######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.AhadithMazini.Hindawi91637469 #META# Tags: literature #META# ID: 91637469 #META# Title: أحاديث المازني #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ذكرى المازني‏ # 1 - أعياد الأمة‏ # 2 - أثر الراديو في الموسيقى والتمثيل والأدب ‏ # 3 - الأدب والجمهور‏ # 4 - في الاتجاهات الحديثة‏ # 5 - حديث عن الهجرة‏ # 6 - مصرع الحسين‏ # 7 - الجزيرة والتاريخ الإسلامي‏ # 8 - الرأي العام المصري‏ # 9 - مبادئ عامة في النقد‏ # 10 - في اللغة‏ # 11 - من دروس الحياة‏ # 12 - السيد جمال الدين الأفغاني‏ # 13 - فائدة هندسية‏ # 14 - النحو‏ # 15 - القطط‏ # 16 - التنكر‏ # 17 - بركة «الإمام» ...!‏ # 18 - في رأس السنة‏ # 19 - في النسيان‏ # 20 - الحظ المعاكس‏ # 21 - في الحب..‏ # 22 - كلمة عن الشعر‏ # 23 - الزواج ‏ # 24 - حديث مجلس‏ # 25 - كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟‏ # 26 - واجبات الشباب العربي‏ # ذكرى المازني‏ # 1 - أعياد الأمة‏ # 2 - أثر الراديو في الموسيقى والتمثيل والأدب ‏ # 3 - الأدب والجمهور‏ # 4 - في الاتجاهات الحديثة‏ # 5 - حديث عن الهجرة‏ # 6 - مصرع الحسين‏ # 7 - الجزيرة والتاريخ الإسلامي‏ # 8 - الرأي العام المصري‏ # 9 - مبادئ عامة في النقد‏ # 10 - في اللغة‏ # 11 - من دروس الحياة‏ # 12 - السيد جمال الدين الأفغاني‏ # 13 - فائدة هندسية‏ # 14 - النحو‏ # 15 - القطط‏ # 16 - التنكر‏ # 17 - بركة «الإمام» ...!‏ # 18 - في رأس السنة‏ # 19 - في النسيان‏ # 20 - الحظ المعاكس‏ # 21 - في الحب..‏ # 22 - كلمة عن الشعر‏ # 23 - الزواج ‏ # 24 - حديث مجلس‏ # 25 - كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟‏ # 26 - واجبات الشباب العربي‏ # | أحاديث المازني # | أحاديث المازني # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازنى # | ذكرى المازني # «بعد أن كنت آخذ الآراء من الكتاب أو الناس صرت آخذها من الحياة بلا واسطة وأعرضها ~~على عقلي بلا مؤثر فاعتدت الاستقلال في النظر والحرية في التفكير ... وصار نظري إلى الناس ~~نظرا إلى مادة تدرس.. وتذهب عن الموضوع الصبغة الشخصية فكأني أمتحن نظرية ولست أرى صنع ~~إنسان أساء أو أحسن..». # هذا ما يقوله الأديب العربي الكبير إبراهيم عبد القادر المازني الذي نحتفل اليوم ~~بذكراه الثانية عشر. # وهذا هو المازني الذي نقدمه إلى قراء العربية في يوم ذكراه في كتاب جديد لم يسبق ~~نشره. # لقد أعطى المازني للناس من حياته وقلبه وخلجات فكره مادة غزيرة بأسلوبه الذي تفرد ~~به. # لقد شاءت المصادفات ms001 أن يكون تاريخ مولد المازني هو نفس تاريخ وفاته فقد ولد يوم 10 ~~أغسطس سنة 1889م وتوفي يوم 10 أغسطس سنة 1949م. والمازني الساخر لم يرهب الموت بل ودع ~~الحياة بنفس الابتسامة التي واجه بها الحياة. # إن أدب المازني سيظل محفوظا في صدر التاريخ.. وسيظل ثروة لوطنه ولأبناء ~~العروبة. # عبد الواحد الوكيل # | مقدمة # بقلم إبراهيم المازني # أترى يرضى كل امرئ عن نفسه.. أحسب أن الجواب نعم، وقد يتمنى ما أوتي سواء من جاه أو مال ~~أو فصاحة أو غير ذلك، ولكنه لا يقبل أن يغير شخصيته، وأن يستبدل بها سواها. ولعل العادة هي ~~السبب، فإن المرء يألف نفسه كما لا يألف شيئا غيرها. والذين قرأوا «جبل الهموم» لأديسون ~~الكاتب الإنجليزي المشهور - أم ترى القصة لغيره وأنا ناس - يذكرون أن الكاتب تصور أن الله ~~أذن مرة للناس في إلقاء ما لا يرضون عنه من خلقهم، فراح كل واحد يلقي ما كره، فهذا يرمي ~~أنفه، وذلك يقذف بأذنيه، وثالث يخلع ساقيه إلخ إلخ حتى عظم الجبل، ثم أمره الله أن يختار كل ~~منهم بديلا مما ألقي. ففعلوا، ولكنهم نظروا بعد ذلك في مراياهم فسخطوا وتذمروا وتوسلوا ~~إلى الله أن يسمح لهم بأن يستردوا ما ألقوا - ولا أعرف أصدق من هذا التصوير لرضى كل امرئ عن ~~نفسه. # وسؤال آخر يخطر لي «أترى مع ذلك يعرف المرء عيوبه أم تخفى عليه» والجواب أني لا ادري، ~~والأرجح أن الإنسان يفطن إلى عيوبه، وإن كانت الفطنة لا تمنع أن يغالط نفسه فيها. وآية هذه ~~الفطنة ما نرى من سعي كل امرئ لتعويض ما يحسه من نقص أو ضعف. على أن الذي أدريه أني أنا لا ~~تخفى علي عيوبي، وأني لأعرفها جميعا وأنكرها وأشمئز منها وأنا راض بما قسم لي الله، ولكني ~~لا أراني أستطيع أن أغضي عما أعرف من عيوبي ونقائصي. وقد سمعت صوتي مرة فاستقبحته، وكانت ~~محطة الإذاعة قد طلبت مني كلمة لمناسبة احتفال نسيت بأي شيء كان. فاعتذرت بأني سأكون ~~مشغولا في وقت الاحتفال، ms002 فاقترحوا أن يسجلوا الكلمة على شريط كهربائي، فقبلت. واتفق أن ~~فرغت من الشأن الذي كان يشغلني قبل الوقت المقدور، فعدت إلى البيت وفتحت المذياع، فسمعت ~~كلمتي، فنظرت إلى زوجتي وقلت «هل تعرفين هذا الصوت» قالت وهي تحسبني أمزح «أولا تعرف صوتك» ~~قلت «أعوذ بالله يا امرأة ... أعرف أن صوتي منكر ولكن لا إلى هذا الحد.. يا حفيظ.. ولكن قولي ~~جادة، أهذا هو الصوت الذي تسمعينه منى؟» قالت «لا شك..» قلت «ولكنه في أذني غير ذلك حين ~~أتكلم.. فإذا كان هذا الصوت الذي أسمعه الآن هو صوتي المألوف فإن البكم يكون والله ~~خيرا». # وأرى وجهي أحيانا في المرآة فأنكره - وأمط له بوزي أيضا - وأنا أعلم أن الجمال لا يطلب ~~في الرجل، ولكن مثل هذا الوجه لا يليق أن يحمله إنسان. ولو كنت أقول الشعر الآن لقلت فيه ~~مثل ما قال الحطيئه في وجهه، بل لقد قلت في وجهي قديما شعرا أذكر منه مطلعه: ~~«أنظر إلى وجهي هذا اللعين # وأحمد على وجهك رب الفنون» # إلخ ... # وما أصبحت يوما على وجهي إلا لقيت ما أكره، ولهذا أتحرى أن أرى أي وجه آخر قبل أن ~~تطالعني هذه السحنة.. وأراني أقتصد في ذم الوجوه الدميمة لفرط شعوري بما «حباني» الله إن صح ~~التعبير بهذا اللفظ. وما وقفت أمام المرآة - لا جزى الله خيرا من اخترعها - إلا ذكرت قول ~~ابن الرومي: ~~«أقصر وعرج # وثقل في واحد» # وأعتقد أن في رواية البيت خطأ، ولكن هذا هو المعنى العام ولا وقت عندي للمراجعة. # ومن المصائب أن ما كان خليقا أن يعد من محاسني ومزاياي هو الذي أقعدني عن الغايات، فإن ~~في حياء شديدا سببه دقة الشعور بالذات، ومن متناقضاتي أني على حيائي أراني في كثير من ~~الأحيان ثقيل الصراحة وهذه الصراحة مرجعها إلى البلاهة - ولا أدري ماذا غيرها - فإني أقول ~~الشيء فأحسبه لا يسوء إنسانا لأن مثله لو قيل لي لما حفلته، وإذا بالدنيا تقوم ولا تقعد ~~وأنا مذهول لا أفهم سبب هذه الثورة، وهذه إما أن تكون ms003 بلاهة وإما أن تكون غباء أو شيئا ~~يجري هذا المجرى. # ويطيب لي أن أجالس الفقراء والعامة والأميين وأشباههم، ولا يطيب لي أبدا أن أجالس ~~الأغنياء والأعيان والكبراء أو من يعدهم الناس كبراء، ولاسيما إذا كانوا من ذوي الألقاب فما ~~أعرفني أكره شيئا مثل كراهتي للألقاب، وهي عندي تفقد المرء شخصيته، فيصبح «سعادة الباشا أو ~~البك» بعد أن كان محمدا أو عليا أي شخصا متميزا باسمه الخاص الذي لا يشاركه فيه مشارك، ~~ويصبح واحدا من جماعة بعد أن كان إنسانا قائما بذاته، وتخاطبه فتقول له «يا باشا» وتهمل ~~اسمه، والغريب أن البعض يسره أن يكون باشا أو بك بغير اسم.. # وفي الهند طائفة يحقرها بعض الهندوكيين ويعدونها من المنبوذين وأنا لا أحتقر أحدا، ولكن ~~ذوي الألقاب عندي منبوذون - أعني أني أنفر منهم وأكره مجالسهم وأتقي مخالطتهم وأوثر عليهم ~~البسطاء الفقراء بل حتى الجهلاء والأميين، وأرى لي عطفا عليهم وحبا لهم وفهما وإدراكا ~~لأساليب تفكيرهم وسرورا بحديثهم، وإن كان كله تخليطا. # وقلما أطيق المحافل والاجتماعات الكبيرة التي يكثر فيها الناس، والعزلة والاستفراد أحب ~~إلي فإذا كان لابد من الناس فيكونوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة على الأكثر على شرط أن يكونوا ~~ممن ألفتهم وإلا شعرت أن على عنقي حبلا يأخذ بمخنقي. وأنا ثرثار ولكني أمام من لا أعرف ~~طويل الصمت نزر الكلام، ولهذا أفر من معرفة الناس لأني أحب أن أثرثر، واغتبط بأن أرى نفسي ~~مرسلة على سجيتها، ولكني لا أستطيع ذلك مع إنسان أنا به حديث العهد. # وأحسبني من أسوأ الناس ظنا بالناس، وقد تعبت في رياضة نفسي على حسن الظن فلم أفلح، ولهذا ~~لا يخيب لي فيهم أمل. على أن هذا لا يثيرني عليهم لأني لا أزال أسأل نفسي «هل أنت خير منهم» ~~ولا أجد إلا جوابا واحدا هو «لا» بالثلث. ومن طول ما اعتدت محاسبة النفس صرت عظيم ~~التسامح، ومن طول ما وطنت النفس على معاناة الشر والأذى والمتعبات والمنغصات صرت لا يروعني ~~حادث مهما جل. والذين يعرفونني يظنون ms004 هذا جلدا ولكنه ليس من الجلد في شيء، وإنما هو ثمرة ~~ما تقرر في نفسي من سوء الظن بالدنيا والناس. # وأنا في العادة أوثر الاحتشام أمام الناس، ولكني حين أكون بين أخواني وخلصائي أطلق لنفسي ~~العنان ولا أبالي ما أقول أو أفعل مادمت أريد أن أقوله أو أفعله ولو وسعني أن أملأ الدنيا ~~سرورا واغتباطا لفعلت ، فإني عظيم الرثاء للخلق، وأحسب أن هذا تعليل ميلي للفكاهة، فإني ~~أتسلى بها وأنشد أن أدخل السرور على قلوب الناس لاعتقادي أن عند كل منهم ما يكفيه من دواعي ~~الأسى. ومادام في الوسع أن نعرض عليهم الناحية المشرقة الضاحكة فلماذا نغمهم ونحزنهم.. ثم ~~إن للفكاهة مزية أخرى هي أنها من أقوى ما أعان على احتمال الحياة ومعناة تكاليفها والنهوض ~~بأعبائها الثقال، فهي ليست هزلا ولا تسلية فارغة، وإنما هي تربية للنفس. والرجل الذي يلقى ~~الحياة بابتسامة المدرك الفاهم - لا الأبله الغافل - خير وأصلح ألف مرة من الذي لا يزال ~~يدير عينيه في جوانبها الحالكة ويندب ويبكي ويعول. ولو نفع السخط والغضب والبكاء لقلنا حسن ~~فلماذا لا ننظر إلى الجانب الوضاء.. أو لماذا نعمى عنه وهو موجود.. أي لماذا نفقد القدرة ~~على الاحتفاظ بالاتزان أو صحة الوزن للأمور؟ # لو كان إنسان يستطيع أن يعرف نفسه معرفتها، لكنت أنا خليقا بذلك، فما أنفك أدير عيني ~~فيها وأحاول أن أغوص إلى أعماقها. ولكنه مطلب عسير، وأعترف أني كثيرا ما أفاجأ من نفسي ~~بألغاز تحيرني وتهدم كل ما بنيته من الآراء والنظريات، ومع كثرة الإخفاق وتواليه لا أزال ~~أعتقد أن كل إنسان صورة من غيره، فمن عرف نفسه، فقد عرف الناس جميعا. ولكنه مثال بعيد كما ~~قلت، غير أن مطلبه على بعده جميل فاتن، وقد صار هذا نهجي في الوصول إلى المعرفة، وهو ليس ~~بأشق ولا بأيسر وأسهل من نهج سواي. ولكل امرئ سبيله، وإذا كانت سبيلي تنأى بي عن الناس، ~~فإنهم معي وفي قلبي، ألم يقل الشاعر: ~~«وفيك انطوى العالم الأكبر». # الفصل الأول # | أعياد الأمة # لما قال ms005 لي إخواني في محطة الإذاعة أنهم يريدون مني أن ألقي كلمة في أعياد الأمة لم أتردد ~~في القبول. مضت أيام وأنا لا أعد الكلام الذي يلقى ولا أفكر في الموضوع الذي رضيت أن أدير ~~عليه حديثي.. وكلما تذكرت وعدي قلت لنفسي على سبيل الاعتذار لها أو عنها إنه لا تزال هناك ~~أيام باقية فلا بأس من هذا الكسل الذي يقضي به الحر، وظللت أجري على عادتي حتى لم يبق إلا ~~أقل ما يكفي. وعادتي هي أني كالمسافر الذي لا يذهب إلى المحطة إلا والقطار يوشك أن يتحرك. ~~ومن الغريب أني إذا سافرت بالقطار أكاد أبيت في المحطة من فرط الحرص على التبكير وعلى ألا ~~يفوتني القطار. ولكني إذا أردت الكتابة لا أتناول القلم إلا في اللحظة الأخيرة. وأحسب أن ~~عملي في الصحافة وضجري منها عوداني ذلك. على أني أؤمن بأن الكسل طبيعي وأنه هو الأصل في ~~الإنسان لأنه راحة ومن ذا الذي يؤثر التعب على الراحة إذا كان له الخيار.. وقاعدتي في حياتي ~~هي أن أخالف ما علمني أساتذتي في المدرسة وكانوا يحثونني عليه من عدم إرجاء الأمر إلى الغد ~~فأنا أرجئ إلى الغد كل ما يسعني إرجاؤه ولا أصنع في يومي إلا ما لا أرى لي حيلة فيه أو ~~وسيلة للهرب منه. # وضاق الوقت بكر الأيام وألح الإخوان أن هات الحديث الموعود فلم يبق لي مفر وقعدت أكتب ~~فإذا رأسي ليس فيها شيء أو أنا لا أحس أنه فيه شيئا فما العمل؟ # وتمنيت في تلك اللحظة لو أن في وسع الإنسان أن يتناول رأسه بكفيه وينزعه عن كتفيه ويرفع ~~عنه غطاء العظام وينظر ليعرف ماذا فيه.. ولكن هذا لا سبيل إليه فلابد من وسيلة أخرى للجس ~~والاختبار.. فجردت من نفسي شخصا آخر وجلست أحادثه وأسأله واستخيره فقلت له ما هذه الأعياد ~~التي تتخذها الشعوب. ما داعيها أو فائدتها. قال: أولا راحة لأنها أيام بطالة وخلو من العمل ~~وارتفاع لتكاليفه عن الناس وإعفاء لهم من واجباته. # وفتح لي هذا الجواب ms006 البسيط أبوابا كنت أحسها موصدة فقلت لنفسي إن هذا صحيح فإن هذا أول ~~ما يفهمه الإنسان من العيد؟ # أنه يوم راحة، والمرء يحتاج إلى فترات يكف فيها عن العمل المألوف ليمتنع الضجر الطبيعي من ~~مزاولة العمل الواحد أو المتشابه يوما بعد يوم بلا انقطاع أو اختلاف، وليستعيد الجسم بعض ~~ما فقده من العمل المتواصل ويستجم فيسترد نشاطه. # وللراحة مزية أخرى غير تعويض الخسارة البدنية هي الرضى فإن المرهق المكدود لا يكون إلا ~~متسخطا أو في خير الحالات متبرما فمن المصلحة وحسن السياسة وحزم التدبير إعطاء الناس جرعة ~~من الرضى الذي تفيده الراحة بعد فترات معقولة من الكد لا يشقى بها الصبر ومن هنا كانت ~~الراحة من حين إلى حين مكسبا لا تشوبه شبهة خسارة لأصحاب الأعمال وللحكومات أيضا في سياسة ~~الشعوب لأن المرء يعود بعدها أقدر على العمل والنشاط فيه وأحسن إقبالا عليه وأكثر انشراحا ~~ورضى وماذا يطلب أصحاب الأعمال أو حكام الشعوب أحسن من أن يكون الناس راضين ~~مستبشرين. # ومزية أخرى لهذه الأعياد متفرعة على مزية الراحة هي أنها حث على السرور وحض على التماس ~~أسبابه. لأن مجرد القول بأن اليوم يوم راحة معناه انتفاء التعب وهذا وحده مدعاة سرور وبعث ~~اغتباط وأخلق بالمرء وقد علم أنه خلا من المتعبات المألوفة المملولة أن يغريه ذلك ~~بالاستزادة من دواعي الغبطة وحشد كل ما يدخل في وسعه من أسباب السرور في يومه هذا وليس أنفع ~~من السرور للأمم ولا ألزم لها منه لأنه ينعشها ويجددها ويجعلها حسنة الاستعداد للنهوض بما ~~يطلب منها من الأعباء الجسام ويفرض عليها من التكاليف الشاقة. # والأمم التي لا تعرف السرور لا تكاد تقوى على شيء وأي الرجلين يكون أقوى وأجلد وأنفذ في ~~المهمات وأنشط في العمل - الرجل المهموم المكروب المحزون الذي تحنيه وتبريه وتثقله الأشجان، ~~أم الفرح الجذلان الراضي عن الحياة المستبشر بها. # أعتقد أن الثاني هو الأكفأ والأصلح حتى ولو كانت مواهبه أقل وأضعف من مواهب صاحبه المكروب ~~الساخط. # وكذلك الأمم - أكفؤها وأقدرها وأكثرها نجاحا ms007 وتوفيقا تلك التي تنشد السرور وتحسن التماس ~~أسبابه وتستمتع بدواعيه وتترك نفسها له في مناسباته. فإن من يعرف سرور الحياة يعرف قيمتها، ~~ويحرص على مطالبها، ولا يقصر في فرائضها، ولا يستكثر ما تتقاضاه من نفسه وجهده، ولكن الذي ~~لا يعرف هذا السرور ماذا تكون قيمة الحياة عنده؟ ولماذا يكلف نفسه شيئا في سبيلها؟ وماذا ~~يبذل لها أكثر من الحد الأدنى من جهده؟ وأين العدل في مطالبته بجهد استثنائي أو بذل فوق ~~حدود الطاقة العادية في سبيل حياة لا يعرف له سرور فيها؟ # ومن هنا كانت أقدر الأمم على الجهود الضخمة أو الجبارة كما يقولون في تعابيرهم الحديثة ~~تلك التي تنعم بالحياة وتفوز فيها بحظ واف من السرور. والذي لا يحسن أن يلهو لا يحسن أن ~~يجد. والسرور بعد ذلك هو صمام الأمان. # وقد كان شكسبير حكيما حين جعل قيصر يقول وهو ينظر إلى بعض من حوله من الذين يكبتون ~~عواطفهم ولا يسمحون لشعورهم أن يظهر على وجوههم أنه لا يحب هؤلاء النحاف الصفر الوجوه، وإنه ~~يؤثر عليهم أهل البدانة والطلاقة والبشر وليست هذه عبارته بحروفها ولكنه معناها وقد كان ~~يعني أن هؤلاء الصفر الضاوين هم الذين تخشى مكائدهم وتدابيرهم ومؤامراتهم، أما الراضون عن ~~الحياة المقبلون عليها الناعمون بالعيش، فهؤلاء يمكن أن يأمن المرء جانبهم، لأن الكبت يشيع ~~النقمة والنقمة تغري بالانتقام وتجري الخواطر في مجار غير مأمونة. وقد كان هؤلاء الذين ~~خافهم قيصر وتوجس منهم ولم يرتح إلى وجوههم هم الذين ائتمروا به فصح رأيه فيهم. والسرور ~~صراحة، والصراحة تؤمن ولا يخشى شر منها وإن كانت تزعج أحيانا وتربك. أما الوجوم فستار يخفي ~~وراءه ما لا علم به لأحد ويدور تحته في النفس ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه والحذر ~~منه. # وأحسب أن قد آن أن تكون لمصر أعياد تسر فيها وتفرح وترسل نفسها على السجية بلا تكلف أو ~~اتقاء لذم الخروج عن مألوف الاحتشام المتكلف والوقار المستعار، الذي لا يعد من الوقار في ~~شيء إذا أردت الحق وإنما هو ms008 ثوب من البلادة. # وقد كانت أكثر أعيادنا إلى ما قبل هذا العهد مقرونة في الذهن بالموت وما إليه من ~~المعاني. # وأذكر أني في حداثتي ما قضيت عيدا إلا في المقابر ومن التناقض العجيب أني كنت ألبس ~~الجديد من الثياب في أيام العيد التي لا ملعب لي فيها غير ما بين القبور من مسافات وأبعاد. ~~ولم يكن يسعني إلا أن أشعر أن هذه المقابر وأن اللعب بينها والفرح غير لائقين فكنت أشعر ~~بفتور طبيعي فأكف غير راض. ولا داعي للخوض في الأسباب التي قرنت الأعياد عندنا على هذا ~~النحو بالقبور وساكنيها فإن الحديث في هذا يطول. وقد جاء العهد الحديث بأعياد لم يكن لها ~~فيما مضى وجود أو داع. # ولا بأس بكثرة هذه الأعياد بل إن كثرتها هي التي تجعل لها معنى وتكسبها الدلالة المنشودة. ~~ولا أحتاج أن أقول أن هذه الأعياد ليست للحكومة التي تقررها وإنما هي للشعب. # نعم إن الحكومة تكف عن العمل في هذه الأيام فتغلق دواوينها ويرتاح موظفوها ولكن هذا ليس ~~هو المقصود بالتعييد وإن كان لا مفر منه، وإنما المقصود بالتعييد هو الشعب. هو الذي يراد ~~الخير له بهذه الراحة وبما هو خليق أن يفوز به فيها من السرور، وهو الذي يراد منه أن يفهم ~~معنى العيد وأن يتأثر بهذا المعنى ويجعل له شأنا في حياته. # لقد عاشت الأمة زمنا طويلا وهي لا تعرف أن لها شأنا في الحياة أكثر من السعي وراء ~~الرزق والتماس وجوه العيش الفردي، ولم تكن للجماعة المصرية وجود ولا للحكومة صلة بهذه ~~الجماعة. وكانت الحكومة لا تحس أنها من الأمة والأمة لا تحس أن الحكومة لها. # هذه الأعياد صفحات في تاريخ الأمة ومراحل في طريقها الذي سلكته إلى غايتها أو على الأصح ~~معالم في مراحل الطريق والأمم عبارة عن أجيال متعاقبة. # فإذا قلنا أن هذه الأعياد تذكير بأيام السعي وأيام القطاف فلسنا نخطئ. وإذا قلنا إنها ~~دروس شعبية تتلقاها الأمة بين مظاهر السرور في تاريخها فلسنا نخطئ أيضا. وشبيه بذلك مع ms009 ~~الفارق بطبيعة الحال أن تكون مدرسا فتجمع أطفالك وتقول لهم سنذهب غدا نتنزه في القناطر ~~الخيرية مثلا. ثم يجيء الغد فتصحبهم إلى هذه القناطر التي لم يسمعوا بها والتي لا يحدث ~~اسمها في أذهانهم الصغيرة أي معنى أو صورة وتركبهم القطار أو الباخرة فيعرفون بالتجربة ما ~~القطار أو ما الباخرة ثم تمر بهم على القناطر فيرون ماء النيل تحتها والبوابات المجعولة ~~لحجز الماء أو إطلاقه وتستطيع وأنت تريهم هذا وتدعهم يستمتعون به أن تعرفهم ما القناطر وما ~~داعيها والحاجة إلهيا ومن أنشأها بعبارة قريبة المتناول سهلة الورود على النفس ثم تخرج إلى ~~البساتين الواسعة والرياض الجميلة فيلعبون وينطون ويضحكون ولا تعدم مع ذلك فرصا كثيرة ~~تعرفهم فيها بعض ما ترى أن يعرفوه عن الزروع وعن الحاجة إلى البساتين العامة لرياضة الشعب ~~وتجميل حياته. وتكون هذه نزهة حقيقية نعم بها الأطفال وعادوا منها فرحين جذلين ولكنها تكون ~~كذلك دروسا شتى نافعة تلقوها وهم لا يشعرون ولهذا تكون خير الدروس وأجداها عليهم وأبقاها ~~أثرا في نفوسهم. وقد ينسون كل ما نعلمهم من الحساب والجغرافيا واللغتين العربية ~~والإنجليزية وغير ذلك من العلوم والمعارف ولكنهم لا يمكن أن ينسوا القناطر والنيل والبساتين ~~التي نعموا برؤيتها واللعب السعيد فيها وما اغتنمت الفرصة لتلقينهم إياه وهم ساهون يحسبون ~~أنك تكلمهم كلاما عاديا ليس المقصود به أن يحفظوه ويعوه وإنما المقصود به أن يتسلوا به ~~ويقضوا الوقت. # وكذلك أرى هذه الأعياد دروسا شعبية عامة تلقي على أجيال الأمة وهي فرحة مسرورة بالراحة ~~وبما حرصت عليه من أسباب المتعة والسرور في أيامها. # الفصل الثاني # | أثر الراديو في الموسيقى والتمثيل والأدب # الإخلاص شرط جوهري للأديب # أستأذن السامعين الأفاضل - إذا كان هناك من يعني بالاستماع وشكي في ذلك غير يسير - في ~~كلمة وجيز إلا أنها مخلصة، أحيي فيها شعب العراق الشقيق. # وبعد فقد كنت في القاهرة قبل أيام وإني لهنا الآن إلى أيام ومررت في طريقي بدمشق عاصمة ~~الأمويين فمن هم الأمويون والعباسيون والفاطميون؟ أحسب أني لا أخطأ جدا إذا ms010 أنا أغضيت عما ~~كان بينهم من تفاوت ورددتهم إلى أرومة واحدة وأصل لا يتعدد أو يتجزأ هو العروبة التي نمتنا ~~جميعا وامتددنا منها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا فتفرعنا عليها في كل اتجاه ولست مبالغا ~~أو مؤثرا للمجاملة حين أقول أني لأشعر وأنا في بغداد إلا كأني في القاهرة وبين أهلي وقومي ~~وليت أهلي يترفقون بي ويحتفون كما أراكم تفعلون إذا لعادت الحياة أطيب وأمتع. # وكان أول ما جرى في الخاطر أن أتحدث إليكم في الأدب المصري الحديث فإنه موضوع كنت أحسبني ~~أدري به من سوانا وكان أكبر ظني أني سأعرفكم ما تجهلون غير أني عدلت وآثرت السلامة فما كدت ~~أجالس بعض رجالكم وشبابكم حتى أدركت أني جاهل بهذا الذي كنت أتوهم أني به عالم. # فقد كانوا يذكرون لي كتابا وشعراء وكتبا حديثة من شتى الموضوعات ما سمعت بهم ولا بها ~~حتى ليخيل إلى أني من أهل الكهف الذين لبثوا في كهفهم سنين لا يعلم عدتها إلا الله ثم فتحوا ~~عيونهم على دنيا غير التي شبوا وشابوا بها فكنت أتلجلج وأتلعثم وأهرب من الجواب الصريح ~~وأحاول أن أعدل بالكلام إلى موضوع آخر غير هذا الذي لا يقبل مني الاعتذار بجهله. # وسمعت فيما سمعت أن أهل العراق يعرفون أدباء مصر من أصواتهم فقلت لنفسي (قاتل الله هذا ~~الراديو) وذهبت أفكر في الراديو وأثره في الآداب والفنون أو بعضها على الأقل مثل الموسيقى ~~والتمثيل. واستطردت من هذا التقريب بين الأمم المبعثرة على رقعة الأرض إلى ما هو أبعد أثرا ~~وأمس بالأصول والجوهر ورحت أتساءل. # أترى الأدب والموسيقى قد اختلفا - أو يوشك أن يختلفا - في عصر الراديو عما كانا من قبل؟ ~~يبدو لي أن الجواب يستوجب تصور الحالين فماذا كانت الحال قبل عصر الراديو؟ كان الموسيقي ~~يعزف للجمهور أو يغنيه؟ وهو يسمع ويرى فكان عليه أن يجعل باله إلى ما يتبين من وقع الأصوات ~~في نفوس السامعين وكان من السهل أن يعرف ذلك من تصفيقهم أو آهات الاستحسان التي تند عنهم، ~~أو طلب الإعادة، ms011 أو غير ذلك من مظاهر الطرب مرئية ومسموعة فكان بينه وبين السامعين تفاعل ~~وتجاوب هو يؤثر فيهم بأصواته وهم يؤثرون فيه بما يأخذهم من هزة الطرب أو ما يعروهم من فتور ~~الاستهجان فيضطر إلى مسايرتهم، ويروح يدور من ورائهم طالبا رضاهم، محاولا أن يستولي على ~~هواهم فهو يبدو حرا فيما يصنع من أصوات ويصوغ من ألحان ويصور من أنغام ولكن الجمهور يكرهه ~~- إذا لم يطب له السماع - عل التغيير والتبديل والتصرف حتى يبلغ من ذلك مناه إذا كان هذا ~~مما يدخل في وسعه. # ومن هنا كان أهل الموسيقى يتوسعون في الاستعداد ويتوفرون على اتخاذ الأهبة لمواجهة ~~الجمهور على سبيل الاحتياط أو يروضون أنفسهم على الارتجال وهو صعب ولكنه ليس بالمستحيل إذا ~~كان الموسيقي ذا ملكة مواتية وسجية مسعفة أو طبع ملهم، أما الآن فالموسيقى المذاعة ينقصها ~~عنصر الجمهور المشهود المحشود. وصحيح أن العازف أو المغني يتخيل الجمهور ولكن الخيال غير ~~الحقيقة ووقعهما متفاوت، ولا سبيل على كل حال إلى تبين ما يجده السامعون لأنهم ليسوا هناك. ~~الوقت أيضا محدود فلا معدى عن جعل الصوت أو اللحن على قدر الزمن المضروب - فالموسيقي إذن ~~يستعرض أمورا أولها مسافة الزمن وثانيها أن صوغ اللحن بحيث يجيء مع مطابقته لمقتضيات الفن، ~~موافقا في تقديره هو لهوى الجمهور وثالثها أن أعفى عند العزف أو الغناء من المفاجآت فلا ~~حاجة به إلى غير ما صور من نغم ولا موجب للاستعداد بشيء آخر يدخر لوقت الحاجة ولا اضطرار ~~إلى تكلف الارتجال. وفي وسع الموسيقي إذن أن يحرص على وحدة الموضوع ومطالب الفن وأحكامه، ~~ولكنه من جهة أخرى غير ذي صلة مباشرة بالجمهور فمن السهل جدا أن تنأى الموسيقى من جراء ذلك ~~عن المزاج أو الذوق العام ولاسيما إذا اقترن احتجاب الموسيقي عن جمهوره بالرغبة في التنويع ~~الذي هو مطلب كل إذاعة لاسلكية اتقاء للملل ونفيا للضجر، إغراء للجمهور بالإقبال على ~~الاستماع. والتنويع مطلب الموسيقي أيضا حتى لا يظل فنه على غرار واحد لا يختلف إلا قليلا، ~~فإذا ms012 لم يكن متمكنا من فنه غاية التمكن ومعتزا به وحريصا على صبغته وذا ثقة بنفسه أيضا، ~~وكانت غايته إرضاء الجمهور ليس إلا فإنه خليق في هذه الحالة أن يجنح إلى التقليد والاقتباس ~~من موسيقى الأمم الأخرى فتجيء موسيقاه خليطا أو رقعا شتى كثياب المتسولين، وليست لها صبغة ~~خاصة، أو طابع معروف أو سمة تتميز بها أو لون معهود أو طعم مألوف - إذا جاز استعمال لفظ ~~الطعم في هذا المقام - وتعود لا هي شرقية ولا هي غربية وإنما هي أشبه بقول ابن الرومي في ~~شاعر كثير الغلط يجعل قوافيه شتى في القصيدة الواحدة: # يحشد القافات واللامات # والميمات حشدا # مثل ما ضمت سبيل # من صنوف الناس وفدا # وليس هذا الذي أصفه تخيلا فإنه هو الحاصل عندنا مع الأسف. # وأنتقل الآن إلى التمثيل، عذري في الإيجاز، أن المقام لا يتسع للإسهاب والتبسط في الكلام، ~~فأقول إن التمثيل قوامه ثلاثة أمور، الموضوع أولا، ثم الأداء أي الإلقاء وتمثيل الشخصيات ~~ثانيا، ثم المناظر ثالثا. فأما الموضوع. فإن أثر الإذاعة فيه أنها جنحت به إلى الإيجاز ~~والتركيز، لأن هم الإذاعة، كما أسلفت التنويع، فهي لا تستطيع أن تهب وقتها كله لرواية تذاع ~~فلابد من الاكتفاء من الكلام بأقل قدر، دون أن يفسد الموضوع أو يغمض فلا محل للحشو وما يجري ~~مجراه، واللمحات الدالة خير من التبسط الذي يضيع الوقت وهذه هي نزعة العصر الحاضر في كل باب ~~- أعني السرعة والاقتصار على ألزم ما يلزم، ولا أظن أن في هذا خسارة أو جناية على الأدب أو ~~القصة، بل رأيي أن العكس هو الصحيح - أي أن تفصيل الألفاظ على قدود المعاني والعبارة عنها ~~ما يكفي في أدائها بغير زيادة، خير من جهتين الأولى أن هذا اقتصاد محمود وإهمال واجب ~~للثرثرة الفارغة التي لا محصول وراءها، والثانية أن هذا يعود القارئ أو السامع أن يكد ذهنه ~~وينفي عنه الكسل العقلي، فلا يعود يعتمد على أن الكاتب أو القائل يبسط له المعنى أو الموضوع ~~بسطا وافيا شافيا كأنه يشرح درسا ms013 لتلميذ جاهل. # وفي الإذاعة يستغنى عن الفترات التي تكون بين الفصول لإعداد المناظر وهذا ينشط خيال ~~السامع ويعوده الوثب والانتقال بسرعة مع فصول الرواية، ولما كانت المناظر لا سبيل إليها إلى ~~الآن، ولن يتيسر عرضها إلا بعد أن يشيع استعمال التلفزيون فإن على السامع أن يتخيل هذه ~~أيضا أو يكتفي بوصفها ويروح هو يصورها لنفسه، وليس السماع كالمعاينة ولكن فضل السماع أنه ~~يستحث الخيال فيقوي هذه الملكة وينميها ومازال أنفع للقارئ أو السامع أن يعمل فكره وأن لا ~~يكون كل عمله أن يقنع بالتلقي دون أن يحتاج إلى جهد يبذله من ذات نفسه فخير الأدب ما دعاك ~~إلى التفكير والتدبير، وأحوجك إلى احتثاث خيالك وخير آيات الفنون على اختلافها من موسيقى ~~وتصوير وغير ذلك ما أيقظ عقلك وحرك نفسك وابتعث رقادك أما ما يتركك كما كنت، جامدا أو ~~مسترخيا متفترا، ولا يشعرك بحاجة إلى تخيل أو تأمل فهذا لا خير فيه ولا عناء له. # وأما الأدب من شعر ونثر فكان عهدنا به أنه ينشر ليقرأ وقلما كان يلقى إلقاء إلا في ~~المحافل أو المناسبات العامة. وفرصة التدبر عند القراءة أوسع وأرحب منها عند السماع، والوزن ~~من أجل ذلك يكون أضبط، والنقد أدق، والتقدير أصح. ومازال الأدباء ينشرون ما يكتبون أو ~~ينظمون فالحال لم تختلف من هذه الجهة، بيد أن الإذاعة جاءت بعاملين جديدين هما الإلقاء ~~ومراعاة الزمن المحدود. فأما الإلقاء فعامل سيء الأثر لأن من يحسنه يسعه أن يعول عليه في ~~التأثير في السامعين فيخدعهم بجودة الإلقاء ويغالطهم في القيمة الحقيقية لما يسمعهم من نثر ~~أو شعر، ومما هو من هذا بسبيل أن الإذاعة ليست للخاصة وحدهم والمثقفين دون غيرهم وأهل العلم ~~والرأي بمجردهم، بل للجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وهو خليط من طبقات متفاوتة تفاوتا ~~عظيما ففيها الخاصة والعامة والمتعلمون وأنصاف المتعلمين والأميون وأشباههم والجهلة أو من ~~في حكمهم هم الأكثرون، وقد تكون عناية هؤلاء بالاستماع إلى ما يذاع أعظم من عناية الخاصة ~~إلا إذا كان الموضوع يعنيهم، أو كان ms014 المتحدث من ذوي الشهرة أو ممن ترجى الاستفادة منه ومن ~~هنا يميل الأدب المذاع إلى تناول ما هو أقرب إلى الإفهام وأدنى إلى الإدراك وأخلق بأن يكون ~~مرغوبا فيه، مرضيا عنه مقبولا من الجمهور على العموم فلا تعويص ولا عمق، ولا تناول لما ~~يعسر فهمه فالموضوعات سهلة قريبة المنال، وليس بالنادر أن تكون من ذلك الضرب الذي هو أسرع ~~تحريكا للنفوس. واللغة أيضا، الأغلب فيها أن تكون أشبه بلغة الجرائد منها بلغة الأدب. ~~وهذا وحده من شر العوامل وأضرها بالأدب لأن الأدب رسالة وليس بتجارة ومن غاياته رفع النفوس ~~والسمو بها وترحيب آفاقها وتعميق مشاعرها وليس من حقه ولا مما ينفعه أو ينفع الناس أن ينحط ~~إلى مستوى الأواسط أو من هم دونهم أو أن يتوجه إلى الغرائز الساذجة التي لم يصقلها العلم ~~والفهم والعقل. # وأما عامل الوقت فأراه محمود الأثر في الأدب والموسيقى والتمثيل على السواء لأنه كما ~~أسلفت يعود المتحدث والسامعين جميعا الاقتصار على الجوهر والاستغناء عن اللت والعجن ويدرب ~~السامعين على استعمال عقولهم. # على أنه لا خوف على العموم من أن تسيء الإذاعة إلى الأدب وتضر به لأن الأديب المخلص أو ~~الموهوب لا يستطيع أن يخون فنه أو يستخف به وهو لا غنى به عن النشر، لأن ما يذاع يذهب مع ~~الرياح الأربع، أما ما ينشر فيبقى إذا كان فيه ما يؤهله للبقاء. غير أنه يمكن أن يقال من ~~ناحية أخرى أن الإذاعة أجلب للشهرة وانتشار الصيت إلى حيث لا يطمع المرء أن يصل كتبه، ~~والشهرة مع الأسف بلاء وداء عياء، وهي طلبة كل إنسان، وإن أبدى الزهد فيها والعزوف والإعراض ~~عنها ولعل الذي يظهر الصد عنها أطلب لها في قرارة نفسه ممن يبغيها علانية. والإنسان طينه ~~خرع ضعيف، وكم أغرت الرغبة في الشهرة بما تنهي الحكمة ويزجر العقل عنه. وكل ما يمكن أن ~~يطمئننا من هذه الجهة هو أن إخلاص الأديب المطبوع خليق أن يكبحه عن التضحية بأدبه من أجل ~~الشهرة العاجلة. وأقول إخلاص الأديب، لأن ms015 الإخلاص شرط جوهري وإلا انقلب فنه صناعة، وحاله ~~تجارة، بل هو شرط أيضا للعالم والسياسي والمصلح. وكل من ينشد الخير للجماعة وما أدري كيف ~~كانت الدنيا خليقة أن تكون لولا إخلاص فئة قليلة من الأدباء والعلماء والحكام والقادة. ~~والإخلاص لا يخلو من تضحية، والتضحية من جانب القلة المخلصة هي التي يسرت للعالم أن يبلغ ~~المرتبة الحاضرة وهي التي ستأخذ بيده، على مراتب أخرى أسمى وأكرم. # 1 # الفصل الثالث # | الأدب والجمهور # كان الأمير أو الوزير أو الثري الغني الوجيه في قومه هو الذي عليه معول الأديب في الزمن ~~الغابر، ينظم فيه شعره ويقصد به إليه، أو يؤلف له أو بأمره الكتب، وكان مقياس النجاح مبلغ ~~ما يظفر به الشاعر أو الكاتب من حظوة ونعمة وقبول عند صاحب السلطان أو المال. # كان هذا هو الأغلب والأعم، وقد بقي منه شيء إلى أيامنا هذه، فكان شوقي شاعر الأمير وكان ~~حافظ يلوذ بطائفة من أهل السماحة والوجاهة والندى، وكان مصطفى صادق الرافعي يطمح أن يكون ~~شاعر القصر في عهد الملك فؤاد، كما كان عبد الحليم الحصري يسعى ليخلف شوقي في إبان الحرب ~~الماضية، وكان خليل مطران - وهو من شيوخ التجديد في الأدب وأستاذ شوقي - ينظم القصائد يحيي ~~بها والدة الخديو عباس لا استجداء بل بدافع من الوفاء وباعث من مروءة النفس. # ومازال لنا ولوع بتلقيب الشعراء. فشوقي كان أمير الشعراء، وكان حافظ يسمى شاعر النيل، وما ~~انفك مطران يدعى شاعر القطرين وقد سمعنا بشاعر