######OpenITI# #META# URI: 1368CaliMahmudTaha.ArwahSharida.Hindawi40819616 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 40819616 #META# Title: أرواح شاردة #META# AuthorID: 18135375 #META# Author: علي محمود طه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # الجزء الأول: دراسات أدبية‏ # 1 - پول ڤيرلين‏ # 2 - شارل بودلير‏ # 3 - في الأدب الإنجليزي الحديث‏ # الجزء الثاني: قصائد مترجمة‏ # 4 - القبرة‏ # 5 - الشاعر وكتابه‏ # 6 - عودة الملاح‏ # 7 - أغنية القطيع‏ # 8 - بيت الراعي‏ # الجزء الثالث: زكريات أوروبية‏ # 9 - الليلة الأولى‏ # 10 - في ميدان إسدرا‏ # 11 - يوم في ڤرساي‏ # 12 - فتاة برن‏ # 13 - باريس‏ # 14 - من مراجع الكتاب‏ # إهداء‏ # الجزء الأول: دراسات أدبية‏ # 1 - پول ڤيرلين‏ # 2 - شارل بودلير‏ # 3 - في الأدب الإنجليزي الحديث‏ # الجزء الثاني: قصائد مترجمة‏ # 4 - القبرة‏ # 5 - الشاعر وكتابه‏ # 6 - عودة الملاح‏ # 7 - أغنية القطيع‏ # 8 - بيت الراعي‏ # الجزء الثالث: زكريات أوروبية‏ # 9 - الليلة الأولى‏ # 10 - في ميدان إسدرا‏ # 11 - يوم في ڤرساي‏ # 12 - فتاة برن‏ # 13 - باريس‏ # 14 - من مراجع الكتاب‏ # | أرواح شاردة # | أرواح شاردة # تأليف # علي محمود طه # | إهداء # إلى تلك الزهرة الأفريقية النادية تحت ثلوج الغرب # هذه الأرواح الشاردة في تيه المرح والعذاب والحب # علي محمود طه # الجزء الأول # | دراسات أدبية # الفصل الأول # | پول ڤيرلين PAUL VERLAINE # كان فتى حالما، رقيق البدن، بارز الجبهة، عميق النظرة، مرح النفس، قذفت به الحياة ~~إلى معتركها غمرا، لم تكشف له تجاربه المحدودة عن طبائع الناس، ولم يهيئه طبعه الرقيق ~~ومزاجه الحاد لمكابدة شظف العيش وضنك الحال؛ وإن هيأته روحه ليكون حيث هو الآن من ~~نباهة الذكر وسمو المنزلة وخلود الأثر. # ولو قد عرف «البارناسيون» # 1 # ما ناطته السماء بمستقبل هذا الصبي الشاعر، وهو يختلف إليهم من حين إلى ~~حين، ولو قد تبين جماعة «مالارمي» ما تنطق به مخايل هذا الشاب العابث في أبهاء الحي ~~اللاتيني؛ لحموه أحداث الزمن، ولما تركوه غرضا للفاقة والتشريد والعذاب، ولضنوا بصاحب ~~هذه النفس الشاعرة الموهوبة والعبقرية المبدعة الفذة، ألا يجد وهو في مستهل حياته قوت ~~يومه، ثم لفزعوا إلى القدر فما صرف أمه عن العناية به صغيرا، فشب مطلق العنان يرتاد ~~المواخير ويدمن الخمر، ثم لما غادر زوجه وأمه وولده هائما بين باريس ولندن وبروكسل، ~~ليعود إلى وطنه ضحية اتهام قاس ms01 ينال من رجولته، ويلقي على نجمه المتوقد سحابة من ~~الزراية والامتهان، ثم لما ارتفعت من حوله صيحات العار تلاحقه من مكان إلى مكان ~~فغلقت في وجهه أبواب الرزق، وسدت على ذلك الهارب المسكين منافذ الرجاء والطمأنينة ، ~~فمضى يستنبت الأرض في الريف البعيد في كثير من اليأس والعناء، وهو ذلك الروح المرح الذي ~~لم يخلق لغير الشعر والغناء، ثم لما تحالف هذا الشر كله على ذلك الضعيف المكدود، ~~فاستبد به المرض، فقضى غريبا وحيدا، منبوذا إلا من امرأة بائسة مثله، ساهمته ~~حبه الأخير وشقاءه الأخير، فلفظ في ظل قربها وعطفها نفسه الأخير. # حقا!! لقد كانت حياة ڤيرلين فاجعة محزنة؛ فمن الحان إلى السجن إلى الماخور إلى ~~الهيام في الطرقات إلى ملاجئ البر. # هذا هو الشاعر الخالد الذي كان أرخم صوت غنائي صدح به الشعر الفرنسي في القرن الذي ~~أنجب هيجو، لامارتين، جوتيه، موسيه، بودلير، رامبو، جول لافورج، مالارمي وغيرهم. # ستيفان مالارمي # إن في حياة هذا المتشرد الكبير ضروبا من العبث وألوانا من الألم، ولكنه العبث الذي ~~تستقيم به حياة الفنان البوهيمي، والذي يتيح للأدب في كل جيل فنونا شتى من الإجادة ~~والإبداع، ولكنه الألم الذي يفرض العذاب على القلوب الشاعرة فينطقها بالنغمات الفريدة ~~الساحرة، ويصل ما بينها وبين السماء، فتشرب من روعة اللانهاية وصفائها، وتمنح البشرية ~~الوضيعة المعذبة لحظات من السعادة والسمو. # ولد پول ڤيرلين في مدينة «متز» من ولايات فرنسا الشمالية، في الثلاثين من شهر مارس ~~عام 1844، أي بعد مولد بودلير الشاعر بثلاثة وعشرين عاما، وكان أبوه ضابطا ممتازا في ~~الجيش الفرنسي، وعندما بلغ السابعة من عمره رحلت به عائلته إلى باريس، فألحقته بمدرسة ~~خاصة، ثم بمعهد «ليسي بونابرت» حيث أظهر ڤيرلين على حداثته تفوقا مشهودا في اللغتين ~~اليونانية واللاتينية وفي علوم البلاغة والأدب، فمنح جائزتها مع درجة شرف ثم استمر في ~~دراسته قليلا من الزمن حتى ظفر بوظيفة حاسب في إحدى دوائر باريس المالية. # ولكن حياة ڤيرلين الشاعر تبدأ عام 1866؛ ففي الثانية والعشرين من عمره أخرج أول ~~مجموعة شعرية ms02 عنوانها «قصائد ~~عابسة» ~~“Poèmes Saturniens” ~~، وبعد ثلاث سنوات نشر مجموعته الثانية «أعياد مرحة» ~~“Fètes Galantes” ~~، فأصاب ڤيرلين من تينك ~~المجموعتين حظا كبيرا من الشهرة والتقدير كشاعر غنائي نابغ، كما أصاب حظا من ~~التعاسة والشقاء، وكانت الأيام قد مهدت لهذه المتناقضات؛ فقبل نشر ديوانه الأول بعام ~~مات والده، وعاش الشاعر الصغير في رعاية أمه فدللته، وأعانته على عبث الشباب ~~ونزقه بما كانت تمده به من المال، فانغمس الفتى في شهواته، وانطلق يعب من ملذات ~~الحياة كيفما اشتهت نفسه الظامئة وشبابه المضطرم. # ثم أعانته الأقدار بعد ذلك على الحياة التي بدأ يشغف بها ويستمرئها، حياة الشرود ~~والهيام، فصادف جماعة من الشعراء البوهيميين الذين كانوا يجتمعون كل مساء في مطعم ~~«ريفولي» بالحي اللاتيني فما لبث أن مال إليهم واندمج في عشيرتهم، كانوا يجتمعون ~~فيتناولون الأدب والفن بالدراسة والنقد، ويتجادلون في شئون الشعر، وكان لڤيرلين من هذه ~~الجماعة حظ كبير من الخير، فصقلت محاوراتهم طبعه، وأظهرته على ألوان مختلفة من الجمال ~~والخيال، ولكن كان له إلى جانب هذا الخير حظ كبير من الشر؛ لفقد حببت إليه عشرتهم ~~احتساء الخمر أولا، وإدمانها ثانيا، وكان ڤيرلين رقيق البدن، عصبي المزاج، حاد الطبع، ~~وكان الخمر سمه القاتل! # وصار ڤيرلين بعد ذلك من المترددين على صالون «لويس كافير دي ريكارد» فاتصل ~~بالبارناسيين ~~“Parnassians” # جماعة «ليكونت دي ~~ليل»، ولقيت شاعريته المبدعة هوى وتقديرا من الشعراء والنقاد النابهين في الأوساط ~~الأدبية العالية، الذين تضمهم هذه الجماعة، أمثال جوزي ماريا، سوللي برودوم، فرنسوى ~~كوبيه وكاتول منيدي وغيرهم، ولعل هؤلاء خير ما صادفه الشاعر في حياته الأدبية، فقد أثبت ~~اتصاله بهم شخصيته كشاعر مرموق الحاضر مرجو المستقبل، كما أصبح فيهم بعد ذلك ظاهر ~~الشخصية نابه الشأن. # لي كونت دي ليل # كان هذا في الفترة ما بين عام 1866 وعام 1869 أو ما بين ظهور ديوانيه الأول ~~والثاني. # وفي ربيع عام 1869 قابل فتاة تدعى ماتيلد ~~موت # Mathild Mautè # أخت أحد أصدقائه، فتحابا من النظرة الأولى، وزاد شغف ڤيرلين ~~بفتاته كما استمرأت ماتيلد ms03 مطارحاته الغرامية، ففكرا في الزواج، ولم يكن أمره ~~مستطاعا فقد كانت ماتيلد فتاة صغيرة، وكانت حداثة سنها تحول دون الزواج، وأخيرا ظفرا ~~بهذه السعادة، ولم يكن ثمة من سعادة يحلم بها ڤيرلين بعد ذلك، فقد كان مدلها ~~يستغرقه الحب، وكان يرى في الزواج رابطة مقدسة، كما كان يرى فيه منقذا له من نقائصه، ~~مطهرا لكل آثامه ، ولكن هذا الحلم الجميل لم يتحقق! # فقد بدأت الحرب السبعينية بين فرنسا وألمانيا، وكان البروسيون يطوقون باريس؛ فتطوع ~~ڤيرلين في جيش المواطنين المدافعين عن مدينتهم، وهكذا فارق الشاعر زوجه بعد شهور قليلة ~~من زواجهما، وعاشت الشابة الصغيرة في بعض غرف شارع «الكردينال ليموان» تنتظر زوجها ~~الشاب. # ووضعت الحرب أوزارها، وعاد ڤيرلين إلى باريس، ولكنه كان قد تغير، كان لا يزال على ~~عهده من الحب لزوجته، ولكنه عاد سيرته الأولى، مستغرقا في حمأة نقائصه، عاد ڤيرلين إلى ~~باريس ولكنه فقد وظيفته الأولى، وكان الإسراف قد أودى بأمه إلى الفاقة والعوز، فاضطر ~~ڤيرلين أن يغادر باريس، صحبة أمه وزوجه إلى «شارڤيل» لا ليشاركوا والدي «ماتيلد» ~~غرفتهما الوحيدة فحسب، بل ليعيشوا أيضا عالة عليهما. # ولم يكن هذا كل ما أعدته الأقدار لڤيرلين في «شارفيل»، فقد بدأت أخطر دقائق حياته ~~من الاقتراب، وكانت النكبة التي لوثت حياة هذا الشاعر المسكين، في خطاب تلقاه من ~~شاعر يدعى «آرثر رامبو» # Arthur Rimbaud # ضمنه ~~إعجابه الذي لا حد له بأشعار ڤيرلين كما ضمنه شيئا من أشعاره. # رامبو في طفولته # ووجد ڤيرلين في هذا الخطاب رجلا يرفعه إلى مصاف العبقريين، كما وجد في هذا الرجل ~~شاعرا مبدعا، في شعره قوة جديدة وصوت جديد وخيال جديد؛ فاندفع ڤيرلين يدعو صاحبه إلى ~~«شارڤيل» دون روية أو إمعان، وحل رامبو ضيفا على هذا الخليط المزدحم، يشاركهم ~~نومهم ويقظتهم، ويساهمهم زادهم وشرابهم، وكان رامبو شابا في السابعة عشرة من عمره ~~ولكنه كان مخلوقا غريبا حقا!! كان مديد القامة، قذر الثياب، وكان عاطلا أيضا، ~~وكان مخبره أحط من مظهره، كان شريرا بكل ما في كلمة الشر من ms04 المعاني، وكان ~~رجلا سكيرا، فظا كثير اللجاج، محبا للمشاكسة، فلم تستطع ماتيلد وأمها صبرا على ~~هذا الضيف وسرعان ما تخلصا منه. # ولكن رامبو وجد مأوى آخر، واستطاع أن يتصل بالكثير من الشعراء أصدقاء ڤيرلين، فسرعان ~~ما أثر فيهم وتسلط عليهم، ومن ثم وقع ڤيرلين روحا وعقلا تحت سلطان هذا الساحر، ~~أما ما انتهى إليه أمر هذه العلاقة بين الشاعرين فقد اختلف في اكتناه أسراره الكتاب ~~والمؤرخون، وإن أجمعوا على أنها العلاقة الشاذة التي يتأثم بها اثنان من جنس واحد، ~~وهو اتهام لم يفرغ النقاد من تحقيقه حتى اليوم، أما الذي لا سبيل إلى الشك فيه فهي ~~النتائج المحزنة التي انحسرت عنها مأساة هذه العلاقة، ولا ندحة من أن نمسها مسا ~~رفيقا؛ فقد جعلت حياة ماتيلد مع ڤيرلين أمرا مستحيلا فدفعته إلى هجرها، ثم ساقته ~~وصاحبه رامبو إلى إنجلترا، ثم إلى بروكسل ثم أورثته إدمان الخمر، فبالغ في نشوته إلى ~~حد نال من صحته وأوهن أعصابه، وأوقعه في جنون التخيل والتوهم ~~“Pasomania” ~~، ثم استمرت المأساة في عملها فدفعت ~~الشاعرين إلى الخصام الشديد، ثم رفعت يد ڤيرلين بالنار يطلقها على صاحبه مرات، فإذا ~~صاحبه جريح، وإذا ڤيرلين رهين سجن «مونز» ثم تخلص المأساة من رامبو لتتصل بحياة ڤيرلين ~~وحده، فيخرج من السجن بعد عامين ويعود إلى فرنسا، ثم يحصل على وظيفة مدرس بأحد المعاهد ~~ليفقدها بعد زمن قصير، ثم يضيق به الحال فيذهب بأمه إلى «إردن» مؤثرا فلاحة الأرض، ~~ولكنه لا يصيب حظا من النجاح، فيغادر فرنسا كلها ويعود إلى إنكلترا للمرة الثانية، ثم ~~يحن إلى وطنه فيرجع إليه عام 1878 ويظفر بمنصب أستاذ في كلية «رتل» # Rethal # ومنها إلى باريس، وإذا بالمتشرد الكبير يظهر مرة أخرى في الحي ~~اللاتيني، ويتصل بأصدقائه القدماء من الشعراء الرمزيين رواد هذا الحي، ثم يبتسم له ~~الحظ قليلا فينشر مجموعة جديدة من شعره وكتابا آخر في تصوير بعض الشخصيات الأدبية، ~~فيصيب من ورائهما بعض المال وكثيرا من الشهرة والمجد، ثم يعبس الحظ له إلى الأبد، ~~فيتخطف ms05 الموت أمه عام 1886 ويقع ڤيرلين تحت وطأة المرض هيكلا محطما، ولكنه رغم هذا ~~لم يقلع عن إدمانه الخمر؛ ثم تذهب به المأساة الكبرى إلى نهاية الشوط، فتأبى ماتيلد ~~الصفح عنه وترفض لقاءه، وتستأثر وحدها بطفلهما الوحيد، وهكذا يقف ڤيرلين حيال العالم ~~وحده، ثم تعبر به عشر سنوات أخرى وهو يضرب في هذا التيه الغامر والعذاب المطلق حتى ~~يصادف «أوچيني كرانتس» فيؤلف بينهما البؤس ويصدح بلبل الحب فوق طلل هذا القلب المهدم ~~الحزين، فينتعش قليلا ولا يكاد يخفق للحياة الجديدة ، حتى تتألب عليه الأمراض فيعجز عن ~~مقاومتها، فيصرعه الموت، وبذلك تنتهي حياته أو مأساته المفجعة عام 1896. # كان ڤيرلين شاعرا غنائيا محبوبا، وقد ظهر ميله إلى الشعر أيام دراسته الأولى ~~فأظهر في قرضه مقدرة ونبوغا لا يتكافأ معهما عمره الصغير، أما ديوانه الأول «قصائد ~~عابسة» فقد كانت عملا فنيا رائعا، وكان كله شعرا غنائيا تضطرد فيه الموسيقى ~~اضطرادا عجيبا، تجد في بعضه الأناقة والجمال، وفي بعضه الآخر العظمة والرقة، ولعل ~~أجمل قصائده قصيدته في الخريف، أترجمها شعرا وإن كانت الترجمة تفقدها أجل ما فيها وهو ~~الموسيقى. # تنهدات الرياح # رتيبة النواح # تجرح قلبي بها # قيثارة الخريف # وثم صوت عابر # من السنين الغوابر # يهتف بي فأصغي # للهاتف المطيف # ويستفيض خيالي # بالذكريات الخوالي # أنشدها فأبكي # بالمدمع الذريف # وعند ذات تحملني # وريقة من فنن # قد ذبلت وانطلقت # في العاصف الشفيف # وما كاد ديوانه الثاني «أعياد مرحة» يظهر في المكتبات، حتى أقبل عليه الأدباء، وكان ~~حظه عظيما من الناقد الكبير «سنت بيف» فبدأ يكتب عن ڤيرلين الشاعر كاكتشاف جديد، ~~وذخيرة نفيسة في الشعر الفرنسي، كما كتب عنه الكاتب الكبير «فرنسوى كوبيه» فوصفه بأنه ~~خلق شعرا يمتاز بطابعه الفردي، ويسترعي أرق اهتزازات العصب الإنساني، وأن قوافيه ~~وأوزانه تجمع بين الحرية والترسل في أسلوب كله قوة وكله عذوبة، واستعارات رائعة ~~وموسيقى فريدة. # سنت بيف # والحق أن ديوانه الثاني «أعياد مرحة» كان له من عنوانه نصيب عظيم، فكانت قصائده أكثر ~~احتفالا بالبهجة، وهكذا تكون روح الشاعر، فغناؤها يترجم دائما ms06 عن شعوره بالحياة ~~وتأثره بأفراحها وأتراحها، فهي في ديوانه الأول يغشاها الاضطراب، وهي في ديوانه الثالث # Romances sans Parole # الذي نظمه في السجن، تتجاوب ~~بأصداء الألم الذي تضطرب به روح الطائر الحبيس وهي في ديوانه الثاني مرحة تصدح بالفرح ~~وتغرد بالأمل الجميل، وكما أنطق البؤس ڤيرلين كذلك أنطقه الحب، ولم يكن غرام ماتيلد ~~عبثا محضا، فقد ألهم ڤيرلين أرق أشعاره وأعذب أغانيه، وكشف عن جوهر روحه الصافية ~~وإبداع عقله، فمن العيون الضاحكة، ومن الشعر الأشقر المتموج، ومن هذا الصوت الرخيم، ~~استمد ڤيرلين ألوان خياله المتلألئة، ومرح قوافيه، وروعة أنغامه، ولعلك تحس هذا كله في ~~هذه القصيدة: # هذا هو القمر الفضي يملأ الغابة نورا # وثم صوت ساحر يهتف تحت كل فرع ومن ذؤابة كل غصن «يا محبوبتي» # هذا هو الغدير الرقراق كصفحة المرآة # يسبح فيه خيال الصفصافة السوداء حيث تئن الريح # ألا فلنحلم يا حبيبتي فتلك ساعتنا # فالكون يلفه السكون ويهفو به الحنان # كأنما تسلسل اللانهاية المشرقة ألوانها # ألا إنها الساعة المنتظرة!! # وليست أشعار ڤيرلين كلها بهذه البساطة، نعم إن منها ما يعد من الأغاني الشعبية، ولكنه ~~أيضا كان شاعرا رمزيا عميقا، ومن الواضح أن ڤيرلين تأثر ببودلير إلى حد ما، فقد ~~أسلفنا القول إن بودلير سبقه بثلاثة وعشرين عاما، ولعل الجانب الرمزي في بودلير هو ~~الذي استهوى ڤيرلين، ولعله الجانب الشهواني، بيد أن الفرق بين الرجلين كان بعيدا ~~جدا، فهما يختلفان في الطبع وفي النظرة إلى المرأة، فقد كان لڤيرلين طبع لين، ونفس ~~رقيقة رغم مزاجه الحاد، ثم إنه كان يحب المرأة حبا أقرب إلى الروحانية منه إلى الشهوة ~~المجردة ولم تفسد المرأة حياته ولكنه الذي أفسد حياتها، ولكن بودلير كان شهوانيا إلى ~~حد بعيد، وكان ذا فلسفة خاصة، فقد رمى القدر في أحضانه بنسوة يستمرئن متعة الجسد، ~~فراح ينشد من وراء فلسفته «حواء» أخرى لا تتصل بطريدة الجنة، لقد كان بودلير ضحية ~~المرأة أما ڤيرلين فكان ضحية الخمر!! # إن أهمية شعر ڤيرلين في موسيقاه، تلك التي وصفها النقاد بالموسيقى ms07 الموزارية نسبة ~~لموزار الموسيقي الألماني العظيم، فڤيرلين من هذه الناحية من طائفة ڤيلون وهايني وإدجار ~~ألن پو، ولكنه زاد عليهم تلك اللغة البارعة التي استحدثها في شعره، فهي لغة لها أهمية ~~موسيقاه، لقد سكب فيها كل ما اضطرم به قلبه من الألم والحماسة والحب والقوة، وكل ما ~~اضطرب بين جوانحه من الأحلام والكآبة والمرح، ويجدر بي القول قبل أن أختم هذه