######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.CaMashi.Hindawi30603192 #META# Tags: novels #META# ID: 30603192 #META# Title: ع الماشي #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # من ذكريات لبنان‏ # العبرة بالخواتيم‏ # الكلب‏ # بوبي‏ # نزهة وسليمة باشا‏ # فيفي‏ # كيف كنت غيري‏ # القاتلة‏ # لو عرف الشباب‏ # ميمي‏ # الخاتم‏ # ليلة حافلة‏ # رواية ورواية‏ # كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟‏ # من ذكريات لبنان‏ # العبرة بالخواتيم‏ # الكلب‏ # بوبي‏ # نزهة وسليمة باشا‏ # فيفي‏ # كيف كنت غيري‏ # القاتلة‏ # لو عرف الشباب‏ # ميمي‏ # الخاتم‏ # ليلة حافلة‏ # رواية ورواية‏ # كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟‏ # | ع الماشي # | ع الماشي # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | من ذكريات لبنان # سألتني مرة من بنات لبنان، صديقة صابحة الوجه أديبة: «ألم تلهمك هذه المناظر ~~شيئا؟» # ومالت بخصرها اللين وراء ذراعها البضة وهي تشير إلى الجبال والشجر والماء المنحدر وراء ~~الصخور. فقلت: «كلا.» # قالت مستغربة: «كيف؟» # قلت: «ينقصني مقدار من فيض الحياة لا سبيل إلى الشعر إلا به، ولا سبيل إليه إلا بالحب ~~الذي يفجر ينابيع النفس، ولهذا ترينني يا فتاتي جافا ذاويا.» # قالت - وقد آثرت المجاملة: «كلا، إنك ما زلت شابا.» # قلت: «خسارة.» # قالت: «ماذا؟» # قلت: «عيناك.» # قالت - وقد أطلقت دهشة المفاجأة لسانها بالعامية: «شو؟» # قلت: «نعم جميلتان ... ساحرتان ... ولكنهما لا تبصران.» # فصاحت بي: «العمى.» # فضحكت، ولم يسؤني أنها انفجرت بما يشبه اللعن، وقلت لنفسي هذا كلام العادة، لا السخط ~~والنقمة. ثم رأيتها تضحك مثلي، فتذكرت قولي - أيام كان لي بالشعر ولوع: # لا يحسن التعبيس أبلج واضح # ضحك الجمال بوجهه وأضاءا # ولما قرت الضجة عادت تسأل: «ألم تعشق قط؟» # فقلت وأنا أعابثها وأجد في آن معا: «يا حسرة! من لا يكون له من بنات لبنان حبيب؟ ولو ~~كنت أستطيع أن أعشق لعشقت هنا، ولو كان في نفسي دماء لعدت إلى قومي شاعرا، ولكن قلبي يا ~~فتاتي غليظ، وعيني دائرة لا تتلبث، ونفسي حائرة لا تسكن، وعقلي طائر لا يقر، وما يدريني ~~يا صاحبتي، لعلي دفنت قلبي قدما يوم نفضت اليدين من بعض التراب، وكم قلت آه من الحرمان، ~~وغيري يقولها من الوجدان، وليست الحسرة أني لا أجد، ولكنما الحسرة أني لا أصبو. ورحم ~~الله صنوي الجامد المتنبي، فقد عرف هذا وبلا مرارته، فدهش ms01 ونظر في أنحاء نفسه وصرخ ~~«أصخرة أنا؟» ولولا عادة الكبت لأطلقت أقوى من صرخته. فما أعرفني رف قلبي سرورا، أو ~~عصره الألم، أو ألعجه الحنين، أو أطاره فزع أو جزع، أو أضناه قلق. نعم تضحك السن وتلمع ~~العين، أو يتقلص الوجه وترتسم على معارفه الكآبة، ويبهت اللون ويمتقع ويجول اللحظ باحثا ~~مترقبا، ولكن الذي في ضمير الفؤاد هواء.» # ونظرت إليها فرأيت الدمع متحيرا في جفنيها، فلعنت نفسي واستدركت فقلت - وراحتي على ~~كتفها: «لا تصدقي مقالتي يا فتاتي.» # فابتسمت وقالت: «لقد كدت تبكيني، وقد كان قلبي يحدثني أنك تكذب، ولكن كلامك مع ذلك ~~خدعني. إنك تحسن التمثيل ...» # قلت: «إلا في الحب. فما أعرفه يجدي معه التمثيل والتكلف، لأنه يطل من العينين وتارة ~~تسمع زغردة ناره، ويرى لهبها حتى من تحت الثياب.» # فصفقت فرحة - لا أدري لماذا - وقالت: «إذن عشقت؟» # قلت: «كثير ... عدد شعر رأسي ... ولكني أفيق وأصحو في كل مرة بعد أربع وعشرين ساعة ليس ~~إلا.» # فزوت ما بين عينيها وهزت رأسها مستفسرة. فقلت: «نعم، أربع وعشرون ساعة فقط لكل معشوقة، ~~وأسقطي من هذه الساعات الأربع والعشرين ما يذهب في النوم وفي كتابة المقالات الغراوات، ~~أعني السعي وراء الرزق، وفي الكلام الفارغ وفي غير ذلك من مشاغل الحياة، فتكون النتيجة ~~أن مدة عشقي لكل امرأة ممن عشقت لا تزيد على ساعة أو نصفها.» # فصاحت ضاحكة: «بس؟» # قلت: «يا بنت حواء، حسبك هذا فلا تكوني طماعة.» # قالت: «كيف؟» # قلت: «هي مسألة حسابية ...» # فاستغربت خلط الحساب بالشعر والحب، وقالت: «حسابية؟» # قلت: «نعم. وأجيبيني من غير أن تقاطعيني، وإلا جعلت نصف الساعة نصف دقيقة: كم عدد ~~الجميلات الجديرات بالحب في هذه الدنيا الطويلة العريضة أو حتى في لبنان بمجرده؟» # فابتسمت وهزت كتفيها. فقلت لأستفزها: «أحسبك تريدين أن تقولي واحدة؟» # فأسرعت تقول: «لا لا لا ... كثير ...» # فقلت: «هذا حسن. فكم ينبغي أن أهب كل واحدة من عمري؟ واذكري أن عددهن غير محدود، وأن ~~عمري محدود، وأن طرفي الطفولة والشيخوخة لا يحسبان، وأن كل ساعة تشهد ms02 مولد جميلة، وأن ~~...» # فقاطعتني محتجة: «ولكن هذا غير معقول ...» # فقطبت وسألتها: «غير معقول؟ ... ماذا؟» # قالت: «كيف تريد أن تحب النساء كلهن؟» # قلت: «وما المانع؟ أحب المرأة على العموم، وإن لم أعشق واحدة على الخصوص.» # قالت: «لست فاهمة.» # قلت: «دعي هذا ... ألست تعترفين بأن الجديرات بالحب لا آخر لعددهن؟ فكيف تريدين مني أن ~~أخص واحدة منهن بحبي وأن أحرم الباقيات كأنهن غير أهل للحب؟ ألا يكون هذا غبنا لهن ~~وتقصيرا مني؟» # قالت: «إنك تمزح.» # قلت: «بل أنا جاد جدا.» # قالت: «لا أصدق.» # قلت: «شأنك، فما أستطيع إرغامك.» # قالت: «إني أصدق الآن ما سمعته.» # قلت: «الحمد لله ...» # قالت: «إنما أعني ما سمعته عنك ...» # فسألتها: «وبماذا سعى بي عندك الحساد والوشاة؟» # فألقت إلي نظرة وقالت: «قالوا إن الإنسان لا يعرف لك جدا من هزل.» # فسألتها: «وصدقتهم؟» # فرفعت إلي عينها وسألتني: «هل كذبوا؟» # قلت: «ليتني أستطيع أن أرميهم بذاك.» # قالت: «إذن لماذا تقول هذا الكلام الفارغ؟» # قلت: «سامحك الله يا فتاتي وغفر لك ...» # قالت: «أربع وعشرون ساعة ...؟ هل تضحك علي؟» # قلت: «لا تغلطي يا فتاتي ... هو نصف ساعة فقط ... ولا مطمع لبنت حواء معي في أطول ~~منه.» # فقرصت ذراعي فصرخت وقلت: «ثم أنساها ولو أدمى القرص جلدي.» # فضحكت وقالت: «إنك عنيد.» # وقد أعياني أن أخرجها من خصوصها على العموم، وأن أفهمها أن عجزي عن الحب ليس معناه أنها ~~هي في عيني غير أهل له، أو أني أرى في جمالها نقصا يصرفني عنه ويزهدني فيه، وعبثا ~~حاولت أن أصحح لها هذا الخطأ وأن أبين أن كون امرأة معينة جميلة ليس من مقتضياته أن أكون ~~أنا مكلفا أن أحبها إذا رأيتها أو جالستها، وأن الحب كالزكام يصاب به المرء من حيث لا ~~يحتسب، وأنه لو خير لاختار النجاة، وأن الذنب ليس لي إذا لم أعشق، كما أن السليم لا ~~يلام إذا لم يزكم. # وتعبت من الكلام، فقلت: «ألا نجلس ونشرب من هذا الماء البارد ونطفئ به وقدة هذا ~~الحوار!» # فملنا إلى النبع وتناولنا منه براحتينا، وأحسست ms03 وأنا أشرب أن هذه الكرعة الروية أجدى ~~وأرد للنفس من كل هذا الجدل العقيم، وكان وجهها إلى جانب وجهي - وهي حانية ويدها ~~ممدودة إلى الماء - فنازعتني نفسي أن أقبلها، واشتهيت أن أضع شفتي على خدها الأسيل، ~~ولكني أحجمت وكبحت نفسي على عادتي، وقلت وأنا أعتدل واقفا: «لقد كنت أستحقها.» # فلم تفهم - ولها العذر - وسألت: «ماذا؟» # قلت: «قبلة فطمت نفسي عنها وأضعت فرصتها.» # فلم تفهم هذا أيضا - أو لعلها فهمت وتبالهت - وسألت: «قبلة؟ ممن ...؟» # قلت بحدة: «منك أنت ... فقد حركت نفسي وأتعبتني.» # فضحكت وقالت: «أوه ... أوه ...» # فقلت وأنا مغيظ: «أوه ... أوه ... أهذا كل ما عندك؟» # فقالت معتذرة: «ولكن ما ذنبي أنا؟» # قلت: «صدقت ... أنا الذي أضاع الفرصة ثم عاد يتحسر عليها.» # قالت: «أتتكلم جادا؟» # قلت: «نعم، ولكني لا أشتهي الآن شيئا، زالت الرغبة بزوال اللحظة وما انطوت عليه من قوة ~~الإغراء.» # قالت: «ولكني لا أستحق أن تقبلني ... لست بجميلة ...» # قلت: «يا بنت حواء من تخدعين؟ إنك جميلة وتعرفين ذلك، ولكنه يسرك أن تسمعي الثناء ~~على حسنك من أفواه الرجال، ولو كنت تكرهينهم، بل إنك لا تكرهين منهم كضنهم عليك ~~بالثناء، ولكني لا أنوي أن أجاريك فأقصري يرحمك الله واحذري أن تهيجي هذا البركان ~~النائم.» # قالت: «مسكين ... إني آسفة.» # قلت: «لا أسف ... هبيني قبلتك، فماذا إذن ... ماذا كنت أفيد ... ما عمر قبلة ... أنت هكذا ~~أحلى في خيالي.» # قالت: «أويعيش الناس بالخيال؟» # قلت: «أتراني أخطأت إذ لم أقبلك؟» # فرشتني بالماء، فطوقتها وأهويت بفمي على شفتيها وخديها وعينيها وشعرها ... وقلت وأنا ~~أفك أسارها: «هذا عقابك.» # فعادت إلى الماء ترشني به لأني قبلتها، وكانت ترشني لأني لم أفعل، فما أشد حيرة الرجل ~~مع المرأة وأعظم جهله بها! # | العبرة بالخواتيم # يرجع تاريخ هذه القصة - إذا جاز أن نسميها قصة - إلى ذلك العهد الذي كان فيه القلب ~~شابا، والعقل غلاما، وكنت يومئذ ساكنا، وادعا كالسمكة في الثلاجة. كذلك كانت تقول ~~عني زكية، بنت ابن خال ابن عم أبي ... قريبتي والسلام، وإن كانت حواء - فيما يبدو لي الآن ms04 ~~- أقرب إلي، وأشبه بي، وأرحم أيضا، وكانت يتيمة؛ فهي تقيم مع خال لها، ولكن اليتم لم ~~يفل لها عزما، ولم يصدها عن الجرأة، ولم يضعف ثقتها بنفسها ... ثقتها بنفسها؟ إنه ~~ليخيل إلي أن موسوليني وهتلر لا بد أن يكونا قد تلقيا عليها دروسا في الثقة بالنفس، ~~والاعتداد بالذات - بالمراسلة - ولم يكن أبغض إلي من خالها هذا، وأحسب - بل أنا واثق - ~~أن الكراهية كانت متبادلة، وكان السبب من ناحيته أنه يعتقد أني مجرم بالفطرة، أو بعبارة ~~أدق «خفيف اليد». # أما الداعي إلى كرهي له فذاك أنه كان قاضيا، فاتفق يوما أن أقامت الجمعية الخيرية ~~الإسلامية حفلتها السنوية في حديقة الأزبكية، وكانت تزين سور الحديقة بمصابيح توقد فيها ~~الشموع، وكنا لفيفا من الطلبة، فلما قضينا كل حاجة داخل الحديقة، دار في نفوسنا جميعا ~~خاطر واحد، هو أن نخرج، وندور بالسور، فنطفئ الشموع، وندس منها في جيوبنا ما تتسع له ... ~~شقاوة تلاميذ، لا أكثر ولا أقل، ولكن سوء الحظ أبى إلا أن يرانا الشرطي ... ولا أطيل. كان ~~من سوء الحظ بعد ذلك أن يكون القاضي خال زكية! فهل تدري بماذا حكم علي هذا الرجل ذو ~~الوجه السلحفائي، لولا شارباه المفتولان؟ غرمني مائة قرش! تصور مائة قرش يغرمها تلميذ ~~في سنة 1905؟ لقد كانت ثروة! وكان يكفي في زجرنا عن مثل هذه الشقاوة أن يمط بوزه، ويزوي ~~ما بين عينيه، ويقول: «عيب يا ولد أنت وهو ... امشوا اخرجوا، ولا تعودوا إلى هذا مرة ~~أخرى!» بل كان ينبغي أن يؤنب الشرطي الذي جرنا إلى «القسم» وأن يفهمه أن هذا لعب ~~أطفال، ولكنه كان فظا غليظ الكبد، ولعله كان يتوهم أن هذه الغرامة ستكون من نصيبه! وقد ~~بقيت «محجوزا» حتى جمع المال! فهل من يلومني إذا قلت: إن كرهي له كان ينمو في قلبي ~~كالسرحة أو كشعر رأسي، في ذلك الزمن؟ # ولا أحتاج أن أقول إني كنت أتقيه، وأني كنت، إذا اضطررت أن أذهب إلى بيته، أحس كأني ~~مسوق إلى المشنقة، ولكن زكية لم يكن يزجرها عن ms05 زيارتنا ما كان يزجرني عن بيت خالها، وكنت ~~أحس - وهي عندنا - أن في البيت إعصارا، وكانت لا تتركني حتى تورطني في أفاعيل يسأل من ~~مثلها السلامة، وقد أغرتني مرة بأن أقص لقريب لنا، ضيف علينا، أحد شاربيه، وهو نائم ... ~~ومن السهل عليك أن تتصور ما حدث بعد ذلك ... أي بعد أن خرج الرجل لشأن له ولاحظ أن كل عابر ~~سبيل يضحك منه، وأن الجالسين أمام الأبواب أو الدكاكين وفي المقاهي يتغامزون عليه ~~ويشيرون إلى وجهه ...! # ولا أدري كيف كان يحدث هذا كله، ولكن الذي أدريه أني كنت حين أراها أتجهم لها، وأصمم ~~على رفض كل ما تتوجه إلي به من رجاء، وأقول لنفسي: «كن حجرا صلدا. لا تعرها أذنا، ~~ولا تعبأ بها، ولا حتى بدموعها»، ثم تتقشع السحب، وتصفو السماء، وإذا بها قد حملتني على ~~مكروهي! فالحق أن شمشون كان معذورا فيما وقع فيه بفضل دليلة! # وقالت زكية يوما: «اسمع. أريد منك أن تذهب إلى دكان ... فإن فيه «فنيارا» ظريفا تحدثني ~~نفسي أن أشتريه، ولكني أريد رأيك فيه قبل أن أفعل، فإنه غال. تأمله ... جسه ... افحصه ~~جيدا ... ثم عد إلي برأيك ...» # ولم أر في هذا بأسا فذهبت إلى الدكان. ولكن من تظن أني رأيت فيه؟ خالها من فضلك! وقد ~~تحب أن أزيدك بيانا، فاعلم إذن أنه كان يفحص «الفنيار» الذي وصفته! وقد أصرت على أن ~~هذه مصادفة ليس إلا، ولكني لا أصدق، وكنت قد دخلت الدكان كالقنبلة، فلما وقعت عيني على ~~الخال الفاضل وقفت كأنما صدني حائط، ودار رأسي، وتخلخلت ركبتاي، وخفت أن أهوي إلى ~~الأرض، فمددت يدي لأتكئ على شيء، ووجدت شيئا - لا أدري ماذا، فقد كانت عيني على الخال ~~وعقلي معه - فاستندت، وجاهدت أن أتشدد، وفكرت في التقهقر والهرب، وإذا بالخال يدور ~~فيراني، فيقطب، ثم يقول: «ماذا تصنع هنا؟» # فأقول متلعثما: «إ... لا شيء.» # فيقول: «هل كففت عن السرقة؟» # فأتشجع وأقول: «لم تكن هذه سرقة، ثم إن ...» # فيقاطعني ويقول: «لقد كان حقك السجن ... ولكني رحمتك.» # فأهم بكلام، ولكن ms06 الذهول الذي استولى علي لما سمعته يقول إن تغريمي مائة قرش كان ~~عملا رحيما، عقل لساني. # فيقول: «وماذا تعمل الآن؟» # فيقول رجل معه لم أفطن إلى وجوده: «يسرق العصي على ما يظهر، فإني أرى يده على ~~عصاك.» # فأرفع يدي كأنما شكني مسمار محمي، وأنظر إلى العصا وهي تقع على الأرض، وأرى، كأني أحلم، ~~الخال ينحني ويتناولها، ثم يحدجني بالنظر الشزر، وأفتح فمي محاولا أن أشرح له كيف اتفق ~~أن أضع يدي - عفوا وبلا قصد - على عصاه، فأتردد وأحجم، وأطبق فمي، وماذا يمكن أن أقول ~~له؟ ليس من السهل أن تقول لقاض حكم عليك بغرامة فادحة: إنه ثقيل بغيض وإنك تمقته أشد ~~المقت، وإن رؤيته تسود في عينيك نور الضحى. # ويرى هو اضطرابي، وتلعثمي، فيكون هذا عنده بمثابة الاعتراف، ويقتنع بأني مفطور على ~~السرقة، وأن اللصوصية شيء في دمي ... ولست أشك في أنه كان في تلك اللحظة يتمنى لو كان في ~~المحكمة، وأنا أمامه ليبعث بي إلى السجن. # ولأمر ما، ترك ما كان فيه، وجر صاحبه وخرج. فخلصت أنفاسي، وطهر الجو فيما أحس، ~~واستعدت رباطة جأشي، ووسعني أن أكلم صاحب الدكان، وأن أتناول «الفنيار» وأتأمله، كما ~~أوصتني تلك اللعينة، وأن أقول له - ياللجرأة! إنه صدئ، وأنه لا يساوي شيئا! # فيتعجب ويقول: «صدئ؟ أين هذا الصدأ؟ اخرج به في النور وانظر.» # فأتناول «الفنيار» وأخرج، ولكني أتعثر - في مدخل الباب - ويطير «الفنيار» من يدي، ~~وأنكب أنا ... على صدر الخال الفاضل! # وأفيق، وأعرف على من وقعت، وبمن اصطدمت، فأضع ذيلي في أسناني وأهرب! ~~••• # وتصور أن تجيء زكية، بعد سنتين، وتقول لي: «لي عندك رجاء يا روحي.» # فسرت في بدني رعدة، فما تقول لي: «يا روحي»، إلا وهي تنوي أن تورطني في أمر خطير لا بد ~~أن يزهق روحي، ولم يخطئ حدسي، فقد ذكرتني بأن لها قريبا تحبه ويحبها، ولكن وظيفته ~~صغيرة، فخالها لا شك سيرفض أن يوافق على تزويجها له، وصحيح أن لها هي ميراثها، ولكن هذا ~~لن يكون له تأثير في رأي خالها ms07 . # فسألتها، وأنا أحدث نفسي بأن وقوع البلاء أهون من توقعه: «لماذا تقصين علي كل هذا ~~الذي أعرفه؟» # فقالت: «لأننا اتفقنا - أنا وأحمد - على أنك خير من يستطيع أن يساعدنا.» # فصحت بها: «كيف؟» # قالت: «لا تصح هكذا ... نعم أنت ... في وسعك أن تحمل خالي على الرضى.» # فكاد عقلي يطير ... ولي العذر ... والغريب أني ضحكت، بل قهقهت، ولكن هذا ليس غريبا، ألم ~~يقولوا إن شر البلية ما يضحك؟ # ولما استطعت أن أتكلم قلت: «آسف ... آسف جدا ... اذهبي إلى دكان آخر.» # قالت: «ولكنك تخيب أملي ... أملي وأمل أحمد.» # قلت: «إنك أنت التي خيبت أملي ... لم يبق في رأسك عقل. كيف تتصورين أن يكون في وسعي أن ~~أذهب إلى هذا الوباء - معذرة - وأقنعه أنا ... أنا ... أقنعه بأن أحمد كفء لك، وأحمله على ~~الرضى به؟ هل جننت؟ إن خالك لا يطيق أن يرى وجهي ... يعتقد أني لص ... مجرم ~~بطبيعتي.» # فأدهشني أن أسمعها تقول: «هذا هو الذي يجعلك أقدر الناس على مساعدتنا.» # ففتحت فمي، وحملقت ... كالأبله ... ما كنت أظنه حجة لي تقلبه هي حجة لها علي. فالحق أن ~~المرأة مخلوق آخر ... # وقالت: «ألا تفهم؟ كل ما عليك هو أن تذهب إليه وتقول له يا عمي، أو يا خالي ... ماذا ~~تسميه في العادة؟» # قلت: «البلاء الأزرق ... وقل له ذاك.» # قالت: «قل له ما تشاء ... ولكن قل إنك تحبني، وإني أحبك، وإنك تريد أن تتزوجني، فأنت ~~...» # فنفد صبري، وأنا صبور جدا، وحليم، ولكن لكل شيء حدا، وقد كلفتني حماقاتها أكثر مما ~~أحب أن أتذكر، ولكن هذا شطط لا سبيل إلى احتماله، وقد بينت لها رأيي فيها بأصرح ما ~~أستطيع، ولعنتها ولعنت صاحبها أو قريبها بأحر لفظ! # ولكنها لم تغضب، بل قالت لي: «يظهر أنك غير فاهم. هذا اقتراح أحمد، وهو كما تعرف ذكي ~~جدا ... شعلة ذكاء، وهو يقول إن خالي يكرهك كره العمى، فإذا سمع أنك تحبني وتخطبني، وأني ~~أحبك، وراضية بك، طار عقله وقال: «كله إلا هذا»، وهو يعرف حق المعرفة أنه لا سلطان له ~~علي لأني ms08 بلغت رشدي، فإذا جئت أنا وقلت له: إني لا أحبك ولا أريدك زوجا لي، لم يسعه ~~إلا أن يرضى بأحمد ... أي إنسان خير عنده منك ... هل فهمت الآن؟ ... المسألة كلها لن تستغرق ~~أكثر من نصف ساعة وتخرج أنت مسرورا بنجاحك، وأسعد أنا وأحمد بقية العمر بفضلك!» # وبدا لي، وأنا أدير هذا الاقتراح في رأسي، أنه لا يخلو من سداد، وإن كانت أشياء بقيت ~~تحك في صدري، وهي مخاطرة على كل حال! # وسألتها: «هل أنت واثقة أن هذا الحمى يقبل كل شيء إلا أن يزوجني منك؟ إني لا أريد أن ~~أقع أنا في الشرك!» # قالت: «لا تخف، وهل تتصور أنه يخطر لي أن أرضى بك زوجا؟» # قلت: «أشكرك، ولكني أحب أن أكون على يقين.» ~~••• # وقد كان. دخلت على الخال، فألفيته لم يفق من تعجبه لاستئذاني عليه، فقلت أحاوره قليلا ~~حتى أسري عنه، وأرد إليه روحه، ثم ألقي القنبلة، وسيسرني أن أراها تطير بأشلائه، ~~وتمنيت أن يحدث له ما سيسمع مني سكتة قلبية، أو على الأقل فالجا، وقد كاد فعلا يفلج ~~حين سمع مني أني أخطب لنفسي زكية، وأني أحبها وتحبني، وأنها ترضاني بعلا لها ... هراء ~~بالطبع ولكنه لا يعرف أنه هراء، وقد انتفض واقفا، وضرب المكتب بجمع يده، فكان من دواعي ~~اغتباطي أن يده وقعت على سن غطاء الدواة، فصرخ كأنما أصابته طعنة خنجر، ثم صاح بي: «اخرج ~~من هنا ... حالا.» # فقلت: «ألا تسألها أولا؟ إن في وسعها أن تتكلم، وستتكلم، فما هي بقاصر.» # ولا أدري من أين رزقت كل هذه الشجاعة، وأحسب أن الذي شجعني يقيني أني أكويه وأشويه ~~بكلامي، وأني أنتقم لنفسي، وأثأر منه، وأعوض ما فجعني فيه حين غرمني مائة قرش من أجل ~~عمل صبياني. # وعاد إليه عقله لما نبهته إلى أن زكية ليست بقاصر، فدعا بها إليه، وقص عليها الخبر، ~~وهو يظهر الاشمئزاز والتقزز كأنما يمسك فأرا ميتا. # فقالت له: «ولكن يا خالي هذا مستحيل ... إن أحمد هو الذي يريد أن يتزوجني، وهو الذي أرضى ~~به.» # وكانت ms09 جرأتها في هذا أعظم من جرأتي أنا عليه، فثار وراح يقطع الغرفة كالنمر الجوعان، ~~ويصيح: «وهل عندنا بنات يفعلن هذا؟ ما شاء الله! عال. لم يكن باقيا إلا هذا!» # فقالت بهدوء: «إذا كنت لا ترضى بأحمد، فالمسألة بسيطة. سأرضى بخليل، ولم لا؟ مستقبله ~~حسن ... ومركزه الحالي لا بأس به ...» # فقاطعها وصرخ: «لا لا لا لا ...» # قالت: «إذن ترضى؟» وانحط على كرسي، وانحطت عليه زكية، تقبل خديه. # ولم يسعني أنا إلا أن أتسلل وأخرج ... # فيا لها من فتاة! # ولقد غفرت لها كل ما جرته علي، لأنها مكنتني من شفاء غيظي وغلي! ~~... مائة قرش! يا حفيظ يا رب! # | الكلب # كنا في قهوة «الحاج إلياس» على طريق «ضهور الشوير»، أو على الأصح في بستان فاكهة وزهر ~~على هذا الطريق، وكان معي أسرتي زادها الله عددا، وأبقاني لها ذخرا ومددا، فما أعرف ~~لي عملا في الحياة إلا أن أزود هذا الجيش المبارك بالزاد والعتاد، وكنا قد أكلنا ~~هنيئا، وشربت أنا مريئا، وبقي البطيخ والفاكهة ولا محل لها، فقلنا نرجئها ساعة أو بعض ~~ساعة، وخفت أن تسبق معداتهم معدتي في الهضم، فأغبن، فقلت أتمشى، ومضيت إلى واحد من رجال ~~القوة وقلت: «يا حاج إلياس.» # ولم يكن هو الحاج - كما عرفت فيما بعد - ولكنه وثب إلى قدميه أو عليهما أو لا أدري كيف ~~وقال: «نعم سيدي!» # قلت: «سأتمشى قليلا.» # قال: «تكرم سيدي.» # قلت: «هل هنا طريق؟» # قال: «نعم سيدي.» # قلت: «وصيتك العيال!» # فضحك وقال: «تكرم سيدي.» # قلت: «هل أعدهم لك، وآخذ إيصالا بهم؟ أو الدار أمان؟» # فقال وهو يضحك: «الدار أمان سيدي.» # قلت: «إنهم أكثر مما تظن.» # قال: «شو بتقول سيدي؟» # قلت: «إنهم أربعة والخادمة، يساوون خمسة والخادمة.» # قال: «كيف سيدي؟ شو هادا؟» # قلت: «أعني أنهم أربعة والخادمة فيما يبدون لك، ولكنهم في الحقيقة خمسة والخادمة. أفهمت ~~الآن؟» # فأقسم أنه لم يفهم، فقلت على سبيل الشرح: «إن الخامس لا تراه لأنه مختبئ منذ ~~شهور.» # قال: «مختبئ؟» # قلت: «نعم، متحفز.» # فهز رأسه، فصحت به: «العمى! في بطن ms10 أمه!» ~~••• # وذهبت أتمشى، ورأسي عار، ويداي في جيبي البنطلون، وكنت أغني - آمنا - «ما بدها عيطة، ~~ولا بدها زيطة، وقع المقدر، ولبسنا البرنيطة» # 1 # للزعني أو لعلها ليحيى اللبابيدي، فقد نسيت، وكان الذي أغراني بهذه الأغنية ~~وجرأني على رفع الصوت بها في الجبل الخالي أن لحنها ساذج لا يحتاج إلى جمال في ~~الصوت، وأن الذي سمعته يغنيها ويطرب الناس بها - في الفونوغراف - ليس أرخم مني صوتا، ثم ~~إني كنت أشعر بأني مفتقر في تلك الساعة إلى «البرنيطة» لشدة وقدة الشمس، فأخرجت منديلا ~~وغطيت به رأسي وعقدت أطرافه عليه، ورضيت عن نفسي وعن الدنيا، وأمنت شر هذه الشمس واتقيت ~~غدرها، فانطلقت أغني: «ما بدها عيطة.» # وكنت أمشي على غير هدى، فأبعدت وإذا بكلب يجري ورائي وينبحني، فوقفت وقلت لنفسي: «سبحان ~~الله العظيم!» ودرت على عقبي فواجهته وقلت له: «نعم سيدي؟» # قال: «هاو ... هاو ...» # قلت: «أشكرك ... ولكني أستطيع أن أعرف الطريق وحدي.» # قال: «هاو ... هاو ... هاو ...» # قلت: «الحق معك، وإني لمعترف بخطئي، وأعدك أن لا أغني مرة أخرى، إلا في سري، ~~انتهينا؟» # قال: «هاو هاو ... ها هاو ...» # قلت: «يا أخي، إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.» # قال: «هاو هاو هاو!» # قلت: «أتسمح بأن أقدم لك سيجارة؟ إنها سجاير مصرية لذيذة، تركها لي عمال الجمرك في ~~بيروت، أو على الأصح لم يتركوها، وإنما غابت عن عيونهم في مطاوي الثياب، أو بعبارة أدق، ~~لم يفتحوا الحقائب.» # فأبى أن يتقبل مني السيجارة، فقلت: «آه مفهوم! الدخان عندكم مكروه ... بالطبع! معذرة يا ~~أخي، وإذا كنت تكره أن تراني أدخن أمامك، فإني مستعد أن أرمي السيجارة وأدوسها بقدمي، ~~أطحنها بكعب حذائي، أخلطها بتراب هذا الجبل الجميل، أما العلبة، فسأعود إلى البركة ~~وألقيها فيها، إذا سمحت، فهل تسمح؟» # قال: «هاو هاو ... هاو هاو ...» # قلت: «هممم! يظهر أن المفاوضات بيننا ستطول، فهل تسمح لي أن أفكر في طريقة لاختصارها ~~قليلا!» # فأذن، بالصمت، فشكرته بعيني، ووقفت أفكر في أمري معه وفي ضيق صدره بي ونقمته علي بلا ~~مسوغ، فما ms11 جئت إلى لبنان غازيا، ولا خوف مني على الكلاب لو عقلت، وأخرجت يدي ورفعتها ~~إلى جبيني لأفركه وأستعين بذلك على التفكير، فزجرني الكلب وصاح بي: «هاو هاو!» # قلت: «رجعنا؟» ورددت يدي إلى مكانها واستغنيت عن معونتها، فخطر لي أن أتئره النظر وأطيل ~~التحديق فيه - في عينيه - عسى أن ينام، نوما مغناطيسيا، فأتسلل على أطراف أصابعي ~~وأخرج من هذه الورطة الثقيلة، ولكنه على ما يظهر كان لبيبا فطنا، فأدرك أني أدبر له ~~أمرا، وراح ينبحني نباحا عاليا فقلت له لأتألفه: «حلمك سيدي! حلمك! لا تغضب!» # ولكنه أصر على الغضب، لأنه أحمق وليس بلبيب فطن كما توهمت، وأبى إلا أن يواصل النباح، ~~وأحسبه كان يطمع أن يؤلب علي كلاب الجبل جميعا، لولا أن الجبل لا كلاب فيه غيره، وإذا ~~بشجرة وراء الكلب تقول بصوت ناعم: «بيجو! بيجو! تعال!» # فالتفت إلى الشجرة مستغربا وقلت: «كوني متواضعة يا شجرة، كالأنبياء وتعالي ~~أنت!» # فلم تتحرك الشجرة ولم تبرح مكانها، ولكن تحركت أغصانها وافترقت - أعني افترت - عن وجه ~~ملائكي ما لجماله ثان في هذا العالم الفاني. فخلتني لحظة في الجنة التي وعدها المتقون، ~~أليس الشجر فيها ينشق ثمره عن الحور العين؟ ولكني وا أسفاه لست من المتقين فلا يمكن أن ~~تكون هذه هي الجنة، وإنما هي الدنيا، فعلي أن أرد نفسي إليها من عالم الأوهام، فقلت ~~وأنا أدنو من الشجرة، وقد نسيت الكلب ونباحه فلو عضني لما شعرت به: «هل تسمح لي الشجرة ~~المباركة أن أقطف هذه الثمرة الشهية؟» # فارتد الوجه ضاحكا وغاب بين الورق الأخضر. # فقلت: «سبحان ربي القادر! شجر يثمر وجوها حلوة، لها عيون آه من سحرها! وشفاه ليت رقتها ~~تسري إلى قلوبها!» # فضحكت الشجرة، وعاد الوجه فأطل بديباجته المشرقة، ولا أدري كيف حدث هذا، ولكن الذي ~~أدريه أني دفعت ذراعي فإذا تحت الوجه كتفان وذراعان وخصر نحيل وجسم رخص طري. # فاستحلفتني ضاحكة: «وحياة دقنك!» # قلت: «حلفت بغير شيء، فقد حلقتها اليوم!» # قالت: «يخرب عقلك!» # قلت: «ليس فيه ركن واحد عامر.» # قالت: «أطلقني!» # قلت: ms12 «حتى أشكر الله!» # قالت: «ارفع يديك عني واشكره.» # قلت: «بل أشكره بقبلة.» # فردت وجهها فانتفش شعرها الذهبي الناعم، وعلقت منه خيوط بالشجرة، فصرخت، فلم أكترث لذلك ~~وأهويت عليها باللثمات، فلعنتني وسبتني وتوعدتني أن تغري بي هذا الكلب اللعين، وكنت قد ~~نسيته، فذعرت ولكني تجلدت وتشددت وقلت لنفسي إذا أظهرت الجزع أنفذت وعيدها وطارت الثمرة ~~من يدي. # وقلت: «لو قطعني كلبك هذا لما استطعت أن تفلتي، تعالي! اخرجي!» # وجذبتها فخرجت معي إلى فضاء الله ونظرت إلى الكلب باسما فقد ظفرت عليه وقلت: «ألسنا ~~صديقين يا صاحبي؟ قل لها إني رجل طيب ... تعال يا بيجو! تالله ما أحلى اسمك ... الآن، وما ~~أشد حبي للكلاب ... اليوم!» # قالت: «ألا تحبها؟» # قلت: «وهل فرغنا من حب بني آدم حتى نحب الكلاب؟ بل أحبك أنت!» # قالت: «بهذه السرعة؟» # قلت: «وما داعي أن أبطئ وأتلكأ؟ وما دام الحب مقدورا ولا بد منه فليكن من ~~الآن!» # قالت: «من أنت؟» # قلت: «سعيد بن موفق.» # قالت: «شو؟» # قلت: «أقول إن اسمي اليوم سعيد بن موفق.» # ففهمت وضحكت، ثم قالت: «وماذا كان اسمك قبل اليوم؟» # قلت: «أوه! إن لي كل يوم اسما جديدا، على حسب الأحوال، مثلا، قبل أن تظهري لي بنصف ~~دقيقة كان اسمي «منحوس بن حيران»، وقبل أن تحملني رجلاي إلى هذا المكان كنت «شبعان بن ~~متخوم» وهكذا ...» # قالت: «صحيح؟» # قلت: «أي شيء؟» # قالت: «ما تحكيه.» # قلت: «دعيني أفكر ... كنت أقول إني سعيد، وهذا صحيح، ولا أزال سعيدا، وأرجو أن أظل كذلك ~~...» # قالت: «لا لا لا ...» # قلت: «لا ... يعني ماذا؟» # قالت: «هل كنت خائفا من الكلب؟» # قلت: «ولم لا أخافه وهو كلب؟» ولكني لا أخافه الآن فإن ملاكي الحارس معي، والآن قولي لي ~~من أنت؟ وتعالي أعرفك بالجراء الكثيرة التي عندي ... أعني في قهوة الحاج إلياس. # قالت: «هل عندك كلاب؟» # قلت: «ثلاثة ورابعهم في الطريق ...» # قالت: «صحيح؟» # قلت: «بالطبع صحيح، وهل أنا أكذب، ومع ذلك سترين بعينيك الساحرتين ... تعالي ...» # وعدنا معا إلى القهوة، وتعارفنا في الطريق، ومضت دقائق ونحن ms13 جلوس - هي وأسرتي وأنا - ~~ثم قالت فجأة: «أين كلابك؟» # فقلت: «لقد مسخها الله ... كما ترين.» # وأشرت إلى أولادي، فهاج بي الجمع كله، لا أدري لماذا؟ # | بوبي # وقعت عيني عليها، فلم أعد أرى سواها، وكنت أركب «الأمنيبوس» ففتحت الباب وإذا بها ~~أمامي، وفي حجرها كلب أبيض صغير غزير الشعر وإلى جانبها صاحب لي، جالس كالدمية. فغضضت ~~الطرف؛ أعني أني حولت عيني عنها إلى التمثال، وكانت نظرتي واشية بالإعجاب والسرور، ~~فانقلبت نظرة حسد وغيظ، ومقت أيضا، ولكني كتمت ذلك وأمسكت على ما بنفسي منه، ولم أسمح ~~له أن يطل من عيني؛ لظني أنها قد تكون زوجه أو أخته أو قريبته، أو حبيبه، ولكنه كان ~~تمثالا مبنيا أو منحوتا من الحجر لا إنسانا حيا من لحم ودم. فمضيت عنه إلى آخر ~~مقعد، وقد زاد حقدي عليه وحسدي له، وجعلت أقول لنفسي - وأنا قاعد، وبيني وبينهما صفان - ~~إنها لا يمكن أن تكون زوجة أو قريبة، فما خلق مثلها ليشقى بزواج مثله أو يبتلى ~~بقرابته، وإنه لا حق له في زحامها على مقعدها، وإن من سوء الأدب ألا يفسح لها. # ورثيت لها، وأشفقت عليها من برد هذا التمثال الجامد الذي لا ينبض فيه عرق، ولا يطرف له ~~جفن، وهممت مرات أن أدعوه إلي، ولكني رددت نفسي عن ذلك، مخافة أن تكون معه، فإن النساء ~~- ككل شيء - حظوظ وأرزاق، وقد سمعت وحفظت من أمثال عامتنا أن الله يشاء أحيانا أن يعطي ~~الحلق لمن ليس له أذن ... # وبلغت «محطتي» فنزلت، ومنحت السيارة ظهري، فقد شق علي أن أراها تمضي بهذه الفتاة، ~~فلما آذنني صوتها - أعني صوت السيارة - أنها بعدت عني، درت، فإذا بالفتاة إلى جانبي ~~وأطراف أصابعها على فمها، وفي وجهها كل آيات الحيرة أو الاضطراب، ولم أر الكلب، فتلفت ~~فبصرت به يعدو ويسابق ظله الصغير، ولم أبصر صاحبي في مكان قريب أو بعيد، فلم يبق محل ~~للتردد، فخلعت معطفي ورميته بلا تفكير، وذهبت أعدو وراء الكلب، فأدركته بلا عناء، فقد ~~كان صغيرا وخطوه متقاربا، ورفعته عن ms14 الأرض ، ووقفت أمسح له شعره الناعم، ~~لأستريح. # وسمعت صوتا رخيما يقول لي: «أشكرك، هذا منك غاية المروءة.» # فدرت وقلت بسرعة: «العفو ... أستغفر الله.» # قالت الفتاة: «منتهى اللطف ولا شك.» # فلم أدر ماذا أقول، وكنت أنا أحمل الكلب، وهي تحمل معطفي - كما تبينت فيما بعد - ولكني ~~لم أكن أرى أو أدرك شيئا، سوى أن لساني قد انعقد، وأني فقدت القدرة على الكلام. # وعادت الفتاة تقول: «صحيح، أنا متشكرة جدا.» # فكان كل ما فتح الله به علي: «إني أحب الكلاب.» # ولم أكن صادقا في ذلك، فما أحب الكلاب ولا أطيقها، وما رأيت قط كلبا - ولو كان ~~ميتا - إلا ذهبت أفكر بسرعة في أقرب مستشفى للكلب ... # وسمعتها تقول: «لا شك أنك تحبها، وإلا لما جريت وراءه هكذا.» # فقلت: «نعم، إني أحب ... أحبها ... هل تحبينها؟» # قالت: «نعم، حبا جما.» # قلت: «أنا كذلك، أحبها حبا جما.» # قالت: «بعض الناس لا يحبونها.» # قلت: «صحيح، أنا ... مثلا ... أحبها ... أحبها كثيرا.» # ثم كأنما انحلت عقدة لساني، ونزلت عليه الفصاحة والبيان، فقلت من غير أن أتلعثم أو ~~أتأتئ أو أفأفئ: «أحب الكلاب بأنواعها؛ القلطي والسلوقي والمالطي والأرمنتي والبول دوج ~~والثعلبي، وأحب هريرها ونباحها وهوهوتها، وأحب لعبها وعبثها وعضها.» # وخانني بياني فأمسكت، فقالت: «يظهر أنك تحب الكلاب.» # فقلت: «نعم، أحب الكلاب ... جدا.» # قالت: «إن لها مزاياها.» # قلت: «صحيح ... إن للكلاب مزاياها.» وفتح الله علي فأضفت: «وكذلك للقطط ~~مزاياها.» # فقالت: «صحيح ... القطط أيضا لها مزاياها.» # قلت: «لا شك. ولكن القطط تختلف عن الكلاب.» # قالت: «نعم تختلف ... لقد لاحظت ذلك.» # وكان ينبغي أن أجيب بشيء، فقد اتسع الموضوع ولم يعد مقصورا على الكلاب، ولكنه لم يخطر ~~لي كلام أقوله، فعضضت لساني من الغيظ، وسكتت هي أيضا، ووقفت أمسح للكلب شعره، وبودي ~~لو أخنقه، فقد كبر في ظني أنه هو الذي جر علي هذه الحبسة التي أصابت لساني، ثم رفعت ~~عيني إلى الفتاة فرأيتها تنقل معطفي من ذراع إلى ذراع، فأسرعت أقول: «معذرة! لقد كنت ~~ذاهلا.» # وتناولت المعطف، فحملت عني كلبها وهي تقول: ms15 «هو الذي أذهلك ... إنك تحبه، أليس ~~كذلك؟» # فقلت - وأنا أتشهد في سري: «أحبه؟ آه ... نعم ... أحبها ... أعني الكلاب.» # قالت: «إنك ...؟» # قلت: «إني؟» # قالت: «نعم، إنك ... أعني ... إني لست أعرف لمن أنا مدينة بهذا الجميل؟» # قلت: «آه. صحيح ... كلا ... لا فضل ولا جميل ... لا لا لا ... لا شيء.» وسخطت على نفسي جدا؛ ~~فقد كان واضحا أنها تسألني عن اسمي وما إلى ذلك، فجاء جوابي كأني لا أرتاح إلى تعريفها ~~شيئا منه، وأحر بهذا أن يصدمها ويفتر ما بيننا. # ثم قالت: «ألا تتفضل معي قليلا؟» # وأشارت إلى بيت، فقلت: «هذا مسكنك؟» # قالت: «نعم، تفضل، فإن أمي يسرها أن تشكر لك صنيعك، وأظنها تحب بوبي أكثر مما ~~تحبني.» # وضحكت، فقلت: «في وقت آخر ... لا موجب للشكر ... ما فعلت إلا ما يفعله أي إنسان.» # وصافحتها وانصرفت مسرعا، وبودي أن أجرد من نفسي شخصا أظل ألعنه وألكمه حتى أشفي ~~غيظي، فما أذكر أني كنت قط أسخف مني في ذلك اليوم، وإني لثرثار في العادة، ولست أتهيب ~~المرأة أو أجهل طبيعتها، فمن أين جاءني هذا البكم؟ وماذا عسى أن تقول عني هذه الفتاة؟ ~~وكيف لم يخطر لي كلام إلا: «إني أحب الكلاب»؟ # وآليت - من فرط سخطي على نفسي وخجلي من عيي وفهاهتي - أن أجنب السير في هذا الطريق، ~~وحرصت على ذلك أشد الحرص، ومضت أيام لا أذكر عددها، ونسيت الحكاية، وصرفتني عن الحياة ~~مطالب الدنيا ومشاغل الحياة، ثم اتفق لي أن ركبت «الأمنيبوس» مرة أخرى في هذا الطريق ~~عينه، مع صديق لي، وكان قد دعاني إلى العشاء، فلما بلغت المكان هجمت علي الذكرى، ~~فانتفضت قائما، وقلت لصديقي سألحق بك فامض أنت. # قال: «إلى أين؟» # قلت: «زيارة وجيزة.» # قال: «من؟» # قلت: «زيارة ... ما سؤالك هذا؟» # قال: «أفي الأمر سر؟» # قلت: «لا يا سيدي، لا سر ولا شبهه، سأزور كلبا.» # قال: «كلب؟!» # قلت: «نعم، كلب، وأي غرابة في ذلك؟» # قال: «ولكنك تكره الكلاب؟» # قلت: «أكرهها؟ من قال إني أكرهها؟ إنما أكره ما يستحق الكراهة من كل شيء.» # فصاح ms16 بي وأنا أنزل: «ولكنك لا تعرف البيت.» # فقلت: «بل أعرفه ... لا تخف علي.» # فصاح بي من النافذة: «بل لا تعرفه ... أنا واثق، فاصعد.» # فقلت بحماقة: «يا أخي أعرفه ... هي دلتني عليه.» # فقال: «هي؟» # فعضضت لساني من الغيظ، ومضيت عنه ... ~~••• # ودققت الجرس، فخرجت لي خادمة وقالت: «نعم.» # فحرت ماذا أقول؟ وذكرت أني لا أعرف اسم الفتاة، ولا اسم أمها، ووقفت مترددا ثم قلت: ~~«اسمعي يا شاطرة، إن عندكم كلبا صغيرا جميلا، أبيض الشعر، أليس كذلك؟» # قالت بدهشة: «كلب؟ تسأل عن كلب؟» # قلت: «نعم ... اسمه ... اسمه ... آه. تذكرت ... اسمه بوبي ...» # قالت: «آه ... بوبي ... ماله؟» # قلت: «أ... أ... كيف صحته؟ إن شاء الله يكون بخير.» # فدارت اللعينة، وقالت تخاطب من لا أرى: «إنه رجل غريب يسأل عن صحة بوبي.» # فبرزت لي سيدة ضخمة، ضخمة جدا، أضخم شيء رأيته في حياتي، حتى لقد احتجت أن أدور بعيني ~~في أنحاء جسمها المتباعدة، لأحيط بها علما، وأقبلت علي تسد الفضاء في وجهي وقالت: ~~«من هذا؟» # قالت الخادمة: «لا أعلم ... لم أره من قبل.» # فسألت خادمتها، كأنها لا تراني - وهل أنا إلا ذرة أو هباءة؟: «ماذا يريد؟» # قالت الخادمة: «يريد أن يعرف صحة بوبي.» # فقالت: «ما شأنه به؟ هل يعرفه؟» # فتدخلت في الحوار وقلت: «نعم يا سيدتي؛ لقد تشرفت بمعرفته يوم فر من سيدته وكاد ~~يضيع أو يختفي.» # فقالت: «آه» ولم تزد. # قلت: «نعم؛ وقد خطر لي أن أسأل عنه كيف حاله؟» # قالت: «بخير ... أشكرك بالنيابة عنه.» # قلت: «ألا يمكن أن أراه، وأطمئن عليه؟» # قالت: «لا ... لا يمكن.» # قلت: «أهو لا قدر الله ...؟» # قالت: «خرج ...» # قلت: «خرج؟ يا سيدتي كيف تتركينه يخرج وحده؟» # قالت: «لا ... خرج مع إيلين ... لا خوف عليه ... متشكرة ...» # فلم أدر «إيلين» هذه من تكون، الفتاة أم خادمة أخرى، ولكني قلت أجازف وأمري إلى الله، ~~وسألتها: «وكيف حالها؟ بخير إن شاء الله.» # قالت: «حالها؟ من؟» # قلت: «المدموازيل إيلين؟» # قالت: «المدموازيل ...؟» # قلت: «آه ... بنتك ... أليست بنتك؟» # فقالت: «بنتي؟ عن أي شيء تتكلم؟» # فتشجعت وسألت: «أليس ms17 هذا بيت المدموازيل إيلين؟ معذرة إذا كنت مخطئا.» # قالت: «بيت المدموازيل إيلين؟ ماذا جرى لعقلك؟ من أنت؟ إنها خادمة هنا.» # فأحسست أنه لم تبق لي قدرة على المضي في هذا الحوار، فاعتذرت لها مرة أخرى، ~~وفررت. ~~••• # وصرت في الطريق، فأخرجت المنديل، وأقبلت على وجهي أمسح العرق المتصبب عنه في الشتاء، ~~فإذا بالفتاة تقول بأرخم من صوتها الأول: «سعيدة ... هذا بوبي.» # ومدت لي يديها به، فلم أتناوله، وتركته على كفيها وسألتها: «هل أنت إيلين؟ قولي لا ~~بسرعة.» # فقالت وهي متعجبة: «إيلين؟ كلا ... إني ...» # فقاطعتها: «لا تقولي شيئا ... يكفي أنك لست إيلين.» # قالت: «ولكني لا أفهم ...» # قلت: «ستفهمين كل شيء ... بعد أن أتنفس وأشكر الله.» # ثم قصصت عليها الحكاية، فضحكت، ولما سكنت الضجة، واستطاعت أن تتكلم أخبرتني أني غلطت، ~~وأن هذا مسكن جيران، وأن كلبهم كان قد ضاع، فرده عليهم بعضهم، وأن هذه السيدة الضخمة لا ~~بد أن تكون قد استرابت بي وشكت في أمري، لأنها تعرف الذي أعاد الكلب، ففهمت ما بدا منها ~~من الجفوة، ولماذا تركتني واقفا على عتبة الباب وأبت أن تدعوني إلى الدخول. # فقلت: «إذن ناوليني بوبي ...» # وحملته عنها وصعدت معها إلى أمها ... # وضحكنا كثيرا في ذلك المساء، ولا أحتاج أن أقول إني نسيت صديقي وعشاءه ... وهبني لم ~~أنسهما، فإني لا أعرف البيت. # | نزهة وسليمة باشا # قلت يوما لإخواني - وأنا في بغداد: «يا ناس حرام عليكم. ألا سبيل إلى السماع في ~~بلادكم؟ فقد صدئت أذني، وأخشى - إذا اقتصر الأمر على الولائم - أن أنقلب، من رأسي إلى ~~أخمص قدمي، معدة ليس إلا.» # فسكتوا يومين، ثم ضربوا لنا موعدا بعد عشاء - فقد كانت أوقاتنا مكظوظة بالمآدب - ثم ~~مضوا بنا إلى بيت أنيق، في حي جديد، وقالوا: «تفضلوا»، فتفضلنا - أعني دخلنا. وأنا أعجب ~~لمن هذا البيت؟ ولماذا جاءوا بنا إليه؟ وكانت التي فتحت لنا الباب جارية قصيرة عظيمة ~~الثديين، ثقيلة الردفين، ولا عنق لها. ففزعت من هذه «الفاتحة» واستعذت بالله في سري، ~~وتوجهت إليه تعالى بقلبي فقلت: «يا رب، يا رءوف، ms18 يا لطيف، إنك تعلم أني ههنا غريب، وأني ~~فوق ذلك ليتيم، وأولادي صغار، فارحمني والطف بي وبهم في قضائك.» # فاستجاب الله دعائي بسرعة، ولا عجب، فإنه تعالى رحيم كريم، وهذا عصر اللاسلكي. ورقينا ~~في سلم عالي الدرج، وأنا أكره السلاليم، وأتقي الصعود فيها، ولم أكن أعلم أن الله سبحانه ~~قد استجاب لي، فقلت: هي ليلة سوداء، وأمري إلى الله ولا حول ولا قوة إلا به، وندمت على ~~ما اشتهيت وطلبت ... وفرغنا من هذه المرقاة التي دوختني وقطعت أنفاسي، وخلصنا منها إلى ما ~~كان حقه - لو كان البيت في مصر - أن يكون ردهة تتوسط الحجرات، ولكنها هنا شرفات على ~~محاذاة الجدران الأربعة، يطل منها المرء على صحن الدار، ونظرت فإذا إلى اليمين غرفة ~~صغيرة في وسطها صينية عظيمة مثقلة بالصحون الملأى بألوان شتى من الآكال، ولم أعدها، ~~ولكنها فيما خيل إلي لا تقل عن ستين أو سبعين صحنا، فحولت وجهي عنها لأني شبعان، ~~ودخلنا حجرة واسعة وثيرة الأثاث أنيقته، فأدرت عيني فيها وقد انشرح صدري، واستويت على ~~مقعد مريح جدا، ووضعت رجلا على رجل، وشرعت أدخن. # وجاء خادم فأدنى منا أخونة صغيرة عديدة، وسألنا: ما تشربون؟ فنظر بعضنا إلى بعض، وقلت: ~~أنا «صودا». فقال صديق لي: «لا يا شيخ، بل ويسكي وصودا.» فقلت لنفسي: «لا بأس، أتركه ~~أمامي وأتناول كل ساعة رشفة فلا يضيرني.» وشرع الخادم يملأ الأقداح، ثم أخذ يجيء ~~بالأطباق المترعة ويضعها أمامنا، ويرتبها ويفسح لها - لكثرتها - وأنا لا أكاد أطيق النظر ~~إليها من فرط الشبع، ولا إليه أيضا، وبقينا هكذا نحو ساعة، وأنا ساكت، صابر، وإذا ~~بحورية هاربة من الفردوس تدخل علينا، وإذا بنا نثب إلى أقدامنا، وقد التمعت عيوننا، ~~وأعدتنا، فأشرقت وجوهنا، وانطلقت ألسنتنا الخرساء وانحلت عقدتها. # وجلست الحورية بجانب واحد غيري، فأسفت لأني آثرت التواضع - لعنه الله - واخترت مقعدي في ~~ركن، وتحسرت على «الصدر» الذي تركته لصاحبي، ولكني عزيت نفسي بأني أراها، ورفعت كأسها، ~~فقلت: أشاربها ولو زهقت روحي، ثم سألتها: «من أي الفراديس هربت يا ms19 حورية ؟» فضحكت وغمزت ~~بعينيها ولم تقل شيئا، فلم أنهزم، فقلت: «بأي لغة تتكلمين في الجنة؟» فعادت تضحك، ولا ~~تجيب، فاستغربت، ونهضت إليها وقلت بلهجة الجد: «أريني لسانك.» فأخرجت لسانا دقيقا ~~حلوا، فهززت رأسي مسرورا، وعدت، وسألني جاري - وهو أديب عراقي: «لماذا فعلت هذا؟» قلت: ~~«أردت أن أطمئن. سأدخل الجنة بعد عمر طويل، فإذا كانت حورياتها بلا ألسنة، فإن هذا يكون ~~خازوقا.» # ودخلت في هذه اللحظة حورية أخرى، أقصر من الأولى، ولكنها مثلها اعتدال قد، وهيفا ~~ورشاقة، وفي أثرها خمسة من الرجال يحملون آلات العزف، ودار الحديث، وتكرر ارتفاع الكئوس ~~إلى الشفاه، وحارت العيون بين هذين الوجهين الملائكيين، وأصلحت الأوتار، وضرب العواد ~~على كرانه وشيع آخر في الناي. ثم اشتركت المعازف جميعا في أحلى صوت وأشجى لحن. ثم غنتنا ~~الحورية الثانية صوتا مصريا كان ابتداؤها به تحية جميلة، فطربنا وأثنينا، وشكرنا، ~~واقترحنا أن تسمعنا أصواتا عراقية، فقالت: «حبا وكرامة.» # ونهضت الأولى فخرجت، وغابت شيئا، ثم عادت في ثوب رقيق هفهاف شفاف من الحرير، ونظرت ~~إلى الرجال، فعزفوا لها صوتا رقصت على أنغامه رقصا أدار رءوسنا وخطف أنفاسنا، وكانت ~~تلف، وتنآد من بعد أن تنأطر، وتجثو بساق ثم تنهض كالرمح، وتدفع يديها البضتين، وتجعل من ~~معصميها نطاقا لغير موجود، كأنما تدعوه أن يهتصر، ويموج شعرها على عطفها، ويكاد - لولا ~~ما يمسكه - أن يسقط عنها الإزار، وكان يخيل إلينا، وهي تجلو مفاتنها، أنها ذائبة من ~~الرقة، ومبرية من الشجى، فلما جثت على ركبة في آخر دورة، وكلتا يديها لنا، كبر هذا الوهم ~~في نفوسنا، فنهضنا إليها لنعينها ونرفعها، فضحكت. # وجلست على كرسي بجانبي. فقلت لها - وكنت قد عرفت اسمها الأرضي: «يا نزهة. اعلمي أن رقصك ~~جميل، واعلمي أيضا - وهذا هو المهم - أني أقدر على مثله.» # فرفعت حاجبيها نصف ملليمتر، وقالت: «صحيح؟» # قلت: «بلا أدنى شك. وهل أنا أكذب؟ لكن ينبغي لذلك أن تهبيني هذا القوام، نعم، أعطيني ~~جسمك، وخذي جسمي فارميه للكلاب.» # فضحكت وقالت: «العفو، ولكن أنا، ألا يبقى لي جسم؟» # قلت: «هو ms20 معي يا حورية، أليس يكفيك الروح؟ ما حاجتك في الفردوس إلى جسم بعينه؟ اكتسي ~~غيره هناك.» # قالت: «جسم بلا روح، ما يحرز.» # 1 # قلت: «صدقت، والآن، هذا الثوب الجميل، أليس أطول مما يلزم؟» # قالت: «وكيف تريد أن يكون؟» # قلت: «لو كان الأمر إلي ... ولكن ألا ترين أنه يكفي أن يكون إلى هنا؟ إن كل عرائس ~~الخيال تسير عارية الساقين والكتفين.» # وهمت بالقيام لتغير ثوبها فقلت: «كلا يا حورية، لا تذهبي كالحلم. منذ بضع دقائق كنت ~~متعة عين، أما الآن فأنت ضرورة، وحاجة ملحة، ثم إني أشعر أن هناك سعادات أخرى مذخورة لي، ~~فابقي حيث أنت ...» فبقيت، وأراحت أصابعها على ذراعي فقلت: «لن أنسى هذه الصورة، ما حييت ~~... كفها الغضة على ذراعي، وأناملها الدقيقة الرقيقة، مغروسة في كمي، وعينان فيهما من ~~النجوم أبهى وأسنى مما في السماء اللازوردية، وفم رأته بسيشيه في الندى الذي جاءها به ~~كوبيد في راحته، وساق أحلى من التي مات في سبيلها أكتيون ولم يكن ما بذل غاليا ~~...» # فسحبت كفيها، وقال الأديب العراقي: «إنه شاعر يا نزهة.» # قلت: «كنت شاعرا ... وكنت أحسبني برئت وشفيت من الشعر، ولكني الآن أخشى أن أعود كما بدأت ~~... ليت هنا مرآة.» # قالت: «لماذا؟» # قلت: «نرفعها أمامك فترين فيها حورية تعرف عالمها، ولكنها ليست منه. لأنها من مخلوقات ~~الخيال، يغمرك جمالها - كالموسيقى - بسحر حسنها.» فقاطعتني سائلة: «وأنت؟» # قلت: «أنا؟ كنعان الروح، إني أمثل حثالة جنسي، وأنت تمثلين زبدة جنسك، وصفوته النقية ... ~~أنت وأنا شبيهان بأرييل وكاليبان في رواية العاصفة إن كنت تعرفينها ... هل سمعت بمسكين ~~اسمه شكسبير كان يحلم بحسنك في زمانه ويصوره في رواياته؟» # فهمت بجواب، ولكن الأوتار عزفت، فحولنا إليها وجوهنا، فإذا سليمة باشا - المغنية - ~~واقفة تستعد للتغريد، فأنصتنا. فغنتنا أصواتا عراقية، وكأنها لا تغني: «من سكون ~~الأوصال، وهي تجيد» كما يقول ابن الرومي: # من هدو، وليس فيه انقطاع # وسجو، وما به تبليد # مد في شأو صوتها نفس كا # ف كأنفاس عاشقيها، مديد # فيه وشي وفيه حلي من النغ # م مصوغ ms21 يختال فيه القصيد # عيبها أنها إذا غنت الأحرا # ر ظلوا وهم لديها عبيد # فشغلنا بغنائها، وأين نحيد عنه وهو في قلوبنا وأسماعنا؟ وظللنا نستزيد حتى مطلع ~~الفجر، وكانت ليلة، ما لفتنتها وحسنها في حياتنا من نديد. # | فيفي # تلقت «فيفي» نبأ - بالتليفون - بأن في وسعها الآن - إذا كانت لا تزال راغبة في ذلك - ~~أن تزور «الضحية» وتراه وتجالسه وتحادثه. وكانت تتوقع هذه الدعوة التي ألحت في طلبها، ~~ولكن سرورها بها كان مع ذلك عظيما، وكانت تغالط نفسها وتزعم أن فرحها إنما هو بشفائه ~~وزوال الخطر عنه، ولم تكن تعرف أن هذه مغالطة، فما رأت ضحيتها إلا هنيهة قصيرة على ضوء ~~مصباح السيارة وهو ملقى على الأرض أمامها، وقد فقد وعيه من الصدمة، وكان معها أخوها - ~~وهو ضابط في الجيش - فأسرع إلى المصاب ليرى مبلغ ما حل به، وانحنى عليه يجسه وإذا بصوت ~~يقول: «الذنب ذنبه. لقد قطع الشارع من غير أن يعنى بالتلفت والنظر، ورأيت أنا السيارة ~~مقبلة بسرعة فخفت عليه ودفعت يدي لأرده ولكنه كان قد مضى ... هو هكذا أبدا ...» ومال على ~~صاحبه ثم رفع رأسه وقال: «لا أظنه أصابه شيء خطير ... لعل الصدمة التي أصابته من وقوعه على ~~الأرض أقوى من صدمة السيارة ... على كل حال تعال نحمله إلى البيت ومن هناك ندعو ~~الطبيب.» # وجاء الشرطي وهما يحملانه إلى السيارة، ورأى بزة الضابط فجنح إلى التساهل، وساعده على ~~ذلك أن صديق المصاب كان يهون الأمر ويؤكد أن لا شيء هناك يستحق وجع الرأس، وكانت فيفي هي ~~التي تقود السيارة فمضت بها إلى حيث أشار الصديق، وكان المصاب لا يزال مغشيا عليه. ~~فدعى الطبيب وخلا به، وشرع يفحصه، والصديق معه، وفيفي وأخوها في غرفة أخرى يتمشيان ولا ~~يطيقان الجلوس أو الكلام من فرط قلقهما على الشاب المسكين، وقد كبر في وهمها من طول ~~الغيبوبة أنه لا محالة ميت، وخرج عليهما الطبيب بعد دهر طويل فابتسم وقال لهما إن الذي ~~أصاب الرأس طفيف لا قيمة له، وإن الخدوش الأخرى لا خوف ms22 منها، ولكن الذراع مكسورة، وإنه ~~سيبعث إليه في الصباح بطبيب يجبر الكسر إلا إذا آثروا المستشفى، ولكنه هو لا يرى حاجة ~~إلى ذلك. # وانصرف الطبيب بعد أن اتخذ من تدابير الوقاية والعلاج ما رأى أنه لازم، وبقيت فيفي ~~وأخوها زكريا مع طاهر نحو نصف ساعة، فعلما منه أن اسم المصاب «حمادة» وأنه طالب في السنة ~~الأخيرة من كلية الطب، وأنه ابن عمه وهو يقضي إجازته الصيفية ضيفا عليه - أي على طاهر - ~~في الإسكندرية، حيث يعمل في بنك مصر، وقد سر الأخوين أن طاهرا أبى أن يعد أحدا غير ~~حمادة نفسه مسئولا عما وقع، وكانت فيفي تحدث نفسها بأن تعرض على طاهر أن تقوم هي وأخوها ~~بنفقات العلاج، ولكنها خجلت أن تخاطبه في ذلك بعد الذي رأته من مروءة نفسه وحلاوة طباعه، ~~وآثرت أن تشاور أخاها أولا عسى أن يستطيع أن يحتال للأمر من غير أن يجرح إحساس هذا ~~الرجل الكريم. # وكانت فيفي وزكريا أشبه بالصديقين الحميمين منهما بالأخوين، فقال لها وهما عائدان: ~~«غريب ... لقد استلطفت حمادة ... بمجرد وقوع عيني عليه وهو ملقى في الطريق.» # فلم تقل فيفي شيئا، فقد كانت تحس أنها مشفية على البكاء. # وعاد زكريا يقول - أو يصيح على الأصح - بعد قليل: «لماذا لم تدوسي واحدا ممن لا خير ~~فيهم ...؟ لماذا حطمت هذا المسكين ...؟» # فقالت: «لو لم أمر بك لآخذك ... لو كنت مضيت إلى البيت مباشرة لما حدث هذا، فظاعة ... أواثق ~~أنت أنه سيفيق من هذه الغيبوبة؟» # فقال زكريا: «الطبيب يؤكد ... فلنصدقه ... وسنرى غدا ... اسمعي ... إني أريد أن نقوم بنفقات ~~العلاج ... إنه طالب وابن عمه موظف متوسط الحال ... وقد دسناه على كل حال وكسرنا له ذراعا، ~~فما قولك؟» # قالت: «لقد فكرت في هذا ولكنني خجلت أن أعرضه على طاهر ... اسمع ... تعال نقتسم النفقات ... ~~واسمع ... لا داعي لإخبار ماما ... ألا توافق؟» # قال: «بالإجماع ...» # وهكذا كتما الأمر عن أمهما اتقاء لإزعاجها من ناحية، وخوفا من أن تنغص على فيفي ~~حياتها إذا عرفت ما وقع. ~~••• # وقالت فيفي لطاهر وهي تدخل ووراءها ms23 زكريا: «ألم تقل له إننا آسفون جدا جدا لما ~~حصل؟» # فقال طاهر بابتسام: «لقد تركت لك هذا ... كان علي واجب آخر لهذا المهمل الذي لا يعرف ~~كيف يقطع الطريق.» # وتقدمهما إلى الغرفة وصاح وهو يتنحى عن الباب لتدخل فيفي وأخوها: «ضيوف يا حمادة ... افتح ~~عينيك.» # وألفت فيفي نفسها جالسة على حافة السرير تبتسم لحمادة في عينيه، وقد سرها أن أخاها ~~استأثر بطاهر، فقالت: «لا أحتاج أن أقول إني آسفة، فإن هذا لا يكفي ... فقد جنينا عليك، ~~ولا أدري في الحقيقة كيف تطيق النظر إلينا، وقد كسرنا لك ذراعك.» # فنظر حمادة إلى ذراعه وقال: «أوه هذا ... إني أكاد أعد طبيبا فصدقيني حين أقول لك إنه لا ~~شيء ... ثم إن هذه فرصة لي سأغتنمها.» # فلم تفهم فيفي مراده وزوت ما بين عينيها فقال: «صحيح ... بعد أن أعود إلى الكلية سأستبدل ~~بها ذراعا صناعية خيرا من الطبيعية.» # فقالت فيفي: «إيه ... هل ... هل ...» # فأسرع حمادة يقول: «لا لأن يدي هذه أصبحت لا خير فيها ... كلا ... بل لأن الأعضاء الصناعية ~~أصبحت من الدقة والإتقان بحيث تفوق الطبيعية، مثلا إذا كنت أريد أن أشتغل بتفريخ ~~الدجاج فما علي إلا أن أتخذ ذراعا خاصة أتبعها وأطيع وحيها.» # فحدقت فيه وفمها مفتوح ... أتراه يتكلم جادا ... هل بلغ تقدم العلم هذا المبلغ المدهش ... ~~أم هو يمزح ليؤنسها ويصرف ذهنها عما أصابه منها؟ # وسمعت حمادة يقول: «أعرف رجلا بترت له ساقاه على أثر حادث ترام ... وكان يحب الألعاب ~~الرياضية فركبوا له ساقين مدربتين على هذه الألعاب ... ويمكنك أن تتصوري بسهولة أنه أصبح ~~الآن وليس أبغض إليه من هذه الألعاب، لأن ساقيه لا تتركان له يوما يرتاح فيه من الوثب ~~والجري وما إلى ذلك.» # فلم يبق شك في أنه يمزح، فلم يسعها إلا أن تضحك، وإلا أن تعجب بروحه الواسعة ~~الكريمة. # وقالت، والتفتت إلى أخيها وطاهر: «زكريا، يجب أن نحتفل بحمادة أفندي في أول يوم يخرج ~~فيه ... يتغدى عندنا هو وطاهر أفندي ... أليس كذلك؟» # فنهض زكريا ودنا من السرير وقال يخاطب ms24 حمادة: «اسمع يا سيدي هذه الفتاة سريعة النسيان ... ~~لقد اتفقنا أن نكتم الأمر كله عن الأم لئلا تسود لفيفي عيشها ... فليس من المناسب أن ~~ندعوك إلى البيت على الرغم من رغبتنا في ذلك، ولكني أقترح أن نتغدى يوم تخرج في سيدي بشر ~~... إلى أن نمهد لإطلاع الوالدة المحترمة على الحقيقة تمهيدا نأمن به الشر الذي نخشاه، ~~وإن كنا نستحق أضعاف أضعافه.» # ولم تسؤ حمادة وطاهرا هذه الصراحة، وراقهما ما بين الأخوين من الحب وما يتبادلان من ~~الرعاية، وخطر لطاهر وهو ينظر إليهما أن فيفي كانت خليقة أن تعشق زكريا عشق المرأة للرجل ~~لو لم يكن أخاها. # وحرصا على التخفيف فانصرفا بعد قليل. فقال زكريا لأخته في الطريق: «هيه.» # قالت: «هيه.» # قال: «لقد قلتها أولا.» # قالت: «أحسب أن معنى ذلك بعد الترجمة هو ما رأيي في حمادة ... الجواب مدهش.» # قال: «هاتيه.» # قالت: «قلت لك مدهش ... ألا يكفيك هذا؟» # قال: «طيب يا ستي آمنا ... وأنا مستعد فأدهشيني ... تفضلي ...» # قالت: «ما هذه البلادة؟ قلت لك إنه مدهش ... ميم ... دال ...» # قال: يقاطعها «أيوه ... أيوه ... فاهم ... بس أريد أن أسمع هذا الجواب المدهش.» # فلما كفت عن الضحك قالت: «يا أبله ... إنما أعني أن حمادة هو المدهش.» # فهز رأسه موافقا وقال: «وأنا من رأيك ... وأحب أن أقول لك أيضا إني أتمنى أن أراه لك ~~زوجا.» # فقالت: «على مهلك ... على مهلك ... طول بالك ... ولا تنس الوالدة المحترمة.» # فقال: «أيوه ... إذا كان هذا هو كل ما في الأمر فدعيه لي ... أنا أدبر المسألة.» ~~••• # وتوثقت العلاقة بين الفريقين، وارتقت من الصداقة إلى الحب - نعني بين فيفي وحمادة - ~~ولكن الأم ظلت لا تعرف من الأمر شيئا، فقد كان الأخوان يعلمان أن أمهما تأبى أن تزوج ~~بنتها لواحد من غير أهل اليسار والغنى مثلها، وكانا قد عرفا أن حمادة رقيق الحال، وإن ~~كان المرجو - بل المحقق - أن يكون مستقبله خيرا من حاضره، ولكن الأم لا تقبل كلاما ~~كهذا، وكانا يحبانها ويعز عليهما أن يصدماها، أو يخيبا لها أملا فيهما، فرأيا أن ms25 ~~يستعينا بالصبر عسى أن يتيح الله لهما فرجا. # ولاحظت الأم أن الأخوين أصبحا لا يفترقان - ولم يكن هذا حالهما من قبل - نعم كانا ~~كاللصين لا يعرف ما بينهما إلا الله، ولكنه قلما يمضي الآن يوم لا تخرج فيه فيفي مع ~~أخيها. فهل ترك زكريا إخوانه جميعا ... ثم إلى أين يذهبان ...؟ كلما سألت تلقت جوابا من ~~زكريا فيه من الغموض والإجمال أكثر مما فيه من الوضوح والبيان، ويندر أن تزيد فيفي على ~~الابتسام، وما أكثر ما تلجأ إلى تقبيل أمها واحتضانها كأنما تريد أن تصرفها عن هذا ~~السؤال. # وإذا قالت شيئا كان قولها: «ألا يكفيك للاطمئنان أن أخي معي لا يفارقني؟» # ولم يكن هذا هو الذي يقلق الأم، وإنما كان يثقل عليها أنهما لا يريدان أن يقولا لها ~~شيئا، وكان هذا يثير رغبتها في المعرفة، ولم تستبعد أن يكون زكريا قد ذهب يساعد فيفي ~~على غرام لها، فإنها تعرف عظم ما بين هذين من الحب، ولكن إخفاء الأمر عنها معناه أنهما ~~يدركان أنه لا يبعث على رضاها، ومن هنا كان قلقها. # وكأنما أرادت أن تقطع العقدة بالسيف، فأعلنت يوما أنها قررت العودة إلى القاهرة غدا، ~~ولم يكن زكريا في البيت فتعبت فيفي في محاولة إقناعها بالعدول عن هذا القرار، ولم ~~يجدها أن تبين لها أن الصيف ما زال باقيا منه أكثر من شهر. # فتظاهرت بقلة الاكتراث وهزت كتفها وقالت: «على كيفك، إذا كنت قد اشتقت لمصر فلنذهب إلى ~~مصر ... وما الفرق؟ سيان عندي في الحقيقة ... وأقول لك الحق إني لم أضجر من الإسكندرية كضجري ~~في هذا العام ...» # ومضت إلى غرفتها وقد شق عليها أن تترك الإسكندرية وتترك فيها حمادة، ولم يعزها أن ~~حمادة سيرجع إلى مصر لا محالة، وأن في وسعه أن يرجع الآن أيضا ... كلا لم يعزها هذا ~~الخاطر فاستلقت على السرير وهي تجيل هذا وما إليه في نفسها، ودخلت عليها أمها فرأتها ~~ساهمة فسألتها ما لها فقالت: «لا شيء. تعب بسيط.» # وكانت الأم رقيقة القلب جدا، وقد مات لها ms26 ثلاثة قبل أن ترزق هذين، فهي ضنينة بها ~~جدا، لا تطيق أن ترى أحدهما مزكوما أو مصدعا أو به فتور، وكان يقلقها ويزعجها أن ترى ~~زكريا يؤثر أن يبقى في البيت لأنها تتوهم أنه مريض فتروح تلح عليه أن يخرج ويتنزه ويشم ~~الهواء ويضحك مع الإخوان وينعش نفسه. # وقالت لفيفي: «ما لك ... لقد كنت قبل ساعة كالوردة النضيرة، فماذا جرى؟» # قالت فيفي: «لا شيء يا ماما ... تعب قليل ... يزول بالراحة ... اطمئني.» # فقالت الأم: «سأدعو الطبيب ... حالا.» # فلم ترتح فيفي إلى هذا وألحت على أمها ألا تفعل، ولكن الأم أبى لها قلبها الرقيق الضعيف ~~إلا الإصرار، فخرجت إلى التليفون والتقت في طريقها إليه بزكريا، فسألها وقد رأى وجهها ~~الممتقع: «ماذا جرى؟» # قالت: «فيفي ... مريضة ... سأدعو الطبيب.» # فاستغرب زكريا، فقد ترك أخته على أحسن حال، وقال لأمه وقد ساورته الشكوك: «انتظري حتى ~~أراها.» # وأسرع إلى فيفي، فقصت عليه ما حدث. ففرك كفيه، وعيناه تلمعان وقال وهو ينهض: «هذا خير ~~ساقه الله ويجب انتهاز الفرصة التي أتاحتها لنا الأم المحترمة. لقد كنت حائرا جدا ~~وأتعبني التفكير في التماس الحيلة حتى يئست. فالآن فتحت لنا الأم الباب، بورك لنا فيها ... ~~عليك الآن أن تلزمي السرير. المرض يثقل عليك شيئا فشيئا ... وعلي أنا الباقي.» # فرمت فيفي إليه قبلة وعاد إلى وجهها الإشراق والوضاءة. # وقال زكريا لأمه: «نعم يجب أن ندعو الطبيب ... كلميه وسأذهب أنا إليه بالسيارة ... هذا ~~أسرع.» # فكادت المسكينة تقع على الأرض لأنها أيقنت من لهجة زكريا وهيئته أن الأمر جد، وأن بنتها ~~مريضة حقا، وإذا كان زكريا قد قلق إلى هذا الحد فيا ويلها هي ... # وجاء الطبيب - وكان هو طبيب الأسرة في الإسكندرية - وكان روميا هرما ذا لحية كثة ~~بيضاء، ولكنه دائم البشاشة، حاضر النكتة، وإن كانت نكتته كثيرا ما يفسدها أو يحجبها ~~عجزه عن التعبير باللغة العربية، ودخل على فيفي ورد الباب وراءه، فارتدت الأم راجعة ~~وكانت تشتهي أن تكون حاضرة وهو يفحص ابنتها وقرة عينها وحبة قلبها. # واستمر الفحص نحو نصف ms27 ساعة فكادت الأم تجن، وأيقنت أن الأمر أخطر مما كبر في وهمها إلى ~~الآن. فلما خرج الطبيب خفت ناهضة إليه، وقد ارتسم القلق والفزع على وجهها وفي ~~عينيها. # وقالت له وهي تتناول طيتي سترته بكفيها وتشده منهما: «طمئني يا دكتور.» # فقال بلهجة الجد ما معناه: «اطمئني على كل حال، ولكن هذا المرض جديد علي، لم أتول ~~علاج مثله من قبل، ولست أعرف أخصائيا لهذه الحالة المعينة سوى رجل واحد يجب أن تبعثوا ~~إليه وتستقدموه.» # فدهشت الأم وقالت: «مرض لا تعرفه أنت؟» # قال مبتسما: «أعرفه ولكني لا أعالجه ... علاجه عند غيري.» # فسألته: «ما هذا المرض؟ ما اسمه؟» # قال: «أما المرض فأعراضه كثيرة: اضطراب. خفقان. حالات متناقضة من النشوة والكآبة، ~~والسرور والحزن، تارة يكون المريض أصح من مصارع، وطورا يكون كالذي أجريت له عملية ~~جراحية تركته أصفر باهتا وضعيفا متهافتا كالورقة المبلولة، حالاته وأطواره عجيبة ~~وشرحها يطول، وأما اسمه فلا أعرفه بالعربية ولكنه بالفرنسية «مال دامور»، عجلي ~~باستشارة هذا الرجل وثقي به واطمئني إلى النتيجة.» # وخرج ومعه زكريا وقال له في السيارة: «يا صاحبي هذه أول مرة أرتكب فيها هذه الخديعة ولا ~~أدري كيف أطعتك، ولولا أني أعرفكم من زمان طويل وأعدكم كأبنائي لما كان ممكنا أن ~~أجاريك في هذا العبث ... والآن أرجو أن يكون هذا آخر عهدي بهذا الموضوع، وإن كنت أحب أن ~~أطمئن على النتيجة.» # وبينما كان زكريا في طريقه إلى حمادة ليجيء بهذا الأخصائي في مرض «المال دامور» كانت ~~الأم تحاول أن تتذكر هذا الاسم الغريب الذي لم تسمع به قبل اليوم، ولما كانت لا تعرف لغة ~~أجنبية فإن لها العذر إذا كان الاسم قد طار وأعياها أن تقتنصه. # وجاء الطبيب الأخصائي مع زكريا، ودخلا على الأخت التي كانت تنتفض من الاضطراب والفرح ~~والخوف، وبعد قليل تركهما زكريا ورجع إلى أمه. # وما لبث الأخصائي أن خرج فتقدم إلى الأم وأنبأها أن الحالة ميسورة العلاج جدا، ولكنها ~~تحتاج إلى وقت وراحة تامة ... # فسألته: «لقد كان في نيتنا السفر غدا.» # قال: ms28 «هذا مستحيل الآن ... ربما أمكن بعد أسبوع أو اثنين ... تبعا للحالة ... سأعود مرة أخرى ~~في المساء.» # وجعل يعودها مرتين في اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء، ولا يمكث في كل مرة أكثر ~~من دقائق، وظل الحال على هذا المنوال نحو أسبوع، فقلقت الأم وتعبت فيفي - أتعبها ~~الانتقال المفاجئ من الضحك حين يكون معها أخوها أو طبيبها إلى الجهامة والفتور المتكلفين ~~حين تدخل عليها أمها، إذ كلفها هذا التمثيل جهدا شاقا جدا، وهذا فضلا عن الاضطرار ~~إلى ملازمة الفراش. # وأحس زكريا أن الأمر زاد تعقيدا لا سهولة، وأن المخرج أصبح عسيرا، فليس كل المراد أن ~~تبقى الأسرة في الإسكندرية، وأن يتيسر بذلك لقاء الحبيبين، بل أن ترضى الأم ~~بزواجهما. # فقالت فيفي لأخيها يوما: «وآخرتها؟» # قال: «الحق أقول إني لا أدري.» # قالت وهي تتجلد: «ألم يبق لهذا الرأس قدرة على التفكير؟» # قال: «اسكتي يا فيفي ... لا تزيديني ألما ... ما أردت إلا الخير، وقد كانت النتيجة ماذا ... ~~هذا الموقف الذي لا نعرف وجه الخلاص منه ... أقول لك اتركي الأمر للمقادير ... عسى أن تفتح ~~الباب الذي لا نراه الآن.» # قالت: «إني مستعدة أن أترك الأمر للمقادير، ولكن هذه الرقدة تطير عقلي ... أنقذني منها ~~على الأقل.» # قال: «مسكينة ...» # وخرج يمشي مطرقا، ورأته أمه فأقبلت عليه وجرته إلى مقعد وقالت: «اسمع يا ابني، هذا حال ~~لم يبق لي صبر عليه، ولا بد من استشارة أطباء آخرين، ويحسن أن يجتمعوا هنا.» # فريع زكريا وأيقن أن كل شيء قد أفسد، ولكن الخوف استحث خاطره فقال: «لا تتعجلي ... إنك لا ~~تعرفين الأطباء ... ليس كل طبيب صالحا ... والأولى أن تسألي طبيبنا رأيه فيمن يحسن أن ~~يستشار.» # فقالت: «هذا ما كنت أنوي أن أصنع ... اذهب إليه وكلمه.» # فذهب إلى الطبيب الرومي، فتململ هذا وقال له: «ألم أقل لك إني لا أحب أن أحشر في هذه ~~الحكاية؟ لقد اضطررتني إلى الكذب وتضليل هذه السيدة الساذجة الطيبة القلب، ثم اضطررتني ~~أن أشير عليها بالاستعانة برجل ليس بطبيب وهذه جريمة أخرى، واضطررت هذا ms29 المسكين أن يدعي ~~أنه طبيب وهو ليس إلا طالب طب ... والآن تريد أن أدلك على رجل آخر - طبيب في هذه المرة - ~~ليساعدنا على الكذب البغيض؟» # فقال زكريا: «ولكن المسألة ليست مسألة مرض ... إنها كلها فكاهة ... وأنت تعرف ضيق عقل ~~السيدات مثل أمي ... تريد رجلا لبنتها يملك ضياعا وعقارا ... وهذا شاب فقير ولكنه صالح ~~جدا ... يحب أختي وهي تحبه ... أنا أخوها ... أكبر منها ... أقرر أن هذا الزواج يجب أن يتم ~~لمصلحة الاثنين ... على الأقل يجب أن يتم الاتفاق عليه حتى يفرغ من الامتحان ... وأنا أطلب ~~معاونتك على خير.» # فقال الطبيب: «من رأيي أن أذهب إلى والدتك وأطلعها على الحقيقة كلها بصراحة.» # قال: «إنك تنسى أن أمي من الجيل الماضي.» # قال الطبيب: «قد تصغي إلي إذا كانت لا تصغي لابنها.» # قال: «إني أخشى غضبها وعنادها، ولا أطيق أن أرى فيفي تتعذب.» # قال الطبيب: «إن الفشل من هذا الطريق خير من النجاح من طريق الخداع ... ثم إني لا أطيق أن ~~أظل أخادع هذه السيدة الساذجة.» # قال زكريا: «وما العمل الآن؟» # قال: «سأذهب إليها وأكلمها ... إنكم أيها الشبان لا تأتون البيوت من أبوابها أبدا ... ~~تعقدون البسيط، ثم تروحون تبحثون عن حلول مستحيلة، لماذا تفرض أن أمك ستعارض حتما في ~~زواج فيفي من هذا الشاب ... لماذا لم تقدمه إليها وتتركها تفطن إلى مزاياه على الأيام ~~...؟» # قال زكريا: «لأني أعرف أمي.» # قال: «بل لأنك لا تعرفها وتبني سلوكك على أوهامك ... تعال.» ~~••• # بعد أن قص الطبيب الحكاية كلها على الأم وهي واجمة من فرط الدهشة قال: «لقد أدركت أن ~~ابنك لا يعرفك ... هو يظن أنه يعرفك ... ولكنه مخطئ ... توهم أنك عنيدة وأنك تجرين وراء ~~المال ... وغاب عنه أنك لا تطلبين لابنتك مالا بل رجلا صالحا ... لأنك تدركين أن الرجل ~~الصالح لا يقوم بمال، وقد أقنعته بخطئه ... غريب أن أعرفك أنا الغريب خيرا مما يعرفك ~~ابنك، ولكنه شاب وأنا رجل مجرب ... وأظنك توافقين على أن لي فراسة في الناس ... والآن صار ~~عندنا الرجل الصالح ... ولكني أنصح لك بالتمهل ms30 حتى تختبري هذا الشاب بنفسك، وتعرفي أهله ~~وتطلعي على سيرته ... على أني كصديق قديم لكم أنصح أيضا بوجوب الحرص على كتمان هذه ~~الحكاية ... حكاية المرض والطبيب إلى آخر ذلك لئلا تدور على ألسنة الناس وتصبح مادة ~~للسخرية منكم ... ولا أدري كيف أعتذر لك مما كان مني، ولكن حبي لكم هو الذي أفقدني الرشد ~~لحظة ندمت بعدها أشد الندم ... على كل حال أراني قد تداركت الأمر وأصلحت ما اشتركت فيه من ~~الغلط ... سامحيني ... وإلى الملتقى.» # ولما أقبل ابناها يعتذران إليها بعد أن انصرف الطبيب ويطلبان الصفح لم تزد على أن قالت: ~~«خوف الفضيحة فقط هو الذي يجعلني أبلع هذا العبث منكما ... لقد كنت دائما أقول إن الأخوين ~~لا يكونان هكذا ... وكنت أخشى عاقبة ذلك ... لا بأس، الأمر لله.» # ولكنها ما لبثت أن أحبت حمادة بعد أن عرفته، فلما أنست فيفي منها الميل إليه سألتها عن ~~رأيها فيه، فقالت الأم وهي تقبل ابنتها: «الحق إنك معذورة ... إنه آية ... فلتة ... الله ~~يوفق.» # | كيف كنت غيري # كنا نقصف - ذات ليلة - في فندق كبير في «ضهور الشوير»، والقصف أن نشرب ونضحك ونأكل - ~~بعيوننا - الفتيات الممشوقات اللواتي يخطرن في المرقص مع السعداء من الشبان، وكانت ~~الأنوار في المرقص ألوانا شتى متعاقبة، وكان الضوء الأرجواني - حين ينساب الفتيات فيما ~~يترقرق عليهن منه - أقوى فتنة وأشد إغراء، فكنا ننهض عن المائدة ونتزاحم على أبواب ~~المرقص، وعيوننا تكاد تخرج من فرط التحديق، وكانت هناك فتاتان تتراقصان وتأبيان أن ~~يخاصرهما الرجال، وكانتا ساحرتين؛ في جمالهما، ودلهما، ولعبهما، وحركاتهما، فأغريت بهما ~~أحد رفاقي - وكان يجيد الرقص - وأنا أقول لنفسي: «إذا راقص إحداهما عرفناهما جميعا ~~وفزنا بصحبتهما»، ولكنهما ردتاه ببسمة وكلمة رقيقة لا تغني ولا تسمن. # فقلت لنفسي: «لم يبق لها إلا رجالها»، ودنوت منهما وقلت وأنا أتناول كرسيا وأجلس ~~بغير استئذان: «أمن قلة في الرجال تتراقصان؟» # فقالت إحداهما - بعد أن ألقت على صاحبتها نظرة: «بل من كثرتهم.» # فقوي قلبي أنها ردت، فقلت: «اسمعا مني، إن هذه النظرات الخبيثة التي تتبادلانها لن ms31 ~~تجديكما، (ضحك ) وأنا باسم هؤلاء الشبان الكثيرين الذين لا أعرف أسماءهم ولا أحب أن ~~أعرفها ...» # فقالت إحداهما: «لماذا؟» # فقلت: «لا تقاطعي من فضلك، ثم إن هذا شأني وحدي، وعلى ذكر ذلك أسألك ... هل أنت مصرية ~~مثلي؟» # فقالت الخبيثة - أعني التي تتكلم: «هل أنت مصري؟» # فصحت بها: «يخرب عقلك، وهل ترين أني أتكلم إلا كما يتكلم المصري؟» # فضحكتا وقالت الأخرى: «هذا أحسن، لقد كنت أسأل نفسي أين يا ترى رأيتك؟» # فقاطعتها: «نعم إني أراك دائما ...» # فسألتني جادة: «أين؟» # فقلت: «بخيالي ... في أحلامي.» # فقالت الأولى وهي تبتسم - لا أدري لماذا: «ألست عبد ... عبد الله؟» # فتشهدت وقلت: «طبعا. طبعا. عبد الله حقا وصدقا.» # قالت: «لقد كنت واثقة أني أعرف وجهك ... ألم تعرفيه يا توحة؟» # فأجبتها أنا: «لماذا تحرجينها؟ دعي لها سرها حتى تهمس به في أذني، ونحن نتمشى في غابة ~~بولونيا، والقمر طالع ...» # فضحكتا وقالت توحة: «بهذه السرعة؟» # فقلت: «معذرة، إن خيالي وثاب ... طيار إذا شئت، ولكنه صادق لا يطير إلا بجناحين من ~~الحقيقة.» # فقالت الأولى: «وكيف زوجتك؟» # فصحت: «إيه؟» # ولم أكن أتوقع أن ترميني بسؤال عن زوجتي، وخفت أن يكون وراء السؤال شرك منصوب، فلذت ~~بالحذر، وقالت: «إنما سألت كيف زوجتك؟» # فقلت: «زوجتي؟ أوه ... آه، مفهوم ...» # قالت: «لماذا تركتها؟» # فلم أدر ماذا تعني بالترك؟ وآثرت أن أروغ فقلت: «هل تعرفينها؟» # فقالت الخبيثة: «إنه يسأل هل أعرفها؟ قولي له يا توحة.» # فدار رأسي، وارتبكت، فما رأيتهما قط في بيتنا ولا في بيوت أحد من أهلنا أو معارفنا، ~~وزاد شعوري بالشراك المنصوبة تحت كل كلمة، ولعنت الساعة التي أقدمت فيها على كلامهما، ~~ولكني قد تورطت، وانتهى الأمر، ولم تبق لي حيلة، وخجلت أن أنهزم أمامهما فتشددت وقلت: ~~«ما أجمل هذه المصادفة! بالله حدثاني عن نفسيكما ... إن أذني معكما ... لكل واحدة منكما أذن ~~... تكلما ... بارك الله فيكما، وفي ليلتي هذه معكما.» # فقالت الخبيثة: «ماذا جرى بينكما ... إلا أن يكون هذا سرا لا تحب الإفضاء به.» # فقلت: «لا لا لا ... وعلى أنه لم يجر بيننا إلا ms32 ما يجري بين الزوجين ... أعني عادة ~~...» # فقالت توحة وهي تضحك: «إن الذي تعنيه أختي ...» # فسألتها: «أختك؟» # فقالت: «نعم أختي ... من كنت تظنها؟» # فقلت: «كنت أظنها ... إ... أ... أختك.» # فأضحكهما هذا التخليط، وضحكت معهما، ولما قرت الضجة قلت: «والآن يا أختها بأي اسم ~~تخاطبين نفسك حين تنظرين في المرآة؟» # فقالت: «أتريد أن تعرف اسمي؟» # فأردت أن أستفزها فقلت: «لا (بفتور) يكفي أن أعلم أنك أخت توحة.» # ولكنها كانت أخبث مما توهمت، فقالت: «نعم كفاية، والآن ألا تحدثنا عن سبب انفصالك عن ~~زوجتك؟ إنها صديقتنا من أيام المدرسة، وقد آلمنا ما وقع، ولكن لعل لك عذرا.» # فحمدت الله في سري على جهلها بزوجتي، وأيقنت أني آمن معهما، ولكني مع ذلك حاولت أن ~~أزحزح الحديث عن هذا الموضوع فقلت: «هذا شيء مضى، ومن العبث الكلام فيه.» # فقالت أخت توحة: «مسكينة.» # وقالت توحة: «ما أفظع الرجال، يأكلون المرأة لحما، ويرمونها عظما.» # وألفيت نفسي عرضا لسخطهما ونقمتهما، فضاق صدري وقلت: «إني لم أكن أحب أن أقول شيئا، ~~ولكن الرجل لا يستطيع أن يظل يحتمل طول عمره أن يرمى بصحاف الطعام الملأى.» # فصاحت توحة: «إيه؟ ماذا تقول؟» # وأعجبني صوتي، وسرني أني تبينت آية الدهشة في وجهيهما، فمضيت أقول: «لقد كانت تتناول ~~قطتي البيضاء وتلعب بها الكرة، أو تمسكها من ذيلها وتطوح بها ذراعها، وتزعم أن هذا خير ~~من اتخاذ الحديد للعب.» # فقالت أخت توحة: «زينب تفعل ذلك؟» # فقلت: «المسألة بسيطة والبرهان حاضر. تعاليا معي إلى مصر وأنا أريكما القطة.» # وآلمني أن أمزق (زينب) هذه بالغيب، وأدركني عليها عطف شديد، ولكني ماذا أصنع وقد أبت ~~الفتاتان إلا أن تحشراها في الحديث حشرا، وإلا أن تركباها كتفي، وتزعماها زوجة لي، ~~وتدعيا أني أسأت إليها وجنيت عليها وتخليت عنها؟ # وقالت توحة: «ولكن كيف يمكن؟ لقد كانت في المدرسة أرق التلميذات قلبا؟» # فهززت رأسي وقلت: «وأشهد أنها ظلت كذلك زمنا حتى اعتادت الشراب.» # فصاحتا بصوت واحد: «الشراب؟ زينب؟» # قلت: «نعم مع الأسف، وبعد ذلك انقلبت زوبعة لا تسكن قط ... بالله ms33 اتركا هذا الحديث ... إنه ~~يؤلمني ... وما أفضيت إليكما بهذه الحقائق إلا لأنكما كنتما معها في المدرسة، فاعذراني ~~وانتقلا إلى كلام آخر.» ~~••• # وصرنا أصدقاء، نلتقي كل بضعة أيام، أعني أني كنت أزورهما من حين إلى حين في مصيفهما ~~«بضهور الشوير»، ونخرج إلى البساتين والضياع المجاورة. ثم مضت فترة لم أرهما فيها، ~~واتفق يوما أني كنت مدعوا إلى حفلة في فندق ببيروت فبصرت بأخت توحة واقفة تطل على ~~البحر، فوقفت إلى جانبها وحييت، فردت التحية بفتور، فقلت: «الجو حار.» # قالت: «نعم.» # قلت: «ولكن البحر يلطف الحرارة.» # قالت: «نعم.» # ولم يخطر لي كلام جديد، فقلت: «كبر ما بنا أم جفوة؟» # فواجهتني وسألتني بحدة: «ألا يزال اسمك عبد الله؟» # قلت: «يا فتاتي لا تجهلي. ما زلت عبد الله حقا وصدقا، وإن كنت مع هذا لا أنكر أنه ~~غير الاسم الذي اختاره لي أبواي.» # قالت: «ألا تخجل؟» # قلت: «إني أستحق عطفك ... لقد احتملت هذا الاسم الذي لا يبعث على الزهو، لأنك أنت اخترته ~~لي.» # قالت: «لقد رأيت زينب ... وأخبرك أيضا أنها مع زوجها، وأنهما يقضيان الصيف في لبنان. ~~لماذا قلت عنها ما قلت؟» # قلت: «أي زينب؟» # قالت: «لا تكابر. إنها لا تعرفك، ولم ترك قط في حياتها.» # قلت: «ما أضعف ذاكرة النساء.» # قالت: «إن عذرك الوحيد - في نظري - أنك مجنون، وكلما تذكرت ما قلته عن زينب وما أضعته ~~سدى من العطف عليك ...» # فقاطعتها: «كلا. لم يضع ... لقد زادني هذا حبا لك وتعلقا بك ...» # قالت: «ألا تزال تجرؤ على مثل هذا الكلام؟» # قلت: «أويحتاج ذكر الحقيقة والإقرار بها إلى جرأة؟» # قالت: «وتتصور أني أصدقك أو أصدق أنك تتكلم جادا؟» # قلت: «كلا. إن هذا لا يجري لي في بال. إنما أن منظر ... ويمكنك أن تعدي كلامي صورة طبق ~~الأصل من حديث أحلامك ونجوى أمانيك ... وسيأتي يوم تظلم فيه الدنيا أمام عينيك، وتحسين أنه ~~ما من أحد يحبك في هذه الحياة. كلنا يمر به يوم كهذا، فإذا جاء - أعني ذلك اليوم - فقولي ~~لنفسك ... كلا. إني مخطئة، فإن في ms34 الدنيا قلبا يخفق بحبي، بحبي مخلصا ...» # فقالت: «إنك مجنون ولا شك.» # قلت: «وفي أثناء ذلك ترين شخصيتي الجميلة الجذابة تتفتح تحت عينك كما تتفتح غلائل ~~الزهرة تحت أشعة الشمس ...» # قالت: «لن أصغي لك.» # قلت: «إذن احضري معي هذه الحفلة، وكوني فيها ملاكي الحارس.» # فصاحت بي: «لن أغفر لك هذا.» # فقلت: «إني لست عبد الله، ولكني عبده والله.» # فابتسمت، فقلت: «هذا أحسن، وأين توحة؟» # قالت: «لو كانت هنا لما نجوت بهذه السهولة.» # قلت: «الحمد لله ... أعني على النجاة لا على غيابها، اذهبي بي إليها.» # قالت: «والحفلة؟» # قلت: «تستطيع أن تنتظر - أعني الحفلة - فإن مرضاتها - أعني توحة لا الحفلة - أولى وأندى ~~على كبدي.» # وكان هذا هو السر الذي لم يعرفه المحتفلون، في أن حفلتهم تأخرت نصف ساعة، فليت حظي من ~~كل حفلة نصف ساعة كهذه. # | القاتلة # وضعت الحقيبة الصغيرة، ووقفت أستريح، وأمسح العرق المتصبب، ونظرت في ساعتي فأنبأتني ~~أنها لم تتجاوز الخامسة صباحا، وكان الصبح لا يزال يسفر والبحر يبدو من وراء الوادي ~~البديع كأنه بقية السحاب المطبق المنبسط، وفي النسيم برد وندى، ولكني مع ذلك كنت حران، ~~فقد كانت الثنية طويلة صعبة المرتقى، والحقيبة - على صغرها - ثقيلة، وأرسلت طرفي رائدا ~~فإذا الخضرة مطردة والنبات متخايل متزين بنواره، ولكن لا طريق. # ولم يكن ثم بد من مواصلة التصعيد في هذا الجبل، فإن في رأسه إخوانا ينتظرونني، ~~ومعي طعامهم، وهم لا شك جياع يتضورون. فما يشبع المرء في هذه النجود، وما أظنهم أفطروا ~~على شيء قبل خروجهم، وكان عزمي أن أستقل سيارة إلى نهاية الطريق المعبد، وكان في مأمولي ~~أن يتلطف السائق فيحمل الحقيبة عني إلى مفجر الينبوع في رأس الجبل - وكان هناك موعدنا - ~~ولكني آنست من نفسي نشاطا فاغتررت. # وتناولت الحقيبة وقلت: «الرأي أن أتتبع أنابيب الماء التي مدها القوم من فجرة النبع إلى ~~الضيعة.» وتوكلت على الله واستأنفت السير - أعني الصعود - وكنت ربما احتجت في بعض الطريق ~~أن أفرق سيقان النبت لأرى إلى أين تجري هذه الأرادب، حتى لا أضل، وإذا ms35 بي في بعض هذه ~~المرات أسمع صوتا يصرخ: «أوه.» # فصحت مستغربا: «إيه؟ من؟» # فقال الصوت - وكان ناعما رخصا: «أنا.» # فقلت: «أنت؟ مفهوم.» # وتذكرت صاحبنا أبا حية النميري وسيفه الخشبي الذي كان يسميه «لعاب المنية» وحكايته مع ~~الكلب، فقلت مقتبسا - وما خير أن أقرأ الأدب القديم إذا لم أقتبس منه: «اخرجي بالعفو ~~عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك.» # فسمعت رطانة سريعة لم أفهم منها سوى: «دخيلك.» # ثم برزت فتاة غضة بضة هيفاء غيداء رطبة حلوة، فقلت: «يا صباح الخير، يا صباح ~~الخير.» # وتركت الحقيبة تسقط على الأرض، وأعنتها - أعني الفتاة لا الحقيبة - على الخروج من ألفاف ~~الشجر الذي توشجت أغيصانه، والتبس بعضها ببعض - من غير أن تتمزق ثيابها. # وكانت - كما قلت - غضة بضة هيفاء غيداء، رطبة حلوة، وليس هذا وصفا، وإنما هو كلام ينبئ ~~عن قوة الشعور، وكانت صغيرة السن - لا شك في ذلك - وإن كان جسمها يوهم أنها شارفت ~~العشرين، فسألتها وأنا أجلسها أمامي: «ماذا تراها تصنع هنا في هذه البكرة ~~المطلولة؟» # فقالت بسذاجة محببة: «مختبئة ... فارة.» # قلت: «فارة؟» # قالت: «بلى.» # قلت: «همممم» وفكرت بسرعة ثم قلت: «حسنا صنعت.» # فسألتني بلهفة: «صحيح؟» # قلت: «بلا شك ... لو لم تفري وتختبئي لقبضوا عليك وحبسوك ... ثم من يدري ... نعم إن الذي صنعت ~~هو عين العقل.» # فسألتني بسذاجة، وقد أشرق وجهها - أو على الأصح زاد إشراقا: «صحيح؟ هذا رأيك؟» # قلت: «بلا شك.» # قالت - وقد اطمأنت على ما يظهر ووثقت: «إني كلير.» # قلت: «كلير؟» # قالت: «ولكني إيفون.» # قلت: «ولكنك إيفون ...؟ هممم.» # قالت: «هو حبر على الحقيقة.» # قلت: «حبر ... بالطبع، وماذا يمكن أن يكون غير ذلك ... أزرق؟» # قالت: «لا لا لا ... أحمر.» # قلت: «أحمر؟ ... بديهي ... لا تكتميني شيئا من هذه التفاصيل الممتعة، تفضلي.» # قالت: «ولكنه ذنبها.» # قلت: «ذنبها؟ ... طبعا ... اسمعي، سأقص عليك حكاية ... أنا بطليموس.» # قالت: «بط... بط...؟» # قلت: «تمام. بطليموس. ب... ط... ل... ي... م... و... س.» # قالت ببطء: «بطليموس.» # قلت: «برافو ... ولكني ... أوكتافيوس.» # قالت عاتبة: «وبعد أن تعبت.» # قلت: «والآن اسمعي الحكاية: كنت ... لما ms36 كنت بطليموس ... أعني أكتافيوس ... هل هذا واضح ... حسن ~~... كنت ... شا ... كاتبا.» # فقاطعتني سائلة: «تكتب بالعربية؟» # قلت: «بالأوردي.» # قالت: «ال... ال...؟» # قلت: «فكتبت مقالة طويلة ملأت عدة صفحات من الورق، ولكني نسيت أن أرقم الصفحات فطار ~~بعضها، ونشرت الجريدة وقرأها الناس وأعجبوا بها وقالوا إنها آية، وإنها معجزة، وإنها ~~ستخلد اسمي، وترفعه فوق كل البطالسة، والأكتافيوسات أو الأكتافيوسين أو ...» # فصفقت وصاحت: «صحيح؟» # قلت: «بالطبع صحيح ... والآن فلنعد إلى كلير ... أعني إلى إيفون ... فهل من الممكن أن نضع على ~~صفحات الجريمة التي ارتكبتها فتاتنا الهاربة المختبئة أرقاما؟» # فسألت: «أرقاما؟» # قلت: «أعني ألا يمكن أن نسمع القصة من أولها؟» # فقصتها، فقالت إنها كانت تلاعب أختها، فقلت: «ما أحلى أن يكون للإنسان أختان ... أعني ~~أن تكون له بنتان هما أختان.» # فقالت: «ولكنه ميت.» # قلت: «ميت؟ ... مسكين ... من هذا يا ترى؟» # قالت: «أبي.» # قلت: «آه ... هذه مسألة أخرى لم تكن في الحساب عند التمني.» # وأقصرت، ومضت في حكايتها فقالت: إنها كانت قد اشترت مسدسا تطلقه فيخرج منه ماء بدلا ~~من الرصاص، فخطر لها أن تحشوه ... أي تملأه حبرا أحمر، ولم تكن أختها تعلم أنها اشترت ~~مسدسا، فحدث أنهما اختلفتا - كما ينبغي أن يحدث - فأخرجت كلير - أي إيفون - المسدس ~~وهددت به أختها، فلم تذعن لسوء حظها، فأطلقته، فذعرت الأخت وأحست بشيء يقطر من جبينها ~~فمسحته بأصابعها ثم نظرت فإذا هو - فيما خيل إليها - دم قان، فسقطت على الأرض مغشيا ~~عليها، فارتاعت إيفون وانحنت عليها تناديها وتؤكد لها أنه حبر أحمر لا دم، وأنها لم ~~يصبها سوء، ولكن الأخت لزمت الصمت وأصرت على الموت، فلم يسع إيفون إلا أن تهرب ~~وتختبئ. # فسألتها عن اسم أختها فقالت «لورا»، فقلت إنه اسم لا يمكن أن تكون الفتاة التي تحمله ~~إلا مخطئة ومعتدية، وقلت لنفسي: إن هذا قد يكون اسم كلب، وإن لورا هذه لا بد أن تكون ~~دميمة، ثم قلت: «هل أكلت شيئا مذ هربت؟» # قالت: «كلا.» # قلت: «وعلى أي شيء تفطرين في العادة؟» # قالت: «بيض ... وشاي ولبن ... وو... ms37 وزبد ... و ...» # فقلت مقاطعا: «آسف جدا، لو كنت تفطرين على خوخ وعنب وجبن ولحم مشوي وكبيبة و... لأمكن ~~أن نفتح هذه الحقيبة ونرى ماذا فيها.» # فقالت، وهي تضحك: «هل معنى هذا أنك تدعوني؟» # قلت: «إنك ذكية جدا.» # فضحكت وقالت: «هات فإني جائعة ... ميتة من الجوع.» ~~••• # وفرغنا من الأكل، ولكل شيء مع الأسف آخر، وأشعلت سيجارة وأسندت ظهري إلى جذع شجرة من ~~أشجار الصنوبر الكثيرة في هذه الجبال وقلت: «والآن وقد انتهى الطعام، أفلا يحسن بنا أن ~~نفكر في مخبأ غير هذا الشجر لفتاتنا الهاربة؟ إن لي إخوانا - أعني أعوانا - في رأس هذا ~~الجبل، فلو ذهبنا إليهم، واتصلنا بهم ...» # فنهضت بلا كلام، ومدت يدها إلى الحقيبة فتناولتها، وتركتها تحملها فقد خف وزنها، ~~ولفت ذراعها بذراعي، ومضينا ندب كأننا جنديان. # ودنونا من العين، فقلت: اختبئي هنا حتى أنفض المكان. وسبقتها إلى حيث كان القوم جالسين ~~يتراهنون على أني لا محالة خاذلهم ومجوعهم في يومهم هذا، فلما رأوني فرح الذين أحسنوا ~~الظن، وحزن الذين أساءوه وخسروا، وأفضيت إليهم بقصة الفتاة، فضحكوا، وتقدم واحد فصاح - ~~وكان قوي الحنجرة: «إيفون ... إيفون ... كلير ... اظهري ولك الأمان.» # فبرزت له وأقبلت علينا ضاحكة مستبشرة، فوثبنا إلى أقدامنا، ورفعنا أكفنا إلى رءوسنا ~~بالتحية ثم أنزلناها بقوة على أفخاذنا كما يفعل الجنود. # ثم قلت - على سبيل التعريف: «هؤلاء جنودك ... كلهم مستعد أن يبذل آخر قطرة من دمه - أعني ~~كل قطرة - في سبيل نجاتك أيتها المجرمة الجليلة (ضحك عال)، وثقي أنهم سيدافعون عنك ~~(أصوات: نعم ... نعم) ب... ب... بأي شيء يا إخوان (أصوات مختلفة: بأرواحنا ... أرواحنا فداء لها) ~~أرواحهم ... ولكن يا إخوان ألا يوجد شيء غير الأرواح تدافعون به؟» # فاقترح واحد أن نعقد مجلسا حربيا للتشاور في أي أدوات الدفاع - غير الأرواح - أصلح، ~~فاتفقنا - أعني أنهم هم اتفقوا - على أن أول وسائل الدفاع أن يخرجوا ما في الحقيبة ~~ويأكلوه، وقد كان، أكلوا ما قسم لهم، ثم أرسلنا منهم طليعة إلى بيت الفتاة تتجسس ~~وتستكشف، وتجيئنا بالخبر اليقين عن القتيلة وعن حركات ms38 الشرطة وبسيارات تقلنا، فندخل ~~بها الضيعة غازين فاتحين - إذا كانت الأخبار مطمئنة. # ولا أطيل - وما الحاجة إلى الإطالة - جاءت سيارتان عدنا بهما - وإيفون بيننا في إحدهما ~~- إلى مكان الجريمة، وكان في استقبالنا سيدة على وجهها مسحة من الجمال، وكانت تبكي ... ~~حزنا على القتيلة ولا ريب، أو سرورا بانتصارنا ... أو لا أدري لماذا، فقد شغلت عنها ~~بفتاة تبارك الله خالقها ومبدعها، فوقفت أنظر إليها بعين يكاد حملاقها يخرج من شدة ~~التحديق وإذا بإيفون تثب من السيارة وتعدو إليها وهي تصيح: «لورا ... حبيبتي ... يخرب ~~بيتك.» # وترتمي عليها وتعانقها وتقبلها وتبكي على صدرها. # فمشيت إليهما وفرقتهما وقلت: «ما هذا ... أعني من هذه؟» # قالت إيفون: «أختي ... أختي لورا.» # فسألتها: «القتيلة؟» # فضحكت وقالت: «بعد الشر.» # وكان مسدسها معي، فأخرجته من جيبي وصوبته إلى وجهها وقلت: «همممم.» # فصاحت: «يقصف عمرك ... هاته بقى.» # وخطفته ... # وصادر الجنود ما بقي في البيت من الأطعمة. # | لو عرف الشباب # كان أبوها تاجرا حسن الحال، وأقبلت عليه الدنيا فأقبل على تجارته يوسعها ولكن بلا ~~تدبير، وعلى المال ينفقه بلا حساب، وأغري بالقمار فأفضى به الأمر إلى الخراب الوحي. ~~فتجلد وراح ينشد العمل في متجر، ولكن سيرته في أيام النعمة خوفت منه التجار وزهدتهم في ~~استخدامه، فلم يبق له إلا الاحتيال على صفقات قليلة يوفقه الله إلى عقدها ويخرج منها ~~«بعمولة» ضئيلة لا تغني، وكان في أثناء ذلك يبيع حلي زوجته، ثم أثاث بيته. فلما أتى على ~~هذا وذاك ولم يبق إلا الموت جوعا، شرب خمرا رخيصة في ساعة يأس وألقى بنفسه في النيل، ~~وترك امرأته وبنته - وكانت في الثامنة من عمرها - تعيشان أو تموتان. فأما الأم فقضت ~~نحبها بعده بشهور، وأما الفتاة فسمع بخطبها رجل طيب كان يعرف قومها فأقنعهم بأن يدعوه ~~يتبناها ويأنس بها ويستعين بها على ضعف الشيخوخة، وكان هو أيضا تاجرا. فلما ارتقت به ~~السن قنع بما أفاد وصفى تجارته، وكانت زوجته قد ماتت من غير أن تعقب له نسلا، فاتخذ ~~فقيرة من قريباته لتدبير أمر بيته، وكانت امرأة ms39 صالحة فرعته ، وجعلت من نفسها خادما ~~وأما وأختا ووصية أيضا. # وقال لها عصر يوم وهي تقدم له القهوة وتدني منه «طاولة» صغيرة عليها «منفضة» للسجاير: ~~«يا حليمة ... اسمعي يا بنتي ... أنا منتظر رقية ...» # فقالت مستفسرة: «رقية؟» # قال: «رقية ... نعم ... بنت المرحومة الست خديجة ... ستقيم عندنا إلى ...» # ثم كأنما رأى أن التحديد عسير فترك هذا وقال: «أظن من السهل عليك إعداد الغرفة الجنوبية ~~لها ... هه؟» # قالت: «سهل طبعا ... لكن بنت صغيرة ...؟ يمكن تتعبك.» # فقال محاولا أن يزيل دواعي القلق الذي يساورها: «بنت صغيرة؟ ... هذه بنت عشر ... شابة.» ~~فلم تزد حليمة على أن قالت: «طيب.» # وجاءت الفتاة بعد قليل مع رسول من قوم أمها يحمل لها أشياءها القليلة، وكان وجهها أصفر ~~متهضما، وعظام وجهها بارزة، ونظرتها ساهمة، فقبلت يد الشيخ فتناول وجهها بين كفيه ~~المعروقتين وقبل جبينها وأجلسها إلى جانبه، وشرع يحدثها ويلاطفها حتى أنست به وهشت ~~له. ثم تركها لحليمة تعنى بها. # ومضت الأيام ووجدت رقية في الشيخ سليم عوضا عما فقدت، وزالت الغضاضة التي كانت تجدها ~~في أول الأمر وصارت حين تقول له «يا عمي» تشعر أنه عمها حقا وصدقا، وتفتح لها قلبه ~~الكبير وأنزلها منه في حبته، وذاق في شيخوخته العالية ما حرمه طول حياته من حلاوة الأبوة ~~ونعمة البنوة البارة. فقد صارت رقية هي التي تعنى به، وتعد له حاجاته، وتسهر على راحته، ~~وتبقى إلى جانبه حتى يصرفها إلى مرقدها بعد أن يدعو لها ويمسح شعرها ويقبلها. # ولكن حليمة لم ترض عن رقية، وكان رأيها فيها أنها فتاة عنيدة، وأن أبويها أفسداها ~~بالتدليل، وأن الشيخ سليم يزيدها فسادا بإسرافه في إظهار التعلق بها والحنو عليها، وكان ~~يسوءها على الخصوص أن لسان رقية حاد، وأنها لا تفعل إلا ما يطيب لها، وكانت حليمة صريحة ~~فلم تكن تكتم رقية سوء رأيها فيها، أو تتقي أن تنذرها بمستقبل أسود «كالحبر»، وكثيرا ما ~~كانت تقول لها إن الشيخ يسيء إليها بهذا التدليل. # وكان هذا الكلام وأشباهه يهيج رقية في أول الأمر، ويطلق ms40 لسانها بما يخطر لها ساعة ~~الغضب، ولكن ثرى نفسها كان خصبا فلم يخل كلام حليمة من أثر، فقالت ذات ليلة لعمها وهي ~~جالسة على ذراع كرسيه: «عمي!» # فرفع إليها وجهه المغضن وسألها: «نعم؟» # قالت وهي تداعب شعر لحيته: «إنك تفسدني بالتدليل. لماذا لا تربيني كما ينبغي؟» # فدهش الرجل وقال: «من وضع في رأسك الصغير هذا الكلام؟ حليمة بالطبع.» # قالت: «هي على حق ... شف ... لي هنا نحو سنة ... وقد نسيت ما تعلمته في المدرسة.» # قال: «آه. صحيح ... الحق معك ... صحيح ... هل تريدين أن تتعلمي حقيقة؟» # قالت: «آه.» # قال: «إن شاء الله.» # وخطر للشيخ وهو راقد على سريره في تلك الليلة أن رقية مسكينة، وأنها مستوحشة في هذا ~~البيت الكبير الذي ليس فيه إلا هو وحليمة والخادم الكهل الذي يقضي الحاجات، وأن رغبتها ~~في التعلم من مظاهر إحساسها بالوحشة، وأن الواجب ... ولكنا نسبق الحوادث. # وجاءت المعلمة وبدأت الدروس فشغلت بها رقية عن كثير مما ينغص على حليمة، ولكن الشيخ لم ~~يقنع بهذا ولم ير فيه الكفاية، وإن كان لم يفته أن حليمة أصبحت أقل شكوى وتذمرا من ~~رقية. وكانت عادة الشيخ أن يخرج إلى الصلاة في مسجد سيدنا الحسين ثم يشرب الشاي في إحدى ~~المقاهي الكثيرة المشهورة بصنعه هناك، ولا يعود إلا في الضحى فيتناول شيئا يسيرا من ~~الطعام ويرتاح قليلا ثم يعود فيخرج ويمر بإخوانه التجار في دكاكينهم ولا يرجع إلا وقت ~~الغداء، وإذا خرج في العصر فقلما كان يعود إلا بعد صلاة العشاء في «الحسين». # وقال ليلة وهما جالسان إلى الطعام: «أظن يا رقية أنك تستوحشين هنا ...» # فقالت: «كيف تقول يا عمي؟» # قال: «الوحدة ... ليس لك أنيس من سنك ... والبيت واسع كبير كالربع ... وليس فيه إلا نحن ~~والعفاريت.» # وسره كلامه فضحك، فقالت: «بسم الله الرحمن الرحيم ... قل لي يا عمي ... هل في البيت ~~عفاريت؟» # قال وهو يبتسم: «هل تخافين العفاريت؟» # فأجابت بسؤال: «ألا تخاف أنت؟» # قال: «الله هو الحافظ ... لقد خطر لي شيء ... أريد أن أدفن في بلدي.» # فصاحت به ms41 وقد خفق قلبها: «أعوذ بالله! لماذا تقول هذا الكلام؟» # قال: «يا بنتي الموت حق ... دعي هذا ... قريتنا جميلة ... لي فيها أرض ودار لا بأس بها، ~~والحياة هناك أشرح للصدر وآنس للقلب، ناس كثيرون ... أهل ومعارف ... لا يمل الإنسان ... ~~والمناظر جميلة ... الحاصل ... سنذهب إلى البلدة ونترك هذا البيت الموحش ... ما الداعي أن أبقى ~~في مصر؟» # قالت: «أمرك يا عمي.» # قال: «ألا يسرك؟ يمكننا أن نعود إذا لم ترتاحي هناك ... الأمر سهل.» # وبعد أيام من هذا الحديث حملها معه إلى البلدة، وترك حليمة والخادم الكهل ليرسلا أثاث ~~البيت ويلحقا بهما. # ولم يبالغ الشيخ فقد كانت القرية جميلة والدار رحيبة تقوم في وسط بستان ثمر وزهر، ولكن ~~العناية بالزهر كانت ضئيلة فلم يكن هناك إلا بضعة أعواد من الورد، أما الأشجار فكانت ~~كثيرة وكان ثمرها وفيرا، فطاب المقام لرقية، ووجدت في الحديقة الواسعة ملهى ومرتعا، ~~وكان فتى من أقرباء الشيخ في السابعة عشرة من عمره هو الذي يتعهد الحديقة، وكان مبيته في ~~الدار أيضا ولكن في إحدى الغرف التحتية، ولم تكن رقية ترتاح إلى هذا الفتى ولكنه كان ~~قريب الشيخ، وكانت تدرك أنه لا بد للحديقة من رجل يتعهدها، فإذا كان عمها قد آثر أن ~~يكل هذا إلى قريب له فهو على حق، والأقربون أولى بالمعروف، وهي أجنبية - ولا ينبغي لها ~~أن تنسى هذا - فليس من حقها أن تكره وتحب، وما شأنها هي على كل حال؟ وإذا كانت لا ترتاح ~~إلى محمود هذا فإن في وسعها أن تتجنبه، وأن تتقي لقاءه بلا عناء، غير أنها - لسبب ما - ~~كان يسخطها عليه ما ترى من بلادته وجموده وبطء حركته، وأن وجهه لا يتطلق قط، وقد سمعت ~~أنه حفظ شيئا من القرآن، وأنه قضى بمدرسة ابتدائية بضع سنوات، فهو ليس جاهلا كأكثر ~~الفلاحين ... فما له؟ ... ما خطبه؟ # وكانت ربما لقيته في بعض جولاتها في الحديقة فيضيق صدرها بجهامته ولا تملك إلا أن تصيح ~~به: «يا شيخ إتلحلح شوية»، فينظر إليها ممتعضا ولا يزيد على أن يقول ms42 لها - حين يقول ~~شيئا: «وإنت مالك؟» ويستأنف ما كان فيه غير عابئ بها أو مكترث لها فكأنها غير ~~موجودة. # وكان الشيخ يلاحظ حبها للحديقة فقال لها يوما: «لعلك مسرورة.» # فطوقته بذراعيها وقبلته، فاستغرب الشيخ إحساسه بذراعيها وتنبه إلى أن هزالها قد ~~زال، وأن وجهها قد امتلأ، وأن ذراعيها صارتا بضتين، وأنها - ولم يمض عليها عنده إلا عام ~~وبعض عام - قد طالت قامتها وعلا ثدياها على صدرها ... بالاختصار أصبحت شابة ... لا يمكن أن ~~يخطر لأحد أنها في الثانية عشرة من عمرها فقط ... # وقال لها وهو ينحي ذراعيها عن عنقه برفق: «كيف وجدت محمودا؟» # فعبست وسألته: «هل تحبه؟» # فقال كأنما أراد أن يلخص لها موقفه منه في أوجز عبارة: «أمه بنت خالتي.» # فأدهشته بقولها: «هل تحب بنت خالتك؟» # فقال: «أ... أ... أحبها؟ ... آه بالطبع ... بنت خالتي ... طبعا.» # قالت: «لا أعني هذا.» # فزاد عجبه منها وأراد أن يغير الموضوع فسألها: «ما رأيك في محمود؟» # فقالت بإيجاز: «بليد ...» # فسألها بلهجة المشفق: «هل قلت له هذا؟» # فضحكت وقالت: «لا تخف ... هو أيضا لا يكتمني رأيه في.» # فهز الشيخ رأسه آسفا وأطرق قليلا ولكنها ردته إليها بقولها: «قل لي يا عمي ... لماذا ~~تسألني عن محمود؟» # فنظر إلى عينيها الواسعتين العميقتين قبل أن يجيب وكأنما رأى أن لا خير في اللف ~~والمغالطة مع هذه الفتاة فقال: «لا شيء ... ولكني رجل كبير وأحيانا أحلم بأشياء ... كله بيد ~~الله ... قومي هاتي لي الحصيرة للصلاة.» # فجاءته بها فوقف ورفع يديه إلى أذنيه وكانت هي عند الباب فقالت له وهي تهم بالخروج: ~~«اذكر يا عمي أنه هو أيضا لا يحبني.» # فما استطاع الشيخ أن يتوجه بقلبه في صلاته إلى الله وحده، إلا بجهد. ~~••• # وخطر للشيخ بعد مدة أن الأولى أن يبعد محمودا عن الحديقة، وأن يكل إليه عملا آخر في ~~الغيط، فإن البعد رحمة في بعض الأحيان، وأخلق بهما إذا قل لقاؤهما أن يفتر بينهما هذا ~~العداء، ثم من يدري؟ ... لعلهما حينئذ يتحولان إلى ... ولكن من يدري؟ من يدري؟ ... على كل ms43 حال ~~هذا خير من قرب يثير بينهما حربا ... # غير أن الأقدار لم تمكنه من إمضاء عزمه، فقد أصابه برد ثقلت وطأته على جسمه المتهدم، ~~فأحس الرجل بدنو الأجل، ودعا إليه رقية، وأدناها منه على سريره وقال: «قلت لك يا رقية ~~إني كنت أحيانا أحلم بأشياء ... وأخشى أن أكون قد أسأت من حيث قدرت أن أحسن، ولست أحب أن ~~ألقى الله بضمير مثقل بهذه التبعة. نعم كان يسرني أن أوفق بينك وبين محمود ... هو أيضا ~~ليس له غيري، ولكني لا أحب أن تشعري أن عليك أن تفعلي شيئا لا لسبب إلا ظنك أن هذا ~~يرضيني، إن حياتك أمامك فاصنعي بها ما تشائين، كنت أحب أن يطول عمري حتى تكبري، فأتركك ~~مطمئنا، ولكنه لا راد لقضاء الله ... وقد تركت لك أكثر ما أملك واحتطت فلن ينازعك أحد، ~~وتركت له ما فيه الكفاية، فاحرصي على مرضاة الله ثم مرضاة وجدانك، ولا تجعلي بالك إلى ما ~~تظنين أنه يرضيني ... هذا ما أردت أن أقوله لك ...» # فلم تستطع أن تقول شيئا؛ فقد انهمرت دموعها وخنقها البكاء. # وبعد يومين ذهب الشيخ الكريم في سبيل من غبر ... # وظهر أنه وقف ماله، فترك لها نصف الأرض ولمحمود النصف الآخر، أما الدار التي في القرية ~~والبيت الكبير في مصر فجعلهما شريكين فيهما بحيث لا يستطيع أحدهما أن يحدث فيهما شيئا - ~~كائنا ما كان - إلا باتفاقهما على ذلك، وآثرها على الفتى ببيت صغير آخر تحته دكان، وجعل ~~النظارة لتاجر من أصدقائه، ولكل منهما نصيبه من بعده. # وبعد الأربعين خفت الفتاة والفتى إلى مصر إجابة لدعوة الشيخ سعيد ناظر الوقف، وقد قابل ~~كلا منهما على حدة. # قالت الفتاة بعد أن سلمت وجلست: «لست أفهم شرط عمي فيما يتعلق بالبيتين.» # قال: «الأمر سهل ... إذا أردت مثلا أن تسدي شباكا فلا يجوز لك هذا إلا بموافقة محمود، ~~وإذا أراد محمود أن يفتح بابا أو يبيض جدارا فلا يكون له هذا إلا بإذنك ~~وموافقتك.» # فقالت: «ولكن لماذا ربطنا على هذا النحو؟ إن الاتفاق بيننا ms44 مستحيل.» # فابتسم الشيخ سعيد وقال: «لا حل لهذا الإشكال الذي أورثكما إياه إلا الزواج.» # فصاحت الفتاة مستنكرة: «أتزوج محمود؟ أعوذ بالله ... مستحيل.» # قال وهو لا يزال يبتسم: «حل آخر ... وطني نفسك على التنازل له في المستقبل.» # فقالت: «أتنازل له؟ ولا في المنام.» # قال: «إذن لا حيلة إلا الصبر.» # ودخل عليه محمود بعدها فسأل بعد كلام: «ما العمل في حل هذا الإشكال الفظيع؟» # فقال الرجل: «أحسن حل أن تتزوجها.» # فقال الفتى: «يا ساتر يا رب.» # فقال مقترحا: «تنازل لها إذن.» # فصاح الفتى: «أتنازل لها هي؟ هذا شيء لا يكون.» # قال: «صبرا إذن يا بني.» # ومضت الأيام وكرت الأعوام والفتى في بلدته، والفتاة في البيت الكبير بمصر ومعها حليمة ~~والخادم الكهل، والوصي الأمين يرعاها ويحدب عليها ولا يغفل أمر محمود، وكان ذكر محمود لا ~~يرد على لسان الشيخ سعيد إلا في الندرة القليلة، فسألته يوما: «ما أخبار البلد؟» # فقال: «أنا خائف على محمود.» # فقطبت وقالت: «ما له؟» # قال: «شديد على الناس ... أصبح أعداؤه كثيرين.» # فاستزادته مستفسرة، فقال لها: «إن الفلاحين يهملون أحيانا فيشتد عليهم ويقسو بهم ~~ويعاملهم بالعنف، وقد سرق أحدهم أخيرا كيسين من القطن فضبطه وضربه حتى كاد يميته ... ~~وأمثال هذا يحدث كثيرا ... وهم يخافونه ولكنهم يكرهونه وأخشى أن يتربصوا به.» # فلم تقل شيئا، ولكنها بعد أسبوع سألت الشيخ سعيدا: «هل أستطيع أن أزور ~~البلدة؟» # قال: «طبعا ... ما المانع؟» # قالت: «ربما استاء محمود ... هو مرتاح من وجودي كل هذا الزمن.» # قال: «ولكنه لا يستطيع أن يعترض على وجودك.» # فقالت: «ليست المسألة مسألة اعتراض.» # قال: «ماذا إذن؟» # فهزت كتفيها وقالت: «لا أدري.» # وسافرت بعد أيام ومعها حليمة التي انقلبت تحبها كأنها بنتها، وكان محمود في الغيط، فلما ~~علم بحضورها خف إليها ورحب بها، فاستغربت وقالت له: «لقد صرت ظريفا.» # فضحك وقال: «لقد كبرنا يا رقية ... كنا أطفالا.» # فقالت ضاحكة: «أحسبنا ما زلنا أطفالا.» # فقال وهو مطرق: «حملنا الهم قبل الأوان علمنا ... الحمد لله على السلامة يا أهلا ~~وسهلا.» وتبادلا الأخبار عن البيت ms45 الذي في مصر والدار التي في القرية، فقال لها إنه ~~محتاج إلى مخازن وليس هناك مكان يتخذه مخزنا إلا الجانب القبلي من الدار، يهدم ذلك ~~الجانب كله ويبني من جديد فيصلح به البيت من فوق وتقوم المخازن المطلوبة، فاعترضت على ~~هذا بشدة وقالت إن هذا الجانب فيه الغرفة التي كان ينام فيها عمها، فيجب أن تبقى كما هي، ~~وقالت إن الذي يحتاج إلى عمارة هو بيت مصر ... واسع جدا بلا ضرورة ولا ينتفع به أحد، ~~فيحسن أن يشطر البيت شطرين واحد يبقى لسكناها، والآخر يؤجر، فاعترض الفتى وقال إن هذا ~~يفسد البيت، فقالت إن الأمر على كل حال للشيخ سعيد وستقنعه بذلك، ومتى اقتنع الشيخ سعيد ~~فإن الأمر يكون له، ولم يستطيعا الاتفاق ولا التفاهم وإن كان الأمر كما قالت للشيخ سعيد ~~فكل خلاف عبث. وقام محمود مغضبا يائسا من إمكان الوفاق مع هذه الفتاة العنيدة، وجاء ~~الليل واجتمع محمود في الساحة أمام الدار بالفلاحين يحدثهم في شئون الأرض ويحاسبهم ~~ويتلقى منهم أخبار ما فعلوا في يومهم، وكان لا يزال متأثرا بخلافه مع رقية، فخرج عن ~~طوره مع أحد الرجال وتفاقم الأمر، فقام محمود وضرب الرجل واجتمع الخلق عليهما وعلت ~~الأصوات، وكانت ليلة مظلمة حالكة السواد ولا ضوء هناك إلا ضوء مصباح غاز في ردهة في ~~الدار، فانطفأ المصباح فجأة فهاج الناس وماجوا، واشتد اللغط، وسمع صوت يقول: «أوع يا ~~أحمد، حاسب»، وارتفع صوت محمود يصيح: «ترفع العصا علي يا كلب يا ابن ... أنا ~~أقتلك.» # ولكن الرجال دخلوا بين المتعاركين وردوهما وحملوا محمودا إلى الدار وأغلقوا وراءه ~~الباب. فصعد إلى فوق ولم يكد يصير إلى مكان فيه نور حتى وقف ينظر إلى يديه ~~مستغربا. # وكانت رقية واقفة أمامه فسألته: «مالك؟ هل أصابك شيء؟» # قال: «كلا ... ولكن هذه السكين؟ كيف صارت في يدي؟ لم يكن معي شيء؟» فابتسمت رقية وقالت: ~~«ألم تضربه بها؟» # فسألها متعجبا: «أضربه؟ أضرب من؟» # قالت: «الرجل الذي رفع عليك العصى.» # فقال وهو لا يزال يتعجب: «أضربه بالسكين؟» ms46 # قالت: «لقد وضعتها في يدك لهذا الغرض.» # فصاح وهو مذهول: «أنت وضعت السكين في يدي؟» # قالت: «بالطبع ... من كنت تظنه فعل ذلك غيري؟ لقد نزلت وخفت أن يراني الرجال فأطفأت ~~المصباح، ولما رأيت أن الأمر متفاقم خفت، وكان الشيخ سعيد قد أخبرني أن الفلاحين يكرهونك ~~لأنك شديد عليهم، فجريت وجئت بالسكين وتسللت في الظلام ووضعتها في يدك ... لم يرني أحد في ~~الظلام ... ظنوني على الأرجح رجلا منهم.» # فقعد محمود ولم يستطع أن يقول شيئا وطال صمته، فهزته رقية وسألته: «ما لك؟» # فقال: «ما لي؟ الحمد لله على كل حال ... لو كان هناك نور ورأوا السكين؟ نهايته ... حصل ~~خير.» # وقالت وهي مضطربة: «هل أخطأت؟ قل لي الحق ... لقد كنت خائفة عليك.» # فنهض وهو يبتسم وقال: «حصل خير، حصل خير ... ربنا ستر.» # ولما أرادت أن تعود إلى القاهرة رافقها إلى المحطة، وهناك تركا حليمة مع الأشياء وراحا ~~يتمشيان في انتظار القطار وقال لها في بعض حديثهما: «حكاية السكين هذه ... ماذا أغراك ~~بها؟» # قالت: «كنت خائفة عليك من الفلاحين؟» # قال: «مدهش.» # قالت: «هل كنت تظن أني سأتركهم يقتلونك وأنا أتفرج؟» # قال: «لم أكن أتصور أن تخافي علي ... مدهش.» # قالت: «ما هو المدهش؟» # قال: «سأسافر معك ... أريد أن أقابل عمي الشيخ سعيد.» # قالت: «من أجل المخازن؟» # قال: «إيه ... حاجات كثيرة.» # قالت: «اسمع ... مسألة المخازن في محلها ... افعل ما تريد.» # قال: «ولكن الأمر بيد الشيخ سعيد.» # قالت: «نعم ولكنه لا يخالفني.» # فأطرق، وبعد برهة سألها بلهجة المتردد: «بيت مصر ... هل صحيح أن لك رغبة في ~~قسمته؟» # قالت: «هذه فكرة ... بالطبع لا أستطيع الآن.» # قال: «لماذا؟ الشيخ سعيد لا يخالف لك رغبة.» # قالت: «صحيح ... ولكن ... لا أريد الآن.» # قال: «لأني اعترضت؟» # قالت: «آه.» # قال: «أظن أن رأيك أصوب.» # فصاحت وهي فرحة: «صحيح؟» # قال: «بالطبع ... كل ما يرضيك افعليه ... وهل لي غيرك؟» # قالت: «ولا أنا.» # فقال: «المرحوم كان حكيما.» # فقالت: «عمي ... أوه جدا.» # قال: «كان غرضه ...» # فلم تمهله وقالت مقاطعة: «كان مدهشا ... عرف كيف يحتال علينا بعد ms47 وفاته.» # فسألها : «ما قولك في تحقيق رغبته؟» # فأطرقت حياء. فكرر عليها السؤال فقالت: «اسأل عمي الشيخ سعيد.» ~~••• # ولم تكن سن الزواج لها حد في تلك الأيام، ففرح الشيخ سعيد بتحقيق أمل صديقه. # | ميمي # جلس «طلبة» في القطار العائد به من مصيفه في الإسكندرية يفكر في «وردة»، فما استطاعت ~~الإسكندرية بمن حفلت بهن من الفتيات اللاتي جئن من كل مدينة وقرية ليعرضن جمالهن وفتنتهن ~~على شواطئ البحر أن تنسيه سحرها ودلها أو تصرفه عنها وتحول قلبه إلى سواها، وإن ~~الإسكندرية لمفسدة أي مفسدة - كذلك جعل يقول لنفسه وهو يهتز في مقعده من فرط السرعة التي ~~يعدو بها القطار - ماذا يظن هؤلاء الآباء الذين يتركون بناتهم يتجردن على الشاطئ، ويصبحن ~~لا هن كاسيات ولا هن عاريات؟ # ولم يكن طلبة من الطراز القديم أو المحافظ، فقد كان ابن عصره الذي لم يشهد سواه، ولكنه ~~كان فتى أكسبته حياته وعمله اتزانا قلما يتاح في مثل هذه السن، فقد كان صيدليا، ~~والصيدلي يرى كل صنوف الناس، ولا يسعه وهو يستقبل الزبائن ويرحب بهم ويتلقى «أوامرهم» ~~ويصغي إلى حديثهم وثرثرتهم في أحيان كثيرة إلا أن ينظر ويفكر ويقارن ويقابل، وإلا أن يقف ~~على كثير مما يخفى على الشبان أمثاله في أعمال أخرى، وإلا أن يلم بحالات قلما تمر ~~نظائرها بأنداده، وقد أفاد من عمله في الصيدلة صبرا وحلما وتسامحا وحكمة ومقدارا من ~~«الحصانة» تمنع أن يغتر المرء بالظواهر، وتلك بعض ثمار المعرفة التي اكتسبها في ذلك ~~المعرض الذي يسميه الناس «الصيدلية» ولا يخطر لهم أنه يمكن أن يرى فيها غير ~~العقاقير. # وخطر لطلبة والقطار ينهب به الأرض أن من الحماقة أن يتوهم الآباء أن عرض بناتهن على ~~الشواطئ يعجل بتزويجهن، ورجه القطار وهو يفكر في ذلك فكأنما رج ما في رأسه أيضا فعاد ~~يسأل نفسه: ولكن هل هم يعرضون بناتهم ليزوجوهن؟ أليس الأصح أن يقول إن تيار الزمن جرفهم، ~~وأنهم لم يستطيعوا مقاومته فهم لا يعنون شيئا ولا يريدون أمرا، وإنما ينزلون على حكم ~~التيار؟ على ms48 أن المهم على كل حال أن هذا العرض يزيغ العين، والرجل لا يستطيع بعد أن يرى ~~كل هذا الجمال المتنوع المحشود أن يروض نفسه على الصبر على طعام واحد، وطبيعي أن يقنع ~~بالفجلة وكسرة الخبز اليابسة من لم يجلس إلى الموائد المثقلة بألوان الآكال الشهية، ~~ولكنه إذا جرب هذه الطعوم المغرية فإنه لا يكون آدميا إذا ظل يعد الفجلة نعمة من ~~الله. # وسأل نفسه مرة أخرى: «ولكن هل معنى هذا أن الأولى أن ترد البنات عن حمامات البحر وما ~~إليها؟» وهز رأسه وقال لنفسه: «مستحيل، ثم إن الحياة لا تطيب بذلك لو تيسر ... كان يمكن أن ~~تطيب لو أننا ظللنا لا نرى على الشاطئ كل هذه المفاتن، ولكنا أكلنا من شجرة المعرفة، فلا ~~قناعة لنا بشيء بعد الآن، ولا سبيل إلى الصبر على الحرمان ...» # واعتدل في مقعده وسأل نفسه هذا السؤال: «إذا كان الزواج هو الغاية ... لا تقل الغاية ... ~~فإنه على كل حال ليس إلا واسطة، ولكن نقول إذا كان هذا الزواج هو النظام المقرر فأيهما ~~خير للرجل المدرك المفكر ... أن يتزوج واحدة من أولئك اللواتي لا يخرجن إلى البحر في ثياب ~~الاستحمام ولا يعرفن السينما، ولا يبرزن للرجال، ولا يعرفن من الحياة إلا الأكل والكسوة ~~والجلوس على الحشايا، ولا تخشى عليهن الفتنة لأنهن لا يتعرضن لها، أو أن يتزوج واحدة من ~~هؤلاء المرحات الصابحات الوجوه، البضات الأجسام، الرشيقات القوام، اللواتي يحسن الحديث ~~والسمر، ويعرفن كيف يمتعن ويستمتعن، ويجعلن الحياة كلها فرحة دائمة، ونعيما مقيما، ~~ومتعة مستمرة، لكثرة ما فيها من التنوع؟» # وهز رأسه مرة أخرى وقال: «مشكل والله، وعقدة لا أعرف لها حلا ... فتلك الجاهلة لا تكون ~~إلا مملة، وإن كان المرء يسعه أن يطمئن وأن يسكن، وتلك المتعلمة المدنية البرزة أحلى ~~وأمتع - في أول الأمر على الأقل - ولكن السكرة تذهب، وتزول النشوة، وتجيء الفكرة، ويحتاج ~~المرء إلى السكون والرضى والاطمئنان ... الراحة على العموم ... وأين الراحة مع الخفة ~~والتقلقل الدائم والشك الذي لا سبيل إلا إليه ولا حيلة فيه؟» ms49 # وطال تفكيره في هذا وما هو منه بسبيل، ولم يجد في هذا راحة، ولم يستطع أن يهتدي إلى رأي ~~فيما عرض على نفسه. فانتقل إلى «وردة» وشرع يتصورها على هواه، وكان يدرك وهو يفعل ذلك ~~أنه يفيض عليها من خياله، ولكنه كان يقول لنفسه إن الخيال أمتع من الحقيقة، وإن الجمال ~~الذي لا يحرك الخيال لا قيمة له، وإن الجمال الحقيقي هو الذي يجدد نفسه في خاطرك، ويعرض ~~عليك من صوره وفتنه ألوانا ومعاني لا ينضب لها معين، وهذه مزية وردة، وإن كانت أيضا ~~آفتها، فإنها زئبقية ... لا تستقر حقيقتها - إذا كانت لها حقيقة - ولا تستطيع أن تتناولها ~~وتقول هذه هي ... كلا ... مستحيل ... # وارتفعت لعينيه وهو يفكر في «زئبقية» وردة صورة «ميمي» الوديعة ... ميمي اليتيمة التي لم ~~يبق لها من الأهل سواه. فهي في بيته - مذ جاءت بها أمه - كالأخت، أو إذا شئت، كالخادمة، ~~تقضي له حاجاته، وتعد له أشياءه، وتتعهد البيت، وتدبر أموره، في سكون ومع الابتسام ~~الدائم، ومن غير تأفف أو ضجر، ولا تطلب إلا أن يكون راضيا ناعم البال قرير العين ... ~~أتراها تحبه؟ إن هناك ما يشير إلى ذلك ويشي به، ولكنها لا تقول شيئا، ولا تجترئ على ~~أكثر من ابتسامة السرور حين يسرها، ويخيل إليه أحيانا أنها كانت تبكي أو أن الدمع يتحير ~~في عينيها، ولكنه لا يدري ... لا يدري ... ثم إنه لا يريد أن تحبه، كلا ... فإنه يحب غيرها ~~... # وجرى بباله البيت المشهور وهو يتناول حقيبته وينزل من القطار في محطة القاهرة: # جننا بليلى، وهي جنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # فقال بصوت مسموع: «أعوذ بالله! ما هذه السخافة؟ قد تكون ميمي مجنونة بي، وإني لمجنون ~~بوردة، ولكن وردة على التحقيق لا تحب أحدا غيري ... نعم لا يبدو أنها تحبني كما أشتهي ~~وأتمنى، ولكن من فضل الله أنها لا تحب سواي ... هذا شيء على كل حال ... يمكن أن أقتنع به ~~الآن ... ومع الارتياح ... ولكن من يدري ...؟» # وساورته الشكوك وهو يشتري في طريقه طاقة من ms50 الأزاهير البيضاء التي يعرف أن وردة تحبها، ~~وظلت تساوره وهو يدخل شقته ويلقي بالحقيبة، ويتلقى تحية ميمي بفتور لا يعنيه، وقد سخط ~~على نفسه وأوسعها تقريعا وذما، وقال لها: «هذه وردة يشرق وجهها لك، وتكاد تفتح ~~ذراعيها، وتبدو كأنها تريد أن تضمك إلى صدرها الناهد ... الحق أن صدرها جميل ... وأنت ~~تقابلها بهذا الفتور؟ ... إن هذه خسة، ماذا جنت الفتاة حتى تصدمها هذه الصدمة؟ وتدفع في ~~صدرها بجمع يدك؟ آه صدرها ... الحق إنه جميل ... قدها كله جميل، فيها لين، تنساب كالماء ~~الرقراق ... ثم إنها وديعة، راضية، حلوة الطبع، لماعة العين دائما. أوه ميمي ... ميمي؟ إنه ~~يجب أن أفكر في وردة ...» # وكانت ميمي في هذه اللحظة تضع الورود في الزهرية، فزعق طلبة: «ماذا تصنعين؟» # قالت باستغراب: «أرتب الورد، أليس ...» # ولم تتمها، فقد انتزع منها الأزاهير وهو مقطب ولفها في ورقتها كما كانت وتمتم وهو يفعل ~~ذلك: «ترتب الورد؟ أتراها تظنني جئت به لأزين به بيتي؟» # وقال بصوت عال: «دعيه هكذا ... إنه لوردة.» # فأحست المسكينة بمثل شكة الخنجر ... يعود من الإسكندرية بعد خمسة عشر يوما قضاها هناك ~~غائبا عنها، ولا يذكرها بزهرة واحدة، ومعه هذا «الحوض» كله يحتفظ به لوردة! ولا يخطر له ~~أن من الرحمة الواجبة ألا يخزيها على هذا النحو! ماذا كان عليه لو اتقى أن يجيء به إلى ~~البيت؟ ولكن ... # ولم تسترسل في هذه الخواطر المؤلمة، فقد كان عليها أن تهيئ له ثيابا أخرى يلبسها ليزور ~~وردة، وإن ميمي لتعلم أن وردة مشغولة عنه بغيره، وأنها لا تفكر فيه، ولا تبالي أجاءها ~~بهذه الأزهار الجميلة أم نسيها ولم يخطرها بباله ولكن ميمي لا تستطيع أن تقول له هذا ~~وإلا ظن بها الظنون. # وأحست ميمي وهي تنفض لطلبة ثيابه التي يجب أن يرتديها، بثورة نقمة على وردة، وشعرت كأن ~~وردة تخون طلبة لأنها مشغوفة بسواه، وصحيح أن وردة لا زوجته ولا خطيبته، ولكن هذا لا ~~يمنع ميمي أن تسخط على وردة وأن تشعر لها بكراهية شديدة يزيدها علمها أنها غير محقة ms51 ~~فيها. # وخرج طلبة، ومعه طاقة الزهر الأبيض، وبقيت ميمي وحدها، لا أنيس لها إلا خواطرها، نعم ~~هناك أمه، وأخته، وخادمة، ولكن ما أنسها بهؤلاء؟ وهي مضطرة أن تتكلف أمامهن الابتسام وأن ~~تتظاهر بغير ما تبطن، وهذا بلاء آخر ... # ولم يطل غياب طلبة، فقد عاد، ومعه طاقة الزهر الأبيض التي خرج بها، ففتحت له ميمي الباب ~~وارتدت مذهولة ... أذهلها تجهمه، وأذهلتها طاقة الزهر التي تتدلى بها يده، فارتدت ولم تقل ~~شيئا، وتركته يدخل وهو مطرق لا ينظر إليها ولا إلى شيء ويرمي بطاقة الزهر على المائدة، ~~ويذهب إلى غرفته، ويرد بابه حتى لا يدخل عليه أو يزعجه أحد. # وبعد قليل صفق، فذهبت إليه أخته فردها وقال لها: «ابعثي إلي بميمي.» ولم يكن هذا ~~مستغربا فقد كانت ميمي هي الموكلة به في الحقيقة، وكانت أمه يسرها أن ترى ميمي تقوم له ~~بحاجاته وتتكفل بأموره، وكان رجاؤها أن يفطن ابنها إلى قيمة ميمي فيتخذها زوجة. # وذهبت إليه ميمي فقال لها: «اجلسي، وأصدقيني.» # قالت، وهي تجر كرسيا: «نعم.» # قال: «وردة ... إنك تعرفينها كما أعرفها، فلا تخفي عني شيئا ... ما هي الحكاية؟» # قالت: «أي حكاية؟» # قال: «إن المرأة تعرف عن المرأة أكثر مما يستطيع أن يعرف الرجل، ثم إن النساء يتحدثن ~~فيما بينهن بما لا يتيسر العلم به للرجال، فأخبريني ما هي حكاية وردة؟» # فكررت قولها: «أي حكاية؟» # قال: «ألا تريدين أن تخبريني؟ إذن سأعرف كل شيء وحدي.» ونهض فخرج ... # ولم تستطع ميمي أن تكتم ما بنفسها، فحدثت أمه بما سألها عنه من خبر وردة، وتركتها تتصرف ~~كما تشاء، على أن الأمر لم يحتج إلى تصرف من الأم أو سواها، فقد أراد طلبة أن يقف على ~~جلية الخبر وأن يعرف من هذا الشاب الذي رآه خارجا معها من بيتها يوم عاد - أي طلبة - من ~~الإسكندرية، وذهب إليها ليسلم عليها ويقدم لها الورود البيضاء التي تحبها وتؤثر جمالها ~~على سواها من ضروب الزهر، وكان هو يهم بالنزول من الترام في محطته أمام بيتها، فلما رآها ~~خارجة ms52 ومعها هذا الفتى الغريب الذي لم يره قط من قبل بقي على سلم الترام إلى المحطة ~~التالية، ثم عاد إلى بيته، وما خير أن يذهب إليها وهي خارجة؟ ومع فتى؟ # وكان طلبة ممن يؤمنون بأن الخط المستقيم أقرب المسافات بين نقطتين، فذهب إلى أبيها ~~وسأله عن هذا الفتى من عسى أن يكون، وكان بين أسرة طلبة وأسرة وردة من الصلات الوثيقة ~~القديمة ما يسمح له بمثل هذا الاستفسار الذي كان خليقا أن يعد - لولا ذلك - فضولا ~~غير مقبول، وكانت وردة وحيدة أبيها، وقد ماتت أمها، فرق لبنته جدا ودللها تدليلا ~~شديدا، فقال الأب: «هذا حسني ... خطيبها ... وعلى فكرة ... أظن أنه من الأوفق ... تعرف ما أعني ~~... ولا مؤاخذة.» # فهز طلبة رأسه وقال: «نعم أعرف ... يحسن بي أن أكف عن زيارتكم حتى لا أثير وساوس الخطيب ... ~~ولكن يا عمي من عسى أن يكون هذا الخطيب؟ إنه طارئ ولا شك، فإني أعرف كل معارفكم، ولا ~~أذكر أني رأيته أو سمعت به، وما غبت عنكم إلا خمسة عشر يوما، أفي خمسة عشر يوما يعرف ~~وردة، ويخطبها وينتهي الأمر؟» # قال: «ولم لا؟ يوم واحد يكفي ما دمنا قد سألنا ووثقنا أنه شاب طيب حسن السيرة.» # قال: «وهل سألت يا عمي ووثقت؟» # فقال الرجل بلهجة المتأفف: «ما هذه الأسئلة؟» # فقال طلبة وهو ينهض: «أنا أعرف أنك لا تستطيع أن تكذب ... وأستطيع أن أعرف أنك لم تسأل ~~ولم تستوثق، وإنما نابت عنك وردة في هذا كله ... مبارك على كل حال ... وأستودعكم ~~الله.» # ومضت الأيام وطلبة يعزي نفسه بأن الخيرة في الواقع، وأن الزواج لا يكون مؤديا إلى ~~السعادة إذا كانت الفتاة مدللة كوردة كل هذا التدليل، حتى لتخطب لنفسها من تشاء، ولا يسع ~~أباها إلا الموافقة، وعاد - شيئا فشيئا أيضا - إلى ما كان يفكر فيه وهو عائد من ~~الإسكندرية ويسأل نفسه عنه: «أي الفتاتين خير؟ واحدة نشأت على الطاعة والعفة أم أخرى ~~مدللة تعرف حمامات البحر والخروج مع الرجال؟» وزاد السؤال تحديدا فجعله هكذا: «أيهما ~~خير لمثلي: ms53 فتاة وديعة كميمي تحبني وتطيعني ولا تعرف سواي، أو تفكر في غير واجباتها لي ~~وإن كانت تنقصها مظاهر الطراز الحديث؟ أو أخرى كوردة تخطب لنفسها من تشاء ولا يسع أباها ~~إلا الموافقة؟» # وانتهى من هذا التفكير الجدي الرزين في ميمي إلى نهايته، ولم يخالجه شك في أن ميمي ~~ستفرح حين تعلم أن رأيه استقر على الزواج منها، وقد خاطب أمه في الأمر ففرحت، وحدث أخته ~~ففرحت، وكاد يحدث الخادمة، وفي يقينه أنها لا شك ستفرح؛ فقد ربيت - أي الخادمة - في ~~بيته. # كل امرئ فرح إلا ميمي، حين كلمتها أمه، وفي قولنا إنها لم تفرح شيء من التساهل في ~~التعبير، ذلك أنها فرحت لأن هذا هو الذي كانت تطمع فيه وتتطلع إليه، ولكنها كانت تعلم أن ~~طلبة يحب وردة، وآلمها أن يشقى طلبة، وأن تغدر به وتخونه وردة، وسرها أنه لم يفز بها، ~~وحز في نفسها أن طلبة إنما انثنى إليها ورغب فيها لأن أمله في وردة خاب، وكان هذا أوجع ~~ما عانته من الإحساسات، وتنازعتها الرغبة في إرضاء حبها بالقبول، والرغبة في إرضاء ~~كبريائها بالرفض، وكانت أحيانا تميل إلى الرفض وهي تشتهي ويكاد قلبها يتمزق من فرط ~~الحب، ثم تميل إلى القبول، ولكن الألم يمزق أعصابها ويتلفها، فتبكي. # وترى الأم والأخت هذا منها فتستغربان وتنكران هذا البكاء، ويخطر لهما تارة أن هذا ~~البكاء بكاء السرور، وتارة أخرى أن ميمي لا تريد طلبة زوجا لها، ولكنها لا تستطيع أن ~~ترفض لأنها يتيمة لا أهل لها ولا بيت إلا هذا ... # وكان هذا بعض ما خطر لميمي وقطع قلبها، وزادها حيرة، فهي إذا قبلت الزواج لا يسعها أن ~~تنسى أن قلب طلبة مع وردة، وإذا رفضت، فقد قضت على حبها ووجب عليها في هذه الحالة أن ~~تترك البيت، ولكن إلى أين في هذه الدنيا الطويلة العريضة الزاخرة بملايين الخلق، والتي ~~تضيق مع ذلك بفتاة واحدة؟ # وطال التردد، ومضت الأيام، والكل حائر، حتى طلبة بدأ يستغرب وظن أن ميمي لا تريده، وأنه ~~كان مخطئا ms54 فيما توهمه دليلا على ميلها إليه وتعلقها به، وكان من فضل هذا أن صغا إليها ~~بقلبه، شيئا فشيئا أيضا ... حتى كانت ليلة فناداها، فلما دخلت عليه صارحها بما نابت عنه ~~أمه من قبل في الكلام فيه. # فقالت له: «لا ... إنك تحب وردة، فأنا لست لك.» # قال: «أهو هذا؟» وسرته هذه الغيرة وأيقن من حب الفتاة وقال: «اسمعي يا ميمي، لقد كنت ~~أتوهم أني أحب وردة، ولكن المرء قلما يعرف نفسه، ولو أني كنت أحبها بالمعنى الصحيح لما ~~استطعت أن أسلوها بهذه السرعة، وقد كنت أعمى ... الدرة تحت عيني وأنا لا أراها ...» # فقاطعته: «لأنك لم تكن ترى إلا وردة.» # قال: «نعم، فلما خلت منها حياتي استطعت أن أنتفع بعيني، ومن واجبي أن أشكر الله، فلو لم ~~أتعلق بوردة لما استطعت أن أفطن إلى الدرة التي كنت ذاهلا عنها ... وإذا كنت تحبينني كما ~~أعتقد وأرجو، فإن من واجبك أن تحمدي أني افتتنت بوردة أياما، فكانت هذه الفتنة سبيل ~~المعرفة ووسيلة الهداية ... أليس كذلك يا ميمي؟» # وأراد قلب ميمي أن يقتنع، فاقتنعت، ولم تندم قط بعد ذلك على أنها أطاعت قلبها ولم تطع ~~كبرياءها، وقد كان من الممكن أن يكون الأمر على نقيض ذلك، ولكن طلبة كان صادقا حين قال ~~إن فتنته كانت سبيل المعرفة، وإنه عرف نفسه بعد أن ضل قليلا ... # | الخاتم # «خبئي خاتمي ... بسرعة.» ~~«ماذا؟» ~~«خذي ... أخفيه ... ألا ترين هؤلاء الثلاثة المقبلين في مثل ثياب الأوشاب؟ أسرعي ... يا لك من ~~بلهاء! ... لا بأس، سأتركه هنا؟ فما أظن أحدا يلمس هذين أو يدس يده بينهما.» # ودست الخاتم بين ثديي أختها الناهدين الراسخين وتركتها ومضت. # وكان الثلاثة الأوشاب، أو الذين آثروا أن يتنكروا في هذا الزي يتنقلون بين السيدات على ~~عجل، وينزعون عنهن ما يسهل نزعه من الحلي، ويتركونهن ما بين ذاهلة مفتوحة الفم جاحظة ~~العين، ومغشي عليها من الخوف، وصارخة تستغيث وتصيح: «أدركوني ... يا بوليس.» وكان بعض ~~الرجال قد حاولوا أن يصدوا هؤلاء الأوباش ولكن فوهات المسدسات ردتهم وأرخت أيديهم إلى ~~جنوبهم ms55 وألصقت ظهورهم بالجدران. # وتقدم أول الثلاثة من جليلة، وهي واقفة تنتفض ولا تكاد تقوى ساقاها على حملها وترى ~~الكرسي إلى جانبها، ولا يخطر لها أن تقعد لفرط ما انتابها من الاضطراب والجزع، وتناول ~~كفيها ورفعهما وهو يتأملهما، ثم صعد عينه إلى وجهها وقال: «غريب، فتاة جميلة مثلك لا ~~تلبس حليا؟ وهؤلاء جميعا محشودون هنا احتفالا بك؟ غريب؟!» # وهوى بكفيه إلى فخذيها يتحسس ثنية الجوربين عليهما عسى أن تكون قد خبأت هناك شيئا، ~~ولما لم يجد شيئا انصرف عنها وهو يهز رأسه مستغربا، وغادر الثلاثة البيت، كما دخلوا من ~~الباب، صفا واحدا لا متريثين، ولا عجلين، ولا متلفتين، كأنما كان دخولهم وتفتيش ~~السيدات أمرا عاديا مما يحدث كل يوم، فعلت الأصوات وانطلقت، بعد طول الاحتباس، ~~وتصادمت الأجسام بعد أن استردت قدرتها على الحركة. # ودخل صاحب البيت وهو ينفخ ويمسح العرق المتصبب، وانحط على كرسي فحف به الموجودون وألحوا ~~عليه بالأسئلة، وهو لا يجيب، ثم انتظمت أنفاسه فقال: «اطمئنوا ... لم يضع شيء ... كل ما ~~أخذوه ألقوه في الدهليز ... يظهر أنها مزحة، ألا قبح الله هذه المساكن الخلوية ... لو لم يكن ~~بيتنا بعيدا من المساكن لما اجترأ هؤلاء الأشرار أن يركبونا بهذا المزاح البارد المزعج، ~~ولكن لا بأس ... والآن سيداتي وسادتي، تستطيعون أن تعودوا إلى الرقص والمرح.» # وتفرق المدعوون يستعيدون ما فقدوا، وأقبلت «إحسان» على أختها تقول لها: «هاتي الخاتم يا ~~جليلة ...» # ولم تتم كلامها، إذا صح أنها تريد أن نقول غير ذلك، فقد دخل بينهما في هذه اللحظة شاب ~~في زي شيطان، وأحاط خصر جليلة بذراعه، وهو يقول: «هذه رقصتي.» # فهزت إحسان رأسها وقالت لنفسها: «لا بأس، ولا داعي للعجلة، فإن الخاتم في أمان ولن ~~يخطفه مراقصها وإن كان عفريتا.» # وقال العفريت لجليلة وهو يطوف بها: «ما أحلى أن ترقص الشياطين والملائكة معا.» وصوب ~~عينه وهو يهمس بذلك إلى صدرها، وكان يدنيها منه ويشد عليها، وكانت هي تحاول عبثا أن ~~تتخلص من هذا الذي يشبه العناق، فخيل إليها أن حدقتيه الباديتين من ms56 ثقبي القناع تومضان ~~ساخرتين، فتقول له بصوت كأنما براه الضعف والتفتر والخوف والرغبة، وهذا الحذر الذي صارت ~~تحسه يدب في جسمها: «أرجو ... اسمح لي»، ثم تجيل عينيها فيما حولها وهي تحدث نفسها أن ~~عليها أن تتفلت من أسر يديه فلا يزيدها ذلك إلا اضطرابا. # وأسر إليها: «آسف ... هل نخرج إلى الشرفة؟» # فقالت: «نعم ... من فضلك لا أريد أن أبقى هنا ... سأذهب إلى غرفتي.» # فقال: «سيكون ما تريدين يا عصفورتي الجميلة.» # وظل يراقصها وهو يتخلل بها المدعوين حتى خرجا إلى الشرفة، ثم مال بها يسرة حتى وقفا عند ~~باب، وهناك انحنى عليها، وحناها على ذراعه، فانقطع رباط ثدييها، وسمع هو الصوت فابتسم ~~واعتدل، ودفع أصابعه بسرعة وخفة والتقط الخاتم، وقال وهو يلثمها: «والآن أستودعك الله ... ~~سأذهب أنا أيضا. فما أريد أن أراقص أحدا غيرك ... ولكني أرجو أن تقولي لإحسان حين ترينها ~~في الصباح أن الشيطان لا ييأس ... وإلى الملتقى يا فتاتي الحسناء.» ~~••• # واستيقظت جليلة عند الضحى، فكان أول ما تذكرته هذا الشيطان الذي لم تر وجهه، ولكنها ~~لا تزال تشعر كأن ذراعه على خصرها، ودخلت عليها إحسان وهي تحلم بهذا وعيناها مفتوحتان، ~~فاحتاجت أن تهزها - وإن لم تكن نائمة - لتردها إلى هذا العالم، وقالت: «الخاتم ... ~~هاتيه.» # فأفاقت جليلة جدا لما دست أصابعها بين ثدييها فلم تجده، وقالت وهي تنهض وتهز قميصها ~~وتنفضه: «لقد كان هنا ... لا أذكر أني أخرجته ... لقد كنت أرقص مع أحد ضيوفك (واضطرم وجهها ~~لهذه الذكرى) ثم عدت إلى غرفتي ونمت ...» # فصاحت بها إحسان: «من كان هذا؟ إن المدعوين ليسوا لصوصا ... تذكري أين وضعته.» # قالت جليلة: «لا أعرفه، لقد كان في زي شيطان ... ورجا مني وهو يودعني أن أقول لك إن ~~الشيطان لا ييأس.» # فقالت إحسان: «لعنة الله عليه ... لن أرى الخاتم بعد ذلك أبدا. لقد نجح حيث فشل لصوصه ~~الذين جاء بهم.» # فقالت جليلة: «لست فاهمة ... إنه أحد الضيوف ... وإذا كنت تعرفينه فلا شك أنه سيعيد إليك ~~الخاتم.» # فصاحت إحسان: «يا بلهاء ... إنه ليس ضيفا ... هو ابن ms57 زوجي ... أسعد ... وهذا خاتم أمه، وكان ~~يريد أن يحتفظ به، ولكني أغريت أباه بأن يعطينيه، فهو يكرهني ويحقد علي، وقد فسد ما ~~بيننا بعد ذلك فآثر أن يعيش وحده، فإن به غنى عن أبيه، ولا يزورنا قط ... والآن قد استرده ~~...» ~~••• # ولم تر جليلة أن تنهض عن سريرها فبقيت مستلقية عليه تفكر ... إذن لم يكن أسعد يراها ~~جميلة، ولم يكن يدعوها عصفورته، ويهمس في أذنها بألفاظه المعسولة إلا ليخدعها، وكان ~~الخاتم همه الوحيد ... وكل ما يبغيه هو أن يسترده، على حين كانت هي لبلاهتها تتوهم أنه ~~مفتون بها. # ودار في نفسها خاطر آخر أوجع وآلم، ذلك أنها عاشت إلى الآن بعيدة عن أختها أكثر الوقت ~~لأنها كانت في المدرسة، فهل كان ما دفع أسعد إلى مغادرة بيت أبيه هو انتزاع الخاتم منه، ~~وإيثار امرأة أبيه به عليه؟ ألا يمكن أن يكون قد رأى من إحسان ما جعله يفر منها حرصا ~~على كرامة أبيه؟ ولكن جليلة نفت هذا الخاطر المنكر الذي أدارته الغيرة في نفسها. # ولكنها لم تكن مخطئة، فما فر أسعد من بيت أبيه إلا لأن إحسان تطارده فيه، وإن كانت لم ~~تزد على التودد. # وهكذا اتفق في ذلك اليوم أن كانت اثنتان تفكران في أسعد؛ جليلة وهي راقدة على سريرها ~~تتمنى أن يعود لتراه كما هو لا في زي شيطان، وإحسان وهي تروح وتجيء في البيت، تدعو الله ~~أن يظل أسعد بعيدا مخافة أن يفتتن بأختها الحسناء الصابحة الوجه ... # ومضت الأيام، وفي نفس كل منهما أمنيتها، وكانت جليلة تجد نفسها على الأيام عاجزة عن ~~إحسان الظن بأختها إحسان، وكان استبداد هذا الخاطر بنفسها وإلحاحه عليها على الرغم من ~~مجاهدتها له وثورتها عليه، يثيران غيرتها ويدفعانها إلى العناد، فتأبى أن تقبل من أختها ~~وزوجها شيئا، وترفض أن ترافق أختها إلى حيث تذهب، وتصر على البقاء، وتطيل خلوتها ~~بنفسها. # وفي مساء يوم، دخلت غرفة المكتب لتعيد كتابا وتستعير غيره، فاتفق أن لمست أصابعها ~~أوراقا على المكتب فأطارتها، فانحنت لتعيدها إليه فإذا بها ms58 تقرأ في واحدة هذه الرسالة ~~الوجيزة إلى زوج أختها: # آسفة جدا، وقد تركت لك رسالة وردتني من أسعد وهي تقص عليك القصة كلها، فلا ~~حاجة بك إلى شرح مني، فأستودعك الله. # إحسان # فقرضت جليلة أسنانها، ومزقت الرسالة على غير عمد منها، ثم نظرت إلى الورقة الأخرى التي ~~ذكرتها إحسان في كتابها فقرأت فيها: # عزيزتي الجامدة المتعبة: # لقد يئست، وإنك تعلمين أني لا أستطيع أن أزورك في هذا البيت، ولكن في وسعك ~~أنت أن تزوريني، ويجب أن تزوريني، فإن هناك أمرا أريد أن نتفق عليه، واعلمي ~~أني لم أذق طعم الراحة مذ استعدت الخاتم. # ففهمت كل شيء، ولم يخف عليها أن هذه الرسالة لها، لا لأختها، ولكن الذي لم تستطع أن ~~تفهمه هو أن تخاطر أختها على هذا النحو، وتهجر بيتها وزوجها وتذهب إلى من لا يريدها. إذن ~~يجب أن تذهب هي إلى بيت أسعد لتتدارك الأمر، وتصلح الخطأ وتمنع الفضيحة. # ولم تجد عناء في دخول البيت بلا استئذان، فقد كان بيتا صغيرا، تحيط به حديقة، ومن ~~السهل التسلل إلى أية غرفة، إذا كان هناك شباك أو باب مفتوح. # ودخلت حتى صارت في غرفة تتصل بأخرى بباب موارب، فوقفت ساكنة، فقد سمعت أصواتا، وإذا ~~بأسعد يقول: «إني لم أكتب إليك هذه الرسالة، وأنت تعلمين ذلك.» # وقالت الأخت المغامرة: «بالطبع أعرف هذا، إن هذه الفتاة التي تفتنك وتسبيك وتسلبك ~~لبك، لم تزد على أن تضحك مقهقهة لما قرأت رسالتك إليها ... إن قلبها من حجر ... أو هو لوح ~~من الثلج ...» # فسألها: «هل تعنين أنها لا تبادلني حبا بحب، وأنها لا توافق على الزواج؟» # فضحكت وقالت: «إنها لا تشعر أنك موجود، فلا تخدع نفسك، وخير لك أن تقصر ...» # ونهض أسعد - فقد سمعت جليلة حركة تدل على ذلك - وقال وهو يتمشى في الغرفة: «إنك لست ~~أختا لها ... لا يمكن أن تكوني أختها ... أنت ... أنت ... لا أعرف ماذا أنت، ولكني أعرف أنك ~~ماكرة خبيثة، وكل عجبي أن تكون هذه الفتاة الطيبة الساذجة أختك ... مستحيل.» # وفي هذه ms59 اللحظة دق الجرس ففتح الخادم الباب، ودخل الزوج - زوج إحسان - يمشي بخطى سريعة، ~~ومن حسن الحظ أنه دخل من ناحية أخرى فلم ير جليلة، وأبصر زوجته على أريكة، والسيجارة ~~بين أصابعها، وابنه يتمشى مطرقا، فوقف ونظر منها إليه ثم قال: «هل هذه الرسالة منك يا ~~أسعد؟» # فنظر إليها أسعد ثم قال: «نعم يا أبي.» # وفي هذه اللحظة خطر لجليلة خاطر بمثل سرعة البرق، ففتحت الباب وهي تقول: «هذا أنت ... أوه ~~ما هذا الذي بيدك ... رسالة أسعد إلي؟ أشكرك ... لقد خفت أن تكون قد وقعت في يد أختي، ~~فتتبعني إلى هنا.» # فنظر الرجل إلى الرسالة التي في يده، ثم رفع عينيه إلى ابنه، وتنفس الصعداء، ثم التفت ~~إلى جليلة وسألها: «أهي رسالة منه إليك؟» # فقالت: «بالطبع، ولمن تكون غيري؟ إن أختي لا تحبه، فهو لا يجيء إلى بيتك، ولهذا طلب مني ~~أن أجيء أنا إليه، ولما رأيت أن أختي جاءت اختبأت، لأن أسعد أشار علي بذلك ووعد أن يتخلص ~~منها بسرعة فإنها تعترض جدا على أن أتصل بأسعد.» # وهنا تناول أسعد يد جليلة وقال: «إذا كان لا مانع عندك يا أبي من زواجنا، فأرجو أن تقنع ~~زوجتك بالموافقة.» # فقال الرجل: «إن اعتراضها لا يمكن أن يكون إلا سخيفا، تعالي يا إحسان، لماذا لم ~~تحدثيني بكل ذلك من قبل؟ كان يجب أن تشاوريني؛ فإن جليلة كبنتي ولها علي حقوق. على كل ~~حال حصل خير ... تعالي نخرج ... ولندعهما ...» ~~••• # وسأل أسعد: «أظنك لم تري رسالتي إلا بعد أن خرجت أختك؟» # فقالت جليلة: «صحيح، وقد مزقت كتابها إلى أبيك، ولكنها لا تعرف ذلك فستظل قلقة لا تدري ~~هل عرف زوجها أنها همت بهجره أو لم يعرف.» # فقال أسعد: «إن هذا القلق أقل ما تستحق، هاتي قبلة، ولنخرج إلى السينما ...» # ونزع الخاتم من أصبعه ووضعه في أصبعها. # | ليلة حافلة # منذ نحو ربع قرن - فقد صرنا نحسب مسافات الزمن بأرباع القرون! مات لنا قريب شاب، أبوه ~~من سراة الريف، فرافقنا رفاته على قطار خاص إلى البلدة، وكانت ms60 العادة في تلك الأيام أن ~~يظل المأتم قائما أسبوعا أو أربعين يوما، وكنت يومئذ مدرسا، وكان الوقت صيفا، ~~والمدارس موصدة، ففي وسعي أن أشاطر القوم حزنهم إلى آخر المدى، فجاءني يوما شاب من ~~أقربائي، وانتحى بي ناحية وأسر إلي أن أخته تكاد تموت جوعا، فعجبت، فإن الخير كثير ~~والطعام وفير، وما يذبح كل يوم من الخراف والعجول يكفي جيشا. فأخبرني أن الموائد توضع ~~ثم ترفع كما هي، لا تمتد إلى ما عليها يد، وأن أخته تستحي أن تتناول شيئا، ولكن نساء ~~البيت بعد ذلك يتسللن إلى حجرة قصية؛ فيقبلن على الطعام ويلتهمن منه ما لا يحسب الحاسب، ~~فهن يمسكن عن المطعم علانية ويمترن منه سرا، وأخته تنظر وتتحسر، وقد التوت أمعاؤها من ~~الجوع. ثم سألني: «والآن ما الرأي؟ أشر كيف تأمر!» # فقلت له: «دع هذا لي.» # وللشباب جمحاته وحماقاته. ركبت إلى مدينة قريبة، فاشتريت شيئا من الرقاق الملفوف ~~باللحم، ومربى، وألوانا من الحلواء، وأرغفة، وعدت وأنا أقول لنفسي: «هذا شيء ينفعها إذا ~~نام الليل.» ولم يكن من السهل أن أدخل البيت ومعي هذا الحمل تحت عيون هذا الخلق كله، ~~وماذا عساي أن أقول إذا سألني سائل عما لف عليه الورق؟ لهذا اضطررت أن ألف، وأدور، ~~وأختبئ هنا وههنا، حتى تيسر لي أن أبلغ غرفتي من غير أن يراني أحد، وبقي أن أنتظر حتى ~~يقبل الليل، وتنقطع الرجل، فأحمل هذه الربطة إلى حريم الدار، والله المسئول أن يوفقني ~~إلى الوصول إلى قريبتنا الطاوية، وأن يقيني عواقب هذه المجازفة؛ وهل أعدم خادمة تدعوها ~~إلي أو تحمل إليها هذه الرسالة. # وجاء الليل، وقمنا إلى المخادع، وكان لي في غرفتي شريك، فذهبت أدخن سيجارة بعد سيجارة، ~~حتى علا شخيره، ففتحت الباب وأرهفت أذني، فلم أسمع شيئا، فتوكلت على الله، وأقدمت - ~~أعني مشيت - مترفقا حتى خرجت من هذا البناء المهيأ للضيوف إلى صحن واسع يفصل حريم الدار ~~عن ثوي الرجال، وكان الليل طاخيا، فلم أزل أتخبط حتى لمست بابا توهمته باب المنزل ~~فدخلت، ولكني لم ms61 أجد سلما أرقى فيه، فاستغربت ورحت أدور بالمكان، ويدي على الجدار، فكنت ~~أجد أبوابا، بعضها مفتوح، والبعض موارب أو مغلق؛ ولكن لا مرقاة، فقلت: أخرج من هذا ~~التيه، وتركت الجدار واندفعت، ويداي أمامي لتتلقيا عني الصدمة إذا بلغت حائطا أو شبهه، ~~وإذا باللفافة التي معي تلمس جسما فيسقط منه شيء على الأرض فأفزع، وأدع اللفافة تهوي، ~~ثم إذا بواحد يهجم علي فأقع ونتدحرج معا على البلاط، وهو ممسك برجلي يريد أن ينزعها، ~~وأنا أدفع في بطنه، حتى تخلى عن رجلي فدرت على ركبتي، وقد أيقنت من صمته أنه غريب واغل ~~يتلصص، وألفيت يدي على عنقه، فأخذت بخنقه، فلكمني بجمع يده فانقلبت على ظهري وقد تخليت ~~عن رقبته، فانقض علي، فضربت برجلي فأصبت جنبه، فمال عني فنهضت على ركبتي وجعلت أضرب ~~بيدي، ولكن في الهواء، حتى لمست رأسه فقبضت على شعره وجذبت بكل ما في من قوة، فنطحني ~~في بطني فانثنى بعضي على بعض، فركلني برجله، فتدحرجت كالكرة، فعدا يريد أن يجهز علي، ~~فأخطأني وخبط الباب برأسه فكان قنبلة انفجرت في سكون الليل، وإذا بصوت رجل يصيح: «مين ~~...؟» # ثم انقطع الصوت، لأن صاحبه على ما يظهر داس بعض الطعام الذي تبعثر في المكان، فتزحلق ~~فوقع على الأرض كالحجر، وكنت أنا قد نهضت ولمست يدي بابا ففتحته ودخلت، وأنا أسوي شعري ~~وأمسح وجهي وأنفض التراب عن ثوبي، وكانت هذه لحسن الحظ غرفتي، فقد سمعت شريكي فيها يقول ~~وهو يثب عن السرير: «ما هذه الأصوات! ماذا جرى؟» # فقلت - وقد ارتدت إلي نفسي: «لا أدري ... يظهر أن هنا لصا، قم لننظر.» # فصاح: «لص؟» وأسرع إلى الشباك فنادى. «يا ولد! يا مخيمر! يا مخيمر!» # وفتحت الأبواب، وأطلت منها رءوس النوام - أو الذين كانوا نواما - وكثر اللغط، وعلت ~~الضجة، واختلطت الأصوات، وصار هذا يسأل عن الخبر، وذاك يدعو مخيمر وغيره ممن نسيت ~~أسماءهم من الخدم، وثالث يصيح أن هاتوا نورا، ورابع يقول أين المصباح؟ وخامس يسأل ~~محتجا: «أليس مع أحدكم عود ثقاب؟» # وفي أثناء ذلك كان ms62 الذي وقع قد لامس خده المربى التي انكسر وعاؤها فسالت، فلم يخالجه شك ~~في أن قتلا حصل وأن هذا دم القتيل، فكاد يموت من الرعب، ولزم مكانه ولم يحاول حتى أن ~~يرفع خده عن المربى، وجاء مخيمر يحمل بندقيته، ووراءه كثيرون غيره، وفي يد أحدهم مصباح، ~~تقدم به - في حماية البندقية - وإذا بنا نرى «وكيل» صاحب البيت، مطروحا على وجهه، ويداه ~~ممدودتان، وخده لاصق بالمربى، وهو يرفع رأسه وينظر محاذرا، ثم كأنما اطمأن قليلا فجعل ~~يطرف، ويدير عينه، فيبصر الوعاء وما سال منه، فيمسح بعضه عن خده وهو ينهض، فتجمعنا حوله ~~وحففنا به، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض مستغربا متأففا، منكرا على هذا «الوكيل» الشره، ~~ألا يكون له هم سوى بطنه، وأن يزعجنا في فحمة الليل بهرسه ومحاولته إخفاء ما ~~يأكل. # ونظر إليه صاحب البيت نظرة سخط واشمئزاز، وقال له: «ما هذا؟ مربى، ورقاق، لم أكن أعرف ~~أنك مبطان نهم إلى هذا الحد؟ وقليل الذوق أيضا؟ حلواء في مأتم! أفلا انتظرت حتى ينفض ~~المأتم؟ أم شامت أنت بي؟ لعنة الله عليك وعلى والديك! قم ... قبحك الله! ولا ترني ~~وجهك!» # فهم الرجل بأن يقول شيئا، فقد كان مظلوما ولا ذنب له، ولكن سيده أبى أن يسمع والتفت ~~إلينا وقال: «إن هذه فضيحة والله! الخير كثير والحمد لله، وفي وسعه أن يأكل ما شاء، ~~ويشبع، إذا كان يمكن أن يشبع، فانظروا ماذا صنع؟ وبأي شيء يجزيني وقد ربيته وكفلته ولم ~~أزل به حتى جعلته وكيلا لي، وأمينا على أملاكي! يشتري حلواء ومربى ورقاقا ليأكلها ~~خفية في مأتم ابني! اخرس يا كلب! ولك وجه تقابلني به يا كافر النعمة! والله لولا أنك ~~حقير لأفرغت في قلبك الآن الرصاص. امش ... اخرج من عندي ...» # فقلت: «شيء فظيع!» # وارتددت إلى غرفتي ساخطا. ~~••• # ولبثنا ساعة نمزق أديم هذا الوكيل الشره الجحود الذي يأبى إلا أن يأكل حلواء في مأتم ~~ابن سيده! وأصبح الصباح فاستأنفت ألسنتنا هجوه وذمه، وكنت أشعر بعطف عليه ومرثية له، ~~ولكني لم أكن أستطيع ms63 أن أذكر الحقيقة فأحول إلى نفسي كل هذا اللعن الذي ينصب على رأسه، ~~ودنا مني الشاب قريبي الذي كان سببا في كل هذا، وسألني همسا: «أتعرف حقيقة ما حصل ~~أمس؟» # قلت: «لا، ولا أزال مستغربا ما كان من هذا الوكيل.» # قال: «إنه مظلوم!» # قلت: «يا شيخ! كيف يمكن أن يكون مظلوما وقد رأيناه بأعيننا؟» # قال: «والله إنه لمظلوم!» # قلت: «ربما يا أخي! العلم عند الله!» # قال: «فينا من يكتم السر؟» # قلت: «لا تخف. إن صدري بئر لا قرار لها.» # قال: «لقد احتلت حتى جئت بشيء من اللحم والخبز، ولففته في ورقة، وكنت أريد أن أصعد به ~~إلى أختي بالليل، ولكني اصطدمت بواحد كان يريد أن يقتلني ...» # فقلت مستغربا: «يقتلك، لماذا؟!» # قال: «لا شك أن هذا كان قصده، فقد كان همه أن يقبض على عنقي ويضغط، وكان يحرص على الصمت ~~حرصا شديدا، وعندي دليل آخر: ذلك أنه لم يكد يسمع صوت الوكيل يصيح «مين» حتى اختفى ~~فجأة!» # فسألته: «ماذا منعك أن تستنجد؟» # قال: «وأفضح نفسي؟ ماذا يقولون عني إذا رأوا معي هذه الأطعمة؟ لقد كان كل همي أن أتخلص ~~وأرتد إلى غرفتي.» # قلت: «وكيف خطرت لك هذه الفكرة السخيفة؟» # قال: «ليست سخيفة. إنها طبيعية، أول ما يخطر للمرء.» # قلت: «وهل كان من الضروري أن تجيء بمربى وحلواء؟» # قال: «لم أجئ بها، وهذا هو اللغز الذي يحيرني.» # قلت: «فمن أين جاءت إذن؟ الوكيل طبعا!» # قال: «لا أصدق، لقد كان خارجا من غرفته لينظر ما الخبر.» # قلت: «صحيح، الحق معك.» # قال: «إذن من أين جاءت؟» # فصحت به: «وهل أنا أعرف؟ ألا يكفي فزعنا بالليل حتى تحطم لي رأسي بالنهار؟» # فاعتذر ومضى عني. # وسعى الوكيل بعد أيام أن يسترضي سيده. # والغريب أن قريبي نسي أني وعدته أن أنقذ أخته، ولو تذكر لعرف من أين جاءت المربى ~~والرقاق، ولأدرك أن الذي اشتجر معه في الظلام لم يكن قاتلا متربصا، وإنما كان ~~قريبه. # | رواية ورواية # قال محدثي: كنت في ذلك الوقت غارقا في دروسي، فقد رسبت ms64 - كما تعلم - في الامتحان، ~~وأبيح التقدم له مرة أخرى، فعدت من البلد ونزلت على أقربائي هؤلاء وشرعت أستعد لأداء ~~الامتحان في المواد التي أخفقت فيها، وكانت أربعا تضاف إليها ثلاث أخرى اخترتها طمعا ~~في «المجموع»، فعكفت على دروسي وأقبلت على تحصيلها، وما أكثر ما كنت أفني ليلي بالسهر في ~~مراجعتها! فكانت «سميحة» تزجرني عن ذلك وتقول إن سهر الليل يهد القوى ويكثف العقل، وأن ~~عمل النهار أوفر عائدة وأرفق بالجسم والعقل، وكانت هي قد فازت «بالبكالوريا» ولم تتلكأ ~~عندها مثلي، ووثبت منها إلى كلية الطب، ولم تكن قد قضت فيها غير عام واحد، ولكنها - مذ ~~التحقت بها - أصبحت تتحدث عن الصحة والعلل وطبابها كأنها جالينوس، وكنت أحبها غير أن ~~دروسي شغلتني عنها، وكانت معي في البيت فلا داعي للشعور بالوحشة وفراغ الدنيا حول المرء، ~~وكنت إذا تعبت أقوم فأتمشى في البيت وأدور بالغرف - فما ثم غيرها - وقد أتلبث شيئا عند ~~سميحة وهي مستلقية على سريرها - أو على الأصح نائمة كقاعدة فوقه - وفي يدها قصة تزجي بها ~~الفراغ، وكانت تحب الروايات البوليسية مثلي، فلا يفوتها شيء مما ينقل إلى العربية في هذا ~~الباب، وأنا مثلها وعسى أن يكون هذا هو الذي دهورني ولكنه لم يدهورها، فلا أدري ما علة ~~إخفاقي وسر نجاحها ... لا تعترض ... إني أعرف ما تريد أن تقول ولهذا أقول لك إنها ليست أذكى ~~مني وإن كان لا يسعني إلا أن أعترف أنها أمضى عزما وأقوى إرادة وأقوم طريقا إلى غايتها ~~حين تكون لها غاية، وما أظن بها إلا أنها أرادت أن أعشقها فعشقتها، ولكن الذي يحيرني ~~أنها تأبى علي راحة القلب واطمئنان البال، ولا تنفك تظهر لي النفور من هذا الحب ~~والكراهة له والزهد فيه، وأحسب أن هذه هي طباع المرأة، فهي تعني «أريد» حين تقول «لا ~~أريد» ... ما علينا ... انتهى الامتحان واستطعت أن أنام مرتاحا، ووسعني أن أدير عيني فيما ~~حولي، وأن أجعل لقلبي حظا بعد طول الحرمان، ولكن سميحة كانت تنفيني عن البيت وتقول لي ~~إني ms65 أتلف صحتي ، فبي حاجة إلى الهواء الطلق، وكان هذا صحيحا لا شك فيه، ولكن هذه ~~«الأستاذية» التي كانت تتكلفها معي كانت تثقل على نفسي، وكانت تخرج معي أحيانا، ولكن ~~كما يخرج المعلم مع تلاميذه الصغار إلى حدائق الحيوان أو مرصد حلوان، فلا أشعر أني مع ~~الفتاة التي أحبها، ولا أجد متعة أستفيدها من هذه الرحلات التي يطيب فيها الغزل عادة، ~~والتي كنت أمني نفسي وأحلم، وقد قلت لها مرة ونحن في حديقة الأرمان: «يا ستي ما هذا ~~الحال المقلوب.» # قالت: «أي حال ... ما لك ...؟» # قلت: «لكأني أسير مع شرطي.» # فلم تضحك - وكنت أظنها ستفعل - فغاظني ذلك فقلت: «أليس حالا مقلوبا أن نضحك في المطبخ ~~ونعبس في الحديقة الحالية ...؟!» # فسألتني مستغربة: «المطبخ ... متى ضحكنا في المطبخ؟» # فقلت لها بضجر: «لا تكوني حرفية ... إنما أعني البيت وأنت تعرفين ما أعني فلا ~~تغالطي.» # قالت: «إن البيت ليس من مرادفاته المطبخ.» # فسكت ولم أقل شيئا - وماذا عسى أن أقول؟ # وحدث مرة أخرى وكنا معا - على ما يبدو للناس أما في الحقيقة فقد كان كل منا وحده - ~~فضاق صدري فقلت: أرفه عن نفسي بالغناء، فرفعت صوتي وانطلقت أغني: # يا بت أنا بدي أبوسك # بس أبوسك # وأطرب وأحظى بكئوسك # رقي شوية # فلم يرعني إلا قولها: «ليس أضر من الخمر ولا أقتل.» # فقلت: «يا ستي إن المراد بالكئوس هنا الشفاه الرقيقة وبالخمر الريق العذب.» # فقالت: «اخص ...» # فقلت مندهشا: «اخص ...؟» # قالت: «اخص ...» # قلت: «طيب ...» # وهذا يريك من أي معدن صيغت سميحة، ولكني على هذا كنت أحبها حبا عظيما؛ لأني كنت ~~واثقا أن هذه قشرة نشرتها كلية الطب على صفحة معدنها الصافي، وستزول ولا شك مع ~~الأيام. # وصح ظني، فقد كانت - كما قلت لك - تحب الروايات البوليسية حبا جما، وكنت قد فرغت من ~~الامتحان كما أسلفت فوسعني أيضا أن أعود إلى هذه الروايات، وكان قد صدر منها أخيرا ~~رواية طويلة في مجلدين اسمها «السم في الدسم»، فاشتريتهما وغرقت فيهما - أعني في المجلد ~~الأول - واستغنيت بهما عن هذه النزهات والرحلات ms66 التي لم أكن أفيد منها أي متعة، بل كنت ~~أفيد منها التنغيص، وكنت أخفيهما عن عينها مخافة أن تسطو عليهما، وكانت الرواية قد نفدت ~~بسرعة فلا سبيل إلى نسخة أخرى غير التي كانت معي إذا هي ضاعت فلا عجب إذا كنت قد حرصت ~~عليها وضننت بها، ولا أكتمك أن نفسي حدثتني أن أعذبها - أعني سميحة - بعد أن أفرغ من ~~الرواية وأعرف سر الجريمة، وذلك بأن أخايلها بها وأحرك نفسها لها، ولا أمكنها منها، ~~ولماذا لا أعذبها كما عذبتني! ... ثم إن تعذيب المرأة أحيانا لا يكون من القسوة، فقد وجدت ~~على ضآلة تجربتي وقلة خبرتي أنها تستحلي هذا - أعني المكايدة - إذا لم تخرج إلى الإيلام ~~ولم تجاوز الحدود المعقولة ... ومع ذلك من يدري فلعلها تستعذب العذاب بلا قيد أو شرط ... لا ~~أدري. # وفي أحدى الليالي عدت من مأدبة كنت مدعوا إليها مع لفيف من إخواني وأندادي أقيمت ~~لتوديع واحد منا مسافر إلى إنجلترا لإتمام تعليمه هناك، فلما رجعت إلى البيت دخلت غرفتي ~~وأنا أمني النفس بساعة جميلة أقضيها مع الروائي البارع الذي أبدع ذهنه صوغ هذه القصة ~~الممتعة، وإذا بها قد اختفت ... وكنت قد دسستها بين المرتبتين المطروحتين على السرير، فإن ~~أقاربي هؤلاء يخافون الفيران والصراصير فيكدسون المراتب على السرر فتعلو جدا ويحتاج ~~المرء إلى كرسي يصعد عليه، ولم أشك في أن سميحة سرقت روايتي وأنها تنعم بها في سريرها ~~على عادتها حين تريد القراءة، وكانت الساعة الحادية عشرة فقدرت أن تكون قد قطعت مرحلة ~~طويلة وبلغت العقدة التي لا يمكن أن يستريح القلب إذا لم يقف على حلها، فمضيت إلى غرفتها ~~ونقرت ودخلت فقالت: «نعم، خير إن شاء الله.» فقلت وأنا أرفع نفسي لأجلس على حرف السرير - ~~فإنه عال كما قلت لك:«أوه لا شي ... إنما جئت لأتحدث معك قليلا.» # قالت بجفوة: «ليس هذا وقت الحديث فقم من فضلك.» # قلت: «بل قولي إنك تقرئين رواية السم في الدسم ... أليست بديعة؟» # فاطمأنت، لظنها أني فرغت منها ففي وسعها الآن أن تمضي في ms67 قراءتها من غير أن تخاف أن ~~أقطع عليها - بالسرقة أو الخطف - حلاوة المتعة، ورأيت أمارات هذا الاطمئنان في وجهها ~~ففرحت، فإن الانتقام يكون أوقع إذا خيب أملا قويا، وأطلت الحديث فسئمت واشتهت أن ~~تعود إلى روايتها وقالت: «هل تنوي أن تنام هنا الليلة ... إذا كنت تنوي هذا فقل لي لأنتقل ~~إلى غرفة أخرى.» # ونهضت عن السرير ومضت إلى الشرفة ففتحتها وأطلت منها، فلمحت الرواية تحت الوسادة ~~فما أسرع ما دسستها في جيبي ثم قلت وأنا أمضي إلى الباب: «إذا كنت تكرهين وجودي إلى هذا ~~الحد فإني ذاهب إلى حيث ...» # فقالت من الشرفة: «ألقت»، وضحكت. # فلم يسوؤني ذلك، فإن الذي يضحك أخيرا يضحك كثيرا كما يقول الإنجليز على ما حدثنا ~~معلمنا. وأوصدت باب غرفتي بالمفتاح واستوثقت منه بهزه مرارا وبقوة لأرى هل يستطيع محنق ~~مغيظ أن يكسره، ثم قعدت على كرسي وراء الباب ورحت أنتظر. # ولم يطل انتظاري فقد اهتز الباب، فصحت وأنا أتكلف الفزع: «من؟» # قالت: «افتح من فضلك.» # قلت: «إذا كنت تنوين أن تقضي الليل في هذه الغرفة فقولي لي لأنتقل إلى سواها.» # قالت: «لا تكن فظا ... لماذا سرقت الرواية ...؟» # قلت: «بضاعتنا ردت إلينا ... هل عرفت من القاتل؟ ... لعلك تظنين أنه «رودلف» ... كما كان ~~المحققون يتوهمون ... كلا يا فتاتي ... إن السر أعمق وأخفى من ذلك وإن الروائي لبارع حقا ... ~~والآن أرجو أن تذهبي فقد بلغت الفصل الذي يشقى صبر المرء إذا لم يتمه في مثل لمح البصر ... ~~اذهبي ونامي يا حبيبتي واحلمي بالصيني فإن له لدخلا في الأمر وعلاقة بالسر.» # قالت: «صحيح؟» # قلت: «طبعا ... لقد عرفت ذلك منذ دقيقة واحدة.» # قالت: «ألا تخبرني من القاتل؟ ... إني أكاد أجن ولا أستطيع أن أنام حتى أعرف هذا، فكن ~~لطيفا وأخبرني.» # قلت: «حتى تكوني أنت لطيفة.» # قالت: «ماذا تطلب؟ ... قل وخذ، وهات الرواية.» # قلت: «الرواية كلها ... لا ... إن ثمنها غال جدا ... على أني بعد التفكير العميق أرى أن ~~المساومة لا تليق ولهذا أرفض كل ما تعرضينه كائنا ما كان.» # قالت برقة: «ترفض ms68 أن تعلم أني ... أني ... أني ... أحبك (بصوت خافت).» # فانتفضت واقفا وصحت: «إيه؟» # قالت: «لا تصح هكذا ...» # ووضعت فمها في ثقب المفتاح وهمست: «يا عبيط ... إني أحبك ... هل تفهم ... وأنوي أن أتزوجك على ~~رغم أنفك ... فنضع لهذه المنافسة السخيفة حدا ونستطيع أن نقرأ الروايات البوليسية كلها ~~معا ... تقرأ لي فأسمع ... وأقرأ لك فتسمع.» # فاعترضت وقلت: «ولكني قد أحب أن أسرع وأقلب بضع صفحات ليطمئن قلبي، أو تحبين أنت ذلك ~~فيقع الخلاف.» # قالت: «كلا ... على كل حال ... سأكون واثقة أن الرواية باقية في البيت، فأنا أتعهد لك أن ~~أقدمك على نفسي وأتركك تسرع أو تبطئ كما تحب ... وحسبي أن تترك لي فتات المائدة.» # فأثر في نفسي هذا الإخلاص والإيثار ... وأي إيثار أعظم وأي تضحية أكبر من أن تتركني أقرأ ~~- أو أتم - رواية بوليسية قبلها ...؟ هذا إخلاص وإيثار لم يسمع - أو على الأقل لم أسمع أنا ~~بمثلهما - فلا عجب إذا كنت قد فتحت الباب بسرعة وفتحت مع الباب ذراعي لها فدخلت في ذراعي ~~قبل أن تدخل من الباب. # وكان لا بد أن أجزيها إخلاصا بإخلاص وإيثارا بإيثار، فقدمت إليها الرواية وقلت: ~~«اقرئيها قبلي يا نور العين.» # | كيف حفرت بئرا ... لنفسي؟ # شقراء، ذهبية الشعر، لا أدري كيف أنبتتها هذه الصحراء! ومن بنات الفقراء، ولكن لها ~~دلا وأناقة تخطئهما عند اللواتي نشأن في كنف النعمة والترف والثراء، وفي كلامها خفة ~~وهزج، وفي مشيتها تبختر لا يثقل، وميس ليس من الاختيال، وكانت ترسل شعرها الوحف ولا ~~تفرقه أو تضفره أو تعقصه، بل ترده عن جبينها الوضاء وتحسر جمته عن أذن، وتستر به أذنا، ~~ولا تثبته بالأمشاط أو الدبابيس ولا تعصب رأسها بالمناديل، فإذا عبث به الهواء وأسال ~~قصتها على وجهها رفعت الشعرات بأصبعها أو نحتها عن أذنها، وكنت لا أراها تبتسم إلا خيل ~~إلي أنها ترى حلما يسرها فيثب قلبي إلى حلقي، وأجد حر النار في كفي. # وكان بيتي في ذلك الوقت «على تخوم العالمين»، وكانت له حديقة صغيرة جعلتها شغلاني، وكان ~~الماء كثيرا وثمنه زهيدا، ms69 لا يتجاوز خمسة عشر قرشا في الشهر بالغا ما بلغ ما أجريت ~~منه، فكنت آخذ كفايتي منه وأسنه على وجهه للجيران، وكانت هذه الشقراء تجيء كل مساء بجرة ~~فتملؤها مرة أو اثنتين أو عشرا - كما تشاء - فأقف لها وأحادثها وأساعدها على رفع الجرة ~~إلى رأسها، ولم تكن هي الوحيدة التي تستقي، ولكنها كانت أبرعهن شكلا وأخفهن على الفؤاد، ~~وكانت تأنس مني الميل إليها والإعجاب بها، فتطيل الوقوف معي أحيانا، أو تتولى عني عزق ~~الأرض، أو بذر الحب أو سقي الزرع، واجتزاز الكلأ والعشب والحشيش أو نزع ذلك بأصوله، ~~وكانت أعرف مني بذلك كله وأخبر، وكانت تضحك مني لجهلي فتقول لي مثلا: «ألا تحش هذه ~~الملوخية؟ لقد كادت تكتهل.» # فأقول: «ملوخية؛ لقد طرحت هنا حب فجل فكيف تخرج الأرض ملوخية؟» # فتقول: «كلا؛ هذه ملوخية وقد بلغ نبتها المدى؛ فاختضرها وإلا فسدت.» # فأقطع ورقة وأمضغها فأجد طعم الملوخية ولا أجد طعم الفجل، وكنت أهمل أن أكتب أسماء ~~البذور على الورق الذي أحفظه فيها، وأعتمد على الذاكرة والذكاء فيختلط علي الأمر، ~~وأروح أظنني زرعت جزرا فإذا هو خيار، وكنت لجهلي ألقي البذر ولا أعنى بإعداد الأرض ~~وإخلائها من الحجارة، وكانت أرض الحديقة جلدة في مواضع كثيرة وفي بطنها حجارة غليظة ~~مختلطة بطينها. فلا يخرج شيء مما يقع على هذه الجلاميد، فكانت الشقراء تنبهني إلى ذلك ~~وتعرفنيه، وكنت ربما تركت في الشتاء ما لا يبقى عليه أصله، وقلعت ما يبيد الشتاء فرعه ~~ويبقي أرومته، فتصلح لي من خطئي ما يتيسر إصلاحه، ولم أكن أعرف الفرق بين ما يسمو من ~~النبات صعدا ويستغني بنفسه، وما يحتاج، وهو يسمو، إلى ما يتعلق به ويرقى فيه، وما ينسطح ~~على وجه الأرض، فأغرس الأعواد لما ينبت مفترشا، وأدع ما يحتاج إلى التعلق بلا عصب؛ ~~فكانت هي تعلق وتقوم المعوج وتعالج ما أفسدت. # ثم حدث أن شركة الماء وضعت لنا في البيت «عدادا» يحاسبنا على القطرات بعد أن كنا نأخذ ~~بلا حساب، ولا ننقدها في الشهر إلا خمسة عشر ms70 قرشا . فأرهقني هذا «العداد» وكلفني فوق ما ~~أطيق، وصرت بين أمرين: إذا أبقيت على الحديقة جعت وتضورت، فإن أرضها كثيرة الرمل يذهب ~~فيها الماء ولا يبقى منه للنبات ما يكفيه. فحاجتها إلى السقي لا تنقضي، وإذا أنا ضننت ~~بالماء ذهبت الحديقة، فشق علي ذلك واشتد همي، وطال وجومي من جرائه، ورأت هي اغتمامي ~~وسهومي فسألتني فأفضيت بشجني، فقالت: «احفر بئرا.» # قلت: «إيه؟ أحفر بئرا؟» # قالت: «نعم. ماذا يمنع أن تفعل؟» # قلت: «يمنع أن هذه أرض مضرسة؛ حشوها حجارة ولا يمكن أن يكون في جوفها ماء.» # قالت: «من أدراك؟ إني أعتقد أن في أرضك ماء غزيرا.» # قلت: «أما الحرث والزرع فشيء عرفنا أنك تعرفينه؛ وإن كنت لا أدري من أين جاءك هذا ~~العلم، وأما الآبار وحفرها ...» # فقاطعتني وقالت: «أظنني أستطيع أن أدلك على موضع العين في هذه الأرض. غدا في النهار ~~أختبر الأرض وأجسها.» ~~••• # وفي عصر اليوم التالي جاءت وفي يدها عود على هيئة اللام ألف، ولكن في ساقه - قبل موضع ~~التشعب - طولا، وقالت: «انظر، سأجس الأرض بهذا.» ورفعته لعيني. # فقلت: «وكيف تصنعين؟ إنه غصن لا أكثر.» # قالت: «هو حسبي، وما أعرفه خذلني أو كذبني قط، ولكن عهدي بهذا الجس بعيد وأخشى أن أكون ~~قد فقدت القدرة على استنبائه.» # قلت: «استنباؤه؟ أويقول لك هذا الغصن أين منبع الماء في جوف الأرض؟» # قالت: «نعم، وسترى بعينيك إذا وفقني الله.» # وأقبلت على الأرض تجسها شبرا شبرا، وكانت تضع العود على الأرض كأنها تغرسه فيها ~~وتسنده بأصابعها وتنظر إلى شعبتيه برهة، ثم ترفعه وتقدمه خطوة أو خطوتين، وهكذا يمينا ~~وشمالا حتى رأيت إحدى الشعبتين تميل قليلا فعجبت. # فقالت: «هنا ماء ولكنه قليل.» # ومضت تنقل العود من مكان إلى مكان حتى بلغت الجدار الآخر، فقالت: «يخيل إلي أني ~~سأخفق.» # فلم أقل شيئا، وماذا عسى أن أقول؟ لقد تركتها تختبر الأرض وأنا كافر بها - أعني ~~بالفتاة وقدرتها على الاهتداء إلى منابع الماء في بطن الأرض - ولكني قلت إنه لا بأس علي ~~من ذلك، وحسبي أني أقضي ms71 معها ساعة أنعم فيها بحديثها وبالنظر إليها، ولكن انثناء العود ~~إلى الأرض، من تلقاء نفسه، ومن غير أن يمسه شيء حيرني، وصرفني عن الفتاة وجمالها، إلى ~~هذه الظاهرة الغريبة. # وجعلت أقول لنفسي: «إذا كان كل ما يتطلبه الأمر أن يجيء بمثل هذا العود ذي الشعبتين، ~~وأن يركزه أو يغرسه في الأرض، فإذا كان هناك ماء انثنى وحده فما أسهل ذلك ... وكيف غاب هذا ~~عن الناس وفاتهم هذا العلم اليسير؟» # ولم أكتم هذا الذي دار في نفسي، فقالت بابتسام: «لا، إن المعول على اليد لا على ~~العود.» # ولم أفهم شيئا، ولكني سكت، فقد تجهمت، وطال سكوتها وتقطيبها، وثبت حملاقها، وبدت لي ~~كأنها تعصر نفسها عصرا، ثم قالت: «افتح هذا الباب.» # وكان باب حجرة مهجورة في فناء البيت، نحبس فيها الدجاج، ففتحته فدخلت وقالت: «انزع هذا ~~البلاط.» # فأطعت، وتجشمت عناء شديدا، ولكني أمضيت لها مشيئتها، فحنت على الأرض وأقامت العود في ~~ترابها، وإذا بالشعبتين جميعا - بعد هنيهة - تنثنيان على الأرض - عموديا - حتى لخيل ~~إلي أنهما ستقصفان. # ونهضت، ومسحت العرق المتصبب، وقالت: «هنا يجب أن تحفر. الماء غزير، ولكنه بعيد، وماذا ~~يهم؟ ستجد فوق الكفاية من الماء.» # ولم يخالجني شك في صدقها، فجئنا بعد أيام بالرجال فحفروا ووسعوا، واحتجنا أن نهدم ~~الجدار الذي فيه الباب فأتينا عليه، وانحدر الرجال إلى أكثر من ستة أمتار، وقضوا في ذلك ~~أياما طويلة حتى بلغ أحدهم حجرا فزحزحه بالمعول فأنبط الماء من تحته. # واستغنيت عن شركة الماء. ~~••• # وقلت للفتاة: «لماذا جشمت نفسك هذا العناء؟» # قالت: «هو جزاء المعروف.» # قلت: «ليس إلا؟» # قالت: «وعز علي أن تضطر إلى تضييع الحديقة.» # قلت: «وماذا أيضا؟» # قالت: «لا أدري ماذا أيضا؟ غلبني شعوري.» # قلت: «ليس في وسعي أن أجزيك ...» # قالت تقاطعني: «لا تحاول ... حسبي أني أعدت إلى وجهك الابتسام.» # قلت: «اسمعي، إن الحديقة مدينة لك بحياتها، وأنا مدين لك بمعنى هذه الحياة، ولست أظنها ~~تقوى على فراقك، ولا أنا يا فتاتي ...» # قالت: «لم أصنع شيئا.» # قلت: «أزخرت حياة كادت تجف وتذوي، ms72 فماذا يستطيع إنسان أكثر من هذا؟» # قالت: «كلا، كل ما صنعت أني وجدت ماء، وقد وجدته مائة مرة قبل اليوم، فلم أسمع مثل ~~كلامك ... إنك تمزح ولا شك.» # قلت: «بل أنا جاد، لا غنى بي ولا بالحديقة عنك ... فما قولك؟» # قالت: «كلا، للحديقة صاحبها، ولك الدنيا، أما أنا فذاهبة.» # قلت: «ذاهبة؟ أين؟» # قالت: «غدا - أو بعد غد - يرحل أبي، وأنا معه، فما بقي ما يستوجب مقامنا.» # فدنوت منها ووضعت يدي على كتفها وسألتها: «أنت أوعزت إليه؟» # قالت، وهي مطرقة: «نعم، والآن أستودعك الله.» # فتعلقت بها فلم يجدني ذلك وقالت: «أنا بنت الصحراء، وأنت ابن المدينة ... لست لي، ولست ~~لك ... وقد تركت لك الحديقة ... لتذكرني بها.» # وكان هذا آخر عهدي بها ... # ولكني لم أطق هذه الذكرى، ولم أعد أحتمل أن أرى الحديقة أو البئر التي حفرتها، فتركت ~~ذلك كله وانتقلت إلى بيت آخر ... بعيد ... بعيد جدا، ولا حديقة له. ms73