الأهرام، وبدأنا نسمع بشاعر العروبة. ويرجع ~~حب التلقيب إلى أمرين فيما أرى: ما ورثناه من عادة الاتصال باسم له شأن، والمعهود في شرقنا ~~من حب الألقاب وما يجري مجراها، وكل ما في الأمر أن الانتساب صار إلى غير الأشخاص. وقد كان ~~هذا بداية التطور الذي انتهى بحلول الجمهور محل الأمراء والأغنياء. فما لقولهم شاعر النيل ~~مثلا من معنى إلا أن أبناء وادي النيل يعدونه شاعرهم الذي ينطق بلسانهم ويعبر عما في ~~نفوسهم، أو لقولهم أن مطران شاعر القطرين من مدلول ms016 سوى أن أبناء القطرين - مصر ولبنان - ~~مجمعون على توقيره وتعظيمه وتقديمه. وهكذا ... # وقد كان من الطبيعي أن يحدث هذا التطور الذي أحل الجمهور محل ذوي السلطان أو المال، ~~وأسبابه كثيرة أذكر منها على سبيل المثال ظهور الطباعة، فصار في وسع الشاعر أو الكاتب أن ~~ينشر شعره أو تواليفه على الملأ ولا يخص بها واحدا، ومتى أذعت على الناس كلاما فأنت مضطر ~~أن تخرج به من الخصوص إلى العموم، أي أن تجعله مما يعنيهم جميعا وما يعقل أن تكون لهم ~~مشاركة فيه. وإلا فما حاجتهم إليه. # ثم إن التعليم ينتشر، وهو والطباعة يسيران معا، والمتعلم أقدر على النقد والتمييز ~~والموازنة وأطلب للاستفادة من الجاهل، والطباعة والتعليم يخلقان التنافس بين الأدباء، ~~والتنافس يدعو إلى التجويد وإخراج كل ما عند المرء من قدرة، وإلى الافتنان والتنويع، فيصبح ~~المرء كالجواد الأصيل كلما ذهب منه إحضار جاء إحضار. # ومن العسير مع ذيوع التعليم والإقبال على الاطلاع أن يقنع الجمهور باقتصار الشعر مثلا ~~على المدح والرثاء والهجاء والعتاب وما إلى ذلك من الأغراض القديمة، بل من العسير أن يحتفظ ~~الشعر بمنزلته القديمة، وتظل له مكانته الأولى يستأثر بها وينفرد على نحو ما كان يفعل في ~~العصور الماضية، ولهذا طغى النثر على الشعر في هذا الزمان، لأن مجال الكاتب أوسع، وهو أكثر ~~حرية وأقدر على البيان وعلى الدخول فيما لا يدخل فيه الشعر، أو يستطيع تناوله من الأغراض، ~~يضاف إلى هذا كله أن الأمة صار لها شأن ومعنى لم يكونا لها من قبل، وصارت هي صاحبة السلطان، ~~والتي إليها مرد الأمور، ولم يعد الأمير أو الوزير أو الغني هو الذي يسعه أن يشد أزر الشاعر ~~أو الكاتب أو يرزقه القبول بين الناس، ففي وسع الأديب أن يتخلى لفنه الذي يؤثره، وأن ينصرف ~~إلى تجويده. ثم يطرحه على الجمهور، وينتظر حكمه ورأيه، وهو واثق أنه لن يعدم منصفا، وأنه ~~سينال حقه من التقدير من فريق منه إذا لم ينله من كل فريق. # وليس ثم في الحقيقة غمط أو ms017 غبن. لأن الجمهور ليس كله من طبقة واحدة، وليس من المعقول أن ~~يوافق الكتاب أو الديوان كل فرد أو طبقة، فإن الناس ليسوا سواء في العلم والفهم والذوق ~~والمزاج، وما من كتاب أو ديوان إلا وهو يجد قبولا من طائفة ونفورا من طائفة أو طوائف ~~أخرى، لأنه قد يدق عن أفهامها، أو يغمض عليها أو ينافي ذوقها أو مزاجها، أو يصدم آراءها وما ~~شبت ونبتت عليه من عادات أو معتقدات أو غير ذلك. # فكل أديب يفوز بحظه المعقول من القبول، ولما كان الجمهور يتغير من جيل إلى جيل، وتختلف ~~نظرته تبعا لذلك، ويزداد علمه وفهمه، ويتفاوت ذوقه، فإن الذي يرضى عنه الناس في زمن قد ~~يسخطون عليه في زمن آخر، والذي يعرضون عنه في جيل قد يقبلون عليه في جيل آخر، وشواهد ذلك ~~كثيرة في كل عصر ومصر. # وإنه لمن دواعي الأسف أن يحرم الأديب حقه في حياته، وأن لا ينصفه الناس إلا بعد فوات ~~الأوان، ولكنه لا حيلة في هذا إلا أن ينال كل فرد من أفراد الجماعة حظا كافيا من التعليم ~~فيتسنى أن ينال كل أديب ما هو جدير به. # وإذا كان في وسع الأديب في زماننا أن يتفرغ لفنه ويتوجه به إلى الجمهور، ويستغني عن ذوي ~~السلطان أو المال، ولا يمني نفسه بالطمع في مؤازرتهم، ولا يبالي أأنصفوه أم غبنوه. وكان هذا ~~التطور أعون على التجويد والإخلاص فإن هذه المزية يقابلها شر ليس من الهين اتقاؤه في كل ~~حال. وأعني به مصانعة الجمهور وتحري ما يوافقه ويرضى عنه ويتقبله بقبول حسن. # وكما أن الشاعر القديم كان يقصد إلى ذي الجاه أو المال أو السلطان فيمدحه ويسرف ويبالغ ~~تملقا ونفاقا، واستدرارا لنواله، كذلك الأديب في هذا العصر قد يغريه طلب الرواج والإقبال ~~بتملق الجمهور، فقد صار هو الذي يعطي ويمنع، ويفيد الأديب الغنى والجاه والمجد أو يضن بذلك ~~عليه، وكل أديب طالب شهرة، ما في هذا في شك، والشهرة غاية ووسيلة في آن معا، هي غاية لأنها ~~حال ms018 تنعم بها النفس وفيها عزاء كاف للمرء حتى إذا حرم طيبات الحياة. والشهرة هي الذكر، ~~والذكر باب الخلود المرجو لاسم الإنسان المقضي عليه بالفناء والإنسان يتعزى بهذا الذكر لما ~~يعلم علم اليقين أنه لا مفر من الموت. ولكنها أيضا وسيلة إلى ما يتطلع إليه كل إنسان من ~~نعيم الحياة وطيب العيش ورغده. # وقد يستطيع الأديب أن يزهد في الشهرة وما تتيحه وتيسره إذا لم تجيء إلا بمجافاة الإخلاص، ~~وصدق السريرة، وخيانة أمانة الفن، ومصانعة الجمهور وتملق آرائه ونزعاته وغرائزه الساذجة ~~ومزاجه، وما إلى ذلك، وقد يكون من قوة الإرادة وسمو الروح وصلابة العود بحيث يستطيع أن يقهر ~~نفسه ويصدها ويزجرها عن طلب الشهرة والحياة الرخية من هذا الطريق الهين، ولكنه قد يكون ~~اشتهاؤه أقوى من إرادته، أو يكون في حال تقصره على التسهل والترخص أو تدفعه المنافسة إلى ~~طلب التفوق بأية وسيلة، أو يغالط نفسه فيزعم أنه يداور الجمهور ويحتال عليه كما يحتال ~~الطبيب على المريض بحلاوة طعم الدواء ويسايره قليلا أو كثيرا ليطمئنه ويدفعه إلى الإقبال ~~ثم يعود فيدور به إلى حيث يريد. # ومهما يكن الباعث على الترخص فإنه مفسدة للأدب. فإن شرط الأدب الأول هو الإخلاص وصدق ~~السريرة، ولا إخلاص مع المصانعة والمداهنة والملق، وإذا فقد الأدب الإخلاص فقد أهم عنصر، ~~والإنسان يحترم القوة التي يكون مبعثها الإخلاص، وقد تروعه في البداية وتصدمه وتنفره. ولكنه ~~لا يلبث متى تبين الإخلاص أن يقبل بعد النفور وأن يتشيع في نفسه الإكبار والتبجيل. # وقد يطول الأمر. وتبطئ الجمهور على الأديب. ولكن كل شيء يحتاج إلى زمن يؤتي ثمرته. # وأنت تغرس البذرة في الأرض فلا تصبح شجرة بين صباح ومساء، وتربة النفوس أيضا تحتاج إلى ~~زمن حتى تنشق فيها البذرة ويمتد منها ما يكون جذورا معرقة، ثم تخرج لها ساق يذهب في الجو ~~ويتفرع عليه الأغصان وتورق وتنور وتثمر. ومازال صحيحا أن في العجلة الندامة والذي يستعجل ~~الشهرة خليق أن يفوته ما هو أولى منها بالحرص عليه وأعنى به المجد الأدبي الصحيح. ms019 # الفصل الرابع # | في الاتجاهات الحديثة # في النثر العربي بمصر # الاتجاهات الحديث في النثر العربي بمصر موضوع واسع لا أستطيع أن ألم بأطرافه في حديث أو ~~اثنين ولست أقول هذا على سبيل الاعتذار أو من قبيل التواضع أو لستر العجز بل أقوله بيانا ~~للواقع ولأني أنوي - لضيق الوقت - أن أقتصر على الذي هو أوضح وأبرز وأود أن أنبه في فاتحة ~~الكلام إلى أن قولنا «الاتجاهات الحديثة» ليس معناه أنها بنت اليوم أو الأمس ولعل هذه ~~الاتجاهات إنما وضحت وبانت في السنوات الأخيرة وكانت بداياتها قبل نصف قرن وزيادة. وعسى أن ~~تكون هناك بدايات أخرى لاتجاهات جديدة لا نتبينها الآن ولابد من مرور زمن طويل قبل أن نكون ~~من أمرها على يقين كالطفل تراه فلا تستطيع أن تعرف ماذا سيكون بعد أن يبلغ مبالغ الرجال وهل ~~يكون طبيبا مثلا أو مهندسا أو من رجال الدين أو القانون أو صانعا أو غير ذلك. # ويجب أن يكون مفهوما ومقررا في الأذهان أن الأدب كائن حي خاضع لنواميس الطبيعة وسنن ~~الحياة وقوانينها ككل مخلوق من حيوان ونبات وأن له على ذلك تاريخ حياة وله طفولة وشباب ~~وكهولة وشيخوخة وإذا نحن لم ننظر إليه هذه النظرة فلسنا نستطيع أن نفهمه فهما صحيحا ولا ~~أن ندرسه درسا مفيدا. وكلنا يعرف مثلا أن الشجرة لا تنبت في يوم ولا تظهر بأغصانها ~~وأوراقها وثمارها بين يوم وليلة ولكن منا من يتوهم أن الأدب يمكن أني تحدث فيه هذه المعجزة ~~التي تحدث في خلق آخر. وكلنا يعرف أن البذرة التي تضعها في التربة أو العود الذي تغرسه في ~~الأرض يحتاج إلى ما يتغذى به ويقوى ويحتاج إلى العناية والتعهد وإلى التقليم والتشذيب ~~وأحيانا إلى التطعيم والتلقيح وكذلك الأدب وليس يخفى على أحد منا أن الشجرة المهملة غير ~~الشجرة التي وجدت من يسقيها ويسمدها ويرعاها ويوفر لها أسبابا الحياة ويساعدها على الازدهار ~~والإثمار. وكذلك الحال في الأدب بل في كل شيء. وأنا أحب أن أؤكد هذا المعنى وأقرره فإن كل ~~فهم ms020 للأدب يكون خطأ محضا وضلالا صرفا إذا لم نعتبره كائنا حيا تجري عليه سنن الخلق ~~جميعا بلا استثناء. # ونعود إلى موضوعنا الذي استطردت عنه فأقول أن الأدب كهذه الشجرة التي ضربنا بها المثل - ~~له أرومة أي أصل في جوف الأرض ثم تنبت له ساق تسمو بنفسها صعدا وتستغني بنفسها عن غيرها أو ~~لا تستغني وتحتاج أو لا تحتاج إلى ما تتعلق به وترقى فيه ثم تتشعب من هذا الساق أغصان دقاق ~~وغلاظ ثم يخرج من هذه الورق ثم ينور إذا كان مما ينور وثمر إذا كان مما يثمر. # والشجر يخرج من الأرض فهي تربته أما الأدب فتربته هي الحياة نفسها - الحياة الإنسانية في ~~جملتها وتفصيلها. وكما أن التربة لها أثر في تكوين الشجرة وقوتها ومبلغ صلاحها. كذلك حياة ~~الجماعة وعاداتها وتقاليدها وألوان تفكيرها ودرجة تهذيبها ومبلغ تثقف عقولها ونفوسها أثر في ~~الأدب الذي يخرج منها وينبت فيها. وكما أن الأرض القوية تخرج نباتا قويا حتى بغير عناية ~~كبيرة من الإنسان كذلك الجماعة الإنسانية القوية وإن كانت ساذجة يمكن أن يظهر فيها أدب قوي ~~فطري لا تقلل قيمته نقص الثقافة الخاصة وكما أن الشجرة في الأرض الضعيفة يمكن أن تجد مما ~~يهدي إليها العلم عوضا عما ينقصها من الأرض كذلك الأدب يستفيد من الثقافة ما يعوض نقص ~~عوامل القوة في التربة التي نشأ فيها. # وهنا ندع مثل الشجرة لأنها غير مدركة - ولا الأرض - لما هو حاصل. أما الأدب فصادر عن ~~إدراك وإن لم يكن في بعض الحالات صادرا عن «وعي» تام. ونأخذ في تشبيه آخر. ولكل تشبيه عيبه ~~ولكنه يعين على الفهم والتبسيط. فنقول إن الإنسان في طفولته يكون في الأغلب والأعم مغرى ~~باللعب والعبث وبالزينة والمنظر والرونق وما إلى ذلك أكثر مما هو مغري بالجد والفائدة. ~~والطفل لا يعرف نفسه معرفة صحيحة. وهو يعرف أن له أبوين وقد يعرف أن له جدين أو جدودا ~~ولكنه ربما كان لا يعرف كيف انحدر من هؤلاء جميعا. ثم يشب ويكبر فيزداد معرف بنفسه ms021 وقد لا ~~يسلم من العبث ولكنه يكون في شبابه أكثر نظرا وأصح فطنة وأطلب للجد من الأمور. ويزداد ~~نضجا مع ارتفاع السن واتساع التجربة والمعرفة ويزداد نظره بعدا وعمقا وتصبح صلته بالحياة ~~حوله أوثق والميزان على العموم أكثر اعتدالا وليس من الضروري أن يكون الكهل أصدق نظرا في ~~الحياة من الشاب فقد يؤتى الشاب ما لا يؤتاه الكبير العارف المجرب من استقامة النظرة وقوة ~~الفطنة وحسن الإدراك بالفطرة والاستعداد. ومن الناس من ينضج قبل الأوان وهذا لا حكم له لأنه ~~من الشاذ ولا قاعدة تجري عليه وتضبطه. # ولا نظن أننا نخطئ كثيرا إذا شبهنا تطور الأدب في الأمة - على العموم والجملة - بحياة ~~الإنسان وتطورها من الطفولة إلى الكهولة الناضجة ثم الشيخوخة الضعيفة الفاترة ففي الطفولة ~~يكون الأدب أقرب إلى الزينة والعبث ثم يشب ويترعرع ويقوى وتتدفق فيه الحياة القوية ولا يخلو ~~في هذه الفترة من اندفاع واجتراء ولف وشطط ولكن هذه هي طبيعة الشباب. وفي هذا الطور يشرع ~~الأدب في معرفة نفسه ودرس أصوله ولا يمنعه هذا التلفت إلى الأصول من الجري في مضماره الذي ~~يغريه به شبابه وشعوره بقوته. ثم يجيء طور الكهولة الناضجة المجربة الحكيمة العارفة ~~المدركة. # وحديثنا عن النثر دون الشعر فلندع الشعر ولندع أيضا عهد الطفولة في النثر العربي الحديث ~~فقد كان النثر في ذلك العهد أشبه بعبث الأطفال ولهوهم وكان الناس يتظرفون ويتزينون كما ~~تتزين المرأة بالعقد أو الرجل بمظاهر الغنى. ثم جاء شباب فرأينا الأدباء في هذا العهد ~~يتلفتون باحثون عن الأصول البعيدة والقريبة ومعنيين بدرسها وفحصها من جديد مع إرسال العين ~~فيما حولها وإجالة النظر في الحياة. والماضي للأمة أشبه بالذاكرة للفرد وليس يستطيع المرء ~~أن يعرف نفسه وماذا هو إذا فقد ذاكرته لهذا عني الأدب في هذا العهد من الشباب بتقصي الماضي ~~وتدبره ودرسه وكان الذين فعلوا ذلك ممن جمعوا بين ثقافتين - الثقافة العربية التي أفادوها ~~من تحصيلهم الخاص في الأغلب لا مما تلقوه في المدارس فما كان لهذا غناء أو فضل ms022 يستحق الذكر ~~نقول هذا من غير غمط لفضل طائفة قليلة كان الذين انتفعوا بآثارهم من غير أن يتلقوا عليهم ~~شيئا أكثر من انتفاع تلاميذهم بدروسهم. # والثقافة الأخرى ثقافة غربية - فرنسية وإنجليزية - وبفضل الجمع بين الثقافتين العربية ~~والغربية استطاع الأدباء في هذا العهد من الشباب أن يدرسوا الأدب درسا جديدا وأن ينظروا ~~فيه نظرات أعمق ومن هنا نشأ ما يسمى النقد الأدبي على قواعد أصح ووفق أصول أعم وأثبت. ~~والنقد الأدبي ليس معناه إظهار العيوب والكشف عن مواطن الضعف والنقص وإنما معناه الوزن ~~الصحيح الدقيق للأثر الذي فيه البحث. والاهتداء إلى الأصول والقواعد التي ينبغي أن تراعى. ~~ولم يحل الاشتغال بالنقد الأدبي دون الإنتاج الخاص ونعني به الإنتاج الذي يجيء ثمرة النظر ~~المستقل والتدبر الخاص وأكبر مزية استفادها الأدب في هذا العهد هي التحرر من التقليد في ~~الموضوع وفي الأسلوب فذهب وكان مشغوفا به من قبلهم من احتذاء مثال العرب والافتياس بهم ~~والضرب على قوالبهم وصار الموضوع هو الذي يفكر فيه الأديب نفسه والأسلوب هو الذي يفي ~~بالعبارة عما يريد فكان هذا تجديدا لا شك فيه ولا في قيمته وستتاح لي فرصة أخرى فأورد لكم ~~نماذج من الأساليب الحديثة تبين الفرق بينها وبين الأساليب القديمة التي كان تقليدها شائعا ~~فيما سميته عهد الطفولة وإن كان التقليد في تلك الطفولة للمتأخرين لا للقدماء من ~~العرب. # ولا يزال النقد الأدبي مستمرا إلى الآن وسيستمر بلا شك ولابد من ذلك لأن الإنسان لا ~~يستطيع أن يحيا حياة تامة بغير ذاكرة والماضي هو مصدر الحاضر والقاعدة التي يقوم عليها ولا ~~سبيل إلى بت هذه الصلة ومن درس الأدب في أوسع نطاق وعلى أدق وجه وأصحه يمكن أن يستخلص ~~الأصول الصحيحة والقواعد السليمة. ثم إن هذا الدرس بعض الوسيلة إلى معرفة النفس. فغير ~~مستنكر أو مستغرب - بل واجب - أن يظل النقد الأدبي ماضيا في طريقه. # غير أن النقد الأدبي - كما قلنا - لا يمنع - وهو لم يمنع الإنتاج الذاتي أو ما يسمى الأدب ~~الصرف وأوضح اتجاه جديد ms023 هو الاتجاه إلى القصة وهو اتجاه طبيعي وليس من قبيل التقليد للأدب ~~الغربي ونعني بالقصة أنواعها من قصة طويلة وأقصوصة قصيرة تكون كاللمحة أو المنظر والقصة ~~التمثيلية. والإنسان مفطور على القصص. وأكثر ما تدور عليه أحاديث الناس في حيث يجتمع بعضهم ~~ببعض هو رواية ما جرى أو ما رأوا أو ما سمعوا به أو ما يتخيلونه أو يتمنونه. وحديث الناس ~~حوار ووصف وتصوير وتعليق وتحليل وتعليل. وليست القصة أكثر من انتزاع جانب أو بعض جوانب من ~~الحياة وعرضها ورفعها قبل العيون وهي أشبه بذلك الضرب من التصوير الذي يسمونه «الامبرشنزم» ~~وأصله كما هو معروف أن تنظر إلى الشيء وتتأمل تفاصيله وتدير عينك فيه على مهل لتأخذه في ~~جملته وتفصيله - أو تنظر إليه نظرة عامة لا تتوخى فيها تأمل التفاصيل - أو تنظر إلى جزء ~~معين منه تعلق فيه عينك وتترك ما حوله يبدو لك في غير وضوح لأنك لا تقصده بنظرك ولا تجعل ~~بالك إلا إلى الجزء الذي عليه عينك. # والمصورون على طريقة الامبرشنزم يتوخون الحالتين الأخيرتين دون الأولى أي أنهم لا يعنون ~~بالجملة والتفاصيل. وإنما يؤثرون النظرة العامة التي لا تفصيل فيها أو العناية بجزء دون ~~بقية. # والحياة أوسع من أن يستطيع إنسان أن يحيط بجوانبها جميعا بنظرة واحدة وفهمها كلها في ~~جملتها وتفصيلها وعلاقة ظاهرها بباطنها واستجلاء كل نواميسها وأثرها ونتيجة تفاعلها في كل ~~آية من آياتها فوق طاقة البشر. ولكن الخلق واحد والسنن لا تختلف ولا يشذ فعلها فإذا استطاع ~~إنسان أن يقتطع جانبا من الحياة ويصور وجها من وجوهها فهو يكون كأنما استطاع أن يصور ~~الحياة كلها وهذه مبالغة ولا شك. # ولكن فهمنا للحياة وللطبيعة الإنسانية يزيد ويعمق ويتسع كلما زاد اطلاعنا على أكثر ما ~~يمكن من جوانبها. # وليس المعول في القصة على الحادثة أو الحوادث التي تروى وكل إنسان يستطيع ذلك بغير عناء ~~لأن كل إنسان وقعت له حوادث أو شهد حوادث أو سمع بحوادث والحادثة ليست أكثر من مشجب يعلق ~~عليه الكاتب آراءه وخواطره ونظراته ms024 وغير ذلك من الخوالج والإحساسات والتحليل ~~والتعليل. # والمعول في القصة على رسم الشخصيات والتفطن إلى البواعث والقدرة على تصوير نتيجة التفاعل ~~بين الوراثة والبيئة وبين الإنسان والجماعة ونوع استجابة الإنسان لوقع الحياة في نفسه ~~وكثيرون يستسهلونها لأنها أقرب إلى الفطرة ولكنها من أعسر ألوان الأدب لأنها تتطلب فهما ~~للحياة ونظرا فاحصا وملاحظة دقيقة وإخلاصا وصدق سريرة ولا غنى في أي لون من الأدب عن ~~الإخلاص وصدق السريرة ثم تتطلب أداء محكما وقدرة عليه وافية لأن الكاتب يحتاج أن يتناول ~~فيها كل باب من أبواب الأدب - من الفلسفة فنازلا إلى الكلام الفارغ في ذاته وأن سوقه في ~~القصة يراد به الاستعانة على تصوير النفوس واتجاهات خواطرها ونزعاتها وعاداتها في التفكير ~~وغير ذلك. # والقصة توجد في كل أدب قديم. والغزل نفسه قصة لأنه عرض جانب من النفس في حالة خاصة. ~~ولكنها باعتبارها عملا فنيا قائما بذاته تعد حديثة نسبية وقد نشأت في الأدب العربي كما ~~نشأت في غيره ولكنها وقفت عند حد ولم يمض فيها الذين جاءوا بعد الذين فتحوا بابها. # أما الآن فإنها لون مقرر من ألوان الأدب الحديث بأنواعها جميعا وقد عالجها كل الأدباء ~~تقريبا دون أن ينصرفوا عن الأبواب الأخرى مثل البحوث والدراسات التي يعنون بها. وقصر عليها ~~بعضهم أدبه تقريبا وبذلك بدأ الاتجاه إلى التخصص في أبواب الأدب وسيزداد هذا ظهورا ~~وبروزا على الأيام. # ولا يتسع الوقت لأكثر مما تناولنا في حديثنا وما كنت أرجو أو أطمع أن يتسع وإنما أردت أن ~~أجعل طريقتي في البحث من شأنها أن تساعد السامع على لمضي وحده في تعيين الاتجاهات ~~الحديثة. # والبحث لا يتم إلا إذا تناولنا أساليب الكتابة بعد أن تناولنا أغراضها على هذا النحو ~~العام المجمل. وموعدنا الحديث الآتي إن شاء الله. # الفصل الخامس # | حديث عن الهجرة # يبدو لي من مراجعة السيرة النبوية الشريفة أن الهجرة إلى المدينة لم تجيء عفوا ولا كانت ~~من وحي الساعة وإنما كانت خطة محكمة التدبير طال فيها التفكير بعد أن اتجه إليها الذهن ms025 ~~اتجاها طبيعيا أعانت عليه الحوادث. # وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر يشير على المسلمين الذين ضاقوا ذرعا بما ~~كانت قريش تنزله بهم من الأذى أن يتفرقوا في الأرض وينصح لهم أن يذهبوا إلى الحبشة ليأمنوا ~~الفتنة عن دينهم ويرتاحوا من العذاب الغليظ الذي كانت قريش تصبه عليهم حتى يأذن الله بالفرج ~~وأكبر الظن أنه كان يريد أن يؤمن هؤلاء المسلمين على دينهم من ناحية وأن يحمل قريشا على ~~التوجس من عاقبة هذه الهجرة الأولى إلى الحبشة عسى أن تفيء إلى الاعتدال والهوادة. # ومن الثابت على كل حال أن قريشا أزعجها هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة فبعثت إلى النجاشي ~~برسولين منها ومعهما الهدايا ليقنعاه برد هؤلاء المهاجرين إلى مكة. # ولكني لا أظن أنه كانت لهذه الهجرة إلى الحبشة غاية أبعد من ذلك فما كانت أكثر من معاذ ~~إلى حين وتدبير ألجأت إليه الحاجة لما اشتدت المحنة بالمسلمين وتلويح لقريش بإمكان العون ~~والمدد من هذه الناحية. على أن بعد الحبشة واختلاف أهلها ولغتها ودينها ثم الثورة التي ما ~~لبثت أن شبت على النجاشي وكان من أسبابها إيواؤه المسلمين والعطف عليهم - كل هذا كان من ~~شأنه أن يصرف عن الحبشة ويدعو إلى التفكير فيما هو أصلح منها. # واختلفت الحال في مكة أيضا إلى حد ما بعد أن أسلم عمر ورفض الاستتار والاستخفاء وشرع ~~يناضل قريشا ويدفع المسلمين إلى الصلاة في الكعبة نفسها وأسلم رجال غير قليلين من قريش ~~فصارت لجاجة قريش في تعذيب المسلمين وتقتيلهم كما كانت تفعل غير مأمونة العاقبة. نعم ظلت ~~قريش تؤذي المسلمين وتسيء إليهم ولكن المسلمين كثروا وصار محمد يعرض نفسه على القبائل وأن ~~كان لم يفز بطائل كبير ولا كفت قريش عن مساءاتها إليه. # وقد كبر الشأن واتسعت رقعة الأمل ولكن التفكير في أمر قريش وفي الراحة من عنتهم وفي ~~الوسائل المؤدية إلى نشر الدين بأسرع مما ينتشر بقي واجبا ملحا. ولاسيما بعد أن حوصر ~~المسلمون في الشعب ونقضت الصحيفة ومات أبو طالب وخديجة وازداد ms026 أذى قريش وردته القبائل عما ~~كان يدعوها إليه من الدخول في الإسلام. # وتوالت السنون على هذا الحال. فكان من الطبيعي أن يفكر النبي عليه الصلاة والسلام في مخرج ~~حاسم يفرج الكرب ويزيل المحنة ويفسح مجال الأمل ويوطد الأمر. وأحسب أن من الطبيعي والمعقول ~~أن يفكر في يثرب أول ما يفكر وأن تكون هذه أبرز ما يبرز وأول ما يخطر على البال وأسبق ما ~~يرد على الخاطر فقد كانت يثرب طريقه في الزمن السالف أيام كان يعمل في التجارة، ولم تكن ~~طريقه فقط بل كانت له بها علاقة تجارة أيضا، وله فيها عدا ذلك بعض ذوي القربى ونعني بهم ~~أخوال جده من بني النجار ثم إن أباه عبد الله بن عبد المطلب مدفون فيها وقد كانت أمه في ~~حداثته تزور هذا القبر في كل عام وكانت تستصحب ابنها معها وقد شاء القدر أن تمرض أمه وهي ~~عائدة من إحدى هذه الزيارات وأن تموت وتدفن في الطريق بين مكة ويثرب. # فما من شك في أن يثرب كان لها نوطة بقلبه وعلوق بنفسه فما يسعه أن ينسى طفولته ويتمه ~~وأباه الدفين هناك وأمه الراقدة في الفلاة على طريقها. # وقد كان النبي صلوات الله عليه يعرض نفسه على القادمين من يثرب كما كان يعرض نفسه على ~~رجال القبائل الأخرى فأسلم أولا من الأوس واحدا ثم أسلم من الخزرج نفر استجابوا لدعوته ~~وحدثوه بما بين الأوس والخزرج من العداوة التي بثها اليهود فيهم ليظفروا بهم ويتحكموا فيهم ~~وكان اليهود قد نجحوا في إيقاد نار الفتنة بين هاتين القبيلتين ولكنهم نجحوا في آمر آخر لم ~~يكونوا يقصدون إليه فقد كان اليهود وهم أهل كتاب يذمون إلى الأوس والخزرج ما هم فيه من ~~الوثنية والشرك ويحدثونهم عن دينهم وكتابهم فتركوا في نفوسهم أثرا روحيا لم يكن لمثله ~~وجود في أهل مكة. # وقد عرف النبي # صلى الله عليه وسلم # هذا كله وعرف أيضا أن الفريقين المتعادين - الأوس والخزرج - قد ~~فطنوا على ما هم فيه من الشر واشتهوا أن ms027 يجمعهم الله بعد طول العداوة وأدرك أن دعوته خليقة ~~أن تلقى هناك من حسن الإصغاء وطيب القبول ما لا تظفر بمثله في مكان آخر وبلد غير يثرب وقد ~~صدق ظنه وتفتحت القلوب في يثرب لدعوته ولم يمض إلا عام واحد حتى جاءه رجال من يثرب يبايعونه ~~البيعة التي تعرف ببيعة العقبة الأولى على ألا يشركوا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يكذبوا ولا ~~يعصوا الله. ومما يدل على قيمة هذه البيعة أن النبي احتاج أن ينفذ إلى يثرب من يقرئ ~~المسلمين بها القرآن ويعلمهم ويثقفهم في الدين. وكانت هذه فاتحة ميمونة لانتشار الإسلام في ~~يثرب على صورة جدية وفي نطاق واسع. # وكان مقام المسلمين في يثرب طيبا محمودا لا أذى فيه ومشقة فغير معقول أن لا يفكر النبي ~~في اتخاذ يثرب مهجرا للمسلمين الذين يعانون الأمرين في مكة ولنفسه أيضا إذا كان لابد من ~~ذلك ولا معدى عن ذلك.. إن التفكير في ذلك هو تفكير يبعث عليه ويوحي به واجب الدفاع عن ~~النفس. # يدل على ذلك أن النبي في العام التالي - لما قدم مكة عشرات من مسلمين يثرب - لقيهم واقترح ~~أو طلب أن يعقد مع مسلمي يثرب حلفا دفاعيا لرد عدوان المشركين وقد تم له ما أراد وعقدت ~~بيعة العقبة الثانية وهي أول تدبير عملي في سبيل الدفاع عن النفس. # وقد أزعج خبرها قريشا جدا فاضطربت وأشفقت وذهبت تسعى لتستوثق من الخبر فإن صحة الخبر ~~معناها ذهاب كل أمل في التغلب على النبي. وقد بلغ من جزعهم من هذا الحلف وصحة تقديرهم ~~لعواقبه المحققة أن قريشا ائتمرت بالنبي تريد قتله ودبرت ذلك فعلا وأحكمت التدبير كما هو ~~معروف مشهور فأدى ذلك إلى التعجيل بهجرة النبي نفسه. # وقد كانت الهجرة في سبيل الله وللدفاع عن النفس ولكنها أدت إلى أمور شتى. فقد كان النبى ~~في مكة حسبه أن يتقي أذى قريش ويتجلد ويصبر على عنتهم واضطهادهم فلما هاجر لم يبق لمثل هذا ~~الصبر مسوغ ولا بالمسلمين إليه حاجة وقد كثروا وصارت لهم ms028 قوة من جموع الأنصار والمهاجرين ~~معا. ففي وسعهم أن يردوا الأذى ويقابلوا العدوان بالعدوان. ثم إن كثرة المسلمين في يثرب ~~جعلتهم جماعة يجب فضلا عن تثقيفهم في الدين تنظيم أمورهم والنظر في مصالحهم وإقامة ~~علاقاتهم بغيرهم على قواعد مرضية. # وقد بدأ التشريع الإسلامي بعد الهجرة وبدأت كذلك الحروب باللسان ثم بالسلاح وبدأ التعرض ~~لتجارة قريش. ولا حاجة بنا إلى التفصيل فإنه تاريخ معروف ويكفي أن نقول إن الهجرة أتاحت ~~للمسلمين أن يكونوا أمة وأن ينتظموا كما تنتظم الأمم وأكسبهم مركزا تسنى لهم بفضله أن ~~يتحكموا في مكة اقتصاديا وحربيا أيضا وقد انتهى الأمر بالفعل بفتح مكة وإعلاء كلمة ~~الله. # ويكفي للدلالة على ما كان للهجرة إلى يثرب من قيمة في التاريخ الإسلامي أنه لما أريد بعد ~~ذلك تأريخ الحوادث أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه باتخاذ عام الهجرة مبدأ لهذا التاريخ. ~~والواقع أن هذه الهجرة كانت هي الباب الذي فتحه الله لنشر الدين وإعلاء شأنه والقضاء على ~~الشرك والكفر وجعل من العرب أمة لها في العالم مقام وفي حياته أثر. # ولو أن الهجرة كانت إلى الحبشة لما أثمرت شيئا من هذا ولخرج الأمر على كل حال من جزيرة ~~العرب ولكان الأرجح ألا ينتقل العرب إلى حال أخرى. ولو أنها كانت إلى اليمن مثلا لكان ~~الأغلب أن تبقى مكة بمعزل عن الإسلام ولكن المدينة كانت على طريق التجارة إلى الشام، فالذي ~~يستولي على الأمر فيها يتسلط على مكة ويتحكم في حياتها كما حدث بالفعل. # ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفكر في المدينة من زمان طويل قبل أن يقصد إليها ~~فقد كان كل شيء يدعو إلى ذلك - حنين قلبه ومصلحة المسلمين في الدفاع عن أنفسهم أولا ثم في ~~التغلب على مكة والقضاء على شرك قريش. ولعل من الدلائل على طول التفكير واتجاه النفس وعلى ~~الإيحاء أيضا أن النبي كان أول الأمر يتجه في الصلاة إلى المدينة جاعلا قبلته المسجد ~~الأقصى. فلما انتهى هذا الدور جعل الكعبة قبلته في ms029 الصلاة فوجه المسلمين صوب مكة حتى استولى ~~عليها. # الفصل السادس # | مصرع الحسين # كان لنا، قبل الحرب، صديق معمر، من بني الفرس - أو من أجدادهم الأولين على الأصح - فقد ~~كان عمره فوق المائة، وكنا نحاسبه فيكون تارة مائة وعشرين، وأخرى مائة وبضع سنوات، فأضحك ~~وأقول: «يجب أن نقيد هذه الأرقام الرواغة». وأتناول القلم، وأقيم سنه على الورقة، وأنظر ~~إليه، وأقول: «تفضل قبل أن يغرق الطوفان الأرض كنت سعادتك سفيرا لدولتك عند بروسيا، ولما ~~صعق موسى عند دك الجبل، كنت ...» فيتكلف الغضب، ينهرنا عن هذا العبث ويقول: «اختش يا ~~ولد!» # وكان على عظم ارتفاع سنه قوي البنية، متين الأسر، وكنا نسأله عن سر ذلك، فيقول إنه لم ~~يتزوج قط، فأضحك وأقول: «هات شيئا آخر، فإن هذا معلوم، مفهوم بالبداهة!» فيرفع عصاه ~~الغليظة، يلوح بها كأنما يهم بضربي، فينقلب ضحكنا قهقهة عالية مجلجلة، ويسره سرورنا فيفيء ~~إلى الرضى. # ويقول لنا أحيانا: «تعالوا نتمشى، فنسأله: أين؟ وإلى أين؟». فيقول: «في طريق الجيزة»، ~~وكان بيته في «باب الخلق»، فنخرج معه إلى الزمالك ويقف بنا على جسره هنيهة، يحدثنا ويروي ~~لنا أخبار القرون الأولى، أو يرتجل شعرا فكاهيا نجيزة، أو نشطر قصيدة لواحد من شعارير ذلك ~~الزمان تشطيرا يخرج بها إلى الهزل الصريح والمجانة الشديدة، أذكر من مطالع قصائده ~~المرتجلة: ~~«قفي حديثني عند كوبري الزمالك # وروي غليل القلب يا أم مالك» # ثم نستأنف السير بعد أن نميل إلى طريق الجيزة، حتى نفتر ونكل، وتخذلنا أرجلنا، وهو لا ~~يزال كما بدأ، فيسخر منا، ويوسعنا تقريعا وتعييرا، فلا نبالي، ونقعد على الأرض من شدة ~~التعب. ويتفق أن تمر بنا سيارة، تخطف، فيشير إليها ويقول مازحا: «خذونا، أخذكم ~~الله». # ولم يكن هزالا، وإنما كان يوسع لنا صدره، ويتقبلنا على علاتنا، ويأنس بنا كأنسنا به، ~~وكانت الدنيا كلها أصدقاء له، ولكنا نحن كنا نلازمه بعد أن نفرغ من أعمالنا، وكان بيته ~~نادينا، وفيه نعقد حلقتنا الأدبية الخاصة، وما أكثر ما كنا نقول له: «نريد أن نأكل أرزا ~~فارسيا» فيمضي بنا ms030 إلى المطبخ لنساعده، فهذا يقشر بصلا، وذاك يغسل آنية، وثالث يضرم ~~النار، وهكذا، حتى يطبخ الأرز ويغرف في الصحون، ثم نحف به - أعني بالأرز - ونقبل عليه ~~فنلتهمه. # وكان لنا خيرا من الأب، وأخلص من الصديق وأوفى، وكان ريما رأى أحدنا ساهما أو واجما، ~~فيسأله عن سبب ما يبدو عليه، فيفتح له صدره، ويبثه ما فيه، ويقول له بشجوه، حبا كان ذلك أو ~~هما أو غير ذلك فيشير عليه بالرأي الناضج، ويخلص له النصح، ويقوي ضعفه ويشجعه، ولا يزال به ~~حتى تعود إليه البشاشة. # وقال لنا يوما: «خذوا» وناولنا بطاقات فيها دعوة إلى ما كان يسمى «زفة الحسين»، وما هي ~~بزفة، وإنما هي مأتم، ولكنها هكذا كانت تدعى على ألسنة العامة، فذهبنا في الموعد المضروب ~~إلى بيت رحيب في زقاق ضيق، فوجدنا هناك كثيرين من رجال مصر المعروفين، أجلسنا معهم، ثم ~~دعينا إلى مائدة مثقلة بألوان الآكال الشهية، وكان الأستاذ البرقوقي إلى جانبي، فظمئ على ~~الطعام، وأسر إلي بذلك - لا أدري لماذا - فأومأت إلى الخادم، فناوله كوبا رفعه إلى فمه، ~~وما كاد يفعل حتى رده عنه، وقال: «بفففف!»، ذلك أنه كان سكرا مذابا لا ماء، فعجبنا ~~واتقينا أن نشرب. # وانحدرنا إلى صحن الدار، وكان فيها منبر، ارتقى إليه شيخ فارسي وانطلق يقول كلاما لم ~~نفهمه، ولكن صوته كان يتهدج وكانت الدموع تتسايل على خديه وتبل لحيته الكثة، وقيل لنا إنه ~~يرثي الحسين ويندب مصرعه، وكان الذين يفهمون كلامه من بني جنسه يبكون، بل يعولون ومنهم من ~~كانت تهيج حرقاته فيلطم، أو يضرب صدره أو ظهره العاري بسلسلة غليظة من الحديد، أو يضرب ~~جبينه ببطن سيف مسلول، أو بكله - أي قفاه الذي ليس بحاد - ولكن أحدهم اضطرب وهو يفعل ذلك ~~فأصاب حد السيف جبينه فانفجر الدم كأنه نافورة، وقد خفوا إليه، وضمدوا جرحه، وعصبوا له ~~رأسه؛ وهال أحدنا منظر الدم وظن أن الرجل لا محالة هالك، فأغمى عليه، وسقط على الأرض كما ~~تسقط الخشبة، أنشقوه شيئا في زجاجة أنعشه ورد إليه روحه. ms031 # ولا أحتاج أن أقول شيئا في وصف الموكب الذي يخرجون به ويطوفون بالشوارع وهم يدقون صدورهم ~~العارية أو يضربونها بالسلاسل أو يخبطون وجوههم أو عواتقهم ببطون السيوف، فإن ذلك كله معروف ~~مألوف، وإن كان قد انقطع، والأكثر من الناس قد رآه في زمانه، ولكني أقول إني بعد بضعة أيام ~~من شهود هذه «الزفة» وقعت على مقال في مجلة إنجليزية لكاتب إنجليزي أو ألماني - لا أذكر، ~~فإن العهد بها بعيد، وقد فقدتها على الرغم من حرصي عليها وتحفظي بها - وفي هذا المقال يذهب ~~الكاتب - والأرجح أنه ألماني - إلى أن الحسين بن علي رضي الله عنهما، تعمد أن يضحي بنفسه؛ ~~وأذكر أنه قال إن الحسين لم يكن أبله، فقد حاول أمرا عرف مبلغ استحالته، ومع ذلك أصر على ~~الزحف وليس معه إلا النساء والأطفال وحفنة صغيرة من الرجال، مضى بهم وبنفسه معهم إلى بوار ~~محقق. # وقد دارت في نفسي هذه المقالة، فذهبت بها إلى صديقنا الفارسي، فقد كان عالما واسع ~~الاطلاع، غزير المعرفة وترجمتها له، وسألته عن رأيه فيها، فلم يتردد في الموافقة عليها، وقد ~~فكرت بعد ذلك في أمر الحسين وفي مغامرته العجيبة، فلم يزدني ذلك إلا اقتناعا برأي هذا ~~المستشرق الألماني، وبغير ذلك لا أدري كيف يستطيع المرء أن يفسر إقدامه على طلب الخلافة ~~وسعيه لانتزاعها من بني أمية، فقد عرض نفسه على كثير من القبائل فما وجد منها إلا إعراضا ~~وانصرافا، أو على الأقل فتورا شديدا عن نصرته، من حقه أن يثبط، وليس من شأنه أن يشجع؛ ~~ولم يكن حوله من الرجال من يطمع أن يديل بهم من بني أمية، وحمل معه النساء حتى لكن أكثر من ~~الرجال، ولم تصده عن السير خيبة مساعيه عند القبائل، ووضوح خذلانها له؛ والتقى برجال بني ~~أمية فعرضوا عليه ما لم يحلم بالفوز به بمجهوده، فأباه وأصر على المغامرة، فوقعت الواقعة، ~~وكانت هذه المجزرة الخالدة التي لا يزال أثرها باقيا إلى اليوم. # ولم يكن الحسين مجنونا، ولا طياشا، ولا عرف عنه ما يحمل ms032 على سوء الظن بعقله ونظره، فكيف ~~هم بأمر كان من استحالته على يقين جازم؟؟ وهبه كان مخدوعا في أول الأمر فقد رأى من الإعراض ~~عنه والخذلان له، والزهد في الانتفاض على بني أمية، والخوف من بطشهم وانتقامهم، ما يدفع إلى ~~اليأس ويغري بالقعود؛ ولا يمكن أن يقال إنه كان يرجو فلاحا فما كان معه في زحفه إلا النساء ~~وإلا عشرات لا تغني، ولا يعقل أن تصبر على قتال دولة ذات بأس وصولة، وما رأى أحدا استجاب ~~لدعوته، أو أبدى استعدادا للحاق به حتى يقال إنه كان ينتظر نجدة ومددا، وهؤلاء النسوة من ~~آل بيته لم أصر على حملهن معه وزحفه بهن؟ وقد كان خليقا بعد أن رأى كيف خذلته القبائل أن ~~يشفق عليهن ويردهن ليقيهن أن يصرن إلى ما هو صائر إليه لا محالة. ألا يعذر من يذهب إلى أن ~~استصحابه لهن إلى المذبحة، إنما هو مقصودا به أن يحف المصرع الذي مضى إليه عامدا بكل ~~عوامل الاستفزاز وعناصر الإيلام المثير؟؟ # لقد ألقى بهن معه على القتل أو الإذلال والتحقير والهوان، وهن آل بيت الرسول صاحب هذا ~~الدين، فلولا أنه تعمد أن يضحي بهن معه ليقيم القيامة على بني أمية، لكان أيسر التفكير ~~كافيا لحمله على إقصائهن عما سعى إليه ووطن نفسه عليه، ولكنه نظر فرأى أن استرداد الدولة ~~من بني أمية مطلب لا سبيل إليه ولا مطمع فيه، فيئس من إمكان ذلك بالوسائل المألوفة، فقال ~~أنسف الدولة الأموية من قواعدها، وأكون أنا اللغم الذي ينفجر تحتها، فيزلزلها ويدك بنيانها، ~~ويطير أنقاضها، ويجعل عاليها سافلها؛ ولابد لذلك من أن تكون التضحية تامة. # وعلى أبشع صورة من الصور، وأرغم بني أمية على أن يقتلوني أقبح القتل، وأن يمثلوا وينكلوا ~~بي وبأهلى أشنع التمثيل والتنكيل، فيستفظع المسلمون منهم ذلك - على قرب العهد بالرسول - ~~وتضطرم نفوسهم بالموجدة والنقمة عليهم، وينقلب العالم الإسلامي بركانا يظل يفور ويغلي في ~~جوفه الحقد والبغض، ثم ينفجر فلا يبقي ولا يزر؛ وإني لميت ميت، طال الأجل أم قصر، ms033 ولخير من ~~أن أموت حتف أنفي، أن أجعل ميتتي تكلف بني أمية ملكهم كله ودولتهم أجمعها؛ ولقد خرج الأمر ~~من أيدينا وصرنا رعية لبني أمية، فإذا رضينا وقنعنا من الحياة بالطعام والشراب. وقعدنا ~~ننتظر الأجل في أوانه، ثبتت الدولة ورسخت قواعدها وإني لأعلم أنه ليس لي حول ولا قوة، ولكن ~~في وسعي أن أملأ نفوس المسلمين قيحا وصديدا من كره بني أمية، إذا بذلت دمي، وما دمي؟ وهو ~~سيجمد في عروقي يوما ما، فأولى لي أن يخضب الأرض فلا تلبث أن تنقلب جحيما عليهم؛ وما خير ~~أن اكون سبط الرسول إذا أنا لم أرج الدنيا بذلك؟ وإن الأمر لراجع إلينا لا محالة إذا أنا ~~جعلت من نفسي ومن أهلي ضحايا لبني أمية، ويجب أن يكون قتلنا استشهادا مروعا لتكون الدية ~~هذه الدولة كلها. # لهذا أصر على المغامرة، وهو على يقين من نهايتها، وأعرض عن ذكر العواقب التي كان يعرفها ~~معرفتها، ولم يكترث بخذلان من دعاهم إلى نصرته، بل اغتبط بذلك، وحمل أهل بيته ليحيق بهن كل ~~مكروه من الأذى والهوان، وليكون ما يصيبهن أبلغ في إشعار العرب هول الفجيعة، وأبى أن يجعل ~~أذنه إلى الذين أشفقوا عليه أو سعوا عنده ليترضوه ويحملوه على العدول، أو وعدوه ما شاء غير ~~الخلافة، ولم يكن يخفى عليه انه يعاند ويكابر ويتحدى الأقدار، ولكنه كان يدرك أن هول المصرع ~~الذي يسير إليه مصمما عليه سيطوي كل ذكر لما عداه، فلا يبقى إلا أن بني أمية قتلوا سبط ~~الرسول وآله، ومثلوا بهم أقبح التمثيل. # وكان يعرف أن بني أمية لابد أن يعدلوا عن محاسنته إلى المخاشنة لشدة ما يرون من عناده ~~وصلابته، إذ كان لا يسعهم أن يتركوه يحرض الناس على الخروج عليهم، بلا كابح، وقد عرضوا عليه ~~كل ما دون الخلافة فازدراه، فلم يبق مفر من رده بالقوة، كما شاء هو، وكان هو يعول في سياسته ~~هذه على إحراجهم وإكراههم على البطش به، ويتعمد على ما تدفعهم إليه لجاجته في استفزازه لهم، ~~فتطيش حلومهم، ms034 فتكون الطامة عليهم بعد أن تدور الدائرة عليه. # وقد جرى كل شيء على ما قدر ورسم، وحدث ما كان ينشد، فأسرف الأمويون في القتل والتمثيل ~~والتنكيل، كما كان يتوقع، وصدقت فراسته القوية في رجال الدولة على عهده، ولم يخب له ظن أو ~~رأي فيهم فريعت الدنيا، وهالها الأمر على ما كان قدر، وصارت كل قطرة من دمه ، وحرف من اسمه، ~~وهاتف من ذكراه، لغما في أساس الدولة الأموية. # وقد ذهبت الدولة الأموية في سبيل من غبر، وجاءت بعدها دول أخرى لحقت بها. # مضى أربع وخمسون وثلاثمائة وألف سنة، ولا تزال لذكرى مصرع الحسين هزتها الأولى في كثير من ~~البلاد الإسلامية، ومأتمه يقام كل عام في كربلاء كأنما هو لم يقتل إلا الساعة، ويموت الشيعي ~~في بغداد أو سواها فيحمل منها إلى النجف ليدفن هناك. # وأحب آل البيت إلى النفوس وأعزهم عليها هو الحسين، ولا تزال العيون تغرورق بالدمع، ~~والقلوب تخفق، والصدور تعلو وتهبط لحكاية هذا المصرع فمن كان يصدق أن الحسين فعلها عن طيش ~~أو سوء تقدير، أو تورط فإني لا أصدق إلا أنه أقدم عليها متعمدا لها. # ولو أن ميتا استطاع أن يضحك ساخرا لضحك الحسين ورأسه بين أيدي قتلته البلهاء. # ولست أعرف ميتة أخرى أبلغ أثرا في حياة الناس، ومستقبل الدول والأمم، ولا أطول منها - مع ~~عمق الأثر - عمر ذكرى. # الفصل السابع # | الجزيرة والتاريخ الإسلامي # منذ بضع سنوات - ست أو سبع - زرت الحجاز وقضيت فيه أياما أنظر وأسمع وأفكر. فرأيت أني ~~أصبحت أحسن فهما للتاريخ الإسلامي والأدب العربي وأقدر على تمثيل الصور والحقائق فيهما ~~وإدراكها على نحو لم يكن يتيسر لي من قبل ذلك ولهذا اقترحت على صديقي الأستاذ الدكتور هيكل ~~بك - لما شرع يكتب «حياة محمد» وينشرها فصولا في «السياسة الأسبوعية» أن يزور الحجاز فليس ~~أعون على كتابة التاريخ الإسلامي من ذلك. # والحجاز بلاد متحضرة ولكني مع ذلك اهتديت إلى كثير.. وسأحاول أن أتخير طائفة من الأمثلة ~~تجلو ما أعني وتبين ما أقصد إليه. فمن ذلك أني ms035 دعيت في جملة من دعوا إلى الغداء في «وادي ~~فاطمة» وهو واحة جميلة في صحراء جرداء وهناك نصبت لنا الخيام وصفت الموائد وقد وصفت ذلك كله ~~في «رحلة الحجاز» فلا أعيده هنا. ولكنه اتفق أني ذهبت أتمشى بعد الأكل مع بعض الإخوان ~~فلقينا جماعة من البدو فقال لهم أحدنا أن في السرادق آكالا طيبة كثيرة ودعاهم إلى الذهاب ~~فذهب أكثرهم وبقي واحدا تخلف معنا معتذرا بأنه «أكل البارحة» فاستغربت قوله هذا ولكني كنت ~~مثقل الرأس من كثرة ما أكلت فلم أستطع أن أجعل بالي إلى كلامه أو أن أعيره التفاتا. # ومضت السنون وجاء إلى مصر صديق من أبناء سورية جاب بلاد العرب وطوف فيها كثيرا ولا يزال ~~يؤثر المقام في الجزيرة فهو أكثر الوقت مع الملك العظيم ابن السعود. فجلسنا إليه نستمع إلى ~~حديثه الممتع ووصفه البارع لتجاربه ومشاهداته العديدة الدقيقة. وأعني به «خالد بك الحكيم» ~~فتذكرت قول ذلك البدوي في وادي فاطمة «أكلت البارحة» وقلت لنفسي أني قد وقعت على الخبير ~~لأسأله فلن أجد أدرى منه وأعرف فقال لي أن هذا معقول ولو أن البدوي قال «أكلت أول من أمس ~~فأنا لا أستطيع أن آكل اليوم» لما كان ذلك إلا طبيعيا. وذكر لي أن البدوي يذهب في الصحراء ~~ماشيا على قدميه أو راكبا ناقته وعلى رأسه العقال وتحتها اللفافة - ويسمون العقال عقالا ~~لأنه في الحقيقة حبل يعقل به البعير - ويلتف بالعباءة ويتلثم ولا يكاد ينبس بحرف فأما ~~السكون وقلة الكلام فليدخر كل ذرة من قوته للجهد الذي تتطلبه الصحراء - والكلام جهد فهو ~~إنفاق - وأما التلفف فيحتفظ برطوبة جسمه فيكون أقدر على احتمال الحر والصبر عليه. ويظل ~~ماضيا حتى يبلغ مضارب عشيرة أو قبيلة فيسقى ما يشاء من اللبن ويمضي عنها إلى سواها وكلما ~~نزل على قوم بروه وسروه وسقوه اللبن لأن مثله ليس ممن ينحر لهم القوم، ثم يتفق أن يأتي ~~قوما نحروا لضيف كريم فإذا قام الضيف وإخوانه عن الطعام أقبل على اللحم والأرز من هم دونهم ~~مقاما ms036 فيقعد الرجل ويهبر من اللحم ما شاء ومن الأرز ما أحب. قال صديقي «وصدقني حين أقول لك ~~أن هذا البدوي يأكل بضع أقات من اللحم وملء كيلة من الأرز. وهو يأكل كل هذا بعد أن لبث ~~أياما - عشرا أو عشرين أو أكثر أو أقل - لا يجد من الطعام إلا اللبن وقليلا من التمر ~~أحيانا. فإذا أكل هذا اللحم والأرز وأثقل به معدته بعد ما يشبه الصيام أو فطام النفس كظها ~~واحتاج إلى يوم كامل أو أيام للهضم». # فلم يسعني إلا أن أفكر في أمر هذا البدوي الذي يصبر على الصحراء وحياتها المرهقة ومطالبها ~~المجهدة وعنائها الشديد ولا طعام له سوى اللبن والتمر أحيانا. إن هذا جلد لا أكاد أعرف له ~~مثيلا ومن كان يحتمل هذه الخصاصة ولا يعجز مع ذلك عن مطالب الحياة التي لا رفق فيها من حرب ~~وسعي وأسفار في الفيافي المهلكة فإن مثله يعدل ولا شك ألف جندي من جنود الدولة الرومانية ~~المتخنثة. # ولا عجب إذن إذا كان بضعة آلاف من هؤلاء البدو الأشداء الخشنين المعروقين قد عصفوا بمئات ~~من الآلاف من جنود الدولة الرومانية التي كان تقيد جنودها وتصفدهم لتمنعهم أن يهربوا ~~ويفروا. # وأحببت أن أعرف قيمة الحياة فيما يحس العربي - أعني البدوي - فلم أجد لها قيمة. وما عسى ~~أن تكون قيمتها عندما لا يكاد يجد طعاما أو ماء. ومن لا يكاد يأمن غدر الصحراء وعصف ~~رياحها. أو لم نقرأ عن واقعة الخندق أن الرياح عصفت بجيش المشركين وقلبت قدورهم وهدمت ~~خيامهم حتى يئس أبو سفيان ودعا قومه إلى الانكفاء إلى مكة. وحدثني غير واحد ممن لقيت في ~~الحجاز أن المرء - بعد المعركة - يجيء إلى الواحد من هؤلاء البدو فيسأله عن صاحب له أو قريب ~~أو ابن ماذا فعل الله به ويتفق أن يكون قد قتل في المعركة فلا يزيد على أن يقول لك «بح» ~~يعني «ذبح» ولكنه يأكل الذال في النطق فلا تسمح منه إلا (بح) ثم لا دمع ولا أسف ولا حسرة ~~ولا لهفة ms037 ولا جزع ولا غير ذلك مما ألفنا أن نقرن به الموت. فكأن حياة البدوي الشاقة تفقدها ~~قيمتها وتسلب الموت لذعه وتفتر وقعه وما قيمة القتل في حرب أو نحوها والحياة معرضة للبوار ~~والتلف فى كل ساعة. # وتصور كيف يكون إقبال مثل هؤلاء البدو على الحرب وقس إليه ما عسى أن يكون من إقبال غيرهم ~~من أبناء المدنية والترف والبذخ على القتال.. إن الذي يقبل عليه البدوي ليس خيرا فيما تحس ~~نفسه من الحياة التي كان يحياها. # وإذا أضفت إلى هذا فعل العقيدة والإيمان الراسخ بحياة أخرى أطيب وأعز وأكرم فهل يستغرب ~~أحد أن هؤلاء البدو العراة الحفاة الذي لا يملكون إلا السيف والرمح والإيمان المستغرق ~~اكتسحوا دولا كبيرة وممالك عظيمة وهدموا بناء كان يبدوا شامخا. # ولست ترى في الصحراء قبرا أو صوى منصوبة تدل على أن فلانا أو علانا دفن هنا. والناس ~~يعيشون في هذه الصحراء ويموتون فيها ويفنون تحت رمالها ثم لا شيء بعد ذلك. لأنهم لا يعرفون ~~المغالاة بقيمة الحياة إذ كانت لا قيمة لهم عندها ولو أنهم اتخذوا المقابر وأعلوها ورفعوا ~~وعنوا بها وكانت عندهم مقبرة مثل مقبرة «جنوي» التي يزورها الناس ليعجبوا ببراعة الفن فيها ~~لما أمكن أن تخرج من جزيرة العرب تلك الأمة التي انحدرت على العالم المتحضر في زمانها كما ~~ينحدر السيل الجارف فأغرقته ولم تغرقه فقط ولم تفتح البلدان أو تحكمها فحسب بل قلبتها عربية ~~صرفا. # وقد استطاع الفرس أن يحتفظوا ببعض صفاتهم وخصائصهم وبروحهم القومية - كما لم يستطع ~~البيزنطيون أن يفعلوا فيما استولى العرب عليه من بلادهم - لأن الفرس كانوا أقل تخنثا من ~~البيزنطيين. # ولست مؤرخا ولكني أظن أن هذا هو السبب يضاف إليه أن البلاد التي فتحها العرب من دولة ~~الأكاسرة كانت فارسية وأهلها من الفرس على خلاف ما فتح العرب من بلاد الدولة الرومانية ~~فإنها كانت أجنبية لا رومانية ولا بيزنطية فبقاء الشعور القومي في بلاد فارس طبيعي ومعقول ~~والفتح لا يمكن أن يقتله وانعدام مثل هذا الشعور فيما فتحه ms038 العرب من أملاك الدولة الرومانية ~~معقول أيضا لأنه لم يكن هناك في الأصل. ولهذا بقيت فارس شوكة في جنب الدولة ~~العربية. # وقد زرت العراق وسورية - كما زرت الحجاز فلم أستغرب أن ينتقل مركز الثقل في الدولة ~~العربية من الحجاز إلى غيرها. فإن طبيعة الأراضي الحجازية تجعل من المستحيل عليها أن تكون ~~مقر دولة مترامية الأطراف عظيمة الرقعة نعم تستطيع بسهولة أن تحتفظ باستقلالها وعزتها ~~ولكنها لا تقوى على حكم أقطار أخرى بعيدة. # وقد بقى الحجاز مقر الدولة العربية في صدر الإسلام وعلى عهد الخلفاء الراشدين. # ولكن هذا كان زمن التوسع والامتداد لا زمن الاستقرار والنظام الدائم فلما انتهت الفتوحات ~~أو معظمها وأهمها وصارت الفتوح بعد ذلك عبارة عن توسع طبيعي لدولة مستقرة تغريها ما أنست من ~~نفسها من القوة والبأس والشوكة بالتوسع والزحف وتدفعها مقتضيات المحافظة على ما في اليد إلى ~~هذا الزحف صارت جزيرة العرب لا تصلح أن تكون هي مركز الدولة. # أما في زمن أبي بكر فقد كانت الحاجة تدعو إلى توطيد الأمر في قلب الجزيرة أولا قبل إمكان ~~التفكير في غيرها. # وأما في زمن عمر فقد كانت الجيوش تزحف فلا يعقل أن تنقل العاصمة قبل أن يستتب الأمر. نعم ~~فتحت البلاد في عهده ولكن الفتح يستدعي التمكين والتوطيد أولا. ثم إن عمر كان يشق عليه أن ~~يخرج من الجزيرة وكانت صلته بالنبي # صلى الله عليه وسلم # أوثق من أن تسمح له بترك الجزيرة حتى لو كان كل ~~شيء قد استقر وانتظم. ولم يكن قد عاش في الشام أو مصر أو العراق حتى تبدو له مزية التحول ~~بقاعدة الدولة إلى جهة أخرى. # وأما زمن علي وعثمان فقد كان زمن اضطراب ونزاع وانقسام وكان هذا حسبهما شاغلا عن إقامة ~~مركز الدولة إقامة ثابتة نهائية في مكان آخر غير الحجاز. # ولما انتهى النزاع بفوز معاوية كان قد أدرك مزية البلاد وعرف فضلها كمركز للملك ومقر ~~للدولة التي شادها بفضل ما تولى منها في الفترة السابقة. # وبلاء جزيرة العرب أنها مجدبة ms039 قاحلة فإذا امتدت لها رقعة الملك أسرع أهلها إلى التحول ~~عنها إلى غيرها لأن الحياة في غيرها تكون أرغد والعيش أطيب. والمرء يحن إلى الراحة والدعة ~~مهما بلغ من اعتياده الخشونة والمشقة والشظف. # وفرق بين هجرة تدعو إليها كثرة السكان وهجرة تدعو إليها الفاقة والمحل. ولابد لبلاد تريد ~~أن تكون مقر دولة كبيرة أن تكون هي ذات موارد كافية إلى حد ما. # ولهذا لم يكد العرب يفتحون الأمصار المجاورة حتى كثرت هجرتهم إليها طلبا لرغد العيش ~~والراحة ومن ألف التنقل وكثرة الرحيل من ناحية إلى أخرى انتجاعا للرزق لم تشق عليه الهجرة ~~إلى بلاد بعيدة لأنه لا يزال أبدا مهاجرا في قلب بلاده. # وما دامت الدولة واحدة في الحجاز ومصر والشام والعراق فأخلق بهذا أن يكون مشجعا على ~~الهجرة ومستحثا على النزوح. وبذلك صارت الجزيرة أخلى من الناس وأقل صلاحا لأن تكون مركز ~~الدائرة ومقر الدولة. وقد تغير حال الجزيرة في المستقبل وقد ظهر فيها موارد طبيعية تغنيها ~~ولكنها محل أرضها عقبة في سبيل الحياة ومهما يبلغ من غناها في المستقبل فإنها ستظل أحوج إلى ~~غيرها من غيرها إليها - إلى حد بعيد - على أن كلامنا على الماضي الذي لم يكن يعرف البترول ~~والمعادن وما إلى ذلك مما جد في الدنيا لا على المستقبل الذي هو غيب. # الفصل الثامن # | الرأي العام المصري # أرجو أن تأذنوا لي قبل الدخول في الموضوع. في كلمة شكر وجيزة أتوجه بها إلى قسم الخدمة ~~العامة بالجامعة الأمريكية على اختياري لهذا البحث. فإنه مظهر ثقة. ولأنا أولى في الحقيقة ~~بلوم قسم الخدمة والعتب عليه لزجه بي في هذا المأزق الذي لا يعلم إلا الله كيف أخرج منه ~~ولكن عادة هذا الورى جرت بتبادل الشكر لا اللوم على الملأ. وإن كانت النفوس محرجة. # وشكري بعد ذلك لحضراتكم على ما تجشمتم من عناء الحضور. وما تتجشمون من عناء الإصغاء إلى ~~كلام قد لا يكون وراءه محصور. ولعل غير ذلك كان أجدى عليكم وأعود بالفائدة. أو على الأقل ~~بالمتعة. # ولا ms040 مندوحة لي عن شكر محطة الإذاعة على ما أبدت من رغبة في إذاعة هذا البحث. وما أعرف ~~لرغبتها هذه من داع. ولست بمغتبط لذلك. فإن إذاعة الحديث معناه زيادة الحرج الذي أنا فيه. ~~وقد كان حسبي حضراتكم تسمعون. وتغضون وتتجاوزون فيما أرجو عن التقصير أو الإخفاق فالآن ماذا ~~يبلغ من أملي في تسامح السامعين في الشرق والغرب والشمال والجنوب؟ على أني غير قانط من رحمة ~~الله. فإن المألوف والمعهود أن ينصرف الناس أو معظمهم عن الراديو إذا كان ما يذيعه حديثا. ~~والله المسئول أن يلهم الناس ذلك في ليلتنا هذه. ~~••• # ولابد من تنبيه استهل به الكلام: هو أني أهملت الجانب السياسي في بحثي هذا. وأنا أول من ~~يعترف أن هذا نقص. وأنه يضيق مجال الكلام. ويأخذ على الباحث متوجها رحيبا كان يستطيع أن ~~يركض فيه ركضا طويلا. ولكنا في زمن الحرب. وللحرب مقتضياتها التي لا مفر منها، ولا حيلة ~~فيها ولا فائدة من محاولة تجاهلها. والحرب عرض أو مرض إذا شئتم. يعتري الأمم ويقلب الأوضاع ~~فيها. ويعكس الآيات كلها. فهي حالة لا يقاس عليها لأنها الشذوذ والاستثناء وفترات تمر. ~~وتترك أثرها ولا شك. ولكن المعول على حياة الأمم في أزمنة السلام وحياة الأفراد في أوقات ~~الصحة. وإن كان الحرب. أو العلة قد أورثتها ما لا يخفى ولا يتعذر رده إلى أسبابه. في الأغلب ~~والعم. من الآراء والاتجاهات وغير ذلك. # والذي فهمته من العنوان الذي اختاره قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية. وهو «الرأي ~~العام المصري» هو أن المراد بيان خصائص هذا الرأي العام. وما يتميز به. # وليس الجانب السياسي إلا مظهرا يتخذه الرأي العام. في حالات وأوقات معينة. والمظهر شيء ~~والخصائص شيء آخر. والعبرة بالخصائص التي تجعل هذه المظاهر ممكنة. كالثمرة تخرجها الشجرة ~~وتطرحها. ولا سبيل إلى ثمرة بغير شجرة. وقد تطيب الثمرة أو لا تطيب. والمرجع في ذلك إلى ~~الشجرة. وإذا أردت أن تجعل الثمرة أطيب وأنضج وأحلى. فإن عليك أن تعالج الشجرة. لا ~~الثمرة. # من أجل هذا لا أرى ms041 أن إهمالنا الجانب السياسي للرأي العام في مصر. وفي زمن الحرب. يضير ~~البحث. وإن كان لا ريب في أنه يترك الحلبة أقل سعة. ~~••• # وقد سبقني إلى الكلام عن الرأي العام وبيان حقيقته والعناصر التي يتكون منها أستاذان ~~جليلان هما الدكتور إبراهيم بيومي مدكور. والدكتور محمد مظهر سعيد. ولكنه فاتني لسوء حظي أن ~~أسمع محاضرتيهما لعوائق لم تكن لي في تخطيها أو تذليلها حيلة. وكان بحثهما خليقا أن يكون ~~عونا كبيرا لي. ولكني حرمته فلم يبق لي إلا أن أتوكل على الله وأسأله أن يستر ضعفي ~~وقصوري. # سئل بعضهم عن الرأي العام وما هو؟ فكان الجواب أنه الناس جميعا ما عدانا نحن - أي ~~المتكلم والمخاطب. # وهذا الجواب يشي بالرغبة في التظاهر بالاستخفاف بما يسمى الرأي العام. وقد قلت «التظاهر ~~بالاستخفاف» لأن الحقيقة - على قدر ما أعلم - هي أنه ما من أحد في أطواء ضميره يستخف أو يرى ~~من حقه أن يستخف بقوة الرأي العام وإن تظاهر بخلاف ذلك. ولعل أصح التعبيرين أن نقول إن جواب ~~صاحبنا مظهر للرغبة الطبيعية في التميز. أي الخروج من العموم. والدخول في الخصوص. فإن كل ~~إنسان يشتهي أن يعد منفردا بمزية تبوئه مرتبة خاصة، وتسلكه مع القليلين المتفوقين وترفعه ~~عن طبقة الأكثرين العاديين أي الأوساط. # ولجواب صاحبنا على الرغم مما انطوى عليه. وجه صحيح. هو أن الرأي العام هو رأي الكثرة من ~~الناس. أو الجمهور. أو الجماعة الكبيرة ولكنه ليس رأي الفرد الذي ينتهي إليه فيما بينه وبين ~~نفسه. أو الذي يقتنع به ويذهب إليه بعد البحث مع واحد أو اثنين أو عدد قليل محدود من ~~الناس. # وعسى أن يسأل سائل: هل معنى هذا أن رأي الفرد وهو وحده فى أمر ما. يخالف رأيه حين يكون في ~~جماعة كبيرة؟ وهل وجوده في جماعة كبيرة يدفعه إلى غير ما كان خليقا أن يذهب إليه وهو خال ~~بنفسه؟ # وجوابي أن أسوق عبارة للباحث المشهور ماكس نورداو. بمعناها لا بلفظها. وهي من فصل له في ~~كتابه «الأكاذيب المقررة في ms042 المدينة الحاضرة» وفي هذا الفصل يتكلم عن المجالس النيابية ~~وجدواها - وقد فرض أن مجلسا نيابيا كل أعضائه من طبقة العظماء والعباقرة في كل باب. مثل ~~شكسبير. وبيكون. وجوتيه. وكانت. وداروين. وبيتهوفن. ونابليون. والإسكندر الأكبر. وهرمر. ~~وسقراط. وأفلاطون. وأرسطو. وأضراب هؤلاء من جميع الأمم والعصور. # وقال لنفرض أن خمسمائة من هذه الطبقة التي لم تنجب الإنسانية أرفع منها . اجتمعوا في صعيد ~~واحد. فماذا تكون النتيجة؟ وقال في جواب ذلك أن كل واحد من هؤلاء العظماء الذي يعي الزمان ~~مكان أندادهم. ينفرد بمزية. ويشبه الآخرين فيما عدا ذلك. مما يعد صفات أو طباعا إنسانية ~~عامة مشتركة. فلشكسبير شاعريته. ولكانت فلسفته. لبيتهوفن نبوغه في الموسيقى. وللإسكندر ~~عبقريته الحربية. وكل واحد من هذه المزايا أو المواهب قائمة بنفسها مستقلة عما عداها. لا ~~تشبه الأخريات لا تماثلها أو تقاربها أو تأتلف معها. ولكن هؤلاء جميعا على تفاوت مواهبهم. ~~خلق واحد فطرته واحدة. فإذا رمزنا إلى العنصر الإنساني المشترك بحرف «ع» وإلى كل موهبة ~~ينفرد بها واحد منهم ويتميز بحرف خاص مستقل. اجتمع عندنا خمسمائة «ع» وألف واحدة وباء واحدة ~~وجيم واحدة وهكذا. القاعدة الحسابية التي تعلمناها في المدارس هي أن المختلفات لا تجمع ~~لأنها لا تأتلف. وإنما يجمع ما هو من نوع واحد. وكما أنك لا تستطيع أن تقول عندي خمس ~~برتقالات. إذا كان عندك برتقالة واحدة وتفاحة واحدة إلى آخره. كذلك لا تستطيع أن تجمع هذه ~~المواهب المتفاوتة. فالنتيجة إذن هي أن خمسمائة عين مجتمعة. مؤتلفة. تتكون منه كتلة أو قوة ~~تقابل وتواجه وتقاوم مواهب متنافرة لا تتساير. ولا تتعاون. ولا تتجمع. ولا تتآلف منها قوة ~~واحدة متآزرة. ومؤدى هذا أن العنصر الإنساني المشترك بين هؤلاء العظماء المحشودين يتغلب ~~بقدرته على الائتلاف على المواهب المتفرقة المختلفة التي يتميز بها كل منهم. فلا يبقى لهذه ~~المواهب فعل أو تأثير فيما يسفر عنه اجتماعهم من رأي. وإنما يكون الفعل والأثر والعامل ~~الإنساني المشترك ولا داعي إلى مسايرة ماكس نورداو إلى غايته وهى أنه لا فرق بين ms043 مجلس نيابى ~~من الأوساط العاديين ومجلس آخر من العظماء إذا اعتبرنا النتيجة وهذا بحث آخر لا يعنينا هنا ~~فلا نستطرد معه إليه. وحسبا الحقيقة الثابتة وهي أن الجماعة تتأثر بقوة العوامل الإنسانية ~~المشتركة لا بالمزايا والمواهب الفردية. لأن هذه لكونها مفردة لا تستطيع أن تقاوم ما اجتمع ~~من تلك. ومن هنا ما يسمونه روح الجماعة وقد لا يرضى الفرد عنها وهو بمعزل. ولكنه وهو في ~~الجماعة ينساق معها عن رضى واختيار أو بقوة اندفاع التيار الذي لا يملك وحده صده. # ويجوز لنا الآن أن نقول أن الرأي العام هو مظهر روح الجماعة لا روح أفرادها كل على حدة. ~~أو هو التيار الذي تحدثه الخصائص المشتركة بين الشعب. وقد لا يكون هذا تعريفا علميا مضبوط ~~الحدود. وما أظن أن في الوسع تعريف الرأي العام على وجه الدقة. ولكني أظن أن ما وصفته به، ~~وإن خلا من الدقة والإحكام، كاف في التعريف به وبيان المقصود منه. # وأعود إلى جواب من سئل عن الرأي العام فقال أنه الناس جميعا ما عدانا. فأقول إنه لا سبيل ~~إلى إسقاط هذا الرأي العام من الحساب لأنه يسيرنا برغمنا ما دمنا مخلوقات اجتماعية بالطبع. ~~وليس في وسع أحد أن يحيا في عزلة تامة. ومهما بلغ من استقلال الفرد فإنه مضطر أن يحسب لهذا ~~الرأي العام حسابه. في كل ما يصدر عنه من قول أو عمل. وليكن المرء منا أديبا أو سياسيا. ~~أو محاميا. أو طبيبا. أو معلما. أو عالما. فإن للرأي العام حسابه عنده. سواء اعترف بذلك ~~أم أنكره وكابر فيه. # وليس من الضروري أن يكون الرأي العام مخطئا في كل حال. أو مصيبا في كل حال. فإنه يخطئ ~~ويصيب. ويضل ويهتدي. ولا ضابط لهذا ولا قاعدة. ولكنه، أخطأ أم أصاب، يفرض علينا اتجاهات ~~عامة يتعذر التعرج عنها. ولا معدى لنا عن مراعاتها إلى حد ما إذا أردنا أن تكون حياتنا ~~محتملة. ودع عنك النجاح فإن رضى الرأي العام شرط له ولا سبيل إليه بغيره. # والآن نستطيع ms044 أن نقول كلمة في رأينا العام المصري. فكيف هو. وما هي خصائصه؟ # وأبدأ فأقول أن خصائص الشعوب معظمها موروث. وليس في وسع شعب أن يتخلص من أثر التاريخ ~~والعقائد والتقاليد التي يتلقاها جيل عن جيل وما خلفته في نفسه أطوار الحكم المختلفة التي ~~تعاقبت عليه ولا شك أن للتعليم والتربية أثرهما في التهذيب والصقل. ولكن الصقل لا يغير ~~الأصل ولا يعدل بالطباع عن متوجهها. # والذي يعرف المصريين معرفتهم يستطيع أن يفطن إلى اتجاه الرأي العام في كل حال فلا تخطئ ~~فراسته. وهذا كلام يصدق على كل أمة في الحقيقة. ومن أجل هذا نرى كثيرين يستطيعون أن يعرفوا ~~سلفا هل يقبل الرأي العام هذا الأمر أو لا يقبله. وماذا عسى أن يكون مبلغ رضاه عنه أو ~~تسامحه فيه. # والمصري بطبيعته لين العريكة. شديد التسامح. طويل الأناة عظيم الصبر. ولكن فيه عنادا ~~شديدا. ولجاجة قوية فيما يأخذ فيه. وله قدرة عجيبة الاحتمال. وفيه فكاهة يركب بها كل شيء ~~وروح فتية وإيمان عميق. وسوء ظن تركته في نفسه وكادت تطبعه عليه. حقب طويلة من الحكم الظالم ~~المتعسف. # وليس في الوسع بطبيعة الحال أن يرتب الإنسان الخصائص القوية على نحو ما ترتب الكتب على ~~رفوفها. فإنها تتزاوج وتتفاعل ويتسرب بعضها في بعض كما تتسرب الموجة في الموجة. ويكون أثر ~~بعضها أوضح وأبز في حالات منه في حالات أخرى. ولن أعتقد أن ما ذكرته من الخصائص الكبرى هو ~~أبز ما يتميز به المصريون ويختلفون به عن غيرهم من الشعوب ولست تعدم هذه الصفات في أمم أخرى ~~ولكنها في المصريين معرقة في القدم. # وعناد المصريين وقدرتهم على الاحتمال إلى حد حمل البعض على وصفهم بالبلادة. وعادتهم في ~~تهوين الأمور بالفكاهة. وركوب ما يكرهون بها - هذا فيما أعتقد هو الذي حماهم أن يندمجوا في ~~الأمم الأخرى التي فتحت بلادهم وحكمتهم أزمنة مديدة. وصان عليهم شخصيتهم. بل أفنى فيهم ~~الأمم الفاتحة. وذلك على الرغم من عظم تسامحه وفرط اللين في عريكته. # ونستطيع أن نقول أنه لا تناقض هنا. ms045 فإن شدة تسامحه مرجعها إلى شعوره الباطن بقوته الكامنة ~~وقدرته على المقاومة إلى ما شاء الله بغير عناء. ولين عريكته راجع إلى الذكاء الفطري الذي ~~يحول دون المغالاة بشيء. ويعين على أخذ الأمور مأخذا سهلا وركوب الحياة بالفكاهة يوسع ~~الصدر ويهون الأمور وييسر الاحتمال. ومتى أطلقت على عدوك نكتة تجعله موضع استهزاء ومضغة في ~~الأفواه فإنك تشعر له باستخفاف ولا تشعر بغضب يحتدم ويدفعك إلى النزق والعمل الأخرق. # ومن هنا نرى الرأي العام المصري يظهر بعاطفته - أي بالإعجاب أو الحب. أو المقت والنفور. ~~أو الاحترام أو الاحتقار - وبحكمه على الأمور ورأيه فيها أكثر مما يظهر بعمله. أي أن الرأي ~~العام المصري يجترئ في الأغلب والأعم بالعاطفة يظهرها. والرأي يبديه. والحكم يتجلى من موقفه ~~ويندر جدا أن يجاوز ذلك إلى فعل يفعله. # وقلما تتغير عاطفته. لأنه يألفها ويحبها. ولأنه ينفر من التحول عما اعتاد كما يدل على ذلك ~~تاريخه الطويل الحافل. ويصعب أني يغير رأيه لهذا. لأن فيه كما أسلفت عنادا ولجاجة. ثم لأنه ~~سيء الظن يتلقى كل جديد أو طارئ بنظرة المستريب غير المطمئن. # وقد قيل فيه أنه سريع النسيان. وقد يكون هذا من التسامح. أو لعله من الإهمال أو الجهل. أو ~~لأنه يشغل بالحاضر عن الماضي. على أني أشك في نسيانه وأرد ما يبدو من ذلك إلى الكسل العقلي. ~~وعسى أن تكون التربية القويمة كافية في علاج ذلك. # وتمتاز سيرة المصري بعمق إيمانه بالقضاء والقدر. وقد طوفت في بلاد كثيرة. وخالطت أقواما ~~كثيرين من غير المصريين فلم أر مثل إيمان المصري بالقضاء والقدر. وأحسب أن هذا هو الذي ~~يكسبه هذا الجلد الذي لا نظير له. ويحمي صبره أن ينفد. ويهون عليه كل ما يعاني ويعينه أيضا ~~على التغلب على ما يكره. # وفكاهته مضرب المثل في البراعة وإصابة المحز وفي سرعة الخاطر بها. ولا أظن أن بي حاجة إلى ~~كلام في هذا. وما أكثر ما محا المصريون أثر عمل. بل ضيعوا رجالا بنكتة. والفكاهة كما ~~تعلمون مظهر لصحة الإدراك. ودقة ms046 الفطنة. ولتعدد جوانب النفس. وكثير من فكاهة المصريين لفظي. ~~أي أن مداره على اللعب بالألفاظ المتشابهة أو المقاربة ولكن كثيرا منها معنوي. ينفذ إلى ~~الصميم. ومن ولع المصريين بالفكاهة أنهم اتخذوا من النكتة فنا. وكانوا يتساجلون فيها. ~~ويتبارون وكانوا يعقدون لذلك حلقات. وأكثر ما كانت تشاهد في هذه المساجلات في الأفراح التي ~~كانت تقام في الجيل الماضي . ولا تزال لهذا بقية في الأرياف. وقد انحط هذا الضرب من النكتة ~~حتى صار محفوظا لا فضل فيه للابتكار أو سرعة الخاطر وحضور الذهن. ولكن النكتة المصرية ~~ارتقت بعد أن خرجت من هذا النطاق التقليدي. وعادت من وحي الفطرة وإلهام السجية. ومن اشتهار ~~المصريين بالفكاهة قال فيهم قائل إنه لو كانت الحرب بالنكتة لفتح المصريون لندن. # والفكاهة المصرية مظهر لروح الفن الأصيلة العريقة في المصريين. وقد ينكر البعض أن ~~المصريين مطبوعون على روح الفن. لقلة ما يرون من مظاهرها في عصرنا هذا. ولكنك لا تستطيع أن ~~تنكر على مصر. روح الفن وهذه آثار أجدادهم الأقدمين مازالت قائمة. وليس من المعقول أن ينعدم ~~روح الفن في أمة هذه براعات أسلافها الباقية على الزمن. # وتأمل طرب المصريين للغناء. وكيف يستخفه الصوت الشجي والشدو الجيد والإيقاع الحسن. بل ~~تأمل كيف يؤثر الأصوات المرتجلة على الأصوات المصونة المعدة. ويفضل المغنى الذي يستطيع أن ~~ينتقل من نغمة إلى نغمة على البديهة. وارتجالا. أليس هذا من روح الفن التي طبع عليها ~~المصريون؟ وليس معنى هذا أن غير المصريين لا يطربون. فإن هذا يكون هراء. ولكن حب المصريين ~~للارتجال وتفضيلهم ذلك على الأصوات المحضرة التي يلتزمها المغني ويتقيد بها ولا يخرج عنها. ~~دليل على ما أذهب إليه من انطباعهم على روح الفن. # وقد يعلل تفضيل الارتجال بأن الموسيقى مازالت عندهم فنا لم يرتق إلى مرتبة العلم المضبوط ~~كما صارت في الغرب على قول أهل العلم بذلك وقد يكون هذا صحيحا أو غير صحيح فما أدري. فإن ~~مبلغ علمي بالموسيقى أن أسمع فأطرب. ولكن الذي أعلمه أن موسيقانا وإن كانت لا ms047 تزال فنا ~~مضبوطة القواعد والأصول وليست فوضى. وإني. على جهلي. أشك في أن تستطيع الموسيقى أن تصبح ~~علما محكما كالحساب والجبر أو أن تحتفظ بقيمتها الفنية ووقعها البالغ في النفس إذا خرجت ~~من الفنون وانتظمت في سلك العلوم من أمثال الكيمياء والطبيعة وما إلى ذلك. # وقد تكون مظاهر الفن في حياة المصريين قليلة ولكن هذا من الجهل والفاقة. والعبرة على كل ~~حال ليست بما عسى أن أقتنى في بيتي من صور وتحف وأنسق هنا وهناك من زهر وورد، وأقتني من ~~أثاث جميل فقد يتيسر لي كل هذا إذا كنت صاحب مال. ولا يكون هذا دليلا على إدراكي لقيمتها ~~الفنية. والعبرة بالإدراك والشعور ونزعة النفس. وقد تكون من مظاهر ذلك ساذجة أو في نطاق ~~ضيق. غير أن الذي عليه المعول هو وجود الإدراك وحصول الشعور. أما المظاهر فقد تكون راجعة ~~إلى الطاقة والقدرة. # وكل هذا يبدو أثره في الرأي العام. لأن الرأي العام مرجعه إلى الخصائص القومية والمزاج ~~الذي هو أغلب. # وقد لوحظ على رأينا العام أنه طويل اللسان. ولست أرى هذا مستغربا أو بدعا. فإن مثله ~~يمكن أن يقال في كل رأي عام آخر. ولطول اللسان خير من طول اليد. على أن الأمر طبيعي لأن ~~الجماعة أجرأ. والمعهود أن الجماعة تكون أيضا أحط مستوى من الفرد. وفي كل أمة أفراد ~~ممتازون بسمو الأخلاق والآداب وعلو النزعة. والأفراد هم الذين يرتقون بالجماعات. وليست ~~الجماعات هي التي ترتقي بالأفراد. # وقد يكون هذا البحث غير ما كنتم تتوقعون. ولكن الحقيقة أن الرأي العام ليس شيئا ماديا ~~تستطيع أن تتناوله وترفعه قبل العيون وتديره أمامها وتعرض جوانبه عليها. وإنما هو تيارات من ~~العواطف والآراء تصدر عن الخصائص التي فطرت عليها الأمة أو اكتسبتها على الزمن. وتؤثر ~~بمجردها أو بما تدفع إليه من عمل. وأرجو أن لا أكون قد أخطأت خطأ كبير حين حاولت أن أرد ~~الرأي العام المصري إلى هذه الخصائص. ولا أستطيع أن أدعي أن هذه هي كل خصائص المصريين من ~~موروثة ومكتسبة ms048 فإن الإحاطة عسيرة والاستقصاء شاق ولكنها حسبنا كمثال يقاس عليه. # وأرجو أن لا أكون قد أمللتكم جدا. وإن كنت أخشى. وشكرا لكم على الصبر وسعة ~~الصدر. # الفصل التاسع # | مبادئ عامة في النقد # ما أظن بالقارئ إلا أنه سيستغرب أن أقول أن الأصل أن يذم الإنسان أخاه ويعيبه بما فيه من ~~نقص لا أن يمدحه ويثني عليه، ولكن قولي هذا لا غلو فيه ولا وجه لاستغرابه لأن النقص حاصل ~~ومسلم مفروغ منه، وكل ما تقوم عليه نظم الجماعات الإنسانية على اختلافها وتفاوتها ليس إلا ~~وسائل لعلاج هذا النقص في الإنسان. # فالمدارس والسجون والقوانين والشرائع والعادات والتقاليد والمساجد والكنائس، إلى آخر ما ~~هنالك غايتها العلاج وقد صدق ابن الرومي حين قال: # والناس إن فكرت من طينة # يصدق في الثلب لها الثالب # لولا علاج الناس أخلاقهم # لفاح منا الحمأ اللازب # ولو اختار كلمة غير «الأخلاق» أعم منها وأشمل لكان قوله أجمع وأوعى، على أني لا أستقلها ~~مع ذلك ولا أراها من الضيق بحيث لا تغني فإن أخلاق الناس مصدر كل ما يكون من أحوالهم ~~وأعمالهم ففيها الكفاية ونحن نقتنع من الشعراء بما دون ذلك ونكتفي منهم باللمحات الدالة، لا ~~لقصور خاص فيهم بل لأنهم يلزمون أنفسهم من القيود ما لا يلتزم غيرهم فليس عجبا أن يعيوا ~~أحيانا بالتعبير وأن يجيء اللفظ أقصر من المعنى قليلا والمعنى أكبر وأضخم من اللفظ الذي ~~يكتسبه ويحاول أن يتبدى فيه. # وأنا أعرف هذا معرفة، فقد كنت أعالج النظم قديما، فأطار عقلي وسود عيشي، ما كنت أعانيه ~~من مشقة الأداء الوافي الدقيق، وما كنت أحس به من العجز عن التعبير الصحيح وما كنت أراني ~~أقع فيه من اللغو والحشو والتزيد الفارغ ولهذا كففت وتبت إلى الله أو رشدت إذا شئت، فما ~~تنقص الإنسان في حياته القيود العارقة حتى يضيف إليها قيود الوزن والقافية، فليعذر الناس ~~الشعراء فإنهم بشر مساكين وليغضوا عن تقصيرهم فإنه اضطرارا، وليكبروا توفيقهم فإنه والله ~~اقتدار. # وأهون شيء أن يبسط المرء لسانه فيما شاء بما ms049 شاء. ولكن المزية ليست في إرسال اللسان ~~بالانتقاص والغض، فما في هذا مجهود من العقل أو النفس يتكلفه المرء وإنما المزية أن يفكر، ~~ويتدبر ويقيس ويوازن، ويعدل، ويكبح نفسه عما يغريه به أول الخاطر، ويصدها عما يدفعها إليه ~~الهوى. # والرجل الذي يجري مع أول الخاطر ويطيع في كل حال ما تهيب به غرائزه ونوازعه الفطرية هو ~~رجل لا مهذب ولا مصقول ولا مثقف ولا انتفاع للدنيا به ولا خير للناس فيه. # وسبيل المدنية أو الثقافة أن تتناول الغرائز الفطرية أو النزعات الطبيعية فتدفعها في مجار ~~تحبسها عن الانسياح، وتمنعها أن تتبدد سدى وتوجهها وجه الخير العام أي أنها تقيم الضوابط، ~~وترفع الأحباس والسدود لينتظم التدفق على قدر ويعظم الانتفاع ويتقي شر التحدر بغير كابح، أي ~~الفوضى. مثال ذلك أن الحب هو الذي يغري الرجل بطلب المرأة، والمرأة بطلب الرجل، والغاية منه ~~حفظ النوع. فهو الأداة التي تحرك النفس وتثير فيها الرغبة أو الاشتهاء. فإذا لم يكن ثم نظام ~~كابح فإن كل رجل يكون لكل امرأة، بلا حساب أو تمييز، ويكون الأمر مرجعه إلى القوة في صورة ~~من صورها المتعددة - قوة الساعد أو قوة الحيلة وما أشبه ذلك، وهذا حال الجماعات المستوحشة ~~أي التي لا تزال على الفطرة. ولكن الإنسان ارتقى قليلا وارتفع عن هذه المرتبة الفطرية، ~~فنشأ نظام الزواج والأصل فيه أنه يقوم على الحب. وأن الغرض منه هو تنظيم الجماعة. وتدبير ~~أمر النسل لخيرها كلها. # والكبح يتطلب مجهودا لأنه لا يتأتى بغير ذلك، إذا كان الإنسان غير مهذب بالطبع، وآية ذلك ~~الطفل فإنه - إذا لم نتعهده بالتربية والتوجيه لا يبالي ماذا يصنع مما نعده نحن الكبار سوء ~~أدب ولا يخطر له أن فيما يفعل أو يترك شيئا يعاب أو لا يليق. # وأنت بتربيته تعوده شيئا فشيئا أن يبذل جهدا من ذات نفسه ومن عقله الذي ينمو تدريجيا، ~~ليتأدب ويحسن سلوكه وتطيب سيرته فالأصل في الإنسان أنه على الفطرة. كالشجرة أو كالحيوان ~~والانتفاع قليل بما هو على الفطرة، وإنما يريد ms050 النفع ويبلغ أقصاه بالتعهد والرعاية، والشجرة ~~المهملة تهيج، ولكنها لا تؤتي كل ما يمكن أن تؤتي من ثمر إلا بالتقليم والتشذيب والتطعيم ~~والتسميد والسقي وما إلى ذلك، ومثلها الإنسان يقل خيره وينحط إذا ترك وأهمل، ولأنه يبقى قوة ~~طائشة والفضيلة والمزية أن تعالج هذه القوة وتنظم وتوجه ليحسن الانتفاع بها ويعظم. # فالكبح إذن مزية، وليس مجرد قيد يتململ منه الإنسان ويستثقله وأجيلوا عيونكم في الأمم ~~تجدوا أن أرقاها وأقواها وأعظمها شأنا، أكثرها نظاما، وأشدها حرصا على النظام في كل ~~شيء. # وكل نظام قيد، ولكنه قيد لازم لخير الجماعة وليس عبثا أو تحكما أو ظلما. # وأعود الآن إلى موضوع النقد فأقول أن النقد مفروض فيه أن الناقد ند للمنقود وكفء له، على ~~الأقل، فعلى الذي يهم بنقد كتاب أو غيره أن يسأل نفسه. أهو كفء لهذا؟ هل أوتي من العلم ~~والفضل والمزية ما يؤهله لتناول الكتاب أو الناس بالنقد؟ # وقد أوتي كل امرئ حظا كافيا وافيا من الغرور وما أكثر ما يكون نصيبه منه فوق الكفاية ~~ولولا الغرور لضاق المرء ذرعا بالحياة ولما أطاق العيش، فهو نعمة على الإنسان ولكنها نعمة ~~تنقلب نقمة إذا لم يكن لها كابح من العقل وصحة الإدراك. # فعلى الذي يريد النقد أن يصدق نفسه، فإن صدق النفس أولى وأحجى، لو يهون، وما أراه مع ~~الأسف يهون، غير أنه إذا جاز أن يغالط المرء الناس، فإن من الغفلة وسوء الرأي وضلال العقل ~~أن يغالط نفسه، ولا ينبغي أن يشعر المرء بغضاضة إذا هو صدق نفسه فإن معرفة المرء بمواطن ~~النقص والقصور في نفسه، خليقة أن تستحث همته وتدفعه إلى تقوية الضعف، وسد النقص ومعالجة ~~القصور، وذلك خير وأرشد من الاغترار والاستنكاف من الإقرار لنفسه بالضعف فيبقى كما هو، بل ~~يزداد كل يوم قصورا. # والنقد عبارة عن رفع ميزان، والميزان ذو كفتين، في واحدة يوضع الإحسان وفي الأخرى توضع ~~الإساءة أو التقصير أو ما يجري هذا المجرى. والكفة الراجحة هي التي يكون لها الحكم فإذا ~~شالت كفة النقص ms051 كان الرجل فاضلا أو محسنا أو مجيدا وإذا رجحت كفة التقصير هوى صاحبها ~~معها. # ومؤدى ذلك أن قيمة الكتاب مرجعها إلى قيمة ما فيه من الإجادة وكذلك قيم الناس. فليس من ~~العدل أن ننظر إلى العيب أو المأخذ وحده. وأن نقول أن هذا رجل سوء أو هذا كتاب رديء. لأنه ~~فيه كذا وكذا من العيوب فما أوتي الإنسان الكمال وقد يؤتاه بعد أدهار أخرى طويلة. ولكنه لم ~~يرزقه إلى الآن، وما من كتاب إنساني يخلو من مأخذ أو مآخذ، فمن العنت أن نتعلق بالعيوب وإن ~~كثرت، دون الحسنات، ومن الغرور القبيح أن نقول أساء الرجل في فعله أو كتابه وأن نغضي عما ~~أجاد فيه ووفق إليه، ووجه الغرور هنا أننا نزعم ضمنا أننا نحن لا يمكن أن نقع في خطأ، أو ~~أن نرتكب فعلا مذموما أو معيبا وأننا ننحل أنفسنا قدرا من الفضل لا يتاح ~~للإنسان. # ومن مقتضيات العدل في النقد أن يضع الناقد نفسه في موضع المنقود، وأن يسأل نفسه ويخلص في ~~الجواب «ماذا كنت خليقا أن أصنع لو كنت مكانه وماذا كان يسعني أن أكتب في هذا الموضوع لو ~~تناولته أنا؟» # جاءني ذات يوم شاب فانتقلنا من بحث إلى بحث حتى خضنا في حديث شكسبير الشاعر الإنجليزي ~~فقال إن رواياته مأخوذة من قصص قديمة. فقلت «هذا صحيح والأصح أن نقول معظمها وأهمها، ولكن ~~ماذا تعني، قال أعني أن فضله قليل فيما أخرج فلو لم تكن هذه القصص القديمة لما كان ~~شكسبير». # قلت إني كبير الشك في هذه النظرية، وعندي أنه لو لم يجد شكسبير هذه القصص لابتكر غيرها أو ~~لانتزع مادة لقصصه من الحياة حوله. ولكن دع هذا الآن وأنا أشير عليك أن تأخذ قصة من هذه ~~القصص القديمة التي انتفع بها شكسبير، وأن تدرس أيضا روايته فيها. وأن تضع الاثنين معا ~~أمامك. # وتحاول أنت أن تكتب رواية تبنيها على هاتين شعرا أو نثرا كما تشاء أو حتى باللغة ~~العامية إذا أردت، وانظر ماذا يدخل في وسعك وحينئذ ms052 تعرف فضل شكسبير وتستطيع أن تقدر ~~عبقريته. # إن النقد النافع هو الذي يتوخى فيه صاحبه القصد والاعتدال. والاعتدال واجب في كل أمر، ~~ولكنه في النقد أوجب، فيحسن بمن يزاول النقد أو يبدو له ما يغري به أن ينام على الرأي الذي ~~يعن له ليلة أو ليلتين. ويديره في نفسه يوما أو يومين قبل أن يجري به لسانه أو قلمه. فإن ~~النفس تسكن والوجوه تتفتح، والغوامض أو الخافيات تتبدى والراسب يطفو والغائب يحضر. والرأي ~~في النهاية يكون أقرب إلى الاتزان وأشبه بالعدل. # وقد علمتني تجربتي الطويلة أن أنام هذا النوم ليلة وليالي على كل ما يخطر لي من قول أو ~~فعل وكثيرا ما رأيتني أعدل عما كنت هممت به. # والسؤال الذي ينبغي أن يلقيه المرء على نفسه وهو يتدبر كتابا هو هذا. ما هي الفائدة ~~المباشرة التي خرجت بها من لغة أو فكرة، أو معنى، أو حقيقة أو ما هو من ذلك بسبيل. # ومن الإنصاف للكاتب أن لا نبخل عليه بالاعتراف بما أفدنا منه، إذا كنا أفدنا شيئا ولو ~~قليلا. # على أنه قد يتفق أن لا يكون في الكتاب ما يستفيده القارئ مباشرة فلا يخرج منه جديدا أو ~~معرفة طريفة أو فائدة حسنة ولكنه قد يستطيع على الرغم من خلوه من هذه الفوائد المباشرة أن ~~يحرك خيالنا، ويوقظ أذهاننا، ويبتعث نفوسنا، وينشطنا على العموم إذ يوحي إلينا شيئا - ~~عفوا لا عمدا - ويخطر على بالنا أمرا، أو يعرفها وجهة ما، فهذه أيضا لا تستقل ولا تستخف ~~بها، وحسبنا هذه الاستثارة لكوامن نفوسنا، حتى ولو أغضبتنا، فإن إغضابنا يكون كأنه وخز لنا ~~يستفزنا. # والوخز تحريك وتنبيه، وإنه ليكون من فضل الكاتب علينا أنه استطاع أن ينهضنا بعد الرقاد، ~~ويفتح عيوننا بعد الإغماض. # وما أكثر ما يسأل السائلون عن بواعث التأليف؟ لم رأى الكاتب أن يتناول هذا الموضوع خاصة ~~بالبحث؟ وماذا زين له ذلك وأغراه به؟ والإنسان بطبيعته فضولي؟ فلا استغراب لمثل هذا ~~السؤال. # ولكني أقول أن البواعث كثيرا ما تخفي حقيقتها حتى على ms053 صاحبها، فمن العسير الاهتداء إلى ~~الصحيح منها، ومن الصعب الغوص في قرارات النفوس على المستكن المستخفي في أعماقها وخير لنا ~~أن لا نعني أنفسنا بهذا التساؤل. # وليكن الباعث ما يكون فإن المهم هو الكتاب الذي أمامنا وسيموت المؤلف ويلحق بمن غبر، ~~ويذهب جيله كله أيضا، ويجيء جيل جديد ولا يعرف الصداقات والعداوات التي كانت تحف بالمؤلف، ~~ولا يدري إلا القليل عن الأحوال التي كان يعيش فيها ويتأثر بها، فلا يعنيه إلا الكتاب ذاته ~~إذا كان قد قسم له البقاء. # ومن الذي يسأل عن بواعث الجاحظ حين ألف البيان والتبيين أو الحيوان؟ # وما قيمتها الآن وما قيمة أن نعرف لماذا ترجم ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة؟ # إن القيمة الحقيقية للأثر لا لما أغرى به وحمل عليه. وقد تكو البواعث سيئة ولكن الأثر ~~يجيء حميدا والعكس أيضا يحدث. # فلندع البواعث وإن كانت لا تخلو من فائدة إذا استبانت؟ هل في الدنيا شيء يخلو من ~~نفع؟ # الفصل العاشر # | في اللغة # اللفظ والمعنى # اللغة أداة ليس إلا، ووسيلة للعبارة عما في النفس لا أكثر ولا أقل فإن للأخرس أداة غيرها ~~هي جملة من الإشارات والإيماءات والحركات مع أصوات ساذجة يخرجها للتنبيه أو التوكيد، ~~والتقرير أو التوضيح. ولكن أداة الأخرس قاصرة جدا لا تعدو حد الدلالة على المراد، ولا يبلغ ~~من وفائها بالحاجة أن تجلو رأيا حضر، أو حكمة نبعت أو عاطفة جاش بها الصدر. نعم تدل على ~~ذلك وتشير إليه، ولكن كما يشير الفهرس إلى جملة مشتمل الكتاب. # وقد كانت هذه الإيماءات وما يجري مجراها - ومازالت - بعض ما يتوسل به الإنسان من قديم ~~الزمان إلى التعبير، فلم يبلغ بها إلا أيسر الحاجات وأدناها منالا. وعلى قدر الحاجات تكون ~~الخواطر والخوالج وعلى قدر كثرتها ومبلغ إلحاحها يكون طلب الإبانة والرغبة في الإفصاح. وقد ~~ألفى الإنسان نفسه تكثر حاجاته وتقوى غريزة عقله ويترامى أفقه ولكن أداة الإيماء لا تسعفه ~~لأنها تعجز الرقي، والتعبير الوافي بها يفوت الذرع، والاكتفاء بها خليق أن يورث نفسه ~~التثاقل وطبيعته التقاعس، ms054 والخاطر يبطئ بها. والعجز يظهر ووجد أن الأصوات ألين وأسرع ~~مؤاتاة، فمضى على الأيسر والأصلح. # وما زالت سنة الطبيعة أن كل موجود يؤثر الذي هو أسهل، ولن تجد ماء يجري إلى فوق، وله ~~متسرب إلى تحت وهكذا كانت اللغة. ~~••• # وقد شبهوها بالوعاء، والظرف، والجسد، والثوب - يعنون أنها تضمن بالمعاني وتحويها، وأن ~~المعاني تحل فيها، وتكتسبها، فتظهر بها . # ويقول الجاحظ في رسالته في «الجد والهزل»: «إن الله تعالى علم آدم جميع الأسماء بجميع ~~المعاني، ولا يجوز أن يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه، ~~والاسم بلا معنى لغو، كالظرف الخالي، والاسم في معنى الأبدان، والمعاني في معنى الأرواح. ~~واللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح، ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهبه شيئا ~~جامدا لا حركة له. وشيئا لا منفعة عنده. ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمن ~~بمعنى». # وهذا صحيح. ثم يقول «وقد يكون المعنى لا اسم له، ولا يكون اسم إلا وله معنى». # والشق الأول من هذه العبارة خلط. فأما أن اللفظ وحده وبمجرده ومن غير أن يكون في كلام ~~مؤلف منظوم، «شيء جامد لا حركة له، ولا حس فيه» فصحيح إذ كان المعنى لا يستفاد إلا من تأليف ~~الكلام. وأما أن المعنى يكون، ولا عبارة عنه، ولا لفظ يؤديه، فهذا هو الذي لا يكون. # وقد يستطيع الإنسان بعد بضعة آلاف من السنين أن يستغنى عن اللغة جملة، وأن يبلغ من ~~اقتداره على التعبير أن يرسل خوالجه - من معان وإحساسات - موجات في الهواء يتلقاها ويتلقفها ~~غيره كما تتلقى أجهزة الراديو الموجات التي تطلقها في الجو محطات الإذاعة. وأنا أعتقد أن ~~هذا سيكون بعد أن يبلغ الإنسان من العلم المبلغ الذي يجعل ذلك ميسورا. # وإن أحدنا ليفهم عن صاحبه مراده بنظرة ولا يحتاج في هذا إلى كلام أو إشارة، فلست أرى ما ~~يمنع التوسع في هذا إلى آخر المدى. ولكن هذه منزلة لاتزال بعيدة. # وليس بنا عن اللغة إلى الآن، وإلى زمان آخر طويل، غني وما ms055 دمنا عاجزين عن التعبير بغير ~~هذه الأداة فلا سبيل إلى معنى إلا بلفظ، ومن كان يتوهم أن من الميسور أو من الممكن أن يحصل ~~المعنى بغير لفظ فليجرب وليحاول أن يتصور معنى يدور في رأسه، أو إحساسا يضطرب به صدره من ~~غير أن يكون له لفظ يتبدى فيه، أو فليحدث نفسه بأمر ما، فإنه خليق أن يجد أنه لا يستطيع أن ~~يفعل ذلك إلا إذا اهتدى إلى اللفظ الذي يفرغه فيه ويصبه منه في مثل القالب، وإنه بغير ذلك ~~لا يشعر بأكثر من جيشان أو اضطراب فكأنه ينظر إلى سحاب غليظ متراكب لا تنفذ العين فيه، أو ~~شيء ملفف. ولا سبيل إلى الرؤية الواضحة إلا بعد أن يتفتق السحاب أو ينقشع، ولا يتبين المرء ~~ما يدور في نفسه إلا إذا صار لما يخالجه لفظ يكتسبه ويبدو فيه، وهذا هو السبب في غموض ~~الكلام ووضوحه فالغموض هو قصور اللفظ، والوضوح هو حلول المعنى في لفظه، أو قل أن الغموض ~~مرجعه إلى أن المرء لم يمهل معانيه أو خوالجه أو إحساساته حتى تصفو مما يخالطها ويعتورها، ~~أو تطرحه عنها، وتخرج منه، ويتسنى لها أن تتخذ ما يبررها ويميزها. أما لماذا يدع المرء ~~الإمهال، فمسالة أخرى، فقد يكون عجولا بطبعه، أو يكون به كسل عقلي، أو تكون المعاني أو ~~الخوالج أدق أو أعوص عليه من أن تحيط بها عبارة، أو يكون قد ركبه الوهم فظن أنه فهم وأدرك، ~~وما أدرك شيئا على وجهه، وما وسعه لهذا أن يعرب، إذ لا إعراب إلا بعد إدراك. أو يكون ~~فاهما ولكنه مغتر أو ذو بطر، كحديث العهد بالنعمة، فيسرف في البيان أو يقصر. # ونعود بعد هذا الاستطراد فنقول إن المعنى لا يمكن أن يحصل أو يتيسر تصوره إلا بلفظه، ومن ~~هنا كان الخطأ في تشبيه اللفظ بالوعاء أو الظرف أو الثوب أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى، ~~وذلك أن اللفظ ليس شيئا مستقلا عن المعنى، وقائما بذاته، وإنما هو والمعنى كل لا يتجزأ، ~~وليس للمعنى ms056 وجود بغير لفظ ولا للفظ بمجرده حقيقة تدرك، وكل ما يقال في الإيجاز والإطناب ~~هراء ما لم يفهما على وجهيهما الصحيحين. # فليس الإيجاز إلا صب المعنى في لفظه المعبر عنه والاكتفاء به دون الاستطراد إلى غيره، أما ~~الإطناب فليس إلا استطرادا إلى معاني «أخرى» غير الذي إليه القصد وعليه القول. فإن المعنى ~~لا يؤدي إلا بلفظه، فإذا تغير اللفظ تغير المعنى لا محالة. # ومن هنا كان الترادف في اللغة الواحدة خرافة، إلا إذا كان المراد أن قوما اتخذوا لفظا ~~لمعنى، وقوما آخرين اتخذوا غيره، ومؤدى هذا أن هناك لغتين لا لغة مفردة، وإن كانتا من أصل ~~واحد. # وقد قيل ما قيل في الشبه بين الإنسان والحيوان، وفي النشوء والتحول وما إلى ذلك أو ما ليس ~~إليه، وذهب بعضهم إلى أن الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان يبدو أنه رهن بطية واحدة في حشو ~~الدماغ، ولكن بينهما فاصلا واحدا لم يستطع أن يزيله أو يستهين به حتى أولئك الذين يردون ~~الفكر إلى الإحساس، ويقولون أن الحيواني يشارك الإنسان في الملكات التي هي الأسباب المنتجة ~~للتفكير. وهذا الفاصل هو اللغة فما استطاع الحيوان - إلى الآن - أن يتخذ لغة مثل لغة ~~الإنسان. # وفي هذا يقول «لوك» ومن الممكن أن يعد من الفلاسفة الماديين: ~~«وأنا على يقين جازم من أن القدرة على التفكير لم يعطها الحيوان، وأن استنباط ~~الآراء العامة وتصفحها يميز الإنسان تميزا تاما من الحيوان. # ومن الجلي أننا لا نسير على آثار غيرنا في استخدام رموز عامة لآراء عامة. ولنا أن ~~نقول إن الحيوان تعوزه ملكة التفكير والارتياء لأنه لا يستعمل «ألفاظا» أو رموزا ~~أخرى عامة». # ومؤدى هذا أن اللغة أكثر من وعاء، أو ظرف، أو ثوب، أو جسد، وأن هذه ليست إلا ألفاظا يراد ~~بها تقريب وظيفة اللغة من الإفهام، وأن اللغة آلة يعمل بها العقل ولا يستطيع بغيرها أن ~~يعمل، وينظر، ويتدبر، ويستنبط، ويستبين، ويستشف إلى آخر ذلك. فليست وظيفتها بمقصورة على ~~العبارة عما يدور برأس الإنسان أو يضطرب به صدره، ms057 أي أنها ليست أداة للبيان فحسب، وإنما هي ~~أيضا أداة للتفكير نفسه وآلة كما أسلفنا، لحركة العقل. # ولست تجد لغة حيث لا تجد إنسان، ولا نعرف إنسانا ليست له لغة ما، فهي من عمله، بمعنى ~~أنها نشأت معه، ونمت واتسعت، تبعا لاتساع حياته. # ومع قدم اللغة - كل لغة - لم يستطع الإنسان على كر الدهر أن يضيف جديدا على أصولها أو ~~يغير مناهج تأليفها وتركيبها، أو يبدل أوضاعها ومقاييسها، أو يعدل بها عن طرائقها في المجاز ~~والاستعارة إلى آخر ذلك، وكل ما استحدثته الأجيال المتعاقبة لا يعدو الكل إلى الجوهر، ولا ~~يمتد من الفرع إلى الأصل، حتى ليمكن أن نقول إننا مازلنا نستعمل الألفاظ نفسها التي دار بها ~~لسان الإنسان حتى سمى الأشياء أسماءها. # ولا شك أن اللغة تتطور ولكن أصولها ومناهجها وطرائقها لا يلحقها تغيير، والقانون الذي ~~يجري حكمه على اللغة هو قانون الطبيعة نفسها، ولا دخل فيه لإرادة الإنسان الحرة، أو ~~اختياره، فهو لا يستطيع أن يستحدث فيها ويغير، ويزيد وينقص، على هواه، كما لا يستطيع أن ~~يغير قانون الدورة الدموية في بدنه، أو أن يضيف إصبعا بله شبرا إلى قامته. # وكما أن الإنسان لا يتسنى له أن يقبض على زمام الطبيعة إلا إذا عرف قانونها وتوخاه، كذلك ~~لا يستطيع الكاتب أو الشاعر أن يقبض على ناصية اللغة ويتصرف فيها ويبلغ بها حيث يريد إلا ~~بعد أن يحيط بقانونها وينزل على حكمها. # وقد حكوا عن الإمبراطور تيبريس أنه أخطأ مرة في كلمة فرده بعضهم إلى الصواب، فقال منافق ~~إن الإمبراطور نطق بها صحيحة وجاء بها على وجهها، فإذا لم يكن هذا كذلك. فأحر بأنه يصبح ما ~~قاله هو الصواب. # فعاد الأول يقول: «هذا كذب ونفاق أيها القيصر، فإنك تستطيع أن تمنح الناس الجنسية ~~الرومانية، ولكن الألفاظ فوق سلطانك». # وهنا موضع التحرز، فإن اللغة لغتان، واحدة تستقر وتثبت على صورة فلا يلحقها التغيير إلا ~~في النادر وإلا فيما لا يمس الأصول، وهذه هي التي تكتب ولها آداب، وأخرى هي اللهجات، ms058 أي ~~لغات الكلام وهذه دائمة التغيير، ولا ثبات لها على حال، لأنها لم ترزق ما يفيدها الضبط ~~ويصدها عن التبدل والتحول المستمرين. واللهجات أسبق من اللغات الثابتة، أو لغات الكتابة ~~والأدب. # وليست لغة الكتابة والأدب إلا إحدى اللهجات، وما كانت لغتنا العربية إلا واحدة من لهجات ~~العرب في الجاهلية، وقد كتب لها السيادة وقسم لها الاستعلاء، قبل الإسلام بقليل، ثم ثبت لها ~~ذلك بنزول القرآن الكريم بها، فاندمجت فيها اللهجات الأخرى، ولولا القرآن لما عجزت اللهجات ~~الأخرى عن الحياة، ولكان من الممكن - إذا ساعفت إحداها الأحوال - أن تفيد قوة، تسترد بها ~~مكانتها. # واللهجات ليست محلية أو إقليمية فحسب، فإن هناك لهجات طائفية أيضا لا عداد لها، مثل ~~لهجات الرعاة والفرسان، والجنود، والزراع، والبحارة، وأصحاب الحرف. # ومن هنا - على سبيل المثال - كثرة أسماء السيف وغيره من ضروب السلاح، وما يطلق على الخيل ~~وحملها ونتاجها وأسنانها وخلقها وصفاتها ونعوتها وألوانها وشياتها وأصواتها وعيوبها ~~وأدوائها وعدوها، وربطها وعلفها وسرجها. ونعوت الإبل في إخلافها وحلبها وكثرة ألبانها أو ~~قلتها وضعفها أو هزالها وأسنمتها وألوانها وأوبارها إلى آخر هذا وأمثاله ومن هنا أيضا هذا ~~التدقيق الشديد في أسماء الجماعات من الناس وغيرهم. ومرجع هذا إلى نوع الحياة التي تحياها ~~الجماعة أو القبيلة وانحصارها في نطاق ضيق. فتصبح العناية بالتفاصيل ميسورة، كما لا يمكن أن ~~تكون في جماعة كبيرة متحضرة جوانب حياتها عديدة. # وبعد، فإن ابن لغة الكتابة والأدب لا يسعه إلا أن يلم بها وبأصولها وأدبها - أي بقانونها ~~الذي اكتسب صفة الثبات، وروحها الذي يكن أن نسميه «الغريزي» إذا هو أراد أن يمضي على النهج ~~القويم، فما يمكن أن يتصرف فيها تصرف الأقدار أو أن يقضي فيها بأمره كما كان يقضي. سلاطين ~~الأتراك، أو أصحاب الحكم بأمرهم في زماننا. حتى العامية أو اللهجات، لا يتسنى فيها مثل هذا ~~التعسف. # وصحيح أن الفرد هو الذي يستحدث الألفاظ أو الصور الجديدة، ولكنه إنما يستطيع أن يفعل ذلك ~~بعد أن يتسرب بروحه في الجماعة، ثم هو لا يفعل ms059 هذا عن عمد وبعد إعمال فكر، وطول تأمل وتدبر، ~~وإنما يصدر عنه ما يصدر وهو غير مدرك أو دار، لأنه إنما يتصرف وفق قوانين طبيعية لا سلطان ~~له عليها ولا سيطرة، وبعد تهيؤ روح الجماعة أو الطائف التي هو منها. # الفصل الحادي عشر # | من دروس الحياة # أول ما علمتنيه الحياة أن أتلقى كل حال بالتسهل والرضى، وأن أكون في كل ساعة كما تشاء ~~الساعة، وأن أقصر همي على ما أنا فيه، ولا أكر بالطرف إلى ما خلفته ورائي، ولا أحاول أن ~~أمده إلى ما تحجبه أستار غيب الله فأنا أحيا من يوم إلى يوم كالعامل الفقير يكسب رزقه بكدحه ~~ولا ذخيرة له من مال يتكئ عليها ويحور إليها عند الحاجة، ولكنا إذا اعتبرنا الحقيقة فقير، ~~ونصيبنا من الحياة تقتير، وإن عظم الجاه وكثر الوفر، وما تأملت وجوه العيش وأحوال الدنيا ~~إلا تبسمت سخرا من نفسي، ومن الناس، وإلا بدا لي أننا أطفال صغار أغرار، وإن ارتفعت السن ~~وشاع الأبيض في الأسود، تعاملنا الحياة كما نعامل نحن صغارنا فتسرنا تارة، وتؤدبنا طورا، ~~وتهزل معنا مرة، وتجد أخرى، وما رأيت طفلا يلبس في يوم عيد ثوبا جديدا يختال فيه مزهوا ~~إلا قلت لنفسي «ما أشبهنا نحن الكبار في نظر الحياة بهذا الطفل الغرير الذي لا تكاد الدنيا ~~تسعه من فرط سروره بهذه الحلة الجديدة. # وسنرى هذا الطفل بعد قليل يبكي ويعول لأن كرته ضاعت أو خطفها طفل آخر، فيذهله الأسى لفقد ~~لعبة رخيصة لم تكن على كل حال بالدائمة، عن جديد ما اكتسى في عيده، كما نأسى نحن الكبار لأن ~~شيئا من عرض الدنيا فاتنا أو خسرناه». # أي نعم، علمتني الحياة أن أهمل العرض وأجعل بالي إلى الجوهر على قدر ما يدخل ذلك في طوقي، ~~وأن أعد نفسي وأعد الناس جميعا أطفالا أغرارا، عبثهم أكثر من جدهم، ومطالبهم فوق قدرتهم ~~وعقلهم دون إحساسهم أو أهوائهم، وجدهم أبعث على الضحك من لهوهم. # وتعلمت شيئا آخر. هو أنه ما من شيء في هذه الدنيا ms060 يستحق أن نقيم له القيامة، أو نغالي به ~~ونهول على نفوسنا، فقد مر بي خير كثير، وشر كثير، وما كنت أراني إلا شقيا في الحالتين، ~~لأني كنت إذا أصابني خير أسر به، ولكني كنت مع ذلك أشفق أن يزول وأخشى أن لا يتكرر فأعذب ~~نفسي بما لا موجب له من القلق، وإذا أصابني سوء شق علي واستكبرته ، وخفت أن يطول أمده، وكبر ~~في وهمي أني سألقى مثله مرة بعد أخرى، ونسيت ما فزت به من خير، وأشفقت أن لا يطول احتمالي ~~لما أنا فيه من الضراء، وتجلدي عليه، فصارت الحياة كالجحيم، ثم رأيت كل شيء يزول، وتبينت أن ~~الإنسان أوتي من المرونة قدرا كافيا وأنه ما من حال إلا وهو قادر على رياضة نفسه على ~~السكون إليه، وأن الخوف من ازدياد الألم نفسيا كان أو بدنيا، ومجاوزته حد الطاقة، ليس إلا ~~وهما كما أن الماء إذا بلغ درجة الغليان لا تتجاوز حرارته المائة ولو أوقد عليه نار جهنم، ~~كذلك الألم لا تطرد زيادته إلى غير نهاية، لأن الإنساني يقف شعوره به عند حد معين فكل زيادة ~~فيه تجاوز ذروة الطاقة الإنسانية على الاحتمال، تذهب بغير إحساس بها، والأيام لا تزال تنتقل ~~بالإنسان من حال إلى حال، وكل شيء يمضي وإن خيل في وقته أنه سرمد، فخير للإنسان وجلب لراحته ~~أن يستقي تعذيب نفسه في غير طائل فيشتهي ولا يتلهف، ويتشدد ولا يجزع. # وتعلمت من أجل ذلك كله أن أحاسب نفسي وأنصب لها الميزان، أنفة من الغرور المضحك، وزهادة ~~في مغالطة النفس، وإيثارا لمواجهة الحقيقة السافرة، وأفادني ذلك أن صرت لا يكربني أو يثقل ~~علي، سوء رأي الناس في، لأن رأي في نفسي أسوأ، وميزاني لها أدق وأضبط. # ومحاسبة النفسي عسيرة، ولكنها واجبة، حتى لا يتكرر الخطأ، ويطول الجهل، ويتمادى المرء في ~~الضلال، وهي على أهون وأخف من محاسبة الغير. # وتعلمت ألا أكون أسير رأي أو كتاب فإن مؤدى هذا الأسر الإفلاس العقلي والعاطفي. وفائدة ~~الكتب أن يقرأها الإنسان ويدرسها ويفكر ms061 فيها، ويضيف عقول أصحابها إلى عقله، لا أن يظل ~~أسيرها، ولست أحتاج إلى مثل هذه الوصية، لأني أنسى ما أقرأ والنسيان آفة، ولكن ضيره يسير. ~~وكون المرء قد نسي شيئا ليس معناه أنه لم ينتفع به، أو أن هذا الشيء اندثر وانمحى، فإنه ~~يبقى وراء الوعي وإن كان لا يطفو على السطح ولا تلم به الذاكرة فلا يسعفها حين تطلبه، ~~والفائدة العقلية تحصل على الحالين، سواء نسي المرء ما قرأ أم تذكره، كما تحصل الفائدة من ~~الطعام وإن نسي المرء ما أكل. # والمعول على الهضم، فإن العقل ليس رفوفا يصف عليها ما يقرأ المرء أو يدرس، وقد لقيت غير ~~واحد في مصر وغيرها من الشرق والغرب تروعك كثرة محفوظهم، ولكني كنت إذا استطردت معهم إلى ~~البحث يدهشني عجزهم على التفكير السديد، فهؤلاء قد حفظوا كثيرا، وزادت ذاكرتهم قوة ~~بالمرانة، ولكنهم لم يهضموا ما قرأوا ولم يثقفوا به، فصاروا أشبه بمكتبة متحركة، لا خير ~~فيها لنفسها، وما من أحد يستطيع أن يحفظ كل ما يقرأ، غير أن ما من أحد يعينه أن يفهم ما ~~يقرأ، إلا إذا كان بليدا غبيا أو كان الموضوع من غير بابه، فيجيء فهمه ناقصا، وقدرته ~~عليه محدودة. والفهم هو المهم، والرياضة العقلية هي التي عليها المعول، وهي الغرض من قراءة ~~الأدب ودرسه. وأعني بالرياضة العقلية تزويد المرء بالمعارف اللازمة وتوسيع أفقه، وشحذ ~~قريحته، وإرهاف حدها، وتعويده التفكير المستقيم وتدريبه على التأمل والنظر. # وتعلمت ألا أطالب أحدا بأن يذهب مذهبي أو يصدر عن رأيي، فإن هذا مطلب بعيد المنال، ولو ~~كان قريبه لما ارتضيته، ذلك أن شر آفة تصيب جماعة إنسانية، هي أن تصب عقولها في قالب واحد، ~~فتغدو الجماعة كأنها نسخ متعددة من كتاب مفرد أو صحيفة واحدة، ولا تعود غنية أو قوية بكثرة ~~العدد لأنها ليست إلا فردا مكررا، ولا نبقى ثم مجال للانتفاع بالمواهب الخاصة والملكات ~~الفردية، لأنها كلها على غرار واحد، ونسق لا يختلف أو يتفاوت أو يتعدد. والأدب فردي، وهو لا ~~يحيا ms062 وينمو ويرتقى إلا في ظل الحرية التامة في التفكير والارتياد. # وصحيح أنه كان في بداية نشأته من عمل الجماعات حين كانت على الفطرة، ولم تأخذ من المدنية ~~بنصيب، ولم تقسمها الصفات الشخصية والملكات العقلية طوائف، ولم يفرق بينها اختلاف المراتب ~~وتباين الأعمال وتعدد الآراء. # في هذه الجماعات يكون كل امرئ أشبه بجاره ورفيقه، وتكون حدود الفرد هي حدود التقاليد ~~المشتركة بين الجماعة كلها. # فإذا نشأ فيه الشعر كانت نشأته عملا من أعمال الجماعة كلها وملكا لها لا للفرد، فلا ~~حقوق للتأليف، والشعر أسبق من النثر الفني، وهو يظهر تاليا للرقص والغناء وتابعا لهما ~~ومتفرعا عليهما وغير منفصل منهما. # وأقول أن الشعر يتلو الرقص في الظهور والنشوء لأن الحركة أسبق من اللغة في تاريخ الإنسان، ~~فإن الإنسان استطاع أن يتحرك ويمشي ويقفز ويعدو قبل أن ينطق ويعرف أن له لسانا يمكن أن ~~يكون أداة لإخراج أصوات تنقل الإحساس أو الخاطر إلى زميله. والشعر قوامه الوزن الموسيقي، ~~وليس الوزن إلا انتظام الحركات، فهو أوثق ارتباطا بحركات الجسم ومساوقة لها، ومازالت ~~الإشارات وحركات الوجه من متممات التعبير اللفظي، ولا تنسوا ما قاله بعض علماء العرب من أن ~~بعض علماء العرب من أن بعض أوزان الشعر مستمدة من سير الإبل. # وفي كل جماعة إنسانية بدائية كان الرقص يسبق الشعر، ومتى انتظمت حركات المجتمعين واتسقت ~~على مقتضى العاطفة المشتركة كان من المعقول بعد ذلك أن تخرج الألفاظ مستوية في ترتيبها على ~~وزن هذه الحركات. فأول ما عرف الإنسان من الأدب هو الشعر، وكان الشعر في بدايته عبارة عن ~~لحن موزون يند عن أفواه المجتمعين إذا كان جاريا على ما تتطلبه وتؤدي إليه الحركات التي ~~يشتركون فيها ويؤدونها معا على نسق واحد وعن عاطفة عامة شائعة بينهم على السواء. # وليس من الضرورى أن يكون لهذا اللحن معنى معقول لأن كونه معقولا أو غير معقول مرجعه إلى ~~الفكر والعاطفة أسبق في تاريخ النشوء الإنساني من الفكر ثم يحدث التميز تدريجيا بين أفراد ~~الجماعة ويقوى الشعور بالذات، ويزداد ms063 الإحساس بالاستقلال، ويبرز الفرد شيئا فشيئا ويأنس ~~من نفسه ما لا يأنس غيره من نفوسهم فلا يقنع بأن يبقى في حلقة الجماعة يردد ما يقولون، ~~ويندفع مجترئا على التقاليد، ويعلو صوتهم أصواتهم فيروعهم فتخفت أصواتهم قليلا ويستحدث ما ~~لا عهد لهم به، ثم تتوالى الخطوات متتابعة فيتضاءل عمل الجماعة من حيث الاشتراك في التأليف ~~إلى الاقتصار على معاونته بحركاتها للمحافظة على الوزن، على نحو ما نرى الآن في حلقات الذكر ~~وما إليها. # ولا تزال الجماعات تتطور ويختفي أثرها ويظهر الفرد حتى إذا تألفت تأليفا سياسيا ظهر ~~الشاعر الفني المستقل عن الجمهور، وصار أمر الشعر كله إلى الفرد. ثم يظهر النثر الفني بعد ~~ذلك على الأيام. # فالأدب فردي، وقوامه خصائص الفرد، ومواهبه ومبلغ حريته في التعبير عن نفسه. ولا غنى عن ~~شرط الحرية، وإلا ذبل ومات. # ولقد فرضت ألمانيا وإيطاليا في هذا العصر فلسفة معينة على شعبيهما وجعلتا من البلدين ~~ثكنتين، ومن الأمتين جنودا يسير أبناؤهما خطوة واحدة، ويفكرون على نسق واحد، ولا يؤذن لهم ~~في رأي يخالف الرأي المقرر، أو فلسفة تشذ عن الفلسفة المفروضة، فكانت النتيجة أن صارتا ~~دولتين حربيتين، ولكنه لم ينبغ فيهما شاعر واحد من الطبقة الأولى، ولا كاتب عظيم، ولا ~~فيلسوف عبقري. من أمثال الذين نبغوا في العصور السابقة أو في الأمم الأخرى التي ينعم فيها ~~الفرد بحريته الشخصية، ولا يحول فيها حائل دون التعبير الصادق عن النفس. # وما دام أن هذا هكذا فإن من حق الإنسان أن يغتبط إذ يرى لرأيه مخالفين - لا عن تعنت بل عن ~~تفكير وتدبير، ولما كان من المتعذر أن نتبين حقيقة البواعث على المخالفة في كل حال، فيحسن ~~أن نحترمها وندع للناس حقهم فيها لأنها في خير حالاتها مظهر اجتهاد وآية إيثار لحرية ~~الارتياء، ودليل على أن الأمور لا تؤخذ مأخذ التسليم والآراء لا نقبل بغير اقتناع. # هذا بعض ما تعلمته وحذقته ورضوت نفسي عليه من دروس الحياة، وقد كانت التجربة طويلة وشاقة ~~وكثيرة الرجات