الدراسة: ~~إن ڤيرلين لم يعش خامل الذكر في جيله، ولا منكور الأثر، فقد رأى بعينه تألق نجمه في ~~عالم الأدب، وشهد أشعاره مترجمة إلى غير لغة واحدة، وسمع أغاريده تملأ أفواه الشعب ~~الفرنسي، كما سمع الكثير من إعجاب أعظم كتاب جيله شأنا وأخطرهم رأيا، وكان الاعتراف ~~بمكانته من المدرسة الرمزية الحديثة أمرا مسلما به، ولكن أملا واحدا من آماله ~~الكثيرة الضائعة لم يتحقق، فأضاف إلى عذابه الروحي وشقائه المادي شقاء آخر وعذابا ~~جديدا ظل يحز في قلبه حتى وقف عن ضرباته؛ فقد دفعه بؤسه وعار علاقته برامبو أن يخلص ~~منهما ويمحوهما بترشيح نفسه «للأكاديمي فرنسيز» ويشير بعض النقاد إلى أسباب أخرى ترجع ~~إلى غروره في أيامه الأخيرة واعتداده بنفسه، ولكن من المحقق أنه كان يطمح إلى ~~الظفر بقوة الاحترام وإلى مكافأة الأكاديمية الضئيلة لينعم بالراحة بين دنان الخمر، ~~وكان يرى في تحقيق هذا الأمل مجدا خطيرا يتوج حياته بالخلود، وقد وصف النقاد ذلك ~~بأنه «كوميديا خطيرة» كما عابوا عليه طموحه لذلك «القبر المزخرف البغيض الذي يئد ~~القريحة ويطفئ النبوغ»، ولكن الزمن حقق بعد مماته ما عجز عنه في حياته فرفعه إلى ~~مصاف العبقريين وكتب اسمه في ثبت الخالدين. # وحسبنا أن نختم هذا الفصل بهذه الآية لأناتول فرانس نتوج بها سيرة ڤيرلين قال: # أناتول فرانس # إنه شيخ متعب من الشرود والهيام في الطرقات مدى ثلاثين عاما! إن منظره يكلم ~~النفس ويصدم النظر، إنه يجمع بين الشراسة والوداعة؛ سقراطي بالفطرة، أو خير من ذلك، ~~حيوان غابة، مخلوق خرافي، نصفه حيوان ونصفه إنسان، نصفه وحش ضار ونصفه إله، هائل ~~كقوة طبيعية غير ms08 خاضعة لشريعة ما، فهو شبيه ڤيلون ونده وضريبه: # إنما ولدان شريران!! # رزقضا التعبير وأوتيا البيان، # فباحا بأجمل ما في الدنيا من الأشياء والأحلام!! # الفصل الثاني # | شارل بودلير # CHARLES BAUDELAIRE # لم يظفر الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر بمثل هذه الألوان الفريدة الرائعة التي ~~استحدثها بودلير وڤيرلين ورامبو. # فمن الحق أن رامبو كان قوة جديدة، وصوتا جديدا، وخيالا جديدا. # ومن الحق أن ڤيرلين استحدث لغة شعرية لا عهد بها للأدب الفرنسي، وموسيقى غريبة النغم، ~~كلها سحر وكلها روعة. # ولكن من الحق أيضا أن هذين الشاعرين يتلاقيان في كثير أو قليل من فنهما الإبداعي مع ~~شعراء آخرين، مثل ڤيلون، هايني، سونبرن، إدجار ألن بو، توماس هود ، وشلي. أما بودلير فلا ~~نظير لصوره الشعرية بين شعراء عصره، ولا مشبه لفنه بين فنونهم إطلاقا. # إن قراءة بودلير تمنحك لحظات سعيدة بين التسامي والطموح إلى المثل الأعلى، وفي ~~المنثور والمنظوم من شعره موسيقى طلقة متوفرة كانتباهات الضمير، رفافة رفيف ~~التأملات الخاطفة على هوامش الصور العابرة، وهي بعد ذات إيقاع نفاذ يساير - بغير ما ~~وزن أو قافية - خطرات النفس الغنائية. # فليس من توافق المذاهب الشعرية أو المزاج الفني أن نقرن بودلير بڤيرلين ورامبو في ~~كلمتنا هذه؛ فإن الخلاف شديد بين الأول وصاحبيه، إلا من حيث ما أفادوا به الأدب الفرنسي ~~من الطرافة والابتداع، والخصب. # والثراء، ونفاذ النظرة، وما شغلوا به زعماء الإبداعية من التوفر على نقدهم ودراستهم، ~~ثم هذه المدرسة الرمزية العظيمة، التي ظلت أظهر سمات الأدب الفرنسي من منتصف القرن ~~التاسع عشر إلى يومنا هذا. # وإذا لم يصب بودلير حظه من التقدير والحفاوة بأدبه في مستهل حياته الأدبية، وإذا لم ~~يضعه بعض النقاد في صف الممتازين من الشعراء العالميين، فلا يرجع ذلك إلى قيمة فنه ~~ومميزات أدبه، ولكنه يرجع إلى عوامل كثيرة، أخصها ما أحاط بما كان ينشره من شعر في مجلة ~~العالمين، ثم تلك الضجة التي أعقبت نشر ديوانه «أزهار الشر # Les Fleurs Du Mal ~~» وما تردد من أصدائها في الأوساط الثقافية فاعتبر رجلا ms09 ~~ساقطا مخربا زنديقا. # ويقول الأستاذ «ألكوك # Alcock ~~» في مقدمة عنه رفعها ~~إلى الأكاديميه فرنسيز إن التنويه ببودلير كان مقرونا بتدهور الفن، وإن هذه الفكرة قد ~~حركت زمنا طويلا النقاد في الجزر البريطانية، ولازمت نشاطهم في غير مواربة، ولم يكن ~~ذلك بدافع من حكمة الوطنية، وإنما يرجع إلى اضطراب الفكرة المطوفة دائما بعالم الفن، ~~ولعل من عوامل خموله، أن فنه ظل غريبا عن الأدب الأوروبي، حتى في الوقت الذي اتصل ~~فيه رامبو وڤيرلين بالنقاد الإنجليز أمثال أرثر سيمونس وجورج مور وغيرهما ممن نقلوا ~~شعرهما إلى الإنجليزية، فأثار الانتباه والإعجاب من حيث التفكير واللغة والموسيقى، كما ~~كانت حياة التشرد # Vagabondage # التي انفرد بها ڤيرلين ~~من عوامل الإغراء والفتنة لأحاديث المجلات والأندية الأدبية في إنجلترا المتفتحة ~~للجديد. # ومن غير شك فإن بودلير لم يكن مخربا ولا ساقطا بالمعنى الذي نفهمه من روح السقوط ~~والتخريب، فقد يكون شهوانيا متطرفا خلع عذاره وانهمك في عبادة جديدة قوامها التحليل ~~النفسي؛ ليقيم على الميراث المحزن الذي آل إليه من المرض أو على منوال حياته التي يرثى ~~لها، هذا إلى جانب ما اجتمع لنا من دراستنا في علم ~~النفس ~~“Psychology” # وعلم وظائف ~~الأعضاء ~~“Physiologity” # وثقافة كاتب ~~أخلاقي ~~“Moraslist” ~~. # ونستطيع أن نلمس آثار هذه الثقافات مجتمعة في الصور الشعرية الشاذة التي تمثل ~~الألم والشهوة وتجسد الشر وتنطق الرعب والموت وتهتاج الحس، ثم هذه المشاهد البشعة التي ~~صور فيها الجثث المتحللة وما تفرضه الحياة على جسم الكائن الحي، ثم هذا الإطناب في ~~الجرأة التي تناول بها موضوعاته الشعرية، ولكن عنف عبارته الذي كان من مصادر شقائه في ~~حياته، وهذه الألفاظ النارية التي لم يكن يملك التعبير بغيرها عن اضطراب روحه وثورة ~~نفسه، قد دفعت به إلى حيث لا عذر له، فانظره في موقف من صبية حسناء يغمر ضوء القمر ~~جسمها، فهو لا يتكلم عن الحب بمعناه، ولا عن الجمال بمعناه، وإنما يتخذ من هذا الموقف ~~معرضا لمنطقه الخاص، حين يتكلم عن المرأة، ويعرض للمرأة، ويرى النقاد أن كل ما أسبغه ms10 ~~على القمر وضوئه من أوصاف ينصب على المرأة ويصور طبائعها، فهي فاتنة ومفسدة كضوئه ~~المتقلب؛ وهي في تحايلها وإغرائها ودهاء ضعفها ناعمة رخية، تنفذ إلى عقول الرجال ~~وقلوبهم لتنفث سمومها كهذا الضوء أيضا، اسمعه وهو يقول: «ومن ثم شعشع السندس ملء ~~عينيك، وشاع الشحوب الرائع في أديم خديك، أجل فعندما تطلعت إليه انداحت حدقتاك ~~بصورة غريبة، فطوق تحرك بذراعيه المترققتين في حنان بالغ أورثك الحنين إلى ~~الدموع. # وما هي إلا فورة من نشوة فياضة حتى غمر مخدعك بجو مشع من ضوئه الذعاف، ذلك الضوء ~~الخالد الذي هتف من سبحات تفكيره قائلا: # ألا فلترتسم عليك قبلتي إلى الأبد. # وليكن لك مثل فتنتي وجمالي، ولتحبي كل ما أحب وكل ما يحبني من ماء وسحاب ~~وليل وسكون، من البحر الزبرجدي المترامي من الماء المنطلق السيال المتعدد ~~الأوضاع والأشكال، من المكان الذي لن تطرقيه، من العاشق الذي لن تعرفيه، من ~~الزهور التي لم تنبتها الطبيعة، ومن العطور الفواحة المسكرة، ومن القطط ~~المستلقية في تراخ ذات الأصوات العذبة الحاكية لتنهدات النساء. # أجل ولتكوني فتنة عشاقي، وموضع الإجلال من سماري وندمائي، ولتستوي ملكة ~~على عرش من أفئدة الرجال ذوي العيون الخضر، الذين تحويهم أحضاني كل ليلة، هؤلاء ~~الذين يفتنهم البحر، البحر المتنائي الأطراف ذو اللجة المصطخبة الخضراء، ~~والمكان الذي لن يغشوه، والمرأة التي لن يهتدوا إليها، وأزهار الشر المتوقدة ~~كمجامر كاهن مجهول، والعطور المثيرة المستبدة بالغرائز، والوحوش الضارية التي ~~ترمز شهواتها المشبوبة إلى حماقة هؤلاء المساكين. # والآن ... أيتها الصبية اللعينة العزيزة المشوبة، ذلك ما يدفعني لأن أجثو على ~~قدميك متلمسا فيك صورة الإلهة المروعة، ربة الأرباب القاضية، ظئر السموم ~~لكل صرعي القمر من بني البشر ... # وقد انفرد بودلير من - غير شك - بصور كلها رعب وفزع، وأسلوب عنيف، وتعبيرات توصف ~~بالقبح أحيانا، ولكن الرجل كان صادقا، بل إن معجزته هي تلك الصور والأساليب الشاذة ~~العنيفة؛ وفي هذه التوافه التي أقامها من ذات كلماته يبدو لنا الفن أعظم ما يكون طرافة ~~وإبداعا وأدق وأصدق، لا من حيث التعبير ms11 فقط، بل من حيث الفكرة أو الحس الذي نقل عنه أو ~~تأثر به. # وكان هذا الشذوذ الذي تفرد به في زمانه يتمثل في إلهة جمال سوداء ~~“Black Venus” ~~، أحبها وآثرها على سميتها البيضاء، امرأة ذات ~~جسد معتل سقيم ملأت البثور أديمه يتخلع في ثوب مهلهل خلق؛ ولقد تقرب منها بودلير ~~تقرب العابد، وكان يرى فيها فتنة ونعمة ساعة يوسد رأسه المثقل بخيالات الأفيون ~~بين نهديها الطوديين، مواريا وجهه في حلكتهما عن آفاق النور. # ومن هذا الجسد الحالك، ومن أزهار الشر السوداء، استمد بودلير هذه الأفكار القاتمة ~~المضطربة، وصاغ هذه الأشعار المثالية التي وصفها «جوتييه» بأنها تلمع كالرخام ~~الأسود. # وإلى نشأة بودلير ترتد هذه الميول الشاذة؛ فقد كان على شيء من الثراء الملحوظ الذي ~~يتيح للشاعر أن يكرس أوقاته للشعر والفن، ولكن ذلك طوح به إلى عالم من الرغبات ~~المجهولة التي تنطلق أحلامها وترتسم أطيافها في دخان ذلك النبات الشرقي، وعطر المناطق ~~الحارة في جزائر المحيط الهندي، حيث ينمو هذا النبات، ويضوع طيبه، وتسطع المجامر ببخوره ~~الفواح ونكهته المخدرة، وكانت رحلة بودلير إلى تلك الجزائر في مطلع شاعريته وصباه ~~الأول، فعاد منها وهو القائل: «إن روحي تسبح في دخان تلك العطور كما تسبح أرواح الرجال ~~في أنغام الموسيقى». # ويقول بعض الرواة إنه تمنى لو ينقع جسده في عصير هذا النبات وعطره المسكر! # ومن هذه العوالم الغريبة المحوطة بالأسرار جاء بودلير بفنه الغريب الذي طغى على فنون ~~أخرى من الأدب الفرنسي؛ فقد ولد بودلير في باريس عام 1821 وتوفي عام 1867، وفي عام 1840 ~~كان هناك جيل من الشعراء الأفذاذ الذين أثرت مذاهبهم الشعرية في اتجاهات الأدب ~~الأوروبي، وكان هذا الجيل يتمثل في لامرتين، موسيه، ڤيني. # ألفونس دي لا مرتين # ففي ذلك الوقت الذي كانت تلمع فيه أسماء هؤلاء الأعلام، وتخطف بلمعانها الأنظار، كان ~~بودلير صبيا في التاسعة عشرة من عمره يقرض الشعر، وكان ليكونت دي ليل زعيم ~~البارناسيين في العشرين من عمره، ولم يكن مالارمي معلم الرمزية قد ولد بعد، وكان ~~الجيل ms12 يصغي إلى هذه الأصوات العذبة الشجية المرتلة كأناشيد السماء في تأملات لامرتين ~~وفي قصائه: الخريف، ونبغ الغابة، والبحيرة، التي ترجمناها شعرا في ديوان الملاح ~~التائه، وكان الجيل مأخوذا بهذه الروح الشادية الحائرة الوالهة التي تفيض من ليالي ~~موسيه ومن قصائده: في التذكار، وفينسيا وغيرها، وكانت قصائد ألفرد دي ڤيني في ~~سيمثا # Symètha ~~، وباريس، وبيت الراعي التي ترجمناها ~~في غير هذا المكان، قد رفعت إلى عالم الشعر مثاليات من الرمزية الرقيقة والمعاني ~~الدقيقة والأخيلة الفاتنة والموسيقى العالية. # ألفرد دي موسيه # فهذا الجيل الذي تأثر وأعجب وفتن بهذه الصور المشرقة السمحة الوادعة هو الذي ~~عاد فأعجب بالصور البودليرية التي تشب بأوار الجسد، وتفوح بأزهار الشر، وتلمع كالرخام ~~الأسود! # وهذا سر بودلير وفنه الذي يقف به وحده في تاريخ الشعر الحديث. # ففي مدى سنتين من عام 1855 كان اسمه حديث الخاصة والعامة، وكانت محاكمته على بعض ~~قصائد ديوانه «أزهار الشر» قد مهدت لهذه الشهرة. # لقد كان لدى بودلير ورع الإنساني ورقة الخير، ولكنه أراد تحويل الطبيعة التي لا ~~تتحول. فلم يجد ثمة من محبة للكمال البشري أو النبل الفطري. # وهنا يقول أرثر: # وهناك أزمنة في التاريخ، عندما يخبو لهب الصباح المضيء، وتخمد وقدة الظهيرة ~~القائظة، فإن المأساة لا تذهب بعيدة عنا، ولا تمضي عائثة في الأرض، وحينما ~~ينطلق مرتفعا كرم الروح الأصيل، وترتد عيون الرجال في أغوار النفوس، وفي ظلال ~~الأشباح الغامضة، وفي الندامة والسخرية، والتشاؤم والألم، فعند هذه قد يصل الفن ~~إلى أمثل صوره، وقد لا يكون من ندحة عن اكتساح النمط الكلاسيكي بعنف، ~~والسمو إلى صناعة رفيعة، وقالب متجاوب بالأحاسيس؛ ليكون مع بعض إيضاح بسيط ~~تعبيرا صادقا متماثلا بالأمانة والحماسة. # ولكن بودلير وضع نفسه بيده في موقف الاتهام، وليس من رحمة ولا شفقة، ولم تكن هزة ~~الاتهام لتنفذ من سياج شخصيته المتحركة دائما في رحاب حياته، وإن تركت حياته بعد ذلك ~~حلقات غير متصلة، وكانت قسوة محاكمته - وقد بلغت أقصاها - واحدة من أسباب عزلته ~~الأبدية. # فالذين قرأوا لبودلير ولم يقفوا على ms13 تلك العوامل التي اكتنفت طريق حياته، لا بد وأن ~~يجرفهم تيار اتهامه القاسي. # وأرى من العبث الدفاع عن بودلير كما أن من السخرية القول إنه لم يكن واقعا في ~~الخطيئة أو متصلا بها اتصال هؤلاء الذين لا تشعرهم الطبيعة بفضيلة الإيمان، فقد قضى ~~حياته مخلصا لمناسك شهواته، وفي ذلك يقول أرثر سيمونس: # إن في شعر بودلير إحاطة واسعة عميقة لتمرد الشعور واهتياج الحس وضلال الميل ~~الجنسي، فيها شيء عجيب يفخم من صوت الرذيلة المكتنفة بالرعب، وفيها شيء ~~عجيب آخر عن حماسته في عبادة شهواته!. # لقد عاش وحيدا ومات وحيدا، يحوطه الغموض، معترفا بخطاياه التي لم يقل ~~عنها كل الحقيقة، متفانيا في شهواته، وفي الماخور، منسكه الأثيم. # ويقول بعض النقاد إن بودلير كان ضحية المرأة، ويقول آخرون إنه كان ضحية الأفيون ~~والحشيش، ولكن الذي لا مراء فيه أن هذا الشاعر المسكين كان يحب المرأة ولكنها لم تكن ~~تحبه، وأنه كان ينشد الحظوة عند النساء ولكنه كان سيئ الحظ لديهن، وهذا ما دفع به إلى ~~تحديهن بالشر والكنود حتى أصبح يرى في الشيطان المثل الأعلى للجمال! بل إن هذا ما دفع ~~به إلى هذه المواخير التي تنضح بشهوات الأجساد البشرية وإلى هذه الأوكار المظلمة التي ~~يتهالك فيها المتعبون الذين يسترقون أنفاسهم من عطر هذا النبات الشرقي! # ولقد كان الرجل ألصق بالحياة، وأعظم اجتواء بنارها، وأبصر عينا بدنسها، فلا غزو - ~~وقد آثر الصدق والأمانة - إن عبر لنا عن شعوره بالواقع وإن أفرط في ذلك كنتيجة لتأثره ~~السريع، ولكن بودلير الذي يبدو إباحيا مسرفا في إباحيته، لا يكاد ينصرف إلى نفسه حتى ~~يذكر الموت ونهاية الإنسان المحزنة، فيصف لك دموع الميت حينما تطحن الأرض قلبه وتعبث ~~برفاته أقدام العابرين، وهو لا ينسى الديدان وهي تنهش أديم الجسد البشري، فيحس لها ~~وخزا كوخزات ضمير يؤنب صاحبه، فانظر إلى ما يقول بودلير في قصيدة عنوانها «ندامة بعد ~~الموت»: # عندما ترقد يا طيف جمالي القاتم، تحت تمثال من الرخام الأسود، في كهف مخدعك ~~الرطب، تحت قپول ذلك ms14 المأوى، وعندما يعصر الحجر الكبير بثقله المروع جوانب ~~صدرك، هنالك في خفة حالمة بهجة سيكف ذلك القلب عن ضرباته ورغائبه، وستقف هذه ~~الأقدام المتقحمة المغامرة عن عدوها. # وهنا سيهمس هذا القلب أو القبر الذي ساهمني هواجسي وأنا مستغرق في شرودي ~~الأزلي طيلة تلك الليالي: ~~«لمن وقع هذه الخطى؟!» «من أنت أيتها الأقدام الفاجرة؟؟ أنت التي لم تعرفي ~~بعد ما هي دموع الموتى!!» # وكوخزات تأنيب الضمير ستمضي الديدان في التهام جسدك ... # وهل هناك شيء أروع من دموع الموتى؟! وهل هناك من ألوان الألم ما هو أشد وأقسى من ~~وخزات الضمير؟! إن في أمثال هذه الخواطر ما ينفي عن بودلير صفة الإيمان بالشر، فهو لم ~~يكن إلا مدفوعا بعوامل الحياة، وتحت عبء آلامه إلى تصوير هذه الفظائع، وهذا ما يتفق ~~ورجل يتألم للموتى، لا لأن أقداما فاجرة تطأ رفاتهم، كما يقول المعري فيلسوف ~~شعراء العرب: # خفف الوطء ما أظن أديم # الأرض إلا من هذه الأجساد # ولكن لأن ذرات أجسادهم تبكي بدموع قلوبهم ... # وإذن فلا موضع لهذا الاعتبار، فمهما كان تمرد بودلير مستمدا من فلسفة عقلية غير ~~سليمة، ومهما كان شذوذه مستمدا من ذات حياته، فلا يمكننا إلا التسليم بأنه رفع إلى ~~الأدب أسمى صور الخيال والفكر، وأنه رفعها باقتناع لأنها في جوهرها تثبت شجاعته وإخلاصه ~~الرفيع لفنه، فلم ينحط إلى التجارب الفجة، ولم يسف إلى اللا فنية العاملة باسم ~~التجديد. # وأخيرا فإن بودلير قد استطاع أن يطبع بطابع لا يمحى كل شيء بصفاء مشعشع بالنور، ~~وبساطة تامة، وتخلص رشيق، في عبارات كلها صدق وكلها جمال، غير مقيد بتلك الهرطقة ~~الشلاء، ففكرة الفن عند بودلير هي فكرة التحايل والمهارة. # وعندي أن «ألكوك» قد أحاط بذلك كله حين يقول: «وهكذا الدنيا التي خلقها بودلير، دنيا ~~حالمة بالجمال، وروح العزاء المرفه عن العاطفة ما تراوح بها طغيانها بين الحرة والضيق ~~... إن تفوق بودلير في الصور الشعرية قد أغناه عن تلمس شواهد حية على مذهبه العلمي، ~~وعما يدخل في وحدة الفن من الصورة والصوت واللون والرائحة، ms15 فمقاييسه عطرية الشذى، ~~فطرية اللون، وإيقاعه الموسيقي يترجم دائما عن أصداء مزاجه الشعري، أما أسلوبه فقد ~~تحول حتى ليرى واضحا، بسيطا، رائعا». # لقد كان بودلير فنانا صادقا، طموحا، محبا للجمال. وعلى العكس مما يرى الكثيرون ~~فإنه باندفاعه المزن في تلويث الجمال الأرضي، ورده كل أنثى امرأة عاهرة، قد أفشى ~~عاطفته المكرسة لعبادة الجمال المطلق. # ولكنه غامر وكابد كثيرا في نشدان حرية الفكر، من حيث هي حرية الفن، وليس لنا إلا أن ~~نتمثل قوله: # وسأظل دائما وربما إلى الأبد - كذئب وقع في كمين - أثب إلى قمة المثل الأعلى ~~... # الفصل الثالث # | في الأدب الإنجليزي الحديث # من رسائل الكاتبة «ربيكا وست» # الكاتبة ربيكا وست # Rebeeca West # من أشهر الأديبات في ~~هذا العصر، وقد كتبت في كبريات المجلات والصحف الإنجليزية والأمريكية في شئون السياسة ~~والأدب، ومن مؤلفاتها: هنري جيمس، عودة الجندي، سباع وخراف، والصوت الأجش وسانت ~~أوجستين. # ملك ناصية الأدب الإنجليزي قبل الحرب العالمية الماضية كتاب أعلام لم يبق منهم ~~بيننا اليوم غير رجلين هما برنارد شو وهربرت جورج ويلز. # وإذا كان أولهما قد ناهز الرابعة والثمانين من عمره، ولم يعد ينفحنا كعادته بقصصه ~~الموسوم بالتقدير الفائق، فإنه ما يزال يمنعنا بأجل مواهبه المستمدة من طبيعته ~~البالغة التأثير، ومرحه الساخر الذي أحله منزلة شعبية مرموقة يتناهى عندها الطموح، ~~وإنا لنلمس في أطواء نفسه شعور الإخاء الذي يبتهج به القرويون، وأرق الميول الإنسانية ~~التي يحتفل بها المزارعون وهم يروون الشعر ويتحدثون عن الشعراء. # فسائقو السيارات في لندن، وبائعو الورد، يعرفون هذا الشيخ الأديب بلحيته البيضاء، ~~وقامته المديدة، وسمته العجيب، وهو يذرع الشوارع والطرقات بخطاه الواسعة؛ وهذه الصحف ~~والمجلات تتسابق إلى التقاط عبارة من آخر دعاباته وتتنافس في نقل إحدى نوادره وفكاهاته، ~~ومن عجب أن يغلو هذا الشيخ المسن في تهكمه حتى ليتدفق على الناشئة والأيفاع بالروح ~~الساخر الذي تعودوا هم أن يلذعوا به من يكبرونهم من الكهول والشيوخ. # وبهذا استطاع «شو» أن يبرز من الإعجاب به، وحدة من حياتنا الشعبية قلما يستطاع ~~تحقيقها في جماهير ms16 مختلفي الأمزجة والأطوار كالذين تزخر بهم كبريات المدن. # أما ويلز فمع أنه تجاوز الثالثة والسبعين من عمره إلا أنه لا يزال مرموق الأثر، ~~ملحوظا بالاعتبار والتقدير، وفي مثل هذه السن نواجه رجلا رصينا راسخا، محبا ~~للعراك، حاد الطبع، خصبا، متدفق الحيوية، كأنما هو في منتصف العمر الذي بلغه اليوم، ~~وهو فوق ذلك دءوب لا يكل ولا يمل، كأنه ڤولتير إنجليزي، مع بعض متناقضات لطيفة تحببه ~~إلينا وتجعله أثيرا بإعجابنا. # هربرت جورج ويلز # ومع أن ثورته هذه لا خطة واضحة لها، ولا شرح لمذهبها، إلا أنه كمصلح اجتماعي، لا ~~يتردد في رفع عقيرته بالدعوة إلى اطراح القديم وتخلصنا من عيوب التشبث به والمنافحة ~~عنه. # وهو يستحثنا في الوقت نفسه إلى تنظيم مستقبلنا على ضوء العلم الهادئ الواضح، ولكن حين ~~نختلف في الرأي معه فإنه يندفع في المعترك بروح سام مشرب بالفن اندفاعا يناقض الروح ~~العلمي الذي يدعونا إلى اتباعه. # ولم يكن هناك خلال الحرب الماضية من طراز ذينك العلمين اللذين أسلفنا القول عنهما غير ~~رجل واحد هو «وليم سومرست ~~موم # William Somerest Maugham ~~». # فنحن هنا إزاء رجل آخر يرجع جلاء قريحته وطبعه المصقول إلى العمل الذي أحبه ~~وآثره، وإلى المنطق الذي استمده من طوارئ حياته، كما يرجع في ذلك أيضا إلى عائلة ~~إنجليزية امتدت أصولها منذ أجيال بعيدة إلى أرض فرنسية، حيث كان قد أرسل به ~~صغيرا إليها عقب وفاة أمه ليكون في كنف أقارب قضى سوء الطالع أن يكونوا غير متعاطفين، ~~ولكنه باستخفاف صبي ذي شعور مرهف، مضطرم الحنين إلى وطنه، لم يدخر جهدا في إدخال ~~السرور إلى منزل يهتم به جماعة من الغرباء النازحين في أرض أجنبية، ومنذ ذلك الحين شب ~~على غرار أصيل من أرومته، فجعل قوام أعماله الأدبية النظر في حياة الإنجليز الخاصة، ~~وشحذ من نظرته في الحياة عمله كطبيب، وقد أورثه الدم الإنجليزي المتدفق في عروقه حب ~~الأسفار وجوب البحار، ولم يكن يسأم الانفراد بنفسه، بل إن ذلك قد رزقه إمعان الفكر في ~~الحياة. # وفي كتابه ms17 «قصارى القول» الذي نطالع فيه تاريخ حياته، نرى كيف مضى مطوفا بأنحاء ~~الإمبراطورية القاصية وكيف أنه استلهم هذه الحياة ما تفرد به من عقل محلل، وجأش ~~رابط، خلق ركين، وقد يبدو عجيبا اندماج مثل هذا الرجل في بيئات الحكام والمستعمرين، ~~وأوساط الجنود والملاحين، الذين التقى بهم في حلاته واتصل بهم خلال عمله، ولكن ذلك ما ~~آثره من قبله الشاعر العظيم رديارد ~~كبلنج # Rudyard Kipling # وعظمه بحرارة ونال منه رضى لا يحتمل تأويلا، ولقد كتب كبلنج ~~عن أولئك الرجال كما عرفهم، وصورهم بالحالة التي رآهم عليها، أما «موم» فقد كتب ~~عنهم بطريقته التحليلية نافذا إلى حياتهم من خلال علومه ومععارفه، فالغريب إذن هو أن ~~الشعب الذي قرأ لكبلنج ما كتبه عن هؤلاء الرجال وأعجب به واستساغه، هو نفس الشعب الذي ~~أقبل على قراءة ما كتبه موم عنهم واستساغه أيضا، وهذه علامة التحول في الوضع دون ~~أن يرجع ذلك إلى تفاوت في الخلق، أو فتور في العزيمة والإقدام. # ولكن «موم» استطاع أن يخدم الإمبراطورية، وستبقى الإمبراطورية التي أحلها اهتمامه، ~~وحباها أعظم التقدير والتبجيل. # أجل إننا نتحول، إن عقليتنا المركبة فينا قد تطورت كثيرا، وأصبحت أكثر قابلية ~~لمقابلة الجدل المحتشم، وأعظم مرونة لمعالجة المسائل المعقدة، أكثر وأعظم مما كانت عليه ~~من قبل، وللتدليل على ذلك نعرض لمستر بريستلي Priestley # وأعماله الأخيرة. # فهذا مؤلف نابه معروف للسواد الأعظم من الناس، تبرز في سمته شخصية مشاكس عنيد، أقرب ~~في شدة مراسه إلى المزارعين الأقوياء منه إلى كاتب يدبج المقالات، إنه قوي كملاكم، ~~يتكلم بنبرات كالقرويين إذا هضبوا بالقول، وهو لا يفتح فمه إلا بإشارات وإيماءات عنيفة، ~~متباينة الأثر في سامعيه، فإما أن تثير حقدهم عليه مدى الحياة، أو تجعلهم أصدقاءه إلى ~~الأبد. # وهو يكتب متدفقا متمثلا ألوانا من العظمة، ليحصل على مكافأة أدبية، أو ليدير ~~مسرحا، أو ليضرب في الأرض في رفقة أقاربه المنتشرين في كل الأصقاع، وقد أصاب النجاح ~~بأمثال كتابه «الأصدقاء الأخيار # The Good Companions ~~» ~~المحتفل بالرصانة والدعابة وتبسيط مبادئ الرقي المأثورة عن ms18 تعاليم شارلز ديكنز # Charles Dickens ~~. # وقد أنشأ في الوقت الأخير رسالة مسهبة بعنوان «نصف الليل في الصحراء» وقصتين ~~تمثيليتين بعنوان «الوقت وآل كونوأي» و«كنت هنا من قبل» وتدور حوادثهما على استكناه ~~أسرار الزمن، وهل المستقبل موجود منذ الأزل؟ وهل نساق إليه قسرا؟ أم نحن نصنعه ~~بتصرفاتنا وأفعالنا مختارين؟ وإذا كان الزمن هو هذه اللفائف التي تطوى؛ فهل لطوله ~~نهاية؟ أم هو غيب مستغلق؟ أم أن الأفكار التي تمر ببالنا هي التي ترسمه كما يقول ~~الفيلسوف العظيم نيتشه؟ # ومثل هذا الكاتب المتميز بصفاته الجوهرية، ومثل سماعه الذين يتبعونه بالتصفيق ~~والتهليل، صورة من إنجلترا الجديدة التي تبدو أبعد تأملا في الحياة، وإن دل ذلك على ~~شيء فعلى تحول جديد، قوامه الجرأة في التعبير على نطاق شامل مطابق للحقيقة، ولنأخذ على ~~سبيل التدليل اتجاه «ألدس هكسلي # Aldous Huxley ~~» هذا ~~الذي يشار إليه بالبنان ويبدو حجة في كل الاتجاهات التي يرمي إليها، إن طول قامته ستة ~~أقدام وسبع بوصات، فهو أول عملاق ينصبه التاريخ مرشدا للعقول، وكان في صغره طفل معجزات ~~فأشار إليه «مارسيل بروست # Marcel Proust ~~» في كتابه ~~«البحث عن الوقت المفقود» كعلم من أعلم الأدب الأوروبي الحديث مع أنه لم يكن تجاوز في ~~ذلك الحين العشرين من عمره. # ألدس هكسلي # وهو مزاج من إرادة لا تلين، وعزيمة لا يخمد أواراها، ودأب لا يخفف منه اعتلال صحته، ~~وتحزب أعمى لآرائه، وقد جعل منه كل أولئك أشهر مؤلف إنجليزي معاصر، له اتجاهاته ~~المتشعبة في الأدب الإنجليزي وإحاطاته المتساوقة بالآداب الفرنسية والألمانية ~~والإيطالية واللاتينية والإغريقية، هذا إلى توجيه رفيع لفن القصة، وتلك الرشاقة وخفة ~~الروح اللتين يجري بهما الحوار مع القصد في تصوير الطبائع، فهو لا مشبه له عندنا ولا ~~ند له في هذا. # وينظر «ألدس هكسلي» في عمله إلى مستقبل حافل بالطمأنينة كأديب بارز ولكنه لا يقنع ~~بذلك لأنه يدرك أن من واجب الرجل الفنان أن يوجه نفسه حيث يشاء نبوغه، على أن يكون ~~هذا التوجيه لخير المجتمع؛ ولذلك فقد كتب عن «الدنيا الجديدة ms19 الباسلة» فأنجز بكتابه هذا ~~أعظم عمل فني رفيع، ومع ما توخى فيه من البساطة والسهولة، فقد أعده هجوما على ~~المدنية الأوروبية حاشدا فيه من ألوان الفكر والمعرفة ما لم يحشده الفيلسوف ~~«إشبنجلر # Spengler ~~» في مجلديه الشهيرين. # وقد وصف في كتابه هذا عقلية شاب أبيض نشأ بين قبائل السود المتوحشة، وليس ثمة من صلة ~~تربطه بالثقافة التي كونته غير أعمال شكسبير الأدبية، فاستطاع هكسلي بهذا الوضع أن ~~يكشف عن الوحشية وعدم التعقل الشائعين في كثير من المثل المتجاوبة بها عبارات ~~شكسبير والتي هي جزء من ثقافتنا، وعما في كثير من مثلنا العليا في الحب والخطيئة ~~والسلطان من آثار هذه الوحشية. # ولكن بوصفه دنيا جديدة، بنيت خارج نطاق تلك القبائل وعلى تخطيط من الأساليب ~~العقلية الخالصة، حيث يعرف الحب بأنه تنظيم العلاقة بين الذكر والأنثى من ~~الحيوان، وليس ثمة تعريف للخطيئة إلا أنها ما يؤذي المجتمع، فقد أبان عما في ~~أعمق غرائزنا من العقم والمجافاة لهذه الدنيا، ورغم هذا فقد شقت عبقرية هكسلي بهذا ~~العمل اتجاها جديدا له خطره، حطم به البناء الثقافي الذي نعيش فيه جميعا، وسد ~~المنفذ الوحيد المرئي لنا، وكان من الحتم عليه إذا كان رجلا عظيما بحق، أن يدلنا ~~على منفذ آخر أمين نجد السلامة فيه أمرا واقعا ملموسا. # وفي الواقع يتعين على هكسلي أن يجرد من نفسه في المستقبل كاتبا اجتماعيا أكثر ~~منه فنانا، كما تنطق بذلك أعماله الأخيرة في رواية «ضرير في غزة # Eylelss in Gaza ~~» وفي مقاله «الغايات ~~والوسائل # Ends and Means ~~» حيث يبشر برسالته الجديدة صريحا مخلصا أبلغ ما تكون ~~الصراحة والإخلاص. # وهذه الرسالة الجديدة لا تختلف كثيرا عما بشر به تولستوي من قبل، أي إن الإنسان ~~لا يستطيع أن ينقذ نفسه إلا بالتقشف والنسك والتحرر من الرغبات السفلية الوضيعة، وليس ~~ببعيد أن يتاح لنا في حياتنا شهود هذا الطور الجديد متفردا بشخصيته الهامة التي تفرد ~~بها تولستوي. # وقد أثبتت عبقرية هكسلي بهذا العمل الذي استرعى كل انتباه أنه يعد بحق سليل ~~العلامة هكسلي ms20 الكبير، صديق داروين وحواريه، وأنه نشأ على غراره مشربا بتعاليم ~~اللاأدرية. # وقد نرى في كتاب كثيرين آخرين من الإنجليز ما يثبت أنهم مضوا في ذات البحث عن تعليل ~~الوحي والوصول إلى مصدر من وراء العقل يمكنهم من كشف أسرار الحياة، ولقد أثر ~~ذلك في بعض اللامعين من الناشئة فأخذوا بالمعتقدات الكاثوليكية التي آثروها عند الكاتب ~~القصصي «إفلين وف # Evelyn Waugh ~~» في رواياته «التدلي ~~والسقوط» و«قبضة من التراب» و«الأجسام الخسيسة» التي يذم فيها المجتمع الذي قام بعد ~~الحرب ويقدح فيه بما أبدعته مخيلته وبما رزقه من الثروة البيانية، وكما فعل ~~«جراهام جرين # Graham Green ~~» الذي برهن بروايته ~~«بندقية للبيع» على أنه من أعظم كتاب الأقصوصة الموهوبين، أصحاب الشعور المرهف كما كان ~~ويلز في صباه، وكذلك كونراد وكيلنج أيام كانا من رواة الأقاصيص. # وإذا نظرنا خارج الكنيسة فإنا نرى شارلس ~~مورجان # Charles Morgan # الذي حاز نجاحا باهرا وتفوقا منقطع النظير بقصته ~~«الينبوع» فسجل بها فتحا جديدا في دراسة المثل العليا للتصوف، وكذلك «ناومي ميتشيصن # Naumi Mitchison ~~» الكاتبة القاصة التي اتخذت ~~من المخلفات القديمة أو التراث الكلاسيكي مادة لروايات أشرب فيها العلم بنار ~~البشرية المشبوبة، وقد عملت مع «جيرالد ~~هيرد # Gerald Heard ~~» الأخصائي في علم الاجتماع لإيجاد قاعدة دينية جديدة تلائم عصرنا ~~هذا. وكانت ميتشيصن إلى جانب ذلك من السياسيات المهيجات اللاتي يتلاعبن بالعواطف، وما ~~أكثر أولئك الذين أدى بهم بحثهم عن مصدر الوحي وتعليله لا إلى تغيير معتقداتهم ~~الدينية بل معتقداتهم السياسية، ومنهم شعراء الشباب أمثال «سيسيل داي لويس # Cecil Day Lewis ~~» و«وستيفن سبندر # Stephen Spender ~~» و«ي. ه. أودن # W. H. Auden ~~» الذين يعنون بصقل أشعارهم وتصفيتها ~~لتمجد وتخلد بجمالها الموهوب وليس بالزخرف المجلوب، و«فورستر # E. M. Forster ~~» الذي بقي أرق كتاب القصة وأغزرهم شاعرية، و«رالف بيتز # Ralph Bates ~~» الذي أخرج النفيس من القصص القوي ~~المؤثر عن حركات العمال في أوروبا بقلم ناقد مرهف الحس، ومؤرخ موسيقي، وكذلك ~~«رالف فوكس # Ralf Fox ~~» واضع تاريخ حياة جنكيز خان، ~~و«ڤيرچينيا وولف # Virginia Woolf ~~» الكاتبة ms21 العظيمة ~~التي أصابت نجاحا شعبيا كبيرا بروايتها «الأعوام» التي رسمت فيها تدرج اليخوت من ~~الصبا إلى مختلف أطوار العمر في جيل كامل! # ولئن أصاب التحول والتغيير كل شيء في مضطرب هذه التيارات فقد بقي شيء واحد لا يتحول ~~ولا يتغير، ذلك هو معدن إنجلترا وعنصرها. # فنحن ننجب الأعلام بغير ما ضن أو من، ونطلعهم مشابهين لأولئك الذين كانوا موضع ~~المباهاة في أيام سابقة، أيام كانت لنا كل المعارف، وكانت عظمتنا سافرة لا ترقى إليها ~~شائبة. # ولقد أنجبنا أيضا المحسنين النافعين من رجال البيوتات الذين نلقبهم بالأرستقراطيين، ~~ومع ما يئودهم من أثقال الخدمات العامة وما يحوطهم من المغريات الشتى، وصنوف العبث ~~واللهو، ومع أنهم لم تهيأ لهم الفرص ليبرزوا في مجال الأدب والفن، فقد أقبل بعضهم ~~على عمله إقباله على لهوه بكل ما هيأته له الطبيعة من مزاج، وأعدته له مواهبه الفنية، ~~فاجتمع لنا في كتبهم وخطبهم ورسائلهم لون نفيس من الأدب تتجلى فيه الفطنة والذوق ~~الرفيع. # ولقد أعطوا في كل ما أنشأوا من الكلمات والأساليب، وصوروا من المعاني والأخيلة ~~الدليل على أن روح الجمود لم تكن من تقاليدنا في يوم من الأيام. # الجزء الثاني # | قصائد مترجمة # الفصل الرابع # | القبرة # للشاعر الإنجليزي «بيرسي بيش شيلي» # ولد هذا العبقري عام 1792 ومات غريقا في ليجهورن بإيطاليا عام 1822، وإن الثلاثين ~~عاما التي عاشها لتتضاءل أمام نضجه الفني وإنتاجه الغزير الحافل بأسمى النماذج الشعرية ~~في قصائده الرائعة. # ويعد بحق الشاعر الفرد الذي يتقدم وحده الشعراء نوابغ الأعمار في جميع الأجيال حتى ~~اليوم. # ويتفرد شعره بهذه الموسيقى المرحة الطلقة الصافية التي توصف بالقيثارة التي أيقظت ~~أعذب الأنغام في قلب الحياة والتي انتزعت الرقة والحلاوة من جفاء الزمن وقساوته، ولكن ~~المدرسة الحديثة تعتبره أعظم الشعراء المتصوفة في الإنجليزية بعد وليم بليك. # وقصائده الثلاث في السحابة، والرياح الغربية، والقبرة، من أشهر الغنائيات في ~~عالم الشعر. # ولما كانت القصيدة الأخيرة من أحفلها بصور الخيال والجمال التي لا مشبه لها، فقد ~~آثرت نقلها إلى العربية غير مجترئ على معاني ms22 الشاعر وأفكاره وسياقه الشعري بشيء من ~~الحذف، بل مضيفا ما يقتضيه إظهار المضمر من المعنى وتبسيط المركب من الخيال مراعيا في ~~التعبير عن الأصل الإنجليزي ما توحي به مقتضيات البيان الشعري العربي، وجامعا ما أمكن ~~بين الاثنين. # يا أيها الروح يهفو حوله الفرح # تحية أيهذا الصادح المرح # من أمة الطير هذا اللحن ما سمعت # بمثله الأرض، لا روض ولا صدح # أنت الذي من سماء الروح منهله # خمر إلهية لم تحوها قدح # يفيض قلبك ألحانا يسلسلها # فن طليق من الوجدان منسرح! # وعاليا، عاليا، لا زلت منطلقا # عن الثرى، تصل الآفاق آمادا # مثل السحابة من نار مسعرة، # والبرق مؤتلقا، والنجم وقادا # يهفو جناحاك في أعماق زرقتها # وأنت تضرب في الآفاق مرتادا # تشدو فتمعن في أجوازها صعدا # فإن علوت بها أمعنت إنشادا # ومائج ذهبي النور قد غرقت # في ذوبه الشمس عبر العالم الثاني # توهج السحب البيضاء حمرته # فتستحيل عليها ذات ألوان # أشعة ذات أمواج غدوت بها # تطفو وترسب في لجيها القاني # كأنما أنت جذلانا تراوحنا # روح من الطرب العلوي نوراني # تذوب حولك إما طرت في أفق # غلالة الأرجوان الشاحب الساجي # كنجمة في سماء الليل خافقة # تذوب في فلق للصبح وهاج # يا من تطربني ألحان غبطته # وما رأيت له طيفا بمعراج # ألا أراك فإني سامع نغما # يهفو إلي بإطراب وإبهاج # وصاعدا في مضاء السهم أرسله # قوس من الكوكب الفضي منزعه # ينأى فيخبو رويدا وهج شعلته # حتى يلاشي كأن الفجر يتبعه # وترسل العين ترعاه هنا وهنا # وما يبين لنا من أين مطلعه! # حتى إذا عزنا المرأى وأجهدنا # دل الشعور على أن ذاك موضعه!! # هذي السماء بموسيقاك مائجة # والأرض يغمرها من صوتك الطرب # وصفحة الليل أصفى ما يكون سوى # غمامة خلفتها وحدها السحب # وقد بدا القمر الوضاح يمطرها # أرسال ضوء على الآفاق تنسكب # يرمي السموات سيل من أشعتها # تكاد تسبح في طوفانه الشهب # من أنت! يا من يجوب الليل منفردا # ولم تقع لي عليه بعد عينان؟ # أي الخليقة قل لي هل أنت تشبهه # وأيها منك في ms23 أوصافه داني؟ # وهذه السحب أصباغا مشكلة # في رائع من فريد اللون فتان # لا ينزل الغيث منها مثلما نزلت # شتى أغانيك في سحري ألحان! # كشاعر في سماء الفكر مختبئ # دل الوجود عليه لحنه العالي # ألحان أغنية أمسى يرتلها # كمرسل من نشيد الخلد سيال # أسلن بالعالم السالي خوالجه # حتى استحال شجونا قلبه الخالي # بعثن من ألم فيه ومن أمل # ما لم يكن منه في يوم على بال # كأن حورية في ظل شاهقة # من البروج تقضي العيش في خلس # لم يغمض النوم عينيها ولا خمدت # نيران قلب لها في فحمة الغلس # باتت تلطف آلاما تساورها # في عزلة بنشيد ساحر الجرس # تطوف ألحان موسيقاه مخدعها # كأنه الحب في إيقاعه السلس # كأن بين الربا التفت خمائلها # فراشة من سبيك التبر جلواء # يا حسن أجنحة منها مذهبة # قد رقشتها من الأسحار أنداء # تري السماء صفاء فهي إن خطرت # فللسماء بهذا اللون إغراء # تجلو الأزاهر والأعشاب طلعتها # إذا بدت ولها فيهن إخفاء # كزهرة الحقل في غيناء سرحتها # لم يملأ النور من أجفانها حدقا # حتى إذا لفحتها الريح هاجرة # زكت وأربت على أملودها ورقا # وأرج الحقل من أنفاسها عبق # يشوق كل جناح نحوها خفقا # تهفو إليها من الأنسام أجنحة # من كل منطلق من عطرها سرقا # ووقع لحنك في الأسحار أرخم من # وقع الندى فوق أعشاب البساتين # قد نقط الزهر المنضور سلسله # وجاد بالطل أفواف الرياحين # يا من علا صوته في الأفق منسجما # تصحو الأزاهر في أفنانها الغين # كل البدائع مهما افتن مبدعها # لم تعد لحنك في صوغ وتلحين # قل لي أمن ملكوت الروح منطلق # أم طائر أنت في الآفاق هيمان؟ # أي الخواطر من حسن ومن بهج # يشيعها منك في الأرواح وجدان؟ # لم تشرئب قلوب من أضالعها # لغير صوتك أو تنصب آذان # حديث حب وخمر بات يسكبه # من جانب الله أنغام وألحان!! # من أين تلك الأغاني أنت ترسلها؟ # من أي مطرد الينبوع منسجم؟ # من أي ثائرة الأمواج زاخرة؟ # وأي تلك المروج العذبة النسم؟ # من أي ضاحية الآفاق صاحية؟ # أي ms24 السهولة والأغوار والقمم؟ # وأي حب أليف منك أو وطن؟ # وأي جهل لما نلقاه من ألم؟ # وفي منامك والآفاق حالمة # وفي انتباهك والظلماء إصغاء # لا بد من نبأ للموت تعرفه # وفي فؤادك عنه اليوم أشياء # لأنت أعمق فكرا في حقائقه # بما نراه ونحن اليوم أحياء # أو لا! فكيف انسجام اللحن مضطردا # يجريه من رائق البللور لألاء؟! # إنا نفكر في ماض بلا أثر # ومقبل من حياة كلها غيب # ومستحيل نرجي برق ديمته # وكل ما نرتجيه منه محتلب # وكم لنا ضحكات غير صادقة # ما لم يشب صفوها التبريح والوصب # وإن أشهى الأغاني في مسامعنا # ما سال وهو حزين اللحن مكتئب! # هبنا على رغم هذا ليس يجمعنا # بالحقد أو كبرياء النفس أوهاق # فلا القلوب لدى البأساء جازعة # ولا بهن إذا روعن إشفاق # وأننا قد درجنا في خليقتنا # بلا دموع تذريهن آماق # فكيف كنا إذن نلقاك في فرح! # أويغمر الروح لحن منك رقراق؟! # يا أعذب الطير موسيقى وأروعها # من كل رائق أنغام وألحان # ويا أعز لنا من كل ما جمعت # نفائس الكتب من دري تبيان # يا ما أحق اقتدارا منك قدرته # بشاعر لبق التصوير فنان # أنت المبرأ في حب وعاطفة # يا من تعاليت عن أرض وإنسان # أما تعلمني مما يفيض به # غناؤك العذب تطرابا وتحنانا! # ذاك الجنون الذي يهدي توافقه # إلي من صدحات الخلد ألحانا! # ألست تلهمني وحيا يفيض به # فمي، فأملأ قلب الكون إيمانا! # أشدو فيلقي إلي الكون مسمعه # يصغي إلي كما أصغي لك الآنا! # الفصل الخامس # | الشاعر وكتابه # للشاعرة الأمريكية «إدنا ڤنسنت ملاي» # إلى الوراء أيها الموت، إلى وجرك أيها المتلون الختال، إني أسترق أنفاسي من جذور ~~هذا النبات، أنشب براثنك ما شئت، واستثر كل ما فيك من قوة، فستجهد كثيرا، وستضيق ~~بضجرك ليالي طويلة، وستطمر كثيرا من العظام قبل أن تسحق عظمة واحدة من هيكلي ~~الرقيق. # ومتى يدركني الموت؟ ومتى يحل بي الفناء؟ # أعندما يشيع الذبول في هذا الجسد، ويلف نبات الأرض هذا الرأس بضفائره الصفر؟ ~~أعندما يقف العشاق يعجبون مني ويتساءلون ms25 عني، من أكون؟ أنا ذلك الراقد تحت أطباق ~~الثرى محتجبا عن ضوء القمر؟ # أهذا فنائي الأبدي أيها الموت؟ أعندما يقف هذا القلب عن خفقانه فلا يردد شهيقا ولا ~~يصعد زفيرا؟ # أبهذه النهاية المهينة تلاشى روحي أيها الموت؟ # آه ... عندما يذوب ثلج الشتاء، أيها الأصدقاء، ويساقط ذوبه الرغام والهشيم فلا تبكو ~~علي، ولا تندبوني يا رفاقي. # ليس في شيء من هذا معنى من معاني فناني ... بل تحققوا موتي الخالد، في تلك الساعة التي ~~لا يجد كتابي قارئا له ... ساعة تتلقفه الأرض ويطويه الخمول ويحجبه النسيان، فلا يضمه ~~صدر، ولا ترتفع له صيحة معجب بالشيء الذي لم يرو بعد، هذا الذي تنطوي عليه ~~صحائفه. # وعندما ترث كثرة العرض نسخة من أكداسه، فلا تجد من عرض الناس شاريا بعد طول ~~انتظار، ينقدها الثمن البخس، ويأخذها صفقة غبن. # وعندما تلقى أكواما مهملة مركومة في طريق قذر، تلطخه العجلات العابرة بالوحل ~~والدنس. # أيها المعجب ... قف قليلا وانظر خلال غبار القرون، وتناول هذا الكتاب ثم قلب صفحاته ~~المهلهلة بيد رفيقة؛ اقرأني ولا تكلني للموت! # تقص هذه الرسائل الذابلة، والمس المناعة في هذا الغلاف الحزين، تجدني ملء قلبك ~~وسمعك، فقد كنت يوما ذات هذا الكتاب! # عندما تحول هذه الشرايين أليافا في جسم الأرض، فانظر إلى هذين المحجرين الغائرين، ~~تحت هذا الحب النامي المستوفز لعودة الربيع، وهو يخترقهما بجذوره المنطلقة انطلاق ~~النيازك المنقضة، واشهد هذه العروق الوردية، وهي تهوي إلى قرارة هذا الأصيص الأسود ~~(يعني جمجمته) ثم تنفتل لتصوب صعدا كأنما تتنسم المطر! # أيها الصبية ... أيتها الصبايا، إذا استلقيتم تحت هذا السياج، وأخذتم بأسباب النجوى، ~~فاذكروني ولا تكلوني للفناء؛ أيها الشبان، أيتها الشابات، أنتم أيها المتخطرون في ~~الغابات محدقين إلى طلع الغار الوردي، مستغرقين في البكاء والعتاب، امزجوني بعهودكم ~~ووعودكم. # لا تتركوني للموت! أيها المزارعون الرائحون تحت الغيم الرقيق، وتحت الشمس المتلألئة، ~~واذكروني عندما تهيئون حصادكم، وتجمعون الحب من ذوائب الشجرات اليابسة، وعندما يلوح ~~لفح الظهيرة القائظة ثمر الفرصاد فيستحيل جنى شهيا. # وأنتم أيها الرعاة المتطلعون من أعالي ms26 التلال، حيث المروج الخضر وسنانة تحلم بجلجلة ~~الأجراس، مرنة في أعناق القطيع الأمعط. # وأنتم أيها الملاحون! أيها الصارخون في صخب العاصفة، أيها الصيادون التائهون في صقيع ~~الشتاء وفي بهر الجليد الأشهب. # اذكروني ولا تكلوني للموت!! # أيها الرجال! يا من يشتهون الرقاد، ويا من يشترون باليقظة لحظات من المرح، إذا ما ~~مرت بكم أغنية قديمة، ذات روعة وصفاء، فاذكروني، إنها صادرة مني. # أيتها النساء المكدودات، أيتها المتلمسات شيئا من الراحة إلى أن يغلي القدر، ~~انتزعن مني بعض السلوى وخذن مني مسراتكن؛ وأنتن أيتها الباكيات في أعماقهن حتى ~~لا يكدرن بالبكاء نوم الرجال، امزجنني ببكائكن. # أيها الأطفال، أيها السارقون من ضحكات العجائز، لتركعوا عند جزع منقط بالندى، أو ~~تحت طنف تزويه الأشجار العارية، لتتندروا بأحاديث القداسة والحب، وأقاصيص الأبطال ~~واللصوص، وأساطير المردة! اذكروني ولا تكلوني للموت. # إن الشمس التي تضيء في الليل، والجبال الراسية على هذه الأودية، تحملني إلى النور حيث ~~أراوحكم وأغاديكم من هذه الشرفة كهذه الطيور المرفرفة عليها. # وأنت أيها اللحاد!! امض في عملك، اغمرني بوابل من حصبك، ثم ثن بهذا المعول، ~~فستنفرط عقود كثير من الأزهار، وسيصدأ كثير من الأكاليل وضفائر الذهب، وسأمضي أنا في ~~غنائي بينما تطمر أنت هذه الأكوام صلصالا سافيا في الأرض. # الفصل السادس # | عودة الملاح # لشاعر العرش البريطاني «چون ماسفيلد» # يا فرحتي! للبحر أرجع ثانيا # متفردا بعبابه وسمائه # أقصى مناي سفينة ممشوقة # وبزوغ نجم أهتدي بضيائه # وصرير دقتها، وعزف رياحه # وخفوق قلع أبيض في مائه # وأرى الضباب يرف فوق جبينه # في شاهب من لونه وروائه # يجلوه ألاق رمادي السنى # متطلع بالفجر خلف فضائه # يا فرحتي! للبحر أرجع ثانيا # كيما ألبي المد في طفراته # هذا المزمجر، لست أنكر صوته، # إن الوضوح يشيع في نبراته # أقصى مناي لديه يوم عاصف # يهفو رقيق الغيم في سبحاته # ورشاش موج مستطار تحته # زبد يفور الرغو ملء كراته # وضجيج زمج مائه متخبطا # بالموج وهو يثير من صرخاته # يا فرحتي! للبحر أرجع ثانيا # جواب آفاق، غريب مسالك # أطوي مسارح طيره ومسابحا # للحوت ms27 عبر طريقي المتشابك # حيث الرياح كأنما وخزاتها # حد المدى، وشبا الحسام الفاتك # أقصى مناي رواية محبوكة # من نسج قرصان طروب ضاحك # ولذيذ أحلام وقد طاب الكرى # وتزايلت صور هناك تواركي!! # الفصل السابع # | أغنية القطيع # من رمزيات الشاعر المعاصر «أوربرت ميتول» # من خلال حظائرنا التي شيدها الجبروت، رحنا نرقب أحزان العالم في صمت ورباطة ~~جأش. # لقد عرفنا الدم المهراق، ورأينا شؤبوبه وكيف ينبثق في غير ما تنهدة أو حشرجة، ورأينا ~~ذرارينا وكيف تعلف ويرجى سمنها للخنجر المصلت في يد الناحر. # في عيوننا الصافية ترقد كل خفايا الأبدية وتتوارى أسرار الفناء أو العدم. # وإذ يترفرق في أسماعنا ثغاء الزعيم تخطر في مرح ورشاقة مجاوبين ثغاءه، فإن أجفل ~~رأيتنا في أثره كموجة متدفعة من الجنون حتى يقعد به العثار، وإذ ذاك تتطلع إلى زعيم ~~جديد نسير تحت إمرته. # صاح خروف متلكئ في آخر القطيع «ولماذا تروعنا هذه المجزرة الممجدة فننكص على ~~أعقابنا؟! ...». # ولكن أسراب القطيع راحت تثغو في غضب وكأنها تقول «ألا تذكر كيف ذهبنا بأقدام خالية من ~~القذر ورجعنا بأدمغة فارغة؟! إن نبل الصنيع يقتضينا الفرار ما استطعنا إليه ~~سبيلا». ~~«إننا نحمي بذلك خرافا لن تجود بمثلها البطون». # فإذا ما أباح قطيع دمه فإن المعيز ستذكر لنا هذا القول المأثور؟». # لحظة ثم هوى الراعي علينا بعصاه صارخا مؤنبا «إلى الوراء! إلى حظائركم أيها ~~الحمقى». # الفصل الثامن # | بيت الراعي # للشاعر الفرنسي «ألفرد دي فيني» # ولد ألفرد دي فيني عام 1797، ومات عام 1863 فهو من شعراء النهضة التي وجهت الأدب ~~الفرنسي وجهات جديدة رفيعة. # وقصيدته هذه في بيت الراعي # La Maison Du Berger # التي ~~أهداها إلى حبيبته «أيفا» أو «مدام درفال» أو المرأة التي يعنيها، من أروع ما أنشأه من ~~الشعر، وتقع في ثمانية وأربعين مقطعا، آثرنا ترجمة المقاطع الثمانية الأولى منها ~~لاتفاقها مع عنوان القصيدة، ولأنها ذات موضوع طريف حافل، يتكلم فيه الشاعر بدقة ورقة ~~وصراحة وعظمة عن القلب والروح والجسد، وشقاء النفس الشاعرة بهذا العالم الجارح، ومدنيته ~~الجافية القاسية، وهو في هذه ms28 الأبيات يعبر عن حبه الأسمى للطبيعة ويجلو من براءتها ~~ونقائها وحنانها صورا فتانة أخاذة. # وشعر دي فيني كما وصفه «سنت بيف» يجمع بين الآلام والاستسلام والفخار وهو شعر البطولة ~~والمآسي، شعر القلب الأبي الجريح، شعر المتشائم الرقيق الشعور، الناطق في حالتي اليقظة ~~والشرود بروح المتصوف العذبة، ورموزه الساحرة، في أسلوب يبدو أحيانا غامضا، ولكنه ~~عظيم وخلاب؛ ويبدو أحيانا أخرى فظيعا في صراحته ولكنه لم يقل فيه كل شيء عن أسرار ~~قلبه التي ظل محتفظا بها حيال القدر الأخرس. # فهذه العبارات الغامضة التي تحتمل الكثير من التأويل وهذه الأخيلة المتشعبة التي يذهب ~~فيها الفكر بعيدا، حاولنا أن نوفق بين أمانة النقل وبين تعريبها واضحة جلية في هذه ~~الترجمة التي ننسخ بها ترجمة أخرى سبق نشرها من قبل. # إن يكن قلبك الشجي المعنى # أرهقته حياتنا أعباء # مثل نسر دامي الجناحين مضنى # مستميتا يصارع الإعياء # حاملا فوق مسترق جناح # مثل قلبي من بؤس هذي الحياة # عالما قاتلا سحيق النواحي # بارد الجو، حالك الظلمات # رازحا في عذابه يتلوى # مثقلا من فوادح الأعباء # كلما ضج تحتهن تنزى # جرحه الخالد السخين الدماء # أو يكن بات لا يرى الحب، هذا # الكوكب الهادي الصدوق الوفيا # من له وحده يضيء، ويجلو # الكون في ناظريه أفقا وضيا # أو تكن روحك السجينة عافت # ذلك الخبز في الحياة طلابا # هو خبز الأسير في القيد باتت # نفسه من موارد الحتف قابا # يتلقاه مكرها بيديه # ملقيا من يمينه المجدافا # وهو يحني للبحر شاحب وجه # بينما يندب الحياة اعتسافا # وهو بينا يقتاف في الهدار # منفذا بين موجه للفرار # إذ يرى فوق منكب منه عاري # وصمة الذل صورت بالنار # أو يكن جسمك الحيي عرته # هزة من عواطف كامنات # بعدما مل عالما أرهقته # في حماء جوارح النظرات # باحثا في قصي تلك الحزون # ليداري جماله الفتانا # عن مكان من العيون مصون # فيه يحمي جلاله أن يهانا # أو تكن منك عافت الشفتان # كاذب القول تستقيه سماما # أو يكن قد تورد الخدان # خجلا من رؤى ملئن أثاما # فاهجري المدن وارحلي ms29 لا يسمك # ذل عيش فيهن غير طليق # ارحلي الآن! لا ينل قدميك # دنس من غبار هذا الطريق! # أشرقي من سماء فكرك حينا # وانظريها في ذلة وإسار # نصبت للخلائق المرهقينا # كصخور قدت من الأقدار # وانظري للحقول والغابات # حرة طلقة كهذا البحر # حول تلك الجزائر المعتمات # ولتكن في يديك طاقة زهر # تجدين الطبيعة الآن منك # في انتظار رهيبة الإصغاء # والثرى مرسلا على قدميك # من تعاشيبه سحاب الماء # وإذا الأرض من غروب الشمس # رتحتها تنهدات الوداع # وإذا هذه الزنابق تمسي # وهي تهتز بالأريج المضاع # واختفى في فضائه الجبل النا # ئي، ومدت معابد الصفصاف # ناصلات الألوان في صفحة الما # ء غصونا نقية الأقواف # وتهادى هنالك الشفق العا # ني ليلقى وساده في الوادي # فوق عشب من الزمرد فتا # ن وعشب مذهب