######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.IbrahimThani.Hindawi13572470 #META# Tags: novels #META# ID: 13572470 #META# Title: إبراهيم الثاني #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثانى‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # إهداء الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثانى‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # | إبراهيم الثاني # | إبراهيم الثاني # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | إهداء الكتاب # إلى كل «تحية» يشقى صبرها ببعلها ... أحيانا. # إبراهيم عبد القادر المازني # | الفصل الأول # 1 # أصبح إبراهيم، ذات يوم مكتئبا، متبرما، يشكو إلى كل من يلقاه من الإخوان أنه لا قدرة ~~له على فهم «هذه المرأة». # ولم يكن يعنى امرأة خاصة على الرغم من اسم الإشارة. وإنما كان - وهو يتكلم ويبسط كفه، ~~ويمد ذراعه، ويطوح بها فى الهواء - كأنما يومئ إلى «الجنس» كله ويدل عليه. # وكان فى العقد الخامس من عمره، ولكنه كان ذا وسواس. وكان أخوف ما يخاف، أن يكون قد ~~شيخ، أو أشفى على الشيخوخة. ولم يكن لهذا الوهم ما يسوغه سوى إرباء إحساسه بالحياة ~~على القدر الذى تتسنى به الراحة فيها. وكانت امرأته ذكية رحيبة أفق النفس، بعيدة ~~مطارح العين. وكانت تتوخى أن تجدد نفسها له وتحرص على أن تحيطه بجو من «الشباب»، ولا ~~تفتأ تدعو من ذوات القربى، أو من بنات المعارف، الفتيات الناهدات، واللاتى ما زلن فى ~~عنفوان الشباب. وكانت ترجو بهذا أن يجد بعلها ما ينعشه وينشطه، ويميط عنه أذى الإحساس ~~بالشيخوخة المخوفة أو المتوهمة. ولم تكن تخشى عليه الفتنة، فقد كانت تعرفه رزينا حكيما، ~~وحييا محتشما. غير أن هذا الذى تحرته معه، كان يعمق شعوره بأنه ارتفع عن حد ~~الشباب، ودخل فى الكهولة، أو هو على عتبتها الباردة. وصار يحس أن به حاجة إلى ما يطمئنه ~~على شبابه الذى ينضب معينه بسرعة. وكان يعلم أن امرأته تحبه - أو لا تزال تحبه - غير ~~أنه كان يخشى أن يكون حبها له عادة، أو بفضل الذاكرة وتشبثها بما نعمت به منه فى ~~شبابهما. فاشتاق أن تحبه غيرها واشتهى أن يسمع كلمات الحب والإعجاب من فم آخر. ولم يكن ~~يعدم ثناء سارا، بل ودا صريحا، من الفتيات اللواتى يحطن به. ولكنه كان يقول لنفسه إن ~~هؤلاء غريرات ms001 لا خبرة لهن بالحياة ولا تجربة لهن فيها، فلا اعتداد برأيهن فيه. وكان ~~يستريب بالمجربات الحاذقات، ولا يطمئن إلى صدقهن، وخلوص سريرتهن. فصار الأمر مشكلا، لا ~~حب امرأته يقنعه، ولا مودة الغريرات بها اجتزاء، ولا ثقة له بغيرهن. # وعرف فتاة - فى بيته، وبفضل امرأته - اختلط أمرها عليه. فما كانت، فيما يرى، من ~~الغريرات، ولا كانت تبدو ذات تجربة ما. وكانت متزنة ذات عين فاحصة ولكنها غير صارمة. ~~وكانت أحلى ما تكون حين تبتسم وتتقارب جفونها حتى لتكاد تنطبق. وكانت على سكونها وهدوء ~~مظهرها فى كل حال، لايشك الناظر إليها فى أنها زاخرة بالحياة الفوارة، بهذا كانت تنطق ~~كل حركة وإيماءة، ونظرة، ولفتة. وكان اتزانها فيما يبدو له، كالسد الذى يحبس الماء ~~وراءه، ويمنعه أن يتدفق. ولم تكن مع هذا يبدو عليها الكبت، ولا كان سكون طائرها تكلفا، ~~بل كان خفرا طبيعيا واحتشاما مكتسبا بالعادة على الأرجح. # وما أسرع ما توادا، بل ائتلفا - لا يدرى كيف؟ - وصغا إليها، وصغت إليه. وأنس بها، ~~وأنست به. التقيا مرة فى غير داره، اتفاقا، فوقفا هنيهة يتبادلان التحية والكلام الذى ~~لا محصول وراءه. وكان يهم أن يدعوها إلى مرافقته فلا يسعفه لسانه. فلما وضعت يدها فى ~~يده وهى تودعه وتفتر له عن ابتسامة رقيقة، وأيقن أنها ذاهبة، وأن الفرصة قد لا تسنح مرة ~~أخرى، انطلق اللسان المحتبس، وزايله حذره المألوف فسألها هل تسمح بمقابلته فى يوم آخر؟ ~~وكان يتوقع الاعتذار. وإذا بها تتقبل دعوته باغتباط وبساطة عجيبة. # وصارا يلتقيان. واتفقا على أيام معينة يخلوان فيها بنفسيهما بنجوة من الرقباء. ~~وأعادته بسكونها، فهدأت ثورة القلق وذهبت عنه الوحشة التى كان يكابدها إذ يكون مع ~~الناس. ونفثت فيه من حرارة شبابها فنسى أوهامه، وعادت إليه الثقة والاطمئنان - إلى حد ~~ما - وصدق ظنه أن سكينتها سد وراءه فيض زاخر من الحيوية محتبس، حتى لصار يخشى جدا أن ~~تنفتح «البوابات» كلها دفعة واحدة، فيغرقها - ويغرقه معها - التيار الجارف. وراح يقنع ~~بعلمه باضطراب الماء واصطفاقه وراء الأبواب الموصدة. وسعد بها، ms002 وسعدت به، وصارت له، ~~وصار لها، مألفة. # وكانت دائمة البشر والبشاشة، سلسة كالجدول الرقراق، فلا سورات غضب، ولا دلال تتكلفه، ~~ولا هستيريا. وكان هو أيضا معها على هذا النحو الموافق من الرقة، ولين الجانب؟ لأنه ~~أمن منها البطر وسوء السلوك. # غير أنه أقلقه عليها - ومنها - ما علمه من صدها الخطاب وزهدها فى الزواج. وكان ~~يقول لها، وهو يحاورها، إن هذه حياة غير طبيعية، فتقول إنها قانعة راضية وأنها لا تطمع ~~فى غير ذلك، ولا تتطلع إلى ما يجاوزه، وأنها سعيدة هكذا فلماذا تغير الحال؟ # وكان هذا يسره، ويسوءه. فأما وجه السرور فذاك أنه وجد فتاة لا ينقصها المعجبون ~~والعشاق ترضى غروره بهذه القناعة به وتقوى شعوره بأنه ما زال كفؤا للحياة، وأن ما كان ~~يخشاه لم يكن إلا وهما ووسواسا أورثه إياهما تلف الأعصاب. وأما ما ساءه - كما قال لها ~~مرارا - فذاك أن عمر هذه الصلة لا يمكن أن يكون إلا محدودا. فإنه أسن منها أكثر من ~~خمسة عشر عاما، فهى تستقبل الدنيا، وهو يستدبرها شيئا فشيئا. # فكان ردها الذى لا يختلف أنه لا يزال بينهما وبين هذه الخاتمة التى يراها محتومة أمد ~~طويل، وما زال أوانها بعيدا، فلماذا تحمل همها سلفا؟ # فيأبى أن يقتنع ويقول: «وهل تظنين أن الرغبة فيك ستظل كما هى الان بعد سنوات ~~أخرى؟» # فتقول: «ولم لا؟ إن لكل سن مزيتها، ولكل امرأة من يطلبها فى سنها. دعنا من هذا، ~~خلنا فى الحاضر، فإن الغد غيب..». # وكان لتلف أعصابه يتطير أحيانا من هذا الكلام، ويذكر أن فتاة أخرى كانت لا تنفك تبدئ ~~وتعيد فى أنها لن تتزوج، وقد صدقت وما تزوجت لأنها ماتت. فكان يحدث نفسه أن لعل هذا ~~يحدث له أو لصاحبته فيموت أو تموت. وكانت تضحك من كلامه هذا وتصرفه عن هذا اللون الثقيل ~~من التفكير وتقول له: «وماذا إذا مت أنا؟ أليس خيرا أن أموت سعيدة فى شبابى؟ أم تراك ~~تريد أن ترانى شمطاء تشيح عنها الوجوه وتتحول عنها العيون نافرة، وتجفوها القلوب؟ ms003 لا يا ~~سيدى..». # فيقول: «ولكن أنا؟ أنا؟ إنى أخب إلى الشيخوخة..». # فتقول: «يمكنك أن تثق أنى سأظل صديقة وفية ولا ألومك على شيخوخة لم تجنها على نفسك، ~~ولم تدركك بفعلك، ولم تتعمد أن تبلغها لتكايدنى». # ولم يجد جدوى فى مثل هذا الحوار الذى كان ينتهى فى كل مرة إلى غير نتيجة يحسن السكوت ~~عليها، أو يمكن الاقتناع بها. وراح يطفو معها على متن التيار، وكان تيارا رقيقا لا ~~يطغى به ولا يعنف. وكانت هى قريرة العين، صريحة البشر في غير تعمل. وظلا سنتين على هذا ~~الحال، لم يقع بينهما خلاف مرة، ولم تنظر إليه قط بغير الابتسام والبشاشة، وخلت حياتهما ~~معا من العتاب والغيرة. وكان خير ما يسره منها أنها لا تعرف قولة «لا»، فما سمعها منها ~~ولامرة واحدة فى عامين طويلين. وكانت تكل إليه أمرها واثقة مطمئنة، فكان لهذا حفيا ~~بها، متحرزا من أجلها ساهرا عليها، لا هم له إلا أن يذيقها أقصى ما يدخل فى الطوق ~~البشرى المحدود من السعادة الميسورة، وكانت كأنها على يقين من هذا. # إلى أن كان يوم وقعت فيه بينهما جفوة لسبب سخيف. وكانا قد استأجرا سيارة «تاكسى» ~~ومضيا فى الطريق الزراعى الذى ينتهى إلى الإسماعيلية، لينعما بنضارة الخضرة على ~~جانبيه. # فلما صارا على مسافة فراسخ من القاهرة، انثقبت إحدى العجلات، فوقف السائق ليضع مكانها ~~العجلة الاحتياطية فإذا هى فارغة من الهواء. ولم يكن معه منفاخ، فحمل المسكين العجلتين ~~وذهب بهما ليصلحهما. وبقيا على الطريق ينتظران ويتحدثان، ويتضاحكان. ولكن الانتظار طال ~~فثقل عليها واربد وجهها. وحاول أن يسرى عنها ويعيد إلى محياها البشر المألوف الذى لم ~~يعهد سواه فأخفق. # وبعد ساعات عاد السائق المسكين يحمل عجلة ويدحرج أخرى. ورجع بهما إلى القاهرة. فلما ~~بلغاها أبت أن يصحبها وأصرت على ركوب الترام وحدها، وكانت مقطبة. وكثيرا ما عاد بها ~~الترام وحدها فليس فى هذا جديد، ولكن الجديد هو التعبيس الذى يراه أول مرة فى عامين. ~~ولم ير أن له ذنبا، أو أنه يستحق هذا التقطيب، ms004 وثارت نفسه على الظلم، وكره أن يفضى ~~بهما الأمر إلى الشجار والنقار السخيفين، وعجز عن فهم البواعث التى جاءت بهذه السحب ~~وعكرت صفاء وجهها ونفسها، فانصرف ناقما ساخطا، أثقل ما يعانيه أنه غير فاهم ~~شيئا. # 2 # وظل بضعة أيام يحدث نفسه كالموسوس بتعبيس صاحبته «ميمى». وكان امرأ فى أصل طباعه الجد ~~الصارم، وإن كان قد عود نفسه، ابتغاء الراحة، أن يأخذ الأمور من ماخذها السهلة، ~~القريبة، وأن ينظر إلى الحياة من ناحيتها المشرقة الوضاءة، من غير أن تغيب عنه نواحيها ~~الحالكة الكالحة. وكان مما راض به نفسه على ذلك قوله لها وهو يناجيها حين يخلو بها: «إن ~~الدنيا ليست بالجنة، ولم تخلق على هوانا، ولا كان لنا رأى فى خلقنا نحن. وإنما جئنا لأن ~~نواميس الحياة اقتضت أن نجىء، فغير عجيب أن يكون ثم ما يسخطنا ولا يرضينا. ولو ذهبنا ~~نتسخط كل ما لا يرضينا لما عادت الحياة محتملة. فالصبر والحلم وتناول الأمور برفق ~~وتسهل، أوجب ما يجب، وأدل شىء على حسن الفهم وحصة الإدراك. وليس هذا من قبيل قولهم ليس ~~فى الإمكان أبدع مما كان، فإن كل ما فى الدنيا قابل لتحسين وإصلاح وتهذيب، وإن لم يكن ~~فى ذاته غاية فى السوء والفساد». # واكتسب بالأناة، على الأيام، الإنصاف حتى من نفسه. وصارت له قدرة نادرة على وضع نفسه ~~فى موضع غيره، وتصور ما يصدرون عنه من بواعث، وكيف يجيبون ما يهيب بهم من هواتف. وما ~~أكثر ما حزن وتألم، ولكنه كان يستطيع، وهو يعانى ما يعانى، أن يمهد العذر للذى أورثه ~~الألم أو الحزن. # وقال لنفسه: «إن ميمى تظلمنى، فما لى ذنب فيما كان. وتظلمنى ظلما ثانيا حين يثقل ~~على كاهل صبرها أنها حرمت ما كانت تتطلع إليه، فقد كان الحرمان نصيبى أنا أيضا. ثم ~~إنها تنسى ما أتجشم فى سبيلها لأنيلها أكبر حظ من السعادة. وإنى لأعرض عن فتيات كثيرات ~~فى وسعى أن أصل سببى بأسبابهن بغير عناء. وإنى لأنفق فوق ما يشير به حسن التدبير، فما ~~أنا ms005 بذى سعة عظيمة فى الرزق. وأكون على موعد معها فلا أبالى ما يفوتنى فى سبيل لقائها، ~~وأكون مريضا، أو متعبا، فأتحامل على نفسى فألقاها ولا أكون معها إلا هاشا باشا - ~~ضاحكا مازحا - لأسرها. ولقد حرمت زوجتى بعض حقها، حين اختصصت ميمى بهذه العناية. ~~فما من شك فى أنى أهمل امرأتى بعض الإهمال، وما جنت شيئا تستحق به ذلك، ولا ذنب لها ~~فيما اعترانى من ملل لطول العشرة وفرط الألفة. وإنها أيضا لجديرة أن تمل وتسأم ولعلها ~~تفعل، غير أنها تتجلد وتتشدد، ولا تبدى لى إلا الود والعطف، وإلا الفرح والإعجاب والزهو ~~بى.. بى أنا المتلهى عنها بميمى.. أفلا تكون هذه الزوجة معذورة إذا اقتاست بى واحتذت ~~مثالى، وذهبت تنشد التسلى والتلهى برجل آخر أصبى منى؟ رجل تكون فى عينه جديدة كميمى ~~فى عينى؟ كل هذا تنساه أو تغض عنه ولا تحفله ميمى، ويسوءها - فتتجهم - أن عجلة انثقبت ~~فقعدنا فى الطريق ساعة ننتظر إصلاحها وفاتنا ما يسهل اجتناؤه فى يوم آخر. وكان جمال ~~الطريق مبتغانا، فتملينا بحسنه قاعدين، لا رائحين غادين. وتأخرت عن موعد عودها إلى ~~بيتها قليلا». # وأحس أن ثورة نفسه تتفاقم، لا على ميمى، بل على نفسه وعلى الدنيا كلها، وما أصاره إلى ~~هذا الحال، وعلى كفرانه حق زوجته. فقد كان فى قرارة نفسه يحبها ويجلها، ولا يستطيع أن ~~يتصور دنياه خالية منها، ولكن إلفه لها فتره، فذهب يلتمس ما به يتجدد، وينشط، وينبعث. # وأراد أن يكبح هذه الثورة فقال لنفسه: «وميمى؟ ألا تتجشم فى سبيلى مثل ما أتجشم؟ ما ~~حاجتها إلى؟ إن فى وسعها أن تتزوج وتهنأ، ولكنها لا تفعل. وليست فقيرة إلى مالى، فما ~~لى مال يطمع فيه طامع، وما عرفت فيها الطمع، والقليل الذى أهديه إليها، تهدى إلى ~~خيرا منه وأنفس. وهى تحرص على لقائى فى مواعيده ولو انطبقت السماء على الأرض. وأمها لا ~~ينقضى عجبها لهذا الخروج فى أيام لا تختلف ساعة ولا تتقدم أو تتأخر دقيقة واحدة، ولا ~~تنفك تلح عليها بالسؤال، وتلج فى ms006 استكشاف السر ، ولم تستطع فى عامين طويلين أن تهتدى إلى ~~الحقيقة. ولو شاءت ميمى، أو طاشت، لورطتني عمدا أو عفوا. ولكنها لا تتطلع إلى شىء ولا ~~تبغى إلا أن أكون معها.. هكذا.. ليس إلا.. وما عرفتها ندمت أو قلقت، أو عنيت بأن تمد ~~عينها إلى الغد المحجوب، وما عسى أن يكون حالها فيه. وإنى لأحاول أن أحملها على تدبر ~~هذا الغد، فتأبى إلا أن تصدف عنه وتعرض، لا يأسا منه، ولا مجازفة، بل لأنها راضية ~~قانعة. وما أكثر ما قلت لها إنها تضيع شبابها معى، وإنها لتعيرنى من حرارته، ولكنها ~~لا تستطيع أن ترد على شبابى بما تنفث فى من حرارة شبابها، وأنه أولى بها أن تكون ذات ~~بعل شاب مثلها، فتصغى بعناية ولكن بابتسام ساخر، ثم تقول: «شاب؟ شاب إيه؟ ماذا أصنع ~~بالشباب؟ الطيش والغرور؟ إذا حاولت أن أضع له اللجام، نبا فى العنان، وإذا ألقيته له ~~جمح. وأنا الشقية فى الحالين. ثم الأولاد.. والبيت.. والمطبخ.. لا ياسيدى.. بدرى.. ~~بدرى.. كل شىء فى أوانه. ثم ما عيبك أنت؟ رجل رزين حكيم، مجرب، ولم يذهب شبابك كما لا ~~تفتأ تزعم. أو تحسب أن الشباب سواد الشعر ونضارة الجلد؟ إنك بنفسك أصبى من ألف شاب. ~~وأنا أجد فى صحبتك ما لا يعرف الشبان كيف يتيحونه لى.. إن لى كل يوم جديد متعة أفيدها ~~منك، وقد رفعتنى إليك، وأخلق بالشاب أن يهبط بى معه. ومنحتنى ما كان خليقا أن يفوتنى ~~لولاك.. مزيتك هى مزية الكهولة الناضجة - لا تقاطع - لا تقل إنك لست الوحيد فى الدنيا ~~أو الذى لا ند له، فإنى أعرف ذلك. ولكنى لا أعرف، ولم أعرف سواك. ثم إنى معك فى أمان من ~~المخاوف. لا سوء عاقبة، ولا طرد من الجنة. أتذكر يوم قلت لى ليت أبانا آدم أكل من شجرة ~~الحياة، ولم يأكل من شجرة المعرفة؟ لقد دار هذا فى نفسى مذ سمعته منك، فهل تعلم أنك ~~أطعمتنى من شجرة الحياة، ومن شجرة المعرفة جميعا؟ ثق أنى معك أحيا، ms007 وأتعلم، وبلا ثمن ~~أيضا، أو بثمن هين. وإنى لاكون شقية لو استقللت ذلك.. ثم مالك أنت ما دمت أنا راضية ~~قريرة العين؟» # فكان يدهشه منها حكمة الطبع، وهى فى مثل سنها الغضة عجيبة نادرة. # وانتهى من هذا الحوار مع نفسه إلى أن الأولى أن ينتظر حتى يلقاها مرة أخرى فيرى ما ~~يكون منها. فإذا عاد إليها بشرها تناسى الأمر كله. وإلا.. وإلا.. وإلا ماذا؟ لا يدرى.. ~~ولكنه لا يطيق هذا التعبيس، وما من موجب لاحتمال ثقله، ثم إنه لا يفهم لماذا يتكلف ~~الناس ما يفسدون به حياتهم؟ والتكلف جهد على الحالين فلماذا يتكلف الناس ما ينغص العيش ~~ولا يتكلفون ما به يطيب؟ # ولقيها فى الموعد المضروب. وكان ينتظرها على رصيف مسجد، وراها قبل أن تراه. وكان ~~يسره منها أنها لا تتثنى فى مشيتها، ولا تتقصع، وأنها تسير غير ملتفتة أو عابئة بأحد. ~~وسره منها فى يومه هذا أنها جاءت فى أحب ثيابها إليه وأشرحها لصدره، وكانت لا زاهية ولا ~~قاتمة، ولا قطعة واحدة بل اثنتين، واحدة كالصدرية، بيضاء مخططة خطوطا زرقاء، دقيقة ~~النسج، رحيبة، ولكنها لا فضفاضة ولا محبوكة، ولا تحجب ما يحسن أن يظهر من فتنة الصدر ~~الممتلئ، ولا تبدى ما يجب - رفقا بطينة الإنسان - أن يستر. والكمان إلى القرب من ~~المرفق، ففيهما من الاحتشام ما لا يمنع أن تحس العين لين الساعد ونعومته ورقته. # وقالت له: «كدت أتأخر.. جاءت بنت خالتى لزيارتنا ودعتنى للخروج معها لقضاء حاجات لها، ~~واضحك.. لما دقت الجرس لم أكن أعرف من الزائرة أو الزائر فخفت أن أتأخر. وكان باقيا ~~على موعد الخروج ربع ساعة فأسرعت وتناولت هذه الثياب فطرحتها على كرسى بحيث يراها من ~~يدخل فيعرف أنى كنت أتهيأ للبسها أى للخروج فلا يطيل.. وقد سألتنى حين رأت الثوب: «أكنت ~~خارجة؟» قلت: «نعم»، وشرعت فى ارتدائها أمامها، فقالت: طيب نخرج معا. قلت: لا يا ستى.. ~~طريقى غير طريقك.. أنا مستعجلة.. فإذا كنت غير مستعجلة، فأنت فى بيتك. وقد كان. خرجت ~~وتركتها، فما رأيك؟ ms008 أو لعل الأولى أن أسأل عن رأى أمى حين أعود فأسمعه منها». # وكانت تضحك وهى تروى له هذا الخبر. وكانت تقص عليه كل شىء فهى لا تقصد إلى المن. ~~فنسى ما كان أمضه فى لقائهما السابق، وقال لها: «أظنك أخطأت حين تركتها.. كان ينبغى أن ~~تبقى معها قليلا.. فما فى وقوفى لحظة أنتظر من بأس ما دام لك هذا العذر». # قالت: «لا يا سيدى ... لا بنت خالتى ولا بنت عمتى ... ومالك أنت على كل حال؟» # وكانت هذه العبارة أقوى حججها، فلهج بها فى سره، وصار يقول لنفسه: «ومالى أنا على كل ~~حال؟» غير أنه لم يقتنع، فقد كان يؤثر - ويعنيه - أن لا تتعرض لخلاف مع أهلها ~~بسببه. # وحدث نفسه وهو يرى طلاقة وجهها وإقبالها عليه، وسرورها به، أنه لا يزال عاجزا عن فهم ~~«هذه المرأة».. كانت غاضبة ثم رضيت. ففيم كان الغضب؟ وفيم كان الرضى؟ # 3 # وكانت ميمى فتاة يسعها أن تكون مستقلة، وسيدة نفسها، وأمرها جميعه بيدها، ولكنها نشأت ~~على ما «كان» عودها أبوها، من أن تكون «بنت ناس» ومؤدبة مهذبة. والأدب والتهذيب فى ~~عرف «أبى حمزة» كما يكنى نفسه، أن تلزم بيتها لا تريمه، فإذا احتاجت أن تخرج لحاجة لها ~~فليكن ذلك بصحبة أمها أو إحدى قريباتها العجائز، أو «ولد» من ذوى قرابتها. والشرط بعد ~~ذلك أن يكون الخروج نهارا والإياب قبل المغرب، وعليها أن لا تبدى زينتها فى الطريق أو ~~من النافذة، وأن تكون فى كل حال متجملة محتشمة. # وكان أبو حمزة يريد البنين. فلما لم تجئه امرأته - فى عشر سنوات - بغير هذه الفتاة، ~~ضجر ونفد صبره، فطلقها وترك القاهرة وعاد إلى قريته - على مقربة من دمنهور - واتخذ زوجة ~~غيرها ولدت له ما لم يكن يبغى من بنات وفوق ما كان يبغى من بنين، ولزم القرية إلا فى ~~بعض الأعياد والمواسم الكبرى. ولكنه لم يهمل مطلقته وفتاته، فكان يرسل إليهما نفقة ~~كافية من الأرز والزبد والقمح والجبن وما إلى ذلك. ولا يقتر على ابنته «القاهرية» فيما ~~يتطلبه ms009 تعليمها وتثقيفها. ولا ينفك معنيا بها وبأمها، ومتعهدا لهما «بالمراسلة»، فما ~~طلق امرأته كراهة لها، بل كراهة لبقائها فى عصمته وهو مع غيرها فى بلد ناء، فأبرأ ذمته ~~وأرضى شعوره بواجبه لنفسه ولبنته، ولما يفهم من معنى «العرض» بهذه الطريقة التى لا تخلو ~~من غرابة. # ولم يكن أغرب منه إلا مطلقته، فقد حرصت على أن يكون سلوكها حياله وهى مطلقة كما يجب ~~أن يكون وهى زوجة. كانت رسائله إليها فى منزلة الأوامر التى تطاع ولا تعصى فتفعل ما ~~يأمر، وتتقى ما ينهى عنه، أو ما كان خليقا أن ينهى عنه لو كان معها. # وكانت تتوخى فى تربية «ميمى» ما تعلم أن فيه مرضاة أبيها. وكانت «ميمى» تؤثر أن تدرس ~~الطب، ولكن أباها أبى ذلك كل الإباء. فلما ثقل عليه إلحاحها وضاق صدره بلجاجتها، قطع ~~عنها نفقة التعليم. وكان لها من صلابته وعناده حظ غير ضئيل، فلما رأت منه ذلك تحولت عن ~~الطب إلى مدرسة للمعلمات، نزوعا منها إلى الاستقلال والاستغناء عن والد يغضب فيقطع ~~النفقة. فجفاها أبو حمزة زمنا، ثم غلبه الحب والحنو فعاد إلى الرضى وألقى لها الحبل على ~~الغارب، فصارت معلمة فى وسعها - كما أسلفنا - أن تستغنى عن معونته، إلا أنها ورثت عن ~~أمها لينها ووفاءها فبقيت على توقيرها له. # ولم تكن تخالط إلا ذوى قرابتها وقليلين جدا من المعارف من بينهم أسرة إبراهيم. وكان ~~لها ابن خالة اسمه «صادق» لم يكد يفرغ من التعليم الابتدائى حتى مل وكف، وعجز أبوه - ~~وكان فى سعة - عن كبحه فرمى إليه بالزمام، وأطلق له، غير مخير، أن يصنع ما بدا له، فصار ~~نهاره ليله، وليله نهاره، وأمله المفرد ومطمعه الوحيد، أن يكون «منولوجست» مشهورا يذيع ~~«قطعه» فى الراديو، وراح على سبيل التمهيد يجمع حوله لفيفا من أترابه وأشباهه ~~العاطلين، وسربا من بنات الحى ويقضى الوقت مع هؤلاء وأولئك فى التدرب. وكانت له ملكة ~~فى الزجل، وطبع فى الموسيقى، ولكن التحصيل ينقصه فبقى حيث هو، لا يبلغ شيئا، ولا يدرك ~~غاية، ولا ms010 يزيد على أنه عاطل. # وكان صادق هذا يتودد إلى ميمى، وهى لا ترى فيه إلا أخيب الخياب وأفشل الفشلة، ولكن ~~زرايتها به كانت لا تمنع أن تشعر بمزاياه وإن كان التدليل قد أفسدها أو حجبها وحال دون ~~الانتفاع بها. وكان طويلا نحيفا، وفى نظرته شدة، وفى مشيته خفة كخفة القط. وكان أكثر ~~ما يروعها - ويرعبها - سكونه وقسوته واستخفافه بكل شىء، وسخريته من كل شىء. وكانت تشعر ~~- حين تكون معه - أنه يجذبها ويدفعها فى ان معا. يجذبها بقوة الشخصية وسحر النظرة ~~الثابتة الفاحصة، ويدفعها وينفرها لإثارة شكوكها فى صدقه وإخلاصه وبما يبديه من السخر ~~من كل ما تعده جليلا، والتهكم على كل ما نشأت على الحرص عليه والتعلق به، من مبادئ ~~وعقائد وتقاليد. وكانت ربما كبر فى وهمها أنه ليس إلا وحشا فى ثياب إنسان، وكان هذا ~~يقلقها منه - وعليه - وكثيرا ما أفضت إلى إبراهيم ببواعث قلقها هذا، فكان يسرى عنها ~~ويقول لها: ~~«هونى عليك. فما الإنسان إلا حيوان، وكلنا ذلك الحيوان إذا أردت الحقيقة. ~~وليست المدنية سوى صقل لا يمنع أن الحيوانية - وهى الأصل - كامنة متحفزة ~~للظهور على الرغم من كل هذا الصقل إذا أتيحت لها الفرصة، أو استثارها مستثير ~~قوى. وما زالت أساليبنا فى حياتنا هى أساليب الحيوان، أو الوحش الضارى، ولكنها ~~ملطفة مهذبة مرققة، أو قولى إنها «منظمة» بالقوانين، والتقاليد والعادات ~~المرعية، ومن هنا تخفى حقيقتها، ومن هنا يروعك صادق لأن فيه تمردا على الظواهر ~~والطلاء، وإخلاصا للأصل». # وكانت ميمى إذا سمعت منه هذا التأويل تهز رأسها غير مقتنعة، أو مطمئنة، وهو الأصح، ~~وتقول له: «إن دأبك أن تنظر إلى الأمور هذه النظرة الهادئة المريحة وأن تحاول أن تنصف ~~غيرك. ولكن ألا يخطر لك أنى أنا أيضا جديرة بالإنصاف؟» # فيسألها: «كيف؟ ماذا تعنين؟» # فتقول: «إن حياتى مثلا تجرى فى مجرى سلس. ولكن صادقا وأضرابه يحدثون فيه اضطرابا ~~شديدا». # فيقول لها: «إنى إنما أحاول أن أريك الجانب الذى ينبغى أن تنظرى إليه حين تتدبرين هذا ~~القريب المثير. إنه لم ms011 يجد من يصقل له جانبه الخشن أو يقلم له أظافر الوحشية الكامنة ~~فى نفوسنا، وفى وسعك أن تفعلى ذلك بأن تبدى له صفحة الود والتقدير. إنك بذلك - لا ~~بالنفور والتحقير - تستطيعين أن تظهرى وتنمى بذور الخير والفضيلة فى نفسه، وثقى أن فى ~~نفسه - فى نفس كل إنسان - بذورا كثيرة للخير. ولكن صادقا لم يلق من يعينه على معرفة ~~نفسه، ولقى، على العكس، من يستفزه، ويحنقه، ويستثير شر ما فى نفسه، بالتحقير والنفور ~~والسخط والانصراف عنه يأسا منه، والقول أبدا أنه خائب لا خير فيه ولا أمل ... امنحيه ودك ~~يا ميمى وانظرى ماذا يكون منه ... امنحيه الثقة على الخصوص، فإن ظمأه إليها - تلهفه عليها ~~- أعظم مما تتوهمين. صدقينى.. إن إيلاءه الحب والثقة خليق أن يجعل منه إنسانا ~~جديدا.. جربى.. عرفيه بنفسه المطوية.. أديرى له عينه فيها ... افتحيها له عليها ... لا ~~تجعلى بالك إلى ثرثرة لسانه بما دفعه جهل الناس وسوء سيرتهم معه إلى اللغط به. فإن هذه ~~الثرثرة ليست منه إلا من قبيل الدفاع عن النفس ... أهله جميعا يستخفون به، ويحقرونه، ~~وينفضون أيديهم منه، ولا يرونه جديرا بأدنى عناية، أو أضأل حظ من الثقة. كفروا به ~~جميعا، فهل يلام إذا ثار، وتمرد، وكفر هو أيضا بهم وبما يمثلون مما أغروه بكرهه؟ ولا ~~تقولى إنى أنصفه دونك.. فإنى أنصفك أيضا.. أنت تظلمينه وأنا أحاول أن أريك كيف تنصفينه ~~وترفعينه إلى منازل الكرامة والشرف والفضيلة عندك. فإذا استطعت هذا - وأنا واثق أنك ~~تستطيعين - فإن هذا يكون انتصارا لك.. فماذا تبغين من الإنصاف أكثر من هذا؟» # وقد أطاعته ميمى فكفت عن مجافاة صادق. ولكنها ظلت تخشاه فى قرارة نفسها، وإن كانت ~~تكتم هذا ولا تبديه ولا تدعه يظهر على وجهها أو فى سلوكها معه. وفرح صادق بهذا التحول ~~من ميمى إلى محاسنته، فسلس قياده فى يدها، ولكنه طمع أيضا، أو على الأصح زاد طمعه ~~فيها، فكان أحيانا ينظر إليها وكأنه يريد أن يأكلها، فتفزع وتعانى مشقة عظيمة فى كتمان ~~ما يساورها من الخوف وتستعين ms012 على التجلد والتشدد بما قاله إبراهيم. وكانت ثقتها به ~~كبيرة واطمئنانها إلى حكمته وسداد رأيه عظيما، بل تاما، فوطنت نفسها على أن تروض هذا ~~الحيوان وأن تكون له أما رءوما، وإن كانت ربما حدثت نفسها أن ما لها هى. ولم يكن عندها ~~جواب لذلك، سوى أنه يطاردها، وإن الصد والنفور لم تعد لهما أى جدوى، فما هو بالذى يصده ~~شىء، فلعل الرفق يكون خيرا، وعسى أن تكون الحسنى أرد عائدة. # وطمأنها قليلا أنها استطاعت ذات ليلة أن تقنعه - على ما بدا لها - بأن يدع ذكر الحب ~~واللغط به، وأن يقنع منها بالصداقة. وقد سخر فى البداية من هذه الصداقة التى تعرضها ~~بديلا من الحب، ولكنها لطفت به، ولم تزل تحاوره وتداوره، حتى سكن وأمسك، ثم أظهر لها ~~الرضى والاقتناع، وقال بابتسامة لم تخل من سخره المعهود: «ألا تعطيننى عربونا لهذه ~~الصداقة التى جملتها فى عينى؟» # ولمحت السخر الذى فى عينه، وتوجست شرا من نبرة صوته، ولم تكن عبارته مما يبعث ~~الاطمئنان، ولكنها تشددت وتحاملت على نفسها، وآلت لتمضين فى التجربة إلى نهايتها ~~المقدورة، ومالت عليه فلثمت جبينه، فرفع إليها فمه وقال: «هنا موضع التقبيل ... ثم ألسنا ~~قد صرنا صديقين؟» فامتقع وجهها وحدثت نفسها بأن هذه التجربة «الإبراهيمية» قد تؤدى إلى ~~كثير لم يكن فى الحسبان، ولكنه أدهشها بوداعته وقناعته، فلم يحاول إطالة القبلة، ولم ~~يهم بالضم والعناق، وارتد عنها مغتبطا ومضى إلى الباب. ثم كأنما أبى إلا إزعاجها ~~وإقلاقها فقال ويده عليه: «لا أدرى من أشكر على هذه القبلة الأخوية. وأكبر الظن أنى ~~مدين بالشكر للأستاذ ...». # ولم يفته تغير لونها عند ذكر إبراهيم، فقال: «اشكريه عنى من فضلك إذا لقيته قبلى». ~~وتركها مبلبلة موسوسة. # | الفصل الثانى # 1 # لم يكن إبراهيم حين استقر رأيه على الزواج من تحية يعرف قبل ذلك بدقائق - أى نعم ~~بدقائق - أنه سيتزوجها، أو ينوى ذلك، أو يفكر فى زواج. # وكان ابن عمته حامد - أو ابن بنت عمة أبيه إذا أردت الدقة - قد دعاه إلى ضيعته لقضاء ms013 ~~أيام مع لفيف من الأهل والأصهار، وقال له فيما قال إن أسرة «طاهر بك» - عميد إحدى القرى ~~المجاورة - ستكون هناك. # ومعها ابنتها «تحية». # وابتسم ... # فقال إبراهيم: «هذا الجمع يحشد إذن لهذا؟» # فقال حامد: «الحقيقة أنها فى حكم الخطيبة، وإن لم يجر كلام فى الموضوع». # قال إبراهيم: «إنك تذكرنى بمن قال لأمه إنه سيتزوج بنت السلطان، فما ينقصه إلا أن ~~يوافق السلطان وبنته. هل أعرفها؟» # قال حامد: «لا أظن. فقد تعلمت فى الإسكندرية حيث اتخذ أبوها دارا فى الرمل قريبا من ~~دارنا التى بعناها. وفى دارنا عرفناها وأعجبت بها. وأنت تعرف رغبة أبى فى تزويجى، ولكن ~~بلدتنا ليس فيها كفؤ لنا. وقد أدرت عينى فى مركزنا كله فلم أجد من هو أكرم وأرفع منزلة ~~من طاهر بك وإن كان دوننا ثروة». # فتبسم إبراهيم وقال: «يخيل إلى من يسمع كلامك أنك ستتزوج طاهر بك أو بقراته وعجوله أو ~~أرضه، أو جاهه..». # فهم حامد بكلام صرفه عنه إبراهيم بقوله: «لا تقل شيئا.. إنى فاهم. هذا أنت.. كالريال ~~النمسوى الذى ضرب فى القرن التاسع عشر.. يتعاملون به فى الحبشة، وقد بطل استعماله فى ~~بلاده». # وأزجى إليه التهنئات «سلفا» ووعد بالسفر. # وخطر له وهو فى القطار أنه آن لحامد أن يتزوج، فقد ناهز الخامسة والثلاثين، ولأبيه ~~الحق فى الإلحاح عليه فما رزق من الولد غيره. ولا خير فى العزوبة لرجل انقطع للعمل فى ~~الأرض فما يفارق القرية إلا فى الندرة القليلة ولأمر تستدعيه مطالب الزراعة. وحدث نفسه ~~أن حامدا حكيم حازم، وأن أباه موفق. ومن حكمته أنه أقنع أباه بالتخلص من الدار التى ~~بالرمل؟ فإن الإقامة فيها معظم شهور السنة تنأى عن «الغيط»، وتكل أمره إلى الأجراء ~~الذين لا يبالون أجاد الزرع أم كندت به الأرض. # وانثنى إلى نفسه فقال إنه هو أيضا فى مثل سنه أو أعلى منها، ولا علاقة هناك تؤذن ~~بزواج. وطافت برأسه صور الماضى فنحاها، كما يهش المرء الذباب. وليس له أرض يحمل همها، ~~فقد كان له أخ أسن منه - عليه ms014 رحمة الله - «كنس ومسح » كما تقول العامة وأعفاه من هذا ~~العناء. وقد عنيت أمه بتعليمه، وآتته القدرة على كسب رزقه بعرق الجبين، فما حاجته لأرض؟ ~~وإنه ليكسب كثيرا، ولكنه متلاف لايبقى على شىء ولا يحسن أن يدخر قرشا أبيض ليوم أسود، ~~أترى هى الوراثة؟ وإن ابن عمته ليرى إنفاقه عن سعة فيتوهمه أغنى منه وخيرا حالا.. وضحك ~~إبراهيم وقال: إن هذا هو «الستر» الذى لا ينفك الجمهور الأكبر من الناس يسألون الله أن ~~يضفيه عليهم. ولقد عمل فى الصحافة - وإنه الان لحر - يكتب فى الصحف والمجلات، ويؤلف ~~الكتب، و«يدبج» التقارير والمذكرات لمديرى الشركات بالعربية الذين يحسنون غيرها، ولا ~~يجحد فضل الله عليه. # وما زالت أمه تحثه على الزواج وتدعوه إليه وتقول له: إنها مريضة، إحدى رجليها فى ~~الدنيا والأخرى فى ... العياذ بالله.. ولا قدر الله. وكبر فى وهمه أنه خليق بأن يضل ~~ويشقى إذا فقد أمه؟ فإنها عصمة له. وثقلت عليه وطأة هذا الخاطر، فنفاه بجهد، وذهب يفكر ~~فى تحية، كيف هى ياترى؟ وماذا عسى أن يبلغ من صبرها على حياة الريف وهى بنت الإسكندرية، ~~المشرقة الوضاءة؟ # وبلغ القرية، وقد مالت الشمس للمغيب، فاستقبله على الجسر، عند مدخلها خادم أبلغه أنه ~~أعد له «الكشك» الذى فى الجزيرة، وأركبه زورقا إليها، وكان الجو سجسجا، وأشعة الشمس ~~الذهبية ترقص على الماء، فانشرح صدره، وأمر الخادم أن يكف عن التجديف، فبقى - الخادم - ~~كالتمثال، ومقبضا المجدافين فى حجره، وطرفاهما يقطر منهما الماء، والزورق يسبح على غير ~~هدى. وصارت الشمس فى عينيه فرفع كفه وحجبها، فعاد يرى النهر المتوهج و«الكشك» القائم ~~على شاطئه والخضرة اليانعة حوله، وود فى هذه اللحظة لو أنه كان إلى جانبه.. من؟ وأحس أن ~~حياته ناقصة.. ودار فى نفسه ما يشبه الحسد لقريبه، فأنكر هذا، وبادر فقال إنه يرجو له ~~السعادة مع تحية ... ترى كيف هى؟ طويلة؟ قصيرة؟ ثقيلة؟ خفيفة؟ ومتكلفة أم على الفطرة؟ وهز ~~كتفه ومط بوزه، وتنهد. وأمر الخادم أن يرسو به. # وكان الكشك عبارة عن بيت من خشب، ms015 فيه غرفتان أرضيتان، واحدة للخادم والأخرى متخذة ~~مخزنا لما عسى أن يحتاج إليه الضيف، وفوقهما غرفتان أخريان للنوم والجلوس، وحولهما ~~شرفة من جهات ثلاث. والأثاث بسيط مريح: طارقتان - كنبتان - بينهما «كليم» من نسج ~~الصعيد، فوقه منضدة مستديرة عليها رخامة، وإلى جانبها كرسيان من الخيرزان، ورف بجانب ~~الباب عليه أكواب وفناجين للقهوة والشاى. وفى غرفة النوم سرير وكرسى هزاز، ومشجب ومنضدة ~~صغيرة. وعلى حافة الشرفة قلل شتى الأحجام والأشكال ملأى بالماء ليبترد، وعلى أرضها ~~وسائد منتثرة للجلوس. # وصرف الخادم وأخرج من حقيبته زجاجة ويسكى صب منها قيراطين فى كوب وشعشعه بالماء، وقعد ~~على كرسى خرج به إلى الشرفة، وتبسم وقد تذكر أنه كتب مرة إلى صديق، من هذه الجزيرة - ~~ومن هذا الكشك - يصف له الموقع والمقام، فما كان من صديقه إلا أن بعث إليه بالرد بهذا العنوان: ~~«بكشك بجزيرة فى مجرى النيل بين قريتى كذا وكذا، لا يمكن أن يخطئها عامل ~~البريد إلا إذا غلط وركب النيل على فرعه الاخر». # وخطر له وهو ينظر إلى الماء والخضرة، أنه لا يريد أن يعبر إلى حيث القوم فى «الدوار»، ~~وماذا يصنع فى ذلك الزحام؟ إن حاجته إلى هذا السكون المريح. وقد يستغربون تخلفه عن ~~العشاء معهم، ولكن فى وسعه أن يعتذر غدا بطول الرحلة وتعب السفر ووجع الرأس. وعلى ذكر ~~ذلك قال لنفسه إن رأسه سيوجعه على التحقيق إذا ظل يعب فى هذا الشراب. # ونهض وانحدر على درجات السلم الخشبى وتلفت فلم يجد أحدا، حتى الزورق اختفى، لابد أن ~~يكون «آدم» قد عاد به إلى الضفة الثانية. إذن سيجىء على الأرجح بحمولة أخرى. وقطب، فقد ~~كان يؤثر أن يظل وحده فى هذه الجزيرة الساكنة، وأن يسعه أن يقول كما قال الشاعر بلسان ~~مستفرد وحاد فى جزيرة كهذه: «إنى ملك على كل ما أرى!». وراح يتمشى، فأشرف على مزرعة ~~بطيخ، فنزع واحدة صغيرة ودقها على ركبته فانفلقت وانشطرت، فإذا هى حمراء مغرية، فقضم، ~~فاستحلاها، فعكف على القضم، وابتل أنفه وخداه، وهو لا يحفل ذلك، ms016 ورمى القشرة البيضاء ~~الماسخة، واستأنف المشى غير جاعل باله إلى الوقت. # ودخل الليل فقعد على الأرض، ومد ساقيه، ومد بصره أيضا ليرى الماء. وكان يسمع خريره، ~~ولا يبصر إلا سوادا يخلطه فى رأى العين بالأرض، إلا حين تلتمع صفحته من بعيد. وشاع فى ~~نفسه الاغتباط، فصح عزمه على التخلف عن العشاء هناك. وحدث نفسه أنه اعتاد، فى حياته ~~المضطربة أن يتقبل بقبول حسن ما تجيئه به الساعة التى يكون فيها، وأن لا يضيع أو يفسد ~~ما يفيد فيها بالطمع فيما عسى أن يجنى من سواها. وإنه لكذلك. # وإذا بحفيف توهمه بادئ الأمر من أوراق الشجر، وكان الظلام والسكون قد أرهفا سمعه، ~~فخيل إليه أن أحدا قادم، فحدق فى الليل فلم ير شيئا. وكانت الكلاب تنبح - على الناحية ~~الأخرى من النيل - والضفادع تنقنق حوله، ولكن هذه الأصوات كانت تزيد السكون عمق وقع فى ~~نفسه. # وخاطبه صوت عذب فيه نبرة الشباب: «وحدك؟» # فوثب إلى قدميه من الدهشة، فقد كان صوت فتاة، ما فى ذلك شك. واضطرب وهو ينهض بسرعة، ~~فكاد يقع، لعجلته ولقلة استواء الأرض، وامتدت يداه كأنما يحاول أن يمسك شيئا يعتمد ~~عليه فيتقى الوقوع. فعل ذلك بالغريزة، ولو أتيح له أن يفكر لما دفع يديه. وكانت دهشته ~~أعظم لما التقت يداه وهما تذهبان فى الهواء بجسم لين، ولو فكر لما تعجب. # وقالت: «لا تفعل هذا مرة أخرى. كدت توقعنى فى الماء». # كأنما كان قد تعمده. # فقال - وفاته أن يعتذر -: «لم أكن أدرى أن الماء قريب من هنا». وكان لا يرى منها إلا ~~ثوبها الأبيض، وكان مع ذلك غامضا. # ولم يسمع جوابا فقال: «أنا إبراهيم ... قريب حامد». # وانتظر، فجاءه الجواب فى الظلام الدامس: «أنا تحية.. تحية طاهر». # وأضحكه أنه كان ينحنى لها فى الظلام، ولكنه صد نفسه عن هذا العبث وقال: «ستكونين ~~سعيدة مع حامد.. رجل طيب جدا.. لا لأنه قريبى. بل لأنه طيب». # فلم تجب عن هذا، وقالت: لأ أظنك تتعجب وتتساءل عما جاء بى إلى هنا؟ وحدى فى الليل ms017 ... ~~لا ألومك إذا تعجبت ... ولكنه لم يكن يسعنى إلا أن أفعل ... كان لابد أن أفر ... لم أعد أطيق ~~الزحام ... ضاق صدرى جدا ... عمتك ست طيبة جدا ... غريبة ... لا متعلمة ولا.. مثقفة.. ~~ولكنها ذكية.. ذكية جدا.. أدركت حاجتى إلى الهواء الطلق.. وإلى البعد من هذا الزحام.. ~~والراحة من الضجة.. ورافقتنى إلى هنا!. وضحكت ثم قالت: «لفت نفسها بملاءة سوداء، كأن ~~أحدا يمكن أن يراها فى هذا الظلام، وجاءت معى، تركتها فى الكشك، وخرجت أبحث لها عنك، ~~فما جاءت إلا من أجلك. تالله ما أطيبها ... تحبك كحامد». # ولم يستغرب ما أنبأته به، فقد كان يعرف حبها له، ولا عجب فإنها بنت عمة أبيه. ولكنها ~~كانت تحنو عليه حنوا شديدا، ولعل كل هذه الرقة منها له، مصدرها حبها لأمه هو؟ فقد ~~كانتا صديقتين. امرأة طيبة على كل حال، ولها عنده منزلة تقارب، وإن كانت لا تعادل، ~~منزلة أمه. فإن هذه لا شريك لها ولا مزاحم وكلهم يعرف ذلك، وما من أحد يسوءه أن منزلته ~~عنده دون منزلتها. # وقالت تحية: «إنهم هناك يلغطون بغيابك». # قال: «أحسب أنى فررت سلفا. كما تفرين من الضجة». # وسكتا. # وراعه بعد هنيهة أنها تدندن - بصوت خافت ولكنه يسرى إليه - بكلام لا يتبينه. # ثم قالت وقطعت الغناء: «لست أحسن أن أغنى. ولكن هذا الليل الساجى ... وهذه الجزيرة ~~المنعزلة.. والماء الذى يومض من بعيد وإن كان أدنى شىء ... كل هذا أغرانى ... ~~سامحنى». # فلم يقل شيئا. # وبقيا واقفين برهة، ثم قالت، وخيل إليه أنها تبتسم: «إن حديثنا عبارة عن فترات من ~~الصمت، هل نعود؟» # فمشى خلفها صامتا، وسمعها تقول، كأنها تحدث نفسها: «غريب ... منذ نصف ساعة كنت بين ~~عشرين أو يزيدون، وإذا بى أشعر فجأة أنى وحدى ... أحسست بوحشة عجيبة وسط القوم.. أعنى أنى ~~لم أشعر فى نفسى بوجودهم حولى.. كيف تعلل ذلك؟» # قال: «لعله الحب». # وندم على ما قاله، وود لو كان لسانه استل أو قطع، ولم يقله، وخشى أن تحمله على محمل ~~السخرية أو التقريع. # وخيل إليه أنها استدارت ونظرت ms018 إليه. على أنها لم تقل شيئا، حتى بلغا الكشك. # 2 # وراها فى الكشك - على ضوء مصباح بترول تحمله حلقة مدلاة من السقف - وخيل إليه أن ~~وجهها متهضم، ولونها باهت، وأن شفتيها ذابلتان، وأن جسمها كله صغير منحوف لا ترى عليه ~~نعمة، وخطر له أن لعل هذا اليبس والسهوم من ضوء المصباح، أو لعلها أساءت اختيار الثوب ~~ولونه أو لم تحسن تفصيله على قدها، ونصف جمال المرأة يستفاد من تفصيل الثوب ~~ولونه. # وقالت له عمته، بعد أن رحبت به، وربتت عليه، ولثمت جبينه، ولثم هو يدها: «يا ابنى. ~~لماذا أبطأت علينا؟» # فقال بإيجاز: «السفر، والكسل، والاسترخاء». # قالت: «لا. هذه آفة العزوبة الطويلة، اعتدت الوحدة». وابتسمت فانبسطت أسارير وجهها ~~المخدد، وقالت: «عندى لك عروس. تعال، وتمل بالنظر إلى حسن وجهها». # قال: «من تكون المسكينة؟» # قالت: «إيه؟ لا تقل هذا، إنك لقطة». # فقهقه وقال: «أنت وأمى ... لا أدرى أيكما شر؟» # واشتركت تحية فى الحديث، فقالت: «هى زهرة ... زهرة غضة نضيرة». # فألفى نفسه يسألها: «مثلك؟» # قالت: «لا تسخر منى». # وقالت عمته: «نعم ياسمينة مثل تحية». # وهز رأسه كالموافق. وحدث نفسه أنه لا يسعه غير هذا. # وسمع تحية تقول: «ليتنى كنت ذاك، ولكن الحقيقة أنى ... إن الذى يرضى بى يحتاج إلى الصبر ~~الطويل، والحلم الكثير. فإنى كثيرة النسيان، أنسى مشابك شعرى ولا أذكر أين وضعتها ... ~~وأهم بقطف قرنفلة فأقطف وردة، وأذهل عن الطعام وأنا أقرأ، وأذهب إلى محل أو بيت أعرفه، ~~فادخل فى شارع غير شارعه، وأترك نقودى ومناديلى وأشيائى الأخرى فى كل مكان، ثم أروح ~~أزعج الناس بالسؤال والبحث، ثم إنى لا أحسن شيئا، ولست أكتم عيوبى أو أخفيها، ولكنهم ~~يضحكون ولا يصدقون». # فألفى نفسه يقول مرة أخرى: «سيسعد بك حامد». # ودار فى نفسه قولها إنها دائمة النسيان، وإنها لا تحسن شيئا، وإنها تشغل بالزهرة ~~والكتاب عن الطعام وتدبير المنزل. وكان يسمع خرير الماء، تحت قدميه فيما يحس، ويرى ~~ضوءا خافتا على الضفة الأخرى. وحدث نفسه؟ وهو يكلم المرأتين - العجوز والصبية - أن ~~تحية لن ms019 تكون ربة بيت كأمه، ولكنها أجدى له منها ... ومن يدرى!. لعل زهرة مطلولة تكون ~~أشهى - وألزم أيضا - من حكمة ربة البيت المدبرة، وعسى أن يكون الفل والياسمين والقرنفل ~~والنرجس والورد على أغصانه أو فى زهريته أجلب لطيب الحياة، ورغد العيش. ولم يطل عمر هذا ~~الخاطر سوى هنيهة ثم طرده ونحاه. وراح يقول لنفسه إن المرأة التى يتزوجها، إذا قسم له ~~الزواج، تحتاج أن تكون كأمه، حسن تدبير، وسيكون عليها أن تؤدى طوائف شتى من الواجبات ~~المختلفة، ولن تكون فى بيته للزينة والمتعة وحدهما. كلا. فليس هذا جزاء أمه. # ورأى نفسه يقول: «صبرا حتى تتزوجى. وحينئذ تتغيرين». # وأمنت العجوز على ذلك وأكدت لتحية أن الزواج يذهب بكل ما أحدث التدليل والفراغ. # وقالت تحية لإبراهيم: «أواثق أنت أن الزواج يفعل هذا؟ ليته يفعل». # قال: «هذا أثره فى العادة ... يحدث تغييرا على كل حال». # قالت: «لا أدرى لماذا كنت أتوقع أن تقول لى شيئا آخر ... أهم». # قال وهو يبتسم: «آسف.. ربما كان حامد أقدر على ذلك ... وأولى». # وبدا له أن كل هذا الحوار غير لائق، فى الكشك، وفى جزيرة منعزلة. وخيل إليه مع ذلك ~~أنه لا يستطيع أن يتحرك، ولا يقدر أن يعبر إلى الضفة الأخرى ... فى هذه الليلة على ~~الخصوص. وكبر فى وهمه أن لا وسيلة إلى الاتصال بهذه الضفة الأخرى، كأن الجزيرة قد سبحت ~~وانتقلت إلى موقع اخر قصى ... موقع ليس له حدود، ولا على جانبيه ضفتان. وكم من «ضفة ~~أخرى» فى الحياة ينشدها المرء ويشتهيها ويتمناها ولا يبلغها. # ولم تقل له عمته من العروس التى اختارت له. ولكنه عرفها تخمينا، وهل فى القرية كلها ~~من بنات الأسر الظاهرة من تستحق أن توصف بالجمال غير «كريمة»؟ وكان أبوها قد اختفى بعد ~~مولدها وانقطعت أخباره فليس يعرف أحد أحى هو فيرجى، أم ميت فيندب؟ وآثرت زوجته له الموت ~~كراهة منها لأن يكون حيا، ويهجرها هذا الهجر القبيح، وإن كان قد ترك لهما أرضه ولم ~~يبعها ولم يرهنها، فنشأت كريمة يتيمة وإن كانت ms020 لعلها غير ذلك . وكان عهد إبراهيم بالبلدة ~~غير قريب ولكنه تذكر كريمة كما راها آخر مرة: وكانت تفرق شعرها الوحف من الوسط وترسله ~~على جانبى وجهها وتربطه من الخلف بأنشوطة، فكأن محياها من شعرها الدجوجى فى إطار. وكانت ~~وجنتاها كالوردتين، وعيناها سوداوين نجلاوين، وفيهما سعة وفتور. وقدر إبراهيم أن تكون ~~قد ناهزت السادسة عشر من عمرها الغض فهى صغيرة، ولكنها لابد أن تكون الآن ناضجة. وتبسم ~~إذ تذكر حديثا روى له لما كان فى البلدة اخر مرة، وكان على الطعام مع الأسرة، وكانت ~~كريمة وأمها حاضرتين. وكانت كريمة تتهامس هى وجارة لها فى مثل سنها، وكان ذلك يستغرقهما ~~ويكاد يلهيهما عن الطعام. وكانت عمته على يمينه، وإلى جانبها فتاة صغيرة أخرى، فمالت ~~الفتاة على عمته فألصقت فمها الدقيق - وعليه ابتسامة رفافة - بأذنها وقالت همسا - كذلك ~~جرت الرواية -: «هل تعرفين فى أى شىء تتحدث كريمة وفتحية؟» قالت المرأة: «كلا. ولكنا ~~نحن أيضا نستطيع أن نتهامس مثلهما». قالت الصغيرة: «ولكن لا يجوز أن يسمع إبراهيم ما ~~أقول»، فوعدتها الكبيرة أن تكتم الخبر، وأكدت أن الكلام سيدخل من أذن ويخرج من أذن. ~~فزوت الصغيرة ما بين عينيها وقالت: «إذن سيصك سمعه لا محالة»، فضحكت الكبيرة وطمأنتها ~~على أن الكلام الخارج من الأذن الأخرى لن يبلغه، فأنبأتها أن كريمة تحب إبراهيم ... # وأقبل الخادم الهرم «عم آدم» يسأله ألا ينوى أن يتعشى؟ فقال إبراهيم إنه يكتفى ~~ببطيخة، وطلب منه أن يقطعها ويقشرها ويضعها على الشرفة لتبرد. ففعل، ووضع معها سكينة، ~~فاستغرب إبراهيم وقال له: «كان الأولى أن تجىء بشوكة إذا كان لابد من شىء آكل به» قال: ~~«هذه لتصرف الشمامة» فلم يفهم وسأله «أى شمامة؟» قال: «التى تشم البطيخ»، فضحك إبراهيم ~~وصرفه، وغطى الطبق بفوطة. ولكنه نام قبل أن يأكل منها فى ليلته. # وفى الصباح عبر النهر إلى الضفة الأخرى التى زايلها الغموض والنأى فى النهار، فالتقى ~~بالقوم جميعا جلوسا إلى المائدة يفطرون. وكان الجو رقيقا، والهواء معطرا بأنفاس ~~الحقول والرياض. وأقبلت تحية تسلم عليه ms021 كأنها لم تره من قبل، فاستغرب هذا وكبر فى ظنه ~~أن لعلهما كتمتا رحلتهما إليه البارحة فلماذا؟ أتراهما يخشيان أن يثير الخبر غيرة حامد؟ ~~ومم يغار الأبله؟ وأيتهما صاحبة الرأى فى الكتمان؟ وألفى نفسه يسخط على عمته. # وحدث نفسه وهو يختلس النظرات إلى تحية أنها أقل جمالا حتى مما توهمها البارحة فى ~~الظلام. ولم يخدعه المصباح حين أراه أن خديها متهضمان، ووجد أن عينيها عسليتان، وبدا له ~~أن جمال شعرها فى أنه كأنما يأبى أن يخضع للتمشيط أو التصفيف أو الترجيل. وكانت لا ~~قصيرة ولا طويلة. على أنه أحس أن عليه أن يغير رأيه فيها، وإن كان لم يدمن النظر إليها، ~~فإن لها لجمالا، وإن شبابها ليفيض عليها رونقا عجيبا، وإن فى صوتها لحيوية «حادة» ~~هذا هو الوصف الوحيد لما يصافح سمعه من نبراتها، وخيل إليه أن حيويتها تكاد «تؤلمها». ~~واستغرب منها أنها طويلة النظرات حديدتها، ولكن فيها مع ذلك رقة مستوردة، ولينا وراء ~~هذه اللحظات الحداد. ثم رشاقة جسمها ومرونة بدنها ... # وأمسك عن الاسترسال، وأنكر من نفسه أن تطوف برأسه هذه الخواطر، وشعر بارتباك، فأطبق ~~فمه وزمه كأنما كان يتكلم. وأحس أن وجهه يضطرم، وخشى أن يلاحظ أحدهم ذلك، وسمع حامدا ~~يقول لتحية، وكأن الصوت يأتى من بعيد: «إنك خليقة أن تحبى إبراهيم فإنه من هؤلاء ~~الخياليين الذين تعجبين بهم. يحلم بدنيا سعيدة حافلة بالخير، له ولمن حوله من أهل ~~وإخوان». # وسمع نفسه يقول فى جواب ذلك: «إنى ما فكرت فى هذا قط، ولكنك لابد أن تكون على ~~صواب». # وغاظه ما انطوى عليه كلام حامد من التهكم، وأعياه أن يجد له مسوغا وراح يتعجب لتحية ~~مرة أخرى.. كيف يا ترى ستكون حياتها مع هذا الرجل الذى لا يلبس إلا الجلاليب الفضفاضة، ~~ولا يعنى بغير القطن والفول والذرة والبرسيم والجاموسة والثور؟ وود فى هذه اللحظة لو ~~يعرف رأى حامد فى تحية.. وانثنى من هذا يسأل نفسه عن رأيه هو فيها؟ وامتعض وقال لنفسه ~~إنه لا حاجة به إلى جواب، ولا ms022 حق له فى أن يكون له رأى فيها، فإن شأنها لا ~~يعنيه. # ونهضوا عن المائدة وذهب هو إلى الشرفة المطلة على النيل من بعيد، وكانت كريمة قد ~~سبقته إليها وهو لا يدرى. فخشى أن يساء تأويل ذلك عند قوم عهده بهم أنهم لا تفوتهم كلمة ~~أو حركة من ضيف، ولا يبعد أن يحملوا ما يكون منه على غير محمله، وخطر له أن يقظتهم وسوء ~~ظنهم ثمرة عصور طويلة من الظلم والاستبداد وقلة الأمن والاطمئنان، وأنهم ورثوا ضعف ~~الثقة بالعدل وحسن النيات. # وكانت كريمة متكئة على السور، فاعتدلت لما دنا منها، وتبسمت له. ولكن لسانه لم يسعفه، ~~فلم يجد كلاما حاضرا، وكان يرى جانب وجهها المتورد، وشعرها الفاحم المرسل، وتذكر فى ~~هذه اللحظة تحية - لا يدرى لماذا؟ - وهى تدندن بما لا يتبين فى ظلام الليل على حافة ~~الجزيرة. وأغضبه أن تنثنى خواطره مرتدة إلى تحية، وأن لا يستطيع الكلام مع هذه الفتاة ~~المشرقة الديباجة، الصابحة المحيا، كأن على فمه شبح يد يصده عن فتحه.. ورآها تنظر إليه ~~بعينيها الواسعتين الفاترتين، ويفتر فمها الدقيق المغرى، وخيل إليه أن أنفاسها أسرعت، ~~وأن صدرها يعلو ويهبط، وأحس أن شبابها يحمل عليها حملة رجا ألا تكون عنيفة ~~هوجاء. # وقال فجأة، ومن غير أن يفكر: «أنت أجمل من رأيت يا كريمة». # فاتقد محياها وقالت وهى مطرقة: «يسرنى أن هذا رأيك». # ورآها جادة، وكان صوتها عميقا ساكنا كصوت الماء حين ينتهى إلى بركة. ووقفا بعد ذلك ~~صامتين. ثم مضت بخطوات بطيئة إلى الداخل. فلما بلغت الباب التفتت إليه ولم تقل شيئا، ~~وألقت إليه ابتسامة خفيفة. # وارتد بعدها داخلا فالتقى بتحية فسألها متبسما: «متى الزواج إن شاء الله؟» فهزت ~~كتفيها، ثم قالت وأغفلت سؤاله: «الجزيرة أحلى من هنا». # فلم يدر أهى تصرفه، أم تبدى رأيا. وقال: «الحق معك. سأعود إليها». # قالت: «الآن». # وقال وقد ذهب عنه الشك: «نعم، فإنى بى حاجة إلى عزلتها. هى عالم اخر تسكن فيه النفس، ~~وتطمئن، وتكف عن الجيشان، وتستريح من شدة المخض. ثم ms023 هناك الخضرة والماء - كهنا - ~~ولكنهما هناك أوقع، حتى كأن الماء أمهى، والخضرة أخضر». # قالت: «والوجه الحسن»؟ # قال: «هذا أتركه لحامد». # ولم يدر لماذا قال هذا. وكأنما لم تلتفت إلى ما سمعت، فسألته ورفعت حاجبيها قليلا: ~~«والمخض؟» # فابتسم، وأطرق هنيهة ثم رفع رأسه، وحدق فى وجهها الشاحب، وهم بكلام، ثم عدل. # وتركها ... إلى الجزيرة. # 3 # وقال لعمه - كما اعتاد أن يدعوه -: «إن ضيفكم يدعوكم أن تكونوا ضيوفه». # فضحك الشيخ وصار فمه الفارغ كمدخل الكهف. وكان فى يده مغزل وصوف يصنع منه جوارب ~~للشتاء. وقال إنه ليس هناك ضيف ومضيف. فقال إبراهيم: «إنما أعنى أن الجزيرة أحلى وأطيب، ~~وأن المقام فيها أحرى أن يكون حميدا فى كل وقت». وألفى نفسه قد حمس وهو يقول: «ثق يا ~~عم أنها قطعة من الجنة وإن كانت كلها بطيخا، وليس فيها سوى حوض واحد صغير من الورد خلف ~~الكشك. ولكن أليس البطيخ نصف فاكهة أمة محمد؟ وما أراها ينقصها إلا الحور العين، ~~فأرسلهن إليها، وأطلقهن فيها واعمرها بهن، وسأسبقهن لأعد لهن متكات أو حصيرا مما فى ~~المخزن. وما أظن أن الحصير مما يفرش فى الجنة لأهلها السعداء، ولكننى أظن أن الحصير فى ~~جنة، يكون أوثر من السجاد العجمى، والعبرة بشعورك بأنك فى جنة». # واضطجع فى الزورق ويده على الدفة، وأمامه فى وسط الزورق عم آدم يجدف، وطاف برأسه خيال ~~كريمة، فانطلق يفكر فيها وفى شبابها الغض وشعرها الوحف، وتذكر أنهما تقاذفا كرة قبل ~~بضع سنوات، فكان ثدياها الناهدان يرتجان، فكف عن ملاعبتها إشفاقا على نفسه. # وكان لطول ما استنفدت الوحدة من حياته كثير التفكير طويله، يستطرد من خاطر إلى خاطر ~~ببطء وعلى مهل، كالذى أمامه الدهر كله فلا موجب للعجلة. ومن أجل ذلك كانت عباراته - حين ~~يتحدث - قصيرة موجزة، وأشبه بفهرس الكتاب، تومئ إلى ما فيه ولا تبسطه، إلا حين يقصد إلى ~~الإفهام، أو يرى مدعاة للبيان. وكان فى الأغلب هادئا لا يكاد يخرجه شىء عن طوره، ولا ~~يسبق لسانه عقله وإن كان عصبيا، لطول ما ms024 راض نفسه على الحلم والاتزان. # وخطر له وهو مضطجع فى الزورق أن لسانه أفلت منه زمامه وهو يحادث تحية. وهز رأسه لما ~~خطر له ذلك مستنكرا «فضول» تحية وتطفلها على خواطره، كأنما كانت هى التى أقحمت ~~نفسها. # وترك الزورق ورده إلى الضفة الأخرى ليجئ بمن يشاء أن يجىء ممن يقبل دعوته. واستلقى ~~على الوسائد فى الشرفة فنام. ثم استيقظ على مثل أصوات العصافير تناديه، فألفى عمته ~~قاعدة على عليا درجات السلم الخشبى. وأجال عينه فرأى كريمة حيث كان هو قاعدا فى ~~الزورق، وعينها على الماء، وكفاها على الحافتين وعلى صفحة خدها الوردية خصلة متمردة من ~~شعرها المرسل، فخطر له أن هذه فرصة ... بعد دقيقة أو اثنتين - إذا ظلت كما هى - أهبط ~~إليها. ونطت سمكة من الماء ثم غطست. وأبصر «ذهبية» مقبلة يقطرها زورق بخارى كبير فوقف ~~ينتظر مرورها، ودنت فأبصر الذين على سطحها يطلون على الجزيرة، فتمنى لو كان معهم. وإذا ~~بأحدهم يصيح: «يا ولاد الكلب ...»، وأضحك إبراهيم هذا الأسلوب فى الإعراب عن الإعجاب، ~~واستغرب أن يحسد ركاب الذهبية الأنيقة الفخمة سكان جزيرة ليس فيها سوى البطيخ، ونسى أنه ~~وصفها بأنها قطعة من الجنة، ولكن لعل الجنة ليست جنة إلا نسبيا، وفى أوقات دون ~~أخرى. # ولم تبرح كريمة مكانها من الزورق، ولم ينزل إبراهيم إليها، وكأنما أتعبتها الجلسة ~~فتحركت ووضعت يديها وراء رأسها فبرز صدرها الناهد. ولم يسعه إلا أن يرى أحد ثدييها ~~ناتئا راسخا كالكمثرى. وسخط على نفسه حين جرى بباله هذا، فرد عينه عن النظر، وأدارها ~~فى الجزيرة، فرأى تحية مع أتراب لها، فتذكر دندنتها فى الظلام وشعر بأسف لأن ألفاظ ~~الأغنية قد فاتته، فخطا خطوة، فضربت الشمس وجهه وأزاغت بصره، فلم يعد يرى سوى نقط سود ~~ترقص فى الجو، فلفت وجهه، فرأى تحية تنظر إليه. وخيل إليه أن فى نظرتها حيرة واضطرابا، ~~وأنها أجمل من رأى - أجمل على كل حال من كريمة - ونزل إليها لا إلى كريمة. وقال بلا ~~مناسبة: «لقد كانت الشمس فى عينى»، فلم تقل ms025 شيئا، ولم تنظر إليه . وكان وجهها إلى الشمس ~~وشفتاها منفرجتين، وكفها مرفوعة إلى جبينها. ثم التفتت إليه وقالت: «أحسست بشىء غريب ...» ~~وأمسكت ولم تزد، وأطرقت هنيهة ثم مضت عنه - فى صمت - إلى الكشك. # ولم يحدث فى بقية ذلك النهار سوى أن الطعام جاءهم من «الدوار» فى الزورق فأكلوا ~~وتلاغطوا، ثم رقد من رقد، وذهبت البقية تتمشى فى أرض الجزيرة. وكان إبراهيم ممن رقدوا، ~~فقد كانت عادته أن ينام قليلا بعد الغداء. وأطل على حوض الزهر من غرفة نومه، فبدا له ~~كالمنديل الموشى. وطلب القهوة، وكان يتوقع أن يجيئه بها عم ادم، فجاءته بها كريمة، ~~فجرى بخاطره أن هذا من مكر عمته، أو من يدرى؟ لعلها بريئة وهو يظلمها. وصبتها له فى ~~الفنجانة، وناولته إياها، كما تفعل المرأة إذ تقوم على خدمة بعلها. وثقل على نفسه هذا ~~الخاطر. وجلست أمامه وهو مغمض عنها لغير علة يدركها، فتوجع لها فى سره، وعكف على القهوة ~~يترشفها، والسيجارة يدخنها ولا يكاد يرفع رأسه، وفى أذنيه دندنة تحية، وفى عينيه منظرها ~~وهى واقفة تظلل نفسها من الشمس براحتها. # وملت كريمة الانتظار والإعراض فسألته: «فيم تفكر؟» # فقال - بلا تفكير -: «فيك». # فضحكت ضحكة السرور والخوف والأمل والشك وقالت: «إن هذا خير على كل حال من ~~الصمت». # ولم يكذب إبراهيم حين قال إن تفكيره كان يدور عليها، وهو يتصور تحية، فقد كانت خواطره ~~تروح وتجىء من هذه إلى تلك كرقاص الساعة. وكان يشعر بحيرة لا يدرى لها سببا، فإن تحية ~~خطيبة حامد أو فى حكم الخطيبة، فلا داعى لانثناء خواطره إليها، وقد يسعدها أو لا يسعدها ~~فذاك شأنهما وحظها. أما كريمة فشأنها مختلف جدا، وهى حرة طليقة مثله ومن واجبه أن ~~يقصر خواطره عليها وأن لا يعدوها إلى سواها - إلى تحية على الخصوص - إذا كان لا معدى عن ~~التفكير فى إحداهما. فإذا اقتنع بأن زواجه بكريمة يكون ملائما فبها، والا ... وإلا فقد ~~انتهى الأمر. فما هو مقيدا بشىء. وليس من الضرورى أن تكون المسألة مسألة حب ... فى ~~البداية ms026 لا ضرورة ... فإن الحب شجرة تنمو، ولا تخلق كاملة فى لحظة بأغصانها وأورا قها ~~ونوارها. # وجاء الليل، على عجل فيما أحس، وتمشى مع ضيوفه فى الجزيرة. وانفض من حوله، وبقى هو ~~على الشرفة وحده وخلا بنفسه وخوالجه. ولم يكن ما يدور فى نفسه يبلغ أن يكون خواطر أو ~~معانى، فقد كان لمحات خاطفة ينقصها الاتصال والتسلسل، كالشرار المنبعث من وقع حوافر ~~الجياد على أرض صلبة. ولا كان «عواطف»، على قدر ما كان يستطيع أن يتبين. وكان الأمر ~~يبدو له أشبه بالومضات من خلال السحب. وأورثه ذلك الغموض اكتئابا لا تعليل له يعرفه.. ~~كلا لم يكن هذا اكتئابا، وإنما كان رأيا لا يتكون ويتولد شيئا فشيئا ويبرز من هذا ~~الغموض الذى كان يلفه فى مثل الضباب الكثيف.. وإذا به يدرك فجأة أنه لا يستطيع أن يتزوج ~~كريمة. # وأدهشه إدراكه لهذا. وحاولى أن يطرد ما باغته منه، ولكنه شعر أن هذا عبث وأن لا مفر ~~له من الاعتراف بهذه الحقيقة التى كأنما صاح بها فى وجهه صائح. وأحس بمثل اللطمة حين ~~تبين أنه لا يحبها، ولا يستطيع أن يحبها، لا لعيب فيها، بل لأن هذا هو شعور قلبه. ورفض ~~ما كان يقول من أن الحب خليق أن يجىء على مهل وبحكم الألفة.. كلا لا سبيل إلى هذا. ولو ~~تزوجها لقضى عليها بالشقاء السرمدى.. وليس الأمر أمر امرأة يلقى إليها بزمام بيته. ولو ~~كان كذلك لكان سهلا وخيرا أيضا. # وخطر له أن لعله قد شط وأسرف، فأراد أن يراجع نفسه ويحاسبها، فسألها: «ما عيب كريمة؟» ~~ونفى أن بها عيبا. فإن لها لجمالا، وإنها لعلى حظ من التعليم، وفى مقدورها بفضل ~~نشأتها أن تتولى أمور بيته، وتريح أمه. وكره هذا اللون من التفكير، وحدث نفسه أنه لا ~~يشترى بقرة من السوق. إذن ما علة هذا النفور من كريمة، وستشقى المسكينة، إذا صح ما كان ~~بلغه عنها من. حبها له، وإذا صدقت دلائل ما رآه اليوم منها.. ولكن هل هى تحبه؟ إنها ~~صغيرة، ولا يبعد ms027 أن يكون ما تشعر به - إذا كانت تشعر بشىء - ثمرة الإيحاء وجنايته. ولعل ~~عمته الماكرة قد ظلت تحدثها عنه وتعدها به حتى تعلقت المسكينة بهذا الأمر، وشغل به ~~خيالها، وصارت تحدث به نفسها وتناجيها. ولكن شبابها خليق أن يكون عونا لها، وسيندمل ~~الجرح بسرعة، والشباب كفيل بذلك. والآن ماذا ينبغى أن يصنع؟ هل يخاطب عمته لتكف عن ~~إلقاء الفتاة عليه؟ أو لا يقول ولا يصنع شيئا؟ # ونهض. وفى مرجوه أن يفتح الله عليه بالرأى الأصوب، وانحدر ومضى إلى الشمال حتى بلغ ~~حوض الورد، وكان الظلام قد أرخى سدوله، فاستغرب أن يبدو له الورد أسود فى الليل، وخطر ~~له أنه لم يلاحظ ذلك من قبل. ثم استأنف المشى، فالتقى بمن لم يتبين، ولكنه قال: «تحية؟» ~~نطق اسمها غير مستغرب كأنما كان يدور على لسانه طول عمره. ولم تجبه. ولكنها بدت له ~~كأنها تترنح، وكبر فى ظنه أنها ستقع، فخطا إليها ودنا منها وأحاطها بذراعيه، فلم تدفعه، ~~ولم تلق بنفسها عليه. وكانت كأنها غير مفيقة وليست تامة الوعى، وكان رأسها مطرقا، ~~وذراعها على ذراعه. وظلا هكذا برهة، وهو مطوقها بذراعيه، وهى واقفة لا تبدى حراكا، ولا ~~تقبل ولا تنفر، كأنما ليس لها فى الأمر رأى أو خيار، ثم رفعت رأسها، فأحنى رأسه، ~~وباسها. # ولم يشعر حين باسها بنشوة، وإنما كان شعوره باغتباط هادئى. وكان مبلغ إدراكه لما هو ~~فيه شبيها بصوت الموجة مقبلة من بعيد. وتلقت قبلته أول الأمر بلا مجاوبة، كأنها تمثال، ~~ثم حركت شفتيها بغتة، وباسته، فأحس كأنه يكاد يختنق. # وكأنما ارتجت الأرض فتحاجزا، وتراخت السواعد إلى الجنوب. وكان يستطيع أن يرى، على ~~الرغم من الظلام، جانب خدها وبياض جيدها، ويحس رشاقة قوامها، ويود لو تكلمت، لو نطقت ~~بأى شىء، ولكنه لم يسمع سوى أنفاس غير منتظمة، ولم يجد هو كلاما يقوله سوى: «يحسن أن ~~نجلس». # وجلسا، متباعدين، غير متلامسين. وخطر له وهو يتدبر تعمدها التباعد، أنها المعرفة التى ~~أحوجت آدم وحواء إلى الخصف بورق الجنة، وكانا قبل ذلك لا ms028 يستحييان من العرى ولا ينكران ~~شيئا. ثم قال بعد برهة: «لست آسفا، فلا تتوقعى منى الإعراب عن أسف». وقالت بعد فترة: ~~«ولا أنا. كلا، لست اسفة، وإنى ...». # ولم تتمها. # فهم بكلام، فرفعت كفها الدقيقة الرخصة إلى فمه تصده، وقالت: «إنك لا تدرى ... ولكنى ~~تمنيت أن يحدث ما حدث ... لم يبق إلا أن تقال الحقيقة فلأقلها. ولم أكن أدرك على وجه واضح ~~ما أبغى، ولكنى كنت أحس برغبة غامضة فى شىء غير جلى. أخشى أن ترى كلامى هذا فارغا، ~~ولكنى لا أعرف كيف أقول غير ذلك، وإنما أصف ما خامرنى». # قال: «لست أراه فارغا، فإن له لصدى فى نفسى. أنا أيضا كنت جاهلا ما يضطرب به صدرى، ~~وكنت أحسى دفع الدوافع إلى مجهول أو غامض يأبى أن يخرج إلى النور. وقد عرفنا الآن، وهذا ~~هو المهم، وسأخبرهم بما حدث، فما يليق ولا يعقل أن يبقى هذا مكتوما وموقفهم منك ما ~~تعلمين وأعلم. يجب أن يسدل ستار على هذا الفصل، وإلا صار هزلا مرا». # فألحت عليه أن لا يقول شيئا، وأن يدع لها تدبير الفكاك من الموقف، فإنه موقفها، ~~فأبى. فعادت تلح، وقالت: «إن ظهور الحقيقة يثير العداوة بينه وبين أهله، وبينهم وبين ~~أهلها، ويخلق لغطا هم جميعا فى غنى عنه، وقد يحمل أباها على العناد فيأبى عليهما ~~الزواج. وفى الوسع اتقاء هذا كله بالحكمة وحسن التدبير». # وبدت له الحكمة فيما تشير به. ولكنه رأى فيه ضربا من التامر والتواطؤ غير لائق، ~~وذهب إلى أن الصراحة أمثل وأكرم. فوافقت على أن هذا تآمر قد تأباه المروءة، ولكنه تآمر ~~يتقيان به ما هو شر من لوثته - يتقيان به لغطا أليما لا داعى له ولا مسوغ؛ وعداوة ~~يسهل اجتنابها، وعذابا غليظا قد يجره عليهما استنكاف أبيها، وما قد يغريه به من ~~العناد، ويكسبان به أخيرا سعادتهما. # فأصر على الإباء أنفة منه أن يسلك هذه السبيل العوجاء، وأنفة - لم يصارحها بها - من ~~أن يكل إلى امرأة تدبير أمره. فعرفت له ذلك، ولكنها هى أيضا أصرت ms029 على رأيها. ولما رأته ~~لا يقتنع أنذرته أنها لا تملك إذن إلا أن تتحامل على نفسها وتضحى بها، وتتزوج حامدا ~~إذا طلبها، وخيرته بين الإذعان لرأيها وركوبها هذا المركب الصعب، فلم ير سبيلا إلى غير ~~الإذعان. # ولكنه قال لها: «سأرحل فى الصباح على أول قطار، فما أرانى أطيق أن ألقاهم وفى قلبى ~~هذا السر». # وأصبح الصباح فسافر من غير أن يعلم بسفره غير «عم ادم». # وبعد شهور وشهور - كأنها الأحقاب طولا - تزوج تحية، وعاشا فى «تبات ونبات»، ولكنهما ~~لم يرزقا ما يرزق الأزواج، من صبيان وبنات. # 4 # وعاش إبراهيم مع تحية سنوات، وفيا لها بالعين والقلب. وكان يطوف ويعمل ويكد، ويعود ~~إلى البيت فيلقى إليها بما أفاد من مال. وكان ما يكسب من الرزق يجيئه من هنا وههنا، ~~وبين بعضه والبعض الآخر فترات تطول وتقصر. ولكنه فى جملته - وبفضل تدبير أمه ثم تحية - ~~واف بالحاجة، كاف لستر المظهر. وكانت أمه هى ربة بيته، وظلت كذلك زمنا بعد زواجه؛ فلما ~~آنست من تحية الرشد وشامت من سيرتها الخير، ألقت إليها بالزمام امنة مطمئنة، ولم تجشم ~~نفسها حتى عناء الإيحاء والتوجيه، ووكلت كل شىء إلى ذكائها وفطنتها وعقلها ~~وحكمتها. # وكانت كبيرة السن ضعيفة القلب، فأتيحت لها الراحة التى تعذرت قبل زواجه، ووسعها أن ~~تقول لتحية يوما: (الآن أستطيع أن أودعكما، وأنا سعيدة قريرة العين. فإنك كنز ظفر به، ~~ووقع عليه إبراهيم، وأرجو أن يكون رأيك أنه أهل له. على أن فى يديك أن تجعليه كذلك، ~~وكما تحبين. والرجال يحبون أن يكونوا سادة، ولكنهم يكونون بين يدى المرأة الحكيمة ~~أطفالا رضعا، وأنا أحب أن يطول عمرى فأسعد بسعادتكما، ولكن وجودك أغنانى عن البقاء ~~والتلبث، وأشعرنى أنى كنت متعبة مرهقة، وأفقدنى الباعث على التشدد، فأنا أنهد بسرعة. ~~وليس لى إلا رجاء واحد إليك، فقد كنت لابنى أما وصديقا، وأخشى أن لا يهون عليه أن ~~يفقدهما جميعا بعد طول الإلفة، فيتغير وتنكرى منه ما لا عهد لك به، فلا تحملى ذلك منه ~~على غير محمله ms030 ورديه إلى ما عرفتك، لا إلى ما عسى أن يطوف برأسك من البواعث، وآثرى معه ~~الحسنى - في كل حال - وطول الإناة، ولا تنسى أنه إنسان مخلوق من طين، وثقى إذا فعلت ذلك ~~أنه سيعود إليك - كما كان يعود إلى - فيفتح لك مغاليق قلبه. وقد يكلفك هذا شططا، ولكنك ~~حقيقة أن تحمدى المغبة إذا رضت نفسك على أن تكونى صديقته لا زوجته فقط. لا تجعليه يشعر ~~أنه فقد أمه؟ أى صديقته، فإنه يتعزى عن فقد الأم ولا يتعزى عن فقد الصديقة. والذنب لى ~~فقد أنسيته الأم لما صرت له صديقة. لقد كان يفضى إلى بما لا تسمعه أم من بنيها أو ~~بناتها لأنه كان يثق أنى أفهم وأعذر. فى حجرى هذا كان يدفن وجهه ويبكى كالطفل فيتفطر ~~قلبى. فليس أقسى ولا أوجع من بكاء رجل ... نحن النساء يا بنتى دموعنا قريبة، وإن ذلك لمن ~~رحمة الله بنا. ولكن الرجل لايبكى.. لم يخلق للبكاء مهما بلغ من لوعة الحزن.. فهل تدرين ~~ماذا كنت أصنع؟ كان يرتد بين يدى طفلا فأرتد أول الأمر أما، ولا نخجل - لا هو ولا ~~أنا، فما يستطيع أن ينسى، ولا أستطيع أن أنسى أنه رضع من ثديي هذين، ثم أعود فأصير له ~~صديقا. لقد كان الأمر أسهل على لأنه رضع من ثديي، ولم يرضع منك، ولكنك تستطيعين أن ~~تعوضى ذلك إذا استطعت أن تكونى صديقة قبل أن تكونى زوجة. دعى الحقوق والواجبات ... ~~تناسيها ... نحيها، وغضى عنها، فإنها قيود لك وله.. وصدقينى فقد جربت.. لم يكن أبوه مثال ~~الوفاء والقناعة فى نظر الزوجة، فقد كان مزواجا.. وقد شقيت به زمنا وكدت أخسره، ولكنى ~~استعدت وفاءه وثقته وحبه واحترامه لما أنسيته أن لى حقوقا عليه، وأن عليه واجبات لى، ~~وأن بيننا هذا الحساب الذى لا ينقضى، فصرت بذلك امرأة جديدة عنده وتكشفت له جوانب لم ~~يكن يفطن إليها أو يراها.. وإنها لفى كل امرأة. ولكن النساء اللواتى تزوج لم يبدينها له ~~كما أبديتها ولم يقدرن على ما قدرت، فعاد لى ms031 بقلبه وعقله جميعا. ووصيتى الأخيرة يا ~~تحية أن تجعلى دأبك ووكدك أن تجددى نفسك له؛ فإنى أخشى فتور الألفة. لا تكونى له فى ~~يومك كما كنت فى أمسك، ولا تظهرى له فى مباذلك أبدا. ولا تقولى إنه زوجى ويعرفنى ~~معرفتى نفسى فما داعى التكلف؟ لا.. ينبغى أن تكونى له فى كل يوم امرأة جديدة تتصدى له ~~وتغريه وتفتنه. وإنه لعناء يا بنتى ولكنها لعنة جنسنا، ولا حيلة لنا إلا أن نتكلف ~~العناء إذا أردنا أن نحتفظ ببعولنا.. وسامحينى يا تحية واغفرى. لى أنى أنصح لك كأنى ~~أسىء الظن بعقلك فإنها تجربتى، ومن أنفع بها إذا لم أنفعكما؟» # فقالت تحية، وهى ترد الدمع بجهد: «أخشى يا نينا - أى يا أم وكانت هكذا تدعوها - أن ~~أكون خيبت أملك»، تشير إلى أنها لم تجئها بذرية وإلى الخوف من أن تكون أعقمت. # قالت: «لا تقولى لى هذا فإنها إرادة الله. فإن تكن خيبة أمل فهى لك قبل أن تكون لى. ~~وإنى كون جاحدة فضل الله على إذا لم أشكره، فقد كان لى ولد فصار لى ولد وبنت. ولا أتكلف ~~التواضع فأقول إنى لا أستحق هذه النعمة، فقد أنعم الله على بها، فلابد أنى عنده أهل ~~لها. نعم، لقد رضى الله عنى حين رزقنى بك، ولا قنوط يا بنتى من رحمة الله فاصبرى ~~تؤجرى». # قالت: «إنما أسفى من أجله لا من أجلى، فإنى راضية قريرة العين، ولكن أكبر خوفى أن ~~يثقل عليه هذا الحرمان». # قالت: «لا تخافى فإنى أعرف ابنى لا بال له إلى هذا. همه ما يقرأ ويكتب. وما يخرج خير ~~عنده من البنين والحفدة - أو هو عدله على الأقل - وهذا من لطف الله فلا تقلقى فإنى أخاف ~~أن يذبلك القلق، ولا تضمرى الحسرة واللهفة فإنها شر ما جنى على المرأة وحياتها مع ~~بعلها. ويا بنتى إن ذلك ليس فى أيدينا، وإنما نحن كالأرض لزارعيها، ولسنا ننبت إلا ما ~~زرعوا». # وجاء يوم آذنت فيه بفراق، وكانت تحية وحدها معها فى البيت، فامتنع صبرها - على ms032 فرط ~~تجلدها لهذا التوديع الذى كانت تعلم أنه لابد آت - وانحدرت العبرات - «كاللؤلؤ الرطب» - ~~من مدامع قرحات، واضطرمت فى أحشائها نار أليمة الحرقات. # وكانت المسكينة كالمشفى على الغرق، وهو لا يحسن من السباحة إلا الغوص. وكان التمزيق ~~الذى تحسه فى صدرها يجعلها - على الرغم منها - تدفع يديها ورجليها فى الهواء، كأنما ~~تحاول أن تتعلق بشىء. وكانت تنفخ كأنما فى جوفها بركان حام هائج. وعيناها متفتحتان ~~جاحظتان، ولكنهما لا تكادان تبصران، وحملاقهما ثابت لا يتحير أو يتحرك، وجيدها يكاد ~~ينخلع من شدة التلوى، وعروقه ناتئة، وأوردته دارة كالوارمة. وكان منظرها هذا وما تكابده ~~من الآلام المبرحة يقطع من تحية نياط قلبها، فارتبكت لحظة ثم عاد إليها الرشد فدعت ~~طبيبا ثم آخر وودت لو استطاعت - أو أجدى - أن تحشد لها جمهرة الأطباء الحذاق. وجاء ~~أولهما - وكان وثيق الصلة بالأسرة - فدخل عليها هاشا باشا كعادته، فتجلدت وتكلفت ~~الابتسام له، فقال هذا أحسن وفحصها وهو يمازحها وطمأنها. وجاء الثانى فتشاورا ثم حقناها ~~بالمورفين واتفقا على العلاج. وانصرف ثانيهما وبقى الأول حتى جاء إبراهيم، فارتمت على ~~صدره تحية تبكى بأربع. وقال الطبيب إننا نفعل ما نستطيع والله يقضى بما يشاء، ولكنى غير ~~يائس. # وحبست تحية نفسها عليها تمرضها. وكان الطبيب يعودها فى اليوم مرة واثنتين. واستراحت ~~الأم من الالام فى اليومين الأولين واذنت الحالة بالتماثل وقاربت أن تشابه أحوال ~~الصحة، فاستبشر إبراهيم وتحية، ولكن الطبيب ظل يقول إذا مضت لها سبعة أيام رجوت لها ~~البرء. وكان ما خاف أن يكون، فانتابها كالاختناق، فتسترخى إحدى العينين، ويتهدل أحد ~~الشدقين، ويغيض الدم من الوجه، وتصبح الحدقة زجاجة. وكان هذا ربما طال ربع ساعة. ولكن ~~فترات الراحة كانت طويلة، ثم قصرت وتلاحقت هذه الأزمات على قصر مدتها، وضعفت المقاومة ~~وزهدت فيما وصف لها من طعام ودواء، فكانت لا تقبل من ذلك شيئا إلا مرضاة لابنها ~~وتحية. # وكان صباح، فأومأت إلى تحية أن تدنو منها وقالت لها همسا: «يا تحية أوصيك بأمور. إنى ~~أعرف أنى هامة اليوم. فلا صراخ ms033 ولا عويل، فإنه أنكر ماسك مسمع حى. ولا نساء يحتشدن ~~حولى، ويبكين مخلصات أو منافقات أو مجاملات. ولا سواد تلبسينه على. ولا مأتم يقام ولا ~~جنازة تشيع، وإكرام الميت دفنه، فعجلوا به، والله يبارك لكما فى حياتكما». # وأمسكت هنيهة تستريح ثم تبسمت لها فى عينيها، وقبلت ما بينهما. وفاضت روحها فى ~~قبلتها، على جبين تحية. # وخالف إبراهيم وصية أمه - بكرهه - فقد كان يخشى شماتة بعض من يعلم أنهم يتنسمون ~~أخباره ويتمنون له السوء. وخاف أن يحملوا العمل بالوصية على محمل الفقر والعجز، فكلف ~~نفسه شططا، واحتفل بدفن أمه وأقام لها مأتما «كنجوم الليل زهرا» ولم يذرف دمعة واحدة ~~وهم يدفنونها، ولم يقل لدافنيها ترفقوا بها وإن كان قد هم بذلك، حين رآهم يحملونها بغير ~~احتفال. وسبقهم فانحدر إلى القبر فسوى لها التراب بيديه، وكاد يعفر به وجهه. وتلقى ~~تعزيات المشيعين - وهو باسم - وقلبه يدمى، والدموع فى حلقه. ولكنه على فرط تجلده لم ~~يستطع البقاء فى البيت، فقد كان يرى أمه فى كل مكان، وكان كل شىء يذكره بها. وانتابه ~~الأرق والوسواس، وتلفت أعصابه حتى صار يشق عليه أن ينام وحده على سريره. واحتاج أن يشعر ~~لإنسان آخر إلى جانبه. وكان هذا الاضطراب يخجله، فتحامل على نفسه وأخفى ضعفه. غير أن ~~تحية فطنت إلى ما به، وكانت عينها عليه، وقلبها معه، فزعمت أنها خائفة فهل يسمح لها ~~بالانتقال إلى جانبه فى سريره؟ ففعل مرحبا مسرورا. ولم يفطن إلى حيلتها. ووسعه أن ~~يغالط نفسه ويوهمها أنه يحمى امرأته ويرعاها ويحرسها، وفتر إزعاج الهواجس، وضعف صوت ~~الهواتف. ولكنه ظل لا يطيق البيت فتحول عنه إلى سواه، وإن كان عزيزا عليه حافلا ~~بالذكريات الحبيبة إليه. # وخالفت تحية الوصية أيضا فلبست السواد. وكانت تعرف أن السواد والبياض سيان، وأن ~~العبرة بما ينطوى عليه القلب. ولكنها خشيت سوء القالة والتأويل، وإن كان لها من الشجاعة ~~وقوة النفس ما يعينها على مخالفة العادات وإهمال التقاليد. ولكن إبراهيم كان يكره ~~السواد ولا يطيق لونه، فانتظر حتى مضت الأربعون، ms034 ثم قال لها: «إننا لا نزور ولا نزار - ~~على الأقل الآن - فما فى زيارة حزين متعة، ولا للناس فى ذلك رغبة صادقة، فاخلعى هذا ~~السواد فإنه يثقل على نفسى. وما أظن بك إلا أنه يثقل عليك أيضا. إنه لون قابض يجثم على ~~الصدر، ويشد الجلد، ويسقم القلب، وأنت تعرفين حبى لأمى، وأنا أعرف حبك لها، فهل تظنين ~~أنها تطيب نفسا - لو كانت دارية - بحالنا هذا وما نحن فيه؟» # فنضت السواد - على كره وإشفاق - ولغطت نساء بذلك فيما بينهن، ولكنها لم تجعل بالها ~~إليهن، وإن كن يجدن الوسيلة إلى إبلاغها ما يقلن فيها. وكان عزاؤها حين يتأدى إليها هذا ~~اللغط أن: «هى تعرف، هى تعرف. لا سواها». # وكان الانتقال إلى الحياة العادية بطيئا بطبيعة الحال. ولكنهما عادا سيرتهما الأولى ~~على الأيام. ولم ينسيا هذه الأم الكريمة، وأنى لهما أن يفعلا؟، ولكن حزنهما عليها ~~تحول إلى اغتباط عجيب بذكرها. فكانا يقضيان بعض الوقت - أحيانا - وهما يتساقيان ~~ذكرياتها، فينتشيان. وكانت تحية ربما توقفت وهى تلبس ثيابها استعدادا للخروج معه إلى ~~السينما أو لزيارة صديق أو قريب، وألقت إليه نظرة وديعة، فيها لين وحنين، فيفهم. ويذهب ~~بها إلى قبر أمه فيقفان عليه لحظة - لا يقولان شيئا ولا يقران حتى الفاتحة - ثم ~~يعودان من حيث جاءا، ويذهبان إلى حيث شاءا، وقد استراحا وشعرا أنهما سراها. # وقال لها إبراهيم يوما: «هل تعرفين يا تحية أن أمى فترت إرادة الحياة فى نفسها وضعف ~~تعلقها بها لما اطمأنت إليك ووثقت أنك لى أم وزوجة وصديق فى آن معا؟» # فلم تدر أينبغى أن تسر أم تألم؟ # ولكن السرور غلبها مع ذلك وقالت: «لقد استراحت فقد كانت تكتم ألمها وتحاذر أن تبديه. ~~وكنت أعرف ذلك، وأعرف أنه يسرها أن لا أظهر أنى أعرف ما تكابد. لم أر أشجع منها ولا أرق ~~قلبا. لو وزع حنو قلبها على الناس جميعا لعادوا ملائكة رحمة». # ولكن إبراهيم خامره خاطر غريب جعل يقوى ويستبد بنفسه على الأيام. وكان يدرك بعقله أن ~~هذا من تلف ms035 أعصابه. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن ينحيه. ولم يفد فى دفعه ما أحاطته به تحية ~~من وسائل التسرية وأسباب التلهى. وكان منطق هذا الوسواس أعجب من الوسواس نفسه، فكان ~~يقول لنفسه إنه كبر وأسن. أليست أمه قد ماتت؟ والأمهات يمتن فى كل سن، عن بنيهن، فى كل ~~عمر. ولكن أمه قد ماتت وهى مقتنعة بأن به الان غنى عنها. فما معنى ذلك؟ أليس معناه أنه ~~شب عن الطوق جدا جدا؟ ودخل مداخل الرجال الذين لا يحتاجون إلى تعهد ورعاية؟ فهو ~~يدلف الان إلى الشيخوخة. لقد كانت أمه تشعره فى حياتها أنه ما زال حدثا بل صبيا ~~صغيرا. وكان هو يشعر بين يديها أن فى وسعه - بل ما زال من حقه - أن يرتمى على صدرها ~~ويرضع ثدييها لا يصده عن ذلك شاربان ولحية، وإن كان يحلقها ولا يبقى عليها، فكان وجودها ~~يفيض عليه شعورا قويا بالشباب والفتوة. وكان يحس أنه لن يكبر ما بقيت حية. فلما فقدها ~~فقد هذا الشعور وأحس أنه ارتفع عن تلك السن التى كان لا يحس أنها تعلو فى حياتها. كان ~~فرعا من أصل، فاجتث الأصل واقتلع، واقتطع الفرع وغرس فصار أصلا له عروق وأطناب. ~~وراح يشعر أنه من الأرض مباشرة وإليها. نعم بقيت له تحية، وهى لا تنى تبره وتسره، ~~وتتعهده، وتحنو عليه. ولكنها تعتمد عليه أيضا - تتكئ عليه كالعصا - تقوى نفسها ~~وتصيبها بالاستمداد منه، كما كان هو يقوى نفسه ويصيبها بالاستمداد من أمه، فصار هو ~~لتحية ما كانت أمه له، متكأ، ومعتمدا، ومعين قوة، وينبوع حرارة، وليس له هو أحد يمتح ~~منه ... # وهو لم يرزق ولدا، وليس هذا لمحزنه. ولكن أهو يا ترى عقم؟ وتمثلت له أرضان، واحدة ~~خصيبة والأخرى جديبة. واحدة يرف نباتها ويربو ويهتز، ويوحى إلى النفس معنى القوة ~~والنعمة والرى. والأخرى خاوية موحشة توحى معانى الفناء والعبث. وتراءت لعينيه شجرتان ~~واحدة عليها ثمرها ونوارها، والأخرى لا ثمر عليها ولا زهر لها. وتساءل عن الشجرة ~~اليابسة ما انتفاعها بالثمرة المضمرة التى لا ms036 تطرح؟ ثم أليس الإثمار تفتحا والعقم ~~انسدادا؟ # ودار فى نفسه ما هو أثقل وأبعد من الصحة. أحس أنه وثب فجأة من الطفولة التى أطالت أمه ~~عهدها إلى الكهولة دفعة واحدة، وأن شبابه ذهب خطفا، ومر كالقذيفة، فلم يتلبث ولم ينعم ~~هو به وألفى نفسه يتساءل - وينكر من نفسه تساؤلها - ترى كيف طعم الشباب؟ # وخطر له أن هذا جحود، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدرك الحاضر إلا بعد أن يصبح ماضيا، ~~وأن من تضييع الحاضر والماضى جميعا - وتقصير العمر أيضا - أن يترك نفسه يفكر على هذا ~~النحو وينكر شبابه، ويمحوه ويمسحه من لوح الذاكرة التى لا يحسن الإدراك والفهم إلا ~~بها. # وانثنت خواطره إلى تحية. فحدث نفسه أن شباب المرء يشعر به المرء فى سواه - على الأقل ~~أكثر مما يشعر به فى نفسه. وتساءل: كيف هذا؟ أترانى خرفت؟ لا. ليس هذا من الخرف.. إن ~~صدى شبابى فى نفوس الناس.. أثره ووقعه.. إحساسهم به.. مجاوبتهم له.. هذا هو الذى يشعر ~~المرء بشبابه.. يعنى ماذا؟ هل معنى هذا أن الشباب - أو الشعور به - إيحاء؟ وقال لنفسه، ~~بعد إطراق طويل إنه يحسب أن الأمر كذلك إلى حد كبير.. كل شىء فى هذه الدنيا يكاد يرجع ~~فى مرد أمره إلى الإيحاء.. لو اجتمع نفر على واحد، وألحوا عليه بالإيحاء الخفى أو ~~الظاهر لأقنعوه بما شاءوا.. بأنه عاقل أو مجنون.. وشاب أو كهل، وظريف أو ثقيل ... ولا ~~يمنع هذا أنه فى الواقع غير ذلك.. نعم الشباب قوة ذاتية ولكن الشعور به رهن أيضا بما ~~يتلقى المرء من إيحاء الحياة. # وكان يشعر ويدرك أن فى تفكيره عوجا، أو على الأقل يحب أن يعتقد ذلك. ولكنه لم يستطع ~~أن يقيم العوج أو يثنى خواطره ويصرفها إلى مجرى اخر. ووجد نفسه يتساءل عما توحى إليه ~~حياته وعن نوع إيحائها أهو إيحاء بالشباب والقوة، أم بالكهولة ودلوف الشيخوخة وذهاب ~~النعمة والغضوضة؟ وتنهد أسفا فليس فى حياته غير تحية. وليست تحية بالامتحان الكافى أو ~~المقنع. واستهجن أن يجرى هذا بخاطره، وعده ms037 ظلما لتحية، وقلة وفاء. وعالج أن يطرده ~~ولكنه أبى إلا أن يستولى على نفسه حتى صارت المسألة عنده كيف يكون الأمتحان. # وانتابه وسواس آخر جرته عليه النوراستينيا، وكان قد أصيب بها فى صباه وعانى تبريحها ~~سنوات، وكان أخوف ما يخافه فى هذا العهد الأول «الحمى» فكان لا يكاد يأكل شيئا أو يتعب ~~إلا توهم أنه يجد مسها وأنه سيحس بعد ذلك نفضها وإرعادها ثم تشتد عليه حرارتها وتدوم ~~فيموت. وكان لا يريحه ويعفيه من هذه الأوهام إلا أن يشرب شيئا يسيل العرق فيهدأ ~~ويطمئن. وكان فى قرارة نفسه يعرف - كما يدرك بعقله - أن هذا كله من فعل الأعصاب وأنها ~~أوهام فى أوهام وأنه لا شىء به يشكوه ولا خوف عليه من حمى نافض أو صالب. غير أن ما كان ~~يعتريه كان يغلب إرادته فكان يحس هذا الخوف على حين يبقى عقله مطمئنا. وكان ربما قعد ~~على الطعام وهو سليم مبرأ وفى ظنه أن سيقش كل ما على المائدة من شدة الرغبة فيه والشهوة ~~له، فلا تكاد تمتلئ عينه منه حتى يرد يده عنه وينهض ويلبس الصوف - حتى فى وقدة الصيف - ~~ويلف عليه بطانية سميكة ويقول: «اغلوا لى كراويا»، فتتنهد أمه اسفة وتقوم إليه حتى ~~تسرى عنه. ويا ويحه إذا رأى جنازة أو فاجأه عويل نسوة على ميت، أو صادفه رجل له وجه ~~حانوتى، أو مر به غراب يخطف، أو وقعت عينه على بومة.. وأتعبه الأطباء ولم يجده ما كانوا ~~يشيرون به عليه، وأحس أنه لو صدر عن رأيهم لطار عقله، فقد كانوا يأمرونه بالراحة والكف ~~عن العمل وينصحون له باتقاء الإجهاد ويشيرون بالسكنى فى مكان خلوى ساكن لا ضوضاء فيه. ~~وكان هو يرى أن العمل تسلية وأن الراحة تلتمس لا بالكف عن العمل، بل بتنويعه والانتقال ~~من شىء إلى شىء، وأن التعب يجعل نومه هادئا عميقا وأنه على كل حال لا يطيق السكون ~~والجمود، وأنه إذا كف عن العمل لم يسعه إلا أن يدير عينه فى نفسه ويفكر فى حاله ms038 فيزداد ~~اضطرابا. وكان يحدث أمه بهذا ويروى لها حواره مع الأطباء، ويحاول أن يقنعها بصواب ما ~~يذهب إليه وخطأ ما يشيرون به، كأن اقتناعها بأحد الأمرين يرجح الكفة ويحسم النزاع، ~~ففهمت أمه حقيقة الحالة وأدركت أنها هى التى بيدها علاجه. وكان رأيها أن الأطباء على حق ~~وأن ابنها أيضا مصيب، فقصدت إلى طبيبه زاعمة أنها هى المريضة وعادت وقد استقر رأيها ~~على النهج الذى بدا لها أنه أوفق. وكانت تعرف حب ابنها لها فأرادت أن تصرفه عن نفسه ~~وتحول عنايته إليها. واختارت للسكنى بيتا فى ضاحية جميلة وله حديقة صغيرة، قائلة إن ~~ضجات المدينة تحرمها الرقاد وتسلبها الراحة، وأغرته بزراعة الأزهار والخضر، وصارت تخرج ~~تتمشى فيرافقها من تلقاء نفسه وهى تبدى الزهد فى ذلك وتدعى أنها تخشى عليه التعب، وما ~~كان خروجها إلا من أجله لا من أجلها. وكانت تحرص على أن لا يدرك أنه هو المقصود بما ~~تصنع وما تتكلف حتى لا يشعر أنه مريض يعالج، وحتى تجىء الصحة التى تستفاد من هذه ~~الحياة الجديدة بثمراتها المنشودة. ولاحظت أنه اتخذ عصا وأنه اعتاد أن يحملها معه كلما ~~خرج ليرافقها. وكانت تراقبه خلسة فبدا لها أنه وهو يتوكأ على العصا يثنى رأسه ويمشى ~~مطرقا متجمعا، وخيل إليها أن هذه العصا توحى إليه شعورا بالضعف وأنه يتخذ سمت الشيوخ ~~الوقورين، فزعمت أن المشى يتعبها قليلا، ورغبت فى الاعتماد على العصا، فناولها إياها ~~فلم تدعها له بعد ذلك. وسرها أن رأته يمشى خفيفا، وكان المشى والعمل فى الحديقة مشغلة ~~كافية، فقلت مطالعاته وطال نومه وصح بدنه وأذهلته العناية بأمه عن العناية بنفسه، ~~وأنسته معظم وساوسه فعاد إلى ما كان قد كاد يخرج عنه من حدود الصحة. # فلما ماتت عاودته الوساوس ولكن فى صورة أخرى، فصار يخشى الموت بالسكتة أو الذبحة، ~~وبتوهم أن قلبه ضعيف. أليست أمه قد أصيبت بالذبحة؟ ألم يكن قلبها ضعيفا؟ أليس هو ~~ابنها، فهو لعله قد ورث بعض ضعفها؟ وصار يزعجه ويؤرقه ويثير مخاوفه على نفسه أنه يسمع - ~~حين ms039 يضع رأسه على الوسادة - دقات قلبه، فكان يؤثر النوم قاعدا فيرص المخدات وراء ظهره ~~لتسنده، حتى إذا خفت صوت هذه الدقات وكاد النوم يغلبه انحدر عن المخدات برفق وحذر ونام ~~كالعادة. وكثر تردده على الأطباء ليقولوا له كيف حال قلبه، ويبينوا له ما خطبه، فقال له ~~صديق له منهم: «يا سيدى إن قلبك سليم، وأنت رجل جسمه ليس بالضخم الهائل الأنحاء فهو لا ~~يكلف طلمبة قلبك - فما القلب إلا طلمبة - جهدا ولا يتعبه ولا يرهقه. ولا أدعى أن لك ~~قلب مصارع أو ملاكم أو رجل مغرى بالرياضة البدنية، ولكنه كاف جدا لجسمك وخليق أن يظل ~~كافيا زمنا طويلا. فلا تقلق عليه، واعلم أن الذى بك هو تلف الأعصاب ليس إلا. إن جسمك ~~- وصدقنى فقد درسته وأنا أعرف به منك - أقول إن جسمك عبارة عن شبكة معقدة من الأعصاب، ~~وهى أعصاب حساسة مرهفة جدا، وهذه الأعصاب فى إطار من الجلد، تحمله عظام وقد وضع هنا ~~قلب وهنا معدة وهنا كلية إلى اخر ذلك، وكل هذا سليم لا عيب فيه ولا مرض، وإنما البلاء ~~أعصابك هذه، فاعرف ذلك ورد كل ما تحس به وتقلق من جرائه إلى هذا واحمد الله واشكر ~~نعمته، فإن إخوانا لك أصغر منك سنا، وكانوا أصح منك أبدانا، قد أصيبوا بأمراض وبيلة، ~~وأنت تجيئنى متغير اللون مربد الوجه من الفزع وتقول لى: قلبى مريض.. أسمع دقاته وأنا ~~نائم.. يا أخى كل إنسان يستطيع أن يسمع دقات قلبه وهو راقد إذا جعل باله إليها، فاصنع ~~معروفا وأرح نفسك من هذه الوساوس وابتسم واضحك والعب وأدخل السرور على نفسك، ولا تجالس ~~من يقول لك إن الدنيا دار شقاء وإن الحياة ذميمة، فما أعطينا الحياة لنشقى بها بل ~~لنحياها على خير ما نستطيع وفى أسعد حالة تتيسر لنا.. ثم ما هذه الضجة بالله؟ ماذا ~~تخاف؟ أو هو الموت؟ فإنا جميعا أبناء الموت ولا مهرب لنا منه، ولو أعطيت أقوى قلب فى ~~الدنيا لما منع ذلك أن تموت فى يوم ما. فلماذا ms040 نعنى أنفسنا بالموت طول حياتنا ؟ وإنه ~~لحال مقلوب، فى شبابك - لا تضحك فإنك مازلت فى شبابك - أقول فى شبابك يسود الخوف من ~~الموت عيشك، وتعلو سنك شيئا فشيئا وتدلف إلى الكهولة والشيخوخة فيكون من أثر هذا أن ~~يوطن نفسك ويروضك على المصير المحتوم، وفى الشيخوخة يشعر المرء بالبلادة كلما طاف برأسه ~~خاطر الموت - لأن الشيخوخة عبارة عن تبليد هو بمثابة الإعداد للموت - ففى صباك، فى ~~نضارة عمرك، فى عهد القوة والفتوة واستطاعة الانتفاع بالحياة والاستمتاع بها، تنغص على ~~نفسك هذه الحياة وتفسدها بالموت والفزع منه، ثم ينقضى الشباب الذى لم تصنع به شيئا ولم ~~تركب به ما يركب، وتجىء الشيخوخة - إذا مد الله فى عمرك - فيفتر وقع الموت فى نفسك ولا ~~يعود له ذلك التنغيص القديم، ولكن ما الفائدة حينئذ؟ أليس هذا حالا مقلوبا؟ اذهب.. ~~اذهب يا رجل واختش.. وانتفع بما لا يزال لك من شباب». # ولم تخل هذه «المحاضرة» من أثر، وصار تفكيره أن صدق الطبيب والله! ولقد أضعت شبابى ~~بين الخوف والحذر! أنفقته فى غير ما ينفق فيه، بددته تبديد سفيه أخرق.. لا فى لذات ~~ومتع، بل فى بلابل ووساوس وهواجس ما أنزل الله بها من سلطان.. ليت أن من الممكن الحجر ~~على الشباب كالحجر على المال.. إذن لأمكن أن يحجر أحدهم - أمى مثلا أو تحية زوجتى - ~~على شبابى فيظل محفوظا لى مصونا حتى أرشد كما أكاد أرشد الآن، حتى أفيق وأصحو من ~~غاشية الأوهام وأستطيع أن أحسن الانتفاع بهذا الشباب الذى يولى ولا يتمهل ... أو ليت ~~العمر يرفى كما يرفى الثوب كلما بلى منه شىء.. ولكنه لا يرفى ولا سبيل إلى الحجر على ~~الشباب وصونه من البعثرة والتبديد والإنفاق بخرق وحماقة.. فهل ضاعت الفرصة؟ # وكر إلى رأس أمره من توهم الدلوف إلى الكهولة المنذرة بالعجز.. العجز عن ماذا؟ إنه ~~يستطيع التفكير، وتفكيره أنضج وأسد وأحكم، ورأيه أقوم. فالعجز عن أى شىء إذن؟ ما هى هذه ~~الحياة؟ أهى الفكر؟ العقل؟ إن كانت هذا فلا قيمة للشيخوخة المخوفة، ولعل ms041 بلوغها يجعل ~~الحياة أتم وأكمل . أهى الإحساس؟ فإنى أراه قد صار أعمق على الأيام. إن كل يوم يمضى يزيد ~~ذخيرتى من الشعور والإحساس، ويتركنى أقدر مما كنت على التلقى والاستجابة، لأنى أزداد ~~فهما ورحابة أفق، وحياتى تتسع وتعمق، كالماء المتحدر، تحدره يوسع مجراه ويعمقه. أهى ~~القوة البدنية؟ إن القوة ليست مطلبا بل وسيلة، وليست غاية بل أداة إلى غيرها. فما ~~غيرها هذا؟ أهى القدرة على كسب الرزق؟ ما أسخف أن تكون الغاية من الحياة لقمة! أهى ~~السعادة؟ وتذكر قول شاعر أن السعادة أشبه بعود من البرسيم معلق أمام عينى حمار، فهو لا ~~يزال يعدو ليبلغه ولا يزداد دنوا منه ولا بعدا. أهى القدرة على إسداء الخير إلى ~~الجماعة؟ قد تكون هذه من غايات الإنسان المحس المدرك، بل هى ينبغى أن تكون من غاياته. ~~ولكن ما الغاية التى ينشدها لنفسه، فإن لنفسه عليه حقا وما يستطيع أن ينسى هذه النفس ~~أو حقها. وكاذب مغالط من يقول غير هذا.. فماذا يطلب بالقوة لنفسه؟ شيئا من النعيم فى ~~الدنيا؟ نعيم العقل والإحساس والجسم؟ وخطر له أنه يوشك أن يغالط نفسه، فما هذا العقل ~~الذى يتميز من الجسم؟ وما هو هذا الإحساس الذى لا يتصل بالجسم؟ إن هذا وذاك بعض الجسم ~~أو بعض ما يؤدى إليه تركيب الجسم وتكوينه على هذا النحو. فالمسألة أولا وقبل كل شىء ~~مسألة جسم. وكل ما نباهى به ونعتز، ثمرة هذا التكوين الجسمانى الخاص فلا داعى للمغالطة ~~وتقسيم الإنسان إلى جسم وعقل أو غير ذلك، فإنه لايتجزأ، أليس كل شىء يذهب ويتعطل حين ~~يتعطل ما يجعل الجسم كائنا حيا؟ لا يبقى عقل، ولا يبقى شعور، ولا يبقى أى شىء اخر ~~حين تعدو المنية على هذا الجسم الذى نغالط أنفسنا باحتقاره. هل نقول إن العقل يبقى ~~بآثاره؟ هذه مغالطة أخرى فما أمكن أن توجد هذه الآثار إلا لما كان الجسم موجودا وحيا. ~~انتهينا إذن، والمسألة مسألة جسم.. وهذا الجسم له حقوق فى السعادة الميسورة والنعيم ~~المتاح. والعقل والشعور يشقيان إذا ms042 شقى الجسم المزدرى. وقال لنفسه لما انتهى إلى هذه ~~النتيجة: «إن كل حالات الإنسان، كل ما يقوى عليه، وكل ما يكون منه ويصدر عنه، ونوعه، ~~وصفته، وقيمته - كل ذلك رهن بحالة جسمه». # وحدث نفسه أن مغالطات الشباب لا محل لها فى مثل سنه، فإنه يوشك أن يخرج عن حد الشباب. ~~وحينئذ تكون صحة الفهم بعد الأوان غصة ونقمة. ولحرى به أن يعجل.. يعجل؟ يعجل بماذا؟ هذا ~~هو السؤال. # وتردد فى الإجابة الصريحة. فما بالسهل أن يخالف ما جرى عليه طول عمره، وأحس، وخاف. ~~إنه صار حزمة من العادات حتى فى تفكيره.. وأسخطه هذا وأثار نقمته، وحنقه، وآلى ليفكن ~~هذه الحزمة وليبعثرنها. فما يريد أن يكون كهذا الترام الذى لا يستطيع أن يخرج عن ~~قضبانه، ولا يصلح لشىء إذا هو خرج عنها، والأولى به أن يكون كالسيارة التى لا تتقيد ~~بقضبان ولا تعجز عن الانثناء إلى أية ناحية والسير فى أى اتجاه. وهبط قلبه إذ خطر له ~~مفاجأة أن تحية إحدى عاداته، فهل يتحرر من هذه العادة أيضا؟ ورأى نفسه يستعيذ بالله، ~~وينثنى فيقول، إن التفكير على هذا النحو يقود إلى الشطط. وسأل نفسه - وخيل إليه وهو ~~يفعل ذلك أنه انتزع من نفسه شخصا آخر يضعه أمامه ويلقى عليه السؤال - هل يستطيع أن ~~يحتمل خلو حياته من تحية؟ وقال: «الأن نريد الجواب الصريح».. وكان الجواب الذى دار فى ~~نفسه أنه لا يستطيع.. ثم قال إنه استطاع أن يحتمل حياته من غير أمه.. شق عليه ذلك أول ~~الأمر، ولكن الإنسان رزق الكفاية من المرونة، أى القدرة على التكيف. فهو يألف كل حال، ~~وإن بدا فى أول الأمر عسيرا.. فهل معنى هذا أنه يقدر أن يألف خلو حياته من تحية؟ نعم. ~~وساءه هذا اللون من التفكير. فغضب وصاح بنفسه «ولكن ما الحاجة إلى إخراج تحية من ~~دنياى؟» ثم إنه لا يشعر أن حبه لتحية قد ضعف، وإنما يشعر أن به فتورا عنها كامرأة ليس ~~إلا.. وليس هذا بذى قيمة، وهى عسى أن تكون ms043 مدركة لهذا، ولعل بها مثل فتوره. فإنها تتوخى ~~أن تكون له صديقا، وهو يحمد منها هذا، ويراه أطيب وأوفق. غير أن تحولهما إلى صفة ~~الصديقين أوجد بينهما نوعا من الحياء، وأقام فواصل خفية يتطلب الأمر فى بعض الأحيان ~~تنحيتها. فهما يتكلفان جهدا واضحا حين يحاولان أن يتجاوزا حد الصديقين ويعودا زوجين ~~أى رجلا وامرأة. وهذا عناء يزيده فتور الألفة ويبدو أحيانا ممتعا ولكنه على كل حال ~~عناء. وإذا طال الأمر على هذا النحو فأخلق بأن تكثر الحوائل بينهما، لأن كل حال تتقرر ~~بالعادة.. أفلا يمكن أن تزال هذه الحوائل دفعة واحدة ليعودا كما كانا؟ ممكن ولا شك. ~~ولكن ما القول فى الفتور؟ ما خير أن تزال الحوائل مع بقاء هذا الفتور اللعين؟ # وصار الأمر فيما يرى معضلا، وأعياه التماس الوسيلة لحل هذا الإشكال. وألفى نفسه ~~يتساءل: أليس على تحية - كما على - أن تعالج حل العقدة؟ لماذا تتركنى أنفرد وحدى ~~دونها بمعاناة هذه المشقة والأمر مشترك بينى وبينها؟ وقال فى جواب ذلك إنه هو الرجل، ~~وإن المرأة ما زالت تنتظر أن يكون السعى من جانب الرجل ابتداء، لأنها مازالت أضعف منه ~~وهو أقوى منها، وله السيادة والسلطان على الرغم من كل هذا التحرير الذى لم يحررها، لأنه ~~لم يكسبها إلى الآن ما ينقصها من أسباب القوة التى للرجل. وقد يجىء زمن يتساويان فيه. ~~وقد يجىء زمن تصبح فيه أقوى منه، وحينئذ لا تنتظر سعيه بل تسعى هى جهرة. وإنها الان ~~لتسعى سعيها إلى ما تريد من الرجل، ولكن خفية وبخبث، وإنها لتبلغ من غاياتها أكثر مما ~~يبلغ الرجل من غاياته، بالحيلة التى تتقنها ولا يتقن الرجل مثلها، لأنه لشعوره بقوته ~~وإربائها على قوة المرأة اعتاد أن يسير إلى غايته جهرة، ويمضى إلى ما يطلب غير متكلف ~~هذا الضرب من المكر الذى تحسنه المرأة. وإنها لتغلبه وتسيطر عليه من حيث لا يشعر - ~~وأحيانا من حيث يشعر - ضعفا منه إذا كان ضعيفا أو التذاذا لرؤيتها تسيطر عليه، ~~وتتوهم أن لها هذه السيطرة فعلا. ms044 # وعاد يقول لنفسه: «لا يا شيخ. والله إن المرأة لمسكينة». وأطرق قليلا ونفسه فياضة ~~بالعطف على المرأة المظلومة، ثم وجد نفسه يثور على هذا الخاطر ويقول: «إن المرأة هى ~~التى أوحت إلينا أنها ضعيفة مسكينة لتغرينا بإلقاء السلاح والكف عن الكفاح فتبلغ ما ~~تريد، والله ما المسكين إلا الرجل المخدوع». # وضاق صدرا بهذا كله فصاح: «ولكن ما دخل كل هذا فى أمرى وأمر تحية؟ لماذا أرانى أذهب ~~أتفلسف هذه الفلسفة العقيمة كلما فكرت فيما ينبغى أن تكون عليه حياتى وكيف أنتفع بها؟ ~~هذه أيضا عادة، وهى أولى من سواها بالترك. فإن الذى يطول تفكيره على هذا النحو قلما ~~يصنع شيئا. وأنا أريد سيرة أسيرها، لا فلسفة أتفلسفها، فلنضع حدا لهذا العبث». # ولم يضع هو الحد بإرادته - ولو ترك لها لما صنع شيئا - وإنما تكفلت بهذا ~~الأقدار. # | الفصل الثالث # 1 # كان إبراهيم جالسا إلى مكتبه وأمامه نافذة مفتوحة. وكان وجهه إلى النافذة ولكنه لا ~~يرى، لفرض اشتغاله بما يجول فى رأسه وذهوله به عن النظر. ثم كأنما تقشع غمام فأبصر فتاة ~~هيفاء ممشوقة، متكئة على درابزين السلم الذى ينحدر إلى حديقة بيتها، وهى فى منامة - ~~بيجاما - من الحرير الأبيض. وكان بناء داره هو على مقربة من الطريق، والحديقة من الخلف. ~~فترك ما كان مشغولا به وتساءل من عسى تكون هذه الجارة؟ وقديمة هى يا ترى أم حديثة؟ إن ~~لى هنا سنوات طويلات ومع ذلك لم تأخذ عينى إنسانا يدخل أو يخرج من هذه الفيلا حتى لقد ~~حسبتها مهجورة.. لم أر حتى بوابا أو بستانيا، ومع ذلك.. غريب هذا.. لقد تذكرت الان ~~فقط أن حديقتها غير مهملة.. وأتأر الفتاة بنظرة فخيل إليه أنها جميلة رشيقة، وأعجبه ~~منها مرونة بينة على الرغم من سكون أوصالها وقلة حركتها. وراقه شعرها الذى تفرقه من ~~الوسط وترسله على جانبى وجهها - مثل كريمة - وحدث نفسه أنها نحيفة.. نحيفة جدا.. ولكن ~~النحافة خير من إلحاح اللحم.. ونظرتها؟ كيف هى يا ترى؟ إن عينها تبدو له من هذا البعد ms045 ~~حوراء واسعة، وفى نظرتها لين وعذوبة .. فتنة. وأحس من نفسه شوقا إلى معرفتها. وضحك إذ ~~خطر له أن هذا هو الحب من أول نظرة! ومط بوزه ساخرا، فما ارتجت نفسه إلا مرة واحدة من ~~قبل. وليس حبه لتحية بالفائر الثائر، وإنه لساكن جدا، وأشبه بحب المرء لأخته. وقد نسى ~~على كل حال مبلغ اضطرام شعوره فى البدايات - إذا كان قد اضطرم - فهو لا يذكر ولا يعرف ~~إلا أن تحية صديقته التى لاغنى به عنها. # وظل برهة طويلة هكذا ... لا يفعل شيئا سوى أنه ينظر إلى الفتاة. والفتاة التى يتأملها ~~قبالته معتمدة على الدرابزين. وقال لنفسه إن الجديد من الأمر يتطلب جديدا من التصرف ~~والتدبير، فماذا يصنع؟ لو كانت له خبرة بمثل هذه المواقف، أو سبق له بها عهد لقاس حاضره ~~على ماضيه وأجراه فى مجاريه. وغريب أن ينقضى شبابه وهو جاهل بهذه الشئون؟ ثم يشارف ~~الكهولة ويقف على بابها ويأخذ الأبيض يختلط بالأسود، ويبدأ الزمن يرسم خطوطه فإذا هو ~~يشتهى أن يفعل ما يفعل الشبان. وارتفعت يده إلى وجهه متحسسة، وإلى شعر رأسه كأنما يحاول ~~باللمس أن يعرف كيف وخط الشيب لمته. وهل هذا إيذان باندلاع نار المشيب ذات الوقود؟ ~~وتلفت ولكن غرفة المكتب ليس بها مراة.. وخطر له وهو يفعل ذلك أنه لا يذكر أنه عنى مرة ~~بالنظر فى المراة. # وألقى القلم - فقد كان يكتب - واضطجع. وقال يناجى نفسه وهو يضحك ساخرا: «هل أصنع كما ~~يصنعون فى الروايات الكثيرة التى قرأتها؟ وعلى ذكر ذلك ماذا ترى أبطال هذه الروايات ~~يصنعون فى حالات كهذه؟ لقد نسيت والله. فكأنى ما قرأتها، ولا وقعت عينى عليها. وهبنى ~~كنت ذاكرا فهل يصح من دنيا الحقيقة ما يصف الخيال». # واستطرد من هذا إلى القول بأن الروايات ليست، ولا يمكن أن تكون خيالا بحتا، أو ~~شيئا يخلقه الإنسان من لا شىء ولا يحور فيه إلى أصل من حقائق الحياة. وأنكر قدرة ~~الإنسان على هذا الخلق من لا شىء. وذهب إلى أن كل ما يسعه هو ms046 التوليد، وهو أن يلفق ~~القصة من جملة ما شهد وجرب وسمع، ويكون الشخصيات من أشتات ما عرف، ثم تعمل الفطنة ~~الطبيعية واللب العبقرى فعلهما بعد ذلك. فليست القصص خيالا ولا ما تصفه محالا. اذن ~~يكون تقليدها ميسورا. أو دع كونه ميسورا أو غير ميسور، وقل إنه لا يكون شططا. # ولم يرض عن هذا الرأى، فقال: إن القصص يعنى فيها واضعها بترتيب الأحوال والمواقف على ~~النحو الذى يؤثره هو ويراه أوفق لغايته، ومن عسى يرتب لى دنياى كما يرتب مؤلف القصة ~~دنيا أبطاله؟ # أم أستشير صديقا مجربا؟ ولكن هذا مخجل. ثم إن العبرة بنوع استجابة الفرد لوقع ~~الحياة فى نفسه هو. والاستجابة تختلف باختلاف الأفراد. والذى يفعله إنسان ما، فى موقف ~~ما، ليس من المحتم - ولا من المعقول - أن يفعله كل إنسان فى الموقف عينه. فالاستشارات ~~عبث ولا خير فيها ولا جدوى منها إلا الفضيحة. الفضيحة؟ نعم أليس فضيحة أن تفتح قلبك ~~لمخلوق غيرك وتبيحه سرك وتكشف له عن ضعفك وتدع عينه ترى مقاتلك؟ ولكن هل معنى هذا أن ~~الحب ضعف؟ # وأسخطه هذا السؤال وقال إنه لا داعى له فما بلغ الأمر الحب.. أى حب يا هذا؟ إن ~~المسألة كلها أنى أرى فتاة جميلة للمرة الأولى فمن الطبيعى أن أتعجب. وإذا كنت أشعر ~~برغبة فى معرفتها فليس هذا أيضا بمستغرب. # وبدا له من الحزامة أن يصرف نفسه عن الفتاة. فأكب على عمله ساعة ثم نهض متثاقلا. ~~وحانت منه التفاتة إلى النافذة فلم ير الفتاة، فاستغرب، ثم ضحك، وقال متهكما: «أترانى ~~كنت أتوقع أن تظل واقفة هنا إلى الأبد، أن تقضى حياتها كلها على رأس السلم ~~كالتمثال؟» # وعالج أن يتشاغل فى الأيام التالية ولكن الجهد الذى أحس أنه يتكلفه فى هذه السبيل ~~أقنعه بأنه معنى بالفتاة، وإن ما يفعله ليس سوى مكابرة. وقال لنفسه إنه لا يرى بأسا من ~~الإقرار بأنه يؤثر أن يعرف الفتاة، بل إن معرفتها تكون أجلب لراحة نفسه. وقال يوما ~~لنفسه، وهو يناجيها على عادته: إن فى هذا ms047 الحى بضع مئات أو بضعة الاف من الناس لو ~~رحلوا جميعا لما حزنت عليهم ولا أسيت لهم، ولا استوحشت، ولا أحسست نقصا أو خسارة، ولا ~~أسفت على خلو الحى وخرابه، وقعودى فيه وحدى على تله. ولكنى لو علمت أن هذه الفتاة جرح ~~أصبعها أو أصابها زكام لبت كاسف البال - لا أقول مسهد القلب ولا أظن أن الدنيا تسود فى ~~عينى - ولكنى كنت على التحقيق أشعر بأسف وعطف. ومع ذلك لا أعرفها.. ومن يدرى؟ لعلها ~~مزكومة.. مسكينة! وصد نفسه بجهد عن هذه السخافة، وأمر فنقل مكتبه إلى ركن آخر فى ~~الغرفة. ولكنه لا يفتأ ينهف ويدنو من النافذة ويحاول أن يرى من غير أن يظهر، فلا يبصر ~~شيئا. فيعود «وينحط على الكرسى، ولا يستطيع أن يعود إلى العمل إلا بمشقة. واستغرب أن ~~شبابيكها وأبوابها لا تكاد تفتح.. أو لا تفتح أبدا فما رآها قط إلا موصدة.. أو لا تخرج ~~هذه الفتاة للنزهة أو السينما أو لزيارة؟ أو لا يزورها أحد؟ إنها ليست من الطراز ~~القديم، فإن بنات الطراز القديم، لا يلبسن المنامات. وأدهشه أنها خرجت إلى الحديقة أو ~~أطلت من رأس السلم وليس على بدنها سوى هذه المنامة، فإنها ليست مما يليق أن تبرز فيه ~~فتاة. ولكنها صغيرة ولعلها لا تجد من يرشدها أو ينبهها. وعلى ذكر ذلك قال إنه يتكلم ~~عنها كأنما ليس فى البيت سواها وليس هذا بمقبول. وخطرت له فكرة.. لماذا لا يزور هذا ~~الجار؟ ولكن من المحتمل أن لا يكون فى البيت رجل.. فلمن تكون الزيارة إذن؟ هل يسأل ~~خادما؟ واستحى أن يفعل، وماذا عسى أن يقول للخادم؟ وبماذا يسوغ السؤال؟ وسيبدو عليه ~~التكلف ولا شك حين يلقى السؤال، وهو يحاول أن يتظاهر بقلة الاكتراث. وفرك عينيه بأصبعه ~~وهو يدير هذا كله فى نفسه، ثم أطبق جفونه وراح يحاول أن يحضر صورتها لذهنه كما بدت له ~~على رأس السلم، فلم يجد عناء فى ذلك، فقد كانت الصورة مطبوعة على صدره. وذكر قول العقاد ~~من قصيدة مرقصة له ms048 «ذهبى الشعر ساجى الطرف حلو اللفتات ». وقال لنفسه أما أنها ذهبية ~~الشعر فنعم. وأما سجو الطوف فأشهد أنى ما رأيت أحلى من نظرتها ولا أسحر للب فكيف إذا ~~ابتسمت وأشرق وجهها الواضح الصبيح؟ وأما حلاوة لفتاتها فلا شك فيها، ولكنه ينقصه أن ~~يذوق هذه الحلاوة. وراح يقطع الغرفة الواسعة المكظوظة بالرفوف والكتب وغير ذلك. وحدثته ~~نفسه أن يركب الحياة بما يركبها به الشاب، ثم ضحك وقال: لم يكن باقيا إلا هذا: أمسح ~~لها شعرى بكفى، أو أعبث - على مرأى منها - بوردة أرجوانية (كتفاح خدها الأرجوانى)، أو ~~أبعث إليها مع النسيم بقبلة؟ أو هو هو هو! # وقهقه وهو يتخيل نفسه فاعلا ما يفعل الشبان والأحداث. ثم أشعل سيجارة وارتمى على ~~مقعد وسألى نفسه أترانى أحتقر الشبان وأسخر مما يصنعون؟ من الذى عليه أن يتصدى للآخر؟ ~~الرجل أم المرأة؟ كلاهما يفعل ذلك. فأما المرأة فتصديها مخايلة بالجمال وألوانه ~~وبالزينة لزيادة فتنته، وبالشفوف والأفواف والأدهان والأصباغ والشعر المصفف أو المرجل ~~والمشية المغرية، والخطرة، وبما تعرض وما تستر إلى آخر ذلك. وأما الرجل فتصديه يكون ~~بالإقدام لأنه هو القوى الذى عليه أن يطلب ويسعى ويخطو. فلا محل لتكلف الزراية على ~~الشبان فإنهم يصنعون ما يصنعون بوحى الفطرة والأصل الذى فى الطباع. وهذا الاحتشام الذى ~~اعتدته آفة - وليس نعمة - وما أراه فى قرارة نفسى - فضيلة.. لا لا، إنه ضعف ولا أعنى ~~أن التوقح والتهجم فضيلة، أو حكمة، أو عمل مقبول. ولكنى أعنى أن المبالغة فى الاحتشام ~~والخروج به عن حده ضعف كالحياء، لأنه ينافى الطبيعة التى ينبغى أن يصدر عنها الرجل، وهى ~~طبيعة تفرض عليه السعى إلى المرأة، لا القعود حتى تتكلف المرأة السعى إليه. # وخرج عصر يوم مع تحية، وإنه لواقف بالباب ينتظرها وإذا بجارته نازلة على درجات السلم ~~وكانت فى ثوب وردى اللون محبوك، مفصل على قدها تفصيلا يجلو محاسنها كلها، ويعرض مفاتنها ~~جميعا. وكان نحرها يضىء - أى نعم يضىء - وثدياها الناهدان يبدوان من تحت الثوب بارزى ~~الحلمتين ... ما أعظم فتنة هذا الجسم ms049 الغض الجديد الذى لم تبتذله السن ولم يرهله ~~الزواج؟ # وكان شعرها الوحف الأثيث اللامع الناعم مرخى. وكان الضوء المراق عليه يخيل للناظر ~~إليه أن فيه نجوما زهرا أبهى وأسنى من نجوم السماء. وكان وجهها الدقيق المعارف مشرق ~~الديباجة - «يا ويل الرجال من هذا الفم الذى لم يعرف الأصباغ، وهو مع ذلك يبدو لى كأنما ~~غذته الورود!» - وقد لانت نظرتها ورقت. وبدا خداها كأنهما غلالتا وردة جورية. وتذكر قول ~~الشاعر مهيار: «آه على الرقة فى خدودها لو أنها تسرى إلى فؤادها». صحيح.. وليس من يدرى ~~كيف فؤاد هذه الفتاة الرائعة الرقيقة الخدين اللينة النظرة.. أرقيق هو يا ترى كخديها ~~أم.. كلا.. لا يمكن أن يكون إلا رقيقا.. ولكن لماذا؟ وأى منطق هذا؟ على كل حال لا يزال ~~أوان السؤال بعيدا.. بعيدا جدا.. وما حاجتى إلى الاطمئنان من هذه الناحية ولا صلة ~~هناك ولا كلام ولا حتى إشارة؟ وستكون بعد ثانية على الباب وتخرج أمامى ولا تلقى إلى ~~نظرة أو إيماءة. وأقبلت تحية فبادرها بهذا السؤال: «من تكون هذه البنت الحلوة؟» سألها ~~عن ذلك بغير تفكير أو تحرز أو إشفاق من أن تسىء امرأته الظن! فنظرت تحية إليها ثم إليه ~~وقالت: «ألا تعرفها؟ إنها عايدة ... تعالى يا عايدة هذا زوجى يسألنى من تكون هذه البنت ~~الحلوة.. لن نعرفك بعد الآن إلا بهذا الوصف ... من اليوم فصاعدا سيكون اسمك على لسانى ~~البنت الحلوة. وقد صدق». # فخجلت عايدة واتقدت وجنتاها. واندلعت النار فى وجه إبراهيم، وقال لامرأته بصوت يكاد ~~يكون همسا: «إنك خبيثة.. ما كان ينبغى أن تفضحينى هكذا». # قالت: «لا تخف.. فإن ثناءك سرها.. ألا يسرك يا عايدة ثناؤه؟». # فغلبها الحياء والخفر. وقالت تحية: «إن زوجى ذو عين فاحصة وذوق سليم، أليس ~~كذلك؟» # فوجد إبراهيم لسانه، وأراد أن يزيل أثر هذه الحادثة فقال: «كل ما يشهد لى بذلك أنى ~~اخترتك». # والتفتت تحية إلى عايدة وسألتها: «إلى أين؟» قالت: «والله مترددة بين السينما وال ~~...». # فقالت تحية مقاطعة: «تعالى إذن معنا، لا تخجلى. فإن بعلى ms050 هذا رجل طيب، وثقى أنه أليف ~~لا يعض». # فضحكتا وابتسم، وشكر لتحية فى قلبه حكمتها ورحابة صدرها وعقلها. # وذهبوا جميعا إلى السينما لأن عايدة ذكرتها. وشهدوا رواية فيها مهندس ناهز الأربعين ~~يقول لفتاة صغيرة السن إن عليها أن تخشى أمثاله من الكبار المجربين فإن لهم لحيلا وخبرة ~~باقتناص قلوب العذارى، وليس للشبان مثل خبرتهم أو قدرتهم على الاحتيال، فهم - أى الكبار ~~المجربون - أخطر من الشبان على الفتيات الغريرات. # ومال على عايدة وقال: «هذا صحيح. لقد أخلص الرجل لها النصح». # فقالت عايدة: «ألك خبرة مثله؟» فأحرجه هذا السؤال، ولم يدر كيف يجيب. لأنه لو قال إنه ~~لا خبرة له صار فى عينها غريرا وفقد مزية السن. وإن قال إنه ذو خبرة كان هذا اعترافا ~~غير لائق. فاثر أن يكتفى بنظرة، فألقاها إليها كأنما يريد أن يقول: «يا خبيثة» فابتسمت ~~وثنت رأسها ناظرة إلى حجرها. واستغرب هو جرأتها على هذا السؤال. وكبر فى وهمه أنه ممن ~~تخلفوا عن ركب الحياة، فلعل الجيل الجديد لا يرى فى السؤال ما يعد اجتراء غير ~~لائق. # وأبت تحية إلا أن تتعشى عايدة معهما: «لتتوثق الصلة بينك وبين زوجى» كما قالت، فرفعت ~~هذه البساطة الكلفة. وأحس الجميع أنهم من أسرة واحدة، وأن معرفتهم ترجع إلى عهد بعيد. ~~وعادت عايدة تسأل: «هل صحيح ما قاله هذا المهندس فى الرواية من أن الكبار أخطر على ~~الفتيات من الشبان؟» فلم يرتح إلى هذه الكرة إلى الموضوع، وثقلت عليه. وآلى ليحرجنها ~~كما تحرجه فقال: «قولى لنا أنت أولا ما رأيك؟» فقالت ببساطة: «أنا لا أحب الشبان»، ثم ~~نظرت إليه وسألته: «وما رأيك أنت؟» قال: «رأيي أن الكبار يمكن أن يقال على العموم إنهم ~~أعقل وأرشد، وأقل اندفاعا، وأأمن على الفتيات». والتفتت تحية إليه وقالت: «أليس صحيحا ~~أن الكبار حين يعشقون يندبون ويغرقون إلى الاذان؟» فقال: «ليس هناك ضابط لهذه الأمور، ~~ولا يمكن استخلاص قاعدة أو حكم عام. فمن الشبان المندفع، والذى يضبط نفسه ويكبحها. ومن ~~الشيوخ أو على الأصح الكبار، الذى ms051 يفقد إرادته والذى يحتفظ بها. والدنيا تحتاج إلى كل ~~صنوف الناس لتكون دنيا.. كلا.. ليس هناك حكم عام ولا سبيل إلى الجزم بشىء». # وخيل إليه أن هذه الفتاة أجرأ من رأى فى حياته، فقد عادت تسأله: «ومن أى الفريقين ~~أنت؟ المندفع أم الحكيم؟» # فابتسم ابتسامة متكلفة لم تخف سخطه على السؤال والسائلة وقال: «هذا تسأل عنه تحية». ~~فعادت تقول: «ألا تعرف نفسك؟» قال: «لو عرفت نفسى لكنت أحكم الحكماء». واغتنم الفرص ~~فاستطرد وقال: «إن الإنسان كثيرا ما يتوهم أنه يعرف نفسه، ولكن هذا خطأ أو غرور لأنه ~~لا يستطيع أن يعرف كيف يكون سلوكه فى المواقف التى تعرض له، وأنا لم أجرب كل حالة ~~ممكنة، حتى أستطيع أن أعرف كيف يكون سلوكى فى كل موقف محتمل. ثم إن الإنسان يتغير، ~~والذى يراه اليوم صوابا قد يراه فى غده خطأ. والذى كان يعده بالأمس فضيلة، قد يعده فى ~~يوم آخر ضعفا أو قلة حيلة. وكل إنسان فى الحقيقة عبارة عن عدة أناس يجىء بعضها فى أثر ~~بعض. رأيه يتغير، وإحساسه يختلف، كما يتغير جسمه سنة بعد سنة، ويختلف مظهره على كر ~~الأعوام. وقد يفعل المرء الشىء اليوم فإذا كان الغد فعل غيره، لأن كل شىء تغير، هو ~~والدنيا». # 2 # ورأت تحية من حال زوجها - على الرغم من تحرزه - أنه يصغو بوده إلى عايدة، فأقلقها ما ~~يقلق المرأة، ولكن معرفتها وخبرتها به وثقتها أنه لا يندفع ولا يتورط، ويقينها أن حدة ~~شعوره بذاته وشدة تحفظه بكرامته، تساعده على تغليب إرادته وعقله على هواه. كل هذا ~~طمأنها وأقنعها بأن لا خوف عليه من عايدة أو سوها، وأن الحزامة أن لا تعترض سبيله، أو ~~تحاول أن تأخذ عليه متوجهه. فقد كان فيه عناد وجموح، لا يخفيهما أنه لين سلس القياد. ~~فما قال لها قط: «لا»، ولكنها ما استطاعت فى حياتها الطويلة معه أن تفعل شيئا على خلاف ~~رأيه، ولا نازعتها نفسها أن تخالفه. وذكرت قوله لها مرات عديدة، بعبارات شتى، إن الناس ~~فى ركب ms052 الحياة رفقاء إلى حين، فليس أسخف من أن يقضوا الفترة القصيرة المتاحة لهم فى ~~خلاف ونزاع، وشجار ونقار. والمثل الحكيم يقول اختر الرفيق قبل الطريق. ولست أعلم أن ~~للمرء اختيارا، وأنا أشك فى حريته فى ذلك. ولكن المثل مع ذلك يعجبنى. والرفيق لا يختار ~~ويتخذ للتنغيص والتغثية. وسواء أكان أم لم يكن للمرء اختيار، فإن الحكمة تقتضى أن يحاول ~~الرفقاء فى هذه الرحلة أن يجعلوها مرضية على قدر ما يتسنى لهم ذلك، وإلا كانوا قليلى ~~العقل. وما خلقت الدنيا لواحد دون واحد، ولا أعطيت الحياة لمخلوق دون مخلوق، والخلق ~~جميعا سواء فى الحقوق والواجبات. أفليس الأولى إذن أن يتحروا التعاون ويجروا على سنة ~~التسامح؟ ولفظ التسامح هنا فى غير موضعه، وخير من ذلك أن نقول الاعتراف بحق كل امرئ فى ~~عمل ما لا يضير غيره». # وكان منحاه الخاص فى التفكير، وما تعرفه بالتجربة من حرصه على احترام حق غيره، ~~كاحترامه حق نفسه، واتقائه أن يسىء إلى أحد، وقدرته على وضع نفسه فى موضع سواه ليكون ~~أشد إنصافا له. كان هذا هو الذى طمأنها، فأقدمت غير مترددة على توثيق صلته بعايدة وإن ~~كانت أصبى منها وآنق حسنا وأنضر شبابا وأكثر رونقا. وناهيك بقلب امرأة تحتمل الإقدام ~~على ما قد يؤدى إلى تضحية. وكان شعور خفى فى قرارة نفسها يقول لها إن زوجها سيعرف لها ~~هذا الجميل ويحفظه، فإنها تعده شكورا غير جحود، ومنصفا لا يظلم ولا يغبن. وسرها من ~~نفسها أنها قصت عليه من أخبار عايدة ما هو خليق أن يعطف قلبه عليها. وكانت فى هذا حكيمة ~~وهى لا تدرى، فقد جعلت علاقته بها علاقة عطف ورحمة، وحمتها أن تكون علاقة حب وعشق، فحكت ~~له أن أباها كان رجلا حسن الحال، ميسور الرزق، ولكنه كان متلافا. فلما قضى نحبه فجأة ~~لم يترك شيئا. وكان من حسن الحظ أن أمها استطاعت أن تحتفظ ببضعة فدادين قليلة لا تزيد ~~على العشرة، وبنصف بيت فى حى وطنى لا يغل أكثر من ثلاثة جنيهات، وبهذه ms053 الدار المقابلة ~~لدارهما. ولعايدة أخت كبرى متزوجة ، مرفهة، ولكنها تحاول أن تغرى أمها أن تبيعها الأرض ~~والعقار. وعايدة تقاوم ذلك وتجاهد أن تصرف أمها عنه، ليبقى لها شىء تعتمد عليه فى ~~حياتها. وقد أورث عايدة هذا الأضطراب تلفا فى الأعصاب وأصيبت إحدى عينيها بما كاد يذهب ~~ببصرها، لولا لطف الله وقد صنع لها الطبيب بعد شفائها نظارة أوصاها أن لا تنزعها، ولا ~~تضعها عن عينها. ولكنها تخجل وتتوهم أن اتخاذ النظارة يسلكها مع العميان، فيزداد ما ~~تتوهمه من زهد الرجال فيها، وانصرافهم عنها. وكأنما هذا لم يكن كافيا، فاعتراها وسواس ~~يخيل إليها أنها مريضة الصدر، وأنها ستصاب لا محالة بذات الرئة. فهى لا تزال تعرض نفسها ~~على الأطباء، ولا تنفك كل بضعة شهور تصور صدرها بالأشعة لتطمئن، فلا تطمئن، ولا تزول ~~الهواجس. وقد قل أكلها، وطال سهدها وتعب قلبها قليلا، والأزمات العصبية تنتابها ~~وتتركها مهدمة محطمة. # على أن تحية عنيت أيضا بأن تحيط زوجها بغير عايدة من الفتيات الحسان من معارفها، حتى ~~لا تصبح عايدة عادة له ولتدخل السرور على نفسه، وتضىء وجوه العيش فى عينه، وتنشر البشر ~~والبشاشة فى جو حياته. غير أنه كان يؤثر عايدة على الأخريات، ويختصها بالميل والود. ~~فلما رأت تحية ذلك كفت عن «التوسع» وتركته معها على ما يحب من الحال. وكان هو فى أول ~~الأمر يقنع بالحديث والنظر، وقلما كانت تقول شيئا أو تزيد على السؤال، فيروح يتدفق، ~~ويسره منها حسن إصغائها، وإن كان يسخطه أنها شديدة الاحترام له، حتى لبلغ من ذلك أنها ~~ما كانت تجرؤ أن تدعوه باسمه فكانت تدعوه «الأستاذ»، وتستغنى بذلك عن الأسماء ~~والألقاب. وكان هو يكره ذلك ويشعر أنه يجعل بينهما بونا يتعاظم المجتاز، أو على الأقل ~~يقيم بينهما حدودا من التكلف لا داعى لها، ولا خير فيها. فما كان مطلبه «الاحترام»، ~~ولا كان ينقصه أن يعرف أن له فى النفوس مهابة، وإنما كان يريد - وهو يخاطبها - أن ينسى ~~أن بينه وبينها مسافة من العمر تزيد على عشرين عاما. ms054 # وكان حديثهما - من ناحيتها - عبارة عن محاولة لجعله «شخصيا»، ومن ناحيته هو عبارة عن ~~إصرار على إبقائه «نظريا» عاما لا يدور على شخص بعينه. فكانت هى تلقى عليه السؤال من ~~شأنه أن يغريه بالتحدث عن نفسه، فيصرفه هو إلى العموم دون الخصوص، ويحيله أشبه بالدرس ~~والمحاضرة. ويراها تتابعه فيجد لذة فى رفعها إليه، وتقريبها منه، وترحيب أفقها وتوسيع ~~دائرة نظرها، ويشعر أن هذا خليق أن يساعدها على تخفيف ما تعانى. وكان أشد ما يبدو له ~~أنها تعانيه الكبت الشديد، والحرمان من كل ما عسى أن يكون فيه إرضاء للأنوثة، وتلطيف من ~~حدة ثورتها الطبيعية، وقلة الثقة بنفسها. وكان يخشى عليها عاقبة هذا، ويرد إليه كل ما ~~يرى من يأسها من الخير فى الدنيا. وقد قالت له مرة وكان يحاول أن يغريها بالأمل: «لا ~~فائدة فإنى واثقة أنى سأموت قبل أن تلوح أية بارقة من الأمل فيما تصفه لى، وتمنينى به»، ~~فقال لها: «اسمعى يا عايدة، إننا أعطينا الحياة ولم نعطها بشرط. وقد أعطيناها ~~لنحياها لا لنقطع نفوسنا حسرات على أنها لا محالة زائلة - ونسى وهو يقول لها ذلك أنه هو ~~نفسه موسوس - ولا قيمة لطول العمر أو قصره. فإن العمر لا يقاس بعدد السنين، بل بمبلغ ما ~~يعمره من الإحساس والفكر. ورب معمر أربت سنه على المائة وكأنه مات يوم ولد. ورب فتى فى ~~العشرين قد حفلت حياته بما يجعلها أطول فى الحقيقة، وفى إحساسه هو نفسه، من عمر نوح ~~الذى يقال إنه ناهز الألف. وأنت بنت مرهفة الحس والشعور قوية الإدراك، فأنت تعيشين فى ~~كل دقيقة أطول مما يعيش غيرك فى أعوام. وأنت الان فى العشرين من عمرك الغض، ولكنك فى ~~الحقيقة أسن من امرأة فى الأربعين. ثم لماذا تفكرين فى الموت؟» وأحس وهو يسألها كأنما ~~الخطاب موجه إلى نفسه: «إن المرء يعيش ما يعيش - زمنا طويلا أو قصيرا - ثم يوافيه ~~الأجل المحتوم. وما دام على ظهر الأرض فهو حى، وهذا كل ما ينبغى أن يعنيه. فإذا مات - ~~كما ms055 لابد أن يحدث - فإنه يصبح غير دار ، فيستوى حينئذ أن يكون عاش عشرين عاما أو عمر ~~ألفا». فقالت: «هذا صحيح، ولكن ما فائدة الحياة؟ ما هو الخير الذى نصيبه فيها؟» فقال: ~~«آه.. هذا سؤال من العبث أن نلتمس له جوابا، فالحياة لا يسأل فيها عن الفائدة منها، ~~وإنما علينا أن نحياها على خير وجه وأصلحه. ثم إنك أنت الملومة إذا كنت لا تصيبين منها ~~خيرا. الدنيا كلها أمامك فماذا يمنعك أن تنشدى هذا الخير الذى تسألين عنه؟ تمسكين عن ~~التماس الخير ونشدانه والسعى إليه، ثم تروحين تلومين الحياة وتسخطين على الدنيا؟ هل هذا ~~عدل؟ تقعدين وفمك مفتوح منتظرة أن تحشوه لك الملائكة سكرا، ثم تشكين إذا حشته الأيام ~~ترابا؟ لا يا سيدتى لومى نفسك». # فسألته: «ولكن ماذا تصنع فتاة مثلى؟ ما حيلتها؟» # فسألها: «ماذا تشعرين أن بك حاجة إليه وأنه ينقصك وأنك حرمته؟ لا تجيبى.. إنما أسأل ~~لأقول إن كل شىء يجىء فى أوانه». # قالت: «أو تعرف إذن ما ينقصنى؟» # قال: «أستطيع أن أخمن فإن الطبيعة الإنسانية واحدة لا تختلف ولا تتفاوت، وحكمها معروف ~~لا شك فيه. وفى وسع الإنسان دائما بتحويل إحساسه إلى مجار أخرى غير التى يحس أنه يتجه ~~إليها، وفى وسعه أن يخفف من ثقل وطأته وينتفع بهذا التحويل. أنا مثلا، ولست أعنى شخصى ~~وانما أضرب مثلا.. أحس ضغط إحساس معين، وأشعر أن إرضاءه وإراحة نفسى من ثقله عسير أو ~~غير مرغوب فيه، فأعكف على كتاب أقرأه أو أخرج فأتمشى مدة كافية، وأحول هذا الإحساس ~~الضاغط عرقا يتصبب فأستريح وأعود فأنام ملء جفونى». فعادت تسأله «ولكن لماذا هذا ~~التكلف إذا كان الإحساس طبيعيا؟» # فقال: «عقلى يقول لى إنه لا داعى للتكلف. وإن إرضاء الإحساس الطبيعى أولى، ولا عيب ~~فيه، ولا ضير منه. ولكن العقل ليس هو وحده المسيطر على حياتنا، فلا تحسبى أنك الوحيدة ~~التى تعيش فى أسر تتمردين عليه، وتسودين عيشك بالضجر منه». # وكان أكثر ما يجتمعان فى البيت، وتحية معهما تسمع وتتركهما لحظة وتعود إليهما، ms056 وقلما ~~تشترك فى حوارهما. وكان يحس أن هذه الفتاة محتاجة للرياضة، وأن انتقالها من بيتها إلى ~~بيته ساعة لا يغير من حالها، ولا يجد لها شيئا، وأن كل ما يحدثها به ويشرحه لها لا ~~جدوى منه، ولا أثر إلا زيادة الشعور بالكبت، وأن المسألة مسألة جسم، يجب الترفيه عنه، ~~وإراحة أعصابه. فقال لتحية إنه يرى أن تخرج بها من حين إلى حين للتنزه. فقالت تحية: «يا ~~عبيط. ليس للمرأة فى المرأة لذة. اخرج أنت معها». قال: «على شرط أن تكونى معنا» قالت: ~~«لا تكن سخيفا.. إن وجودى يشعرها بالقيد وأنت تريد لها الانطلاق، وإنك لعلى حق». قال: ~~«ولكن الانطلاق لا يستدعى أن لا تكونى معنا». قالت: «أنا واثقة ولست خائفة. فاذهب أنت ~~معها». وأصرت، فحمل عايدة إلى حيث الهواء طلق، والحرية تامة فى الجرى والنط والضحك. ~~وكان ربما حمل معه طعاما خفيفا مما أعدت تحية، فكانت عايدة تعود من هذه الرحلات متقدة ~~الوجنتين ولكنها متعبة. وحدث مرة أن كانا يتقاذفان كرة صغيرة يرميها فتلقفها. فدنت منه ~~والكرة فى كفها وقلبها يخفق خفقا شديدا، وعلى فمها ابتسامة، وألقت نفسها على صدره، ~~وأراحت كفيها على كتفيه، فوقف برهة لا ينطق بكلمة، ولا يسألها شيئا، أو يحاول أن يتبين ~~حالها. وتركها على صدره، ولم يكن يسعه إلا أن يحس بثدييها، فثنى عينه إلى شعرها الناعم ~~المرسل، وقد رقدت خصلة على ثوبه تحت أنفه، ولكنه طرد هذه الخواطر ورفع عينيه إلى ~~السماء. وأفاقت عايدة وصعدت عينها إليه، وهى لا تزال على صدره، وقالت له بصوت خفيض ~~كالهمس: «بسنى يا أستاذ». فتبسم وقد دار رأسه ومال عليها فقبل جبينها فرفعت نفسها عنه ~~وقالت: «لكأنك أبى.. لا. لست أبى.. لم أعد أطيق صبرا.. أنت حبيبى. نعم.. لا تفتح فمك ~~هكذا كأنى رميتك بحجر. وما حيلتى؟ كن منصفا. ألقاك كل يوم وأسمع حديثك وأشعر بقربك، ~~ولا أرى أو أسمع سواك وأحس عطفك.. بل أعلم أنك ترتاح إلى وجودى وترغب فيه، ومع ذلك أحس ~~أنك بعيد كنجوم السماء. ms057 ألست معذورة؟ لقد علمتنى أشياء، وإنك لمسئول عنى، ولا أمل لى فى ~~الحياة، ليس لى غيرك، أنت عزائى فيها». # فدنا منها وتناول كفها ومضى بها إلى حجر كبير، وخلع سترته وطرحها عليه لجلوسهما، ~~وقال: «اسمعى يا عايدة. إنك عزيزة على وأثيرة عندى، ولكن الحب شىء اخر. لا ينبغى أن ~~يكون بيننا هذا. إنه يفسد كل شىء على وعليك. أنت فتاة صغيرة غريرة ومستقبلك كله أمامك. ~~وأنا رجل كهل قد خلفت صباى ورائى. ثم إن لى زوجة تحبك وتأتمنك على زوجها كما تأتمننى ~~عليك. ثم ماذا يكون مصير الحب إذا قامت عليه علاقتنا؟ لا مصير إلا الاضطراب والآلام. ~~واسمحى أن أقول إنى لا أصدق أن فتاة مثلك يمكن أن تحب رجلا مثلى. كلا. ليس هذا حبا ~~وإنما هو فورة إحساس. إنها حركة نفس مكبوتة ليس إلا.. نشوة عارضة طارئة تحسينها وتغلطين ~~وتتوهمينها حبا، كما يشرب الرجل كأسا من خمر فيبذل وهو البخيل، ويشعر بالقوة وهو ~~الضعيف، ويهيج وهو الساكن الرزين، ويغضب وهو الحليم الرضى. هى نشوة لا أكثر ولا أقل. ~~ثقى بذلك. وستفيقين منها وتعرفين حيئذ أنى على صواب وتشكرين لى أنى حميتك من ~~نفسك». # فضحكت ضحكة مرة وقالت: «ولكن لماذا تريد أن تحمينى من نفسى وأنا لا أريد هذه الحماية؟ ~~أليس لى حق فى نعيم الحياة؟ ألست مخلوقة كغيرى؟ أليس لى قلب وشعور؟ لماذا يجب أن أعيش ~~محرومة مذادة عن نعم العيش ومتع الحياة..». # قال: «لست محرومة فإن هذا من الوهم.. أنت تنعمين بالكثير الذى لا تحفلين به ولا ~~تجعلين بالك إليه. والذى ترين نفسك قد حرمته سيجئ أوانه كما قلت لك من قبل.. كل مخلوق ~~يطول به انتظار ما ينشد». # قالت: «ما أملى؟ الزواج على ما أظن؟ ومن يتزوجنى؟ ولماذا يتزوجنى أحد؟ جمالى؟ مالى؟ ~~مقامى؟ أسرتى العظيمة؟ لا يا سيدى إنى أعرف أنى قصيرة العمر. وقد فتحت لى عينى فأشكرك، ~~ولكنك مطالب الان بأن تغمض لى عينى كما كانت، أو تسمح لى بأن أحبك». # فلاطفها ولاينها وسايرها قليلا ليعدل ms058 بها إلى الطريق الأقوم فما ازدادت على ذلك إلا ~~صلابة وعنادا. وأنذرته أنها جنت وأنها إذا ظل على تمنعه ستلقى بنفسها على أول رجل ~~تصادفه، ففزع، فقد رأى من لهجتها الجادة ما أخافه وأقنعه أنها لا تمزح. وأيقن أن هذا ~~الجنون ثمرة الكبت الطويل. وحار ماذا يصنع، واستمهلها دقائق ليفكر. فضحكت وتهكمت وقالت: ~~«لابد أن يكون كل شىء بالمنطق.. كل شىء لابد أن يوزن ويقاس..». ثم قالت جادة: «الآن ~~اقتنعت أنك لا تستطيع أن تحب امرأة. إنك آلة مفكرة لا إنسان من دم ولحم». وثارت حتى ~~لأشفق عليها وعالجها، حتى فاءت إلى السكينة. # وخطر له أنه ليس من المروءة - ولا من العدل - أن يمضى فى المقاومة فإنها تكون صدمة ~~مخوفة العاقبة. وبدا له أن من الحكمة أن يأخذها باللين ولا بأس من قبلة أو قبلات. وفى ~~وسعه أن يسعدها بالقليل الذى لا ضير منه وفيه راحتها وسكونها. وحدث نفسه أن من حق هذه ~~الفتاة أن تسعد قليلا، وغالط نفسه فقال إن جهده معها سيكون جهد الطبيب المعالج. ولكن ~~ماذا يقول لتحية؟ يكتم؟ فبأى وجه يلقاها وهو يطوى عنها هذا السر؟ يكذب؟ إن الكذب نقص فى ~~الرجولة وغض من المروءة.. يصارحها؟ ولكن كيف يصارحها؟ وكيف يرجو أن تطيق هذا وتصبر ~~عليه؟ إنها واسعة الصدر كريم النفس ولكن هذا ما توصد دونه أبواب الغفران. وبأى شىء ~~يعتذر لها؟ يلقى التبعة على عايدة ويزعم أنها هى التى أغرته وأبت إلا هذا وأنها مريضة ~~ولابد من مسايرتها؟ ما شاء الله! ما أكبر هذه الرجولة!. ثم إن هذا ليس بصحيح. نعم إنها ~~فاجأته بهذا، ولكن أصح من ذلك أنه هو الذى رغب فى صحبتها وهو الذى جرها إلى هذا الموقف، ~~وكانت قبل ذلك بعيدة غير معنية به فلم يزل بها حتى صار (عادة) لها. وشعر فى قرارة نفسه ~~أن حب هذه الفتاة يسره ويغره، ومن هذا الذى لا يسره أن تحبه فتاة جميلة كهذه؟ ولكن هل ~~هى تحبه؟ أليست لعلها مخدوعة؟ ألا يمكن أن يكون ms059 الأمر كما وصفه لها نشوة طارئة ليس إلا؟ ~~ولكنه هو على كل حال مصدر النشوة وباعثها.. أتراها لو كانت تعرف غيره من الرجال أكانت ~~تخصه بهذا الحب كائنة ما كانت حقيقته؟ وتحية؟ أليست قد شجعته ويسرت له الاتصال بعايدة؟ ~~وما معنى هذا؟ هل أريد أن أحملها التبعة؟ هل أعد حرصها على سرورى ذنبا لها، وثقتها بى ~~واطمئنانها إلى عقلى خطأ منها؟ # كان هذا كله وما يشبهه يدور بنفسه وهو يحنو على عايدة، ويلثم فمها وهى متعلقة برقبته ~~كأنما تريد أن تخلعها، أو تخاف أن يطير من يديها. وأحس بحرارة الصبى فى شفتيها. وحدث ~~نفسه أن هذه الحرارة العجيبة لا يجدها - الآن - من شفتى تحية. واستهجن هذه المقارنة، ~~وأنف أن يجعل تحية موضعا لها ثم عاد عقله يقول له ولم لا؟ أين الزراية بتحية فى هذه ~~المقارنة؟ ولماذا هذا الغض من عايدة؟ إنها ليست سوقية، ولقد قبلت تحية قبلة الحب ~~وقبلتنى مثلها قبل زواجنا، فما الفرق؟ ولكنى تزوجت تحية ولست أنوى - ولا عايدة تنتظر - ~~أن أتزوجها. هذا هو الفرق. # 3 # وكان يتعجب لعايدة وزهدها فى الزواج، ويتساءل: «أتراها خاب لها أمل؟». وقد عرف من ~~تحية أن هذه الفتاة شقية بأختها. وأدرك أن أمها ضعيفة، وأن قيادها سلس فى يد بنتها ~~الكبرى، وأنها لعلها تحب عايدة كحبها لتلك، ولكن تلك لها عليها سلطان ليس لعايدة. غير ~~أن هذا ليس حقيقا أن ينفر عايدة من الزواج، وإن إحساسها الجنسى لقوى، وإنه ليبدو أقوى ~~فيها منه فى الفتيات الأخريات المطمئنات. # وخطر له أن لعل قلة اطمئنانها وكثرة قلقها واضطرابها يثيران إحساسها الجنسى، أو ~~يخيلان إليها أن إرضاءه - على نحو ما - هو علاجها مما تكابد، ولكن ماذا تكابد غير ~~ذلك؟ # وذكرت مرة ابن عم لها بلهجة واشية بالمرارة، فسألها: «لم أكن أعلم أن لك ابن عم؟ فأين ~~هو؟» # قالت: «انقطعت الصلة مذ تزوج». # فسألها: «لماذا يقطعها أنه تزوج؟» # فامتقع لونها، وحاولت أن تهرب من الجواب، غير أنه ألح عليها، فعرف أنه كان يمنيها ~~الزواج، ويتودد ms060 إليها، ويظهر لها الحب. # واستخلص من زلات لسانها أنها كانت فرحة بهذا الحب، وكانت ترجو أن يخرج بها من جو ~~القلق الذى أحاطتها به أختها، إلى الاطمئنان. وكانت لهذا حريصة على رضاه. وإذا به يتخلى ~~عنها فجأة ويتزوج غيرها، فوقعت النبوة، وحلت الجفوة، وكانت هذه القطيعة. # وسألها إبراهيم: «اصدقينى يا عايدة.. هل قبلك؟» # قالت: «وأى بأس فى هذا؟ إنه ابن عمى». # قال: «نعم، ولكن بالى ليس إلى البأس أو سواه. إنما أسأل عن الواقع، وسأشرح لك باعثى ~~على السؤال بعد أن أسمع جوابك». # قالت: «نعم». # قال: «بس؟» # فأطرقت شيئا ثم رفعت رأسها وقالت: «إنك تعرف كيف تكون الفتاة حين تنضج وتستيقظ ~~أنوثتها. ثم إنى كنت حريصة على رضاه، لأنى كنت أحب أن أسعده فى حياتى، وكان ينوى أن ~~يتزوجنى، فسايرته إلى حد». # قال: «إلى أى حد؟» # قالت: «لم يسرف فى الطلب». # قال: «ولو كان أسرف؟» # قالت بغير تردد: «ما أظننى كنت أضن عليه بما يريد إذا كان فى ذلك سعادته». # وكانا يتمشيان فى الجزيرة. فاقترح أن يركبا زورقا فى النيل. وكان الوقت عصرا، فقضيا ~~ساعة أو بعض ساعة يسبح بهما الزورق على الماء فى رفق. لا يتكلمان ولا يسمعان إلا وقع ~~المجدافين إذ يخبط الملاح بهما الماء. وكان إبراهيم ثابت الحملاق ينظر إلى حيث تلتقى ~~الأرض والماء بالسماء عند الأفق. وعايدة تتلفت منه إلى حيث ينظر، وتجيل عينها فى هذا ~~الشاطئ وذاك، ولا تنبس بحرف. وكأنما عجزت عن احتمال هذا الصمت الطويل الثقيل فصاحت ~~فجأة؟ «أى نزهة هذه؟» # فرد إبراهيم عينه إليها، وتبسم بجهد وقال: «معذرة. لقد كنت أفكر فيك. والآن يحسن أن ~~نرجع فإن عندى كلاما طويلا أريد أن أحدثك به». # ولم يتركا الزورق لما عادا إلى البر. ورجا إبراهيم من الملاح أن يقعد بحيث يراهما ولا ~~يسمعهما. فلما فعل قال إبراهيم: الآن سأقص عليك قصة: # حكى أن فتاة مات أبوها وهى تلميذة فى السنة الأولى من مدرسة ثانوية. وكان ~~متلافا فلم يخلف لها مالا. ولولا بعض مال لأمها ms061 لافتقرت بعد غنى. ولكن مال ~~أمها لم يمنع أن تعانى الفتاة الضيق بعد السعة. وكانت تنظر إلى مستقبلها مشفقة ~~واجفة القلب. فقد كانت ترجو فى حياة أبيها أن تستوفى حظها كاملا من التعليم. ~~فالآن لا أمل فى أكثر من التعليم الثانوى، وقد تعجز عن إتمامه. وكانت ترجو أن ~~تجد زوجا صالحا، فأما وقد مات أبوها فمن ذا عسى أن يرغب فيها؟ إن شبان هذا ~~الزمان يسألون عن مال الفتاة وجاه أسرتها قبل أن يسألوا عن الفتاة وأدبها ~~وخلقها وجمالها. وزاد الطين بلة أن أختها الكبرى المتزوجة الحسنة الحال طمعت فى ~~مال أمها وسعت للاستئثار به دون هذه الفتاة. وأبى سوء الحظ لفتاتنا إلا أن تصاب ~~إحدى عينيها بما كاد يذهب ببصرها، واحتاجت بعد علاج طويل، وشفاء كان ميئوسا ~~منه، أن تضع على عينها نظارة كانت تأنف وتستحى أن تضعها، فتخالف وصية الطبيب، ~~نفورا من تشويه النظارة لحسن الوجه، ولأنها قد توهم من يبصرها أنها عمياء. ~~وهكذا كبر فى وهمها أنها ليست ممن يرغب الشبان فيهن، فلا هى غنية، ولا أسرتها - ~~بعد وفاة أبيها - ذات جاه، ولا هى جميلة. وفوق هذا كله يأمرها الطبيب أن تشوه ~~وجهها بنظارة! فملأ قلبها الخوف، وخلا من الثقة بالنفس. الخوف من مستقبل يسوده ~~طمع الأخت، وضعف الأم، وقلة الثقة المتولدة من اجتماع كل ما ذكرت. فماذا بقى ~~لها؟ لم يبق إلا أنها أنثى. أنثى قد تشتهى لأنوثتها وصباها وغضاضة بدنها، وجدة ~~بشرتها التى لم تبتذل، ولكنها لا تحب لذاتها، ولا تطلب لمزية أخرى ~~فيها. # واضطرت، كما توقعت، أن تنقطع عن المدرسة، لأن مواصلة الإكباب على الدرس كانت ~~خليقة أن تؤذى عينها التى شفيت ولما تكد. فزاد هذا فى خوفها الباطن وقلة الثقة ~~التى استحوذت على نفسها. # وفى هذا الوقت جاء ابن عم كان خليقا بها - لولا ما صارت إليه من سوء الحالة ~~النفسية - أن تفطن إلى أنه أولى بنفورها منه بإقبالها. ولكنها كانت ظمأى إلى ~~الحب والعطف، متلهفة على الاستقرار والاطمئنان. وكانت تتوهم أن الوسيلة ms062 إلى ذلك ~~- إلى الأمن والرى والراحة - هى المطاوعة وإسلاس العنان. كانت تطيع أمها وتتوخى ~~مرضاتها لتمنع أن تخطف الأخت حقها. وكانت تتزلف إلى أختها لتعطف عليها، فتكف ~~عما تسعى له من هذا الخطف. والآن وقد جاء ابن العم يظهر الحب، ويلوح بالزواج ~~والأمن والراحة من هذه المزعجات، فما عليها إلا أن تجيبه إلى ما يهيب بها إليه ~~لتستبقى رغبته فيها. ولما كانت قد وقع فى روعها أنها ليست إلا أنثى تشتهى ~~لأنوثتها، ولا تحب لذاتها، فسبيلها إلى ما تنشد هى أن تجعل أنوثتها متاعا له ~~مخافة أن تفقد حبه. ولو أسرف فى الطلب، وأغرق فى طلب المتعة، لما أحجمت عن ~~التلبية. وكانت تتوهم أنها بهذا تسعده، وأن سعادته هى كل مبتغاها، وأنها مستعدة ~~للتضحية فى سبيل ذلك. وكانت تحدث نفسها أن أنوثتها استيقظت، فهى تجاوبه لهذا، ~~وتجد من قبلاته وضماته وقربه مثل ما يجد. ولكن الأمر لم يكن كذلك، وإنما كانت ~~خائفة قليلة الثقة بنفسها، وكان هذا هو الذى يغريها بالمسايرة والمطاوعة، بل ~~بلغ من خوفها وضعفها أنها صارت لا تقتصر على المسايرة، بل تتجاوزها إلى ~~المجاوبة. وكانت تجهل أن الزواج الصالح إنما يكون بين كفوءين لا بين سيد ~~وجارية، وإنها لم تكن تحبه، ولكنها تخشى فقده، وأن الحب الذى يكون كله تضحية من ~~جانب واحد، ليس حبا، بل عبودية لا خير فيها للجنس الإنسانى، وليس الحب أن تهب ~~ولا توهب، بل أن تعطى وتأخذ. # وجفاها ابن عمها وملها، ونباها وتخلى عنها، وبنى بغيرها، أو لعله أساء الظن ~~بها، ولم يحمد سيرتها معه، وأغلب الظن أنه كان نذلا. فلما اعتاض منها سواها، ~~صارت أقل ثقة بنفسها، وأضعف، وأعظم خوفا من المستقبل. # ولقيت كهلا ذا زوجة، وآنست منه ودا، فقالت أمنحه من نفسى ما يحب، لأنها لا ~~تزال تعتقد أنها أنثى تشتهى، ولا تحب لذاتها أو لمزية لها. ولو عرفت نفسها ~~معرفتها لأدركت أنها لا تحتاج إلى البذل، وإنما تحتاج إلى الثقة بالنفس، وتفتقر ~~إلى اطمئنان القلب وانتفاء الخوف، ولعرفت أن ms063 حدة الإحساس الجنسى هى الزى الذى ~~اتخذه الضعف والخوف. وفى الوسع تلطيف هذه الحدة، وكبح هذا الجماح، فإن الإحساس ~~الجنسى ليس مستعصيا على الضبط. ولو راضت فتاتنا نفسها على السكون إلى الصداقة ~~والعطف والقناعة بالمودة التى تكون بين الرجلين، ولا يندر أن تكون بين رجل ~~وامرأة، ووثقت بنفسها، ونفت عنها هذه المخاوف التى تتلف أعصابها، وتدفع إحساسها ~~فى مجرى غير صالح ولا مأمون، لو فعلت ذلك لاستراحت، ونعمت. والآن ما رأيك فى ~~هذه القصة؟ # فلم تجب. وكانت قد أصغت، ولم تحاول أن تقاطع. # فقال: «يحسن أن تفكرى فيها، فإنها قصة حقيقية، ولا عمل فيها للخيال». # وعاد إلى بيته فى تلك الليلة وهو مطرق، ولكنه غير ساهم، فقالت له تحية: ~~«مالك؟» # قال: «اه لو كنت درست الطب، كما كنت أبغى». # قالت: «ما هى الحكاية؟» # قال: «أظننى أصلح أن أكون طبيبا نفسيا ... هل تظنين أنى كنت أرزق التوفيق؟» # قالت: «لا أزال أنتظر جواب سؤالى». # فلما قص عليها القصة قالت: «لعل وعسى». ولم تزد. # وخطر له وهو يأوى إلى فراشه أنه ليس خيرا من عايدة حالا، وأنه لعله هو أولى بما قال ~~لها. # 4 # ولكن عايدة لم تقتنع. ولم يشفها العلاج النفسانى الذى رجا إبراهيم وتحية أن يشفيها ~~مما بها، فتعقدت الأمور فى حياته، وصار يحس أن المتع اليسيرة لا تنال إلا بأضعاف ~~أضعافها من الالام ومما يحاذر.. فهو يحب زوجته حبا هادئا، ويكبرها، ويطيب بها نفسا، ~~ولا يطيق أن يتصور أنه قد يفقد - فى يوم ما - حبها واحترامها، وإن كانت وطأة الفتور ~~الذى عراه معها قد ثقلت على كاهل صبره. وقد وجد فى عايدة الصبا والجدة. ولكن عايدة فتاة ~~غريرة مكبوته ضعيفة البنية، وهنانتها، وخائفة وجلة، ولا يتزعزع يقينها بأن عمرها عمر ~~الورود. فما كادت تلتقى به حتى انطلقت تريد أن تعدو بغير عنان وتحاول وتطلب أن تعتصر ~~وتختزل فى القليل الباقى لها من العمر، فيما تعتقد، كل ما يخطر على بالها أن تستفيده من ~~متع الحياة ولذات العيش. وهو يجاهد أن ms064 يكبح هذا الجماح، ويردها إلى القصد والاعتدال، ~~ولا يسلس فى يده قيادها إلا بعناء شديد ومشقة عظيمة. وكان يقول لها فيما يقول إن من ~~الجهل أن تسرفى فى إنفاق حياتك على هذا النحو، فتقول إنها لا تنفق وإنما تستفيد وتكسب، ~~فيقول لها: «كلا. وإنك لكالرجل الذى يريد أن يذوق الخمر ويجرب الخفيف من نشوتها فيروح ~~يعب فيها حتى تطير فى رأسه، ويدار به، ويفتر ويسترخى، ويفقد الإحساس بما هو فيه، فلا ~~يخرج بغير هذا الأذى. وكان خيرا له لو قنع بالدبيب الهين والتمشى اللين، فيبقى له وعيه ~~ويظل مدركا لما أفاد من سرور، شاعرا بما أكسبته من انتعاش. ثم إنك تزعمين أنه لا أمل ~~لك فى طول العمر. أفلا ترين إذن أنك تنفقين من رأس مالك بلا حساب؟ ولو حرصت عليه لطال ~~استمتاعك به.. ثم إنك جاهلة جهلا آخر، ذلك أن أمتع ما يستفاد من نعيم الحياة هو ذكراه. ~~نعم الذكرى أمتع من النعيم نفسه ساعة الفوز به ومواقعته. فإن المرء يكون مستغرقا فيه ~~فلا يستطيع أن يحيط بصوره ومعانيه ومختلف ما ظفر به من وجوهه ومتعدد ما شاع فى نفسه ~~منه. وإنما يتيسر ذلك بعد انقضائه وعند إدراكه فى هدوء. مثال ذلك أنك تظمئين فتشربين. ~~ولا شك أنك تجدين لذة وأنت ترشفين الماء على ظمأ، ولكن ألذ من ذلك أن تتذكرى ما كان من ~~ظمئك، وما كان من حلاوة الماء فى لسانك وحلقك، وطيب انحداره باردا إلى جوفك الحار، ~~وحسن ما شعرت به من الارتواء بعد الحر والأوام، وكيف كنت قبل ذلك تجمعين ريقك تحت ~~لسانك، لتبلى به لثاتك، وكيف كان الكوب الذى رفعته بالماء إلى شفتيك الجافتين، إلى آخر ~~ذلك. ولا سبيل إلى إدراك هذا كله وجمع صوره، وإحضارها إلى الذهن، وتمثلها، إلا بعد حصول ~~الشرب والارتواء، حين يجد العقل فسحة فيكر راجعا إلى ما كان مما عانى وما أفاد. أما ~~قبل ذلك وعند الشرب فهو مشغول بحر العطش، والحاجة إلى إطفائه، وبتناول الماء لإطفاء ~~الحرقة الأليمة. وهكذا ms065 فى كل أمر آخر، فإن متعة تفوزين بها فى خمس دقائق قصيرات لا ~~تشعرين فى أثنائها بكل ما تشعرين به فيما بعد خين تذكرين ما كنت فيه. والذكرى هى التى ~~تغريك بالمعاودة. فإذا أنت رحت تنهبين اللذات نهبا بكلتا يديك كما تريدين أن تفعلى، ~~كنت كذلك السكران الذى ضربت لك مثله، والذى لم يورثه فرط عبه فى الخمر إلا ~~أذاها». # وكان مخلصا فى إشفاقه عليها من هذا الجموح. وكان يدرك عذرها ويمهده لها من شبابها ~~وغرارتها وطول كبتها وسوء أحوالها، وهذا الاعتقاد الثقيل الذى لا يزايلها بأنها قصيرة ~~العمر. ولكنه كان مقتنعا بأن شططها خليق أن يزيد عمرها قصرا. وكان يرى أن ليس من حقه ~~أن يسايرها، وأن الأولى والأرشد أن يقاومها ويضع لها اللجم ويروضها فتكسب ولا تخسر، ~~وتعتاد ذلك على الأيام. ولكنه كان يراها فى أيام كثيرة ذابلة ثقيلة الجفون مسترخية ~~الهدب متغيرة اللون، فخطر له أن لعلها فتحت لنفسها بابا نفذت منه إلى ما صدها عنه؟ ~~وأنها لم تقتنع بما أبدأ وأعاد فيه من النصح. وإنما أظهرت الإذعان لما رأت من إصراره ~~على خطته وإبائه أن يجاوز معها حد القصد، وأضمرت التمرد وآثرت اللجاجة فيما بينها وبين ~~نفسها، ولا حيلة له فى هذا ولاسبيل إلى شىء يصنعه. # وكانت تحية لا تبدى خلاف ما ألف منها وعهد. ولم يكن هذا المظهر يخدعه. وكان يشق عليه ~~أن يجمح بها الخيال فتتوهم الأمر أكبر مما هو فى الواقع والحقيقة. فما كان به حب عايدة، ~~ولعله عاجز عن هذا الحب المستغرق الاخذ بالكليتين، انما كان ما ينطوى عليه لعايدة ~~مزيجا من العطف والمودة والفرح بصباها وأثر الشباب فى نفسه. على أن الحقيقة - وإن كانت ~~يسيرة هينة وليس فيها ما يغير من حاله مع زوجته - لم تكن هذه الحقيقة مع ذلك مما يمكن ~~أن يكون موضع بحث وجدل بينهما. فكان مضطرا أن يصبر على تركها تكبر فى وهمها الحبة حتى ~~تصبح عندها قبة. وكان هذا يشق عليه، ولكنه لم تكن له فيه ms066 أيضا حيلة. وقد همت تحية مرات ~~بأن تفتح الموضوع ثم أحجمت، وآثرت أن تستعيد ما توهمت أنها فقدته من حب زوجها بالصبر ~~والحكمة والإيثار. وهمت مرات أخرى أن تستأذنه فى قضاء وقت مع أبيها فى البلدة، ولكنها ~~ردت نفسها عن ذلك لأنه أشبه بأن يكون خطوة لا تخلو من صفة الحسم، ثم لأنها بذلك تترك ~~الميدان لمن تزاحمها عليه فى ظنها، فتكون هذه بداية الهزيمة المخوفة. وكانت إلى هذا ~~مترددة فى الجزم، ولو استطاعت أن تجزم لاستراحت، فما زال صحيحا أن اليأس إحدى ~~الراحتين. فقد كانت ترى حال عايدة فلا يخامرها شك فى أن الأمر بلغ مداه، ثم تراها ~~مضعضعة وكأنها مشفية على التلف، فيعصر قلبها العطف والمرثية. فقد كانت تعرف أن قلبها ~~ليس بالقوى، وأن همومها غير هينة وأن أختها علة بلائها، وكانت تنظر إلى إبراهيم فترى ~~المعهود من ضبطه لنفسه، ولا يبدو لها من نظرته إلى عايدة حين تراهما معا ما يريب أو ~~يثير القلق. وكل ما كانت تلاحظه أنه بادى الأنس بها، وليس الأنس ما تكره له وتأبى عليه. ~~ولقد حاولت هى أن توفر له أسبابه. وكانت هذه المظاهر المتناقضة المتعارضة لا تسمح لها ~~بالاستقرار على رأى والانتهاء إلى حكم، وكان هذا عذابا لها، ولكنها كانت تحمد الله ~~عليه أحيانا وتحدث نفسها أن اليقين خليق أن يذهب بلبها. # وظل هذا الحال عاما وبعض عام. وكانت عايدة تزداد نحافة وهزالا وذبولا، وصارت ~~عيناها أوسع، وقل لحم خديها ونتأت عظام وجنتيها. وذهب شيئا فشيئا ذلك البهاء والحسن ~~المالئ للعين، ورونق الورد الريان على ديباجة محياها المشرق الوضاء. وأصيبت ~~بالدوسنتاريا وتحاملت على نفسها وأهملت، فكادت تيبس من الهزال، وذبلت الشفتان الرقيقتان ~~واتخذت الأحمر لهما وللخدين لتستر ما عراهما من إدبار النضرة. وصار إبراهيم معها ~~كالممرضة. ورق لها قلب تحية فأرخت الحبل لبعلها وألقته له وقد وسعها أن تكون كريمة. ~~فكان إبراهيم يحملها فى مركبة أو سيارة - فما عادت تقوى على المشى الطويل المجهد - ~~ويحاول أن يرفه عنها ويعيد إليها البشر ms067 والنعمة والرى بالهواء النقى والطعام المنتقى ~~يحمله معه لها ، ويشاركها فيه ليشجعها وهى لا تتناول إلا بقدر. وكان يرى زهدها هذا فى ~~الطعام فيخشى عليها فقر الدم مع ضعفها البادى. وكان هذا رأى الأطباء أيضا. ولكنها هى ~~لم تكن تحفل هذا أو تباليه، وكانت تقول له كلما ألح عليها أن تعنى بنفسها، وراح يبين ~~لها أن العناية سهلة وأسبابها قريبة وغناءها مكفول: «ما الفائدة؟ ثم إنى لست آسفة.. ~~والفضل لك. ألم أقل لك إنى قصيرة العمر؟ فأنت ترى أنى كنت صادقة، وإنى لأحس من نفسى ~~وأعرف ما لا يحس سواى أو يعرف - لا الطبيب ولا أنت - ولولاك لمت وما كنت قد حييت، ولكنك ~~أحسنت إلى، وجدت على بالحياة قبل أن يوافى الأجل». # فلم يكن يجد ما يجيب به، وإن كان لايقصر فيما يعتقد أنه خليق أن يبعث فى نفسها الأمل، ~~ويقوى الرغبة فى الحياة، ويوقظ إرادتها عبثا، فما كان يبدو منها ما يدل على أنها تريد ~~البقاء. # واتفق بعد ذلك أن انقلب ماعون فيه ماء مغلى على رجل أمها، فقامت عايدة على خدمتها، ~~وانقطعت لها وكفت عن الخروج للقاء إبراهيم، وأبت عليه زيارتها كما أبتها على تحية. وقيل ~~برئت، ولكنه كان برءا على بغى، فقد بقى فى الأصبع شىء من النغل، فاحتيج إلى الجراح ~~لبتره. ثم صحت ورجعت إليها القوة. ولكن عايدة انهارت، فقد أبت أن يشاركها فى السهر على ~~أمها أحد - ولا أختها - وانفردت بذلك ليلا ونهارا. وكانت نفقة العلاج باهظة والمورد ~~شحيح فقترت على نفسها. وكانت لا تتخذ طاهيا أو طاهية، وشغلت بأمها عن الطبخ فكانت ~~تكتفى بالكسرة من الخبز وبجبن أو زيتون أو نحو ذلك. ولا تتكلف الطهو إلا لأمها فهد ذلك ~~كيانها. ولم تكد أمها تشفى وتنهض حتى خرج بها التعب وسوء التغذية عن كل حد للصحة، فدنفت ~~وبراها المرض، ثم ثقلت وأثبتت فصارت لا تبرح الفراش. وكانت تبعث إليه كل يوم بكتاب، ~~قصاصة من كراسة تقطعها وتخط عليها كلمات الشوق، وتتقى أن تقول فيها ما ms068 عسى أن يسوء وقعه ~~فى نفس تحية إذا وقعت فى يدها أو فتحتها. وكانت لا تزال تأبى الزيارة، فكان لا يعلم ~~شيئا عن حقيقة حالها. أما تحية فكانت تزور أمها وتعرف منها ما صار إليه هذا الحال، غير ~~أنها كتمته عن زوجها. وفى ضحى يوم من الأيام بعثت عايدة إليه برسالة شفوية مع خادمة ~~صغيرة فحواها أنها تطلب منه أن يشترى لها تفاحا ولوزا محمصا، فاستغرب الطلب. وحدث به ~~تحية، فلم تكن أحسن فهما له أو أقدر على تأويله. ولكنه قضى لها حاجتها ووجهها إليها مع ~~الخادم. وكانت تحية تريد أن تحملها إليها لعلها تستطيع أن تقف على سر هذا الطلب، ولكن ~~إبراهيم أبى ذلك. وعاد الخادم يقول أن الست الكبيرة - الأم - أخذت منه التفاح واللوز ~~وقالت وعلى خديها عبراتها: «لوز إيه وتفاح إيه يا بنى ... ده حالها حال.. الأمر لله». ولم ~~يكد يتلقى هذه الرواية حتى أقبلت الخادمة الصغيرة تقول أن ستها الصغيرة تطلب إبراهيم. ~~فنظر إلى امرأته، فأومأت إليه برأسها أن اذهب بسرعة. # ودخل على عايدة فى غرفة نومها. وكانت راقدة فى سريرها على ظهرها والملاءة البيضاء ~~عليها، فخيل إليه أنه ينظر إلى جثة، فقد كان وجهها أصفر وعيناها مغمضتين ويداها ~~ممدودتين إلى جانبيها، وكانت أنفاسها مضطربة، وكانت شفتاها تتحركان بتمتمة خفيفة، لا ~~تبلغ أن تكون صوتا مسموعا. فقعد على كرسى وقد كبر فى ظنه أنه ما بقى منها إلا شفا. ~~ودار رأسه وهو ينظر إليها، ويتعجب لهذا الوجه الذى كان ينضح بالدم الحار، ويرف على ~~صفحتيه ماء الحياة، وتونق فيه نضرة الصبا، كيف ذبل ويبس وأربد، وحلت به الكمدة فى عامين ~~اثنين ليس إلا؟ وهاجت حرقاته، واضطرم سخطه على الدنيا وقسمة الحظوظ فيها. وكاد غيظه، ~~قبل حزنه، يبكيه، لولا أنه جامد العين بعيد العبرة جافها، يحس بها تتردد فى صدره وحلقه، ~~ولا تترقرق أو تنحدر من جفنه. ولبث عشر دقائق ناظرا إليها لا هو يقول شيئا، ولا هى ~~تفيق، ثم نهض وقد أحس بالعجز عن احتمال ذلك. ms069 وتعجب وهو خارج، للمرأة وقدرتها على الصبر ~~على ما لا صبر للرجل عليه.. أهى بلادة فيها ونقص فى الإحساس أو الإدراك أو الخيال؟ أم ~~هى غريزة الأمومة تجعل المرأة تفيض حنانا، ويستغرقها حنانها فيطغى على كل إحساس اخر؟ ~~من يدرى؟ # وقال لتحية: «لست فاهما شيئا.. كيف أمكن أن يحدث هذا»؟ قالت: «لكأنى بك لا يعنيك ~~إلا أن تفهم كيف ولماذا؟ مسكينة». قال: «لا تظنى أن قلبى غير موجع، فإنه موجع. ولكنى ~~أريد أن أفهم ... هذه فتاة لم أر أول ما رأيتها شبابا اكثر من شبابها ريا ونعيما ~~ونضرة. لم يكن يبدو عليها أن بها مرضا دفينا. كلا. كانت مظاهر الصحة مجتمعة. ولست ~~أعلم أنها رقيقة الحال، فإن عند أمها فوق الكفاية لاثنين. وقد كانت دائما حسنة الثياب. ~~وكنت أرى معها أكثر مما تحتاج إليه لنفقتها. وليس بأمها بخل. فكيف أصابها هذا الذوى ~~السريع؟ وما علته؟ نعم كانت مكبوتة ولكن الكبت قد يتلف الأعصاب، أو يورث مرضا غير ~~مستعص، أو حتى يجن. ولكن هل يمكن أن يقتل على هذا النحو وبهذه السرعة إذا كان يقتل؟ ~~وأعرف أنها كانت شقية بأختها.. فقد حدثتنى أنت بذلك. ولكن أين الإنسان الذى تصفو حياته ~~ولا تعكرها الهموم أو تخلو من المنغصات؟ وشقاؤها بأختها كانت علته أنها منهومة لا تشبع، ~~وأنها تطمع فى مال أمها ولا تبالى حرمان أختها. ولكن الأم لم تستجب للبنت الطامعة، ولم ~~تطاوعها ولم تضيع على بنتها الأخرى شيئا. فشقاؤها بأختها كان يلطفه ويخففه الواقع، وهو ~~أنه لم يحدث ما تخاف. ثم إنى لا أرانى قادرا على التوفيق بين هذه المتناقضات. كانت ~~عايدة تعتقد أنها قصيرة العمر وأن أجلها لن يطول حتى تنعم بالزواج. ومع ذلك كانت شقية، ~~لأن أختها تطمع فى مال أمها وتحاول أن تغتصبه، وتحرم عايدة منه، فعايدة قلقة على ~~مستقبلها. ثم لماذا كانت لا تأكل؟ لماذا أهملت نفسها إلى هذا الحد الوبيل؟ إنه أشبه ~~بالانتحار فيما يبدو لى، لم تكن غبية أو ضعيفة الفهم أو جاهلة أو عاجزة ms070 عن تبين ما لا ~~بد أن يورثها هذا الإهمال . أم كانت تهمل أن تأكل لأنها لا تشتهى الطعام؟ لماذا؟ إن هذه ~~الأمور تحيرنى». # فلم تقل تحية شيئا لأنها كانت تعرف أن زوجها يحس «بعقله»، أى يحول كل إحساس إلى ~~فكرة، ويروح يعرضها على عينيه ويتأمل وجوهها. وخواطره هى الصور التى تتخذها إحساساته. ~~وكثيرا ما تتحول الفكرة عنده إلى إحساس. فهذا يتسرب فى ذلك، وذاك يعود فيتسرب فى هذا، ~~ولا نهاية لهذا التحول عنده. # وقضت عايدة نحبها دون أن تفيق. أو لعلها أفاقت وما درى بها أحد.. ومن يدرى. # ووجم إبراهيم لما جاءه نعيها، فقالت له تحية وهى تربت له على كتفه: «اسمع. إنى لم ~~أكلمك فى هذا قط، ولكنى أقول لك الان إنى آسفة.. اسفة من أجلها. والموت حسم، فاطو أنت ~~أيضا الصفحة». # قال: «ولكنها لم تكن صفحة.. لا ليست صفحة فى حياتى ... هنا خطؤك. إنها كانت كتابا ~~كاملا. ولكنه خطف من يدى، وأنا مازلت أجيل عينى فى صفحاته الأولى.. أوه أظن أنى أقول ~~كلاما سخيفا.. لم يعد فى رأسى عقل. كل ما أشعر به أو أدريه أنه لم يكن ثم من بأس لو ~~بقيت هذه المسكينه.. هل عندنا شىء من الشراب؟ هذا الموت ثقيل.. أكاد أرتاب فى حكمة ~~الحياة والموت.. فى كل شىء.. لا ينبغى أن أكف عن التفكير فى أى شىء فى هذا ~~اليوم». # ففهمت تحية وعذرت. وكانت تعرف تلف أعصابه وما عانى فى سنوات طويلات من عذاب ~~النوراستينيا. # وما أكثر ما تفهم وتعذر المرأة الطيبة المخلصة الرحيمة.. ولعلها أجمل وأروع ما فى ~~الدنيا. # 5 # أحس إبراهيم فى الشهور القليلة الأولى التى تلت وفاة عايدة أنه تغير، وأن حياته خلت ~~من بعض ما كانت تجمل به وتطيب، وإن كانت هذه الفتاة المسكينة لم تستطع أن تملأ حياته. ~~وكان هو ربما أحس أنه لم يعرفها معرفتها، وأنها مرت به تخطف ولا تتلبث. # وصار يلزم بيته ويعتكف فيه، معظم الوقت، ولا يخرج إلا لحاجة ملحة. وكانت تحية تدعه ~~لخواطره ولا ms071 تتطفل عليه إلا أن يدعوها أو ينشد مجلسها فتكون معه ساكنة وادعة، متكلفة ~~متجملة. وكان يمهد لها العذر ولا يلوم. فما احتملت امرأة مثل ما احتملت تحية منه، ولا ~~تجاوزت بنت لحواء عن مثل ما تجاوزت عنه، وإن كان الذى كبر فى ظنها أوهاما. ولكنه كان ~~مع ذلك يحس أن ليس له صديق، وأنه فقد الصديق يوم فقد أمه. وكان يقول لنفسه إن ألف ألف ~~من أنصاف الصداقات خير منها صداقة واحدة تامة. وكل إنسان منا عالم قائم بذاته. والذى ~~يستطيع أن يدير عينه فى حياة إنسان اخر ويتبينها على حقيقتها يكون قد استطاع أن يرى ~~ويعرف عالما جديدا. ولم تكن تحية تتجهم أو تقصر فى لقائه بما تعرف أنه يحب، ولكنها ~~كانت ساكنة، وكان هذا لا يشجع على التبسط أو المصارحة والتفاهم. وما أكثر ما تعجب فى ~~خلوته الطويلة بنفسه لقدرة المرأة على إشقاء الرجل وتعذيبه من غير أن تنطق بكلمة جافية ~~أو تفعل شيئا ينطوى على القسوة! وكان ربما خطر له أن قوة المرأة مهولة، وصولتها فظيعة، ~~وسطوتها لا يستخف بها عاقل؟ وأنها لهذا خطرة ومستبدة، وأن ودها من أجل ذلك له قيمته، ~~وعطفها جدير أن يطلب وينشد. # على أنه لم يسخط ولم يتذمر، فقد كان يؤثر الإنصاف على صعوبته ومشقة التكلف فيه. فكان ~~يحدث نفسه أنه هو الذى جنى هذا، وأن عليه أن يمهل تحية - أو يستمهلها - حتى ترى منه ما ~~يعيد إليها البشاشة والطلاقة والخفة والنشاط، ولابد لذلك من عودة الثقة وحصول ~~الاطمئنان. ولم يسعه إلا أن يبتسم، إذ خطر له أن الزواج يشبه لبس الحذاء، والأعزب كالذى ~~اعتاد الحفى، فإذا لبس حذاء شعر بالضيق والكرب. والزوج الذى يهمل زوجته زمنا ما، يكون ~~كالذى ترك حذاء وتحذى سواه. فإذا عاد إلى الأول أتعبه وأحس أنه ناشف، لا يلين لقدمه، أو ~~أن رأسه المستدق أضيق مما ينبغى، أو أن لسانه قد تلوى، أو أن جانبيه قد تقبضا، أو أنه ~~يزم زما محكما. والمواظبة والصبر لا غنى عنهما ms072 حتى يلين الحذاء ويعود مريحا كما ~~كان. # وذكر بهذا المثل الحذاء الصينى الذى يقال إن المرأة تصب قدمها فى قالب منه. فقال ~~لنفسه إن هذا هو مثال اطراد الحياة على نسق واحد لا يتغير. وليست الحياة - أو لا ينبغى ~~أن تكون - كذلك، وإنما الحياة - كما يقول سبنسر - محاولة مستمرة لتنسيق العلاقات ~~الخارجية والداخلية أو التوفيق بين النفس وغيرها. فإذا كان كل ما أفادنى من التحصيل ~~والتجربة لا يعيننى على التوفيق بين نفسى وبين الحياة، فأنا إذن لا خير فى ولا أمل. ~~فالصبر الصبر يا هذا. # وأراد أن يسرها ويبرها، فإن الصبر وحده لا يكفى، ولا مفر من مجهود يبذله لتعود فتسكن ~~إليه وتثق بأنه عاد إليها كله لا بجانب من نفسه. وذكر أنها كانت قالت له لما اتخذ هذا ~~البيت مسكنا: «إن ساكن الضواحى القصية لا يستغنى عن سيارة»، فسألها يومئذ: «هل تشتهين ~~أن تكون لك سيارة؟» فكان ردها: «وأى امرأة لا تشتهى ذلك؟ ولكنه بذخ لا أحسبه يدخل فى ~~طوقنا فلا تعجل». فسكت، ونسى، إلى أن كان ما كان مما أسلفنا عليه القول، فاغتنم فرصة ~~مزاد تباع فيه مقتنيات إنجليزى أزمع العودة إلى وطنه. وكان بين المعروضات سيارة متينة ~~البناء سليمة المحرك إلا أنها حائلة اللون، غير ذات رونق، فاشتراها بمبلغ زهيد. # ستين جنيها ليس إلا. وبعث بها إلى من طلاها وأعاد إليها جمال الشكل وبهاء المنظر. ~~وأعدها - ومعها سائقها - أمام الباب فى ساعة معينة. فعل هذا كله دون أن يخبر زوجته. وفى ~~مأموله أن يفاجئها بما يعتقد أنه يسرها. ودعاها إلى الخروج، وفى عينيه بريق يكاد يفضحه، ~~فما كان يحسن التكلف. فنظرت إلى وجهه مستغربة، وخرجت طائعة، فلما رأت السيارة وقفت ~~والتفتت إليه وسألته: «ما هذا؟» قال: «أتعجبك؟» قالت: «إنها جميلة. ولكنى لا أفهم». ~~قال: «إنها لك». قالت: «لى أنا؟ متى اشتريتها؟ ولماذا لم تخبرنى؟» قال: «لو أخبرتك لما ~~كانت هناك مفاجأة». فعبست وقالت: «ولكن هذا إسراف». وغالبت نفسها فتبسمت وفتحت الباب ~~ودخلت. ولما انطلقت بهما السيارة قالت ms073 له: «لولا خوفى عليك لقلت لك تعلم قيادتها، ~~لنقتصد على الأقل أجر السائق». قالى: «لا تخافى على. سأتعلم وأعلمك أيضا فما اشتريتها ~~إلا لك». # وصمتا برهة قالت بعدها: «لا تظن أنى غير شاكرة فإنى شاكرة. ولكن الثمن الذى ذهب فيها، ~~والتكاليف، وأجر السائق! أليست هذه مجازفة؟» # قال: «ربما. ولكن الذى لا يجازف لا ينال شيئا». وتمتم: «وفاز باللذة الجسور». # وسرت تحية، فما كان يسعها إلا أن تسر بالتفاتته هذه. وخيل إليها أنها بداية لعودة ~~العصفور إلى عشه، لا بجسمه، فما كان فارقه، بل بقلبه وروحه. ولكنها على هذا لم تكن تبدو ~~سعيدة كما كان يرجو أن يراها. وبدا له أن الحزامة أن يصارحها، فما يطيق أو يستطيع أن ~~يظل معها هكذا متكلفا متظاهرا بالرضى، وأن يدعها تتعمل وتتكلف هى أيضا، ولعل خواطرها ~~سود حالكة. وما ثم خير فى ترك الأمور تستفحل وتتفاقم وفى الوسع منعها من ذلك. وقد لا ~~تجدى المصارحة، ولكنها على التحقيق لن تزيد الحال سوءا. # واغتنم الفرصة ذات ليلة، وهما يشربان الشاى وحدهما قبيل النوم - وكانت تلك عادتهما - ~~فقال لها إنه يراها متغيرة منذ زمن وإنه جاهد ليردها إلى سابق العهد بها، ولكنه لا يرى ~~أنه أفلح. فما هى الحكاية؟ فحاولت أن تهرب من الموضوع، وزعمت أن النعاس يغالبها، ويكاد ~~يثنى رأسها على صدرها، وأن للكلام وقتا آخر، إذا كان لا بد من ذلك، فألح وأصر. فقالت ~~له إنها لا تستغرب أن تكون تغيرت، فإنه هو أيضا قد تغير. ولعل مرد الحالين إلى أمر ~~واحد. فسألها: «هل تعنين عايدة؟» # قالت: «لا أحب أن أذكرها بغير الخير. وإنى لأرثى لها وأتوجع لما حاق بها وصارت إليه. ~~ولكنى لا أكتمك أن حكايتها معك قد أورثتنى برغمى هذا الذى تنكره من حالى. وثق أنى لا ~~أسىء بك الظن، ولكنى امرأتك، ولا أكون أنثى إذا لم يصبنى ما أصابنى». # قال: «لقد كنت أراها كل يوم تقريبا، وكنت تعرفين ذلك، وكنت أنبئك أنا إذا لم تعرفى، ~~وكنت أحرص على هذا لتطمئنى. على ms074 أنى أقول لك إنى أؤثر المرأة التى لها عقل رجل ، لا ~~لأنها تكون أحلى أو أفتن، بل لأنى أرانى عاجزا عن فهمها إذا لم تكن كذلك». # قالت، وهى تبتسم: «بل أحلى منها عقل امرأة وزينة امرأة». # قال: «هذا صحيح، وليست المرأة امرأة إلا بذلك، ولكن الأخرى التى يكون لها عقل رجل، ~~تجذبنى لأنها شاذة، ونادرة. وأقول لك إنى أحمد عهد عايدة ولا أزال أذكره شاكرا. ولكن ~~الطريق الذى سرنا فيه لم يفض بنا إلى ما يدعو إلى هذا منك». # قالت: «كان يمكن». # قال: «ربما، جائز، ولكنه لم يكن. أفمن أجل أن أمرا ما، كان يمكن أن يقع، تعذبين نفسك ~~وتعذبيننى هذا العذاب؟» # قالت: «ألست معذورة؟» # قال: «نعم. ولكن هذا الاحتمال موجود أبدا، ولا يحتاج إلى عايدة على الخصوص ليمكن أن ~~يكون ما دام الأمر كله أمر إمكان وجواز واحتمال». # فأحست الخوف، فقد كانت هذه أول مرة يبسط لها فيها الأمر على هذا النحو الواضح، وشعرت ~~أن لا سبيل إلى أمن أو اطمئنان ما دام هذا جائزا ومحتملا فى أى وقت. ولكنها غالبت ~~نفسها وقالت بابتسام كأنما تمزح: «إنى أعتقد أنك من الرجال الذين يمكن أن يحبوا أية ~~امرأة بشرط أن يكون لها من المفاتن الكفاية». # وكان من الجلى - من نظرتها وابتسامتها ولهجتها - أنها تمزح، ولا تقول هذا جادة. أو ~~لعلها كانت جادة، ولكنها آثرت أن تبطن كلامها بالمزاح. # ولم يغضب، ولم يسؤه هذا، بل قال وقد انتوى أن يذهب فى المصارحة - ما دام قد بدأ - إلى ~~النهاية: «إنك مخطئة خطأين كبيرين، الأول قولك أنى مستعد أن أحب أية امرأة إذا كان لها ~~من الجمال القدر الكافى للإغراء أو استثارة الإعجاب. والحقيقة أنى مستعد أن أحب كل ~~امرأة ولو كانت دميمة، فإن للدمامة فتنتها أيضا، والبراعة فى تكوينها جديرة بالإعجاب، ~~والمرأة الدميمة المزهود فيها خليقة بالرحمة. ألم تسمعى قول ابن المعتز: «وأرحم القبح ~~فأهواه؟». وخطؤك الثانى ظنك إنى بدع فى الرجال. فاصغى إلى جيدا.. إن الرجل الذى يقدر ~~على الحب هو ms075 الذى يحب المرأة أولا - الجنس كله، النساء جميعا - ثم بعد ذلك يحب امرأة ~~معينة. وإنه ليحسن بكل امرأة أن تعرف هذه الحقيقة الأولية لأنها حيوية. إنك تخطئين حين ~~تتوهمين أن رجلا لا تعنيه النساء، يستطيع أن يحبك ويفهمك ويقدرك. لا يا ستى ليس إلى ~~هذا السبيل. فإن الانتقال يكون من العموم إلى الخصوص. وأنت أيضا لا تستطيعين أن تمقتى ~~«الرجل» وتحبى رجلا. إن الذى يعرف كيف يحب امرأة هو الذى يحب المرأة، أو فكر المرأة، ~~والأمران سيان. فإذا كنت تطلبين الشاذ والاستثناء، فاعلمى أن الشذوذ فى هذا يفضى إلى ~~شذوذ آخر، لا تصلح به حياة المرأة الطبيعية التى لا تعانى شذوذا فى طبيعتها». # فبدا عليها الرعب، ولكنه لم يرحمها وألح عليها فقال: «إنك تريدين أن تفوزى بلذات الحب ~~ونعيمه من رجل محدود، ضيق الأفق والنفس، أعمى العين والقلب، فلماذا تزوجتنى إذن؟ تطلبين ~~الدفء من رجل بارد مقرور النفس! تشتهين نظرة الحب المثيرة من عين كالزجاج لا معنى فيها ~~ولا تعبير لها، لأن من لا يرى ولا يحس لا يستطيع أن يعبر. تريدين أن يخفق لك قلب بعلك ~~بالحب والحنان وهو لا يخفق إلا لمنظر الحمام المحشو، والبطاطس فى الصينية، إذا كان يخفق ~~حتى لهذا ... لماذا خلق الله هذه الدنيا وما حفلت به من جمال؟ ما خيرها لنا إذا كنا سنعمى ~~عنها؟ هل تذكرين الجبن اللذيذ الذى أكلنا منه ظهر اليوم؟» # وكان الانتقال مفاجئا، ولا صلة له بما هو فيه. ولكنها ألفت منه هذه الوثبات، فتبسمت ~~وقالت: نعم. ماله؟» # قال: «لقد كان هذا جبنا طيبا. وكان طعمه لذيذا. وهو صالح نافع أيضا.. ولكن إذا ~~تركناه زمنا كافيا، فإن شيئا غريبا ممتعا يحدث له. تدب فيه حشرة طفيلية نسميها ~~الدودة، وتتكاثر الديدان، وتجعله كالأسفنج.. من أين جاء الدود؟ إنه لم يجىء من الخارج. ~~وهو طفيلى، وعلامة فساد وانحلال.. أنتجه الفساد الذى دب فى الجبن. وكذلك النفس لاتفسد ~~وتتعفن بشىء يجىء من الخارج، بل يكون ما يظهر فيها من الخوارج السود القبيحة نتيجة ms076 ~~الفساد الذى اعتراها من الباطن». # واضطجع فى كرسيه وغام وجهه وهو يقول: «يخيل إلى، أن من الممكن أن نكون نحن الآدميين، ~~وغيرنا من صور الحياة، علامات فساد وانحلال. وعسى أن نكون ظهرنا فى هذه الدنيا كما يظهر ~~الدود فى الجبن أو المش، ومن يدرى؟ لعلنا حشرات طفيلية يغص بها كيان ضخم، فهى تعيث ~~فيه.. كيان ظل موجودا أكثر مما ينبغى.. ففسد.. وصار جديرا بأن يرمى أو يمحى». # فشق عليها أن يسبح هذه السبحة، ورق له قلبها، فقد أيقنت أنه هو أيضا يتعذب، وأنه ~~يتألم لنفسه ولها، لنفسه على الاثر لأنه فقد ما يطيب به نفسا، ولكن الذى فقد، هو الذى ~~أحب منها. فصاحت: «إبراهيم.. أرجو ... أرجو أن لا تتكلم هكذا». # فصاح بها هو أيضا: «لماذا؟ لماذا تطبقين جفونك وتحجبين عقلك؟ لست أمية ولا أنت عمياء، ~~ولا أنت بليدة. ألا تعرفين أن النظر إلى الجمال والإعجاب به، بل حبه، كقراءة الشعر يجعل ~~الإنسان أعرق فى الإنسانية؟ ألا تعرفين أن الرجل البليد كالسفينة التى تسير بغير بوصلة؟ ~~ألا تدركين أن الفطنة إلى الجمال فى مظاهره المتنوعة يعينك حتى على حسن الاختيار، حتى ~~حين تشترين حذاء أو تفصلين ثوبا؟ أهملى ما فى الدنيا من مباهج العيش، وفتن الحياة، ~~وحلاوة الحسن، وروعة الجلال، وانظرى كيف تصير الدنيا والناس؟ بهائم فى مرعى، لا تدرك ~~حتى أن ما ترعاه أخضر. لا ترفع عينها مرة إلى السماء، لأنها لا تدرى أن فوقها سماء. إن ~~الإنسان إنما صار إنسانا لأنه رفع عينه، وأجالها، وأحس وأدرك.. ماذا جرى لك؟ أتبغين ~~الموت فى الحياة؟ أتريدين أن أكون مخلوقا ذا بعدين اثنين فى عالم ليس فيه حتى ولا ~~أشباح؟» # فقالت بلهجة وديعة: «إنى لم أعد أدرى ماذا أنا حتى أعرف ماذا أريد». قال: «ولست مع ~~ذلك بالغبية، ولو كنت، لأقصرت. فما يلام النبات من أجل أنه نبات.. وإنك لذكية، وفيك ~~فكاهة، وذهنك سريع، وحيويتك دافقة.. ولكنك تنفقين كل ذلك عبثا، تبعثرينه سدى، تضيعينه ~~فى غيرة سخيفة. لقد تعبت ونشفت ريقى فاسقنى ms077 شيئا». # فأشارت إلى إبريق الشاى، فأشار إليها أن لا، فجاءته بقدح صبت فيه قليلا من الويسكى، ~~وهمت أن تشعشعه بالماء، فهز رأسه، وتناول القدح، وقلبه على فمه، فاكتوى حلقه، وقطب، ~~ونهض واتجه إلى الباب فى صمت. فلحقت به ووضعت راحتها على كتفه، وقالت بلهجة هى أعذب ~~وأرق ما صافح سمعه فى سنوات: «آسفة ... مسكين ... اعذرنى وسامحنى ...». # وارتمى على سريره فى تلك الليلة وهو يقول لنفسه: «ألا إنها لمعذورة، وتالله لأنا الذى ~~جنيت هذا كله.. فما أقدر الإنسان على الثرثرة والمغالطة». # وأدركه النوم وهو يحاور نفسه ويسألها: «أترانى كنت أغالطها؟ أكنت أتفلسف عليها لأرد ~~عنها ما يسوءها، ويثقل عليها، ولأدفع عنها ما يعذبها، كما يفتح أحدنا الشمسية ويرفعها ~~فوق رأسه ليتقى الشمس أو المطر؟ وهل ينفى هذا أن الشمس عظيمة الوقدة أو أن المطر ~~يهطل؟» # ودخل فى عالم آخر قبل أن يجيب أو يعرف الجواب.. عالم ملؤه السكينة التى لا تخلو مع ~~ذلك من مغالطة الأحلام. # | الفصل الرابع # 1 # ثم كانت «ميمى». # وهى طراز اخر من الأنوثة. لا تشابه تحية، ولا تشاكل عايدة، شبابها ريان، وجسمها بض ~~فى نصاعة لون، ووجهها كأنما يترقرق فيه ماء الحياة من نضرة النعمة، رشوف، عبقة، لبقة، ~~لينة فى منطقها وعملها، ناعمة فى ملمسها، مطواع، لا كبر بها ولا تكلف، تتجمع أنوثتها فى ~~عينيها الدعجاوين، وتنطق منهما حين تبتسم فتضيقان. لا تعرف قولة «لا» ولا تحسن أن تقول: ~~«نعم» ولكنها تحسن أن تفعلها. أبرز صفاتها البساطة والقناعة. فهى تأخذ الأمور مأخذا ~~سهلا وتتناولها من قريب، وتقنع بالميسور، ولا تعنى نفسها بما كان خليقا أن يكون من ~~خير أو شر. وتنظر إلى ما يسوء من جهته التى تجعله أضوأ أو أخف وأهون. وكانت صادقة لا ~~تكذب، لأنها ما عرفت ولا أحست حاجة تدعوها إلى الكتمان أو مجانبة الحق. ولم تكن غريرة، ~~ولكنها لم تكن مجربة، فهى تدرك مطالب أنوثتها. ولكن ما اعتادت - أو ما فطرت عليه - من ~~تلقى الحياة بالرضى والتسليم والتهوين، يمنعها أن تلج بها رغبة، ms078 ويحميها أن يجمح بها ~~مشتهى أو يشقيها حرمان أو يذلها للرجل أنها مفتقرة إليه. ولم تكن بها جفوة أو جمود، ~~ولكنها كانت ساكنة متزنة، إذا جاعت صبرت ولم تتلهف، وإذا شبعت شكرت، ولم تر أن تصيح من ~~فوق الماذن بشكرها وسرورها، ولم يبطرها أو يغرها إحساسها بالشبع والرضى. وكانت دائمة ~~البشاشة والتهلل، لا تستطيع أن تقطب حتى حين يغضبها أو يؤلمها شىء. وكانت لبسة صناعا ~~تحسن انتقاء الألوان وتؤثرها بسيطة، ولا تحبها زاهية أو مختلطة أو كثيرة الوشى ~~والتفويف. وكانت تبدو كأنها لا تدرك أن لها من المحاسن ما يصبى الرجل إليها، ويفتنه ~~بها. فكان يحاول على سبيل التجربة أن يثير فيها هذا الإدراك الذى خيل إليه أنه ناقص، ~~فيروح يصف لها مواطن الحسن فى تكوينها وفى طباعها، فتبتسم أو تضحك. ولكنها لا تبدو ~~كأنها تصدق. وكانت ربما قالت له حين يلح عليها بهذا الكلام كأنما يدعوها إلى الإعجاب ~~بنفسها: «إذا رسمت صورة جميلة فهل يكون للصورة فضل فى جمالها؟» فكان يقول لها: «اسمعى. ~~إن لكل إنسان حظه الموفور من الغرور، ولست أدرى - ولا أنا أستطيع أن أتصور - كيف يمكن ~~أن يطيق الإنسان الحياة لو فقد الغرور، والغر ور فيما يرى الناس رذيلة، ولكنى أراه ~~نعمة، أو على الأقل القدر الكافى منه لإطاقة العيش. وأنت كغيرك لا بد أن يكون لك شعور ~~بنفسك، وإلا كنت كالحيوان الأعجم الذاهل عن نفسه وعن الدنيا. والإنسان يصاحب الحيوان ~~ويبادله قدرا من الود والإحساس، ولكنه لا لذة له فى مصاحبة إنسان مثله إذا كان معدوم ~~الإحساس بنفسه. وأحسبك تتكلفين هذا الذهول، وإنه لتواضع أو أدب منك جميل. ولكن الإفراط ~~فى تكلفه يخرج بك عن حد الطبيعة القويمة التى لا تعترف بهذا التجاهل التام ~~للنفس». # فتقول: «ولكنى كما تقول مغرورة، وحظى من الغرور أوفر مما تظن. ولكن هذا لا يدعو إلى ~~الإثقال على الناس». # فيقول: «إذا قلت لك بلهجة المؤمن بما يقول، المخلص فيه، إنك دميمة أفلا يسوءك ~~هذا؟» # فتقول: «نعم. ولكنك لست الناس جميعا، ms079 والذى تراه أنت قبيحا قد يراه غيرك جميلا أو ~~حميدا». # فيسره منها هذا الأسلوب فى تناول الأمور، والنظر إليها من أكثر من وجه واحد لتسهل به ~~وتهون. # فيعود فيقول لها: «وقياسا على هذا يسرك أن تسمعى من رجل أنك جميلة». # فتقول: «طبعا. ويزيد فى سرورى أن يفيض ذلك، ويبدئ ويعيد، حتى ولو لم يكن ~~مخلصا». # فيقول: «إذن لماذا تبدين كل هذه الدهشة حين أذكر مفاتنك؟» # فتضحك وتقول: «لأستزيدك ولأغريك بالتكرير والتأكيد». # ولم يستطع أن يثير فيها الإعجاب «الظاهر» بنفسها، ولكن إلحاحه عليها بالثناء على ما ~~يحمد من مزاياها وصفاتها المحببة، أثمر شيئا آخر هو حرصها على دوام تميزها بهذه ~~الصفات، وضنها بها أن تحتجب أو تفتر. وهذا فعل الإيحاء. وكان الإيحاء الخفى اللبق سبيله ~~مع المرأة، يصبها به فى القالب الذى هو أشهى إليه وأحب. وقد حذق ذلك حتى لقد قالت عنه ~~تحية مرة: «إنى لا أستطيع أن أقاومه أو أغالبه، لأنه يستولى على، كالنوم، بلا ضجة أو ~~عنف أو رجة، بل من غير أن أشعر، وبعد أن يقهرنى يدعنى للطبيعة، ولا يحاول التظاهر ~~بصولته وقدرته. ومن يدرى؟ لعله لو كان اشتغل بالتنويم المغناطيسى لكان أبرع فيه من ~~«طهرا بك» الذى يفعل العجائب ويأتى بما يشبه السحر». وكانت هذه مبالغة من امرأته. ولعله ~~يسرها أن تبدى جانب الضعف والخضوع ليلقى سلاحه ويطمئن ويحسب نفسه قد أمن، فتعود فتكر ~~عليه وهو غافل، ومن مأمنه يؤتى الحذر. # وبفضل الإيحاء صارت ميمى مطواعا له، حريصة على مرضاته، بما استقر فى نفسها أنه ~~مزيتها التى تحببها إليه. ولم تكن تعرف رجلا غيره معرفة تستحق الذكر، أو يمكن أن يكون ~~لها أثر فى نفسها أو سيرتها إلا صادقا قريبها. # ولكن صادقا شاب يفزعها بما يحمل عليها به من فورة الشباب، فيغريها بالتوقى والتحرز، ~~ويدفعها إلى النفور. ولم يكن الحب هو الذى يبعثها على الاحتماء منه، فليس الحب بمزهود ~~فيه، وإنه لمنية قلبها وهوى نفسها. ولقد كانت فى سريرتها مزهوة بحبه، ولكنها كانت ترى ~~صادقا كالعباب ms080 الطاغى المربد المزبد، فتشعر بالخوف على نفسها من الغرق فيه، وتحس أنه ~~خليق أن يحملها على متنه الصاخب، ويرميها على صخرة تتحطم عليها. على حين كان إبراهيم ~~يبدو لها كالغدير الصافى المترقرق فى روضة انف حالية بالزهر - لا يخيف، ولا يروع، ولا ~~يقلق أو يزعج، بل يبعث فيها الأنس، ويشيع فيها السكينة، ويحلو التمشى على حفافه، ~~والتنعم بمنظره وبنضرة ما حواليه. وإنه لسهل أن تغرق فى مائه الرقراق، كما يمكن أن تغرق ~~فى العباب الخضم الراغى الطاغى، ولكنها إذا غرقت فيه، تغرق وهى حالمة ناعمة مطمئنة، ~~واثقة من السلامة، بل منساقة إليه وراضية بالغرق فيه. فهنا اطمئنان، قد يكون كاذبا ~~ولكنه يغرى بالمطاوعة والمسايرة والانسياق، مع الاستحلاء والاستمتاع. وهناك خوف من ~~الضيعة، وإشفاق من مصير جارف، لا تملك لنفسها حياله مقاومة أو مدافعة. ومن أجل هذا كانت ~~تنفر من صادق، وتقبل على إبراهيم. وزاد إقبالها أنها كانت ترى وجوها شتى، ومعانى عدة، ~~وتنعم بصور من المتع هى ثمرة التجربة والخبرة والفهم وصحة الإدراك وسعة الأفق. على حين ~~لم يكن عند صادق إلا حبه المضطرم، واللون واحد والصورة لا تتغير، والمعانى لا تتعدد، ~~والحلاوات المرتقبة أو المتخيلة لا تتفاوت طعومها، فهى خليقة أن تمل وتسأم. # وكان إبراهيم يحرص على تنويع أحوالها معه، بل لقد كان يتقى أن يكون كلامه على وتيرة ~~واحدة، أو نسق لا يتغير، وكان يخشى أن تقول لنفسها: «إنى أعرف ماذا سيقول لى حين ~~يلقانى، وبأى كلام سيبدأ حديثه». وكان لهذا يتحرى أن يخلف ظنها، فيلقاها كل مرة بجديد ~~من القول والاستقبال والاقتراح والمتعة، وكان هذا لا يخلو من مشقة وعسر، ولكنه كان يهون ~~الأمر على نفسه بقوله: «إن من الجمود الذى ينبغى أن يتقيه الإنسان أن يجرى فى حياته ~~مجرى واحدا. والحروف فى كل لغة - إلا الصينية على ما يقال وأمثالها، إذا كان لها أمثال ~~- محدودة العدد - سبعة وعشرون تنقص أو تزيد واحدا أو اثنين. وانظر ماذا يتألف منها من ~~الكلمات؟ عشرات الالاف فى كل لغة.. وانظر ms081 ماذا تؤدى من المعانى؟ شىء لا يأخذه حصر. وكل ~~هذا مستطاع ببضعة حروف قليلة لا تزيد على الثلاثين. فإذا كان هذا مستطاعا فى اللغة ~~التى نتخذها للتفاهم والبيان، فلماذا لا يكون مستطاعا فى غيرها؟ فى كل شىء؟ إن قلة ~~الاستطاعة كسل، أو نقص فى الخيال، أو القدرة على الابتكار، نقص على كل حال. ولن تكون ~~الحياة كاملة بذلك. ولن يكون الإنسان قد أحسن الانتفاع بحياته إذا لم يستطع أن يجد لها ~~كل يوم جديدا». # وكان يجد لذة فى هذا العناء، بل لذات.. لذة السعى والاجتهاد، ولذة النجاح حين ينجح، ~~ولذة الرضى الذى يحسه من ميمى. ولكن ضميره كان ربما نغص عليه عيشه وأفسد هذه اللذات ~~جميعا. فقد كان بعد أن يودع ميمى، ويكر راجعا إلى البيت، يحاسب نفسه ويقول لها ولماذا ~~لا أجتهد مثل هذا الاجتهاد مع تحية؟ أليست جديرة أن أتعب فى سبيلها كما أتعب فى سبيل ~~ميمى أو سبيل نفسى معها؟ ولعلها، لو فعلت، تكون أسعد، وأكون أنا معها أسعد، ولا أحتاج ~~حينئذ إلى ميمى أو سواها». ثم ينقلب مدافعا عن نفسه فيقول: «ولكنها سعدت باجتهادى معها ~~سنوات حتى تعبت ومللت.. ثم لماذا لا تجتهد هى أيضا بعض الاجتهاد؟ لماذا أحمل أنا ~~العبء وحدى كله حتى أنوء به؟ لقد كان كل الاجتهاد من جانبى، وكان كل عملها أن تنعم بما ~~أسرها به، وكانت كل مجاوبتها إظهار الشكر والرضى». # ثم يعود فيقول لنفسه: «ألست أنت الرجل؟ أتعد صبرها عليك وأنت منصرف عنها فتورا منها، ~~وزهادة فى تكلف مرضاتك؟ وهى إنما تبغى أن تفسح لك فى الوقت حتى تراجع نفسك فترجع إليها. ~~إنها تنتظر متجلدة، فماذا يكون الحال، إذا ملت الانتظار والصبر، ودفعها اليأس منك إلى ~~مثل ما دفعك الملل إليه؟ كن منصفا. إنها تصبر على مضض، ولا تنشد عزاء أو تسلية، ولا ~~تفكر إلا فيك، ولا تتطلع إلا إليك، ولا تحلم إلا بعودك، ولا تسعد إلا بذلك، وأنت تروح ~~تقطف الأزهار اليانعة، وتنعم بشمها ومنظرها، وتنساها إلى أن تؤوب ms082 إلى بيتك، فتدخله كأنك ~~داخل سجنا أو فندقا، تقوم فيه هذه المرأة الصابرة التقية على خدمتك فيه، ولا تسألك ~~أين كنت ولا ماذا فعلت.. ثم تجىء وتحملها وزر ما أنت صانع. لا يا صاحبي.. ليس هذا من ~~العدل فى شىء». # وكان العجز عن إقناع نفسه بأنه على حق، وأنه لا يفعل ما يسوء، هو الذى ينغص عليه ما ~~يفوز به من ميمى من الأنس والروح والريحان. # وكانت ميمى - وهذه إحدى مزاياها - تخفف عنه بعض هذا التنغيص بصحة إدراكها لواجبه ~~لتحية، فكانت لا تطالبه بأكثر من منزلة الصديقة ولا تتطلع إلى ما فوقها ولا تكتم شكرها ~~- بسلوكها إذا لم يكن بلسانها - لهذه المنزلة عنده. وكانت تأبى أن يتكرر لقاؤه لها فى ~~الأسبوع الواحد أكثر من مرة، وتقولى له إن حق امرأته أولى بالرعاية. وكانت مخلصة فى هذا ~~لا تحاول به أن تزيد اجتذابه إليها. فكان يقول لها: «إن حق تحية أمانة فى عنقى أنا لا ~~فى عنقك. ولست مسئولة عنها ولا عنى فكفى عن هذا». فتقول له: «كلا.. بل أنا أخشى أن ~~يعترى صداقتنا ما ينغصها أو يجعلها تكليفا شاقا إذا أنت لم تحسن حالك مع تحية. فعالج ~~هذا فإنه خير لك ولي». # فيقول: «إذا حسن الحال على نحو ما تبغين فإن الأمر خليق أن يفسد بينى وبينك». # فتقول: «لا يفسد.. لأنها صداقة تظل منشودة لما تنطوى عليه من تحرر مما يربطنى ويربطك، ~~وما عسى أن يثقل على أو عليك فى المستقبل، وثق أنى أعرف ما أقول». # فيقول معترفا: «المصيبة والبلاء أنى مقتنع أنك على صواب». # ويروح يفكر فى ميمى وحكمة هذا الطبع النادر، ويحمد الله لأنه وقاها الغيرة المرذولة ~~التى تفسد حياة الرجل والمرأة جميعا. # وكانت ميمى هى التى أبت عليه أن يستخدم سيارته فى نزهاتهما. وقالت له: «إنك اشتريتها ~~وأهديتها إلى تحية. فليس من اللائق أن تعود فتسلبها إياها وتتنزه بها معى. لا.. إنى لا ~~أسيغ هذا.. فدع السيارة فما بنا حاجة إليها». # وكان إبراهيم قد حرص فى هذه ms083 المرة أن يكتم صلته بميمى عن تحية، حتى لا تتعذب كما ~~تعذبت من جراء صلته بعايدة. وكان الكتمان يثقل عليه، ولكنه رآه أدعى لراحتها وراحته، ~~وأرشد على العموم. وكانت ميمى تزور تحية غبا وتطيل فترات الغياب، وتتحرى أن تكون ~~الزيارة فى وقت تعلم أن إبراهيم ليس فيه فى البيت، ولم يكن هذا بالعسير فقد كانت تطلعه ~~على نياتها، فيتعمد الخروج قبل أن تأتى. # واتفق يوما أن كان إبراهيم ذاهبا مع تحية لقضاء حاجة من حاجات البيت التى لا تنتهى. ~~وكانا فى السيارة، فوقفا على باب بقال كبير. وإذا بميمى وصادق خارجان من دكان يحملان ~~لفافتين كبيرتين، فتبادلوا التحيات المألوفة. ودعت تحية ميمى إلى الانتظار ريثما تشترى ~~ما تريد ثم تحملها معها لتخفف عنها هذا الحمل، فقبلت وذهبوا جميعا إلى بيت ميمى. ورضى ~~إبراهيم وتحية أن يبقيا قليلا للقهوة أو الشاى، ولم يدر حديث يستحق الرواية. ولكن ~~صادقا كان لا يكف عن لحظان إبراهيم وزوجته ولا يكاد يحول عينه عنهما. فلما انصرفا قال ~~لميمى: «صديقك هذا.. أثق به وأرتاب فى آن معا. هيئته. كلامه. لهجته الرزينة الهادئة. ~~إشاراته القليلة، بل النادرة. سكونه. كل ذلك يحملنى على الأطمئنان. ولكن عينيه.. ~~نظراتهما تحيرنى. تشكنى أحيانا كأنما تريد أن تنفذ إلى ما تحت جلدى، وتغمض وتغيم ~~أحيانا أخرى، حتى لأحسبه ذاهلا عن الدنيا وما فيها، فما يعنيه من الخلق شىء. هل هو ~~يحب زوجته؟» # فقالت: «طبعا يحبها.. ما هذا الكلام الفارغ؟» # فهز رأسه وقال: «ربما.. لعلك أدرى.. ولكن من أدراك؟» # فقالت: «أما إنه لسؤال عجيب..». # فسألها: «أتعرفينه هو أو امرأته؟ أعنى أيهما صديقك؟» # قالت: «كلاهما». # قالى: «ولكنى أراك حفية به هو على الخصوص». # قالت: «إنه الرجل، ثم إنه رجل.. رجل محترم.. ما هذه الأسئلة البايخة؟» # قال متهكما: «بايخة.. ربما.. الحق معك.. لكنى ليتنى أعرف سر تأثيره فى نفسك». # قالت: «وما شأنك أنت بهذا أو غيره». # قال: «شأنى أنى أحبك.. ألا تعرفين هذا؟ ألم أخبرك به؟ تالله ما أعظم تقصيرى». # قالت: «عدنا.. ألم أخبرك أنا ms084 أيضا أن الذى حملنى على احتمالك هو إبراهيم الذى تستريب ~~به الان؟» # فلم يزد على أن قال: «شكرا له ولك على تذكيرى». # ونهض يتمشى فى الغرفة، ولا يتكلم. ثم اتجه إلى الباب وقال: «إنك ثمرة لا يطيب لى أن ~~يقطفها لى أحد ويناولنى إياها على طبق. لا. سأقطفها أنا بيدى متى استطعت، بل متى أردت ~~فاعرفى ذلك. وأحبينى أو ابغضينى. سيان». # فاستوقفته وكان يهم بالخروج. وقالت له ويدها على كتفه: «صادق ... ألم نتفق أن نكون ~~صديقين؟ قل إنك سكنت.. فإن هذه الثورات ترعبنى.. وثق بإبراهيم.. ثق أنه يفهمك أحسن مما ~~تفهم نفسك.. ولا يضمر لك إلا الخير». # قال: «طيب هدأت ... ولكنى مع ذلك سأقطف الثمرة.. فى أوانها.. متى نضجت للقطف». # فآثرت ملاينته، وقالت: «متى نضجت ... متى نضجت». # ومضى وتركها قلقة. تشعر أن وراء ما قال، ما كانت تود أن تعرفه لتطمئن وتأخذ حذرها. ~~وودت لو كان معها إبراهيم فى هذه الساعة ليمسح على قلبها، ويرد إليها سكينة ~~نفسها. # 2 # وأقبل العيد، فأصبح الناس مفطرين بسنة الله الرضية، بعد أن صاموا رمضان بالبر. وكانت ~~عادة إبراهيم منذ ماتت أمه أن يقضى العيد - كل عيد - مع تحية عند أبيها فى البلدة، لا ~~طلبا للسكون، ولا رغبة فى التملى بجمال الريف، فما كان بيته بالصاخب، ولا الضاحية غير ~~جميلة. ولكنه كان يثقل عليه أن يرى بيته فى العيد وليست فيه أمه. وكانت تحية هى التى ~~فطنت إلى هذا، فاقترحت أن يزورا القبر ثم يرحلا إلى البلدة، فصارت هذه عادة مرعية. وكان ~~يود لو قضى يوما من العيد مع ميمى، ولكنها هى أيضا كانت تهم بالسفر إلى أبيها فقال ~~لها: «تعالى إذن معنا فإنا ذاهبون بالسيارة فنقطع الطريق إلى دمنهور على مهل، وهناك ~~نفترق على أن نلتقى مرة أخرى فى الإياب». فأبت، وقالت: «إن تحية خليقة أن تستغرب هذا، ~~وليس يحسن أن نثير هواجسها فحسبها ما عانت». وكانت ميمى تعرف قصة عايدة، فقد حدثها ~~بها. # وعرف صادق أن ميمى مزمعة سفرا إلى أبيها، فاقترح ms085 عليها أن يذهب بها بالسيارة - سيارة ~~أبيه - إلى الإسكندرية، وهناك يقضيان النهار كله، ثم يكران راجعين إلى دمنهور، فترددت ~~ميمى فما كانت لها ثقة بهذا الفتى المقلق. # فسألها: «أتخشيننى يا ميمى؟» # ولم تستطع أن تبدو له مترددة، ولا أن يجىء جوابها أسرع مما ينبغى فيكون أدل على ~~الخشية، فتمهلت هنيهة، وسترت ما تنطوى عليه بنظرة فاحصة ألقتها إليه، وطيف ابتسامة ~~ساخرة على شفتيها. ثم قالت: «أتظن جادا أنى أخشاك؟» # فقال وهو يروح ويجئ وعينه إلى الأرض: «إنك فتاة عجيبة. وما أدرى والله ماذا أظن، ~~ولكنك لا تخشيننى، وهذا جلى فلا ترفضى إذن.. تصورى يوما كاملا نقضيه فى الهواء ~~الطلق.. سأذهب بك إلى أجمل ناحية فى الرمل، وسأكون خادمك، بل عبدك. ولا أكون معك إلا ~~على الحال الذى ترضين. لا لا لا.. لا تنظرى إلى هكذا.. كونى امرأة حقيقية مرة واحدة فى ~~العمر. على الأقل معى ...». # فصاحت به: «صادق». # قال: «ليس هناك أى سبب يمنع أن تذهبى معى.. وسأعنى بك وأسهر على راحتك.. لماذا تحرمين ~~نفسك هذه المتع البريئة؟» # ففكرت فيما كان إبراهيم قال لها وأشار به عليها، من إيلائه الثقة التى يضن بها عليه ~~الناس، وأهله خاصة. وقالت: «وماذا أعددت فى رأسك لى من هذه المتع؟» # قال: «إن كل ما رسمته رهن بموافقتك، نذهب من الطريق الصحراوى، ونستريح عند محطة (شل)، ~~ثم نستأنف السير فنقطع الطريق كله فى ثلاث ساعات ونصف ساعة، فإذا قمنا من هنا فى الساعة ~~الرابعة صباحا استطعنا أن نبلغ الإسكندرية فى الثامنة على الأكثر، ويبقى أمامنا النهار ~~كله نرتع ونلعب إلى الخامسة مساء. وتكفى ساعة واحدة للوصول إلى دمنهور». # قالت: «وإلى أين نويت أن تأخذنى فى الرمل؟» # قال: «لو أخبرتك بكل ما أعددت لك فى رأسى لضاعت مزية الرحلة. انتظرى حتى يجىء كل شىء ~~فى أوانه، لتكون المتعة مضاعفة. على أنى أستطيع أن أقول لك الآن إنى أنوى أن ألقى إليك ~~بالزمام لتفعلى ما تشائين». # قالت: «ولكن الرابعة صباحا؟» # قال: «كما تشائين.. لتكن الخامسة.. ما عليك ms086 إلا أن تأمرى فإنى من الساعة خادمك ~~المطيع». # وكان فى صوته وهو يقول ذلك نبرة سرور صبيانية. # وبلغا أول الطريق الصحراوى، وهما صامتان. فأما صادق فكان كأنما أسدل على وجهه نقابا ~~كثيفا. وكانت هى ربما أقلقها أنها ترى نفسها عاجزة عن استشفاف خواطره أو التفطن إلى ما ~~عسى أن يكون دائرا فى نفسه. ولكنها هى أيضا كانت تحس بفتور عن الحديث وزهد فيه. وكانت ~~تريد أن تستمتع بالبكرة المطلولة والحركة السريعة، ولم تكن تخشى السرعة، فقد كانت تعرف ~~أن صادقا جرىء ولكنه حريص. وليست هذه أول مرة حملها فى السيارة. وخطر لها أن هذا أقل ~~ما ينبغى أن يحسنه شاب عاطل ميسر الرزق. وانثنت خواطرها إلى إبراهيم فذكرت أنه هو أيضا ~~سيكون على الطريق بعد قليل، وابتسمت وقد تذكرت أنه لن يتخلى عن القيادة لزوجته، وإن كان ~~يشهد لها بأنها أقدر عليها، لا لأنه يجد فيها لذة، بل لأنه يرى أن الرجل يجب أن يكون فى ~~يديه الزمام فى كل حال، حتى فى مثل هذا الأمر الصغير، لا ينزل عما يعتقد أن الرجولة ~~تفرضه عليه. وشعرت وهى تفكر فى إبراهيم أنه لا يخلو من غموض، نعم يقص عليها أخبارا ~~شتى، ويكاشفها بما يفعل أو يترك، ولكنه يأبى أن يجعل تحية زوجته موضع لغط بينهما. ~~وكثيرا ما تعجز عن فهمه؟ فقد قالت له مرة وقد خالجها خوف غامض: «ألا تشعر بندم حين ~~تفكر فيما نحن فيه؟» فنظر إليها مقطبا وأطرق قليلا، حتى لخشيت أن يقول لها إنه نادم. ~~ثم رفع رأسه إليها وحدجها بنظرة قوية وقال: «لماذا تسألين؟ لا. لست نادما إذا كان ~~يعنيك أن تعلمى». # فأحست حين سمعت منه ذلك أنه يوبخها، ولكنه قال بعد ذلك: «لا. لست نادما. إن الندم لا ~~ينطوى على إخلاص صادق». # فاستغربت قوله، وسألته عما يعنى، فقال: «إنه يا فتاتى الساذجة أشبه بالأسف على توسيخ ~~ثوب جميل، هذا هو الندم. الرجل يريح نفسه من ثقل ضغطه باللغط به، والمرأة تريح نفسها ~~منه بالبكاء. كلاهما يهرب ms087 مما ينبغى أن يستتبعه الندم الصادق بدلا من أن يعمق شعوره ~~به . فإذا سمعت من يقول لك إنه نادم فاعلمى أنه بلسانه يحاول أن يوجد متنفسا لما يضيق ~~صدره به، أو يدافع بلسانه عن نفسه. لا.. لا محل للفظ الندم.. فإنه أكذوبة. فإما التوبة ~~النصوح، وإما المضى على الوجه بغير تلفت. أما أن تكون عين فى الجنة وعين فى النار، فأنا ~~على الأقل لا يطيب لى هذا». # ولم تستطع ميمى أن تتبين معنى هذا مقرونا إلى سلوكه معها ومع زوجته، وألفت تتساءل: ~~«هل هو ينطوى لى على حب؟» ولم تستطع أن تهتدى إلى الجواب. فإن إبراهيم لا يلهج بالحب، ~~ولا يجرى به لسانه إلا نادرا. وقد سألته مرة عن الحب ورغبت أن تسمع منه كلاما فسألها: ~~«أى حب تعنين؟» قال هذا، كأنما هناك دكان فيه ألف صنف من الحب. ثم أمسك وقال لها بعد ~~قليل: «لا تكونى حمقاء.. إذا كنت راضية عما أنت فيه فلا تفسديه بأن تطلبى أن تسمعى ~~كلاما فارغا حلوا، فلا تسمعى إلا كلاما يفسد عليك حلاوة ما تنعمين به. ثم إياك ~~والغيرة فإنها بلاء. وفسحة العيش أقصر من أن نضيعها، أو نضيع دقيقة واحدة منها، فيما ~~تجره الغيرة السخيفة من عناء وبلاء». # فأرادت أن تبين له أن سؤالها لم يكن مصدره الغيرة، فأبى أن يسمع وقال: «اسمعى. أنت لا ~~تغارين من أحد فيما يتعلق بى، وأنا لا أغار من أحد فيما يتعلق بك. هذه سبيل الراحة ~~والوسيلة إلى صفو الود بيننا». # وكان هذا أول درس تلقته عنه، ولم تفهمه كل الفهم، ولكنها أذعنت. وخطر لها والسيارة ~~تخطف فى طريق الصحراء أن سلوكه مع زوجته لابد أن يكون مختلفا، وأحست وهى تفكر فى هذا ~~أن يد صادق قد صارت على يدها، فالتفتت كالمذعورة وسحبت يدها، فضحك بل قهقه وقال: «ألا ~~ترين أنك تخشيننى؟ والحق معك فإنى وحش.. أحيانا.. ولكن من الخير أن يواجه الإنسان ~~الوحش لا أن يفر منه.. على أنك رضته يا ميمى.. أتذكرين؟ لقد قبلت ms088 هذا الوحش مرة، وكانت ~~هذه القبلة أعظم ما فاز به فى حياته ». # وكان يتلفت إليها وهو ويقول ذلك، ولكن نظرته كانت وديعة لينة كأنما يريد أن يطمئنها ~~ويصرف عنها الخوف، فقالت: «لقد ظللت بعدها أتساءل أترانى لم أخطئ حين قبلت ~~الوحش؟» # قال: «إذن كفى عن التساؤل. فقد صارعت هذا الوحش الذى فى نفسى بعدها ولا أقول إنى ~~صرعته، ولكنى أعرف الان أن فى وسعى أن أواجهه، وهذا كله بفضل قبلة واحدة ~~قصيرة». # فتنهدت وشعرت أن هذا الكلام لا يقرر الثقة مع ذلك فى نفسها، ولا ينفى القلق. وألفت ~~نفسها تتلهف على الطمأنينة التى تجدها حين تكون مع إبراهيم، وولكنها ردت نفسها عن ~~الاسترسال فى هذه الخواطر، وقالت: «إذا كانت قبلتى قد صنعت هذا فلست آسفة ~~عليها». # فرمى إليها ابتسامة عوجاء، وقال: «أظنك ستجعليننى رجلا طيبا إن شاء الله». # قالت: «إنما أريد أن تكون كخير ما تستطيع». # قال: «أحسب أنك رسمت لى الصورة التى تريدين أن أكون مثلها». # وضحك ثم قال: «مما يدعو إلى الأسف أن الصورة التى فى رأسك ليست إلا أسطورة.. جميلة ~~بلا شك، ولكنها من نسج خيالك البديع». # وبلغا محطة «شل» فترجلا وذهبا يعدوان إلى المقاعد، ويصفقان للخادم، فمال صادق نحوها، ~~وقال: «ما قولك فى قضاء النهار هنا بدلا من الإسكندرية؟» # فخفق قلبها مرتاعا، فإن المكان موحش، وليس صادق بالرفيق المأمون. وليس ثم أحد فيما ~~ترى إلا الخدم. ولكنها تجلدت وقالت: «أتعبت؟» قال: «لا. وإنما أود أن تعرفى أن ههنا ~~مطعما وفندقا فإذا شئت بقينا.. بل بتنا أيضا وإلا فإلى الإسكندرية.. لماذا يجمح بك ~~سوء الظن؟» # فتشهدت. وجاءت القهوة فشرباها. ونهض صادق ليتزود لسيارته من البنزين والزيت، وغاب ~~قليلا ثم عاد بوجه كاسف وقال: «يظهر أن المحرك به بعض التلف.. أظنه يسيرا. وقد تركت ~~عاملا يعالج أن يصلحه.. لا تخافى سنصل إلى الإسكندرية ولكن بعد الوقت الذى قدرناه.. ~~هذا كل ما فى الأمر». # فعاودها الخوف وقالت: «وإذا تلف فى الطريق مرة أخرى؟» # فلم يطمئنها، بل زادها قلقا فقال: ms089 «يكون الله فى عوننا». # قالت: «ماذا تعنى؟» # قال: «ليس فى الطريق محطة أخرى ولست أتوقع أن يحدث تلف آخر. ولكن إذا حدث فإنه لا ~~يكون فى وسعنا أكثر من أن ننتظر نجدة أحد المسافرين إذا كان يستطيع النجدة». # قالت: «فإذا لم يستطع». # قال: «نبيت فى السيارة، أو يحملنا أحد المسافرين معه إلى القاهرة أو ~~الأسكندرية». # فنهضت تتمشى وهى تقول: «كان ينبغى أن أتوقع هذا». # فلم يرحمها وقال: «ألا ترين أن الأفضل والأسلم أن نبقى هنا؟» # قالت: «بل نعود إلى القاهرة.. ماذا يقول أبى؟ ماذا تقول أمى؟ ماذا..؟» فأشار إليها أن ~~كفى وقال: «أظن أننا سنتشنج». # قالت: «أنا لا أتشنج أبدا». # قال: «هذا بشير خير.. إذن كونى عاقلة وتقبلى ما يكون بالحلم والصبر.. ليس لى فيما حدث ~~حيلة ثم إنه لا يحوج إلى كل هذا». # ولكن نصف النهار انقضى والسيارة تأبى أن تصلح، فدعاها إلى الغداء، ولكنها رفضت أن ~~تتناول شيئا. ولم يبق لها هم إلا أن تعود إلى القاهرة، وكانت لا تفتأ تصيح به: «ما هذا ~~التلف المفاجئ الذى أصابها؟ إنى لا أصدق.. لقد وصلنا إلى هنا وهى على خير حال.. فلا بد ~~أن تكون قد صنعت شيئا أتلفها عمدا. إن السيارات لا تفسد هكذا فجأة بلا مناسبة. ثم ~~إنها جديدة، فغير معقول أن تفسد بهذه السرعة، وفجأة بعد أن كانت تسير كالجواد ~~الأصيل». # قال: «إن الرجل يبحث عن العلة». # قالت: «ومتى ينتهى؟» # فهز كتفيه وقال: «علمى علمك. فإنى لا أحسن إلا القيادة». # قالت: «أنا لا أعتقد أن السيارة أصابها شىء». # قال: «سلى العامل». # قالت: «أشكرك.. وماذا يمنع مثلك أن يرشوه ليكذب؟» # قال: «اسمعى. أوسعينى سوء ظن. فإن هذا لا يعنينى، ولست أول مخلوق فعل ذلك. كل الدنيا ~~تعدنى مخلوقا لا خير فيه. لا بأس: زيديهم واحدا. ولكنى لم أصنع هذا الذى ترميننى به. ~~صدقى أو لا تصدقى. سيان. لقد حاولت أن أكون طيبا كما تريدين.. سنة كاملة وأنا أعالج ~~وأجتهد أن أعيش بالفضيلة والخير كما دعوتنى.. طلبا لمرضاتك. لا ms090 لأنى شرير، فلست بذاك، ~~وليس من الشر أن أحبك، بل لأنك ترين أن تغيرى ما بى. لا أدرى لماذا. فأنا أروض نفسى على ~~السلوك الذى هو أحب إليك. ثم ماذا كانت النتيجة؟ إنك مازلت على رأى الناس جميعا فى. ~~وأقول لك الحق إنى مللت هذه الفضيلة كما تتصورينها.. الفضيلة التى تأبى أن يكون الإنسان ~~كما خلقه الله. أى عيب فى أن أحبك؟ أى رذيلة فى هذا؟» # وسكت وراح يتمشى ثم التفت إليها وقال: «لقد كففت عن هذه المحاولة وأرحت نفسى من عناء ~~باطل». # فزوت ما بين عينيها، وقالت وهى ترجو أن تتألفه بالكلام اللين: «لقد كنت أرجو أن تنتهى ~~إلى غير هذا». # فقال: «كيف يمكن؟ عام كامل وأنا أحيا حياة الأولياء الصالحين. تصورى هذا فى سنى. ثم ~~ماذا؟ لا أرانى أدنى إليك أو أحب مما كنت.. لا يا ستى. إنى شاب وهذه الخطوات البطيئة لا ~~تطاق.. ولست أستطيع أن أظل هكذا إلى ما لا نهاية». # قالت وهى لا تزال تحاول التسكين: «ومن الذى يستطيع أن يعرف أين أو متى تكون النهاية، ~~أو ماذا قسم الله لنا؟» # قال: «آه هذا كلام خليق بإبراهيم وأظنه مما لقنك.. لا يا ستى مرة أخرى. إنى أعرف ما ~~أريد وأعرف الطريق إليه. الطريق الذى يبلغ لا الذى يقصى». # وقعد على كرسى بعيدا وساد الصمت برهة، وهى تفكر فيما قال، وفى دلالته التى لا تخفى ~~ثم قالت: «ليت هذا العامل يسرع». # فنهض وأشار إليها أن تتبعه ومضى بها إلى حيث السيارة والعامل، فقال لهما إنه اهتدى ~~إلى العلة وهى فى الأسلاك، وسيعالجها بأسرع ما يستطيع. فمضيا عنه وراحا يتمشيان، وقد ~~اطمأنت قليلا وجرى فى بالها أنه يستوى أن تذهب إلى الإسكندرية أو القاهرة، فإنها ~~تستطيع بعد ذلك أن تتخلص من صاحبها. وإنما العقدة فى الطريق والله المسئول أن يلطف ~~بها. # وكانا يسيران فى صمت ثم تلفت صادق فلم ير أحدا فانثنى إلى ميمى يقول فجأة: «هل مللت ~~الانتظار؟ إذن لا انتظار بعد ذلك». # فأحست بمثل لسع ms091 النار من أنفاسه على وجهها. وقبل أن تتبين ما هو صانع، كان فمه على ~~فمها. وراح يقبلها كما لم يقبلها أحد فى حياتها، وكانت تنتفض وترتعد، ولكنها عاجزة عن ~~التخلص من عناقه، وكان تطويق ذراعيه لها يؤلمها. # وصاحت به، وقد رفع فمه: «هل جننت؟ دعنى». # قال: «نعم جننت». وأهوى عليها مرة أخرى بفمه المضطرم. وعادت هى تحس بلسع النار من ~~فرعها إلى قدمها، وحاولت عبثا أن تقاومه فقد كان كالوحش الضارى. ثم أمسك فجأة وخلاها، ~~وتراجع خطوة، وهو يقول: «أتظنين أنك تستطيعين أن تقصينى إلى ما لا نهاية؟ إذن فاعلمى أن ~~هذا يزيدنى جنونا. ولماذا تقاومين ما كتب الله كما تقولين؟ لقد بذلت من المقاومة ما ~~فيه الكفاية ولقد انهزمت أخيرا. حولى وجهك عنى إذا شئت. سيان. لقد ظللت أنتظر أن تسنح ~~لى مثل هذه الفرصة، وقد شاءت إرادة الله أن تسنح، فأنا اغتنمها. لقد كنت إلى الان كأنك ~~فوق منصة عالية تلقين منها الأوامر إلى. أما بعد الآن، أما اليوم فأنت امرأة ليس ~~إلا». # فكادت تيأس. ولكنها أحست ومض أمل خافت بأن النجاة ليست مستحيلة. وكان إحساسها ~~بالغريزة وحدها لا بالعقل، كما يحس الحيوان المطارد. وكانت تعلم أنها معه هنا كأنها فى ~~قلب غابة تحترق، ولكنها مع ذلك لم تفقد الأمل. وأيقظ الفزع نفسها فقالت: «ومع ذلك تقول ~~إنك تحبنى» فصاح بها: «إيه؟ أتجرئين على الشك فى هذا؟ هل تريدين امتحانى؟ أتريدين أن ~~أقدم لك الدليل؟» # قالت: «نعم». # فأخلى سبيلها وقالى: «والان ماذا؟» # فكادت تسقط بعد أن فك إسارها بغتة. وخطر لها أنه ما أطلق سراحها إلا ليسخر منها. وخيل ~~إليها أنها تنظر فى عين نمر، ولكنها تشددت وقالت: «والآن يجب أن نتفاهم». # فضحك ملء شدقيه وقال: «نتفاهم؟ ألم تفهمى أن مثلى حين يريد شيئا يأخذه ولا ينتظر أن ~~يعطاه؟» # فاعتدلت فى وقفتها وقالت له بلهجة كلها كبر: «أو تظننى من اللواتى يؤخذن؟ أو تحسبنى ~~ملكك؟ إذا كنت تظن ذلك أو تتوهمه فإنه ينقصك أن تعرفنى. ولا أنا مع ms092 الأسف كنت ~~أعرفك». # فقال: «نعم، أعتقد أنك ملكى، وأنك لى، ويجب أن تعترفى لى بأنى كنت صبورا ~~جدا». # قالت: «كلا. إنك تبنى على أساس من الرمل، ولخير لك أن تدرك خطأك بسرعة. لقد عاملتك ~~كما ينبغى أن يعامل القريب وزدت فعددتك صديقا. وتوهمت أن من الممكن أن أثق بك، ولكنى ~~لن أرتكب هذا الغلط مرة أخرى». # قال: «ولماذا تقولين لى هذا الآن كأنه يمكن أن يغير شيئا؟» # ولم يزد منها قربا أو بعدا، ولكنها أحست أنه متربص للوثبة وقالت: «نعم يغير ~~أشياء». # قال: «هذا وهم منك، وإنك لتخدعين نفسك، ولكنك لا تخدعيننى. لقد نفذ صبرى، فانا آخذ ~~عنوة ما لا يؤخذ صبرا». # قالت ساخرة: «وتسمى هذا حبا؟» # قال: «سميه ما شئت فلست فيلسوفا كصاحبك. كل ما أعرفه أن أنوى أن أجعل من هذا التمثال ~~امرأة من لحم ودم. إن لم أستطع أن أصعد إلى الذروة التى تقعدين فوقها، فعليك أن تنزلى ~~إلى حضيضى ليمكن أن تكونى آدمية حية». # وسمعا العامل يناديهما من بعيد فارتدا إليه. # 3 # وكانت ميمى وهى راجعة مع صادق إلى حيث العامل والسيارة، تدير عينها فى هذه الصحراء ~~المتقاذفة، وفى الشمس التى أخذت تميل، وتطيل الظلال، وفى هذا القريب الذى تخشى أن تعصف ~~بها ثورة نفسه، وهياج حرقاته، وما تعلم ويعلم من قلة النصير، وفيما يحسن أن تصنع لتخرج ~~من هذا المأزق بغير ضجة، وتؤنب نفسها على مطاوعتها له وثقتها به، ولا تبخل باللوم على ~~إبراهيم؛ لأنه هو الذى أغراها بالاطمئنان إلى هذا الفتى الأحمق ودعاها إلى إيلائه الثقة ~~التى تبينت الان أنه لا يستحقها، ومع ذلك كانت تتمنى لو تيسر لها أن تتصل بإبراهيم ~~لتستشيره. # وسمعت صادقا يقولى لها بصوت امتزجت فيه الرقة بالعنف: «ماذا جرى؟ إنك كنت تحبيننى». # وسمعت نفسها تقول وكأن الصوت غير صوتها: «أنا ما أحببتك قط. إنما كنت لك ~~صديقا». # فقال: «كنت؟ هل تعنين أنك تبغضيننى الان؟» # قالت: «لا.. ليس لك فى قلبى حتى ولا البغض». # فقال وهو يضحك ولا يفهم: «لا ms093 بغض، ولا حب. فماذا إذن؟» # قالت: «الاحتقار. ليس إلا». # وعضت لسانها نادمة وأدركت أنها زلت، وخشيت أن يزيده هذا حماقة وطيشا. وراح رأسها ~~يدور وأحست أن الأرض غير مستقرة أو ثابتة، وأزعجها أن تحتاج إلى الاتكاء على صادق، ~~فتشددت وتماسكت بجهد. واستغربت من نفسها أنها تذكرت فى هذه اللحظة الحافلة بالاحتمالات ~~المخيفة، يوم دخلت على التلميذات وحدها أول مرة وفى يسراها دفتران واحد للأسماء والاخر ~~لتحضير الدروس، وكانت قد أعدت درسها بعناية وكتبته بخط واضح جميل، ووضعت تحت العناوين ~~خطوطا حمراء، وتوقعت أن تبهر التلميذات بالوقار والسمت وحسن الإلقاء والبيان، وإذا ~~بالتلميذات يقف بعضهن - أقلهن - وهن جميعا يتلاغطن، ورؤوسهن متدانية، وأصابعهن مشيرة ~~إليها. ومنهن من وضعن أيديهن على أفواههن ليكتمن الضحك، ومنهن اللواتى ضحكن غير متحرزات ~~أو عابئات، وهى واقفة لا تدرى ماذا تصنع لتفىء بهن إلى الصمت والسكون، وما يجب أن ~~يتلقين به معلمتهن من التوقير. وظلت هكذا لا تقول أو تفعل شيئا ولا تحرك يدها بإشارة، ~~ثم افتر ثغرها بكرهها عن ابتسامة خيل إليها فيما بعد أنها ابتسامة السخر من نفسها أو ~~اليأس من قدرتها على السيطرة على هؤلاء التلميذات. وإذا بهن يبادلنها ابتساما بابتسام، ~~ويرخين أيديهن، ويقفن معتدلات القدود، فأشارت إليهن أن اقعدن، فقد أشفقت أن تنطق فيشى ~~صوتها باضطرابها. وسلس لها الأمر بعد ذلك، ولم تعان مشقة معهن. وخطر لها - وهذه الصورة ~~ماثلة لعينيها - أن لعل إبراهيم على صواب، وعسى أن يكون رأيه ونهجه أسد، وقد تكون ~~الحسنى أرشد وأحق أن تبلغها أمنها. # وبلغا السيارة، وجرب صادق محركها، وحمد ما صنع العامل، وأنقده أجره وسخا فيه، ودعا ~~ميمى إلى الركوب. فقالت وهى تبتسم: «ألا ترى أن الأحزم أن نتزود للطريق». # ورأى ابتسامها، ونظر إليها مليا، كأنما يتفرس، ثم وثب إلى الأرض وتركها تتمشى حول ~~السيارة ثم عاد بسجاير وطعام. وكان فى السيارة (ترمس) صغير وآخر كبير فأراق ما فيهما من ~~ماء وذهب بهما إلى المقصف وعاد بعد برهة، وقد ملأ الصغير قهوة، والكبير ماء مثلوجا. ~~وأشار ms094 إليها أن اركبى ففعلت بلا سؤال، فأدار المحرك مرة أخرى وخرج بالسيارة من نطاق ~~المحطة حتى بلغ الطريق المعبد، فوقف وسألها: إلى أين؟ فأبدت قلة اكتراث وقالت: «كما ~~تشاء». فانطلق فى طريق الإسكندرية. # وأحست بالجوع ففكت إحدى اللفافتين وأخرجت منها أربعة سندوتشات وجعلت تأكل وتطعمه، ~~وتنفض عن ثيابه ما يتساقط من الفتات، وهو بادى الرضى والسرور، وإذا بالسيارة كأنما يقف ~~محركها ثم يعود إلى العمل من تلقاء نفسه. وكان لهذا العارض رجة خفيفة شعرا بها، ولكنها ~~لم تتكرر إلا بعد عشرة كيلومترات أو نحو ذلك. وبدا على صادق القلق ولا سيما بعد أن أحس ~~هذا العارض مرة ثالثة بعد مسافة قصيرة، فأراد أن يسرع ولكن السيارة كانت كأنما لا ~~تستطيع أن تمضى بأسرع مما تفعل. وقطعا على هذا الحال، ومن غير أن ينبسا ببنت شفة أكثر ~~من سبعين كيلو مترا، واذا بالسيارة يخرج منها صوت كالحشرجة ثم يقف المحرك. وعبثا حاول ~~صادق أن يديره مرة أخرى، وقد ظل يجاهد حتى تصبب منه العرق. # فقالت ميمى: «يحسن أن تستريح». وتكلفت أن تهون الأمر فقالت مازحة: «من يدرى.. لعل ~~بالسيارة أيضا حاجة إلى الراحة». # فصاح: «كلام فارغ.. هذا العامل حمار ولا يستحق مليما مما أخذ.. ولعله أتلفها وهو ~~يحسب أنه أصلحها». # قالت: «لا فائدة من هذا الكلام الان». # قال: «ولكن ماذا نصنع الان؟ لو كنا بقينا فى المحطة لأمكن أن نجد لنا حيلة.. وكنا ~~نستطيع أن نبيت إلى أن تأتينا نجدة. أما الآن فهل نبيت فى الصحراء؟» # قالت: «ولماذا؟ ألا يمكن أن تمر بنا سيارة فتحملنا؟» # قال: «ونترك سيارتنا؟ مستحيل. هذا تخريف». # قالت: «للضرورة أحكام». # فعاد يقول: «مستحيل». # قالت: «ابق إذن مع السيارة العزيزة أما أنا». # قال: «ها ... أهو ذاك؟ تظنين أنك نجوت منى؟ سترين أنك مخطئة. فما لك نجاة وقد وقعت فى ~~يدى». # قالت ساخرة: «وقوع العصفور فى فم الأفعوان؟» # قال: «تماما.. الان فهمت سر هذا اللطف والظرف..». وهز رأسه ودس يده فى جيبه وأخرج ~~رأس مسدس وقال: «أتعرفين هذا؟ هل ms095 رأيت مثله فى حياتك؟ هل تعرفين ماذا يصنع الناس ~~به؟» # فاصفر وجهها وارتجفت شفتاها وهى تقول: «لقد كان ينقصنى أن أعرف أنك نذل ووغد». # فقال وأعاد المسدس إلى مكانه وكان فارغا غير محشو، ولكنها لم تكن تعرف هذا: «أنا كل ~~هذا وزيادة، وليس يعنينى أن يسوء رأيك فى وإنما يعنينى أن أنال مأربى. ولا تحسبى أنى ~~سأقتلك.. كلا.. إنى احتفظ بك لنفسى وأدخرك لمتع كثيرة سأفوز بها منك.. برضاك أو بكرهك.. ~~سيان». # قالت: «لن تقتلنى ولن تقتل نفسك طبعا لأنك تدخرنى لمتعتك. فلماذا تحمله إذن؟» # قال: «لأقتل به من علمك كرهى». # فضحكت، ولكنها كفت فجأة وقد خطر لها أن لعلى المعنى إبراهيم، وصاحت وقد ارتفعت يدها ~~إلى جانبها: «لا لا لا لا». # فدنا منها ورماها بنظرة فيها من الغضب والغيرة معان. وقال: «تحبينه؟» # فرفعت رأسها وحدجته بنظرة المتحدى: «وما شأنك إذا كنت أحبه أو لا أحبه؟» # قال: «يا للجبانة.. لا تجرئين حتى على الاعتراف بحبه.. وإذا كنت لا تحبينه فلماذا ~~تفضلين رجلا على رجل؟» # فصاحت: «يا سافل.. كيف تجرؤ على هذا الكلام؟» # قال: «أتحسبين أنى لا أعرف أنك تخرجين معه. فهل تريدين أن تزعمى أنكما تخرجان للصلاة ~~والتعبد؟» # فلم تجبه أنفة ومضت عنه إلى سلم السيارة فقعدت عليه، وتناولت سيجارة أشعلتها. ولم يكن ~~التدخين عادة لها، ولكنها كانت تجد فيه راحة وتفيد منه سكينة. # ودنا منها وأشرف عليها وقال: «هذا أحسن.. نعم فكرى بهدوء فى هذا.. أعنى أنى أنا أولى ~~منه بك». # فانتفضت قائمة ولطمته على وجهه، ثم انحطت على السلم وكادت تسقط على الأرض مغشيا ~~عليها، فما كانت تشعر أن فيها ذرة من القوة، لولا أنه انطلق يقهقه كالمجنون فرد هذا ~~إليها رشدها، فرفعت رأسها إليه وحملقت فى وجهه فانحنى عليها وقال: «هذه اللطمة إقرار ~~منك بأنك فهمت ما أعنى أتم فهم وأدقه. ألست أولى منه؟ اعترفى بهذا أيضا. اعترفى بيدك ~~إذا كنت لا تجدين لسانك. هذا خدى الطميه مرة أخرى». # فكادت تبكى من الغيظ والشعور بالعجز. ولكنها ردت ms096 الدموع مخافة أن تشى بما هى فيه، ~~وودت لو مرت فى هذه اللحظة سيارة لتصيح بمن فيها مستنجدة ولكن الشمس كانت تنحدر والأفق ~~يلتقى بالصحراء، والطريق يذهب شمالا وجنوبا كالنهر، ولا يبدو شىء مقبل من هنا أو هنا. ~~وأحست بالحاجة إلى تمزيق وجه صادق بأظافرها أو تمزيق ثيابها هى، وخطر لها أنه قد يروقه ~~- فإنه حيوان - أن يرى المحجوب من مفاتنها. فلم تمزق ثيابها ولكنها ضمتها على صدرها. ~~ولم تفت صادقا هذه الحركة فسألها: «هل تشعرين ببرد؟» # قالت: «نعم»، بصوت خيل إليها أنه خارج من جوف الأرض لشدة خفوته وضعفه، فخلع سترته ~~وأراد أن يلقيها على ظهرها فانتزعتها من يده ورمتها على الأرض وداستها بقدمها. وسرها ~~أنها مرغت فى التراب شيئا له وتمنت لو كان هذا وجهه. ولكن صادقا لم يعبا بهذا شيئا ~~وقال وهو يقعد على الأرض فوق السترة: «أشكرك.. إن السترة أوثر من الرمل، ثم إن الرمل لا ~~يوسخ شيئا، وهذه مزية الصحراء. وبعد قليل يدخل علينا الليل ويلفنا فى شملته.. وليل ~~الصحراء بارد يا مولاتى.. وستضطرين أن تلوذى بالسيارة وستحتاجين إلى قربى للدفء.. أى ~~نعم.. الخيرة فى الواقع.. لا بد أن الله أراد هذا، وإلا فلماذا تعطلت سيارة جديدة كهذه ~~فى قلب الصحراء، وما اشتراها الوالد المحترم إلا منذ أربعة شهور ليس إلا؟ وفى أربعة ~~شهور لا تخرب السيارة الجديدة. هى مشيئة الله يا مولاتى». # فألفت نفسها تقول: «أليس حتى لأبيك احترام عندك؟» # فقال: «وهل من قلة الاحترام أن أدعوه الوالد المحترم؟ سبحان الله العظيم وتالله ما ~~أظلمك». فلم تجب. وبعد برهة عاد يقول: «معذرة يا ستنا ميمى ... سؤال لا يليق ولكن أظن ~~الموقف يوحى به.. أترى لو كان إبراهيم مكانى وكانت سيارته هى التى تعطلت بك معه، أكان ~~يسوؤكما أن تتاح لكما هذه الفرصة؟» # فوضعت رجلا على رجل وأشاحت عنه بوجهها. ومضى هو فى تعذيبها فقال: «إن له سيارة لا ~~بأس بها ولكنه يتركها للزوجة المسكينة.. يضحك بها عليها.. يلهيها بها.. ويخرج معك فى ~~تاكسى أو ms097 مركبة خيل.. هذا الرجل لا سافل ولا نذل.. ولا وغد ولا شىء مما تفضلت به على من ~~النعوت الجميلة. وأنا السافل، أنا النذل.. ليس لى زوجة وإنما لى قريبة أحبها ومن حقى أن ~~أحبها.. وهى أيضا ليس لها زوج.. ومن واجبها أن تتوقع أن يرغب فيها من كان مثلها.. لا ~~امرأة له.. ليس فى هذا ما يستغرب.. لأنه هو الطبيعى.. ولكن الطبيعى ليس هو الطبيعى فى ~~نظر المدموازيل ميمى.. لأن المدموازيل ميمى ترى أن تهب نفسها لرجل له زوجة وتضن بنفسها ~~على رجل ليست له زوجة.. ويصبر هذا المحروم بغير حق.. ويطول صبره حتى ينفد.. ولكل شىء ~~آخر. وبعد أن ينفد صبره تستغرب المدموازيل ميمى أنه لم يبق له صبر، وتقول له إنه نذل.. ~~نذل لماذا؟ لأنه يحبها بحقه.. يحبها كما تعرف فما كتمها حبه.. ولو كانت تقبلت حبه لما ~~احتاج أن يلجأ إلى الوسيلة التى يشير بها اليأس ولكنها أيأسته.. أيأسته حتى لم يعد فى ~~وسعه أن يصدقها إذا قالت له، وأقسمت إنها تتقبل حبه لأن هذا لن يكون منها إلا محاولة ~~للإفلات من يده. كونى منصفة وقولى إن هذا الرجل معذور». # فثارت به تلعنه وتقول له فيما تقول: «وماذا تظننى؟ سلعة.. كتابا على رف؟ أحبب من ~~تشاء، ولكن أليس لى رأى فى نفسى؟» # فقال بتهكم «ترى ماذا أعجبك من إبراهيم هذا؟ سفسطته وثرثرته؟ فلسفته العجر؟ ماذا ~~بالله؟ لا بد أن يكون شىء أعجبك؟» # وفى هذه اللحظة أقبلت سيارة تخطف فنهضت وجعلت تشير إليها ولكنها مرت ولم تتلبث. وكان ~~صادق قد التفت أيضا إلى السيارة وأشفق أن تقف، فلما مضت تبسم وقال: «لا فائدة يا ~~قريبتى العزيزة.. وطنى نفسك على التسليم لقضاء الله». # وارتمت ميمى على السلم مرة أخرى وقد بدأ اليأس يخامرها. وماذا يكون مصيرها إذا ظلت كل ~~سيارة تقبل وتمر خطفا ولا تقف؟ وسيجئ الليل كما أنذرها فتخفى فى ظلامه الإشارة. وقد لا ~~يسمع صوتها أحد ممن فى السيارات إذا صاحت مستنجدة، ومن يدرى فقد يخطر لهذا ms098 المجنون أن ~~يكمم فمها ويقيدها. # وقال صادق: «اسمحى لى.. أعنى أنى أرجو أن تنهضى عن السلم فإنى أريد أن أجر السيارة عن ~~الطريق مسافة متر أو مترين لتكون ونكون فيها فى مأمن من الحوادث. ألا توافقين؟» # فنهضت وهى تقول: «وماذا يهم؟» وتمنت أن يصدمها صادم فيكون هذا مخرجا لها. # وأقبل صادق على السيارة يدفعها ويحولها عن الطريق إلى الأرض الرملية، على حين وقفت ~~تتلفت يائسة فما كانت ترى شيئا. وانحدرت الدموع بكرهها فكفكفتها. وكان صادق مشغولا ~~بالسيارة وتحويلها - يدير العجلات ثم يروح يدفعها من الأمام وهكذا - حين أقبلت سيارة ~~صغيرة لم ترها ميمى إلا وهى على مسافة قصيرة، فاندفعت إلى وسط الطريق ورفعت كلتا يديها ~~وراحت تشير إشارة الوقوف، وتنظر عن عرض إلى صادق وكان ظهره إليها فهو لا يرى. وخطر لها ~~أن السيارة الآتية قد تدوسها إذا ظلت واقفة فى طريقها هكذا، ولكنها كانت لا تبالى ~~أوتعبأ شيئا بما عسى أن يصيبها، بل لقد تمنت أن تداس، فإن هذا منج على كل حال. غير أن ~~السيارة لم تدسها بل وقفت على مترين منها، ونزل منها إنجليزى رفع القبعة وسألها هل ~~يستطيع أن يساعدها. # وإذا بها تسقط على الأرض مغشيا عليها. وأدركها الرجل وحملها على يديه، ونظر إلى صادق ~~وسيارته ورأى ما يصنع، فمضى بميمى إلى سيارته هو ووضع رجله على السلم وأراح جسم ميمى ~~على فخذه، وفتح الباب وترفق بها وهو يضعها على المقعد الخلفى، ثم شرع يحاول إنعاشها ~~وردها إلى الدنيا. # وتنبه صادق إلى ما هو حاصل، فترك السيارة وأقبل على الرجل فقال له هذا: «والآن يا ~~صاحبى يحسن بك أن تركب معنا أيضا. دع السيارة إلى الصباح، وفى الإسكندرية تستطيع أن ~~تجد من تبعث به ليصلحها». # فهم صادق بكلام، ولكنه كان لا يحسن الإنجليزية، وكان إلى هذا يحس أنه لا فائدة من ~~المكابرة، فقد خرج الأمر من يديه، وأراد شيئا وأراد الله خلافه. فعاد إلى السيارة وحمل ~~ما فيها ونقله إلى سيارة هذا الإنجليزى المتطفل الذى جاء ms099 فى وقت الحاجة إلى ~~غيابه. # وفتحت ميمى عينها فتشهدت واعتدلت على المقعد، ومالت قليلا إلى الأمام ولمست كتف ~~الرجل وقالت له لما أدار إليها وجهه قليلا: «أشكرك»، فابتسم الرجل وهز رأسه ولم ~~يزد. # ثم كأنما تذكرت شيئا فاعتدلت مرة أخرى والتفتت إلى صادق وقالت له: «هات هذا ~~المسدس». # فلم يسعه إلا أن يخرجه ويناولها إياه، وهم أن يقول إنه فارغ. ولكنها فتحت النافذة ~~وقذفت به على الرمل، وقالت لصادق وهى تغلق الزجاج: «ابحث عنه حين تعود لتأخذ ~~السيارة». # فقرض صادق أسنانه ولم يقل شيئا. # 4 # لم يحمد إبراهيم من ميمى أنها قصت عليه ما كان من صادق معها فى رحلتهما المضطربة. فما ~~فيها ما يخف على اللسان جريه أو على الأذن سماعه وإن كانت قد انتهت بخير على ما روت، ~~ولم يشك فى صدقها، ولكنه كان وهو يصغى إليها يحس كأنها تصكه بالحجارة، وكان أمرأ يكره ~~المشاكل والتعقيد والضجات ولا يحب وجع الرأس والقلب. وزاد امتعاضه أنه شعر أن ميمى ~~تحمله تبعة بغير حق. وكان قد عاد من رحلته مع تحية إلى بلدة أبيها مسرورا راضيا، شرحت ~~صدره مناظر الريف وبساطة أهله وحفاوة صهره، وإقباله عليه ومساناته له، فأضمر أن يسر ~~تحية ويبرها، وكان يتكلف ذلك فى أول الأمر، ثم ألفى نفسه محمولا على متن التيار ~~كالممثل الذى وافقه دوره فاستغرقه حتى نسى أنه يمثل. وكانت تحية ترى إقباله عليها ~~ورغبته فيها وتحريه ما يسرها فتحمله على محمل الحرص على إخفاء الفتور الذى عراهما، عن ~~أبيها وقومها. وكان هذا مبتغاها هى أيضا فسايرته متكلفة مثله ثم شامت منه الإخلاص، ~~وانست صدق السريرة، فهتف قلبها، وازدهاها الفرح وأولته من نفسها ما كان بعد العهد به ~~قد فترها عنه، فصارا كاللذين خرجا للتنزه وجاء كل منهما بطعامه فتاكلا فى موضع واحد، ~~وعادا إلى القاهرة وما يذكران أنهما فازا بمثل هذه السعادة. # ولو أن إبراهيم سئل عن إحساسه لما التقى بميمى بعد هذه الأوبة المرضية لما استطاع أن ~~يبين، فقد كان مغتبطا بهذا ms100 الصفو بعد الكدر، وكان لا يفكر إلا فى طيبه ولا يعنى إلا ~~باستدامته. وكانت حلاوة ما سقته تحية من حبها المتين قد بغضت إليه المخادعة والغش. ولم ~~يخطر له أن ينقض عهد ميمى، ولكنه أحس أنه لا يستطيع أن يعطيها باللسان ما ليس فى القلب. ~~وانتوى أن يرتد بها رويدا رويدا إلى حد من الصداقة يرضيانه ولا ينكره عليهما منكر. ~~وكان يدرك أن هذا ليس مما يهون، ولكنه توكل على الله وآلى أن يمضى فى هذا النهج الذى ~~بدا له أنه أحكم ما يستطيع أن يأخذ فيه. # وكان يقول لنفسه وهو فى طريقه إلى ميمى إنه لم يملها وإنها لا تمل ولكنه فاز بطيبات ~~زهدته فى الطلب. وكان كالشبعان الذى أكل حتى هنئ، فهو لا يستطيع أن ينظر بعينيه إلى ~~طعام، وإنه من يدرى؟ لعل الصداقة التى يرجو أن يقيم على حدودها علاقته بميمى تكون أمتع ~~لهما جميعا. ولميمى مستقبلها وستتزوج يوما ما وليس هو بالذى يستطيع أن يغنيها عن ~~الزواج، وأنه لا سنه ولا حاله تسمحان باستقامة الأمور على الأيام مع ميمى مع سنها ~~وحالها. ولكن هل تقتنع المرأة بالصداقة؟ أو هل تسمح لها طبيعتها أن لا تخلطها بالحب ~~والجنس؟ وخشى أن لا تستطيع المرأة ذلك مع الرجل كما يستطيعه الرجلان.. فإن قطب الرحى فى ~~حياة المرأة هو الغريزة النوعية، ولا حيلة لها فى هذا ولا لوم عليها فيه، فإنه الذى ~~تقضى به طبيعة خلقها والوظيفة التى كلفتها ووكلت إليها، ولكنه مع ذلك رجا أن يجد من عقل ~~ميمى وحكمة طبعها عونا له. ولماذا لا يحضها على الزواج ويزينه لها؟ ولكن أين أو من أين ~~يجيئها بهذا الزوج الصالح؟ وتالله ما أثقل أن يكلف نفسه عناء هذا السعى أوحتى أن يفكر ~~فيه. # ولقيته ميمى بهذه القصة فاستهجن موضوعها واستنكر ما انطوى عليه تحديثه بها من إشعاره ~~أن هناك تبعة ولو ضمنية خفيفة يحملها. ولم يعبأ شيئا بتهديد هذا الفتى، وإن كان لا ~~يخفى عليه ما عسى أن يجر إليه ms101 طيش الشباب وحنق الحب الفائر المحلأ عما يطفئ الغلة ~~وينقع الظمأ. ولكنه لم يجعل باله إلى هذا، وبدا له أن العقدة كلها تحل إذا هو حل عقدته. ~~وكان همه كله فى هذه الاونة أن يشعر أن كل ما يفعل أو يترك لا يمكن أن يكون فيه ما ~~يكتم عن تحية أو ما يعد خيانة لثقتها به وائتمانها له. وإن لميمى عليه لحقا أيضا. ~~ولكن حقها يجىء بعد حق تحية ما فى هذا شك. أو هكذا يجب أن يكون الأمر. # وقال لميمى بعد أن أصغى إلى القصة: «إن صادقا هذا قريبك، وهو شاب، ثم إنه يحبك، وليس ~~فى هذا ما يعاب أو يستنكر، وإنه ليثنى عليك حين يقول إنه يحبك، والحب مجهوده فهو الحقيق ~~أن يتيه به عليك. نعم أنت الباعث، ولكن الطبيعة هى الباعث الحقيقى، وما أنت إلا أداة ~~وإنها لأداة قوية ثمينة ولكنها أداة ليس إلا، وأنت كالزهرة على عودها، ولا تستوى زهرة ~~فى صحراء لا يراها فيها أو يحسها مخلوق، وأخرى حيث يراها الناس ويحمدون منظرها وطيب ~~مشمها، فأنت حقيقة بأن تفرحى بحب هذا الفتى، والذى بدا لك من جنونه هو من فورة هذا ~~الحب، وعنف عصفه بنفسه، فأنت أولى بأن تزيدى سرورا لا أن تسخطى وتنفرى. وما أراك أحسنت ~~إلى نفسك بجحود فضله، نعم فإن حبه من فضله عليك. ولو ثقل على نفسك هذا المعنى فإنه ~~الحقيقة، وما أراك أنصفته أو أنصفت عقلك، فأين كان عقلك حين استثرته وهيجته وأغريته ~~بهذه الحماقة؟ # قالت متعجبة: «وماذا كنت تريد منى أن أصنع؟ أترانى كتابا على رف من شاء أن يمد يده ~~ويتناوله فله ذاك؟» # قال: «ليس الأمر كما تتصورين، لا أنت كتاب ولا هو يريد أن يغتصبك، واسمحى لى أن أقول ~~لك إنك عمياء». # قالت: «عمياء؟ ماذا تعنى؟» # قال: «أعنى أنك تحبينه وأنت لا تدرين». # فضحكت. # قال: «لك أن تضحكى ولكنك ستعرفين أنى صادق الفراسة حين تستطيعين وأنت ساكنة النفس أن ~~تديرى عينيك فى قلبك وتتبينى ما فيه». # قالت: ms102 «كله إلا هذا». # قال: «والحقيقة أيضا أن الذى يستر حبك عن عينك هو خوفك وفزعك من حبه الطاغى ~~العاتى». # قالت: «أما أنى أخافه وأفزع منه فصحيح وأما أنى أحبه فلا». # قال: «هذا أكبر ظنك.. إذن قولى واصدقينى». # قالت: «إنك تعلم أنى لا أكتمك شيئا». # قال: «ليتك تفعلين أحيانا». # قالت: «لماذا؟» # قال: «لتزيد فتنتك.. ليس مما يطيب للمرء فى كل حال أن تكون المرأة كالصفحة المرفوعة ~~لعينه، وكل ما فيها مسطور بالخط الكبير». # فنظرت إليه كأنما تحاولى أن تستشف المعنى من هيئته لا من ألفاظه، ولكنها لم تقل شيئا ~~ولعلها لم تستطع أن تستوضح شيئا. ومضى هو فى كلامه فقال: «ألا تحسين أنك تتمنين لو كان ~~يلقاك هادئا غير فاتر». # قالت: «هذا أشهى إلى كل نفس، فما لأحد لذة فى هذه الثورات المزعجة». # قال: «ليس إلى كل نفس، ولا إلى نفسك أنت. وإنه ليسرك - فى قرارة نفسك - أن حرقاته ~~تهيج من فرط حبه لك. ولكن عنصر الفزع يستر هذا السرور. ولو كنت تشعرين بالأمن أو بأن لك ~~حيلة أو أن زمامك لا يوشك أن ينتزع من يدك لبدا لك السرور المحجوب. وإنه ليسرك أيضا أن ~~ينتزع الزمام من يدك، ولكن الأوان لم يأت، لأنك لم تفطنى إلى حبك له فأنت لا تزالين ~~تقاومين الشعور الخفى بأنك يوشك أن تغلبى على أمرك وتلقى السلاح وتفتحى ذراعيك». # قالت: «هذه خيالات.. إن خيالك يجمح بك». # قال: «كلا ... ليست هذه خيالات وإنما هى حقائق أراها ماثلة كما أراك. وستعلمين بعد حين ~~أنى على صواب». # قالت: «لماذا تتكلم كأنى لست إلا كتابا تبدى فيه رأيك؟» # ففطن إلى مرادها وأغضى عنه وقال مجيبا: «لأن فى وسعى أن أنتزع من نفسى شخصا اخر، ~~أى أن أتجرد وأدرسه كأنه إنسان غيرى على قدر ما يتيسر هذا لإنسان». # قالت: «ولكنى أحس كأنك لا يعنيك مصيرى». # قال: «لو كان لا يعنينى لما حاولت أن أفتح لك عينيك. إنى أبغى لك السعادة وأدلك ~~عليها». # قالت بلهجة التهكم: «السعادة مع هذا الفتى؟» # قال: ms103 «نعم مع هذا الفتى. إن عقلك يقول لك إنه فتى عاطل، وأنت فتاة تكدحين لكسب رزقك، ~~ويقول لك عقلك وما عودك التدريس من احترام نفسك إنه لا يليق بك أن يستولى على قلبك فتى ~~عاطل، أو أن يعرف عنك أنك قد تدلهت بمثله، ولكن قلبك يحن إليه بل يتفطر لهفة. هل ~~تستطيعين أن تذكرى لى ماذا كان شعورك الحقيقى لما تناولك بين ذراعيه كرها، وأهوى عليك ~~بالقبل الحرار، وأنت تحاولين أن تتفلتى من عناقه العنيف؟» # قالت وقد اتقدت وجنتاها: «هذا سهل. لم يكن لى شعور غير الاشمئزاز والنقمة، ولو استطعت ~~أن أمزق له جلدة وجهه لفعلت». # قال: «لا شك، لا شك. ولو شعرت بغير ذلك لما كنت ميمى التى أعرفها، بل لما كنت امرأة ~~لها قيمة. ولكن ألم تشعرى أن دمك قد صار أسرع فى عروقك؟ ألم تحسى بمثل الدوار الخفيف ~~الذى يجعل الأعضاء تسترخى؟ فكرى.. أديرى عينيك فى قلبك». # قالت: «نعم. ولكن هذا كان من الغيظ والضعف». # قال: «ومن شىء آخر. ولو عنف بك هذا العنف فى بيتك وأمك فى غرفة أخرى بحيث تسمع إذا ~~نوديت لاختلف الحال.. كان الاشمئزاز يبقى، ولكنه كان خليقا أن لا يبلغ مبلغا يحجب ~~الشعور باستطابة القبلات، أو يمنع الرغبة فى المجاوبة أن تظهر ولو اثرت أن تقاوميها.. ~~ولكن عامل الخوف فى الصحراء الموحشة تغلب». # قالت: «ماذا تريد أن تقول؟» # قال: «أريد أن أقول إنك تحبينه يا فتاتى. أصدقى نفسك فإن هذا يكون أعون لك فى ~~موقفك». # قالت: «موقفى؟ ما هو موقفى؟ إنه لم يتغير». # قال: «سيتغير.. لا تعجلى.. هذا الفتى يحبك وأنت تحبينه فواجهى الأمر من هذه الناحية ~~فإنه أجدى عليك». # قالت: «يخيل إلى أنك تريد أن تتخلص منى.. قل هذا بصراحة إذا كنت تعنيه ~~وتضمره». # قال: «لا.. لا خلاص لى ولا رغبة لى فى خلاص.. ولا خلاص لك منى إلا بإرادتك. إنما أريد ~~أن أوجهك الوجهة القويمة التى تصلح بها حياتك». # قالت بضعف: «ولكنى لا أحبه.. ثم إنه عاطل». # قال: «ما دمنا ms104 قد دخلنا فى أسباب عدم الحب، فقد اعترفنا بأن الحب هناك». # قالت: «إنى لم أعترف». # قال: «بل اعترفت.. وعلى أنى لا أطلب اعترافك لأنى أعرف». # قالت: «أما إنك لغريب اليوم.. ماذا جرى؟» # قال: «الذى جرى هو أنك تحبين هذا الفتى.. ألا تذكرين أنى أوصيتك بمحاسنته؟» # قالت: «أكان هذا هو السبب؟» # قال: «تقولين إن هذا الفتى عاطل. وإنه لكذلك. وفى يدك أنت كما قلت لك من قبل أن تصلحى ~~من أمره.. أن تجعلى منه شيئا له قيمة فى الحياة. إن كونه يحبك فرصة لك.. وجهيه.. بثى ~~فى نفسه الثقة والاطمئنان.. أطمعيه فى حبك واحترامك.. إنه الان حائر ضال لا يهتدى، حبه ~~المزدرى يغريه بالاستحواذ عليك بالقوة ... يريد أن يعلمك احترامه بالوسيلة الطبيعية ~~الساذجة.. بالقوة ... وسيلة أهل الكهوف من أجدادنا الأقدمين.. ولكنه إذا آنس منك ~~الاستعداد لاحترامه، إذا التمسه من طريق آخر فلا أحسبه يتردد فى اكتسابه من الطريق الذى ~~تصفين وتؤثرين. طاوعينى وأطمعيه فى احترامك، فإن به حاجة إليك. يكفى أنه قريبك فله عليك ~~هذا الحق.. حق التوجيه الصالح». # قالت: «هذا واجب أبويه قبل أن يكون واجبى». # قال: «بل هو واجبك الآن. انظرى إليه على أنه محبك المفتون بك لا أنه ابن أبويه.. ~~وكابرى إذا شئت فى حبك له، فما هذا بالذى يقدم أو يؤخر، وسترين حين يهدأ وتهدئين أن ~~الأمر كما أصف، وأنى أستحق منك قبلة الشكر». # قالت برقة: «أترانى أضن عليك بالقبلة حتى تؤدى ثمنها؟» # قال: «إنما أريدها فى أوانها قبلة شكر.. قبلة شكر تستطيعين أن تمنحينى إياها على عينه ~~وبرضاه.. قبلة يشاركك هو فى معنى الشكر الذى يبعث على منحها». # فأطرقت كالمفكرة ثم رفعت رأسها وقالت: «أتعلم ماذا؟ لكأنى بك تغرينى به.. لا أدرى.. ~~ولكن هذا ما يبدو لى.. لعلى مخطئة فاعذرنى». # قال: «لست أغريك به فما بك حاجة إلى الإغراء. وعلى أنى لو كنت أغريك به لما كنت إلا ~~حكيما». # فابتسمت وقالت: «دع الحب وقل لأى شىء يصلح هذا الفتى؟» # قال: «لماذا لا يوليه أبوه شئون زراعته؟ ms105 إنه قوى وذكى وخفيف كالثعلب وآفته أنه لا ~~يعمل شيئا.. لو كان مغرى بالألعاب الرياضية، أو ذا عمل يشغله زمنا لما أمكن أن تبلغ ~~ثورته هذا الحد الذى يفزعك ويحجب عنك إيثارك له». # قالت متهكمة: «لقد كانت المحاضرة يا سيدى الأستاذ مدهشة، وأظن أننا نستحق شيئا من ~~الراحة بعدها، فهل تسمح بأن أدق الجرس؟» # قال: «كان فى وسعك أن تدقيه من اللحظة الأولى. ومعذرة إذا كان موضوع المحاضرة يا ~~تلميذتى النجيبة قد ثقل عليك.. ولكنك تعرفين الأساتذة.. ثرثارين.. لا يكاد المرء يفتح ~~لهم بابا حتى ينطلقوا كالقنبلة.. ما علينا ولنخرج إلى فضاء الله بعد هذه الجلسة ~~المتعبة». # ونهضا وذهبا يتمشيان. # ولبثا هنيهة لا يتكلمان. وهو يفكر فيما قال لها وكان مؤمنا بصحة نظرته وصدق فراسته، ~~وراضيا عن نفسه لأنه فتح لها عينها، وبدا له أن هذا خير حل، وأنه المخرج المأمون من ~~ورطته. وهى تفكر فيما سمعت ولا تكاد تصدق ولا تريد أن تسلم. ثم التفتت إليه فجأة وقالت: ~~«ولكنى لا أحبه.. إنما أحب..». # وأمسكت. فقال ولم يلتفت إليها: «لا تخدعى نفسك.. كلا لست تحبين أحدا سواه. نعم، أعرف ~~أنك لا تنطوين لى على كره. بل أستطيع أن أزعم أنك تحبيننى ولكنه حب من طراز آخر. هو ~~تعلق بمن أيقظ شعورك وأزخر تيارا كان راكدا وأفادك بعض النعيم بشبابك.. تعلق بمن أعدك ~~لما أنت حقيقة به من نعيم الحياة.. ثم تفوزين بالنعيم المذخور لك فتشعرين أن الغدير يصب ~~فى نهر عظيم، أو أن النهر يصب فى بحر. وللنهر جماله، وللغدير حسنه وطيبه، ولكن البحر ~~أروع وأجل، وأعظم استغراقا للنفس. وتلقيننى وألقاك فنتساقى التذكر فنكون كأننا تساقينا ~~خمرا كما يقول الشريف، ونحمد ما كان ونشكر الله عليه، وتظل ذكريات هذا العهد الحميد ~~رباطا وثيقا.. أليس هذا أجمل؟» # فوضعت أصابعها على ذراعه، وقالت: «مالك تتكلم كأن هذا وداع؟» # قال: «هو وداع.. ليس بالمعنى الذى يسبق إلى الذهن. كلا.. ولكنى انظر إلى غد فأراك ~~زوجة صادق.. وأراك راضية ناعمة قريرة العين.. وأرانى فرحا ms106 بك وبسعادتك مغتبطا بأنى ~~يسرتها لك، وأعفيتك من مشقات التخبط حتى تناليها فيكون هذا حينئذ وداعا.. توديعا ~~لعهدنا الخاص». # فوقفت وقالت: «لست أصدق.. كلا، لا أصدق.. ما لك تقذفنى هكذا؟ ألا تمهلنى حتى أتدبر؟ ~~إن رأسى يدور وأعصابى كالخيوط التى اختلطت وتعقدت، ولولا أنك أنت لما أمكن أن يحدث لى ~~ذلك». # قال: «وهذا أول يوم أراك فيه غير دائمة الابتسام». # قالت: «هذا فعلك». # قال: «تبسمى.. تبسمى.. اه، هذا أحسن.. والان تعالى نأكل لقمة فإنى أتضور». # وكانا فى الجيزة فمضى بها إلى مطعم على النيل وطلب لها ولنفسه حماما مشويا وزجاجة ~~من البيرة، صب لها قليلا فى كوب وقال: «هذا نخب سعادتك» # قالت وهى ترفع الكوب: «نعم، ولكن معك.. لماذا تريد أن تحرمنى سعادتى هذه؟ إنى قانعة ~~بها ولا أتطلع إلى سواها». # قال: «ستتطلعين حين تعرفين نفسك». # قالت: «لا فائدة.. إنك عنيد.. وليس هذا عهدى بك، ولكنى لا أدرى ماذا جرى لك.. ولا أرى ~~لى حيلة فيحسن أن أقصر.. ولكنى واثقة أنك ستعود فى الأسبوع الآتى كما كنت». # قالى: «وأنا واثق أنك ستهتدين إلى نفسك هذا الأسبوع». # فقالت: «كيف يمكن؟ ألم أقل لك؟» # قال: «نعم. ولكنك لم تقولى غير ما أعرف.. وسترين أنى أعرف بك من نفسك». # فأمسكت. # ولما هما بالافتراق فى يومهما دنت منه، وقالت: «إنك لم تقبلنى اليوم». # قال: «أقول لك الحق إنى أشعر أن ليس لى هذا الحق». # فلم تسؤها قسوته وقالت: «ولكنه حقى أنا ولست أنزل عنه». # فضحك وقال: «لا يضيع حق وراءه مطالب ملحاح». # وقبلها قبلة من يحس أنه سيحرم مثلها. ولم يفتها هذا الطعم الجديد، ولكنها لم تقل ~~شيئا. # ولما عاد فى تلك الليلة إلى بيته قال لتحية: «هل تعرفين أن ميمى ستتزوج صادقا ~~قريبها؟» # فقالت: «متى؟ من قال؟ لماذا لم أعلم من قبل لأفكر فى هدية؟» # قال: «هو هو..! على مهلك.. إنى أنا الذى أقول ذلك.. وليس يعلمه سواى حتى ولا ~~صادق». # قالت: «لست فاهمة». # قال: «ستفهمين.. وسترين.. كل شىء فى أوانه.. أتحسبين أن ms107 المرأة وحدها هى التى تحسن ~~تدبير هذه الأمور؟» # فدهشت، وكادت ترتاب، وهمت بسؤال، ولكن وجهه طمأنها. # 5 # ولكن الأمر لم يكن من السهولة بالمكان الذى يتصوره المرء من حديث إبراهيم مع صاحبته. ~~فقد جمح به الخيال، فراح يتكلم كأنما كشف له عن الغيب. وكان امرأ تستغرقه اللحظة التى ~~هو فيها ما دام فيها، ويفتنه المعنى الذى يخطر له فيسترسل فيه ويصفيه، ويذهله سحر ذلك ~~أو حلاوته عما عداه. وكان لهذا يبدو لعارفيه كأنه أكثر من إنسان واحد. فهو فى سيرته رجل ~~عملى حازم سريع البت، يتناول الأمور من حيث هى أقرب ويمضى إلى غايته من أوجز الطرق ~~وأسهلها وأسلسها. وإذا اعترضته الموانع تدبرها ووزنها وقاس قوتها إلى ما يتقاضاه تخطيها ~~أو تذليلها من جهد. فإذا أيقن إنها هينة أو إذا رأى أن الأمر يستحق العناء، أقدم مصمما ~~وإلا تحول، غير أسف، إلى ما هو أولى وأرشد. فما كان أبغض إليه من بعثرة الجهد وتبديد ~~القوة فى غير طائل، وتكلف ما هو عبث أو محال استحياء من أن يقال انهزم أو ضعف. ويعرف من ~~يعرفونه أنه رجل عاطفة ووجدان، واحساس مرهف وأعصاب كالأوتار المشدودة. ولكنهم كثيرا ما ~~كان يخفى عليهم أن عقله مسيطر على عاطفته، وأن زمام نفسه لا يفلت من إرادته، وأن ~~العواطف تتحول عنده إلى فكرة، فهى غذاء لعقله، كما يتحول الطعام قوة فى بدنه. وقد اعتاد ~~أن يراجع نفسه ويدير عينه فى كل ما فى نفسه من خوالج. وما من عاطفة تستطيع أن تحتفظ ~~بقوة العصف مع هذا «الأجترار» المتواصل. وكان إذا قرأ، أو كتب، يغيب عن الدنيا وما ~~فيها، ومن فيها، ولا يعود له إحساس إلا بما يعالج، فيبدو للناظر رجل خيال لا يعرف ~~الدنيا ولا تعنيه حقائق الحياة لفرط انصرافه عن ذلك كله، وتمام استيلاء ما هو فيه عليه. ~~وكان يكره الضجات وينفر من الأصوات العالية. وكان خافت الصوت يحوج السامع إلى حسن ~~الإصغاء وإرهاف الأذن، ولم يكن هذا عن ضعف، بل لأنه كان يسمع صوته ms108 يدوى فى جوانب رأسه ~~من الباطن، فلا يزال يخفضه ويهوى بطبقته حتى تفتر هذه الأصداء الباطنية وينقطع إزعاجها. ~~وأعانه على رياضة نفسه على خفوت الصوت، أنه يرى أن الحديث له لذته وإمتاعه، ولزومه ~~أيضا. ولكنه جهد معظمه ضائع فى الهواء وذاهب مع الرياح الأربع، فلا داعى لتكليف النفس ~~فوق ما يقتضيه الأمر من جهد. وأحجى أن يدخر المرء كل ما يستطيع إدخاره من قوته، وأن لا ~~ينفقه فى باطل لا خير فيه. وكان لهذا، على كونه ثرثارة، يطول صمته أحيانا حتى ليثقل ~~على جليسه. وكان إذا مرض أطبق فمه واستغنى بالإشارة عن اللسان، وأبى أن يعوده أو يدخل ~~عليه أحد، حتى لا يتكلف جهد الكلام أو الإصغاء، وليحتفظ بجهد نفسه كله لمغالبة الوعك. ~~ومع ذلك كان يتفق وهو فى بيته ومع زوجته وبين ضيوفه أن يغيب عنهم جميعا، وينطوى على ~~نفسه فلا يعود يسمع ما يقال، أو يحفل ضجة الحديث فكأنه فى خلوة تامة، أو كأنه فى ~~غيبوبة، لولا أن الوعى لم يفارقه. وكانت تحية تعرف فيه هذه القدرة - وما كان يسعها إلا ~~أن تعرفها - وكانت ربما مازحت ضيوفها وراهنتهم على أن ليس فى وسع أكبر ضجة أن ترده إلى ~~الدنيا إذا غاب بنفسه عنها. فكانت تفتح «الراديو» ولا تزال ترفع طبقة الصوت شيئا ~~فشيئا، حتى يبلغ أقصى قوته وهو كأنه دمية، أو ليس من بنى الإنسان أو أصم أو مذهوب ~~بسمعه، فيضحك الضيوف ويستغربون. ويبلغ من عجبهم ودهشتهم أن يخافتوا بحديثهم، حتى يصير ~~همسا، ويكون أبعث على تعجبهم أن الهمس يوقظه ويرده إليهم، كما ينام المرء وهو فى ~~«القطار» على ضجته حتى إذا بلغ المحطة وسكنت الضوضاء استيقظ. # وراح إبراهيم بعد ذلك الحديث الذى ألح فيه على ميمى بأنها تحب صادقا وهى لا تدرى، ~~يسأل نفسه، على عادته فى مراجعتها، ألا يمكن أن تكون فراسته قد خانته؟ ولماذا لج فى ~~قوله لها إنها تحب صادقا؟ أتراه اندفع، بقوة شعوره بالرضى الجديد بتحية وعنها؟ أتراه ~~يريد أن يخرج من ورطة ms109 علاقته بميمى؟ ولكن هل هذه ورطة؟ إنها صداقة أفاد منها متعة لا ~~تنسى ولا تستقل . ولكن الأمر لم يبلغ حد التورط فى شىء، وقد سقاها ما يشبه كئوسا من خمر ~~الحب، ولكنها فى رأيه خمر لها نشوة ولا شك. غير أنها لا تشتد لها سورة، ولا يأخذ فى ~~شاربها دبيبها، ولا يعنف به تمشيها. غير أنه من يدرى؟ إن القليل الهين فى ظنه قد يكون ~~كثيرا فى إحساس ميمى. أليست قد قالت له إنها تحبه؟ ولقد أمسكت وصدت نفسها عن إتمام ~~الجملة. ولكن الجملة الناقصة كانت أفصح وأقوى. وما ردت لسانها إلا لعلمها أنه يستثقل ~~دوران اللسان بألفاظ الحب، ويستهجن اللغط به ويؤثر حقيقته على وصفه، أو لعلها خافت أن ~~لا يصدقها. فقد قال لها مرارا إنه لا يصدق أن امرأة يمكن أن تحبه لما يعرف من النقص فى ~~نفسه، والقصور عما يجعل المرء جديرا بالحب، وأنه من أجل هذا يؤمن بالصداقة ولا يؤمن ~~بالحب. ولكن من يدرى مع ذلك؟ إن هؤلاء النساء أمرهن عجيب والذى يستطيع أن يعرفهن ~~ويفهمهن على حقيقتهن، لم يخلق بعد. ولقد قيل إن المرأة خلقت من أحد أضلاع الرجل. فليكن ~~... فما يدل هذا إلا على أنها قريبة منه، ولكن خلقها غير خلقه وبدنها غير بدنه. واختلاف ~~التكوين يؤدى إلى اختلاف الوظائف فاختلاف أساليب التفكير والإحساس.. ولكن ماذا يكون إذا ~~صح أن ميمى تحبه؟ هل يتفق الحب والقناعة وانعدام الغيرة؟ إن ميمى قانعة راضية لا تطمع ~~فى غير ما هى فيه ولا تتطلع إلى خلافه أو مزيد عليه، ولا تبدو عليها رغبة فى الاستئثار ~~به، أو غيرة من امرأة أخرى، أو امتعاض من الحظ الأوفر المذخور لتحية من قلبه وحياته. بل ~~إنه لينزل تحية منزلة القداسة ويجعلها فوق أن يجرى حديث عنها بينهما، أو بينه وبين ~~إنسان آخر - رجلا كان أو امرأة - ومع ذلك لا يثقل عليها أنه يضعها فى هذا المحل ~~الأدنى، وأنه يرفع تحية هذا المقام الكريم الذى لا يتسامى إليه اللحظ. فأى حب ms110 يكون هذا ~~الذى تحبه ميمى، إذا كانت تحبه؟ أتراه يمكن أن يكون من ذلك الضرب الخيالى الذى يعز فى ~~الحياة والذى تكون فيه التضحية بالذات، وإنكار النفس بل فناؤها، لذة ما بعدها لذة؟ وحدث ~~نفسه أن هذا كلام فارغ، وأن الأقرب إلى العقل، والأرجح فى الظن، هو أن ميمى لا تنطوى له ~~على أكثر من صداقة كريمة لا تبلغ درجة الحب المستغرق الاخذ بالكليتين. ولكن هبها.. ~~هبها تحبه؟ إنها إذن تكون مسكينة فما يستطيع أن ينيلها فوق ما تنال من وده إلا بخيانة ~~تحية. وهو لا ينوى ولا يستمرئ أن يخونها، ولا موجب لأن يعنى نفسه بهذا. ولكل شىء أوانه، ~~ولكنه مع ذلك لم يسترح، ولم يكف عن تقليب الأمر على كل وجه. # ولم تكن ميمى أقل منه حيرة، وقد عادت بعد هذا اللقاء الأخير، وهى تحس كأنها تمشى على ~~رأسها. فقد باغتها إبراهيم وألح عليها ولم يترفق بها. فكانت كالسابح الذى فاجأته موجة ~~عظيمة، وغمرته ودفعته، فهمه أن يرفع رأسه فوق الماء ليتنفس وينظر أين هو. وكانت قبل ~~اليوم لا تفكر فى أمرها معه، ولا تحاول أن تتبين حالها ومكانها وموقفها. وكانت تذهب إلى ~~لقائه، كما تذهب إلى مدرستها بطبيعة الحال، أو كما تستيقظ من النوم، لأن هذا هو الذى ~~يكون ولا يكون سواه، سواء أفكر أم لم يفكر فيه الإنسان. وكان التعليم ربما ثقل عليها ~~أحيانا، وشعرت بالزهادة فيه، والرغبة فى الانقطاع عنه، والقعود فى البيت والانصراف إلى ~~شئونه. وكانت تحسن الطهو، وتدبير أمور المنزل، ولا تكف عن العمل فيه فى أيام البطالة، ~~مؤثرة ذلك على الخروج إلا فى اليوم الذى تلقى فيه إبراهيم. فقد كانت تنفض يدها من كل ~~شىء وتتخلى لموعدها معه. ولا تفعل ذلك وهى مضطربة، أو متطلعة، أو متلهفة، بل كأن هذا ~~بعض عملها اليومى. وكان الذى تعرفه أمها، وناظرة مدرستها، وزميلاتها المعلمات، أنها فى ~~ذلك اليوم المعين للقاء إبراهيم تذهب لإعطاء «درس خصوصى» لإحدى البنات فى بيتها. وكانت ~~الناظرة تحمد لها حسن إقبالها ms111 على عملها وإخلاصها فيه، وعنايتها به، وندرة تخلفها، ~~فأخلتها فى ذلك اليوم من العمل بعد الظهر، ورتبت لها جدول دروسها على نحو يتيسر لها معه ~~أن تتغدى فى بيتها، ثم تذهب إلى «درسها». وكانت زميلاتها المعلمات ربما عابثنها مازحات ~~وسألنها عن هذا الدرس العجيب الذى استمر سنتين، ولم يختلف موعده مرة واحدة؟ ولكنهن كن ~~يرين جدها واحتشامها، وعدم اختلاف حالها عن المعهود من إشراق ديباجة الوجه، وافترار ~~الثغر، وحسن الأدب، وسكينة النفس، فلا يخالجهن شك، ولا يستربن. وقد ائتمرن بها مرة مع ~~الناظرة، وأوهمنها أن إحدى زميلاتهن مرضت فجأة، وأن عملها بعد الظهر لابد من توزيعه على ~~الباقيات الخاليات وهى فى جملتهن. وكان ظنهن أنها ستمتعض أو تعتذر، ولكنها تقبلت ~~«الحصة» الإضافية الموهومة بابتسام، وزادت فسألت عن عنوان المعلمة لتعودها، فارتبكن ثم ~~أنبأنها بالحقيقة، فلم يبد عليها أن إعفاءها من هذا التكليف أدخل على نفسها سرورا ~~خاصا. وكان الذى سهل الأمر على ميمى أن هذا التكليف لا يؤخرها عن موعدها، وإن كان ~~يحرمها الغداء فى بيتها، وليس هذا الحرمان بالذى يشق احتماله. ولكن زميلاتها ما كن ~~يعرفن هذا، ولا كن يدرين أنها إنما تحرص على الخروج قبلهن، لتلقى إبراهيم وهى فى أمان ~~من عيونهن وفضولهن. فقد تحب إحداهن أن تصحبها، أو تسايرها، فلا تأمن حينئذ أن تطلع على ~~سرها ولو اتفاقا ومصادفة. # ولو سئلت ميمى عن المدرسة، وماذا يحببها إليها لقالت إنها تحب إحدى تلميذاتها، وهى ~~فتاة فى الرابعة عشرة، دميمة معروقة، إلا أنها خفيفة الروح كبيرة القلب. وكانت هذه ~~الفتاة شديدة التعلق بميمى - أبله ميمى، وكانت تهجم عليها وتقبلها كل صباح وعلى مرأى من ~~التلميذات جميعا. وكانت ميمى تكل إليها بعض عملها، وتستعين بها فى رسم الخرائط، وحمل ~~الكراسات إلى خزانتها، أو درجها، وتلقى إليها بمفاتيحها وتتركها معها. فهى تتولى عنها ~~أمر الخزانة وما فيها من معطف أبيض ومثبنة، ومناديل وصابون وفوط وغير ذلك. # وكانت ميمى فخورة مزهوة بحب هذه الفتاة الصغيرة لها. وكانت ربما شعرت أنها تتطلع إلى ms112 ~~لقاء إبراهيم فى موعده، كما تذهب إلى المدرسة كل يوم متطلعة إلى قبلة هذه الفتاة المحبة ~~المخلصة. ولكن إبراهيم ليس بفتاة، ولا هو بصغير. اذا كانت لا تظهر لهفة على لقائه، ولا ~~تبدو معه عليها اضطراب، فإنها تدرك - ولا تكتم نفسها - حرصها على ما تفيد منه، ورغبتها ~~فيه. وكزهوها بالفتاة الصغيرة وحبها، زهوها بأن لها صديقا وامقا له منزلة إبراهيم ~~وعلمه وأدبه وفضله وسنه وتجربته. # ولكن هل هى تحبه حب المرأة للرجل؟ ولو سئلت عن هذا قبل أن يدير لها رأسها بكلامه عن ~~صادق، وإصراره على أنها تحبه وهى غير دارية لما كان جوابها إلا: «نعم، على التحقيق». ~~ومازال الجواب: «نعم»، ولكنه لم يعد بعد هذه الزلزلة: «على التحقيق»، وشعرت أنها تستطيع ~~أن تقول: «لا. على التحقيق»، وبلا أدنى شك إذا سئلت: «هل تستطيعين أن تستغنى عنه وتكفى ~~عن لقائه؟» بل شعرت أنها لا تقول إلا؟ «لا. على التحقيق». وإذا سئلت: «هل تستطيعين إذا ~~تزوجت أن تفارقيه وتبتى صلتك به؟» لا، بل هى تضمر إذا تزوجت صادقا أو غيره - فما لهذا ~~قيمة - أن تحافظ على صلتها به، كما هى الآن بكل ما تنطوى عليه. # وخطر لها أن لعل إبراهيم لا يود ذلك. فإن له لشذوذا.. وغاب عنها أن من الشذوذ أن تود ~~هى استمرار هذه الصلة بعد زواجها إذا كتب لها الزواج. أو لعله أراد بحديثه أن يمهد ~~للفراق. ولكنها نفت هذا الخاطر، وأبت أن تطيل الوقوف عنده، وقالت لنفسها إن إبراهيم لا ~~ينطوى على خبث أو غدر. وذكرت نفسها بأنه قال لها إنه لا يريد التخلص منها ولا يود ~~معاناة ذلك، وأنه يضن بصداقتها أن يعتريها فتور أو ملال. # وحكاية صادق هذه التى طلع عليها إبراهيم بها فجأة، ما الرأى فيها؟ أيمكن أن يكون ~~صحيحا ما قاله من أنها تحبه وهى لا تدرى؟ وأضحكها أنها يمكن أن تكون عاشقة غير دارية. ~~وهزت رأسها منكرة ذلك. وودت لو استطاعت أن تنتزع قلبها وتضعه أمامها وتعكف عليه فاحصة ~~منقبة مستقصية. وقالت ms113 لنفسها إن صادقا قريبها، وإنها تحبه لهذا. ولكن حبها لقريب لا ~~يمكن أن يشبه حب امرأة لرجل. وهو لا يخلو من مزايا وصفات تحببه إليها، ولكنه طائش ~~وجموح، وعاطل، وخائب. ثم إنه أصغر منها، وهى أسن منه.. تكبره بسنتين، فهى أشبه بأخت ~~كبيرة له. وقد جربت منه ما يفزع وينفر. فهل يمكن أن يكون صحيحا قول إبراهيم إنه لو ~~انتفى عامل الفزع لبان المستور؟ وهل صحيح قوله إن النفس فى حالة الفزع تكون شبيهة ~~بالماء المضطرب، فلا يستطاع أن يرى ما فى قاعه ما دام مربدا ولكن ذلك يتسنى إذا سكن ~~وصفا؟ ربما. ولكن كيف يتيسر ذلك؟ أترانى لو أقبل صادق الآن وهو ساكن وادع لا يثير ~~مخاوفى بكلمة أو إشارة، أو نظرة أو حركة، أستطيع أن أتبين حقيقة هذا الشعور الذى يقول ~~لى إبراهيم إنه مستور، تحجبه الخشية والرغبة الطبيعية فى الدفاع عن النفس؟ # وملت هذا الحوار الذى لا يفيدها الاستقرار، وكانت بطبيعتها تؤثر الراحة وتنفر من ~~الاضطراب، وتتقى بواعثه، وتهرب من المثيرات، فكفت وقالت لنفسها إن لها الساعة التى هى ~~فيها، وإن المستقبل غيب، وسيتسع الوقت للتفكير فيه حين يجىء، بما يجىء به، وكل ما أعرفه ~~الان أن إبراهيم صاحبى الذى أضن به على الدهر. # أما صادق ... # ومطت بوزها. # 6 # وكان إبراهيم يتطير من لا شىء، ومن كل شىء. وليست الطيرة فى الطباع، كما يزعم ابن ~~الرومى، ولكنها إلا تكن فيها ليست مما يستغرب. ولعل مكافحتها أدل على معاناتها من ~~الإقرار، فما يغالب المرء غير موجود، أو يصارع معدوما. وإذا قيل إنه يطرد وهما، ~~فالوهم حادث والشعور به حقيقى، وله أصل ينجم منه، وعلة تحدثه. ولم تكن طيرة إبراهيم عن ~~ضعف فى العقل أو نقص فى صحة الإدراك؟ بل كانت بعض ما أورثته النوراستنيا، وتلف الأعصاب. ~~وكان يعرف أن طيرته خرف وكان لهذا يكتمها. ومن ذلك أنه كان يكره أن يصبح على غير وجه ~~«تحية» فإذا أصبح على غيره، ظل يومه متوجسا غير منشرح الصدر، وكان يستثقل، ولا ms114 يهون ~~عليه أن يوقظها ويزعجها فى البكرة المطلولة، فقد كان يبكر فى القيام، وينهض من فراشه - ~~صيفا وشتاء - حين يبدو الصبح بأصوات العصافير، فيكتفى بأن يذهب إلى سريرها - على أطراف ~~أصابعه - ويتملى بالنظر إلى وجهها الصابح، وربما اتفق أن يكون وجهها للحائط، فيدور حول ~~السرير ويشب، لينظر من فوق شباكه، ومن أجل هذا أقنعها بأن تجعل بين السرير والحائط ~~مسافة شبرين، وزعم أن البقعة خاوية وأن للبيت حديقة فهو لا يأمن أن تدب الحشرات إلى ~~البيت. وإنما فعل ذلك ليتسنى له أن يدخل بين السرير والحائط وينظر إلى وجهها حين تكون ~~مائلة أو نائمة على جنبها الأيسر. وكان لهذا أيضا يغريها بالنوم على الجنب الأيمن ~~ويزينه لها، ويقول لها، إنه أصح وأرفق بالقلب حتى ولو كانت المعدة فارغة. وكان إذا تعذر ~~أن يراها قبل أن يرى سواها، قصد إلى المرآة وابتسم لنفسه فى صقالها، وقال: «هذا على كل ~~حال وجهى، ولا حيلة فيه، وهو على دمامته أحب إلى من وجوه الناس». وكان يحب أن يرى ~~الهلال - أول ما يراه - وفى يده قطع من النقود الفضية، فينظر إلى الهلال، ثم إليها، ~~ويلثمها ويلمس بها جبينه. وإذا اتفق له ذلك عفوا، وبغير تدبير سابق، كان أشرح لصدره ~~وأبعث له على الاستبشار. على أنه مع ذلك كان لا يترك الأمر للمصادفة، فيحرص على إدخار ~~بضع قطع فضية لرؤية الهلال، مؤثرا ذلك على ما فيه من التكلف على رؤية الهلال على وجوه ~~الناس. وكان ينفر من الألوان القاتمة عامة، واللون الأسود خاصة، فينقبض صدره منها ~~ويضيق، ولكنه على هذا، لا يلبس من الثياب ما كان لونه زاهيا ويفضل ما هو أقرب إلى ~~الحشمة، وأشبه بالوقار. حتى كسوة الكراسى والمقاعد آثر فيها البساطة والخلو من الزينة، ~~وما هو أدعى إلى راحة العين وأبعث على سكينة النفس. حتى الضوء مال فيه إلى الخفوت ونفر ~~من السطوع. وكانت عادته أن ينزع كل صباح ورقة من التقويم المعلق، فإذا أقبل اليوم ~~الثالث عشر من الشهر، زعم أنه سها، ms115 وترك ورقة اليوم الثانى عشر، ونزع فى صباح اليوم ~~التالى ورقتين معا، وطواهما وألقاهما فى سلة دون أن ينظر فيهما لشدة اشمئزازه من رقم ~~13. وكان أبغض شىء إليه أن يفجأه صياح أو صراخ، أو صوت باك أو باكية، أو جنازة أو ~~تابوت، ولو كان فارغا، وما يجرى هذا المجرى. ومن تطيره أنه أبى أن يقتنى أثرا ~~فرعونيا، أو ما هو على غراره فى الصنعة. وكان يفزع من الثعابين والحشرات والهوام ~~بأنواعها، وقد أهدى إليه أحد أصحابه مرة، منشة أو مذبة من صنعة أسيوط وعصا رأسها على ~~هيئة الثعبان فاحتفظ بالمنشة لأنها لا صورة فيها، ودق رأس العصا حتى طحنها، وأبى أن ~~يهديها إلى أحد، أو حتى أن يتركها وينساها فى مكان ما - فى الترام أو فى مقهى أو غير ~~ذلك - لئلا يحيق شرها بأحد. # ولم تكن تحية تعرف أنه يتطير. فقد كانت طيرته تخجله، فهو يخفيها، ولا يعدم ما يفسر ~~لها به، ما يبدو من الشذوذ فى سلوكه. وكان يقول لها فى تعليل ذلك إنه لا ضابط هناك ولا ~~قاعدة للمزاج الخاص، والأمر فيما يرتاح إليه الإنسان أو ينفر منه من لون أو شىء لا يرجع ~~إلى العقل، بل إلى الإحساس أى إلى الأعصاب، والأعصاب شىء معقد وبعض حالها موروث، والبعض ~~اكتساب فلا تعجبى، ولكن اعذرى. وكل امرئ مهما جل شأنه، وكبر عقله، وعظم علمه، لا يسلم ~~حاله مما يفتقر فيه إلى تمهيد العذر والصفح، والإغضاء، والتسامح. وفى كل امرئ مواطن ضعف ~~تذكر بأنه - على علو قدره - ما زال من بنى الإنسان المخلوق من الطين الواهى أو الحمأ ~~المسنون.. أى نعم. نحن من الطين، ففينا كل عيوبه وضعفه وهوانه أيضا يا امرأتى العزيزة، ~~فلا تنسى هذا، وكونى أبدا منه على ذكر. # يقول هذا وأمثاله مازحا، وعلى سبيل التهوين من الأمر واجتنابا للصدق فى الإبانة، ~~وهو فى قرارة نفسه يحس بما يسخر منه إحساسا حقيقيا يشيع فيه علوا وسفلا.. من فرعه ~~إلى أخمص قدميه. # واستيقظ يوما، فتنبه فجأة، ومازالت عينه مفتوحة ms116 كمغمضة، إلى أن هذا هو الثالث عشر من ~~الشهر، فاستعاذ بالله وأطبق جفونه، وانقلب على جنبه وأدار وجهه إلى الحائط وود لو ينام ~~إلى صباح اليوم التالى. ثم قال لنفسه وهو يتكلف البشر: «لا حيلة لى أعرفها لأختزل بها ~~هذا النهار الذى لن يكون فيما أعتقد إلا ذميما». وكانت عادته - ودأبه - أن يتوقع الذى ~~هو أسوأ، فإذا نجا، أو كان ما هو أخف سوءا وأهون على العموم، اغتبط، وتشهد. # ونهض متثاقلا، ومشى على أطراف أصابعه إلى سرير تحية، فألقاها على جنبها وذراعها على ~~خدها، فهو لا يكاد يرى سوى أرنبة أنفها. فقال لنفسه وهو يتنهد مستسلما لقضاء الحظ فيه: ~~«لاعجب فإنه اليوم المنحوس من كل شهر، وأول نحوسه أن أحتاج إلى النظر إلى وجهى فى ~~المرآة ...». وتذكر قول الحطيئة «فقبح من وجه، وقبح حامله»، وساءه أن يذكر هذا الشطر من ~~شعر ذلك الشاعر السليط اللسان، وتساءل لماذا لم يذكر إلا هذه اللعنة على الريق؟ أليس فى ~~شعر العرب أجمعين، وفى شعر الغربيين قاطبة ما كان يمكن أن يطفو إلى السطح غير هذا ~~الكلام الثقيل؟ # وأسلم أمره إلى الله. وقال لن أوقظ الخادمة. وصب الماء فى إبريق للشاى ليغليه. فلما ~~غلى الماء، أنزله عن النار وكشف الغطاء ليلقى بالشاى فلسعه، فقال: هذا جزاء من يصبح على ~~هذا الوجه، وأهون به إذا اقتصر الأمر عليه. وخطر له أن يلزم داره يومه، فدار فى نفسه ~~قول القائل: # راح يبغى نجوة # من هلاك فهلك # والمنايا رصد # للفتى حيث سلك # فانقبض صدره. وأحس أن هذا نذير، وحمل الأبريق على الصينية، وحاول والصينية على كفه أن ~~يفتح الخزانة ويتناول الفنجان، فوقعت الصينية بما عليها على الأرض، وكانت لها ضجة أيقظت ~~تحية، ولم يصبه من اندلاق الماء المغلى سوء. # وأقبلت تحية تسأل: «ماذا جرى؟ لماذا لم توقظنى أو توقظ الخادمة؟» # فترك المطبخ وهو يقول: «لا تصنعى شيئا.. لا تصنعى شيئا.. فما أظن إلا أن كل ما ~~أتناول فى يومى سيقف فى حلقى ويخنقنى». # فلحقت به تحية وقالت: ms117 «مالك؟ إنك مضطرب.. اقعد هنا (وأدنت منه كرسيا وثيرا) سأعد لك ~~بيدى أنا..». # فقاطعها وهو ينحط على الكرسى: «لا لا لا.. قلت لك لاتصنعى شيئا.. كل ما أريد هو ~~الراحة». # قالت: «ألم ترتح فى نومك؟ مالك؟» # قال: «مالى؟ أوه لا شىء. كان النوم مريحا.. لا حلم فيه، ولكن انظرى بماذا يجىء ~~الصباح الجديد؟ أباريق مقلوبة.. وأصابع ملسوعة.. ومن يدرى ماذا يخبئ هذا النهار البديع ~~أيضا؟ سنرى». # قالت: «هذه غلطتك.. لماذا تتكلف ما لا تحسن؟ هذا عملنا نحن. ونحن هنا لخدمتك.. لا ~~بأس. أرنى أصابعك..». # ومالت عليه، فابتسم لها، وقال: «لا شىء بها.. كانت اللسعة مؤلمة فى وقتها، ولكنها لم ~~تزد على ذلك.. صحيح». # وصنعت له الشاى، وجلست قبالته تشاربه، وتحادثه، وتسرى عنه. وكانت تعرف أنها تستطيع أن ~~تلهيه عما يثيره أو يؤلمه، أو يخامره، إذا استطاعت أن تجره إلى حوار تستثير فيه عقله، ~~وتغريه بالتفلسف. وقالت تستدرجه: «هذا يثبت أنكم معشر الرجال أطفال ... تزعمون أنكم أنتم ~~المجاهدون فى الحياة. ومع ذلك لا يحسن الواحد منكم أن يصنع فنجان شاى، أو يقلى أو يسلق ~~بيضة. وتدعون أن النساء لا يصلحن إلا لشئون البيت.. وأنهن أداة للنسل ليس إلا.. يطبخن ~~ويحملن ويلدن، ولا خير فيهن لغير ذلك ... حسن. ولكن ماذا يحسن الرجل ولا تستطيع المرأة أن ~~تحسن مثله؟ هل يعجزها أن تجلس إلى مكتب فى ديوان وتدخن وتشرب القهوة، وتكتب بضع رسائل ~~قصيرة؟ أو إذا تلقت من التعليم كفاية، أن تكتب مقالات كمقالاتك، أو إذا تعلمت الطب أو ~~الهندسة أن تحذق ذلك كحذقكم؟ وانظر إلى براعتكم فى الهندسة، جعلتم البيوت كالمقابر.. لا ~~شمس ولا هواء! وبراعتكم فى الطب.. كل طبكم تخمين وتجارب.. كالذى يمد يده ليتحسس فى ~~الظلام. وأى امرأة متعلمة يعييها أن تتولى أمر الحساب فى المصارف؟» # فأقبل عليها يجادلها، ونسى ما كان، وتلهى عن طيرته. ولما نهض انحنى عليها وقبلها وقال ~~وهو يعتدل: «يا امرأة ماذا عسانى كنت أصنع لولاك؟» # فقالت وهى تضحك: «كنت تكسر كل يوم ما فى بيتك ms118 من أطباق وفناجين، وتخرج كل يوم، ولا هم ~~لك إلا أن تشترى جديدا سليما بدلا من المكسور». # ثم دنت منه حتى لصقت به، وأرخت جفونها وسألته جادة، وأصابعها تعبث بزرار المنامة ~~(البيجامة): «صحيح؟» # فلم يجبها بكلام، وضمها إلى صدره، وقبلها قبلة طويلة حارة. # وكان العصر موعده مع ميمى، على باب المسجد كالعادة فسألها: «أين نذهب اليوم؟» ولم يكن ~~ينتظر رأيها، ولكن كانت عادته أن يجاملها بالسؤال، وعزمه موطن على ما يفعل، فأمالت إليه ~~وجهها وتبسمت، وهزت كتفيها، هزة خفيفة، فقال: «حسن، إذن فإلى المعادى» كأنما كان هذا ما ~~اقترحت. # قالت: «ما هذا الإسراف؟» # قال: «إسراف؟ أمن الإسراف أن نمشى على الأقدام إلى محطة باب اللوق ونركب القطار ~~ذهابا وإيابا ببضعة قروش؟» # فرفعت حاجبيها وهو تبتسم له، كأنما تقول: «لا بأس، لقد خفت أن تستأجر تاكسى لهذا ~~المشوار الطويل». # وسألها فجأة: «هل رأيت صادقا فى الأيام الأخيرة؟» # فالتفتت إليه، واجهته وقالت: «ألا يمكن أن تعفينى من ذكره؟» قال معتذرا: «إنما أردت ~~أن أقول شيئا، وكان هذا أول ما خطر لى». # قالت: «ولماذا لا يخطر لك سواه؟» وابتسمت وهى تقول: «أهذا من الغيرة؟» # وكان يسرها أن يقول: «نعم»، ولكنه قال: «لا.. ليس هذا من الغيرة.. لا أظن.. ثم إنى ~~منصف، ومن شيمتى إنصاف الناس حتى من نفسى، لست أفاخر، ولكنها الحقيقة. ويخيل إلى ~~أحيانا أن هذا ليس إنصافا وإنما هو بلادة، على كل حال أريد أن أقول إن له فيك من الحق ~~أكثر مما لى وإنه أولى بك». # قالت بفتور: «لقد سمعت هذا من قبل». # قال: «لا تعجلى.. فما أريد أن أعود إلى ذلك الحديث.. كلا.. ولكنك تسألين ~~فأجيب». # قالت: «سألتك عن شىء فأجبت عن خلافه». # قال: «لا.. ليس عن خلافه. فما يمكن أن تكون الغيرة من لا شىء والشىء هنا هو صادق. فما ~~ذنبى؟ كونى منصفة». # قالت: «دع ذكره بالله فإنه لا يطيب الآن». # وبعد خطوات قالت: «هل تعرف؟ لقد زارنا البارحة ... وبقى معنا إلى العشاء وكان ظريفا ~~لطيفا، ووديعا، هادئا. ms119 ولكن مشيته كمشية الثعلب ... مشية مريبة مقلقة فلا تحس به إلا ~~وهو أمامك. كأنما خرج من جوف الأرض، ثم إذا به قد صار فى غرفة أخرى أو فى المطبخ أو ~~الدهليز. ويخيل إلى، وأنا أراه ينظر إلى، أو يمشى أمامى، كأنه لابد أن يخطف أو يسرق منى ~~شيئا، وأنى لن أشعر بما فقدت إلا فيما بعد، وهذا هو الذى يخيفنى ... شعورى بأنى معه لست ~~فى أمان ... وهو الوحيد الذى يخامرنى منه هذا الشعور ... أنا معك مثلا لا أخاف ولا أحذر ~~...». # والتفتت إليه وقالت برقة: «قل لى ... هل تشعر أنى حرمتك شيئا تريده أو أبيت عليك أمرا ~~لك رغبة فيه ...». # فتناول ذراعها وقال: «أنت أكرم من ذلك ... ثم إنك أعرف بى من أن تحتاجى إلى الحذر، أو ~~تخافى عاقبة الطمع». # قالت: «اصدقنى». # قال: «سأصدقك ... نعم رغبت فى الكثير ... وزهدت فيه، أو قنعت بما دونه أو رضت نفسى على ~~القناعة، لا خوفا من ضنك، بل خوفا عليك من نفسك. والإنسان طماع يا ميمى، ولا نهاية ~~لما يريد، أو آخر لما يتطلع إليه ويشتهيه. وما يكف عن الرغبة إلا حين تنقطع أنفاسه ~~ويملأ تراب الأرض فمه. ولكن هناك يا ميمى ما هو أجل وأمتع أيضا من إدراك المآرب. هناك ~~لذة القدرة على ضبط النفس، والاكتفاء بما يفيد السعادة، وكبح النفس عن الإسراف والشطط ~~بغير موجب. هذا الإدراك الصحيح الدقيق لقيمة ما ينال المرء بالقناعة، وللقيمة الحقيقية ~~لما يشتهى وما تلج به الرغبة فيه، إذا ناله ... هذا الوزن الدقيق لهذه الأمور هو الذى ~~يساعد على كبح النفس بلا أسف أو شعور بخسارة». # قالت ضاحكة: «هذا دأبك ... تتفلسف دائما». # فسألها: «إذن أصدقينى أنت ... هل أنت قانعة؟» # فأطرقت وهى سائرة. وتركت لحظات تمر قبل أن تقول: «لا أدرى.. هذه أول مرة ألقى فيها ~~هذا السؤال على.. من نفسى أو منك.. لم أسمعه منك على ما أذكر، ولم أوجهه إلى نفسى.. ~~وأقول الحق أنى مترددة..». # قال: «التردد معناه أن القناعة غير حاصلة». # قالت: «إنما أريد أن أقول ms120 أنى لم أفكر فى الأمر من قبل. ولكن سؤالك يثير فى نفسى ~~خواطر وصورا شتى. وهذا ذنبك ... لماذا سألتنى؟ لماذا تغرى عينى بالامتداد إلى ما بعد ~~الحاضر والواقع؟» # قال: «لا لا.. ليس هذا فعل السؤال.. لا تجهلى..». # قالت: «كيف؟ ألست أنت الذى تفتح لى آفاقا جديدة من النظر والرغبة كنت مصروفة ~~عنها؟» # قال: «ليس السؤال هو الذى فعل ذلك، وإنما هو فعل ما استيقظ فى نفسك حين دار فيها ~~الوسواس الجديد.. أن لعلك تحبين صادقا.. وهل أنت تحبينه أو لا تحبينه.. وهل قسم لك ~~الزواج منه أو لم يقسم.. وهل ستتزوجين أو لا تتزوجين.. هذه الخواطر تبدو فى ظاهرها مجرد ~~أسئلة.. ويبدو أن الغرض منها الاستبانة أو الاستشفاف أو الاستجلاء، ولكنها تنطوى على ~~أكثر من ذلك، لأن كل سؤال مقترن فى الخيال بصورة.. بل بصور.. صور شتى للحياة كما هى فى ~~حاضرها، وللحياة كما يمكن، أو يرجى، أو يخشى، أن تكون فى الغد القريب أو البعيد. وهذه ~~الصور تكون فى أول الأمر غامضة ملتاثة، ثم تتضح شيئا فشيئا، وتتجسد، وتتخذ أشكالا ~~تكاد تلمس وتحس. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل تشرع الصور التى تتمثل للخيال وتزداد ~~جلاء وتجسدا على الأيام، ومع طول مناجاة النفس، أقول تشرع فى الإيحاء إلى النفس ... ~~فتحرك إحساس الإنسان، وتثير رغبته وتبعث ما كان كامنا، وتوقظ ما كان راقدا، وتزيد ما ~~لا ينقصه الابتعاث، قوة. ومن هنا تضعف وتقل القناعة بالحاصل الموجود». # وأمسك، وسارا خطوات وهما صامتان، وذراعه ما يزال فى ذراعها. ثم رفعت إليه وجهها، ~~وقالت مرة أخرى - بابتسام يخفف من وقع التهكم، إذا كان فى عبارتها تهكم: «تتفلسف ~~دائما.. أليس هذا دأبك؟» # قال مستغربا: «أتفلسف؟ أعوذ بالله.. لماذا تعدين بسط الحقيقة أو مواجهتها فلسفة أو ~~تكلفا للفلسفة؟» # قالت: «لقد بلغنا المحطة.. خلنا فى الدرجة الثانية». # قال: «يا خبيثة، إنما تريدين أن تستريحى من فلسفتى.. بل سنركب فى الدرجة الأولى.. ~~واطمئنى فإنى لا أستطيع الكلام مع ضجة القطار.. وحسبى أن تتكلمى أنت وأسمع.. جاء دورك.. ms121 ~~تعالى». # وأخذ التذكرتين - ذهابا وإيابا - ومضى بها إلى مركبة الدرجة الأولى. # 7 # ولكنه تكلم على طول الطريق من باب اللوق إلى المعادى. ذلك أنه ما كاد يقعد وميمى إلى ~~جانبه، حتى دخل رجل طويل موخوط الشعر، وانحط على مقعد قريب منهما، فهمست ميمى فى أذنه: ~~«هذا الرجل يتبعنى». # فسألها بصوت خفيض، ومن غير أن يحول وجهه إليها: «من هو؟» قالت: «هو الجار الذى حدثتك ~~عنه». # وكانت قد حدثته مرة من قبل، أن بين أسرتها، وأسرة هذا الجار المراقب، معرفة وتزوارا. ~~فحدث مرة أن لقيها وهى عائدة من المدرسة، فقال لها إنه يود أن تكون زوجته، فنهرته ~~وزجرته، وقالت له: «إنك رجل متزوج ولك بنون وحفدة، وإن هذا الكلام منك لا يليق». # فلم يرعو. ولم يغن عنها ما كانت تؤثره معه من الإغلاظ فى القول، وقال لها مرة: «إذا ~~كنت لا تريدين أن تكونى زوجة لى، فلتكونى صاحبتى». فأنذرته أنها ستقص الخبر بحذافيره ~~على زوجته. # وزعم لها، فيما زعم، أنه زار إبراهيم وسأله عنها، وأن إبراهيم ذكرها بخير وأثنى له ~~عليها. وكان هذا كذبا صراحا فما رأى إبراهيم وجهه من قبل. # ودعا إبراهيم ربه وهو يخالس الرجل النظر: «اللهم ارزقنى الدم البارد، وآتنى السكينة ~~والحلم والرزانة». # واعتزم أمرا. فالتفت إلى الرجل وقال له: «ألا تتفضل معنا؟ إن بيننا معرفة وإن كنت لا ~~تدرى..». # فدهش الرجل، ولكنه تحول إلى مقعد أمامهما. # فقال إبراهيم: «أظنك تعرف الانسة ميمى.. فقد حدثتنى عنك وقصت على ما كان منك.. كل ~~شىء.. ولعلك كنت متتبعنا طول الطريق، وها أنت ذا قد ركبت القطار معنا لترى إلى أين هى ~~ذاهبة». # فتلعثم الرجل واضطرب لهذه المفاجأة، ثم وجد لسانه، فزعم أن له بأبيها معرفة، وأن ~~أباها كان أوصاه بها، وأنه استغرب أن تذهب فى طريق حلوان، فما لها أهل أو معارف على هذا ~~الطريق. # فشد عليه إبراهيم ولم يرحمه، ولم يتق أن يسمع الناس، وقال: «وأوصاك أبوها أن تعرض ~~عليها الزواج بغير علمه؟ وأوصاك أن تقترح عليها أن تكون ms122 خليلة لك؟» # فوقف بعد ذلك كل كلام فى حلق الرجل. ومضى إبراهيم بصوت هادئ متزن وبابتسامة متكلفة ~~يقول: «ما دمت تبغى المعرفة، فابق معنا لترى بعينك إلى أين هى ذاهبة، وسترى وتطمئن إن ~~شاء الله، وتكتب إلى أبيها بما يؤيد حسن الظن بك». # ولما بلغوا المعادى، وقف الرجل على الرصيف يعتذر ويطلب الصفح. ثم انتقل إلى الرصيف ~~الآخر ليعود من حيث جاء. # ولم ينقض عجب إبراهيم من جرأة هذا الرجل على مطاردة ميمى، ولا عجب ميمى من هدوء ~~إبراهيم، وأخذه بتلابيب الرجل على هذا النحو. # وكانت وقدة الحر شديدة فمالا إلى روضة مقهى على النيل، وانحدرا إلى شاطئه واتخذا ~~مكانهما فى ظل شجرة وارفة. ونضا إبراهيم سترته، وحل رباط رقبته، وألقاهما على كرسى، ~~واضطجع وهو يقول: «أكثر ما نلبس، للزينة. ولا تكاد تحتمل الزينة، مهما خفت، فى هذا ~~الحر. وأحسب أن لو كان هذا أول لقاء لنا، لكان الأرجح أن أتشدد وأتكلف الصبر على ما ~~أعانى من الضيق والاختناق، رغبة فى حسن رأيك. ولكنك قدمت يا فتاتى، وعرفتنى معرفتى، فلا ~~حاجة بى معك إلى معونة الثياب الأنيقة والهندام الجميل». # فضحكت وقالت: «ليتنى أستطيع أن أصنع كما تصنع، ولكن ما على بدنى هو أقل ما ينبغى ~~للستر فلا حيلة لى إلا الصبر». # قال: «مهلا. مهلا. لو علمت امرأة أن التجرد أفتن، لما عبأت شيئا بالستر والحشمة، ~~والحياء والخفر. لا يا فتاتى، لا تغالطى نفسك فى الحقائق. فليس مطلب المرأة الستر، بل ~~الفتنة والإغراء. ولا تحسبى أن للتقاليد والعادات والآداب أثرا فى هذا. فإنها نتيجة لا ~~سبب. وأنت تتخذين الثياب، وتبدين بها شيئا وتخفين أشياء، لا لأن الآداب والعادات ~~والتقاليد تقضى بذلك، بل لأن المرأة أدركت بفطرتها الذكية أن الثياب زينة، فوق أنها ~~نافعة، وأنها تضاعف جمالها، وتزيد سحرها، وتقوى عوامل الأغراء، ولو أن الأية انقلبت، ~~والقضية انعكست، وكان العرى أجمل، لكانت الآداب والتقاليد والعادات تستنكر الثياب، ~~وتستهجن لبسها، وتقضى بنبذها. أى نعم. المرأة هى التى تقرر لنا آدابنا وعاداتنا لا ~~الرجل». ms123 # قالت: «ما أقوى هذه المرأة.. وهى مع ذلك مغلوبة على أمرها. ومازال الرجل هو القوام ~~عليها». # قال : «نعم هو كذلك. وإنها لضعيفة إذا قيست إلى الرجل، ولكن لها قوتين لا يستخف بهما ~~إلا أبله؟ قوة الحيلة التى أنماها ضعفها البدنى. وقوة الجمال الذى ضمنته «الحياة» ~~واختزلت فيه كل قوتها. فأين وجه العجب إذا كانت المرأة تصوغ للرجل دنياه؟» # وكانا قد طلبا شايا له وعصير ليمون مثلوجا لها، فأقبل الخادم بصينية واسعة فضية ~~اللمعان، وأقبلا عليها يتناولان مما فوقها. وأدنت ميمى قدح الليمون من شفتيها، ثم ردته ~~والتفتت إليه وقالت: «فى نفسى سؤال». # قال: «هاتيه». # قالت: «هل يثقل عليك أن أحشر نفسى فيما لا يعنينى؟» # قال: «إنه لا يعنينى الآن إلا سرورى بوجودك معى، فى هذه البقعة الجميلة، والنيل يجرى ~~تحت أقدامنا والشجرة الوريقة تظللنا». # قالت: «ألم يخطر لك قط أنك مسرف مبذر؟ إن الباعث لى على..». # فقال مقاطعا: «دعى البواعث.. نعم أنا كما قلت، مسرف مبذر. ولكنى لم أفكر فى هذا، ~~لأنى خلقت هكذا، كما لا يفكر الإنسان كيف يمشى أو لماذا يمشى». # قالت: «صحيح أنك كريم سخى اليد ولكن». # فعاد إلى مقاطعتها وقال: «لا تغلطى.. ليس هذا كرما، ولا هو من الكرم فى شىء، وإنما ~~هو التبذير ليس إلا، والفرق كبير بين الأمرين. ولست أجهل قيمة المال، ولست أدعى أنى ~~أحتقره، وأنى لأعرف أن لو كان لى مال لكان لى شأن اخر فى الدنيا بين الناس، تصورى ~~مثلا ما كان خليقا أن يكون لى من مقام، وما كنت جديرا أن أبلغه من المراكز الملحوظة ~~لو كنت ذا مال. وكنت أستطيع مثلا أن أدعو إلى بيتى هؤلاء وأولئك من أصحاب المناصب ~~العالية والجاه العريض، والنفوذ العظيم، وأن أدعى إلى بيوتهم - أو قصورهم - وأن أكون ~~معهم كأنى من أندادهم وأقرانهم، أشهد معهم سباق الخيل وأغشى ما يغشون من أندية وغيرها ~~وأقامر مع من يقامرون، من يدرى حينئذ ماذا كنت خليقا أن أكون؟ أعرف كل هذا، ولا يخفى ~~على شىء منه، ولكنى ms124 لا أتحسر على فوته، ولا يحزننى عجزى عنه لأنه ليس مطلبى فى الحياة، ~~أو همى من دنياى ، ولست أشتهيه، أو أرغب فيه، أو أحس بما يغرينى به. وقد بلغت حيث أريد ~~بفقرى، واستطعت - بذراعى، وبغير مدد من المال والناس - أن أكون حيث أنا، ولست بالقانع، ~~ولكن ما أطمع فيه لا يحوجنى إلى مال، ووسيلتى إليه ما أرجو أن يكون هنا». # ووضع أصبعه على جبينه. # فقالت: «لست أعنى هذا. ولكنى أعنى أنك لا تدخر شيئا لشيخوختك». # قال: «اليوم الذى أعجز فيه عن كسب رزقى بعرق جبينى هو اليوم الذى لن أحتاج بعده إلى ~~مدخر. وليس لى ولد، وإذا كنت تشفقين على تحية فإن أباها بخير وهو يكفلها إذا طال عمره، ~~وقد أفرد لها من ماله ما هو فوق الكفاية، فلماذا أضيق على نفسى وعليها، احتياطا ~~لمستقبل لا داعى للاحتياط له؟» # قالت: «ولكنك قد ترزق الولد». # قال: «صحيح، قد يحدث هذا، ولكنى أرى أنه يكون خيرا لبنى أن يبدأوا حياتهم فقراء.. لا ~~تستغربى. لقد كنت فى حياة أبى، وإذ أنا فى رخاء ورغد، تلميذا بليدا، خائبا، فلما مات ~~وحلت بنا الفاقة، ذهبت البلادة، وتعودت الجلد، واستفدت القدرة على معاناة الحياة، ~~ومغالبة الصعاب، وخوض العباب. كلا، لست أوثر لأبنائى - لو كان لى أبناء - الترف واللين ~~والطراوة، ولحسب كل ولد أن يكفل له والداه الكفاية من التعليم، وخير له بعد ذلك، أن ~~يقذف به فى بحر الحياة المتلاطم». # قالت باسمة: «والفتاة؟» # قال: «والفتاة أيضا، فإن المناعة لا تكتسب بين أربعة جدران، بل بالمعاناة والمكابدة، ~~أم تخشين العاقبة على الفضيلة؟ - وضحك - إن فضيلة معظم فتياتنا هى فضيلة الجدران ~~السميكة، ولهذا لا تكاد الفتاة تزايل ما يحيط بها من الجدران - المادية والمعنوية - حتى ~~تضل، لأنها لا تستطيع، ولا تعرف، كيف تقاوم، كالذى يلبس ثيابا كثيرة كثيفة، فهذه ~~الثياب هى التى تقاوم وتحميه، ويكفى أيسر التعرض لإصابته بالمرض الذى يتقيه، وعلى خلاف ~~ذلك من يعتاد التخفيف، فإن بدنه يحتاج إلى المقاومة فيتعودها ولا يضيره التعرض، كما ~~يضير ms125 الذى يبالغ فى التوقى». # وكان وجهه إلى الماء، وهى جالسة بحيث ترى معظم المقهى، فقالت بلهجة أقرب إلى الخفوت: ~~«لو كنت أسدل على وجهى نقابا كثيفا، لكان خيرا لى الان على الأقل». # فلفته خفوت الصوت، واضطراب النبرة، وقال، وأمال وجهه إليها: «ماذا تعنين؟» # قالت: «صادق، ومعه فتاة». # قال: «آه ... لم يكن هذا فى الحساب.. تبسمى له وادعيه». # ففعلت بجهد. وأقبل صادق يحمل على ذراعه فتاة بارعة الحسن، زاهية الثياب، وعلى رأسها ~~قبعة كبيرة من الخوص. وحياهما إبراهيم كأنما كان على موعد معهما، ولكنه لم يبالغ فى ~~الترحيب حتى لا يخرج إلى التكلف. # وسألته ميمى: «ماذا جاء بك إلى هنا؟» # قال: «لأن هذا المكان، فى مثل هذا الوقت، يكون أحلى من غيره. ففى وسعنا أن ندندن ببعض ~~المنولوجات التى أعددتها للإذاعة. على فكرة.. هذه فتحية.. تلميذتى.. أو إحدى تلميذاتى.. ~~أبرعهن جميعا فى الحقيقة وأحلاهن صوتا.. وهذا.. الأستاذ إبراهيم.. وميمى بنت خالتى.. ~~حدثتك عنها كثيرا. ألا تذكرين؟» # وقال بعضهم لبعض: «تشرفنا». # وقالت فتحية بصوت أجش، استغرب إبراهيم أن يصلح للغناء: «لماذا لم تعلم ميمى ~~منولوجاتك؟» # فتبسمت ميمى متهكمة. وقال صادق: «نسيت أن أقول إنها معلمة. ولا يتسع وقتها لهذا، ولا ~~يليق أيضا بها». # فرفع إبراهيم حاجبيه متعجبا لقلة ذوقه. وقالت ميمى: «المكان خالى تقريبا إلا من ~~الخدم.. وهم بعيدون.. فأسمعونا شيئا». # فقالت فتحية: «لا. ليس هنا ... إنى أستحى». # فقال إبراهيم: «سأغطى وجهى ... أو - إذا كان هذا لا يكفى - سأسد أذنى». # وضحكوا. وقال صادق: «ليس هذا وقته». # وقالت ميمى: «ولكنكما جئتما لهذا. فهل وجودنا ...». # قال: «نعم ... وجودكما يغير كل شىء..». وضحك ثم قال: «لا داعى للعجلة فما استطعت إلى ~~الآن إقناع محطة الإذاعة بقبول مونولوجاتى». # فقال إبراهيم: «إذا كانت فتحية تستحى، فأنت - ولا مؤاخذة - لا تستحى. فلماذا لا ~~تسمعنا شيئا، لنرى أيكما على حق، أنت أو المحطة؟» # فأبى كل الإباء. وقال إن ميمى تسخر منه، وتعد من السخافة أن يحاول أن يكون منولوجست. ~~ولم تنف ميمى أنها تفعل ذلك، ولم تفارقها ابتسامتها، وكانت ms126 كأنها مطبوعة على شفتيها. ~~ولم يفت إبراهيم هذا، وسره ما رأى وأفزعه أيضا؟ سره أن يتبين أن جمودها هذا من الغيرة، ~~حين رأت هذه الفتاة الجميلة وإن كانت قبيحة الصوت، على ذراع صادق. وأفزعه أن تغلبها ~~الغيرة وتجنبها الحكمة. غير أنه رجا أن تظل - كعهده بها - متزنة الأعصاب، وإن كان لم ~~يختبر متانة أعصابها فى موقف تعصف بها فيه عاطفة قوية. وحدث نفسه وهو ينظر إلى صادق أنه ~~لا عجب إذا أحبته ميمى، وخشيته فى آن معا، فإنه شاب قوى وسيم، ونظرته فاحصة نافذة، ~~ومعارف وجهه كلها ناطقة بقوة العزم والجرأة، وفى خفة حركته وخبث نظرته ما يريب ويقلق ~~ولا شك، ولكنه ليس على هذا بشرير. وإن كان ما عامله به أهله قد جعله ينطوى للناس على ~~المقت والرغبة فى الأذى، وأغراه بالاندفاع والتهور دون الاعتدال أو محاولة اكتساب حسن ~~الظن به وطيب الرأى فيه. وقال لنفسه وهو يدير هذه المعانى فى صدره إنه لم يخطئ حين حض ~~ميمى على إيلائه الثقة وإيثار الحسنى معه، وتشجيعه، بدلا من الزراية عليه. # وصفق، فجاء الخادم، وقال صادق: «إذا سمحت يا أستاذ فإنى أفضل أن أشرب قليلا من ~~البيرة». # فقال: «والله إنه لرأى، فإنها فى هذا الحر أوفق، فما قولك يا ميمى؟» # فالتفتت، وقد تنبهت على صوته، وسألته: «إيه؟» # فلم يعد السؤال، وقال للخادم: «زجاجتان من البيرة، وأربعة أقداح يا مولانا ~~بسرعة». # فاعترضت ميمى، فقال: «هذه مناسبة طيبة.. أعنى اجتماعنا بصادق وفتحية فى هذا المكان ~~الجميل». # واغتنم الفرصة، التفت إلى صادق وقال: «سمعت منك أنك تظن أن ميمى تسخر منك.. فاسمح لى ~~أن أقول إنك لا تعرف ميمى إذا كنت تظن هذا.. إنها الوحيدة المعنية بأمرك ومستقبلك ~~والراغبة فى أن تراك - كما تريد أن تكون - شيئا مذكورا. وهى لا ترغب فى هذا فقط بل ~~تثق بك، ولا يخالجها شك فى أن لك مواهب عظيمة تستطيع أن تشق بها طريقك فى الحياة. وإذا ~~كانت تكتمك هذا فلأنها امرأة، أعنى أنها تحبك، وتتعجل صلاحك، وتسخطها ms127 الحاجة إلى الصبر ~~فتبدى خلاف ما تضمر. أليس كذلك يا ميمى؟» # فلم تدر ميمى ماذا تقول، واستغربت أن يحرجها على مسمع ومرأى من هذه الفتاة، وشعرت ~~بموجة من الأشمئزاز، وكادت - على خلاف عادتها - تقطب لولا أن أنقذها الخادم، فقالت: ~~«سأصب لكم البيرة، ولكنى أرجو أن تعفونى». # فأصر أن تشرب، وملأ لها كوبها، فأذعنت. وارتفعت الأكواب إلى الشفاه وحسا كل واحد ~~حسوة، إلا ميمى، فقد راحت تعب فى الكوب حتى أتت على ما فيه، ثم حطته فارغا إلا من ~~الرغوة، وتنهدت كأنما انحط عن صدرها حجر. # فقال إبراهيم وهو يضحك: «لم أكن أعرف أنك سكيرة يا ميمى». # وألقى إليه صادق نظرة استفسار فقال: «حقيقة لا أعرفها تشرب شيئا، وأخشى أن أكون قد ~~أخطأت بإثقالى عليها بالإلحاح. ولكن لا بأس، فما فى البيرة ضير». # وكانت ميمى تسمع وكأن الأمر لا يعنيها، ولم يسعها إلا أن تتعجب - فى سرها - له مرة ~~أخرى. لماذا كذب؟ وليست هذه شيمته، فقد شاربته غير مرة، ولم تكثر ولم تفرط، ولكنها ~~شاربته البيرة والنبيذ ليس إلا. وغاظها منه أن بسلوكه هذا يرمى إلى ما لا تعرف أو ~~تتبين، ونفت فيما بينها وبين نفسها أنه يريد أن يصقلها فى عين صادق، فإن صادقا لا ~~يصرفه عنها، بل قد يزيد إقباله عليها وطمعه فيها، أنها تشرب قليلا من البيرة من حين ~~إلى حين. # وخطر لها أن لعله يقول هذا لتسمعه فتحية، على حد قول المثل «وإياك أعنى يا جارة». ~~وودت فى هذه اللحظة لو خلت دقائق - دقائق فقط - بإبراهيم، فتسأله رأيه فى صادق وفتحية. ~~ومن أدراها أنه لا يعرف فتيات أخريات غير فتحية، يخرج معهن فى سيارته الفخمة إلى ~~المتنزهات الخلوية ليدربهن على المشاركة فى إلقاء منولوجاته.. منولوجاته حقا؟ أهذه ~~وسيلته إلى الفتيات؟ لا عجب إذن إذا كان لم يبلغ سؤله منها هى، فما تعبأ شيئا ~~بمونولوجاته السخيفة، وإنها لتحتقرها، وتحتقره أيضا. وهذا هو الفتى الذى يتعقبها، ~~ويطاردها بحبه المزعوم ويطمع أن تجاوبه، وتبادله حبا بحب. منولوجست.. يعوج طربوشه وفمه ms128 ~~وساقيه ويروح يتحرك حركات مضحكة وينطق بهراء، أو يلبس جلابية حمراء مخططة، وعلى وسطه ~~حزام من حبل وقدماه حافيتان، لأن المنولوج قد يقتضى هذا المنظر (البلدى) أو يلبس ~~(طرطورا) ويصبغ وجهه ... هذا هو صادق.. فليقنع بفتحية وأمثالها. # ونهضت، وراحت تتمشى على الشاطئ بخطوات بطيئة، وهم صادق أن يتبعها، فرده إبراهيم، ورمى ~~إليه نظرة فهمها صادق فهز رأسه وابتسم، وخف هو إليها، فلما صار إلى جانبها قال: «ليست ~~هذه ميمى التى أعرفها». # قالت وهى تنظر إليه: «نعم ولا أنت الذى أعرفك». # قال: «أسمعينى رأيك الجديد فى العبد لله». # قالت: «لا تمزح ... لماذا كذبت؟» # قال: «لأن ما تفعلينه وأنت معى وحدى، لا أرى من حقى أن أدع لسانى يثرثر ويلغط ~~به». # قالت: «لم يسألك أحد حتى تحتاج إلى الكتمان». # قال: «سؤال الحال أبلغ يا فتاتى.. يراك تشربين البيرة.. بطبيعة الحال وبغير تردد، ~~كأنما تفعلين ذلك منذ نعومة أظفارك فماذا يظن بك وبى؟» # قالت: «وماذا يعنينى من ظنه بى؟ بل ماذا يدعونى إلى كتمان علاقتى بك؟ ماذا يمنعنى أن ~~أصارحه بهذا؟ ما شأنه هو؟ أى حق له على؟ وسأصارحه وأحسم هذا الأمر الذى طال». # قال: «هل ساءك منه أن معه هذه الفتاة؟ كونى أوسع صدرا وأرحب أفقا». # قالت: «ولماذا يسوءنى؟ وما شأنى إذا كان معه ألف فتاة؟ إنه حر وأنا أيضا ~~حرة». # فلم ير أن الموقف يسمح بطول الحديث وقال: «طبعا. طبعا. والآن أرينا هذه الابتسامة ~~التى احتجبت عنا اليوم. أرينيها، وأرى صادقا أيضا، هاتى». # فأدركت مراده، وغالبت نفسها حتى استطاعت أن تبتسم. # فقال: «هذا أحسن.. ولا تبخلى على.. علينا جميعا.. بحلاوتها وفتنتها حين نعود إليهما. ~~أريد أن أرى ميمى - اليوم على الخصوص - كما أعرفها.. تماما». # فهزت له رأسها هزة خفيفة، وألقت إليه نظرة شكر. فقال وهو يعود بها: «والآن. من الان ~~سنكون ضيوفك، فأذيقينا كرمك، واحتقبى شكرنا وشكر العبد لله خاصة، وثقى أنك ستحمدين ما ~~أكلفك». # قالت: «هذا يقينى. وأنت تعرف ثقتى بك». # ورأى صادق بشرها، وتطلق وجهها، فتعجب لسلطان إبراهيم عليها، ms129 وود لو كان له مثله، وشعر ~~بالغيرة تدب فى نفسه. # 8 # وانحدرت الشمس. فخرجت الدنيا من الحر، وطاب الوقت، واعتدل الجو وطالت الجلسة على ~~النهر، وانشرحت الصدور. ولم يعد إبراهيم يلمح ما كاد يعكر الصفو قبل ساعة. وسره من ميمى ~~أنها قدرت على مغالبة نفسها وارتدت إلى السجاحة والبشاشة، وحسن الإيناس. وأعجبه من صادق ~~أنه يتكلم بسهولة، ولا يبدو عليه تكلف، أو تحرز، كأنما لا يعنيه من ميمى شىء. أما فتحية ~~فكانت معظم الوقت صامتة وكان هذا خير ما يمكن أن تصنع فى رأى إبراهيم، فقد كان يشعر، ~~حين تتكلم، أن صوتها يجرح أذنه، أو يصك سمعه بمثل الحجارة. # وآن أن ينصرفوا. وكان صادق يود لو لبثوا ساعة أخرى، ولكن ميمى ألقت إليه نظرة رقيقة ~~فيها من الأسف والتوسل والاعتذار معان، وقالت: «أنت تعرف خالتك»، فهز رأسه وهو مطرق، ثم ~~التفت إلى إبراهيم وقال: «لا داعى لركوب القطار فإن معى السيارة. والطريق جميل». # فقال إبراهيم: «ونرمى فلوسنا؟» وأخرج من جيبه التذكرتين. # ووقفوا أمام السيارة. ودار إبراهيم حولها معجبا بها، متمنيا لو كان له مثلها، فعرض ~~عليه صادق أن يتولى عنه قيادتها فأبى وقال: «لا يا سيدى، فإنى أخشى أن أتلفها، ثم إنى، ~~إذا قدت هذه، لا أحسبنى أرضى بعدها عن سيارتى الحقيرة. فاصنع معروفا ودعنى قانعا بما ~~أملك». # وخيل إلى صادق أنه يبالغ فى إعجابه بالسيارة، والغض من سيارته هو لأمر ما، فقال - لا ~~يدرى لماذا -: «إنها سيارة الوالد المحترم، ولم أشترها أنا بمال لى». # ولم يسر ميمى أن تسمع عبارة (الوالد المحترم)، فقد أذكرتها بما كان من أمره معها فى ~~طريق الإسكندرية، وهى تجربة لا تمحى ذكراها ولا تحمد، لشدة ما يختلط فيها الحلو بالمر، ~~والأمل بالخوف، والوهم بالحقيقة. # وسمعت إبراهيم يقول، وهو يفتح الباب ويشير إليها أن تركب: «أحسب أن بلادنا هى الوحيدة ~~التى يجتمع فيها هذا العدد الضخم من السيارات الفخمة من كل طراز أوروبى وأمريكى. أو لعل ~~الأصح أن أقول بلادنا ونظائرها من البلدان التى لا ms130 تصنع السيارات، وإنما تقتنيها. ولا ~~أعد هذا مظهر غنى، أو اية رخاء، وانما هو عندى مظهر غفلة، أوآية تخلف. والمثل العامى ~~يقول (رزق العبط على المجانين) ونحن الأمم المتخلفة فى ركب الحضارة العالمية، المجانين ~~الذين تجد أوروبا وأمريكا رزقهما عندهم». # واتخذ صادق مقعد القيادة، وإلى يمينه تلميذته. واحتل إبراهيم وميمى المقعد الخلفى. ~~ودارت السيارة، ومضت على مهل. وكان القمر فى ليلة السواء، والطريق على جانبيه الشجر، ~~وجله وريق منتشر الأغصان، ملتبس بعضها ببعض فوق الرءوس، والقليل منه أمرد انجرد من ~~الورق، والأرض دنانير رقاصة. # وكان صادق متمهلا، ولكن إبراهيم مع ذلك لا يطمئن. وكان لا ينفك يدفع قدميه كأنما ~~يحاول أن (يربط)، وتلك آفة من يحسنون قيادة السيارات حين يتولى غيرهم قيادها. وأكثر من ~~يفعلون ذلك من ذوى المزاج العصبى. وكانت عين إبراهيم على الطريق لا تتحول عنه. وكان لا ~~يفتأ يحرك رأسه يمنة ويسرة ليستبين فلم يكن باله، من أجل ذلك، إلى جارته. ولا كان ~~يستطيع الكلام أو الإصغاء. بل ما كان ينعم بجمال الطريق وسحره فى هذه الليلة المقمرة ~~الساجية لفرط اشتغاله بالطريق وما يصنع صادق. على أنه على قلقه كان يتقى أن ينبه صادقا ~~أو يحذره، مخافة أن يحدث له اضطرابا، فإن كثيرين يرتبكون إذا صحت بهم فجأة. وكان شر ما ~~يزعجه أن الحقول على يمين الطريق أوطأ وأدنى، فهو يخاف أن تنقلب السيارة، ويود لو توسط ~~صادق ونأى عن الحافة. ولم تكن كثرة الشجر تطمئنه وتنفى ما يحاذر من الانقلاب، فإن ~~المسافة ما بين الشجرة والشجرة غير قصيرة. # ولكنهم بلغوا مصر القديمة فى سلام ومن غير أن يقع لهم حادث. وكان حق إبراهيم أن يتشهد ~~ولكنه لم يفعل. وقال لنفسه إن شوارع المدينة غاصة بالترام والمركبات والسيارات، والناس ~~الذين يسيرون وكأنهم يتنزهون فى حدائق بيوتهم. وهم مرات أن يستأذن ويركب الترام، فإنه ~~آمن فيما كان يحس، غير أنه استحى وطال تردده فضاعت الفرصة. # وصاروا فى ميدان الإسماعيلية. ولم يكن نظام المرور فى ذلك الوقت وافيا بالحاجة ms131 بل لم ~~يكن ثم نظام ما، فكان كل سائق يمضى على هواه، إلى حيث يشاء وهو آمن أو مجازف. وكاد ~~إبراهيم، والسيارة تقتحم هذا الميدان المضطرب، يثب من السيارة إلى الأرض من فرط الجزع، ~~ولكن صادقا كان حاذقا فمر كالسهم، بسلام، من بين قطارى ترام، فاضطجع إبراهيم، ومسح ~~العرق المتصبب بكفه، ونظرت إليه ميمى فأدركت ما به وقالت بابتسام: «خائف؟» # قال: «بل ميت من الخوف.. مت مائة مرة وسأموت مائة مرة أخرى إذا لم أنزل». # قالت: «لا تخف وثق بصادق..» وضحكت: «غريب أن أدعوك أنا إلى الثقة به وأنت الذى تلح ~~على بذلك». # قال: «هذا شىء آخر، مختلف جدا». # قالت: «على كل حال قربنا، أعنى أن فى وسعك إذا شئت أن تتركنا عند شارع فؤاد». # قال: «يؤسفنى أن أقول إن هذه ستكون أسعد لحظة». # ولكن صادقا أبى أن يدعه، وأصر على أن يبلغه بيته بعد الفتاتين، - فضحكت ميمى وقالت: ~~«هذا امتحانك، فأرنا إرادتك القوية». # فتنهد وقال: «لا إرادة ولا شبهها.. الأمر لله، ثم لهذا المجنون». # قالت: «ولكنه ليس مجنونا.. إنه متمهل جدا، ومحاذر جدا». # قال: «محاذر؟ ألا ترين كيف يمرق بين السيارات كأنه بسكليت؟» # قالت: «هل تريد أن يقف حتى يخلو له الشارع من كل راكب وراجل؟» # قال: «تركت لك البيعة». # وفى هذه اللحظة، وقبل أن يتم ما كان ينوى أن يقول، وقعت الحادثة! ولا يدرى أحد كيف ~~وقعت، أو كيف تعذر اتقاؤها. وكان صادق فى هذه اللحظة يقطع شارع فؤاد وهو مقبل من شارع ~~سليمان باشا، ويحاول أن ينثنى متجها إلى اليسار فرأى على ما يقول، موتوسيكلا مقبلا ~~بسرعة من اليمين فخشى أن يصطدما فمال ميلا شديدا إلى اليسار ليفسح له، فاصطدم بالترام ~~الواقف فى محطته، ولم يصب أحد بسوء يستحق الذكر، ولكن السيارة تحطم مصباحها الأيسر، ~~وانطبق جناحها على العجلة، فوجب رفعه عنها ليتسنى لها أن تدور، أما الترام فلم ينله ~~أذى. # وأقبل الخلق من كل صوب وتزاحم الرجال والغلمان وعلت الأصوات واختلطت الصيحات وعظمت ~~الضجة، وأقبل شرطى ms132 يسأل عن الخبر، وينحى أهل الفضول عن طريقه. وكان صادق قد نزل، وألقى ~~على السيارة نظرة، والترام أخرى ، فلما جاء الشرطى تقدم إليه وقال: ~~«اسمع، لا أستطيع أن أجيئك بالمسئول الحقيقى، ولكنك ترى أن سيارتى هى التى ~~تحطمت، وأن الترام ليس به شىء، ومن حسن الحظ أننا نجونا ولم يحق بنا مكروه، فهل ~~لك أن تتفضل وتصرف هؤلاء الناس وتدعنى أمضى فى سبيلى؟» # قال الشرطى: «لا بد من المعاينة وكتابة المحضر». # قال: «معاينة لماذا؟ ومحضر لأى شىء؟ سيارتى هى التى تلفت، وبفعلى أنا، والترام بخير، ~~وأنا أعلن هذا على مسمع من ألف واحد يستطيعون أن يكونوا شهودا لك وللترام، وعلى، فاصنع ~~معروفا ودعنى، فما بأحد أية حاجة إلى معاينة أو محضر». # وبدا على الشرطى التردد، وانقسم الجمهور فريقين، واحدا يريد التطويل لتطول متعته، ~~وآخر يحمد من صادق أنه لا يكابر، ويعجبه منه إقراره بالحق وأنه يشهد على نفسه. ونظر ~~الشرطى إلى سائق الترام فقال هذا: «إذا كان الأفندى يريد أن يصرف الحكاية، فلا مانع ~~عندى ولكن خذ رقمه واسمه ودون اعترافه، حتى لا يعود فيدعى علينا زورا أننا كسرنا ~~سيارته». # فقال صادق: «هذا عدل». وأخرج بطاقة كتب عليها إقراره، ودون الساعة والدقيقة ورقم ~~السيارة، ومد يده بها إلى الشرطى، فقدمها هذا إلى السائق. # ولم يستغرق هذا كله سوى دقائق عشر، وكانت هذه أعجوبة، ثم عادت السيارة فانطلقت فى ~~طريقها، وإبراهيم معجب بحزم صادق، وما أظهر من رجولة وقدرة على الحسم السريع، وحمد له ~~تعجيله بإخراجهم من هذه «الزفة»، وحدث نفسه أنه لم يخطئ حين قال لميمى إن صادقا ذو ~~مواهب قد تكون معطلة ولكنها موجودة، وإن كانت كامنة، ولو أتيح لها مجال أو فرصة ~~لظهرت. # وخطر له وهو مضطجع أنه لا يستغرب أن يحدث هذا فى اليوم الثالث عشر، وحمد الله على ~~اللطف فى قضائه. # ولاحظ إبراهيم أن صادقا مالك لأعصابه على الرغم من رجة الحادث، وأن عقله حاضر غير ~~غائب، ولم يفته أنه ذهب بفتحية إلى بيتها، قبل غيرها، ms133 فنزلت أول من نزل، ثم عاد فعرج ~~على بيت ميمى، وهنا ألح إبراهيم فى الاستئذان إشفاقا على صادق ، وإيثارا لراحته - هكذا ~~زعم - ولكن صادقا ظل على إصراره، ووقف الرجلان أمام البيت يتجادلان، فقالت لهما ميمى: ~~«الأولى أن تدخلا إذن». # فقال إبراهيم: «كلا اصعدى أنت واستريحى، ولا حاجة إلى جدل فإنى ذاهب». # ورأى صادق صحة العزم فى صوته ووجهه فأقصر آسفا. # وكان الذى دعا إبراهيم إلى الإصرار على ترك صادق، أنه خاف عاقبة اصطحابه والتقائه ~~بتحية، فما يستطيع، ولا يليق، أن يكلفه رحلة طويلة ثم يصرفه من الباب بكلمة شكر فارغة. ~~ولا بد أن تساله تحية عما حدثها به زوجها من أنه - أى صادق - يوشك أن يتزوج ميمى، ~~والنساء ثرثارات، وليس أحب إليهن من اللغط بقصص الزواج والشروع فيه. وقد يحدثها صادق عن ~~الحادثة، وعن جلسة المعادى، ولا يبعد أن يروى الأمر على وجهه الصحيح وأن يتحرى الدقة، ~~فيذكر أنه وجدهما معا فماذا عسى أن تظن زوجته إذا علمت أنه يتواعد مع ميمى، ويلقاها ~~ويذهب بها إلى هنا وههنا ولا يخبرها بشىء من ذلك؟ إن هذه تكون صدمة جديدة تردها إلى ~~الوجوم القديم، وتقوى سوء ظنها به، وقد تدفعها إلى اليأس منه، أو من قدرتها على ~~الاحتفاظ به، وليس مما يقوى على احتماله أن يعانى هذه المحنة مرة أخرى، وأن يفقد ثقة ~~تحية وحبها على الأرجح، وسيفقد ميمى يوم تعرف ما تبطن لصادق من الحب، فإذا ترك صادقا ~~يصاحبه فإنه خليق أن يفقد المرأتين جميعا. وهب صادقا لم يقل شيئا، وتحية لم تسأله عن ~~شىء، فإنه حقيق أن يبدو بينهما مرتبكا مضطربا، فيثير الوساوس أو الشكوك فى نفس تحية، ~~فالخير كل الخير، أن يبقى هذا الشاب حيث يشاء إلا معه، وأن يلقى من شاء غير تحية، على ~~الأقل إلى حين. # 9 # وفى تلك الليلة خلا اثنان بنفسيهما، أستاذ وتلميذته، كل على حدة. # فأما التلميذة فميمى. ذهب بها صادق إلى بيتها، وصعد معها فتركته مع أمها ريثما تغير ~~ثيابها وتصلح من شأنها، ms134 ولكنها لم تغيرها ولا كانت بها حاجة إلى ذلك. وإنما قعدت على ~~كرسى بين السرير والمرآة وقالت لنفسها: «لست أستطيع أن أجرد من نفسى شخصا ثانيا - كما ~~يصنع إبراهيم - ولكنى أستطيع أن انظر إلى خيالى فى المرآة». # وأقبلت على الخيال البادى فى صقال المرآة تتأمله، وتميل وجهها يمنة ويسرة وتسوى ~~شعرها ببنانها، وأخرجت (الأحمر) فمرت به مرا خفيفا على شفتها السفلى ثم أطبقت العليا ~~عليها، وتبسمت إذ تذكرت أن إبراهيم كان إذا بلغ بها مأمنا أشار إلى ثغرها، فتخرج ~~منديلا وتبله بريقها، بطرف لسانها، وتمسح هذا الأحمر الذى لا يطيقه إبراهيم، وإن كان ~~يغضى عنه فى الطريق، ولا يأبى عليها زينته وهى غادية أو رائحة. وتساءلت ميمى أتراه يخشى ~~أن يبقى بفمه أثر منه؟ ونفت ذلك. وقالت إن تحية لا تصبغ شفتيها بهذا الأحمر، ولا تمسح ~~وجههابالمساحيق، بل ليس فى بيتها شىء من هذا. # وعكفت على إصلاح هندامها وهى تحدث نفسهما أن إبراهيم ينطوى لتحية على حب عميق متغلغل ~~فى شعاب نفسه، إلا أنه ساكن لا يثور ولا يفور، وأنه لم يرفعها - هى - هذا المقام فبقيت ~~فى منزلة الصديقة ليس إلا. نعم أقطعها من نفسه مكانا كريما، ولكنه أبى أن يجاوز هذا ~~الحد الذى خطه من أول يوم، وأولاها وده وعطفه، وآثرها على غيرها - وكان لها أبا وأخا ~~وصاحبا - غير أنه فى سنوات طويلات المدد لم يجر لسانه - ولا مرة واحدة - بذكر الحب، ~~ولم يقل لها قط إنه يحبها، وزجرها مرارا عن اللغط بهذا اللفظ. حتى فى اللحظات القصار ~~التى يسهل فيها، من فرط النشوة، وطيب المتعة، أن تنتزع العاطفة اللجام وتنطلق به جامحة، ~~كان الزمام لا يفلت من أصابعه، والرشد لا يخرج من كفيه، والعقل لا يفقد سلطانه وسيطرته، ~~واللسان لا يجرى إلا بقدر. # وتذكرت كيف أنه كاد مرة ينسى نفسه، ويعدو ما خط ورسم، فقد رق حتى قارب أن يذوب، ثم ~~هاجه لما به ما لا تدرى، فانتفض وانقض عليها يطوقها، ويعصرها، ويهصرها، كأنما يريد أن ~~يشق بها ms135 ضلوعه إلى قلبه وهى تلين له فى العناق، وتئن من طيب ما تجد وألمه، ويلثم فاها ~~ووجنتيها وعينيها، وجبينها ، وشعرها - ويشمه أيضا - ويدفع راحتيه متحسسا، ويملأ قبضته ~~بلحمها كأنما يريد أن يقتطع منه، وهى مدار بها كالمسحورة أو المخمورة من دهشة المفاجأة ~~وسرعة التحول من اللين إلى العنف، وحلاوة الأخذ بقوة، ولسع الرغبة المضطرمة، وتود لو ~~مضى إلى ما يشاء من مدى، وتشفق أن لا يفعل، وترجو أن يطول أمد النشوة. وإذا به يدفعها ~~عنه فجأة، كما جذبها فجأة، وينأى عنها وصدره كالخضم مضطرب، ويقول بجهد واضح: «كلا. ما ~~ينبغى هذا فلست لى، ولا أنا لك، وسنندم - كلانا - إذا لم نرشد». # ومر أمام عينها - كشريط السينما، ولكن كخطف البرق - كل ما كان بينها وبينه، ولم يسعها ~~إلا أن تعترف بأنه أمتعها ولم يحرمها، كما قال لها مرة وهو يضحك: «إلا استيفاءات يتم ~~بها (المحضر)، ولا يعد ناقصا بغيرها على حد تعبير الشرطة». # ونهضت ودارت أمام المرآة، وتأملت قدها من الجانبين، ومن خلف ومن قدام، وحدثت نفسها ~~أنها هى أيضا أمتعته. ولم تقل ذلك على سبيل المن، بل إعجابا بحسنها، فما كان يخفى ~~عليها - ولا كانت فى هذه اللحظة تنكر - أنه كان أسهل شىء على إبراهيم أن ينال منها كل ~~منال. فما كانت تشعر، إذ تكون معه أن لها إرادة غير ما يريد، وكانت ربما اشتهت أن يرخى ~~أصابعه ويدع اللجام يفلت من بينها. ولكن وطأة هذه الرغبة لم تكن تثقل عليها أو تلج بها. ~~وكانت تحس - ويخيل إليها - أنها ما تمنت ذلك أحيانا إلا من أجله، ولتهبه من السعادة كل ~~ما لعله يحلم به. وكان يطيب لها أن تغالط نفسها على هذا النحو، وأن تتصور أنها مصدر ~~سعادة له، وأن عندها ذخائر من الاستمتاع بحسنها فوق ما فاز به ونعم. وكانت ربما تعجبت ~~لزهادته وقناعته، وخشيت أن يكون ذلك مرده إلى نقص فى فتنتها وقوة جذبها عن حد الكفاية. ~~فلولا صراحة إعجابه بها، وخوفه عليها، وضنه بها، لعذبها هذا الشك ms136 الذى كانت وساوسه تهجس ~~فى خاطرها كلما أقصر. # وألفت نفسها تكبر منه، وتحمد له، أنه أكرمها، ووقاها ما كان غيره خليقا أن يجرها ~~إليه، وصانها عن الشعور بالابتذال. ولقد قتر عليها، ولم يعاطها الحب إلا بقدر يكفى أن ~~يعفيها من عذاب الالتياح وإن كان لا يبلغ أن يكون ارتواء. ولكنه قتر على نفسه أيضا، ~~وتجشم فى ذلك ما لم تتجشمه هى، فقد كان الزمام فى يديه، والمجهود كله مجهوده، فإن شاء ~~أخب وأوضع وإن شاء تمهل وترفق، فأبى إلا التحرز. # وأحست أن نفسها تفيض بالشكران له على ما توخى من تجنيبها الامتهان، ولو كان أزال ما ~~يجب أن يصان، لما وسعها أن تلقى صادقا بما لقيته وتلقاه به. # صادق ... # وأدارت اسمه على لسانها كأنما تريد لتتذوقه.. فأحست بمثل النار تندلع فى صدرها، وتتقد ~~علوا وسفلا، فرفعت يدها إلى وجهها تتحسسه وتجسه، فوجدت بردا، ولم تجد حرا، وحدثت ~~نفسها ساخرة أن هذا لنعم القريب المحب العاشق.. توليه الثقة التى لا يستحقها، عملا ~~بمشورة إبراهيم وتؤثر معه الحسنى، وتبدى له صفحة الود، لتتألفه وتغريه بأن يكون شيئا، ~~فينقلب وحشا يستدرجها إلى مهمة قفر ليفتك بها زاعما أن هذا من الحب! وهو مع ذلك ~~قريبها، ومن لحمها ودمها، فكان حقه أن يصونها ويعف كما عف عنها إبراهيم وليس من نسبها، ~~فإذا كان يهم بها هذا الهم، ولا تمنعه قرابة الدم أن يحاول اغتصابها، فماذا تراه يصنع ~~باللواتى لا تصله بهن صلة رحم كفتحية مثلا؟ تلميذته التى ترى له عليها حق ~~الأمر. # ومطت شفتيها لما ذكرت فتحية. ولم تنكر أن لها جمالا ولكنها أنكرت أن صوتها يطاق، ~~وشبهته بصوت زمارة ينفخ فيها من لا يحسن الزمر. وليست هذه بالتلميذة الوحيدة ... وكل همه ~~أن يكون مونولوجست.. بففف! وإن أباه لفى سعة، ولكن لا هو ولا أبوه يخطر لهما أن يصنعا ~~شيئا يعالجان به هذه البطالة المزرية. هى فتاة تكسب رزقها بعرق جبينها، وهو فتى لا ~~يستنكف أن يعيش حميلة على ذويه، وهذا هو الذى يطمع ms137 فى، ويحلم بأن أكون له زوجة. # ومع ذلك أحست أن قلبها يرق له. وإنه لجدير بكل ما صبت على رأسه من نعوت ولكنها لا ~~تحفل ذلك كثيرا وإن كان يمضها ويرمضها. أليس من رحمها وإن كان عاطلا؟ وإن الفتيات ~~ليحمن ويلبن عليه كالذباب.. أى نعم كالذباب. فما هى بخير منه ولا أطهر.. فلا بد أن له ~~مزية.. فتنة.. جذبا.. وإلا لما قدر على ذلك. # واعترفت أن له جذبا. ولكنه يخيفها ويفزعها. أما لو لا ذلك، لولا خشيته لأمكن أن.. ~~ماذا؟ أترى إبراهيم قد صدق، وصحت فراسته حين قال لها إنها تحبه فى قرارة نفسها وهى لا ~~تدرى؟ نعم تنطوى له على الود والعطف والأسف لما هو فيه. ولكن.. كيف تحبه وهو عاطل؟ وكيف ~~تأمنه وتطمئن إليه وهو لا ينفك يحمل على ذراعه فتحية ونظائرها ولا يشعر بارتباك أو خجل ~~حين تلقاهما معا؟؟ # وذهبت تقطع الغرفة جيئة وذهوبا، ثم انحطت على الكرسى وقد أحست أنها تعبت. وتجمعت ~~العبرات فى مدمعها وحلقها، وجاهدت أن تردها، ولكنها ارفضت فتركتها تقطر على خديها، أو ~~تنهمل، ولم يكن يسمع لها بكاء. ولكن صادقا كان قد استبطأها، فدخل عليها - كالثعلب - ~~فالفاها هكذا جالسة، ورأسها مثنى على صدرها، والدموع تتسايل على وجهها، وتقطر على كفيها ~~فى حجرها، فخطا إليها بسرعة وجثا أمامها وراح يلثم راحتيها باطنا وظاهرا، ثم رفع ~~رأسها وجفف لها دموعها بمنديل، ثم ضمها إليه حانيا عليها، مريحا خده على ~~شعرها. # فتنهدت وهمست: «صادق». # قال: «نعم يا ميمى». # قالت: «تعدنى! ...». # قال: «إنما لك الأمر وعلى الطاعة». # قالت: «وتترك المونولوجات ... وفتحية وغيرها؟» # قال: «كل ما لا يرضيك لا أفعله». # قالت: «و.. و.. ولكنك عاطل ...». # قالتها بعد تردد وتلعثم وتشجع، ولم تقذف بها فى وجهه. # فقال: «من الغد أحاول جادا أن أغير هذا». # فاستدارت شفتاها لشفتيه. # وتحاجزا، فقال صادق: «أشكرك يا ميمى». # قالت: «بل اشكر إبراهيم، هو الذى فتح لى عينى.. أو علمنى حبك.. لا أدرى». # قال: «ما أغربه». # ولم يزد. # 10 # وأما الأستاذ إبراهيم. # دخل كالصاروخ، ms138 وكانت تحية تنتظره، وفى يدها كومة من ورق اللعب تلقيه متجاورا على ~~المنضدة فى صفوف متتالية، وتتبين حظها من تقارب ورقات معينة، أو تباعدها، فابتسمت له ~~ابتسامة السرور والترحيب بأوبته وتوقعا لسخره مما هى فيه. ولكنه مضى إلى باب غرفة ~~المكتب وقال وهو يهم بالدخول: «لا تدخلى على حتى أدعوك. وسأدعوك». # ورأت صرامة نظرته وتجهم وجهه، فتحجرت الأبتسامة - لم تغض بل صارت رسما تنقصه الألوان ~~والمعنى - ولم يكن هذا عهدها به إلا حين يكربه هم ثقيل. فقلقت، وارتدت عينها إلى ~~الورقات المتجاورة فنحتها بكلتا يديها، واتكأت بكوعها على المنضدة وأسندت رأسها إلى ~~كفها، وراحت تنتظر قضاء الحظ فيها. # وارتمى إبراهيم على كرسى وهو يقول لنفسه: «إن الأمر جاوز الحد. هذا الجار الذى انشقت ~~عنه الأرض اليوم، وأقبل بتعقبنا، من يدرينى أنه ليس هناك غيره، يرى، ويتتبع، ويستخبر، ~~ويروح يلغط؟ وإذا ألح الرجال على ميمى بالمطاردة فما عسى أن تكون العقبى؟ وتحية؟ تحية ~~التى رددت إلى محياها البشر والتطلق، هل أعود فأعذبها هذا العذاب الغليظ الذى لم أرحها ~~منه إلا بمشقة؟» # وخطر له أن يرجئ البت فى هذه الأمور الإشكال إلى الغد، فإن اليوم هو يوم النحس الثالث ~~عشر.. ثم عاد يقولى: «كلام فارغ.. الأمر أكبر من ذلك وأنا هنا الساعة لأراجع نفسى ~~وأحاسبها وأستقر على رأى لا تردد بعده. وماذا تقول تحية إذا خرجت إليها متحيرا بعد أن ~~وقع فى روعها من كلامى ولهجتى وهيئتى أنى مزمع أمرا له ما بعده؟» # واضطجع وشرع فى الحساب. وخيل إليه، وقد استغرقه ذلك، أن نفسه تتمثل له جالسة قبالته، ~~مضطجعة مثله، وإحدى ساقيها ملتفة بالأخرى. وكبر هذا فى وهمه حتى لقد هم أن يقدم لها ~~سيجارة. # وقال: «إن السؤال الأول - والأولى بالتقديم، والذى يقع على المحز ولا يترك سبيلا إلى ~~المراوغة والهرب - هو: هل أستطيع أن أستغنى عن تحية؟» # فهزت نفسه رأسها بشدة أن: «لا». # قال: «كلا، لا أحسبنى قادرا على ذلك، أو مطيقا له، وما أظن بتحية إلا أنها قد صارت ~~«عادة ms139 لى». # فقالت نفسه: «نعم عادة، ولم لا؟ أى ضير فى هذا؟ إن كل إنسان حزمة من عادات تكبر ~~وتضخم، شيئا فشيئا، على الأيام مع ارتفاع السن، ويحسن أن توطن نفسك على هذا، وليست ~~تحية بالعادة المفردة فإن هذا الحساب العقيم الذى لا تزال تؤديه، وتكلفنى أداءه، وتسود ~~به عيشى معك، عادة أخرى. وأقول الحق إنك أتعبتنى وقد مللت صحبتك، ولو كنت تصدر عن رأيي، ~~وتعمل بمشورتى، ولكنك عنيد مكابر». # قال: «وكيف بالله أصنع وأنت تشيرين بالرأى ونقيضه؟» # فأحست نفسه أنها تهورت، فأقصرت وقالت: «مهلا، فليس هذا وقته، لقد كنا نقول إنه لا ~~غنى عن تحية، وإنها عادة لك، انتهينا إذن». # فقال: «كلا لم ننته، فهل أنا أحبها؟» # قالت: «يا أخى ما قيمة هذا؟ ثم إنك تحبها ولا شك حبا هادئا لا فائرا عارما كما ~~كان فى البداية، ولكل فورة سكون، ولكل جديد لذته ثم تبلى الجدة، وتذهب معها اللذة، ~~كالثياب..». # فثار بها مقاطعا: «قبحك الله، تشبهين تحية بثوب يبلى ويطرح، ويخلع على ~~فقير؟» # قالت: «ها، ألم أقل لك إنك تضمر لها حبا وإكبارا؟» # قال: «دعى هذا. المهم أنه لا غنى بنا عنها ولا طيب للحياة بدونها». # قالت: «ولماذا كل هذا النفور، بل الفزع، من ذكر الحب؟ أتراك أصبحت كمصاصة القصب التى ~~ذهب عصيرها؟ فأنت تنفر مما لم تعد قادرا عليه لأنك جففت ونشفت؟» # قال: «أما إنك لثقيلة، ثم إنك لم تصدقى، فما عجزت عن الحب، ولكن». # قالت مقاطعة: «مع غيرها ... اختش يا شيخ، هبها ملتك كما مللتها وذهبت تنشد التسلى كما ~~تنشده..». # فصاح بها «اخرسى..». # قالت: «إذن أنصفها، ولا تكلفها إلا ما تكلف نفسك، وإلا زهقت روحها إذا ظلت على التصبر ~~والتشدد، ولم تذهب تتعزى وتتلهى مثلك، وعلى فكرة ... إن روحها تكاد تزهق الان من القلق ~~والاضطراب. ما أقل ذوقك معها وأسخف رعايتك لها.. ألا ترى أن الأوفق أن تفض الجلسة وتخرج ~~لترد إليها روحها؟» # قال: «صدقت، وإنى لوحش، فلنعجل، إذن لا معدى عن عمل نعمله؟» # قالت: «طبعا، وإنه لسهل». ms140 # قال: «سهل؟ تقولين سهل؟؟» # قالت: «نعم. إذا كانت علة الفتور أنها لم تستطع أن تجدد نفسها لك فجددها أنت ~~لنفسك ». # قالى: «يبدو لى أن هذا غير معقول ولكن كيف؟» # قالت: لا تكن بليدا. فكر.. اختر لها ثيابها برأيك.. مثلا.. فصلها على قدها على ~~هواك، فلن يسوءها، بل أخلق أن يسرها أنك معنى بها وبتجميلها فى عينك.. غير لها ولك ~~المناظر التى تحيط بكما.. اذهب بها إلى لبنان، ولا تخش ولا تقبل منها اعتراضا، واذكر ~~أنك حفيد أولئك الأجداد الحكماء العمليين من أهل الكهوف والغيران، وأنها هى أيضا حفيدة ~~أولئك الجدات اللواتى كن يفرحن بقوة الرجل وسطوته ويلتذذن طاعتهن له». # قال: «أظنك على صواب، وهذا يذكرنى بقول أبى تمام: # وطول مقام المرء فى الحى مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإنى رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # بل الحياة نفسها إنما كانت لها هذه المحبة لأنها ليست بسرمد، اتفقنا.. وإلى لبنان ~~إذن». # وهم بالنهوض، فأومات إليه أن مهلا، وقالت: «ميمى؟» # قال: «هى عاقلة، تفهم، وتعذر». # قالت: «خير لك أن تكتب إليها، هذا أسهل». # قال: «الحق معك». # ودعا تحية فأقبلت واجفة القلب فابتدرها بقوله: «سنسافر فاستعدى». # فريعت، وتوهمت أن مكروها حاق بأحد من الأهل، ولمح آية الجزع والفزع فى محياها، ~~ووخزته نفسه وهمست فى أذنه: يا شيخ حرام عليك». فتبسم وقال: «إلى الشام». # فوضعت يدها على صدرها وتنهدت، ثم سألته: «الشام؟» # قال: «نعم بأسرع ما نستطيع». قالت: «ولكن الشام؟ هذا.. كلا. ليس الآن». # قال: «ماذا تعنين؟ الشام قلت، وإلى الشام سنذهب». # فهمست نفسه فى أذنه معجبة به راضية عنه: «هكذا يتكلم الرجل ... برافو ...». # قالت: «ولكنك غير فاهم، ليست المسألة أنى لا أريد السفر فإنى أريده وأشتهيه ولكن.. ~~ولكن..». # وتلعثمت واتقد وجهها كالجمرة، وغضت من بصرها، فدنا منها وأحاطها بذراعه وسألها بحنو: ~~«مالك؟» # قالت وهى مطرقة، وشفتها تختلج: «إنى ... إنى ... أنا حامل». # فقال على البديهة، وبغير تفكير، وذهنه متجه إلى الحجة لا إلى الخبر: «كلام فارغ.. ~~أليس فى لبنان حوامل!». ثم ms141 تنبه فصاح بها: «إيه؟ ماذا تقولين؟» # فضحكت ما وسعها أن تضحك، بعد أن أجرت لسانها بما كانت مستحيية كالعذراء من ~~ذكره. # فانحنى عليها وقبلها، وضمها ضما خفيفا. وجلس وأجلسها على حجره، ومسح لها شعرها بكفه ~~وأسندها إلى صدره وقال: «أظن أن أمى يسرها هذا، لو أمكن أن تدرى». # قالت: «فى الصباح نذهب إليها ونخبرها». # قال: «ثم إلى الشام». # قالت: «إذا شئت». # وأغمض عينيه، وذهب يتصور أنه يوشك أن يصبح أبا، وذهل حتى عن تحية على حجره، فغمزته ~~نفسه وهمست: «لا تنس من فرحتك أن تكتب إلى ميمى». # فقال بضجر وصوت عال: «كيف يمكن أن أنسى؟» # فاستغربت تحية وسألته: «تنسى؟ تنسى ماذا؟» # فتنبه، وسخط على «نفسه» التى كادت توقعه فى ورطة، وقال: «لا شىء، أحسبنى كنت أفكر فى ~~هذا.. كل جديد من الأمر يتطلب جديدا من التفكير». # فضحكت ونهضت عن حجره، وقالت وهى تسوى خصل شعرها: «هذا دأبك أبدا.. لا يمكن أن ~~تتغير». # فحدق فى وجهها وقال: «بل أنا أتغير كل ساعة، وقد تغيرت الان منذ لحظة ... فلو ~~أنى..». ~~«ليس فى عينى». # ومالت عليه ولثمته: «ولا فى قلبى». ms142