######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.FiTariq.Hindawi93085140 #META# Tags: novels #META# ID: 93085140 #META# Title: في الطريق #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # 1 - التدريب الأول‏ # 2 - الدكان‏ # 3 - الكآبة‏ # 4 - العقد الضائع‏ # 5 - الجارة‏ # 6 - البحث عن الذهب‏ # 7 - تفيدة‏ # 8 - الهارب‏ # 9 - النسيان‏ # 10 - فتاة الحارة‏ # 11 - فى رأس السنة‏ # 12 - الذى يضحك أخيرا يضحك كثيرا‏ # 13 - عقاب اللص‏ # 14 - ثمن سيجارة‏ # 15 - الببغاء والقط‏ # 16 - السيارة المسروقة‏ # 17 - ميمى‏ # 18 - ليلى‏ # 19 - حواء والحية‏ # 20 - العقلة‏ # الإهداء‏ # 1 - التدريب الأول‏ # 2 - الدكان‏ # 3 - الكآبة‏ # 4 - العقد الضائع‏ # 5 - الجارة‏ # 6 - البحث عن الذهب‏ # 7 - تفيدة‏ # 8 - الهارب‏ # 9 - النسيان‏ # 10 - فتاة الحارة‏ # 11 - فى رأس السنة‏ # 12 - الذى يضحك أخيرا يضحك كثيرا‏ # 13 - عقاب اللص‏ # 14 - ثمن سيجارة‏ # 15 - الببغاء والقط‏ # 16 - السيارة المسروقة‏ # 17 - ميمى‏ # 18 - ليلى‏ # 19 - حواء والحية‏ # 20 - العقلة‏ # | في الطريق # | في الطريق # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازنى # | الإهداء # بقلم إبراهيم عبد القادر المازنى # إلى «حياة» # في بعض الأحيان أكون جالسا إلى مكتبى قبل طلوع الشمس، وأمامى الآلة الكاتبة أدق عليها ~~وأرمى بورقة إثر ورقة، وإلى جانبى فنجان القهوة أرشف منه وأذهل عنه، فأحس راحتيك الصغيرتين ~~على كتفى فأدير وجهى إليك، وأرفع عينى لأصبح على بستان وجهك، وأستمد من ابتسامة عينيك ~~النجلاوين، وافترار ثغرك النضيد ما أفتقر إليه من الجلد والشجاعة، وأدفع يدى فأطوقك بذراعى، ~~وأضمك إلى صدرى، وألثم خدك الصابح، وأمسح على شعرك الأثيث المرسل على ظهرك وجانب محياك ~~الوضىء، وأتملى بحسنك وأنشر فى كهف صدرى المظلم نور البشر والطلاقة، فتدفعين ذراعك الغضة ~~وتتناولين ببنانك الدقيقة ورقة مما كتبت، وترفعينها أمام عينيك، وتزوين ما بينهما، وتتخذين ~~هيئة الجد الصارم، وتفيضين على نفسك السمحة العطوف، وأنت مضطجعة على ذراعى، سمتا وأبهة ~~يغريان بالابتسام، وأنا أنظر إليك وفى قلبى سكينة، وجوى من قربك معطر بمثل أنفاس الروضة ~~الآنف فى البكرة الندية. وألمح شفتيك الرقيقتين تختلجان وعينيك تلمعان، فتطيب نفسى بسرورك ~~الصامت، ثم أسمع ضحكتك الفضية، وأراك تغطين وجهك الحلو بالورقة فيستطيرنى الفرح ويستخفنى ~~الجذل، ولكنى أتظاهر بالخوف على الورقة التى لا قيمة لها أن يمزقها أنفك ms001 الجميل فترمين رأسك ~~على ذراعي وينسدل شعرك الذهبى المتموج كالستار، وتصافح سمعى من ضحكاتك العذبة موجات لينة. ~~ثم تعتدلين على ساقى، وتدفعين ذراعيك فتطوقين بهما عنقى، وتجذبين وجهى إليك، ولكنك تشفقين ~~على رقة شفتيك من خشونة خدى فتلثمين أذنى الطويلة - وتعضينها أيضا - فأصرخ، فتثبين إلى ~~قدميك خفيفة مرحة، وتخرجين بعد أن خلفت فى صدرى انشراحا، وفى قلبى رضى، وفى روحى خفة، وفى ~~نفسى شفوفا، وفى عقلى قوة، وفى أملى بسطة واتساعا، وفى خيالي نشاطا، فأضطجع مرتاحا وأغمض ~~عينى القريرة بحبك ثم أفتحها على: ~~«صيد حرمناه على إغراقنا # فى النزع - والحرمان فى الإغراق» # أى والله، لولا الإغراق ما كان الحرمان. وهل هو إلا الشعور به من الإسراف فى الرغبة ~~واللجاجة فى الطلب؟ # بل أفتح العين على جثة صغيرة حملتها بيدى هاتين إلى قبرها، وأنزلتها فيه، ووسدتها التراب ~~بعد أن سويته لها بكفى، ورفعت من بينه الحصى الدقاق ثم انكفأت إلى بيتى جامد العين وعلى ~~شفتى ابتسامة متكلفة وفى فمى يدور قول ابن الرومى: ~~«لم يخلق الدمع لامرئ عبثا # الله أدرى بلوعة الحزن» # وتدخل على زوجتى لتحيينى تحية الصباح، فأتلقاها بالبشر والبشاشة، وأهم بأن أحدثها بما كبر ~~فى وهمى قبل لحظة، ولكنى أزجر نفسى وأردها عن التعزى باللغط. ولو أنى شرعت أحدثها بشىء من ~~ذلك لما فرغت، فما أخلو بنفسى قط إلا رأيتنى أستطيب أن أتخيل فتاتى على كل صورة وكل هيئة ~~وفى كل حالة من حالات الطيش والحكمة، والغضب والسرور، والسخط والرضى، والضحك والبكاء، ~~والعشق والسلوان والنفور والإقبال، والحركة والسكون، واللعب، والنط، والقفز، والسباحة ... ~~ويحلو لى أن أنشئ بينى وبينها أحاديث فى كل موضوع من جد وهزل، ويسرنى أن أسمع نكتها، وأرانى ~~أستملح فكاهتها - وأنتحلها فيما أكتب - وأضحك أحيانا بصوت عال، بل أقهقه غير محتشم، فإذا ~~تعجب لى داخل متطفل على فى هذه الخلوة المحببة إلى نفسى رفعت له وجها كالدرهم المسيح، ~~وهربت بالتباله من الجواب الذى يطلبه بعينه أو لسانه، وتركته يظن بعقلى ما يشاء. وماذا أقول ~~له؟ فى وسعى ms002 أن أكذب، فما لباب الكذب مفتاح، ولكن الكذب ينغص على المتعة التى استفدتها من ~~الحوار الذى كان يدور بينى وبين «حياة». ~~••• # وأنت يا «حياة» الجديدة بديل من «حياة» التى فقدتها، لا.. لست بديلا، ولا أنت عوض عنها، ~~ولا أحسبك يرضيك أن تكونى عوضا عما لا يؤاتى. وتلك قد ربيتها صغيرة ودللتها وهى رضيعة بيدى ~~هاتين اللتين أتناول بهما خديك، ولاعبتها وأركبتها ظهرى، وقطعت بها فراسخ طويلة فى الغرفة ~~الضيقة، وسقيتها الماء ورأيتها تمص ثدى أمها وهى ذاهلة عن الدنيا وما فيها - وما هو كائن ~~وما عسى أن يكون - ونحن ننظر إليها مسرورين مستغربين مفتونين بهيئتها، وهى مقبلة على الثدى، ~~ويدها الدقيقة على الثندوة، وأصابعها تتحرك فى لطف وعلى مهل، مستظرفين شفتها المثنية على ~~سواد الثدى حول الحلمة وهى مكبة على الرضاعة. # ولكن فيك مشابه منها. وأنا أغالط نفسى وأزعم أنها لو كتب لها البقاء لما عدتك. ولست ~~تجلسين على ساقي فى الصباح الباكر - كما تفعل تلك فيما أتخيل - ولكنك تقرأين ما أكتب - بعد ~~أن ينشر - وأراك يسرك أن تسكنى إلى، سكون الطائر إلى وكره. # وهل هذا كل شىء؟ لا آدرى.. وأظن - بل أنا واثق - أنك تفهمين ما أعنى حين أقول إنك فصل من ~~كتاب حياة. # وهل أحتاج أن أقول أن اسمكما ليس «حياة». # الفصل الأول # | التدريب الأول # «ألا تنوى أن تعلمنى قيادة السيارة»؟ # قلت: «إنى أنوى أن أعلمك أشياء كثيرة.. فى أوانها». # قالت: «مثل..»؟ وأمالت رأسها الصغير وألقت إلى ابتسامة - أعوذ بالله من سحرها. # فبلعت ريقى، وقلت: «أوووه.. أشياء كثيرة كما قلت: مثل الرقة واللطف واللين وحسن المواتاة ~~... أشياء كثيرة». # قالت وعلى فمها - وفى عينيها - ابتسامة المتسامح: «ألا ترانى لطيفة؟..». # قلت: «عفوا.. إنما أعنى أن هذه المسائل نسبية، فقد تكونين فى الواقع ألطف فتاة تزين هذه ~~الكرة الأرضية بوجودها.. وقد أكون أنا لا أحس ذلك ولا أعرفه، لبلادة في أو.. جهل.. ~~أو..». # فأشارت بكفها وقالت: «يكفى.. سأحاول أن أكون لطيفة معك، فكن لطيفا وقل لى متى يكون الدرس ~~الأول؟». # قلت: ms003 «الآن.. تعالى.. ضعى هذا المعطف على كتفيك». # فأولتنى ظهرها لأضع عليه المعطف، وكانت تنظر إلى وأنا أفعل ذلك ببطء. # وانحدرنا إلى الطريق وركبنا، فقالت وأنا أهم بالمسير: «ألا تلبس المعطف؟ إن الجو ~~بارد». # فهززت رأسى وقلت: «كلا.. سأتصبب عرقا بعد دقائق - بل ثوان - من ابتداء الدرس الأول، ولكنك ~~تعرفيننى.. لا أهرب من الواجبات مهما كلفتنى». # وقالت: «هل هذا واجب شاق»؟ # قلت: «سترين»... ولم أزد. # ووقفنا فى مكان خلوى رحيب لا خوف فيه من أن ندوس طفلا أو نصطدم بشىء، فقلت لها بلهجة ~~الجد: «اسمعى من فضلك.. الآن يبدأ الدرس، التدريب الأول.. فاذكرى دائما أن هذا درس وليس ~~بلعب.. اسمعى الكلام وافهميه واعملى به ولا تحوجينى إلى شد شعرك أو قرص أذنك أو ~~خدك». # وكانت تبتسم حينما شرعت أتكلم، فلما رأتنى جادا لا أضحك ولا يبدو على أنى أمزح، صارت ~~الابتسامة كنور القمر المرتعش على صفحة الغدير الصافى، فرق لها قلبى، ولكنى تحاملت على نفسى ~~وغالبتها وحدثتها - أعنى نفسى - بأن كل شىء خليق أن يفسد إذا لم أظهر الجد. # وقالت بضعف: «إنى مصغية». # قلت: «هذا حسن.. ابتداء طيب.. والآن، ادنى منى.. التصقى بى». # قالت: «لماذا»؟ # قلت: «لتتناولى العجلة وتتدربى على إدارتها بالضبط والإحكام الواجبين». # فحاولت أن تتناولها من غير أن تلقى بجسمها على صدرى، وكان هذا متعذرا. وأدركت أنها ~~مترددة، فقلت: «بالطبع ستزهق روحى وتتقصف أضلاعى وتحتبس أنفاسى.. ولكن هذا لا مفر من ~~احتماله». # قالت: «صحيح»؟ # فخفت أن تدفعها الرقة والإشفاق على، إلى إيثار العدول فقلت: «إن فى قولى هذا بعض ~~المبالغة ولا شك، ولكنى أعنى أنه إذا كان لأحد منا أن يتردد أو يخشى شيئا.. فإنى أنا الخليق ~~بذلك». # فظنت أنى غضبت أو أن ترددها جرح إحساسى وآلمنى، فقالت: «إنى آسفة». # فابتسمت لها صافحا عنها.. وقلت: «تفضلى..» وتناولت كفيها فوضعتهما على العجلة وأنا أسأل ~~الله أن يلهمنى القوة ويرزقنى القدرة على مقاومة هذا الإغراء. وصار كتفها على صدرى، وشعرها ~~على وجهى، وأرجه فى أنفى، وصفحة خدها الغض المشرق تحت عينى.. ms004 فلو مططت بوزى قليلا للمسته ~~شفتاى. وسرنا خطوات ترنحت فيها السيارة كأنها سكرى، وأحسب أن لها - أعنى للسيارة - عذرها.. ~~فما لمست عجلتها كف كهذه، رخصة بضة دقيقة.. وكنت أنظر إليها، فأشعر أنى أوشك أن أرتد إلى ~~عصور الاستيحاش، وأحس أنى أريد أن آكلها لفرط حلاوتها، ولم أكن أحس - وهى على صدرى - أن فى ~~بدنها عظاما من فرط الرقة والطراوة. وكان شعرها يدير رأسى ويسكرنى بعطره الطبيعى. وكانت يدى ~~اليمنى على كتفها، فكنت بجهد أردها عن ضمها إلى. # وقلت لها - وقد وقفنا قليلا لنستريح، فقد كانت جلستها متعبة: «لن تستطيعى أن تختفى عنى ~~بعد اليوم كما فعلت من قبل» # قالت: «كيف؟ ماذا تعنى»؟ # قلت: «لا أظنك تعرفين ما أعنى، فمن حقك أن تسألى وتعجبى.. لقد انتقلت فجأة من بيتك فأصبحت ~~يوما فإذا أنت غير موجودة حيث ألفت أن أراك.. لا أدرى كيف تسنى لك أن تنتقلى من بيت إلى بيت ~~من غير أن أشعر بذلك ونحن جاران متقابلان.. ولكنك نجحت.. غافلتنى واختفيت». # فقالت: «على فكرة.. كيف اهتديت إلى البيت الجديد»؟ # قلت: «أوه.. هذه حكاية طويلة.. رأيت أخاك فتبعته من حيث لا يشعر.. لو كنت شممت شعرك كما ~~شممته اليوم.. لما احتجت إلى أخيك أو غيره». # فضحكت وقالت: «لم أكن أحسب أنك..» وأمسكت. # فقلت: «قوليها.. ولا تخشى أن تسيئى إلى. نعم، إن فى بعض خصائص الكلاب.. ومن يدرى، لعل ~~الله كان يريد فى أول الأمر أن يخلق من طينتى كلبا ثم بدا له أن هذه الطينة لا تليق بكلب ~~فصنع منها هذا الإنسان الذى يجلس إلى جانبك. ومن هنا بقيت لى حاسة الشم فى الكلاب، ولكن ~~قوتها فى شىء واحد.. ما شممت شعرا إلا بقيت رائحته فى أنفى.. ولو أنك وقفت بين عشرين فتاة ~~وعصبت لى عيناى لاستطعت أن أهتدى إليك وأخرجك من بينهن بأنفى.. بمجرد شم الشعور». # فدهشت وقالت: «هل تتكلم جادا؟» # قلت: «فى وسعك أن تجربى. هاتى عشرين فتاة.. وأرسلى لهن شعورهن وقفى بينهن وضعى على عينى ~~ما شئت.. ودعينى ms005 أشمكن. نعم، فى من الكلب هذا.. وليت لى منه مزاياه الأخرى.. بل ليتنى كنت ~~كلبك على الخصوص». # فضحكت وقالت: «ولماذا؟ لا تخف أن تتكلم فإن حديثك لذيذ». # قلت: «أشكرك.. لو كنت كلبك لكان من حقى المعترف به مثلا أن أقعد بين يديك فى حيث تكونين. ~~لا أحرم ذلك ولا يستطيع أحد أن يقصينى عنك، ولو حاول أحد ذلك لعضضته ومزقت ثيابه ولحمه ~~ولأدبته.. نعم.. ولكان من حقى أن أضع رجلى على.. على.. فى حجرك.. وألحس لك وجهك كلما شئت ~~ذلك وأشتهيته.. معذرة فإن الكلب لا يحسن التقبيل.. وهذا هو البديل عنده من القبل.. ولو كنت ~~كلبك يا فتاتى الجميلة لكنت حارسك الأمين، وفارسك الذى لا يقصر ولا يغفل ولا يسهو.. ولو كنت ~~كلبك لكان من حقى على الأرجح - فإنك رقيقة القلب - أن أنام على سريرك..». # فصرخت ووضعت راحتها على فمى فضحكت، وقلت: «لا تخافى فإنى لم أصر كلبا مع الأسف.. أبى الحظ ~~هذه النعمة على المسكين الذى هو أنا». # واستأنفنا الدرس وعدنا إلى التدريب، وأقبلنا على ذلك بعزم لا يفتر وإرادة لا تلين أو ~~تضعف، ثم وقفنا وأراحت يديها وتنهدت وقالت: «تعبت». # قلت: «إنى آسف.. استريحى». # فسألتنى: «هل تعبت أنت أيضا»؟ # قلت: «كلا.. إنما تعبت من التفكير». # قالت: «فى أى شىء كنت تفكر»؟ # قلت: «هل تصدقيننى إذا أخبرتك»؟ # قالت: «لم لا أصدق؟ هل هو شىء غريب جدا»؟ # قلت: «نعم.. جدا.. لقد كنت - وأنت على صدرى - أشتهى أن أمرغ نفسى فى هذه الرمال وأن أعوى ~~كالكلب». # فضحكت حتى ترقرق الدمع فى عينيها، وقالت بعد أن وجدت لسانها: «ولكن لماذا؟.. إن هذا شىء ~~غريب». # قلت: «لا غرابة على الإطلاق.. ألم أقل لك: إن فى من الكلب خصائص.. اشتهيت أن أفعل ذلك ~~عسى أن تصنعى معى ما كان يمكن أن تصنعى مع كلبك.. تحمليننى بين يديك.. عل ذراعيك.. وتدنين ~~فمك الدقيق من وجهى وتقبليننى فألاعبك وأضع يدى على كتفك وأنظر فى عينيك وأمسح خدى بخدك.. ~~على فكرة.. وقبل أن أنسى». # فتركت الضحك، وأقبلت ms006 على تسألنى: «نعم..». # قلت: «هل تستطيعين أن تخبرينى أو تبينى لى كيف يسعك أن تأكلى»؟ # فاستغربت، وقالت: «لست أفهم.. لماذا تظن أنى لا أستطيع أن آكل»؟ # قلت، وأنا أضحك: «هل تسمين هذا فما؟ أنه أدق من أن يتسع لأصغر لقمة .. يصلح أن يكون قرنفلة ~~أو ما يشبه ذلك». # فقاطعتنى، وقالت: «والآن اسكت قليلا.. لقد دار رأسى.. لماذا تتكلم هكذا»؟ # فهممت بأن أقول شيئا ولكنها أراحت كفها على شفتى فلثمتها، فابتسمت وقالت: «لقد كنت أفكر ~~فى جزاء لما علمتنى وقلت لى لتملأنى غرورا.. ولكنك أفسدت كل شىء.. أخذت جزاءك ~~بنفسك». # قلت: «لا.. لا.. لا.. نمسح القبلة». # قالت: «كيف يمكن»؟ # قلت: «هكذا.. بشفتى». # فأطرقت قليلا، ثم رفعت رأسها وقالت: «لو سألتك عما تحب أن يكون جزاؤك منى، ماذا كنت عسى ~~أن تطلب؟ أفهم أن هذه مسألة نظرية بحت». # قلت: «الجواب حاضر.. وما أظن بك ألا أنك تعرفينه.. وهل هو ألا أن تعدينى كلبا ~~لك»؟ # قالت: «هذا سهل». # فصحت مسرورا وأنا لا أكاد أصدق: «إيه»؟! # قالت: «لا تتعجل.. على مهلك.. لا تنس أن كلامنا كله نظرى». # فارتددت وتنهدت أسفا محزونا، فقالت وهى تربت لى على كتفى: «لا تحزن يا كلبى العزيز.. أنت ~~كلبى.. ألم تقل ذلك»؟ # قلت: «نعم.. ولكن الكلب له مزايا.. لا تنسى ذلك». # قالت: «يحسن أن تتدرب عليها التدريب الأول..». # فقاطعتها وصحت بها: «لا.. لا.. إنى طول عمرى كلب متدرب من زمان.. كلب عتيق.. ~~والله». # وضحكنا ... # وافترقنا على موعد للتدريب الثانى. # الفصل الثاني # | الدكان # وقفت «جليلة» لا تدرى ماذا تصنع، فقد انغزرت إحدى العجلتين الخلفيتين فى الرمل وأبت أن ~~تخرج منه.. وعجز المحرك عن جذبها، بل كانت العجلة تزداد غوصا كلما حاولت نزعها. وكانت الشمس ~~قد مالت إلى المغيب ولم يبد أحد فى الأفق، وكان الكشك الذى وقفت عنده منذ لحظة تشرب ~~«الكازوزة» يبعد مسافة كيلو ونصف أو اثنين، فليتها ما جاوزته إلى هذا المكان القفر.. ولكنها ~~أرادت أن ترى الطيارة الشراعية من مكان قريب والأرض بعد «الكشك» غير ممهدة. ولكن ms007 عناء السير ~~فيها محتمل ولا خوف من الغوص. وقد طوفت من قبل فى أرجاء هذا الفضاء الرحيب. فهى تعرف صلابة ~~الأرض ولا تخشى رخاوتها، غير أن الحظ خانها فى هذه المرة.. فما كادت تقف بالسيارة وتنأى ~~عنها قليلا ثم ترجع ، حتى ألفت العجلة قد غاب نصفها فى الرمال الخائنة. وكان تلاميذ الطيران ~~الشراعى بعيدين عنها بعد «الكشك»، فهل تترك السيارة وتعود أدراجها إلى الكشك تلتمس من صاحبه ~~المعونة، وتسأله أن يدعو إلى نجدتها بعض خفرائه؟.. لم يبق من هذا مفر على ما يظهر، وإلا صار ~~خطبها أدهى بعد الغروب. وصح عزمها على ذلك، فأقبلت على السيارة تريد أن تأخذ منها حقيبتها ~~وقبعتها وإذا بصوت يقول لها: «اسمحى لى..». # فالتفتت مذعورة.. فما سمعت وقع قدميه وهو مقبل عليها ولا رأته، وإن كانت قد دارت بعينها ~~فى المكان ونفضته قبل أن تنوى الرجوع إلى «الكشك». ولم يسألها الرجل شيئا ولم ينظر إليها بل ~~انطرح على الرمل بثيابه الأنيقة بعد أن ألقى طربوشه فى السيارة، وراح يجرف الرمل بيده من ~~خلف العجلة وقدامها.. ولما فرغ من ذلك ووسع للعجلة نهض ومشى مطرقا ينظر إلى الأرض كأنما ~~يبحث عن شىء، ثم انحنى وتناول حجرا كبيرا ولوحا من «الصاج» وعاد بهما فوضع الحجر خلف العجلة ~~واللوح أمامها وتحتها، ليكون دورانها عليه لا على الرمل. ثم نهض مرة أخرى، وقال: «أظن هذا ~~يكفى.. فلنجرب على كل حال». # فقالت: «أشكرك.. لا أدرى ماذا كنت أصنع لو لم تنجدنى»؟ # فأشار بيده، وقال: «أجلى الشكر حتى أستحقه.. إن العجلة المسكينة لا تزال غائصة، فلننقذها ~~أولا». # ومضى إلى آخر السيارة، وقال: «أديرى المحرك وسيرى بها، وسأدفعها من الخلف». # ففعلت وخرجت السيارة ثم وقفت على مسافة أمتار، ونزلت منها جليلة متهللة الوجه فصاح بها: ~~«لماذا وقفت.. هل حدث شىء»؟ # قالت: «لا.. إنما جئت لأشكرك». # ففرك يديه ومد يمناه إليها، وقال: «آه صحيح.. صار الشكر الآن واجبا. أليس كذلك»؟ # فضحكت وسرها منه أنه لا يبدو عليه أنه يريد شكرا، وأنه كان ينتظر ms008 منها أن تمضى عنه بلا ~~كلام. # وقالت، وهى تبتسم له فى عينيه: «ألا تريد أن أشكرك»؟ # فقال وهو ينفض الرمل عن ثيابه: «كلا.. إنه دين قديم أؤديه.. بعضه على الأقل». # فغاضت الابتسامة، وقالت مستغربة: «دين؟ لى أنا؟ ولكنى لا أذكر أنى أعرفك.. لا ~~مؤاخذة». # قال: «صدقينى حين أقول لك: إنه يسرنى أن أراك ناسية.. إنها ذكرى خليقة ألا تثير فى نفسك ~~إلا الامتعاض والنفور بل المقت.. فالحمد لله». # فدنت منه مقدار خطوة، وقالت: «ولكن أرجو أن تريحنى.. هل تعرفنى»؟ # قال: «أعرفك؟ أظن ذلك.. وإن كنت لا أكتمك أنى نسيت اسمك. انتظرى.. ورفع كفه الكبيرة ~~الغليظة إلى جبينه.. اسمك يا ستى.. غريب أن تبقى الصورة كل هذه الأعوام ويذهب الاسم.. أوه.. ~~جما.. جميلة.. وجدته.. وجدته.. جليلة.. أليس كذلك»؟ # فصاحت: «نعم.. نعم.. ولكنى آسفة لأنى لا أذكرك أبدا.. لا صورتك، ولا اسمك». # فقال بابتسام: «انهما جديران منك بالنسيان». # فألحت عليه أن يذكر لها اسمه، فقال: «هذا لغز سأترك لك حله وأنت عائدة». # فابتسمت، وقالت: «ألا تخشى أن أشغل به عن الطريق وما فيه فتحدث لى حادثة»؟ # فقال: «صحيح.. صحيح.. إذن لم يبق لى مفر من التضحية. سأخسر ما صرت جديرا به من الشكر، ~~وأسترد سخطك القديم». # فسألته وهى تضحك: «هل كنت فظيعا إلى هذا الحد» فقال: «ستعرفين مبلغ فظاعتى حين تعرفين ~~اسمى.. مراد البارونى». # فأطرقت، وقالت على مهل: «مراد.. البارونى.. (وهزت رأسها) كلا.. إن ذاكرتى لا يختلج فيها ~~شىء.. آسفة». # فقال، وهو يضحك: «أما أنا فإن ذكراك يقشعر لها بدنى، فما أستطيع أن أنسى أنك صببت على ماء ~~قربتين من الماء فى الشتاء. سلطت على خرطوم الحديقة وأطلقت على ماءه.. أهذه ذكرى تنسى؟. ~~ألست معذورا إذا ظللت متذكرا»؟ # فدنت منه، وقالت بصوت خافت كالهمس: «مراد؟ صحيح..». # فقال: «وكنت ظالمة لى..». # فقالت: «كلا.. لقد تذكرت الآن، فقد وضعت لى دودة ميتة فى قفاى.. الحق أنك كنت ~~فظيعا». # فأشار بيده إشارة المستنكر: «لا.. لا.. هذا كان سوء تفاهم.. أعنى أنى كنت فرغت من اللعب ms009 ~~بالدودة، وظننت أنك قد يسرك أن تأخذيها لتلعبى بها.. ولكنى أخطأت فوضعتها لك فى قفاك بدلا ~~من يدك، بل كان الخطأ منك لا منى.. فقد جعلت تجرين خائفة وأنا أجرى وراءك، فلم يسعنى ألا أن ~~أتركها حيث تيسر لى.. فالذنب ذنبك يا جليلة». # فقالت جليلة، وهى تضحك: «أتذكر كيف كنت تصيح بأعلى صوتك كلما رأيتنى.. وكيف كنت تجرى ~~ورائى وتدبدب برجليك كلما أدركتنى فتزيدنى رعبا»؟ # فقال: «نعم أذكر ذلك.. أذكر كل شىء.. إنه كل ما بقى لى منك.. لقد كنت أصيح وأدبدب لأخفى ~~عنك حبي لك». # فقالت: «غريب.. أكنت تحبنى؟ لقد كان نجاحك تاما إذن فى إخفاء هذا الحب». # ونظرت إلى وجهه الذى لوحته الشمس وشعره الذى ظهر فيه الشيب هنا وههنا، وأخذت الصورة ~~القديمة تسترد ألوانها وتبرز معالمها شيئا فشيئا، ثم قالت: «لقد كبرت جدا.. طولا وعرضا.. ~~وتغيرت أيضا. من الذى يراك الآن فيذكر ذلك الطفل الشقى الذى كان يسود عيشى ويرعبنى كلما ~~ظهر فجأة من وراء شجرة.. أو من تحت الأرض - فيما كان يخيل إلى ماذا صنعت بنفسك كل هذه ~~السنين»؟ # فقال: «أوه.. ماذا يصنع الناس بنفوسهم؟ يكبرون ويقعون على عمل يشتغلون به. أنا أيضا وجدت ~~لى عملا.. فى تجارة رابحة والحمد لله.. وأنت»؟ # قالت: «أوه.. كبرت مثلك». # فقاطعها وقال: «كلا.. إنك لم تتغيرى.. لو كان هنا دود لما خطر لى وأنا أنظر إليك إلا أننا ~~ما زلنا طفلين، ولهممت بأن أضع لك واحدة فى قفاك». # فضحكت وقالت: «لقد صرت مهذبا جدا.. لم يبق شىء من ذلك الطفل اللعين.. غريب أن نلتقى هنا ~~هكذا بعد كل هذه السنين.. ماذا كنت تصنع؟ أعنى هنا». # قال: «أتمشى.. للرياضة». # فتنبهت، وقالت: «إذن لا أقل من أن أحملك معى فى السيارة». # وقال وهو يركب معها مسرورا: «ما قولك.. نحتفل بهذا اللقاء الذى لم يكن لى ولا لك فيه ~~حساب، بالعشاء نتناوله فى محل الحاتى.. هه»؟ # فابتسمت لنفسها فى مرآة السيارة وأصلحت شعرها الذى عبث به النسيم، ثم التفتت إليه وهزت ~~رأسها أن ms010 نعم.. ثم انطلقت تخطف بسيارتها الأرض. # ولم يكن في جليلة خفة أو طيش، ولكنها كانت فتاة وحيدة مدللة.. ورثت عن أبيها قسوة القلب ~~واستقلال الطبع، وعن أمها سرعة الاستجابة لدواعي الخير. وقد مات أبوها قبل سنوات، فلم يبق ~~لأمها سواها ولم تهمل تربيتها.. ولكنها كان ينقصها حزم زوجها وحكمته، فألقت لها الحبل على ~~الغارب وهى تحسب أنها لا تعدو ما كان يصنع أبوها. على أن الفتاة لم يكن فيها سوء ولم تثمر ~~الحرية شرا، وإنما أكدت استقلالها وأورثتها تمردا صريحا على كل قيد من القيود التي يفرضها ~~العرف حتى على الفتاة الحديثة. وكانت أمها وبعض أهلها يشق عليهم ذلك أحيانا، فتقول لهم إنى ~~لا أفعل سوءا، ولا أسىء أدبى، ولا أتوقح على أحد، ولا قيمة لخروجى وحدى، أو مرافقة أصحابى ~~وصواحبى إلى السينما أو غيرها.. فكانت أمها تسكت ولا تقول شيئا لعلمها أن الكلام لا خير ~~فيه. # ولم تكن جليلة بارعة الحسن، ولكن صوتها كانت له حلاوة التغريد.. وكانت نظرتها الحالمة ~~تفعل فعلين يبدوان متناقضين: تنعش القلب وتفتر الجسم، فإذا أدامت إليك كرة الطرف - على ~~عادتها إذا سرها منك عمل أو قول - شاع الرضى فى نفسك وفاضت بالسرور، ودار رأسك، وأحسست ~~بالخدر فى أعصابك. وكانت أقرب إلى القصر منها إلى الطول، وإلى الامتلاء منها إلى النحافة ~~والهزال، وقد حمتها كثرة الحركة والولع بالمشى فى الهواء الطلق، وفطام النفس عن الأطعمة ~~الدسمة الثقيلة، أن تصبح كأمها أكداسا من اللحم تلح على روحها. وكانت سمراء، ولكن سمرتها ~~مشربة حمرة لا كدرة فيها ولا نمش. وكان شعرها جعدا وأثيثا.. وكانت تفرقه وترسله إلى الوراء ~~وتعقصه وتأبى أن تقصه. كانت أنيقة بلا تكلف، ولم تكن رقيقة الحال أو مضطرة إلى حسن التدبير ~~والاقتصاد. فقد ترك لها أبوها الحازم ثروة كافية، ولكنها كانت تؤثر أن تصنع ثيابها بيديها، ~~فتجىء محبوكة التفصيل على قدها الجميل يبرز من تحتها ثدياها الناهدان الراسخان كالرمانتين ~~الصغيرتين. وكانت مجدولة الساقين لا عظيمة العضلة ولا مضطربتها ولا عرقوب لها. وجمال الساق ms011 ~~فى المرأة يشير بحسن القوام.. وكانت تكره الأحذية العالية الكعوب نفورا من بروز الفخدين. ~~على أن هذا كله ما أكثر من يشاركنها فيه، ولو اقتصر الأمر على التكوين المادى لما كانت لها ~~مزيه تنفرد بها، ولكن أنوثتها كانت قوية الجذب شديدة الإغراء.. فلولا استقلالها وشخصيتها ~~لما استطاعت أن تنجو من المعاطب. ~~••• # وقال مراد وهو عاكف على البيان الذى قدمه إليه الخادم: «معذرة، فإنى أتضور جوعا.. لم آكل ~~فى نهارى شيئا. ماذا تريدين.. كباب.. لحم رأس.. حمام؟ إنى أرى الحاتى عنده كل ما يؤكل.. لا ~~الكباب وحده.. ما قولك»؟ # فآثرت الكباب، وقالت: «إن هذا فنه الذى يمتاز به، فيحسن أن أقتصر عليه». # وكانا جالسين فى آخر القاعة ووجهها هى إلى الباب ووجهه إلى الناس. وشغلا برهة بالأكل ~~وذكريات الطفولة، فقال لها وهو يضطجع: «أتذكرين يوم تحديتك أن تتسلقى النخلة؟ (فهزت رأسها) ~~لقد كنت لا تطيقين التحدى.. فهل أنت ما زلت كذلك»؟ # فوضعت الشوكة على الطبق، ونظرت إليه وسألته: «ماذا تعنى»؟ # قال بابتسام: «أعنى أن وراءك.. بعد مائدتين اثنتين.. رجلين أحدهما يحدق فى ظهرك، لا ~~يخالجنى شك فى أنك تحسين وقع نظراته على جسمك.. إنها نظرة حامية.. كاوية.. انتظرى قليلا ~~وسأدعو الخادم ليجيئنا بالقهوة، فأديرى وجهك حين يقبل وانظرى». # ففعلت ثم اعتدلت فى جلستها وقد علا وجهها الاصفرار، فأكب مراد على بقية الفاكهة وتشاغل ~~بها عما رأى فى وجهها من دلائل التغير. ولم تفت جليلة هذه الكياسة منه، ووقع من نفسها ~~اتقاؤه الفضول.. فتماسكت وضبطت صوتها وهى تقول: «لقد تغيرت جدا.. من كان يظن أن ذلك الطفل ~~الخبيث الذى كان يتعقبنى وينغص حياتى يصبح هذا الرجل الوديع الظريف الكيس؟ أتعرف من هذا يا ~~مراد الذى يكوينى بنظراته؟ إنه خطيبى زكى.. أفهمت الآن»؟ # فقال بهدوء وبصوت متزن النبرات: «خطيبك زكى؟ هذه أخبار.. أظن أن من واجبى أن أقدم لك ~~التهنئات». # ولكنها أحست من نبرات صوته على الرغم من اتزانها أن هذا الخبر لم يسره، فقالت: «لا داعى ~~للعجلة.. ثم إن الزواج مسألة عادية ms012 جدا على كل حال.. أو كما يمكن أن تقول أنت.. هو شر يصيب ~~كل إنسان.. عاجلا أو آجلا.. متى يصيبك يا مراد»؟ # فقال: «أنا؟.. لا أدرى.. صاحبك.. أعنى خطيبك لا يزال محملقا فى ظهرك. فهل تستطيعين أن ~~تنهضى وتذهبى إليه وتقولى له بكل هدوء إن لك حقا فى أن تتناولى العشاء مع صديق قديم مثلى ~~وضع فى طفولته دودة فى ظهرك وصببت عليه عشرين قربة من الماء فى الشتاء»؟ # فقالت ببساطة: «إنى أحب زكى.. وأنت لا تعرفه.. بالطبع ليس فى كونى معك هنا ما ينبغى أن ~~يسوءه، ولكنه لا يعرف أنك هذا الصديق القديم.. كل ما يعرفه أنه خطيبى.. وإنى - كما قال ~~مرارا - طائشة.. مندفعة». # قال مراد: «اشربى القهوة.. لا تفسدى على نفسك الليلة.. ستشرحين له كل شىء، فيعود حملا ~~وديعا ويعتذر إليك من هذه النظرات الحامية». # فشربت القهوة، ولكنها كانت ساهمة.. فقد كانت تحب «زكى» هذا، وكانت تكره الاضطرار إلى ~~الشرح وتستثقل أن تحتاج حتى إلى ما يشبه الإعتذار. # وقال مراد: «لقد قام الرجلان.. خطيبك وصاحبه». # فقالت: «يحسن أن نقوم إذن.. فسيودع صاحبه ولا شك ويقف فى انتظارى.. أشكرك يا مراد.. ~~نبهتنى إلى أنه خرج فلألحق به». # وخرجا.. وودعها مراد بعد أن عرفت منه عنوانه، وعرف منها عنوانها، وألح عليها أن تتصل به ~~إذا جد أمر من جراء لقائهما الليلة. ~~••• # وقالت جليلة لزكى: «معى سيارتى، فلا حاجة إلى تاكسى». # فدخل فى السيارة واضطجع.. ثم قال: «من هذا الرجل الذى كان معك؟». # فقصت عليه وما وقع لها عند المطار، فقاطعها وقال: «كيف تكلمين رجلا غريبا؟ إن هذا ~~كثير..». # قالت: «ولكنه ليس غريبا.. لقد نشأنا معا.. فى حى واحد». # فنفخ وقال: «ولكنك لم تكونى تعرفين أنه هو صديق طفولتك». # فقالت بلهجة المستغرب: «هل كنت تريد أن أتقبل معونته ولا أشكره على الأقل»؟ # فترك هذا وقال: «ولماذا تخرجين إلى هذا المكان وحدك»؟ # قالت: «لأنك مشغول عنى بأعمالك الكثيرة التى لا تدع لك وقتا لمرافقتى.. ومع ذلك أى بأس ~~هناك»؟ # قال: «بأس؟ بأس؟ ms013 هذا الذى حدث لك من غوص العجلة أليس بأسا»؟ # قالت: «لا تكن متعنتا.. إن السيارات يمكن أن يحصل له أى شىء فى أى مكان فى الدنيا». فترك ~~هذا أيضا وقال: «ولكن تأتين معه إلى الحاتى.. ماذا يقول الناس»؟ # فقالت: «إذا كان الحاتى مكانا لا يليق أن يدخله الشريف..». # فقاطعها بسرعة، وقال: «لست أقول هذا.. الأمر على العكس». # قالت: «اذن انتهينا». # فسكت، فما رأى حجة له تنهض. وساءه ذلك فقد كان شديد الاعتداد بنفسه، وكان عظيم الطموح ~~واسع الأمل فى المنازل الملحوظة.. فلم يسره أن الفتاة التى سيتزوجها تقرع حجته بأقوى منها، ~~وأحس أن فى هذا تنقصا له وغضا من مقامه وسقوطا لهيبته، ولكن الكلام خانه فآثر السكوت على ~~مضض. # وكان زكى - أو إذا أردت اسمه كله زكى الدين حمد - من أصل تركى أو شركسى - سيان - وكان ~~يطمع أن يبلغ بماله الموروث حيث لم يستطع أن يبلغ بالكفاية الشخصية. وكان أمله الذى لا ينفك ~~يحلم به فى اليقظة والمنام أن يصبح يوما من أعضاء البرلمان، ومن أجل هذا كان يتقرب إلى ~~الزعماء السياسيين بوسائل شتى.. وكان يعنيه جدا أن يحسن رأيهم فيه وظنهم به ... وكان يحرص على ~~المركز المأمول، ويحيط نفسه سلفا بكل مظاهر الأبهة والسمت والوقار، وينظر إلى الأمر كله ~~كأنه واقع. وينتظر من الناس أن يعدوه كذلك، بل أن يبالغوا ويروحوا يمدون بصرهم إلى ~~المستقبل، وأن يخالوه كما يتخيل نفسه فيه وزيرا أو رئيس وزارة. # وقال لجليلة - وهو يودعها على باب بيتها: «أرجو يا جليلة ألا تعرضينى لكلام الناس، واذكرى ~~أن لى مركزا يجب أن أحافظ عليه». # فسحبت يدها من يده وقد آلمها كلامه، وأحست أن سهما وقع فى قلبها. كانت حساسة وذكية. ولم ~~يكن يخفى عليها أن ليس له مركز سوى ما يفيده الغنى. ولم تكن هى تحتاج منه إلى مال فإن مالها ~~كثير. وكانت تدرك أن ما يسميه «مركزه» جانب ضعف فيه، ولكنها كانت تغض عن ذلك لحبها له، غير ~~أنها لم تكن تتوقع أن يتهمها بأنها ms014 تسىء إلى هذا المركز - وإن كان موهوما - فضلا عما تنطوى ~~عليه عبارته من التعريض بها، بعد أن شرحت له الأمر كله ولم تخف عنه شيئا. وماذا تخفى وليس ~~فى الأمر ما يستدعى الكتمان؟ # وقالت له - وهى تهم بالدخول: «ليلتك سعيدة ». # فسألها: «متى نلتقى غدا»؟ # فأطرقت شيئا ثم رفعت رأسها، وألقت إليه ابتسامة ساخرة، وقالت: «غدا؟ لا.. إنى على موعد مع ~~مراد..». # ولم يكن ثم موعد ولا شبهه، وإنما قالت ما قالت مدفوعة إليه بضجرها وألمها. # ودخلت.. وتركته واقفا وفمه مفتوح. ~~••• # ولم تحاول أن تلتقى بمراد فى اليوم التالى، فقد كانت تدرك أن هذا لا يكون منها إلا خرقا ~~وحماقة.. فلزمت بيتها إلى المساء، ثم خرجت فى سيارتها على عادتها وجالت بها جولة قصيرة، ثم ~~ردت بعض الزيارات وعادت فلزمت غرفتها. وكان الألم لا يزال يحز فى نفسها، فساء نومها واضطرب. ~~وذهب يوم وجاء يوم، ولكنها أحست ثقلا فى جسمها وفتورا.. فبقيت فى فراشها، وأوصت أمها أن ~~تمنع أن يوقظها أحد - حتى ولا زكى - فشعرت الأم أن فى الأمر شيئا، ولكنها حدثت نفسها أنه ~~خلاف لا يلبث أن يزول. وجاء زكى يسأل عن خطيبته، فعرفت الأم أنه لم يلقها منذ يومين.. ~~فأظهرت تعجبها وزلت، فقالت إنها كانت تحسب أنها لم تخرج إلا للقائه. وزل زكى أيضا فقال لها ~~إن جليلة تسلك مسلك الأطفال، وأن ذلك يسىء إلى مركزه، وأنه كلمها فى ذلك فغضبت ولجت فيما ~~نهاها عنه، فهو يرجوها - الأم - أن تكبحها قليلا.. فما يليق أن تترك هكذا - حبلها على ~~غاربها. وعرفت جليلة هذا الذى دار بين أمها وبين خطيبها، فدهشت له.. ولكنها لم تغضب ولم ~~تثر، بل كان من الغريب أنها أحست كأنما وضع لها فى مكان القلب قطعة من الثلج. # وجاء العصر.. فركبت سيارتها وخرجت بها إلى مصر الجديدة. وكان كل همها أن تكون وحدها وأن ~~تدور دورة فى الهواء الطلق وتمشى قليلا، عسى أن ينفعها ذلك.. فيعفيها من الشعور بالانقباض ~~والفتور. وإنها لفى بعض الطريق، وإذا بها ترى ms015 مرادا يمشى بسرعة كأنما يريد أن يدرك موعدا.. ~~فوقفت وأشارت إليه وقد أحست أن جسمها قد صار أخف مما كان.. فجاءها يعدو، فسألته: «إلى ~~أين»؟ # فلم يجب عن هذا السؤال ولم يلق إليها تحية، بل ركب وهو يقول: «أرانا نلتقى فى هذه ~~الأيام.. حسن هذا.. أليس كذلك»؟ # فأعداها ما فى وجهه من البشر، وقالت ضاحكة: «غريب هذا.. تمضى سنوات لا نلتقى فيها مرة ~~واحدة، وفى أربعة أيام نلتقى مرتين». # فقال: «لا تغلطى يا فتاتى.. ليست هذه مصادفة..». # فنظرت إليه مستغربة، وسألته: «ليست مصادفة»؟ # فقال وعلى فمه ابتسامته الوضيئة التى لا تفارقه: «كلا.. ليست مصادفة.. إنها إرادتى سلطتها ~~عليك فجذبتك إلى حيث أنا.. نعم». فعاد إليها إشراق وجهها وأطمأنت، وقالت: «أوه.. آه.. ~~إرادتك؟ طبعا..». # فقال: «لا تمزحى.. إنى أتكلم جادا». # فرمت إليه نظرة سريعة، فألفته لا يزال يبتسم.. فحولت وجهها إلى الطريق، وقالت: «هذا ~~بديع.. تكلم، إن أذنى لك». # قال: «نعم.. إرادتى.. لم أزل منذ عشر سنين أربى هذه الإرادة، فهل تستغربين أنها بلغت من ~~القوة هذا الشأو؟ بالطبع لا، وأنت أول من ينبغى أن يكون من تلاميذى المؤمنين بى.. من حوارى. ~~هه؟ وسأفتتح بك العهد الجديد». # وبلغا آخر الطريق إلى المطار - من ورائه - فجلسا على سلم السيارة، وأخرج مراد سيجارة وذهب ~~يدخن فى صمت.. فلما طال ذلك التفتت إليه وقالت: «إنك لا تسألنى ماذا حدث»؟ # فلم يحول وجهه إليها وأدرك من كلامها أن شيئا لابد أن يكون قد حدث. ولم يشأ أن يتطفل ~~عليها بالسؤال، فاكتفى بأن يقول: «إن أذنى لك.. أعرناك السمع». # فقالت: «إنك قليل الفضول». # قال: «لأنى مشغول عنه بما فى نفسى.. الدكان غاصة. لا تحتمل زيادة». # قالت: «لغة التاجر، اسمع.. غضب زكى، أوه. غضب جدا.. لم يقل شيئا كثيرا، كل ما قاله إنى ~~خفيفة طائشة، وأنى أسىء بسلوكى إلى مركزه». # فانتفض مراد واقفا وقد تجهم وجهه ورمى السيجارة، ثم التفت إليها وقال بلهجة صارمة: «من ~~يكون زكى هذا»؟ # وكبح نفسه عن الاسترسال، ورد لسانه بجهد، وضبط أعصابه، ms016 وعاد إلى مكانه من السلم والتفت ~~إليها وقال - وقد وسعه أن يبتسم مرة أخرى: «معذرة.. ليس لى حق.. قولى إنك صفحت عنى». # فسرها منه أنه غضب لها، وفارت نفسه بالسخط على خطيبها من أجلها، فقالت له برقة: «أشكرك.. ~~إننا صديقان قديمان». # فقال لها - وهو ينهض مرة أخرى: «قومى نتمشى.. دعى السيارة، فلن يخطفها أحد». # وقطعا مسافة وهما صامتان، ثم وقف والتفت إليها وقال: «اسمعى يا جليلة.. إنى أعتمد على ما ~~تخولنى صداقتى القديمة من الحق فى الصراحة ... عشرون قربة من الماء تجعل لى هذا الحق، أريد ~~أن أقول إنى تحاشيت فى مقابلتنا الأولى أن أكاشفك بما أضمر لك من الحب كل هذه السنين ~~الطويلة، لأنك قلت عرضا أنك مخطوبة.. ولكن وجه المسألة تغير اليوم بعد أن سمعت منك ما قال ~~هذا البغل». # فقاطعته ضاحكة: «اذكر أنه خطيبى. لا يزال خطيبى. وإنى قلت لك إنى أحبه». # فقال: «لم يعد هذا يعنينى.. لست أحاول أن أصرفك عنه.. كلا، ولكنه لم يبق لى بد من أن أقول ~~إنى أحبك، وإنى أحبك مذ كنت طفلة، وكنت أعابثك وأكايدك وأصرخ فى وجهك. وكان هذا مظهر حبى ~~الصبيانى.. أما الآن، فإن مظهره أنى مستعد أن أذهب إلى خطيبك هذا وأخنقه بيدى ~~هاتين». # فقالت ضاحكة: «لقد توهمت لحظة أنك صرت أرق». # فقال: «كلا.. أنا كما كنت.. واسمعى ولا تقاطعى وإلا بحثت عن دودة ووضعتها لك فى قفاك.. ~~إذا حدث يوما أن صار الدكان للإيجار فاخبرينى». # فقالت: «لغة التاجر أيضا.. ولكنى سأستعيرها منك.. ثق أنك مفضل عندى على كل مستأجر لهذا ~~الدكان إذا خلا يوما من الأيام.. لم يخطر لى أن هذا ماتنطوى عليه لى.. ومن التى تتصور أن ~~وضع الديدان فى قفاها يكون علامة حب؟ ولكنك كنت دائما غريبا.. على كل حال، المسألة المهمة ~~أن الدكان مزحوم. ليس خاليا.. رحت أستبضع فامتلأ.. صحيح أنه امتلأ بأشياء لا قيمة لها.. ~~ولكنى لم أكن أعرف أن ما غص به عديم القيمة.. المهم أنه ممتلئ، وأظنك تدرك أنه ما دام ms017 ~~مملوءا فلا مكان هناك لجديد.. يجب الصبر حتى أخليه مما فيه.. هذا يحتاج إلى وقت. ومن يدرى، ~~ربما كان الإخلاء أصعب من الملء. ولكنك تفهم.. قل إنك تفهم وتعذر..». # فقال ببساطة وهدوء: «لا بأس. لا بأس.. إن دكانى أيضا مزحوم . ولكنه مزحوم بالنفيس الغالى.. ~~ولست أريد أن أخليه - لا أستطيع أن أخليه حتى لو أردت. وهيهات أن أريد أو أستطيع.. أنه مكتظ ~~منذ خمس عشرة سنة، وسيظل مكتظا طول العمر. وقد عرفت أن مفتاحه معك.. فى يدك.. فادخلى حينما ~~تشائين. وعسى أن تشائى.. عدينى أن تحتلى مكانك من الدكان بعد أن تفرغى من أمر دكانك.. وفى ~~أثناء ذلك نبقى كما كنا دائما.. صديقين حميمين». # ولم يسع جليلة الا أن تفكر فى أمر الرجلين - مراد الذى تعرفه منذ الطفولة، والذى كان يسود ~~عيشها بعبثه - لأن هذا كان تعبيره الخاص عن حبه لها - وقد ظل بعد ذلك يحبها، ولكنه أحجم عن ~~طلب يدها لرقة حاله بالقياس إليها. وقد صار تاجرا، ولكنه لم يثر لأنه لا يربح إلا ~~الكفاية.. ومن هنا إحجامه إلى الآن عن خطوبتها كما حدثها. وقد زاد على ذلك أنه كان لا يتصور ~~أن ترضى به فتاة مثلها، فكتم حبه وطواه فى صدره، وسأل الله المعونة على احتمال اليأس ~~المخامر. وهو ظريف كيس لبق دائم البشر واسع الإدراك رحيب الأفق حلو الفكاهة ... وزكى الغنى ~~الذى لا ينفك مهموما بمركزه المتخيل والذى لا يتقى فى سبيل الحرص عليه أن يجرح قلب فتاة ~~ويتهمها بالخفة والطيش فى سلوكها، وبأن سيرتها توشك أن تسىء إلى مركزه الموهوم هذا. وقد ~~أحبته.. هذا صحيح، ولكن عينها فتحت، فهى تراه الآن على حقيقته. وليس يسعها إلا أن تفكر فى ~~حياتها معه كيف يكون، إذا كان كل ما يباليه فى الدنيا هو هذا المركز.. ولكنها خطيبته وقد ~~قبلت أن تكون زوجته.. فما العمل الآن؟ # وسألت نفسها: أى الرجلين أحب إليها؟ وحيرها الجواب.. فهل هذا الذى تشعر به لمراد حب؟ إن ~~يكن هذا فهو هادئ جدا.. أما زكى ms018 فإن الدكان كما قالت لمراد مزحومة.. صحيح أنها مزحومة بما ~~لا قيمة له - كما ظهر الآن - ولكنها مزحومة.. فهل تخلو يوما؟ هذه هى المسألة.. وإلى أن تخلو ~~لا سبيل إلى شىء. # ولو أن زكى ذهب إليها فى ذلك الوقت ولاطفها وضاحكها ومازحها واعتذر إليها - ولو كانت هى ~~فى رأيه المخطئة - لعادت المياه إلى مجاريها كما يقولون، ولارتفعت قيمة ما فى الدكان وارتدت ~~إليه نفاسته. ولكنه أراد أن يلقنها درسا، فأعرض أياما وجفاها وانقطع عن زيارتها، ولم يكفه ~~ذلك.. بل أرسل إليها خادمة من عنده تبلغها تحياته وتسألها باسمه عن صحتها، وأوصاها أن تخلق ~~مناسبة لتقول لها أن سيدها يكثر - فى هذه الأيام - من زيارة بيت خالته - وكانت لها بنت فى ~~مثل سن جليلة - ليثير غيرتها وإشفاقها من أن يطير العصفور من يدها، فأفلح ولكن فى استثارة ~~نقمتها عليه.. فقالت لنفسها إن رجلا يهينها ويعرض بها ويرميها بأن سلوكها من شأنه أن يسىء ~~إلى سمعته وأن يضر بمركزه، ثم لا يجعل هذا بينه وبينها بل يفضى به إلى أمها، ثم لا يكفيه ~~هذا بل يجفوها ثم يغلو فى تعمد الإساءة إليها فيرسل إليها خادمة تبلغها أنه انصرف عنها إلى ~~سواها.. مثل هذا الرجل خير له ولها أن ينقطع ما بينهما. ~~••• # على أنها لم تتعجل - وإن كان عزمها قد صح على الفراق - فقد كانت شديدة الثقة بنفسها ~~والاعتداد باستقلالها وإرادتها الحرة، فلم تر ما يدعو إلى العجلة بعد أن انتوت أن تفصم ~~العروة. واستوى عندها أن يكون ذلك يوم انتهت إلى هذا العزم، وأن يكون بعده بأيام أو أسابيع. ~~فقد كانت واثقة أنه ما من شىء يستطيع أن يحولها عنه. وصار عجبها أن الدكان خلا بسرعة مما ~~كان يغص به. ولم تكن تلقى فى تلك الأيام مرادا، لأنها أرادت أن تختبر نفسها لتعرف ما تنطوى ~~عليه له.. فأدهشها أنها تحس وحشة، وأنها تشتهى أن تكون معه، وأن تستعيد ما تشعر به فى مجلسه ~~من سكينة النفس واطمئنان القلب والرضى الهادئ. وزاد شوقها ms019 إليه أنها كتمت الأمر كله عن ~~أمها. ولو كان مراد إلى جانبها، لكان خليقا أن يفهم ويعذر ويعطف وأن يسرى عنها بفكاهته ~~التى لا تخونه، وأن يغذيها بقوته التى تجعله لا ينسى أن يضحك وهو يفجع فى أمله الذى عاش به ~~سنين وسنين.. # وتعجبت لسرعة استيلاء مراد على هواها، فما لقيته إلا مرتين بعد طول الانقطاع والغيبة. فهل ~~هذا هو الحب الذى يقال عنه أنه يكون من أول نظرة.. أم تراها كانت تحبه منذ عرفته وهى لا ~~تدرى، وكان حبها له راقدا كامنا ينتظر فرصة للظهور؟ لاشك أنها كانت تحبه، كذلك قالت لنفسها ~~وهى راقدة على سريرها بعد الغذاء. نعم كان يقسو عليها ويركبها بالمزاح المتعب، وكان يختبئ ~~لها وراء الأشجار ثم يفاجئها بصرخة ترعبها فيضحك ويقهقه. وكان يجرى وراءها حتى تنقطع ~~أنفاسها وتقع من الإعياء.. فيحملها، ولكنه لا يرحمها، ولا يترفق بها.. بل يقرصها ويعضها، ~~فتصرخ وتصيح وهو يضحك ولا يبالى.. ولم تستطع أن تنتقم منه إلا مرة واحدة حين أرسلت عليه ~~خرطوم الماء فأغرقته، فجعل ينتفض من البرد. ولكنه كان يضحك مع ذلك ولم يسخط عليها.. ولم ~~ينطق بكلمة تشى بالألم أو النقمة أو الغضب، بل احتمل ذلك. ولما رق له قلبها وأقبلت عليه ~~بالاعتذار إليه وطلبت الصفح منه، لم ينس دعابته وعبثه ونبحها كما يفعل الكلب «وو.. وو..» ~~ففزعت. فما كانت تتوقع شيئا من ذلك، ومضت عنه مغيظة محنقة معتقدة أنه شر صبى فى الحارة، ~~وكان هو يقهقه وينطوى من شدة الضحك غير عابئ بالماء والبرد.. فتالله ما أقواه. ومع ذلك كانت ~~لا تلعب إلا معه.. وإذا أقبل عليها غيره من الصبية نفرت. نعم، لا شك أنها كانت تؤثره، ~~ولماذا لا تقول إنها كانت تحبه؟ صحيح أنها لم تكن تعرف الحب.. ولكنها تعرفه الآن، فقد صارت ~~خبيرة مجربة.. فلماذا لا تسمى الشىء باسمه الصريح؟ # وارتدت من الماضى إلى الحاضر، وذكرت كيف غاصت عجلتها فى الرمل ووقفت حائرة.. وإذا به يظهر ~~كأنما شق الأرض وخرج منها - كما كان ms020 يفعل وهو صبى - وينطرح على الأرض بلا كلام أو سؤال، ولا ~~يبالى ما يصيب ثيابه، ويجرف الرمل بيديه الكبيرتين ويحمل الحجارة.. يفعل كل ذلك ولا يرفع ~~عينه إلى.. ثم يعرفنى فيتلطف فى تذكيرى بنفسه. ويتظاهر بنسيان اسمى وهو منقوش ومحفور فى ~~قلبه.. وتنازعه نفسه أن يفضى إلى بحبه، فيشير إليه من بعيد فى معرض الكلام على ذكريات ~~الحداثة.. ويعرف أنى مخطوبة، فيفقد كل أمل. ولكنه يتجلد ويتكلف الابتسام ويمضى فى مؤانستى ~~بحديثه، كأنما لم ينهد ولم يتقوض بنيانه.. وهل أنسى كيف ثار وانتفض حين رويت له ما أهاننى ~~به زكى؟ فقد كانت وثبته تلك دليلا كافيا على عمق ما يجن لى من الحب.. ومع ذلك أبت له ~~الكياسة والأدب إلا أن يكبح نفسه ويردها عن النيل من زكى مخافة أن أكره ذلك منه. # وظلت تناجى نفسها على هذا النحو، ولا تكتحل عينها بغمض حتى كان العصر.. فقامت ولبست ثياب ~~الخروج، واستقلتها سيارتها الصغيرة إلى دكان مراد، فأقبل عليها يرحب بها، فقالت: «أنت أولى ~~من الغريب». # فابتسم وقال: «آه.. أهو ذاك»؟ # قالت: «نعم.. أريد شيئا من الحرير.. قطعا كثيرة. ألوانها شتى.. الوقت ضيق». # فقال: «الوقت؟.. لست فاهما شيئا..». # قالت: «ألا تعرف أن العروس تحتاج إلى ثياب كثيرة»؟ # فامتقع لونه، ولكنه تجلد وقال: «متى، إن شاء الله؟ لست أطمع أن أدعى، ولكنى أريد أن ~~أحتفل بليلة الجلوة وبسرورك فيها.. وحدى». # فسألته بخبث: «وحدك»؟ # فقال: «نعم.. لن يكون معى سوى خواطرى». # وأدار وجهه إلى الباب ليخنق زفرة يعلو بها صدره، ثم التفت إليها وقال: «متى يكون ~~هذا»؟ # فرفعت إليه وجها مشرقا، ونظرت إليه نظرتها الحالمة، وقالت: «متى تريد أن يكون»؟ # فقطب، وقال: «إيه»؟ # فأعادت سؤالها: «متى تريد أن يكون»؟ # فحدق فى وجهها - فى عينيها - ثم صاح وقد فطن إلى ما تعنى، وانحنى عليها فرفعها بيديه عن ~~الكرسى غير عابئ بالعمال والزبائن، وأهوى على فمها باللثمات ثم ردها إلى الكرسى، وصاح بأحد ~~رجاله: «اذهب. اذهب. حالا. حالا». # فوقف الرجل كالأبله لا يفهم ولا يدرى ms021 أين يريد منه أن يذهب، فصاح به: «هات المأذون.. ألا ~~تعرف المأذون يا أبله؟ اذهب.. حالا..». # فوقفت جليلة وأقبلت عليه تسأله: «ماذا تعنى؟ ماذا تريد أن تصنع»؟ # فقال: «ماذا أعنى؟ يا له من سؤال.. نعقد العقد.. هنا.. حالا فى الدكان .. هذا ما أعنى.. ~~رجالى وزبائنى شهودى.. شهود سعادتى.. لقد كان التجار فى الزمن السالف يجيئون برجال يقفون ~~على أبواب الدكاكين ويدعون المارة أن يدخلوا ويزينون لهم البضاعة، وقد انقضى ذلك الزمن وحلت ~~الإعلانات فى الصحف محل هؤلاء المنادين.. ولكنى اليوم سأقف بالباب وأدعو الناس.. كل الناس.. ~~أن يدخلوا، لا ليشتروا، بل ليشاركونى فى سعادتى. لماذا لم يجئ المأذون؟ اذهب أنت وراءه ~~واستعجله». # وفرحت جليلة بهذا الجنون وخجلت أيضا.. أفرحها أن عقله استطير من فرط الجذل، وأخجلها أن ~~كل هؤلاء الناس من العمال والزبائن يرونها وأن عيونهم جميعا عليها، وأنهم جميعا يفحصونها ~~ليعرفوا سر هذا السحر الذى ذهب بلب الرجل الذى ألفوا منه الرزانة والوقار والسكينة والظرف ~~والعقل.. وأرادت أن تستمهله، فأبى.. فاقترحت أن يذهبا بالمأذون إلى البيت، فأبى أيضا، وقال: ~~إن ناسا فى هذا الزمان يتزوجون فى الطيارة.. فماذا يمنع أن نتزوج فى الدكان؟ فقالت: إنه فرق ~~ساعة، والمسافة إلى البيت لا تستغرق زمنا. فأبى أيضا، وقال إنه يخاف عليها أن تطير وتتسرب ~~فى الهواء.. كلا، ولابد أن يكون العقد هنا. # وراقها هذا الجنون وألهب خيالها فرضيت.. # وتزوجا فى الدكان! # وقالت له وهما خارجان: «نسيت أن أقول لك إنى وجدت أن الدكان لم يكن خاليا قط.. كان ما فيه ~~مخزونا من أيام الصبى.. فلما أدرت عينى فيه عرفت، ولهذا جئت». # فقبلها على باب الدكان ... ولم يستح الرجل! # الفصل الثالث # | الكآبة # يقول بعض الأطباء بلهجة الجزم التى لا تردد فيها ولا تلعثم: إن حيوية الجسم الإنسانى تكون ~~أدنى ما تكون بعد منتصف الليل. وفى تلك الساعة العصيبة، يعجز العقل عن تدبر الحاضر بسكينة ~~ورضى، واستشفاف المستقبل بشجاعة، ورجع البصر فى الماضى بغير أسف. ولكن كل امرئ غير هؤلاء ~~الأطباء يعرف أن ms022 ساعة الكآبة والهبوط لا وقت لها، وأنها قد تكون الأولى صباحا أو الثانية ~~مساء. كما قد تكون فى العصر أو الغسق. فليس لها ثبات ولا أوان معروف، وأن ساعتها قد تكون ~~ثوان أو دقائق. وقد تمتد وتطول، فينطوى فيها الليل والنهار جميعا والعمر أو خيره فى بعض ~~الأحيان. # ومهما يكن من ذاك، فإن المحقق - على كل حال - أن كاتبا مثلى لا يسعه إلا أن يشعر وهو ~~يتأمل «سعيدا» بقصوره وعجزه، فإن مثل هذه الكآبة لا يستطيع أن يوفيها حقها سوى مجمع من ~~أعلام البيان. وقد يسع «زولا» أن ينصفها، وعسى أن يكون «جوركى» قادرا على تناولها بقلمه، ~~ولعل «دستويفسكى» كان أقدر من سواه على ذلك، ولكنها فوق طاقتى وحدى. وشر ما فيها أنك لو ~~سألت «سعيدا» نفسه عنها، ما سببها أو داعيها، لما وسعه أن يعلله.. ولكان الأرجح أن يتعجب ~~لها، فقد كان حسن الحال ميسر الرزق. ولا نكران أنه كان يكد ويتعب فى سبيل الرزق.. ولكن كل ~~إنسان يفعل ذلك، حتى أصحاب الضياع لا مفر لهم من العمل والسهر والتعهد والعناية بما ~~يملكون، وإلا نضب المعين وجف المورد. وكان فوق ذلك ذا زوجة صالحة فيها رقة وجمال وأدب وحذق ~~ولها عقل، وكفى بهذا نعمة. # وكان فى تلك الساعة فى «قهوة» لها حديقة تشرح الصدر. والطريق أمامها واسع نظيف، واليوم ~~يوم أحد، والغوانى يرحن ويجئن على الرصيف.. كل اثنتين أو ثلاث أو أربع معا، وهن فى حفل من ~~الزينة. وأخلق بالمرء حين ينظر إلى وجوههن الصبيحة وقدودهن البارعة وخطرتهن الرشيقة، ويسمع ~~أصواتهن البلبلية أن يشيع البشر فى نفسه! وكانت فى حديقة القهوة نافورة صغيرة، ترسل الماء ~~خيوطا دقيقة تعلو ثم تتناثر على صورة المظلة. وقد اجتمع الماء والخضرة والوجه الحسن - بل ~~الوجوه الحسان - فماذا يبغى سعيد فوق ذلك؟ أم ترى اجتماع ذلك كله هو سر الكآبة، من ~~يدرى؟ # وجاء ماسح الأحذية وقعد ومد يده بالصندوق إلى رجل سعيد بلا استئذان، فرفع هذا قدمه إلى ~~الصندوق بحكم العادة لا بدافع الرغبة.. ms023 فقد كان الحذاء نظيفا لماعا. # وقال الرجل بعد فترة صمت شغل فيها بغسل الحذاء بالماء والصابون: «من زمان ما جئت إلى هنا ~~يا بك». # ولم يكن سعيد «بيكا» ولا كان له أمل أو رغبة فى رتبة كهذه.. فإنه رجل عمل لا يحفل ~~بالألقاب والرتب، ولكن كل امرئ «بك» عند ماسحى الأحذية وسائقى المركبات. ولم يزد سعيد فى ~~جواب السؤال على «آه»، ثم أدار عينه فى الجالسين بهذه القهوة فألفى ناسا يشربون وآخرين ~~يلعبون «الطاولة» وحولهم كثيرون ينظرون إليهم وهم وقوف. وأخذت عينه رجلا وامرأة جالسين تحت ~~شجرة وأمامهما قدحان من «الزبيب» فقد كان هذا أحد الشهور التى لا «راء» فى حروفها - وهى ~~مايو ويونيه ويوليه وأغسطس - والقاعدة المصرية أن شرب «الزبيب» يحلو ويطيب فى هذه الشهور ~~الأربعة. فاشتهت نفسه قدحا من الزبيب.. وصفق فجاء الخادم، ولكنه تردد وخطر له أنه ليس معه ~~من يشاربه. فنظر إلى الخادم الصبور، وسأله: «عندك إيه»؟ ولم تكن به حاجة إلى سؤال كهذا، ~~ولكن الخادم ألف هذا من الزبائن، ووطن نفسه عليه، فقال بلا تململ: «قهوة، شربات، كازوزة، ~~شاى..» وأمسك. ثم كأنما تذكر، فزاد «خشاف، ليمونادة».. ولم يأنس من سعيد قبولا، فقال: ~~«ويسكى، كونياك..» فاستوقفه سعيد بإشارة، وسأله: «كونياك من أى صنف؟» فقال الخادم: «كمبا، ~~كمبا عال، مارتل، كور فوازييه، انيسى..». # فهز سعيد رأسه، وقال: «هات زبيب». # ومضى الخادم، فقال ماسح الأحذية: «القهوة دى يا بك عال». # فزاد صدر سعيد ضيقا ولم يجب، ودار بنفسه أن كل إنسان سعيد إلا هو. وأنكر أن يكون اسمه ~~سعيدا، ورأى فى هذا الاسم تهكما من الأقدار. وخطرت فى هذه اللحظة فتاة أمامه وألقت نظرة ~~سريعة على حديقة القهوة وهى تمر بها، فقال سعيد لنفسه إنه كان خليقا أن يشعر ببعض السعادة ~~لو كانت معه فى هذه الساعة فتاة كهذه تؤنسه بحديثها. ومرت فتيات أخريات وراءها، فقال لنفسه: ~~«ما أكثر الفتيات اللواتى يمشين وحدهن ولا رجال معهن»! # وقال ماسح الأحذية: «شارع ظريف يا بك.. وخصوصا يوم الأحد..» وأشار بيده ms024 إشارة عامة يمكن ~~أن تشمل المبانى ومركبات الترام. ورفع وجهه الأسمر إلى سعيد وابتسم له ابتسامة لا تخلو من ~~معنى.. فعبس سعيد، ثم بدا له أن التعبيس لا موجب له، فابتسم متكلفا ورد عينه إلى الشارع ومن ~~يمشين فيه. # وقال الرجل: «بس سعادتك ما بتجيش». # فاحمر وجه سعيد، فقد أدرك غرض الرجل. ولم يخف عليه ما يرمى إليه، وكان الزبيب قد جاء فصب ~~عليه ماء، ورفع الكأس إلى فمه ورشف. وأقبلت إذ ذاك فتاة تعدو على الرصيف وكان جسمها لينا ~~وثوبها محبوكا، فلم يسعه إلا أن ينظر إلى صدرها العارى، وخصرها الهضيم وتحته ردفاها يرتجان، ~~وثناياها اللؤلؤية التى تفتر عنها شفتاها الحمراوان.. فرفع الكأس مرة أخرى وشرب وقال لنفسه: ~~إنه مسكين مسكين ومحروم محروم. ثم ارتد يقول - لنفسه أيضا - إنه ليس مسكينا ولا محروما فإن ~~له زوجة جميلة، وإن فى وسعه أن يعجب ما يشاء بجمال النساء غيرها.. ثم يسكن بعد ذلك إلى ~~زوجته، وأن حسبه من السعادة وفاءها وبرها وإخلاصها. ثم هز كتفيه - وإن كان وحده - وقال: ~~«وما قيمة أن يعجب المرء بالجمال وما خير ذلك؟ وماذا يكون معنى هذا الإعجاب على مسافة ~~أمتار؟ لكأنى أنظر إلى شريط سينما.. ولا فرق بين أن أرى الفتيات يخطرن على الرصيف أمامى، ~~وأن أرى صور النساء فى شريط السينما. إنما تكون للإعجاب قيمة إذا جالس الرجل المرأة وحادثها ~~ونعم بوجودها وحديثها وأنس بمحضرها على العموم. ولكن..» وهز رأسه مرة أخرى متحسرا. فقد ~~كان فيه احتشام وحياء شديد. وكان من غريب أمره أنه يجتنب المجالس التى يختلط الرجال فيها ~~بالنساء. وكان يدعى إلى سهرات من هذا القبيل عند من يعرف من الأجانب والمصريين، فيعتذر ثم ~~يروح يقرع نفسه ويسخط عليها. وكان حياؤه أو شعوره الشديد بنفسه يوهمه أنه ليس مقبول الشكل ~~أو ظريفا، ولا أنس لأحد به. وكان كثيرا ما ينظر إلى نفسه فى المرآة ويدور أمامها، ليرى كيف ~~يبدو من كل ناحية.. فلا تعجبه الصورة التى تطالعه، فيمط بوزه ويقطب وينحط على ms025 أقرب كرسى ~~ويروح يفكر فى سوء طالعه، حتى أورثه هذا اضطرابا فى الأعصاب. # وصفق، فقال ماسح الأحذية: «حاجة يا بك»؟ # فقال سعيد: «لا..» وتردد فقال: «ناد الجرسون». # فوضع الرجل الفرشاة ونهض، ولما عاد جلس وهو يقول: «أنا خدامك يا بك .. تحت أمرك.. بس اؤمر. ~~أتمنى خدمة.. والله يا بك». # فدار رأس سعيد، وقال لنفسه: «لم يبق إلا هذا.. نعم لم يكن ينقصنى إلا أن أستعين بهذا ~~الرجل.. مصيبة. مثلى يخطر له أن يستعين على سد الفراغ الهائل فى حياته الجافة برجل من هذا ~~الطراز.. ومع ذلك، لم لا..؟ وماذا يستطيع مثله.. إنه لا يسعه شىء أعجز حتى أنا عنه، لأنه ~~إذا كان يعرف أحدا فإنه لا يعرف ولا يمكن أن يعرف إلا الطبقة التى هى كالشمس لكل الناس.. ~~أعوذ بالله.. لا.. ليس هذا ما أريد. ومع ذلك من يدرى.. ألا يمكن أن أختبره»؟ # وجاء الجرسون ثم انصرف ليجىء بالكأس الثانية، فخطر لسعيد خاطر، والتفت إلى الرجل وقال: ~~«اسمع: إنى أريد شقة صغيرة.. غرفتين فقط.. شقة أشتغل فيها. البيت ضجة وضوضاء.. شقة صغيرة ~~هادئة.. فى حى محترم..». # فأقبل الرجل على الحذاء يمسحه بهمة ونشاط، وقال: «كثير يا بك.. بس اؤمر». # فقال سعيد: «طيب ابحث وابق قل لى». # فقال الرجل: «حاضر.. من عينى». # فرمى إليه قرشين، فتقبلهما الرجل مسرورا داعيا مؤكدا صحة عزمه على خدمته بإخلاص، ومضى ~~عنه. # وتناول سعيد الكاس وشرب وهو يحدث نفسه أن هذا جنون. وماذا يصنع بالشقة؟ أما إن أمره ~~لغريب.. وهم بأن يدعو الرجل ويصرفه عن البحث، ولكنه عدل وقال إن الأمر بيدى أنا لا بيده، ~~فلا داعى للعجلة. غير انه مع ذلك استثقل أن يدع الرجل يظن به الظنون. وعاد يقول لنفسه إنه ~~رجل لا قيمة له ولا لظنونه، فليظن ما شاء.. ولكن حملته على نفسه لم تفتر. # وكان الليل قد أظلم ولم تبدد سواده المصابيح.. وكان هو فى النور، فقدرته على رؤية الشارع ~~محدودة.. فصارت الفتيات كالأشباح، واتسع المجال بذلك للخيال، فالدميمة منهن يحيلها الخيال ms026 ~~فاتنة ساحرة. وساعدته الخمر على إتمام الصور، وجلاء غامضها، وعلاج عيوبها المرئية أو ~~الموهومة. وكانت الخمر قد أنعشته قليلا، فكان ينظر ويفكر ويتخيل بشىء من الارتياح.. ولكنه ~~مع ذلك أحس أنه عاجز عن احتمال كل هذا الجمال، وإن كان أكثره مما رسم خياله، فنادى الجرسون ~~ونهض.. # ولقيه ماسح الأحذية وهو على الرصيف، فسأله: «تجى بكره يا بك»؟ # ولكن البك لم تعد له أذن تستطيع أن تحتمل الإصغاء إلى مثل هذا الرجل، فقال له: «رح.. رح» ~~فألح الرجل ومشى إلى جانبه، يقول: «ليه يا بك.. أنا خدامك.. بس استنى طول بالك.. إن ما ~~كنتش أخدمك خدمة..». # فقاطعه سعيد ونهره.. ومضى عنه. # والمثل يقول: «راحت السكرة وجاءت الفكرة» ولكن الفكرة تروح أحيانا مع الصحو وتجىء مع ~~السكر.. أو على الأقل، هذا ما كان من أمر سعيد، فقد قال لنفسه إنه إذا كان من العجز بهذا ~~القدر.. فأولى به أن يظل عاجزا وأن يعترف لنفسه بذلك ويوطنها عليه. ولم يكن هذا الخاطر مما ~~يجلو الكآبة ويلطف الوحشة التى تحسها النفس، وأخلق بالاعتراف بضعف الحيلة وقلة الوسيلة وعدم ~~الصلاح أن يزيد هبوط الروح! ولا عجب إذا كان سعيد قد عاد إلى بيته وهو يسأل نفسه لماذا شرب ~~هذا الزبيب السخيف؟ # ودخل على زوجته، وهو يقول لها: «اسمعى.. من الآن فصاعدا لا تدعينى أخرج ومعى فلوس.. بس ~~الكفاية للانتقال.. فاهمة»؟ # فظنت أن ما معه سرقه النشالون، فقال: «لا.. بس شربت زبيب.. جنون بالطبع.. الرجال ~~مجانين». # وارتمى على كرسى، وهو يقول: «قال زبيب.. كلام فارغ.. مسخرة وقلة حيا». # وأتخذت كآبته صورة السخط على النفس، ولا نعرف كيف كانت أحلامه فى تلك الليلة.. فإنه لم ~~يقصها على أحد، ولكن الأرجح أنها لم تخل من «الزبيب والكلام الفارغ»! # الفصل الرابع # | العقد الضائع # رجعنا من السويس على عجل - أختى وزوجها وأنا - وكنا نقضى فيها أياما، فقد تلقينا نبأ من ~~خادمتنا القديمة الأمينة «فرحة» بأن عمدة قريتنا قادم.. وسينزل علينا ضيفا إجابة لدعوة ~~قديمة نسيناها، فأسرعنا نحشو الحقائب حشوا بلا ms027 عناية، لنكون فى البيت قبل أن يصل. ومضى ابن ~~عمى - زوج أختى - فجاء بالسيارة. وكنت قد هضت ساقى قبل ذلك بيوم، فلم يبق مفر من أن يسوق هو ~~السيارة وإن كان لا يحسن ذلك.. ولم يتلق فيه إلا بضعة دروس قليلة. وكان الأحجى أن نستأجر ~~رجلا لهذا، ولكنا كنا نحرص على ألا يكون معنا غريب يحول وجوده دون حريتنا فى الكلام والضحك ~~واللهو أثناء الطريق وقد عزيت نفسى بأن طريق السويس سهل والحركة فيه قليلة، فلا داعى للخوف. ~~وفى وسعه أن يخطئ كما يشاء.. فلن يضيره أو يضيرنا ذلك، وإن كان يخشى أن يضيع وقتنا. # وجلست إلى جانبه، وجلست أختى على المقعد الخلفى، وطمأنتها بأنى وأنا معه سأكون السائق ~~الحقيقى، وأنه لن يفعل إلا ما آمره. ولكنا لسوء الحظ، ألفينا الطريق غاصا بالسيارات.. ~~فتعجبنا أولا، ثم تذكرنا أن هذا يوم الأحد، فلا عجب إذا كان الكثيرون قد أقبلوا على السويس ~~ليقضوا اليوم فيه. # وقطعنا بعض عشرات من الكيلومترات فى سلام - وفى ضحك أيضا - ثم بلغنا أول مرتقى فى طريقنا، ~~فأشرت على ابن عمى بأن يضع ناقل السرعة فى المحل الثانى.. ففعل، فوقفت السيارة فى منتصف ~~الانحدار. وكنا لا نزال فى مكاننا حين وقف المحرك للمرة العاشرة، فاقترحت عليه أن يكف عن ~~العمل، وأن يضطجع ويشعل سيجارة. ولكنه هز رأسه وقال: «هل أرجع بها القهقرى، ثم أبدأ من ~~جديد»؟ # فقلت له: «كلا، إنى أفضل لسخافتى أن أواجه الموت». # فقالت أختى: «هل نستطيع أن ندفعها يأيدينا حتى نبلغ ذروة هذا المرتفع؟..» قلت: «كلا.. إن ~~زنتها لا تقل عن طنين». # وقال ابن عمى؟ «لن أسألك عن السبب فى وقوفها كلما حاولت أن أحملها على السير، فإنى أعرف ~~جوابك.. ولكنى أؤكد لك أنى أضع ناقل السرعة فى مكانه بأقصى ما يسع إنسانا من الترفق ~~والبطء.. وإذا كنت تريد أن تعرف رأيى فهو أن السيارة قد أصابها تلف». # قلت: «سيصيبها التلف على التحقيق، إذا ظللت تحاول أن تدير المحرك ثم توقفه.. فستنفد ~~الكهرباء وتحتاج كلما ms028 أردت إدارة المحرك أن تنزل وتديره «بالمنفيلا». وقد ينفعك هذا، فيغريك ~~بالتفكير قليلا». # فصاح بى: «أتظن أنى لم أفكر؟ أتتوهم أنى لا أفكر الآن؟ إن رأسى يكاد ينفجر من فرط ~~التفكير». # فضحكت أختى، فصاح بها: «نعم اضحكى.. انظرى إلى الجانب المضحك.. ولم لا.. قد يطير عقلى، ~~ولكن هل يجوز أن يمنعك هذا من الضحك»؟ # ودأس برجله الزر يريد أن يدير المحرك.. ووقفت السيارة مرات أخرى لا أذكر عددها فاضطجع ~~وأغمض عينيه وراح يقول: «لا فائدة.. لا فائدة.. قضى الأمر، وأنا واثق أنه كتب علينا أن ~~نبقى هنا إلى الأبد. ومن يدرى.. ربما كان فى الطريق مارد فى يده سيف مسلول.. والسيارة تراه ~~وإن كنا نحن لا نبصره. ومن العبث أن يقاوم المرء القضاء والقدر. كلا.. لا تتكلموا.. فإنى ~~أوثر أن أقضى نحبى فى سلام وبغير ضجة». # وفى هذه اللحظة وقفت إلى جانبنا سيارة ونزل منها رجل لم نكد نبصره حتى أيقنا أنه إنجليزى، ~~وحقق هو ظننا فقال لنا بلغته: «هل أستطيع أن أساعدكم»؟ # فشرحت له الأمر وعرفته خطبنا، فابتسم وهم بكلام ولكن ابن عمى قال له: «امض عنا.. اذهب.. ~~وحدك.. إن أمامنا ماردا وقد حذر السيارة من المضى ففهمت عنه.. كان صريحا فيما قاله لها، ~~اذهب وأرجو لك السلامة». # فابتسم الرجل ودعاه إلى النزول، واتخذ مكانه.. وصعد بنا إلى رأس التل، ولم يكتف بذلك بل ~~ظل معنا - على مسافة منا.. وراءنا - حتى فرغنا من المرتفعات، وصار الطريق بعد ذلك سهلا ~~منبسطا، فشكرناه ولكن أى شكر يمكن أن يفى بحسن صنيعه ومروءته؟ # وكان مساء.. ثم كان صباح. # ولم يكن النهار قد ارتفع ولا كانت الشمس قد علت، لما دخلت على «فرحة» توقظنى قبل موعدى ~~المألوف بساعتين، وتخبرنى أن أختى تصيح على وتدعونى إليها فى غرفتها. وقد عجبت، وحق لى أن ~~أعجب.. فما أعرف موجبا لإزعاجى فى مثل هذه الساعة المبكرة - السابعة من فضلك - ومع أختى ~~زوجها، فما حاجتها إلى؟ وقد حاولت أن أهمل هذه الدعوة، ولكن «فرحة» أبت أن تمضى عنى ms029 ~~وتدعنى أستأنف النوم.. فتمطيت وفركت عينى وتثاءبت وقلت لها: «ماذا هناك يا فرحة»؟ # فقالت بلهجتها الهادئة المطمئنة وصوتها المتزن النبرات الذى لا أذكر أنه ارتفع عن هذه ~~الطبقة مرة واحدة فى عشرين عاما قضتها معنا مذ كانت طفلة: «إن الأمر يستدعى وجودك». # وفرحة عاقلة ذكية وحريصة دقيقة العبارة، قد رباها أبى مع أختى وعنى بتعليمها أيضا، وجعل ~~لها حصة فى الوقف الذى وقفه قبل وفاته. وكانت هذه مفاجأة سارة لنا، فقد أحببنا فرحة حب ~~الأخت. وكانت هى - وما زالت - ربة البيت. ولسنا نعاملها معاملة الخدم وإنما نعدها واحدة منا ~~لها علينا مثل الذى لنا عليها. وحسبك منها، أنها ما أخذت فى حياتها معنا أجرا على خدمة، ~~وأنها بعد وفاة أبينا لم تحاسبنا قط على ريع حصتها وإن كنا نودعه البنك باسمها.. فإذا أرادت ~~ثوبا أو خاتما أو غير ذلك طلبته منا، كما يمكن أن تطلبه أختى منى أو من زوجها. فإذا كانت ~~تقول الآن أن الأمر يستدعى وجودى، فقد صار القيام لابد منه. # ودخلت على أختى وورائى فرحة، فألفيتها مستلقية على السرير فى منامة قرمزية مزركشة ومعتمدة ~~بكوعها على وسادة وثيرة مربعة محشوة بريش النعام وخدها على راحتها ويسراها على فخذها وبين ~~أصبعيها سيجارة.. وكان منظرها فاتنا فإنها جميلة ممشوقة، وكانت هذه الرقدة تبرز خطوط جسمها ~~الرشيق وبراعة الانحناءات فيه. # وكان زوجها قاعدا فوق السجادة، فنظرت منها إليه وقلت: «لا عجب أن تدللها.. لست بإنسان إذا ~~لم تفعل». # فابتسمت مسرورة وأدنتنى منها وقبلتنى، وقالت: «اجلس هنا.. إلى جانبى على السرير.. وأنت يا ~~فرحة.. قصى عليهم الحكاية» فأراحت فرحة أناملها على شباك السرير وأشارت بيدها الأخرى إلى ~~منضدة صغيرة قريبة وقالت: «قبل أن أترك الغرفة وضعت بيدى عقدها - وأشارت إلى أختى - على هذه ~~المنضدة، وفى الصباح دخلت عليها فلم أجده. وسألتها عنه فقالت إنه فى مكانه، فذهبت إلى البك ~~- تعنى زوجها فإن فرحة مؤدبة - وسألته فجعل يضحك ويتحسس عنقه ويقول إنه ليس هنا.. هذه هى ~~الحكاية». # فقلت متمما لها كلامها: «فجئتم ms030 بشرلوك هولمز ليحل اللغز ويضع يده على اللص.. أشكر لكم هذه ~~الثقة العظيمة». # فقالت أختى، وهى تضحك: «العفو.. الواقع أن كل ما أذكره هو أنى قمت بالليل، وغبت عن الغرفة ~~دقائق، ومررت فى عودتى بغرفة هذا الزوج الصالح.. ولكن شخيره كان عاليا فهربت». # فنهض ابن عمى محتجا وقال وهو يتمشى: «شخيرى.. هل تريدين أن تقولى إنك أفردت لى غرفة من ~~أجل شخيرى.. شخيرى.. ليتك ترين نفسك فى المرآه وأنت نائمة. إذن لرأيت كيف ترمين اللحاف ~~وتضربين برجلك هنا وبيدك هناك، كالأطفال بلا أدنى فرق. لقد تزوجت طفلة حين تزوجتك.. تقول ~~شخيرى.. مثل هذا الطعن القبيح على سيدها وتاج رأسها، هل يليق يا فرحة»؟ # فابتسمت فرحة ولم تقل شيئا. وماذا عساها تقول، وشخيره يزعج الجيران حتى لقد جلا السكان عن ~~هذا الحى، وخربت بيوت أصحاب العمائر فيه. ~~... وانتهت ضجة الضحك أخيرا - ولكل شىء آخر - فقلت: «ماذا كان شرلوك هولمز خليقا أن يصنع فى ~~مثل هذه الحالة»؟ # فصاح بى ابن عمى: «دع الفلسفة من فضلك.. الأمر واضح.. البيت موصد من كل ناحية والمنافذ ~~كلها مسدودة، فالذى أخذ العقد لم يجئ من الخارج وإنما هو ولا شك واحد ممن فى البيت». # فصحنا جميعا - ما عدا فرحة فإنها مؤدبة.. «برافو.. برافو..» فلم يعبأ بنا ومضى يقول: ~~«الجديد علينا هو ابن العمدة.. فهو السارق». # فلما نطق بهذا، صحنا به جميعا - حتى فرحة وإن كانت مؤدبة - فلم ينهزم، وقال وهو يعود إلى ~~الجلوس على الحشية: «لا بأس.. ولا داعى للصياح.. المسألة بسيطة، إذا لم يكن هو اللص فمن عسى ~~أن يكون غيره»؟ # فقلت: «أنت مثلا.. لم لا»؟ # فقهقه، فقلت: «ألا يمكن أن تكون قد أخذته لتضعه فى مكان أمين ثم نسيته كعادتك؟ إنك هكذا ~~وأنت تعرف ما يكلفنا نسيانك. قم انظر أين وضعت العقد، واذكر الأسفنجة.. قبل أن تعترض ~~وتحتج.. قم من فضلك». # فقالت أختي وهى تعتدل في مجلسها: «يا سليم.. إني لم أخطئ حين أزعجتك.. كلا، وأنا الآن ~~واثقة أن ابن العم قد نسى أين ms031 وضعه». # فصاح بها محتجا: «ولكنى يا ستي لم أدخل غرفتك.. ودعتك - أعنى قبلتك ولا مؤاخذة يا سليم، ~~فهذه عادة الأزواج - ثم لم أعد.. فكيف يمكن أن أكون قد أخذته»؟ # فقالت وهى تقف: «تذكر.. حاول أن تتذكر..». # وزدت أنا على قولها : «جرب مرة واحدة أن تكلف هذا الرأس عملا.. لا تخف أن تتعب». # فمضى عنا إلى الباب وهو يقول: «إنى ذاهب إلى الحمام..». # وهنا ينبغي أن أقول إن العقد الذي غاب مما ورثناه عن أمي، وهو من اللؤلؤ النفيس.. وكانت ~~حباته نحو مائتين، وأكثرها من الكبار في حجم الفولة، وقد رأينا أن نجعل منه عقدا واحدا ~~صغيرا أعطيناه لفرحة، وبقى الكبير وآخر صغير لأختي.. فكانت إذا لبست أحدهما تلفه على نحرها ~~الجميل، فغير معقول أن يسرق منها وهو على نحرها. على أن الأمر لا محل فيه للتخمين، فقد قالت ~~فرحة إنها وضعته على المنضدة.. وفرحة صادقة، ثم أن ذاكرتها لا تخونها أو تعابثها كما تعابث ~~ابن عمى - أحمد - ذاكرته. ولم يكن أسخف من قوله - وإن كان يمزح على عادته - إن ابن العمدة ~~«حسن» هو الوحيد الذي تتجه إليه التهمة، فإن «حسنا» هذا من سراة الناس، وهو فوق ذلك من ~~أقرباء أحمد الأدنين. وقد ذكرت ذلك لأريك إلي أي حد يذهب أحمد في مزاحه. # ولا أحتاج أن أقول إننا استقبلنا يومنا مكتئبين مهمومين محزونين، فإن للعقد قيمته الذاتية ~~والمعنوية.. وقد كنا نتكلف المرح ونبدى صفحة البشر ونتلقى الأمر بما يشبه الاستخفاف، لأننا ~~اعتدنا أن نواجه الأمور على هذا النحو، وربانا أبوانا على الجلد وضبط الإحساس. أما أحمد ~~فكان بطبيعته هزالا يركب الحياة بالدعابة والبشاشة والعبث، وقد أحبنا وأحببناه وأنس بنا ~~وأنسنا به، فعاش معنا وآثر بيتنا على بيت أبويه، وانتهى الأمر بما كان لابد أن ينتهي به - ~~أي أن يتزوج أختي - ولست أعرف أسرة أخرى تعيش هذه العيشة السعيدة الرغيدة. وحسبك أن المال ~~موفور وأن الطباع رضية والأمزجة متطابقة. ~~••• # ومن عادة أحمد أن يغنى وهو في الحمام. ولست أعنى أنه يغنى الأصوات ms032 الشائعة، وإنما أعنى ~~أنه وهو في الحمام يصف كل ما يعمل، ويرفع الصوت بالغناء بهذا الوصف.. فإذا كنت على مقربة من ~~الحمام لم يسعك إلا أن تسمعه يقول - أو يغنى على الأصح: «أين الأسفنجة يا سيدي.. لابد أن ~~تكون هذه الزوجة المهملة قد ضيعتها.. ومن يدرى يا حبيبى.. فعلها خبأتها عمدا.. آه يا روحي.. ~~وأين الكبريت.. أظنني نسيته.. هذا خازوق يا حبيبى.. وكيف أسخن الماء الآن؟ يا لعنة الله ~~انزلي على رأس الذي اخترع التدفئة بالغاز.. آه يا عيني.. والله وحسه.. نجد الكبريت فلا نجد ~~القرش الذي نضعه في الثقب لينطلق الغاز.. ويسخن الماء فلا نجد الأسفنجة.. وأجد كل ذلك وأنام ~~في الحوض، ويبدأ الشعور بالراحة وإذا بالغاز قد فرغ. وأخذ الماء يبرد.. ويجب أن أخرج من ~~الحوض لأضع قرشا آخر في الثقب وأبحث عن الكبريت.. والكبريت مبلول.. معلوم يا سيدي.. أو ~~الكبريت فرغ.. طبيعي.. أصيح.. ومن يسمع.. ألبس البرنس وأخرج لأجيء بكبريت.. خازوق آخر يا ~~حبيبي.. لقد سيبت الغاز مفتوحا.. فالحمام كله غاز.. وستختنق يا ولد إذا لم تفتح النافذة.. ~~افتح يا سيدي وابرد.. وحوح يا حبيبي من البرد.. الذي سمى هذا حماما كان ولا شك ابن ~~حرام». # وهكذا إلى غير نهاية.. ومن تحصيل الحاصل أن أقول إننا اعتدنا أن نقف قرب الحمام كلما دخل ~~فيه أحمد لنعرف ما يجرى فيه، فنقع على الأرض من كثرة الضحك. ولابد أن يحدث له شيء لا يحدث ~~لسواه، لأنه كما أسلفت سريع النسيان.. ينسى أين وضع الإسفنجة وأنه رمى الكبريت فى الحوض، ~~وينسى أنه نسى أن يجيء معه بقروش ليضعها فى الثقب.. فإنه يبقى فى الحوض ساعة وساعتين وهكذا. ~~ولولا أنه نساء لعابثناه عامدين لنضحك، ولكنه أغنانا عن ذلك. # وكان حسن قد استيقظ ونهض ليلحق بنا ويجلس معنا، فألفانا عند الحمام واقفين وإن كانت ~~المقاعد فى الدهليز، فحيا بيده.. فأشرنا إليه أن اسكت.. ورآنا نبتسم وأحس من هيئتنا أننا ~~نتسمع، فمشى على أطراف أصابعه ووقف معنا يصغى أيضا، وكان أحمد يقول: «العقد ms033 ضاع.. قال ضاع.. ~~كلام فارغ يا حبيبى.. والله ما أخذه إلا هذا الحرامى الذى نزل فى ضيافتنا.. بالطبع سرقه فى ~~عمر أمه ما رأت مثله الأقارب عقارب يا سيدى.. ضاع العقد يا ستى.. أنا المسكين يا حبيبتي.. ~~هات لى عقد غيره يا سيدي.. طبعا يا ماما.. من يدري.. لعل العقد لم يضع.. أيوه يا سيدي.. لم ~~يضع. الأرجح.. والمعقول أن يكون في الدولاب.. أخفته الزوجة الصالحة لأشترى لها عقدا سواه.. ~~النسوان ملاعين يا روحي. قالوا العقد ضاع.. ضاع فين يا أهل القونطة، لا يا ستى العقد فى ~~الدولاب، والغرض مرض». # وكان يبدئ ويعيد فى هذه المعانى.. فأما حسن فلم يفهم وكان ينظر منى إلى أختى، وكان يرانا ~~نضحك فيتكلف الضحك مثلنا.. وأما أختى فضحكت أولا ثم لما سمعته يتهمها بأنها خبأت العقد ~~لتطالبه بحلية.. تجهمت، فشددت على ذراعها، فنظرت إلى مبتسمة وهزت رأسها، وعاد إلى وجهها ~~الإشراق.. ولكنها لم يسعها إلا أن تقول لنا ونحن نمضى عن الحمام قبل أن يخرج هو علينا: ~~«شف.. ينسى أين وضع العقد ثم يدعى أنى خبأته.. طيب..». # وقال حسن: «ألا تقول ما هى الحكاية»؟ # فضحكت، وقلت: «الحكاية باختصار إن أختى لا تجد عقدها.. وأحمد يتهمك بسرقة العقد.. لقد ~~سمعته بأذنك.. والآن أفهمت»؟ # وكانت هذه صدمة، فإن معرفة حسن بأحمد يسيرة، وإن كان من أقاربه الأدنين.. ولكنه احتمل هذه ~~الصدمة، وأسرعنا نحن فعرفناه بأساليب قريبه، فضحك معنا. ولكنه مع ذلك صار يطرق من حين إلى ~~حين. # وخرج أحمد أخيرا ودخل علينا وفى يده صحيفة يتأملها وينظر إلى الصور التى فيها فما كانت له ~~عناية بقراءة الصحف. وجلس إلى المائدة وأدار عينه فيما عليها، ثم سأل: «ماذا أعددت لنا يا ~~امرأة»؟ # فاغتنمت أختى هذه الفرصة، وصاحت: «ألا تنتظر حتى يستعد الباقون للأكل؟ ما هذه الشراهة؟ ثم ~~كيف تزعم أنى أخفيت العقد لتشترى لى سواه»؟ # فقال ببطء: «الجواب على السؤال الأول بالنفى.. النفى البات.. أما الشطر الثانى من السؤال، ~~فإن الرد عليه يكون بعد الأكل.. فإنه يحتاج ms034 إلى عقل، والعقل يذهب به الجوع». فعادت تصيح به: ~~«ولكن كيف تجرؤ»؟ # فقال بهدوء: «من الغريب أنى جئت إلى هنا لآكل لا لأتكلم أولا يا امرأة». فقالت: «هل عنيت ~~بالبحث فى ثيابك؟ بالطبع لم تعن..». # فالتفت إلى حسن، وقال: «شف يا حسن.. شف.. احذر يا ابنى أن تتزوج.. لا عذر لك وقد رأيت ~~بعينك ما تصنع الزوجات ببعولتهن». # فقال حسن: «أظن أنى سأتزوج.. وعلى فكرة كيف تسمح لنفسك أن تتهمنى بالسرقة»؟ # فرفع أحمد يديه إلى السماء، ثم التفت إلى حسن وقال: «وأنت أيضا؟ لم يبق لى عيش فى هذا ~~البيت.. فلأرحل». ونهض، وقال: «يا امرأة، إنى فى المكتب». # لم ندع مكانا فى البيت إلا بحثنا فيه، ولا ثوبا فى خزانة أحمد إلا نفضناه وقلبنا جيوبه.. ~~حتى السجاجيد رفعناها ونظرنا تحتها.. حتى الستائر نحيناها وأجلنا عيوننا فيما وراءها وفيها ~~أيضا مخافة أن يكون حبل العقد قد علق بشيء منها. فلم نجد عقدا ولا حبة من عقد، فيئسنا وحل ~~الاكتئاب محل البشر، فقد كنا إلى ما قبل ذلك نعتقد أن العقد موجود فى مكان ما ولكن أعيننا ~~لا تراه. وقد أعدنا البحث مرة أخرى لظننا وتوهمنا أننا تخطيناه بعيوننا ونحن نديرها كما هى ~~العادة فى حالة الاضطراب. ولم يكن أحمد يعفينا من مزاحه فى خلال هذا البحث المتعب.. فلما ~~كففنا، قال وهو يضطجع ويشعل سيجارته: «لا فائدة.. لقد كنت أعلم من أول الأمر أن لا فائدة.. ~~قلت لكم مائة مرة أن هذه الزوجة تعرف أين يوجد العقد.. نعم، هى خبأته». فصاحت به: «ألا يمكن ~~أن تسكت»؟ # فقال: «أسكت كيف.. وأنت تحمليننا كل هذه المشاق من أجل خرزات»؟.. ولم يتمها.. فقد هجنا به ~~احتجاجا على وصف حبات اللؤلؤ بأنها خرزات. # ولما هدأت الضجة، قالت أختى: «اسمعوا.. إنى لم أعد أطيق البقاء هذا النهار فى البيت، ~~فلنذهب إلى أى مكان آخر ولنتغد هناك». # وكان هذا اقتراحا حسنا، فإن بقاءنا فى البيت كان خليقا بأن يغرينا باستئناف البحث مرة ~~وأخرى، فنشقى على غير جدوى. فمن ms035 الخير أن نخرج وأن نقضى النهار فى مكان آخر ثم نعود.. ومن ~~يدرى؟ فقد نجد العقد تحت عيوننا حين نعود كما يحدث كثيرا. وما زلت أذكر كيف كنت أبحث مرة عن ~~قلمى وكانت أختى معى، فلما تعبنا جلسنا على الكراسى وهممت بأن أخرج سيجارة وإذا بالقلم بين ~~أصابعى.. ومن الغريب أن أختى لم تره فى يدى كما لم أره. وقد ذكرت أختى بهذه الحكاية أو ~~الحادثة، وفى مرجوى.. أن أبعث فى نفسها الأمل، فلا تقضى النهار يائسة، وإن كانت تتشجع ~~وتتجلد ولا تبدى جزعا. # وقمت إلى حمامى على حين راح غيرى يلبس الثياب استعدادا للخروج.. وكان طبيعيا أن يفرغوا من ~~شأنهم قبلى وأن يستبطئونى، فإنى أنا فى حركة دائمة فى الحمام، وهم لا يصنعون شيئا بعد أن ~~لبسوا الثياب ووقفوا ينتظرون.. وليس أشد على المضطرب القلق من الانتظار. فأقبلوا على باب ~~الحمام يدقون عليه بأيديهم وينقرون بأصابعهم، ويدعوننى أن أسرع.. # وأخيرا خرجت.. فما يمكن أن تكون لمستحم راحة أو لذة وعلى بابه من يصيحون به ويسمعونه ما ~~يكره، فلحقوا بى فى غرفتى ولكنى أخرجتهم منها بجهد.. فإنى مستعد أن أحتمل كل شىء إلا أن ~~يحيط بى هؤلاء الصائحون الصاخبون وأنا ألبس. على أنى أسرعت وعجلت لأتقى شر هجومهم على كرة ~~أخرى، وكانت ساقى لا تزال أحسها ثقيلة مما أصابها فى السويس وهاضها، وإن كانت لا تؤلمنى. ~~فلما صرت إليهم فى الردهة وقفت هنيهة أدعكها بكفى لالينها، فسألتنى أختى: «ألا تزال ~~تؤلمك»؟ # قلت: «كلا.. لا ألم ولكنى أحسها ثقيلة». # فقال ابن عمى: «كلك ثقيل يا أخى.. تعال». # فقلت: «ولكنى حقيقة أشعر أنها أثقل مما كانت أمس». # فقالت أختى: «طبيعى.. هذا من الجهد الذى تكلفته اليوم فى البحث». # فاقتنعت ونزلنا إلى الباب، وكان ابن عمى قد جاء بالسيارة قبل ذلك وتركها أمام الباب، ~~فجلست أختى ومعها حسن على المقعد الخلفى، واتخذ أحمد مكان القيادة، وقلت له وأنا أفتح الباب ~~الآخر لأجلس إلى جانبه: «لعل درس الأمس نفعك، فلا تكرر أخطاءك المعتادة». # فزام ms036 أولا، ثم قال: «ولكن إذا كنتم تريدون أن أشرفكم بتولى القيادة العامة.. أفلا يحسن أن ~~أعرف إلى أين يراد منى أن أحملكم»؟ # فقالت أختى: «أوه.. إلى أى مكان.. إلى القناطر الخيرية إذا شئت أو إلى أى مكان ~~تحب». # قال حسن : «إلى القناطر إذن. اركب يا هذا.. أم تريد أن أنزل وأحملك»؟ # وكان الركوب يحوجنى أن أحمل ساقى بيدى، لأن ثنيها كان يؤلمنى فى موضع الركبة.. فجلست على ~~المقعد ووجهى إلى الباب وملت على ساقى وهى ممدودة لأحملها وأدور بها لأدخلها فى السيارة. ثم ~~ارتددت ضاحكا، فسألتنى أختى عن الخبر، فقال لها زوجها: «دعيه.. إنه يحلم. لا يزال نائما.. ~~ألا تريدين؟.. أعنى ألا تسمعين»؟ # فمسحت أولا الدموع التى ترقرقت فى عينى من فرط الضحك، ثم مسحت بطنى التى صارت توجعنى.. ثم ~~تنهدت وقلت: «أخ.. مسألة ظريفة جدا». # فقالت أختى: «ولكن ما هى الحكاية؟ أتظن أن من اللائق أن نقف ساعة أمام الباب»؟ # قلت: «أظن أن الواجب أن ندخل.. نعود إلى البيت دقائق قبل أن نخرج إلى رحلتنا». # فنهضت أختى عن مقعدها قليلا وزحفت إلى الأمام مقدار شبر ووضعت كفها البضة على كتفى، ~~وقالت: «لا تعذبنى انطق». قلت: «لا حاجة بى إلى الكلام.. خذى». # وانحنيت فأخرجت العقد المفقود من طية البنطلون عند حرفه، ورفعته إلى عينها وقلت: «لقد كنت ~~أظن أن ساقى اليوم أسوأ مما كانت أمس لأنى أحسها أثقل.. فالآن عرفت السبب، ولكنى لا أعرف ~~كيف سقط العقد فى طية البنطلون». # ولا أزال إلى الآن أجهل كيف أمكن أن يحدث هذا، وإنما الذى أعرفه أن أختى نعمت فى يومها ~~هذا، وأن ابن عمى حاول أن يركبنى بعبثه المألوف.. فوضعت كفها على فمه، فقبل أصابعها، ثم ~~عضها، فصرخت. فقال: «هذا جزاء من يدافع عن السراق واللصوص والخونة»! # الفصل الخامس # | الجارة # كثيرا ما أطلب العزلة والهرب من الناس لا لأنى أكرههم أو أنفر منهم، بل ليتسنى لى أن أخلو ~~بنفسى وخواطرى. ولست أعنى أنى أشتهى أن أكون فى مكان خلاء.. وأنما أعنى أنه ms037 يحلو لى أحيانا ~~أن أرى أن كل من حولى ممن لا أعرف. ولا أدرى كيف هذا.. ولكنه يخيل إلى حين يتفق لى ذلك، أنى ~~خلعت ثيابى على ساحل بحر ورميت نفسى على مائه ورحت أسبح فيه، وأضرب بذراعى ورجلى، وأفعل غير ~~ذلك مما يفعل السابح. وما أعرف من السباحة شيئا.. وأنى لشبيه بابن الرومى الشاعر الذى يقول ~~فى بعض شعره إنه لم يتعلم من السباحة سوى «الغوص» وأنه لو ألقى به فى الماء لسبق الحجر. ~~ولكن هذه هى الصورة التى ترتسم بذهنى حين أرانى فى حشد كبير ممن لا أعرف من الخلق. وكثرا ما ~~يسألنى أخوانى: «أين كنت البارحة؟» فأقول: «كنت فى السينما» فيسألوننى: «وحدك؟» فأقول: «نعم ~~مع الأسف» ولا داعى للأسف، ولكنى أقول ذلك لهم على سبيل المجاملة، فيقول قائلهم: «ولم لم ~~تخبرنا؟.. إذن لذهبنا معك وأنس بعضنا ببعض» فأقول: «أى والله.. ولكن هذا هو الذى كان، ~~فلندعه إلى الحاضر الذى نحن فيه». # وفى نوبة من هذه النوبات، ركبت سيارتى وانطلقت بها إلى سينما «المتروبول» وأنا أحدث نفسى ~~بما أرجو أن أفيده من السرور والمتعة حين أرى تلك الطفلة الفاتنة «شيرلى تمبل» من غير أن ~~يكون إلى جانبى أحد يقول لى: «انظر.. يا سلام أما إنها لراقصة.. يا للبراعة. كيف استطاعت أن ~~تجيد التمثيل إلى هذا الحد؟ ترى كم ينقدونها أجرا لها فى الأسبوع»؟.. إلى آخر هذا الهذر ~~الفارغ الذى يفسد على كل متعة. # ووقفت أمام الشباك ومددت يدى إلى الفتاة بثمن التذكرة، وإذا بيد على كتفى.. فأبيت أن ~~ألتفت إلا بعد أن آخذ التذكرة، ويحل غيرى محلى أمام الشباك مخافة أن يكون هذا صديقا ~~فيلازمنى، وماذا يبقى لى حينئذ من الوحدة التى أطلبها وأحدث نفسى بحلاوتها. ومن يدرى أى ~~صديق هذا؟ فقد يكون ممن أحب وآنس بهم وأرتاح إليهم، وقد يتفق أن يكون من الثقلاء الذين ~~يفرضون أنفسهم على الناس، فلا مهرب لمن يقعون عليه. وأحسست أنى نجوت فقد اخترت مقعدا بين ~~مقاعد أخرى ليس واحد منها خاليا، ms038 فأنا على الأقل فى أمان من جيرة هذا الذى وضع كفه على ~~كتفى. ووسعنى أن ألتفت إليه وأنا مطمئن لأرى أى أنسان هو.. فلم يخب ظنى، فقد كان ممن ينبغى ~~أن يهرب المرء منهم ويسأل الله السلامة من صحبتهم، فسألنى : «وحدك»؟ فكرهت أن أكذب واكتفيت ~~بأن أشر بيدى، وأنا أمضى عنه، إشارة قد يكون معناها أن معى غيرى أو أنى ذاهب إلى مكان ما أو ~~غير ذلك، مما يمكن أن يفهمه الإنسان من إشارة غامضة كهذه. # ونجوت بنفسى، وكان فى الوقت متسع.. فقلت لنفسى: إنى أخشى أن يلحق بى فلأبعد. فرحت أتمشى ~~على الرصيف فى شارع فؤاد - وهو يغص بالناس فى مثل هذه الساعة - فجعلت أنظر إلى الرائحين ~~والغادين أو لعل الأصح أن أقول الرائحات والغاديات وهن مقبلات ومدبرات فى ثيابهن المحبوكة ~~التفصيل. التى تبدى منهن أكثر مما تستر. نعم تستر الجسم، ولكنها تعرض على عينك صورة للقوام ~~هى أبرع من صورة البدن العارى. فقد يكون الثدى مسترخيا فيرفعه ويبرزه الرباط، وقد يكون ~~الخصر أكثر امتلاء مما يجب.. فيرده حسن التفصيل أهيف ويبرز من تحته الردفين. ولم أزل أتمشى ~~حتى آن أن أعود، وإذا فتاة أعرف وجهها ولا أجهل أين بيتها، فإنه قريب من بيتى.. وكثيرا ما ~~رأيتها فى شرفتها أو داخلة أو خارجة من البيت أو نازلة من الترام. وأحسبها تعرفنى كما ~~أعرفها، فقد لفتت وجهها وأطالت النظر إلى - فى عينى - فبيننا معرفة يسهل جدا أن تصبح ~~وثيقة فى أوجز وقت، إذا أمكن أن يفتح أحدنا فمه بكلمة. ولكن من هو الذى ينبغى أن يبدأ؟ أما ~~أنا فإنه من العسير على - بل من المستحيل كما تبينت ذلك بالتجربة المرة - أن أبدأ إنسانا ~~لا أعرفه بكلام، رجلا كان أو امرأة. وقد خطر لى وهى تنظر إلى - لا بل تحدق فى وجهى - أن فى ~~وسعى على الأقل أن أبتسم. ولم لا؟ إن الابتسامة تحية ظريفة، فإذا قابلتها بمثلها انتهى ~~الأمر، واستطعت أن أنتقل أو أترقى إلى الكلام. وإذا أغضت عنها كأنها ms039 لم ترها، ففى مقدورى أن ~~أعزى نفسى بأنها خجلت أو أنها خشيت ألا تكون هى المقصودة بها. وإذا قابلتها بالعبوس أو غير ~~ذلك من مظاهر الامتعاض والنفور، ففى إمكانى أن أزعم لنفسى مغالطا أنى لم أكن أعنيها حين ~~تبسمت، وأن أهز كتفى استخفافا بها كأنما أريد أن أقول إنها ليست المرأة الوحيدة فى هذه ~~الدنيا، وإنها ليست أجمل الفتيات، وإنها حرة.. ولها إذا شاءت أن ترفض نعمة الاتصال ~~بى. # دار كل هذا بخاطرى، وأنا أنظر إليها وهى تنظر إلى، وكان ينبغى أن أتبسم.. فما فى ذلك بأس، ~~ولكننى لفرط شعورى بنفسى خشيت أن أبدو كالأبله، ووددت فى هذه اللحظة لو أن معى مرآة فأنظر ~~فيها إلى وجهى، وأرى كيف يكون حين أبتسم لفتاة لا أعرفها. ولكنى أرجو أن تفتنها الابتسامة ~~وتغريها بمثلها - على سبيل التجربة - وأين المرآة؟ ومتى كان الرجال يحملون المرايا معهم ~~كالنساء؟ وهب مع الرجل مرآة، فهل يستطيع أن يخرجها ويتأمل وجهه فيها ويروح يبتسم وحده وهو ~~يفعل ذلك كالمجنون! # وذهبت الفتاة وغابت عن عينى، وأنا أحدث نفسى بهذه السخافات.. وضاعت الفرصة وأزف الوقت، ~~فعدت إلى السينما وأنا أقول لنفسى: «ألم يكن فى وسعى أن أدنو منها وأقول لها مثلا إننا ~~جاران من قديم أو كلاما آخر كهذا ... كلاما أبرع من هذا وألطف وأوقع فى النفس فإن كونها على ~~طريقى إلى البيت لا يستوجب أن تعرفنى وأعرفها»؟ # وذهبت أنشئ أحاديث وأتخيل حوارا بينى وبينها من أظرف وأرق ما يمكن أن يخطر على البال، ~~وكنت وأنا أتخيل ذلك أحس أن وجهى ترتسم عليه المعانى التى تدور فى نفسى.. فخجلت وخفت أن يرى ~~الناس ذلك منى فيتعجبوا ويشكوا فى عقلى - أعنى فى صحته - وكنت قد بلغت المدخل، فدفعت ~~«التذكرة» إلى العامل فتقدمنى ووقف عند صف، وأشار إلى موضع الكرسى وقال: «السادس» فسألته ~~على سبيل التثبت: «الثالث؟» قال: «لا. لا. لا.. السادس..» فاستأذنت الجالسين ودخلت بظهرى - ~~أعنى أن ظهرى كان إليهم وأنا أخطو أمامهم متحرزا - فلم أر وجوههم ثم جلست وبدأت ms040 أتلفت، فما ~~راعنى إلا أن الفتاة جالسة إلى جانبي.. # ولا أدرى لماذا فزعت.. وقد كان المعقول أن يسرنى هذا لأنه يتيح لى فرصة جديدة، فقد تلتقى ~~يدى بيدها أو تقع رجلى على رجلها فأعتذر بأدب وأعرب لها عن الأسف فيفتح باب الكلام الموصد. ~~أو قد تضحكنا «شيرلى» بنكاتها أو بحسن أدائها فألتفت إلى جارتى فأراها تضحك مثلى، ويمنعها ~~السرور فى هذه اللحظة السعيدة أن تعبس أو تقابلنى بالجفوة. ولكنى فزعت كما قلت ولم أشعر ~~بسرور. وإنما كان فزعى لأنى توقعت أن أعجز عن اغتنام هذه الفرصة الطويلة - وهى إذا ضاعت لا ~~يمكن أن تعود - فأروح أوسع نفسى بعد ذلك تأنيبا وتقريعا وذما وهجاء. وأدرت عينى فى المكان ~~لأرى هل فيه من يعرفنى.. أو على الأصح من أعرفه أنا؟ فإن من عوامل التشجيع أن يشعر المرء ~~أنه غير معروف، وخجل المرء ممن يعرف أقوى من خجله ممن لا يعرف فى مثل هذه المواقف.. على أنى ~~لست على يقين من هذا، فقد يكون وجود الإخوان دافعا إلى الجرأة، والإنسان لا يسره أن يعرف ~~أصدقاؤه أنه جبان. # ولم أر وجها أعرفه، فأخرجت سيجارة وأشعلتها، ورحت أدخن. وخطر لى وأنا أفعل هذا أنه يحسن ~~أن أستأذنها.. فلعلها لا تحتمل الدخان، وهذا أدب لا ضير منه، ثم أنه مألوف. ولكن الوساوس لم ~~تترك لى راحة. فقد قلت لنفسى إنى أستطيع أن أستاذن أى فتاة أخرى فلا تستغرب ولا تستريب، أما ~~هذه فإنها خليقة أن تتوهم أنى أتحكك بها وأحتال للكلام معها. ثم عدت فقلت لنفسى إنى أريد أن ~~أكلمها، وما أظن بها إلا أنها تعرف ذلك. نظرتى إليها تشى بهذه الرغبة. ولماذا لا أكلمها؟ أى ~~بأس هناك فى ذلك؟ ولماذا أقدر أن يسوءها كلامى؟ ومن يدرينى أنها لا ترغب فى كلامى؟ ولكن ~~ماذا بالله يدعوها إلى الرغبة فى قزم دميم الخلقة مثلى؟ سخافة ... كلا، لست دميما إلى هذا ~~الحد المنفر، ثم إن رأى المرأة فى الجمال غير رأى الرجل.. أوهوهو.. لقد وصلت إلى الكلام فى ms041 ~~الجمال. أما إنى والله. لسخيف.. # وضحكت.. فالتفتت إلى مستغربة، فليس من المألوف أن يضحك العاقل وحده ومن غير أن يكون ~~هناك ما يوجب الضحك. فلها العذر إذا كانت قد استغربت.. ووجمت أنا، وخيل إلى أنها تنحت ~~قليلا. ومن المحقق على كل حال أنها لمست طرف المعطف وكان متدليا، فجعلته على فخذها. فسخطت ~~على نفسى وصببت وجهى فى قالب صارم من الجد، وجعلت عينى إلى الستار لا أحولها عنه. # وبدأت الرواية ووضعت كوعى على المسند - عفوا - وكانت كفها عليها أيضا.. فلمسها كمى، فجذبت ~~يدى وتمتمت بألفاظ أعتذر لم أسمعها أنا، فكيف بها؟ ولم يسعنى إلا أن أضع يدى على ساقى. ولم ~~أعد أرى أو أسمع شيئا من الرواية. وكانت نفسى تقول لى بصوت غليظ فيما أحس: «إنك بليد.. هذا ~~أنت.. وحمار أيضا.. أين جرأتك؟ لماذا تجفل من هذه الفتاة الوديعة التى تتوقع منك أن تكلمها ~~والتى وطنت نفسها على ذلك واستراحت إليه؟ هل بلغ من سخافتك وجبنك أن تتوقع أن تبدأك هى ~~بالكلام؟ اجترئ يا شيخ، لقد كان أجدادك الأولون يخطفون النساء خطفا ولا يبالون شيئا، وكان ~~النساء يسرهن ذلك. وقد ذهب الخطف بالقوة، ولكنه بقى - وسيظل باقيا - أن المرأة تنتظر من ~~الرجل أن يهاجمها، بالكلام - على الأقل - ثم بعد ذلك بالقبل والضمات والعناق». # فقلت لها: «استحى يا نفس.. إننا فى سينما.. وهذا الكلام.. هذا التحريض على الأعمال ~~الفاضحه لا يليق.. إننى رجل متمدين ولست وحشا كما كان آبائى». # فسخرت منى نفسى، وضحكت.. نعم ضحكت الملعونة ضحك السخر والزراية.. فكدت أجن، ولكنها لم ~~تعبأ بذلك وذهبت تقول: «أين المدنية؟ سبحان الله العظيم! وهل المدنية تمنع أنك إنسان وأن ~~شعورك بالمرأة هو نفس شعور جدك الأعلى الذى كان يسكن الكهوف والغيران؟ أو تخشى أن تغضبها ~~بالتطفل عليها؟ فاعلم أن المرأة إنما يغضبها أن ترى الرجل بليدا جبانا.. هذه يدها على مسند ~~الكرسى فضع يدك عليها. نعم لا تخف.. وماذا تخاف؟ إنها لن تأكلك، بل ستترك كفها تحت كفك ~~وتنعم بملامستك لها ... أدن ms042 ساقك من ساقها.. انقل إليها بعض الحرارة التى فى جوفك. قرب فمك من ~~خدها.. يا له من خد أسيل.. هل رأيت أحلى منه؟ دع أنفاسك تصافح هذا الخد. قد انتهى الفصل ~~الذى لم تر منه شيئا وأضيئت الأنوار، فادع هذا البائع واشتر منه قطعتين من الشكولاتة ~~المثلوجة وقدم لها واحدة وتبسم تبسم ياشيخ هل أنت قطعة من جليد القطب الشمالى». # ولكنى استحييت أن أفعل ما تشير به هذه النفس.. فظلت تقرعنى طول الفصل الثانى وتفسد على ~~قصة «شيرلى». # وانتهت الرواية، فنهض الناس ونهضت.. وأولتنى الفتاة وجهها، فأفسحت لها لتخرج قبلى، فقالت ~~«مرسى» فابتسمت ابتسامة عوجاء وتحركت شفتاى، ثم فتح الله على فقلت لسخافتى: «تفضلى» فابتسمت ~~وقالت مرة أخرى: «مرسى» والخطوة الأولى هى الصعبة، كل شىء يسهل بعدها.. فلا غرابة إذا كنت ~~وجدت لسانى الذى كأنما كانت به عقلة، فقلت لها: «أظن أننا جاران» قالت وهى تضحك: «أظن ~~ذلك». # قلت: «إذا كان طريقك إلى البيت، فإن معى سيارة صغيرة تحملنى.. فإذا خربت حملتها ~~أنا». # قالت: «أعرفها.. لا تطعن عليها.. رأيتك فيها كثيرا». # قلت: «سنجد السيارة ترقص» قالت: «ولماذا ترقص؟» قلت: «طربا.. ألست تثنين عليها؟ ليتنى أنا ~~السيارة». # وفتحت لها بابها وقلت لنفسى وأنا أدور إلى الباب الآخر: «أرأيت؟ إن أساليب المتوحشين لا ~~تصلح لهذا الزمان.. إنك نفس قديمة.. عتيقة». # فقهقهت اللعينة وقالت: «لولا درسى! على كل حال العبرة بالخواتيم». # الفصل السادس # | البحث عن الذهب # وجدت صديقى ينتظرنى - كما وعد - فدخلنا معا وجلسنا متقابلين إلى مائدة صغيرة، وبدأنا ~~بأيدينا ففركناها.. فقد كان البرد شديدا، وكان كلانا قد خلع المعطف والطربوش، وكانت الحجرة ~~دافئة ولكنه لم يكن قد مضى من الوقت ما يكفى لانتقال الدفء إلى أبداننا. ثم أكب صاحبى على ~~البيان الذى فيه ألوان الطعام، وجعل يسردها لى لأتخير ما يطيب لى منها. وفرغنا من ذلك بعد ~~طول التردد، وانصرف العامل بدفتره الذى دون فيه ما طلبنا، فقال صديقى وهو يميل على المائدة: ~~«والآن ما العمل»؟ # قلت: «هذا هو السؤال الأبدى.. وما ms043 أظن بنا إلا أننا سنظل نسأل عن ذلك طول العمر - طال أم ~~قصر - المسألة مسألة حظ يا صاحبى». # فقال: «كلا.. لابد أن هناك وسائل لاكتساب المال بسرعة.. كثيرون يفعلون ذلك. وهذا دليل على ~~أن الوسائل موجودة، ولكنا نحن - لسبب ما - لا نهتدى إليها». # قلت: «فليكن الأمر كما تصوره، فلست أرى أن هذا يجدينا شيئا». # قال: «ولكن لابد أن تكون هناك وسيلة». # قلت: «إذا كان ينفعك أو يريحك الإيقان من ذلك.. فأيقن وأرح نفسك». # فقال وهو يهز رأسه: «نحن اثنان.. كلانا محتاج إلى مبلغ حسن من المال.. والحاجة ملحة ~~والسرعة لا مفر منها. لا سبيل إلى الاقتراض، لأن الذين يقرضون يطلبون ضمانا.. شيئا يطمئنون ~~به على مالهم.. سخافة.. ولماذا ينبغى أن نرد شيئا؟ ألسنا أحق بالمال من هؤلاء الذين لا ~~يعرفون كيف ينفقونه ويروحون يكترونه ويدفنونه فى خزانات أو فى قدور يدسونها تحت ~~الأرض»؟ # فضحكت، وقلت: «هذه بلشفية». # قال: «لا تصدق.. آه لو كنت غنيا، إذن لصارت الدنيا أرغد وأهنأ». # قلت وأنا أبتسم: «ماذا كنت تصنع»؟ # قال: «أصنع؟ أتسأل؟ كنت أضع المال فى صرر وأرمى بها لمن أتوسم فيهم أنهم أهل لأن يكون فى ~~يدهم مال» - وأطرق شيئا ثم رفع رأسه وقال: «هل تعرف أنى زرت اليوم أختى؟ إنها غنية كما ~~تعرف.. وكيف لا تكون غنية وهى لا تنفق شيئا؟ فلما دخلت عليها وفتحت فمى لأتكلم، رفعت يدها ~~وقالت: «ولا مليم» فغضبت وصحت بها ونهرتها عن هذا السلوك. أكدت لها مائة مرة إنى محتاج إلى ~~قليل من المال، فوقفت وأكدت لى أنى سأكون محتاجا إلى هذا المال حين أخرج من بيتها.. سلوك ~~يطير العقل.. فهل تسمى هذه أختا؟ أنى أتصور أختا ظريفة لطيفة سخية كريمة تعطينى وهى تعتذر ~~وتملأ يدى وهى مغضية. هكذا تكون الأخت». # فقلت: «لماذا لا تفكر فى طريقة لكسب المال»؟ # فقال بلهجة الاستنكار: «أفكر..؟ وما الفائدة من التفكير؟ لا فائدة ما دامت الدنيا مقلوبة. ~~آه لو كان لى سلطان فى هذه البلاد، إذن لعقدت امتحانا كل ثلاثة شهور ms044 للأغنياء.. يجلس أعضاء ~~اللجنة ويقف أمامهم الغنى، فيقول له أحدهم: «كم تملك يا مولانا»؟ فيقول: «ألف فدان ونحو ~~مائتى ألف جنيه فى المصرف، وعمارتين - كل منهما ذات سبع طبقات فى شارع الملكة نازلى». فيقول ~~أحد الأعضاء: «وماذا تصنع بكل هذه الثروة»؟ فيقول: «أوه لا أصنع شيئا.. كل ما زاد على ~~حاجاتى الضرورية جدا أضيفه إلى المدخر» فتقول اللجنة: «شىء جميل.. أهذا رأيك فيما ينبغى أن ~~يصنع المرء بالمال؟.. لا بأس.. اسألوا أحمد - أى العبد الخاضع المطيع - ماذا يكفيه»، فأقول ~~ردا على السؤال: «أوه يكفينى القليل.. خمسون ألفا. كفاية.. أعنى مؤقتا» فتقول اللجنة: «أحمد ~~هذا رجل يحسن إنفاق المال.. أعطوه ما يطلب» فأقبض المبلغ وأشكرهم وأفرك يدى وأقول: «إذا ~~سمحتم لى يا حضرات الأعضاء الموقرين، أستأذنكم فى لفت نظركم إلى رجل يعرف كيف يعطى.. بارع ~~جدا فى الإنفاق» فيسأل أحدهم: «من هذا؟ قل بسرعة» فأقول: «إنه المازنى» فيقول: «آه صحيح.. ~~كيف نسيناه.. هاتوه حالا.. علينا به. اقبضوا عليه فى حيثما تجدونه» فيقبض عليك الشرطة ~~ويجرونك مصفدا إلى اللجنة، فيضحك الأعضاء ويقولون: «خذ.. خذ.. خذ أيضا» فتخرج معى مسرورا.. ~~وتروح تنفق باليمين وبالشمال حتى يحين موعد الامتحان التالى. ما قولك»؟ # فقلت وأنا أضحك: «شىء عظيم جدا.. ولكن إلى أن يتيسر أن تلى أمور الناس، ماذا ~~تصنع»؟ # فقال: «آه هذه هى المسألة.. ما رأيك أنت»؟ # قلت: «يمكننا أن نكسب الورقة الأولى الرابحة من يانصيب المواساة أو اليانصيب ~~الإرلندى». # قال: «هذا ممكن.. ولكن ذلك يتطلب أن ننتظر بضعة شهور والعجلة من الشيطان». # قلت: «صدقت.. يمكن أن نخترع شيئا ونحتكر بيعه - وصنعه بالطبع - فنغتنى». # قال: «صحيح.. فكرة لا بأس بها.. سأدون هذا فى مذكرتى.. تنفع فى المستقبل.. وعلى ذكر ذلك، ~~ماذا نخترع»؟ # قلت: «باب الاختراع واسع.. واسع جدا: مثلا نخترع طريقة تجعل السيارات تستغنى عن البنزين ~~وتكتفى بالماء - أو حتى بالهواء - أو نخترع بديلا من النقود فإن النقود هى أصل البلاء فى ~~هذه الدنيا.. أو نخترع..». # فقال: «يكفى.. يكفى. ولكن هذا كله يحتاج إلى زمن.. ms045 والمطلوب هو الاهتداء إلى وسيلة تكفل ~~إعداد المال اللازم فى أربع وعشرين ساعة.. أنا أقول لك»! # فقلت وأنا أضطجع وأرسل الدخان من فمى خيطا ملتويا، بعد أن فرغنا من الطعام: «يظهر أن ~~الضرورة تفتق الحيلة حقيقة». # فقال: «معلوم ... اسمع، أترى هذا الرجل القاعد هناك فى الركن الأيمن؟ أترى كيف يأكل؟ أترى ~~كرشه المدورة كالكرة ووجهه المنتفخ، وكيف يفتح عينا ويغمض أخرى، وينظر حوله قبل أن يدس ~~اللقمة فى فمه كأنما هو يخشى أن يراه أحد؟ الحق أقول لك أنى أكره وجهه ولا أرتاح إلى النظر ~~إليه». # قلت: «يا أخى لا تنظر إليه.. دعه وحول عينك عنه». # قال: «ولكنى لا أستطيع.. إنه وجه سوء، لا يمكن أن يكون هذا الرجل من أهل الخير.. إنه ممن ~~لا يؤتمنون على القصر والأيتام والأرامل.. هذا الرجل لابد أن يكون منطويا على أسرار يكره ~~أن تذاع.. لأن وجهه ناطق بأنه شرير. فلو قمت إليه الآن وهمست فى أذنه أنى أعرف سره الذى ~~يجاهد لإخفائه، ألا تظن أنه يفزع ويضطرب ويشترى سكوتى بأى ثمن»؟ # فقلت: «أها! أهذه طريقتك؟ أتريد أن تبتز المال من الناس بهذه الوسائل»؟ # قال: «المصيبة أنى لا أستطيع.. تنقصنى الشجاعة، ولكنى واثق أنى أنجح إذا استطعت أن أصنع ~~هذا.. ومع ذلك لكل إنسان سره القبيح.. ولو أن واحدا جاء إلى ووقف على رأسى الآن وحدق فى ~~وجهى، ثم هز رأسه هزة العارف بكل ما هناك، ثم قال: إنى أعرف سرك يا أحمد، لما وسعنى إلا أن ~~أضطرب.. على كل حال يظهر أنه لا فائدة.. لا أمل فى مال كثير نحصل عليه بالسرعة ~~اللازمة». # قلت: «صدقت لا أمل». # قال: «خسارة.. سأظل أتحسر لأنى لم أجد الشجاعة الكافية للوقوف على رأس هذا المجرم - هو ~~مجرم ولا شك - وإبلاغه أنى أعرف باطنه كما أعرف ظاهره البادى لنا ... خسارة، نهايته.. نقوم»؟. ~~قلت: «تفضل». # ودفع إلى الخادم ثمن الطعام وخرجنا. # وقلت لصاحبى وأنا أودعه: «على فكرة.. من قبيل الاحتياط للمستقبل ما هو الجواب الصحيح أمام ~~اللجنة»؟ # قال: «آه.. ms046 أنفق ما فى الجيب يأتك ما فى الغيب». # قلت: «أهو ذاك؟ أما ما فى الجيب فلست أحتاج فى أمر إنفاقه إلى التكلف.. وأما ما فى الغيب ~~فهل تعرف متى يأتى»؟ # فأشار لى بيده.. ومضى عنى وهو يضحك. # الفصل السابع # | تفيدة # نشأت فى بيت لم أكن أجد فيه من يكلمنى، لا لقلة فى أهله ولا لبكم يعقد ألسنتهم.. بل لأن ~~مشاغلهم كانت تصرفهم عنى. فهذه جدتى، لأبى، كانت لا تفارق السجادة - أو الفروة على الأصح - ~~وفى يدها السبحة التى لا أذكر أن الخيط الذى ينظم حباتها انقطع، وشفتاها لا تكفان عن الحركة ~~والتمتمة بما لا أعرف من الأدعية والصلوات على النبى. وما أكثر - وأطول - ما كنت أقعد ~~أمامها محدقا فى هاتين الشفتين الدائبتين دؤوب الليل والنهار. وكانت ربما التفتت إلى فتتبسم ~~وتدنينى منها وتمسح لى رأسى، ثم تبسط يديها بالدعاء إلى الله بصوت يبريه الضعف وتبحه الحسرة ~~ويهدجه الألم والأسف لما صرنا إليه بعد وفاة أبى، ثم تربت على كتفى وتميل على وجهى الصغير ~~بفمها الأدرد وتقبلنى، فتخرج شفتاها صوتا كهذا «مق». # وتلك أمى لا تزال مصروفة عنا بشئون البيت من طبخ وغسل وكنس ونفض، ومن حمام تسقيه وتطعمه، ~~ودجاجات لا تنفك تجس حويصلاتها أو تصبعها لترى أفيها أم ليس فيها بيض أو تنتف ريشها. وكثيرا ~~ما كنت أقف أنظر إليها وهى تتناول فراخ الحمام وتزقزقها، أى تمج فى مناقيرها الماء والحب.. ~~ولا آخر لعمل السيدة في البيت. ولم يكن لنا في ذلك الوقت خادمة، وكانت أمى تنهض بالأعباء ~~كلها اقتصادا فى النفقة.. فكانت هى تطبخ الطعام، وتكنس الغرف، وترتب الأثاث، وتخيط لنا ~~الثياب، وتصنع كل شىء إلا أن تخرج لتشترى الأشياء التى نحتاج إليها لطعامنا. فقد كان رجل من ~~أتباع أقاربنا الذين يقيمون فى أجنحة أخرى من هذا البيت الكبير، يقوم لنا بذلك. وكانت عمة ~~أبى معنا، ولكنها كانت عجوزا ناهزت المائة.. وكانت تجلس وساقاها ممدودتان أمامها ورأسها ~~مستند إلى وسادة، ولسانها لا يمل الدوران، وكان كلامها هذيانا فكنت أضحك ms047 منها أحيانا ثم أمل ~~ذلك فأتركها لهذرها الذى لا ينقطع. # وكنت إذا شعرت بالشوق إلى مكالمة أحد، أنحدر إلى فناء البيت.. وكانت فيه غرف كثيرة، يقيم ~~فيها أتباع الشيخ قريبنا ويحيون الليل بقراءة الأوراد. وكانت هناك أيضا ميضة ومصلى، فكنت ~~إذا رأيت الشيخ مقبلا أندس بين المصلين وأروح أقف وأركع وأسجد كما أراهم يفعلون. ولكن هؤلاء ~~كانوا يروننى صبيا صغيرا، فينظرون إلى ويبتسمون - لأن أفواههم مشغولة بالتمتمة - ولكن لا ~~يكلموننى. غير أنه كان هناك فى أكبر غرفة فى الفناء، رجل ليس من الأتباع ولا هو يعنيه أمرهم ~~أو يشاركهم فيما يصنعون. ولا أدرى إلى هذه الساعة كيف سكن هذه الغرفة.. فما كان يعطى الشيخ ~~شيئا، وكان الشيخ يستنكف أن يؤجر بيته أو بعضه. وكان هذا الرجل يصنع أزرار الطرابيش، فكان ~~يطيب لى أن أجلس إليه ألاحظه وأحادثه أو أستمع إلى حديثه وقصصه وكان يحادثنى كأنى رجل كبير ~~لا طفل صغير، وكان يبرم خيوط الحرير المصبوغة ويفتلها ويعقد أطرافها ويجمع كل بضعة خيوط معا ~~ثم يثنيها ويربطها ويصمغها ويدقها على قالب من القوالب التى تتخذ لكى الطرابيش. وكانت لهذه ~~الخيوط رائحة لا أزال أذكرها، وإنى لأجدها الآن فى أنفى وأنا أكتب ذلك. وقد علمنى صناعته، ~~فكان يدع لى الخيوط فأفتلها وأرتبها وأعقد أطرافها وأفعل مثل ما أراه يفعل بالمدق على ~~القالب. ثم يعود إلى فينظر فيما صنعت ويصلح لى أخطائى، أو يثنى على حذقى. وكان يكل إلى ذلك ~~كلما قام لإعداد طعامه أو خرج لشرائه. وفى وسعى أن أقول بلا مبالغة إنى قلما تعشيت إلا معه، ~~فكنت أصعد فأجىء بطعامى وأضيفه إلى ما عنده، فنأكل معا. ولكنى لم أكن أصنع هذا إلا إذا كان ~~عندنا طعام يليق أن يقدم إلى غريب.. أما إذا كان فولا أو عدسا أو ما هو من هذا القبيل، فقد ~~كنت أخرج فأشترى زيتونات وشيئا من الجبن «والحلاوة الطحينية» وأعود بها إليه، فيؤنبنى على ~~فعلتى وينهانى عن العود إلى ذلك، فأصارحه بأن طعامنا الليلة فول أو عدس ms048 ... وإنى لا أحبه. ~~فكان يحدث أن يقول لى إنه يحب هذا الطعام، ويرجو منى أن أصعد وأجيئه بشىء منه، فأستغرب.. ~~ولكنى أطيع. فلا عجب إذا كنت قد أحببته وألفته. ولم يكن أغرب من هذه الصداقة بين رجل جاوز ~~الأربعين وطفل فى التاسعة من عمره. وقد ألفنى كما ألفته، وتعلق بى كما تعلقت به.. فكان ~~ينادينى إذا أبطأت عليه، فأستبطئ النزول على الدرج وأركب الدرابزين لأن التزحلق عليه ~~أسرع.. # وكانت له بنت أخت تزوره من حين إلى حين.. رأيتها أول مرة فى ليلة شتوية كثيرة المطر شديدة ~~البرد، وكنت ألعب فى الحارة.. فلما أخذ المطر ينهمر فجأة ذهبت أعدو إلى البيت. ولمحت، وأنا ~~أجرى، ضوءا فى غرفة صديقى.. فاشتهيت أن أخبره أن السماء تمطر وأن الريح تعصف. ودخلت الغرفة ~~ثم وقفت على العتبة، فما رأيت المصباح المألوف وإنما رأيت نارا موقدة، وكانت ألسنة اللهب ~~عالية.. فرأيت، أول ما رأيت، كفا بدت لى كأنها - ولسان النار من ورائها - مرجان شفاف. ~~وطالعنى محيا فتاة صغيرة على هذا الضوء المضطرب، فرأيت شعرا أسود يتوهج هنا وهاهنا، ~~وضفيرتين فى طرفيهما خيوط من الصوف نسج عليها الشعر واستراحتا على جانبى الصدر، وأنفا فى ~~عرنينه نتوء قليل، وفى مارنه لين، وفى أرنبته انثنا إلى فوق، وعينين ضيقتين مائلتين بعض ~~الميل. وكانت الحدقتان تلمعان كأنما تطلان من شقين، وفى نظرتهما من وراء الأهداب الوطفاء ~~معانى الرضى التام والسكون العميق والاغتباط الذى لا سبيل إلى العبارة عنه. وكانت هذه ~~المعانى على الفم أيضا، وكانت الشفتان رقيقتين وفى العليا منهما نثلة بينة، وهنة دقيقة ~~نابتة فى وسطها، وكانت عليها ابتسامة أبلغ فى العبارة عن السرور من الضحك المجلجل، وكان خط ~~الشفتين موازيا لميل العينين، وقد خيل إلى وأنا أنظر إلى هذه الابتسامة المرتسمة على ~~الشفتين المتلامستين كأنما هى معلقة على ما تغضن على جانبى الفم، وكانت صحيفة الوجه عريضة ~~عند الوجنتين ولكنها تنتهى بذقن دقيق، وفى الديباجة حسن، وفى الخدين رى وأسالة وبضاضة. أما ~~العنق فطويل مستدير، وأما الذراعان - وكانا ms049 معتمدين على الركبتين - فمستدقان. # وقفت أحدق فى هذا الوجه الذى أضاءته لى النار المضطربة الخفاقة اللمعان، وخيل إلى وأنا ~~أنظر أنى لم أر قط أجمل ولا أبرع من هذا الحسن، وراعنى على الخصوص ما على الوجه من آيات ~~السرور الباطن .. فألفيتنى أتساءل: ماذا ترى يسرها وهى قاعدة وحدها تتدفأ؟ ومن أين جاءت ~~ياترى هذه السعادة التى تومض بها عيناها وتشى بها هاتان الشفتان الصامتتان؟ وأحسست أن ~~أنفاسى أسرعت وأن الدموع تجول فى عينى، فقد كانت الفتاة جميلة وكانت الروعة قد غمرت صدرى، ~~بل ملأ قلبى الخوف كأنما أشهد الحياة نفسها لا إنسانا فانيا مثلى. وارتفع لسان النار فجأة ~~وخفق ضوءها على محياها المبتسم، فخيل إلى أن الدم يجرى كالمجنون تحت جلدها الرقيق. وكانت هى ~~ساكنة لا تتحرك، ولا تزايلها ابتسامتها الهادئة المرتسمة على عينيها الضيقتين المائلتين ~~وفمها المطبق الشفتين. نعم.. كانت الحياة نفسها تنظر إلى من عينيها.. وبعينيها. # رأيتها بعد ذلك مرة أو مرتين فى نحو عام، وعلمت من صديقى - خالها - أنها يتيمة وأنها تقيم ~~مع عمها وتزور خالها أحيانا، وأكثر ما تكون الزيارة فى الصباح حين أكون أنا فى المدرسة.. ~~ولكنها لا تبقى معه إلا ساعة أو بعض ساعة. وقد حاولت أن أكلمها، ولكنى كنت أستحيى أن أطيل ~~الوقوف معها أو الجلوس إليها، وكانت هى تحدق فى وجهى ولا تطرف حين تكلمنى، ولا أذكر ما كانت ~~تقول وإنما أذكر كيف كانت لهجتها هادئة وحالها بادى الوثاقة.. كما ينبغى أن تكون ~~الحياة. # وكنت أسألها أحيانا - وأنا لا أجد كلاما أقوله لها غير ذلك: «هل تلعبين الحبل»؟ ولا أصغى ~~إلى جوابها، بل أروح أفكر فى جمالها وأعجب له.. وأسأل نفسى مستغربا ماذا وراء هذه العين يا ~~ترى؟.. لماذا أراها سعيدة دائما بلا سبب أعرفه؟ وأشتهى أن أسألها عن ذلك، ولكنى آنس من نفسى ~~جبنا فأسكت. # ومضت الأيام وتعاقبت السنون وكبرت وعرفت الأدب والقراءة، فصار كل ما أقرأه عن الحب فى ~~شعر الشعراء وفى وصف الروائيين، يدور حول ذكرياتى القليلة منها، وابتسامتها ms050 الساكنة ووجهها ~~الجميل وسعادتها الهادئة. وكان زملائى فى المدارس يذكرون مغامراتهم ويتحدثون بها ويباهون، ~~وكنت أسمع وأسكت وأتعزى بأن هذا الذى يلهجون به ليس من الحب فى قليل أو كثر، وأقول لنفسى ~~إنى أعرف ما لا يعرفون، وأعرف ما أعرف بالتجربة. ومع ذلك لم يخل هذا الصدر من أيامى مما ~~يسمونه المغامرات، ولكنها لم تكن كثيرة أو باعثة على الرضى.. بل كانت على النقيض سببا فى ~~السخط على نفسى واحتقارها، فآليت لأنصرفن عن هذا العبث. وأقبلت على الدرس والتحصيل واشتغلت ~~بالشئون العامة، فصرت أحضر جمعيات الخطابة بل ألفت مع إخوان لى جمعية للخطابة. وعنيت ~~بقراءة الصحف فكنت على صغرى أقرأ كل يوم ثلاث جرائد سياسية، وكنا جميعا من أنصار «مصطفى ~~كامل» وعشاقه فى ذلك الزمان. # ثم جاءت الحرب العظمى، فشغلنا بأنبائها وبالاختلاف على نتائجها المحتملة وبالخوف على ~~أنفسنا من الجواسيس والاعتقالات التى كنا لا نأمنها ولا نستطيع أن نعرف الطريق إلى ~~اتقائها.. ولكن يوما من أيام تلك الحرب أذكره ولا أنساه. وكان لى صديق داره قريبة من دارى، ~~ولم يكن معه أحد فى بيته وكان السهر محرما بعد الساعة التاسعة، فكنت أقضى عنده السهرة فى ~~الأغلب، ولا سيما فى الصيف، فأرانى يوما مسدسا ورصاصات، فجعلنا نتدرب على إطلاقها ونرمى بها ~~باب الحمام، ولم نكن نخشى أن يسمعنا أحد لأن البيت كان بعيدا عن العمار. ثم افترقنا، واتفق ~~أن زارنى بعد ذلك ونسى عندى مسدسه.. ولا أدرى كيف كان يجترئ على حمله معه؟ فوضعت المسدس فى ~~درج المكتب ونسيته فيه، وتكدست فوقه الأوراق على مر الأيام. فحدث يوما أن جاءنى صديق وثيق ~~الصلة بالسلطة العسكرية، وأخبرنى أن بيتى سيفتش الليلة.. فشكرته، ولم أعر الأمر اكتراثا.. ~~لأنه ليس فى بيتى ما أخشى على نفسى منه. فلما كان العشاء، جاء ضابط إنجليزى ومعه من ~~المصريين ضباط وجنود، فدخلوا المكتب أول ما دخلوا. ورأى الإنجليزى الكتب الكثيرة على ~~رفوفها، فأقبل عليها يتأملها.. فألفاها كلها كتب أدب، فجعل يقلبها وينظر إلى ثم سألنى عن ~~عملى، ms051 فقلت: «مدرس» فاطمأن واعتقد مما رأى أنى رجل مأمون الجانب، وأرسل المصريين يفتشون ~~بقية البيت، ووقف هو معى فى غرفة المكتب، ثم دنا من المكتب وجعل يقلب ما عليه من الأوراق ~~المنتشرة بغير احتفال، ثم فتح درجا وألقى عليه نظرة ثم رده وشد الدرج الثانى.. ولم تكن ~~للأدراج مفاتيح، فجمد الدم فى عروقى، فقد تذكرت المسدس فجأة، ولم أستطع من فرط الجزع أن ~~أدعو الله أن ينقذنى. وكان الإعدام عقوبة من يحمل سلاحا كهذا بلا ترخيص - أو هكذا أعلنوا - ~~ولكن الله سلم.. فرد الرجل الدرج وكان زملاؤه قد عادوا مخيا وانصرف وهو يبتسم، ولعله كان ~~يعتقد أن تكليفه تفتيش هذا البيت سخافة مطبقة. # وما كادوا يذهبون حتى أسرعت إلى المسدس، فقذفت به فى بستان مجاور لبيتنا، وتشهدت.. ولم ~~أطق البقاء فى البيت بعد ذلك من فرط الاضطراب، فخرجت أتمشى على غير هدى وإذا بى فى بعض ~~الطريق - طريق حدائق القبة - التقى بفتاتى القديمة. عرفتها على الرغم من طول الزمن.. ~~وعرفتنى هى كذلك ولم تنكرنى، فصحت بها كالأبله: «تفيدة.. أنت..»؟ # فابتسمت لى ابتسامتها القديمة الهادئة ولم تزد، فقلت لها: «من أين، وإلى أين»؟ قالت: «إلى ~~البيت» فمشيت معها إليه. وكان شقة فى عمارة عند «المحمدى» فدعتنى إلى الدخول فلم أتردد.. ~~فإنا صديقان قديمان. ولم أر فى بيتها غيرها فلم أستغرب فإنها يتيمة، ولكنى لم أعرف من أين ~~جاءت بهذا الأثاث الحسن وإن كان قليلا وعلى قدر الحاجة، واتفقت معها على يوم نخرج فيه ~~للتنزه فى القناطر أو حديقة الحيوانات، فهزت رأسها أن نعم.. فتركتها ولم أسألها عن حالها ~~وكيف تعيش. # والتقينا فى الموعد المضروب.. وكان النساء يتقنعن فى ذلك الوقت ولا يخرجن إلا فى الندرة ~~القليلة بوجوههن سافرة، فركبنا عربة يجرها جوادان هزيلان، ومضينا إلى حديقة الحيوانات، ~~وجلسنا على دكة منعزلة.. وقضينا أكثر الوقت صامتين، ثم فتحت فمى فحدثتها عن الزمن الماضى ~~وحبي الصبيانى لها، وكيف طال عمر الحب وامتد إلى الحاضر، فلم تزد على أن تبسمت - كعادتها - ~~وقالت: «لا أدرى ms052 لماذا أرى الناس يجنون بى». # فأحسست أن لوحا كبيرا من الثلج يوضع على قلبى.. الناس يجنون بها.. الناس ... إذن هناك ~~مجنون، أو مجانين بها غيرى ودار رأسى، وذهبت أسأل نفسى عنها كيف تعيش. ولم يخطر لى هذا من ~~قبل، ولكنه خطر الآن نعم كيف تعيش هذه التى يجن بها الناس؟ وأين وكيف ترى هؤلاء المجانين ~~كلهم؟ لابد أنهم كثر ... فمن أين يجيئون.. إنى أنا صديق صباها، فلا عجب إذا كنت أعرفها.. ولكن ~~غيرى.. غيرى. # وقطع على هذه الخواطر المزعجة سودانى فى ثياب الردنجوت. وكان كهلا، ولكنه يمشى معتدل ~~القامة كالرمح.. فدنا منها وحياها باسمها وسألها عن حالها وعينه تومض، فردت عليه برزانة ~~وسكون ومن غير أن تفارقها ابتسامتها المطبوعة. ولم يطل الوقوف، فمضى عنا وقد عرفت منها أنه ~~ضابط فى الجيش وأنه الآن فيما يسمى الاستيداع، وأن بيته فى العباسية - قرب «المحمدي» فلم ~~أقل شيئا ولكنى قلقت - أو على الأصح زدت قلقا وصرت أناجى نفسى بأن لعل هذه طريقة ~~حياتها. # وتعددت المقابلات بيننا والخروج إلى الحدائق العامة، وكنت أعود بها إلى بيتها فى الليل، ~~فتدعونى إلى مقام قليل، فألبى ونذهب نتحدث كأننا رجلان لا رجل وامرأة. فرأيت منها - شيئا ~~فشيئا وعلى مر الأيام - ما أقنعنى أنها ليست الفتاة التى أحببتها فى صغرى، وأنها لا أكثر ~~ولا أقل من امرأة كغيرها من النساء. ولا أدرى الآن وأنا أكتب هذه السطور أى شىء كنت أحسبها ~~قبل أن أتبين أنها ليست سوى امرأة، ولكن الذى أدريه أنى ظللت أحبها على الرغم من ذلك وأنى ~~جعلت أحاول أن أقنع نفسى بأنها كما كنت أتصورها - على الأقل فى حقيقتها الكامنة، ولكن حبى ~~القديم لها تغير.. فلم يعد فيه تعلق بخيال، بل صار حبا لامرأة معينة. وليس فى هذا ما يدعو ~~إلى العجب، فإن الرجل يحب المرأة لأنها امرأة ولأن فيها من بواعث الإغراء ما يكفى لإثارة ~~الرغبة فيها والتعلق بها، ولكن هذا شىء لم أكن قد تعلمته فى تلك الأيام، فرزقنى الله فى شخص ~~«تفيدة» ms053 معلما لا يفتر ولا يتردد ولا يترفق بالمثل العليا وصور الكمال وغير ذلك من ~~الأفلاطونيات السخيفة. وكان أول ما تعلمته - أو من أول ذاك - أن من الممكن أن يحب الرجل حبا ~~عميقا طاغيا امرأة لا يحترمها ولا يرى لها مزية ولا ينطوى لها على إكبار أو مودة أو صداقة، ~~ولا يستطيع أن يتفاهم معها ويشركها فى نفسه وخواطره وآماله ومخاوفه وعواطفه.. امرأة لا يرى ~~فيها إلا أنثى منحطة.. بل امرأة يشعر بالشقاء وهو إلى جانبها وبالملل والضجر من قربها ~~وحديثها. نعم تعلمت ذلك.. وكان هذا لما تعلمته شيئا فشيئا يبدو لى مدهشا، ويخيل إلى أن ~~الحال فيه مقلوب والآية معكوسة، ولكنى الآن أضحك من نفسى وأسائلها: ولم لا يعشق الرجل بالله ~~امرأة كهذه؟ وأين ترانى كنت أعيش يومئذ؟ فلم أر أن كثيرين من الرجال يعشقون نساء ليست لهن ~~أية مزية.. نساء هن فى الحقيقة كوم عظيم من صنوف الانحطاط.. ونساء يحببن رجالا ساقطين ~~منحطين لا يساوى الواحد منهم ملء أذنه نخالة ولكنى كنت فى ذلك الوقت أعتقد أن الحب شىء سام ~~جدا، وأنه سماوى لا ينبغى أن يخالطه إلا الإعجاب والعبادة. # وكانت كل لحظة أقضيها مع تفيدة، تزيدنى إيقانا بأنها عاجزة عن السمو بنفسها إلى المرتبة ~~التى وضعتها فيها فى حداثتى. وكان يزعجنى وينغص عيشى ويسود الدنيا فى عينى هذا التباين بين ~~الواقع والصورة القديمة التى احتفظت لها بها فى نفسى.. وتغير حبى لها كما قلت واشتهيتها ~~وصبوت إليها، ولكن هذا التحول لم يعفنى من التنغيص والعذاب. وقد كنت أخجل مما صرت أحسه لها، ~~وأعنف نفسى على ذلك وأزجرها عنه. وكانت هى ترى ضبطى لنفسى ورياضتها على العفة، وتعلقى ~~بخيالاتى وسخافاتى وأوهامى، فتمتعض وتظهر لى التأفف والتبرم ولا تكتمنى الضجر الذى يثيره ~~حديثى، ولها العذر. وقد كنت أرتفع بالكلام عن طبقتها.. وأتركها على الأرض، وأذهب أحلق فى ~~أجواء لا تستطيع أن تذهب ورائى فيها. وكنت أنشدها ما أقوله فيها من الشعر، فيسرها أنها وجدت ~~شاعرا يحبها كل هذا الحب ويتغنى ms054 باسمها، وأن يقرأ الناس ما يقوله فيها وما يصف به وجده لها. ~~ولعلها كانت ترى فى هذا إعلانا.. ولكنها لم تكن تفهم ما أنظم أو تقدره، وكثيرا ما كانت تمط ~~شفتيها ساخرة. وربما قالت لى: «ألا تستطيع أن تقول كلاما حسنا»؟ فأهز رأسى وأقول لنفسى إنى ~~وقعت وقعة سوداء، وإنى يجب أن أصد عنها فإنها لا تصلح لى ولا أصلح لها لأنها لا تفهمنى.. ~~ولا أنا أيضا مع الأسف، أستطيع أفهم هذه الطبيعة المادية التى يكون فيها الجمال ستارا لكل ~~ما هو منحط.. وكانت تدعونى كل ليلة إلى دخول بيتها حين نعود إليه، وكنت ألبى فى بعض ~~الأحيان.. فأقعد معها كالصنم من شدة الكبح، فلا تلبث أن تتثاءب فأقوم وأنصرف فلا تعنى بأن ~~ترافقنى إلى الباب.. فيسوءنى ذلك، ولكنى أراجع نفسى وأقول: إنه ليس بيننا كلفة فإننا صديقان ~~قديمان. وقالت لى ذات ليلة، وقد دنونا من البيت: «لا تغضب إذا لم أدعك إلى الدخول» فسألتها ~~بوقاحة: «هل هناك غيرى»؟ فلم يسؤها ذلك ولم يظهر عليها الامتعاض منه، وقالت بابتسامتها ~~الهادئة: «يخيل إلى أنك لا تحب الوجود معى فى البيت.. إنك شاعر، تحب الرياض والبساتين ~~والماء والسماء والنجوم.. أليس كذلك»؟ فضحكت وإن كنت لم يفتنى ما فى كلامها من التهكم ~~والزراية، وحدثت نفسى أن هذه دعوة صريحة لا يليق أن أغضى عنها مخافة أن يؤدى الإغضاء إلى ~~القطيعة والجفوة.. وكانت هذه مغالطة منى لنفسى، فقد كنت أنا أريد ذلك ولكنى كنت أصرف عنه ~~نفسى وأفطمها بجهد، فقلت لها: «بل سأدخل الليلة - إذا سمحت بالطبع - وسترين أنى أحب بيتك ~~كما أحبك». # قالت: «صحيح»؟ # وأحسست من نبرة صوتها إنها ارتاحت إلى كلامى، وإنها استغربته فى الوقت نفسه.. ودخلنا، ~~وأغلقت الباب وراءها كعادتها.. فلم أمهلها بل طوقتها بذراعى فى الدهليز وقبلتها على خدها، ~~فأدارت وجهها ومنحتنى فمها.. # وكنت أسخط على نفسى بعد كل ليلة وأرميها - نفسى - بالانحطاط، ولكنى ألفت ذلك - فصار الأمر ~~عادة كالتدخين وغيره مما يعتاده المرء ويتأفف منه ويود لو كف عنه، ms055 ويمضى فيه مع ذلك ولا ~~يكلف نفسه جهد المقاومة وعناءها. وبقينا هكذا زمنا غير قصير، وعرفت أن لها أصدقاء غير ~~قليلين.. فقد كنا نلقاهم فى الطريق، فيومئون إليها بالسلام فتبتسم لهم، ولكنهم كانوا لا ~~يدنون منها ولا يكلمونها كما فعل الضابط السودانى فى حديقة الحيوان. ولم أكن أعبأ بذلك، فقد ~~كنت أرى أنى منفرد بها وإن كنت لا أعلم ماذا تصنع فى غيابى؟ فما كان يسعنى أن أظل معها كل ~~ساعة. وكنت أروض نفسى على الاطمئنان والثقة لحاجتى إليهما، لا لأنى واجد ما يدعو إلى الثقة ~~والاطمئنان.. # ولم يكن هذا المنطق يقنعنى أو يريحنى، ولكنه كان المنطق الذى اضطررت إليه.. على أن الأمر ~~لم يطل، فقد جاء يوم اعتذرت لى فيه بأنها مسافرة.. فاستغربت، فما أعرف لها من تسافر إليه، ~~ولكنى سكت ولم أقل شيئا. ورأيتها بعد أيام، فسألتها عن رحلتها ورجوت أن تكون كما أشتهى ~~لها.. فقالت بضجر متكلف لم يخف على: «أوه أبدا.. كانت رحلة مملة.. إنك تعرف هؤلاء الفلاحين ~~وكيف يعيشون.. ليس فى حياتهم أى تسلية». # ومضت أيام، فعادت تعتذر من التخلف عن لقائى لأنها مدعوة فى بيت صاحبة لها. فلم أجادل، ~~وتركتها، وتكرر بعد ذلك الاعتذار، وتوالى انقطاعها عنى. وكنت أحيانا أقسم أن أهملها وأبقى ~~أياما لا أسأل عنها، لأعرف أعادت أم هى لا تزال مع هؤلاء الذين ظهروا فجأة فى حياتها، ولم ~~أسمع بهم مرة واحدة قبل ذلك كل هذه الشهور. وأحيانا كنت أضعف فأذهب إلى بيتها، فتفتح لى ~~وتلقانى كأنها كانت معى قبل ساعة، ولا تسألنى لماذا غبت ولا ماذا كنت أصنع وكيف كنت أقضى ~~الوقت.. لا.. لا شىء من هذا على الإطلاق، فأشعر بالغصة ولكنى أكتم الألم.. # وكنا قد دخلنا فى الشتاء، وكنت أعرف أنها لا تحب أن تكون فى غير بيتها بعد العشاء على ~~الأكثر.. فذهبت إلى قهوة قريبة من مدخل الحارة، كى أرى ما يكون. وانحدرت الشمس وأنا لا أرى ~~شيئا.. نعم رأيت ناسا كثيرين راكبين أو ماشين وباعة متجولين ومركبات ms056 الخ الخ، ولكنى لم أرها ~~تدخل أو تخرج. وكانت نفسى لا تفتأ تنازعنى أن أنهض منصرفا، وكنت أحدثها بأن من السخافة ~~والحماقة أن أتعب نفسى بهذه الجلسة المضنية لأعرف ما أعرف. وهل فى الأمر سر؟ أليست قد ملتنى ~~ونبت بى وجفتنى واعتاضت منى سواى كائنا من كان هذا السوى؟ وما حاجتى إلى علم ما أعلم؟ ~~ولماذا أحقر نفسى وأمرغ وجهى فى التراب وأضعه عند قدمى امرأة سوء كهذه؟ وأهم بالنهوض ولكنى ~~أحس أنى قد سمرت إلى الكرسى أو لصقت به.. ويتجسد وهمى ويضحكنى أمرى أحيانا ثم تغلبنى الكآبة ~~والحزن - على نفسى وعليها - ثم أرانى غضبت وثرت وهاجت نقمتى على هذه المستهترة التى لا ~~تبالى ولا تدرك. ثم أراجع نفسى فأسألها: «ماذا تريدين منها أن تبالى.. أمن العدل أن أطالبها ~~- أو أتوقع منها - أن تحفل ما لا تدرك»؟ وأستسخف من نفسى أن أروح أنتظر من هذه العامية - ~~على الرغم من أنها تعلمت شيئا - أن ترتفع بنفسها إلى حيث ارتفعت أنا. ثم أرجع فأقول: إن ~~المسألة ليست مسألة تعليم أو ثقافة، وإن كان التعليم يهذب. # وانقضى النهار فى هذه الهواجس أو الخواطر، وأقبل الليل ومعه البرد.. فاحتجت أن أقوم وأن ~~أتمشى لأشعر بالدفء، فرحت أتمشى فى الحارة وعينى على بيتها وأنا فى حماية الظلام. فسمعت بعد ~~قليل صوت باب يفتح ويغلق فدنوت على أطراف أصابعى فاذا هو بابها، وإذا الخارج منه هو الضابط ~~السودانى. وكاد يختفى فى الظلام، ولكن الباب فتح مرة أخرى وخرج منه صوت كهذا: «هسسس» فوقف ~~الرجل وتلفت ثم كر راجعا ووقف أمام الباب. وكنت على مسافة مترين منه، فأدرت ظهرى إليه ولويت ~~عنقى لأكون أقدر على السماع، فسمعتها تقول له: «الساعة الثالثة تماما.. فإنى أخشى أن يجىء ~~ذلك الثقيل للسؤال عنى». # فمشيت.. ولم أقف لأسمع رده. # الفصل الثامن # | الهارب # دخل «سعيد الميدانى» على مدير دار الكتب - حين أذن له - وهو يحيى وينشر الجريدة التى كانت ~~مطوية تحت إبطه، وقال وهو يقدمها له: «هل قرأت هذا يا بك؟ إن ms057 الحملة واضحة التلفيق، ولهذا ~~جئت وفى مرجوى أن أظفر منك ببيان للرد عليها». # فتناولها منه المدير وألقاها على طرف المكتب، ولم يكتم ضجره وهو يقول: «تفضل.. تفضل.. إن ~~كل ما يعنى رواد الدار هو أن يجدوا ما يطلبون - كل ما يطلبون - فيها وأن يهتدوا إليه بسرعة ~~وسهولة وبغير عناء أو تضييع وقت. ومتى كان هذا حاصلا فلست أبالى ما تكتب الصحف أو يقول ~~غيرها. وهذا حسبى وحسبك بيانا، فإذا اقتنعت به فذاك.. وإلا فأمرى إلى الله، فما أستطيع أن ~~أضيع وقتى فى الكلام الفارغ». # وكان أمامه وهو يقول هذا كتاب ضخم وضع بين صفحتين منه قلما أحمر غليظا. وكان ينظر إلى ~~إحدى الصفحتين ويشير بأصبعه إلى سطور فيها كأنما يتلو منها ما ينطق به. بل لقد خيل إلى سعيد ~~أن الأمر كذلك، ولكنه هز رأسه كأنما يريد أن يطرد هذا الخاطر، فقد استأذن من غير أن يبين ~~الغرض من المقابلة. وكان سعيد من أحدث خريجى كلية الآداب بالجامعة المصرية، ومن أنشطهم ~~وأشدهم إقبالا على التحصيل والاطلاع ونزوعا إلى الاستقلال والعمل الحر. وخال فيه صاحب جريدة ~~«الأحوال» الخير من لمحاته، وآنس الرشد من أعماله.. فألحقه بمساعديه الكثيرين، وما لبث أن ~~صار يعتمد عليه فى تعقب الأخبار وتقصى الحقائق. # ورأى المدير أن سعيدا ينظر إلى الكتاب الذى بين يديه، فمسح جبينه العريض بأنامله ثم قال: ~~«على فكرة.. هل عندكم فى «الأحوال» ملفات خاصة بترجمة المشهورين»؟ # ثم كأنما تذكر أمرا، فقال: «متى أسست جريدة الأحوال»؟ # فقال سعيد: «بعد الحرب العظمى.. سنة 1919م - أو 1920م». # وقال المدير: «إذن لا فائدة..». # فقال سعيد: «هل تسمح لى أن أسأل ما هى الحكاية لعلى أستطيع أن أساعد». # فقال المدير: «الحقيقة أنها مسألة غريبة.. كنت أمس أقرأ كتابا لعبد القادر التميمى، وهو ~~كاتب مصرى وشاعر أيضا.. وإن كان شعره قد ضاع بإهماله - أو على الأصح - لأنه هو أبى أن ينشره ~~لأنه كان يستضعفه ولا يرى رأى الناس فيه. وقد كان مشهورا منذ أربعين سنة، ثم اختفى فجأة ~~ولايدرى ms058 أحد أهو حى فيرجى أم ميت فيبكى.. وقد رجعت اليوم إلى المستدرك - وأشار بيده إلى ~~الكتاب الذى بين يديه - وهو كما تعلم الجزء الرابع من كتاب الأعلام للزركلى، فوجدت فيه نبذة ~~عن الرجل فيها تاريخ ميلاده وأسماء كتبه إلى آخر ذلك، وليس فيها تاريخ لوفاته. والمفهوم من ~~هذا بداهة، أنه كان حيا حينما صدر الجزء الرابع من الأعلام - أعنى المستدرك. ولعل صاحب ~~الأعلام لم يقف على تاريخ لوفاته إذا كان قد مات، ولكنه كان حينئذ خليقا أن يذكر تاريخا ~~تقريبيا لوفاته على عادته. لهذا أرجح أن الرجل كان حيا وقت صدور الكتاب. ولكن المسألة تبقى ~~مع ذلك بلا حل ... فهل هو لا يزال حيا؟ أم تراه مات؟ وأين؟ هذه هى المسألة. ولست أعتقد أن فى ~~وسعك أن تساعدنى، ولكن أدر المسألة فى خاطرك عسى أن تهتدى إلى شىء فتخبرنى؟ إذا سمحت ولك ~~الشكر». # ونهض واقفا إيذانا بانتهاء المقابلة.. ولكن سعيدا كان مطرقا، وكان يفرك جبينه بأصابعه، ~~فلم ير المدير يقف.. فعاد ذاك إلى مقعده على مهل وقد جال بذهنه أن لعل هذا الشاب يعرف شيئا ~~أن يصغى إليه، وتنبه سعيد ورفع رأسه وقال وعينه على السقف: «عبد القادر التميمى؟ أى نعم.. ~~أذكر هذا الاسم، وإن كنت لم أقرأ له شيئا. قرأت عنه ولكن لم أقرأ له، وسمعت من أستاذنا فى ~~الجامعة أن الناس فى عصره كانوا فى حيرة من أمره، وكان أكثرهم لا يعرف له جدا من هزل.. وكان ~~يتهكم بكل شىء.. كل شىء حتى نفسه. وكان أسلوبه جديدا فى بابه فأخذ الناس على غرة وكثر ~~مقلدوه، ولكنهم أخفقوا فأقصروا». # وهنا تململ المدير، فما كانت به حاجة إلى من يصف له الرجل.. وإنما كانت حاجته إلى من يدله ~~عليه أو على مكان قبره. # ومضى سعيد فى كلامه غير عابئ بضجر المدير، فقال: «نعم.. وأذكر أن أستاذنا قال: إنه رحل من ~~مصر وخلف أسرته بها، وترك لها كل ما جمع من مال. وكان ابنه قد كبر وصار ذا عمل يكسب منه ms059 ~~رزقه، ولم يرجع الأب بعد ذلك.. ولكن من المحقق أنه لم يمت وإن كانت أخباره قد انقطعت.. نعم ~~أذكر هذا». # فقال المدير: «أواثق أنت من ذلك»؟ # قال سعيد: «كل الثقة.. ولكن أين هو؟ لا يدرى أحد». # قال المدير: «ولكنه إذا كان لا يزال حيا - لابد أن يكون الآن قد جاوز الثمانين.. انتظر.. ~~ولد.. ولد.. نعم.. سنة 1850، فهو الآن فى السادسة والثمانين؟ يألله! أتظن؟ أنى لا أكاد ~~أصدق، لقد كان معروفا عنه أنه مسرف فى إنفاق حياته.. لا يبالى أعاش أم مات.. فكيف ~~يمكن..»؟ # فقال سعيد: «مثل هؤلاء الذين لا يبالون أعاشوا أم ماتوا هم الذين يعمرون». # فقال المدير وهو شارد: «ربما.. ربما.. ولكن 86 سنة.. هذا عمر.. هذا..». # فنهض سعيد ومد يده إلى المدير، وقال: «سأعنى بالبحث.. وإذا وفقت إلى شىء فسأخبرك». # فمد المدير إليه يده، وهو يقول كالمحدث نفسه: «86 سنة.. أما لو كان حيا؟ ولكن كيف يمكن؟ ~~كيف يمكن»؟ ~~••• # مضى شهران على هذا الحديث لم يسمع فى خلالهما كلمة من سعيد، ولم يكف هو أثناءهما عن البحث ~~والتقصى - عبثا - فأقصر يائسا وصرف نفسه أسفا عن عبد القادر التميمى. وكان جميل بك - أو إذا ~~شئت اسمه كاملا، جميل بك أحمد القناوى - رجلا مخلصا عطوفا رقيق القلب، وقد شق عليه جدا أن ~~يحدث فى القرن العشرين أن يختفى أديب مشهور وأن تنقطع أخباره نحوا من أربعين سنة، فتنساه ~~الدنيا التى يسرها ويملؤها حبورا وجذلا، ولا تعود تعرف عنه حتى أبسط ما ينبغى أن يعرف: «أهو ~~حى أم تراه ميت»؟ وكان جميل بك يرى أن هذه فاجعة إنسانية لأنه لم يشك فى أن اختفاء هذا ~~الأديب وانقطاع أخباره سببهما يأس عميق آخذ بالكاتب، وهو مع ذلك الذى يرفه بكتابته عن الناس ~~وينعش نفوسهم ويهذبها بفكاهته ويفيض على حياتهم البشر والسرور كما تفعل الشمس، ولم يسعه الا ~~أن يعجب لاختفاء رجل مشهور فى عالم لا يكاد يختفى فيه شىء فى هذا العصر، ورجح عنده لهذا أن ~~الرجل لابد أن يكون قد لقى ms060 حتفه فى أول مراحل هجرته - إذا صح أن تسمى هجرة - ولا يبعد أن ~~يكون قد تنكر واتقى ألا يحمل معه ما يدل على حقيقته. وأخلق به حينئذ أن يكون قد دفن حيثما ~~اتفق بالاسم الجديد الذى تنكر به، وهز جميل بك كتفيه ومط شفتيه ، ثم زفر زفرة طويلة وقال: ~~«إيه لا حول ولا قوة الا بالله» وشرع يشعل سيجارة وإذا بالتليفون يدق إلى جانبه، فتناول ~~السماعة متثاقلا وقال: «نعم» ولكن ما عتم أن أعتدل فى جلسته، وصاح: «أيه ماذا تقول»؟ # ولكن الذى خاطبه اكتفى بما قال، فوضع جميل بك السماعة، وقام يتمشى بسرعة ويشعل سيجارة ~~ويضعها فى الطبق وينساها ويروح يشعل غيرها حتى اجتمع فى الطبق أربع سجاير بعضها أقصر من بعض ~~وهو ذاهل عنها جميعا. وأنه ليهم بإشعال الخامسة، وإذا بالخادم - فقد كان فى بيته - ينبئه أن ~~«سعيد أفندى الميدانى» قد حضر، فيقول له بلهفة: «أدخله.. أدخله» ويسبقه هو إلى ~~الباب. # ويدخل سعيد أفندى ويده فى يد جميل بك، وهو يقول: «نعم وجدته.. فى غرفة فى ربع قديم فى ~~أعتق أحياء هذه المدينة.. أو هو من أعتقها..». # فيقول جميل بك: «وكيف وجدته»؟ # فيقول سعيد أفندى: «أوه.. هذه حكاية طويلة. وليس المهم كيف وجدته، بل المهم أنى وجدته. ~~ويمكننى أن أقول لك إنى استعنت بابنه، وقد كان اعتقاده أنه مات لا محالة، ولكنى زعزعت له ~~هذا الاعتقاد بعنف بل بقسوة.. هل تعلم أن ابنه أحيل على المعاش منذ سنتين، وإن له حفيدة ~~تزوجت وولدت بنتا». # فيقول جميل بك: «ليس عجيبا أن يعتقد ابنه أن أباه مات وشبع موتا، ولكن كيف ~~وجدته؟». # فيقول سعيد مرة أخرى: «لقد قلت لك أن هذه الحكاية طويلة». # فيقول جميل بك: «إنما أعنى كيف حاله». # فيقول سعيد: «حاله.. وماذا تنتظر أن يكون حال رجل قارب التسعين وأقعدته شيخوخته العالية ~~عن العمل.. فقر وضعف وعمش ... حال لا يعلم بها إلا الله». ~~- ولكن كيف يعيش؟ ~~- كان يستعين به طابعو الكتب القديمة لضبطها وهم يجهلون شخصيته لأنه يسمى نفسه ms061 عبد القادر ~~ناجى.. أليس اسما غريبا؟ إن اختياره له يشى بثقته بالله وبحسن المآل على كل حال.. لقد ~~أدهشنى منه أنه لايزال يبتسم للدنيا ويؤمن بحسن حظه فى الحياة على الرغم مما هو فيه من ~~الفاقه الشديدة.. ولكن من يدرى؟ لعله قد خرف فهو لا يقدر سوء ما هو فيه. فسأله جميل بك: ~~«ألا يعرف أن ابنه موجود»؟ # فقال سعيد: «يعرف، ولكنه أبى أن يذهب إليه حين عاد من رحلاته لأنه استكبر أن يجعل نفسه ~~حميلة عليه، وخشى أن يأنف ابنه من الانتساب إليه إذا وقف على حالته الزرية». ~~- وهل قابل ابنه؟ ~~- بالطبع ... وقال له حين رآه: من يصدق أنك ابنى؟ إنى أبدو أصغر منك.. على كل حال، يمكنك ~~دائما أن تنسى أنى مازلت على قيد الحياة.. فما أشك فى أن عثورك على حيا صدمة لك بعد أن ~~وطنت نفسك على موتى. وأحسب أن بعثى الآن قد خيب أملك فى.. كذلك قال لابنه.. مدهش.. إن ذهنه ~~لا يزال حافظا لقوته.. قال لابنه فى جملة ما قال: إنى لما كبرت كنت أقول: لو عاش أبى لما ~~عاشرته، لأنى أستنكف أن أكون فرعا وأحب أن أشعر أنى أنا أصل مستقل بنفسه عما عداه وعما غذاه ~~ونماه. ولكن ذهنه يشرد أحيانا فيخلط فى كلامه، لأنه يكر راجعا إلى ذكرياته الطويلة فى حياته ~~الحافلة، من غير أن يشعرك بالانتقال أو الرجعة.. فتحس أنك تهت وضللت طريقك، وقد تظنه يهذى ~~ولكنه ليس هذيانا بل كر الذهن إلى الوراء فجأة بغير انذار. ولما قلت له أنك تبحث عنه، ضحك ~~وقال هل يريد أن يغلفنى ويضعنى على رف.. وقال عن كتبه لما عرض ذكرها: إن خيرها ما لم ~~يكتبه.. ولا تزال أسنانه باقيا بعضها، وقد قال لى إن متانتها وسلامتها من الآفات هما السبب ~~فى بقائه حيا إلى الآن.. ولما قلت له إن من واجبه أن يملى مذكراته على بعضهم، صاح بى: «أعوذ ~~بالله يا شيخ.. حرام عليك.. اتق الله فى يابنى». # فسأل جميل بك: «وماذا كان ms062 يعمل كل هذه السنين الطويلة»؟ ~~- أوه كل شىء.. قال لى أنه لم يعش لنفسه ساعة واحدة أيام كان يشتغل بالأدب، وأن كل ما كان ~~يرى نفسه تشتهيه كان يرى أنه محروم منه. وكان مما يثقل عليه جدا أنه لا يرى نفسه يفعل إلا ~~ما يكره فهو لا يحب المجالس التى يكثر فيها الناس ولا يرتاح إلى أحاديثها ولا يغتبط بالزوار ~~ويحب أن يشعر أن بيته حصن منيع لا يقتحم، ويود ألا يجلس إلا الذين يصطفيهم من الإخوان ويأنس ~~بهم ويطمئن إليهم، ولكنه كان يجد - لسبب خارج عن إرادته بل ضد إرادته - أنه يعيش كما يعيش ~~الناس، ويفعل ما يستثقل، ويحرم ما يحب، وقد كبر فى ظنه أنه سيظل حياته هكذا. ولم يستطع أن ~~يروض نفسه على السكون إلى هذه الحياة أو أن يوطنها على احتمال هذا التقيد الذى لا يعرف ماذا ~~يفرضه عليه، وشق عليه أن يظل هكذا.. يعرف أنه حر ولا ينعم مع ذلك بحريته، فكره هذه الحرية ~~الظاهرية، ومل السخط على نفسه.. وود لو أنه مقيد حقيقة بإرادة غيره ليتسنى له على الأقل أن ~~ينحى باللائمة على هذه الإرادة الخارجية ويجعلها غرضا لذمه وطعنه. ولهذا فر من مصر والتحق ~~بشركة أجنبية للملاحة، وركب على بواخرها البحار.. وأقام فى الموانئ مندوبا لها، ثم ترك ذلك ~~وعمل وكيلا تجاريا يجوب المدن ويذرع الأرض داعيا مرغبا، ثم انقلب مدرسا للغة العربية فى ~~بلاد الأفغان حتى أقعدته الشيخوخة ولم تقعده فى الحقيقة، ولكن الناس كانوا يرون أن سنه علت ~~فهم يزهدون فيه من أجل ذلك ويؤثرون من هم أدنى منه سنا، وكان قد جمع مالا فى رحلاته الكثيرة ~~فصار ينفق من رأس ماله حتى قارب النفاد فعاد إلى مصر فدخلها ومعه نحو تسعين جنيها. قال لى - ~~وهو يضحك: إنه حدث نفسه أنه ينبغى أن يموت بعد أن تنفد، فما له رزق سواها. ولكنه كان يخرج ~~ويتردد على المكاتب التجارية، فأنس به أصحابها وأدركوا أنه عالم وأن فى وسعهم أن يستغلوه، ~~فكان يضبط ms063 لهم الكتب القديمة التى يعيدون طبعها، وساعده ذلك على إطالة عمره، فقد أغناه عن ~~الإنفاق من رأس ماله أو ما بقى منه. ومعنى ذلك عنده أن عمره طال لأنه يحسب عمره بما لديه من ~~المال، فعلى حسب كثرته أو قلته يكون ما بقى له فى الدنيا من السنين.. فهل رأيت أعجب من ~~هذا؟ # فأطرق جميل بك شيئا، ثم رفع رأسه وقال: «لا شك أن الأمر عجيب ولكن ابنه ... ألم يأخذه بعد ~~أن اهتدى إليه»؟ # فقال سعيد: «أوه.. إن الرجل شاذ كما تعرف وقد أبى كل الإباء أن يذهب إلى بيت ابنه، لأن ~~هذا خليق أن يحدث فى رأيه اضطرابا لا داعى له فى حياة ابنه. وقد أطال النظر إلى البذلة ~~الأنيقة التى يلبسها ابنه، ثم ألقى نظرة على الجلباب البسيطة الذى يرتديه هو وأشار بيده ~~المعروقة إلى الثوبين، وقال: «دعنى لشأنى، فإنه غير شأنك» ولم يزد بعد على الابتسام كلما ~~ألح عليه ابنه فى القيام معه». # فقال جميل بك: «والآن ألا نستطيع أن نصنع شيئا لهذا الرجل الذى كشفنا عنه؟ إن رجال الآثار ~~يملأون الدنيا ضوضاء كلما وقعوا على حجر قديم، أفلا ينبغى أن ننبه الناس إلى حقيقة هذا ~~الرجل الذى لا يزال حيا وإن كان محسوبا فى أهل القرون الخالية»؟ # فقال سعيد: «بالطبع نستطيع.. يمكن مثلا أن نقيم احتفالا كبيرا فى أكبر الفنادق ندعو إليه ~~رجال الأدب والعلم والصحافة وطائفة من كبار الرجال ونقدم إليهم صاحبنا.. غرابة الموضوع نفسه ~~كفيلة وحدها بنجاح الحفل». # فهز جميل بك رأسه، وقال: «لا شك.. ولكن صاحبنا لا يبالى هذا ولا فائدة له منه على كل حال، ~~وأنا أخشى إذا دعونا إلى الاكتتاب أن لا نفوز بشىء يستحق الذكر.. فنكون قد أهنا الرجل بلا ~~داع.. ثم من يدرى.. فقد يأبى هذا وذاك..». # فقال سعيد، وهو ينهض: «أقول لك.. دع هذا لى. والله الموفق». # لم يكن الأستاذ عبد القادر التميمى يبرح بيته، وكان يجلس طول النهار على سريره الضيق تحت ~~النافذة ويطل منها ولا يكاد ms064 يحول عينه عنها. ولم يكن يرى شيئا فى الحقيقة الا أشكال المبانى ~~القريبة، وذاك لضعف بصره.. ولكنه لم يكن ينظر ليرى شيئا، ولا كان يعنى بأن يرى أو أن تأخذ ~~عينه المناظر، وإنما كان يحدق كالذاهل. وكانت أسارير وجهه المتجعد تنبسط أو تعمق الأخاديد ~~التى حفرها الزمن، فيخيل إلى الناظر إليه أن هذا وقع ما يشاهده. ولكن الحقيقة كانت خلاف ذلك ~~وعلى نقيضه، فما كان يبصر شيئا وإنما كان يدير عينه فى قلبه أى فى ماضيه، فيبدو عليه السرور ~~أو الألم أو غير ذلك، كما يبدو على وجه من يشاهد قصة معروضة فى دار السينما. وكان سعيد ~~يزوره كل يوم مرة - وأحيانا مرتين - فى اليوم ويصغى إليه - أكثر الوقت، وهو يهضب ويسح ~~بذكرياته التى لا آخر لها وقال له مرة: «ما رأيك يا أستاذ.. أن خبر عودتك قد شاع وذاع بين ~~الأدباء ورجال الصحف وكلهم متلهف على رؤيتك». # فقال بإيجاز: «فليتلهفوا». فقال سعيد: «ولكنهم لابد أن يصلوا إليك فى النهاية.. كما وصلت ~~أنا.. ولا سبيل إلى صدهم». فتجهم الرجل وقال: «ولكن يجب أن يمنعوا.. إن المكان لا يليق.. ~~ما العمل.. أشر..» قال: «اسمع منى وأطعنى.. خير ما يمكن أن نصنع هو أن يروك كلهم دفعة ~~واحدة». قال: «ولكن كيف يتسنى ذلك؟ هذا مستحيل». قال: «كلا.. الضرورة تفتق الحيلة.. وقد رأى ~~المعجبون بك أن خير ما يصنع هو أن يقيموا حفلة يدعون إليها الأدباء والعلماء ورجال الصحف ~~ورجال الدولة أيضا.. فنفرغ من الأمر كله فى ساعة». قال: «ساعة؟ يا حفيظ». قال: «هذا أهون من ~~أن تظل كل يوم ساعة معرضا لحضورهم إلى هنا وإزعاجك.. فكر..». قال: «صدقت.. ولكن حفلة؟ حفلة. ~~إن هذا صعب». # قال: «لماذا.. أين الصعوبة؟ ما عليك إلا أن تحضر وتجلس معهم ساعة أو بعض ساعة ثم ننصرف ~~جميعا، وكفى الله المؤمنين القتال». # فأطرق الرجل قليلا ثم قال: «ولكنى لا أريد أن أختصر حياتى.. إنى أستطيع أن أعيش.. دعنى ~~أنظر..». # فعالجه سعيد حتى صرفه عن التفكير فيما تكلفه الحفلة ms065 من النفقات للثياب، فقد كان هذا هو ~~الذى يفكر فيه ويستثقله خوفا على عمره. # ولكن المشكل لم يحل مع ذلك، فقد كان ابنه على بك - فقد صار بيكا - عبد القادر التميمى، ~~فى حيرة شديدة من أمره من جراء عناد أبيه، فإنه - أى على بك - رجل ذو مركز ومقام فى ~~المجتمع، وقد زوج ابنته منذ عهد قريب لرجل له مركز ومقام فى المجتمع أيضا، وليس يليق أن ~~يكون أبوه - أى أبو على بك - هذا الرجل الرث الهيئة الزرى اللباس الرقيق الحال الساكن فى ~~غرفة حقيرة فى ربع عتيق أو جديد إذا أمكن أن يكون هناك ربع جديد - وقد استطاع أن يرجئ ~~لقاء بنيه ونسيبه لهذا الأب الذى جاء من حيث لم يكن يحتسب، فقد زعم لهم أن العثور عليه أو ~~الاهتداء إليه أحدث له رجة عصبية يحسن معها اتقاء إزعاجه إلى حين. ولكن الصحف بدأت تكتب ~~وتفيض، ولا سبيل إلى كبح الصحف أو صرفها عن الموضوع.. فما كل يوم يختفى أديب كانت له شهرة ~~واسعة، ثم يظهر بعد أربعين سنة. وقد حرص جميل بك وسعيد أفندى على إخفاء مسكن الرجل، ولكن ~~الصحف لا يسعها أن تصبر على ذلك.. ومن حقها أن تعرف أين يسكن أو يقيم وإلا كانت معذورة إذا ~~هى استرابت فى الأمر كله. أضف إلى ذلك أن حفلة ستقام ويشهدها مئات من الخلق. وقد كانت فكرة ~~الحفلة هى التى أعانت جميل بك على إقناع الصحف بالصبر والانتظار، وجعلت الموضوع شيقا وخليقا ~~أن يجد القراء فيه مثل لذة الأساطير. ولكن هذا لا يمكن أن يدوم ولا مفر آخر الأمر من كشف ~~الحقيقة كلها، فما العمل؟ # لهذا لجأ إلى سعيد وجميل بك ورجا منهما أن ينقذاه ويحولا دون الفضيحة التى يجزع منها ولا ~~يعرف له قدرة على احتمالها، فاتفق الثلاثة أن يحملوا الرجل - ظهر يوم الحفلة - بعد أن ~~يلبسوه بذلة إلى بيت ابنه، ومن هناك يذهبون به إلى الحفلة فى المساء. ~~••• # وجاء يوم الاحتفال، فذهب إليه سعيد بعد الظهر ومعه ثياب ms066 أراد أن يلبسه إياها.. فأبى ~~واستكبر وغضب أيضا، وقال إنه ليست به حاجة إلى ثياب ولا إلى أحد من الناس، وإنه لا يريد أن ~~يحضر هذه الحفلة أو يرى وجه إنسان، وإنه ما يعيب ثيابه على كل حال؟ أليس قد قابل بها الناس ~~فى مصر وفلسطين والشام والحجاز والأفغان والعراق وإيران.. فاذا كانت لا تكفى هؤلاء المعجبين ~~به والذين يريدون أن يحتفوا ببعثه، فإنه يحسن بسعيد أن يحمل إليهم ما جاء به من الثياب على ~~مشجب، ويقول لهم إن هذا ما يطلبون وهو كل ما يستحقون أن يروا. # ولم يقل هذه الألفاظ بعينها ولا ما يقرب منها، بل فاه بما هو أعنف. وكان صوته متهدجا ~~وكلامه متقطعا، وكانت لحيته الطويلة الكثة تضطرب وأسنانه الباقية تصطك، فلم يجد سعيد بدا ~~من السكوت والكف عن الإلحاح عليه بعد أن وضحت له قلة جدواه، وسأل الله فى سره الستر ~~والسلامة فى هذه الليلة. # وخرجا من الغرفة.. سعيد فى ثيابه الإفرنجية التى يلبسها الأفندية من أمثاله، والأستاذ ~~التميمى فى جلباب فضفاض وجبة قديمة وحذاء أصفر صارت الرقع فيه أكثر من الأصل فكأنه مركوب ~~أبى القاسم، وطربوش مصرى سوى أنه طرى وعليه لغة كانت فى الأصل مزركشة فأصبحت ألوانها حائلة ~~باهتة. # وكان سعيد قد جاء فى مركبة وتركها تنتظر فى الطريق أمام الباب، فأحاط بها غلمان الحارة.. ~~هذا ينط على السلم وذاك يعبث بالغطاء ويطويه وينشره ويكرر ذلك مرات، والسائق يصيح بهم أن ~~يكفوا ويلعن الساعة التى دخل فيها هذه الحارة، ويقرقع بسوطه ليزجرهم ويخيفهم فينفضون ~~متضاحكين ثم يعودون إلى غيهم حتى كاد عقل السائق يطير. فلما ركب الرجلان راح الغلمان ~~يجرون وراء المركبة ويتعلقون بها من خلفها ويصيحون، والسائق يلوح لهم بالسوط ويضرب به ظهر ~~الغطاء حتى خرج إلى الطريق العام. # ولا نطيل.. ولا نحاول أن نصف لقاء الرجل بأحفاده، فقد خاب أمل الأسرة كلها حين رآه ~~أعضاؤها وأخذت عيونهم الفاحصة قدم الثياب ورثاثتها. وكان ابنه أعظمهم خيبة أمل وأشدهم قلقا ~~واضطرابا، ولا سيما ms067 حين عرف إصرار أبيه على هذه الثياب الوضيعة المخجلة حتى لقد أشفق عليه ~~سعيد أفندى أن يفلج، فراح يحاور الأستاذ التميمى ويداوره مرة أخرى عسى أن يهديه الله.. ولكن ~~الرجل كان جبلا لا يتزعزع، ولما قال: «أنا كما أنا.. فمن كان يقبلنى على علاتى فأهلا به، ~~وإلا فإنى أرجع إلى غرفتى.. فما طلبت أن أجىء ولا أردت أن يعرف ابنى أو سواه أنى على قيد ~~الحياة»، عندئذ أمسك سعيد أفندى وأقصر. # وكانت الحفلة فى فندق من أكبر فنادق المدينة وفى أوسع قاعاتها، وقد دعى إليها - أو على ~~الأصح اشترك فيها - نحو مائتين من رجال الأدب والعلم والصحافة والحكم والوجاهة. وكان أكثرهم ~~قد بكر وجاء قبل الموعد.. وجاء غير المدعوين - أو المشتركين - كثيرون، وقفوا بحيث يرون ~~الداخلين، واحتشد جمهور غفير على الرصيف ليروا هذا الأديب الذى بعث بعد أربعين سنة، والذى ~~دأبت الصحف عدة أيام متوالية على الكتابة عنه. واستعد المصورون لاستقباله وتصويره فى القاعة ~~الكبرى بآلاتهم ومصابيحهم القوية. # ثم أقبل أحد الشبان يعدو، وقال: «جاء الأستاذ»، فساد السكون وانقطع حتى الهمس وتعلقت ~~الأنفاس واشرأبت الأعناق، واتجهت العيون إلى الباب لرؤية هذا الذى كأنما قام من القبر. ودخل ~~الأستاذ فى الثياب التى أبى سواها، وقد أخذ بذراعيه جميل بك وسعيد أفندى، وأقبل ابنه ~~وراءهم. ولكن الناس لم يعيروا الابن أدنى التفات وإنما كانت عيونهم على هذا الرجل الهرم ذى ~~الثياب العتيقة واللحية البيضاء والجبين المقطب والعين الثابتة اللماعة وإن كانت لا ترى ~~إلا قليلا. وكان قد ثقل عليه ما رأى من ابنه، فآلى ليرجعن إلى غرفته. وعرض جميل بك المدعوين ~~على الأستاذ بأسمائهم، فصافحوه واحدا بعد واحد حتى كاد ينخلع ذراعه وإن كانوا جميعا قد ~~ترفقوا به وحرصوا على الاكتفاء بلمس راحته. ولم يبد عليهم ما خشيه ابنه من الاشمئزاز أو ~~الاستخفاف، حين تقع عيونهم على ما هو فيه من الهلاهيل. # وأديرت ألوان الطعام، فكان الأستاذ يسأل عما يعرض عليه، ما اسمه؟ وكيف يصنع؟ ولا يتناول ~~إلا بقدر. وكان المدعوون فى ms068 أول الأمر يحدجونه بعيونهم، ولكنهم ما لبثوا أن انصرفوا إلى ~~الطعام والحديث. ولكل شىء آخر - انتهى الأكل وبدأت الخطب والقصائد والأستاذ مطرق كأنه يصغى، ~~وكان يهز رأسه من حين إلى حين كمن سره شىء - أو ما يسمع. # وانتهى هذا أيضا على طوله، فهمس جميل بك فى أذن الأستاذ: «ألا تحب أن تتفضل بكلمة ترد بها ~~عليهم»؟ # فقال الأستاذ مستغربا: «أنا؟.. أقول كلمة؟.. أرد على ماذا؟ الحقيقة أنى لم أكن مصغيا.. لم ~~أكن مصغيا.. لم يكن بالى إليهم». # فذعر جميل بك - فما كان يتوقع هذا - وقال: «ولكن يا أستاذ. لابد من كلمة.. لا نستطيع أن ~~نقول لهم إنك لم تكن مصغيا إلى كلامهم.. أرجو يا أستاذ.. كلمة شكر قصيرة.. القليل منك ~~كثير». # فهز الأستاذ كتفيه، وقال: «إن هذا غريب! لقد كنت أفكر فى ليلة قضيتها فى كهف..». # فقال جميل بك مقاطعا: «فيما بعد الحفلة نسمع ماكنت تفكر فيه.. لابد أنه كان شيئا غريبا.. ~~ولكن الآن.. أرجو يا أستاذ». # فالتفت إليه، وقال: «ماذا قلت إنهم كانوا يقولون؟ إنى لم أكن مصغيا». # فقال جميل بك: «كانوا يثنون عليك ويمدحونك ويذكرون كتبك العديدة ويصفون ما فيها.. كلام ~~كثير يصعب أن ألخصه لك الآن. أنا أيضا قلت كلمة ولكنك لم تسمع مع الأسف.. نهايته.. لابد من ~~الرد، فاصنع معروفا». # وكان سعيد - حلال المعضلات - قد أدرك وهو فى مكانه أن فى الأمر شيئا، فخف إلى جميل.. فلما ~~عرف المسألة انحنى على الأستاذ، وهمس فى أذنه: «إن هؤلاء الناس خليقون أن يتوهموا أننا ~~ضحكنا عليهم أو أننا مخدوعون، وأنك لست الأستاذ التميمى وأنما أنت رجل غيره ينتحل اسمه، فقم ~~قل كلمة وإلا ...» ولم يتمها فقد نهض الأستاذ معبسا، ورفع رأسه كأنما يحاول أن يقيم ما قوسه ~~الزمن، وكانت لحيته تضطرب، وشفته تختلج، وكفاه لا تثبتان على المائدة التى وقف معتمدا ~~عليها، وظل هكذا نحو دقيقة كان من الواضح فى أثنائها أنه يعالج نفسه ليردها إلى السكون، ~~ويحاول أن يضبط أعصابه ويفىء بها إلى الاتزان ثم فتح فمه، ms069 وقال بصوت خافت: «أيها السادة» ~~وسكت شيئا وثبت حملاقه فكأنه تمثال نصب فى مكانه، ثم ابتسم فجأة وبدأ يتكلم بلا توقف. ولم ~~يشكرهم كما رجا منه جميل بك، بل قال لهم فى صراحة سرت فريقا وساءت آخرين، إنه وجد بالتجربة ~~الطويلة أن من العسير أن يهرب المرء فى هذه الدنيا من الناس - ومن الأدب والأدباء وعشاق ~~الأدب على الخصوص - المخلصين والمتكلفين والذين يظلون يوحون إلى نفوسهم أنهم يحبون الأدب ~~حتى يؤمنوا بذلك. كلا، لا سبيل إلى الهرب.. وطالب الفرار لابد له من الجرى الطويل والذهاب ~~إلى أبعد مما كانت الحاجة تدعو إليه قبل نصف قرن. وهو يتكلم عن خبرة فيجب أن يصدقوه، بل إن ~~وجوده الليلة بينهم دليل مادى على تعذر الهرب فى هذا الزمان الذى امتد به العمر إليه. وكيف ~~يهرب الإنسان؟ إلى أى مكان يذهب وكل مكان فيه ناس؟ وقد صار الناس أكثر والاتصال بينهم أسرع ~~وأسهل.. ومن أى مكان يهرب؟ إن الهرب الصحيح مستحيل.. وقد يستطيع المرء أن يعيش فى الصين، ~~ولكنه لا يستطيع أن ينكر أو ينسى أن القاهرة والإسكندرية ودمشق والقدس موجودة. والهرب من ~~الزمان أصعب. نعم، يتوهم المرء أنه يعيش لا فى الحاضر بل فى المستقبل وللمستقبل، ويروح يعزى ~~نفسه عما هو كائن بما يزعم أنه سيكون، ويذهب يعمل ليقلب الدنيا ويجعلها كما ينبغى أن تكون، ~~«إنى أؤكد لكم أنى أعرف هذا. فقد فعلته - أعنى توهمته - وعشت فى سكرة طويلة ونشوة مستمرة ~~وحلم دائم بما سيكون». # وقال لهم إن هذا كله عبث فى عبث، وأكد لهم أنه لا مسوغ على الإطلاق لأن يفترض الإنسان أن ~~للجنس الإنسانى مستقبلا.. هذا أولا. وثانيا أن ما نسعى له ونلح فى طلبه أو تمنيه، قد يكون ~~مستحيل التحقيق. وهب أن تحقيقه ميسور، فقد يتبين أنه ليس مما يسيغه أو يرتاح اليه أو يرضى ~~به الجنس الإنسانى. وسألهم هل هم يعتقدون أن الإنسان ينشد السعادة؟ ولو كانت السعادة ~~الدائمة الخالدة التى لا تزول ولا تتغير ممكنة، ألا يستفظعها الإنسان ms070 ويفرق من تحقيقها؟ على ~~أن التفكير فى المستقبل والسعى له لا يمنعان أن الحاضر موجود وأنه مؤثر بوجوده.. وهناك مهرب ~~آخر إذ يتعلق المرء بالمثل العليا وصور الكمال، ولكن اللجوء إلى الخيال لا ينفى الحقائق ~~المحيطة بالإنسان. وانتهى إلى أن المهرب الوحيد الصحيح لا يكون فى الحياة وهذا لا يعد ~~مهربا، لأن المرء لا يشعر به ولا ينعم بإدراكه أنه استطاع الهرب.. ولو كان هذا مهربا حقيقيا ~~للجأ إليه! وابتسم وقال إنه يرجو أن لا يلجئوه إلى هذا الذى ليس مهربا.. # واستطرد بطريقة ما إلى كتبه وما يلقى التكريم من أجله، فقال إنه واثق أن أكثر الموجودين ~~لم يسمعوا باسمه، ولم يكونوا يعلمون أن له كتبا، وأن الذين قرأوها فهموا منها غير ما أراده، ~~وقد يكون هذا عيبه هو كما قد يكون عيبهم هم، ولكنه الواقع على كل حال. والمجتمع لا ينتظم ~~أمره إلا بالمجاملة وهى شىء حسن فى ذاته، ولكنه هو فرغ من ذلك كله وأخرجته سنه من المجتمع ~~وأعفته من ضروراته. وهو ليس من هذا الزمن، فيحسن أن يرتد ويتراجع إلى ما أخرجوه منه لأنه ~~ليس إلا قطعة متخلفة من زمن سابق، ولا شك أنهم أدركوا غلطتهم حين خرجوا به إلى ~~زمانهم. # وظل يهضب على هذا النحو الذى لم يكن منتظرا ولا كان فى حساب أحد. وطال الأمر فمل الناس ~~وأحس هو الهمس.. فلم يترفق بالذين ضجروا كأنما أراد أن ينتقم لنفسه أو أن يبغضها إليهم ~~فيتركوه بعد ذلك فى سلام. ولم يطق البعض المقام أو طوله، فتسلل خارجا وتبعه غيره وغيره حتى ~~لم يبق إلا ما دون النصف. # ولكل شىء آخر.. عاد الأستاذ إلى غرفته لا إلى بيت ابنه واستلقى على فراشه بثيابه، فقد ~~أضناه الكلام والوقوف أكثر من ساعة ونصف ساعة. # وفى الصباح جمع ثيابه وأشياءه، وانتقل إلى ربع آخر. # وجاء سعيد بصحف الصباح وفيها وصف الحفلة التى ظلت أياما تدعو لها وتروج، وفى صدر أكثرها ~~خطبته التى عنى سعيد بتدوينها. # فلم يجد الأستاذ، وأعياه أن ms071 يعرف أين ذهب.. فأسرع إلى ابنه على بك يخبره ويسأله ما العمل، ~~فقال على بك وهو يرسل الدخان فى الهواء: «أظن أن الواجب أن نحترم إرادته ونعفيه من الإثقال ~~عليه». # فمضى عنه سعيد وهو يهز رأسه ويفكر فى على بك، أكثر مما يفكر فيمن عاد فاختفى. # الفصل التاسع # | النسيان # - إنك قاس.. ~~- أنا؟ يا خبر أسود! وهل فى هذه الدنيا الطويلة العريضة من هو أرق منى قلبا؟ ~~- ولكنه أبى.. أنا أتألم. ~~- أعرف أنه أبوك.. وأعرف أيضا أنه نادر، وأنه منقطع القرين.. أيكفى هذا الثناء أم تريدين ~~الزيادة؟ يكفى؟ حسن.. ولكن ذهوله يضحك الثكلى، فماذا أصنع؟.. ما حيلتى؟ # فقالت الفتاة بلهجة مبطنة بالعتاب: «ولكن هل من الضرورى أن تقلده؟ إن هذا هو الذى يسوءني ~~منك». # فقلت: «فكرى يا فتاتى.. قولى لى كيف يمكن أن أقص عليك الحكاية وأصف لك ما حدث بغير ذلك.. ~~إنى لا أريد تقليده، ولكن الصدق فى الرواية والفن فى عرضها يتطلبان ذلك.. بل يجىء منى ~~التقليد عفوا وعلى غير عمد» فاقتنعت أو هى لم تقتنع، ولكنى كنت قبل أن يدور هذا الحوار، قد ~~شرعت أقص عليها حادثة جديدة من حوادثه التى لا آخر لها.. فلما احتجت إلى تقليده فى بعض ~~مواقفها ضحكت، ثم انقلبت تعاتب وتستهجن التقليد وتعيب المحاكاة. وهذا بعض ما يحيرنى من ~~المرأة، فقد كان ضحكها وعتابها فى وقت معا، وكانت تضحك وتشير إلى بيدها منكرة ماترى وتسمع ~~منى. # وقد عرفتها من أبيها، وبفضل ذهوله العجيب. وكانت تخرج معه لتقيه عواقب ما يقع منه. فكأنها ~~وهى ترافقه وتروح وتجىء معه، ذاكرته الذاهبة. واتفق يوما أن نسيها - نعم نسيها - وخرج وحده، ~~واهتدى - لا يدرى أحد كيف؟ - إلى ناد لم أكن أعرف أن مثله موجود فى بلادنا، فإن حياة ~~الأندية طارئة وعهدنا بها حديث جدا. وكنت قد دعيت فى تلك الليلة إلى زيارة هذا النادى، ~~وقضاء بعض الوقت فيه.. وكان الذى دعانى يرجو أن أنضم إليه ويحثنى على ذلك ويزينه لى، وأنا ~~أتأبى وأبين له أن حياة الأندية ms072 فى مصر جافة ثقيلة، وأنها قلما تكون إلا حياة مقامرة أو ما ~~أشبه ذلك، فيضحك منى وينفى ذلك ويقول: «تعال انظر بعينك ثم احكم» فذهبت وكان أول من لقينا ~~هذا الشيخ ولم أكن أحتاج إلى من يعرفنى به، فإنه صديق قديم.. فأقبلت عليه وجلست معه فصفق، ~~فلما جاء الخادم نظر إليه مستغربا ثم إلى أنا مستفهما. فقال الخادم، وكان يعرف ذهوله: «هل ~~تريد شيئا يا بك»؟ # فقال البك: «أ.. أ.. أريد.. أريد.. ماذا أريد»؟ # فكتمت الضحك، وقال الخادم: «لقد دعوتنى يا سيدى فهل أجىء لك بقدح من الويسكى»؟ فنسينى ~~وقال: «أ.. أ.. نعم.. نعم.. أ.. نعم نعم نعم..». # وذهب الخادم وعدنا إلى الحديث الذى لا يكون معه إلا محاورات ولفا من هنا وهاهنا، بسبب هذا ~~الذهول الذى أصيب به. فقال بعد كلمات: «ولكنى أهملك.. إن هذا لا يليق.. اعذرنى.. لقد نسيت ~~أن أدعو الخادم». # وصفق مرة أخرى، فلما جاء الخادم لم أقل شيئا انتظارا لما يكون منه، فقال له: «أ.. يا ~~خليل.. هل طلبت منك شيئا»؟ # فقال الخادم: «نعم.. قدحا من الويسكى». # فسأله: «هل جئت به؟ أعنى..». # قال: «لا يابك.. سأجىء به حالا». # ومضى عنا فصفقت أنا وطلبت ما طاب لى، فمال على الخادم وهمس فى أذنى: «إذا سمحت لى يابك ~~فإن اسمى عبده، ولكن البك ينسانى ويطلق على كل يوم اسما جديدا». # وسألنى الشيخ المسكين بعد أن ذهب الخادم: «ماذا يريد هذا الرجل»؟ قلت: «لا شىء.. كان يقول ~~إن اسمه عبده لا خليل». قال: «من هو»؟ # قلت: «الخادم». قال: «ماله؟». قلت: «اسمه عبده». قال: «عبده؟». قلت: «نعم». قال: «من عبده ~~هذا؟». قلت: «الخادم». # وأحسست أنه سيعود فيسألنى: «ماله»؟ وكان الويسكى قد أقبل به الرجل فقلت له: «آه.. هذه ~~كأسك.. ومعها كأسى أيضا». # فنظر إلى كأنه لا يفهم ما أقول وسكت أنا، فما أدرى ماذا يدور فى نفسه. وطال الأمر، فشعرت ~~بالضيق.. فليس مما يخف محمله على النفس أن ترى غيرك يحدق فى وجهك ولا يطرف. فنظرت إليه ~~مستغربا، ولكنه ms073 كان كأنه لا يرانى وخيل إلى أنى فى طريق نظرته، فتزحزحت عن مكانى إلى الوراء ~~قليلا وبقى هو ثابت الحملقة لا يشعر بى ولا بحركتى، فحولت وجهى إلى حيث ينظر فلم أر شيئا - ~~أعنى أنى لم أر ما يستوجب هذا التحديق كله - فتركته لشأنه حتى يثوب إلى ويمل طول ~~النظر. # وبعد هنيهة، قال - وكأنه يحدث نفسه: «لم أر فى حياتى إنسانا يأكل هكذا». # فدهشت وقلت: «إيه؟ كيف»؟ # فأهمل سؤالى - أو لعله لم يسمعه - وسألنى هو: «هل تقضم اللقمة وتبلعها بلا مضغ»؟ # فزادت دهشتى، وقلت: «كلا بالطبع.. من قال لك أنى أصنع ذلك»؟ # قال: «خفت أن تكون ممن يفعلون ذلك.. ليس أضر على المعدة منه..». # فسكت، فقد استطردنا إلى حديث لم يكن لى فى حساب، فعاد يقول: «كلا.. لا تفعل.. ~~احذر..». # فقلت، وقد مللت: «ما الذى يجرى ببالك هذا السؤال»؟ قال: «إيه؟.. أى سؤال»؟ قلت: «المضغ ~~والبلع، ولا أدرى ماذا أيضا». قال: «ألا تمضغ طعامك»؟ قلت: «بالطبع أمضغه.. لماذا ~~تسأل»؟ # قال: «خفت ألا تكون تمضغه.. لقد كان الطبيب يوصينى أن أمضغ اللقمة اثنتين وثلاثين مرة أو ~~ثلاثا وثلاثين لا أدرى.. الزيادة احتياط ينفع ولا يضر.. هل تفعل ذلك»؟ # فقلت لنفسى: إن النسيان فى ذاته وبمجرده ثقيل وبلاء عظيم، ولكنه يكون أعظم وأثقل إذا ألح ~~على المصاب به خاطر واحد يحوم حوله العقل ولا يقع ولا يستقر، فأردت أن أصرفه عن ذلك، فسألته ~~هل له فى كأس ثانية من الويسكى، وحدثت نفسى وأنا أسأله إن رؤيته مخمورا لا يكاد يعى ما يقول ~~أفضل وأشبه بما ينبغى، وأقل استدعاء للعجب والاستغراب من تخليطه وهو مفيق صاح. ولكنه رد على ~~سؤالى بسؤال أذهلنى، فقد قال مستغربا: «وهل شربت ويسكى»؟ ووجه العجب فى كلامه أنه لم يشعر ~~بالتأثير المألوف للخمر، فكأنه لا يسكر لأنه ينسى أنه شرب شيئا. ويظهر أن نسيانه هذا يعفيه ~~من تأثير الخمر وينجيه من إسكارها، وصار السؤال الذى يحيرنى هو: «إذا كانت الخمر لا تؤثر فى ~~نفسه أو جسمه أو عقله، ms074 فلماذا يشربها»؟ # وبدا لى أن خير ما أصنع هو أن أعود به إلى بيته، فاقترحت ذلك فوافق ونهضنا. وحملته فى ~~السيارة إلى هناك.. ولم يكن ينسى أين يسكن، ولكن الموقع كان يغيب عنه أحيانا وتخونه ذاكرته ~~فيقف حائرا لا يدرى ماذا يصنع حتى يتذكر أو يلقى من يعرف البيت فيسأله ويدله عليه أو يمضى ~~به إليه. # وكانت بنته فى النافذة تنتظر أوبته وهى قلقة خائفة عليه.. فأسرعت إلى الباب تفتحه، وكانت ~~ذكية فلم تعاتبه. وما جدوى عتاب من لا يتذكر شيئا؟ ودخل غرفته ونسينى مع فتاته. # وقالت لى: «ماذا حدث؟.. لا تدعنى معلقة.. طمئنى» قلت: «كل خير..» وشرعت أصف لها ما وقع ~~منه وأقلده وهو ينظر إلى الرجل الأكول المبطان الذى يعظم اللقم ويبلعها بلا مضغ، وقلت لها ~~بعد ذلك: «إنى أحسد أباك فما أشك فى أنه قد نسى كل ما يجب أن ينساه المرء من متاعب الحياة ~~ومنغصاتها لو كان إلى هذا سبيل غير الذهول». # قالت: «إنى أخشى أن ينسى اسمه فلا يعود يعرف من هو، ألا تكون هذه مصيبة»؟ قلت: «يا فتاتى ~~إنه ليس أحمق ولا أقل عقلا ممن يحمل هم المصيبة قبل نزولها.. دعى هذا إلى أوانه وعسى ألا ~~يجىء. ومع ذلك هل أنت واثقة أنه يعرف اسمه؟ من يدرى؟ أمن أجل أنا لا نسأله عنه يكون عارفا»؟ ~~قالت: «لا تفزعنى». قلت: «إنما أردت أن أبين لك أن ما تخافين، لو وقع لما كان شرا فى ~~الحقيقة أو أدهى مما هو حاصل الآن، فلا تزعجى نفسك بلا موجب. وعسى ألا يكون إلا كل خير.. ~~والآن فلنتكلم عن شىء آخر.. شىء أحلى من أبيك وإن كان يكفيه من الحلاوة أنه كان له هذا ~~الفضل العظيم على الدنيا التى تجملينها يا فتاتى». # فقالت وهى تضحك: «إنك لا تعرف إلا موضوعين حين تكون معى ... أنا وأبى». قلت: «وأنا.. أليس ~~لى حساب عندك؟ ألا أصلح أن أكون موضوعا ثالثا معكما؟». قالت: «بالطبع.. ولكنك لست شيئا ~~ثالثا.. موضوعك هو موضوعنا، فهما يبقيان ms075 اثنين ليس إلا». # قلت بابتسامة أردت أن يكون لها معناها: «صحيح؟ بالذمة»؟ قالت: «يا خبيث ليس هذا ما أعنى». ~~قلت: «هذا الذى لا تعنينه، ما هو»؟ قالت: «طيب اسكت بقى». قلت: «سكتنا يا ستى» ومددت يدى ~~إلى كفها الرخص وأطبقت عليه أصابعى الخشنة، فتركتنى هنيهة ثم سحبت كفها فنظرت إليها فقالت: ~~«أو لا تسكت»؟ # فلم أتكلم وأشرت إلى فمى المطبق فضحكت، فهززت رأسى موافقا وأنا أبتسم، فعادت إلى الضحك، ~~فعدت إلى إشارات الاستحسان والرضى. وتكرر هذا مرات، فصاحت بى: «ألا تنطق؟.. أين لسانك»؟. ~~فقلت وأنا أنظر إلى السماء - أعنى إلى السقف فقد كان يحجب السماء: «حرت والله معك.. أسكت ~~طوعا لأمرك فلا يرضيك الصمت. وأتكلم امتثالا لمشيئتك فلا يروقك الكلام فماذا أصنع بالله؟.. ~~كونى منصفة». # فضحكت، فقلت: «عندى اقتراح». قالت: «ما هو»؟ قلت: «هناك ما هو أبلغ من كل كلام وأحسن من ~~الصمت أيضا وإن كان مما يحوج إليه ولا يتيسر الكلام معه». # فزوت ما بين عينيها، وقالت: «ما هذا»؟ # قلت: «هل أفهم من تقطيبك أنك غير موافقة سلفا»؟ قالت: «لست مقطبة، ولكنى أفكر». قلت: ~~«لماذا تتعبين هذا الرأس الصغير بالتفكير؟ دعيه مرتاحا وتعالى نعمل بالاقتراح أولا، ثم نفكر ~~بعد ذلك فى جماله وما أفدناه من السرور به». قالت: «ولكن ما هو؟ ألا تقول لى أولا». قلت: ~~«هو ذا» وملت عليها فلثمت فمها ورفعت عينى، فإذا أبوها واقف فى مدخل الباب، فتنحنحت ونهضت ~~وقلت: «لقد كان بيننا رهان.. هى تقول إنك نسيتنى، وأنا أقول إنك لم تنس.. فهل نسيت»؟ # فشغله الأمر الجديد عما سبقه، وأنساه ما رآه، وبدا عليه أنه لا يعرف أو على الأصح لا ~~يذكر، هل نسينى أو لم ينسنى. وشعرت الفتاة أن الجو صفا وأن الأزمة انفرجت، فنهضت إليه ~~وعانقته وقالت: «بالطبع نسيت.. أعترف بالحق». # فعادت ذاكرته تحاوره، وسألها: «الحق؟.. أى حق»؟ قالت: «إنك نسيت». قال: «نسيت.. نسيت ~~ماذا»؟ فقلت لنفسى: إنك رأيتنى أقبل فتاتك يا مسكين. # ولقيت الفتاة بعد ذلك مرة، فقالت لى: «هل تعرف أنه ms076 يخيل إليه أنه رآنى أقبل رجلا أو أن ~~رجلا يقبلنى، ولكن هذا يطوف برأسه كالحلم.. بل هو فيما يعتقد حلم». # فسألتها: قلت: «ماذا قلت له»؟ قالت: «قبلته فقط وماذا تريد أن تقول له»؟ «وأنا.. أليس لى ~~شىء؟ أزعمينى كأبيك أو عمك وقبلينى.. أم يجب أن أرسل لحيتى أولا»؟ # فصاحت بى: «احذر». # قلت: «أذن هاتيها.. حلوة طويلة». # الفصل العاشر # | فتاة الحارة # كنا غلامين صغيرين وجارين صديقين، وكنت أنا أسن منه قليلا.. ولكن الفرق كان فرق شهور لا ~~تقدم ولا تؤخر، لا فرق سنوات تباعد بين الناس. وكان الوقت صيفا والمدارس مغلقة، فلا عمل ~~أكثر الوقت إلا اللعب فى الشارع. وكان يفصل بيتينا بيت صغير لأرملة وبنتيها، وإحداهما فى ~~مثل سننا والأخرى أكبر بسنوات وأضخم جسما، وكنت أسميها فيما بينى وبين صديقى «السقاء» لأن ~~ثدييها كانا - فيما يبدو لى - كالقربتين. ولم أكن أرتاح إليها، ولكن أختها الصغيرة كانت ~~أثيرة عندى وحبيبة إلى ... فكنت لهذا أصانعها، ولكن صدرى كان يضيق بها أحيانا فأغضبها وأمرى ~~إلى الله. وكنت إذا زجرنى أهلى عن اللعب فى الشارع، وملوا ترقيع الثياب التى ألبسها فى ~~الصباح نظيفة سليمة فلا يجىء العصر إلا وهى ممزقة وعليها طوائف شتى من الأوحال والأقذار.. ~~أقول كنت إذا نهيت عن الشارع، أصعد إلى السطح وأتدلى منه إلى سطح الفتاة وأصفر لجارى ~~فيوافينا، وننحدر جميعا إلى غرفة من غرف البيت أو إلى فنائه - وكان رحيبا - فنلعب ما حلا ~~لنا اللعب حتى إذا أمسى الليل تفرقنا إلى بيوتنا. # واتفق يوما أن كانت الفتاة معى فى ساحة الدار، وكنت قد تخلفت بعد ذهاب صديقى وصعود الأخت ~~الضخمة - أو «السقاء» كما كنت أسميها - وكان باب البيت مواربا، فطوقتها - أعنى البنت ~~الصغيرة لا السقاء - بذراعى وقبلتها، وكانت فيما أحس تلين لى فى العناق، ولكنها عبست فجأة ~~وتفلتت منى ودفعت ذراعى عنها بعنف، وذهبت تعدو إلى السلم.. فتعلقت بأذيالها، ولكنها شدت ~~الثوب أو على الأصح ضربته بيدها، فطار من يدى وصعدت بسرعة، وتركتنى واقفا أنظر ~~وأتعجب. # وفى صباح اليوم ms077 التالى، قالت لى أمى فجأة ونحن على الطعام: «هل أنت بنت»؟ فصحت مستغربا ~~منكرا: «بنت»؟ فقالت: «نعم، لماذا تلاعب البنات ولا تلاعب الأولاد من أمثالك»؟ # فأطرقت استحياء وقد أدركت أنها تأخذ على شيئا وتستهجن مصاحبتى لهذه الفتاة، ولم يخطر على ~~بالى أن فى الأمر أكثر من هذا. وحان الظهر وجاء معه رجل تركى الأصل عتيق من أصدقاء أخى ~~الأكبر - وكان يلازمه من الظهر إلى نصف الليل - وكان شعره أبيض ووجهه مغضنا، كما تبدو ~~المدينة للمشرف عليها من قمة جبل شامخ، فصاح بى وأنا خارج: «تعال يا سيدى ... تعال». فوقفت ~~مستغربا لهجته، وقلت: «نعم». فقال: «جارتك هذه، يظهر أنها تعجبك». # فغضبت وتألمت ولكنى تجلدت، فقد كان إذا اعتبرنا السن يعد جدا أعلى لى، وقلت: ~~«نعم». # فضحك وتفل وفتل شاربيه الكثيفين، ثم قال: «لقد رأيتك البارحة تحضنها». فصحت به: «إيه»؟ ~~فأشار إلى بيده المتجعدة المعروقة: «لا تغضب.. كلنا كنا صغارا.. ولكن يا ابنى..». # فلم أدعه يتمها وانصرفت عنه، وأنا أغلى من الغيظ والنقمة على هذا الطفيلى الوقح الذى لا ~~شك أنه روى لأخى ما رأى منى، فلم يسع أخى إلا أن ينبه أمى.. فقد كان غير شفيق، وكان يؤثر أن ~~يدع أمر تربيتى لأمى. # وخرجت إلى الشارع أنفخ ولا أكلم أحدا حتى ولا صديقى الأثير، وكان يرى ما عرانى فيلح على ~~أن أفضى إليه بالأمر فلا أجد لسانى قادرا على الدوران. وانقطعت عن الفتاة أياما كان صديقى ~~فى خلالها حائرا بينى وبين صاحبته، يعز عليه ألا يكون إلى جانبى وهو يرانى مهموما مكروبا لا ~~أتسلى ولا أقول بشجوى وألمى، ويكون معى فيمل صمتى الذى لا أخرج عنه، وتصبو نفسه إلى مجالسة ~~السقاء وأخيرا نفد صبره، فقال لى يوما: «اسمع.. تعال معى إلى فوق». # وكان يعنى «بفوق» منزل الجارة، فنظرت إليه مستغربا كأنما كان عليه أن يعرف كل ما كتمت عنه ~~فقال: «تعال.. قم.. قم». # فانحلت العقدة وانطلق لسانى، وقلت له: «ماذا يعجبك فى هذه الفتاة»؟ فتلعثم وأخذ يتنحنح، ~~ولم يزد على أن ms078 سأل: «إيه»؟ قلت: «أو ماذا يعجبها فيك»؟ # فرمانى بنظرة عتب ثم ابتسم ولم يقل شيئا، وخيل إلى أنه لو كان له شاربان لفتلهما، ثم قال ~~ببساطة: «الحقيقة أنى أحبها و و و وهى أيضا تحبنى». فوثبت إلى قدمى من فرط الدهشة، وتناولت ~~كتفيه فهززتهما وصحت: «ماذا تقول؟.. أعد هذا». # قال: «ماذا جرى لك؟ ألم تسمع؟ أحبها وتحبنى.. شىء بسيط جدا». ونحى يدى عن كتفيه. # وثابت إلى نفسى، فأطرقت قليلا ثم سألته: «كيف حدث هذا»؟ فقال: «لا أدرى كيف حدث؟ ولكنى ~~أول من أمس سلمت عليها وجلست بجانبها ثم ملت عليها فقبلتها». # فسألته وأنا فى دهشة: «قبلتها؟.. هل تعنى أنك قبلتها»؟ # فضحك وقال: «بالطبع أعنى أنى قبلتها.. ماذا تظننى أعنى غير ذلك»؟ فسألته: «ولم يسؤها ذلك؟ ~~لم تغضب ولم تذهب عنك ساخطة»؟ فقال مستغربا: «تغضب؟ لماذا تغضب؟ أما أنك لغريب». فقلت وأنا ~~مطرق: «غريب»! فقال: «غريب؟ ما هو الغريب»؟ قلت: «أعنى أنى أعرف واحدا قبل فتاة فسخطت عليه ~~وولت منه هاربة». فقال ببساطة: «لابد أن يكون له وجه قرد».. وضحك. # وتركته وعدت إلى البيت، فكان أول ما صنعت أن نظرت فى المرآة وتأملت وجهى كما يبدو فى ~~صقالها، ثم درت حول نفسى وعينى على جانبى وجهى ثم تنهدت وأقصرت. ~~••• # وكان للفتاة - فتاتى أنا لا السقاء - قطة صغيرة عزيزة عليها، فاتفق أن مر كلب ضال، وكانت ~~هى - أعنى القطة لا الفتاة - واقفة على العتبة، فدنا منها الكلب وهى غافلة، ولعلها كانت ~~مغفية، فأحست أنفاسه وهو يشمها، ففتحت عينيها وهى تتثاءب وانتفضت مذعورة.. وثبت وثبة، قطعت ~~بها عرض الشارع، ولم يكف هذا لإطمئنانها، فدخلت من باب ألفته مفتوحا، وكان فى ساحة البيت ~~شجرة «جميز» فانطلقت تتسلقها، ولم تزل تصعد فيها حتى صارت على أعلى فرع فيها. وكانت الفتاة ~~قد بصرت بالقطة وهى تعدو مذعورة، وتدخل البيت المقابل لبيتها.. فانحدرت مسرعة ودخلت وراءها ~~ونظرت فلم تجد شيئا، فارتدت إلى الباب وقد أغرورقت عيناها بالدموع. وأقبل صديقى فى هذه ~~اللحظة فسألها عما بها، فقالت له ms079 إن الكلب أفزع القطة فهربت لا تدرى إلى أين وهى تخشى أن ~~يأخذها الجيران. # فركل صديقى الكلب - أعنى أن صديقى ركل الكلب، والمعنى واضح فى الحقيقة ولكنى أوثر هذا ~~الايضاح اتقاء لكل غلط - ودخل مع الفتاة البيت ووقفا وأرهفا آذانهما، فسمعا مواء خافتا ~~فتلفتا ، ثم عرفا أن القطة على الشجرة فجعلا ينظران من هنا ومن ههنا ويميلان رأسيهما إلى ~~اليمين والشمال حتى رأياها، وجعلت الفتاة تدعوها بأصوات مختلفة أن تنزل والقطة تأبى أن ~~تطمئن وتخشى إغراء الأصوات المهيبة بها أن تنزل، فتصعد حتى بلغت القمة فدعت الفتاة صديقى أن ~~يتسلق الشجرة ليجيئها بالقطة، فهز رأسه وقال لها: «حرام عليك.. هل تريدين أن أقع فأموت»؟ ~~فتوسلت إليه فلم يلن، وقال إن القطة لا تلبث متى هدأ روعها أن تنحدر من تلقاء نفسها. وكان ~~هذا صحيحا فما يمكن أن تظل القطة على الشجرة طول عمرها، ولكن قلب الفتاة أبى أن يطمئن فخرجت ~~باكية ورأيتها أنا فانطلقت أعدو إليها، وقد أحسست أن قلبى يتفطر، وسألتها ماذا يبكيها.. ~~فقصت على الحكاية، وقالت إن صاحبي لايريد أن يتسلق الشجرة خوفا على عمره، فقرضت أسنانى ~~وقلت: «أنا أفعل» ففرحت وأبرقت أسارير وجهها، وقالت: «صحيح»؟ قلت: «بالطبع صحيح.. وهل تظنين ~~أنى مثله أخاف على عمرى.. ومم أخاف»؟ # وخلعت حذائى ورميت الطربوش وشرعت أتسلق الشجرة المخوفة حتى صرت بين أغصانها الغلاظ ~~المتشابكة، وذهبت أزحف على الغصون السميكة التى يحمل الواحد منها جملا لا غلاما خفيفا مثلى ~~حتى بعدت عن الأرض جدا، وحتى أنها كانت تكلمنى فلا أسمع وأصيح بها أن ترفع صوتها وأحتاج أن ~~أنحنى وأفرق الأوراق لأرى أين هى. ولم أزل أصعد حتى دنوت من القطة، ولكنها كانت مع ذلك لا ~~تزال بعيدة، وشاء الحظ أن تخاف القطة فلفت حول الشجرة وأصبحت على فرع فى الناحية الأخرى، ~~وكانت الفروع هناك أمتن وأسمك. فدرت كما دارت ومددت يدى فقبضت عليها ودسستها فى جيبى، وكان ~~الهبوط أخطر من الصعود وأشق.. ولكن الله سلم. # وتناولت القطة منى بعد أن أخرجتها ms080 من جيبى، وكدت أخنقها وأنا أحاول إخراجها - فقد كان ~~لابد أن أقبض على عنقها لأتقى أسنانها وأظافرها - وأهوت عليها تقبلها وتضمها إلى صدرها ~~وتمسح لها شعرها، كأنها طفل رضيع لا قطة لعينة كانت منذ دقيقة على قمة جميزة ضخمة تحاورنى ~~وتعرض عنقى للدق وأنا مازلت فى مقتبل العمر. وكنت أنا أنظر إليها راضيا قرير العين فرفعت ~~عينها إلى، والقطة مضمومة إلى صدرها، وقالت إنها مدينة لى بالشكر ففركت كفى مسرورا ~~ومرتبكا، فما كنت أنتظر شكرا ولا شبهه وإذا بها تصرخ فذعرت، فقالت: «يداك» فنظرت فيهما ~~فألفيتهما مخدوشتين فأخفيتهما وراء ظهرى، وقلت إن هذا من لحاء الشجرة وسيزول ولا شك، فقالت: ~~«لا.. تعال» فقلت: «إلى أين»؟ قالت: «معى.. أغسلهما لك فى البيت.. مسكين..». # فنظرت إليهما مرة أخرى، وقلت: «فكرة..». # ودخلنا البيت معا.. ونسينا صديقى فى بيت الجار.. تحت الشجرة. # ووصلت القطة المستنقذة ما كان قد انقطع. # الفصل الحادي عشر # | فى رأس السنة # دهش الثلاثة ووقفوا حيث هم - آذانهم مرهفة، وأحداقهم ثابتة، وأنفاسهم معلقة. وكانت الليلة ~~ليلة العام الجديد - أو رأسه - وقد تهيأ حامد للخروج، ولبس ثياب السهرة وأدار الراديو وراح ~~يتمشى فى الغرفة، ريثما تجىء جارته فتنقر له على النافذة المفتوحة.. فيمضى بها إلى العشاء ~~والرقص والمرح. وكانت الإذاعة فى تلك اللحظة رواية متخيرة، ولكن حامدا لم يكن باله إليها ~~وإنما أراد أن يغرق ضجات الطريق المتقطعة فى ضجة أخرى أكبر لأنها أدنى - لا تنقطع ولا تفتر ~~فيألفها ويتسنى له أن يفكر، بعد أن تسكن أعصابه إلى وقعها المتصل، فى أمره مع جارته أو فيما ~~ينبغى أن يصنع ليحمل أباه العتيق الطراز على الرضى بما تقتضيه حياة العصر الجديد. ولم تكن ~~به حاجة إلى أبيه، ولكنه لم يكن يريد أن يفسد بينهما الحال أو أن يضيف إلى عبء السنين التى ~~يحملها عبء الشعور بخيبة الأمل - إذا وسعه ألا يفعل. وكان أبوه فى تلك اللحظة قد دخل ~~بالمفتاح الذى أعطاه إياه حامد ليروح ويجىء كما يشاء. ولم يشعر به حامد لأن خواطره ms081 كانت ~~تستغرقه ولأن الراديو كان أعلى من أن يسمح بالالتفات إلى باب يفتح أو يغلق، ثم لأن الرجل لم ~~يكد يرد الباب حتى وقف مذهولا، فقد سمع ضحكات نساء ولغط رجال، وكان ريفيا ساذجا فيه ورع ~~وتقوى يعرف الراديو ويصغى بخشوع إلى ما يذاع من كتاب الله، وقد يتفق له أن يسمع بعض ~~المقطوعات الموسيقية.. ولكنه لم يشهد فى حياته رواية تمثل، ولم يخرج عن عادته فى التبكير فى ~~النوم إلا فى الفلتات القليلة. فإذا كان قد وقف الآن مستغربا منكرا، فلا شك أنه كان معذورا. ~~ولم يكن يفهم شيئا من الأصوات التى تأدى إليه أو يفطن إلى دلالة الكلام. وكان المذيع يصف ~~حركة الروليت بعد أن توضع النقود، وتذهب العجلة تدور وتخفت الأصوات انتظارا لوقوف الكرة عند ~~الرقم السعيد.. ولكن الرجل لم يكن يعرف أن هذا مذيع يصف للسامعين ما لا يرون، بل كان يظنه ~~أحد رفقاء حامد ابنه فى سهرة جمع فيها طوائف شتى من الرجال والنساء.. نعم والنساء فما فى ~~هذا شك، أليست هذه امرأة تقول: «اسرع يا ميمى.. أسرع.. بين ال 7 وال 8..». # وهذا صوت رجل يصيح: «لالالا.. هذا من حق لولو.. نعم فقد رأيت ما حدث.. البيك نقل الورق عن ~~موضعه بكفه، وهو لا يدرى». # وها هى الفتاة تعود إلى الكلام مرة أخرى، وتقول: «مرسى يا حبيبى.. ميل مرسى». # فيقول الرجل الأول، هو بعينه بالتأكيد فإن الصوت واحد: «العفو.. لقد رأيت كل شىء، وإذا ~~كنت تسمحين بأن أقدم إليك نصيحة رجل مجرب.. فنصيحتى أن تكفى عن اللعب، فإن مثل هذه الغلطة ~~فى العادة تكون إيذانا بانتهاء حظ اللاعب». # لعب ... نصيحة ... حظ ... نساء ورجال ... ما معنى كل هذا يا ترى؟ فى هذا وقف الرجل المسكين يفكر. ~~وكان يفكر فى شىء آخر هو هل يدخل فيعرف الحقيقة كائنة ما كانت أو يخرج ويدع ابنه لشأنه؟ ~~ولكن كيف يستطيع أن يخرج ويدع ابنه.. وكيف يدخل ومعه نساء غريبات؟ # ولم يكن هذا الأب الساذج هو الحائر الوحيد فى تلك ms082 اللحظة، فقد كان هناك رجل آخر من طراز ~~غير طرازه وجد باب المطبخ مواربا.. فتسلل منه ودخل على أطراف أصابعه وفى مرجوه أن يخفف عن ~~صاحب البيت - وعن نفسه أيضا - ولم يكد يبلغ باب الدهليز حتى صافح سمعه هذا اللغط الكثير ~~المنبعث من غرفة الاستقبال ، ولم يكن كالآخر ساذجا فلم يلبث أن فطن إلى أن ههنا أناسا ~~يقامرون، فسمرته الدهشة والحيرة، فقد كان يظن البيت خاليا فإذا هو عامر بل غاص بالخلق. وكان ~~سبب حيرته أن وجود هؤلاء اللاعبين جميعا يجعل فرصة الغنم فى ليلته هذه أكبر، والورق أخف ~~محملا وأخفى أمرا، وحامله أقل تعرضا للاعتقال، ولكن كثرة الموجودين تجعل تعرضه للوقوع فى ~~المحذور أشد فماذا يصنع؟ أيأخذ بالأسلم فيعود من حيث جاء، أم يذعن للإغراء فيبقى؟ ولا سيما ~~والأرجح أن القوم يشربون وبعد قليل يسكرون.. على أن الأمر خرج من يديه، فقد جاء اللبان فى ~~هذه اللحظة ووقف بباب المطبخ كعادته، ورفع صوته بكلمة واحدة ولكنها طويلة ممطوطة «لبن» فريع ~~الرجل ووثب ودار حول نفسه، فقال اللبان: «اللبن.. عايزين لبن الليلة»؟ # فمشى إليه الرجل كالمضروب على أم رأسه، فعاد اللبان يسأله: «عايزين لبن والا إيه؟.. ما ~~ترد». # فأفاق الرجل وأشار اليه، وقال: «هس.. هس». # فاستغرب اللبان وقال: «هس إيه.. عايزين لبن.. أنت مين قبله»؟ # فألهم أن يقول: «أنا الخادم الجديد». # فقال اللبان: «طيب ما تقول كده من الصبح! عايز كام»؟ ~~- واحدة. # فناوله سلطانية ووقف ينتظر وصاحبنا ينظر إلى الدهليز، ثم قال اللبان: «ماتجيب امال خلينى ~~أروح لحالى». # قال المسكين: «أجيب.. إيه»؟ ~~- حق السلطانية. # فألهم مرة أخرى أن يقول: «الصبح.. عندنا ضيوف.. ما أقدرش أنادى سيدى دلوقت». # فمشى اللبان ومسح الرجل عرقه ووقف يستعيد انتظام أنفاسه، وقد دار برأسه أن خير ما يصنع ~~هو أن يخرج وراء اللبان وأمره لله فى هذه الليلة المنحوسة، ولكن القدر أبى إلا أن يعد له ~~مفاجأة أخرى أدهى وأمر. # ذلك أن الفتاة كانت قد وصلت ونقرت على حافة النافذة، فخف إليها حامد وانثنى على ms083 النافذة ~~يقبلها، ثم اعتدل وهم بأن يقول لها إنه سيخرج لها حالا وإذا بها تستوقفه وتسأله: «من عندك»؟ ~~وتشير إلى الدهليز، فقد رأت بابه يختفى فيه شبح، فعجب حامد لسؤالها ونفى لها أن أحدا عنده، ~~ثم نظر إلى حيث كانت تنظر محدقة فخيل إليه أنه يسمع أصواتا، فقال: «انتظرى» وخرج.. ولكنها ~~لم تنتظر، فقد كانت فتاة عملية، وكانت تحب حامدا وتقرأ الروايات البوليسية، فجمح بها خيالها ~~وجسم لها الأمر، وأوهمها أن خطرا عظيما قد أحدق بفتاها.. فذهبت تعدو إلى أقرب شرطى وجرته من ~~ذراعه جرا، فقد كانت خطوته بطيئة وهى تريد أن تطير. # وفى أثناء ذلك كان حامد قد خرج، فألفى أباه واقفا وراء باب الشقة، فقال حين رآه: «يا شيخ ~~ظنناك لصا». # فسأله أبوه: «من عندك»؟ فخطر لحامد أن هذا هو الليلة سؤال الناس كلهم، فضحك وقال: «لا ~~أحد.. لماذا لا تدخل.؟ لماذا تقف هكذا»؟ # وتذكر أن الفتاة واقفة عند النافذة، ولم يدر كيف يفسر لأبيه وجودها. نعم، يستطيع أن يقول ~~إنها جارته - وهذا صحيح - وأنها مرت به فوقفا يتبادلان التحية، ولكن أباه رجل محافظ ثم إنه ~~يريد أن يعرف أباه بها أحسن تعريف. على أن تفكيره فى هذا لم يطل، فقد سمع حركة فى المطبخ ~~فمشى إليه مستغربا وضغط زر الكهرباء.. فاذا صاحبنا الذى تركناه هناك حائرا بين البقاء ~~والهرب يمد يده إلى سلطانية اللبن، وقد خطر له أن خير ما يصنع هو أن يأكلها قبل الخروج، فلا ~~يكون قد خرج من المولد بلا حمص كما يقول المثل. # وبقيت يد الرجل ممتدة لا هى تصل إلى السلطانية ولا هى تنثنى إلى صاحبها، فقال حامد: «ماذا ~~تصنع هنا»؟ فتلعثم قليلا، ثم قال: «جوعان»! # قال حامد: «أهو ذاك؟ ومن أين دخلت»؟ # قال: «رأيت اللبان داخلا، فلما خرج.. وقفت أنادى فلم يرد أحد فدخلت». # فمال حامد إلى تصديقه وكان مستعجلا، فقد ترك الفتاة عند النافذة فقال: «طيب كل واخرج.. ~~خدها كلها على السلم». # ودفعه وأغلق الباب وراءه وهم بأن يعود، فسمع ms084 وقع أرجل.. ولكنه لم يعبأ بذلك، وكر راجعا ~~إلى الغرفة، فإذا أبوه واقف ينظر إلى الراديو ويضحك فلم يفهم ومضى إلى النافذة وأطل، فلم ير ~~أحدا، فالتفت إلى أبيه يريد أن يسأله، ثم آثر العدول. وسمع دقا على باب المطبخ وصوتا ناعما ~~يناديه، فذهب يعدو وفتح الباب وإذا به يرى شرطيا ضخما مفتول الشاربين وفتاته، والرجل بينهما ~~وفى يده السلطانية فارغة، فارتد حامد خطوات وقال: «ما هذا»؟ # قالت صفية: «لقد صح ظنى.. الحمد لله..». # فقال حامد ببلاهة: «تفضلوا..» وأفسح لهم الطريق ثم أردف: «ولكن لماذا الشرطى»؟ # فقالت صفية وهى تدخل: «لماذا؟ أو تسأل؟ ألا تعلم لماذا؟ للص يا روحى» فكاد يضع يده على ~~فمها، ولكن أباه كان قد خرج فلم تبق أى فائدة. # وقال حامد: «بابا.. هذه صفية.. جارتنا.. بنت أحمد بك.. لا ليس هذا لصا.. أنا أعطيته ~~السلطانية ليأكلها..». # فقال الشرطى: «إذا كان الأمر كذلك فلا داعى لوجودى. سعيدة». # وخرج وهو ينظر إلى صفية نظرة محنق. وقالت صفية: «شرفت يا عمى..». # فتمتم الرجل وهو مطرق، وقال حامد: «أ.. أ.. نحن.. أعنى صفية وأنا.. اء.. خطيبان.. اتفقنا ~~على الزواج.. بعد موافقتك طبعا..». # فدنت منه صفية ومالت على كتفه وهمست فى أذنه: «قل إنك موافق..». # فقال الرجل: «أنا متوضئ ... ابعدى قليلا..». # فضحكت، وقالت: «إذا لم توافق فإنى أنقض لك الوضوء..». # ففزع الرجل ونهض قائما، وقال: «لالالا احذرى.. الدنيا برد وأنا راجل كبير ضعيف، وأريد أن ~~أصلى العشاء». # فقالت: «قل أولا أنك موافق.. وإلا.. هه». # فلوح الرجل بذراعه، وقال: «أنا مالى ... مفلوقين فى بعض ... فين السجادة يا حامد»؟ # الفصل الثاني عشر # | الذى يضحك أخيرا يضحك كثيرا # لما جاءنى رسول أختى برقعة منها يدعونا فيها - أمى وأنا - إلى قضاء العيد معها، لأن زوجها ~~سافر إلى الإسكندرية.. أدركت أن فى الأمر شيئا، وأن خلافا لابد أن يكون قد شجر بينهما، ولكن ~~دقة إحساسها بالواجب حملتها على البقاء فى بيتها بدلا من أن تجىء هى إلينا. # ولم تفت أمى دلالة هذه الدعوة، فقد سألتنى: «أتظن ms085 أن شيئا حدث»؟ فقلت: «لابد» فقالت: ~~«أترى أن نسألها»؟ فهززت رأسى، فليس أكفل بفساد الأمر بين زوجين - فى رأيى - من الدخول ~~بينهما. # وكان وجه أختى وحده كافيا للارتفاع بالظن إلى مرتبة اليقين. نعم، كانت تبتسم ولكن ~~ابتسامها كان متكلفا، وكلامها أكثر مما ألفنا منها، وحركاتها أسرع، وكان لونها ممتقعا حتى ~~لقد احتاجت إلى الأحمر لخديها وشفتيها. وكان الجو باردا، فاحتجنا إلى ما ندفئ به.. فجاءتنا ~~بموقد صار الفحم فيه جمرا لأنها تكره مدفأة الكهرباء أو البترول لشدة تجفيف الكهرباء للجو، ~~ولأن البترول له رائحة لا تطيقها. # وسألتها وأنا أتبسم: «وأين اللعين زوجك»؟ # وكان لابد أن أسألها عنه، وإلا كان اجتناب ذكره واشيا بالفطنة إلى ما عسى أن يكون قد وقع ~~بينهما. وما دامت هى لم تقل شيئا فقد يربكها أن تعلم أننا نعلم. # فقالت ببساطة: «أوه.. أظنه ملنا.. سافر ليبحث مع شريكه أمر هذه الشركة الجديدة التى يريد ~~أن يؤلفها.. إنك تعرفه.. لا يعترف بعيد، ولا يطيق أن يقعد بلا عمل». # فسرنى أنها تكذب لتستر حماقته.. وكنت أعرف أن هذه كذبة لأنه أخبرنى بما تم، فالأمر مفروغ ~~منه ولا حاجة به إلى سفر جديد، ولكنها لم تكن تدرى أنى أعرف هذا وإلا للجأت إلى كذبة ~~أخرى. # وقضينا النهار على خير ما نستطيع، وإذا بنا بعد العصر نتلقى هذه البرقية: «اصطدمت السيارة ~~وتحطمت، وإصابتى خفيفة. فهل تستطيعين أن تحضرى؟.. سيكون أخى بانتظارك بسيدى جابر» ~~خليل. # فذعرنا جميعا فقد كان من الواضح أن الحادثة أكبر مما زعم.. ولم تستطع أختى أن تضبط نفسها، ~~فبكت وهمت أمى أن تزجرها عن البكاء، فقلت لها: «دعيها فما خلق الدمع للناس عبثا». فقامت ~~ترتب لها أشياءها فى الحقيبة، وتضع معها ما قد يحتاج إليه زوجها مخافة أن تكون حقيبته قد ~~فقدت فى الحادثة، أو تركت مع السيارة المحطمة. # وقلت لأمى: «اذهبى معها، وسألحق بكما غدا.. فإنى مضطر إلى البقاء الليلة، وأبرقوا إلى فى ~~الصباح بعد أن تروه ليطمئن قلبى». # وودعتهما فى المحطة وعدت إلى البيت - بيت ms086 أختى - حزينا كاسف البال موجع القلب، وجلست فى ~~البيت أفكر فى هذا الحظ السيئ وأسخط على خليل، وأقول لنفسى هل كان لابد أن يصنع هذا الأحمق ~~ما صنع، وأن يعلن إلى زوجته الجفوة ليلة العيد، ويروح يكسر عظامه أيضا ويرج زوجته هذه الرجة ~~الشنيعة؟ ولكنه لقى فوق جزائه. مسكين. ومن يدرى ماذا جرى له؟ ولعله الآن مشرف على الهلاك، ~~وإنها لقسوة أن ألومه. ثم أنه كان مثال الزوج الصالح، ولم تكن سيرته معها قط إلا سيرة المحب ~~الذى لا يعنيه من الدنيا سوى زوجته، فماذا يا ترى جرى حتى كانت هذه الجفوة المشئومة؟ # وإنى لجالس أدخن سيجارة فى إثر أخرى، وبى ما يعلم الله من الحزن.. وإذا بخليل داخل ~~كالقنبلة! فانتفضت واقفا وحدقت فى وجهه مذهولا وفمى مفتوح كالأبله، فلما رآنى كذلك وقف هو ~~أيضا، وسألنى أول ما سأل: «أين فريدة؟». # فأحسست أنى سأسقط على الأرض، فانحططت على أقرب كرسى ورفعت يدى إلى رأسى، فأقبل على يهزنى ~~بعنف ويقول بصوت عال جدا: «أين فريدة؟ قل.. انطق، ماذا جرى»؟ # فحاولت أن أتكلم، ولكن لسانى وقف فى حلقى، فأشرت إلى البرقية المشئومة، فتناولها مستغربا ~~ولم يكد يقرأها حتى صرخ: «إيه»؟ # فوجدت لسانى، وقلت: «ماذا تظن؟ من أرسل هذه البرقية»؟ قال: «لا أدرى.. ماذا نصنع الآن؟.. ~~فكر.. فكر.. فقد ضاع عقلى.. فريدة.. من يدرى فى أيدى من من الأشرار ستقع الآن؟» # فقلت: «وأمى أيضا معها.. رهينتان لا واحدة يا صاحبى». # فقال: «رهينتان؟ هل تعنى أنك تعتقد؟» # قلت: «بالطبع.. أى معنى لهذه البرقية غير ذلك؟ إنها شرك.. وليس المهم الآن حل اللغز بل ~~السفر وراءهما لإنقاذهما.. لمنعهما من الوقوع فى أيدى هؤلاء الأشرار كائنين من ~~كانوا». # فقال: «صدقت.. قم بنا» قلت: «سيارتك لا تصلح لهذا.. ألا تستطيع أن تجد لنا سيارة قوية.. ~~تستعيرها من أى صديق؟» # وفى هذه اللحظة أقبل أخى فتشهدت واستبشرت، فقد كانت له سيارة جديدة من طراز هدسون تستطيع ~~أن تطير بنا، فدفعته إلى الباب وسبقته إلى السلم وأنا أناديه وأدعوه ms087 أن يسرع ورائى. # وكان أخى يكره السرعة فتوليت أنا القيادة، وجلس هو وكلبه معه وراءنا، وجلس خليل معى وكان ~~لابد من التمهل حتى نخرج من المدينة وإلا عطلنا الشرطة، وكنت كالجالس على الجمر، ولكن ما ~~حيلتى؟ واجتزنا شبرا بعد أن ضاع ربع ساعة ثمين، فسألت أخى: «هل الأنوار قوية»؟ ولم تكن بى ~~حاجة إلى السؤال فإنى أنا السائق وأمامى مفتاح النور وفى وسعى أن أجرب، ولكن السؤال جاء ~~دليلا على مبلغ اضطرابى. ودليل آخر على هذا الاضطراب هو أننا لم نخبر أخى ما الحكاية، فراح ~~يكلم كلبه ويقول: «روكسى إنه يسأل عن الأنوار هل هى قوية؟ كأنه لا يعلم، لا بأس. هل تظن أن ~~من حقه أن ينتظر جوابا؟ نعم، الجواب تحصيل حاصل.. بالطبع.. الحق معك.. ثم إنه أرسل النور ~~أمامه وهو يضيىء إلى مسافة أميال.. أليس كذلك؟ ولكن إلى أين يمضى بنا يا روكسى؟ نعم؟ أتقول ~~إن هذه هى الطريقة الأمريكية فى الاستيلاء على السيارات واغتصابها من أصحابها الشرعيين؟ ~~إنها كذلك على التحقيق.. وإنى أراك مصيبا دائما فى ملاحظاتك يا روكسى أوه.. تسعون؟ روكسى.. ~~إنه يخطف بنا الأرض فهل تظن أنهما ارتكبا جناية»؟ # وهكذا وهكذا.. # ولم أكن أستطيع أن أقول له شيئا لإن عينى على الطريق. وكان خليل يساعدنى فينظر إلى عداد ~~السرعة ويخبرنى بالرقم الذى نرتقى إليه وينظر فى الساعة كذلك، فيطمئننى أو يزعجنى، وأخى ماض ~~فى هذره حتى بلغنا بنها. ولم أدخلها بل آثرت أن آخذ طريق سيارات النقل لأنه أقصر وإن كان ~~غير ممهد - اجتنابا للبطء الذى نضطر إليه فى شوارع المدينة. وبعد أن اجتزنا الكوبرى الجديد، ~~ثم جسر السكة الحديدية - أو المزلقان كما يسمونه - أطلقت للسيارة العنان فجعل خليل ينظر ~~ويقول: «مائة.. مائة وخمسة. وعشر. وعشرون.. وخمس وعشرون.. امض امض. لا شىء.. هذه ~~دجاجة..». # فقال أخى: «أظنها ذهبت إلى جنتها - جنة الدجاج - قبل الأوان.. أتراه سباقا يا ~~روكسى»؟ # وبلغت السرعة مائة وثلاثين كيلو، فلولا أن السيارة كبيرة ومتينة وثابتة لانقلبت بنا ~~وقتلتنا.. ولكن أخى خبير ms088 بالسيارات والذى لا يعرفه عنها لا يستحق أن يعرفه أحد. والحق أنها ~~كانت سيارة أصيلة، بل هى السيارة وكفى. لكن بالى لم يكن فى ذلك الوقت إلى شىء من هذا، بل ~~إلى ما بقى من الوقت حتى يصل القطار إلى طنطا أو دمنهور وإلى مبلغ الأمل فى إدراكه قبل أن ~~يبلغ سيدى جابر. # وتأدى إلى صوت أخى يقول: «هل تعلم يا روكسى أن إسماعيل مهمل - يعنينى - أموافق أنت؟ هذا ~~ما كنت أنتظر.. ولكنه ينقصك أن تعلم لماذا.. أتريد أن أسر إليك يا روكسى بالسبب؟ اسمع إذن ~~ولكن لا تخبره.. لقد أردت أن أستعير حقيبته الصغيرة. أقول لك الحق يا روكسى بينى وبينك يا ~~روكسى.. استعرتها فعلا.. ولكنى وجدت أنه أهمل أن يضع فيها المفتاح ولهذا جئت إلى بيت الأخت ~~لعلى أجده فآخذ المفتاح.. أعرف ما تريد أن تقول فإنك ذكى.. بالطبع لم يكن ينتظر أن يعطينى ~~المفتاح.. ولكنى كنت سآخذه على كل حال.. أوه بطريقة من الطرق.. من غير أن يشعر ~~بالطبع..». # وقد هممت مرات أن أصيح به، ولكنى كبحت نفسى فليس هذا وقت الاختلاف على الحقائب.. ولكنه ~~غاظنى مع ذلك أنه أخذها وهو يعلم أن فيها أشيائى، فقد كنت أعددتها لرحلة قصيرة، فلما جاء ~~رسول أختى عدلت وكان ما كان.. ونويت أن أغتنم أول فرصة تسنح لاستردادها. بطريقة من الطرق.. ~~كما يقول.. والبادى أظلم. # ولم أكن أطمع أن أدرك القطار فى طنطا، فلم أستغرب أن أعرف أنه تركها قبل وصولنا بعشر ~~دقائق، واحتجنا إلى البنزين فضيعنا دقائق أخرى، ثم استأنفنا السير بأقصى سرعة لنعوض - سلفا ~~- التأخير الذى لابد منه فى كفر الزيات. واعترانى ما يشبه الحمى، فلم أعد أبالى كيف أقطع ~~الطريق. وكنت ربما صادفت مركبة أو رجلا على حمار أو جمل فأمرق ولا أعنى نفسى باليمين ~~والشمال. ولم يكن الطريق بعد كفر الزيات على خير ما يمكن أن يكون، ولكنى لم أكن أحفل بذلك ~~ولم أترفق بالسيارة. وكان أخى يرى هذه السرعة الجنونية - فقد بلغنا أربعين بعد المائة ms089 ~~وأصررنا عليها - فيقول لكلبه: «انظر يا روكسى.. إن الخبيث ينتقم منى - أعنى منا، فإنك شريكى ~~فى كل شىء - لأنى أستعرت حقيبته.. من أجلها يريد أن يفجعنى فى السيارة.. أى والله يا روكسى. ~~فتعال نبك على ما كلفتنا من مال يضيع الآن فى هذه السكة المنحوسة .. ثلاثمائة وخمسون جنيها ~~خرجت عنها من حر مالى.. وماذا يعنيه هو.. يأخذها بلا استئذان، وينحينى عن مجلسى فيها، يردنى ~~إلى الوراء.. هل هذا يليق يا روكسى»؟ # ولولا أن خليلا صاح فى هذه اللحظة: «القطار، القطار، سنسبقه يا إسماعيل ... سنسبقه بالتأكيد ~~... الحمد لله» لمضى أخى فى هرائه. وكنا قد قاربنا دمنهور، فلما بلغنا مدخلها عاد أخى إلى ~~الثرثرة، ولكنى لم أسمع شيئا لأن أذنى كانت تطن. ودنونا من المحطة، فوقفت وفتحت الباب، وقلت ~~لخليل: «انزل.. بسرعة» فشرع يفتح الباب من ناحية وأخى يقول: «ألم أقل لك يا روكسى إنه ~~سباق.. بين السيارة والقطار»؟ # ولم أسمع بعد ذلك شيئا لأنى ذهبت أعدو إلى الرصيف الذى يقف عنده القطار. ولم نكد نفعل حتى ~~دخل، فركبت - بلا تذكرة، وماذا يهم؟ - وخليل ورائى. ومشينا خلال المركبات حتى وجدنا أمى ~~وأختى، فانحططت بجانبهما بلا كلام. # ولو كان فى رأسى أو رأس خليل عقل لنزلنا بهما من القطار وعدنا بالسيارة على مهل، ولكنا لم ~~نفكر فى شىء حتى كان القطار فى طريقه إلى سيدى جابر، فأدركنا أننا تعرضنا لغرامة فادحة لم ~~يكن لها داع. وكان فى الوسع اتقاؤها لو عنينا أن نخبر المفتش أو أحدا من رجال القطار أننا ~~راكبون من هنا، وسندفع الأجر فى القطار.. على أن الثقة بأنا أنجينا الفريستين هونت علينا ~~الخسارة. # وقلت لأختى: «هذا زوجك.. البرقية مزيفة، فما الرأى الآن؟». # ولكنها لم تكن فى حال تسمح لها بإبداء رأى. وأى رأى هناك يمكن أن يشير به أحد.. لقد ضاعت ~~الفرصة الذهبية فى دمنهور، ولو كنا أخبرنا أخى على الأقل لاستطاع أن يبرق إلى بوليس سيدى ~~جابر بالموضوع، ولكان لاستمرار السفر فى هذه الحالة معنى، أما الآن ... # وعلى أنا ms090 قلنا إن الفرصة لم تضع، وأن من الممكن إذا تركنا الاثنتين تسيران أمامنا وحدهما ~~وعيوننا عليهما أن نرى هذا الذى سيتقدم لهما نائبا عن أخى خليل، وقد نستطيع فى ذلك الوقت أن ~~نجعل البوليس يقبض عليه.. على كل حال لم يبق إلا هذا.. # ولكنا لم نجد فى سيدى جابر غير الحمالين. ووقفنا بعيدا ووقفت الاثنتان تنتظران أن يتقدم ~~إليهما أحد - رجل أو امرأة - حتى البوفيه لم يكن فيه أحد، فقلنا لعله ينتظر فى الشارع ~~فأومأنا إليهما أن تخرجا أمامنا، فلم يكن حظنا خارج المحطة أحسن منه داخلها. ولم تبق فائدة ~~من التفرق فركبنا وهممنا بالمضى إلى الفندق. ولكن خاطرا خطر لى فجأة فنزلت وذهبت إلى مكتب ~~التلغراف وبعثت ببرقية منه. # وفى اليوم التالى كنا فى مصر.. # ولكن هذا لم يكن كل شىء. وهنا يحسن أن أدع أخى يتكلم: «لعله يعنيكما - يريد أختى وأمى - ~~أن تعرفا كيف كانت عودتى البارحة بعد أن تركنى هذان المخلوقان. لا فائدة من قولى انتظرت، ~~فإن هذا القول لا يدل على شىء. فقد تركنى فجأة وذهب يعدو كأنى جرب.. حتى محرك السيارة لم ~~يعن بأن يوقفه. ستقولون جميعا إنه كان معذورا فليكن فإن الجدال عبث، وستسمعون بأشياء أخرى ~~أرجو أن يكون عذره فيها أوضح.. وكان معى روكسى كما لا أحتاج أن أقول، ولا أدرى ماذا كنت ~~أصنع لو لم يكن هذا الرفيق معى. لعلى كنت أجن أو يحدث لى شىء من هذا القبيل. ما علينا، هل ~~أقول إن الأمر طال على وأنا قاعد فى السيارة؟ كلا، وهل أقول إنى كنت ميتا من الجوع؟ كلا ~~أيضا. وأختصر حكاية مؤلمة، فأقول إنى نزلت من السيارة وسرت فى الاتجاه الذى رأيتهما يقصدان ~~إليه، ولم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء.. فقد كان كلامهما دائرا كله على القطار ووجوب سبقه، ~~وإن كان فيما عدا ذلك لا معنى له عندى. ولم أجدهما فى المحطة كما تعلمون، لأنهما شاءا أن ~~يركبا القطار من غير أن يبعثا لى بكلمة. وقد سمعتهما يقولان أنهما أديا ms091 أجر الركوب مضاعفا، ~~وهذا حسن وأن كان قليلا.. ولكنه يبرد بعض الغلة. وقد وصفتهما لكل من فى المحطة، فظن واحد ~~أنهما هاربان من سجن، واعتقد ثان أنهما مجنونان خطران. واقتنعت أنا بأن لا فائدة من البحث، ~~وأن أبى - رحمه الله - أخطأ حين رمانى بهذا المخلوق وزعمه أخا، وأن أمى أخطأت أيضا فى ربطنا ~~بهذا المخلوق الثانى الذى أخفوا أمره عنى حتى خطف أختى، فصار واجبي الآن بعد أن عرفته أن ~~أخفيه أنا عن الناس. ما علينا.. فلندع هذا التاريخ القديم.. أظنكم ستضحكون حين أقول أنى ~~احتجت أن آكل وأن أطعم روكسى وقد يسركم أن تعلموا أنى أحب أن أنسى فترة هذا الأكل وأن ~~أمحوها من تاريخ حياتى الحافل بالتضحيات فى سبيل من لا يستحقون شيئا.. ولكنى هكذا دائما.. ~~كريم مفضال، وجزائى من الناس بل ممن يمرحون فى أبراد نعمتى الجحود والكفران. ما علينا ~~أيضا. # وقلت لروكسى: تعال يا صاحبى، فإن هذا بلد لا يستحق أن يتشرف بوجودنا فيه، فلنرجع إلى ~~بيتنا فى مصر.. وقد كنت أسلمت السيارة إليه وهى سليمة لا شىء بها، ويشهد شريكه فى المؤامرة ~~أنها أنقذتهما، ولكنى حين أردت أن أدير محركها أبى أن يتحرك.. ولا أطيل. قضيت نصف ساعة فى ~~هذا البرد حتى استطعت أن أقنعها بالحركة والعودة إلى دفء البيت. # وكانت السيارة كأنما ركبها قبلى ألف عفريت، ولكنى صبرت وقلت عوضى على الله، وهذا جزاء من ~~يكون له أخ كهذا ونسيت كهذا.. وأظن أن الفجر بدأ يطلع حينما بلغنا شبرا، فتنهدت وتمهلت فى ~~السير وإذا بشرطى يستوقفنى، فوقفت فدار حتى صار إلى جانبى، وقال وهو ينقر على الزجاج: «تفضل ~~معى إلى الكركون». # فقلت: «الكركون»؟، قال: «نعم، تفضل انزل». # فقلت «ولكن لماذا؟ ماذا صنعت؟ إنى لم أكن مسرعا بل كنت أسير بسرعة خمسة أمتار فى اليوم ~~والليلة». # فقال بلهجة جافية: «انزل ولا تحوجنى أن أجرك بالقوة». # فقلت لنفسى إن المكابرة والجدال عبث، ولا شك أنى سأجد رجلا يفهم فى مركز البوليس. وذهبت ~~معه، فقال: «اقعد هنا»، ms092 فقعدت حيث أشار، وهم بتركى فتعلقت به وقلت: «ألا تسمح من فضلك بأن ~~تخبرنى لماذا جئت بى إلى هنا»؟ # فنهرنى بعنف، فهويت إلى الكرسى وروكسى بين يدى لم أر أحدا مستعجلا سواى. وأخيرا جاء شرطى ~~آخر، وجلس إلى مكتب وأخرج أوراقا وبدأ يستعد للكتابة، وسألنى عن اسمى وعنوانى ومولدى وعن ~~السيارة ورقمها، ثم سألنى بخبث: «ماذا معك فيها»؟ # فابتسمت وقد خيل إلى أنه ظننى من مهربى المخدرات، وقلت ببساطة: «ليس معى سوى ~~روكسى». # فقال: «إيه»؟ قلت: «يعنى الكلب.. اسمه روكسى»، فقال متهكما: «يا حبيبى يخوى.. كمان عامل ~~لى قمع ومعاك كلب.. تعملوها وتخيلوا والله». # فلم أدر ماذا أقول له.. وأعفانى من الكلام، فسألنى: «هل معك مفتاح السيارة»؟ # فناولته المفتاح، فنادى شرطيا وطلب منه أن يفتحها أمامى، وأن يجىء بما يجده فيها فلم يجد ~~الا الحقيبة.. اضحكوا.. اضحكوا.. لا بأس.. سيجىء يوم أثأر فيه لنفسى.. # فلما جاءوه بالحقيبة، ابتسم ابتسامة عريضة جدا وتنهد مرتاحا، وقال لى: «لا شىء.. هه..؟ ~~طيب». # فابتسمت أنا أيضا وقد صح عندى أنه يحسبنى من المهربين وأيقنت بقرب الفرج. وشرع يسألنى عن ~~الحقيبة، فقلت له إنها لأخى وذكرت اسم الأخ المحترم، فأدهشنى بأن سألنى هل أنا أعترف بأن ~~الحقيبة لإسماعيل أفندى زفت وقطران؟ فقلت بالطبع أنا معترف.. إنه أخى. # فقال: «أخوك..؟ أواثق أنت أنه أخوك»؟ # فضحكت وقلت: «بالطبع واثق ... ولكن ما هى الحكاية»؟ # فقال: «أين المفتاح»؟ # قلت: «معه ... لم آخذه منه». وهممت بأن أقص عليه القصة، ولكنى رأيت أنها مما لا يصدق ~~فأقصرت، فقال: «هل تستطيع أن تثبت شخصيتك»؟ # فقلت: «بالطبع.. ماذا تظن»؟.. ودفعت يدى فى جيبى لأخرج له أوراق السيارة ورخصة القيادة ~~وغير ذلك مما عسى أن يكون فى جيبى، فما راعنى إلا أن الجيب خال ليس فيه قصاصة واحدة! وأظن ~~وجهى فضحنى على الرغم من محاولتى أن أتماسك وأتجلد، فقد سألنى بعد ذلك مباشرة عن السيارة ~~ولمن هى؟ فأيقنت أنى وقعت، وقلت له: «اسمع.. إنك تطيل بلا داع.. لابد أن يكون قد حدث خطأ، ~~ومن ms093 سوء الحظ أنى نسيت الأوراق كلها فى البيت، فإذا سمحت فأرسل معى شاويشا أو عشرة إذا شئت ~~إلى البيت لأجيئك بكل ما يزيل الشك ويريح ضميرك». # فلم يبال بهذا الاقتراح المعقول، وقال: «هل أنت مصر على دعواك أنك أخو إسماعيل؟» # فقلت: «الحقيقة أنى مستعد للتبرؤ منه ولكن إلى أن أفعل لا يسعنى أن أنكر أنه أخى». فقال: ~~«إذا كنت أخاه، فلماذا يبعث ببرقية كهذه»؟ وناولنيها، فقرأت فيها الحكم على. # وللرجل العذر لأنه إذا كان إسماعيل هذا أخى، فلماذا يطلب من البوليس أن يحجز السيارة رقم ~~كذا، وفيها حقيبة صفتها كيت وكيت. لا تعترض من فضلك.. لقد كانت عبارة البرقية يفهم منها أنك ~~تريد حجز السيارة أيضا. ولا أكتمك أنى لم أجد جوابا لهذا السؤال، وأنى استحييت أن أقول إنه ~~مزاح بارد. # وحرت ماذا أصنع، ولم يفتح الله على بحيلة تخرجنى من هذا المأزق الثقيل.. وكان النهار قد ~~طلع ولكنا ما زلنا فى البكور، ولا يليق أن أزعج الناس فى مثل هذا الوقت، فعدت إلى اقتراحى ~~أن يبعث معى من يشاء إلى البيت، فرفضه. فسألته عن المأمور من هو؟ عسى أن يكون من معارفى.. ~~فانتهرنى بغلظة، فتساهلت وسألته عن المعاون أو غيره، فلم يزد على أن قال: «بلاش دوشة»، ~~فناشدته أن ينظر إلى ثيابى، وأن يفكر هل هذه ثياب مجرم ولص؟ فقال وهو يضحك: «إن بين اللصوص ~~من هم أشد أناقة منك» فوضعت أصبعى فى الشق، وأسلمت أمرى إلى الله. ~~••• # وختم المحضر على هذا ... أى على أنى لص ولا شك وأن البوليس حاذق فطن ولا شك. ولست ألوم ~~البوليس، فقد كانت كل القرائن ضدى. وأشهد له أنه كان رفيقا، فقد سمح لى بأن أشترى - أعنى أن ~~يبعث من يشترى شيئا لطعامى وطعام روكسى. ولا أنكر أنى شربت قهوة أيضا، وإن كانت أشبه بمغلى ~~الفول السودانى أو بماء الوحل الساخن. ولكن هذا لم يكن ذنب البوليس. # وأخيرا فى الساعة الثامنة دخل ضابط علينا، فنظرت إليه ببلادة.. فقد فترت ويئست ولم أعد ~~أبالى ms094 ما يجرى لى، ولكنى لم أكد أرى وجهه حتى انتفضت واقفا، وصحت به «حمدى.. الحمد لله.. ~~أين المحقق»؟ # فاستغرب وسألنى عن الحكاية، فقصصتها عليه فضحك ملء شدقيه. مدهش أن يضحك الناس من هذه ~~الفصول الباردة! والباقى لا يحتاج إلى كلام ... جئت إلى هنا ونمت ساعة أو اثنتين على هذا ~~الكرسى بثيابى.. ولكنه ينقصك يا حضرة الأخ أن تفسر للبوليس مزاحك، فقد صار الأمر مزاحا مع ~~البوليس لا معى». # فما استطعنا أن نتكلم ونغالب الضحك، قلت: «هون عليك.. فإنى أعرف ماذا أقول.. ولكنى أرجو ~~أن يكون ما حدث درسا لك». # فقال وفى عينيه نظرة خبيثة: «وأنا أرجو أن يكون ما حدث لكم درسا كذلك». # فقال خليل: «ماذا تعنى»؟ # فقال أخى: «أعنى أنكم لو لم تكونوا عميا لعرفتم أن اليرقية ليست لكم.. للجار رقم 223، وقد ~~تشابه الرقمان على الساعى واتفق أن اسم الجار خليل أيضا، واتفق أنكم عمى لا تبصرون. ولولا ~~ذلك لقرأتم الرقم واسم الجار الذى أرسلت إليه البرقية.. هذا ما أعنى.. فقوموا كفروا عن ~~سيئاتكم يا جهلة». # الفصل الثالث عشر # | عقاب اللص # لست أخشى اللصوص.. فما معى ولا فى بيتى ما أخشى عليه الضياع وأتقى أن أمنى فيه بخسارة. ~~ولو أن لصا كريما فيه مروءة دخل بيتى - أو حيث أقيم فما هو بيتى - وحمل ما فيه من متاع ~~لحملته شكرى، ولبعثت بنسخة منه إلى الصحف.. فإن من اللؤم أن يقابل الإحسان بأقل من الشكر. ~~فما أرى لى متاعا فى شىء مما حولى. وسبب آخر يجرؤنى على لقاء اللصوص وينفى عنى الخوف منهم ~~ويجعلنى لا أتهيبهم، وذلك أنى كما تعلم - أو كما لا تعلم - ضامر ضاو، ظاهر الضآلة بادى ~~الضعف. وأوجز تعريف بنفسى يحضرنى الآن، وهو أنى امرؤ فارغ الثياب.. وأحسب أن هذا تعريف شامل ~~محيط جامع مانع، فإن لم يكن كذلك فأمهلونى، حتى يلهمنى الله ما هو أوفى. وأرجع إلى اللصوص ~~فأقول إن الذى يجعل لقاءهم خطرا فى ساعات العمل هو أنهم يريدون التخلص مما وقعوا فيه اتقاء ~~السجن وما ms095 فيه، والمفاجأة فى هذه الحالات تذهلهم وتطير صوابهم، فيحدث أن يضيفوا إلى جريمة ~~السرقة جريمة أخرى هى الاعتداء على النفس.. أما إذا كان الذى يفاجئهم رجلا صغير الجسم ~~مأمونا مثلى، لا خوف من قدرته على منع السارق من الفرار والنجاة.. فإن العدوان لا يخطر لهم ~~على بال. وحسبهم أن يشدوا هذا المتطفل بحبل ويلقوه فى زاوية أو ركن، ويمضوا فى عملهم كأنما ~~لم يعطلهم معطل. ومن هنا اطمئنانى، وهو اطمئنان لم يزعزع الثقة به إلى الآن مزعزع. # وقد اتفق لى أن كنت مرة فى الأقصر وكان الوقت شتاء، والأقصر تطيب فى هذا الوقت.. فنزلت ~~بالفندق ومضى يوم أو يومان - فقد نسيت لطول العهد - وإذا بصديق من أغنياء الأقصر يقع على ~~فى شرفة الفندق حيث يجلس أكثر النزلاء يشربون الشاى قبيل المغرب. وأقول يقع على - وأنا أعنى ~~ما أقول - فقد كان ظهرى إليه وهو مقبل، ويظهر أن باله لم يكن إلى الأرض وهو سائر فاصطدمت ~~رجله بساق الكرسى الذى كنت جالسا عليه فكاد يقع وارتمى فوقى - أعنى الصديق لا الكرسى - ثم ~~شرع يعتذر وشرعت أنا أيضا أهز له رأسى إيذانا بقبول الاعتذار، فالتقت العيون وإذا به يكف عن ~~الاعتذار ويصيح: «أوه.. أهو أنت»؟ # كأنما هذا ينفى وجوب الاعتذار ويعفيه من تكاليفه ويجعلنى غير أهل له، فقلت له: «نعم، أنا ~~أنا يا صاحبي» قال مستغربا: «وماذا جاء بك إلى هنا»؟ # قلت: «قذفتنى موجة الحياة على هذا الساحل الذى لا أراه أرفق بى من اليم». قال: «آسف يا ~~صاحبي..» فقلت مقاطعا: «لأن الحياة رمت بى على شاطئكم»؟ # قال وهو يجلس: «لالالا.. إنما عنيت أنى آسف لأنى وقعت عليك». # قلت: «هذا أدهى.. أؤكد لك أنى لم أتعمد أن أكون فى طريقك». # فصاح بى: «يا أخى، لا.. ليس هذا ما أعنى.. ألا يمكن أن أقول شيئا لا تستطيع أن تؤوله على ~~هذا النحو؟ إنما أعنى.» # فترفقت وقلت: «أعرف ما تعنى.. وأعرف أيضا أنك حمار.. والآن هات حديثا آخر». # وعرف أنى مقيم بالفندق، فدعانى إلى النزول ms096 ببيته فأبيت.. وشكرته فألح، فقلت له إنى هنا حر ~~أفعل ما بدا لى ولا أتوخى إلا راحتى. وحريتى أعز على من أن أقبل ضيافتك الكريمة، فأبى ~~فأصررت، ثم مضى وفى ظنى أن الأمر انتهى.. وإذا بى أعلم حين هممت بالعود إلى غرفتى لحاجة لى، ~~أن الصديق حمل حقيبتى ومضى بها إلى بيته وترك لى مركبته، وأنه لم تبق لى فى الفندق غرفة. # وأوجز فأقول: إنى لم يسعنى إلا أن أذهب إلى البيت على فرط استثقالى لذلك، فإذا البيت شىء ~~مهول وإذا هو بيتان فى الحقيقة.. واحد للرجال وآخر بعيد عنه للنساء، وبينهما بستان واسع ~~وحديقة زهر فيحاء، وفضاء رحيب.. ألفيت أبناء صديقى يلعبون فيه - أو خيل إلى فى أول الأمر ~~أنهم يلعبون - ولكنى لما دنوت منهم رأيت رجلا معروفا لم أرتح إلى وجهه ولم يعجبنى شارباه ~~المفتولان وصلعته الناصعة، وكان قصيرا مثلى.. ولكنه أشد منى دمامة وأضيق عينا. وكان هذا ~~الرجل يصيح بالغلمان وهو واقف لا يتحرك، فيحركون أيديهم أو أرجلهم وينثنون ويعتدلون ~~ويستلقون على ظهورهم ويرفعون سيقانهم وأذرعهم، وكان صديقى واقفا يهز رأسه راضيا مرتاحا، ~~فقلت له: «ما هذا الذى أرى؟ ومن هذا الرجل القبيح؟ ومن هؤلاء الصبية؟ هل نويت أن تقيم فى ~~بيتك (سيرك)»؟ # فقال وهو يضحك: «لالالا.. هؤلاء أبنائى». # فقلت مستغربا: «أبناؤك؟ ولماذا تترك هذا الرجل القبيح يمرغهم فى التراب»؟ # فقال وهو يجرنى: «لا تصح هكذا لئلا يسمع.. إنه معلم الرياضة فى المدرسة.. يدرب الأولاد ~~على الحركات الرياضية». # فقلت: «أولا يكفى تدريبه لهم فى المدرسة؟ مدهش.. أمن أجل أن الله رزقك مالا تروح تبعثره ~~فى هذا الكلام الفارغ ليقال إنك متمدين»؟ # قال: «لا، إنك لا تعرف.. إن الحكاية طويلة ولكنى أختصرها لك فأقول: إن أحد السياح ~~الأمريكيين كان هنا فى الشتاء الماضى، فاتصلت به بطبيعة الحال - صديقى تاجر عاديات - ورأى ~~أبنائى فنصح لى - وهو طبيب - أن أعنى بحياة أبنائى الرياضية، وأن أتخذ لهم معلما. هذه هى ~~الحكاية.. وقد نسيت أن أقول إن أحدهم كان مريضا». # قلت: «هذا ms097 ما قلت.. تقليد ليس إلا.. ما علينا.. أين الحقيبة؟ فلست أنوى أن أقيم فى ~~مصحة». # ولكنى أقمت فى المصحة وإن كنت قد استطعت أن أتقى هذا «التصحيح» الذى يجرى على أبناء ~~مضيفى.. ~~••• # والأقصر - إذا كنت مقيما فى بيت لا فى فندق - مملة، لأن الحياة كلها فى الفنادق، وقد ~~حزمنى صاحبي وألقانى فى بيته. فلم أكن أخرج إلا نهارا لأزور الآثار، فإذا جاء الليل ذهبنا ~~إلى شرفة الفندق ومكثنا قليلا، ثم عدنا إلى البيت لنتعشى حتى ولو كنت غير جائع وإلا عد نفسه ~~مقصرا فى حقى، ولا أدرى لماذا.. ولكن هذا هو الاعتقاد الشائع. وضقت ذرعا بهذا الكرم ولم أعد ~~أطيقه، فغافلته مرة وانطلقت أعدو إلى الفندق، ودخلت البار وشربت حتى ارتويت ثم خرجت إلى ~~الحديقة الرحيبة، وذهبت أتمشى فيها وأطوف فى أرجائها. وكانت الليلة مقمرة والهواء لا رطوبة ~~فيه، فطال تجوابى فلما نظرت فى الساعة إذا هى الحادية عشرة ولم يكن هذا ظنى، فبادرت إلى ~~العودة إلى البيت وقد سرنى أنى استطعت أن أروح وأجىء وحدى وكما أحب وفى حيث أريد والسلام، ~~وإن لم يكن هذا - بمجرده - خيرا مما فررت منه.. فما كان ثم أى حرج فى أن أشرب أو أفعل ما ~~أشاء وهو معى، ولكن الوحدة أشعرتنى حرية كنت افتقدتها معه إذ أراه إلى جانبى، وكان هو يتوخى ~~مرضاتى فى كل شىء كبر أم صغر. ولكنى لم أكن أرتاح إلى هذا ولا كان يسرنى أن أرى رجلا يقيد ~~نفسه بى، وكان يخيل إلى أنه فى سريرته كاره غير راض، وأنه مثلى لا يريد أن يكون غير مرتبط ~~أو مشدود إلى أحد. ولم يكن هذا كذلك فى الحقيقة، فإن الرجل كريم عظيم الأريحية، ولكن هذا هو ~~الذى قام فى نفسى وكبر فى وهمى. # وعدت إلى البيت وأنا أشعر أن الحياة تستحق أن يحياها المرء وأن الدنيا جميلة، وشعرت بشىء ~~من الظمأ على كثرة ما شربت.. وكنت أعرف الطريق إلى حيث أطفىء ظمئى ففتحت بابا ودخلت إلى حيث ~~الشراب، وهو مكان ms098 رحيب فيه خزانات شتى، فيها ما لم أحصه من الزجاجات المختلفة الألوان ~~والحجوم، وفى الوسط مائدة مستطيلة مغطاة بالمخمل الأخضر وحولها الكراسى الوثيرة.. فأدرت ~~مفتاح النور، وإذا بى أرى ذاك الرجل الدميم القصير الذى يقيم الأولاد ويقعدهم ويعذبهم ~~بالانحناء والانثناء والقفز والوثب والنط إلى آخر ما كرهت منه ومن منظره، فندت عنى صيحة ~~استغراب وإنكار، وماذا يجىء به إلى هنا فى الليل - فى منتصف الليل - وهو لا يبيت معنا بل ~~يذهب إلى بيته؟ # ولم يخالجنى شك فى أنه لص شرير، على أنه خطر لى مع ذلك أن بيت الرجال أو الضيوف ليس فيه ~~ما يسرق غير الأثاث وهو ضخم لا يسهل حمله أو نقله، ورجح عندى أن هذا المعلم الرياضى لص خمر ~~وأنه جاء متسللا ليشرب كأسين أو ثلاثا بلا ثمن ... وسواء أكان هذا أم ذاك هو الصواب، فقد شعرت ~~أن من واجبى أن أنغص عليه ليلته. # وصحت به: «من أين دخلت أيها اللص الجاحد الناكر للجميل»؟ وكنت أتكلم بعنف وفى يدى عصا ~~ضخمة وفى عينى لمعة أظن الفضل فيها لما سقانى صاحب «البار» فى الفندق، فرأيت الرجل يستخذى ~~ويتضاءل ويتراجع إلى النافذة، فأطلقت عليه صيحة عالية: «قف» فوقف كالجندى، وكان الفضل فى ~~سرعة الوقفة واعتدالها وجمال منظرها لتربية الرجل الرياضية أو العسكرية لا لقوة الصيحة، ~~ولكنه أطاع على كل حال.. فسررت وقلت له مرة أخرى: «قل من أين دخلت فى الليل.. فى منتصف ~~الليل»؟ # فقال بذلة وضراعة: «من النافذة.. فقد وجدت الأبواب موصدة، والخدم نياما». قلت: «آه.. ~~ولكنى أنا لم أجد الباب موصدا». # وأيقنت أنه كاذب وأنه تعمد أن يدخل من حيث لا يراه أحد، وهم فى هذه اللحظة أن يقول شيئا ~~فأطلقتها عليه صيحة أخرى مدوية.. فى أذنى أنا فما أظن أحدا سمعها أو سمع بها خارج الحجرة: ~~«اخرس». # فخرس ووقف ساكنا لا يتحرك، فسرنى مرة أخرى أنه يطيع على هذا النحو، وقلت لنفسى إن للرياضة ~~نفعا على ما يظهر. ولو لم يكن هذا الرجل رياضيا، لكان الأرجح ms099 أن يحاور ويجادل ويكابر ويناقش ~~ويوجع لى رأسى، ويسلب الأمر كله ما أجد الآن فيه من المتعة. # وقلت له: «ألست أنت الرجل الذى يكلف هؤلاء الأولاد المساكين أن يتلووا ويتعوجوا وينطوا ~~ويقفزوا»؟ # قال: «نعم يا سيدى». قلت: «أرنا إذن بعض ما أتقنت يا صاحبي». # قال : «نعم». # قلت: «تلو.. تعوج.. انثن.. انحن.. افعل كل ما رأيتك تأمرهم أن يفعلوا.. تفضل». # فتردد برهة لا أدرى لماذا أو كيف، ثم كأنما بدا له أن خير ما يصنع هو أن يطيع وأمره لله.. ~~فراح ينثنى ويعتدل، وأنا أقف أنظر إليه معجبا مسرورا، وكلما نظر إلى استزدته حتى خيل إلى أن ~~ظهره سيقصم.. فدعوته أن يقف، وشرعت أفكر فى عذاب آخر أنزله به، ففركت جبينى ثم تذكرت فقلت: ~~«آه.. لقد كنت واثقا أنى سأتذكر.. اصنع من جسمك عقدة كعقدة الحبل». # فلم يفهم، فقلت له مرة أخرى: «ألا تعرف العقدة؟ تلف الحبل وتصنع منه دائرة وتدخل طرفا منه ~~فى هذه الدائرة ثم تشد الطرفين فتعقد العقدة. هكذا أريد منك الآن أن تصنع بنفسك. اصنع من ~~خصرك دائرة وأدخل ساقك فيها.. أو لا أدرى كيف تصنع ذلك؟ المهم أن تصنع ذلك وأن أراه ... ~~تفضل». # فرقد الرجل على الأرض، وراح يقوس ظهره كما لم أكن أتوقع أن يستطيع أن يفعل.. وأنا متكئ ~~على المائدة، وفى يدى سيجارة أشعلتها ورحت أدخن وأنظر معجبا مغتبطا. ورأيته يحاول أن يعقد ~~العقدة التى أمرته بها، فلم يسعنى إلا أن أضحك.. فقد كان منظره يغرى بذلك وهو يلتوى على ~~الأرض، ولكنى لحماقتى ضحكت والدخان فى فمى، فكادت روحى تزهق ... وجعلت أسعل سعالا شديدا، ~~فاغتنم الخائن الماكر هذه الفرصة ووثب إلى رجليه ثم إلى النافذة، ومنها إلى حيث لا ~~أعرف. # وبينما كنت أوصد النافذة.. وأنا آسف على المتعة التى لم تطل، إذا بمضيفى يقول: «يا أخى ~~أنت كنت فين.. لقد حدثتنى نفسى أن أبلغ البوليس والله». # فقصصت عليه القصة وأنا أكاد أقع من الضحك، فقال: «يا شيخ حرام عليك.. هذا رجل ~~مسكين». # فصحت به: ms100 «أما أنك لرجل مدهش.. إذا كنت تعتقد أن تكليفه هذه الحركات البهلوانية تعذيب له ~~فإنها تكون أيضا تعذيبا لأولادك». # فقال: «لا، ولكنه كبير السن وأولادى صغار ... ثم إنه لا يكلفهم أن يلووا أجسامهم ويصنعوا ~~منها عقدة كعقدة الحبل.. كيف خطرت لك هذه الفكرة الخبيثة»؟ # قلت : «لم يخطر لى شىء، وإنما كان هذا ما بدا لى أنه يكلف أولادك أن يصنعوه حين ~~رأيتهم». # قال: «قم لتنام، وحسبك هذا طول العمر». # وقد صدق.. فما أزال أضحك إلى الآن كلما تذكرت تلك الليلة. # الفصل الرابع عشر # | ثمن سيجارة # كم تظن السيجارة كان ثمنها فى سنة 1909م؟ # لا أدرى ممن القارئ.. أمن الأيفاع الذين يزدان بشبابهم الغض هذا القرن العشرون، أم من ~~المخضرمين الذين أدركوا - مثلى - القرن الماضى وهو يجود بأنفاسه، وأبوا إلا أن يركبوا هذا ~~الزمن بشبابهم الدائم الذى يأبى أن يدركه الهرم أو يرده الشيب إلى تكلف الوقار؟ وإن كان - ~~أعنى شبابهم المتلكىء - لا يمتاز لا بغضاضة، ولا ببضاضة. وليكن القارئ من شاء - من المحدثين ~~أو ممن هم أحدث منه وإن كانوا أعلى سنا - فهذه فذلكة تاريخية يستطيع أن ينتفع بها إذا كان ~~له من الذكاء حظ. وهل أحرص منى على فائدة القراء؟ # كنت فى تلك السنة - سنة 1909م - قد تخرجت فى مدرسة المعلمين العليا، ومن كان يشك فى ذلك ~~فليسأل وزارة المعارف فلن تحابينى. وكنا فى مقدمة الصيف، وكنت متعبا مرهقا - لا أدرى لماذا؟ ~~فما أعرفنى عنيت بحفظ درس فى حياتى - فاستشرت طبيبا أو على الأصح ألح أهلى أن أستشيره، فقد ~~صارت لحياتى قيمة بعد أن حملت هذه «الدبلوم» وبلغت بها مبالغ الرجال الذين يكسبون رزقهم ~~وينفقون على سواهم. فلما فحصنى الطبيب، قال: «لا شىء.. يكفى أن ترتاح وتتنزه» قلت: «أين»؟ ~~وكان ضيق الصدر فقال: «وهل أنا أعرف.. فى أى مكان غير البيت» فلم يحسن وقع جوابه فى نفسى، ~~فقلت له: «وهل كنت تحسب أن بيتى منتزه يا أخى.. أم خيل إليك أنى بنت لا أعرف غير غرف ~~البيت.. سبحان الله ms101 العظيم» وأنصرفت ساخطا. # وأوسعته ذما فى الطريق إلى بيتى - مزقته ونثرت لحمه وجلده للكلاب.. حتى الشعرات القليلة ~~التى بقيت فى رأسه الأصلع انتزعتها واحدة واحدة، وسرنى أنه كان يتألم ويتلوى وأنا أشدها ~~بأظافرى وأقتلعها من جذورها - بخيالى - وكنت أقول له: «هذا جزاؤك يا وقح.. عسى أن يعلمك هذا ~~أن التهكم على الناس غير جائز». # ويظهر أنى كنت أكلم نفسى فى الطريق بصوت عال، فقد استوقفنى قريب لى وقال لى: «مالك.. ماذا ~~جرى»؟ # قلت له مستغربا: «نعم.. ماذا جرى»؟ # وتجهمت له فقال: «من الذى تشتمه وتسبه هذا السب القبيح»؟ # فأفقت وارتد إلى عقلى.. وكان قريبى هذا له نسيب عندنا له بقية من مال قليل استودعناه ~~إياه ليجريه مع ماله فى تجارته، فقلت له: «يا أخى هذا الطبيب الذى أرسلتمونى إليه يقول لى: ~~إنه لا دواء لى إلا أن أذهب إلى لبنان، وأنه لا أمل لى فى الشفاء بغير ذلك.. ولا أدرى ما ~~أصنع، فقد ذهب أكثر نصيبى فى نفقات التعليم والباقى لا يكفى للسفر إلى الشام. ولست أحب أن ~~أجور على نصيب أمى وأخى وإن كان من السهل رد ما أقترض بعد أن أقبض مرتبى من وظيفتى.. وعلى ~~ذكر ذلك، أقول لك إنى عينت مدرسا فى المدرسة السعيدية الثانوية». # وكان الذى أخطر الشام على بالى فى هذه اللحظة، أن لى صديقا أصابه صداع ملح أعيا الأطباء ~~شهورا.. فبعثوا به إلى لبنان فاستراح من آلامه، وكتب إلى من هناك يصف لى جمال البلاد ~~ويدعونى إلى اللحاق به. # وكان لابد من موافقة أمى على الاستدانة من نصيبها أو نصيب أخى من هذه البقية الباقية من ~~المال القليل، وكانت - رحمها الله - قوية ذكية، ولم أكن أجرؤ أن أكذب عليها.. ولو أنها كانت ~~سألتنى لما وسعنى إلا أن أحدثها بما دار نفسى من أساليب الاحتيال عليها - لا خوفا منها، بل ~~لأنها عودتنى أن أصدقها وألا يكون جزائى على الصدق إلا الخير. غير أنها لم تسألنى شيئا بل ~~وافقت وقالت: «اقتراح حسن.. اذهب إلى ... خذ منه ms102 ما يكفيك». # ولو كنت ذكيا لأدركت أن فى الأمر سرا، وأن وراء هذه الموافقة السريعة التى لم أكن أتوقعها ~~تدبيرا خفيا.. ولتذكرت أنها كانت تحبنى حتى كانت لا تستطيع أن تفارقنى يوما واحدا فكيف بشهر ~~أو شهرين؟ ولكن خفة الشباب صرفتنى عن النظر فى شىء من هذا ، فصدقت وذهبت إلى الرجل فقال: ~~«ليس معى الآن إلا خمسة جنيهات فخذها، ولولا أنى مريض لخرجت معك لأجيئك بكل ما تحتاج إليه.. ~~ولكن بضعة أيام لا تقدم ولا تؤخر». # فخرجت مغتبطا فما كنت رأيت قط قبل ذلك اليوم خمسة جنيهات - ذهبا - فى كفى أصنع بها ما ~~أشاء ولا أسأل عنها. وأنسانى الفرح أن كونى لا أسأل عن هذه الجنيهات ماذا صنعت بها هو ~~التدبير الذى لجأت إليه أمى اعتمادا على ما تعرف من تبذيرى وإسرافى اللذين أعياها ~~علاجهما. # ومضت أيام ثلاثة نقصت الجنيهات التى معى بعددها، فقد أبقيتها فى جيبى.. فطارت واحدا بعد ~~واحد كأن لها أجنحة، فعدت إلى صاحبنا وقلت له أنى أريد بقية المبلغ اللازم لأنى أخشى الضياع ~~على كل ما يعطينى.. فأبدى الاستغراب وسألنى عما بقى معى من الجنيهات الخمسة، فقلت لم يبق ~~إلا اثنان فقط.. فهز رأسه ولم يقل شيئا وناولنى خمسة أخرى وقال: «إلى أن أشفى». # فكبرت فى عين نفسى، فقد كنت فرحت بخمسة وأحسست أنى رجل عظيم.. فكيف وقد صار معى سبعة لا ~~خمسة فقط.. ولم أعد فى تلك الليلة إلى البيت إلا قبل الفجر متسللا، فألفيت أمى قاعدة تدخن ~~وتنتظرنى، ولكنها لم تقل شيئا واكتفت بالنظر والابتسام. ولو كنت ذكيا لاستغربت أن تبتسم ~~لابنها الذى لا يكاد يقوى على الوقوف على قدميه - لا من السكر فما كنت سكيرا بل من التعب ~~والإعياء والسهر - وكانت هى تعرف أن الخمر لا تعنينى فلم تكن تخشى شيئا من هذه ~~الناحية. ~~••• # ولا أطيل على القارئ، فإنى أخشى أن أستطرد إلى غير ما أردت - والحديث ذو شجون كما يقولون ~~- ويكفى أن يعلم أنى أضعت خمسة عشر جنيها فى خمسة عشر يوما. ms103 وكان الذى عنده ما بقى من مالنا ~~يتماثل للشفاء، وكنت أزوره لأعوده كل يوم فما يليق غير ذلك، فاتفق يوما أن كنت عنده - معه ~~فى غرفته - فجاءه الطبيب على عادته فى كل يوم فخرجت إلى الشرفة وجعلت أتمشى فيها - وكانت ~~رحيبة - إلى أن يفرغ الطبيب من فحصه ، وكنت قد اشتريت «علبة» من الفضة للسجاير - فقد صار هذا ~~البذخ فى وسعى - فأخرجتها من جيب البنطلون حيث رأيت أبناء الوارثين يضعونها، وأشعلت سيجارة ~~وانطلقت أدخن وقال لى الطبيب: «هذه قسوة». # فاستغربت وسألته عن معنى كلامه، فقال إنه - أى الطبيب - حرم التدخين على نسيبنا هذا، وقد ~~كانت رائحة الدخان تدخل الغرفة. وكان يرى المسكين تجحظ عيناه ويهتز رأسه على الوسادة، ولكنه ~~لا يستطيع أن يقول شيئا لأنه - أى الطبيب - واقف، وحذرنى من أن أعطيه دخانا، وقال إن مريضه ~~لاشك سيتعلق بى ويلحف فى رجائى أن أعطيه ولو سيجارة واحدة.. ولكن مصلحته تقتضى أن لا أرق ~~له. ثم انصرف. # وعدت إلى صاحبنا وقد اختمرت فى رأسى فكرة - آخذ عشرة جنيهات دفعة واحدة، فإن أخذ الخمسات ~~لا فائدة منه - وأسافر بها بلا تريث، وأطلب من هناك كل ما أحتاج إليه.. فما يعقل أن يضنوا ~~على بشىء فى الغربة. ودنوت منه، وفركت كفى وقلت: «أظن أن لا فائدة اليوم من طلب ~~شىء». # فوافق - وهو عابس - على أن لا فائدة. # فقلت: «حتى لو كان الطلب لا يعدو عشرة جنيهات لا أكثر»؟ # فزاد وجهه عبوسا وهز رأسه هزات متوالية بلا مناسبة فما كان ثم ما يقتضى هذا العنف وهو ~~المحتاج إلى الراحة التامة. ثم إنى لم أتعود منه إلا التلبية السريعة، فاقتنعت بأن رائحة ~~الدخان - أو الطباق كما علمنى المرحوم الشيخ حمزة فتح الله - هى المسئولة عن هذا السلوك ~~الجديد الذى لا عهد لى به منه. # قال بلهجة الجزم: «أبدا» ولم يزد. # قلت: «لا حول ولا قوة إلا بالله». # ومددت يدى إلى جيبى، فأخرجت العلبة الفضية منه وفتحتها ببطء - وكانت ملأى بالسجاير - ~~وخفضت يدى بها وأملتها وأنا أتناول ms104 منها - ليرى ما فيها من صفى السجاير، وأخرجت واحدة ورددت ~~العلبة إلى مكانها، وأشعلت السيجارة. # وإذا بالنائم ينتفض ويقعد على السرير ويصيح بى بصوت كالرعد: «هات العلبة.. هات ~~العلبة». # فصحت به وأنا لا أريم مكانى ولا أظهر اكتراثا لانتفاضه: «إيه»؟ # فصاح وهو يلوح بكلتا يديه: «هاتها.. أقول لك هاتها. ألا تسمع»؟ # فقلت وأنا أتظاهر بأنى لم أفهم مراده إلا الآن فقط: «آه تقصد السجاير..»؟ # وأخرجت العلبة وفتحتها له وأنا فى مكانى - على نحو مترين منه - «هنا - فى هذا الجانب ~~سجاير الفيل.. وفى هذا الجانب سجاير جناكليز». # فصاح: «هات.. هات.. هات». # قلت ببرود: «هى لك كلها إذا شئت». # فصاح: «أو لم أشأ.. لقد قلت لك هات مائة مرة فهل أنت أصم.. هات.. أقول لك هات». # قلت، وأنا فى مكانى: «وهل تظن أنى أضن عليك بشىء؟ إذن أنت لا تعرفنى.. ولكنى أشعر بحاجة ~~شديدة إلى عشرة جنيهات.. عشرة ليس إلا.. مبلغ زهيد فى الحقيقة وقد جئت إليك وفى مأمولى أن ~~أبلغ عندك مقصودى، فما قولك»؟ # قال: «خمسة.. مثل كل مرة». # قلت: «عشرة.. والعلبة كلها لك.. إذا شئت.. أما إذا لم تشأ، فالأمر على كل حال لك». # قال: «اجعلها سبعة.. وهات بقى». # قلت: «إنى أكره المساومة.. طباعى تأباها.. وتربيتى تجعلنى أنفر منها.. أوه أنفر جدا ~~منها.. إنك لا تستطيع أن تتصور شدة نفورى من المساومة.. يبلغ من كرهى لها أن أزهد فى الأمر ~~كله فلا أعود أقبل الكلام فيه مهما كان الذى يبذل لى». # وطويت العلبة على سبيل التأكد لهذا النفور ووضعتها فى جيبى وقلت: «والآن.. أستودعك الله.. ~~إن شاء الله. إن شاء الله أراك غدا بخير» وأدرت وجهى وهممت بالخروج، وإذا به يصيح بى: «تعال ~~يا مجنون.. خذ العشرة التى تريدها.. هات بقى». # قلت: «حتى تصير العشرة فى كفى هذه». # وبسطتها له حتى لا يساوره الشك.. فتنهد، وناولنيها وعددتها على مهل ثم رميت له ~~العلبة. # وخرجت وتركت له السجاير غير عابئ بأوامر الطبيب، فما أطيش الشباب وأشد حمقه وأقل رفقه.. ~~ولكن الله ms105 سلم ونجا ولم تقتله السجاير. أما أنا فلم يكتب لى الله أن أذهب فى سنتى تلك إلى ~~الشام. ولهذا حديث طويل ليس هذا وقته فإن أكثر الذين يعنيهم لا يزالون أحياء فموعدنا به بعد ~~عمرهم الطويل. # الفصل الخامس عشر # | الببغاء والقط # - أعوذ بالله من الستات ... إنهن لا يرحمن ولا يتركن رحمة الله تنزل. # قلت: «لماذا؟ ماذا يسخطك على الجنس اللطيف»؟ # فاعتدل على كرسيه وحدق فى وجهى، وقال - أو صاح على الأصح: «لطيف؟ أتقول لطيف..؟ أيكون ~~جنسا لطيفا ذاك الذى يلبس هذه الثياب الخفيفة فى البرد ويبدو فيها مكشوف الذراعين إلى ما ~~فوق المرفق؟ إننا نحن الجنس اللطيف لو عقل الناس». # قلت: «يا سيدى.. ثم ماذا أيضا»؟ قال - غير عابئ بتهكمى: «ثم إنه ليس لطيفا فى ~~الحقيقة». # قلت: «هذه ملاحظة سمعناها فهى مكررة.. فإما قلت شيئا جديدا، وإلا فاسكت». # قال: «أنا أعنى أنه جنس غير لطيف المعاشرة». # قلت: «وكيف كان ذلك؟.. أعنى ماذا يسخطك عليه اليوم»؟ # قال: «لعلك تذكر «إحسان».. لقد عرفتك بها. تعلقت بى كأنها ظلى، فسئمت وأقول لك الحق أنى ~~خفت العاقبة.. فقد كنت أستملحها وأستعذب حديثها وأستريح إلى مجلسها، ولكن المصيبة أنها تحسب ~~أن الملاطفة والمجاملة حب. الحق أن أمر هؤلاء البنات عجيب.. كل كلمة من الرجل - أعنى كلمة ~~ملاطفة أو تودد - يتخذنها دليلا على الحب.. فإذا قلت لها إن ثوبها جميل، أو أن شعرها المرسل ~~أو المرجل بديع، أو أن حذاءها حسن، أو أن ابتسامتها حلوة أو عذبة، أو أن ظل أهدابها على ~~وجنتيها فاتن أو غير ذلك - أى كلمة ثناء تنطق بها - فما أسرع ما تؤولها بأنها صادرة عن حب ~~وعشق وهيام وتدله! مصيبة يا أخى والله، يظهر أن هؤلاء الفتيات بهن ظمأ شديد إلى الحب، ويخيل ~~إلى أن حياتهن تجفف نفوسهن وتذويها وتؤجج فيها الشوق إلى الحب.. فلا تكاد الواحدة منهن ~~تسمع لفظا عاديا من ألفاظ المدح التى يستدعيها حسن المجالسة وأدب الحديث حتى يثب خيالها من ~~فرط اللهفة إلى سماء الوهم السابعة». # فقلت - وقد ms106 برمت بهذه المحاضرة: «أتريد أن تقص حكاية أم أن تتفلسف؟ يجب أن أعرف لأعد ~~نفسى، وأتهيأ لما سأتلقى». # فقال: «طيب.. قلت لك أن هذه الفتاة - «إحسان» توهمت - أو أنا خفت أن تكون قد توهمت - أنى ~~أحبها. ولست أكرهها أو أستثقلها فإنها ظريفة جدا، ولكنها ليست الفتاة التى أختارها للزواج ~~ولا سيما بعد أن عرفت «حورية»». # قلت: «إنى أهنئك». # قال بلهفة: «أو تعرفها.؟ أليست بالله مدهشة؟ ألا ترى أنها..» قلت - وأنا أرفع يدى لأصد ~~هذا السيل المنحدر: «مهلا.. مهلا.. أنى لى أن أعرفها؟ إنما راقنى الاسم وجرى فى خاطرى ~~أنك.. لعلك..». # فلوح بيده وقال: «إنك ثقيل.. تخجل المرء وتلقى على حماسته ماء باردا.. ما هذه الطباع ~~السخيفة؟ لماذا تحب أن تصدم الناس على هذا النحو القاسى»؟ # قلت: «آسف يا صاحبى.. لم أصدمك.. ولو كنت أعلم أن كلمتى سيسوء وقعها فى نفسك إلى هذا الحد ~~لما نطقت بها. والآن ارجع إلى حوريتك، فإن اسمها يبشر بحكاية ...». # قال: «أو هذا كل ما يعنيك ... الحكاية ليست إلا ... شىء بارد». # قلت: «يا أخى كن منصفا ... هل تريد أن أحب حوريتك هذه من فرط حبك لها وأعجابك بها»؟ قال: ~~«أعوذ بالله» قلت: «انتهينا إذن ... هات الحكاية». # فاقتنع وقال: «الحكاية أن حورية أهدتنى ببغاء صغيرا وقطة أيضا.. لا أدرى لماذا؟ ولكن ~~لعلها ظنت أن بيتى حديقة حيوانات.. على كل حال هذا ما حدث.. ثم سافرت، وخطر لى أنى أستطيع ~~فى فترة غيابها أن أتخلص من «إحسان» حتى إذا عادت حورية، وجدت الميدان خاليا.. فقد كنت أخاف ~~أن ترى إحسان معى مرة فتظن بى الظنون وإن كان لا محل لها فى الحقيقة، فما بينى وبين إحسان ~~ما يدعو إلى أى ظن.. ولكن النساء لا يفهمن الصداقة، ولا سيما بين الرجل والمرأه. وإحسان - ~~كما تعلم - رقيقة الإحساس جدا، دقيقة الحساب والتقدير لكل حركة. وكانت أمى تحبها وتخالفنى ~~فى رأيى فيها.. ولكنى كنت أقول لها - أعنى لأمى - إنى أنا الذى سيتزوج لا أنت، فاسمحى لى ~~بحرية الاختيار. وأختصر فأقول: إنى ms107 اتفقت معها - أعنى إحسان فى هذه المرة لا أمى - أ ن تمر ~~بى فى البيت لنذهب معها إلى القناطر الخيرية ونقضى يومنا هناك ومعنا أمى. وسافرت فى ذلك ~~اليوم على الرغم من احتجاج أمى واعتراضها، ولكنى حلفت لها أن العمل الذى يدعونى إلى السفر ~~لا يحتمل الإرجاء . وطمأنتها فأوصيتها بإحسان وألححت عليها - وإن لم تكن بها حاجة إلى ذلك - ~~أن تكرمها وتسرها وأن تتقى أن «تكسر خاطرها» كما يقولون.. فهل تدرى ماذا صنعت أمى»؟ # فهممت أن أقول شيئا، ولكنه منعنى بإشارة ومضى يقول: «إن الذى أريد أن أقوله هو أن أمى - ~~على ما يظهر - سئمت عشرة القطط والببغاوات - ولها العذر - والحقيقة أنى لا أدرى كيف يمكن أن ~~يوفق بين قط قوى صحيح وثاب وببغاء صغير لا يستطيع أن يتكلم ولا يحسن إلا أن يخرج أصواتا ~~كتلك التى قد يخرجها كروان أصابه زكام - لا تقاطع أعوذ بالله من هذه المقاطعة - إنما أعنى ~~إذا أمكن أن يصاب الكروان.. أو أى عصفور بالزكام.. هل استرحت الآن؟ فقد كان القط لا ينفك ~~يثب إلى القفص محاولا أن يقتنص الببغاء، وكان الببغاء لا ينفك يصرخ أو يصيح أو يستنجد أو لا ~~أدرى ماذا أسمى هذه الأصوات المزعجة التى يخرجها ويستغيث بها حين يهم به القط. ومن العبث أن ~~تحاول أن تفهمه أنه فى قفص وأن القط يستطيع أن يقتل نفسه وثبا، فإن له - أعنى للببغاء - من ~~القفص وقاية كافية. وكيف السبيل إلى الراحة فى بيت فيه ببغاء لا يكف عن الصراخ، وقط لا يكف ~~عن الوثب حول قفصه؟ والقط حيوان خبيث متلصص لا سبيل إلى منعه أن يدخل على الببغاء فى حيث ~~يكون من البيت إلا إذا وقفت له بالعصى على باب الغرفة طول النهار. ومع ذلك يستطيع أن يغافلك ~~ويتسلل من بين رجليك وأنت غير دار بما فعل، وإن كنت واقفا كالعصى أو المقشه التى فى يدك. ~~وقد حيرنا جدا هذا القط - أعنى أنه حير أمى فقد تركت الأمر كله لعنايتها فإذا وضعنا الببغاء ms108 ~~على حافة الشرفة لينعم بالشمس والهواء قليلا، نط القط إليه وراح يحاول أن يدخل من بين ~~القضبان فينأى الببغاء المذعور إلى آخر القفص، ويرى القط أن يده لا تصل إليه فيطوى كفه ~~ويثنى يده ويروح يحكها بالقضبان - عامدا بلا شك - فينقلب القفص ويصيب الببغاء الرعب، فيضرب ~~بجناحيه كالمجنون ويطلق أعلى صيحاته المنكرة، والقط يحوم حوله ويلوب ويموء مواء له دلالته ~~التى لا تخفى، ويطل الجيران من نوافذهم وشرفاتهم على القيامة التى قامت فى شرفتنا، ونسمع ~~نحن الضجة فنذهب نعدو كمركبة الإسعاف. أعنى أننا لا نبالى ما يكون فى طريقنا من الأشياء، ~~فكم من طاولة انقلبت بما عليها، ومن زهرية انكسرت، ومن أطباق سجاير انتثرت فى الغرفة، الخ ~~الخ.. وإذا علقنا الببغاء - أعنى قفصه يا سيدى - راح القط يتوثب حوله غير عابئ بما يسقط ~~عليه حين يهبط إلى الأرض من وثباته، ويقلبه أو يكسره.. ولا أطيل عليك فإن فى وسعك أن تتصور ~~حياتنا مع القط والببغاء.. وأكبر الظن أن حورية أرادت أن تتخلص من هذا البلاء فأهدته إلينا ~~وقيدته علينا فى سجل حسناتها. المهم على كل حال أن أمى فى غيابى أحسنت الاعتذار إلى «إحسان» ~~وأهدت إليها القط والببغاء جميعا.. ويخيل إلى الآن أنها رمت عصفورين بحجر.. لاحظ أنى لا ~~أقول أصابتهما، وإنما أقول إنها رمتهما فما أصاب الحجر سوى رأسى.. ذلك أنى بعد أن عدت وعرفت ~~ما كان واضطربت له وقلقت، انتهيت إلى أن الخيرة فى الواقع وأنه ليس فى الإمكان خير مما ~~كان.. ومضت أيام وأنا مغتبط بالراحة الجديدة التى شعرنا بها بعد أن تخلصنا من هذين البلاءين ~~- القط والببغاء - وإذا بحورية داخلة كالمدفع الرشاش. ولست أستطيع أن أقص عليك ما سمعت ~~منها، فقد دار رأسى حتى صرت لا أعى ما أسمع، ولكن أمى لخصت لى الموضوع بعد خروجها، فقالت ~~إنها عرفت - لا أدرى كيف - أنى أهديت هديتها، القط والببغاء، إلى «إحسان» فهى لهذا واجدة ~~ناقمة ولا تريد أن ترى وجه هذا الخائن بعد اليوم.. وهكذا طارت من يدى ms109 حورية.. ما أظن بأمى ~~إلا أنها تعمدت أن تطيرها بهذه الحيلة.. فقد كنت أريد أن أتخلص من إحسان فما تخلصت إلا من ~~حورية. ولا أدرى ماذا أصنع فإنها لا تقبل أن تسمع منى كلاما أو تصغى إلى شرح وتفسير، فهل ~~عندك رأى تشير به»؟ # فقلت: «قل لى أولا.. هل تعلم كيف استطاعت إحسان أن توفق بين القط والببغاء»؟ # فقال: «الحق أقول لك أنى أعتقد أن المرأة أحزم من الرجل، فإن إحسان لم تحاول قط أن تحل ~~العقدة.. وأنما قطعتها بحد السيف. ذلك أنها لم تكد تصل إلى بيتها وترى كيف ينظر القط نظراته ~~المريبة إلى الببغاء حتى خيرت نفسها فاختارت الببغاء. ثم تناولت القط ودسته فى غرارة ودفعت ~~به إلى الخادم، وأمرته أن يذهب إلى الطرف الآخر من المدينة ويفرغ الغرارة هناك. ويطهر أن ~~حورية عرفت هذا أيضا فإنى أرى نقمتها تزيد وتشتد ولا أراها تفتر فما العمل»؟ # فقلت: «أوه.. لا شىء.. لا تقطع نفسك حسرات.. دع الأيام تعمل عملها». # فصاح بى: «ولكن عمل الأيام زفت وقطران.. فكيف أتركها تعمل عملها»؟ # فهززت رأسى ومططت بوزى. وماذا أقول لمن يتكلم هذا الكلام؟ ثم خطر لى سؤال فقلت: «هل أمك ~~رجل»؟ فصاح: «إيه»؟ # قلت: «لماذا لم تحل العقدة كما حلتها إحسان وهى امرأة مثلها»؟ # فمضى عنى ساخطا ولم يجب. # الفصل السادس عشر # | السيارة المسروقة # - إن من الواضح أن تربيتك ناقصة.. ناقصة جدا.. هذا أنا - بجلال قدرى - أكلمك منذ عشر ~~ساعات وخمس وعشرين دقيقة وثلاث وأربعين ثانية وأنت لا تجيبين. # فقالت زوجتى أخيرا وألقت ما بيدها - وكان شيئا تطرزه أو لا أدرى ماذا تعنى به: «إنى لست ~~اليوم كفؤا لك ولهزلك، فاسكت من فضلك». # قلت: «هذا بديل جميل من الاعتذار. ألا تستحيين يا امرأة؟ ثم ما هذه الذى تتشاغلين به عن ~~التقاط الحكمة من فم سيدك وتاج رأسك وبعلك»؟ # قالت: «أرجوك.. أرجوك يا مسلم.. ثم إن الطباخة خرجت». # فانتفضت واقفا وصحت: «نهارها أسود.. لماذا»؟ # قالت: «استحسن زوجها أن يكون ذهابها إليه يوم الجمعة ms110 بدلا من يوم الأحد». # فانحططت على الكرسى وقلت: «ووافقت أنت بالطبع»؟ # قالت: «وماذا أصنع غير ذلك؟ وقد أصرا على يوم الجمعة، فلو رفضت لفارقتنا ولعدنا إلى ~~حيرتنا القديمة». # قلت: «يا امرأة.. هل تعرفين أنى أتضور فى هذا البيت؟ يوم الجمعة الذى أستريح فيه وأظل ~~أحلم طول الليل بما أطمع أن أنعم به من الآكل ... أوه إن هذا لا يطاق! هذه.. هذه.. هذه.. نعم ~~بلشفية صريحة، ومع ذلك تزعم الحكومة أنها تكافحها.. ما عيب يوم الأحد بالله.. لماذا يجب - ~~حتما - أن تكون بطالتها يوم الجمعة لا غيره»؟ # فضجرت زوجتى وبدأت تنفخ، وقالت: «ألا تسكت؟ مالك أنت.. إن لك أن تأكل والسلام.. ثم أنها ~~مسلمة وكذلك زوجها فيوم الجمعة أوفق لهما». # قلت: «وهل من الضرورى أن تتزوج هذه الدميمة وذلك المغفل»؟ # قالت، وهى تتمطى: «إنى أشعر بفتور وخدر فاعفنى بالله من وجع الدماغ.. وحسبى هم إطعامك فى ~~هذا اليوم الثقيل». # فقلت، وقد خطرت لى فكرة: «اسمعى، أقل لك». # قالت وهى تضحك: «وهل ترانى اليوم هنا إلا لأسمع؟ تفضل يا سيدى ونور عينى.. وماذا ~~أيضا»؟ # قلت: «وتاج رأسك.. اسمعى.. إن الفتور يغشى جسمك كما تقولين، وأنا رأسى يكاد يطير مذ عرفت ~~أن هذه الطباخة الكريهة الوجه قد تخلت عنا فى يومنا هذا، فما قولك فى أكلة ناشفة خفيفة ~~نصنعها هنا أو نشتريها»؟ # فاعتدلت وقالت وقد لمعت عينها: «لماذا»؟ # قلت: «وندعو فلانة وفلانا - من أقربائنا - ونذهب جميعا ومعنا الأولاد إلى القناطر ~~الخيرية، فنقضى يومنا هناك بين الخضرة والماء». # قالت: «ولكنه سينقصك الوجه الحسن». # قلت: «يا خبيثة.. هل تظنين أنى تزوجتك وأنا مغمض العينين»؟ ~~••• # وحشرتهم جميعا فى السيارة، ودسست السلة التى فيها الطعام والشراب فى مكان مجعول لما يحمل ~~المسافر من زاد ومتاع، وكانت الساعة الثانية مساء حين انطلقنا فبلغنا القناطر بعد نصف ساعة، ~~فحملنا أشياءنا وتركنا السيارة فى حراسة رجل من الواقفين هناك المستعدين لهذه المهمات. ~~وتخيرنا مكانا يشرف على الماء وتظلله أشجار باسقة، وبسطنا السجادة وألقينا عليها صفحات من ~~جرائد الصباح والمساء، ووضعنا ms111 عليها الصحون والصوانى ثم شرعنا نأكل، ولم يكن الطعام فيما ~~يبدو لعيوننا الفارغة كثيرا.. فجعل بعضنا يخطف من بعض فكانت ألذ أكلة وأهنأها، ثم طرحنا ~~الوسائد على السجادة واستلقينا فنام من نام. ولما آذنت الشمس بالغروب ركبنا زورقا فى ترعة ~~أشمون، ثم بدا لنا أن نعود لندرك الشيخ رفعت وهو يتلو القرآن الكريم - فما نحب أن يفوتنا ~~ذلك منه قط - فرجعنا إلى حيث السيارة.. فاذا بها قد اختفت.. # بهت حين رأيت مكانها خاليا فوقفت كالصنم، وأقبلت على زوجتى تسألنى وتهز ذراعى، فقلت لها ~~وقد أفقت قليلا: «نعم.. هزى ذراعى بقوة.. إن بى حاجة إلى الشعور بأنى لست أحلم وأن هذا ليس ~~كابوسا..». # قالت: «أين ذهبت»؟ قلت: «فتشينى.. لقد كانت هنا.. تركتها فى هذا المكان.. وليس فى الأرض ~~ما يدل على أنها انشقت وابتلعتها ... ولست أعرف أن لها أجنحة، فلا يمكن أن تكون طارت. إن ~~الطريقة الصحيحة للاهتداء إلى الحقيقة هى أن يبدأ المرء بنفى كل الاحتمالات غير المعقولة، ~~كما تريننى أصنع الآن». # فصاحت «لولو» قريبتنا: «لقد سرقها اللصوص». # فصحت بها: «تالله ما أذكاك يافتاتى.. ولكن كيف لم نفطن إلى هذا بمثل هذه السرعة ~~المدهشة»؟ # فقالت لولو: «وماذا تكون مزية العبقرية وفضيلتها إذن»؟ # قلت: «صدقت يا فتاتى النابغة..». # فقالت زوجتى مقاطعة: «هل هذا وقت الكلام الفارغ! ألا تفكرون فى طريقة لاستردادها»؟ # فقلت: «آه.. هنا أيضا عبقرية ولكن من ضرب آخر - ضرب عملى لا يرتاح إلى النظريات.. عبقرية ~~يمكن أن ننعتها بأنها نابليونية، ولست أرى أنه ينقصنا - لنوقن أن السيارة عائدة باذن الله - ~~إلا ضرب ثالث». # فقالت زوجتى متهكمة: «نعم يا سيدى.. تفضل». # فقلت بحدة: «لا تتهكمى يا امرأة.. نعم ينقصنا الضرب الشرلكمزى». # فصاحوا جميعا: «إيه»؟ # فقلت: «أعوذ بالله.. مالكم تصرخون هكذا؟ نعم الشرلكمزى يا جهلة.. لو كنتم تعنون بثقيف ~~عقولكم الفارغة قدر عنايتكم بخلافى والمكابرة معى وإنكار نعمتى عليكم وجحود فضلى.. لعرفتم ~~أن الشرلكمزى نسبة إلى شرلوك هولمز». # فقالت زوجتى وهى تضع كفها على فمها: «طيب اسكت بقى». # فلثمت راحتها وسكت.. ms112 كما أمرت. ~~••• # وقال سليم - أخو لولو: «إن من الواضح أن علينا أن نتفرق». # قلت: «بديهى.. حتى لا يرانا اللصوص فيخافوا.. نعم يحسن أن لا نضع شيئا يزعج اللصوص ويفسد ~~عليهم متعتهم». # فصاح بى: «يا أخى ألا تكف عن هذا العبث»؟ # قلت: «كففت بإذن الله.. تفضل.. ولكن اسمح لى أن أسأل هل تعنى أن ترسل الأطفال وحدهم فى ~~ناحية، وأمهم وأختك فى ناحية وتذهب أنت إلى حيث ألقت، وأعود أنا إلى البيت وقد تخلصت منكم ~~جميعا؟ إن كان هذا مرادك فأنا من الآن موافق والسلام عليكم، ولا تكلفوا أنفسكم إرسال ~~عناوينكم». # وبعد أن هدأت الضجة التى أثارتها هذه الكلمات البريئة، قال سليم: «تأخذ أنت الأطفال ~~وهاتين أيضا - وأشار إلى زوجتى وأخته - وتركب تاكسى وتمر أولا بمركز البوليس ثم لا تتكل ~~عليه بل تذهب تبحث.. وأنا أذهب أبحث من ناحية أخرى». # فقالت زوجتى لسليم: «أكون أنا معك فإنى لا أكاد أطيق مزاحه فى مثل هذه الساعات.. إنه لا ~~يفرق بين جد وهزل كل وقت عنده صالح للضحك ... شىء فظيع..». # قلت: «أشكرك.. على أنى أستطيع أن أهذب لك خطتك العقيمة..». # فقالت زوجتى: «بالله اسكت.. أرجوك.. أر.. جوووووو». # قلت: «حالا. حالا. كل شىء فى وقته يا امرأة.. وهل هذا وقت رجاء؟ إنه وقت العمل.. ألا ~~تفهمين؟ اسمع يا هذا. تذهب أنت إلى البوليس وتعفينى من هذه المهمة التى لا أرتاح إليها ولا ~~أعتقد أن فيها فائدة، وتأخذ معك هذه الزوجة الجاحدة الناكرة للجميل، وأفعل بعد ذلك ما ~~تستطيع.. وإلى الملتقى فى البيت العامر إن شاء الله». # فقالت زوجتى: «أيوه.. أنا أقول لكم ماذا ينوى أن يصنع.. سيذهب إلى البيت مباشرة ولا يكلف ~~نفسه أى عناء فى البحث عن سيارته.. وسترون». # وكنت مقتنعا بهذا الرأى حتى لقد اشتريت «صفيحة» بنزين من القناطر وضعناها معنا فى ~~التاكسى، وقلت للولو: «لهذا فائدة أخرى هى أن يعتقد سائق التاكسى حين نتركه ونركب سيارتنا ~~أنا ما استأجرنا سيارته إلا لهذا السبب، فلا يروح يعجب أو يسأل عن شىء ولا ms113 يبدو له شىء غريب ~~فى عملنا». # وقد شاء الله أن يحقق ظنى، فما كدنا نقطع خمسة كيلومترات من الطريق بعد أن تركنا القناطر ~~وأخذنا فى سكة قليوب حتى وجدنا السيارة. وأوجز فأقول أنا ركبناها فرحين، وعدنا إلى القناطر ~~عسى أن نجد بقيتنا. فلما لم نجد أحدا تركنا لهم خبرا عند الحارس النائم، ثم حملناه معنا إلى ~~مركز البوليس لنسرهم ونعفيهم من البحث، فعلمنا أن أصحابنا أبلغوهم خبر السرقة، وأن بعض ~~الشرطة خرج للبحث وأن الخبر طير بالتليفون إلى قليوب والقاهرة ولجهات أخرى أيضا لضبط السارق ~~فى الطريق. فشكرنا لهم هذه الهمة التى لم تكن متوقعة ثم قلت لهم: «إن المهم الآن هو البحث ~~عن زوجتى». # فصاح الرجل: «إيه»؟ قلت: «إنها مع قريبى وقريبها» قال: «انتهينا». # قلت: «كلا لم ننته.. وما أدراك أن هذه ليست سرقة أخرى أفظع وأشنع»؟ # فضحك الرجل.. وجرتنى لولو وهى تحتج. ~~••• # تركنا السيارة أمام رصيف البيت وجلسنا فى الشرفة نأكل لحم الغائبين - أعنى ننتظرهما - ~~وإذا بهما عائدان بعد نحو ساعتين فى سيارة - هى أخت سيارتنا بلا فرق - فانحدرت إلى الطريق ~~بسرعة فوجدتهما يتأملان هذه المعجزة، فقلت: «تمام.. لقد سرقت هذه السيارة يا صاحبي، ولم أكن ~~أعرف أن قريبى ونسيبى لص.. ولكن ماذا أصنع؟ لقد أخفوك عنى قبل أن أتزوج، فصار واجبي أن ~~أخفيك عن أعين الناس بعد أن تزوجت». # فهم بكلام فمنعته ودعوته أن ينظر إلى السيارتين، فاقتنع وقال: «ما العمل الآن»؟ قلت: ~~«تستعد للسجن.. لقد كان هذا واجبا من زمان طويل فى الحقيقة، ولكن ما أكثر من يستحقون السجن ~~وهم طلقاء.. والآن اذهب بالسيارة إلى الجراج - السيارة المسروقة ثم أبلغ البوليس بالتليفون ~~وقل له إنك عندى تنتظر حضوره للقبض عليك». # وعرفنا منهما بعد ذلك أنهما ركبا القطار ثم الترام إلى العتبة الخضراء وإذا بهما يريان ~~السيارة عند رصيف إدارة البريد، فذهبا إليها يعدوان فألفياها خالية فركبا، وانطلقا بها من ~~غير أن يعنيا بالنظر إلى رقمها وانحدرا بها فى شارع فاروق.. وتركا صاحبها المسكين يجرى ~~وراءهما ويصيح ms114 ويصرخ ويستنجد، وهما يضحكان مسرورين.. بارك الله فيهما من لصين ~~جريئين. # وقلت لهما: «لا عليكما.. ستكون العتبة الخضراء كلها عندنا بعد دقائق ببوليسها وصبيانها ~~وباعتها.. إلى آخره.. إلى آخره.. وسيشهد الجيران وجيران الجيران أمتع رواية رأوها أو يمكن ~~أن يروها فى حياتهم أو حياة هذا الشارع الرزين ». # وجاء الشرطة والمسروق المسكين فى تاكسى. وكان لابد أن يروا السيارة وأن ينزلوا، وكنت ~~واقفا إلى جانبها أنتظر هذه التشريف، فقال الرجل: «هذه هى» ومسح العرق المتصبب ودنا منها ~~وهم بأن يفتح بابها فتصديت له وقلت: «عفوا.. هل من خدمة»؟ # فصاح: «خدمة؟ يا حرامى يا مجرم.. أين أخفيت شريكتك؟ المرأة التى كانت معك»؟ # فنظرت إلى الشرطى وأنا أبتسم - فقد كان الموقف يتطلب الهدوء والكياسة، وقلت: «هذه سيارتى ~~يا حضرة الشاويش، فما خطب هذا الرجل»؟ # فصاح الرجل: «سيارتك يا حرامى يا صفيق الوجه»؟ ~~- إنى أسمح لك بأن تتأملها. # فدار حولها ونظر إليها من الأمام ثم من الخلف، ثم وقف أمامى وهو يرعد وينتفض ويقول: «أما ~~مجرم.. بسرعة غيرت أرقامها؟ ولكن هل تظن أن هذا ينفعك؟». # فبدا على وجه الشرطى التردد حينما سمع أن الأرقام مختلفة، وإذا كان المفجوع فى سيارته قد ~~طار عقله، فإن الشرطى لا يوجد ما يدعو إلى ذهاب عقله أيضا، وقلت أنا: «المسألة بسيطة. ومن ~~المعقول أن أغير لوح رقم المرور بسرعة، ولكن ليس من المعقول أن أغير رقم الشاسيه المحفور ~~على محرك السيارة، فتفضل واذكر هذا الرقم بعد مراجعة رخصتك إذا شئت، ثم ارفع غطاء المحرك ~~وانظر». # ففعل فإذا الرقم مختلف جدا، وشعر بالهزيمة وأدرك أنه تجنى على جدا فبدأ يعتذر.. فسألته: ~~«ولكن كيف يمكن أن تخطئ إلى هذا الحد..؟ هل يعقل ألا تعرف سيارتك»؟ # قال: «إنه لا فرق بينهما على الإطلاق لا من الداخل ولا من الخارج». # فقال الشرطى وهو يريد أن يفض النزاع الذى تهور فيه صاحبنا: «ما دامت السيارتان متشابهتين ~~إلى هذا الحد فإنه معذور». # قلت: «وهل كنت تعذرنى لو كنت أخطأت مثل خطئه وذهبت أسب الناس ms115 وأتهمهم بالسرقة»؟ # قال: «طبعا.. صحيح إنه تهور فى الاتهام قبل التثبت، ولكنه معذور فى خطئه فى معرفة ~~السيارة». # قلت: «وإذا دللتك على سيارتك هل تشكرنى.. أم تستأنف اتهامك لى بالسرقة»؟ # فعاد إلى الاعتذار، وأكد لى أنه يكون شاكرا جدا. فلم يبق داع للإطالة فرويت له وللشرطى ~~القصة من أولها إلى آخرها كما وقعت، وقلت لهما إننا أبلغنا مركز البوليس أنا وجدنا السيارة ~~الأخرى التى ظنها قريبى سيارتنا، وأن البوليس لاشك سيحضر بعد قليل ليتسلمها. وبهذا انتهى ~~الحادث.. # وقلت لزوجتى وأنا أدخل بعد الفراغ من ذلك: «هل تعترفين الآن أن الذى كان يضحك ويمزح كان ~~هو الحكيم السديد الرأى الصحيح النظر»؟ # فآثرت المكابرة وقالت إنها مصادفة واتفاق، فشهدت لولو بأنى أحسنت التقدير.. فعادت زوجتى ~~تلوم لأنى كتمت رأيى الحقيقى وتركتها تذهب وتلف وتدور مع سليم، وأنى آثرت لها التعب ولنفسى ~~الراحة. # فقلت: «ليكون هذا لك درسا ... ألم أقل لك أن تربيتك ناقصة»؟ # فهاجوا بى وثاروا، ولكن هذا لا يعنى القراء لا قليلا ولا كثيرا. # الفصل السابع عشر # | ميمى # - أنت أجمل فتاة على ظهر هذه الكرة الأرضية.. وأنا أسعد الرجال وضم إليه زوجته التى لم ~~يمض على بنائه بها أكثر من اثنتى عشرة ساعة، فالمبالغة تغتفر له ولا ينبغى أن تسوء أحدا من ~~بنات حواء - كل ما فيك صاغة فنان.. فخداك من المرمر الناصح - وأمر يده عليهما برفق - ~~وردفاك حساسان ولجلدهما الرقيق اختلاج حسن تمشين كاختلاج الماء صافحه النسيم الوانى.. ~~وثدياك راسخان لينان وأحلى فيما تحس اليد من الكمثرى. # وحنا عليها بسرعة وطبع على غلالة شفتيها قبلة حارة.. فلمعت عينا «ميمى» واتقد وجهها وصار ~~صدرها يعلو ويهبط، ثم قالت: «لكأننا تزوجنا منذ سنين يا سليم.. أليس كذلك»؟ ولصقت به، ثم ~~قالت: «تحبنى يا سليم»؟ # فرفع رأسه وابتسم ابتسامة عريضة، وقال: «أحبك إنى مجنون بك.. لا أدرى ماذا أصنع إذا لم ~~تكونى معى»؟ # فلمعت عيناها وقالت: «من يدرى.. ربما شغلت عنى وألهيت عن ذكرى..». # فلم يدعها تتم الكلام وأهوى على فمها بقبلة. ~~••• # وكانت ms116 «ميمى» مشهورة بقوة جذبها السريع حتى أيام كانت بنتا صغيرة. وكان غيرها من البنات ~~أجمل منها شعرا أو أحلى عينا أو أفتن إبتسامة.. أما ميمى فلم يكن لها ما يمكن أن تقول إنه ~~سر جمالها، وإنما كان المرء يشعر أنها فى جملتها أجمل وأسحر. وكانت قوة الجذب هذه تلفت ~~النظر إليها وهى تلميذة فى المدرسة، وكان كل من يراها يشتهى أن ينظر إليها مرة أخرى. ولكنها ~~هى كانت تعتقد أنها ليست على شىء من الجمال، وإن كان اعتقادها هذا لم يغرها بالتكلف. وكان ~~الذى وجه خواطرها فى حداثتها إلى هذه الناحية أنها سمعت أمها تقول لصاحبة لها مرة: «إن ثديى ~~ميمى كبيران جدا» وكان هذا صحيحا، فلما أقبل الليل وصارت فى غرفتها وحدها نظرت إلى صدرها فى ~~المرآة وسألت نفسها: «أترى هذا من الدمامة؟ أهما أكبر مما يجب أن يكونا»؟ وآلت على نفسها فى ~~تلك الليلة أن تهتدى إلى الحقيقة. # ولو أن ميمى لم تسمع أمها تقول ذلك لكان الأرجح أن لا تجرى خواطرها هذا المجرى، ولظلت على ~~الأقل سنة أخرى لا تطلب أن تهتدى ولا تشتاق إلى هذا الضرب من المعرفة. وكان أول ما عنيت به ~~هو أن تتأمل صدور البنات من أترابها فى المدرسة، فألفتهن جميعا إلا القليلات ذوات أثداء ~~صغيرة نابتة ولم تكن للقليلات أثداء كبيرة، ولكنها كانت تقبل المقارنة بثدييها. # أما المقياس الحقيقى فأتيح لها فى يوم خرجت فيه مع لفيف من أهلها بينهم سليم - ابن عمها - ~~إلى القناطر الخيرية فاتفق أن جلست على دكة هناك تحت شجرة على ربوة، فجاء سليم وجلس إلى ~~جانبها.. فقالت لنفسها حين أبصرته يقعد معها إن هذه فرصتها، وشرعت تحاول أن تعرف منه ما ~~تريد. أليس سليم شابا؟ فهو خليق أن يقول لها ما رأى الرجال فى حجم ثدييها. ولكن سليم حيى ~~فهى محتاجة إلى اللف والدوران أو إلى أن تكون معه كالطلمبة الماصة لتحمله على القول الذى ~~تنشده، فسألته: «هل تخرج كثيرا مع البنات يا سليم»؟ # فقال: «إيه؟ أحيانا». ms117 # فسألته: «كم بنتا خرجت معها إلى النزهة»؟ # فأطرق وقال وعينه على الأرض: «أوه.. وهل أنا أعرف؟ ربما كان عددهن سبعة أو ~~أكثر..». # فسألته: «كلهن من حيكم»؟ # فقال بإيجاز: «تقريبا». # فسألته: «ألا تعرف أحدا من غير الحى الذى أنت فيه»؟ # فقال: «أعرف.. ولكن ما هى الحكاية»؟ قالت: «هل هن جميلات؟ أعنى هل قوامهن جميل»؟ فقال: ~~«بعضهن» فقالت: «هل قوامهن أعدل من قوامى»؟ # وكان صوتها وهى تلقى عليه هذا السؤال يخيل إلى السامع أنها ترجو منه أن يكون جوابه «لا» ~~ولكنه خرج من «لا» ومن «نعم» بقوله: «لا أعلم». # ففعلت شيئا لم تكن تظن أنها تستطيع أن تقدم عليه، ولكنها أقنعت نفسها بأن الامر كله أمر ~~بحث عن حقيقة واختبار لمبلغ الصدق فى قول أمها أن ثدييها كبيران، فقالت له وهى تمنحه فمها: ~~«قبلنى». # وصارت شفتاه على شفتيها - لا يدرى كيف، ولكن هذا هو الذى كان - وأحس حرارة القبلة تسرى فى ~~بدنه وتوقد النار فيه وتخزه أيضا. وانتهى الفصل الأول ورجعت ميمى إلى بيتها فى تلك الليلة ~~وهى تشعر أن شيئا حصل تحت الشجرة اللفاء، وأن بابا يفضى إلى أسرار عويصة قد فتح لها.. فتحته ~~قبلة واحدة ليس إلا.. وصارت تشعر بعد ذلك أنها مخلوق جديد وأن حياتها من طراز آخر غير الذى ~~غبر.. وأصبحت تناجى نفسها وتسألها عما وراء الباب.. وتقول لنفسها إن القبلات حلوة وإنها ~~تحسها معسولة، ولكن أهذا كل شىء؟.. لا.. فإنها تحس حنينا إلى ما لا تعرف وما لا يسعها أن ~~تدرك، وأخيرا عرفت بعد أن بلغت العشرين وانتقلت إلى بيت سليم وارتمت بين ذراعيه. ~~••• # وقالت ميمى وهى بين ذراعى سليم صباح ليلة الجلوة: «لقد ارتفعت الشمس.. صرنا قرب الظهر.. ~~ألا نقوم»؟ # ففتح سليم عينيه ببطء وقال: من حسن الحظ أن الزواج ليس كله شهر عسل، وإلا متنا. # فزوت ميمى ما بين عينيها وقالت: «لست أفهم ما تقول.. أليس واجبا أن تظل حياة الزوجين شهر ~~عسل كلها.. أى أن يكون الشهر سرمدا»؟ # فتنهد وقال: «إنه ليس كذلك من ms118 حسن الحظ.. أوه مستحيل.. أين من يحتمل ذلك.. أوهو.. ~~مستحيل». # ثم عاد فقال: «لا يخب أملك.. كل شىء يفتر على الأيام.. هذا عزاؤنا جميعا». # فلم تستطع ميمى أن تفهم لماذا لا يبقى شهر العسل دائما.. ولم تدر ماذا يمنع أن يدوم، ~~ولكنها لم تقل شيئا ولم يحاول هو أن يفهمها، وشغل كلاهما بحياتهما الجديدة فى البيت وخارجه ~~فنسيت أن شهر العسل سيزول كما هددها سليم أو أنذرها. وكانت بعد أن تفرغ من تغيير ثيابها كل ~~ليلة على أثر عودتهما من السينما أو الرياضة أو نحو ذلك تجلس فى حجره وتنحى ما أمامه من ~~الأوراق وتوسعه تقبيلا، ثم تسأله: «ألا تزال تحبنى»؟ فيقول: «بالطبع.. يا له من ~~سؤال»! # وكان النهار أثقل الأوقات على نفسها لأن زوجها يغيب فيه عنها، ولم يكن لها فى البيت عمل ~~فإن الخدم كثيرون.. الطباخة وبنتان للكنس والمسح وما إلى ذلك. وكان بيتها شقة فى عمارة ~~كبيرة عالية فحدث يوما أنها كانت تنتظره ليخرج بها إلى السينما، وإذا بالباب تفتحه فألفت ~~سيدة تقول لها: «معذرة إذا كنت أزعجتك.. ولكن خادمتى أضاعت المنفضة، فهل أجد عندكم ~~واحدة»؟ # فقالت ميمى: «لا أدرى.. تفضلى حتى أسأل الخادمة». # فدخلت السيدة وهى تقول إن شقتها هى التى فوق هذه، فاستغربت ميمى فى سرها لماذا لم تذهب ~~إلى أحد من السكان الآخرين المقابلين لها فى دورها، وحدثت نفسها أن لعلها فعلت فلم تجد ~~عندهم ما تطلب. وقالت السيدة - كأنما ترد على هذا الذى تحدثت به ميمى إلى نفسها: «لقد رأيتك ~~منذ لحظة تخرجين إلى الشرفة فى قميصك.. ولا يسعنى الا أن أقول أن قدك مدهش». # فسألتها ميمى: «رأيتنى؟ كيف رأيتنى وأنت فوق»؟ # قالت: «رأيتك من الشرفة الأخرى.. من حسن الحظ أن زوجى ليس فى البيت ولم يرك، وإلا لكان من ~~المحقق أن يقذف نفسه عليك». # فدهشت ميمى ولم تقل شيئا وراحت السيدة تسألها عن اسمها كله، فقد عرفت بعضه من البواب، ~~وتخبرها باسمها هى تقول إن من الواجب أن تلتقيا كثيرا وأن تتزاورا، ms119 ثم سألتها: «هل زوجك ~~يسافر ويغيب عنك أياما»؟ فقالت ميمى: «يسافر؟.. يسافر أين؟.. كلا بالطبع». # فقالت الأخرى: «إن زوجى لا يزال على سفر.. وقد كنت فى أول الأمر أقعد فى البيت ولا أبرحه ~~يوما بعد يوم انتظارا لعودته. وقد ضاق صدرى ولم أعد أطيق ذلك، فلن تجدينى فى البيت حين ~~يتركنى ويرحل». # فأحست ميمى أنها تحتاج إلى حماية من هذه الجارة، وألفت نفسها تلف الروب دى شامبر على ~~صدرها وإن كانت مع ذلك لم تستطع أن تمنع نفسها أن تسأل جارتها: «أين تذهبين حين يغيب عنك ~~زوجك»؟ # فقالت الجارة بابتسامة وضيئة: «أوه فى أى مكان.. الأصدقاء يتكفلون بذلك». # فصاحت ميمى: «الأصدقاء.. أى أصدقاء»؟ # فقالت الجارة: «بالطبع يا طفلتى العزيزة.. وأى بأس فى ذلك»؟ # فقالت ميمى: «ولكن زوجك؟ ألا يسوءه هذا؟ ألا يغضبه أن تخرجى مع رجال»؟ # قالت الجارة: «يغضبه؟ وماذا تظنيه يصنع وهو مسافر؟ يقضى الوقت فى المسجد؟ كلا إنى أعرف ما ~~يصنع». # وصارت هذه الجارة معلمة لميمى. وكرت الأيام فأصبحت لا تبالى تقصير سليم معها، ولا تحفل ما ~~تراه من فتوره حين يعود إلى البيت متعبا. وتكررت زيارات الأتراب لها فجأة بفضل الجارة ~~الحاذقة التى أدركت أن ميمى غريرة لا عهد لها بهذا الضرب من حياة المرح، وما لنا لا نقول ~~حياة الاستخفاف.. فبدأت معها بتبادل الزيارة ثم صارت تزورها ومعها أتراب لها، فتحتاج أن ترد ~~الزيارات وتخرج إليهن، وارتقت من ذلك إلى دعوتها إلى التنزه والخلوات، ولم تكن الجارة تعدم ~~سيارة تستعيرها بسائقها من بعض من تعرف من الرجال، وكانت تحرص فى هذه الرحلات الأولى على أن ~~تكون قاصرة عليهن، ثم صار يتفق أن يلتقين فى هذه الرحلات إلى الأهرام أو الماظة أو غيرهما ~~ببعض «أقارب» الجارة، فيحصل التعريف الذى تقضى به الآداب، وهكذا إلى أن ألفت ميمى أن تكون ~~مع الرجال كما ألفت أن تخرج مع النساء. وكان الزوج غافلا عن ذلك فى أول الامر. وكانت ميمى ~~إذا آن أن يناما تدنو منه وتلصق به فيتثاءب ويعرض ms120 عنها. وكان ربما زجرها عن ذلك وقال لها ~~بعنف إنه محتاج إلى النوم، وكانت هى فى أول الأمر يشق عليها إعراضه وتحس بحزة فى نفسها ~~فتبكى، فلما توثقت الصلات بينها وبين الجارة لم تعد تبالى هذا الفتور. وظن سليم فى بادئ ~~الأمر أن زوجته «هداها الله» حتى كانت ليلة فأقبل عليها يريد أن يقبلها وفتح لها ذراعيه ~~ليضمها، فلم تحرك ساكنا ولم يبد عليها أنها راغبة فى ذلك فعجب وسألها: «مالك»؟ قالت: «لا ~~شىء.. ما لك أنت»؟ قال: «ألا تقبليننى»؟ # فمطت شفتيها وهزت كتفيها وقالت: «إنك تحتاج إلى النوم وأنا لا أريد أن أقبل أحدا». # فلم يفهم وألح عليها بالكلام، فبدرت منها كلمة فهم منها أنها لا تباليه، فنظر إليها محدقا ~~فى وجهها وقال: «مع من تخرجين؟ من هؤلاء الأصدقاء أو الصديقات اللواتى ظهرن فجأة»؟ # فقالت: «لم تعد الحقيقة.. أصدقاء وصديقات.. ومن الجنسين.. ولكنك تكون نذلا إذا أسأت ~~الظن.. ولا أكون أنا بنت أبى وأمى إذا احتملت منك ذلك». # فذهل - وإن كان عنفها قد طمأنه - وقال: «ولكن.. ماذا جرى لك»؟ # قالت: «لم يجر لى شىء.. إلى الآن.. لا أزال ميمى التى تعرفها وإن كنت قد تعلمت أشياء ~~كثيرة، ولكنه سيجرى لى على التحقيق أشياء كثيرة إذا بقيت تهملنى.. ثق أنى تعلمت ولكنى لم ~~أعمل بما تعلمت إلى الآن.. سأعمل حتما.. فهل ترضيك هذه الصراحة»؟ # فقال: «لقد كنت طول عمرك جريئة». # وانحط على كرسى، فقالت: «جريئة أو غير جريئة.. سيان.. المهم أنك دفعتنى إلى التعلم.. ~~وأخشى أن تدفعنى إلى ما هو شر.. وقد أنذرتك.. وأنت ورأيك.. ولكن لا تلمنى حينئذ». # فأطرق يفكر وطال تفكيره وأحس أنه واقف على حرف هاوية، وكان قلبه يخفق بشدة وعنف غير أنه ~~كان يبدو للمتأمل هادئا ساكنا، وجرى بخاطره أن ميمى على حق، وراجع نفسه وهو قاعد ورأسه مثنى ~~على صدره وعينه على الأرض، وتذكر أن ميمى كانت أبدا جريئة مجازفة.. ألم تدعه إلى تقبيلها ~~مرة؟ ولكن كيف عرفت هؤلاء الناس.. من الرجال والنساء على السواء.. ms121 ولم يرتب قط فى صدقها، ~~ولم يخالجه أدنى شك فى أن الأمر اقتصر على اللقاء والتنزه، وأنه لم يقع بينها وبين أحد من ~~هؤلاء الرجال ما لا يحمد فإن ميمى صريحة لا تهاب شيئا ولا تخش أحدا. ولكن كيف عرفتهم.. وقال ~~لنفسه إنها عرفتهم لأنه أهمل أن يكون معها ولأنه كان يتركها وحدها ويقضى سهراته مع الإخوان ~~وفى ظنه أنها ستقنع برفقة الخدم. هذا هو يستنكر كيف عرفت هؤلاء.. والمهم الآن هو إنقاذها من ~~الهاوية وإنقاذ نفسه معها. ونهض ومشى إليها وهو يمد يده ويتناول كفها: «سامحينى يا ميمى.. ~~لن أهملك بعد اليوم». # فرفعت رأسها وحدقت فى عينيه، وقالت: «صحيح..؟ لا تتركنى وحدى»؟ # فقال وهو يميل عليها ويدنى فمه من فمها: «كيف يمكن..؟ وأنت هل رجعت إلى..؟ هل أرجو أن ~~أراك كما كنا»؟ # وفى هذه اللحظة دق التليفون فمدت يدها وتناولت السماعة، وقالت: «اللو.. نعم..؟ زكيه؟ معك ~~من..؟ حمدى..؟ آسفة.. يا زكية مشغولة.. نعم.. معى صديق قديم عاد إلى.. تريدين أن تعرفى من ~~يكون.. اسمعى إنه أحب الناس إلى.. لا أستطيع أن أعرف أحدا ما بقى هذا الصديق لى.. من هو..؟ ~~سليم.. ألا تعرفين سليم.. لم تسمعى به قط.. معذرة.. زوجى يا بلهاء.. معذرة.. لا.. لا أمل فى ~~لقاء أحد بعد اليوم. كلا.. لا تتعبى نفسك لا أنت ولا غيرك.. أعنى هذا.. تماما.. مع ~~السلامة». # والتفتت إلى زوجها وقالت: «فهمت أنى لا أريد منها ولا من غيرها زيارة فغضبت». # فلم يقل سليم شيئا بل انحنى عليها وحملها بين يديه ومضى بها إلى الأريكة الواسعة وهى ~~متعلقة به تضحك له وتقبله راضية. # الفصل الثامن عشر # | ليلى # وقفت ليلى أمام المرآة تصلح شعرها، وتضع فيه المشابك وتسويه براحتها وأناملها، وتثنى ~~شعرات منه هنا وترد أخرى إلى مكانها هناك، ثم تناولت المثبنة وفتحتها ونظرت فيها هنيهة ثم ~~قلبتها على المنضدة ونفضتها بأطراف أصابعها، ثم نحتها وراحت تتأمل ما أفرغته منها. ثم هزت ~~رأسها آسفة، وشرعت ترد الأشياء إلى الحقيبة: المشط والمنديل وثلاثة طوابع ms122 بريد بثلاثة ~~ملاليم.. لا شىء غير ذلك.. حتى ولا أجرة الترام إلى عملها الجديد الذى فازت به. وما غناء ~~ثلاثة من طوابع البريد بثلاثة ملاليم.. لو كانت عشرة لباعتها وركبت، إن المسافة طويلة من ~~حدائق القبة إلى شارع سليمان باشا. ولو كانت عشرين لباعتها أيضا - لتركب - فإن المشى يسهل ~~أن يحتمل إذا كان معها قرش تأكل به. كلا.. لابد أن تصبر على الجوع، وأن تتجلد وتحتمل المشى ~~مع الطوى، وما بقى سوى يومين ثم تقبض أجرها عن هذا الأسبوع الأول. ولكن هل تستطيع أن تحتمل ~~الجوع وتعب العمل والمشى يومين كاملين؟ وأبت أن تفكر فى هذا وأن تدعه يثبط همتها وقالت ~~لنفسها إن حسبها أنها وفقت إلى عمل، وأنه فى وسعها أن تظل حية إلى اليوم. وهبطت على كرسى ~~وهى تقول «آخ» لا من التعب بل مما ستلقى فى يوميها هذين. ومر أمام عينيها كشريط السينما ما ~~كان من أمرها إلى الساعة، فقد تخرجت فى المدرسة السنية ولكنها لم تشتغل بالتدريس.. فقد أحبت ~~فتى رشيقا أغراها بنفسه ووعدها بالزواج وكرر الوعد وأكده وأقسم على الحفاظ - وما أسهل بذل ~~هذه الوعود على الشبان - حتى فاز منها بما يبغى. وألحت عليه تطلب منه الوفاء. وتوسلت إليه، ~~وبكت وقبلت يديه ورجليه. ولم يكن هو ينوى الوفاء، ولا كان هذا فى وسعه.. فما كان سوى عامل ~~فى مصنع، وإن كان مظهره يوهم أنه من الوجهاء. ولم يكن يدرك ما تورط وورطها فيه - وماذا عسى ~~أن يخشى مثله؟ ولكنها هى كانت لا يخفى عليها ما هى صائرة إليه من الفضيحة لا محالة إذا لم ~~تعجل بالتدبير المنقذ. وليتها أطلعت أمها على ما كان من أمرها مع هذا الفتى.. ولكن ما جدوى ~~«ليت» بعد ثلاث سنوات قضت فيها الحسرة على الأم المسكينة ولم ترقق قلب أبيها الغليظ؟ وكانت ~~ليلى تخشى ضعف أمها وقوة أبيها فلم تجد أمامها الا فتاها تلقى بنفسها عند قدميه باكية ~~متوسلة، وهو يرى تضعضعها هذا فيتجبر ويتغطرس ويتحكم ويدعوها أن تفر معه. ms123 وتتردد وتحجم عن ~~هذه الخطوة الحاسمة التى لا رجعة بعدها إلى أهلها، فإن أباها عنيف عنيد يؤثر أن يقتلها على ~~أن يقبلها فى بيته. بل هو لا محالة قاتلها إذا عرف الحقيقة، وإذا أطاعت فتاها وفرت. وسيعرف ~~الحقيقة إذا بقيت فالفرار أنجى. وقد لا يكون أشرف، ولكنه سبيل الحياة إذا شاءت أن تبقى حية. ~~وقد كان ... فرت مع هذا الفتى وحملت معها فى حقيبة الثياب حليها وشيئا من حلى أمها أيضا، وقد ~~نفعها ذاك فما أقامت مع الفتى إلا أياما فى فندق زرى، وكان ظنها أنها ذاهبة إلى بيته، وأنها ~~ستكون زوجة له، فيكون مما يرجى، أن تغتفر زلتها على جسامتها.. فإذا بالفتى لا يريد إلا أن ~~يقضى أياما فى متعة خالصة ثم يلقى بها عظمة بعد أن أكلها لحما. فكادت تجن ... واغتنمت فرصة ~~خروجه من الفندق يوما، فحملت حقيبتها وأدت حساب الفندق، وانطلقت على غير هدى. وصارت المسألة ~~«أين تذهب»؟ بيت أبيها لا سبيل إليه، وأترابها فى المدرسة ... كلا، هذا أيضا ممتنع. وتذكرت ~~وهى واقفة فى محطة للترام صديقة لها كانت من جيرانها فى زمن الحداثة، وهى الآن «حكيمة» فى ~~قصر العينى. ولكن الحكيمات فى هذا المستشفى يبتن فيه ولا يخرجن إلا أياما معلومة، فما ~~العمل؟.. ولم يطل ترددها فذهبت إلى العيادة الخارجية، وسألت تلميذة لقيتها فيها عن صاحبتها، ~~واتفق أنها كانت تعرفها فدلتها عليها وأنبأتها أنها تعمل فى قسم الرمد، وكتبت إليها ورقة ~~بعثت بها مع خادم أو «تمورجى» كما يسمى فدعتها الحكيمة إليها.. وكانت هذه المقابلة بداية ~~الفرج. # أقامت ليلى بعد ذلك مع أهل الحكيمة، وكانتا تلتقيان يوم الأحد ويوم الخميس والجمعة إلى ~~المساء - كل أسبوعين مرة - وكانت ليلى ربما اشتاقت إلى صديقتها فى أيام عملها بالمستشفى ~~فتذهب فى الظهر أو فى الساعة التاسعة لتراها وهى خارجة من المستشفى فى طريقها إلى «الهوستل» ~~حيث الطعام والنوم، فتحدثها دقائق ثم تكر راجعة إلى البيت. وكانت المسألة التى تشغل البنتين ~~هى كيف ينبغى أن تحيا ليلى. فقد كان مفهوما ms124 أن إقامتها فى بيت صاحبتها ليست سرمدا، وإن كانت ~~تنفق على نفسها من ثمن ما تبيعه من الحلى.. فإن لهذا آخرا على كل حال. وكان مما فكرا فيه أن ~~تعمل فى عيادة أحد الأطباء، ولكن ليلى أشفقت أن تلتقى عنده بأحد من أهلها أو معارفها. وخطر ~~لهما أن تعمل فى مصلحة التليفون ولكن السعى أخفق ولم تجد وساطات الأطباء الذين استعانت بهم ~~«الحكيمة» فقد تحول التليفون وانقلب. «أوتوماتيكيا» فما الحاجة الى بنات جديدات؟ وخشيت أن ~~تشتغل بالتعليم فى مدرسة أهلية فيهتدى إليها أبوها، وكان خوفها من ذلك عظيما. وأخيرا اقترح ~~عليها طبيب أن تتدرب على الآلة الكاتبة، ففعلت وأتقنت ذلك حتى صارت تكتب ثمانين كلمة فى ~~الدقيقة، وأعانها الطبيب وألحقها بمكتب يتلقى طلبات «النسخ» ولكن العمل كان قليلا لأن أكثر ~~ما كان يطلب كان باللغتين الفرنسية والإنجليزية. وكانت تعرف الإنجليزية فقد تعلمتها فى ~~المدرسة، فلم يسعها الا أن تتدرب على كتابتها على آلتها، وسهل عليها بعد ذلك أن تستطيع ~~«نسخ» الفرنسية أيضا، فإن الحروف واحدة وإن كان جهلها بهذه اللغة قد جعلها أبطأ. غير أن ~~السرعة يمكن أن تجىء مع الوقت. # واستغنت على الأيام عن المقام فى بيت صديقتها، وإن كانت صلتها بها قد بقيت وثيقة فإن ~~فضلها عليها كبير، وجميل صنعها معها ليس مما يجحد ولا مما ينسى، حتى لو نزعت نفسها إلى ~~الكفران. وأفلس المكتب فانتقلت إلى سواه بعد عناء، على الرغم من أنها أصبحت معروفة فى هذا ~~المحيط.. محيط الكاتبات الناسخات. وكانت حليها قد ذهبت جميعا فى نفقات الحياة وأجور التعليم ~~وسد النقص. # وها هى ذى الآن قد التحقت بمكتب جديد، بعد أن ظلت عاطلة شهرين أكلت البطالة فى خلالهما ~~القليل الذى كان مدخرا. # ونهضت عن الكرسى وهى تتنهد، وتناولت حقيبتها لتخرج إلى عملها. وكانت الساعة السابعة.. ~~فأمامها ساعة كاملة للمشى إلى المكتب، وقد عرفت بالتجربة أن الساعة فوق الكفاية، ولكن فسحة ~~الوقت خير من ضيقه. ومضت إلى بابها لتفتحه وتخرج، وإذا بقرع خفيف عليه.. فقالت: «تفضل»، ms125 ~~فدخل رجل بدين وسلم وقال: «أراك خارجة» فقالت: «نعم» وهمت أن تقول أنها مضطرة إلى التبكير، ~~ولكنها كبحت نفسها فما يعنيه هذا، فقال: «أجرة الغرفة عن ثلاثة أسابيع.. ألا يمكن أن تعطينى ~~منها شيئا على الحساب»؟ # فقالت: «آسفة.. وإنى لشاكرة لك هذا الصبر كله.. والعطف أيضا.. وبعد يومين.. أقبض أجرة ~~الأسبوع فأعطيك شيئا». # قال: «إنك تحرجيننى مع زوجتى.. هذا الصبر الطويل ليس له عندها إلا معنى واحد. وقد أنذرتنى ~~اليوم.. وعبثا أحاول أن أفهمها الحقيقة.. لا تريد أن تفهم.. كل ما تعرفه أن الأجرة تأخرت ~~ثلاثة أسابيع. وكل ما تريده هو أن تؤدى إليها هذه الأجرة أو تخرجى اليوم». # قالت: «ألا يمكن أن تمهلونى يومين اثنين.. أين أذهب إذا خرجت اليوم.. ليس لى مكان آخر». ~~فهز الرجل كتفيه الغليظتين، ولم يقل شيئا. # فدنت منه ليلى، وقالت: «أرجو أن تمهلنى.. كن شفيعى عندها». # فقال: «لو كان الأمر إلى لما تقاضيتك شيئا قط.. ولكنك تعرفين زوجتى.. ولست أعرف لى ~~حيلة». # قالت: «ولكن كيف أستطيع أن أعطيك اليوم شيئا؟ لا أعرف أحدا أقترض منه. ولا يمكن أخذ شىء ~~من المكتب إنى جديدة فيه». # فقال: «اسمعى، لو لم تكونى بلهاء لأمكن تذليل كل هذه المصاعب، ولكن لم أر فتاة ~~مثلك». # فقالت: «ماذا تعنى؟ كيف يمكن تذليل الصعاب»؟ # فأراح كفيه الغليظتين على كتفيها، وقال: «أنا أستطيع أن أدبر الأمر إذا طاوعتنى». فهزت ~~رأسها غير فاهمة، فقال: «تعالى». # وطوقها بذراعيه، وأدنى شفتيه الممطوطتين من فمها.. فحاولت أن تنأى عنه، ولكنه جذبها إليه ~~بقوة، فحولت وجهها عنه، فذهبت تعبثان فى نحرها وكتفها، وكانت يده اليسرى تتحسس صدرها وتقف ~~وتتكور على ثديها الراسخ، فكاد عقلها يطير وتفلتت من عناقه بعنف، وارتدت راجعة إلى آخر ~~الغرفة، وهى تلهث وتنهج، كأنما كانت تجرى وصدرها يعلو يهبط كالموج من جهد المقاومة ومن ~~الغضب أيضا، وكان هو ينظر إليها نظر النقمة والغيظ فصاحت به وهى ترتجف: «إذا لم تخرج من هنا ~~فسأصرخ». # فزام وهز رأسه، وقال وهو يدور ليخرج: «طيب.. سنرى.. أما ms126 أن تدفعى اليوم، وإلا فاخرجى ~~أنت». # فلم تقل شيئا.. وماذا عسى أن تقول؟ ~~••• ~~- بونجور. ~~- بونجور ... خذى هذا العنوان واذهبى إليه حالا ... عمل مستعجل ... الرمنجتون ذهب بها أحمد ... ~~العمل يستغرق يومين ... ثلاثة ... المهم الاتقان ... يجب أن يكون راضيا.. فاهمة؟ # فذهبت ولم تسأله أهو عربى أم أفرنجى.. وماذا يهم .. كله عمل.. آلى. ودخلت الشقة فإذا هى ~~بيت لا مكتب، وقالت للخادم النوبى: «إنى من محل ...». # فاكتفى بأن يشير إلى غرفة المكتب، فجلست على كرسى من الجلد كبير وثير.. وأدارت عينها فى ~~الغرفة، فلم تر فيها أثاثا غير كرسى آخر كالذى جلست عليه. وحول الجدران رفوف كثيرة عليها ~~كتب لا تحصى، وفى الركن مكتب أنيق، وفى وسط الغرفة منضدة صغيرة مما يستعمل للشاى وضعت عليها ~~«الرمنجتون» فتوقعت أن ترى رجلا عالى السن، وأدهشها أن يدخل عليها شاب يناهز الثلاثين، وأن ~~تعلم أن هذا هو الذى جاءت لتعمل له ولتنسخ ما يشاء. # وقال برقة لا تكلف بها: «قهوة»؟ # قالت: «أشكرك.. فيما بعد.. بماذا تأمر؟..». # فقال - وهو يناولها ملفا ضخما: «فى كم يوم يمكن الفراغ من نسخ هذا كله»؟ # فقلبت الأوراق ونظرت فى الخط والسطور، ثم رفعت رأسها إليه وقالت: «صعب أن أقول كم ~~يستغرق.. ولكن.. بعد ورقة أو اثنتين أستطيع أحكم حكما قريبا من الصحة». # فهز رأسه وهو يبتسم وتحول عنها، ثم خطر له خاطر، فدار على عقبيه بسرعة وسألها: ~~«يهودية»؟ # فابتسمت وقالت وهى تهز كتفيها: «لأنى شقراء»؟ # فقال: «إذن أنت..». # فأراحته من عناء التخمين، وقالت: «مسلمة». # فقال وهو يهز رأسه بعنف: «أنا أيضا مسلم». # فلم تقل شيئا واجتزأت بالابتسام وشرعت ترفع غطاء الرمنجتون، وتركها هو وذهب فجلس على ~~الكرسى الآخر، ثم رآها تتلفت فى الغرفة، فنهض وهز رأسه مستفسرا، فنهضت هى أيضا وقالت: «لا ~~تتعب نفسك.. أظن أن فى وسعى أن أجد كرسيا من الخيزران فى..». # فقال وهو يعدو إلى الباب: «بالطبع.. أما أنى لمغفل..». # وعاد بالكرسى وهو يقول ضاحكا: «لكأنما كنت أظن أنك ستجلسين القرفصاء وتكتبين على حجرك.. ~~لم تشهدى ذلك العهد ms127 بالطبع.. لا يمكن فإنك ما زلت صغيرة.. أوه جدا.. ولكن أين تعلمت الكتابة ~~على هذه الآلة؟.. معذرة إذا كنت أتطفل، ولكن المصريات يندر.. جدا أن تعنى واحدة منهن ~~بذاك». # قالت: «أضطررت أن أتعلم.. صنعة فى اليد أمان من الفقر ...». وابتسمت، فقال: «أهو ذاك؟ ~~معذرة، كان سؤالى فضولا منى لا يغتفر ... سامحينى». # فسرها منه هذا الأدب، وقالت: «ليس هذا سرا.. ألست أعمل؟ لست هاوية بالطبع». # فقال: «إذا كنت تعملين فى مكتب.. فإنك ولا شك تعرفين لغة أجنبية أو اثنتين.. ف.. ~~ف..». # قالت: «أعرف الانجليزية.. وأصبحت أعرف من الفرنسية ما يكفى للنسخ.. وأتكلمها أيضا، فإننا ~~جميعا نتكلمها هناك». # فقال: «أوه لست أريد أن أفتح لك محضر تحقيق.. معذرة مرة أخرى». ورفع يده إلى جبينه العريض ~~ومسحه، وقال: «هذه أول مرة أرى فيها مسلمة تشتغل بالنسخ - وضحك - أرانا نتقدم.. أليس ~~كذلك»؟ # وكانت قد شرعت تدق على الآلة الكاتبة، فاكتفت بالابتسام.. # وتركها هو بعد ذلك وخرج بعد أن قال لها أن فى وسعها أن تطلب ما تشاء من الخادم.. أى شىء.. ~~قهوة.. شاى.. أكل.. كل ما فى البيت تحت أمرها.. # ولكنها لم تطلب من الخادم شيئا، ولم تقلق راحته بل أقبلت على الآلة تدق وتدق بسرعة ثمانين ~~كلمة فى الدقيقة، وتخرج له من كل ورقة نسختين. واستغرقها العمل، ووجدت فيه متعة لا عهد لها ~~بها فى مثله.. فقد كانت هذه رواية تنقلها - استعدادا لطبعها ولا شك - وكانت الصور التى ~~يرسمها المؤلف - هذا الشاب الوسيم المؤدب - تتجسد لها، والمواقف تتمثل وهى تدق وتدق بسرعة ~~ثمانين كلمة فى الدقيقة. وكانت نفسها تجيش بمثل العواطف الموصوفة والإحساسات المصورة، فتضحك ~~تارة، وتخنقها العبرة تارة أخرى، وتعبس حينا.. وترى نفسها تنطق الألفاظ التى تدقها بقوة ~~وعنف كأنها تمثل ما تقرأ أو كأنما كان الأمر حقيقة لا خيالا. وكانت بعد ورقة تلقى فى السلة ~~على المكتب، وهى ذاهلة عن كل شىء. فما قامت مرة، ولا تمطت لتريح أعضاءها المكدودة وتحرك ~~أصابعها التى كادت تتشنج وتتصلب أو تتخشب، ولا شعرت بظمأ ms128 أو جوع، ولا كان لها بال إلا إلى ~~هذه الرواية التى تقرأها وهى تنسخها. ولقد كانت مشغولة أيام المدرسة بالروايات والقصص، ~~ولكنها منذ ثلاث سنوات لم تقرأ رواية، وإن كانت قد ذهبت مرارا إلى السينما - وهى مطمئنة - ~~فإن أباها من ألد أعداء السينما. ومع ذلك كانت تتحرز وتلقى على وجهها نقابا خفيفا شفافا، ~~حتى حين تمشى فى الطريق كانت تتنقب زاعمة أن هذا وقاية من الشمس والتراب. # ولم تشعر بعبد الحميد - فقد كان هذا اسمه - حين دخل عليها، ووقف ينظر إليها أكثر من ~~دقيقتين. فلما رآها لا تنظر إليه ولا ترفع عينها إليه عن الورق ولا تتمهل أو تتباطأ فى ~~العمل، قال: «معذرة.. إن هذا انتحار». # فرفعت رأسها حينئذ، وقالت: «أوه.. لم أرك لما جئت.. كلا.. إنى على العكس مسرورة.. وأعترف ~~لك بأن هذه أول مرة سرنى فيها عملى ... رواية مدهشة». # فقال وهو ينحى كفيها عن الرمنجتون: «قد تكون الرواية مدهشة.. ولكن أبعث على الدهشة أن لا ~~يحتاج الإنسان إلى راحة.. تفضلى وقومى، أريحى جسمك قليلا على هذا الكرسى» وتناول ذراعها ~~لينهضها، فقالت وهى تقوم: «صدقت.. أستريح دقيقة». # فقال وهو يمضى بها إلى الكرسى: «تستريحين تماما». # فقالت، وهى تجلس على الكرسى: «ولكنى أريد أن أعرف بقية الرواية». # فقال: «اضطجعى أولا.. أنا أقص عليك البقية.. ألخصها لك فى ألفاظ قليلة». # قالت: «كلا، هذا يفسدها ... إنى أريد أن أقرأها». # قال: «إذن أقرأها لك». قالت: «تتعب.. دعنى أقرأها أنا وأنا أستريح». قال: «بعد الغذاء.. ~~الوقت طويل». # فقالت: «الغذاء..؟ كلا.. اسمح لى أن أخرج وأعود فى الساعة الثالثة كالعادة». # قال: «ولم لا تبقين وتتغدين هنا..؟ قولى إنك باقية». # قالت: «لا أستطيع.. سأعود بالطبع بعد الظهر». # وكانت تعلم أنها مفلسة، وأنها لا تستطيع أن تذهب إلى بيتها - حيث ذلك الرجل الخشن الفظيع ~~- وهبه ليس فيه، فما تصنع هناك؟ وإذا لم تذهب إلى البيت فأين يمكن أن تذهب؟ هذا شاب يعرض ~~عليها أن يطعمها وأن يريحها من الأنياب التى تمزق أحشاءها ويعفيها من الشعور الثقيل بالقرص ms129 ~~والعض فى جوفها، فلم لا تطيع وتقعد وتأكل؟ وأحست وهى تدبر هذا فى نفسها بالدموع تترقرق فى ~~مآقيها أمامه.. فقرضت أسنانها وشدت أعصابها ونهضت متحاملة على نفسها. فقال: «إلى أين؟.. لا ~~يمكن أن تخرجى.. عيب.. لا يليق». # فقالت بضعف، فما بقيت فى بدنها ذرة من القوة بعد أن أنفقت البقية فى المكابرة: «أرجو..» ~~ولم تزد، فقد هوت كالجثة أو كأنها ثوب فارغ. # ولم يكن هذا مما يجرى لصاحبنا فى حساب، فلم ينتبه إلى ما حدث إلا بعد أن ارتمت على ~~الأرض.. بعضها على الكرسى، وسائرها على السجادة. فانحنى عليها وحملها وأراحها على الكرسى، ~~وخرج يعدو ويصيح: «محمد. محمد. تعال حالا..» ولم ينتظره بل ذهب إلى غرفة النوم، وجاء منها ~~بزجاجة من الكولونيا رش منها على وجهها الأصفر، وأقبل على راحتيها يدلكهما وخلع حذاءيها ~~وجوربيها، وراح يدلك قدميها أيضا بالكولونيا ومحمد واقف ينظر وينتظر الأوامر التى لا تصدر ~~ولا يصنع شيئا. # بعد لأى ما، بدأ الدم يعود إلى وجهها الممتقع.. فتنفس عبد الحميد الصعداء واطمأن. وفتحت ~~ليلى عينيها وأجالتهما فيما حولها بفتور، ثم تنهدت ووسعها أن تتكلم. فقالت: «لم يحدث لى هذا ~~أبدا». # فقال بشىء من العنف: «كان جميلا جدا أن يحدث لك هذا فى الشارع.. هه». فابتسمت، وقالت: ~~«أشكرك، إنى آسفة ... هذه أول مرة». فقال: «محمد. خذ هذه الزجاجة وضعها فى مكانها.. والآن لا ~~يسعنى - وقد خرج محمد - إلا أن أوجه إليك سؤالا ثقيلا ... باردا فى الحقيقة ... ولكنه واجب ... ~~متى أكلت آخر مرة؟ احذرى أن تكذبى». # قالت: «لا داعى للكذب.. أمس، الظهر». # قال: «لقد ظننت ذلك..». قالت: «كيف عرفت؟». # قال: «أوه المسألة فى غاية البساطة.. ليست المسألة فراسة، ولكنها مسألة ضم قرينة الى ~~قرينة.. مررت بمكتب.. واستدرجت صاحبه إلى الكلام عنك، فقال إنك معروفة فى مكاتب النسخ وإن ~~كنت من الجديدات عنده.. هذا يومك الخامس فى مكتبه، وأثنى عليك وطمأننى كأنما كنت أحتاج إلى ~~ذلك، فلما أغمى عليك الآن أدركت أن هذا من التعب والجوع ... ألا ترين أنى أصلح للقيام ms130 بدور ~~سنكلر أو شرلوك هلمز»؟ # فضحكت وقالت: «لماذا سألت عنى»؟ # فقال: «قبل أن أجيبك، يجب أن تنتظرى قليلا حتى أعود إليك». # وخرج وتركها، فراحت تفكر مسرورة فى هذا الشاب. نعم هو شاب، وإن كان الأرجح أنه جاوز ~~الثلاثين. وفى رقته ودعته، وفى مروءة نفسه وحسن أدبه، وفى براعته فى فن الرواية، براعة ~~جعلتها تعمل كما لم تعمل قط فى حياتها، وفى وسامته، وفى هذا السحر الذى ينطلق من عينيه ~~فينفذ إلى القلب، ثم تنهدت آسفة.. سحر أو لا سحر ... سيان، لا شك أنه يعجب بها، هذا واضح. ~~ولكن ما قيمة هذا الإعجاب؟ وهبه أحبها فما أملها معه إلا أمل الخليلة، وهيهات أن ترضى ذلك. ~~ولو كانت ترضى ذلك، لما فاتها ما فاتها من الفرص، ولا كانت خسرت ما خسرت من الأعمال، فما ~~كان أكثر أصحاب الأعمال الذين طمعوا فى هذا النوع من العلاقة، فلما خيبت أملهم ألقوا بها فى ~~الشارع، وحسبها زلة واحدة فى حياتها أورثتها هذا الشقاء الطويل. # واختصرت زفرة طويلة، فقد دخل فى هذه اللحظة محمد وأمامه سيده.. الخادم يحمل سلطانية ~~متوسطة فيها مرق، والسيد يحمل فوطة، وقال السيد: «اشربى هذا حالا». # وطرح الفوطة على حجرها ففعلت كما أمر، وقال: «هذا يكفى الآن.. بعد طول الطوى، يحسن ~~التخفيف حتى لا تتعب المعدة». # فقالت وهى تضحك: «لا تبالغ، إنه يوم واحد ليس إلا». # قال: «هذه الشجاعة التى تظهرينها تسرنى وتعليك فى عينى، ولكنها تكلف على كل حال». # فقالت مستغربة: «تكلف ... أبدا». # قال: «إن الذى أعنيه هو أن الشجاعة لا تكون إلا تكلفا شىء يحمل الإنسان نفسه عليه، هذا ~~ما أعنى». # فسألت: «ولكنى لست فاهمة». # قال: «نؤجل الدرس إلى وقت آخر. ونتحدث الآن عنك.. قولى ما اسمك». فقالت: «فريدة». قال: ~~«ينطقونها فى المكتب «فريدا».. ما علينا.. هل هذا اسمك الحقيقى»؟ # قالت: «ولماذا تظن أنه ليس اسمى»؟ قال: «ما رأيت من شجاعتك يحملنى على هذا الظن.. أنت بنت ~~ناس». # قالت: «كل الناس أبناء ناس». فضحكت، فقال: «أعنى أنك تشعرين بكرامة تحرصين ms131 عليها». # قالت: «هل أنا الوحيدة التى تفعل ذلك»؟ قال: «أعترف أنى انهزمت ... عندى كلام كثير ... حجج ... ~~ولكنى أوثر الهزيمة ... فما قولك أن نكون صريحين»؟ # فضحكت.. ولم يكن ضحكها مسرورا، بل عن شعور بالضعف وبالاضطراب الذى أدركت أنه سيدفعها إلى ~~الاعتراف بكل ما فى نفسها، فقال: «قولى لى اسمك الحقيقى.. سأحتفظ به». # فأقرت من حيث تريد المكابرة، وقالت: «ولكن ما الفرق بين اسم واسم..؟ كله اسم». # قال: «ها.. لقد صح ظنى، والآن اسمك الحقيقى. لقد وعدتك بكتمانه فهل تستطيعين أن تثقى بى»؟ ~~قالت: «نعم، ليلى» قال: «ليلى، ليلى ماذا». قالت: «ألا تعفينى؟ لست أشعر أنى أستطيع ~~المقاومة إذا ألححت ارحم ضعفى». # فقال: «بالطبع ... معذرة ... لست أريد أن أستغل ضعفك ... كلا، اغفرى لى فضولى، فإنه ليس عن خسة ~~بل عن». # وأمسك مترددا، فقالت وقد رأت تردده وأدركت بغريزتها الذكية دلالته: «عن». # فقال: «عن حب ... لقد قلتها ... قولى عنى مغفل. ما شئت قوليه.. ولكنها الحقيقة، وقد استرحت ~~الآن، رفعت عن صدرى حجرا.. تنفست.. عجيب ولا شك.. هى دقائق رأيتك فيها.. ولكنى مع ذلك ~~أحببتك كأنى عرفتك من قبل أن أخلق، كأنما كنا معا فى عالم آخر قبل هذا. ولست أقول هذا ~~لأخدعك. وإنى لأعلم أن الرجل يستطيع أن يخدع المرأة بتمثيل دور العاشق، ولكنى لا أحاول ~~خداعك ولا مطمع لى فيك، كل ما أعرفه أنى أحببتك، قد يكون هذا شعورا وقتيا يفتر بعد قليل أو ~~كثير، وأى حب لا يفتر؟ على كل حال لا أعلم، أعرف فقط أنى أنا فوجئت بهذا الحب الذى غمر نفسى ~~وشاع فيها علوا وسفلا ... انظرى إليه كيف شئت ... باستخفاف إذا أردت أو لم يسعك غير ذلك. ولكن ~~صدقينى، فإنى أحتمل الاستخفاف، ولكنى لا أستطيع أن أحتمل التكذيب. كلا»!! # فقالت ببساطة: «إنى أصدقك» فصاح بها: «إيه»؟ قالت: «ألم تسمع؟ هات أذنك وأنا أصيح لك فيها ~~... صدقتك ... هل سمعت الآن؟ لالالالا ... صدقتك معناها صدقتك فقط..». # وعرف اسمها الكامل اسم أبيها أيضا، فقال وهو يمسح جبينه: «انظرى ... أليس والدك هو الذى ms132 كان ~~ضابطا فى الجيش»؟ # قالت: «هو بعينه» قال: «وكان يسكن فى شارع ...». # قالت: «هذا هو البيت الذى ولدت فيه». # قال: «غريب.. لقد كان أبى رحمه الله صديقا جدا لأبيك. ولداهما يلتقيان الآن.. غريب. ماذا ~~حملك على ترك أبيك؟ أسمع أنه كان عنيفا». قالت: «لأنى خفت عنفه ... اسمع ... سأقص عليك حكايتى ~~كلها ... لم يبق بد من هذا. وأحببنى بعد ذلك إذا استطعت، ربما كان هذا لازما لتشفى». # وقصت عليه الحكاية ولم تكتم شيئا ولم تحاول أن تهون من زلتها. وكان يصغى وهو مطرق، فلما ~~فرغت قالت: «والآن يمكنك أن تبلغنى أنك دفنت حبك المباغت لهذه الفتاة الطائشة». # قال: «لقد كنت ضحية ... ولست أدفن حبي لك، ولكنى أنوى أن أعلنه، فهل تسمحين لى بأن أطمع أن ~~تحبينى يوما من الأيام»؟ # فأطرقت تفكر، فقد أساءت فهم ما قصد إليه وتوهمت أنه يريدها كما أراد غيره، خليلة ... وشعر ~~هو من إطراقها أن معنى كلامه ليس واضحا وشجعه ترددها الظاهر فقال: «إنى لا أرى أنى أستطيع ~~أن أعيش بعد اليوم بدونك، فهل تقبليننى زوجا على أن تكون الطاعة منى والحب ... ولا يكون منك ~~إلا ما يسمح بالأمل فى أن تحبينى يوما ما»؟ # فصاحت: «ولكنى أحبك من الآن!». # وندعهما ... فما بقى لنا مقام معهما. # الفصل التاسع عشر # | حواء والحية # رفعت «جليلة» رأسها قليلا عن الرمل، ونظرت إلى صدرها الذى يعلو ويهبط، وجلدها الذى دبغته ~~الشمس ثم مدت بصرها إلى ساقيها وإلى أصابعها التى عنيت بصبغ أظافرها، وابتسمت ابتسامة الرضى ~~والاغتباط، ثم ردت رأسها وظلت راقدة وتركت الشمس تفعل فعلها فى جسمها العارى من الصدر إلى ~~الردفين ومن الساقين إلى الأخمصين وكانت هذه عادتها مذ جاءت إلى الاسكندرية.. تخرج كل صباح ~~من الفندق فى ثياب الاستحمام، فتلقى بنفسها فى الماء فى هذه الناحية المنعزلة وتسبح ما شاءت ~~قريبا من الساحل، ثم تخرج إلى الرمل وترخى ما على صدرها من ثوب البحر وتعريه للشمس، لتفيد ~~ما قيل لها أن أشعة الشمس تفيده من الصحة والعافية. ولم تكن تلقى ms133 أحدا فى هذا المكان أو ~~تخشى أن يتطفل عليه فيه مخلوق، لبعده وضيقه واحتجابه وكثرة ما يحيط به من الصخور. # ولمحت زورقا شراعيا يشق الماء من بعيد فنهضت واتكأت على كوعها، وراحت تنظر إليه تارة وإلى ~~أظافر قدميها المصبوغة تارة أخرى ثم أرهفت أذنيها، فقد خيل إليها أنها سمعت صوتا يشبه صوت ~~تكسر العود داسته قدم.. فنسيت أظافرها وانطرحت على بطنها وعينها إلى الناحية التى تتأدى ~~إليها منها الصوت، فما لبثت أن سمعت وقع أقدام - أو قدمين على الأصح - فما أسرع ما جلست على ~~ركبتيها، ورفعت الثوب فغطت صدرها. وكانت أصابعها لا تزال تعمل فيه لتربطه، حين وقف أمامها ~~رجل وسيم معتدل القامة حسن البزة عارى الرأس، فحدقت فى وجهه.. فقد وقف مفتوح الفم وكأنما ~~بهره جمالها ثم قال: «أرجو المعذرة». # فلم تقل جليلة شيئا وظلت قائمة على ركبتيها تنظر إليه، فضحك فجأة وبلا مناسبة ظاهرة، ثم ~~كف فجأة وقال: «أرجو المعذرة.. لكأنك حواء تصلى فى الجنة». # فقالت بلهجة امتزج فيها الغضب بالسرور المكبوح: «ماذا تعنى بحواء والجنة»؟ # قال: «من الاتفاق الغريب أن اسمى آدم، وقد كنت وأنا ماش أتوقع - أخشى فى الحقيقة - أن ~~ألقى حية ... ولكنى على التحقيق لم أكن أتوقع أن ألتقى بحواء». # وضحك مرة أخرى، فقالت بحدة: «ليس اسمى حواء». فقال بابتسام: «هل لى إذن أن أسأل ما ~~اسمك»؟ # قالت: «كلا.. لن أخبرك» قال: «إذن سأسميك حواء فإنه أليق ما يكون.. وليت من يدرى هل كان ~~لحواء بحر كهذا فى الفردوس»؟ # ونظر إلى البحر، ولكنها ردته بقولها: «سمنى ما شئت فإنى راجعة إلى الفندق». وهمت بالنهوض، ~~فقال: «سأرافقك إليه فإنى نازل فيه إذا كان هو هذا» وأشار الى ناحيته. # ولكنها لم تذهب، بل وقفت وقالت، وقد جنحت إلى العناد: «بل سأبقى هنا». فوافق الرجل بسرور ~~وقال: «حسن جدا.. سأبقى أنا أيضا.. لأسليك وأونسك فى وحدتك». # فهزت جليلة كتفها هزه خفيفه، وعادت إلى الرمل فجلست عليه، فجلس مثلها بثيابه الأنيقة وراح ~~يجيل عينه فى مفاتنها ... وكانت هى أيضا ms134 تتأمل كتفيه العريضتين ووجهه القسيم وشعره وساقيه ~~المفتولين، ولا يبدو عليها أنها غير راضية عن وجوده وتطفله عليها فى هذا المكان الذى كانت ~~تظنه نائيا عن الخلق. # وسألها: «ماذا تصنعين هنا»؟ فقالت باختصار: «كنت أتمشى». # ولكنها رمت إليه ابتسامة ساحرة، فقال: «ولكنك كنت راقدة على الرمل، فهل هذه طريقة جديدة ~~للمشى»؟ قالت: «كنت أستحم». قال: «تستحمين؟ ولكن بينك وبين البحر أكثر من مائة متر». # فقالت بغضب: «ألا أستطيع أن آخذ حمام شمس إذا أردت»؟ # فقال: «أوه.. صحيح». # وهز رأسه ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: «حواء تأخذ حمام شمس، فيفاجئها آدم الذى كان يبحث ~~عن الحية ... أليس كذلك؟ ويفسد عليها حمامها ... معذرة مرة أخرى». # فتركت الاعتذار وسألته بلهفة: «آدم.. قل لى.. هل تظن أن هنا حيات»؟ فقال: «لا أظن.. وماذا ~~تصنع حتى الحية هنا؟.. تأخذ حمام شمس هى أيضا»؟ # فضحكت وقالت: «ألم تأخذ قط حمام شمس»؟ # فكاد يفهق. وقطب هنيهة وهو يحاول أن يهتدى إلى المعنى الذى أرادته ثم قال بابتسام: «كلا.. ~~لم أفعل ذلك قط ... جربت كل نوع من الحمامات إلا هذا، والله فكرة». # فصاحت به: «لم أكن أعنى هذا» وابتسمت على الرغم منها، ثم أردفت: «أنما أردت مجرد ~~الاستفهام». # فقال: «لقد كنت الآن فى حمامك فقطعته عليك، أفلا يمكن أن تستأنفيه من حيث انقطع»؟ # فقالت: «ولكن هذا لا يمكن ... أعنى لا يليق يا آدم. ربما كان هذا مألوفا فى الجنة. ولعلنا ~~لو كنا فى عصر قبل عصرنا هذا ببضعة قرون ... ولكن فى هذه الأيام التى ليس فيها جنات ... كلا يا ~~آدم». فسألها: «ولكن لماذا تحرمين نفسك ما تحبين»؟ قالت: «قد يرانى أحد». قال: «لا أحد هنا ~~يراك». قالت بابتسام: «ألم تفاجئنى أنت فى الحمام»؟ # فلم يستطع أن يرد عليها وينقض حجتها وأطرق شيئا، ثم تناول شعره وشده وصاح: «وجدتها ... ~~استأنفى حمامك ... وأقعد أنا وراء هذه الصخرة ... أحرسك ... وأنبهك - عند الحاجة - إذا طرأ ~~طارئ». # ولم ينتظر أن توافق بل نهض ووثب فوق الصخرة واختفى عنها. وصاح بها من ورائها: ms135 «ما قولك»؟ ~~قالت: «حسن. وإذا رأيت أو سمعت أحدا مقبلا فنبهنى واسمع حاذر أن تنظر». # قال: «مستحيل» بلهجة من يعتقد أن هذا غير معقول ثم أردف: «لقد رأيت بما فيه ~~الكفاية». # واستلقت مطمئنة وراحت تفكر فى آدم القديم وآدم الحديث، وتسأل: «أتراه سينظر من بين ~~الصخور»؟ وتهز كتفيها وتنظر إلى ثدييها وتحدث نفسها أن لا بأس ... ولا خوف ... ثم إنه ظريف، ~~فلينظر ... ألم ير ما فيه الكفاية كما قال؟ # وكان آدم - على الجانب الآخر من الصخور - قد خلع الجاكتة واتخذ منها وسادة لرأسه واستلقى ~~على الرمل وذهب يفكر فى هذا الجمال البارع الذى كتب له فى يومه أن يراه، ويسأل نفسه: ~~«أتراها تريد منه أن يبقى حيث هو.. أم هى ياترى تنتظر منه أن يكون جريئا وأن يحور إلى طباع ~~أجداده.. ماذا كان جده الأعلى خليقا أن يصنع فى مثل هذه الحالة؟ أكان يطيع المرأة التى ~~لعلها تعنى خلاف ما تقول أم كان يطيع غرائزه ورغباته»؟ # وأنه ليفكر فى هذا وما إليه، وإذا بصرخة عالية.. فوثب إلى قدميه ونط فوق الصخرة وانحط عند ~~جليلة وسألها: «ماذا جرى»؟ # ولم يحتج منها إلى جواب فقد كان حسبه ذلك الفزع الذى ارتسم على وجهها، فدار بعينه ينظر ~~فما كان يسعها أن تقول شيئا من فرط الجزع، فأبصر أفعى على نحو مترين منها.. فانقض عليها ~~وتناولها من ذيلها وطوح بها فرماها بعيدا، ثم تناول يد الفتاة فأنهضها وهى لا تزال نصف ~~عارية، ولكنها صاحت به: «لا تلمسنى ... أوه لقد لمست يدى ... ماذا أصنع الآن»؟ # وانتزعت يدها منه، ولكنها أبقتها بعيدة عنها كأنها ملوثة، فقال: «ماذا جرى؟ هل ~~يدك»؟ # وهبط قلبه فى صدره، وابترد الدم فى عروقه وجمد، وجعل ينظر إليها وهو مفتوح الفم من الخوف ~~الذى ساوره، فقالت: «لا تلمسنى.. أقول لك لا تلمسنى.. أنى أمقت الأفاعى». # فأدرك مرادها، واطمأن قلبه وتشهد، وهز رأسه مرتاحا، ووسعه أن يبتسم وقال: «آه ... هذا ... لا ~~بأس ... سأذهب وألبس جاكتتى وأعود إليك». فصرخت: «كلا. لا تتركنى وحدى» قال: ms136 «إذن تعالى معى.. ~~نلبس جماعة». # وهم أن يتناول يدها ليعينها على الصعود فوق الصخرة، ولكنها تراجعت عنه فقال: «لا بأس ... ~~أرانى صرت مثل المنبوذين الهنود الذين لا يلمسهم أحد..». # فرقت له ولكنها قالت وهى تخطو إلى جانبه: «أظنك وضعت هذا الثعبان بيدك إلى جانبى عامدا». ~~فقال: «كيف يمكن؟ لقد كنت راقدا فى الناحية الأخرى». # فقالت: «وأظنك كنت ستنام» فقال معترفا: «أى والله كاد النعاس يغلبني». # قالت: «هذا ألعن». قال: «ولكنك أمرتنى أن أبقى هناك ولا أجىء». # قالت: «وتتركنى مع الثعبان»؟ قال: «لا تكونى متعنتة». قالت: «لن أجىء إلى هنا بعد ~~اليوم». # فقال بضحك: «انتهى فصل الحمامات الشمسية» قالت: «بل انتهى شهر العسل». # فالتفت إليها وصاح بها: «إيه؟ شهر ال ... ال..». # قالت: «نعم شهر العسل.. ألا تعرف ما هو.. أنا وزوجى هنا فى الفندق وسنعود إلى القاهرة غدا ~~... واسمع، إن زوجى غيور جدا. أسرع ما يكون إنسان إلى إساءة الظن.. فاحذر.. ابق حكاية حواء ~~والحية بينى وبينك». # قال: «تعنين بينى وبين نفسى» قالت بابتسام: «لا.. سنلتقى يوما..». قال: «متى؟.. طمئنينى» ~~قالت: «متى أيقنت أن يدك لم يبق بها أثر من الحية..». # الفصل العشرون # | العقلة # لم يكن «عبده» يشكو قبل هذا أن فى لسانه عقلة، وأن الكلام يتردد فى فمه ولا يكاد يخرج ~~منه.. ولكنه أحب بنت خاله، فماذا يقول لها أو لأمها أو لخاله؟ وكيف تحتمل علته هذه فتاة ~~عصرية تحب أن تباهى النساء بزوجها؟ والمصيبة أن شعوره بهذه الحبسة يزيد لسانه امتساكا كلما ~~جالسها. فكان إذا هم بكلامها لا يزيد على أن يخرج صوتا كهذا «أ أ أ أ أ أ..» أو «م م م ~~م» أو «ف ف ف ف» وأين الفتاة التى لا يحيله هذا مضحكا فى نظرها؟ وأخيرا أشاروا عليه ~~بأن يستشير طبيبا، قالوا له إنه بارع فى علاج هذه الحالات.. فقصد إليه، فلما جاء دوره وقف ~~أمامه يقول أو يحاول أن يقول: «أ أ أ أ.. شن سششسسسش للللل..» فقال الطبيب: «ظاهر، ~~ظاهر.. إن هذه الحالات ms137 العصبية معروفة» فأراد عبده أن يقول إنه ليس مصابا بمرض عصبى، فقال: ~~«أ أ أ أ أريد أاان ا أتتتتززززززوج وووو» فسأله الطبيب: «ماذا تقول»؟ فحاول أن يبين، ولكن ~~الحبسة حالت دون الإفصاح.. ففرك الطبيب جبينه، ثم قال: «غن إذا استعصى عليك الكلام» فدهش ~~عبده ولم يصدق أن الطبيب يطلب منه الغناء، وبدا عليه أنه يريد أن يستوثق، فقال الطبيب: ~~«بالطبع غن. غن بما تريد.. إنها طريقة حسنة للتغلب على العلة، وإن كان إسعافها ~~وقتيا». # فملأ عبده صدره بالهواء ورفع عقيرته بأنكر ما سمع الطبيب فى حياته، حتى لقد لام نفسه على ~~حماقته فيما أشار به. وبعد أن اضطرب لسان عبده قليلا، انطلق يقول بصوت شبيه بشهقة المصاب ~~بالسعال الديكى إنه يريد أن يتزوج. ولكن هذه الحبسة تقضى على أمله. وكان كلما أخرج صوتا أحس ~~الطبيب أن حجرا دفع فى صدره، فما ندم فى حياته على نصيحة كما ندم فى يومه هذا، فقد حمس عنده ~~وظن نفسه فى موقف مناجاة، فمضى يغنى: «طول الليالى وناطيفك على بالى، ياللى غرامك ملك قلبى ~~وشغل بالى، يا خوفى من طول بعادك واللى خبالى». # فأسرع الطبيب يقول مقاطعا: «تمام ... لم تكن بك فى الحقيقة حاجة إلى إتعاب نفسك بهذا الغناء ~~البديع. الآن اسمع: إن حالتك عصبية وأنت على ما يظهر شديد الحياء». فلم يرق عبده هذا ~~التشخيص، وحاول أن يعترض، فحالت الحبسة دون ذلك ... فتذكر أن الغناء أسعفه كما لم يسعفه شىء ~~فيما يذكر، فصاح يقول: «لا، لا، لا، ليس بى حياء بل أنا قليل الح..». # وقاطعه الطبيب بدوره إشفاقا على نفسه وعلى سمعة عيادته، وعجل بأن يقول: «طبعا.. طبعا.. ~~والآن اسمع ولا تضيع وقتى. يجب أن تفهم أن علاجك الوحيد أن تجترئ على الناس بالكلام.. ~~تعرفهم أو لا تعرفهم، سيان. والأفضل أن يكونوا ممن لا تعرف. ابدأ بالكلام كل من تلقاه إذا ~~استطعت، بأى كلام ... وحبذا لو كلمت النساء فإذا فعلت هذا كل يوم، فأنت لا شك تشفى بعد ~~حين». # فنفخ عبده صدره ms138 استعدادا للاستفسار بالغناء، فريع الطبيب منه وسد أذنيه وخاف أن تطير ~~لعيادته سمعة سيئة، وصاح به: «لالالا.. ابق صوتك الحلو لمن تقابل لا تسرف يا صاحبي» وأسرع ~~فأدراه إلى الباب وأحكم إيصاده وراءه وتشهد. # وكانت عيادة الدكتور - ولعلها ما زالت - فى العباسية فلما خرج عبده اتجه إلى آخر محطة ~~الترام الأبيض إلى مصر الجديدة حيث بيت خاله، وكان وهو يمشى شارد الذهن موزع النفس، يفكر ~~فيما أشار به الطبيب من ابتداء الناس بالكلام وإن كان لا يعرفهم. وكيف بالله يبدأ غريبا لا ~~يعرفه بمثل هذه الأصوات: «ممممن ففففضلك السسسساعة كككككام». إن هذا مستحيل. وهذا الطبيب لا ~~شك مجنون إنه طبيب مجانين لا طبيب ... ماذا؟ أى طبيب هو؟ لقد أرشده إخوانه إليه أنه أخصائى فى ~~هذه الحالات، غير أنهم لم يقولوا أى حالات فهل تراهم حسبوه؟ ولكن هذا غير معقول وكان قد بلغ ~~المحطة وراح يتمشى ريثما يجىء الترام، وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب، ولم تكن المصابيح ~~التى رفعتها شركة النور سبعة أمتار فوق الرءوس إلا كالنجوم التى لا تنير، وأنما تريك كيف ~~تكون العتمة، وكيف تغيب معارف الأرض، وكيف تستطيع أن تظن الرجل شجرة ومصباح النور فتاة ~~هيفاء، والظل على الأرض ماء يحسن أن تتقى بلله وتلويثه للحذاء الجميل. وإنه لكذلك، وإذا به ~~يرى رجلا عجيب الثياب مقبلا يتمشى مثله، فوقف مكانه مبهوتا. وكان الرجل لابسا جلبابا قد ~~يصلح أن يكون كلة لسرير، ولكنه لا يصلح ثيابا لآدمى مهما بلغ من الجسامة، وكان الثوب لسعته ~~يكنس الأرض، وقد اضطر صاحبه أن يطوى أكثره تحت أبطه. وكان يحمل عمامته مقلوبة على كفه، كما ~~يحمل الخادم القصعة. وكانت مشيته بطيئة، وعلى ثغره ابتسامة العاشق رأى فى منامه حبيبته ~~تؤاتيه بعد طول الصد والحرمان. وحدث عبده نفسه أن لا ضير من خطاب رجل كهذا، ولكن غرابة أمره ~~صدته. على أن الأمر خرج من يده، فقد دنا منه الرجل وقال بابتسامته المتحجرة: «كله من فضل ~~الله.. كلوا مما رزقناكم» ونظر عبده فى العمامة ms139 المقلوبة، فلم يجد شيئا فهم بأن يقول شيئا ~~على سبيل الاعتراض على هذا المزاح، ولكنه لم يستطع أن يجاوز ابتداءاته المعهودة.. وقال له ~~الرجل يشجعه: «لا تستحى أن الخير كثير. اطلب تعط. ألست مؤمنا مسلما.. هه»؟ فلم يفهم ما ~~العلاقة بين الإيمان وبين ما فيه الرجل، ولكنه شعر بأن الحزم يقضى عليه بأن يجيب فقال: ~~«ننننعم مممم مسسسسسلم ووو مممموحد ببببالله» فأشرق وجه الرجل، وحنى رأسه تواضعا وقال وهو ~~يبتسم: «انتهينا إذن.. أنا ربك» فذعر عبده وتلفت ناحية الترام، وألفى نفسه يقول وهو يتلفت: ~~«أأأنا مممممؤمن ججججدا». # فقال الرجل: «لا عجب أن تتلعثم فى حضرة إلهك، فما كل يوم يظهر الله للناس. لا تقل لأحد ~~أنك رأيتنى، فإنى أحب أن أظهر لمخلوقاتى فى السر». فحنى عبده رأسه مرات عديدة بسرعة لم يكن ~~يدرى أنه قادر عليها أو أن رأسه يحتملها، ومضى الرجل فى كلامه فقال: «أنت من أحسن من خلقت. ~~وإنى لأذكر أنى أردت أن أخلق من طينتك بغلا، ولكن شيئا ألهمنى أن أجعل منك إنسانا ... وقد ~~ندمت على ذلك ولكنى أرى الآن أنى لم أخطئ، فاطلب ما تشاء. هل تريد مالا؟ أو تريد غير المال؟ ~~سلنى فليس فى بخل ... عندى من الحب كل صف يورث الجنون ويضرم النار هنا - ودفع كوعه فى بطنه - ~~حتى لتحرق الصدرية وتزغرد من فوقها. وعندى من الحب ما يجعل منك شاعرا، وثالث تصير به خطيبا، ~~ورابع يغريك بالخيالات ويحبب إليك احتضان أعمدة السرير، فأيها تريد؟ تعال هنا ... بعيدا عن ~~الناس ... فى هذا الكشك ولنغلقه علينا، فأنى أرى الترام آتيا وأخشى أن يرانا أحد فلا يظفر ~~بنصيبك العادل من وجودى». # وأمسكه من ذراعه وجعل يدفعه أو يقوده، فقد كان عبده بادى الزهد فى هذه الخلوة ... ولما بلغا ~~الباب كان الترام قد وصل فاندفع الرجل داخلا، واندفع عبده راجعا، ووثب إلى الترام فدخل فى ~~الدرجة الأولى وانحط على كرسى وهو ينهج ويمسح العرق المتصبب. وكانت أمامه سيدة تنظر إليه، ~~وهو غير شاعر بها. وكان يتنهد ويتشهد ms140 ويثب من حين إلى آخر، لينظر من النافذة مخافة أن يكون ~~ذلك المجنون قد لحق به. وكان الترام قد قطع شوطا كبيرا، فهدأت نفسه شيئا فشيئا وأبصر ~~السيدة.. وكان الترام لم يقف بعد أن ركبه فلا شك أنها كانت من أول الأمر هنا معه. وتذكر أنه ~~دخل كالمدفع وانحط على المقعد كالحجر وأنه لا شك قد بدر منه ما يريب، فأراد أن يفسر ما ~~لعلها استغربته من سلوكه ... غير أن دخول الكمسارى قطع عليه عزمه، وكان الكمسارى ثرثارا فجعل ~~يقول وهو يتناول القرش ويقدم التذكرة: «مجنون هرب من المستشفى.. وجدوه فى محطة العباسية. فى ~~آخر محطة وقفنا فيها، لكنه اختفى بسرعة غريبة. من يعرف يمكن يكون ركب الترام. لكن هذا ~~مستحيل ... ومع ذلك أين اختفى؟ ليس فى المحطة مكان يختبئ فيه.. لابد أن يكون ركب ~~الترام». # وكان عبده حين سمع ذلك قد ذعر وفتح فمه كالأبله.. وكانت السيدة تنظر إليه وتسمع حديث ~~الكمسارى ثم تنظر إلى عبده، وترى آيات الفزع فى وجهه. وخرج الكمسارى إلى حيث الركاب الآخرون ~~وأحس عبده أن عليه أن يقول شيئا، ولو على سبيل التفكهة والتسلية وليخفف عن هذه السيدة التى ~~لا شك أنها ريعت من حديث الكمسارى، ولا سيما أنه - أى عبده - الوحيد الذى يعرف أين اختبأ ~~المجنون - وهذا العلم وحده يغرى بالكلام. ولكن لسانه خانه على عادته فقال - على حين لم تكن ~~تنتظر كلاما: «أأأأأنا ششفففته». # وأمسك، فما فى مثل هذا فائدة، وتذكر أن الطبيب قال له: «غن». # فرفع صوته يقول مغنيا: «المجنون يا ستى الذى سمعت عنه مختبىء فى الكشك هناك». # ولم تتح له فرصة لإتمام ما بدا.. فقد وقفت السيدة وانطلقت تصرخ بأعلى صوتها وتصيح: ~~«أدركونى.. أدركونى.. الحقوا..». # وكان الترام قد بلغ محطة وقف عندها، فلم يسع عبده الا أن ينزل مسرعا ... فما بقى له مقام فى ~~هذا الترام وإلا قبضوا عليه على أنه المجنون الهارب، وانطلق يعدو. # وأخيرا بلغ البيت وقابل - أول من قابل - بنت خاله، فأدهشه وأدهشها أن الحبسة زالت ms141 ~~عنه. ms142