والصدمات، ولكني غير آسف لأن ms064 الثمرة التي خرجت بها تستحق العناء، وحسبي من ~~ذلك سكينة النفس وصحة الإدراك، وعسى أن لا أكون مخدوعا. # الفصل الثاني عشر # | السيد جمال الدين الأفغاني # لم أدرك السيد جمال الدين الأفغاني في حياته، ولكن الله أكرمني بأن يسر لي الوجود في ~~بغداد يوم ممر رفاته بها إلى مسقط رأسه في بلاد الأفغان. وما له في الحقيقة موطن خاص فإنه ~~رجل الشرق كله، وابن الإسلام والعروبة أجمع، فلكل بلد عربي وإسلامي حق فيه لا ينازع ولا ~~ينكر. # وليس من عادتي الأسف على ما يفوتني بالغا ما بلغ، ولكن ما عرض ذكر السيد جمال الدين إلا ~~أدركني الأسف وشاع في نفسي لن الزمن لم يتقدم بي بضع عشرات من السنين فأصل أسبابي بأسباب ~~هذا الرجل النادر، وأقتبس من روحه الساحرة التي كانت كأنها مولد كهربائي ضخم يبعث الحرارة ~~والقوة والحيوية في حيثما حل. # فما كان السيد جمال الدين أوحد أهل زمان في العلم أو الفلسفة أو الذكاء وحدة الفؤاد، ~~ولكنه كان على التحقيق، وبلا أدنى مراء، أوحد رجال عصره في قوة الشخصية وسحرها، وفي إيمانه ~~بنفسه وبقدرته على إدراك ما يسعى له وتحقيق ما يدعو إليه، وتنزه عن كل غاية شخصية أو مأرب ~~ذاتي. # فما كان يسعى لمجد يفيده، أو مال يصيبه، أو حكم يتولاه، وما جنى هو من مساعيه إلا الأخطار ~~والتشريد، وإنما كان همه ومنى نفسه جميعا أن يوقظ هذا الشرق من رقاده الطويل، وأن يبتعث ~~همته الدانية، ويصدع عنه أغلال الظلم والاستبداد والاستعباد التي كان يرسف فيها، وينشله من ~~وهدة الجهالة التي أخمدت روحه، ويجمع كلمته، ويدفعه إلى التماس القوة والعزة؛ ولا سبيل ~~إليهما بغير الحرية والعلم. # ولم تكن دعوته مقصورة على العرب وإن كان منهم فقد كان أبعد من ذلك مطارح همة؛وكانت دعوته ~~إسلامية عامة شاملة تنتظم البلدان والأمم الإسلامية من حدود الصين إلى شاطئ المحيط الأطلسي. # ولم يكن هذا منه طموحا نظريا؛ أو مجرد أمل يحلم به؛ فقد كان يجوب الأرض ويركب البحر، ~~ويزور بلاد العرب والإسلام ms065 واحدا واحدا. # وما دخل بد إلا ترك فيه حركة قوية، وكان له فيه أثر عظيم باق إلى يومنا هذا. فإذا قلنا ~~أنه عظيم «يعي الزمان مكان نده» كما يقول البحتري، لم نكن مبالغين. # وقد جاء إلى مصر قبل الثورة العرابية بزمن غير وجيز، وكان هو الذي هيأ النفوس وأعد ~~الأذهان لها ولما تلاهما إلى يومنا الحاضر . # ولم يكن وهو بمصر يقصر همه عليها بل كان معنيا كذلك بتركيا وإيران والأفغان والهند ~~وغيرها. # وإذا قلت تركيا فإني أعني الدولة العثمانية كلها بما كان يدخل فيها من بلاد العرب قاطبة، ~~وقد اتصل في مصر برجال الدين والسياسة، وبعث فيهم روحه، وكانت له حلقة يلقي فيها دروسه ~~الدينية، ومبادئه السياسية الحرة التي سبق بها كتاب الغرب الأحرار، وقد تولى عن المصريين ~~مطالب الخديو إسماعيل بإعلان نظام الحكم الدستوري، ونصح للخديو توفيق بإقامة حكم البلاد على ~~قواعد الدستور، لا كمنحة بل كحق. ولم يعلن الدستور، في أيامه، بمصر ولكنه هو أقصي عن ~~مصر. # ولما استقل السفينة من مصر، جمع له لفيف من تلاميذه والمعجبين به مبلغا من المال يستعين ~~به، وقدموه إليه. فأبى أن يتقبله، وشكرهم وقال لهم كلمته المشهورة «إني كالأسد لا أعدم ~~قوتا أينما كنت». # وأشهر تلاميذه المصريين وأعظمهم وأرفعهم قدرا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ومما ~~يستحق الذكر لعظم دلالته على قوة شخصية السيد جمال الدين أن الشيخ محمد عبده كان يرى في ~~الفترة التي سبقت الثورة العرابية التدرج في الإصلاح حتى تنضج البلاد سياسيا لحكم نفسها ~~بنفسها، وقد ادخل إصلاحات كثيرة في مصر في عهد وزارة رياض باشا الذي كان يثق به ويكله إلى ~~رأيه، ثم قامت الحركة العربية، وسارت بأسرع مما كان ينتظر، وكان غرضها تحرير المصريين ~~والتخلص من عناصر الترك والشراكسة المتحكمين المستولين على المناصب في الإدارة والجيش، ومضت ~~إلى غايتها في جو من الدسائس الأجنبية والأطماع الدولية، فخشي الشيخ محمد عبده العاقبة، ~~وكان بعيد النظر سديد الرأي، فتوقع إذا لج العرابيون فيما هم فيه، ولم يتحرزوا أو ms066 يتوخوا ~~الاعتدال أن ينتهي الأمر باحتلال الإنكليز لمصر، فكان لهذا يقاوم العرابيين مقاومة شديدة ~~وينعي عليهم قصر نظره وقلة تبصرهم، ويبسط فيهم لسانه حتى ضجوا وهددوه بالقتل إذا ظل يتعرض ~~طريقهم ويناوئهم، وأراد بعض العرابيين من أصدقاء الإمام أن يصلح ما بينه وبينهم، وأنا أعرف ~~هذه القصة لأن الذي حاول إصلاح ذات البين من أقربائي، ولن بيت جدي كان هو مكان ~~الاجتماع. # وتكلم العرابيون، وتكلم دعاة التوفيق ثم تكلم الأستاذ الشيخ محمد عبده، فأصر على رأيه أن ~~العرابيين باندفاعهم سيجرون على البلاد الاحتلال الأجنبي فأخفقت المساعي للصلح ~~والتوفيق. # وكان أبي من رجال الأزهر، وزملاء الشيخ محمد عبده في الدراسة وتلاميذ السيد جمال الدين، ~~وإن كان لم ينبغ كما نبغوا، فسأل الشيخ محمد عبده «أكنت تلج هذه اللجاجة في عنادك مع ~~العرابيين لو كان السيد جمال الدين في مصر؟» فكان جواب الشيخ محمد عبده هذه الكلمة المترعة ~~«يا محمد (فقد كان أبي اسمه محمد) لو كان السيد جمال الدين هنا لما قامت الحركة العرابية ~~ولا احتاج أحد إليها، لأن السيد كان يغني بشخصه عن كل ذلك». # وتمثل ببيت من رثاء المتنبي. ~~«كان من نفسه الكبيرة في جيش وإن خيل أنه إنسان» # ولما استفحلت الحركة العرابية وضرب الأسطول الإنجليزي الإسكندرية، انضم الشيخ محمد عبده ~~إلى العرابيين، ووضع يده في أيديهم لأن الواقعة قد وقعت، وكان ما خاف أن يكون، فلم يسعه إلا ~~أن يكون مع قومه - ولو كانوا مخطئين - على الغريب، وكان يتمثل ببيتي الحماسة: # بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغذ # وهل أنا إلا من غربة إن غوت # غويت، وإن ترشد غربة أرشد؟ # والواقع أن السيد جمال الدين كان كما وصفه تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده، من نفسه ~~الكبيرة في جيش. وهو الذي يرجع إليه الفضل الأول في قيام الحركة الدستورية في تركيا ومصر ~~وإيران، وهو الذي أثار نفوس الهنود المسلمين على الاستعمال الإنكليزي، وقد خشيه سلطان تركيا ~~وشاه إيران وخديو مصر والإمبراطورية البريطانية. ومما يذكر في ms067 هذا الباب أن شاه إيران شقي ~~بما كان يقول فيه السيد جمال الدين، فوسط سلطان تركيا، فدعاه السلطان إليه وشفع عنده للشاه، ~~فقال السيد كلمته المشهورة «عفوت عن الشاه» أو قيل أنه قال عفوت الشاه! # ولم يكن السيد ذا مال، أو دولة أو جيش، أو عصابة، وإنما كان ذا روح عظيمة، وشخصية قوية، ~~وسحر لا قبل لأحد بمقاومته، ولسان عال، وبيان خلاب؛ وبهذه الشخصية الفذة استطاع أن يبث روح ~~الثورة ويضرم نارها في كل بلد حل به؛ وأقام فيه، ولو شهورا ولم تكن دعوته في الفوضى؛بل إلى ~~الحرية والإصلاح والدستور ولم شمل العالم الإسلامي وتبويئه مكانة بين أمم الأرض؛ وكان ما ~~قام في البلاد الإسلامية إلى اليوم من حركات في سبيل الحرية والاستقلال والدستور؛ راجع في ~~مرد أمره إليه. # وعهدنا بالدنيا أنها لا تجود بأمثاله كل يوم؛ ومن المصادفات الميمونة أن رفاته يمر ~~بالعراق في الوقت الذي قويت فيه حركة الجامعة العربية؛ وزخر تيارها؛ وآذنت بالثمرة ~~المشتهاة. ولو كان السيد داريا لطاب نفسا بهذا؛ فقد كان همه إيقاظ هذه الأمم عربية كانت ~~أو غير عربية وابتعاثها من نومها؛ وإنهاضها؛ وتوجيهها وجهة الخير والصلاح؛ وإيتائها حقها في ~~الحرية؛ وتزويدها بالعلم وتسليحها بالمعرفة. # رحمه الله، ونفعنا بذكراه؛ فإنه من القليلين الذين يؤثرون بعد أن ضحى ظلهم ومضوا في سبيل ~~من غير مثل تأثيرهم لما كان على قيد الحياة. # الفصل الثالث عشر # | فائدة هندسية # كيف تقيس المسافة بين نقطتين.. أما أنا وأنت - أو أنت وأنا كما يقضي الأدب الحديث أن أقول ~~- فإن الواحد منا يقف ثم يروح يخطو بين النقطتين كالجندي الحديث العهد بالتدريب العسكري ~~ويقول وهو يفعل ذلك «واحد.. اثنين.. ثلاثة.. إلخ» ثم يضرب عدد الخطوات في طول كل خطوة فيكون ~~الناتج هو المسافة التي يراد قياسها - أو يفعل شيئا آخر.. يجيء بحبل ويمده بين النقطتين ثم ~~يعقده عقدة في كل ناحية ثم يجيء بمقياس كالمتر ويقيس به ما بين العقدتين فإذا لم يكن ثم متر ~~فإن المسافة بين أنامل يمناك - حين ms068 تمد ذراعك - والكتف اليسرى طولها متر. # ولكن لي صاحبا يعرف طريقة أخرى في قياس المسافات المستقيمة أبرع مما نعرف وقد حدثني بها ~~ووصفها لي ونحن نتغذى معا منذ أيام قال: «لا علم كالهندسة.. أعني أنها علم مضبوط لا موضع ~~للخطأ فيه». # وأنا - كما يعرف القارئ - لا علم لي بالهندسة ولا بسواها مما هو بسبيل ولست أدري إلى هذه ~~الساعة كيف أمكن أن أجتاز الامتحانات المدرسية التي كانت تعقد لنا في المدارس أو في ~~السرادقات وقد كان مما نمتحن فيه الهندسة - بأنواعها فإنها كثيرة - والجبر والحساب وحساب ~~المثلثات إلى آخر هذا الذي نسيت حتى أسماءه. # وأحسب أن الذين كانوا يراجعون أوراق الإجابات كانوا يقولون أن هذا المازني سيكون أديبا ~~كبيرا والأدب لا يتطلب العلم بالرياضة ومن الخير للأدب أن ندعه يخرج بشهادته وأن لا نعطله ~~بالرسوب. فإن لم يكن هذا هكذا فليقل لي من يدري كيف أمكن أن أجتاز هذه الامتحانات في علوم ~~الرياضة والكيمياء أيضا والطبيعة كذلك. فإني أذكر - الآن - أني كنت أملأ أوراق الإجابة عن ~~أسئلة الرياضة وما إليها من المعارف المستحيلة بالرسوم والتصاوير - رسوم فتيات وطيور وبقر ~~وجمال وكنت أفرد الصفحة الأخيرة من ورقة الإجابة لأساتذتي في علوم الرياضة فأرسم بضعة خطوط ~~هنا وأكتب تحتها «المستر فلان» معلم الحساب وخطوطا أخرى تحتها وأكتب إلى جانبها «المستر ~~علان» مدرس الجبر وهكذا. ومن يدري.. لعل رسمي لأساتذتي كان يرضيهم ويعجبهم فيدعون جواب ~~المسائل ويمنحونني الدرجات على الرسم الجيد من الذاكرة. # وقلت لصاحبي «يا سلام.. صحيح». # فقال: «بالطبع. اسمع كيف تقيس المسافة بين شاطئي النيل». # قلت: «أوه. المسألة لا تحتاج إلى هندسة أو غيرها، أمشي على كوبري قصر النيل وأعد خطاي ثم ~~أضرب العدد في طول الخطوة.. مسألة بسيطة جدا». # فقال «لا لا لا لا. افرض أنك تريد أن تقيس المسافة بين شاطئين حيث لا كوبري ولا ~~شبهه». # قلت: «آه.. هذه مسألة أخرى.. أقول لك. أركب زورقا ومعي حبل أثبته على شاطئ وأدليه الماء ~~ونحن نمرق حتى نبلغ الشاطئ الآخر ثم ms069 نقيس الحبل». # قال: «يا أخي ألا تعرف أن الزورق لا يستطيع أن يمضي من شاطئ إلى شاطئ في خط ~~مستقيم». # قلت: «صحيح.. والله فاتتني.. طيب.. وما العمل.. أما أنا فلا أرى طريقة أخرى فيحسن بالنيل ~~أن يقنع بأن يبقى بغير قياس لعرضه.. يكفي طوله». # قال: «لا تمزح». # قلت مقاطعا: «والله أني أتكلم جادا.. ثم أني لا أدري لماذا أتعب نفسي وأكلفها أن تقيس ~~النيل». # قال: «اسمع.. أنا أعرفك طريقة. ألم نتعلم في المدرسة أن ضلعي المثلث المتساوي الضلعين ~~أكبر من الضلع الثالث أي القاعدة.» # قلت: «جايز». # قال: «جائز.. ماذا تعني.. هذه حقائق». # قالت: «جائز.. الحقيقة أني تعلمت أشياء كثيرة في المدارس ولكني لا أذكر الآن شيئا منها ~~فأنا مضطر أن أصدقك. ولكني أخشى أن يكون غرضك أن تضحك مني ولهذا أوثر الحذر وأقول لك ~~جائز..على كل حال تفضل». # قال: «حسن.. اسمع.. هذه حقيقة لا شك فيها.. ضلعا المثلث المتساوي الضلعين أكبر من ~~القاعدة.. فكيف ينفعنا هذا في قياس عرض النيل.. أنا أقول لك. تأخذ ثلاثة أوتاد وثلاثة حبال ~~وتذهب إلى أحد الشاطئين وتثبت فيه - على الأرض - وتدين. تدقهما دقا قويا ليثبتا ولا ~~يتزعزعا.. ونذهب إلى الشاطئ الآخر وتدق هناك الوتد الثالث.. هذا الوتد الثالث هو رأس ~~المثلث.. وما بين الوتدين الآخرين على الشاطئ الآخر القاعدة.. فاهم.. ثم تصل الأوتاد ~~بالحبال.. مسالة سهلة جدا.. ثم تقيس وتحسب فتجيء النتيجة مطابقة للحقيقة». # قلت: «غريب.. ولكن اسمع.. ما العمل في المراكب والزوارق التي تمخر.. هل نؤخرها حتى نفرغ ~~من الحساب.. أليست هذه مشكلة عسيرة الحل.. أم لها يا ترى حل هندسي أيضا». # قال: «يا أخي لا تمزح.. لقد فعلت هذا مرات كثيرة». # قلت: «صادق.. صادق.. والله أن هذا لذكاء.. لو كان الذي اهتدى إلى الحقائق الهندسية يعرف ~~أن ستستغلها على هذا النحو العملي المفيد ...». # قال: «لقد ورثت هذه الدقة عن أبي.. ولكني لم أبلغ مبلغه مع الأسف.. مع التدرب آمل أن أكون ~~مثله.. إن حسابي الآن - طبقا لهذه الحقيقة الهندسية لا يجيء مخالفا ms070 للواقع إلا بمقدار ~~خمسين أو على الأكثر سبعين مترا فقط.. شيء تافه كما ترى». # قلت: «ولكن هل من الضروري أن يكون المثلث متساوي الضلعين أو لا أدري ماذا تسميه». # قال: «لا.. أبدا.. ليس هذا ضروري..». # ثم شردت نظرته وعلا وجهه السهوم فتركته لخواطره. ولم يلبث أن رد عينه إلي وقال: «أبي لا ~~يكاد يخطئ .. صياد ماهر جدا. وأغرب ما في الأمر أن يقول لك أنه أخطأ الهدف بمقدار متر أو ~~نصف متر أو سنتي.. خرجنا مرة إلى الصيد فأدهشني بدقته وإحكامه.. أطلق البندقية على بطة ثم ~~نظر إلي وقال يا فريد الطلق مر من تحتها على مسافة ثلاث سنتيات.. ثم رمى أخرى وقال يا فريد ~~الطلق مر من فوقها على مسافة ملليمترين.. ورمى ثالثة وقال آه يا فريد هذه طلقة لا مثيل ~~لها.. شعرة فقط بينها وبين البطة.. وهكذا يا أخي.. فهل سمعت بمثل هذه البراعة العجيبة.. ~~مقدار شعرة فقط.. لا أكثر ولا أقل.. تصور الشعرة ماذا يبلغ من سمكها.. ومع ذلك عرف.. استطاع ~~أن يقدر المسافة بين الطلق والبطة على هذا البعد العظيم.. ما قولك. أليس آية..». # قلت: «والله شيء مدهش حقيقة.. ومن أين جاءته هذه البراعة». # قال: «العلم نور يا أخي.. وما فائدة العلم إذا كان الإنسان لا يطبقه ولا ينتفع به في ~~حياته». # قلت: «صدقت.. ولكن هل أبوك يعرف المسافات بين الطلقات وبين الطيور التي لا يصيدها ~~بالهندسة - أعني بواسطة المثلث المتساوي الضلعين أو غير المتساوي الضلعين». # قال: «وهل هذا كل ما في الهندسة.. يظهر أنك نسيت دروسك». # قلت: «كل النسيان.. نسيتها قبل أن أحفظها». # قال: «صحيح. هذا يحدث كثيرا». # قلت: «إنه يحدث دائما». # قال: «لا. أنا لم أنس دروسي قبل حفظها. ولا بعد الحفظ». # قلت: «أنت أعجوبة.. وهل في الناس اثنان مثلك». # فصار وجهه كالجمرة من شدة الحياء والخجل من سماع المدح وكأنما أراد أن يصرفني عن نفسه ~~فقال: «ولكن أبي ليست له مثل هذه الدقة حين تكون الحيوانات أليفة والطيور داجنة». # قلت: «وكيف كان ذلك». ms071 # قال: «إن نظره بعيدا جدا. يبصر كل شيء - أي شيء - على مسافة ميل ولكن إذا كان الشيء ~~قريبا منه صعبت عليه الرؤية الدقيقة وأذكر أنه قام بيني وبينه خلاف على مسافة رجلي ~~الدجاجة». # فصحت به «إيه». # فقال: «لا تصح هكذا.. إننا في مطعم.. فهل تريد أن يلتف حولنا الناس». # قلت: «معذرة.. لقد نسيت أن ههنا ناسا.. الحق أن كلامك استبد بعقلي».. # قال: «أشكرك.. نعم اختلفنا على المسافة بين رجلي الدجاجة.. هو يقول إنها خمسة سنتيات وأنا ~~أقول أنها أقل بكثير.. وأخيرا اتفقنا على قياسها بالضبط والدقة فقال أبي هات الدجاجة فجئته ~~بها.. تناولها من رجليها فقال كيف تريد أن تقيس وقد ضممت رجليها فتناولته من عنقها فصارت ~~تلعب، وتحاول أن تفلت وتضرب برجليها فاستحال قياس ما بينهما ثم سكتت ولكن رجليها بقيتا ~~مضمومتين فاتفقنا على تركها على الأرض وحاولنا أن نغريها بالسكون بقليل من الحب رميناه لها ~~لتلتقطه ولكنها يا أخي كانت لا تسكن أبدا.. حركة دائمة..». # قلت: «لماذا لم تنتظرا حتى تنام وحينئذ يتيسر القياس كما تشاءان». # قال: «والله فكرة». # قلت: «هل تعني أن تقول أنك لم تفكر إلى الآن أيكما المصيب وأيكما المخطئ». # قال: «بالطبع أبي هو المخطئ.. ألم أقل لك أن نظره بعيد». # قلت: «آه صحيح..». # قال: «طبعا». # قلت: «طبعا». # وكانت هذه نهاية الحديث في يومنا ذاك فعدت إلى البيت وقيدته لئلا أنساه. # الفصل الرابع عشر # | النحو # النحو، علم لا أعرف منه إلا اسمه، وما أكثر ما أجهل وأضأل ما أعرف ولو كنت وجدت من ~~يعلمنيه لتعلمت وما قصرت، وكيف بالله تنتظر مني أن أعرفه بالفطرة والإلهام..؟ # كان أول من قيل لنا أنه معلم نحو رجلا قاسيا سيء الطباع سريع البادرة، وكانت له عصى ~~قصيرة من الخيزران يدسها في كمه حتى إذا أمن أن يراه الناظر أخرجها وسلطها عل أجسامنا ~~الصغيرة وأهوى بها على أيدينا، وجنوبنا، ورؤوسنا فلا يتركنا إلا بعد أن ينقطع نشيجنا وتخفت ~~أصواتنا وتذهب عنا القدرة على الصراخ والاستنجاد فلم يكن أبغض إلينا من ms072 درسه. # ومن المضحك أن ذلك لم يكن يخيفا منه أو يزيدنا إلا إلحاحا في معابثته، وكنت أنا أثقل ~~التلاميذ عليه وأبغضهم إليه، لأني كنت - وأحسب أني مازلت - شيئا صغيرا جدا وخفيفا ~~مستدقا لا أستقر في مكان ولا أزال أنط من هنا إلى هنا ولا يكف لساني عن الدوران. فكان ~~نصيبي من هذه العلقات النصيب الأوفر وحظي هو الأجزل. # وكان الناظر فيه سذاجة عجيبة لم تفتنا نحن الأطفال، وكيف كان يمكن أن يفوتنا التفطن إلى ~~سذاجته ونحن مئات من الأطفال لنا مئات من العيون نفحصه بها، ومئات أخرى من الآذان والرؤوس ~~تسمعه وتتدبر أمره وتجسه وتختبره.. فكنت أذهب إليه وأقول له على سبيل الملق والدهان «يا ~~سعادة البك». # فيلتفت بوجهه الكبير إلي ويقبل علي بابتسامته البلهاء فقد كانت الرتبة جديدة وفرحه بها ~~عظيما. ويسألني «مالك يا إمن (بالميم فقد كان أخنف) عبد القادر». # فأقول له «يا سعاد البك الشيخ فلان يا سعادة البك معه عصى يخفيها في كم القفطان ويضربنا ~~بها يا سعادة البك». # وكنت صادقا ولكنه لم يكن يعرف أني صادق غير أنه كان يسمع «سعادة البك» تصافح أذنه مرات ~~عديدة في نصف دقيقة فيطرب ويصرفه الطرب عن التثبت فيقول لي - متأمرا معي - «طيب. رح إنت ~~إلى الفصل وعاكسه». # أي والله كان يحرضني على معاكسة الشيخ المسكين ليضبطه - كما يقال - متلبسا بالجريمة. أو ~~كان يكتفي بأن يأمرني بالعودة إلى الفصل. # ثم يدخل هو ويفاجئ الشيخ بانتزاع العصى من كمه ويوبخه أمامنا - وينصرف. فتصيح أربعون ~~حنجرة جديدة «هيه»! فيكاد الشيخ يجن وينهال علينا ضربا باليدين والرجلين، فتنكشف ~~سراويلاته، فيعلو الصياح من جديد! ولكنه يكون قد تعب وأضناه الجهد وبهر أنفاسه العدو وراءنا ~~فيقف وهو ينهج ويخرج المنديل من جيب القفطان ويمسح به العرق المتصبب ونحن جميعا نتكلم وليس ~~بيننا واحد يصغي إلى ما يقال. # هذا كان أستاذنا في النحو. ولو أنه كان موفقا في التعليم لكان الناظر وحده كفيلا بإفساد ~~الأمر عليه. فقد كان يتظاهر بالعلم بكل شيء وهو لا يعرف ms073 شيئا. فإذا تورط ولم يسعه إلا ~~الاعتراف بجهله. # قال: «جاهل جاهل. لكن إداري تمام». # ومن طريف ما أذكره من نوادره أنه دخل علينا في درس ترجمة وكان المعلم غائبا.ولم يكن هو ~~يعرف ذلك وإن كان فيما يزعم إداريا حاذقا. ولكن سمع ضجتنا العالية فسأل فقيل له أن هذه ~~الفرقة ليس فيها معلم فلم يندب غيره بل جاء هو إلينا بنفسه وبطوله وعرضه وسألنا: «ما لكم يا ~~أولاد؟» # قلنا: «يا سعادة البك المعلم غائب». # قال: «الدرس إيه». # قلنا: «ترجمة يا سعادة البك». # فانشرح صدره واغتبط وأيقن أنه سيظل يسمع منا ما يسره! # فقال: «طيب وإيه يعني؟» # فقلنا: «يا سعادة البك لم نفهم الدرس السابق يا سعادة البك». # فسأل عن هذا الدرس السابق الذي استعصى علينا؟ # فقلنا له أنه كان يحاول أن يعلمنا النفي في اللغتين العربية والإنجليزية ولكنا لم نفهم ~~منه. # فأعرب لنا بعبارات صريحة عن دهشته وتعجبه لوزارة المعارف التي تعين مدرسين لا يحسنون ~~تفهيم التلاميذ. وأكد لنا أنه يعطف علينا لأننا نؤدي للوزارة أجور التعليم كاملة ولا نتعلم ~~مع ذلك شيئا. # ثم قال: «إن المسألة بسيطة، وأن النفي سهل جدا، وأن أدواته في اللغة معروفة وهي «لا ولم ~~ولن إلخ إلخ» والأمثلة سهلة ومعروفة». # وشرع يسوق الأمثلة، فلما بلغ (لم) قال: «مثلا: لم كتب، لم ضرب. لم ذهب»! # فانفجرنا ضاحكين. وكان لنا العذر. وكيف لا نضحك من «لم كتب ولم ضرب»..! # فلما سكنت العاصفة بعض السكون قال يوبخنا ويزجرنا ويعظنا: «تضحكون.. ابكون.. ~~ابكون..». # فلم يبق منا طفل على مقعده من شدة الضحك ولم يسكتنا الخوف منه وإنما أسكتنا الألم الذي ~~صرنا نحسه في بطوننا من الضحك الطويل! # هذا في التعليم الابتدائي. أما في التعليم الثانوي فقد كان أول معلم لي فيه مصابا ~~بالربو، فكان لا ينفك يسعل ويتفل حتى توجعنا بطوننا، ولهذا كنا ننام في درسه أو نهرب منه ~~اتقاء لوجع البطن! # ثم صار لنا معلما آخر وكان سياسيا ولكنه كان في هذا نسيج وحده فكان يغلق النوافذ ليأمن ms074 ~~أن يسمع أحد ما ينوي أن يقول - أعني ما ينوي أن يفضي إلينا به من الأسرار. # ثم يشرع في الحديث فيصف لنا كيف كان الحكم المصري على عهد الخديو إسماعيل ظالما، ~~فنجادله، وينقضي الدرس كله في هذا الجدل العجيب. # ولست أدري لماذا كان يجشم نفسه إغلاق النوافذ. ولو أن الناظر الإنجليزي سمعه لكان حقيقا ~~أن يسر لا أن يغضب ولكني أحسبه كان يفعل ذلك ليكون تأثير كلامه في نفوسنا أبلغ والعجب بعد ~~ذلك أن تلاميذه كلهم صاروا وطنيين متطرفين في وطنيتهم لا خونة لبلادهم كما كان يشتهي هو أن ~~يكونوا. # فممن كنت أتعلم النحو بالله وما الذي كان يمكن أن يغريني أن أتعلمه وحدي. ثم ما فائدة هذا ~~النحو الذي أتعلمه ولم أحتج إليه. # وعسى من يسأل «وكيف كنت تصنع في الامتحانات»؟ # فأقول أني كنت أقرأ ورقة الأسئلة وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم أتناوله وأروح أجمع طائفة ~~من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فأجعل هذا جوابي. ولا شك أنه كان لا يخلو من نقص ولكنه لم ~~يكن خطأ كله. # هذه كانت طريقتي وقد استغنيت بها عن حفظ ما في كتب النحو. وأراني الآن أصبحت كاتبا - وقد ~~كنت في زماني شاعرا كذلك - وقد وسعني هذا وذاك بغير معونة من النحو. بل من غير أن أتعلم ~~العروض. # وأذكر أني وأنا في مدرسة المعلمين العليا كان الشيخ حمزة فتح الله هو الذي يتولى امتحاننا ~~في اللغة العربية - على الأقل في إحدى السنين - وكان من أعضاء اللجنة التي هو رئيسها الشيخ ~~عبد العزيز شاويش وفتح الله بركات بك وأستاذنا في المدرسة وكنا ندخل على اللجنة واحدا ~~واحدا كما هي العادة فأخبرني الذين سبقوني على أداء الامتحان أن الشيخ حمزة عليه رحمة الله ~~يفتح كتاب النحو والصرف ويأمر الطالب أن يسمعه الباب الفلاني وكانت هذه مبالغة ولكنا ~~صدقناها فأيقنت أني مخفق ووطنت نفسي على معركة. وجاء دوري فدخلت فناولني مقدمة ابن خلدون ~~وقال افتحها في موضع واقرأ ففعلت فأمرني أن أضع الكتاب وشرع يسألني عن ms075 كلمة «العدوان» ما ~~فعلها الثلاثي ولماذا يقال «اعتديا» - بفتح الدال للماضي - واعتديا بكسرها للأمر. # فلم أعرف لهذا جوابا فقلت «هكذا نطق العرب وعنهم أخذنا». فألح في طلب الجواب ~~المرضي. # فقلت: «إن اللغة نشأت قبل القواعد. وأنا أنطق وأكتب وأقرأ كما كان العرب يفعلون من غير أن ~~يعرفوا قاعدة أو حكما». # فساءه جوابي ونهرني وخشي الشيخ شاويش العاقبة فقال له «يا مولانا. العصر وجب» فنهض الشيخ ~~حمزة لصلاة العصر وتركني لزملائه فأسرعوا في امتحاني قبل أن يفرغ الشيخ ويعود. # وأحسب أن ما وسع العرب الأولين من معرفة العربية بلا نحو لا يعجز عنه أبناء هذا ~~الزمان. # ومن الميسور فيما أعتقد أن تحل قراءة الأدب العربي محل النحو. # وليس يعجز رجال العربية عن وضع مختارات صالحة لكل سن. # وإذا كان لابد من النحو فليكن ذلك عرضا وأثناء القراءة وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به ~~على الفهم. وعلى ألا يكون ذلك درسا مستقلا يؤدى فيه امتحان. # أما الطريقة التي يتعلم بها أبناؤنا العربية فإني أراها مقلوبة لأنها تبدأ بما يجب ~~الانتهاء إليه ومن ذا الذي يتصور أن صبيا صغيرا يستطيع ان يفهم ما الفعل وما الاسم وما ~~الحرف وإن هذا يكون حكمه كيت وكيت وذاك يجري عليه كذا وكذا وأن هذه الفتحات والضمات ~~والكسرات علامات إعراب أو لا أدري ماذا هي، وأن لفظا يكون مسندا ولفظا آخر يكون مسندا ~~إليه إلى آخر هذه الألغاز التي لا يعقل أني يدركها طفل صغير، بل غني أنا الكبير أردت منذ ~~أيام أن أراجع شيئا فى النحو ففتحت كتابا وقرأت فيه شيئا ثم وضعته يائسا من الفهم ولجأت ~~إلى وسيلة أخرى كانت أجدى علي من هذا الكلام الذي أراه لا يفهم وذلك أني كتبت الوجهين ~~اللذين حرت بينهما واختلط علي الأمر فيهما فلم أعد أدري أيهما الصواب وأيهما الخطأ ثم ذهبت ~~أنظر إليهم فالذي سكنت إليه نفسي أخذت به وتبينت بعد ذلك أن ما أخذت به كان هو الصحيح وأن ~~عيني لم تخدعني وأن نفسي إنما اطمأنت إلى ms076 ما طال عهدها به من الصواب أما ما لم تألفه أثناء ~~مطالعتي فقد رفضته. # والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على خلاف ما هو حاصل الآن فإن أبناءنا يتعلمون ~~العربية كما يتعلمون الإنجليزية أو أية لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم ~~وكثيرا ما يتفق أن يخرج التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية. وليس بعد هذا فشل ~~والعياذ بالله. # واسأل من شئت فلن تجد أحدا لا يقول لك أن اللغة العربية انحطت - أعني ضعف العلم بها - في ~~هذا الجيل ولست أعرف لهذا سببا إلا أن التلاميذ لا يتعلمون اللغة وإنما يحفظون نحوا ~~وصرفا وبلايا كثيرة أخرى مثل البلاغة إلخ لا تعلمهم اللغة وإنما تبغضها إليهم فإذا كان ~~التبغيض هو الغاية المنشودة فلا شك أن المعلمين قد وفقوا إلى ما لا مزيد عليه. أما إذا كان ~~الغرض هو التعليم فخير الأساليب هو الأسلوب الطبيعي الذي يتعلم به الطفل الكلام. # الفصل الخامس عشر # | القطط # القط حيوان مغرور جدا. وله العذر يا أخي والله.. ولو أن أمة من الأمم بدا لها في عصر من ~~العصور أن تعبد أجدادي أو أن تعتقد أن روح الله حالة في أجسادهم لكنت حقيقا أن أزهي وأتكبر ~~وأتغطرس وأرفع رأسي حين أكلم الناس وأزم بأنفي وأتبجح عليهم بما ليس عندي وأتمدح بما ليس في ~~وأكون على العموم - وباختصار - نفاجا فياشا، إذا كنت تفهم ما أعني! # ولست أتخذ القط ولا أحبها أو أطيقها لأن آبائ لم يكونوا ممن عبدوها وآمنوا بحلول روح الله ~~فيها إن كانوا قد عبدوا في جاهليتهم ما هو أحط منها في مراتب الحياة - الأصنام والحجارة - ~~ولكنك تكفر بالحجر فتكسره وتفرغ من أمره، أما القطط فتفيء في أمرها إلى الرشد ولكنها هي لا ~~ترشد أبدا ولا يفارقها الغرور العظيم الذي داخلها مذ رأت نفسها معززة مكرمة - بل معبودة - ~~بلا موجب فالبلاء لهذا مقيم والمصيبة خالدة والعياذ بالله. # ومن غرور القطط أنه لا يستأنس أبدا - يسكن بيتك ويأكل طعامك، برضاك أو على الرغم ms077 منك ومع ~~ذلك لا يكون معك إلا على حرف.. تمسح له شعره فيثني أرجله تحته ويرخي جفنيه ويروح يزوم أو ~~«يقرأ» كما يقول العوام فكأنك تستلم حجرا مقدسا من فرط ما يكون من انصراف هذا الحيوان ~~المتكبر عنك، وتدغدغه فلا يعني بأن ينظر إليك ليرى من أنت - أغريب أم صاحبه الذي يطعمه ~~ويؤويه - بل ينحني عليك بأظافر يده وبفمه في آن معا. وتقدم له اللقمة فينظر إليها شزرا ~~ويعرض عنها محتقرا ويحول رأسه عنك بكبر دونه كبر وترفع لا يطاق حتى لكأنك تغلو في حضرة ~~البابا. فإذا كان ما تعرضه عليه لحما أو سمكا أهوى عليه بأسنانه وهو معبس متجهم وانتزعه ~~منك كأنما أنت تدنسه بلمسه أو حمله. # ولا يكون معك أبدا إلا متحرزا متوثبا متوقعا منك الغدر ومتهيئا لمباغتتك بالخيانة. ~~وليس أطغى منه ولا أغلظ كبدا. # وما أظن بالقارئ إلا أنه رأى ما يصنع القط بالفأر وكيف يمسكه بين يديه حتى يكاد يميته من ~~الفزع ثم يطلقه ويقصر عنه فيقف الفأر المسكين جامدا لا يتحرك ولا يكاد يصدق أنه حر وأن في ~~وسعه أن يذهب ويجري. والقط ساكت لا يمد إليه يدا ولا يبرز مخلبا فيطمئن الفأر ويشرع في ~~الهرب وهو يتلفت حتى إذا وثق أنه آمن وثب عليه القط وهو يضحك في سره وغرس في جنبه مخالبه ~~وراح يشكه بها شكا يكون خفيفا تارة وثقيلا أخرى ثم يكف عنه مرة أخرى - وعينه عليه - ~~ويكتفي بأن يربض ويتربص له وأن يلاحظه وهو يتلوى من الألم. # ويدرك الفأر أن الشك قد انقطع وإن كان آخر ما لقي منه لا يزال شديد فيتشهد ويقول «يا ~~حفيظ. أعوذ بالله.. على وجه من أصبحت في يومي المنحوس هذا يا ترى.. على كل حال.. الحمد ~~لله.. قدر ولطف.. ترى أين ذهب هذا الوحش الضاري.. يا حفيظ يا حفيظ. الله استرنا.. المهم ~~الآن أن أذهب إلى جحري فإنه على ضيقه خير ألف مرة من ميدان هذه الغرفة التي لا آمن أن يثب ~~علي فيها قط ms078 آخر - والعياذ بالله». # ويتوكل المسكين على الله يقول «هيه. يا معين ويروح يجر رجليه رجلا بعد رجل، وذيله مسحوب ~~وراءه على الأرض، ولا تبقى له قدرة على التلفت من فرط الإعياء ومن كثرة ما نزف منه من الدم ~~القاني، فيمضي إلى الجحر وهو لا ينظر إلى اليمين ولا إلى الشمال ولا قدامه ولا خلفه، حتى ~~إذا قارب الجحر وانتعشت نفسه قليلا وعظم أمله في النجاة والسلامة وطول العمر وهم بوثبة ~~أخيرة إلى حيث لا تدركه القطط ولا تستطيع أن تتبعه إذا بالقط المتربص على ظهره ومخالبه في ~~لحمه الطري فيدرك الفأر اليأس ويستسلم ويقول في سره وهو يؤكل عسى الله أن يعوضني يوم النشور ~~دارا أخرى لا قطط فيها.. ويلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يحلم بجنة الفيران. # والقطط تولد عمياء مطبقة الأجفان فيدركنا العطف عليها وترق قلوبنا لها فنعني بها ونتعهدها ~~ونسقيها اللبن الذي هو لطعامنا ونبرها ونسرها سنة بعد سنة ونفرح بها ونعجب بمنظرها ونباهي ~~الجيران، ثم يتفق أن نخرج يوما وأن توصد الأبواب ونحن لا ندري أن القط في إحدى الغرف ونغيب ~~شيئا ثم نعود إلى البيت ويدخل أحدنا حجرة النوم ليخلع ثيابه فيغلق الباب وراءه كعادته وإذا ~~بالقط على السرير ويتحفز للوثوب عليه وتمزيق لحمه - ما في ذلك شك - فكأنه ليس أمام قط صغير ~~وإنما هو أمام نمر مفترس فيضطرب الرجل وتتخلخل ركبتاه ولا يعود يعرف أين الباب والقط يموء ~~بل يعوي ويتوثب كالمجنون وقد نسي كل ما كان من سابق النعمة ولم يبق له هم إلا الخروج من ~~الغرفة أو افتراس هذا الذي دخلها عليه وإن كان سيده وصاحب الفضل عليه. # وقد لقيت من قطط الجيران الأمرين فما أحب القطط كما أسلفت. وما أكثر ما يحدث أن أنسى ~~نافذة مفتوحة أو بابا مواربا فيدخل القط ويمضي إلى أواني الطعام ويكشف عنها الغطاء - أي ~~والله ولو كانت من النحاس الثقيل - ويلتهم كل ما بقي.. # وقد كان لي جيران ما رأيتهم قط ينامون إلا بعد أن يغلقوا الأبواب والنوافذ ms079 ~~جميعا.. # وكنت أضحك إذ أسمع رب بيتهم يصيح في الليل - والصوت في الليل يسري - «يا حنيفة.. هل أغلقت ~~باب المطبخ» فتصيح حنيفة من مرقدها والنوم يغالبها «أيوه يا سيدي..» فلا يقتنع ويخشى أن ~~يكون الكسل قد أغراها بالكذب فيقول «يحسن أن تقومي وتستوثقي وبعد قليل اسمعه يؤنبها ويقول ~~لها «ألم أقل لك هذه النافذة لم تكن محكمة الإيصاد.. وهذا الباب.. أنظري.. لو دفعه إنسان ~~بيده لانفتح» فتحلف أنها أوصدت كل الأبواب والنوافذ فيقول «لا يا بنتي.. دوري قبل النوم على ~~كل باب وكل نافذة وامتحني كل منفذ بيدك لتتحققي». ~~«وكنت أعجب لهذا المتفزع وأسأل نفسي عما يخيفه وهو في عمارة لها بواب لا ينام إلا بعد أن ~~يدخل كل السكان يغلق بابها بالمفتاح ويضعه - أعني المفتاح لا الباب - في جبيه. # فإذا تأخر أحد السكان احتاج أن يدق ويقرع الباب.. ثم زال عجبي لما بلوت قطط الجيران.. ~~وأيقنت أنه لا يخاف اللصوص وإنما يخاف القطط.. وله العذر. # والعامة تعتقد أن للقط سبع أرواح وما أظنهم إلا صدقوا ومن كان يشك في ذلك فيتأمل كيف يسقط ~~القط من فوق السطح العالي فلا يزيد على أن ينظر يمنة ويسرة - فإن في القطط تحرزا شديدا - ~~ثم ينهض ويمضي كأنما كان قد انحدر على بساط كهربائي. وتضربه بالحجر فلا يهيبه بل يرتد عنه. ~~وهو مثال الفردية الصارخة والأثرة المجسدة. # وما رأيت قطتين اتفقتا قط وما اجتمع قطان في مكان إلا تحفزا للقتال فترى كلا منهما قد ~~رفع ذيله وقوس ظهره وراح يجس الآخر بعينه وهو يزوم ويقول «واووووووو» ويدور حوله ليغافله ~~وينشب فيه أظفاره. # والقطة هي الدابة الوحيدة التي تأكل صغارها فتأمل ذلك. ومن كان يعرف أن حيوانا مستأنسا ~~آخر يفعل ذلك فليخبرني فإن العلم بهذا ينقصني. # ومن غرور القط أنه يعتقد أن ريقه ترياق