######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.IbrahimKatib.Hindawi63502629 #META# Tags: novels #META# ID: 63502629 #META# Title: إبراهيم الكاتب #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - «وكان مساء ...»‏ # 2 - «وكان صباح.. يوما واحدا»‏ # 3 - «كل لتكون فيك قوة إذ تسير في الطريق..»‏ # 4 - «إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان»‏ # 5 - «قلت أكون حكيما أما هي فبعيدة» عني رجع بنا الحديث إلى الريف ...‏ # 6 - «ارجعي، ارجعي، يا شولميت! ارجعي، ارجعي، فننظر إليك»‏ # 7 - «أيتها الجالسة في الجنات. الأصحاب يسمعون صوتك فأسمعيني» ...‏ # 8 - «يغمز بعينيه، يقول برجليه، يشير بأصابعه، في قلبه أكاذيب»‏ # 9 - «من صعد إلى السموات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صر المياه فى ثوب؟»‏ # 10 - «العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع»‏ # 11 - «حبيبي مد يده من الكوة، فأتت عليه أحشائي»‏ # 12 - «في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته»‏ # 13 - «عهدا قطعت لعيني فكيف أتطلع إلى عذراء؟»‏ # 14 - «حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب ليرعى بين الجنات ويجمع السوسن»‏ # 1 - «وكان مساء ...»‏ # 2 - «وكان صباح.. يوما واحدا»‏ # 3 - «كل لتكون فيك قوة إذ تسير في الطريق..»‏ # 4 - «إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان»‏ # 5 - «قلت أكون حكيما أما هي فبعيدة» عني رجع بنا الحديث إلى الريف ...‏ # 6 - «ارجعي، ارجعي، يا شولميت! ارجعي، ارجعي، فننظر إليك»‏ # 7 - «أيتها الجالسة في الجنات. الأصحاب يسمعون صوتك فأسمعيني» ...‏ # 8 - «يغمز بعينيه، يقول برجليه، يشير بأصابعه، في قلبه أكاذيب»‏ # 9 - «من صعد إلى السموات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صر المياه فى ثوب؟»‏ # 10 - «العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع»‏ # 11 - «حبيبي مد يده من الكوة، فأتت عليه أحشائي»‏ # 12 - «في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته»‏ # 13 - «عهدا قطعت لعيني فكيف أتطلع إلى عذراء؟»‏ # 14 - «حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب ليرعى بين الجنات ويجمع السوسن»‏ # | إبراهيم الكاتب # | إبراهيم الكاتب # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازنى # الفصل الأول # | «وكان مساء ...» # 1 # شوشو فتاة يقول لك ms01 جسمها إنها ناهزت التاسعة عشرة، ويشهد حديثها وحركاتها أنها لم ~~تجاوز السابعة عشرة. وهي ذات قامة معتدلة وجسم غض ووجه صبيح متألق، ترتاح العين إلى ~~النظر إلى معارفة جملة ، وتشغل بوقعها مجتمعة عن التعلق بواحد منها على الخصوص. وقد قضت ~~هذا الشطر الأول من عمرها في عزلة قلما أتيح لها فيها أن تخالط الرجال؛ إلا أن يكونوا ~~من ذوي قرابتها الأدنين، فلم تألف أذنها عبارات الإعجاب بحسنها، وبقيت نفسها مرسلة على ~~سجيتها، وخلا كل ما فيها ولها من ذلك التعمل الذي يدرب الفتاة عليه تنبه الشعور بنفسها ~~وتوقعها من الجليس أن تأخذها عينه من فرعها إلى قدمها وأن تجس محاسنها وتنقدها. وقد ~~انفردت عيناها بمزية: هي أن من يراهما لا يحتاج أن يعدوهما، أن ينقل لحظه إلى سواهما، ~~ففيهما يجتلي نفسها وروحها وطبيعتها وجمالها، مركزا. وهما سوداوان غير أنه سواد فيه من ~~العمق أكثر مما فيه من الالتماع. تحدق «فيه» تحديقك «في» بئر، ولا ترنو «إليه» كما ترنو ~~«إلى» رسم. # ومن الفتيات من لا يفطن المرء إليها على فرط حسنها، لأول وهلة، ولكن صاحبتنا هذه كانت ~~من قوة الجذب بحيث لا يسعك إلا أن تحس وجودها وتشعر بما تفيضه حولها، ولا تكاد تجلس ~~إليها خمس دقائق حتى تلم بما فطرت عليه من جرأة الجنان الذي لا يدري أن في الدنيا ما ~~يتقى، ومن حرارة النفس الغريرة التي لم يصدمها من التجاريب ما يطفئها، ومن خفة الروح ~~التي لا يثقلها إلحاح اللحم. ويعرف من يعرفها أن لها أحيانا تبدو فيها كالظمأى إلى ~~مجهول، أو كالتي تعتلج في صدرها خواطر وإحساسات هى أغمض من أن تتولى الكشف عنها عبارة؛ ~~أو أوجع من أن ترفه عنها دمعة. ولم تكن كذلك الآن في هذه الفترة التي زخرت فيها ~~تيارات حياتها والتي نخصها بالذكر. # 2 # كانت الشمس قد غابت وراء الأفق ولفت الحقول في شملة من الظلام لا رقيقة ولا شفافة، ~~وكان اثنان يدلفان في الطريق بين المزارع على حمارين، أحدهما مسرج ملجم، يعاني الفتى ms02 ~~الحضري الذى يمتطيه أشد البرح من تخطره ونزاعه إلى الانطلاق في العدو، وهو لا يكاد يمسك ~~نفسه فوقه من فرط التقلقل. وثانيهما - أي ثاني الحمارين - يخطو وادعا، ورأسه مدلى ~~وأذناه مسترخيتان وليس على ظهره سوى لبدة عتيقة استقر عليها الراكب ولصق بها حتى لا ~~تكاد رجلاه تتحركان، كأنما هما خشبتان مشدودتان إلى جانبي الحمار، وكان الفتى في شاغل ~~من متاعبه فقطعا أكثر الطريق في صمت إلى أن التفت الفتى إلى رفيقه وقال: لم أعرف اسمك ~~إلى الآن فهل تسمح لي به؟ ~~- اسمي؟ آه! أحمد الميت. ~~- الميت؟ ولماذا يدعونك الميت؟ # فقال القروي وهو مطرق كما كان، وعيناه إلى أذني حماره: لأني مت. # فابتسم فتانا ساخرا وقال: سبحان من يحيى العظام وهى رميم! ولكني أحسب يوم النشور لا ~~يزال بعيدا، فكيف عدت إلى الحياة قبل الأوان؟ # فرفع القروي رأسه فجأة والتفت إلى الفتى التفاتة المغضب وقال: لقد قلت لك إني مت ~~وانتهى الأمر. # فاسترسل فتانا في سخره ولم تزايله ابتسامته: إذا من الراكب على حمارك يا رفيقي؟ أهو ~~عفريتك؟ ~~- عفريتى؟ لالا! لا تخف! أنا أحمد الميت. ~~- ولكن ألا تحدثني كيف حييت مرة أخرى؟ أو من الذي ردك إلى الحياة؟ ~~- لم يردني إلى الحياة أحد. لقد مت وانتهى الأمر. # فحملق الفتى في وجهه وهو مبهوت وكف عن الكلام، وقد دار في نفسه خاطر لم يرتح معه إلى ~~صحبة هذا الرفيق. # وبعد قليل قال أحمد الميت: ليست هذه أول مرة جئتنا فيها؟ ~~- بل هي الأولى.. (ثم بعد قليل) لوددت أني ما جئت! # وسكتا برهة ثم عاد القروي يصل ما انقطع: لقد حسبتك عرفت الدار من طول تحديقك إلى ~~ناحيتها. ~~- وأنى لي برؤيتها وهذا الظلام أكثف من جلد الفيل؟ # فضحك القروي ضحكة حفلت بالقرقعة ثم أمسك فجأة وقال: إنكم يا أبناء المدن لم تألفوا ~~النظر في الظلام. # فقال الفتى - وفي صوته مرارة تنم على ما يكاتم من الألم الذي جره عليه نشاط دابته: ~~كلا! لم يرزقنا الله مثلكم عيون القطط. # ثم ساد السكون لحظة أخرى ms03 قال القروي بعدها: أحسبك تعرف قصة الباشا المرحوم مع ~~أفندينا؟ ~~- كلا! ~~- إنها قصة ممتعة. لقد شرف أفندينا يومئذ .... ~~- من تعني بأفندينا هذا؟ ~~- أفندينا إسماعيل! لقد شرف يومئذ بلدتنا ولم يكن الباشا قد نال هذه الرتبة، ففرش له ~~الطريق كله بالرمل، ونصب على جانبيه الزينات التي لم نر لا قبلها ولا بعدها إلى الآن، ~~وأقام الأفراح أربعين يوما فسر أفندينا جدا وقال له ساعة هم بالركوب عائدا: إني ~~جعلتك من بيكواتي ويمكنك بعد أن أرجع إلى مصر أن تزورني في أي وقت تشاء لأكافئك على كرم ~~ضيافتك وسخائك في استقبالنا. ومضت سنون بعد ذلك لا أذكر عدها، وفي يوم تذكر البيك كلمة ~~أفندينا فنهض وقال: إني ذاهب إليه من توي. فلما صار في مصر مضي إلى سراي أفندينا وقرع ~~الباب، فقال الخادم: ماذا تبغي؟ فحكى له ما كان، فقال له: «إن إسماعيل مضى وجاء غيره، ~~فعاد وأخبر القرية أن إسماعيل الثاني..». ~~- إسماعيل الثاني؟ أظن يا صاحبي أن في تاريخك خطأ. ~~- كلا! لا خطأ في الرواية، أمن أجل أن كتبكم لا تحوي هذه القصة تكون خطأ؟ وأنا بعد لم ~~أتممها لك ولم أخبرك بما وقع له مع إسماعيل الثالث..». ~~- إن هذا لا يطاق. كلا! لن أحتمل إسماعيل الثالث. ووثب إلى الأرض عن ظهر الدابة ~~وتركها وسط الطريق، ومال إلى حافته اليمنى كأنما أراد أن يجعل بينه وبين رفيقه أطول بعد ~~ممكن. ورأى القروي ذلك فكف عن محادثته، وجعل يقول لنفسة: «ما أغرب هؤلاء الأفندية الذين ~~يجيئون من الأمصار! أما والله لولا أنه يمت بالقرابة إلى الباشا رحمه الله..». # وبلغا البيت، فنهرتهما الكلاب، وأفزع الفتى نباحها وهيئتها الوحشية، فدنا من رفيقه ~~بكرهه، حتى يكاد يدخل في ثيابه فزجرها القروي عنه، وصعد به السلم. # 3 # قالت شوشو لقريبها بعد أن أصاب حظا من الراحة: تعال بنا إلى بهو السلم، فإن الجو بديع ~~في هذه الليلة. ~~- ولكن السلم يؤدي إلى الغيط مباشرة بلا حاجز، و... والكلاب .... ~~- آه. الكلاب! أتخافها؟ إنها لن تؤذيك ... تعال ... تعال ... أيصح ms04 أن تكون أضعف مني ~~قلبا؟ # فمضيا إلى البهو وجلسا، ثم شرعت فتاتنا تنادي: «مرجان، بخيت، مرزوق» فعجب الفتى وقال: ~~«وما تصنعين بهؤلاء كلهم؟ لا تتعبي الخدم يا شوشو بلا داع». # والتفت فإذا ثلاثة كلاب تصعد مسرعة على السلم وتقبل عليها وتتوثب حولها وتتمسح بثوبها ~~وتحرك أذنابها وتلعق حذاءها، فأشارت إليها فربض واحد إلى يمين الفتى، وثان أمامه، ~~والثالث إلى يساره، وعادت وهي تحادث قريبها حتى عرضت مناسبة. فنهضت وأخبرته أنها ستغيب ~~عنه برهة قصيرة، ولم تنتظر أن تسمع ما هم أن يقوله إذا صح أنه فتح فمه ليتكلم! ~~وتركته. # فأسلم أمره لحظه ولهاتيك الكلاب، وجعل يلاحظها خلسة، وشاءت بعوضة أن تلذعه في ~~جبينه، فرفع يده ليذبها. فرفعت الكلاب الثلاثة رؤوسها وزامت! # فحط ذراعه. # وأراد الحظ أن تألم ساقه الوضع الذي كانت فيه، فهم بتحريكها فعادت الكلاب ترفع ~~رؤوسها وتزوم، فتركها مكانها. # وكثر البعوض فجأة، وتوالى الإحساس باللذع في الوجه واليدين والرجلين، وهو يتجلد ~~إشفاقا من هذه الكلاب الضارية، حتى جاوز الأمر الطاقة، وكاد يذهب رشده فصاح - وهو مسمر ~~في مكانه، ومن غير أن تتحرك شعرة في جسمه: «أبعدوا عني هذه الكلاب، وإلا قمت وتركتها ~~تمزقني». # وفي هذه اللحظة فتحت نافذة مطلة على البهو، وظهرت منها شوشو مستغربة في الضحك. # الفصل الثاني # | «وكان صباح.. يوما واحدا» # قضى فتانا إبراهيم - وهذا اسمه - ليلة هادئة عميقة النوم إذا استثنينا حلما قصيرا ركب ~~فيه جوادا بلا لجام جمح به في طريق وعر، ينحدر على أحد جانبيه نهر جائش، وتعترضه في بعض ~~المواضيع أقنية تختلف ضيقا وسعة، عليها ألواح من الخشب، وقف الجواد الخبيث فجأة، فوق واحدة ~~منها وأهوى برأسه وقادمتيه إلى الماء ليشرب! # وبدأ الصبح بأصوات العصافير. فنهض ثم لبس حذاءه ومعطفه وطربوشه، وخرج متسللا كاللص. ~~وكانت السماء غائمة، والجو مطلولا لا تخلص معه الأنفاس. وكان هو يكره الرطوبة ويتقيها ~~ويشفق من عواقب التعرض لها، وكثيرا ما ثنته عما يقصد إليه، ولكن منظر الحقول في هذه الساعة ~~قبل طلوع الشمس، والضباب يسترها على مسافة ms05 متر، ويشف شيئا فشيئا عنها - وهو منظر لا عهد ~~له به - أغراه بالمضي فانطلق على غير هدى، حتى وقف على ترعة صغيرة نزرة الماء، تكسو الحشائش ~~جانبي مجراها، ويفترش الماء في قاعها بساطا سندسيا لينا. وجعل ينظر إليها تارة، ويدير ~~عينه في الحقول المستوية تارة أخرى. وكان المنظر من حوله مؤلفا من عناصر إذا اجتمعت، كما ~~هى الآن، أحالت الحب في النفس الحساسة قلقا، وهوت بالأمل إلى الشك، وهبطت باليقين إلى ~~مرتبة الرجاء، ومنعت الذكرى أن تحرك الأسف على فائت، أو الرغبة أن تدفع إلى سعي. وذلك أنه ~~كان أمامه - على قدر ما وسعه أن يرى - هذه الترعة السوداء ومن ورائها مثل الجدار القائم. ~~ومن خلفه هو أرض بعضها مرعى فيما يعلم، وبعضها زرع لا يدري أي شيء هو. ثم فضاء غير مستو ~~يقوم من بعده البيت الذي زايله منذ لحظة. وكل ما حوله أشكال ليس لها معارف - كالدرهم المسيح ~~- توحي إلى النفس أي شيء، ولا تنطق بشيء، إذ كان الضباب لا يزال يكسوها ثوبا يزيدها في رأي ~~العين والقلب عريا وتجردا. وكانت السماء دانية مسفة يحس المرء أنها تهم بالانطباق على ~~الأرض. ثم بدأت الشمس تطلع حمراء قانية كبيرة القرص، وأخذت تطلق أشعتها الطويلة المتوهجة من ~~الشرق فتتلقاها في الغرب السحب، فأطراف المنازل، والأكواخ والنوافذ ورؤوس الأشجار، ~~فالأغصان النابتة على وجه الأرض؛ فصارت الأنفاس كأنها خارجة من فوهة مدخنة، لا من فم ~~آدمي. # وأحس لطول ما وقف، بالبرد يسري من قدميه إلى سائر بدنه، فثنى خطواته إلى الدار، وما كاد ~~يفتح الباب المؤدي إلى الجناح الذي أفرد له، حتى طالعته زنجية لامعة الجلد، منتفخة الأوداج، ~~كأنما حشيت أشداقها قطنا، براقة الأسنان. واسعة العينين حمراؤهما، قد غرز رأسها المعصوب ~~بين كتفيها غرزا، واتصل بهما بلا واسطة. أما صدرها فعريض جدا، وأما خصرها - إذا جاز أن ~~يسمى هذا خصرا - فهضيم جدا، حتى كأن ما نقص من هذا زيد في ذاك، ويلي الخصر ردفان ثقيلان ~~تحتهما ساقان قصيرتان كالقمعين، فكأنهما زير عليه ms06 إبريق مقلوب فوقه كرة ذات ثقوب، والمرء ~~بايسر مجهود من الخيال يستطيع أن يتصورها مفككة. # فابتدرته الزنجية بقولها: أين كنت يا سيدي؟ # فلم يرتح إبراهيم إلى هذه المفاجأة، ولم يسره لونها الأسود البراق بعد ذلك الضباب الذى ~~لبث فيه. وكان من أثقل الأشياء على نفسه أن يسأل عن روحاته وغدواته، فقال لها: أين كنت؟ ~~وكيف يعنيك هذا؟ ~~- لقد أزعجتنا جدا يا سيدي، ولم يخطر لنا قط أنك قد تخرج في مثل هذه البكرة المطلولة، ~~فحرت ماذا أصنع و.. ~~- لعلك لم تقلقي أحدا من أجلي؟ ~~- نعم، أيقظتهم جميعا. ~~- أيقظتهم جميعا؟ ولماذا بالله؟ أترينني طفلا أم أنا هنا سجين؟ # ولم تكن المسكينة تتوقع أن يغضبه سؤالها وإشفاقها عليه، وأفزعتها نظراته أكثر مما أفزعتها ~~لهجته، فرمت بعينيها إلى الأرض وأخذت تتمتم: لا ... لا، ياسيدى، عفوك! هذا بيتك .... ~~- من قال لك إني في بيتي يضرب علي نطاق من الخدم؟ ~~- أنا.. أنا.. لا ذنب لي. لقد أمرتني سيدتي شوشو قبل أن تنام أن أخبرها. # فلم يمهلها حتى تتم كلامها، وصاح بها وقد تملكه غضب شر ما فيه أنه يعلم أن لا داعي له: ~~إذا كانت سيدتك هي التي شاءت أن تسد في وجهي الأبواب، فسأرحل هذا النهار. نعم لا بد من ~~السفر، فلست أنوى أن أعصب رأسى وأسدل على وجهى قناعا! # ودفع باب غرفته بعنف، ودخل وهو يتمتم بصوت يزيده تهدجا شعوره بأنه مخطئ في غضبه، وأنه ~~تهور بلا مسوغ. وشرع يعد حقيبته ويفكر في القيود التي تحيط بالمرء في الريف، ونسي أن للمدن ~~أيضا قيودها. # ولم يكن صاحبنا إبراهيم قد بلغ سن الفلسفة، أو إن شئت فقل سن التبلد أو الحزم أو ما تحب ~~غيرهما، وإن كان بطبعه لا طياشا ولا قليل التؤدة. وكان من ذلك الطراز الذي نستطيع أن نقول ~~إن الله وهبة كل شىء، إلا القدرة على الانتفاع بالحياة والتوفيق فى الدنيا، وإن يكن اشبه ~~بالنساء في المرونة وسرعة التكيف. وكان عظيم الاعتداد بنفسه شديد الاعتماد عليها ولكن من ~~غير أن يشوب ms07 ذلك الكبرياء والتقحم على الناس. وفيه أنفة كثيرا ما كانت تبلغ درجة البلاهة، ~~وقد غلب عليه «الكاتب» وصار لقبا وعلما عليه كما حدث لعبد الحميد من قبله بقرون طويلة ~~المدد. ولم تكن مزيته الابتكار أو العمق بل إنه ما من فكرة يتناولها إلا وسعه أن يجلوها في ~~أحسن معرض، وإلا استطاع - إذا لم تكن مما ابتكر - أن يضيف إليها ويزيد عليها ما ليس دونها. ~~على أن أبرز مزاياه كانت أن أسلوبه صورة لنفسه ليطلع على كل ما فيها، وأن يجيلها فيما هو ~~خارج عنه ليحيط بكل ما وراءها، ولكنه قلما رأى شيئا خارجها إلا من خلالها. وكان على قوة ~~طبعه شديد الحياء كثير الحذر ولا سيما مع النساء اللواتي لم يألف مجالسهن إلا العائليه، ~~ولم يكن احترامه لهن كبيرا وإن كان على ذلك لا يحتقرهن. وعنده أن المرأة أداة لبقاء النوع، ~~وإن جمالها ليس إلا شركا تنصبه الحياة ويحسن كثيرا أن يتجنبه، وإن الرجل أجمل من المرأة ~~على العموم، لأن جمال الرجل الجميل لا يستمد أكثر فتنته - كجمال المرأة - من الغريزة ~~النوعية. وكان سلوكه إزاء المرأة مظهرا لرأيه فيها - ونعني أنه كان يعدها مخلوقا جديرا ~~بالعطف والمداعبة في غير ضعف ودون أن يمنع ذلك أن تحكمها دائما وتلزمها طاعتك. # ومن سخر الأقدار أن هذه الطبيعة القوية المتمردة إلى حد كبير تكون في جسم ضئيل هزيل لا ~~يحتمل شيئا! فقد كان صاحبنا قصيرا ضامر الجسم دقيق العظام واهي التركيب، وليس فيه شىء ~~ينم على هذه القوة التي انطوى عليها إلا وجهه، أو بعبارة أدق جبهته الواسعة العريضة ~~المتألقة، وعيناه الواسعتان الحادتان، وهامته المستطيلة القوية، وأنفه الكبير الأقنى، وشفته ~~المقوسة الغليظة بعض الغلظ. على أن قوته تنحصر على الاكثر في جبهته وعينيه. ولم يكن يخفى ~~عليه هذا السر، فكان يبلغ بنظرة يسددها ما لا يبلغه الرجل الضخم بالعصا في يده. ولكنه كان ~~على ذلك رضي الطباع، دمث الأخلاق، سريع الفيء إلى الرضى. # ودخلت عليه شوشو وهو لا يحسها، ووقفت خلفه وهو مشتغل ms08 بنزع غطاء حقيبته، ووضعت كفيها على ~~عينيه، فأمسك بها ونزعها عنه برفق وقال: آه.. شوشو! ~~- نعم أنا شوشو. من كنت تحسبني؟ # فاحمر وجهه الأسمر قليلا وابتسم. # وكانت لآخر عهده بها قبل عام طفلة ألفاها في هذه اللقية امرأة بارعة الشكل ممشوقة القد، ~~تغترف العين بشارتها وترتاح النفس إلى نظرتها: سوداء العينين عميقتهما؛ ذهبية الشعر ترسله ~~أمواجا على كتفيها، بيضاء مشرقة، حمراء الخدين قرمزية الشفتين لينتهما: عينها نار، ولحظها ~~حب، وصوتها تغريد، وقوامها أتم ما يكون استواء وصحة وعزما ونشاطا، وحركتها مملوءة ظرفا ~~ورشاقة، رقيقة كأنها النسيم، جليلة كأنها ملكة، ذائبة حينا، متدللة متجبرة أحيانا، ساخرة ~~طورا، وطورا ساذجة غريرة، جميلة في كل حال. وقالت وهى تعتمد أن تتجاهل معنى ما يفعل: دعني ~~أخرج لك ما تريد من الثياب. إن هذا عمل النساء لا الرجال. اصعد أنت إلى «فوق» فإنهم ~~ينتظرونك ليفطروا معك وسأعد لك كل شيء. ~~- ولكنك لا تعرفين ماذا أبغى؟ ~~- أعرف كل شيء! وماذا تستطيع أنت أن تعرف أكثر مني؟ إنك كالطفل الصغير يحتاج حتى إلى من ~~يلبسه الجورب! # فلم يدر أعرفت وتجاهلت أم هي لا تعلم شيئا مما حدث، وكانت نفسه قد سكنت فآثر أن يطوي ~~الأمر، وبدا له أن هذا خير ما يمكن أن يصنع، وقال مغالطا: «ولكني لا أعرف من أين ~~أصعد». ~~- إذا لنبدأ بالصعود وبعد ذلك نعود إلى هذه الحقيقة. أليس كذلك؟ ~~- نعم؟ ~~- هيا إذا. # ووضعت كفها على كتفه اليمنى وجعلت تطفر إلى جوانبه وتتواثب كالفراشة. # الفصل الثالث # | «كل لتكون فيك قوة إذ تسير في الطريق..» # صعد إبراهيم وشوشو - أم ترى ينبغي أن نقول شوشو وإبراهيم؟ إلى غرفة الطعام فألفيا حول ~~المائدة «نجية» كبرى أخوات شوشو، وابنيها. وهي سيدة جميلة الوجه، ولكنها ضخمة الجسم مترهلة ~~اللحم، ذات معدة - وما لنا لا نقول «كرشا»؟ - تمشى أمامها. ولها إيمان راسخ بالمشائين في ~~الظلام، ونعني بهم الشياطين والعفاريت والأرواح، وبأولياء الله الصالحين، غير أن إيمانها ~~بأولئك أقوى وأعمق منه بهؤلاء، وأكثر ما تدور أحاديثها وقصصها بالليل عنهم، وما ms09 أقل من لم ~~تقل له «لا شك أنك رأيت عفريتا. لقد رأيتهم انا بعينى هذه مرات عديدة في البيت وحوله. ~~ولكنهم لا يؤذونك إلا إذا كلمتهم أو تعرضت لهم». # وللعفاريت معها حادثة لا تكف عن ذكرها كلما عرضت مناسبة. وتلك أنها فيها مضى من الزمن وفي ~~مفتتح حياتها مع زوجها، قامت بالليل إلى حاجتها واستصحبت معها خادمتها فاطمة الزنجية التي ~~عرفتها في الفصل السابق، فلم تكد تبلغ الحمام حتى سمعت وقع حوافر المعيز صاعدة ونازلة على ~~السلم، وعابثة في المطبخ، فصرخت وعادت تعدو إلى غرفتها ولكن زوجها أبى أن يصدق أو يلتفت إلى ~~سبب فزعها «فلما أصبحنا وجدنا كل الأطباق التي كانت في المطبخ مكسرة، ووجدنا ثلاثة من الغنم ~~ميتة. فهل كسرت الأطباق نفسها؟ ومع ذلك يأبى ابن عمي (أى زوجها) أن يصدق»! # وتضرب بطن يسراها على ظهر يمناها فوق كرشها الكروية ومن أجل هذا تعنى قبل الذهاب إلى ~~مخدعها بأن تمر بغرفة بنيها، ومن تكون في ضيافتها من أخواتها، وأن تمسح رؤوسهم وتتلو آية ~~الكرسي ثم تستودعهم الله وتمضي. # وهي من الطراز المحافظ الذي يستنكر كل جديد ويعده بدعة يجب أن يستغفر الله منها ويعاذ به ~~من شرها. ولزوجها بيت في رمل الإسكندرية مد إليه أسلاك الكهرباء فاعترضت وقاومت ما ~~استطاعت، فلما أعياها الأمر وأصر زوجها على الكهرباء أبت كل الإباء أن تدخلها غرفة نومها! ~~فرأى زوجها أن يرضيها بهذه التضحية الصغيرة. ولا يزال البيت تضيئه الكهرباء إلا هذه الغرفة ~~التي بقيت كأنها قطعة ممتلكة من الزمن الغابر. وجهز زوجها الحمام بالأدوات الحديثة فأغضبها ~~منه هذا، وأصرت على الاستحمام في «الطشت» وإهمال الحوض! # أما التليفون فله في بيتها بالرمل عشر سنوات ومع ذلك لا تعرف كيف تستعمله، وتقول شوشو ~~عنها إنها تطلب الرقم هكذا «9 الرمل 15» بدلا من الرمل 159 مثلا! # ومقياس الصحة عندها مقدار ما يصيبه المرء من طعام، فأصح الناس من يلتهمه التهاما ويأتى ~~على ما أمامه كأنه لن يصيب رزقه غدا. بل قيمة المرء رهن بذلك، ms10 فأحق الناس بالإكبار الأكول ~~البطين أما من يأكل بقدر أو لا يأكل حتى يجوع فهو طفل لم يكبر ولم يشب عن الطوق ولو جلله ~~الشيب وقوست قناته السنون أو الحادثات. وأثمن ما تهديه من النصائح إلى المريض أو الضعيف أو ~~الحزين أن «كل ثم كل ثم كل»! هذا عندنا الدواء من الحمى والمغص والصداع الخ. ولا تصدق ~~الأطباء فإنهم يميتون الناس قبل أن تفرغ آجالهم! وما بعجيب بعد ذلك أن صغر في عينها صاحبنا ~~إبراهيم وإن كان قد ناهز الثامنة والعشرين وماتت له زوجة وبنون لم يعش منهم إلا ~~واحد. # وجعلت تسأله على الطعام عن صحته، وعن العملية الجراحية التي أجريت له وكيف احتمل ~~الكلوروفورم - أو البنج كما تعرفه - وعن المستشفى الذي أقام به حتى شفي وتقول: يا ابن ~~خالتي! كيف رضيت بالبنج؟ # فيقول: «وهل كان من الممكن أن أحتمل العملية بغير ذلك»؟ # فتهز رأسها غير مصدقة، وتسأل: «وهل كانت العملية ضرورية؟ لقد لبثت لا أنام منذ علمت ~~بخبرها، حتى طمأنني ابن عمي وأنبأني أنك خرجت من المستشفى، ومع ذلك لم أطمئن تماما إلا بعد ~~أن علمت أنك آت إلينا. وكيف صحتك الآن»؟ ~~- كما ترين، حسنة. ~~- لقد كان دخولك المستشفى حماقة! فكر.. إن المستشفى كالمجزرة، ولا بد أنه مملوء ~~بالعفاريت. ~~- لا، لا، لا عفاريت ولا .... ~~- كيف يمكن؟ الدم ... والذين يموتون فيه. إن بيتنا هذا جديد، ومع ذلك فيه عفاريت. ولو كان ~~زوجي هنا لقص عليك كيف تطلع وتنزل كالمعيز على السلم الخشبي. ~~- ابن ابن خالتي ينام وحده في ذلك الجناح، ولا يحسن أن يعرف هذه الحكاية التي سمعناها ~~مائة مرة. # فقال إبراهيم: «دعيها يا شوشو تقصها، فإن سير العفاريت لا تفزعني، ولكم تمنيت أن يظهر ~~لي عفريت! ولكم سرت عمدا بين المقابر في الظلام الحالك، آملا أن أرى واحدا». # فصاحت به نجية: «ماذا تقول؟ أمجنون أنت»؟ # فلم يغضب إبراهيم لأنه كان أعرف بها من أن يثيره كلامها ولم يزد على أن قال لها: وما ~~الضرر؟ ~~- الضرر؟ أحذر أن تصنع هذا ms11 هنا! لقد كان أحمد خادمنا عائدا على حماره من المحطة في بعض ~~الليالي، فلما دنا من البيت وقف الحمار بغتة، ونشر أذنيه وأدار رأسه، ونظر أحمد فإذا الطريق ~~قد سده مارد، ولكن الله ألهمه أن يتلو آيات من كتاب الله، وأن يستحث الحمار فنجا ولم يكد. ~~فحاذر أن تخرج في الليل وحدك! إنك لست في مصر، ولا آمن عليك إن خرجت، وسأمر على الخدم أن ~~يخبروني كلما هممت بذلك! يجب أن تعود سليما إلى بيتك. ~~••• # وكانوا قد فرغوا من الطعام، فمضت به شوشو إلى غرفة أخرى، وجلست إلى جانبه تستخبره عن ~~المستشفى، وكيف كان يقضي لياليه فيها، ومن كان يؤنسه في وحدته، وكان يوجز ما استطاع في ~~أجوبته، وتأبى هي إلا الإطناب وتلح فيه: قل لي. قل بالله (وأحاطت عنقه بذراعها اليمنى) أكنت ~~تقضي الليل كله وحدك؟ ~~- نعم. ~~- ألا يجالسك أحد؟ ~~- الزوار. ~~- وإذا لم يزرك أحد؟ ~~- أنا أحب الوحدة. ~~- ولكن هبني مكانك. فأنا لا أحب الوحدة ولا أطيقها. ~~- هناك الممرضات. ~~- آه. أهن شابات أم عجائز؟ ~~- لا أعرف إلا المستشفى الذي كنت فيه. ~~- حدثني عنه إذا! لماذا لا تتكلم! إن هذه ليست عادتك! أهناك شيء لا يصح أن أعرفه؟ ~~- كلا. ~~- إذا لماذا تأبى الكلام عن المستشفي؟ ~~- لأنها ذكرى.. تؤلمنى. ~~- هذا صحيح! ولكنك جدير بأن تحمد الله على شفائك مع ذلك. # فصمت قليلا وقال وهو مطرق: «لا أدري»! # فاعتدلت ونظرت إليه بعينيها العميقتين، ووضعت يمناها على جبينه، ورفعت رأسه وسألته: «كيف ~~لا تدري؟ لست أفهم»! # فقال وجفنه مرخى، ونظرته إلى الأرض، وإصبعه ينفض السيجارة. ~~- شوشو! اسمعي! إنك لا تزالين صغيرة. ~~- كلا! لست صغيرة! أنا أطول منك. أما ترى. # ونهضت ورفعت أطراف كفيها إلى كتفيها، وعيناها إلى صدرها ثم هوت يديها إلى ركبتيها ~~ووضعتهما عليهما، وانحنت إليه، وحدقت في وجهه باسمة، وهمت بالكلام، ولكن هيئته صدتها، ~~فأسرعت إلى مكانها بجانبه وجذبته من كتفه وقالت: مالك؟ قل لي! # فقال وهو منحن إلى الأرض: لا شيء! اطمئني! كل شيء.. ~~- كل ماذا؟ # فنهض ومضى إلى النافذة ms12 ويداه في جيبي معطفه، وجعل ينظر من خلال الزجاج دون أن يرى شيئا، ~~ولحقت به ووقفت إلى يساره هنيهة، فلما لم يلتفت إليها طوقته بذراعيها وقالت وهي تجذبه جذبة ~~بعد كل كلمة: إبراهيم ! ابن خالتي! مالك؟ تكلم! لست أفهم! ~~- ربما كان خيرا لك ألا تفهميني. # فأدارت إليه وجهها وقالت: ولكني لا أستطيع أن أراك هكذا! ألست بنت خالتك؟ أم أنت ~~تستصغرنى؟ ~~- كلا يا شوشو. ~~- قل لي إذا ولا تدعني أتألم من أجلك هكذا بسبب جهلي ما يؤلمك. ~~- ماذا أقول؟ لقد دخلت المستشفى لأتداوى من مرض فشفيت. ولكني خرجت بمرض جديد شر ما فيه ~~أنه لاطبيب له، إلا.. ~~- إلا من؟ قل أسرع! ~~- لا أقوى على أكثر من هذا يا شوشو. بل أقول إني ما أتيت إلى هنا إلا لأتداوى ولكن بلا ~~جدوى على ما يظهر. # فجرى ببال شوشو خاطر لمحت إليه ومنعها الحياء والأدب والمحافظة على كرامة ابن خالتها أن ~~تفصح عنه وجعلت تتمتم: آ.. سامحني ولكن أأنت في حاجة إلى ... ما .... # فالتفت إليها بسرعة وقد أدرك غرضها ولم يدعها تتم الكلمة وصاح وقد فاضت نفسه بالإحساس ~~المكتوم. ~~- يا بلهاء. # وانطلق هاربا من الغرفة. وخلفها واقفة مبهوتة واجمة تحملق في أثره وفمها مفتوح من ~~الدهشة؛ حتى كأنما أحالها بصيحته هذه تمثالا للبلاهة. # الفصل الرابع # | «إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان» # 1 # قبل أن نتقدم بخطوة أخرى في هذا التاريخ - أو في هذه الفترة من حياة صاحبنا إبراهيم - ~~نكر راجعين بالقارئ بضعة أسابيع لنجلو ما عساه يكون مشكلا مما أسلفنا قصة في الفصل ~~السابق. وهي أوبة تردنا إلى أيام عشرة قضاها في مستشفي لا حاجة بنا إلى اسمه إذ كنا لن ~~نعود إليه مرة ثانية، وكانت طلبتنا عنده قد زايلته. وكان كبير الأطباء صديقا لإبراهيم ~~فأوصى به الخدم والممرضات، وأطلق له الحرية في استقبال الزوار، وأمرهم أن يتوخوا في ذلك ~~مرضاته. وكان هذا شرط إبراهيم لما ألح عليه الطبيب أن يجري له العملية، فقبله واكتفى ms13 ~~بأن ينبه إلى وجوب الإقلال من تقبل الزيارات في الأيام الأولى على الأقل. # وفى صباح اليوم المضروب للعملية ذهب إبراهيم وحده إلى المستشفى دون أن يخبر أمه أو ~~ابنه. وهما كل أهل بيته إذا أسقطنا الخدم - كأنه ماض إلى عمله. وتقدم إلى غرفة الجراحة ~~بجأش رابط ونفس - لا نقول مطمئنة - ولكنا نقول غير مكترثة لما عساه أن يكون. ومع أن ~~الطبيب احتاج أن ينشقه مقدارا كبيرا من الكلوروفورم، فإنه لم يكد يغسل يديه حتى كان ~~إبراهيم قد فتح عينيه وأفاق إلى حد كببر، فحملوه وهو متنبه ووضعوه في سريره وتركوا إلى ~~جانبه ممرضة تعنى به، فلبث نحو ساعة لا يتحرك ولا يتكلم ولا يصنع أكثر من أن يدير عينيه ~~في السقف والجدران أو يرفع يديه من حين إلى حين ويمسح جبينه لغرض واحد هو أن يثبت ~~لممرضته أنه مفيق. وهي تحدجه بنظرها ولا تكاد تحول نظرها عنه كأنما تعجب لجلده. ثم لفت ~~وجهه فجأة وقال: «ما اسمك؟» ولم يكن ذلك منه التفات سائل عادي بل كان أشبه بحركة ~~متوجع. # ويظهر أن هذا آخر ما كانت تنتظر أن يسألها عنه، فلم تجد الجواب حاضرا وتلعثمت وهي ~~تخبره أن اسمها «ماري» وحول وجهه عنها قبل أن تنطق وعاد إلى صمته، وكأنما توهمت أنه لم ~~يسمع وخشيت أن يسوءه حسبانه أنها لم تجب أو كأنما ملت طول الصمت الذي ألزمها إياه - ~~والصمت أشق على النساء منه على الرجال - فمالت إليه وحنت عليه وكفاها على السرير لتعتمد ~~عليه وقالت: أقول إن اسمي ماري. # فتصلبت عضلات وجهه وانزوى ما بين عينيه وتضاغطت شفتاه هنيهة قبل أن يقول لها: «نعم ~~سمعت ... أرجو ألا تضعي يدك على الفراش فيتحرك ... مؤقتا على الأقل ...». # فرفعت يديها بسرعة عن السرير وقد أدركت أن صمته تجلد؛ وأنه يكابد من الألم ما يود أن ~~يكتمه لسبب ما، ونهضت وقد حدثتها نفسها أن خير ما تحسن به إليه هو أن تدعه وحده. وفطن ~~هو أيضا إلى ما خطر لها وأوما إليها بعينيه فعادت ms14 إلى كرسيها فقال: هل تعلمين أن أهلي ~~يجهلون أني هنا؟ ~~- كلا! # وبدا عليها شىء من الدهشة فلم تدر ماذا تقول أكثر من «كلا» ومضى هو في كلامه فقال: ~~أرجو أن تغتفري لي ما أنا قائل. إن وجودك معي الآن على الأقل لا يكاد يجديني. وأنت في ~~الخارج أنفع لى منك هنا. كم الساعة الآن؟. ~~- التاسعة والربع. ~~- لا يزال إذا في الوقت فسحة. إن أخى على موعد معي هنا. وهو لا يعرف شيئا مما حدث ~~ولا يتوقعه. وكل ما أطلعته عليه هو أني سأعرض نفسي على الدكتور ... وأني أحب أن يكون معي. ~~وسيحضر بعد قليل. والآن افتحي الدولاب وناوليني الورقة التي في الجيب الأيمن من سترتي ... ~~أشكرك.. متى جاء أخى فأطلعيه على الحقيقة وهوني عليه الأمر ما استطعت، وإذا طلب أن ~~يراني فقولي له إني نائم - فإني أخشى أن يكثر من الاسئلة الفارغة البلهاء. وأكدي له ~~أني كتبت هذه الورقة بعد أن أفقت من العملية وزال عني ألمها وذلك ليطمئن قلبه - إنها ~~كذبة ولكن يكون في بعض الأوقات ضروريا، واطلبي منه أن يعمل بما في الورقة حرفيا ... ~~أحسبني أتكلم أكثر مما يلزم فهل أستطيع أن أعتمد على ذكائك وحسن تصرفك؟ # فطمأنته وأكدت له أنها ستؤدي الرسالة كما يجب أن تؤدى وسألته قبل أن تنصرف أله حاجة ~~أخرى؟ ~~- نعم، أن تعودي قبل خروجه وتخبريني بما فعلت. ويمكنك أن تقولي له إنك آتية لترىء ~~أنائم أنا أم مستيقظ. وهذا من قبيل الاحتياط حتى أستطيع أن أصلح ما عساه يقع من الخطأ ~~وحتى أتوقى ما لا أود حدوثه. # 2 # وجرى كل شيء على ما رسم: زيارات قليلة قصيرة يؤديها له أهله وخاصة خلصاءه، ووحدة ~~طويلة تتخللها فترات جعلت تطول شيئا فشيئا تؤنسه فيها مارى بمحضرها وحديثها. فنشأت ~~بينهما ألفة وعلم منها أنها سورية الأصل وأنها تعلمت في إحدى مدارس الراهبات في سوريا ~~ثم تزوجت شابا إيطاليا جاء بها إلى الإسكندرية ولبثت معه ثلاث سنين قضى نحبه بعدها ~~وخلف لها طفلا. فزاولت الحياكة أولا ثم ms15 التمريض وها هى ذي إلى جانبه. # ومن العسير أن يصف المرء «ماري» هذه وصفا دقيقا. ولعل من المستحيل أن يستطيع المرء ~~وصف إنسان ما على وجه الدقة. ولكن من الممكن أن نقول - ومن الممكن أن يصدق القارئ - إن ~~«ماري» كانت تبدو في بعض الأحيان جميلة، وفي بعض الآخر غير جميلة، تبعا لحالتها الصحية ~~والنفسية. وندع هذا مع ذلك ونقول عن مظهرها الجثماني إنها ذات وجه ناطق دقيق المعارف، ~~وإن لونها أقرب إلى الشحوب، وإنها ضامرة الجسم، وإن من يراها يخيل إليه أنها ظمأى ~~كالعود من الزهر انقطع عنه الماء، وإنها لو سقيت من هذا الشراب الذي تقرأ في عينيها ~~ولونها التياعها إليه؛ لربت واهتزت. والمرء يستشف في وجهها النزوع إلى انتظار رأيك قبل ~~أن تفضي إليك برأيها - وإلى انتظار عملك أيضا على الأرجح قبل أن تقدم هي على عمل. ومما ~~أكد هذه النزعة فيها، مزاولتها مهنة التمريض. والمستشفى - كما يسهل أن يدرك القارئ - ~~أشبه ببقعة معزولة عن العالم، أو منتزعة من أحشائه، يكون فيه التفكير أكثر من العمل، ~~والقلق والملل أكثر من التفكير، ولا يجري التفكير فيه، حين يجرى، إلا في دائرة ضيقة، ~~وقلما يؤدى إلى نتائج خيالية. ولكنه على ذلك مسرح تمثل عليه روايات تداني في جلالها ~~واتساقها ووحدتها أحيانا، خارجيات سفوكليبس وشكسبير، ويساعد على إكسابها هذه المزايا، ~~تركز العواطف وشدة توقف بعض الحيوات على بعض. # وقد خلق إبراهيم عطوفأ أليفا، سريع الإحساس بالجمال، ليس أقوى من نفسه من عواطف ~~الأدب والحب، وخلقت ماري سمحة النفس رضية الطباع، حساسة كالوتر المشدود، وشاءت المقادير ~~أن يتشابها فيما وقع لهما، فهو فقد زوجته وهي فقدت بعلها. وكل من الفقيدين خلف وراءه ~~طفلا، وفي كلتا النفسين ذلك الحنين المخنوق الذي خلفه موت الفقيد، ولم تجد الحياة ~~بما يطفئه أو يسكن لاعجه. وكان إبراهيم على حيائه، لا يكاد يألف إنسانا حتى يفتح له ~~قلبه، ويرسل معه نفسه على سجيتها، وقل أن يتبسط لأول وهلة ولكنه كان صاحب فكاهة وعبث، ~~وما عرفته امرأة إلا ms16 أعجبها منه ما فيه من الدعابة، والفكاهة من أقصر الطرق إلى قلوب ~~النساء، فلم تمض إلا خمسة أيام حتى كان إبراهيم قد علق ماري، وماري قد شغفت بإبراهيم، ~~وحتى صارت غرفة المستشفى فردوس عاشقين - إذا صدقت الظواهر - وما أكثر ما تلاقت شفاههما ~~في قبلات فرحة في ذلك الفردوس المنزوى، الذي يحسبه الناس مستشفي فحسب! # واستمرت العلاقة بينهما بعد أن بارح المستشفى إلى بيته، وكثرت المحادثات بينهم ~~بالتليفون والمقابلات. غير أن الإرادة التي وهنت مع المرض، عادت مع الصحة، ففطن إبراهيم ~~إلى ما في علاقتهما من الجرح، وأدرك أن الأمر يوشك أن ينقلب مشكلا. ورأى أنه لا يستطيع ~~أن يرضاها زوجة، وأنها تطمح ما هو أسمى من مرتبة الخليلة، وهبها لم تطمع فإن ذلك لا ~~يحل مشكل حياته، ولا ينيله مأربه ولا يبلغه ما يتمنى من السكون إلى الحب المنزلي الذي ~~لا يعدل به شيئا. فخطر له أن ينأى عن القاهرة زمنا عسى أن تطيب نفسه عنه، وأن تروض هي ~~نفسها على بعده. ولما لم يهده التفكير إلى خير من ذلك، صمم عليه وشرع في إمضاء هذا ~~العزم على توه. # والتقيا ليلة سفره وتنزها قليلا ولما آن أن يفترقا سألته: متى نلتقي غدا؟ ~~- ليس غدا. # فقالت وهى تبتسم ولا تدري ما عقد النية عليه: «ماذا يشغلك عني يا برامينو»؟ وكان ~~برامينو، اسمه عندها تناديه به حين تداعبه. فأجابها وهو يتكلف الابتسام: يشغلني أني ~~مسافر. ~~- مسافر؟ كيف هذا؟ وإلى أين؟ ~~- أوه! لا على مكان معين. سأنتقل من بلدة إلى بلدة، ومن قرية إلى أخرى ثم أعود فيما ~~أرجو. ~~- وما داعي ذلك؟ متى عزمت عليه؟ ~~- لا داعي له إلا أن دكتورك أمرني به وألح على فيه. # فزاد لونها شحوبا وأظلم وجهها وأطرقت لحظة، ثم رفعت رأسها وحدقت في عينيه وقالت: ~~إنها إرادتك أنت لا مشورة الدكتور! لا تمار! إني أعرفك! # فلم يزد على أنه ابتسم ابتسامة من يستنكف أن يكابر ولا يكترث لما تظن به، فسال ما ~~تجمد في نظرها ولانت عضلات وجهها ms17 وبدا فيه الضعف، وأمسكت بكتفه وقالت وهي تهزه ولا ~~تعبأ بمن عسى أن يراهما من الناس: لا، لا! لا تذهب! قل إنك باق! # فرفع كفيها عنه في رفق وقال بلهجة من يريد أن يطمئنها وإن لم يكن في كلامه ما يعين ~~على ذلك: ولكن هذا مستحيل يا ماري! لقد أبرقت إلى بعض أقاربي أنبئهم باعتزامي السفر ~~غدا وأطلب أن يرسلوا من ينتظرني. ~~- أبرق إليهم مرة أخرى بعكس ذلك. # فهز كتفيه وقال: وما الفائدة؟ سأسافر بعد غد إن لم أسافر غدا! فالرحلة لابد منها على ~~كل حال. # وهم أن يدعوها إلى التمشى قليلا ليسرى عنها، غير أنه عاد فرأى أنه من الأحزم ~~والأجدى أن ينتهي الوداع حيث هما. فاكتفى بأن يهون الأمر عليها - وعلى نفسه أيضا - ~~ببضع كلمات، ثم ربت لها ذقنها بأطراف أصابعه وسلم، فقالت بعد أن تلفتت يمينا ويسارا ~~كأنما كانت تحدث نفسها باختلاس ضمة: «يا له من حلم قصير»! وكان قد خلى يدها وناى ~~خطوة فقال: لالا! لا تقولي هذا يا ماري! لو كنت ممن يتشاءمون لما حسن وقع ذلك في نفسي ~~قبيل سفري! # فنبهها ذلك فدنت منه وأقبلت عليه تؤكد لها أنهما سيلتقيان. أما هو فسلم مرة أخرى وشور ~~لها بيده وهو يبتسم ولم يجب! # الفصل الخامس # | «قلت أكون حكيما أما هي فبعيدة» عني رجع بنا الحديث إلى الريف ... # بعد أن انطلق إبراهيم من الغرفة التي كان فيها مع شوشو وخرج منها مارقا كالسهم، انحدر ~~مسرعا إلى غرفة نومه واستلقى برهة على «كنبة» فيها وأغمض عينيه كالذي يريد أن ينام، وما به ~~من نوم، فكر أمام مخيلته كل ما وقع له مع «ماري» مما قصصناه وما لم نقصصه في الفصل ~~السابق، فعاوده الحنين إليها والأسف على فراقها والألم لما خلفه لها، ولم يكن إبراهيم ممن ~~يحبون أن يخدعوا نفوسهم وينحلوها من المزايا ما عطلت منه، وكان يؤثر أن يغمط نفسه وأن يعدها ~~مجردة من كل ما يجعله حبيبا إلى النساء مرموقا منهن، ولعل السبب ذلك أنه أحس ms18 بالجمال، ~~وأحسن تقديرا له، وأشد شعورا بمواطن الضعف في نفسه، وأفطن من أن يتأتي له أن يغضى عن هذه ~~العيوب وألا يكترث لها، أو أن ينحيها عن عينيه ولا يدعها تبرز وتحجب مزاياه. ولذلك لم يلبث ~~أن راح يتصور «ماري» متلهية عنه بكل ما يعدها صباها وجمالها له. ومن هو إبراهيم حتى تشغل ~~نفسها به وتشيح بوجهها عن الدنيا من أجله؟ إن صباها الذي ألقت بها حرارته بين ذراعيه خليق ~~أن يلقي بها بين ذراعي سواه، ولن تعدم رجلا يكون أفتن منه وأوفى أيضا! وأي حق له عليها ~~بعد أن آثر أن يطرحها ويفر منها على هذه الصورة ولا يترك لها حتى عنوانه؟ وهكذا ظل يحمل على ~~نفسه حتى آلمها فنهض وقد ضاق صدره وفتح النافذة لتخلص أنفاسه قليلا، وكانت نافذته تطل على ~~فناء خلفي رحيب، بعضه - وأكثره - بستان زهر وشجر باسق، وبعضه بيوت للدجاج والإوز والحمام ~~والأرانب وغيرها، وحوله سور أسفله مبني بالآجر وأعلاه مصنوع من قوائم من الحديد مغطاة من ~~الداخل بالحصير، ليحجب من يكون في الداخل من عيون المارة. وفي الجنوب باب للخدم وقد يدخل ~~منه الزوار من النساء أحيانا إذا شئن، وكذلك من الرجال الذين يمتون إلى أهل هذا البيت بصلة ~~من قرابة أو مصاهرة. ورأى إبراهيم الخدم يدخلون ويخرجون، وحديد الباب يلمع في ضوء الشمس ~~فأدرك أن دهانه جديد، وراقه أن يراقب الداخلين والخارجين وما يصنعون إذ يفتحون الباب أو ~~يغلقونه، ومبلغ التفاتهم إلى الدهان، وعنايتهم باتقاء تلويثه لأيديهم أو ثيابهم. فلم يجد ~~الرجال - وكانوا قليلين على كل حال - يتفاوتون تفاوتا يذكر، وكان كل منهم يدفع الباب برجله ~~فيفتحه ويدخل ثم يعود فيدفعه من الداخل أيضا؛ أما النساء فكن أكثر اختلافا: جاءت أولاهن - ~~أو أولى من أبصر منهن - في ثوبها الأسود الذي يكنس الأرض وراءها وذراعاها مثنيتان إلى صدرها ~~وعموديتان عليه، وكفاها مفتوحتان كأنما تريد لتتقي بهما شيئا، فلما بلغت الباب دفعته ~~براحتيها ودخلت، وكأنما أحست أن شيئا قد لصق بهما فنظرت إليهما وصاحبت «يوه» ms19 ووقفت مكانها ~~حائرة، ثم كأنها لم تدر ماذا تصنع فجعلت تتلفت يمنة ويسرة ومضت إلى أقرب رجل أخذته عينها ~~لتستشيره على الأرجح ولم تصوب نظرها مرة واحدة إلى ثوبها لترى ماذا أصابه! وبعد قليل جاءت ~~أخرى على رأسها سلة مغطاة فلما بلغت الباب منحته جنبها ودفعته بكتفها، ودخلت مطمئنة غافلة ~~عن الخطوط وأنصاف الدوائر التي ارتسمت على ذراعها مما يلي الكتف! فرفهت هذه المناظر ~~وأمثالها عن نفس إبراهيم، وانبسطت أسارير وجهه ولمعت في عينيه ابتسامة خفيفة، وإنه لمشرف ~~على هذه الصور وإذا بصوت من ورائه يقول: «خالي! شوشو تسأل عنك»! وكان المتكلم محمد ابن ~~نجية. وهو وأخته يدعوانه خالهما اختصارا. فالتفت إليه كالمفيق من حلم أو كأنما كان قد توهم ~~وهو مطل من النافذة أنه مشرف من السحاب، فلما سمع الصوت الذي يناديه أحس كأنما هبط إلى ~~الأرض. ولكنه إحساس لم يطل فتناول الصبي ورفعه إليه وطبع على فمه قبلة أبوية وسأله: «أين ~~هي»؟ فقال الغلام: «في غرفة الاستقبال» ويظهر أن إبراهيم استغرب هذا فصمت قليلا كأنه يفكر ~~ثم قال: «حسن قل لها إني هنا لا أصنع شيئا. فلتأت إذا شاءت». # فخرج الغلام يعدو، ومشى إبراهيم إلى السرير ووقف معتمدا بظهره عليه. وكان دقيق الملاحظة ~~كثير التفكير في كل ما يرى أو يسمع، ومن عادته إذا خلا بنفسه ولم يرغب في المطالعة أن يدع ~~خياله يرسم له مناظر ومواقف وينشئ محاورات وأحاديث. فجعل يفكر في قول الصبي إن شوشو في غرفة ~~الاستقبال: في غرفة الاستقبال؟ لقد تركها هناك! فهل تراهها لم تبارحها. وكم دقيقة أو ساعة ~~مضت عليها منذ غادرها، وامتدت يده إلى جيبه مدفوعة بحركة لدنية وأخرجت الساعة، وتأملها ~~ولكنه لم يقرأ فيها شيئا بل ابتسم إذ تذكر أنه لم ينظر إلى الساعة حين غادر شوشو فلا ~~يستطيع أن يعرف كم لبثت في هذه الغرفة. ولكن لماذا تبقى في الغرفة وحدها ولا تزايلها؟ ما ~~أغرب أمر هذه الفتاة! أتراها ساءها ما بدر منه؟ ربما! بل لا شك في ذلك ms20 فإنها فتاة متعلمة ~~مهذبة ولا بد أن يكون قوله لها «يا بلهاء» قد حز في نفسها، وانطلق يلوم نفسه ويعنفها ~~ويستهجن شكاسة طبعه. # ودخلت شوشو تنساب كالماء فتقدم إليها باسطا كلتا يديه وقال: اعتذر إليك يا شوشو! ~~سامحيني! لقد أسأت إليك وكان ذلك سوء أدب مني بلا ريب. فهلا تغفرين؟ # فتناولت كفيه في كفيها وجذبتهما إليها وفي عينيها نور البشر وحول وجهها كالهالة، وقالت ~~وأمالت رأسها إلى كتفها اليسرى: «تعتذر إلي؟ مم بالله؟ هيه؟ تعال هنا»، ومضت به إلى ~~الكنبة: «قل لي ماذا كنت تصنع وحدك هنا! أتراك جئت لتقضي الوقت كله في هذه الغرفة؟ اسمع! ~~سأغلقها بيدي بعد أن تستيقظ من النوم وأحفظ مفتاحها معي ولا أسمح لك بدخولها إلا وقت النوم، ~~أفهمت»؟ # فأعداه بشرها وقال وقد شاع في كيانه السرور: «فهمت وسمعت وأطعت! والآن ماذا كنت تصنعين ~~أنت في غرفة الاستقبال وحدك»؟ # فدفعت رأسها إلى الوراء قليلا وهزته كما يفعل العصفور بعد أن يشرب وقالت: «أنا؟ أوه! لا ~~شيء! وماذا عساني أفعل وأختي تأبى إلا أن تعدني ضيفة ولو أقمت معها العمر كله»! # وفي هذه اللحظة سمعا صوت عجلات ووقع حوافر خيل، فأصغى إبراهيم؛ أما شوشو فنهضت إلى ~~النافذة وأطلت منها ثم التفتت إلى إبراهيم وهي تقول: «الدكتور»! # فوقف إبراهيم وقد غاض البشر من وجهه وسألها بلهفة وهو لا يفهم: «دكتور؟ هل مرض ~~أحد»؟ # فبادرت إليه وقالت: «لا، لا! إنه الدكتور محمود.. قريب ابن عمي (زوج أختها) ألا تعرفه؟ له ~~عيادة في البندر ويزورنا من حين إلى حين، وكلماء جاء قريتنا يعود مريضا، والآن سأذهب ~~لأستقبله وأجيء به». ~~- ليس إلى هنا وأنا في هذه الثياب أيضا؟ # فضحكت وقالت: «لا تخف! بل في الغرفة التي أمام غرفتك.. هذه (وأشارت إليها) أما ثيابك فما ~~لها؟ إنك في قرية ولا حاجة بك وإلى تغييرها». # ومضت تعدو .... # الفصل السادس # | «ارجعي، ارجعي، يا شولميت! ارجعي، ارجعي، فننظر إليك» # لم يسع إبراهيم إلا أن يطل من النافذة. ولم يكن يعرف هذا الدكتور ولا سمع ms21 به، أو على ~~الأصح لا يذكر أنه سمع به، فقد كانت ذاكرته أشبه بالغربال الواسع الخروق، وكانت الأسماء أول ~~ما ينسى إذا طال غياب أصحابها عنه، وكثيرا ما كان ذلك يخجله، وكان ربما التقى باثنين من ~~معارفه لا يعرف أحدهما الآخر فيمنعه نسيان اسم أحدهما، أو اسميهما معا، أن يقوم بواجب ~~التعريف، وكان إذا تحرج الموقف ولم يجد بدا من أداء هذا الواجب، يلجأ إلى المداعبة ويقول ~~لهما: «إذا شئتما أن تتعارفا فلا اعتراض لي ولكن لا تنتظرا مني معونة»! فيتقدم كل منهما ~~للآخر باسمه في حياء واضطراب ويخرج هو بذكر ما كان ناسيا! # ولم يفارقه الوجوم منذ سمع كلمة «الدكتور» تند عن شفتي شوشو، إما لما تركه توهمه حين ~~نطقت باسمه أن أحدا قد مرض فجأة، وإن كانت شوشو قد بادرت إلى نفى ذلك وطمأنته، وإما لأنه ~~لم يرتح على العموم لما ظهر له من أن شوشو تقابل هذا الدكتور وإن كان قريب عمها، وكان هو - ~~إبراهيم - ليس من دعاة الحجاب، أو لأنه لم يجد في الساعات القليلة التي أقامها في الريف ما ~~كان يتوقع من الإيناس والشواغل، أو لعله كان لكل ذلك تأثيره. ومهما يكن من تعليل سهومه فإن ~~الذي حدث أنه لم يكد يخرج وجهه من النافذة حتى تراجع وأغلق مصراعيها الزجاجيين كأنما هذا ما ~~قصد إليه، تم عاد إلى الكنبة ووضع رجلا فوق رجل وأشعل سيجارة. # وفي أثناء ذلك كان الدكتور قد ترجل وترك المركبة في حراسة أحد الخدم ودخل البيت ~~فاستقبلته شوشو في وسط السلم وصعدت به إلى الغرفة المواجهة لغرفة إبراهيم. # وبعد هنيهة دخلت على إبراهيم فاطمة الزنجية التي كره وجهها وكلامها في الصباح، وقالت وهي ~~مطرقة بها شيء من الوجل: تفضل يا سيدى .... # فنحى السيجارة عن فمه وأرسل نفخة من دخانها، وأمال رأسه إلى ناحية السيجارة - وكانت في ~~يمناه - وقال لها بلهجة مبطنة بالمرارة: إلى أين يا ستي إن شاء الله؟ # فأحست المسكينة أن حادثة الصباح ستتكرر، فقالت وهي مضطربة: عند ستي شوشو ms22 والدكتور. ~~- ما أسرع ما نسيتني ستك شوشو بدكتورها: أنا أيضا ضيف كالدكتور ولم أسبقه إلا ~~بساعات. # قال هذا بصوت خفيض وعينه إلى الأرض كأنما كان يحدث نفسه. ثم رفع رأسه إلى الخادمة التي ~~كانت تخالسه النظر وقال: ألم تجد ستك شوشو من ترسله غيرك؟ لماذا لم تحضر بنفسها؟ ~~- أنا ... أنا ... ياسيدي .... ~~- أنت تخرجين من هنا ... (بصوت عال). # فخرجت المسكينة تتعثر وبودها لو استطاعت أن تحلف ألا تريه وجهها. # أما هو فكان يود أن ينهض ويتمشى في الغرفة، ولكن الباب مفتوح وفي وسع من يكون في الغرفة ~~المقابلة أن يراه، فظل قاعدا وجعل يتميم: «قبح الله الريف وساكنيه! لو أنها كانت فتاة من ~~أجلاف الريف لعذرتها. ولكنها تعلمت في المدارس الفرنسية أيضا، وليست بالصغيرة على كل حال ~~حتى يغتفر لها ذلك. # الواقع أن مجيئي إلى هنا كان خطأ ... يجب أن أعود أدراجي أو أرحل إلى الإسكندرية فهى من هنا ~~قريبة ... إن أعصابي ضعيفة ولا قبل لي باحتمال هذه الفصول الباردة ... وأنا لم أحتك بأهل الريف ~~الحقيقيين بل لم أر منهم غير رفيقى من المحطة إلى هنا ... ذاك الميت الحي الذي لم يكفه ~~إسماعيل واحد ولم يرض بأقل من ثلاثة! وهو مع ذلك وكيل مضيفي! كيف يمكن أن أطيق كل هذا الجهل ~~والجلافة»؟ # وكر به الفكر إلى ماري ... ماري السمحة المؤدبة الوديعة، التي كانت تقرأ في وجهه كل ما ~~يدور في ذهنه، وتسبقه إلى ما يطلب قبل أن يتحرك لسانه، ماري التي فر منها بلا سبب، وحرم ~~نفسه متعة حديثها، وأنس محضرها ولذاذة حبها، ماري التي كان إذا خلا بها يجلس على ركبتيها ~~كالطفل ويسند رأسه إلى صدرها، ويمسح لها وجهها براحته، وهي تحنو عليه وتقبله، وهو مغمض ~~العينين! فنهض فجأة وقال وهو يشير بإصبعه: «كلا! لا بد أن أكتب إليها لتلحق بي في ~~الإسكندرية ...». ~~- من هي؟ # فالتفت فإذا شوشو واقفة في مدخل الباب، وذراعاها ممدودتان وكفاها على المصراعين، وقدها ~~الممشوق بادية معالمه كلها بفضل وقفتها، وثوبها الصوفي المحبوك، فبهت إبراهيم! كما ms23 بهت الذي ~~كفر فيما حدثنا الكتاب الكريم، ولم يدر ماذا يقول أو يفعل. ولم يكن أسهل من التخلص، ولكن ~~خياله النشيط جسم له الأمر فارتبك، وبدا ذلك كأجلى ما يكون في جموده في مكانه، وفي ثبات ~~حملاقه، وذهول نظرته، وانفراج شفتيه، وتصلب يمناه المثنية على صدره. # فزايلت شوشو ابتسامتها وتقدمت إليه وردت مصراعي الباب وراءها حتى تلامسا، ووقفت إلى جانبه ~~تحدجه بنظرها، ثم قالت له وتكلفت الابتسام، وإن كان لونها ممتقعا: ستحرق السيجارة أصابعك ~~إذا لم تنتبه! # وكأنما رد صوتها رشده إليه، فحنى رأسه وصوب عينيه إلى يده وقال: «نعم أشكرك» وبدا منه مثل ~~حركة من يهم بالقعود، وإن لم يكن وراءه شيء، فسندته شوشو بذراعيها فأفاق تماما والتفت ~~وراءه ثم رفع إليها وجهه الشاحب المتهضم وقال: «أشكرك ثانية» فقالت وهي تقسر نفسها على ~~الابتسام ولا تدري ماذا تهدي إليه: من حسن الحظ أن الدكتور هنا، وإني أستطيع أن أكون ممرضة ~~عند الحاجة! # فندت عن صدره «آه» قصيرة مثقلة، كأنها خارجة من صدر رجل طعن وهو نائم. ~~- يجب أن تجلس. إنك مريض وتناولت يده تجسها. ~~- كلا! كلا! لست مريضا. دعيني. # ولكنه أطاعها وجلس وهو يتأفف، ويمر يده على وجهه. ~~- إن الدكتور وحده .... ~~- اذهبى إليه، حقيقة لا يليق أن تدعيه وحده. ~~- لا أستطيع أن أتركك وحدك. ولكن انتظر. # وخرجت مسرعة. # وبعد دقائق عادت وأخبرته أنها صعدت بالدكتور إلى أختها ثم قالت: والآن أراك أحسن مما كنت ~~حين تركتك. ألست كذلك؟ ~~- نعم أحسن كثيرا. ~~- إذا قم والبس بذلتك، فقد كلفتني حيلتي كذبة. فعليك أن تبيض وجهي. ~~- أية كذبة؟ ~~- لقد قلت لهما إنك مصر على عدم مقابلة الدكتور إلا في بذلتك، كذبة قلتها كسبا للوقت ~~لأني خفت أن تطول هذه الحالة التي رأيتك عليها. وكلفتني غير الكذبة شيئا آخر، ولكني ~~سأحاسبك فيما بعد. أما الان فالبس ثيابك وسأسبقك. # الفصل السابع # | «أيتها الجالسة في الجنات. الأصحاب يسمعون صوتك فأسمعيني» ... # صعد إبراهيم إلى غرفة الاستقبال العائلية التي جلس فيها بعد الإفطار مع شوشو برهة، فألفى ms24 ~~الأسرة مجتمعة فيها: محمد الصغير ابن نجية يبكي - أو على الأصح تبكي حنجرته دون عينيه - ~~لسبب لا شك يدعو إلى بكاء مثله، وفي كفه مرآة صغيرة ينظر فيها ويظهر أن الغرض من ذلك أن يرى ~~في صقالها كيف يبدو الوجه الإنساني حين يبكي حامله! وكان يكف عن النشيج كلما استوقفه المنظر ~~العام أو لفته منه شىء خاص، ثم يستأنف الإعوال! وكانت زينب أخته - أو زوزو كما ألفوا أن ~~يسموها على عادة هذه الأسرة - معتمدة بذراعيها على كرسي، ومنحنية عليه وناظرة إلى مقعده، ~~ومشتغلة بتحركيه إلى الأمام وإلى الوراء، وأمها نجية تلتفت إليها من حين إلى حين وتزجرها عن ~~هذه الحركة، خوفا على الكرسي، بمثل هذه الأصوات: «تؤ.. تؤ.. تؤ..» ثم تعود وتحول وجهها ~~إلى الدكتور إلى جانبها ولا تنتظر نتيجة زجرها، أما شوشو فلم تكن في الغرفة ساعة دخلها ~~إبراهيم. # ووقف الدكتور وتقدم خطوات، ومد يده إلى إبراهيم وتصافحا ورفع عمد عينه عن المرآة ونظر ~~بمؤخرها إلى القادم في سكوت، ثم أكب عليها ومضى في عويله الذي يظهر أنه كان يجد فيه نوعا ~~من الإمتاع، ولكنه لأمر ما هبط بطبقة هذه النغمات إلى أدنى ما يستطيع. وتخلت زوزو عن ~~الكرسى وخفت إلى إبراهيم وتمسحت به وهو يسلم على الدكتور، كما تتمسح القطط بأصحابها. ~~فاحتملها وجلس وأجلسها على ركبته، فأهوت على عنقه تطوقه وتقلبه في صمت تام وابتسام لم تكد ~~تفوز بمثله من موضع عطفها وحبها حتى انقلب ضحكا عاليا. # ودخلت شوشو في إثر إبراهيم - كأنما كانت مختبئة تنتظره - فأثارها الدكتور بنظره وتعلقت ~~عينه بمرونة حركتها إذ تبدو كأن أوصالها ساكنة وهي تنساب كالجدول الرقراق، وكان قوسا ~~حاجبيها الدقيقين الحادين يختلجان، وعينها تومض فيها نظرة عجيبة جمع بين عدم الاكتراث ~~والخبث والدلال والسذاجة، وكانت شفتاها الرقيقتان تقلدان حاجبيها وتختلجان مثلهما، وكذلك ~~جانبا أنفها الجميل. وإذا قلنا أنفها الجميل فقد قلنا كثيرا؛ فما أندر الأنوف الجميلة وإن ~~كثرت العيون الفاتنة والشفاه المغرية. وإذا أضفت إلى هذا وذاك خصلا متموجة من الشعر ~~الأصفر، ms25 وثوبا من الصوف داكن الحمرة منسجما على قوامها، أمكنك أن تكون لنفسك فكرة ولو ~~ضئيلة عن هذه الفتاة التي صارت في هذه الغرفة كالزهرة بين الخضر! # وتخلى لها الدكتور عن مقعده، ومضى إلى آخر الغرفة ليأتي بكرسي لنفسه، فابتسم إبراهيم الذي ~~تظاهر بالتشاغل بمداعبة زوزو - إذ رآه يمشي وأحد كتفيه إلى الأمام ورأسه مائل إلى اليسار ~~وذراعاه تضطربان في الهواء كأنما خلتا من الأعصاب أو كأنهما كمان فارغان. # وبعد تبادل التحيات وما هو منها بسبيل، قالت شوشو وهي تنظر عن عرض إلى إبراهيم، وكان ~~مطرقا يهمس في أذن زوزو، وإن لم يفت عينه ولا أذنه شيء: ما قولك يا دكتور! اليوم الجمعة ~~وهو يوم راحتك. فاقضه معنا فإن ابن خالتي يمل مجالستنا ويهرب منا دائما إلى غرفته. # فلم يبد على الدكتور كأن هذا يضايقه جدا وقال: ولكن.. ~~- قل إنك موافق ... أسرع. # قالتها بلهجة لم يسع الدكتور معها أن يظل لسانه معترضا على ما يوافق عليه قلبه فقال: إذ ~~كان الأستاذ (فرفع لإبراهيم وجهه ونظر إليه نظرة بلهاء جوفاء) لا يرى في وجودي ما يزيد من ~~ميله إلى الهرب فإني على أتم استعداد .... ~~- معذرة يا سيدي الدكتور إذا قاطعتك. يظهر أنك لا تعرف أساليب شوشو المحرجة (ضحك مكتوم من ~~شوشو) أؤكد لك أنها لا تعني ما تقول ... أنا أعرف بها منك. ~~- بل أعرف كل حرف. ~~- نعم، تعنين أنك تطلبين إلى الدكتور أن يقضي اليوم معنا - أعني هنا - ولكن الباقي الذي ~~يخصنى ليس سوى عبث منك بي وحدي. ~~- سله يا دكتور بذمته أليس في عزمه أن يطير إلى الإسكندرية حالا لو أنه يستطيع؟ # فمالت نجية إلى الأمام وحملقت في وجهه ثم في وجوههم وقالت: يسافر؟ كيف؟ وهل أقام شيئا ~~حتى يفكر في السفر؟ ~~- سليه يا أختى (بخبث). # فقالت نجية بلهجة من كاد يهتدي إلى السر: «أتراك رأيت ...». # ولكن شوشو قاطعتها ضاحكة: لا، لا: إنك لا تنسين عفاريتك قط! أنا أعرف السبب! # ورمت إلى إبراهيم نظرة. # فقال إبراهيم بصوت اليائس: «ربما» واضطجع في ms26 كرسيه وأطبق شفتيه إطباق من لا ينوي أن ~~يفتحهما مرة ثانية. # وفتر الحديث لأن الدكتور لم يسعه أن يشترك في هذه المناقشة العائلية، ولمح أن إبراهيم لا ~~يحب أن يتوسع فيها. ورأت شوشو أن إشارتها إلى ما سمعته عفوا من إبراهيم وهو يحدث نفسه في ~~غرفته قد أعادت إليه الاكتئاب، فندمت وصار الكلام متكلفا متقطعا. # وكان الأفق قد غام وانتشرت سحابة كثيفة واحدة في مجاليه، وبدأت تهمي وترسل صفحات متموجة ~~من المطر ترق حينا وتكثف حينا آخر. وجعلت الأشجار المغروسة وراء البيت تتوجع كالبؤساء من ~~الرياح التي تعصف بها وتصفر بيها، ثم طغت الرياح حتى صارت الجذوع الوطيدة تهتز وتروع الناظر ~~إليها بهذه الحركة التي لم تعهد منها، كما يروعك الرجل القوى حين يبكي، وراحت الغصون ~~المتدلية تتصعد وتتصوب، والفروع العالية المستقيمة تتلوى وتترنح وتبدو كأنها توشك أن تتقصف، ~~واضطربت مهاب الرياح وتعددت تياراتها وتعارضت، حتى صارت الأغصان المتقاربة في الشجرة ~~الواحدة من هذه الأشجار تميل كل مميل وتتضارب وقد تشتبك، وجعلت الأوراق - ما بين خضراء ~~وصفراء تتطاير عن أعوادها وتتفاذف ثم تسقط فروع الزروع. وأظلمت الدنيا وصار وقع الماء على ~~زجاج النافذة كنقر العصي، وكانت روعة هذه الثورة قد تركت القوم صامتين برهة، ثم قالت شوشو ~~وفي وجهها أمارات الفوز وفي صوتها نبرات السرور: والان يا دكتور لم يبق لك مفر من ~~البقاء! # ونظرت إلى إبراهيم تبتغي تأييده. ولم ينتظر الدكتور هذا التأييد، فأرسلها ضحكة عالية لم ~~يفهم إبراهيم لها معنى، ولم يعرف لها داعيا! وبدا له أن من سوء التقدير أن يضحك المرء وهو ~~محبوس من جراء هذا الجو العاصف، فأخذ يراقب الدكتور ويحصى عليه حركاته وأنفاسه، فخيل له - ~~ولعله غير مخطئ - أن الدكتور يتغفله ويلاحظ شوشو باسما حتى وهو يكلم غيرها، ولم يزل حتى ~~أقنع نفسه بذلك، ثم صارت المسألة التي تتطلب الجواب: هل وجه شوشو يزداد احمرارا أو يشحب أو ~~يثبت ولا يتغير على كثرة هذا اللحظان وتكرره؟ وهل هي ترامقه أيضا، أم هذه الاختلاجات التي ms27 ~~يراها في جفونها عفوا لا عمد فيه؟ وعلى كثرة ما فكر في ذلك وطول ما شغل به نفسه لم يستطع أن ~~يطمئن إلى جواب يسكن به إليه. # ولما أعياه جواب هذه الأسئلة وأمثالها نفض يده من معالجتها كالسأمان واعتاض منها سؤالا ~~آخر عنى به نفسه برهة أخرى في خلال هذه الجلسة التي طالت بفعل الجو الفاسد: ما له يتعب ~~نفسه بالتفكير في ذلك؟ ليترامقا ما شاءا! وهل يعنيه من أمرهما شيء؟ وكان الجواب الذي لم ~~يسترح إليه أنه حب الاستطلاع المركوز في طبيعته، وأنه مفطور على دقة الملاحظة، وليس يسعه ~~إلا ذلك ولا حيلة له فيه، وليس من الضروري دائما أن يكون وراء هذا سبب آخر. أو علة خفية. ~~وأي شيء هناك يمكن أن يكون خفيا؟ لا شىء على التحقيق! فهز كتفيه ومط شفتيه واعتدل فوق ~~كرسيه ووطن نفسه على الضرب في زحمة الحديث. وإذا به يرى شوشو تكاد تسقط عن كرسيها من شدة ~~الضحك، والدكتور يبتسم - ابتساما هو أقرب إلى الضحك المكتوم فيما يرى - ويسألها ما لها؟ ~~ونجية مرتجة الأنحاء مما أصابها من عدوى الضحك، وكفها على ذلك الجانب من فمها الذي يواجه ~~إبراهيم. فلم يفهم، وهم - تنفيذا لعزمه - أن يضحك مثلهم، ولكنه أطبق شفتيه بعد أن فتحهما ~~لما لمح من حركات شوشو ونظراتها وإشاراتها أن شيئا فيه هو الذي يضحكها، فأسرع فأدار عينيه ~~في ثيابه، فلم تأخذ شيئا غريبا، فعاد فرفعهما إليها وهز رأسه هزة خفيفة كالمستفسر فلم ~~يلق جوابا سوى هذا الضحك، فشعر بالدم يصعد إلى رأسه ويتجمع فيما وراء عينيه ولكنه ضبط ~~نفسه وردها بجهد، ونجية تضحك قليلا ثم تسألها: «مالك»؟ والدكتور يتلفت متظاهرا ~~بالاستغراب، يضرب كفا بكف، ومحمد وزوزو يقهقهان وينحنيان وتخذلهما أرجلهما فيقعان على ~~البساط، وأخيرا خرجت شوشو تعدو منحنية وكفها على شفتيها يقول «بف بف»! # ومضت دقائق خيلت أطول مما هي، ولم تعد شوشو فنهض الدكتور، وكان أظهر الجميع قلقا ~~وتلفتا، ومشى إلى النافذة حيث وقف هنيهة يتأمل السماء المربدة والمطر ينهمر ولا ms28 يكاد يرى ~~شيئا، ثم عاد ويسراه في جيبه ويمناه تعبث بسلسلة الساعة الذهبية وقال: «سأنظر أين ذهبت ~~شوشو» وخرج فألفاها أخيرا واقفة على رأس السلم مستظلة من المطر بدورته المؤدية إلى السطوح، ~~ومتكئة على حاجزة ، وسمعها وهو يدنو مها تغني بصوت خفيض فاقترب منها على أطراف أصابعه ووقف ~~على مسافة قريبة منها معلقا أنفاسه، مخافة أن تنتبه إلى وجوده فتحرمه المنظر والمسمع ~~جميعا: والقارئ لابد يعلم أن الرجل إذا وقعت من نفسه امرأة فهو يحضرها إلى ذهنه في صورة هي ~~أحب إليه مما عداها. لأن هذه الصورة تكون أعلق بذاكرته وتكون هي المظهر الذي تبدو فيه ~~لخياله حين يتمثلها. وقد اختارت صورة شوشو هذه الهيئة التي رآها الدكتور عليها في ذلك ~~المكان، وصارت تزوره فيها في كلا نومه ويقظته. والمنظر عبارة عن فتاة أقرب إلى الطول منها ~~إلى القصر، في ثوب من الصوف قرمزي لاصق بالبدن بحيث لا يفلت شيء بينما هي منحنية بجنبها ~~الأيمن على حاجز السلم، ومعتمدة بخدها الأيمن على كفها، وبكوعها على هذا الحاجز. أما راحتها ~~اليسرى فمطبقة في خصرها الذي يبرز من تحته ردفاها مرتفعين مائلين إلى اليسار قليلا، وجيدها ~~الأتلع النضير قد انثنى عليه القرط تحت شعرها الذهى المقصوص. وهذا ما كان باديا منها لعين ~~الدكتور حيث وقف يرجو أن تظل كما هي لا تشعر به ولا تتحرك ولا تكف عن الغناء. # ولكنها تحركت! إما لأنها أحست به وإما لأن الوقفة أتعبتها أو أملتها. فرأته فصبغ الدم ~~وجهها وارتدت، ولكنها لم تتجهم له وقالت وفي عينها نظرة عتب ورضى في آن: آه! ألك هنا ~~كثير؟ # فدنا منها خطوة: «لا! مع الأسف»! # فلم ترده عن الدنو ولم تحاول أن تتحول عن مكانها لتحفظ المسافة الأولى بينها وبينه، وقالت ~~وكلتا يديها وراءها على الحاجز وصدرها بثدييه المستديرين بارز: أكنت تسمع؟ # فقال برقة، ومد رجله لخطوة أخرى لم يخطها: ربما كنت أشد التفاتا إلى مصدر الصوت. # فقالت بلهجة من يستزيده مما يحرم عليه: لا تقل هذا يا دكتور! ms29 ~~- ولماذا؟ إنك تعرفين إعجابى بك. # فلم يبد عليها ما يدل على الارتياح إلى إعرابه عن هذا «الإعجاب» وودت لو أنه استخدم في ~~وصف شعوره لفظا أقوى من «الإعجاب» وقالت بلهجة أقسى مما كان ينتظر إذا اعتبرنا ما مر إلى ~~الآن: كلا! هذا لا يليق. وأنت تعلم أنى محقة! # فدهش - وهل كان ياترى من حقه أن يدهش؟ ولم يدر ماذا أغضبها فجأة وقال: ولكن يا ~~عزيزتي.. # فقاطعته بلهجة أشد قسوة: لست عزيزة أحد من فضلك! # وكأنما آلمها أن تكون عزيزة أحد، وإن كانت هي التي حرمت نفسها هذه المزية، فحل الاكتئاب ~~محل الغضب في أسارير وجهها الذي بدا كأنه طال فجأة، واحمرت عيناها أيضا حتى ليظن من يراها ~~أنها حديثة عهد بالبكاء، أو أنها مشفية عليه. فلم يسعه إلا أن ينقل رجله الأخرى ويخطو ~~الخطوة التي كان هم بها وصده عنها ما لا نعلم، وتقدم منها وكاد يلصق بها فنحت عنه وجهها ~~ومنحته كتفا، فتناول يسراها بين راحتيه فلم تسحبها وقال وفي صوته نبرات الأسف والألم ~~الصادقين: ولكني لا افهم! بأي شيء أسأت إليك يا عزيزتي؟ ~~- قلت لك لست عزيزة.. عزيزتك! # فلم يفهم أيضا! وأنى له أن يطلع على ما تطوي عليه أضلاعها وهو لم يرزقه الله تلك الفطرة ~~التي تهديه إلى اللفظ الذي يكون أوقع في نفس المرأة وأعذب في سمعها موافقة لهواها؟ وأراد أن ~~يصلح ما فسد فزاد الطين بلة: حسن! لن تسمعي مني هذه الكلمة التي تكرهينها، فلا داعي للفتور. ~~ولكن قولي لي كيف أدعوك؟ # فسحبت يدها التى كانت قد تركتها له وقالت: ادعنى باسمى! لماذا تدعوني بغيره؟ ~~- اتفقنا إذا .... # وابتسم، وأبى له سوء الحظ وعماه في هذه اللحظة الدقيقة التي كان يمكن أن تنعكس فيها ~~الآية، إلا أن يزيد «يا شوشو». # فرفعت عينها في وجهه ساخطة زارية وخرجت دون أن تجيبه. # وتخلف هو برهة ثم لحق بها وهو يقول: ما أعجب أطوار النساء! # ولو أنه كان تبعها حين خرجت لسمعها تقول لنفسها: ما أشد غباوته! # الفصل الثامن ms30 # | «يغمز بعينيه، يقول برجليه، يشير بأصابعه، في قلبه أكاذيب» # 1 # جاء وقت الطعام فجلسوا إليه في غرفته، أو على الأصح في الردهة الفسيحة التي تحيط بها ~~الحجرات، ولم يكن ثم سوى مائدة مربعة وبضعة كراسي من الخيزران. وكان إبراهيم قد سبقهم ~~ولكنه تلكأ عند باب السلم ووقف - حيث كانت شوشو منذ برهة! - يتأمل الجو ويمد ذراعه ~~ليتلقى بكفه المطر الذي كان لا يزال ينهمر، ويحاول أن يرفع وجهه ليرى السماء وهل رقت ~~السحب فيها أم لاتزال كثيفة حالكة، فنظرت شوشو إلى الدكتور، ونظر الدكتور إلى شوشو وقد ~~طاف برأسيهما خاطر واحد. وقال كل منهما لنفسه: «أتراه رآنا أو سمعنا»؟ وزادت شوشو فعجبت ~~للأقدار التي جعلتها هي تسمعه في الصباح وجعلته هو - فيما تظن - يراها أو يسمعها بعد ~~ساعات! # وقالت نجية: «يظهر أنه لم يجع». # فقالت شوشو، ونهضت عن المائدة: بل يظهر أنه ينتظر المن من السماء. # ومضت إليه وأمسكت بذراعه وجرته معها وهي تقول: هكذا يجب أن تعامل، اجلس هنا! # وكان الدكتور حسن الحظ فقد جلست شوشو إلى جانبه. # وكان من بواعث سروره الحقيقي أو المتكلف أنه أصر على اتخاذ كوب سهت شوشو فشربت منه ~~وإن لم يكن كوبها! وإن القطة التي لبثت هنيهة في حجر شوشو انتقلت إلى حجره وألمسته ~~شعرها الذي لمس كف شوشو من قبل. يضاف على ذلك أنه هم أن يساعده، وحمل إلى طبقها شيئا ~~من الخضر رفضته فنقله إلى طبقه بعد أن كاد يلمس طبقها! وكان من حين إلى حين يختلس نظرة ~~إلى جانب وجهها وإلى جيدها وغير ذلك من بدائع هذه الفتاة التي ظلت أكثر الوقت تلقي ~~الحديث إلى إبراهيم الجالس أمامها. وكانت فاطمة تتوخى أن تقف وراء إبراهيم مخافة أن ~~يراها، وستها شوشو لا تفتا تدعوها أن تنحى عنه لئلا تلوث ثيابه وهي تضع الصحاف أو ~~ترفعها عن المائدة، فتشير المسكينة إلى شوشو بيدها وتعض شفتها السفلى وتومئ بعينها إلى ~~إبراهيم فيضحك منظرها شوشو، ويدير إبراهيم وجهه إلى فاطمة فتجمد وتنقطع حركاتها ~~وإشاراتها ms31 وتقول نجية: دعيها يا أختى فإنها مستحية. # وفرغوا من الطعام فأشعل إبراهيم سيجارة، وكان الدكتور يهم بالقيام عن المائدة، فلما ~~رأى السيجارة عاد فوطن نفسه على البقاء، ولمح إبراهيم ذلك فقال: لا تكلف نفسك هذه ~~العادات الإفرنجية يا دكتور إننا هنا - على رأي شوشو - في الريف وعلى أننا - معاشر ~~المصريين - لا نتحدى هذه العادات حتى في العاصمة، ويمكنك أن تسبقنا إذا شئت فإني باق ~~هنا مع بنت خالتي «وأشار بعينه إلى نجية». اذهبي يا شوشو معه. # 2 # قالت شوشو للدكتور لما صارا وحدهما في غرفة الجلوس: إن هذا حسن بلا شك؟ ~~- ماذا؟ ~~- أظنه يسرك جدا؟ ~~- ولكن ماذا؟ ~~- ألا تستطيع أن ترى أن ابن خالتي رآك واقفا معي وسمع ما تفضلت علي به. ~~- ولكن كيف يمكن؟ وهبيه رأى وسمع فماذا إذا؟ فيما قلت شيء لاينبغي أن يقال؟ ~~- بلاشك. ~~- يظهر أن قلبي لن يستطيع أن يصلح ما أفسده لساني! فيا له من زمن يتعقب سوء الحظ فيه ~~الرجل من أجل أنه لم يقدر أن يغمط امرأة؟ لأنه أعرب لها عن إعجابه بجمالها؟ أو كان علي ~~أن أكابر وأن أزعم أني أكره دمامتك؟ يجب أن تعترفي أنه ما كان يسعنى أقل مما ~~قلت. # فمضت شوشو إلى النافذة لتخفي أمارات السرور الطبيعي الذي لمع في عينيها ورجفت له ~~شفتاها. وقالت وهي سائرة: أحسب أن من واجبي أن أشكرك يا دكتور؟ # فتبعها وهو يعبث بسلسلة ساعته وقال: إن من الثناء ما هو إساءة أدب، وقد يكون هذا من ~~ذنوبي. ولكن من المعاملة ما هو ظلم، وقد تكون معاملتك إياي من هذا القبيل. رجل صريح لم ~~يألف المكاتمة يجهر برأيه فيعد من أجل ذلك سيئ الأدب! # فقالت ووجهها إلى النافذة: لست أسمح للأغراب أن يجترئوا علي حتى بالمديح. # فقال بلهجة الظافر: آه! إنه ليس المدح الذي تستحقين أضعافه هو الذي يغضبك بل صدوره ~~عني! ولو أن غيري - إبراهيم مثلا - كان محلي. # فتهجمت له وقاطعته: إني أمنعك! إنه ابن خالتي، بل أخي وأعز أهلنا علينا، وهو لا ms32 يحلم ~~بأن يفعل ما فعلت. # فلم ينهزم أمام هذه التعبيسة وضاعف الحملة: إن من بواعث اغتباطي على كل حال أن أعلم ~~أني صادق في وصفي لك رضيت أم سخطت. وهل كنت ترين أن أراك ثم أذهب وأتحدث عن دمامتك لا ~~لسبب يسوغ هذا الكذب الشنيع سوى أن أعفيك من الارتباك والخجل حين تسمعين أنك ~~جميلة؟ # فزادت تعبيسا وقالت بصوت مرتفع قليلا: إن هذا كله تكلف. وأنت تعلم - كما أعلم - أنك ~~لم تقل لي إني.. ~~- لقد قلت إنك جميلة. ~~- كلا! هذا كذب. ~~- وأقول ذلك الآن.. وإنك لكذلك. بل أنت أجمل من رأيت.. ويمينا .... ~~- لا تحلف فلن أصغي إليك. إنك فظيع. # ووقفت مضطربة بين الخجل من سماع ذاك والرغبة في الاستزادة منه. أما هو فلم يعبأ شيئا ~~بمقاطعتها ومضى يشد عليها ويقول: أكرر أنك من أفتن النساء. فهل في هذا كذب؟ إن الأمر ~~واضح لا خفاء به. وقد يكون في قولي هذا اجتراء، ولكن الإخلاص شفيعي. ~~- كلا. لانك غير صادق. ~~- مهلا مهلا يا شوشو! واسمحى لي أن أكابر هذا الأدب وأعجب به إعجابى بجمالك. ولا ~~أحسبني أول من وصفك بهذا. ويجب أن تصدقي الناس إذا لم تصدقيني. # فلم تستطع أن ترد نفسها عن مسايرته إلى حيث يجرها فقالت: إن الناس لا يقولون عني ~~ذلك. ~~- بل لابد أنهم يفعلون وإلا كانوا عميانا. ~~- أعني إني لا أسمعهم فإنك تعلم أني لا أقابل غير أهلي، ولعلى مخطئة في السماح لك ~~برؤيتى. # فلم يلتفت إلى الشطر الأخير من كلامها، ولم يسمح لها أن تزحزحه عن موقفه وقال: ولكنك ~~تعرفين أنهم يقولون هذا؟ # فأغرتها حلاوة الاعتراف بالموافقة، وصدها التأدب والحياء فاضطربت: «لا - أعني - سمعت ~~فاطمة تقول إنهم يذكرونني بذلك ... غير أن..» ولمحت أختها وابن خالتها مقبلين، فنبه ذلك ~~في نفسها طبيعتها العابثة، وأمسكت عما كانت فيه وقالت بصوت عال: إذا نحكم ابن خالتي. ~~تعال افصل في الأمر. # فريع الدكتور واصفر وجهه ودارت الأرض به، ولم يعد يدري أواقف هو على رجليه أم رأسه، ~~وتلفت كالذي يبحث عن ms33 نافذة يثب منها، ولم يستطع أن يمنعها أو يقول لها شيئا لأنها ~~باغتته بما لم يكن له في حساب، ولم تزد على أن ألقت إليه نظرة خبيثة ثم تقدمت إلى ~~الباب. # وقال إبراهيم: «ماذا؟ فيم تختلفان»؟ # وكان الدكتور لا يزال واجما. ممتقع اللون مسمرا في مكانه، وقد بدا لنفسه سخيفا ~~جدا لا يدري بأية قوة يواجه الموقف المخجل الذي تهم شوشو أن تضعه فيه. # فقالت شوشو - وهي ترمي إلى الدكتور بالنظرة، وتمتع عينيها بمنظره وبما يكابد من ألم ~~وحيرة وخوف: إنه يقول لي ... ويكرر ... ويؤكد.. ويقسم.. إني.. إنه.. # فعيل صبر الدكتور وصاح بها: «شوشو»! ~~- لا تقاطعني من فضلك. يجب أن يعرف ابن خالتي هذه الحماقة. # فقال إبراهيم عابسا: حماقة؟ ماذا تعنين يا شوشو؟ ~~- أعني إنها حماقة وجرأة وجنون. ولا بد أن أبسط لك الأمر ليتأتى لك أن تحكم، فأمسك ~~أنت أيضا عن المقاطعة من فضلك. # ثم كأنها رثت للدكتور المسكين، فكفت عن تعذيبه وقالت: يقول إنه لا يستطيع البقاء ~~معنا، وإنه لابد له من العودة إلى المركز لأن عليه أن يعود أحد المرضى مهما كانت ~~المشقات. وأنا أقول له إن العودة مستحيلة في هذا الجو المطير. فاقض بيننا بالحق. # وجلست. فجلس الدكتور كأنما قد انقلب آلة حاكية، ولم يسر عنه ما قالت لأنه - على فرط ~~ذهوله - أدرك أنها تبيعه صمتها بثمن معين هو أن يجلو عن البيت حالا. فيا لها من عقوبة ~~تنزلها به جزاء له على ما اجترأ به عليها من المغازلة البريئة؟ أفتراها كانت - وهي ~~تعاطيه الحديث - تفكر في هذه الوثبة التي قصمت ظهره، وأطارت لبه، وشردت عقله؟ ويا ليت ~~من يدري أجادة هي أم هازلة؟ وعلى أنه لم يطل التفكير في تلك اللحظة، ولم يسعه إلا أن ~~ينزل على حكم المقادير التي جعلته رهن مشيئة شوشو، على الأقل في هذا الموقف، فهز رأسه ~~لنجية وإبراهيم أن «نعم» وبلع ريقه ومد يده إلى جيبه ثم أخرجها وقال: «لقد كنت ناسيا ~~فأذكرتني المفكرة وأنا أنظر فيها عرضا. وأنا أعلم ms34 أن الخروج في مثل هذا الجو حماقة، ~~ولكن واجب الطبيب فوق راحته». # وأظهر الإصرار وراح يدفع «بالواجب» و«بحالة المريض» كل اعتراض حتى أذنوا له ~~بكرههم. # الفصل التاسع # | «من صعد إلى السموات ونزل؟ من جمع الريح في حفنتيه؟ من صر المياه فى ثوب؟» # انقطع المطر وسكنت الريح، وكان إبراهيم واقفا إلى نافذة غرفته يطل على الحديقة التي مر ~~بك الكلام عليها، أو على الأصح يحدق في الظلام الدامس والسكون الرهيب اللذين لفت فيهما ~~الكون، حين دخلت عليه شوشو ودنت منه ووقفت تتأمله، وهو لاه عنها بما يرسمه له خياله ~~النشيط. وكان البرد قارصا والليل صامتا لا حركة فيه ولا حس، كأنما استحال كل شيء في ~~السماء والأرض صورة مرسومة، وقد خيل إلى إبراهيم وهو يرمي هذا السواد بعينيه كأن هاوية من ~~الخرس قد ابتلعت كل صوت ونأمة، وأنه لو أرسل في ظلمتها صيحة لما ارتد منها إلى الأذن رجع ~~ولا كان لها صدى، وأنه لو ألقى فيها بحجر لما سمع له وقعا ولا بلغ الحجر قاع الهاوية، وبدأ ~~له كأن الأرض قد ضرب عليها السحر شيطان وألزمها حالة غير إنسانية يعيى الإنسان نعتها، أو ~~كأنها في غيبوبة أفقدتها وعيها أو كأنما هو ينظر إلى الدنيا الذاهلة عنه من خلفها ويتأملها ~~وهي مدبرة عنه أو يسترق السمع من وراء أستار الكون. # وعالج إبراهيم، وهو ثابت الحملاق، أن يصور لنفسه وقع هذا المشهد الرهيب وما انطوى عليه من ~~الجمال والجلالة والموت في آن، وأن يتبين نوع إحساسه به، وأن يهتدي إلى العبارة عنه فأعياه ~~التماس ذلك، وماذا عسى أن يبلغ من طاقة المرء على تصوير هذا المنظر المسحور - هذه الدنيا ~~التي أنامتها عين غير مرئية؟ # وطال الأمر على شوشو أو لعلها خشيت أن تعديه الطبيعة فيجمد وينقلب تمثالا، فقد جعلت تمر ~~كفها على ذراعه وتمسح له شعره براحتها، وهو في شغل عنها، فلما رأت أن ذلك لم يرده إلى ~~الحياة ولا أشعره وجودها أدارته إليها وربتت له خده فاختلجت شفتاه ولكنه لم ينطق، ms35 فافترت له ~~عن أعذب ابتساماتها وقالت له وهي تجره إلى الكنبة: قل لي مالك؟ # فقال وهو يقعد أو يلقي على الأصح بنفسه على الأريكة: تسألينني ما بي؟ بي هذه الطبيعة التي ~~كانت منذ ساعة تبرق وترعد وتمطر وتصخب كأنما يعول فيها مائة ألف شيطانة ثم آضت كما ترين، ~~الآن فقط فهمت ما كنت أقرأ في صباي عمن مسخوا حجارة! ~~- هل تريد أن تقول إن هذا أول عهدك بمثل ذلك؟ ~~- نعم، ولشد ما أتمنى أن أجرب ذلك في نفسي لحظة واحدة! لحظة واحدة تسكن فيها نفسي هذا ~~السكون فتخرس ألسنة الهواتف وتمحي صور الحوادث، ويغيض ذلك العباب الجائش هنا في صدري ~~هذا. # فقاطعته شوشو قائلة: ما أعجب أمرك والله! تكون معنا كأن لا شيء على وجه الأرض يعنيك ثم ~~لا تكاد تخلو بنفسك حتى تنقلب إنسانا غيرك، كأن في جوفك بركانا يريد أن ينفجر، أفلا تفضى ~~إلى بما يكربك؟ قل لي! هات ما عندك! أطلعني على دخيلة نفسك! ائتمنى على سرك. # فوقع من نفسه عطفها وحنوها، وهم أن يبثها شكواه ويقول لها بشجوه ولكنه ضعف لم يساوره ~~إلا ريثما التفت إليها، ثم ملك نفسه وكبحها. وقال - وعلى فمه ابتسامة سرور وشكر لم تخل من ~~ذلك السخر: يا فتاتي الصغيرة أتقدرين أن .... # فحزت هذه الابتسامة في نفس شوشو ووثبت إلى قدميها وهي تقول: بودي ألا تتكلم كأنك شيخ هرم ~~وأنا طفلة أحبو؟ ~~- لا تغضبي! (ومد يده فتناول ذراعها) عودى إلى مكانك بجانبي. دعي بداوتي هذه. لا تلتفتي ~~إليها. إنها مرارة النفس يقطر بها اللسان وينضح بها الوجه وتفيض بها العين، وبكرهي أن تري ~~مني ذلك أنت أو سواك من خلق الله - آه يا شوشو لو تعلمين! إذا لعذرتني. ~~- وماذا يمنعك أن تخبرني فتطرح عن صدرك هذا الحجر؟ ~~- يمنعني كبرياء نفسي وعلمي أن الشكوى عبث وباطل ومحال ليس يجدي. ~~- أدام الله عليك الكبرياء التي أفاضها عليك! # ونظرت إلى ساعتها على معصمها وقالت: الساعة الآن الحادية عشرة فقم إلى سريرك والتحف ~~بها! # فضحك وقال: ms36 وأنت؟ هل أثقل رأسك النعاس؟ ~~- أويعنيك أن تعرف؟ ~~- بلاشك. ~~- إذا اعلم أني لست ذاهبة لأنام. ~~- وماذا تنوين أن تصنعي؟ ~~- سأجلس قليلا وأفكر. ~~- في أي شيء؟ ~~- ليس لي مثل كبريائك فلا أكتمك أن سأفكر في غرابة أطوارك . ~~- آه! أو لاتزالين غضبى؟ ~~- كلا. ليس ما بي غضب. لقد كنت أود.. على أن هذا لا يهم الآن. # فخطر له أن هذه الفتاة على صغر سنها متعلمة وأنها قد تستطيع أن تفهم وأن تعذر فقال: ~~اسمعي يا شوشو. إن الواحدة تكون طفلة وتدعي لنفسها مع ذلك قدرة الأنبياء ومنزلة الرسل ~~.... # قالت مقاطعة: «لا أفهم». # قال: «لست وحدك التي لا تفهم. إن كل امرأة مثلك لا تستطيع أن تخرج من خصوصها إلى العموم. ~~إن قلب الواحد منكن يدق عطفا ومرثية للألم الفردي، ولكنه يعجز عن أن يجعل عطفه أو إحساسه ~~على العموم عميقا شاملا لالام الحياة..». # فابتسمت وهزت رأسها وقالت بلهجة مبطنة بالسخر: صدقني إني أعطف عليك. # فقال ولم يلتفت إلى سخرها: إن الجنس الإنساني معناه - فيما تعلم المرأة - هذا الطفل ~~المعين أو هذا الرجل المعين الذي لعلها أبصرته واقفا إلى جانب الباب ينتظر في البرد أو تحت ~~الشمس مثلا. إن المرأة عاجزة عن الإحساس بالآلام العامة، عمياء لا تستطيع أن تراها. هذه هي ~~الدنيا نصف عمياء نصف مستوحشة تصرخ شرقا وغربا وقد أجنها الألم والخطيئة أيضا. فهل ثم ~~امرأة واحدة يشحب وجهها إذ ترى هذا النمر العالمي يهز قفصه؟ هل تكف واحدة منكن عن نظم ~~العقود وتطريز الثياب من فرط إحساسها «بجملة» هذا الألم العالمي؟ أريني دمعة واحدة أراقتها ~~امرأة - كما أراقت كورديليا عبراتها - لأن الدنيا جنت؟ ليس من بينكن من ترى أن تبكى من أجل ~~هذا؛ على كثرة دموعكن وسهولة إسبالها! إنكن لا تبكين إلا لما تعرفن وأنتن معذورات: طفل ~~مريض تلمسه المرأة بأصابعها فتحس ما به من الحمى فتنهمر الدموع! ولكن مليونا يمرضون! هذا ~~شيء آخر! والأولى أن ينتفر المرء منكن أن تبكين من أجل الكسور العشرية أو المركبة إنكن لا ~~تفهمن ms37 الدنيا باعتبارها وحدة وكلا، ومن أجل هذا لا تتأثر بكن هذه الدنيا لأن الواحدة منكن ~~لا تقدر أن تتسرب في المجموع وتفنى في الجماعة. نجد فيكن الأم الرؤوم، والزوجة الوفية ~~الكاملة، وقد نرى فيكن الولية والقديسة ، ولكنا لن نفوز منكن بنبي أو رسول - لا حتى ولا ~~بشاعرة. # وأمسك بعد هذه الخطبة الطويلة، وعجب لنفسه الذي ساعفه على كل هذا الكلام، واضطجع وأطبق ~~شفتيه. # ولم تجبه شوشو بشيء بل نهضت وأغلقت الباب وراءها. # استيقظ إبراهيم على صوت بقرة، فدفع يده تحت الوسادة وتناول الساعة فألفاها الثالثة ~~صباحا، فعاد فأغمض عينيه وفي ظنه أن البقرة ستكف عن هذا الصخب الذي جاء قبل أوانه، ولكن ~~البقرة على ما يظهر كانت تعتقد أن الليل قد انحسر وأن الصبح قد أسفر، فوثب عن السرير إلى ~~النافذة فإذا السماء صافية والقمر مضيء ففتحها وأطل برأسه فرأى البقرة إلى جانب الباب وقد ~~مطت عنقها ورفعت عينها إلى السماء، ولم يكن يعرف البقر إلا مجازا، ولا كان له بهذا الضرب ~~من الخلائق عهد فجعل يصيح بها «هش. هش»، ويوهمها أنه سيقذفها بشيء، غير أن صيحاته وحركاته ~~وإشاراته كانت تنعشها كأنما سرها أن تعرف أن لأصواتها مستمعا، كما يشجع المغني أن يرى ~~الطرب يهيج سامعيه. فلما رأى ذلك توهم أن ظهوره لها هو الذي يشجعها وأنها خليقة أن تثوب إلى ~~السكينة، وأن تثبط همتها إذا انصرف عنها، فأغلق النافذة وتحرى أن يحدث في إغلاقها من ~~الضجيج أكثر مما تدعو إليه الحاجة إيذانا لها بإهمال شأنها. وكأنما حسبت البقرة أن احتجاجه ~~عنها كان داعيه أنها قصرت في الأداء، وأن التعبير كان ضعيفا وأن الإحساس فيه فاتر، فأطلقت ~~عليه أقوى أصواتها، وكانت جفونه قد كاد يطبقها النعاس فأطارته هذه الصيحات المتلاحقة وكادت ~~تطير بلبه معها، فجر نفسه إلى الكنبة وانطرح عليها وأشعل سيجارة ومضى يفكر على هذا النحو. ~~«النوم قد جفاني ولا سبيل إليه الآن مادامت، هذه البقرة قد شاءت أن تعد الصباح قد ~~طلع. والجلسة هنا - إلى صباح الآدميين لا ms38 صباح البقر - كلفة شاقة. وإذا كان الحظ قد ~~رمى بي إلى هذا الريف الذي يبكر ناسه في النوم وتبكر أبقاره في اليقظة، فالرأي أن ~~أخرج إلى هذه الحديقة التي أفسدتها البقرة وأن أنتظر فيها الفجر لعله يوحي إلى بعض ~~معانيه». # ولما انتهى إلى هذا الرأي أسرع فلبس معطفه وحذاءه وأخرج من الحقيبة مذكرته وقلمه وفتح ~~الباب وخرج وأغلقه خلفه ولكن من أين؟ # وكانت البقرة تواصل الصخب فأراد أن يسرع ليدركها ويثأر منها. غير أن الاهتداء إلى باب ~~السلم المؤدي إلى الحديقة استغرق من الوقت وكلفه من المتاعب ما لم يكن يخطر له ببال. وكانت ~~الغرف كلها موصدة حتى غرفته، والمكان مظلما. وكان ظنه أن هذه الصالة فارغة فإذا به يحسها ~~مكتظة؛ فقد كان ثمة دلو ثقيل اصطدم به أكثر من عشر مرات في لفه ودورانه حتى انتهى إلى وجوب ~~حمله معه وهو «يطوف» في أرجاء هذه الصالة التي أصارتها الظلمة لا أول لها يعرف ولا آخر لها ~~يوصف، وراح يعزي نفسه عن حمل هذا الدلو الثقيل بأنه سيضرب البقرة به. # ولكن كيف يهتدي إلى الباب وهو لم يكد يخطو خطوات في الصالة ويصطدم بالدلو لأول مرة حتى ~~اختلط عليه الأمر ولم يعد يعرف شرقا من غرب بل لم يعد يعرف أين باب غرفته هو؟ # ووقف برهة يفكر في المخرج من هذا التيه فبدا له أن الإشكال يحل بأن يلتمس الحائط ويسير ~~على محاذاته فإنه إن فعل ذلك لا محال موفق إلى الباب، ففعل بلا عناء يستحق الذكر وسار كما ~~اعتزم. غير أن الواقع أنه بدأ بباب السلم وهو يحسبه باب غرفته وراح يمضى عنه لا إليه، ~~والتقى في طريقه بما لا يذكر أنه رآه في النهار أو في اللحظات القليلة التي اجتاز فيها هذه ~~الصالة قاصدا إلى غرفته أو خارجا منها، وتعثر بما حسبه «غابة» من القوارير حتى لم يجد ~~معدى عن أن ينأى عن الحائط مرغما، وسار بضع خطوات فإذا به يلتقي بقوارير توهمها غير الأولى ~~فضحك وقال لنفسه ms39 لعل أرض المكان قد فرشت بالقوارير! # وصادف بعد ذلك برميلا. نعم برميلا؛ فوقف يعجب ويتساءل هل قررت شوشو أن تقلب الصالة حانة ~~خمار؟ # ومل هذه البراميل والقوارير فقال أترك الحائط وأرمي بنفسي في جوف الصالة وأدفع أول باب ~~أبلغه، ألم يقل، بشار: «وفاز بالطيبات الفاتك اللهج»؟ فكان هذا فاتحة التوفيق. ذلك أنه وجد ~~بابا لم يعن نفسه لفرط ضجره بالتساؤل عنه أي باب هو؟ وعالجه فانفتح فإذا به باب سلم ~~فصافح وجهه نسيم الليل المقرور وأعاد إليه اتساق خواطره فانحدر ولكنه لم يجد حديقة ما فوقف ~~كالأبله! # وكان صوت البقرة لا يزال يصل إليه فلم يجد عسرا في فهم ما حدث. ذلك أنه لم يهتد إلى سلم ~~الحديقة بل على سلم خلفي يفضى إلى فناء «الحريم»، وبذلك صار الجناح الذي ينزل فيه بينه وبين ~~البقرة فقال: «لا بأس وإن كانت البقرة قد نجت بجلدها» ووضع الدلو مقلوبا وكان لا يزال معه ~~وقعد عليه وأخرج القلم والمذكرة ليدون ما يخطر له. # ولم يخالجه شك في أن الشمس ستطلع لا محالة من الناحية التي جلس ينظر إليها فقد أخذت ~~السماء تصطبغ بلون قرمزي شيئا فشيئا، ولكنه لم يكتب شيئا ولم يخط حرفا لأن إحجام الشمس ~~عن الطلوع حيره حتى خالجه شعور وقتي بالخوف عليها وابتسم وهو يقول لنفسه: «لولا ما تعلمته ~~في المدرسة لحسبت أن الشمس قد غيرت رأيها وعدلت عن الطلوع اليوم». # ثم نهض ونظر خلفه ولم يمنعه قيام البناء في وجهه أن يدرك أن الشمس طلعت من ورائه! # وجلس وكتب في المذكرة هذه الملاحظات وهم يبتسم ويقول «لعل فيها فائدة لشوشو»! ~~«ديسمبر - الريف. يظهر أن البقر أحس بالفجر من الديكة وأسرع إلى تحية الصباح من العصافير. ~~وفي وسع من يعنيه ذلك أن يقضي ليلة في الريف ويبكر في القيام قبل الفجر بساعة وبعض ساعة. ~~وليس في الريف ذلك السكون المزعوم فإذا سكنت الطبيعة هاجت الأبقار؛ ويجب على من يبغي الراحة ~~والنوم العميق في الريف أن يأخذ معه كمية من الأسبرين ms40 أو الفيرامون تكفي له وللبقر عند ~~الحاجة». # ولم يفتح الله عليه بأكثر من هذا أو أشبه منه بالمعاني الشعرية ولم يدون شيئا من الخوالج ~~أو الإحساسات؛ لأنه كان في تلك الساعة مجردا منها. وعلى أنه - كما قال لنفسه - ما حاجته ~~إلى الإحساسات التي قد يخطئ في تصويرها أو بوشيها بما يجعل ألوانها أزهى أو أقتم؟ أليست ~~هناك مدرسة ترى أن يكون الوصف مطابقا للحقيقة عاريا من زينة الخيال وحليه وتفويفه؟ وهب لا ~~مدرسة هناك فما ذنبه هو إذا كانت شمس الريف قد أبت إلا أن تطلع من ناحية غير مرقوبة؟ ومن ~~أين تأتي هذه الخيالات أو تنشأ الإحساسات ولا تفكير له إلا في البقرة التي هدت رأسه ~~بأنغامها، والدلو الذي شل ذراعيه جميعا على التوالي بثقله؟ # ومع ذلك لم ير أنه يبخل على السماء بملاحظات تنفعه إذا حدثته نفسه أن يكون روائيا فيكتب: ~~«تبدو السماء قرمزية ثم تخضر لسبب ما، ثم تصفر أو تبيض لسبب آخر غير ~~واضح». # وضحك وقال لنفسه فلنشبهها بشيء! أليس التشبيه ضروريا في كل كلام شعري ولو لتقريب الصورة ~~التي يراد أداؤها؟ ولكن من أين تجيء لها بمشبه وهى لا تثبت على لون؟ وماذا تقول شوشو إذا ~~اطلعت على هذه العبارات ... شوشو؟ لقد خطرت له شوشو مرتين في نصف ساعة؟ ولكن لا عجب، فما يقضي ~~معظم وقته إلا معها ولا يملأ جوه سواها الآن. # وعاد إلى التشبيه اللائق بهذا الجانب من السماء الذي احمر ثم اخضر ثم اصفر، وبينما كان ~~جادا في البحث عنه، خرجت فاطمة الزنجية من باب الحريم ولم تكد تراه - وهو لاه عنها - حتى ~~انكفات راجعة وعادت بأهل البيت جميعا كبارا وصغارا وسادة وخدما وفي طليعتهم نجية وشوشو ~~وأقبلوا عليه جميعا يسألونه في وقت واحد عما به؟ وما جاء به إلى هنا؟ وفيم الجلوس على ~~هذا الدلو؟ وماذا يصنع بالقلم والكتاب في يده؟ وهل هذه عادته في مصر؟ إلى آخر هذه الأسئلة ~~التي قعد ينتظر آخرها على غير جدوى، وهو ينقل عينه من ms41 وجه إلى وجه تبعا لمصادر الأسئلة حتى ~~كاد يجن. # ولما أعياه أن يجد فرصة للكلام وسط هذا اللغط المتواصل نهض عن الدلو في صمت ومضى إلى ~~غرفته وأوصد بابها وراءه وانطرح على السرير بما عليه من ثياب وهو يقول: «لماذا لم أنم؟ ~~سأنام حولا كاملا متى عدت، إلى القاهرة! ماذا كنت أصنع؟ لقد كنت أريد أن أخرس هذه ~~البقرة التي أزعجتني كما لم تزعجني سيارات القاهرة وأبواقها وترامها وصياح البائعين فيها. ~~ذلك كله هناك غير مستغرب وأعصاب المرء مستعدة له بسبق التوقع وبالعادة. ولكن هنا. هنا حيث ~~يقولون إن السكون سابغ والهدوء مطبق محيط، والمرء لا يتوقع شيئا من الضوضاء، والأعصاب ~~متفترة مسترخية من الاطمئنان والأمن، تكفي بقرة واحدة لإطارة العقل». # وأخذه النوم وهو يحدث نفسه بالرحيل. # الفصل العاشر # | «العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع» # لم يطل نوم إبراهيم. ذلك أن الكرى كان قد عقد أجفانه قبل أن يتغطى فلم يلبث أن ابترد ~~فاستيقظ وكانت الساعة قد جاوزت الثامنة بدقائق، فقام ونظر من زجاج النافذة إلى الشمس ~~المشرقة على الحديقة والحقول وراءها، ففتحها فتضوع إليه ريا الخضرة المطلولة والأزاهير ~~الندية دافئة تحت الشمس. وكان واسع الاطلاع ملما بأساطير القدماء وما نسج خيالهم حول ~~الطبيعة. ولكنه نسي ذلك كله لما صار وحده مع السماء والأرض وهما أوسع وأشد تنوعا من أن ~~توائمهما الخيالات المسطورة في الكتب. وأحس فى هذه اللحظة حنينا - لا إلى شيء معين - وغبطة ~~تشيع في كيانه كله، وظمأ خيل إليه أنه ما من شيء يمكن أن يطفئه ويفثا غلته. فمال بذراعيه ~~على النافذة وأبرز وجهه للشمس وحدق في السحب البيضاء تتفرق وتتجمع وتسبح في بطء. وخطر له - ~~وعجب هو لنشوء هذا الخاطر - إن من الخطأ أن تنعت الطبيعة بالقسوة. كلا ليس في الطبيعة قسوة ~~حقيقية. إنها حارة حية. ولا تكاد تتفق الحرارة والقسوة. وإذا كان فى بعض ما فيها يسطو على ~~البعض الآخر ويأكله أو يلتهمه أو يأتى عليه فما قيمة هذا؟ إن كل ms42 شيء يحيا وإذا كان يموت ~~فإنما هذا ليعين غيره على الحياة. وأين يا ترى قرأ أن الكون فنان لا يزال يعبر عن نفسه بصور ~~مختلفة؟ لا يذكر أين قرأ هذا، ولكنه يذكر أيضا أن الكاتب قال - أم ترى هو صاحب هذا الخاطر: ~~إن هذا الفنان الأعظم لا يزال يخفق فيما يحاول أن يبدعه ويخلده من خارجياته، على أن العالم ~~بل العوالم كلها صغيرها وكبيرها مثلنا ومثل الأزهار والأشجار ليست سوى قطع شتى من هذا الفن، ~~وكل منها تام في ذاته كامل من حيث هو. وكل حياة تجري إلى مداها ثم تراق وترد إلى هذا الفنان ~~المبدع الذي لا ينفك يحاول ضروبا جديدة من الفن. العقل والمادة شيء واحد. ومن يدري؟ فلعله ~~ليس لا عقل ولا مادة وعسى أن لا يكون هناك إلا نمو وذبول ثم نمو جديد وذبول وهكذا إلى ما لا ~~نهاية: فنان لا يفتأ يعبر عن نفسه في ملايين وملايين من الصور المتغيرة والذبول والموت - أو ~~ما نسميهما كذلك - إنما هما راحة ونوم أو هذا هو الجزر الذي يجيء بين مدين، أو الليل الذي ~~يفصل نهارين والنهار الذي يطلع لا يشبه الذي سبقه في شيء. ولا المد كالذي كان قبله. هذه ~~الصور التي نراها في الدنيا وفي أنفسنا، هذه القطع الفنية التي يخرجها الفنان الأعظم لا ~~تعود ولا تبقى على حال ولا تلتزم شكلا معينا. بل هي دائما جديدة. عوالم جديدة وآحاد ~~وأفراد جديدة وأزاهير طريفة. وليس في هذا ما يكرب النفس. كلا؛ إن ما يكرب النفس أن تعلم ~~أنها ستظل حية أبدا حتى بعد ما يسمى الموت. أو أنها ستحيا كرة أخرى في جسم آخر فلا أنا ~~أنا. ولا أنا مخلوق آخر. إن هذا يكون ماذا؟ فساد ذوق؟ هبني كتبت مقالا أو وضعت قصة أو نظمت ~~قصيدة. فهل أستطيع أن أتصور أن مقالتي تصبح مقالة أخرى أو قصيدتي تنقلب قصيدة ثانية؟ وهل في ~~وسعي أو وسع سواي أن يفصل ما بين العبارة التي صببت فيها المقالة أو ms43 القصة أو القصيدة، ~~والمادة الذهنية التي أعربت عنها بهذه الألفاظ؟ كلا. وكما أني أنا الفنان الأصغر لا أزال ~~أصوغ كل يوم جديدا؛ كذلك الفنان الأعظم لايزال يخرج من القديم جديدا ومن التليد طريفا ~~كالنافورة تقذف الماء خيطا من القطرات لا تشبه منها واحدة أختها وتقع هذه القطرات في الحوض ~~وتعود أدراجها من الأنابيب على النافورة فتقذفها قطرات جديدة مصوغة في أشكال وحجوم غير ~~الأولى. # ثم تنهد وقال لنفسه: «ولكني لا أستطيع أن أفهم أو أدرك لماذا تظل هذه القوة الأبدية ~~منهمكة في الإعراب عن نفسها في صور فردية شتى لا آخر لتنوعها؟ لماذا لا تكف ولا تنقطع عن ~~العمل ولا يصير كل شيء إلى «لا شيء»؟ ظلام أبدي شامل! ويا ليت من يدري أهما اثنان لا ثالث ~~لهما: أن يظل هذه الفنان يعمل ويخرج ويبدع كما هو فاعل أو أن لا يكون ثم شيء على الإطلاق؟ ~~وهل من الاتفاق المحض أن حدث هذا ولم يحدث ذاك»؟ # وسكت وحدق بعينيه الواسعتين في الفضاء يبغي أن يرى شيئا هناك وراء كل منظور. ثم هز ~~كتفيه وقال وهو يمشى إلى «الكنبة»: كل هذا جميل. ولكن هل بنا حاجة إلى التفكير؟ هذه الدنيا ~~أمامنا، وأحسب أن كل ما بنا حاجة إليه أن نتناولها كما هي وأن نقنع بذلك. # وهم بالجلوس فسمع نقرا على الباب ففتحه وطالعه وجه شوشو، كأنه - أي وجهها - في حلم، ~~وأحس وهو يصافحها كأن حولها جوا من الماضي والمستقبل. وذلك ما لا عهد له به فسألته: ماذا ~~كنت تصنع؟ ~~- لاشيء. # ولكنه وجهه مال إلى النافذة. فقالت؟ ~~- أكنت تسخط على هذه الطبيعة التى لا تثبت على حال؟ # ألا ترى معي أنها كالطفل، تكون عابسة باكية ثم إذا هي تضحك لغير سبب مفهوم؟ إن تناقضها أو ~~اضطرابها كثيرا ما يحيرني؟ وكم تمنيت لو أني أستطيع أن ألزمها الحالة التي يتفق أن تروقني ~~- إلى أن يتغير مزاجي على الأقل. # فعجب أن يجيء أول ما يجري بخاطرها بسبيل مما كان هو يفكر فيه؛ ولكنه كتم ms44 هذا - وإن لم ~~تكتمه عيناه - وقال مجيبا على كلامها: كلا يا شوشو. أنا لا أحس بالرغبة في إلزام الطبيعة ~~حالة ما، أو بعبارة أخرى: لا أتمنى أن أفرض عليها مزاجي الخاص أو أي مزاج معين، ولعل ذلك ~~لأن تنوع الأمزجة وتعدد الحالات التي تكون عليها الطبيعة في جميع مظاهرها - هو مصدر السرور ~~الذي أفيده منها، بل هو الذي يرجع إليه ويقوم عليه إيمانى بالحياة. ولولا هذا التنوع لما ~~بقي ثم شيء اسمه الحياة. # فافترت عن ابتسامة إعجاب وقالت: ذلك لأنك أديب. لأنك إبراهيم الكاتب! # قال: «نعم. أحسب الأمر كذلك. وإن كنت لا أرى أن كوني كاتبا هو السبب في ذلك. كلا. إن ~~طبيعة الفنان أو روحه ترتاح إلى التغير. فأنا أجل هذه الجدة التى أراها كل صباح يطلع وكل ~~مساء يجيء. وفي كل شخص. وفي كل مظهر من المظاهر التي تعبر بها الحياة عن نفسها. أرتاح لأني ~~لا أرى شيئا نهائيا. ولما كان التغير دئما فلا أراني أشبع من النظر والتأمل والتفكير. ~~أحب كل شيء: ما كان وما هو كائن وما سيكون.. أحب حتى ... الموت. # وسكت. وساد سكون عميق. ثم رفع إليها عينيه وقال: وأنت يا شوشو؟ ما رأيك! # وكانت جالسة وعينها إلى النافذة، فالتفتت إليه كأنما أيقظها صوته من حلم، والتقت عيونهما. ~~وقالت: أنا؟ لا أدري! إني لم أكن مصغية. # فاضطرب شيء في صدره وخفق قلبه خفقة عطف مضطرم وشعر كأن بها حاجة إلى حمايته، واستغرب من ~~نفسه هذا الإحساس الذي لا مثير له ولا موجب لنشوئه فابتسم وقال: ألم أقل لك إن المرأة ~~يعجزها أن يكون إحساسها شاملا ونظرتها جامعة وروحها واسعة محيطة؟ # ورأها مصغية إليه فمضى في كلامه: أنا مثلا - ولست أعني نفسي على وجه الخصوص، ولكني أعني ~~الرجل على العموم - أستطيع أن أفتح قلبي للطبيعة كلها بكل ما اشتملت عليه وأن أغمر كل ~~مظاهرها بحبي، حتى هذا العنكبوت الذي يخيفني في العادة والذي أكره أن أرى نسجه في زوايا ~~النافذة أو أركان الغرفة، يفيض قلبي ويتفتح. ms45 ولكن المرأة شيء آخر. لم ترزق هذه السعة ~~الروحية. نعم قد تحس أحيانا بشوق إلى أن تضم الكون كله بين ذراعيها. ولكن هذا لماذا؟ لأنها ~~تحب إنسانا معينا لا ترى سواه ولا تحس إلاه؛ والكون كله مختزل في شخصه. وليس لشيء موجود ~~منفصل عنه؛ فهي إذا أحبت الطبيعة فإنما تحب فيها هذا الرجل الذي يملأ دنياها ويستغرق ~~عالمها. # فأرخت شوشو عينها هنية ثم رفعت إليه وقالت: وإذا كان الرجل هو الذي يحب؟ إذا كنت أنت ~~مثلا هذا الرجل؟ # فاضطرب وتدافعت العواطف في صدره، وأحس الندم يعض قلبه، وخيل إليه كأنه يرى وجه زوجته التي ~~ماتت منذ سنوات، يطالعه من ظلمة الماضي الدفين ويلومه ويتهمه - يتهمه؟ لماذا؟ وكأنه يسمع ~~صوتها يقول معنفا: «كيف يمكن أن تحب ماري»؟ وغاب الوجه واستتر ولم يبق إلا شوشو تنظر إليه ~~بعينين تحلمان، وابتسامة فيها شيء من المرارة، ماذا جرى له؟ أين ذهب إشراقه؟ ماذا فعل الله ~~بصباحته؟ إن هذه الفتاة عجيبة! وها هي ذي تومض عينها إيماضة خبيثة كأنما يسرها ما تقرؤه في ~~وجهه من الاضطراب! ما لعينها متعلقة بعينيه؟ أهي ناظرة إليه؟ كلا! إنها كالتي ترى شيئا هو ~~أحلى وأعذب من كل حقيقة منظورة. # ونهض وقال: أي سؤال هذا يا شوشو؟ # فنهضت مثله وقالت: أهو سؤال غريب غير جائز؟ # وكان يمشي في الغرفة فلم يفتح الله عليه بخير من: كلا. لا غرابة. إني جائع جدا ولست ~~آتيا هنا لأصوم. # فانفجرت ضاحكة وقالت: ألا تزال ملتحفا بكبريائك؟ # فلم يلتفت إلى هذا ودنا منها ووضع يمناه على كتفها وقال: اسمعي ياشوشو. لقد قضيت هنا ~~ليلتين ولم أجاوز عتبة الباب إلا دقائق أمس. فما العمل؟ لست أراني أطيق هذا الحبس فقولي لي ~~أين أذهب. ولكن بالله عليك لا تقذفي بي في وسط جحافل من أجلاف الريف.. # فتكلفت الجد وقالت: هل تستطيع أن تخرج وتسير في هذه الأوحال؟ # فقال: قبح الله الريف! ألا شيء غير الجلوس في هذه الحجرة؟ # قالت: أمللتنا جدا؟ وبهذه السرعة؟ # فأسرع يؤكد لها أن ms46 الأمر على العكس، وإنه لم يضجره إلا الحبس، وإن بوده لو استطاع أن يخرج ~~معها إلى الحقول. فصفقت وصاحت به وقد اضطرم خداها: ما أحلى هذا! أوده من كل قلبي. ~~- ولكن كيف يمكن؟ ~~- أوه. سأجد الوسيلة . دع هذا لي. # وخرجت لتجيئه بالطعام. # الفصل الحادي عشر # | «حبيبي مد يده من الكوة، فأتت عليه أحشائي» # معنى هذا؟ # حار إبراهيم في تفسير خوالجه وما جاش به صدره وهو جالس مع شوشو. ولم يكن ما قرأه في ~~أسارير وجهها وعينيها العميقتين أقل تحييرا له، فلم يطق الجلوس في الغرفة وانتظار الطعام، ~~وخشي أن تجيئه به تلك الزنجية اللامعة كالفحمة، وكره أن يرى وجهها بعد شوشو، واختلج في قلبه ~~شيء من العطف عليها من أجل هذا الكره الذي يحسه لها، وكأنما أراد أن يهرب من نفسه ويتجنب أن ~~يواجه ما تضطرب به. فأسرع فانحدر من السلاملك على الفضاء الذي أمامه، وتذكر وهو يهبط السلم ~~كيف تركته شوشو بين ثلاث كلاب ضارية فابتسم وهو يقول: «تالله ما أظرفها! إن معين حيلها لا ~~ينضب» ثم تجهم إذ رأى نفسه يكر إلى ذكر شوشو ويدعها تستولي على خواطره، فأسرع في المشي ولم ~~يلتق بأحد، فمال إلى الحديقة غير عابئ بالأوحال التي تراكمت على حذائه، وقال يحدث نفسه وهو ~~يقتلع رجليه واحدة بعد الأخرى من الأوحال: «أما لو أن الأرض جافة! إذا لاستطعت أن أمشي ~~قليلا وأن أفني بالمشي هذه الإحساسات الجديدة وأنفقها فيه وأحيلها عرقا يتصبب». # ورأى رجلا جالسا على حجر يضحى في آخر الحديقة، فمضى إليه فألفاه شيخا هرما في يده ~~عصا، ونهض الرجل متوكئا على عصاه ورفع له يده بالسلام. وراق إبراهيم وجهه المغضن كالحصير ~~وشارباه المتهدلان كأنما كلت شعراتهما وفترت، فحياه ووقف صامتا لا يدرى ماذا يقول، وأحس ~~كأن بينهما جونا يتعاظم، واشتاق أن يفتح قلبه لهذا الشيخ المتهدم ضيق العينين، متدلي ~~الشاربين، المتوكئ على العصا؛ الذي اجتاز الحياة كلها وشق طريقه بين أشواكها. وتمنى لو يفتح ~~له هذا الشيخ قلبه، فيقول هذا بشجوه مرة ms47 وذاك بشجوه مرة. ولكنه لم يجد الكلام حاضرا ولم ~~يدر كيف يجره إلى التحدث عن نفسه، فاكتفى بأن يقول: من أبناء القرية؟ # وسخر من نفسه إذ قال ذلك. من أبناء القرية؟ إنه من جدودها بل جدها الأعلى فيما ~~يعلم! # وقال الرجل بصوت جاد كأنه الصفير «أيوه» ووقف ينتظر السؤال الثاني فقال إبراهيم: «أنا من ~~مصر» كأنما أحب أن يبادله التعريف ويشعره أنهما ندان. # فقال الرجل: «ما شفتهاش يا أفندي». # فقال إبراهيم: «لم تخسر شيئا». # ولمعت عين الرجل وهو يحجب الشمس بكفه ويقول: بيجولو إنها جميلة. ما شفتهاش يا ~~ابني. ~~- ليست أجمل من قريتكم. # وسر الرجل هذا الثناء على قريته وبدا الارتياح في هزات رأسه وفي ازدياد عمق الأخاديد ~~التي حفرها الزمن في وجهه وهو يبتسم وقال: بلدنا؟ الشبان ما يعرفوهاش يا افندي. بيرحلوا ~~ويجعدوا في البنادر. يبعتوهم المدارس يجومو ما يطيجوش البلد تاني. بيعدموا الصحة حداك ~~والمال كمان. # وتحمس فدق الأرض بالعصا وقال: «بجالي سبعين سنة عايش في الأرض ما هجرتها يوم. وأروح ~~فين»؟ # وابتسم ووقع كلامه من قلب إبراهيم فقال؟ ~~- وهل كل الفلاحين مثلك؟ ~~- أيوه. زيى؟ لع! ما حد زيي؟ شبان الزمان ده كيف يبجوا زيي؟ ما طيج أفوت ريحة ~~الأرض. # وضحك الرجل أو على الأصح انفرجت شفتاه عن فمه الذي عاد أدرد كالكهف الخاوي وقال: إنه زي ~~البجر اللي تهزل وتهبط لما يتغير الرعي. # ثم رفع يده التي فيها العصا وقال مشيرا إلى نوافذ السلاملك: بينادم عليك يا ~~أفندى. # فتركه إبراهيم آسفا ولم يتحول إلى السلم؛ بل قصد إلى نافذة غرفته مخترقا إليها الحديقة، ~~وطاف برأسه العجب من أن تأسر الأرض رجلا كهذا، وتقيده إليها سبعين حجة، ما أقوى هذه الأرض ~~التي لا يعود رجل مثله يطيق فراقها أو حرمان رائحتها! وأدار عينيه في الحديقة وهو سائر لا ~~يلتفت إلى شوشو التي كانت تشور له أن يرتد ويتحول، ورمى طرفه إلى المساحات المترامية وراء ~~السور، ثم رده إلى جمال الغصون وسحر الألوان إذ تخفق الأفنان في ضوء الشمس. ms48 فلم يعد عجيبا ~~أن يتدفق حب هذه الأرض في عروق أبنائها ويجري من دمائهم، وهم الذين يفلحونها ويتعهدونها بما ~~يزيدها خصبا، ويرصدون لها عيونهم وقلوبهم حتى يعودوا من فرط إلفها لا يطيقون أن يبرحوها؛ ~~وأن تخطئ لحاظهم غضارتها ونضارتها وخضرتها الندية وشمسها دافقة الحرارة وجوها الطليق ~~ونسيمها العطر، ومطرها المنهمر وسحبها المتكاثفة طبقات بعضها فوق بعض، وماشيتها، وكل ما ~~حفلت به من حيوانات صغيرة وكبيرة، لها كل ساعة بل كل لحظة تجديد. # وصار تحت النافذة فأومأ لشوشو وقال: من هنا. أطعميني من هنا. # فابتسمت. ما أحلى وجهها وأعمق عينيها! لم يرها قط أصبح ولا أجمل منها اليوم. وكانت عينها ~~تنتقل من الطعام إلى الأرض ثم قالت: ولكن كيف أستطيع؟ تعال إلي. هذا أحسن. # فهز رأسه مصرا وأعلن اكتفاءه بلقمة وقطعة من الجبن أو بضع زيتونات، واهتز كيانه ~~سرورا بتناول الطعام على هذه الطريقة. وراق خياله أن تلقي إليه شوشو باللقمة بعد الأخرى ~~وأن يتلقف ما تلقي، بل أن تفلت اللقمة وتخطئها كفه وتقع فيلتقطها ويلتهمها بكل ما يعلق بها، ~~ولكن شوشو كانت تهم أن تلقي إليه برغيف كامل حشته ما لا تعرف فصاح بها: لالا. لقمة لقمة. من ~~فضلك. # فرمت إيه نظرة دل واغتباط، وضحكت وراحت تطعمه على نحو ما أراد، وهو يشعر بالحاجة إلى ~~التوثب والقفز، ولا يكاد يطيق الوقوف على قدميه. وكانت ربما أوهمته أنها ملقية إليه باللقمة ~~فيمد كفيه ليتلقاها فتخيب أمله، فيضحكان ويكون هذا أحلى وأمتع. # ولما أصاب كفايته من الطعام، قال لها: ليس في الحديقة أحد غير هذا الشيخ الهرم. فانزلي ~~إلى. # فنظرت إليه مفكرة. ثم حنت على النافذة وأطلت بوجهها وصدرها وتلفتت، وكأنما اطمأنت فقالت: ~~من هنا؟ أتتلقفني إذا هبطت إليك؟ ~~- كلا. تعالي من السلم الآخر. # فصاح يردها وقد خاف أن تجازف: ومضى ليسبقها إلى المدخل ويستقبلها عنده. ولم تلبث أن جاءت ~~تعدو فتخشى أن تزل قدمها في الزحاليق، فدفع ذراعيه ليقيها العثور وهي تجري مقبلة، فإذا بها ~~ترتمي بينهما، فكاد يقع بها ولكنه ms49 كان قريبا من الحائط فاعتمد عليه بكتفه، ولو كان الأمر ~~إلى شعوره وإلى ما يشي به سكونها بين ذراعيه من الرغبة في البقاء، لظل يحتضنها، ولكنها كانت ~~شوشو - بنت خالته وصديقته الصغيرة التي كم داعبها وهي طفلة، وخرج بها للرياضة والنزهة، وكم ~~ركبت ظهره وزحف بها على البساط! وكم دفعت كفها الصغير في جيوبه باحثة عن الشكولاتة والحلوى ~~واللعب الدقيقة التي اعتاد أن يشتريها لها ويبقيها معه حتى تتاح له فرصة يقدمها إليها فيها ~~من غير أن ترى أختها الأخرى! وكم تسللت إلى سريره وراحت تمسح له وجهه وهو نائم بيدها ~~اللينة دقيقة الأصابع، حتى يفتح عينيه ويثاءب، فتلثم أقرب ما يكون إليها منه، وكثيرا ما ~~قبلت اللحاف، ثم تضحك فيبتسم ويعجب كيف لا يغضبه منها إزعاجها له وإيقاظه، وتشد ذراعه وقد ~~تجر رجليه لينزل عن السرير ويلاعبها. # طافت برأسه هذه الصور ومئات غيرها من أيام طفولتها فاحمر وجهه، وأنكر من نفسه أن يتركها ~~بين ذراعيه! ولكنها كانت كالعصفور وجد وكره واطمأن إلى عشه، فلم يجد في قلبه من جفوة الطبع ~~وقسوة النفس ما يشجعه على أن يدفعها بغير مراعاة لها أو اكتراث لإحساسها. فمسح شعرها بكفه - ~~إيه ما أنعمه وأبدعه متوهجا في ضوء الشمس! وهمس في أذنها «شوشو» فرفعت إليه عينيها في فتور ~~كأنما كانت تحلم فربت لها على كتفها وقال: «هلم بنا» فاعتمدت على كفيها - وكانتا على كتفيه ~~- وحملت نفسها في تثاقل وبطء وبجهد واضح. # الفصل الثاني عشر # | «في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته» # لم يغمض لشوشو جفن في تلك الليلة، وإن كانت - على خلاف عادتها - قد بكرت في الذهاب إلى ~~مخدعها، وتركت أختها نجية وحدها مع طفليها، وزعمت أن جفونها مثقلة، وجعلت تتثاءب وتهوم ~~وتتناوم حتى قالت لها نجية: قومي يا حبيبتي. لا تتحاملي على نفسك. # وكانت الأشجار ترى في ضوء غرفتها. وأكثرها قد ذهب مع الربيع رونقه، ولكن بعضها وأدناها ~~إلى النافذة كان مورقا رفافا منورا، وكان ضوء القمر ينفذ إلى ms50 الأوراق الخضراء، ويومض في ~~صفحاتها كأنه قطرات لامعة من الفضة. واستراحت الأطيار والضفادع إلى سكون الليل وسهوم القمر، ~~فانطلقت هذه تنقنق وتلك تصدح أو تصفر، وودت شوشو في هذه الساعة لو أنها كانت عصفورا يذهب ~~إلى حيث يشاء ويحلق في الجو، ويسبح في الفضاء، ويبصر وهو ناشر جناحيه كل ما بين الأرض ~~والسماء - عصفورا ينحدر على شعاع من نور الشمس أو خيط من ضوء القمر - عصفورا يرفع منقاره ~~وهو طائر ويتلقى في فمه الدقيق قطرة من المطر - عصفورا يحط على أعلى فنن في أسمق شجرة، أو ~~يهوي إلى الأرض ويخطو بين أغصان البرسيم فتحجبه، ويضع بيضه الصغير حيث يروقه أو يؤلف عشه، ~~ويمد منقاره إلى الماء حيث يجده ويمص قطرة ويتلفت - عصفورا ثيابه ولا يبدل أفواف ريشه ولا ~~يكون في رأي العين مع ذلك إلا جميلا. آه إنه روح الكون ولا شك في العصافير والسحب - سابحة ~~تجوب الآفاق؛ وهي الأزهار والأشجار التي لا تكون إلا عطرة ولا تبدو إلا حالية مونقة ولا ~~يعتورها قلق ولا يساورها اضطراب. آه! لماذا تقلق النفس؟ لأي شيء تطلب ما ليس في اليد وتريد ~~أن تحس وأن تعلم وتبغي أن تحب وأن تحب؟ # ولما بلغ بها التفكير هذا المدى اعتمدت بكوعها على النافذة واتخذت من كفيها كأسا لذقنها. ~~لقد تغيرت الدنيا كلها في يومين اثنين، لا بل في يوم واحد، نعم؛ كانت تحب إبراهيم من قبل ~~كما يمكن أن تحب أخاها لو أن لها أخا، غير أنها لم تكن تحس بمثل هذا الحنين إليه. ولا كانت ~~تصبو إلى مشاطرته كل شيء؛ بل إلى أن تهبه وتمنحه نفسها وتسليه وتحميه وتفوز منه بالروح ~~والراحة - الراحة من أي شيء؟ أهذا هو الحب الذي تصفه القصص الفرنسية التي قرأت منها عشرات؟ ~~كلا! تلك حكايات لفقها الخيال النشيط، ومن أين لكتاب تلك القصص المزورة أن يعرفوا كيف يثب ~~القلب إلى الحلق وتضطرم النفس وتعود كالبركان الذي يوشك أن ينفجر ويقذف بالحمم؟ أيكون الحب ~~طاغيا عنيفا كما تجده هي؟ ويا ms51 ليت من يدري كيف صارت تخجل الآن، وتشعر النار تندلع في ~~وجنتيها وبالدموع كأنها ستطفر من عينيها كلما رأته بعد أن طما في نفسها هذا العباب الزاخر ~~وهي بين ذراعيه عند باب الحديقة! إن لهذا الحب روعة ليست لسواه. # وإبراهيم؟ إنه وعر مر النفس - لماذا يا ترى؟ ألا تستطيع أن تستدرجه حتى يكاشفها بما ~~تنطوي عليه أضالعه لتحيط خبرا بدواعي هذه المرارة؟ ولكنه حتى كثير الجهامة، وإن كان من ~~واجبي أن أعترف أنه ظريف الدعابة مليح الفكاهة حين تسلس نفسه ويصفو أفقه، وآه من عينه على ~~رقتها! لم تر شوشو أحد منها ولا أنفذ، هي عين تأخذ كل ما دق وجل مما يقع تحتها فليس يفوتها ~~شيء حتى ما هو مغيب في الصدور. وياما كان أحلاها هنيهة على قصرها، وأنا بين ذراعيه ورأسي ~~على كتفه! وما كان أرقه وأحناه وهو ينحيني عنه وقد تصلبت عضلات وجهه حتى صار كالدمية ~~المنحوتة من الصخر، والورود البيضاء ترف في حوضها كأنها مصوغة من ذوب أشعة القمر، والبقرة ~~التي أزعجته وأضحكتنا في الصباح منه مثقلة الأثداء تنظر بعيني نائمة، والأفنان تهتز وتترنح ~~فوق رأسينا ولأوراقها حفيف مطرب، والسماء تبدو من خلالها شتى الشكول، وندى الصباح على ~~وجهينا، والسكون واسع عظيم؛ وكأن الدنيا كلها في صلاة وتسبيح، وقلبي مثلها يسبح بحمد الله. ~~لقد كنت سعيدة، وأظنه هو أيضا كان سعيدا على الرغم مما كان في وجهه. ما أشد سحر هذا الحب ~~الذي يجمل الدنيا ويفيض عليها من الفتنة ما لم يكن لها، ويحيلها كالحلم اللذيذ لا بل ~~كالصوت الجميل ... كالنغمة العذبة ... كالغناء الملائكي. لكأن روحي هائمة مع روحه الآن.. لم تعد ~~روحي في بدني فليتها تظل معه هائمة، فما أريد أن ترتد على جسمي.. لست ابغي أكثر من هذا. ~~أبدا. أبدا! إيه أيتها الغبطة، نشدتك الحب ألا ما بقيت معي! لا تنقضي.. لا تذهبي ~~عني! # ولكنه يفزعني ... سبحات عقله تخيفني ووثبات خياله ترعبني فأتضاءل وأتضاءل، أحس كأني لم أعد ~~شيئا! ما أقساه حين يفتح عينيه ms52 كأنما يريد أن يلتهم بهما الدنيا. ويروح يتكلم كأن ليس معه ~~أحد. لا يحسني في تلك اللحظات ولا أظنه يراني، ويخيل إلى أنه يبصر ما ورائى من خلال بدني.. ~~وانتفضت كأنما سرت في جسمها رعدة فلفت شملة الصوف التي كانت على كتفيها وجمعت أطرافها ~~على يديها فوق صدرها ومضت إلى السرير، وقعدت وتنهدت، وقد طاف برأسها أن هناك سرا هو علة ~~هذه الأطوار الغريبة من إبراهيم. فإن له ساعات يطول فيها وجومه فلا تتحرك حتى شفتاه؛ ~~وأحيانا ينفجر غاضبا بما لا يكاد تفهمه فيحيرها ويروعها، وطورا تنبسط نفسه إلى الحياة ~~والدنيا وتهش روحه فلا يكاد يطيق جسمه، وطورا آخر يضحك ويلعب كأنه جديد في الدنيا لا يعرف ~~إلا صفحتها المشرقة - ليس كل هذا عفوا! ترى ماذا يجيش في صدره هذا؟ ألا يمكن أن أعلم؟ كلا! ~~لا أمل. فإنه كتوم، كتوم متكبر كما يقول، يعد الإفضاء بما في نفسه ضربا من الشكوى. وكل ~~شكوى عنده ضعف لا يليق بالرجل. وا أسفاه! لن أعرف أيحبني كما أحبه؟ لن أسمع اللغة التي أود ~~لو يخاطبني بها. لغة الحب المجنحة. لغة القلب النارية. كلا لا أمل في هذا أيضا. لأنه شيء ~~ينكره خلقه الوعر. # واشتهت أن تقول بشجوها، وأن تصب في أذن إنسان ما حديث حبها، وأن تطرح عن قلبها ثقل هذا ~~الكتمان. ولكن لمن؟ ألأختها؟ واأسفاه! إن هذا يكون جنونا مطبقا، فما تستطيع أختها أن تقدر ~~الحب إلا بين زوجين، وحتى بين الزوجين لا يليق عندها أن يجري كلام فيه، أختها نجية؟ إنها ~~ليست سوى كذا قنطار من اللحم، وما عرفت قط إلا العفاريت والخرافات. ولا عهدتها شوشو تستطيع ~~أن تنزل عن شيء مما درجت عليه. # ووجدت شوشو نفسها تنحى على أختها كأن لها عندها ثارا. فعجبت لهذا وأسفت وانثنت واعتذرت ~~لها بنشأتها وجهلها، ولكن أسدت الدنيا فلا سبيل إلى أحد تبثه ما في نفسها؟ وخطر لها أن ~~أختها الوسطى سميحة أقدر على الفهم، غير أن سميحة في الإسكندرية مع ابن عمها (زوج ms53 نجية)، ~~وعلى أن مكاشفتها بهذا الحب، مسألة فيها نظر كثير. فإن سميحة أكبر من شوشو، والكبرى تسبق ~~الصغرى إلى الزواج، وليس بمجهول أن سميحة ما انفكت منذ سنتين تتحبب إلى إبراهيم وتحاول أن ~~تستولي على هواه وتقتنص قلبه، وابتسمت شوشو وهي تفكر في هذا، فما يخفى عليها أن إبراهيم لا ~~يطيق سميحة، إنه على الرغم مما هو معهود فيه ومعروف عنه من ضبط النفس والقدرة على كتمان ~~عواطفه، لا يحاول أن يداجي سميحة أو يداريها، ولا يتكلف أن يكتمها أنه يمقتها، فهو يحرف ~~اسمها ويدعوها «سوسة» ولا يكون إلا سيئ الخلق في حضرتها، بل لا يزال يفر من مجلسها كلما ~~وسعة ذلك. وهي؟ واأسفاه! لا تنهزم ولا تبالي هذه الجفوة ولا تحفل نفوره منها، بل تزداد شدا ~~عليه ومطاردة له، ومع أنه سر شوشو أن تشعر أن في وسعها أن تكون على يقين من أن «سوسة» لا ~~أمل لها في إبراهيم، وأن لها «أي شوشو» أن تطمئن، إلا أنه لم يخف عليها أن كون «سوسو» لم ~~تتزوج بعد، سيكظ الطريق بالعقبات والمصاعب، ويجعل أملها هي، أي شوشو لا أقرب ولا أيسر. ~~فنكست رأسها وقد اغرورقت عيناها وزايلتها الغبطة التي كانت تحسها، وحل محلها الاكتئاب، ~~وبدأ اليأس يدب في صدرها فأحست أنها توشك أن تختنق. ماذا تصنع؟ أين القلب الذي يمكن أن يعطف ~~عليها ويرثي لها في هذه المحنة؟ بل أين المخلوق الذي تستطيع أن تبيحه دخيلتها وتفضي إليه ~~بسرها؟ لا أحد! وهالها أن تشعر بالوحدة في هذا العالم الزاخر، وأن ترى إلى أى حد أرضاها ~~حبها لإبراهيم مستفردة، وفى هذه اللحظة فقط أدركت أن حولها أربعة جدران سميكة، وأن هذه ~~الجدران الأربعة - من ورائها ومن قدامها وعن يمينها وعن شمالها - محيطة بها مسدودة عليها ~~حيثما تكون من الأرض. لماذا خلقها الله في مصر؟ لماذا يضرب عليها هذا الشقاء؟ حتى إبراهيم ~~لا يسعها أن تذهب إليه وتقول له: «إني أحبك» كلا! هذا أيضا مستحيل. لأن التقاليد والآداب ~~تأبى ذلك. وإنها لواثقة ms54 الآن أن إبراهيم يحبها وأنه يتمنى لو استطاع أن يعلن لها حبه، ولكنه ~~مثلها تقيد لسانه التقاليد والآداب. وما أدراها؟ لعله الآن - في هذه اللحظة بعينها - تؤرقه ~~الحيرة والكمد - إلا أن في هذا العزاء لقلبها. وبحسبها أن تعلم أنه مثلها موجع مكروب مهموم ~~مؤرق. ولكن من يدري! حتى هذا العزاء التافه فيه شك كبير! ألا تستطيع أن تذهب إليه وترى؟ ~~واأسفاه! كان هذا أمس - أمس فقط - ممكنا! لشد ما يتغير كل شيء في يوم وليلة، بل في ساعة ~~واحدة، لم تكن أمس قد انتهت إلى الاعتراف والإقرار فيما بينها وبين نفسها بهذا الحب، فلم ~~تكن تخجل أن تجري إليه وتدفع الباب في جرأة وتوقظه إذا كان نائما، وتجره من رجليه، وتمازحه ~~وتداعبه، وتكون معه كما تكون الأخت المدللة مع أخيها الذي يحبها، أما اليوم، فقد سد شيطان ~~الحب هذا الطريق. ولكن لماذا؟ لا تدري، وكل ما تدريه هو أنها صارت تستحي حتى أن تلقاه بعد ~~أن عرفت ما في نفسها له. # ولكن ألا سبيل مع ذلك إلى معرفة ما تصبو إلى معرفته؟ ألا يمكن أن توفد.. من؟ فاطمة؟ ليس ~~ثم غيرها. إنها أمينة مخلصة وفيها وفاء. وانشرح صدرها فتسللت من غرفتها إلى حيث فاطمة ~~نائمة. وكانت ملفوفة في لحافها ولا شيء يبدو منها، فكشفت عن وجهها وجعلت تحركها حتى ~~أيقظتها. وأشارت إليها أن تتبعها في صمت، ولما صارتا في غرفة شوشو قالت فاطمة وهي تفرك ~~عينيها: نعم ياستى. # فابتسمت لها شوشو ودنت منها ووضعت كلتا يديها على كتفيها وقالت: أريد منك أن تذهبى إلى ~~السلاملك وتنظري ماذا يصنع إبراهيم. فأفاقت المسكينة جدا ودقت على صدرها بكفها وقالت: ~~«أنا؟ أنا ياستى»؟ # فأسرعت شوشو تزجرها عن رفع صوتها وقالت: «هس. لا تدعى أحدا يسمع. نعم أنت، وما ~~الضرر»؟ # قالت: «الضرر؟ أتريدين أن يقتلني! إن سيدي إبراهيم صعب لا يا ستي»! # قالت شوشو: «لا عليك. سأعطيك فستاني الأخضر. إنه جديد». # فقالت فاطمة وهي لا تفهم: «ولكن لماذا لا تذهبين أنت»؟ # نعم لماذا لا ms55 تذهب هى؟ يا ليت من يدري كيف صار هذا عسيرا؟ ورأت فاطمة أن ستها شوشو واقفة ~~مطرقة وفى وجهها سهوم غريب. فأدركها العطف على ستها، ولكن خوفها من إبراهيم كان أعظم من ~~رثائها لشوشو فقالت: ثم إنه لا يليق يا ستي أن أذهب إليه في الليل هكذا؟ هذا عيب! ماذا يقول ~~عني؟ لا لا يا ستي؟ أتريدين يقتلني سيدي الشيخ؟ # ولكن هذا العذر الذي تقدمت به فاطمة لتنجو، هو بعينه الذي هون الأمر على شوشو ويسر لها ~~الحل فقالت: لن تذهبى وحدك. سأرافقك. وأقف فى الصالة وأن تتقدمين إلى الباب وتفتحينه بلطف ~~وتنظرين. فإذا سألك أو زجرك أسرعت إلى نجدتك. افعلى لأجل خاطرى يافاطمة. ~~- ولكنه لا شك الآن نائم يا ستى. ~~- لا، لا، لا. ~~- كيف تعرفين؟ # وزادت دهشة الخادمة وصار اللغز فيما ترى أعوص. ولكنها ليست مطالبة بالتفكير ولا بحل ~~الألغاز، وتذكرت الفستان الأخضر وأن سيدها لم يشتر لها في هذا الشتاء كسوة، وسيدتها نجية لم ~~تخلع عليها شيئا من ثيابها القديمة، فتوكلت على الله وخرجت تطلب المصباح فمنعتها شوشو. ~~ومضيا معا في الظلام والبرد، وشوشو تسأل نفسها: «ما آخر هذا الحب يا ترى؟». # الفصل الثالث عشر # | «عهدا قطعت لعيني فكيف أتطلع إلى عذراء؟» # ما آخر هذا الحب؟ # في هذا كان إبراهيم أيضا يفكر تلك الليلة، وهو مضطجع على سريره في الظلام، وكان لا ~~يستريح إلى النور إذا ثقلت على كاهله وطأة الحياة، أو ألح عليه إحساس أو خاطر، كأنما يخشى ~~أن يفضح النور له سرا، أو يهتك لما يخفيه سترا، وكان امرءا لا ينفك يغالب نفسه حتى ~~يقهرها أو تقهره قبل أن يستسلم لعاطفة أو فكرة، وكان مذ أوى إلى مخدعه، يدخن سيجارة في إثر ~~سيجارة، وكان يشعل الجديدة من القديمة. ولا يجد للدخان طعما، ولا يفيد منه سرورا، وأراد ~~أن يشغل نفسه أو يلهيها عما يكظ شعابها، فشرع يلتمس تعليلا لفتوره هذا عن التذاذ الدخان، ~~فزعم لنفسه أولا أن الحواس - ولا سيما حاسة النظر - هي التي يرجع إليها ms56 الارتياح إلى ~~التدخين وأن المرء إنما يعتاد في الحقيقة أن يرى الدخان يتلوى ويعقد سحابات صغيرة بعد أن ~~ينفخه بفمه، وأن يشعر بالسيجارة بين إصبعيه وبين شفتيه، ولكن المهم هو رؤية الدخان، لأن ~~العين أهم الحواس وأوثقها اتصالا بالدماغ. وأقدرها على إفادة الصور الذهنية. # ولكن هذا التعليل - على قربه من الصواب - لم يقنعه، ووجد إبراهيم نفسه يتساءل: «هب النور ~~مضاء، ومعي.. شوشو، أكنت أنظر إلى الدخان خارجا من فمي ومتلويا في جو الغرفة، أم إليها ~~هي» وغضب لما رأى نفسه يكر إلى ما يريد أن يتلهى عنه، وقال لي عناد: «حسن. فلنواجه ~~الموضوع». # وواجهه في حزم وشجاعة واستعداد لاحتمال النتائج: لقد تحول حبه لشوشو من أخوي إلى جنسي، ~~ذلك ما لا شك فيه، فهل له أن يأمل أن يفوز بها، وأن يقنع أهلها أن يزوجوه منها؟ كلا! فإن في ~~الطريق تلك البنت الخبيثة التى لا تحجم عن كل شر إذا هم أهلها بأن يقدموا شوشو عليها. ~~وستكون النتيجة أن تشقى شوشو، وهي ستشقى على الحالين، ولكن أهون الشرين أن تيأس من الآن، ~~والعاطفة غضة لم يستحفل أمرها، ولم يستعص علاجها. # وهو؟ أوه. ليست هذه بأول عاطفة احتاج أن يخنقها! وإنه لعذاب. وإنه ليحس كأنما يقتلع ~~أحشاءه مع العاطفة التى يحاول أن ينزعها من قلبه. وطاف برأسه قول ابن الرومي: ~~«وقع السهام ونزعهن أليم» # فقال: «صدق المسكين»، وود في هذه الساعة لو أن معه ما طبع من ديوانه، إذا لقضاها ليلة ~~طيبة مع هذا الشاعر المنكود الحظ، الذي ألهبته الحياة بسياط من نار، وكربته الخواطر فراح ~~يتساءل: «ما الحب؟ وما الشهرة والخمول؟ وما السعادة والشقاء؟ وما الحياة نفسها»؟ وأعياه أن ~~يهتدى إلى جواب مريح - وأي جواب آخر سوى أنها عناء وباطل ليس يجدى. وليس هذا بجواب. وإنما ~~هو همسة الضعف، ووسوسة العجز. وصحيح أن الحياة لا فرق عندها بين سعيد وشقي، ومجدود ومكدود، ~~ومعروف ومغمور، وعاشق وخلي: وحيوان ونبات وجماد. ولكن هناك فرقا بين إحساسات المرء بوقع ~~الحياة، والمرء ليس الحياة ms57 حتى يطلب منه أن يكون نظره إلى الأشياء كنظرها هي، واعتباره لها ~~كاعتبارها. ~~«والخلاصة»؟.. وجلس إبراهيم على السرير ورد على سؤاله: «والخلاصة: أني لن أذوق النوم في ~~ليلتي هذه على ما أرى». وضايقه أن يكون أكبر ظنه أن يقضي الليل المقرور أرقا، ويناجي نفسه ~~ويحاورها ويداورها على غير طائل. وتوهم أن ليس عليه إلا أن يعتزم النوم وإلا أن يريده ~~فينام. فانطرح على السرير وتغطى وأغمض عينيه وراح يتنفس بانتظام محاولا أن يتقي التفكير في ~~أي شيء. ولكن جهد اتقاء التفكير كان كجهد التفكير نافيا للنوم، لأنه جهد على أية حال، فخطر ~~له أن يوحي إلى نفسه أنه سينام، وجعل يكرر «سأنام» حتى قالها أكثر من ثلاثين مرة، ثم ضحك ~~فجأة وقد تذكر أنه كان مفتوح العينين وهو يردد هذا اللفظ. ولم يكن ضحكه إلا حركة عصبية لا ~~عن سرور نفس ومراح، فما عتم أن تجهم وهو يسأل نفسه: وبعد؟ وضاق صدره إذ لم يسمع مجيبا له ~~على سؤاله. فطرح الغطاء بعنف كأنما كان هو علة أرقه، ووثب على السرير حتى إذا استقر على ~~رجليه تلفت وقال: «ترى أين المصباح؟ ولم يسعه على كل ما به إلا أن يبتسم. أترى تجربة الأمس ~~ستعاد؟ البقرة البارحة - ترى ماذا صنع الله بها - والليلة المصباح؟ وألفى نفسه يعجب لحياة ~~الريف التي لم ير منها شيئا إلى الآن، ويقيسها - متحاملا عليها - إلى حياة المدن. ولكن ~~دقته وما فطر عليه من العطف الذي تؤدي إليه سعة الأفق والقدرة على الإحاطة بالجوانب ~~المختلفة - ردته إلى الإنصاف. فمضى يقول لنفسه إن المفروض أن المرء في المدن يصنع ما بدا ~~له، ولكن استبداد العادات والتقاليد يقضي على كل نزعة إلى التحرر، ولا يدع للمرء مفرا من ~~النزول على حكم هذا العادات والتقاليد، أما هنا في الريف فالحياة أشبه بمناوشات مستمرة، ~~فالمرء يجد نفسه مثلا يتناول طعامه وحده في آية ساعة. وقد تظمأ في الليل فتجد القلة فارغة ~~أو لا تجد القلة على الإطلاق. وهذا الشيخ علي، على كثرة ms58 ما أنفق على بيته هذا - بناء ~~وتأثيثا - لم يعن بأن يعلق مصباحا في الغرفة يتدلى من سقفها، فمرة ينام المرء على مصباح ~~يضاء بالبترول، ومرة لا يجد إلا قنديل زيت أو شمعة، وقد لا يجد شيئا من هذا كله. ويذهب ~~المرء إلى الحمام فلا يستطيع أن يوصد الباب، إذ لا مفتاح ولا رتاج، وهذا عجيب، إذا ذهبت ~~تعتبر أن الشيخ علي كلف نفسه أن يجهز الحمام بحوض كبير، وقد تكون في الحوض عاريا فيفتح ~~الباب خادم أو واحد من هؤلاء الفلاحين الذين لا يدري إبراهيم أهم خدم أم أقارب أم من عمال ~~الأرض، والواحد يذهب إلى حيث يشاء في الليل أو النهار، فلا يسأل أحد فيما يرى إلى أين أو ~~لماذا أو متى تعود؟ وأدهش إبراهيم أنه لا يعلم أين يبيت هؤلاء الرجال الذين يبصرهم في ~~النهار رائحين غادين، وداخلين خارجين، وأدهشه فوق ذلك أنه لا يرى أحدا يقلقه اختفاؤهم دفعة ~~واحدة، بل لا أحد يذكرهم أبدا، ولم يذكر إبراهيم أنه رأى أحدا يلعب شيئا خارج البيت - كل ~~ما رأى من الألعاب، وهو لايعدو الورق أو الطاولة، يؤدى داخل البيوت وعلى الكراسي أو ~~الوسائد. ولم يعجب إبراهيم لهذا فإن الزراعة رياضة كافية. وما حاجة الفلاح الذي يقضي يومه ~~عاملا في الحقل إلى كرة أو متوازيين؟ ولم يسع إبراهيم إلا أن يعترف على الرغم من كل ذلك ~~بأنه يشعر أن هناك روحا تمسك البيت وتحفظ عليه وحدته - روحا أو لعلها فتاة في ثوب قان من ~~الصوف.. آه شوشو مرة أخرى! تالله ما ألح هذا الخاطر وأشد تشبثه بالنفس! أتراه هجر السرير في ~~هذا الليل المقرور ليعود إلى التفكير فيها؟ أو لم يفرغ من هذا الأمر؟ ألم ينته منذ لحظة إلى ~~وجوب القنوط والإقناط؟ # وقطع عليه تفكيره صوت تهامس خافت. فأرهف أذنيه وتسمع، وكانت حاسة السمع عنده قوية. فخيل ~~إليه إن إنسانا يخلع نعليه. فهز رأسه ومشى على أطراف أصابعه إلى الباب ووقف بجانب الحائط ~~يترقب ويفكر. ما العمل إذا كان هذا ms59 الطارق لصا؟ ليس معه سلاحه يدافع به عن نفسه، ولا هو ~~قوي مفتول الساعد فيستغني بقوته عن السلاح، فماذا يصنع؟ والهم في هذه اللحظة أن يستغل ~~الظلمة، فعاد إلى السرير فسحب اللحاف عليه وسواه كأنه نائم تحته ليوهم القادم، ورجع إلى ~~حيث كان بجانب الباب واعتزم أن يدع اللص - إذا كان لصا - يدخل في سكون ومن غير أن يعترضه. ~~وأن يتسلل هو فيخرج، وإذا وسعه فوق النجاة بنفسه أن يوصد الباب على الضيف الثقيل ويغلقه ~~بالمفتاح، كان ذلك خيرا. # وسمع قرقعة كأنما داس اللص المحتمل على بندقة فارغة، فابتسم وقال لنفسه: «سيكون هذا ~~الظلام عوني وحليفي»، لأن هذا الصوت الفرقعة تلته صرخة خافتة مكتومة، فحيره ذلك لأن هذا ~~الصوت قد يند عن طفل أو امرأة أما عن رجل فلا. ونازعته نفسه أن يطل برأسه ولكنه استحمق هذا ~~الخاطر فطرده، ولم يطل وقوفه وانتظاره فقد بدأ مصراع الباب - وكان مواربا - يتحرك ببطء ~~شديد حتى لامس الحائط منه شيء فعض إبراهيم شفته وأدرك أن المفتاح من الداخل. إذا لن يوصد ~~الباب على هذا الوغل؟ وليس من الحزم أن يعالج إخراج المفتاح والواغل منه قريب. فلم يبق إلا ~~أن يترك كل شيء للحظ ولإلهام الموقف، وعليه أن يحافظ على هدوئه واتزان أعصابه ليتأتى له أن ~~يتصرف بحكمة. # وأطل شيء كالكرة الحمراء فلصق بالحائط جدا، وحدق في هذه الكرة العجيبة والتي بدأت ترتفع ~~حتى حاذت رأسه، وامتدت ذراع ليس لها كف ظاهرة، إلى الحائط الآخر؛ وكأنما اطمأن صاحب هذه ~~الأعضاء الغريبة، فخطا بجرأة. فما أسرع ما غير إبراهيم ما كان قد صمم عليه، فأهوى إلى ساقي ~~الداخل وجرهما بقوة فوقع صاحبهما على وجهه وندت عنه صرخة أيقن منها إبراهيم أن هذه امرأة. ~~فحمد الله على أن حماه عار الفرار من امرأة؛ وحنق عليها لأنه كان يوشك أن يبدو لها جبانا، ~~وتقدم إليها في ثبات وركلها برجله وصاح بها: «قومي أيتها اللعينة». # فتوسلت إليه المسكينة: «في عرضك يا سيدى. في عرضك». # فشد ذراعيها بعنف وقال: ms60 ماذا تصنعين هنا يا بنت الكلب؟ انطقي! # وركلها برجله. # فلم تقدر المسكينة على القيام وجعلت تكرر وهي تنتحت: «في عرضك» وغاظ إبراهيم أنها تبكي ~~وأنها لا تزيد على التوسل، وأنه لن يقف على سر هذه الزيارة ، فكاد يجن وقبض على عنقها وهو ~~يصيح: سأقتلك إن لم تنطقي. قولي ماذا جاء بك؟ ~~- أنا! # فخلى عنها وانتفض قائما إلى مصدر الصوت في مدخل الباب. ثم دفع فاطمة برجله وقال: «قومي ~~هاتي المصباح». ومضى إلى الكنبة في سكون. # وقالت شوشو وتقدمت إليه: «معذرة يا بن خالتي. لا داعى للمصباح. أنا أرسلتها إليها ~~ورافقتها حتى لا تخاف». # فلم يدعها إلى الجلوس، وقال فى جفوة متكلفة: أريد أن أفهم معنى هذا. # فارتبكت شوشو؛ ولم يكن شيء من هذا كله مما تتوقع، ولم يخف عليها أنها كانت طائشة فيما ~~فعلت، وأنه مصيب في سؤاله محق في غضبه؛ ولكنها على عادة جنسها نسيت ذلك وتعلقت بلهجته ~~الجافية فحزت في نفسها وسالت الدموع على وجنتيها، ووقفت ترد النشيج بجهد، ولم يكن إبراهيم ~~ملتفتا إليها لأنه آلى أن يتكلف الجفوة، وأتيحت له الفرصة فاغتنمها ولم يكن هذا بالهين ~~ولكنه كان الواجب في اعتقاده فلم يتردد، ومضى يقول لنفسه وهو جالس لا ينظر إلى شوشو: «إن ~~الحياة كالنظر إلى الظلام. والمرء لا يعرف أي شيء هذا المقبل عليه وإنما يخمن ويقدر، كما ~~يقدر في الظلام ويخمن أي شجرة هذه التي تصادفه في طريقه، وكما يحاول أن يتبين وهو سائر هل ~~بلغ شفا شيء؟ والإنسان وحده هو الذي يفكر ويتبرم ويعني نفسه بهذا وذاك - بالحياة والموت، ~~وبالمستقبل، وبالنور والظلام، وبالحب والبغض، لقد كنت في الصباح مع شوشو هذه في الحديقة، ~~ومازلت أذكر وهي على صدري تلك النحلة الصغيرة التي طارت فوق رأسينا ومضت إلى الحشائش وغرزت ~~رأسها فنامت. فيا ليت أنا كهذه النحلة نحيا في كل لحظة أتم حياة، فإذا تعبنا ألقينا رؤوسنا ~~ونمنا، أما لو أن شوشو ليست هنا الآن! مسكينة شوشو واقفة وحدها في الظلام تحدق في سواد ~~اليأس ms61 الذي لا يتخلله عرق واحد من النور.. مسكينة مسكينة». # ونهض ومضى إلى النافذة ففتحها وأطل منها. فتضوع إلى أنفه نسيم الروض العطر. ولم يكن يرى ~~شيئا ولكنه لم يشك في أن كل ورقة على غصنها، وكل زهرة وكل عود نابت - كل أولئك متآمر أن ~~يذيع كل ما فيه من عبير وعطر، وتنهد وهو يحدث نفسه أن كل هذه الحيوات الصغيرة متحابة ~~متعاشقة. وإلا لما اتسق جمالها كل هذا الاتساق. # وأغلق النافذة وعاد فلم يجد أحدا في الغرفة. # الفصل الرابع عشر # | «حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب ليرعى بين الجنات ويجمع السوسن» # 1 # كان أول ما رآه إبراهيم من حياة الريف - غير ما في البيت الأنيق الذي شاده الشيخ علي ~~- أحمد الميت راقدا في حظيرة البهائم، وكان إبراهيم قد اعتزم أن يقلل من المكث في ~~البيت وأن يكثر من الخروج إلى الحقول والتجواب في القرية، على الأقل في النهار، حتى ~~يجيء الشيخ علي من الإسكندرية، فقادته رجلاه إلى هذه الحظيرة وهو لا يدرى. # وكان أحمد قد سكر فلما بلغ الحظيرة عرج عليها وارتمى فيها، ولم يكن يدري لا هو ولا ~~سواه كم ساعة قضاها هناك راقدا يغط، بعمامته وجلبابه الأسود وحذائه الأصفر الشامي، ~~وعلى أنه لم يكترث لذلك. بل لم يكن يبالي كم ساعة أخرى يمكن أن يقضيها هناك. # ولم يكن منظر هذا السكران الطافح بالغريب على ما يظهر فى القرية، يدل على هذا أن ~~إبراهيم رأى قريبا من رأس النائم حجرا منصوبا كأنما أراد واضعه أن يتماجن على النائم ~~- وشهرته الميت - فرفع عليه حجرا كالذي ينصب على القبور، وفيما عدا هذا الماجن المجهول ~~لم يتبين إبراهيم أن أحمد أزعجه أحد آخر، إذا استثنينا حمارا كان مطلقا في الحظيرة ~~وكان لا ينفك يدنو من هذا الراقد ويشمه كأنما يحسبه بعض المذاود أو بعض ما يوضع فيها. ~~ويضاف إلى الحمار كلب - لم ينس إبراهيم أنه رآه ليلة جاء إلى هذه القرية - مستلقيا عند ~~قدميه ولا يزال يرفع رأسه فتقع الشمس في ms62 عينيه فتختلج جفونه. # وقف إبراهيم ينظر إلى هذا «الميت» ويفكر فيما ينبغي أن يصنع ويعجب للشيخ على كيف يتخذ ~~مثل هذا المجنون السكير وكيلا له ويعهد إليه في الإشراف على شؤون ضيعته. ثم تقدم فدفع ~~الحجر برجله فألقاه، ولاحظ أن عمامة الرجل على الأرض وأن رأسه عار وأن أشعة الشمس واقعة ~~عليه، وظن أن هذا قد يجديه فالتقط العمامة وغطى بها جبينه وعينيه وترك له فمه وأنقه ~~ليتنفس، ولم يجد أن في وسعه شيئا آخر فأولاه ظهره ومضى، ولكنه تلفت مرة قبل أن يخرج. ~~فإذا بالعمامة على الأرض مرة أخرى وإذا بأحمد الميت قاعدا يقول كلاما غير ~~مفهوم. # والحقيقة أن أحمد الميت - على خلاف أهل الريف - لم يكن يطيق أن ينام وعلى رأسه غطاء، ~~ولعله يؤمن في أعماق نفسه بفائدة الشمس للجسم ولا يخشى وقوعها حتى على رأسه، وكان منذ ~~حداثته يأبى أن يضع على رأسه شيئا وهو نائم، ولكنه وهو قاعد ورجلاه ممدودتان لم يستطع ~~أن يفضي إلى إبراهيم بعقيدته هذه ولا أن يبين له أن تلك عادته ولم تنفرج شفتاه إلا عن ~~تمتمة غير مفهومة، فكر إليه إبراهيم وزجره أن ينهض إلى بيته إن كان له بيت غير هذه ~~الحظيرة. # فنهض أحمد إلى قدميه وسأل إبراهيم: البيت؟ لماذا أذهب إلى البيت؟ # ولم يكن هذا بالسؤال الذي يلقى على إبراهيم، ولكنه مع ذلك قال له وهو ممتعض من منظره: ~~اغسل هذه الأقذار التى على جسدك أيها البهيم القذر. # ولم يكد يقولها حتى كان أحمد الميت يخلع ثيابه ويقذف حذاءه ويعدو في قميصه وسرواليه ~~المصفرين، إلى النهر، فدهش إبراهيم وأيقن أن الرجل لا مفر له من الغرق، ولما كان لا ~~يدري كيف ينقذه فقد بدا أن يرجع إلى البيت ويخبر من فيه. # 2 # دفع إبراهيم باب الحديقة الخلفي بقدمه، وانثنى إلى اليسار ثم وقف. ذلك أن شوشو كانت ~~حانية على حوض الزهر تقطف زهرة من أزهار الأراولة وظهرها إليه. فعض شفته وخطر له أن ~~يتراجع غير أنه خشي أنه تنتبه، ms63 فظل واقفا وقد بدأ المنظر يروقه، فقد نفخت شوشو الزهرة ~~لتطير عنها الحشرات، ثم قبلتها ثلاثا وراحت تنزع غلائها المستطيلة المتحازية على مدار ~~كأسها - واحدة واحدة - وتلقيها وهى تقول على التوالي: «نعم، لا، نعم، لا.» فوافقت «لا» ~~آخر ورقة، فتجهم وجهها وتفلت ما بقي من الزهرة من بين أصابعها إلى الأرض، ولبثت هنيهة ~~جامدة لا تتحرك، ثم أهوت على الحوض فجأة واقتلعت زهرة أخرى وأعادت التجربة فكان ختامها ~~«نعم» في هذه المرة، فلم تكد تقوى على الوقوف ساكنة وراحت تدب برجليها وتضم كأس الزهرة ~~إلى فمها بكلتا يديها. # ثم كأنما طاف برأسها أن الكفتين متعادلتان وأن «نعم» يقابلها «لا» فالمسألة لم تتزحزح ~~عن موضعها الذي كانت فيه من قبل، فلابد من تجربة ثالثة للترجيح، وشكت في أنها بدأت ~~التجربة الثانية كما بدأت الأولى «نعم» فقد يكون عدد الغلائل واحدا في كل زهرة من هذه ~~الأزهار، فإن كان هذا هكذا فلا شك أن النتيجة تختلف تبعا لاختلاف ما تبدأ به. وإذا صح ~~أن البدايتين اختلفتا، وأن عدد الغلائل واحد. فهل غشت إلا نفسها؟ وهل يمكن أن تكون ~~النتيجة إلا واحدة فى كل مرة؟ # ولكن هل الغلائل عددها متساو؟ هذه هي المسألة! ولحلها حنت على الزهر فقطفت اثنتين ~~ومضت تشد الورق وتعد، فاختلف الرقمان، فتهلل وجهها وبدا السرور في وقفتها وحركاتها، فقد ~~صار التجريب معقولا، والأمر متروكا للمصادفة والاتفاق، وليس مما يسهل العلم بنتيجته ~~من غير أن يتكلف المرء قطف الزهر وإفساده بنزع ورقه، وصاحت «لنبدأ من جديد». # فعلم إبراهيم أنها محت التجربتين وأسقطتهما من حسابها، وراحت تنزع الورق في تؤدة ~~وأناة وتثني رأسها على صدرها في كل مرة، حتى بقيت ورقة واحدة قالت من غير أن تنزعها ~~«نعم» طويلة ممطوطة كأنها الصعداء تتنفسها وتحط بها عن كاهلها وقرا، ثم وقفت ساكنة لا ~~تصنع شيئا ولا تتحرك. ورأسها مثني على صدرها وعينها ترنو إلى الكاس الذي لم تبق على ~~حافته سوى ورقة واحدة وفي وجهها طول، وفي هيئتها استرخاء كأن جسمها موشك ms64 أن يتهافت وأن ~~يهوي إلى الأرض كوما مفكك الذرات. # فعجب إبراهيم لهذه التي كانت تطفر كالفراشة قبل دقيقة لماذا وجمت بغتة؛ وللنفس ~~الإنسانية وسرعة انتقالها من المرح والكآبة، ولخفاء البواعث التي تفضى إلى هذا أو ذاك؛ ~~على حين تدعو الظواهر إلى النقيض، وود في هذه اللحظة لو يستطيع أن يرد إليها البشر ~~الذي كان ينضح به وجهها، والخفة التى كانت فى روحها، والمرح الذي كان في سلوكها، ~~والضحكات الكروانية والدعابة التي كانت تركب بها الحياة نفسها - في ليال معدودات - ~~غاب كل هذا، وذهبت شوشو اللعوب المفراح التي لم تحتج يوما أن تفكر أن تمد بصرها إلى ما ~~وراء اللحظة التي هي فيها. ولكن هذا ليس في وسعه، وما هو بأحسن منها حالا ولا بأقل ~~حاجة إلى الغوث، نعم، الغوث، ولكنه رجل مجرب وهي فتاة غريرة، وهو قد خاض العباب وغالب ~~التيار وتدرب على المكافحة، وهذا أول عهدها باللجة الطامية، وما أهول الغصص التي ~~تعانيها وهي تغوص وتطفو وتختنق وتشرق وتدفع باليدين والرجلين وتحاول أن تصيح طلبا ~~للنجدة فيخرسها الماء الذي يملأ فمها، وتومئ فلا يراها أحد، ومن ذا الذي يغيث في هذا ~~الخضم الضاغي؟ # أين اليد التي ليست في شاغل من أمرها؟ # ومع أن ما كانت شوشو فيه، واضح المعنى، فقد شاء إبراهيم أن يتجاهله وارتد إلى الباب ~~ففتحه ثم أغلقه بعنف كأنما كان داخلا لتوه، وأقبل على شوشو التي انتبهت على صوت الباب، ~~وتكلف البشاشة وفي صدره أظافر تمزقه وبسط إليها كفيه وقال وهو يسرع إليها: ما أبدع الجو ~~في البكور! هل أفطرت؟ # فمنحته كلتا يديها وسألته بصوت خافت: أين كنت؟ # فأبقى كفيها في يديه ونظر إليها وقال بلا تكلف: ما ابدعك! ~~- إبراهيم! ~~- إنك تفرغين على الحديقة جمالا جديدا. أحب أن أخبرك أني اليوم مجرم ... لماذا ~~تتراجعين؟ أتتخلين عني في محنتي؟ نعم لقد قتلت رجلا. لا تراعي! إنه ليس إلا أحمد ~~الميت؟ غرق أو هو يغرق الآن أو لا أدري فقد يعود إلى الحياة ثانية! على كل حال ليست ms65 هذه ~~أول ميتاته إن صح ما تحكون عنه. # ولما رآها حائرة مضطربة قص عليها ما حدث وبالغ في الوصف فسرى عنها وأغربت في الضحك ~~وجعلت هي تطمئنه وتؤكد له أن لا خوف أن يقاد به. ~~••• # وجاءت هي إليه بالطعام في غرفته، فلما جلس إليه على البساط أسندت ظهرها إلى الكنبة ~~فنظر إليها فقالت: «لا أحس جوعا» فالتفت إليها وقال بلهجة الجد الصارم: سأرخي لحيتي ~~احتجاجا. # فقالت وهي تضحك: ولكن لماذا؟ ما علاقة لحيتك بأن آكل أو لا آكل. # فقال: «تصوري منظر قريبك وقد أرسل حول خديه وتحت ذقنه لحية كثة! إنه منظر يوقظ الضمير ~~النائم. وما أظنك ترتاحين إلى لقائي بعد ذلك ولحيتي في يدي. أفهمت الآن»؟ # وبعد أن أصابا شبعهما قال: «والآن أين القهوة يا فتاتي المهملة؟ ألا تعلمين أن لي معك ~~حديثا خطيرا يتطلب كل ما في رأسي من اتزان وحكمة». # ولم تدر أهو يجد أو يهزل، ومضت عنه ولكنها ما عتمت أن عادت لا بالقهوة بل بأدواتها: ~~بحق البن وحق السكر، والسبرتو، وقعدت أمامه تصنعها. # وقال دون أن ينظر إليها بصوت لا يكاد يسمع فكأنه يتنفس أو يحدث نفسه: شوشو أيتها ~~الفتاة الرائعة، لقد رأيتك اليوم تنزعين ورق «الأراولة» وتجربين حظك أو تستوحين هذه ~~الزهرة الفاتنة، تسأليها عن مصيرنا.. # فتحولت إلى جانبه ولم تتكلم، فأراح ذراعه على كتفها ومضى في حديثه أو مناجاته. ~~- هممت أن أصرفك عن استنباء الزهرة، ولكني قلت أدع لها ذكرى حميدة تنعم بها في يوم من ~~الأيام المقبلة. أترك لها حلمها الجميل وإن كنت في شك من أن الأحلام ليست خطرة. شوشو، ~~إن أنفاسك لا تتعلق أو تحتبس حين ترينني مقبلا أو مدبرا ...». # فتمتمت في حياء: «ولكني آسر..». # فقال: «ربما» (فرفعت إليه عينيها بسرعة فلم يعبأ بهذه الحركة ومضى إلى غايته) «على أن ~~هذا أشبه بأن يكون شعورا أخويا منه بأن يكون أ.. أ.. تعرفين ما أعني؟ نحن قريبان ~~وبيننا من الود فوق ما يكون بين الأقرباء في العادة. ولكن هذا ليس معناه ms66 أننا ... أننا ... ~~أكثر من ذلك ... اسمعي يا شوشو. لقد أخطأت حين جئت إلى هنا. لو كنت أعلم أن هذا سيحدث ~~لما جئت. ولكن هذا لا ينهض عذرا لي. أنا الملوم. ماذا جرى؟ أتبكين؟ يا ألله»! # وجذبها إليه فأسندت خدها إلى صدره وهي تنشج فكاد قلبه يتمزق رقة لها وعطفا عليها ~~وعلى نفسه أيضا؛ ولم يسعه إلا أن يهمس في أذنها: شوشو يا فتاتي الساحرة. ازجري العين ~~عن بكاها. إنك تعلمين أني أتصنع أني كاذب لا أعني ما أقول. إني مجنون بك وسأظل مجنونا. ~~هذه هي الحقيقة وليكن ما شاءت المقادير فلن تصبو نفسي إلى غيرك. # وكان صوته يرتعش ويده ترتجف وكيانه كله يهتز فالتفت ذراعها بعنقه وقالت هامسة: أعرف ~~ذلك. # وهدأت الأعصاب، وبعد لحظة ادار إليها وجهه ولثم شفتيها ثم قال: اصغي إلي. فما أستطيع ~~أن أرفع صوتي. سأبكي إذا فعلت. # فدنت منه حتى لصقت به، وشد هو نفسه حتى خيل إليه أنه صار كالصخرة، ولكن صوته ظل ~~متهدجا على الرغم منه. ~~- إني اكبر منك سنا وأكثر تجارب، ولم يكن من حقي أن أدع الأمر بيننا يبلغ هذا الحد، ~~وعلى أن لك على صغرك وغضارة سنك وقلة خبرتك، من الذكاء ما يعينك على التقدير السديد ~~والنظر السليم، وإني لأعلم كما تعلمين أن بيننا.. تفاهما.. تفاهما مباركا.. ولست ~~أعتقد أن بين اثنين سوانا مثل هذا التعاطف الطبيعي. كلانا خلق لصاحبه، ولكن لهذه الأمور ~~مقتضياتها، مستلزمات لا مفر منها ولا معدى عنها، إذا لم يكن الزواج هو المصير فليس يجوز ~~أن ينشأ بيننا أو يظل مثل هذا التفاهم. إنه تحد للطبيعة: أن يتحاب اثنان ثم لا شيء. ~~الشأن شأننا في الحقيقة. والأمر لا يعني سوانا ولكن الأيام مقلوبة. والعادات والتقاليد ~~سخيفة ومنافية للعقل والواجب. صارمة أيضا. ونحن نوشك أن نحدث في سورها ثغرة ... أن نقتحم ~~الحصن المنيع الذي بناه الجهل ... ولست أراك تقوين على ذلك. ولا أحسبني خيرا منك. ينبغي ~~أن نفتح عيوننا. عاجلا أو آجلا. أنا أوثر أن يكون ذلك آجلآ. ms67 وهو أحلى وأعذب وأندى على ~~النفس. ولكنه لن يكون إلا حلما مهما طال. ونحن ننسى أحيانا مصير كل شيء لا يساير ~~التيار، ولا يوافق الزمن ولا يطابق روح الأيام. وإذا كان لابد من التحطم على صخور ~~التقاليد فليكن ذلك ... اليوم». # فخنقت الفتاة عبرتها وتعلقت به يائسة ثم قالت، وكلتا ذراعيها حول عنقه ووجهها مدفون ~~في صدره: لا أقدر ... لا أقدر ... مرة واحدة ... كلا لا أقدر. # فمسح لها شعرها في رفق وقال: «لابد ... وإنك لتعلمين ذلك. لابد أن نكسر قلبينا». # فقالت: «نكسر؟ ولكن أوه! أوه! لماذا نمزق قلبينا؟ دعني أياما ... أمهلني وقتا كافيا. ~~لا هكذا في دقيقة واحدة، بالتدريج، إبراهيم. بالتدريج، ليبقى لي شيء أذكره. أحلم به. ~~أدخره للأيام السود. دع لي شعاعا واحدا من النور، لا أكثر، لا تهشم حياتي كلها ~~اليوم. لا تمح دنياي بلفظة. حتى التعذيب يجب أن يكون تدريجا ليحتمل». # فابتسم لها - في عينيها. # وكما أن لمسه ألانه وفتره وسرى عنه أيضا، كذلك ضعفها قواه وأمر عزمه وقال: كلا! يا ~~شوشو. ليس هذا خليقا بك. يجب أن نصدق أنفسنا ونكون أقوى منها أيضا. نحلق فوق ~~مقاديرنا. وسيفسد كل شيء إذا لم نختم هذه الحكاية الآن ثم ننهض مبتسمين. لقد غرسنا ~~معا أجمل زهرة. ونمت وتفتحت حتى صارت منى النفس وريحانة العين والأنف - حسن منظر وذكاء ~~مشم. وقد آن أن نقطفها ... يجب أن يكون قطفها كما ينبغي. لا ورقة ورقة، فلا تبقى هناك ~~زهرة. وتصوري جمال الذكرى. ذكرى الزهرة الجميلة التي كانت لنا والتي لم نخف أن نقطفها ... ~~لما أينعت ... سنزهى بذلك ونسعد أيضا حين نذكره. نذكر زهرتنا التي لم ندعها تذبل أو تموت ~~... ويجب أن نقطفها بابتسامة يا شوشو من أجلك وأجلي ...». ~~- أوه! إن هذا كالموت. لا أستطيع أن أواجهه. ~~- بل تقدرين معي. نحن الاثنين نستطيع أن نواجه أي شيء، وماذا يعنينا من الموت ما دمنا ~~نستطيع أن نسير في الحياة بقلب سليم؟ # فرفعت شوشو رأسها وقالت: أنت محق. يجب أن نسير بقلوب سليمة. # وتحولت عينها إلى ms68 النافذة وارتفعت منها إلى السماء. ثم ارتدت إليه ومدت يدها البضة ~~ولمست شعره ومشطته بأصابعها إلى الوراء وتركها هو تداعب شعره كما تحب؛ ثم قالت وهي ~~باسمة وفي صوتها حنو دافق: فلنقطف زهرتنا الآن. # فابتسم لها.. # والتقت شفاههما في قبلة طويلة ودارت الأرض حولهما، ثم أرخى ذراعيه فتخلت عنه وتناول ~~كفها فلثم أطراف أصابعها ثم اضطجع على الكنبة وأخرج سيجارة وأخذ يلعب بها وهو يفكر ~~ويبتسم، ثم رفع رأسه وقال: شوشو، ما قولك في مكثى أياما أخرى؟ لقد كنت معتزما أن ~~أرحل، لكني أظن أننا نستحق أن نبقى معا قليلا - كأخوين! # فقالت وهى تنهض وتشده معها: «لقد ترفقت بي على الرغم من قسوتك». # وغادرا الغرفة معا إلى حيث أختها. ms69