعر الحماسي الذي يلهب الوجدان، ويقذف الرعب في قلب الجبان، ولن يكون هذا ~~الشعر إلا شعرك يا ابن الحسين، ولن تكون النغمات السماوية إلا من مزهرك المرنان. أنت لست ~~ملك نفسك يا رجل. أنت ملك العرب جميعا، أنت هبة الزمان الجديد الذي جاء ليصلح بك ما ~~أفسده الزمان القديم، وإذا هجرت حاضرة سيف الدولة فأين تذهب؟ قد يخيل إليك أن تذهب إلى ~~العراق، ويا ويلي من العراق وتعسي!! إنه الآن تحت سيطرة طغاة من الديلم، وخليفتنا المطيع ~~لله - فك الله أسره - يعيش الآن في قفص يسمونه عرشا، بعد أن خلع الديلم ابن عمه المستكفي ~~بالله وسملوا عينيه، وهو اليوم يجلس على سرير الملك كما يجلس القرد المذعور الذي تذهب عيناه ~~يمينا وشمالا أينما ذهبت عصا صاحبه. هذه هي بغداد التي كانت زينة الدنيا وبهجة الدهور، ~~أيام الرشيد والمأمون، وهناك الوزير المهلبي، وقد جمع حوله حثالة الكتاب، وشذاذ ~~الشعراء الذين يرسلهم على أعدائه كما ترسل الكلاب المضراة فلا يتركون أديما صحيحا، ولا ~~عرضا سليما. هل تستطيع أن تعيش في هذا الجو يا أبا الطيب؟ وفي أي شيء تقول الشعر هناك؟ في ~~الكأس والطاس والغواني والغلمان! نعم ليس هناك مجال إلا هذا المجال القذر الدنس، فليس هناك ~~غزو ولا فتح، حتى لقد صدئت سيوفهم في أغمادها، إن كان لا يزال في أغمادهم سيوف، ومن تظن ~~سيكون من نظرائك وأندادك؟ سيكون من هؤلاء ابن الحجاج الوقح، وابن سكرة المفحش، وابن لنكك ~~السباب. لا يا سيدي، إن رضيت بهذا فلن أرضاه لك، وقد يجول بخاطرك أن تذهب إلى مصر، وإني ~~أربأ بك أن تفعل هذا، وأن تجعل من نفسك عبدا للعبد الأسود، ويا لضيعة الشعر ويا لضيعة ~~الأدب إذا انحدر إلى هذه الهاوية! قد تقول أذهب إلى فارس، ولكن ثقتي بك تأبى علي أن أتخيل ~~أن مثلك يذهب هذا المذهب، ويبيع عروبته وتاريخه بثمن بخس، دراهم معدودات. أنصت إلي يا أبا ~~الطيب، ليس لنبوغك مجال إلا في حلب ms17 ، وليس لعقود شعرك مكان أجمل ولا أشرف من جيد سيف الدولة. ~~فأقم في ذراه، واعتصم برضاه، وجامل من حوله، وكن فسيح الصدر، واسع الحيلة، واترك خلق الله ~~في ملك الله. ~~- إني أحب سيف الدولة يا أبا الحسن، أحب فيه شجاعته وإقدامه وكرم سجيته وصبره على ~~الجهاد، وأود أن أعيش في كنفه، وأن أدفن في الأرض التي طهرها سيفه من رجس الغزاة المغيرين، ~~ولكن في حاشيته عصابة اتخذت من أبي فراس زعيما، بغضت إلي حلب وملكها، وحببت إلي ~~الذهاب ثانية إلى الصحراء، حيث كنت أعيش في طليعة شبابي مع جفاة الأعراب، فما رأيت منهم ~~إلا نجدة وعزة وأنفة عن كل ما يشين. ~~- إن أبا فراس هذا هو الذي جئت لأحدثك في شأنه اليوم. فقد ملأ قلب سيف الدولة غيظا منك ~~وحقدا عليك، وذكر له من تيهك وجبريتك وامتهانك لشأنه ما دفع سيف الدولة إلى أن يعقد العزم ~~على سد بابه دونك. رآني اليوم مع نجا وهو يقرأ علي بائيتك الأخيرة فصاح فينا غاضبا، ~~وأخذ يرميك بكل قارعة، ويصمك بكل قاصمة، وينذر ويتوعد؛ لذلك هرولت إليك مسرعا حتى نرد ~~كيد القوم في نحرهم، ونظفر برضا سيف الدولة دونهم. ~~- وكيف نظفر برضاه وهو على ما وصفت؟ ~~- إن سيف الدولة قلب دوار، يكون الصبا ويكون الدبور، فهو في لحظة سيل هدار العباب، ~~وفي أخرى صفحة غدير سجسج يتعثر فوقه النسيم. هو الآن غضبان، ولكنه إذا سكت عنه الغضب عاد ~~طفلا غريرا يسهل اجتذابه، ويسلس قياده. ~~- دعني أرحل عنه بسلام يا أبا الحسن، فإن النفوس إذا تنافرت قل أن تعود إلى ~~ودادها. ~~- هذا كلامكم معشر الشعراء، ولكن النفوس تتنافر ثم تتعانق، ولا يصفو الود إلا بعد أن يخلص ~~من الكدر. ~~- من الذي يخلص ود سيف الدولة من هذا الكدر؟ ~~- أخته خولة. فإنها مفتونة بشعرك، كثيرة الإعجاب بك، وهي ترى- أن خروجك من مملكة أخيها ~~لا يقل عن دخول الروم فيها، وسيف الدولة مشغوف بها حبا، لا يرد لها كلمة ولا يخيب ~~رجاء. فلو ألحت عليه في ms18 أمرك، لأحبطت كيد القوم، وأعادتك إلى ما كنت فيه من المنزلة ~~والكرامة. ~~- افعل ما تشاء يا أبا الحسن، ولو خيرت ما اخترت. ~~- إني سأختار لك. فلا يكن في صدرك حرج، وسأمر على دارك غدا بالخبر اليقين. # فلما جاء الغد أسرع أبو الحسن بن سعيد إلى دار المتنبي، فلم يجده ورأى ابنه محسدا ~~فقال له: قل لأبيك يا محسد: إن الأمير يبلغه تحيته ورضاه، ويود أن يقابله في قاعة الرسل ~~في صبيحة غد؛ ليستمع لإنشاد القصيدة الجديدة، وقل له: إن الجمع سيكون حاشدا، عم مساء يا ~~محسد. ثم بلغه عني ألا ينسى قوله: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # | صراع # عاد المتنبي إلى داره حزينا مثقلا بالهموم والأوجال، يهز رأسه صامتا مطرقا، فابتدره ~~محسد وألقى عليه رسالة أبي الحسن لم يخرم منها حرفا. فالتفت إليه أبوه في تثاقل، وقال: ~~إذا سيكون الموعد غدا؟ ~~- نعم يا أبي، وهو يقول: إن الجمع سيكون حاشدا. ~~- إنه يوم الفصل يا محسد، وسيعلمون غدا من السباق المبرز. # تمرست بالآفات حتى تركتها # تقول أمات الموت، أم ذعر الذعر؟ # وأقبل مسعود فقال: إن العشاء قد أعد يا سيدي. # ليس لي في الطعام من أرب الليلة يا مسعود. أوقد الشموع في حجرة نومي، وأعد بجانبها ~~شموعا أخرى، فقد يطول بي السهاد في هذه الليلة الليلاء، وأحضر أقلاما وأوراقا ودواة ~~بجانب سريري. أسرع يا مسعود، فإن مجد سيدك الليلة في ميزان القدر. فأسرع العبد ينجز ما أمر ~~به، وتخفف المتنبي من بعض أثوابه، وهو يتمتم: غدا سيرون! غدا سيكون لي معهم ومع أميرهم ~~شأن أي شأن! غدا يعلمون أني كالحجاج بن يوسف لا يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي ~~كتغماز التين، وغدا يستيقنون أن الشعر إذا تنفست به نفس جريئة، كان ملكا على الملوك، ~~وأميرا على الأمراء. من هؤلاء ليت شعري ومن آباؤهم؟ كان آباؤهم زعماء طائفة من فتاكي ~~العرب، أغاروا على أطراف الخلافة، وهي تترنح للسقوط، فمزقوا أشلاءها، ~~واقتطعوا لأنفسهم منها طرفا، ms19 وأصبحوا في طرفة عين ~~ملوكا لهم عرش وصولجان، وجند وسلطان، ولم لا أوطد ملكا كما وطدوا؟ وأشيد مجدا مغتصبا ~~كما شيدوا، ما دام الأمر للقوة، والحكم لأطراف الأسنة؟ ثم أطرق حزينا وهز رأسه في ألم ~~وحسرة، وقال: ولكن هؤلاء لهم عشيرة وعصبة، ولهم أعوان وأحلاف في القبائل، ولهم في الرياسة ~~مجد قديم، أما أنا فقد: # أظمتني الدنيا فلما جئتها # مستسقيا مطرت علي مصائبا # ثم زفر وقال: نعم يا أبا الطيب، لقد قسا عليك القدر، فأنشأك في أسرة خاملة النسب، تجاهد ~~بجدع الأنف أن ينساها الناس، وأن ينسوا اتصالك بها، وليس لك غير عزمك وسيفك وشعرك من عشير ~~أو قبيل. فأين أنت من المطالب العظام والمقاصد الجسام؟. نعم. لقد قسا عليك القدر، فخلق لك ~~نفسا شامخا تواقة غلابة طماحة إلى الملك، ولم يخلق لك من آلات العظمة والملك ما يصل ~~بك إلى أدنى هذه الغايات. هذا هو دأب القدر دائما، يضع السيف في يد من لا يستطيع حمله، ~~ويهب المال لمن لا يحسن تدبيره، ويكيل الحمد والثناء لمن لا يفهم معنى الحمد ~~والثناء. # جلس المتنبي أمام منضدته، ومد يده إلى القلم، وأطرق طويلا يفكر في ابتداء القصيدة، فجال ~~بخاطره أن يقول: # نقل الواشي حديثا فكذب # كن مجيري منه يا خير العرب # ولكنه هز رأسه هزا عنيفا، وقال: لا. لا. هذا مطلع يدل على ضعف نفسي، واهتمامي ~~بالوشاة. ثم إن تسمية سيف الدولة في أول القصيدة بخير العرب إغراق فاضح، وسرف في المديح لا ~~يصح أن يعطى في جرعة واحدة، وعدل عن هذا المطلع، وأخذ يفكر في مطلع آخر؛ فعرض له أن ~~يقول: # غال بعض الحب عذل العاذل # ومضى الباقي بمطل الماطل # غير أنه مد شفته السفلى استنكارا، وقال: لا. لن يصلح هذا مطلعا فإن فيه إيغالا في ~~القطيعة، ومصارحة بالجفاء، وإذا اغتال العذل بعض الحب، ~~وذهب مطل الحبيب بباقيه، فماذا يبقى منه للرجل؟ وماذا أرجو عنده بعد أن كاشفته بانقطاع حبل ~~الود بيننا؟ ثم فكر قليلا، وصاح في اهتمام: لقد وجدت ms20 المطلع، لقد وجدته. هذا هو: # واحر قلباه ممن قلبه شبم # ومن بجسمي وحالي عنده سقم # ثم وقف وأخذ يجول في أنحاء الحجرة، وهو يهمهم ويزمجر زمجرة النمر الجريح، وكلما حام حوله ~~طائر الشعر أطرق وزمزم حتى يلتقطه فيسرع إلى أوراقه فيدون البيت أو البيتين، وكان من يراه ~~وهو يذرع أرض الحجرة شاخص العينين، يلوح بذراعيه أحيانا، ويضرب بقدمه الأرض أحيانا، ~~ويتحدث إلى الشموع والحيطان أحيانا، يظنه مجنونا ذهب عقله وطار لبه. # فرغ المتنبي من قصيدته قبل أن تظهر خيوط الصباح، فطوى أوراقه، وألقى بنفسه على سريره، ~~ولكن هيهات لمثله أن ينام! فلما شاع نور الشمس في الأفق، تناول نزرا من الطعام، ثم ارتدى ~~ملابسه، وأمر مسعودا بإعداد جواده، ولما هم بالركوب رأى أبا الحسن بن سعيد في انتظاره، ~~فابتدره ابن سعيد: هل أتممت القصيدة؟ ~~- نعمت أتممت قاصمة الظهر، وقارعة الأبد. ~~- أرجو ألا تقسو فيها على أعدائك يا أبا الطيب. ~~- ليكن ما يكون. # ولما بلغا قصر سيف الدولة، نزل أبو الطيب عن جواده فتلقاه نجا في بشر وترحاب، وهمس في ~~أذنه قائلا: اليوم يومك يا أبا الطيب. فإن أعداءك هنا جميعا، وقد جمعوا مكرهم، وألقوا ~~حبالهم وعصيهم. فهز المتنبي كتفه في تيه، وقال: إن هؤلاء لا يهزون شعرة من مفرقي: # أنا الذي بين الإله به الأق # دار والمرء حيثما جعله # جوهرة تفرح الشراف به # وغصة لا تسيغها السفله # ودخل المتنبي قاعة الرسل، فرأى سيف الدولة في صدر الإيوان، وحوله الوزراء والفقهاء ورجال ~~العلم والأدب، وكان بالمجلس عدد عديد من أعداء المتنبي بينهم الزاهي والنامي وأبو الفرج ~~السامري، وكان على رأس هؤلاء أبو فراس وأبو العشائر، وقد أخذا ينظران ذات اليمين وذات ~~الشمال في قلق واضطراب. # دخل المتنبي فسلم على الأمير مطأطئ الرأس حزينا، ورد سيف الدولة تحيته مدلا عابسا، ~~وسكت الجمع، وتحفز أعداء أبي الطيب للوثوب، فشرع ينشد حتى إذا بلغ قوله: # ما لي أكتم حبا قد برى جسدي # وتدعي حب سيف الدولة الأمم؟ # صاح به أبو الفرج السامري: ويلك يا ms21 دعي كندة. لقد هجوت الأمير؛ لأنك تزعم أن الناس ~~جميعا لا يحبونه إلا ادعاء، وأنك وحدك الذي يحبه حبا صادقا، وهل هذا إلا هجو صراح؟ ~~فانصرف عنه أبو الطيب غير مكترث، واستمر في الإنشاد، فلما قال: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي # فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # قال أبو فراس: قد مسخت قول دعبل: # ولست أرجو انتصافا منك ما ذرفت # عيني دموعا، وأنت الخصم والحكم # فقال المتنبي وهو ينظر إلى الأمير ويشير إلى أبي فراس: # أعيذها نظرات منك صادقة # أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # فعلم أبو فراس أنه يعنيه، فقال: ومن أنت يا ابن عبدان حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في ~~مجلسه؟ فواصل المتنبي إنشاده ولم يلق إليه أذنا إلى أن قال: # سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا # بأنني خير من تسعى به قدم # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # وأسمعت كلماتي من به صمم # فزاد ذلك في غيظ أبي فراس، وقال: قد سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد إذ يقول: # أوضحت من طرق الآداب ما اشتكلت # دهرا وأظهرت إغرابا وإبداعا # حتى فتحت بإعجاز خصصت به # للعمى والصم أبصارا وأسماعا # ولما انتهى إلى قوله: # الخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # صاح أبو فراس: وماذا أبقيت للأمير إذا وصفت نفسك بكل هذا؟ تمدح الأمير وتتبجح بوصف نفسك ~~بما تسرقه من كلام غيرك؟ أما سرقت هذا من الهيثم بن الأسود النخعي؟: # أنا ابن الفلا والطعن والضرب والسرى # وجرد المذاكي والقنا والقواضب # فقال المتنبي: # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره # إذا استوت عنده الأنوار والظلم # فقال أبو فراس: وهذا أيضا سرقته من قول العجلي: # إذا لم أميز بين نور وظلمة # بعيني فالعينان زور وباطل # ومن قول محمد بن أحمد المكي: # إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يرى # فما الفرق بين العمى والبصراء؟ # وهنا ضجر سيف الدولة من كثرة مباهاة المتنبي بنفسه، وكثرة دعاويه، فمد يده إلى دواة كانت ~~أمامه، فضرب بها المتنبي فسال المداد على ثيابه، ولكن المتنبي وقف شامخ ms22 الرأس كأن لم يمس ~~بأذى، وشرع يقول: # إن كان سركم ما قال حاسدنا # فما لجرح إذا أرضاكم ألم # فاهتز سيف الدولة للبيت، وحسن عنده موقعه، وقام مهرولا نحو المتنبي يعانقه، ويقبل رأسه، ~~وأخذ يشده من ذراعه حتى أجلسه بجانبه. فلما أتم أبو الطيب القصيدة وهو جالس، أجازه بألف ~~دينار، ثم أردفها بألف أخرى، استعادة لمودته وإعلاء لمنزلته، والناس مع الزمان، والإقبال ~~يجلب الإقبال، فما كاد يرى من بالمجلس فعل سيف الدولة حتى أقبلوا على المتنبي يكيلون له ~~المديح، ويخلعون عليه من الثناء حللا، ويشيدون بعبقريته، ويحمدون فيه الإباء والشمم ~~والجرأة على ممدوحه، وأنه يرفع فنه إلى قمة دونها منازل الملوك، ويضع نفسه حيث يجب أن تكون، ~~وقال له أبو الحصين الرقي وهو يشد على يده: حياك الله يا أبا الطيب! لقد كنت اليوم الفارس ~~المعلم فلم تدع مصالا لصائل، ولقد كان نصرك مبينا مؤزرا، فاحرص على هذا الانتصار يا ~~أبا محسد، فقد يكبو الجواد وقد قارب القصب! فرد عليه المتنبي بكلمات ضاعت معانيها بين صيحات ~~المعجبين. أما أبو فراس وأبو العشائر وأنصارهما من آل حمدان فقد حبست الهزيمة ألسنتهم، وأكل ~~الغيظ قلوبهم فتسللوا من المجلس، وفي أعينهم لمحات الغضب والحقد والعزم على الانتقام؛ لما ~~نالهم من احتقار المتنبي وتعريضه بهم في قصيدته. # وما كاد أبو الطيب بعد خروجه من القصر يصل إلى ظاهر المدينة، حتى أحاط به غلمان أبي ~~العشائر ونفوسهم متعطشة إلى دمه، فرماه أحدهم بسهم وهو يقول: خذه وأنا غلام أبي العشائر! ~~فحاد عنه السهم، ووكز أبو الطيب جواده وهو يقول: # ومنتسب عندي إلى من أحبه # وللنبل حولي من يديه خفيف # فهيج من شوقي وما من مذلة # حننت، ولكن الكريم ألوف # وكل وداد لا يدوم على الأذى # دوام ودادي للحسين ضعيف # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللائي سررن ألوف # فإن كان يبغي قتلها يك قاتلا # بكفيه، فالقتل الشريف شريف # وبلغ المتنبي داره وقد نال منه الجهد، واضطرب منه العصب، فارتمى فوق سريره يلهث ويردد ~~أنفاسه ، وقد ms23 جالت في نفسه خواطر متباينة، وهجمت عليه ظنون متناقضة. هؤلاء الغلمان الذين ~~طلبوا دمه إنما هم عن قوس ساداتهم رموا، وبأيديهم راشوا السهام. نعم إنه انتصر عليهم عند ~~سيف الدولة اليوم ولكن هل يدوم هذا النصر، وحوله هؤلاء الذئاب، وهو يخطو فوق أرض كثيرة ~~المزالق والأخاديد؟ إنه انتصر حقا ولكن هذا النصر قد يكون حافزا لأعدائه على الإسراع ~~بالكيد له، وإحكام الخطة لدفعه في الهاوية. إنه انتصار يجر في ذيله الهزيمة. انتصار ~~المصادفة الذي يعقبه انهزام تنصب شباكه الدسائس المحكمة، والمكر الخبيث، والغلمان الفتاكون ~~الذين يرسلون سهامهم في غبش الظلام، وهل يستطيع أن يركن إلى سيف الدولة أو يثق بنصرته، وهو ~~كما قال أبو الحسن رجل من هواء لا يدوم على حال. يملكه الغضب حينا فيرتد شيطانا رجيما، ~~ويجتذبه الرضا بخيط من خيوط العنكبوت فيصبح ملكا كريما، وكيف يعيش شاعر غرد في هذا الجو ~~القلق المضطرب؟ إني أوثر أن أعيش في عرين الأسد، وأرقد بين الحيات السود، وأنام في مجاري ~~السيول، على أن أعيش بين سموم هذه الأحقاد يوما واحدا. غدا أرحل إلى أي مكان على رغم ~~يقيني من أني لن أجد لسيف الدولة مثيلا بين الأمراء، ولكن ماذا أفعل والجنة تحف دائما ~~بالمكاره، والورد لا يجنى إلا من الشوك؟ غدا أرحل إلى دمشق، ويفعل الله ما يشاء. يا محسد. ~~فأسرع ابنه إلى ندائه، ووقف يتلقى أمره، فطلب منه أن يأمر العبيد بإعداد كل شيء للرحيل في ~~الغد، ورأى أبو الطيب في وجه ابنه سمات التردد والعجب فصاح به: أطع ما آمرك به ولا تعوق. ~~فقال محسد في تلعثم: إني في الحق في حيرة من هذا الأمر المفاجئ. لقد كان فوزك اليوم على ~~أعدائك فوزا حاسما، وكان إقبال الأمير عليك واعترافه بسمو منزلتك حادثا فذا لم يسجل له ~~الدهر مثيلا في تاريخ الملوك والشعراء. ثم بعد هذا يخطر لك أن ترحل عن هذا الجاه العريض، ~~والمرتبة التي تتقطع دونها أعناق الشعراء! ~~- مر العبيد أن يعدوا كل شيء، ولا تخاطبني في ms24 شأن الأمير. اذهب. # فخرج محسد متثاقلا والدهش يملك عليه لبه، فأمر مسعودا بالاستعداد للرحيل، وما كاد يلمع ~~أول شعاع للصباح حتى وصل فارس يلهث جواده إلى دار أبي الطيب وطلب لقاءه فأدخل عليه. فقال ~~الفارس: إني خادم سيدتي خولة أخت الأمير، وقد بعثتني برسالة إليك. ~~- سيدتي خولة؟ تبعث إلي برسالة؟ أين هي؟ ~~- ها هي ذي يا سيدي، ومد يده في كمه فأخرج منه كيسا من الحرير الأخضر خيطت جوانبه حول ~~الرسالة، ففض المتنبي الكيس وأخرج الرسالة فكان فيها: # من خولة بنت عبد الله بن حمدان إلى أبي الطيب أحمد بن الحسين. أما بعد؛ فقد كانت ~~قصيدتك التي أنشدتها اليوم آية بينة من آيات البيان، جديرة بأن تعلق على أستار ~~الزمان، وأن يردد قوافيها الملوان. قرأها علي الليلة أبو الحسن بن سعيد، وشرح لي ما ~~حدث من مقاطعة أبي فراس لك، وتحديه إياك، وما كان من انتصارك عليه، وما كاد يتم ~~سرورنا حتى فوجئنا بتعرض غلمان أبي العشائر لك في الطريق، فغضب أخي أشد الغضب وبعث ~~في طلب أبي العشائر، فلما جاءه تلقاه ساخطا لاعنا، واعتذر أبو العشائر وأطال ~~الاعتذار، وأقسم إن شيئا من ذلك لم يكن بإشارته ولا بعلمه، ولم يخرج من لدنه حتى ~~كتب أمرا بنفي هؤلاء الغلمان جميعا إلى الموصل؛ وقد جال بنفسي أن هذا الحادث قد ~~يحفزك إلى الرحيل، بعد أن كنت مترددا. فأستحلفك بالله وبمجد العرب وبما تكن لأخي ~~من مودة ألا تفعل. لا ترحل يا أبا الطيب فإن الدولة في أشد الحاجة إليك. أنت قلبها ~~النابض، وزندها المفتول، وجيشها الذي لا يصاول. لا ترحل يا أبا الطيب واستمع لرجاء ~~فتاة تقدر أدبك وفضلك. إن الدولة من غير أن يتردد فيها نغم شعرك كنانة بلا سهام، ~~ودوحة بلا بلابل، والسلام عليك في الخالدين. # قرأ المتنبي الرسالة، ثم اطرق واجما مفكرا ينكت الأرض بعصا كانت في يده. ثم رفع رأسه ~~وكأنما أفاق من غمه فقال للرسول: قبل يد مولاتي وقل لها: إن العبد لا يأبق ما أحسن ms25 به ~~سيده، وإن طائرها سيظل رفافا غردا ما بعد عنه حفيف السهام، وإن الشعر لن يعصي أمرا لسيدة ~~نساء «تغلب» ولا يرد كلمة مرت بأطهر شفتين، ونطق بها أصدق لسان. # وبقي المتنبي في كنف سيف الدولة بعد ذلك قرابة خمس سنين، بين سخط ورضا وعتب وإعتاب، وتجن ~~وإدلال، وحضر بعض مواقع الروم مع سيف الدولة فأجاد وصفها، وشدا ببطولة رجالها، فملأ الدنيا، ~~وشغل الناس، وطار شعره في الآفاق، ورددته الأفواه في كل مكان: # فسار به من لا يسير مشمرا # وغنى به من لا يغني مغردا # ولما طال به المقام كثر حساده، ومل سيف الدولة تيهه وكبريائه وضنه عليه بالمديح، فازدادت ~~بينهم الجفوة، ولم يجد أعداء المتنبي بابا للنكاية به إلا ولجوه، وحينما ضاق المتنبي ~~بأمرهم فكر في الرحيل، وكأنه كان ينظر بعين الغيب حقا حينما قال في آخر قصيدة أنشدها بين ~~يدي سيف الدولة: # ولا تبال بشعر بعد شاعره # قد أفسد القول حتى أحمد الصمم # وبلغ سخطه على سيف الدولة غايته حينما حضر مجلسه مرة، وكان به أبو الطيب اللغوي وأبو عبد ~~الله بن خالويه النحوي فجاء في عرض الحديث بيت المتنبي: # لقد تبصرت حتى لات مصطبر # فاليوم أقحم حتى لات مقتحم # فقال ابن خالويه: في هذا البيت لحن شنيع، لأن «لات» لا تجر ما بعدها؛ إذ ليست هي من ~~حروف الجر. فقال أبو الطيب اللغوي: إن بعض العرب يجر الاسم بعدها، فأنكر عليه ابن خالويه ~~ذلك، فنهره المتنبي في غضب وقال: اسكت فما أنت إلا أعجمي لا يفهم أساليب اللغة، فإن من ~~العرب من يجر الاسم بعد «لات»، قال شاعرهم: # طلبوا صلحنا ولات أون # فأجبنا أن ليس حين بقاء # فغضب ابن خالويه، وأخرج من كمه مفتاحا من حديد، فصك به المتنبي في وجهه، فأسال دمه. ~~فنظر أبو الطيب حوله فلم ير من سيف الدولة استنكارا ولا أسفا، فخرج من عنده كالبعير ~~الصائل، وقد عزم ألا يكون ثالث الأذلين عير الحي ووتده، وجعل يردد: # فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ms26 # ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما # | رحيل # لزم المتنبي داره أياما يفكر ويدبر، ويبحث عن طريق للفرار من حلب، وهو يعلم أن سيف ~~الدولة سيسد دونه المنافذ، ويسأل عنه الفلوات، وأنه سيرسل جواسيسه في كل مكان يتعقبون ~~خطواته، ويترسمون آثاره. فكر أولا في الذهاب إلى حمص ولكنه رأى أنها من أملاك سيف الدولة، ~~وأن الفرار من حلب إليها ليس إلا كما ينتقل الطائر الحبيس في قفصه من ركن إلى ركن. ثم فكر ~~في أن يصارح سيف الدولة بأن ثواءه طال في حلب، وأنه يعتزم الرحيل عنها، وأن ينشئ قصيدة ~~فريدة في مدحه وتوديعه، ولكنه رأى بعد طول التكفير وتقليب الرأي أن سيف الدولة لم يصل به ~~البله إلى أن يطلق من يده شاعرا تتنافس في احتيازه ملوك الأرض. يرسله من يديه؛ ليغني بمجد ~~منافسيه، ويطلق لسانه المر بهجائه والإزراء بملكه. إنه إن صارح سيف الدولة بهذا فليس لذلك ~~من عاقبة إلا أن يعتقله وينكل به، ويقضي على آماله الجسام. # فكر المتنبي طويلا ودبر طويلا، حتى هداه التفكير إلى أن يتحين غفلة من الأمير ويفر ~~إلى دمشق. فأظهر الود لسيف الدولة، وأكثر من زيارته، ثم التمس منه أن يأذن له بالسفر إلى ~~إقطاعه «بمعرة النعمان» فأذن له، وما كاد يظفر أبو الطيب بهذا الإذن حتى أسرع إلى داره، ~~وكان قد أعد عدته للرحيل منذ أيام، فدعا ابنه محسدا وعبده مسعودا وأنبأهما بأن يحملا ~~إلى دمشق في خفية وحذر ما خف من متاعه على ظهور الجياد، وأنه سيلحق بهما إذا خفضت عنه ~~العيون، ونام عنه الرقباء. فامتثلا الأمر، ولم تمض ساعات حتى كانا في طريق دمشق ينبهان ~~الأرض في صمت ورعب ووجل. # أما أبو الطيب فانتظر إلى الهزيع الأخير من الليل، ثم خرج متسللا ينظر في الظلام، فلا ~~يرى إلا أشباح الظلام، ويصغي فلا يسمح إلا دقات قلبه الواجف الحزين. حتى إذا وثق أن عينا ~~لا تنظر، وأن أذنا لا تسمع، انطلق كما ينطلق السهم، وانقض كما ينقض القدر المحتوم، ~~ولفه الليل كأنه ms27 طيف نائم، أو خيال شاعر، أو كما يقول: # وكنت إذا يممت أرضا بعيدة # سريت فكنت السر والليل كاتمه # ولم يمتع به النهار حتى جاوز أملاك سيف الدولة، فاطمأنت نفسه قليلا، ولكن الفكر عاوده، ~~والأمل الحائر ساوره: إنه قادم إلى دمشق. ماذا يفعل بها؟ هل هي خاتمة المطاف؟ هل انتهى به ~~الطموح إلى أن يلقي بنبوغه في مدينة يحكمها رجل من قبل كافور؟ إنه أسمى منزلة وأعلى كعبا ~~من أن يخص بمدحه خليفة أو ملكا، فهل ينتهي به الأمر إلى أن يكون ذيلا في حاشية وال ليس ~~في العير ولا في النفير؟ إنه كان في طليعة أمره يمدح أمثال هذا الوالي ومن هم دونه، ولكن ~~هيهات! هيهات! لقد تغيرت الحال وتبدل الأمر، وأصبح لا يرجو المال وقد نال منه كثيرا، ~~ولكنه يطلب الآن ما هو أعظم من المال، وما هو أبقى من المال. ماذا يعمل في دمشق؟ سؤال لم ~~يستطع عنه جوابا بعد أن ردده وردده. حتى إذا يئس، ألقى لفرسه العنان، وعول على أن يترك ~~الليالي تلد ما تشاء من عجائب. # بلغ المتنبي دمشق، فاتجه بجواده نحو دار أبي الحسن الممشوق الشاعر، وكانت له به صداقة على ~~قلة أصدقاء المتنبي وخلصائه، وكان أبو الحسن يزور حلب كثيرا، وكان مولعا بشعر المتنبي، ~~كثير الإعجاب به، حتى سماه أدباء عصره بصاحب المتنبي، وكثيرا ما دعاه أن يزوره بدمشق، فلم ~~يفكر المتنبي - حينما عزم على الرحيل إلى دمشق - إلا في أن يكون ضيفه، حتى يبت في مصيره ~~برأي. # نزل المتنبي أمام دار أبي الحسن، وكانت في سفح قاسيون، فتلقاه صاحب الدار مرحبا، وقد ~~كاد الدهش يعقد لسانه، والفرح يطير بصوابه. ثم قال:أهلا بأمير الشعر وفارس البيان، ومحيي ~~ما درس من لغة العرب. من كان يظن أن داري هذه، ستظل أكبر شاعر تتزاحم الملوك على عتبات ~~شعره؟! ~~- إن الملوك الآن لا يتزاحمون يا أبا الحسن، ولكن الشعراء الذين أرخصوا مواهبهم، ونزلوا ~~بفنهم إلى الحضيض، هم الذين يتزاحمون على عتبات الملوك. ~~- هؤلاء يا سيدي ليسوا ms28 شعراء، وسيف الدولة يعرفهم واحدا واحدا، ولا يقيم لهم وزنا إلى ~~جانب شاعره المحلق، الذي ينطق بوحي الحكمة، ويرسل الأوابد التي تعيا بأمثالها ~~العقول. ~~- إن سيف الدولة ليس الآن كما تعهد يا أبا الحسن. إنه قد غيرته علينا الغير. ~~- غيرته الغير؟ سيف الدولة؟ أكرم ملك عربي، وأعظم مقدر لعقول الرجال؟! ~~- نعم يا أبا الحسن، وأنا الآن حر طليق، وكثيرا ما خطر لي أن أهجر الشعر، وأستنجد بسيفي ~~ورمحي، لنيل مطلبي. # فوجم الممشوق، وهز رأسه في أسى وحزن، ثم قال: إن مثلك لا يستطيع أن يهجر الشعر. إنه مزاج ~~روحك، وقطرات دمك. إن الطير لا تستطيع إلا أن تغرد، والمزهر لا يستطيع إلا أن يرنم، وإذا ~~تركت الشعر فإنه لا يتركك أو تتركك أنفاس الحياة. حدثني أبا الطيب بما جرى بينك وبين سيف ~~الدولة. فقص عليه أبو الطيب قصته، ولونها بكثير من وساوس عواطفه، وتهاويل خياله. فقال ~~الممشوق: وماذا عزمت أن تفعل يا ابن أخي؟ ~~- لم أعقد عزما لأني وجهت كل همي إلى الفرار من سيف الدولة أولا. أما ما يكون بعد ذلك، ~~فتركته لتصاريف القدر. ~~- طب نفسا أبا الطيب، فلن يكون إلا الخير. # وشاع الأمر في المدينة، ولغطت الأفواه بقدوم المتنبي إلى دمشق، وأسرع الشعراء والأدباء ~~والعلماء إلى لقائه بدار الممشوق. فكان بين زواره من أعاظم الشعراء: أحمد بن محمد الطائي، ~~ومن كبار العلماء: عبد الرازق الأنطاكي مقرئ أهل الشام، وأحمد الغساني النحوي، وعبد الله ~~المقري، وكان يحفظ خمسين ألف بيت من أشعار العرب. # وكان المتنبي على جفوته ونفرته يصطنع البشاشة لزواره، ويتسع صدره لهذرهم. فقد عرف أن ~~بقاءه في دمشق معقود برضا كبار أدبائها عنه، وتقديرهم لأدبه وخلقه. # وسمع ابن ملك اليهودي - وكان عاملا على خراج الشام من قبل كافور - بفرار المتنبي، فأرسل ~~رسالة إلى مصر على جناح طائر، يخبر فيها كافورا بوصول المتنبي إلى دمشق فلم يمض إلا ثلاثة ~~أيام حتى وصل إليه جواب من كافور، يلح فيه بأن يعمل كل ما في مكنته لإغراء أبي الطيب ~~بالقدوم ms29 إلى مصر، وأن يبذل له ما شاء من رغائب. # وحينما علم عبيد الله بن طغج، والي دمشق من قبل الإخشيد بمقدمه أرسل إليه أحد كبار حاشيته ~~يدعوه إلى قصره، ويلح في أن ينزل في ضيافته. فرأى المتنبي أن من الحكمة ومسايرة الأمور، أن ~~يلبي الدعوة شاكرا. فانتقل إلى قصر الوالي الذي بالغ في إكرامه والحفاوة به، والإغداق ~~عليه. # وكان مجلس الوالي يجمع في كل ليلة كبار القواد والعلماء والأدباء، وكان المتنبي فارس ~~الحلبة في هذا المجلس، وملتقى العيون، وموضع الإكبار، فقال الوالي ذات ليلة موجها الحديث ~~إلى أبي الطيب: لم أر أبلغ في تصوير الظفر والانتصار من قولك في سيف الدولة: # وكم رجال بلا أرض لكثرتهم # تركت جمعهم أرضا بلا رجل # فأطرق المتنبي شأن من تعزف نفسه عن أن يسمع مديحه بأذنه، وانطلق الأدباء يبينون ما في ~~البيت من بديع الوصف، ورائع الخيال، وقال الوالي: إن الذي يمدح بهذا خليق بأن يخلده ~~الزمان. # وانبرى الطائي يقول: ما دام بيننا أبو الطيب، فلن نحرم سماع مثل هذه الكلم البواقي في ~~رجال دولتنا، وأسرع الوالي فقال في خبث واحتيال: هذا إذا رأى أبو الطيب في رجالنا ما يثير ~~شعره، ويحفز شيطانه. إني حضرت كثيرا من الوقائع، وهزمت كثيرا من الجيوش، ولكن كل ذلك ذهب ~~في الهواء؛ لأن شاعرا مثل أبي الطيب، لم يقل في مثل هذا البيت! # وهنا اتجهت أنظار الجمع إلى المتنبي، كأنهم يقولون بلغة العيون: لم يبق إلا أن تسرع إلى ~~إجابة الطلب، فقد نثر الصائد الحب ووقع الطائر في الشرك، فليس له من مناص، وبهت المتنبي ~~لهذه المفاجأة، وتمتم بكلمات مبهمة قد يفهم منها الرضا، وقد يفهم منها الإباء، وتقضى بعض ~~الليل وانصرف السامرون إلى دورهم. # وانفرد المتنبي في مثواه وقد تزاحمت عليه الهموم، وانتابته الحيرة، واستبد به القلق، هذا ~~الوالي يريد أن يمدح بمثل ما مدح به سيف الدولة سيد العرب! يا للهول، ويا للداهية الداهمة! ~~إن من سخرية القدر وأضاحيك الزمان أن يفر المتنبي من مدح سيف ms30 الدولة، العربي المجاهد، ~~المبسوط اليد، الرحب الفناء - ليرغم على مدح ذلك الأعجمي الحقير، الذي لا يقاس بشسع نعل ابن ~~حمدان! ماذا جرى لهذا الفلك الدوار، وماذا أصاب أعين الأقدار، حتى تنزل أبا الطيب هذا ~~المنزل المهين، وتسلكه في سلك صغار الشعراء الذين يمدحون كل من شموا في يديه رائحة درهم؟! ~~لا إنه لن يهوي إلى هذا الدرك، ولن يقذف بنفسه في تلك الهاوية. لقد أنف من البقاء بحلب - ~~وكان فيها رفيع المنزلة معروف المكانة - لأن ابن حمدان كان يتعالى عليه أحيانا، وينظر إليه ~~نظرة الأمير للشاعر. فكيف يستطيع أن يبقى بدمشق شاعرا مغمورا لوال مغمور؟! لا. لا. إنه ~~لم يخلق لأمثال هؤلاء. إنه خلق لتصغر في عينه العظائم، «وليترك في الدنيا دويا كأنما ~~تداول سمع المرء أنمله العشر» وماذا هو فاعل إذا؟ ليس أمامه إلا أن يرحل، وإلا أن يفر ~~بنفسه من هذا الهوان، وإلى أين؟ قاتل الله هذا السؤال! إنه يفجأه دائما حين لا يجد له ~~جوابا. يرحل إلى بلاد الله، وينزل حيث يجد العزة والعظمة والكرامة ... ليس شيء أيسر من ~~هذا. # وبينما هو في هذا البحر المضطرب من الأفكار، إذا عبده مسعود يدخل الحجرة في هدوء ويقول: ~~إن ابن ملك يطلب مقابلة سيدي. ~~- ابن ملك؟ من ابن ملك؟ نعم نعم. لقد تذكرت. دعه يدخل. # وكان ابن ملك قصير القامة، نحيف الجسم، يلوح لمن يراه أنه في سن الأربعين أو جاوزها ~~قليلا. له عينان يسيل دمعهما من علة ملازمة، وقد احمرت جفونهما، وأنف ضخم، ووجهه طويل ~~تعلوه صفرة كدرة، ولحية تغزر عند الذقن، وتخف إلى أن تنمحي في العارضين، وكان قذر الملابس، ~~زري البزة، له عمامة سوداء، أرسل منها ذؤابتين من شعره تسيلان فوق صدغيه. دخل ابن ملك ~~فسلم على المتنبي، ثم قال: لقد زهيت الشام بزيارتك يا ابن الحسين. إن صوتك الرنان سوف ~~يسكت أطيار غوطة دمشق، وإن مصر وهي من أقوى دول العرب ستسير من ظفر إلى ظفر، طروبا مهتزة ~~بأنغام شعرك، الذي يبعث فيها القوة والعزيمة ms31 وحب الغلب. ~~- لقد حسن ظنك بنا يا ابن ملك، ولكننا قوم لا نقول حتى نرى، ولا نشيد بمكرمة أو نثني على ~~فضل، حتى يملى علينا فنكتب. ~~- هذا حق، وهذا هو الذي يصل بشعرك إلى قرارة القلوب، وهذا أيضا هو الذي حفزني إلى زيارتك ~~الليلة. فقد أرسل إلي سيدي كافور اليوم بريدا خاصا لأدعوك إليه؛ لأنه علم بقدومك إلى ~~دمشق، وهو يريد أن يزين ملكه بفرائد شعرك، وأن يسبق ملوك العرب في أن يكون بين خاصته أشعر ~~شعراء العرب. # وجم المتنبي حينما دهم بهذا الطلب، فأخذ يتلوى في مقعده كما يتلوى الملسوع، ثم قال وهو ~~يتصبب عرقا: أمهلني يا ابن ملك حتى أفكر، فإن ارتجال الفكرة في مثل هذه الأمور قد يكون ~~مدعاة للزلل. ~~- ليس هناك زلل يا أبا الطيب في الاتصال بملك تعد دولته من أعظم دول العرب. ~~- دعني الآن يا ابن ملك، فإني لا أحب الرأي الفطير. ~~- إني أعجب منك. من من الملوك تقصد بعد أن نبذت سيف الدولة؟ إن كنت تريد بغداد، فخذها ~~نصيحة من يهودي يرى أن مثلك لا يستطيع الإقامة بها يوما واحدا، وإن كنت تريد بلاد فارس، ~~فإنك لن تكون فيها إلا «غريب الوجه واليد واللسان». فلم يبق إذا إلا مصر، ولم يبق إذا إلا ~~كافور، وهو خير من يقدر الرجال، وقد يجد فيك سيدي كافور أكثر مما يجد المرء في الشاعر، قد ~~يجد فيك - وهو ناقد بصير - صدق الرأي، وحسن التدبير، وعلو الهمة، فيوليك إمارة تظهر فيها ~~فضائلك، ويتجلى المخبوء من مناقبك. لا تتردد يا سيدي، إن مصر تسعد كل من دخلها: رحل إليها ~~يوسف الصديق غلاما مملوكا، بثمن بخس، دراهم معدودة، فأصبح بعد قليل وزير المال، وصاحب ~~الأمر والنهي في شؤون الدولة، أقبل يا أبا الطيب ولا تتردد، فإني أعرض عليك ثروة وعزا ~~وجاها، وربما كنت أعرض ولاية، فانفجرت أسارير المتنبي قليلا بعد انقباضها، وثارت في نفسه ~~شياطين الجشع والطموح، ونسي العبد الأسود وما في مدحه من ذلة ومهانة، في جانب ما فتح ms32 له ~~اليهودي من أبواب المجد والسؤدد والعظمة، التي هي حبيبة لنفسه قريبة إلى فؤاده. فرفع رأسه ~~وتنفس طويلا، ثم قال: سأذهب أولا إلى الرملة لزيارة أميرها الحسن بن طغج، وبعد ذلك سأرى ~~ما يكون. ~~- هذا حسن. اذهب إلى الرملة يا سيدي، فإن أميرها سيقنعك بأن مصر خير مكان يشرق فيه أدبك، ~~ويصدح فيه شعرك. متى ترحل إلى الرملة؟ ~~- بعد غد. # ورحل المتنبي إلى الرملة، وأقام في كنف الحسن بن طغج، فأكرم وفادته، ووصله فأجزل الصلة، ~~ولم يتصدق عليه المتنبي بعد كل هذا الإغداق، إلا ببعض أبيات في المديح. # وكتب كافور إلى صاحب الرملة يلح في قدوم المتنبي، ولبث ابن طغج أياما يزين إلى أبي ~~الطيب الرحيل إلى مصر، وهو يمانع وينفر كما ينفر المهر الجموح. حتى لان قياده في نهاية ~~الأمر، حينما أغرته الوعود، وحينما رأى أن الإقامة بالشام لا تستطاع. فشد رحاله إلى مصر ~~في طليعة جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة. سار إليها يبسطه الرجاء، ويقبضه الإباء ~~وهو يمني النفس ويداعب الأمل: # وحيد من الخلان في كل بلدة # إذا عظم المطلوب قل المساعد # | لقاء # إلى أين تذهب يا أبا الطيب؟ سؤال كثر توارده على خاطر المتنبي كلما طالت عليه الطريق، ~~وهاجت به الذكريات. سؤال كان ينفر من أن يجيب عنه، ويود بنزع الروح لو أنه استطاع أن يلوي ~~عنان جواده إلى بلد آخر؛ ليستريح من هذا السؤال السمج، ومن تلك الوخزات القاتلة، التي تهلع ~~لها نفسه كلما ألحف هذا السؤال، وألح. ما هذا البطر الذي أفسد عليه حياته ورنق عيشه؟ وما ~~هذا الكبرياء البلهاء التي قذفت به إلى الدمار، وما هذه الكرامة التي حدت به إلى الذل ~~والصغار؟ يتكبر على سيف الدولة خير أبناء العربية، وأشجع فرسانها، ويأنف من الإقامة في كنفه ~~بين ظلال النعيم، وفي رحاب العز والجاه العريض. ثم يتدلل فيأبى أن يمدحه إلا إذا استجدى ~~مديحه، ونزل عن جبروته صاغرا ذليلا! ثم يصول في صلف وعربدة على كل من حوله، فيتسامى على ~~أقارب الأمير، وينهال ms33 بهجائه كل شاعر في قصره، ويقذف كل عالم في حضرته بكل قاصمة من السباب! ~~ثم ينتهي به هذا الجنون إلى أي شيء؟ إلى ما هو فيه الآن مما يبكي له الشامت، ويجزع الحاسد. ~~إلى أن يفارق الجنة؛ ليضل في مهاوي الجحيم. إلى أن يهدم كل مجد بناه، ويقضي على كل أمل ~~داعبه وناغاه. إلى أن يتسلق إلى الحياة من جديد ولكن في شامخ وعر المرتقى، كثير المزالق، قد ~~ينتهي إلى هباء. إلى أن يمدح ذلك العبد الحبشي الضخم المشافر، المنتفخ البطن المتفلفل ~~الشعر، ويترك سادات العرب وصناديدها لا يجدون لمحامدهم ناشرا ولوقائعهم واصفا. إلى أن يضع ~~رأسه تحت قدمي هذا الزنجي الفدم، بعد أن أنف أن يطأطئه لأعاظم الملوك. إلى أن يقول لليل ~~الدامس أنت البدر المنير، وللعي الجاهل أنت نبراس البيان وخليفة سحبان، وللغبي المغفل أنت ~~الحكمة صورت في إنسان. أهكذا تنتهي به الحال؟ أين شهامته وعزيمته العصامية، وأين أشعاره ~~التي كلها علو وشمم، وشهامة وإباء؟ هل أصبح كل ذلك رمادا ليس به بصيص نار؟! وهل آضت كل هذه ~~المناقب سرابا يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؟! # يمر كل هذا بخاطر أبي الطيب والجواد يقطع به المفاوز بين الرملة ومصر، فيئن أنين المكلوم، ~~ويزفر زفير المحموم، ولكنه يعود فيمني نفسه بالأوهام، ويهدي من ثائرتها بأضغاث الأحلام، ~~ويتجه نحو زاوية أخرى من زوايا التفكير فيقول: إن الحزن على ما فات من صفات النساء، والرجل ~~الحق من يتخذ من هفواته سلما إلى الفوز، والدنيا فيها الخير وفيها الشر، ولكن العاقل ~~الحكيم من يقلب الشر خيرا، ويبسم للأيام لتخضع له الأيام، ولم لا أصل إلى العبد الأسود إذا ~~كانت آمالي في قبضته السوداء؟ ولم لا أمدحه إذا كان في مدحه ما يحقق الرجاء؟ الولاية! ~~الولاية هي خاتمة آمالي، ونهاية مطافي، ولن أبالي في طريق نيلها ببذل ماء المحيا والحياة، ~~وتعفير الوجه بتراب أدنى الأدنياء، ولو قيل لي: لن تكون ملكا إلا إذا مدحت الكلب، وغازلت ~~القرد، لفعلت راضيا مغتبطا. ms34 نعم، إني أبغض الأسود وأشمئز من لقياه، وألعن الزمن الأغبر ~~الذي ألجأني إليه، وأحن إلى سيف الدولة، وأبكي على عهده الوارف الظلال، ولكن ما حيلتي؟ ~~وليس إلى مآربي من وسيلة إلا أن أقصد هذا الكافور؟ # ومرت بالمتنبي أيام حتى بلغ بلبيس، وهذا أول أملاك مصر في هذا العهد، ولشد ما كانت دهشته ~~حينما رأى الزعيم عبد العزيز بن يوسف الخزاعي يترقب مروره في طائفة كبيرة من عشيرته. فلما ~~قرب منه المتنبي تقدم فقبض على عنان جواده باشا مرحبا، وطلب إليه النزول ليستريح عنده ~~فقبل المتنبي، ورأى في ضيافة عبد العزيز من الكرم ورحابة الصدر ما فرج عن نفسه، وأزاح بعض ~~أحزانها. # وجرى الحديث في أثناء الليل عن مصر وأحوالها، وعن كافور ووزرائه وبطانته، ثم مال إلى ذكر ~~حلب، وإلى أخبار سيف الدولة، فقال الخزاعي: أشهد إنه بطل، وأشهد إنه من العار على ملوك ~~العرب جميعا، أن يدعوه يناضل الروم وحده، مع ما لهم من عدد وعدة. ~~- الغيرة والحسد يا ابن يوسف هما اللذان أذهابا ريح الإسلام، وأضعفا أمراءه، ومن عجائب ~~القدر أن كثيرا ممن يقدرون في هذه الأيام لا يملكون! ~~- ولكن سيف الدولة من القليلين الذين يقدرون ويملكون. لقد كنا نتلقف ما يحمله إلينا ~~البريد من قصائدك في وصف مواقعه، ولقد كانت والله عجبا من العجب، وسحرا من السحر. لم ~~تركته يا أبا الطيب؟ ~~- ذلك حديث طويل يا ابن يوسف، ومن الخير أن يترك الجرح حتى يندمل. # ففطن عبد العزيز إلى أن المتنبي يتألم لهذه الذكرى، فانصرف عن هذا الحديث فيها. # وبزغت الشمس، ورحل المتنبي بعد أن توثقت الصداقة بينه وبين عبد العزيز، وعاهده على أن ~~يكثر من زيارته بالفسطاط، ومضى يوم وبعض يوم، بلغ فيه أبو الطيب باب مصر الشرقي المسمى: باب ~~الصفاء. # كانت مدينة الفسطاط في ذلك الحين مستبحرة العمران، وافرة الثروة، كثيرة السكان، تشرف على ~~النيل رياضها الباسمة، وقصورها العالية التي قد يصل ارتفاع بعضها إلى سبع طباق. حكى بعض ~~المؤرخين: أن ستة عشر ألف دلو كانت ms35 تتدلى من طاقات بيوتها المطلة على النيل، وكانت رائجة ~~التجارة، كثيرة الأسواق والحمامات والخانات والمساجد، التي أشهرها الجامع العتيق، الذي بناه ~~عمرو بن العاص بعد الفتح. # وكان أهلها في بسطة من العيش، ورغد من النعيم؛ لكثرة الأموال، واتساع الخصب، وقد كثر بها ~~الأدباء والشعراء، ورحل إليها كثير من أقطاب العلم والأدب في الشرق، فوجدوا في كنفها الرغد ~~وطيب الحياة، وكان الجامع العتيق يزخر بالعلماء وطلاب العلم، الذين وفدوا عليها من أقطار ~~الأرض؛ لتلقي علوم العربية، وفنون الأدب، وكان بها إلى جانب ذلك مجالس أنس ولهو، ومجانة ~~وشراب، تهوى إليها أفئدة الشباب، وتختلف إليها جماعات الأدباء - لا تقل عما كانت تزهى به ~~بغداد في ذلك الحين، إسرافا وجنونا. # وكان قصر كافور بخطة سوق العسكر، بالقرب من بركة تجري فيها الزوارق، وتلتف حولها بساتين ~~ناضرة تعرف بجنان بني مسكين، وكان القصر شامخ البنيان، ضخم الأركان، كأنه الحصن العظيم، وقد ~~انتثرت حوله الحدائق الخضر، وانهمرت الجداول المتدفقة. أما أبهاؤه ودهاليزه وقاعاته: فقل ما ~~شئت في جماله وبهائها، وزينتها، وما أنفق في بنائها من أموال يكاد يخطئها العد، وكانت قاعة ~~الملك كأنها قطعة من ذهب: فسقوفها وحيطانها ونقوشها وتصاويرها كلها من الذهب الإبريز، الذي ~~يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. # جلس كافور الإخشيدي في اليوم السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاثمائة - ~~على عرش ملكه، ورجال قصره وجيشه وقوف يحيطون بسريره في رهبة وخشية، كأنهم يحرسون سرا ~~سماويا مقدسا، وجلس إلى يمينه نقيب الطالبيين عبد الله بن طباطبا، فالشريف إبراهيم بن ~~محمد العلوي، ثم صالح بن رشدين الكاتب، ثم الذين يلونهم في المرتبة من العلماء ورجال الدين، ~~وجلس إلى يساره وزيراه: جعفر بن الفرات، وأبو بكر بن صالح، وقائد عسكره سمول الإخشيدي، ثم ~~من يتلوهم في المرتبة من رجال الدولة. # وكان كافور أسود اللون، فاحم السواد براقه، قصير القامة مترهل اللحم، طويل الذراعين، ~~منتفخ البطن، ضخم الجمجمة، أفطس الأنف، مثقوب الشفة السفلى، واسع العينين، صافي بياضهما. ~~تنبعث منهما ومضات فيها دهاء ، وفيهما مكر ms36 وخداع. # وكان يحمل فوق رأسه عمامة كبيرة من الحرير الأبيض، المطرز بالذهب، ويلبس ثوبا من الخز ~~التنيسي الثمين، فوقه جبة من الحرير الأخضر فضفاضة واسعة الكمين. # وكان على الرغم من دمامته وخسة منشئه وجهله، ذكيا متوقد الذكاء، شجاعا حازما داهية في ~~ميدان السياسة. فإنه حينما مات سيده الإخشيد اضطربت أحوال مصر، وحجلت الفتنة، وتطلعت رؤوس ~~كبار القواد إلى الحكم. فخرج كافور بولدي الإخشيد: أنوجور، وعلي، إلى بغداد فأقر الخليفة ~~الراضي أنوجور على ملك أبيه، واهتبل سيف الدولة فرصة موت الإخشيد فوثب على دمشق، واستولى ~~عليها، فسار إليه كافور في جيش لجب فهزمه وأجلاه عن المدينة. # وقد حال حزم كافور وعمق سياسته دون زحف المعز لدين الله على مصر، حتى كتب إليه بعض شيعته ~~في مصر ... إذا زال الحجر الأسود، ملك مولانا المعز الدنيا كلها ... ولا يريدون بالحجر الأسود ~~إلا كافورا. # وكان محبا للأدباء والعلماء، يصلهم ويقربهم، وكانت تقرأ عنده في كل ليلة سير الأنبياء، ~~وأخبار الأمويين والعباسيين. # هذا إلى كرمه وتواضعه، وشدة تمسكه بالدين. فقد كان أبو جعفر بن طاهر العلوي يقول: ما رأيت ~~أكرم من كافور: كنت أسايره يوما في موكب خفيف وهو يريد التنزه، وبين يديه عدة جنائب بسروج ~~من ذهب وفضة، وخلفه بغال يمتطيها الخدم والعبيد، فسقطت مقرعته من يده ولم يرها خدمه فنزلت ~~عن دابتي وأخذتها من الأرض ورفعتها إليه، فذعر لما فعلت وقال: «أعوذ بالله من بلوغ الغاية. ~~ما ظننت أن الزمان يرفعني حتى تفعل بي أنت هذا؟» وكاد يبكي. فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ووليه. ~~فلما بلغ باب داره ودعني، فلما سرت التفت فإذا النجائب والبغال كلها خلفي. فقلت: ما هذا؟ ~~قالوا: أمر الأستاذ أن يحمل موكبه كله إليك. فأدخلته داري، وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ~~ألف دينار. # اتجه كافور إلى وزيره ابن الفرات، وقال في صوت خافت: أظن الشاعر الجديد قد وصل إلى ~~المدينة. ~~- نعم يا مولانا، لقد علمت من بعض الجند أنه وصل الآن. ~~- هل أعددت له كل شيء؟ ~~- نعم يا مولانا، ms37 لقد أعددت له دار أبي بكر القريبة من باب الساحل، فرشت بأحسن الأثاث، ~~ووضع بها من يكفي لخدمته. ~~- هذا حسن. لعله لا يفر منا كما فر من ابن حمدان! ~~- إن للشعراء يا مولانا ميزانا للأخلاق غير الميزان الذي تواضع عليه الناس. فقد قال هذا ~~الشاعر لابن حمدان: # وقيدت نفسي في ذراك محبة # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # ولكننا رأيناه يفر منه كما يفر الزئبق من البنان. ~~- ماذا يقصد الشاعر يا جعفر من هذا الشعر الذي ذكرته؟ ~~- يقول يا مولانا، إنه قيد رجليه عند ابن حمدان، وإنه لا يرحل عنه لأنه يحبه. ~~- ها ها. فهمت فهمت، وبعد أن قيد رجليه فك قيدهما وفر؛ لأنه هو الذي قيد نفسه. أما إذا ~~قيده غير يا جعفر، فإنه يصعب عليه أن يفر. ~~- لا شك في أنه سينسى عند مولانا كل ملوك الأرض. # وبينما هما في الحديث، إذ دخل كبير الحجاب وهو يقول: إن الشاعر المتنبي يلتمس أن ينال شرف ~~المثول أمام مولانا. فرفع كافور رأسه، وقال: ليدخل. # دخل المتنبي في ثياب السفر، بعد أن خلع نجاد سيفه بالباب، فقبل الأرض ثم أطرق قليلا، ~~فحياه كافور قائلا: أهلا بشاعر العرب. أهلا بأبي الطيب. لقد أبطأت علينا كثيرا، ~~والدولة لا تكمل عظمتها إلا بمثلك. إنك ستكون في ضيافتي، وأرجو أن تطيب لك الإقامة. أقبل ~~علي أبا الطيب، ثم مد يده فانكب عليها كأنه يريد أن يقبلها، فجذبها العبد منه وهو يقول: ~~أستغفر الله! ثم أشار فأحضر كرسي إلى جانبه، وأومأ إلى أبي الطيب بالجلوس، وهنا قال ابن ~~الفرات: قد قرأنا ما ورد علينا من شعرك في ابن حمدان فرأينا فنا جديدا، وروحانية قوية ~~تهز المشاعر، وتثير خامد القلوب، ونرجو أن يتفتح لك النيل وحدائقه الباسمات عن معان لم ~~تخطر ببال شاعر. إن بمصر يا أبا الطيب كثيرا من الشعراء، وأكثرهم مجيد مبرز، وقد رحل عنا ~~منذ قليل أبو نصر كشاجم، وهو شاعر مبدع سباق. فمصر اليوم تجري في ميدان العلم والأدب مع ~~بغداد في طلق، وتكاد ms38 تجلي عليها في شئون الحرب والسياسة. ~~- علمت أن بمصر شعراء، وأرجو ألا يكون شأني معهم كما كان مع شعراء حلب! إن الشعر يا سيدي ~~دولة يأبى رعاياها أن يختاروا لهم ملكا، ولو أراد الحسد أن يبني له عشا ما اختار إلا قلب ~~متشاعر. دعني من هؤلاء؛ لأنني جئت للأستاذ وحده ولن أقول في غيره. ~~- لن تقول في غيره؟! ~~- إن من أدب الشاعر أن ينصرف إلى ممدوحه، فلا يلهج إلا باسمه، ولا يشيد إلا بفضله. # فاربد وجه ابن الفرات، وتكلف ابتسامة حاولت أن تمحو ما بدا على وجهه من سيماء الغضب، ~~وقال: وأظن أن من أدب الشاعر أيضا أن ينصرف عن ممدوح؛ ليمجد ممدوحا آخر، ويدعي أن الدهر ~~لم يسمح بسواه! فأسرع أبو الطيب قائلا: إن القلب قلب، والشعر كالناس قد يخطئ أحيانا ثم ~~يصيب شاكله الصواب. فاتجه إليه ابن الفرات في نظرتي نمر، وقال: أرجو ألا يخطئ هذه المرة يا ~~أبا الطيب! وهنا تحرك كافور من مجلسه قليلا فوقف من بالقاعة، ووجه الحديث إلى المتنبي ~~قائلا: يوم الثلاثاء إن شاء الله نسمع إنشاد الشاعر، بعد سبعة أيام. فوقف المتنبي وحيا ~~في خضوع ثم خرج. # ذهب المتنبي إلى داره الجديدة وفي رفقته صالح بن رشدين، وكان شاعرا مجيدا، أولع بشعر ~~المتنبي قبل أن يراه، فلما رآه زاد به إعجابا، وله حبا: أحب فيه الرجولة ومخايل الشهامة، ~~ورأى فيه شاعرا لا كالشعراء، وفي شعره شعرا لا كالشعر، كأن ما كان سمعه من شعره صورة ~~لنفسه الطموح وخلقه العظيم، فلما بلغا الدار، شد على يده وقال: لقد أحببتك وهفت نفسي إليك ~~منذ رأيتك يا أبا الطيب. فهل أطمع في أن تقبلني صديقا؟ لقد سمعت حديثك مع ابن الفرات، ~~وعرفت أنك أغضبته، وهو رجل له دهاء الثعلب وفتك النمر، يحوك من خيوط الشمس شباكا، ويخلق ~~من قطرات الغمام نبالا، وقد كان يريدك على أن تمدحه فجبهته في غير رفق، ورددته في غير ~~إحسان، وهو لن يترك لك هذه، ولو اعتصمت بأسباب السماء . فاحذره يا ms39 أبا الطيب، واحذر من تخاطب ~~ومن تعاشر في هذا البلد. إن العيون هنا تنبث في كل مكان، والجواسيس ينفذون إلى ما لا ينفذ ~~إليه الهواء. احذر أبا الطيب، فإن أصحاب الأخبار في هذه الدولة هم المصرفون للأقدار، ولهم ~~مناهج يعجز إبليس اللعين عن انتهاجها: يأتون إليك مرة في صورة الناصح، ثم ضحك وقال: وأخشى ~~أن تعدني منهم - ومرة يشتكون إليك جور الحكام، وأخرى يمدحون أمامك من لا يستحق المدح. ~~فاحذرهم يا أبا الطيب، وانصرف عنهم في هوادة ولطف، وأرجو أن تتخذني لك أخا مرشدا، وخليلا ~~ناصحا. # فهز المتنبي يده وقال: إني أشرف بصداقة سيد شعراء مصر، وسأمشي في نور هدايتك. # ودخل المتنبي الدار جزعا محسورا، فوصف لمحسد كافورا ومجلسه فقال: دخلت يا بني على أمة ~~حبلى يسجد أمامها صناديد الأبطال، ويخضع لإشارتها دهاة الرجال. جلس فوق عرشه، فرأيت في ~~ثياب أمير قردا، عيناه عينا ثعلب، وإطراقه إطراق ثعبان. أما ابن الفرات: فثقيل متعالم ~~متعاظم، نظر إلي في كبر وجبرية كأنه ينظر إلى شاعر مجتد أفاق. سحقا لهم، وسحقا ~~للزمان الذي قذف بي إليهم: والله لكأني أشعر أني جئت لأهجوهم لا لأمدحهم! وكيف تنبسط نفسي ~~لمديحهم، أو يتحرك لي لسان بالثناء عليهم؟ إن مدح الأسود سيخلق في الشعر فنا جديدا، ~~أسمعت يا محسد؟ سيخلق فن المديح الهجائي. ~~- كيف يا أبي؟ ~~- إني أعتقد أن لحظات ستمر بي وأنا أقرض الشعر في الأسود، أنسى فيها نفسي فربما طفرت مني ~~أبيات في مديحه، هي شر من الهجاء. ~~- وماذا تصنع إذا فهم؟ ~~- إنه لا يفهم يا أغبى الأغبياء. هات عبدنا مسعودا وأنشده إحدى قصائدي، فإن فهمها، ~~اقتنعت وأخذت الحذر. ~~- إن مسعودا لا يفهم؛ لأن كافورا مسعود قبل أن يكون كافورا، ومسعودا كافور بعد أن كان ~~كافورا. ~~- والوزراء والشعراء الذين حوله؟! ألا تخشاهم؟! ~~- اسمع يا بني: عن الكلام الموجه يفهم من ناحيتين، وهؤلاء لجبنهم وجلالة قدر كافور ~~عندهم، لا يفهمون إلا ناحية المديح. ~~- وإذا فهموا الناحية الأخرى؟ ~~- لا أبالي ما يفهمون. إن شعري لن يكون إلا ms40 صورة لنفسي رضي الناس أم أبوا، ولو كنت من ~~الذين لا يقولون الحق الذي تجيش به نفوسهم؛ لكنت اليوم ملكا، أتندر بالأسود ~~الزنيم. # ومر أسبوع صاغ في غضونه أبو الطيب أول قصيدة في مدح كافور، وحين حان الموعد غص القصر ~~بالأدباء والشعراء، والعلماء، وجلس كافور على عرشه، وقد أحاط به القواد والوزراء، والأشراف ~~والعلماء، وقوفا، وقدم المتنبي فانحنى في إجلال وخشوع، وأخذ ينشد قصيدته في صوت ندي حلو ~~النبرات، وكان صدى كل بيت إعجابا واستحسانا، وطلب بعض الشعراء إعادة بعض الأبيات؛ ~~لرصانتها، ولما فيها من تجديد رائع، وفن رفيع، وكان كافور يهز رأسه طول مدة الإنشاد، كأنه ~~أرجوحة طفل عنيد، أبى أن ينام. فلما فرع أبو الطيب أمر له كافور بعشرة آلاف درهم، وأقبل ~~القوم عليه يحيونه وينثرون فوقه أزاهير الإعجاب والثناء، وخرج مع الشريف إبراهيم العلوي ~~وهو مطرق الرأس، حزين يهمس بمطلع قصيدته: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # | ضجيج # أثارت قصيدة أبي الطيب ضجة وصخبا في مجامع العلم والأدب، فلو قيل إن العبيديين زحفوا ~~على مصر من المغرب، ما كان شغل الناس بالخبر واهتمامهم به، فوق شغلهم بهذه القصيدة وما فيها ~~من ومضات فنية، لم يكن لهم بها عهد. ففي القصر يزدحم القواد ورجال الدولة، حول ابن الفرات، ~~وهو يردد كثيرا من أبياتها، معجبا تارة وعابسا تارة أخرى، وفي سوق الوراقين يتكاثر ~~الأدباء على النساخين؛ ليظفروا بنسخ منها، وإن اشتطوا في الأجر، وغالوا في الثمن، وفي ~~الجامع العتيق يتجمع الطلاب، ويشتد بينهم الجدل في معاني القصيدة ومراميها، وبينما هم في ~~لغط وصراخ، إذ أقبل عليهم أبو بكر الكندي، وكان من أدباء مصر وعلمائها، فصيحا بارعا في ~~الحديث واللغة والنحو الأدب، حتى لقد لقب بسيبويه؛ لمكانته في النحو وغريب اللغة، وكانت ~~مع هذا به لوثة جنون، فكان يركب حمارا أكثر أوقات النهار ويدور به في الأسواق، ويتكلم وهو ~~راكب، والناس حوله يكتبون ما يقول. # فلما رأى الطلبة أبا بكر تسابقوا إليه متصايحين: إلينا ms41 أبا بكر! إلينا يا صاحب الحمار! ~~فقد اشتد جدالنا في بعض أبيات من قصيدة المتنبي، وعندك القول الفصل، وأنت جهيزة التي ~~تقطع قول كل خطيب. ~~- إن المتنبي يا أبنائي، رجل معروف المكانة، ولكن له هفوات في اللغة، وانحرافا عن ~~الأسلوب السليم. فصاح الجمع: كيف يا أبا بكر؟ ~~- لقد زل في بيته المشهور: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # لأن الصداقة مشتقة من الصدق في المودة، والحر لا يصدق في مودة عدوه، والصداقة ضد العداوة، ~~ولا موقع لها في هذا الموضع. فابتدره أحد الطلبة قائلا: وماذا كان يقول يا أخا ~~الحمار؟! # كان يقول: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من مداجاته بد # فصفق الطلاب، وعلا صياحهم في إعجاب وسخرية. فأشار إليهم بذراعيه؛ ليسكتهم. ثم قال؛ أما ~~القصيدة الجديدة فمطلعها هو: «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا» لا يصح أن يخاطب به ملك وإن ~~كان كافورا، وفي قوله: # ولكن بالفسطاط بحرا أزرته # حياتي ونصحي والهوى والقوافيا # سخف وتطفل وتعد على الوزراء وكبار الدولة؛ لأن قوله أزرته حياتي معناه جعلت حياتي تزروه، ~~وليس لهذا المعنى قيمة يتجه إليها شاعر. ثم يقول وأزرته نصحي فيدعي أن وصل في أصالة الرأي ~~وبعد النظر في السياسة إلى القمة، وأنه قدم من الشام؛ لأن الأستاذ كان في حاجة إلى نصحه ~~وثاقب رأيه، على الرغم من كثرة قواده ووزرائه. # فغضب أحد الطلاب، وقال: هذا تعصب يا مجنون. فأومأ إليه في حلم وهدوء، وقال: أما ثالثة ~~الأثافي فقوله في المديح: # فتى ما سرينا في ظهور جدودنا # إلى عصره إلا نرجى التلاقيا # فهل سمعتم أقبح من هذا وأسخف! إن آباءكم أيها الطلبة النجباء من لدن آدم كانوا ينقلونكم ~~من ظهر إلى ظهر؛ لتتمتعوا بطلعة جمال كافور! ثم انظروا إلى التركيب المعوج، وإلى سوء الأدب ~~في حق ممدوحه حين يقول: # ومن قول سام لو رآك لنسله # فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا # ومستقيم الكلام أن يقول: لو رآك سام ms42 لقال أفدي ابن أخي بنسلي، واللئيم هنا يقذف سهما ~~مسموما فيلحق ملكنا بأبيه سام الأسود في وقاحة سافرة. # هذا أيها الطلبة بعض ما في القصيدة التي لهجت بها الأفواه، وتناقلها الرواة، وغالى بها ~~أدعياء الشعر والأدب، ولكنكم يا أهل مصر لا تحبون إلا الجديد، وما أشبهكم ببني إسرائيل ~~الذين سئموا المن والسلوى، واشتهوا على الله الفول والبصل! # وهنا انبرى له فريق كبير من الطلبة يتزعمهم شاب كان يعرف بينهم بالذكاء وقوة الشكيمة، حتى ~~لقد كان العلماء يدارونه ويصانعونه، ويتجنبون سلاطة لسانه، فقال له: هذا نقد زائف أيها ~~الشيخ، وهذا دأبكم دائما أيها الأدباء الجامدون، لا يلتمع أمامكم من الشعر جديد إلا قطعتم ~~أنفاسكم في إطفائه. تركت القصيدة كلها يا مولانا، وهي آية خالدة من آيات البيان، وجئت تماحك ~~في أبيات خيل إليك سوء فهمك أن فيها متنفسا لحقدك، وكل ما قلته هراء، ولن يضر الشمس ألا ~~تراها مقلة عمياء، ولن يبالي السحاب بنباح الكلاب. # فقهقه أبو بكر طويلا، وقال: إنني السحاب، وأنتم الكلاب! ثم انتقل من بينهم كأن أرضا ~~ابتلعته. # وفي هذا اليوم كانت تجلس عائشة بنت رشدين إلى جانب شرفتها المطلة على النيل ذاهلة واجمة، ~~وكانت المراكب تتهادى فوق أمواجه تحتها، وقد داعب النسيم شعرها في رفق ولين، كأنه زفرة ~~عاشق، أو جسة طبيب حاذق، وانطلقت أصوات الملاحين بالغناء مغردة مطربة في نعمات ~~اعتادوها، وأغنيات ابتدعوها، فيها شوق وفيها شكوى وفيها حنين إلى الأوطان. # وكانت عائشة بارعة الحسن مشرقة الطلعة، لها وجه صباحي تحير فيه ماء الشباب، وتزاحمت فيه ~~صنوف الفتنة: فعينان سوداوان فيهما سحر، وفيهما خمر، لهما نظرات ذابلة يخفضها الحياء، ~~ويعترك أمامها اليأس والرجاء، وأنف تأنقت في تكوينه يد الجمال، لا ترى فيه عوجا ولا ~~أمتا، وفم ياقوتي لؤلؤي ضن على الشفاه بالقبلات، وعلى العاشقين بالبسمات. # وخصر تثبت الأبصار فيه # كأن عليه من حدق نطاقا # ثم هي إلى ذلك معتدلة القد، رخيصة الجسم، هضيم الكشح. # لها بشر الدر الذي قلدت به # ولم أر بدرا قبلها قلد الشهبا ms43 # وكانت صورة للعفاف، وتمثالا للطهر، وملكا سماويا كون من نقاء ونور. # وقد كثر عشاقها، وتسابق إلى اجتذابها أبناء سراة المدينة وكبار حكامها، فكانت تقابل ~~الإقبال بالإعراض، والرجاء بالإباء؛ لأنها أنفت أن تكون في طاعة رجل، أو أن يكون جمالها ~~ملهاة للعابثين، ونهبا للوالغين. فتن بها أبو بكر بن صالح وزير كافور، وجن بها جنونا، ~~وأغراها بالمال والجاه، ولم يترك أحبولة لاصطيادها إلا نصبها، ولكنها صدفت عنه في كبرياء، ~~ونفرت كما تنفر مروعة الظباء. # وقد نشأت عائشة في بيت أدب وشعر، فقد كان أخوها أبو علي صالح بن رشدين من أعظم كتاب ~~المملكة، وأبرع شعرائها، وكانت داره مثابة لأدباء مصر؛ فنشأت عائشة في هذا الجو الأدبي كما ~~تنشأ الزهرة على شاطئ الغدير، وثقفها أخوها فأحسن تثقيفها، وتلقت من كبار العلماء ~~والشعراء دروسا في الشعر والنحو واللغة، وكان من أساتذتها عبد الله بن أبي الجوع الشاعر ~~الأديب اللغوي، وكانت برزة في النساء لا تحتجب عن الرجال إلا بخمار رقيق أسود تلفه حول ~~وجهها فيبرز كالبدر في محتلك الظلام. # وكثيرا ما حضرت في دارها مجالس للشعراء الذين كانوا يكثرون من ازديار أخيها؛ لكرمه ~~وسجاحة خلقه، وكان أبو بكر بن صالح يدأب على شهود هذه المجالس، عله يظفر من فاتنة لبه بكلمة ~~رضا أو لمحة حنان، ولكنه كان لا يلقى إلا تجاهلا وإعراضا. # جلست عائشة إلى جانب شرفتها وفي يدها ورقة كتبت بها قصيدة أبي الطيب، وكانت تقرأها متئدة ~~مفكرة، وكثيرا ما كانت تهتز في طرب وإعجاب، وبينما هي منصرفة إلى القراءة إذ دخل أخوها وهو ~~يصيح: ألا تزالين تكررين أبيات هذه القصيدة؟! ~~- لقد حفظتها، إنها إلهام صور في كلام. ~~- حقا إنها من عيون الشعر. ~~- إنه شاعر وفي. اسمع يا أبا علي حنينه إلى سيف الدولة, وكيف صاغ هذا الحنين في عزة ~~الأنوف، وإباء العيوف: # حببتك قلبي قبل حبك من نأى # وقد كان غدارا فكن أنت وافيا # وأعلم أن البين يشكيك بعده # فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا # فإن دموع العين غدر بربها # إذا كن ms44 إثر الغادرين جواريا # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى # فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # وللنفس أخلاق تدل على الفتى # أكان سخاء ما أتى أم تساخيا # أقل اشتياقا أيها القلب إنني # رأيتك تصفي الود من ليس صافيا # خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا # لفارقت شيبي موجع القلب باكيا # أرأيت يا أخي كيف يصاغ الكلام، وكيف ينفث السحر، وكيف يثور العاشق المهجور على قلبه؛ لأنه ~~يحب من لا يفي، ويصف الود للمماذق الغادر! ثم هل رأيت كيف وخز الشاعر سيف الدولة في رفق لا ~~يكاد يحس، حين قال إن إعطاءه لم يكن سخاء بل كان تساخيا؟ ثم هل مر بك في حسن التخلص ~~والإبداع في مدح السواد مثل قوله: # قواصد كافور توارك غيره # ومن وجد البحر استقل السواقيا # فجاءت بنا إنسان عين زمانه # وخلت بياضا خلفها ومآقيا # قل لي يا صالح: هل حضرت حفل الإنشاد؟ ~~- حضرته، وواثقت أبا الطيب على المحبة والإخلاص. ~~- نعم ما فعلت يا أخي، إنه غريب الدار، قليل الصديق في بلد تنبت فيه النمائم كما تنبت ~~الأشواك. ~~- لقد حذرته من كل ذلك يا عائشة، ولم تعجبني نظرة ابن الفرات إليه، وطفرت من أبي بكر بن ~~صالح في المجلس كلمات شممت منها رائحة الحقد والضغن. ~~- بئس القوم! إنهم لا يعيشون إلا في جو مدنس بالمكر والخديعة. صف لي المتنبي يا أبا ~~علي. ~~- إنه صورة للعربي السمح الوسيم. ~~- هل شاع في شعره الشيب كما يقول؟ # فضحك صالح، ونظر إليها نظرة مزجت فيها الدعابة بالاستنكار، ثم قال: وما لنا الآن بشيب ~~شعره، ونحن نتحدث في رائع شعره؟ لا يا فتاتي، إن شعره لم يطرقه الشيب، وهو الآن في نحو ~~الأربعين لم تفارقه نضارة الشباب. هل من سؤال آخر؟ سؤال مثلا عن لون عينيه؟ أو تكوين أنفه؟ ~~أو طول قامته؟ ~~- إنك رجل ماجن يا صالح، لا تترك المزح ما وجدت إليه سبيلا. ثم قامت في عجلة وهي تتصنع ~~الاهتمام بإعداد العشاء. # ومرت أيام كان فيها المتنبي يزور كافورا في كل يوم، ms45 ويلقى من بشاشته وكرمه ما يغرس ~~المحبة في القلوب، ولكن هيهات! فإن المتنبي لا يريد مالا، ولا يريد بشاشة، وإنما يريد من ~~الأيام ما لا توده، ويسعى إلى منهل يعجز الطير ورده، وكان يلتقي في أثناء هذه الزيارات بابن ~~الفرات، فيلبس كل منهما لصاحبه غير وجهه، ويتحدث بغير ما في قلبه، وكثيرا ما شهد المتنبي ~~وفود الشعراء وطلاب الحاجات وهم يردون على ساحة كافور، وحدث مرة أن كان في حضرة الأستاذ ~~وإلى جانبه أبو إسحاق النحوي، فدخل الفضل بن العباس على كافور يحييه، وما كاد يقول: أدام ~~الله أيام سيدنا، حتى خفض «ميم» الأيام، فابتسم من بالمجلس، ولحظ كافور ابتسام القوم ~~فابتسم، ووقف أبو إسحاق يعتذر عن الفضل ويقول: # لا غرو إن لحن الداعي لسيدنا # وغص من دهش بالريق والبهر # فتلك هيبته حالت جلالتها # بين الأديب وبين القول بالحصر # فإن يكن خفض الأيام عن غلط # في موضع النصب لا عن قلة البصر # فقد تفاءلت في هذا لسيدنا # والفأل نأثره عن سيد البشر # يأن أيامه خفض بلا نصب # وأن أوقاته صفو بلا كدر # ونبتت أول بذرة للشقاق بين المتنبي وبعض أدباء مصر، وطارت أول شرارة للشر بينه وبين ~~طائفة من شعرائها، حينما دعي مرة إلى مجلس أبي بكر بن صالح وزير كافور، وكان ابن الفرات ~~حاضرا، وقد غص المجلس بالشعراء المتعصبين لأبي القاسم الأنصاري، الذي جاء لينشد أبا بكر ~~قصيدة في مديحه، وكثر لغط الشعراء، وكثرت الإشارة إلى المتنبي، وهمس صالح بن مؤنس في أذن من ~~بجانبه قائلا: سيكون هذا اليوم فاصلا في سمعة مصر في الأدب، ومكانتها في الشعر. ~~- إن أمة أنت شاعرها يا ابن مؤنس لن تلقي بلوائها إلى شاعر أفاق. فظهر الغضب على وجه ابن ~~أبي الجوع وكان صديقا وفيا للمتنبي، فأشار إليهما بيده في عنف وهو يقول: ليس للشعر وطن ~~أيها الغبيان، والعربية وطن لكل عربي، وهنا وقف أبو القاسم الأنصاري وتهيأ للإنشاد بين ~~نظرات الإعجاب من شيعته، وابتسامات الرضا من أبي بكر وابن الفرات ، وما كاد ms46 يبدأ قصيدته ~~بقوله: «نظر المحب لدى الحبيب غرام». # حتى انبرى له المتنبي يخطئه في خشونة وجفوة صائحا: قف يا شيخ! إن العرب لا تقول نظر لدى ~~فلان، ولا تقول غرام لدى فلان، وإنما تقول نظر إليه، وغرام له، إلا إذا كنت تريد أن تجعل من ~~لغة الضاد لغة نبطية. # وهنا اربد وجه ابن الفرات؛ لأن أجداده كانوا من النبط، ولم تنل الدهشة من الأنصاري، ~~ولكنه قهقه في سخرية وقال: لا تجزع يا أبا الطيب فقد فسد كل شيء في هذا الزمان حتى أصبح ~~مثلك يتبجح بمعرفة لغة العرب، ويقول: قل كذا، ولا تقل كذا. إن سميك الكندي الفاجر الضليل، ~~لا يجرؤ على أن يدعي أنه أحط بالعربية، فكيف بك وأنت لست من ذاك! إن العرب أيها الأصمعي ~~الجديد تقول: نظر لديه وله وإليه، وتقول: غرام لديه وله وإليه، والكلمات ينوب بعضها عن بعض، ~~وإلا فأين التضمين وأين المجاز؟ فقال المتنبي في حدة: تقول أكلت على الإناء؟ ~~- أقول أكلت على الإناء وفيه ومنه، وهنا صفق أشياع الأنصاري، وتصايحوا في شماتة ونكر. ~~فلما هدءوا قال ابن أبي الجوع: إذا كانت بعض الكلمات ينوب عن بعض فإن هذا معقود بشرط لابد ~~منه؛ هو أن يكون الأسلوب جاريا مع الذوق العربي السليم، سائغا في أذن الأديب البصير ~~بمرامي الكلام، وهنا تسارع القوم إليه فأسكتوه، وشرع الأنصاري في الإنشاد فأخذ أشياعه ~~يبالغون في الاستحسان وطلب الإعادة. فلما أتم القصيدة خلع عليه أبو بكر وأجزل له العطاء، ~~فانتحى ناحية من الحجرة، وأخذ يدون أبياتا حتى إذا أتمها طلب أن ينشدها، فأذن له، فكان ~~منها: # لما تعرض لي بمقت حاسدي # أبدى الملام وكيف يرضى الحاسد؟ # في مجلس أما الوزير فمنكب # فيه يؤيدني وأنت الساعد # ولى فما أنا شاكر لسؤاله # يوما ولا هو بالإجابة حامد # وهنا نظر ابن الفرات إلى أبي الطيب وقال: هذا شاعر هجاء سليط اللسان، فخذ حذرك منه يا ابن ~~الحسين. ~~- إنه أقل من أن ألقي إليه أذنا، أو أرفع له قدرا بالرد عليه، ولقد ms47 قلت فيمن هم أقدر ~~منه وأشعر: # أرى المتشاعرين غروا بذمي # ومن ذا يحمد الداء العضالا؟ # ومن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # ثم وقف مغضبا، وانصرف مع ابن أبي الجوع، وقد عرف أن سخط الناس عليه وبغضاءهم له لا ~~يفارقان ظله أينما سار، ولو أنصف نفسه لعلم أن نفسه هي مثار السخط، ومصدر هذه البغضاء، ~~وود أن يرحل عن مصر، ولكن ماذا يعمل لهذا الأمل الطائر الذي لا يستقر في وكن، وذاك الخيال ~~السابح الذي لا ينال بالأكف؟ ليصبر إذا، وليتحمل في سبيل غايته كيد الكائدين ودس ~~الحاسدين، ووصل في هذا اليوم إلى داره وهو ينفخ من الغضب، ويزمجر زمجرة الليث، ~~وينشد: # ومن عرف الأيام معرفتي بها # وبالناس روى رمحه غير راحم # | حب # وبنى كافور دارا جديدة بالقطائع بالقرب من الجامع الأعلى، واحتفل بافتتاحها، ودعا أبا ~~الطيب أن ينشد قصيدة في الحفل، فقضى يومين وهو في تردد: أيشير إلى مطلبه الأسمى، أم يترك ~~الأمر إلى حذق كافور وفطانته، فقد بدرت منه كلمات أمل المتنبي منها خيرا. # ويعقد الحفل، وينشد المتنبي قصيدته، فيبهر الناس بما فيها من جرأة وتدلل على الممدوح حين ~~يقول: # إنما التهنئات للأكفاء # ولمن يدني من البعداء # وأنا منك لا يهنئ عضو # بالمسرات سائر الأعضاء # مستقل لك الديار ولو كا # ن نجوما آجر هذا البناء # وتسير القصيدة في الأندية والمحافل، وترددها ~~الأفواه، ويرفعها نصراء المتنبي إلى قمة لم يصل إليها شعر شاعر، وينزل بها أعداؤه إلى وهدة ~~ما لها من قرار، ومن العجب أن ما يستهجنه الأعداء هو بعينه ما يستجيده النصراء، وقف صالح بن ~~مؤنس في جامع عمرو بين حشد من الطلبة وأخذ يصيح: اسمعوا أيها الطلاب، اسمعوا اسمعوا هذا ~~الحديث الجديد في الشعر! وهذا الفتح المبين في عالم السخف! أسمعتم أيها الأنجاب بشمس منيرة ~~سوداء؟ أسمعتم بمثل هذا التناقض، وبمثل هذا الخلف؟ شمس تضيء وهي سوداء، وليل يظلم وهو مضيء. ~~أسمعتم برجل أعمى وهو يبصر؟ إن لم تكونوا قد سمعتم بشيء من ms48 هذا فاذهبوا واسألوا هذا الشاعر ~~الدعي المتشدق، فإنه يقول ويخاطب مولانا: # تفضح الشمس كلما ذرت الشم # س بشمس منيرة سوداء # وهنا يقهقه بعض الطلاب ويصيح: هذا ابتداع جديد، لم تخلق له عقول مثل عقولنا! # ودخل صالح بن رشدين على أخته وكانت تنظر في رسالة من رسائل الغرام التي يبعث بها إليها ~~أبو بكر بن صالح في كل يوم ملحا مستعطفا، فقذفت بها في تأفف وسخرية، ثم اتجهت إلى أخيها ~~سائلة: ماذا في يدك يا أخي؟ ~~- القصيدة الجديدة. لقد كان هذا اليوم نصرا مؤزرا لأبي الطيب يا عائشة. فقالت: في تطلع ~~وشوق: كيف؟ ~~- قصيدته في الدار الجديدة. ~~- ليس عندي شك في أنها ستكون درة نادرة. ~~- إن فيها بيتا لم يخفض جناحه لشاعر من قبل. أسمعت بمثل قوله وهو يخاطب كافورا: # تفضح الشمس كلما ذرت الشم # س بشمس منيرة سوداء ~~- الرنين الرنين!! الرنين يا صالح!! ~~- لا تقولي الرنين يا عائشة. قولي المعنى، قولي الخيال الغريب! أليس عجيبا أن يجرؤ شاعر ~~على أن يطرق هذه الناحية الدقيقة المحفوفة بالمخاوف في مدح أسود؟ ولكن أبا الطيب طرقها غير ~~هياب، وتحدى من قبله من الشعراء الذين أكثروا من تشبيه وجوه ممدوحيهم البيض بالشمس. فهو ~~يقول إن كافورا يفضح الشمس كلما طلعت، بشمس منه من نوع جديد، هي شمس سوداء، ولكنها على ~~سوادها تفوق شمس السماء في إنارة طريق الحق للضالين، وفي رفعة أوجها وبعد منزلتها. أرأيت ~~شاعرا في القديم قال ما يشبه هذا؟ ~~- لا يا أبا علي هذا خلق جديد. ثم أخذت منه الورقة، وجعلت تقرأ حتى بلغت آخرها، فقبضت ~~على ذراع أخيها وهي تقول: اسمع يا صالح، إن الرجل بعيد المطامع، إنه يطلب من كافور شيئا ~~عظيما فليت شعري ماذا يكون؟ ثم أخذت تقرأ: # يا رجاء العيون في كل أرض # لم يكن غير أن أراك رجائي # ولقد أفنت المفاوز خيلي # قبل أن نلتقي وزادي ومائي # فارم بي ما أردت مني فإني # أسد القلب آدمي الرواء # وفؤادي من الملوك وإن كا # ن لساني يرى من ms49 الشعراء # ماذا يريد يا صالح؟ فابتسم، ثم قال: إنه يقول: إن فؤاده من الملوك، وأخشى أن يجد أعداؤه ~~من مثل هذه البوادر منفذا للكيد له عند كافور. فتجهم وجه عائشة وهزت رأسها وهي تقول: ما ~~أكثر الدسائس في هذا البلد الخصيب! ثم التفتت إلى أخيها قائلة: علمت بما جرى للمتنبي من ~~تألب الشعراء عليه في مجلس أبي بكر بن صالح، ومن انتصاره لهم، وا أسفاه للشاعر الغريب بين ~~هؤلاء الكلاب السود! هلا دعوته غدا أبا علي؛ لنشعره بالأنس، ولنخفف عنه بعض ما يلاقي من ~~الوحشة والضيق؟ ~~- سأدعوه غدا، وسأدعو معه جملة من الشعراء والأدباء، وستكون ليلة لاهية عابثة ينسى ~~بها كل ما ينتابه من هموم، وستطربنا «خمر» المغنية، وسننسى عقولنا، ونفر من هذا الوقار ~~الملعون الذي أشاب نواصينا قبل الأوان. فضحكت عائشة وقالت: إنني لا أحب هذا الصخب ولا تلك ~~العربدة، ولكنكم معشر الرجال لا تنسون أبدا أنكم كنتم أطفالا. # وذهب ابن رشدين إلى دار المتنبي فرأى عنده الشريف إبراهيم العلوي، وعبد العزيز الخزاعي ~~زعيم العرب ببلبيس، ثم بعض المعجبين به من الشعراء كابن أبي الجوع وابن أبي العصام، وكان ~~المتنبي يحدثهم في حروب سيف الدولة، وكيف خاض كثيرا منها، وكيف لاقى الموت في بعضها. فلما ~~فرغ من الحديث اتجه ابن رشدين إلى من بالمجلس وقال: لقد جئت لأدعوكم مع أبي الطيب للعشاء ~~بداري غدا، وترجو السيدة عائشة - التي تقدر أدب ابن الحسين وشعره - وأرجو معها، أن تنال ~~هذه الدعوة منكم قبولا. فأجاب الشريف: إن السيدة عائشة زهرة مصر الناضرة، ونجمها الساطع، ~~ومثلها في طيب عنصرها وعلو منزلتها في الشعر والأدب لا يرد له دعوة. سمعا وطاعة يا ابن ~~رشدين، وقال المتنبي: إنني رجل جد وصرامة خلق، وأخشى أن مثلي لا يجد له نصيبا في مجلس ربات ~~الحجال. فقال الشريف: إن أديبتنا تعشق النفوس قبل الوجوه، وترى جمال العبقرية فوق كل جمال. ~~فلتكن خشنا كما تحب أن تكون، فإنها ستخلص ما فيك من ورد مما اشتبك به من أشواك، وابتسم ms50 ~~المتنبي وهز رأسه لابن رشدين بالقبول. # وقدم المتنبي إلى دار ابن رشدين بعد الغروب فاستقبله صاحب الدار، وتقدمت إليه عائشة فمدت ~~إليه يدها مرحبة محيية، ونظرت فإذا هي أمام صورة للعظمة العربية والرجولة المتوثبة، ورجعت ~~البصر فرأت ملامح بطولة، ومظاهر عزيمة تتحطم دونها آمال النساء. # أخذت عائشة تحادثه وقلبها يخفق، ولسانها يتعثر، لقد هجم عليها شعور لم تعرف له من قبل ~~مثيلا، وأصابت جسمها رعدة لم تدر لها تأويلا، إنها تحس بسرور يسري في أوصالها ولكنه سرور ~~ممزوج بخوف، مصحوب بما يشبه الألم، وتتخيل كأن نارا تأججت في فؤادها فأخذ يضطرم بنوازع ~~مجهولة مبهمة، وتدرك لأول مرة أنها أنثى، وأن عاصفة هوجاء تدفعها إلى التشبث بالرجل الجالس ~~إلى جانبها؛ لتجد تحت جناحه الدفء والأمن والنعيم. ما هذه النازعة الجامحة التي جرفتها، ~~وعبثت بها كما تعبث الرياح بأوراق الشجر؟ وما هذا الطارئ المفاجئ الذي دخل قلبها بلا ~~استئذان فاستبد بكل ما فيه؟ أهذا هو الحب؟ إن كان إياه كان شديد البطش، سريع الأخذ، جبارا ~~لا يرحم، وغازيا لا يبقي على جريح. # جلست عائشة إلى جانب المتنبي ذاهلة اللب مبددة الفكر، ولكنها بعد حين استطاعت أن تجمع ~~أشتات خواطرها، وأن تنفض عنها قطرات الموجة التي غمرتها، ثم اتجهت إلى المتنبي وقالت: لعلك ~~رأيت يا سيدي في مصر ما يسليك عن الشام؟ ~~- لقد كان عيشي بالشام رغيدا، وكنت في كنف ملك عربي مجاهد، ولكن آدم ورث أبناءه السخط ~~على النعيم، وعلمهم مفارقة الجنان. ~~- متى تسمعنا قصيدتك الثالثة؟ ~~- حينما تسنح الفرصة، وتهفو النفس إلى قول الشعر. ~~- لو كنت أبا الطيب المتنبي، أو لو كان لي بعض تلك الهبة الغالية التي أنعم الله بها ~~عليك؛ لملأت جنبات الوادي تغريدا، ولزاحمت الطيور في أوكارها، ولهززت الأغصان في أدواحها، ~~ولأسمعت النيل في كل لحظة ألحانا تكاد ترقص لها أمواجه ويقف تياره. عجيب شأنكم أيها ~~الشعراء! تضنون بفيض الله على خلق الله. لقد منحتم هبة ما بذلتم فيها جهدا، ولا مددتم ~~لأخذها يدا، وهي نبع لا يغيض، وكنز ms51 لا يفنى، وهبها لكم واهب الجود وخالق الوجود، ومع هذا ~~تمر الأيام أو الشهور فلا نسمع لكم إلا بيتا أو أبياتا قصارا! إني أعذر الشحيح بماله؛ ~~لأنه جمعه ببذل الجهد، وإضناء الجسم والنفس، وإراقة ماء الوجه، ووصل الليل بالنهار، فهو به ~~ضنين، وعليه حريص. أما أنتم فما عذركم في الضن؟ وما حجتكم على المنع؟ ثم ابتسمت لأبي الطيب، ~~واستمرت تقول: دعني أعاتبك يا أبا الطيب: أقمت بيننا أشهرا فما اهتزت شاعريتك لوصف ما ترى ~~من روائع المشاهد، ولا اجتذب نظرك جمال يوقظ فيك وسنان القريض! أين من شعرك النيل وأمواجه، ~~وسفنه السابحات، وهو يتهادى بين الشاطئين كالملك بين رعيته يجود على الأرض بمائه تبرا، ~~فتنثر عليه من أزهارها ياقوتا ودرا؟ وأين من شعرك تلك الأهرام العاتية التي لم ينحن ~~ظهرها لعواصف الدهر وأحداث الزمان، والتي لو تحدثت بأخبار الملوك الذين أقاموا في ذراها، ~~والجيوش التي مرت بها؛ لسمعنا حديثا عجبا يهدي إلى الرشد؟ أين من شعرك رياض مصر الباسمة، ~~ومروجها الفاتنة، ونخيلها الباسقات، وأدواحها الظليلات؟ أحب يا أبا الطيب أن تكون شاعر ~~الدنيا لا شاعر الملوك. أحب أن تصور لنا الحياة حلوة لذيذة كما نحب أن تكون. أحب أن يكون ~~في شعرك أمل اليائس، وعلالة العاشق، وسلوة الحزين وهداية الحائر. إن الشعر دنيا جديدة ~~خلقها الله للناس؛ ليفروا إليها كلما ضاقت بهم دنياهم، وجعل مفاتيحها في أيدي الشعراء، ~~فافتح للناس يا سيدي من أبوابها ما ينقذهم مما هم فيه من بؤس وشقاء! صور لهم جمال الحياة ~~يا أبا الطيب تصويرا يحبب لهم الحياة، واخلق لهم من رائع خيالك كونا جديدا فقد ضاق بهم ~~على اتساعه هذا الكون اللعين. # كان أبو الطيب مطرقا معجبا بما يسمع، وكلما رفع ~~بصره رأى جمالا أعجب مما يسمع وأروع، فثارت في نفسه ثائرة واهنة القوى من الميل، ولكنها لم ~~تجد السبيل إلى قلبه المملوء بالمطامع والآمال. فاتجه إلى الفتاة وقال: إن فيما قلته كثيرا ~~من الحق يا سيدتي عائشة، غير أنك ظننت أن الشاعر يستطيع ms52 أن يقول كلما أراد، ويستطيع أن يجيد ~~كلما أراد، وصورت الشعر نبعا ليس على الشاعر إلا أن يملأ منه الوعاء ثم ينثره على الناس، ~~ومزمارا يكفي أن ينفخ فيه الشاعر فيأتي بأبدع الألحان. لا يا سيدتي، إن الشعر صعب المرتقى، ~~بعيد الملتقى. إنه طائر حذر خداع، طالما زحفت إليه على ركبتي ليلة كاملة في خفوت وتؤدة، ~~ففر من يدي، ثم سمعته عند الصباح يغرد شامتا مع طيور الصباح، ورب قافية أعالجها في صبر ~~وجلد كما يعالج الملاح سفينة في بحر مائج، فلا أكاد أظفر بها إلا بعد أن تكون قد تقطعت ~~حبالي وتكسر شراعي. ليس الشعر بالسهولة التي تظنينها يا سيدتي عائشة، وإلا هان أمره، وكسدت ~~سوقه؛ لأن قيمة كل شيء بما يبذل فيه من جهد، وكلما صعب منال الشيء غلا ثمنه وكثر التنافس ~~فيه. أما أني لم أصف مشاهد مصر، ولم يهزني نيلكم الفياض، ولا هرمكم الرابض في ذيل الصحراء، ~~ولا حدائقكم الزاهية الفيحاء، فلو تعلمين ما بي لأقللت من ملامي. أنا فارس يا سيدتي قبل أن ~~أكون شاعرا. ثم نظر إليها طويلا وقال: أنا رجل جم المطامع بعيد المرامي. إن لي في الحياة ~~مطلبا أسمى، طالما خفت أن يطغى عليه الشعر فيهدئ من عزمته، ويقصر من وثبته، وطالما خشيت أن ~~أقنع عنه بالشعر فأخرج من هذه الدنيا ولم أ عمل شيئا إلا أن يقول الناس: كان أبو الطيب ~~شاعرا مجيدا. أنا لا أريد هذا يا سيدتي؛ لذلك اقتصرت من الشعر على القدر الذي يكفي لبلوغ ~~ذلك المطلب، ونيل تلك الغاية. هذا سر لم أذعه إلا لك. ثم ابتسم وقال: واعلمي أني لم أقصد ~~الملوك إلا لأكون كالملوك. فنظرت إليه عائشة نظرة فيها ذهول وفيها حيرة وقالت: أنت بنيل هذه ~~الآمال البعيدة حقيق يا أبا الطيب. # وهنا أقبل الجمع عليهما، ومدت الموائد وفوقها كثير من ألوان الطعام، فأكلوا بين الأفاكيه ~~والطرف النادرة. ثم جيء بأواني الشراب، ومر السقاة على جماعة الشاربين، فأبى المتنبي أن ~~ينال من الخمر شيئا، وألح ms53 عليه القوم فلج في الإباء، وطلبوا من عائشة أن ترجوه أن يشرب ~~فأبت، واصطف القوم حول خمر المغنية فأصلحت عودها وغنت بقول ابن رشدين: # قل لمولاي منعما # لم هجرت المتيما؟ # أنت أعطشتني إلي # ك وأبكيتني دما! # وكانت لؤلؤية الصوت، حلوة المذهب، فتملك الطرب القوم، وزادت النشوة في صخبهم، والمتنبي ~~هادئ مطرق، كأنه لا يشعر بما حوله. ثم طلب منها الجمع أن تغني بشعر لابن أبي الجوع فانطلقت ~~تغرد: # يا أطهر الناس روحا # وأطيب الناس راحا # هات اسقني أو تراني # لا أعرف الأقداحا # فماج القوم من الطرب، وقذف بعضهم بالعمائم، وقام سكران يلح على أبي الجوع في أن يشرب حتى ~~لا يعرف الأقداح ثم غمز ابن رشدين لخمر بعينه متجها نحو المتنبي فأخذت تصدح: # لبسن الوشي لا متجملات # ولكن كي يصن به الجمالا # وضفرن الغدائر لا لحسن # ولكن خفن في الشعر الضلالا # وكان القوم يتمايلون مع الأنغام، لجمال المعاني وحسن الإيقاع، والتفتت عائشة إلى المتنبي ~~وهمست: هذا غزل من القلب يا أبا الطيب، وليس تصوير فنان فحسب؛ لأني أحس فيه حرقة العاشق. ~~فالتفت إليها وقال: هذا شعر الشباب يا سيدتي، فضحكت في دهش وقالت: عجيب أن تدعي مفارقة ~~الشباب وأنت لا تزال في ربيع الشباب الزاهر. ~~- ولكن مطامعي تغري بي الشيب والهرم، فأسرعت تقول: دع مطامعك الآن لأننا لم نتبذل هذه ~~الليلة إلا لنذهب عنك الوحشة والهموم. ~~- جزاك الله خير الجزاء يا سيدتي، وبعد أن طال به المقام طلب الإذن بالانصراف، فقام الجمع ~~احتفاء به، وأمر ابن رشدين عبيده بالسير في ركابه، وخرج مشيعا بالإجلال. # وتفرق القوم، وانفض سامر اللهو، وصعدت عائشة إلى حجرتها؛ لتستريح بالمنام إذا ظفرت ~~بالمنام، ولكنها جلست في سريرها ذاهلة اللب، مروعة القلب، تتقاذفها الأوهام، وتعبث بها ~~الظنون، ما هذا الهجوم العنيف الذي غزا فؤادها دون أن تعد له العدة أو تأخذ الأهبة؟ لقد ~~كانت طول حياتها تعتز بأن قلبها حصن لا ينال، ونجم لا تمتد إليه أمنيات الخيال، وتفاخر ~~بأنها برئت من غرائز النساء التي تدفعهن ms54 إلى الاستجابة إلى إشارات الرجال الآثمة، وأعينهم ~~الخائنة. تلك الغرائز التي تبيع الجمال رخيصا، وتمزق الحياء كما يمزق البرق حجب الغمام. ~~كانت تخالط الرجال وتجالسهم في مجلس اللهو حينا، وفي مجالس الأدب أحيانا، وهي كأنها الملك ~~السماوي الطاهر، الذي خلقه الله من نور، وطهر قلبه من وساوس الإثم ودنس الشهوات. فكانت ~~العيون تغضي أمام جمالها إجلالا، والنفوس تسجد عند مشاهدتها خشية وخشوعا، ولم يخل مجلس من ~~تحدث إلا بطهارتها وعفافها، وصون جمالها البارع من أن تمتد إليه يد طامع، وكانت نساء ~~المدينة وبناتها - على رغم الحقد الذي يأكل قلوبهن - لا يملكن إلا أن يطأطئن لهذا الجمال ~~المترفع عن أن ينزل في سوق المساومات، أو تنهشه أعين الخاطبات، وكم حام الشبان حول قدسها ~~فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، وكم بذل أبو بكر بن صالح - أعظم رجل في الدولة بعد ابن الفرات ~~- من وسيلة، وكم ساق من رجاء، وكم تساقطت دموعه على قدميها، فلم يجد منها إلا الرفض ~~والجفاء. # طافت هذه الخواطر بعائشة وكانت تودع كل موكب من مواكبها بدمعة حزن وزفرة أنين، ثم عادت ~~تقول: ماذا جرى لعائشة النافرة الشموس؟ كيف ذلت لسلطان هذا الرجل؟ وكيف قذفت بكبريائها؛ ~~لتلاقي من كبريائه صخرا أصم، لا تزعزعه عواصف ~~الغرام. إنها فتحت له قلبها هذه الليلة فأغلق في وجهها كل باب، وبدا من جمالها ما يكفي ~~لإثارة أبي الهول، ولكنه ظل بجانبها جامدا كأنه كان ينظر إلى عجوز ورهاء، ويلي من الحب ~~ويلي! لقد صنته عن كل محب معمود يستعذب الموت في حبي؛ لأقذف به بين يدي شاعر لا يحس! رفضت ~~الجاه والمال والشباب والوسامة؛ لأبيع نفسي رخيصة مزجاة لرجل جواب أفاق جاوز الأربعين! ~~ثم من هذا الرجل؟ إنه ينظر إلي كما ينظر إلى لعبة لم يحكم صنعها، ويستمع لي كما يستمع ~~لبعوضة تطن، ويستدبر محراب حسني كافرا جحودا، لا يؤمن بجمال ولا تهزه عاطفة، ويلي من ~~الحب ويلي! ماذا يقول الناس؟ وبم تتحدث السوامر؟ سأكون سخرية المجامع، ومتندر المحافل، ~~وسيقول النساء إن عفافها كان ms55 رياء، وتبتلها كان مينا وزورا. ثم أطرقت طويلا ورفعت رأسها ~~كأنها أفاقت من حلم مزعج، وقالت: وما لي أهتم بحديث الرجال وثرثرة النساء؟ إنني أحببت رجلا ~~عظيما، وتعشقت فنا رفيعا، إنني نفرت من جمال المادة المظلمة، إلى جمال الروح الوضاءة. ~~إنني لا أحب العيون الدعج، ولا الحواجب الزج، ولا الثغر اللؤلؤي، ولا القوام السمهري، ~~ولكني أحب العبقرية المتلألئة، والنبوغ الفاتن، والرجولة الوثابة، والنفس الطموح. إن أحمد ~~بن الحسين رجل لا كالرجال، فليس بدعا أن يكون حبي له حبا لا يشبهه حب، ولا يماثله غرام، ~~وإذا كان قلبه اليوم لا يستجيب للحب فإن طول المعاشرة قمين بأن يلين قياده، ويروض صعبه، ~~حتى يصبح طيعا ذلولا. إن بعد الليلة سيكثر من زيارتنا، وسيجد من الأنس بنا ما يرسل نفسه ~~على سجيتها، ويطلق عواطفه المكبوتة، والزمان طبيب كل شيء في هذه الدنيا، وقاهر كل جبار، ~~حتى لو كان أبا الطيب المتنبي. ثم أغمضت عينيها فسبحت في عالم فسيح من الأحلام. # ومرت الأيام، وكان أبو الطيب يمر بين الحين والحين بدار ابن رشدين، ويجد من رقة عائشة ~~وأدبها وروعة جمالها ما يملأ قلبه سرورا، وجلس مرة إليها يسمعها قصيدته التي سينشدها ~~كافورا، فلما بلغ قوله: # كم زروة لك في الأعراب خافية # أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب # أزورهم وسواد الليل يشفع لي # وأنثني وبياض الصبح يغري بي # نظرت إليه وقالت: متى كانت هذه الزورة يا أبا الطيب؟ فالتفت إليها باسما وقال: هذه زورة ~~الخيال يا سيدتي. فإن رجلي لم تحملني مرة إلى فاحشة، فضحكت وقالت: صدق الله العظيم: # والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون # ثم انطلق يقرأ حتى إذا بلغ قوله: # ما أوجه الحضر المستحسنات به # كأوجه البدويات الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # صاحت عائشة فيما يشبه الهلع وقالت: انظر أبا الطيب، فهل ترى في وجهي تزيينا أو تطرية؟ ~~فأطرق قليلا، وكأنه ظن أن حديث الأدب سينحرف إلى غير وجهه، ms56 وقال: إن حسنك من صنع الله يا ~~سيدتي، وأرجو أن يصونه الله. ~~- إن هذا الحسن يهيم بحسن آخر لا يرى بالعين؟ ~~- يهيمن بحسن لا يرى بالعين؟ ~~- نعم يهيم بحسن الروح وجمال العبقرية. ~~- هذا خير أنواع الحب. ~~- ولكن صاحب هذه العبقرية نفور شامس لا يريد أن يلقي عنانا، فأطرق المتنبي ثانية وقال: ~~يا عائشة، إن قلبي نهبته المطامع، وتقسمته الآمال، وأخشى ألا يجد فيه الحب متسعا للهو ~~والمرح. ~~- إن حبنا حب قدسي ملائكي، ليس فيه إربة للهو والمرح. ~~- قد كنت دائما أذود عني طائر الحب خشية أن يصدني عما يعتلج في نفسي من مطامح، وحينما ~~رأيتك أول مرة التمع في قلبي بصيص من الهوى فأخمدته، وصاح صوت في أعماق نفسي فأسكته، ذلك ~~لأنني رجل وهب حياته للمجد، وألقى بنفسه بين شفار السيوف. # تغرب لا مستعظما غير نفسه # ولا قابلا إلا لخالقه حكما # ولا سالكا إلا فؤاد عجاجة # ولا واجدا إلا لمكرمة طعما # يقولون لي ما أنت في كل بلدة؟ # وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى! ~~- إني لا أحبك إلا لهذا ومثله. أحبك حبا عذريا قدسيا تنزه عن دنس الدنيا، وسما فوق ~~كل مأرب، فهل تعاهدني على هذا؟ ~~- أعاهدك يا سيدتي، إن مثل هذا الحب هو الذي طلبه أكثر الناس فلم يجدوه فزهدوا في الدنيا، ~~وزهدوا في الحياة، وإن مثل هذا الحب هو الذي ينفخ في المرء روحا علوية تدفع به إلى عظائم ~~الأمور، وتنير له طريق المجد، الآن أصبحت مصر لي جنة بعد أن كانت جحيما، والآن أجد ما ~~يعزيني في هذه النكبة الفادحة، التي قذفت بي إلى مصر لأمدح الأسود. # وبعد قليل خرج وعطفه يهتز، ووجهه يفيض بشرا، ولعله كان يقول: # يرد يدا عن ثوبها وهو قادر # ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد # | دسائس # مرت شهور والمتنبي ينعم بحبه، ويكثر من ازديار صاحبته، وشاع بين الناس أمر حب عائشة له، ~~وتحدث بذلك الأدباء في مجالسهم، ودهم الخبر أبا بكر بن صالح فصعق له، وغلى مرجل غيظه، وكان ~~ذلك حين ms57 دخل عليه ابن الفرات يوما وهو يقول باسما: لقد طار عصفورك من القفص يا أبا ~~بكر. ~~- ماذا تقصد يا جعفر؟ ~~- أقصد أن نسرا جارحا طار إلينا من الشام، ثم مازال يحوم حول العصفور حتى اختطفه، ~~وأنشب فيه مخالبه. ~~- أفصح بالله يا ابن الفرات. ~~- إن المتنبي سبى قلب عائشة، أو هي التي سبت قلبه، وقد علمت أنهما يتقابلان في دارهما كل ~~مساء؛ لرواية الشعر والتحدث في الأدب. ~~- ممن علمت هذا؟ ~~- من أهل مصر جميعا، فإن الأمر لم يعد سرا، وإن الصبيان في الأزقة يتغنون بهذا الحب، ~~ويلفقون له أغاني وأهازيج يترنمون بها. أفق يا أبا بكر فما يوم حليمة بسر. ~~- العابثة الماجنة! لقد قلت حينما ازدرت حبي، وسخرت من دموعي، إنها امرأة شاذة لا إربة ~~لها في الرجال، فكيف تهفو الآن إلى هذا الأفاق، وتبذل له أغلى كنوز مصر؟ ويل لهما ~~مني! ~~- رفقا بالفتاة يا أبا بكر، فإن قلوب النساء من قوارير، وصعب النساء إلى مياسرة، كما ~~يقول بشار الخبيث، وماذا تفعل أية فتاة حياة إغراء شاعر فتاك يمزق أفئدة النساء كما يمزق ~~رسالة طال عليها العهد؟ ~~- لابد من الانتقام من هذا الوغد اللئيم. ~~- وكيف ننتقم منه؟ ~~- الأمر في غاية اليسر، فإن في شعره الذي يتبجح بالإجادة فيه حبالا تكفي لخنقه. ~~- كيف؟ ~~- هذا ما ستعرفه يا ابن الفرات. أين مولانا الأستاذ الآن؟ ~~- في قاعة الحكم. ~~- هلم بنا إليه، وانطلقنا مسرعين وأبو بكر يتحرق غيظا، وابن الفرات يبتسم في شمامة، ~~لدنو ساعة انتقامه من المتنبي؛ لأنه تعاظم عليه، وتسامى عن مديحه، ودخلا على العبد فابتسم ~~لهما ابتسامة الأفعى. ثم قال: أهلا بالوزيرين! هل من حاجة؟ فانطلق أبو بكر يقول: هذا ~~المتنبي الشاعر يا مولانا أخشى أن يثير قدومه علينا شرا مستطيرا. ~~- وأين عيونك وجواسيسك؟ وأين أصحاب الأخبار الذين تباهي بأنهم يعلمون همسات الصدور، ~~وخلجات الخواطر؟ ~~- من هؤلاء يا مولانا علمت كل شيء. ~~- ماذا علمت؟ ~~- علمت أنه يتصل في السر بفاتك عدوك اللدود، وأن الرسل بينهما جائية ذاهبة، وأنه اجتمع ~~به منذ أيام ms58 في الصحراء بين مصر والفيوم، في جنح الليل البهيم، وأنه جرت بينهما محادثات، ~~وأخشى أن أقول مفاوضات. ~~- فاتك المجنون؟ ~~- نعم يا مولانا، هو فاتك نفسه الذي حاول أن ينازعك الملك والوصاية على ابن مولانا، ~~فنفيته إلى الفيوم. ~~- وفي أي شيء يفاوضه هذا الشاعر؟ ~~- يفاوضه في الملك. يفاوضه على أن الدولة ستكون بينهما بالسوية: لفاتك قيادة الجيوش، ~~ولهذا الأفاق حكم البلاد وسياستها. # وهنا اكفهر وجه كافور، وأخذته رعشة من الغضب حاول كبتها. ثم قال: وأين يذهب كافور؟ ~~- هذه يا مولانا أوهام لا يمكن أن تحقق، وإن سيوفنا وقلوبنا سور حول عرشك الكريم. ~~- هذا المتنبي لم يفتر منذ قدم علينا من مضايقتنا، والإلحاح علينا في أن نوليه ولاية، ~~كأنه جاء إلى مصر فاتحا لا شاعرا مستجديا. لقد أكرمنا وفادته، وأجزلنا له الصلات، ونثرنا ~~فوقه الذهب والفضة، ولكن شيئا من هذا لم يقنعه، ولم ينهنه من عزيمته، وإني أعرف هذا الصنف ~~من المخاطرين إنه - فيما يزعمون - ادعى النبوة، وهل يصعب عليه إذا نال ولاية أن يدعي ملك ~~مصر كلها؟! ~~- إن كل قصيدة له في مدح مولانا ليست إلا إلحاحا في طلب هذه الولاية، ولا يقصد اللئيم من ~~هذا إلا أن يصارح الناس بأن مولانا لا يستحق المدح، وأنه إنما دفع إلى مدحه ليتوصل إلى ~~مآربه. ثم إنه يتدرج في شعره مطالبا بهذه الولاية تدرجا خبيثا، وأعتقد أن مرماه البعيد ~~أن يجعل من هذه الولاية ذريعة لالتهام مصر. يقول أولا: # يأيها الملك الغاني بتسمية # في الشرق والغرب عن وصف وتقليب # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون محبا غير محبوب # ثم يلحف في قصيدة أخرى فيقول: # فإن نلت ما أملت منك فربما # شربت بماء يعجز الطير ورده # ووعدك فعل قبل وعد لأنه # نظير فعال الصادق القول وعده # إذا كنت في شك من السيف فابله # فإما تنفيه وإما تعده # وما الصارم الهندي إلا كغيره # إذا لم يفارقه النجاد وغمده # ثم تدفعه العجلة وتزجه المطامع إلى أن يقول في قصيدة أخرى: # ولو كنت أدري كم ms59 حياتي قسمتها # وصيرت ثلثيها انتظارك فاعلم # ولكن ما يمضي من العمر فائت # فجد لي بحظ البادر المتغنم # وقد بلغ القمة في الإلحاح وسوء الأدب في حق مولانا في قصيدة عيد الفطر حين يقول: # أبا المسك هل في الكأس فضل أناله # فإني أغني منذ حين وتشرب؟ # وهبت على مقدار كفي زماننا # ونفسي على مقدار كفيك تطلب # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية # فجودك يكسوني وشغلك يسلب # فالتفت كافور إلى ابن الفرات، وقال: ما رأيك في هذا الشعر؟ ~~- هذا شعر لا يسمعه سامع إلا اعتقد أن مولانا بخيل على شعرائه وقصاده، وأن شاعره في غاية ~~الجرأة عليه، والاستهانة بمكانته. ~~- إنه رجل قليل الأدب. ~~- ثم إني أعتقد يا مولانا أن هذا الرجل يلبس بيننا غير ثوبه، وأنه جاسوس أرسله إلينا ابن ~~حمدان؛ ليطلع على أسرار دولتنا، وينقل إليه مواطن الضعف فيها، وابن حمدان لا ينسى هزيمتكم ~~له في دمشق، وهو - وقد أكل قلبه الحقد - يريد أن يثأر لنفسه، وان يمهد لجيشه سبيلا لفتح ~~مصر. ~~- ذلك أبعد إليه من نجوم السماء. ~~- من غير شك، ولكن ما معنى أن يدعي هذا الشاعر أنه غاضب سيف الدولة، وناصبه العداء، ~~وفر من حلب تحت أستار الليل، ثم لا يكاد ينشد قصيدة أمام مولانا إلا وفيها حنين لسيف ~~الدولة، وأسف على فراقه. إن هذا في رأيي بدوات طفرت من الشاعر بعد أن بالغ في كتمانها فظهرت ~~على الرغم منه في فلتات لسانه. ففي أول قصيدة أنشدها أمام مولانا ترك مصر وصاحبها، واتجه ~~بتشوقه وهيامه إلى حلب وصاحبها. ثم جرى بعد ذلك في شعره على هذا النسق فهو يقول: # فراق ومن فارقت غير مذمم # وأم ومن يممت خير ميمم # رحلت فكم باك بأجفان شادن # علي وكم باك بأجفان ضيغم # وما ربة القرط المليح مكانه # بأجزع من رب الحسام المصمم # فلو كان ما بي من حبيب مقنع # عذرت، ولكن من حبيب معمم # رمى واتقى رميي، ومن دون ما اتقى # هوى كاسر كفي وقوسي وأسهمي # ثم يرمي بآخر قناع فيقول ms60 وكأنه يخاطب ابن حمدان: # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب # وأعجب من ذا الهجر الوصل أعجب # أما تغلط الأيام في بأن أرى # بغيضا تنائي، أو حبيبا تقرب؟ # عشية أحفى الناس بي من جفوته # وأهدى الطريقين التي أتجنب # أتعرف يا مولانا من أحفى الناس به؟ هو ابن حمدان، وهل يعرف مولانا أهدى طريقيه التي ~~يتجنبها؟ هي طريق حلب. ~~- ويل للمرائي الفاجر؟ لقد كنت أظن أن الإنسان عبد الإحسان، ولكن يظهر أن من الناس من ~~تطغيهم النعمة، وتبطرهم المودة، وكل هذا الشعر لا يساوي عندي هذه الذبابة الحائرة فوق زجاج ~~النافذة، فإني لا آبه له، ولكن الذي يهمني حقا تلك المؤامرة التي ينسج خيوطها مع فاتك. خذ ~~حذرك يا أبا بكر، وابعث جواسيسك حول الفيوم، وفي حواشي الصحراء، واجعل على كل عابر عينا ~~حتى لا يمر طائر بين البلدين إلا عرفته. أما أنا فسأظهر للشاعر كأنني لا أعلم شيئا، ~~وسأبالغ في إكرامه حتى تهدأ نفسه ويطمئن، فإننا نخشى أن يفلت من أيدينا، ومن الحكمة أن ~~نعتقله من حيث لا يشعر، وأن نجعل له قيودا من الذهب لا من الحديد. إنه لو فر منا كما فر ~~من ابن حمدان الأحمق؛ لملأ الأرض بهجائنا، ولأصبح اسم كافور سبة الأبد، وأضحوكة الأجيال. ~~ابسط له وجهك يا ابن الفرات، وانثر الحب لطائرك حتى يقع في الفخ. # وما كاد يتم عبارته حتى دخل الحاجب يقول: إن المتنبي يطلب مقابلة مولانا. فالتفت كافور ~~إلى وزيريه وهو يغمز بعينه في ابتسامة ماكرة، وقال. دعه يدخل. # دخل المتنبي فقابله كافور ووزيراه بحفاوة، فلما اطمأن به مجلسه قال: لقد بعث إلي أبو ~~شجاح فاتك يا مولانا منذ قدمت مصر برسائل محبة وترحيب، ثم والى علي من هباته وصلاته ما ~~أثقل ظهري، وأوهن كاهلي، حين رأيت أن ترك مديح مثله لؤم لا يليق بمثلي. لهذا جئت يا مولانا ~~أستأذنك في مديحه وأداء هذا الدين، الذي أصبحت لا أستطيع احتماله. فهل يأذن مولانا لشاعره ~~بأن يشدو بمديح أحد رجاله المخلصين؟ # فالتفت كافور إلى ابن ms61 الفرات، وغمز بعينه بحيث لا يرى، وقال: ما عليك من بأس يا أبا ~~الطيب. فإنه يسرني أن يستحق أحد قوادي مديح مثلك. قل فيه يا أبا الطيب ما تشاء، وأجد ما ~~طاولتك الإجادة. # ثم اتجه إلى ابن الفرات، وقال: لقد جاءتني اليوم رسالة من أهل صيداء يشكون فيها من ~~واليهم، ويعددون مظالمه، وأخشى أن يكونوا في شكايتهم صادقين؛ فقد سمعت من قبل كلاما كثيرا ~~يدور حول هذا الوالي، وأنه يعبث بالحقوق ويأخذ الرشا. أسمعت بشيء من ذلك يا جعفر؟ ~~- نعم يا مولانا، وقد حاولنا إصلاحه بالنصيحة والصبر، فكاد يفسد علينا أمرنا بالتمادي في ~~ظلمه، وهنا التفت كافور إلى المتنبي وقال: ما رأيك في ولاية صيداء؟ إنها ولاية واسعة وافرة ~~الخيرات. # فكاد المتنبي يطير من فوق كرسيه فرحا، ووقف خاضع الرأس أمام كافور كأنه الراهب في ~~محرابه، وطفق يقول: إنني سأكون أعدل وال لها، وأوفى وال لك يا مولانا. # فابتسم كافور وقال: سننظر في الأمر يا أبا الطيب، والأمور مرهونة بأوقاتها، وسيكون كل شيء ~~خيرا إن شاء الله. # وانصرف المتنبي وهو يكاد يخرق الأرض بقدميه تيها وكبرا، ويملأ الفضاء بصدره المنتفخ ~~زهوا وعجبا. إن هذا النخيل التي يداعبها الهواء في طريقه إنما تميل نشوى للنبأ العظيم! ~~وقمم المقطم المطلة عليه إنما تمد آذانها؛ لتتلقف الخبر الخطير! والأهرام ما صمدت لعوادي ~~الزمان طيلة هذه القرون إلا انتظارا لذلك المجد الباذخ! والنيل لم تتهامس أمواجه إلا ~~بأنباء هذا الحادث الجلل!! إنه قدم مصر لأجل هذا، وتدلى إلى مدح الأسود لأجل هذا، ولاقى ~~صنوف الاضطهاد من عظماء مصر وعلمائها لأجل هذا، ولا شك أن العزة لا تنال إلا بشيء من الذل، ~~والعظمة لا تقتنص إلا بخضوع النفس. لقد كان مصيبا حقا حينما هجر سيف الدولة وقصد كافور، ~~ولطالما ظن أنه ضل السبيل، وتنكب الصواب، وأنه باع نفسه للأبالسة، وأن الأسود إنما احتال ~~لاجتذابه إليه ليجرد سيف الدولة من أمضى سلاح هو سلاح الشعر، الذي تعتز به الدول، ثم ~~ليحتبسه في مصر شاعرا ذليلا مأجورا. ms62 لطالما ظن هذا، ولطالما عنف نفسه، ولطالما جلس في ~~فراشه في الليل البهيم وهو يقلب كفيه أسفا، ويرسل أنفاسه حسرات تلو حسرات، ولطالما ~~صور له الخيال أن الأسود يعبث به ويمنيه الأماني كذبا وزورا، وأنه يشد رقبته بخيط من ~~الوهم، ويرقصه في مجلسه على أنغام آمال هي أبعد من مناط الثريا، وأكذب من هذيان الأحلام. ~~لقد ظلم العبد. لقد كان العبد مظلوما حقا. إنه رجل وفي صادق أمين. إنه كان يطاوله ~~ليختبره ويبلوه، والولايات شأنهن عظيم، ولا تكفي أشهر لاختيار من يصلحون لها. فالآن وقد درس ~~نفسي، وألم بنواحي عظمتي، أخذ يعلن ما أخفى، ويجهر بما كتم. ثم وقف المتنبي عن حديث نفسه ~~ومال برأسه قليلا، شأن المفكر في أمر مفاجئ، وقال: ولكن ماذا سيكون أمري مع فاتك الذي ~~عاهدته في الصحراء على أن أكون له عونا في انتزاع الملك من كافور برأيي وسيفي وشعري، ~~ووعدني بأخصب ولايات مصر وأدرها خيرا؟ في الحق إني تعجلت المفاوضة مع فاتك، وكان من الحزم ~~أن أصبر قليلا حتى أيأس تمام اليأس من كافور، ولكن ما لي أبيع حاضرا بغائب؟ وما لي أطلق ~~أملا في يدي لأنتظر أملا حائما؟ وما لي أضيع حقيقة واقعة بوعد موهوم؟ لا لا إني سأخلص ~~لكافور، وسأكون أوفى خلصائه وأصدق أمرائه. # وبينما هو في الطريق إذ التقى بصديقه عبد العزيز الخزاعي، فحياه تحية المحب المشوق، ثم ~~سأله: من أين؟ وإلى أين؟ ~~- قدمت بالأمس من بلبيس لزيارتك، وعرض لي أن أزور في الصباح شيخ الشافعية عبد الله الناصح ~~بالجامع العتيق، وقد كنت الآن قاصدا إلى دارك. ~~- وماذا رأيت في الجامع العتيق؟ ~~- يا أبا الطيب، يجب أن تتقي علماء هذا الجامع، ويجب أن تتقي منهم خاصة هذا العالم ~~الموسوس أبا بكر الكندي الذي يلقبونه بسيبويه. ~~- وماذا أعمل له؟ ~~- تخفض جناحك، وتنهنه من كبريائك قليلا. إن مصر يا أبا الطيب ليست كحلب. إنها عش ~~العربية، وموطن العلم والأدب. فإذا كنت في حلب قد أرسلت أشعارك على فطرتها جريئا غير ~~هياب ، ففكر هنا ms63 ألف مرة في كل بيت تقوله. ~~- ماذا تريد بهذا يا ابن يوسف؟ ~~- أريد يا سيدي أن أكون لك ناصحا، وإن غلظ عليك نصحي، وأريد أن أقول: إنني حينما دخلت ~~الجامع في هذا الصباح، رأيت حلقة من الطلاب غاصة بمن فيها حاشدة، وقد توسطها أبو بكر الكندي ~~وهو يصبح: اسمعوا يا أهل الفهم والمعرفة ما يقوله شاعرنا الجديد! اسمعوا ما ابتكره في فن ~~المديح هذا المتنبي الكاذب! إنه لا محيد له عن إحدى خلتين: إما أنه يسخر من عقول أدباء هذا ~~البلد، ويرى أنهم أغبى من أن يدركوا ما يقول، وإما أنه سخيف أبله لا يعرف مرامي الكلام، ~~وهنا ضج المجتمعون صائحين: قل أبا بكر ولا تطل علينا. أسرع يا صاحب الحمار. هات ما عندك. ~~فعاد يقول: يمدح هذا المتنبي مولانا بقوله: # وما طربي لما رأيتك بدعة # لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب # أرأيتم شاعرا منذ أن قال امرؤ القيس: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» قال لممدوحه: إنني لم ~~أعجب لطربي عند رؤيتك أيها الأمير؛ لأنني كنت أؤمل أني سأملأ الدنيا ضحكا حين أراك. إن ~~المتنبي أيها الطلاب قدم إلى مصر؛ ليفرج عن نفسه برؤية أميرنا المضحك! إنه - جزاه الله بما ~~يستحق - جعل من أميرنا قردا يتزاحم الناس عليه؛ ليروا ألاعيبه فيطربوا ويضحكوا، وهنا أغرق ~~القوم في الضحك والجلبة، وارتفع صوت خبيث منهم يصيح: إن الأمير لا يفهم هذا الكلام الموجه ~~وعلى علمائنا أن يفهموه، حتى ينال هذا الرجل ما يستحق، وما كاد يسكت حتى مد أبو بكر ~~ذراعيه طالبا السكوت؟ وقال: ثم من علم هذا الشاعر العربية حين يقول: «لقد كنت أرجو أن ~~أراك فأطرب؟». # فيرفع الفعل «أطرب» وهو منصوب لا مناص؛ لأنك إذا جعلت الفاء عاطفة وجب نفسه بالعطف، على ~~أراك، وإن جعلتها للسبب وجب نصبه بأن مضمرة. فكيف ساغ لهذا الرجل رفعه؟ فصاح طالب: قد يكون ~~الفعل معطوفا على «أرجو» وهو مرفوع، وهنا قهقه الشيخ حتى سقطت عمامته، وأجاب: هذه حيلة ~~العاجز يا ولدي؛ لأن الطرب مترتب ms64 على الرؤية لا على الرجاء. # ولم أطق يا أبا الطيب، أن أصبر على استماع أكثر من هذا، فأسرعت بالخروج من هذا المسجد. ~~تدبر أيها الأخ في أمر تسكت به هذا المجنون. فإن الناس ينقلون أخباره ونوادره، وإذا وصلت ~~هذه الأخبار إلى القصر ساءت العقبى. # كان عبد العزيز يحادث المتنبي، وهو سابح في بحر من الفكر عميق، وقد اصفر لونه، واختلجت ~~عضلات وجهه؛ لأنه في الحق كان يخشى أن يفسد عليه هؤلاء السفهاء أمره مع كافور، بعد أن بلغ ~~لديه منزلة الرضا، وأصبحت الولاية منه قاب قوسين، ثم اتجه إلى عبد العزيز وقال: سيكون لي مع ~~هؤلاء شأن آخر، وربما أسكتهم عني بعد أيام سكوتي عن قول الشعر جملة واحدة. ~~- كيف؟ فابتسم، وقال: ستعلم ذلك قريبا يا ابن يوسف، هلم بنا إلى دار ابن رشدين، وانطلقا ~~حتى بلغا الدار فلقيا بها صالحا والشريف إبراهيم العلوي، وأقبلت عائشة مسرعة وكأنها البدر ~~المشرق زحزحت عنه حجب الغمام، وكان المتنبي على غير عادته باش الوجه، منبسط النفس. فابتدره ~~الشريف سائلا: أين كنت هذا الصباح يا أبا الطيب؟ ~~- كنت عند كافور أستأذنه في مدح فاتك. فأطرق الشريف طويلا، ثم قال: لقد تعجلت في هذا يا ~~أبا الطيب، إن كافورا لا يبغض في مصر إلا رجلين: ابن سيده وفاتكا، وقد نهى أن يذكر أحد في ~~قصره اسم فاتك إلا أن يأتيه البشير بموته، وحينئذ يسوغ للبشير أن يقول له: مات فاتك. فكيف ~~بحقك قذفت بنفسك في هذه الهوة، وألقيت بها في هذا المأزق؟ وبم أجابك؟ # فبهت المتنبي وتلعثم، وقال: أذن لي بمدحه. ~~- وهذه هي الطامة الكبرى، وهذا هو الشر المستطير، والبرق الذي يسبق الرعد، والسكون ~~المخيف الذي يتقدم العاصفة. إن الهر الخبيث يداعب الفأر قبل أن يثب، والثعبان المكار يهز ~~رأسه لفريسته قبل أن ينقض عليها. فأسرعت عائشة في وجل وهي تصيح: ماذا تقول يا سيدي؟ ~~- إن الرائد لا يكذب أهله يا عائشة، ولقد علمت من دهاء هذا العبد وحيله ما فيه العجب ~~العجاب . ~~- كيف بالله؟ ms65 ~~- لقد عودنا هذا الكافور أنه لا يضحك إلا إذا نوى الغدر، وعهدناه لا يلقي لصيده الحبل ~~طويلا إلا ليرتكس فيه، وهنا وثب المتنبي واقفا وهو يقول: لقد بالغت في سوء الظن بكافور يا ~~سيدي: إنه وعدني اليوم بولاية صيداء. فأسرع عبد العزيز سائلا: بعد أن استأذنته في مدح ~~فاتك؟! ~~- نعم. فقال الشريف: هذا يؤيد رأيي، ويحقق في الأسود سوء ظني، وكيف جاء ذكر هذه ~~الولاية؟ # قال كافور: إنه وصلت إليه رسالة من أهل صيداء يشكون فيها من واليهم، ويصفونه بكل ما يشين، ~~وأيد ابن الفرات شكواهم، وأنه نصح لهذا الوالي كثيرا فلم يرعو عن غوايته، وحينئذ التفت ~~إلي كافور باسما، وسألني عما أرى في ولاية صيداء، فقبلت وشكرت. ~~- هل أسند الولاية إليك بالفعل؟ ~~- كأنه أسندها إلي لأنه قال إنه سينظر في الأمر، وإن الأمور مرهونة بأوقاتها: فغمغم ~~الشريف في ألم وحسرة وقال: كل هذا كذب من الأسود وخداع. فلا ظلم الوالي أهل صيداء، ولا شكا ~~أهلها من واليهم، ولا عزم كافور على عزل الوالي وتوليتك مكانه، ولكنه ماهر في ابتكار الكذب ~~وارتجال الأخاديع، ولو كنت لا أعرف هذا الوالي؛ لعلمت من أسلوب العبد في تناوله هذه الأمور ~~أنه كاذب مائن، أما وأنا به جد عليم، وأعرف من أخلاقه وسيرته ما يرفعه إلى مرتبة العمرين، ~~فلا يخالجني شك في أن الرجل خدعك بهذه الأخلوقة، والله وحده يعلم ما وراءها من كيد ومحال، ~~وأكبر الظن أن بعض أعدائك دس لك عنده؛ لأن هذه المجاملة، وهذه الموادعة، لا تفسر عندي إلا ~~بهذا. فخذ حذرك يا أبا الطيب، وكن معه كملاعب النمر، يقرب منه والخنجر لا يفارق يمينه. أما ~~الولاية وأشباهها فأضفها إلى خيال الشعراء، فإن الرجل في هذه الناحية أمهر شاعر، وهنا تململ ~~المتنبي، وقال حانقا: إن بيني وبينه أيام إن لم يف بوعده فيها عرفت أنه كاذب أفاك، وفي ~~شعري علاج ناجع لأمثال هؤلاء. ~~- احترس أبا الطيب، وقدر لرجلك قبل الخطو موضعها، فإن الصل المصري لا تنفع في لدغته ~~الرقية ، ولا يجدي ms66 الدواء، وجامل الرجل حتى تجد من يديه مخلصا. # بدا الغم والحزن على وجه المتنبي ووجوه أصحابه، وتنهدت عائشة وقالت في صوت خافت: لعل شدة ~~خوف الشريف على سلامتك يا أبا الطيب هي التي دفعته إلى أن يصور لك الخطب جسيما، والأمر ~~عظيما، فانضح عنك الخوف، فقد يكون الوهم قد لعب بنا فخيل إلينا أن الهر أسد ضرغام. فأسرع ~~الشريف قائلا: لا يا سيدتي عائشة، إن الأسود ماكر محتال بعيد الوثبة، فمن الخير لنا ولأبي ~~الطيب أن نكشف له الطريق. ثم خاض القوم في حديث آخر، والمتنبي ذاهل في مهامه من الفكر، كلما ~~خرج من فلاة تلاقفته أخرى، ثم استأذن في الانصراف، فخرج ومعه عبد العزيز الغزاعي. حتى إذا ~~بلغا الدار أخذ المتنبي في خلع ثيابه وهو يسأل عبد العزيز: ما رأيك في حديث الشريف؟ ~~- أكبر الظن أنه يقول الحق. ~~- أخشى أن يكون قد طوح الخيال به قليلا. ~~- إذا كان في حديثه بعض التهويل فإني أعتقد أنه لم يعد الحق. ~~- بيننا وبين الأسود أيام إن لم ينجز فيها وعده فويل له مني في التيقظ والمنام! ثم أخذا ~~في فنون شتى من الحديث، حتى إذا حانت ساعة النوم انصرف كل إلى سريره. # ومرت أيام، ومر شهر وأكثر من شهر، وكافور لم ينجز وعده ولم يشر إليه، وتحقق المتنبي من أن ~~الرجل خدعه، وأن الشريف كان صادقا حين وصم الأسود بكل نكراء، ونظر أبو الطيب فرأى ما بناه ~~من الآمال ركاما، وما صوره من المجد أحلاما، وأن الطائر الذهبي الذي طالما ناغاه فر من ~~بين يديه في الهواء، وذهب إلى آفاق غير هذه الآفاق، ولم يعد يشك في أن العبد أغراه بالقدوم ~~إلى مصر؛ ليحتبسه بمصر، وليجعل منه شاعرا مأجورا، يسبح بحمده في البكرة والعشي، في ~~سبيل لقيمات يقذفها إليه في الصباح والمساء. ألا خسئ الأسود، وخسئ اليوم الأسود الذي شددت ~~فيه رحالي إليه! # أيملك الملك والأسياف ظامئة # والطير جائعة لحم على وضم # من لو رآني ماء مات من ظمأ # ولو عرضت له ms67 في النوم لم ينم # | خيبة # أفاق المتنبي من أوهامه، وتيقظ من أحلامه، وعلم أنه أخطأ حين ظن أن الناس يرون فيه ما يرى ~~في نفسه، وأنهم يقدرون منزلته كما يقدرها. أفاق وقد ذهبت أمانيه بددا، وحالت مطامعه رمادا ~~تذروه الرياح، فلم يبق إلا أن يعلق آماله بفاتك، وأن يتجنب الأسود ويعود إلى ما عوده من ~~كبر وأنفة. # أنشأ أبو الطيب قصيدة رائعة في مدح فاتك تلقفها الناس، وسارت بها الرواة، وفهم منها ~~الأدباء أنه يعرض بكافور، ويسخر من وعوده حين يقول: # واجز الأمير الذي نعماه فاجئة # بغير وعد ونعمى الناس أقوال # فربما جزت الإحسان موليه # خريدة من عذارى الحي مكسال # ودخل أبو بكر بن صالح على كافور وقال: إن الناس لا شغل لهم منذ شهر إلا إنشاد قصيدة ~~المتنبي في فاتك، والترنم بأبياتها، وأخشى يا مولانا أن يترك هذا الشعر أثرا في نفوسهم، ~~فقد خلع عليه الخبيث كل صفات النجدة والكرم، ولم يبق للأمير منها شيئا، وقد نفى أن يكون ~~له في المملكة مثيل أو نديد حين قال: # لا يدرك المجد إلا سيد فطن # لما يشق على السادات فعال # كفاتك ودخول الكاف منقصة # كالشمس قلت وما للشمس أمثال # فزفر كافور وقال: هذا الشاعر كاد يضيق به صدري، وكلما أرخيت له العنان زاد عربدة ~~وجنونا. دعه الآن يا ابن صالح فإن يومه لم يأت بعد. خبرني، ألا يزال يذكر الولايات، ~~ويتغزل في الإمارات؟ ~~- لا يا مولانا، إنه عدل عن هذا، وعلم أن الله حق. فقهقه كافور، وقال: إني أجازي خيال ~~هؤلاء الشعراء بخيال مثله. راقبه يا أبا بكر. فإني أخشى أن ينتهي أمره إلى شر غاية، ~~وبينما هما في الحديث؛ إذ ثارت جلبة في القصر، وتعالت أصوات الهتاف، ودخل الحاجب وهو يقول: ~~إن شبيبا العقيلي مات بدمشق يا مولانا! فوقف كافور اهتماما بالخبر، ورفع يديه إلى السماء ~~في تعبد وخشية، وهو يتمتم: الحمد لله! الحمد لله! اللهم إني عبدك المسكين، فانصر عبدك على ~~أعدائه الأقوياء. ثم مال إلى أبي بكر وهمس ms68 في أذنه: لقد شرب السم إذا. الحمد لله! الحمد ~~لله! ~~- من الذي بعثته إليه بالسم؟ ~~- بعثت إليه الحارث التميمي، وهو شاب مجازف، وقد وعدته بخمسمائة دينار. ~~- إنه يستحق. كيف توصل هذا الشاب إلى هذا الأسد الهصور يا ترى؟ وكيف استطاع أن يدس له ~~السم؟ ~~- لقد أخبرني قبل رحيله. بما اعتزم فعله، فقد كان ينوي أن ينضم إلى جيش شبيب، ويظهر من ~~الحماسة في الحرب ما يقربه إلى قلب العقيلي، حتى إذا وثق من منزلته عنده، وسنحت له الفرصة، ~~مزج له السم في الطعام. ~~- هذا توفيق من الله. فكم من دماء حقنتها هذه القطرات القليلة من السم! وكم من أرواح ~~أنقذتها! ونفوس ردت إليها هدوءها وسكينتها! لقد كان العقيلي شجاعا يا ابن صالح. ~~- أما وقد مات، فقد كان رجلا لم تلد الأمهات مثله في الشجاعة والبطولة والكرم، ولقد كدنا ~~نعيا بأمره؛ لأننا كلما أرسلنا إليه جيشا هزمه وفرق جموعه، حتى حاصر دمشق ودخلها دون أن ~~يستطيع أحد أن يقف في طريقه، ولولا تلك الحيلة التي ابتكرها مولانا لذهبت منا الشام، وربما ~~ذهبت بعدها ولايات أخرى. ~~- إنه خارج علينا يا أبا بكر. لقد وليناه أول الأمر عمان والبلقاء، فلم يكتف بهما، ولم ~~تقف به مطامعه عند حد، فاستهان بقوتنا، وأدل علينا بكثرة خيله ورجله. ثم ابتسم، كما يفغر ~~الثعبان فاه، وقال: إن الله جنودا لم تروها، منها السم الزعاف. # سرت البشرى في أنحاء المدينة، وعين يوم في القصر ~~للاحتفاء بهذا النصر المبين، وجاء هذا اليوم فتوافد على القصر الوزراء والعلماء والقواد ~~والأدباء وسراة المدينة، وأعد المتنبي قصيدة؛ لينشدها في هذا الجمع الحاشد، ~~وكان حاقدا على كافور، بعد أن حطم آماله، وقطع ~~أوتاره، فجاءت القصيدة ثورة محموم، وتنفس غيظ مكظوم، وكان أولها: # عدوك مذموم بكل لسان # ولو كان من أعدائك القمران # ولما أنشدها وانفض الجمع، قابله ابن رشدين وهو ~~يقول: الشعر بديع يا أبا الطيب، ولكني في الحق لم أدر، وأنت تنشدها أكنت ترثي شبيبا أم ~~تمدح كافورا؟ ~~- كنت أرثي شبيبا ، وأعتقد أن ms69 هؤلاء الأوغاد غدروا به، ودسوا له السم. ~~- وأنا أعتقد كما تعتقد، ولكني إذا طلب إلي كافور أن أقول قصيدة في ظفره بعدوه لا أقول ~~ما قلت. ~~- وماذا كنت تقول؟ ~~- كنت آتي بأعذب الشعر وأكذبه. ثم جذب منه الورقة، وقال اسمع: # برغم شبيب فارق السيف كفه # وكانا على العلات يصطحبان # كأن رقاب الناس قالت لسيفه # رفيقك قيسي وأنت يماني # فإن يك إنسانا مضى لسبيله # فإن المنايا غاية الحيوان # وما كان إلا النار في كل موضع # تثير غبارا في مكان دخان # فنال حياة يشتهيها عدوه # وموتا يشهي الموت كل جبان # نفى وقع أطراف الرماح برمحه # ولم يخش وقع النجم والدبران # وقد قتل الأقران حتى قتلته # بأضعف قرم في أذل مكان # أتته المنايا في طريق خفية # على كل سمع حوله وعيان # ولو سلكت طرق السلاح لردها # بطول يمين واتساع جنان # هذا أبدع رثاء لشبيب، وهذه أكبر تهمة لكافور باغتياله. أين يذهب بك يا أبا الطيب؟ ~~أجننت؟ ~~- إن عيبي عندكم أنني أقول ما في نفسي ولا أتملق تملق الإماء. ~~- قل ما في نفسك لي وللكثير من أصدقائك، ولكن لا تقله في حشد من النقاد ينتظرون الفرصة ~~للإيقاع بك. لقد نصحك الشريف فلم تنصت لنصحه. ~~- إن شعري لا يطاوعني على الكذب الصراح، يا ابن رشدين. ~~- غير من خلقك قليلا حتى تصرف عنك عين كافور. ~~- أنا لا أبالي بكافور، ولا آبه لجبان يقتل الناس بالسم، وسأصون شعري عن هذا الأحمق حتى ~~يصدق في وعده، أو يأذن الله برحيلي عنه. فجذبه ابن رشدين من يده، وقال: هلم بنا إلى الدار، ~~وانطلق الاثنان صوب دار ابن رشدين فلاقتهما عائشة مرحة ضحوكا، وهي تقول: لا أشك في أنك ~~أبدعت اليوم يا أبا الطيب؛ لأنك تعود اليوم إلى فنك الذي امتزت فيه، وهو وصف الوقائع وتمجيد ~~الظافرين، وقد عشت بيننا عيشة هادئة ليس فيها إلا سلم دائم، واستقرار هنيء، وهذا الجو لم ~~يخلق له شعرك الذي لا يجلجل إلا في قتام الحروب، وصليل السيوف، وكلما قرأت شعرك في وقائع ~~سيف ms70 الدولة أسفت لأنك فارقته، ولكني لا ألبث أن أعود إلى الأثرة فأستهين بالشعر كله في جانب ~~الظفر بمودتك. ليس عندنا هنا روم يغيرون على تخومنا، وليس عندنا قبائل متناكرة يخلعون طاعة ~~الأمير كلما صاح بهم صائح. فنحن نعيش في جنة عالية، قطوفها دانية، لا تسمع فيها لاغية، وقد ~~جبلنا على السمع والطاعة لأمرائنا، واجتمعت كلمتنا على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ ~~لذلك كنت أفكر في شأنك يا أبا الطيب آسفة معتقدة أنك لم تخلق لهذا السكون الشامل، والأمن ~~الوارف، وأتخيل أنك ولدت في ليلة عاصفة كثيرة الأنواء والأعاصير، كان الرعد فيها يصدع أقطار ~~السماء، والصواعق تنقض كأنها رؤوس الشياطين! لقد صدئ سيفك في غمده هنا يا أبا الطيب، ومل ~~جوادك من طول الوقوف. إن مثلك لم يخلق ليجلس في شمس الشتاء، أو يقضي أصيل يوم الصيف في زورق ~~يقذف به نسيم النيل الواني من مصر إلى حلوان، وإنما خلقت للصراع والصدام، وأن تدخل من قتام ~~في قتام؛ لهذا حين علمت أنك ستنشد اليوم قصيدة في تهنئة كافور بالظفر بشبيب، قلت في نفسي ~~لقد جاء أوان صاحبي، وستسمع مصر اليوم شعرا جمعت تفاعليه من أسنة الرماح وشفار السيوف. ~~فماذا قلت يا فارس الهيجاء؟ ~~- قلت يا سيدتي قصيدة كان كل ذنبي فيها في رأي أخيك أنني كنت صادقا. ~~- ما عليك من أخي. هات القصيدة. ثم جذبت الورقة من يده، وأخذت تقرأ، فلما أتمت قراءتها ~~صاحت: إني لأجد ريح يوسف، وإني لأرى في هذا الشعر صاحبي القديم وهو يعود ثانية إلى عترته، ~~فيصف الحرب ومواقع القتال، ولن يستطيع شاعر من شعراء الإنس والجن أن يصور قدرة ملك كما ~~يصورها هذا البيت: # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه # لعوقه شيء عن الدوران ~~- ماذا تقول في هذه القصيدة يا صالح؟ ~~- أقول: إنها ملأى ببدائع الفن، ولكنها فارغة من السياسة. فقهقهت عائشة طويلا وقالت: أنت ~~يا صالح منذ لحقت بديوان الرسائل وأنت تخشى من كل شيء، وتتهم كل شيء. قاتل الله المناصب، ~~فكم أذلت أعناقا، ms71 وأخرست أفواها. ليس في القصيدة شيء إلا أن يخرج بها المتعنتون إلى غير ~~مخرجها، إن فيها مديحا رائعا لكافور لم يظفر الرشيد والمأمون بمثله. فماذا فيها يا صالح ~~مما تراه خارجا عن سياج السياسة؟ ~~- فيها يا أديبتي البارعة أبيات إلى الذم أقرب منها إلى المديح، ولا يعلم إلا الله ما ~~تكون العاقبة لو تطفل خبيث ففسر لكافور معنى هذا البيت: # ولله سر في علاك وإنما # كلام العدا ضرب من الهذيان # ثم إن فيها عشرة أبيات كلها ثناء وبكاء على شبيب، وليس فيها من الإشارة إلى الانتصار شيء. ~~لقد حادثت أبا الطيب في هذا وحذرته من الانسياق وراء سوء عقيدته في كافور. فإن الرجل غادر ~~ماكر، ونخشى أن يثب وثبة مفاجئة، وأبو الطيب أعز علينا من أنفسنا، فليس من الوفاء له أن ~~نتركه يقذف بنفسه في هذه الفتن الهوج، وأن يسقط فيما ينصب له من فخاخ، وهنا ظهر الحزن على ~~وجه عائشة وقالت: صدقت يا أخي، إن الناس جميعا يداجون، ولا يظفر بحاجاته منهم إلا أبرعهم ~~في المداجاة، ثم نظرت إلى أبي الطيب وقالت: إننا نعيش في جو كله سموم، حتى إن سمومنا جاوزت ~~مصر ووصلت إلى قدح السويق الذي شربه شبيب بدمشق. إنك لا تستطيع أن تصاول الأسود في ميدان؛ ~~لأنه يحارب بأسلحة لا تعرف منها سلاحا، والخروج اليوم من مملكته محال؛ لأنه لو أراد لجعل ~~لك من مصر كلها قفصا قضبانه من الحديد. فلم يبق إلا أن تجاهل الرجل وتصانعه حتى يقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. فزفر المتنبي طويلا وقال: هذا حكم القدر الساخر، وإذا رأيتما أن لابد ~~من مصانعة الأسود، فلابد، مما ليس منه بد، ولكن ماذا أفعل لأتقي شر هذا الخبيث؟ ~~- تترك ذكر فاتك أولا فلا يمر لك بلسان، ثم تزور ~~القصر في كل يوم، ثم تركب في مواكب الأسود أينما ذهب وسار، ثم تجامل ابن الفرات وأبا بكر بن ~~صالح، ثم ترقب فرصة تنشد فيها كافورا قصيدة خالصة له واضحة المعالم، ليس فيها التفاف ولا ~~التواء. ms72 # فتأوه المتنبي وتململ، وقال: إنني يا سيدتي كدت أيأس من الحياة، وأستهين بنعيمها وبؤسها. ~~ثم أنشد وهو يتحفز للقيام: # بم التعلل؟ لا أهل ولا وطن # ولا نديم ولا كأس ولا سكن # أريد من زمني ذا أن يبلغني # ما ليس يبلغه من نفسه الزمن # لا تلق دهرك إلا غير مكترث # ما دام يصحب فيه روحك البدن # | مرض # استمع المتنبي لنداء عائشة فكان يزور القصر في كل يوم، ويبسط من وجهه لرجاله، ويتحين ~~الفرص للقاء ابن الفرات وأبي بكر، ويبذل لهما ما يستطيع من بشر مصنوع، وكانت أبواب كافور ~~أمامه مفتحة مرفوعة الحجب، فوجد المتنبي من سهولة الوصول إليه مجالا لاجتذابه، ووسيلة إلى ~~العود إلى مطالبه، مرة بالتصريح ومرات بالتلويح، والأسود لغز مغلق، أو بيت من أبيات الفرزدق ~~تعب فيه المعربون والشارحون، فهو دائما يبتسم، وهو دائما مهذب أنيس متواضع، وهو دائما ~~إذا أشار المتنبي إلى مطامحه، سريع الإجابة على شرط ألا يفهم من إجابته شيء. # خرج المتنبي من عنده يوما وهو مهموم بعد أن مزق هذا الزنجي وسائله، وقطع حبائله، وبعد أن ~~عبث بهذا العقل الحكيم المتفلسف كما يعبث الصبي بالأكر. خرج يتعثر في طريقه وهو يشعر بصداع ~~شديد كاد يمزق جبهته وصدغيه، ويحس بردا يسري في أوصاله اهتزت له ذراعاه، وقضقضت أسنانه، ~~فأسرع إلى داره وهو يمشي كالمختبل، وما كاد يصل إليها حتى دعا عبده مسعودا؛ ليساعده على ~~خلع لباسه، فلما انتهى رمى بنفسه في فراشه وهو يصيح: غطني، زملني. لا تترك في الدار غطاء ~~ولا مطرفا ولا حشية إلا وضعته على جسمي! أوقد النار يا مسعود. إن ثلوج الشام جميعا ~~تتساقط على فراشي، وتنفذ إلى مسارب جسمي. لقد قتلني ابن سوداء الجبين بالسم، سأموت بهذا ~~البلد النائي طريدا شريدا خائب الأمل مفصوم الرجاء. # وعصفت الحمى بالمتنبي، واجترفه تيارها فتصبب جسمه عرقا، وراح في سبات مضطرب قلق، وأخذ ~~يهذي ويصرخ بألفاظ تقطع نياط القلوب. فقد سمعه عبده وابنه وهو يقول: جئت مصر يا أبا الطيب؟ ~~... اضرب هذا الكلب يا محسد ms73 قبل أن يثب علي ... مرحى ... مرحى ... كنت ترجو أن تنال كل شيء، فلم ~~تظفر بشيء ... أبعد الكلب عني يا مسعود. مسكين مسكين ... حلب حلب أين منك حلب ... مرحبا بمولاي ~~سيف الدولة! # نهبت من الأرواح ما لو حويته # لهنئت الدنيا بأنك خالد # لقد كاد يقتلني هذا الفرس الجامح ... لا تكثر من الكلام يا ابن رشدين ... جئت إلى الأسود ~~فعاقبني الله على يد الأسود ... يا للخزي ويا للعار ... ذهب مجد أبي الطيب ... كافور! أنت الشمس ~~وأنت القمر ... معد بن عدنان فداك ويعرب ... ها ... ها ... معد بن عدنان فداء هذا الزنجي الحبشي ~~الذي بيع بثمانية عشر دينارا ... ها ... ها ... ثمانية عشر دينارا ليس غير ... ليس غير ... من ~~يشتري؟ ... سنبيع العبد أيها السادة ... # ثم تشتد به الحمى فيغط في نوم عميق. # أصيب المتنبي بالحمى الأجمية (الملاريا) وكانت إصابته شديدة، وحينما أفاق في الصباح زالت ~~عنه آثار الحمى وخمدت نارها، ولكنها خلفت وراءها آلاما في العظام، وضعفا في الجسم ~~شديدا. فقضى النهار في سريره، وما كادت تختفي الشمس ويرسل الليل على الكون سدوله، حتى ~~عاودته الحمى أشد ما كانت، وسبح في بحر مضطرب من الهراء والهذيان. # ومرت ثلاثة أيام لا يزور فيها المتنبي دار ابن رشدين، فقلقت عائشة، ودخلت على أخيها شاحبة ~~مضطربة، وهي تقول: هل رأيت أبا الطيب؟ ~~- لم أره منذ ثلاثة أيام. ماذا بك يا عائشة؟ ~~- ليس بي شيء إلا أنه لم يعودنا أن ينقطع عن زيارتنا يوما واحدا، وأخشى أن يكون قد ~~أصابه مكروه. ~~- لا تراعي يا حبيبتي، فقد يكون ذهب إلى بعض أصدقائه بالجيزة، وقضى عندهم أياما، وسأذهب ~~الآن إلى داره وآتيك بالخبر اليقين. ~~- اذهب يا صالح وعد إلي بجلية الأمر، فإن الشك يكاد يقتلني. # وخرج صالح مسرعا حتى بلغ الدار، والشمس مائلة للمغيب، فلما دخل وجد العبيد صامتين ~~واجمين، وأحس بسكون الموت يلف الدار، ويرف بجناحه البارد على كل ركن من أركانها. فمر حتى ~~بلغ حجرة المتنبي فرأى محسدا ومسعودا جالسين حول سريره في حزن وإطراق، ورأى المتنبي ~~مسجى يتنفس ms74 تنفسا قصيرا مضطربا. فمشى على أطراف أصابعه كأنه يمشي فوق أرض مقدسة، ثم لمس ~~كتف محسد لمسا خفيفا، وأشار إليه أن يخرج ليسائله. فلما خرج سأله مذعورا: ما الخبر يا ~~محسد؟ ~~- لا ندري يا سيدي. فقد جاء أبي من القصر مساء السبت وهو يشعر ببرد شديد، ثم انتهى هذا ~~البرد إلى سخونة كأنها من لفح الجحيم، ثم حسنت حاله في الصباح، ولكن الحمى لا تزال تراوحه ~~كل مساء. ~~- سيشفى قريبا إن شاء الله. لا تجزع يا محسد، فإننا اعتدنا هذه الأمراض في مصر حتى ~~ألفناها. سأمر عليكم في الصباح لأراه، وأرجو أن يكون قد أبل. # ويذهب قدما إلى عائشة فيفض إليها الخبر، فتطير نفسها شعاعا، وتسرع إلى ثيابها ~~لترتديها، فيصيح بها أخوها: إلى أين يا عائشة؟ ~~- إلى أبي الطيب. هلم معي إليه فوالله ما يمنعني من الذهاب وحدي إلا أني امرأة، ولن يليق ~~بنا يا أخي أن نترك الرجل الغريب المسكين يموت وحده منكودا محسورا. إن من اسمه يملأ فم ~~الدنيا، وشعره تتغنى به الآفاق، يرقد الآن مسجى في قاعة مظلمة، يطلب العطف فلا يجده إلا في ~~قسوة الأقدار، والحنان فلا يراه إلا في مخالب الموت! هلم يا أخي إليه، فلعلنا نستطيع أن ~~نعمل له شيئا إن بقي هناك شيء يعمل. # ويصلان إلى الدار، ويدخلان حجرة المريض وهو يصلى بلهيب الحمى، ويئن أنينا، وقد عاوده ~~الهذيان فجعل يصيح: حاذر سيف الدولة ... إن العلج وراءك وسيفه في يده ... لقد قتلت الملعون ~~برمحي ... قتلته ... قتلته ... ما هذه النيران التي ترسلها علينا الروم كأنها قطع الجحيم؟ ... ~~أبعدوا هذه القرود عني ... أنا اليوم والي صيداء ... أقبلوا أيها الوفود ... هل من ظلامة؟ ... الصل ~~الأسود! ... أبعدوا الصل الأسود عني ... إنه كاد يقتلني ... مدحته ... مدحته ... وماذا في يدي؟ ... لا ~~شيء ... لا شيء ... آمالي؟ ... أطماعي؟ ... طموحي؟ ... هواء ... هواء ... هواء. # وغلبته الحمى فحبست لسانه، وسمعه صالح وعائشة ~~فغلبهما البكاء، وأخذت عائشة تهز رأسها في حزن ممض وتقول: وا حسرتاه على البطولة الوثابة، ~~والرجولة الغلابة! وا حسرتاه على الخلق الراسخ، ms75 والمجد الشامخ! على مثلك أبا الطيب تشق ~~الجيوب وتمزق القلوب. أسفي على ذلك اللسان العضب الذي كان ينثر فرائد الحكم، كيف أصبح يهذي ~~كما يهذي الممرور! وعلى ذلك العقل القهار، كيف اضطرب ميزانه والتهمته النيران! # ثم قامت متعثرة متخاذلة، وهي تقبض على يد أخيها وتقول لمحسد: لابد له من طبيب. لا يصح أن ~~نترك شاعر الدنيا وحكيمها يموت دون أن نبذل كل شيء في سبيل شفائه. سأذهب أنا وأخي إلى ~~الطبيب. # ثم يخرجان في عجلة حتى يصلا إلى دار بزقاق القناديل، كان يسكنها «نسطاس بن جريج» أشهر ~~أطباء مصر في هذا العهد، حتى إذا طرقا الباب وأخبرا الطبيب الخبر، لبس ثيابه على عجل، وخرج ~~معهما حتى بلغوا دار المتنبي، وبعد أن اختلى الطبيب بمحسد وأخبره بكل شيء، دخل على المريض ~~فجس يده، وهز رأسه وقال: إن المرض شائع معروف بمصر، وهو سليم العاقبة إذا عني بالمريض. ثم ~~التفت إلى عائشة فرأى الدموع تنهمر من عينيها، فضحك طويلا، وربت كتفها وهو يقول: لا تخافي ~~يا سيدتي على شاعرنا، فإني عالجت آلافا من أمثاله، وقد شفوا جميعا، والذي أوصي به أن ~~تبعدوا عنه اللحم والسمك، وأن تقصر غذاءه على اللبن، وأن تسقوه إذا عطش ماء السكر الممزوج ~~بعصير الليمون، وسأبعث إليكم بقارورة دواء يشرب منها نصف كأس ثلاث مرات في كل يوم. إنه سيجد ~~الدواء مرا، ولكنه دواء شاف سريع الأثر. ثم التفت إليهم وقال في سخرية تحب دائما من ~~الأطباء: لا تخافوا يا أولادي، فإنه سيشفى بعد أيام، ثم حياهم وانصرف، وقد ملأ نفوسهم ~~آمالا، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، والتفتت عائشة إلى محسد كالمستأذنة المتهيبة، وقالت: ~~هل من بأس في أن أبيت أنا وأخي هنا الليلة؟ فأجاب مسرعا: لا يا سيدتي، إن ما تبثينه حول ~~المريض من رحمة وحنان سيكون أشفى له من كل دواء. # واستيقظ المتنبي في الصباح مضنى منهوكا، فلما فتح عينيه ورأى صالحا وعائشة جالسين إلى ~~سريره كاد ينكر ما أبصر، فحملق في دهش، وقال في صوت ms76 خافت: أنت هنا يا صالح؟! أنت هنا يا ~~سيدتي؟!! الآن لا أحس بأوجاع الداء. جزاكما الله عن الغريب المسكين خيرا! لا تخافا علي، ~~فإني لا أظن أني مائت في هذه الرقدة؛ لأن الله أكرم من أن يقضي علي قبل أن أنال من آمالي ~~شيئا. # وبعث الطبيب بالدواء، ومرت أيام على أبي الطيب كان يشعر فيها بدبيب الشفاء يسري في ~~أوصاله، فلما استطاعت يده أن تقبض على القلم طلب من محسد ورقا، ثم وضع يده على جبهته، وسرى ~~في بادية من الخيال، وأخذ يكتب، وعاد بعد حين صالح وعائشة إلى زيارته فمد إليهما يده بورقة ~~فاختطفتها عائشة ونظرت فيها مليا، فإذا قصيدة من أروع ما تنفس به الشعر العربي! بدأها ~~بالشكوى وضعف الثقة بالناس. ثم ثنى بوصف الحمى التي أصابته، ثم عاد إلى ذكر سوء حاله بمصر، ~~وإلى تمني الرحيل عنها، في أسلوب يستنزل العصم، ويذيب الصخور الصم. نظرت عائشة في القصيدة ~~ثم قرأت بصوت عال: # ولما صار ود الناس خبا # جزيت على ابتسام بابتسام # وصرت أشك فيمن أصطفيه # لعلمي أنه بعض الأنام # وآنف من أخي لأبي وأمي # إذا ما لم أجده من الكرام # ولست بقانع من كل فضل # بأن أعزى إلى جد همام # عجبت لمن له قد وحد # وينبو نبوة القضم الكهام # ولم أر في عيوب الناس شيئا # كنقص القادرين على التمام # أقمت بأرض مصر فلا ورائي # تخب بي الركاب ولا أمامي # وملني الفراش وكان جنبي # يمل لقاءه في كل عام # وزائرتي كأن بها حياء # فليس تزور إلا في الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا # فعافتها وباتت في عظامي # أراقب وقتها من غير شوق # مراقبة المشوق المستهام # ويصدق وعدها، والصدق شر # إذا ألقاك في الكرب العظام # أبنت الدهر عندي كل بنت # فكيف وصلت أنت من الزحام؟ # جرحت مجرحا لم يبق فيه # مكان للسيوف ولا السهام # يقول لي الطبيب: أكلت شيئا # وداؤك في شرابك والطعام # وما في طبه أني جواد # أضر بجسمه طول الجمام # تعود أن يغبر في السرايا # ويدخل من قتام ms77 في قتام # فإن أمرض فما مرض اصطباري # وإن أحمم فما حم اعتزامي # وإن أسلم فما أبقى ولكن # سلمت من الحمام إلى الحمام # فلما انتهت صاحت: لقد غفرت للحمي كل ذنوبها! وإذا كانت الكوارث تخلق مثل هذا الشعر، ~~فمرحبا مرحبا بالكوارث! # وتسامع الأدباء بالقصيدة، وأقبلوا زرافات على دار المتنبي يستنسخونها، وأجمعوا على أنها ~~خير ألف مرة من رائية عبد الصمد بن المعذل في وصف الحمى، ووصلت نسخ منها إلى القصر، واجتمع ~~رأسان لقراءتها؛ ليستخرجا منها ما يصلح لدسيسة جديدة، هما رأس ابن الفرات ورأس أبي بكر بن ~~صالح، ولكن روح المتنبي كانت تحوم حولهما وهي تهمس: # ومراد النفوس أصغر من أن # نتعادى فيه وأن نتفانى # غير أن الفتى يلاقي المنايا # كالحات ولا يلاقي الهوانا # | فرار # أبل المتنبي من الحمى، وعادت إليه قوته، وأخذت آماله تطل برءوسها من جديد، وعاد أصدقاؤه ~~وخلصاؤه ينصحون له بمجاملة كافور، واستجلاب مودته، بعد أن أساءته قصيدة الحمى وزادته سخطا ~~على الشاعر. فعاد المتنبي إلى زيارة القصر، وإلى مجازاة الابتسام بالابتسام كما يقول، حتى ~~إذا كان شهر شوال سنة ثلاثمائة وتسع وأربعين أوعز كافور إلى أحد ندمائه أن يدعو المتنبي إلى ~~مديحه، وأن يمنيه الأماني، وكان كافور يريد أن يزيل بالقصيدة الجديدة ما تركته قصيدة الحمى ~~من سوء الأثر في نفوس المصريين، واستجاب المتنبي لما طلب منه، وعاوده الأمل في أن الأسود ~~سيفي بوعده آخر الأمر، وأنشأ قصيدة كانت آخر سهم في كنانته، والقصيدة - كما عودنا أبو ~~الطيب عند مدح كافور - ليس فيها من مدح كافور إلا التافه اليسير، فإنه تحدث فيها عن نفسه في ~~ثمانية عشر بيتا، وألح في إنجاز ما وعد به في عشرة أبيات، وكان منها: # وفي النفس حاجات وفيك فطانة # سكوتي بيان عندها وخطاب # ولما أتم المتنبي القصيدة أمام كافور، قال له ابن الفرات في خبث ودهاء: أجدت يا أبا الطيب ~~وأحسنت! غير أن قصيدتك في مدح فاتك كانت أجزل من هذه، وأطول نفسا، ولكن لعلك تريد أن تحقق ~~ما قلته في قصيدة ms78 فاتك: # وقد أطال ثنائي طول لابسه # إن الثناء على التنبال تنبال # فوجم المتنبي لهذا السهم النافذ، وعلم أن لا مخلص له من الدسائس ما دام بين هؤلاء ~~المناكيد. # وانتظر المتنبي وعد كافور فطال انتظاره، وكان الأسود قد أذن لفاتك بدخول الفسطاط ~~للاستشفاء بعد أن ألحت عليه العلة بالفيوم، فجدد أبو الطيب الاتصال به، ورأى بعد أن يئس من ~~كافور أن ينزل حاجاته بواديه الخصيب، وتوثقت المودة بين الصديقين، وهب الجواسيس وقالة السوء ~~ينقلون إلى القصر كل يوم أخبارهما، وربما غالوا في الأخبار وزوقوا الأحاديث، بما يضيفون ~~إليها من زور وبهتان. # ومر عام وأكثر من عام على هذه الحال؛ فطالت الجفوة بين المتنبي وكافور، واتسعت الهوة، ~~وأصبح المتنبي لا يمشي خطوة إلا ووراءه جاسوس يرقب كل ما يقول ويفعل، ويكاد يعد عليه ~~أنفاسه. # زار مرة ابن رشدين فاستقلته عائشة، وعلى وجهها مسحة من كآبة، وهي تقول: أهلا بالشاعر ~~الكسل! أتمر سنة لا نسمع فيها منك شيئا؟! ~~- إن البلابل لا تغني وسط حفيف السهام. إني قدمت إليك وورائي جاسوس صحبني من داري إلى ~~هنا، وأخشى أنه لا يتحرج من أن يكون بعد قليل ثالثنا. ~~- كيف ذلك يا أبا الطيب؟ ~~- جيراني أصبحوا علي عيونا، وصاحب الأخبار يطرق داري كل ليلة؛ ليتحقق من أنني لا أزال ~~بمصر، وأنني لم أفر. # وبينما هما في الحديث؛ إذ دخل ابن رشدين ومعه الشريف إبراهيم العلوي وعبد العزيز الخزاعي، ~~فلما رأوا المتنبي أقبلوا عليه يحيونه، وقال عبد العزيز: ما لي أراك واجما يا أبا ~~الطيب؟ ~~- إن حبل كافور يضيق حول عنقي قليلا قليلا، فلم يبق إلا أيام حتى أختنق. فأسرع الشريف ~~يقول: هذا صحيح، ويجب علينا جميعا أن نفكر في هذا الأمر الجلل. فصاحت عائشة في ذعر: ما ~~الخبر؟ ~~- الخبر يا سيدتي أن حاجب الوزير أبي بكر بن صالح شيعي شديد التمسك بمذهبه، وهو لهذا يخلص ~~لي الحب والمودة، ثم هو يعلم صلتي بأبي الطيب، وقد زارني اليوم وأكد لي أنه سمع كلاما دار ~~بين أبي بكر وابن ms79 الفرات يدل على أن هناك مؤامرة دنيئة تحاك خيوطها للإيقاع بالمتنبي بعد ~~عيد الأضحى. فقالت عائشة: بقي على العيد أيام ... ~~- في هذه الأيام نستطيع أن نعلم عملا حاسما. فقال عبد العزيز: الرأي عندي أن يستعد أبو ~~الطيب من الآن للفرار. ثم طلب منهم إغلاق الأبواب والنوافذ، وعاد إلى الحديث، فقال بصوت ~~خافت: يقوم العبيد غدا بدفن الرماح في الرمل وراء المقطم، وقبل الرحيل بقليل تحمل على ~~الإبل قرب من ماء النيل تكفي لعشر ليال، ويحمل زاد يكفي لعشرين يوما حتى إذا كانت ليلة عيد ~~الأضحى تسلل أبو الطيب إلى الصحراء بعد أن يتسلل إليها قبله ابنه وعبيده، وسأكون في رفقة ~~الشاعر، وسنهتبل فرصة اشتغال رجال القصر بالعيد وبما يوزعه عليهم كافور من الهدايا والصلات، ~~فنفر دون أن يشعر بنا أحد، حتى إذا فرغوا من العيد ومن منح الهبات، ولن يكون ذلك إلا بعد ~~يومين نظروا يمنة ويسرة فلم يجدوا لطريدتهم أثرا. # فقال الشريف: هذا حسن، ولكن كافورا إذا لم يجده بعد يومين من فراره أرسل خلفه شياطين ~~جنده فوق سوابق الخيل فأدركوه ولو كان فوق بساط سليمان. فقال عبد العزيز: إننا سنغادر ~~الفسطاط قبل فجر يوم الأضحى، وسنمتطي جوادين من سلالة الجواد الذي وصفه أبو الطيب: # رجلاه في الركض رجل واليدان يد # وفعله ما تريد الكف والقدم # فلن يدركنا الظهر إلا ونحن أمام بلبيس، وهناك أرسل مع أبي الطيب بعض عبيدي الذين يعرفون ~~مسالك الصحراء. فقال ابن رشدين في حدة: أي طريق يسلكون؟ إن سلطان كافور يمتد إلى كل طريق ~~توصل إلى العراق. ~~- إنهم سيسلكون طرقا غير معروفة، ويطرقون مفاوز ~~مجهولة، وينزلون حول مناهل لم يطرقها طارق، وإنه جنود كافور بعد طول البحث والنصب سيتطلعون ~~إلى السماء، ويظنون أن أبا الطيب قد اتخذ إليها سبيلا. فتنهدت عائشة ونظرت إلى المتنبي، ~~ودموعها تنهمر انهمارا. ثم عادت تفكر فرأت أن حياته في ميزان القدر، وأنها يجب أن تنسى ~~نفسها لقاء نجاته من كارثة محققة، فحاولت أن تجفف دموعها، وتبسط من وجهها وقالت: ms80 ولكن حتى ~~يحين موعد الفرار يجب على أبي الطيب أن يظل متصلا بالقصر حتى يصرف الأنظار عنه. فقال ~~الشريف: نعم، وفوق هذا أرى أن يذيع بين رجال القصر أنه سينشد كافورا قصيدة بعد أيام العيد. ~~فصاح الجمع: هذا حسن هذا حسن ... # وقام المتنبي إلى داره ومعه عبد العزيز، وأشرق عليهما الصباح حتى شرعا في إنفاذ خطتهما في ~~دقة وإحكام، وكان المتنبي في غضون هذه المدة يروح ويجيء مطرقا حزينا يتمتم بكلمات، ثم ~~يخرج من كمه ورقة ويدون فيها ما تفيض به شاعريته، وتسلل محسدا والعبيد متفرقين من ~~الفسطاط إلى بلبيس، فلم يشعر بهم أحد، وانتظر المتنبي وعبد العزيز ليلة العيد حتى إذا هدأت ~~الأصوات، ونامت العيون، وخلت الطرق من السابلة، خرجا من الدار في إسراع وصمت، كأنهما طيف ~~خيال أو خطرة ببال، وما جاوزوا باب الصفاء، حتى طار بهما الجوادان فلم تستبن العين لهما ~~أثرا. # ولاح فجر العيد سنة خمسين وثلاثمائة، وذهب كافور في موكبه الحافل للصلاة بالجامع العتيق، ~~وشغل رجال القصر بعد الصلاة ببذل العطايا للعلماء وكبار الجنود، ومضى يومان ذهل فيهما القوم ~~عن المتنبي وعن تقصي أخباره، وحدث بعد ذلك أن دخل أبو بكر بن صالح على ابن الفرات وقال: لم ~~نر المتنبي أيام العيد، ولم يزرنا في خلالها فماذا جرى له؟ ~~- لعله مريض. فأرسل بعض الأعوان للسؤال عنه. # فأسرع أبو بكر وأمر طائفة من الجند بالذهاب إلى دار المتنبي والتحقق من أمره، وسار الجند ~~إلى الدار فرأوا بابها مغلقا ففتحوه ودخلوا فلم يجدوا بالدار ديارا. فأخذتهم الدهشة، ~~وأخذوا يبحثون في كل حجرة، وبلغ أحدهم حجرة نوم المتنبي فرأى سريره وكأن فوقه شيئا قد التف ~~بغطاء، فصاح في جذل: هنا الشاعر يا إخواني! هلم إلي! إنه نائم في فراشه، وجاء الجند، ورفع ~~أحدهم الغطاء فلم يجد تحته إلا ورقة كتبت فيها قصيدة طويلة فأخذها، وبعد أن يئس الجند من ~~العثور على الشاعر ذهبوا إلى أبي بكر وأخبروه. فأسرع إلى كافور وهو يرتعد من الغضب ويصيح: ~~لقد فر المتنبي ms81 يا مولانا! لقد فر من أيدينا على الرغم من كل ما بذلنا من حيطة وحذر! فصاح ~~كافور في صوت يخنقه الغيظ: أية حيطة وأي حذر؟ ويل لنا منه إن لم نقبض عليه!! سيخلد هجونا ~~على الدهر، وسيجعل من اسمنا سخرية ترددها الأيام! ابعثوا خلفه الجنود. ابعثوهم وراءه في كل ~~مكان يمكن أن ينفذ منه: في الصعيد، وفي طريق الشام، وفي طريق برقة، وفي الماء، وفي الهواء. ~~فر مني الفاجر وضحك مني ولعب بي! وكنت أظن أني ألعب بألف من أمثاله المغرورين! وبينما هو ~~في حدة غضبه يزمجر كما يزمجر النمر الجريح، إذ مد الجندي يده إلى أبي بكر بالورقة التي رآها ~~في فراش المتنبي فأخذها منه ويده ترتعد، ورآه كافور فسأله ما هذه؟ فلمح منها أبياتا وقال: ~~يا مولانا هذه قصيدة وجدها الجنود في فراش الشاعر البغيض، ولن أستطيع قراءتها. فصاح كافور ~~في غضب مخيف: اقرأ ويلك كل ما فيها، ولا تترك منها حرفا! فقرأ وهو يتصبب عرقا: # عيد بأية حال عدت يا عيد؟ # بما مضى؟ أم لأمر فيك تجديد؟ # أما الأحبة فالبيداء دونهم # فليت دونك بيدا دونها بيد! # لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها # وجناء حرف، ولا جرداء قيدود # يا ساقيي أخمر في كؤوسكما؟ # أم في كؤوسكما هم وتسهيد # أصخرة أنا ما لي لا تحركني # هذي المدام ولا هذي الأغاريد # إذا أردت كميت اللون صافية # وجدتها وحبيب النفس مفقود # ماذا لقيت من الدنيا؟ وأعجبه # أني بما أنا باك منه محسود! # أمسيت أروح مثر خازنا ويدا # أنا الغني، وأموالي المواعيد! # إني نزلت بكذابين، ضيفهم # عن القرى وعن الترحال مصدود # جود الرجال من الأيدي، وجودهم # من اللسان. فلا كانوا ولا الجود! # ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم # إلا وفي يده من نتنها عود # أكلما اغتال عبد السوء سيده # أو خانه فله في مصر تمهيد؟! # نامت نواطير مصر عن ثعالبها # فقد بشمن وما تفنى العناقيد! # لا تشتر العبد إلا والعصا معه # إن العبيد لأنجاس مناكيد # ما كنت أحسبني أحيا إلى ms82 زمن # يسيء بي فيه عبد، وهو محمود! # ولا توهمت أن الناس قد فقدوا # وأن مثل أبي البيضاء موجود! # جوعان يأكل من زادي ويمسكني # لكي يقال عظيم القدر مقصود # من علم الأسود المخصي مكرمة # أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟ # أم أذنه في يد النخاس دامية # أم قدره وهو بالفلسين مردود؟ ~~••• # وعاد الجنود بعد شهر فدخلوا إلى كافور يخبرونه في دهش، بأنهم لم يتركوا منفذا إلا سلكوه، ~~ولكنهم لم يقفوا للمتنبي على أثر، كأنه ابتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء. فصعق ~~كافور، وكاد يسقط من كرسيه. ثم حملق مذعورا كأنه كان ينظر إلى المتنبي وهو يفرقع بإصبعيه ~~في وجهه ساخرا ويقول: # فربتما شفيت غليل صدري # بسير أو قناة أو حسام # وضاقت خطة فخلصت منها # خلاص الخمر من نسج الفدام ms83