فتراه يضطجع على جنبه ويلوي عنقه ويقبل على شعره ~~بلسانه ويلحسه ولا يخجل أن يستحم على هذا النحو أمام الناس بل لعله يباهي بذلك ويفخر قبحه ~~الله. وهو مفطور على ms080 الغدر والخيانة فلا أمان له ولا اطمئنان منه لأحد من الخلق ولا لشيء من ~~الأشياء فهو لهذا سيء الظن حتى إنك لتراه إذا صار على رف أو لوح من الخشب يخطو كأنهما هو ~~يمشي على الجمر فيضع كفا وينتظر ويخيل إليك من وقفته أنه يختبرها بكفه ويقدر مبلغ ثباتها ~~وقدرتها على احتمال ثقله . # ثم يمد يده الأخرى وينتظر شيئا زيادة في الاستيثاق ومبالغة في الحذر ولا يجد ما يبعثه ~~على الشك ومع ذلك يظل يتريث حتى تزهق روحي وأنا أنظر إليه وإذا رابه شيء رد يده وسحبها من ~~موضعها بسرعة وخفة ولو كان الإنجليز قد خلقوا قبل القطط وسبقوها إلى الدنيا والحياة لقلت أن ~~القطط أخذت ذلك عنهم وقلدتهم فيه فإنهم مثلها يقدمون على الشيء متحرزين ويخطون خطوة ثم ~~يقفون ينظرون ما يكون فإذا جرت الأمور على غير ما يحبون أو يتوقعون ارتدوا بخفة وبسرعة وإلا ~~نقلوا رجلا أخرى وهكذا فيظهر أنهم هم الذي يتقيلون القطط ويحاكونهم في هذا والله ~~أعلم. # ولم يسرني قط وجود قط في بيتي إلا مرة واحدة وكان قطا ملعونا لا يزال كلما أوينا إلى ~~مضاجعنا يتسلل - لا أدري من أين - إلى المطبخ ويرفع غطاء كل وعاء ويقلب كل صحن ويروح يعبث ~~بما في المكان. # وليست نقمتي عليه من أجل ما يسرق فقلما يجد شيئا في المطبخ لأن عادتنا أن نأكل كل شيء ~~ولا نبقي شيئا قبل أن ننام فلا نبيت الأوعية والصحون إلا فارغة نظيفة والحمد لله الذي لا ~~يحمد على مكروه سواه. وإنما نقمتي عليه من أجل الضجة المزعجة التي يحدثها والصحون والأطباق ~~التي يكسرها فنهب مذعورين من فرط الضوضاء ونذهب نعدو إلى المطبخ عسى أن ندرك شيئا قبل أن ~~يتحطم وإذا بالقط اللعين يثب من الرف حين يرانا إلى النافذة دفعة واحدة. # وأقسم أني كنت أغلقت النافذة واستوثقت منها قبل أن أنام كما رأيت جاري يفعل ولكن من ~~يصدق. # وتروح زوجتي تكذبني وتزعن أنى لا شك أهملت كعادتي أو أني اكتفيت بأن ألمس ms081 النافذة بيدي ~~وباركها ثم قفلت راجعا وأنا واثق أنها ستغلق نفسها بقدرة الله ومن غير حاجة إلى ~~معونتي. # ونظل في هذا الخلاف السخيف الذي سببه لنا القط إلى الصباح. # واتفق يوما أن دخل علينا قط ضخم بلا استئذان فهممت بطرده إذ حسبنا ما يصيبنا من القطط ~~بالليل. # ولكني لمحت قطا آخر واقفا بالباب يشاور نفسه ولم أكد أراه حتى كانت المعركة ناشبة بين ~~القطين وكانا يدوران وذيلاهما مرفوعان وكل منهما يتحين الفرصة للوقوع في خصمه وكانت ~~أصواتهما المنكرة كأنها المسامير في آذاننا ولكنها كانت لهما كموسيقى الحرب على ما يظهر ثم ~~اشتبكا بعد أن وزن كل منهما صاحبه وأخذت المخالب تطول وتنغرز في أجسامهما والأسنان تساعدها ~~وكانا يتقلبان على الأرض - أعني على البساط - وهما يتصايحان بصيحات الحرب وأنا واقف من فرط ~~السرور أشجعهما وأستحثهما وأقول للذي أراه يفتر منهما «عليك به أغرز مخلبك في عينه.. افقأها ~~له ليعمى ولا يعود يرى النافذة.. برافو.. برافو.. أحسنت هكذا تكون البطولة وإلا فلا.. ~~أيوه.. أعد.. أعد.. بارك الله فيك.. مزق جلده.. أسلخه.. تمام.. مضبوط.. عضه.. عضه.. يا ~~أبله.. لا لا لا.. لا تبعد.. عد إليه تذكر الدجاجة التي خطفها وحرمني وحرمك لذتها.. تذكر - ~~إذا كنت لا تعبأ بالدجاج - الفيران الطريقة السمينة التي يصيد كل ليلة ويأكل لحمها الغريض ~~ويشر دمها القاني.. # أقدم يا شيخ. أقدم.. أو لم تسمع بقول الشاعر الحكيم «وفاز بالطيبات الفاتك ~~اللهج».. # وهكذا صرت أهيجهما حتى أوسع كل منهما صاحبه عضا ونهشا ولاذ أحدهما بالفرار.. ولكن ~~الغريب أني لم أرد ما يسيل أو يقطر ولم تأخذ عيني تمزيقا في جلد أحد القطين على الرغم من ~~عنف القتال.. فهل كان هذا مزاحا.. ومهما يكن من ذلك فقد استرحت من القطط المتلصصة بعد هذه ~~المعركة ولله الحمد.. وبقيت الفيران قوانا الله عليها إنه سميع مجيب.. # الفصل السادس عشر # | التنكر # قلت مرة لنفسي: «لماذا لا أخرج للناس متنكرا كما كان يفعل الولاة والسلاطين والخلفاء ~~وفيما تحدثنا الروايات أو الخرافات؟» # وليست لي رعية أتفقدها، ms082 ولا لي شعب أتعهد مرافقه ومراشده، ولكن هذا الخاطر استبد بي مع ~~ذلك فلم يسعني إلا أن أجري معه إلى حيث يومئ؛ والتنكر فن، وإتقانه لا يتسنى إلا بالتدرب، ~~ولكن قلت إن الله ركب لي في وجهي عينين أنظر بهما، وعندي مرآة تستطيع أن تريني هل وفقت أو ~~أخفقت، وفي وسعي أن أعيد التجربة مرة وأخرى فلا أبرز للناس إلا وأنا مطمئن القلب. # وقد كان. اشتريت لحية كثة طويلة - شبرا وبعض شبر إذا أردت الدقة - وشاربين وحاجبين، ~~ومسحوقا أبيض أنفضه على شعر رأسي، وشرعت أجرب - أعني ألصق هذه الأشياء بوجهي وعيني على ~~المرآة وكنت أوصد الباب علي، وأنا أفعل ذلك، لأضمن الوحدة، ولأني اعتزمت أن أجعل التجربة ~~الأولى في بيتي. فلما وثقت أني قد أحكمت التنكر، وأني أستطيع أن أقوم وأقعد وأمشي، وأحرك ~~رأسي، وألمس لحيتي، وافتح فمي، وأرفع حاجبي على هيئة المستغرب، وأضحك وآكل وأشرب من غير أن ~~تسقط اللحية أو ينحرب أحد الحاجبين عن قوسه أو يتدلى شارب،على حين يبقى الآخر مفتولا - خرجت ~~على أهلي، وعلى وجهي هذه الأشياء. وفي يدي عصا غليظة أتوكأ عليها وقد تقوست قناتي من الهرم، ~~فلم تكد تقع علي العيون في مدخل الباب حتى صرخت أمي وجدتي وأسرعتا فسترتا وجهيهما عن هذا ~~الشيخ الغريب؛ وكان أخي الصغير معهما فوثب إلى قدميه وصاح بي يسألني أنا من؟ ويأمرني أن ~~أخرج. وينعتني بقلة الحياء وسوء الأدب ويهددني بالشرطة، وأنا أقول له بصوت يرعش من الكبر ~~وما يجره من الضعف «حلمك، حلمك يا بني!» فيأبى أن يكون حليما، ولا يعبأ بشيخوختي، ولا ~~يترفق بوهني البادي، ويدفعني عن الباب فأكاد أسقط على الأرض فإنه صبي قوي، وأنا شيخ هرم ~~أقوم على العصا، فلم تبق لي حيلة إلا الخروج من البيت كما أمر ... # خرجت مطمئنا واثقا؛وإذا كان أخي ابن أمي وأبي - لم يعرفني فكيف يعرفني الإخوان والخلان؟ ~~ومن ذا الذي يمكن أن يفطن إلى أن هذه الغابة التي زرعتها حول وجهي وسترت بها شبابي جليبة؟ ~~وكان انخداع أخي ms083 - لا أمي ولا جدتى - هو الذي أراح بالي، ونفى عني الخوف لأن فزعهما ~~واستحياءهما منعاهما أن ينظرا ويحدقا؛ أما أخي فامره مختلف جدا، وقد كان يمسك بكتفي ويهزني ~~ويدفعني ويحقد في وجهي متعجبا لجرأتي منكرا لتطفلي. ومع ذلك لم يعرفني! # ومضيت إلى شارع الدواوين، وكنا - أخواني وأنا - نختلف إلى «قهوة» فيه ، ونقضي هناك بعض ~~الوقت، نشرب «الخشاف» ونتبارى في لعب «الطاولة» ونصغي إلى الفوتغراف وننظر إلى الرائحين ~~والغادين فلقيت في بعض الطريق أحد هؤلاء الإخوان، فوضعت يدي على كتفه وابتسمت له وقلت: «هل ~~تستطيع يا بني أن تدلني على لاظ أو غلي». # فقال: «يظهر أنك لست من أهل الحي؟! هذا هو أمامك مسافة مائة متر لا أكثر». # قلت: آه! لعن الله الشيخوخة! وقاتل الله الضعف! مائتا متر! يا سلام! أقول لك.. ربنا ~~المعين ... نعم ربنا المعين». # وهممت بأن أنصرف عنه، فقال: تسمح بأن أتناول ذراعك وأساعدك على السير قليلا؟» # فدعوت له بخير، وبشرته، وأكدت له أن الله سيجزيه أحسن الجزاء، وتركت له ذراعي، وسرنا معا ~~بعض الطريق، وأنا أدب بالعصا وأقول من الضعف «إه! إه» كما يفعل الشيوخ الذين انقطعت ~~أنفاسهم، فقد كانت اللحية التي لففت فيها وجهي عظيمة جدا وبيضاء كالقطن. وبلغنا «القهوة» ~~المألوفة فهمست في أذنه بصوت خافت: «أقول لك يا بني؟ سأستريح هنا قليلا.. نعم فإن العجلة ~~من الشيطان، ولا خير في أن يحمل المرء على نفسه ويكلفها فوق وسعها». # وجلست إلى أقرب مائدة ووضعت العصا عليها واضطجعت مغمض العينين حتى انتظمت أنفاسي وسكن ~~اضطراب صدري، وهدأت دقات قلبي، ثم التفت إلى صديقي وقلت «الله يرحم أيام الشباب!! هل تعرف ~~يا بني؟ لقد كنت أصعد درجات السلم - مائدة درجة - خمس مرات أو ستا في اليوم، جريا بلا ~~تمهل أو ترفق؛وكنت أستحم في الشتاء القارس البرد من بئر في البيت، مرتين. مرة في الفجر ومرة ~~في العصر؛وكنت أستطيع أن التهم نصف الخروف وحدي فضلا عن غيره من الألوان.. أين هذه الأيام؟ ~~إيه؟ # وتنهدت: فقال: «يظهر أنك كنت قويا ms084 متين الأسر في شبابك!» # قلت: «قوي؟ ولو لم أكن قويا في شبابي لما عشت إلى هذه السن. أنا أقول لك. كنت أتناول ~~عيدان القصب. سبعة وأربطها ثم أتناولها من الطرفين وأضرب بها ساقي، فتنكسر.. أعني العيدان ~~هي التي كانت تنكسر لا ساقي بالطبع.. هأ هأ.. تنكسر ولا تبقى قشرة واحدة تصل قطعتي عود.. ~~فهل تستطيع الآن - وأنت شاب - أن تصنع هذا؟» # فهز رأسه وابتسم، فقلت: «وعلى الرغم من ضعفي الظاهر وشيخوختي العالية، لا أزال محتفظا ~~ببعض القوة، ولولا أن الدخان قطع نياط قلبي لما رأيتني أنهج.. احذر يا بني أن تعتاد ~~التدخين! إنها نصيحة شيخ مجرب. نصيحة لوجه الله. نعم لا تزال في القوة باقية.. هذه يدي.. ~~أقبض عليها. احتفظ بكل قوتك وانظر». # وفتحت له كفي، ومددت غليه ذراعي فتناول يدي كماي فعل المرء عند المصافحة، ثم قبض عليها ~~وقبضت على يده، وضغط وضغطت. ثم بدت عليه الدهشة، وقد نسيت أن أقول إني كنت وما زلت قوي ~~الذراعين جدا إذا اعتبرنا ضآلة جسمي، وكل قوتي في يدي، فلا عجب إذا كان قد دهش، فقلت له: ~~أرأيت؟ ألم أقل لك؟ وتصور كيف كنت خليقا أن أكون لولا الدخان الملعون؟ لقد خرب صدري من سوء ~~تأثيره». # وسحبت يدي وفركتها فقد كانت ضغطته قوية لا رفق فيها قبحه الله؛وجاء في هذه اللحظة واحد ~~آخر من إخواني وكان كثير العبث، فوقف ينظر إلينا ويعجب، ثم سأل صاحبه بصوت عال كأنما كان قد ~~وثق أني أصم. # من هذا الرجل الفظيع؟ # قال: «هذا شيخ يستريح. اسمع. (لي) أعطه يدك ليمتحن قوتها.» # فقلت: «لا يا بني. تعبت.» # وقال اللعين الواقف: «ماذا تصنع بكل هذه اللحية؟ أليس في بيتك مقص؟ أو مخرطة؟ أو ~~منشار؟» # فخطر لي أن أمازحه - وليتني ما فعلت - فقلت: «لا فائدة. وما غناء المقص؟؟ إنه يتقصف إذا ~~لامسها.. والمنشار ما حيلته في هذه الخيوط الحديدية؟؟ لا.. لا تطمع في محوها، فقد أعياني ~~أمرها مذ جئت إلى هذه الدنيا. وقد كنت حين بدأت أتعلم المشي بعد ms085 الحبو أتعثر بها.» # فقهقه اللعين ثم مد يده إليها وتناول شعرات منها وفتلها كما يفتل الحبل وأنا صابر جامد لا ~~أتحرك مخافة أن أرتد برأسي فتتزحزح عن موضعها أو تسقط في يده، وكنت أبتسم أيضا لأتألفه ~~وأخجله عسى أن يكف عن لحيتي فأطمعه حلمي، فكف عن فتل الشعرات ، وتناول منها قبضة، فاضطربت ~~وجذب هو، أو ارتددت أنا - لا أدري - فإذا هي في يده؟ # وقلت بعد أن سكتت العاصفة: «ما قولكما الآن؟ ألم أخدعكما؟» وبدأت أقلد نفسي وأقول: «هل ~~تستطيع يا بني أن تدلني على لاظ أوغلي؟ لقد قطع الدخان أنفاسي، فيحسن أن أستريح هنا برهة. ~~احذر يا بني الدخان فإنك ترى ما صنع بي. والآن أعترف أني كنت بارعا.» # فقال اللعين: «بارع؟ أنت كنت بارعا؟ لقد عرفتك على بعد عشرة أمتار. يقول إنه كان بارعا؟ ~~وأين المغفل الذي يمكن أن تخدعه هذه اللحية السخيفة؟. وعلى فكرة. ألا تنوي أن تخلف الشاربين ~~والحاجبين؟ فانا أخاف أن يجتمع علينا الأطفال ويتدخل الشرطة وتسوء العاقبة بهما». # فنزعتهما، فما بقيت إليهما حاجة بعد زوال اللحية، ولكني لم أستطع أن أصدق أن يكون قد ~~عرفني كما زعم بعد أن نكرني أهلي - وأخي على الخصوص. وقد أعياني أن أعرف الحقيقة، فسكت. ~~وآليت بعد ذلك ألا أبرز للناس إلا في جلدي الذي خلقه الله لي ... # الفصل السابع عشر # | بركة «الإمام» ...! # كان هذا منذ أكثر من ثلاثين عاما، وكنت يومئذ مدرسا للترجمة في المدرسة السعيدية ~~الثانوية، وأقبل الامتحان العام - للبكالوريا والكفاءة - وعقدت له لجان شتى عينت، كغيري، ~~مراقبا أو ملاحظا في إحداها وكان أخي طالبا، وعليه أن يؤدي الامتحان في إحدى هذه ~~اللجان. # واتفق أن دعيت أسرتنا كلها إلى عرس قريب لنا، بيته مجاور لبيت صهري، فذهبنا مغتبطين ~~جذلين، ولكني كنت في قرارة نفسي مشفقا من سهر الليل، وكيف يؤدي أخي امتحانه وهو لم ينم؟ ~~وكيف أقوى أنا على المراقبة والكرى مرنق في عيني؟ غير أني لم أر لي حيلة، فتركت الأمر ~~للمقادير. # وألفيت في بيت قريبنا هذا ms086 نفرا من الإخوان، فانتحيت بهم ناحية من الحديقة، وجلسنا بين ~~الخضرة والماء، نسمر ونضحك، والعريس وأبوه يلحان علينا أن نخرج فنكون مع الجمع الحاشد لنسمع ~~غناء الشيخ يوسف المنيلاوي - بلبل زمانه، ونحن نأب كل الإباء ان نتزحزح عن مكاننا لجماله، ~~ونطلب أن يقدم إلينا الطعام، حيث كنا بلا كلفة. # وجاء - قبل الطعام - رجل من أهل طنطا لا أعرفه، يرتدي جبة وقفطنا وطربوشا مثل طرابيشنا ~~نحن «الأفندية»، وعليه لفة مزركشة، فحيا وقعد، وكان له معرفة ببضع الإخوان، فصفق أحدهم ودعا ~~بالقهوة - قهوة البن - فلما أقبل الخادم بإبريقها في يد، والفناجين في يد، وصب من ذاك في ~~هذه وناولنا، مال أحد الإخوان على الرجل الطنطاوي وسأله: «معك خلطة؟» # ولم أكن أعرف ما «الخلطة» يومئذ، فسألت عنها، فقيل لي: إنها عنبر ومسك.. ولا أدري ماذا ~~أيضا، قطرات منها تطيب بها القهوة، فقلت: هاتوا إذن من هذا المسك والعنبر، فأخرج الرجل ~~زجاجة صغيرة، ومددنا أيدينا بالفناجين، فجعل يصب قطرات لكل واحد منا، فنشكره. # وكنا جلوسا على الحشايا والوسائد فوق سجادة على الخضرة ن فحسوت حسوة من فنجانتي، فكرهت ~~طعمها على لساني، فقد كانت كلها زيتا ثقيلا - أو هكذا خيل إلي - فأرقت ما بقي في الفنجانة ~~على الخضرة، وصحت بالرجل الطنطاوي: «ما هذا يا شيخ السوء؟ متى كان العنبر والمسك شرا من ~~زيت الخروع؟» # ومضمضت فمي بالماء، وجيء بالطعام، فأقبلنا عليه كأن لنا عاما ما طعمنا فيه شيئا، وأكلنا ~~ما لا يحسب الحاسب، وما كنت أنهض عن المائدة حتى شعرت بكظة مزعجة، فذهبت أتمشى بين الشجر، ~~ولكني أحسست بدوار، فعدت إلى مكاني وملت بشق على الأرض، فإذا بها تدور كرأسي، وترقص أيضا، ~~وتعلو بي وتهبط، ففزعت، وانتفضت قائما، وقد أيقنت أني لا محالة ميت ما لم أفرغ ما في جوفي، ~~وعبثا حاولت أن أفعل ذلك. على فرط اجتهادي، فجزعت، ولم يبق عندي شك في أن الذي صبه لنا ~~الرجل الطنطاوي على القهوة من هذه «الخلطة»، ليس إلا نوعا من المخدرات «كالمنزول»، فآليت ~~لأخنقنه قبل أن ms087 أموت! وهمت به، وأنا كالمجنون، فحالوا بيني وبينه، وصرفوه، بالتي هي أحسن، ~~أو بالتي هي أخشن - لا أدري - فما أخذته عيني بعد ذلك! # وجاءوني بليمون زعموا أن عصيره يفسد فعل هذه «الخلطة» فلم انتظر حتى يعصروه، وخطفته من ~~أيديهم، وجعلت آكله بجلده، ثم قصدت إلى باب الحديقة وأشرفت على حشد المدعوين وتخت الشيخ ~~يوسف، وقلت أتسلى بالنظر والسماع، ولكن كنت لا أري شيئا واضحا، وكان «قوس» الكمان يبدو لي ~~كأنه يرسم في الجو دوائر ومربعات ومستطيلات، وكان صوت الشيخ يوسف كالطبل في أذني، فعدت ~~أدراجي وانطرحت على الأرض، وكنت أغيب عن وعيي ثم أفيق، والقوم حولي كأنهم أصنام، لا ينطقون ~~ولا يتحركون. فأدركت أنهم مثلي أو شر مني حالا، سوى أنهم أقوى أجساما أو أقدر على ~~الاحتمال، أو لعلهم اعتادوا هذه «الخلطة» فهم لا يتأثرون بها كما تأثرت! # ودعوت أحدهم - وكان أهل بيته مدعوين في العرس فالبيت فارغ - أن يذهب بي إلى داره، وأن ~~يعبث في طلب طبيب، فهز رأسه وبقي حيث هو، وعاودني الإغماء لحظة، فلما أفقت ورأيت أني باق ~~حيث كنت، تبينت أن لا أمل في معونة من هؤلاء القوم، أشرت إلى خادم لمحته خارجا وطلبت أن ~~يجيئني «بخلطة» أخرى: سكر وخل.. فاستغرب ولكنه جاءني بما أمرت، فأذبت السكر في الماء، ~~وخلطته بالخل، وشربت وقمت أعدو إلى ركن في الحديقة، فكان الفرج. فقد اضطربت نفسي ورمت ما ~~فيها يتبع بعضه بعضا، حتى خفت أن لا ينقطع. # ونمت بعدها ساعات، فلما كان الفجر. قمت إلى بيت صهري لأغتسل وأتهيأ للخروج إلى لجنة ~~الامتحان، لأضمن ألا يتخلف أخي عن امتحانه، وخلعت ثيابي لأستريح قليلا. # وإذا بي أرى أخي كالمجنون يصيح بكلام غير مفهوم، وكان رأسي لا يزال ثقيلا مما مر بي في ~~ليلتي، فسألته عن الخبر، فإذا هو معذور، ذلك أن خادما في بيت صهري سرق سترته وحذائه، وسرق ~~بنطلوني وطربوشي، فصار من المستحيل علينا أن نخرج من البيت، فما لنا فيه ثياب أخرى، ولا ~~جئنا إلا بما على أبداننا ms088 فما العمل؟ لقد ذهب اللص بثيابنا، وكأنما تعمد أن يسرق منها ما ~~يكفي لمنعنا من الخروج. وكيف بالله يخرج أخي بغير سترة وحذاء؟ وكيف أخرج بغير بنطلون ~~وطربوش؟ # وأضحكني هذا، فإنه أشبه بالنكتة، أو بما يسميه العامة «المقلب». # ولم يبق إلا أن نحاول أن نستعير من بعض الجيران ثيابا نعود فيها إلى بيتنا، وهناك نستطيع ~~أن نرتدي غيرها، ويذهب كل كنا في سبيله. # وفعلنا بعد عناء، فقد كان الناس نياما بعد طول السهر، فأزعجناهم وكلفناهم شططا، ولكن ~~المضطر يركب الصعب. # وقد نسيت أن أقول أن بيت صهري كان على «تخوم العالمين» وعلى مقربة من مسجد الإمام الليث ~~بن سعد، فارتدينا الثياب المستعارة، وتوكلنا على الله، ومررنا بالمسجد، ووقف أخي يقرأ ~~الفاتحة، لعلها تنفعه في «الامتحان» ببركتها: وكنت أنا مغيظا محنقا، فلم يخطر لي أن أقرأ ~~لا الفاتحة، ولا سواها، وإني لأنظر وإذا بالخادم قاعد على باب المسجد. # ولم أعرفه في أول الأمر، لأنه كان في ثياب غير معهودة نكرته في عيني - ثيابنا ~~المسروقة. # فلما استثبت جذبته من ذراعه فنهض، وعدنا به إلى البيت ونزعنا ما عليه من أشيائنا، ثم ~~سألناه: فاعترف أنه سرق - وهل كنا ينقصنا أن يعترف؟ - قال: إنه لما بلغ المسجد أحس أنه ~~مقيد، وألفى نفسه يجلس على الباب، ولم يستطع بعد ذلك أن يبرح مكانه! # فقال كل من سمع هذه القصة إنها بركة الإمام؛وقلت أنا في سري: لعل هذا هكذا، فما أدري، ~~ولكني أحسب أن إيمان هذا الخادم بما لأولياء الله الصالحين من البركة والسر، قد فعل فعله، ~~وكان له أثره حين مر بالمسجد، فاضطرب وارتبك، ولزم مجلسه حائرا، وكبر في وهمه أن «الإمام» ~~قيده وأقعده عن الحركة. # وقد أصرت زوجتي يومئذ - رحمها الله - على أن تصنع «خبزا وفولا» لفقراء «الإمام»، وهل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فلم أعترض. وكيف كان يقبل مني اعتراض؟ # الفصل الثامن عشر # | في رأس السنة # دهش الثلاثة ووقفوا حيث هم - آذانهم مرهفة، وأحداقهم ثابتة وأنفاسهم معلقة، وكان الليلة ~~ليلة العام الجديد - أو رأسه ms089 - وقد تهيأ حامد للخروج ولبس ثياب السهرة وأدار الراديو وراح ~~يتمشى في الغرفة المفتوحة، فيمضي بها إلى العشاء والرقص والمرح. # وكانت الإذاعة في تلك اللحظة رواية متخيرة، ولكن حامد لم يكن باله إليها، وإنما أراد أن ~~يغرق ضجات الطريق المتقطعة في ضجة أخرى أكبر لأنها أدنى لا تنقطع ولا تفتر فيألفها ويتسنى ~~له أن يفكر، بعد أن تسكن أعصابه إلى وقعها المتصل، في أمره مع جارته، وفيما ينبغي أن يصنع ~~ليحمل أباه العتيق الطراز على الرضى بما تقتضيه حياة العصر الجديد. ولم تكن به حاجة إلى ~~أبيه، ولكنه لم يكن يريد أن يفسد بينهما الحال ن أو أن يضيف إلى عبء السنين التي يحملها، ~~عبء الشعور بخيبة - إذا وسعه ألا يفعل، وكان أبوه في تلك اللحظة قد دخل بالمفتاح الذي أعطاه ~~إياه حامد ليروح ويجيء كما يشاء. ولم يشعر به حامد لأن خواطره كانت تستغرقه، ولأن الراديو ~~كان أعلى من يسمح بالالتفات إلى باب يفتح أو يغلق، ثم لأن الرجل لم يكد يرد الباب حتى وقف ~~مذهولا فقد سمع ضحكات نساء ولغط رجال، وكان ريفيا ساذجا فيه ورع وتقوى، يعرف الراديو ~~ويصغي بخشوع إلى ما يذاع من كتاب الله وقد يتفق أن يسمع بعض المقطوعات الموسيقية، ولكنه لم ~~يشهد في حياته رواية تمثل، ولم يخرج عن عادته في التبكير في النوم إلا في الفلتات القليلة، ~~فإذا كان قد وقف الآن مستغربا منكرا فلا شك أنه كان معذورا. ولم يكن يفهم شيئا من ~~الأصوات التي تتأدى إليه أو يفطن إلى دلالة الكلام. # وكان المذيع يصف حركة «الروليت» بعد أن توضع النقود وتذهب العجلة تدور وتخفت الأصوات ~~انتظارا لوقوف الكرة عند الرقم السعيد ولكن الرجل لم يكن يعرف أن هذا مذيع يصف للسامعين ما ~~لا يرون، بل كان يظنه أحد رفقاء حامد ابنه في سهرة جمع فيها طوائف شتى من الرجال والنساء - ~~نعم والنساء فما في هذا شك.. أليست هذه امرأة تقول: «أسرع يا ميمي. أسرع.. بين ال7 وال ~~8..». # وهذا صوت رجل ms090 يصيح: «لا لا لا.. هذا من حق لولو.. نعم فقد رأيت ما حدث.. البك نقل الورق ~~عن موضعه بكلمة وهو لا يدري». # وها هي الفتاة تعود إلى الكلام مرة أخرى وتقول: «مرسي يا حبيبي.. ميل مرسي». # فيقول الرجل الأول - هو بعينه بالتأكيد فإن الصوت واحد: «العفو.. لقد رأيت كل شيء وإذا ~~كنت تسمحين بأن أقدم إليك نصيحة رجل مجرب فنصيحتي أن تكفي عن اللعب فإن مثل هذه الغلطة تكون ~~في العادة إيذانا بانتهاء حظ اللاعب». # لعب.. نصيحة.. حظ.. نساء ورجال.. ما معنى كل هذا يا ترى؟؟ في هذا وقف الرجل المسكين يفكر ~~وكان يفكر في شيء آخر هو هل يدخل فيعرف الحقيقة كائنة ما كانت؟ أو يخرج فيدع ابنه لشأنه؟ ~~ولكن كيف يستطيع أن يخرج ويدع ابنه؟.. وكيف يدخل ومعه نساء غريبات؟؟ # ولم يكن هذا الأب الساذج هو الحائر الوحيد في تلك اللحظة، فقد كان هناك رجل آخر من طراز ~~غير طرازه وجد باب المطبخ مواربا فتسلل منه ودخل على أطراف أصابعه وفي مرجوه أن يخفف عن ~~صاحب البيت وعن نفسه أيضا - ولم يكد يبلغ باب الدهليز حتى صافح سمعه هذا اللغط الكثير ~~المنبعث من غرفة الاستقبال، ولم يكن كالآخر ساذجا، فلم يلبث أن فطن إلى أن هاهنا ناسا ~~يقامرون فسمرته الدهشة والحيرة، فقد كان يظن البيت خاليا فإذا هو عامر، بل غاص بالخلق. ~~وكان سبب حيرته أن وجود هؤلاء اللاعبين جميعا يجعل فرصة الغنم في ليلته هذه أكبر. والورق ~~أخف محملا وأخفى أمرا وحامله أقل تعرضا للاعتقال، ولكن كثرة الموجودين يجعل تعرضه للوقوع ~~في المحذور، أشد، فماذا يصنع؟.. أيأخذ بالأسلم فيعود من حيث جاء؟ أم يذعن للإغراء فيبقى؟ ~~ولاسيما والأرجح أن القوم يشربون وبعد قليل يسكرون؟ على أن الأمر خرج من يديه فقد جاء ~~اللبان في هذه اللحظة ووقف بباب المطبخ كعادته ورفع صوته بكلمة واحدة ولكنها طويلة ممطوطة ~~«لبن!» فريع الرجل ووثب ودار حول نفسه، فقال اللبان: «اللبن.. عايزين لبن الليلة؟» فمشى ~~إليه الرجل كالمضروب على أم رأسه ms091 فعاد اللبان يسأله «عايزين لبن ولا إيه؟. ما ترد!» # فأفاق الرجل وأشار إليه وقال: «هس.. هس» فاستغرب اللبان وقال: «هس إيه؟. عايز لبن؟ أنت ~~مين قبله؟ # فألهم أن يقول: «أنا الخدام. الجديد». # فقال اللبان: «طيب ما تقول كده من الصبح. عايز كام؟» ~~- «واحدة». # فناوله سلطانية ووقف ينتظر وصاحبنا ينظر إلى الدهليز ثم قال: اللبان: «ما تجيب أمال خليني ~~أروح لحالي». # فقال المسكين «أجيب؟ أجيب إيه؟» ~~- «حق السلطانية!» # فألهم مرة أخرى أن يقول: «الصبح. عندنا ضيوف. ما أقدرش أنادي سيدي الوقت». # فمضى اللبان ومسح الرجل عرقه ووقف يستعيد انتظام أنفاسه وقد دار برأسه أن خير ما يصنع هو ~~أن يخرج وراء اللبان وأمره لله في هذه الليلة المنحوسة. ولكن القدر أبى إلا أن يعد له ~~مفاجأة أخرى أدهى وأمر. # ذلك أن الفتاة كانت قد وصلت ونقرت على حافة النافذة فخف إليها حامد وانثنى على النافذة ~~يقبلها ثم اعتدل وهم بأن يقول لها أنه سيخرج لها حالا، وإذا بها تستوقفه وتسأله: «من ~~عندك؟» وتشير إلى الدهليز، فقد رأت بابه يفتح ويختفي فيه شبح، فعجب حامد لسؤالها ونفى لها ~~أن أحدا عنده ثم نظر إلى حيث كانت تنظر، محدقة، فخيل إليه أنه يسمع أصواتا فقال انتظري ~~وخرج ... ولكنها لم تنتظر فقد كانت فتاة عملية وكانت تحب حامدا وتقرأ الروايات البوليسية ~~فجمع بها خيالها وجسم لها الأمر، وأوهمها أن خطرا عظيما قد أحدق بفتاها، فذهبت تعدو إلى ~~أقرب شرطي وجرته من ذراعه جرا فقد كانت خطوته بطيئة وهي تريد أن تطير. # وفي أثناء ذلك كان حامد قد خرج فألفى أباه واقفا وراء باب الشقة فقال حين رآه يا شيخ ~~ظنناك لصا! # فسأله أبوه: من «عندك؟» فخطر لحامد أن هذا هو، الليلة سؤال الناس كلهم فضحك وقال: «لا ~~أحد. لماذا لا تدخل؟ لماذا تقف هكذا؟» # وتذكر أن الفتاة واقفة عند النافذة ولم يدر كيف يفسر لأبيه وجودها - نعم يستطيع أن يقول ~~أنها جارته - وهذا صحيح - وأنها مرت به، فوقفا يتبادلان التحية، ولكن أباه رجل محافظ ms092 ثم إنه ~~يريد أن يعرف أباه بها أحسن تعريف. # على أن تفكيره في هذا لم يطل فقد سمع حركة في المطبخ فمشى إليه مستغربا وضغط زر الكهرباء ~~فإذا صاحبنا الذي تركناه هناك حائرا بين البقاء والهرب يمد يده إلى سلطانية اللبن وقد خطر ~~له أن خير ما يصنع هو أن يأكلها قبل الخروج فلا يكون قد خرج من المولد بلا حمص كما يقول ~~المثل. # وبقيت يد الرجل ممتدة لا هي تصل إلى السلطانية ولا هي تنثني إلى صاحبها فقال حامد: «ماذا ~~تصنع هنا؟» # فتلعثم قليلا ثم قال «جوعان». # قال حامد «أهو ذاك؟ ومن أين دخلت؟» # قال: «رأيت اللبان داخلا فلما خرج وقفت أنادي فلم يرد أحد فدخلت». # فمال حامد إلى تصديقه، وكان مستعجلا، فقد ترك الفتاة عند النافذة قال: «طيب كل واخرج. ~~خدها كلها على السلم». # ودفعه وأغلق الباب وراءه وهم بأن يعود فسمع وقع أرجل ولكنه لم يعبأ بذلك وكر راجعا إلى ~~الغرفة فإذا أبوه واقف ينظر إلى الراديو ويضحك فلم يفهم ومضى إلى النافذة وأطل فلم ير أحدا ~~فالتفت إلى أبيه يريد أن يسأله ثم آثر العدول وسمع دقا على باب المطبخ وصوتا ناعما ~~يناديه فذهب يعدو وفتح الباب وإذا به يرى شرطيا ضخما مفتول الشاربين وفتاته والرجل بينهما ~~وفي يده السلطانية فارغة فارتد حامد خطوات وقال: «ما هذا؟» # قالت صفية: «لقد صح ظني. الحمد لله». # فقال حامد ببلاهة: «تفضلوا.» وأفسح لهم الطريق «ولكن لماذا الشرطي؟» # فقال صفية وهي تدخل: «لماذا؟ أو تسأل لماذا؟ ألا تعلم لماذا؟ اللص يا روحي». # فكاد يضع يده على فمها ولكن أباه كان قد دخل فلم تبق ثم فائدة. # وقال حامد: بابا. هذه صفية. جارتنا. بنت أحمد بك. لا ليس هذا لصا. أنا أعطيته السلطانية ~~ليأكلها». # فقال الشرطي: «إذا كان الأمر كذلك فلا داعي لوجودي. سعيدة» وخرج وهو ينظر إلى صفية نظرة ~~محنق. # وقالت صفية: «شرفت يا عمي». # فتمتم الرجل وهو مطرق وقال حامد: «أ. أ. نحن. أعني صفية وأنا. أ... خطيبان. واتفقنا ms093 على ~~الزواج. بعد موافقتك طبعا.» # فدنت منه صفية ومالت على كتفه وهمست في أذنه «قل إنك موافق». # فقال الرجل: «أنا متوضئ إبعدي قليلا». # فضحكت وقالت: «إذا لم توافق فإني أنقض لك الوضوء.» # ففزع الرجل ونهض قائما وقال: «لا لا لا احذري. الدنيا برد وأنا رجل كبير ضعيف وأريد أن ~~أصلي العشاء». # فقالت له: «قل أولا أنك موافق. وإلا. هه». # فلوح الرجل بذراعه وقال: «أنا مالي! مفلوقين في بعض.. فين السجادة يا حامد..». # الفصل التاسع عشر # | في النسيان # أعوذ بالله من قولة «أنا» ولكني مصاب بنفسي وهذا عذري. وشر ما أصبت به منها النسيان وحسبك ~~به بلاء عظيما. وقد صرت بفضله أو من جرائه - امرءا له الساعة التي هو فيها فأعفيت من ~~الهموم كما أعفيت من اللذاذات أو المسرات ومن ذكرياتها الحلوة. # ولا أسف على ذلك فقد تكافأ الربح والخسارة. ولو أراحني الناس كما أراحتني نفسي لتمت لي ~~السعادة في هذه الدنيا الدنية. # ويبلغ من نسياني أني أكون ذاهبا إلى فراشي في الليل فأراني أقف أمام السرير مترددا ~~حائرا لا أدري ماذا جاء بي إلى هنا.. أهي علبة السجائر أم أريد المعطف أو العباءة هذا في ~~الشتاء - أم ماذا يا ترى.. ثم أستخير الله وأقول لنفسي «نم يا شيخ وأرح نفسك من عناء ~~المحاولة فما فيها فائدة». # وأرقد على فراشي فتدور في نفسي معان وتمثل لذهني صورا أتعلق منها بما يروقني فأغمض عينين ~~- وقد قررت وأقول إن شاء الله في الصباح أكتب الفصل أو أرسم الصورة أو أقص القصة.. وأقرأ ~~الفاتحة للموتى وآية الكرسي ليحفظني من العين وأنام. # ويطلع الصبح فأستيقظ مع الدجاج فإذا بي قد نسيت كل شيء وإذا بالصور والمعانى قد مسحت ~~بقدرة ربك من اللوح ولم يبق منها ولا أثر ضئيل يدل عليها ويهدي إليها ويساعد على رجع ما ولى ~~منها فاتعزى بأن الذي لا أجده لا يزال هناك وأنه غاب ولكنه لم يمح وقد تنتعش الذاكرة فجأة ~~فيطفو ما رسب. # ويتفق أن أقف أمام المرآة لأسرح شعري ms094 أو أسوي ربطة الرقبة أو أفعل غير ذلك من الشئون التي ~~تحوج في العادة إلى المرايا - وإن كنت أنا أستطيع ذلك كله بغير معونتها - حتى إذا صرت ~~أمامها ووقفت متعجبا متسائلا «لماذا يا ترى أنظر في المرآة، وأرفع يدي إلى جبيني وأفركه ~~وأحاول أن أتذكر ولكن الأمر يعييني فأهز رأسي وأمضي لشأني. # وأقول وأنا ماض إلى عملي اليومي أني سأكتب كيت وكيت ويشغلني ذلك طول الطريق وأصعد إلى ~~مكتبي وألتقي إخواني وزملائي ويجر اللقاء إلى التحدث في أمور شتى من عامة وخاصة حتى إذا خلا ~~المكان وتناولت القلم وأقمت سنه على الورقة رأيتني أتساءل في أي شيء كنت أنوي أن أكتب يا ~~ترى.. وكيف أمكن أن أنسى بهذه السرعة العجيبة وقد كنت مشغولا به طول الطريق.. وأحتاج أن ~~أبحث عن موضوع آخر.. ومن يدري.. فقد يكون الموضوع الذي أهتدي إليه بعد العناء هو بعينه الذي ~~نسيته وأنا أحسبه غيره. # ومن كثرة نسياني تحتاج الخادمة أن تحاسبني كلما هممت بالدخول أو الخروج فإني أفقد مناديلي ~~لأني أنسى أين أتركها أو ألقيها ولا أذكر ماذا صنعت بها. وزوجتي تعدها مسئولة عن هذه ~~المناديل التي لا ينتهي الخلاف عليها ولا ينقطع الجدال من جرائها. فأنا أزعم أني تركتها حيث ~~ينبغي أن تترك هذه الأشياء والخادمة تنفي ذلك وتؤكد أني لم أفعل - بأدب طبعا - وتقسم أنها ~~عدتها فألفتها ناقصة. وزوجتي تحدق في وجهي وتسألني هل أكون مستريح الضمير إذا صدقوني. ومن ~~وصل الأمر إلى الضمير والذمة فإنه لا يسعني إلا أن أتردد وأقول بالأرجح والمعقول كأنها قضية ~~منطقية. # فتشير زوجتي إلى الخادمة وتقول «يكفي.. إذهبي يا بنت» فتذهب البنت ولكنها تواجهني حين أهم ~~بالخروج وتسألني كم منديلا معي فأصيح بها «أوووه.. وهل أنا أعرف.. سبحان الله العظيم ألا ~~يمكن أن يستريح المرء في هذا البيت.. ما معنى هذا التعطيل.. تنحي من فضلك». # فتقول: «أرجو أن تعدها». # فأقول: «وما الفائدة ما دامت تضيع.. هه» وأخرجها من الجيوب وأعدها وأقول «ثلاثة» مثلا ~~فترجوا ألا أن أنسى ms095 أنها ثلاثة فأقول «طيب.. طيب». # وتفتح لي الباب وأنا عائد وتسألني عن المناديل فأخرج ما أحمل منها وأرمي به إليها وأمضي ~~عنها فتدركني وهي تصيح وتقول «هذه أربعة.. من أين الرابع؟» # فأتعجب وأقول: «من أين جاء.. ماذا تعنين.. ربما كنت اشتريته». # فتقول: «ألا يمكن أن تكون أخذت منديل صديق وأنت.. أنت..». # ويمنعها الأدب والحياء أن تنطق باللفظ فأنوب أنا عنها وأقول «ذاهل. أليس كذلك. كلا لم ~~يبلغ الأمر هذا الحد». # فتلح وتقول: «ولكن من أين جاء إذن». # فأقول متململا: «أووووه. إن شكواك لا تنقطع من أن المناديل تنقص وأنت الآن تزعمين أنها ~~زادت واحدا فاحمدي الله إذن وأريحيني». # ولكني لا أرتاح لا منها ولا من ستها ولا من الأطفال ولا أزال أرى من يجري ورائي منهم ~~ويخبرني أني نسيت الجورب أو لبست اثنين مختلفين أو تركت الطربوش ويوشك أن أخرج برأسي عاريا ~~إلى آخر هذه التوافه التي لا أعرف لها آخرا. # وأحسب أن نسياني إنما يشتد لأن رأسي لا يخلو من شيء يدور عليه تفكير ويستغرقني ذلك حتى ~~لأذهب عما عداه وقد كانت أمي - عليها رحمة الله - تتعجب لأمر وتقول لي «يا بني ما الذي يطير ~~عقلك». # فلا يعجبني هذا وأقول معترضا «إن عقلي لم يطر. ثم إن هذا غير معقول. أم تظنينه ~~حمامة». # فتقول غير عابئة بملاحظتي «لم يكن أبوك هكذا. ولا أنا مثلك. إنك لا تتذكر شيئا ~~أبدا». # فأقول: «أني من صنعكما - أنت وأبي المحترم - فأين ذنبي بالله». # فتقول مستاءة: «لماذا لا تتكلم خيرا». # فأقبلها وألثم يدها وأسترضيها وأقول معتذرا «ماذا أصنع إذا كان ربي قد خلقني هكذا. واسع ~~خروق الرأس. كالغربال القديم». # فتبتسم وتدعو لي الله أن يرد علي ما غرب من عقلي فأتقبل دعاءها بالشكر وأمري إلى ~~الله. # والأم تحتمل ابنها وتصبر على ما يكون من ذهوله ولا تسيء به الظن وليست هكذا الزوجة فإنها ~~تحمل ذلك على غير محمله وتؤوله بأنه قلة اكتراث وعدم مبالاة وأن الرجل لا يفكر فيه ولا يفرض ~~لها وجودا ولا ms096 يقيم لها وزنا إلى آخر هذا الهراء. وهي سليمة لا تخونها الذاكرة فليس