######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.MinNafidha.Hindawi47374173 #META# Tags: literature #META# ID: 47374173 #META# Title: من النافذة #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # من النافذة‏ # من النافذة‏ # | من النافذة # | من النافذة # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | # بقلم طه حسين # إن الذين عنوا بإنشاء هذه السلسلة ونشرها لم يفكروا إلا في شيء واحد، هو نشر الثقافة ~~من حيث هي ثقافة، لا يريدون إلا أن يقرأ أبناء الشعوب العربية وأن ينتفعوا، وأن تدعوهم ~~هذه القراءة إلى الاستزادة من الثقافة، والطموح إلى حياة عقلية أرقى وأخصب من الحياة ~~العقلية التي نحياها. # | من النافذة # جلست ذات صباح في غرفة صغيرة ذات شباك عريض يطل على الطريق، وهي غرفة أوثرها في ~~أول النهار قبل أن تعلو الشمس ويرفع النهار، صيفا وشتاء، وفي وسعي - وأنا قاعد على ~~الطارقة (الكنبة) - أن أوارب الشباك فأرى ولا أرى. وأظل فيها حتى أدعى إلى الطعام ~~أو يأني أن أنتقل إلى مكتبي أو أخرج إلى عملي. وأكثر ما يطيب لي فيها الجلوس في أيام ~~الإجازات أو البطالة، أو ساعات الكسل والفتور، ومزيتها أنها في ركن قصي من البيت - أو ~~الشقة على الأصح - وإن كانت على الطريق، وأني أكون فيها كالراهب المنقطع في صومعته، سوى ~~أني لا أتعبد إلا بالنظر إلى خلق الله من الفرجة بين مصراعي الشباك الخشبي؛ وتتعدد ~~المناظر تحت عيني، وتتنوع وتتوالى فتعجبني، فلا أشبع من النظر، فلو شئت - أو استطعت ~~- لظللت هكذا جاثيا على ركبتي - فما أستطيع أن أتربع لهيض في إحدى الساقين - إلى آخر ~~العمر، أو إلى أن يردني السغب كخادم ابن الرومي. # وقد أصبحت - لطول مقامي في هذا البيت - أعرف كل من يقف - أو تقف - على رصيف ~~الترام انتظارا لقدومه؛ وبلغ من ذلك أن الأمر يختلط علي أحيانا حين ألقى بعضهم أو ~~بعضهن في الطريق، فأهم بإلقاء التحية، وأرد نفسي بجهد إيثارا للحيطة؛ ولولا أناة ~~اعتدتها، واحتشام رضت نفسي عليه، لما وسعني أن أكبح نفسي عن التطفل بالتحية ~~على قوم يبدون لي من المعارف؛ ولا أبدو لهم إلا غريبا سمجا. # ولست أعرف من هؤلاء وأولئك الذين صاروا إخوانا لي وهم لا يدرون، إلا ما يفيده النظر، ~~على أني وأنا ms01 أراعيهم، وأجعل بالي إلى ثيابهم ومبلغ عنايتهم بها، وما أراه عندهم من ~~ضروبها، وإلى حركاتهم ومشياتهم وطريقتهم في الكلام، وشمائلهم وسكونهم أو ضجرهم إذا أبطأ ~~عليهم الترام، أو حال الزحام بينهم وبين ركوبه، أقول: إني وأنا أراقبهم من حيث لا يشعرون، ~~قد ألفت لكل واحد وواحدة منهم قصة، فلو سألتني من هذا أو هذه لما تلعثمت أو ~~ترددت وأنا أذكر لك اسمه أو اسمها الذي اخترته، وأسرد عليك ما أعرفه - ظنا أو ~~تخيلا - عن حياته أو حياتها. ولست أجد مشقة في تصوير حال كل من هؤلاء، ولكني أجد ~~عسرا شديدا في اختيار الأسماء الموافقة لهم، أو التي توحي وجوههم بها وهيئاتهم، وما ~~يتبدى لي من أحوالهم. وهذا أشق ما أتكلف. وأراني أحتاج أحيانا أن أكتب حروف الهجاء على ~~ورقة، ثم أروح أؤلف منها الأسماء المطلوبة، وقلما أرضى عن اختياري في هذا الباب. وما ~~أكثر ما أنسى ما سميت به هؤلاء، فأكد خاطري وأجهد ذاكرتي فتخونني ولا تسعفني. ~~وأحس كأن هؤلاء ليسوا بأناس حقيقيين، وإنما هم من مخلوقات الخيال، لأنهم لا أسماء لهم ~~أعرفهم بها، أو أطلقها عليهم، والمرء بغير اسم لا يكون في إحساس القلب ونظر العقل أكثر ~~من فرد من جنس، لأنه لا يتميز باسم يستقل به وينفرد، بالغة ما بلغت شخصيته الخاصة من ~~القوة. أفترى الأحرف مجتمعة في اسم لها ... ماذا؟! لا أدري، ولكني أذكر أبياتا للعقاد من ~~قصيدته: «كأس على ذكرى» يقول فيها: # هاتها باسم حبيبي # قاتل الله عداتي # آه لو تعلم ماذا # في اسمه من عزمات # أترى الأحرف فيه # غيرها في الكلمات # تنكر السحر وهذا # بعض أسرار اللغات ~~(وقد حذف الأستاذ العقاد هذا البيت الأخير - ولعله سقط سهوا - حين نشر الأجزاء ~~الأربعة الأولى من ديوانه في مجلد واحد سنة 1928.) # وقد أخذت عيني اليوم فتاة أسميها زكية - لا أدري لماذا - ولكنها تبدو على حال غير ~~حالها المألوف، فإن عهدي بها أنها تلميذة، وقد اعتدت أن أراها في الشتاء الماضي ترتدي ~~زي التلميذات وتحمل حقيبة الكتب، أما اليوم ms02 فإنها تلبس السواد وتحمل في يدها شيئا ~~ملفوفا في جريدة قديمة، فأنا أرجح أن يكون أبوها قد انتقل إلى الدار الأخرى. مسكينة! # وقاتل الله هذه المنايا ورميها حبات القلوب على عمد، أو عفوا، فإن الأمرين سيان. # وقد تركت المدرسة - ولا شك - بعد أن فقدت عائلها، وأصبحت لا قبل لها ~~بنفقات التعلم. ومن يدري؟ ماذا كانت خليقة أن تكون لو كان قد أتيح لها أن تواصل الدرس. ~~ولكن متوجهها أخذ عليها فهي تكف عن التحصيل، ويسوء حال أسرتها - فإن الثوب يبدو ~~رثا - فيدفعها شظف العيش إلى العمل؛ أي: نعم العمل، فإني أراها تصدف عن الترام رقم 3 ~~وتركب الآخر الذي رقمه 33، وهو يذهب إلى إمبابة، وهناك وفي الطريق إلى هذه القرية مصانع ~~شتى، ولا شك أن هذا الشيء الملفف الذي تحمله في يدها تارة، وتضعه تحت إبطها تارة ~~أخرى، رغيف وإدام لغذائها. مسكينة! صارت التلميذة التي كانت في خصب من العيش ولين، والتي ~~كانت تتطلع إلى مستقبل حسن، وتطمع أن تكون معلمة أو طبيبة أو محامية أو غير ~~ذلك، صارت وهمها الآن أن تكسب رزقها بعرق الجبين! أأقول: رزقها؟ كلا! بل رزقها ~~ورزق أخواتها وأمها أيضا على الأرجح، ولعل لها أخا يستعين بالقليل اليسير الذي تكسبه ~~على التعليم، وعسى أن يكون اعتماده عليها بعد الله في كسوة العيد! من كان يظن أن فتاة مصرية ~~في مثل هذه السن الغضة تسد مسد الرجال وتعول أسرة أعسرت بموت أبيها؟! # وكرت بي الذاكرة - وأنا أفكر في هذا - إلى أيام الطلب والتحصيل، وكنت تلميذا في ~~المدرسة الخديوية، وبيتي في حي السيدة زينب وطريقي إلى المدرسة ومنها على درب الجماميز، ~~وكان في الدور الذي يلينا أسرة حسنة الحال - على خلافنا - لها فتاة تتعلم في المدرسة ~~السنية، فكانت تخرج مؤتزرة، ولعل من القراء من يذكر «الحبرة» القديمة اللماعة، والنقاب ~~الأبيض، فهذا كان ما تكتسي به وتستر فوق ثيابها، كأن الثياب لم تكن سترا كافيا! وكان ~~الخادم يخرج معها ويحمل عنها الكتب والكراسات وغيرها من الأدوات، وينتظرها على ms03 باب المدرسة ~~عصرا ليعود بها، فما كان يليق يومئذ أو يجوز في حال ما، أن تسير فتاة ناهد وحدها في ~~الطريق. ثم مات أبوها، ولم يخلف لأسرته غير الدعوات الصالحات أن «يسترها»، فلم تتخلف ~~الفتاة عن المدرسة ولم تنقطع، فقد راحت الأم تبيع حليها وتنفق على بيتها وفتاتها، حتى ~~عطلت، فشرعت تبيع ما بها غنى عنه من أثاث البيت، ورأت أن هذا لا يكفي فاتخذت الخياطة لكسب ~~الرزق وسد الخلة، ولكنها كانت تفعل هذا سرا، فكانت صديقاتها يرسلن إليها الثياب ~~فتفصلها وتخيطها وتردها، ولا يعلم بذلك أحد سوى خاصتها ممن هن موضع سرها، وخطبت ~~الفتاة فعجلت بزواجها واستراحت من همها، ومضت هي على سننها تكسب رزقها ~~بالعمل ليلا على ضوء مصباح البترول، وتكف عنه وتخفي ما كانت فيه إذا جاء ضيف أو ~~زارها أحد من الأهل والأصهار. إي نعم، فقد كانت تخفي سرها عن هؤلاء الأهل مخافة أن ~~يأنفوا ويستنكفوا أو يعيبوا أو يشهروا، وإن كانوا لا يعينونها بشيء ما. وكانت فتاتها تود ~~أن تواظب على الدرس حتى تتخرج وتصبح معلمة، ولكن أمها فضلت الزواج، لما جاء ~~الكفء، وقالت: إن هذا المستقبل هو الطبيعي لكل فتاة، فلا داعي للإرجاء، فكان ما أرادت. # ولكن أم «زكية» - إذا كان لها أم - تقعد في بيتها مرتاحة راضية وتقذف ببنتها الصغيرة على ~~الدنيا لتعمل وتكد وتعود إليها آخر كل أسبوع بعشرات من القروش، لعلها كل مسكة الأسرة من ~~الرزق. # وعسى أن تكون «زكية» مغتبطة مبتهجة، وأكبر الظن أنها لا يخطر لها أن الطريق الجديد الذي ~~حولتها صروف الأيام إليه غاص بالمعاطب، وأن الدنيا قاسية لا تترفق بأحد، ~~فلنسأل الله لها السلامة فإنها صغيرة غريرة. ~~*** # آه زكية! ماذا جرى؟ إنها زكية ولا شك، وإن كانت لا تعرف أن هذا اسمها عندي، وقد ~~ألفت أن أطلقه عليها وأدعوها به حتى لأحسبني خليقا أن أنفر وأستغرب إذا تبينت أن ~~لها اسما غيره، فإن المرء يألف أن يعرف الشيء أو الإنسان أو الحيوان باسم معين، ~~وينكر أن يسمعه ms04 يدعى بغيره، ويحس أن الاسم الجديد لا يوافقه، كأن نرى امرأة ~~في زي رجل أو رجلا في زي امرأة. وما أظن أن هذا إلا من فعل العادة، ولو أن فتى ~~عوده ذووه أن يدعو الكلب قطا لأنكر واستهجن أن يرى غيره يقول: إنه كلب. # واحتجت إلى نظارتي لأستثبت؛ فقد ساء بصري قليلا. نعم هي زكية بقدها الممشوق ~~ووجهها الصابح وديباجتها المشرقة، ولكنها على هذا زكية جديدة لا عهد لي بها، فقد ~~خلعت السواد، وحسنا فعلت، فإنه لون يقبض الصدر، ويأخذ بالمخنق، ويعصر القلب، ~~وما أدري كيف يطيقه على بدنه إنسان، ولو كان الأمر إلي لنفيته من الأرض وأرحت ~~الناس من ثقله ومن سوء ما يوحي. # وليس ثوبها الجديد بجديد، فما عدت - فيما أرى - أن عادت إلى القديم الذي طرحته ~~إلى حين، وأكبر ظني أن هذا الذي اتخذته الآن من الكتان الملون، وهو من أصلح ما ~~يلبس في الحر واليبوسة، وإن لم يكن كالحرير رقة واسترسالا وتجلية. ولزكية ~~شعر أثيث مسترخ، وكانت تجمع مقدمه وترفعه وتلويه وتثبته بالمشابك، ~~وتدع ما عداه مسترسلا يعبث به النسيم إذا شاء، واليوم أراها قد زادت ففرقته عن ~~شمال، وأحسبها دهنته بشيء فإنه يلمع، وكانت عاطلا فعلقت في أذنها قرطا من حبة ~~لا أدري من أي شيء هي، وغرزت في شعرها حلية على صفة الوردة، ومن يدري لعلها تطيبت ~~أيضا. # ويدنو منها فتى يكبرها بحوالي سبع سنوات - إذا صدقت فراستي من هذا البعد - وهو ~~في قميص أبيض وسراويل إلى القدمين، ولا شيء في رأسه المتلبد الشعر كأنه مدهون بالصابون، ~~ويبتسم لها فيتهلل محياها ويشيع فيه البشر، وتندفع يمناها وتمتد إليه تنشد المصافحة ~~والملامسة، ولكن يديه في جيبه وعينه في عينها، فهو لا يرى راحتها المبسوطة فتثني الأصابع ~~وتسترخي الكف وتميل وتمضي على مهل إلى الحقيبة التي تحت الإبط الأيسر، فقد صارت فتاتنا ~~تحمل حقيبة أو مثبتة حمراء بلون حذائها، وإنها لحائلة اللون سوداؤه في مواضع من أثر ~~الأصابع، ولكنها شيء جديد على كل حال لم تكن ms05 تتخذه فتاتنا. وأين يا ترى ذهب الرغيف ~~الملفوف في صحيفة قديمة؟ لعلها دسته في الحقيبة، فإنها تتسع له مطويا أو مشطورا ~~نصفين، فقد صارت زكية - على ما يبدو لي - تستحي أن ترى بغير حقيبة، وأن يرى معها غذاؤها ~~ملفوفا في جريدة؛ لأنها استيقظت - أيقظها على الأرجح هذا الفتى - وهو أول من أراه ~~يحدثها على رصيف الترام. ترى من يكون؟ إنه ليس طالبا، فقد ذهب الطلبة كبارهم ~~وصغارهم إلى معاهدهم ومدارسهم، فقد جاوزنا الثامنة من ساعات نهارنا، وليست هذه بالثياب ~~التي يرتديها طالب أو موظف ذاهب إلى مدرسته أو ديوانه؛ والأرجح أنه يعمل في متجر أو في ~~مصنع، ولو رأيت كفيه لكان من المحتمل أن أرى فيهما ما أستعين به على الظن والتخمين. ~~وهو واقف كمصباح النور الذي إلى جانبه، فلولا أن شفتيه تتحركان أحيانا لصلح أن يكون ~~تمثالا، ولكنها هي لا تستقر في مكان، ولا تزال تتحرك وتدور وتوليه ظهرها حينا وجانبها ~~حينا آخر، كأنما تعرض عليه قوامها من كل ناحية، ولا تزال يدها ترتفع إلى شعرها مرة، ~~وتلمسه لمسا خفيفا كأن بها حاجة إلى ذلك، وتهوي إلى ثوبها فتسويه، وترتد إلى حاجبيها ~~فتمسحهما، وهو جامد لا يعير شيئا من هذا التفاتا، كأنما كانت تفعله وهي وحدها قبل ~~إقباله. # وطال وقوفها في انتظار الترام الذي لا يجيء، أو يجيء ولا يقف، لأنه غاص ولا متسع ~~فيه لقدم؛ فجعلت عيني تتحول عنهما إلى غيرهما من الخلق ثم تعود إليهما. فرأيت فتيات ~~ونساء أخريات في ثياب متفاوتة النسج والطراز والتفصيل والألوان؛ فقلت لنفسي: إن أكبر الظن ~~أن فتاتنا زكية ما نضت السواد وارتدت هذا الثوب الملون الزاهي - على الرغم من قدمه - ~~إلا من أجل ... ترى ما اسمه؟ فلنسمه عبد المنعم، ولو من باب إطلاق اللفظ على ضده. ~~اكتست هذا الثوب من أجله، وخالفت ما كانت تتوخاه في وقفتها من سكون الطائر، لأنه ~~طلع عليها بما حرك نفسها أو هجم عليها على الأصح، ولا يمكن أن يقول قائل في عصرنا ~~هذا: إن الثياب ms06 إنما تتخذ لمنفعتها، فإنها - ولا سيما ثياب النساء - ذات صلة وثيقة ~~بمعاني الجنس. والطبيعة تلهم المرأة الوسيلة إلى اجتذاب الرجل؛ لأن ظهور جيل جديد من ~~الناس رهن بهذا. ولو كفت المرأة عن اجتذاب الرجل، أو عجزت عنه، لخلت الأرض من نسل ~~حواء وآدم، وقد يؤثر بعضهم هذا ويراه أولى، ولكن للطبيعة مذهبا آخر وحكمة قد تخفى ~~علينا، ولكن خفاءها أو غموضها لا يجيز لنا أن ننكرها أو نرفضها، فمن المفهوم - والصواب إذن ~~- أن تتجمل المرأة للرجل، أو تتبرج له على قول ابن الرومي، وأحسب أن لو كان العري أجمل ~~وأوقع في النفس لتجردت المرأة، ولكنها تدرك بغريزتها الذكية الملهمة أن الستر ~~أفتن. # أما مبلغ الستر فراجع فيما أرى إلى شعور المرأة الباطن بنوع إحساس الرجل بها، ومبلغ ~~حاجتها إلى تحريك هذا الإحساس واستثارته، وفطنتها إلى الناحية التي يسهل عليها ~~استثارته منها. ويمكننا أن نقول: إنه بغير الشعور الجنسي لا تبقى هناك حاجة إلى الثياب ولا ~~إلى ما يسمى «المودة»، وأعتقد أن الرجل السليم الذي لم يصبه مسخ أو شذوذ في طبيعته، ~~خليق أن يستملح الثياب الطبيعية، ونعني بها تلك التي لا تظهر كل الظهور ولا تستر ~~كل الستر القد ومحاسنه المختلفة، أما الشذوذ فيغري بإيثار ما ثقلت وطأة الشعور ~~به على النفس. # وذكرت وأنا أدير هذا المعنى في نفسي أن أمهاتنا وجداتنا لم يكن يعرفن ~~«المودة» كما يعرفها بنات هذا العصر. ولم تكن الخياطات يكثرن في زمانهن، وكانت ثيابهن ~~- في الأغلب - تفصل وتخاط في البيوت، وكن هن يتولين ذلك على الأكثر، لا لفقر ~~بهن، فقد كانت الحياة أخف وأرغد على قلة المال نسبيا؛ بل لأن هذا كان المألوف، ~~وكانت الثياب أشبه على العموم - مع اختلاف في الألوان والتفصيل - بثياب الراهبات ~~والممرضات؛ بسيطة فضفاضة، إلا في الندرة القليلة، وغايتها أن تحجب لا أن تبدي وتبرز، ~~إلا ما لا حيلة في ستره. ولما كانت «المودة» مظهرا للرغبة في إظهار أجزاء من الجسم أو ~~إخفائها، ومرجعها إلى الشعور الجنسي، والفطنة إلى ما هو ms07 خليق أن يستثيره، لما كان هذا ~~هكذا فهل يجوز لنا أن نقول: إن أمهاتنا وجداتنا لم يكن يرغبن في استثارة هذا ~~الشعور في رجالهن، أو لم تكن بهن حاجة إلى ذلك، أو كن جاهلات لا يعرفن كيف يتوسلن ~~إلى رجالهن، أو كيف يعمقن لهم شعورهم بهن ويوسعن آفاقه ويرحبنه. لا أدري. ~~ولعل غيري أقدر مني على الاهتداء إلى وجه الصواب. # وأقبل الترام غاصا كالعادة، ولكنه وقف هذه المرة، وآن لزكية أن تركب، ~~فألقت إلى عبد المنعم نظرة فيها أسف وأمل وشكر؛ فأما الأسف فلفراقه، وأما الأمل ~~فأحسبه في لقائه مرة أخرى، وأما الشكر فعلى قدومه. فما ركب معها، بل عاد أدراجه ويداه ما ~~زالتا في جيبيه، كأنما جاء ليقف معها هنيهة، فلماذا كان منه إذن هذا المجهود؟ ألا يعرف كيف ~~يبتسم؟ أم هو أدهى مما يبدو، ويتكلف الفتور ليغريها به وبالإقبال عليه وليحرمها ~~فتطلب. # مسكينة. لو وسعني أن آخذ بيدها لفعلت، ولكن مثلها في مثل سنها قلما تصغي ~~إلا لما يهتف به شبابها الجديد، ويصفه ويصوره ويزينه ويؤمن به قلبها الغرير المطمئن إلى ~~الخير في الدنيا. # مسكينة. أو من يدري! فقد توفق وتسعد فإنها حظوظ وأرزاق وقسم، وقد تكون من أولئك ~~النسوة السعيدات اللواتي يتلقين ويتقبلن كل ما تجيء به الحياة بالرضا والشكر ~~... لعل وعسى! ~~*** # الله يلعنك يا شيخ! أما إنك والله لخبيث داهية على صغر سنك وغضاضتك! تجيء وعلى ذراعك ~~فتاة مليحة منظرية، ثم لا يرضيك إلا أن تمضي بها إلى حيث زكية واقفة على رصيف الترام، ~~وتبسط يدك وتحرك شفتيك كأنك تقول: «صباح الخير»، وفي عينيك - اليوم - وميض البشر والسرور؟ ~~وزكية صغيرة غريرة، وكنت أراها إلى الأمس الدابر مطمئنة إليك، فرحة بك، ولكنك في هذا ~~الصباح تفاجئها بهذه الفتاة على ذراعك، وتفجعها بهذا السرور الذي تشرق به ديباجة وجهك، ~~فتكاد تشهق المسكينة، فما تعلمت أن تتكلف الإغضاء، وتكتم ما يتحرك في نفسها ~~من الغيرة ويشكها ويخزها من الألم في قلبها وجبينها، ويستحيل لونها «إلى صفرة الجادي ~~عن حمرة ms08 الورد » وتختلج شفتاها اختلاجا بينا وهي تجاهد أن تتمتم بما لا أحسبك ~~سمعته من رد التحية. # ويضاعف ألم زكية أني أراها اليوم عنيت بتنسيق شعرها على نسق جديد، وكانت ~~تفرقه عن شمال، فزادت وفرقته عن يمين أيضا، وجمعت قصتها ولمتها، ~~وغرزت فيها هذه الحلية التي هي على صفة الوردة، وضمت خصله الفينانة التي كانت من ~~قبل مسترسلة، وربطتها بشريط أرجواني. وأراها اليوم معنية أيضا بهندامها، ترتدي ثوبا ~~من قطعتين؛ واحدة من خز رقيق أبيض كالقميص لا يتجاوز الخصر، والأخرى تبدأ من حيث تنتهي تلك، ~~وتشتمل بها إلى الساقين، وهي من قطن وفيه خطوط بيض وحمر. وكانت وهي واقفة تتلفت ويترقرق ماء ~~الشباب في محياها النضير، وتخشى - على الأرجح - أن يقبل الترام قبل أن تقبل أنت، ~~فما كانت التفاتاتها تخلو مما يشي بالاضطراب والقلق، وترجو - حين تراك وتبتسم لك، ~~وتلمس ثيابها وشعرها - أن يلهمك الله أن تفتح فمك وتسرها بثناء على هندامها ~~وزينتها وذوقها، وإذا بك تجيء بفتاة على ذراعك! ولو اكتفيت من تخييب أملها بإهمال الثناء ~~على زينتها لك، أو إبداء الإعجاب بحسنها، لتعزت بأن الرجال هكذا أبدا، عمي أو ~~بلداء أو جهلاء، لا يبصرون، ولا يفطنون إلى بواعث المرأة على التزين، ولا يدرون ~~أن هذا الثناء عليها ملحها وخبزها. # ثم من هذه الفتاة المزاحة الملاعبة الضاحكة؟ لا أرى زكية راضية عنها أو مستحسنة ~~لها، فإنها تنظر إليها شزرا وتزلقها ببصرها، وتقيسها من فرعها إلى قدمها، ثم تعرض ~~كأنما تأنف أن تراها. # والبلاء أن عبد المنعم كثير المرح في هذا الصباح على خلاف عادته، وهو بادي الحفاوة ~~بصاحبته الجديدة والإقبال عليها والضحك إليها، فإذا كنت قد دعوت عليه فإن لي العذر، ~~وما فعلت ذلك إلا بلسان زكية. وعلى أني لا أظن أن اللعنة تنقصه، فما يخدعني هذا القميص ~~الأبيض النظيف، وإني لأستطيع أن أرى - من نافذتي - وضر زيت أو شحم على إحدى ساقي السراويل ~~فوق موضع المفصل، فأكبر الظن أن صاحبنا صانع ميكانيكي يعمل في إصلاح السيارات. والأرجح أنه ~~خراط ms09 أو حداد، فإن يده معصوبة إلى الرسغ، وعسى أن يكون حد المخرطة قد جرحها أو ~~وقعت عليها المطرقة. # والصورة التي ترتسم في ذهني لعبد المنعم هي أنه يتيم - أعني أن أمه قد ماتت عنه - ~~ويكبر في وهمي أن أباه تزوج أختها بعدها، فعبد المنعم وأخته - فإني أتخيل له ~~أختا أصغر منه سنا - يعيشان مع أبيهما وخالتهما. وجاءت الحرب فأيسر الرجل قليلا ~~وألفى نفسه ذا وفر «نسبي» لم يعهده من قبل، فطلق المسكينة واتخذ زوجة ~~أخرى أصبى وأنعم وألين، وترك ولديه مع الخالة المطلقة، واكتفى بأن يبعث إليهم بنصف ~~ريال في اليوم، فهم في شدة من العيش، فاضطر عبد المنعم أن يعمل بيديه لكسب رزق آخر؛ سبعة ~~قروش أو نحوها تضاف إلى العشرة فتخفف ما هم فيه من ضنوكة. أما الأخت فبعثوا بها إلى ~~خياطة تتعلم، وتستطيع بعد ذلك أن تكسب شيئا يعين الأسرة على العيش. ولعلها لا تزال عند ~~الخياطة لا تتعلم شيئا، فإن الخياطات ضنينات على الفتيات بالتعليم، وعسى أن تكون كل ما ~~تصنعه هذه الأخت الصغيرة هو أن تخرج لقضاء الحاجات؛ تشتري اللحم والخضر للخياطة والبلح حين ~~يمر بائعه، وتذهب بالثياب المخيطة إلى الكواء وتعود بها بعد كيها، ولا تزال طوال ~~نهارها طالعة نازلة، داخلة خارجة، تحادث وتضاحك من تلقى من خدم السكان، ~~ويمازحها - وقد يغازلها - غلام الكواء أو الجزار أو غيرهما من أصحاب الدكاكين التي ~~اعتادت أن تذهب إليها، وتقف في موعد الانصراف أو القدوم مع زميلاتها من الفتيات اللواتي ~~يطلبن هذا العلم أو الفن، فتقص كل واحدة منهن على الأخريات ما ترى أن تبيحهن من تجاربها، ~~وكيف ذهبت إلى السينما مع صاحب لها، وبماذا أكرمها، وماذا أطعمها، وبماذا كان ~~يوشك أن يهم. ويتبادلن الأخبار؛ أخبار المعارف والجيران وسكان العمارة وغيرها مما ~~يقع لهن شيء عنه، ويغتبن معلمتهن، ويذممنها أو يثنين عليها، ويلغطن بذكر ~~السيدات والأوانس اللواتي يفصلن ثيابهن عند معلمتهن ... وهكذا إلى آخر ذلك - إن كان له ~~آخر يعرف. # ولنسم هذه الأخت - التي لا أعرف أن ms10 لها وجودا - فتحية. وبعد عام أو عامين من التحصيل ~~في هذه المدرسة تصبح فتحية أعرف بالحياة مني ومنك، وأحسن اطلاعا على بواطنها ~~وخفاياها، وأجرأ - من أجل ذلك - على المغامرة فيها، وأشد استهانة بعقبى الاجتراء، ~~وأسرع استجابة للإغراء. # وركبت زكية الترام، واكتفت من توديع صاحبها بهزة رأس خفيفة لا تكاد تلمح، فلولا أن ~~عيني عليها لما تبينت أنها هزت رأسها، وليت من يدري كيف تزاول عملها في يومها ~~هذا! وإلى أي حد تخلط وتغلط، وماذا يبلغ من صبر رئيسها أو رئيستها عليها وحلمها معها! ~~وقاتل الله الغيرة، فإنها بلاء وداء عياء، وسخافة ما بعدها سخافة - في نظر العقل - أما ~~في إحساس القلب فإنها ما تعرف - أحر نار الجحيم أبردها - على حد قول الشاعر، وما يستطيع أحد ~~أن يقهرها إلا بالرياضة الشاقة. وإني لأكون كاذبا إذا زعمت أن الله وقاني شرها، ولكي ~~أستطيع أن أزعم أني استطعت بالرياضة وبتغليب الإرادة المعتمدة على العقل أن أكتمها ~~وأحجبها وألطف من سورتها في آن معا، وأن أظهر أيضا خلافها، فأفادني هذا راحة، ~~ويسر لي ما كان - لولا ذلك - خليقا أن يكون عسيرا، وأبقى زمامي بيدي. # وهذا باب في القول استطردت إليه وفتحته على نفسي، والكلام فيه يطول فيحسن أن ~~أرجئه. ~~*** # صار أمر عبد المنعم أعقد من أن تغني في حله نظرة من نافذة، ولو كانت كمرصد ~~حلوان. فما عدت أرى زكية في هذه الأيام الثلاثة الأخيرة، فماذا صنع الله بها يا ترى؟ أهي ~~«مريضة حبا»، أم مزكومة، أم غيرت طريقها لتعفي عينيها من رؤية هذا الفتى الغادر، ~~الذي لا يزال يجيء كل يوم بفتاة بارعة الحسن على ذراعه؟ أم تركت عملها إلى سواه؟! ~~وحسنا صنعت إذ تخلفت اليوم على الأقل، فلو أنها رأت ما أرى لطقت ~~وانشقت مرارتها من الغيرة والكمد. فإن عبد المنعم اليوم مخلوق جديد لا عهد لي به، حتى ~~لقد ارتبت في صدق فراستي، فمن لي بمن يعينني على التوجس عن أخباره، فإنه يحيرني. من ~~أين جاء بهذه البذلة الجديدة الكاملة؟ ذهب ms11 القميص الأبيض وما كان من حرير بل قطن، ~~وطرح السروال الملوث بالزيت والشحم، وهذا ثوب جديد من صوف لا يقل ثمن المتر منه في ~~أيامنا هذه عن ثلاثة جنيهات، وهو مفصل على قده، فلا ضيق ولا سعة، ولولا ذلك لقلت ~~استعاره من قريب له، وهذا الحذاء الأسود اللامع يبدو لي أيضا غير قديم، فإن النعل طويلة ~~لطيفة كهيئة اللسان، والجلد ليس فيه تجعد أو تثن من أثر المشي، وهذا القميص المخطط ~~البراق لا أشك في أنه من الحرير، والربطة أيضا ثمينة، فأنى له هذا كله؟ أورث كارنيجي ~~وروكفلر معا؟! أم هو مهرب مخدرات غفل عنه الشرط، أم أملوا له ليخدعوه ~~ويوقعوه في حبائلهم؟! # وهذه الفتاة الجديدة ما حكايتها أيضا؟ إنها ليست كالتي كانت معه منذ أيام وأسخطت عليه ~~زكية وتركتها محنقة تتقي - على ما يظهر - أن تلقاه مرة أخرى، وهي - أي الجديدة - من ~~طبقة أخرى، وكأني بها معلمة أو طبيبة أو شيء من هذا القبيل، فإن فيها لتوقرا واعتزازا ~~بنفسها، على الرغم من إقبالها عليه وبشاشتها له وأنسها به، وتناولها أصابع يسراه خفية ~~وفركها بأصابعها والضحك إليه بعينيها، وهي تفعل ذلك وتحسب أن لا أحد يراها، ولا تدري أني ~~من مرصدي هذا أرقب كل قمر طالع من فلك «الميدان». # وثيابها أيضا نفيسة ناعمة، وكأنها الغلالة الرقيقة التي تلبس تحت الثياب، وهي قطعتان ~~كذلك؛ صدار أبيض قصير الكمين، وفوق موضع القلب منه، أو أعلى قليلا، حرفان يرمزان إلى اسمها ~~بخيوط حمر؛ والثانية مجول أزرق هفهاف يخف مع الريح، والحذاء سيور بيض وزرق، وإبهام ~~القدم بارز والظفر أحمر. أما الشعر ففينان مسترسل وقد لفت عليه - دون أن تغطيه - ~~منديلا أدارته كطرف العمامة. وأما الوجه والقد فلا قبل لي بوصفهما، فتخيل ما ~~شئت على هواك، واعلم أنها استغنت بجمالها عن كل زينة أخرى، فلا أحمر على الشفتين، ولا ~~شيء على الخدين، وهي فوق ذلك رزان، وإن كانت غير قليلة الكلام أو الابتسام؛ ولا كبر بها، ~~ولا خفاء بتحببها إلى صاحبنا - أو صاحبها هي ms12 على الأصح. # وما أظن بها إلا أنها وقعت عليه أول ما وقعت في غير مصر، فإني أرى على محياها ~~الصابح سمرة العائدة حديثا من مصيفها بالإسكندرية على الأرجح، ولا أستكثر، أو أستغرب أن ~~يكون عبد المنعم قد تيسر له أن يقضي أياما على ساحل بحر الروم؛ ومن أدراني أنه لم يحصل ~~على «استئمارة» سفر - ذهابا وإيابا - في الدرجة الأولى؟ أبعيد أن يكون له قريب في ~~السكة الحديدية يجود بها عليه؟ أو صديق يحرم نفسه ويعطيه؟ وإني لأرى له قوام الشاب ~~المغرى بالرياضة، فلعله سباح ماهر، أو لاعب كرة بارع، وعسى أن يذلل له هذا ما ~~يعترض طريق السفر من مصاعب. ويكبر في وهمي أنه لقيها في القطار، فأعانها على ~~شيء، كفتح شباك أو إدارة مروحة، واتصل حبل الكلام، ولانت النظرات، ورقت الأصوات، وكثرت ~~النكات. أو لعله أنقذها من الغرق، فعرفت له جميل صنعه، أو أعجبها في الماء ~~فتظاهرت بالإشفاء على الغرق ليخف لنجدتها، فإن للمرأة لحيلة، ثم ذهبت بعد ذلك ~~تتلقى عليه دروسا في السباحة وهي تحسنها كالسمكة، ولم يخطر لها أن تسأله من أنت؟ وما عملك؟ ~~واكتفت بأن تقص عليه هي تاريخ حياتها مذ عرفت أن لها حياة وتاريخا. وأحسب أن ~~نفسه نازعته أن يصارحها كما صارحته، ثم أحجم مستحييا أن يقول إنه صانع، وإنه يكسب ~~رزقه بعرق جبينه وكد يديه، فعدل عن هذا وأخذ في حديث الرياضة وما أجاد منها وبلغ ~~فيها، وتركها فيما عدا ذلك تتوهمه شيئا ذا قيمة، وهل يكون راكب الدرجة الأولى إلا ذا ~~شأن؟! وإذا كان قد آثر أن يمسك عن التحدث عن آله ومقامه وجاهه، أفلا يجوز أن يكون ذلك منه ~~إشفاقا عليها حتى لا يروعها، أو اتقاء لأن يذكر لها ما تدرك منه أنها دونه مالا ~~وجاها؟! إن منطق المرأة عجيب، وهو أعجب ما يكون حين تعشق. وقد عشقت هذا الفتى ما في ذلك ~~ريب، فإني أرى من مرصدي ما يرفع الظن إلى مرتبة اليقين. # وتورط عبد المنعم، فماذا يصنع؟! إن صاحبته ms13 - ولنسمها كريمة - تقبل عليه ~~مشغوفة به، في خفر واستحياء؛ إي نعم هذا واضح، ولكنه خفر لا يجعلها تكتم تحببها، بل ~~تغزلها، وهو يستظرفها ويتمنى لو اتصلت أسبابه بأسبابها، ولكنه حائر لا يسعه أن يكاشفها ~~بحقيقة أمره بعد أن تركها تخدع، وما كذب عليها، ولكنه غالطها بالكتمان، وأطلق ~~لها أن تتخيل ما شاءت مما يقع في الروع من ظاهره؛ وليس في وسعه أيضا أن يسايرها ويطاوعها ~~ويلين في العنان لها، لأنه يعرف أنه دونها في كل شيء؛ في العلم والمقام وما إلى ذلك. ثم ~~إنها حدثته - فيما يخيل إلي - أنها مخطوبة لقريب أو غريب، ولكن بينها وبين خطيبها ~~خلافا، فإنها هي تبغي البقاء بالقاهرة، وهو في أسيوط أو دمياط، ولا يريد أن يتطامن ويتواضع ~~ويوسط بعض أولاد الحلال لينقل إلى القاهرة، وقد ثقل هذا الخلاف على كاهل صبره، فرحل ~~إلى حيث عمله معلنا أنه لن يعود إلا بعد أن تستقر هي على رأي حاسم؛ فإما أن تكون معه حيثما ~~يكون عمله وإلا ... # وهكذا صار اللقاء في القاهرة ميسورا بغير تحرز، ولكن عبد المنعم بليد على الرغم من أن ~~حبها له بين، وتعلقها به أوضح من الشمس. وليس عبد المنعم بالبليد أو الجافي أو ~~الشموس، ولكنه خائف حائر مضطرب، أخوف ما يخاف أن يفضحه الله ويكشف ستره، ولولا أنه ~~شديد الإحساس بنفسه - وهو أن أمره ضئيل بالقياس إليها - لما عبأ بذلك كله شيئا، ~~ولأقدم غير حافل بما يكون، وأمرها هي إلى الله. قد كان هذا خليقا أن ينفرها منه، ~~ولكنه زادها رغبة فيه، وتشبثا به، وكبر في ظنها أنه غرير، وأن به حاجة إلى من يأخذ ~~بيده ويهديه ويعلمه فنون الحياة، وإن كانت ترى منه أحيانا ما يعد من مظاهر ~~«الشقاوة»، غير أنها كانت تحدث نفسها أن هذا إنما كان عفوا، وأنه من وحي الفطرة ليس ~~إلا، ومن أجل هذا راحت تقول له إنها تعده صديقا في مرتبة الأخ الشقيق، بل تنزله ~~منزلة الشقيق وتحبه كحبها لأخيها، حبا عفيفا لا ترتقي إليه ms14 الظنون ، وتسأله: «من أنت؟ ~~ألا تحبني هذا الحب الأخوي؟» وتتمنى أن تسمع منه كلمة الحب ولو مقرونة بهذا الوصف الثقيل، ~~فيتمتم ولا يبين، ويتضرج وجهه ويضطرب لكثرة ما ينازع نفسه من العوامل التي ~~تجهلها، فتحيل هذا على حياء الغرير. # وتدعوه إلى بيتها أيضا، وتعرفه بأهلها أو تعرفهم به، وتقول لهم إنه كان خير معوان ~~لها في الإسكندرية، وإنه أسدى إليها من الأيادي ما لا قدرة لها ولهم جميعا على رد ~~جميله، ويرحب القوم به، وهم في سرهم يتعجبون أو ينكرون، ولكن ما حيلتهم؟ لقد شبت ~~فتاتهم عن الطوق جدا، وصارت موظفة ولها مرتب حسن، ومستقبل مرجو، وفي وسعها أن ~~تستقل إذا شاءت، ثم إنها تعينهم ببعض مالها، وتعنى بأخواتها، أو هي على الأقل قد ~~حطت عن كواهلهم عبئها، ثم إنها بنت عصرها، وهم أبناء عصرهم الذي ولى، وتخلفوا ~~عن ركبه فصاروا بدعا في العصر الجديد، وشذوذا محتملا على التسامح والإغضاء، وقد ولى ~~سلطان الآباء على بنيهم وبناتهم، بل انقلبت الحال وانعكست الآية في بعض الأحوال، فصار ~~السلطان للبنين والبنات، والأمر والنهي لهم، وما على الآباء إلا السمع والطاعة راضين أو ~~مكرهين. ويرى القوم في احتشام عبد المنعم وحسن أدبه وشدة حيائه ما يطمئنهم، ~~فيدعون بنتهم وما آثرت لنفسها، والله الهادي وهو المسئول أن يقيها العثار. ترى كيف ~~تنتهي هذه القصة التي أرى بدايتها على رصيف الترام تحت نافذتي! ليس في تصوير نهايتها ~~عسر، ولكني أوثر أن أكبح الخيال عن الاسترسال والتريث أياما. ولكني في حيرة من أمر ~~الثياب الجديدة التي يرتديها عبد المنعم، أفتراني أخطأت حين توهمته صانعا؟ لا أظن! ~~على كل حال سنرى. ~~*** # برح الخفاء وعرفنا زكية وصاحبها عبد المنعم ومن يكونان؟ وما خطبهما في هذه الأيام؟ ~~وما أوحي إلي هذا العلم ولا تلقيته «من النافذة»، ولكن الفضل لها مع ذلك فيما ~~اهتديت إليه ووفقت له، فلولا أنني جعلتهما قيد عيني من النافذة لظلا ~~كغيرهما من خلق الله الذين لا أعيرهم التفاتا خاصا. ولا أتبع النظرة إليهم ~~نظرة. # ويبدو ms15 لي وأنا أتدبر هذا أن كل ما يقع لنا في حياتنا يجيء اتفاقا ومصادفة أو قضاء ~~وقدرا إذا شئت، وليس معنى هذا أن الحياة ليس لها قانون أو نظام، فإن سنتها ثابتة لا ~~تتغير، ونظامها لا يضطرب، وإنما معناه أن ما «يتفق» أن يقع موافقا لهذه السنن يكون، ~~وأكثر ما تجيء المصادفة عفوا بغير عمد، والشواهد أكثر من أن يأخذها إحصاء، فلا داعي ~~للتمثيل؛ وحسبك أن تفكر في وجودك أنت، فهل كان إلا مصادفة بحتا؟ وهل جئت إلى ~~الدنيا إلا عفوا؟ لقد كان من الممكن أن لا تكون، لولا أنه اتفق ما اتفق، فأفضى ذلك إلى ~~خلقك، وكان من الممكن أن لا يكون لك إخوة أو بنون، فكان هؤلاء وأولئك جميعا، لأن أباك ~~قدر له أن يتزوج، وأن تكون زوجته تلك التي صارت أمك وأم إخوتك، ولو تزوج غيرها ~~- وماذا كان يمنع ذلك لولا القدر - لرزق سواك أو لما رزق أحدا، ولما خرجت أنت ~~على الحالين. # ويخطر لي من أجل هذا أن حب المرء لإخوته عادة ليس إلا، حتى حب الرجل لبنيه يبدو لي غير حب ~~أمهم لهم، فهذه قد حملتهم وثقلت بهم وولدتهم وأرضعتهم، فليس يسعها إلا أن ~~تحس وترى أنهم بعضها، أما الرجل فأمره مختلف، وشعوره بأبوته لهم معنوي لا مادي كشعور ~~الأم، وإن كانوا من صلبه، ولعل إيحاءه لنفسه أنهم من صلبه، وأنهم بعضه هو الذي يعمق هذا ~~الشعور ويقويه، حتى يقارب شعور الأم أو يعادله، ثم تجيء العادة - وفعلها معروف. أعرف ~~رجلا له بنت من زوجة طلقها بعد أن ولدتها له بقليل، ثم لم يرهما بعد ذلك، وقد ~~كبرت البنت وناهزت العشرين وتزوجت وأبوها لا يراها ولا يسمع من أخبارها شيئا، ~~وكان الاستغراب هو كل ما شعر به لما علم أنها ما زالت حية ترزق وأنها تزوجت، ~~وقد خطر له يوما أن يعرفها بنفسه وبإخوتها - فإن له زوجة وأبناء - ثم أمسك، وقال: ~~إن الخيرة فيما اختاره الله. وعاد إلى إغفال أمرها، وعهدي به أنه ليس ممن ms16 يبدون غير ~~ما يخفون، ولعله يصبو إليها من حين إلى حين، ولكنها على التحقيق صبوة إلى مجهول لا ~~يحسن أن يتصوره؛ لأنه لم يعتده كما اعتاد بنيه الآخرين الذين شبوا في ~~كنفه. # وأعود إلى زكية وصاحبها بعد هذا الاستطراد؛ فأما زكية فعملها رفو الجوارب في بيت قديم في ~~زقاق ضيق، وأجرها طفيف لا أدري كيف يكفيها لطعامها وحدها، فإنه ستة قروش ليس إلا، فلست ~~أستغرب ما كان قد خطر لي من أن بعض ثيابها من قديم ما كانت تلبس أمها، وقد ~~أصلحته على قدها. وأما عبد المنعم فغلام حلاق - أستغفر الله - بل هو حلاق فنان ~~كما يصف نفسه، ومن أجل هذا يتدلل، فيعمل أياما ويتبطل أياما - على هواه - وفنه هو ~~قص شعر السيدات وتصفيفه وكيه وما إلى ذلك مما لا معرفة لي به، وهو في هذا بارع حاذق ~~لا يبارى ولا يجارى - على ما يقول صاحب الدكان. وخير ما فيه أن السيدات يرضين عنه ~~ويأنسن به ويرتحن إليه ولا يقبلن بديلا منه؛ فإذا لم يجدنه في الدكان ~~انصرفن على أن يعدن حين يشاء أن يجيء. ويقول صاحب الدكان: إن هؤلاء النسوة ~~أمرهن عجيب، فإنهن على استعداد لأن يعطلن ويؤخرن أفراح المدينة كلها في سبيل ~~الفوز بالجلوس بين يديه حين يطيب له هو أن يعمل. وهذا هو السبب في أن الرجل لا يرى لنفسه ~~معه حيلة، ولا يقدر على الاستغناء عنه؛ لأن في الاستغناء عنه خراب بيته. # وعبد المنعم يحب زكية، وزكية تحبه، ولو كان لهما ناقة وبعير لتحابا مثلهما، ولكن ~~غيرتها عليه، وغيرته عليها تسود عيشتهما وتنغص حبهما، فهو يرمي المقص، ويترك ~~الدكان ويهيم على وجهه في الشوارع إذا خطر له أنها ربما تحادث رجلا آخر في الطريق، أو ~~حتى صاحب المصنع أو المشرف على عمل البنات فيه، ثم يذهب إلى محطة الترام لينتظرها وهي ~~عائدة، ويرافقها إلى بيتها، ويتأخر الترام على عادته في هذه الأيام فيقلق ويسخط ويضطرب، ~~وإن كان يعلم أن لا ذنب لها في هذا، ويروح يرفع ms17 قدما ويحط قدما كالحصان، ويقبل ~~الترام والناس فيه كالسردين، متلاصقين متلاحمين، فيغمض عينيه لئلا يراها في هذا ~~الحشر، ومن يدري؟ قد يكون بعضهم لصقها، وعسى أن يلمحها تبتسم فيتوهم أنها تبتسم لرجل! ~~وتغلبه الغيرة فيندفع إلى سلم الترام ويزاحم النازلين ويدفعهم بيديه لينظر، كأنما ينثر ~~كوما من الورق، وتكون هي قد نزلت من ناحية أخرى وهو لا يدري، لتعاميه أولا، ثم لما ~~أغراه به ودفعه إلى جنون الغيرة، وتدنو منه وتربت على كتفه، وكثيرا ما تحتاج أن تجره من ~~ذراعه وهي تضحك، فيتشهد، ثم يمشيان وهو مطرق معبس. # ويسألها فجأة: «أين كنت؟» # فتضحك وتقول: «يا له من سؤال! وأين أكون إلا حيث تعلم؟! وأين كنت أنت؟ ولماذا ~~تركت الدكان؟ وما هذا العرق المتصبب؟!» # وينتهي هذا الحوار كما ينتهي دائما بأن يصارحها بما كان، فتقول له إنه يظلمها، ~~وتسأله - منكرة - لماذا يثور إذا تصور أن رجلا في الطريق أو في المصنع كلمها ~~أو كلمته؟ ماذا تصنع إذا نهض رجل عن مقعده في الترام لتجلس؟ ألا تشكره؟ أم يكون ~~عليها أن تقطب وتزوي وجهها وتظهر التأفف من وجوده؟ ماذا يسعها غير أن تجيب رئيس ~~العمل أو صاحبه إذا كلمها وراجعها؟ أينبغي أن تخلو الدنيا من الرجال ليطمئن ~~ويسعد؟ # ويسرها أن يكون هذا مبلغ غيرته عليها، فإنها من الحب، ولكنها ينبغي أن تظل أحد ~~العناصر التي يتألف منها هذا الحب، لتصفو الحياة وتطيب؛ أما هذه الغيرة فطوفان جارف. ~~ثم أليس هو حلاقا للسيدات؟ ألا يلمس كل يوم - بل كل ساعة - شعورهن؟ أليس معروفا مشهورا ~~أنهن جميعا معجبات بحذقه وأستاذيته؟ أليس بينهن واحدة جميلة تصبيه إليها؟ إنها ~~أولى بالغيرة، وأحق بالقلق الدائم، فإنه عرضة للفتنة في كل ساعة من ساعات النهار، ~~ويضاعف دواعي القلق أنهن نساء مترفات غنيات، والمال وحده فتنة كافية، فكيف إذا اجتمع المال ~~والحسن؟! فماذا يمنع أن تخطفه منها واحدة من هؤلاء اللواتي آتاهن الله ما حرمته ~~هي؟ # ويثقل عليها هذا الخاطر فتبكي، والدموع غوث للمرأة، فينعصر قلب الفتى ويقبل عليها ms18 ~~يستعطفها ويستغفرها، وتسكن العاصفة ويصفو الجو ويرق، وينقضي يومان أو ثلاثة تكون فيهما ~~زكية أسعد بنات حواء، ويكون فيها عبد المنعم مثال الرقة والدماثة، ويبلغ من ذلك أن يرى ~~رجلا يفسح لها لتنزل من الترام وهو يقول: «تفضلي يا هانم!» فتشكره زكية، فلا يمتعض ~~عبد المنعم ولا يغضب، بل يبتسم للرجل وهو يمد لها يده لتعتمد عليها وهي نازلة ويقول ~~«مرسي يا بيه!» # غير أنه لا دوام لشيء أو حال في هذه الدنيا. ~~*** # إي نعم يا سيدي، كل شيء يتغير في دنيانا هذه، ولا يثبت على حال، لأن التغير هو سنة ~~الحياة، والإنسان منا يعرفه الناس باسمه، ويرونه فيدركون أنه هو فلان الفلاني، ~~ولكن فلانا هذا ليس إلا عدة أناس تعاقبت على حمل هذا الاسم. عندي إطار فيه أربع ~~صور صغيرة لي، ما تأملتها قط إلا تعجبت، كيف يمكن أن يعد الأصل الذي أخذت ~~عنه واحدا؟ صحيح إن الملامح والمعارف باقية ومشتركة، ولكن تعبير الوجه مختلف، وأحسب أنه لو ~~رآها غريب لا يعرفني لكان أول ما يقع في نفسه منها أنها صورة لإخوة أشقاء لا لمخلوق واحد. ~~ولست أعني أن الأنف في إحداها أطول منه في الأخرى، أو أن الخدين هنا أو هناك أكثر امتلاء، ~~فليس بالي إلى هذا، وإنما أعني أن المعاني المرتسمة على الوجوه الأربعة ليست متطابقة ولا ~~متشابهة، ولا حتى متقاربة، والمعاني مصدرها النفس، فها هنا أربع نفوس انتقلت بها ~~الأحوال فصارت إلى هذا الاختلاف البين فيما ينبعث عنها. # وقد قضت زكية أياما وهي راضية قريرة العين بما فاء إليه صاحبها عبد المنعم من الرقة ~~والظرف، وحسن المعاشرة وترك الغيرة الذميمة، ثم قلقت وأوجست خيفة، فقد كان شططه ~~في غيرته عليها يمضها ويسود عيشها وينذرها بالشقوة معه في حياتهما، فكانت تجزع وتندب ~~سوء حظها، وتتساءل عما جنته حتى يقسم لها أن تحب رجلا ظنونا لا ينفك ~~يتخيل ثم يخال، ولكن الغيرة كانت مظهر حب، ففيها لها مرضاة وإن كانت فيما عدا ذلك ~~كربا وبلاء. والآن لا غيرة ms19 ولا شبهها، فماذا حدث؟ هل نضب المعين؟ وفتر الحب؟ وتحول ~~القلب؟ هل استولت على هواه إحدى الفتيات الجميلات الغنيات اللواتي يراهن كل يوم في ~~الدكان؟! أليس المعقول إذا رأيت فتاة جميلة تأبى كل الإباء أن يلمس شعرها غيرك، أن يغرك ذلك ~~ويطيب وقعه في نفسك فتتلقاها، حين تقبل عليك لا تقصد إلى غيرك، هاشا باشا مسرورا؟ ~~وتحتفي بها وتلاطفها وتضحك إليها، ثم يكون ماذا؟ ما المسافة بين هذا وبين الحب؟ إنها قد لا ~~تكون أطول مما يستغرقه التقاء نظرتين في صقال المرآة! # وريعت المسكينة لما دار في نفسها إمكان ذلك، وأحست بالنار في صدرها والبرد في ~~أطرافها، وحارت ماذا تصنع لاتقاء هذه النكبة أو كشف الغمة، ثم خطر لها وهي تتهيأ ~~للنوم ذات ليلة أن في وسعها أن تمتحنه، فإن هذه الظنون التي تعتلج في صدرها لا ~~تطاق، ولخير منها أن تيأس، ومن يدري؟ لعل الامتحان الذي استقر عليه عزمها ~~يحرك النار التي قاربت أن تخمد. # ولقيته في الصباح بوجه لا يبدو عليه أثر مما كابدته في ليلها الطويل، وابتسمت ~~إليه متكلفة، وقالت له إنه يحسن به ألا ينتظر أوبتها هذا المساء في موعدها، فقال: ~~«طيب، كما تحبين» ولم يبد عليه أنه عبأ شيئا، وإن كان لم يتخلف قط عن انتظار ~~عودتها، مرة واحدة في شهور طويلة، فكادت تهوي إلى الأرض، غير أنها تشددت وتحاملت على ~~نفسها وقالت له - على سبيل الإيضاح: إن جارا ظريفا لها دعاها إلى السينما فقبلت، ~~وسيذهبان لمشاهدة الشريط في حفلة المساء، لأنه لا يتسنى لها أن تذهب قبل ذلك، فهل تراها ~~أخطأت؟ فقال: لا لا لا، إن الأمر على العكس، فقد أحسنت كل الإحسان، وإنه ليسره أن يراها ~~تنعم بالحياة. # فقالت لنفسها وهي تركب الترام: «آه! كان ما خفت أن يكون! فليس هذا عهدي به، وكيف ~~يطيق - إذا كان لا يزال يحبني - أن يتصور أن أقضي ساعتين وزيادة إلى جانب شاب مثله، وأن ~~تلمس ركبته ساقي، أو كفه كفي، وأن نتسامر ونتضاحك حين يتاح لنا ms20 ذلك ، وقد نذهل عن ~~الرواية بما نحن فيه، وأن يقوم هذا الشاب مقامه، وينوب عنه في إبلاغي بيتي؟!» # ولم يكن هناك شاب ولا رواية، وإنما اختلقت هذا لتثير غيرته، وتوقظ الحب الذي ~~يخيل إليها أنه يغط في النوم، ولم يسعها - وقد كذبت - إلا أن تؤثر المشي ~~على الركوب لتتأخر، ولم تكتف بهذا؛ بل اختارت طريقا أطول، وجعلت إلى هذا، تتلكأ وتقف ~~أمام الدكاكين تنظر ولا ترى. # وسألها في الصباح عن الرواية كيف كانت، فأثنت عليها وأطرت رفيقها الموهوم، ~~وزعمت أنه أكرمها وسرها وتحفى بها وفعل كيت وكيت، وأبى أن يعود بها إلا في ~~سيارة، فقال عبد المنعم: «برافو! هذا شاب ظريف ولا شك، وإنه لأهل لما تذكرينه به من ~~الخير وزيادة، وقد انشرح صدري الآن إذ عرفت أنك مسرورة»، وأحست وهو يقول هذا أنها ~~لا تسمع كلاما، وإنما تتلقى طعنات خنجر في حبة قلبها، وكاد الدمع يطفر من عينيها، فلولا ~~الإباء الحر لارتمت على صدره وراحت تبكي بأربع. # واتفق ذات مساء أن قابلت في الترام جارا لها حقيقيا، يعرفها وتعرفه، ~~فحدثت نفسها أن الله أرسله إليها، وأقبلت عليه وتوددت إليه، وشجعته ~~بالابتسام والحديث على الطمع في صحبتها، كما لا تحسن إلا المرأة أن تفعل، وأدى عنها ~~الفتى أجرة الترام فشكرته شكر المستزيد، ودخلا في حديث استدرجته فيه حتى ~~دعاها إلى التنزه معه يوما في بعض الحدائق، فاتفقا على يوم الأحد لأنه يوم راحتها، ~~وكان عبد المنعم ينتظرها على عادته في المحطة المعهودة، فعرفته بهذا الصديق الجديد، ~~وأبلغته نبأ الدعوة في موعدها، وزادت فسألته: «ما قولك في أن تكون معنا؟» فابتسم عبد ~~المنعم وقال إنه يخشى أن ينغص عليهما متعتهما بوجوده، واعتذر، ومشى معهما خطوات ثم ~~استأذن، وانصرف خفيفا مرحا، كأنما هو يرقص من طرب. ولم يبق في نفس زكية شك في ~~أن عبد المنعم قد ملها وسلاها، واعتاض منها سواها، وحز في نفسها هذا، وعدته ظلما ~~لها، وغمطا لحقها، وغاظها واستثار نقمتها أيضا، وكانت لا تنوي أن تنجز وعدها ~~للفتى ms21 فآلت لتفعل، وليكن بعد ذلك ما يكون! أليس قد مضى عنها وكأنه يتشهد لإعفائه من ~~مسايرتها بضع خطوات إلى منزلها؟ وهل بقي شيء يدل على أنه يعبأ بها أو يكترث مما تفعل أو ~~تترك؟ إنه لم يعد له عليها حق بعد ذلك، وأكبر الظن أنه كان يتلهى بها، ولم يكن يحبها، ~~وعسى أن يكون قد فتنته عنها إحدى هاتيك النسوة الغزلات المتحببات إلى الرجال، بارك الله ~~له فيها أو فيهن جميعا، فما عادت هي تبالي ما يكون من أمره، وإنها لحرة الآن بعد أن ~~نفض يده منها هذا النفض، وما هي بالتريكة التي يلقاها الرجال ويصدفون عنها، ~~وستريه أنها قادرة مثله على السلوان، وواجدة عوضا عنه كما وجد. ~~*** # اعتزمت زكية بعد الذي رأته من عبد المنعم من قلة المبالاة أن تركب رأسها، وتلج، ~~فما بقي لها فيما ترى حيلة، وقد خمدت نار الغيرة التي كانت تتلظى كنار الجحيم ذات الوقود، ~~وخمودها هو الشاهد على أن شعلة الحب قد انطفأت، وأن قلب صاحبها خلا، والأرجح أن تكون ~~سواها قد حلت محلها، وتربعت مستقرة مطمئنة، ولا تعليل غير هذا لفتور عبد ~~المنعم. # ولم يعد يرضيها، بل يسخطها ويستثير حنقها وحردها أن عبد المنعم لم يغير ~~عادته معها، فلا هو يكف عن مرافقتها في الصباح إلى الترام، ولا هو يفوته أن ينتظرها ~~عند إيابها في المساء، فإذا كان قد سلاها واعتاض منها غيرها فلماذا يفعل ذلك؟ وما له لا ~~يريحها باليأس، وأمرها إلى الله؟ ألا بد أن ينكأ لها الجرح كل يوم مرتين؟ هل كتب عليها ~~أن لا يزال لها منه مذكر لا يغفل ولا يتركها تتغافل وتتشاغل وتتنافس وتتلهى؟ ولا ~~يسعها كلما وقعت عليها عينه ورأت هدوءه وسكينة نفسه ورضاه عن الدنيا إلا أن تقيس هذا ~~إلى ما كانت تعهد منه، وإنها لقسوة أن يلح عليها بمجاملة السالي بعد غيرة ~~المحب الثائر! # أم تراه يتعمد ذلك ليحنقها فتنفر وينتهي أمرها هي أيضا معه إلى السلوان، أو حتى إلى ~~البغضاء؟ هو عذاب على ms22 الحالين كائنا ما كان مراده. ولأولى به وأرفق بها أن يدعها ~~وشأنها، فإن هذا كتبديل جلود الكفار في جهنم، وتجديدها كلما اشتوت واحترقت ليظلوا في عذاب ~~أليم دائم لا ينتهي. وصارت تتأخر عن موعدها عامدة حتى لا تراه كعادته واقفا في محطة ~~الترام مسندا ظهره إلى مصباح النور ويداه في جيبيه، فما بقيت لها قدرة على ~~الاحتمال. وتلكأت مرة أمام دار السينما ونازعتها نفسها أن تدخل وتغيب في جوفها ~~ساعتين، وإن كانت رواية غير عربية، واحتمال فهمها لموضوعها وسرورها به بعيد، واستهولت ~~أن تنفق في ساعتين أجرة يومين، وتمنت أن يرزقها الله برجل طيب واسع الرزق، ~~فيقول لها: تعالي يا بنتي، فقد أجاب الله سؤلك، وبعثني إليك لتستمتعي بما تشائين. ~~واستهجنت أن يخطر لها مثل هذا الخاطر، وأنكرت فيما بينها وبين نفسها، أنها يمكن أن ~~تقبل دعوة من غريب إلى السينما أو غيرها، وطاف برأسها أن: «وماله! وما ضير ذلك؟! وماذا ~~أخشى؟ أتراه يأكلني؟» وألفت نفسها ترد وتقول: «عيب يا زكية، اختشي! أنت بنت ناس، ~~وما هكذا يفعل بنات الناس! وماذا أبقيت للخليعات الفاجرات؟» واستحت كأنما كان الذي ~~يزجرها إنسان حقيقي، وهزت رأسها، وسمعت نفسها تقول بصوت خافت: «هو صحيح؟ إنما هو ~~كلام!» # وتنهدت وحولت وجهها عن السينما، فلو رآها أحد لظن أنها كانت تتأمل الصورة ~~المنشورة على الجدران على سبيل الإعلان والتشويق، وخطت خطوات وهي مطرقة، وإذا بجارها ~~يدركها وهو يلهث من العدو ويقول لها: «أين كنت؟» فأدارت إليه وجهها وقالت بجفوة: ~~«وأنت مالك!» وتعجبت لنفسها، وأحست أنه كان ينبغي أن تفرح به، فإنه رفيق على كل ~~حال، وهو جار لها وبينهما معرفة، فلا غرابة إذا كلمها في الطريق، ثم إنه هو الذي أرادت أن ~~تكايد به عبد المنعم وتستثير غيرته، فما لها تمتعض الآن إذ تراه؟ وحدثت نفسها ~~أنها تستطيع أن تدعه يرافقها إلى بيتها، وعسى أن يراه معها عبد المنعم فيعرف أنها ~~وجدت منه بديلا، وأنها ليست بالفتاة التي يزهد فيها الرجال إذا كان هو قد زهد! ms23 ~~ولكنها نحت هذا الخاطر وطردته طردا، كأنه عمل لا يليق، وكأنها لم تفعله من ~~قبل. # وفوجئ الفتى ودهش وجعل يكرر: «أنا مالي؟! أنا مالي؟!» # قالت: «نعم، مالك أنت! ألا يمكن أن أمشي في طريق إلا وتشق الأرض وتطلع لي كالعفريت؟ شيء ~~بارد!» # فزادت دهشة الفتى ومد يده وتناول يدها وسألها: «ماذا جرى؟ ماذا فعلت؟» # فانتزعت يدها منه وهي مقطبة مشمئزة وقالت: «من فضلك اتركني بالتي هي أحسن.» # فضرب كفا بكف وقال: «بالتي هي أحسن أو بالتي هي أقبح، لماذا؟ ماذا جرى؟» # فصاحت به مرة أخرى: «قلت لك يا سيدي اتركني! مالك ومالي؟ أما إن أمرك غريب! صحيح ~~ثقيل!» # وهم الفتى بالكلام، ولكنه عوجل بضربة ألقته على الأرض، ونظرت زكية فإذا ~~عبد المنعم يتهيأ للإجهاز عليه، فجرته من كمه، وهي متعجبة وفرحة وخائفة واجفة ~~القلب ... متعجبة لأن عبد المنعم شق الأرض وخرج منها كما زعمت أن الفتى يفعل، ~~وكان آخر ما يجري لها في خاطر أن ترى عبد المنعم في هذه الناحية، وفرحة لأنه كان متلهبا ~~متغير الوجه كعهدها به حين تأكل قلبه الغيرة، وخائفة لأنها خشيت أن يصيب الفتى مكروه ~~فيقع عبد المنعم في بلية. # ومضت به دون أن يتلفت أحد منهما إلى ذلك الذي وقع على الأرض كالحجر، ولم يتكلما ~~بشيء حتى بلغا خط الترام، فحياها وهم بأن ينصرف، فتعلقت به وقالت له: «مالك؟ ماذا ~~جرى؟» # قال: «لا شيء، لم تعد بك حاجة إلي، فلا داعي لبقائي معك.» # قالت: «ماذا تعني؟» # قال: «وما سؤالك هذا! ألست قد بعتني؟» # قالت: «أنا بعتك؟» # قال: «أينا الذي باع صاحبه إذن؟» # فكادت ترقص في الشارع، وكبحت نفسها، واقترحت عليه أن يتمشيا إلى البيت ليتسع الوقت ~~للكلام ... # ولا نطيل، وما الداعي؟ كانت خلاصة ما علمته أن عبد المنعم استشار رجلا مجربا، فقال ~~الحكيم العارف بالدنيا وأسرار النفوس: إنه ما قتل حب المرأة ولا نفرها من ~~رجلها كشدة غيرته، وإنه ما هاج حرقاتها شيء كقلة المبالاة، مهما يكن ما تفعل أو ~~ما تترك. فصدقه عبد ms24 المنعم وراض نفسه وتحامل عليها، حتى كتم أنفاس ~~غيرته المتأججة ليبدو لزكية على حال من الفتور الموصوف المرجو الخير، فكان ما كان من ~~أمرهما معا ما يعرف القارئ. # أما كيف شق الأرض وطلع فتفسيره أن تأخرها عن مواعيدها أزعجه، وأطار الوصفة ~~النافعة، فراح يتبعها في ذهابها وإيابها وهي لا تراه. ~~*** # العصي، معروضة في دكان، أو على أيدي بائعيها الطوافين بها، أو تحت آباطهم، لا يبدو لي ~~أكثر من أعواد من خشب منجور ومدهون مصقول. ولكنها في أيدي متخذيها أو حامليها، أو المتوكئين ~~عليها تدب فيها الحياة، وتكتسب «شخصية» وتنقلب أشبه بالعنوان أو الشارة أو الراية. # وأنا أرى من نافذتي - التي أصبحت لي كالمرض - كثيرين يغدون ويروحون، ولكني لا ~~أجعل بالي إلى هؤلاء السابلة؛ لأنهم يمرون خطفا ولا يثبتون على النظر، فلا يتسنى لي أن ~~أتدبرهم، إذ كان الواحد منهم لا يكاد يبدو حتى يختفي، أو لا يسلم حتى يودع، ومن أجل ~~هذا أوثر الواقفين على الرصيف ينتظرون الترام ويسألون الله في سرهم أن يكون فيه موضع ~~قدم، وأن يعطف الله قلب سائقه عليهم فيقف ريثما يثبون متزاحمين متدافعين إلى ~~سلمه، أو يتعلقون بشيء فيه تبلغه اليد وتتشبث به. # ويخلو الرصيف أحيانا، ويقبل الترام متريثا متمهلا، كأنه «جمل المحمل» ويقف في ~~المحطة، دقيقة ودقيقتين، وليس به إلا سائقه وحاديه أو زامره، وكأنما يقول: ها أنا ذا قد ~~وقفت، وما من راكب أو راغب في ركوب، فاللهم اشهد! حتى إذا مل الوقوف والتلكؤ، ~~وانطلقت الزمارة تدعوه إلى استئناف السير، أقبل رجل يعدو ليدركه، ولكن السائق يكون قد ~~أعطاه كل ما عنده من سرعة، فيقف المسكين وإحدى قدميه على الرصيف والأخرى على الأرض، ويمناه ~~على العصا، ويسراه على قلبه، ورأسه مثني، وصدره كالخضم يعلو ويهبط، ولا قدرة له على ~~التفكير في سوء حظه، من شدة الإعياء. # ويسعى المسكين إلى حيث يقوم مصباح الإضاءة الذي حجب ضوءه، ويسند ظهره إليه، ~~ويتوكأ على العصا بكلتا يديه، وهو لا يزال ينهج، ويجيء ترام في إثر ترام، ms25 فلا يتوقف كأنه ~~في سباق، ولو وقف لما كان فيه موضع ينحشر فيه حتى ولا طفل رضيع. # فأتعجب لهذا الحظ الذي يشبه «الرفيق المخالف». # يكون المرء مستعجلا فيعوقه كل شيء عما يطلب، ويكون في فسحة من أمره ووقته، فإذا ~~كل شيء ميسر، وما يخطر له أو لا يخطر، مهيأ حاضر. خرجت مرة أتمشى - على غير هدى أو ~~قصد - وليس لي مطلب سوى هذه الرياضة الهينة، فبلغت محطة ترام أمامها بائع سجاير، ~~فملت إليه، وجاء الترام ووقف، فاشتريت ما أبغي من السجاير، وارتددت لأعبر الشارع ~~إلى الرصيف الآخر فإذا الترام لا يزال واقفا وما فيه راكب واحد، حتى ولا ذبابة، ~~فترددت: أأركب أم أتمشى! ولم يقطع ترددي إلا صوت يقول لي: «ما تركب وإلا ~~تمشي!» فضحكت وركبت وأنا أقول لنفسي: «هذا ترام خاص يقلني، ولكن إلى حيث ~~يشاء هو لا أنا» ولو كنت أبغي الركوب لكان الأرجح أن يكون غاصا، وأن لا يقف. # وأعود إلى ذلك الواقف معتمدا على عصاه، فأقول: إنه كهل، ولكن العصا رفعته إلى ~~الشيخوخة المتهدمة، ولقد رأيته يعدو، فهو لا تزال له بقية من قوة، ولكن العصا أضافت إلى ~~سنه وهو واقف عشرين عاما. # وأعرف شيخا يصبغ شعره صبغا متقنا، أراه أحيانا فارغ اليدين، فلا تخدعني ~~الصبغة ولا تزور سنه، وأراه وفي يده عصا قصيرة كالتي نراها في أيدي طلبة مدرسة ~~البوليس سوى أنها أغلظ، فإذا به قد ارتد شابا. فيما أرى، وفيما يحس هو أيضا؛ لأنه ~~يكون وهي معه أنشط وأخف وأشد وطئا على الأرض فأتعجب. # وأرى شابا مبالغا في التأنق وفي يده عصا مفضضة المقبض، فأقول لنفسي: هذا فتى ~~مدلل أو محدث نعمة، ولا اعتماد عليه ولا خير فيه، والأغلب أن يكون أميا أيضا، ~~ولعله كان يلبس جلبابا ومعطفا، فاعتاض منهما ثياب الأفندية، وأساء اختيار الألوان، ولو ~~ظل في جلبابه ومعطفه لكانت العصا أشبه به وأليق، ولما عدا حينئذ أن يكون من «أولاد ~~البلد» الذين يخرجون في مثل هذه الملابس حين يريدون أن يحيوا الليل ms26 بالسهر ، وأن ~~يبيتوا في «خمور وأمور» كما يقول ابن الرومي في صفة التجار. # والعصا كاللحية تكون أليق في سن منها في سن أخرى. وكذلك ألوانها وزينتها أو عطلها ~~وحجومها. وهي توافق الذوق العام حينا وتنافيه حينا آخر. فما لهذا الذوق ثبات، ~~وإنه لدائم التغير والتطور. ففي الجيل الماضي مثلا لم يكن مستغربا أن ترى الشبان الأقوياء ~~الخفاف يتخذون العصي، ولا يبدون إلا وهي في أيديهم، أما الآن فقد اختلف الحال، وصار ~~الذوق العام ينفر من منظر الشاب وفي يده عصا. ولا عجب، فإن من يكتفي من الملابس بقميص ~~مفتوح الجيب، قصير الكمين، وسروال إلى ما فوق الركبة، لا يمكن أن يكون إلا مستهجن ~~المنظر إذا اتخذ عصا؛ لأن معنى العصا لا يوائم هذه الثياب الخفيفة التي تفيد معاني ~~القوة والجلد والنشاط والأسر والمرح. # وقد كانت لي عصا ذات تاريخ، ولم تكن عصاي ولا كنت اشتريتها، وإنما أعارنيها - ~~أو نزل لي عنها - صديقي العقاد، لما هيضت ساقي، وكان أخي - وهو أقصر مني قامة - ~~يتخذ عصا أطول منه، فاستعرتها منه لأتوكأ عليها، ولكنها كانت طويلة تكاد تبلغ كتفي، ~~فبادلت الأستاذ العقاد وهو مديد القامة، غير أن عصاه كان قصيرة تصلح لي دونه، وظلت ~~معي سنوات طويلات، عرفها إخواني جميعا، لطول عهدي بصحبتها، وكانت لا تفارقني حتى عند ~~النوم، كنت أبقيها إلى جانبي على السرير، وكنت ربما نسيتها في الترام، أو مقهى، أو بيت ~~صديق، فترد إلي كالثوب الذي يقول فيه الشاعر: # طال ترداده إلى الرفو حتى # لو بعثناه وحده لتهدى # ثم اتخذت بيتي في صحراء الإمام على الطريق إلى قرية البساتين القريبة من المعادي، فاتفق ~~لي في إحدى ليالي رمضان أن عدت من القاهرة قبيل السحور، وإذا بمجنون ضخم الجثة هائل ~~الأنحاء، كثيف شعر الصدر والذراعين والوجه والرأس، يتصدى لي، و«أنا» كما يعرف القارئ - ~~أو لا يعرف - «من خف واستدق؛ فلا يثقل أرضا ولا يسد فضاء»، وكان هذا المجنون ~~هادئا في العادة؛ لا يثور ولا يمس أحدا بسوء، وكان العطارون يستخدمونه - بدلا ms27 من ~~الحمار - في إدارة طاحون البن، فإذا وقف ألقوا إليه بالرغيف فيلتهمه ثم يدور ~~بالطاحون، وكان شر ما يصدر عنه مما يدخل في باب الأذى، أن يرى فتاة على رأسها جرة ماء ~~كبيرة فيتناولها - الجرة لا الفتاة - ويقلبها على فمه فيأتي على ما فيها، فلما اعترض طريقي ~~دهشت ثم فزعت، ولم يمهلني؛ بل انتزع مني العصا فتركتها له ونجوت بنفسي، وإذا به ~~يكسرها على ركبته، كما يكسر بعضهم عود القصب، وكانت غليظة متينة، فحمدت الله الذي لم ~~يجعلني في يديه بدلها! ~~*** # جلست في بكرة الصباح إلى نافذتي أنظر إلى الطريق وهو يفرش رملا فإنه يوم المحمل، وكان ~~البرد شديدا، وبلغ من قسوته أني كنت أنفخ في يدي وأفركهما وأنا خلف الزجاج، فكيف ~~بهؤلاء المساكين الذين يجرفون الرمل ويفرشونه وما عليهم من الثياب إلا هلاهيل! ولو استطعت ~~لرقدت ودسست نفسي في لحاف، ولكني لا أطيق الفراش بعد أن أفتح عيني على مطلع نهار ~~جديد. ولست أتخذ المواقد للتدفئة أو المراوح للتبريد؛ لأني أكرهها وأخشاها، فإني ضعيف ~~وهنان الكيان، فلا أزال من أجل ذلك أقول في الصيف: ويلي من سمائمه، وفي الشتاء: ألا ~~بعدا لمشتائي! ولا أصنع - لقلة عقلي من فرط خوفي - شيئا ألطف به الوقدة أو أدفع به ~~القرة. # وسيقبل الناس - رجالا ونساء وأطفالا - بعد ساعة أو نحوها، فيزدحم بهم الطريق، ~~ليشهدوا موكب المحمل، وإن كان لا جديد فيه، وستغص الشرفات والنوافذ بالمطلين ~~والمطلات، وسيدق علينا بابنا فنفتحه، ويدخل من نعرف ومن لا نعرف، ~~ويحتلون شرفاتنا ونوافذنا لينظروا وينعموا. وقد قضيت في هذا المسكن اثني عشر عاما ~~وزيادة، ولست