######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.MukhtaratMinQasasInjlizi.Hindawi83702539 #META# Tags: literature #META# ID: 83702539 #META# Title: مختارات من القَصَص الإنجليزي #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ناثانييل هورثون‏ # دفن روجر مالفن‏ # إدجر أللان بو‏ # نبيذ الأمونتيللادو‏ # تشارلز ديكنز‏ # شجرة الميلاد‏ # وليم ويلكي كولنز‏ # السرير الرهيب‏ # وليم هيل هوايت (مارك روذرفورد)‏ # نفس رضية‏ # ريتشارد جارنت‏ # أناندا: صاحب المعجزات‏ # فرنسيس برت هارت‏ # في نطاق من الجمد‏ # هنري جيمس‏ # أربع مقابلات‏ # روبرت لويس ستيفنسون‏ # سيد الباب‏ # أوسكار وايلد‏ # عيد ميلاد الأميرة‏ # جورج جوسنج‏ # رجل فقير‏ # هنري هارلاند‏ # بيت يولالي‏ # وليم سدني بورتر (و. هنري)‏ # تقرير‏ # ه. ج. ولز‏ # آلة الزمان‏ # ناثانييل هورثون‏ # دفن روجر مالفن‏ # إدجر أللان بو‏ # نبيذ الأمونتيللادو‏ # تشارلز ديكنز‏ # شجرة الميلاد‏ # وليم ويلكي كولنز‏ # السرير الرهيب‏ # وليم هيل هوايت (مارك روذرفورد)‏ # نفس رضية‏ # ريتشارد جارنت‏ # أناندا: صاحب المعجزات‏ # فرنسيس برت هارت‏ # في نطاق من الجمد‏ # هنري جيمس‏ # أربع مقابلات‏ # روبرت لويس ستيفنسون‏ # سيد الباب‏ # أوسكار وايلد‏ # عيد ميلاد الأميرة‏ # جورج جوسنج‏ # رجل فقير‏ # هنري هارلاند‏ # بيت يولالي‏ # وليم سدني بورتر (و. هنري)‏ # تقرير‏ # ه. ج. ولز‏ # آلة الزمان‏ # | مختارات من القصص الإنجليزي # | مختارات من القصص الإنجليزي # تأليف # تشارلز ديكنز وآخرين # ترجمة # إبراهيم عبد القادر المازني # | تقديم # بقلم إبراهيم عبد القادر المازني # اختيرت هذه الأقاصيص لطائفة من كتاب القرن الماضي في إنجلترا وأمريكا، وإن كان بعضهم قد ~~امتد به العمر إلى أوائل القرن العشرين. وروعي في الاختيار إبراز أسلوب الكاتب وخصائصه ~~الفنية لا تسلية القارئ، والمراد هو التعريف بالكاتب بهذه الواسطة والإشارة إلى فنه لمن ~~يعنيه التوسع في الدرس، ولم نر أن نترجم لأحد أو نزيد على إثبات سنتي الميلاد والوفاة لأن ~~كل ترجمة في مجموعة كهذه لا تكون إلا موجزة جدا ولا خير في مثل ذلك ولا جدوى. # وقد توخينا في الترجمة مثل ما روعي في الاختيار، أي إبراز أسلوب الكاتب لا أسلوب المترجم. ~~ولم يكن هذا سهلا ولا كان مطلبه هينا لشدة التفاوت، ولكنا تكلفناه وعسى أن نكون وفقنا ~~فيه. وقد حرصنا على التزام الأصل حتى ليمكن أن نقول إن الترجمة حرفية على قدر ما يتيسر ذلك ~~في النقل من لغة إلى أخرى بينهما من ms001 الاختلاف ما بين العربية والإنجليزية، ولم نحذف من ~~الأصل في هذه المجموعة كلها إلا بضعة سطور لا يزيد عددها على عدد أصابع اليدين، وكانت علة ~~الحذف العجز التام عن الاهتداء إلى ما يؤدي معناها - مع شدة تفهمها - في لغتنا العربية وليس ~~هذا نقصا في اللغة العربية ولكنه نقص في المترجم. # وقد استعملت ألفاظا شائعة في عاميتنا، وكان الظن أنها غير صحيحة، ولكني وجدتها مثبتة في ~~كتب اللغة ومستعملة في كتب الأدب، فلم أر مسوغا لهجر هذا الصحيح المأنوس إلى الحوشي أو غير ~~المألوف أو النابي. وما دامت اللفظة قد استطاعت أن تحيا على ألسنة الناس فإنها أحق ~~بالاستعمال من أخرى عجزت عن الحياة فدفنت في المعجمات. وفي اللغة - كما في الأحياء - يبقى ~~الأصلح لا الذي يظنه المتحذلقون الأفصح، وليس المعول في الفصاحة على القدم بل على الوفاء ~~بحاجة التعبير بالقوة المطلوبة أو الجمال المنشود، وسهولة التلقف للمعنى وسرعة التأثر به. ~~وليس هذا تعريفا للفصاحة، وإنما هو إجمال للمطلوب بها. # وقد نبهت على بعض هذه الألفاظ في الهوامش وأهملت التنبيه في الأغلب اكتفاء باليسير من ~~ذلك، وأقول على الجملة إني ما استعملت لفظا غير صحيح، وإن كان محسوبا من العامية إلا لفظة ~~أو اثنتين أجنبيتين شائعتين على الألسنة، لم أجد لهما مقابلا، أو استثقلت مقابلهما، ~~فوضعتهما بين علامات التضمين أو الاقتباس. # وأقول أخيرا إن ما اختير في هذه المجموعة ليس خير ما في الأدب الإنجليزي من نوعه ولكنه ~~من خيره، وعيب كل اختيار هو الاضطرار إلى ترك الأكثر والاجتزاء بالأقل. وكثيرا ما تؤدي ~~الحيرة إلى سوء الاختيار، ولكن القارئ يستطيع أن يكون على يقين أن ما يقرؤه هنا هو - في ~~الأصل إذا لم يكن في الترجمة - من الجيد على كل حال وبشهادة الزمن. # وأحب أن أشكر لجنة التأليف والترجمة والنشر على ما يسرت وأعانت وصبرت. # | ناثانييل هورثون # 1804-1864 # | دفن روجر مالفن # «من الحوادث القليلة التي وقعت في الحرب مع الهنود الحمر، والتي تحتمل بطبيعتها أن ~~تكون موضوعا للقصص الرومانتيكي، تلك الحملة ms002 التي قامت بالدفاع عن الحدود في سنة 1725 ~~وانتهت (بمعركة لافيل) المذكورة. وقد يستطيع الخيال - بترك بعض الظروف وإسقاطها - أن ~~يرى كثيرا مما يستحق الإعجاب في بطولة عصبة قليلة قاتلت ضعفي عددها من العدو في قلب ~~بلاده. وقد كانت البسالة الصريحة التي أبداها الفريقان مطابقة لآراء الحضر في معنى ~~الشجاعة ومقتضياتها، ولم تعدم الفروسية ما لا تخجل أن تسجله من أعمال واحد أو اثنين من ~~المقاتلة. ولم تكن المعركة - على هول عنفها بالذين خاضوا غمارها - مشئومة النتائج ~~للبلاد، فقد ألوت بقوة قبيلة وأفضت إلى السلم فاستقرت سنوات عدة. وقد عني التاريخ ~~والراوية الشعبية - على خلاف العادة - بتفاصيل هذه الواقعة. ونال قائد نفيضة من رجال ~~الحدود من الشهرة الحربية مثل ما يغنمه قائد الجيش المظفر. وفي بعض ما أنا مورده في ~~الصفحات التالية ما سيفطن إليه - على الرغم من الاعتياض من الأسماء الحقيقية أخرى ~~مخترعة - من سمعوا من أفواه الشيوخ بمصير القليلين الذين استطاعوا أن يرجعوا بعد معركة ~~لافيل.» # خفقت أشعة الشمس الطالعة في طلاقة وبهجة على رءوس الأشجار التي رقد تحتها من الليلة ~~البارحة جريحان مكدودان، وكان فراشهما ورق البلوط الذاوي اليبيس المنتثر في مستوى ضيق ~~من الأرض، في ظل صخرة قريبة من ضهر نجوة من تلك النجاء التي تختلف بها وجوه الأرض ~~هناك. وكانت كتلة الصخر التي يذهب سطحها الأملس المستوي في الهواء مقدار خمس عشرة قدما ~~أو عشرين، فوق رأسيهما، كأنها حجر قبر ضخم، وكأن عروقها الجارية كتابة بحروف مجهولة. ~~وكان البلوط وما إليه من الشجر العظيم يحيط بالصخرة في رقعة فسيحة، بدلا من الصنوبر ~~وهو الغرس المألوف في هذه المنطقة. وكان هناك عود أخضر قوي على مقربة من ~~الرجلين. # وكان الجرح البليغ الذي أصاب أكبر الرفيقين قد حرمه من النوم على الأرجح، فما كاد أول ~~شعاع من الشمس يلمس أعلى شجرة، حتى جهد أن يغير رقدته، ثم اعتدل قاعدا. وكانت غضون ~~وجهه العميقة وما شاع من الشيب في رأسه، تدل على أنه جاوز خير شطري العمر. غير ms003 أن متانة ~~أسره كانت خليقة - لولا ما كلفه جرحه - أن تعينه على احتمال التعب كما يحتمله الشاب في ~~عنفوانه. وكان الفتور والإعياء مرتسمين على محياه المتهضم. وكانت نظرة اليأس التي يمد ~~بها بصره في جوف الغابة تنبئ باقتناعه أن رحلته قد شارفت ختامها. ثم أدار عينه إلى ~~رفيقه الراقد إلى جانبه. وكان هذا الشاب - فما بلغ مبالغ الرجال بعد - نائما ورأسه على ~~ذراعه، وكان نومه مضطربا، وكان يخيل إلى الناظر إليه أن ضربان الوجع من جرحه، ~~سيوقظه في كل لحظة من نومه. وكانت يده قابضة على بندقية. وكان الاضطراب العنيف الذي ~~ترتسم مظاهره على معارف وجهه يوقع في الروع أنه يرى في منامه صورة من القتال الذي كان ~~أحد القليلين الذين نجوا منه. وكأنما أطلق في منامه الذي يتراءى له صيحة عميقة عالية، ~~فاختلجت شفتاه بهمسة خافتة. وعلى أن هذا الصوت الخفيض الذي انبعث منه كان كافيا ~~لإزعاجه من رقاده فاستيقظ فجأة، وكان أول ما فعل بعد أن عاد إليه الوعي، وتنبهت ~~الذاكرة، أن أقبل على صاحبه الجريح يسأله عن حاله بلهفة، فهز رفيقه رأسه وقال: «روبن - ~~يا بني - إن هذه الصخرة التي تقعد تحتها حسب ذلك الصائد الكهل والمقاتل القديم صوى ~~لقبره. فما تزال أمامنا أميال عدة، دونها أميال طويلة، من المفاوز التي تنوح فيها ~~الرياح وتعوي، ولن يجديني حتى أن تكون مدخنة بيتي على الجانب الآخر من هذه الهضبة، لقد ~~كانت رصاصة الهندي أفتك مما ظننت.» # فقال الشاب: «إنما أتعبتك مسيرة الأيام الثلاثة. وأخلق بالراحة أن تعيد إليك نفسك ~~وتنعشك، فابق هنا ريثما أجوب هذه الغابة التماسا للأعشاب والجذور لطعامنا، ثم بعد أن ~~تأكل تتكئ علي ونولي وجهنا شطر البيت، فما أشك في أنك بمعونتي تستطيع أن تصل إلى بعض ~~حاميات الحدود.» # فقال الآخر بهدوء: «ليس في دماء يكفي يومين يا روبن، ولن أحملك عبء جسمي الذي لا ~~خير فيه، وأنت لا تكاد تقوى على حمل نفسك. إن جراحك عميقة وقوتك تنضب بسرعة، ولكنك قد ~~تنجو إذا عجلت ms004 بالذهاب، أما أنا فلا أمل لي وسأنتظر الموت هنا.» # فقال روبن بلهجة المصمم: «إذا كان لا بد من هذا فسأبقى وأعنى بك.» # فقال رفيقه: «كلا يا بني، كلا، اجعل لرغبة رجل يجود بأنفاسه وزنا عندك. هات يدك ثم ~~اذهب، وهل تظن أن لحظاتي الأخيرة يخففها علمي أني أتركك للموت البطيء؟ لقد أحببتك كحب ~~الأب يا روبن، وفي مثل هذه الساعة ينبغي أن يكون لي بعض حق الأب وسلطانه، فأنا أدعوك أن ~~تذهب، حتى أقضي نحبي بسلام.» # فقال الشاب: «ومن أجل أنك كنت أبا لي أينبغي لي أن أتركك تموت وتبقى بلا دفن في هذه ~~الفلاة؟ كلا، إذا كان أجلك قد دنا حقا فسأبقى بجانبك، وأتلقى آخر كلماتك، وسأحفر هنا ~~قبرا بجوار الصخرة، فإذا خذلتني قوتي رقدنا فيه معا، أما إذا وهبني الله القوة فسآخذ ~~طريقي إلى البلدة.» # فقال الآخر: «إنهم في المدن وفي حيث تسكن الجماعات من الناس يدفنون الموتى في جوف ~~الأرض، ويحجبونهم عن عيون الأحياء، ولكن هنا - حيث يتفق أن تمضي مائة سنة ولا تدب قدم - ~~لماذا لا أرقد تحت السماء لا تغطيني إلا أوراق البلوط، حيث تنثرها رياح الخريف؟ وإذا ~~كان لا بد مما يذكر بي ويدل على مكاني، فها هنا هذه الصخرة وسأحفر عليها بيدي ~~الضعيفتين اسم «روجر مالفن»، فإذا اجتاز هذه الناحية أحد عرف أن ها هنا يرقد صائد ~~مقاتل، فلا تتلكأ إذن من أجل سخافة كهذه، بل أسرع إن لم يكن من أجلك فمن أجل تلك التي ~~لن تجد مؤاسيا بغير ذلك.» # وكان مالفن ينطق بالكلمات الأخيرة بصوت مضطرب، وكان وقعها في نفس صاحبه واضحا جدا، ~~فأذكرته أن هناك واجبات أخرى أصرح من مشاطرة صاحبه مآله، وأن موته معه لن ينفعه. وليس ~~في الوسع أن يقال إن قلب روبن خلا من كل شعور أناني، وإن كان إدراكه لاضطراب نفسه بهذا ~~الشعور، قد حمله على التشدد في مقاومة الرجاء الذي ألح به عليه زميله. # وقال روبن: «ما أهول أن يقعد المرء منتظرا دلوف الموت إليه ms005 في هذه الوحدة! ... إن ~~الرجل المقدام لا يتهيب الموت في إبان المعركة، وحتى المرأة قد تتلقى الموت وهي ساكنة ~~النفس إذا حف بسريرها الأوداء. ولكن هنا ...» # فقاطعه مالفن قائلا: «لن أفرق من الموت حتى هنا يا روبن بورن. وإني لرجل غير منخوب ~~القلب، ولو أنني كنت ذاك لكان لي عون أوثق من عون الإخوان. وأنت شاب والحياة حبيبة إليك ~~وعزيزة عليك، وأنت في ساعاتك الأخيرة أحوج إلى المواساة مني. واعلم أنك بعد أن تدفنني ~~في جوف الثرى وتمسي مستفردا وحيدا، ويلف الليل هذه الغابة في شملته، ستشعر حينئذ بكل ~~مرارة الموت التي تغيب عنك الآن. على أني لن أحض نفسك الكريمة بدوافع من الأثرة. ~~فاتركني من أجلي أنا ليتسنى لي بعد أن أدعو الله لك بالسلامة، أن أتوجه إليه بقلبي ~~مستغفرا من غير أن تزعجني هموم الدنيا وأحزانها.» # فصاح روبن: «وابنتك؟ كيف أجرؤ أن أنظر إليها؟ ستسألني عن مصير أبيها الذي أقسمت أن ~~أبذل حياتي دونه. فهل أقول لها إنه سار معي ثلاثة أيام من ميدان القتال وإني بعد ذلك ~~تركته يموت في الفلاة؟ أليس خيرا أن أرقد وأموت إلى جانبك من أن أعود سالما وأقول هذا ~~لدوركاس؟» # فقال روجر مالفن: «قل لابنتي إنك على الرغم من جراحك البليغة وضعفك وتعبك قدت خطاي ~~المتعثرة عدة أميال وإنك ما تركتني إلا إجابة لرغبتي الملحة لأني لم أرد أن أحمل تبعة ~~موتك. قل لها إنك على الرغم من الألم والخطر كنت وفيا. وأنه لو كان دم قلبك يستطيع أن ~~ينقذني لأريق في سبيلي إلى آخر قطرة، وقل لها إنك ستكون أحنى عليها من أبيها، وإني أدعو ~~لكما جميعا، وإن عيني اللتين يوشك أن يطبقهما الموت تستطيعان أن تريا طريقا طويلا ~~تسلكانه معا وتحمدان السير فيه.» # وكان مالفن وهو يتكلم قد كاد يرفع نفسه عن الأرض، وكأنما بعثت القوة التي نطق بها ~~العبارة الأخيرة صورة من صور السعادة في هذه الغابة الموحشة، ولكنه تحلل به الإعياء ~~فهوى على فراش الورق فانطفأ النور الذي ms006 التمعت به عينا روبن وأحس كأن من الإثم والجنون ~~أن يفكر في السعادة في مثل هذه اللحظة. وكان صاحبه يلاحظ ما يتعاقب على محياه من ~~المشاعر المختلفة، فأراد أن يحمله بالحيلة الكريمة على ما فيه خيره، ومضى في كلامه ~~فقال: «عسى أن أكون واهما في أجلي، ولعلي إذا أسعفت بالمعونة أبرأ من جراحي، ولا ~~بد أن يكون أسبق اللاجئين قد حملوا قبل الآن أنباء ملحمتنا الوبيلة إلى الحدود، وأحسب ~~أن جماعات قد خرجت لنجدة أمثالنا، فإذا لقيت جماعة منهم وعدت بها إلى هنا فمن يدري؟ ~~لعله يقسم لي أن أجلس مرة أخرى إلى جانب موقدي.» # وطافت ابتسامة حزينة بمحيا هذا الرجل الذي يجود بنفسه وهو يوحي إلى صاحبه بالأمل الذي ~~لا مطمع فيه، وإن كان قد ترك أثره في نفس روبن. وما كان أي باعث من الأثرة، ولا حتى أسى ~~دوركاس وولهها ليغريه بهجر رفيقه في ساعة كهذه، ولكن هوى قلبه تعلق بالأمل في إمكان ~~إنقاذ مالفن، وأمدته طبيعته المستبشرة بما رفع إلى مرتبة اليقين ذلك الأمل البعيد، ~~البعيد، في الحصول على معونة إنسانية. # وقال كأنما يحدث نفسه: «إن هناك على التحقيق دواعي - دواعي قوية - تبعث على الأمل في ~~أن يكون بعض الإخوان غير بعيدين منا. لقد فر جبان - خرج بلا جرح - في أول القتال، ~~والأرجح جدا أن يكون قد أسرع حتى بلغ مأمنا، ولا شك أن كل ذي نجدة حقيق بأن يحمل ~~بندقيته حين يسمع أنباء الوقعة، وقد لا تتوغل الجماعات في تطوافها إلى هذا المكان من ~~الغابة، ولكني قد ألتقي ببعضها بعد مسيرة يوم واحد.» # والتفت إلى مالفن وقد خامره الشك في حقيقة بواعثه فقال: «أشر علي بإخلاص. لو كنت أنا ~~في مكانك أكنت تتركني وبي ذماء (بقية الروح)؟» # فقال روجر مالفن وهو يتنهد، وما خفي عليه التفاوت الشديد بين الحالتين: «لقد مضت ~~عشرون سنة مذ فررت مع صديق عزيز علي من أسر الهنود قرب مونتريل، فسلخنا عدة أيام ونحن ~~نجتاز الغابة حتى تكسر صاحبي من الجوع والجهد، ms007 فرقد وناشدني أن أتركه فقد كان يعلم أن ~~بقائي معه يلحقني به، فجمعت كوما من الأوراق الجافة وجعلت منها وسادة لرأسه، ومضيت في ~~سبيلي وأنا ضئيل الأمل في الحصول على نجدة.» # فسأله روبن: «وهل عدت إليه وأدركته؟» # وانتظر رده كأنه نبوءة تبشره بالتوفيق. # فقال مالفن: «نعم. وقعت على خيام لجماعة خرجت للصيد قبل الغروب في اليوم نفسه، فمضيت ~~بهم إلى حيث كان صاحبي راقدا ينتظر الموت، وهو الآن رجل صحيح معافى يعمل في حقله ~~بعيدا من الحدود، وأنا هنا جريح طريح في قلب هذه الغابة.» # وقد لقيت هذه الرواية، التي كانت عظيمة الأثر في توجيه عزم روبن، عونا خفيا من ~~بواعث أخرى مكنونة القوة، ولم تفت عين روجر مالفن أن الفوز كاد يكتب له فقال: «والآن ~~اذهب يا بني وليكن الله في عونك، ولا تعد مع أصدقائك حين تلقاهم لئلا تطيح بك جراحك ~~وتعبك، ولكن وجه إلي اثنين أو ثلاثة يكونون في فسحة من الوقت والعمل ليبحثوا عني. ~~وصدقني يا روبن حين أقول لك إن كل خطوة تخطوها إلى بيتك تخفف عني ما أجد وتريح ~~قلبي.» # على أن وجهه حال، وصوته تغير، وهو يقول ذلك، ولا عجب، فإنه مصير مرعب أن يترك ليموت ~~في هذه الغابة الموحشة. # ونهض روبن بورن أخيرا عن الأرض ووساوس الشك تساوره في صواب ما هو صانع، واستعد ~~للرحيل. وجمع أولا - على خلاف رغبة مالفن - ذخرا من الجذور والأعشاب التي اتخذا منها ~~طعامهما في اليومين الماضيين، ووضع هذه المئونة العقيمة في متناول صاحبه، وجمع له كذلك ~~كوما جديدا من أوراق الشجر لفراشه، ثم صعد إلى قمة الصخرة - وكان أحد جانبيها خشنا ~~وعرا - وثنى إليه العود الأخضر وربط منديله بأعلى أغصانه، وكان هذا الاحتياط ضروريا ~~ليهتدي بالمنديل من عسى أن يجيء باحثا عن مالفن، إذ كانت الصخرة ما عدا جانبها العريض ~~الأملس يحجبها النبت الكثيف على وجه الأرض. وكان روبن يتخذ من هذا المنديل ضمادا لجرح ~~في ذراعه. وأقسم بالدم الذي عليه وهو يشده إلى الغصن أن ms008 يعود لينقذ حياة صاحبه، أو ~~ليواري جثته في قبر. ثم انحدر ووقف مطرقا ليتلقى من روجر مالفن آخر كلماته. # وكانت لتجرية مالفن الفضل في كثير من النصح الدقيق لرفيقه الشاب في اجتيازه هذه ~~الغابة المضلة. وكان وهو يتكلم في هذا هادئا جادا؛ كأنما هو يوجه روبن إلى ~~القتال أو الصيد على حين يقعد هو آمنا في بيته، وكأنما هذا الوجه الإنساني الذي سيتركه ~~ويغيب عنه ليس آخر وجه ستقع عليه عينه، ولكن هذا الثبات تزعزع قبل أن يختم حديثه: «بلغ ~~دوركاس تحيتي ودعائي، وقل لها إن آخر دعواتي كانت لها ولك، ومرها ألا تظن بك سوءا من ~~أجل أنك تركتني، (وهنا أحس روبن بالحز في قلبه)، فإنك ما كنت لتحرص على حياتك وتضن بها ~~لو أن بذلها كان يجديني، وستتزوجك بعد أن تحد على أبيها مدة، أطال الله عمركما وجعلكما ~~من السعداء، وليحف بكما أحفادكما عند الممات. ويا روبن، (وهنا غلبه ضعف الإنسان الفاني) ~~ارجع بعد أن تبرأ جراحك وتندمل، وتسترد العافية - ارجع إلى هذه الصخرة الموحشة وضع ~~عظامي في قبر، وصل علي.» # وكان أهل الحدود يجعلون لمراسم الدفن قيمة تكاد تكون خرافية، ولعل ذلك راجع إلى عادات ~~الهنود الذين كانوا يشنون الحرب على الموتى كما يشنونها على الأحياء. وهناك أمثلة كثيرة ~~للتضحية بالحياة في سبيل السعي لدفن الذين طاح بهم «سيف الفلاة»، ولهذا كان روبن يدرك ~~قيمة العهد الذي أعطاه لروجر مالفن بأن يعود ويدفن رفاته. وكان من الغريب أن مالفن بعد ~~أن أفضى في كلماته الأخيرة بكل ما في قلبه، لم يعد يحاول أن يقنع رفيقه الشاب بأن أسرع ~~النجدات قد يكون لها غناء في إنقاذ حياته. وكان روبن مقتنعا فيما بينه وبين نفسه بأنه ~~لن يرى وجه مالفن حيا مرة أخرى. وكانت مروءة نفسه تنزع به إلى البقاء بالغا ما بلغ ~~الخطر على نفسه حتى يقضي صاحبه نحبه فيدفنه، ولكن إرادة الحياة والأمل في السعادة ~~قويا في نفسه واستوليا على قلبه، فلم يقدر على مغالبتهما. # وبعد أن ms009 أصغى مالفن إلى روبن وهو يعاهده أن يعود قال: «كفى، اذهب والله معك.» # فضغط الشاب يده في صمت، ودار على عقبه، وهم بأن يمضي، ولكنه لم يسر إلا قليلا، ثم ~~رده صوت مالفن يناديه بصوت ضعيف: «روبن، روبن»، فارتد إليه روبن وجثا إلى جانبه، فأفضى ~~إليه بآخر رجاء: «ارفعني واجعل ظهري إلى الصخرة، ليكون وجهي شطر البيت، ولأراك لحظة ~~أخرى وأنت تمشي بين الأشجار.» # ففعل روبن ما طلبه صاحبه واستأنف السير، ~~وكان يمشي أول الأمر بأسرع مما تسمح به قوته، لأن شيئا من التحرج الذي يعذب المرء ~~أحيانا، وإن كان عمله لا خطأ فيه ولا وزر، دفعه إلى الاستخفاء عن عين مالفن، غير أنه ~~بعد أن أبعد في سيره على أوراق الشجر انكفأ راجعا تدفعه رغبة ملحة مؤلمة في الوقوف على ~~حال هذا الرجل المستفرد، واختبأ وراء شجرة مقلوعة، وجعل ينظر إليه، وكانت الشمس مشرقة ~~لا يحجبها غيم، والأشجار - كبارها وصغارها - تعب في هواء مايو/أيار الطيب. ولكن وجه ~~الطبيعة كان عليه كالجهامة، كأنما أدركها العطف على آلام الإنسان وأشجانه. وكانت يدا ~~مالفن مرفوعتين بالدعاء الحار، وكان بعض ما يجري به لسانه في هذا السكون الذي يشمل ~~الغابة يصافح سمع روبن، فيعصر قلبه ألم لا سبيل إلى العبارة عنه، فقد كان الصوت الذي ~~يبلغه نبرات متقطعة ترتفع بالدعاء له ولدوركاس بالسعادة، وكان وهو يصغي ينازعه ضميره ~~ووجدانه أن يعود ويرقد معه إلى جانب الصخرة، وشعر بهول المآل الذي قضي به على هذا ~~الرجل الكريم الرحيم الذي يهجره في شدته، وحدثته نفسه أن الموت سيدلف إليه كالجثة ~~ويتسلل نحوه في هذه الغابة خطوة فخطوة، ويطالعه بوجهه المرعب الجامد من وراء شجرة بعد ~~شجرة، ولكن هذا هو ما كان خليقا أن يكون مصير روبن نفسه لو تلكأ يوما آخر. ومن الذي ~~يلومه إذا أشفق من تضحية عقيمة كهذه؟ وكان النسيم يحرك العلم الصغير المشدود إلى العود ~~الأخضر وهو يلقي نظرة الوداع على صاحبه، فأذكره ذلك عهده له. ~~••• # وعاقت الجريح أمور شتى في مسيره ms010 إلى الحدود، ففي اليوم الثاني تكاثفت السحب في ~~السماء فمنعت أن يهتدي في سيره بموقع الشمس، وكان أكبر ما يخاف أن ينأى به عن غايته ما ~~يبذله من جهد نفسه المنهوكة القوى. وكان قوته النزر، العنيبات وغيرها من الأثمار. وكانت ~~أسراب من الظباء ربما مرت به وهي تخطف، وكثيرا ما كان الطير يجدف عند قدميه، ولكن ~~ذخيرته كانت قد نفدت في المعركة ولم يكن معه ما يذبح به. وكانت جروحه تهيج وتنتقض عليه ~~من الجهد المتواصل الذي ارتهن به الأمل في الحياة والنجاة، فيستلب هذا قوته، وربما تركه ~~مضطرب العقل مخلطا. ولكنه كان، حتى حين يدور رأسه ويضطرب، يتشبث بالحياة كل التشبث ~~حتى عجز عن الحركة عجزا تاما فقعد تحت شجرة وراح ينتظر الموت. # وهنا أدركته جماعة أرسلت لإسعاف الناجين من المعركة لما وردت أنباؤها الأولى، فنقلوه ~~إلى أقرب حلة واتفق أن كانت هذه حلته. فتولت دوركاس العناية بحبيبها الجريح وبقيت إلى ~~جانب سريره تتعهده على عادة ذلك الزمن، وأولته تلك الألطاف المرهفة التي لا يحسن ~~الاتحاف بها كقلب المرأة ويدها. وقد ظل روبن عدة أيام شارد اللب غائب الوعي والذاكرة ~~بين المخاطر والمصاعب التي عاناها، وكان لا يستطيع أن يرد بجلاء على الأسئلة التي كان ~~كثيرون يقبلون بها عليه متلهفين، فما كانت التفاصيل الصحيحة قد أذيعت على القوم، ولا ~~كان أحد من الأمهات والزوجات والأبناء يعرف هل ذووهم في قيد الأسر أو في قيد الردى. ~~وكانت دوركاس تطوي مخاوفها وجزعها في قلبها حتى كان مساء فأفاق روبن من نيمة مضطربة، ~~وبدا عليه أنه قد عرفها وفطن إليها كما لم يكن يفطن في الأيام السالفة، ورأت أن عقله قد ~~ثاب إليه وعادت إليه وثاقته، فلم تستطع بعد ذلك أن تظل تكبح قلقها على أبيها. # وبدأت تسأله: «وأبي يا روبن؟» ولكن ما اعتام وجهه من التغير ردها عن المضي. # وكان الفتى قد تقبض كأنما ألح عليه ألم مر، وتدفق الدم إلى وجهه المتهضم الممتقع. ~~وكان أول ما فعل أن غطى وجهه ms011 ثم غالب نفسه غلابا شديدا، فرفع جسمه وقال بصوت شديد ~~مدافعا عن نفسه مما خيل عليها من التهم: «لقد أصيب أبوك يا دوركاس بجرح بليغ في ~~المعركة، وأمرني أن أعفي نفسي من عبئه وأن أكتفي بأن أمضي به إلى شط البحيرة ليطفئ ظمأه ~~ويموت. ولكني لم أستطع أن أخذله في شدته، فأعنته وإن كان دم جروحي ينزف، ومنحته نصف ~~قوتي وسرت به معي. ولبثنا ثلاثة أيام نسير معا وكان حاله خيرا مما كنت أتوقع أن تكون، ~~ولكني ألفيته في صباح اليوم الرابع خائر القوى منهوكا وعجز عن المشي وأخذ يجود بنفسه ~~بسرعة و...» # فصاحت دوركاس بضعف: «مات؟» # ووجد روبن أن من المستحيل عليه أن يقر لها بأن حبه الأناني للحياة نأى به عن صاحبه ~~قبل أن يصير إلى مصيره، فأمسك عن الكلام وثنى رأسه على صدره، ثم ارتد إلى الفراش من ~~الخجل والإعياء وأخفى وجهه في الوسادة، وبكت دوركاس لما أصبح شكها يقينا، ولكن الصدمة ~~لطول توقعها كانت من أجل ذلك أقل عنفا وشدة. # وكان السؤال الذي ألهمها إياه شعورها البنوي وتقواها: «وحفرت قبرا لأبي المسكين في ~~الفلاة يا روبن؟» # فقال الفتى بصوت مخنوق: «كانت يداي كليلتين ضعيفتين ولكني فعلت ما وسعني. وهناك حجر ~~عال يشرف عليه. ولشد ما أتمنى لو أنني كنت ساكنا كسكونه.» # وأحست دوركاس من عباراته الأخيرة ثورة النفس، فأمسكت في يومها عن الاستفسار، ولكنها ~~وجدت روحا وراحة إذ علمت أن روجر مالفن لم يعدم ما تيسر من مراسم الدفن، وقصت على ~~الأصحاب ما كان من شجاعة روبن ووفائه، ولم تنتقص الإعادة من حسن الرأي فيه شيئا، ~~وكابد الشاب المسكين بعد أن تطرح من فراش المرض إلى الهواء والشمس، ذل الثناء الذي لا ~~يستحقه وعذابه وألمه، وقال الناس جميعا إنه حقيق بأن يطلب يد الغادة الحسناء التي وفى ~~لأبيها «حتى الموت.» ولكن قصتي ليست عن الحب، فحسبي أن أقول إن روبن صار زوجا لدوركاس ~~بعد بضعة شهور، وكانت العروس في حفلة الزواج مضطرمة الوجه من الخفر والحياء، ms012 أما روبن ~~فكان ممتقع اللون. # وصار في قلب روبن بورن خاطر لا سبيل إلى الإفضاء به - خاطر ينبغي أن يخفيه بعناية ~~وحرص عمن لها حبه، وبها ثقته. وكان أسفه عميقا على جبنه الذي أغراه بكبح لسانه عن ~~الإفضاء إلى دوركاس بالحقيقة التي كان يهم بأن يبوح لها بها، ولكن الكبرياء والخوف من ~~فقدان حبها له، والإشفاق من الاحتقار العام - كل أولئك منعه أن يصدقها بعد أن كذب ~~عليها. وكان يشعر أنه لا يستحق لوما من أجل أنه ترك روجر مالفن، فما كان بقاؤه والتبرع ~~ببذل حياته إلا ليزيدا آلام الرجل بلا موجب في ساعاته الأخيرة. ولكن كتمانه الحقيقة ~~أفاض على هذا العمل السائغ كثيرا من صفات الإثم وآثاره الخفية، فكان روبن على اقتناعه ~~بأنه ما فعل إلا الصواب، يقاسي إلى حد كبير الآلام النفسية التي تعذب مجترح جريمة ~~مستورة. وكانت خواطره تتداعى أحيانا على نحو يجعله يتصور أنه قاتل. وظل سنوات يعاوده ~~خاطر لا تخفى عليه سخافته وشططه، ولكنه لا يستطيع أن ينفيه ويستريح منه. وكان ذهنه لا ~~يبرح يعذبه بصورة مخامرة - صورة صهره جالسا - إلى الآن - عند الصخرة على أوراق الشجر ~~الذاوية - حيا ينتظر منه الوفاء بالمعونة الموعودة. على أن هذه الخدع العقلية كانت ~~تروح وتجيء، وكان هو لا يغالط نفسه فيها فيخلطها بالحقائق، غير أنه في أصفى حالات عقله ~~وأهدئها كان يشعر بأن في ذمته عهدا لم يف به ولم ينجزه، وأن هناك جثة لم تدفن تصيح به ~~من جوف الفلاة، ولكنه كان من نتائج مغالطته ولفه، أن عجز عن تلبية النداء وإجابة ~~الدعوة. وكان قد مضى الوقت الذي يجوز فيه أن يطلب معونة أصدقاء مالفن للقيام بدفنه الذي ~~طال إرجاؤه. وحالت الأوهام والمخاوف الخرافية التي كان أهل الحدود أحس بها من سواهم دون ~~ذهاب روبن وحده لهذه الغاية. ثم إنه لم يكن يدري أين في هذه الغابة المضلة ~~المترامية الأطراف ينشد تلك الصخرة الملساء المعرقة التي يرقد عند سفحها صاحبه. وكان ~~تذكره لرحلته فيها غامضا، ولم يكن ms013 في ذهنه أي أثر للشطر الأخير من هذه الرحلة. على ~~أنه كان لا يفتأ يحس دافعا ملحا، ويسمع صوتا من ذات نفسه يناديه أن يخرج لإنجاز ~~وعده، وكان يخيل إليه أنه لو هم بذلك لقادته رجلاه إلى رفات مالفن مباشرة. ولكن العام ~~كان يمضي تلو العام، وهذا الصوت الذي يحسه ولا يسمعه سواه لا يجد منه مجيبا. وصار هذا ~~الخاطر المكتوم كالقيد، ولكن نفسه هي الموثقة العانية، أو كالحية، يعض وينفض في ~~قلبه، فانقلب رجلا ساهما كاسف البال ولكنه ضجور سيئ الخلق. # وفي خلال سنوات قليلة بعد الزواج بدأت حالة الرخاء في حياة روبن ودوركاس تحول، وكانت ~~ثروة روبن قلبه القوي وساعده المفتول، ولكن دوركاس - وارثة أبيها الوحيدة - جاءت زوجها ~~بضيعة أكبر وأحفل بالأدوات والمواشي من مثيلاتها على الحدود، ولكن روبن بورن كان فلاحا ~~مهملا فكانت أرض سواه تزداد كل عام زكاء وثمرة، وأرضه تزداد على النقيض كدورا ~~وتأخرا، وكانت متاعب الزراعة وأسباب التثبيط عنها قد قلت قلة شديدة بانقطاع الحروب مع ~~الهنود، ولم يعد الناس يتناولون المحراث بيد والبندقية باليد الأخرى ويحمدون حسن حظهم ~~إذا سلمت محاصيلهم من التلف في الأهراء، أو في ميادين القتال حين يغير العدو المتوحش، ~~غير أن روبن لم ينتفع بما صار إليه الأمر من السكينة والأمان وإن كان لا نكران أن ~~الفترات التي كان ينشط فيها للعناية بأموره لم تكن تجزيه إلا نجاحا ضئيلا. وكان فساد ~~أعصابه من الأسباب التي أفضت به إلى الإكداء، وذهاب الخير لأن سوء خلقه كان كثيرا ما ~~يؤدي إلى الشجار والخلاف مع جيرانه في المعاملات التي لا بد منها معهم، فانتهى الأمر ~~بقضايا لا عداد لها، إذ كان أهل «إنجلترا الجديدة» - ولاية بهذا الاسم - في العهد الأول ~~من حياتهم المضطربة بهذه الولاية يؤثرون الوسيلة القضائية لفض منازعاتهم كلما تيسر ذلك. ~~ونقول بإيجاز إن الأمور لم تستقم لروبن بورن فحل به الخراب، وإن كان هذا لم يصبه إلا ~~بعد سنوات عديدة من زواجه، ولم يبق له إلا سبيل واحد ومخرج ms014 فرد من النحس الذي لحقه، ~~وذلك أن يفيض نور الشمس على رقعة مظلمة في جوف الصحراء، وأن ينشد العيش والقوت من ثدي ~~هذا المجهل البكر. # وكان الابن الوحيد الذي رزقه روبن ودوركاس قد بلغ الخامسة عشر، وكان شبابه الريان ~~يبشر برجولة بارعة، وكان على استعداد قوي لما تقتضيه الحياة على الحدود من الكفايات، بل ~~لقد بدأ يظهر في ذلك حذقا عظيما، فكان خفيفا مشتد الذراع في الرماية، سريع الإدراك ~~والفطنة، وندبا شديد القلب، وكان كل الذين يتوقعون أن تستأنف الحرب مع الهنود، يقولون ~~عن «سيراس بورن» إنه الزعيم الذي يدخره المستقبل للبلاد، وكان أبوه يحبه حبا عميقا ~~صامتا، كأنما كان كل ما فيه، هو، من الخير والسماحة قد انتقل إلى غلامه ومعه ما يقوى ~~عليه القلب من الحب، حتى دوركاس - وإن كانت محبة محبوبة - صار ابنها أعز على أبيه منها، ~~ذلك أن خواطر روبن المحجوبة، وعواطفه المعزولة جعلته على الأيام رجلا أنانيا، فلم ~~يستطع أن يحب حبا عميقا، إلا ما كان يرى أو يتخيل فيه مشابها من نفسه. وقد طالعته ~~من سيراس صورة مما كان هو في الأيام الماضية، وكان ربما شاطر غلامه نفسيته، فتهب على ~~حياته نفحة منعشة من السعادة. وقد استصحب روبن غلامه في رحلته لانتقاء رقعة من الأرض ~~للإقامة، ولقطع الشجر وحرق الخشب، وهو ما لا بد منه تمهيدا لنقل البيت. وسلخا في هذا ~~شهرين من الخريف عادا بعدهما ليقضيا آخر شتاء في الحلة. ~~••• # وفي أوليات مايو/أيار بتت الأسرة الصغيرة ما كانت تتعلق به، وودعت القليلين الذين ~~كانوا في أيام نحسها يحفظون لها عهد الصداقة. وكان أسى الفراق يخففه عند كل واحد من ~~الثلاثة مخفف، فأما روبن فكان رجلا طويل الوجوم كارها لبني الإنسان لأنه شقي في ~~حياته، فلما آن الرحيل مضى وهو مقطب، مطرق لا يكاد يأسف على شيء، ويأنف أن يعترف بأسف ~~أو ندم. وأما دوركاس فبكت بأربع على الوشائج المبتوتة التي كانت توثق ما بين نفسها ~~الطيبة العطوف وبين كل ما هنالك، ولكنها كانت ms015 تحس أن ما حل في السواد من حبة قلبها ~~يسير معها، وأن كل ما خلا ذلك لا تعدم عنه عوضا في حيثما تكون. وأما الغلام فكفكف ~~دمعة واحدة وراح يتصور متع الخطار في الغابة التي لم تطأها قدم أبيه، ومن ذا الذي ~~لم تغره الأحلام في عنفوان نشوتها، بأن يشتهي أن يطوف في عالم من المجاهل المشمسة ~~وإلى جانبه رفيق جميل يعتمد على ذراعه في رفق؟ في الشباب لا تعرف خطواته الحرة الجذلة ~~عائقا سوى عباب اليم المتحدر ورءوس الجبال التي يكسوها الثلج. ثم تجيء الرجولة الساكنة ~~فتؤثر بيتا في واد سخت عليه الطبيعة بالزخرف، وأجرت فيه غديرا رائقا شفافا. حتى ~~إذا دلفت إليه الشيخوخة بعد سنوات طويلات المدد من تلك الحياة النقية إذا به قد صار ~~أبا لقبيل، ورأسا لشعب، ومؤسس أمة عظيمة تتمخض عنها الأيام. ثم يوافيه الحين ~~فيستسلم إليه ويرحب به، كما نرحب بالنوم العذب بعد يوم سعيد، فيبكي ولده رفاته الجليل. ~~ويحيطه كر الأيام بهالة، ويكسبه مناقب وخصائص عجيبة ترفعه في أعين الأجيال التالية إلى ~~قريب من مراتب الأرباب. وترجع الإنسانية بصرها من وراء قرن فتلمح مجده الخافت. # على أن الغابة المظلمة المعقدة المسالك التي كان يضرب فيها من أروي قصتهم، لم ~~تكن تشبه في شيء تلك الأرض التي تصورها الأحلام. ولكنه كان في أسلوب حياتهم ما يجري على ~~نسق الطبيعة، وكانت الهموم المخامرة التي رافقتهم من الدنيا التي خرجوا منها، هي كل ما ~~يعكر الآن صفو حياتهم ويحول دون استفاضة الشعور بالسعادة. وكان معهم جواد أشعث متين ~~الأسر، يحمل كل ما يملكون ولا يجزع أن تضاف دوركاس إلى ما يحمل، وإن كانت نشأتها تعينها ~~على السير إلى جانب زوجها في آخر كل مرحلة يومية. وكان روبن وابنه يمشيان بخطى ثابتة ~~قوية وعلى كتف كل منهما بندقيته، وعلى ظهره فأسه، وعينه تدور باحثة عن قنيصة للطعام. ~~وكلما جاعوا وقفوا وأعدوا طعامهم على شاطئ غدير صاف، فإذا ظمئوا انحنوا بشفاههم على ~~مائه السلسال ليرشفوا من نميره، وهو ms016 يترقرق عنهم في مثل دلال الغادة إذ تتلقى القبلة ~~الأولى من فم حبيبها. وكانوا ينامون في كوخ يصنعونه من الأغصان ويستيقظون مع أول خيط من ~~النور، وقد انتعشوا وتهيئوا لمتاعب اليوم التالي. وكانت دوركاس وابنها يمشيان مرحا، ~~حتى روبن كان أحيانا يشرق وجهه ويلمع فيه نور البشر، ولكنه كان يطوي بين أضلاعه كمدا ~~باطنا يقرص قلبه ويتركه فيما يرى كمجرى الغدير جمد فيه ماؤه وغطته أوراق الشجر الخضراء ~~النضيرة. # وكان سيراس بورن أعرف بمسالك الغابات وأخبر بالسير فيها من أن يخفى عليه أن أباه لا ~~يلتزم الجادة التي ساروا فيها الخريف الماضي، فقد كان ينتحي ناحية الشمال وينأى عن ~~الأرض المأهولة ويضرب إلى حيث لا توجد إلا الوحوش وأمثالها من الآدميين. وكان الغلام ~~ينبهه إلى ذلك أحيانا فيصغي له روبن، ويعدل عن الطريق الذي كان آخذا فيه، عملا منه ~~بنصيحة ابنه، ولكنه كان كلما فعل ذلك بدا كالمضطرب، فكان يمد لحظه ويجيله كأنما يتوقع ~~أن يرى أعداء مختبئين وراء جذوع الشجر. وكان سيراس يرى أن أباه يرتد شيئا فشيئا إلى ~~اتجاهه الأول الذي كان قد صرفه عنه، فيحجم عن معاودة الاعتراض، وكان يشعر أن شيئا غامض ~~الكنه قد بدأ يجثم على صدره، ولكن جرأته الفطرية على الخطار أبت له أن يأسف من أجل أن ~~الطريق زاد طولا وغموضا. # وفي عصر اليوم الخامس وقفوا وهيئوا لأنفسهم مكانا قبل الغروب بساعة، وكان وجه الأرض ~~فيما قطعوا من الأميال الأخيرة يعلو ويهبط كأنه أمواج تحجرت. وقد أقاموا في منخفض منها ~~كوخهم وأوقدوا نارهم. وكان في مقامهم هناك - وقد نأوا عن كل حي ووثق ما بينهم الحب - ما ~~يشجو ويملأ القلب حرارة. وكانت أشجار الصنوبر تشرف عليهم وتتخلل الريح أغصانها العالية، ~~فتتجاوب الغابة بمثل أصوات الوله والأسى، أم ترى هذه الأشجار العتيقة تتوجع مخافة أن ~~يكون الإنسان قد أقبل ليضرب في جذورها بفأسه ...؟ # ورأى روبن وابنه أن يدعا دوركاس تهيئ الطعام وأن يتجولا في الغابة عسى أن يقعا على ~~فريسة فقد أخطأهما الصيد في ms017 نهارهما. ووعد الغلام ألا يبعد وذهب يعدو خفيفا كالظبي ~~الذي يرجو أن يصيد. وشعر أبوه بنفحة عارضة من السعادة وهو يتبعه بعينه. وهم بأن يمضي ~~هو في اتجاه آخر. وجلست دوركاس فوق جذع شجرة قديمة مقتلعة على كثب من العيدان التي ~~أضرمت فيها النار. وكانت تلقي نظرها من حين إلى حين على القدر التي بدأت تفور وتغلي ثم ~~ترد عينها إلى «تقويم ولاية ماساشوستس» وكان هذا التقويم ونسخة قديمة من الإنجيل كل ~~مكتبة الأسرة. وليس أشد عناية بحساب الأيام ممن نأوا عن المجتمع الإنساني، فلا عجب إذا ~~كانت دوركاس قد قالت لزوجها إن اليوم هو الثاني عشر من شهر مايو/أيار كأنما هذا على ~~أعظم جانب من الأهمية. فاضطرب روبن وتمتم: «الثاني عشر من شهر مايو ...؟ إني لحقيق بأن ~~أذكره» وتزاحمت الخواطر في رأسه فأحدثت له اختلاطا يسيرا وراح يسأل نفسه: «أين أنا ...؟ ~~وإلى أين أنا ماض؟ وأين تركته ...؟» # وكانت دوركاس قد ألفت من زوجها غرابة أطواره فلم تعد تلقي بالها إلى ما يبدو من ~~شذوذها. فوضعت التقويم إلى جانبها وقالت له بتلك اللهجة الشجية المعهودة التي يتخذها ~~رقاق القلوب حين تكر بهم الذكرى إلى أحزانهم القديمة التي خمدت نارها: «لقد ترك أبي هذا ~~العالم إلى آخر خير منه في مثل هذا الشهر منذ ست عشرة سنة. ولكنه لم يعدم ساعدا قويا ~~يسند رأسه وصوتا حنونا يخفف عنه غصص الموت يا روبن. إن عنايتك به ووفاءك له قد عزياني ~~مرارا كلما جشأت نفسي وجاشت. ألا ما أهول الموت على المستفرد الوحيد في مثل هذا المكان ~~الموحش!» # فقال روبن بصوت متهدج: «ادعي الله يا دوركاس ألا يدرك الموت أحدنا نحن الثلاثة وهو ~~وحيد، وألا يبقى بغير دفن في هذه الغابة العاوية.» # وأسرع ومضى عنها وتركها تنظر إلى النار تحت الصنوبر. # وخفت وطأة روبن وأبطأت رجله لما خفت حدة الألم الذي أحدثته له دوركاس بما قالته ~~عفوا. ولكن الخواطر الأليمة كانت تتزاحم وتتدافع في رأسه فكان يمشي كالنائم لا ~~كالصائد. ولم يكن عن ms018 قصد منه أنه بقي على مقربة من الكوخ فقد كانت رجله كأنما تدب به ~~دائرة. ولم يفطن إلى أنه قد صار على رأس طريق مكتظ بأشجار السنديان وغيره من الأشجار ~~العظيمة. وكانت أصول الشجر قد نمت عليها وازدحمت حولها الأغصان النابتة وبقي ما بين ~~الشجر عاريا لا يكسوه إلا الورق الذاوي المنتثر. وكان روبن كلما سمع حفيف الأغصان أو ~~صوت تمايل الجذوع - كأنما انبعثت الغابة من سباتها - يرفع بندقيته المراحة على ذراعه ~~ويدير عينه بسرعة في كل ناحية. ثم يقتنع بأن لا شيء من الحيوان هناك فيعود إلى ما يدور ~~في نفسه ويضطرب به جنانه. وكان يفكر فيما صرفه عن الطريق الذي كان معتزما أن يأخذه ~~ورمى به قلب الغابة. ولم يستطع روبن أن يتغلغل بعينه إلى مكامن الأسرار من نفسه وأن ~~يهتدي إلى البواعث الحقيقية المكنونة في قرارة الوجدان، فاعتقد أن صوتا من وراء الحس ~~قد دعاه، وأن قوة من وراء الطبيعة قد حالت دون ارتداده، وتمنى أن تكون مشيئة الله قد ~~أتاحت له فرصة للتكفير عن خطيئته، ورجا أن يعثر على العظام التي بقيت هذا الزمن الطويل ~~بلا دفن، فيدرجها في جوف الأرض فتعود إلى نفسه السكينة وتنشر النور بين حنايا ضلوعه ~~التي صارت أحلك من القبر. # وانتبه على حفيف في الغابة على مسافة من الموضع الذي تقوده إليه رجلاه، ولمح حركة ~~وراء النبات الأثيث الملتج، فأطلق بندقيته بدافع من غريزة الصياد وبإحكام الرامي ~~المدرب. ولم يلتفت إلى الأنة الخفيفة التي تنبئ بإصابة المرمى، والتي يستطيع حتى ~~الحيوان أن يعرب بها عما يعاني من أخذ الموت بكظمه. # ولكن ما هذه الذكريات التي بدأت الآن تطوف برأسه؟ ... # لقد كان الموضع المعشوشب الذي أطلق روبن بندقيته قريبا من قمة مرتفع من الأرض ومن ~~أصل صخرة ملساء كأنها حجر ضخم مما يرفع على القبور. وكانت تبدو لروبن كأن لها صورة ~~معكوسة في مرآة ذاكرته - بل لقد تذكر تلك العروق الجارية على وجه الصخرة كالكتابة بلغة ~~منسية - كل شيء بقي كما كان ms019 سوى أن النبات الكثيف غطى أصل الصخرة، فهو يستطيع أن يحجب ~~رفات روجر مالفن لو أنه بقي كما تركه قاعدا هناك، ولكن عين روبن لم تلبث أن أخذت بعض ~~ما أحدثه الزمن من التغيير مذ كان واقفا هنا وراء جذع الشجرة الذاهبة في الهواء، وذلك ~~أن العود الذي ربط إليه الخرقة الملطخة بالدم قد نما واشتد وصار شجرة عظيمة كثيرة ~~الفروع المورقة، وإن كانت لم تستوف كل حظها من النماء. وقد رأى روبن في هذه الشجرة ما ~~جعله يضطرب، فقد كانت الغصون الوسطى والسفلى ترف فيها نضرة الحياة، وكانت الخضرة ~~اليانعة تحف بأصل الشجرة، ولكن آفة على ما يظهر أصابت قمتها فبدا الغصن الأعلى ذاويا ~~جافا ميتا. وتذكر روبن أن الخرقة التي نشرها كالراية كانت تخفق على هذا الفرع لما ~~كان أخضر وريقا، فأي خطيئة يا ترى عصفت به وأذوته ...؟ ومن عسى أن يكون ذاك الذي اقترفها ~~...؟ ~~••• # وكانت دوركاس تواصل عملها في إعداد الطعام بعد أن تركها زوجها وابنها، وقد اتخذت من ~~ساق شجرة غليظة متجدعة مائدة نشرت على أعرض موضع فيها منديلا ناصع البياض، ورتبت فوق ~~هذا ما بقي عندها من الأوعية المعدنية التي كانت تزهي بها في بيتها. وكان لهذه البقية ~~من الأدوات المنزلية منظر غريب في قلب الغابة الموحشة، وكانت الشمس الغاربة لا تزال ~~تضيء قمم الأشجار القائمة على الربى. ولكن ظلال المغيب كانت قد ارتمت وتكاثفت على وجه ~~المنخفض الذي أقيم فيه الكوخ. وكانت النار ترسل ألسنتها فتضيء سيقان الشجر، ويخفق نورها ~~على النبات المحيط بالمكان. ولم يكن في قلب دوركاس حزن، فقد كانت تحدث نفسها بأنه خير ~~لها أن تجوب الغابة مع اثنين تحبهما ويحبانها من أن تكون وحدها بين من لا يعبئون ~~بها. # وشغلت نفسها بإعداد مقاعد من خشب الشجر المتقادم المتجدع المغطى بالورق لنفسها ولروبن ~~ولابنها. وكانت ترسل الصوت في جوف الغابة المظلمة فيرقص على نغم أغنية تعلمتها في ~~صباها. وكانت هذه الأغنية الساذجة التي نظمها شاعر لم يفز بالذكر تصف ليلة شتوية ms020 في كوخ ~~على الحدود، حيث كانت الأسرة تمرح وتنعم بالدفء من النار الموقدة، وقد أمنت عدوان ~~المتوحشين بفضل ما تكدس من الثلوج. وكان للأغنية ذلك السحر الخفي الذي تمتاز به الخواطر ~~المبتكرة غير المستعارة. ولكن أربعة أبيات منها كانت تبرز وتضيء وتشع النور والحرارة ~~كلسان النار الذي تصف السرور حوله، وفي هذه الأبيات استطاع الشاعر أن يصوغ السحر بألفاظ ~~قليلة، وأن يستقطر معاني الحب البيتي ويجسد السعادة المنزلية، فصارت الأبيات شعرا ~~وصورة في آن معا. # وكانت دوركاس وهي تغني تحس أن جدران بيتها الذي فارقته تحيط بها هنا، فلم تعد ترى ~~أشجار الصنوبر المظلمة، أو تسمع الأنات الجوفاء التي ينتهي بها نواح الرياح بين ~~الأفنان، ولكن ردها إلى ما حولها طلق بندقية فاضطربت جدا من مفاجأة الصوت، أو من ~~فرط الشعور بالوحدة وهي إلى جانب النار، على أنها ما عتمت أن ضحكت وقد عمر قلبها الزهو ~~بابنها، فقالت تحدث نفسها: «يا له من صائد جميل ... لقد أصاب ابني ظبيا.» فقد تذكرت أن ~~صوت الطلق جاء من الناحية التي ذهب إليها سيراس باحثا عن طريدة. وانتظرت فترة كافية ~~توقعت بعدها أن تسمع وقع قدمي سيراس يعدو إليها ليخبرها بما ظفر به، ولكنه لم يجئ، ~~فأرسلت صوتها المرح بين الأشجار تدعوه إليها: «سيراس ... سيراس ...» # ولكنه أبطأ ولم يجئ، فاعتزمت أن تذهب هي إليه، فقد كان صوت الطلق ينبئ بأنه منها ~~قريب، ثم إنه قد يحتاج إلى معونتها لحمل ما منت نفسها أن يكون قد صاده. ونهضت ومضت ~~مهتدية بذكرى الصوت الذي سمعته، وكانت تغني وهي سائرة، ليسمعها ابنها فيخف للقائها، ~~وكانت ترجو أن يطالعها وجهه من وراء كل شجرة، وكل ما يمكن أن يحجبه من النبات العالي، ~~وأن تسمع ضحكته المنبعثة عن روح العبث في المغامر حين يلقى من يحب. وكانت الشمس قد غابت ~~وراء الأفق، وكان الضوء المختلف بين الأشجار من الخفوت بحيث يجسد الأوهام لخيال ~~المتطلع. وقد خيل إليها مرات أنها لمحت وجهه - ولكن في غير وضوح - مطلا من بين ms021 ~~الأوراق، وكبر في وهمها مرة أنه واقف إلى جانب صخرة، وأنه يومئ إليها، على أنها بعد أن ~~أوسعت هذه الصخرة تحديقا، تبينت أن الذي بجانبها ليس إلا ساق شجرة تحف بها أغصان ~~كثيرة، كان أحدها ممتدا وكان النسيم يحركه. وظلت تتقدم حتى بلغت الصخرة، فألفت نفسها ~~بغتة أمام زوجها الذي كان قد جاء من ناحية أخرى، وكان متكئا على صدر بندقيته التي ~~انغرست فوهتها بين الأوراق وهو يتأمل شيئا عند قدميه. # فصاحت به دوركاس: «ما هذا يا روبن ...؟ أتراك صدت الظبي ثم نمت عليه ...؟» # وكانت تضحك مغتبطة بما لمحت أول الأمر من وقفته وهيئته، ولكنه لم يتحرك ولا حول ~~إليها عينه، فدب في قلبها الخوف، وأخذتها رعدة مجهولة المصادر والعلل، وتفرست فتبينت في ~~وجهه الامتقاع والتصلب، حتى لكأنما عجزت معارف محياه أن تغير ما ارتسم عليها من صورة ~~اليأس. # ولم يبد منه ما يدل على أنه أحس بقربها، فصاحت به: «أتوسل إليك يا روبن أن تكلمني» ~~وأفزعها صوتها أكثر مما أفزعها هذا السكون الرهيب. # وتنبه زوجها ونظر إليها ثم جرها إلى الصخرة وأشار بإصبعه، فإذا غلامها هناك راقد ... ~~نائم نوما لا حلم فيه ولا يقظة منه ... على أوراق الشجر الجافة، وخده على ذراعه، وأعضاؤه ~~مسترخية قليلا ... أفتراه أدركه إعياء مباغت ...؟ أيمكن أن يوقظه صوت أمه ويرده إليها ...؟ ~~كلا ... فقد أدركت أنه الموت الذي لا حيلة فيه. # وقال زوجها: «هذه الصخرة العالية هي الحجر القائم على قبر أبيك يا دوركاس ... وستسقط ~~أشجارك على ابنك وأبيك كليهما.» # ولم تسمع دوركاس ما قال، بل أطلقت صرخة جزع انشقت عنها حبة قلبها المطعون، وهوت ~~مغشيا عليها إلى جانب فتاها، وفي هذه اللحظة انقصف الفرع اليابس الذي في قمة الشجرة ... ~~وتهاوى هشيمه وتناثر ما بلي منه على الصخرة ... وعلى الأوراق الذاوية المبعثرة ... وعلى ~~روبن وزوجته وابنهما ... وعلى رفات روجر مالفن. # وانعصر قلب روبن، وتفجرت الدموع من عينيه كما يتفجر الماء من ينبوعه ... لقد وفى الرجل ~~الذي حاقت به اللعنة بالنذر الذي نذره وهو شاب جريح ms022 ... وقد كفر عن خطيئته فزالت عنه ~~اللعنة. # وفي هذه الساعة التي أهرق فيها دما أعز عليه من دمه، اختلجت شفتاه بصلاة ارتفعت إلى ~~السماء، وكانت الأولى التي تحركتا بها منذ سنين وسنين. # | إدجر أللان بو # 1809-1849 # | نبيذ الأمونتيللادو # احتملت من «فورتيناتو» ألف مساءة ومساءة، ولكنه اجترأ علي بالإهانة، فأقسمت لأنتقمن ~~منه، وأنت يا من تعرف طباعي معرفتها لن تظن بي أني أجريت لساني بتهديد أو نطقت بكلمة ~~وعيد. كلا ... لقد آليت أن أنتقم، ووطنت نفسي على ذلك، وكان هذا مني قرارا حاسما لا ~~رجعة فيه ولا تردد. على أن هذه الصبغة النهائية لما اعتزمته استوجبت أن أتقي المجازفة. ~~فإنه لا يكفي أن يحل به عقابي، وإنما ينبغي أن أكون في أمان من المخاوف وأنا أفعل ذلك، ~~فإن أخذك المرء بذنب كان منه لا يكون فيه معنى الانتصاف إذا تعقبك منه ثأر؛ كذلك لا ~~يكون الانتصاف انتصافا إذا عجزت عن جعل الآثم المسيء يدرك ذلك. # ويجب أن يتقرر في الأذهان أني حرصت على أن أتقي كل لفظ أو عمل يحمل فورتيناتو على ~~الشك في حسن نيتي، ومن أجل هذا ظللت أبتسم له كعادتي كلما لقيته، ولم يدرك هو أن ~~ابتسامي الآن إنما هو لما أتخيله من صورته إذ أقدمه قربانا على مذبح غضبي. # وكان في فورتيناتو هذا موضع ضعف، وإن كان فيما عدا ذلك رجلا جديرا بالاحترام، بل ~~مرهوب الجانب أيضا، وذلك أنه كان يعتز ويباهي بحذقه في تمييز أصناف النبيذ. وقل من ~~الإيطاليين الحاذق الصادق، ويغلب أن يكون ما يلغطون به من ذلك دعوى يدعونها ليسايروا ~~الزمن ويغتنموا الفرص ويخدعوا أثرياء الإنجليز والنمسويين. وقد كان فورتيناتو دعيا ~~كغيره في التصوير وما إليه، أما في الأنبذة المعتقة فكان أستاذا مخلصا، ولم يكن بيني ~~وبينه في هذا تفاوت يستحق الذكر، فقد كان لي مثل براعته، وكنت أشتري مقادير عظيمة ~~لأعتقها كلما تيسر لي ذلك. # وفي إحدى الليالي، عند الشفق، وقد بلغ جنون الناس في موسم المرافع منتهاه، لقيت ~~فورتيناتو، وكان قد أسرف ms023 في الشراب قبل ذلك، وكان في ثياب محبوكة التفصيل متعددة ~~الألوان، وعلى رأسه طرطور ذو أجراس، فبلغ من سروري برؤيته أنه خيل إلي أني لن أقضي وطري ~~من مصافحته. # وقلت له: «يا صديقي العزيز، إني سعيد الحظ بلقائك، وتالله ما أنضر وجهك اليوم ... لقد ~~تلقيت بضعة دنان مما يزعمونه نبيذ الأمونتيللادو ولكن الشكوك تساورني.» # فقال: «ماذا ...؟ أمونتيللادو؟ ... مستحيل ... وفي منتصف موسم المرافع أيضا؟ ...» # قلت: «إني عظيم الشك أيضا، ولكني لغفلتي أديت الثمن الوافي لهذا الشراب قبل أن أرجع ~~إليك وأستشيرك، غير أني لم أعثر عليك، وخفت أن تفلت مني الفرصة.» # فجعل يتمتم: «أمونتيللادو ...؟» # قلت: «إني أشك فيه.» # فظل يتمتم: «أمونتيللادو؟» # فقلت: «لا بد أن أتبين.» # فعاد يتمتم: «أمونتيللادو؟» # قلت: «ولما كنت أنت مشغولا فسأذهب إلى لوشيزي فإنه ذواق، ولا شك أنه سيجلو لي ~~...» # فقال مقاطعا: «إن لوشيزي لا يستطيع أن يميز النبيذ الأبيض من نبيذ ~~الأمونتيللادو!» # قلت: «ومع ذلك يزعم الجاهلون أن ذوقه كذوقك!» # قال: «تعال ... امض بي ...!» # قلت: «إلى أين؟» # قال: «إلى أقبيتك.» # قلت: «كلا يا صديقي، فلن أستغل طيب قلبك، وإني أستطيع أن أرى أنك على موعد، وفي ~~لوشيزي ...» # قال: «لست مرتبطا بشيء ... تعال.» # قلت: «لا يا صديقي فإني أرى أنك مصاب ببرد شديد، والأقبية لا تطاق رطوبتها، وجدرانها ~~مغطاة بطبقة من الأملاح.» # قال: «فلنذهب على الرغم من هذا البرد، فما هو بشيء ... أمونتيللادو ...؟ لقد ضحكوا عليك ~~وخدعوك ... أما لوشيزي فإنه يعجز عن تمييز هذا من النبيذ الأبيض!» # ولف ذراعه بذراعي، فأرخيت على وجهه قناعا من الحرير الأسود، وضممت شملتي وتركته يمضي ~~مسرعا إلى قصري. # ولم يكن في القصر خدم، فقد ولوا جميعا ليقصفوا احتفالا بالعيد، وكنت قد أخبرتهم أني ~~لن أعود إلا في الصباح وأمرتهم أمري صريحا ألا يبرحوا القصر، وكنت على يقين من أن هذا ~~الأمر وحده كاف لإغرائهم بالخروج متى أوليتهم ظهري. # وتناولت مشعلين ناولت فورتيناتو أحدهما وتخللت به حجرات عدة، حتى بلغنا العقد المفضي ~~إلى القبو، ونزلنا سلما طويلا متلويا، وأنا أرجو منه أن ms024 يأخذ حذره وهو يتبعني حتى ~~بلغنا الدرجة الأخيرة، ووقفنا معا على الأرض الرطبة في مقبرة «آل مونتريزور.» # وكان صاحبي يترنح قليلا في مشيته، وكانت أجراس طرطوره تتلاقى وهو يخطو فتكون لها ~~رنة. # وسألني: «أين الدنان؟ ...» # قلت: «إنها على مسافة من هنا ... ولكن انظر هذا البياض الملتمع على جدران هذه ~~المغارة.» # فالتفت إلي وأتأرني النظر بعينين كأن عليهما غشاء من سمادير السكر. # 1 # وسأل أخيرا: «أملاح؟ ...!» # قلت: «نعم، ولكن منذ متى هذا السعال؟» # فراح يسعل، وظل المسكين دقائق كثيرة لا يستطيع أن يجيب مما أخذه من سعاله، ثم قال ~~أخيرا: «إنه لا شيء!» # فقلت بلهجة حازمة: «اسمع، سنعود أدراجنا، إن صحتك غالية، وأنت غني ومحبوب وعزيز مكرم ~~وسعيد أيضا، كما كنت أنا في بعض ما خلا من العمر ... ومثلك يفتقد ... أما أنا فأمري على ~~خلاف ذلك، فسنعود إذن، فإني أخاف أن يثقل عليك الداء ولست أستطيع أن أبوء بهذه التبعة، ~~ثم إن هناك لوشيزي ...» # فقال: «كفى، إن هذا السعال لا شيء، ولن يقتلني، كلا، لن تميتني سعلة.» # قلت: «صدقت، وما كان قصدي أن أثير مخاوفك ووساوسك بلا موجب، ولكن عليك أن تحاذر، ولعل ~~كرعة روية من نبيذ الميدوك هذا يقينا شر الرطوبة.» # وضربت عنق قارورة أخرجتها من صف طويل من القوارير القائمة على الأرض الرخوة وقدمتها ~~إليه وقلت: «اشرب» فرفعها إلى شفتيه وعينه تومض فيها معاني السرور والظفر، وهز رأسه إلى ~~فرنت أجراس طرطوره وقال: «إني أشرب نخب المدفونين الراقدين هنا.» # فقلت: «وأنا أشرب متمنيا لك عمرا مديدا.» # وعاد إلى ساعدي فتناوله واستأنفنا السير. # وقال: «إن هذه الأقبية طويلة.» # قلت: «لقد كان آل مونتريزور كثيرين وسادة.» # قال: «لقد نسيت شارتكم!» # قلت: «قدم عظيمة من الذهب في حقل لازوردي، والقدم تدوس حية قائمة وناباها مغروزان ~~في الكعب!» # قال: «وشعاركم؟ ...!» # قلت: «لا أمن لمن يستفزني.» # قال: «حسن.» # وكانت عينه تلتمع من فعل النبيذ، والأجراس ترن، وكان الشراب قد طار في رأسي أيضا ~~فنشط خيالي، وكنا قد اجتزنا جدرانا تكدست إلى جانبها العظام، واختلطت ms025 بالدنان ~~والرواقيد والخوابي، حتى بلغنا أقصى أركان المقبرة، فوقفت وتشجعت وقبضت على ذراعه من ~~فوق المرفق وقلت: ~~«هذه الأملاح ... انظر ... إنها تزداد على الجدران وتبدو معلقة كالطحلب فإنها تحت مجرى ~~النهر، وقطرات الرشح تجري بين العظام، فلنعد قبل أن تضيع الفرصة، فإن سعالك ...» # فقال: «إنه لا شيء فلنستمر، ولكن هات اسقني أولا من النبيذ الميدوك.» # فأطرت عنق زجاجة من نبيذ «دي جراف» وناولته إياها فأفرغها في فمه ولمعت عيناه لمعانا ~~قويا، وضحك ورفع يده بالزجاجة إلى فوق مشيرا بها إشارة لم أفهم لها معنى. # ونظرت إليه مستغربا، فكرر الإشارة - وكانت فيما يبدو لي مضحكة - فقال: «ألا ~~تفهم؟» # قلت: «لا ...» # قال: «إذن أنت لست من العشيرة؟» # قلت: «ماذا تعني؟» # قال: «لست من عشيرة البنائين (الماسون).» # قلت: «نعم، نعم، أنا منهم!» # قال: «أنت؟ بناء ...؟ مستحيل ...» # قلت: «بناء.» # قال: «هات أمارة.» # قلت: «هذه هي.» # وأخرجت له مسجة # 2 # من ثنايا عباءتي. # فقال وهو يتراجع بضع خطوات: «إنك تمزح، ولكن هيا بنا إلى دنان الأمونتيللادو.» # قلت: «فليكن ما تريد.» # ورددت المسجة إلى حيث كانت تحت مشملتي وناولته ذراعي ليتأبطها فاتكأ عليها بوزنه ~~ومضينا في طريقنا إلى الأمونتيللادو وسرنا تحت سلسلة من العقود الواطئة، وانحدرنا شيئا ~~ثم استقمنا ثم عدنا فانحدرنا كرة أخرى وبلغنا جديرة # 3 # طويلة فاسدة الهواء حتى لكان المشعلان يتوهجان ولا يرتفع لهما لسان. # وكان في أقصى هذه الجديرة أخرى أضيق منها، وكانت جدرانها قد رصت إلى جانبها العظام ~~البشرية وارتفعت على مستواها إلى العقد على نحو ما في المقابر الكبرى في باريس. وكانت ~~ثلاثة من جدران هذا المخبأ الداخلي مزدانة على هذه الصورة، أما الجدار الرابع، فقد سقطت ~~عنه العظام واختلطت على الأرض وصار بعضها كوما. ورأينا من فرجة في الحائط الذي انكشف ~~لنا بسقوط العظام عنه مخبأ داخليا آخر يبلغ طوله أربع أقدام، وعرضه ثلاث أقدام ~~وارتفاعه من ست أقدام إلى سبع. ولم يكن فيما يبدو متخذا لغرض خاص، وإنما كان فرجة بين ~~عمادين ضخمين يحملان سقف المقابر، وكان آخره ms026 أحد حيطانها المبنية من الصخر ~~الأصم. # وعبثا حاول فورتيناتو أن يرفع مشعله ليرى آخر هذا المخبأ فما كان هذا الضوء الخافت ~~ليساعد على الرؤية. # وقلت له: «امش فإن هنا دنان الأمونتيللادو. أما لوشيزي ...» # فقال مقاطعا: «إنه جهول.» وخطا إلى الأمام في اضطراب وأنا في أثره، وما لبث أن بلغ ~~آخر المخبأ، وألفى الصخر يحول دون المضي، فوقف مذهولا كالأبله، وما هي إلا هنيهة حتى ~~كنت قد قيدته إلى الصخرة، وكان على وجهها حلقتان من حديد تتدلى من إحداهما سلسلة قصيرة ~~ومن الأخرى قفل. ولم أحتج إلى أكثر من ثوان قليلة لأشد السلسلة على خصره وأثبتها في ~~القفل، وكان هو من فرط الذهول لا يقاوم. # ونزعت مفتاح القفل وتراجعت خارجا من المخبأ وأنا أقول: «أرح كفك على الحائط فلن يسعك ~~إلا أن تحس الأملاح. والحق أنه مكان رطب جدا. فاسمح لي مرة أخرى أن أناشدك أن ترجع ... ~~لا؟ إذن لا يسعني إلا أن أدعك وما آثرت لنفسك، غير أني سأؤدي لك قبل رحيلي كل ما يدخل ~~في طوقي.» # فصاح: «الأمونتيللادو.» وكان لا يزال في ذهوله لم يفق منه. # فقلت: «صحيح ... الأمونتيللادو.» وأقبلت وأنا أقول ذلك على كوم العظام الذي أسلفت ذكره ~~فنحيته وكشفت عن حجارة وطين. وبهذا وتلك - وبفضل المسج الذي كان معي - شرعت أبني ~~المخبأ وأسده. # ولم أكد أفرغ من أول مدماك # 4 # حتى تبينت أن فروتيناتو قد راحت سكرته إلى حد كبير وكان أول ما دلني على ~~ذلك أنين خافت من أعماق المخبأ، ولم تكن هذه بأنة رجل سكران، وأعقب ذلك سكون طويل، ~~ورفعت المدماك الثاني ثم الثالث ثم الرابع فسمعت صوت السلسلة وهو يجاهد بعنف أن يفكها، ~~وظلت هذه الضجة دقائق عديدة كففت في أثنائها عن العمل وقعدت على العظام لأنصت. وانقطع ~~الصوت فعدت إلى العمل وبنيت المدماك الخامس فالسادس فالسابع بلا شاغل. وصار الجدار الذي ~~أرفعه محاذيا لصدري فتوقفت مرة أخرى ورفعت المشعل فوق البناء فأراق ضوءه الضعيف على ~~الرجل. وفي هذه اللحظة أطلق فورتيناتو سلسلة صيحات ms027 حادة فاجأني بها فأحسست أني رددت ~~إلى الوراء، فترددت لحظة قصيرة واضطربت أيضا وجردت خنجري من قرابه ورحت أضرب به داخل ~~المخبأ، ولكن التفكير السريع أعاد إلى نفسي الاطمئنان فوضعت يدي على البناء المتين ~~وأحسست بالارتياح والرضى. وعدت إلى الحائط الذي أرفع بناءه وأجبت الصارخ من ورائه ... ~~رجعت صدى صوته ... أعنته ... بذذته بأعلى من صياحه وأشد ... فقرت الضجة وعادت ~~السكينة. # وكان الليل قد انتصف وقارب عملي ختامه، فقد أتممت المدماك الثامن فالتاسع فالعاشر، ~~ولم يبق على تمام الحادي عشر إلا حجر واحد أضعه في مكانه وأمسح عليه، فحملته بجهد وشرعت ~~أضعه، ولكن ضحكة ضعيفة ارتفع بها الصوت إلي من أعماق المخبأ، فوقف لها شعر رأسي، ~~وتلاها صوت حزين كان من العسير أن أصدق أنه صوت فورتيناتو النبيل، وكان الصوت يجري ~~هكذا: «ها ها ها ... هي هي هي ... يا لها من فكاهة ... مزحة ظريفة جدا ... سنضحك كثيرا حين ~~نعود إلى القصر ... ها ها ها ... على الشراب ... ها ها ها.» # فقلت: «الأمونتيللادو.» # فردد ضحكته وكلمتي: «هي هي هي ... ها ها ها ... نعم الأمونتيللادو ... ولكن ألسنا قد تأخرنا ~~جدا ...؟ سيطول عليهم الانتظار في القصر ... السيدة فورتيناتو والبقية ... فلنذهب.» # قلت: «نعم فلنذهب.» # فصاح: «أستحلفك بالله يا مونتريزور.» # فقلت: «نعم أستحلفك بالله.» # وعبثا انتظرت أن أسمع جوابا لهذا، فضجرت وصحت: «فورتيناتو»، فلم أسمع جوابا، فصحت ~~مرة أخرى «فورتيناتو.» # فلم يتأد إلي صوت، فدفعت يدي بالمشعل من الفرجة الضيقة الباقية وتركته يقع، فلم أسمع ~~سوى رنين الأجراس، فأحسست بقلبي يعصره شيء، من جراء الرطوبة في هذه المقبرة. فأسرعت ~~وأتممت عملي وثبت الحجر الأخير في مكانه وطليته بالطين، ثم رصصت على البناء الجديد ~~العظام القديمة، وقد مضى نصف قرن لم يزعجها فيه شيء. # | هوامش # | تشارلز ديكنز # 1812-1870 # | شجرة الميلاد # ثلاثة أفرع ~~(1) الفرع الأول: «نفسي» # احتفظت بسر واحد في حياتي، ذلك أني رجل حيي. وما من أحد يخطر له ذلك، وما من أحد ~~خطر له ذلك، وما من أحد يمكن أن يخطر له ذلك، ولكني بطبيعتي رجل حيي. ms028 وهذا هو السر ~~الذي لم تضطرب به شفتاي قبل اليوم. # وفي وسعي أن أحرك نفس القارئ ببيان الأماكن العديدة التي اتقيت أن أذهب إليها، ~~والناس الكثيرين الذين اجتنبت أن أزورهم أو أن أستقبلهم، وما اضطررت أن أتحاماه من ~~المجتمعات لا لسبب سوى أني بطبيعة تكويني، وما بنيت عليه فطرتي، رجل حيي. غير أني ~~أؤثر أن أدع نفس القارئ ساكنة، وأن أمضي إلى غايتي. # وغايتي هي أن أروي ما كان من رحلتي إلى فندق شجرة الميلاد، وما وقفت عليه فيه ~~هناك حيث ضرب علي الجليد نطاقا. وكان ذلك في عام ستظل ذكراه باقية، فارقت فيه ~~«أنجيلا ليث» إلى غير رجعة، وكنت أهم بزواجها، فعلمت أنها تؤثر صديقي الحميم ~~«إدوين»، وكنت منذ عهد التلمذة أقر له فيما بيني وبين نفسي بالتفوق والمزية ~~والرجحان. وقد حز في نفسي تفضيلها له ولكني لم يسعني إلا أن أدرك أن الأمر طبيعي، ~~فحاولت أن أصفح عنهما، وانتويت الرحيل إلى أمريكا، في طريقي إلى الشيطان. # ولم أفض بشيء مما علمت إلى أنجيلا أو إدوين، وقلت أبعث إلى كل منهما بكتاب أضمنه ~~دعائي لهما وعفوي عنهما، ويحمله عامل السفينة إلى صندوق البريد، على حين أكون أنا ~~موليا وجهي شطر العالم الجديد - أقول إني دفنت حزني في صدري، وعزيت نفسي بما ~~وطنتها عليه من التسامح والمروءة، وفارقت كل ما هو عزيز علي، وشرعت في هذه الرحلة ~~الموحشة التي أسلفت الإشارة إليها. # وكان الشتاء على أشد ما يكون قرصا حين غادرت بيتي إلى الأبد، في الساعة الخامسة ~~صباحا. ولا أحتاج أن أقول إني حلقت ذقني على ضوء شمعة، وإن البرد كان يهرؤني هراءة ~~شديدة، وإني كنت أحس كأني قمت من النوم لأشنق، وهو إحساس مقترن عندي بالنهوض قبل ~~الأوان في مثل هذه الأحوال. # وما زلت أذكر جهامة «فليت ستريت»، لما خرجت إليه من حي «التمبل» وكانت ألسنة ~~المصابيح تضطرب من زفيف الرياح النكباء، حتى لكأن الغاز نفسه قد تقبض من البرد. ~~وكنت أرى أعالي البيوت البيضاء، وصفحة السماء المقرورة، والنجوم ms029 فيها خفاقة ~~اللمعان، والساعين إلى الأسواق وغيرهم من المبكرين وهم يهرولون ليدور في عروقهم ~~الدم الذي كاد يجمد، وألمح الضوء، وأكاد أحس الدفء من المقاهي القليلة المفتوحة ~~لأمثال هؤلاء الزباين، ولا يسعني إلا أن أشعر بالبرد الذي كان الهواء يجلد به ~~وجهي كالسوط. # وكان باقيا على نهاية الشهر وختام العام تسعة أيام، وكانت السفينة الذاهبة إلى ~~الولايات المتحدة ستغادر ميناء «ليفربول» - إذا كان الجو ملائما - في اليوم الأول ~~من الشهر التالي، فأمامي فسحة من الوقت، فخطر لي أن أزور مكانا (لا داعي لذكر ~~اسمه) على الحدود القصوى لمقاطعة يوركشير. يذكرنيها دائما، ويحببها إلي أني ~~التقيت فيها أول ما التقيت بأنجيلا في بيت ريفي، وقد أحسست أن مما هو خليق أن يخفف ~~لواعجي، أن أودع هذا المكان قبل أن أنفي نفسي، ويحسن أن أقول هنا إني أردت أن أمنع ~~البحث عني قبل إمضاء عزمي، فكتبت إلى أنجيلا ليلا قبل رحيلي - كما كانت عادتي - ~~أقول لها إن عملا لا يحتمل الإرجاء، ستعرف تفاصيله فيما بعد، استوجب سفري وغيابي ~~أسبوعا أو عشرة أيام. # ولم تكن السكة الحديدية الشمالية قد مدت في ذلك الحين، وكان الانتقال والسفر ~~بالمركبات التي أراني أحيانا - كغيري من الناس - أتكلف الأسف على زوال عهدها، وإن ~~كان كل امرئ يفرق من ركوبها ويعده عذابا غليظا. وكنت قد احتفظت بمقعد إلى جانب ~~الحوذي على أسرع هذه المركبات، وكان همي الآن أن أركب شيئا ومعي حقيبتي إلى نزل ~~«البيكوك» في أسلنجتون وهناك أنضم إلى الركب. ولكن الحمال الذي كانت معه حقيبتي روى ~~لي أن كتلا عظيمة من الجليد سابحة منذ بضعة أيام في النهر تلاقت في الليل وصارت ~~معبرا في النهر من «حدائق التمبل» إلى شاطئ «ساري»، فلما سمعت هذا رحت أسأل نفسي ~~«أليس مقعدي إلى جانب الحوذي خليقا أن يضع نهاية سريعة مقرورة لشقائي؟» ولا شك أني ~~كنت محزونا كسير القلب، ولكني لم أكن قد بلغت من ذاك مبلغا يرغبني في الموت ~~بردا. # ولما بلغت نزل البيكوك - حيث ألفيت كل امرئ ms030 يحتسي شرابه حارا التماسا للمحافظة ~~على الذات - سألت هل في المركبة مقعد داخلي؟ على أني تبينت أني - في الداخل والخارج ~~- الراكب الوحيد. وكان هذا مما زاد شعوري بشدة الشتاء وسوء الجو، فقد كان الإقبال ~~على هذه المركبة خاصة عظيما. واحتسيت شيئا من الشراب ألفيته سائغا جدا، وركبت ~~فغطوني بالقش إلى وسطي، وبدأت رحلتي وأنا شاعر بما في منظري من بواعث الإضحاك ~~والسخرية. # وغادرنا «البيكوك» والدنيا ما زالت ملفوفة في مثل الشملة من الظلام، وكانت أشباح ~~البيوت والأشجار تبدو غائمة باهتة كأنها منظورة من خلال الضباب ثم طلع النهار ~~جامدا أسود مصرورا. وكان الناس يضرمون النار في مواقدهم والدخان يرتفع مستقيما ~~ذاهبا في طبقات الهواء الرقيق، ونحن نقرقر بمركبتنا إلى «هايجيت ارشوي» على أوعر ~~أرض رن عليها حافر. ودخلنا في الريف فخيل إلي أن كل شيء قد شاخ وعلته شيبة - الطرق ~~والأشجار والسقوف والبيادر - وقد ترك الناس العمل خارج البيوت، وتجمد الماء المعد ~~لشرب الجياد، وخلت الطرق من العابرين، وأحكم إيصاد الأبواب، وعلت ألسنة النار في ~~بيوت الحراس الصغيرة، وجعل الأطفال (حتى الحراس لهم أطفال ويبدو عليهم أنهم ~~يحبونهم) يمسحون الغيم عن الزجاج بسواعدهم البضة لتأخذ عيونهم اللامعة منظر المركبة ~~الفريدة المارة بهم. ولا أدري متى بدأ البرد يتكاثف، ولكني أدري أننا كنا نغير ~~الخيل في مكان ما فسمعت الحارس يقول إن السماء جادة في إلقاء الثلج علينا، فنظرت ~~فألفيته يسقط علينا بسرعة وكثرة. # وانقضى النهار الموحش وقد نمته كما يفعل المسافر المستفرد، وأحسست بالدفء والقوة ~~والشجاعة بعد الطعام والشراب - ولا سيما بعد العشاء - أما ما خلا أوقات الطعام فإني ~~لا أحس فيه إلا بالانقباض. وكنت ذاهلا عن الزمان والمكان، وأكاد أكون في غير وعيي. ~~وكانت المركبة والجياد كأنما تشدو بلحن لا ينقطع ولا يختلف حتى لأزعجتني الدقة في ~~ذلك، وبينما كانت الخيل تغير كان الحراس يدبدبون وهم يتمشون رائحين غادين، ويتركون ~~آثار أحذيتهم على الثلج ويفرغون في بطونهم من الشراب مقادير عظيمة لم تؤثر فيهم، ~~فلما دخل الظلام مرة أخرى ms031 اختلط علي أمرهم ببرميلين كبيرين هناك. وتعثرت الخيل في ~~مواضع فأنهضناها، وكان هذا خير ما حدث لي وأمتع ما وقع لأنه أشعرني الدفء. وكان ~~الثلج لا يزال يسقط، ويسقط ولا يكف عن السقوط. وظل الحال على هذا المنوال طول ~~الليل. وهكذا دارت الساعة دورتها وعدنا إلى الطريق على أصوات الحوافر والعجلات، ~~بينما كانت السماء ماضية في إلقاء الثلج علينا لا تكف عن ذلك ولا تني أو ~~تفتر. # وقد نسيت أين كنا ظهر اليوم الثاني، وأين كان ينبغي أن نكون، ولكني أعلم أنا ~~كنا متأخرين عشرات من الأميال، وأن الحال كان يزداد سوءا ساعة بعد ساعة، فقد أخذ ~~الثلج المتساقط يعلو جدا والمعالم تختفي فيه، وصارت الطرق والحقول شيئا واحدا، ~~وبدلا من أن تكون هناك حواجز وأسوار تهدينا في سيرنا كنا نخبط فوق سطح أبيض متصل ~~غير منقطع قد يخوننا في أية لحظة فنرتمي على سفح تل. ولكن الحوذي والحارس - وكانا ~~معا لا ينفكان يتشاوران ويديران عيونهما فيما حولهما - استطاعا أن يسددا خطوات ~~الجياد بدقة مدهشة. # وكنا إذا صارت بلدة على مرأى منا يخيل إلي أنها تشبه رسما كبيرا على ~~أردواز # 1 # وأن الكنائس والبيوت - حيث الثلج أكثف - كانت أوفر حظا من التخطيط. ~~وكنا ندنو من البلدة فنلقى ساعات الكنائس كلها قد تعطلت ووجوهها قد غطاها الثلج ~~وأسماء الفنادق قد محيت فيبدو لنا المنظر كأنما هو مكسو بالنبات الأبيض. أما ~~المركبة فقد صارت كرة من الثلج. كذلك الرجال والأطفال الذين كانوا يعدون إلى جانبنا ~~إلى آخر البلدة ويساعدون على إدارة العجلات المرتطمة ويستحثون الجياد اللاهثة - ~~هؤلاء أيضا كانوا في رأي العين رجالا وأطفالا من الثلج. أما البيداء الموحشة ~~التي تخلفوا عنا على تخومها فقد كانت صحراء ثلجية. وكان المرء معذورا إذا توهم أن ~~الطبيعة بلغت غاية مجهودها، وأنه ليس فوق ما صنعت زيادة لمستزيد، ولكني أقسم أن ~~السماء ظلت تثلجنا وتثلجنا ولا تزال تثلجنا ولا تكف أو تني عن ذلك أو تفتر. # ولبثنا على هذا الحال النهار كله لا نرى شيئا ms032 خارج البلدان والقرى غير الآثار ~~التي يتركها القاقم والأرنب والثعلب والطير أحيانا. وفي الساعة التاسعة ليلا ~~نبهتني نفخة مرحة في بوق المركبة وأصوات أناس تستبشر بها النفس وحركات مصابيح وإذا ~~نحن قد وقفنا في ساحة من أرض يوركشير لتغيير الخيل. # وساعدوني على النزول فقلت لخادم صار رأسه العاري أبيض كرأس الملك لير في دقيقة ~~واحدة: «أي فندق هذا؟» # قال: «فندق شجرة الميلاد.» # فالتفت إلى الحوذي والحارس بهيئة المعتذر وقلت: «أظن أنه لا بد لي أن أتخلف ~~هنا.» # وكان صاحب الفندق وامرأته وكل من في المكان من خدم وعمال قد سألوا السائق على ~~مرأى ومسمع من بقية من هناك من المتطلعين المتلهفين على الجواب: هل ينوي أن يستأنف ~~السفر فكان جوابه: «نعم سأمضي بها (يريد المركبة) إذا لم يتخل عني جورج.» وكان جورج ~~هذا هو الحارس وكان قد أقسم أن يظل معه. ولهذا راح الرجال يخرجون الخيل. # ولم يكن إقراري بالهزيمة بعد هذا الحديث إعلانا بغير تمهيد، بل الواقع أنه لولا ~~أن مهد لي الحديث طريقي إلى إعلان عزمي لكان من المشكوك فيه - وأنا رجل حيي - أن ~~أجترئ على ذلك. على أن رغبتي قوبلت بالرضى حتى من الحارس والحوذي. ولهذا وبعد أن ~~عززت رغبتي وسمعت ملاحظات شتى من بعض الواقفين وهم يتحادثون، ومن بينها أن: «السيد ~~يستطيع أن يسافر مع البريد غدا. أما الليلة فليس أمامه إلا أن يموت بردا. وأي خير ~~في أن يموت امرؤ بردا؟ آه، ودع عنك دفنه حيا! (العبارة الأخيرة مما زاده رجل ~~هزال على سبيل المزاح، على حسابي، وقد قوبلت أحسن مقابلة). # أقول إني، بعد ذلك رأيت حقيبتي تخرج من المركبة وكأنها جسم متجمد، وبذلت للحوذي ~~والحارس ما فيه رضاهما وحييتهما وتمنيت لهما رحلة موفقة وسفرا سعيدا، ثم تبعت ~~صاحب الفندق وامرأته وخادمه إلى الطبقة الثانية، وأنا خجل من ترك الرجلين يكافحان ~~وحدهما. # وخيل إلي أني لم أر في حياتي غرفة في سعة هذه التي مضوا بي إليها. وكان لها خمس ~~نوافذ عليها ستائر حمراء داكنة ms033 تستطيع أن تمتص الضوء من زينة عامة، وكانت رءوس هذه ~~الأستار محلاة بضروب معقدة من النسيج ممتدة على الحائط على نحو عجيب. وقد طلبت أن ~~تكون غرفتي أصغر، فقالوا إنه ليس ثم ما هو أصغر من هذه ولكن في وسعهم أن يضعوا لي ~~سترا متحركا. وجاءوني بستر ياباني عليه صور أناس (يابانيين على ما أظن) يباشرون ~~أعمالا سخيفة وتركوني أشوى أمام نار عظيمة. # وكانت غرفتي هذه على مسافة ربع ميل أو حوالي ذلك من بداية دهليز طويل يفضي إليه ~~سلم عظيم. وقل من يدرون أي عذاب يحدثه هذا لرجل حيي. يؤثر ألا يلتقي بأحد على ~~درجات السلم. وكانت الغرفة أكلح ما جثم على صدري فيه كابوس. وكان كل ما فيها من ~~أثاث ضخما عالي الظهر مستدق الوسط كالمغزل ولا أستثني من ذلك عمد السرير الأربعة ~~والشمعدانيين الفضيين القديمين. وكنت فيها إذا أطللت بوجهي من وراء الستر المتحرك، ~~يهجم علي تيار الهواء كأنه الثور المجنون، وإذا بقيت لا أريم مكاني على مقعدي ~~اشتد علي حر النار وتركتني كالآجرة الجديدة، وكانت الصفة التي فوق الموقد عالية ~~جدا وعليها مرآة سوء، أستطيع أن أقول إنها «متموجة» فكنت إذا وقفت ونظرت فيها ~~أرتني ما ينمو فوق رأسي، وقلما يكون ما فوق الحاجبين منظرا حسنا، وإذا أوليت ~~الموقد ظهري استقبلت قبوا جهما من الظلام فوقي، وفيما وراء الستر لا سبيل إلى ~~تحويل العين عنه، وكانت الأستار العشرة على النوافذ الخمس تتلوى وتمسح الجدران ~~كأنها عش من الديدان العظيمة. # وأحسب أن ما أراه في نفسي لا بد أن يراه في أنفسهم غيري ممن لهم مثل طباعي ~~وفطرتي، ومن أجل هذا أجترئ على القول بأني في أسفاري ما نزلت بمكان قط إلا وددت أن ~~أبادر إلى الخروج منه، فقبل أن أرفع يدي عن عشائي - وكان قوامه دجاجة محمرة ونبيذا ~~معتقا ساخنا - شرحت للخادم بالتفصيل تدابير رحيلي في الصباح: الإفطار ومعه بيان ~~التكاليف في الساعة الثامنة ... والسفر في الساعة التاسعة ... جوادان ... أو إذا احتاج ~~الأمر إلى أكثر فأربعة ms034 ... # وكنت متعبا مكدودا، ولكن الليل مع ذلك طال علي حتى لكأنه أسبوع. وكنت في فترات ~~الراحة من الكابوس أفكر في أنجيلا. وضاعف شعوري بالهم والحزن أني في مكان على أقصر ~~طريق إلى «جريتنا جرين.» وما لي أنا وجريتنا جرين؟ ... وحدثت نفسي بمرارة أني لست ~~ماضيا إلى الشيطان عن هذا الطريق، بل عن طريق أمريكا ... # وفي الصباح علمت أن الثلج ظل يسقط طول الليل، ورأيت أنه ما زال يسقط، وأدركت أني ~~في نطاق من الجمد. وما من شيء يستطيع أن يخرج من هذا المكان أو يأتي إليه قبل أن ~~يجيء العمال ويرفعوا الثلج عن الطريق. ومتى يشقونه إلى هذا الفندق؟ لا يعلم ~~أحد. # وصرنا في يوم عيد الميلاد. وهو عيد لا اغتباط لي به في هذا العام في أي مكان على ~~كل حال، فلا قيمة للأمر من هذه الناحية، ولكن احتباسي هنا كان أشبه بالموت بردا، ~~وهو أمر لم يكن لي في حساب. وأحسست بوحشة. ومع ذلك لم أستطع أن أقترح على صاحب ~~الفندق وامرأته أن يأذنا لي في مجالستهما (وكان هذا خليقا أن يسرني) كما لا أستطيع ~~أن أطلب إليهما أن يهديا إلي شيئا من الآنية! وها هنا محل الإشارة إلى سري ~~الأكبر، وأعني به أني رجل شديد الحياء بالفطرة، ومن عادة الرجل الحيي أنه يتوهم أن ~~غيره مثله. لهذا خجلت أن أرجو منهما أن يضماني إلى مجلسهما، بل كبر في وهمي أن هذا ~~قد يحدث لهما ارتباكا شديدا. # لهذا بدا لي أن خير ما أصنع هو أن أستقر في غرفتي، فسألت هل هنا شيء يقرأ؟ فجاءني ~~الخادم بكتاب عن الطرق، وصحيفتين أو ثلاث قديمة، وكتاب أغان صغير، ينتهي بمجموعة من ~~«الأنخاب» وكتاب نكت، ونسخة قديمة من «بريجرين بيكل» و«الرجعة العاطفية» وكنت أعرف ~~كل حرف من الكتابين الأخيرين، ولكني مع ذلك قرأتهما مرة أخرى، ثم حاولت أن أشدو ~~بالأغاني، ولم تفتني نكتة مما في كتابها، وقد وجدت فيها ذخرا من الكآبة واءمت ~~حالتي النفسية! واقترحت على نفسي كل الأنخاب المدونة ms035 وأعربت عن جميع العواطف ~~المسجلة ، وحفظت ما في الجرائد عن ظهر قلب، ولم يكن فيها سوى إعلانات عن بضائع وبيان ~~عن اجتماع وخبر عن حادثة سطو في الطريق. ولما كنت منهوما بالقراءة فقد التهمت ما ~~أعطونيه قبل دخول الليل، بل لقد فرغت منه كله قبل وقت الشاي، ولم يبق لي إلا ما ~~أستطيع أنا تدبيره لتزجية الوقت، فقضيت ساعة أفكر فيما عسى أن أصنع بعد ذلك. ~~وأخيرا خطر لي (فقد كان يعنيني أن أنقي من رأسي كل خاطر له صلة بأنجيلا وإدوين) أن ~~أنشر المطوي مما وعته الذاكرة من تجاربي المقترنة بالفنادق، وأنظر أي وقت يذهب في ~~ذلك، فحركت النار وأدنيت كرسيا من الستر المتحرك - ولم أجرؤ أن أدنو جدا مخافة ~~أن تهجم علي الريح المتربصة وراءه، وكنت أسمع صوتها - وبدأت. # أقدم ما أذكر من أمر الفنادق يرجع إلى عهد الطفولة، لهذا كررت راجعا إلى ذلك ~~العهد واتخذت منه بداية، فألفيت نفسي على ركبة امرأة شاحبة الوجه ضيقة العينين، ~~قنواء الأنف، خضراء الثوب، لا تعرف من الأقاصيص إلا واحدة عن سري من أهل الناحية ~~كان ضيوفه يختفون بلا سبب، ومضت سنوات ثم ظهر أن همه من حياته أن يصنع من لحومهم ~~«فطيرا» ولكي يكون تخليه أتم لهذا الضرب من الصناعة وتوفره عليه أرقى أنشأ بابا ~~سريا خلف رأس السرير، فإذا نام الضيف (المتخوم بالفطير) دخل عليه هذا الشرير وفي ~~إحدى يديه مصباح وفي الأخرى سكين وقطع رقبته ثم طبخه وصنع منه فطيرا. ولهذا اتخذ ~~في موضع مستور تحت السرير مراجل لا تفتأ تغلي. وكان يحدو رقاقه هذا في فحمة الليل، ~~ومع ذلك لم يسلم من وخز الضمير، فما نام قط إلا تمتم «الفلفل كثير» فما لبث أن ~~أسلمته التمتمة إلى العدالة. # وما كدت أفرغ من قصة هذا المجرم حتى تذكرت أخرى من مخلفات ذلك العهد عن رجل كانت ~~صناعته في الأصل السطو على البيوت، وقد جر عليه ذلك صلم أذنه اليمنى في إحدى ~~الليالي بينما كان يهم بالدخول من نافذة، ms036 صلمتها له خادمة جميلة قوية القلب (كانت ~~العجوز ذات الأنف الأقنى وإن كانت أبعد خلق الله عن هذا الوصف، تدع السامع يتوهم ~~أنها هي تلك الخادمة الحسناء الجريئة). وبعد سنين عدة زفت هذه الغيداء الباسلة إلى ~~صاحب فندق وكانت له عادة غريبة هي أنه يلبس قلنسوة من حرير لا ينزعها أبدا في ليل ~~أو نهار كائنة ما كانت الأحوال. ففي إحدى الليالي نزعت هذه المرأة الجميلة الجريئة ~~قلنسوته عن أذنه اليمنى فإذا هي مصلومة! فأدركت أنه هو اللص الذي قطعت له أذنه وأنه ~~تزوجها ليفتك بها، انتقاما منها، فأسرعت إلى السفود أو المحضاء فأحمته وقضت به ~~عليه قبل أن يقضي عليها، فحملوها إلى الملك جورج على عرشه حيث تقبلت منه الثناء ~~الملكي السامي على حكمتها وعقلها وشجاعتها. # وكانت هذه القصاصة العجوز، على ما تبينت من زمان طويل، تجد لذة وحشية في إرعابي ~~وإطارة صوابي من الخوف، وقد روت لي ما زعمته قصة واقعية من تجاربها ولكني أعتقد ~~أنها مولدة من رواية «ريموند واجنز أو الراهبة الدامية» وقد قالت: إن الحادثة وقعت ~~لزوج أختها، وكان على ما ادعت غنيا جدا، ولم يكن أبي كذلك. وكان يسر هذه العجوز ~~الغولية المزاج أن تعرض أقاربي الأدنين وأصدقائي على عقلي الصغير، في صور مستهجنة. ~~قالت: وكان قريبها هذا يخترق غابة وهو ممتط صهوة جواد أصيل (ولم يكن لنا جواد أصيل) ~~يتبعه ويمشي في ركابه كلب قوي لا يقوم بمال (ولم يكن لنا كلب). وأمسى عليه الليل ~~وهو سائر فعرج على فندق ففتحت له الباب امرأة سمراء فسألها: هل يجد عندها سريرا؟ ~~فقالت: نعم، وأدخلت حصانه الإسطبل ومضت به هو إلى غرفة فيها رجلان أسمران، وبينما ~~كان يتمشى شرع ببغاء، كان في الغرفة، يتكلم ويقول: «الدم! الدم! امسحوا الدم!» فنهض ~~إليه أحد الرجلين الأسمرين ولوى عنقه فمات، وعاد وهو يقول: إنه يحب الببغاوات ~~المحمرة، وأنه سيفطر بهذا في الصبح. وبعد أن أكل صاحبنا الغني جدا وشرب حتى هنئ ~~صعد لينام، ولكنه كان ساخطا لأنهم حبسوا ms037 كلبه في الإسطبل زاعمين أنهم لا يسمحون ~~بترك الكلاب طليقة في الخان. ولبث ساكنا أكثر من ساعة يفكر، ولما أشفت شمعته على ~~الفناء سمع صوت حك بالباب ففتحه وإذا بكلبه وراءه، ودخل الكلب على مهل وجعل يشم ثم ~~مضى رأسا إلى قش في ركن، قال أحد الرجلين الأسمرين: إنه يغطي تفاحا، ونثر الكلب ~~القش فكشف عن ملاءتين ملوثتين بالدم، وفي هذه اللحظة انطفأت الشمعة، ونظر صاحبنا من ~~ثقب بالباب فألفى الرجلين الأسمرين يصعدان على أطراف أصابعهما ومع أحدهما خنجر يبلغ ~~طوله خمس أقدام، ومع الثاني ساطور وغرارة وفأس. وقد نسيت بقية القصة وأحسب أن الرعب ~~أورثني الخدر وأفقدني القدرة على الإصغاء حوالي ربع ساعة. # وانتقلت من هذه الأقاصيص - وأنا قاعد أمام الموقد في فندق شجرة الميلاد - إلى قصة ~~خان «رودسيد»، وكيف ضبط صاحبه إلى جانب سرير الضيف المقتول، وسكينه عند قدميه، ~~والدم على يديه. وكيف شنقوه على الرغم من قوله إنه صعد إليه ليقتله ولكنه جمد في ~~مكانه إذ وجده قد ذبح قبل ذلك، وكيف أنه بعد سنين عدة، اعترف خادم الخان ~~بالقتل. # ولما بلغت إلى هنا في نشر المطوي من ذكرياتي، استولى علي القلق فنهضت وحركت ~~النار وأوليتها ظهري ولبثت هكذا حتى لم أعد أطيق حرها، وكنت أحدق في الظلام الحالك ~~وراء الستر، وأنظر إلى الستائر التي تتحرك كالديدان في أنشودة «ألونزو الشجاع ~~وإيموجين الحسناء». # وتذكرت خانا في البلدة التي دخلت مدرستها، ولما كانت ذكرياته أحلى وأشرح للصدر، ~~فقد تناولتها وأحييتها. كان ذلك خانا ينزل فيه الأصدقاء وكنا نحن نقصد إليه فيسخو ~~علينا صاحبه بما عنده، وكنت مجنونا بحب ابنته - ولكن دع هذا - وفي هذا الخان حنت ~~علي أختي الصغيرة وهي تبكي لأن عيني ورمت في ملاكمة. وقد ذهبت أختي منذ سنوات ~~طويلات المدد، إلى حيث تجف العبرات، ولكن هذه الذكرى، على بعد مسافة الزمن، عطفت ~~قلبي عليها ورققته لها. # وتناولت شمعتي ومضيت إلى سريري وأنا أقول: «البقية تأتي غدا.» ولكن سريري تكفل ~~بإبقاء خواطري في هذا المجرى، فألفيتني ms038 أحمل، على مثل البساط المسحور ، إلى مكان ~~قصي (وإن كان في إنجلترا)، وهناك نزلت من مركبة عند باب خان والسماء تثلجنا. ~~وأعدت وأنا نائم تجربة غريبة وقعت لي بالفعل. ذلك أنه قبل هذه الرحلة التي كرت بي ~~الذاكرة إليها، بأكثر من عام، توفي صديق لي كان عزيزا علي وأثيرا عندي، فصرت ~~أراه كل ليلة في أحلامي سواء أكنت راقدا في بيتي أم في غيره، وكان يبدو لي تارة ~~كأنه ما زال حيا، وطورا كأنه عائد إلي من عالم الأرواح والأشباح ليعزيني ~~ويسليني، ولكنه دائما جميل، ساكن، سعيد، لا يجري في البال أو يحرك في النفس أي ~~معنى من معاني الجزع والأسى. وكان الخان الذي نزلت فيه بعد ذلك الحادث في رقعة ~~فسيحة من الريف، وبعد أن أشرفت من نافذة غرفتي على الثلج الذي يكسو الأرض ويضيئه ~~القمر، جلست إلى جانب الموقد لأكتب رسالة. وكنت إلى تلك اللحظة قد حرصت على أن أكتم ~~أني أرى صديقي العزيز الذي فقدته، في منامي كل ليلة. فدونت هذا في الرسالة التي ~~كتبتها وزدت على ذلك أني أريد أن أرى هل يظل موضوع أحلامي ثابتا على الوفاء لي على ~~الرغم من بعد الشقة (في هذا المكان) ومن تعب السفر ومجهوده؟ ... كلا ... فقدت الخيال ~~لما بحت بالسر! ولم تكتحل به عيني سوى مرة واحدة في ستة عشر عاما، بعد ذلك ... وكنت ~~في إيطاليا، فاستيقظت (أو خيل إلي أني استيقظت) وفي مسمعي ذلك الصوت الذي لا ~~ينسى، كأوضح ما يكون، وأنا أحدثه، فتوسلت إليه - وهو يسمو فوقي، ويحلق ذاهبا في ~~الهواء، صاعدا إلى قبة الغرفة العتيقة - أن يجيبني عن سؤال لي عن الحياة الأخرى. ~~وكانت يداي لا تزالان مبسوطتين إليه بالرجاء والتوسل لما اختفى. فسمعت جرسا يدق ~~على كثب من الحديقة وصوتا في سكون الليل العميق يدعو المسيحيين الصادقين أن يصلوا ~~لأرواح موتاهم ويترحموا عليهم ... # وكان ذلك اليوم، يوم عيد الموتى ... # وأعود إلى فندق شجرة الميلاد الذي أنا فيه، فأقول إني لما استيقظت في صباح اليوم ~~التالي ms039 ألفيت الجمد على حاله، والسماء الدانية المسفة تنذر بالمزيد، فأفطرت ثم ~~ارتددت بالكرسي إلى مكانه السابق، واستأنفت ذكريات الخانات ... # كان هناك خان حسن في «ويتشير»، نزلت فيه مرة، وكان ذلك أيام كانت «ويتشير» تصنع ~~جعتها القوية، وقبل أن تفسد الجعة ولا يبقى منها إلا المرارة. وكان الخان على تخوم ~~سهل سالسبري، وكانت رياح الليل التي يخشخش لها شباكي تهب نائحة من «ستونهنج»، وكان ~~هناك خادم أشيب طويل الشعر، عينه زرقاء كأنها حجر الزناد، وكان لا ينفك شاخصا ~~ببصره مرسلا طرفه إلى بعيد، وكانت دعواه أنه راع قديم، وكان يبدو للناظر أنه يرقب ~~أن يظهر على خط الأفق شبح قطيع من الغنم أكل من أزمنة مديدة. وكان له اعتقاد غريب، ~~هو أنه ما من إنسان يستطيع أن يعد حجارة ستون هنج مرتين، ولا يختلف العدد، وأن من ~~عدها ثلاثا في تسع ثم وقف وقال: «إني أتحدى» ظهر له شبح هائل فيموت على المكان. ~~وقد ادعى أنه رأى الحبارى على النحو الآتي: قال إنه خرج إلى السهل في مساء يوم في ~~أخريات الخريف، فلمح شيئا غامضا يحجل حجلانا # 2 # متقطعا فظنه لأول وهلة مظلة مركبة أطارتها الريح عنها، ثم توضحه ~~فاعتقد أن هذا قزم قميء على مهر صغير. وراح يتبع هذا الشيء مسافة، ولا يدركه، ~~ويناديه ويهيب به ولا يتلقى جوابا، فجعل يذنبه أميالا وأميالا، حتى لحقه ~~أخيرا، فإذا به آخر حبارى في بريطانيا العظمى، وقد انحطت وفقدت جناحيها وصارت ~~تمشي على الأرض! وآلى ليقنصنها أو يموت، فهجم عليها، ولكن الحبارى كانت قد اعتزمت ~~هي أيضا ألا تموت وألا يقنصها أحد، فكرت عليه وصرعته، وشوهدت بعد ذلك تسير غربا. ~~وهذا الرجل الغريب الشأن لعله كان في تلك المرحلة من تطوره، ممن يمشون وهم نائمون، ~~أو لصا، أو غير ذلك. ولكني استيقظت ليلة فألفيته في الظلام إلى جانب سريري يرتل ~~بأعنف صوت وأقواه، فدفعت إلى الخان حسابه في اليوم التالي ورحلت عن المقاطعة كلها ~~بأقصى ما يسعني من السرعة. # وفي خان صغير في ms040 سويسرا وقعت حادثة ليست عادية، وأنا نازل به. وكان الخان أشبه ~~بالبيت، في قرية ليس فيها إلا زقاق ضيق يلتوي بالسالك في الجبل، وكان المدخل ~~الرئيسي للخان من حظيرة البقر، ثم يمر الإنسان بالبغال والكلاب والطيور قبل أن ~~يرتقي في السلم الكبير العاري إلى الغرف التي كانت مصنوعة من خشب بلا تمليس أو دهان ~~أو ورق، فكأنها صناديق للتعبئة. ولم يكن هناك، فيما عدا الخان، سوى الزقاق الملتوي ~~وكنيسة صغيرة ذات قبة نحاسية اللون، وغابة صنوبر، وغدير، ثم الضباب وجوانب الجبل. ~~وكان في الخان شاب اختفى منذ ثمانية أسابيع (وكان الوقت شتاء) وقيل، على الظن، إن ~~حبا له خاب، فانتظم في سلك الجندية. وذكروا أنه نهض من فراشه في الليل وألقى ~~بنفسه في الزقاق من الغرفة التي يشاركه فيها رجل آخر. وقد استطاع أن يتسلل من ~~الفراش ويثب من النافذة ويسقط على الأرض في أتم سكينة، حتى إن زميله ورفيقه لم يسمع ~~أي صوت، وظل مستغرقا في نومه العميق حتى أيقظوه في الصباح وسألوه: «لويز، أين ~~هنري؟» وراحوا يبحثون عنه في كل مكان، ثم يئسوا فأقصروا. وكان هناك أمام الخان - ~~ككل مسكن في القرية - كوم من خشب الوقود، ولكن كوم الخان كان أعلى وأكبر من غيره من ~~الأكوام، لأن الخان كان أكبر المنازل وأثراها وأحوجها إلى الوقود الكثير، وقد لوحظ، ~~أثناء البحث عن الغائب، أن ديكا من ديكة الخان كان يدع رفاقه ويزهد في معاشرة ~~الدجاجات، ويأبى إلا أن يصعد إلى قمة كوم الخشب، ويظل هناك ساعات وساعات وهو يصيح ~~حتى ليكاد ينشق ويتفطر. ومضت خمسة أسابيع، وانقضى الأسبوع السادس، وهذا الديك ~~الفظيع لا يزال يهمل واجباته البيتية، ولا يكف عن الارتقاء إلى قمة الكوم، ولا يفتر ~~عن الصياح وإن كانت عيناه تكادان تخرجان من قوة الصوت وعنفه. ولوحظ في ذلك الوقت ~~أيضا أن لويز امتلأ قلبه بغضا لهذا الديك الفظيع وسخطا عليه، ففي صباح يوم رأته ~~امرأة كانت جالسة إلى نافذتها في خيط من أشعة الشمس الفاترة، تعالج غدتها ms041 الدرقية، ~~أقول رأته هذه المرأة يتناول جذلا من الحطب، وهو يسب ويلعن، ويرمي به الديك الصائح ~~على رأس الكوم فيقتله. وفي هذه اللحظة انبثق النور في رأس المرأة فخفت إلى الكوم ~~من الخلف، وكانت تحسن التسلق كغيرها من نساء هذه الناحية، فارتقت إلى رأس الكوم ~~وصوبت عينها ثم انطلقت تصرخ وتصيح: «اقبضوا على لويز القاتل!» وقد رأيت هذا القاتل ~~في ذلك اليوم. وإني لأراه الآن وأنا جالس بجوار الموقد في فندق شجرة الميلاد، وهو ~~مقيد بالحبال وملقى على القش في الإسطبل، وعليه عيون البقر الوديعة، وأنفاسها ~~المتدخنة، وهو ينتظر مقدم البوليس، ويتلقى نظرات السخط من أهل القرية. وكان وهو ~~ملقى في الحظيرة يبدو لي أنه حيوان غليظ - بل إنه أبلد ما في الإسطبل - رأس سخيف، ~~ووجه هو كتلة من البهيمية، ولا أثر هناك لإحساس. وقد كان الشاب المقتول يعلم أن ~~قاتله اختلس مبالغ شتى صغيرة من مال سيده، فيظهر أنه لجأ إلى وسيلة القتل ليخلو له ~~وجه حياته من هذا الذي قد يتهمه يوما ما، بما يعلم. وقد اعترف القاتل بهذا كله في ~~اليوم التالي كأنما أراد أن يفرغ من الأمر كله بعد أن قبضوا عليه وانتووا أن ~~يقتصوا منه. ورأيته مرة ثانية يوم رحلت من الخان. ولا يزال السياف في هذه الناحية ~~يعمل عمله بالسيف، وقد رأيت هذا القاتل قاعدا على كرسي ومشدودا إليه، فوق منصة في ~~سوق صغيرة، وكانت عيناه معصوبتين، ثم لمع سيف صقيل ماض «نصله مسقى بالزئبق» وخفق ~~حوله كالريح أو النار، فلم يبق وجود لمخلوق كهذا في الدنيا. ولم يكن عجبي من سرعة ~~العصف به، بل من أن رأسا من هذه الرءوس المحيطة بالمكان لم يقطفه هذا السيف ~~البتار وهو يقطع الهواء! # وثم خان حسن آخر نزلت به في ظل «مونت بلانك» صاحبته طيبة القلب بسامة الثغر ~~أبدا، وبعلها رجل تقي مستقيم السيرة، وكانت الجدران في إحدى غرفه مكسوة ورقا ~~عليه صور حيوان، ولكن الوراق لم يعن نفسه بالإحكام والدقة في وصل قطع الورق بعضها ms042 ~~ببعض، فصار للفيل ذيل النمر ورجلاه ، وللأسد خرطوم الفيل وناباه، وللدب صورة الفهد! ~~وقد صادفت كثيرين من الأمريكيين في هذا الفندق وكانوا جميعا ينطقون اسم الجبل ~~«مونت بلانك» «ماونت» ما خلا واحدا منهم سرى النفس حسن العشرة رقيق الحاشية، اتخذ ~~من الجبل صديقا لا حاجة معه إلى التكلف، فكان يقتصر عند ذكره على «بلانك» فيقول ~~عند الإفطار مثلا: «بلانك يبدو اليوم عاليا جدا.» أو يكون في المساء وهو يتمشى ~~في الفناء فيعرب عن اعتقاده أن في بلاده بعض الأقوياء المغامرين الذين يستطيعون أن ~~يتسلقوا «بلانك» ويصلوا إلى ذروته في ساعتين. # وقضيت مرة أسبوعين في خان بشمال إنجلترا حيث لازمني شبح فطيرة مهولة. وكانت ~~كالقلعة إلا أنها قلعة مهجورة خاوية، ولكن الخادم كان يرى أن من الأصول التي ينبغي ~~أن ترعى في كل وجبة أن يضع الفطيرة على المائدة، وبعد بضعة أيام رأيت أن أفهمه ~~بأساليب شتى رقيقة أني أعد هذه الفطيرة مفروغا منها ولا محل لها على السفرة، فكنت ~~أصب فيها سؤر الكأس وأضع في جوفها أطباق الجبن والملاعق كأنها سلة، أو زجاجات ~~النبيذ كأنها ثلاجة، وكان هذا كله مني عبثا وعناء باطلا لا يجدي، فقد كانت الفطيرة ~~تنظف وتعاد إلى مكانها المألوف، فشككت في أمري وخيل إلي أني لعلي مصاب بهذيان ~~العين، وأشفقت أن تضعضع صحتي وتهد كياني أهوال هذه الفطيرة المتخيلة فتناولت السكين ~~وقطعت منها مثلثا عظيما. وما كان في وسع إنسان أن يرى ما سيكون من وراء أستار ~~الغيب، ولكن الخادم عالج الفطيرة وأصلحها ورمها، واستعان بنوع من الملاط ورد ~~المثلث إلى مكانه، فأديت الحساب وفررت! # وكان فندق شجرة الميلاد قد أخذت الجهامة تستولي عليه فقمت برحلة إلى ما وراء ~~الستر وذهبت إلى النافذة الرابعة، ولكن الرياح ردتني منهزما، فعدت إلى مشتاي مرة ~~أخرى وأضرمت النار، واستأنفت نشر ما انطوى من ذكريات الفنادق. # هو خان في أقصى مقاطعة كورنول. وكان المعدنون يحتفلون فيه بعيد سنوي لهم، فأقبلت ~~أنا وزملائي المسافرون ليلا على الجمع المائج وهم يرقصون أمام ms043 الخان على نور ~~المشاعل. وكانت مركبتنا قد أصابها عطب في مكان صخري على مسافة أميال، فكان من دواعي ~~الشرف لي أن قدت أحد الجياد المحلولة. وإذا كتب لسيد أو سيدة، ممن يقرءون هذه ~~السطور، أن يقود حصانا ضليعا عاليا تتدلى ربطه وسموطه وأبازيمه # 3 # إلى قوائمه، وأن يمضي به وفي يده عنانه ويدخل به على حفلة راقصة ريفية ~~فيها مائة وخمسون زوجا من المتراقصين، فإن هذا السيد - أو السيدة - يستطيع حينئذ - ~~وحينئذ فقط - أن يتصور كيف يدوس الحصان قدمي قائده! والأرجح أن يرتد الحصان متهيبا ~~حين يرى ثلاث مائة من الرجال والنساء يدورون أمامه، وقد يرفس ويضرب برجليه أيضا ~~على نحو لا يحفظ لقائده سمته وأبهته. وعلى هذه الصورة التي نالت قليلا من وجاهة ~~مظهري العادي، بدوت أمام الخان فكنت موضع عجب القوم جميعا. وكان الخان غاصا، بل ~~كان فيه عشرون ضعفا لسعته ولا سبيل إلى إيواء مخلوق فيه غير الحصان - وإن كان ~~ربحا ولا شك أن يتخلص المرء من هذا الحيوان الكريم - فوقفنا نتشاور أنا وزملائي في ~~الأمر وكيف نقضي الليل وأكثر النهار الذي سيطلع إلى أن يكون الحداد المرح، والنجار ~~المرح، على حال تسمح لهما بالسير إلى حيث تركنا المركبة لإصلاحها، فخرج علينا رجل ~~من الزحام وعرض علينا طابقا من بيته ذا غرفتين ووعد أن يكون عشاؤنا لحم الخنزير ~~والبيض وشرابنا عليه الجعة، فتبعناه فرحين إلى أنظف بيت نعمنا فيه بالطعام والشراب. ~~ولكن الطريف في الأمر أن صاحب البيت نجار يصنع الكراسي، وأن الكراسي التي قدمت لنا ~~كانت هياكل ليست لها مقاعد، فقضينا الوقت على أطرافها وحافاتها مثنيين إلى الأمام، ~~ولم يكن هذا أسخف ما جربنا، فقد كان أحدنا إذا نسي واعتدل، أو ضحك وارتمى إلى ~~الوراء، يختفي ويغيب. وقد سقطت، ونحن نأكل اللحم والبيض على ضوء الشمعة، خمس مرات ~~وانطويت على نفسي انطواء لا سبيل إلى الفكاك منه بغير معونة، كما يقع أحد اللاعبين ~~الهزالين في حوض ماء. # وألح علي الشعور بالوحشة وأنا في غرفتي بفندق شجرة ms044 الميلاد، وبدأت أدرك أن ~~الموضوع الذي اخترته لتزجية الوقت لن يكون حسبي حتى يفرج عني الجليد، فقد أبقى هنا ~~أسبوعا وقد يمتد المقام إلى أسابيع. # وتذكرت قصة عن خان قضيت فيه ليلة في بلدة قديمة جميلة على تخوم ويلز، وخلاصتها أن ~~رجلا انتحر بالسم وهو راقد على أحد سريرين في غرفة كبيرة بالخان، على حين كان ~~النازل معه في الغرفة نائما فلم يشعر بشيء من فرط ما كان به من الإعياء. ولم ~~يستعمل بعد ذلك سرير المنتحر، وترك في الغرفة على حاله لا يزحزح عن موضعه ولا ~~تنال منه يد التغيير. وتقول القصة إن كل من نام في هذه الغرفة ولو كان غريبا آتيا ~~من أقصى المعمورة كان يغادرها في الصباح وهو يتوهم أنه يشم رائحة صبغة الأفيون، وأن ~~خواطره كلها كانت تدور على الانتحار، وأنه كان لا بد أن يشير إلى هذا الموضوع إذا ~~تحدث. ودام الحال على هذا المنوال سنين عدة، ثم رأى صاحب الخان أن الأحجى، والأولى ~~به، أن ينقل هذا السرير الذي لا يستعمل وأن يحرقه كله - الفراش والكلة والأستار ~~وغيرها - قال الرواة فتغير الأثر الذي يخلفه النوم في الغرفة وفتر فصار الذي يرقد ~~فيها، إذا أصبح يحاول أن يتذكر حلما رآه في منامه. وكان صاحب الخان يتظاهر ~~بمعاونته على التذكر فيقترح عليه موضوعات شتى يعلم أنها ليست هي المنشودة. ثم لا ~~يكاد يقول: «السم» حتى ينتفض المسافر ويقول: «نعم» ولم يحدث قط أن قال المسافر «لا» ~~ولم يحدث قط أنه تذكر من حلمه المنسي أكثر من ذلك. # وقد أثارت هذه القصة ذكريات الخانات الفرنسية على العموم ورفعت صورها لعيني، ~~فرأيت النساء بقبعاتهن المستديرة، والعازفين، بلحاهم البيضاء، يضربون على القيثارة ~~وراء الباب وأنا أتعشى. وانتقلت بي الذكرى إلى خانات إيقوسيا الجبلية وفطائر ~~الشعير، والعسل، وشرائح لحم الغزال، والسمك المصيد من الخور، والوسكي، وما إليه من ~~الأشربات. واتفق لي مرة أن كنت عائدا إلى الجنوب من جبال إيقوسيا، وكنت مسرعا، ~~وفي مرجوي أن يتيسر تغيير الخيل في ms045 محطة واقعة في واد تظلله جبال تاريخية ، فرأيت، ~~والألم يفري في جوفي، صاحب الخان يخرج وفي يده منظاره ويدير به عينه باحثا عن ~~الخيل، وكانت هذه ترعى فلم تبد للعيان إلا بعد أربع ساعات! # وتداعت الذكر، فانتقلت من سمك الخور إلى خانات الصيادين بإنجلترا (وقد اشتركت ~~مرات عدة في صيد السمك، فكنت أرقد في قاع السفينة أياما كاملة وأثابر على تفادي ~~العمل. وقد وجدت أن هذا ليس أقل جدوى في صيد الأسماك من استعمال الشص والبراعة ~~والحذق فيه) وتذكرت من هذه الخانات غرفها البيضاء النظيفة المعطرة بأنفاس الورود ~~النضيرة، المشرفة على النهر والسفن والفضاء المعشوشب، وقباب الكنائس والجسر، ~~و«إما» الفتانة وعينيها البراقتين وابتسامتها الحلوة وكيف كانت - بارك الله فيها - ~~تقوم على خدمتنا خفيفة رشيقة. # وصوبت عيني إلى الموقد الذي يتوهج فيه الفحم المضطرم فبرزت لي صور عشرات من هذه ~~الخانات التي كانت مراحل للبريد، والتي نفتقدها في هذه الأيام ونأسف على زوالها، ~~وكانت رحيبة مريحة، وكانت فوق هذا عنوانا على الخضوع الإنجليزي للغصب والنهب ~~والابتزاز. ومن شاء أن يشهد هذه المنازل تقضي نحبها، فليمش من «بيسنجستوك» - أو حتى ~~من «وندسور» - إلى لندن، عن طريق «هانسلو» ولينظر كيف يعفي عليها الزمن؛ ~~الإسطبلات تتهدم وتنقض، والسابلة، والعمال الذين أخطأهم الاستقرار ينامون في الغرف ~~المقدمة أمامها، والحشائش تنبت وتفرش في عرصاتها، والحجرات التي كانت مئات من ~~الأسرة اللينة تسوى وترتب فيها، تؤجر للأيرلنديين بشلن ونصف شلن في الأسبوع، وخمارة ~~سوء في مكان الحانة القديمة، وبوابات مخازن المركبات تحرق للوقود، وكلب أعوج الساق ~~واقف في المدخل. # واستطردت إلى خانات باريس، والحجرة ~~الجميلة ذات القطع الأربع، بعد أن نصعد إليها خمسا وسبعين ومائة درجة مصقولة ~~بالشمع، وتدق الجرس النهار طوله فلا ترى أنك استطعت أن تؤثر في جسم إنسان أو عقله، ~~سواك، وتتناول عشاء دون شبعك، إذا اعتبرت الثمن، وتحولت عن هذه إلى خانات الريف ~~بفرنسا حيث تطل بروج الكنائس على الأفنية، وترن أجراس الخيل وهي تضرب الأرض ~~بقوائمها، والساعات من كل ضرب وعلى كل ms046 صورة، في كل غرفة، وليس بينها واحدة مضبوطة، ~~إلا إذا اتفق أن تكون قد سبقت الوقت الصحيح أو تأخرت عنه اثنتي عشرة ساعة لا تزيد ~~أو تنقص دقيقة. ومضيت من هذه إلى الخانات الصغيرة على الطريق في إيطاليا، حيث تجد ~~كل الثياب القذرة التي في البيت (غير الملبوسة!) كوما في غرفة الاستقبال، وحيث ~~يحيل البعوض وجهك في الصيف خبيصة محشوة بالزبيب، ويحيل برد الشتاء لونك إلى زرقة ~~السماء عن حمرة الورد، وحيث تأخذ ما يتيسر، وتنسى ما يتعذر، وحيث أشتهي مرة أخرى أن ~~أغلي الشاي في وليقة إذ لا إبريق هناك! ومن ثم انتقلت إلى القصور القديمة والأديرة ~~العتيقة التي صارت خانات، في مدن هذه البلاد المشرقة، وسلاليمها الضخمة، ومنها ~~تستطيع أن تصعد طرفك من خلال العمد المتقاربة، إلى قبة السماء الزرقاء، وارتسمت ~~أمامي قاعات المآدب الفخمة، والمقاصف الرحيبة، وحجرات النوم المحيرة، ولمحات خواطف ~~من شوارع رائعة ليس لها مظهر من الحقيقة، ومن هناك وثب بي الخيال إلى الخانات ~~الصغيرة في المناطق الموبوءة بالملاريا، وخدمها الصفر الوجوه ورائحتها الخاصة ~~المعهودة في كل مكان لا يدخل إليه الهواء، ثم إلى خانات البندقية المهولة العجيبة، ~~وصياح النواتي تحتها وهم يجرون زوارقهم وينعطفون بها، وروائح البحر التي تتشبث ~~بأنفك ولا تعفيك ما دمت هناك، وجرس كتدرائية سان مارك، وهو يدق نصف الليل. وعرجت ~~بعد ذلك على خانات الرين المضطربة، التي لا تأوي فيها إلى فراشك إلا كان هذا ~~إيذانا بنهوض كل امرئ سواك، وفي حجرة الطعام وإلى طرف من مائدتها الطويلة يجلس ~~لفيف من الرجال الضخام الأبدان المستديري الكروش، يلبسون الحلي والأقذار ليس إلا، ~~فما على أبدانهم سوى ذلك فيما ترى العين، ويحيون الليل كله ساهرين يشربون ويقرعون ~~الكأس بالكأس ويتغنون بالنهر الذي يجري، والدوالي التي أينعت، ونبيذ الرين الذي ~~تطيب نشوته، ونساء الرين اللواتي يتبسمن، وهات لي كأسا، وخذ كأسا يا صاحبي، ~~واشرب، واشرب، يا أخي، إلى آخر ذلك. وكان طبيعيا أن أذكر خانات ألمانية أخرى ~~تسغسغ فيها الآكال بما يجعل مذاقها ms047 جميعا واحدا، ويزعج المرء فيها أن تقدم له ~~الولائق السخنة، والعناب المغلي، والحلواء، على ترتيب غير متوقع بين الألوان ~~الأخرى. وبعد أن كرعت - بخيالي - كرعة روية من الجعة من قدح مزبد، وألقيت نظرة على ~~مشارب الجعة التي يختلف إليها الطلبة في هيدلبرج وغيرها، ركبت البحر إلى خانات ~~أمريكا حيث يبلغ عدد الغرف المفردة في الواحد منها أربعمائة، وحيث يجتمع على العشاء ~~كل يوم ثمان مائة أو تسع مائة من السيدات والسادة. فرأيتني أقف مرة أخرى في ~~المقصف، وأترشف من فم الكأس، وأصغي ثانية لصديقي «الجنرال»، الذي لم يمض على معرفتي ~~به سوى خمس دقائق استطاع في خلالها أن يوثق أواصر الود والإخاء إلى آخر العمر بيني ~~وبين «صاغين» استطاعا هما أيضا أن يجعلا مني صديقا حميما مدى الحياة لثلاثة ~~«لواءات» صرت بفضلهم أخا لاثنين وعشرين من المدنيين غير المحاربين، كل ذلك في خمس ~~دقائق ليس إلا، أقول إني أصغيت مرة أخرى إلى صديقي الجنرال وهو يشرح لي مزايا ~~الخان وما فيه من أسباب الراحة والترف وكيف أن فيه حجرات عدة للجلوس والاستقبال، ~~للرجال وللسيدات، في النهار والليل، وأخرى للموسيقى والمطالعة، وأربع مائة غرفة ~~نوم، كل هذا وضعت رسومه وتم بناؤه وتجهيزه في اثني عشر شهرا؛ تبدأ من اليوم الذي ~~أزيلت فيه أنقاض البناء العتيق الذي كان قائما، وكيف أن جملة التكاليف بلغت نصف ~~مليون ريال. وألفيتني وأنا أكر بخيالي إلى هذا، أذهب إلى أنه كلما كان المنزل أضخم ~~وأفخم وأبهظ تكاليف، كان ذلك أبعث على الزهد فيه وأقل استحثاثا للرغبة في المقام ~~به. على أني مع ذلك شربت على البعد نخب صديقي الجنرال، وإخواني الصاغات واللواءات ~~والمدنيين جميعا، فإنهم على الرغم من كل قذى رأته عيناي في عيونهم، أبناء شعب ~~عظيم رقيق كريم القلب. # وكنت وأنا أتذكر هذا أغذ السير في رجعتي القهقرى إلى ما مضى وفات، لأنفي الشعور ~~بالوحدة وأخفف ثقل الوحشة، ولكني أضمرني الكلال فانقطعت من الإعياء وكففت عن متابعة ~~هذه الخواطر. وصار السؤال الملح: ماذا أصنع؟ وماذا ms048 عسى أن يحل بي؟ أأفعل كما فعل ~~البارون «ترنك» وأبحث عن جرذ أو عنكبوت حتى إذا وجدت واحدا منهما تسليت في سجني ~~هذا بتدريبه ورياضته؟ ولكن هذا لا يخلو من خطر إذا اعتبرنا المستقبل، فقد آلف ذلك ~~وأشغف به حتى إذا رفع الثلج عن الطريق وخرجت فيه مرة أخرى، فمن يدري؟ لعلي حينئذ ~~أبكي وأتوسل - كسجين الباستيل الذي أفرج عنه في شيخوخته - أن يعودوا بي إلى هذه ~~النوافذ الخمس والستائر العشر والأفرشة السميكة المتينة. # وألح علي خاطر أغراني به اليأس. ولو كنت في أحوال غير هذه لتمردت عليه وأبيته، ~~ولكني، وأنا في هذا المأزق، تعلقت به فهل أستطيع أن أغالب حيائي الفطري الذي صدني ~~عن مجلس صاحب الفندق وحرمني ما عسى أن أجد من الأنس عنده، وأدعو إلي البستاني ~~وأرجو منه أن يتناول كرسيا - وشيئا من الشراب أيضا - وأن يحادثني؟ نعم أستطيع ... ~~وسأفعل ... وقد فعلت! ~~(2) الفرع الثاني: «البستاني» # أأسأل أين كان في زمانه؟ أعاد الرجل السؤال لما ألقيته عليه، وقال: إنه كان في كل ~~مكان. وماذا كان عمله؟ لقد كان يعمل في كل شيء يخطر على البال ذكره. # أتراه رأى كثيرا في حياته؟ بلى، ولا شك في ذلك، وإن في وسعه أن يؤكد لي هذا، ~~فليتني أعرف جزءا من عشرين مما صادفه في طريقه! ألا وإنه لأسهل عليه فيما يعتقد أن ~~يذكر لي ما لم ير ... # وما أغرب ما شاهده؟ من يدري؟ ليس في وسعه أن يقول، من عفو الخاطر ما أغرب شيء ~~شاهده - إلا أن يكون الغول، # 4 # وقد رآه مرة في سوق! ولكن إذا قيل لي إن صبيا يناهز الثامنة من ~~العمر، فر مع بنت في السابعة من عمرها الغض ليتزوجها، ألا يكون هذا في رأيي ~~غريبا؟ لا شك! فلأعلم إذن أنه شاهد بعينيه هذه الأعجوبة وأنه نظف لهما الأحذية ~~التي لبساها حين فرا، وإن الأحذية كانت من الصغر بحيث كان يتعذر عليه أن يدخل يده ~~فيها! # وحكاية ذلك أن والد الصبي «هاري وولمرز»، كان يقيم في ضيعة ms049 «إلمز» على مقربة من ~~تلال «شوتر»، وعلى مسافة ستة أميال أو سبعة من لندن. وكان رجلا ألمعيا حديد ~~القلب وسيم الطلعة، يرفع رأسه إذ يمشي، ويشعرك إذ تراه بمثل بأس النار وصولتها. ~~وكان يقرض الشعر، ويركب الخيل، ويعدو، ويلعب «الكريكيت»، ويرقص، ويمثل، ويجيد كل ~~ذلك ويحذقه. وكان مزهوا بابنه «هاري»؛ فقد كان وحيده، غير أنه لم يفسده بالتدليل، ~~فقد كان ذا إرادة ماضية، وعين لا يفوتها شيء، ومع أنه كان يتخذ من ابنه الذكي ~~صاحبا، ويسره أن يراه مقبلا على كتب الأساطير يعب فيها عبا، ولا يمل أن يسمعه ~~يمد الصوت ويرجعه شاديا بأغاني الحب، إلا أنه احتفظ بسلطانه الأبوي على فتاه، ~~فبقي الصبي كما ينبغي أن يكون، فليت كثيرين مثله! # وكيف عرف كل هذا؟ عرفه لأنه كان مساعد البستاني، ولا يمكن أن يكونه، وأن يكون ~~أبدا على المكان، يجز، ويقتلع، ويطعم، ويفعل هذا وذاك، من غير أن يلم بأحوال ~~الأسرة ويحيط بأمورها خبرا. وقد جاءه الصبي هاري مرة وسأله: «كوبز، كيف تتهجى ~~نورا؟»، ثم راح يحفر الاسم على سياج الخشب! # ولم يسبق لكوبز عهد بالأطفال قبل ذلك، ولا كان يعيرهم التفاتا، ولكنه لم يسعه ~~إلا أن يلاحظ هذين الصغيرين وهما يتمشيان معا، وقد غرقا في الحب إلى الرأس! ويا ~~لشجاعة الغلام وشهامته! لقد كان يبدو لي أنه لا يتردد أن يرمي قبعته، ويشمر عن ~~ساعديه الصغيرين، ويهجم على أسد لو اتفق لهما أن يلتقيا بواحد، وأن تفزع الفتاة ~~منه! وقد وقف مرة وهي معه، حيث كان كوبز يعمل وقال: «كوبز، إني أستلطفك.» فقال ~~كوبز: «صحيح يا سيدي! إني فخور بذلك.» فقال الغلام: «نعم، أستلطفك فهل تعرف لماذا ~~يا كوبز؟» فقال: «لا أدري.» قال الغلام: «لأن نورا تستلطفك يا كوبز!» فقال الرجل: ~~«صحيح يا سيدي! إن هذا من بواعث الاغتباط.» فقال الغلام: «من بواعث الاغتباط يا ~~كوبز؟ إنه خير من ملايين من أنفس الماسات، أن تستلطفك نورا.» فقال الرجل: «لا شك يا ~~سيدي.» فسأله الغلام: «إنك ستترك عملك هنا، أليس ms050 كذلك؟» قال الرجل: «نعم يا سيدي.» ~~قال الغلام: «أتحب أن أجد لك عملا آخر؟» قال الرجل: «لا مانع عندي إذا كان حسنا ~~موافقا.» قال الغلام: «إذن ستكون البستاني الأول عندنا، بعد أن نتزوج.» وضم عليها ~~شملتها الزرقاء وأحاطها بذراعه، ومضى بها! # وأقسم كوبز أن هذا المنظر كان أبهى وأوقع في النفس من صورة مرسومة وأنه كان أشبه ~~بالرواية أن يرى هذين الطفلين بشعرهما الطويل اللامع المتلوي، وعيونهما البراقة، ~~وخطوتهما الخفيفة الجميلة، يتمشيان في الحديقة، وقد عمر الحب المتبادل قلبيهما ~~الصغيرين. وقال لي: كوبز إنه يعتقد أن العصافير ظنتهما عصفورين فغردت لهما لتسرهما. ~~وكانا ربما جلسا في ظل شجرة، وذراع كل منهما على عنق الآخر، وخداهما الأسيلان ~~يتلامسان من فرط التداني، وراحا يقرآن قصة الأمير والتنين، أو الساحرين الطيب ~~والخبيث، أو بنت الملك الفاتنة. وكان يسمعهما أحيانا يلهجان ببيت ينويان أن يبنياه ~~في الغابة ويتخذا فيه خلية للنحل، وبقرة ويجتزآن من الطعام باللبن والعسل. ومر ~~بهما مرة وهما على البركة فسمع الغلام «هاري» يقول: «نورا، يا معبودتي، قبليني، ~~وقولي إنك تحبينني حبا يزدهف لبك، وإلا ألقيت نفسي في البركة.» ولم يخالج كوبز أي ~~شك في أنه كان حقيقا أن يرمي نفسه في الماء لولا أنها أجابت سؤله. قال كوبز: وقد ~~كان هذا يخيل إليه أنه هو أيضا قد أمسى عاشقا، لولا أنه لا يدري لمن! # وقال له هاري ذات مساء، وكان يسقي الزهر: «إني ذاهب في هذا الصيف لزيارة جدتي في ~~يورك.» # فقال كوبز: «أوفاعل أنت يا سيدي؟ أرجو إذن أن يطيب مقامك، وأن تنعم بما يسرك. ~~أنا أيضا ذاهب إلى مقاطعة يورك بعد أن أغادر هذا المكان.» # فسأله الغلام: «أذاهب أنت إلى جدتك يا كوبز؟» # فقال: «كلا، يا سيدي، ليس لي شيء كهذا.» ~~- «لا جدة لك يا كوبز؟» ~~- «كلا يا سيدي.» # فصوب الغلام عينه إلى الأزهار التي يسقيها البستاني، ثم قال: «سيكون من أقوى ~~بواعث السرور لي أن أذهب يا كوبز، فإن نورا ذاهبة.» # فقال كوبز: «ستكون بخير إذن يا ms051 سيدي، ما دام إلى جانبك حبيبتك الجميلة .» # فاضطرم وجه الغلام وقال: «كوبز، إني لا أسمح لأحد أن يمازحني في هذا إذا وسعني أن ~~أمنعه.» # فقال كوبز بلهجة المتطامن: «لم يكن هذا مزاحا يا سيدي، لم أقصد إلى ذلك.» ~~- «يسرني هذا يا كوبز، فإني أستلطفك، كما تعلم. ثم إنك ستعيش معنا. كوبز!» ~~- «نعم يا سيدي!» ~~- «ماذا تظن جدتي ستعطيني حين أذهب إليها؟» ~~- «ليس في وسعي أن أخمن يا سيدي.» ~~- «ورقة بخمسة جنيهات يا كوبز!» # فزام كوبز وقال: «هذا مبلغ يا سيدي!» ~~- «إن المرء يستطيع أن يصنع كثيرا بمبلغ كهذا، أليس كذلك يا كوبز؟» ~~- «صدقت يا سيدي.» # وقال الغلام: «سأفضي إليك بسر، يا كوبز؟ إنهم في بيت نورا يعابثونها ويركبونها ~~بالمزاح من أجلي، ويتظاهرون بالضحك منا، لأنا خطيبان، ويهزءون ويسخرون يا ~~كوبز.» # فقال كوبز: «هذا بعض مظاهر النقص والعيب في الطبيعة الإنسانية.» # فوقف الغلام برهة - وهو صورة مصغرة إلا أنها دقيقة، من أبيه - ومحياه المتقد إلى ~~الشمس، ثم مضى وهو يقول: «عم مساء، يا كوبز، إني داخل.» # ولا يدري كوبز كيف اتفق أن يغادر البيت في ذلك الوقت، وعنده أنه لو شاء أن يبقى ~~هنالك إلى الآن، لبقي، ولكنه كان شابا، وكان يبغي أن يغير عمله عسى أن تنتقل به ~~الأحوال، وقد قال له المستر وولمرز لما أبلغه كوبز أنه اعتزم ترك العمل: «أهناك ما ~~تشكو منه؟ إني أسأل لأني أحب إذا كان لأحد من رجالي شكاة، أن أزيل أسبابها.» فقال ~~كوبز: «كلا يا سيدي، وشكرا لك، وإني هنا لعلي خير ما أرجو أن أكون في أي مكان، ~~ولكن الحقيقة يا سيدي أني راحل لأجرب حظي في التماس الثراء.» فقال المستر وولمرز: ~~«صحيح يا كوبز؟ إذن أرجو لك التوفيق.» وأكد لي كوبز وهو يقص علي ذلك أنه لم يوفق ~~بعد. # ترك كوبز ضيعة «إلمز»، وذهب الغلام هاري إلى جدته العجوز في يورك، وكانت لا تضن ~~على حفيدها بالأسنان التي في فمها (لو كان في فمها شيء) فقد كانت مجنونة به. ولكن ~~ماذا ms052 تظن أن هذا الطفل صنع؟ فإن لك أن تسميه طفلا وألا تخشى الغلط؟ لقد فر من جدته ~~مع نورا وقصدا إلى «جريتنا جرين» ليتزوجا هناك! # وكان كوبز يعمل في هذا الفندق عينه - فندق شجرة الميلاد - (وكان كثيرا ما يتركه ~~ليحسن حالته ولكنه كان يعود إليه دائما لسبب ما) وفي مساء يوم من أيام الصيف وقفت ~~المركبة ونزل منها الطفلان! وقال الحارس لصاحب الفندق: «إن أمر هذين الراكبين ~~الصغيرين يبدو لي كاللغز، ولكن الغلام قال لي إنه يريد أن آتي بهما إلى ~~هنا.» ~~... ينزل الغلام، ويمد يده إلى فتاته ليعينها. وينفح الحارس بشيء على سبيل التجزية، ~~ثم يلتفت إلى رب الفندق ويقول له: «سنبيت هنا الليلة، من فضلك ... وسنحتاج إلى حجرة ~~جلوس وغرفتي نوم ... وهات كفاية اثنين من اللحم المشرح والفالوذ بالعناب.» ويضم على ~~حبيبته شملتها السماوية الزرقة، ويحيطها بذراعه ويدخل ثابت الجنان! # وقال كوبز: إنه يترك لي أن أتصور الذهول الذي استولى على كل من في الخان حين رأوا ~~الصغيرين يجيئان وحدهما، ويفعلان ما فعلا! وكان كوبز يراهما ولا يريانه، فلم يكتم ~~رب الفندق رأيه، في بواعث هذا السلوك والغاية من هذه الرحلة، فقال صاحب الفندق: ~~«إذا كان الأمر كذلك يا كوبز فسأركب إلى يورك لأطمئن آلهما. ويجب عليك أن تجعل ~~عينيك عليهما، وأن تسليهما وتلهيهما حتى أعود. ولكني أحب قبل أن أقدم على هذه ~~الرحلة، أن تستوثق منهما لتعرف أمصيب أنت في رأيك أم مخطئ.» # فقال كوبز: «سيكون ما تريد حالا.» # وصعد كوبز إليهما، فألفى الغلام هاري على أريكة عظيمة، وإنها لعظيمة وكبيرة في كل ~~حال وفي كل وقت، ولكنها بدت أعظم وأضخم لما اتكأ عليها هاري ليكفكف لنورا دموعها ~~ويمسحها بمنديله، وكانت أرجلهما معلقة في الهواء وقد أعرب كوبز لي عن عجزه عن وصف ~~صغرهما وضآلتهما. # وصاح السيد هاري: «هذا كوبز ... هذا كوبز.» وأقبل عليه يعدو، وتناول يده، وجرت إليه ~~الآنسة نورا أيضا، ووقفت إلى جانبه الآخر، وتناولت يده الثانية، وجعلا يتوثبان ~~وينطان من الفرح. # فقال كوبز: «لقد ms053 رأيتكما من المركبة، فعرفتكما، وهل كان يمكن أن أغلط أو أنسى؟ ~~ماذا وراء هذه الرحلة يا سيدي؟ الزواج؟» # فقال الغلام: «سنتزوج يا كوبز في جريتنا جرين. وقد فررنا لهذا الغرض. إن نورا ~~مكتئبة قليلا يا كوبز، ولكنها جديرة بأن يسعدها الآن أنا وجدناك فإنك لنا ~~صديق.» # فقال كوبز: «أشكرك يا سيدي، وأشكرك يا آنسة، على حسن ظنك بي. والآن هل معكما ~~أشياؤكما؟» # وإذا صدق كوبز الذي أقسم أن الأمر كما يصف، فقد كان مع نورا شمسية وزجاجة نوشادر، ~~وخبزات يابسات مدهونات بالزبدة، وثماني نعناعات وفرشاة أسنان يخيل إليك أنها مصنوعة ~~للعبة، أما الغلام فكان معه حوالي ست ياردات من الخيط، ومبراة، وثلاث ورقات أو أربع ~~مطوية، وقدح عليه اسمه. # فقال كوبز: «وماذا أعددت من التدابير يا سيدي؟» # قال الغلام، وما أبهر شجاعته: «أن نمضي إلى غايتنا في الصباح فنتزوج ~~غدا.» # قال كوبز: «هو كذلك يا سيدي. فهل يوافقكما أن أرافقكما؟» # فلما سمعا هذا السؤال جعلا ينطان من الفرح ويصيحان: «نعم، نعم، يا كوبز، ~~نعم.» # فقال كوبز: «إذا سمحتما لي باقتراح فهذا هو ... إني أعرف فرسا يمكن أن نشده إلى ~~مركبة أستطيع أن أستعيرها فتحملكما (وأكون أنا الحوذي إذا وافقتما) إلى آخر رحلتكما ~~في أوجز وقت. ولست واثقا من أن هذا الفرس سيكون غدا رهن مشيئتنا، ولكن إذا احتجنا ~~أن ننتظر إلى ما بعد الغد، فإن الفرس جدير بالانتظار. أما الفندق، ونفقات الإقامة ~~فيه، فلا تفكرا في ذلك إذا لم يكن معكما الكفاية من المال؛ فإني شريك في هذا المحل، ~~ومن السهل إرجاء الحساب إلى وقت آخر.» # ويحلف كوبز أنه لما رآهما يصفقان سرورا وينطان ويدعوانه: «كوبز الطيب» و«كوبز ~~العزيز» ويتعانقان ويتلاثمان وهما جذلان مطمئنان واثقان، أحس أنه أنذل من ولدته أم ~~في هذه الدنيا، لأنه خدعهما وغشهما. # وقال كوبز، وبه وخز الضمير ما به: «هل تريدان الآن شيئا يا سيدي؟» # فقال الغلام وهو يطوي ذراعيه على صدره، ويمد إحدى ساقيه، ويحدق في وجه كوبز: ~~«نريد بضع كعكات بعد العشاء، وتفاحتين ms054 ... ومربى ... ومع العشاء خبزا محمرا ... واسمع ~~يا كوبز، إن نورا قد اعتادت أن تشرب مع الفاكهة قليلا من شراب الزبيب ... وأنا ~~مثلها.» # قال كوبز: «سأعد لكما ذلك.» وخرج. # وحدثني كوبز أنه، وهو يروي لي هذه التفاصيل، يشعر، كما يشعر حينئذ، بأنه كان آثر ~~عنده، وأحب إليه، أن يلاكم صاحب الفندق في بضع جولات، من أن يتواطأ معه على هذين ~~الطفلين، وأنه كان يتمنى من أعماق قلبه لو أن في الدنيا مكانا يستطيعان فيه أن ~~يتزوجا، ويعيشان بعد ذلك سعيدين. ولكن هذا لا سبيل إليه، فلم يسع كوبز إلا أن يأتمر ~~بهما مع رب الفندق، فركب هذا إلى يورك بعد نصف ساعة. # ويرى كوبز أن من العجائب أن كل أنثى في الفندق - ذات بعل، أو عزبة أو عذراء - صغت ~~بقلبها إلى هذا الغلام لما سمعت قصته. وقد عانى كوبز جهدا جاهدا في صد هؤلاء ~~النسوة عن اقتحام الغرفة واحتضان الغلام وتقبيله. وكن يخاطرن بحياتهن ويصعدن فوق ~~الأشياء لينظرن إليه من وراء الزجاج. وكان سبعة منهن يتزاحمن على ثقب الباب لينظرن ~~في وقت معا! فقد طارت عقولهن وفتنتهن جرأته. # وفي المساء دخل كوبز على الهاربين ليرى كيف حالهما. وكان الغلام على حافة ~~النافذة، وبين ذراعيه فتاته. وكانت العبرات على خديها، ولكنها كانت متعبة وأقرب إلى ~~النوم منها إلى اليقظة، ورأسها على كتفه. # وقال كوبز: «هل السيدة متعبة يا سيدي؟» # قال: «نعم، متعبة يا كوبز، فما اعتادت أن تنأى عن البيت، وقد عاودها الاكتئاب، ~~فهل تستطيع أن تجيئني بمنعش؟» # فقال كوبز: «معذرة يا سيدي، ولكن ما تبغي؟» # قال: «شيء ينعشها، ويرد إليها روحها.» # فخرج كوبز ينشد المنعش المطلوب فلما عاد به، قدمه الغلام إلى الفتاة وأعانها، ~~ولكن النعاس كان يثني رأسها ويثقله، فجعلها ذلك شكسة جافية. وقال كوبز: «ما قولك يا ~~سيدي في شمعدان لغرفة النوم؟» فوافق، وسارت الخادمة في الطليعة، والفتاة في شملتها ~~السماوية الزرقة بعدها، ووراءهما، وفي حراستهما هذا الغلام الشهم. وعانقها عند ~~الباب، ثم ارتد إلى غرفته، فأوصدها عليه كوبز ms055 بخفة. # ولم يكن يسع كوبز إلا أن يزداد شعوره حدة بأنه غشاش وضيع، لما سأله الغلام في ~~الصباح وهما يتناولان طعام الإفطار (وكانا قد أمرا أن يعد لهما لبنا وخبزا محمرا ~~ومربى) عن الفرس، وكان يجد مشقة في النظر إليهما وهو يعلم كيف يخدعهما بالأباطيل، ~~غير أنه واصل الكذب وأخبرهما أن من سوء الحظ أن القوم يقصون للفرس شعره، ولكنهم لم ~~يقصوا سوى جانب، ولو خرج على هذه الصورة لأصابه سوء، ولكنهم سيفرغون من القص في هذا ~~النهار، وفي الساعة الثامنة من صباح الغد تكون المركبة معدة. ومن رأي كوبز، وهو ~~يحدثني بهذا في غرفتي، أن الفتاة بدأت في ذلك الوقت تتراجع وتندم؛ فقد نامت من غير ~~أن يرجل لها شعرها، ولم تكن بحيث تستطيع هي أن تمتشط، وصار الشعر يدخل في ~~عينيها فيغيظها ويحنقها، ولكن الغلام ظل ثابتا شديد القلب، وكان وهو جالس إلى ~~المائدة وأمامه فنجان الشاي يلتهم المربى، فيخيل إليك أنه أبوه. # ويميل كوبز إلى الاعتقاد أنهما بعد الإفطار جعلا يتسليان برسم الجنود على الورق، ~~فقد وجدت جنود كثيرة مصورة على الورق في الموقد، وكلها على ظهور الخيل. ودق هاري ~~الجرس وسأل كوبز، وما أعجب ثباته: «أليس في جوار هذا المكان ميادين صالحة لأن يمشي ~~فيها المرء؟» # قال كوبز: «نعم يا سيدي، طريق العشاق.» # فصاح الغلام به: «رح. رح. إنك تمزح.» # فقال كوبز: «عفوا يا سيدي، ولكن هناك طريقا اسمه طريق العشاق. وإنه لجميل، وإنه ~~ليكون من دواعي فخري أن أريكه أنت والسيدة.» # فقال هاري: «يا عزيزتي نورا، إن هذا لاتفاق عجيب، وينبغي أن نرى طريق العشاق هذا. ~~فالبسي قبعتك يا حبيبتي ولنذهب إليه مع كوبز.» # ودعاني كوبز أن أتصور قوة شعوره بنذالته ولؤمه لما قال له هذان الطفلان الغريران، ~~وهما يمشيان إلى جانبه، إن عزمهما صح على أن أكون البستاني الأول لهما، بألفي جنيه ~~في العام، لأني صديق وفي لهما. وقد تمنى كوبز في تلك اللحظة أن تنشق الأرض ~~فتبتلعه؛ فقد أحس بشدة الضعة والحقارة وهما ms056 ينظران إليه بعيونهما البراقة، ولا ~~يخالجهما شك في صدقه! فاحتاج أن يغير موضوع الحديث، ويعطفه عن مجراه، ومضى بهما في ~~طريق العشاق إلى البحيرة، وكاد هاري يغرق فيها وهو يحاول أن يقطف لفتاته زنبقة، ~~وأخيرا تعبا، وأضناهما الجهد، فاستلقيا على الأرض المخضرة، والأقاحي ترف عليهما، ~~وناما. # ولا يدري كوبز - ولعلي أنا أدري، ولكن دع هذا فما له قيمة - لماذا يرق قلب المرء ~~حين يرى هذين الطفلين الجميلين راقدين تحت السماء الصافية في النهار المشمس، لا ~~يحلمان بشيء وهما نائمان، كما يحلمان وهما مفتوحا العيون، ويذهب كوبز إلى أن المرء ~~لا يسعه إلا أن يفكر في نفسه، وفيما كان من سيرته وتقلب الأحوال به مذ كان في ~~المهد، وكيف أنه لم يبلغ في الحياة مبلغا، وليس له إلا الذكرى، والأمل ولا حقيقة ~~بينهما. # واستيقظا أخيرا، وتبين كوبز أن الفتاة بدأت تشمس وتعسر، فلما طوق هاري خصرها ~~بذراعه قالت إنه يضايقها، فلما قال لها: «يا نورا، يا قمر الربيع، هل يضايقك هاري؟» ~~قالت: «نعم. وأريد أن أعود إلى البيت!» # على أن دجاجة مسلوقة، وشيئا من الحلواء، فترا من حدتها، وردا إليها سجاحة ~~الطبع، ودماثة الخلق، ويقول كوبز إنه كان يود لو أنه رآها أعظم عناية بالصوت ~~الهاتف بحبها منها بالحلواء التي نسيت نفسها وهي تلتهمها. أما هاري فلم يزعزعه شيء، ~~وظل قلبه الكبير يخفق بالحب، كما كان. ودخلنا في الغسق فخفق رأس الفتاة وشرعت تبكي ~~... ولهذا أوت إلى فراشها كما فعلت في الليلة السابقة ... ولم ينس الفتى أن يقوم بواجب ~~المرافقة والتوديع، على نحو ما كان منه البارحة. # وحوالي منتصف الليل أقبل صاحب الفندق في مركبة، ومعه المستر وولمرز وسيدة عجوز، ~~وكان المستر وولمرز يبدو عليه الجد الصارم، والتفكه في آن معا وقد قال لزوجة ~~الفندقي: «إننا مدينون لك يا سيدتي بالشكر على عنايتك بولدينا وإنا لعاجزون عن ~~تجزيتك. أين الغلام يا سيدتي؟» فقالت: «إن كوبز يسهر على الولد العزيز ويرعاه يا ~~سيدي. أره الغرفة الأربعين يا كوبز.»