في ~~وسعها أن تدرك بلاء النسيان وأن تعذر المنكوب به. ومن العبث أن يقول لها المرء أن كثرة ~~المشاغل هي التي تطير من الرأس كل ما عسى أن يكون فيه إذن لماذا لا يشغل الرجل بها هي ولا ~~ينسى ما عداها هي.. هذا هو المشكل. # وما دخلت البيت مرة إلا شعرت أني لابد أن أكون قد نسيت شيئا أوصتني به زوجتي فأقول لنفسي ~~سترك الله.. وعونك أيضا «وقد أكون مخطئا ولكن الخطأ لا يمنع الشعور الثقيل وكثيرا ما ~~يتفق أن يكون ظني في محل فلا تكاد ترى وجهي الناطق بتوقع اللوم حتى تبتدرني بقولها «بالطبع ~~نسيت». # فأقول وأنا أتكلف الضحك: «أي والله.. صدقت.. الحق أن فراستك قوية». # فتقول: «وما العمل». # فأسأل متحرزا: «في أي شيء». # فتقول: «في أن تذكر. كيف نحملك على التذكر». # فأقول: «اربطي لعبة في رجلي فاضطر أن أتذكر كلما سمعت كركرتها». # فتقول: «إني جادة». # فأقول: «نكتب الشيء في ورقة وأضعها في جيبي أو مع الساعة». # فتقول: «وتنساها في جيبك. وتخرج الساعة فترى الورقة فترميها وأنت ذاهل». # فأقول «فأقول» ألبسيني الجاكتة مقلوبة.. أزرارها إلى الخلف». # فتهز رأسها وتقول آسفة «كلا.. لا فائدة.. الأمر لله.. لو كان شيئا يعالج.. ولكنه مستعص.. ~~لا علاج له». # فأقول متشهدا: «صدقت يا امرأة.. أما والله إنك لمنصفة.. جزاك الله خيرا وقواك على ~~احتمالي». # وأعترف أني كثيرا ما أنتفع بالمعروف المشهور من نسياني فإذا سألتني عما لا أريد أن أبوح ~~لها به أو أذكر الحقيقة فيه تظاهرت بالبلاهة وقلت: «وهل أنا أعرف.. وأين العقل الذي ~~يتذكر..». # وما قرأت كتابا إلا نسيت ما فيه - نسيته جملة وتفصيلا. حتى اسمه واسم كاتبه وقد أعود ~~إليه فكأني ما قرأته ولا سمعت به فهو في كل مرة أعود فيها إليه جديد ولو كنت قرأته عشر مرات ~~وهذا نافع لأن فيه اقتصاد. وكم من كتاب اشتريته ثم نسيت أين وضعته ثم يتفق أن أعثر عليه ~~فأقف ms097 مستغربا متسائلا أتراني قرأت هذا الكتاب من قبل.. أم لم أفتحه.. على كل حال.. ~~الأمران سيان.. توكلنا على الله». # وأحسب هذا يجعل العلم والجهل سيين ولولا أني أعرف أن ما أقرأ لا يضيع وإنما يختفي لأغراني ~~ذلك بالانقطاع عن القراءة لقلة ما يبدو لي من فائدتها المحسوسة. # الفصل العشرون # | الحظ المعاكس # الذين يعتقدون أنهم مضطهدون في الحياة وأن كل من في الدنيا وما فيها من ناس وأشياء ~~يناوؤهم ويكيد لهم ويناصبهم معذورون وإن كان الأطباء يقولون أن هذا مرض فقد تتوالى المصادفة ~~على وتيرة واحدة لا تختلف أو تتنوع حتى يكبر في وهم المرء أن هناك عمدا. فيروح بعذر ابن ~~الرومي الذي حكوا أنه كان إذا رأى النوى مبعثرا أمام البيت يرتد داخلا ويقعد عن التصرف في ~~يومه ذاك إيثارا لطلب السلامة مما يتوهم أنه لا محالة ملاقيه من السوء والشر. # حدث يوما أني بكرت في القيام من النوم وليتيسر لي أن أكتب ما ينبغي أن أكتب في ذلك اليوم ~~ثم أخرج لقضاء عدة حاجات لا سبيل إلى إرجاء واحدة منها. فأما الكتابة فاستحالت لأن الآلة ~~الكاتبة تعطلت لعلة لم أستطع أن أهتدي إليها ولأني لم أجد في البيت كله لا حبرا ولا قلما ~~ولا شيئا مما يستطيع المرء أن يكتب به فابتسمت - فما بقيت لي حيلة - وقلت «صدق المثل. باب ~~النجار مخلع» وحدثت نفسي أن هذا يفسح الوقت لقضاء الحاجات الأخرى فارتديت ثيابي وخرجت من ~~الشقة متوكلا على الله فلم أكد أضع رجلي على الدرج حتى زلت قدمي ونهضت متوجعا على يدي ~~ورجلي فقد هاضني الاصطدام بالدرجات وحدثت نفسي أن ساقي على الأقل لا ينقصها هذا الرض الجديد ~~ثم نفضت التراب عن ثيابي - بحكم العادة فإن السلم نظيف - ومضيت متحاملا على نفسي إلى « ~~الجراج» ولكن السيارة أبت كل الإباء أن يدور محركها ولست حديث عهد بالسيارات ولا أعرفني ~~عجزت عن علاج حرانها إذا كان لأسباب عارضة ولكن الأمر استعصى علي في ذلك الصباح حتى كدت ~~أجن فتركتها واستأجرت سيارة ms098 وفي ظني أنها أسرع من الترام وما إليه فلم نكد نقطع كيلو واحدا ~~من الطريق حتى عرض للسائق راكب دراجة خرج فجأة من زقاق فأراد السائق أن يتقي أن يدوسه ويزهق ~~روحه فاصطدم بحافة الرصيف وكاد يقتلني أنا أو يحطمني على الأقل. فأنقدت الرجل ما استحق من ~~الأجر وقلت الترام أسلم وكنا عند محطته فوقفت ثلث ساعة أنتظره وهو لا يجيء لسبب لا أدريه، ~~وأنا أحتمل المشي مهما طال ولكني لا أحتمل الوقوف خمس دقائق فأحسست أن بدني قد تضعضع وأن ~~ساقيي أصبحتا لا تقويان على حملي وإن كنت دقيقا خفيفا - وزنا لا دما - ورأيت مركبة خيل ~~مقبلة فأسرعت إليها وركبتها والقارئ أعرف بمركبات الخيل وأكبر الظن أنه رأى كيف ينام الجواد ~~وهو يوهمك إنه يجر المركبة.. ما علينا.. سرنا دقائق بسرعة كيلو وربع في الساعة وإذا بالترام ~~الذي نفذ صبري وتهدم جسدي وأنا أنتظره يدركنا ويمر بنا كالبرق الخاطف ويتركني أتحسر على ~~العجلة التي صدق من قال إنها من الشيطان لعنه الله.. # وأوجز فأقول إن كل باب طرقته في ذلك اليوم الأسود ألفيته مسدودا وإن أي رجل أردت أن ~~ألقاه وجدته مسافرا أو مريضا فأقصرت خوفا على الباقين الذين كنت أريد أن أقابلهم أني ~~يدركهم الموت. # ولا شك أن ابن الرومي كثرة تجربته لأمثال هذه المصادفات فصار يؤثر اختصار الأمر والنكوص ~~من البداية اتقاءا لمعاناة الخيبة التي مل تكرارها ولم يكن يجد فيها لذة وله العذر. # وأذكر أنه كان معنا في المدرسة الابتدائية تلميذ مجد مجتهد وذكي بارع وكان حريا بالنجاح ~~والسبق في أي امتحان ولم يكن لأحد منا أمل في مزاحمته ولكنه قبل كل امتحان يصاب بمرض يقعده ~~عن أداء الامتحان وكنا نحن على نقيضه لا نصاب بمرض حتى ولا بزكام خفيف، وكان يتفق أن ينذرنا ~~المدرس انه مختبرنا غدا في الجغرافيا فتهبط قلوبنا إلى أحذيتنا فقد كانت الجغرافيا أثقل ما ~~نتلقاه من المعارف والعلوم في المدارس الابتدائية لأنها كانت عبارة عن أسماء خلجان وأنهار ~~وجبال ورؤوس وبلدان ms099 ليس إلا وكان حفظ هذه الأسماء التي لا آخر لها يسود نور الضحى في عيوننا ~~ولا أعلم ماذا كان يفعل سواي ولكني أعرف أني كنت أنشد المرض بكل وسيلة أعرفها فأروح أقف ~~ساعة وساعتين في تيارات الهواء وأصب الماء البارد على رأسي في الشتاء وأترك رأسي مبلولا ~~للهواء وفي مرجوي أن أزكم أو أحم فلا يحدث من ذلك شيء وأضطر إلى الذهاب إلى المدرسة فما بي ~~بأس يصلح أن يكون مسوغا للتخلف وأعاني الاختبار الذي أنذرنا به وألقى جزاء العجز عن ~~الحفظ. # وتمضي الأيام وأنا صحيح معافى وإذا بأحد المدرسين يبشرنا أنه سيذهب بنا إلى حديقة ~~الحيوانات في يوم كذا فنفرح ونعد طعامنا ونمنى النفس بيوم جميل نلعب فيه وننط ونمتع العين ~~بمنظر القرود والفيل ذي الخرطوم - أو أبو زلومة كما نسميه - والأسود. # ويصبح الصباح الذي أحلم به فأهم بأن أرفع رأسي عن الوسادة فإذا به أثقل من حجر الطاحون ~~فأستغرب وأتحسسه فلا أجده مشدودا إلى شيء فأسأل أمي فتقبل علي وتجسني ثم تقول «أنت سخن.. ~~لابد من شربة حالا «فأصيح» ولكن كيف أذهب إلى جنينة الحيوانات إذا شربت شربة «فتقول» جنينة ~~الحيوانات.. أنت مجنون.. نم نم.. لا جنينة حيوانات ولا غيرها.. «فأتحسر وأقول لنفسي» بقي يا ~~ربي تشفيني يوم امتحان الجغرافيا وتمرضني يوم جنينة الحيوانات.. الأمر لله «وأرقد وتجيء ~~الشربة فأتجرعها بكرهي وبعد ساعتين اثنين تهبط درجة الحرارة إلى الحد الطبيعي.. # ومن غرائب الدنيا أن فيها متزوجين يسخطون على نسائهم ولا يريدونهن - ولا يدري أحد لماذا ~~تزوجهن إذن - ورجالا يطلبون الزواج ولا يجدون النساء الموافقات، وفقراء لا يكادون يجدون ~~الكفاف ولهم من البنين تسعة أو عشرة أصحاء يأكلون الزلط كالنعامة، وأغنياء يسر الله لهم ~~الرزق وأدر عليهم أخلاف الثروة يشتهي الواحد منهم أن تكون له طفلة واحدة ولو كانت عوراء أو ~~كسيحة. # وترى بنا دميمات ثقيلات الدم والروح يتزاحم الشبان عليهن ويطرحون أنفسهم تحت أقدامهن وهن ~~لا يردنهن ولا يشجعنهم ويرفضن أن يكن زوجات لهم وأن كانوا صالحين وأحوالهم ms100 حسنة وسيرتهم ~~مرضية. # وترى بنات جميلات رشيقات ممشوقات يفتن العابد بالحسن والظرف وحلاوة الطبع وطيب الحديث ~~وبراعة الذكاء ولكنهن مسكينات لا يرغب فيهن أحد ولا يبالينهن مخلوق ولا يحلم بوجودهن شاب ~~ولا كهل. # قالت لي مرة واحدة من هؤلاء الجميلات المسكينات - أعني المنبوذات - أن أغلب ظنها أن العنس ~~هو كل حظها من الدنيا فتألمت وقلت لها «يا شيخة حرام عليك.. أهكذا كلام تقوله شابة في ~~العشرين من عمرها «هذا اعتقادي. وأي شيء هناك يغري بالأمل.. أن للناس يطلبون المال «قلت» ~~مالك جمالك وعقلك وحسن تدبيرك وأخلاقك الطيبة «قالت» أشكرك ولكنك لن تستطيع أن تحيي أملا ~~مات.. إني أدرى منك..» فتذكرت فتاة هي مثال مجسد للدمامة وثقل الدم وقلة العقل فقلت «إذا ~~كانت فلانة قد وفقها الله إلى زوج صالح كريم.. فقاطعتني وقالت «هذا هو الذي يحدث دائما.. ~~أليس حظ فلانة هذه مدهشا.. من كان يتصور.. اللهم لا اعتراض.. «قلت» إنك مازلت صغيرة فاصبري ~~«قالت» بالطبع.. ثم أنه لا حيلة لي إلا الصبر ولكنه لا يسعني إلا أن أرى وأتعجب.. هل تعرف ~~أن كل من زارتنا خاطبة - وإن كانت لم تصرح ببواعث الزيارة - ذهبت ولم تعد.. وليس هذا فقط بل ~~سمعنا من معارفنا أن هؤلاء الزائرات الخاطبات عبنني بكيت وكيت (وذكرت لي عيوبا ليس في شيء ~~منها) وإن كل حديث جرى مع أبي في أمر زواجي انتهى بالانقطاع بلا سبب نعرفه «فلم يسعني إلا ~~أن أرثى لها. فليس كل ما تعانيه إبطاء الحظ عليها بل شر من ذلك الإيلام الذي يحدثه صدة ~~الخيبة كلما نشأ الأمل وقد كان من أثر ذلك أنها صارت تجنح إلى التمرد أحيانا على المجتمع ~~وعلى حالاته وما يكون بين الناس فيه فلولا أن لها من عقلها وحسن تربيتها وازعا ~~قويا. # وقالت لي مرة وأنا ماض بها إلى بيت خالة لها: «شف. أنا لا أخرج قط إلا مع أبي أو أخي أو ~~معك أحيانا. ولكني واثقة أن ناسا يعرفون وجهي ولا يعرفون صلتك بنا سيرونني اليوم وواثقة ms101 ~~أيضا أنهم سيعتقدون أنك.. أنك غريب.. وأني خارجة معك للنزهة أو.. وأني بالاختصار بنت فاسدة ~~الأخلاق.. وواثقة فوق هذا أنهم سيعنون بأن يذيعوا هذا عني كأن لهم ثأرا عندي.. فما ~~رأيك». # فقلت لأخفف عنها: «المصيبة واحدة.. أنا أيضا رجل تقي ورع أخاف الله وأتقيه ولي زوجة ~~وأولاد. وأنا واثق أن ناسا يعرفونني ولا يعرفونك سيروننا فيقولون كل منهم في سره أو لصاحبه ~~شف. شف. أما أن معه لبنتا.. يا ابن ال..». # فضحكت فقلت: «هذا أحسن.. ليس في وسعنا أن نصلح الكون إذا صح أن به حاجة إلى الإصلاح ولكن ~~في وسعنا دائما أن نتلقى ما تجيء به الحياة بابتسامة حلوة كابتسامتك وأن لم يرزق كل إنسان ~~مثل هذا الفم الجميل». # وهكذا الدنيا دائما.. # الفصل الحادي والعشرون # | في الحب.. # غضبت على ذات دل وحسن. ومن النساء من تدلل ولا حسن لها. ومنهم الجميلة التي لا تدرك قية ~~ما وهبها الله ولكن هذه عارفة مدركة أصح إدراك وأدقه وآية ذلك أنها لا تنفك تؤكد خصائص ~~جمالها وتبرزها بألوان الثياب وأسلوب التفصيل وبطريقة تسريح الشعر وفرقه وبحركاتها ومشيتها ~~ولفتة وجهها والجانب الذي تؤثر أن تمنحكه منه وبابتسامتها وخطرتها ووقفتها وبالصورة التي ~~تعرضها على عينك وهي متكئة على ظهر كرسي أو حافة شرفة إلى آخر ذلك إذا كان له آخر. # وسر هذا الغضب أنها تؤمن بالدلال - كما لا يسعها إلا أن تفعل - وإني أنا أؤمن بقول ~~المتنبي عليه ألف رحمة # زودينا من حسن وجهك مادا # م فإن الجمال حال تحول # وصلينا نصلك في هذه الدن # يا فإن المقام فيها قليل # فلها عقلها وطبيعتها ولي عقلي وطبيعتي ومن أجل ذلك نحن مختلفان متجافيان - تراني فتعرض ~~عني وأراها فأتجاوزها بعيني كأنها ليست هناك وتراجع نفسها أحيانا فتصفو وتقول عفا الله عما ~~سلف وتومئ لي إيماءة خفيفة خفية من الكبر والتردد فأتجاهل وأتعامى وأتباله فترجع إلى شر مما ~~كانت فيه من الغضب والسخط وتمنحني كتفها أو توليني ظهرها. # وتمضي الأيام على هذا التقاطع الشديد - أخرج إلى الشرفة ms102 وتكون هي مطلة من النافذة فتأخذني ~~عينها فما أسرع ما تتناول صراعي الشباك وتغلقهما بعنف لا داعي له سوى أنها تري أن تسمعني ~~صوت الإغلاق لأدرك معناه. وأكون أنا في الشرفة فتظهر في نافذتها أو شرفتها فلا أكاد أراها ~~حتى أعبس وأمط بوزي كان من سوء حظي ألا أستطيع أن أقف في الشرفة دقائق من غير أن تسد الفضاء ~~أمامي. ثم أدور دورة سريعة وأرتد إلى الغرفة ملتمسا الوقاية من جدرانها. # ولم يكن هذا حالنا من قبل بل كنت أقبل عليها فتهش لي وتريني وميض أسنانها والتماع عينيها ~~وكنت ألقاها فتدنو مني حتى لأحس أنفاسها العطرة على وجهي وتضع راحتها البضة على قلبي وتقول ~~لي «كيف حال هذا المسكين الذي لا يمل الدق بل الوثب». # فأقول: «أتريدين أن يمل». # فتقول: «أعوذ بالله.. ما هذا الكلام يا شيخ..». # فأصرف الكلام عن وجهي وأقول «إنه يدق لي ولك فلا عجب إذا كان يتوثب». # فتبتسم لي - في عيني - وتقول «ألا يمكن أن يفتر ذكرك لي - يفتر قليلا - ليرتاح هذا القلب ~~بعض الراحة إنه عنيف الدق وأنا أشفق عليه». # فأقول: «لا تخافي عليه ولا تجعلي إليه بالك.. دعيه يدق فإن هذا عمله وواجبه في ~~الحياة». # ثم نمضي معا إلى حيث يروق القعود ويطيب الحديث وتحلو النجوى ويحسن الغزل ونرجع ضاحكين ~~وننام ملء عيوننا. # وقلت لها مرة: «لماذا هذه المساحيق كلها.. ما حاجتك إليها كيف يمكن أن يفتقر إلى زيفها ~~هذا الوجه الخارج من الفردوس». # فضحكت وقالت «أهو زيف..». # قلت مغالطا: «إنه تأكيد لا حاجة بك إليه». # قالت: «يا خبيث..اعترف أنك تريد أن تقبل فمي وتخشى أن يعلق بشفتيك الأحمر». # قلت: «ألا يكون مجنونا أو أعمى ذاك الذي لا يشتهي أن يقبل هذا الفم الجميل». # قالت: «لا تغالط.. دع العموم إلى الخصوص». # قلت: «أتتعمدين أن تضعي هذا الأحمر إذن». # قالت: «لا. هي عادة ليس إلا..». # قلت ملحا: «أتكرهين أن أقبلك.. أو بعبارة أصرح فإن عفريت الصراحة ركبني اليوم.. ألا ~~تشتهين هذه القبلة التي تقيمين في ms103 سبيلها الحواجز وتضعين الأسلاك الشائكة أو الأصباغ ~~العالقة». # قالت: «مالك اليوم.. ماذا جرى لك». # قلت: «إن الذي جر لي هو هذا.. أنت تعرفين أني أحب فمك.. وأنت لا تكرهين أن أضع شفتي على ~~شفتيك.. وتعرفين أيضا أني شديد الكره لهذا الأحمر السخيف وتعرفين فوق هذا أن إزالته سهلة ~~إذا هو علق بفمي منه شيء يسير أو كثير ولكني مع ذلك أكرهه لله.. # هكذا أنا.. خلقني الله كذلك ولا حيلة لي.. فلماذا تصبغين به شفتيك على الرغم من ذلك.. ليس ~~الأحمر في ذاته هو الذي يضايقني ولكن تعمد وضعه.. إذا كان الدلال هو الباعث على ذلك فإن ~~الدلال ميسور بغير أحمر.. # وعلى أن الدلال حسن وجميل وهو يشحذ الرغبة ويقوي الحب إذا كان في حدود الاعتدال ولم يجاوز ~~المعقول أو المحتمل.. أي ما يسهل على الرجل احتماله بلا عناء شديد أو مرهق.. # ولكن المرأة لا تفهم هذا مع الأسف وهي لا تزال تلح في الدلال وتلح وتلح حتى يسأم الرجل ~~وتنتفخ مساحره ويتعذر عليه الصبر ويضيق صدره فيفتر حبه لأنه يكلفه فوق ما يطيق أو ما يمكن ~~أن تحتمل طبيعته فتذهب المرأة تقول غدر الرجال وعدم وفائهم وتقلبهم ولو أنصفت للامت نفسها ~~ولأدركت أنها هي التي أزهقت روحه». # فقطبت وقالت «أهذا تهديد». # قلت: «وهذا خطأ آخر. فليس فيما أقول تهديد وإنما هو عجب واستغراب يدعو إليهما اختلاف ~~الطبيعتين..». # فقاطعتنى وقالت: «قل إن طبيعتك المتجبرة تريد أن تجعل منى ملهاة لنفسك لاتخالف لك إرادة ~~ولا تعصى لك أمرا..». # فقاطعتها وقلت: «كلا.. ليس هناك تجبر ولا شبهه إنما أشرح لك ما تغريك به طبيعتك وما ~~تغريني به طبيعتي..». # ولا أحتاج أن أروي كل ما قالت وقلت فإن في مقدور القارئ أني يتصور ذلك وأكبر الظن أن ~~تجارب مثل هذه مرت به وعاناها فما تعيش المرأة بغير رجل ولا الرجل بغير امرأة إلا في الندرة ~~القليلة والفلتة المفردة ومتى عاش رجل وامرأة فلامفر من أن تسوقهما الطبيعتان إلى الشجار ~~والنقار في بعض الأحيان. وأكثر ms104 ما يحدث ذلك من جراء توافه لا قيمة لها ولا يجري في الخاطر ~~أن تجر إلى خلاف. # وقدحاولت يومذاك أن ألاعبها وأمازحها بعد فتور الحدة وذهاب السورة ولكن تعبي ذهب عبثا ~~ورجعنا وقد أيقن كل منا أن هناك سرا أعوص لما أبدى صاحبه من الجفاء وضيق الصدر . # ولقيتها بعد ذلك فقلت لنفسي أن العتاب يجدد مرارة الخلاف ولم يكن لي ولا لها مفر من ~~الكلام والنفاق فقد كنا في حفل حاشد من المعارف والأهل، وانفض السامر فناولتها ذراعي وقلت ~~«تعالي فإن بي حاجة إلى الهواء الطلق «فابتسمت فتوهمت أنها نسيت ما كان بيننا أو آثرت مثلي ~~أن تطويه. وإذا بها تقول لي أول ما تقول ونحن في السيارة «إنك مستبد» فعجبت وقلت «كيف.. لقد ~~كنت أظن أني من ألين خلق الله وأسلسهم قيادا «فصاحت بي» أنت.. تقول أنك لين سلس القياد.. ~~أعوذ بالله..». # قلت وأنا أحاول أن أصرفها عن هذا الموضوع الشائك: «طيب.. هنا وسلمنا.. مستبد مستبد كما ~~تشائين.. والآن يا جاحدة.» # وكنت أنوي أن أمازحها ولكنها قاطعتني بسرعة وحدة: «جاحدة لماذا بالله.. هه». # فقلت لنفسي أن ليلتي لا شك سوداء.. وأنا رجل أكره هذا الجدل العقيم ولا يثقل على نفسي شيء ~~مثله ولست أعرف لي صبرا عليه غير أني ضبطت نفسي ولم أدع عنانها يفلت من بين أصابعي. # فقلت: «معذرة.. إني أضحك ولا أعني ما أقول». # قالت: «أعترف أنك مستبد». # قلت: «إذا كان الاعتراف بما ليس في يرضيك فهاأنذا أعترف وأمري إلى الله». # قالت: «كلا.. إنما أريد اعترافا صريحا لا مكابرة ولا تحفظ فيه». # قلت: «فليكن ولكن ما خيره.. ماذا يفيدك أن أقر لك بأني مستبد أما أن هذا لغريب». # قالت: «اعترف والسلام.. لست أريد فلسفة». # قلت: «اعترفنا يا ستي.. فهل راق مزاجك ورق». # فضحكت وقالت «نعم». # قلت: «إذن امسحي الأحمر الذي صبغت به شفتيك أو دعيني أمسحه لك بهذا المنديل.. إنه ~~نظيف». # قالت: «كلا» وأصرت على الرفض والتأبي. # فقلت: «ألا تدركين أنك مغرورة» فاحمر وجهها كأنما أفرغت على ms105 وجنتيها كل ما في الدنيا من ~~الأحمر. # فقلت وتعمدت أن أثقل عليها: «نعم مغرورة.. ولم أكن أحسب شوقي رحمه الله صدق في قوله ~~والغواني إلخ.. تعرفين الباقي.. وأحسبك تتوهمين أن حياتي رهن بأن تمسحي هذا الأحمر.. أو أن ~~روحي معلقة بشفتيك وما يكون أو يكون عليهما من الأصباغ السخيفة.. ثقي أن الأمر ليس كذلك.. ~~إنما أنصح لك بمسح الأحمر لأنه..». # وأمسكت إشفاقا عليها من اللفظ القاسي الذي كان على لساني فسكتت ولم تقل شيئا. # والغريب أنها بعد أن نزلت أمام منزلها وودعتها تعمدت أن تقد هنيهة قبل أن تدخل من الباب ~~وتخرج منديلا صغيرا وتمسح به الأحمر عن شفتيها وفي يدها الأخرى مرآة الحقيبة.. # وكان هذا آخر عهدي بلقائها وكلامها. # ولا تزال المعركة ناشبة وأحسبنا سنمل هذه الحرب الباردة - حرب الشفاه الممطوطة والأكتاف ~~المهزوزة والإشاحة بالوجه والإعراض بالعين وتقطيب الحواجب وتجعيد الجبين إلى آخر هذه ~~المناظر المضحكة ولولا أني لا أعدم القدرة على رؤية الجانب المضحك لانفلقت ولكنت حريا أن ~~ألقي السلاح وأعدل عن الكفاح ولكنها هي متكبرة.. أوه جدا جدا.. وأنا كما تعرف.. دائم ~~الضحك - هذا أولا - وأما ثانيا فإني لا أنفك أقول لنفسي لقد عشت قبل عهدها دهرا طويلا ~~لا تحس بالحاجة إليها ولا تعرف أنها موجودة. وأنك الآن تحيا بغيرها ولا تعدم نعيما تفيده ~~بدونها ومن غير طريقها فماذا ينقصك ولماذا تعني نفسك بالتفكير في الأمر كله.. دع كل شيء ~~للظروف والمصادفة.. وليكن ما يكون.. # ولكن يخطر لي أحيانا أني قد ألقاها ولا أرى على شفتيها هذا الأحمر فماذا يكون العمل ~~حينئذ.. أقول لك.. دع هذا أيضا للمصادفة وإلهام الساعة فإن التدبير هنا قلما يجدي أو ~~يصح.. # ولكن ضحكي يحنقها وابتسامي يثير سخطها وأنا لا أستطيع أن أكره نفسي على التعبيس بلا موجب ~~وهذا هو البلاء والداء العياء فإنها تتوهم أني أسخر منها فتزداد لجاجة في الصد والإعراض. ~~وأحسبني سأظل هكذا أبدا.. أفسد على نفسي متع الحياة بسوء تصرفي وقلة حكمتي فلا حول ولا قوة ~~إلا بالله. ms106 # الفصل الثاني والعشرون # | كلمة عن الشعر # يقول الشاعر: # الشعب صعب، وطويل سلمه # إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه # هوت به إلى الحضيض قدمه # فأما أنه صعب فصحيح، ووجه الصعوبة فيما يبدو لي، أن الملكة وحدها لا تكفي، وأنه لا معدى ~~عن الأداة التي يتسنى بها للملكة أن تظهر وتتبدى، ولكل فن أداته، فأداة الموسيقى مثلا ~~الأصوات المؤتلفة أو المتسقة أو المتجاوبة التي تلائم المعاني المقصودة وتصورها في نفس ~~السامع على قر ما يدخل في طاقة الصوت الصرف أن يفعل ذلك، وأداة التصدير الألوان من بسيطة ~~ومركبة أو متزاوجة، وأداة الشعر تأليف الكلام على نحو يفيد القارئ أو السامع معاني الجمال ~~أو الجلال التي يراد العبارة عنها. # وأما أن السلم طويل فأحسب أن المراد به - أو على الأقل ما نفهم نحن في زماننا أنه المراد ~~به - هو اكتساب المرانة والمرونة في الأداء، فإن كل فن - ككل صناعة - تكتسب المرونة فيه على ~~الأيام، ولا يخلو أمره في البداية من بعض العسر، وأذكر أن المرحوم حافظ إبراهيم كان في مجلس ~~شهدته، فأوحي إليه الحديث الدائر معنى ارتجله في بيتين، فقال له بعضهم «ارتجلتها أم كنت ~~نظمتها من قبل؟» فقال حافظ: لي أربعون من السنين وأنا أنظم الشعر فكيف لا أقدر على ارتجال ~~بيتين اثنين؟ # وقد كان حافظ شاعرا ليس إلا، ولم يكن ممن يعنون أنفسهم بالبحث، ولكنه أصاب في جوابه، ~~الذي نطق به على البديهة، فإن سهولة النظم أو سهولة الإعراب عما يدور في الذهن أو النفس، من ~~ثمرات المزاولة الطويلة، ولا احتاج إلى أن أقول أن السرعة في النظم لا علاقة لها بجودة ~~المعنى أو سموه، فإن هذا شيء آخر مختلف جدا، وإنما أردت أن أقول أن القدرة على الأداء - ~~سواء أكان المعنى جيدا أم سفسافا - تزداد بطول المرانة حتى ليمكن أن يقال أن الأمر من هذه ~~الناحية يصبح صناعة. # وليست العبرة في حسن الأداء ووفائه بكثرة المحفوظ، وإنما هي بالقدرة على تخير الرموز ~~الدالة على المراد أو في دلالة، وكما أن ms107 الغني الواسع الثراء لا يحتاج إلى كلما ماله في ~~مطالب العيش، كذلك لا يحتاج الكثير المحفوظ إلى كل ما حفظ أو عرف، وكل ما تفيده الكثرة هنا ~~هو الخبرة بأساليب التعبير وألوانه، والثقة بالنفس، والاطمئنان إلى توفر المادة، على أنها - ~~أي الكثرة - قد تكون مبعث حيرة؛ أو تغزي بالإسراف والتظاهر والانحراف، فيجني ذلك على الدقة ~~والإحكام، ويشوه جمال المعاني، أو يفقدها جلالها وروعتها، ويصبح الشاعر أو الكاتب أشبه ~~بالمرأة التي تظهر في حفل من الزينة، وتحمل كل ما ملكت يداها من حلي ولو اقتصدت أو آثرت ~~العطل لما كان ذلك ضائرها، ولا كان من شأنه أن يغض من حسنها الطبيعي. # في قصائده ورواياته الشعرية قليلة، ولكنه استطاع بهذا القليل أن يؤدي معانيه جميعا أحسن ~~أداء، وأجمله، وكان جوتيه معاصره وزميله يمتاز بالثراء اللغوي، ومع ذلك لا يخلو كثير من ~~شعره من الغموض المتعب، لا لأنه كان أعمق، فإن العمق ليس عذرا للعجز عن الإبانة. # وما من معنى يدور في النفس بوضوح إلا وفي وسع اللغة أن تكشف عنه، وذلك لأننا لا نستطيع ~~إلى الآن أن نفكر إلا بمعونة اللفظ، فإذا دار في النفس معنى فإنه لا يمكن أن يتضح إلا إذا ~~اتخذ صورته اللفظية، إذ كان لا يمكن أن يتبدى بغير ذلك، أي مجردا من الفظ الذي يكشف عنه، ~~فإذا جاءت العبارة عن المعنى غامضة، فإنما يكون ذلك لأن صاحبه لم يستطع أن يجلوه لنفسه، ~~ولذلك تجيء عبارته عنه مضطربة أو غير دقيقة، أو غير كافية الإبراز المعنى. # ولا ذنب للغة، ولا قصور فيها، لأنك حين تريد العبارة عن شيء، فإما أن يكون هذا الشيء قد ~~تجلى لك ووضح وضوحا تاما، وحينئذ يكون قد اكتسى لفظه، لأنه لا سبيل إلى معنى بغير لفظ ~~يكتسبه، وإما أن يكون هذا الشيء لا يزال غامضا في نفسك، ومعنى ذلك أنك لم تستطع أن تحيط ~~بجوانب هذا الشيء وأن تتبينه على وجه جلي، وأنك لهذا لم تستطع أن تكسوه الثوب الذي يتبدى ~~فيه لك ms108 وللناس. # وليس الشعر «علما» كما يمكن أن يتوهم الذي يقرأ قول الشاعر «إذا ارتقى فيه الذي لا ~~يعلمه». # وعسى أن تكون القافية قد جنت عليه في هذا التعبير، ولو كان الشعر علما لكان أولى بالنبوغ ~~فيه المتأخر دون المتقدم، ولكن الأمر «يكاد» يكون على النقيض، على أنه ليست هناك قاعدة ~~مطردة، فالشعراء ينبغون في عصور البداوة وفي عصور الحضارة على السواء تقريبا، ولا ضابط ~~هناك ولا قاعدة ولا مقياس يعول عليه لأن الأمر في الشعر ليس مرجعه إلى العلم أو الثقافة أو ~~الحضارة، بل إلى المواهب الشخصية وإلى الأحوال الاجتماعية التي تساعد على ظهور هذه ~~المواهب. # والحقيقة الوحيدة التي يمكنني، فيما أرى استخلاصها من تاريخ الأدب في الأمم المختلفة، هي ~~أن نهضة الأدب في بلد ما، تكون إيذانا بنهضة عامة في هذا البلد، في كل باب. # وقد رأينا مصداق هذا في تاريخ اليونان، والرومان، والعرب، والفرس، وإيطاليا وألمانيا ~~وفرنسا وبريطانيا وروسيا، فما من نهضة قومية في بلد من هذه البلاد إلا وقد سبقتها نهضة ~~أدبية. # ولهذا يخيل إلى، وإن كنت لا أستطيع أن أجزم بصحة هذا الرأي أن حالة البداوة لعلها أعون ~~على ظهور المواهب الشعرية، على أني أوثر أن أضيق نطاق هذا الرأي فأقول إن حالة البداوة أعون ~~على رواج سوق الشعر، وأبعث على الإقبال عليه والاستمتاع به، وتعليل ذلك يسير، ولكن شرحه ~~يطول، والمجال ضيق. # ويكفي أن أقول الآن - وإن كان هذا في الحقيقة لا يكفي - أن الشعر في هذه الحالة يكون أشبه ~~بعمل من أعمال الجماعة وأوثق صلة بحياتها العامة، وهو يقترن في هذه المرحلة التي تعد إلى حد ~~ما، بدائية، بالرقص والموسيقى، كما يقترن أيضا بمساعي الجماعة وآمالها ومخاوفها، وقد كانت ~~هذه الفنون الثلاثة في كل جماعة بشرية في هذا الطور، مجتمعة غير مفترقة، أي قبل أن تتحضر، ~~ويحدث فيها التخصص، وكان الموهوب من أفراد الجماعة يرفع صوته بالكلام الموقع على حركة الرقص ~~والذين يتولون الطبل والزمر وغير ذلك، يتبعون الحركة والصوت، ويجعلون نقرهم أو نفخهم ms109 على ~~مقتضى ما يسمعون، ويرون، ويحسون أيضا. # والشعر في هذه المرحلة من حياة الأمة يعد كما قلت - أشبه بعمل من أعمال الجماعة، أو ~~تعبيرا عن آمالها ونزعاتها، والغامض المستبهم من غاياتها التي في نفوسها دون اتضاح. # ولست أظن أني أبعد حين أقول إن الشعر في هذا الطور يكون مستوحى من حياة الجماعة، ومردودا ~~إليها في الوقت نفسه، ومن هنا قال العرب ما معناه إن الشاعر كان لسان القبيلة والمنافح عنها ~~والزائد عن حياضها، ومن هنا أيضا كانت أسواق العرب التي كانوا ينشدون فيها الشعر ويتنافسون ~~في ذلك، إلى جانب التجارة. # ثم تتحضر الأمة فيتحدث التخصص، ويذهب كل فن مذهبه، ولكن الصلة القديمة مازالت باقية، ~~فالرقص لا يستغنى عن الموسيقى، وإن استغنى عن الشعر، والشعر وثيق الصلة بالموسيقى، وإن كان ~~لا يفتقر إلى جماعة ترقص وتصفق، وطبلة تقرع، ومزمار ينفخ فيه، ومع الحضارة واتساعها، صارت ~~الفنون، وفي جملتها الشعر، (ذاتية) وأصبح الشاعر يستمد وحيه من روحه وتجربته، ونوع استجابته ~~للحياة. # فالشعر كان عملا من أعمال الجماعة، أو لعل الأصح أن نقول إنه كان عملا توحي به روح ~~الجماعة وتشجع عليه، وتشارك فيه حتى لقد ضاعت حقوق التأليف في بداية هذا الطور، كما تضيع ~~حقوق التأليف إلى الآن بين جماعات العمال وهم يزالون ما يكلفون، ويستعينون على الجهد ~~المطلوب بالغناء، والإنشاد والترجيع، ثم أصبح - أي الشعر - عملا فرديا ذاتيا، ومازال ~~يستمد بواعثه من روح الجماعة، ولكن نطاقه اتسع وأفقه رحب، وتزاوجت فيه العاطفة والعقل، ~~وتعددت أغراضه ومناحيه، وصارت له أصول وفروع وظلال. # وفي كل أمة، وكل عنصر يظهر الشعراء، ولكن أكثرهم ينسون كأنهم ما كانوا، لأن النبوغ لا ~~يؤتاه إلا الأقلون، ولأن دنيا الشعر - كدنيا الفنون قاطبة - لا يخلد فيها إلا الأعلون، أو ~~الذين يقول فيكتور هيجو إن حرارة نفوسهم تبلغ درجة الغليان التي ما فوقها درجة. وما أكثر من ~~قالوا الشعر في كل أمة، وكل جيل من أجيالها، وما أقل من بقيت حتى أسماؤهم مذكورة. لأن ~~الأواسط لا يحصون وذاكرة الدنيا ms110 أضعف وأضيق من أن تعي غير الأفذاذ. والوسط، كالرديء في ~~ميزانها وحسابها، كلاهما يسقط من الحساب أو يشيل في الميزان. # ولقد أقام مجمعنا مسابقة للشعر فتقدم إليه أكثر من ثلاثين ديوانا، كلها من الوسط، ولا ~~غرابة فى هذا فإن الوسط فى كل باب وكل ميدان هو الجمهور الأكبر، فكان بين أمرين: أن يتشبث ~~بالمثل الأعلى، وذلك عزيز، أو أن يؤثر التشجيع وهو أهدى سبيلا فآثره، ونظر في الشعر الذي ~~عرض عليه متسامحا، وراعى أمرين: الشاعرية والصورة، ذلك أن الشاعرية هبة واستعداد وليست ~~بالذي يكتسب، وإن كانت القدرة على النظم تستفاد، أما الصورة التي تتبدى فيها المعاني - أي ~~الأداء - فملكة واكتساب في آن معا. # وعلى هذا غربل ونخل، واستخلص أربعة دواوين ستسمعون بعد قليل أسماء أصحابها وما فازوا به ~~من جوائز رؤي توزيعها عليهم وقسمتها بينهم لتعذر المفاضلة الصريحة مع التقارب ~~الشديد. # من هذه الدواوين الأربعة ما يجري على النهج القديم أو التقليدي، وما يؤثر نهجا جديدا، ~~وما يتبع القديم حينا وينحرف عنه حينا، ولكن فيها كلها اجتهادا واضحا، وإخلاصا بينا، ~~وكثير مما تركت أجازته ليس دون هذه كثيرا ولكنه كان لابد من مقياس للمفاضلة. وقد قلت أن ~~المقياس هو وضوح الشاعرية وحسن الأداء ووفاؤه، أو على الأقل سلامته من الشوائب. # وإن المجتمع ليرجو أن يكون فيما آثره من التشجيع استحثاث للهمم فإن نهضة الأدب بشير لا ~~يكذب بنهضة الأمة عامة، وما من أمة ينبغ فيها ولو شاعر واحد إلا وذلك إيذانا بأنها قاب ~~قوسين أو أدنى من العزة والمجد.» # الفصل الثالث والعشرون # | الزواج # لا أدري ماذا دها الناس فإني يندر أن أسمع في هذه الأيام بزواج موفق فهل صار نظام الزواج ~~غير صالح لهذا الزمن أم العيب في الناس لا في النظام ولا في الزمن. ولا شبهة في أن للزواج ~~عيوبه فما يخلو شيء في دنيانا هذه من عيب. وأن له لمتاعب وأن مسئولياته لعديدة وثقيلة ولكن ~~النجاة من المتاعب عسيرة في الحياة وأنه ليظن حمقا من يتوهم أنه يستطيع ms111 أن يحيا ويخلو مع ~~ذلك من المتعبات سواء تزوج أم آثر الوحدة والاستفراد وأحسب أن كثيرين من الرجال والنساء ~~أيضا يقدمون على الزواج وهم يعتقدون أنه صفو لا كدرة فيه ومتعة لا تنقضي ولا ينغصه أو ~~يفسدها شيء وحلاوة لا تشوبها مرارة فتخيب آمالهم كما لابد أن يحدث ويضجرون ويتأففون ويشكون ~~وتتلف أعصابهم فلا تعود تقوى على احتمال ما كان ظنهم ألا يكون. وهذا شأن كل من يتناول ~~الحياة بخفة وواجهها بغير ما ينبغي من التهيؤ للاحتمال ومن الاستعداد للتشدد والجلد ~~والمقاومة. # وقد كنت أتكلم في هذا وما إليه مع صديق فقال «الحقيقة أن الزواج نظام ثبت إخفاقه وقلة ~~صلاحه في هذا الزمن» فعذرته لأنه ممن جر عليهم الزواج نكبات كثيرة يشق احتمالها ولكني لم أر ~~رأيه فقلت له: لا تغلط يا صاحبي فإن كل زمن ككل زمن. وهذه الاختراعات الكثيرة لم تغير شيئا ~~من حياة الناس وفطرهم ولم تقلب الحقائق الاجتماعية وما خلا زمن قط ممن يسعدهم الزواج وممن ~~يشقون به ولا من الراضين والساخطين على هذا وغيره من أحوال الحياة ومازال الرجل كما كان ~~والمرأة كما عهدها آباؤنا وأجدادنا عفا الله عنهم ورحمهم.. ومع ذلك قل لي ماذا تطلب من ~~الزواج وأنا أقول لك ماذا ينبغي أن تبلغ به أو ما لابد أن يصيبك من خيره أو شره». # قال: «اطلب الراحة والاستقرار. ماذا أطلب غير ذلك». # قلت: «إن الراحة مطلب لا سبيل إليه في الحياة وهي لا تكون إلا بالموت على أن هذه لا تعد ~~راحة ما دام المرء لا يحسها ولا يدرك أنه مرتاح ولا يعرف حتى صار إليه. والاستقرار كذلك ~~عسير لأن حياتك كلها قوامها التحول والتغير. وجسمك ونفسك وخواطرك وآمالك وشهواتك وكل ما فيك ~~أو لك يتغير بالله يكون هذا الاستقرار وأين السبيل إليه». # قال: «إنما أعني الراحة النسبية والاستقرار بالقياس إلى حياة العزوبية والوحدة». # قلت: «ولا هذه أيضا. إن الزواج ليس أداة لراحة ولا وسيلة لاستقرار أو غير ذلك مما تتوهم ~~وإنما هو نظام. ms112 فإذا كان يوافقك أن تحيا في ظل هذا النظام فتفضل وأهلا بك وسهلا ولكن يجب ~~حينئذ أن تعرف أن له مقتضيات وأن توطن نفسك على الإذعان لها واحتمالها كما يخضع الجند ~~للنظام العسكري