الأبراد # تحت هذي الجزوع مستحييات # حيث هذا النبع الفريد النائي # بين هذي الخمائل الحالمات # وهي تهتز رعدة في الفضاء # حيث يسري مستخفيا في حجبه # لائذا بالكروم مثل الظل # ملقيا في الغدير شاهب ثوبه # فاتحا في المساء سجن الليل # فوق طودي نبت كثيف تحامى # خطوات الصياد عند الدبيب # عاليا عن جباهنا يتسامى # وهو مثوى الراعي، ومأوى الغريب # فتعالي هنا نجدد ذماما # ونخبئ خطيئة وغراما # قدست من خطيئة، لا أثاما # قد دفعنا لفعلها إلهاما # وإذا كان ذلك العشب خفضا # وهو يهتز هزة المرتاع # فتعالي! إني أدحرج أرضا # لك تحت الظلام بيت الراعي! # هو بيت يسري على عجلات # سمت عينيك سقفه المزدان # عاطر الباب معتم الرحبات # مثل خديك لونه المرجان # فيه ظل وفيه زهر نضير # بينها خلوة لنا وتداني # مخدع صامت الفراش وثير # يلتقي فيه شعرنا في حنان! # الجزء الثالث # | زكريات أوروبية # الفصل التاسع # | الليلة الأولى # كانت الشمس الغاربة ترسل أشعتها الأخيرة على صفحات الماء وفي حواشي الغمام الأبيض، ~~وقد بدت منائر ڤينسيا الرائعة ذات القرميد الأحمر، والآجر الوردي، كأنها سهام من النار ~~مصوبة إلى عدو لما تظهر طلائعه في الأفق البعيد. # واقتربت السفينة رويدا من الساحل وقد اتسع مدى النظر في الخليج الفاتن الذي ~~اختارته ملكة ms30 الأدرياتيك عرشا لها منذ أجيال بعيدة، وامتد سلطانها منه على البلاد ~~المترامية والبحار القاصية في ظل جمهوريتها العتيدة، هذا العرش الذي أفرغت الطبيعة في ~~تنسيقه كل ما أوتيت من ذوق ورزقت من بصر، فهنا الماء الأزرق يأتلق في ثبجة الشفق ~~الأرجواني، وهنا الصخور الرابضة على جزيرة جورجيا الصغيرة وقد تدلت من فوقها الأشجار ~~حتى لامست بأوراقها جبين البحر، كعذارى يتلعن بأعناقهن ليشهدن منظرا معجبا، وهناك عبر ~~الساحل الدور البيزانطية بشرفاتها الزجاجية الكبيرة وكأنما ينبثق من كل نافذة شؤبوب من ~~اللهب، وبين هذه وتلك تتأرجح الجندولات بقياديمها الفضية على صدر الماء، وتذهب وتجيء ~~الزوارق بأشرعتها المختلفة الألوان وقد خفقت في حواشيها نسمات المساء، وترددت منها ~~صدحات مطربات على إيقاع ألحان رخيمة يعلو ويخفت صداها في وسط هذا المضطرب ~~العجيب! # ورست السفينة، وعلا ضجيج النوتية، وأخذ الركاب ينادون الحمالين لرفع أمتعتهم، ~~ووفقت إلى مغادرة السفينة دون عناء، وبعد لحظات كان الجندول يتخطر بي بين الأمواج ~~الهادئة وينعطف بي في قنوات المدينة تحت الجسور الرائعة التي لا مشبه لها في العالم، ~~وقد بدأ الليل يبسط جناحيه الغدافيين على ما حولنا، والنوتي يصيح كلما اقترب من مفرق ~~قناة منبها القادم إلى مكانه، وعبست السماء دون إنذار، وانهمر المطر مدرارا فلم ~~ألتفت إلى هذا المزاج الغريب الذي تفردت به طبيعة أوروبا، فقد كنت مأخوذا بسحر هذه ~~المدينة وجمالها ولطافة الذوق المنبث في كل حجر من أحجارها، واستغرقت شعوري هذه ~~المشاهد البديعة ونحن نجوس خلالي القنوات تحت أضواء المصابيح المعلقة على أبواب الدور ~~وهي تسرج وتطفأ في مهاب الهواء البارد، وصاح النوتي وقد أشرفنا على قناة كبيرة: ~~هذا هو الفندق يا سنيور، وهذا قنال «سان ماركو». # ووثبت من الجندول باللهفة التي تستولي دائما على كل سائح يرتاد بلدا غريبا، ~~وسرعان ما وجدت أمتعتي في الغرفة المختارة، فخلعت معطفي وغيرت ثوبي وغادرت الغرفة ~~عجلا عاري الرأس، تحية مستعرة للمدينة التي كانت زيارتها حلما من أحلامي. # وحينما توسطت ردهة الفندق هتفت بي فتاته: المطر غزير يا سنيور! قلت: ms31 هذا جميل يا ~~آنسة. ولم يكن ردي مبنيا على المغامرة أو عدم الاكتراث ففي سواحل مصر الشمالية ~~ألفت منذ حداثتي المطر المنهمر، والبحر المضطرب، والسماء الغائمة، والنوء العاصف، ~~والبرق اللامع، وهذا سر الملاح التائه الذي عرفه ركاب السفينة المتأرجحة في يد ~~العاصفة وهم يعجبون من هذا الفتى الأسمر الذي يقتحم غرفة المائدة ليملأ معدته بالطعام ~~بينما هم مستلقون على ظهورهم من دوار البحر أو ممسكون بمعداتهم الخاوية من الألم ~~والاضطراب. # وابتسمت الفتاة قائلة لي برطانتها الإنجليزية: إلى أين؟ قلت: إلى ميدان «سان ماركو». ~~فأومأت بيدها اللطيفة إلى جسر صغير، واندفعت حيث أشارت، وما كدت أرفع رأسي حتى وجدتني ~~حيال مشهد، إن أنس فلن أنساه ما حييت، وقفت حيث أن وسمر ناظراي فيما حولي ومرت ~~لحظات كأنها نهزات وحي هامر أو إلهام غامر، وأخذت عيناي تنبيان المرائي وتتثبتان مما ~~تريان تحت أضواء العواكس الكهربائية والثريات المعلقة، بنظام هندسي فريد في أرجاء ~~المكان ... هذا ميدان «سان ماركو»! أي روعة؟ أي فتنة؟ إن الألفاظ عاجزة عن تصوير ما أرى، ~~وأجد نفسي مفعمة بما لا طاقة لي على الإبانة عنه أو وصفه؛ غاص بصري في هذا الجمع الحاشد ~~وكأن يوما من أيام ڤنيسيا القديمة قد عادها هذا المساء، وكأن هذا الحشد في انتظار ~~الدوج العظيم، مرتقبا طلوعه من شرفة القصر الخالد، كل العيون متجهة حيث الكنيسة وحيث ~~القصر وحيث البناء التاريخي العجيب الذي يحيط بالميدان إحاطة السوار بالمعصم، وقد نهض ~~برج الساعة في ركن الميدان سامقا كأنه عملاق من عمالقة الأساطير أو كأنه «جلڤر» لفظ ~~أنفاسه حيث هو دون أن يشعر به الناس!! # تحركت قدماي، ونزلت الميدان، عن يميني وعن شمالي موائد مصفوفة، ومقاعد مبثوثة، غاصة ~~بالجالسين، مزدحمة بالوافدين من شعب المدينة، ومن حولهم جمهور سائر لا ينقطع كأنه ~~سلسلة متصلة الحلقات تلف على دولاب دائر؛ وفي وسط الميدان نهضت منصة الموسيقى برجالها ~~تحت الأضواء الباهرة، وقد وقف الرجال بأردية السهرة السوداء وفي أيديهم آلات العزف ~~والنفخ والنقر. # واشرأبت الأعناق، ودارت العيون، ووقف السائرون ms32 في أماكنهم، وأمسكت كل شفة عن همسها، ~~وارتفعت يد «المايسترو» فبدأ اللحن هادئا ثم تعالى رويدا، ثم انفجر كأنه عين ثرة ~~دافقة، ثم ماجت الألحان فكانت مزاجا أخاذا يثير الشجو ويهز القلب ويفعم النفس، ~~وانتهت الموسيقى من عزفها وارتج الميدان بالتصفيق وهتاف التقدير والاستحسان، وانطلق ~~غلمان ألحان مطوفين بالموائد حتى بدأت الموسيقى لحنها الثاني فلم يكن ثمة من ~~سعادة يحلم بها إنسان أكثر من هذه الليلة، كان مطر، ولكن ماذا يفعل المطر بهذه النفوس ~~المتعطشة إلى فيض هذا الفن العالي؟ وما بلل الثياب وارتعاش الأجسام حيال هذا السحر ~~الدافع؟ إذ تسبح النفوس وتنهل القلوب وتتكلم العيون وتتدانى الرءوس الحانية وتتشابك ~~الأيدي المحبة كأنما تجدد ميثاقها لسطان الحب القاهر على هيكل الفن الساحر! # واشتد المطر فحال دون العزف، وجمع الرجال أوراقهم وغادروا المكان ونهض الناس، ونهضت ~~بينهم أتملى بناء المكتبة، وبينا أغادر المكان مر بي رجل تترفق ساعده سيدة صغيرة ~~غريرة كأنها حمامة مقدسة من حمام هذا الميدان ولكنها ذات ريش أبيض ... وأخذ الرجل يناقش ~~السيدة وهي تعارضه وتتحداه، فهمت هذا من حركاتهما قبل أن أفهمه من لغتهما، ونظر الرجل ~~إلي فوجدني إزاءه فرفع يده مرات بالتحية هاشا، فأحنيت رأسي محييا باسما، ولم يترك ~~لي فرصة حتى أقبل علي قائلا: هل للسيد أن يدلني على ريالتو؟ قلت: ما هذه الريالتو؟ ~~وكانت إيطالية الرجل سقيمة حتى لا يكاد يبين، فتدخلت السيدة وتكلمت بالإنجليزية ~~وبطلاقة: هو يسأل عن «پونت دي ريالتو» قلت: المعذرة يا سيدتي، إني غريب هنا، حضرت ~~الليلة ولما يمض علي في هذه المدينة ساعتان. فافتر ثغرها، وأدرك الرجل معنى ما أقول ~~فسألني: ألدى السيد مانع من صحبتنا فنحن غريبان أيضا؟ ثم استطرد في سؤاله: أأنت هنا ~~وحدك؟ # قلت: نعم. # قال: وأين زوجتك؟ # قلت: لا زوج لي. # فتعجب الرجل وكأنما كان جوابي باعثا على استثارة دهشته. # قلت: هل في الأمر غرابة؟ # فابتسم قائلا: كلا ولكن ڤينسيا مدينة العرائس! # قلت: إذن أنتما زوجان جديدان؟ # فغضت السيدة ناظرها حياء وتورد خداها وضغطت على ms33 ساعد زوجها بلطف ورقة كأنما تمنعه ~~من الإفاضة! # فابتسمت لهما وسألتهما: ألا تعرفان شيئا عن هذه المدينة؟ # فهز الرجل رأسه علامة النفي. # قلت: إذن سأتولى أنا السؤال عن ريالتو لأني أتكلم الإيطالية قليلا. # ووضعنا أيدينا في أيدي بعضنا البعض بحركة طبيعية محضة كأننا رفقاء معرقون في ~~المودة. # واخترق ثلاثتنا الميدان صفا واحدا حتى حاذينا البرج السامق الذي تصدع منذ ربع ~~قرن وجدد بناؤه قبل الحرب العظمى بقليل، فأخذت خطواتنا تهدأ وأنظارنا تتجه نحو ~~الكنيسة وخيولها الأربعة البرونزية اللامعة. # قلت: ما أبدع هذا البناء! # فسألني الرجل: أولم تشهده غير الآن؟ # فأغنتني السيدة عن الجواب وأخذت تداعب زوجها: ألم يقل لك إنه لم يمض عليه غير ساعتين ~~في المدينة؟ # واقتربنا مليا من مدخل الكنيسة وتلاقت نظراتنا فابتسمنا وقد زاد فيض النور، فتابع ~~الرجل حديثه: لشد ما تروعني هذه الخيول البرونزية المطلة من فوق المدخل، صدقني أيها ~~الرفيق إني أحبها وأخافها في وقت واحد، فإني كلما وقفت أتأمل اقتدار الفن الذي صنعها، ~~أتخيلها حية تتحرك وأنها ستطؤني بحوافرها هذه!. # ثم ملنا إلى الصور المزدانة بها واجهة البناء المصنوع من قطع الموازايك البللوري ~~والفضي واللازوردي والأصفر الفاقع والأحمر القاني. # قلت للصديق: لقد جاء دوري . قال: حسنا. قلت: انظر إلى هذه الصورة فأخذ يتأملها وأنا ~~أحاوره: هذه جثة الرسول مرقص. هذا الرسول الذي ضن البنادقة على مصر بجثته فعملوا على ~~اغتصابها. فهتف الرجل: ومن أين لك ذلك؟ # قلت: تأمل يا صديقي فإن التاريخ يحمل مسئولية روايتي، هذه جثة الرسول في الصندوق ~~مغطاة بأوراق الشجر الأخضر واللحم الطري؛ وها هم الخونة بأزيائهم الشرقية يعينون ~~المغتصبين على إخفاء الجثة ونقلها إلى السفينة المنتظرة. فسألتني السيدة بدورها: وماذا ~~صنعوا بالجثة؟ قلت: كما ترين، هذا مقرها وهذا البناء هيكلها العتيد! # فقالت مداعبة: إذن لا ضير أيها السيد ولا غبن، فلو بقيت في مصر لما أقيم لها مثل هذا ~~البناء النادر المثال الذي يتحدى الفنانين بأناقته وفخامته. فحنيت رأسي اعترافا ~~بمنطقها السليم، وسرنا نتأمل العقود الرائعة ذات العمد الرخامية الناطقة ms34 بأعاجيب الفن ~~في قصر «الدوج» فقلت للسيدة: هذا فن أجدادي. فنظرت إلي كأنها تسألني الإيضاح، قلت: ألم ~~تزوري إسبانيا؟ قالت: كلا. قلت: وأنا مثلك. # فابتسمت وعادت تنظر إلي وهي تمزح: هل أنت إسباني؟ قلت: كلا. إذن ما لأجدادك وهذا ~~البناء؟ فطربت لهذا الحوار الجميل. وانطلقت أحدثها: «إن أجدادي ضربوا خيامهم في رمال ~~الصحراء وخرج منهم الأنبياء والرعاة المنشدون والفلاسفة والمفكرون، ومنهم أيضا ~~الفنانون المبتكرون، انظري سيدتي إلى هذه العقود وإلى هذه الأعمدة وإلى هذه الشرفات، ~~هذا الفن العربي وجد قبل بناء هذا القصر بمئات السنين، ولا تستكثري سرقة الفن على ~~قوم اجترأوا على سرقة رسول، قالت: ولكنهم بدلوا فيه وغيروا. # قلت: نعم، والفن في نظر بعض النقاد تحايل ومهارة وأساسه الاقتباس. # قالت: وهل الكنيسة أيضا مثل هذا القصر؟ # قلت: كلا، إن قبابها السامقة تمت إلى كنيسة الحواريين المقدسة التي كانت ~~بالقسطنطينية ولا أزيدك معرفة فهذان العمودان الرخاميان استحضرا أيضا من ~~القسطنطينية وركبا في القرن العشرين، أما أولهما فيحمل تمثال أسد «سان ماركو» ~~المجنح، أما الثاني فيحمل تمثال «سان تيودو» الجمهوري الفينيسي، وكان محاربا استشهد في ~~الحرب تحت لواء مكسيمليان. # فمضت في مزاحها قائلة: عجبا، ومن أين لك هذا الوصف الدقيق الشامل وأنت لما يمض ~~عليك ها هنا ساعتان؟ قلت: لا تعجبي أيتها الصديقة العزيزة؛ فإن في العالم مفاتن رسمتها ~~المطالعة في هذه الذاكرة، وفي ڤنيسيا الحمراء غنى الشعراء وكتب الملهمون، حتى في هذا ~~الأسد الضخم الرافع قبضته البرنزية إلى الأفق الهادي وفي هذا البحر الذي لا صياد فيه ~~...! # ولم أكد أتم كلمتي حتى صاح الصديق: إن الساعة الحادية عشرة ولم نصل بعد إلى ~~«الريالتو» ونحن ظماء يا صديقي إلى البيرة فأسرع بنا إذن، وغدا نتم حديثنا عن الرسول ~~مرقص والفن العربي. # وسرنا نسأل هنا وهناك عن «بونت دي ريالتو» حتى وصلنا القنال العظيم وأخذ بأبصارنا ~~الجسر المعلق عليه، وفي الحق لم يكن بحثنا عنه ساعة كاملة، ولا مسيرنا كل ذلك الوقت ~~عبثا؛ فإن هذا الجسر يعتبر من أعاجيب الهندسة التي ms35 تفرد بها «أنتونيو دايونتي» عام ~~1590. # وصعدنا الدرج الواصل إلى منتصفه فإذا بنا وسط حان صغير انتثرت في جوانبه موائد حمراء ~~صغيرة، صفت حولها المقاعد بأناقة وذوق فاتن فاخترنا مكانا، وأقبل غلام الحان ~~بابتسامته العريضة، وما هي إلا دقائق حتى غصت المائدة بأقداح البيرة الكبيرة الفائرة ~~الزبد! وانطلقنا في حديثنا عن مصر، وأخرج الصديق بطاقته وقال: إذا شئت فاكتب لي عند ~~عودتك وأعطني عنوانك لأكتب إليك. فتأملت البطاقة وهتفت بالرجل: هل أنت حفيد السياسي ~~العظيم «بلسودسكي»؟ فضحكت السيدة حتى كادت تستلقي بكرسيها على الأرض وقهقه الرجل ~~قائلا: إنها مصادفة! إني أستاذ في جامعة فرسوڤيا. # ثم أفاض في حديثه عن برلندا وتمنى لو زرتها معهم وتحدثنا عن الفن البولندي، ~~فذكرت له كيف التقيت بالمصورة الفنانة «أولجا بوزنانسكا» في قصر السنيوريا بفلورنسا، ~~وأخذ هو يحدثني بدوره عن مميزات فنها وعن مصور بولندي آخر هو الفنان «فالكاف باسكوفتش» ~~الذي أحرز جوائز كثيرة في معارض الفن الحديث، والتفتت السيدة إلينا متململة وهي تتهكم ~~علينا بقولها: ولم لا تتحدثان أيضا عن تماثيل كومانسفسكي؟. ألا تخلصان من حديث ~~القصور والصور والمتاحف هذه الليلة؟ أيها الرجال هذه فنيسيا الحمراء! # قلت مداعبا: فلننصرف إذن إلى حديث الحب ومغامرات العشاق في هذه المدينة، ولنبدأ ~~بهذا الشاعر الذي فر بعشيقته الشاعرة إليها، أو فلنبدأ بحديثه فربما كانت هي التي ~~فرت به ... وربما كانا يجلسان مثلكما فوق هذا الجسر وإلى مثل هذا الخوان وفي هذا ~~المكان، وربما كان يجلس إليهما في تلك الليالي الخالدة رجل مثلي غريب عنهما أيضا ... ~~فقهقه الرجل طربا لهذه العبارات الموفقة، أما هي فقد افتر ثغرها النضير عن ابتسامة ~~مشرقة عذبة؛ قالت: ليس في هذه الإثارة ما يبهج، وربما كان فيها ما يشجي! فقد لقي هذا ~~الشاعر المسكين من حب هذه الشاعرة ما لقي، ولقد كانت امرأة عنيفة الأهواء، جامحة النفس، ~~متقلبة، كثيرة التنقل بين عشاقها فمن موسيقي إلى شاعر إلى طبيب ... ومن يدري؟ ولكنه كان ~~صادق الحب وكان خياله يلهب حبه وكان سعيدا بهذا الخيال فجاء مرضه ms36 في هذه المدينة شؤما ~~عليه ... # وقال الرجل: ولكنكما نسيتما أشياء عن هذين العاشقين، فلم تكن «جورج ساند» تحب في ~~موسيه ما تحبه المرأة المكتملة الأنوثة في الرجل عادة، إن الحياة التي اضطرب فيها قلبها ~~قد سلبها ما ظنت أنها وجدته في ربيب أبولون: صورة وادعة، وعربكة لينة، وقلب ناضر، وجانب ~~رقيق، ولكن الأنثى قد استيقظت فيها على صوت خشن غريب، هو صوت الطبيب الذي يعود شاعرها ~~المريض. غير أن ذلك القلب الدامي الذي حرك الرحمة والحنان في قلب العالم كان قد وقع ~~نشيده وغناه، وخلد فيه هواه وهو يهتف: لندع ساعة البرج في قصر الدوج الهرم تعد عليه ~~لياليه المسئمات، ولنعد على ثغرك العاصي يا جميلتي هذه القبلات المغتفرة! # وشاعت روح هذا الشعر في نفوسنا وتملكتنا رغبة في المرح فرفعنا أقداحنا، ومال الرجل ~~على صاحبته وهو يقول: ألا تغنينا الآن يا عزيزتي شيئا من ألحانك؟ قالت: أي الألحان ~~تريد؟ قال لحنك الروسي المفضل. فنظرت إلى الماء المتألق تحت الجسر وقد بدا نوتي يغني في ~~جندوله البعيد فبدأت إنشادها: # لا نجم، لا مصباح # يلمع في السهل # قد نامت الأدواح # مقرورة الظل # مطمورة الأشباح # في مهدها الثلجي # هذا شعاع لاح # يخفق في وهج # الحارس السهران # قد فتح البرجا # يتلو على النيران # أغنية الفولجا # واللهب السكران # يرقص في ناره # والنغم الفرحان # يلهو بقيثاره # أطلقت إنشادي # يا من تغنيني # قيثارك الشادي # حلو الأرانين # يدعو لميعادي # الحب والأحلام # يا حارس الوادي # قد باحت الأنغام # هذا الفتى الممراح # قد أغلق البابا # واللهب الوضاح # من خلفه غابا # لأنجم، لا مصباح # يلمع من بعد # لا صوت، لا أشباح # إني هنا وحدي # يا أمل العمر # يا حلم العذراء # يا توأم الفجر # يا ابن الصبا الوضاء # يا ملك الحب # إني لك الليله # فاطبع على قلبي # أو شفتي قبله! # وصفقت طربا وإعجابا بهذه الأغنية الجميلة وقلت: أهي من الأغاني الاثنتي عشرة للشاعر ~~ألكسندر بولك؟ قالت: إنها من أغاني السهول القديمة، ولعبت نشوة الراح برأس الصديق فأخذ ~~يداعب امرأته بغير تحفظ، فانصرفت ms37 عنهما إلى القنال موهما إياهما أني أتأمله، ولاحظت ~~السيدة ذلك، فتورد خداها وأخذت تدفع عنها الرجل النشوان، وأدركت معنى عزوفي عنهما ~~فبادرتني هاتفة: أرى السيد غارقا في أفكاره؟! # فالتفت إليها باسما وأنا أقول: أجل يا سيدتي؟ إني لا أزال أفكر في الطريقة التي ~~نسترد بها جثة الرسول مرقص. فضحكت قائلة: ما عليك الآن من ذلك ورفعت قدحها وأشارت محيية ~~به فرفعنا قدحينا ... ووقفت تنسق ثوبها وهي تقول: هيا بنا أيها الصديق فإن الليل قد جاوز ~~منتصفه وفي الغد نعقد مؤتمرنا في ميدان «سان ماركو» لننظر في شكواك من البنادقة ~~المجترئين على بلادك. وهبطنا الدرج وسرنا وأنا أداعبها بقولي: «حذار يا سيدتي! إذا لم ~~نصل إلى نتيجة غدا فإني سأنتقم للرسول مرقص من ڤنيسيا»!! # فقالت في دهشة: وكيف ذلك؟ # قلت: سأسرق حمامة مقدسة وأفر بها إلى مصر؟ # قالت ضاحكة: كما صنع أخ لك من قبل! # قلت: إني أتكلم جادا وسترين كيف أفر بهذه الحمامة؟ # قالت: أإلى القاهرة الحمراء أيضا! أليس كذلك أيها الشاعر؟ # قلت: القاهرة الخضراء يا صديقتي وسأفرد لهذه الحمامة عشا في خميلة على ضفاف النيل. ~~فضحكت متممة: وجنة من جنات فرعون! قلت: نعم جنة فيها من كل فاكهة زوجان. # وكأنما أدركت السيدة ما ترمي إليه دعابتي هذه فتمايلت من سكر الصبا وسحر الليلة، وسرت ~~إلى جانبها والرجل يتعثر في خطاه حتى وصلنا أول الميدان فاستندت إلى ذراعي وهي تقول: ~~أرجو أن تسرع أيها الصديق قبل أن يأوي الحمام إلى أوكاره ولا تنس موعدنا غدا. ~~فحييتهما وافترقنا، كل في طريقه إلى مأواه. # الفصل العاشر # | في ميدان إسدرا # هذه روما الخالدة تتأهب لاستقبال البعثة المنشوكية، وكأنما غمرتها موجة من مباهج ~~أيامها الخالية، فحيثما سرت أعلام خافقة، وثريات متألقة، وقد ازدحمت أرصفة الشوارع ~~والطرقات بالغادين والرائحين وهم يتطلعون إلى النوافذ الموشحة بأوراق الشجر وضفائر ~~الورد، أو إلى الفترينات المرصعة بألوان الثياب الزاهية، والقطع الفنية الخلابة؛ وكنت ~~في طريقي إلى شارع الناسونالي وأنا أجتاز ميدان فينسيا محتشد الخواطر، مفعم النفس ~~بالأثر الفني الرائع ms38 الذي أقيم إلى جانبه للجندي المجهول، ذلك البناء الرخامي ذو الدرج ~~العريض العالي، يشرف عليه تمثال عمانويل الثاني وهو ممتط صهوة جواده، وتحته أربعة من ~~الجند الأحياء مسمرين في أماكنهم حول إكليل كبير من الورد اليانع، حتى لتخالهم جزءا من ~~هذا الأثر الرائع، أو بعض تماثيله يستكمل بها رونقه، ويستتم بها الفكرة التي رفع من ~~أجلها لذلك الجندي الباسل. # وكانت رفيقتي في هذا اليوم الصحفية السويسرية «تنجلفدر»، وقد استرعى انتباهها ~~استغراقي في تأملاتي ونحن ننحدر إلى شارع الناسونالي، فشدت على يدي بلطف، وهمست قائلة: ~~«أفق يا صديقي فإن للسير في الشارع نظاما خاصا»، فنظرت إليها نظرة المفيق من حلم ~~جميل، فاستطردت قائلة: يجب أن نجتاز عرض الطريق إلى الرصيف المقابل حيث نندمج في موكب ~~العابرين إلى الميدان، وعليك أن تضع قدمك وأنت منتبه؛ لأن السيارات هنا لا أبواق لها، ~~وترفقت ساعدي وسرنا حيث أشارت، وغرقنا في تيار مندفع من الناس، نتسمع إلى لهجاتهم ~~المختلفة، فهؤلاء بقية من الإنجليز والأمريكان العائدين من الشرق في طريقهم إلى باريس، ~~وأولئك طلائع الألمان الوافدين في موسم العنب الذي تحتفل به إيطاليا كل عام احتفالها ~~بأعيادها الوطنية والدينية، وبين هؤلاء وأولئك الإيطاليون المرحون وهم يتأملون هذه ~~الوجوه الغريبة التي لفحتها شمس إيطاليا السافرة. # قلت لصديقتي وأنا أحاورها: «ماذا أعددت لي من فجاءات البهجة والمرح؟ فأشارت إلى ~~الأمام قائلة: «انظر أيها الشاعر، فهنا الليلة شعر، وغناء، وموسيقى» وكنا قد أشرفنا ~~على ميدان إسدرا، أبهج ميادين روما في الليل، ذلك الميدان الذي يرسم محيطه نصف دائرة ~~يبلغ مداها مئات الأمتار، ويحيط به بناءان متماثلان من الطراز الروماني انتثرت المصابيح ~~الكهربائية في عقودهما الوسطى انتثارا عجيبا، ففي منتصف كل عقد مصباح من الحديد ~~المشغول لا يختلف عن نظائره في أرجاء الميدان، والتفت أنابيب الضوء الزئبقي حول ~~الشرفات والمظلات خطوطا أفقية وهاجة أحالت الليل نهارا، وبدت النافورة الرائعة في ~~منتصفه، وقد انثالت شآبيب مائها متلألئة تحت الأضواء العاكسة المختفية كأنها دهاليز من ~~أشعة الشمس تمرق خلال الغمام الأبيض، وهذه ms39 العقود المتشابكة بمصابيحها السوداء تخيل لك ~~كأنك في طريق «اللوفر» عند المساء، وهذه النافورة تذكرك بنوافير ميدان الكونكورد، ولكن ~~أين هذه من تلك، إن نافورة واحدة من نوافير الكونكورد لا يتسع لها هذا الميدان الذي ~~أراه الآن رحبا، والذي أشعر بالغبطة وانشراح الخاطر كلما اجتزته عابرا، واندفعت ~~وصديقتي إلى أحد المشارب، حيث الموسيقى الوترية المترجمة عن أدق اهتزازات العصب ~~الإنساني، والمعبرة عن أرق ميوله وأحاسيسه!! خلصنا من زحام الواقفين المتسمعين ~~وأخذنا مكاننا حول مائدة صغيرة ساقتنا الصدفة السعيدة إليها؛ إذ لم يكن هناك غيرها ~~خاليا من الموائد. # وانتهت الموسيقى من عزفها بين عاصفة من التصفيق المهذب المحبوب، وقامت فاة رشيقة فوق ~~المنصة فنزعت لوحة لم أتبينها وعلقت لوحة جديدة، ما كاد الجمهور يقرأ ما كتب عليها حتى ~~اشرأبت أعناقه وتنصتت أسماعه؛ ذلك أن عنوان اللحن «مدام بترفلاي موسيقى بلليني» وبدأت ~~الموسيقى عزفها وسط ذلك الصمت الرهيب الذي لم تعكره صيحة بائع، ولا بوق سيارة، ولا بكاء ~~طفل، ولا نباح كلب، ولا تهامس مستهتر! نحن في ميدان مفتوح يجتازه حولنا ألوف وألوف من ~~الناس، ومع هذا فلن تحس إلا ما أخبرتك به. # صورت لنا الألحان شتى أحلام وذكريات خلتها أطيافا مرفرفة في ذلك الجو السحري البديع ~~الذي يخلقه الفن القادر خلقا، ويعيده كيفما شاء، حتى خلت أن الليل نفسه بدأ يزفر، وأن ~~النسمات الندية أقبلت من قمم الجبال والمروج البعيدة وحوافي الجداول، لتسمع هي الأخرى ~~صوت الطبيعة المتفجر بالسحر والجلال، واختتمت الموسيقى عزفها، والتفت المايسترو مواجها ~~تلك القلوب الشاعرة والوجوه الشاكرة والأكف الثائرة. # وقامت الفتاة الأولى فنزعت اللوحة الصغيرة، وعلقت لوحة جديدة تبينت اسم لحنها فإذا به ~~«سونيا» تغنيه الآنسة «كارلوتا». # همست صديقتي السويسرية قائلة: هذا لحن رائع، وأغنية عاطفية شاجية! وأخذت تتمايل من ~~الطرب ولما تبدأ الفتاة إنشادها، وهنا ارتفع في وسط المنصة عمود معدني رفيع يحمل ~~معجزة العصر الحديث، معجزة اللاسلكي، وصعدت فتاة ما كاد الجمهور يلمحها حتى دوت الأكف ~~بالتصفيق هادرة صاخبة، كانت ذهبية الشعر، وردية الوجه، في ms40 ثوب أبيض ناصع يحتكم في جسمها ~~احتكاما عجيبا، لم يترك ثنية من ثناياه أو حنية من حناياه إلا أظهرها، فأظهرنا بذلك ~~على المعجزة الكبرى التي تتحدى كل معجزة ... المرأة، أو معجزة الخلق. # وقفت الفتاة أمام الجهاز اللاقط تصلحها بيدها حتى استوى إزاء فمها الباسم، ثم دارت في ~~الجالسين بعينين تستبدان بالغرائز، وتستأثران بالمشاعر، وترسل صوت الأوتار رفيقا، ~~رخيا، ناعما، وبدأت إنشادها وهي تضم يديها إلى صدرها الخافق ضما حبيبا كلما اهتاج ~~اللحن شجاها، أو وافق هواها، أو كلما أومأ لها الفن أن تصدع بما أمرها به، هذه القيثارة ~~الإلهية التي ركبت في لهاتها والتي أخذت تهتز تحت أنامل القدرة، لم تدع للقياثير ~~الصادحة حولها على صدور الشبان والشواب من أترابها صوتا يشعرك بغير وجودها هي، وغير ~~غنائها الساحر، اللهم إلا حين تسمو النبرة، وتغلو العاطفة غلوها الفني المقدر، ويجأر ~~«الڤيلنشلو» بصوته الأجش الشجي، فهنالك لا إنسان ولا إنسانة، ولا عازفة ولا شادية، ~~ولكنها أرهام من السحر تسمع لوقعها على قلبك نقرا يستثير أجمل مشاعرك، ويستخف أنبل ~~خلائقك. # وانتهى برنامج الليلة وبدأ الخدم يدورون بالشراب على طلابه، ويجمعون نقودهم ممن ~~هموا بمغادرة المكان، وأخذ عشاق الرقص في ارتقاب الفتيات حيث يبدأ ليل جديد بين الكأس ~~والمخاصرة في أبهاء المكان. # وكانت صديقتي - على رقة طبعها ودقة انتباهتها ولطف إشارتها - معنية بكتابة بعض ~~خواطرها أو مذكراتها في مفكرة صغيرة، وكنت أرقبها باسما وما كادت ترفع وجهها حتى صاحت ~~معتذرة عن انصرافها عني بهذا الشاغل البريء، وأخذت تجمع حقيبة يدها وهي تقول: هيا يا ~~صديقي فأنت متعب ولا شك ... قلت: كلا والأمر على خلاف ذلك، ولنا الآن أن نشرب قدحين من ~~الأوروم، وأن نتحدث فيما وعدتني به هذا الصباح، لأن طريقي غدا إلى «نابولي» كما ~~تعلمين! فأجابت وهي تغض من نظراتها: لقد غلبت حيائي هذا اليوم عندما أرسلت لك بتحية ~~الصباح مع خادمة غرفتك، وحدثت نفسي: ماذا يقول هذا الرجل الغريب عني؟! وماذا يكون ظنه ~~بي؟! على أنك كنت وحيدا على مائدتك، وكنت أنا ms41 وحدي أيضا، وكنت فاضلا عندما شكرتني ~~ودعوتني إلى زيارة كنيسة سان بيتر، فإني كاثوليكية ولم يكن أحب إلي من زيارة هذا ~~المعبد، ولست صحفية بصحيح المعنى كما أخبرتك وإن لم أكذب عليك، فإني أشتغل محررة خطابات ~~في بنك ... وأراسل بعض الصحف والمجلات بما يهم قراءها من شئون المرأة في الممالك والمدن ~~التي أغشاها كل صيف، وقد جهزت أمس لشقيقتي - رغم الخلاف الذي بيني وبين أسرتي ~~البروتستانتية - هدية جميلة بمناسبة زفافها الذي يتم هذا الأسبوع، وعلي أن أرسلها غدا، ~~وقد أعددت لها عرضا جميلا في غرفتي فقم بنا الآن إلى الفندق حتى أقف على رأيك في هذه ~~الهدية، فإن ملاحظاتك تعجبني ... قلت: أوليس لك رغبة في القدح الأخير؟ فربتت على كتفي ~~وهي تقول: أتريد أن تحتال على تكوين رأي جميل بهذا الشراب؟ قلت: إني رجل متضارب الآراء ~~لا أستقر على حال، والمرأة تزيد في حيرتي إذا وكلت إلي بأمورها، وإنما يشجعني الشراب ~~على البت في شئون النساء فإنهن بارعات في انتحال العيوب، لاذعات النقد يتطلبن من الرجل ~~السداد والكمال في كل شيء ... قالت: كفى مزاحا أيها الشاعر وسأبادلك النخب على أن يكون ~~القدح الأخير، وأفرغنا قدحينا نهلة واحدة ونهضة واقفة وهي تقول: هلم يا صديقي ؛ فمشيت ~~إلى جانبها وهي متكئة على ذراعي ونفسي تحدثني بأمرها، وسألتها: وهل شقيقتك يا صديقتي ~~أكبر منك سنا؟ قالت: بلى! إنها شقيقتي الوحيدة. فاستطردت قائلا: أوليس لك خطيب؟ ~~فاصطبغ وجهها حياء وتعثرت لفظة بين شفتيها، قلت: معذرة فما أردت إلا الحديث. قالت: يا ~~صديقي لست تعرفني كل المعرفة فأحدثك طويلا عن حياتي، ولا علي أن أخبرك أن زفافي أيضا ~~كاد يكون هذا الأسبوع لو لم أفسد حياتي بالصراحة؛ لأني لم أكن خبيثة يوما ما. قلت: ~~معنى ذلك أن الرجل أفسد حياتك! فابتسمت قائلة: ليس من حقك أن تعرف أكثر من هذا، وإن كان ~~من حقي أنا أن أخبرك، بيد أني أختصر الحديث اختصارا، فأقول لك إنك تحمل صورة الرجل ~~المتفتح القلب، فإذا أحببت يوما فاحذر أن ms42 تقول لعذراتك إنك تحبها، كن غامضا فإن لذة ~~الحب في الشعور المبهم، لقد قلت يوما للرجل: إني أحبك، فتقلص حبه سريعا، وزايله ~~اندفاعه نحوي، وفارقني عطفه، واستحال مخلوقا آخر يستغل عاطفتي، ومنذ هذه اللحظة وأنا ~~أخاف الرجل، الرجل الذي يريد أن ينتزع من أفواه العذارى كلمة «أحبك» ... وكنا قد وصلنا ~~إلى الفندق. # الفصل الحادي عشر # | يوم في ڤرساي # ما أجمل الصباح، وأرق نسماته، وأصفى سماءه، بهذا كنت أحدث نفسي وأنا أنحدر من شارع ~~غاليلي إلى الشانزليزيه العظيم، متذكرا وقفتي منه من أيام وأنا أستعرض جماله من قمة ~~قوس النصر ذي الشعلة الخالدة اللهب، هذا البناء الضخم متوسطا ميدان النجمة، تمثلته ~~في هذه اللحظة فريسة وقعت في خيوط عنكبوت جبار، امتدت من أركان مدينة خيالية، وكأن ~~الشعلة الخافقة اللهب، روح الفريسة المضطربة تتحدى المصرع، وتعلن عن قوة الحياة ~~المشبوبة المضطرمة؛ كم من مساء فاتن في باريس، وكم من ليلة ساحر، وكم من صباح جميل عذب ~~كهذا الصباح، يحبب إليك مصافحة النور والنسيم، عاري الرأس، خفيف القدم، وأنت تعبر ~~الشانزليزيه والكونكورد والتويلري حتى اللوفر، الذي احتقب كنوز الأمم، أو إذا جنحت بك ~~النفس، فعطفت من الكونكورد على المادلين وسان ميشيل وحدائق اللوكسمبرج وانسربت بعدها في ~~أبهاء الحي اللاتيني لتستعيد بعض ذكريات جميلة حملتها من مطالعاتك لكتاب وشعراء وفنانين ~~مرحين، ماجنين، عابثين، استقامت بمرحهم ومجانتهم وعبثهم حياة جادة مذخورة بالأدب الحي، ~~والفن المشرق العالي. # لو سلفت لي حياة في هذه الأماكن المعطرة بروح القدم، لاستغرقتني الذكريات، ولكني رجل ~~حائر قلق، تطالعني الصور من هنا ومن هناك، فألحظها بالنظرة العابرة والتأملات الخاطفة، ~~وسرعان ما أعود إلى نفسي، لأسكن إلى طبيعة هادئة، أفكر فيما أنا مقبل عليه في يومي من ~~عمل أو لهو، ولست رجل مغامرات، ولكن الأقدار تأبى إلا أن تضع في طريقي أينما سرت حادثا ~~غريبا، وشاغلا عجيبا، وعبثا أحاول أن أكون الهادئ الناعم البال، وكل ما في هذه ~~المدينة يتآمر علي، شد ما يشقي الخيال أصحابه ... فإن كل حجر من أحجار الطريق، ms43 وكل ~~ورقة صفراء تنتفض في يد الريح الهبوب، وكل نافذة يضطرب وراء زجاجها النور، وكل مقعد ~~خشبي منتبذ بالظلام تحت أشباح الشجر السوداء، يغريه بالاندفاع، ويدعوه إلى المرح، ويصرخ ~~به: إن الحياة في باريس للمتمرد الخطير، والمتشرد الكبير، فماذا عليك وأنت هنا طليق من ~~أسر العادات واصطناع الوقار، لو عببت من هذه العيون الدافقة وتخففت من ثيابك، وقذفت ~~بنفسك في هذا المضطرب الساحر! # أقتحم هذا الجو العاصف بالشهوات، وانظر من وراء هذا الزجاج، فإن الضوء الضعيف ~~المترقرق في أوكار مونبارناس يؤكد ذلك أن حياة القوم هنا ليست حسا محضا ولا جسدية ~~مطلقة ... وأن الخمر التي تعاقرها في الكوبول تحدرت من أكرم أعصاب الحياة، وليست من ~~حدائق الرين وكروم الجنوب ... وهذه الأجساد العارية في التابوران وأسفينكس والهومير ~~والفولي برجير، هي أسمى ما وصل إليه الفن الإلهي تمثيلا وتصويرا، وهي في طريقك غدا ~~تماثيل وتصاوير يقسرك السحر المودع فيها على التطلع إليها واكتناه سرها العظيم ... وإن ~~نبأة صوت تصل إلى أذنك وأنت تجتاز الڤندوم في هدأة الليل، وحركة سيارة تقف إزاءك في ~~الحلك القاتم، فإذا بك مندفع نحوها، وإذا صوت رقيق يسألك عود ثقاب، ويد مرتعشة ترفع ~~سيجارة إلى فم رقيق باسم، وعينان شاخصتان إلى وجهك، فإذا ما أضاء الثقاب، وامتدضت ~~يدك، واقترب وجهك، أحسست هذه الرغبات التي تتجاوب بها الأدغال في أول فجر للربيع! في ~~هذا المكان، وهذا الظلام الرهيب، وهذا الغموض، وهذا الحنين المبهم الذي يتنازع كائنين ~~غريبين. المجهول أيها الشاعر، أروع وأغلى ما تبحث عنه في حياتك من كنوز ... # وهكذا سرت أحاور نفسي، وأنا أتصفح وجوه الباريسيات المبكرات إلى عملهن، وهن يتخطرن ~~فوق الأرصفة وفي عيونهن من أسرار الليل الذاهب ألق، وفي شعورهن من خمر المساء الغابر ~~عبق، وكنت على موعد، وما هي إلا دقائق حتى كنت أشرب القهوة الفرنسية اللذيذة على إحدى ~~موائد «كافيه دلاييه» ملتقى الغرباء من أبناء الشرقين الأدنى والأقصى، وكان شريكي في ~~المائدة شاب أنيق البزة، حسن الوجه، عرفت منه أنه سوري ولد بالإسكندرية وأنه ms44 يشتغل ~~بتنظيم بعض الرحلات في باريس وضواحيها، وتحدثنا عن ذلك ودعاني إلى الاشتراك في رحلة ~~تمتعني بحظ وافر من البهجة. قلت له: لقد رأيت كل شيء. قال: ولكنك لم تقرأ البرنامج. ~~ودفع إلي ببضع ورقات وأشار بأصبعه إلى إحداها. قلت: لقد زرت فرساي وعرجت على ملمازون ~~وانتهيت إلى فونتنبلو ... قال: ولكنها حفلة مساء في حدائق فرساي الفاتنة، موسيقى ورقص ~~أكروباتيك على الأضواء المختلفة الألوان وأسهم من نار وكانت هذه آخر حفلات الموسم. ~~فوافقته على رأيه وفي الميعاد المحدد كنت في السيارة المختارة سيارة المتكلمين ~~الإنجليزية، ودرجت بنا في طريق ضاحية «سان كلو» التي حفل بذكرها القصص الفرنسي، وشاءت ~~الصدفة أن يكون معنا هذا الشاب السوري المرح، فأخذ يمزح مع الركاب بلهجة إنجليزية فكهة، ~~وهو ينظر إلي من حين إلى حين باسما، كأنما يحفزني إلى مساجلته، ولكن هذا الخبيث كان قد ~~أعد شيئا في طوايا نفسه، فوقف وسط السيارة خطيبا وهو يقول: «سادتي: هنا جنتلمان مصري ~~غريب مثلكم، يتكلم الإنجليزية، وقد لاحظت عليه انفراده بينكم، وكلكم أزواج تتسلون ~~وتضحكون، فمن دواعي سرورنا كجماعة تعنى بتوفير مباهجكم، أن يكون له حظ مشاطرتكم سمركم ~~وحديثكم.» انطلقت كلمات هذا الشاب كأنها أنباء خطيرة يتسمعها قوم معنيون بها، وشخصت ~~العيون إلي ، السيدات يبتسمن ويغمغمن علامة المجاملة والتحية، والرجال ينظرون ويشيرون ~~بأصابعهم على الطريقة الفاشتية، والآنسات أين هن؟! هناك وجهان يشرقان بنضارة الصبا، ~~ويتلظيان صحة وعافية. يتوسطهما وجه سيدة كريمة لما تفارقه وسامته وقسامته، عرفتهن ~~فيما بعد، فهذه السيدة دينماركية من كوبنهاجن وهاتان ابنتاها، وهما كأمهما من الفتنة ~~والخفة ورقة الجانب وعذوبة النفس على قدر عظيم، وددت لو شكرت هذا الخبيث على ما صنع؛ ~~فإن سحر أوروبا ليس ببالغ من نفسك أثره إلا في ظل صديقة تشاطرك غدوك ورواحك، أو تقاسمك ~~مائدتك، أو تبادلك حديثها، أو يناسم عطفها قلبك. ورحت من طربي أشعل سيجارة وأنا أتأمل ~~مفاتن الطبيعة من زجاج السيارة، وإذا بيد تربت على كتفي، فالتفت أرى ما هنالك ... ~~فوجدت سيدا أمريكيا يسألني عود ثقاب ms45 ... وأدنيت الثقاب منه فأشار إلى جانبه، فإذا سيدة ~~مشيقة، ناضرة العمر، أنيقة، ضاحكة الوجه، صففت شعرها على طريقة القرن الثامن عشر، ~~وقصت جانبيه على طريقة القرن العشرين، عيناها العسليتان يشرق في كل منهما قبس من ~~السحر في إنسانين ضارعين، كأنها طفلة إلهية هبطت لأول مرة عالم الأرض، كانت يدي ~~المرتجفة تدني لهب الثقاب من سيجارتها وعيناها لا تفارقان وجهي كأنهما بوغتتا برؤية ~~مخلوق غريب لا عهد لهما به، واضطربت روحي تحت نظراتها وانطلقت صيحات مجهولة شريرة تصرخ ~~من أعماقي: إنها ... إنها المرأة المنتظرة ... وفرت هذه الأشباح والأصداء على صوت السيارة ~~وهي تقف على أبواب فرساي؛ وجزنا أسوار القصر ودخلنا ردهته وكانت لا تزال إلى جانبي، ~~وكان الزحام عظيما جدا حتى لا يكاد يعرف الإنسان من أين يمضي وإلى أين يتجه، وصاح ~~الدليل بنا أن نحرص على متابعته، وألا نبطئ في ذلك وإلا ضللنا طريقنا في أبهاء القصر ~~وهيهات إلى أن نهتدي من سبيل، واندفعنا إلى الحجرات نتملى جمالها، ونتحسس بأبصارنا ~~المبهورة روعة النقوش ودقة الرسوم، والدليل يروي من أنباء القوم وأسرار حياتهم في هذا ~~القصر المنيف ما يشبه الأساطير، أين لويس الرابع عشر؟ وأين سمياه العظيمان من بعده؟ ~~وأين ابن الثورة التي عقها؟ أين أولئك الذين مرحوا في هذه الحجرات، وطالعوا الأمل ~~واليأس من هذه الشرفات؟! كل ما في القصر ينطق بالنعيم الزائل والسلطان المندثر، جدران ~~تكاد لا تعرف فيها أثرها اليد الصناع المقتدرة، وصور يذهب الخيال بين الظل والنور فيها، ~~وسقوف موجت صفحاتها بالنقوش وموهت حواشيها بالذهب، كأنها لجة ضربت في شفقين ~~ملتهبين ما بين المشرق والمغرب، وجزنا عتبة الباب العاشر إلى صالة المرايا الكبرى، ~~وانتثرنا في أرجائها نصوب العين حينا، ونصعدها حينا آخر، وننقل خطانا على ريث، نستعرض ~~ذكرياتها ونتأمل ما أسبغ التاريخ عليها من جلال وخطر، يا للقدر الساخر والزمن الوثاب!! ~~كم مرت بهذه المرايا أشباح طواها الموت، وتطلعت وجوه زواها التراب وأشرقت ابتسامات ~~أطفأها القدر، ولم يبق إلا صوت يقول إني أشم رائحة الدم!! # خلصت من ms46 مآسي هذه الحجرة إلى حجرة المرأة الطفلة، إلى اللاهية العابثة، هذه صورتها ~~معلقة في مكانها كما نقلت عن الأصل المودع في متحف روما، وهذا تمثالها النصفي، ورأسها ~~المترفع الجميل، تياها بعنقها المرمري الرقيق الذي حزه الفولاذ القاسي، بين الضحك ~~والاستهزاء، أو بين الحقد والبغضاء، يا للأسى! كنا نمر في الحجرات والمخادع التي داسها ~~بقدميه اليائس المحروم، واقتحمها الناقم الغضوب، إنه ثأر لإنسانيته، كان شعوري ذاك الذي ~~صورته لك وأنا أضطرب في هذه الحجرة المشئومة التي احتفظت ببعض أثاثها، حجرة ماري ~~أنتوانيت! جئت لأتسلى ساعة من زمن فأعقبتني مسلاتي حزنا وندما، وأورثتني إشفاقا ~~وألما، وهممت بالهرب من هذا الجو، فألقيت نظرة الوداع على وجهها الباسم، وملت عنها إلى ~~النافذة المريضة أتأمل الحدائق التي تملأ الأفق، فالتقت نظراتنا ... كانت هي أيضا تنظر ~~من النافذة القريبة، كنت أظنها بعيدة عني، وكنت أحسبني منفردا بنفسي، ولكنها هي ... حيث ~~وقفت بها الأقدار على قيد خطوتين مني، باسمة مشرقة الوجه، ملتهبة الخدين بما تحير ~~فيهما من ماء الشباب، كنت أجدها دائما إلى جانبي والجماعة تضغطنا ضغطا كلما جزنا ~~بابا، أو عبرنا دهليزا، أو اجتمعنا حول صورة نتملاها، أو أثر ثمين نتحراه، وعبثا ~~حاولت ألا يمس ثوبي ثوبها أو يمر ظلي بظلها، فقد كنت مأخوذا بها وكان جمالها خطرا لا ~~يستطاع دفعه أو توقيه، وكان رجلها ولا شك يعرفها أكثر مني، فكان يرمقني من حين إلى ~~حين بنظر صارم حديد، حتى خيل لي أني مطارد يلاحقه خوف، أو هارب يتأثره حتف، ولكن ~~هذه الملكة المسكينة كما جنت على زوجها جنت علي ... والتفتت إلي قائلة: خسارة فادحة أن ~~تفقد هذه الحجرات أثاثها وأن تعرى من رياشها! قلت: إن الثورة لا عقل لها فهي بنت ~~العاطفة الشرهة الهائجة، وقد أكلت في طريقها ما صادفته. قالت: أعرف ذلك. ولم تكد تتم ~~عبارتها حتى أقبل الرجل، ومشينا معا إلى خارج القصر ونحن نتندر بما كان من أهله، وأي ~~عدوى من الترف الفاجر قد أصابت خدمه حتى أورثتهم شر أمراض الاستهتار فكانوا ms47 يقذفون ~~بالقدر من النوافذ بلا حرج وبلا وازع، وكيف أن طرق التدفئة جميعها قد عجزت عن إرضاء ~~الأميرات والوصيفات والخليلات والمضيفات في الشتاء القارس، فكن يستلقين على الأرائك ~~الوثيرة متأطرات على فوهات المدافئ المتنقلة، مشمرات عن سوقهن، نصف عاريات، لينعمن ~~بالدفء، ويعرضن أجسامهن للحرارة بينما تستغرقهن الأحاديث اللذيذة والأسمار العذبة، وكان ~~طربها بهذا الحديث شديدا فألقت سؤالا غريبا قالت: أشيد قصر فونتنبلو لماري ~~أنتوانيت؟ فلم أحر جوابا، ودس الرجل يده في جيبه فأخرج كتابا صغيرا قلب فيه بضع ~~صفحات وهو يغمغم بأنفه: وأقامت فيه مدام دي پاري، فهتفت مازحة: وهن مشيدات القصور! ~~قلت: ما في ذلك غرابة ولا هو بمستكثر عليهن. فاسترسلت في مزاحها قائلة: ومن تعني؟ فتدخل ~~الرجل قائلا: يعني الجميلات الفاتنات. وكأنما أراد بهذه العبارة أن يشعرني بوجوده، ~~فاندفعت قائلا: وفيهن خيرات فاضلات، وإن أنس يا سيدتي، فلن أنسى ذلك القلب المودع في ~~صندوق على رفرف الأنڤليد، قلب المرأة التي شاركت چيروم حياته أملا وألما، فأوصت بأن ~~يرفرف قلبها على قبر زوجها، حقا لقد كان چيروم عظيما كشقيقه نابليون. # وانصرفنا إلى حديث الفن فسألتني أرأيت أروع وأفخم من هذا القصر وحدائقه ~~الغناء؟ # فأجبتها قائلا: ليس للفخامة ولا الضخامة حساب كبير في رأي الفن الحديث، فإن للرشاقة ~~جمالا، وللبساطة روعة، وهذا الطابع المعماري نراه في كثير من قصور أوروبا بله فرنسا، ~~وليس غريبا على فونتنبلو واللوڤر والتريانون والباليه رويال والأنڤليد أيضا، وأنت ~~ترين الصور والنقوش المزدانة بها تلك الحجرات وكأنما استعيرت من بعضها البعض وإن شئت ~~فهي من بلاد غير بعيدة، في قصر السنيوريا بفلورنسا، وقصر الدوج بالبندقية، ولا أحدثك عن ~~الفاتيكان وروائعه، أما هذه العمد الضخمة والرفارف العريضة المطلة من فوقها فهي من بلاد ~~أخرى غير بعيدة أيضا، وقد أخذ الفرنسيون عن الفن الروماني أجمله وأبدعه، وأخذوا عن ~~الفن الإغريقي أرشقه وأروعه. # قالت: وهناك أيضا بلاد غير بعيدة عن روما وأثينا، وعنها أخذ العالم أرفع الفنون. ~~قلت: بل لا يزال يأخذ عنها يا سيدتي! فابتسمت قائلة: ومن أنبأك ms48 أنها بلادك؟ قلت: في ~~إشارتك اللطيفة ما يغني يا سيدتي، ومصر تحمد لك هذا الاعتراف بلسان أحد أبنائها. فبدت ~~على وجهها علائم بهجة خفية وهي تنظر إلى ذوائب الأشجار السابحة في لجة الشفق الأحمر ~~وكنا قد وصلنا إلى تمثال فاتن يمثل فتاة عارية تسبح في الماء. # فسألتني قائلة: أيعجبك هذا التمثال؟ فأجبتها: بل ويكاد يفتتني. قالت: وما سر إعجابك؟ ~~قلت: هذه الحياة التي تكاد تدب فيه، بل هذا الجسد الفاتن وإن صيغ من جماد هامد! قالت: ~~ولماذا خلا فنكم القديم من هذا اللون؟ قلت: تعنين الأجساد العارية؟ قالت: بلى. قلت: كان ~~ذلك خضوعا ولا شك لروح الديانة، وأنت تعرفين أن الفراعنة وهم أبناء الآلهة قد خضعوا في ~~حياتهم وحكمهم للكهنة وطقوسهم، فكيف بالفنانين وهم من أبناء الشعب الذين كانوا لا رأي ~~ولا سلطان لهم. ولا عجب في أن يتأثر كل شيء في هذا البلد بروح الديانات، فمنه استمدت ~~الشرائع جميعها هذه الطقوس التي نقرأها، ولقد كان المصريون القدماء أعلى بصرا بالحياة ~~وأسمى بالروحانيات دنيا، بيد أني أحب أن ألقي ضوءا على هذه الناحية فأنت ولا شك قد زرت ~~مصر! قالت: وأتمنى عودة إليها من جديد، وحياة طويلة على ضفاف نيلها، بين رمال صحرائها ~~وأشباح نخيلها. قلت: وهل زرت الأقصر ؟ قالت: وعرفت سر القرود في مقبرة توت عنخ ~~آمون. # قلت: وهل رأيت ذلك «الكاباريه» في مقبرة «نخت»؟ قالت: ورأيت «الأرتست» العاريات. ~~قلت: حسنا؛ فهذه المقبرة صورة من الرغبات المكبوتة التي كانت تضطرب تحت ضغط الكهنة؛ ~~فقد حرموا على الفنانين تمثيل الأجساد العارية! ومما أذكره أن فنانا حرا لم ~~يطق صبرا على هذا الحرمان فصنع تمثالا عاريا صغيرا، ولكنه خشي العاقبة فتخلص منه ~~بإلقائه في مقبرة الأميرة «تسن» التي اكتشفت منذ أعوام في حرم الأهرام؛ وقد رأيت هذه ~~التمثال غير متقن الصنع، نتيجة الاضطراب الذي يطوف بأفكار الثوار ويظهر أثره في ~~أعمالهم، ولكن هناك يا سيدتي أمرا آخر مرجعه النفس، فإن للأجواء آثرها الغالب في تكوين ~~الميول وصقل الأذواق كأثرها في تكوين ms49 الأجسام، وفي ذلك الجو المصري السافر الذي يكاد ~~يروع البصر إشراقه، حتى لتعظم فيه دقائق التركيب وتبرز خفايا الصنع، في مثل ذلك الجو ~~تنزع النفس إلى شيء من الحجاب، وتحاول إخفاء بعض النواحي المكشوفة المفضوحة، إنها اللا ~~شعورية الفنية التي تؤثر الغموض والإبهام أحيانا وهذا على العكس من الأجواء الأوروبية ~~المحجبة القائمة التي يختنق فيها البصر، فإنها تقتضي الكشف وتلزم السفور، ومن هذا ترين ~~يا سيدتي أن الفنان المصري نصيبه من الإحساس الفني بالجمال، وقدره الرفيع من التعبير ~~عنه. # وكنت أتكلم بحماسة واندفاع بالغين كأنني أنشد قصيدة من ذات نفسي، وكنت ألمح ~~إعجاب السيدة ورضاء الرجل وانتهى مطافنا إلى المطعم القريب فتناولنا عشاء شهيا وأقبل ~~المساء ... وانتهى الليل بانتهاء حفلة عيد الحرية في حدائق فرساي ... وطلع علينا الفجر ~~والسيارة تجتاز بنا غاية بولونيا بين سقسقة العصافير وتغريد العنادل. # وبعد أيام، وقفت أتأمل أنوار باريس الباهرة وأنا واقف في ممر العربة والقطار ينهب بنا ~~الطريق إلى لوزان فإذا بصوت عذب ووجه ساحر أعرفه، وابتسامة تومض بها شفتان، ويد غضة ~~ترفع سيجارة إلى فم رقيق ... وهي تضحك وكأنها تذكرني بأول ثقاب أشعلته لها ... ورحت أتنسم ~~عطر دخانها وقد همت بالانصراف وهي تقول: أرجو لك سفرا سعيدا ولعلك ذاكري يوما في ~~مغرب شمس على ضفاف النيل، أو في أمسية من أمسياتك المصرية المرحة، ومدت يدها إلى يدي ~~مودعة، فرفعتها إلى فمي وانحنيت أطبع عليها بقية القبلة وقد انزلقت شفتي الجافة على ~~بشرتها الناعمة ... ووقفت أرقبها وأنا أكاد أنوء بالسر العظيم وقد بدأ خيالها يختفي في ~~الممر الطويل وهي في زيها البديع ومشيتها الساحرة. # الفصل الثاني عشر # | فتاة برن # كانت غرفة الطعام هادئة النور، لا تنبعث في فضائها أضواء هذه المصابيح الصغيرة ذات ~~الألوان البهجة التي كانت تزدهر بها الموائد البيضاء كل أمسية، حتى لتبدو كأنها حديقة ~~مثالية تضيء مجامر وردها في ليلة شرقية قمراء؛ ولم يكن غير خوان صغير في صدر المكان ~~يجلس إليه ضابط شيخ، وهو يشرب قدحا كبيرا من النبيذ الأحمر ms50 على مهل وفي تأمل هادئ ~~عميق، وكنت جالسا إزاءه تحت الشرفة العريضة أرقب الكنيسة القوطية ذات البرج السامق ~~الذي طالما أصغيت إلى رنات نواقيسه في أصباح يوليو المائجة بالنور، الناسمة بالعطر، ~~وكان السكون يفيض على هذا المساء فليس إلا صوت المطر المنهمر في الخارج، وهذه الأصداء ~~التي ترسلها إلينا من الميدان عجلات السيارات المخوضة في المياه الدافقة تحت ~~الأفاريز، وأولئك العابرون بخطاهم القوية المتزنة على أحجار الطريق، واستغرقتني ذكريات ~~الأيام الأولى التي قضيتها في هذه العاصمة الجميلة وأنا آخذ الطريق الصاعد إلى ~~«الجورتن» في الضفة الثانية من النهر، أو أهبط المنحدر الفاتن إلى المتحف التاريخي، ~~أتملى نفائسه وبينها تحف شرقية جميلة معروضة في بعض غرفه، فهذه الأواني الخزفية، ~~المزدانة بالآيات والحكم العربية، وهذا الإيوان الخشبي من القرن العاشر الهجري بطنافسه ~~وزخارفه المموهة بالذهب، وهذا المخطوط من القرآن الكريم بنقوشه الفارسية الدقيقة، وهذه ~~المجموعة من أزياء الحريم في الشرق الإسلامي من الشنتيان إلى الحبرة إلى اليشمك، ثم هذه ~~الروائع الأخرى التي تعجب الفنان، وتجذب الشاعر، وتفتن الأديب، وبينها نسخة من الطبعة ~~الأولى لرواية «تليماك» بورقها الكتاني السميك الكبير الحجم، وطباعتها ذات اللونين ~~الأسود والأحمر، بالحروف الجرمانية الشجراء، وإلى جانبها آلة الطباعة الأولى ~~لجوتنبرج. # واستغرقتني هذه الصور لحظات ولحظات حتى انتبهت على صوت الضابط وهو يغادر المكان في ~~بزته العسكرية الأنيقة ويلقي بتحيته إلي بادي العظمة، موفور المهابة! # وأقبلت الخادمة الشابة وهي تقول: يؤسفني أيها السيد أن تظل وحدك في هذا المكان ولكن ~~ربما حضرت مس «كارين» هذه الليلة فهي قد علمت بحضورك الآن! قلت: شكرا يا آنسة، ومن ترى ~~ذلك السيد! ألا يبيت الليلة هنا؟ قالت: إنه قادم من «سانت جالن» في طريقه إلى الحدود ~~وهو في انتظار فرقته التي تصل إلى «برن» بقطار نصف الليل. # قلت: وهل تقومين وحدك بشئون الفندق هذه الليلة؟ # قالت: لقد ذهبت الفتيات ليدبرن أمورهن قبل رحيل الرجال، حتى مسز ڤايل أيضا ... فإن ~~زوجها يغادر المدينة بعد ساعتين لينضم إلى فرقته في «بازل»، وأنت تعلم أن ms51 الشبان قد ~~ذهبوا إلى صفوف الجيش بعد أن أعلنت التعبئة العامة هذا المساء. # قلت: أرجو أن يعودوا قريبا إلى أهلهم وديارهم وأحبابهم، وأحب ألا تجهدي نفسك من ~~أجلي، فكل ما أطمع فيه فراش أتوسده هذه الساعات الباقية من الليل. # قالت: لا عليك أيها السيد فإن مس «كارين» قد حدثتني عنك وليطب خاطرك. # قلت: أخشى أن يكون وجودي الآن قد شغلك عن أداء واجب عزيز ... فتورد وجهها وهي تميل ~~إلى الباب دون أن تجيب، ورحت أسائل نفسي أليس لهذه الفتاة الوسيمة أليف تبتهج لمرآه أو ~~يخفق قلبها بنجواه؟ أوليس من ينتظر قبلتها أو عناقها أمام عربة القطار في هذا الليل ~~وتحت هذا المطر؟ ... وانطلق الخيال يخلق من الوهم الطارئ قصة حب عاثر أو حبيب غادر، ولاح ~~لي في هذه اللحظة خيال «كارين» هذه الشابة الحسناء التي تبذ العذارى رقة وخفرا، إنها ~~في الثانية والعشرين من عمرها، تؤمن بالسحر المصري القديم، وتكلف بحديث الحريم في ~~الشرق، وتثق بطوالع النجوم، وتصدق قراءة الكف، وتسأل عن المستقبل وتبحث عن الحب والرجل ~~المنتظر، إنها تثق بآرائي وتندفع في حماسة إلى حديث الفن بلهجة إنجليزية حلوة جذابة ~~قلما سمعت مثل موسيقاها من أفواه الإنجليزيات أنفسهن، وكنت أعجب لهذه الشابة ~~الذكية القلب المشرقة الروح التي قضت شطرا من عمرها الباكر في بيئات الإنجليز الخاصة ~~وتحت سماء إنجلترا كيف تسلم عقليتها بهذه الخرافات وتعلق بنفسها هذه المعتقدات ~~المضحكة! وتمثلتها على مكتبها وهي تراجع حساب الفندق وكلما أجهدها الفكر مرت بالقلم ~~على فمها القرمزي الصغير، وهي بشعرها الكستنائي المنفوش وعينيها الرماديتين ووجنتيها ~~البارزتين كشاعرة نبيلة بهرتها رؤى علوية طافرة، أو سحرتها أنغام قدسية عاطرة! وذكرت ~~اليوم الأول الذي التقينا فيه على الباخرة الصغيرة بين «أنترلاكن وتون» وهي متكئة على ~~حاجز السفينة ترقب الرغو الفائر تحت قدميها، وقد امتد خطوطا عريضة طويلة والهواء يرفع ~~جانبي معطفها الحريري الأبيض الهفهاف إلى ما فوق ذراعيها فكأنها ملك السحاب يضرب ~~بجناحيه الناصعين في الزرقة الصافية متقدما رعيلا من الغمام الأبيض! وتحدثنا في ~~براءة ms52 روحين متجردين من نوازع الدنيا ومنازعها عن ذلك الجو الشعري الفاتن، وكانت خيالية ~~مفتونة بالصور والألوان والأنغام والأصداء، فوجدت في صاحبها الموافق ورفيقها المجاوب، ~~وتكلمنا عن الثلوج في قمة چوفراو، وجبال الألب الداكنة السوداء، كما تبدو من هذه الغابة ~~الصادحة عند منابع الرون بين حدود سويسرا وفرنسا، وأنشدتني مقطوعة للشاعر الأسباني ~~«جوستانو بيلكور» عن فيلا «كارلوتا» على شاطئ بحيرة كومو، وعقدنا مقارنة بين البحيرات ~~السويسرية والإيطالية ومساقط الماء في جبال إنسبروك ومنابع الرين، وتحدثنا عن الصحراء ~~والبحيرات الأفريقية والنيل المقدس، ثم أسمعتني أبياتا للشاعر الإنجليزي «جون كيتس» ~~يخاطب فيها «النيل» بقوله: يا ابن جبال القمر الأفريقية العريقة في القدم! يا وادي ~~الأهرامات والتماسيح! # وقالت إنها كانت تظن سكان ذلك النهر المقدس من العمالقة وأن لهم مثل أجسام التماسيح ~~ضخامة ومثل فهود الأدغال قوة وضراوة. # وانتهى بنا المطاف إلى هذا الفندق الذي تديره خالتها مسز ڤايل، هذه المرأة المتشككة ~~ذات الوجه الجامد الذي لا ينم عن عاطفة ولا يختلج بإثارة ما، وكانت ترى في علاقتي بابنة ~~أخيها ما لا يروقها، وكانت تقابل بالامتعاض ابتهاج الفتاة بلقائي وبالتحدث إلي، ولا ~~أنسى هذه الليلة منذ أربعين يوما وكنت منكبا على خرائط لبعض ممالك أوروبا أقرأ أسماء ~~البلدان والعواصم وأرسم بالحبر الأزرق خطا طويلا متعرجا أبين به طريق صاعدا من ~~مارسيليا إلى كوبنهاجن وهابطا إلى برلين ففارسوفيا فڤينا إلى نابلي ثم صاعدا ثانيا ~~إلى ميلانو فمنحرفا إلى نيس فمارسيليا. # وكانت كارين إلى جانبي تساعدني في قراءة الخطوط الدقيقة ساعة طرقت هذه المرأة الباب ~~بعنف واقتحمت علينا الغرفة بغتة، وعلى صوتها الأجش الجاف انتفضنا ذعرا وسقطت نقطة ~~كبيرة من الحبر لم تلبث أن غطت ثلاث مدن كبيرة وسودت الفضاء بين براغ وفرسوڤيا وڤينا، ~~ولشد ما تشاءمت من ذلك الحادث وتطيرت له وهما حتى ذلك المساء وأنا أعبر نهر إلبي من ~~ضاحية ڤيزر هرش إلى درسدن فإذا بركان من الحديد ينصبها بعض الجند على جوانب الجسر وقد ~~برزت فوهات المدافع من جوانبها، والناس يتجمعون إزاءها من ms53 بعد، وهم في ذهول وذعر ووجوم، ~~وفي الساعة الثالثة غادرت فراشي لأستقل آخر قطار يغادر المدينة على نذير الحرب! وكانت ~~أوروبا كلها ترقص في هذه الليلة على فوهة البركان الثائر. # وظلت هذه المشاهد والحوادث تتوالى على خاطري كأنني أستعرض شريطا سينمائيا وعيناي ~~غائصتان في لجة الليل القائم وأنا في يقظة كالحالم، حتى أفقت على ضوضاء وأصوات تتجاوب ~~بها أرجاء الميدان، وأسرعت إلى ردهة الفندق هابطا درج المدخل فإذا بالخادمة وقد وقفت ~~ترقب المشهد من حانوت بائعة التبغ المجاور وفجأة نظرت إلي وهي تهتف: مس «كارين»! مس ~~«كارين»! فوثب الدم في عروقي وتطلعت أمامي فإذا بها في ذات الثوب الأزرق الذي رأيتها ~~فيه أول مرة، وكان وجهها ينم عن فرح بلقائي رغم الحوادث التي توالت ف هذا اليوم على ~~العالم. # ومدت يدها إلي فاحتوت كفي راحتها الصغيرة وهي تنبئني بسرورها لعودتي، وأسفها على ~~انقطاع رحلتي، وسألتني إن كنت سأبقى غدا في برن فقلت: غدا يا عزيزتي أخبرك فليس لي أن ~~أقول شيئا هذه الليلة فربما جدت حوادث أخر، قالت: لقد أعلن المذياع نبأ إغلاق الموانئ ~~الإيطالية وانقطاع المواصلات بين فرنسا وإيطاليا، ولا أحب أن أزعجك عن راحتك بمثل هذه ~~الأنباء التي تعتبر عادية بالنسبة للمتوقع! قلت: حسنا «يا كارين» وارتفع الضجيج في تلك ~~اللحظة واختلطت الأصوات من صدحات أبواق ودقات طبول وخطوات جند وخيول وعربات وسيارات ~~موسوقة بالمدافع والذخائر ولفائف الأسلاك الشائكة وغيرها من أدوات الميدان. # وجذبتني «كارين» إلى منحنى قريب يشتد فيه الضوء، ونكاد نلمس منه بأيدينا الجنود وهم ~~يمرون بخوذاتهم اللامعة تحت الأضواء ورذاذ المطر، وجباههم متألقة بالعرق وقطرات الماء، ~~وعيونهم اليقظة الصافية تومض بالقوة والفتوة والأمل؛ كانوا يسيرون صفوفا بخطواتهم ذات ~~الإيقاع الموسيقي الرتيب، يغمرهم الجلال وتفيض عنهم الروعة، وينطق موكبهم بأنبل ~~المعاني، وكانت «كارين» الحسناء تلوح بمنديلها الأبيض وتنثر على شبابهم ابتساماتها وهم ~~يومئون بنظراتهم المقدرة المعبرة عن ابتهاجهم بهذه التحية الصادقة، وأثر في هذا ~~المشهد الرائع وهز أعصابي هزا عنيفا، فقد ذكرت وطني وذكرت ما نحن ms54 مقبلون عليه في ~~غدنا من جد الحياة وجلادها، وقلت لنفسي هل يتاح لي أن أرى لمصر مثل هذا الشباب المستقتل ~~المتفاني وهو يسير في موكب الحياة مفتول السواعد مشبوح العظام؟ وهل يقدر الله لي أن ~~أشهد فتياتنا وقد وقفن مثل هذه الحسناء، وفي مثل هذا المنحنى، تحت الظلام والمطر والريح ~~القارس لينثرن ابتسامتهن على جباه شبابنا البواسل وهم في طريقهم إلى الميدان. # واختفى خيال الموكب الكبير، وتلاشت أصداؤه على رنين ساعة الميدان وهي تدق مؤذنة ~~بانتصاف الليل. # وأمسكت يدي بيدها وسارت بي إلى الفندق، وأنا مفعم القلب بأحاسيس مهمة، ونوازع غامضة ~~أكاد أترنح منها لذة ونشوة. # ووقفنا في الردهة وهي تقول: إن سفر عشرين ساعة في القطار وفي مثل هذه الظروف السيئة ~~يتقاضاك الراحة الآن وأنت متعب ولا شك، قلت: إن لقاءك يا عزيزتي راحة المتعب وشفاء ~~العاني، قالت: أراك ذلق اللسان لبق العبارة فتعال بنا نشرب القهوة معا وتحدثني ~~بأنباء رحلتك منذ فارقتنا. # وتكلمت مع الخادمة ودخلنا غرفة الموسيقى بعد أن أغلقت بابها ثم تهافتت على مقعد صغير ~~وهي تقول: الآن يطيب الحديث. # قلت: حبذا حديثك أنت «يا كارين» فإني في حاجة إلى ما يبهجني. # قالت: أسفا يا صديقي فإن هذه الحرب كما سدت طريقك فقد سدت طريقي أيضا. # قلت: هذه مفاجأة ولا شك فبالله حدثيني. # قالت: كنت على وشك السفر إلى باريس صباح أمس، وكادت تكون هذه الليلة أولى ليالي في ~~الأوبرا ولشد ما كنت سأحلم بالسعادة والمجد وأنا أرتل النشيد على موسيقى بلليني في ~~أوبرا «نورما» في موسم هذا العام. # قلت: لا علم بذلك يا صديقتي. # قالت: أنت تعرف أنني قضيت عامين في ميلانو أتلقى فن الغناء وأني اشتركت في أغاني ~~أوبرا «كوستانتينو» التي وضع ألحانها «فرنسسكو جاسبارين» كما اشتركت في غنائيات كثيرة ~~في روكال وسكالا وكانت تؤثرني بإعجابها المغنية الراقصة «جاپرييلا بيزانسوني» بطلة ~~«كارمن». # قلت: أنت لا زلت في مطلع شبابك، ومستهل حياتك، ولا تزال أمامك الأيام طويلة بعيدة ~~الآماد، المستقبل لك فلا تأسي على شيء ms55 فربما انتهت الحرب قريبا جدا. # قالت: إن التفاؤل يرضي الأحلام ويقنع الأوهام بعض الأحيان فلنحلم ولنتوهم! # قلت: إذا شئت فإني سأجعل لك من هذا الحلم حقيقة محسوسة ومن هذا الوهم واقعا ~~ملموسا. # قالت: أسرع إذن فإني واثقة بك. # قلت: فكري يا سيدتي قليلا في باريس، ولنجعل من برن باريس، وليكن هذا الفندق هو دار ~~الأوبرا، ولتكن غرفة الموسيقى هذه هي المسرح، أما هذه الموائد والأرائك فهم النظارة، ~~فانهضي الآن أيتها الفنانة الشابة، ومري بأناملك الفاتنة على هذا البيان، ووقعي ~~اللحن وأرسلي صوتك القوي الحنون بأغاني نورما، ولتفض روحك بأرخم النغم وأرقه وأبدعه! ~~ولتملكي قلب هذا الأثير، وليكن لك فيه ملك الغناء الخالد ... وفتح الباب ودلفت منه ~~الخادمة بإناء القهوة، قلت: قفي يا آنسة وضعي هذا الإناء بعيدا ثم خذي مجلسك على يسار ~~هذه المملكة الموعودة ... فارتبكت الفتاة وفتحت فمها دهشة، وضحكت «كارين» وهي تشير إلى ~~المقعد الصغير على يسارها وكأنها تدعو الفتاة إلى تلبية هذه الدعوة ... وأقبلت الفتاة وقد ~~زايلها ارتباكها وخجلها وانفرجت شفتاها عن ابتسامة جميلة فهتفت «كارين» بها قائلة: ~~اسمعي يا «إرنا» إن هذا الساحر يتكلم الآن بروح أجداده، هؤلاء السحرة يعاقبون الذين لا ~~يطيعونهم ولا يأتمرون بسلطانهم، وهأنذا أقدم فروض طاعتي ... واعتدلت في جلستها وقد اتخذت ~~هيئة الملكة الشادية وبدأت إنشادها بصوت يتماوج مرحا، ويتفجر شبابا، ويترسل صفاء، ~~وعذوبة، وسحرا؛ وانفعلت بغنائها هي فاستحالت طيفا نابضا باهتزازات هذه الأنغام ~~المنطلقة في سكون الليل تودع السلام، والحب، والرحمة في قلب هذا العالم. # وصفقنا لها كثيرا، وصفقت لنفسها ونهضت واقفة، وقد حارت دمعة صافية في عينها وهي ~~تقول: بالله إني متأثرة أكاد لا أملك نفسي، هلم إلى غرفتك الآن يا صديقي فإني سأنام ~~في غرفة خالتي، فعم مساء وإلى الصباح، قلت: تنامين الآن؟ قالت: وهل في ذلك غرابة، ~~قلت: كلا، وصافحتها بحرارة كأنما كنت أودعها. # وفي الصباح راجت الشائعات بأن الأمم الصغيرة معرضة للغزو لأنها منافذ إلى فرنسا ولأن ~~حدودها خالية من الحصون الفولاذية ونصحني من أثق به أن ms56 أغادر البلاد فورا وإلا عرضت ~~نفسي لمتاعب هائلة. # وتناولت طعام الغداء عجلا. # ووقفت «كارين» بالحمال العجوز على باب غرفتي وأنا أجمع ثيابي وأطوي معطفي على يدي، ~~وهبطنا الدرج حتى الباب الخارجي، وكان المطر شديدا، والبرق يلمع في جوانب السماء، كأنه ~~حراب القدر تصرع الزمن العاتي، وقبلت يدها وهي تضغط بها على فمي كأنها تقبلني هي ~~الأخرى وأخذت طريقي إلى المحطة وأنا أقرع بقدمي أحجار الطريق والمطر ينهمر مدرارا فوقي ~~ويكاد ينفذ من ثوبي والمعطف لا يزال مطويا على يدي وأنا مستغرق في شرودي مستعيدا حلم ~~الأمس الجميل! # الفصل الثالث عشر # | باريس # وعلى غير المتوقع اهتز قلب الأثير بالنبأ الخطير: أن الألمان داخل أبواب باريس! وقد ~~سلمت باريس نفسها إلى الغزاة، وانهارت الجمهورية الثالثة، ومضى القدر في سخريته فحل عيد ~~الحرية بعد أيام من هذا الحادث فإذا الأحرار مستعبدون وإذا مدينة النور ترسف في ~~الظلام. وقد صور الشاعر إحساسه بذلك الحادث التاريخي ذاكرا باريس في محنتها، مطوفا ~~بمعالمها الحبيبة إلى نفسه، وكيف لا يذكر الشعر الكونكورد ونافورتيه العظيمتين والمسلة ~~المصرية السامقة؟ وكيف لا يهيب بنابليون في مرقده بالأنفليد؟ وكيف لا يهتف بالثوار في ~~ساحة الباستيل؟ بل كيف لا يبكي أجمل الليالي وأمجد أعياد الحرية في حدائق فرساي! ~~وأخيرا كيف لا يذكر الشعر فرنسا بمبادئ ثورتها التي كفرت بها حتى سول الجنرال سراي ~~لنفسه أن يقذف عاصمة الأمويين بقنابل مدافعه منذ ستة عشر عاما! # سألوني عن بياني وقصيدي # أسفا. باريس! قد مات نشيدي! # لك ذكراك ولي عهد بها # كيف أنسى ذكرياتي وعهودي # أنا لا أنسى ليالي على # روضك الرفاف بالزهر النضيد # ثمر الفكر ومجنى نوره # ومراح العين والقلب العميد # خطرة عابرة عدت بها # عودة الغواص بالدر الفريد # فاعذري المزهر في كفي إذا # أخرسته ضجة الرزء الشديد # يوم قالوا جلل القيد يدا # حطمت بالأمس أصفاد العبيد # حملت مشعل حرياتهم # في شراة من شباب المجد صيد # كيف يا باريس بالله هوى # ذلك النجم من الأفق البعيد؟ # إن ينل منك المغيرون فما # فتحوا غير تخوم ms57 وحدود! # لست بنيانا، ولا أرضا، ولا # غاب آساد، ولا جنة غيد # أنت معنى عالم الفكر به # يتحدى قبضة الباغي المريد # كعبة الأحرار! هذي محنة # راعت الأحرار في أكرم عيد # صرع النور به وانحسرت # جبهة الشمس عن النور الشهيد # وأتى الليل، ومن أهواله # أن ترى بين ظلام وقيود # أين من ڤرساي أفق ضاحك # مشرق عن أمل الشعب البعيد # وعلى كل طريق موكب # صادح الأبواق خفاق البنود # لكأني اليوم ألقى مأتما # وأرى الكنكرد كالقبر الحريد # حال شدو الماء في أحواضه # نفشة الغرقى ببحر من صديد # وقفت مصر به ساخرة # من نحوس تتوالى وسعود # غلب الصمت عليها وهي في # صمتها الخالد طلسم الوجود # ساحة الباستيل! حان الملتقى # وتعالت صرخة الفجر الوليد # أين أبطالك؟ ماذا! أترى # ضرب الليل عليهم بالوصيد؟ # أغمدوا أسيافهم؟ ويح، وما # عودوا أسيافهم حبس الغمود # ويحهم قد شيعوا أعيادهم # بين عصف النار أو قصف الحديد # فوق أرض صبغت من دمهم # وتحدت كل جبار عنيد # فوق أحجارك صرعى أمسهم # فلذات كتبت سفر الخلود # فاذكريهم بالذي مر بهم # واقرأي تاريخهم، ثم أعيدي! # أيها العائد من غاراته # راقدا تحت قباب «الأنڤليد» # تلك راياتك، فانظر! أترى # من سيوف تحتها أو من جنود؟ # أين من برلين أو آفاقها # جيشك الظافر بالجيش البديد # تطأ الأرض إلى مشرقها # موغلا في أثر الدب الشريد # لفرنسا همة لا تنثني # أمشت في النار أم تحت الجليد # بالقليل الجمع من أبنائها # تنزع النصر من الجمع العديد # أمم ترسف في أحقادها # دنتها بالصفح والصنع الحميد # لم تسير فوقها دبابة # أو تباغتها بطير من حديد # شرف الحرب كما لقنته # ملتقى سيفين في ظل البنود # فاعذر اليوم فرنسا إنها # وثقت بالعهد في دنيا الجحود # قرعت النصر كأسا! ويحها! # صرعتها خمرة النصر التليد! # رقدت عن غدها وانتبهت # حيث لا ينفع صحو من رقود # أسفرت سيدان عن مأساتها # وتهاوى حجر الحصن المشيد # ثغرة أنفد منها خنجر # قد تلقته على حز الوريد # شهد المجد لها باسلة # خضبت بالدم من نحر وجيد # فابعث العزة من تاريخها # وتألق بسناه من ms58 جديد # واطلع اليوم عليها سيرة # ركن الشاعر واهتف بالقصيد: # أيها الفاتح لا يغررك ما # أنت فيه من حصون وسدود # لك في العبرة المثلى فلا # تأمن الزلة في أوج الصعود! # ربة النور سلاما كلما # هتف الشعر بماضيك المجيد # لك في كل خيال صورة # برئت من وصمة العصر الجديد # غير ذكرى يرجع الفكر بها # لليال من عصور الظلم سود # لهف نفسي لدمشق ولمن # خر فيها من جريح وشهيد # من شواظ يقذف الموت على # ركع في ساحة الله سجود # فأنا الشرقي لا أنسى الذي # حاق من حكمك بالشرق العتيد # المساواة التي أعلنتها # أعلنته بنذير ووعيد # والإخاء الحر ما كان سوى # مدفع يرمي بمرد ومبيد # وطني الروحي، إن أغضب له # فلآباء كرام وجدود # وتراث خالد من أدب # أنا فاديه بروحي ووجودي # كفرت ثورتك الكبرى به # وهو المحسن يجزى بالكنود # سار بالإسلام نورا وهدى # بسنى عيسى خطى الحق الطريد # النبيون همو ثواره # حاملو الشعلة، أعداء القيود # فخذي بالحق والروح الذي # هز بالثورة أركان الوجود # وابعثيها ثورة أخرى فما # يعرف الأحرار معنى للجمود! # الفصل الرابع عشر # | من مراجع الكتاب # Verlaine, his life & his work (T. Werner ~~Laurie) # طبعة لندن 1919. ~~(Titans of Literature) (By Burton Rascoe) # طبعة لندن 1933. # Baudelaire Poems in Prose (Arthur Symons) # طبعة لندن 1928. # Arthur Symons’s Baudelaire, a study (Elkin ~~Mathewa) # طبعة لندن 1909. # Baudelaire, Fleuts Du Mal (Beresfont Egan & C. Bower ~~Alcock) # طبعة لندن سنة 1939. # An Anthology of World Poetry # طبعة لندن سنة ~~1930. # Anthologie des Poètes Francais (Fernand ~~Mazade) # طبعة باريس سنة 1925. ms59