######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.CawdIlaBad.Hindawi86057520 #META# Tags: novels #META# ID: 86057520 #META# Title: عود على بدء #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # | عود على بدء # | عود على بدء # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | الفصل الأول # قالت امرأتى ونحن ندنو بالسيارة من طنطا: «بعد زيارة السيد البدوى، مل بنا إلى بيت الشيخة ~~صباح لنسلم عليها.» # قلت: «لا صباح ولا مساء. الوقت ضيق ...». # قالت: «أرجو، لأجل خاطرى ...». # قلت: «يا امرأة، ألا تتقين الله فى هذا العبد الصالح الذى سخره الله لخدمتك وخدمة ~~بنيك»؟ # قالت متهكمة، مستضحكة: «أنت عبد صالح»؟ # قلت: «من حسن الحظ أنه لن تنصب امرأة لنا الميزان يوم الحساب. على كل حال، نحن الان بعد ~~العصر، وما زال علينا - على أنا - أن نقطع مائة كيلو وزيادة قبل أن نبلغ القاهرة، وأخشى أن ~~يتحلل بى التعب إذا أدركنا الليل قبل أن أفرغ من الطريق، أم ترى تعبى راحة لك؟ ثم إنك قد ~~سلمت عليها منذ أربعة أيام ليس إلا، فما حاجتك إلى سلام جديد؟ أهو زاد تتزودينه ~~للطريق»؟ # قالت، وكأنها تحلم: «لست أشبع من النظر إلى حسن وجهها». # وقد صدقت. # فقد كانت الشيخة صباح، على الرغم من «التمشيخ» غيداء، حسناء، مبتلة، ورطبة حلوة، يجرى ~~ماء الشباب فى محياها من نضرة النعمة، ولو طبع وجهها على «جنيه» لزانته وأغلته، وكان ~~شعرها، الفاحم السبط، والورد الذى تتضرخ به وجنتاها من آيات صنع الله، تبارك وتعالى من ~~خلاق عظيم، أما عينها النجلاء الرقيقة الجفن «الجنية» الانسان فأنقذ من أشعة «إكس» إلى ~~حنايا الصدور وطوايا القلوب. # وقلت: «إذا كنت تشعرين أنك لن تطيقى الحياة إلا إذا حملتك إلى ذلك البيت الضيق لأختنق ~~ساعة بالبخور المنطلق من المجامر حتى تتفضل فتبرز لك، وتمن عليك ms01 بإنبائك - وأنا من الشاهدين ~~- أن «أمامك سفرا ...». # فصاحت بى مقاطعة: «اسكت، وحذار أن تذكرها بغير الخير». # فكست، وما حيلتى؟ ~~••• # ورفع السجف، ودخلت علينا الشيخة صباح مسترسلة الأعطاف، ناعمة، غير متثنية على لينها، ~~كأنها ملكة. وكانت ترتدى ثوبا أبيض رقيقا من الكتان، وتغطى رأسها بشف ينسدل على ~~جانبي وجهها إلى كتفيها وصدرها الناهد، ويحجب جيدها الأتلع ويدور على ذقنها إلى قريب من ~~ثغرها الدقيق الرفاف الشفتين الذى ما خلق إلا للقبلات الحرار، لا لما يلهج به، وأستغفر ~~الله.. # وقبلت زوجتى، ومدت إلى يدا هممت أن أبوسها بطنا وظهرا، لولا هذه الزوجة التى لا ~~تزال تظلمنى بسوء ظنها. # ولما دارت القهوة. نظرت إلى وقالت: «أرنى كفيك ... ابسطهما». # ولمستهما لمسا خفيفا ثم أرسلتهما وأطرقت شيئا ثم رفعت رأسها وحدقت فى دون أن تطرف ~~وقالت: «ستعطى ما لم تطلب، وتؤتى ما لا يباع ولا يشترى، وتسلبه فى اليوم نفسه ~~...». # فرفعت عينى إلى السماء - أو إلى السقف - ولمحت زوجتى وقد أخذ كتفاها يهتزان من الضحك ~~المكتوم. # ومضت الشيخة صباح فى كهانتها غير عابئة بنا: «... وسينضى عنك ثوب الرجولة ... إلى حين يا ~~صاحبى». # ونحت وجهها عنى. # وقالت وهى تودعنا: «أحسبنى لم أخاطب منك سوى أذنيك، فإنى أحس أن قلبك بعيد ...». # فأكدت لها أنه «ما زال فى موضعه، تحت الضلع العاشر، أم تراه الخامس عشر؟ معذرة، فلست أعرف ~~عدد هذه الضلوع». # فجذبتنى امرأتى، من ذراعى، ثم دفعتنى خارجا، وسمعتها تقول للشيخة صباح: «إنه يمزح ... فلا ~~تغضبى عليه». # فقرضت أسنانى، ولم أقل شيئا. # | الفصل الثاني # ولما صرنا فى البيت، وجلسنا إلى المائدة نتعشى، قال أحد الشقيين - ولدى ولا فخر: «هل ~~تعلمين يا ماما أنك عدت أصبى وأجمل؟ ومع ذلك لم تغيبى سوى أيام أربعة». # قلت: «لا عجب. فقد استراحت من وجع الرأس الذى تورثانها». # فضحك الشقى الأكبر، وعاد الأصغر يقول: «صحيح يا ماما - رجعت بنت عشرين». # فقلت: «فى مثلك سنك وتنافق، وتداهن، وتتملق، فكيف إذا دخلت مداخل الرجال»؟ # فألقت إلى نظرة تنطوى على نذير أعرفه بالتجربة، فلئن لم ms02 أستدرك ليحيقن بى ما أكره من ~~ائتمارها مع هذين اللعينين، فقلت: «وهل رأيتها أسنت وكبرت، وشابت، وشيخت حتى تقول إنها ~~ارتدت بنت عشرين؟ ومتى كانت إلا بنت عشرين أو أقل ... رفافة الحسن..». ~~«ولو ...». # فبلعت ريقى، وبلعت معه لقمة بلا مضغ. # وعاد الأصغر يسأل - فإنه ثرثارة مشهور: «قولى لى يا ماما. ماذا تصنعين إذا رددت بنت ~~عشر»؟ # قالت بسرعة: «أذهب ألعب معكما». # قال: «وبابا..؟ ماذا يصنع»؟ # قالت، وهزت كتفيها: «يصنع ما بدا له.. مالى أنا»؟ # قال: «وتظلين زوجته»؟ # قالت، وعينها على: «أظل زوجة هذا الذى تصطك ركبتاه من الكبر»؟ # ولم يكن عندى لهذا الطعن القبيح المفاجئ، جواب حاضر. وعلى أنها لم تمهلنى فمضت تقول: «بل ~~كنت أنتظر حتى أبلغ وأرشد، ثم أزف إلى فتى نجيب بارع عليه طلاوة، وله مال، وفى خلقه دماثة، ~~وفى نفسه طيب وخير». # فقلت: «حسبك! والله يسامحك، وما أظن بك إلا أنك ستعذبين فى جهنم الحمراء عذابا غليظا ~~طويلا يما تجحدين من نعمة سيدك وتاج رأسك ...». # وسكنت الثورة، وقرت الفورة، وجمعت الخادمة ما على الأرض من المقذوفات المرتجلة المصنوعة ~~من لباب الخبز الطرى على هيئة الكرات الصغيرة. وهى خادمة «فلكية» تغنيني عن مرصد، فترينى ~~نجوم السماء طرا في الظهر الأحمر. ورثتها عن أمى. لأنها - أى الخادمة - آنقذتها من بين ~~أخفاف الابل فى طريق «منى» قبل عهد السيارات. وكانت أمى رحمها الله قد استصحبتها فى حجها ~~الأول لتقوم على خدمتها. ولعلها آنست منها القدرة على الشيل والحط. وكانت - أى أمى - وهنانة ~~لا عهد لها بالجمال ولا قدرة على احتمال المخض من سيرها فدار رأسها فتدحرجت وهوت إلى ~~الأرض. فلولا أن نطت الخادمة ورفعتها لقضى عليها فحفظت لها هذا الجميل، وأبت أن تسرحها بعد ~~ذلك، وأوصتنى بها خيرا، وهكذا ورثتها عنها. # والإرث يباع، أو يرهن، أو يوهب أو يبدد. ولكن الدول، كما تعلم، آجمعت - لمكيدتى - على ~~تحريم الرق. فلا سبيل إلى بيع هذه الخادمة أو رهنها أو وهبها. ثم إنها لا تساوى ملء أذنها ~~نخالة. ومن المستحيل تبديدها لانها ms03 هائلة الأنحاء جدا. والعمر- كل العمر - أقصر من أن ~~يتسع لهذا الجهد. وعسير جدا إضاعتها لأنها تعرف الطريق إلى البيت. ولعله كل ما تعرفه. وقد ~~خطر لى أن أتخلص منها، كما تتخلص الناس من قطة مزعجة لم يبق فيها خير، فيضعونها فى غرارة ~~ويحملونها إلى مكان سحيق، وهناك يطلقونها أو يدلقونها، فتضل الطريق ولا تعود. ولكن أين ~~الغرارة التى تسعها - أعنى الخادمة - وأين الكتف التى تقوى على حملها؟ فهى قعيدة البيت ولا ~~حيلة لى فى ذلك. # وشر ما فيها، إخلاصها، ومن العجائب أن تنقلب المحمدة مذمة، والمزية منقصة، والفضيلة ~~رذيلة. ولكنها الدنيا وأنت سيد العارفين. وكل ما فيها اعتبارى، كما لا أحتاج أن أبين لك. ~~قمت مرة برحلة مع صديق لى، فأضافنا رجل كريم، سيد ماجد. ففرحنا وزهينا. فإن مثله يفخر المرء ~~بأن يكون - أى المرء - ضيفا عليه. وكان يسبق كل رغبة لنا باقتراحها وتحقيقها. ويعنى ~~براحتنا وسرورنا، عناية لم تترك لنا رأيا أو إرادة أو شعورا حتى بحرية التفكير. وكانت ~~مبالغته فى تحرى مرضاتنا، عن كرم وإحساس مرهف بالواجب، لا عن ثقل نفس، أو رغبة فى التظاهر. ~~وكنا على يقين من هذا. ولكنا مع ذلك ضقنا ذرعا بهذا الكرم. وما كدنا نرحل حتى تشهدنا كأنا ~~كنا سجناء. وما زلنا نضحك كلما تذكرنا كيف ظلمنا هذا الرجل الكريم وغمطنا حقه وجحدنا ~~فضله. # وأعود إلى هذه الخادمة المخلصة الأمينة فأقول إنى أغلط أحيانا فأناديها وأطلب أن تجيئنى ~~بشىء، فتجيئنى بخلافه. ولا تغلط مرة واحدة فتجىء بما أريد. # أقول: «هاتى الكبريت». # وليس فى لفظ الكبريت ولا فى حروفه ما يمكن أن يلتبس «بالجبن الرومى». وهى ليست بالصماء ~~فإن سمعها كسمع القطة، وأنا خفيض الصوت ولكنى آتوخى معها أن أزعق وأصيح، حتى ليبح صوتى، ~~ويوجعنى حلقى، وأمرض يوما أو يومين ومع ذلك لا تكاد تسمعنى أطلب الكبريت حتى تقول: «حاضر» ~~وتعمد إلى ملاءة سوداء تلفها على نفسها - فإنها حيية - وتخرج فتشترى لى جبنا قد يكون ~~روميا غير مزيف أو مقلد، ولكنه لم يخطر لى ms04 على بال، ولا كانت لى رغبة فيه. # وأراها مقبلة على تحمل على كفيها صينية عليها طبق فيه الجبن الرومى وشوكة وسكينة وفوطة ~~ولقمة - فإنها تدرك من تلقاء نفسها وبغير حاجة إلى تلقين أن الجبن لا يؤكل وحده فلابد من ~~خبز معه، وما دام سيدها سيأكل، وقد اشتهت نفسه الجبن الرومى فهل تتركه يوسخ يده؟ معاذ الله، ~~وهذا هو تفسير الشوكة والسكينة. # وأنظر إلى هذا الذى على يديها فأتميز من الغيظ. وأكاد أطق وأنفلق، ولكنى ألم نفسى بجهد، ~~وأهز رأسى، وأروح أتعجب لقدرة ربى على خلق كل هذه الأصناف من الناس. هذه امرأة لها كل ما لى ~~- تقريبا - من الأعضاء. وليس ينقصها شىء. وهى تتكلم العامية التى نتكلمها ولا أعرف لها لغة ~~غيرها. ومع ذلك لكل لفظ فى هذه اللغة معنى عندها غير معناه عندنا. فالكبريت معناه الجبن ~~الرومى. والكتاب معناه طاحونة البن. والكلب معناه «الخيط وإلابرة». والكمون معناه السجاير ~~إلخ.. حتى لقد خطر لى أن الألفاظ التي تبدأ بالكاف هى التى انفردت عندها بهذا الحال ~~المقلوب. وأنا أحصى هذه الألفاظ - إيثارا للراحة - وآثبت معانيها إلى جانبها ليتسنى لى أن ~~أخاطبها بلغتها فأقول لها مثلا: «خذى اشترى لى كمونا» ويكون مرادى السجاير. أو: «هاتى ~~كلبا وخيطى هذا الزرار» وإذا مر بالشارع الذى يصلح طواحين البن قلت: «خذى الكتاب فأصلحيه ~~عنده» أو: «اشترى لنا كرنبا» أى بترولا ... إلخ إلخ ولكنى أخشى أن تتطور اللغة عندها وتكتسب ~~الألفاظ كل بضعة أيام معانى جديدة فيذهب تعبى سدى. # وآه إذا مرضت ... تلازمنى ولا تبرح كرسيها إلى جانب سريرى، وليتها تسكت ولكنها لا تكف عن ~~الكلام والدعاء والتنهد وضرب الكف بالكف. ثم ليت هذا كان كل ما تصنع فإنها تفتأ تجسنى، ~~وتلفنى، وتدس اللحاف تحتى هنا، وههنا، وتسوى لى المخدة، وترفع رأسى وتحطها، وتستخبرنى عن ~~حالى ومبلغ سوئه، حتى يكاد عقلى يطير. وما دمت مفطوما عن طعام أهل البيت وملتزما الحمية ~~الموصوفة فهى صائمة، لا كصيام المسلمين من عباد الله، بل كصيام غاندى إلا عن قطرات ms05 من الماء ~~كحسو الطائر، لبل الريق. # وربما تعجبت لها وتساءلت: «أترى أمى لم تكن أمى، بل تبنتنى، وهذه هى أمى الحقيقية؟ وإذا ~~لم يكن ذاك - وأرجو ألا يكون - فهل الأمومة عندها قوية إلى هذا الحد؟ ولكأنى بها تنظر إلى ~~ضخامة جسمها، وذهابه طولا وعرضا، وضالة جسمى وهزاله فتحنو على، وترأمنى». # وأقول قد برمت بهذا العطف «الفاحش»: «ما كان ضر أمى لو نسيت أن توصينى بها قبل ~~موتها»؟ # ويجىء الطبيب، وهو يعرفها ويطيب له أن يعابثها، فيهول عليها بما أصابنى من برد أو غيره، ~~فتروح تبكى وتندبنى، قبل الأوان سامحها الله! وينال الطبيب جزاءه أيضا. فتأخذ بتلابيبه ولا ~~تدعه يبرح غرفتى إلا بحيلة يحتالها. ولولا ذلك لسجنته معى حتى أشفى. وكثيرا ما يقول لها: ~~«يا ستى الحاجة الشفاء من الله، ولست إلا واسطة خير». فلا تقتنع ولا تطلق سراحه. # وأقول لامرأتى: «هاتى لى كل ما أمر الطبيب باجتنابه من الأكل». # فتسأل عن السبب فأقول: «إن هذه الحاجة لا تقتنع بأنى شفيت إلا إذا أكلت ما يأكل الناس. ~~ولن تعفينى من عطفها ما لم أفعل. فاصنعى معروفا وأطعينى وأمرى إلى الله. وسأموت على ~~التحقيق وسيكون دمى في عنقها ولكن ما حيلتى»؟ # فتضحك الزوجة وتقول: «لا تغالط. إنما تريد أن تأكل وتخالف أمر الطبيب». # فأقسم بكل يمين أعرفها. ولكن من يصدق؟ # حتى أنا، ينتهى الأمر بأن يساورنى الشك، أحيانا، ولى العذر .... ~~••• # وقالت امرأتى تخاطب أصغر الشقيين: «لقد أذكرنى سؤالك حكاية سمعتها، أو قرأتها، وأنا ~~صغيرة. قالوا إن ملكا واسع السلطان، أسن ولم يرزق ولدا، وكان تقيا صالحا فدعا الله أن ~~يرده شابا. ونام فهتف به هاتف أن قم فكل من شجرة التفاح، فإن عليها ثمرة فى غير أوانها. ~~وكان له بستانى هرم هم يتوكأ على العصا، وكان يجوس خلال البستان، فبلغ الشجرة ونظر فإذا ~~ثمرة ناضجة تتدلى فتعجب، ومد يده فقطفها، وخطر له أن يهديها إلى الملك، غير أنه راجع نفسه، ~~واستقل الهدية وإن كانت نادرة، وقال لنفسه إن تفاحة واحدة ولو كانت ms06 فى غير أوانها، لا تستحق ~~أن ترفع إلى ملك، وليس يضيرنى أن أكلها، فلن يفتقدها أحد وهذا غير أوان التفاح، ثم إنى ~~جوعان فما طعمت فى يومى شيئا. فأهوى عليها بأسنانه حتى أتى عليها، وعاد إلى كوخه فنام. ~~وجاء الملك بعد قليل، فلم يجد تفاحة، ولا إيذانا بتفاحة، فلم يستغرب، وقال ما كان لى أن ~~أتوقع غير ذلك، إن هى إلا أضغاث أحلام. وكر راجعا إلى قصره. # وأقبل ابن البستان على الكوخ ليوقظ أباه، فألفى فى فراشه فتى منظرانيا فتعجب وتساءل من ~~عساه يكون؟ وأيقظه وراح يسأله من يكون؟ وماذا جاء به؟ وماذا يصنع فى كوخ أبيه؟ فقال: «أنا ~~أبوك ... ألا تعرفنى»؟ قال: «أبى؟ وكيف يمكن ان تكونه وأنت أصغر منى وأصبى»؟. # وأمسكت. وجلسنا صامتين ننتظر البقية. فضحكت وقالت: «نسيت بقية الحكاية». # فصاح بها الشقيان محتجين: «لا، لا، لا، يا ماما ... هذا لا يجوز ...». # قالت: «فليتمها بابا». # قلت: «كيف يمكن أن أفعل وأنا ما سمعتها إلا الساعة»؟ # قالت، وهى تنهض عن المائدة وترفع أطباقا: «أليست دعواك أنك واسع الخيال؟ تخيل إذن، ولا ~~تخيب أمل ولديك ...». # فنهضت مثلها، ودنوت منها، وغافلتها، وقرصتها، فلولا لطف الله لتهاوت الأطباق قطعا ~~متناثرة.. # وكانت ساعة! ثم لاحت لى فرصة، ففررت إلى غرفتى، وأوصدت بابها. # | الفصل الثالث # فكأنما أوصدته دون عالمى كله.. # وكنت قد أشعلت سيجارة، واستلقيت على جنبى معتمدا بكوعى على المخدة، ومسندا رأسى إلى ~~كفى، وذهبت أفكر فى أمر هذه الزوجة الصالحة التى لا تفتأ تغرى ولدينا بالمعابثة وتشاركهما ~~فيها. وحدثت نفسى أنهما ولدان صغيران غريران، وإن كانا عفريتين، وأنها هى ليست إلا امرأة، ~~والمرأة فيما تصفها الحكمة المأثورة أو الشائعة على الأقل، ينقصها العقل والدين. ولأنا ~~خليق، بفضل السن، والتجربة، والخيال، وسعة الحيلة، والقدرة على الابتكار، أن أقهر ثلاثتهم ~~فى هذا المعترك، وإنى لأعلم أن الكثرة تغلب الشجاعة، وأعرف أن هؤلاء الثلاثة لا تنقصهم ~~الشجاعة، ولكنى أعرف أيضا أن شجاعتهم هذه إن هى إلا ثمرة تدليلى لهم، وطول أناتى وحلمى ~~معهم. وإنما يتعفرتون، ms07 ويتشيطنون، ويركبون رؤوسهم بالعبث، لأنى أستملح ذلك وأحبه لهم وأوثر ~~تفكيههم بما يطيب به عيشهم، ويجمل الحياة والدنيا فى عيونهم، وقد أوهمهم طول مساناتى لهم، ~~وفرط ترفقى بهم، أنهم يستطيعون أن يبذونى ويسبقونى فى هذه الحلبة، فيحسن أن أريهم «بعض» ~~النجوم فى الظهر الأحمر ... أى نعم، أدب هين آؤدبهم إياه، يزجرهم زجرا كافيا عن طمع مسرف ~~يطمعونه فى حلمى. # وغلبنى النعاس، وأنا أحدث نفسى بهذا. ونمت ملء جفونى على هذه النية الطيبة السارة بإذن ~~الله. # وكان النوم عميقا هنيئا لا حلم فيه فاستوفيت حظى منه كاملا لا ينقص دقيقه واحدة، ثم ~~استيقظت على نور الصبح، فتعجبت لهذه البلجة من أين جاءت، وأنا قد غلقت الشبابيك والباب قبل ~~أن اوى إلى الفراش؟ وفركت عينى لأستثبت. ولكن الضوء الساطع كان يحوجنى إلى تغميض عينى، ~~والمداناة بين جفونهما. على أنى ما لبثت أن فتحت عينى جدا، فقد رأيت امرأة فى مئزر أبيض، ~~تنحى ستائر عن شباك - كاباب - عريض لا عهد لى به. فغضضت البصر وأدرت وجهى إلى الحائط، وفى ~~ظنى أن هذا حلم يتراءى لى. ومن أين بالله يمكن أن تجىء المرأة ذات المئزر الأبيض؟ ومن أين ~~تدخل والباب موصد ومفتاحه فيه - أو لابد أن يكون فيه فما رفعته منه؟ وأنى لى هذه الستائر ~~الرقاق الموشاة بمثل صور الطير، وليس فى بيتي من الأستار إلا كل غليظ النسج قاتم اللون؟ وما ~~هذا الشباك العريض كالباب؟ بل هو باب، وغرفتى ذات شباكين ولا باب فيها إلا ما أوصدت. # إنه حلم على التحقيق، فلننعم به ما دام. وألفيتنى أدعو الله فى سرى أن يجعل المرأة ذات ~~المئزر خودا منظرانية، فإنه ما دمنا نحلم ولا نرى حقا فلا أقل من أن نحلم بخير. # وسرعان ما استجاب الله دعائى، فليته يفعل ذلك فى اليقظة - يقظتى آنا، كما لا أحتاج أن ~~أقول فإنه - سبحانه - لا ينام - فاستدارت، فإذا هى من البيض الحسان والحواريات المسمورات، ~~حلوة رقراقة ناعمة، ووضيئة قسيمة، مستغنية بجمالها عن كل زينة، فتبسمت لها، وقد رف ms08 لها ~~قلبى، وهى مقبلة على، تهفو كالنسيم، ولا تكاد تمس الأرض، فما كنت أسمع وقع قدميها وهى تمشى ~~إلى، وعلى ثغرها النضيد إبتسامة ما أحلاها وأعذبها! فلماذا يا ترى نحرم مثل هذا فى عالم ~~الحقيقة، ونخايل به فى أحلامنا، وأشفقت - وأنا أرنو إليها مغتبطا بدنوها منى شيئا فشيئا، ~~متطلعا إلا حلاوات سأتذوقها مها، ولذات سأفوز بها من قربها - أقول آشفقت أن يكون مصور الحلم ~~قد جعل لها قدمين على هيئة السمك أو ذنبه، وخفت أن تنقلب الغرفة بحيرة والسرير زورقا، ~~وتذهب تسبح بنت الماء هذه، وتطالعنى من هنا وههنا وتحاورنى، فأحاول أن أدركها، فيضطرب ~~الزورق فى الماء وأغرق فما أحسن السباحة، أو أبتل على الأقل. # وصوبت عينى إلى الأرض فاطمأنت نفسى. فما زلنا فى الغرفة. وإن للفتاة لقدمين دقيقتين ~~جميلتين، وإن ساقيها لممشوقتان. # واتكأت على السرير براحتيها، ومالت، وصار محياها فوق وجهى، وبينهما شبران، أو أقل، فليتها ~~تختصر المسافة أو تختزلها أو تمحوها! وقالت بأعذب صوت صافح أذنى: «صباح الخير يا بابا..» ~~فحيرنى قولها «يا بابا»، أهو تدليل لى أو مفاكهة؟ إن كان هذا فأنا خليق أن أسر، أم هي إشارة ~~إلى ما بيننا من فرق السن؟ إن تكن الأخرى فهى ليست من حسن الذوق على الريق. وخطر لى أنى ~~جدير - على الحالين - أن أسر بأن أصبح على هذا الوجة الحسن، وراقتنى، وأنا أنظر إليها - بل ~~أحدق فيها - نقرتان عند الشدقين حفرهما الابتسام، فافتررت لها كما تفتر وقلت لها أمازحها ~~مثل مزاحها، وإنها لأولى بذلك من الحاجة! ~~«صباح الخير يا ماما ...». # وما كدت أفعل، حتى وجمت، ووضعت يدى على فمى فما كان هذا بصوتى ولا هو يشبهه، وإن صوتى ~~لأجش، جهير، وفيه برجمة، وغلظ، وكثيرا ما عابتنى به امرأتى وزعمته صلبا شديدا، مبالغة ~~منها على عادتها، عندما تمزح. وقد قالت فى صفته مرة إنه «ضوضاء». أما هذا الذى سمعته من ~~نفسى حين حييتها فصوت ناعم دقيق مع ارتفاع، كأصوات الصبيان قبل أن يبلغوا الحلم، أو أصوات ~~البنات، فماذا جرى ؟ هل ms09 أصاب حلقى شىء؟ # وتحسست رقبتي، وبلعت ريقى لأستوثق، فلم أشعر أن بى شيئا. # ورأت الفتاة سهوم وجهى، وشرود نظراتى، فأراحت كفها على كتفى وسآلتنى: «مالك؟ ألست بخير ~~هذا الصباح»؟ # فتنبهت. ووقع فى نفسى ما فى صوتها من الحنو. وأسرعت فقلت: «نعم بخير. شكرا لك». # وارتعت ثانية لما سمعت هذا الصوت الجديد الناعم، وأحسب أن وجهى امتقع فقد حنت على، ~~وراحت تمسحه لى بكفها الرخصة، وتجسه، وكاد طيب لمسها يذهلنى عن تعجبى لصوتى وإنكارى ~~له. # وسمعتها تقول: «كلا. لا شىء بك. وسأجيئك بطعامك فتهيأ له»، وألقت إلى ابتسامة وانصرفت ~~خفيفة كمر النسيم. # وجلست على السرير وقلت لنفسى: «هذه خلوة يحسن أن أقضيها في جلاء هذا الأمر»، ورفعت يدى ~~إلى رأسى أسوى شعرى وأسرحه بأصابعى، وإذا بيدى تقف وعينى تشخص، فإن شعرى قليل خفيف، على ~~طوله، وقد استوى بياضه وسواده أما هذا الذى تخللته بأصابعى فكثير مجتمع مسترسل إلى القفا، ~~وهوت يدى إلى خدى من الدهشة، فإذا الصفحة ملساء ناعمة أسيلة، وبضة طرية لا أثر فيها لشعر ~~نابت يحتاج إلى الموسى لحلقه. فأدنيت أصابعى فى حذر وإشفاق من شفتى العليا فكان ما خفت أن ~~يكون، ولم أجد شيئا. وزاد عجبى أن أحسست فى هذه الشفة انقلابا يسيرا واسترخاء. فدفعت ~~الغطاء وانتفضت أريد الوثوب إلي الأرض لانظر فى المرآة وأتبين ما حل بى، ولكن الغطاء لم ~~يكد يطرح وينحسر حتى جمدت مكانى. فقد ألفيتنى فى ملابس الصبيان - سراويل قصير لا ساق له، ~~وقميص مقور الجيب بغير كم، والجرم كله جرم حدث، لا جرم الرجل الذى أعرف أنى هو - أو أنى ~~كنته - ودليت ساقى من فوق السرير فلم تبلغا الأرض، فجعلت أهزهما وأتأمل بضاضة بشرتهما، ~~وأتعجب أين ذهب الجسم الذى كنت فيه؟ وكيف دسست فى هذا الإهاب الجديد؟ واشتقت أن أسمع صوتى ~~فرحت أتكلم بصوت خفيض مخافة أن يدخل على داخل فيستقل عقلى. واشتهيت أن أرى وجهى وصورتى فى ~~مرآة، فإنى أرى معظم بدنى، ولا أرى وجهى وطولى وعرضى، ولكنى خفت أن يباغتنى أحد ms10 وأنا أتأمل ~~نفسى فى المرآة وأدور امامها، فقلت أنتظر حتى أغتسل أو أغير ثيابى. فلابد أن لى ثيابا أخرى ~~وعسى أن تكون فى هذه الخزانة. # واستثقلت هذا الحلم، وضاق صدرى بالتحول الذى تحولته فيه، وإذا طال الحلم فستتراخى السنون ~~وتتعاقب قبل أن أبلغ مبالغ الرجال مرة أخرى، ثم ضحكت، فإن الأحلام تبدو لرائيها كالدهر طولا ~~فيما يحس، ولكنها لا تستغرق أكثر من ثوان أو دقائق، وفاء بى هذا الخاطر إلى حد من السكينة ~~والرضا، فقلت إنها على كل حال رؤيا سينسخ الإصباح كل ما فيها من صور، ولا منطق للأحلام، ~~ولاضابط، ولا ايين تجرى عليه فإنما هى خيالات تتمثل، وأضغاث كسمادير السكر، وليس بمستغرب ~~فى حلم أن يرتد المرء حدثا ابن عشر - ترى كم بلغت؟ - ووالله لقد نسيت كيف كنت إذ أنا طفل، ~~فلعل ما أنا فيه يجدد لى الذكرى ويحيى ما غمض، وينشر ما انطوى. # ولمحت الباب يفتح فاستحييت أن ترانى هذه الفتاة المليحة عارى الساقين، فآسرعت فرفعت ~~رجلى إلى السرير وتغطيت بالملاءة وأسندت رأسى إلى شباك السرير. # وكانت تحمل صينية كبيرة عليها أطباق شتى مغطاة وفنجان وإبريق وفوطة. فوضعتها على منضدة ~~قريبا من الشباك أو الباب على الأصح ثم انثنت إلى وقالت: «ألا تزال فى سريرك؟ ما هذا ~~الكسل؟ تعال». # وحنت على، وطرحت الملاءة عنى، وراحت تدلك لى جسمى من فوق. فأغمضت عينى مستحليا ذلك ~~منها، ولكنها هوت بكفيها إلى الفخذين فدفعت يدها وتغطيت وصحت بها، وقد أنسانى الحياء ما ~~أنكر من صوتى: «كله إلا هذا»! # قالت متعجبة: «ماذا جرى لك اليوم؟ ألست أفعل هذا كل يوم تقريبا»؟ # كل يوم..؟ إن هذا الحلم أطول مما أعرف! فما أغربه من حلم مقتضب يبدأ من نصفه؟ وهل ترى ~~اسمى فيه بقى كما أعرفه أو تغير هذا أيضا؟ وهل ترانى أجرؤ على الاستفسار؟ # أم ستتاح لى فرصة فأعرفه بلا سؤال؟ # وسمعتها تقول: «مالك لا تعجب؟ إنك اليوم متغير». # فقلت فى سرى: «لو عرفت لعذرتنى». ثم لها: «لاحاجة بى إلى التدليك . ثم ms11 إنه غير ~~لائق». # فاستضحكت ثم قالت: «غير لائق؟ هذا جديد ... هذا ممتع». # قلت: «ممتع أو غير ممتع، سيان. لا أريده والسلام». # فهزت رأسها وقالت: «إنك لطفل غريب. لا ينقضى منك عجبى، طيب. قم إلى طعامك». # فسألتها: «ألا أغتسل أولا»؟ # قالت: «طبعا. تعال». # وتقدمتنى إلى باب لم أفطن إليه من قبل، يفتح على حمام، ورأيتها تسبقنى إليه فناديتها ~~فخرجت إلى فما أسرع ما اندفعت داخلا وأغلقت الباب ورائى. # ورأيت فى الحمام مرآة فوق الحوض، إلا أنها عالية لا ترينى إلا وجهى وصدرى. ولم يخطئ ظنى. ~~فقد كان الوجه صابحا والشعر شعر حدث، ولكنه لم يعجبنى، فقد كان - أى وجهى - كأنه منتفخ ~~الصفحتين، وكانت الشفتان شديدتى الحمرة وعلياهما منقلبة قليلا قليلا كما ظننت، حيث ينبت ~~الشارب، على أني حمدت للذى صورنى هذه الصورة آنه لم يجعلنى أشرم. # ونظرت بعد ذلك إلى ألوان الطعام ثم إليها وسألتها: «ألا تشاركيننى»؟ # فابتسمت، وشكرتنى وقالت إنه طعامى وحدى. # فقلت: «كل هذا لى؟ أتعنين أنك تتوقعين أن أحشو معدتى وأكظها بكل هذا؟ إذن سأمرض بلا ~~شك». # قالت: «كلام فارغ، إنك أكول مبطان، أو تحسب أنى لا أعرف ماذا تلتهم فى نهارك بين الوجبات ~~من شكولاته، وفول سودانى، وحمص وغير ذلك؟ كل وأنت ساكت، ولا تتظاهر بهذه الزهادة، فلولا ~~شفقتى عليك لأخبرت آمك». # قلت فى سرى: «ولى أم أيضا.. ترى كيف هى»؟ ثم للفتاة: «ولكن.. زبدة وجبن وبيض مقلو مع ~~اللحم المتمر، وقشدة، وعسل، ولبن وشاى، وهذا. ما هذا؟ آه خبز مكسر على السمن. فماذا تظنينى ~~بالله؟ غولا.. ألا تعرفين أن «الغازات» تسود عيشى؟ فكيف آكل هذا وآمن فورتها ~~وسورتها»؟ # ونسيت وأنا أقول هذا أن الذى ردنى طفلا، وكر بى راجعا كل هذا الزمن لابد أن يكون قد عنى ~~بأن يضع لى مكان معدتى العتيقة، معدة جديدة شابة. فما يعقل أن يكون هذا قد فاته، وإلا صار ~~ما صنعه بى تخليطا لا يستقيم معه الأمر. # وقالت الفتاة: ألا ليت أحدا يناديها باسمها فأعرفه فقد أحتاج إليه،ثم ليتها تدعونى ms12 باسمى ~~لأعرف من أنا؟: «ما هذا الكلام الذى تقول؟ إنه أشبه بالهذيان. سم بالله وكل». # فأطعت. وهل كان لى معدى عن الصبر؟ وجعلت فى أول الأمر أتناول بحذر وتقية، وآكل على مهل ~~وبحساب، وأمضغ مضغا طويلا مستأنئا فيه، ثم أحسست وأنا ألوك أن رغبتي تشتد، وشهوتى تقوى، ~~فعكفت على الطعام عكوف المنهوم الرغيب الذى لا تنتهى نفسه ولا تمتلئ عينه، وما هى إلا لحظة ~~حتى كنت قد قششت كل ما أمامى. ثم اضطجعت وربت على بطنى وحدثت نفسى أن أملى لم يخب فيمن صنع ~~بي هذا، فليتنى أعرف حيلة أستبقى بها هذه المعدة لما بعد اليقظة. # وتذكرت قول ابن الرومى: ~~«ذى معدة ثعلبها لاحس # وتارة أرنبها ضاغب # تعلوه حمى شره نافض # لكن حمى هضمه صالب» # وتمنيت، وقد آتانى هذه المعدة الفتية، أن لو كان آتانى أيضا عقل حدث. وأحسبه نسى أن يغير ~~لى نفسى كما غير لى جسمى، على أنى ما أظن إلا أنه لو كان فعل لما فطنت إلى أنى ~~تغيرت. # وسمعت فتاتنا تقول: «هنيئا مريئا يا بابا». # قلت؟ «شكرا». # ووددت لو نسيت «بابا» وذكرت اسمى.. # وخطر لى أن خادمتنا الحاجة لعلها صغرت مثلى! # | الفصل الرابع # وخرجت فى الشباك العريض - أو الباب - بعد أن أعطيت ثيابا أخرى أرتديها - إلى شرفة رحيبة ~~تصلح للعب وتتسع لفنون منه، وتطل على بستان زهر وثمر، تخترقه طرق ممهدة وبعضها مفروش بدقاق ~~الحصى المصفر، وفى أرجائها المترامية ظلال من الحرور، وأكنان من القر، وبين الأفنان فواكه ~~شتى، رأيت فمى يتحلب عليها فيتلمظ لسانى وشفتاى، وإن كنت ناهضا عن المائدة الساعة. # واشتهيت، وأنا واقف أجيل عينى فى هذه الحديقة، أن تكون بين أصابعى سيجارة وأمامى فنجان من ~~القهوة، فأترشف وأدخن وأنعم، وأنى لى ذلك إلا بحيلة أحتالها؟ # واتكأت على حافة الشرفة وذهبت أفكر فى أمرى، وتساءلت: «ترى ماذا صنع الله بإهابى الذى ~~كنت فيه؟ بالجسم الذى كان لى»؟ وقلت فى جواب ذلك: إنى أحسبه ما زال مطروحا على سريره. ~~وفزعت اذ خطر لى أنهم لعلهم ms13 وجدوه فى الصباح لا حياة فيه ولا حراك به - بعد أن خرجت منه ~~ونضوته عنى - وما يدرينى أنهم حينئذ لا يعدونه ميتا فيدفن؟ إن هذه تكون إحدى المصائب ~~الكبر، لأنه يقضى على أن أظل فى هذا الإهاب الصبيانى وينتسخ كل أمل فى إصلاح هذا الحال ~~المقلوب. # وجرى ببالى أن لعل هذا هو تناسخ الأرواح الذى سمعت أن البعض قالوا أو يقولون به. ولكن ~~التناسخ لا يجرى على هذا النحو، ولا يكون - أو لا ينبغى آن يكون - بنقل نفس حية من جسم إلى ~~جسم آخر، فيه هو أيضا حية تطرد منه، ويتطلب طردها إحلالها محل ثالثة تنفى هى كذلك إلى ~~جسم رابع وهكذا وليس لهذا آخر يقف عنده وينتهى إليه، ومؤداه الفوضى العميمة. وما ظنك بحال ~~عالم يسمى ناسه وهم هم، ثم يصبحون وهم غيرهم؟ ولا خير فى هذا لأنه لا يعدو أن يكون مجرد ~~تنقيل من آجسام. وإنما يحصل التناسخ بعد موت الجسم، وأنا لم أمت. أو من يدرى؟ لعلى مت، ~~وانتقلت روحى أو نفسى إلى جسم هذا الصبى! ولكنى لم أولد معه، بل حللت فى بدنه فجأة فى بعض ~~مراحل عمره، وليس هذا بجائز فيما أرى. # ونشف ريقى وأنا أفكر فى هذا ولا أهتدى. وتصببت عرقا. وحرك النسيم الأغصان فتنبهت إلى أن ~~ههنا - تحت أنفى - شجرة عظيمة ذاهبة في الهواء، وفى وسعى بلا مشقة أن أتخطى الحافة إليها ~~وأتدلى منها إلى الأرض، واستغربت أن يخطر لى خاطر هذا العبث الصبيانى، وماذا أصنع إذا لقيت ~~من لا أعرف؟ وقد يبتدرنى بسؤال عن شىء أو أحد أو عن نفسي، أو يدخل معى فى حديث يتناول ما ~~أجهل. كلا ... الخير أن أبقى حيث أنا، وأن أدع من شاء يصنع بى ما يشاء حتى أهتدى إلى ~~نفسى. # وأقبلت الخادمة - أعنى الفتاة المليحة - مرة أخرى، فسألتها: «فى آى يوم نحن؟». # فابتسمت وهزت سبابتها فى وجهى وقالت: «تتباله؟ يا مكار». # فحدثت نفسى أنى لن أهتدى إلى شىء فى هذه الحياة الجديدة إذا ظل كل من ms14 ألقى يفترض أنى أعرف ~~ما أجهل. # وقلت أستدرجها: «إنما أريد أن أستوثق». # قالت: «لا محل للشك. هو اليوم العظيم ولا كلام». # قلت: «بل شكى عظيم. ويخيل إلى أن هناك خطأ كبيرا». # قالت، وهزت رأسها: «آه، فهمت، ولك العذر إذا اختلج فى نفسك شك، فإنك ما زلت صغيرا، وصحيح ~~أن اليوم قد يختلف فيكون السبت مرة، والجمعة مرة، ولكن التاريخ ثابت، وهو الذى عليه ~~المعول». # فقلت لنفسى: «هذه فرصة فلأغتنمها»، ثم لها: «مهلا. أرجو أن تزيدي هذا إيضاحا، فإن الأمر ~~مختلط على قليلا». # قالت: «حبا وكرامة. اليوم الجمعة، مثلا». # فلم يعجينى قولها «مثلا» لأنه يتركنى حيث كنت، حائرا لا أدرى، وضالا فقاطعتها سائلا: ~~«مثلا أو هو يوم الجمعة فعلا؟ يجب أن يكون كل شىء واضحا بدقة». # قالت: «هو الجمعة فعلا». # فقلت فى نفسى: «إنى لا أستغرب أن يحيق بى هذا فى يوم جمعة، فالان آمنت بزعم العامة أن فى ~~يوم الجمعة ساعة منحوسة، ولكنى نقلت هذه النقلة ليلا لا نهارا؟ وما الفرق؟ إن الجمعة تبدأ ~~بالحساب القمرى من مغرب الخميس، فليلتها السوداء تبدأ حيث ينتهى نهار الخميس. وهى بالحساب ~~الشمسى تبدأ بعد منتصف الليل، فهى الجمعة المنحوسة بنهارها وليلها على الحسابين ~~جميعا. # وفاتنى وأنا أفكر فى هذا، بعض ما هى قائلة، فقرضت أسنانى من الغيظ، والسخط على نفسى، ~~وقلت: «معذرة. ماذا كنت تقولين»؟ # فزوت وجهها وتناولت كتفى وسألتنى: «ماذا جرى لك اليوم؟ واليوم على الخصوص؟ إنى خائفة ~~...». # فقلت مقاطعا: «على الخصوص؟ وما وجه هذا الخصوص»؟ # فسألتنى، وهى مقطبة مضطربة: «أو نسيت هذا أيضا»؟ # قلت، وأنا أتكلف السخر: «وما فضله على الأيام»؟ # قالت، وضربت كفا بكف: «فضله؟ عيد ميلادك تتكلم عنه بهذه اللهجة»؟ # ففهمت - هذا على الأقل - وقلت: «آه! تعنين «يوم» ميلادى الجديد»؟ # قالت: «أيوه عيد ميلادك ... أعنى يوم عيد ميلادك ... أوه لقد أعديتنى فأنا أتكلم ~~مثلك». # قلت: «الصواب أنه «يوم» ميلادى الجديد ...». # قالت: «هو كذلك. يوم ميلادك الجديد». # قلت: «إنك غير فاهمة - ولا أنا أيضا فاهم إذا أردت الحقيقة ». # قالت: «ماذا»؟ ms15 # قلت: «لا شىء.. لا شىء. ولن تفهمى إذا قلت. فدعى عنك هذا. وهاتى أنت ما عندك». # قالت: «مالك تتكلم كأنك شيخ كبير، وأنت ما جاوزت العاشرة»؟ # فحدثت نفسى أن هذا شىء آخر جديد عرفناه، وقد بقى أن نعرف من أنا. ومن هؤلاء ممن أرى ومن ~~لا أرى، وقلت لها: «هذا إحساسى ... أنى شيخ ... أنى كبير، وإن كنت أبدو كما ترين غلاما ~~صغيرا». # قالت: «كيف تقول هذا والدهر كله، مستقبلك كله، لا يزال أمامك»؟ # قلت: «إلى البارحة فقط كنت قد خلفت ورائى شبابى، وفى هذا الصباح، أو فى الليل فما أدرى، ~~دار الزمن - بى وحدى على ما يظهر - دورة انقلب معها الحال فصار قدامى ما كان ورائى، ماذا ~~كنت أنت أمس؟ طفلة؟ امرأة عجوزا؟ الحاجة زكية»؟ # فلمست جبينى بكفها وسألتنى: هل أنت مريض؟ # أتشعر بشىء على خلاف العادة»؟ # فقلت - برغمى، وإن كنت أدرك أن هذا عبث لا طائل تحته، وقد يجر على ما لا أحمد: «نعم ~~أشعر، وأعرف، يقينا، أن كل شىء على خلاف العادة، ولكنى لست مريضا. أوه. ما الفائدة؟ لن ~~تفهمى. ولن تصدقى إذا فهمت ...». # وأوليتها ظهرى، واتجهت إلى الباب، فلما بلغته سألتها: «هل أظل محبوسا فى الغرفة ~~والشرفة»؟ # فأسرعت إلى، وقالت: «أنا متعجبة وخائفة، فليست هذه عادتك». # فلم أرحمها وقلت: «إن كل ما اعتدته تغير - كل شىء تغير - صدقينى وإن لم تفهمى، وقولى لى ~~ماذا ينبغى أن أصنع الآن»؟ # قالت: «أرجو إذا نزلت إلى ماما أن لا تتكلم هكذا فإنه لن يسرها، وفى يوم عيدك على الخصوص ~~... ليتنى أعرف ما بك»؟ # فرق لها قلبى، وهممت أن أقبلها شكرا لها على عطفها، واندفعت يداى تريدان تطويقها، ولكنى ~~صددت نفسى مستحييا. وإنى لغلام صغير فيما ترى، ولكن إحساسى إحساس رجل، وطاف برأسى أن هذه ~~فرصة لى، إذا شئت اغتنمتها فلن تردنى عن عناقها وتقبيلها، فما تدرى إلا أنى طفل، ويغنم ~~الرجل الذى انطوى عليه، والذى تنكر فى زى غلام، حلاوة القبلة ومتعتها. ولكنى صرفت نفسى عما ~~يغريها بذلك ، وقلت لها ms16 فيما قلت: إنها قد تحنو على، ويعطفها ما يعطف المرأة على الصغار، ~~وقد تحتمل ثقل تقبيلى لها وتعلقى بعنقها، لأنى صغير يلاطف، وقد يسر الأم الكامنة فى نفسها ~~أن يلاعبها طفل، ولكنها لن تستحلى القبلة أو تستطيبها وتستمتع بها إلا من رجل، وما خير قبلة ~~لا تبادلنيها؟ وأنفت أيضا أن أخدعها، وإن كان ما تحولت إليه ليس من فعلى أو تدبيرى. # وقلت لها: «ألا ترافقيننى إلى حيث ماما»؟ فابتسمت وقالت: «كأنك لا تعرف طريقك ... إن كل ~~أحوالك اليوم غريبة. كلا. لا أستطيع مرافقتك. فإن عملى هنا، وهو كثير، كما تعلم». # فتوكلت على الله، فما بقيت لى حيلة إلا أن أقذف بنفسى على المجهول. # | الفصل الخامس # ورأيت سلما عريضا درابزونه من الخشب المصقول، ودرجاته مكسوة ببساط، فقلت فى نفسى: إن ~~هذا قصر على ما يظهر. فلماذا يا تري آثروا لأرض غرفتى العرى وقد كسوا السلم؟ وهبطت على ~~مهل،درجة درجة، ونفسى تحدثنى أن أركب الدرابزون فأنزل عليه! وكنت لا أنفك أتلفت فى كل ~~ناحية، ولكنى لم ألق أحدا، فاستوحشت من هذا السكون، ولما بلغت آخر درجة نظرت فإذا أمامى ~~بهو أوسع من دهليز، وفيه مقاعد قليلة، وعلى جدرانه صور شمسية لم أستبعد أن تكون لبعض «أهلي» ~~فصعدت طرفى إليها ولكنها كانت عالية، والبهو مظلم. وأبصرت بابا مواربا إلى يسارى فنظرت ~~منه ولم تكن بى حاجة إلى انحناء فإن قامتى الجديدة ليست مديدة، وأنا لا أنظر من ثقب المفتاح ~~بل من فرجة الباب الموارب، ومع ذلك انحنيت كأنى ما زلت أنا. وأنسيت أنى قد صرت هذا الذى لا ~~أعرف من هو، فأخذت عينى سيدة كدت أهجم عليها حين وقع عليها بصرى فقد كانت هى زوجتى بعينها، ~~ولكن شيئا فى جلستها، وهيئتها، وثيابها، ردنى وكبحنى عن الاندفاع، فقد كانت إحدى ساقيها ~~ملتفة بالأخرى، ولا أعرف زوجتى تفعل ذلك، وكانت فى حجرها كرة من الخيط وفى يديها مسلتان ~~تنسج بهما الخيط، مداولة، على مقدار، وامرأتى لا ترى أن تشتغل بهذا عن معابثتى . وهذه ثوبها ~~معرج ms17 وبين خطوطه الملتوية ترابيع بيض وحمر، وامرأتى تؤثر ما لا وشى فيه ولا تخطيط. وهذه ~~شعرها فينان مفروق من الوسط ومرسل إلى الخلف، وفى شعر امرأتى شىء من التحجن. وهى ترفعه فوق ~~الجبين وتلويه، وتثبته بما يمسكه. # وخطر لى أن لعل هذه هى «ماما» وخفت أن لا تكون، وحرت ماذا أصنع وكيف أخاطبها - وأخيرا ~~وبعد تردد، قلت الرأى أن أدبدب وأحدث صوتا وضجة، حتى إذا التفت وتكلمت رجوت أن أعرف من ~~تكون، والله المعين .... # وخبطت الباب، ودبدبت، وتقلبت أيضا - على البساط الوثير - وما كان ظنى أن أحسن هذا، ولا ~~كنت أنويه أو أفكر فيه، ولكنى دفعت إليه دفعا، وأغرتنى به وزينته لى فيما أظن طبيعة هذا ~~الجسم الصبيانى. فلما عاد رأسى إلى مكانه، واستقرت قدماى مرة أخرى على البساط، رأيت هذه ~~التى ما شككت أنها امرأتى تنظر إلى راضية مغتبطة - وسمعتها تقول: «آه. سونه. عيد سعيد يا ~~سونه. تعال هات بوسه». # فقلت لنفسى وأنا أخطو إليها وأمط بوزى، وأدانى ما بين جفونى، وأهز ساعدى هزا قويا: ~~«إن اسمك يا هذا «سونه» وقد عرفناه، أو عرفنا ما يكفى. وقد يكون الاسم الكامل «حسونه» أو ~~«حسنى» أو «محسن» أو «حسن» أو «حسين» أو غير ذلك مما يمكن أن يتألف من الحاء والسين ~~والنون. أو من يدرى؟ فقد لا تكون فيه حاء، ولكن شيئا خير من لا شيء. ولست أتوقع أن أتلقى ~~كتبا بالبريد، وإن كان هذا محتملا فى يوم عيدى السعيد، ولكنى أحسبهم سيجمعون ما يرد من ~~التهنئات - إذا ورد شىء - ويحملونه إلى جملة، فلا خوف إذن. وسنعرف ما نجهل متى آن ~~الأوان». # ولما صرت على أشبار منها نططت فإذا أنا فى حجرها، وذراعاى حول عنقها وفمى على خدها، فقبلت ~~رأسى، وما بين عينى، وخدى، وقرصت وجنتى قرص مداعبة لا قرص إيجاع (وقد أسلفت أنهما منتفختان ~~قليلا، فهما يغريان بالقرص) ثم عاودنى الحياء فنهضت ومشيت مطرقا إلى مقعد كبير منجد، ~~فانحططت عليه وذهبت أحرك ساقى وأحك بقدمي ما يليهما من البساط وذراعاى ms18 على المسندين. # و قالت، ويداها لا تكفان عن النسج: «سيتغدى عمك معنا وقد سبقته هديته إليك». # فهممت أن أشيل نفسى عن المقعد. فأشارت إلى تردنى عن ذلك وقالت: «لا تعجل - فى المساء بعد ~~اكتمال الجمع، نفتح الهدايا ... تعلم الصبر ...». # وكان لابد أن أقول شيئا فسألتها: «ولكن ألا يمكن أن أعرف الهدية ما هى؟ باللسان ~~فقط». # قالت: «إن الله مع الصابرين. كل شىء فى وقته». # فأسلمت أمرى إلى الله، وهززت رأسى وكتفى، وقمت فسألتنى: «إلى أين»؟ # قلت: «سأتمشى فى الحديقة». # قالت: «لا توسخ ثيابك ... ليس فى هذا اليوم». # فقلت فى نفسى: «يا له من يوم»! # أتعرف ذلك الصندوق الذى يضعه بعضهم لبريده على بابه وفى أسفله رقعتان كتب على إحداهما ~~«موجود» وعلى الأخرى «غير موجود» ولا تبدو واحدة إلا بحجب الأخرى؟ كان هذا حالى فيما أحس. ~~فأنا تارة أفكر بعقلى القديم الذى كان لى فى صورتى السابقة، وأصدر فيما أعمل عن وحيه، ثم ~~ينحى هذا العقل، أو يطرح فى زاوية أو ركن، أو يحجبه حاجب، ويظهر العقل الجديد الذى ~~يلائم حال الطفولة التى رددت إليها، وهكذا دواليك. # وهذه السيدة التى رأيتها جالسة تنسج، بدت لى فى أول الأمر زوجة، فدار فى نفسى لها ما يدور ~~فى نفس الرجل لامرأته، ثم إذا بشىء يحجب هذه الناحية من إدراكى، أو يغلق طاقة، ويفتح أخرى، ~~فأرتد غلاما ينط ويلعب، ويرتمى على حجر السيدة، ويكون معها كما يكون الولد مع أمه، ويفرح ~~بلعبة أو هدية، ولا يطيق الصبر على تركها إلى المساء. # ولم أكد أقول إنى خارج إلى الحديقة حتى عاد عقلى القديم موجودا. فرحت أفكر فى المخرج ~~وأحاذر أن تبدو على الحيرة، وأتظاهر بأنى أتلكأ وأنا أجوب الحجرات، وأفتح بابا وأغلق ~~بابا، حتى وفقنى الله. وكان الخدم كثيرين - رجالا ونساء - ولا عجب أن يكثروا فى بيت طويل ~~عريض كهذا، ولكن العجب أن تطيق العيش فيه هذه السيدة المزدوجة الشخصية التى أراها تارة ~~أما وتارة زوجة، وهى مستفردة فيه ولا أنيس ولا جليس من إنسان ms19 أو كلب، ولكن عجبى لم يطل، ~~فإن الأوضاع كلها مقلوبة. # وانطلقت أفكر وأنا أتمشى فى الحديقة، وأعجب تارة بألوان الزهر علي أغصانه، وأنزع غلائله ~~طورا وأفركها بأصابعى ولا أبالى جمالها ولا أرحم رقتها - أقول إنى ذهبت أفكر فى هذه ~~الحداثة التى يقول الكبار - وأنا منهم - إنها أحلى وأسعد وأرغد أيام الحياة، ومع ذلك أرانى ~~ناسيا كيف كنت إذ أنا صبى، وماذا بلغ من استمتاعى بذلك الرغد الذى نتحسر عليه، بل أنا قد ~~قضيت معظم الساعة أو الساعتين اللتين عدت فيهما حدثا فى استثقال هذه الطفولة والضجر منها ~~والتبرم بها. أم ترى ذاك لأنى لست طفلا صرفا؟ # وهذا العم الذى سيشق الأرض ويخرج لى من جوفها، كالجنى، كيف هو يا ترى؟ قد عرفت الأم ~~وأحسست لها فى قلبى رقة لأنها تشبه زوجتى (التى لا يخلو قلبى من الموجدة عليها لكثرة ~~معابثتها لى وحضها الولدين الشقيين على كيدى) وبقى أن نعرف العم الذى لم يكن لنا فى حساب. ~~أطويل هو أم قصير؟ وثقيل أم خفيف ظريف؟ ووددت لو أن أمي أرتنى هديته لأعرف ذوقه ورأيه فى ~~ابن أخيه، من اختياره. # وإنى لأدفع حصاة برجلى، وإذا بصوت يقول: «هش ...» فالتفت إلي مصدره فإذا رجل فى سراويل إلى ~~نصف الفخذ كالتى يلبسها لاعب الكرة أو المصارعون، وتكتها طويلة غليظة كحبل الشراع إلا أنها ~~ملونة، وطرفاها يتدليان من عقدتهما إلى قريب من الركبة، وعلى صدره قميص أو قطعة منه، وفوق ~~رأسه قبعة قديمة، وقدماه فى حذاءين باليين عليهما طوائف شتى من الاوحال جف بعضها وما زالت ~~بقيتها طرية، فأدركت أنه البستانى أو بعض أعوانه، فما يقوم على خدمة هذه الحديقة الواسعة ~~الحافلة بصنوف الزهر والشجر رجل واحد. # واقتربت منه فقال: «سمعت أن البك مشرفنا اليوم». # قلت: «البك»؟ # قال: «البك عمك». # قلت: «آه». # قال مستفسرا، وفى عينيه التماع خبيث: «العادة يا سعادة؟ فلم أفهم، ولى العذر، وبدا لى أن ~~خير ما أصنع هو أن أوافقه، وليكن ما شاء الله أن يكون، وهززت له رأسى أن «نعم» ms20 وتبسمت. ~~فقال: «عال. قبل الظهر تكون الأمانة تحت السرير». # فشكرته ووددت لو كان معى مال لأنفخه منه بشىء، وتساءلت فى سرى: «أليس لى «اعتماد» مفتوح ~~فى ميزانية هذا القصر أنفق منه كغيرى من الغلمان - مصروف لجيبى كما يسمونه»؟ # ورأيته يتراجع فى حذر ويتوارى وراء جذع شجرة كالقطة أبصرت كلبا يدلف إليها فتلفت إلى ~~حيث كانت عينه تنظر، فإذا الفتاة الخادمة، فلم أكترث لها وهممت أن أمضى فى طريقى، وخطر لى ~~أن ليتها ترافقنى فإنها جميلة وضاءة المحيا، وخليق بالتنزه معها فى هذه الحديقة أن يفيد ~~الرجل المضمر فى هذا الاهاب الصبيانى، متعة. # ولكنها لم ترافقنى بل دعتنى إليها بإشارة من كفها، فذهبت إليها أعدو فانحنت على وقالت ~~بصوت كالهمس: «لقد رأتك ماما من الشباك واقفا مع «عم أحمد» الجناينى فكلفتنى أن أقول لك ~~إنه لا يليق بك أن تحادث مثله». # فدهش شقى المستور وسألها بلسان الغلام: «وما عيبه؟ أليس من خلق الله مثلى ومثلك؟ ما هذه ~~الغطرسة»؟ # فباستنى خطفا كما يشرب الطائر، يحسو حسوة ويرفع منقاره - أو رأسه الصغير - ويتلفت كأنما ~~يخاف عواقب الطمع أو مطاوعة النفس، فقلت فى سرى لابد أن تكون هذه الأيام التى استظرفتها، ~~ثقيلة غليظة الكبد، ومتنطعة سخيفة الرأى. # وآحسب آن وجهى ارتسم عليه ما يضطرب به صدرى فقد قالت الفتاة: «إنما تخشى أن توسخ ثيابك فى ~~يوم عيدك. ثم إن ماما هى ماما ويجب أن نطيعها». # فقلت: «لا تعتذرى عنها، وقولى لها إنى سأكلم وأخالط من أشاء.. بل قولى لها إنى سأتمرغ فى ~~التراب، وأتقلب فى الوحل، وأجرح جلدى بالشوك وأمزقه. ولتفعل ما بدا لها». # وانكفأت عنها أعدو فى الحديقة، وتمنيت لو أن فى وسعى أن أسلخ هذا الجلد كله كما تسلخ ~~الشاة. واستثقلت هذه الطفولة التى تحاط من كل ناحية بالسدود والحواجز، والعقل والموانع، ~~كأنما لا يكفيها أن لها من طبيعتها حدودا، ولا يسمع فيها من يقضى عليه بها إلا «إياك» ~~و«حاذر». وآليت لأؤدبن هذه الأم غير هذا الأدب.. أو تظننى طفلا حقيقيا؟ سنرى ms21 ~~ونريها.. # ودرت أبحث عن «عم أحمد» الجناينى وأستعجله ما وعد، فقد كبر فى ظنى أن يكون ما وعدنيه ~~وسيلة لركوب العم المنتظر - البك. فقد صار لنا بيك من الأعمام - بشىء من العبث، وحدثت نفسى ~~أن هذه الأم - إلى الآن - أولى، ولا مانع فيما أرجو من قسمة الأمر بينهما نصفين. # ولكنى لم أجد الرجل، فقد شق الأرض وغاب فيها، كما شقها وبرز منها .... # | الفصل السادس # وأخيرا جاء العم. وتلقيت قبلاته، وقاك الله السوء! # وهو شىء كل ما فيه ثقيل، تنفسه حشرجة، وصوته ضوضأة، وضحكه قرقعة، وقبلته كمص الماء من ~~كوز نصفان، وكرشه برج دبابة، وشعرات شاربيه فتلات حبل مقروضة، وعينه - والعياذ بالله - ~~شفر متفتل، وجفن محمر لا هدب له، وماء يسيل، وحاجباه شعرهما رقيق من أخر وكثيف من قدم، ~~وأذنه مسترخية من رأسها ومنكسرة على وجهها كأذن الكلب، ورأسه على شكل البيضة، وقد ذهب أكثر ~~شعره، وبقيت له طرة شعراتها متفرقة صلبة كأنها الشوك. # وما كدت أراه حتى قلت: بل هو أولى بكل ما يهيئ له هذا الجناينى الطيب العم أحمد ... قواه ~~الله ووفقه! وتمنيت أن يجيئنى بثعبانين أو ثلاثة، أدس منها اثنين فى كميه، أعنى عمى، وألف ~~الثالث حول عنقه الغليظ المقبل إلى صدره المنتفخ. # وكان يأبى إلا أن يجلسنى على ركبته، ولا أكاد أفعل حتى تدفعنى كرشه وتدحرجنى، فيقهقه ~~ويطخطخ، فيبح، ويسعل سعالا مشقوق الصوت، ويسيل لعابه على ذقنه، ويمسك جنبيه بيديه، كأنما ~~يجد فيهما وخزا، ولا يخطر له أن يخرج منديلا يستر به هذا الفم الأفوه الذى كأنه باب كهف، ~~وما فيه من لثة ذابلة، وأسنان مسودة، سفلاها خارجة من الحنك وعلياها متقاعسة. # وكنت شديد الشوق إلى تلقى ما وعدنى العم أحمد، والتلهف عليه، فأنا لا أستقر، ولا أسكن، ~~ولا أزال أنفى من هذا العم الذى رميت به من حيث لا أحتسب. وأمى تدعونى بغمز العين أو إشارة ~~اليد إلى المراضاة، فلا يزيدنى هذا إلا تقطبا، وجفوة وسوء خلق، وهو لا يفطن إلى ما بى منه ~~أو لا ms22 يحفله. ولا يكف عن «ملاطفتى» وممازحتى، ممازحة الفيل للقط، كأنه موكل برياضتى على ~~احتمال المكاره! # وبعد لأى ما استطعت أن أفر من هذه الغرفة. فأسرعت إلى غرفتى، وأطللت على الحديقة من ~~الشرفة فلم أجد أحدا، وخفت إذا أنا بقيت هنا، أن يصعد العم إلى. فيفسد التدبير كله ويحبط، ~~فعدت من حيث أتيت، وجعلت أمشى على أطراف أصابعى وفى مرجوى أن يكون قد غلبه النعاس فأنجو إلى ~~حين، فإن مثله، فى مثل ضخامته، ينام ولو كان على ظهر فرس جامح. # وبلغت الباب. ولم يكن مفتوحا كل الفتح. فاستوقفنى ما سمعت. فبقيت حيث أنا أتسمع. فسمعت ~~أمى تقول: «إنه عنيد مثل ...». # وسمعت عمى يقول: «قوليها ... مثل أبيه ... تماما. ولكن المسألة أننا جميعا، وأنا وأنت فى ~~الطليعة، نخضع لسلطانه كأنه ملك ذو صولجان، حتى فى حياة أبيه، وأيام كان لا يزال رضيعا، ~~كانت جباهنا تعنو لأصابعه الصغيرة التى يطبقها على شاربى ويشد هأ هأ هأ». # فقالت أمى وهى تتنهد: «تاللة ما كان أحلى هذه الأصابع الحمراء ... وأحسب انا قد دللناه ~~وأفسدناه». # فقال: «من المسئول عن ذلك؟ هه؟ من الذى كان يغضى عن كل ما يفعل؟ من التى كانت إذا رأتنى ~~أنهره وأزجره تدور من ورائى وتحمل إليه ملء سلة كبيرة من الحلوى والفواكه»؟ # فصاحت به أمى: «أنت كنت تنهره؟ أنت؟ صحيح، ولكن بصوت رقيق، لين. كما يناغى ذكر الحمام ~~أنثاه، وإذا رأيته يبكى زويت وجهك وعبست جاهدا لتخفى الدموع التى تترقرق فى عينك، ثم تحمله ~~وتوسعه تقبيلا». # فاستغربت أن ينطوى هذا الفيل الضخم على كل هذه الرقة، ولكنى ما عرفته إلا اليوم فلى العذر ~~واضحا، وماذا تقول العامة؟ من لا يعرفك فهو يجهلك، صدقوا والله ... وسرنى أن يكون فى هذه ~~الكرش العظيمة شىء غير المعدة والأحشاء. وصارت المسألة عندى هى: هل أمضى فيما انتويت من ~~معابثته بمعاونة عم أحمد الجناينى بما لا أعمل؟ وزهدني فى ذلك أن قلبه كبير، وأغرانى به ~~طمعى الجديد فى حلمه وحبه. وخيل إلى وأنا بين هذه الدوافع والجواذب، ms23 كأنى مشدود إلى حصانين ~~يجريان فى اتجاهين مختلفين، وأحسست كأن ساعة انقضت فى هذا التردد، وأشفقت أن يضيع الوقت ~~سدى، فتفلت الفرصة وتذهب إلى غير رجعة، وتأدى إلى صوت هذا العم الفاضل الطيب يقول: «إنك ~~تعلمين يا فيفى ما أنطوى عليه لك من زمان طويل ...» فقلت في سرى - وأذنى مع ذلك مرهفة للتسمع ~~- آه لقد عرفنا اسمك يا ماما! لم يسعنى إلا أن أتعجب لأهل هذا البيت الرحيب الذى يتسع ~~«للتكبير» إلي أقصى حد وأبعد مدى، لماذا يحتاجون أن يلجأوا إلى «التصغير» فيه؟ فأنا «سونه» ~~والله أعلم بالأصل المستكثر على. وأمى «فيفى» ولست أستغرب أن يكون ما يدعى به الاخرون ممن ~~رأيت ومن لم أر «توتر» و«لولو» و«توحه» و«كوكو» ... وتذكرت بيتا نزلت فيه ضيفا - قبل أن أصغر ~~- مع ستة غيرى من الإخوان. وكان صاحبه ممن لا يحتاج ابن الرومى أن يتعجب لهم كيف أخطأهم ~~الجسم، فأرقدنا فى حجرة كالهيكل، رص لنا فيها سبعة أسرة غير الخزانات والمناضد والكراسى، ~~كانت تبدو لنا مع ذلك فارغة. وكان الواحد منا يستطيع أن ينام على سريره طولا أو عرضا كما ~~يشاء من فرط سعته. وأصبحت فقصدت إلى الحمام فإذا هو يصلح أن يكون ميدانا للركض أو ساحة ~~للرقص. ولما صرت فى الحوض خيل إلى أنه حوض سباحة، وأنى فيه سمكة من «البساريا» فى مجرى ~~النيل العظيم، وأشفقت أن أغرق، وصحت أطلب النجدة، وتوقعت أن يجىء مضيفى بدلو عظيمة يلقى بها ~~إلى، فأصعد فيها، أو يدلى لى حبلا أشد به وسطى ويرفعنى فأخرج إلى الشط. وقلت لمضيفى لما ~~نجوت: «لم لا تؤجر هذا الحوض للأسطول البريطانى فيتخذه قاعدة له»؟ على أن هذا كان منى ظلما ~~له، فما عدا الرجل أن شيد بيته وفصله على قده. فلا وجه للوم أو السخرية. # وهنا تجرى الأمور على نقيض ما ينبغى. فيصغرون الكبير حتى ليمسخون الرجل ذا الشاربين ~~المفتولين واللحية الكثة التى يضنيه حلقها كل صباح، فيجعلون منه غلاما أمرد .... # وصرفنى عن الاسترسال فى هذه الخواطر كلام آخر سمعته ms24 كان له وقع اللطمة القوية، فقد كان ~~العم يقول: «وما قولك فى أن نجعل هذا العيد مزدوجا؟ إنك تعلمين أنى أنا وأخى عليه رحمة ~~الله أحببناك وتنافسنا عليك. وقد آثرته على واخترته دونى، فنزلت على حكمك، وكنت على حق. ~~فإنه كان خيرا منى. ثم اختاره الله إلى جواره ... فأكرمتك ونزهتك عن الالحاح عليك بحبى لك. ~~وتركت لك هذه المهلة الطويلة - سبع سنوات كاملة - وأحسب أن فى سبع سنوات من الترمل الكفاية. ~~ثم إن سونه يحتاج إلى عنايتنا ورعايتنا وتعهدنا معا، وأنت وحدك لا تقدرين على شىء ~~...». # ولم أطق أن أسمع غير ذلك.. هذا العم الذى راجعت نفسى فى أمره وأقنعتها بأنه رجل طيب كبير ~~القلب، لم تخطئ فراستى فيه أول ما وقعت عينى على دمامته المجسدة! وهو الان يراود أمى! بل ~~زوجتى ... أى نعم زوجتى التى يموهها الحلم ويزورها، ويلقى فى حجرها صوفا تنسجه، ليوهمنى أنها ~~غيرها وأنها أمى! فيا له - الرجل لا الحلم - من سفيه مستهتر، ومتهتك سادر لا يبالى أن يخطف ~~زوجات الرجال وهم ينظرون - أو يسمعون.. وما أراه يريد أن يتزوجها إلا على مالها، فإنها تبدو ~~ذات ثراء، بل هى كذلك بلا مراء. ويزعم الخبيث المحتال أنه إنما يفعل ذلك رقة على ولدها - ~~الذى هو أنا فيما يتوهم وتتوهم معه - وليقوم حضرته بأمرى. بففف! ولم تبق عندى ذرة من الشك ~~فيما صار أهلا له. وآليت لأكونن أبغض الناس إليه، وأثقلهم عليه، ولأوقدن له نارا تزغرد ~~شعاليلها، ويسطع مريجها، ويضرب لظاها عليه مثل الخباء. وكلما تفرق عنها ما يسعرها، أو خبا ~~شواظها، حششت لها حتى تعود ذات معمعة وقرقعة كضحكته الثقيلة، وحينئذ نرى أيهما يطيب له - ~~الزواج أم الفرار؟ # | الفصل السابع # وانكفأت إلى غرفتى، وأوصدت بابها، وتذكرت أنى فعلت ذلك بارحة طلبا للنجاة من عبث الولدين ~~- تري كيف هما الان؟ - وأمهما، فصرت إلى هذا الحال المقلوب - أنا الرجل الكبير ارتددت ~~غلاما صغيرا، زوجتى انقلبت أما لى يخطبها لنفسه عم وقح لا يبالى أن لها بعلا متنكرا - ~~بكرهه - فى ms25 هذا الاهاب الذى جمعت وضم بعضى إلى بعضى وحشرت فيه، والولدان الحبيبان على ~~الرغم من العفرتة والشيطنة ماذا أصابهما يا ترى؟ # وقطعت بضعة فراسخ فى هذه الغرفة الصغيرة، بين جيئة وذهوب، ثم انحططت على السرير من التعب ~~والملل، وإذا بباب الشباك يفتح على مهل وبحذر، والعم أحمد الجناينى يدخل من الفرجة برأسه ~~أولا، ورأى أن ليس معى غيرى فاطمأن ودخلت بقيته، فبادرته أسأله: «بماذا جئتنى»؟ # قال: «بجماعة من النمل». # قلت: «نمل؟ وما خير النمل؟ ماذا أصنع به»؟ # قال: «إن له لقرصا كلسع النار وكيها.. ثم إنه ما تطلب فى كل مرة». # قلت: «ألم يكن يسعك أن تأتى ببضعة قنافذ حديدة الشوك، أو بما هو خير - عقارب شائلة ~~الاذناب، أو أفعوان خبيث، أو طائفة من الحيات»؟ # فبهت الرجل، وتلعثم، ولم يعد يدرى ماذا يقول. # ورميت إليه كيس النمل وقلت: «خذ. خذ. لقد خيبت أملى». # فقال وهو يحاول أن يتألفنى من نفرتى: «يعز على أن أخيب لك أملا يا سيدى. ولكن هذا ما ~~اعتدت أن تطلب دائما، على أنى أستطيع أن أجمع لك قليلا من الضفادع، إذا أمهلتنى ساعة أو ~~نحوها». # فلوحت بيدى وقلت يائسا: «ضفادع ونمل؟ ما هذا الكلام الفارغ؟ ألا تفهم؟ إن ههنا جريمة ~~يوشك أن ترتكب، ولا يجدى فى منعها ضفدع أو نملة.. كلا. لا أقل من أفعوان كبير ... أو لعل ~~العقارب تكفى. وعسى أن يكون أمرها أسهل». # فقال: «يا سيدى ماذا جرى لك؟ أى جريمة؟ هل أنت مريض»؟ # وهم بالدنو منى وجسنى، فتراجعت وأشرت إليه أن خلك حيث أنت. وقلت بلهجة مرة: «هل أنا ~~مريض؟ لا أسمع غير هذا السؤال كلما عجز الناس أن يفهموا عنى ... كلا لست مريضا. ولم أمرض قط، ~~وليس فى نيتي أن آمرض إذا كان يسرك أن تعرف هذا. فاذهب وهات العقارب، وإلا فهذا آخر العهد ~~بيننا ... وخذ هذا النمل معك، فما بى إليه حاجة، وما غناء نملة صغيرة يدوس الواحد منا ملايين ~~منها ولا يحس أنه داس شيئا؟ أو خله هنا ... اتركه فقد ms26 ينفع الصغير من النمل فى الصغير من ~~الأمور». # وذهب الرجل يبحث عن العقارب أو لا يبحث، فما عاد إلى فى نهاره، ولا رأيت وجهه إلا بعد ~~العشاء لما ... ولكن هذا سيجىء فى أوانه فلا داعى لتقديمه. # وطال انتظارى، سنة أو سنتين، فيما أحس، وما مضت إلا دقائق إذا صدقت الساعة الموضوعة ~~قريبا من السرير. # وضاق صدرى ففتحت الباب وخرجت إلى الردهة، فرأيت الفتاة المعهودة تهم بدخول غرفة أخرى ~~فقلت: «سسس..». # فتنبهت وارتدت إلى وقالت بابتسام: «أليس لى اسم يا بابا»؟ # قلت: «معذرة فقد نسيت». # قالت: «نسيت اسمى»؟ # قلت: «نسيت أن أدعوك به». وأردت أن أعدل بها عن هذا فسألتها: «غرفة من هذه؟ أعنى لماذا ~~تدخلينها الان»؟ # قالت: «غريب. أنسيت أيضا أن عمك يستريح قليلا بعد الغداء». # قلت، وقد خطر لى خاطر: «كلا، لم أنس، ولكنى أريد أن أكلمك، فهل أستطيع أن آحدثك فى غرفة.. ~~عمى»؟ # قالت: «طبعا. تعال ...». # وتناولت ذراعى. فقلت لها وأنا أقاوم شدها: «اسبقينى وسألحق بك». # ففعلت، ودخلت الغرفة، وحملت كيس النمل ودسته فى جيبى. # ولما لحقت بها رأيتها تخرج من الخزانة منامة كبيرة تتسع لثور، وتطرحها على السرير وتضع ~~على الأرض قريبا منه، صندلا وقبقابا، كبيرين كما لا أحتاج أن أقول. ولم أسألها لماذا ~~هذان، فقد أدركت بذكائى، أن الصندل ليتبختر به فى الغرفة، والقبقاب ليدخل به الحمام. فيا له ~~من تزيد! # وأردت أن أصرفها فقلت: «ألم تنسى شيئا»؟ # قالت: «ماذا»؟ # قلت: «إنه أكول، والجو حار، وسيظمأ، فأين الماء البارد»؟ # قالت: «إنك تمزح». # قلت: «لا، أبدا. إنى جاد جدا». # قالت: «ما عليه إلا أن يدق الجرس فنحمل إليه ما يريد». # قلت: «ولماذا لا تعفين نفسك من رؤية وجهه الغليظ»؟ # قالت: «أراك اليوم ساخطا عليه فهل أغضبك منه شىء؟» قلت: «كل شىء يسخطنى عليه». واندفعت ~~فقلت: «لقد سمعته يغرى..! أمى بأن تتزوجه..». # قالت: «لا»؟ غير مصدقة. # قلت: «نعم، سمعته بأذنى هذه». وشددتها بأصبعين على سبيل التأكيد. # قالت: «وهل.. هل قبلت»؟ # قلت : «أخشى». # قالت: «يا للمصيبة. بعد سيدى تتزوج ms27 هذا ...»؟ # فقبلتها، فما كان يسعنى غير ذلك. ولكنها كانت قبلة شكر واغتباط، لا قبلة ... كلا وأقسم! ~~وقلت لها: «لم يخب ظنى. أنت أجمل فتاة، وأطيب فتاة، وأشرف فتاة، رأيتها فى حياتى الطويلة ~~(فتبسمت راضية ومستغربة) والان يجب أن نقصى هذا المحتال عن البيت، فإن أمى صغيرة ساذجة ~~(فكادت الابتسامة تصبح ضحكا) فما قولك؟ لقد أطلعتك على السر، ووافقتنى على أنه رهيب، فلا ~~ينبغى أن تخذلينى ...». # فقعدت على كرسى وقالت وهى تحدق فى وجهى: «لا أدرى.. إني فى حيرة ... أنظر إليك فأراك صغيرا، ~~وأسمع منك مثل كلام الكبار». # وهزت رأسها، وطأطأته، فدنوت منها وأرحت يدى على كتفها وقلت: «آه! هذا سر آخر أشعر أن فى ~~وسعى أن أأتمنك عليه، ولكنى أخشى أن لا تفهمى، أو لا تصدقى، أو تظنى أنى جننت». # فرفعت رأسها وزوت ما بين عينيها النجلاوين وقالت: «سر؟ أى سر؟ لقد كثرت الأسرار ~~اليوم؟» # فنازعتنى نفسى أن أبيحها إياه، وأن أقول بشجو، وأطرح عن صدرى هذا العبء الثقيل وأشركها فى ~~أمرى، لعلها تستطيع، ولكنى أنا خليق أن أستريح بعد البث، ولكنى كنت أشفق أن تظن بى الخبل، ~~أو تعد الأمر كله هذيان غلام يجمع به خياله الطائش، فقلت: أخطو بحذر. # وسألتها: «هل تصدقين أنى لا أعرف من أنت ولا ما اسمك لأنى ما رأيتك إلا اليوم»؟ # وما كدت أقول ذلك حتى عضضت شفتى، فقد أدركت - بعد الأوان - أنى بدأت من حيث كان ينبغى أن ~~أنتهى، فلا عجب إذا كانت قد وثبت إلى قدميها، وتناولت كتفى وهزتنى بعنف وسألت: «إيه؟ لا ~~تعرفنى؟ لم ترنى من قبل؟ ماذا أصابك اليوم؟ إنك من أول النهار حالك حال لم أعهده منك، فماذا ~~جرى لك؟ قل لى ...». # فنحيت يديها عنى، وتحسست رقبتي التى كادت تنخلع وقلت: «آلم أقل لك؟ كلا! لا يمكن أن تفهمى ~~أو تصدقى، فلأقصر فإنه أرشد. وخلنا فى عمى وآمى..» وضحكت «لم يكن ينقصنى إلا آم وعم يسقطان ~~على من السماء، ويتم بهما ...». # ولم أتمها فقد صاحت بى: «ماذا تقول؟». # فانفجرت، ms28 وقد نفد صبرى، وصحت، كما تصيح: «أقول إنى لست هذا الغلام الذى تسمونه «سونه»، ~~وما كنت أعرف أن هذا اسمه إلا بعد أن نادتنى به أمى ... وهى أيضا ليست أمى بل زوجتى ... قولى ~~ما شئت وظنى بعقلى الظنون، فما عدت آبالى ولكنها الحقيقة، أيضا أن هذا العجل السمين الذى ~~تظنونه عمى، ليس عمى، فما لى أعمام ...». # وأمسكت - اضطررت أن أمسك - فقد سقطت على الأرض مغشيا عليها! لم تقل شيئا، ولم تصرخ، بل ~~هوت، كما يهوى الثوب، الفارغ، فاضطربت، وتلفت، وأشفقت أن أستنجد بأحد فتحدثهم بما سمعت، ~~فيحملونى إلى مستشفى الامراض العقلية، ولمحت زجاجة كولونيا فخطفتها وصببت منها على وجهها، ~~وعلى كفى وأنشقتها، وجعلت أضرب لها وجهها، حتى فتحت عينيها ثم جلست وقالت وهى تفرك عينيها: ~~«ياله من حلم» وتنبهت إلى وجودى فسألتنى: «سونه، ماذا جرى لى»؟ # قلت: «لا شىء. رأيتك تترنحين كالسكرى ثم تسقطين». # وحدثت نفسى أن خير ما أصنع هو أن أشجعها على الظن بأنها كانت تحلم، وأنها سمعت فى غيبوبة ~~لا منى. # سألتنى: «هل كنت تقول لى شيئا»؟ # قلت: «نعم، كنت أسر إليك ...». # فصاحب بى وكفها على جبينها: «لا، لا، لا، لا تفعل ... يكفى يكفى ...». # قلت: «ولكنك كنت موافقة على أن هذا الزواج لا يجوز ويجب أن يحال دونه»؟ # قالت: «إيه؟ زواج»؟ # قلت: «نعم. هل نسيت ما حدثتك به من أن عمى يريد أن يتزوج أمي»؟ # قالت: «آه. صحيح.. وو ...». # قلت: «وكنا نتشاور فى الوسيلة لمنع ذلك، وإذا بك يغشى عليك». # قالت: «أهذا كل ما كان»؟ # قلت: «كله». # فتنهدت، وقالت: «الحمد لله. ولكنه حلم لن أنساه. ما أفظعه»! # قلت: «ماذا رأيت فيه»؟ # قالت، وهى تنهض إلى قدميها: «لا، لا، لا ... لا أستطيع. أووف يا حفيظ يارب»! # وسحبتنى معها وخرجت بى من الغرفة. # وهكذا ضاعت الفرصة، وعدت بالنمل مدسوسا فى جيبى كما جئت ورجعت إلى غرفتى، وعضنى الجوع، ~~ولم أجد شيئا يؤكل. فاستلقيت علي السرير فأغفيت، ورأيت فيما يرى النائم انى صبى صغير من ~~خشب، وأنى أرتدي ثيابا من ms29 ورق، وعلى رأسى طربوش أسمر من لباب الخبز، فأخوف ما أخاف النار ~~والفيران. وبصرت بملعب على بابه رجل ينقر علي طبلة بعصوين ويدعو الناس أن يدخلوا، فتسللت من ~~بين الأرجل، وإذا علي المسرح صبيان مثلى من خشب يرقصون، فما إن رأونى حتى كفوا عن الرقص ~~وصاحوا جميعا: «هذا أخونا التائه قد رد إلينا». ودعونى إليهم فقفزت فإذا أنا على صلعة ~~رئيس الجوقة التى تعزف، وقفزت مرة أخري فإذا أنا معهم، فأقبلوا على يحيوننى ويعانقوننى. ~~ودخل علينا عملاق يشبه عمى، نهرنا وزجرنا عن العناق وساقنا أمامه. وإذا نحن فى المطبخ وإذا ~~كبش عظيم يشوى على النار، وانطرح العملاق على كرسي ونفخ نفختين ثم قال: «النار تكاد تخبو ~~وتهمد، وعشائى لم ينضج، فتعال أنت (وأشار إلى) لألقى بك علبها فتذكو». # فجعلت أتوسل إليه وأقول إنى يتيم ولا أريد أن أموت - فعطس فقلت: «يرحمك الله» ودنا منى أخ ~~من خشب خيل لى أن فيه مشابه من أحد ولدي وهنأنى بالنجاة، وقال إن صاحبنا يعطس إذا رق قلبه ~~وأدركه العطف وسمعت العملاق يصيح مرة أخرى: «ولكنى لن أتعشى إذا تركت النار تخبو، فتعال ~~آنت». وأشار إلى الأخ الذى يشبه ابنى فبكى، وبكيت ثم رفعت رأسى وقلت: «كلا. إذا كان لابد من ~~إلقاء أحدنا علي النار فأنا أولى». فعطس العملاق عطستين، فتبادلنا التهنئات، ونظر إلي وقال: ~~«تعال أقبلك». فقفزت حتى صارت قدماى على لحيته، فضمنى إليه بأصبع، ثم حطنى على الأرض وقال: ~~«كنت أرجو أن أنعم شيه ولكنه لم يبق لى مفر من أكله ملهوجا ... لا بأس لا بأس». # فأقبل بعضنا على بعض يعانقه ويهنئه. والعملاق يهبر ويلقى فى فمه ولا يلقى إلينا عظمة، ~~فالتهبت جوعا وتلوت أمعائى، وذهبت عيناى فى رأسى واسترخيت فانحنى ظهرى، وصر، ورثيت لنفسى، ~~وانهملت دموعى كالخيط المتصل، وأحاط بى إخوتى ينقرون على كتفى، ويسألوننى: «مالك تنتحب»؟ ~~ويهزوننى فرفعت عينى إليهم فإذا أمى حانية على تسألني: «مالك يا سونه»؟ # قلت: «جوعان..». # قالت: «الأكل حاضر يا حبيبى. قم». # | الفصل الثامن # وكانت المائدة ms30 حافلة بما طاب من «الآكال والأشواب» التى كان ابن الرومى يحسد التجار على ~~الفوز بمثلها. وأحسب أن ما أثقلت به إنما كان من أجل هذا العم المحتال. فما يعقل أن تجتزئ ~~هذه الكرش العظيمة باليسير أو الرقيق أو «تلك التى مخبرها ناعم. تلك التى منظرها شاحب». ان ~~لا يفتأ يكظ لى طبقى ويحضنى على الأكل، ويزين لى طيبه وخفته علي المعدة، وحسن ما يفيده من ~~المتعة والصحة، كأنما يجد فى الوصف لذة كلذة الالتهام، أو كأنما هو يأكل بعينه وأذنه فضلا ~~عن فمه - بجوارحه وحواسه جميعا - ولا يزال يبدئ ويعيد فى الثناء على الطباخ. وكان جالسا ~~أمامى - أعنى عمى لا الطباخ - وزوجتى - أعنى أمى - بيننا إلى صدر المائدة فلم يفتنى ما كانا ~~يتبادلان من لحظات مختلسة أو نظرات صريحة، فقلت فى نفسى: «يا خبيث، أو تحسب أنى أجهل أن ~~التودد إلى الابن وسيلة إلى قلب الأم؟ وأن الثناء على حذق طباخها وسيلة أخرى؟ ولكنك تجهل ~~أنى رجل فى زى غلام. وما أظن بك إلا أنك كنت حقيقا أن تجتوى هذا الطعام وترتد شهوتك عنه لو ~~اطلعت على الحقيقة». # ولم تكن بى حاجة إلى ترغيبه وحضه. ولكنى كنت أتقزز عن الطعام، من سوء ما يصنع، فقد كان ~~تلقامة، يعظم اللقمة ويلقى بها فى فمه كأنما يرميها فى كهف. وكان يأخذ اللحم بمقدم أسنانه، ~~ويتمخخ العظم، ويتلمظ، ويتمطق، وتعلقت بشاربيه قطرات من الحساء. وانتشر بعض الفتات على ذقنه ~~وصدره، حتى كرهت أن أنظر إليه، وصرت أتعجب لهذه المرأة ماذا أعجبها منه؟ ولكن النساء لغز، ~~والذى يعرفهن معرفتهن لم يخلق بعد. # وكنت أحدث نفسى كلما وقعت عينى عليه أنه لا ينقصه من العملاق الذى روعنى فى منامى إلا أن ~~تركب له فى عذاريه مخلاة من لحية، ولا ينقصه من الدواب إلا أن تملأ المخلاة ~~شعيرا. # ونهضنا عن المائدة بعد أن انتقل ما كان عليها - أو معظمه - الى جوفه. وآن أن نتفرق ~~لنستريح استعدادا للمساء والحفل الذى سيكون فيه. وكنت أتظاهر قبل ذلك بالفتور ms31 وثقل الجفون. ~~فلما أخلى سبيلى ذهبت أثب صعدا إلى غرفته وأخرجت كيس النمل من جيبى، وحللته، وأفرغت معظمه ~~فى ساقى المنامة وكميها، وأطلقت البقية بين المخدات وأغطيتها، وكررت بسرعة إلى غرفتى وقفزت ~~إلى السرير، دون أن أخلع نعلى وتناومت. # ولم يكن هذا ما أبغى، ولكنه كان ما وسعنى. وما حيلتى وقد خذلنى الجناينى، ولم يجئنى، إلا ~~بهذا النمل الذى لا خير فيه ولا غناء له؟ ولقد زعم أن قرصه كى، فعسى أن يصدق. وخامرنى الشك ~~فى إمكان شعوره بدبيب النمل ولكعه جلده، فإنه سميك غليظ. ولكنى تمنيت على الله أن يحرمه ~~النوم والراحة على الأقل، فيسوء خلقه، وترى هذه المسكينة المخدوعة، من شكاسته وجلافته ~~وعسره، ما كان يحرص على ستره بحلاوة اللسان. والله قادر على أن يضع سره فى أضعف ~~خلقه. # وآخذنى النوم وأنا أتعلق بالأمل فى النمل، وأتحول شيئا فشيئا إلى الاعتماد عليه والثقة ~~به. وما أدرى أطال نومى أم قصر. ولكن الذى أدريه أنى استيقظت مذعورا على صرخات مجلجلة ~~ودبدبة شديدة فى الردهة، وأصوات مختلفة ولجب عظيم. فأيقنت أن الله قد أجاب دعوة هذا الطفل ~~الغرير البرىء الطاهر النفس. وترددت، هل آخرج أو أبقى؟ وزهدنى فى الخروج علمى أنى جنيت هذا ~~وخوفى أن يفضحنى وجهى، ورغبنى فيه أن اختبائى شبهة كافية، وقرينة دالة. ولا يعقل أن أظل ~~مستغرقا فى نومى - وإن كنت طفلا - على الرغم من هذه الزعقات الشديدة، والصرخات العالية، ~~والهرج العظيم، والخبط والدب. واشتهيت أن أراه وهو ينط، ويتلوى، ويتعوج، ويتحرق ويشتم. ~~وتصورت منظره وهو يفعل ذلك فضحكت. لم يبق محل للتردد والاحجام. # ولم أجد فى الردهة غير أمى والخدم من رجال ونساء. وكانوا جميعا يتلاغطون ويضوضون، ولا ~~يحفلون أن أمى بينهم. فسألت عن الخبر وأنا أتكلف الجهامة، فالتفتت إلى أمئ، وأراحت يدها ~~على رأسى وقالت بحنو: «مسكين.. تعال نم فى غرفة أخرفة أخرى بعيدة من هنا.. لا حول ولا قوة ~~إلا بالله! ألا يستطيع الولد أن يستريح ساعة »؟ # وهمت أن تمضى بى، فثبت قدمى. فما ms32 يجوز أن تفوتنى ثمرة مجهودى! وسألتها: «ولكن ما هى ~~الحكاية؟». # قالت: «علمى علمك. كل ما أعرفه أن عمك خرج يصيح ويصرخ، ويضرب الأرض برجليه، وفى يده إحدى ~~قطعتى المنامة. فلما خرجنا إليه أسرع فدخل وأقفل الباب وظل يصيح من خلفه ويسب ويلعن ... وقد ~~سكن الان قليلا ... فعد إلى غرفتك أو تعال معى». # قلت: «كلا» ونحيت يدها «سأدخل عليه لأرى ماذا جرى له». # ودققت عليه الباب فصاح من ورائه: «لا يدخل أحد..». # قلت: «أنا سونه يا ... عمى». # فصرخ: «امش يا خنزير يا قليل الحياء». # قلت وأنا أغالب الضحك: «أقول لك أنا سونه». # قال: «آه! تقتل القتيل وتمشى فى جنازته. هيه؟ تحشو لى ثيابى نملا وتجئ تسأل عنى ... لتنعم ~~بمنظر جلدى المشوى.. طيب يا ملعون والله لأؤدبنك». # فالتفت إلى أمى، وكانت قد تبعتنى لما سمعت صوته، وقلت: «هل سمعت؟ إنه يزعم أنى وضعت له ~~نملا فى ثيابه. فمن أين أجىء بهذا النمل، ولا نمل فى البيت»؟ # فجذبتنى أمى من ذراعى وقالت: «سخيف ... ثقيل.. تعال». # فطربت، وكدت أرقص، من الفرح، وهممت بأن أنط وأبوسها، ولكنى رددت نفسى مخافة أن ترتاب ~~فيفسد التدبير. # ولما عاد كل امرئ من حيث جاء، وسكنت الضجة، دخلت الفتاة الحسناء التى كنت لا أزال أجهل ~~اسمها، وأشارت إلى وسبقتنى إلى الشرفة، ثم قالت لى بصوت كالهمس: «فى المرة المقبلة أرجو أن ~~تكون أكثر حرصا». # قلت: «ماذا تعنين»؟ # ونسيت أنى كنت فى الصباح قد رجوت منها أن تكون فى حلفى على عمى. # قالت: «لا تحاول أن تكابر، فليست هذه بالمرة الأولى، ثم إنك قد تركت هذا الكيس». ورفعت به ~~يدها لأراه. # فسألتها: «أين وجدته»؟ وأدركت أنى اعترفت. # قالت: «لمحته على السرير فأخذته». # قلت: «هل رآه»؟ # قالت: «لا، كان هذا قبل دخوله لينام». # قلت: «إنه يتهمنى على كل حال» وهززت كتفى. # قالت: «نعم، ولكن الكيس دليل مادى يقدمه إلى ماما فتقتنع، أو تشك على الأقل، فلا ترميه ~~بالتحامل عليك. أما الان ...». # ومطت شفتيها. # قلت : «هاته». # قالت: «ليعثروا به عندك؟ كلا.. سأحتفظ ms33 به». # قلت، وآنا أهز كتفى: «إنه كيس فارغ». # قالت: «لم يكن فارغا جدا لما وجدته. وقد تسأل عنه: من أين لك هذا؟ فتلجأ إلى الكذب. ~~ولست أحب لك هذا». # قلت: «ألم أقل لك إنك أجمل فتاة وأطيب فتاة رأيتها»؟ # فابتسمت، وشردت نظراتها، وقالت كأنما تناجى نفسها: «لا أدرى لماذا أحبك كل هذا الحب، وإن ~~كنت شيطانا صغيرا». # فوددت أن أسآلها: هل تشيطنت عليها؟ ولكنى رأيت شرود لحظها، واستغراق خواطرها لها فعدلت. ~~ومضت هى فى المناجاة فقالت: «غريب. فى الصباح تعجبت لاستحيائك أن أدلك لك جسمك - وآنا الان ~~أتعجب لنفسى - آشتهى آن أبوسك وأستحى أن أفعل! لعلها عينك، فإن فى نظراتها لشيئا». # فهممت أن أكر إلى ما أفضيت به إليها فى الصباح. وخفت أن ترتاع كما ارتاعت، وألفيتنى ~~أستطيب ما أجد من حنوها على وأنسها بى، ومراضاتها لى. وحدثت نفسى آن فى وسعى أن أحبها بذلك ~~الجانب من نفسى المكنون فى ضمير الفؤاد، لا لعطفها، بل لذاتها، ولحسن وجهها واكتمال ~~آنوثتها. ولكن ما الرأى فيما نكبت به من هذا المظهر الصبيانى؟ ولأخلق بها أن تسخر منى أو ~~تسايرنى ضاحكة لاهية. # وردنى ذلك إلى التفكير فى أمرى، وأمر زوجتى وولدى، ماذا صنع الله بهم؟ ماذا قالوا وفعلوا ~~حين أصبحوا فوجدوا سريرى خاليا؟ أو وجدوا جسمى ممدودأ عليه ولا حياة فيه ولا روح؟ أليس ~~واجبى أن أبتغى وسيلة إليهم، وأن أبلغهم أنى ما زلت حيا أرزق، وإن كنت قد مسخت طفلا، ~~ليطمئنوا؟ وإنى لأجهل فى أية رقعة من الأرض أنا. وللذى صيرني غلاما قادر على أن ينفينى من ~~الأرض ويقذف بى إلى كوكب أخر. ولكن أرى الناس هنا كما عهدت. فأنا ما زلت على الارض، وهم ~~يتكلمون لغتى، فأنا فى بلادى، فليس لقاء أهلى بممتنع. ولكن هبنى لقيتهم فهل يعقل أن يصدقوا ~~أن الطفل الأمرد هو رجلهم الذى اختفى بقدرة قادر؟ أو مات؟ وهبنى اتخذت التليفون وسيلتى إلى ~~إبلاغهم ما كان ألا يعذرون إذا ظنوا أن غلاما يتماجن عليهم فى محنتهم؟ ولكن ألا ms34 أن تنوب ~~عنى هذه الفتاة الكريمة فى أداء هذا الواجب؟ وماذا يكون حكم الله إذا ذعرت مرة أخرى وأغمى ~~عليها؟ لا بأس من التجربة علي كل حال. ولنمض على حذر. والله المعين. # وسألتها: «أليس هنا تليفون»؟ # فكأنما لطمتها على وجهها. # ولما أفاقت من دهشتها قالت: «يخيل إلى أنك تريد أن تطير لى عقلى فهل سلفت منى إساءة إليك ~~حتى تعاملنى هذه المعاملة»؟ # فسألتها مستغربا: «لماذا؟ ماذا قلت مما يمكن ان يحمل على هذا المحمل»؟ # قالت: «تسأل عن التليفون كأنك لا تعرف ... وفى الصباح تقول لى إنك لا تعرف اسمى، ولم ترنى ~~من قبل و...». # قلت: «ألا تزالين تسيئين بى الظن، وتحسبين أنى لا أقول الحق»؟ # قالت: «رجعنا إلى ماكنا فيه صبحا! (وتنهدت) الأمر لله (وكأنما تذكرت فقالت) هل تعنى أنك ~~لا تعرف أن فى البيت تليفونا»؟ # قلت بابتسامة مرة: «وأنى لى أن أعرف؟ ألم أقل لك ...»؟ # قالت: «لم أر طفلا أعسر منك أو أصعب مراسا». # قلت: «حلمك ... كل ما أريد منك، ويطمعنى فيه حبك لى، هو أن تذهبى أنت إلى التليفون، فى غفلة ~~من الرقباء، وتطلبى رقما سأكتبه لك، وتقولى لزوجتى أو أحد ولدى أو الحاجة، إنى ...». # ولم أتمها، فقد راحت تنفخ نفخا شديدا كأن فى جؤفها بركانا فائرا، ثم التفتت إلى ~~والعبرات ترفض على خديها وقالت: «ألا ترحم ضعفى؟ ألا يعطفك على أنى محتاجة إلى عمل هنا؟ ~~هل تريد أن أخرج من البيت»؟ # وثنت رأسها ووضعت كفيها على وجهها وانتحبت. فكاد قلبى يتفطر. وأقبلت عليها أدعوها إلى ~~السكينة، وألاطفها، وأقسم لها أنى لن أعود إلى ما تكره منى. # فقلت وهى تنحى الدمع عن خديها بأصبعها: «لست أكره منك شيئا، وأنت تعرف ذلك ولكن أخشى على ~~عقلى من مثل هذا الكلام. فاصنع معروفا و..». # فلثمت جبينها، ومسحت لها دموعها ووعدتها أن أكف. كلا ... لا فائدة. وصدق من قال: ~~«ماحك جلدك مثل ظفرك # فتول أنت جميع أمرك» # ولكن كيف؟ كيف؟ هذه هى المسألة.. # | الفصل التاسع # قضيت بقية النهار - ألا متى يصبح ms35 «ذاك» النهار؟ - فى سجن. ولست أعنى أنى حبست فى مكان، أو ~~غلقت على أبواب، أو حيل بينى وبين الحركة والتنقل. كلا. فقد كنت أصعد وأهبط، وأدخل ~~وأخرج، وألعب وأرتع وأنط، فى البيت والحديقة، كما أشاء بلا تقية أو حذر. ولكنى كنت وحدى لا ~~رفيق لى، ولا ترب ألاعبه ولا شىء ألعب به. فاستوحشت وكانت أمى فى مخدعها أغلب الوقت. وما ~~كان لى لذة فى مجالسة امرأة يخالط إحساسى بأنها أمى إحساس آخر بأنها زوجة. ولا كانت لى رغبة ~~فى حديث هذا العم الذى نام، وشخر ونخر، بعد أن هزم جيش النمل، وكان الخدم مشغولين فى جناحهم ~~بإعداد ما كلفوه للاحتفال «بمقدمى السعيد» أو عيد ميلادى كما يزعمون. وما جدوى الخدم، وأنا ~~بى حاجة إلى من أبثه شجنى فيصدق ولا يرتاع أو يغشى عليه أو يفر منى، أو يحدق فى وجهى ويتفرس ~~كأنما يحاول أن يرى أمارات الجنون التى يرجو أن ترتسم أو تبرز على صفحته، أو يجسنى لعلى ~~محموم يهذى، أو يذهب يقهقه ويجاملنى فيسايرنى وفى ظنه أنى أتخيل ما أقول وأصف. # وكان أمرى يحيرنى، ويورثنى اضطرابا وقلقا شديدين، فإنه إن يكن هذا حلما فقد طال وثقل، ~~والأحلام لاتطرد على هذا النحو المنتظم، والاغلب فيها أن تتغير مناظرها وصورها ومواقفها ~~وسائر ما يتمثل فيها لرائيها بغير ضابط، وهذا الذى أنا فيه والذى أراه، يجرى على نسق الحياة ~~الدنيا، ويسير الهوينى جدا، كتأتأة الطفل الذى يتعلم الخطو، ومتى بالله ينتهى حلم يأبى إلا ~~أن يبدأ من بداية العمر، وتبطئ الساعات فيه كل هذا الابطاء فى الدوران؟ وسأحتاج إلى سنين ~~وسنين كالدهر طولا حتي أكبر، آو أفيق، وأرانى مرة أخرى على سريرى فى غرفتى التى أوصدت بابها ~~... أترى كسروه على، أم تركونى أنام إلى العصر الذى أنا فيه الأن؟ من يدرى؟ أم الأمر جد، وقد ~~رددت طفلا؟ إن يكن هذا هكذا فلماذا بقى عقلى عقل رجل؟ أم تراه سيصغر شيئا على الأيام - أو ~~على الساعات - حتى ينقلب هو أيضا عقل غلام حدث؟ ms36 فانى أرى نفسى تنازعنى أن أصنع ما يصنع ~~الصبيان وأن أركب الحياة والناس بما يركبهما به حدث غرير، ولو تم هذا التحول لكنت به أسعد ~~وأشقى - أسعد لأن. حداثتى تستوفى حيئذ حقها بانتقاء هذا التلفيق والترقيع، وأشقى لأنى أبت ~~صلتي بما عشته وألفته وأنساه، وتتغير شخصيتي التى أنا بها ما أنا، ولست أرضى لنفسى هذا، ~~ولست مستعدا أن أرضى سلفا عن شخصية جديدة أجهلها، وأعتاضها من شخصيتي القديمة المألوفة، ~~ثم لماذا تكتب لى وحدى هذه المحنة دون خلق الله جميعا، ويقضى على أن أحيا حياتين ~~مختلفتين، وأمر بعهد الحداثة وما يليها مرتين؟ وإذا ظل الحال يجرى على هذا المنوال فأصغر ~~بعد أن أكبر، فمتى يمكن أن أستريح وأعفى من هذا العناء المتكرر؟ # وكنت وأنا أدير هذا فى نفسى أتمشى فى الحديقة، فخطر لى أن مد البصر إلى المستقبل متعبة، ~~وأن الساعة التى أنا فيها أولى بالعناية، وأن أول ما ينبغى هو أن أعرف أين أنا؟ أى بلد هذا ~~وأى حى؟ لأعرف أقريب أنا أم بعيد من أهلى وبيتى، ويحسن أن أعرف ماضى «الجديد» فقد أقحم - ~~على حاضر أعيشه وأحياه بماض يعد «مستعارا» وهذا ترقيع لا تصلح به الحياة التى أعطيتها ~~فإما أن أعطى ماضيها معها أو أعاد إلى الحاضر الذى زحزحت عنه وأجلبت لا أدرى كيف؟ # وعلى فرط ما أجهدت رأسى، لم أر إلا أن الموقف يدعو إلى القنوط، فما من وسيلة مثلا إلى ~~إقناع أهلى، إذا تسنى لى أن أتصل بهم، بأنى أنا أنا - أعنى أنى أنا المفقود الذى اختطف وأن ~~كل ما حدث أنى صببت فى هذا القالب، فأصبحت «طبعة جيب» من الرجل الذى كنته وكيف يمكن أن ~~يصدقوا أو يقتنعوا؟ ولكن الا يمكن أن يقتنعوا إذا ذهبت أخبرهم أخبار ماضى معهم وأروى لهم ~~ما كان بينى وبينهم فى حياتنا المشتركة؟ ممكن إذا أصغوا، ولم تطر عقولهم قبل أن أفرغ من ~~الكلام. # إذن أسلم أمرى إلى الله، فلا سعى ولا محاولة ؟ وماذا يسعنى خلاف ذلك إلا إذا أردت ms37 أن أحمل ~~إلى مستشفى المجانين لأعالج وأداوى من الخرف الذى أروع به الناس. # وكنت قد صرت تحت شجرة برتقال سكرى مثقلة الأغصان يما تحمل من هذه الفاكهة الطيبة. فجرى ~~ريقى. فمددت اليد وقطفت وذهبت أقشر وأمص وقد أذهلتنى حلاوة البرتقال عما كنت فيه، فلما شبعت ~~وهنئت، رحت أتعجب وأقول إنى أرانى كبيت ذى شقتين أو جناحين، فلا أدخل واحدة إلا بالخروج من ~~الأخرى، ومتى كان فتح باب من هذه، أغلق باب تلك، وإن هذا ليكسبنى ازدواجا ورحابة، ولكنه ~~يكلفنى شططا، فإن إحدى الشقتين يجب أن تظل سرا مطويا، وإلا حلت بى متاعب لا ينقصنى أن ~~أعانيها، وستسكن هذه الشقة وطاويط الخواطر السود، ولكن ما حيلتى؟ وهل يعوض هذا أن الجانب ~~الاخر يستطيع أن ينعم بمرح الصبيان وخفة الحداثة وطيش أحلامها وذهولها بجدة الحياة الفياضة ~~عن الجد؟ ربما ... جائز ... وإذا كان قد جاز أن أصير طفلا فلماذا لا يجوز أى شىء اخر؟ # واليوم عرفنا أنه الجمعة، وغدا يجىء السبت، وأحسب أن سيكون على فيه أن أذهب إلى المدرسة، ~~وإن كانت عينى لم تقع فى هذا البيعلى كتاب أو دفتر أو قلم، أم ترى للدرس غرفة خاصة؟ وكيف ~~أذهب إلى مدرسة لا أعرف أين هى؟ وهبهم حملونى إليها فى سيارة، أو رافقنى إليها خادم، فإلى ~~أى الفرق أقصد؟ وأى التلاميذ أحيى، وعن أيهم أعرض، ومن ألاعب ومن أتقى؟ واه لو كان الذى ~~تقمصت بدنه قد ورثنى عداوات وخصومات وثارات؟ وأخرج يوما أو ليلة أتمشى فإذا ثلاثة أو أربعة ~~- أو أكثر أو أقل - من الحاقدين الموتورين أو المولعين بالشر - لوجه الله تعالى - قد كمنوا ~~لى وراء شجرة، ثم انقضوا على وأوسعونى لكما وركلا وتمزيقا؟ آو قذفونى بحجارة فشجوا لى ~~رأسى وأسالوا دمى وهشموا عظمى؟ وكيف أتقى هذا وقد أهمل الذى تخلى لى عن بدنه أن يترك لى ~~ببانا يعرفنى ماضيه وعلاقاته الحسنة والسيئة؟ أما إنه والله لاهمال! أو لعلها سرعة الإبدال ~~أنست الذى تولاه أن يعنى بهذه التوافه. وماذا كان الداعى إلى كل ms38 هذه العجلة؟ وما ضره لو كان ~~تأنى، بل عدل؟ # وخفت أن يذهب عقلى، فقد بدأت أخلط، فأقصرت، وبدا لى أن أذهب أعدو فيرفض عنى هذا الكرب ~~عرقا. # | الفصل العاشر # وكان مساء ... # أي والله كان مساء ... وأى مساء؟ لن أنساه ما حييت، فقد كان سلسلة رجات تميد بى منها الارض، ~~حتى لقد كنت - أفرشح وأنا واقف وأباعد ما بين رجلى التماسا للثبات، من فرط شعورى بالزلزلة. # ولكنى أسبق الحوادث، فلأبدأ من البداية. # والبداية أنهم عمدوا إلى حجرة رحيبة مستطيلة رفعوا عن أرضها السجادة الوثيرة - لئلا ~~يوسخها الغلمان بأحذيتهم الموحلة - ومدوا فى وسطها مائدة طويلة أقاموا عليها مقصفا، ولا ~~قصف هناك ولا شبهه، فما كان ثم إلا الديكة، والحمام، والسمك، واللحم، والحشو وما إليه ~~والحلواء من فطائر وولائق وما أشبه، والفواكه، وفى وسط المائدة فطيرة عظيمة مخلوطة بالصنوبر ~~واللوز والجوز والفستق - على الرغم من انقطاع الوارد من ذلك فى هذه الحرب - غرزوا فيها عشر ~~شمعات بعدد سني عمري. فتأمل! لو جعلوها مائة أو مائتين لما أخطأوا أو أسرفوا، فقد عشت فى ~~هذا النهار وحده قرنا كاملا وزيادة! # وأضيئت الأنوار كلها حتى بتنا كأننا فى عرس.. فشعرت بيد غليظة تعصر قلبى، إذ تذكرت أن ~~زوجتى المسكينة تندبنى الآن، وأن ولدى قد غاض معين المرح من نفسيهما، وحلت فيهما الترحة ~~والغصة وأنا هنا يحتفي بي الناس ويسروننى ويبروننى. # و أقبل الغلمان فرادى وجماعات، وأنا أحييهم وأرحب بهم، وإن كنت أنكرهم ولا أعرفهم، وكانوا ~~يسلمون ولا يزيدون على الابتسام، ولا يجرون ألسنتهم بكلمة تهنئة، وأحسبهم ما كان يعنيهم إلا ~~الطعام الذى سيطعمونه، أو لعلهم كانوا على استحياء من أمى، وفزع وجزع من منظر العم الذى لا ~~حاجة إلى تعريف جديد به. # وصاروا كثرا، وغصت بهم الحجرة التى سيقوا إليها، ورأيتهم صامتين يتخالسون النظر فقلت فى ~~سرى: إنه لا يطلق ألسنتهم ولا يحل عقدتها إلا الطعام، فنهضت وأشرت إليهم أن تعالوا إلى ~~المائدة، فهزت أمى رأسها أن لا، وأشارت بأصابعها مضمومة أن تأن ... وأن الله مع ms39 ~~الصابرين. # فدنوت منها وسألتها: «ما الداعى إلى التأخير»؟ # قالت: «أما إنك لغريب ... ألا تنتظر الباقين؟ لماذا تأخروا يا ترى»؟ # ومضت إلى الباب ونادت: «يا لولو.. لولو». # فتعجبت للولو هذه من عساها تكون. ولهذا الولع بتصغير الكبار فى بيت يصلح أن يكون ثكنة ~~لفيلق كامل. # وجاءت لولو فإذا هى فتاتى الحسناء التى خلعت لها قلبها وذعرتها بما حدثتها به فى الصباح، ~~والتى أكاد أرجح أنها ما تحولت إليه الحاجة. # وقالت لولو بأدب - تالله ما أحلى اسمها، وإن كان يذكرنى باسم كلب كان لنا وأراد لص أن ~~يسرق بيتنا فدس له سما فى طعام تمهيدا للسطو المنوى: «نعم يا ستى». # قالت الست: «اسألى بالتليفون عن حمادة وسعيد لماذا تأخرا واستعجليهما». # حمادة، سعيد؟ ما أغرب هذا الاتفاق! وهممت أن أسألها من يكون هذان؟ ولكنى تذكرت أنى ~~أعرفهما، أعنى أن المفروض أنى أعرفهما، ولابد أن العلاقة وثيقة ما دامت أمى تعطل الحفلة ~~كلها وتؤخرها من أجلهما. # وخرجت لولو. ولكنها لم تذهب إلى التليفون، بل دارت على عقبيها وقالت ويدها على الباب: «ها ~~هما يا ستى». # وصدق حدسى، وكنت أرجو أن يكذب. فما كان حمادة وسعيد غير ولدي الشقيين. ودارت بى الأرض حتى ~~لم أعد أدرى أواقف أنا على قدمى أم على رأسى. ولما استقرت الأشياء فى مواضعها، وعادت، كما ~~كانت، ثابتة لا تترنح ولا تميل كل مميل، مسحت العرق المتصبب من جبينى ومددت يدى إليهما ~~واحدا بعد واحد. فضغطها كل منهما ضغطة خفيفة، وغمز بعينه. نعم هما الشقيان ولا شك، فإن هذا ~~الضغط وذاك الغمز دأبهما أبدا. وهى لغة لهما يعنيان بها أشياء شيء - تترجمها أنت على مقتضى ~~الحال إذا كنت تعرفهما، فمرة يكون المراد التهنئة أو التحية، وتارة يكون التذكير بعبث شاركا ~~فيه، وسرا به، أو بعبث اتفقا معك عليه، وطورا يكون إنذارا بما ينويان أن يركباك به، ~~فإنهما يأنفان أن يأتيا شيئا من هذا القبيل لم يسبق الإنذار به والتحذير منه، وهكذا إلى ~~آخره إن كان لهذا آخر. # ولم يكن يبدو عليهما ms40 قلق، أو ما يشى بقلق، فكدت أجن ... أهذا حال فتيين أصبحا فإذا أبوهما ~~قد شق الأرض - والسرير - واختفى؟ أو وجداه جثة هامدة؟ مستحيل! إذن ماذا؟ أترانى هنا وهناك ~~فى آن معا؟ أيمكن أن أكون انفلقت اثنين، فبقى منى واحد، حيث كنا جميعا، وجىء بواحد إلى ~~هنا؟ # وكررت إليهما الطرف فإذا هما على عهدى بهما، لا يحفلان أن أمى لا تنفك داخلة خارجة، وأن ~~هذا العم الضخم قائم كأحد تمثالى رمسيس فى مدخل وادى الملوك بطيبة، فهما يدغدغان هذا تحت ~~إبطه، وذاك فى خاصرته، ويدسان أيديهما فى جيوبهما، ويخرجان مالا أدرى، ويضعانه بخفة فى قفا ~~ثالث أو أذن رابع فيصرخ وينط، ويدفع يده إلى ظهره، فيقرقر الشقيان سرورا، وتوقعت أن لا ~~أنجو من عبثهما، ولكن هذا لم يكن يعنينى قدر ما كان يعنينى أن أتبين ماذا صنع الله بى هناك ~~... عندهما ... أعنى شطرى الثانى الذى انفلقت عنه، إذا كنت انفلقت شطرين. # وآليت لاجلون هذا الأمر فجذبت حمادة من ذراعه ونأيت به عن الجماعة التى وقف معها، وتوقعت ~~وأنا أمضى أن ينظر إلى يمؤخر عينه على عادته فأدرت وجهى إليه لأرى هل فعل؟ وصح ظنى، فكان ~~ما توقعت، فزال كل شك يمكن أن يختلج فى الصدر. # وسألته: «من أين جئت»؟ # قال: «ومن أين أجىء إلا من البيت»؟ # قلت: «! ...! وكيف حال الأسرة»؟ # فقهقه اللعين وأشار إلى أخيه سعيد وقال: «إنه يسألنى كيف حال الاسرة»؟ # قلت: «ماذا يضحكك»؟ # قال: «أتكره أن أضحك يا سونه هانم»؟ # فدهشت وسألته: «سونه هانم؟ هل سمعتك تقول سونه هانم»؟ # قال ببساطة وبابتسامة فيها معنى التحدى: «إن أذنك حادة». # فغلى الدم فى عروق الرجل الباطن وسأل ببرد متكلف: «ولماذا بالله»؟ # قال بلهجة الزراية: «هذا الشعر البناتى الجميل، والصوت الستاتى الناعم». # فالختلط الأمر فى جوفى، وتنازعتنى دوافع شتى، وأشبهت مجلس سكارى يتلاغطون ولا يصغى منهم ~~أحد. فهذا رجل ثار غضبه وتلهب فهو يهم أن يصيح: «اخرس»! هذا غلام يدفع رجله ليركل حماده ~~وكفه ليلطمه . ولكن الرجل يتذكر أن حماده ابنه - أو ms41 أن له وجه ابنه - فيكظم غيظه ويرد القدم ~~الممدودة، ويجذب الكف المرفوعة فتهوى كأنما ليس فى كمها شيء. ويؤلم الغلام عجزه عن التشفى ~~فيجول الدمع فى عينيه. # وقال حماده وقد رأى ما أسفرت عنه هذه المعركة الباطنة: «ألم أقل لك إنك بنت»؟ # واصطلح على عجز الغلام الظاهر وشفقة الأب الباطن. فأوليت حماده ظهري وخرجت من الغرفة ~~كلها إلى ردهة مجاورة، ورأتنى لولو مستندا إلى الحائط، وأصابعى تنكف الدمع فخفت إلى، ~~وسألتنى: «مالك؟ هل حدث شىء»؟ # وجمعتنى، وضمتنى إليها، فدفنت وجهى فى بطنها، وتركت الدموع تنهمر. # وأحست أنى هدأت فرفعتنى عنها ومسحت لى وجهى. # انتحت بى ناحية وسألتنى: «خبرنى ماذا جرى»؟ # قلت: «زعم حماده أنى كالبنت بشعرى وصوتى». # قالت: «اخص عليه، وفى عيد ميلادك أيضا»! # قلت: «المصيبة أنه مصيب. فإن شعرى وصوتى يبدوان حتى لى أنا كما وصف». # قالت: «بل هو قليل الأدب». # فقالت البطانة المحجوبة عن عينيها بلسان الظهارة الصبيانية التى يسمونها سونه: «لا، لا، ~~لا، لا تقولى هذا. إنه ولد طيب. وقد رباه والداه فأحسنا تربيته. صدقينى فإنى أعرف». # قالت: «بل أنت الطيب لا هو. يشتمك فى بيتك، وينغص عليك عيدك ... هل هذا من حسن الادب ~~والتربية»؟ # قلت: «إن مظهرى، كما وصفه، وأنا أعترف بهذا. وكيف أكابر فى واقع محسوس ملموس؟ ولكن قذفه ~~به فى وجهى مؤلم ... أما لو كان يعرف»؟ # فسألت: «يعرف ماذا»؟ # قلت: «لا شىء، يحسن أن أعود إلى ضيوفى». # ودخلت فى هذه اللحظة سيدتان، على إحداهما مسحة من ملاحة، والأخرى شابة تامة الحسن. فلم ~~أعرفهما كما لا أحتاج أن أقول، وإن كانتا قد أوسعتانى تقبيلا وتهنئة. وكان من غريب أمرهما ~~أن إحدهما - سريعة الكلام، ولكنها تتكلم بأقصى حلقها، ففى صوتها مقمقة لا تخف على الاذن، ~~والأخرى كلية اللسان ولثغاء بالراء. # وقد غافلتهما، وهززت رأسى للولو مستفسرا عنهما، فابتسمت وخبطت كفا بكف فملت إليها ~~وقلت: «إنما أريد أن تحدثينى عنهما، لا أن تعرفينى بهما». # فقالت: «إنهما كما تعرف أختان، وقد تزوجت الكبرى ومات عنها زوجها فرجعت إلى ms42 أهلها، فكان ~~هذا من من سوء حظ أختها. فقد كان خطابها كثرا فقلوا بفضل أختها». # فاستزدتها فقالت: «الصغرى لا تخلو من سذاجة. وكلما خطبها خاطب، راحت الكبرى تدور من ~~ورائها وترمى نفسها على هذا الطالب، وفى مرجوها أن تفوز هى به فتنفره، وهكذا، فلا أمل ~~للصغرى فى زواج ما لم يسق الله من يحمل الكبرى ويريح أختها من حماقتها». # فسألتها - لم يسعنى إلا أن أسألها: «وأنت يالولو، أصدقينى، أليس لك خطب»؟ # فدفعتنى بيدها وقالت وهى تضحك: «لا تسخر منى». # قلت: «إنك كنز، حصان رزان، لبيقة عطوف. وإن الذى يظفر بك لسعيد». # قالت وهى تتنهد: «ومن ذا الذى يرغب فى خادمة فقيرة؟ ثم إنى راضية قانعة بما أنا فيه. ~~ولله الحمد». # وتنهدت مرة أخرى، وندت عن صدرها «إيه» طويلة ممطوطة ثم تنبهت وقالت لى: «اجر العب مع ~~ضيوفك ... اذهب ... ماما تشير». # ودخلنا إلى حيث المائدة، وتقدمت الصفوف، وإلى يمينى ويسارى حماده وسعيد، ولم أخترهما أنا ~~وإنما اختارتهما أمى - تلك التى أعرف بشقى المستور أنها زوجتى - فحمدت اختيارها على الرغم ~~من تطاول حماده على بالقول الجارح والوصف الممض، واصطففنا أمام المائدة من الجانبين. وحمدت ~~لأمى مرة أخرى أنها أعفتنا من العم والسيدتين ومضت به وبهما إلى غرفة أخرى وتركتنى مع ~~أترابى أحرارا. وما كادت تخرج، حتى صارت الغرفة كالحمام الذى ليس فيه ماء، فعلا الصياح، ~~وكثر اللغط، وتدافعت الأيدى، وانطلقت صرخات من هنا وههنا، لأن واحدا داس على قدم جاره، أو ~~ضرب ساقه العارية بطرف حذائه، المحدد، أو رفسه بمؤخره، أو قرصه، أو فعل غير ذلك مما يغرى ~~به الغلمان. # وكان حمادة وسعيد لا يأكلان إلا بقدر، وكنت أحثما وأشجعهما فيبتسمان ولا يزيدان، فسرنى ~~وساءنى هذا - سرنى منهما القصد وقلة التهالك، وساءنى أن أراهما يأكلان دون الشبع. # وآن أن ننفخ الشمعات ونطفئها، وكان شر ما فى ذلك أن الأم وضيوفها عادوا ليشهدوه، فخفتت ~~الأصوات، وصارت همسات مقرونة بخبطات خفية ووخزات الجنوب، ونخسات من الخلف، وركلات تحت ~~المائدة، وكان بالى إلى الجمع وعينى ms43 عليه لا على جارى اللذين كانا يبدوان ساكتين رزينين. ~~وقد أقلقنى منهما هذا السكون، فإنى أعرفها، لا يكون سكون طائرهما إلا نذيرا بالشر. # وأدنيت الفطيرة بالشموع المغروزة فيها، واحتجت مع ذلك أن أشب عن الأرض لأطولها. ولم تكف ~~نفخة واحدة، فتكرر النفخ مرات إلى اليمين وإلى اليسار، وشغلت بذلك عن كل ما عداه، حتى إذا ~~فرغت منه تناولت الشوكة والسكين وعكفت على الفطيرة أقطع منها وأوزع. وناولت منها الكبار ~~نصيبهم، فحملوه فى أطباقهم ووقفوا حلقة على مسافة منا يتحدثون، وإذا بهؤلاء الصبيان ينفجرون ~~ضاحكين مقهقهين، مكركرين، مطخطخين، ويلقون بالأطباق على المائدة فترتج وتقع الأشواك أو ~~بعضها على الأرض، ويروح بعضهم يصفق، والبعض يضرب المائدة بجمع يده أو ببطنها، وأنا أنظر ~~إليهم، وأدير عينى فيهم، وفمى فاغر كالأبله من الدهشة. # ولكنهم كانوا معذورين، فقد كان منظرى يضحك الثكلى. وتصور غلاما فى ثياب جديدة نفيسة، ~~وجيوبه تطل منها وتتدلى قشور الفواكه، من مثل الموز والبرتقال والليمون الحلو! حتى العرى ~~أدخلت فيها «قصاصات» من هذه القشور، وعقدت على هيئة الأنشوطة، حتى زيق السترة المحيط بالعنق ~~تدلى من تحته قشر الموز، حتى الرأس رشقت وردتان على جانبيه، وزين اليافوخ بنثار ~~الزهر. # وكنت حقيقا أن أحمل كل ذلك على محمل المداعبة، ولكن العيون ضربت على من حدق نطاقا، ~~وكانت سخرية النظرات والضحكات بينة، لاخفاء بها، ولم يخالجنى شك فى أن حمادة وسعيد هما ~~اللذان صنعا بى هذا، ولو اقتصر الأمر على قشور الفاكهة التى حليت بها ثيابى لما كبر على ~~ذلك، ولكنهما - والويل لهما، وإن كانا ولدى - رشقا لى الورد فى شعرى ونثرا لى غلائل الزهر ~~عليه تشبيها لى بالبنات وتشنيعا على، ولمزا فعابانى فى وجهى، وحقرانى على ملأ من أحداث ~~لاشك أنهم سيجعلونى مضعه فى أفواههم طول الأسبوع، بل الشهر على الأرجح. # ورميت الورد، ونفضت نثار الزهر عن رأسى، أول شىء، فقد كان هذا هو الذى أمضنى وأرمضنى، ~~ونزعت أمى ما على ثيابى، وهى تضحك - سامحها الله - وتقول لى: إنه مزاح لاينبغى أن ~~يغضبنى. ms44 # ولكنى كنت مغيظا محنقا ولافائدة من محاولة التسرية عنى، فدفعت يدها عنى بعنف، وانطلقت ~~خارجا من الغرفة إلى الحديقة، ورحت أتمشى، مطرقا، وأفكر فيما ينبغى أن أصنعه، فما بقى مفر ~~من أن أصنع شيئا أميط به عنى هذا الذى يلصقه بى الولدان اللعينان، ويجعلانى به أضحوكة ~~وهزؤا بين الغلمان، ولافائدة ترجى من الترقق بهما والحنو عليهما، فما يعرف أحد ما أعرف من ~~نفسى، وكل مايعرفه هؤلاء الصبيان أنى ولد مثلهم، وأن حمادة وسعيد مازحانى هذا المزاح ~~الثقيل، وزعمانى كالبنت، وأنى جبنت فالخير كل الخير أن أؤدبهما، وإن كانا ضيفى، وإن للضيف ~~لحرمة عند الكبار، ولكن الصغار لايرعون حرمة لشىء، وسيحملون حلمى على الجبن وضعف القلب، ~~ويتقرر فى نفوسهم أنى كما زعم الخبيثان فلا أزال بعد ذلك أقع كل يوم فى بلية، وأتعرض لحديث ~~الأولاد وسخرهم وعبثهم. # واستقر رأيى على أن أضربهما علقة، فى هذه الليلة، وفى هذه الحديقة، وأنسانى الغيظ ~~والموجدة، أنى لو كنت فى إهابى المنزوع لهان ذاك وتسنى، وأنى صغير مثلهما، ولعلى أضعف منهما ~~وأضوى جسما وأقل شدة عظام. # ودرت لأدخل وأستدرجهما إلى الخروج، ثم آخذهما بما فعلا. ولكنى لم أحتج إلى تكلف ذلك. فما ~~كدت أخطو خطوات، حتى رأيتهما مقبلين على مهل. فوقفت في مكانى، أنتظرهما، فلما صارا أمامى ~~قال أكبرهما (سعيد): «لقد كان منظرك ممتعا». # كأنما يباهى بما صنع، ولا يحفل ما أورثنى من ألم وخجل، فلم أقل شيئا، ورميته بنظرة سخط ~~واشمئزاز. # وقال الاخر (حمادة): «ما كان أحلى الورد فى شعرك ... لو كان الوقت اتسع لضفرت لك منه ~~إكليلا ... يا خسارة ... إذن لكنت كالعروس ليلة الزفاف». # فطار عقلى، وارتميت عليه اريد أن آخذ بتلابيبه، وأجذبه إلى الأرض وألقيه على وجهه أو شقه، ~~وأعجنه بقدمى، ولكنه كان كأنما توقع ذلك. فقد انحرف عن طريقى بخفة، فوقعت على الأرض - بوجهى ~~- كالحجر، وانغرس أنفى فى التربة الطرية، فلبثت هكذا ثوانى، لا أتحرك، ثم رفعت رأسى وجذبت ~~رجلى ونهضت متثاقلا، وشرعت أمسح ما لطخ به وجهى من الطين، وهما ms45 يضحكان، ومن ورائهما جمع ~~يضحك معهما، فقد تبعهما الباقون، وأنا لا أدرى. # وصار موقفى أبعث لى على السخط، ولهم على الهزؤ، وأدركت أنه لا خير فى مثل ما صنعت، فقلت ~~لحماده: «لو لم تكن جبانا لما أجفلت ...». # فضحك وقال بهدوء غريب: «إنما تنحيت عن طريقك إشفاقا عليك، فإنك مسكين هش لاعظم فى بدنك، ~~ولوشئت لدفعت فى صدرك فحطمت لك ضلوعك أو لبططت لك أنفك وشوهت وجهك البناتى». # قلت: «طيب خذ». وألقيت نفسى علية مرة أخرى، وحرصت على أن لا أدعه يفلت كما فعل من قبل، ~~ولكنه أخذ بناصينى وثنى عنقى، حتى خلت من ألمى أنه سينقطم، وراح يضرب صدغى بجمع يده، وبطنى ~~بركبته حتى أيقنت من شدة الوجع أنى طائح هالك لا محالة ثم خلانى ودفعنى بكلتا يديه فانطرحت ~~على ظهرى، انطراح من لا ينوى أن يقوم بعد ذلك أبدا. # ولم أكن - وأنا راقد - أفكر فى شىء أو أحس شيا سوى هذا الفتور الذى جعلنى أخلد إلى ~~رقدتى، وسمعت صوتا تأدى إلى من بعيد يقول: «يظهر أنه استحلى الرقدة، فتعالوا يا ~~جدعان». # وتالله ما أقسى قلوب الصغار وأغلظ اكبادهم، إن صح أن لهم أكبادا، وهو ما أشك فيه، فقد ~~تناولونى من ذراعى، ورجلى، ورفعونى بينهم عن الأرض وراحوا يطوحوننى يمينا وشمالا، كأنى ~~لعبة فى أيديهم، لا مخلوق مثلهم مشف على الهلكة، وكنت لا أصيح، ولا أقاوم، لأنه لم تبق لى ~~قدرة على صياح أو حركة وإن كنت مدركا لما يفعلون محسا به. ولو كان الأمر إليهم لقتلونى ~~وما عبأوا شيئا. وما زلت إلى هذه الساعة أتعجب لشدة نقمتهم على من تقمصت جسمه، وقلة عطفهم ~~عليه ورحمتهم له، فما سمعت واحدا منهم يزجرهم أو يدعوهم إلى القصد وينهاهم عن الشطط، فلولا ~~أن عم أحمد - جزاه الله خيرا - أقبل فى تلك الحظة، لظلوا فى لهوهم القاسى. وما كادوا ~~يبصرونه حتى تخلوا عنى وذهبوا يعدون فى أرجاء الحديقة، فهويت إلى الأرض مرة أخرى، كالحجر ~~.... # | الفصل الحادي عشر # وأفقت فى سريرى، على أمى بجوارى، ms46 وعمى يتمشى فى الغرفة، ولولو تضع كمادة على خدى ~~الوارم. # وسمعت عمى يقول: «لقد كان رأيى دائما أن هذا الولد يجب أن يزاول ألعابا رياضية، رياضية ~~لتشتد عظامه، وتقوى عضلاته، ولكنك تبالغين فى الخوف عليه من النط والقفز، فانظرى ماذا صار؟ ~~ولد صغير أصغر منه - يدقه هذا الدق ويطحنه حتى تنقطع أنفاسه، لو كان بنتا لما كان هناك ~~بأس، ولكنه ليس بنتا ...». # فقالت أمى تقاطعه: «ألا تكف عن هذا اللت والعجن»؟ # فدار وواجهها - بكرشه - وقال محتجا: «لت وعجن؟ أنا أريد أن يصبح رجلا وأنت تربينه تربية ~~البنات. وأنصحك مرة وأخرى. فتقولين إني ألت وأعجن! سبحان الله العظيم! طيب ... ولكنى لن أكف ~~عن اللت والعجن حتى تغيرى كل هذا. إنه ابن أخى - يعنى ابنى - كما هو ابنك. ماذا تخشين عليه؟ ~~أن تنكسر ساقه؟ أو ذراعه؟ أن يدق عنقه؟ كل الأولاد فى كل الدنيا يلعبون ولا يصيبهم ~~سوء. # فلماذا يصيبه السوء وحده دون هذه الالاف المؤلفة؟ وهبيه انكسر، فالكسور تجبر». # فتنهدت وقالت: «طيب.. طيب، آمنا وصدقنا، ولكن هذا ليس وقت الكلام ثم إن الدكتور قال يجب ~~أن لا نزعجه بكثرة الكلام، فاصنع معروفا ...». # فقاطعها بدوره وقال ساخرا: «الدكتور؟ دكتور لماذا؟ لأن ولدا ضربه علقة؟ تقلبين الدنيا ~~لأن خبطة ورم منها خده؟ هذا إسراف فى التدليل ... هذا ...». # فصاحت به: «يا أخى أنا فى عرض النبى، اسكت ...». # فصاح بدوره: «أسكت كيف؟ إنك تفسدين حياة الولد المسكين، فكيف أسكت»؟ # قالت: «طيب، تول أنت إصلاح حياته. بس فيما بعد. ولنتركه الآن مستريحا». # ونهضت بعد أن ألقت على نظرة، وإلى لولو أخرى، وسحبت عمى من الغرفة، وخيرا صنعت. فقد بدأ ~~رأسى يوجعنى من صوته «اللجب» المضوضى. # ولم يكن بى شىء يستحق الذكر غير هذا الورم الذى زاد به خدى أنتفاخا. وكان فتح فمى ربما ~~كلفنى بعض التعب وقد استغربت أن يكون الأمر احتاج إلى طبيب، ولكنى أحسب أن أمى أفزعها ~~الاغماء، فاستدعته، وكنت لما هجمت على حماده أشعر أنى أقذفه منى بجبل، فإذا أنا هش ركيك ~~البناء ms47 خرع، لا أقوى على شىء، وأخجلنى هذا الذى تبينته من أمرى ومن صدق حماده فى وصف وهنى ~~وخورى، وجال الدمع فى عينى وأنا راقد وعلى خدى الكمادة، فربتت لولو على ذراعى وقالت ~~بابتسام: «علقة تفوت ما حد يموت. تعيش وتأخذ غيرها». # وكانت تمزح ولا تقصد إلى التعبير. فأطلق ذلك لسانى فقلت: «لم أكن أعرف أن جسمى واه إلى ~~هذا الحد. وقد كنت واثقا حين هجمت عليه أنى سآكله بعظمه». # ففتحت عينيها مستغربة، وسألت: «أنت.. تقول إنك هجمت عليه»؟ # قلت «نعم. فقد تحرش بى و استفزنى فنفد صبرى فألقيت بنفسى عليه كان ظنى أنى سألقى عليه ~~درسا لا ينساه، فتلقيته أنا عنه». # قالت: «لا أزال أستغرب ... كيف هاجمته»؟ # قلت: «ألست أقول لك إنه استثار غضبى»؟ # قالت: «ولكن.. لقد كنا نظن أنه هو البادئ بالعدوان». # قلت: «العدوان باللسان. نعم، أما باليد فأنا البادئ». # قالت، وكأنها تحدث نفسها: «غريب ...». # قلت: «ما هو الغريب». # قالت: «أن تكون أنت المعتدى، عهدنا بك أن يعتدى عليك، فتلوذ بالفرار ولا تثبت ~~لاحد.» # فصرت أنا المتعجب وسألتها: «أهذا كان دأبى»؟ # قالت: «كأنك لا تعرف! إنك اليوم على خلاف ما عهدنا ... فى كل أمر ... مدهش هذا ~~التحول». # قلت فى سرى: «ما خفى كان أعظم، وإذا كان يدهشها إلى هذا الحد أن ترانى أتحول من الفر إلى ~~الكر، فكيف لو اطلعت على المغيب من تحول الرجل الشديد المحتنك إلى فتى ضعيف القلب منسرق ~~المنة»؟ # وقلت لها - كالمعتذر: «لو كنت أعرف أنى ضعيف إلى هذا الحد لبقيت محافظا على ~~تقاليدى». # فزاد عجبها ولم ينقص، وقالت، وأغضت عن المزح الذى فى قولى: «كيف لم تكن تعرف؟ هل هذا ~~معقول»؟ # قلت: «والله ما أقول إلا الحق، ولقد حملت عليه وأنا على يقين أنى ساخذه فى راحتى، كأنه ~~لعبة صغيرة، ثم آلطعه وأقضى عليه. ولكنى كنت أجهل ما أنا. فما سبق أن امتحنت قوة هذا الجسم ~~ومبلغ جلده». # فجست جبينى، وفى ظنها أنى أهذى من حمى أو غيرها. فلما لم تجد شيئا قالت: «إنك ms48 تدير لى ~~رأسى بهذا الكلام الذى تلهج به طول النهار ... فيحسن أن تسكت لئلا تتعب». # فسكت، فإن الاسترسال فى هذا المعنى عبث لا طائل تحته. # وكنت أرى رقتها وحدبها وهى تمرضنى، فأعجب لمثلها فى مثل جمالها كيف أخطاها الزواج، وما ~~أخطأها فى الحقيقة، فإنها غضة السن، ولكن مثلها يخطف خطفا؟ # وقلت لها بعد قليل: «أراك هربت منى الليلة كما تقولين إنى كنت آهرب من الأولاد ...». # فعبست - تكلفت التعبيس - وهل يحسنه من يضحك الجمال فى وجهه ويضيء؟ وقالت: «لست ~~فاهمة». # قلت: «سألتك هذا المساء لم لم تتزوجى؟ فهربت من الجواب الصريح». # فضحكت، وقالت: «آه هذا ... لا لم أهرب ... قد يسليك أن تعلم أن رجلا ليس من طبقة الخدم مثلى ~~خطبنى ...». # وضحكت مرة أخرى. # فقلت معترضا: «لست أرى موجبا للضحك ...». # قالت: «نعم. رجل ذو مال ... حكاية ظريفة. هل تريد أن تسمعها»؟ # قلت: «طبعا ... ولكن لماذا هذه السخرية ... أو هذه المرارة فى لهجتك؟.. ما عيب الرجل ذى ~~المال»؟ # قالت: «لا عيب فى ماله. وإنى لأكون كاذبة إذا ادعيت الزهد فى المال والنعيم ~~والراحة». # قلت: «العيب فيه هو إذن»؟ # قالت: «انتظر ... أصر أن أتعلم الموسيقى ...». # قلت: «فن جميل يزيد الحياة طيبا وسعة». # قالت: «صحيح ... واشترط أن أتقن العزف على الكمان. وعليه النفقات كلها ...». # فظننت أن الذى زهدها فى الرجل طول الزمن، فسألتها، فقالت: «كلا ... فإنى أتنظر بغير خطبة ... ~~فلماذا لا أنتظر بخطبة؟ ولم يكن هذا كل ما طلب وشرط. فلا بد أن أتعلم الرقص أيضا». # قلت: «أراه رجلا يعرف من أين تؤكل الكتف كما يقولون». # قالت: «كتف؟ ... كتف إيه»؟ # فابتسمت وقلت: «يعنى أنه ذكى يفهم». # قالت: «طيب ... وكان ابن خمسين وأصم وله ساق من خشب ...». # فلم أقل شيئا. ولكن الغلام الذى لبست جلده ضحك. أما الرجل الذي فى جوفه فحدث نفسه أن ~~الدنيا لا تكون دنيا إلا إذا اجتمع فيها كل صنوف الناس. # وعادت تقول بابتسامة: «ولى محب عاشق ولهان آخر ... أظنك تعرفه ...». # قلت: «أنا أعرفه؟ ... من هذا»؟ # قالت: «عم أحمد الجناينى». # قلت: «آه ms49 ... هذا الذى نهيتنى عن الكلام معه»؟ # قالت بحدة: «لم أنهك. وإنما نقلت إليك كلام الست ...». # فأستغربت حدتها، وقلت: «إنه رجل طيب ... وله على فضل ... أذكره ولا أجحده. وإن كان قد خيب ~~أملى قليلا». # فصارت هى المستغربة، وسألتنى بلهفة: «خيب أملك؟ كيف؟ إنه يحبك حبا شديدا، ويحب التراب ~~الذى تمشى عليه ...». # فسألتها مستدرجا لها: «هل قال لك ذلك»؟ # قالت ببساطة: «مرارا كثيرة ... إنه لا يكاد يكون له حديث إلا عنك». # فحدثت نفسى أن فى الزوايا خفايا كثيرة، وفى الدنيا أعاجيب لا تنتهي. هذه فتاة يخلب جمالها ~~الألباب. وفى وسعها لوشاءت أن تقطع هذه العزوبة وتتزوج فى أية طبقة. # فما يستطيع أن يقاوم فتنتها من تتصدى له ... فتعرض عن المال والجاه. وتقصر أملها على ~~بستانى فقير، تحذيه شر من الحفى ... فالحق أن الحب أعمى. والحظ أيضا. وماذا ترى أعجبها من ~~هذا البستاني؟ وماذا يروقها من حديثه، أو مجلسه أو حاله على الجملة، حتى تروح تنشد لقاءه، ~~وتنعم به - أيضا فى غفلة من الرقباء؟ وإنه لرجل طيب، ولكن هذا لا يكفى. وقلت لنفسى: ~~«خسارة. خسارة والله». # ويظهر أنى تكلمت بصوت عال، وأن هذا صار عادة لى. فقد سألتنى: «ماذا تقول»؟ # قلت: «لاشىء ...». # قالت: «ولكنك كنت تقول شيئا». # قلت: «نعم، كنت آعرب عن أسفى لأن عم أحمد جاءنى بنمل، ولم يجئنى بما هو أجدى وأفعل وأكفل ~~بأن يحمل صاحبنا على الهرب». # قالت، وهى تضع سبابتها على شفتيها: «أظنه اتيا الآن ... ليعودك فإنى أعرف دبة ~~رجله». # قلت: «إذن سأتناوم حتى تنقشع السحابة أو ينحسر ظل الجبل». وغطيت عينى بذراعى. # ولم يخطئ ظنها، فقد كان هو القادم بعينه - أو بطوله وعرضه وكرشه - ولم أره لأنى لم أرفع ~~ذراعى عن عينى ولكنى سمعتة يقول هامسا: «أهو أحسن»؟ # وأحسبها هزت رأسها فما سمعت صوتها. فعاد يقول: «عال! الحمد لله. مسكين هذا الولد. عسى أن ~~يصبح بخير ...». # ثم كأنما خطر له خاطر وهو يمضى. فارتد وقال: «اسمعى يا لولو. أرجو أن لا ... لا تذكرى شيئا ~~عن زيارتى هذه لستك ms50 فإنها ... فاهمة؟ آشكرك». # وخرج ورد الباب بحذر وخفة لئلا يوقظنى. # وسألت لولو: «ماذا يعنى»؟ # قالت: «إنه ثقيل ولا مؤاخذة، ولكنه طيب القلب». # قلت. «ولكن ماذا يعنى»؟ # قالت: «ستى دائما تعيره أن قلبه يرق لك على الرغم من الثورات العنيفة التى يثورها. وهو ~~أيضا يقول عنها ذلك ... الحقيقة أن الاثنين، يحبانك حبا لا مزيد عليه». # قلت: «شكرا لهما ... وهل تحبيننى مثلهما»؟ # قالت: «أتشك فى ذلك»؟ # قلت: «قدر حبك لعم أحمد»؟ # فاتقد وجهها واعترفت إذ سألتنى: «من أدراك»؟ # قلت: «فضحك وجهك ونم عليك هذا الأرجوان الذى صبغه». # فآطرقت حياء فقلت أطمئنها: «لا تخافى على سرك. فسيظل مطويا مع سرى». # فرفعت رأسها وسألت: «سرك؟ وما هو»؟ # قلت: «آه ... هذه هى المسألة ... إنه لا يبقى سرا إذا أفضيت به إليك». # قالت: «يا لك من ماكر! هل تعرف أنك تبدو لى أحيانا أكبر مما أنت؟» # قلت: «أوه. جدا. جدا». # | الفصل الثاني عشر # وآن أن أنام. ولم يكن يرنق فى عينى نوم. نعم كنت متعبا مهيضا. وكنت أرانى أحيانا بين ~~اليقظان والوسنان. ولكنى لم أكن أشعر بمقاربة النوم أو ثقل الجفون. # ولكن قيل لى إن النوم وجب، فقلت وهو كذلك، ورأيت أن هذا يتيح لى أن أخلو بنفسى فتظاهرت ~~بالطاعة فذهبوا عنى وصرت وحدى فوسعنى أن أفكر فى أمرى، فى سراح ورواح، وأمان من أن يتطفل ~~على خلوتى أحد بوجوده. # وقلت لنفسى هذا يوم الجمعة قد انقضى، لا بسلام، بل بعلقة، ولا عجب أن يطرد النحس فيه من ~~البداية إلى الختام. وقد انتهت الحفلة يما لا أعرف. فما عنيت بأن أسأل. ولا صدقت لحظة واحدة ~~أن هذا عيد ميلادى. وكيف يكون وأنا لم أولد هنا ولا لهؤلاء القوم الذين ما عرفتهم إلا فى ~~هذا اليوم؟ ولست آدرى هل ينتظر منى فى صباح الغد أن أذهب إلى المدرسة أو تعفينى العلقة منها ~~أياما؟ وعلى أن هذا لم يكربنى كما يكربنى ما صرت إليه، وما أقصيت عنه فماذا أصنع؟ هل ~~أوطن نفسى على السكون إلى هذه الحداثة الجديدة، ms51 وأحتمل أن أكبر شيئا فشيئا، سنة بعد سنة ~~حتى يأذن الله مرة أخرى أن أعود رجلا، بعد أن كنت قد فرغت واسترحت من هذا العناء؟ ولماذا ~~يقضى على أنا وحدى بهذا التكرار؟ # وعدت أتساءل: أهذا حلم أم أنا أرى حقا؟ فإذا كان حلما فلعلنى إذا تحركت أن ~~أستيقظ. # وأغمضت عينى وجعلت أدفع يدى ورجلى وأضرب بهما الهواء وأتقلب بعنف. ثم فتحت عينى وأجلتهما ~~فيما حولى وأنا أتوقع أن أرى غرفتى القديمة التى أسرى بى منها، ولكنى على الرغم من الظلام ~~لم أر أنى قد عدت إليها. فهبط قلبى وكاد اليأس يخامرنى من النجاة أو الأوبة إلى ما ~~خلفت. # ثم ضحكت - أضحكنى أنى أتكلف هذا العبث لأستيقظ، وما كنت نائما، ولو كان شىء خليقا أن ~~يوقظنى، لتكفلت بذلك العلقة السخنة. # وسألت نفسى: «والان ما العمل»؟ وجلست ونزعت الكمادة التى تركوها على خدى وحدثت نفسى أن ~~الطبيب الذى عادنى وأنا غائب عن وعيى وعن هذا العالم الجديد الذى قذف بى عليه، حمار. وكيف ~~عجز أن يتبين أن هذا الاهاب الصغير، محشو برجل كبير ولم يفطن إلى هذه الغلطة الجسيمة؟ وما ~~قيمة ورم قليل فى الخد وأنا كلى وارم؟ # وكيف غاب عنه أن جلدى مكظوط ومشدود لأن ما هو أكبر منه حشر فيه؟ # وكففت عن هذا فما فيه خير. وقلت إن الطبيب لم يكن معنيا إلا بما يستحق عليه أجره. ولو ~~كان عنى بالفحص الجدى لاطلع على معجزة ولوقع على مالم يقع عليه طبيب من قبل. ولصار بذلك ~~علما خالد الذكر. ولكنه لايعرف إلا مافى كتبه ولايجعل باله إلى الأعراض البارزة جدا، ~~ويدخل متأثرا بما قيل له، وقد عادنى وكل مافى رأسه أنى ضربت علقة. فلم يكلف نفسه أكثر من ~~النظر إلى المواضع التى أصابها الضرب. ولو أهمل ما قيل له، ودقق فى الفحص لعلم أنى مدسوس فى ~~جسم غير جسمى. # وبدا لى أن الطبيب سيضيع وقتى، إذا كنت أعود إليه كلما اعتزمت أن آتركه. وماذا كان يسعه؟ ~~أهذا صندوق يستطيع أن ينزع ms52 مساميره ويرفع غطاءه ويخرجنى منه؟ إذن فلندعه إلى ما هو ~~أجدى. # وخطر لى أن أجدى من ذلك أن أنهض وأحاول أن أتصل بأهلى! وقد عرفت أن ههنا آلة تليفون، وقد ~~نام البيت، ففى وسعى أن أستخدمه، وبحسبى أن أسمع صوت زوجتى أو غيرهما ممن فى البيت، فما ~~أطمع أن يصدقونى إذا قلت لهم إنى رجلهم! ورأيتنى وأنا أهبط على درجات السلم بحذر وعلى أطراف ~~أصابعى أتساءل: «كيف يكون الحال إذا طلبت بيتي فأجابنى صوت كصوتى الذى أمسيت به وأصبحت ~~بخلافه؟ أى إذا تبينت أنى لا أزال هناك وإن كنت هنا»؟ # وطردت هذا الخاطر فإنه مثبط ومزعج، وذهبت أنسل من غرفة إلى أخرى وأتلفت وأستثبت قبل أن ~~أدخل حتى اهتديت إلى التليفون، وكان فى غرفة تشبه غرفة مكتب إلا أنه لا كتب فيها ولا شىء ~~سوى مكتب ألصق بالحاط ووضعت عليه ربطات مختلفة مزدانة ذات ألوان بهيجة، خطر لى أنها عسى أن ~~تكون «الهدايا» التى أهديت إلى فى «عيد ميلادى» ونسوا - لا أدرى كيف؟ - أن يقدموها إلى، أو ~~حتى أن يذكروها. ولكنى لم أعن بها وانصرفت عنها إلى التليفون، وهو فيما أعلم، أو فيما كنت ~~أعلم، مجعول لتيسير أسباب الاتصال بين الناس، ولكنه كان فى ليلتى هذه كأنما جعل لمكيدتى ~~وامتحان صبرى، فما رفعت السماعة عنه مرة وأدرت رقم تليفونى إلا خلتنى فى نادى سمر وقصف، وما ~~أكثر ما سمعت مما لو قرأته فى كتاب، أو شهدته على مسرح أو فى سينما لقلت إنه شطط فى التخيل، ~~ومبالغة فى الاغراب، وكثر المتطفلون على، وكانوا ينهروننى ويأمروننى أن «أخرج» ويوبخونني ~~ويقولون لى إن استراق السمع عيب، كأنما كنت قد فعلت ذلك، أو تعمدته، أو كأنما هم لا يعدون ~~أيضا متطفلين على! وشتمنى واحد بألفاط لم أكن أعلم أنها مما يجرى به اللسان حتى بين المرء ~~ونفسه، فتعجبت للإنسان وما ينطوى عليه من جبن أصيل، وسوء أدب وقلة مروءة، وظننى بعضهم فتاة ~~لأن صوتى قد صار كصوت البنات كما أسلفت، فراح يغازلنى ويحاول ms53 أن يتعد معى! # وكدت أخرج عن طورى، فقد أجهدنى وأتلف أعصابى هذا الخلل الذي أصاب التليفون، ورأيتنى مرات ~~أهم بأن أصيح لأطرد هؤلاء الطفيليين الواغلين الذين لا يزالون يحشرون أنفسهم كلما طلبت ~~الرقم كأنهم، آلوا على أنفسهم ليحولن بينى وبين الاتصال بمن أريد، وخفت عاقبة الصياح ~~فألقيت السماعة وعدت أدراجى إلى غرفتى، لأطمئن، فقد جري بظنى أن لعل بعضهم قد زارنى ليرى ~~كيف حالى. # ولكنى وجدت كل شىء هادئا كما تركته. فقلت أنفض الأرض حول البيت فإن الليل فرصتى، فلن ~~يأخذ أحد على متوجهى. # وكان باب الشرفة مفتوحا ليدخل الهواء. فخرجت إليها ومددت، فجذبت غصنا من الشجرة التى ~~لفتت نظرى فى الصباح والتى تسلقها عم أحمد لما جاءنى بالنمل. وجلست على حافة الشرفة، وثبت ~~رجلى بين فرعين. وانتقلت إلى الشجرة. وتذكرت أنى كنت فى حداثتى الأولى أحسن تسلق الشجر. ~~وشجعنى ذلك وقوى قلبى، وإن كان الحذر لم يزايلنى، وكان فى أغضانها خشونة آذت هذا الجلد ~~الرقيق الريان، وخطر لى وأنا أتأفف أن حمادة على حق، فما هذا بجلد صالح لجسم رجل. وتذكرت ~~وأنا أنتقل هابطا بين الغصون شجرة جميز سهوق فى بيتنا الذى نشأت فيه كنت أوثرها على ~~السلم. ولكنى كنت ولدا قويا مصكا لا أعيا بعمل لا كهذا الخرع الذى دسونى فيه. # وبعد مشقة عظيمة صارت قدماى على الأرض. فنفضت التراب والورق. وشرعت أتلفت. وتمنيت لو كنت ~~أعرف أين العم أحمد الان، فأذهب إليه وأستعين به فإنى بغيره خليق أن أسير على غير هدى. ولم ~~يكن فى رأسى خطة واضحة. وكان كل ما يخطر لى هو أن أحاول أن أعرف آين آنا من الكرة الأرضية؟ ~~فقد رجح عندى أنى ما زلت عليها. ولقد كان هذا أولى بالنهار. ولكن ما فات مات. ولا فائدة من ~~الأسف. # وطار طائر ففزعت لحركة جناحيه المفاجئة وخفقهما. وكنت قد نسيت الظلام وما عسى أن يطالعنى ~~به. فسألت الله السلامة. ولست ممن يخافون الليل وسواده، ولكنى انتقلت إلى جسم جديد، أجهل ~~كنهه. ولقد امتحنته فى ms54 المساء فخيب أملى فمن أدرانى الان أنى لست متهورا فى هجومى به على ~~هذا الليل الأسود؟ # وما كاد هذا يمر بخاطرى حتى رأيت عينين واسعتين شاخصتين فاضطربت وزاد اضطرابى أنى لا أرى ~~الجسم الذى تطلان منه. ولم أدر أهما عينا أفعى أم قط أم بومة؟ وتراجعت ويدى على فمى لأكتم ~~الصرخة التى أحسست أنها ستنطلق. ولم أر أن ذا العينين يدنو منى فاطمأن قلبى قليلا. وخطر لى ~~أن أجرب. فقلت: «بس» فاختفت العينان. فأقدمت وسرت خطوات. وإذا هما أمامى مرة أخرى. فقلت: ~~«بس» فاختفتا ثانية. فمضيت فى طريقى وقد أيقنت أن هذا قط أسود ولكن خوفى ما كان يخف إلا ~~ليشتد، ولا يذهب إلا ليجىء. فقد كان القط - كلما قلت «بس» - يتركنى أو يختفى، او يمضى ~~أمامى، ولكنه كان فيما يخيل إلى، كأنما ينط ويدور ويرشقنى بهذه النظرة الجامدة الساكنة ~~التى لا يتغير تعبيرها؛ وكان ربما كبر فى وهمى أنه عفريت، خرج لى فى فى زى قط، ولكنى كنت ~~أطرد هذا الخاطر وأقول إن «سونه» قد تفزعه العفاريت أو القطط ولكن سونه يحتل بدنه عقلى أنا ~~الناضج الذى لا تخيفه هذه الأوهام. # وصار القط رائدى، فهو يمضى قدامى، وأنا أمضى خلفه. فما كان يهمل أن يبدو لى بعد كل ~~اختفاء، وما كان أغرب أن أمشى مهتديا بعينين تومضان في ظلمة الليل، ولشد ما وددت أن ألمس ~~الجسم الذى هما فيه. فقد كانتا كأنهما منزوعتان ومرسلتان فى الفضاء وحدهما، ~~وبمجردهما. # وإنا لنخبط فى هذا الليل - أنا والقط أو أنا وعيناه - وإذا بزمارة الإنذار تنطلق مؤذنة ~~بغارة جوية. يا خبر أسود! وما العمل الآن؟ لقد بعدت عن البيت حتى اختفى فأنا لا أراه ولا ~~أعرف موقعة من الجهات الأربع. فأين أختبئ إذا احتجت إلى الاختباء؟ وسيلتمسوننى فى غرفتى ~~ليحملونى معهم إلى مخبأ - إذا كان لهم مخبأ - أو ليطمئنونى ويذهبوا عنى الروع. ولن يجدونى. ~~وحينئذ تقوم القيامة. وكيف حال أهلى يا ترى الآن؟ أهلى أنا لا أهل الذى أنا مدسوس فيه؟ ~~وحدثت نفسى ms55 أنه لا خوف عليهم أن يجزعوا كما أرى الذى ابتليت بجسمه يجزع. فقد راح ينتفض ~~ويرعد حتى كاد يخلع لى فؤادى. ثم ذهب يعدو ويدردب من الخوف ويحملنى معه هنا وههنا من فرط ~~الفرق والحيرة. وأنا أصيح به - من الباطن: ماهذا؟ ليس هكذا يصنع العقلاء.. ألايمكن أن تقف ~~وتسكن حتى أفكر لك؟ فلا يقف ولايسكن ولايتيح لى فرصة للتفكير. فأنا محمول معه بكرهى إلى حيث ~~لا أعلم. # وسمعت طلقة مدفع فقلت: «آه جاءك الموت ياساكن جسم سونه الأهوج الاخرق الوهنان» أترى عقله ~~قد أخلق وتمزق واحتاج أن يرقع بعقلى؟ وليته يدعنى أرقعه له! إذن لاستطعت أن أجرى أمره على ~~استواء. # وذهبت أعدو معه، وهل كان يسعنى أن أتخلف؟ وإذا بى أصطدم بما حسبته أول الأمر شجرة أو ~~نخلة، ثم تبينت أنه إنسان مثلى، فقد قال: «أخ» كما قلت ووقعت على الأرض ولكن يدى كانت مطبقة ~~على قطعة من ثوبه عرفت، فيما بعد، أنها تكة سراويله، فأدركت أنه العم أحمد. على أنه أعفانى ~~من إضناء عقلى فقد سآلنى: «من هذا؟ لكأنى به سونه»؟ فعرفته من صوته قبل أن أعرفه من شارته ~~ورايته - أعنى تكته. # وقال سونه - أخزاه الله: «خبئنى ياعم أحمد»! # فخجلت، ولو كنت باديا، ولم اكن مختبئا، فى جسده الخوار لتصببت عرقا. وماكنا سمعنا سوى ~~قذيفة واحدة فما كل هذا الفزع والجزع؟ ومن حسن الحظ آن العم أحمد لايستطيع أن يرانى فى ~~مخبئى الآدمى، وإلا لذبت خجلا. # وربت العم أحمد على كتف سونه - ولو استطعت لدفعت يده، فما كانت بى حاجة إلى طمأنية - ~~وقال: «لاتخف! تعال معى.» قلت: «إلى أين»؟ # قال: «إلى البيت طبعا ... لماذا خرجت؟ وكيف خرجت فى هذا الوقت»؟ # فاختلفت أنا وسونه: هو يريد أن يحدثه عن الغراب الذى طار عن الشجرة فأطار لبه، والقطة ~~التى أرعبته فى الظلام بعينيها، وأنا أشعر أن فى وسعى أن أكاشف هذا الرجل بسرى، ألست قد ~~تبينت أنه يحب لولو والحب يلين القلوب وينشط الخيال ، ويكبر القلب، ويقوى العطف، والرجل الذى ~~يحب ms56 لولو لابد أن يكون له نظر وذوق، وإن كان لايحتاج إلى نظر كثير ليفطن إلى جمالها، فأخلق ~~به - بفضل فطنته ونظره - أن يرى أنى مخبوء فى هذا البدن الذى ليس لى، وأنى فى الحقيقة موءود ~~فيه! وعسى أن يساعدنى على الاهتداء إلى بيتى وأهلى فأتصل بهم ولو من ناحيتي أنا. # ولم يطل الخلاف، فقد تغلب سونه فإنه ذو اللسان، وأنا أخرس أو لا لسان لى على الأصح، فقد ~~بقى هناك مع جسمى الفارغ، فلشد ماتتحكم الأجساد فى النفوس وتسيطر عليها! هذا أنا - أسكن ~~جسدا لم يسو على قدى، ولم يصنع على قياسى، فهو يستطيع أن يصنع بى ماشاء، ولا أستطيع أنا إلا ~~أن آتأسف وأهز رأسى هزا مجازيا، فما لى رأس كما لاحاجة بى أن أقول. # ولم أكن أعرف أن سونه كذاب مذاع، فأدهشنى فشره ومعره، وأخجلنى أيضا، وحاولت أن أغمزه ~~ليقتصد فيما يزور ويختلق من الأباطيل والترهات، ولكنه لم يحفل غمزى أو لم يشعر به، وراح ~~يخبر عن خرافات لا أصل لها، ولم يقع منها شىء ويقول فيما يقول إن ماردا سد الطريق فى وجهه، ~~فرماه باية الكرسى فاحترق المارد وخلا فى وجهه - اعنى سونه - الطريق.. وزعم أيضا أن ذات ~~مئزر أبيض همت بعناقه وضمه إلى صدرها الذى كانت الابر البارزة منه تلمع فى الظلام ولو ضمته ~~لانغرزت الابر فى صدره هو فمات - فقلت فى سرى: ليتك مت! إذن لأمكن أن أنقل إلى جسم آخر ~~لاتخجلنى سكناه - ولكنه حاورها وفر. # وصارت القطة فى أساطيره ذئبا، تارة، وكلبا عقورا تارة أخرى. أما الغراب فكان ساحرة ~~يطير بمقشة كما رآها على مايظهر فى بعض الصور المتحركة. # فقلت لنفسى: «والله إنك لذو خيال ياهذا، ولكنه خيال لايعدو خيال الصبيان من أمثالك ~~ولايجاوز بك آفاقهم. # فإذا كان لابد لك من الكذب والادعاء فهلا كنت استشرتنى لألهمك ماهو أبرع من ذلك»؟ # ولكن المدهش أن العم أحمد لم يدهش، ولم يشمئز من هذا الكذب الصراح، بل كان يشجعه عليه ~~ويستزيده منه ويبدى له التصديق، والاستطابة، ms57 ويحمد الله - تعالى - على نجاته تارة ويثنى على ~~شجاعته وقوة قلبه طورا، وهكذا إلى أن بلغنا البيت فقلت لنفسى ستسمع بضع أساطير أخرى حين ~~تجتمع علينا الأم والعم والخدم. فما يليق أن يحرمهم السيد سونه الاستمتاع بمثل ما استمتع به ~~الجناينى من ثرثرة لسانه الحلو الذى يظهر أنه يفرح بقدرته على دهورته فى شدقه. # وتحسسنا طريقنا حتى هبطنا إلى حجرة مسدودة النوافذ، وفيها نور ضئيل أخضر من مصباح بترول ~~صغير موضوع على الأرض فى ركن، وكنت اتعجب لعم أحمد ودخوله البيت كأنه من أهله، وفى هذه ~~الملابس التى لايليق أن يلقى بها أحدا وخاصة إذا كان هذا الأحد سيدة، وزاد عجبى أنى رأيتهم ~~لاينكرون وجوده بينهم واجتراءه وتسحبه عليهم هكذا. # وأقبلت الأم والعم ولولو والبقية، وصار كل امرئ يرمينى بسلسة متصلة غير منقطعة فن ~~الأسئلة، ولا ينتظر جوابها. # ولما كلت الألسنة، وفترت همتها قال سونه: «لما سمعت الزمارة خرجت لأتفرج فقابلنى عم أحمد ~~وعاد بى». # بهذا الإيجاز المخل! فلو استطعت لقرصته! فعادوا يقولون كيف يفعل ذلك وهو لم يشف؟ وكيف ~~يخاطر بحياته الغالية؟ وكيف وكيف حتى ضجرت فى جوفه، ولكنه كان يبتسم ولا يستثقل حملتهم ~~اللفظية. # وما كاد أكثرهم يكبح لسانه ويكف عن اللغط حتى خيل إلى أن الأرض تميد. فقد انطلقت المدافع ~~مرة واحدة، انطلاقا متتابعا، وكانت كأنها قريبة منا، وكنا نحس أن بعضها منصوب على بابنا، ~~فقالوا: يا ستار استر ... وجمعتنى أمى فى حجرها وأحاطتنى بذراعيها وألصقت وجهى بصدرها، ولم ~~أكن أنا خائفا ولكن سونه كانت تصطك ركبتاه وأسنانه، ولم يكفه هذا فأنشأ يبكى بصوت عال! ولا ~~يكتم أنه «خائف يا ماما»، حتى هذا لم يكفه فصرخ، ولم يكن هذا لائقا، ولكن ما حيلتى وهو ~~الذى فى وجهه العين الباكية، وفى فمه اللسان الدائر؟ ولو كان الأمر إلى أنا وحدى، لأقعدته ~~على كرسى وألزمته الرزانة والاتزان ورباطة الجأش، ولوضعت له رجلا على رجل، وجعلت فى يده ~~سيجارة، فإن التدخين يطيب فى مثل هذا الوقت، ويعين على إفادة السكينة. ms58 وعلى ذكر التدخين ~~أقول إنى لم أر فى هذا البيت الطويل العريض أحدا يدخن، فلم أستطع أن أحتال وأسرق سيجارة ~~أدخنها سرا وخفية، ولعل هذا الحرمان هو الذى أضعف إرادتى فراح سونه يركض بى بغير ~~عنان. # ولم يطل الآمر، وانطلقت الصفارة المؤذنة بانتهاء الغارة، فما راعنى إلا أن هذا الفتى ~~الاخرق قفز من حجر أمه وانطلق يصفق ويقول: «هيه ...» ممطوطة طويلة. # وأخجلنى سونه مرة أخرى ونحن نصعد درجات السلم عائدين إلى غرفنا. فقد تعلق بذراع أمه وراح ~~يموء كالقطة، فلما سألته عما به قال إنه خائف ... فبالله مم يخاف هذا الرعديد؟ # وزجرته همسا: «اختش يا شيخ ... عيب». # ولكن من يقول ومن يسمع؟ أنا من جسده فى مثل غيابات الجب التى ألقى فيها يوسف - عليه ألف ~~سلام - وما أحسبه - أى يوسف - خاف مثل هذا الخوف الذى يخافه سونه، ولو فعل لكان معذورا، فقد ~~كان فى جب، وكان وحده. أما هذا فما عذره؟ وهو فى بيت، بل قصر معمور، وأنا معه لا أفارقه، ~~وأونسه وإن كنت لا آنس به؟ وهو - أعنى سونه - على رأس السلم، وتحت ذراع أمه التى تهدئ من ~~روعه وتعده آن تبقى معه، فكيف يصغى إلى هذا الصوت الخافت الذى يشبه صوت الضمير، ويهمل صوت ~~أمه الواعد بالأمن والاطمئنان وأين فى الناس من يلقى باله إلى الضمير الذى لا يحسن إلا ~~التنغيص؟ # وتذكرت أيام كنت أنا حدثا مثله فى حياتى المستقلة، وقبل أن تتصل أسبابى بأسبابه - أى سونه ~~- وكيف كنت أقطع طريق الصحراء الموحشة، وحدى، فى الليل البهيم، وأجتاز منطقة القبور ~~اختصارا للطريق، فى الظلام الدامس، ولا أفزع ولا أتهيب، ولا يخيفنى عفريت، أو قاطع طريق، ~~أو مجرم متربص، وكان البيت الذى نشأت فيه فى حارة عتيقة، وكان الغلمان - غيرى - يقطعونها ~~عدوا حتى فى النهار المشمس، لشدة ما ينتابهم من هولها، وكان بئر السلم - والعياذ بالله - ~~يجعل قلب أجرأ الناس كلعبة اليويو، فى صعود وهبوط بين الحذاء والصدر، فقد كان يوقع فى الروع ~~أنه مباءة العفاريت والقتلة، ومع ذلك ms59 لم أكن أقول: «ياماما أنا خائف» كما يقول هذا الفتى ~~الذى سود وجهى. # وقال عمه ساخرا: «خائف؟ من أى شىء يا سيدى»؟ # فهمست فى أذن سونه، أوبخه: «سامع»؟ ~~«وانت مالك»؟ لعمه، لا لى. # فدهشت، وطربت! وصحيح انه قالها بضعف، وبلهجة الطفل المدلل الذى اعتاد أن يسىء أدبه وهو ~~آمن، ولكنه قالها والسلام. وبارك الله فيه! ولا فض فوه! ورجوت بعد أن سمعت منه ذلك أن ينتهى ~~بنا الأمر إلى حسن المواطنة وطيب العشرة. # وانثنت أمه علية تقول له: «لا يا بابا ... عيب ... هذا عمك». # فترك سونه عمه و العيب، وكر راجعا إلى رأس أمره وقال: «أنا خائف». # فكررت أنا أيضا راجعا إلى سخطى عليه ... ولعله إنما أراد أن يخرج من المأزق فلاله ولا عليه. ~~ولكنه ما كان ينبغى أن يعود فيلهج بالخوف مرة أخرى. والحق أقول إنه خيب أملى. # | الفصل الثالث عشر # وصارت المسألة عندى بعد ذلك، وأنا راقد على سريرى - أعنى على سريره هو كما هو ظاهر - فى ~~حضن أمى، وظهرى إليها، ووجهى إلى الحائط، ويدها على لأطمئن، هى هذه: «هل أطيق العيش فى هذا ~~الجسد»؟ # وقلت لنفسى: ينبغى أن أحصى مزايا هذا التحول ومساوئه. # فمن المزايا أنى رددت طفلا غنيا، وكان من السهل أن أن يقلبنى الذى قلبنى، طفلا فقيرا، ~~يسكن كوخا حقيرا، ويعانى مرارة الفاقة وذل الحاجة. # ثم إن هذه الأم رقيقة القلب حنانة، وهى إلى هذا تشبه زوجتى، بل هى هى بعينها، فأنا لا ~~أشعر أنى فارقت زوجتى، فإنها معى أبدا، وإن كنت قد حرمت ما يجنيه الزوجان من متع القرب، ~~ومن الهين رياضة النفس على هذا الزواج الروحانى وأخلق أن يعيننى - أو يرغمنى - على الاكتفاء ~~به، أن لى هذا الجسد. # ويبقى الولدان، وفى وسعى أن أراهما متى شئت، كما رأيتهما الليلة. وإن بينى وبين أصغرهما ~~لثأرا، ولكنى بعد أن أصخه كما صخنى، أستطيع أن أفىء به وبأخيه إلى الصداقة والمصافاة، ~~ويكبران وأكبر، فما أغرب، وأحلى، أن نصبح أترابا ونسيم سرح اللهو معا، ونركب الحياة ~~بشبابنا، ms60 وأكون لهما صديقا لا يعلمان أنه أبوهما، وأوقظ رأيى لهما، وأجعل تجاربى فى حياتى ~~الأولى رائدى فى السهر عليهما ورعايتهما وتسديد خطواتهما، ولا يكونان هما معى إلا على حال ~~الصديق مع صديقه من الود والالفة ورفع الكلفة وطيب المشاركة فى الجد والهزل! أى نعم، وبذلك ~~أصل ما انقطع، وإنه لعناء أن أتناسى أنى أبوهما. ولكن لا بد مما ليس منه بد. # ولكن البلاء والداء العياء، أنى لا أرانى مطيقا لاعتياض هذه الشخصية الفجة التى لم تنضج، ~~من شخصيتي القديمة، كلا هذا عسير، وهو المعضلة الكبرى فى الامر كله، وما أرى الذى آتانى هذا ~~الجسد الصغير إلا قد أخطأ وكلفنى شططا، ولو كان أهرمنى وأعلى سنى، وأسكننى جسدا مقوس ~~القناة وجعل لى وجها مغضنا، كالمدينة بادية من طيارة، واشاع الشيب فى رأسى، لكان أهون، ~~وأخف محملا. ولكان أيسر على أن أتقبل هذه الوثبة إلى الشيخوخة وأسكن إليها لأنها هى التى ~~تقترن فى الذهن بالحياة مع امتداد العمر، والمرء يتوقعها ويعرف أنه يدلف إليها، ولكن ~~استمرار الحياة لا يقترن فى الذهن أبدا بهذه الرجعة، أو بهذا الهبوط إلى سفح الجبل بعد أن ~~قارب المرء ذروته. وليس فى الحياة لا وقوف ولا رجوع إلى الوراء، فكيف يمكن ان أوطن نفسى على ~~هذا المستحيل؟ # وقد ألفت نفسى وانتهى الأمر، وعرفت أنها نفسى، ورضيت بها، وعنها، وإن خالف رأى الناس ~~فيها رأيى، فكيف يعقل، وأنا لا أزال أحس هذه النفس، واعتز بها وأباهى، وأحرص عليها، وأضن ~~بها أن أغالط أقول بل نفسى هى هذه الجديدة التى ما عرفتها ولا خالطتها ولا بلوتها من قبل، ~~ولا حمدت منها شيئا على قصر عهدى من قبل، ولا حمدت منها شيئا على قصر عهدى بها؟ وإنى لادرك ~~أن نفسى باقية معى، ولكن المصيبة أنها لا تتبدى، ويحجبها هذا الجسد الصغير الذى أسكنته. ~~وأخوف ما أخاف أن يحصل على الأيام امتزاج بين النفسين، وما يدرينى أن ثمرة المزج لا تكون ~~ائتلاف أسوأ ما فيهما جميعا؟ لا يا سيدى يفتح الله ms61 ... هذا خلط غير مأمون العاقبة، ثم إنى ~~لا أريد خلطا، ولا مزجا ولا شعشعة. وما شكوت أو تذمرت حتى يفردنى بهذا من قضاه على، ~~وجعلنى به بدعا فى الناس. فلا أنا أنا ولا أنا غيرى. # وأفزعنى خاطر استطردت إليه: ذلك أنى قلت لنفسى إن الذى حدث لى لا يعدو أن يكون شبيها ~~بالرفو والرقع، وإذا جاز هذا وتسنى فيما يلبس، فإنه لا يجوز ولا يسهل إذا كان الأمر أمر ~~شخصية. وصحيح ان الشخصية الجديدة التى يحصل بها الرفو أو الرقع، جديدة، لأنها حديثة عهد ~~بالوجود والحياة. ولكنها تبدو للشخصية القديمة التى يراد رفوها - لا أدرى لماذا فما كانت ~~آخلقت وبليت - أقول إنها تبدو دونها، وأقل منها قيمة، وأهون شأنا، وأقل نفاسة، لأنها لم ~~تنضج ولم تستوف الحظ المقدور لها من اكتمال الجوانب - وهذا كله يبدو لى خلطا لا يحسن به ~~الحال أو يستقيم الأمر، أو يطيب العيش. ولما كان الذى سلخ جلدى، ثم لمنى ودسنى فى هذا ~~الجسد الصغير قد صنع معجزة، فلا بد أنه قادر أن يأتى أيضا ما يفتضيه ذلك، فمن المعقول إذن ~~أن يقل عقلى على الأيام ويصغر، حتى ينقلب مناسبا لهذا الجسد الصبيانى. ولعله استغنى عن ~~معالجة التصغير بنفسه، ثقة منه بأن الجسد الصغير سيفعل فعله من تلقاء نفسه. وتذكرت وأنا ~~أدير هذا فى نفسى أن بعضهم كان يقول عن خياط فيه شذوذ إنه كان لا يقيس طول الزبون وعرضه بل ~~يطرحه على منضدة ويخط له حدوده بالطباشير كما يفعل الحذاء حين يرسم قدمك على الورق بالقلم ~~الرصاص. قالوا: وكان يقول للزبون إذا أشتكى ضيق الثوب: «كش فيه». فيظهر أن القدر يكلفنى ~~الآن ما كان هذا الخياط يكلف زبانه من التجمع فى الثوب الضيق، ويطالبنى بأن «أكش» فى جسد ~~سونة حتى يصبح كلانا على قد صاحبه. وما أرى سونه سيتجشم عناء. فإن العناء كله من ~~نصيبى. # وهالنى هذا، وشق على أن يقل عقلى، وأخذنى النوم وأنا فى حيرة واضطراب وجزع من أن يصبح ~~عقلى أصغر مما ms62 أمسى. # ورأيت فيما يرى النائم أنى ولد صغير فى كوخ لساحرة عند سفح جبل، ولم أكن أعرف من أنا، ولا ~~من أين جاءت بى، وكان كل ما أعرفه أنها تسخرنى لخدمتها وترهقنى بها، فتناولنى دلوا عظيمة ~~وتبعث بى إلى الجبل! فلا أزال أصعد فيه حتى أبلغ قمته، وهناك أملؤها وأعود بها إليها. ولا ~~أزال فى هذا الكد المضنى طول النهار. # ثم تغير الحلم فصرت فيه كلبا لعجوز فقيرة، ولكنها طيبة القلب، فكنت إذا جعت نبحت، وقلت: ~~«وو.. وو.. إنى جوعان. فانظرى فى هذه الخزانة لعل فيها عظمة»، ولا أزال أوهوه، وأمد صوتى، ~~وأعوى متضرعا حتى تجيئنى بطعامى. وإذا بالعجوز الطيبة الكريمة تنقلب مستبدة ظالمة، فتصنع ~~لى ثيابا - سترة وسراويل - وتلبسنى طربوشا، وتضع فى يدى عصا، وتقول لى اخرج وأضحك الناس - ~~والأطفال خاصة - بألاعيبك وحذقك فيها، واجمع فى هذا الطربوش ما يجودون به عليك من قروش أو ~~ملاليم، فأخرج متذمرا متأففا، مستهجنا هذه الملابس الآدمية التى لا تليق بكلب مثلى، ولا ~~يسعنى إلا الطاعة، وإلا ضربتنى وأوجعتنى. وقد أثرت العجوز، فاتخذت غنما كثيرة تبيع ألبانها ~~وأصوافها وصغارها، فنضت عنى ما كانت كستنى، ووكلت إلى حراسة الغنم فى رعيها وسقيها ~~ومرابضها، حتى أخذنى البهر من الحر والمشى، وأضمرنى الكلال، وهى لا ترحمنى ولا تريح عصبى، ~~ولا يعطفها على ما أسلفت فى خدمتها ولا تزداد إلا حرصا وجشعا - ولا ترى لأحد شيئا إلا ~~أحبت أن يكون لها. # | الفصل الرابع عشر # ولكل شىء آخر - حتى الليل الطويل الغاص بالأحلام المزعجة - ولم يكن نومى هنيئا، ولا ~~مريحأ، فما كاد الصبح يتنفس حتى تمطيت وحمدت الله على اليقظة من نوم قصير مضطرب، وتثاءبت ~~وفتحت عينى وقلت لنفسى: «صباح الخير ياسونة، وعسى أن يكون يومك أطيب من أمسك.» وحدثت نفسى ~~أن اليوم السبت، فالأرجح أن أذهب إلى المدرسة، والله المعين. فما أعرف أين هى؟ ولا أدرى فى ~~أى فرقة أنا؟ وتذكرت أنى لم أر فى هذا البيت كتابا أو كراسة أو ورقة أو قلما. بل لم أر ms63 حتى ~~لعبة لغلام مثلى، فما أغربه من بيت! وما أعجبها من حياة! وألفيتنى أتساءل: «أتراهم علمونى ~~شيئا»؟ وابتسمت، فما أحتاج إلى التعليم فإنى كبير فى الحقيقة، وأخلق أن يروع التلاميذ ~~ويدهشهم مايفاجئهم بعد اليوم - من اليوم فصاعدا - من علمى وسعته! وسيكون أمر المدرسة ~~والتعليم فيها أهون ما أعانى: وإن كان «الحساب» سيضنينى ويرهقنى، فقد كنت - احسبنى ما زلت - ~~أبغضه لأنى لا أحسنه وما أكثر ما قلت لحماده وسعيد - ولدى - بارك الله فيهما - وصديقى ~~وأخوى بعد اليوم - حين كانا يجيئانى بمسألة من الحساب: «اسمعا! إنى طول عمرى حمار فى هذا ~~الحساب. ولا أدرى كيف كنت أجتاز الامتحانات المدرسية فيه، ولكن الله كان يستر ويلطف، ~~فينتهى الأمر بسلام وخير. وإنى لأذكر أنه كان يراقبنا فى امتحان الشهادة الابتدائية معلم ~~فرنسى طويل اللحية. وكان ينحط على الكرسى وينام، فلما صرنا إلى الحساب لم أستطع شيئا، ~~وأيقنت أنى لا محالة مخفق، فكدت أبكى. وتلفت فرأيت جارى على مسافة ذراع منى، مكبا على ورقته ~~يكتب. وكنت أعرفه حاذقا بارعا. فدفعت إليه بورقتى وأشرت إليه إشارة الرجاء والاستعطاف ~~فرق لى قلبه. وكتب لى حلول مسائل ثلاث، فنهضت بالورقة وأيقظت بها المراقب. وخرجت قبل غيرى ~~قانعأ بما جاد به زميلي». # فيذهبان عنى إلى أمهما فإنها تفهم ما لا أفهم من هذا الحساب، وما أظن إلا أن المرأه أقدر ~~عليه. # نعم سيكون الحساب علة شقائى مرة أخرى. # والجغرافيا أهون ولكنها ثقيلة، وكان معلمها يأمرنا أن نغنى بأسماء الخلجان والأنهار ~~والرءوس والبلدان لنحفظها عن ظهر قلب فحفظناها إلى حين ثم نسيناها وكيف تبقى أسماء لا تقترن ~~بشىء يذكر بها؟ فكيف يصنع معلمى الجديد؟ إنه لا شك من طراز أحدث فلعل له طريقة أخرى ~~أجدى. # وانقلبت على جنبي الأيمن فصار وجهى إلى باب الشرفة، وتوقعت أن تدخل لولو بعد قليل وتصبحنى ~~بوجهها الحسن وابتسامتها الحلوة، وهممت أن أقول: تالله ما أجملها وأبرع حسنها! ولكنى قلت ~~بدلا من ذلك: «إيه»؟ بلهجة المنكر لا المستفسر ، وجلست فى السرير، وفركت عينى، وجعلت أطرف، ms64 ~~ثم رحت أستثبت، فقد أصبحت فى غرفة أخرى غير التى أعرف أنى قضيت الليل فيها، أفترانى سأنتقل ~~كل صباح - أو كل ليلة - إلى بيت جديد وبدن جديد؟ ولكن هذه ... هذه غرفتى! أى والله هى ~~بعينها. # ووثبت إلى الأرض، وذهبت أعدو إلى الباب فأدرت فيه المفتاح، أو أردت أن أديره، ولكنى كنت ~~عجولا فخرج ووقع على الارض، فانحنيت وتناولته وأنا أسخط على نفسى ودفعته فى الثقب، أو جعلت ~~أدفعه فلا يدخل من فرط اضطرابى وارتعاش يدى، وبعد لأى ما فتح الباب، فانطلقت خارجا ~~كالصاروخ، وداخلا على زوجتى فى غرفتها، وكانت لا تزال نائمة، فطرحت الغطاء الرقيق الذى تستر ~~به جسدها وجذبتها من ذراعها. فقامت معى تقول: «إيه؟ مالك»؟ # قلت، أو صحت: «قومى يا امرأة ... انظرى إلى ... ألست كما كنت؟ هل تغيرت»؟ # قالت: «ماذا، جرى لك؟ ما هذا النط الذى تنطه كالقرود»؟ # قلت محتجا: «قرود؟ أسألك كيف تريننى فتقولين إنى أنط كالقرد»؟ # قالت: «ماذا أصنع إذا كنت تنط مثلها تماما»؟ قلت: «طيب. دعى هذا وقولى كيف ~~تريننى»؟ # قالت ببرود: «مالك؟ كما كنت سوى أن خدك وارم». # قلت: «خدى وارم؟» ورفعت يدى إليه اتحسسه. # وسمعتها تقول: «قرصة نملة على ما يظهر». # قلت: «وكيف تريننى فيما عدا ذلك»؟ # قالت: «أراك قليل الذوق. توقظنى فى الفجر لتسالنى سؤالا باردا ... ماذا جرى لك؟ # قلت: «إنها تسأل ماذا جرى لى»؟ # وخطر لى أنها لا تعرف فلها العذر، وأدرت عينى فى نفسى. فألفيتنى على عهدى بها، لا كما كنت ~~أمس - أعنى.. تعرف ما أعنى - ودفعت يدى إلى وجهى، فشعرت بخشونة الشعر النابت، وإلى شفتى ~~العليا فإذا عليها الشاربان، فتشهدت وتنهدت، وارتميت على كرسى. # وسمعتها تقول وهى تضع رأسها على المخدة: «اذهب ونم فما زالت من الليل بقية». # فوقفت، وقلت: «أنا أنام؟ مستحيل ...». # قالت، وأدارت وجهها عنى: «شأنك. أما أنا فسأنام. فاذهب عنى من فضلك». # قلت أعاتبها: «وتتركيننى»؟ # قالت مستغربة: «أتركك؟ لست فاهمة. مالك اليوم»؟ # قلت: «أولا لا تقطبى، ثانيا اجلسى أقص عليك حكاية، وبعد ذلك قولى لى هل ms65 يجوز أن أخاطر ~~فأنام مرة أخرى»؟ # فاعتدلت وقصصت عليها ما كان مما رأيت فى الحلم وهى تضحك. فلما فرغت قالت: «هذا جزاؤك ألم ~~أحذرك؟ ألم أنهك أن تذكر الشيخه صباح إلا بخير»؟ # قلت: «ولكنك أنت التى قصت علينا حكاية البستانى والملك فأوحت إلى ما تمثل لى فى ~~منامى». # قالت: «بل هذا من غضب الشيخة صباح عليك». # وكانت أعصابى لا تزال مضطربة من أثر الحلم، فلم أجادل ولم أكابر. # ولما أضحينا قلت لها: «ما قولك؟ اليوم السبت وليس على عمل ...». # قالت: «سبت إيه؟ إنه الجمعة»! # قلت: «الجمعة؟ كيف يمكن؟ لقد كان أمس الجمعة». # قالت: «ألا ترى أن الولدين لم يذهبا إلى المدرسة»؟ # قلت: «صحيح! وغريب أن أعيش الجمعة مرتين فى أسبوع واحد ... على كل حال ... أريد أن أقترح أن ~~نركب السيارة إلى طنطا ونزور الشيخة صباح». # قالت، ويداها فى حجرها وعيناها إلى فوق كأنما ترى الشيخة صباح فى السقف: «إنى لا أشبع من ~~النظر إلى حسن وجهها». # قلت: «اتفقنا إذن». # ورفع السجف، ودخلت علينا الشيخة صباح فى شملتها البيضاء تمشى كأنها ملكة، فنهضت واقفا، ~~فافتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة، وناولتنى يدها فانحنيت أريد أن ألثمها، ولا أخشى أن تسىء بى ~~امرأتى الظن. ولكنها جذبتها فاعتدلت وقلت لها: «أنا أعرف أنك لا تأخذين منا شيئا. فخذى هذه ~~الساعة». # فهزت رأسها، ولكنى وضعتها فى كفها، وثنيت عليها أصابعها. وقلت: «إنها ساعة أمى. وكنت أعتز ~~بها وأضن». # فتطلق وجهها وتهلل. فقد كانت تعرف عظم محبتى لأمى. والتمعت عيناها، ورفت على شفتيها ~~ابتسامة، ورفعت الساعه إلى أذنيها وأصغت، ثم هزت رأسها مسرورة، ونحت الشملة عن صدرها. ~~ووضعت الساعة هناك.. قرييا من قلبها. # ثم تناولت رأسى بين يديها، وتحركت شفتاها بدعاء لم أسمعه. # وقالت امرأتى ونحن نعود إلى السيارة: «الأن تستطيع أن تنام مطمئنا». # قلت وأنا أستوى على مقعدى: «ولا تقصين على مثل هذه الحكايات»؟ # فرنت الى فى سكون، كأنما تتوضح شيئا، ثم ابتسمت وهزت رأسها أن نعم. # فجمعتها بين ذراعى وبستها. # فقالت: «فى الشارع؟ ألا ms66 تستحى»؟ # قلت: «هذا من فرحتى بك. واحذرى أن تغالطينى مرة أخرى». # قالت: «أنا أغالطك»؟ # قلت: «نعم. فى المنام». # فضحكت ... ووسعنى أن أضحك مثلها .... ms67