أذكر أن رجلا غريبا طرق بابنا ورجا منا أن نأذن له في الفرجة، ولكن ~~المرأة تجترئ وتقدم على ما يحجم ويجبن عنه الرجل. ولم أجترئ أنا قط على سؤال ~~واحدة من هؤلاء الطارقات الغريبات عن هذه الشجاعة: من أين يجئن بها! وقلت: أسأل امرأتي، ~~فلعلها وهي من جنسهن تدري، ولكنها ما استطاعت قط أن تجيبني بأكثر من قولها: «وهل أنا أعرف؟» ~~فأسألها ms28 : «ولكن لماذا أرى الشجاعة تخونك أنت دونهن؟» فتستغرب وتسأل: «ماذا تعني؟» فأقول: ~~«أعني لماذا لا ترديهن عن بيتك ما دمت لا تعرفيهن؟» فتقول: «يا خبر أبيض! وبأي وجه ~~أفعل ذلك؟» فأقول: «بمثل الوجوه التي يتطفلن بها عليك» فتقول: «هذا شيء آخر. إنهن لا ~~يسألننا شيئا سوى أن يقفن في شرفة أو نافذة، فكيف يضيرنا هذا؟!» # فلا أرى فائدة ترجى من هذا الحوار فأقصر، وأبقى في غرفة كتبي لا أبرحها، وإذا كان لا ~~بد من الخروج، أوصدتها ودسست مفتاحها في جيبي. فما أكثر ما استعير من كتبي ولم ~~يرد! وماذا تقول لمن تحلف لك مائة يمين ويمين أنها ستعيد الكتاب بعد يومين اثنين لا ~~أكثر؟! والمصيبة أن كتبي غير مرتبة، وأني لم أضع لها فهرسا، ولست أقيد ما يؤخذ ~~منها، لأنه لا خير في هذا، فإني أنا أنسى أن الكتاب استعير، والذي يستعيره يؤثر أن ~~ينسى أنه عارية ترد. ولكني لا أخجل هذا الخجل حين يكون طالب الاستعارة رجلا، فلماذا يا ~~ترى؟! ألأن الرجل منا لا يطيب له أن يدع امرأة - ولو كانت لا تعنيه - تظن أنه ~~فظ جافي الطباع؟! وأحسب أن الرجل يدور في نفسه - وهو مدرك لذلك أو غير مدرك، سيان - ~~أن كل امرأة صديقة محتملة؛ أي إنها قد تكون في يوم من الأيام صديقة له، فمن سوء ~~التمهيد لذلك اليوم أن يردها ردا سيئا. وليس هذا منطق العقل، ولكنه منطق ~~الطباع، فإن من قلة العقل أن يكلف الرجل نفسه عناء التمهيد لصداقة كل امرأة في هذه ~~الدنيا، ومن قلة العقل أيضا أن يتوهم أن المراضاة هي التمهيد الذي لا تمهيد غيره، فقد تكون ~~الخشونة أفعل وأكفل بأن تبلغ الرجل سؤاله. على أني لا أدري، فما زالت المرأة - ~~فيما أرى - لغزا معقدا لا حل له. # وعلى ذكر الكتب والمكتبة أقول: إن من أغرب ما وقع لي في هذا البيت، أن لصا ~~تسور في ليلة صيفية إلى غرفة نومي، وحمل كل ما على المشجب من ثيابي وثياب امرأتي، وكان ~~حكيما ms29 عاقلا، فلم يحاول أن يفتح خزانة أو صوانا أو غير ذلك، لئلا يحدث صوتا ~~فنستيقظ، ولو عرف ما اتقى ولا بالغ في حذره، فما عندنا شيء ندفع به عن أنفسنا - حتى ~~ولا عصا - وقد سألني أخي بعد ذلك عما كنت خليقا أن أصنع لو كنت غير نائم، فكان ~~جوابي الذي لا أتردد فيه: «كنت أتناوم!» # على أن هذا ليس بيت القصيد، وإنما بيته أن اللص ترك ما كان في جيوبي من أوراق ومفاتيح ~~عند مخبأ في الفضاء الذي يشرف عليه البيت، فجاءنا بها حارس المخبأ فأكبرت في اللص هذا ~~الحرص على نبذ ما لا ينفعه، وحمدت له أنه ألقى بالمفاتيح والأوراق على مقربة من ~~البيت، ولكني لما تأملت المفاتيح ألفيتها ناقصة، فقد أخذ اللعين مفتاح باب ~~المكتب الذي على السلم. فهو إذن ينوي أن يشرفنا بزيارة أخرى! وضحكت وقد خطر لي أن ~~لعله لص عالم، أو من هواة الكتب، ولم يسعني إلا أن أغير القفل. # وأعود إلى المحمل الذي استطردت عنه فأقول: إني سألت نفسي هذا السؤال: «ماذا ترى يفعل ~~هؤلاء الذين يفدون زرافات ووحدانا ليقفوا على الرصيفين المتقابلين في انتظار موكب المحمل ~~إذا علموا أن تاجرا سيشنق بعد ساعة في ميدان باب الخلق - وكان قديما هو الميدان ~~الذي يشنق فيه من يحكم عليهم بالإعدام، وقد رأيت اثنين منهم يشنقان، وكان أحدهما ~~أعمى - لسبب من الأسباب التي توجب الشنق؟ هل ينتظرون المحمل أو يخفون إلى باب ~~الخلق؟!» # وقلت في جواب هذا السؤال: إن الأرجح عندي أن يهرعوا إلى باب الخلق، فإن موكب المحمل ~~منظر مألوف، وإذا مد الله في أجلهم فإنهم يستطيعون أن يروه في موسم الحج ~~المقبل، ثم إن مشاهدته لا تفيدهم شعورا أعمق مما يستفاد من الحفلات العامة. أما شنق ~~رجل في ميدان عام فيحرك عواطف أعمق، فهو أولا قد اعتدى على الجماعة بقتل واحد منها ~~مثلا، وبالخروج على نظامها وقانونها، ثم إنه بما اجترح يعد - إلى حد ما - ثائرا ~~متمردا على الجماعة، فلا يسع الجماعة الوادعة إلا ms30 أن تشعر بمقدار من الإعجاب في ~~سريرة نفسها - وحتى من غير أن تدرك أنها تعجب - بقوته وبأسه وجرأته. ثم إن شنق ~~واحد من الجماعة مظهر لسلطان القانون وسطوته، فهو شيء رهيب له روعة. وأخيرا أحسب أن الشنق ~~العلني يثير ويدفع إلى السطح الخشونة الكامنة في الجماعة، والقسوة الفطرية التي يحجبها ~~الصقل والتهذيب والنظام في العادة، وقد يعرف القارئ أن الجماعة - كجماعة - أخشن ~~وأعنف وأقل رحمة وأدنى مستوى على العموم من الفرد، وقد لا تستطيع وأنت وحدك أن ~~تعتدي على ذبابة، وقد تسقط مغشيا عليك إذا رأيت دجاجة تذبح، وقد لا يطاوعك لسانك ~~على الدوران بكلمة نابية تقولها حتى لأعدى أعدائك، ولكنك وأنت في جمهور كبير تلفى نفسك ~~قادرا على العدوان باللسان واليد على من يعديك الجمهور بسخطه عليه، فإن وجود المرء في ~~جمهور يجعله طوع الروح العام، فيصبح التيار الساري هو المسيطر عليه، لا عقله ولا إرادته. ~~ثم إن اندماجه في خلق كثير يشجعه ويذهب عنه الخوف والجبن، ويطمئنه. وقد رأيت مرة ~~جماعة من الرجال يعابثون امرأة مجنونة معابثة غليظة، ويضحكهم صراخها وعويلها وما ~~تهرف به؛ إذ يجذبون ثيابها ويلوون ذراعيها، ويفعلون غير ذلك مما يصنع القط بالفأر، ~~فزجرتهم فكادوا يتركونها ويعنون بي دونها، وأسمعوني من الكلام أفحشه وأقبحه، ~~فمضيت عنهم وأنا أحدث نفسي أنه لو لقيها واحد منهم بمفرده لكان الأقرب إلى الاحتمال ~~أن يرثي لحالها، وأن يجود عليها ويعطيها مما أعطاه الله. # ورأيت الأعمى يشنق في باب الخلق، وكنت في طريقي إلى المدرسة، فإذا الناس يضحكون ~~ويصفقون وينكتون، ويقذفون المسكين بكل بذيء من القول، حتى النساء زغردن يومئذ، ~~وكن في غير هذا الجمع خليقات أن يبكينه ويندبنه. # ورأيت في عرس قديم - قبل جيل تقريبا - شابا من أولاد البلد يتجمع عليه لفيف من ~~أمثاله ويعرونه من ثيابه - إلا السراويل - وكانت ليلة شتوية باردة، ويرغمونه على ~~الرقص وهم حافون به راصدون له، يحضونه على مواصلة التثني والتلوي ويصفقون، وهو ~~يبكي من الغيظ والخجل مما صار إليه من الذلة، وبقية الناس ms31 يضحكون ويقهقهون وهم وقوف ~~لينظروا، وأصحاب العرس عاجزون عن حماية الفتى المسكين، وأنا أتعجب له! ماذا تراه ~~صنع حتى استحق ذلك؟ ولا أهتدي - على كثرة ما سألت - إلى جواب مريح، فقد كان كل من أسأل ~~يقول: والله لا أعرف! وما داعي أن يعرف؟ أليس حسبه هذا المنظر المسلي؟! # وسمعت وأنا جالس إلى مكتبي أصوات التصفيق، فكان هذا إيذانا بمرور الموكب، فانتظرت ~~دقيقة ثم قمت إلى النافذة أنظر، فإذا الشارع قد خلا إلا من الشرط، والنوافذ ليس فيها ~~وجه واحد يطل! انحسرت الموجة وأعقب المد جزر، وسيمد هذا البحر ~~الإنساني مرة أخرى ويقبل موجه يرجف حين يؤذن الموكب بعودة، فلننتظر. ~~*** # أرى من نافذتي على هذا الرصيف شعوبا شتى لا يبدو لي أنها تتعارف أو تتواطن، وإن ~~كانت تتجاور في حي واحد، ولكل منها حياته الخاصة التي لا تشبه حياة الآخرين، لا ~~في مطعم ولا في ملبس، ولا فيما ينشده إنسان في حياته ويبغيه من دنياه. وأنا إذ أنظر ~~إليها يخيل إلي أني أرحل إلى بلاد بعيدة، وإن كنت لم أبرح مقعدي إلى جانب ~~النافذة، فسبحان ربي الخلاق! أكل هؤلاء المختلفين الذين يأبون أن يأتلفوا ذرية، آدم ~~واحد وحواء مفردة؟! عجيب هذا! على أنه ليس أعجب من أن يكون كل من الرجل والمرأة إنسانا من ~~أصل واحد. وتذكرت قول «لن يوتانج» إنه يتعجب للمرأة كيف تستطيع أن تمشي على قدمين اثنتين ~~وتقاوم ما يغريها من طبيعة جسمها بالمشي على أربع! # وتذكرت ما حدثني به الأستاذ العقاد مرة أنه قرأ لعالم من العلماء، يرجح أن تكون ~~أنثى الإنسان قد انقرضت لأسباب شتى ذكرها، فسطا على أنثى حيوان آخر واتخذها له بديلا ~~من أنثاه؟ # وتذكرت أني لقيت مرة إحدى بنات حواء التي لعلها مظلومة، فسألتني: «إلى أين»؟ # قلت: «إلى الأستاذ العقاد، فهل لك في زيارته معي؟» # وكنت أعرف أنها تعرفه من كتبه فقالت: «وأنا هكذا؟» # وصوبت عينها إلى ثيابها وأجالتها فيها، ورفعت كفها إلى شعرها تسويه. # قلت: «ما لك!» # قالت: «لا زينة، ولا ثياب ms32 جميلة، وشعري منفوش وشكلي ملخبط وحالي اليوم حال». # قلت: «سبحان الله العظيم! ولماذا تخصيني أنا دون خلق الله بمزية هذه اللخبطة؟» # وتعجبت للمرأة، لماذا تعنى أول ما تعنى بمنظرها، وكيف تبدو في عين الرجل ولا ~~يعنيها أن يعجب أول ما يعجب بعقلها، أو أدبها، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى، ~~ولا ترى في هذا زينة كافية لها، أو جمالا هو حسبها ... ولو أن رجلا أثنى على عقل امرأة أو ~~سعة اطلاعها أو حسن أدبها أو حكمتها، أو حزمها في تدبير أمورها، وأمسك وأقصر، ~~لسرها هذا وساءها في آن معا؛ فأما أنه يسرها، فلأنه ثناء والسلام، وكل ثناء ~~حبيب إلى النفس ولو كان بغير الحق. # حدثني صديق ظريف أن رجلا أقبل على وال من ولاة الترك القدماء وراح يمدحه ويذكره ~~بكل خير، ويبدئ ويعيد في صفة عدله وشجاعته ومروءته وسخائه وعقله وأدبه وعلمه ... إلى آخر ~~ذلك، فقال الوالي - وكان مجربا عاقلا -: «اسمع يا بني، إن كل ما قلت في كذب، ~~ولكنه لذيذ، ووقعه في النفس حميد، فأعد يا بني، أعد، وأطل كيف شئت!» # وأعود إلى ما استطردت عنه فأقول: ولكن المرأة خليقة أن يسوءها من مثل هذا المدح أنه لا ~~يمتد إلى ثوبها وحسن تفصيله على قدها الرشيق وجمال لونه أو ألوانه، وبراعة الافتنان في ~~وشيه، أو إلى حذائها ودقته، أو جوربها الرقيق النسج الذي يشف عما تحته، أو شعرها ~~وتصفيفه، أو عقدها أو قرطها، أو عطرها وطيبها، أو حتى وشمها إن كانت ممن يوشمن - على ~~قلتهن. # وإني لأدرك أن هذا راجع إلى وظيفتها في الحياة، فما هي في الأصل بأكثر من أداة للنسل. ~~وإن كان هذا لا يمنع أنها تستطيع أن تجاري الرجال في بعض ما يعالجون. ولكن هذا دليل على ~~ماذا؟ أليس هو الدليل على الاختلاف الأصيل الذي يغري بعض الناس بالقول بأنها مخلوق ~~آخر؟ # وتحت نافذتي اليوم معرض أزياء وأذواق، فإنه الأحد، والساعة العاشرة، والنساء كثيرات على ~~الرصيف في حلل شتى، ومع بعضهن حقائب صغيرة أو سلال ms33 فيها على الأرجح طعام وشراب، ومع ~~بعضهن أزواجهن أو إخوتهن أو أصدقاؤهن، وفيهن العجوز والصغيرة والنصف، ولكنهن جميعا في ~~حفل من الزينة، وليس بينهن مصرية إلا أن تكون عابرة سبيل، ومن أين تجيء المصرية وهي لا ~~تخرج إلا لقضاء حاجة أو زيارة أو سينما أو نحو ذلك، ولا تحسن أن تقضي ساعات الراحة أو ~~يومها أو أيامها إلا في بيتها، وفي مباذلها؟ ومن المصريات من لسن كذلك، ولكن هؤلاء ~~نادرات، والنادر لا حكم له ولا قياس عليه. # وتساءلت - وعيني على هذه الثياب الحسنة - عن المصرية - في الأغلب والأعم - كم دقيقة أو ~~ثانية يراها بعلها في مثل هذا الهندام الجميل؟ وقلت في جواب ذلك: إني أحسب أن عامل ~~الترام أو البائع في دكان، أعرف بثياب المرأة من زوجها، وأطول رؤية لها في ~~زينتها. # وإنها لمسكينة معذورة، فما علمها أحد غير ذلك، ولعلها ما كانت لها قدوة غير ~~أم جاهلة. # عرفت فتاة حرة كريمة الأرومة والمنبت، وإن كنت أنا لا أجعل بالي إلى هذه الأصول التي ~~يكثر اللغط بها، ولا أعبأ بها شيئا، ولا أرى الناس إلا سواء، وإن كانوا يبدون ~~متفاوتين أشد التفاوت، وأنا عدو لدود لكل من يرفع طبقة فوق طبقة، ويفرق بين ~~الناس فيقول: هذا كريم الأصل، وهذا لئيمه. # ما علينا. وكانت هذه الفتاة المصرية عصرية مثقفة، وأسلوب حياتها في بيتها على أحدث طراز ~~كما يقولون. # ودعيت إلى الاحتفال بزواجها - أو على الأصح بكتابة العقد - فقد آثر القوم - كما هي ~~العادة - أن يرجئوا ليلة البناء أو الجلوة حتى يعدوا للفتاة ما تجهز به ويحتاج ~~إليه في وجهتها الجديدة. وفي تلك الليلة رأيت ما لا يندر أن يرى مثله؛ ذلك أنهم ~~زوجوا الفتاة هذا الشاب على أن يزوج هو أخاها أخته - بغير مهر في الحالين - وكان ~~هناك طعام وشراب؛ فأما الرجال فكانوا في غرفة وحدهم، وأما النساء فكن في غرفة أخرى، ~~ولكن الباب بين الفريقين مفتوح، وهؤلاء وأولئك يتبادلون الكلام والتحيات والنكات والنظرات، ~~فلا أدري لماذا كان الفصل، إلا أن ms34 يكون السبب أن الرجال وضعت أمامهم رواقيد الشراب ~~وحرم النساء مثل ذلك. على أني كنت أشعر أحيانا بغمزة خفيفة، فألتفت فإذا فتاة صغيرة ~~تبتسم لي، ثم تشب - وإن كنت قصيرا كما يعرف القارئ أو لا يعرف - وتهمس في أذني أن فلانة ~~أو علانة ترجو أن أبعث إليها خلسة بكأس، ولا موجب للإطالة، فإن زجاجات الشراب ما لبثت ~~أن صارت تنتقل علانية من غرفة إلى غرفة. ولعل الباب لو كان موصدا لما كان له غناء. # ومرت بي العروس بعد ذلك، فتحدثنا حينا في أمور شتى، إلى أن أفضى بنا الكلام إلى ~~الأزواج، فخطر لي أن هذه فرصة تغتنم وقلت لها: «اسمعي يا عروسنا الجميلة، إني أكبر من ~~أبيك سنا، وأحسبني أيضا أعرف منه بالحياة وأخبر، فإنه لا يعرف من دنياه إلا البيت ~~والمقهى، فهل تقبلين نصيحة مني؟ احذري أن يراك زوجك صباحا أو ظهرا أو مساء - ~~باختصار في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل - في مباذلك أو في ثياب رثة، أو غير جميلة. ~~فإن بيت الرجل موئله، وهو يجب أن يجد فيه ما يشتهي، فلا تحمليه على المقارنة بين ما ~~يراه في بيته من الرثاثة، وما تأخذه عينه في الطريق من مظاهر الجمال والفتنة، فينكر منك ~~ذلك وينصرف عنك، ويزهد فيك، وتتطلع عينيه إلى سواك. واحرصي على تجديد نفسك له بكل وسيلة ~~حتى لا يمل، فإن الملل شر آفة. والمهم أن يجد عندك ومنك كل ما يتطلب، ولا ~~يشعر بحاجة يخطئها أو لا ينالها في بيته ويضطر أن ينشدها خارجه.» # ومضى عامان، ولم أر وجهها في خلالهما، ثم زارتني مرة أخرى، وأخبرتني أن لها في ~~بيت أبيها أياما، وأنها «غاضبة»، فسألتها عن السبب فتلعثمت وتلجلجت، فأعفيتها من ~~الجواب. فقد خمنت السبب في جملته، وعلى وجه العموم، وقلت لها: «هل عملت بما نصحت ~~لك به؟» # قالت: «نعم، بالحرف.» # قلت: «ولا شكوى له أو تأفف أو تبرم من هذه الناحية؟» # قالت: «كلا.» # وقلت: «وتحبينه ويحبك؟» # قالت: «نعم.» # قلت: «اسمعي. ما أرى إذن ms35 إلا أنك تفسدين حياتك بعنادك وقلة عقلك. ألم أقل لك احذري ~~أن تحرميه شيئا فيضطر أن يطلبه خارج بيته، لماذا تقذفين به إلى الشارع وتحوجينه إليه؟ ~~اسمعي مني وارجعي إليه، واعذريني إذا كنت أعظك وأثقل عليك، فإني أضن بك على ~~الخيبة.» # قالت: «ولكن كيف يمكن أن أرجع وهو لا يأتي؟» # قلت: «آه. الكرامة! طيب يا ستي. سأجيئك به فتهيئي للقائه والرجوع معه بلا كلام، وكوني له ~~ومعه على ما يحب.» # وأحسبها سعيدة أو راضية، فما رأيتها بعد ذلك، وإن كنت أشتاق إلى المعرفة؛ فإني أحس أني ~~مسئول عنها إلى حد ما؛ ألست قد علمتها ما تعلمت؟! ~~*** # ماذا وراء هذا الظاهر الذي يبدو لنا أو الذي تدركه حواسنا؟ أو ما هي الحقيقة الكامنة ~~وراء هذه الظواهر التي نحسها أو نجتليها؟ في هذا ذهبت أفكر يوما، وأنا جالس إلى ~~نافذتي، فقلت لنفسي: إن الله - جلت قدرته - قد خلق لنا عيونا تشبه عدسة آلة ~~التصوير، ولو شاء غير ذلك لكان له تعالى ما أراد، وكان من الممكن أن يجعلها كالمجهر الذي ~~ترى به الجراثيم وما إليها مما لا يتبدى لعيوننا العارية. ولو فعل - جل وعلا - ~~ذلك لاختلف الكون فيما ترى عيوننا حينئذ، ولكان غير الذي نراه الآن. ولو شاء لجعل لنا ~~آذانا أقوى فسمعنا أصواتا كثيرة من حيث لا نحس الآن إلا السكون التام. ولكان يسعه ~~سبحانه أيضا أن يزودنا بحواس أخرى غير الخمس التي آتانا إياها، ورزقنا عشرا ~~مثلا، فنصبح بها عمالقة، ونرتفع بفضلها فوق طبقة البشرية - كما نعهدها في أنفسنا. # وذهبت أفكر في قصور حواسنا، وقلة جدواها، وخطأ ما تفيدنا من العلم، فقلت لنفسي: ~~إن العين العارية ترى مثلا سطحا مستويا، ولا تستطيع - على فرط التحديق - أن تتبين إلا ~~أنه أملس ناعم مصقول، ولكنا لو جئنا بميكروسكوب قوي، ونظرنا به، لوجدنا هذا ~~السطح الذي بدا لنا ناعما أملس، مضرسا وعرا غير مستو ذا تلال وأودية، فأيهما أولى ~~بالتصديق؟ العين المجردة أم المجهر الذي يرينا ما لا يسعنا أن نرى. إنه لا ms36 يسعنا في حياتنا ~~العادية إلا أن نأخذ بما ندركه بهذه الحواس القاصرة، ولكنه لا يسعنا أيضا إلا أن نؤمن بصحة ~~ما كشف لنا عنه العلم، وأن نسلم أن لكل شيء في هذه الدنيا وجهين: ظاهرا؛ وهو الذي لا ~~تستطيع الحواس أن تعدوه، وباطنا أو حقيقة؛ وهو الذي يهدينا إليه ما نتوسل به من أدوات ~~العلم الحديث. فنحن لا ندرك سوى جانب يسير محدود، حين تقتصر على ما تفيدنا الحواس، وليس ~~الذي ندركه بحواسنا - بالقياس إلى الحقيقة التي وراء المظهر - إلا كالثياب التي ~~نرتديها، وتنطوي علينا، وتغطينا وتحجبنا. وما تدلنا الحواس إلا على القليل القريب ~~المتناول، والمحجوب عنها أكثر، فلا مفر لنا من توسيع نطاق وعينا جيدا إذا أردنا ~~أن ندرك شيئا ما على حقيقته. # وتذكرت وأنا أفكر في هذا ما كان أستاذنا في المدرسة يقوله لنا فنستغربه، ونصدقه لأن ~~إثباته سهل؛ وذلك أنه إذا كان قطاران يجريان في اتجاه واحد، وبسرعة واحدة، فإن الراكب في ~~أحدهما يخيل إليه أن القطار الآخر ثابت لا حركة له، فلو اكتفى المرء بما يفيده النظر ~~وحده لغلط وركبه الوهم. فلا سبيل إلى الحقيقة إذا كان المعول على الحواس وحدها. ~~وشاهد ذلك حكاية العميان الذين صادفوا فيلا، فوقعت يد أحدهم على خرطومه، ويد ثان على ~~ساقه ... وهكذا، وقال عنه كل منهم ما أفاده إحساسه بالعضو الذي لمسه. # وأنظر إلى بعض الأشياء فأراها ثابتة ولا يبدو أنها تتغير، وألمسها وأتحسسها وأجسها فلا ~~أخرج بغير ذلك، ولا يخالجني شك في استقرارها والتزامها حالة لا تعدوها! ولكن العلم ~~يقول لي: إن في هذه الأجسام التي أراها ثابتة حركة مستمرة، وإن عناصرها المحجوبة لا تنفك ~~تتنقل، وإن ما يسمى «إلكترونات» لا تفتأ تدور، فكأن هذه الأجسام المادية ليست في ~~حقيقتها سوى ميادين نشاط دائم سريع، ويقول العلم أيضا: إنه ليس في هذا الكون المهول كله ~~حالة سكون مطلق، وإن ما يبدو أنه سكون إنما هو وهم وخيال. أو كما يقول أينشتين: إن ~~السكون إنما هو «مظهر» سكون. # فهناك في ms37 كل شيء عناصر دوارة أبدا وعناصر دائمة الاختلاج، حتى الوعي الإنساني نفسه لا ~~يزال في حركة مستمرة من الإحساسات والخوالج والخواطر. وليس لخاطر أو خالجة من الحياة ~~والوجود إلا برهة قصيرة، والخوالج تتلاحق وتتوالى بكثرة لا يأخذها عد، وهي تولد ~~وتموت، كما يولد الناس ويموتون، سوى أن آجالها هنيهات لا تعرف لها - لضآلتها - قياسا ~~زمنيا. # ثم ماذا؟ ماذا يؤدي بنا إليه العلم الحديث والفلسفة الجديدة، أو قل: التفكير القويم ~~المنهج؟ إن خواطرنا ليس لها وجود ثابت أو بقاء، وهي تذهب ويخلفها غيرها مما يشبهها، ~~ولكنه لا يطابقها، ومن هنا يتولد إحساسنا بالاستمرار. ومن هنا أيضا يمكن أن نقول: إن الكون ~~ليس في حالة ثبات، بل في حالة صيرورة مستمرة، لأن الحركة تنطوي على تغير، فهذا الكون الذي ~~يبدو لنا ثابتا ركينا متينا وطيدا، هو في الحقيقة حركة جارية - بهذا يقول العقل وبغيره ~~تنبئنا الحواس. # ويخيل إلى من يتتبع العلم الحديث أنه تناول المادة وفتحها فألفاها ~~خاوية، فإنها - على قوله - ليست إلا إلكترونات تتحرك ولا تفتر. ومؤدى هذا أن الأرض التي ~~نمشي عليها ونبني فوقها ونزرعها ونأكل ثمارها وننعم بخيراتها، فضاء فارغ، وأن حواسنا هي ~~التي توهمنا أنها مادة متماسكة. ذلك أن العلم الحديث يقسم الذرة التي كانت لا تنقسم، ~~ويقول: إنها «موجات». وتسأل: موجات! لماذا؟ فيجيبك العلم: إنها على التحقيق ليست موجات ~~لمادة، وإنما هي موجات لنشاط. فليس الكون إذن مادة، وإنما هو حالات تحدث وتتعاقب، ~~ونحن نعيش في كون عبارة عن «قوة» دائمة الحركة، وأعجب ما فيها أنها تبدو لنا شيئا أو ~~مادة. # وتسأل عن «النشاط» فلا تهتدي إليه في ذاته، وإنما يقولون لك: إن مظاهره هي الصوت ~~والحرارة والضوء ... إلخ. أما النشاط نفسه، النشاط المحض، فما اهتدى إليه أحد؛ لأنه ليس إلا ~~فكرة، وما رآه العلماء والباحثون، وإنما رأوا مظاهره من الصوت والحرارة والضوء ... إلى ~~آخر ذلك، إذ كانوا قد عجزوا إلى الآن عن عزله وتجريده، فهو فرض لا أكثر، ولكنه لم ~~يتبد قط. # والنتيجة؟ النتيجة أنه ليس ms38 ثم وجود مادي، وإنما نحن نفكر ونحس فتبدو لنا هذه الدنيا. ~~ويرقد العقل والإحساس، فتزول هذه الدنيا. فالدنيا موجودة ما بقي العقل في يقظة، وهي تختفي ~~وتفقد وجودها إذا نام العقل أو كف. وليس لشيء في دنيانا وجود مستقل عن عقلنا، ولا ~~حقيقة قائمة بذاتها. وليس من الميسور أن نفصل ما يحيط بنا من العالم الخارجي عن ذواتنا، ~~وإنهما لمنفصلان فيما نحس ونرى، ولكنهما شيء واحد أو مرتبطان، يكونان معا، ويزولان معا، ~~ولا بت للعلاقة بينهما، ولا يمكن أن يحس المرء بنفسه وحدها غير مقرونة إلى ما ~~حولها. ~~••• # ولا داعي للمضي في هذا الضرب من التفكير، فإنه خليق أن يطير العقل، ويعصف باللب. وهل ~~مؤداه إلا أنك لست بشيء، وأنك لا أكثر ولا أقل من مظهر نشاط لإلكترونات، ولا أدري ماذا ~~أيضا ... ولكنه على ثقل وطأته على النفس يفيدنا فهما للحياة قد يكون أقرب إلى الصحة، أو ~~هو على الأقل أصح من فهم القدماء لها، أو أحرى بأن يصرفنا عن الأخذ بما ذهب إليه ~~العلماء السابقون من الآراء والنظريات التي نقضها المحدثون، ولا سيما أينشتين صاحب ~~نظرية النسبية. وقد يجيء غيره من بعده فيهدم ما بناه، ويحاول أن يستظهر برأي جديد، فإن ~~عقولنا محدودة ونظراتنا قاصرة، والأمر كله أمر اجتهاد في التفسير والتعليل. ~~*** # للكاتب الفرنسي المشهور «أندريه موروا» رواية بارعة يسميها «كليما» يصف فيها حياة رجل ~~تزوج امرأة أحبها فأرته النجوم في الظهر الأحمر وسودت عيشه ونغصت ~~حياته، وجعلت من نفسها له عجلا يعبده من دون الله، ثم طلقته وفارقته، ومضت ~~الأيام فأحب امرأة أخرى، وكانت ألين عريكة وأسلس قيادا وأطوع في العنان، وكان ~~دأبها أن تتحرى مرضاته وتتوخى مسرته، ولا تفعل إلا ما تعتقد أنه يرضيه ويريحه، ولم تكن ~~تعصي له أمرا أو تخالف له مشيئة، ويقول «موروا»: إن هذا الرجل وضع بيانا بما ~~يحب وما يكره من هذه المرأة، فكتب في ناحية ما يحب: إنه معجب بإخلاصها ~~ووفائها له، وتعلقها به وحرصها على راحته وهناءته ... إلى آخر ذلك ms39 ، ولكنه يكره منها ~~أنها لا تتشيطن أحيانا، ولا تتدلل عليه، ولا تعذبه، ولا تظهر له الجفوة، ولا تثير ~~غيرته، ولا تحرك حبه الذي يركده الهدوء، والذي يكاد يأسن من فرط السكينة، وأنه ~~يشتهي أن تثير غضبه مرة، أو تبعثه على الحسرة أو الأسف ... إلى آخر هذا أيضا مما تستطيع ~~المرأة أن تتشيطن به وتركب به الرجل، من ضروب العبث الذي تغريها به طبيعتها إذا ساعفتها ~~الدربة وسعة الحيلة. # وأظن أن هذا تصوير صادق لحال الرجل والمرأة. ولعل صاحبنا الذي وصفه «موروا» في روايته قد ~~ألف التعذيب وطال اعتياده عليه، فهو يحن إليه ولا يستطيع أن يروض نفسه على الخلو ~~منه، فإن الإنسان مع الزمن لا يلبث أن ينقلب حزمة من العادات، وهذا هو بعض الفرق بين الشباب ~~والشيخوخة؛ فإن الشاب لا يزال مستعدا للتحول والتنقل، ولكن الكهل يعجز عن ذلك في ~~الأحيان الكثيرة. وأذكر من أمثلة ذلك أن أعصابي أصبحت منظمة على ساعات الليل والنهار. ~~فأنا حين أفتح عيني لأول مرة في الصباح الباكر أعلم أن الساعة السادسة، ولا أحتاج أن أراجع ~~الساعة التي اعتدت أن أدسها تحت الوسادة. وعلى ذكر ذلك أقول: إن النوم لا يواتيني ~~الآن إلا على دقاتها. ولقد تعطلت مرة واحتاجت إلى الإصلاح فأصبت بالأرق. ~~وبلغ من انتظام عاداتي ووقوعها في مواقيتها المضبوطة أن صار في وسع من شاء أن يضبط ~~ساعته علي، كما كان الناس يضبطون ساعاتهم حين يرون «كانت» الفيلسوف الألماني وهو ~~خارج إلى رياضته اليومية، وكل ما هنالك من الفرق أني لست فيلسوفا ولا شبهه. # وأذكر أني قرأت منذ عدة سنوات قصة قد يظنها بعض الناس أدخل في باب المبالغات ~~والتهويلات التي يقصد بها إلى المزاح منها في باب الحقائق الجافة التي تصلح للمعامل. ~~وتلك - على قدر ما أتذكر - أن رجلا كانت له زوجة طويلة اللسان جدا، فكانت ~~تصبحه وتمسيه باللعنات والشتائم، والإهانات والتأنيب المر، والطعن الوجيع، والقدح ~~الجارح. وكان في أول الأمر ينفر من ذلك ويثور عليه، ويهيج بها من فرط الألم ms40 ، فيصب عليها ~~مثل ما تصب عليه، ولكنها كانت أقدر منه، وأطول باعا في الشتم، وأصبر على ~~المواظبة، وأوفر محصولا في باب البذاء، فاستخذى، وألف ذلك على مر الأيام؛ حتى صار لا ~~يواتيه النوم إلا على صوتها المتدفق ببراعات الهجو، ومبتكرات الشتم والقدح واللعن. ثم ~~توفاها الله بعد أربع وعشرين سنة من هذه الحياة، فأقبل عليه آله وإخوانه يهنئونه ~~بالنجاة من لسانها الطويل، ولكن الرجل تضعضع وانهد كيانه وتقوض بنيانه، وتلفت ~~صحته، فراح يعرض نفسه على الأطباء فلم يجده علاجهم، ولم تؤثر فيه ~~منوماتهم. ثم أشار عليه لبق ذكي من أصدقائه، أن يلتمس له زوجة كالأولى، فحار ~~الرجل، ولم يدر أين يجدها. # وراح ينشد طلبته بين الأرامل، إذ كانت الفتيات الأبكار - لعدم خبرتهن - لا يصلحن ~~للاضطلاع بهذه المهمة الجسيمة. وأخيرا جاءه صاحب له، وأبلغه أن امرأة من «الطراز الأول» ~~توفي زوجها عنها أمس فعليه بها. فشرع يتودد إليها، ولم تمض بضعة أشهر حتى فاز بها. ~~ولكنه وجد صوتها ضعيفا لا يبلغه وهو في الحديقة. فصار يحمل كرسيه إليها، ويجلس قبالتها ~~يشرب لعناتها، ويعب فيما يطول به لسانها عب الظمآن، غير أنها لم تكن - مع الأسف - سوى ~~صدى ضعيف لذلك الصوت الزاخر الذي أخرسه الموت. وكانت المرأة تبذل أقصى ما يسعه طوقها ~~نصف ساعة أو نحو ذلك، ثم تحس بالفتور فتمسك، فيفتح الرجل المسكين عينيه ويقول - متسائلا ~~أو مستحثا لها: «أنت هنا يا عزيزتي؟» # فتقول: «وأين كنت تحسبني أيها الغر المغفل؟» # فينشرح صدره ويبدو البشر والسرور في أسارير وجهه، ويعتقد أنه سينام في ليلته نوما ~~هنيئا، ويقول لها: «تكلمي يا عزيزتي فإني مصغ إليك.» # ولكن بئر سفاهتها تكون قد نشفت، وبعد لأي ما تستطيع أن تجود عليه بما يملأ ربع ساعة، ~~فكان الرجل يراها تسكت، فيهز رأسه ويقول لنفسه: «كلا، لقد كانت زوجتي الأولى - عليها ألف ~~رحمة ورحمة - درة يتيمة.» # وكان إذا أراد النوم لا يزال يستحثها ويستثيرها لتسح عليه بالشتم، فيقول لها مثلا ~~حين يبدو عليها الفتور، ويثني رأسها النعاس: «نعم ms41 يا عزيزتي، إن بالي إليك. لقد كنت ~~تحدثينني عن فلانة، وكيف كنت أحملق في وجهها على الطعام ولا أحول نظري عنها ~~إعجابا بجمالها.» # فتهيج به فتمطره صيبا من اللعنات الحرار التي تحيي نفسه وتنعش روحه، ولكن ~~السحابة سرعان ما كانت تقلع ويعود إلى الجو صفاؤه البغيض، وإلى الليل هدوءه الثقيل، وإلى ~~قلب ذلك المسكين حنينه إلى لسان زوجته الأولى، وبذاءتها المحبوبة، فيقول: «هل رأيت فلانة في ~~ثوبها الجديد؟ تالله ما أشد انسجامه على قوامها الرشيق! لقد أخذت قلبي معها حين ~~سلمت علينا البارحة.» # فتكر عليه بنفس متقطع وصوت محشرج من فرط الإعياء، فيرميها بآخر سهم في جعبته ويقول: ~~«أسمعت ما قالت فلانة فيك؟ لشد ما أضحكتني والله.» # فتفتح عينيها وتسأله: «أضحكتك أيها الخائن؟ أتقول أضحكتك أيها الكلب؟» # فيستبشر ويقول: «وكيف لا أضحك وهي تقول: إن لك وجها كالسردينة؟» # ويغمض عينيه ويرهف أذنيه لسماع المشتهى من السباب وليتقي أمواج البذاء الهابطة بسوء القول ~~فيه، ولكن البقية الباقية من قوتها لا تلبث أن تنفد، فيتحسر على النعيم الذي زال، ويظل ~~إلى الصباح أرقا يصعد آهاته وتأوهاته على ما فقد حين ماتت زوجته الأولى، ~~ويتأفف مما صار إليه بعدها من الضيقة في هذه الدنيا التي لا يحسن الناس فيها الشتم ~~المريح. # وهذا مثل سقته بقدر ما ساعفتني الذاكرة كشاهد على فعل العادة، وكيف تثبت ~~وتتأصل مع الزمن، ولا شك أن فيه إسرافا وشططا، ولكن الإسراف هنا ليس من الخطأ، بل المراد ~~به التوكيد. وأعود الآن إلى «موروا» وصاحبه الذي تضجره الراحة، ويسئمه خلو البال من ~~متاعب الحياة الزوجية، فهو يشتهي أن تتدلل زوجته عليه، وتتشيطن أحيانا لتعفيه من ~~الركود، ولتبعث في نفسه الحركة وتثير في قلبه الشعور بالحياة وحبها من طريق الكفاح، ~~فأقول: إني أنا لا أنقم من الحياة الزوجية ما ينقم، وإن كنت لا يسعني إلا الاعتراف بأني ~~أمل أحيانا طول العهد بالراحة، ولكني لا أشتهي - كما يشتهي هو - عذاب القلب ووجع ~~الرأس. ومهما يكن من ذلك فإن الواقع أن شكوى صاحبنا ms42 ليست فردية، وكل رجل - إذا اطلعت ~~على سريرته - يشكو فيما بينه وبين نفسه شيئا من هذا، وكل امرأة - إذا اطلعت على سريرتها - ~~يدور في نفسها الإحساس بالملل من تشابه ألوان الحياة وتكررها وعدم تنوعها، ولو ~~أمكن أن تكون الحياة الزوجية - مع الطول والاستمرار - أكثر تنوعا، وأن تخلو من الاطراد ~~الدائم الممل، وأن يعتور صفحتها - في بعض الأحيان وإلى الحد الكافي فقط - مقدار من ~~الاضطراب يجعلها أنشط وأحفل بالحركة، ويكسبها بعض ما فقدت من الجدة، لصارت ~~أمتع، ولكانت حقيقة بأن تكون أهنأ؛ لأن دوام الحال الواحد يفضي بها إلى الركود، والركود ~~يبلد النفس ويفقدها الشعور بنعيم هذه الحياة، ولكن المصيبة أنك لا تستطيع أن تضع ~~حدا للاضطراب يقف عنده ولا يتعداه، فلست تأمن أن تطغى موجته فتغرق فيها وتسوء ~~العاقبة. على أنه يجب أن يكون مفهوما أن الحياة الزوجية، ليست هي التي يرجع إليها ما يشعر ~~به الرجل والمرأة من الملل والسآمة، فإن كل حالة تطرد وتستمر على وتيرة واحدة تكون ~~باعث ملالة وعلة ضجر، ولذلك يضجر المرء من عمله؛ لا لأن العمل في ذاته يثقل عليه، ~~بل لأنه يرى نفسه يذهب كل يوم إلى مكان واحد من طريق واحد، ويباشر عملا لا يكاد يتغير، ~~في أوقات لا تختلف، وبطريقة لا تتنوع، فتنتفخ مساحره ويشعر بالزهد ويحس بالحاجة ~~إلى تغيير أسلوب حياته كله، وهذه هي مزية الإجازات والبعد زمنا عن العمل الذي يزاوله ~~المرء، ولعل خير ما ينفي الملل عن الحياة الزوجية أن تكون هناك إجازات للزوجين يقضيانها ~~منفردين، فإن ذلك خليق أن يكون أشوق وأشحذ للرغبة، وأبعث على الحنين إلى ~~استئناف الحياة المشتركة. # على أن عقدة العقد في الحياة المشتركة بين الرجل والمرأة ليست هذه، بل مسألة أخرى؛ ~~وتلك أن المخلوقين مختلفان في الحقيقة، ولكل منهما حياته ووظيفته فيها، واختلاف الوظائف ~~في الحياة يؤدي إلى الاختلاف في أساليب التفكير وفي اتجاه الذهن، ومع هذا الاختلاف الجسيم ~~يجب أن يتفق الرجل والمرأة ويتفاهما ويتسايرا ليسعدا، وينبغي أن تطرد ~~حياتهما المشتركة على ms43 الرغم من اختلافها في مجرى واحد. فكيف يتيسر ذلك؟ # هذه هي المسألة كما يقول «هملت»، وحياة الرجل مدارها غريزة المحافظة على الذات؛ لأن ~~عمله في الحياة هو السعي والكفاح والنضال، وهو يستهدف للمصاعب والمهالك والتلف والبوار، ~~ولا يسعه إلا أن يعمل جاهدا لاتقاء ما يعرض له من ذلك، كما يعمل جاهدا للكسب والفوز، ~~ومن هنا قويت غريزة المحافظة على النفس؛ لأن عملها دائم ونشاطها غير منقطع. وللمرأة ~~حياة أخرى ووظيفة غير هذه - إلى الآن على الأقل - وأكبر ما هو معهود فيه إليها هو حفظ ~~النوع والحرص على أن تظل هذه الدنيا عامرة بنسل أبينا آدم. وقد تزاول مثل ما ~~يزاول الرجل، فتسعى وتكافح وتنافس، وتكسب الرزق وتقوم بأود الأسرة، ولكن عملها ~~الأكبر سيظل هذه المحافظة على النسل، ومن هنا قويت في المرأة غريزة المحافظة على ~~النوع، وليس معنى هذا أن غريزة المحافظة على النوع شيء لا يعرفه الرجل، وإنما معناه أن ~~الغريزة الفردية فيه أقوى من أختها، كما أن الغريزة النوعية في المرأة أقوى من الغريزة ~~الفردية، وهذا هو سر الاختلاف بين الجنسين، وهو اختلاف له مظاهره الجسمية، فليس هو من ~~الأوهام، وليس القول به من الآراء التي تحتمل النقض وتتسع للمكابرة. # وهذا الاختلاف في الطبيعة يفضي حتما إلى اختلاف مثله في نظر كل منهما إلى ~~الآخر؛ وأضرب مثلا فأقول: إن حب الرجل للمرأة معناه أنه يريدها خالصة لنفسه لينعم ~~بها وحده، ويستأثر بالمتعة المستفادة من جمالها. أما حب المرأة للرجل فمعناه أنها رأته - ~~بغريزتها لا بعقلها، فلا دخل للعقل هنا - أحق رجل بأن يعينها على أداء وظيفتها، أي: ~~الإتيان بنسل صالح في الدنيا وبقاؤها عامرة بهذا النسل، وهي لا تفكر في ذلك كما لا يفكر ~~الرجل في الأمر؛ لأن العمل والوحي هنا للغريزة لا للفكر. فالرجل يحب نفسه حين يحب ~~المرأة، أما المرأة تسعى للتضحية الكبرى حين تحب الرجل، فهو لهذا أناني في حبه، وهي لهذا ~~مضحية في حبها، وهي تحتمل المكاره في سبيل الحب؛ لأن حبها تضحية كبرى ms44 ، فأولى بها أن ~~تصبر على التضحيات الصغرى. # أما الرجل فهو كما قلت، أناني فلا صبر له على تضحية، ولا احتمال منه لعذاب إلا وهو ~~كاره أو عاجز عن الفوز بالراحة؛ لأن طبيعة حبه لا تسمح له أن يفهم هذه التضحية، ولا ~~تجعله مستعدا لها. وأنا أتكلم عن الأصل لا عما يعرض من الشذوذ. ومن هنا كانت المرأة ~~أوفى، وكان الرجل أغدر، بالمعنى الشائع لا الحقيقي. فإن الوفاء من الرجل إفلاس نفسي، ~~وخيانة لطبيعته التي فطر عليها، أو التي نمت فيه بفضل أسلوب حياته. وهذا هو الأصل، ~~ولذلك رأينا الرجل في تاريخ الإنسانية يتخذ المرأة والمرأتين والثلاث والأربع، وتكون له ~~الجواري فضلا عن الزوجات أو من هن في حكمهن، ولم نر المرأة تتخذ من الرجال - ~~أعني الأزواج - اثنين أو ثلاثة أو أربعة، إلا أن يكون ذلك - أي أن تصاحب غيره - سرا ~~وخفية ولعلة، ولكن الرجل لم يكن يصنع هذا سرا، بل جهرا، وكان يقيمهن في بيت واحد، ~~وكانت المرأة ترضى وتذعن وتسعى سعيها لتكون هي الأثيرة المحبوبة لا الوحيدة، وكان ~~الرجل لا يكف عن الاشتهاء والتطلع إلى غير الموجودات والتبرم بالموجودات، وهذا هو قضاء ~~الطبيعة وحكم الفطرة - أو ما صار كالفطرة - في الرجل والمرأة. # فالوفاء فيما يتعلق بالرجل، أكذوبة ومنافاة للطبيعة كما قلت غير مرة، ولكنه فيما يتعلق ~~بالمرأة، صدق وإخلاص للطبيعة، ومن هنا إن المرأة لا تزال تتهم الرجل بالغدر والتحول ~~والتقلب وقلة الثبات، وهذا هو تفسير الغيرة الشديدة من جانب المرأة، وهي غيرة لا تقاس ~~إليها غيرة الرجل مهما عظمت؛ لأن غيرة الرجل على المرأة هي كغيرته على كل ما يملك، ~~فإذا أمن أن يضيع ملكه لم يبال ما دون ذلك مبالاة تذكر، فغيرته في الكليات لا ~~في الجزئيات والتوافه، ولكن غيرة المرأة مرجعها إلى إدراكها - بغريزتها الذكية التي ~~تهديها في حياتها - أن الرجل لا يستطيع الصبر على الوفاء، ولا يملك إلا أن يتحول ~~ويتقلب في حبه، وإلا أن يصرف قلبه من هنا إلى هناك. فكل حركة منه أو ms45 لفتة نذير منه ~~عندها بوشك هذا التحول وبفقدان ما كان لها عنده من مقام ومنزلة وإيثار، وبعودتها واحدة من ~~مئات الآلاف اللواتي لا يباليهن أو يحفلهن ولا يحسهن أو يفطن إلى وجودهن. فهي غيرة ~~على الوجود وكل ما ينطوي عليه من الحقوق والمزايا، ولذلك لا تنفك مشبوبة مضطرمة. # وقد يتغير كل هذا وتتقارب الطبيعتان تبعا لتغير الزمن الذي دفع بالمرأة إلى ميدان ~~السعي والعمل، وحملها على مشاركة الرجل فيما كان يستأثر به. ولكن حدوث هذا التغيير يحتاج ~~إلى أحقاب طويلة علمها عند الله؛ وإلى أن يحدث هذا التغيير تبقى مشكلة الوفاق قائمة ~~بين الرجل والمرأة، ويبقى عسرها كما هو الآن، وما أظن الحب حينئذ يكون كما هو الآن، بل ~~لا أدري كيف يكون هذا الحب. فإن الاختلاف لا التوافق والتطابق هو الذي يجذب الرجل إلى ~~المرأة، ويجذب المرأة إلى الرجل، فإذا صارا شبيهين وأصبحا ندين وقريعين، فكيف ينشأ ~~بينهما الحب الذي ينشأ الآن؟! # ومشكلة أخرى جاءنا بها العصر الحديث والتطور الجديد في حياة الجنسين وعلاقاتهما. فإن ~~القناعة ترجى مع الحجاب، ولكنها مع السفور والاختلاط عسيرة. ذلك أن المرأة كانت لا ترى ~~إلا رجلها، وكان الرجل لا يكاد يرى إلا امرأته، فإذا رأى غيرها لم يكد يرى إلا الثياب ~~التي هي ملفوفة ومحجوبة تحتها؛ وفي وسعنا أن نقول: على كل حال - مع شيء من التجوز لا يؤثر ~~في القضية - إن الرجل كان مقصورا على امرأته، والمرأة كانت مقصورة على رجلها من حيث ~~الاختلاط والمعايشة وما ينطويان عليه، ولكن الحال اختلف الآن بعد أن برزت المرأة سافرة تغشى ~~المجتمعات، وتختلط بالرجال، وتكون معهم ومثلهم، فالرجل يرى أمامه ما لم يكن يراه، والمرأة ~~كذلك. وقد كان الرجل في نظر المرأة مثلها الكامل؛ لأنها لم تكن تعرف سواه ولم تبل ~~غيره، ولكنه الآن لا يمكن أن يكون مثلها الكامل، لأنها تطلع على حياة غيره كما لم تكن ~~تطلع، وتعرف كيف يكونون في كل حال، غير أن من العبث أن تطمع أمة في حياة كريمة ms46 أو ~~عزيزة، أو ما شئت غير ذلك إذا كان نصفها معطلا محكوما عليه بالسجن والاستعباد والذل وعدم ~~الكفاءة للحياة، مقضيا عليه بالحرمان من الحرية التي هي حق كل موجود، والاستقلال الذي هو ~~ميراث طبيعي للإنسان. ثم إن الحجاب من ناحية أخرى يحرم المرأة الفرص اللازمة لفهم الرجل، ~~وهي لا تستطيع أن تفهمه إلا إذا درسته، ولا سبيل إلى دراسته إلا بالمخالطة والمعاشرة. ~~فإذا امتنع ذلك - وهو يمتنع مع الحجاب - كانت النتيجة أن المرأة تكون مكلفة أن تعاشر ~~مخلوقا لا تفهمه ولا تعرف عنه إلا أنه يأكل مثلها ويشرب، ثم يلبس ويخرج إلى حيث لا تدري ~~على التحقيق، ليعمل ما لا تعرف وما لا تستطيع أن تفهم على وجه جلي. وهي مع ذلك مطالبة ~~بأن ترضيه وتسايره وتوافقه، وتكون معه كما ينبغي في رأيه هو لا رأيها هي. أما كيف ~~تكون معه كما ينبغي فشيء يعلمه هو دونها، ولا أدري كيف يتيسر هذا فإني أراه محالا، ~~ولكن الحجاب كان يقضي به مع ذلك. # وأعود إلى المقارنة التي استطردت عنها فأقول: إنها على خطرها المحقق لها فائدة ~~ومزية محتملة، فإنها خليقة أن تدفع الرجل إلى استكمال النقص الذي فيه، كما أنها خليقة ~~بأن تغري المرأة باكتساب المزايا التي تراها في غيرها من النساء، وهذا عامل رقي ولا ~~شك. ولكن البلاء أن كل إنسان - رجلا كان أو امرأة - عنده من الغرور مقدار كاف جدا. وما ~~من أحد إلا وهو يعتقد أنه خير من غيره وأكمل وأسمى وأرقى وأجمل وأظرف ... إلى آخر ذلك، ~~وكل إنسان قادر على أن يوحي إلى نفسه هذا الاعتقاد ويلح عليها به، حتى تؤمن وينتفي ~~عندها الشك فيه، فإذا أحس نقصا أو عيبا وآلمه الشعور بذلك لم يحاول أن يعالجه، بل ~~راح يحاول أن يعوضه من ناحية أخرى، فإذا كان ضعيف الجسم، مسلوب القوة، التمس سعة ~~الحيلة ... وهكذا. وما دام هذا الغرور في الإنسان - وكل إنسان مغرور - فإنه خليق أن يمنع ~~- إلى حد كبير - ذلك النفع الذي أشرت إليه. # وليست ms47 هذه إلا بعض معضلات المجتمع الإنساني وما تنطوي عليه من الحقائق المحيرة. أما كيف ~~تعالج فشيء لا أعرفه، وأكبر الظن - بل المحقق - أن الجماعة تنظم نفسها بنفسها وفق ~~الأحوال وعلى الأيام، فلا داعي للقلق ولا موجب للخوف من عواقب هذه المشاكل. وقد يسأل ~~سائل: إذن لماذا تصف أمورا لا داعي للقلق من ناحيتها، ولا خوف على المجتمع منها؟ ~~وردي على هذا السؤال أن الأديب عمله الكلام ولو كان فارغا. ولو خلت الدنيا من الكلام ~~الذي لا ضرورة له لكفت ألسنة الناس جميعا - لا الأدباء وحدهم - عن الدوران ثلاثا ~~وعشرين ساعة وتسعا وخمسين دقيقة وسبعا وخمسين ثانية! ~~*** # ألقيت الكتاب وذهبت أفكر. وخير ما أعرفه للكتب من المزية والنفع هو هذا: أنها ~~تفتح لي أبوابا جديدة تفضي إلى رحاب واسعة في عالم الفكر والخيال. وكان الكتاب رواية عن ~~عصر ريشليو، وكان مدارها الدسائس التي لم يكن يفرغ منها. وقلت لنفسي وأنا أضطجع: «هذا ~~رجل عظيم يعد بحق خالق فرنسا الحديثة. وماذا كان ملكه الضعيف يستطيع أن يصنع بغير ~~معونته؟ لا شيء! ومع ذلك كان ريشليو غرض الدسائس كلها. وكان الأشراف جميعا يمقتونه ويكيدون ~~له، إلا من اصطفاهم وانتفعوا بالقرب منه. وكان هم هؤلاء الأشراف أن يحبطوا سعيه. ~~ولو أنه كان أخفق لخسرت فرنسا. ومن يدري! إن الذي يرى النجار يقطع الأخشاب ويفصلها ~~وينجرها قلما يستطيع أن يتخيل المائدة الجميلة التي تحف بها الأسرة وتجلس إليها ~~مغتبطة مسرورة. ولو أن ألواح الخشب وسعها أن تعلم أن ستكون منها هذه المائدة الجميلة ~~النافعة لما وسعها مع ذلك إلا أن تألم لفعل المنشار والفارة وما إلى ذلك من أدوات ~~النجارة وآلاتها، ومن يدري أيضا! لعل هؤلاء الأشراف كانوا يتوهمون أن ريشليو يسيء إلى ~~فرنسا ولا يحسن، أو أنهم هم أقدر منه على نفعها ورفع شأنها وإعلاء مقامها. ومن ~~العسير على كل حال أن يدرك الناس الخير في أثناء العمل له وقبل أن يتم ويتخذ ~~الصورة التي يسهل أن تراها العين ويدركها الفهم!» # وقلت لنفسي أيضا ms48 : «وفي سبيل هذه الغاية، ألم يرتكب ريشليو أخطاء ومظالم وجرائم؟ ولكنه ~~استهان بذلك كله إذا سلمت له الغاية الكبرى واطمأن إلى تحقيقها. وفي سبيل الخير، ما ~~أكثر ما يجني الناس الشر! بل ما أكثر ما يكون الشر هو سبيل الخير! ونحن الآن نقول: إن ~~ريشليو إنما أراد مجد فرنسا، فمن أدرانا أنه لم يكن ينشد المجد الشخصي! أقليل هذا ~~السلطان الذي جمع أعنته في يديه؟ من الذي يسعه أن يجزم بأن بواعثه كانت خالية من ~~العوامل الشخصية، أو أنها كانت كلها شخصية؟ وما البأس على كل حال من اختلاط البواعث العامة ~~بالشخصية؟ أو كيف يمكن أن لا تختلط؟ وكل زمن وكل بلد فيه مثل ما كان في زمن ريشليو ... ~~مناورات ومساع، بعضها شريف والبعض وضيع. ومنافسات تحوج إلى الدس والوقيعة في جملة ما تحوج ~~إليه. # وما هذه الأحزاب السياسية التي نراها؟ أليست صورة أخرى للأشراف الذين عفى على عهدهم ~~الزمن، والذين كانوا لا ينفكون يقتتلون على السلطان والمجد؟! والأحزاب تطلب الحكم وتزعم ~~أنها إنما تبغيه لتخدم بلادها! وإنها لصادقة ولكنها كاذبة أيضا؛ هي صادقة لأن غرور الإنسان ~~يجعله يتصور أنه أقدر ممن عداه، ولأنه لا داعي لأن يفرض المرء أن هذا الحزب أو ذاك ~~إنما ينشد الحكم ويسعى لولاية الأمر ليسيء عمدا، فما يفعل ذلك إلا عدو أو خصم ~~للجماعة كلها أو مضطغن على العالم يريد - كما يقول المتنبي - أن يروي رمحه غير راحم، ~~ولكنها كاذبة حين تزعم أن غايتها الخير للجماعة وحدها، وأنها لا تبغي لنفسها جاها أو ~~سلطانا ولا يعنيها أن تنعم بمزايا الحكم. على أن إرادة الحكم - لما يفيده من المزايا - لا ~~تنفي الإخلاص في إرادة الخير للجماعة والصدق في دعوى التنزه عن المآرب الشخصية. ووجه ~~الصدق والإخلاص هنا أن الإنسان يظل يلهج بخير الجماعة حتى يوحي ذلك إلى نفسه، فيصبح وهو ~~يعتقد أنه لا يبغي إلا هذا الخير العام. وأنه لو جاءه هو خير عن طريق الحكم لزهد فيه ~~وأعرض عنه. فالذي يحسه من نفسه ويعرفه ms49 من غاياته هو هذا الخير للجماعة، والمستور عن ~~عينه بفعل الإيحاء الملح هو المجد الشخصي والمطامع الذاتية. # ومن الناس من لا يمنعه الإيحاء إلى نفسه أن يدرك أن له مآربه وأن يضعها قبالته، وأن ~~يتحرى أن تكون وسائله معينة عليها ومؤدية إليها. ولا سبيل إلى الجزم بشيء، فإن النفوس ~~ليست كتبا تقرأ، وأصحابها كثيرا ما يجهلونها، فكيف بغيرهم؟! وقد يعين على الحكم على ~~الغير أن يتدبر المرء نفسه، ويقيس عليها. ولكن نفس الإنسان شيء معقد جدا ووجوهها ~~مختلفة. ولا أدري كيف تبدو نفوس الناس لهم؟ ولكن الذي أدريه أن نفسي تبدو لي كل يوم بوجه، ~~فأنا أراها تارة تنزع إلى الخير وتارة أخرى تجنح إلى الشر. وتصفو أحيانا حتى ~~ليعجز كل ما في الدنيا والحياة من الأكدار والأحوال أن يعكرها. فكل ما تتلقاه ~~يصفو مثلها من الأخلاط والأقذار. ثم أراها تربد حتى ليسود في عيني نور الضحى، فكل ~~ما أراه من الناس أو أحسه من ناحيتهم لا تأويل له إلا على أسوأ الوجوه! وأحسب أن الناس ~~مثلي؛ فما أنا ببدع في الخلق. أريد أن أقول: إن الحكم على الغير بالقياس إلى النفس لا ~~يؤمن خطؤه ولا يضمن صوابه. وإن العمل الواحد الذي تجعل من نفسك محكا له يمكن أن ~~يبدو لك اليوم سيئا، فإذا تغيرت حالتك النفسية رأيته حسنا لا سوء فيه. فلا سبيل إلى ~~اتخاذ النفس معيارا؛ لأن حالاتها تتعدد وتختلف. # وكل حزب في الدنيا عبارة عن أحزاب شتى، وكل من فيه ينشد البروز والارتقاء إلى القمة، ~~والحرب دائرة أبدا بلا فتور، والسلاح لا يلقى في ليل أو نهار. فهذا يؤخر نفسه ويقدم ~~غيره، ويتخذ من مظهر إنكار الذات وسيلة للكيد لمنافس له. وما يقدم غيره على نفسه ~~إلا ليكون آلة في يده، وتراه لا يكف عن الثناء عليه والشهادة له ليجعله ألين في يده ~~لفرط ما يسره كل ساعة، ويلازمه ولا يفارقه ولا يدعه يغيب عن عينيه لحظة ليأسره بمظهر ~~الإخلاص، وليصبح وجوده إلى جانبه عادة له، وليمنع ms50 أن يتمكن من أذنه غيره. ويرى ~~غيره هذا فيسخطون ويتبرمون ويتجه سعيهم إلى التفرقة، وقد يتعمدون أن يكتموا النصيحة ~~والرأي السديد ليبدو خطل الرجل وصاحبه. وتسأل عن الخير العام للجماعة في كل هذا فلا تراه، ~~وإنما ترى منافسات وأحقادا ودسائس وسعايات لا آخر لها. وتسأل عن إرادة الخير ماذا صنع الله ~~بها؟ فلا تكاد تتبينها. ولكنها هناك مع ذلك، وإن كانت تحجبها هذه المنافسات وقد تضيعها في ~~كثير من الأحيان؛ فإن من سوء الحظ - أو من يدري! فقد تكون الخيرة في الواقع - أن الحياة ~~تقوم على التعادي لا التعاون. وإنما يضطر الإنسان إلى التعاون ليكون أقدر على القتال ~~وأقرب إلى الظفر؛ وليس في الدنيا خير محض ولا شر صرف، وكل منهما ينتج الآخر. ~~على أن الخير والشر ما هما؟ إن الأمر فيهما أمر تقدير راجع إلى الأحوال العارضة. وما ~~أكثر ما رأت الجماعة الخير في شيء ما ثم آمنت بعد قليل أو كثير أنه كان شرا. ~~والعكس يحدث أيضا!» # ونهضت وأنا أقول لنفسي: إن هذه الرواية فارغة، وكل ما فيها أنها تدور على شخصية ريشليو ~~ومنه تكتسب قيمتها. وكذلك الأمم تكتسب قيمتها من الفرد البارز، لا من الملايين ~~الكثيرة الذين تؤلف منهم هذه الكتلة البشرية الخاصة. ولكنها - أعني الرواية - تمثل مع ~~ذلك كل عصر. فما ظهر عظيم أو برز رجل إلا هاجت عليه الأحقاد، وراح يحترب حوله ~~وبسببه الأنصار والأضداد. ومتى رأيت رجلا يحبه الناس أو يبغضونه فاعلم أنه كبير، وليس ~~أتفه ممن لا يتناوله الناس إلا بالاستخفاف، ولا يحسون له لا حبا عظيما ولا مقتا ~~شديدا. ~~*** # أراني في هذه الأيام لا أكاد أعرف لي رأيا في شيء، لا لأني كففت عن التفكير، فلعل ~~الأمر على خلاف ذلك، وعسى أن أكون مسرفا في النظر والتدبر وفي التماس الوجوه المختلفة ~~للأمر الواحد الذي يعرض لي. وإنما ترجع حيرتي إلى أن إطالة النظر تكشف لي كل يوم عن جديد، ~~وإلى أن تدبر النواحي المختلفة تجعل الجزم عسيرا وتغري بالتردد وتدفع إلى الشك ms51 . ومن ~~طال وزنه للأمور وتقصيه لوجوهها وتأمله في البواعث والاحتمالات قل بته - وعمله ~~أيضا - لأن العمل يراد منه الغاية، فلا بد من المجازفة والتعرض لعواقب الخطأ من بعض ~~النواحي. وكل رجل عمل يضطر إلى الأخذ بالأرجح فيما يرى، وإلا تعذر عليه العمل، بل ~~استحال. ورجال الحرب والسياسة والمال والتجارة ومن إليهم لا يسعهم إلا المخاطرة؛ لأن غايتهم ~~ليست الاهتداء إلى الحقيقة، بل بلوغ الغرض. وكثيرا ما أراني أسأل نفسي - لفرط ما أرى من ~~ترددي وحيرتي: «هل أصبحت غير صالح للعمل؟» ولا يسرني ذلك، فأروح أقول: إن قدرة النفس على ~~التكيف لا حد لها فيما أعرف، وإن العمل الذي يحوج إلى سرعة البت والجزم بلا تردد يضطر ~~المرء إلى النزول على مقتضياته. وما أكثر ما تكون مواهب الإنسان كامنة فلا يظهرها إلا ~~انتقال الأحوال به. وأنا مع ترددي بين الآراء أراني مع ذلك أتصرف في مواقف العمل بسرعة ~~وضبط وإحكام. وليس هذا من الثناء على النفس، ولكنه من الواقع الذي أعرفه ~~بالتجربة. # ومن طول حيرتي بين الآراء أصبحت أثق بخطئي ولا أثق بصوابي. وأقدر الضلال في كل ~~ما أنتهي إليه، ولا أطمئن إلى السداد فيه، ومن أجل ذلك لا أزال أراجع نفسي في كل قضية، ~~وأنقض اليوم ما أبرمت بالأمس، ولولا أني معجل في حياتي لكان الأرجح أن أحجم عن ~~المجاهرة برأي مخافة أن أكون قد أخطأت الصواب فيه. وأنا أعزي نفسي - لو أن في هذا ~~عزاء - بقول ويندل هولمز - على ما أذكر: إن الحقيقة «كزهر» النرد، لها أكثر من وجه واحد. ~~فإذا كنت قد رأيت وجها واحدا دون سائر الوجوه فإن لي العذر إذ كان هذا كل ما بدا لي ~~... وأين في الناس من يرى وجوه الحقيقة كلها من كل جانب؟ # ولهذه الحيرة عللها المعقولة؛ فأنا قد ورثت آراء، وأفدت من مخالطة الناس آراء، ~~واكتسبت من الاطلاع آراء، وكنت أسلم بما ورثت واكتسبت وأنا في سن التحصيل، وكنت ~~ربما كابرت بالخلاف فيما أخذته من بيئتي. أما ما كنت أفيده من ms52 الكتب فكنت أتلقاه ~~بالإكبار والإقرار؛ لأني لم أجد من يهديني أو يرشدني. فلا البيت كان لي فيه هذا المعين، ~~ولا المدرسة كنت أجد فيها هذا المعلم الحاذق المرشد. وظل احترامي للكتب على حاله، حتى ~~احتجت في سنة أن أبيعها، وشق علي ذلك في أول الأمر، وكنت لا أكاد أطيق أن أدخل الغرفة ~~التي كانت مرصوصة فيها. وظللت أياما أحس كلما نظرت إلى الرفوف التي خلت مما كان ~~عليها أني فقدت أقرب الناس إلي وأعزهم علي، وأشعر أني مشف على البكاء إذا لم ~~أحول عيني عن هذه الرفوف الخالية. # ولم يكن ما أتحسر عليه زينتها وما أضعته فيها من مال خسرته بالبيع، وإنما كانت ~~الحسرة على فقدان أساتذتي وإخواني. وبقيت بعد ذلك زمنا لا أمر بمكتبة عامة إلا أشحت ~~بوجهي عنها من فرط الألم، وإلا أحسست أن يدا عنيفة تلوي أحشائي وتحاول أن تقتلعها. ~~وكان من غرائب ما حدث أني لبثت أكثر من سنة لا أقتني شيئا من الكتب، كأنما زهدتني ~~الحسرة على ما ضيعت في كل جديد غيره. ومن الغريب أن هذا هو نفس الإحساس الذي عانيته ~~لما توفيت زوجتي، فقد ظللت سنوات لا أطيق أن أنظر إلى وجه امرأة. ثم فتر الألم ~~وخفت وطأته كما هي العادة، وكنت في خلال ذلك قد احتجت أن أنظر بعيني وأفكر بعقلي، ~~فألفيتني أشك في كثير مما كنت أسلم به ولا أكابر فيه، ولا يخطر لي أن أعترض عليه! ~~وتغير الأمر فبعد أن كنت آخذ الآراء من الكتب أو الناس صرت آخذها من الحياة بلا واسطة، ~~وأعرضها على عقلي بلا مؤثر، فاعتدت الاستقلال في النظر والحرية في التفكير، وخلا تفكيري ~~وإحساسي شيئا فشيئا من تأثير الكتب وسواها، وبرزت نفسي بعد طول التضاؤل. ثم أخذت أروض ~~نفسي على التماس الجوانب الأخرى التي تخفى في العادة، فصارت وجوه الحقيقة تتعدد فيما أرى، ~~وألفت ذلك حتى صار هذا ديدني مع الناس، فإذا رأيت من صاحب لي ما يسوءني حاولت أن أضع ~~نفسي في مكانه، وأن أنظر ms53 إلى الأمر بعينه هو، وأن أتمثل بواعثه وإحساساته إلى آخر ذلك، ~~فينتهي الأمر في الأغلب بأن أعذر ولا ألوم. ويذهب الألم أو الغضب أو غير ذلك مما أثار ~~صاحبي بما صنع. # بل ترقيت من هذا إلى ما هو أرفع، فصار نظري إلى الناس نظرا إلى مادة تدرس، لا ~~إلى مخلوقات تعاشر ويصدر عنها ما يسوء أو يسر. ولا شك أن الفعل الحميد يحسن ~~وقعه في النفس، وأن السوء يؤلم أو يغضب، وليس يسعني إلا أن أتلقى ما يكون من الناس ~~بالحمد أو الذم، وبالرضا أو السخط، ولست بإنسان إذا لم يكن هذا شأني. ولكني أعني أني لا ~~أعجل بالذم والسخط، ولا أندفع مع أول الخاطر؛ بل أراجع نفسي وأجيل عيني في الأمر لأراه ~~من ناحية غير الناحية التي طالعتني في البداية، فيتحول الموضوع من عمل أو قول باعث ~~على الرضا أو الامتعاض إلى مادة للتفكير، وتذهب عنه الصبغة الشخصية، فكأني أمتحن نظرية ولست ~~أزن صنع إنسان أساء أو أحسن. # ويخيل إلي الآن أني أعيش في معمل، فكل ما ألقاه في الحياة من خير وشر، وما ~~أجدني أو أجد سواي فيه من جد ولهو، أتناوله بالتحليل والبحث لأستخلص منه ما يتيسر ~~لي استخلاصه من الحقائق. ثم أروح أقيسه إلى تجاربي الأخرى وأقارن وأقابل، ولا أزال ~~أفعل ذلك حتى يهدني التعب. وقلما أهتدي، وكثيرا ما أضل، ولكني لا أسأم ولا ~~أضجر؛ لأن هذا صار متعتي النفسية التي لا أعدل بها متع الدنيا بعد أن وجدت نفسي وعثرت ~~عليها تحت طبقات الكتب التي بعتها، والحمد لله على ما كنت أتوجع وأذم الدنيا من أجله، ~~فلولا أني بعت هذه الكتب لما وجدت نفسي، ولكان الأرجح أن أظل كالذي يعبد ~~أصناما. # والشك حيرة ولكنه حرية. وسعة الأفق خير من ضيقه على الرغم من العناء الذي يكابده المرء من ~~إرسال العين وإدارتها في النواحي الخفية أو البعيدة. وإنه لعذاب، وإن جدواه لقليلة ~~بالقياس إلى الجهد الذي يبذل فيه، ولكنه خير وأمتع من التحجر الذي يؤدي إليه ms54 التسليم ~~بلا نظر. وحسبك من متعته أنه يريك كل يوم جديدا. وقد يكون ما تهتدي إليه وتحسبه ~~جديدا، قديما جدا في الحقيقة، ولكن المتعة في الجهد نفسه لا في النتيجة. والشأن في هذا ~~كالشأن في الألعاب الرياضية، فإن الغاية منها ليست الغلبة والتفوق أو غير ذلك مما يجري هذا ~~المجرى، وإنما العبرة فيها بما تفيده من التدريب وما تكسبه بفضل الجهد الذي تنفقه فيها. ~~ولذتها في مزاولتها لا فيما تنتهي به من الفوز، وإن كان للفوز قيمته ومزيته، ولكنه ليس ~~كل ما تزاول الألعاب من أجله. # ومتى صار كل شيء مادة للدرس والبحث فقد صارت الحياة أوسع وأرحب، وصار المرء كأنه ~~يحلق فوقها وإن كان يخوضها ويعاينها. وهذا ما أروض عليه نفسي الآن؛ أن أكابد الحياة ~~والناس، وأن يسعني مع ذلك أن أقف منها موقف الناظر المتفرج. فكأني اثنان لا واحد؛ أحدهما ~~يعيش ويجرب، ويسعد ويشقى، ويسر ويحزن، ويجد ويهزل، ويفعل ما يفعل الناس غيره، ~~وثانيهما يتلقى هذه التجارب وينشرها أمامه، ويعرضها على عقله ويقارنها ويقابلها ويفحصها، ~~ويضم المتشابه منها بعضه إلى بعض، ويجمع ما يمكن أن يأتلف، ويعمل خياله فيما يراه ناقصا ~~ليملأ الفراغ ويسد الثغرة، ويصنع على العموم ما يصنع الكيمائي في معمله الذي يجري فيه ~~تجاربه، ولا يتأثر بالواقع ولا يعنيه ما عانى منه. وهذا الازدواج عسير ولا شك، ولست أطمع أن ~~أبلغ منه الغاية وأوفي على الأمد، ولكني أطمع أن أوفق في بابه إلى الكفاية مع ~~المواظبة والصبر، ويطمعني في النجاح أن كل إنسان له أكثر من شخصية واحدة وإن كان لا يدري ~~ذلك. # ويثقل على نفسي خاطر واحد يكاد يصدني عن المواظبة، هو ما جدوى ذلك كله؟ ما آخر هذا ~~العناء الذي أراه باطلا؟ آخر ذلك كله معروف. وهل ثم من آخر سوى الفناء؟! ولكني أعود ~~فأقول لنفسي: إن هذا الآخر لا آخر سواه؛ سواء بذل المرء الجهد أم قعد عنه وضن ~~به، فلا فائدة من التقصير ولا ضير من السعي. والحياة أن تحيا، لا ms55 أن تجمد وتركد ~~وتأسن. أما الجدوى فلماذا أعذب نفسي بالسؤال عنها، وما جدوى أي شيء في الحياة؟ إن كل ~~ما أعرفه أني موجود، وأني وهبت قدرة على الإحساس والتفكير، فكيف أعطل هذه المواهب ~~وأبطل عملها؟ وكيف يمكن أن أنعم بالوجود وأتمتع بالشعور به وأنا أعطل ما ~~أعطيت؟! ويعرف الجدوى من أعطاني، فلندع ذلك له فهو أعرف به. ~~*** ~~«ألا تعرفني ما هذا الجديد؟» # ولم يكن كلامنا في الأدب أو الفنون، وإنما كانت المساكن والأحياء هي مدار الحديث، وكان ~~الرجل يناهز الستين، ولكنه في نشاط ابن العشرين، وأنا آنس به وأسكن إليه، ويسرني أن ~~أجلس بين يديه وأصغي - أو لعل الأصح أن أقول أنظر - إلى عباب حديثه المتحدر، فقد كان ~~يذكرني بالبحر، ويروعني مثله بمثل فيضه الزاخر. # فقلت له: «يا سيدي، العارف لا يعرف، ولكني أستأذنك في أن أقول لك: إنكما جيلان - أنت ~~وبنوك - ومن حقك أن تتبرم بهم وتسخط على نزعتهم في الحياة، وتستسخف مطالبهم وغاياتهم ~~منها، أنت حر في ذلك، ولكن من حقهم أيضا أن يضجروا منك؛ لأنهم ينزعون غير نزعتك، وأن ~~يطلبوا من الحياة غير ما تطلب؛ لأن وجوهها اختلفت. وأظن أن هذا عدل!» # فصاح بي: «عدل؟! كيف تقول؟! أعدل أن يخرجوني من بيتي ويحملوني إلى حي أنا فيه ~~غريب لا أشعر إلا بالوحشة، ويقصوني عن أحبابي وأصحابي وعشراء الصبا وأخدان العمر ~~كله؟ ما عيب بيتنا بالله؟! إني لست متعنتا. أنت تعرف بيتنا فهل فيه عيب؟!» # قلت: «كلا، وأشهد أن لا عيب فيه؛ واسع وصحي وأسباب الراحة فيه موفورة. نعم لا عيب فيه، ~~ولكني أعترف بأني لو كنت ابنك لما فعلت إلا ما فعل بنوك؛ أي: لخرجت منه.» # فقال: «أنت كنت تفعل ذلك؟ حاشا لله! إنك عاقل.» # قلت: «المسألة ليست مسألة عقل، وإنما هي مسألة حياة تغيرت وجوهها، وزمن اختلفت ~~المطالب فيه.» # قال: «إني أجادلهم كل يوم، الكلام في هذا لا ينتهي بيننا ...» # قلت: «وهذا أحسن، وجدتم على الأقل موضوعا للكلام لا تخشون أن ينضب ~~معينه.» # قال: «اسمع. إني ms56 رجل كبير، وقد أديت واجبي، وربيت أبنائي، وهم الآن رجال يعتمدون على ~~أنفسهم ولا يحتاجون إلي. فرغت من هذا الأمر، وأحب أن أقضي ما بقي من عمري في بيتي ... ~~بيتي أنا؛ البيت الذي ورثته عن أبي وقضيت فيه خير عمري - بل عمري كله - وحولي ~~جيراني؛ أعرفهم ويعرفونني، وأستطيع أن أجدهم عند الحاجة. لقد رفسني حمار في الطريق ~~فأغمي علي، فلما أفقت ألفيتني في بيتي على سريري. هل تعرف من حملني؟ جيراني؛ ~~عرفني أهل الحي فحملوني إلى بيتي، لو وقع لي هذا في الحي الجديد الذي نقيم فيه الآن ~~لجاء الإسعاف وحملني إلى المستشفى.» # قلت: «معقول! أنت تفضل أن يحملك جيرانك وأهل حيك إلى بيتك في مثل هذه الحالة، ~~ولكن بنيك يفضلون في مثل هذه الحالة أن يحمل المرء إلى المستشفى، زمنك لم يكن ~~يعرف المستشفيات، فأنت تنكرها وتشفق من أن تحمل إليها، ولعلك تتطير من ~~دخول المستشفى، وعسى أن يكون اسم المستشفى مقرونا في ذهنك بفكرة الموت. ولكن الزمن ~~تغير، والرأي في المستشفيات اختلف، وأبناء هذا الزمن الجديد يؤثرون العلاج في دوره ~~المجعولة له على العلاج في البيوت؛ فالذي تعده أنت مزية يرونه هم نقصا، والذي تراه ~~أنت شرا يعتقدون هم أنه خير، وهذا بعض الفرق بين الزمنين.» # قال: «ولكني كبرت يا سيدي. ماذا يضرهم لو تركوني أقضي الأيام الباقية لي كما ~~أحب؟» # قلت: «إنه لا يضرهم، وثق أنهم لا يأبون عليك ولا يكرهون لك أن تحيا حياتك على ~~هواك، ولكن تيار الزمن حملهم - وحملك معهم - إلى حيث لا تشعر إلا بالقلق وعدم الرضا، ~~والذنب للزمن، لا لهم!» # قال: «إنهم يضحكون مني حين أقول لهم: إن بيتنا قريب من المساجد، فأنا أستطيع بلا عناء أن ~~أزور السيدة نفيسة أو السيدة زينب، وأن أصلي المغرب في سيدنا الحسين، ثم أشرب الشاي المغربي ~~البديع هناك في قهوة من القهوات القديمة، وأنتظر حتى أصلي العشاء، ثم أعود إلى البيت ... ~~يضحكون يا سيدي ويجعلون هذا موضوعا لفكاهاتهم، لا يعجبهم إلا جروبي وشارع عماد الدين ms57 ~~والسينما ...» # قلت: «أنت محق وهم غير مخطئين، لقد فرغت من حياتك أو من واجبك فيها، فأنت تريد أن ~~تفرغ لربك، ولكنهم هم في بداية الأمر وأول مراحل الحياة، ولكل حياة بداية ونهاية، ومن العنت ~~أن تفرض عليهم في البداية الحالات النفسية التي لا تكون إلا في النهاية. وأنت لا ~~تشعر بالحاجة إلى السينما مثلا؛ لأنك لم تعتدها، إذ لم يكن لها في زمنك وجود. وقد ~~عشت بغيرها أكثر عمرك، ففي وسعك بسهولة أن تعيش بقية العمر من غير أن يخطر لك أن السينما ~~لازمة أو أنها ملهاة مستحبة، ولكنهم هم نشئوا في ظلها، فصارت من وجوه حياتهم ~~المألوفة، وأحسبهم حين تعلو بهم السن ويفرغون من أمور الدنيا سيظلون يذهبون إلى السينما ~~كما تذهب أنت الآن إلى المساجد للعبادة، ولن يكونوا حينئذ أقل زهدا في الدنيا أو ~~انصرافا عن باطلها أو ابتغاء لرضى الله. ومن يدري ... فقد تكون هناك يومئذ أشياء جديدة غير ~~السينما يرتادها أبناؤهم، فينكر أبناؤك على أحفادك هذا الشغف بالجديد الذي جاء به الزمن، ~~كما تنكر أنت اليوم على بنيك كلفهم بالسينما ... لكل زمن يا سيدي حكمة، ولكل جيل روحه ~~... ويحسن بالمرء أن يوطن نفسه على ذلك.» # قال: «نعم، نعم ... إني لست جامدا ولا متعنتا، بل أنا أدرك ذلك كله.» # قلت: «إن الإدراك وحده لا يكفي، والمعول في مثل هذه الأمور على العادة لا على ~~الإدراك.» # قال: «صحيح ... ولكني مظلوم ... تصور أني لا أشعر برمضان في هذا الحي ... لا نسمع المدفع، ~~ولا يدق الباب علينا أحد ليوقظنا للسحور ... ولا نسمع الطبلة القديمة ... ولا المؤذن ... لا ... ~~لا شيء من ذلك. وقد احتجنا إلى المنبه لنستيقظ على صوته حتى لا يفوتنا السحور ... تصور هذا ~~... الحق أقول لك: إني كنت لا أشعر أن هذا هو رمضان، ولا أكاد أصدق أن صيامي مقبول! أهذا هو ~~رمضان؟! من يقول هذا؟ أين الأولاد الذين يطوفون بالمصابيح فيها الشموع الموقدة؟ أين صيحات ~~فرحهم وسرورهم بليالي رمضان ... أين السهرات اللذيذة ... سهرات الإخوان في البيوت ... إني ~~أحس ms58 في هذه الشقة الضيقة التي نسكنها أني يتيم ... صحيح!» # قلت: «أولست يتيما؟» # قال: «أعني أني أشعر بوحشة ... والباقي من عمري قليل، وكنت أرجو أن يتركوني أقضيه في بيتي، ~~وبعد أن أموت يمكنهم أن يصنعوا ما شاءوا ... وأظن أن هذا عدل.» # قلت: «عدل! من يدري؟ هل من العدل أن تفرض على ثلاثة أو أربعة ضربا من الحياة لا ~~يوافق إلا واحدا هو أنت! ربما كان العدل أن تحتمل أنت ما يوافق الأربعة ... على الأقل هذا ~~أقرب إلى العدل أو أشبه به، من يدري يا سيدي؟!» # قال: «إني أنظر إلى فائدتهم ... نحن الآن نخسر خمسة جنيهات كل شهر أجرا للسكنى، ولو كنا في ~~بيتنا لاستطعنا أن نقتصد هذا المبلغ، أو أن ننفقه فيما هو أولى وألزم. ألست ~~توافقني؟» # قلت: «تسألني الآن، فجوابي نعم! ولو سألتني قبل عشرين سنة لكان جوابي لا ... الشباب يفعل ~~ما يعجبه، لا ما ينفعه. ينفق بلا حساب؛ لأنه يشعر بفيض الحيوية، ولا يشعر بالحاجة إلى ~~التدبير والاقتصاد ... مليونير! كيف يبالي بالقروش والملاليم؟!» # قال: «ولكن ألا ينبغي أن يفكروا في المستقبل ويعدوا العدة للغد؟» # قلت: «إن هذا يكون أحجى، ولكن الشباب رأسه مثل التليفون؛ أعني أنه يستطيع أن يقصي ~~السماعة عن أذنه ويضعها فلا يسمع إذا هم صوت النذير بالكلام الثقيل.» # قال: «يا شيخ لا تقل هذا، إنه جنون.» # قلت: «صدقت، إنه جنون، ولكنه جنون القوة، والشباب ينفض عن نفسه الهموم كما تنفض عن ~~ثيابك التراب بأصبعك، بلا عناء ولا اكتراث؛ في وسعه ذلك لأن عباب القوة زاخر، والعقل يجيء ~~مع الضعف، والحساب له وقته؛ أوانه عندما يحس المرء بأنه بدأ ينفق من رأس ماله، يا ~~سيدي هل تعرف مهندسا استطاع أن يوصد بوابات الخزان في إبان الفيضان؟ إنما يكون الخزن ~~ويتيسر التدبير عندما تفتر قوة الماء الدافق ويؤمن شر اندفاعه على كيان الخزان، كذلك ~~الإنسان؛ هل كنت تنفق بحساب دقيق في شبابك؟» # فأطرق، فقلت: «إنك تنسى أنك كنت كذلك، لو استطاع الكهول أن يذكروا كيف كانوا في شبابهم ms59 ، ~~ولم يستغرقهم الإحساس بالحاضر وحده لعذروا.» # قال: «يعني أنك موافق على ظلمي؟» # قلت: «اسمع. لو كان أبي حيا لما صبرت على معاشرته، ولا أطقت الحياة معه في ~~بيت واحد وتحت سقف واحد، فأبناؤك خير مني ألف مرة.» # قال: «إن لك أبناء؟» # قلت: «نعم، ولا أسف ولا سرور، وسأعنى بأن أدعهم يحيون حياتهم وحدهم وعلى ~~هواهم حين يستغنون عن هذه التكأة التي هي أنا.» # قال: «إني لا أضيق على أبنائي؛ أنا معهم كأخيهم.» # قلت: «ليس في وسعك أن تضيق عليهم، وحسبك منهم أنهم أكرم من أن يضيقوا ~~عليك، المثل يقول: إنك لا تستطيع أن تأخذ زمانك وزمان غيرك، ولو استطاع الإنسان ذلك لما كان ~~عدلا.» # قال: «صحيح. بس مشوار من العباسية إلى السيدة!» # قلت: «ألا تعلم أن الله خلق الترام؟» # قال: «ولكني أحب المشي؛ مفيد.» # قلت: «في وسعك بفضل أبنائك أن تستفيد جدا الآن من المشي.» # ثم تركني إلى نافذتي أطل منها على الأجيال المتباينة من الناس، وكل له تفكيره في ~~الحياة. ~~*** # هل صحيح ما يقول الشاعر: إن عين الرضا عن كل عيب كليلة؟! لا أدري، فقد صار كل شيء يحيرني، ~~وما من أمر إلا أراني يبدو لي فيه رأيان أو مذهبان، لطول ما عودت نفسي أن أنظر إلى ~~«الجانب الآخر»، فلو أني كنت قاضيا لظلت أحكامي تدور في نفسي ولا يجري بها لساني أو ~~يخطها قلمي. وليس هذا من التردد، فإن من كان ضيق الصدر متنبه الأعصاب مثلي ~~قلما يتردد، وما أكثر ما يؤثر الحزم والبت وإن كان في شك من الصواب كبير. ولكنما ~~هذا من حب الموازنة والرغبة في إنصاف كل جانب من جوانب الرأي. # وقد قلت لنفسي وأنا قاعد أتدبر قول هذا الشاعر القديم: إن أعظم الرضا رضا المرء عن نفسه. ~~أم ترى هذا ليس من الرضا؟ لا أدري أيضا، وأخشى أن أظل لا أدري فلا أخرج بشيء أبدا، ولو ~~أني أعطيت نفس إنسان غيري لما قبلت، ومع ذلك لا تخفى علي عيوبي ونقائصي؛ من ~~مادية وأدبية ومن ms60 بدنية ونفسية أو عقلية، فأنا أعلم أني ... ولكن هل من الضروري أن أفضح ~~نفسي وأهجوها إلى الناس؟ ومن دلائل الرضا عن النفس - على الرغم من الإحاطة بعيوبها، والفطنة ~~إلى مواطن الضعف والنقص فيها - أني أستخف بهذه العيوب، ولا أبالي أن أذكرها، ولا أعبأ ~~شيئا إذا رأيت الناس يعرفونها كما أعرفها. وإني لأدرك بعقلي أنها نقائص ومذام، ولكني ~~أراني أتخذ أحيانا من المعالنة بها مفخرة ومحمدة، ولست أستخف بها في الحقيقة، ~~لكنما أحاول تهوينها على نفسي حتى لا يكربني أمرها، ولأظل محتفظا بحبي لنفسي ~~ورضاي عنها وغروري بها، وحب النفس من حب الحياة. # وتذكرت وأنا أقلب هذا وأديره في رأسي مقالا أو فصلا لأديسون الكاتب الإنجليزي ~~المعروف - أم ترى لا يقرأه أبناء الجيل الجديد؟! - يتصور فيه أن الله - جلت ~~قدرته - أذن للناس أن يخلعوا ويرموا ما لا يرضيهم من أجسامهم، فهذا رمى أنفه، ~~وذاك ألقى بأذنيه، وأخرج الثالث عينيه وقذف بهما، ونزع رابع ساقه وطرحها ... وهكذا، حتى صارت ~~الأعضاء والجوارح المرمية المزهود فيها كوما عاليا. وعاد الله فأذن لهم أن ينتقي كل ~~واحد من هذا الكوم بديلا مما زهد فيه ورماه، فأقبلوا يقلبون ويبحثون، وأخذ كل ~~واحد ما أعجبه ووضعه موضع العضو المنزوع، ثم نظروا بعد ذلك إلى أنفسهم فلم يعجبهم ~~حالهم، ولم يرضوا عن أنفسهم، واستبشعوا ما أخذوا بديلا مما نزلوا عنه، فجأروا بالشكوى ~~إلى الله تعالى، وتوسلوا إليه أن يأذن في أن يسترد كل منهم أعضاءه الأصلية. فتقبل ~~الله دعاءهم رحمة منه بهم، فما أسرع ما خلعوا ما استعاروا، واستعادوا ما كانوا يسخطون عليه ~~ويتبرمون به! # وهذه القصة الخيالية تدل على أن المرء لا يسعه إلا أن يفطن إلى حقيقة نفسه. ولكن إدراكه ~~لعيوبه لا يمنع الحب والإيثار. وأحسب أن من هنا ما يسمونه «مركب النقص» أي: معالجة الإنسان ~~مداراة عيب يثقل على نفسه الشعور به، ومحاولة تعويضه من ناحية أخرى. والمقارنة والامتحان ~~هما باب المعرفة، ولا سبيل إلى هذا الذي يسمى «مركب النقص» إلا بعد المعاناة؛ أي: ~~الامتحان ms61 والمقارنة، ولو امتنعت أسباب المعاناة والمقارنة بينه وبين غيره لما شعر المرء ~~بنقص في نفسه أو في بدنه، ولما أحس الحاجة إلى مداواة النقص وستر العيب بالتماس الصحة ~~أو القوة في ناحية أخرى. # وأراني لا تخفى علي عيوب أبنائي، وهم أحب خلق الله إلي بعد نفسي، كما لا أحتاج أن ~~أقول، فما أعدل بنفسي أحدا. وما أكثر ما سمعت أمي رحمها الله تقول إذا رأتني أشكو ألما، ~~إنها تؤثر أن تكون هي المصابة، وأحيانا كنت أسمعها تدعو الله أن يتوفاها قبلي، ~~فأنكر هذا عليها في سري، وأعجب! كيف يمكن أن يتمنى إنسان أن يموت قبل غيره. هذا ~~إحساس لا أستطيع أن أدعيه. ولو أني خيرت أن أموت قبل أولادي أو أن يموت أولادي ~~قبلي لما رآني أحد أتردد أو أتخير. وربما أظهرت التردد نفاقا وسترا للأنانية ~~الصارخة، ولكن هذا لا يكون مني إلا نفاقا وكذبا على الله والناس، لا أكثر ولا أقل. ~~وكثيرا ما سألت نفسي: أترى الرجل غير المرأة؟ وأنا أومن بأن أمي كانت مخلصة صادقة السريرة، ~~وقد كانت الدنيا كلها لا تعدل عندي قلامة ظفر من أصغر أصبع في رجلها، فهل تراها لو أن الأمر ~~كان جدا لا تتردد في إيثاري على نفسها؟ من يدري؟ الرجل غير المرأة على التحقيق، وشعور ~~الأب غير شعور الأم. هي حملته تسعة أشهر على قلبها، فهي تحس أنه قطعة منها بالمعنى ~~الحرفي لا مجازا، ومن أين يتأتى للرجل مثل هذا الشعور، وهو لم يعان شيئا ولا يدري أكثر ~~من أن امرأته جاءته بغلام أو بنت، قد لا يكون له رغبة فيه أو فيها؟ فأنا أستطيع أن أصدق ~~هذا الإيثار من المرأة، ولكني لا أستطيع أن أصدق أن يكون الرجل مثلها إيثارا لابنه على ~~نفسه - على الأقل فيما يمس الحياة - إلا إذا كانت نسبة عناصر الأنوثة في نفسه ~~كبيرة. # ويحضرني الآن بيت قلته من قصيدة نسيتها، وأظنه كان ختام القصيدة، وهو: # ألا ليتني في الأرض آخر أهلها # فأشهد هذا النحب يقضيه عالم # وعيب ms62 البيت في نظري أن فيه مغالطة واضحة - على الأقل لي - ذلك أني لا أتمنى أن أكون آخر ~~من يبقى في الدنيا لأرى كيف يفنى العالم؛ بل لأني لا أريد أن أترك الدنيا! فإذا كان لا بد ~~من تركها والخروج منها فلتخرب قبلي، أو فليكن موتي هو الإيذان بخرابها وامحاء هذا ~~العالم كله. ولم أستطع وأنا أنظم البيت أن أختزن كل هذا في شطر واحد، فجاء البيت غير ~~دقيق في التعبير عن حقيقة ما في نفسي. # وقد أحببت مرات كثيرة - لا عداد لها في الحقيقة - فإني أبدا كما قال في الأستاذ ~~العقاد: # أنت في مصر دائم التجديد # بين حب عفا وحب جديد # والسبب في ذلك أن عمر الحب عندي لا يطول إلا ساعة أو ساعتين أو ليلة أو ليلتين - إلى ~~أن أمل والسلام - وما من واحدة أحببتها إلا تمنيت على الله أن يهبني القدرة ~~لأصلح بعض ما لا أرضى عنه، فأملأ هذه الساق وأديرها، وأعالج الترهل الذي يبدو لي في ~~الثديين مثلا أو الردفين، وأصلح الأنف، وأخفف النتوء الذي في أرنبته، وأرسم الحاجبين رسما ~~جديدا يكون أقرب إلى ذوقي، وأرابي في التناسب، وأعالج نفسها أيضا علاجي لبدنها ... ~~وهكذا إلى آخره، فما بي حاجة إلى الإطالة، وليس هذا من الاعتراض على خلق الله سبحانه ~~وتعالى، حاشا وكلا، وإنما هو من اشتهاء الكمال كما أتصوره، ولا كمال في الدنيا مع ~~الأسف! # وقد صدق الشاعر في الشطر الثاني من بيته كما لم يصدق في شطره الأول، فما من شك في ~~أن عين السخط تبدي المساوئ. وثم عيون أخرى كثيرة تبدي المساوئ غير عين السخط، وفي ~~وسعنا أن نتسامح مع الشاعر المسكين، وأن نقول: إنه يعني بعين السخط كل عين تبدي ~~المساوئ، وإنه لم يرد القصر ولا التخصيص. # وأسأل نفسي وأنا أكتب هذا الفصل: «ماذا أخطر ببالك هذا البيت؟» والحقيقة أني لا أدري ~~سوى أني أردت أن أكتب كلاما فحضرني هذا البيت، فما أكثر الكلام الفارغ، وما أسرعه إلى ~~اللسان! ~~*** # في كل يوم يصبحني ولداي ms63 بالسؤال عن «الخروف»: أين؟ ومتى يجيء؟ والجواب سهل، وفيه لمن ~~شاء الاقتناع مقنع، فإني أوثر أن يجيء في اللحظة الأخيرة، فلا يقضي في ضيافتي إلا بضع ~~ساعات، ثم يصبح وقد أراحتنا منه السكاكين المسنونة والسواطير الحامية. ولكن الطفل طفل، وليس ~~من المعقول أن تطالبه بأن يشب عن الطوق قبل الأوان. ولو فعلت لآذيت طفولته النضيرة، ~~وقمعت صباه الغض، وأفسدت عليه حياته كلها بعد ذلك. وكل ما يعني الطفل من خروف العيد ~~أنه يلعب به ويتسلى بأن يسمعه يقول: «ماء»، وأن يراه يهم بأن ينطح، وأن له ~~ذيلا يشده منه، وأذنا مسترخية يضع فيها قشة فيهز الخروف رأسه هزا عنيفا. وكثيرا ما ~~يخطر لي وأنا أتدبر حال الأطفال، وما يصدر عنهم، أن الطبيعة البشرية ليس فيها رحمة، وأن كل ~~صفات الخير في الإنسان تكلف. أعط الطفل عصفورا ولا تقل له شيئا، ولا تنبهه ~~إلى واجب الرفق، وانظر ماذا يصنع. # وقد كنا جميعا أطفالا، فنحن نعرف ما يصنعون، ولا نجهل أنهم يربطون رجل العصفور ~~بخيط ويلعبون به، ولا يدركون أنهم يعذبونه، ولا يكادون يصدقون ذلك حين تنبههم إليه ~~وتناشدهم أن يرحموا ضعفه. وليس من القدح في الإنسان أن نقول: إن كل صفة من صفات الخير ~~فيه تكتسب بالرياضة والتدريب والتلقين. والحقيقة أن الإنسان في الأصل ليس أكثر من ~~حيوان، وهو لا يعرف خيرا ولا شرا، وإنما يعرف أنه يطلب الشيء أو ينفر منه مدفوعا إلى ~~ذلك بغرائزه. ولو ترك وشأنه بلا تهذيب أو تثقيف أو صقل لما صنع إلا ما تغريه ~~به هذه الغرائز، ولا ترك إلا ما تغريه بتركه هذه الغرائز أيضا، كالحيوان الأعجم سواء ~~بسواء. ولا عسر في تصور هذا ولا مشقة، فإن الحيوان أمامنا، وعليه نستطيع أن نقيس بلا ~~خوف من الغلط. ومن كان يقول غير هذا فهو لا يتكلم بعقله، بل بهواه، وبشعور الاستنكاف الشخصي ~~من أن يكون هو حيوانا كالقط والخروف والثور والحصان والحمار والذئب والثعلب ... إلخ ... إلخ. ~~ولا محل للاستنكاف والأنفة، فما نتكلم إلا عن الأصل ms64 ... لا على ما أصارنا إليه التهذيب ~~والصقل. ومع ذلك ما على من شاء أن يعرف قيمة الصقل والتهذيب إلا أن يتدبر ما يصدر عن ~~الإنسان حين تجمح به عواطفه وشهواته، ادخل على أرق الناس وألطفهم وأسلسهم طباعا ~~وألينهم عريكة وهو في مجلسه بين إخوانه الذين يوقرونه، والطمه على وجهه لطمة ~~قوية تدير الرأس وتطير العقل، وانظر ما يكون من هذا الإنسان المهذب الرقيق، وتأمل ~~ما يبقى من صقله ودماثته. وقس على هذا سائر ما تحدثه الإحساسات والعواطف ~~العنيفة. # بل الإنسان قد بز كل حيوان في الهمجية والحيوانية؛ لأن ما يفعله الحيوان في مواسم ~~معينة ليس إلا، يفعله الإنسان في كل يوم بإرادته، لا طوعا للغريزة بمجردها. والسباع ~~الضارية مثلا لا تقاتل جماعات منها جماعات أخرى؛ أريد أن أقول: إن جماعات من الذئاب ~~لا تقاتل جماعات أخرى من الذئاب، ولا الكلاب تفعل ذلك، ولا الأسود، ولا الهررة ... إلى ~~آخر هذه الأنواع، ولكن الإنسان وحده من بين الحيوانات جميعا يفعل ذلك الذي نسميه ~~الحرب. # وما الفرق - بالله - بين افتراس الأسد بقرة مسكينة أو غيرها، وبين ذبحنا للأبقار ~~والخراف والعجول؟ كل ما هنالك من الفرق أن الحيوان يفعل ذلك بأسنانه وأظافره ونحن نفعله ~~بالسكين؛ وهو يأكل ما يفترس نيئا ونحن نأكله نيئا أو مطبوخا. فرق في الشكل لا في ~~الطبيعة والجوهر. ونحن بعد أعرف من الحيوان بأساليب الافتراس، وأقدر منه على ~~تذوق لذاته ...! # وأقول للصبي الذي يلح علي بطلب الخروف قبل العيد بأسبوع على الأقل: «إنه للذبح، ~~أليس كذلك؟ ولن نذبحه قبل ذلك، فما حاجتنا به الآن.» # فيعترف ويقول: «ولكن يا بابا» ولا يسعفه وجه - لا - للاعتراض، فيتمتم، ثم يمضي ~~فيقول: «كل الناس اشتروا الخرفان.» # فيخطر لي أن هذا المنطق ليس وقفا على الأطفال، وأننا نحن الكبار أيضا مثلهم، يسوء ~~الواحد منا أن يحرم ما يرى غيره حاصلا عليه. ومن أمثالنا: «كل ما يعجبك والبس ما ~~يعجب الناس» والرجال يقلد بعضهم بعضا وكذلك النساء. والتقليد في النساء أكثر، وهن ~~عليه أجرأ وبه أشد ms65 عناية، وتأمل كيف تنظر المرأة وتقيسها وتدير عينها صراحة في ثيابها ~~وتفصيلها، وفيما على وجهها من أصباغ، وفي طريقة تصفيف شعرها وترجيله ... # وقلت لغلامي: «ولكن أين نضع الخروف المحترم؟ في الشرفة؟» # فقال بلا تردد: «ولم لا؟! ما المانع؟» # آه، ما المانع عنده من وضع الخروف في الشرفة أو على سرير النوم أو في خزانة الثياب؟ ~~إن اللائق وغير اللائق مسألة يكتسب الإنسان الشعور بها والإدراك لها من مبلغ التأثر بتقاليد ~~الجماعة واعتياد الخضوع لها. والجهل بالتقاليد والعادات يعفي الإنسان من الشعور بالحاجة ~~إلى مراعاتها، فالريفي الذي لا يعرف عادات المدن لا يبالي أن يفعل ما يفعله في قريته ~~الصغيرة، ولا يخطر له أنه يأتي شيئا يضحك منه الناس أو يدفعهم إلى الاستنكار والسخط. ~~والطفل الجديد في الدنيا كالريفي الذي يجيء إلى القاهرة أو يذهب إلى باريس أو لندن وهو جاهل ~~بتقاليد الحضارة فيها، فهو لا يستغرب أن يربط الخروف في الشرفة، أو يروح ويجيء في حجرة ~~الاستقبال، أو ينام على السرير، أو يأكل برسيمه في المكتبة. بل الطفل يجد في هذا متعة ~~نادرة، ويضحكه جدا أن يرى الخروف يأكل البرسيم الذي يضعه له على المكتب، وحسبه ~~باعثا على الضحك ومدعاة للتسلية أن هذا خلاف المألوف. # وقلت: «ولكن يا أخي أين ينام خروفك الفاضل؟» # فضحك وقال: «معي، بجانبي.» # فصفق أخوه موافقا. # وفي العام الماضي والذي قبله أذكر أن هذين اللعينين كانا يستيقظان في البكرة المطلولة ~~ويوقظاني أو يزعجاني على الأصح، ويطلبان أن أنهض لأحضر ذبح الخروف؛ وكنت أحتال حتى ~~أقصيهما عني وأقنعهما بتركي لأنام، وكفى بهما شهودا للمذبحة ... # وأحد هذين الغلامين يسقم ويمرض إذا وقعت عينه على قطرة دم، ولكنه يشهد ذبح الخروف ~~وسلخه ويرى دمه يسيل فلا يضطرب ولا يتألم ولا يصيبه سوء، بل يعود من هذه «الفرجة» منشرح ~~الصدر قرير العين، ويظل أياما يتحدث بها ويصف ما كان فيها. # قطرة دم واحدة من سن سقطت في فمه تدير رأسه وتغثي نفسه، وتصده عن الطعام واللعب يوما ~~كاملا على الأقل ms66 ، وملء طشت من دم الخروف يفرحه ويسره! وهو غلام يحزنه أن يسمع ~~أحدا يتوجع، ولكنه لا يبالي ألم الخروف وقشعريرته «وماءاته» حين يقيده الجزار ويضع على ~~رقبته السكين؛ وهو في العادة يأبى أن يأكل لحم حيوان أو طير إذا رآه يقطع في ~~المطبخ، ولكنه يرى سلخ الخروف فلا تتحرك شعرة في رأسه؛ ويرى الساطور يهوي على جسمه ويقطعه ~~فلا يشعر بدوار ولا يصده هذا عن الأكل. # كلا، لم أخطئ حين قلت: إن من يلاحظ الأطفال لا يسعه إلا أن يقول: إن الإنسان لا أكثر ~~ولا أقل من حيوان، وإنه في الحقيقة لا يعرف شرا أو خيرا، وإنما يعرف غرائز يطيعها؛ وما ~~الخير والشر إلا وسيلة لتنظيم جماعة الإنسان لجعل حياتها محتملة بعد أن ارتقى عقل الإنسان ~~عن عقل الحيوان. ~~*** # قلت لصديقي ونحن خارجون من السينما - أو لعلنا كنا داخلين فما أذكر الآن: «يا أخي، أحسب ~~أن من الخسارة علينا أننا خلقنا في هذا الزمان، ولو تأخر بنا الحظ جيلا آخر لكان عيشنا ~~خليقا أن يكون أطيب وأرغد، فإن هذا عصر انتقال لن تستقر فيه الأمور على حد ~~مريح.» # فوافق، واستطردنا إلى حديث آخر، ولكني ظللت أفكر فيما قلت فبدا لي أني أخطأت. ~~ولا نكران أن زمننا هذا زمن انتقال، ولكن هذا حال كل زمان، فما تلزم أمور الحياة حدا ~~تنتهي إليه، ولا تكون قط على حال لا يتغير أو يتبدل، وكل عصر عصر انتقال. والتحول هو ~~قانون الحياة؛ فلا وقوف ولا رجوع لأن هذا وذاك مستحيلان في الحياة. ولو كنا خلقنا في ~~زمن غير هذا - قبله - لكنا أحسسنا ما نحسه الآن من أننا في عصر انتقال، وأننا نعاني ~~من جراء ذلك اضطرابا وقلقا وقيودا كثيرة تثقل علينا، ونعتقد أن الأيام ستصدعها عن الناس ~~وتعفيهم منها، ولتوهمنا أن الناس حينئذ سيكونون أسعد وأرغد عيشا وأكثر حرية وأقل ~~شعورا بالتقلقل والاضطراب، والحيرة بين القديم المشنوء الذي يتزلزل، والجديد المأمول الذي ~~بدت بشائره. # وحضرني وأنا أفكر في هذا مثال قريب، فقد كنا في ms67 الجيل الذي مضى نسخط على الحجاب وما ~~يقتضيه من التفريق بين الرجال والنساء، وكانت بشائر السفور قد بدت، ولكن أملنا ~~يومئذ في إدراك عهده والانتفاع به قبل أن تعلو بنا السن وتفتر الحيوية ويفسد علينا الأمر ~~كله كان يبدو لنا بعيدا. وقد أدركنا زمن السفور بأسرع مما كنا نتصور، ووثبنا إليه في ~~أوجز مما كنا نقدر، وقبل أن ترتفع أسنان وينضب معين الحيوية فينا، غير أنا بعد أن ~~صرنا إلى هذا الحال الجديد الذي كنا نحلم به، ونتطلع إليه، ونتخيل أن الحياة ستكون أهنأ ~~وأطيب، لم نرض ولم نقنع. ولسنا الآن في حاضرنا ننظر إلى ما كان، بل نحن ننظر إلى تيار ~~الزمن واتجاهه، ونقول: إنه ينحدر إلى ساحة من الحرية أوسع وأرحب، ولا سيما بعد أن عرف ~~الإنسان ضبط النسل. والشجرة - كما لا أحتاج أن أقول - تعرف بثمرها، فحيث لا توجد ثمرة ~~لا يخطر للمرء أن هناك شجرة، فهي غير موجودة فيما يعلم، وإن كانت في الواقع هناك. # لا ... لم نخسر بأن خلقنا في هذا الزمان؛ وليست العلة أننا موجودون في زمان دون آخر، بل ~~العلة أن العمر إلى انتهاء، وأن الحياة إلى نفاد، كائنا ما كان الزمن الذي نحن فيه؛ ولا ~~خير في تقطيع النفس حسرات على ما عسى أن يكون الغيب منطويا عليه، وأحجى بالإنسان أن ~~يقصر همه على حاضره، فإنه هو الحقيقة التي يضيع كل شيء إذا هو ضيعها. ومهما ~~يبلغ من اتساع نطاق الحرية في المستقبل فإن حياة الجماعة لا تنتظم إلا بالقيود والحواجز ~~والأسداد. وستظل هناك قيود من ضروب شتى. # ومع ذلك ماذا ينقصنا من الحرية في زماننا هذا؟ ألسنا نصنع ما نحب كما نحب وحينما نحب؟ ~~ولا شك أن هناك قيودا وأغلالا غير قليلة أو هينة، ولكن هذه القيود هي التي تكسب الحياة ~~الطعم وتفيدها المزية والفضيلة. ولست أحاول أن أعزي نفسي بهذا الكلام أو أغالطها به، ~~بل أنا أومن بأن الأمر كما أقول والحال على ما أصف. # وتصور أن الماء المتحدر من ms68 الجبال أو غيرها لم تعترض طريقه الأسداد، ولم ~~يمنعه شيء أن يظل يتدفق وينتشر على وجه الأرض حتى يذهب أو ينتهي إلى البحر، أكان من ~~الممكن في ظنك أن تتكون بحيرة مثلا؟ وقد لا تكون ثم حاجة إلى البحيرة، وقد تحتاج ~~الجماعة في وقت ما إلى محوها من الوجود، ولكن هذا لا يؤثر في القضية، ولا ينفي أن البحيرة ~~إنما تتكون بفضل الأسداد التي يلقاها الماء وهو يجري. # والطيارة التي تحلق في الجو وتنقلنا إلى حيث نحب، وتقصر المسافات، وتطوي الأبعاد، ~~والتي نعدها من آيات هذا العصر، كيف كان يمكن أن تفعل ذلك لولا مقاومة الهواء لدفع ~~المحرك؟ بل كيف كان يتسنى أن تتحرك لولا هذه المقاومة؟! ولست أعرف شيئا في هذه المسائل ~~العلمانية، فإني من أجهل خلقه - سبحانه وتعالى وتنزه عن العبث - ولكني التفت ~~إلى هذا الأمر يوما وكنت في طيارة، وإنا فيها لمسرورون مغتبطون بهذا التحليق. وإذا بها ~~تسقط كالحجر مائة وخمسين قدما - على ما قيل لي فيما بعد - وكانت هنيهة قصيرة جدا، ولكنها ~~على قصرها الشديد كانت أقسى ما جربت في حياتي، فقد أحسست أن قلبي صار في حلقي من ~~فعل السقوط المفاجئ لا من الخوف، فما اتسع الوقت لخوف أو رجاء. ثم عادت الطيارة فمضت بنا ~~في طريقها، وكرت إلى مثل الارتفاع الأول، فلم أفهم سبب هذه السقطة المزعجة؛ فلما ~~نزلنا كدت أنسى أن أسأل عن السر فيما حدث، ولكني تذكرت بعد أن مشيت خطوات، فارتددت إلى ~~الطيار فقلت له: يا أخي، لقد سقطنا في الهواء، فما سبب ذلك؟ قال: هل أحسست شيئا؟ قلت: ~~كيف لا أحس وقد كادت أنفاسي تتقطع؟ قال: لقد صادفنا فراغا. قلت: كيف؟! واستغربت، ~~فبين لي أن بعض طبقات الجو تخلو - لأسباب شتى نسيتها - من الهواء، فتصبح فارغة، فإذا ~~دخلت الطيارة منطقة الفراغ لم تستطع أن تجتازها؛ لأن الهواء هو الذي يعينها بمقاومته على ~~الطيران، ولهذا تسقط حتى تخرج من المنطقة الفارغة فيتيسر لها أن تمضي في طيرانها، وذكر ~~لي أن المنطقة ms69 التي صادفناها كانت من أكبر ما لقي من الفراغ مذ ركب طيارة. # وقد علق بذهني هذا ودار في نفسي من يومئذ، فأضفته إلى ما كنت أعرف من فضل المقاومة، ~~بل ضرورتها، فإني عاجز عن تصور حياة لا يلقى فيها الحي مقاومة. وكيف تكون يا ترى هذه ~~الحياة إذا أمكن أن توجد حياة على هذا النحو؟ لا أدري، ولا أحسب أن أحدا يستطيع أن يزعم أن ~~في وسعه تخيلها ... ماذا يدفع فيها إلى العمل ويغري بالسعي، ويبعث على الطموح؟ الحب ~~الذي هو الوسيلة إلى حفظ النوع في الدنيا، كيف يكون حينئذ ولا مقاومة هناك ولا عائق ولا ~~صعاب، ولا عراقيل ولا حواجز من العرف أو القانون أو غير ذلك؟ أتراه يصبح لهوا وعبثا ~~ومسلاة؟ وكيف تكون له لذة اللهو ومتعة العبث ومزية التسلي وهو لا يمكن أن يوجد أصلا؟ أم ~~ترى ينحط فينقلب مجرد رغبة عارضة واشتهاء زائل بزوال دواعيه الوقتية؟ وكيف تنشأ الرغبة؟ ~~وماذا يشحذ الشهوة ولا شيء هناك من قبيل الموانع؟! # ودع الحب وانظر في غيره واسأل نفسك، ماذا عساك أن تطلب حينئذ ولا عسر هناك ولا عناء ~~ولا خوف من حرمان؟ لأنه لا عقبة هناك ولا صعوبة ولا مقاومة من الأحوال أو الحظ أو الناس أو ~~التنافس، أو غير ذلك مما تكون به المقاومة. # ويطول بي الكلام إذا أنا أحببت أن أتقصى وجوه هذا الأمر. وما الداعي إلى الإطالة والمسألة ~~واضحة. كلا، لم أخسر بأن خلقت في هذا الزمن، ولا خسر أحد شيئا بأن خلق في زمنه؛ ~~وإنما ينظر الإنسان إلى ما هو مستطيع ويقيسه إلى ما يشتهي فيرى البون عظيما والبعد ~~كبيرا والمسافة طويلة بين المطلوب والموجود، فيتوهم أن ذلك إنما كان هكذا؛ لأن في الزمن ~~عيبا وفي أحواله فسادا، وأنه لو كان في زمن آخر لكان حقيقا أن يكون أمله أقرب منالا ~~وسعيه أعظم توفيقا. وهذا وهم كما قلت، فإن رغائب الإنسان في أي زمن أكثر مما ~~يبلغ وينال. والذي يسمح لرغبته بأن تطغى إلى هذا ms70 الحد حتى لتصور أمر الحياة على ~~هذا النحو المقلوب، تكون شهوته أقوى من إدراكه أو إرادته أو أعصابه إذا شئت. ~~*** # وجدت بالتجربة أني لا أستطيع أن أحب كما تريد المرأة من الرجل. ولست أعني أني عاجز عن ~~الحب، فما أعرف لي في هذه الدنيا عملا غير ذلك، فأنا أحب الطعام الجيد والشراب اللذيذ ~~والنوم الهنيء والراحة التامة، وأحب الكتب والصديق الموافق الذي لا ينغص الحياة على ~~صاحبه بطول المخالفة وكثرة المكابرة ودوام الشذوذ. وأحب أشياء كثيرة لا أستطيع أن ~~أحصيها، ولكني أحب نفسي، وهذا هو البلاء الأكبر. وليس هو ببلاء إذا أردت الحق، ولكن ~~المرأة تراه كذلك. وعندها أنك تبيع نفسك حين تحبها. ولا بأس بأن يبيع المرء نفسه أحيانا، ~~ولكن بيعها لا يستلزم أن تترك حبها وتكف عنه. وهل يعقل أن تفيض بحبك على الناس ~~والأشياء ولا تخص نفسك ببعض هذا «الفيضان»؟ غير أن غير المعقول عندك هو المعقول عندها، ~~والذي لا يجوز خلافه ولا صبر لها على سواه، فهي من أجل ذلك تسود عيشك وتريك النجوم في ~~الظهر الأحمر. # على أن الرجل يستطيع أن يخفي حبه لنفسه أو يموهه ويستره بما يحجبه؛ ولا أظن أن في هذا ~~عسرا، فإنه يفعل هذا كل ساعة، ولا يزال يعزو أعماله إلى بواعث أخرى يظنها أشرف وأسمى من ~~حب النفس، فهو مثلا يأكل لا لأنه يشتهي الطعام؛ بل لأن من واجبه أن يحرص على أن يظل قويا ~~قادرا على خدمة النوع الإنساني؛ وقس على هذا. غير أن هناك ما لا سبيل إلى ستره وكتمانه ~~أو تمويهه، إذ من الواضح مثلا أن من العبث أن تنظر إلى اليمين وأن تروح تزعم أنك إنما كنت ~~تنظر إلى الشمال، فإن اتجاه العين لا يخفى، ولفتة الوجه لا مغالطة فيها. فإذا كانت النظرة ~~إلى امرأة وأنت مع أخرى فالويل لك ولست مسئولا عنك. # قالت لي مرة إحداهن وأنا معها - وقد رأت عيني تدور: «بص هنا»، وجذبتني من ذراعي، فقلت ~~وأنا مستغرب: «ولماذا لا أبص هناك؟» قالت ms71 : «كده!» بهذا الإيجاز الذي لا يفيد شيئا، فقلت: ~~«كده يعني ماذا؟» قالت: «كده!» ولم تزد، فضاق صدري، فقد عجزت أن أفهم سر هذا الأمر ~~المتعب أو حكمته، وقلت: «يا ستي، إن الله قد خلق عيني متحركة غير ثابتة، فكيف ~~ألزمها الثبات؛ ثم هبيني استطعت ذلك فلماذا أتكلفه؟» # فقالت: «عيب». # فصحت: «عيب؟ يا خبر أسود!» # فقالت: «لا يليق أن تنظر إلى الفتيات في الطريق.» # ففهمت، ولكني لم أقتنع وقلت: «إن لي على هذا ردا طويلا، فهل تسمحين بأن ~~تسمعيه؟» # قالت بتهكم: «نعم يا سيدي ...» # فتجاوزت عن لهجة السخرية، إذ حسبي موضوع واحد للخلاف، وقلت: «أولا، لماذا تظهر ~~الفتيات لنا معاشر الرجال في الطريق إذا كن لا يردن أن ينظر إليهن أحد؟ ثانيا - ~~وهذا أهم - لماذا يظهرن في حفل من الزينة إذا كان لا يرضيهن أن يدير الرجال فيهن ~~عيونهن؟ ثالثا - وهذا هو الأهم - بأي وجه ألقى الله يوم القيامة إذا كنت أغمض عيني ~~وأتكلف العمى ولا أنظر إلى مخلوقاته التي أبدعها؟ وقد خلق لي عينين فلا عذر لي، ~~ورزقني غير ذلك وسائل القدرة على إدراك معاني الجمال في خلقه سبحانه! أليس من الواضح أن ~~مما يخجلني يوم القيامة أنه تعالى خلقني بصيرا فآثرت العمى، ومحسا مدركا ~~ففضلت الجهل والبلادة؟ ... وأخيرا - لا آخرا - ما الضرر على كل حال من النظر إلى ~~الناس؟ ماذا خسرت الفتاة التي نظرت إليها؟ هل أنا أكلتها بعيني؟ هل نقصت ~~شيئا؟ إني أراها على العكس قد زادت، نعم زادت، لماذا تنظرين إلي هكذا؟ هل نطقت ~~كفرا؟ أقول لك: زادت لأنها استفادت إحساسا جديدا مؤيدا لإحساسها بجمالها، ولو كنت ~~لم أنظر إليها لكانت خليقة أن يساورها الشك فيما تحس من نفسها أو تعتقد، فأنا قد ~~أفدتها راحة البال واطمئنان الخاطر، وإني لجدير بالشكر على هذا، لا اللوم.» # فصاحت بي بعد طول الصمت: «طيب، اسكت بقى.» # فقلت - وأنا ضجر: «هكذا أنتن يا نساء؛ إذا أعوزتكن الحجة قلتن: طيب، اسكت ~~بقى! ولكني لا أنوي أن أسكت «بقى»، فقد مرن لساني على ms72 الدوران، وأنا أحس اليوم أني ~~أوشك أن أقول كلاما بديعا ...» # فصاحت بي: «أنا معك، فكيف تنظر إلى غيري؟» # فقلت - وقد فهمت: «آه! هذه هي المسألة، قولي هذا من الصبح يا ستي، نعم أنت معي ... وإنك ~~لحسبي من عالم الجمال والفتنة، ولو وسعني غير هذا لما كنت حسبي، ولكني قانع غير ~~متذمر؛ غير أنك - مع الأسف - لست كل النساء، وأنت تغنين عن جنسك أحيانا، ولكنك لا ~~تستطيعين أن تغني عن هذا الجنس في كل حين، وليس ذنبي أنك قاصرة.» # فقاطعتني صائحة: «قاصرة؟ ... أشكرك.» # قلت: «نعم، قاصرة عن اختزال جنسك في شخصك الواحد.» # فأبت أن تسمع مني بعد ذلك، فقلت: «لا حول ولا قوة إلا بالله! الأمر لله ... سكتنا يا ~~ستي، فلعلك مسرورة.» # ولكنها لم تكن مسرورة ولم تغفرها لي قط، وأنا أقول: تغفرها بغير تعيين أو تبيين، لأني ~~والله لا أدري إلى هذه الساعة أي شيء أغضبها وأثار نقمتها علي. # وحدث مرة أن كلفتني أن أشتري لها فاكهة، وكنت أعرفها تحب الجوافة حبا جما، ~~فانتقيت حبات طيبة الرائحة ذكية العبق، واشتريت لها فاكهة أخرى، ولكن الجوافة كانت هي ~~المهمة والتي عليها الكلام، وذهبت بحملي إليها ودخلت به حجرة الانتظار، وقلت لخادمتها: ~~«قولي لسيدتك صباح الخير يا نور العيون، لقد حضر سيدك ونن عينك اليمنى - واليسرى أيضا ~~في الحقيقة - ومعه حمل بعير من الجوافة، بل من أبدع أنواعها.» # فذهبت الخادمة وأبلغتها الرسالة، فأطلت تلك من باب غرفتها - بوجهها فقط - وصاحت ~~وهي فرحة: «صحيح؟ جوافة. حلوة؟!» # ففتحت الكيس وأخرجت واحدة ورفعتها بين أصابعي، وأدرتها أمام عينها، ~~فابتسمت ابتسامة السرور وقالت: «حالا، حالا، دقيقة واحدة»، ودخلت. # وبقيت أنا أتمشى في الحجرة، ولم يكن فيها ما يسلي المرء، ولم يكن معي كتاب أقرأه وأزجي ~~به الفراغ، فجعلت أقوم وأقعد، وأنظر تارة في المرآة، وأمسح الطربوش تارة أخرى، وأنفض عنه ما ~~علق به من التراب، ومسحت الحذاء أيضا، مسحته مرتين حتى صار جلده كالمرآة، ~~وحتى حدثتني نفسي أن أخلعه وأنظر إلى وجهي فيه، ولكني خفت أن ms73 تدخل علي وأنا أفعل ~~ذلك، وتأملت الحرير الذي كسيت به الكراسي، ورفعت طرف السجادة وجسستها وفركت ~~وبرها بأصابعي، ثم لم أجد شيئا آخر أصنعه في هذه الغرفة، فانحططت على كرسي كبير ~~وثير، واضطجعت وفي مأمولي إذا نمت أن لا توقظني حين تدخل. ولكني لم أنم؛ لأن رائحة ~~الجوافة الذكية كانت قوية، فقد نسيت الكيس الذي هي فيه مفتوحا فتسور إلى أنفي أريجها، ~~وملأ صدري وأدار رأسي، فأحسست بالجوع، ولكني ضبطت نفسي وشددت على اللجام وقلت: «اللهم ~~اخزك يا شيطان» غير أن الشيطان شديد الغواية قوي الفتنة، فجعل يقول لي: «وما حبة واحدة ~~تأكلها فتنيم بها هذه الثعالب التي تمزق أحشاءك؟» فقلت: «والله لقد صدق اللعين! ~~فلآكل حبة واحدة من الجوافة اللذيذة، ثم إن هذا عدل؛ أحملها وأحرمها! وأكون ~~كالعيس التي يقولون: إنها يقتلها الظمأ وهي تحمل الماء على ظهورها في القرب، أو كالحمار ~~الذي يحمل أسفارا؟» # ومددت يدي إلى الكيس وأنا يقظان كنائم، وتناولت منه من غير أن أنظر إليه، وطابت ~~الجوافة في فمي، فأقبلت عليها آكل وآكل - ولكن بغير احتفال والله - وإذا بصاحبتنا ~~تدخل مؤهلة مرحبة باسطة يدها للسلام، ثم إذا بها تقف في وسط الغرفة الفسيحة وعينها ~~مفتوحة جدا علي فلم أستغرب، فقد كان فمي محشوا وأسناني تعمل دائبة كالليل ~~والنهار. وتنبهت إلى واجبي حين رأيتها تحملق على هذا النحو، فبلعت ما بقي في فمي ~~بسرعة، ومططت عنقي ليسهل الانزلاق - أعني البلع - وانحنيت على الكيس لأتناوله ~~وأقدمه إليها وأسرها به - أعني بالجوافة التي فيه - وإذا به ينطبق بين يدي لأنه ~~فارغ! # والحق أقول إني بهت فما كان يخطر لي في بال أن آكل كل هذه الجوافة؛ ولو أن إنسانا ~~راهنني أن أفعل لفزعت، وأشفقت على نفسي، ولكن هذا الذي لم أكن أحسب أن لي قدرة ~~عليه وقع اتفاقا، وقد سرني هذا في الحقيقة؛ لأنه كان من بواعث الاطمئنان على صحتي، ~~وكان جديرا بها أن تهنئني وتفرح لي، فإن الجوافة كثيرة وهي في السوق أكوام عظيمة، والجيد ~~الطيب ليس ms74 بالقليل، وثمنه شيء تافه لا يستحق الذكر، ولكنها وجمت يا أخي، لا أدري ~~لماذا، ووقفت لا تتحرك، كأنما سمرت إلى الأرض، فأزعجني ذلك وخفت أن يكون قد ~~أصابها شيء - لا قدر الله - وأقبلت عليها أسألها عما جرى لها، فلما أفاقت أشارت بيدها ~~- دون أن تتكلم - أن: اذهب، اذهب ولا ترني وجهك. فاستغربت أن تلقاني بهذه الجفوة ~~بعد ذاك الترحيب والتأهيل والبشر الذي كان يفيض به وجهها وهي مطلة به من بين ~~مصراعي الباب، وتمنيت لو أنها تبقى أبدا ووجهها بين المصراعين ليبقى لي بشرها وحلاوة ~~ابتسامها. # الحق إني لا أفهم النساء، وهل تستطيع أنت أن تفهم كيف يفسد الحال وتقع النبوة بين رجل ~~وامرأة من أجل أقة من الجوافة ثمنها بضعة قروش! إن كنت تفهم هذا فإني أحسدك وأدعو لك ~~بالتوفيق إن شاء الله. ms75