ولم يقل أحد أن الجندية سبيل لراحة أو استقرار أو لذة أو غير ذلك مما يجري ~~هذا المجرى وإنما هي نظام تقتضيه حياة الجماعة وكل جندي يقول لك أنه نظام شاق عسير وثقيل ~~الوطأة ولكنه لازم ولابد منه. والفرق بين الزواج والجندية أن الجندي يعلم أنه داخل في نظام ~~لا لذة فيه ولا متعة له منه وأنه سيلقي عناء ويكابد متاعب وأنه معرض للجلد والسجن بل للموت ~~حتى من غير حرب. ولكن طالب الزواج يمني نفسه الأماني المستحيلة فيلقى خلاف ما كان يقدر. ولو ~~أنه وطن نفسه - كما يفعل الجندي - على التعب ولانصب ووجع القلب ومعاناة المنغصات إلى آخر ~~ذلك لسعدنا بالزواج ولفاز منه بلذات كثيرة ونعم جزيلة ومتع يضن بها على النسيان وقد ذكرت ~~الجندية على سبيل التمثيل ولكن للجندية علاقة وثيقة بالزواج لأن الزواج غايته تنظيم أمور ~~النسل اللازم للجماعة أي مد الجماعة بالعدد الكافي من الأفراد للقيام بأعباء حياتها فهو ~~نظام تمهيدي للجندية. وأنا أستعمل الجندية هنا بالمعنى الأعم الأشمل وأعني كل فرد لا الذين ~~يحملون السلاح ويسيرون إلى القتال حين يدعون إلى ذلك - لا أعني هؤلاء وحدهم فإن كل فرد جندي ~~للجماعة وإن لم يحمل سيفا ولم يتقلد رمحا إذا كان قد بقي في عصرنا هذا من يتقلد ~~رماحا. # والواجب على كل حال أن يدرك المرء أنه بالزواج يكون كالذي يعمل في شركة وللعمل نظامه. ~~والعمل لا تطلب منه اللذة بل الثمرة. والعمل لا يفيد الراحة بل التعب ولا أجر للتعب ما دامت ~~الشركة قائمة وتؤدي ما هو منتظر منها. نعم يستطيع المرء أن يفوز بأجازة ولكن هذا ميسور في ~~نظام الزواج خذ أجازة كلما شعرت أنك تعبت. وامنح لزوجتك مثل ذلك كلما بدا لك أن أعصابها ~~كلت.» # فعجب وسألني: «كيف ذلك.. إن ms113 هذا مزاح». # فأكدت له أني جاد وقلت: (إني أعيش مع زوجتي كأننا صديقان وليس يسعني أن أفعل غير ذلك ~~لأنها إنسان مثلي ولها حياتها المستقلة عن حياتي وإن كنا متعايشين تحت سقف واحد. وأنا أحرص ~~في حياتي معها على الاعتراف بهذا الوجود المستقل فلا أحاول أن أفني وجودها هذا وأجعله يغيب ~~في وجودي ولو تيسر لي هذا لما كان لي فيه أي لذة لأني خليق أن أشعر حينئذ أني أعايش آلة لا ~~إنسانا محسا مدركا يبادلني ما يسرني أن أراه، يبادلني إياه من العواطف والإحساسات ~~والخوالج. # ولو أفنيت شخصيتها في شخصيتي لانحطت في نظري إلى منزلة الخدم الذي تطعمهم وتنقدهم أجرهم ~~على أن يفعلوا ما تريد ولا يجاوزوا مشيئتك. وليست زوجتي خادما ولا آلة وإنما هي رفيق حياة ~~أي صديق معين ولست أقول هذا تملقا أو نفاقا بل أقوله لأني لا أفهم معنى للزواج غير ذلك. ~~كلا. لست أحاول أن أغلب إرادتي على إرادتها لأني لا أحس بحاجة إلى ذلك وسيلي التفاهم لا ~~الإكراه. # وأراني أبلغ بهذا مالا أبلغ بالقوة والضغط. ومطلبي ما هو أوفق لكلينا لا ما هو أوفق لي ~~وحدي فإن الشركة لا تصلح بهذا الاستئثار. # والزواج شركة على التحقيق ولا يحسب أحد أن الرجل يضع في هذه الشركة أكثر مما تضع المرأة ~~وأنه لهذا مغبون فيها فإن هذا خطأ. فليس السعي للرزق كل ما تقتضيه هذه الشركة وأن المرأة ~~لتبذل حياتها كلها لا جهدها لإنجاح الشركة. حسبها الحمل والوضع. # ولو أمكن أن يحمل الرجل لأمكن أن يدرك هول ما تتحمل المرأة في سبيل هذه الشركة. ولكنه لا ~~يحمل مع الأسف فهو في الغالب لا يستطيع أن يقدر نصيب المرأة وما يكلفها الزواج وما يعرضها ~~له. ولا كيف تضحي بها الحياة لتملأ الدنيا بمثلي ومثلهم ممن لا يستحقون هذه ~~التضحية.» # فترك هذا وقال «ولكن ألا يجب أن يكون للبيت سيد.. إن المركب يغرق إذا كان له ~~رئيسان». # فقلت: «آه.. حكاية التركي الذي جرد سيفه ليلة الزفاف وأطار به ms114 عنق القطة ليرهب الزوجة ~~المسكينة.. لا يا سيدي.. ليس الأمر أمر سيد أو سيدة. فما ثم محل لذلك. وأين محل هذا ولكل من ~~الرجل والمرأة عمل وأصدقك فأقول أني لا أدري كيف يمكن أن تجور المرأة على الرجل أو يجور ~~الرجل على المرأة. # أخل ذهنك من كل فكرة عن السيادة وأخل لها ذهنها أيضا.. تفاهما معا.. هي لها عملها ~~وواجباتها التي لا تستطيع - حتى إذا أردت - أن تشاركها فيها.. وأنت لك عملك وواجباتك التي ~~يعييها أن تشاركك فيها. وكل منكما يمضي بعد ذلك في طريقه لينهض بأعبائه الموكولة إليه فأين ~~يكون الاختلاط والاحتكاك والخلاف. وإذا حدث فلماذا لا يكون بالحسنى..». # قال: «والغيرة.. أليست بلاء». # قلت: «طبعا.. والرجل أيضا يغار.. أليس هذا بلاء.. فلماذا لا تضع نفسك في موضع المرأة ~~وتنظر إلى الأمور من ناحيتها هي أيضا. صحيح أن المرأة أسرع إلى الغيرة من الرجل وأن غيرتها ~~أحمى فبلاؤها لهذا أعظم. # ولكن هذه طبيعتها ولا حيلة لها في ذلك لأن الغريزة الجنسية في المرة أقوى منها في الرجل ~~إذ كانت هي مدار حياتها. # ثم إن الواحد منا يتقبل أصدقاءه على علاتهم ويحتمل أمزجتهم التي تخالف مزاجه ويوفق بين ~~رغباته ورغباتهم - وما أكثر ما تتباين ويظل مع ذلك صديقهم ويظلون هم أصدقاءه فلماذا لا يكون ~~هذا حال الزوجين.. لماذا لا يحتمل كل منهما الآخر على العلات.. وهما بذلك أولى من ~~الصديقين.. # المسألة يا أخى أن الرجل يريد أن يسود وأن المرأة تريد أن تتحكم لن هذا هو (المودة) ~~الجديدة. ولو تركا هذا وأهملاه فنزل الرجل عن الرأي الموروث فيما ينبغي أن تكون عليه علاقة ~~الرجل بالمرأة وتركت هي ما تشير به (المودة) الحديثة من أن الست هي السيدة المطاعة والرجل ~~هو التابع والخادم الذليل - لو تركا هذا وسارا في الحياة سيرة شريكين متعاونين على إنجاح ~~الشركة واحتمال متاعبها والصبر على بلاياها في سبيل مزاياها وفائدتها لارتاحا جدا ونعما ~~بالحياة الزوجية. # فسألني: «هل أنت سعيد؟» # قلت: «إني سعيد لأني لا أطلب ن الزواج ms115 سعادة ولو كنت أطلبها لشقيت على التحقيق. وقد تزوجت ~~وأني موطن نفسي على أن هذا واجب أؤديه كما أؤدي واجبي بالعمل في الصحافة وبالاشتغال ~~بالأدب.. واجب والسلام. فإذا فزت بمتعة فهذا فضل من الله، وإذا فاتني ذلك فما كنت أطمع فيه ~~أو أرجوه. وقد أدخلت هذا في رأس زوجتي فهي تفهمه حق الفهم. وقد كان علي أن أفهمها هذا في ~~أول الأمر لأني أردت من البداية أن أجنب سبيل الإخفاق. وقد أفلحت ولله الحمد والشكر، فإذا ~~حدثتك نفسك بالزواج مرة أخرى فاصنع هذا. # فصاح: «أنا.. أعوذ بالله يا شيخ». # فقلت: «أراني لم أوفق إلى إقناعك.. لا بأس.. المسألة في الحقيقة مرجعها إلى الاستعداد ولو ~~شئت لقلت إلى العقل والحكمة وسعة الصدر ورحابة أفق النفس». # فقال: «متشكر يا سيدي». # فعلمت أنه غضب ومع ذلك ماذا قلت. إني لم أزد على إبداء رأي فإذا كان لا يحتمل هذا بل يعده ~~تعريضا شخصيا به فلا غرابة إذا كان قد أخفق في زواجه. # الفصل الرابع والعشرون # | حديث مجلس # زارني صديق ففعلت ما يفعل المرء مثله في العادة حين يجيئه ضيف - قدمت له السجاير ليأخذ ~~منها واحدة أشعلت عود الكبريت. وكنت لا أشعر برغبة في التدخين في تلك اللحظات فكانت أصابع ~~إحدى يدي ممدودة إليه بالكبريت وأصابع اليد الأخرى تثني الغطاء على السجاير فلما أشعل ~~سيجارته ورددت يدي إلى فمي وزممت شفتي لأنفخ وأطفئ النار ألفيتني أتردد ثم أتناول ~~سيجارة. # وقلت لصاحبي وأنا أنفخ الدخان مثله «أرأيت.. لم أكن أريد أن أدخن ولكن العادة غلبتني حين ~~رأيت النار في طرف العود بين أصابعي. وأنا أغالط نفسي وأقول لها مازحا أن الكبريت أغلى من ~~السجاير وأن من سوء التدبير أن أضيع عود كبريت من أجل سيجارة واحدة. وتروقني هذه المغالطة ~~لأنها تفتح لي باب القياس والتمثيل فأقول أن الإنسان كثيرا ما يضيع الكثير من جاء حرصه على ~~القليل فما رأيك». # قال «رأيي أن هذا صحيح. وسأقص عليك قصة». # قلت «هاتها». # وسرني أني أطلقت له لسانه وأنه ms116 صار في وسعي أن أستريح من الكلام فإن من نقائصي أني طويل ~~الصمت وإن كنت في العادة ثرثارا عظيما وأحسبني أهرب بالصمت من الناس وبالثرثرة من ~~نفسي. # وسمعته يقول «كنت منذ سنوات أتعلم العزف على الكمان وكان معلمي تركيا ضيق الصدر من أولئك ~~«المولوية» الذين يعيشون في التكايا ويزجون فراغ الحياة بالموسيقى وما تغري به. وكنت قد ~~اشتريت «فرسا» جديدة للكمان - والفرس كما تعرف هي قطعة الخشب المنجور ترفع عليه الأوتار ~~فلما رآها أستاذي غضب ورماها وقال أنها غليظة وذهب يعنفني ويؤنبني كأنما كنت أنا صانعها أو ~~كأنما كنت أدري قبل ذلك شيئا عن الكمان والأوتار والفرس فكرهت سوء خلقه وثقل على نفسي ~~سلوكه وزهدت في التعلم - على هذا الرجل على الأقل - وزارني بعد خروجه صديق رآني منقبضا ~~متجهما فسألني عن السبب فحدثته به فأحب أن يرى هذه «الفرس» التي أثارت كل هذا الخلاف وكانت ~~لا تزال على الأرض فأشرت إليها فتناولها وقال «هذه» وجعل يقلب في يديه مستغربا ثم طلب أن ~~أدعها له فقط «خذها يا سيدي» فما لها قيمة في الحقيقة فإن ثمنها لا يزيد على قرشين ولكن ~~معلمي كان ممن يخلقون من الزبيبة خمارة عظيمة. # ومضى بها صاحبي ونسيت الأمر كله جملة وتفصيلا وإذا به بعد سنة أو نحو ذلك يقول لي أنه ~~يتعلم العزف على الكمان وأن الدافع له على ذلك والمغري به كان هذه الفرس التي ظل بضعة شهور ~~يخرجها من مكانها كلما خلا إلى نفسه ويتأملها. # قلت: «وأنت». # قال: «أنا. انقطعت عن الدرس.. لم أجد أستاذا أقدر منه أو مثله قدرة وإن كنت وجدت كثيرين ~~أرحب صدرا ... على أني كنت أدور على المعلمين كارها وبي فتور شديد فكففت». # قلت «هل تعلم أني أنا أيضا تعلمت العزف على الكمان. ظللت أتعلم أكثر من سنة. فلو أني ~~واظبت لكنت الآن من أمهر العازفين على هذه الآلة.. خمس وعشرون سنة.. من يدري.. لعلي كنت ~~خليقا أن أتحول عن الأدب إلى الموسيقى.. ولكن قلة الصبر.. والخجل من أن ms117 يسمع الجيران ~~الأصوات النابية التي أخرجها.. والاستحياء من أن يعرف عني أني مبتدئ.. كل هذا صرفني.. كما ~~صرفتني عوامل أخرى عن الشعر..». # فابتسم وقال: «والآن». # قلت: «الآن.. أنا الذي كنت خليقا أن أكون شيئا.. ولكن لا بأس.. أرانا بعدنا جدا عن ~~الموضوع». # فابتسم مرة أخرى وقال: «لا بأس..». # قلت: «صدقت.. كل شيء ككل شيء في هذه الحياة.. هبني كنت الشيء الضخم الذي كان يغريني الصبى ~~والخيال الجامح بالطمع فيه والتطلع إليه فماذا إذن..». # قال: «كنت تكون أشد رضى عن نفسك». # قلت: «كنت أشعر.. كلا.. كان رأيي في نفسي يبقي كما هو.. ربما غرني رأي الناس أحيانا، ~~ولكن بلائي أني حين أغتر أدرك أني مغتر فيسلبني إدراكي هذا متعة الغرور.. لست أقول أني غير ~~قابل أو مستعد للغرور أو عرضة له فإني كغيري في هذا. والغرور لازم لإطاقة الحياة وبغيره لا ~~أدري كيف يطيق الناس عيشهم. ولكني لا أزال أدير عيني في نفسي وأتأملها وأفحصها وأنكت تربتها ~~كما ينكت المرء الأرض بطرف العصى وأخلق بهذا أن يكشف للإنسان عن حقائق غير التي يزيفها أو ~~يموهها الغرور.. وأول ما يعرفه المرء - بفضل الفحص المتواصل والتدبر المستمر - هو حدودها ~~ومتى عرف المرء حدود نفسه فأيقن أنها لن تغيب عن عينه قط.. وقد يعالج توسيعها وإفساح ما ~~بينها.. ولكنها تظل ماثلة أبدا.. والشعور بهذه الحدود كرب وبلاء.. والجهد الذي يبذله ~~الإنسان لعلاج النقص الذي يشعر به في نفسه كرب آخر. آلة محدودة القوة تريد أن تبلغ بها ما ~~تستطيعه آلة أخرى أقوى منها.. هذا الجهد ماذا تظنه يكلف الآلة المسكينة المحدودة القوة ~~والعزم.. وفوق ما كان ظنك أنها قادرة عليه فلا تقنع بهذا. لأن هناك مرتبة أعلى ومنازل أخرى ~~أسمى فأنت لا تزال تستحث نفسك وتدفعها وتخزها..ولا نهاية لهذه الدائرة. وهذه هى حياتنا ~~جميعا. فى الحقيقة والخيال. محاولات مستمرة لعلاج ما نحسه من نقصنا. ولا يخلو هذا من جانبه ~~المضحك. فقد يعيينا أن نصلح الفاسد ونعالج الضعف أو نعوضه من ناحية أخرى قابلة للزيادة ms118 ~~والنمو فنروح نستر العيب أو الضعف أو النقص سترا نظنه وافيا كافيا أو نحتال لنبدو كأن ~~قوتنا هى فى هذه الناحية التى نعرف ضعفنا فيها.. والإنسان ليس بشيء إذا لم يكن منافقا ~~مرائيا دجالا كبيرا..». # فقال صاحبي: «أو لا يدرك المرء حدود نفسه إلا إذا دأب على إدارة عينه فيها». # قلت: «لا.. ليست هذه سوى طريقة واحدة لمعرفة النفس.. ومثلنا العامي يقول: (أن سكة أبي زيد ~~كلها مسالك).. ولا أعرف من هو أبو زيد هذا. ولكني أعلم أن المعرفة سكتها كثيرة المسالك.. ~~ومن المسالك التجربة والمعاناة. والتجربة تتيح للإنسان أن يقيس ما عنده إلى ما عند سواه ~~فيعرف في أية ناحية قوته وفي أي النواحي نقصه وضعفه وتقصيره.. وأعترف لك بحقيقة.. لقد كنت ~~في سني وفي ميعتى يهولني أن أرى نفسي عاجزا عن الحب الذي أرى غيري قادرا عليه.. نعم كنت ~~أشعر بالإعجاب وبسحر الجمال وفتنة الحسن، ولكن شعوري هذا كان لا يطول ولا يلبث أن يفتر.. ~~ولم يكن الحب عندي أكثر من مظهر رغبة وفتية تزول إذا زال الداعي إليها كما يجوع المرء ~~فيشتهي الطعام حتى إذا أصاب شبعه صد عنه ولم يعد يذكره إلى أن يجوع مرة أخرى. فلا أرق ولا ~~شوق ولا أحلام ولا بكاء.. وإذا حرمت حظا في باب الحب فكما يحرم المرء نصيبا من لون من ~~ألوان الآكال كان يشتهي أن يفوز به.. وما أكثر ملايين الناس الذي يعيشون محرومين ويعلمون ~~أنهم محرومون ومع ذلك يحيون ويسعدون بالحياة.. كذلك كنت ولم يكن إخواني كذلك. ولا كان الذين ~~أقرأ أخبارهم في كتب الأدب مثلي. فكنت أستغرب وأنكر من نفسي هذا الجمود أو إن شئت هذه ~~الحصانة أو المناعة من الحب بالمعنى المعروف المألوف.. الحب الطاغي العنيف الذي لا يفتر ولا ~~يخبو له ضرام والذي يذكرك بمجنون ليلى وأشباهه.. فأغراني هذا الذي بلوته من نفسي بالتكلف، ~~ولججت في التكلف حتى لكان يخيل إلى أحيانا أن الأمر صار جدا لا هزل فيه. وكنت أشجع نفسي ~~على الأرق، وأحثها ms119 على التذكر والشوق وألح عليها بأجمل شعر الغزل في الأدب العربي والآداب ~~الغربية لأوحي إليها الروح الذي ينقصها. وكنت أتثمل هذه الحالات التي يصفها الشعراء وأسمع ~~بها من الإخوان وأروض نفسي على مثلها وأجعلها تستغرقني حتى قلت شعرا كثيرا في ذلك لا شك ~~قارئه في أنه صادر عن عاطفة صادقة عميقة قوية. ولم أكن أنا أشك في أن الأمر كذلك أيام كنت ~~أقول هذا الشعر لأني لم أزل أعالج نفسي بالإيحاء إليها حتى صار الأمر أشبه ما يكون ~~بالحقيقة. ولكني كنت في أعماق نفسي أدرك الحقيقة وكنت أمتحن نفسي أحيانا بالبعد فلا أراني ~~أشتاق أو أتلهف أو أتحسر أو أصبو إلى آخر ذلك. وأخيرا مللت هذا التكلف. وهذا من أسباب تركي ~~للشعر. وثم أسباب أخرى ولكن هذا من أكبرها إذا لم يكن أكبرها..». # فاستغرب صاحبي وجعل ينشدني بعض ما يحفظ - وما نسيت أنا - من شعري ويسألني أكان هذا تكلفا ~~فقلت له: «لم يكن الشعور الموصوف في هذه الأبيات كاذبا فإن كان صادقا في ساعته.. كان حبا ~~قصير العمر جدا.. حب ساعة.. إعجاب إذا شئت.. نشوة عارضة كنشوة الخمر.. وكونها عارضة.. من ~~فعل الخمر أو بتأثير الحسن لا يمنع أن الشعور الذى تحدثه صادق فى حينه.. وقد يلح المرء على ~~نفسه بالإيحاء إليها حتى يشعر بما يشعر به العاشق الحقيقى.. فيكون شعوره أيضا فى حينه ~~صادقا. ولكن بعد ذلك. بعد أن يثوب الرشد الذى أضاعه الخمر ويرجع الاتزان الذى أفسده منظر ~~الحسن أو تعود الحالة الطبيعية التى اضطربت من جراء الإيحاء. بعد ذلك يذهب ما جاءت به ~~النشوة الوقتية وقد أفادني علاج نفسي ورياضتها على أن تستغرقها الحالة التي أتمثلها. نعم ~~بقيت عاجزا عن العشق وفي أمان من جنون الحب فإن هذه الطباع لا حيلة لي فيها ولكنى أصبحت ~~بفضل هذه الرياضة أستطيع حين أفكر في شيء أو أكتب شيئا أو أشغل بأمر أن أذهل عن الدنيا فلا ~~أسمع ولا أرى ولا يستطيع شيء أن يصرفني عما أنا فيه. خرجت بفائدة ms120 على كل حال. وكثيرا ما ~~ترى الإنسان يطلب شيئا فيخطئه ويفوز بغيره..». # فقال: «ولكنك محروم وهذا فظيع». # فقلت: «كلا. أنا على نقيض ذلك سعيد. مستريح من وساوس الحب وبلابله وهواجسه، وتخريفه، وفي ~~وسعي دائما أن أمتع نفسي بالحسن وأنا هادئ الأعصاب مدرك لما أنا فائز به بلا إسراف أو غمط ~~في التقدير ومن غير أن أنغص على نفسي هذه المتع بعد ذلك بالوساوس والخيالات وما إلى ذلك مما ~~يكابده المحبون. وأقول لك أني أصبحت لا أصدق من يزعم أن حبه على نحو ما يصف الشعراء ومن ~~إليهم ولا أعتقد إلا أن ذلك نشوة يطيلون عمرها بالإيحاء. والإيحاء يا صاحبي - إلى النفس ~~وإلى الغير - عامل خطير الأثر في حياتنا. صدقني». # قال: «ولكني جربت». # قلت: «ما أظن بك إلا أنك تخدع نفسك.. وهذا سنة الإنسانة أبدا عد إلى نفسك وحلل خوالجك ~~بلا خوف من مواجهة الحقيقة ولا جزع ولا إشفاق.. اجعل من نفسك شخصا مستقلا.. طبيبا يفحص ~~حالة ولا يعنيه إلا ما يهتدي إليه.. وانظر ما يكون.. ثم تعال وأخبرني.. وأنا واثق أن ~~النتيجة ستكون مطابقة لما حدثتك به عن نفسي». # فوعد أن يفعل.. ولكنه لم يعد إلي. # الفصل الخامس والعشرون # | كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟ # شقراء، ذهبية الشعر، لا أدري كيف أنبتتها هذه الصحراء؟ ومن بنات الفقراء، ولكن لها دالا ~~وأناقة تخطئهما عند اللواتي نشأن في كنف النعمة والترف والثراء، وفي كلامها خفة وهزج، وفي ~~مشيتها تبختر لا يثقل وميس ليس من الاختيال. وكانت ترسل شعرها الوحف ولا تفرقه أو تضفره أو ~~تعقصه، بل ترده عن جبينها الوضاء وتحسر جمته عن أذن، وتستر به أذنا. ولا تثبته بالأمشاط أو ~~الدبابيس، ولا تعصب رأسها بالمناديل، فإذا عبث به الهواء وأسال قصتها على وجهها رفعت ~~الشعرات بأصبعها أو نحتها عن أذنها، وكنت لا أراها تبتسم إلا خيل إلي أنها ترى حلما يسرها ~~فيثب قلبي إلى حلقي، وأجد حر النار في كفي. # وكان بيتي في ذلك الوقت على «تخوم العالمين» وكانت له حديقة صغيرة جعلتها ms121 شغلاني، وكان ~~الماء كثير وثمنه زهيدا، لا يتجاوز خمسة عشر قرشا في الشهر بالغا ما بلغ ما أجريت منه، ~~فكنت آخذ كفايتي منه وأسنه على وجهه للجيران، وكانت هذه الشقراء تجيء كل مساء بجرة فتملؤها ~~مرة أو اثنتين أو عشرا - كما تشاء. فأقف لها وأحادثها وأساعدها على رفع الجرة إلى رأسها. ~~ولم تكن هي الوحيدة التي تستسقي، ولكنها كانت أبرعهن شكلا وأخفهن على الفؤاد، وكانت تأنس ~~مني الميل إليها والإعجاب بها، فتطيل الوقوف معي أحيانا، أو تتولى عني عزق الأرض أو بذر ~~الحب أو سقي الزرع واجتزاز الكلأ والعشب والحشيش أو نزع ذلك بأصوله، وكانت أعرف مني بذلك ~~كله وأخبر، وكانت تضحك مني لجهلي فتقول لي مثلا: «ألا تحش هذه الملوخية؟ لقط كادت ~~تكتهل». # فأقول: «ملوخية؟ لقد طرحت هنا حب فجل فكيف تخرج الأرض ملوخية؟» # فتقول: «كلا، هذه ملوخية وقد بلغ نبتها المدى، فاختضرها # 1 # وإلا فسدت». # فأقطع ورقة وأمضغها فأجد طعم الملوخية ولا أجد طعم الفجل، وكنت أهمل أن أكتب أسماء البذور ~~على الورق الذي أحفظه فيها وأعتمد على الذاكرة والذكاء فيختلط علي الأمر، وأروح أظنني زرعت ~~جزرا فإذا هو خيار، وكنت لجهلي ألقي النزر ولا أعني بإعداد الأرض وإخلائها من الحجارة، ~~وكانت أرض هذه الحديقة جلدة في مواضع كثيرة وفي بطنها حجارة غليظة مختلفة بطينها، فلا يخرج ~~شيء مما يقع على هذه الجلاميد. فكانت الشقراء تنبهني إلى ذلك وتعرفنيه. وكنت ربما تركت في ~~الشتاء ما لا يبقى عليه أصله، وقلعت ما يبيد الشتاء فرعه ويبقي أرومته، فتصلح لي من خطئي ما ~~يتيسر إصلاحه، ولم أكن أعرف الفرق بين ما يسمو من النبات صعدا ويستغني بنفسه، وما يحتاج، ~~وهو يسمو، إلى ما يتعلق به ويرقى فيه، وما يتسطح على وجه الأرض، فأغرس الأعواد لما ينبت ~~مفترشا، وأدع ما يحتاج إلى التعلق بلا عصب، فكانت هي تعلمني وتقوم المعوج وتعالج ما ~~أفسدت. # ثم حدث أن شركة الماء وضعت لنا في البيت «عدادا» يحاسبنا على القطرات بعد أن كنا نأخذ ~~بلا ms122 حساب، ولا ننقدها في الشهر إلا خمسة عشر قرشا، فأرهقني هذا «العداد» وكلفني فوق ما ~~أطيق، وصرت بين أمرين إذا أبقيت على الحديقة جعت وتضورت، فإن أرضها كثيرة الرمل يذهب فيها ~~الماء ولا يبقى منه للنبات ما يكفيه، فحاجتها إلى السقى لا تنقضي، وإذا أنا ضننت بالماء ~~ذهبت الحديقة. فشق علي ذلك واشتد همي، وطال وجومي من جرأته. ورأت هي اغتمامي وسهومي فسألتني ~~فأنضيت بشجني فقالت: «احفر بئرا». # قلت: «إيه؟ أحفر بئرا؟» # قالت: «نعم. ماذا يمنع أن تفعل؟» # قلت: «يمنع أن هذه أرض مضرسة، حشوها حجارة ولا يمكن أن يكون في جوفها ماء». # قالت: «من أدراك؟ إني أعتقد أن في أرضك ماء غزيرا». # قلت: «أما الحرث والزرع فشيء عرفنا أنك تعرفينه، وإن كنت لا أدري من أين جاءك هذا العلم، ~~وأما الآبار وحفرها..». # فقاطعتني وقالت: «أظنني أستطيع أن أدلك على موضع العين في هذه الأرض - غدا في النهار ~~أختبر الأرض وأجسها». # وفي عصر اليوم التالي جاءت وفي يدها عود على هيئة اللام، ألف ولكن في ساقه، قبل موضع ~~التشعب، طولا وقالت: «أنظر. سأجس الأرض بهذا» ورفعته لعيني. # فقلت: «وكيف تصنعين؟ إنه غصن لا أكثر». # قالت: «هو حسبي. وما أعرفه خذلني أو كذبني قط. ولكن عهدي بهذا الجس بعيد وأخشى أن أكون قد ~~فقدت القدرة على استنبائه». # قلت: «استنباؤه؟ أو يقول لك هذا الغصن أين منبع الماء في جوف الأرض؟» # قالت: «نعم، وسترى بعينيك إذا وفقني الله». # وأقبلت على الأرض تجسها شبرا شبرا، وكانت تضع العود على الأرض كأنها تغرسه فيها ~~بأصابعها وتنظر إلى شعبتيه برهة ثم ترفعه وتقدمه خطوة أو خطوتين، وهكذا يمينا وشمالا، حتى ~~رأيت إحدى الشعبتين تميل قليلا فعجبت. # فقالت: «هنا ماء ولكنه قليل». # ومضت تنقل العود من مكان إلى مكان حتى بلغت الجدار الآخر فقالت: «يخيل إلي أني ~~سأخفق». # فلم أقل شيئا، وماذا عسى أن أقول؟ لقد تركتها تختبر الأرض وأنا كافر بها - أعني بالفتاة ~~وقدرتها على الاهتداء إلى منابع الماء في بطن الأرض، ولكني قلت إنه ms123 لا بأس علي من ذلك، ~~وحسبي أني أقضي معها ساعة أنعم فيها بحديثها وبالنظر إليها، ولكن انثناء العود إلى الأرض من ~~تلقاء نفسه، ومن غير أن يمسه شيء حيرني، وصرفني عن الفتاة وجمالها، إلى هذه الظاهرة ~~الغريبة. # وجعلت أقول لنفسي: «إذا كان كل ما يتطلبه الأمر أن يجيء الإنسان بمثل هذا العود ذي ~~الشعبتين، وأني يركزه أو يغرسه في الأرض، فإذا كان هناك ماء انثنى وحده، فما أسهل ذلك!! ~~وكيف غاب هذا عن الناس وفاتهم هذا العلم اليسير؟» # ولم أكتم هذا الذي دار بنفسي، فقالت بابتسام: «لا. إن المعول على اليد لا على ~~العود». # ولم أفهم شيئا، ولكني سكت، فقد تجهمت، وطال سكوتها وتقطيبها، وثبت حملاقها، وبدت لي ~~كأنها تقصر نفسها عصرا، ثم قالت: «افتح هذا الباب». # وكان باب حجرة مهجورة في فناء البيت، نحبس فيها الدجاج، ففتحته فدخلت وقالت: «انزع هذا ~~البلاط». # فأطعت، وتجشمت عناء شديدا، ولكني أمضيت لها مشيئتها، فحنت على الأرض، وأقامت العود في ~~ترابها، وإذا بالشعبتين جميعا - بعد هنيهة - تنثنيان على الأرض - عموديا - حتى لخيل إلي ~~أنهم ستقصفان. # ونهضت، ومسحت العرق المتصبب، وقالت: «هنا يجب أن تحفر، الماء غزير، ولكنه بعيد. وماذا ~~يهم؟ ستجد فوق الكفاية من الماء». # ولم يخالجني شك في صدقها، فجئنا بعد أيام بالرجال، فحفروا ووسعوا واحتجنا أن نهدم الجدار ~~الذي فيه الباب فأتينا عليه، وانحدر الرجال إلى أكثر من ستة أمتار، وقضوا في ذلك أياما ~~طويلة، حتى بلغ أحدهم حجرا فزحزحه بالمعول فانبثق الماء من تحته. # واستغنيت عن شركة الماء. ~~••• # قلت للفتاة: «لماذا جشمت نفسك هذا العناء؟» # قالت: «هو جزاء المعروف». # قلت: «ليس إلا؟» # قالت: «وعز علي أن تضطر على تضييع الحديقة». # قلت: «وماذا أيضا؟» # قالت: «لا أدري ماذا أيضا؟ غلبني شعوري». # قلت: «ليس في وسعي أن أجزيك ...». # قالت تقاطعني: «لا تحاول! ... حسبي أني أعدت إلى وجهك الابتسام». # قلت: «اسمعي. إن الحديقة مدينة لك بحياتها، وأنا مدين لك بمعنى هذه الحياة، ولست أظنها ~~تقوى على فراقك، ولا أنا يا فتاتي ...». # قالت: «لم ms124 أصنع شيئا». # قلت: «أزخرت حياة كادت تجف وتذوي؛ فماذا يستطيع الإنسان أكثر من هذا؟» # قالت: «كلا. كل ما صنعت أني وجدت ماء، وقد وجدته مائة مرة قبل اليوم، فلم أسمع مثل ~~كلامك.. إنك تمزح بلا شك!» # قلت: «بل أنا جاد. لا غنى بي ولا بالحديقة عنك ... فما قولك؟» # قالت: «كلا. للحديقة صاحبها، ولك الدنيا، أما أنا فذاهبة». # قلت «ذاهبة؟ أين؟» # قالت: «غدا - أو بعد غد - يرحل أبي، وأنا معه، فما بقي ما يستوجب مقامنا». # فدنوت منها ووضعت يدي على كتفها وسألتها. «أنت أوعزت إليه؟» # قالت، وهي مطرقة: «نعم. والآن أستودعك الله!» # فتعلقت بها فلم يجدني ذلك وقالت: «أنا بنت الصحراء، وأنت ابن المدينة.. لست لي، ولست لك ... ~~وقد تركت لك الحديقة ... لتذكرني بها». # وكان هذا آخر عهدي بها ... # ولكني لم أطق هذه الذكرى. ولم أعد أحتمل أن أرى الحديقة أو البئر التي حفرتها، فتركت ذلك ~~كله وانتقلت إلى بيت آخر ... بعيد بعيد جدا، ولا حديقة له. # الفصل السادس والعشرون # | واجبات الشباب العربي # سألني بعض الإخوان هنا أن أوجه إلى شباب العراق نصيحة، فقلت حبا وكرامة، وعلى الرأس ~~والعين، وإن كنت لا أعرف أن لي ما يخولني أن أقف موقف الواعظ أو المرشد، سوى السن ~~والتجربة». أي نعم السن وإن كانت لم ترتفع بي إلى الشيخوخة المتهدمة التي تدركنا جميعا على ~~الأيام. # ولكني امرؤ عاش في كل يوم - مثل عمر نوح. وليست العبرة بعدة السنين بل بما تحفل به الحياة ~~وتملأ، ورب هرم يقوم على الراحتين ويتوكأ على العصى وهو إذا اعتبرت ما أحس وأدرك لا يحسب ~~إلا في الصغار الأغرار ورب شاب غض الاهاب اكتظت حياته بما يملأ عمرا كاملا حتى ليحس أنه ~~يحمل عبء من السنين وقديما قلت أيام كنت أقول الشعر. # أحس كأن الدهر عمري وأنني # أخو مفرق الأرضين بالفيضان # وهو بيت سخيف مهلهل النسج، ولكنه يكفي الإبانة عما أريد. # ولست أنوي في هذا الحديث أن أنصح لأحد ولكني سأجترئ بأن أسوق بعض ما تعلمته في حياتي، ~~وأول ms125 ما علمتنه الأيام أن أنصح نصح عبث ومحال، وباطل، وليس بجدي، فقلما ينتفع المرء بغير ~~تجربته هو إذا أمكن أن ينتفع أو يرى أن ما وقع أو أتفق لسواه يصلح أن يقاس عليه. # وليس هذا بغريب ولا هو من حقه أن يكون باعثا على السخط والتذمر فإن استجابة النفوس لوقع ~~الحياة تختلف لا محالة باختلاف النفوس ونوع استعدادها ومبلغ الإدراك والعلم وأثر الوراثة ~~والبيئة. # وقد جريت في تربية أولادي ومع تلاميذي أيام كنت معلما، على اجتناب النصح والأمر والنهي ~~فإذا عرض ما يحتاج إلى التوجيه اكتفيت بأن أصف لهم تجربتي أو أقص عليهم بعض ما اتفق لي مما ~~يسببه ما أعالج من أمرهم، ثم أدعهم بعد ذلك إلى رأيهم لأعودهم التفكير المستقل وأدربهم على ~~حرية الارتياء والتصرف وأشعرهم أنهم مسؤولون عما يفعلون وأنهم أهل للثقة بهم وسيكونون ~~رجالا في يوم ما بلا رقيب منا عليهم فمن الخير أن نروضهم على الاستقلال والشعور به بتتبعات ~~ما يفعلون أو في سن مبكرة. # ومن أول ما تعلمته في حياتي أن الدنيا لي ولغير فلم أعطها وحدي ولم يعطها سواي ملكا ~~خالصا له، ونحن جميعا شركاء متعادلون في الحقوق وعلينا من أجل ذلك واجبات متكافئة. # وما دمنا شركاء إلى حين وما دام أن المقام في الدنيا على كل حال قليل فإن من الحماقة أن ~~ننغص على أنفسنا هذه الحياة القصيرة. # أو نؤثر في سيرتنا التي هي أخشن على التي هي أحسن. وقد كنت أحمق الحمقى في صدر حياتي وما ~~زالت بي بقية غير قليلة من الحماقة، فما زالت الدنيا تنفضني كما ينفض الأسد فريسته وتشيلني ~~وتحطني وترجني وترميني من هنا وههنا، حتى فاءت بي إلى الرفق والهوادة فأراحت وارتحت. # أي نعم تتسع الدنيا لي ولغيري وتستغني عنا جميعا، وليس أخطل رأيا ممن يتوهم أن الحياة ~~لا تطيب له إلا إذا خلا طريقه فيها من الناس. # وما أحكم قول الإنجليز في أمثالهم (عش ودع غيرك يعش). # وما على المرء إلا أن يفكر فيما عسى أن ms126 تخسر الدنيا إذا هي خلت من الناس وعادت خرابا ~~يبابا لا شيء. لم يكف الفلك المسير عن الدوران ولن تعدم الحياة على الأرض مظهر آخر تبتدىء ~~فيه كما ابتدأت فينا نحن بني آدم وله نحن إلا صورة من صور الحياة وهي أشد غرورا أو أقل ~~عقلا فمن يكبر في وهمه أن الحياة تنعدم إذا انقرض الإنسان وتقلص ظله على الأرض؟ # ولا تحسبوا أن هذا الكلام زاهد أو متزهد، فما أنا بهذا ولا ذاك، وإني لمن أشد الناس رغبة ~~في الحياة الرضية ونشدانا للعيش الرغيد وطالبا لأطايب الدنيا وعكوفا على متعها المشتهاة، ~~وكل ما في الأمر أني لا أرى أن فوزي بما أبغي يستوجب أن يحرم الناس غير ما يطلبون. أو أن ~~يخيبوا ويخفقوا ولست أحسن أنهم ينافسونني أو يزحمونني أو يضيقون علي المجال، فإن الدنيا ~~رحيبة، ومجالاتها لا آخر لها، وما أراني عجزت قط عن اختراع طريق بكر أو خلق ميدان جديد إذا ~~شعرت بالحاجة إلى ذلك. # وصحيح أن الحياة جهاد، جهاد مع الطبيعة ومع الإنسان، ولكنا لسنا من الحيوان، فنضالنا ليس ~~بالأنياب والمخالب بل بالعقول. ونضال العقول متعة، لا يعي به أو يستثقله إلا من لا يصلح ~~لغير حمل الأثقال كالدواب. وليس أمر الدنيا إلى هؤلاء المساكين الذين يساقون بل على أصحاب ~~العقول. ولست تستطيع أن تعطل عقول الناس وخير وأرشد أن لا تفعل حتى إذا استطعت. وفي هذا ~~النضال يتصفح المرء عقول منافسيه ويضيفها إلى عقله فهو يكسب أبدا ولا يخسر ويضيف كل يوم ~~ثروة ذهنية إلى ما أوتي من ذلك ويمنع عقله أن يصدأ ويجلوه ويشخذه ويرهفه. # ولكن المرء لا يستطيع أن يناضل بعقله الفطري، وأعني بالفطري الذي لا زاد له من العلم ولا ~~مدد من المعرفة، وشبيه بذلك أن تقاوم مقذوفات المدافع بالحجارة. فلا معدى لنا عن تعهد ~~ملكاتنا وتزويدها بالأداة التي تجعلها أمضى وأكثر غناء. وأنا رجل أديب فلا علم لي إلا بفني ~~ومن أجل هذا أقصر كلامي عليه. # وأحسب أن من تحصيل الحاصل أن ms127 أقول أنه لا مطمح لأحد في بلوغ مرتبة ملحوظة من مراتب الأدب ~~إلا بالاطلاع الوافي. # ولما كانت لغتنا العربية أداتنا التي لا أداة لنا سواها، ولا سبيل لنا إلى البيان إلا بها ~~فلا مهرب لنا إذن من تحصيل هذه اللغة والتوفر على درسها. # وهنا أذكر أن شابا مصريا جاءني ذات يوم يشكو إلي المرحوم شوقي الشاعر ويقول أنه ذهب ~~إليه يستشيره فيما يحسن به أن يقرأ من الكتب العربية، فأشار شوقي عليه بدرس كتابين وجدهما ~~الشاب من كتب النحو وفقه اللغة فاعتقد أنه أضاع ماله وأن شوقي أخطأه التوفيق. # فقلت له إن شوقي لم يخطئ فإن النحو والصرف وما يجري هذا المجرى لابد منه ولا غنى عنه، ~~ولكل لغة قواعدها وأصولها وأحكامها وفقهها ولا معدى عن الإحاطة بذلك إذا كنت تريد أن تتخذ ~~هذه اللغة أداة للكتابة وإلا فكيف تكتبها وأنت لا تعرف أحكامها وقواعدها؟ # وصحيح أن الكتب القديمة تحتاج إلى تيسير مطلبها، ولكن التيسير ليس معناه الإلغاء، فأعرف ~~لغتك أولا، وأدرس أدبها ثم عالج ما شئت بعد ذلك من فنون الكتابة. # وقد حدثت شوقي رحمه الله بهذا فقد كنا نلتقي ونتذاكر على الرغم من راي المعروف في شعره ~~فقال لي: يا أخي لقد كنت في بداية عهدي بالشعر بعد أن عدت من أوربا ألحن وأخطي فيسلقني ~~النقادون بألسنة حداد، فالآن أنصح للشباب المبتدئين أن يعرفوا لغتهم فيشكونني ويعيبونني ~~بذلك. # على أنني لا أرى الاقتصار على درس اللغة العربية وآدابها بل لابد عندي من التوفر على درس ~~الآداب الأخرى ولاسيما الغربية منها، وحب طالب الأدب لغة واحدة كالإنجليزية مثلا فإن ~~براعات الآداب الغربية قديمها والحديث مترجمة إليها، وقد كان العرب حصيفين حين عنوا بنقل ~~الفلسفة الإغريقية إلى العربية فاتسعت آفاقهم. # ولسنا نستطيع أن ننقل في عصرنا هذا خارجيات الغرب في الأدب والفلسفة فإنها شيء لا آخر له، ~~ولكن في وسعنا أن نطلع عليها ونلم بها إلماما كافيا بإحدى اللغات الغربية. # ونحن نلقح الشجر ليثمر، ونطعمه ليؤتينا ما هو أطيب ويجنينا ms128 ما هو أشهى، فنلقح عقولنا بما ~~عند الغرب، لتعود أوفر إنتاجا وأحلى جنى. ونحن آدميون والشجر نبات، ولكن سنة الحياة واحدة ~~وقانونها لا تختلف ونافد في كل مظاهر الخلق على السواء وما يصير به النبات أقوى وأزكى يصير ~~بمثله الحيوان، ونحن منه أقدر على معاناة الحياة وأصلح لها وأنجب. # وليس مما يصح في الأفهام أن نكون في القرن العشرين ونقنع بأن نعيش بعقول القرون الخالية، ~~وأخلق بهذا الكسل أن يحيلنا خلقا مخلفا من الأزمنة البائدة، وأن يجعلنا غير صالحين للزمان ~~الذي خرجنا فيه. ms129