، فقال المستر وولمرز: «إني ms057 مسرور بأن أراك يا ~~كوبز. فقد علمت أنك هنا.» فقال كوبز: «نعم يا سيدي، وما زلت خادمك المطيع.» # ويقول كوبز: إني قد أستغرب منه أن يذكر لي أن قلبه كان يدق كالمطرقة وهو يصعد ~~درجات السلم، ولكن هذه هي الحقيقة، وقد قال المستر وولمرز، وهو يفتح له الباب: ~~«معذرة يا سيدي، ولكني أرجو ألا تكون حانقا على السيد هاري. إنه غلام شهم يا سيدي، ~~وسيكون مفخرة لك.» ويؤكد لي كوبز أن نفسه كانت جائشة في تلك اللحظة، فلو أن المستر ~~وولمرز ذهب إلى العناد، للكمه واحتمل ما عسى أن يكون من نتائج ذلك. # ولكن المستر وولمرز قال: «كلا يا كوبز ... لا يا صاحبي. وشكرا لك.» وكان الباب قد ~~فتح، فدخل. # وتبعه كوبز وفي يده الشمعة، فرأى المستر وولمرز يمشي إلى السرير ويحنو عليه في ~~رفق، ويلثم ذلك المحيا الصغير، ثم يعتدل، ويتئره النظر لحظة، فيعظم الشبه بين ~~الوجهين (ويقال إن المستر وولمرز فر مع من تزوجها)، ثم يهز كتف الغلام برفق ~~ويناديه: «هاري ... يا ولدي العزيز ... هاري!» # فيتنبه هاري وينظر إليه، وإلى كوبز أيضا، كأنما أراد أن يتبين هل أوقعه كوبز في ~~ورطة. # ولكن المستر وولمرز يقول له: «لست غاضبا يا بني، وكل ما أريد منك هو أن تلبس ~~ثيابك لتعود إلى البيت.» # فيقول الغلام: «نعم يا أبي.» # وينهض فيرتدي ثيابه بسرعة، ويعلو صدره وهو يكاد يفرغ من ارتدائها ويزداد علوا ~~حين يقف أخيرا، ناظرا إلى أبيه، وأبوه واقف ينظر إليه، وكلاهما صورة دقيقة من ~~الآخر. # ويقول الغلام، وهو يتشدد ويتجلد ويرد الدموع التي تهم بالتحدر: «من فضلك يا أبي ... ~~هل تسمح لي ... أن أقبل نورا قبل أن أذهب؟» # فيقول المستر وولمرز: «لك ذلك يا بني.» # ويتناول يد الغلام، ويمضي به، وكوبز أمامهما بالشمعة حتى يبلغوا الغرفة الأخرى ~~فإذا السيدة العجوز متكئة على السرير والفتاة غارقة في النوم. فيرفع الوالد غلامه ~~إلى الوسادة، فيسند خده الصغير لحظة إلى جانب خد الفتاة الذاهلة ثم يدني محياها منه ~~ويلثمه، ويبلغ من وقع ms058 هذا المنظر في النفوس أن تصيح الخادمة، وكانت تنظر من ثقب ~~الباب: «من العار أن تفرقوا بينهما.» ولكن هذه الخادمة كانت معروفة برقة القلب، وإن ~~لم تكن امرأة سوء ... حاشا لله! # قال كوبز، وانتهى الأمر بذلك. ركب المستر وولمرز عائدا إلى بيته، ومعه ابنه. أما ~~السيدة العجوز، والفتاة التي لم يقسم لها أن تكون المسز وولمرز (لقد تزوجت بعد ذلك ~~ضابطا في الجيش وماتت في الهند) فعادا في اليوم التالي. وقد سألني كوبز في ختام ~~كلامه هل أوافقه على رأيين له؛ الأول: أنه قل أن يكون هناك اثنان على وشك الزواج، ~~في مثل طهر هذين الطفلين. الثاني: أن من الخير لكثيرين ممن يهمون بالزواج أن يؤخذ ~~عليهم الطريق، ويحال بينهم، فيرتد كل منهم إلى بيته على حدة؟ ~~(3) الفرع الثالث: «الحساب» # لبثت في الفندق محصورا، من جراء الثلج المتساقط، أسبوعا كاملا. وكانت الأيام ~~تمضي سراعا، فيما أحس، فلولا وثيقة موضوعة على المنضدة أمامي لما صدقت أني قضيت ~~هنا أسبوعا. # وكان الثلج قد رفع عن الطريق في اليوم السابق، أما الوثيقة التي أمامي فهي حساب ~~الفندق. وهي تشهد شهادة حاسمة بأني أكلت، وشربت، وادفأت، تحت الأغصان الورقية ~~الوريفة الظليلة لشجرة الميلاد سبعة أيام كاملة. # وكنت قد آثرت أن أدع الطريق يتحسن أربعا وعشرين ساعة أخرى لأني احتجت إلى هذه ~~المسافة من الزمن لإتمام عملي. وأمرت أن يبين لي الحساب وأن تكون المركبة معدة ~~أمام الباب «في الساعة الثامنة من مساء الغد.» وكانت الساعة قد بلغت الثامنة من ~~«مساء الغد» لما جمعت أدوات الكتابة التي أتخذها في أسفاري وطويتها في حقيبتها ~~الجلدية، وأديت الحساب، وتعطفت بأرديتي الدافئة، وتلفعت بشملتي. وكان الوقت قد ~~صار أضيق من أن يسمح بالذهاب لإضافة عبرة متجمدة إلى بلورات الثلج التي تكسو البيت ~~الريفي الذي رأيت فيه أنجيلا أول مرة. ولم يبق إلا أن أغذ السير في أقصر طريق إلى ~~ثغر ليفربول وهناك آخذ حقائبي الكبيرة وأركب السفينة. وكفى بهذا عملا، ولا سبيل ~~إلى إرجائه ساعة واحدة. # وودعت كل ms059 من عرفت في الفندق - وكدت أودع حيائي أيضا - ووقفت بالباب أراعي الخادم ~~وهو يلف الحبل الذي يشد به حقيبتي إلى المركبة وإذا بمصابيح تقترب سراعا من ~~الفندق. وكان الطريق مغطى بالثلج فلم نسمع للعجلات صوتا، ولكنا جميعا رأينا ~~المصابيح تقبل علينا وتدنو منا بسرعة، بين جدارين من الجليد الذي رفع عن الأرض وصار ~~كوما على كل جانب. وتنبأت الخادمة وصاحت: «توم ... هذه رحلة إلى جريتنا.» وكان توم ~~يعرف أن لها قدرة فطرية على التنبؤ بالزواج وما إليه، فانطلق يعدو ويصيح: «أعدوا ~~الجياد الأربعة الأخرى.» وفي لحظة واحدة صار المكان كله هرجا ومرجا. # وشعرت برغبة في رؤية ذلك السعيد، المحب المحبوب، فتلكأت على الباب حتى بلغه ~~القادمان. ووثب من المركبة رجل براق العين متلفع - ومتلثم - بشملة، فكاد من شدة ~~الوثبة والسرعة فيها يلقيني على الأرض، فالتفت إلي ليعتذر وإذا به «إدوين!» # فصاح وهو يتراجع: «شارل! يا إلهي، ماذا عساك تصنع هنا؟» # فقلت وأنا أتراجع أيضا: «إدوين! ماذا تصنع أنت هنا؟» # وضربت جبيني وأنا أقول ذلك، فأحسست أن لسانا من النار لا يطاق خطف أمام ~~عيني. # فأدخلني إلى القاعة (وكان في موقدها دائما نار فاترة، ولا محرك هناك) حيث وقف ~~المسافرون ينتظرون تغيير الجياد، وقال وهو يرد الباب: «سامحني يا شارل!» # قلت: «إدوين! هل كان هذا جميلا منك؟ وأنا الذي أحبها كل هذا الحب؟ وأنا الذي ~~طويت أضلاعي على هواها كل هذا الزمن؟» # ولم أستطع أن أزيد على ذلك. فراعه أن يقرأ في وجهي ما أكن من الألم والأسى، وقال ~~وهو لا يدري ما في ذلك من القسوة: إنه ما كان يحسب أن يبلغ من قلبي الحزن هذا ~~المبلغ. # فنظرت إليه - أقصرت عن العتاب - ولكن نظرت إليه. # وقال: «شارل، يا صديقي العزيز الأثير، أرجو ألا تظن بي سوءا، وإني لأعلم أن لك ~~حقا في أن أطلعك على دخيلة قلبي. وصدقني حين أقول إني ما ضننت قط من قبل عليك ~~بالثقة بك والاطمئنان إليك، وإني لأمقت الكتمان فإنه لؤم لا يطاق، ولكني أنا ms060 وفتاتي ~~حرصنا على الكتم من أجلك .» # هو وفتاته! لقد جعل ذلك قلبي حجرا. # وقلت وأنا أتعجب لوجهه الصريح كيف وسعه أن يلقاني به: «حرصت على الكتمان من أجلي ~~أنا يا سيدي؟» # قال: «نعم، ومن أجل أنجيلا أيضا.» # فأحسست أن الأرض تدور بي، وتضطرب، كالنحلة # 5 # وقلت وأنا أعتمد على الكرسي بيدي: «هل لك أن تفسر معنى ذلك؟» # فقال إدوين بلهجته الودية: «يا عزيزي شارلي. فكر! لقد كنت على خير حال وأسعده مع ~~أنجيلا، فكيف أزج بك في ورطة مع أبيها بإشراكك في العلم بأمر خطبتنا، وبما عزمنا ~~عليه سرا، بعد أن رفض؟ من المحقق أنه خير لك أن تستطيع أن تقول، وأنت صادق: «إنه ~~لم يستشرني قط، ولم يخبرني بشيء، ولم ينبس بكلمة على مسمع مني.» وإذا كانت أنجيلا ~~قد فطنت إلى الباطن من أمري، وأولتني كل ما في طاقتها من العطف والتأييد، بارك الله ~~فيها من فتاة منقطعة النظير، وزوجة يعيي الزمان مكان ندها، فما كان لي في هذا ~~حيلة، وما قلنا لها - لا أنا ولا إميلين - شيئا، كما لم نقل لك شيئا، وقد توخينا ~~الكتم عنها، كما توخيناه عنك، لنفس السبب، فثق بي، وصدقني.» # كانت إميلين بنت عم أنجيلا، وكانت تعيش معها، وقد شبا معا، وكان والد أنجيلا ~~قيما عليها، فإن لها مالا. # فقلت وأنا أعانقه عن أحر عاطفة: «هل إميلين في المركبة يا إدوين؟» # فقال: «وهل تحسبني ذاهبا إلى جريتنا جرين بغيرها؟» # فخرجت أعدو مع إدوين، وفتحت باب المركبة، وعانقت إميلين، وضممتها إلى صدري، وكانت ~~ملفوفة في فراء أبيض ناعم كهذا الوادي المكسو بالثلج، ولكنها كانت كاعبا جميلة ~~حارة. وقد ربطت الجوادين المقدمين إلى مركبتهما بيدي، ونفحت الخادم بخمسة جنيهات، ~~وحييتهما أحر تحية وهما يمضيان، ثم ركضت بي الخيل في الطريق إلى لندن. # لم أذهب إلى ليفربول، ولم أرحل إلى أمريكا، وإنما رجعت إلى لندن وتزوجت أنجيلا، ~~ولم أكشف لها إلى هذه الساعة عن سري، ولا قصصت عليها كيف كلفني الغلط هذه الرحلة، ~~وسيجيء يوم تقرأ فيه ms061 هي، وهما - أعني - إدوين وإميلين - وأبناؤنا الثمانية ، ~~وأبناؤهما السبعة (وقد صارت كبراهم تشابه أمها) هذه الصفحات - وأين المفر من ذلك؟ - ~~فيعرفون جميعا ما كان خافيا عليهم، لا بأس؛ فإن في مقدوري أن أحتمل ذلك، ولقد ~~بدأت في الفندق - بمحض المصادفة - أقرن وقت عيد الميلاد بالعوامل الإنسانية، وأعنى ~~بالبحث في حياة من ألفيتني محوطا بهم، وفي مرجوي ألا أكون قد خسرت بذلك، وألا يكون ~~أحد - قريبا كان أو بعيدا مني - قد خسر بذلك، وإني لأدعو أن تزدهر شجرة الميلاد ~~الوريفة النضيرة، وأن تضرب جذورها وتغوص وتتقرر في أرضنا الإنجليزية، وأن تنفض طيور ~~السماء لقاحها على العالم قاطبة. # | هوامش # | وليم ويلكي كولنز # 1824-1889 # | السرير الرهيب # بعد أن أتممت تحصيلي في الكلية بقليل، اتفق لي أن أقيم في باريس مع صديق إنجليزي. ~~وكنا يومئذ في عنفوان الشباب، وأعترف أننا كنا نسيم سرح اللهو في هذه المدينة البهيجة ~~ونركب الحياة بشبابنا، فحدث ذات ليلة أن كنا نتمشى على مقربة من «الباليه رويال»، وكنا ~~حائرين لا نستقر على رأي فيما نشغل به أنفسنا من لهو، فاقترح صاحبي أن نذهب إلى محل ~~«فراسكاتي» ولكن اقتراحه لم يرقني، فقد كنت أعرفه - كما يقول الفرنسيون - عن ظهر قلب. ~~وقد خسرت وربحت فيه كثيرا، ابتغاء التسلي، حتى لم يبق فيه لا تسلية ولا تلهية، ومللت ~~مظاهر السمت والأبهة لذلك الشذوذ الاجتماعي الذي ينطوي عليه محل مقامرة. وقلت لصاحبي: ~~«نشدتك الله إلا ما ذهبنا إلى حيث نجد قمارا حقيقيا عنيفا على الرغم من الفاقة، ليس ~~فيه تمويه ... لندع فراسكاتي الوجيه إلى مكان لا يأنف أصحابه أن يدخلوا فيه ذا ثوب خلق ~~لبيس، أو من لا ثوب له، لبيسا كان أو غير لبيس.» قال صاحبي: «حسن، على أنه لا داعي ~~للإبعاد والخروج من نطاق الباليه رويال، للفوز ببغيتك، هذا هو المحل أمامنا. وإنه، فيما ~~تتواتر به الرواية عنه، لكما تشتهي أن يكون ضعة وخشونة.» # وبلغنا الباب، ودخلنا البيت الذي رسمت ظهره. # 1 # وصعدنا بعد أن تركنا القبعتين والعصوين مع البواب، فمضوا ms062 بنا إلى قاعة القمار الكبرى، ~~فلم نجد فيها كثيرين ، ولكن القليلين الذين كانوا فيها والذين رفعوا رءوسهم لينظروا ~~إلينا ونحن ندخل، كانوا جميعا نماذج - صادقة دقيقة لسوء الحظ - من طبقاتهم. # لقد جئنا وفي مرجونا أن نرى جماعة من الطغام والهمج، فوقعنا على شر من ذلك، وإن لكل ~~ضرب من الضعة لجانبها الفكاهي المضحك، أما هنا فما تحس النفس سوى المأساة ... مأساة خرساء ~~لا فكاك منها ولاحيلة فيها، وكان السكون في الغرفة فظيعا؛ هنا فتى نحيل متهضم الوجه، ~~طويل الشعر، يرشق بعينيه الغائرتين أوراق اللعب، ولا ينطق بحرف. وهنا آخر مترهل خرج ~~البثر بوجهه الغليظ، وهو يخرق ورقة أمامه ليحصي كم مرة كسب الأسود، وكم مرة كسب ~~الأحمر، ولا ينطق بحرف. وها هنا شيخ قذر مغضن الوجه، له عين الصقر، وعليه ثوب طال ~~ترداده إلى الرفو، وقد خسر آخر فلس، ومع ذلك يأبى إلا أن يراقب اللعب الذي لا يستطيع أن ~~يشترك فيه، ولكنه لا ينطق بحرف! حتى صوت الضريب # 2 # كان مكتوما مخنوقا وغليظ الجرس في جو هذه الغرفة. وقد كان رجائي وأنا ~~أدخل هذا البيت أن أجد فيه ما يضحك، فإذا أمامي منظر يبعث الأسى ويغري بالبكاء. فلم ~~يسعني إلا أن ألتمس معاذا من هذه الكآبة التي تستولي علي بسرعة، وشاء سوء الحظ أن ~~أقبل على أول ما وجدت، فذهبت إلى المائدة وشرعت ألعب. وأبى لي الحظ السيئ، كما سترى، ~~إلا أن أربح ... أربح مقادير جسيمة ... مقادير يخطئها الحساب، ولا تدخل في عقل عاقل ... حتى ~~أحاط بي اللاعبون، وراحوا يحدجون مكاسبي على المائدة بعيون ناطقة بالنهم والروعة، ~~ويتهامسون فيما بينهم بأن الإنجليزي سيخرب «البنك.» # وكان القمار على «الأحمر والأسود» وقد جربت حظي في هذه اللعبة في كل مدينة بأوروبا، ~~ولكن من غير أن أعنى «بنظرية الحظ» التي تعد «حجر الفلاسفة» عند المقامرين. وما كنت قط ~~مقامرا بالمعنى الصحيح، فقد سلمت من هذه الشهوة الجائحة فلعبي للتسلية وتزجية الفراغ، ~~وما أعرفني قامرت بدافع من الحاجة أو الضرورة، لأني لم أعان ms063 قلة المال أو النقص فيه. ~~وكنت إذا قامرت لا أعكف حتى أمنى بخسارة لا قبل لي باحتمالها، أو أفوز بمكسب يدير ~~رأسي ويخرج بي عن طوري من الاتزان. وأقول بإيجاز إني كنت أختلف إلى أندية القمار كما ~~أختلف إلى المراقص والمسارح لأني أجد فيها تلهية، ولا أدري بأي شيء آخر أشغل نفسي ~~وأزجي الفراغ. # ولكن الحال في هذه المرة كان مختلفا جدا، الآن - وللمرة الأولى في حياتي - جربت ~~شهوة القمار الحقيقية وعرفت كيف يكون عصفها بالنفس، واستحواذها على اللب. وكانت مكاسبي ~~قد أذهلتني في أول الأمر، ثم أسكرتني، بأدق المعاني الحرفية لهذا اللفظ. ومن الحقائق ~~الغريبة التي يتعذر تصديقها أني كنت لا أخسر إلا حين أحاول أن أقدر فرص الربح والخسارة، ~~وأقامر على مقتضى ما تبين لي من الحساب السابق. أما حين أدع الأمر كله للحظ، وألعب بلا ~~حساب أو تدبر، فالربح لا شك فيه ولا مفر منه على الرغم من كل عامل من عوامل الترجيح ~~لكفة «البنك.» وكان اللاعبون يخاطرون في أول الأمر بمالهم، وهم مطمئنون، على اللون الذي ~~أختاره، ولكني زدت المبالغ التي أقامر بها إلى حد لا يستطيعون أن يجاروني فيه، فكفوا - ~~واحدا بعد واحد - عن اللعب، واكتفوا بالمشاهدة وأنفاسهم معلقة. # وطفقت أزيد المبالغ التي أخاطر بها، وأكسب مع ذلك، فجاشت النفوس وسرت الحمى في ~~الدماء. وصار السكون لا يقطعه إلا التمتمة كلما دفع الذهب على المائدة إلى ناحيتي. حتى ~~الضريب الرزين رمى بمجرافه على الأرض وقد ثارت نفسه ثورة «فرنسية» من فرط دهشته لنجاحي. ~~ولكن رجلا واحدا في الغرفة كان يضبط أعصابه ويحتفظ باتزانها. وأعني به صديقي. وقد جاء ~~إلي، وهمس في أذني بالإنجليزية بالرجاء أن أرحل عن هذا المكان وأن أقنع بما ربحت. ~~وأنصفه فأقول إنه أعاد تحذيره ورجاءه مرات عديدة، ولم يتركني ويخرج إلا بعد أن رفضت ~~نصحه (وكانت سورة القمار قد اشتدت بي) بألفاظ جعلت من المستحيل عليه أن يخاطبني مرة ~~أخرى في تلك الليلة. # وبعد أن خرج صديقي ببرهة، سمعت صوتا أجش ms064 يقول من ورائي: «اسمح لي يا سيدي العزيز، ~~اسمح لي أن أعيد إليك جنيهين سقطا. يا له من حظ يا سيدي! إني أقسم بشرفي، أنا الجندي ~~القديم، أني في تجربتي الطويلة للعب لم أر قط مثل حظك أبدا. استمر يا سيدي، استمر ~~بجرأة واخرب البنك.» # فأدرت وجهي فرأيت رجلا مديد القامة في معطف خفيف عليه شارات عسكرية، يهز لي رأسه ~~ويبتسم في أدب جم، ولو أن عقلي لم يعزب، لكان الأرجح أن أشتبه فيه وأستريب به، فقد كانت ~~عيناه جاحظتين وحمراوين كالدم وكان شارباه منفوشين متهدلين وبأنفه أثر من كسر، وكان ~~لصوته نبرات عسكرية، ولكن من أحط طبقة. أما كفاه فأقذر ما رأيت في حياتي، حتى في ~~فرنسا. ولكن هذه المميزات الشخصية لم يكن لها عندي أي تأثير منفر فقد تركني الجنون ~~الذي أورثتنيه مكاسبي الهائلة مستعدا أن أؤاخي كل من يشجعني على اللعب. فتقبلت من ~~هذا الجندي القديم مقدار شمة من السعوط، وربت له على كتفه وحلفت أنه خير من دب على ~~الأرض، وأنه أمجد أثر تخلف من «الجيش الكبير» # 3 ~~، فقال صديقي العسكري وهو يفرقع أصابعه مغتبطا: «استمر استمر واربح. اخرب ~~البنك. أي نعم يا صديقي الإنجليزي الشهم، اخرب البنك.» # وقد مضيت في اللعب، ولججت فيه حتى صاح الضريب بعد ربع ساعة أخرى: «أيها السادة. إن ~~البنك يكف الآن وينقطع.» وصار كل ما كان في «البنك» من أوراق النقد والذهب كوما أمامي ~~... رأس مال البيت كله أصبح تحت يدي ينتظر أن أفرغه في جيوبي. # وقال لي الجندي العتيق وأنا أدفع يدي في كوم الذهب: «ضع المال في منديلك يا سيدي، ~~صره فيه. صره، واجمع أطرافه واعقدها كما كنا نفعل بطعامنا في الجيش الكبير، فإن ~~مكاسبك أثقل من أن يحتملها جيب. هكذا ... تماما ... ضع الورقات والذهب جميعا ... يا له من ~~حظ ... انتظر ... هذا جنيه آخر على الأرض ... والآن يا سيدي نعقد عقدتين متينتين، هكذا، بعد ~~استئذانك، وإذا المال في أمان! تحسس المنديل ... تحسسه أيها السعيد المجدود! ناشف، ~~ومستدير كالقنبلة. ms065 أما لو أنهم كانوا يطلقون علينا في أوسترلتز # 4 # قنابل من هذا القبيل ...! ليتهم كانوا يفعلون! والآن ماذا بقي علي أن أفعل ~~أنا المدفعي القديم والجندي الباسل سابقا؟! أسألك ماذا أصنع؟ ... أتقدم برجائي إلى ~~صديقي الإنجليزي الحميم أن يشرب معي زجاجة من الشمبانيا، لنشرب نخب ربة السعود في قدحين ~~مزبدين قبل أن نفترق!» # فيا له من جندي باسل! وما أطيبه وأرق حاشيته من مدفعي قديم! فلتدر الشمبانيا علينا، ~~وليهتف الإنجليزي بالجندي الفرنسي القديم! هورا! هورا! ولنهتف مرة أخرى بربة السعود! ~~هورا! هورا! # وصاح الجندي: «مرحى! وأحبب بالإنجليزي العطوف الكريم الذي يجري في عروقه الدم الفرنسي ~~المرح! أترع الكأس مرة أخرى! أوه، إن الزجاجة فارغة! لا بأس! فليحيا النبيذ! أنا ~~الجندي القديم آمر أن تدار علينا زجاجة أخرى ومعها نصف رطل من المسكرات!» # فصحت به: «كلا، يا صديقي الباسل! ولا، أيها المدفعي القديم! كانت تلك زجاجتك، والآن ~~هذه زجاجتي! هذه هي! انظر إليها ... وتعال نشرب أنخاب الجيش الفرنسي ... ونابليون العظيم ... ~~وهذا الجمع ... والضريب ... وزوجته ... وبناته، إذا كانت له بنات ... والسيدات كافة ... وكل امرئ ~~في هذه الدنيا!» # وأحسست، لما فرغت الزجاجة الثانية، كأني أشرب نارا سائلة. فالتهب دماغي. ولم يسبق لي ~~في حياتي كلها أن كان للشراب مثل هذا الغول والخمار عندي. فهل هذا الأذى نتيجة لفعل ~~المسكر المنبه في كياني الفائر إلى درجة الحمى؟ أم ترى معدتي على حال من الاضطراب غير ~~معهود؟ أم هذه الشمبانيا قوية الأخذ جدا؟ # وصحت وبي من النشوة مثل الجنون: «أيها الجندي القديم في الجيش الفرنسي الكبير! إن ~~النار مستعرة في بدني، فكيف حالك أنت! لقد أضرمت في النار، فهل أنت سامع ما أقول يا ~~بطل أوسترلتز؟ فلنشرب زجاجة ثالثة لنطفئ الحريق ونخمد ألسنة اللهب.» # فهز الجندي القديم رأسه، ودوم حدقتيه الجاحظتين، حتى لتوقعت أن أراهما تسقطان من ~~محجريهما، ثم لمس جانب أنفه المكسور بإصبعه القذر، وقال: «القهوة!» وذهب يعدو إلى غرفة ~~داخلية. # وقد كان لهذه اللفظة المفردة التي نطق بها ذلك الجندي العتيق الشاذ، من ms066 الوقع ما يشبه ~~السحر في الحاضرين، فنهضوا جميعا دفعة واحدة لينصرفوا، ولعلهم كانوا يطمعون أن ينالوا ~~شيئا بفضل ما كسبت، فلما وجدوا صديقي الجديد تأبى له شهامته ومروءة نفسه أن يدعني أسكر ~~حتى لا أعي، ذهب أملهم فيما كانوا يتطلعون إليه من المتعة على حسابي، ومهما تكن البواعث ~~التي حملتهم على الخروج، فإن الواقع أنهم انصرفوا معا. ولما عاد الجندي وجلس مرة أخرى ~~إلى المائدة أمامي، كانت الغرفة خالية إلا منا، وكنت بحيث أستطيع أن أرى الضريب فيما ~~يشبه الدهليز، يتناول عشاءه. وصار السكون أعمق وأرهب. وتغير الجندي السابق بغتة، واتخذ ~~هيئة الجد الصارم، وصار إذا تكلم لا يزين عبارته أو يؤكدها بالأيمان، أو فرقعة الأصابع، ~~أو الصيحات أو غير ذلك. # وقال لي بلهجة من يفضي إلي بسر: «اسمع يا سيدي العزيز نصيحة جندي قديم. لقد ذهبت إلى ~~ربة الدار (وهي سيدة ظريفة ونابغة في الطبخ) لأقنعها بوجوب العناية بإعداد قهوة قوية ~~جيدة لنا. فعليك أن تشرب هذه القهوة لتذهب عنك سورة الشراب قبل أن تمضي إلى بيتك، لا ~~غنى بك عن ذلك يا صديقي الكريم. فإن عليك أن تحمل كل هذا المال معك إلى بيتك الليلة، ~~ومن واجبك نحو نفسك أن تحتفظ بعقلك. وقد عرف جسامة مكاسبك ناس كثر كانوا هنا الليلة، ~~وهم جديرون بالثقة ولكن الإنسان إنسان، يا سيدي العزيز، فهم لا يخلون من مواطن ضعف، وقد ~~لا يستطيعون أن يقاوموا الفتنة ويصدوا عما يغريهم. فهل أحتاج أن أقول أكثر من ذلك؟ كلا! ~~فإنك تفهم عني وتدرك ما أعني. والآن هذا ما ينبغي أن تفعل: تبعث في طلب مركبة حينما ترى ~~أن نفسك قد ثابت إليك، وأغلق نوافذها كلها عندما تركب، ومر السائق أن يجتاز بك إلى ~~بيتك الشوارع الكبيرة المضاءة. افعل هذا تسلم ويسلم لك مالك. افعل ما أشير به، وغدا ~~ستدرك أنك مدين بالشكر لجندي هرم على ما أخلص لك النصح فيه.» # وما كاد الجندي السابق ينتهي من خطبته التي ألقاها بصوت شجي، حتى جاءت القهوة، ms067 مصبوبة ~~في فنجانين. وناولني صديقي المحتفي بي أحد الفنجانين وهو ينحني لي . وكان ريقي جافا من ~~الظمأ فشربت القهوة دفعة واحدة. ولم أكد أرد الفنجان إلى مكانه حتى انتابني دوار شديد، ~~وأحسست أني ازددت سكرا، وصارت الغرفة تدور بي بعنف، وصار الجندي فيما يبدو لي يصعد ~~ويهبط أمامي كأنه كباس آلة بخارية. وأصمني صوت يدوي في مسمعي، واستولى علي الشعور ~~بالحيرة والذهول، والعجز، والغباء، فنهضت عن الكرسي، وأنا أعتمد على المائدة لأحتفظ ~~بتوازني، وتمتمت أني مريض ثاقل # 5 # فلست أدري كيف أذهب إلى بيتي. # فقال الجندي، وكان صوته أيضا فيما يخيل إلي، يضطرب ويعلو ويهبط كبدنه: «يا صديقي ~~العزيز، إن من الجنون أن تذهب إلى بيتك وأنت على هذا الحال. فستفقد مالك على التحقيق. ~~وقد تسرق وتقتل أيضا بسهولة. إني أنا سأنام هنا، فنم هنا أيضا، فإنهم يجيدون إعداد ~~الأسرة وتسويتها في هذا البيت. خذ سريرا، وأفسد سورة الخمر بالنوم، ثم عد غدا إلى ~~بيتك، وأنت آمن، ومعك مكاسبك، في وضح النهار.» # ولم يبق في رأسي سوى خاطرين؛ الأول: أن لا أدع الصرة المحشوة بالمال تفلت من يدي. ~~والثاني: أنه يجب أن أرقد حالا وأنام لأرتاح مما أعانيه، ومن أجل هذا قبلت ما اقترحه ~~الجندي من النوم هنا، وتناولت ذراعه، وحملت الصرة بيدي الأخرى. وتقدمنا الضريب فاجتزنا ~~بعض الممرات وصعدنا درجات إلى الغرفة التي سأنام فيها. وهز الجندي يدي مصافحا بحرارة، ~~واقترح أن نفطر صباح غد معا، ثم خرج يتبعه الضريب. # فأسرعت إلى حوض الغسيل، وشربت بعض ما في القلة من الماء، وصببت الباقي في الحوض ووضعت ~~وجهي فيه، ثم قعدت على كرسي وحاولت أن أستعيد وثاقة حالي. فسرعان ما أحسست أني أفيق وأن ~~قوتي ترجع إلي، وقد كان الانتقال من الجو الفاسد في حجرة القمار إلى الهواء البارد في ~~هذه الغرفة، ومن نور مصابيح الغاز الوهاجة إلى ضوء الشمعة الخافت الهادئ مما قوى ~~الانتعاش الذي أفادنيه الماء البارد، فزال عني الدوار وبدأت أشعر أني قاربت حالة ~~الأصحاء العقلاء. وكان ms068 أول ما جرى ببالي هو الخطر الذي يستهدف له من ينام الليل كله في ~~بيت من بيوت القمار، وكان الذي جرى ببالي بعد ذلك هو الخطر الأكبر الذي يتعرض له من ~~يحاول الخروج من البيت بعد أن يوصد بابه، والذهاب إلى البيت وحده في الليل، مخترقا ~~شوارع باريس ومعه مبلغ ضخم من المال. ولقد نمت في شر من هذا البيت خلال أسفاري العديدة. ~~ولذلك صح عزمي على أن أسك الباب وأضببه # 6 # وأترسه، وفي الصباح أرى ما يجيء به الحظ. # وهكذا اتقيت التطفل علي، ثم نظرت تحت السرير، وفي الصوان # 7 # واختبرت مشابك النافذة، ولما اقتنعت بأني لم أقصر في الحيطة خلعت ثيابي ~~الفوقية، ووضعت الشمعة على الموقد بين رماد الخشب، ورقدت على السرير، ودسست صرتي تحت ~~المخدة. # وما لبثت أن تبينت أن النوم لن يؤاتيني، وأني لن أستطيع حتى أن أغمض جفوني، فقد كنت ~~تام التنبه وفيما يقارب الحمى، وكان كل عرق في بدني ينبض، وكل حاسة من حواسي مرهفة، ~~فجعلت أتقلب، وأجرب كل رقدة، وألتمس المواضع الباردة من الفراش، ولكن بلا فائدة، وكنت ~~تارة أريح ذراعي على ظهارة الفراش، وتارة تحتها، وتارة أدفع رجلي وأمدهما إلى آخر ~~السرير، وطورا آخر أطويهما إلى قريب من ذقني، ومرة أهز المخدة وأقلبها على الوجه ~~الآخر، وأسويها وأرقد على ظهري، ومرة أثنيها وأقيمها على حدها وأسندها إلى ظهر السرير ~~وأحاول أن أنام وأنا راقد كقاعد. ولكن هذا كله كان عبثا فتوجعت وسخطت وأدركت أن أمامي ~~ليلة طويلة سأقضيها مسهدا. # وماذا أستطيع أن أصنع؟ لم يكن معي كتاب فأتسلى بالقراءة، وإذا لم أهتد إلى ما أشغل به ~~نفسي وألهي به عقلي فإن من المحقق أن يفضي بي ذلك إلى حال أتوهم فيه كل ضرب من المخاوف ~~والأهوال، وأتصور كل ممكن وكل مستحيل من المخاطر، أي أن أقضي الليلة وأنا أقاسي كل ~~أنواع الفزع العصبي. # واتكأت على مرفقي وأجلت عيني في الغرفة، وكان القمر يريق عليها ضوءه اللين من ~~النافذة، وفي مأمولي أن أجد ms069 صورة أو حلية أتأملها. وتذكرت وأنا أدور بعيني من جدار إلى ~~جدار، ذلك الكتاب الممتع «رحلة في غرفتي» فاعتزمت أن أحذو حذو الأديب الفرنسي، وأن أنشد ~~من التسلية ما يخفف آلام السهاد وسآمته، وذلك أن أحصي - في رأسي - كل ما أستطيع أن أرى ~~من متاع الغرفة وأثاثها وأن أتتبع إلى مصادرها جمهرة الذكريات التي لا يعجز عن إثارتها ~~حتى كرسي أو مائدة أو حوض. # على أن اضطراب أعصابي جعل الإحصاء أسهل علي من التفكير، فما لبثت أن يئست من قدرتي ~~على انتهاج الطريق الذي ضرب فيه صاحب «رحلة في غرفتي»، لا، بل من القدرة على أي تفكير، ~~فأدرت عيني في الغرفة، ونظرت إلى قطع الأثاث المختلفة، ولم أزد على ذلك. # وكان هناك، أولا، السرير الذي أرقد عليه، وله عمد أربعة، وذاك آخر ما كنت أتوقع أن ~~أجد في باريس؛ سرير إنجليزي الطراز ذو أربع قوائم، يحيط به من فوق، سجف منقوش، وينسدل ~~عليه ستران مقرونان خانقان، تذكرت أني لما دخلت الغرفة رددت كل شق منهما إلى القائمة من ~~غير أن أجعل بالي إلى السرير نفسه. وكان هناك أيضا حوض من الرخام للغسل، هو الذي صببت ~~فيه الماء بلا تحرز أو أناة، ولا تزال بقية مما أريق على حافته يقطر ببطء على الأرض. ~~وثم أيضا كرسيان صغيران ألقيت عليهما ما خلعت من ثيابي، وكرسي آخر كبير ذو ذراع، وقد ~~طرحوا عليه حبسا # 8 # أبيض إلا أنه قذر، وعلى ظهره بنيقتي وربطة رقبتي، وصوان له أدراج، مقابض ~~بعضها منزوعة، ودواة من الصيني مزخرفة ولكنها مكسورة موضوعة على ظهر الصوان كأنها حلية، ~~ومنضدة للزينة، عليها مرآة صغيرة جدا، ومدبسة كبيرة جدا، ثم الشباك وهو أكبر من ~~المألوف، وكانت هناك أيضا صورة قاتمة قديمة رأيتها على ضوء الشمعة، وهي صورة رجل على ~~رأسه قبعة إسبانية عالية مزدانة بالريش، ووجهه وجه شرير نذل، وعيناه تنظران إلى فوق، ~~ويده على حاجبه كأنه يستشرف، وكان يحدق فيما فوق، فلعله كان يرمق مشنقة عالية يوشك أن ~~يتدلى منها. ms070 ومهما يكن من ذلك، فلا شك أن هيئته كانت هيئة رجل يستحق هذا المصير بلا ~~جدال . # وكأنما أعدتني الصورة فرحت أصعد بصري إلى ما فوق، إلى سقف السرير. ولكن منظره كان ~~كريها؛ فحولت عيني إلى الصورة، ورحت أعد الريشات التي تزدان بها القبعة، فإذا هي ثلاث ~~بيضاء، وثلاث خضراء، وتأملت قمة القبعة فألفيتها مخروطية الشكل، من الطراز الذي كان ~~يميل إليه ويؤثره «جيدو فوكس»، وتساءلت عما ينظر إليه هذا الرجل المرسوم! لا يمكن أن ~~تكون النجوم همه، فإن شريرا مثله لا يكون فلكيا ولا منجما، فلا بد أن تكون عينه على ~~المشنقة العالية التي سيرفع إليها ويتدلى منها بعد قليل! فهل يرث الجلاد قبعته العالية ~~المريشة؟ وأحصيت الريش مرة أخرى فألفيته كما كان؛ ثلاث ريشات بيضاء، وثلاث ريشات ~~خضراء! # وبينما كنت أتشاغل بهذا شردت خواطري، وأذكرني ضوء القمر في الغرفة ليلة مقمرة في ~~إنجلترا، بعد رحلة للنزهة في واد ببلاد ويلز. وتمثل لخاطري كل ما شاهدته وأنا عائد مع ~~رفاقي من هذه الرحلة؛ من المناظر الجميلة التي زادها القمر جمالا، وأكسبها فتنة لا ~~تكون لها بغيره، ومن العجيب أني كنت نسيت هذه الرحلة ولم أفكر فيها كل هذه السنوات ~~الطويلة، ولو أني حاولت أن أتذكرها لكان المحقق أن لا أستعيد إلا قليلا من مشاهدها. ~~فيا لهذه الذاكرة التي لا تزال تعيننا على الاعتقاد بأنا خالدون على الرغم من الفناء ~~المادي! ها أنا ذا في بيت مريب لا عهد لي به، وفي موقف قلق لا يخلو من خطر من شأنه أن ~~ينفي التفكير الهادئ، ومع ذلك أراني أتذكر، عفوا وبلا جهد مني، أماكن وأشخاصا، ~~وأحاديث ودقائق من كل ضرب، كنت أظنها قد طويت طيا ليس له من نشر، وما كان من الممكن ~~أن أتذكر ذلك بإرادتي حتى في أحسن الأحوال. وما الذي أثار هذه الذكرى في لحظة واحدة، ~~وأحدث هذا الأثر العجيب المعقد الخفي السر؟ لا شيء سوى أشعة القمر الداخلة من نافذة ~~غرفتي! # وكنت لا أزال أفكر في تلك الرحلة، ms071 وفي مرحنا ونحن عائدون منها، وفي السيدة الشابة ~~التي تأبى إلا أن تنشد أبياتا من قصيدة «تشايلد هارولد» - بيرون - لأن القمر كان يضيء ~~الدنيا، وردتني هذه المناظر والملاهي المنسية إليها واستولت علي، وإذا بالخيط الذي ~~تعلقت به ذكرياتي ينبت في ثانية واحدة، وإذا بي أرد إلى الحاضر الذي أنا فيه بقوة، ~~وإذا بي ألفي نفسي - لا أدري لماذا؟ - أنظر بحدة إلى الصورة المعلقة مرة أخرى! # أنظر باحثا عن أي شيء. # يا إلهي! لقد شد الرجل المرسوم قبعته على حاجبيه! كلا! بل اختفت القبعة كلها! أين ~~ذهبت القبعة المخروطية الشكل؟! وأين الريشات الست؛ الثلاث البيضاء، والأخر الخضراء؟! لم ~~يبق لها وجود! وما هذا الذي يحجب جبينه الآن وعينيه ويده المرفوعة إلى ما فوق ~~!حاجبيه؟ # أفي السرير شيء يتحرك؟ # انقلبت على ظهري، وحدقت. أتراني جننت؟ أما أنا سكران؟ أم هو حلم؟ أم عاودني الدوار؟ ~~أم سقف السرير يهبط ببطء، ولكن باطراد، وفي سكون؟ يهبط كله شيئا فشيئا، بطوله وعرضه، ~~ويدنو مني قليلا فقليلا وأنا راقد تحته؟ # وأحسست كأنما جمد الدم في عروقي، وابترد جسمي وسرى مثل الشلل في بدني، وأنا أقلب خدي ~~على الوسادة، أنظر إلى الرجل المرسوم في الصورة وأرى هل يهبط سقف السرير حقا أو هو ~~ثابت لا يتحرك؟ # وكانت نظرة واحدة إلى الصورة حسبي، فقد كان السجف المنقوش المحيط بجوانب السرير من ~~سقفه محاذيا لخصر الرجل! وظللت أنظر وقد احتبست أنفاسي، ورأيت الصورة المرسومة تختفي، ~~والإطار من تحتها يغيب، والسقف يهبط ببطء، وفي اطراد، وبلا صوت! # وأنا لا جبان، ولا ضعيف القلب. وقد تعرضت للمخاطر والمهالك أكثر من مرة في حياتي، ولم ~~أفقد عقلي لحظة واحدة، ولكني لما أيقنت أن سقف السرير يتحرك وأنه يهبط علي، نظرت إليه ~~وأنا أرعد، وقد فاجأني الروع فلا حيلة لي تحت هذه الأداة القاتلة الشنيعة التي تقترب ~~مني لتخنقني وأنا أرقد. # خذلني الرشد، وخانني اللسان، وتعلقت أنفاسي وأنا أنظر، وكانت الشمعة قد نفدت فانطفأت، ~~ولكن القمر كان يضيء الغرفة. وكان السقف يهبط بلا ms072 توقف، ولا صوت، وأنا من الفزع كأنما ~~شددت إلى المرتبة، وبلغ من دنو السقف مني أن شممت رائحة التراب الذي في السجف المحيط ~~به. # وفي هذه اللحظة الأخيرة تنبهت غريزة المحافظة على الذات، وأنقذتني من الذهول الذي ~~استولى علي فتحركت، ولما أكد، فما كان هناك من المسافة بين المرتبة والسقف أكثر مما ~~يسمح بالانقلاب على جنبي والتدحرج عن السرير. وبينما كنت أهوي إلى الأرض بلا ضجة أو ~~ضوضاء لمست بكتفي سجف هذا السقف القاتل. # ولم أنتظر حتى تنتظم أنفاسي، ويثوب إلي جسمي، ولم أعن بأن أمسح العرق البارد الذي ~~تصبب من وجهي، بل أسرعت فنهضت على ركبتي لأرى سقف السرير من سطحه. وأعترف أني سحرت ~~فسمرت في مكاني، فلو أني سمعت حينئذ وقع أقدام خلفي لما استطعت أن أدور أو أتلفت، ولو ~~أن وسيلة للنجاة أتيحت لي بمعجزة لما وسعني أن أتحرك لأنتفع بها، فقد صار كل ما في من ~~قوة وحياة مركزا في عيني. # ظل السقف كله يهبط، ومعه السجف الذي يدور به، حتى لم يبق بينه وبين المرتبة ما يكفي ~~لدس إصبع، فمددت يدي وتحسست جوانب السقف، فإذا الذي كنت أحسبه، وأنا راقد، سقفا عاديا ~~لسرير ذي قوائم أربعة، مرتبة سميكة عريضة يحجبها السجف ويسترها من تحتها الكلة، فصعدت ~~طرفي فأبصرت القوائم الأربعة عارية. وفي وسط السقف الهابط بزال # 9 # عظيم خارج من سقف الغرفة، وهو ولا شك الذي نزل بالسرير، على نحو ما تفعل ~~المكابس. وكانت هذه الأدوات الضاغطة الرهيبة تتحرك من غير أن تحدث أخفت صوت. فما سمعت ~~شيئا وأنا راقد، ولا كان هناك أدنى جرس من الغرفة التي فوقي. وفي هذا السكوت المروع، ~~وفي القرن التاسع عشر، وفي عاصمة فرنسا المتحضرة، رأيت أداة للقتل خنقا، مثلها لعله ~~كان موجودا في أحلك أيام محكمة التفتيش، أو في الفنادق النائية المنقطعة في جبال ~~الهارتز أو في محاكم وستفاليا السرية. وكنت، وأنا أتأملها، لا أزال عاجزا عن الحركة، ~~ولا أكاد أستطيع أن أتنفس، ولكني استعدت قدرتي على التفكير ms073 فتجسدت لي المؤامرة التي ~~دبرت لهلاكي في أفظع صورها. # لقد كانت القهوة التي قدمت لي، فيها مخدر ، ولكنه كان أقوى مما يجب فأنجاني من الموت ~~اختناقا أني تناولت فوق الكفاية من المخدر، ولشد ما كنت أتبرم وأسخط على الأرق الذي ~~أنقذني! ولشد ما وثقت بالوغدين اللذين قاداني إلى هذه الحجرة، وقد اعتزما أن يقضيا على ~~حياتي ليظفرا بمكاسبي! وما أكثر الذين ربحوا مثلي، وناموا مطمئنين، كما كنت أحب أن ~~أنام، على هذا السرير ثم لم يرهم، ولا سمع بهم أحد بعد ذلك! وسرت في بدني الرعدة وأنا ~~أتصور هذا المصير الذي كنت صائرا إليه. # وتعطل كل تفكير، مرة أخرى، حينما رأيت أداة الهلاك تتحرك مرة أخرى فبعد أن لبثت جاثمة ~~على المرتبة حوالي عشر دقائق - على قدر ما استطعت التخمين - بدأت ترتفع، ولا شك أن ~~الأوغاد الذين كانوا يحركونها من فوق اعتقدوا أنهم بلغوا غايتهم وحققوا مأربهم. وكما ~~كانت تهبط في بطء وسكون كذلك أخذت تصعد إلى مكانها الأول، فلما بلغت أطراف القوائم ~~الأربع للسرير كانت قد بلغت السقف أيضا، واختفى الثقب والبزال جميعا، وعاد السرير - ~~كما كان يبدو للعين - سريرا عاديا، وسقفه السقف المألوف الذي لا يبعث على أي ~~استرابة. # ووسعني الآن - لأول مرة - أن أتحرك، وأن أنهض عن ركبتي وأرتدي ثيابي وأفكر في النجاة ~~والتماس الطريق إليها. وكنت أدرك أن علي أن أتقي أن أحدث صوتا يدل على أن الذين حاولوا ~~خنقي أخفقوا، وإلا قتلوني على التحقيق. فهل تراني أحدثت صوتا؟ أرهفت أذني، وجعلت عيني ~~على الباب لأتبين ... كلا. لم أسمع وقع قدم في الدهليز، ولا صوتا، لا خفيضا ولا عاليا ~~من الغرفة التي فوقي. وكان السكون تاما في كل مكان، وكنت قد حرصت قبل الرقاد على ~~السرير، على إيصاد الباب وتضبيبه، ولم يكفني ذلك فوضعت خلفه صندوقا قديما من الخشب ~~وجدته تحت السرير، فاتخذت منه مترسا. وكان من المستحيل نقل هذا الصندوق الآن من موضعه ~~وراء الباب بلا ضجة (وقد اقشعر بدني وأنا أفكر فيما عسى أن ms074 يكون مخبأ فيه!) كذلك كان من ~~الجنون أن أفكر في الخروج من البيت من بابه الموصد. فلم يبق لي إلا النافذة، فمشيت ~~إليها على أطراف أصابعي. # وكانت غرفتي في الطابق الأول فوق كنة، وهي تطل على الشارع الخلفي الذي خططته في ~~رسمك، فرفعت يدي لأفتح النافذة وأنا أعلم أن سبيل النجاة رهن بهذا؛ فإن بيتا كهذا ~~يقتل فيه الناس لا بد أن يكون عليه حراس لا ينامون، وإني لجدير بأن أقضي نحبي على نحو ~~ما، إذا أط الشباك أو صوت نجرانه. # 10 # وقد قضيت خمس دقائق - في حساب الزمن - وخمس ساعات فيما كنت أحس، في فتح هذا ~~الشباك، ووفقني الله إلى فتحه في سكون، كما كان يمكن أن يفعل أمهر اللصوص وأحذقهم، ثم ~~أشرفت على الشارع وأدرت عيني فيه، فوجدت أن إلقاء نفسي من النافذة، يكون فيه هلاكي ~~المحقق، فأجلت طرفي في جوانب البيت، فرأيت على الجانب الأيسر منه أنبوبة الماء الغليظة ~~التي رسمتها، وكانت قريبة من الشباك، وما كدت أراها حتى أيقنت من النجاة، فخلصت أنفاسي ~~لأول مرة مذ رأيت سقف السرير يهبط علي! # وقد يرى بعض الناس أن وسيلة النجاة التي اهتديت إليها خطرة، ولكن انزلاقي على ~~الأنبوبة إلى الطريق، لم يتمثل لي فيه أي خطر، فقد استطعت بالمواظبة على الرياضة ~~البدنية أن أحتفظ بقدرتي على التسلق وبراعتي فيه، وكنت واثقا أن رأسي ويدي ورجلي ~~لن تخونني. لهذا لم أتردد في الإقدام، فركبت حافة النافذة، ولكني تذكرت صرة المكاسب ~~المدسوسة تحت الوسادة، وكان في وسعي أن أدعها، ولكني آليت ألا أترك لأشرار هذا البيت ما ~~كانوا يمنون النفس باستلابه، ولهذا عدت إلى السرير، وربطت الصرة الثقيلة برباط رقبتي، ~~وألقيتها على ظهري. # وخيل إلي، بعد أن فرغت من ذلك، أني سمعت حسيس أنفاس وراء الباب، فسرت رعدة الفزع في ~~بدني مرة أخرى، وأنا أنصت وأتسمع. كلا! لا ركز، ولا شيء غير السكون في الدهليز، وإنما ~~كان ما سمعته هسيس الهواء الداخل في الغرفة، ولم أضع وقتا، فوثبت إلى حافة ms075 النافذة، ~~ومن ثم تعلقت بأنبوبة الماء بيدي وركبتي. # وانحدرت إلى الشارع بسهولة وبغير ضجة، كما كنت أتوقع، وذهبت أعدو بأقصى ما يسعني من ~~السرعة إلى مركز الشرطة، وكنت أعرف أنه في جوار هذا الحي. وكان هناك ضابط وبعض الجنود ~~يحكمون تدبير خطة، على ما أعتقد، للاهتداء إلى من ارتكب جريمة خفية كانت باريس كلها ~~تلغط بها يومئذ، فلما شرعت أقص قصتي، بسرعة، وبلغة فرنسية محطمة، كان من الجلي أن ~~الضابط يحسبني إنجليزيا مخمورا سطا على بعضهم وسرقه، ولكن سرعان ما غير رأيه بعد أن ~~مضيت في قصتي، وقبل أن أتمها كان قد دس ما أمامه من الأوراق في درج، ولبس قبعته، ~~وأعارني قبعة (فقد كنت عاري الرأس) وأمر صفا من العسكر أن يستعدوا، وطلب من الصناع أن ~~يهيئوا كل ضروب الآلات اللازمة لفتح الأبواب عنوة ورفع بلاط الأرض، وتناول ذراعي كأني ~~صديق حميم، وخرج بي. وأجازف فأقول إن الضابط، لما كان طفلا صغيرا، وحمله أهله أول مرة ~~إلى الملعب لم يكن فرحه بذلك كفرحه الآن بما يتوقع أن يجد في البيت الذي هربت ~~منه. # واجتزنا الشوارع والضابط يستجوبني ويهنئني في وقت معا ونحن سائران على رأس القوة ~~التي صحبتنا، ولما بلغنا البيت وضع الحراس أمامه وخلفه ثم أهوى على الباب يدقه ويقرعه ~~فظهر نور في نافذة، فأمرني أن أتوارى وراء الشرطة، وتلت ذلك قرعات أخرى أشد وأقوى، ~~وصيحة «افتحوا باسم القانون.» فانفتحت المزاليج والمغاليق أمام هذه الصيحة المرعبة، وما ~~كاد المصراع يتحرك حتى كان الضابط في الدهليز يواجه خادما ممتقع اللون في نصف ثيابه ~~فدار بينهما هذا الحوار الوجيز: ~~- «نريد أن نرى الإنجليزي النائم في هذا البيت.» ~~- «قد خرج منذ ساعات.» ~~- «لم يفعل شيئا من ذلك، انصرف صاحبه وبقي هو. فاذهب بنا إلى غرفته.» ~~- «إني أقسم لك يا سيدي الضابط أنه ليس هنا ... إنه ...» ~~- «إني أقسم لك يا سيدي الخادم إنه هنا. نام هنا ثم لم يجد سريركم مريحا فجاء إلينا ~~يشكو - هذا هو بين رجالي، وهذا أنا جئت لأبحث ms076 عن هناة أو اثنتين في سريركم! يا رينو دان ~~(أحد أعوانه) شد وثاق هذا الرجل واربط يديه وراء ظهره. والآن فلنصعد.» # وقبضوا على كل رجل وكل امرأة في البيت، وفي طليعتهم ذلك «الجندي القديم» وأريتهم ~~السرير الذي رقدت عليه ثم صعدنا إلى الغرفة التي فوقه. فلم نر أي شيء فيها يمكن أن ~~يستغرب أو يلفت النظر، فأجال الضابط عينه فيها وأمر الحاضرين أن يلزموا الصمت وضرب ~~الأرض برجله مرتين ودعا بشمعة. # وفحص الموضع الذي ضربه برجله، وأمر بأن ينزع البلاط، فكان ما أراد في أوجز وقت، وجيء ~~بالأنوار الكافية فرأينا فجوة عميقة مدعمة بالخشب بين أرض الغرفة وسقف الغرفة التي ~~تحتها، وفي هذه الفجوة صندوق قائم من الحديد عليه شحم كثير وفي جوفه البزال المتصل بسقف ~~السرير، ووجدنا عدا ذلك ضروبا أخرى من البزال حديثة التزييت، وروافع مكسوة بالمخمل، ~~وكل ما تركب منه آلة ضاغطة ثقيلة، وهي جميعا مصنوعة بحيث يسهل وصلها بما أعد في ~~الغرفة التحتية، وبحيث تفك وتوضع في أضيق مكان. وبعد قليل من العناء استطاع الضابط أن ~~يركب هذه الآلة، ثم ترك رجاله ليديروها وانحدر هو إلى الغرفة التي فيها السرير، وأنزل ~~السقف الخانق ولكن نزوله أحدث صوتا لم أسمعه وأنا راقد، وقد ذكرت هذا للضابط فكان ~~جوابه العظيم الدلالة: «إن رجالي يستعملون هذه الآلة للمرة الأولى، أما الذين ربحت ~~مالهم فإن خبرتهم أطول ومرانتهم أوفى.» # وغادرنا البيت في حراسة اثنين من رجال الشرطة فقد نقل كل من كان فيه إلى السجن. وبعد ~~أن دون الضابط أقوالي في مكتبه ذهب معي إلى فندقي ليرى جواز سفري. وقد سألته وأنا أقدمه ~~له: «أتظن أن أحدا خنق حقيقة على هذا السرير كما حاولوا أن يخنقوني؟» # فقال: «لقد رأيت عشرات من جثث الغرقى في معرض المجهولين، وقد وجدت معهم إقرارات بأنهم ~~انتحروا في نهر السين لأنهم خسروا مالهم على مائدة القمار. ومن أدراني أنهم لم يدخلوا ~~البيت الذي دخلته؟ وربحوا كما ربحت؟ وناموا حيث رقدت؟ واختنقوا فيه؟ ثم ألقوا بهم ms077 في ~~النهر وفي ثيابهم إقرار كتبه القتلة؟ إنه ما من أحد يستطيع أن يقول كم لقوا الحتف الذي ~~نجوت أنت منه. # وقد كتم أهل هذا البيت سر آلتهم عنا نحن الشرطة، وتكفل الموتى بكتمان باقي السر. ~~والآن عم مساء، أو على الأصح عم صباحا يا سيد فولكنر. وأرجو أن تعود في الساعة ~~التاسعة، وإلى الملتقى!» # ولم يبق من قصتي إلا قليل، سئلت مرة وأخرى، وفتش كل مكان في البيت، واستجوب ~~المقبوض عليهم، كل واحد منهم بمفرده، واعترف اثنان منهم. وتبينت أنا أن «الجندي ~~القديم» هو صاحب بيت القمار، وأظهر التحقيق أنه طرد من الجيش من سنين لسوء سيرته، وأنه ~~اقترف كل ضروب الآثام بعد ذلك، وأن عنده مسروقات شتى عرفها أصحابها، وأنه هو والضريب ~~وشريك آخر والمرأة التي وضعت لي المخدر في القهوة، يعرفون جميعا سر السرير، وكان هناك ~~شك في أن غيرهم ممن يعملون في هذا البيت يعرفون شيئا عن الأداة الخانقة المركبة فيه، ~~فانتفعوا بهذا الشك، وعدهم القضاء لصوصا ومتشردين. أما الجندي القديم وشريكاه فحكم ~~عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، وأما المرأة فكان نصيبها السجن سنوات نسيت عددها. وعد ~~الذين يختلفون إلى هذا البيت بانتظام «مشتبها فيهم» ووضعوا تحت المراقبة ولبثت أسبوعا ~~كاملا (ما كان أطوله!) وأنا أبرز رجل في المجتمع الباريسي. واتخذ ثلاثة من مشاهير ~~الروائيين، حادثتي موضوعا لقصصهم المسرحية، ولكنها لم تر الضوء ولم تمثل منها واحدة ~~لأن الرقابة منعت أن تظهر على المسرح صورة صادقة لهذا السرير. # على أن الحادثة أثمرت خيرا لا شك أن أية «رقابة» لا يسعها إلا أن تحمده. ذلك أنها ~~شفتني وزهدتني في لعبة «الأحمر والأسود» وبغضت إلي التسلي بها، وسيظل منظر الغطاء ~~الأخضر، وعليه أوراق اللعب، وأكوام الفلوس، مقرونا عندي بمنظر سقف سرير يهبط علي ~~ليخنقني في ظلام الليل وسكونه. # | هوامش # | وليم هيل هوايت (مارك روذرفورد) # 1831-1913 # | نفس رضية # منذ أربعين سنة خلت كنت «كاتبا» في ديوان للحكومة في «هوايتهول» وكنت قد قضيت في ~~عملي هذا ثلاث سنوات. وكان أبي على ms078 شيء من الخفض في العيش وله ألف وخمس مائة فدان، ولما ~~لم يكن له من الولد سوى بنت وغلام فقد وسعه أن يدخلني في مدرسة «هارو» التي تعلم هو ~~فيها، وقد انتقلت من «هارو» إلى «كمبردج» وأديت الامتحان الخاص بالخدمة المدنية بنجاح، ~~وما لبثت أن خطبت «مرغريت راشورث» بنت راعي الكنيسة ببلدة «همسورث» على مسافة خمسة ~~أميال من بلدتنا، وفي سنة 1870 بنيت بها. وكان أبي يوسع علي بمائة جنيه في العام غير ~~ما أتقاضاه من عملي، وكان لمرغريت خمسون جنيها في العام، فاتخذنا لنا بيتا في «بلاك ~~هيث.» # ولم تكن مرغريت ذات ولوع بالقراءة، وإن كانت تجيد تحصيل ما تقرأ وقد حدثت نفسي أنها ~~ستتفتح، أعني أن تشغف بالأدب وتغرى بالاطلاع عليه ولكنها لم تفعل ولم يصدق ظني، ولعله ~~كان لا يسعها إلا أن تنمو وتنضج وفق طبيعتها، وعسى أن يكون الله قد شاء - وإن كانت هي ~~لا تدري - أن تبقى طبيعتها الخاصة غير مشوبة أو متأثرة بطبيعة أخرى. أما أنا فكنت على ~~نقيضها ولم تكن لي حياة إلا في الكتب، وكنت أيام كمبردج قد دخلت في الأدب دخولا ثابتا ~~فأصبحت أمقت اللهو ولا أطيق الفراغ. وكان حبي للكتب هو الذي يرجع إليه بعض ما في من ~~عيوب، ومن بينها فقدان الشعور بالتناسب، والإدراك الصحيح للقيم الحقيقية للأشياء. ~~فقصيدة قصيرة من ثلاثة مقاطع أو أربعة، أو بضعة أبيات من قصة «اغتصاب خصلة الشعر» ترجح ~~عندي بأخبار الحوادث الجسام، بل كان خيرا عندي، وأولى بي في رأيي، أن أعرف كيف كان ~~شكسبير يربط حذاءه من الإلمام بأحكام قانون ثوري كقانون الإصلاح. وكان الحديث لا يطيب ~~لي إلا إذا دار على ما أقرأ، ولا شك أن كثيرين كانوا يعدونني مغرورا مفتونا متحذلقا، ~~وأعترف أن مخالطتي كانت لا رضية ولا مطلوبة، وكان الهزالون والفارغو القلوب والرءوس ~~يضحكون مني ويتهكمون علي، لأن الرجل الجاد مثلي يكون لأمثالهم عرضة استهزاء من العسير ~~عليهم أن يصدوا أنفسهم عن ركوبه بالعبث والمجانة. # على أن هذه الطبيعة ms079 الخاصة لم تتكشف إلا بعد الخطبة بقليل. وقد كنت يومئذ أطمع في ~~السعادة مع مرغريت، وأحلم بأن أقضي الأمساء الطويلة ونحن معا ندرس شيللي (الشاعر) ~~ونبحث سياق قصته «ثورة الإسلام» وهي مسألة كانت لا تزال مستعصية الحل علي. وكنت عضوا ~~في ناد يسمى، لغير داع خاص، «نادي السبت» وقوامه اثنا عشر رجلا من أترابي وأشباهي في ~~النزعة يجتمعون في اليومين الثاني والخامس عشر من كل شهر للاستفادة وتفتيش الكلام ~~والنظر في المعارف. وما من ريب في أن كثيرين يستغربون ذلك، ولكنه لا يبدو لي غريبا، ~~حتى الآن أن يجلس اثنا عشر من أبناء هذا العالم المبتذل، إلى مائدة وأن يحاولوا، بغير ~~معونة من شراب أو طباق أو قهوة، أن يجيلوا النظر ويتبادلوا الرأي في موضوعات يعدها ~~الأكثرون ثقيلة منفرة. وقد عدت مرة إلى البيت ورأسي مكتظ بأسلوب الشاعر ملتون في النظم، ~~فشرعت أصب على رأس مرغريت ما دار في اجتماعنا، وأفضي إليها بآرائي وملاحظاتي على ~~الخصوص، ولكن لما كانت لم تقرأ قط قصيدة «الفردوس المفقود» ولا تعرف شيئا عن البحر ~~المرسل، فقد أقصرت، وشعرت بخيبة الأمل. وأسفت هي أيضا، وانقضى المساء، كما تنقضي ~~الأمساء في أخريات سبتمبر/أيلول الذي قل أن توقد فيه النار، ومع ذلك يجيء فيه المطر ~~البارد مع الظلام المتكاثف. وكانت عادتنا إذا وقع الثاني أو الخامس عشر من الشهر، في ~~يوم سبت، أن نجتمع في الساعة الرابعة، فاتفق مرة أن حاولنا أن نتبين حقيقة ما حدث ~~للزورق المسحور في قصيدة «ألاستور» فإن الماء المائج يرتفع «درجة فوق درجة» والزورق ~~يستولي عليه الموج المتسامي. فحيرني ذلك واشتقت إلى الفهم، وعدت إلى البيت فلم أستطع أن ~~أصد نفسي عن عرض المعضلة التي تحيرني، على مرغريت، فقرأت لها من قصيدة «ألاستور» كل ما ~~له علاقة بحركة الزورق، وأفضت في الشرح والبيان وكنت أراها تجشم نفسها أن تتبعني وأن ~~تستوضح مجرى الماء ولكنها لم توفق، وأغضبني ما تقوله مما لا دخل له في الأمر، وسألتني ~~من عسى أن يكون هذا المطوف، ms080 وما الغرض من رحلته؟ فلم أطق صبرا وقلت لها وأنا معتمد ~~بمرفقي على المائدة، ورأسي بين كفي من الغم : «لشد ما أتمنى يا مرغريت أن أجد عندك أكثر ~~من هذا العطف قليلا! وما أخلقني بالسعادة لو أنه كان يعنيك ما يعنيني!» فلم تقل شيئا، ~~وتركتها وخرجت ولكني، وأنا خارج، خيل إلي، أن الدمع متحير في عينها، ففزعت! فقد كنت ~~أحبها حبا جما، وحدثت نفسي أن هذا لعله بداية الفتور في حبي لها. فماذا ينبغي أن ~~أصنع؟ وكيف أكون إذا حلت بيننا الجفوة، ووقعت النبوة؟ وشعرت بالفزع القريب من الجنون ~~الذي يشعر به الناس حين تزلزل الأرض وترتج تحت أقدامهم. # وفي تلك الليلة تعشى معنا صديق قديم من أيام الدرس، وكنت لم أره منذ سنتين. واسمه ~~روبرت باركلي. وكان أبوه قسيسا درس اللاهوت في مدرسة سيميون، فهو لهذا من الإنجيليين، ~~وكذلك كان ابنه روبرت الذي تعلم في كمبردج، ولكنه تغير لما بلغ الخامسة والعشرين، كأنما ~~أفاق من سبات، وشرع يتساءل، وكانت النتيجة أن العقيدة التي ربي عليها بدت له كأنها ~~غير ذات أساس، وكأنما هي معلقة في الفضاء. وظل هكذا حتى أصبح لا يستطيع أن يقول شيئا ~~غير «لا أدري.» غير أنه كان من المستحيل أن يطمئن إلى هذا ويرضى به، فقد كان ممن تغريهم ~~فطرتهم بالنزوع إلى التقرير والحسم، فما لبث أن تحول إلى العقيدة الكاثوليكية وحل بهذه ~~الطريقة، على نحو يرضيه، المعضل الناشئ عن إيجاد سند للسلطان البابوي، يرجع إلى المركز ~~الذي أعياه أن يجده في المذهب السيميوني. وقد اقتنع بأن يقف حيث وقف نيومان: «إنه لا ~~حيلة في ذلك، فإما أن نرفض الإيمان بالكنيسة باعتبارها إلهية وإما أن نقر لها ونعترف ~~بها في النظام الذي يرأسه البابا. وعلينا أن نتقبل الأشياء كما هي كائنة. فإنك إن تؤمن ~~بالكنيسة تؤمن بالبابا.» # وكان باركلي كثيرا ما يزورنا في بيت أبي قبل هذا التحول، فأحب فيرونيكا - أخت مرغريت ~~- وكانتا في ضيافة أمي. وبادلته فيرونيكا حبا بحب، فخطبها، وإذا به بعد ذلك ms081 تستولي ~~عليه الرغبة، شيئا فشيئا، أن يكون قسيسا، ويعمق في نفسه الإيقان، بأن من واجبه أن ~~يفعل ذلك، وكانت فيرونيكا قد صارت كاثوليكية أيضا، وساعفتها قوة النفس فكانت تحضه على ~~أن يلبي ما كان كلاهما يعتقد أنه نداء إلهي. وليس في وسع إنسان أن يحيط بما قاساه ~~واحتمله هذان، الله وحده هو العليم بهما. وكنت أنا ألمح، بين آونة وأخرى، آيات المجاهدة ~~النفسية، والصراع الذي يدفع الدم في مسام الجلد. # ولم تكن الصعوبة في عمل ما كانا يعتقدان أنه الصواب، بل في الاهتداء إلى الصواب ما ~~هو؟ فقد كان يبدو لهما أحيانا أن ما يدعوهما إلى الحب، جلي الصوت لا خفوت به ولا غموض ~~فيه، ولا تردد، وقد كان كلاهما حارا، مشبوب العاطفة، قوي الخيال. فهل من الممكن أن ~~يتصور الإنسان أن هذا الهاتف القوي ليس من الله؟ أما ما يهيب بروبرت أن يكون قسيسا فلم ~~يكن له مثل هذا الجلاء وذلك الوضوح، غير أن كلا من روبرت وفيرونيكا كان أذكى وأعلم من ~~أن يغيب عنه أن الوضوح ليس شرطا في التوجيه، وأن الطريق القويم قد توحي به همسة خافتة ~~ولكن لها مثل قوة النفخ في النفير، فينهج المرء النهج ولو إلى البوار والتلف. على أني ~~لا أدري ماذا جعل الفراق بين فيرونيكا وروبرت أشق وأقسى، وقد يكون في هذه السطور التي ~~أنقلها من رسائل روبرت إلي، بعض البيان قال: # إن في هذه المأساة ما لا قبل لي بالعبارة عنه، فإنه الكشف التام عن كل ما ~~تنطوي عليه كلمة «أبدا» والتجسيد الدقيق لحقيقة معناها. # وهل يستطيع الإنسان أن يعبر بالألفاظ عن منديل أبيض يخفق من نافذة قطار، أو عن رصيف ~~خال كانت تقف عليه قبل عشر دقائق امرأة معينة لا تزال صورتها ماثلة وإن غاب عن العين ~~شخصها؟ إن في هذا شيئا غير الأسى بمجرده، عسى أن يكون تفتح الهاوية الرهيبة الكائنة ~~تحت حياة الإنسان. وقد كانت إحدى نتائج هذه المحنة الإخلاص الصافي من كل شائبة، فقد ~~هذبه الامتحان، وصفت ms082 نار التجربة معدنه من الأخلاط، وصارت ألفاظه تقوم مقام الحقائق ~~وتغني غناءها، ولعل إخلاصه هذا هو الذي أكسبه ذلك السلطان على نفسي، وقد عجز عن حملي ~~على اعتناق المذهب الكاثوليكي، ولكن الفضل في ذلك يرجع إلى مرغريت التي ردتني عن ~~متابعته، فقد كانت هي الوحيدة التي تستطيع أن تمكنني من المقاومة. # وقد أعجب روبرت بما حدثته به مرغريت - على العشاء - من أسلوبها في معونة جيرانها ~~الفقراء، فما كانت تعطيهم مالا، أو ثيابا، أو طعاما، أو تكتفي بالزيارة، وإنما كانت ~~تدخل بيوتهم، وتعمل فيها، فتطبخ لهذه، وتغسل ثياب تلك، أو تنظف الغرف، أو تمسح البلاط. ~~ولم تكن هذه معونة حقيقية فحسب، وإنما كانت كذلك فرصة تغتنمها مرغريت لتعليم هؤلاء ~~النسوة كيف ينبغي أن يعملن عملهن ويؤدين واجباتهن، وقالت مرغريت وهي تصف مساعيها تلك: ~~«وقد يتاح لي من حين إلى حين أن ألحن بكلمة تنفعهن، فإني واثقة أن الكلمة تلقى عرضا، ~~أفعل في نفوس هؤلاء النسوة وأجدى عليهن. ومن العبث أن تتحدث إليهن في مسائل نظرية أو ~~عامة، أو أن تعظهن وتفيض في الكلام على الخطيئة وفظاعتها. ولكن إذا كان جار إحداهن قد ~~ضرب امرأته، أو كان يشرب ولا يعطيها شيئا مما يكسب فإن في وسعك أن تقول في سوء سيرته ~~ما يعن لك، وأن ترجو أن يكون لكلامك وقعه. أما الدين كما نفهمه حين نركع ونصلي، فذلك ما ~~لا سبيل إلى تعليمهن إياه. وإنه ليتطلب موهبة سماوية كالتي لا بد منها للشاعر العظيم، ~~ألا وإن رد اليد عن النشل والسرقة لعسير ...» # ونهضت مرغريت إلى فراشها؛ فقد كانت بطفلتنا، التي بلغت من العمر ستة شهور، حاجة إلى ~~عنايتها. وبقينا نحن صامتين بضع دقائق، ثم قال روبرت فجأة وبلا تمهيد: «مرغريت آية ... ~~عبقرية ... ولقد شرفتك بزواجها فكانت بركة عليك، وليقل الأغبياء ما شاءوا، فإن الابتكار ~~والعبقرية في الزوجة من أكبر الأنعم وأعظم البركات. ولكن هناك مع ذلك ما هو أكبر ~~وأعظم.» وكان صوته يرتجف ويضطرب وهو يقول ذلك. # عبقرية! ابتكار! هذا ما لم ms083 يخطر لي من قبل. وتذكرت الزورق في قصيدة «ألاستور» ولكن ~~سلطان روبرت كان أقوى من الذكرى، وكان له من الصولة والسطوة ما يكفي لا لتغيير رأي ما، ~~فقط، بل لتغيير وجوه الأمور تغييرا تاما شاملا. كما أدرك # Saul # في مثل لمح البصر، وبلا جدال، أنه كان مخطئا. ~~وهكذا كشف لي روبرت عن حقيقة مرغريت التي كانت محجوبة عني، وكان هذا منه أشبه بالمعجزة، ~~إذا اعتبرنا الأداة والوسيلة وقسناهما إلى النتيجة والأثر. # ودخلت غرفتها؛ فتحت الباب برفق فرأيتها نائمة وإلى جانبها الطفلة، ولكن مصباح الليل ~~كان مضاء، فخلعت نعلي عند الباب وتسللت على أطراف أصابعي إلى المنضدة الصغيرة الموضوعة ~~إلى جانب السرير، فإذا عليها نسخة من ديوان شيللي وأرتني علامة فيه أنها كانت تدرس ~~الأبيات التي قرأتها لها عن الزورق، فعدت إلى غرفتي، ولكني لم أنم. وفي بكرة الصبح ذهبت ~~إلى غرفتها، فتبينت أنها استيقظت في الليل، فقد أرتني العلامة أنها قلبت صفحة. ولكن ~~عينيها كانتا مغمضتين، وكان ذراعها على الغطاء. فركعت وتناولت راحتها الجميلة الصغيرة ~~ولثمتها لثمة خفيفة. فتنبهت، واعتدلت وحنت علي، وأحسست شفتيها على رأسي، وتهدل شعرها ~~الوحف فكساني. وقد ماتت منذ عشر سنين، ولكن المحيا الذي يطالعني ويتراءى لي دائما، ~~سعيد، والحمد لله. # | ريتشارد جارنت # 1835-1906 # | أناندا: صاحب المعجزات # لما أرسل بوذا رسله ليدعوا إلى دينه وينشروه في الهند، لم يفته أن يزودهم بالوصايا ~~لهدايتهم، وناشدهم أن يتوخوا الوداعة والتواضع والرحمة والقصد، وأن يخلصوا في بث دعوته، ~~وأمرهم أن لا يأتوا - في حال من الأحوال - بمعجزة. # ويروون أن رسله كانوا يعانون عناء شديدا، ويكابدون مصاعب جمة في العمل بأوامره، ~~وأنهم كانوا أحيانا يخفقون، إلا النهي عن المعجزات، فما خالفوا ذلك قط ولا مرة واحدة، ~~ما خلا أناندا التقي الورع الذي نورد فيما يلي سيرته في العام الأول من رسالته. # ذهب أناندا إلى «مجادا» وشرع يفقه الأهالي في دين بوذا، ولما كان المذهب مقبولا، ~~وكان هو رطب اللسان، مقنع البيان، فقد أقبل عليه الناس يصغون طائعين، وانصرفوا شيئا ~~فشيئا ms084 عن البراهمة الذين كانوا يوقرونهم من قبل ويعدونهم هداة مرشدين. ~~«ألا بارك الله في رسول ينشر الحق بقوة الإقناع والقدوة الحسنة والبيان المشرق لا ~~بالخطأ والدجل والشعوذة كما يفعل أولئك البراهمة التعساء!» # ولم يكد يدور في شدقه هذا الزهو حتى تضاءل جبل فضائله، وهجرته الفصاحة والبراعة ~~والفضيلة، فلما خطب الجمهور مرة أخرى بعد ذلك سخروا منه واستهزءوا به ثم رشقوه ~~بالحجارة. # ولما صار الأمر إلى هذا الحال رفع أناندا عينيه فأبصر عددا من البراهمة، من طبقة ~~دنيا، حافين بغلام مصروع على الأرض، وكانوا يحاولون عبثا أن يردوا إليه نفسه بالرقى ~~والعزائم وما إلى ذلك من وسائل الشفاء المقررة، ثم قال أحكمهم: «فلنترك بدن هذا المريض ~~مسكنا غير حميد للشيطان، فلعله حينئذ يزهد فيه ويهجره.» # وعلى أثر ذلك شرعوا يكوون الغلام بالحديد المحمي، وينفخون الدخان في منخريه، ويفعلون ~~ما وسعهم غير ذلك لإزعاج الشيطان المتطفل. فكان أول ما خطر لأناندا «أن الغلام مصاب ~~بنوبة صرع.» وكان الخاطر الثاني «أن إنقاذه من معذبيه عمل طيب.» والخاطر الثالث «إذا ~~أحسنت التدبير فقد يخرجني هذا من المأزق الذي أنا به، ويعلو به اسم بوذا ~~المقدس.» # ولان للإغراء، فتقدم وطرد البراهمة بصوت الآمر المسيطر، ورفع وجهه إلى السماء ~~وتلا أسماء الشياطين السبعة. ولما لم يحدث هذا أثرا تلا أسماء سبعة آخرين، ثم ~~غيرها وغيرها. واتفق أن زالت النوبة من تلقاء نفسها، وانقطع اضطراب الغلام وتلويه، ~~وفتح عينيه، فرده أناندا إلى أهله. ولكن الناس صاحوا بأعلى صوت: «معجزة! معجزة!» فلما ~~عاد أناندا يعظهم أصغوا له، واعتنق كثيرون منهم مذهب بوذا. فسر أناندا سرورا عظيما، ~~وأثنى على نفسه لما كان من براعته وحضور ذهنه، وقال: «لا شك أن الغاية تبرر ~~الوسيلة.» # وما كاد ينطق بهذا الكفر حتى تضاءل جبل فضائله ومزاياه، وصار في القدر قرية من قرى ~~النمل، وفقد قيمته ووزنه في عيون القديسين، ما عدا بوذا الرحيم الواسع المغفرة. # وذاع حديث المعجزة في طول البلاد وعرضها، حتى بلغ مسامع الملك، فدعا به وسأله هل أخرج ~~الشيطان ms085 وطرده حقا؟ # قال: «بلى.» # قال الملك: «هذا يسرني، فإني أريد منك أن تشفي ابني، فقد غشيه سبات لا يفيق منه منذ ~~تسعة وعشرين يوما.» # فقال أناندا بلهجة وديعة: «وا أسفاه يا مولاي! إن الفضائل التي لا تكاد تكفي لشفاء ~~منبوذ تعس، كيف تجدي في إبراء ابن ملك هو فيل بين أفيال الصيد؟» # فسأله الملك: «وبماذا تكتسب هذه الفضائل؟» # قال أناندا: «بالتكفير عن الذنوب، ورياضة النفس على النسك، وبفضل هذا يستطيع الناسك ~~المتبتل أن يركد الرياح، ويرقد الموج، ويجادل ويقنع النمور، ويحمل القمر في كمه، ~~ويفعل غير ذلك كل ما يطمع فيه من ساحر متجول.» # فقال الملك: «أما والأمر كما تقول، فإن من الواضح أن عجزك عن شفاء ابني سببه نقص ~~الفضل، والنقص في الفضل سببه نقص في التكفير، لهذا سأكل أمرك إلى براهمتي ليساعدوك على ~~سد هذا النقص.» # وعبثا حاول أناندا أن يبين له أن التكفير الذي يعنيه عقلي وروحي ليس إلا. وقد سر ~~البراهمة أن يقع بين مخالبهم ملحد في رأيهم، فانقضوا عليه وحملوه إلى معبد، وهناك نزعوا ~~عنه ثيابه فأذهلهم أن لا يروا على بدنه أثرا لجرح من ضرب أو كي. فصرخوا: «يا ~~للفظاعة! هذا رجل يطمع أن يدخل ملكوت السماء بجلد سليم!» وأرادوا أن يصلحوا هذا الخطأ، ~~فبطحوه # 1 # وأهووا عليه بالسوط يجلدونه حتى عفوا على سلامة جلده البغيضة. ثم انصرفوا ~~عنه على وعد بأن يرجعوا إليه في اليوم التالي ليعيدوا الكرة، وأكدوا له ساخرين أن فضله ~~بعد ذلك لن يكون دون فضل القديس «باجيراتا» أو حتى فيسوامترا نفسه. # وبقي أناندا، حيا كميت، على أرض المعبد، وإذا بالهيكل يضيئه شبح باهر اللألاء ~~يقول: «والآن أيها المرتد، هل اقتنعت بحماقتك؟» # فلم يسغ أناندا اتهامه في دينه بالفتون، ولا الطعن في عقله وحكمته، ولكنه مع ذلك ~~تطامن فقال: «معاذ الله أن أندم أو أتبرم بما يصيبني في سبيل ديني وأداء رسالة ~~مولاي.» ~~- «أتحب أن تبرأ أولا، ثم تكون أداة لتحويل أهل «مجادا» جميعا عن دينهم؟» # فسأله أناندا: «وكيف يستطاع ms086 ذلك؟» # قال الروح: «باللجاجة في طريق الغش والعصيان.» # فانتفض أناندا وارتاع، ولكنه حرص على الصمت انتظارا للإيضاح. # ومضى الروح في كلامه فقال : «اعلم أن ابن الملك سيفيق من سباته في نهاية اليوم ~~الثلاثين، أي ظهر الغد، فليس عليك إلا أن تمضي في الوقت المناسب، إلى السرير الذي يرقد ~~عليه، فتضع يدك على قلبه وتأمره أن ينهض. وسيعزى شفاؤه إلى قواك السحرية، وسيفضي ذلك ~~إلى تقرير دين بوذا. ولا بد قبل ذلك أن أداوي ظهرك، وما أسهل هذا علي، وكل ما أدعوك ~~إليه هو أن لا تنسى أنك في هذا تخالف أوامر مولاك وأنت مدرك لذلك، ومن الواجب أن تعلم ~~أيضا أن إنقاذك من المأزق الذي أنت فيه الآن سيوقعك في مآزق أخرى أدهى وأمر.» # فحدث أناندا نفسه أن روحا شفافا ليس له بدن يحل فيه لا يستطيع أن يقدر ما يحسه ~~رسول مجلود، وقال للروح: «داوني إذا استطعت، واحتفظ بتحذيرك إلى وقت يكون أنسب من ~~هذا.» # قال الروح: «فليكن ما تريد.» ومد راحته ~~فأمرها على جسم أناندا، فاكتسى ظهره جلدا جديدا، وزال عنه الوجع. واختفى الروح وهو ~~يقول: «إذا احتجت إلي فليس عليك إلا أن تعزم علي بهذه العزيمة «جنو إمداب إنام ~~موا # 2 ~~» فأظهر لك.» # ومن السهل أن يتصور المرء غضب البراهمة ودهشتهم حين عادوا ومعهم السياط والدرات ~~الجديدة فألفوا فريستهم سليما معافى في بدنه، ولعلهم كانوا خلقاء أن يعتاضوا من السياط ~~حبالا للشنق لولا أنه كان معهم حاجب من حجاب الملك، فبوأ أناندا كنفه، وحمله معه إلى ~~القصر فمضوا به من توتهم إلى مخدع الأمير الصغير حيث كان هناك حشد كبير من الناس، ولما ~~كان وقت الظهر لم يجئ، فقد أخذ أناندا يزجي الوقت الباقي بالتحدث إليهم عن استحالة ~~المعجزات إلا معجزة يأتي بها أتباع بوذا، ثم نزل عن منبره، وفي اللحظة التي توسطت فيها ~~الشمس كبد السماء وبلغت سمتها، أراح يده على قلب الأمير فانتبه من فوره، وأجرى لسانه ~~ببقية كلام عن لعبة النرد، كان يقوله فقطعه ms087 عليه ما انتابه من السبات. # فضج الحضور، واستخف الفرح حاشية الملك، ووجم البراهمة وامتقعت وجوههم. حتى الملك بدا ~~عليه التأثر والاقتناع، وطلب من أناندا أن يزيده تعريفا بالبوذية، فأجابه أناندا إلى ~~ما طلب، ولكن الأربع والعشرين ساعة الأخيرة كانت قد علمته الحكمة وحسن النظر في عواقب ~~الأمور، فلم ير أن يقول شيئا عن القواعد الأصلية والأركان الرئيسية للبوذية، ولا أن ~~يشير إلى حقارة الحياة والحاجة إلى الخلاص بالتضحية، والسبيل إلى السعادة، وتحريم إراقة ~~الدم. واكتفى بأن يقول إن كهنة بوذا مقضي عليهم بالفقر الأبدي، وأنه بمقتضى الشريعة ~~الجديدة تؤول كل الأملاك الكنائسية إلى أولي الأمر المدنيين. # فصاح الملك: «أما وحق البقرة المقدسة، إن هذا لدين!» # وما كاد الملك ينطق بذلك حتى أعلن رجال الحاشية اعتناقهم لدين بوذا. وتبعتهم الجماهير ~~واقتدت بهم، وألغيت معابد البراهمة وحرمت ما كانت توهب، وارتكب في يوم واحد باسم ~~الدين الجديد الصافي من الأكدار أكثر مما ارتكب في ظل القديم الفاسد في مائة ~~عام. # وسر أناندا إحساسه بأن في وسعه أن يعفو عن أعدائه، وارتفع قدره في عينيه تبعا لذلك، ~~وتمت سعادته بأن ضم إلى القصر ووكلت إليه تربية الأمير ابن الملك فتولى تعليمه شريعة ~~بوذا على وجه مرضي. وكان هذا أمرا شاقا لأنه كان يتقاضاه صرف الأمير عن ملهاته ~~المحبوبة وهي تعذيب الزواحف الصغيرة. # وبعد فترة وجيزة دعي مرة أخرى إلى حضرة الملك فألفى عنده اثنين من أفظع الأشرار ~~أحدهما يحمل فأسا عظيمة وفي يد الآخر كلبتان. # 3 # وقال الملك: «هذا رئيس الجلادين، وهذا رئيس المعذبين.» # فأعرب أناندا عن اغتباطه بمعرفة هذين الرجلين الكبيري المقام. # ومضى الملك في كلامه فقال: «يجب أن تعلم أيها التقي الورع أن الحاجة قد نشأت مرة أخرى ~~إلى رياضة النفس على الجلد وإنكار الذات من جانبك، فقد غزا العدو بلادي وألحق الهزيمة ~~بجنودي، وكنت خليقا أن يروعني ذلك ويهولني لولا التعزي بالدين، ولكن اعتمادي إنما هو ~~عليك يا أبي في الروح، ومن المحتم أن نكتسب أعظم مقدار من الفضل في ms088 أوجز زمن وأقصر مدة، ~~ولم أستطع أن أستعين على هذه الغاية بالبراهمة أصدقائك القدماء فإنهم الآن، كما تعلم، ~~مغضوب عليهم. ولكني دعوت هذين الخبيرين الموثوق بهما. على أنهما قد اختلفا، فأما رئيس ~~المعذبين فإنه رجل لين رقيق القلب رحيم، ولهذا يرى أنه يكفي في البداية أن نتخذ أخف ~~التدابير كأن نعلقك من رجليك، وندلي رأسك في دخان حطب موقد، ونملأ منخريك بالفلفل ~~الأحمر، أما رئيس الجلادين فإنه على ما يظهر ينظر إلى الأمر نظرة فنية، ويرى أن الأولى ~~أن نلجأ دفعة واحدة إلى الصلب أو الخازوق. ويسرني أن أعرف رأيك في الموضوع.» # فأعرب أناندا - على قدر ما سمح له الرعب بذلك - عن استنكاره الشديد لكلتا ~~الوسيلتين. # فقال الملك بلهجة المذعن لما لا حيلة له فيه: «حسن. إذا كنا لا نستطيع أن نتفق على ~~إحدى الوسيلتين فإنه لا يبقى أمامنا إلا أن نجربهما جميعا. وسنجتمع إذن لهذا الغرض صباح ~~غد في الساعة الثانية. والآن، اذهب بسلام.» # فذهب أناندا، ولكن ليس بسلام، وكان الرعب خليقا أن يذهب بلبه لولا أنه تذكر ما وعده ~~به منقذه. فلما بلغ مكانا يأمن فيه العيون نطق بالعزيمة السحرية. وما كاد يفعل حتى ظهر ~~له، لا الروح، بل رجل من أهل النسك والتقشف رأسه معفر بالتراب والرماد وجسمه مدهون بروث ~~البقر. # وقال الفقير: «إن الأمر لا يحتمل التلكؤ، فاتبعني والبس مراقع الفقير.» # فثارت نفس أناندا على هذا، فقد تلقى عن بوذا الحكيم الوديع الاحتقار الذي يستحقه هذا ~~التقشف الفظيع الذي يحيل المرء إلى ما يشبه الجيفة المرمة. على أن الضرورة لم تدع له ~~حيلة يحتالها، فتبع الفقير إلى مقبرة اختارها الفقير مسكنا له. وهناك أخذ الفقير ينعي ~~نعومة شعر أناندا وقصر أظافره، ثم دهنه على مثاله، وطلاه بالطين والكلس حتى صار الرسول ~~الوديع لأرق دين، أشبه بنمر من نمور البنغال. ثم زين له جيده بعقد من جماجم الأطفال ~~ووضع في إحدى يديه جمجمة شرير، وفي الأخرى عظمة فخذ عراف، ومضى به بعد الغروب إلى ~~المقبرة المجاورة حيث ms089 أجلسه على رماد جثة محروقة حديثة وأمره أن يقرع الجمجمة بالعظمة ~~كما يفعل الطبال، وأن يردد التعازيم التي بدأ يطلق الصوت صارخا بها وهو متجه إلى ~~الغرب. ويظهر أن هذه الرقى والتعازيم كانت فعالة فقد ثار إعصار شنيع ونزل المطر كالسيل ~~وأثخنت البروق الخاطفة بقلب السحب، وخرجت الذئاب والضباع من أوجرتها تعوي وترغو، وانشقت ~~الأرض عن عفاريت ومردة تمد أذرعتها المعروقة إلى أناندا وتحاول أن تجره فأطار لبه ~~الفزع وراح يقلد صاحبه ويدق، ويضرب، ويصيح، حتى كاد يشفي على التلف، وإذا بالرياح ~~العاصفة تركد، والأشباح تختفي، بقدرة قادر، وتحل محلها صيحات فرح، ودقات طبول ودفوف، ~~وأصوات معازف، تنبئ بحادث سار في المدينة. # وقال الفقير: «مات الملك العدو، وتفرق جيشه، وسيعزى هذا إلى تعازيمك وهم الآن قادمون ~~في طلبك. فوداعا حتى تفتقر إلى معونتي مرة أخرى.» # واختفى الفقير، ودنا الموكب، وأصبح دب الأقدام مسموعا، ثم ظهرت المشاعل الخافتة ~~النور في الفجر المطلول، وترجل الملك عن فيله وألقى وجهه على الأرض بين يدي أناندا ~~وقال: «أيها الرجل الفذ، لماذا لم تقل إنك فقير؟ لن يساورني الخوف بعد اليوم من أعدائي ~~ما دمت مقيما بهذه المقبرة!» # وطردوا جماعة من أبناء آوى من قبر مهجور أفردوه لأناندا ليسكنه. ولم يسمح الملك بأدنى ~~تغيير في هيئته ولباسه، وحرص على أن يخلو الطعام الذي يقدم له من كل ما عسى أن يفقده ~~القداسة التي بلغ مظهرها غاية ما يطمع فيه الطامع في أقصر وقت، فتلبد شعره واختلط به ~~الوحل، وطالت أظافره، وإذا بزائر جديد من لدن الملك ينبئه أن الراجا أصيب فجأة بمرض ~~خطير خفي، وأن الملك على يقين من أن أناندا سيخف إلى نجدته بالرقى والعزائم. # فتناول أناندا، عظمة الساقة والجمجمة، وهو كاره لذلك، وراح يقرع هذه بتلك، وينتظر ما ~~سيكون، ولكن العزيمة فقدت مزيتها على ما يظهر فما أخذت عينه سوى وطواط؛ فبدأ أناندا ~~يحدث نفسه بأن الأحجى به أن يكف، وإذا برجل مديد القامة له سمت ووقار، وعليه ثياب سود، ~~وفي يده صولجان، ms090 يبدو له ويقف إلى جانبه كأنما خرج من جوف الأرض. # وقال الرجل الغريب: «إن المرجل مهيأ.» # فسأله أناندا: «أي مرجل؟» # قال: «الذي سيلقى بك فيه.» # قال أناندا: «أنا يلقى بي في مرجل؟ ولماذا؟» # قال الغريب: «لأن تعزيماتك عجزت عن إفادة جلالته. ولما كانت جدواها في مرة سابقة لا ~~تسمح بأن يظن أحد بها العقم، فقد انتهى به الأمر إلى الاعتقاد بأن تأثيرها السيئ هو ~~الذي ضاعف الألم الذي يعانيه. وقد عززت له رأيه ذهابا مني إلى أنه من مصلحة العلم أن ~~يحل غضب الملك بمشعوذ دجال مثلك لا بطبيب عالم حاذق مثلي. ومن أجل ذلك أمر جلالته بأن ~~توقد النار تحت المرجل الأكبر طول الليل، على أن يلقي بك في مائه عن الصباح ما لم تفده ~~عزائمك قبل ذلك.» # فصاح أناندا: «يا إلهي! أين المفر؟» # فقال الطبيب: «إنه لا مهرب لك من هذه المقبرة ... فإن عليها نطاقا من حرس ~~الملك.» # فسأله أناندا: «إذن كيف السبيل إلى النجاة؟» # فقال الطبيب: «في هذه الزجاجة؛ إن فيها سما زعافا. فاطلب أن تشخص أمام الملك، وقل ~~إنك تلقيت دواء شافيا من أرواح خيرة، فيتجرعه ويموت ويجزيك خلفه خير جزاء.» # فصاح أناندا، وقد استشاط غضبا، ورمى الزجاجة: «اذهب عني أيها الشيطان الموسوس! إني ~~أتحداك وأعوذ مرة أخرى بمنقذي ... جنو إمداب إنام موا.» # ولكن العزيمة لم تحدث أثرا، ولم يبد لعينيه مخلوق أو شبح سوى الطبيب الذي كان ينظر ~~إليه نظرة الأسف والمرثية، وهو يضم طيلسانه، ويختفي في الظلام الشامل. # وبقي أناندا وحده يجادل نفسه، وقد هم مرات لا عداد لها أن ينادي الطبيب ويتوسل إليه ~~أن يجيئه بزجاجة سم كالتي رماها، ولكنه كان كلما هم بذلك شعر بشيء يصعد إلى حلقه ويحبس ~~صوته، حتى أضناه الاضطراب، وأعياه فنام ورأى هذا الحلم. # رأى، فيما يرى النائم، أنه واقف عند مدخل «بتالا» # 4 # الشاسع المظلم، وكان هذا المكان الموحش يبدو كأنما فيه احتفال شيطاني، فقد ~~كانت هناك جموع من الشياطين على كل صورة، ومن كل حجم، تتدافع ms091 في المدخل لتنظر إلى ما ~~خيل إليه أنه زينة تقام، وكانت مئات من العفاريت والأمساخ تنظم المصابيح الملونة ~~عقودا وأكاليل، وهي تقفز، وتضوضي، وتلجلج، وتقهقه ، وتتدلى من أذنابها وتتطوح في ~~الهواء، كالقردة، وكان العمل يديره من تحت هؤلاء، شياطين كبار عليهم سمت ولهم أبهة، وفي ~~أيديهم صولجانات تدل على منازلهم ومراتبهم يشع من أطرافها لهب أصفر كانوا يلسعون به ~~أذناب العفاريت إذا رأوا أن النظام يوجب ذلك. فلم يستطع أناندا أن يكبح نفسه عن السؤال ~~عن الداعي إلى هذه الاستعدادات للاحتفال. # فقال الشيطان الذي تلقى سؤاله: «هذا احتفال بتكريم أناندا الورع، أحد رسل الرب بوذا ~~ونحن ننتظر حضوره بيننا بلهفة وارتياح.» # وبعد جهد شديد استطاع أناندا المرتاع أن يجمع قواه الخائرة، ويسأل لماذا يجب أن يتخذ ~~الرسول المذكور - يعني نفسه - مقامه في مناطق الجحيم؟ # فقال الشيطان المسئول بإيجاز: «من أجل السم.» # فهم أناندا أن يطلب منه الإيضاح، ولكنه شغل بجدال عنيف بين اثنين من الشياطين ~~المشرفة على العمل. # وكان أحدهما يقول: «كاموراجا، بالطبع.» # فيقول الثاني: «بل دامبورانانا ولا شك.» # فالتفت أناندا إلى الشيطان الذي كان يكلمه وقال: «هل تسمح لي أن أستفسر عن كاموراجا ~~ودامبورانانا، ما هما؟» # فقال الشيطان: «هما جحيمان، ففي كاموراجا يغمس النازل في القار المذاب ويطعم الرصاص ~~المصهور، وأما في دامبورانانا، فهو يغمس في الرصاص المصهور ويطعم ذوب القار، وزميلاي ~~هذان اللذان تسمعهما يتحاوران، يتجادلان في أي الجحيمين أولى بخطايا ضيفنا ~~أناندا.» # وقبل أن يتدبر أناندا هذا النبأ انحدر عفريت شاب من فوق، ببراعة وخفة، وتقدم من ~~الشياطين اللذين يتجادلان وانحنى لهما وقال: «أيها الشيطانان الجليلان، هل تسمحان ~~لعفريت ضئيل الشأن أن يقول إن كل تكريم مهما عظم، دون ما يجب لضيفنا أناندا إذ كان هو ~~الوحيد الذي يحتمل أن نحظى بعشرته من بين رسل بوذا أجمعين؟ لهذا أجترئ على القول بأنه ~~لا جحيم كاموراجا تصلح مقاما له، ولا جحيم دامبورانانا تليق به، بل يجب أن تجمع محاسن ~~كل جحيم من الأربع والأربعين ألفا والمائتي ألف، وأن ms092 تحشد جميعا في جحيم واحدة جديدة ~~تقام لاستقباله خاصة.» # فتعجبت الشياطين الكبار لذكاء العفريت الصغير وقالوا: «أما إنك لعفريت صغير ممتاز ~~حقا؟» ثم انصرفوا ليعدوا الجحيم الجديدة ويجهزوها بما يليق بمقام الضيف ~~الكريم. # واستيقظ أناندا وهو يرعد من الفزع ويصيح: «لماذا كنت رسولا؟ إيه يا بوذا! ما أوعر ~~طريق الهدى والقداسة! وما أسهل أن يعثر المرء ويضل وإن حسنت نيته! وما أسخف الزهو وأحمق ~~صاحبه!» # فناداه صوت عذب رقيق: «أوأدركت هذا يا بني؟» # فأدار وجهه فألفى أمامه بوذا في هالة من النور اللين، وخيل إليه أن سحابة تقشعت عن ~~عينه، فأدرك أن مولاه هو الروح، والفقير، والطبيب جميعا، وأنه كان يتراءى له في هذه ~~الصور المختلفة. # فقال وهو شديد الاضطراب: «أيها المعلم المقدس، إلى أين أذهب؟ إن خطاياي تنهاني عن ~~الدنو منك.» # فقال بوذا: «إن خطاياك ليست هي التي تصدك عن الاقتراب مني يا بني، بل ما ورطك فيه ~~العصيان والشعوذة، وقد ظهرت لك لأذكرك بأن رسلي يجتمعون اليوم على جبل فنديا ليؤدوا ~~الحساب عن رسالتهم، وأنا أسألك هل أؤدي عنك الحساب أو تؤديه أنت بنفسك؟» # فقال أناندا: «بل أؤديه أنا بنفسي، ومن العدل والحق أن أحتمل ذلة الاعتراف بحماقتي ~~وطيشي.» # فقال بوذا: «أحسنت يا بني، ولهذا أسمح لك أن تنضوي عنك مراقع الفقير، وأن تظهر في ~~الاجتماع في الطيلسان الأصفر الذي هو رداء الرسل. بل إني لأتجاوز عن بعض قواعدي، لأجلك، ~~وفي سبيلك، وآتي بمعجزة غير هينة فأنقلك الآن إلى قمة الجبل حيث بدأ الرسل يفدون. ذلك ~~أنك، بغير ذلك، تتعرض لبوار محقق وهلاك مؤكد فيمزقك الجمهور المقترب الذي شرع يقتلع ~~ديانتي بإيعاز الملك الجديد تلميذك المرجو الغد. فقد مات الملك الهرم، سمه ~~البراهمة!» # فبكى أناندا، بأربع، وجعل يقول وهو ينتحب: «مولاي! مولاي! وهل ضاع كل شيء؟ بخطئي، ~~وحماقتي؟» # فقال بوذا: «إن ما يبنى على الغش والدجل لا بقاء له ولا ثبات، وهذا هو الحق، ولا ~~تحزن، فستدعو إلى ديني، وتوفق، في بلاد أخرى. إن الحساب الذي ستؤديه عن ms093 رسالتك حساب ~~سوء، ولكنك تستطيع أن تقول، وأنت صادق، إنك أطعت أمري مبنى لا معنى، فما يسع أحدا أن ~~يزعم أنك أتيت بأية معجزة.» # | هوامش # | فرنسيس برت هارت # 1839-1902 # | في نطاق من الجمد # لما خرج المستر جون أوكهيرست - المقامر - إلى السكة الرئيسية في «بوكر فلات» صباح ~~اليوم الثالث والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1850 أحس أن جو اليوم غير جو الليلة ~~البارحة، فقد كان هناك اثنان أو ثلاثة يتحادثون، ورءوسهم متدانية، فلما اقترب منهم ~~أمسكوا عن الكلام وتغامزوا وتبادلوا نظرات لا تخلو من دلالة. وكان في الجو هجعة كهجعة ~~«السبت» وهي في حلة لم تألف فتور السبت، لا تكون إلا نذيرا. # ولم يبد على محياه الوسيم الساكن قلق من جراء هذه النذر. أما أنه كان يدرك البواعث ~~على هذا التغيير، فشيء آخر. وقال يناجي نفسه: «أحسبهم يطلبون واحدا. وعسى أن أكون أنا ~~المطلوب.» ورد إلى جيبه المنديل الذي كان ينفض به التراب عن حذائيه النظيفين، وأعفى ~~نفسه من عناء التخمين. # والواقع أن حلة «بوكر فلات» كانت «تطلب واحدا» فقد منيت أخيرا بخسارة عدة آلاف من ~~الريالات، وحصانين عتيدين، # 1 # ورجل من أبرز رجالها، فغضبت لهذا، وانتابتها نوبة فضيلة، وثارت نفوسها ~~ثورة جامحة جائحة كالأعمال التي استفزتها وأخرجتها عن طورها. واعتزمت لجنة سرية أن ~~تطهر الحلة من الطغام والرذال وغير الصالحين. وقد طهرتها على وجه حاسم من رجلين كانا ~~حينئذ معلقين من جميزة في بطن الوادي، ومن آخرين لا ترضى سجاياهم، بالنفي. ويؤسفني أن ~~أقول إن بين هؤلاء المنفيين نساء. على أن واجب الإنصاف لهذا الجنس يقتضي أن نذكر أن ~~هؤلاء كن محترفات لما أثار السخط عليهن، وأن حلة «بوكر فلات» ما اجترأت على القعود مقعد ~~الحكم إلا على هؤلاء. # وقد أصاب المستر أوكهيرست في اعتقاده أنه داخل في هذه الزمرة. وقد ذهب بعض أعضاء ~~اللجنة إلى وجوب شنقه ليعتبر بمصيره غيره، وليستردوا ما غنمه من مالهم في القمار. وقال ~~جيم ويلو في الاحتجاج لذلك: «إنه ليس من العدل أن نسمح ms094 لهذا الشاب الذي جاء من «رورن ~~كامب» - فهو غريب - أن يحمل مالنا ويمضي به.» ولكن الشعور بالعدل في نفوس الذين كتب لهم ~~حسن الحظ أن يربحوا من المستر أوكهيرست تغلب على هذا الهوى والجنف. # وتلقى المستر أوكهيرست الحكم عليه بمثل سكينة الفيلسوف، وخاصة لأنه كان يدرك ما يخالج ~~قضاته من التردد. وقد علمه القمار أن يتقبل ما تجيء به المقادير. ولم تكن حياته إلا ~~لعبة مجهولة العواقب، وما كان يخفى عليه مقدار حظ الموكل بالتوزيع. # ورافقت المنفيين سرية من المسلحين إلى ما وراء حدود الحلة، وكان هناك غير المستر ~~أوكهيرست - الذي كان مشهورا بأنه مجازف رابط الجأش، والذي أريد إرهابه بهذا الحرس ~~المسلح - امرأة في مقتبل العمر يطلقون عليها اسم «الدوقة» وأخرى تعرف باسم «الأم شبتون» ~~ثم «العم بيللي» وهو سكير مدمن متهم باللصوصية. ولم يثر مرور الركب أية ملاحظة من ~~النظارة، ولا نطق الحرس بكلمة، إلا بعد أن بلغوا بطن الوادي الذي لا تتجاوزه حدود ~~الحلة، فقد تكلم الرئيس بإيجاز وأنذرهم الموت إذا عادوا. # وما كاد الحرس يغيب عن النظر حتى انطلق ما كان محبوسا من المشاعر فذرفت الدوقة بضع ~~عبرات، وأجرت الأم شبتون لسانها ببضع شتمات، وأطلق العم بيللي سيلا من اللعنات. أما ~~أوكهيرست الفيلسوف فقد لزم الصمت، وكان يصغي وهو وادع ساكن إلى ما تعرب عنه الأم شبتون ~~من الرغبة في جز بعض الرقاب، وإلى ما أبدأت فيه الدوقة وأعادت، من أنها ستموت في بعض ~~الطريق لا محالة، وإلى اللعنات الحرار التي كانت تخرج من فم العم بيللي وهو راكب وكأنها ~~تطرد من جوفه طردا، وقد آثر أوكهيرست المساناة على عادة أمثاله، فأصر على أن يترك ~~جواده للدوقة ويركب هو بغلها البليد، على أن هذه المجاملة لم تجعل الجماعة أشد تعاطفا ~~وأوثق مودة، فعدلت الدوقة قبعتها المريشة القذرة بدلال فاتر، ورمت الأم شبتون الجواد ~~بالنظر الشذر، وصب العم بيللي على الجماعة كلها لعنة شاملة. # وكان الطريق إلى «ساندي بار» - وهي حلة لم تمتد إليها عوامل الصلاح من ms095 بوكر فلات، فثم ~~أمل في أن يأوي إليها المهاجرون - على جبال وعرة منقادة في الأرض، والمسافة إليها سفر ~~يوم لا هوادة فيه، وما لبث القوم أن جاوزوا الوادي الرطب المعتدل الجو إلى الجبال ~~الجافة الباردة المنعشة الهواء، وكان طريقهم في الجبل ضيقا كالأنبوب، ووعرا صعب ~~المرتقى. ولما انتصف النهار تدحرجت الدوقة عن سرجها إلى الأرض وأعلنت أنها لن تنتقل من ~~مكانها، فألقى الجماعة عصا التسيار. # وكان المكان الذي وقفوا فيه موحشا إلا أنه رائع، فقد كان عبارة عن مدرج من الشجر ~~تحيط به من جهات ثلاث صخور وعرة من الصوان العاري، وينحدر في رفق ولين إلى ذروة نجوة ~~مشرفة على الوادي، وكان هذا بلا شك أصلح مكان للإقامة لو كان ذلك من سداد الرأي. غير أن ~~المستر أوكهيرست كان يعلم أنهم ما قطعوا نصف المسافة إلى «ساندي بار» وأنه ليس معهم من ~~المئونة والعدة ما يسمح بالتلكؤ، وقد نبه رفقاءه إلى هذا بإيجاز وبين لهم خطل الكف عن ~~مواصلة «اللعب» قبل الفراغ منه ولكنه كان معهم خمر، وقد نابت الخمر عندهم في ذلك الموقف ~~مناب الطعام والوقود والراحة والعقل وبعد النظر. ولم يمض غير قليل حتى كان الشراب قد ~~فعل فعله على الرغم من اعتراض أوكهيرست وتحذيره. وانتقل العم بيللي بسرعة من حالة ~~الشراسة إلى حالة الخمود. وأخذ الشراب في الدوقة فأصابها منه فتار، # 2 # وعلا شخير الأم شبتون. وبقي المستر أوكهيرست وحده معتدل القامة يتكئ على ~~صخرة ويلحظهم بعينه في سكون. # وكان المستر أوكهيرست لا يشرب، لأن الشراب يفسد حرفة # 3 # تتطلب الاتزان وضبط النفس وحضور الذهن، وكان على قوله لا تسمح له الحال ~~بالمخاطرة بالشراب. وبينما كان ينظر إلى هؤلاء الرقود من رفقائه المنفيين ثقلت على ~~نفسه، لأول مرة، وطأة الشعور بالوحدة والوحشة الناجمتين من حرفة المنبوذين، ومن عادات ~~حياته، وأساليب عيشه، ونقائصه. فجعل يتلهى بنفض التراب عن ثيابه السود، وغسل يديه ~~ووجهه، وغير ذلك مما اقتضته خصائص طباعه وشدة حرصه على النظافة وحسن السمت، فنسي شجنه ~~لحظة. ms096 ولم يخطر له أن يهجر رفاقه الضعاف الجديرين بالمرثية أو يخذلهم في محنتهم، إلا ~~أنه لم يسعه إلا أن يشعر بالحاجة إلى القمار الذي يثير نفسه ويبعثها والذي كان - ويا ~~للغرابة - يفضي به إلى السكينة واعتدال المزاج اللذين اشتهر بهما. ومد بصره إلى الصخور ~~التي تذهب في الهواء ألف قدم فوق أشجار الصنوبر المحيطة بالمكان، وصعد طرفه إلى السماء ~~المكفهرة المنذرة الركام، # 4 # ثم صوبه إلى الوادي الذي تتكاثف فيه الظلال، وإذا به يسمع اسمه ~~بغتة. # ونظر فإذا فارس يرتقي في الطريق ببطء، فعرف وجهه الصابح الصريح «توم سيمون» الذي ~~يسمونه «الغرير» في «ساندي بار» وكان قد لقيه قبل بضعة شهور وقامره فقمره، وسلب من هذا ~~الفتى الغرير كل ما يملك - حوالي أربعين ريالا - وبعد أن نهضا عن المائدة مضى به ~~المستر أوكهيرست إلى ما وراء الباب وقال له: «توم، إنك فتى طيب، ولكنك لا تحسن القمار، ~~ولا أمل لك في حذقه، فلا تحاول ذلك مرة أخرى.» ورد إليه ما ناله، ودفعه فأخرجه من ~~الغرفة، فصار توم سيمون لهذا عبدا مخلصا له مدى الحياة. # وكان في الحماسة والطلاقة الصبيانية التي يحيي بها المستر أوكهيرست ما يشي بذكر ~~هذا الجميل، وقال إنه أراد أن يذهب إلى «بوكر فلات» التماسا للثراء فسأله أوكهيرست: ~~«وحدك؟» فقال الفتى: «لا. لا أعد وحدي. الواقع (وضحك) أني فررت مع «بيني وودز.» ألا ~~تعرفها يا مستر أوكهيرست؟ تلك التي كانت تقوم بالخدمة على المائدة في «تمبرنس هوس.» وقد ~~ظللنا خطيبين زمنا طويلا، ولكن أباها جاك وودز اعترض ففررنا، وكانت وجهتنا بوكر فلات ~~لنتزوج. وها نحن أولاء قد صرنا هنا! وإنا لمتعبون، وإنه لمن الحظ أن قد وجدنا هذا ~~المكان وهذه الرفقة!» # أفضى «الغرير» بهذا كله بسرعة، ثم برزت «بيني» - وهي فتاة وسيمة بدينة في الخامسة عشر ~~من عمرها - من وراء الشجرة حيث كان وجهها لا يرى أحد اضطرامه من الخجل، ودنت بجوادها ~~فحاذت حبيبها. # وكان المستر أوكهيرست قلما يعني نفسه بالعواطف الإنسانية، أو بما يليق وما لا ms097 يليق، ~~وما يجب، وما لا يجب، ولكن إحساسا غامضا شاع في نفسه بأن الموقف خال مما يسمى حسن ~~الحظ، على أنه كان له من حضور الذهن وسرعة الخاطر ما يكفي لإلهامه أن يرفس العم بيللي ~~الذي كان يهم بكلام، وكان في العم بيللي بقية من الإدراك تجعله يفطن إلى ما وراء هذه ~~الرفسة من القوة التي لا تحتمل العبث ولا تصبر عليه. ثم حاول المستر أوكهيرست، عبثا، ~~أن يثني توم سيمون عما عزم عليه. ثم أنبأه أنه لا مئونة هناك ولا مأوى ولا وسيلة لمأوى. ~~ولكن الغرير، لسوء الحظ، قابل هذا بأن أكد للقوم أن معه بغلا مثقلا بالزاد، وبأن أشار ~~إلى كوخ من الخشب قريب من الطريق. وقال الغرير، وهو يومئ إلى الدوقة: «بيني تستطيع أن ~~تكون مع السيدة (المسز) أوكهيرست. أما أنا فأستطيع أن أدبر أمري.» # ولولا ضغطة زاجرة من قدم المستر أوكهيرست لانفجر العم بيللي ضاحكا مجلجلا. وعلى ~~أنه، على الرغم من هذا الانتهار، لم يستطع أن يكبح الضحك، فاضطر أن ينهض ويمضي إلى مجرى ~~الوادي حتى يستعيد ضبط أعصابه. وهناك أفضى ببواعث الضحك إلى أشجار الصنوبر وهو يقرع ~~ساقيه بكفيه وينحني بوجهه المغضن، ولا ينسى بذاءاته المألوفة. ولما عاد إلى القوم ~~ألفاهم جلوسا حول نار، فقد صار البرد قارسا، وغلظ السحاب وتراكب. وكان الحديث على ما ~~يبدو له وديا، وكانت بيني تتحدث على طريقتها الصبيانية الفطرية إلى الدوقة التي كانت ~~تصغي بعناية واهتمام لم تظهر مثلهما في أيام كثيرة. وكان الغرير يتحدث على هذا النحو ~~أيضا إلى المستر أوكهيرست والأم شبتون، فيحدث في نفسها مثل ذلك الأثر، حتى لقد ثابت ~~إلى الأم شبتون نفسها فتطلق وجهها. وقال العم بيللي، عن احتقار كامن، وهو يتأمل الجمع ~~والنار المشبوبة والدواب المشكولة: # 5 ~~«أترى هذه نزهة؟» ثم كأنما طافت برأسه المضطرب المخمور فكرة مغرية بالضحك ~~فقد قرع ساقه بكفه ودس قبضته في فمه. # وارتمت الظلال شيئا فشيئا على الجبل، فهب النسيم بأشجار الصنوبر فحرك رءوسها وناح ~~بين أغصانها. وأفرد ms098 الكوخ للسيدات بعد أن رموه وغطوه بأغصان الصنوبر، وافترق الحبيبان ~~- الغرير وصاحبته - فتبادلا قبلة لا تكلف فيها - قبلة صريحة مخلصة من الممكن أن يسمع ~~صوتها فوق حفيف الشجر المترنح ... قبلة أذهلت بما كشفت عنه من غرارة النفس وطهارة القلب، ~~الدوقة الخوارة، والأم شبتون اللئيمة، فدارتا ودخلتا الكوخ بلا كلام. وألقي الحطب في ~~النار، ورقد الرجال أمام الباب، وما لبثوا أن ناموا. # وكان المستر أوكهيرست خفيف النوم، فقبل أن ينبلج الصبح استيقظ مقرورا، وبجسمه خدر، ~~وحرك النار المشفية على الخمود، فحملت الريح القوية إلى وجهه ما امتص الدم منه؛ ~~الثلج! # فوثب إلى قدميه وفي عزمه أن يوقظ النائمين، فما بقي وقت يضاع. والتفت إلى حيث كان ~~العم بيللي مستلقيا فلم يجده، فاختلج الشك في صدره، وجرى لسانه بلعنة، وذهب يعدو إلى ~~حيث كانت الدواب مربوطة فلم يجدها! وكان الثلج المتساقط يطمس الآثار بسرعة. # ورجع المستر أوكهيرست، بعد هذا الاضطراب الوقتي، وهو ساكن كعادته. ولم يوقظ النائمين. ~~وكان الغرير ينام نوما هادئا وعلى محياه ابتسامة، وكانت بيني العذراء راقدة إلى جانب ~~صاحبتيها الطامحتي الطرف، وكأن عليها من الأملاك حفظة أمناء. وسحب المستر أوكهيرست ~~غطاءه على كتفيه وراح ينتظر انبثاق الفجر، فطلع ومعه رهج # 6 # من الثلج تسفره الريح، فيزوغ البصر. وتغير ما كان باديا من وجه الأرض ~~كأنما مرت عليه عصا ساحر، فنظر إلى الوادي ولخص الحاضر والمستقبل في أربع كلمات «في ~~نطاق من الجمد.» # ودل الفحص الدقيق للزاد الموجود - وكان لحسن الحظ موضوعا في الكوخ، فنجا من العم ~~بيللي - على أنه مع الحرص والحكمة يكفي عشرة أيام. وقال المستر أوكهيرست للغرير: «هذا ~~إذا كنت ترضى أن تضيفنا وتطعمنا، أما إذا أبيت - وخير لك أن تأبى - فإن في وسعك أن ~~تنتظر حتى يعود العم بيللي بالمئونة.» فقد عجز المستر أوكهيرست لسبب خفي أن يفضح العم ~~بيللي ويظهر نذالته، ولهذا زعم أن العم بيللي خرج فنفر الدواب عفوا، وحذر الدوقة ~~والأم شبتون، وكانتا قد عرفتا الحقيقة. وقال لهما: «سيعرفان حقيقة أمرنا جميعا، متى ms099 ~~عرفا شيئا. ولا خير في إرعابهما الآن!» # ولم يكتف توم سيمون بأن يجعل كل ما معه من زاد ومئونة رهن مشيئة المستر أوكهيرست، بل ~~أظهر السرور والاستمتاع بهذه العزلة الاضطرارية، وراح يقول : «سنبقى أسبوعا، ثم يذوب ~~الثلج، فنعود جميعا معا.» وأعدت القوم بشاشة الشاب وسكينة المستر أوكهيرست. ~~واستطاع الغرير، بفضل أفرع الصنوبر أن يصنع سقفا للكوخ، وتولت الدوقة إرشاد بيني في ~~ترتيب الحجرة، وأظهرت في ذلك من الذوق والفطنة ما فتح عيني هذه الغادة الريفية الساذجة، ~~فقالت: «أحسبك ألفت في حياتك مناعم العيش في بوكر فلات.» فأدارت الدوقة وجهها بسرعة، ~~لتخفي الدم القاني الذي صبغ وجهها تحت دهانه المألوف. وتقدمت الأم شبتون إلى الفتاة ~~بالرجاء أن لا «تثرثر» ولما عاد المستر أوكهيرست بعد طول الكد والعناء في البحث عن ~~الطريق الذي ضاع أثره، سمع أصوات الضحك ترجعه الصخور المتجاوبة به، فوقف وقد ارتاع، ~~ووثب به الخاطر أولا إلى الويسكي الذي حرص على أن يخبئه، ولكنه عاد فقال: «ولكن هذه ~~الأصوات ليست من فعل الويسكي.» ولم يطمئن قلبه إلا بعد أن أبصر النار المستعرة من خلال ~~العاصفة الثائرة، ورأى الجالسين حولها. # ولا أعلم هل خبأ المستر أوكهيرست، أو أهمل أن يخبئ أوراق اللعب أيضا، حتى لا يجعلها ~~في متناول الجماعة، ولكن المحقق أنه - كما قالت الأم شبتون - لم يجر لسانه بذكر الورق ~~ولا مرة واحدة في تلك الليلة، وزجي الفراغ بقيثارة أخرجها توم سيمون من أحرازه وهو ~~مباه بها. واستطاعت بيني على الرغم من بعض الصعوبات أن تخرج من هذه الآلة بعض الأصوات، ~~وكان الغرير يصحبها بصنجين يضرب أحدهما على الآخر، غير أن هذه الحفلة لم تبلغ ذررتها ~~إلا حين رفع الحبيبان الصوت عاليا بنشيد ديني ساذج، ويداهما متشابكتان. وأعديا ~~غيرهما، فانضموا إليهما وأنشدوا معهما: «إني فخور بأن أحيا في خدمة الرب، وأن أموت في ~~جيشه.» # وتمايلت أشجار الصنوبر، وهاجت العاصفة، وزفزفت الرياح، ودارت فوق هؤلاء التعساء، ~~ووثبت ألسنة النار في هذا «المعبد» نحو السماء كأنها شهود على هذا العهد. # وخفت ms100 العاصفة حوالي منتصف الليل، وتفرقت السحب المتراكمة، وتلاحمت النجوم الخفاقة ~~اللمعان فوق النوام. وكان المستر أوكهيرست قد تركته عادات حرفته (القمار) قليل النوم ~~خفيفه، فلما اقتسم مع توم سيمون واجب الحراسة، استطاع بطريقة ما، أن يختص نفسه بالنصيب ~~الأوفر منها، وكان مما أقنع به الغرير قوله إنه كثيرا ما كان يقضي أسبوعا كاملا بلا ~~نوم، فسأله توم: «وماذا كنت تصنع؟» فقال أوكهيرست: «ألعب البوكر ... متى وقع المرء على ~~حظه فإن التعب لا يعتوره ... وما أقوى الحظ وأعجب حاله! كل ما نعرفه عنه على وجه التحقيق ~~هو أنه لا بد أن يتغير ويتقلب، وإدراك المرء أن الحظ يوشك أن يتحول هو الذي يسعده. ولقد ~~وقعنا على حظ سيئ بعد أن غادرنا بوكر فلات، وإذا بك تجيء وتقع معنا! وأنت بخير ما وسعك ~~أن تصبر لأني (قال المقامر هذا بلا مناسبة؛ ولكنه كان واضح البشر) لأني فخور بأن أحيا ~~في خدمة الرب، وأن أموت في جيشه.» # وطلع اليوم الثالث، وأطلت الشمس من خلال الغمام الأبيض، على الطرداء وهم يقتسمون ~~بعض ما بقي من زادهم المتناقص، لطعام الإفطار، وكان من خصائص هذا الإقليم الجبلي أن ~~أشعة الشمس تنشر فيه الدفء على وجوهه الشاتية، كأنما تعرب بذلك عن عطفها وأسفها لما مضى ~~وفات، ولكنها كشفت عن طبقة فوقها طبقة من الثلج المتراكب المتعالي حول الكوخ، عن بحر ~~مجهول لا طريق فيه، ولا درب له، ولا أمل لسالكه، من الثلج المتراكم تحت الشطئان الصخرية ~~التي يتعلق بها هؤلاء المقذوف بهم عليها. وكان الجو عجيبا في صفائه، حتى لكانوا يرون ~~الدخان المتصاعد من حلة بوكر فلات على مسافة أميال وأميال، وقد رأته الأم شبتون فقذفت ~~الحلة، من ذروة معقلها الصخري، بلعنة أخيرة. وكانت هذه آخر بذاءاتها، ولعلها لهذا السبب ~~كانت على حظ من الجلال. وقد أخبرت الدوقة أن هذه اللعنة التي أطلقتها نفعتها وشفت ~~نفسها، ودعتها أن تحذو حذوها قائلة: «اخرجي إلى هناك، والعني، ثم انظري.» ثم رجعت إلى ~~واجب تسلية «الطفلة» كما كانت هي والدوقة ms101 تسميان الفتاة «بيني»، ولم تكن بيني ضعيفة، ~~ولكنه كان يسر هاتين المرأتين أن تعداها كذلك، لأنها كانت لا بذية صخابة، ولا ~~عسوسا فاجرة. # وأقبل الليل مرة أخرى، فعادت ألحان القيثارة تعلو وتهبط متقطعة، وبعد فترات طويلة، ~~حول النار الموقدة، غير أن أصوات الموسيقى لم تستطع أن تملأ الفراغ الوجيع الذي أحدثته ~~قلة الكفاية في الطعام، فاقترحت بيني ملهاة جديدة هي أن يقص كل واحد قصته. ولم يكن لا ~~المستر أوكهيرست ولا رفيقتاه على استعداد لذكر شيء من سيرهم أو تجاربهم الشخصية، فكاد ~~الاقتراح يحبط، لولا الغرير، فقد عثر قبل بضعة شهور على نسخة من ترجمة المستر بوب ~~(الشاعر) لإلياذة هومر، فرأى أن يقص حوادثها الكبرى باللهجة الدارجة في حلة ساندي بار، ~~فقد نسي عبارة الشاعر وألفاظه، وإن كانت الحوادث منقوشة على صدره. وهكذا عاد أبطال هومر ~~وأربابه فمشوا على الأرض مرة أخرى في تلك الليلة، وكان زفيف الريح كأنما يمثل صراع ~~الطرواديين الصخابين، والأغارقة الماكرين، وكأنما كانت أشجار الصنوبر العظيمة تنحني ~~أمام غضب ابن بلياس. # وكان المستر أوكهيرست ينصت وهو راض ساكن، وقد اهتم على الخصوص بمصير أخيل. # وهكذا - بقليل من الطعام، وكثير من هومر والقيثارة - انقضى أسبوع على هؤلاء الطرداء. ~~وخذلتهم الشمس مرة أخرى، فاحتجبت عنهم، وألقت السماء المدجنة، رقائق من الثلج المنخول، ~~على الأرض. وأخذ نطاق الثلج يزداد كل يوم ضيقا حتى صاروا ينظرون من سجنهم إلى جدران من ~~الجليد اللماع، ترتفع مقدار عشرين قدما فوق رءوسهم. وتعذر شيئا فشيئا تقوية النار ~~بإلقاء الحطب عليها حتى من الأشجار المنقصفة القريبة التي اختفى نصفها في الجمد. ومع ~~ذلك لم يشك منهم أحد، فكان الحبيبان ينصرفان بوجهيهما عن هذا المنظر الجهم، وينظر كل ~~منهما في عين صاحبه فيسعد، ووطن المستر أوكهيرست نفسه على السكون إلى هذه اللعبة ~~الخاسرة، وتولت الدوقة التي صارت أكثر بشاشة وطلاقة مما كانت من قبل، العناية ببيني، ~~أما الأم شبتون التي كانت أقوى الجميع، فقد بدأت تفتر، وتعتل، وتدنف، وفي منتصف ليلة ~~اليوم العاشر دعت المستر ms102 أوكهيرست إلى جانبها، وقالت له بصوت الساخط على الضعف: «سأقضي ~~نحبي، ولكن لا تقل شيئا، ولا توقظ الطفلين، وخذ الحزمة التي تحت رأسي وافتحها.» ففعل ~~المستر أوكهيرست كما أمرت، فألفى نصيبها من الزاد طول الأسبوع، لم تمسه يدها. وقالت، ~~وهي تومئ إلى بيني: «أعطه للطفلة.» فقال المقامر: «لقد أمت نفسك من الجوع.» فقالت ~~المرأة بضجر: «كذلك يقولون.» واستلقت، ثم أدارت وجهها إلى الحائط، ولفظت النفس الأخير ~~في سلام. # وأهملت القيثارة والصنج في ذلك اليوم، ونسي هومر، وبعد أن دفنوا رفات الأم شبتون في ~~الثلج، انتحى المستر أوكهيرست بالغرير ناحية وأراه حذاءين للسير على الثلج صنعهما من ~~سرج قديم، وقال: «هناك فرصة - واحد في المائة - لإنقاذها.» وأشار إلى بيني، ثم إلى ~~ناحية بوكر فلات وقال: «إذا استطعت أن تصل إلى هناك في يومين، فإنها تنجو.» # فسأله توم سيمون: «وأنت؟» # فكان الجواب الموجز: «سأبقى هنا.» # وافترق الحبيبان بعد عناق طويل، ونظرت الدوقة إلى المستر أوكهيرست، فخيل إليها أنه ~~ينتظر ليصحب توم، فسألت: «أأنت ذاهب كذلك؟» فقال: «إلى مجرى الوادي فقط.» والتفت إليها ~~فجأة، وقبلها، وترك وجهها الشاحب مضطرما، وأعضاءها المضطربة متصلبة من فرط ~~الذهول. # وجاء الليل، ولكن المستر أوكهيرست لم يجئ، وثارت العاصفة مرة أخرى، وراحت الرياح ~~الدائرة تلقي الثلج، وأججت الدوقة النار، ووجدت أن بعضهم ترك إلى جانبها كوما من الحطب ~~يكفي بضعة أيام؛ فاغرورقت عينها بالدموع، ولكنها أخفتها عن بيني. # وصارت الفتاة والدوقة لا تنامان إلا غرارا. ولما أصبح الصباح قرأت كل منهما مصيرها ~~في وجه صاحبتها. ولم تنطق إحداهما بكلمة، ولكن بيني نحلت نفسها حق الذي هو أقوى، فدنت ~~من الدوقة، وأحاطت خصرها بذراعها، وظلتا هكذا بقية النهار. وبلغت العاصفة في تلك الليلة ~~أعنف ثوراتها. فمزقت أشجار الصنوبر التي كانت كالوقاء للكوخ، واقتحمته عليهما. # وقبيل الصبح وجدتا أنهما عاجزتان عن تقوية النار، فما لبثت أن خمدت، وبينما كانت ~~الجمرات تسود، والذكوات تهمد اقتربت الدوقة من بيني، وخرجت من الصمت الذي ظل ساعات، ~~وقالت: «بيني، هل تستطيعين أن تصلي؟» فقالت ms103 بيني ببساطة: «كلا، يا عزيزتي.» فأحست ~~الدوقة لسبب ما، أن عبئا انحط عن صدرها، وأراحت رأسها على كتف بيني، ولم تقل شيئا بعد ~~ذلك، وغلبهما النوم وهما على هذا الحال، صغراهما وأطهرهما ، تحمل على صدرها البكر ~~العف، رأس رفيقتها الملوثة. # وهدأت الريح، كأنما أشفقت أن توقظهما. ونفضت أغصان الصنوبر الطويلة ثلجها، فطار ~~كالريش، وخفق كالحمائم البيضاء، ثم هبط عليهما وهما نائمتان. وأطل القمر من خلل السحاب ~~الممزق على المكان. ولكن كل لوثة، كل أثر من آثار الجهد والكد على الأرض، انطوى تحت هذا ~~الستر الناصع النقي الذي ألقته رحمة السماء! # ونامتا طول ذلك اليوم، واليوم التالي، ولم تستيقظا لما عصفت أصوات القادمين بالسكون. ~~وامتدت الأصابع الرحيمة، فنحت الثلج عن الوجهين، غير أنه ما كان يسع أحدا أن يقول، وهو ~~ينظر إليهما، أيهما كانت المخطئة، حتى أهل بوكر فلات، بقانونهم الصارم، أدركوا هذا، ~~فمضوا عنهما وتركوهما في عناقهما. ولكنهم، على رأس الوادي، وعند شجرة من أضخم أشجار ~~الصنوبر، وجدوا ورقة من أوراق اللعب مسمرة إلى الجذع بمدية، وعليها ما يأتي، مكتوبا ~~بالقلم الرصاص، وبيد ثابتة: # تحت هذه الشجرة يرقد جثمان جون أوكهيرست الذي عثر به الحظ في الثالث والعشرين ~~من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1850 وقد أسلم أمره لقضاء الحظ فيه في السابع من ~~ديسمبر/كانون الأول سنة 1850. # ووجدوا هذا الذي كان أقوى المنفيين من بوكر فلات، وأضعفهم في آن معا، راقدا تحت ~~الثلج، وقد انقطع النبض وابترد الجسم، وإلى جانبه مسدس، وفي قلبه رصاصة! # | هوامش # | هنري جيمس # 1843-1916 # | أربع مقابلات # رأيتها أربع مرات، ليس إلا. ولكني أتذكرها كأوضح ما تكون؛ فقد وقعت من نفسي وأعجبتني ~~طلاوتها وحسنها، وعددتها نموذجا بارع الظرف لطراز بعينه. وقد أحزنني نعيها، ولكني أعود ~~فأفكر في الأمر، فلا يسعني إلا أن أتساءل: لماذا يؤسفني ذلك؟ إنها على التحقيق، لم تكن ~~في آخر مرة لقيتها فيها، ولكني سأصف مقابلاتنا على الترتيب. # 1 # كان أول لقاء لنا، في الريف، على الشاي في حفل صغير، في ليلة مثلوجة، ولا بد أن ms104 ~~يكون ذلك منذ سبع عشرة سنة. وكان صديقي «لاتوش» ذاهبا لقضاء عيد الميلاد مع أمه، ~~فدعاني إلى مرافقته، واحتفت بنا هذه السيدة الطيبة وأرادت أن تكرمنا بهذه الحفلة ~~التي أسلفت الإشارة إليها. وقد أفدت من هذه الرحلة متعة حقيقية، فما سبق لي أن ~~أوغلت في «إنجلترا الجديدة» في مثل هذا الوقت. وكانت السماء قد ظلت تثلجنا طول ~~النهار فارتفع ما ألقته على الأرض إلى الركب، ووددت أن أعرف كيف وصل السيدات إلى ~~البيت. # وسألتني السيدة لاتوش عن الصور ~~الشمسية وهل أستحسن أن أعرضها على الفتيات؟ وكانت هذه الصور في محفظتين كبيرتين جاء ~~بهما ابنها الذي عاد مثلي من أوروبا في الأيام الأخيرة. فأدرت عيني في الجمع، ~~فلاحظت أن أكثر الفتيات يشغلهن ما هو أحق بأن يستغرقهن من أية صورة شمسية مهما بلغ ~~من دقتها وإحكامها ووضوحها. ولكن كانت هناك واحدة واقفة على مقربة من الصفة وهي ~~تجيل عينها في الحجرة، وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة لا توائم، فيما بدا لي، العزلة ~~التي آثرتها. فنظرت إليها مليا ثم قلت: «إني أحب أن أعرض الصور على هذه ~~الآنسة.» # فقالت السيدة لاتوش: «أي نعم. لقد وفقت في اختيارك فإنها رزان. # 1 # لا تعبأ شيئا بالمغازلة. سأكلمها.» # فأجبت بأنها لا تكون طلبتي إذا كانت لا تميل إلى المغازلة، ولكن السيدة لاتوش ~~كانت قد ذهبت لتعرض عليها الأمر. # وقالت، وقد عادت: «إنها مغتبطة. وهي طلبتك على التحقيق ... هادئة وذكية ...» # ثم أخبرتني أن اسمها الآنسة كارولين سبنسر، وقدمتني إليها وقامت بواجب ~~التعريف. # ولم تكن الآنسة كارولين سبنسر بارعة الحسن، ولكنها كانت وضيئة رقراقة، ولا بد أن ~~تكون قد ناهزت الثلاثين، غير أنها كانت غضة، ولها محيا الطفل، وكان رأسها دقيقا ~~جميلا، وشعرها معقوصا، على نحو ما يكون في تماثيل الإغريق، وإن كان من المشكوك ~~فيه أن تكون قد رأت في حياتها تمثالا إغريقيا. ووقع في روعي أنها «فنانة» على ~~قدر ما تسمح جريمونتر بتشجيع الميول والنزعات الفنية. وكان في عينها لين، وفي ~~نظرتها دهشة، وفي شفتيها رقة، ms105 ولأسنانها وضاءة وجمال. وكانت تلف جيدها بمنديل تجمع ~~طرفيه بدبوس، رأسه من المرجان، وتحمل في يدها مروحة من القش المضفور يزينها شريط ~~قان. وكان ثوبها القصير من الحرير الأسود. وكانت تتكلم برقة مع الضبط ، وتفتح فمها ~~الدقيق، وتفرج شفتيها الرقيقتين، فتكشف عن أسنانها البيضاء اللامعة، وقد بدا عليها ~~السرور، بل التأثر، لرغبتي في عرض الصور عليها. وقد تم ذلك بسهولة بعد أن أخرجت ~~المحفظتين من مكانهما ووضعت كرسيين قريبا من مصباح. وكانت الصور رسوما لأشياء ~~أعرفها؛ مناظر من سويسرا، وإيطاليا وإسبانيا، ولقصور وصور وتماثيل شهيرة. وقد أدليت ~~بما وسعني من الشرح، وكانت، وهي تصغي إلي، وتنظر إلى الصور التي أرفعها لعينها، ~~ساكنة لا تتحرك وطرف مروحتها على شفتها السفلى. وكانت ربما قالت برقة وأنا أرد إحدى ~~الصور إلى مكانها: «هل رأيت هذا المكان؟» وكان جوابي في الأغلب والأعم أني رأيته ~~مرات عديدة (فقد كنت كثير الأسفار) وكنت أحس بعد أن أقول ذلك أنها تلحظني بعينيها ~~الجميلتين. وقد سألتها في بداية الأمر: هل سافرت إلى أوروبا؟ فكان جوابها «لا، لا» ~~وكان صوتها همسا خافتا، كأنما تسر إلي شيئا، ولكنها بعد ذلك لم تكد تقول ~~شيئا، وإن كانت لم تحول عينها عن الصور، حتى توهمت أنها ضجرت، فلما فرغنا من إحدى ~~المحفظتين اقترحت أن أقصر عن عرض ما بقي، إذا كانت تؤثر ذلك. وشعرت أنها لم تسأم، ~~ولكن صمتها حيرني، واشتهيت أن أحملها على الكلام، فأدرت وجهي ونظرت إليها فرأيت على ~~خديها احمرارا خفيفا، وكانت تروح على وجهها ولا تنظر إلي، بل تحدج المحفظة ~~الثانية المسندة إلى المنضدة. # وقالت بصوت فيه بعض التهدج والارتعاش: «ألا تريني ما في هذه؟» فكدت أعتقد أنها ~~مضطربة، وقلت: «يسرني ذلك، إذا كنت لم تتعبي.» # قالت: «لا، لست متعبة. إني أحب ذلك.» # وتناولت المحفظة الثانية فأراحت كفها عليها ومسحتها برقة. # وسألتني: «وهل سافرت إلى هذه البلاد أيضا؟» # وفتحت المحفظة فتبين أني سافرت إلى هذه الأقطار، وكان من بين الصور الأولى منظر ~~كبير لقصر شيلون على بحيرة جينيف. ms106 # وقلت وأنا أريها هذا: «لقد زرت هذا المكان عدة مرات. أليس جميلا؟» وأشرت إلى ~~الصور المنعكسة في الماء الصافي الساكن، للصخور الوعرة والصروح الذاهبة في الهواء، ~~فلم تقل: «ما أبدع هذا» ثم تدفعه لترى الرسم الذي يليه، بل تأملته مليا ثم سألت: ~~أليس هذا هو المكان الذي حبس فيه بونيفار على ما جاء في شعر بيرون؟ فقلت: نعم، ~~وحاولت أن أنشدها بعض أبيات بيرون في الموضوع ولكن الذاكرة لم تساعفني كما ~~ينبغي. # فروحت على وجهها لحظة ثم أنشدت الأبيات على الوجه الصحيح بصوت لين مطرد النبرة ~~إلا أنه حسن، واتقد وجهها لما فرغت، فأثنيت عليها وقلت لها إنها مزودة بما يلزم ~~لزيارة سويسرا وإيطاليا، فنظرت إلي بمؤخر عينها لترى أجاد أنا أم أنا أمزح، فقلت ~~لها: إذا كان المراد أن تعرف المواضع من وصف بيرون لها فإن الواجب أن تعجل بالسفر ~~فإن أوروبا تحول بسرعة عن العهد بها في أيام بيرون. # فسألتني: «متى ينبغي إذن أن أذهب؟» # قلت: «إني أمهلك عشر سنوات.» # قالت بلهجة متزنة: «أظن أن في وسعي أن أسافر في خلال ذلك.» # قلت: «ستستمتعين بالرحلة جدا، وستلقينها حافلة بالمطرب المعجب.» # وعثرت على صورة لركن في مدينة أجنبية كنت كلفا بها، وكانت لي فيها عهود يحن ~~القلب لذكراها، وأحسبني أفضت في الكلام عنها، وكنت فيما قلت، رطب اللسان، فقد كانت ~~مرهفة الأذنين، وأنفاسها محتبسة. # وسألتني بعد أن أقصرت ببرهة: «هل طال مقامك في البلدان الأجنبية؟» # قلت: «سنين عديدة.» # قالت: «وهل رحلت إلى كل مكان؟» # قلت: «كانت أسفاري كثيرة فإني كلف بالتجوال. ومن حسن الحظ أني كنت قادرا على ~~ذلك.» # فنظرت إلي مرة أخرى بمؤخر عينها وسألت: «وهل تعرف اللغات الأجنبية؟» # قلت: «إلى حد ما.» # قالت: «هل في معرفتها والكلام بها مشقة؟» # فقلت: «أعتقد أنك لن تجدي في الأمر صعوبة.» # قالت: «لا يعنيني أن أتكلم أنا، إنما يكون همي أن أنصت.» # وأمسكت ثم قالت: «يقولون إن المسرح الفرنسي بديع.» # قلت: «هو خير ما في العالم في بابه.» # قالت: «هل كثر ms107 تردادك إليه؟» # قلت: «لما كنت في باريس كنت أذهب إليه كل ليلة.» # قالت: «كل ليلة!» وفتحت عينيها الصافيتين جدا «إن هذا في رأيي ...» وترددت هنيهة ~~«رائع جدا» ثم سألت بعد دقائق: «أي البلاد تفضل ؟» # قلت: «هناك بلاد أفضلها على كل ما عداها، وما أظن برأيك إلا أنه سيكون ~~كرأيي.» # فنظرت إلي قليلا ثم قالت برقة: «إيطاليا؟» # قلت: بمثل رقتها «إيطاليا.» ورشق كل منا صاحبه بلحظه. وكان يخيل إلي وأنا أنظر ~~إلى إشراق محياها ووضاءته وصباحته كأني كنت أغازلها وأبثها حبي، ولم أكن أريها ~~صورا شمسية. ومما قوى هذا الوهم أن وجهها صبغه الدم فحولته عني. وساد الصمت هنيهة ~~قالت بعدها: «هذا هو المكان الذي كنت أفكر في الذهاب إليه على الخصوص.» # قلت: «أوه ... هذا هو ... هذا هو.» # وقلبت صورتين أو ثلاثا في صمت ثم قالت: «يقولون إن النفقة ليست باهظة.» # قلت: «كما هي في بعض البلاد الأخرى؟ نعم، وليس هذا أقل مزاياها.» ~~- «ولكنها غالية كلها، أليست كذلك؟» ~~- «تعنين أوروبا؟» ~~- «السفر والطواف والتنقل ... هذه هي الصعوبة إلى الآن، فإن المال عندي قليل. إني ~~مدرسة.» # قلت: «لا شك أن المال ضروري ولا غنى عنه، ولكن الإنسان يستطيع أن يدبر أموره ~~بمبلغ معتدل.» # قالت: «أظن أن في وسعي ذلك، فقد ادخرت شيئا، ولا أزال أضيف إليه ... لهذا الغرض» ~~وسكتت برهة ثم انطلقت تتكلم بلهفة كأنما كانت مكبوتة، وكأنما كان إخباري بذلك فيه ~~لذة نادرة إلا أنها عسى أن تكون غير بريئة «ليس المال كل ما عاق ... كل شيء عاق. كل ~~شيء كان يصد، وقد انتظرت، وانتظرت، فما عدوت حال الذي يبني القصور بخياله في ~~الهواء، وإني لأكاد أخاف أن أتكلم في هذا ... وقد خايلني الأمل بالتحقيق مرتين أو ~~ثلاثا فتكلمت به، فانتسخ الحلم! ألا لقد تكلمت كثيرا ... أكثر مما ينبغي.» قالت ذلك ~~منحية به على نفسها، وكانت تجد في هذا بعض المتعة على ما بدا لي «ولي صديقة عزيزة ~~لا تريد أن تسافر، ولست أمل تكليمها في هذا حتى لأضجرها جدا. وقد قالت ms108 لي مرة ~~إنها لا تدري ماذا عسى أن يكون مآلي، فإني خليقة أن يطير عقلي إذا لم أسافر إلى ~~أوروبا، وسيطير عقلي على التحقيق إذا سافرت.» # فقلت: «على كل حال، هذا أنت لم تسافري ، ولم يطر عقلك مع ذلك.» # فنظرت إلي مليا ثم قالت: «لست على يقين من ذلك. فما أراني أفكر في شيء آخر. ~~أفكر في السفر دائما، حتى ليمنعني ذلك أن أفكر فيما هو أدنى إلي - فيما ينبغي أن ~~أعنى به - وهذا ضرب من الجنون.» # قلت: «الدواء أن تسافري.» # قالت: «إن لي ثقة وإيمانا بأني سأسافر. ولي في أوروبا ابن عم!» # وقلبنا بضع صور أخرى وسألتها هل قضت كل حياتها في «جريمونتر»؟ # فقالت: «لا يا سيدي. لقد قضيت ثلاثة وعشرين شهرا في بوستون.» # فقلت مازحا: «إنه ما دام الأمر كذلك فإن أوروبا ستخيب أملها على الأرجح.» ولكني ~~لم أزعجها. # وقالت، وعلى فمها ابتسامتها اللطيفة الوديعة: «إني أعرف عن أوروبا أكثر مما تظنني ~~أعرف، أعني بالقراءة عنها. فقد قرأت كثيرا، ولم أقتصر على بيرون وحده، بل قرأت كتب ~~التاريخ وكتب إرشاد السياح. وأنا واثقة أني سأرضى عن رحلتي حين يتاح لي أن أقوم ~~بها.» # فقلت: «إني أعرف حالتك، وأدرك بواعثها. هو الهوى الذي يلج بنفس الأمريكي ... هوى ~~الجمال والروعة. وأحسب أن هذا عندنا مقدم على كل ما عداه، وسابق لكل اختيار وتجربة. ~~فإذا جاءت التجربة لم ترنا إلا ما كنا نحلم به.» # فقالت كارولين سبنسر: «أعتقد أن هذا صحيح. فقد حلمت بكل شيء. وسأعرف كل شيء حين ~~أراه.» # قلت: «أظنك ضيعت وقتا طويلا جدا.» # قالت: «نعم وهذا شر ذنوبي.» # وكان الذين حولنا قد بدءوا ينصرفون، فنهضت ومدت إلي يدها في دعة ورقة ولكن ~~عينها كانت فيها لمعة غريبة. # فقلت وأنا أهز يدها مودعا: «إني عائد إلى هناك، وسأتطلع إلى لقائك.» # فقالت: «سأخبرك إذا خاب أملي.» # ومضت عني، وعليها أمارات الاضطراب الخفيف، وفي يدها المروحة تتحرك. # 2 # عدت إلى أوروبا بعد هذه المقابلة ببضعة شهور، وانقضت ثلاث سنوات. وكنت مقيما ms109 في ~~باريس، وفي أخريات أكتوبر/تشرين الأول رحلت عنها إلى «الهافر» لأقابل أختي وزوجها. ~~وكانا قد كتبا إلي يقولان إنهما يوشك أن يصلا إليها. فلما بلغت الهافر وجدت أن ~~الباخرة قد سبقتني إليها وأني تأخرت حوالي ساعتين؛ فانكفأت إلى الفندق الذي نزل فيه ~~قريباي. وكانت أختي قد أوت إلى فراشها من الإعياء الذي سببه لها ركوب البحر، فقد ~~عانت منه شر ما يصيب الإنسان. وكانت ترغب ألا يزعجها أحد من راحتها أو ينغصها عليها ~~فلم أمكث معها إلا خمس دقائق. ومن أجل هذا اتفقنا على البقاء في الهافر إلى اليوم ~~التالي. وكان زوجها من فرط قلقه عليها لا يريد أن يغادر غرفتها ولكنها أصرت أن يخرج ~~معي ويتمشى لينفي عنه ما يشعر به راكب البحر، ويستعيد إحساسه بالوثاقة والاستقرار. ~~وكنا في الخريف، وكان الصباح دافئا، منعشا، وأعجبتنا المناظر وسرتنا ونحن نجتاز ~~الشوارع البهيجة الألوان الغاصة بالناس في هذا المرفأ الفرنسي القديم. وسرنا على ~~أرصفة الميناء المشمسة العالية الضوضاء ثم دخلنا في شارع جميل واسع، بعضه تضيئه ~~الشمس والبعض في الظل، وكان لقدمه، ولما عليه من الصبغة الريفية يبدو للناظر كأنه ~~رسم بالألوان المائية، فهذه مساكن عالية كثيرة الطبقات مغبرة اللون، وسقوفها ~~الحمراء الآجر على هيئة المثلث، وعلى نوافذها شبابيك خضراء وفوقها الزخرفة، وفي ~~الشرفات الزهريات، وعلى العتبات النساء وقد لففن رءوسهن بمناديل بيضاء. وقد سرنا في ~~الظل، وكنا نرى هذه المناظر على الجانب المشمس فكأنها صورة. وإذا بنسيبي يقف بغتة ~~ويضغط ذراعي ويحدق! فنظرت إلى حيث ينظر، فرأيت أننا وقفنا على مسافة قصيرة من مقهى ~~رصت أمامه المناضد والكراسي تحت طنف. # 2 # وكانت النوافذ مفتوحة، وعلى جانبي الباب شجيرات ست مرصوصة في مغارسها، ~~وقد فرش الرصيف بالتبن النظيف. وكان المقهى صغيرا، عتيقا، ولكنه هادئ، ورأيت ~~بداخله، في الظلام النسبي، امرأة حسناء سمينة على قبعتها شرائط قرمزية، ووراءها ~~مرآة، وهي تبتسم لشخص متوار عن النظر. على أني لم ألاحظ هذا إلا فيما بعد. أما ~~الذي رأيته أول الأمر فسيدة جالسة وحدها على ms110 منضدة من تلك المناضد الرخامية ~~المبعثرة على الرصيف. وكان نسيبي قد وقف لينظر إليها، وكان أمامها شيء على المنضدة، ~~ولكنها كانت مضطجعة، وساعداها مطويان على صدرها، وعينها إلى الناحية الأخرى من ~~الشارع. ولم أر منها سوى لمحة جانبية ومع ذلك كبر في ظني أني رأيتها من قبل. # وقال نسيبي: «سيدة الباخرة!» # فسألته: «أكانت على الباخرة معكم؟» # قال: «من الصباح إلى الليل. ولم يصبها الدوار. وكانت تجلس على جانب السفينة ~~وساعداها مطويان كما تراها الآن، وترسل لحظها إلى الأفق الشرقي.» # فسألته: «أتنوي أن تكلمها؟» # قال: «لست أعرفها ... لم نتعارف ... وكنت سيئ الحال من الدوار، ولكني كنت أراقبها، ~~ولا أدري لماذا كنت معنيا بها. وإنها لأمريكية صغيرة رشيقة. وأكبر الظن أنها ~~مدرسة، وأنها في إجازة، وهي تتنزه بما ادخرته من تلاميذها.» # وأدارت في هذه اللحظة خدها قليلا ونظرت إلى المساكن العالية المغبرة الجدران ~~فقلت: «سأكلمها أنا.» # فقال نسيبي: «لو كنت مكانك لما فعلت فإنها حيية جدا.» # قلت: «يا صديقي العزيز، إني أعرفها. وقد أريتها مرة بضع صور شمسية في حفلة ~~شاي.» # وقصدت إليها، فلفتت وجهها ونظرت إلي، فأيقنت أنها الآنسة كارولين سبنسر، ولكنها ~~لم تعرفني بمثل هذه السرعة، فقد بدت عليها دهشة المفاجأة، وقلت، وقد سحبت كرسيا ~~وقعدت: «أرجو ألا يكون أملك قد خاب.» # فحدقت في، وقد احمر وجهها قليلا، ثم انتفضت قليلا انتفاضة المعرفة والإدراك ~~وقالت: «أنت الذي أراني الصور الشمسية في جريمونتر؟» # قلت: «نعم، أنا هو بعينه، هذه مصادفة جميلة فإني أحس كأن علي أن أقيم لك ~~استقبالا وترحيبا رسميين. فقد كلمتك كثيرا عن أوروبا.» # فقالت بلهجة رقيقة: «لم تقل أكثر مما يجب. وإني لسعيدة.» # وكانت السعادة بادية عليها، ولم يكن ثم ما يدل على أن سنها زادت وأنها صارت ~~أكبر، واحتفظت وسامتها بمزايا الرزانة والوداعة. وإذا كانت قد بدت من قبل زهرة من ~~أزاهير الطهر على عودها الأملود، وببهجة ألوانها الرقيقة، فما كانت نضرة هذه البهجة ~~الرقيقة أقل ظهورا، الآن، وكان إلى جانبها رجل كهل يحتسي شراب «الأبسنت» ووراءها ms111 ~~السيدة ذات القبعة المزدانة بالشرائط القرمزية، تصيح «ألسبياد!» «ألسبياد!» ~~للخادم ذي الفوطة الطويلة الملفوفة على وسطه، وأخبرت الآنسة سبنسر أن زميلي كان ~~معها على السفينة، وأنه زوج أختي، فتقدم وعرفته بها فنظرت إليه كأنها ما وقعت عليه ~~عينها من قبل، ولا عجب فقد حدثني أنها كانت لا تنفك تنظر إلى الأفق الشرقي، ومن ~~الجلي أنها لم تفطن إلى وجوده على الباخرة. وابتسمت له ابتسامة حيية ولم تحاول أن ~~تزعم أنها رأته من قبل، وبقيت معها في المقهى، ورجع هو إلى الفندق وزوجته. وقلت ~~للآنسة سبنسر: إن مقابلتي لها بعيد نزولها من السفينة اتفاق عجيب جدا، ولكني ~~مغتبط بذلك ويسرني أن تخبرني عن وقع السفر في نفسها. # قالت: «لا أدري! ولكني أشعر كأني في حلم. وإن لي هنا لساعة، ولست أريد أن أتحرك. ~~كل شيء جميل. ومن يدري؟ لعل القهوة أسكرتني، والحق أنها كانت لذيذة!» # قلت: «إذا كان هذا مبلغ سرورك بمرفأ الهافر الممل وكنت تفيضين عليه كل هذا ~~الإعجاب، فإنك لا تبقين شيئا من السرور والإعجاب بما هو خير منه. كلا، لا تنفقي كل ~~ذخرك من الإعجاب في أول يوم. واذكري أن هذه وثيقة الاعتماد الأدبية ... تذكري كل ~~البلدان والأشياء الجميلة التي تنتظرك. تذكري إيطاليا الفاتنة!» # فقالت بلهجة الجذل، وعينها على المساكن أمامها: «لست أخشى الإفلاس وإن في وسعي أن ~~أجلس هنا طول النهار، وأقول لنفسي إني صرت ها هنا أخيرا. كل شيء قاتم، وقديم، ~~ومغاير لمألوفي!» # فسألتها: «على فكرة، كيف اتفق لك أن تقعدي هنا؟ ألم تقصدي إلى فندق من الفنادق؟» ~~فقد استغربت سذاجة القلب التي جعلت هذه المرأة الحسناء الرقيقة تتخذ مكانها في هذه ~~العزلة البارزة على حافة الطريق. # فكان جوابها: «جاء بي ابن عمي إلى هنا. أتذكر أني قلت لك إن لي ابن عم في أوروبا؟ ~~استقبلني هذا الصباح على الباخرة.» # قلت: «لم تكن به حاجة إلى تجشيم نفسه عناء الاستقبال إذا كان سيهجرك بهذه ~~السرعة.» # قالت: «إنما تركني مسافة نصف ساعة. ذهب ليجيء بمالي.» # فسألتها: «وأين ms112 مالك؟» # فضحكت ضحكة خفيفة وقالت: «إني أشعر بأن لي شأنا حين أخبرك أنها كلها أوراق ~~نقد.» # فسألتها: «وأين أوراقك النقدية؟» # قالت: «في جيب ابن عمي.» # قالت هذا بهدوء، ولكن الخبر - لا أدري لماذا؟ - أجرى في بدني قشعريرة البرد، ولو ~~أني سئلت في تلك اللحظة عن الباعث لعجزت عن تعليل هذا الشعور فما كنت أعرف شيئا عن ~~ابن عمها فالمفروض أن يكون أمينا، ولكنه أقلقني فجأة أن تكون مواردها القليلة قد ~~انتقلت إلى يديه بعد نصف ساعة من نزولها من السفينة. # وسألتها: «أتراه سيسافر معك؟» # قالت: «إلى باريس فقط. فإنه يدرس الفن فيها. وكنت قد كتبت إليه أني قادمة ولكني ~~لم أكن أتوقع أن يجيء إلى هنا ليستقبلني، ولم أطمع في أكثر من أن يلقاني على المحطة ~~في باريس. وإنها لمروءة منه. ولكنه ذو مروءة، وذكي أيضا.» # فشعرت برغبة ملحة في أن أرى ابن عمها الذكي الذي يدرس الفن. # وسألتها: «هل ذهب إلى المصرف؟» # قالت: «نعم، إلى المصرف. ذهب بي إلى فندق، مكان صغير غريب ولكنه جميل، وفي وسطه ~~ساحة، تحيط بها من فوقها شرفة تدور بها، وصاحبة الخان سيدة ظريفة تلبس ثوبا محبوك ~~التفصيل على قدها. وبعد قليل خرجنا لنتمشى إلى المصرف لأنه ليس معي شيء من النقود ~~الفرنسية، ولكني كنت دائرة الرأس من ركوب البحر فاستحسنت أن أقعد، فجاء بي إلى هنا ~~وذهب هو إلى المصرف، وسأنتظر حتى يعود.» # وقد يبدو هذا مني إغراقا في التخيل، ولكنه مر بخاطري أنه لن يعود أبدا. فاعتدلت ~~على الكرسي وقد صممت على البقاء إلى جانبها حتى أرى ما يكون. وكانت دقيقة الملاحظة ~~لا يفوت عينها شيء، مما تعرضه علينا حركة الشارع؛ غرابة الثياب، وأشكال المركبات، ~~والخيل النورماندية الجسيمة، والقساوسة الضخام الأبدان، والكلاب الحليقة. وتحدثنا ~~عن هذه الأشياء، فوجدت متعة من جدة مشاهدتها وكيف كان ذهنها الواسع الاطلاع يدرك ~~الأشياء ويغتبط بها. # وسألتها: «وبعد أن يرجع ابن عمك، ماذا تنوين أن تصنعي؟» # فترددت لحظة ثم قالت: «لا ندري تماما.» # قلت: «ومتى تذهبين إلى ms113 باريس؟ إذا ركبت قطار الساعة الرابعة فإنه يكون من دواعي ~~سروري أن أكون في خدمتك في هذه الرحلة.» # قالت: «لا أظن أننا سنفعل ذلك فإن ابن عمي يرى أن أبقى هنا بضعة أيام.» # فقلت: «أوه » ولبثت خمس دقائق لا أنبس بحرف. وكنت أتعجب لابن عمها هذا ماذا يبغي ~~من وراء ذلك؟ وأدرت عيني في الشارع وأرسلت لحظي فيه إلى آخر مدى البصر، ولكني لم أر ~~أحدا يمكن أن يعد أمريكيا ذكيا من طلاب الفنون. وأخيرا سمحت لنفسي أن ألاحظ ~~أن الهافر ليس بالمكان الذي يختاره من يطوف في أوروبا ليتلبث فيه ويعجب به. فما هو ~~بأكثر من استراحة، ومعبر ومجاز ينبغي أن ينفذ منه المرء بسرعة، ونصحت لها أن تسافر ~~إلى باريس على قطار العصر، وأن تتسلى في أثناء ذلك بالركوب إلى القلعة القديمة عند ~~مدخل الميناء، ذلك البناء الدائر الجميل الذي يحمل اسم فرنسيس الأول ويبدو للعين ~~كأنه قصر صغير من قصور سنت أنجلو. # وكانت تصغي بعناية، ثم بدا عليها الجد وهي تقول: «أخبرني ابن عمي أنه بعد عودته ~~سيحدثني في أمر خاص، وقال إننا لا نستطيع أن نفعل شيئا أو نقرر أمرا إلا بعد أن ~~أستمع إلى ما عنده، ولكني سأحمله على الإسراع في إخباري، ثم نذهب بعد ذلك إلى ~~القلعة القديمة. ولا داعي للتعجيل بالسفر إلى باريس، فإن الوقت فسيح.» # وكانت تبتسم بشفتيها الرقيقتين الحادتين قليلا وهي تقول هذا، ولكني كنت أتفرس في ~~وجهها، فلمحت طيفا من الخوف في عينيها. # وقلت: «لا تقولي إن هذا الرجل التعس سيفضي إليك بأخبار سيئة!» # قالت: «أحسب أنها ستكون سيئة قليلا، ولكني لا أعتقد أنها سيئة جدا. على كل حال ~~لا بد من الاستماع.» # فنظرت إليها هنيهة ثم قلت: «ما أظنك جئت إلى أوروبا لتصغي إليه أو لغيره، إنما ~~جئت لتنظري!» # وأيقنت أن ابن عمها سيعود، ما دام أن لديه أخبار سوء يريد أن يطلعها عليها فلا ~~بد أن يرجع. وسألتها عن البلدان التي تنوي أن تزورها، فألفيتها قد رتبت رحلتها ms114 على ~~أدق نحو، وسردت لي أسماء البلاد بلهجة الجد، فهي ستذهب من باريس إلى ديجون ~~وأفينيون، ومن ثم إلى مارسيليا وطريق الساحل «الكورنيش» ثم إلى جنوة، وسبيزا، ~~وبيزا، وفلورنسة، ورومية. ويظهر أنه لم يخطر لها قط أن في السفر وحدها وبلا رفيق ~~أي عناء، ولما كان لا رفيق لها؛ فقد حرصت على اجتناب إقلاقها أو إضعاف شعورها ~~بالاطمئنان والثقة. # وأخيرا جاء ابن عمها. رأيته يخرج علينا من زقاق جانبي، وما كادت عيني تأخذه حتى ~~أيقنت أنه هو الأمريكي الذكي الذي يدرس الفن في باريس. وكان يلبس قبعة ناعمة عريضة ~~الحافة، وسترة لبيسة # 3 # من المخمل الأسود، رأيت أمثالها كثيرا في «شارع بونابرت»، وكان قميصه ~~ينفرج عن جانب كبير من عنق لم يبد لي على البعد جميلا. وكان طويلا نحيفا وشعره ~~أحمر، وفي وجههه حطاط، # 4 # وقد لاحظت هذا كله وهو يدنو من المقهى ويحدق في مستغربا وجودي. ولما ~~صار معنا عرفته بنفسي وقلت إني صديق قديم للآنسة سبنسر، فأحد النظر إلي بعينيه ~~الضيقتين المحمرتين. ثم انحنى لي على الطريقة الفرنسية ملوحا بقبعته ~~العريضة. # وقال: «أكنت على السفينة؟» # قلت: «كلا، لم أكن هناك، فإني في أوروبا منذ ثلاث سنوات.» # فانحنى مرة أخرى بتؤدة وأومأ إلي أن أجلس كما كنت، فقعدت لأراقبه وأفحصه ~~قليلا، فقد آن لي أن أعود إلى أختي، وبدا لي أن ابن العم هذا غريب، فما خلقه الله ~~في صورة يلائمها زي بيرون أو روفائيل، ولا كانت سترته المخملية، وعنقه العاري على ~~اتساق مع خصائص وجهه، وكان شعره مقصوصا إلى قريب من جلدة الرأس، وأذنه عظيمة مقبلة ~~على الوجه، متباعدة عن الرأس. وكان في هيئته فتور، وفي قامته انحناء يناقضان ما في ~~عينه الغريبة اللون من الحدة والشدة. ولعلي كنت متحاملا عليه، ولكنه خيل إلي أن ~~في عينيه غدرا. وظل لحظة لا يقول شيئا، وكان يعتمد بيديه على عصاه ويصعد طرفه ~~ويصوبه في الشارع، وأخيرا رفع عصاه ببطء وأشار بها وهو يقول: «هذا حسن.» وكان ~~يميل رأسه ويداني بين ms115 جفونه وهو ينظر، فوجهت عيني إلى حيث كان يومئ بعصاه، فرأيت ~~خرقة حمراء معلقة من شباك قديم. وقال: «لون حسن.» وحول إلي لحظه من غير أن يحرك ~~رأسه وقال: «يكون جميلا في الرسم.» وكان صوته ناشفا جامدا خاليا من ~~الصقل. # فقلت: «أرى أن لك لنظرا. وقد أخبرتني ابنة عمك أنك تدرس الفن.» # فنظر إلي بعينه المغضية ولم يجب، فمضيت في كلامي بلطف متكلف: «أحسبك تعمل مع ~~واحد من هؤلاء العظماء.» # فظل ينظر إلي ثم قال برقة: «جيروم.» # قلت: «أحسبك مغتبطا هناك؟» # قال: «هل تعرف الفرنسية؟» # قلت: «إلى حد ما.» # فأبقى عينيه على وجهي ثم قال بالفرنسية: «إني أعبد التصوير.» # فقلت: «أوه. إني أستطيع أن أفهم هذا حين تقوله.» # ووضعت الآنسة سبنسر راحتها على ذراع ابن عمها، وكان في حركتها اضطراب خفيف من ~~السرور، وكأنما أعجبها أن يكون المرء ذرب اللسان في اللغات الأجنبية! ونهضت ~~لأودعهما، وسألت الآنسة سبنسر أين في باريس يتاح لي أن أتشرف بلقائها؟ وإلى أي فندق ~~تنوي أن تقصد؟ # فالتفتت إلى ابن عمها مستفسرة، فشرفني مرة أخرى بنظرة فاترة بمؤخر عينه وسألني: ~~«أتعرف فندق الأمراء؟» # قلت: «أعرف مكانه.» # قال: «سآخذها إليه.» # فقلت لكارولين سبنسر: «إني أهنئك. فإني أعتقد أن هذا خير فندق في العالم. وإذا ~~اتفق أني استطعت أن أختلس من وقتي هنا لحظة أراك فيها، فأين أجدك؟» # فقالت بلهجة الجذل: «ما أحلاه من اسم ... ألا بل نورماند!» # ولما غادرتها انحنى لي ابن عمها ملوحا بقبعته في دائرة واسعة. # 3 # تبين أن أختي لم تعد إليها نفسها إلى حد يسمح بأن تغادر الهافر على قطار العصر، ~~فلما كان الغسق ألفيت نفسي في فسحة من الوقت، وأن في وسعي أن أزور فندق «ألا بل ~~نورماند.» ويجب أن أعترف أني قضيت وقتا طويلا أفكر فيما عسى أن يكون هذا القريب ~~الرذل لصديقتي الجميلة قد أفضى إليها به من أخبار السوء. وكان «ألا بل نورماند» ~~خانا صغيرا في سكة ظليلة مريبة، لا يرتاح المرء حين يتصور أن الآنسة سبنسر لا ms116 بد ~~أن تكون قد صادفت فيها كثيرا من «اللون المحلي»، وكان هناك - في الخان - فناء ضيق ~~يتخذ للسمر، وسلم إلى غرف النوم، درجه على ظاهر الحائط، ونافورة صغيرة يقطر منها ~~الماء وفي وسطها تمثال من الجص، وغلام يلبس طاقية بيضاء ويلف وسطه بفوطة، ينظف بعض ~~الأواني النحاسية في مدخل المطبخ الظاهر، وربة الفندق وهي سيدة ثرثارة، في شفوف ~~نظيفة، ترتب الكمثرى والعنب على هيئة الهرم في طبق قرمزي. فأجلت عيني في المكان ~~فرأيت كارولين سبنسر على دكة خضراء، خارج باب مفتوح كتب عليه: «حجرة الطعام»، وما ~~كادت عيني تأخذها حتى تبينت أن شيئا حدث بعد أن تركتها في الصباح؛ فقد كانت مضطجعة ~~على الدكة، ويداها متشابكتان في حجرها، وعينها على ربة الخان في الناحية الأخرى من ~~ساحة البيت وهي ترتب الكمثرى. # ولكني أدركت أيضا أنها لم تكن تفكر في الكمثرى، وإنما كانت تشخص وهي ذاهلة عما ~~حولها، مفكرة في خلافه، ودنوت منها فتبينت أنها حديثة عهد بالبكاء. وقعدت على الدكة ~~إلى جانبها قبل أن تراني، فلما أبصرتني لم تزد على أن تلتفت بلا دهشة، وأن تريح ~~عينها على وجهي. ولا بد أن ما وقع كان غاية في السوء، فقد تغيرت جدا. # ولم أتوان في مصارحتها برأيي فقلت: «إن ابن عمك قد أبلغك خبرا سيئا فإني أراك ~~في كرب شديد.» # فلبثت لحظة لا تقول شيئا، وخيل إلي أنها تخشى أن تتكلم لأن الدموع تتحير في ~~عينيها. ولكني ما لبثت أن تبينت أنها أراقت كل عبرة في الفترة الوجيزة التي غبت ~~عنها فيها، وأنها استرجعت، واستردت جلدها وسكينتها. # وقالت أخيرا: «إن ابن عمي المسكين مكروب، وقد كان ما أبلغنيه سيئا.» وترددت ~~قليلا ثم قالت: «كانت حاجته شديدة إلى المال.» # فقلت: «تعنين حاجته إلى مالك؟» # قالت: «إلى أي مال يمكن أن يحصل عليه، بطريقة شريفة! وكان مالي كل ماله إلى ~~وسيلة.» # فسألتها: «وأخذ ما معك؟» # فترددت مرة أخرى، وكانت عينها تتوسل إلي وتضرع، ثم قالت: «أعطيته ما ~~عندي.» # وما زلت أذكر نبرة صوتها ms117 وهي تنطق بهذه الكلمات، وما فتئت أعدها أشبه ما سمعت، ~~بأصوات الملائكة، ولكني حين سكت أذني هذه الألفاظ انتفضت قائما كأنما أصابتني ~~مساءة شخصية وقلت: «يا لله! هل تسمين هذا حصولا على المال بوسيلة شريفة؟» # وكان هذا شططا مني، فقد اتقد محياها وقالت: «دع الكلام في هذا؟» # فقلت وأنا أقعد ثانية: «بل يجب أن نتكلم في هذا! إني صديقك، ويخيل إلي أن بك ~~حاجة إلى صديق. فما خطب ابن عمك؟ ماذا دهاه؟» # قالت: «إنه مدين.» # قلت: «لا شك، ولكن ماذا يجعل من حقه أن تؤدي عنه دينه؟» # قالت: «قص علي قصته كلها، وأنا آسفة جدا له.» # قلت: «وأنا مثلك، ولكني أرجو أن يرد إليك مالك.» # قالت: «لا شك في ذلك ... متى وسعه أن يفعل.» # فسألتها: «ومتى يكون هذا؟» # قالت: «بعد أن يتم رسم الصورة العظيمة التي يعمل فيها الآن.» # فصحت: «يا سيدتي العزيزة، لعنة الله على صورته العظيمة! أين ابن العم السادر ~~هذا؟» # فترددت ترددا واضحا ثم قالت: «يتعشى.» # فتلفت ونظرت من الباب المفتوح في «حجرة الطعام»، فأبصرت ذلك الشاب الذكي، طالب ~~الفنون في باريس، وموضع عطف الآنسة سبنسر، قاعدا إلى طرف مائدة طويلة. وكان مقبلا ~~على الطعام فلم يرني في بادئ الأمر، ولكنه - وهو يضع على المائدة قدحا أفرغ ما كان ~~فيه من النبيذ في جوفه - لاحظ أني أراقبه. فتوقف عن الأكل، وأمال رأسه إلى ناحية، ~~ورشقني بلحظه كما أرشقه، وفكاه يتحركان ببطء. ثم مرت بنا ربة الخان وعلى يديها طبق ~~الكمثرى. # فقلت: «وهذه الفاكهة اللذيذة له؟» # فنظرت إلى الطبق برقة وقالت: «إنهم يحسنون تقديم ما عندهم.» # فسخطت وأحسست أنه لم تبق لي حيلة، وقلت: «تعالي، تعالي! هل توافقين على أن يأخذ ~~منك هذا الشاب الطويل القوي مالك؟» # فحولت وجهها عني، وكان من الواضح أني أؤلمها. وخامرني اليأس، فما من شك في أن هذا ~~الشاب الطويل القوي «يعنيها.» # وقلت: «اغفري لي أن أتكلم عنه بلا كلفة. ولكنك أسخى يدا مما ينبغي أن تكوني، وهو ~~أقل تعففا مما يجب. لقد ms118 جر على نفسه الدين، فحقيق به أن يؤديه ويرده بنفسه ومن ~~موارده.» # فقالت: «لقد كان أحمق. أعرف ذلك، فقد قص علي كل شيء. وطال حديثنا في هذا صباح ~~اليوم. وقد قصد إلي في حاجته. فقد وقع سندات بمبالغ جسيمة.» # قلت: «ما أعظم حماقته!» # قالت: «إنه يعاني هما ثقيلا. وليس الأمر بقاصر عليه وحده، فإن هناك أيضا ~~زوجته المسكينة.» # قلت: «آه! أوله زوجة مسكينة؟» # قالت: «لم أكن أعرف هذا حتى أقر لي به. تزوجها منذ سنتين سرا.» # وتلفتت كارولين سبنسر حولها كأنما كانت تخشى أن يسترق السمع أحد، ثم قالت برقة، ~~وبنبرة مؤثرة: «لقد كانت كونتيسة.» # فسألتها: «أواثقة أنت من ذلك؟» # قالت: «لقد كتبت إلي رسالة ما أجملها!» # قلت: «تطلب منك فيها قرضا حسنا؟» # قالت: «بل تلتمس الثقة والعطف، فقد حرمها أبوها حقوقها. وقد خبرني ابن عمي ~~بقصتها، وفصلتها هي لي في رسالتها. إنها أشبه بالقصص القديمة. فقد رفض أبوها أن ~~يوافق على هذا الزواج، ولما عرف أنها خالفت أمه سرا رمى بها. الحقيقة أنها حادثة ~~مؤثرة. وأسرتها أعرق الأسر في مقاطعة بروفنس.» # وكنت أنظر وأصغي وأنا أتعجب. وبدا لي أن هذه المسكينة تجد لذة حقيقية في هذه ~~الرواية التي تدور وقائعها على كونتيسة منبوذة يتزوجها ابن عمها، وقد بلغ من ~~استغراق هذه الرواية لها أن صرفتها عن التدبر في أمرها وفيما يجره عليها ضياع ~~مالها. # وقلت: «يا سيدتي العزيزة، هل تريدين أن تخربي في سبيل الخيال؟» # قالت: «لن أخرب! وسأعود بعد قليل لأقيم معهما. فإن الكونتيسة تلح في ذلك وتصر ~~عليه.» # فسألت: «تعودين؟ هل تعنين أنك راجعة إلى بلادك؟» # فغضت طرفها هنيهة، ثم قالت وهي تجاهد أن تخفي اضطراب صوتها: «ليس معي مال ~~للسياحة.» # قلت: «أوأعطيته كل ما معك؟» # قالت: «احتفظت بما يكفي للإياب.» # فتوجعت من الغيظ، وفي هذه اللحظة خرج من غرفة الطعام ابن عمها السعيد الذي استحوذ ~~على مدخرها، وعلى يد الكونتيسة أيضا! ووقف لحظة على العتبة، يقشر كمثراة، ثم دسها ~~في فمه، وتركها فيه ملتذا بها، وجعل ms119 ينظر إلينا وساقاه متباعدتان، ويداه في جيبي ~~سترته. فنهضت الآنسة سبنسر، ورمت إليه نظرة لم تفتني، واشية بالاستسلام والافتتان، ~~بل بالنشوة. وقد كان هذا الشاب قبيحا، وسوقيا، ودعيا خائنا، في رأيي، ولكنه ~~استطاع أن يخلب لبها ويسحر خيالها . وقد كان حنقي عليه شديدا، وتقززي منه عظيما، ~~ولكنه لم يكن لي حق في الدخول في الأمر، وعلى أنه لم يغب عني أن الدخول في هذا عبث ~~لا طائل تحته. # ولوح الشاب بيده تلويحا مسرحيا وقال: «ساحة جميلة. ومكان طيب. هذه الآجرة ~~لونها حسن. وهذا السلم الملتوي أيضا!» # فنفد صبري، ولم تعد لي طاقة على الاحتمال، ومددت يدي إلى كارولين سبنسر من غير أن ~~أرد على ابن عمها، فنظرت إلي بوجهها الدقيق وعينيها الواسعتين وبدت لي أسنانها، ~~كأنما أرادت أن تبتسم وقالت: «لا تأسف من أجلي، فإني واثقة أني سأرى شيئا من هذه ~~القارة العتيقة يوما ما.» # فقلت لها إني لا أودعها، وإني سأعود إليها في صباح الغد. وكان ابن عمها قد لبس ~~قبعته العريضة، فنزعها ولوح لي بها على سبيل التحية، فانصرفت. # ورجعت في صباح اليوم التالي إلى الخان حيث التقيت بربته، وكانت أقل عناية بثيابها ~~مما كانت في المساء، فلما سألتها عن الآنسة سبنسر قالت: «سافرت يا سيدي. غادرتنا في ~~الساعة العاشرة البارحة مع ... مع ... إنه ليس زوجها، هه؟ على كل حال مع السيد ... وذهبا ~~إلى الباخرة الأمريكية.» # فانصرفت. فيا لها من مسكينة! لم تقض في أوروبا إلا حوالي ثلاث عشرة ساعة! # 4 # وكنت أسعد حظا منها فقضيت في أوروبا حوالي خمس سنوات. وفي هذه المدة فقدت صديقي ~~لاتوش، فقد أصيب بحمى الملاريا أثناء رحلة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ~~فقضى نحبه. وكان أول ما صنعت بعد عودتي إلى أمريكا أن قصدت إلى بلدة «جريمونتر» ~~لأعزي أمه المسكينة، وكانت شديدة الحزن، فجلست معها الصباح كله (وكنت قد وصلت في ~~ساعة متأخرة من الليلة السابقة) أصغي لحديثها الباكي، وأتغنى بسجايا صديقي. ولم يكن ~~لنا كلام في غير ذلك، ولم يقطع ms120 حديثنا إلا وصول سيدة صغيرة خفيفة تسوق مركبتها، وقد ~~رأيتها ترمي الأعنة على ظهر الجواد بمثل سرعة النائم أفزعه شيء فرمى الغطاء ونهض. ~~ووثبت من المركبة، ودخلت الغرفة وثبا من فرط النشاط في حركتها والخفة فيها. وعرفت ~~أنها زوجة القسيس، وأنها «راوية» البلدة، وكان يبدو عليها أن لديها نخبة متخيرة من ~~الأحاديث تتلهف على الإفضاء بها، وكنت على يقين من هذا، كيقيني من أن السيدة لاتوش ~~لا يمنعها جزعها على وحيدها وثكلها له أن تصغي إلى صاحبتها. ورأيت أن الانصراف أكيس ~~فقلت: إني سأذهب لأتمشى قبل الغداء، وسألت قبل الخروج: «وعلى فكرة، إذا استطعت أن ~~تدليني على بيت الآنسة سبنسر، ذهبت إليها.» # فردت زوجة القسيس وأخبرتني أن الآنسة سبنسر تسكن في البيت الرابع بعد الكنيسة، ~~وهي على اليمين، وفوق بابها طنف محمول على عمودين، تراه هي أشبه بإطار ~~السرير. # وقالت السيدة لاتوش: «نعم، اذهب وزر كارولين المسكينة، فسيرد إليها نفسها أن ترى ~~وجها غريبا.» # وقالت زوجة القسيس: «أحسبها رأت فوق الكفاية من الوجوه الغريبة!» # فأصلحت السيدة لاتوش العبارة وقالت: «إنما أعني أن ترى زائرا.» # فعادت صاحبتها تقول: «وأحسبها شبعت من الزوار! ولكنك أنت لا تنوي أن تبقى عشر ~~سنين؟» # فقلت وأنا متحير: «أوعندها زائر من هذا الضرب؟» # قالت: «سترى ضربه. ومن السهل أن ترى زائرتها، فإنها تجلس عادة في الساحة المقدمة ~~أمام البيت، وعليك أن تكون لبقا وشديد الحذر في كلامك، وتوخ الأدب على ~~الخصوص.» # فقلت: «آه، حساسة جدا، أليست كذلك؟» # فوثبت زوجة القسيس إلى قدميها، وانحنت لي، انحناء سخر وتهكم، وقالت: «هي كما ~~تقول، من فضلك، فإنها كونتيسة!» # ونطقت اللفظ بلهجة لاذعة، حتى لخيل إلي أنها تضحك ساخرة، في وجه الكونتيسة، ~~فوقفت لحظة أحدق، وأتعجب، وأتذكر. # ثم قلت: «أوه ... سأكون مؤدبا جدا.» وتناولت قبعتي وعصاي، وانصرفت. # ولم أجد مشقة في الاهتداء إلى بيت الآنسة سبنسر، فقد عرفت الكنيسة بلا جهد، وكان ~~البيت الصغير الحائل البياض، ذو المدخنة الكبرى والنباتات الزاحفة، أخلق مسكن بعانس ~~مقتصدة لها ذوق وخيال. # وتباطأت لما ms121 دنوت من البيت، فقد سمعت أن بعضهم لا يفتأ جالسا في الساحة المقدمة، ~~فأحببت أن أستطلع وأتبين أولا، ورفعت رأسي محاذرا ونظرت من فوق السور الأبيض ~~الواطئ الذي يفصل الحديقة الصغيرة عن الطريق، ولكني لم أر كونتيسة أو سواها ، وكان ~~هناك ممر مستقيم يؤدي إلى عتبة الباب وعلى الجانبين رقعة صغيرة من الحشيش حولها ~~إطار من شجيرات العنب الجافة وفي وسط الرقعة - في كلا الجانبين - شجرة كبيرة، حافلة ~~بمظاهر الشظف والقفول. # 5 # وتحت إحدى الشجرتين منضدة صغيرة، وكرسيان. وعلى المنضدة شقة من النسيج ~~لم ينته العمل فيها، وكتابان أو ثلاثة مجلدة بورق زاهي الألوان. فدخلت من البوابة، ~~ووقفت في منتصف الممر، ونقضت المكان عسى أن أبصر ما يدل على حال ساكنته التي ترددت ~~فجأة، بلا داع أعرفه، أن أقدم نفسي إليها. ثم خطر لي أن البيت رث، وأنه ليس من حقي ~~أن أتطفل، فقد كان الشوق إلى استطلاع طلعها هو كل باعثي، ولكن هذه الرغبة بدت لي ~~الآن غير لائقة. وبينما كنت مترددا ظهرت سيدة في مدخل الباب ووقفت تنظر إلي، ~~فعرفت أنها كارولين سبنسر، ولكنها هي كانت تنظر إلي كأنها ما رأتني قط من قبل، ~~فتقدمت بتؤدة وإشفاق إلى الباب، ثم قلت وأنا أتكلف اللهجة الودية: «لقد انتظرت هناك ~~عودتك ولكنك لم تجيئي أبدا.» # فقالت برقة، وقد زادت عيناها اتساعا: «انتظرت أين يا سيدي؟» # لقد كبرت، وظهر عليها التعب، والتلف. # وقلت: «انتظرت في الهافر.» # فحدقت في، ثم عرفتني، وتبسمت، واحمر وجهها، وضمت راحتيها وقالت: «الآن تذكرتك، ~~وتذكرت ذلك اليوم.» ولكنها ظلت واقفة، لا تخرج إلي، ولا تدعوني أن أدخل، وكانت ~~مرتبكة. # وكنت أنا أيضا مرتبكا. فغرزت عصاي في الأرض وقلت: «ظللت أترقب مجيئك عاما بعد ~~عام.» # فهمست: «أتعني في أوروبا؟» # قلت: «في أوروبا، طبعا. أما هنا فإن من السهل أن يهتدي إليك المرء، على ما ~~يظهر.» # فأراحت رأسها على جانب الباب غير المدهون، ونظرت إلي لحظة بلا كلام، وخيل إلي، ~~أني اجتليت في وجهها ما يرتسم على وجه المرأة ms122 حين تشفى على البكاء، وإذا بها فجأة ~~تخطو إلى الحجرة أمام العتبة، وتغلق الباب وراءها، ثم بدأت تتبسم، وقد بقيت أسنانها ~~كأجمل ما عهدتها، ولكنه كان هناك دموع أيضا، ولا شك. # وسألت بصوت كالهمس: «أوكنت هناك طول الوقت منذ ذلك اليوم؟» # قلت: «عدت منذ ثلاثة أسابيع، وأنت؟ ألم تذهبي قط؟» # وكانت تنظر إلي، وعلى ثغرها ابتسامتها الثابتة، ثم مدت يدها من خلفها وفتحت ~~الباب وقالت: «إني أهمل واجب الضيافة، ألا تدخل؟» # قلت: «أخشى الإثقال عليك وإزعاجك.» # قالت: «كلا» وهي تبتسم، ودفعت الباب، وأومأت إلي أن أدخل. # فدخلت وتبعتها، فمضت بي إلى غرفة صغيرة على يسار الردهة الضيقة، أحسبها غرفتها، ~~وإن كانت في الناحية الخلفية، ومررنا بباب غرفة أخرى، موصد، تطل، فيما قدرت، على ~~رقعة الحشيش والشجرة، وكانت الغرفة التي دخلناها تشرف على خص من الخشب، ودجاجتين ~~تصيحان، وكانت الغرفة جميلة جدا، ولكن ما فيها مما يكسبها معنى الأناقة والرشاقة، ~~ينبئ بشدة التدبير ودقة الاقتصاد، وقد زاد هذا في حسنها، فما رأيت من قبل أثاثا ~~باهتا، وصورا قديمة في إطارات من أوراق الخريف المموهة، مرتبة على خير من هذا ~~النظام أو آنق وأحلى. وقعدت الآنسة سبنسر على حرف الأريكة، ويداها متشابكتان في ~~حجرها. وكانت تبدو أسن بعشر سنين، ولو قلت إنها وسيمة لكان هذا القول الآن غير ~~سائغ، ولكنها كانت في عيني وسيمة، أو على الأقل لهيئتها وقع في النفس. وكانت ~~مضطربة، فحاولت أن أتكلف الإغضاء ولكني قلت لها فجأة وبلا أدنى تدبر، وبدافع لا ~~يقاوم من ذكرى صداقتنا في الهافر: «إني أثقل عليك، فإنك مهمومة.» # فرفعت يديها إلى وجهها، وأبقته مدفونا فيهما لحظة، ثم ردتهما وقالت: «ذاك لأنك ~~تذكرني ...» # قلت: «أتعنين أني أذكرك بذلك اليوم المشئوم في الهافر؟» # فهزت رأسها وقالت: «لم يكن مشئوما؛ كان حسنا.» # فقلت: «لم أصدم قط كما صدمت ساعة ذهبت إلى الخان في صبيحة اليوم التالي لأسأل ~~عنك فإذا بك قد سافرت.» # فلبثت قليلا لا ترد، ثم قالت: «أرجو أن تعفيني من الكلام في هذا.» # فسألتها: ms123 «هل عدت إلى هنا مباشرة؟» # قالت: «عدت إلى هذه البلدة بعد ثلاثين يوما ليس إلا من سفري منها.» ~~- «وبقيت هنا بعد ذلك دائما؟» # فقالت برقة: «نعم.» ~~- «ومتى تذهبين إلى أوروبا كرة أخرى؟» # وكان السؤال عن هذا لا يخلو من قسوة وإيلام، ولكن طراوة استسلامها استفزتني، ~~وأغرتني بأن أنتزع منها عبارة تدل على الملل والتبرم. # فصوبت عينها إلى دائرة ضيقة من نور الشمس على السجادة، ثم نهضت وأرخت الشباك ~~قليلا لترد هذا النور، وقالت، بلهجتها اللينة، ردا على سؤالي: «لن أذهب ~~أبدا.» ~~- «عسى أن يكون ابن عمك قد رد إليك مالك؟» # فحولت وجهها عني وهي تقول: «لست أبالي هذا الآن.» ~~- «ألا تحفلين بمالك؟» ~~- «للسفر إلى أوروبا.» ~~- «أتعنين أنك لن تذهبي ولو قدرت على السفر؟» # فقالت: «لا أقدر - لا أقدر - انتهى الأمر ... ولست أفكر في هذا أبدا.» # فقلت: «إذن لم يرد إليك مالك؟» # فبدأت تقول: «أرجو ... أرجو ...» # ثم أمسكت، وكانت تنظر إلى الباب، فقد تأدى إلينا من ورائه حفيف ثوب، ووقع ~~قدم. # ونظرت مثلها إلى الباب، وكان مفتوحا؛ فظهرت فيه سيدة أخرى على عتبته، وجاء ~~وراءها شاب، وأحدت السيدة النظر إلي جدا، وطال لحظها حتى وسعني أن أنقش صورتها ~~على لوح صدري، ثم التفتت إلى كارولين سبنسر، وقالت بنبرة أجنبية واضحة: «اغتفري لي ~~تطفلي، لم أكن أعرف أن معك أحدا؛ فقد دخل السيد في سكون تام.» # وردت إلي لحظها مرة أخرى. # وكانت غريبة حقا. ومع ذلك كان أول ما وقع في نفسي أني رأيتها من قبل، ثم أدركت ~~أني إنما رأيت سيدات يشبهنها، ولكني رأيتهن بعيدا جدا من جريمونتر، فأحدثت لي ~~رؤيتها هنا إحساسا غريبا، فإلى أين يحملني مرآها؟ إلى باب مفتوح على غرفة مقدمة ~~قذرة، وإلى سيدة تميل على درابزين وعلى ذراعها مشملة باهتة الألوان، وهي تصيح ~~بالخادمة أن تصعد إليها بالقهوة. # وكان ضيفة الآنسة سبنسر سيدة ضخمة، جاوزت ميعة الشباب، ووجهها السمين في مثل صفرة ~~الموت، وشعرها مسرح إلى الخلف على الطريقة الصينية، وعينها صغيرة، ولكن نظرتها حادة ~~نافذة، ولها ms124 ما يسميه الفرنسيون ابتسامة مرضية، وكانت ترتدي طيلسانا قديما ~~قرمزيا من الكشمير موشى بنقوش بيض. وكانت - كالصورة التي رفعتها ذاكرتي لعيني - ~~تضم طرفيه أمامها بذراع عارية مستديرة، ويد بضة كثيرة الحطاط. # وقالت للآنسة سبنسر: «إنما جئت لأذكرك بقهوتي، فإني أرجو أن ترسل إلي في الحديقة ~~تحت الشجرة الصغيرة.» # وكان الشاب الذي خلفها قد دخل الغرفة ووقف ينظر إلي، مثلها، وهو شاب جميل ~~المحيا، وعليه سيما الريفي المتأنق، وله أنف دقيق معتدل القصبة، وذقن صغيرة حادة، ~~وقدمان لم أر أصغر منهما أو أدق، وكان ينظر إلي كالأبله وفمه مفتوح. # وقالت الآنسة سبنسر وعلى خديها جمرتان طافئتان: «ستجيئك القهوة.» # وقالت السيدة ذات الطيلسان: «حسن» والتفتت إلى الشاب وقالت: «هات كتابك.» # فأدار عينه في الغرفة وقال بصوت من لا حيلة له: «أتعنين أجروميتي؟» # وكانت السيدة ترشقني بلحظها متعجبة، وتضم طرفي كسائها بذراعها البيضاء وتقول: ~~«هات كتابك يا صديقي.» # فقال وهو يرميني بعينه: «هل تعنين ديوان الشعر؟» # فقالت صاحبته: «لا بأس! دع الكلام، ولنتمش اليوم. وسنتحدث. ولكنه لا ينبغي لنا أن ~~نقطع عليهما حديثهما، تعال.» واستدارت وهي تقول للآنسة سبنسر على سبيل التذكير: ~~«تحت الشجرة الصغيرة.» # ورمت إلي ما يشبه التحية، وكلمتي «أيها السيد» وانصرفت، والشاب في إثرها. # ووقفت كارولين سبنسر وعينها على الأرض. # فسألتها: «من هذه؟» ~~- «الكونتيسة، زوجة ابن عمي.» ~~- «ومن هذا الشاب؟» ~~- «تلميذها، المستر مكستر.» # فأغراني وصف العلاقة بين هذين الشخصين اللذين غادرا الغرفة، بالضحك، فنظرت إلي ~~الآنسة سبنسر بجد وقالت: «إنها تدرس اللغة الفرنسية، فقد فقدت ثروتها.» # قلت: «يظهر أنها مصممة على ألا تكون حميلة على أحد، وهذا هو الواجب.» # فصوبت كارولين عينها إلى الأرض مرة أخرى وقالت: «يجب أن أذهب لأعد لها ~~القهوة.» # فسألتها: «هل لها تلاميذ كثيرون؟» # قالت: «المستر مكستر تلميذها الوحيد، وهي تهبه وقتها كله.» # ولم أستطع أن أضحك من هذا، وإن كنت قد أحسست بالاستفزاز، فقد كانت الآنسة سبنسر ~~جادة جدا، وما لبثت أن قالت ببساطة: «إنه يدفع أجرا حسنا، فهو غني جدا، ورقيق ~~وعطوف جدا، يخرج ms125 بها في مركبته للتنزه.» # وهمت بأن تمضي فسألتها: «أذاهبة أنت لإعداد قهوة الكونتيسة؟» ~~- «إذا أذنت لي ... بضع دقائق.» ~~- «أليس هنا أحد غيرك يستطيع أن يعدها لها؟» # فرمت إلي نظرة عذبة السكون وقالت: «ليس لي خدم.» # فسألتها: «ألا تستطيع أن تخدم نفسها؟» ~~- «لم تتعود هذا.» # فقلت بأرق لهجة أقدر عليها: «مفهوم. ولكن قبل أن تذهبي، خبريني من هذه ~~السيدة؟» ~~- «لقد أخبرتك من قبل، في ذلك اليوم. زوجة ابن عمي الذي رأيته.» ~~- «السيدة التي نبذتها أسرتها على إثر زواجها؟» ~~- «نعم. ولم ترها أسرتها بعد ذلك أبدا. نبذتها كل النبذ.» ~~- «وأين زوجها؟» ~~- «مات» ~~- «وأين مالك؟» # فانتفضت المسكينة من حز الألم، فقد كانت أسئلتي واضحة السياق، جلية الغاية. وقالت ~~بضجر وتعب: «لا أدري.» # وألححت في خطتي فسألتها: «وبعد أن مات زوجها جاءت السيدة إلى هنا؟» ~~- «نعم، جاءت ذات يوم.» ~~- «وكم لها هنا؟» ~~- «سنتان.» ~~- «وبقيت مذ جاءت؟» ~~- «طول الوقت.» ~~- «وكيف رضاها عن مقامها هنا؟» ~~- «ليست راضية.» ~~- «وكيف رضاك أنت؟» # فأخفت وجهها بين كفيها لحظة، كما فعلت قبل عشر دقائق، ثم خرجت مسرعة لتعد قهوة ~~الكونتيسة. # وبقيت وحدي في الغرفة، فقد أردت أن أرى فوق ما رأيت، وأن أعرف أكثر مما عرفت. ~~وبعد خمس دقائق أقبل الشاب الذي قالت الآنسة سبنسر إنه تلميذ الكونتيسة، ووقف ينظر ~~إلي وشفتاه متباعدتان، فلم يخالجني شك في أنه شاب غرير جدا. # وأخيرا قال: «إنها تريد أن تعلم هل تحب أن تخرج إليها؟» ~~- «من هو الذي يريد أن يعلم؟» ~~- «الكونتيسة ... تلك السيدة الفرنسية.» ~~- «هل طلبت منك أن تجيئها بي؟» # فقال بضعف وهو يتأمل قامتي الطويلة: «نعم يا سيدي.» # فخرجت معه فألفينا الكونتيسة جالسة في ظل شجرة من الأشجار الصغيرة المغروسة أمام ~~البيت. وكانت تعمل بالإبرة في رقعة النسيج التي كانت على المنضدة، وتلطفت فأومأت ~~إلي أن أقعد على الكرسي إلى جانبها، ففعلت. وتلفت المستر مكستر ثم قعد على الحشيش ~~عند قدميها. ورفع عينه، وراح ينقلها من وجه الكونتيسة إلى وجهي. # وقالت الكونتيسة وهي ترشقني بعينيها الصغيرتين البراقتين: «إني واثقة أنك تتكلم ms126 ~~الفرنسية.» # فقلت بالفرنسية: «نعم يا سيدتي إلى حد ما.» # فصاحت: «أرأيت! لقد فطنت إلى ذلك من أول نظرة؛ لا شك أنك أقمت في بلادي.» ~~- «زمنا طويلا.» ~~- «وتعرف باريس؟» ~~«أتم معرفة يا سيدتي.» وتعمدت أن أنظر إليها، في عينيها. # فما لبثت أن حولت عينيها وصوبتهما إلى تلميذها المستر مكستر، وسألته: «في أي شيء ~~كنا نتكلم؟» # فرفع ركبتيه، وقلع بعض الحشيش، واضطرم وجهه وهو يقول: «إنكما تتكلمان ~~بالفرنسية.» # فقالت الكونتيسة: «لي عشرة أشهر وأنا أدرس له. لا تخف أن تقول إنه أبله، فلن ~~يفهم.» # فقلت: «أرجو أن يكون تلاميذك الآخرون أبعث على رضاك.» ~~- «ليس لي تلميذ غيره، فإنهم لا يعرفون ما اللغة الفرنسية، ولا يحفلونها هنا ولا ~~يريدون أن يعرفوها، ففي مقدورك أن تتصور سروري بلقاء من يتكلمها مثلك.» # فأجبت بأن سروري ليس دون سرورها، وأقبلت على النسيج تعمل فيه إبرتها وخنصرها ~~مثني، وكانت كل بضع دقائق تدني عينها مما تصنع على نحو ما يفعل قصيرو النظر. فوقع ~~في نفسي منها أنها شخص بغيض، فقد كانت خشنة غير مصقولة، ومتكلفة خائنة، وليست ~~كونتيسة ولا شيئا من هذا القبيل، كما أني أنا لست خليفة. # وقالت: «حدثني عن باريس. فإن ذكر اسمها بمجرده يحرك نفسي. كم لك مذ ~~تركتها؟» ~~- «شهران.» ~~- «ما أسعدك! حدثني عنها. قل لي ماذا يصنعون هناك؟ إيه ما أشوقني إلى ساعة واحدة ~~في البوليفار؟» ~~- «إنهم يصنعون ما لا يزالون يصنعون، يتسلون على قدر ما يسعهم!» # فتنهدت وقالت: «في المسارح؟ وفي المراقص؟ وحول المناضد الصغيرة أمام الأبواب؟ يا ~~لها من حياة! إنك تعرف أني باريسية من رأسي إلى قدمي.» # فتشجعت وقلت: «إذن كانت الآنسة سبنسر مخطئة حين قالت لي: إنك من بروفنس.» # فحدقت أمامها لحظة ثم دست أنفها فيما تنسج، وقالت: «أنا من بروفنس مولدا، ولكني ~~باريسية هوى.» # فقلت: «وتجربة أيضا فيما أظن؟» # فتفرست هنيهة في وجهي بعينيها الحادتين وقالت: «التجربة! في وسعي أن أتحدث عن ~~التجربة إذا شئت، فما كنت أتوقع مثلا أن تدخر لي التجربة هذا»، وأشارت بكوعها ~~العاري وبهزة ms127 من رأسها إشارة تشمل كل ما يحيط بها البيت الصغير، والشجرة، والسياج، ~~والمستر مكستر أيضا. # فقلت بابتسامة: «إنك في منفى.» ~~- «يمكنك أن تتصور أي منفى هو! السنتان اللتان قضيتهما هنا عشتهما ساعة فساعة، ~~والمرء يعتاد الأشياء والحالات، ويخيل إلي أحيانا أني ألفت هذا. ولكن هناك أشياء ~~ولا تزال تبدأ من جديد، قهوتي مثلا.» # فسألتها: «أتشربين القهوة دائما في هذه الساعة؟» # فرمت رأسها إلى الوراء وراحت تفحصني وتزنني. # وقالت: «في أية ساعة تفضل أن أشرب قهوتي؟ إنه لا بد لي من فنجان قهوة بعد ~~الإفطار.» ~~- «آه! الإفطار في هذه الساعة؟» ~~- «في منتصف النهار، هنا يفطرون بعد الساعة السابعة بربع ساعة ... وقت ~~ظريف!» # فقلت بلهجة العطف: «ولكنك كنت تحدثينني عن قهوتك؟» # فقالت: «إنها (تعني كارولين) لا تؤمن بها، ولا تستطيع أن تفهمها. هي فتاة رائعة، ~~ولكن فنجان القهوة وعليها قطرة من الكونياك، في هذه الساعة، هذا يتجاوز نطاق فهمها ~~وإدراكها، فأنا مضطرة أن أنبهها كل يوم، وأنت ترى ما يستغرقه من الوقت صنع هذه ~~القهوة، ووصولها إلي، وعندما تصل ... آه يا سيدي، لا تلمني إذا لم أقدم لك شيئا ~~منها، فإني أعرف أنك شربتها في البوليفار ...» # فحز في نفسي هذا التحقير لمروءة كارولين سبنسر وكرمها، ولكني اتقيت أن أقول شيئا ~~اجتنابا لإساءة الأدب، ونظرت إلى المستر مكستر الذي طوق ركبتيه بساعديه، وقعد يرقب ~~حركات الكونتيسة وهو مفتون، ولاحظت هي أني أتأمله، وألقت إلي نظرة وابتسامة ~~تفسيرية جريئة، وقالت: «إنك ترى أنه يعبدني.» ودست أنفها ثانية فيما تطرز، فأعربت ~~لها عن تصديقي لذلك، واقتناعي به، ومضت في كلامها فقالت: «إنه يحلم بأن يكون عشيقي. ~~نعم، هذا حلمه. وقد قرأ رواية فرنسية ... من عمره ستة شهور ... وما زال منذ ذلك الوقت، ~~يتوهم أنه هو البطل وأنا البطلة.» # وكان من الجلي أن المستر مكستر لم يخطر له أنه موضوع كلامها، فقد كان ذاهلا عن ~~ذلك بما هو فيه من نشوة التأمل. وفي هذه اللحظة برزت كارولين سبنسر من البيت تحمل ~~إبريق القهوة على صحن صغير، ms128 ولاحظت أنها وهي تقطع المسافة من الباب إلى المنضدة، ~~ألقت إلي نظرة خاطفة، نظرة توسل غامض. ولم أدر ماذا تعني بها، وحسبت أن المراد ~~أنها اشتاقت، وهي واجفة الفؤاد، أن تعرف رأي خبير بالحياة عاش في فرنسا مثلي، في ~~الكونتيسة ، ولم أسترح إلى هذا الظن، فما كان يسعني أن أقول لها إن الكونتيسة ليست ~~على الأرجح سوى زوجة حلاق فرت منه. وقد حاولت على العكس أن أبدي لها الاحترام ~~والتوقير. ولكني نهضت. ولم أعد أطيق أن أبقى. وساءني أن أرى كارولين سبنسر واقفة ~~كأنها خادمة! # وقلت للكونتيسة: «هل تتوقعين أن تبقي زمنا آخر في جريمونتر؟» # فهزت كتفيها هزة عنيفة وقالت: «من يدري؟ ربما أقمت هنا سنين، وسنين. متى كان ~~المرء بائسا ...» والتفتت إلى الآنسة سبنسر وقالت: «يا عزيزتي لقد نسيت ~~الكونياك.» # واستبقيت كارولين سبنسر حين همت، بعد أن ألقت نظرة صامتة على المنضدة الصغيرة، ~~بأن تذهب لتجيء بالشراب الناقص. ومددت إليها يدي في سكون، مودعا. وكان التعب ~~باديا عليها، ولكنه كان على وجهها الصغير الوديع لمحة غريبة من ذخيرة الجلد ~~والصبر. وكبر في وهمي أن انصرافي يسرها. وكان المستر مكستر قد نهض وأقبل على إبريق ~~القهوة يصب منه في الفنجان. وخطر لي وأنا أمر في عودتي بالكنيسة أن الآنسة سبنسر ~~المسكينة كانت موفقة حين قالت لي في الهافر إنها سترى «شيئا» من أوروبا ~~العتيقة! # | هوامش # | روبرت لويس ستيفنسون # 1850-1894 # | سيد الباب # كان «دنيس ده بولييه» دون الثانية والعشرين، ومع ذلك كان يعد نفسه رجلا مجتمعا ~~تاما، وفارسا مدربا أيضا. وكان الغلمان يخوضون القتال في حداثتهم في ذلك العهد ~~الحافل بالحروب. ومتى اشترك الواحد في وقعة، وبضع غارات، وأردى خصما وهو ينازله، وعرف ~~شيئا عن الناس والحروب، فإن مما يغتفر له أن يكون في مشيته بعض الاختيال والتبختر. ~~وكان دنيس قد ربط جواده وعلفه، ثم تعشى على مهل، ثم خرج، وهو أتم ما يكون رضى عن الدنيا ~~ليؤدي زيارة في الغسق. ولم يكن هذا من الحكمة فقد كان خيرا له أن ms129 يدفئ على النار، أو ~~أن يأوي إلى فراشه، فقد كانت البلدة غاصة بجنود برجندي، وإنجلترا تحت قيادة مختلطة. ومع ~~أن دنيس كان يحمل ترخيصا وتأمينا، فإن هذا كان خليقا أن يكون ضئيل الجدوى إذا اعترضه ~~معترض. # كان ذلك في شهر سبتمبر من سنة 1439، وكان البرد قارسا، والرياح الزفزافة # 1 # المتقلبة، المثقلة بالماء تضرب البلدة وتعصف بالأوراق الذاوية في الطرق ~~وكان المرء يرى هنا، وههنا، نافذة ينبعث منها الضوء، وكانت أصوات المقاتلة وهم يتناولون ~~عشاءهم ويشربون، ويسمرون عليه، تسمع متقطعة، وتحملها الرياح ولا تلبث أن تبتلعها. وأظلم ~~الليل بسرعة، وصار علم إنجلترا الخافق يزداد غموضا وخفاء مع تكاثف السحب السابحة، حتى ~~صار نقطة سوداء، كأنه العصفور في عماية السماء المطبقة الدجن، ومع الليل ثارت الرياح ~~وصارت تصفر تحت العقود، وتزأر بين رءوس الأشجار في الوادي تحت البلدة. # وأغذ دنيس ده بولييه السير، وما لبث أن بلغ بيت صاحبه وقرع بابه وكانت نيته ألا يطيل ~~المكث وأن يبكر في الأوبة، ولكنه وجد من الحفاوة والأنس والإكرام ما أذهله عن الوقت ~~فتقضى من الليل أكثر من نصفه قبل أن يودع صاحبه على عتبة بيته، وكانت الريح قد سكنت في ~~خلال ذلك، ولكن الليل كان أحلك من القبر، فلا نجم يومض، ولا سنا قمر يبدو من خلال ~~السحاب المتبسط. ولم يكن دنيس خبيرا بمداخل الطرق ومخارجها في «شاتو لاندون.» حتى في ~~النهار كان يجد عناء في سلوك هذه الطرق الألغاز # 2 # فضل في هذا الظلام الطاغي. على أنه كان على يقين من شيء واحد، هو أن سبيله ~~أن يصعد في الجبل، فقد كان بيت صديقه في الجانب المتطامن من «شاتو لاندون» أما الخان ~~فكان في رأس الجبل، وفي ظل الكنيسة الكبيرة. فمضى - ولا هادي له إلا علمه هذا - يتعثر ~~ويتحسس طريقه، فتخلص أنفاسه تارة في المواضع الرحيبة التي تتسع فوقها رقعة السماء، ~~وتارة أخرى يمشي وراحته على الحائط في المضايق الخانقة. وإنه لمن بواعث الرعب والخشية ~~أن يغرق المرء على هذا النحو في لجة ms130 صماء من السواد في مدينة مجهولة، فإن السكون يكون ~~منطويا على احتمالات مرعبة، وتلمس اليد المتحسسة قضبان الشباك الباردة فكأنما لمست ~~ثعبانا من ثعابين الماء. وتتعثر الرجل من قلة استواء الطريق فيثب القلب إلى الفم، ~~ويكثف الظلام في موضع فيكون هذا نذيرا بكمين ، أو مدعاة للخوف من الوقوع في فجوة أو ~~حفيرة، وإذا كان الهواء أصفى والسواد أخف، اتخذت المساكن مظاهر غريبة محيرة كأنما تتعمد ~~أن تزيد المرء ضلالا. وكان على دنيس أن يعود إلى الخان من غير أن يلفت إليه الأنظار، ~~وكان معرضا لخطر جدي فضلا عما يعانيه من مشقات هذا السرى. فكان يمشي محاذرا مرهف ~~الأذن ولكن في غير وجل، وكان يتمهل عند كل زاوية ومنعطف ليتسمع وينفض الطريق. # وقضى وقتا ما، يخترق زقاقا بلغ من ضيقه أن وسعه أن يلمس الجدارين على الجانبين ~~بيديه، وإذا بالزقاق يتفتح ويرحب وينحدر انحدارا شديدا صعبا. فلم يبق عنده شك في أن ~~هذا ليس طريقه إلى الخان، غير أن الرغبة في شيء من النور والوضوح أغرته بالتقدم ليتبين. ~~وكان الزقاق ينتهي بشرفة مسورة، كأنها وهي تطل من بين المنازل العالية على الوادي ~~الغامض المظلم تحتها، المرقب في الحصن. وصوب دنيس لحظه إلى الوادي فتبين رءوس بضع أشجار ~~تخفق، ونقطة مضيئة واحدة في حيث يجري ماء النهر عند السد. وكان الجو قد بدأ يصفو، ~~والسماء تفصح، فبدا رحى السحاب ومستداره في حيثما كان أغلظ، وبانت خطوط الجبال. ورأى ~~دنيس، على هذا الضوء الخافت، منزلا على يساره ينبغي أن يكون على حظ غير قليل من ~~الفخامة، وكان على مستداره من أعاليه أبراج ومراقب وقد برزت من بنائه مؤخرة مستديرة ~~لمعبد قائم على عمد ذات عقود. أما الباب فتحت طنف مشرف خارجا عنه وعليه نقوش بارزة ~~ومن فوقه ميزابان طويلان. وكانت نوافذ المعبد يلتمع من خلال زخارفها المعقدة ضوء كأنه ~~منبعث من شموع كثيرة فصارت العمد والسقف الناتئ أشد سوادا تحت السماء. وكان من الجلي ~~أن هذا بيت أسرة كبيرة من أهل هذه الناحية، ms131 فتذكر دنيس بيتا له في بورج ووقف لحظة ينظر ~~إليه ويقيس براعة المهندسين ومنزلتي الأسرتين. # ولم يبد له أن للشرفة منفذا غير الزقاق الذي وصل منه إليها، ولم يكن يسعه إلا أن ~~يعود أدراجه من حيث جاء، ولكنه ألم بالمكان فصار في مرجوه أن يهتدي إلى الطريق الأعظم ~~ليبلغ منه خانه. وكان لا يدور في خلده أن سيقع له من الحوادث في ليلته هذه ما يجعلها ~~أبدا بالذكر بين عينه وقلبه طول حياته؛ ذلك أنه ما كاد يرجع نحو مائة ذراع حتى أبصر ~~ضوءا مقبلا عليه وسمع أصواتا عالية في هذا الزقاق الذي تتجاوب فيه الأصداء. وكان ~~القادمون نفرا من الحراس يعسون ومعهم المشاعل، ولم يخالج دنيس شك في أنهم قد ارتووا ~~من النبيذ، وأنهم ليسوا بحيث يعبئون شيئا بالرخصة التي يحملها أو يحفلون بأحكام ~~الفروسية وأصول النزال. ومن المحتمل أن يقتلوه كما يقتل الكلب. وأن يتركوه حيث يقع. ~~وكان الموقف يثير النخوة، ويغري بالإقدام ولكنه يبعث على الاضطراب. وقد خطر له أن ~~مشاعلهم خليقة أن تخفيه عن عيونهم، وأن وقع قدميه حقيق أن يغرق في لجة أصواتهم الفارغة. ~~وإذا ساعفه الحظ فمضى مسرعا وفي سكون فقد يستطيع أن يفلت من غير أن يتنبهوا. # ولكن من سوء الحظ أنه وهو يدور ليتراجع صادفت قدمه حصاة فوقع على الحائط، وندت عنه ~~صيحة ورن سيفه على الحجارة، فارتفع صوتان أو ثلاثة تطلب أن تعرف من هناك - بعضها ~~بالفرنسية، والبعض بالإنجليزية - غير أن دنيس لم يجب، وذهب يعدو بأسرع ما يستطيع في ~~الزقاق، حتى إذا بلغ الشرفة وقف ونظر وراءه، وكانوا لا يزالون يصيحون به، وضاعفوا ~~سرعتهم في تعقبه ومطاردته، وكانت قعقعة السلاح، وهم يجرون، عالية، وجلبته عظيمة، ~~والمشاعل تدفع إلى هنا، وههنا، في الزقاق الضيق. # فأجال دنيس لحظه فيما حوله، واندفع إلى ما تحت الطنف، وهناك قد يخطئونه فلا يرونه، أو ~~إذا كان هذا أملا بعيدا، فهو في مكان ليس أصلح منه للحوار والدفاع، واطمأن إلى هذا ~~فجرد سيفه وأسند ظهره على ms132 الباب. فما راعه إلا أن الباب انفتح وراءه، ومع أنه وقف في ~~مدخله هنيهة إلا أن الباب ظل يضطرب على عقبه المزيت بلا صوت، ثم سكن، وبقي مفتوحا على ~~المغيب وراءه في ظلمة الليل. والإنسان حين يسعفه الحظ بمنجى مما يتقيه لا يفكر في ~~الأمر كيف كان، ولماذا كان، بل يعد راحته الشخصية، وإلحاح مطالبه التي لا تحتمل الإرجاء ~~سببا كافيا لأغرب الغرائب وأعجب ما تحور إليه الأحوال ليستر ملجأه. ولم يكن أبعد من ~~ذهنه، من أن يوصد الباب، ولكن الذي حدث هو أن الباب، لسبب خفي، عسى أن يكون زنبركا أو ~~لزازا # 3 # أفلتت كتلته البلوطية من أصابعه وانغلق، وأحدث ضجة عظيمة وضوضاء كالتي ~~يحدثها مزلاج يغلق ويفتح من تلقاء نفسه. # وكان العسس قد بلغوا الشرفة في هذه اللحظة، وراحوا يدعونه إليهم بالصيحات واللعنات. ~~وكان هو يسمعهم يبحثون عنه في الأركان المظلمة، بل لقد اصطدمت صعدة رمح بالباب الذي ~~يحتجب خلفه، غير أنهم كانوا سكارى فلم يطل تلكؤهم، وما عتموا أن انحدروا في طريق ملتو ~~كالبزال لم يفطن إليه دنيس، ثم غابوا عن العين والسمع في المدينة. # فتنفس دنيس الصعداء، وترك دقائق تمضي تفاديا للحوادث، ثم ذهب يتحسس باحثا عن وسيلة ~~لفتح الباب والخروج من حيث دخل. وكان سطحه أملس، فلا مقبض، ولا زخرفة، ولا نتوء من أي ~~نوع، وقد أدخل أظافره فيما يلي إطار الباب وشد، ولكن الكتلة كانت رازحة لا تتقلقل. وهز ~~الباب فألفاه أثبت وأمتن من الصخرة الصماء، فقطب وصفر صفيرا خافتا. وتعجب للباب ما ~~خطبه يا ترى؟ لماذا كان مفتوحا؟ ثم كيف اتفق أن يوصد بمثل هذه السهولة والإحكام بعد ~~دخوله؟ ولم يرتح دنيس إلى ما بدا له في هذا من الغموض والخفاء والخدعة، وخيل إليه أن ~~هذا شرك، ولكن من الذي يخطر له أن ينصب شركا في زقاق هادئ كهذا، وبيت ظاهره له مثل هذه ~~الوجاهة والأبهة، وعلى أنه سواء أكان هذا أم لم يكن شركا، وكان ما حدث قد حدث عفوا أو ~~عمدا، ms133 فالواقع من الأمر أنه في فخ، وأنه لا يدري كيف يتسنى له النجاة منه. وثقلت وطأة ~~الظلام عليه، فأرهف أذنه. وكان السكون تاما في الخارج، أما في الداخل وعلى مقربة منه، ~~فخيل إليه أنه سمع تنهدا خافتا وشهيق باك، وحفيف ثوب، وحسيسا خفيفا كأنما دنا منه ~~أشخاص، يحرصون على السكوت ويحبسون حتى أنفاسهم بحذق وإحكام. وأزعجه هذا الظن، فدار فجأة ~~كأنما يريد أن يدافع عن حياته، فأبصر - لأول مرة - ضوءا بحيال عينيه، وعلى مسافة في ~~داخل البيت خيطا أفقيا من النور يعرض في نهايته كأنه خارج من فرجة بين سترين مقرنين ~~على باب. ووجد دنيس روحا وراحة في أن يرى شيئا ما، فقد كان كالذي يمشي في أرض سبخة ~~نزازة فخرج منها إلى أرض صلبة، وتعلقت نفسه بهذا الضوء، بلهفة، ووقف شاخصا يحاول أن ~~يضم أشتات ما يحيط به ويؤلف منه صورة يأنس بها العقل. وكان من الواضح أن هناك سلما ~~يبدأ من الرقعة التي هو فيها ويرتقي إلى الباب الذي ينبعث منه الضوء، بل لقد كبر في ~~وهمه أنه يرى شعاعا آخر من النور، دقيقا كالإبرة وخافتا كأنه من جسم مضيء بطبيعته، ~~فمن الممكن أن ينعكس على الخشب المصقول للدرابزين. ولما كان يتوهم أنه ليس وحده فقد جعل ~~قلبه يدق بعنف خانق، ومن أجل ذلك لجت به الرغبة في عمل شيء ما. واعتقد أنه مستهدف لخطر ~~عظيم. وأن حياته مهددة، فمن الطبيعي أن تحدثه نفسه بالصعود على السلم، ورفع الستار أو ~~تنحيته، ومواجهة ما عسى أن يكون وراءه، فيخرج بهذا مما هو فيه من الحيرة والقلق، وأقل ~~ما في هذا من الجدوى أن يصبح أمام شيء محسوس وأن يخلص من الظلام والجهل. ومشى يخطو ~~ببطء، ويداه ممدودتان أمامه حتى ضربت قدمه أولى درجات السلم، فارتقى فيه بسرعة، ثم وقف ~~هنيهة يضبط أعصابه، ثم نحى الستر ودخل. # وألفى نفسه في حجرة كبيرة مصقولة الجدران، ولها ثلاثة أبواب، لكل حائط باب، وعلى ~~الأبواب أستارها، أما الحائط الرابع ففيه نافذتان كبيرتان وموقد ms134 من الحجر نقش عليها ~~شعار «آل مالتروا.» وعرف دنيس الشعار وسره أنه في بيت قوم من ذوي المحتد والأرومة ~~الكريمة، وكان الضوء في الحجرة قويا، ولم يكن فيها من الأثاث والمتاع سوى مائدة ثقيلة ~~وكرسي أو كرسيين. ولم يكن في الموقد نار، وكان على البلاط قليل من القش، من الواضح أنه ~~ألقي منذ بضعة أيام. # ورأى دنيس أمامه، وهو يدخل، رجلا هرما ضيئل الجسم متلفعا بالفرو على كرسي عال ~~بجانب الموقد، وكانت إحدى ساقيه على الأخرى وإحدى يديه على الأخرى في حجره، وعلى صفة ~~للجدار، قريبا من كوعه، كأس من النبيذ، أما وجهه فكانت معارفه كأنها مصبوبة في قالب ~~حاد يطالعك منه، لا ما تراه في محيا آدمي، بل ما يطالعك من وجه ثور أو جدي، أو خنزير ~~أليف، وتقرأ فيه معاني الخب، والغدر، والنهم، والقسوة، والفتك. وكانت الشفة العليا ~~غليظة جدا، كأن بها ورما من ضربة أو وجع في الأسنان، وكانت ابتسامته وحاجباه ~~المحددان، وعيناه الضيقتان القويتان، ناطقة بالشر. وكان شعره الأبيض الجميل يسيل فينسدل ~~حول رأسه، كشعر القديس ويلتوي عند التقائه بالفرو، وكانت لحيته وشارباه تكسبه جلالا ~~وتفيض على محياه عذوبة ملطفة، ولم تترك الشيخوخة على راحتيه أثرا، وعسى أن يكون ذلك من ~~الدقة في تحري القصد، والتزام الاعتدال في المعيشة. وكانت «يد» آل مالتروا مشهورة، ومن ~~العسير أن يتصور المرء كفا كثيرة اللحم ودقيقة الخلق في آن معا، كهذه. وقد كانت ~~الأصابع الطرية تنتهي بأنامل كرأس الشمعة فكأنها أصابع امرأة مما صور ليوناردو، وكان ~~الإبهام حين ينطوي تبرز عظمته جدا، والأظافر بارعة الشكل وشديدة البياض، وقد زاد في ~~جلال منظره وعمق وقعه في النفس أن تكون له هاتان الكفان وأن يريح إحداهما على الأخرى في ~~حجره، كأنه ضحية بكر، وأن يكون لمحياه هذا التعبير الحاد المزعج، ويجلس صامتا يتأمل ~~الناس بعين لا تطرف كأنه رب من الأرباب أو تمثاله. وكان سكوته هذا يبدو كأنه من السخر ~~والغدر، فما يلائم ما ينطق به وجهه. # وكان هذا هو «ألين» ms135 كبير آل مالتروا. # ومضت ثانية أو اثنتان، وكل من الرجلين يرشق الآخر بلحظه. # ثم قال السيد مالتروا: «تفضل بالدخول. لقد كنت أنتظر مقدمك طول هذا المساء.» # ولم ينهض وهو يدعوه، ولكنه شفع دعوته بابتسامة، وحنى رأسه قليلا على سبيل التلطف. ~~فشعر دنيس بقشعريرة قوية من المقت والتقزز تسري في عظامه، وكان هذا وقع الابتسامة وفعل ~~تمتمة غريبة مهد بها الرجل لكلامه. وقد كاد دنيس، لما عراه من اضطراب الذهن، وما جاشت ~~به نفسه من بغض الرجل، لا يجد كلاما يقوله في جواب ما سمع. # ثم وجد لسانه فقال: «أظن أن خطأ مزدوجا قد وقع، فإني لست من تتوهمني. ويظهر أنك كنت ~~ترتقب زائرا، ولكني أؤكد لك أن هذا التطفل مني لم يكن يجري لي في خاطر، ولا كانت ~~تدفعني إليه رغبة.» # فقال الرجل بلهجة المتسامح: «حسن. حسن. هذا أنت هنا، وهذا هو المهم. اقعد يا صاحبي، ~~واسترح. وسنرتب ما بيننا من الأمور التافهة حالا.» # ورأى دنيس أن الغلط لا يزال يعقد الأمر فأراد أن يمضي في بيانه وقال: «إن بابك ~~...» # فرفع الرجل حاجبيه المحددين وقال: «بابي؟ إنه آية صغيرة من آيات الذكاء والبراعة.» ~~وهز كتفيه «هوى لي في الكرم! وقد قلت إنك لم تكن راغبا في لقائي ومعرفتي. ونحن الشيوخ ~~نعرف هذا الزهد فينا والعزوف عنا أحيانا، وإذا مس ذلك شرفنا التمسنا وجوه الحيلة ~~للتغلب عليه. لقد جئت غير مدعو، ولكن صدقني حين أقول إني أرحب بك.» # فقال دنيس: «إنك تلج في الخطأ يا سيدي، فما ثم أي شأن بيني وبينك وإني لغريب في هذه ~~البلدة. واسمي دنيس ده بولييه. وإذا كنت تراني الآن في بيتك فذاك ...» # فقاطعه الرجل: «يا صاحبي أرجو أن تسمح لي برأيي في هذا الموضوع وأحسبه يخالف رأيك في ~~اللحظة الحاضرة» ثم أضاف بضحكة: «وستظهر الأيام أينا كان المصيب وأينا المخطئ.» # فأيقن دنيس أن هذا الرجل مخبول ملتاث العقل، وهز كتفيه وقعد، وقد راض نفسه على الصبر ~~حتى يرى ختام الأمر. وتلت ذلك فترة صمت خيل ms136 إليه في أثنائها أنه سمع همهمة كهمهمة ~~الصلاة وراء الستر المقابل له. وكانت حرارة الصوت على الرغم من خفوضه تشي بالعجلة ~~الشديدة أو الألم الوجيع. وخطر له أن هذا الستر يحجب مدخل المعبد الذي رآه من ~~الزقاق. # وكان الرجل في أثناء ذلك يلحظ دنيس ويقيسه من رأسه إلى قدمه، وهو يبتسم، وكان من حين ~~إلى حين يخرج أصواتا كأصوات الطير أو الجرذان تدل على الرضى والارتياح. وصارت الحالة ~~بسرعة مما لا يطاق، وأراد دنيس أن يضع حدا لها فقال بتلطف: إن الرياح قد سكنت. # فعرت الرجل نوبة من الضحك الصامت، طالت واشتدت حتى لقد اتقد منها وجهه. فوثب دنيس ~~إلى قدميه ووضع قبعته على رأسه ملوحا بها وقال: «سيدي، إذا كان عقلك في رأسك فإنك تكون ~~قد امتهنتني جدا، وإذا كان عقلك عازبا عنك فإني أحسب أن في وسعي أن أجد شيئا آخر ~~أشغل به نفسي غير الكلام مع المجانين. إن ضميري مرتاح. وقد هزئت بي من أول لحظة، ورفضت ~~أن تصغي إلى بياني وإيضاحي، فالآن لا توجد قوة غير قوة الله تضطرني أن أبقى هنا، وإذا ~~لم أستطع أن أخرج على نحو آخر يكون أكرم وأمثل، فسأقطع بابك وأحطمه بسيفي.» فرفع الرجل ~~يمناه لدنيس وحركها وكانت السبابة والخنصر والبنصر ممدودة دون البقية. # وقال: «اجلس يا ابن أخي العزيز.» # فصاح دنيس: «ابن أخيك؟ إنك كاذب.» وفرقع أصابعه في وجهه. # فصاح به الرجل بصوت حاد كنباح الكلب: «اجلس أيها الوغد! أتظن أني لما نصبت هذا الباب، ~~اجتزأت به واقتصرت عليه؟ إذا كنت تفضل أن تقيد يداك ورجلاك حتى تشتكي عظامك التوصيم ~~فانهض وحاول أن تخرج! أما إذا كنت تؤثر أن تظل حرا وأن تحادث شيخا كبيرا فاقعد حيث ~~أنت في سلام، وليكن الله معك!» # فسأله دنيس: «أتعني أني هنا سجين؟» # فقال الرجل: «إنما أسرد الحقائق. وأرى أن أترك لك أن تستخلص مدلولها.» # فقعد دنيس مرة أخرى، وحاول أن يكون في الظاهر هادئا ساكن الطائر أما باطنه فقد كان ~~جائشا، فتارة تفور ms137 نقمته وحنقه، وتارة أخرى تشيع في بدنه رعدة من الحذر. وتزعزع يقينه ~~بأنه يخاطب مجنونا. ولكن إذا كان الرجل سليم العقل، فماذا يتوقع؟ وما هذه الحادثة ~~الفاجعة أو السخيفة التي وقعت له؟ وبماذا ينبغي له أن يواجه الموقف؟ # وبينما كان يفكر في هذا غير مسرور به أو مرتاح إليه، رفع السجف المرخى على باب المعبد ~~ودخل قسيس طويل القامة عليه مسوح الكهنة، ورمى دنيس بنظرة طويلة حادة ثم قال شيئا بصوت ~~خفيض للشيخ. # فسأله هذا: «أوصارت أسلس وألين؟» # فقال القسيس: «إنها أكثر استسلاما.» # فقال الشيخ متهكما: «كان الله في عونها فإن مرضاتها عسيرة. شاب وجيه وسيم، وليس ~~بوضيع الأصل، فماذا تبغي الفاجرة أكثر من هذا؟» # فقال القسيس: «إن الموقف غير مألوف، ومخجل لفتاة خفرة.» # فقال الشيخ: «كان عليها أن تتدبر هذا وتنظر في العواقب قبل أن تقدم على هذه الرقصة! ~~وما كنت أنا الذي اختار لها هذا علم الله. ولكن لما كانت قد دخلت في هذا، فوحق ~~العذراء لتمضين في الأمر إلى ختامه.» # ثم التفت إلى دنيس وقال يخاطبه: «هل لي أن أقدمك إلى ابنة أخي يا سيد ده بولييه؟ لقد ~~كانت تنتظر قدومك بصبر أنفد من صبري.» # وكان دنيس قد أسلم أمره لقضاء الحظ فيه، فكل ما كان يبتغي هو أن يعرف آخر الأمر بأسرع ~~ما يستطاع. ولهذا نهض من توته وانحنى موافقا. واحتذى كبير آل مالتروا مثاله وسار يعرج ~~متكئا على ذراع القسيس، إلى باب المعبد، فنحى القسيس السجف، ودخل الثلاثة. وكان المكان ~~على حظ وافر من جمال الهندسة وبراعتها. وكان عقد القبة محمولا على ستة عمد متينة، وقد ~~تدلى مصباحان في حفل من الزينة. وكان المعبد في نهايته - وراء الهيكل - مستديرا مفرط ~~الزخرف، وله نوافذ صغيرة على صور النجوم وأوراق الشجر والعجلات، ولم يكن زجاج النوافذ ~~سليما كله، فكان هواء الليل يتخلل المكان، وكانت الشموع المضاءة على الهيكل لا تقل عن ~~خمسين، وكان الهواء ينفخها بلا رحمة، فينتقل النور من السفر والالتماع إلى ما يشبه ~~الكسوف. وكانت ms138 هناك فتاة في ثياب عرس تركع على درجة أمام الهيكل. فأحس دنيس بالبرد في ~~بدنه لما رأى ثيابها، وجاهد مجاهدة اليائس أن ينفي الخاطر الذي يأبى إلا أن يدور في ~~نفسه. فما يمكن أن يكون الأمر كما يخشى، ولا ينبغي أن يحدث هذا. # وقال الشيخ بأعذب أصواته: «بلانش! لقد جئت بصديق ليراك يا فتاتي الصغيرة. فأولنا وجهك ~~ومدي إليه يدك الجميلة. حسن أن يكون المرء ورعا تقيا ولكن من الواجب أن يكون مهذبا ~~مؤدبا يا ابنة الأخ.» # فنهضت الفتاة إلى قدميها ودارت فواجهت القادمين. وكان جسمها يتحرك كله معا. وكان ~~الخجل والإعياء باديين على كل خط من خطوط جسمها البض الصابح، وكانت مطرقة، وعينها على ~~الأرض وهي تخطو على مهل، وأبصرت - وهي تتقدم - رجلي دنيس، وكان فخورا بقدميه بحق، ~~وشديد العناية برشاقة حذائيه حتى حين يكون على سفر، فوقفت - انتفضت كأنما كان حذاءاه ~~الأصفران قد أوحيا إليها بمعنى مفزع - ورفعت عينها بغتة إلى وجه دنيس. فالتقت عيونهما، ~~فحل الجزع والفزع في عينيها محل الخجل، واصفرت شفتاها، وندت عن صدرها صرخة عالية وغطت ~~وجهها بيديها وهوت إلى الأرض. # وصاحت: «هذا رجل آخر، يا عمي، هذا رجل آخر.» # فقال الشيخ بلهجة الراضي: «بالطبع لا ... لقد كنت أتوقع هذا ... من سوء الحظ أنك لم ~~تستطيعي أن تتذكري اسمه.» # فعادت تصيح: «صدقني. صدقني. ما رأيت قط وجه هذا الرجل إلا الساعة - لم تقع عيني عليه ~~من قبل - ولست أريد أن أراه مرة أخرى.» # والتفتت إلى دنيس وقالت: «سيدي. إذا كنت رجلا شريفا فليس يسعك إلا أن تشهد لي، فهل ~~رأيتك قط؟ هل رأيتني قط؟ قبل هذه الساعة المشئومة!» # فقال دنيس: «أما عن نفسي فأقول إنه لم يكتب لي هذا الشرف من قبل. وهذه أول مرة يا ~~سيدي التقيت فيها بابنة أخيك الجميلة.» # فهز الشيخ كتفيه وقال: «يحزنني أن أسمع هذا. ولكن الابتداء لا يضيع وقته ولا تذهب ~~فرصته مهما تأخر. وما كانت معرفتي بزوجتي التي توفيت أوثق من معرفتكما - قبل زواجنا - ~~وهذا يثبت أن ms139 الزواج المرتجل كثيرا ما يسفر عن تفاهم بديع على العموم. ولما كان الزوج ~~يجب أن يكون له رأي في الموضوع، فسأدعه ساعتين ليعوض ما فات من الوقت قبل أن نمضي ~~بالمراسم إلى غايتها.» # واتجه إلى الباب والقسيس وراءه. # فنهضت الفتاة على قدميها بسرعة وصاحت : «عمي! لا يمكن أن تكون جادا. إني أقسم أمام ~~الله أني أوثر أن أقتل نفسي على أن أرمى على هذا الرجل؛ إن النفس تثور على هذا. الله ~~يحرم مثل هذا الزواج، وأنت تلوث شعرك الأبيض، وتجر عليه العار. عمي! ارحمني. ما من ~~امرأة في العالم إلا وهي تفضل الموت على مثل هذا الزواج. هل من الممكن (باضطراب وتردد) ~~هل من الممكن أن لا تصدقني ... هل يمكن أن تظل تعتقد (وأشارت إلى دنيس وهي ترعد من الغضب ~~والاحتقار) أن تظل تعتقد أن «هذا» هو الرجل؟» # فقال الشيخ وهو واقف على العتبة: «أقول لك الحق. نعم، ولكن دعيني أبين لك، يا بلانش ~~ده مالتروا، أسلوب تفكيري في هذا الموضوع. لما نزا بك الطيش، فلوثت كرامة أسرتي والاسم ~~الذي أحمله في السلم والحرب منذ ستين سنة، أسقطت بذلك حقك في مجادلتك فيما أصنع، بل في ~~أن تنظري إلى وجهي. ولو كان أبوك حيا لبصق عليك وطردك. فقد كانت يده من حديد ومن ~~واجبك أن تشكري الله لأن يدي من المخمل يا آنسة! لقد كان واجبي أن أزوجك بلا تلكؤ، ~~ودفعني طيب القلب وحسن النية فبحثت لك عن حبيبك وأعتقد أني وفقت. وأقسم بالله وملائكته ~~أني لا أعبأ شيئا إذا كنت لم أوفق يا بلانش ده مالتروا. لهذا أنصح لك بأن تكوني مؤدبة ~~مع صاحبنا الشاب. إذ من يدري!؟ قد يكون الذي يليه أقل لياقة!» # وخرج، والقسيس في أثره. وانسدل الستر عليهما. # وواجهت الفتاة دنيس بعينين تقدحان شررا وسألته: «ماذا يمكن أن يكون معنى هذا يا ~~سيدي؟» # فقال دنيس باكتئاب: «الله وحده هو العليم، إني سجين في هذا البيت الغاص بالمجانين على ~~ما يظهر. ولست أعرف أكثر من هذا ولا ms140 أنا فاهم شيئا.» # فسألته: «وكيف جئت إلى هنا، من فضلك؟» # فأخبرها بأوجز ما يستطيع ثم قال: «وقد يكون الأصوب أن تحتذي مثالي وتحلي لي هذه ~~الألغاز، وتقولي لي ما آخر هذا؟» # فوقفت برهة وهي صامتة، وكان دنيس يرى شفتيها ترتجفان، وعينها التي جمدت فيها الدموع، ~~تتقد وتومض بنار الحمى، ثم أراحت جبينها على كفيها وقالت بفتور وتعب: ~~- «وا أسفاه! لشد ما يوجعني رأسي! بله قلبي! ولكن من حقك أن تعرف قصتي وإن كانت ~~تبدو غير لائقة. اسمي بلانش ده مالترو. وأنا يتيمة - لا أم ولا أب - منذ - أوه ... مذ ~~صرت أعرف شيئا. وكنت، وما زلت، شقية طول عمري. ومنذ ثلاثة شهور، بدأ ضابط شاب يقف إلى ~~جانبي كل يوم في الكنيسة. وتبينت أنه يحبني. وإني لملومة، ولكنه سرني أن أجد إنسانا ~~يحبني. ودس في يدي رقعة، فحملتها معي إلى البيت وقرأتها وأنا فرحة. وقد كتب إلي رقعا ~~كثيرة بعد ذلك. وكان يتلهف على محادثتي - مسكين - وجعل يلح علي أن أدع الباب مفتوحا ~~في بعض الليالي لنتبادل كلمتين على درج السلم، فقد كان يعرف مبلغ ثقة عمي بي.» # وشهقت وهي تقول ذلك، ولم تستطع أن تستأنف الكلام إلا بعد لحظة. «وعمي رجل قاس. ولكنه ~~ذكي حاذق. وقد أبلى بلاء حسنا في الحروب وكان ذا حظوة ومقام في بلاط الملك، وكانت ~~الملكة إيزابو تثق به في الأيام السالفة. ولا أدري كيف استراب بي وشك في أمري، غير أن ~~من الصعب أن يخفي الإنسان عنه شيئا. وفي الصباح، ونحن عائدون من صلاتنا وضع يدي في ~~يده، وأكرهني على فتحها، وقرأ الرقعة التي كتبها الضابط. وكان يقرأ وهو يمشي، ولما أتم ~~القراءة ردها إلي بلطف. وكان الرقعة رجاء جديدا أن أدع الباب مفتوحا. فكان في هذا ~~خرابنا جميعا. فقد أبقاني عمي في غرفتي وحرص على أن لا أبرحها حتى دخل الليل ثم أمرني ~~أن ألبس هذه الثياب التي تراها علي - فيا لها من سخرية بفتاة مثلي! أليس هذا رأيك؟ ~~وأحسبه لما عجز عن حملي ms141 على الإفضاء باسم الضابط، نصب هذا الفخ له، فوقعت أنت فيه، ويا ~~للأسف! وقد توقعت ارتباكا كثيرا إذ من أدراني أنه يقبل أن يتخذني زوجة بهذه الشروط؟ ~~ولعله كان يلهو غير جاد من أول الأمر، وعسى أن أكون أرخصت نفسي في عينه. ولكني لم أكن ~~أتوقع مثل هذه العقوبة الفاضحة! ولم يكن يخطر لي أن الله يأذن أن يعصب رأس فتاة بالعار ~~على هذا النحو أمام شاب. والآن انتهت قصتي. ولست أجرؤ أن أرجو ألا تحتقرني.» # فانحنى لها دنيس احتراما وقال: «سيدتي. لقد شرفتني بثقتك بي ومصارحتك لي، وقد بقي ~~علي أن أثبت لك أني لست غير أهل لهذا الشرف. فهل السيد ده مالتروا قريب من ~~هنا؟» # قالت «أظنه ينتظر في الحجرة الأخرى.» # فسألها دنيس وهو يعرض عليها ذراعه بأقصى ما يسعه من التلطف: «هل تسمحين لي أن أمضي بك ~~إليه؟» # فقبلت، فخرجا من المعبد؛ بلانش مكتئبة خجلة، ودنيس يخطر وهو معتز بغايته وثقته ~~الصبيانية بقدرته على تحقيقها وسلامة شرفه بذلك. # ونهض السيد ده مالتروا لاستقبالهما، وانحنى لهما ساخرا. # وقال دنيس بأقصى ما يسعه من الشموخ: «سيدي. إني أعتقد أنه سمح لي بإبداء رأي في هذا ~~الزواج، فلأقل بلا تلكؤ، إني لن أكون شريكا في إرغام هذه السيدة. ولو أن الأمر عرض ~~علي، بغير إكراه، لكان من دواعي الشرف لي أن أقبل يدها. فإنها لنبيلة بقدر ما هي ~~جميلة، فأما والأمر كما هو فإن لي الشرف يا سيدي أن أرفض.» # فنظرت إليه بلانش شاكرة، أما الشيخ فابتسم، وظل يبتسم حتى صارت ابتسامته تغثي نفس ~~دنيس. # وقال الشيخ: «أعتقد يا سيد ده بولييه أنك لا تدرك حق الإدراك ما أعرضه عليك من ~~الخيار. فأرجو أن تتبعني إلى هذه النافذة.» ومضى أمامه إلى إحدى النوافذ الكبيرة ~~المفتوحة على ظلام الليل وقال: «ترى أن في البناء من فوق حلقة من الحديد، فيها حبل ~~متين. والآن أصغ إلي: إذا وجدت أن زهدك في ابنة أخي لا يغالب ولا يفتر، فسأشنقك بهذا ~~قبل طلوع الشمس. ms142 ولن أفعل ذلك حين أضطر إليه إلا وأنا شديد الأسف، لو صدقت، فليس موتك ~~طلبتي، وإنما مبتغاي كفالة المستقبل لابنة أخي. ولكنه لا حيلة لي سوى هذا إذا عاندت. إن ~~أسرتك يا سيدي ده بولييه كريمة، ولكن لو أنك كنت من نسل شرلمان، لما كان لك أن ترفض يد ~~سيدة من آل مالتروا وأنت آمن - حتى ولو كانت مبتذلة كطريق باريس - حتى ولو كانت دميمة ~~كالميزاب الذي على بابي. وليس لابنة أخي، ولا لك، ولا لإحساسي الخاص، شأن أو دخل في هذا ~~الموضوع، وإنما تعرض شرف بيتي لما يخدشه. وإني أعتقد أنك الذي اجترح هذا الإثم، وأنت ~~على الأقل أصبحت عارفا بالسر ومطلعا عليه، فليس لك أن تتعجب إذا طلبت منك أن تمحو ~~هذه الوصمة، وإذا لم تفعل فإن دمك يكون على رأسك، وتكون أنت الجاني على نفسك. ولن يكون ~~من بواعث اغتباطي أن أرى جثمانك يضطرب في الهواء، تحت نوافذي. ولكن نصف الرغيف خير من ~~لا خبز، وإذا لم يسعني أن أمحو الوصمة فسأخنق على الأقل، الفضيحة.» # وكان صمت. # ثم قال دنيس: «أعتقد أن هناك طرقا أخرى لفض النزاع بين الرجال ذوي الشرف والكرامة. ~~وإن معك لسيفا وقد سمعت أنك استعملته بحذق.» # فأومأ سيد ده مالتروا إلى القسيس فقطع أرض الحجرة بخطى واسعة صامتة ونحى السجف عن ~~ثالث الأبواب، وبعد هنيهة أرخاه كما كان، ولكن دنيس وسعه أن يرى أن الدهليز المظلم غاص ~~بالرجال المدججين بالسلاح. # وقال سيد ده مالتروا: «لما كنت أصغر قليلا، كان يسرني أن أشرفك يا سيد ده بولييه ~~ولكني الآن أسن من أن أفعل ذلك. والأتباع الأوفياء هم عضلات الشيخوخة وزنودهم، ولا معدى ~~لي عن استعمال ما لدي من قوة. وهذا من أشق ما يضطر المرء إلى احتماله كلما علت به السن، ~~ولكن بقليل من الصبر يصبح الأمر عادة. وأنت وابنة أخي تفضلان على ما يظهر أن تقضيا في ~~هذه الحجرة ما بقي لكما من الساعتين المضروبتين أجلا، ولست أحب أن أعترض لكما طريق ~~رغبة، ms143 لذلك أخلي لكما الحجرة مسرورا!» # ورأى نظرة خطرة في عيني دنيس فرفع يده زاجرا وقال: «لا تتسرع! إذا كانت نفسك تثور ~~على الشنق فإنه لا يزال أمامك ساعتان تلقي بعدهما نفسك من النافذة، أو تلقيها على حراب ~~أتباعي. والساعتان من العمر هما دائما ساعتان ، وقد يحدث كثيرا مما ليس في الحسبان حتى ~~في مسافة وجيزة من الزمن كهذه. وإذا كانت فراستي لم تخني، فإنه يبدو لي أن ابنة أخي ~~تريد أن تحدثك بشيء ولا أحسبك ترضى أن تشوه ما بقي لك من العمر بسوء الأدب مع ~~سيدة!» # فنظر دنيس إلى بلانش، فأومأت إليه متوسلة ضارعة. # ويظهر أن الشيخ الهرم سره جدا هذا الفهم، فقد ابتسم لهما وقال بلهجة لينة: «إذا ~~بذلت لي وعدا بشرفك يا سيدي بولييه أن تنتظر عودتي عند انقضاء الساعتين، قبل أن تخاطر ~~بشيء، فإني مستعد أن أصرف أتباعي وأن أدعك تتكلم مع الآنسة وأنت آمن أن يسمعك ~~أحد.» # فنظر دنيس مرة أخرى إلى الفتاة، فألفاها تتوسل إليه بعينها أن يقبل. # فقال: «أعدك بشرفي.» # فانحنى السيد ده مالتروا ومضى يظلع على أرض الغرفة ويتنحنح ويخرج تلك الأصوات التي ~~استك منها مسمع دنيس. وتناول أولا أوراقا كانت ملقاة على المائدة ثم قصد إلى مدخل ~~الدهليز وأمر الذين وراء الستر بشيء، ثم خرج من الباب الذي دخل منه دنيس، بعد أن وقف ~~على العتبة ليلقي ابتسامة أخيرة إليهما، وتبعه القسيس وفي يده مصباح. # فلما صارا وحدهما دنت بلانش من دنيس ويداها ممدودتان، وكان وجهها مضطرما، وعيناها ~~تلمع فيهما العبرات. # وقالت: «لن تموت. يجب أن تتزوجني.» # فقال دنيس: «يظهر يا سيدتي أنك تحسبين أني أخاف الموت.» # فقالت: «لا لا لا ... فإني أرى أنك لست بالجبان. وإنما أدعوك إلى هذا من أجلي أنا، فما ~~أطيق أن أدعك تذبح لهذا.» # فقال دنيس: «أظن يا سيدتي أنك تبالغين في الاستخفاف بالصعوبة، فإن ما تكونين أنت أكرم ~~من أن ترفضيه، قد أكون أنا أشد كبرا من أن أقبله. وإنك ليغمرك الآن شعور كريم، فأنت ms144 ~~تنسين ما أنت به مدينة لآخرين.» # وكان كيسا فكانت عينه على الأرض وهو يقول ذلك، وظل كذلك بعد أن فرغ من الكلام، حتى ~~لا يرى اضطرابها. وبقيت هي صامتة لحظة ثم مضت عنه وهوت على كرسي عمها وانفجرت تبكي ~~وتنتحب، فبلغ الاضطراب والارتباك بدنيس غايتهما، وتلفت كأنما يستلهم ما حوله، ورأى ~~مقعدا فهوى عليه، فقد كان لا بد له أن يصنع شيئا. وهكذا جلس يعبث بمقبض سيفه. ويتمنى ~~لو أنه كان قد مات ألف ميتة ودفن في أقذر مزبلة في فرنسا! وكانت عينه تدور في الحجرة، ~~ولكن لحظه لم يستوقفه شيء، وكانت المسافات بعيدة بين قطع الأثاث والضوء يقع منحرفا على ~~كل شيء وهواء الليل خارج الغرفة يدخل من نافذتها باردا، فخيل إليه أنه لم ير أرحب من ~~هذه الكنيسة، ولا قبرا أسود وأقتم من هذا. وكانت شهقات بلانش ده مالتروا منتظمة كدقات ~~الساعة. وقرأ دنيس الشعار الذي على الترس مرة أخرى. وثانية، وثالثة، حتى زاغ بصره، وحدق ~~في الأركان المعتمة حتى بدت له كأن هواما فظيعة تسرح فيها وتمرح. وكان من حين إلى حين، ~~يتنبه فزعا فيتذكر أن الساعتين تنقضيان، وأن الموت يزحف. وكثر، مع كر الوقت، لحظانه ~~الفتاة نفسها. وكانت مطرقة، ويداها على وجهها، وكان شهاق الحزن يهزها آنا بعد آن. ولكن ~~هذا لم يفقدها جمالها، ولم يجعل العين أقل استراحة إلى النظر إلى بضاضتها وحسنها، وسمرة ~~بشرتها الحارة، وإلى أجمل ما رأت عين دنيس من الشعر في عالم النساء. وكانت يداها كيدي ~~عمها، ولكنهما كانتا أليق بذراعيها الطويلين وأنطق بالرقة والحنو. وتذكر كيف كانت ~~عيناها الزرقاوان تومضان وهي تنظر بهما إليه، وفيهما الغضب والعطف والطهر. وصار كلما ~~أوسع محاسنها نظرا وتأملها ازداد نفورا من الموت وزهدا فيه، وندما وأسفا لأنه يطيل ~~بكاءها. وكان يحس تارة أنه ما من إنسان تؤاتيه الشجاعة فيترك دنيا فيها مثل هذا الجمال، ~~وتارة أخرى يود لو أن أربعين دقيقة انتقصت من ساعته الأخيرة، وأنه لم يقل لها ما ~~قال. # وصافحت مسامعها فجأة ms145 صيحة ديك من الوادي المظلم تحت النافذة، فكانت هذه الضوضاء التي ~~مزقت حجاب السكون كالنور ينبثق في الظلمة، فهزهما ذلك وردهما عما كان يستغرقهما من ~~الفكر. # وقالت وهي ترفع إليه وجهها: «وا اسفاه! أما من شيء أستطيع أن أساعدك به؟» # فقال بلا مناسبة من كلامها: «سيدتي، إذا كان فيما قلته، ما جرحك فثقي أنه كان من ~~أجلك، وفي سبيلك، لا من أجلي.» # فشكرته بعين مغرورقة بالدموع. # ومضى في كلامه فقال: «إني أدرك أوجع إدراك ما في مركزك من الحرج. لقد قست عليك الدنيا ~~قسوة مرة. وإن عمك لوصمة لبني الإنسان. وصدقيني يا سيدتي، حين أقول إنه ما من شاب في ~~فرنسا إلا وهو يرحب بفرصتي، ويسره أن يموت ليؤدي لك خدمة وقتية.» # فقالت: «إني أعرف أن في وسعك أن تكون شجاعا كريما. والذي أريد أن أعرفه هو هل ~~أستطيع أن أخدمك، الآن أو فيما بعده.» وارتعش صوتها وهي تنطق بالكلمات الأخيرة. # فأجابها بابتسام: «على التحقيق. ودعيني أقعد إلى جانبك كما يفعل الصديق، وكأني لست ~~ذلك المتطفل الأحمق. ولتنسي ما ينطوي عليه موقفنا - بعضنا حيال بعض - من الحرج. دعي ~~لحظاتي الأخيرة تمر حميدة. وبهذا تؤدين لي خير خدمة ممكنة.» # فقالت بصوت ينم على ازدياد حزنها: «إنك شهم باسل ... شهم جدا ... وهذا يؤلمني لسبب ما ... ~~ولكن ادن مني من فضلك وإذا وجدت كلاما تقوله لي فإن في وسعك على الأقل أن تكون على ~~يقين من ود المصغي إليك. آه يا سيد ده بولييه! كيف أقوى على النظر إلى وجهك؟» # وعادت تنتحب مرة أخرى وتبكي بأربع. # فتناول دنيس يدها وجعلها بين يديه وقال: «سيدتي، فكري في الوقت القصير الباقي لي، وفي ~~الألم المر الذي يحدثه لي حزنك. أعفني في لحظاتي الأخيرة من رؤية ما لا أستطيع أن أداوي ~~حتى ببذل حياتي.» # فقالت بلانش: «إني شديدة الأنانية. ولكني سأتشجع يا سيد ده بولييه من أجلك، ولكن فكر ~~فيما أستطيع أن أصنعه في سبيلك في المستقبل، أليس لك إخوان أحمل إليهم وداعك؟ احمل علي ~~بما ms146 تشاء! كلفني كل ما يخطر لك، فإن كل عبء سيخفف قليلا ألم ما أنا مدينة به لك. اجعل ~~في وسعي أن أصنع شيئا من أجلك أكثر من البكاء.» # فقال دنيس: «لقد تزوجت أمي ثانية، ولها أسرة صغيرة تعنى بها، وسيرث أخي جيشار ~~إقطاعاتي، وإذا كنت غير مخطئ فسيعزيه هذا كثيرا عن موتي. إن الحياة أنفاس تذهب على ما ~~يقول لنا رجال الدين. والمرء حين يكون على منهاج السعادة، وتتفتح أبواب الحياة أمامه، ~~يتوهم أنه شيء عظيم الخطر في الدنيا. حصانه يصهل له، والنفير ينفخ، فتطل الغانيات من ~~النوافذ لتراه وهو يتقدم فرقته، ويتلقى مواثيق عديدة، بعضها بالبريد، كتابة، وبعضها ~~باللسان، والعين في العين، ويهوى على عنقه الرجال ذوو المنازل الملحوظة، ثم يموت، فما ~~أسرع ما ينسى ولو كان أشجع من هرقل وأحكم من سليمان. منذ أقل من عشر سنوات قتل أبي في ~~معركة عنيفة وقتل معه كثيرون من الفرسان ولست أظن اسم أحد منهم، أو حتى اسم الواقعة، ~~يذكر الآن! لا لا لا، يا سيدتي كلما اقترب المرء من الموت ألفى أنه ركن مظلم معفر، يدخل ~~منه الرجل إلى قبره ويوصد عليه الباب إلى يوم الحساب. وإن أصدقائي الآن قليلون، وبعد أن ~~أموت لا يكون لي صديق.» # فقالت: «آه يا سيد ده بولييه، إنك ينسى بلانش ده مالتروا.» # فقال: «إن أخلاقك كريمة يا سيدتي، وقد شئت أن تبالغي في قيمة عمل صغير.» # فقالت: «ليس هذا ما أعني. وإنك لتخطئ إذا كنت تظن أني متأثرة بما يعنيني. إنما أقول ~~ذلك لأنك أنبل وأشرف رجل رأيته، لأني أرى لك روحا لو حلت في بدن واحد من حثالة الناس ~~لرفعته وجعلت له شأنا في الأرض.» # قال: «ومع ذلك هذا أنا أقضي نحبي في مصيدة جرذان، بلا ضجة أكثر من صيحاتي.» # فبان في محياها الألم، وسكتت لحظة، ثم أضاءت عينها، وقالت بابتسام: «لا أستطيع أن ~~أسمح لفارسي أن يحقر نفسه ويسخر منها. إن كل من يبذل حياته فداء لحياة أخرى، تستقبله ~~في الجنة ملائكة ms147 الله بالترحيب. ومع ذلك لا داعي لأن تشنق إذ ... إذ ... من فضلك أتراني ~~جميلة؟» # واصطبغ وجهها بالدم القاني. # فقال: «إنك يا سيدتي جميلة حقا.» # فقالت من قلبها: «إني فرحة بهذا. فهل تظن أن في فرنسا كثيرين من الرجال خطبتهم لنفسها ~~عذراء جميلة؛ بلسانها، فرفضوها ، وردوها، في وجهها؟ وإني لأعرف أنكم معشر الرجال تحتقرون ~~مثل هذا النصر، ولكن صدقني، إننا نحن النساء أعرف بما له قيمة في الحب. وما من شيء أحق ~~من هذا بأن يرفع مقام المرء في عينه، ونحن النساء لا نرى أنفس من هذا ولا أحق بالضن ~~به.» # فقال: «إنك رقيقة القلب جدا، ولكنك لا تستطيعين أن تنسيني أن هذه الرغبة صادرة عن ~~العطف علي، لا الحب لي.» # فقالت وهي مغضية: «لست على يقين من أن هذا هكذا. اسمع كلامي إلى ختامه يا سيد ده ~~بولييه. إني أعرف أنه لا يسعك إلا أن تحتقرني، وأنا أشعر أنك على حق في هذا، وإني ~~لمخلوقة مسكينة لا تستحق أن تشغل بها خاطرا واحدا وإن كنت لا بد أن تموت مع الأسف من ~~أجلها في الصباح! ولكني إنما رجوت منك أن تتزوجني، لأني احترمتك وأعجبت بك، وأحببتك من ~~أعماق قلبي منذ اللحظة التي انتصرت فيها لي على عمي. ولو أنك كنت ترى نفسك ساعتئذ وأن ~~تبصر نبل مظهرك، لأدركت العطف علي بدلا من أن تحتقرني.» والآن (وأسرعت في الكلام، ~~وصدته بكفها عن مقاطعتها) «وقد نبذت كل تحفظ، وأفضيت إليك بالكثير، فتذكر أني أعرف ~~شعورك نحوي، وثق أني - وقد انحدرت من أصل شريف - لن أضجرك بالإلحاح عليك أن تقبل، فإن ~~لي أنا أيضا لكرامة، وإني لأعلن أمام الله أنك لو رجعت فيما قلت، لما تزوجتك كما لن ~~أتزوج خادم عمي.» # فابتسم دنيس ابتسامة لا تخلو من مرارة وقال: «إنه حب صغير ذلك الذي يعفى عليه شعور ~~عارض بالغضاضة.» # فلم تجب، وإن كانت خواطرها تدور في نفسها. # وقال وهو يتنهد: «تعالي هنا، إلى النافذة ... هذا هو الفجر يطلع.» # وكان الفجر قد بدأ يتنفس، ms148 وامتلأ عنان # 4 # السماء بالضوء الصافي الذي لا لون له. وفاض على الوادي ما انعكس منه، وبقي ~~شيء من السديم # 5 # على الغابة أو فوق مجرى النهر المتعرج. وكان المنظر عجيبا في سكونه الذي ~~لم يكد يقطعه صياح الديكة، ولعل الديك الذي أطلق في الظلام قبل نصف ساعة صيحته المنكرة، ~~هو بعينه الذي صاح بالتحية المرحة للصباح الجديد. وهب النسيم بالأشجار تحت النوافذ، ~~ومضى الصبح يغمر الدنيا بالنور من المشرق الذي ما لبث أن توهج ثم أطلع قرص الشمس ~~المضطرم. # ونظر دنيس إلى هذا كله، وبه ارتعاش خفيف، وكان قد تناول يد بلانش وأبقاها في يده، وهو ~~لا يكاد يعي. # وسألته: «أوطلع النهار؟»، ثم بلا مبالاة بالمنطق: «لقد كان الليل طويلا وا أسفاه ~~ماذا نقول لعمي حين يعود؟» # فقال: «ما تشاءين.» # وضغط أصابعها بأصابعه. # فلم تقل شيئا. # وقال هو، مندفعا في الكلام، وصادرا فيه عن عاطفة جياشة: «بلانش، لقد رأيت هل أخاف ~~الموت أو لا أخافه، ولا شك أنك تعرفين أنه آثر عندي أن أثب من هذه النافذة وأرمي بنفسي ~~مسرورا في هذا الهواء الفارغ، من أن ألمسك بإصبعي بغير رضاك. ولكن إذا كنت تعبئين بي ~~شيئا، فلا تدعيني أفقد حياتي من أجل خطأ. فإني أحبك، وإنك لأعز علي من كل ما في ~~الدنيا، وإني لمستعد أن أفديك بنفسي، وأموت في سبيلك وأنا قرير العين، ولكنه يكون الجنة ~~ونعيمها، ورضوان الخلد أن أحيا في خدمتك.» # وسكت، فسمعا ناقوسا يقرع في داخل البيت، وقعقعة سلاح في الدهليز تدل على أن الأتباع ~~يعودون إلى مراكزهم، وأن الساعتين انقضتا، فهمست وهي تميل عليه بشفتيها وعينيها: «بعد ~~كل الذي سمعته؟» # فأجابها: «لم أسمع شيئا.» # فقالت في أذنه: «إن اسم الضابط فلوريمون ده شانديفير.» # فقال: «لم أسمع شيئا.» # وطوق جسمها الرخص بذراعيه، وأهوى بالقبل على محياها الذي بللته الدموع. # وسمعا صوتا عذبا وراءهما تلته ضحكة حلوة، وتمنى السيد ده مالتروا لنسيبه الجديد ~~صباحا سعيدا! # | هوامش # | أوسكار وايلد # 1856-1900 # | عيد ميلاد الأميرة # كان ذلك عيد ميلاد ms149 الأميرة، وكانت قد بلغت الثانية عشر، وكانت الشمس تغمر بنورها ~~حدائق القصر. # ولم يكن لها سوى عيد ميلاد واحد، في كل عام، كغيرها من بنات الفقراء وأبنائهم، وإن ~~كانت أميرة حقيقية، ووارثة عرش إسبانيا، فكان مما تعنى به البلاد كلها أعظم العناية أن ~~يكون اليوم أجمل وأبهى ما يدخل في الوسع، وقد كان اليوم جميلا حقا، فاعتدلت أزهار ~~«الطوليب» الطويلة المخططة، على سوقها، كأنها صف من الجند، وشخصت إلى الورود المقابلة ~~لها وقالت: «إننا مثلك الآن نضرة وبهجة.» وخفقت الفراشات القرمزية، وعلى أجنحتها تراب ~~النضار، فوق زهرة بعد زهرة. وخرجت السحالي الصغيرة من شقوق الجدران وراحت تضحي في ~~الشمس، وتشقق الرمان من وقدة الحر، وفتح قلبه الدامي، حتى الليمون الأصفر الذي حفلت به ~~أفنانه، أفاد من ضوء الشمس لونا أزهى، ونورت شجيرات المنوليا، وتفتحت أكمامها عن العاج ~~المطوي، ونشرت في الجو عبيرها القوي. # وراحت الأميرة الصغيرة تتمشى على الشرفة مع أترابها، وتلعب معهن لعبة «الاستخفاء» حول ~~الزهريات المصنوعة من الحجر، أو التماثيل التي نمت عليها الأعشاب. وكانت في الأيام ~~العادية لا يؤذن لها في اللعب إلا مع اللواتي هن من طبقتها، فكان لعبها وحدها دائما، ~~ولكن عيد ميلادها كان يوما استثنائيا، فأمر الملك أن تدعو الأميرة من لداتها من تحب ~~من الجنسين، ليلهوا معها، وكان لهؤلاء الأطفال الإسبانيين الدقاق اللطاف سمت، وفيهم ~~رشاقة، وهم ينسابون هنا وهناك؛ الصبيان بقبعاتهم الكبيرة المريشة، ومعاطفهم القصيرة، ~~والبنات وهن يمسكن فضل أفوافهن المنفوشة الموشاة بخيوط الذهب والفضة، ويحجبن الشمس عن ~~عيونهن بمراوح كبيرة سوداء مفضضة. ولكن الأميرة كانت أرشقهن جميعا وأبرعهن ثيابا على ~~ما كان يقضي به ذوق تلك الأيام. وكان ثوبها من الأبريسم، وقد وشى مجوله # 1 # وكماه المنتفخان بالفضة، أما الصدار # 2 # فمرصع بوصائل من اللآلئ العجيبة، وكان على رجليها حذاءان لطيفان مزدانان ~~بوردتين كبيرتين قرمزيتين، يبدوان من تحت ذلاذل ثوبها إذ تمشي، وكانت مروحتها الكبيرة ~~من أسلاك لؤلؤية وقرمزية الألوان، وكان شعرها كأن عليه هالة من العسجد الباهت، وكان ~~ينسدل على ms150 جانبي محياها الدقيق الحائل اللون وفيه وردة بيضاء جميلة. # وكان الملك الحزين يشرف عليهم من نافذة في قصره، وخلفه أخوه - دون بدرو أمير أراغون، ~~وكان الملك شديد الكراهة له - وقسيسه - رئيس محكمة التفتيش في غرناطة - وهو جالس ~~بجانبه. وكان الملك يبدو في يومه هذا أشد حزنا وأسى، فقد كان وهو ينظر إلى الأميرة وهي ~~تنحني بوقار صبياني لرجال الحاشية المجتمعين، أو تضحك وتستر وجهها بالمروحة، من دوقة ~~ألبوكيرك الصارمة الوجه، التي لا تفارق الأميرة، ينثني به الخاطر فيتذكر الملكة الشابة ~~- أم الأميرة - التي جاءت منذ عهد قصير - هكذا كان يخيل إليه - من بلاد فرنسا المرحة، ~~فذوى غصنها الرطيب في بلاط إسبانيا الجهم على فرط أبهته، وقضت نحبها بعد ستة شهور من ~~ميلاد الأميرة، وقبل أن ينور شجر اللوز في البستان ويظهر بهجته وزهرته مرة ثانية، أو ~~تجنى ثمار الحول الثاني من شجرة التين القديمة المعجرمة # 3 # التي كانت قائمة في الساحة التي يكسوها العشب الآن. وقد بلغ من عظم حبه لها ~~أن أبى أن يدع القبر يحجبها عنه، فحنطها طبيب عربي جازاه على ذلك بالإبقاء على حياته ~~التي كان مقضيا عليها لكفره وسحره، فلا يزال جثمانها يرقد على نعشه المسجف في الهيكل ~~المبني بالرخام الأسود في القصر، مذ حمله الكهنة إليه في يوم عاصف من أيام مارس/آذار، ~~منذ اثنتي عشرة سنة، وفي كل شهر مرة، يتلفع الملك بملحفة سوداء، ويحمل في يده مصباحا ~~مخنوق الضوء ويدخل الهيكل ويركع إلى جانب الجثمان ويصيح: «يا ملكتي! يا ملكتي!» وقد ~~يغلبه الحزن أحيانا، فيتجاوز ما تقضي به التقاليد التي تسيطر في إسبانيا على كل عمل من ~~أعمال الحياة، وتضع حدودا حتى لحزن الملك، فيقبض على اليدين الصفراوين المزدانين ~~بالحلي، وقد ذهبت بلبه حرقات الكمد، ويحاول بقبلاته الجنونية أن يرد الحياة إلى المحيا ~~الباهت المصبوغ. # وكان يراها اليوم، مرة أخرى، كما رآها أول مرة في قصر «فينتنبلو»، وكان هو يومئذ في ~~الخامسة عشر من عمره، وكانت هي أصغر، وقد عقد خطبتهما حينئذ السفير البابوي ms151 بحضور ملك ~~فرنسا ورجال الحاشية أجمعين، ثم عاد إلى الإسكوريال يحمل حلقة صغيرة من شعر ذهبي، وذكرى ~~شفتين رقيقتين تنحني بهما على يده لتلثمها، وهو يستقل المركبة، ثم كان الزواج بعد ذلك، ~~فاحتفل به على عجل في برغوس، وهي بلدة صغيرة على الحدود بين المملكتين، ثم الموكب الفخم ~~ساعة دخول مدريد والاحتفال المألوف في كنيسة «لا أتوشا»، والاحتفال الذي جاوز المألوف ~~بتسليم حوالي ثلاث مائة من الكفار والملاحدة - بينهم إنجليز كثيرون - للسلطة المدنية ~~لإحراقهم. # وكان حبه لها على التحقيق حب جنون، ومن رأي الكثيرين أنه أضر بذلك بلاده التي كانت ~~يومئذ في حرب مع إنجلترا في سبيل الاستيلاء على العالم الجديد. وكان لا يكاد يتركها ~~تغيب عن عينه، وفي سبيلها نسي - أو خيل إلى الناس أنه نسي - شئون الدولة الخطيرة، وأعمى ~~الحب الجامع بصيرته - كما هو شأنه دائما - فعجز عن أن يرى أن المراسم الدقيقة التي ~~أراد أن يدخل بها السرور على قلبها زادت داءها الغريب تفاقما، فلما ماتت ظل زمنا ما، ~~كالمذهوب بعقله، بل إنه ما من شك في أنه كان حقيقا أن ينزل عن العرش، ويدخل دير غرناطة ~~- وكان هو رئيسه الفخري - لولا أنه خشي أن يترك الأميرة الصغيرة تحت رحمة أخيه، الذي ~~كان مشهورا في إسبانيا بالقسوة وغلظ الكبد، والذي يزعم كثيرون أنه كان السبب في موت ~~الملكة، فقد أهداها، على ما يقال، قفازين مسمومين لما زارت قصره في أراغون. حتى بعد أن ~~انقضت أعوام الحداد العام الثلاثة التي أمر بها في مملكته، لم يسمح قط لوزرائه بأن ~~يخاطبوه في عقد زواج جديد. ولما كتب إليه الإمبراطور نفسه يعرض عليه يد بنت أخيه ~~أرشيدوقة بوهيميا الجميلة، كان جوابه لسفرائه أن قولوا لمولاكم إن ملك إسبانيا قد ~~زوج الأسى، وإنها لعروس عاقر، ولكنها أحب إليه من الجمال، وقد كلفه هذا الجواب ثمنا ~~غاليا، ففقد تاجه إقليم البلاد الواطئة الخصيب الذي ما لبث، بإيعاز من الإمبراطور أن ~~ثار بزعامة بعض المتهوسين من رجال الإصلاح الديني. # وتمثل لعينيه وهو يرقب ms152 الأميرة إذ تلعب في الشرفة، عهد زواجه كله بأفراحه العنيفة ~~المتوهجة الألوان، والحرقات الكاوية التي كان بها ختام ذلك العهد، وكان في الأميرة من ~~أمها سرعة البادرة وحدة الطباع، وهزة رأسها إذ تجنح إلى العناد، وتقويسة فمها الجميل ~~الواشية بكبرياء النفس، وابتسامتها الخلابة إذ ترفع رأسها من حين إلى حين، وترمق ~~النافذة، أو تمد راحتها الصغيرة لكبراء إسبانيا ليلثموها، ولكن ضحكات الأطفال العالية ~~كانت تسك مسامع الملك، كما كان نور الشمس القاسي الوهاج يسخر من أساه، وكان يشوب هواء ~~الصباح الصافي فيما يحس أو يتوهم، أرج بخور غريب شبيه بما يتخذه المحنطون، فدفن وجهه في ~~يديه، فلما صعدت الأميرة طرفها كانت الأستار قد أسدلت، والملك قد دخل. # فأبدت علامة امتعاض، وهزت كتفيها. أفما كان في وسعه أن يظل معها في يوم عيدها؟ ما ~~قيمة شئون الدولة السخيفة هذه؟ أم تراه قد ذهب إلى ذلك الهيكل القائم الذي لا تنطفئ فيه ~~الشموع والذي لا يؤذن لها في دخوله؟ وتالله ما أحمقه إذا كان قد ذهب إلى هناك وترك هذه ~~الشمس المشرقة وزهد في السعادة التي ينعم بها كل أحد. وستفوته مصارعة الثيران التي بدأت ~~الأبواق تنفخ إيذانا بها، وألعاب القراقوز وغيرها من المتع والمسرات، ألا إن عمها ~~ورئيس محكمة التفتيش لأرشد وأهدى سبيلا، فقد خرجا إلى الشرفة وسراها وشرحا صدرها ~~بالتحيات والتهنئات. وهزت الأميرة رأسها مرة أخرى وتناولت يد «دون بدرو» ونزلت من السلم ~~إلى سرادق طويل من الحرير القرمزي نصب في آخر الحديقة، وتبعها الأطفال المدعوون على ~~ترتيب درجاتهم ومنازلهم، فأطولهم أسماء أسبقهم وأحقهم بالتقديم. ~~••• # وتقدم موكب من الصبيان الأشراف في أفواف موشاة، ومطارف من السندس والأبريسم لاستقبال ~~الأميرة، وأقبل «كونت تييرا نويفا» وهو غلام بارع الحسن يناهز الرابعة عشر، ونزع قبعته ~~برشاقة من ولد وشب في بيوت السيادة والمجد وصحبها إلى كرسي صغير مذهب ومطعم بالعاج على ~~منصة مرفوعة تشرف على الساحة. وانتظم الأطفال الآخرون صفوفا حولها، وهم يهزون مراوحهم ~~الكبيرة، ويتهامسون فيما بينهم، ووقف دون بدرو ورئيس محكمة ms153 التفتيش في المدخل يضحكان. ~~حتى الدوقة - وهي امرأة نحيلة معروقة صارمة معارف الوجه - لم تكن كالمعهود فيها من ~~الشراسة وسوء الخلق، فمر بوجهها المغضن طيف ابتسامة اختلجت لها شفتاها الرقيقتان ~~الظمياوان. # 4 # وكانت مصارعة الثيران الصورية بديعة جدا، وحدثت الأميرة نفسها أنها أمتع من تلك ~~المصارعة الحقيقية التي حملوها إلى سيفيل لمشاهدتها لما زار دوق بارما والدها، وكان بعض ~~الغلمان يتوقصون ويقربون # 5 # على خيول صناعية زاهية السرج، وبأيديهم حراب طويلة محلاة بأشرطة مختلفة ~~الألوان، وكان آخرون منهم يروحون ويجيئون وينشرون المطارف الأرجوانية أمام الثور، فإذا ~~هجم عليهم قفزوا خفافا من فوق السور. أما الثور فكان أشبه شيء بثور حقيقي وإن كان ~~مصنوعا من أعواد وجلد مصحب. # 6 # وكان يأبى أحيانا إلا أن يذهب يعدو حول الساحة من داخلها، على قائمتيه ~~الخلفيتين، وهو ما لا يحلم ثور حقيقي بأن يفعله. وقد أبلى في المصارعة بلاء حسنا حتى ~~لقد كان الأطفال ينهضون عن مقاعدهم ويلوحون بمناديلهم المطرزة ويصيحون، هاتفين بالثور: ~~«مرحى يا ثور! مرحى يا ثور» كما يفعل الكبار - وأخيرا بعد صراع طويل أرديت فيه خيول ~~صناعية عديدة وترجل فرسانها، استطاع كونت تييرا نويفا (الأرض الجديدة) أن يلقي الثور ~~على ركبتيه على هيئة المتكئ، ثم استأذن الأميرة في الإجهاز عليه، وغرز سيفه الخشبي في ~~عنق الثور بعنف ففصله عن سائر الجسد، وبرز محيا صغير مشرق هو محيا «دي لورين» ابن ~~السفير الفرنسي في مدريد. # وأخليت الساحة بين التصفيق والصياح، وأخرجت الجياد الصناعية - جرها اثنان من الخدم في ~~ثياب صفراء وسوداء - وبعد فترة وجيزة لعب فيها فرنسي على حبل مشدود، ظهر «قرقوز» إيطالي ~~على مسرح صغير أعد له، وقد كان التمثيل جيدا، والحركات طبيعية متقنة حتى لقد اغرورقت ~~عين الأميرة بالدموع في ختام الفصل. بل لقد بكى بعض الأطفال، فكان لا بد من التسرية ~~عنهم بالحلواء، حتى رئيس محكمة التفتيش نفسه قال لدون بدرو: إن مما لا يطاق أن تشقى ~~وتتعذب بمثل هذه المصائب الكبر أشياء مصنوعة من الخشب والشمع الملون تحركها ms154 أسلاك خفية ~~بطريقة آلية. # وجاء بعد ذلك «حاو» أفريقي يحمل سلة واسعة روحاء # 7 # مغطاة ووضعها في وسط الساحة، وأخرج من عمامته قصبة جعل يشيع فيها وينفخ، ~~فبدأ الغطاء يتحرك وعلا صوت المزمار فأطل ثعبانان أخضران برأسيهما العجيبين اللذين ~~يشبهان الوتد، وجعلا يرتفعان ببطء ويتمايلان على صوت الزامر تمايل النبات في الماء. غير ~~أن الأطفال أفزعهما منظر الرأسين المنقطين واللسانين الدقيقين البارزين، وكان سرورهم ~~أعظم لما استنبت الحاوي الأرض شجيرة برتقال منورة تتهدل أغصانها بالثمار الحقيقية. ولما ~~أخذ مروحة ابنة المركيز ده لاس توريس فانقلبت عصفورا أخضر يطير حول السرادق، وهو يغرد، ~~جاوز سرورهم كل حد. وكانت الرقصة الدينية التي رقصها الغلمان الآتون من كنيسة «نويسترا ~~سينورا دل بيلار» جميلة. ولم تكن الأميرة قد شاهدت من قبل هذا الرقص البديع الذي يجري ~~كل عام في الربيع أمام مذبح العذراء العالي، بل إنه ما من أحد من الأسرة المالكة في ~~إسبانيا دخل ساراتوجا الكبيرة مذ حاول قسيس مجنون، يقال إن اليصابات ملكة إنجلترا كانت ~~تستخدمه، أن يطعم أمير أستوريا كعكة مسمومة. لهذا لم تكن الأميرة تعرف «رقصة العذراء» - ~~كما كانت تسمى - إلا سماعا، لا عيانا، والحق أنها كانت رقصة جميلة. وكان الغلمان ~~يرتدون ثيابا من المخمل الأبيض عتيقة الطراز، وكانت قبعاتهم المثلثة لها حافة مفضضة، ~~وعليها ريشات كبيرة من ريش النعام، فكان بريق أرديتهم البيضاء الناصعة يزداد لمعانا إذ ~~يخطرون في نور الشمس، ويضاعف النصوع وجوههم السمراء وشعرهم الطويل الدجوجي. وقد سحروا ~~النظارة بأبهتهم وسمتهم إذ يقومون بحركات الرقصة المعقدة، ورشاقة إيماءاتهم البطيئة ~~وانحناءاتهم، فلما انتهوا من ذلك ونزعوا قبعاتهم المريشة وانحنوا بالتحية للأميرة تقبلت ~~منهم التحية بتلطف، ونذرت فيما بينها وبين نفسها أن تهدي شمعة عظيمة لمعبد العذراء ~~تجزية لها على ما سرتها به في يومها هذا. # ثم تقدم صف من المصريين ذوي القسامة - كما كان الغجر # 8 # يسمون في ذلك الزمان - وقعدوا القرفصاء في حلقة، وأنشئوا يعزفون برقة ~~وعذوبة على قيثاراتهم ويحركون أجسامهم على أنغامها ويغنون، وكأنما يهمسون صوتا ms155 شجيا، ~~وكانوا إذا أخذت عيونهم دون بدرو، يزلقونه بأبصارهم متسخطين متجهمين، وربما بدا على ~~بعضهم الذعر، فقد شنق اثنين من قبيلتهم في سوق سيفيل بدعوى أنهما من السحرة، ولكن ~~الأميرة كانت تفتنهم وتسحر ألبابهم وهي مضطجعة ومشخصة ببصرها إليهم لا تصرفه عنهم من ~~فوق مروحتها، وكان يقينهم وهم يلحظونها أن من كان له مثل جمالها لا يمكن أن تكون فيه ~~قسوة أو جبروت. ومن أجل هذا جعلوا يعزفون برقة ولا يكادون يلمسون أوتار القيثارات ~~بأظافرهم الطويلة المحددة، وكان رءوسهم تخفق كأن النعاس يغالبها ويثنيها. وإذا بهم ~~ينتفضون ويثبون إلى أقدامهم فجأة ويطلقون صيحة عالية مجلجلة ذعر منها الأطفال، وانثنت ~~يد دون بدرو إلى مقبض خنجره المحلى، وانطلقوا كالعاصفة يعدون حول الساحة ويقرعون ~~طبولهم، ويضربون بدفوفهم، ويغنون صوتا فيه غزل جامح بلغتهم الغريبة. ثم أومأ إليهم ~~رئيسهم فارتموا على الأرض كرة أخرى والتزموا السكون فلم يكن يسمع إلا هزيج الأوتار ~~الخفيف. وكرروا هذا عدة مرات اختلفوا بعدها، ثم برزوا يجرون دبة كثيفة الشعر، من سلسلة، ~~وعلى أكتافهم قردة صغار. ووقفت الدبة على رأسها، ولعبت القردة المفطومة ألعابا شتى ~~مسلية، مع اثنين من الغجر كانا على ما يظهر هما اللذان يدربانها، فكانت القردة تتضارب ~~بسيوف صغيرة قصيرة وتطلق بنادق، وتقوم بالتداريب العسكرية المنتظمة كما يفعل حرس الملك ~~سواء بسواء. فكان الغجر موفقين وفازوا بإعجاب المشاهدين أجمعين. # ولكن أمتع الملاهي كلها بلا شك رقص القزم الصغير، فما كاد يدخل الساحة متعثرا، ويمشي ~~متكفئا في جانبيه، متخلعا يهز منكبيه، ويميل رأسه العظيم المشوه الخلق في هذه ~~الناحية مرة، وفي تلك مرة أخرى، حتى ضج السامر بصيحات الجذل، وراحت الأميرة نفسها تضحك ~~وتكركر مستغربة في ذلك حتى اضطرت وصيفتها أن تذكرها بأن هناك سوابق في إسبانيا تجيز أن ~~تبكي ابنة الملك على مرأى من أترابها ولداتها، ولكنه ليس هناك ما يبيح لأميرة من نسل ~~الملك أن تظهر مثل هذا الطرب والسرور على مرأى ممن هم دونها مولدا وأصلا. ولكن ~~الحقيقة أن القزم كان وقعه في ms156 النفس لا يغالب أو يقاوم، وقد كان البلاط الإسباني ~~مشهورا بحبه للفظيع والشنيع، ولكن مثل هذا المخلوق العجيب لم ير فيه من قبل. وكانت ~~هذه أول مرة ظهر فيها القزم، فما عثروا عليه إلا في اليوم السابق، وكان يعدو في الغابة، ~~واتفق أن كان اثنان من النبلاء قد خرجا للصيد والقنص في ناحية قصية من الغابة العظيمة ~~المحيطة بالمدينة، فحملاه معهما إلى القصر، هدية لم تكن في الحسبان، للأميرة، وكان ~~أبوه رجلا فقيرا، فسره أن يتخلص من طفل دميم مشوه مثله، لا خير فيه ولا جدوى منه. ~~ولعل أبعث ما في الغلام على التسلية والمسرة أنه كان غافلا ذاهلا عن دمامته وقبح ~~منظره، لا يدري من هذا الأمر شيئا، بل لقد كان بين السعادة واضح الابتهاج والمرح، ~~وكان إذا ضحك الأطفال، يضحك مثلهم وبه ما بهم من خفة الفرح والجذل، وكان في آخر كل رقصة ~~ينحني لهم أغرب انحناء وأدعاه إلى الضحك، ويبتسم ويهز رأسه لهم كأنما كان واحدا منهم، ~~لا خلقا مشوها صاغت منه الطبيعة ضحكة للآخرين. وقد سحرته الأميرة واستولت على هواه، ~~فكان لا يستطيع أن يحول عينه عنها، وكأنما كان يختصها برقصه، وفي آخر اللعب تذكرت ~~الأميرة أنها رأت سيدات البلاط يلقين طاقات الزهر على كافاريللي المغني الإيطالي ~~المشهور، الذي اختاره البابا من رجال هيكله الخاص وبعث به إلى مدريد ليذهب من حزن ~~الملك ويجلد قلبه على مصابه، بحلاوة صوته وعذوبة غنائه، فانتزعت من شعرها الوردة ~~البيضاء، على سبيل المزاح من ناحية، ولتكايد الوصيفة وتعابثها من ناحية أخرى، ورمت بها ~~إلى القزم في الساحة وهي تفتر له عن أعذب ابتساماتها، فتناولها جادا، وأهوى عليها ~~بشفتيه الغليظتين الخشنتين، ووضع يده على قلبه، وجثا على ركبتيه أمامها، وفمه مفتوح من ~~أذن إلى أذن، وعينه تلمع سرورا، فغلب الضحك الأميرة حتى لقد ظلت ترجع فيه بعد أن ~~خرج القزم من الساحة بزمان طويل، وأعربت لعمها عن رغبتها في أن تعاد الرقصة، ولكن ~~الوصيفة قالت إن الشمس حامية جدا، ورأت أن ms157 الأصوب أن ترجع الأميرة من تؤتها إلى ~~القصر، حيث أعد مقصف فاخر لها، وكعكة بديعة لعيد ميلادها، سطرت عليها الحروف الأولى من ~~اسمها بالسكر الملون، ورفع فوقها علم جميل من الفضة. فنهضت الأميرة، وأمرت أن يرقص لها ~~القزم مرة أخرى بعد أن تأخذ حظها من الراحة، وشكرت للكونت الصغير ده تييرا نويفا (الأرض ~~الجديدة ) حسن استقباله لها وحفاوته بها، وعادت إلى الجانب المفرد لها في القصر، يتبعها ~~الأطفال على الترتيب الذي جاءوا به. ~~••• # ولما سمع القزم أن عليه أن يرقص ثانية أمام الأميرة، وأن هذا هو أمرها الصريح فرح ~~فرحا عظيما، وامتلأت نفسه زهوا، فخرج يعدو إلى الحديقة وجعل يبوس الزهرة البيضاء من ~~فرط سروره وابتهاجه، ويأتي من حركات الجذل والخفة أغربها وأبعدها من الظرف ~~والرشاقة. # وقد أغضب «الأزهار» أنه اجترأ على التطفل عليها في حديقتها الجميلة، ولما رأته يقفز ~~في المماشي والممرات، وهو يروح ويجيء فيها، ويلوح بذراعيه فوق رأسه على نحو سخيف، لم ~~تستطع أن تكبح شعورها. # فقالت أزهار الطوليب: «إنه في الحقيقة دميم جدا، ولا يليق أن يسمح له باللعب في أي ~~مكان نكون فيه.» # وقالت أزهار السوسن القرمزية الكبيرة: «ينبغي أن يسقى عصير الخشخاش وينام ألف سنة»، ~~واضطرمت غلائلها من حدة الغضب. # وصاحت الصبارة: «إنه هولة مفزعة! كل ما فيه أعوج، ناقص، مشوه، وليس بين رأسه ورجليه ~~أي تناسب، وإني لأشعر حين أراه بالوخز في كياني كله، وقد آليت أن أشكه بشوكي إذا دنا ~~مني.» # وقالت شجيرة الأزهار البيضاء: «إن معه زهرة من أجمل أزهاري، وكنت قد أهديتها للأميرة ~~بنفسي هذا الصباح، في عيدها، فسرقها منها.» # وراحت تصيح بأعلى صوت: «لص! لص! لص!» # حتى زهرة الخبيزي المشهورة بالدعة والتواضع، التي يكثر بين ذوي قرباها أهل الفقر ~~والمتربة، سخطت عليه لما بصرت به، ولما قالت أزهار البنفسج إنه حقيقة دميم، ولكن لا ~~حيلة له في هذا، لأنه ليس ذنبه، ردت عليها تلك بأن هذا عيبه، وأنه ليس ثم ما يدعو إلى ~~الإعجاب بمخلوق لا سبيل إلى شفائه ms158 من دائه، أو إصلاح عيبه وعلاجه، وقد أحست بعض ~~البنفسجات أن القزم يعرض دمامته مباهيا بها، وأنه كان أمثل به وأدل على حسن الذوق أن ~~يبدي الاكتئاب، أو يظهر على الأقل على هيئة المفكر بدلا من أن يذهب ينط ويقفز مرحا، ~~ويتخذ لنفسه هيئات سخيفة قبيحة. # أما الساعة الزوالية التي كانت فيما خلا تبين الوقت للإمبراطور شارل الخامس نفسه فقد ~~راعها منظر القزم الصغير، حتى لقد ذهلت فنسيت أن تشير إلى انقضاء دقيقتين كاملتين ~~بأصبعها الظلي الطويل، ولم يسعها إلا أن تقول للطاووس الذي يضحي في بهو الأعمدة: إن كل ~~واحد يعلم أن أبناء الملوك ملوك، وأن أبناء الفحامين فحامون، ومن السخف أن يدعي أحد أن ~~هذا ليس كذلك. # وهو قول وافق عليه الطاووس أتم موافقة، بل لقد صاح «صحيح! صحيح!» بصوت عال جاف أزعج ~~الأسماك الذهبية الصغيرة التي تسبح في حوض النافورة فأخرجت رءوسها من الماء وسألت ~~تماثيل أرباب البحر عن الخبر. # ولكن العصافير أحبته لسبب ما، وكانت قد رأته من قبل مرارا في الغابة، يرقص كالعفريت ~~وراء الأوراق التي تعبث بها الرياح وتثور، أو منطويا على نفسه في فجوة في شجرة قديمة، ~~والطير تأكل الجوز من يده. ولم تكن العصافير تبالي قبح خلقته أو تعبأ بذلك شيئا، ومع ~~ذلك ماذا من الجمال في البلبل الذي يغرد في الليل في أحراش البرتقال فيصغي له القمر ~~ويهبط قليلا ليسمعه؟ ثم إن هذا القزم كان يحنو على العصافير ويرق قلبه لها، فكان في ~~الشتاء القارس، الذي يغدو فيه ظهر الأرض صلبا كالحديد، ويتعرى الشجر فلا يبقى عليه من ~~الحب أو الثمر ما يلقط، وتزحف الذئاب إلى قريب من أبواب المدينة التماسا للقوت، لا ~~ينسى العصافير ولا مرة واحدة، فكان يبقي لها فتاتا من خبزه الأسود، ويجعل لها نصيبا ~~من كل طعام يصيبه. # لهذا راحت العصافير تطير حوله في حديقة القصر، وتلمس خده بأجنحتها، وتزقزق فيما ~~بينها، وبلغ من سرور القزم بها أن لم يسعه إلا أن يريها الزهرة البيضاء الجميلة، وأن ms159 ~~يخبرها أن الأميرة نفسها جادت بها عليه لأنها تحبه. # ولم تفهم العصافير مما يقول ولا كلمة واحدة؛ ولكن هذا لم تكن له قيمة، فقد أدنت ~~رءوسها، بعضها من بعض، وبدت كأنها فاهمة مدركة، وهو ما يعادل الفهم، ويفضله بأنه ~~أسهل. # كذلك أحبته السحالي، فلما تعب من الجري والنط، وقعد على بساط الروض ليستريح راحت تلعب ~~حوله وعلى بدنه، وتحاول أن تسره وتسليه جهد طاقتها. وكانت تقول فيما بينها: «ليس في ~~الإمكان أن يكون كل أحد جميلا كالسحلية، فإن هذا مرام بعيد ومطلب عسير، ثم إنه ليس ~~بالدميم جدا، وإن كان هذا القول يبدو غريبا، على شرط أن يغمض الواحد عينيه ولا ينظر ~~إليه.» والسحالي مطبوعة على الفلسفة، وكثيرا ما تقضي ساعات وساعات في تفكير عميق إذا ~~لم يكن ثم شيء تصنعه غير ذلك، أو إذا كان الجو مطيرا لا يسمح بالخروج من ~~الشقوق. # وقد ساء الأزهار جدا مسلك السحالي والعصافير، فقال بعضها لبعض: «هذا يرينا أن هذا ~~الجري والطيران المستمرين يفسدان النفس، ويجعلانها سوقية مبتذلة، والمهذبون من الناس ~~يبقون حيث هم، ولا يبرحون مكانهم - مثلنا - وما رآنا قط أحد ننط في ميادين البستان، أو ~~نعدو كالمجانين وراء الذباب. وإذا احتجنا إلى تغيير الجو بعثنا في طلب البستاني فينقلنا ~~إلى أحواض أخرى. وهذا هو الوقار والاحتشام الواجبان، ولكن الطيور والسحالي لا تدرك معنى ~~السكون والرصانة، بل إن العصافير ليس لها عنوان ثابت! وهي أبدا شاردة كالغجر، وينبغي ~~أن تعامل كما يعامل الغجر.» وصعرت الأزهار خدها، كبرا وشموخا، وسرت جدا لما رأت ~~القزم ينهض عن الخضرة ويمضي إلى الشرفة فالقصر، وقالت لنفسها: «إنه حقيق بأن يبقى أبدا ~~وراء الأبواب. انظروا إلى ظهره الأحدب وإلى ساقيه المعوجتين!» # وراحت تتهاتف. # ولكن القزم لم يدر شيئا من هذا كله، وكان يحب العصافير والسحالي حبا جما، ويرى ~~أن الأزهار أجمل وأعجب ما في الدنيا كلها، ما عدا الأميرة، ولكن الأميرة أعطته الوردة ~~البيضاء الجميلة، وهي تحبه، فأمرها مختلف جدا. ولشد ما يتمنى لو أنه رافقها في ms160 أوبتها ~~إلى القصر، إذن لجعلته عن يمينها وابتسمت له، فلا يفارقها أبدا، ويكون ملاعبها ويعلمها ~~كل ضروب اللعب. ولا نكران أنه لم يعش من قبل في قصر، غير أنه يعرف أشياء كثيرة تروق ~~وتدهش، ففي مقدوره مثلا أن يصنع أقفاصا صغيرة من الحصير للصراصير تغني فيها، ومن ~~القصب ذي العقل الطويلة يراعة # 9 # يشتهي «بان » أن يسمع صوتها وهو يشيع فيها. وهو يعرف صوت كل طائر، ويميز ~~الزرزور من مالك الحزين، ولا يخفى عليه أثر دابة، ويستطيع أن يقفو الأرنب بما يخلفه من ~~أثر دقيق، والخنزير بما يطؤه من أوراق الشجر، ويعرف كل الرقصات الآبدة - الرقصة العنيفة ~~في الثياب الحمر في الخريف، والرقصة الخفيفة بالخفاف # 10 # الزرق، على القمح، ورقصة الشتاء، ورقصة الربيع في البساتين والرياض، ويعرف ~~أين تجعل الحمائم عشها، وقد حدث مرة أن جاء صائد فأوقع في شركه حمامتين، فتولى هو تربية ~~صغارهما، وبنى لهما عشا صغيرا في فجوة في شجرة وألفته فكانت تأكل من يديه كل صباح. ~~وإن الأميرة لخليقة أن تحب الطير، والأرانب التي تجري في العشب الناهض، وأبا زريق بريشه ~~القوي ومنقاره الأسود، والقنفذ الذي يجعل من جسمه كرة شائكة، والسلاحف الكبيرة الرزينة ~~التي تدلج، # 11 # وتهز رءوسها وتثنيها لتأكل من الورق، نعم، يجب أن تذهب الأميرة إلى الغابة ~~وتلعب معه فيها، وهناك يدع لها فراشه لترقد عليه، ويبقى هو قائما بحراستها خلف النافذة ~~إلى مطلع الفجر، حتى لا يؤذيها قرن حيوان، أو تدنو من كوخها الذئاب الجائعة النحيلة، ~~وفي الفجر ينقر على الشباك ويوقظها، فيخرجان معا، ويرقصان معا، طول النهار، وما في ~~الغابة وحشة، فإنه يتفق أحيانا أن يجتازها أسقف على حمار أبيض ومعه كتاب مزخرف يقرأ ~~فيه، وأحيانا يجيء الصقارون، # 12 # وعلى رءوسهم قبعات خضراء من المخمل، وقد اكتسوا ثيابا من جلود الظباء ~~المدبوغة، والصقور على أرساغهم، وفي موسم العنب ترى العصارين مكللي الرءوس، حمر الأيدي ~~والأرجل، ومعهم القرب يقطر منها النبيذ. ويجلس الحطابون في الليل حول الوطيس العظيم ~~يلحظون الأجذال الجافة وهي ms161 تحترق ببطء ويشوون الجوز في الرماد، ويخرج اللصوص من كهوفهم ~~وغيرانهم ويجيئون إليهم ويسمرون معهم، وقد رأى مرة موكبا جميلا في الطريق الطويل ~~المعفر إلى طليطلة، وكان الرهبان في الطليعة يغنون أعذب غناء، ويحملون أعلاما زاهية ~~وصلبانا من الذهب، وتلاهم الجنود في المغافر # 13 # والدروع والتروس، ومعهم البنادق والرماح وبينهم ثلاثة رجال حفاة يلبسون ~~ثيابا صفرا عجيبة عليها نقوش وصور غريبة وبأيديهم شموع مضاءة. إلا أن في الغابة ~~لكثيرا مما يسر ويبهج، وإذا تعبت (الأميرة) فإنه يستطيع أن يجد لها مكانا معشوشبا ~~لينا. فيحملها على ذراعيه - فقد كان قويا، وإن كان يعرف أنه ليس بالطويل - وينظم لها ~~عقدا من أطراف العذارى # 14 # فيكون له جمال هذه الأعناب التي تلبسها على ثيابها، وإذا ملتها رمتها، فإنه ~~يستطيع أن ينظم غيرها، ويجيئها بثمار الأشجار وبالأزهار المخضلة واليراعات الوهاجة ~~البريق لتزين بها شعرها الذهبي فتكون فيه كالنجوم المتلامحة. # ولكن أين هي؟ سأل الوردة البيضاء فلم تجبه، وبدا له القصر كأنه نائم كله - حتى في حيث ~~لم تغلق النوافذ، أسدلت الأستار الكثيفة لتحجب الضوء، فمضى يحوم حول القصر باحثا عن ~~مدخل إلى أن انتهى إلى باب صغير كان مواربا فتسلل منه وألفى نفسه في قاعة فخمة - أفخم ~~وأروع من الغابة، فقد كان كل ما فيها مذهبا، حتى البلاط كان من قطع كبيرة ملونة مرصوفة ~~على نحو هندسي، ولكن الأميرة لم تكن هناك، ولم يكن ثم سوى تماثيل صغيرة بديعة تنظر إليه ~~من فوق القوائم التي رفعت عليها بعيون بيضاء وشفاه مفترة. # وكان في آخر القاعة سجف من المخمل الأسود المطرز وعليه صور الشمس والنجوم التي كان ~~الملك يؤثرها كشعار له، أفتراها مختبئة وراء هذا؟ سيرى! # فمشى على أطراف أصابعه إلى السجف ونحاه قليلا. كلا! كل ما هنالك حجرة أخرى وإن كانت ~~أجمل فيما بدا له من التي أقبل منها، وكان على الجدران رقعة خضراء مطرزة وعليها صور ~~أناس خارجين للصيد، وقد صنعها فنانون من البلاد الواطئة سلخوا من أعمارهم فيها سبع ~~سنوات. وكانت هذه ms162 في بعض الأعصر الخوالي حجرة - «جان المجنون» - كما كان يسمى، ذلك ~~الملك الذي كان مجنونا بالطراد، فكان كثيرا ما يحاول أن يمتطي الخيل العظيمة الشديدة ~~الشماس أو الجماح أو الكثيرة التقريب، # 15 # وأن يصرع الظبي الذي تقفز حوله الكلاب، وهو ينفخ في النفير ويضرب بخنجره، ~~وقد صارت هذه الحجرة تتخذ لمجلس الوزراء، وكان على المنضدة الوسطى فيها محافظ الوزراء ~~الحمراء، وعليها شارة إسبانيا وشعار آل هابسبرج. # وأدار القزم عينيه في الحجرة متعجبا، وخامره الخوف من الاستمرار، وكان يخيل إليه أن ~~هؤلاء المصورين الذين يركضون بسرعة ومن غير أن يحدثوا صوتا، مثل تلك الأشباح المرعبة ~~التي سمع الحطابين يتحدثون عنها ويقولون إنها تخرج للصيد في الليل، فإذا لقيت إنسانا ~~قلبته غزالا وراحت تطارده. ولكنه تذكر الأميرة فتشجع، وكان يريد أن يلقاها وحدها وأن ~~يقول لها إنه هو أيضا يحبها، فلعلها في الغرفة التي وراء هذه! # وذهب يجري على السجاد المراكشي الناعم الوثير وفتح الباب. كلا! ولا هنا أيضا! فقد ~~كانت الغرفة خالية. # وكانت هذه قاعة العرش التي يستقبل فيها الملك سفراء الدول الأجنبية. وما أقل ما يفعل ~~الآن. وهي نفس القاعة التي جاء إليها منذ سنوات عديدة رسل من إنجلترا ليتفقوا على ~~التدابير اللازمة لزواج ملكتهم - وكانت يومئذ كاثوليكية - بابن الإمبراطور. وكانت ~~الأستار من جلد قرطبة المذهب، وقد تدلت من السقف المدهون باللونين الأسود والأبيض، شجرة ~~عظيمة تحمل أغصانها ثلاث مائة شمعة. وكان فوق العرش ظلة مذهبة صورت عليها أسود قسطيلية ~~وصروحها باللآلئ الدقيقة، وكان العرش مجللا بمخمل أسود موشى بأزهار من الفضة، وأطرافه ~~محلاة بالفضة واللؤلؤ، وعلى الدرجة الثانية من منصة العرش مقعد الأميرة وفوقه وسادة ~~كسوتها من نسج الفضة، وتحت هذه الدرجة وفيما يخرج عن نطاق الظلة، كرسي لسفير البابا ~~وكان هذا وحده هو الذي له الحق في الجلوس في حضرة الملك في أي احتفال عام، وكانت قبعته ~~ذات الزر القرمزي، موضوعة على محمل بنفسجي أمام الكرسي. وعلى الجدار المواجه للعرش صورة ~~بالحجم الطبيعي لشارل الخامس في ثياب الصيد ms163 وإلى جانبه كلب عظيم، وعلى حائط آخر صورة ~~لفيليب الثاني وهو يستقبل وفد البلاد الواطئة الذي جاء ليعرب عن الولاء والخضوع. وبين ~~النافذتين صندوق من الآبنوس مطعم بصفائح من العاج نقشت عليها صورة «رقصة الموت» ~~لهولبين، ويقول البعض إن هذا المصور هو الذي نقشها بيديه. # ولكن القزم لم يكن يعبأ شيئا بهذه الأبهة كلها. وما كان ليرضى أن يعتاض من وردته ~~البيضاء كل ما في نسج الظلة من لآلئ، بل ما كان ليستبدل بغلالة واحدة من غلائل وردته، ~~العرش نفسه، وما كان يبغي سوى أن يرى الأميرة قبل أن تنزل إلى السرادق، ليرجو منها أن ~~تذهب معه بعد أن يقوم برقصته، فقد كان الجو هنا، في القصر، محبوسا خانقا، وكان له على ~~الصدر جثوم، ولكن الهواء في الغابة حر، ونور الشمس يفرق أوراق الشجر المضطربة بأيد من ~~الذهب. وهناك في الغابة الأزهار أيضا. وقد لا يكون لها جمال نظائرها في الحديقة، ~~ونضرتها وبهجتها، ولكنها أزكى أرجا وأطيب عبيرا، وأشد توهجا - هناك الحوجم الذي يغمر ~~الوادي والهضاب المنبسطة المعشاب، بحمرته المتموجة، والذريب # 16 # الذي ينمو حول جذور أشجار البلوط، وكل بيضاء وصفراء وحمراء من الأزهار ~~كالعيون أو النجوم أو الأقمار - نعم، لا شك في أنها تصحبه إذا استطاع أن يهتدي إلى ~~مكانها، - ترافقه إلى الغابة الساحرة، فيرقص لها طول النهار ليسرها. ولمعت عينه بنور ~~البشر والجذل وهو يتخيلها معه، ومضى إلى الغرفة التالية. # وكانت هذه أجمل وأبهى ما رأى. وكانت الجدران مكسوة بالديباج من نسج «لوكا»، وعليه صور ~~الطير، وقد حلي بأزاهير من فضة، وكان الأثاث من الفضة المحلاة بأكاليل الزهر الأرجواني ~~وصور كوبيد، إله الحب، وأمام الموقدين الكبيرين ستران موشيان بصور الببغاوات والطواويس. ~~وكانت الأرض مفروشة بأحجار خضراء لونها كلون البحر، ويخيل للناظر أنها ممتدة ذاهبة إلى ~~غير مدى. ولم يكن القزم وحده في هذه الحجرة فقد كانت هناك في مدخل في آخر الحجرة، من ~~ينظر إليه ويلاحظه، وقد خفق قلب القزم وندت عنه صيحة فرح وبرز إلى النور، فتقدم ms164 الشخص ~~الواقف أيضا، ورآه القزم كأوضح ما يكون. # أهذه الأميرة؟! كلا بل هذا شخص بشع مشوه لم ير القزم أبشع من منظره ولم يكن مستوي ~~الخلق كغيره من الناس، بل أحدب متموج الأعضاء ملتويها ضخم الدماغ. أسود الشعر. وعبس ~~القزم لما رأى هذا المخلوق، فعبس مثله. فضحك، فضحك مثله، ووضع يديه في خاصرتيه كما فعل، ~~فانحنى له القزم ساخرا، فرد تحيته بمثلها ، فمشى إليه فتقدم ذاك منه، وكان يقتاس به ~~ويحاكيه في كل خطوة، ويقف إذا وقف. فصاح من سروره بذاك وراح يعدو، وبسط يده، فلمست كف ~~الوحش البشع يده، فخاف وحرك يده يمينا وشمالا، فقلده الذي أمامه، فحاول أن يدفع يده ~~إليه ولكن شيئا أملس صلبا صده عن ذلك. وكان وجه هذا الوحش قريبا منه الآن، فطالعه من ~~عينيه الذعر، فنحى الشعر عن عينيه، فقلده الذي هو أمامه، فضربه بجمع يده، فتلقى ضربة ~~بضربة، فهاج عليه سخطه ومقته، فلم يكن الوجه الذي يراه أقل نطقا بالكراهية والحنق، ~~فتراجع، فارتد ذاك أيضا. # ما هذا؟! وفكر القزم لحظة، ثم أجال لحظه في بقية الحجرة، فرأى عجبا! ذلك أن كل شيء ~~هنا له نظير يقابله في هذا الجدار الذي كأنما هو مصنوع من الماء الصافي. لكل صورة، وكل ~~أريكة، أختها حتى تمثال الإله النائم في فجوة بالجدار إلى جانب الباب له توأم نائم. ~~وحتى تمثال فينوس الفضي القائم في نور الشمس، يمد يده إلى فينوس أخرى ليست دون تلك ~~جمالا. # أهذا هو الصدى؛ لقد نادى الصدى مرة في الوادي، فرد عليه نداءه كلمة كلمة. أفترى الصدى ~~يعابث العين كما يعابث الأذن؟ أفي وسعه أن يجعل عالم التقليد كعالم الحقيقة؟ وهل يتسنى ~~أن يكون لخيال الأشياء لون وحياة وحركة؟ هل يمكن ...؟ # وانتفض، ونزع الوردة البيضاء من صدره، ودار فلثمها، فإذا الذي هناك معه وردة كوردته، ~~لا تنقص غلالة واحدة، وإذا هو يلثمها كلثماته، ويضمها إلى قلبه بحركة بشعة وإيماءات ~~ثقيلة. # وفطن إلى الحقيقة فأطلق صرخة يأس، وهوى إلى الأرض يبكي ويعول. إذن هو ms165 هذا المشوه ~~الأحدب الكريه المنظر الشتيم الخلق! هو الوحش البشع، وهو الذي كان الأطفال جميعا ~~يضحكون منه - حتى الأميرة التي حسبها تحبه - هي أيضا كانت تسخر منه وتهزأ به، وتضحكها ~~أعضاؤه المعوجة! لماذا لم يتركوه في الغابة حيث لا مرآة تقول له إنه بغيض مشنوء الهيئة؟ ~~ولماذا لم يقتله أبوه بدلا من أن يبيعه ليفضحه؟ وانهمرت الدموع الحارة على خديه، ومزق ~~الزهرة البيضاء، ففعلت صورته مثله ونثرت الغلائل الرقيقة في الهواء، وتمرغت # 17 # على الأرض، فلما رفع عينه لينظر رأى الألم مرتسما على وجهه، فتسلل راجعا ~~لئلا يرى صورته، وغطى عينيه بيديه - جر رجليه كالجريح، إلى ركن ظليل مظلم وراح يئن ~~ويتوجع. # وفي هذه اللحظة دخلت الأميرة من الشباك المفتوح، في حاشية من أترابها، فلما بصروا ~~بالقزم مرتميا يضرب الأرض بجمع يده، جلجلت ضحكاتهم وحفوا به ينظرون إليه. # وقالت الأميرة: «كان رقصه مضحكا، ولكن تمثيله أبعث على الضحك وأغرى به - أشبه بحركات ~~الدمى في القراقوز، إلا أن هذه أقرب إلى الطبيعة وأشبه بها.» # وهزت مروحتها الكبيرة، وصفقت. # ولكن القزم لم يرفع عينه قط، وصارت شهقاته أخفت، وإذا به يفهق ويمسك جانبيه، ثم ~~ارتمى، وظل ساكنا لا يتحرك. # وقالت الأميرة بعد هنيهة: «هذا بديع. والآن يجب أن ترقص لي.» فصاح الأطفال جميعا: ~~«نعم، قم وارقص، فإنك ماهر كالقردة، ولكنك أبعث منها على الضحك.» # لكن القزم لم يجب. # فضربت الأميرة الأرض برجلها، ونادت عمها الذي كان يتمشى على الشرفة مع أحد الأمناء، ~~وهو يقرأ رسائل جاءت الساعة من المكسيك حيث أنشئت الكنيسة منذ عهد قريب. وقالت الأميرة: ~~«إن قزمي الصغير المضحك يعاند، فتعالى أنهضه ومره أن يرقص.» فابتسما ودخلا، وانحنى دون ~~بدرو ولطم القزم على خده بقفازه الموشى وقال: «يجب أن ترقص أيها الوحش الصغير. يجب أن ~~ترقص، فإن أميرة إسبانيا وأترابها يردن أن يتسلين.» # ولكن القزم لم يتحرك. # فقال دون بدرو بضجر: «يجب أن نبعث في طلب جلاد.» وعاد إلى الشرفة، ولكن الأمين بدا ~~عليه الجد والاهتمام وجثا إلى جانب القزم ms166 ووضع يده على قلبه، ثم هز كتفيه ونهض، وانحنى ~~للأميرة وقال: «أيتها الأميرة الجميلة، إن قزمك الصغير لن يرقص أبدا. وهذا مما يؤسف ~~له، فقد كان دميما مشنوء الطلعة إلى حد كان يرجى أن يحمل الملك على الابتسام.» # فسألته الأميرة: «ولكن لماذا لا يرقص ثانية؟» وضحكت. # فقال الأمين: «لأن قلبه انفطر.» # فعبست الأميرة، واستدارت شفتاها الرقيقتان زراية واحتقارا وقالت: «في المستقبل، يجب ~~أن يكون الذين يجيئون ليلعبوا معي بغير قلوب.» # وخرجت تعدو إلى الحديقة. # | هوامش # | جورج جوسنج # 1857-1903 # | رجل فقير # كان ذلك في حجرة الجلوس بعد الغداء، وقد قعدت المسز شارمن - ربة الدار الجسيمة الطيبة ~~القلب - على كرسي إلى جانب صديقتها الصغيرة المسز لورنج وتنهدت سائلة: «كيف ترين المستر ~~تمبرلي؟» # قالت: «ظريف جدا ولكن فيه بعض الشذوذ.» # قالت الأولى: «نعم شاذ، لا يجري على قياس. وقد أردت أن أحدثك عنه قبل أن ننزل ولكن ~~الوقت ضاق بي، وهو صديق قديم لنا، وقد كان هو وزوجي العزيز في مدرسة واحدة، هارو. وإنه ~~لأحلى وأعذب وأرق الناس. وأخشى أن يكون خيرا من أن يصلح لهذه الدنيا. يتناول كل شيء ~~جادا. ولن أنسى حزنه لوفاة زوجي المسكين. إني أحدث المسز لورنج عن المستر تمبرلي، يا ~~أده.» # وكانت العبارة الأخيرة موجهة إلى بنتها المتزوجة، وهي غادة ساكنة، فيها من أمها ~~دماثتها وطيبها، ولكنها أذكى وأفطن. # وقالت أده (المسز وير): «إني آسفة لأنه يبدو أبعد ما يكون من الصحة.» # فقالت الأم: «إنه لم يكن قط مشرق الديباجة، وحياته ... ولكني سأحدثك عنه (والتفتت إلى ~~المسز لورنج) إنه عزب، وفي رغد من العيش، و - هل تصدقين؟ - يعيش وحده في حي زري من ~~أحياء لندن. أي حي هو يا أده؟» ~~- «شارع حقير في اسلنجتون.» ~~- «نعم، هناك يعيش، في مسكن وضيع - ولا بد أن يكون غير صحي - لا لشيء سوى أنه يريد أن ~~يحيط علما بحياة الفقراء والمساكين، وليكون بذلك أقدر على معونتهم. أليست هذه بطولة؟ ~~وقد وقف حياته على هذا على ما يظهر فما يلتقي به أحد في ms167 مكان آخر. وأحسب أن بيتنا هو ~~الوحيد الذي يظهر فيه للناس. حياة نبيلة! ولا يخوض فيها بكلام، أو يشير إليها بحرف، ~~وإني لواثقة أنك لم يخطر لك أن هذا هكذا من حديثه على المائدة!» # فقالت المسز لورنج مستغربة: «لم يخطر لي قط. على أنه لم يكن كثير الكلام، وقد استطعت ~~أن أعرف أن أكبر ما يعنيه، زخرفة الخشب، والسياسة الخارجية.» # فضحكت المسز وير وقالت : «هو بعينه! لما كنت طفلة كان يصنع لي لعبا شتى جميلة ~~بمنشاره، ولما كبرت كان يحدثني عن التوازن الدولي! ومن يدري؟ لعله يكتب مقالات افتتاحية ~~في الصحف، يا أمي!» # فقالت الأم: «يا بنيتي العزيزة، ما من شيء يستغرب من المستر تمبرلي! وإنها لحياة ~~جديدة هذه التي يحياها بعد حياته في الريف. لقد كان له بيت صغير جميل قرب بيتنا في ~~بيركشير. وليس يسعني إلا أن أعتقد أن وفاة زوجي هي التي حملته على مغادرته وتركه، فقد ~~كان وثيق الصلة به وصديقا حميما له. فلما مات زوجي وتركنا بيركشير اختفى المستر ~~تمبرلي - حوالي سنتين - ثم التقيت به مصادفة في لندن. ومن رأي أده أنه لا بد أن يكون قد ~~خاب له أمل في حب.» # فقالت بنتها: «يا أمي العزيزة، لقد كان هذا تأويلك أنت لاختفائه لا تأويلي ~~أنا.» # قالت الأم: «صحيح؟ ربما! إن الإنسان لا يسعه إلا أن يلاحظ أنه قاسى بعض الآلام. وقد ~~يكون هذا من أثر عطفه على الفقراء والمساكين الذين وقف عليهم حياته! رجل عجيب!» # وسمعن أصوات رجال عند باب الغرفة، فتطلعت المسز لورنج إلى رؤية هذا الرجل الشاذ. وكان ~~هو آخر من دخل، وهو طويل، وفي كتفيه انحناء، ونحيل وغير رشيق، وفي خطوته اضطراب وفي ~~مشيته تردد، وبه حياء ظاهر، وعينه الرقيقة النظرة كثيرة التلفت هنا وهنا، وفي خط الحاجب ~~ما يشي بالتردد والضعف، وفي الابتسامة التي تخفق على شفتيه ما ينم على وهن الشخصية بل ~~امحائها. وكان شعره قد بدأ يخف ويشيع فيه البياض، وكان شارباه كثيفين وأليق بوجه أصرم ~~وأحزم. وكان ms168 وهو يدخل الغرفة، أو يتسلل إليها، لا تزال كفه تنقبض وتنبسط على نحو يغري ~~بالضحك، وقد أفرده بين الرجال أنه كان في هيئة ما يمكن أن يوصف بأنه انطفاء اللمعة، أو ~~ذهاب الصقل، وإن كان لا يبلغ حد الرثاثة، فإذا أحد المرء النظر إليه تبين أن ثيابه ~~السوداء مفصلة على طراز يرجع إلى بضع سنوات مضت، وكان قميصه ناصع البياض، ولم يكن يتخذ ~~من الحلي أكثر من أزرار بسيطة على كميه وصدره. # ومضى إلى ركن، وكان خليقا أن يبقى فيه وحده، في سلام، لولا أن المسز وير جرت كرسيها ~~إلى جانبه. # وقالت له: «أتراك ستبقى في المدينة في شهر أغسطس؟» # فقال: «لا ... لا لا ... كلا ... لا أظن.» ~~- «ولكنك تبدو مترددا، وسامحني حين أقول إني واثقة أن بك حاجة إلى تغيير الهواء. ~~فالحقيقة أنك لا تبدو في صحة جيدة. فهل لي أن أغريك بالانضمام إلينا واللحاق بنا في ~~لوسرن؟ إن زوجي يكون مسرورا جدا ... بأن تتاح له فرصة للحديث معك في أحوال أوروبا. فهب ~~لنا من وقتك أسبوعين ... أرجو ...» # فقال: «يا عزيزتي المسز وير، إنك الرقة مجسدة. وإن شكري لك لجزيل، وإني لعاجز عن ~~العبارة عما أحس به تلقاء هذه العناية، ولكن الحقيقة أني أكاد أكون مرتبطا بوعد لإخوان ~~آخرين. بل في وسعي أن أقول إني في حكم ... نعم هذا هو الواقع.» # وكان صوته كالصفير، ونطقه واضحا، وكان يبتسم ابتساما يحول إلى ما يشبه الإشفاء على ~~البكاء وهو ينتقل من عبارة إلى عبارة في ارتباك واضطراب، وكانت كفاه المعروقتان ~~الطويلتان متضاغتين حتى صارت عقل أصابعه بيضاء. # وقالت المسز وير: «إن المهم أنك ستغادر لندن، فإني أخشى أن تغالي في إرضاء ضميرك. ~~وأحسبك تعلم أنك لن تفيد أحدا بأن تتلف صحتك.» # فقال: «هذا واضح. ها ها! وإني أؤكد لك أن هذه الحقيقة غير خافية علي. الصحة أول ما ~~ينبغي العناية به. وليس أولى بأن يجعل الإنسان أقل نفعا من صحة متداعية. على التحقيق! ~~على التحقيق!» # قالت: «فما القول في الجهد الذي تكلفك ms169 إياه معاطفك؟ إن لهذا أثرا في الصحة فضلا عن ~~الجو الفاسد.» # قال: «ولكن اسلنجتون ليست فاسدة الجو يا عزيزتي المسز وير، وصدقيني حين أقول إن جوها ~~كثيرا ما يكون منعشا. ولا تنسي أن موقعها مرتفع. أما لو تسنى أن نقلل ما تنفثه مداخن ~~المنازل والمصانع! على كل حال أؤكد لك أن أسلنجتون تتوفر فيها كل المطالب ~~الصحية.» # وقبيل انقضاء السهرة عزفت بعض الأصوات، وكان المستر تمبرلي يبدو كأنه يستطيبها. فقد ~~ثنى رأسه إلى الخلف، وشخص إلى فوق، وبقي شاردا على هذه الهيئة إلى ما بعد انتهاء العزف ~~ثم تنبه وتنهد. # ولما بارح البيت ارتدى معطفا أكثف من أن يتخذ في ذلك الوقت، ودس في جيبيه حذاءيه. ~~وكانت قبعته من المخمل، وعالية وتناول مظلته - ولم تكن محكمة القفل - وانطلق يمشي ~~بسرعة، كأنما يقعد إلى المحطة القريبة من هناك. ولكن القطار لم يكن مقصده، لا ولا ~~سيارات النقل المشترك. فمضى يمشي، ويمشي، في الليل العطر، بخطوة موزونة، شأن من ألف هذا ~~الضرب من الرياضة، وخرج من «نوتنج هيل» إلى «ماربل آرتش»، ومن ثم إلى «نيو أكسفورد ~~ستريت»، ومن طريق تيوبولد إلى بنتونفيل، وراح يصعد حتى بلغ عدوة حيه الصحي! وبعد نصف ~~الليل دخل في زقاق ضيق، يبدو في ضوء القمر الباهت، نظيفا وإن لم يكن فيه ما يدعو إلى ~~الإقبال عليه. وفتح بابا بمفتاح معه، ودخل بيتا صغيرا تفوح فيه رائحة الصمغ. وأوقد ~~شمعة وجدها في جيبه، وارتقى في السلم دورتين إلى غرفة خلفية طولها ثماني أقدام وعرضها ~~سبع أقدام ونصف قدم، وبعد دقائق كان مستغرقا في النوم. # واستيقظ في الساعة الثامنة - وكان يعرف الوقت من جرس يدق في الحي - فارتدى ثيابه ~~بسرعة، وفتح الباب فألفى على العتبة صينية عليها طعام الإفطار وقد نقص إلى أدنى حد - ~~قصب من لبن، وخبز، وزبدة. وفي الساعة التاسعة نزل، ونقر بأدب على باب الغرفة المقدمة، ~~فأذن له صوت أجش في الدخول، وكان في الغرفة رجل كهل وفتاة، وهما عاكفان على عمل اليوم - ~~تجليد الكتب. # وقال ms170 المستر تمبرلي: «عم صباحا يا سيدي.» وحنا رأسه للفتاة وقال: «عمي صباحا يا ~~آنسة سجس. يوم مشرق ... مشمس ... منعش!» # ووقف يفرك يديه كما يفعل المرء في ليلة مصقوعة مبرودة. # 1 # وهز المجلد رأسه هزة جافة، وبين للمستر تمبرلي عمله فأقبل هذا عليه بهمة ~~وعزم. وكان يتعلم مبادئ هذا الفن، ويقضي ساعات العمل كلها مكبا صابرا، مظهرا في ~~عمله من الاستعداد الطبيعي له حظا غير قليل . # إلى هذا الحضيض انحدر المستر تمبرلي، وكان من سادة بيركشير، وكان يعيش في دعة وخفض في ~~من ربح ماله المستثمر، وقد تعلم في مدرسة هارو، وتخرج في كمبردج، وفكر في اختيار مهنة، ~~حتى بدا له، على العموم، أن وقت الاختيار مضى وانقضى، ولما لم تكن به حاجة إلى تجشيم ~~نفسه عناء العمل، فقد عاش عيشة الفراغ والبطالة البريئة على مقربة من البيت الريفي ~~لصديقه المثري الوجيه المستر تشارمن. وكرت الأعوام لينة سمينة. وخطر له الزواج مرة أو ~~مرتين ولكن طبيعة الحياء الشديد صدته عن اتخاذ الخطوة الأولى، ووقع في روعه آخر الأمر ~~أنه معزابة. # 2 # وكان قانعا بذلك وراضيا عنه، وليته أظهر مثل هذه الحكمة وبعد النظر في ~~مغريات أخرى! ولكنه في ساعة مشئومة صدر عن رأي المستر تشارمن الذي كان لا ينفك يلهج ~~بالمضاربة والشركات والأرباح العظيمة، ولم يخاطر المستر تمبرلي بباعث من الطمع، فقد كان ~~عنده فوق الكفاية ولكنه كان معنيا بأمر أخته التي تزوجت محاميا ريفيا غير موفق، وفي ~~أبنائها الستة، الذين كان يشتهي أن يساعدهم على نحو ما يفعل الخال المثري في الأقاصيص، ~~ويمدهم بالعون اللازم لخوض الحياة، فوثق بالمستر تشارمن ثقة عمياء، فكان أن ألقى نفسه ~~ذات يوم يرعش على شفا الهاوية. وجاءت الأنباء تترى بما حاق به من الخراب فهوى إلى ~~الحضيض. # ولم يكن أحد يعلم ذلك سوى المستر تشارمن، وقد مرض هذا بعد بضعة أيام ثم قضى نحبه، ولم ~~تتحيف الخسارة التي عصفت بصديقه، إلا جانبا يسيرا من ثروته، ولم ينبس المستر تمبرلي ~~بكلمة لأرملة صديقه، ولا أفضى ms171 بحرف إلى أحد من الناس، ما عدا محاميه الذي سوى له أموره ~~في هدوء، وأخته التي لم يبق لبنيها إلا أن يحيوا حياتهم بلا عون، وحدث أن غابت أسرة ~~المستر تشارمن بعد موته عن البلدة فترة من الوقت، فاختفى المستر تمبرلي في سكون. # وكان المسكين قد ناهز الأربعين، وقد بقي له من رأس المال قدر يسير لم يجترئ على مد ~~يده إليه للإنفاق منه، فاستثمره، فأفاده دخلا لا يكاد يكفي عاملا. # وكانت لندن هي المدينة الوحيدة التي يستطيع أن يعيش فيها، لأنها المكان الوحيد الذي ~~يسعه أن يستخفي فيه وهو مطمئن آمن، فقصد إليها، واحتاج إلى زمن غير قصير ليتعلم فن ~~مكافحة الجوع بأيسر مقدار من المال. وقد بلغ من سوء حاله في أول عهده بهذه المحنة، ومن ~~عض الجوع وذل الفاقة، أن اضطر أن يغالب كبرياءه فكتب إلى صاحب له يستشيره ويستعينه، ~~وليس يعرف عبث النصح وإن حسنت فيه النية، وقلة جدوى الجاه الاجتماعي، إلا من كان في مثل ~~موقف المستر تمبرلي وحاله. ولو أنه استجدى مالا لتلقى شيئا مشفوعا بكلمات العطف، غير ~~أن المستر تمبرلي ما كان يستطيع أن يحمل نفسه على هذا. # وحاول أن ينتفع بما كان يتسلى به قديما من زخرفة الخشب، ونجح إلى حد ما، فربح في ستة ~~شهور نصف جنيه! ولكن الأمل في اكتساب جنيه في العام يضيفه إلى دخله الضئيل لم يكن من ~~شأنه أن يشجعه ويحضه على المثابرة! # وكان في ذلك الحين يعيش في عزلة تامة. والفقر أقوى ما زهد في الاختلاط ورغب في ~~الاعتزال والوحدة، إلا إذا كان المرء قد ولد وشب في أحضان الفاقة. وليس يسع الرجل ~~المرهف الحس حين يلفى أنه قد صار أدنى من أقرانه منزلة، إلا أن يلوذ بالوحدة، وما أسرع ~~ما يتبين أن الناس لا يجدون عسرا أو عناء في نسيانه. وقد كانت لندن، وما زالت، غاصة ~~بالزهاد والمعتزلة، برضاهم أو كرههم، وكان المستر تمبرلي، كلما ذهب يجوب الشوارع أو ~~الحدائق، أو يزجي الوقت في المتاحف ms172 (التي لا يؤدي داخلها شيئا) لا يزال يلتقي بمن ~~يفطن إلى أنهم نظراؤه وإخوانه في الاعتزال، وكان يفهم النظرة المخالسة حين تلتقي ~~بنظرته، ويقرأ صفحة الوجه المقطب، ويلاحظ الثياب اللبيسة بعطف. وليس بين هذه الخلائق ~~المستخفية المتسللة بث متبادل، وما منهم إلا من يود أن يقول بشجوه، ولكن الكبرياء تصده ~~وتكبحه، فيمضي في طريقه صامتا مستفردا حتى يجد نفسه آخر الأمر - لحسن الحظ - في ~~مستشفى أو ملجأ، فتنحل عقدة اللسان الممتسك ويقول القلب الكليم الموجع بعتبه على ~~الدنيا. # ويحذق من هذا حاله دروسا كثيرة لم تكن له في حساب، فيتعلم أساليب عجيبة للاقتصاد ~~والتدبير، ويزهي بأن يتبين أن المسكة من الرزق حسب المقل ليعيش بها، وقد كان المستر ~~تمبرلي في أيام خفضه ويساره، خليقا أن يجزم بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بأقل من كذا ~~وكذا، فلما أعسر عرف أن الرجل يقدر أن يعيش بقروش قليلة في اليوم. وصار يعرف أثمان ~~المآكل، وتعلم المزايا النسبية للأطعمة، والخصائص الغذائية المختلفة لكل منها، واضطره ~~الشظف أن يكون نباتيا فوجد أن الطعام من النبات أصح له، فجعل يلقي على نفسه خطبا ~~ساخرة بآكلي اللحوم، ويحاضرها في مضار القرم، وآلى مكرها ألا يذوق خمرا، واشتاق أن ~~يعتلي منبرا من منابر الدعاة إلى نبذ الخمر، وأن يؤدي من فوقه الشهادة. وفي هذا كله ~~عزاء، وإن فيه لعوضا عن فقد كثير من ضروب الاحترام الذاتي. # واتفق يوما أن كان يهم بأن يقبض من بنك إنجلترا المبلغ الزهيد الذي يأخذه كل ثلاثة ~~شهور، فلمحته سيدة وعرفته. وكانت أرملة المستر تشارمن. # وصاحب به: «أين كنت كل هذا الزمن يا مستر تمبرلي؟ لماذا لم يجئني منك أي نبأ؟ هل صحيح ~~ما حدثني به بعضهم من أنك كنت تعيش في الخارج؟» # وبلغ من ارتباكه من جراء هذه المباغتة، أن ردد، بطريقة آلية، آخر ما سمعه من السيدة - ~~«في الخارج.» # فألحت عليه المسز تشارمن تسأله ولا تدع له فرصة لكلام يقوله: «ولكن لماذا لم تكتب ~~إلينا؟ تالله ما أقساك؟ ولماذا سافرت ms173 من غير أن تخبرنا؟ إن ابنتي تقول إننا لا بد أن ~~نكون قد أسأنا إليك بشيء ما، قل بالله! إنه لا يمكن أن يكون هناك شيء ...» # فقال: «يا عزيزتي المسز تشارمن، إني أنا الملوم وحدي. إني ... ولكن الإيضاح صعب لأنه ~~يستدعي تفصيلا طويلا، وبيانا مسهبا، وإني لأرجو أن تحملي سلوكي الذي لا مسوغ له على ~~- على محمل الشذوذ المحض.» ~~- «لا بد أن تجيء إلينا وتزورنا. وهل تعلم أن آده تزوجت؟ نعم، منذ سنة أو حوالي ذلك. ~~ولشد ما يسرها أن تراك! فإنها تلهج بذكرك كثيرا، متى تستطيع أن تتعشى معنا؟ ~~غدا؟» ~~- «بسرور، بسرور عظيم.» # وأعطته عنوانها، وافترقا. # وكان من الدلائل على أن المستر تمبرلي لم ييأس قط من العود إلى عالمه القديم أنه عني ~~بالتحفظ بثياب السهرة والحذاءين الملائمين لها. وما أكثر ما هم مدفوعا بحاجته وضنكه، ~~أن يبيع هذه الأشياء التي لا نفع لها عنده! وقد رهنها أكثر من مرة، من أجل بضعة شلنات، ~~ولكن النزول عن عنوان منزلته ورمز طبقته، لم يكن إليه من سبيل، لأن معناه اليأس المطلق، ~~واليأس شيء أجنبي، لا يوائم طبيعة المستر تمبرلي المبنية على الجلد. وقد ذهبت حليه ~~جميعا - حتى ساعته وسلسلتها - فإن مثل هذه الأشياء ليست لازمة لازبة، لمظهر الرجل ~~الكريم، وقد هنأ نفسه بما كان من حسن تدبيره لأموره، ذلك أن لقاء المسز تشارمن سره بقدر ~~ما ربكه، وخفق قلبه خفقة الجذل وهو يتطلع إلى قضاء المساء في بيئته القديمة. وعاد ~~مسرعا إلى غرفته وفحص ثيابه بعناية وتدقيق فلم يجد فيها عيبا ظاهرا أو ملحوظا. على ~~أنه احتاج أن يشتري قميصا ورباطا. وكان معه لحسن حظه المال الكافي لسد هذه الخلة، ~~ولكن بماذا يئول لهم غيبته الطويلة؟ هل يسعه أن يطلعهم على خصاصته ويدلهم على مسكنه؟ إن ~~هذا يكون معناه استدرار العطف من أصدقائه القدماء، وهذا موقف لا قبل له به ولا قدرة له ~~على احتماله. والرجل الكريم لا يكشف عن حالة تسوء وتؤلم إذا كان يسعه كتمانها. فهل يكذب ~~إذن ms174 صراحة أو ضمنا؟ وذكر الحقيقة لا سبيل إليه لأنها تنطوي على لوم لزوج المسز ~~تشارمن. # وجاء مساء اليوم التالي وهو لا يزال ~~حائرا لا يستقر على رأي. وبلغ بيت المسز تشارمن من غير أن يصح له عزم على أمر، وكان في ~~غرفة الجلوس ثلاثة ينتظرونه - المسز تشارمن، وابنتها، وزوجها - المستر والمسز وير - وقد ~~أشفى على البكاء من حسن ما استقبل به، وغلبته عواطفه ففقد رصانته وصار يتكلم جزافا، ~~فصاغ قصة خرافية لم يكد يفرغ منها حتى بهت هو نفسه لها! # وقد جاءت هذه القصة في جواب سؤال طبيعي عن مسكنه أين هو؟ # فقال بابتسامة سخيفة: «في الوقت الحاضر أسكن غرفة للنوم والجلوس معا في شارع صغير في ~~حي إسلنجتون.» # فساد الصمت، ورشقوه بنظرات التعجب والدهشة، ولولا هذه النظرات لما درى أحد بماذا كان ~~المستر تمبرلي حقيقا أن يعترف. # وقال: «لقد قلت يا مسز تشارمن إنه لا يسعني إلا أن أعترف بشيء من الشذوذ. وإني لأرجو ~~ألا يزعجك ذلك. وأوجز فأقول إني وقفت جهودي الضعيفة على العمل الاجتماعي. فأنا أعيش بين ~~الفقراء، كواحد منهم، لأحصل بذلك على المعرفة والخبرة اللتين لا سبيل إليهما بغير هذه ~~الوسيلة.» # فصاحت مضيفته: «تالله ما أنبلك!» # وكان ضمير المسكين يخزه وخزا أليما، فلم يسعه أن يزيد على ما اخترع شيئا وأراد ~~القوم أن يترفقوا بعواطفه ويعفوه من الحرج فغيروا موضوع الحديث. ولم يخطر لهم قط وقتئذ، ~~ولا فيما بعد، أن يشكوا في صدقه. ولقد رأته المسز تشارمن يعامل بنك إنجلترا، وهو مكان ~~لا يوحي إلى النفس فكرة الفقر، وكان العهد بالمستر تمبرلي أنه غريب الآراء والأساليب. ~~وهكذا تورط في كذبة عجيبة، وخدعة لا يسهل تبينها، ولا ضرر منها إلا عليه. # ومضى نحو عام على ذلك، التقى المستر ~~تمبرلي في خلاله بأصدقائه هؤلاء ست مرات أو حوالي ذلك، وكان ينعم باجتماعه بهم على نحو ~~يدعو إلى المرثية، ولم يكن يزعجه منهم أي إشارة إلى أسلوب حياته، فقد صار من المفهوم ~~والمقرر أنه يؤثر أن يظل نوره محجوبا، ms175 ومروءته مكتومة، فلم يكن يحتاج أن يكذب مرة ~~أخرى. وما من شك في أنه ندم على الكذب والخداع، وجال بخاطره أن المسز تشارمن - وهي سيدة ~~غنية - لعلها كانت تستطيع أن تساعده على ما يبتغيه من وسيلة كريمة لكسب الرزق. على أن ~~الواقع أنه لم يخطر له إلا أن يكون مجلد كتب، وهي حرفة توافق ذوقه بعض الموافقة، واجترأ ~~يوما فاتفق مع رب البيت على أن يعلمه هذه الحرفة بالعمل له زمنا ما، بعد أن يحذقها. ~~وقد صار الآن هذا اليوم قريبا، وأحس المستر تمبرلي أنه على العموم أسعد مما كان أيام ~~البطالة واجترار الهموم، وأصبح يتطلع إلى اليوم الذي يزداد فيه دخله، فلا يعود يفرق من ~~الأسبوعين الأخيرين من كل ثلاثة شهور، ومن النوم فيهما كل ليلة بغير عشاء. # وقد أورثته دعوة المسز وير له أن يلحق بها في لوسرن، ألما مرا. لوسرن! أفترى تلك ~~كانت حياة سابقة أيام كان يسعه أن يسافر ويجوب الأرض، ويركب البحر، ويتنزه كما يحب، ولا ~~يعني نفسه بحساب المال؟ وارتسمت لعينه أماكن كثيرة جميلة رحل إليها، ومناظر حسنة ~~كالأحلام نعم بها، وقد أصارتها شوارع لندن بعيدة نائية، وأشبه بالصور الخيالية منها ~~بالحقيقة، وصارت السنوات الثلاث التي قضاها في لندن في البأساء والضنك أطول فيما يحس من ~~كل حياة الدعة والخفض التي كانت قبلها. لوسرن! ولو كانت طبيعة المستر تمبرلي أحد وأقوى ~~لطار عقله، ولكنه جعل يدير هذا الخاطر في نفسه النهار كله، ولا يعبر عن عواطفه بأكثر من ~~زفرة أو ابتسامة حزينة. # ولما كان قد أصاب من طعام العشاء، البارحة، حظا جزيلا، فقد أحس أن عليه أن ينفق ~~على طعامه في يومه أقل من القدر المألوف، وحوالي الساعة الثامنة مساء، بعد أن تمشى في ~~ذلك الجو الذي أثنى عليه، عرج على الدكان الذي ألف أن يشتري منه حاجاته القليلة، وكانت ~~فيه امرأة سمينة، فهزت رأسها له بالتحية، وابتسمت لزبون آخر، فانحنى لها المستر تمبرلي، ~~كما هي عادته، ردا لتحيتها وقال: «تفضلي بإعطائي بيضة طازجة، ms176 وخسة صغيرة.» # فسألته المرأة: «واحدة فقط في هذه الليلة؟» # فقال، وكأنما كان يتحدث في غرفة استقبال: ~~«شكرا لك، نعم واحدة. وسامحيني إذا أعربت عن الأمل في أن تكون طازجة بأدق معنى للفظ. ~~فإنه يخيل إلي أن الأخيرة كانت في هذا الصندوق من قبيل الخطأ والسهو، وهو يغتفر بسبب ~~زحمة العمل.» # فقالت المرأة السمينة: «إنها جميعا سواء، ودائما سواء، ولسنا نغلط مثل هذا ~~الغلط.» # فقال: «عفوا! لعلي توهمت ...» # ووضع البيضة والخسة بعناية في حقيبة ~~صغيرة معه، ورجع إلى البيت، وبعد ساعة من تناول هذه الأكلة، قعد على كرسي مستقيم الظهر ~~يفكر، وإذا بنقر على الباب، ويد تمتد إليه بكتاب. وكان يندر جدا أن يتلقى رسالة أو ~~رقعة، فاضطربت يده وهو يتأمل الظرف. وكان أول ما رآه بعد أن فض الرسالة شيكا، فزاد ~~اضطرابه، وفتح الرقعة ونفسه تجيش، فإذا بالرسالة من المسز وير، وفيها تقول: # عزيزي المستر تمبرلي، # بعد الحديث الذي دار بيننا البارحة لم أستطع إلا أن أفكر فيك وفي حياة ~~التضحية الجميلة التي تحياها، وقد قارنت حياة هؤلاء التعساء المساكين بحياتي ~~التي لا يسعني إلا أن أحس أنها مباركة حافلة بالمناعم، وقد دفعتني هذه الخواطر ~~إلى الاكتتاب بقدر يسير لأساهم في عملك المجيد، وإني أعد هذا ضربا من الشكر ~~لله في اللحظة التي أسافر فيها لأقوم برحلتي، فأقسم المبلغ من فضلك بين اثنين ~~أو ثلاثة ممن تراهم أحق وأولى، أو إذا بدا لك أن تهبه كله لواحد فافعل. هذا ~~وإني أتشبث بالأمل في أن أراك في لوسرن. وتحياتي إليك. # وكان المبلغ خمسة جنيهات. فرفع الشيك قرب النافذة، وتأمله. وخمسة جنيهات تعد مبلغا ~~جسيما إذا اعتبرنا الحياة التي يحياها، وقيم الأشياء فيها. وتصور ما يستطيع المرء أن ~~يفعله بقدر من المال كهذا! حذاءاه - اللذان رقعهما مرتين - لم يبق من عمرهما إلا ~~القليل، وبنطلونه صار غاية في الرثاثة. وقبعته (لشد ما عني بها) هي التي جاء بها إلى ~~لندن منذ ثلاث سنوات. وقد أصبحت حاجته شديدة إلى ثياب جديدة يكتسيها، من رأسه ms177 إلى قدمه، ~~وفي إسلنجتون، تعد خمسة جنيهات فوق الكفاية لقضاء هذه الحاجات جميعا، ومتى يتاح له أن ~~يلقى إليه بمبلغ كهذا مرة أخرى، لينفقه على هواه، بلا حساب؟ # وتنهد وتلفت في الغسق. # وكان الشيك مصلبا، فأدرك المستر تمبرلي للمرة الأولى في حياته أن رسم صليب على شيك، ~~قد يسبب لمن يحمله متاعب كثيرة، فكيف يصرفه؟ وإنه ليعرف أن صاحب البيت رجل ليس أسرع منه ~~إلى إساءة الظن، وأخلق بأن يكون الرفض - مقرونا بالنظرة التي يحسن المستر سجز أن ~~يحدج بها الإنسان - مهانة شديدة. ثم إن من المشكوك فيه جدا أن يستطيع المستر سجز أن ~~ينتفع بهذا الشيك. فإلى من يتجه غيره؟ لا أحد في لندن كلها! # وحدث نفسه أن أول ما ينبغي أن يصنع هو أن يرد على رسالة المسز وير. فأضاء المصباح، ~~وجلس إلى منضدة صغيرة، ولكنه غمس القلم في الدواة عدة مرات قبل أن يستطيع أن يكتب إليها ~~شيئا. # عزيزتي المسز وير، # وتلت ذلك فترة توقف طويلة حتى بدا كأنه نام، ثم انتفض وانحنى مرة أخرى على الورقة. # أشكرك شكرا جزيلا على هذه الهبة الكريمة. وسيوزع المبلغ ... ~~(وتوقف مرة أخرى دقائق عديدة). # على الوجه الذي أردته، وسأقدم لك بيانا مفصلا بوجوه إنفاقه. # ولم يسبق قط أن كابد مثل هذا العسر في الكتابة. وأحس أنه يسيء العبارة جدا، عما ~~يريد، وكأنما عوق ذهنه عن الدوران شيء، ولم يستطع أن يتم الكتابة إلا بمجهود بدني ~~كبير، فلما فعل خرج واشترى طابعا وألقى بالرد في صندوق البريد. # ولم ينم في ليلته تلك إلا غرارا، فما كاد يرقد حتى شرع يفكر في الأمر، وأين وكيف يجد ~~هؤلاء الفقراء الحقيقين بأن يقتسموا هذه الهبة؟ ولم تكن له معرفة بالطبقة التي تعنيها ~~المسز وير، وتتبرع لها. وصحيح أن الأسر التي حوله فقيرة كلها، ولكن هل للفقر عند هؤلاء ~~نفس المعنى الذي يفهمه هو من اللفظ؟ وهل في هذا الشارع القذر من يحق له - بالقياس إليه ~~هو - أن يدعى فقيرا؟ والمتعلم الذي يضطره انتقال الأحوال ms178 أن يعيش بين الطبقات الدنيا، ~~تتكون له آراء غريبة. مثال ذلك أن المستر تمبرلي صار يعتقد أن ما يقال عما تقاسيه هذه ~~الطبقات مبالغ فيه لأنه مقيس بمقياس غير صالح، وكان المستر تمبرلي يرى حوله عالما من ~~المرح الصاخب، والعمل مع الرضى، وبلادة الحس. وكان يخيل إليه أنه في هذا الحي، هو ~~الوحيد الذي يشعر بالفاقة وبألمها. # وتنبه من إغفاء كالكابوس، على خاطر جلي، وذكرى تشق رأسه شقا. إلى من يرجع «الفضل» ~~فيما صار إليه من البؤس والفاقة بعد الرفاهة وخصب العيش؟ إلى والد المسز وير! وإذا نظر ~~إلى الأمر من هذه الناحية ألا يكون له أن يعد الشيك ضربا من التعويض! # وأخذه النعاس لحظة، ثم أفاق وفي رأسه ~~خاطر آخر غريب. أيمكن أن تكون المسز وير (وهي امرأة ذكية) قد شكت في أمره أو وقفت على ~~حقيقته؟ ألا يجوز أن تكون قد أرادت فيما بينها وبين نفسها أن يأخذ هو المال الذي بعثت ~~به. # ولكن هذا الخاطر بدا في الصباح غير مقبول، أو محتمل، وكل ما أثمره هو أنه قوى في ~~نفسه شعوره بدين المستر تشارمن له. ووثب من الفراش، وتناول الشيك، فظل في يده ساعة، ثم ~~نهض وارتدى ثيابه. # وبعد أن أدى عمله في يومه خرج يتمشى في شارع كبير الدكاكين، فاستوقفه دكان حذاء، فبقي ~~برهة غير قصيرة أمام الواجهة، ويده في جيبه تعبث بجنيه فيه - وما جنيه بقليل، من المبلغ ~~الذي يعيش به إلى أن يجيء يوم القبض - ثم تخطى العتبة. ولم يكن أقل منه حزما أو حكمة، ~~فقد فرغ من الأمر في مثل لمح البرق، وكان يتكلم ولا يسمع ما يجري به لسانه، وينظر إلى ~~الأشياء ولا يراها، وكانت النتيجة أنه لم يدرك إلا بعد أن بلغ بيته، وحذاءاه العتيقان ~~تحت إبطه، أن الحذاءين الجديدين ضيقان جدا، وأن ضغطهما شديد الإيلام، وكان لهما أيضا ~~أطيط وصريف، ألا ما أعلى صوتهما! ولكن الأحذية الجديدة لا تخلو من أمثال هذه المعايب. ~~ولعله نسي ذلك لطول عهده بالقديم البالي. ms179 وكان يشعر بالإعياء الشديد، فتناول لقمة ~~واستلقى على سريره لينام. # وظل طول الليل يحلم بالحذاءين الجديدين، ~~وكان يرى في منامه أنه يظلع في شوارع مدينة خيالية يكمن له بعضهم فيها عند كل ركن ~~وزاوية، وفي كل مرة يتبين أن العدو المتربص له هو المسز وير، وكانت تنظر إليه باحتقار، ~~وتدعه يمضي في سبيله. وكان أطيط جلد الحذاءين صوتا ناطقا لا ينفك يصيح به ويعلن إليه ~~اسما مرعبا، فكان يتضاءل، ويتقبض، ويرعش، ويتوجع، ولكنه مع ذلك كان يمضي على سننه وفي ~~يده شيك عليه صليب، يحاول عبثا أن يجد من يعطيه به مالا. # ولما استيقظ كان رأسه أثقل من الرصاص، ولكن ذهنه كان صافيا، وتفكيره مستقيم، فسأل ~~نفسه: ماذا يعني بإنفاق المال على هذا النحو الجنوني مع افتقاره إليه؟ وليت الحذاء ~~الجديد يطاق لبسه؟ أكان ينوي ... يا حفيظ! # ولم يكن المستر تمبرلي من أهل العلم بالنفس الإنسانية، ولكنه فطن بغتة وعلى أجلى ~~صورة، إلى الأزمة النفسية التي كان يعانيها، واطلع بذلك على حقيقة أخرى من حقائق ~~الفقر. # وبعد أن تناول طعام الإفطار نزل ونقر على باب المستر سجز، وكان الرجل يأكل، فسأله، ~~وفمه ملآن: «ماذا تريد؟» # قال: «سيدي، إني أرجو أن تأذن لي في الغياب ساعة أو ساعتين في هذا الصباح، فإن هناك ~~أمرا له بعض الخطر، يتطلب عنايتي.» # فقال المستر سجز بما عرف عن أهل طبقته من الذوق: «أحسب أن لك أن تصنع ما تشاء، فما ~~أنقدك أجرا.» # فانحنى المستر تمبرلي وانصرف. # وبعد يومين آخرين كتب رقعة ثانية إلى المسز وير، هذا نصها: # إن المبلغ الذي تفضلت بإرساله إلي وأجبتك بأني تلقيته، قد وزع الآن. وقد رأيت ~~أن الأولى والأمثل أن أسلم الشيك إلى قسيس في هذا الحي، مشفوعا بأوامر صريحة، ~~وقد دون على الرقعة التي ترينها مع هذه الرسالة، بيانا بأسماء الذين انتفعوا ~~بهبتك، فعسى أن ترضي عما فعل. # ولكنك قد تسألين، لماذا رأيت أن ألجأ إلى قسيس؟ ولماذا لم أستعن في هذا الأمر ~~بخبرتي وتجاربي، فأفيد الرضى والسرور ms180 الحاصلين من مساعدة الفقراء الذين أعني ~~بهم؛ أنا الذي وقفت حياتي على هذا العمل الإنساني النبيل وجعلت من نفسي رسولا ~~للرحمة؟ # والجواب وجيز وسهل. ذلك أني كذبت عليك. # فأنا لا أعيش في هذا الحي بإرادتي الحرة، ولست أقف حياتي على أعمال البر ~~والإنسان. وأنا لست - كلا، بل لم أكن إلا - رجلا تبين في يوم من الأيام أنه ~~ضيع ماله في مضاربة حمقاء، فاستحى أن يطلع أصدقاءه على ما صار إليه أمره، فلاذ ~~بحياة العزلة والشقاء، فأنت ترين أني أضفت الجبن إلى سوء الحظ ولن أخبرك كيف ~~كدت أفعل ما هو شر من ذلك. # وأنا أقضي فترة في تعلم حرفة ستمكنني بلا شك من زيادة دخلي فأصبح أحسن حالا. ~~وإني لأرجو أن تغفري لي ما كان مني، إذا استطعت، وأن تنسيني. # وإني لك يا سيدتي لخادم غير جدير بشيء. # س. ف. تمبرلي # | هوامش # | هنري هارلاند # 1861-1905 # | بيت يولالي # هو بيت صغير جميل في رقعة ساحرة من الريف - ركن قلما يغشاه أحد، من بلاد نورمندي، على ~~مقربة من البحر - تكثر فيه البساتين، وتمتد الحقول والمراعي للماشية، وتستقيم الطرق ~~الظليلة. # والمرء لا يسعه إلا أن يستغرب أن يجد هذا البيت قائما هنا، فقد كانت البيوت الأخرى ~~مساكن فلاحين أو أكواخ عمال، ولكن هذا كان منزلا أنيقا مبيضا، وله نوافذ كالأبواب، ~~وشرفات ذات أسوار من حديد فيه صنعة، وستائر من نسج البندقية، منزلا للهو والمسرة تحيط ~~به حديقة صغيرة نضيرة، وتعطر جوه الورود والأزهار المنسقة، وترتاح العين إلى الخضرة ~~اليانعة حوله. وكان هناك، مما يلي الحديقة، بستان تقوم فيه صفوف من أشجار التفاح ~~القديمة، وقد مال بعضها على بعض فكأنها كانت ترقص ثم وقفت ولزمت آخر ما كانت عليه من ~~هيئة. وتدير عينك فترى حقولا منبسطة، من القمح والبقول المنسطحة على الأرض، إلى البحر، ~~وصخورا بيضاء غير مستوية تستحم في الماء الأخضر، وترى لها ظلالا لامعة خفاقة. # ورأيت لوحا معلقا على الحائط عليه كتابة ساذجة، أيدت ما علمته من السمسار في «دييب» ~~فصحيح إذن ms181 أن البيت للإيجار. وقد ركبت ساعتين طويلتين لأراه، والآن صرت على عتبته، ~~فدققت الجرس. وهو جرس كبير معلق وله مقبض من البرنز مصنوع على هيئة حبل وزر. وخليق ~~بصوته أن يذهب إلى بعيد في هذا الريف الساكن. # وقد ذهب الصوت، على كل حال، إلى مسكن كالكوخ على مسافة مائة ذراع، فخرج منه رجل ~~وامرأة، ووقفا هنيهة ينظران إلى ناحيتي ثم أقبلا نحوي. وكان الرجل شيخا والمرأة مثله ، ~~وكلاهما أسمر. وكان الرجل يلبس ثوبا غليظا مفتول الغزل طاقين، وعلى المرأة قبعة من ~~القطن، بيضاء نظيفة، وفوطة زرقاء تلفها على وسطها. وكان خطوهما رويدا على عادة أهل ~~الريف. # فسألتهما: «السيد والسيدة ليرو؟» # وذلك بعد أن تبادلنا التحيات التمهيدية، وأخبرتهما أني جئت من دييب حيث أنبأني ~~السمسار أن هذا البيت للإيجار، وكانا على ما بدا لي ينتظران مقدمي. فقد أبلغني السمسار ~~أنه سيبلغهما رغبتي. # ولكن لشد ما استغربت إذ رأيت أن هذا الكلام العملي ربكهما! بل يخيل إلي أنه أورثهما ~~اضطرابا وأحدث لهما ألما. فقد رفعا وجهيهما المغضنين ونظرا إلي نظرة القلق، وتبادلا ~~النظرات الواشية بالحيرة، وقبضت المرأة بيد على الأخرى وجعلت أصابعها تتحرك، وتردد ~~الرجل وتلجلج قبل أن يستطيع أن يقول: «جئت لترى البيت يا سيدي؟» # قلت: «نعم، أو لم يكتب إليك السمسار؟ لقد علمت منه أنك تنتظرني في هذه الساعة، ~~اليوم؟» # قال الرجل معترفا: «نعم، كنا في انتظارك.» # غير أنه لم يفعل شيئا يتقدم به الأمر خطوة واحدة، وبادل امرأته نظرة حيرة أخرى فهزت ~~رأسها كأنما تريد أن تقول إنه لا حيلة لها وأن الأمر لله، وأطرقت. # وقال الرجل بلهجة من يحاول جلاء الغامض: «شف # 1 # يا سيدي ... شف ...» ثم تلجلج وزوى ما بين عينيه كأنما يعاني أزم ~~التعبير. # فسألته مقترحا: «هل استؤجر البيت؟» # فقال: «كلا، لم يؤجر.» # فقالت امرأته أخيرا بلهجة المكروب ومن غير أن ترفع عينها عن الأرض: «يحسن أن تذهب ~~وتجيء بالمفتاح.» # فانكفأ راجعا يجر رجليه إلى كوخه، وبقينا نحن واقفين صامتين بجانب الباب، وكانت ~~أصابع يديها المتشابكتين ms182 لا تزال تضطرب، وحاولت أن أجرها إلى الحديث، وأفتح لها أبواب ~~الكلام، فأثنيت على موقع البيت وجمال المنظر، فتمتمت موافقتها في رقة ولطف، ولكن بضجر ~~غير خاف. فلم يشجعني هذا على المضي في الكلام. # وعاد إلينا الرجل بالمفتاح، وشرع وامرأته معه يريني البيت، وكان فيه حجرتان جميلتان ~~للجلوس والاستقبال في الطبقة الأرضية، وثالثة للطعام، ومطبخ واسع من الآجر الأحمر ~~المصقول، ومدخنة، وأوعية شتى من النحاس اللامع، وكان المتاع في غرف الجلوس والاستقبال ~~والطعام خفيفا على الطراز الفرنسي، وكانت النوافذ تفتح على الشمس وعلى أرج الحديقة ~~وخضرتها البهيجة، فأعربت لهما عن سروري وإعجابي بما شاهدت، وإذا بحالتهما تتغير شيئا ~~فشيئا، من الكآبة، والتردد، والحيرة، إلى الاستجابة والانشراح، وصارا يتلقيان كلامي ~~بابتسام، ويجيبان عن أسئلتي بلهفة وبإفاضة. ولكن الاضطراب لم يزايلهما، اضطراب العاطفة ~~الجياشة، وكانت أيديهما المعروقة تختلج وترتعش إذ يفتحان لي الأبواب والنوافذ، وينحيان ~~الأستار، وصوتهما يتهدج، حتى ابتسامهما كان عن ألم مكنون؛ فهو لا يجاوز السطح ولا يؤثر ~~في المطوي من الهم. # وحدثت نفسي أن حاجتهما ملحة إلى المال، وأنهما عسى أن يكونا قد أنفقا على هذا البيت ~~كل ما كان عندهما، فهما إذ يجدان مستأجرا معذوران إذا اضطربا. # وقال الرجل: «والآن، إذا شئت يا سيدي، تفضل بنا إلى فوق لنريك غرف النوم.» # وكانت هذه الغرف حسنة التهوية، تدخل السرور على النفس، وكانت جدرانها مورقة، وعلى ~~نوافذها ستائر قطنية مطبوعة، وأثاثها كالمعهود في حجرات النوم الفرنسية. وكانت إحداها ~~تبدو كأن هناك من يستعملها، فقد كان فيها متاع وأشياء - أشياء شخصية - لامرأة. وكانت ~~آخر ما دخلنا من الغرف، وهي مقدمة وتطل على البحر، ورأيت على المنضدة فيها أمشاطا ~~وفرشا، وعلى المكتب الصغير أقلاما ومحبرة ومحفظة، وعلى الرفوف كتبا مرصوصة، وعلى ~~الصفة صورا شمسية في إطاراتها، وفي الصوان ثيابا معلقة، وعلى الأرض أحذية وخفافا ~~نظيفة مرتبة، وعلى السرير حبسا مبسوطا، من الحرير الأزرق، وعلى الحائط مما يلي ~~السرير، صليبا معلقا وإلى جانبه وعاء من الخزف فيه ماء مقدس. # فالتفت إلى الرجل وامرأته ms183 وقلت: «يظهر أن هذه الغرفة مسكونة.» # فلم يبد على السيدة ليرو أنها سمعت ما قلت، فقد كانت شاخصة لا تطرف وكانت شفتاها ~~متباعدتين، وعلى وجهها سيماء الضجر كأنما يكون من دواعي سرورها أن نفرغ من تجوابنا في ~~البيت وطوافنا بغرفه، أما السيد ليرو فرفع يده إلى السقف بإيماءة غريبة وقال: «كلا، إن ~~الغرفة ليست مأهولة في الوقت الحاضر.» # ونزلنا، وعقدنا الاتفاق على أن أتسلم البيت للسكنى مدة الصيف ، وأن تقوم السيدة ليرو ~~بطبخ الطعام لي، ووعد السيد ليرو أن يركب إلى دييب يوم الأربعاء ليعود بي ~~وبحقائبي. ~~••• # وفي يوم الأربعاء، كنا عائدين، ومضى نصف ساعة ونحن صامتان، وإذا بالسيد ليرو يقول لي ~~فجأة: «هذه الغرفة يا سيدي ... الغرفة التي ظننت أنها مأهولة؟» # فقلت، وقد رأيته يسكت: «نعم ... ما لها؟» # قال: «إن لي اقتراحا أعرضه عليك.» # وكان يتكلم وبه على ما خيل إلي، خجل، وفي لهجته ما يدل على الإصرار وكانت عينه على ~~أذني حصانه. # فقلت: «هات اقتراحك.» # قال: «إذا وافقت على أن تترك هذه الغرفة على حالها، بما فيها من المتاع، فإني مستعد ~~لنقص الإيجار إذا رضيت أن تدعنا نحتفظ بها كما هي.» # قال ذلك بلهجة المتوسل المتلهف، وزاد عليه: «إنك وحيد، ولا حاجة بك إلى هذه الغرفة، ~~فإن ما يبقى من البيت فوق الكفاية ... أليس كذلك يا سيدي؟» # فوافقت، وقلت له إن في وسعه هو وامرأته أن يحتفظا بالغرفة إذا شاءا. # فقال: «شكرا لك، وستحفظ لك زوجتي هذا الجميل.» # وعدنا إلى الصمت فترة، قال بعدها: «أنت أول مستأجر لبيتنا، فما أجرناه لأحد من ~~قبل.» # فسألته: «صحيح؟ منذ كم بنيتماه؟» # قال: «أنا بنيته، بنيته منذ خمس أو ست سنوات.» وأمسك ثم قال: «بنيته لبنتي.» # وخفت صوته وهو يقول ذلك، ووقع في نفسي أن هذه ليست سوى فاتحة لشيء يريد أن يفضي به ~~إلي، فقلت أستحثه وأشجعه: «آه! صحيح؟» # فقال: «إنك ترى أي ناس نحن - زوجتي وأنا - فلاحان ... خشنان. ولكن ابنتي يا سيدي»، ووضع ~~يده على ركبتي وحدق في وجهي، «ابنتي ms184 كالشفوف رقة.» # ورد عينه إلى حصانه، ولزم الصمت دقيقة أو اثنتين، ثم عاد يقول، وعينه على أذني حصانه ~~لا يرفعها عنهما: «لم يكن في كل هذه الناحية سيدة أرق منها وألطف» - وكان يتكلم بسرعة ~~وبصوت غليظ كأنما يحدث نفسه - «كانت جميلة، ومن أحلى خلق الله طباعا، ومن أحسن الناس ~~تعليما. تربت في الدير، بروان، دير «القلب المقدس» ... ست سنوات قضتها في الدير تتعلم - ~~من الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة. وكانت تعرف الإنجليزية - لغتك يا سيدي ... ونالت جوائز ~~في التاريخ وفي الموسيقى. ما من أحد يحسن العزف على البيانو كما تحسنه.» وسألني فجأة ~~وبعنف: «فهل كان يليق بها كوخ ريفي ككوخنا؟» وأجاب عن سؤاله فقال: «كلا، يا سيدي! فما ~~يجوز أن تلوث الثياب الرقيقة بوضعها في صندوق قذر. وقد كانت ابنتي سكب ماء من ~~الرقة، وكانت يداها أنعم من مخمل «ليون» وآه! من حسن مشمهما! أعني يديها! لقد كان الطيب ~~الذي أجده في يديها ينعشني. وكنت ألثمهما، وأشمهما كما تشم الزهرة.» # وأخفتت الذكرى صوته، ومضت لحظة أخرى من الصمت، ثم عاد يقول: «وكنت كثير المال - ~~مدنرا ومدرهما - وكنت أغنى فلاح في هذه الناحية فبنيت هذه الدار - بناها المسيو ~~كلير مون أكبر مهندس في روان، وخريج مدرسة الفنون الجميلة بباريس - هو الذي شيد الدار ~~لابنتي - بناها وأثثها، وجعلها لائقة بكونتيسة. حتى إذا عادت من الدير لتقيم معنا وجدت ~~الدار جديرة بها، انظر إلى هذا يا سيدي! أترى أن أفخم قصور العالم يكون كثيرا ~~عليها؟» # وأخرج كيسا قديما من الجلد الأحمر، ~~وناولني منه صورة غادة ناعمة لينة في السابعة عشرة من العمر، وفي وجهها قسامة، وفي ~~معارفها عذوبة ورقة. وكان الرجل معلق الأنفاس محتبسها وأنا أتأمل الصورة، ثم ألح علي ~~يسألني: «أليست ظريفة؟ أليست جميلة؟» وكأنه يناشدني أن أعطف عليه وأرق له فأشاركه في ~~ثنائه. وقد أجبت بما وسعني، بخير ما قدرت عليه، فأعاد الصورة بيد مرتعشة إلى كيسها، ~~وأخرج من ناحية أخرى من الكيس بطاقة صغيرة بيضاء، عليها ما اعتاد الفرنسيون أن ms185 يحفروه ~~على قبورهم - صورة الصليب، وحمامة - تحتها ما يأتي: # يولالي - جوزفين - ماري ليرو. ولدت في 16 مايو/أيار سنة 1874، وتوفيت في 12 ~~أغسطس/آب سنة 1892. صل لها. # وقال: «الله يعرف ما هو صانع. لقد بنيت هذه الدار لبنتي، فلما تم تشييدها اختارها ~~الله إلى جواره. وقد ذهب بعقلنا الحزن - زوجتي وأنا - ولكن هذا ما كان ليردها إلينا. ~~وما يدريني؟ لعل عقلنا ما زال مذهوبا به من الحزن. فما نستطيع أن نفكر في شيء آخر. وما ~~نحب أن نتكلم عن شيء آخر. ولم نستطع أن نعيش في البيت - بيتها - وهي ليست فيه ولم يخطر ~~لنا قط أن نؤجره. لقد بنيته لابنتي، وفرشناه وأثثناه لها، فلما جهزناه ... ماتت. أليست ~~هذه قسوة يا سيدي؟ وكيف أؤجر البيت للأغراب؟ ولكني منيت في المدة الأخيرة بخسائر، فأنا ~~مضطر أن أؤجر البيت لأقضي ديني. ولكني لا أستطيع أن أؤجره لأي إنسان. وأنت إنجليزي. ولو ~~كنت لم أرتح إليك لما أجرته لك ولا بمليون من الجنيهات الإنجليزية. ولكني مغتبط بأن كنت ~~أنت المستأجر. وستحترم ذكراها، وستأذن لنا في الاحتفاظ بتلك الغرفة - غرفتها - وسندعها ~~كما هي، بما فيها من الأشياء. نعم، هذه الغرفة التي حسبتها مسكونة، كانت غرفة ~~بنتي.» # وكانت السيدة ليرو تنتظرنا في الحديقة، فرفعت عينها إلى زوجها مستفسرة فهز رأسه وقال: ~~«كل شيء على ما يرام. السيد موافق.» # فتناولت المرأة يدي وهزتها هزا عنيفا وقالت: «آه يا سيد! إنك رجل طيب.» ورفعت ~~عينيها إلي ولكني لم أستطع أن أنظر فيهما، فقد كان الحزن الذي يطالعني من نظرتهما أهول ~~وأقدس من أن أمتهنه بالنظر إليه. ~~••• # وصرنا أصدقاء أصفياء، في الشهور الثلاثة التي قضيتها في البيت. وكانت السيدة ليرو ~~تتعهدني، وترعاني، وتبرني وتسرني، كأنها أمي. وكان كلاهما - كما قال السيد ليرو - يؤثر ~~أن يجعل ابنته موضوع حديثه، وكنت أصغي إليهما بغير نفور أو ملل، فقد كان في حزنهما ~~عليها، ودوام تفكيرهما فيها جمال عميق الوقع في النفس، وكان يخيل إلي أن طيف الفتاة ~~يرود البيت، البيت الذي بناه لها الحب ms186 وهو لا يدري أن الموت سيعدو عليها ويغولها منه، ~~وكانت المرأة لا تمل أن تقول لي: «آه يا سيدي، إن من بواعث السرور لنا أن تركت لنا ~~غرفتها.» وقد صعدت بي مرة إلى الغرفة، وأرتني ثياب يولالي، وحليها، وكتبها المجلدة ~~الجميلة التي فازت بها تجزية لها، على اجتهادها في الدير. وفي يوم آخر أطلعتني على ~~رسائل يولالي وسألتني عن خطها أليس جميلا؟ وعن عبارتها أليست حسنة؟ وعرضت علي صورا ~~لها في كل سن، وخصلة من شعرها وملابسها في حداثتها، وشهادة الأسقف، ورسائل من راهبات ~~«القلب المقدس» بروان، تصف تقدم يولالي في الدرس والتحصيل، وتطري سلوكها وأخلاقها، ~~وكانت المرأة ربما غلبها الحزن فتقول، وكأنها لا تصدق ما حاق بها من الفقدان، وما منيت ~~به من الخسارة: «وتصور أنها ذهبت! تصور هذا!» ثم تعود فتقول همسا بلهجة الاستسلام ~~لقضاء الله: «إنه هو أدرى بما يصنع!» وترسم الصليب على صدرها! # وفي الثاني عشر من أغسطس - يوم ذكرى وفاتها - صحبتهما إلى كنيسة القرية حيث أقيمت ~~الصلاة على روح يولالي، وبعد انتهائها جاء القسيس الطيب إليهما وضغط يديهما، ورفه عنهما ~~بكلمات عذاب. ~~••• # وفي سبتمبر/أيلول بارحت البيت عائدا إلى دييب. واتفق عصر يوم أن التقيت في الطريق ~~الأعظم لهذه المدينة بقسيس القرية، فوقفت معه قليلا نتحدث عن ليرو وامرأته، وطيب ~~نفسيهما، وحزنهما على ابنتهما فقال القسيس: «لقد كان حبهما لها شيئا فوق الحب. كان ~~عبادة، وتأليها. وما رأيت في حياتي الطويلة مثل هذا أو ما يقرب منه. وقد خفت عليهما، ~~لما قضت نحبها، أن يذهب عقلهما. فقد كانا مذهولين ... غائبين عن الوعي. ولبثا مدة طويلة ~~كالمجنونين. ولكن الله رحيم، فقد تعلما أن يعيشا ومعهما مصابهما.» # فقلت: «إن في احتفاظهما بذكراها، وعبادتهما لها، لجمالا. وما أظن بك إلا أنك تعرف ~~أنهما أبقيا غرفتها وفيها أشياءها، كما تركتها ... هذا فيما أرى جميل ... رائع.» # فسألني القسيس، وهو غير فاهم: «غرفتها؟ أية غرفة؟» # فقلت متعجبا: «أوه، أولم تكن تعرف؟ غرفة نومها في البيت. احتفظا بها كما هي، ~~أشياءها، وكتبها، وملابسها.» ms187 # فقال القسيس: «لا أظن أني فاهم. فما كان لها قط غرفة نوم في هذا البيت.» # فقلت: «عفوا. إحدى الغرف المقدمة في الطبقة الثانية كانت غرفتها.» # فهز رأسه وقال: «هنا بعض الخطأ، فما نزلت قط في هذا البيت، لأنها ماتت في البيت ~~القديم. وكان البيت الجديد لم يكد يتم تشييده. العمال لم يكونوا قد خرجوا منه.» # فقلت: «كلا، لا بد أن تكون أنت المخطئ، ويظهر أنك ناس. فإني على يقين من الأمر، وقد ~~حدثني ليرو وامرأته بهذا مرات لا يأخذها حصر.» # فأصر القسيس على زعمه وقال: «ولكن يا سيدي العزيز، إني لست واثقا فقط بل أنا أعلم. ~~فقد حضرت وفاتها، وكنت إلى جانبها وهي تجود بنفسها، وقد ماتت في البيت القديم. وكانا لم ~~ينتقلا إلى الدار الجديدة، وكانت الدار لا تزال تؤثث وتجهز، وقد وضعت فيها آخر قطع ~~الأثاث قبل وفاتها بيوم. ولم يسكن أحد هذه الدار قبلك. أنت أول ساكن لها. وإني أؤكد لك ~~هذا.» # فقلت: «إن هذا أمر غريب جدا.» # وساورتني الحيرة دقيقة، فلم أهتد على حل لهذا اللغز، ولكن حيرتي لم تطل أكثر من ~~دقيقة، قلت بعدها: «فهمت. فهمت.» # فهمت، ورأيت، وأدركت كيف غالط هذان المنكوبان نفسيهما، وخلقا لهما وهما يتعزيان به، ~~فقد بنيا الدار لابنتيهما، فلما اكتملت الدار وتجهزت ماتت الفتاة. ولكنهما لم يطيقا أن ~~يتصورا أن لا تعيش في هذه الدار وتنعم بها ولو أسبوعا واحدا، بل ولو يوما واحدا، أو ~~حتى ساعة مفردة! عجزا عن احتمال هذا الحرمان. ولم يستطع قلباهما الثاكلان أن يعترفا به، ~~فأغمضا عيونهما حتى لا يريا ما يصنعان، وحملا متاع الفتاة الميتة في خشوع، إلى الغرفة ~~التي أرادا أن يفرداها لها، ورتباها فيها، وقالا لنفسيهما بإلحاح: «هذه كانت غرفتها. ~~هذه كانت غرفتها.» ليتقرر في روعهما بالإيحاء، وأبيا أن يصدقا النفس، أبيا أن يسمحا بأن ~~يجري في خاطرهما أنها لم تنم فيها ولم تنعم بها ولا ليلة واحدة. أوحيا إلى نفسيهما هذه ~~الأكذوبة الجميلة، هذه الخدعة الكريمة الرحيمة كأنهما طفلان يصدقان ما ms188 يتخيلان وهما ~~يلعبان. وقد قالها القسيس: «الله رحيم! فقد استطاعا أن يخلطا كذبتهما الجميلة بالحقيقة، ~~وأن يجدا في هذا عزاءهما، ووسعهما أن ينسيا أن ما غالطا به نفسيهما ليس أكثر من خدعة، ~~ووهم وباطل ليس يجدي، وأن يعدا الأمر كله حقيقة يستمدان منها السلوان والصبر الجميل، ~~وبهذا وقاهما الله أن يتقاضاهما الحزن آخر مجهودهما. فبقيت لهما هذه السلوة، فهي كنز ~~لهما - كنز أنفس وأجدى من الذهب الإبريز .» # الباطل؟ - الحق؟ أحسب أن هناك أوهاما ليست من الأباطيل - وإنما هي ابتسامات من الحق ~~رحمة بنا، وعطفا علينا. # | هوامش # | وليم سدني بورتر (و. هنري) # 1867-1910 # | تقرير # المدائن كلها زهو، يتحدى بعضها بعضا، هذه من سفوح جبالها وتلك من سيف ~~شطئانها. # رديارد كبلنج # تصور رواية عن شيكاجو، أو بفالو، أو قل عن ناشفيل بولاية تسي! إنه ليس ثم سوى ~~ثلاث مدن كبيرة بالولايات المتحدة، تصلح للرواية - نيويورك بالطبع، ونيوأورلينس، ~~وخير منهما سان فرنسيسكو. # فرانك نوريس # الشرق شرق، والغرب هو سان فرنسيسكو، فيما يرى أهل كاليفورنيا. وهم جيل من الناس، لا ~~مجرد سكان ولاية، وهم الجنوبيون من أهل الغرب. وليس أهل شيكاجو، مثلا، بأقل ولاء ~~لمدينتهم، ولكنك تسألهم عن السبب فيتمتمون ويتحدثون عن سمك البحيرة، والبنى الشامخة، ~~أما أبناء سان فرنسيسكو فيسهبون ويفيضون في التفصيل. # ولا شك أنهم يجدون في الجو والمناخ ما يصلح أن يكون حجة يقضون في الإدلاء بها نصف ~~ساعة تكون أنت في خلالها مشغولا بالتفكير في تكاليف الفحم والثياب التحتية الغليظة، ~~ويركبهم الغلط فيتوهمون أن صمتك اقتناع، فيروحون يسبحون على متن التيار ويصورون لك ~~مدينة البوابة الذهبية كأنها بغداد الدنيا الجديدة. وإلى هنا، وما دامت المسألة مسألة ~~رأي، لا داعي للمناقضة والجدال، ولكن يا أبناء الأعمام جميعا (من نسل آدم وحواء) إنه ~~لمتهور ذاك الذي يضع إصبعه على الخريطة ويقول: «في هذه البلدة لا يمكن أن يحدث شيء يجري ~~مجرى القصة - وماذا يمكن أن يحدث هنا؟» نعم من الجرأة بل التهور أن يتحدى الإنسان - ~~بجملة واحدة - التاريخ، والخرافة، وراند، وماك ناللي! ms189 # ناشفيل - مدينة وثغر وعاصمة ولاية تنيسي، واقعة على نهر كمبرلاند، وملتقى ~~خطوط حديدية. وتعد هذه المدينة أهم مركز للتعليم في الجنوب. # نزلت من القطار في الساعة الثامنة مساء. وقد أعياني الاهتداء إلى لفظ أصف به المدينة، ~~فأنا ألجأ إلى تأليف «تذكرة» من المقارنات. # خذ من ضباب لندن ثلاثين جزءا، ومن الملاريا عشرة أجزاء، ومن الثقوب في أنابيب الغاز ~~عشرين جزءا، ومن قطر الندى عند شروق الشمس في ساحة مبلطة خمسة وعشرين جزءا، ومن أرج ~~الأزهار خمسة عشر جزءا، وامزجها. # وخليق بهذا الخليط أن يعينك على تصور ناشفيل إذ تجودها السماء. # وذهبت إلى الفندق في مركبة، واحتجت إلى كل ما أملك من قدرة على كبح النفس لمقاومة ما ~~يغريني منها بالصعود إلى ظهرها وتقليد سدني كارتون. وكانت الدواب التي تجرها ترجع إلى ~~عصر مضى وانقرض ما كان فيه، وكان السائق أسود ظامئا ضاويا. # وكنت مثقل الرأس من الإعياء والحاجة إلى النوم، فلما بلغت الفندق أسرعت فدفعت إلى ~~السائق الخمسين سنتا التي طلبها، وكنت أعرف عادات هؤلاء الزنوج، ولا أريد أن أتيح له ~~فرصة يلغط فيها بذكر «سيده» ولا بما كان يحدث «قبل الحرب.» # وكان الفندق من الضرب الذي يوصف بأنه «مجدد» ومعنى التجديد إنفاق عشرين ألف ريال على ~~عمد الرخام، والبلاط، والنور الكهربائي، والمقابض النحاسية والمباصق، ودليل جديد للسكة ~~الحديدية، ورسم بارز للجبال في كل واحدة من الحجرات الكبيرة. وكانت الإدارة لا عيب ~~فيها، ولا اعتراض عليها، والمعاملة كالمعهود من حفاوة أهل الجنوب ورقتهم، والخدمة أبطأ ~~من السلحفاة، والقائمون بها في مثل سجاحة رب فان ونكل وسلاسة طباعه، أما الطعام فيستحق ~~أن يقطع المرء إليه ألف فرسخ، وليس في الدنيا فندق آخر تستطيع أن تظفر فيه بأكباد ~~الدجاج مطبوخة على هذا النحو. # وسألت على العشاء خادما زنجيا عن ملاهي المدينة، فوقف يقدح زناد فكره لحظة ثم قال: ~~«الحقيقة يا سيدي أني لا أظن أن هناك شيئا بعد الغروب.» # وكان الغروب قد تم، وغرق في المطر من زمان طويل، وحرمت فرصة مشاهدته! ms190 ولكني مع ذلك ~~خرجت إلى الشوارع في المطر لأرى ما عسى أن يكون هناك. # وهي مبنية على عارض من الأرض ينقاد ويرتفع، والشوارع مضاءة بالكهرباء وتبلغ ~~تكاليفها في العام 32,470 ريالا. # وما كدت أغادر الفندق حتى رأيت سباقا مضطربا، فقد أقبل علي جماعة من الزنوج ~~المحررين، أو الزولو، أو لا أدري من غير هؤلاء وأولئك، مسلحين بال ... كلا، فقد تبينت ~~أن في أيديهم سياطا لا بنادق، فتنفست الصعداء، ورأيت كذلك، ولكن في غير وضوح، قافلة من ~~المركبات السوداء، ولما سمعت صيحاتهم المطمئنة «إلى أي ناحية في المدينة بخمسين سنتا» ~~أدركت أني زبون ليس إلا، ولست بفريسة أو ضحية. # وسرت في شوارع طويلة، كلها إلى صعود، وكنت وأنا أمشي أتعجب لهذه الطرق كيف تنحدر مرة ~~أخرى، ولعلها لا تنحدر إلا على درجات. وفي بعض الطرق الكبرى رأيت أضواء في حوانيت هنا ~~وهناك، ومركبات تقل بعض أهل المدينة الكرام إلى هنا، وهنا، وناسا يمرون بي وهم ~~يتحدثون، وسمعت انفجار ضحكة شبه مرحة صادرة عن دكان أشربات مثلوجة، أما الطرق التي ليست ~~«بالكبرى» فيظهر أنها مجعولة للسكينة والسلام والأعمال المنزلية، وكان في كثير من ~~مساكنها أنوار تضيء من وراء الشبابيك المسدلة، وسمعت من بعضها عزفا محتشما لا يعاب. ~~فالحق أنه لا شيء في المدينة، فليتني دخلتها قبل الغروب! ومن أجل ذلك رجعت إلى فندقي. # في نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1864 زحف القائد الاتحادي الجنرال هود على ناشفيل ~~وحاصر فيها قوة وطنية يقودها الجنرال طوماس. وقد خرج الأخير بعد ذلك وهاجم ~~الاتحاديين وهزمهم في معركة فظيعة. # وأنا طول حياتي أسمع ببراعة أهل الجنوب في إصابة المرمى في معاركهم السامية في مناطق ~~مصنع «الطباق» وأعجب بحذقهم هذا وأحب أن أشهد آياته، ولكني فوجئت بما لم يكن لي في ~~حسبان، في الفندق. فقد كانت هناك في البهو اثنتا عشرة مبصقة جديدة لامعة في البهو ~~الكبير، وهي عالية حتى ليمكن أن يقول المرء إنها قماقم، وواسعة حتى لتستطيع الواحدة من ~~لاعبات كرة السلة أن ترمي الكرة في واحدة ms191 منها على مسافة خمس خطوات، ومع أن الحرب كانت ~~ولا تزال دائرة بأقصى شدة وأعنف حال، إلا أن العدو لم يصبها بسوء، وظلت المباصق لامعة ~~براقة، وواسعة نظيفة لا يمسها سوء. ولكن البلاط! البلاط الجميل! ولم يسعني إلا أن أفكر ~~في معركة ناشفيل، وإلا أن أستخلص - كما هي عادتي - بعض النتائج، وأنتهي إلى بعض الآراء ~~في وراثة البراعة في إصابة المرمى. # وهنا رأيت لأول مرة الماجور ونتورث كازويل، وما كادت عيني تقع عليه وتتأذى بالنظر ~~إليه حتى أدركت أنه طراز قائم بذاته، وليس للجرذ موطن، وقد قال صديقي القديم الفريد ~~تنيسون (الشاعر) وأجاد - كما هي عادته - «أيها النبي، العن لي الشفة الثرثارة، والعن لي ~~الآفة البريطانية، الجرذ!» # وكان الرجل يروح ويجيء في البهو كالكلب المتضور الذي نسي أين خبأ عظمة! وكان وجهه ~~عظيم الرقعة كبير المساحة، وأحمر ضخم الصفحتين ثقيلهما، مكتلهما مع فتور كفتور النعاس. ~~ولم تكن له سوى فضيلة واحدة، هي أنه حليق ناعم الخد أملسه. وأخلق بسمة الحيوان أن تلازم ~~الإنسان إذا استبقى على وجهه سحالة. # 1 # ولو أنه لم يجر الموسى على خديه في ذلك اليوم لما أطقته. ولكنت خليقا أن ~~أصده عني، ولكان إحصاء الجرائم في هذا العالم قد نقص جريمة قتل! # وكنت واقفا على مسافة خمس أقدام من مبصقة، وإذا بالماجور كازويل يصوب إليها قذائفه! ~~ولاحظت أنه يستعمل في هجومه مدفعا رشاشا لا بندقية، فتنحيت عن ميدان الضرب بخفة، ~~فاغتنمها الماجور فرصة للاعتذار إلى مسالم غير محارب. وكانت «الشفة الثرثارة»، ففي أربع ~~دقائق ليس إلا صار صديقي، وجرني إلى الحانة. # وهنا موضع التنبيه إلى أني من أهل الجنوب، ولكني لست كذلك بحكم المهنة أو الحرفة أو ~~العادة. فأنا لا أتخذ رباط الحبل. ولا ألبس القبعة العريضة الحافة، ولا أبالي أكياس ~~القطن التي أتلفها «شيرمان»، ولا أمضغ الطباق، وإذا عزفت الموسيقى «ديكسي» لم أهتف، ~~وأتطامن على المقعد الجلدي وأطلب قدحا وآخر، وأتمنى لو أن - ولكن ما الفائدة؟ # وضرب الماجور كازويل منضدة الحانة بجمع يده، فجاوبه المدفع ms192 الأول بقلعة «سانتر» ولما ~~أطلق آخر قذائفه على «أبوماتوكس» انتعشت آمالي. ولكنه شرع يتحدث عن شجرة الأسرة، ويبين ~~أن آدم ليس سوى فرع ثالث من فروع أبناء الأعمام في أسرة كازويل، وبعد أن فرغ من أمر هذا ~~النسب تناول على كره مني وسخط، شئون أسرته الخاصة، فتكلم عن زوجته، ونماها إلى حواء، ~~ونفى كل قول بأنها قد تكون ذات قرابة بأحد من الأرض. # وقد دعاني هذا إلى الاسترابة به، فكبر في ظني أنه يحاول بهذه الضوضاء أن يذهلني عن ~~كونه هو الذي طلب الشراب، عسى أن أؤدي ثمنه عنه، ولكنه بعد أن شربنا رمى ريالا فضيا ~~على المنضدة، فصار علي أن أسقيه كما سقاني، ففعلت وأديت الثمن واستأذنت في الانصراف، ~~ومضيت بلا تمهل، فقد أضجرني فلم أعد أطيقه، على أنه قبل أن أنجو منه حدثني بصوت عال عن ~~زوجته ودخلها وأراني حفنة من النقود الفضية. # وقال لي كاتب الفندق، وأنا آخذ مفتاحي منه: «إذا كان هذا الرجل - كازويل - قد أزعجك ~~وكنت تحب أن تشكوه، فنحن مستعدون أن نقصيه عن المكان، فإنه عاطل مزعج وليست له وسيلة ~~معروفة لكسب الرزق وإن كان يبدو معظم الوقت ومعه شيء من المال. ولكنا لا نهتدي إلى ما ~~نتكئ عليه لطرده.» # فقلت بعد تفكير: «كلا لست أرى سبيلا إلى الشكوى، ولكني أحب أن يروى عني أني أقرر ~~أني لا أحب صحبته.» ثم أضفت إلى هذا «إن مدينتكم هادئة على ما يظهر، فأين يجد الغريب ~~لهوا أو مغامرة أو ما هو من ذلك بسبيل خارج بابكم.» # فقال الكاتب: «سيكون هنا معرض يوم الخميس الآتي، وهو ... سأبحث وأبعث إلى غرفتك ~~بالإعلان، مع الماء المثلج. عم مساء يا سيدي.» # وصعدت إلى غرفتي، ونظرت من النافذة، وكانت الساعة حوالي العاشرة ولكن الشارع كان ~~ساكنا، وكانت السماء لا تزال تمطر، والأنوار تلمع هنا وهنا على مسافات بعيدة كالزبيب ~~في الكعكة. # فقلت لنفسي: «مكان هادئ ليس فيه شيء من الحياة التي تكسب المدائن في الشرق والغرب، ~~تلك البهجة وذلك التنوع - مدينة ms193 أعمال - حسنة، عادية، ساذجة.» # وتعد ناشفيل في طليعة المراكز الصناعية، ولها المرتبة الخامسة بين أسواق ~~الأحذية في الولايات المتحدة، وفيها أكبر مصانع الحلواء في الجنوب، ولها تجارة ~~عظيمة بالجملة في المنسوجات والأغذية والعقاقير. # ويجب أن أحدثك عن قدومي إلى ناشفيل كيف اتفق، وأن أؤكد لك أن هذا الاستطراد فيه من ~~الإملال لي بقدر ما فيه لك: كنت ذاهبا إلى بلد آخر في شأن لي، فتلقيت من مجلة أدبية ~~تصدر في الشمال رسالة تكلفني فيها أن أقف في ناشفيل، وأن أوجد صلة شخصية بين المجلة ~~وبين سيدة تكتب إليها اسمها أزاليا أدير. # وكانت أدير (التي لم يكن ثم مفتاح لشخصيتها غير خطها)، قد بعثت إلى المجلة بطائفة من ~~الفصول في الأدب، ومن القصائد، أطراها المحررون إطراء عظيما، فوكلوا إلي أن أتصل ~~بأدير هذه، وأن أعقد معها اتفاقا على أن توافي المجلة بما تكتب، وأن يكون الأجر سنتين ~~(الريال مائة سنت) لكل كلمة، وأن أعجل بذلك قبل أن يقع عليها ناشر آخر، ويعرض عليها ~~عشرة سنتات أو عشرين للكلمة. # ففي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي بعد أن قضيت وطرا من أكباد الفراريج (جربها ~~إذا استطعت أن تهتدي إلى الفندق!) خرجت، وكانت السماء لا تزال تمطر، فوقعت في أول ~~منعطف، على «العم قيصر»، وهو زنجي عظيم هرم كالأهرام، وله وجه ذكرني ببروتوس، ثم بعد ~~هنيهة بوجه المرحوم الملك ستيوايا. وكان يرتدي أعجب معطف رأيته، أو أتوقع أن أراه في ~~حياتي، فقد كان طويلا يتدلى إلى ساقيه، وكان في زمانه من أكسية قواد الاتحاديين في ~~الحرب الأهلية، ولكن المطر والشمس والأيام نالت منه فرث، وبهت وصار لونه ألوانا. ولا ~~يسعني إلا أن أتريث عند هذا المعطف، فإن له لشأنا في القصة، تلك القصة التي طال ~~تلكؤها، لأن المرء لا يكاد يتوقع أن يحدث شيء في ناشفيل. # ولا شك أنه معطف قائد. وقد ذهب رأسه الذي كان ملتزقا به، وكان صدره محلى بالأشرطة ~~الزاهية الألوان. ولكن هذه الأشرطة اختفت، وحلت محلها أشرطة من الكتان ms194 خيطت بعناية، وقد ~~بليت هذه الخطوط التي أريد بها أن تكون عوضا عما زال من البهاء، وهيهات هذا من ذاك، ~~ولكن اليد التي خاطت هذه الأشرطة توخت أن تجري على الأصل وتتبع خطوطه، وتمت مأساة ~~الكساء أو مهزلته بأن سقطت أزراره جميعا ما خلا واحدا هو الثاني من فوق. وكان لابسه ~~يشده على بدنه بحبال من الكتان تمر بعرى المعطف وبثقوب فيما يقابلها من الشق الثاني. ~~وما رأيت قط ثوبا كهذا في ألوانه وحلاه! وكان الزرار الباقي في حجم نصف الريال، وهو ~~مصنوع من العظم الأصفر ومخيط إلى الثوب بالكتان. # وكان الزنجي واقفا بجانب مركبة عتيقة كان يمكن أن يفتتح بها حام بن نوح خطا بعد أن ~~نزل من السفينة، فلما اقتربت منها فتح الزنجي الباب، وتناول منفضة من الجلد جعل يلوح ~~بها ولا يستعملها، وقال بصوت عميق: «تفضل يا سيدي! لن تجد ذرة واحدة من التراب فيها ... ~~عدت الآن فقط من جنازة يا سيدي!» # فاستخلصت من قوله هذا أنهم يعنون بنظافة المركبات في مثل هذه المناسبات، فأجلت عيني ~~في صف المركبات الواقفة إلى جانب الرصيف، فلم أر محلا للمفاضلة، فنظرت في مذكرتي ~~باحثا عن عنوان أزاليا أدير وقلت: «إني أريد أن أذهب إلى المنزل رقم 861 بشارع ~~جيسامين.» # وهممت بالركوب، ولكن ذراعا طويلة غليظة كذراع الغوريللا اعترضتني وبدت على الوجه ~~الضخم الكئيب آيات الريبة والعداء ثم كأنما اطمأن فسأل: «ماذا تبغي من الذهاب إلى هناك ~~يا سيدي؟» # فسألته بحدة: «وكيف يعنيك هذا؟» # فقال: «لا شيء يا سيدي، لا شيء يا سيدي. ولكنه جانب موحش من المدينة، وقل من له في ~~تلك الناحية عمل. ولكن تفضل يا سيدي. المقعد نظيف ... عدت الآن فقط من جنازة يا ~~سيدي.» # ولا بد أن تكون المسافة ميلا ونصف ميل إلى غايتنا، وكنت لا أسمع إلا صوت العجلات ~~القديمة على الطريق الذي لا استواء فيه، ولا أشم إلا رائحة المطر مشوبة بدخان الفحم ~~والقار ونوارات النبات المصوح. وكل ما وسعني أن أراه من خلال النافذة ms195 التي يسيل على ~~وجهها الماء، صفان غير واضحين من المنازل على الجانبين. # ومساحة المدينة عشرة أميال مربعة. ويبلغ طول شوارعها 181 ميلا، منها 137 ~~ميلا مرصوفة، وقد كلفت المجاري مليون ريال، وطولها 77 ميلا. # وكان البيت الذي وقفنا عنده عتيقا متداعيا. وهو قائم على مسافة ثلاثين ذراعا من ~~الطريق، وأمامه عدة أشجار جميلة، ونباتات هائجة لم تشذب أو تقلم. وكان النبات يكاد يحجب ~~السور الباهت، وكان مصراعا الباب مربوطين بحبل، فإذا دخلت أيقنت أن البيت لم يبق منه ~~إلا طيف أيامه الخوالي. ولكني لم أدخله بعد، فيحسن أن أقصر حتى أفعل. # لما كفت العجلات عن ضوضائها، ووقف الجوادان المكدودان، ناولت السائق خمسين سنتا، ~~وشيئا على سبيل التجزية، وشعرت وأنا أفعل ذلك بوهج الكرم، ولكنه رفض وقال: «الأجر ~~ريالان يا سيدي.» # فقلت: «كيف؟ لقد سمعتك بوضوح تام تقول عند الفندق خمسون سنتا إلى أي مكان في ~~المدينة.» # فقال بعناد: «ريالان يا سيدي. هذه مسافة طويلة من الفندق.» # فقلت: «إنها داخل نطاق المدينة، فلا تتوهم أنك وقعت على أبله يا صاحبي. أترى هذه ~~الجبال؟ وأشرت إلى الشرق (وكنت أنا نفسي لا أراها من المطر!)، لقد ولدت ونشأت في ~~الناحية الأخرى منها، أفلا تستطيع أيها الزنجي الأحمق أن تميز الناس وتعرف بعضهم من بعض ~~حين تراهم؟» # فلان ما كان جامدا من وجه الملك ستيوايا، وقال: «أوأنت من أهل الجنوب يا سيدي؟ ~~أحسب أن حذاءيك هما اللذان خدعاني وغلطاني.» # فقلت: «أحسب أن الأجرة الآن خمسون سنتا.» # فطاف بصفحة وجهه مزيج من الحرص والعداء، ولكنه ما لبث أن زال فقال: «يا سيدي، الأجر ~~خمسون سنتا، ولا جدال، ولكن بي حاجة إلى هذين الريالين يا سيدي. إني مضطر أن أحصل ~~عليهما. ولست أطلبهما منك، بعد أن عرفت من أين جئت، ولكني أقول فقط إن بي فقرا شديدا ~~إلى هذا القدر الليلة، والعمل نزر، وشحيح الخير.» # وانطبعت على أسارير وجهه آيات الثقة والاطمئنان، فقد كان أسعد حظا مما كان يرجو. ~~فبدلا من أن يقع على غرير جاهل ms196 بالأجور، ألفى نفسه حيال كنز موروث! # وقلت وأنا أدفع يدي في جيبي: «يا لك من لعين! لأولى بك أن تسلم إلى الشرطة!» # وللمرة الأولى رأيته يبتسم. لقد عرف ... وفهم ... وأدرك! # وناولته ورقتين بريالين. ولاحظت وأنا أمد يدي بهما إليه، أن إحداهما رثة، أبلاها ~~التداول، فقد كانت الزاوية العليا من اليمين مقطوعة، وكانت الورقة مشطورة من منتصفها ~~وموصولة بقطعة من الورق ملتزقة عند موضع التمزيق. # وحسبي الآن هذا عن الزنجي الشاطر، فقد تركته سعيدا، وحللت وثاق الباب وفتحته. # والبيت، كما أسلفت، صدفة، وأحسب أن الفرشاة لم تمسه بدهان منذ عشرين سنة، وقد تعجبت ~~كيف لم تهدمه ريح قوية، ثم رجعت البصر في الأشجار القائمة التي تحتضنه؛ الأشجار التي ~~شهدت معركة ناشفيل والتي لا تزال تمد أغصانها الواقية حول البيت وتدفع عنه شر العواصف ~~والأعداء والبرد. # واستقبلتني أزاليا أدير، وهي سيدة في الخمسين من عمرها، من سلالة الفرسان، نحيلة ~~معروفة منسرقة المنة كالبيت الذي تعيش فيه، وعليها أرخص وأنظف ثياب وقعت عليها عيني، ~~ولها سمت ملكة. # وخيل إلي أن حجرة الاستقبال ميل مربع، لأنه لم يكن فيها إلا بضعة صنوف من الكتب على ~~رفوف من خشب أبيض غير مدهون، ومنضدة قديمة متخاذلة عليها رخام، وبساط كالخرقة البالية، ~~وأريكة رثة، وكرسيان أو ثلاثة، نعم كان على الحائط صورة - رسم بالطباشير الملون لزهرات ~~من البنفسج - وقد تلفت باحثا عن صورة أندرو جاكسون والسلة المعلقة، ولكني لم ~~أجدهما. # وقد دار بيننا حديث سأروي لك بعضه. وهي امرأة أنجبها الجنوب، ونشأت في عزلة، ولم يكن ~~علمها واسعا، ولكنه كان عميقا، وروح الابتكار فيها رائعة، وقد تربت وتعلمت في البيت، ~~فمعرفتها بالدنيا مستفادة من التفكير والإلهام، وهذا هو طراز كتاب الفصول والرسائل. ~~وكنت - وهي تحدثني - أمسح أصابعي، وأحاول، وأنا غير مدرك لما أصنع، أن أنفض عن يدي ~~التراب الذي لم يعلق بهما من لام، وتشوسر، وهازليت، ومارك أوريلياس، ومونتاني، وهود. ~~والحق أنها كانت كنزا رائعا! فإن كل امرئ تقريبا يعرف في هذه الأيام أكثر مما يجب - ~~بل ms197 أكثر جدا مما يجب - عن الحياة الحقيقية. # وتبينت أن أزاليا أدير فقيرة جدا، وخيل إلي أنها لا تملك أكثر من هذا البيت، ~~والثوب الذي ترتديه. وكنت، وأنا أصغي إلى صوتها الذي يشبه صوت المعازف، موزع النفس بين ~~واجبي للمجلة وولائي للشعراء والكتاب، ثم أيقنت أني لا أستطيع أن أجري لساني في هذا ~~المقام بذكر اتفاق أو عقد. وعسير في حضرة بنات الشعر أن يهبط المرء بالحديث إلى ~~المساومة، فلا بد من إرجاء الأمر إلى جلسة أخرى بعد أن أستعيد روحي التجارية. ولكني ~~أفضيت إليها بالغاية من زيارتي، واتفقنا على الاجتماع مرة أخرى في الساعة الثالثة بعد ~~ظهر اليوم التالي لبحث الموضوع. # وقلت وأنا أتهيأ للانصراف، وهذا هو أوان الكلام العام الناعم: «إن مدينتك تبدو هادئة ~~رزينة، قلما يحدث فيها شيء غير عادي.» # فبدا عليها التفكير، وقالت بلهجة الإخلاص القوية التي هي من خصائصها: «لم يخطر لي هذا ~~من قبل. أليست الأماكن الهادئة الساكنة هي التي يحدث فيها ما ليس في الحسبان؟ يخيل إلي ~~أنه لما شرع الله يخلق الأرض في صباح يوم الاثنين الأول كان المرء يستطيع أن يطل من ~~النافذة، وأن يسمع صوت الطين الذي يسقط من الأصيص # 2 # وهو يبني الجبال الخالدة ويرفعها. وماذا أثمر في النهاية أشد الأعمال ضجة ~~وضوضاء، أعني بناء برج بابل؟ صفحة ونصف صفحة من الإسبرنتو في مجلة أمريكا ~~الشمالية.» # فقلت: «إن الطبيعة البشرية واحدة في كل مكان. ولكن بعض البلدان أقوى ألوانا، وأحفل ~~بالحركة وأزخر بالحياة من بعض.» # فقالت: «على السطح فقط. لقد جبت العالم وطوفت في آفاقه عدة مرات في طيارة ذهبية ذات ~~جناحين - الكتب والأحلام - ورأيت (في إحدى رحلاتي الخيالية) سلطان تركيا يردي بيديه ~~إحدى زوجاته لأنها سفرت أمام الناس. ورأيت رجلا في ناشفيل يمزق بطاقات الدخول إلى ~~المسرح لأن زوجته خرجت وعلى وجهها حجاب من المساحيق والأصباغ. وفي حي الصينيين بسان ~~فرنسيسكو رأيت الجارية «سنج يي» تغمس قيراطا فقيراطا في زيت الجوز المغلي لتقسم ألا ~~ترى عاشقها الأمريكي مرة أخرى. ms198 وقد أذعنت، وأقسمت لما جاوز الزيت المغلي ركبتها بمقدار ~~ثلاثة قراريط. ورأيت «كيتي مورجان» ينكرها ويقاطعها سبع من رفيقات صباها في المدرسة ~~وصواحبها طول حياتها لأنها تزوجت مبيض حيطان. لقد كان الزيت المغلي يرتفع ويفور إلى ما ~~فوق قلبها، وليتك رأيت ابتسامتها الجميلة وهي تتنقل من مائدة إلى مائدة! نعم، مدينتنا ~~هادئة! لا شيء سوى بضعة أميال من البيوت المبنية بالآجر الأحمر، وإلا الطين والدكاكين، ~~والمخازن.» # ونقر بعضهم على الباب الخلفي للبيت، فهمست أزاليا باعتذار خافت، ونهضت لترى من ~~الطارق، وعادت بعد ثلاث دقائق، وفي عينيها وميض، وعلى وجنتيها اضطرام خفيف، وبدت كأنما ~~انحطت عنها عشر سنوات من عمرها. # وقالت: «ينبغي أن تتناول فنجانا من الشاي قبل أن تنصرف، وكعكة مسكرة.» # ومدت يدها فهزت ناقوسا صغيرا من الحديد، فجاءت زنجية صغيرة في الثانية عشرة من ~~عمرها، وكانت حافية القدمين، رثة غيرة نظيفة، وحملقت في وجهي بعينين جاحظتين وإصبعها في ~~فمها. # وفتحت أزاليا أدير كيسا دقيقا عتيقا باليا وأخرجت منه ورقة نقدية بريال، وكانت ~~الزاوية اليمنى من الورقة مقطوعة، وهي ممزقة من الوسط وملزقة بورقة زرقاء. أعني أنها ~~إحدى الورقتين اللتين أخذهما مني السائق الزنجي، ما في هذا شك. # وقالت أزاليا وهي تمد يدها بالورقة إلى الفتاة: «اذهبي إلى مخزن المستر بيكر يا إمبي ~~وهاتي منه ربع رطل من الشاي - من النوع الذي يبيعني منه دائما - وكعكا محلى بعشرة ~~سنتات. أسرعي.» والتفتت إلي وقالت على سبيل الإيضاح: «لقد اتفق أن نفد ما عندنا من ~~الشاي.» # وخرجت إمبي من الباب الخلفي، وقبل أن ينقطع صوت قدميها الحافيتين هتكت حجاب السكون ~~صرخة - لم يخالجني شك في أنها صرخة الفتاة - ثم اختلط صوت خشن عميق بصيحات البنت ~~وألفاظها. # فنهضت أزاليا أدير وهي غير مستغربة، ولا متأثرة وذهبت، وظللت نحو دقيقتين أسمع صوت ~~الرجل، وتلت ذلك لعنة ثم وقع أقدام، وعادت أزاليا هادئة إلى كرسيها. # وقالت: «إن البيت واسع، وعندي ساكن في جانب منه. وإني آسفة لاضطراري إلى العدول عن ~~دعوتك إلى الشاي، فقد تعذر ms199 الحصول على ذلك النوع من الشاي الذي أبتاعه دائما. ولعل ~~المستر بيكر يستطيع غدا أن يمدني بحاجتي منه.» # وكنت على يقين من أن الفتاة إمبي لم تغادر البيت، فاستأذنت في الانصراف، وتذكرت بعد ~~أن قطعت مسافة من الطريق أني لم أعرف اسم أزاليا أدير، ولكن هذا يمكن إرجاؤه إلى ~~الغد. # وفي ذلك اليوم نفسه تنكبت النهج القويم وأمالتني عنه هذه المدينة التي لا يحدث فيها ~~شيء، وما مضى علي فيها يومان، ولكني في هذه المسافة القصيرة من الزمن رحت أكذب بلا ~~حياء، وأبرق بالكذب، وأصبحت شريكا - بعد الحادثة - في جريمة قتل. # وانعطفت عند آخر زاوية قرب الفندق، فطالعني ذلك العفريت السائق ذو المعطف الأثري ~~المتعدد الألوان، وفتح باب ناووسه المتحرك، ولوح بمنفضة الريش وبدأ يكرر عبارته ~~المحفوظة: «تفضل يا سيدي. المركبة نظيفة، وقد عادت الآن من جنازة، خمسون سنتا إلى أي ~~...» # ثم عرفني فتبسم وقال: «لا تؤاخذني يا سيدي، إنك السيد الذي ركب معي هذا الصباح، شكرا ~~لك يا سيدي.» # فقلت له: «إني ذاهب في الساعة الثالثة بعد ظهر الغد إلى هناك مرة أخرى، فإذا وجدتك ~~هنا ركبت معك. إنك تعرف الآنسة أدير؟» # وكنت أفكر في ورقتي النقدية وأنا أسأله فقال: «لقد كنت عبدا لأبيها القاضي أدير يا ~~سيدي.» # فقلت: «أحسبها فقيرة جدا، وليس عندها ما يستحق الذكر، هه؟» # فأربدت صفحة وجهه مرة أخرى، وطالعني منها محيا الملك سيتوايا، ولكن سحنته ما لبثت أن ~~عادت إلى مألوفها وقال ببطء: «لن تراها تموت جوعا يا سيدي، فإن لها لموارد للعيش يا ~~سيدي. نعم لها موارد.» # فقلت: «سأنقدك خمسين سنتا ليس إلا.» # فقال بلهجة المتطامن: «لا ريب يا سيدي، ولكنه كان لا بد لي في هذا الصباح من الحصول ~~على الريالين.» # وعدت إلى الفندق، وأبرقت بالأكاذيب وزعمت في برقيتي أن الآنسة أزاليا أدير تطلب ~~ثمانية سنتات أجرا للكلمة الواحدة. فجاءني الرد: «أجبها إلى سؤالها وعجل يا ~~غبي.» # وقبيل العشاء أقبل علي «الماجور» ونتورث كازويل يحييني تحية من طال افتقاده لصديقه، ~~وقل بين ms200 من عرفت في حياتي من أثاروا في نفسي شعور الكراهية لهم من أول لحظة، كما فعل ~~هذا الرجل، يضاف إلى هذا أن التخلص منه لم يكن بالأمر السهل، وكنت واقفا عند المشرب ~~«البار» لما «غزاني» فلم يتيسر لي أن أنشر في وجهه الراية البيضاء، وكان يسرني أن أدفع ~~ثمن الشراب، على رجاء الخلاص، ولكنه كان من أولئك السكيرين الحقراء، الصخابين الذين ~~ينشدون الإعلان عن أنفسهم، ويودون لو عزفت الموسيقى وأطلقت الألعاب النارية كلما أنفقوا ~~سنتا واحدا على حماقاتهم. # واتخذ هيئة المليونير وهو يخرج ورقتين كل منهما بريال ويلقي بواحدة على المشرب فوقعت ~~عيني مرة أخرى على الورقة المقطوعة زاويتها العليا من اليمين، والممزقة من الوسط، وقد ~~وصل النصفان بورقة زرقاء، فهي تطالعني ثانية، ولا يمكن أن تكون غيرها. # وصعدت إلى غرفتي، وقد اعتراني الملل والتعب والسهوم من هذه المدينة الجنوبية الكئيبة ~~التي لا ينقطع مطرها ولا يحدث فيها شيء يختلف به الحال وتتنوع وجوه الحياة، وأذكر أني ~~قبل أن يأخذني النوم فكرت في أمر هذه الورقة النقدية فقلت لنفسي والنعاس يغالبني: «يخيل ~~إلي أن كثيرين هنا يملكون أسهما في شركة حوذية! وتالله ما أسرع ما يقبض الشركاء ~~أرباحهم! ومن يدري ...»، وهنا غلبني النوم. # وكان «الملك سيتوايا» في مكانه في اليوم التالي، فأركبني ورض لي بدني في الطريق الوعر ~~إلى البيت رقم 861. وقد أوصيته أن ينتظر ليرض لي عظامي مرة ثانية في الإياب. # وكانت أزاليا أدير أنظف، وأشد اصفرارا، وأضعف منها في اليوم السابق ووقعت العقد الذي ~~يجري أجرها على الكلمة الواحدة ثمانية سنتات، فزاد لونها امتقاعا، وانحدرت عن كرسيها ~~إلى الأرض مغشيا عليها، فحملتها بلا عناء إلى الأريكة العتيقة، ثم ذهبت أعدو وأصيح ~~بالزنجي أن يدعو طبيبا، فأبدى من العقل ما لم أكن أتوقع منه، وترك جواديه المعروقين ~~وراح يجري وقد أدرك قيمة السرعة، وعاد بعد عشر دقائق ومعه طبيب حاذق وقور أبيض اللحية، ~~فشرحت له في بضع كلمات (قيمة الواحدة منها دون ثمانية سنتات بكثير) سبب وجودي في هذا ms201 ~~البيت الفارغ الحافل مع ذلك بالأسرار والمعميات، فانحنى لي وقد فهم عني، والتفت إلى ~~الزنجي العتيق وقال بلهجة متزنة: «يا عم قيصر، اجر إلى بيتي واطلب من الآنسة لوسي أن ~~تعطيك ملء وعاء من اللبن الطازج، وقدحا من النبيذ وعد بسرعة. لا تركب، اجر؛ فإني أريد ~~أن تعود في هذا الأسبوع!» # فخطر لي أن الدكتور مريمان أيضا يشك في قدرة جوادي الزنجي على العدو، وبعد أن خرج ~~العم قيصر مسرعا إلى الشارع رماني الطبيب بنظرة فاحصة ولكنها رقيقة، وقال: «إنها مسألة ~~غذاء غير كاف، وبعبارة أخرى، هذه نتيجة الفاقة والكبرياء والجوع. وإن للسيدة كازويل ~~لأصدقاء مخلصين عديدين يسرهم أن يمدوا إليها يد المعونة، ولكنها لا تقبل شيئا إلا من ~~ذلك الزنجي العتيق - العم قيصر - الذي كان فيما مضى عبدا لأسرتها.» # فسألت متعجبا: «السيدة كازويل؟» # ثم ألقيت نظرة على العقد فرأيتها قد وقعته باسم «أزاليا أدير كازويل.» # وقلت: «كنت أحسبها الآنسة أدير.» # فقال الطبيب: «لقد تزوجت سكيرا متشردا يا سيدي. ويقال إنه يسلبها حتى المبالغ ~~الضئيلة التي يمدها بها خادمها القديم على سبيل المعونة» ... # واستطاع الطبيب، بفضل اللبن والنبيذ، أن ينعش أزاليا أدير، فانطلقت تتحدث عن جمال ~~أوراق الخريف وألوانها الزاهية، وأشارت إلى نوبة الإغماء التي عرتها وعزتها إلى لغط ~~قديم في القلب، وكانت الخادمة إمبي تروح على وجهها وهي راقدة على الأريكة، وكان الطبيب ~~مطلوبا لعيادة أخرى فتبعته إلى الباب وأخبرته أن في وسعي وفي عزمي أيضا أن أنقدها ~~مبلغا من المال على الحساب سلفا، فسره هذا. # وقال: «على فكرة. قد يسرك أن تعرف أن هذا الحوذي من أرومة الملك، فقد كان جده ملكا ~~في الكونجو، ولعلك لاحظت أن لقيصر بعض سجايا الملوك.» # وبينما كان الطبيب يمضي عني، سمعت العم قيصر يقول: «هل أخذ منك كلا الريالين جميعا ~~يا سيدتي؟» # وسمعت أزاليا أدير تقول بصوت ضعيف: «نعم يا قيصر.» # ودخلت بعد ذلك، وقدمت لها خمسين ريالا على الحساب زاعما أن هذا إجراء شكلي لازم ~~لنفاذ العقد. ثم عاد بي العم ms202 قيصر إلى الفندق. # وإلى هنا ينتهي ما أستطيع أن أقسم على الشهادة به. أما ما يلي فليس أكثر من سرد ~~لوقائع. # حوالي الساعة السادسة خرجت من الفندق لأتمشى، وكان العم قيصر واقفا بمركبته في مكانه ~~المألوف، ففتح بابها، ولوح بمنفضته، وشرع يلقي عبارته المحفوظة التي تبعث على الكآبة: ~~«تفضل يا سيدي، خمسون سنتا إلى أي مكان في المدينة. المركبة نظيفة جدا يا سيدي. عادت ~~الآن فقط من جنازة ...» # ثم عرفني، وأحسب أن نظره بدأ يضعف . وكان معطفه قد اكتسب ظلالا أخرى باهتة من ~~الألوان، وغاب الزرار الباقي الأخير، المصنوع من القرن الأصفر. فيا له من حفيد ~~ملك! # وبعد ساعتين رأيت ناسا كثيرين يتزاحمون على باب صيدلية، فكان هذا الحادث في مدينة ~~مملة أشبه بنزول المن والسلوى في الصحراء، فزاحمت حتى دخلت، فأبصرت صناديق فارغة وكراسي ~~قد اتخذ منها مرقد امتد عليه جثمان الماجور ونتورث كازويل، وكان الطبيب يفحصه باحثا عن ~~دماء من الحياة، فلم يجده. # وقد وجدوه ميتا في طريق مظلم فحملوه إلى الصيدلية، وكان كل شيء يدل على أنه سقط بعد ~~عراك شديد. وقد كان في حياته متشردا ونذلا، ولكنه كان شجاعا، غير أنه غلب، وكانت ~~أصابعه مطبقة لا تفتح. وقد وقف حوله الذين عطفوا عليه ونقلوه إلى الصيدلية، يحاولون أن ~~يجدوا ما يثنون به عليه، فقال رجل طيب منهم بعد تفكير طويل: «لما كان كازويل في الخامسة ~~عشر كان من أبرع تلاميذ المدرسة في التهجي.» # وبينما كنت واقفا، تراخت أصابع يده اليمنى وكانت متدلية على جانب الصندوق، فسقط منها ~~شيء عند قدمي. فوضعت رجلي عليه بلا ضجة، ثم احتلت حتى وسعني أن ألقطه وأدسه في جيبي. ~~وقلت لنفسي أن يده، وهي تعترك، قبضت على هذا الشيء، على غير قصد، ثم تخشبت عليه فبقي ~~فيها. # وكان أكثر ما يجري فيه الحديث تلك الليلة بالفندق مقتل الماجور كازويل. وقد سمعت ~~بعضهم يقول لمن حوله: «رأيي أيها السادة أن الذي قتل كازويل بعض هؤلاء الزنوج، طمعا في ~~ماله، فقد كان معه ms203 بعد ظهر اليوم خمسون ريالا أراها لكثيرين في الفندق. ولما وجدوا ~~جثته لم يجدوا معه المال.» # وبارحت المدينة في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، ولما أخذ القطار يعبر الجسر ~~القائم على نهر كامبرلاند، أخرجت من جيبي زرارا من القرن الأصفر في حجم نصف الريال ~~وعليه خيوط عالقة به. وقذفت به من النافذة في الماء الجاري تحت الجسر. # | هوامش # | ه. ج. ولز # 1866-1946 # | آلة الزمان # (1) مقدمة # كان الرحالة في الزمن (ويحسن أن ~~نعرفه بهذه الصفة) يشرح لنا أمرا عويصا وكانت عيناه تومضان، ووجهه الممتقع في ~~العادة مضطرما يجري فيه ماء الحياة، وكانت النار الموقدة مرتفعة اللهب، ومقاعدنا ~~كأنما تضمنا وتغازلنا، والجو كما يكون بعد العشاء؛ إذ تجري الخواطر في سلاسة لا ~~تعوقها الدقة والإحكام. وكان هو يتكلم شارحا - ومشيرا بإصبعه المعروق - ونحن ~~جلوس حوله، نعجب في كسل واسترخاء بأخذه هذه النقيضة (كما كنا نتوهمها) مأخذ الجد، ~~إعجابنا بخصوبة ذهنه. # فقال: «يجب أن تتبعوني بدقة وعناية، وسأنقض رأيا أو بضعة آراء شائعة، فإن ~~الهندسة التي تعلمتموها في المدرسة، مثلا، قائمة على خطأ في التصور.» # فقال فيلبي، وهو رجل أحمر الشعر يحب الجدل: «أليس من الشطط أن تتوقع منا الابتداء ~~بهذا القول؟» # فقال: «لست أنوي أن أطالبكم بالتسليم بشيء بغير دليل كاف. وستسلمون بما فيه ~~الكفاية لي. وأنتم تعرفون أن الخط الرياضي - الخط الذي لا سمك له - ليس له وجود ~~حقيقي. ألم يعلموكم هذا؟ ومثله السطح الرياضي. هذه مجرد فروض نظرية ليس ~~إلا.» # فقال النفساني: «صحيح.» # فعاد يقول: «والمكعب الذي ليس له سوى طول وعرض وسمك، ليس له وجود حقيقي.» # فقال فيلبي: «أنا أعترض على هذا التقرير، فإن الجسم ذا الطول والعرض والسمك يوجد. ~~وكل حقيقي من الأشياء ...» # قال: «هذا ما يظنه الأكثرون. ولكن مهلا. هل يمكن أن يوجد مكعب لا يبقى أي بقاء ~~زمني؟» # فقال فيلبي: «لست فاهما.» # قال: «هل يكون للمكعب الذي لا يبقى أية فترة من الزمن وجود حقيقي؟» # فبدت على فيلبي هيئة المفكر، ومضى الرحالة في الزمن يقول: ms204 «من الواضح أن كل جسم ~~حقيقي لا بد أن يكون له امتداد في أربعة اتجاهات؛ فلا بد أن يكون له طول، وعرض، ~~وسمك وبقاء زمني. ولكنا لضعف طبيعي فينا - سأشرحه بعد لحظة - نميل إلى إغفال هذه ~~الحقيقة، وهنا إذا اعتبرنا الواقع، أبعاد أربعة، الثلاثة المعروفة، والرابع الزمن، ~~ولكن هناك ميلا إلى التفريق بين هذه الأبعاد الثلاثة، وبين الرابع، لأن وعينا ~~يتحرك على نحو متقطع في اتجاه واحد مع الزمن من بداية العمر إلى ختامه.» # فقال شاب يحاول أن يشعل سيجارته مرة أخرى من المصباح: «هذا ... هذا واضح ~~جدا.» # وعاد الرحالة في الزمن يقول: «ومن العجائب أن الإغضاء عن هذا عام. وهذا هو معنى ~~البعد الرابع، وإن كان بعضهم حين يذكرونه لا يدرون أنهم يعنون هذا. على أن هذه ليست ~~إلا وجهة نظر أخرى، فما ثم فرق بين الزمن وبين أي واحد من الأبعاد الثلاثة سوى أن ~~وعينا يسير في اتجاهه، غير أن بعض الحمقى تناول الفكرة من طرفها المغلوط، وأحسبكم ~~سمعتم بما يقولون في هذا البعد الرابع؟» # فقال عمدة من الريف: «أنا لم أسمع.» # فقال: «هذا هو: إن الفضاء، كما يقول علماؤنا الرياضيون، له ثلاثة أبعاد يمكن أن ~~نقول إنها الطول، والعرض، والسمك، ويمكن تحديده دائما بالنسبة إلى سطوح ثلاثة كل ~~منها على زاوية قائمة من الآخرين. ولكن بعض المتفلسفين يتساءلون لماذا تكون الأبعاد ~~ثلاثة على الخصوص؟ لماذا لا يكون هناك اتجاه آخر على زاوية قائمة من الأخرى؟ وقد ~~حاولوا فعلا أن يوجدوا هندسة رباعية الأبعاد. وقد كان الأستاذ سيمون نيوكوم يشرح ~~هذا للجمعية الرياضية في نيويورك منذ حوالي شهر فقط، وأنتم تعرفون أننا نستطيع - ~~على سطح ليس له سوى بعدين اثنين - أن نرسم شكلا ذا أبعاد ثلاثة. ولهذا يرون أنه ~~بواسطة نماذج ذات أبعاد ثلاثة يمكن تمثيل شكل ذي أبعاد أربعة إذا وسعهم أن يتمثلوا ~~صورته.» # فقال العمدة الريفي: «أظن ذلك.» وزوى ما بين عينيه، وشردت نظرته، وصارت شفتاه ~~تختلجان كأنما يردد ألفاظا خفية «نعم، أظن أني فهمت الآن.» ms205 قال هذا بعد هنيهة، ~~وأشرق وجهه لحظة. ~~«ولست أكتمكم أني شغلت نفسي بهذه الهندسة الرباعية الأبعاد زمنا، وبعض ما وصلت ~~إليه، عجيب. فمثلا، هذه صورة رجل في الثامنة من عمره، وهذه أخرى في الخامسة عشرة، ~~وثالثة في السابعة عشرة، ورابعة له في الثالثة والعشرين وهكذا، وبديه أن هذه ~~جميعا جوانب له - صور ثلاثية الأبعاد. لكيانه الرباعي الأبعاد - وهو شيء ثابت لا ~~يتغير.» # ومضى في كلامه بعد فترة كافية لاستيعاب هذا المعنى «إن العلماء يعرفون أن الوقت ~~ليس إلا ضربا من الفضاء. هذا رسم بياني لتقييد الحالة الجوية. وهذا الخط الذي ~~أتتبعه بإصبعي يبين حركة البارومتر، وقد كان المقياس أمس عاليا إلى هنا، فهبط في ~~الليل، وعاد هذا الصباح إلى الارتفاع إلى هنا. ومن المحقق أن الزئبق لم يرسم هذا ~~الخط في أي واحد من أبعاد الفضاء المعترف بها. ولكنه رسم الخط، فهذا الخط لا يسعنا ~~إلا أن نقرر أنه على اتجاه بعد الزمن.» # فقال رجل الطب، وهو يحدق في النار: «ولكن إذا كان الزمان ليس أكثر من بعد رابع في ~~الفضاء، فلماذا يعد - ولماذا كان دائما يعد - شيئا مختلفا؟ ولماذا لا نستطيع أن ~~نتحرك في الزمن كما نتحرك في الأبعاد الأخرى في الفضاء؟» # فابتسم الرحالة في الزمن وقال: «أواثق أنت أننا نستطيع أن نتحرك بحرية في الفضاء؟ ~~إننا نذهب يمينا ونذهب شمالا، ونمشي قدما، ونرجع القهقرى بحرية، وما زال الناس ~~يقدرون على ذلك، وإني لأعترف أننا نتحرك بحرية في بعدين، ولكن ما القول في «فوق» ~~و«تحت»؟ إن الجاذبية تحد من حركتنا هنا.» # فقال رجل الطب: «كلا، فإن هناك البالون.» # قال: «ولكن قبل عهد البالون، وفيما عدا القفز والوثب وعدم استواء السطح، لم تكن ~~للإنسان حرية في الحركة الفوقية.» # فقال رجل الطب: «على كل حال يستطيع أن يتحرك قليلا إلى فوق، وإلى تحت.» ~~«الحركة إلى تحت، أسهل، أسهل جدا.» ~~«ولا سبيل إلى الحركة في الزمن، لا تستطيع أن تجاوز اللحظة الحاضرة.» ~~«يا سيدي العزيز، هذا هو موضع الخطأ. هذا هو الذي ms206 أخطأ فيه العالم كله، فإننا لا ~~ننفك نجاوز اللحظة الحاضرة، ووجودنا العقلي - وهو غير مادي وليس له أبعاد - يمضي ~~على بعد الزمن بسرعة منتظمة من المهد إلى اللحد كما نسير إلى تحت، إذا بدأنا وجودنا ~~على ارتفاع خمسين ميلا فوق سطح الأرض.» # وقال النفساني مقاطعا: «ولكن الصعوبة هي أننا نستطيع أن نتحرك في كل اتجاه في ~~الفضاء، أما في الزمن فلا.» ~~- «هذه جرثومة اكتشافي العظيم، وأنت مخطئ حين تقول إننا لا نستطيع أن نروح ونجيء ~~في الزمن. مثال ذلك، أن أتذكر حادثة بوضوح، فأنا أكر راجعا إلى اللحظة التي وقعت ~~فيها، أو يشرد فكري، فأنا أثب راجعا مسافة لحظة. ولا أحتاج أن أقول إنه ليس لنا ~~وسيلة نستطيع بها التلبث في رجعاتنا وكراتنا هذه، أي مسافة من الزمن، كما لا يستطيع ~~الإنسان المستوحش، أو الحيوان أن يبقى في الهواء على ارتفاع ستة أقدام من الأرض، ~~ولكن الإنسان المتحضر أحسن حالا من المستوحش في هذا، فإن في وسعه أن يصعد في الجو ~~ببالون على الرغم من الجاذبية، فلماذا لا يحق له أن يرجو أن يستطيع آخر الأمر أن ~~يقف، أو يسرع على سنن البعد الزمني، أو حتى أن يدور، ويطوف في الناحية ~~الأخرى؟» # فقال فيلبي: «آه، هذا كله ...» # فسأله الرحالة في الزمن: «لم لا.» # قال فيلبي: «إنه مما لا يقبله العقل.» # فسأله: «أي عقل؟» # فقال فيلبي: «قد تستطيع أن تثبت أن الأسود أبيض، ولكنك لا تقنعني.» # قال: «ربما ... ولكنك بدأت تدرك الغرض من بحوثي، في الهندسة الرباعية الأبعاد. ومنذ ~~زمن بعيد خطر لي على نحو غامض، أن في الوسع صنع آلة.» # فصاح الشاب: «للطواف بها في الزمن؟» ~~- «يمكن الطواف بها في أي اتجاه في الفضاء والزمن على هوى مسيرها.» # فاكتفى فيلبي بالضحك. # فقال: «ولكني جربت إثبات ذلك عمليا.» # فقال النفساني: «إن هذا يكون مفيدا جدا للمؤرخ، فيستطيع أن يكر راجعا، ويحقق ~~ما حدث في معركة هيستنجز مثلا.» # وقال رجل الطب: «ألا تخشى أن تلفت إليك الأنظار؟ إن أجدادنا لم يكن حظهم ms207 جزيلا ~~من سعة الصدر.» # وقال الشاب: «ويسع الإنسان أن يتلقى اللغة الإغريقية من فم هومر أو أفلاطون! وثم ~~المستقبل، تصور هذا! في وسع المرء أن يستثمر كل ماله ويتركه ينمو ويزداد، ويسرع ~~فيسبقه.» # فقلت: «فيجد الجماعة الإنسانية قائمة على مقتضى نظام شيوعي دقيق!» # وقال النفساني: «يا له من شطط في التصور والخيال!» ~~- «نعم، هذا ما كنت أظن في بداية الأمر، ولهذا لم أفه بكلمة عنه حتى ...» # فصحت: «حتى حققته بالتجربة! أتريد أن تثبت هذا؟» # وصاح فيلبي وقد كل ذهنه: «التجربة!» # وقال النفساني: «أرنا تجربتك على كل حال، وإن كان الأمر كله كلاما ~~فارغا.» # فابتسم لنا الرحالة في الزمن، وهو يدير فينا عينيه، ثم تركنا وخرج على مهل، ويداه ~~في جيبي بنطلونه، وكنا نسمع وقع قدميه، وهو ماض إلى معمله. # فقال النفساني: «ترى ماذا عنده.» # فقال رجل الطب: «لعبة بارعة، أو ما هو منها بسبيل.» # وهم فيلبي أن يحدثنا عن حاو في «بير سلم»، ولكن قبل أن يفرغ من مقدمة كلامه دخل ~~الطواف في الزمن، فانهارت القصة. ~~(2) الآلة # كان الذي يحمله الرحالة في الزمن آلة من المعدن اللامع لا تزيد في الحجم عن ساعة ~~صغيرة ولكنها دقيقة الصنع. وكان فيها عاج ومادة أخرى بلورية شفافة. ويحسن بي هنا أن ~~أتحرى الدقة لأن ما سأورده ليس له تعليل إلا إذا سلمنا بتعليله. فقد تناول إحدى ~~المناضد المثمنة الأضلاع ووضعها أمام الموقد، فكانت اثنتان من قوائمها على السجادة. ~~ووضع الآلة على هذه المنضدة، ثم جر كرسيا وقعد عليه. ولم يكن على المنضدة شيء آخر ~~سوى مصباح صغير مظلل كان ضوءه مسلطا على هذه الآلة النموذجية. وكان في الغرفة ~~أيضا حوالي اثنتي عشرة شمعة؛ اثنتان منها في شمعدانين من النحاس على الصفة، ~~والبقية في شمعداناتها الموزعة في الغرفة، فالغرفة حسنة الضوء. وقعدت أنا على كرسي ~~بجانب الموقد وزحفت به حتى صرت بين الرحالة في الزمن وبين النار. وجلس فيلبي وراءه ~~يطل من فوق كتفه، وكان رجل الطب والعمدة على يمينه والنفساني على يساره، ووقف ms208 الشاب ~~خلف النفساني وكنا جميعا متحفزين متربصين؛ فمما لا يقبله العقل أن يخدعنا خادع ~~مهما بلغ من حذقه وبراعته. # ونظر إلينا الرحالة في الزمن ثم رد بصره على الآلة فقال النفساني: «نعم؟» # فأسند المطوف مرفقيه، وضم راحتيه فوق الآلة وقال: «هذه الآلة الصغيرة ليست سوى ~~نموذج لآلة يطوف المرء بها في الزمان. وتلاحظون أنها تبدو مائلة، وأن لهذا القضيب ~~وميضا غريبا، كأنه شيء لا حقيقة له.» وأشار إلى القضيب بإصبعه «وهنا أيضا رافع ~~أبيض صغير . وهنا واحد آخر.» # فنهض رجل الطب عن كرسيه وحدق في الآلة وقال: «إنها بديعة الصنع.» # فقال الرحالة في الزمن: «قد سلخت في ~~صنعها عامين.» وبعد أن تأملناها جميعا مضى يقول: «وأحب أن تعرفوا أن هذا الرافع ~~إذا ضغط يدفع الآلة فتنساب في المستقبل، وهذا الرافع الآخر يعكس الحركة والاتجاه. ~~وهذا السرج يمثل مقعد المطوف. وسأضغط الرافع فتنطلق الآلة ماضية، وتختفي، وتنتقل ~~إلى المستقبل، وتغيب فيه. فتأملوها جيدا، وأديروا عيونكم في المنضدة لتكونوا على ~~يقين من أنه لا خدعة هناك. فلست أحب أن أفقد هذا النموذج ثم يقال لي بعد ذلك إني ~~مشعوذ.» # وساد السكون لحظة، وكأنما هم النفساني بأن يخاطبني ثم عدل ثم مد المطوف إصبعه إلى ~~الرافع ولكنه قال فجأة: «كلا. بل هات أنت يدك.» والتفت إلى النفساني فتناول يده ~~وأمره أن يمد سبابته، فكان النفساني هو الذي أرسل نموذج آلة الزمان في رحلتها التي ~~لا نهاية لها. ورأينا كلنا الرافع يتحرك. وكنت على يقين جازم من أنه لا خداع في ~~الأمر. وهبت نسمة فوثب لهب المصباح، وانطفأت إحدى الشمعتين على الصفة، ودارت الآلة ~~بغتة، وغمضت، وبدت كالشبح مقدار ثانية، أو كموجة من لمع العاج والنحاس، ثم غابت، ~~اختفت. ولم يبق على المنضدة سوى المصباح. # وساد السكون مرة أخرى ثم قال فيلبي: «إنه لعين.» # وأفاق النفساني من ذهوله وانحنى لينظر تحت المنضدة، فضحك الرحالة في الزمن ~~مسرورا وقال: «ثم ماذا؟» ثم نهض إلى وعاء الطباق على الصفة وشرع يحشو بيبته، وظهره ~~إلينا. # ونظر بعضنا ms209 إلى بعض ثم قال رجل الطب: «اسمع. أأنت جاد؟ أتعتقد حقيقة أن هذه الآلة ~~ذهبت تطوف في الزمن؟» # فقال الرحالة وهو ينحني ليشعل عودا من النار: «لا شك.» ثم دار وهو يوقد الطباق، ~~ونظر إلى وجه النفساني الذي أراد أن ينفي عن نفسه مظنة الاضطراب فتناول سيجارا وهم ~~بأن يشعله من قبل أن يقطعه. # ومضى الرحالة يقول: «وأزيد على ذلك أن عندي آلة كبيرة كاد صنعها يتم. (وأشار إلى ~~المعمل) ومتى تمت فإن في عزمي أن أقوم برحلة.» # فسأله فيلبي: «هل تعني أن هذه الآلة تطوف في المستقبل؟» ~~- «في المستقبل - أو في الماضي - فلست أعرف على وجه التحقيق.» # فقال النفساني بعد هنيهة، وكأنما ألهم شيئا: «لا بد أن تكون قد ذهبت في الماضي، ~~إذا كانت قد ذهبت إلى شيء.» # فسأله الرحالة في الزمن: «ولماذا؟» # فقال: «لأني أفترض أنها لم تذهب في الفضاء، فلو أنها ذهبت تطوف في المستقبل لبقيت ~~هنا طول الوقت.» # فقلت: «ولكن إذا كانت قد ذهبت تجوب الماضي، فقد كانت خليقة أن تكون مرئية عندما ~~دخلنا هذه الغرفة - ويوم الخميس الماضي لما كنا هنا - والخميس الذي قبله، ~~وهكذا.» # فقال العمدة بلهجة المنصف الذي لا يتحيز: «اعتراضات وجيهة.» ونظر إلى الرحالة في ~~الزمن. # فقال هذا: «كلا. (ونظر إلى النفساني) فكر، فإن في وسعك أن تشرح هذا، إنه عرض ~~مركز.» # فقال النفساني، وهو يطمئننا: «صحيح، صحيح. هذه مسألة سهلة في علم النفس. وكان ~~ينبغي أن أتذكرها ولا أغفل عنها، وهي واضحة كفيلة بتعليل التناقض على وجه مرضي. ~~فنحن لا نستطيع أن نرى هذه الآلة، ولا أن ندرك وجودها، كما لا نستطيع أن نرى محور ~~عجلة دائرة، أو رصاصة منطلقة في الهواء. وإذا كانت تجوب الزمن بسرعة أكبر من سرعتنا ~~خمسين مرة أو مائة مرة، وإذا كانت تقطع الدقيقة على حين لا نقطع نحن سوى ثانية، فإن ~~الوقع الذي تحدثه يكون بالبداهة معادلا لواحد على خمسين، أو واحد على مائة من ~~وقعها لو أنها لم تكن تجوب الزمن. وهذا واضح جدا.» ms210 # وأمر يده في حيث كانت الآلة، وقال وهو يضحك: «أترون؟» # فلبثنا هنيهة نحدق في المنضدة التي خلت مما كان عليها ثم سألنا الرحالة في الزمن ~~رأينا. # فقال رجل الطب: «إن الأمر يبدو في ليلتنا هذه معقولا جدا، ولكن انتظر إلى ~~الغد، انتظر حتى يعود الرشد مع الصباح.» # فسألنا الرحالة في الزمن: «أتريدون أن تروا آلة الزمن نفسها؟» # وتناول المصباح وتقدمنا في الدهليز الطويل الكثير التيارات إلى معمله، وما زلت ~~أذكر الضوء المضطرب، ورأسه العريض العجيب ، والظلال الراقصة وكيف كنا نتبعه ونحن ~~حائرون لا نكاد نصدق، وكيف رأينا في المعمل نسخة مكبرة من الآلة التي شهدنا بأعيننا ~~اختفاءها. وكانت أجزاء منها من النيكل وأخرى من العاج، وغيرها مبرودا أو مقطوعا ~~بالمنشار من البلورات الصخرية، وكانت الآلة على وشك التمام، ولكن القضبان البلورية ~~الملتوية كانت ملقاة على مقعد، وإلى جانبها بعض الرسوم، فتناولت أحدها لأتأمله، ~~فخيل إلي أنه من حجر الصوان. # وقال رجل الطب: «اسمع، هل أنت جاد؟ أم ترى هذه خدعة، كذلك الشبح الذي أريتنا إياه ~~في عيد الميلاد؟» # وقال الرحالة في الزمن، وهو يرفع المصباح: «بهذه الآلة سأقوم برحلة في الزمن، فهل ~~كلامي واضح؟ إني أتكلم جادا.» # فلم ندر كيف نتلقى قوله. # ولمحت فيلبي ينظر من فوق كتف الطبيب، فغمزني بعينه. ~~(3) الرحالة في الزمن يعود # أظن أننا لم نكن في ذلك الوقت نؤمن بآلة الزمن، والواقع أن الرحالة في الزمن من ~~هؤلاء الذين نجدهم أذكى وأبرع من أن تستطيع تصديقهم والاطمئنان إليهم، فإنك لا تشعر ~~وأنت معه أنك تراه من كل الجهات، ولا تزال تحس أن هناك شيئا مغيبا عنك، أو ~~متربصا لك من وراء صراحته المشرقة، ولو أن فيلبي كان هو الذي أرانا الآلة وشرحها ~~بألفاظ الرحالة في الزمن لكان شكنا أقل وترددنا أضأل، لأنه كان يسعنا أن ندرك ~~بواعثه، فما يعجز أحد عن فهم فيلبي، ولكن الرحالة في الزمن رجل آخر، تمتزج بعناصر ~~نفسه نزعات خفية، فنحن نتوجس من ناحيته، وما هو خليق أن يكسب من هو دونه ms211 ذكاء، ~~الشهرة وبعد الصيت، كان يبدو كالألاعيب في يديه. وأحسب أن من الخطأ أن يفعل المرء ~~الشيء بمثل هذه السهولة المفرطة. وكان الجادون معه لا يستطيعون أن يعرفوا كيف يكون ~~سلوكه، وكانوا يشعرون أنهم معه كالأوعية والأدوات المصنوعة من الصيني في غرف ~~الأطفال، ومن أجل هذا لا أظن أن أحدا منا أطال القول في هذا الطواف في الزمن في ~~الفترة بين ذلك الخميس والخميس الذي تلاه. وإن كانت غرائب احتمالاته ظلت تدور ولا ~~شك في النفوس، أعني إمكانه أو استحالته في الواقع وما إلى ذلك. وكنت مشغولا ~~بالنموذج وقد تناولته بالبحث مع رجل الطب لما قابلته يوم الجمعة في النادي فقال لي: ~~إنه رأى ماي يشبهه في «توبنجن» وألفيته معنيا جدا بانطفاء الشمعة، ولكنه قال ~~إنه لا يستطيع إيضاح الأمر. # وفي يوم الخميس التالي قصدت إلى رتشموند - وأحسب أني من الزوار المواظبين للرحالة ~~في الزمن - فوجدت أربعة أو خمسة سبقوني إلى الاجتماع في غرفة الاستقبال، وكان رجل ~~الطب واقفا أمام الموقد وفي إحدى يديه رقعة وفي الأخرى ساعة. فتلفت باحثا عن ~~الرحالة في الزمن فقال رجل الطب: «إنها الساعة السابعة والنصف الآن، أفلا يحسن أن ~~نتعشى؟» # فسألت: «وأين ...؟» وسميت مضيفنا. ~~- «أو لم تحضر إلا الساعة؟ هذا غريب! لقد عاقه عن الحضور ما لا حيلة له فيه، وبعث ~~إلي برقعة يرجو مني فيها أن أنوب عنه في العشاء معكم في الساعة السابعة إذا كان لم ~~يحضر، وسيفضي إلينا بالباعث على تخلفه حين يجيء.» # فقال محرر جريدة يومية مشهورة: «إنه يكون من دواعي الأسف أن ندع العشاء ~~يفسد.» # فدق الطبيب الجرس. # وكان النفساني هو الوحيد الذي شاركنا مع الطبيب في العشاء السابق، أما الجديدون ~~فهم بلانك الصحفي الذي أسلفت الإشارة إليه، وصحفي آخر معه، وثالث، رجل حيي ذو لحية ~~،لا أعرفه ولا أذكر أنه فتح فمه على العشاء بكلمة واحدة. ودار الحديث على المائدة ~~فيما عسى أن يكون الداعي إلى تخلف الرحالة في الزمن، فقلت لعله التجواب في الزمن، ~~وكنت أقرب إلى ms212 المزح مني إلى الجد، فطلب مني المحرر أن أشرح له معنى هذا القول، ~~فتولى عني النفساني البيان وقص ما شهدناه في الأسبوع الماضي، وإنه لفي هذا وإذا ~~بالباب يفتح على مهل وبلا صوت، وكان وجهي إليه فرأيته قبل غيري وقلت: «هاللو! ~~أخيرا!» ودخل الرحالة في الزمن ووقف أمامنا، فندت عني صيحة استغراب، وقال رجل ~~الطب: «يا للسماء! ماذا دهاك أيها الرجل؟» ودارت العيون كلها إلى ناحية ~~الباب. # وكانت حالته مدهشة، فقد كانت ثيابه معفرة وقذرة وكماه ملوثين بمادة خضراء، وكان ~~شعره منفوشا وقد زاد فيه الشيب اشتعالا على ما بدا لي - مما عليه من التراب أو ~~لأن لونه حال - وكان وجهه أصفر، وفي ذقنه جرح - جرح يكاد يلتئم - وكانت معارفه ~~واشية بالتعب والفتور كأنما كان يعاني برحا ثقيلا، وقد تردد لحظة وهو واقف بالباب ~~كأنما أزاغ النور بصره، ثم دخل، وكان يظلع في مشيته كما يفعل الذين أحفاهم طول ~~السعي، فأتأرناه النظر في صمت، منتظرين أن يتكلم. # ولكنه لم ينبس بحرف، بل مشى متحاملا على نفسه إلى المائدة، وأشار إلى الشراب ~~فملأ له المحرر قدحا من الشمبانيا، فكرعه وبدا عليه الانتعاش، فقد أدار عينه في ~~المائدة، وقد خفقت على محياه ابتسامته المعهودة، وسأله الطبيب: «ماذا كنت تصنع؟» ~~ولكنه كان كأنه لا يسمع، وقال بصوت مضطرب: «لا تنزعجوا فإني بخير.» وأمسك، ومد يده ~~بالقدح يطلب ملئه، وأفرغه في فمه وقال: «هذا حسن.» وازدادت عيناه التماعا، وعاد ~~إلى وجهه الدم، وكان لحظة يتنقل من وجه إلى وجه، وفيه معنى الرضى والموافقة، ثم ~~جالت عينه في الغرفة الدافئة الوثيرة وقال وكأنه يتحسس طريقه: «سأغتسل وأغير ثيابي، ~~ثم أنزل إليكم وأفضي إليكم بما عندي ... أبقوا لي شيئا من هذا اللحم، فإني أتضور من ~~فرط اشتهائه.» # ونظر إلى المحرر - وكان زائرا مغبا - وأعرب عن رجائه أن يكون مسرورا، فهم ~~المحرر بسؤال فكان الرد: «سأجيبك بعد لحظة، فإني - دائر الرأس - وسأكون بخير بعد ~~برهة.» # ووضع القدح، ومضى إلى باب السلم؛ فلاحظت مرة أخرى أنه يظلع، وأن ms213 وقع قدميه خافت ~~فوقفت أنظر وأنا في مكاني، فأخذت عيني قدميه وهو يخرج، فإذا هما حافيتان ليس عليهما ~~إلا جوربان ممزقان ملوثان بالدم، وأغلق الباب وراءه، وحدثتني نفسي أن أتبعه، ولكني ~~تذكرت أنه يمقت اللغط والضجات، وشرد ذهني لحظة، ثم سمعت المحرر يقول: «سلوك غريب من ~~عالم شهير.» - كأنما يكتب عنوانا لخبر. فردني هذا إلى المائدة البهيجة. # وقال الصحفي: «ما هي الحكاية؟ إني لست فاهما.» # والتقت عيني بعين النفساني، فقرأت في وجهه التفسير الذي خطر لي، ورحت أفكر في ~~الرحالة في الزمن وهو يصعد الدرجات متكئا على نفسه. وما أظن أن أحدا غيري لاحظ ~~عرجه. # وقد كان الطبيب أول من ثابت إليه نفسه؛ فدق الجرس - فقد كان الرحالة في الزمن ~~يكره أن يقف الخدم وراء المائدة - وطلب طبقا، فعاد المحرر إلى الشوكة والسكين وهو ~~يزوم، وفعل مثله الرجل الصموت. وعدنا إلى الطعام، وكان الحديث عبارة عن جمل متقطعة ~~تتخللها فترات استغراب، ثم لم يطق المحرر أن يظل يكتم ما يخامره فقلت له: «إني واثق ~~أن ما به راجع إلى هذه الآلة.» وتناولت رواية النفساني ووصفه لما شهدناه من حيث ~~قطعه وكان الجديدون من الضيوف صرحاء في رفض التصديق. وجعل المحرر يثير الاعتراضات ~~ويتساءل: «ما هو هذا التطويف في الزمان؟ إن الإنسان لا يستطيع أن يعفر نفسه بالتراب ~~بأن يتمرغ في بعض النقائض؟» # ولما أحاط بالموضوع تناوله بالتهكم وسأل: «أليس عند الناس في المستقبل فرشاة لنفض ~~التراب عن الثياب؟» # وكان الصحفي كذلك يأبى أن يصدق، فانضم إلى المحرر وعاونه على ركوب الأمر ~~بالسخرية. وكان كلاهما من الطراز الحديث في الصحافة، أي شابا مرحا لا يوقر ~~شيئا، وأنشأ الصحفي يقول: «يروي مكاتبنا الخاص فيما بعد غد ...» وإذا بالرحالة في ~~الزمن يدخل علينا في ثياب السهرة العادية، ولا شيء يشي بما طرأ عليه من التغير الذي ~~أزعجني سوى نظرته الفاترة. # وصاح به المحرر: «لقد كان هؤلاء الفتيان يقولون إنك كنت تجوب منتصف الأسبوع ~~المقبل! فهات لنا القصة. وعين الثمن الذي تتقاضاه لقاء ذلك.» ms214 # فتقدم الرحالة في الزمن إلى المقعد المحفوظ له بلا كلام، وابتسم ابتسامته الهادئة ~~وقال: «أين اللحم؟ يا لها من نعمة، أن يغرز المرء شوكته في اللحم مرة أخرى.» # فصاح المحرر: «القصة!» # فقال الرحالة في الزمن: «لعنة الله على القصة! إني أريد شيئا آكله. ولن أنطق ~~بكلمة واحدة حتى أنعش الدم في شراييني. شكرا، والملح من فضلك.» # فقلت: «سؤال واحد. هل كنت تجوب الزمان؟» # فقال: «نعم.» وهز رأسه وفمه محشو. # وقال المحرر: «إني مستعد أن أنقده شلنا على كل كلمة.» # ودفع الرحالة قدحه إلى الرجل الصامت ونقر عليه بأظافره، وكان الرجل الصامت يحدق ~~في وجهه فانتبه، وصب له الشراب الذي يبغيه. ولبثنا قلقين إلى آخر العشاء، وكانت ~~شفتاي تضطربان، بما أهم بالسؤال عنه، وأحسب أن غيري كان شأنه كشأني. وحاول الصحفي ~~أن يخفف وطأة الحال بحكايات يقصها عن «هيتي بوتر» وكان الرحالة في الزمن عاكفا على ~~الطعام يلتهمه التهام من طال حرمانه. وأشعل الطبيب سيجارة، وذهب يدخن ويراقب ~~الرحالة في الزمن، وبدا الرجل الصامت أشد اضطرابا مما يكون عادة، فأقبل على ~~الشمبانيا يكرع منها بانتظام وإلحاح من فرط ما به من الاضطراب العصبي، وأخيرا دفع ~~الرحالة في الزمن طبقه وأقصاه عنه، وهو يتلفت ويقول: «أحسب أن علي أن أعتذر. ولكن ~~الحقيقة أني كنت أتضور جوعا. وقد قضيت فترة مدهشة العجائب.» وتناول سيجارا وقطع ~~طرفه، وقال: «تعالوا إلى غرفة التدخين، فإنها حكاية طويلة، والأطباق كلها شحم.» ودق ~~الجرس وهو يتقدمنا إلى الغرفة المجاورة. # وسألني وهو يضطجع في كرسيه: «هل خبرت بانك، وداش، وتشوز، خبر الآلة؟» وأشار إلى ~~الضيوف الحديثين. # فقال المحرر: «ولكن المسألة كلها نقائض.» # فقال: «لا أستطيع أن أجادل الليلة، ولا بأس بالحكاية، أما الجدل فلا. وسأقص عليكم ~~ما حدث لي - إذا شئتم - ولكن عليكم ألا تقاطعوني وإن بي لحاجة إلى الإفضاء بها ... ~~حاجة ملحة، وستبدو لكم كأنها أكذوبة من تلفيق الخيال، فليكن! ولكنه صحيحة. كل حرف ~~منها، وقد كنت في معملي في الساعة الرابعة، وقد عشت منذ تلك الساعة، ثمانية ms215 أيام ... ~~أيام لم يعشها إنسان آخر قبلي ... وإني لمهدود القوة، ولكن النوم لن يسعفني حتى أقص ~~عليكم قصتي، وبعد ذلك أنام. ولكن لا تقاطعوا، فهل هذا عهد؟» # فقال المحرر: «موافق.» # ورددنا جميعا كلمة الموافقة. # وشرع الرحالة في الزمن يقص ما كان من أمره، كما أثبته هنا فيما يلي. # وكان في أول الأمر مضطجعا في كرسيه، يتكلم بفتور، ولكنه انتعش شيئا فشيئا، ~~وإني إذ أنقل ما سمعته لأدرك قلة غناء القلم والمداد، وضعف حيلتي في نقل صفة الكلام ~~إلى القارئ. وما أظن بك إلا أنك تقرأ بعناية، ولكنك لا تستطيع أن ترى المتكلم ووجهه ~~المخلص الباهت اللون، على ضوء المصباح المتألق، ولا أن تسمع نبرات صوته، ولا أن ترى ~~أن تغيير وجهه يختلف تبعا لإحساسه بما يرويه. وكان أكثرنا يجلسون في ظلام، فما ~~أضيئت الشموع في غرفة التدخين. ولم يكن النور يبدي منا غير محيا الصحفي، وساقي ~~الرجل الصامت. وكان بعضنا في أول الأمر يتلفت إلى بعض، ثم كففنا عن ذلك، وصارت ~~عيوننا لا تتحول عن وجه الرحالة في الزمن. ~~(4) التطواف في الزمن # بينت لبعضكم يوم الخميس الماضي المبادئ التي تقوم عليها آلة الزمان، وأريتكم ~~الآلة أيضا، وكانت ناقصة لم تتم، وهي هناك الآن، وقد نال منها الطواف ... حقيقة ... ~~وقد انكسر قضيب من العاج فيها، وانثنى آخر من النحاس، ولكن بقيتها سالمة. وكنت ~~أتوقع أن أتم صنعها يوم الجمعة، ولكني يوم الجمعة بعد أن كدت أفرغ من تركيبها وجدت ~~أن قضيبا من النيكل أقصر مما ينبغي بمقدار بوصة، فاحتجت أن أصنعه من جديد. فلم ~~أفرغ من العمل إلا هذا الصباح. وفي الساعة العاشرة من يومنا هذا بدأت أول آلة ~~للزمان حياتها وسيرتها، وقد أدرت فيها عيني، واختبرتها آخر اختبار، وامتحنت كل ما ~~فيها من الروابط، وصببت قطرات من الزيت على القضيب المصنوع من «الكوارتز» واتخذت ~~مقعدي على السرج. وأحسب أن المنتحر الذي يتناول المسدس، ويسدده إلى رأسه، يشعر بمثل ~~ما شعرت به، وأمسكت بالرافعة بإحدى يدي، وبالأخرى المجعولة لوقفها بيدي الأخرى، ms216 ~~وضغطت الأولى، ثم الثانية بعد ذلك مباشرة، وخيل إلي أني أترنح، وشعرت كأني سأسقط، ~~وتلفت فألفيت المعمل على حاله - كما كان بلا فرق - فهل ترى حدث شيء؟ وخفت - لحظة - ~~أن يكون عقلي خدعني، ثم نظرت إلى الساعة، وكانت قبل برهة لم تجاوز العاشرة إلا ~~بمقدار دقيقة أو نحوها. فإذا بها الآن منتصف الرابعة! # فملأت صدري بالهواء، وقرضت أسناني، وتناولت الرافعة بكلتا يدي ومضيت، فأخذ المعمل ~~يبدو لي أقل وضوحا ثم أظلم. ودخلت السيدة «واتشيت» وقطعت الغرفة كأنها لا تراني، ~~ومضت إلى باب الحديقة. وأحسب أنها اجتازت الغرفة في نحو دقيقة، ولكنها كانت تبدو لي ~~مارقة كالسهم أو الشهاب، وضغطت الرافعة إلى أقصى حد، فدخل الليل، كما تطفئ مصباحا، ~~وبعد لحظة أخرى، جاء الغد، وغاب عني المعمل شيئا فشيئا، وجاء المساء أسود حالكا، ~~ثم الصباح فالليل مرة أخرى، فالنهار كرة ثانية، وكان في مسمعي كصوت تلاطم الأمواج، ~~وغشي عقلي الارتباك والبلادة. # وليس في وسعي أن أصور لكم الإحساس الخاص الذي يحدثه الطواف في الزمان، فإنه أثقل ~~ما عانيت، والمرء يشعر بأنه مقذوف به ولا حيلة له. وخامرني الإحساس أيضا بوشك ~~التحطم، وكنت وأنا أجتاز الزمان وأزيد السرعة، أرى الليل يعقب النهار كما يخفق ~~الجناح الأسود. وغاب عن عيني شبح المعمل الغامض، ورأيت الشمس تبدو وتختفي في السماء ~~بسرعة، وكلما بدت مقدار دقيقة كان يوم. وكبر في ظني أن المعمل تقوض وأني خرجت إلى ~~الهواء الطلق. وخيل إلي أني أرى شيئا كأنه الشعف على الجدران، ولكني كنت أمرق ~~بسرعة فلم أكن أحس بالأشياء المتحركة، وكانت أبطأ القواقع خطوا تخطف بسرعة فلا ~~أكاد أراها. وكانت عيني يؤذيها اختلاف الليل والنهار بمثل سرعة البرق. وفي الظلام ~~المتقطع رأيت القمر ينتقل في أوجز وقت من هلال إلى بدر كامل، ولمحت قبة السماء ~~المزدانة بالنجوم، وظللت أمضي، وسرعتي تزداد، فاختلط بياض النهار بسواد الليل، ~~وصارت زرقة السماء عميقة، وضاءة اللون، كالشفق، وغدت الشمس كأنها لسان من اللهب، أو ~~قوس متقد في الفضاء والقمر كالحزام المضطرب، ولم ms217 أعد أرى النجوم، ولكنها من حين إلى ~~حين كانت تبدو لي كدائرة خفاقة اللمعان في زرقة السماء. # وأصبح المنظر غامضا غائما، وكنت لا أزال على ذلك الجانب من التل الذي يقوم عليه ~~هذا البيت، فصار يرتفع ويغمض، ورأيت الأشجار تنمو وتتغير كأنها نفخة دخان، وتكون ~~سمراء فتغدو خضراء، وكانت تنمو، وتكبر، وتهتز، وتزول، ورأيت مباني ضخمة تعلو وتمر ~~كالحلم، وتغير وجه الأرض كلها فيما بدا لي، وصار ذائبا يسيل ويتحدر تحت عيني. ~~وكانت العقارب التي تسجل سرعتي تزداد سرعة دوران، فما لبثت أن رأيت نطاق الشمس يعلو ~~ويهبط من وجه إلى وجه في دقيقة أو أقل، فعلمت أني صرت أقطع العام في دقيقة، فكان ~~الثلج الأبيض يومض، دقيقة بعد دقيقة، على الدنيا، ويختفي، وتعقبه خضرة الربيع ~~النضيرة القصيرة. # وصارت الإحساسات التي كابدتها في البداية أخف وطأة، وتحولت إلى نشوة عصبية، وقد ~~لاحظت أن الآلة تضطرب وأن حركتها ليست بالسلسة لسبب لا أعرفه، وكان اضطراب عقلي أشد ~~من أن يسمح لي بالعناية بذلك، واستغرقني نوع من الجنون فقذفت بنفسي في المستقبل، ~~ولم يخطر لي في أول الأمر أن أقف أو أتريث، أو أن أجعل بالي إلى غير ما أحس، ولكني ~~ما لبثت أن شعرت بضرب جديد من الخوالج - بمقدار من التعجب والتطلع، وبشيء من الخوف ~~- ما عتمت أن استولت على نفسي أتم استيلاء، فقد تتكشف لي مظاهر تطور غريبة في حياة ~~الإنسان، وتقدم مدهش في مدينتنا البدائية، إذا أنا أتيح لي أن أتدبر هذا العالم ~~الغامض المتفلت الذي يعدو ويضطرب أمام عيني. ورأيت بنى عظيمة رائعة ترتفع حولي، ~~وهي أضخم من كل ما رفعناه وأعليناه في زماننا، ولكنها كانت تبدو مبنية من الضباب ~~والضوء الخفاق. ورأيت الخضرة السائلة على جانب التل، أزهى وأنضر، وأبقى أيضا فلا ~~أثر للشتاء فيها. وحتى على الرغم من الحجاب الذي أسدله الاضطراب على عقلي بدت الأرض ~~أجمل وأنقى، فشرعت أفكر في الوقوف. # وكان أكبر ما أخاف أن أجد مادة ما في الفضاء الذي أنا - أو الآلة ms218 - فيه، ولم يكن ~~لهذا قيمة، وأنا أجتاز الزمن بسرعة كبيرة، فقد كنت كأني تضاءلت حتى لم أعد شيئا، ~~أو كنت كالبخار الذي ينفذ مما بين المواد المعترضة، ولكن الوقوف يجر إلي ضغطي ~~ودفعي ذرة فذرة فيما عسى أن يكون في طريقي، وإلى جعل ذراتي من شدة الاتصال بذرات ~~العقبة المعترضة، بحيث يفضي ذلك إلى إحداث تفاعل كيميائي عميق - أو عسى أن يؤدي إلى ~~انفجار - فأتطاير أنا والآلة خارجا من كل الأبعاد الممكنة إلى المجهول. وكان هذا ~~الاحتمال قد خطر لي مرات وأنا أصنع الآلة، فأخلدت إليه على أنه أحد الأخطار التي لا ~~بد من المجازفة بالاستهداف لها، أما الآن فقد صار الخطر لا مفر منه، فلم أواجهه ~~بذلك الابتسام وتلك البشاشة كما كنت أفعل. والواقع أن غرابة ما أنا فيه، وتطرح ~~الآلة، وطول الإحساس بأني أهوي؛ كل أولئك قد أتلف أعصابي، فحدثت نفسي أني لن أستطيع ~~الوقوف، ونفد صبري على هذا، ووهى جلدي، فعزمت على الوقوف من توي. وتسرعت لسخافتي ~~فجذبت الرافعة، فانقلبت الآلة، وقذف بي في الهواء. # وصار في مسمعي مثل تهزم الرعد وعسى أن أكون قد فقدت وعيي لحظة، وكان الثلج يسقط ~~حولي، وألفيتني جالسا على العشب الناعم أمام الآلة المقلوبة، وكان كل شيء فيما ~~يبدو مغبرا، ولكني تنبهت فأدركت أن صوت الرعد الذي كان في أذني قد زال؛ فأجلت عيني ~~فيما حولي فوجدت أني فيما يشبه ممرا في حديقة تحيط بها شجيرات، ولاحظت أن نوارها ~~يسقط به الثلج وكان ما يسقط منه يشبه السحابة الرقيقة على الآلة، وتطلقه الريح على ~~الأرض كالدخان، وأحسست بالبلل ينفذ إلى بدني؛ فقلت: «يا له من إكرام لوفادة رجل ~~اجتاز ما لا عداد له من السنين ليراك!» # وخطر لي أن من البلاهة أن أبتل، فنهضت وتلفت، فرأيت شخصا عظيما كأنه منحوت من ~~حجر أبيض يبدو من وراء الشجيرات والثلج المتساقط، وفيما عدا ذلك لم تأخذ عيني شيئا ~~من الدنيا. # ومن العسير وصف ما خالج نفسي. وقد صار هذا الشخص أوضح لما رق ms219 الثلج المتساقط، ~~وكان عظيما جدا فقد كانت هناك شجرة عالية لا تبلغ إلا كتفه. وكان مصنوعا من ~~الرخام الأبيض، وعلى صورة أبي الهول بجناحين، ولكن الجناحين كانا منشورين فله هيئة ~~الطير إذ يخفق. وكانت القاعدة على ما بدا لي من البرونز والصدأ عليه كثير، واتفق أن ~~كان وجه التمثال إلي، فخيل إلي أن عينيه تراقباني، وكان على فمه طيف ابتسامة، ~~وكانت الرياح قد عصفت به، فلمنظره في النفس وقع المرض؛ فوقفت أنظر إليه هنيهة - نصف ~~دقيقة أو نصف ساعة - فكان يخيل إلي أنه يتقدم نحوي ويرتد عني كلما رق الثلج أو كثف. ~~وأخيرا حولت عنه لحظي فرأيت ستار الثلج يرق ويشف، ورأيت السماء تضيء مؤذنة بظهور ~~الشمس. # فرجعت بصري إلى التمثال الأبيض الرابض؛ فأدركت مبلغ ما في رحلتي هذه من الجرأة ~~والمجازفة. وماذا عسى أن يظهر متى ارتفع هذا الستر؟ وماذا ترى أصاب الناس؟ كيف يكون ~~الحال إذا كانت القسوة قد صارت نزعة عامة أو إذا كان الجنس الآدمي قد فقد في هذه ~~الفترة التي اجتزتها، رجوليته، ونزع صفته الإنسانية وخسر روح العطف وأفاد القوة ~~الماحقة؟ ألا أبدو له حيوانا مستوحشا من العالم القديم يضاعف التقزز منه هذا ~~الشبه الباقي؛ مخلوقا قذرا يستحق أن يذبح بلا رحمة؟ # ورأيت مناظر أخرى عظيمة؛ بنى ضخمة ذات أسوار ملتوية، وعمد سامقة وأخذت عيني ~~شيئا فشيئا، مع سكون العاصفة سفح الجبل المكسو بالشجر، فاستولى علي الرعب، ~~وأهويت على آلة الزمان أحاول أن أصلحها، فخلصت إلي في هذه اللحظة أشعة الشمس من ~~خلال العاصفة المجلجلة، وانقطع ما كان يسح من السحاب وزال كما تزول ذلاذل (أسافل) ~~أثواب الأشباح، وكانت تغشى زرقة السماء قطع من السحاب الرقيق لم تلبث أن اختفت، ~~ووضحت المباني العظيمة لعيني وبرزت معالمها، ولمع ما بللها من المطر، وكساها ما لم ~~يذب من البرد حلة بيضاء، فأحسست كأني عريان في عالم أجنبي، وشعرت بما أحسب الطائر ~~يشعر به وهو يطير في الهواء ويعلم أن الصقر يخفق فوقه ويوشك أن ينقض عليه. وصار ms220 ~~خوفي ذعرا، فملأت رئتي هواء، وقرضت أسناني، وأكببت على الآلة أعالجها بعنف فلانت ~~لعزمي واعتدلت، وأصابت ذقني بقوة، ووقفت وأنا ألهث، وإحدى يدي على السرج والأخرى ~~على الرافعة استعدادا للركوب مرة أخرى. # وتشجعت لما وثقت من إمكان العود بلا تلكؤ، وزادت رغبتي في الاستطلاع وقل خوفي من ~~هذا العالم الذي يعيش في المستقبل السحيق، ووقعت عيني في نافذة مستديرة في إحدى ~~البيوت القريبة على لفيف من الناس في ثياب رقيقة ثمينة، ورأوني كما رأيتهم، فصارت ~~عيونهم علي. # وسمعت أصواتا تدنو مني، ورأيت رءوس رجال وأكتافهم، وهم يعدون مقبلين من بين ~~الأشجار، مارين بأبي الهول الأبيض، وبرز أحدهم في الطريق المؤدي إلى حيث كنت واقفا ~~إلى جانب الآلة. وكان مستدق الجسم - حوالي أربع أقدام - وفي ثياب قرمزية، وعلى وسطه ~~حزام من جلد، وفي قدميه صندلة وساقاه عاريتان إلى الركبتين. وتنبهت وأنا أنظر إليه ~~إلى أن الجو دافئ. # ووقع في نفسي أنه على حظ كبير من الجمال والرشاقة، ولكنه ضعيف جدا وأذكرني وجهه ~~المضطرم بحمرة الخد في المسلول. وثابت إلي ثقتي بنفسي لما رأيته فرفعت يدي عن ~~الآلة. ~~(5) في العصر الذهبي # وما لبثت أن صرت وجها لوجه - أنا وذلك الإنسان الضعيف الخارج إلي من المستقبل، ~~وقد تقدم مني، وتبسم لي في عيني - ولم يسعني إلا أن ألاحظ أنه لا أثر للخوف في ~~حركاته. ثم التفت إلى اثنين آخرين كانا يتبعانه وكلمهما بلغة غريبة فيها عذوبة ~~ولين. # وكان هناك آخرون مقبلين، فصار حولي من هذه المخلوقات الجميلة ثمانية أو عشرة. ~~وخاطبني أحدهم، فكان من الغريب أنه دار في نفسي أن صوتي أخشن وأعمق من أن يخف ~~عليهم، فهززت رأسي، ثم هززته مرة أخرى وأنا أشير إلى أذني. فتقدم مني خطوة، وتردد ~~قليلا، ثم لمس يدي، وتابعه الآخرون فجعلوا يلمسون ظهري وكتفي كأنما أرادوا أن ~~يستوثقوا من أني شخص حقيقي، ولم يكن في هذا ما يزعج أو يفزع، بل لقد كان هؤلاء ~~الآدميون الصغار يعمرون الصدر بالثقة فقد كانت فيهم رقة، ورشاقة، وبساطة كبساطة ms221 ~~الأطفال، وكان ما يبدو من ضعفهم يخيل إلي أن في وسعي أن أعصف بجميعهم بلا عناء، ~~ولكني اضطررت أن أحذرهم بإيماءة حين رأيت أيديهم الدقيقة تلمس الآلة وتتحسسها. ~~وألهمت، قبل فوات الأوان، أن أتقي خطرا لم أعن به من قبل، ففككت الرافعتين اللتين ~~هما مبعث الحركة، ووضعتهما في جيبي ثم واجهتهم وأنا أفكر في وسيلة للتفاهم. # وتوضحت وجوههم وتأملت معارفها، فظهرت لي خصائص أخرى؛ ذلك أن شعرهم الجعد ينتهي ~~عند خدودهم وأعناقهم لا أثر له على وجوههم. أما آذانهم فدقيقة جدا، وأما أفواههم ~~فصغيرة وشفاهها رقيقة حمراء، وأذقانهم مخروطة الشكل، وعيونهم واسعة لينة النظرة، ~~وقد يكون هذا أنانية مني، ولكنه خيل إلي أنهم لم يبدوا من الاكتراث ما كنت ~~أتوقع. # ولما رأيتهم لا يبذلون جهدا لمخاطبتي، ولا يزيدون على الابتسام والتناجي فيما ~~بينهم بأصواتهم الرقيقة، وهم وقوف حولي، بدأت الحديث؛ فأشرت إلى آلة الزمان وإلى ~~نفسي، ولم أدر كيف أعبر لهم عن الزمن فأومأت إلى الشمس فرأيت أحدهم - وهو دقيق ~~الخلق جميله، وعليه ثياب قرمزية مخططة وفيها بياض - يتبع إيماءتي وأدهشني منه أنه ~~حكى صوت الرعد. # فدار رأسي لحظة، وإن كان معنى حركته واضحا، وخطر لي فجأة أن لعلهم بله. وعسير ~~عليكم أن تدركوا ما خامرني من الخوالج. ذلك أني كنت دائما أتوقع أن يكون الناس في ~~المقبل من الأجيال أعلم منا وأفهم، وأرقى في كل باب، وإذا بواحد منهم يفاجئني بسؤال ~~طفل من أبنائنا في الخامسة من عمره؛ فقد كان سؤاله أتراني جئت من الشمس على جناح ~~عاصفة؟ ... وكنت أصد نفسي عن الحكم عليهم، فأطلقت لها أن تحكم بما تشاء على ثيابهم ~~وعلى أجسامهم الدقيقة الضعيفة، ووجوههم الرقيقة. وأحسست بخيبة الأمل، وخطر لي أني ~~ركبت هذه الآلة عبثا. # وهززت رأسي أن نعم، وأشرت إلى الشمس، وحكيت لهم صوت الرعد بقوة أفزعتهم، فتراجعوا ~~جميعا مقدار خطوة وانحنوا ... ثم أقبل علي واحد يضحك، ومعه قلادة من زهر لا أعرفه ~~وزين بها جيدي، فصفقوا له وذهبوا يعدون في طلب الزهور وارتدوا بها ms222 وجعلوا يلقونها ~~علي حتى كدت أختنق. وأنتم لم تروا مشبها لهذا؛ فليس في وسعكم أن تتصوروا هذه ~~الزهور العجيبة الرقيقة الغلائل التي أخرجتها العناية بتربيتها سنوات لا يأخذها عد. ~~ثم اقترح أحدهم أن يعرضوا هذه اللعبة - أعني أن يعرضوني - في أقرب منزل، فمضوا بي، ~~ومررنا بأبي الهول الأبيض الذي كان كأنه يراقبني طول الوقت وهو يبتسم لتعجبي، إلى ~~بناء أشهب كبير من الحجر المنقوش. وعادت إلي، وأنا أسير معهم، ذكرى ما كنت أحلم ~~به، وأنا مطمئن واثق، من أن أبناء الأجيال الآتية سيكونون أعمق منا وأقوى عقولا ~~وأعظم رزانة. # وكان للبناء مدخل كبير، وهو عظيم في كل شيء، وكان همي الأكبر بطبيعة الحال هذا ~~الجمع المتزايد الذي يحتشد حولي، وهذه البوابات الضخمة المفتوحة التي تتثاءت أمامي ~~وهي غامضة محفوفة بالأسرار. وكان الواقع العام في نفسي من هذا العالم الذي أنظر ~~إليه من فوق رءوس القوم أنه رقعة فسيحة من الرياض والأزهار الجميلة، طال إهمالها ~~ولكنها مع هذا خلت من الحسك. # ورأيت أعوادا طويلة من زهر أبيض غريب يبلغ طولها نحو قدم، وهي منتثرة كالنبات ~~البري بين الشجيرات، ولكني كما أسلفت، لم أفحصها في ذلك الوقت، وكنت قد تركت آلة ~~الزمان على الحشيش بين الشجيرات. # وكان عقد الباب جميل النقش دقيقه، ولكني لم أدقق في تأمل النقوش وإن كان قد خيل ~~إلي وأنا أجتازه أن فيه من الفن الفينيقي مشابها، وقد بدا لي أن النقوش قد لوحها ~~الجو وأصابها تلف عظيم. ولقيني في الباب كثيرون آخرون من هؤلاء الذين يلبسون الثياب ~~الزاهية. وهكذا دخلنا؛ أنا في ثياب قاتمة من مألوف القرن التاسع عشر، وعلي طوائف ~~شتى من عقود الزهر، وحولي بحر مائج من الأردية اللامعة، والوجوه البيض المشرقة ~~والضحكات الموسيقية والأصوات العذبة. # وأفضى بنا الباب الكبير إلى ردهة فسيحة وكان السقف مظلما، والنوافذ - وجانب منها ~~زجاجه ملون، وجانب لا زجاج فيه - يدخل منها ضوء خافت، والأرض مرصوفة بكتل من معدن ~~أبيض متين - لا بألواح أو بلاط منه، بل بكتل، وكانت قد ms223 بلغ من تلفها بكثرة المشي ~~عليها في الأجيال الماضية، أن صارت فيها أخاديد عميقة في المواضع التي طال عليها دب ~~الأرجل. وفي الردهة عدد لا يحصى من المناضد المصنوعة من الحجر المصقول، وهي ترتفع ~~عن الأرض مقدار قدم، وعليها أكوام من الثمار والفواكه، وقد عرفت أن بعضها برتقال ~~وعناب ولكن أكثرها لا عهد لي به. # وكانت الوسائد والمنابذ مطروحة بين المناضد، وعلى هذه جلس القوم وأومئوا إلي أن ~~أجلس، وشرعوا يأكلون الثمار بأيديهم بلا كلفة ، ويلقون بالقشر والأعواد وما إليها في ~~فتحات مستديرة على جوانب المناضد، فقلدتهم، فقد كنت جوعان وظمآن. واستطعت وأنا آكل ~~أن أدير عيني في الحجرة على مهل. # ولعل أقوى ما وقع في نفسي منها منظر البلى والتداعي، فقد كان زجاج النوافذ الملوث ~~محطما في مواضع كثيرة، والأستار مثقلة بالتراب، ولاحظت أن زاوية المنضدة التي ~~أمامي مكسورة. ولكنه كان هناك على الرغم من ذلك جمال وبهاء. وكان في البهو حوالي ~~مائتين يأكلون، وكان أكثرهم يراقبونني وهم جالسون بقربي، وعيونهم الصغيرة تومض من ~~فوق الفاكهة التي يقضمون، وكانت ثيابهم جميعا من ذلك الحرير الرقيق المتين. # وعلى ذكر ذلك أقول إن الفاكهة كل طعامهم، فقد كان أبناء هذا المستقبل البعيد ~~نباتيين، وقد اضطررت أن أكون فاكهيا مثلهم وأنا بينهم على الرغم من اشتهائي اللحم. ~~وقد عرفت بعد ذلك أن الخيل والأبقار والأغنام والكلاب قد اندثرت. وكانت الفاكهة ~~شهية. وأخص منها بالذكر ثمرة لم أخطئها طول مدة إقامتي هناك، كنت أوثرها على سواها. ~~وقد حيرتني في أول الأمر هذه الفواكه الغريبة، والأزهار العجيبة التي رأيتها، ولكني ~~تبينت بعد ذلك خصائصها ومزاياها. # على أني أحدثكم الآن عن طعامي في المستقبل! # ولما اكتفيت، عزمت أن أتعلم لغة القوم، وكان من الواضح أن هذا أول ما يجب علي ~~فعله، فبدا لي أن الفواكه تصلح أن تكون بها البداية، فرفعت بيدي واحدة منها وشرعت ~~أستفسر بالأصوات والإشارات، ولقيت عناء شديدا في إفهامهم مرادي، وكانوا في بادئ ~~الأمر ينظرون إلي مستغربين أو مغرقين في الضحك، ms224 ولكن واحدا منهم جميل الشعر ~~فهم ونطق باسم، وصاروا يلغطون فيما بينهم، وكانت محاولاتي الأولى لحكاية ~~أصواتهم تدخل على نفوسهم سرورا صريحا وإن خلا من الرعاية لي. على أني كنت أشعر ~~بما يشعر به المدرس بين الأطفال، فواظبت، ودأبت، فما لبثت أن حفظت عنهم نحو عشرين ~~اسما، فانتقلت من الأسماء إلى الضمائر وأسماء الإشارة، وعرفت الفعل «أكل» ولكن ~~التقدم كان بطيئا، ومل هؤلاء الصغار وبدت عليهم الرغبة في الخلاص من أسئلتي، فلم ~~يسعني إلا أن أدعهم يعلمونني قليلا، قليلا، كلما آنسوا من أنفسهم ميلا إلى ذلك. ~~وتالله ما أقل ما رغبوا في تعليمي، فما رأيت قط أشد منهم كسلا، أو أسرع إلى ~~التعب. ~~(6) مغرب الإنسانية # تبينت أمرا غريبا في مضيفي، وذاك قلة اهتمامهم وضآلة حظهم من الفضول، فقد ~~كانوا يقبلون علي صائحين من الدهشة كالأطفال ولكنهم، كالأطفال، لا يلبثون أن يكفوا ~~عن تأملي وفحصي، وينصرفوا عني التماسا للعبة أخرى غيري، ولما فرغنا من الطعام، ~~وأقصرت عما حاولته من خطابهم لاحظت أن أكثر الذين أحاطوا بي في بداية الأمر قد ~~انصرفوا، ومن الغريب أيضا أني أنا انتهيت إلى إغفال هؤلاء الصغار، فخرجت إلى ~~العالم المشمس بعد أن أصبت شبعي، وكنت لا أفتأ ألتقي بآخرين من هؤلاء أبناء ~~المستقبل فيتبعونني مسافة، ويلغطون، ويتضاحكون حولي، فأبتسم لهم، وألوح بيدي وأدعهم ~~وأمضي في طريقي إلى ما أنشد. # وكان الجو ساجيا سجو المساء لما خرجت من القاعة الكبيرة، والشمس الغاربة تنشر ~~الضوء والدفء. وكانت الأشياء في أول الأمر تحيرني، فقد كان كل شيء مختلفا عما عهدت ~~- في عالمي - حتى الزهر. وكان البناء الكبير الذي بارحته قائما على منحدر واد عريض ~~يجري فيه نهر، ولكني أظن «التيمز» قد غير مجراه الحالي ونقله مسافة ميل، فاعتزمت أن ~~أصعد إلى قمة مرتفع على بعد ميل ونصف ميل ليتسع أفق النظر إلى هذا الكوكب في سنة ~~802701 بعد الميلاد، وقد فاتني أن أذكر أن هذا هو التاريخ الذي سجلته آلتي. # وكنت وأنا أمشي، أتلمس كل ما عسى أن يعلل ms225 لي حالة البهاء الذاوي الذي أراه، فقد ~~كانت حالة خراب وذوي، ومن آيات ذلك أني وجدت في بعض الطريق الذي أتوقله كوما ~~عظيما من الصفوان مشدودا بعضه إلى بعض بكتل من الألومنيوم، وتيها عظيما من ~~الجدران المائلة والأنقاض، وكان واضحا أن هذه بقايا بناء ضخم لا أعرف لماذا أقيم. ~~وهنا قسمت لي - فيما بعد - تجربة غريبة أدت بي إلى اكتشاف أغرب، ولكني أرجئ الكلام ~~في هذا حتى يجيء موضعه. # وتلفت حولي، وأنا أستريح هنيهة في شرفة ، وقد خطر لي خاطر، فتبينت أنه ليس هناك ~~مساكن صغيرة، فالظاهر أن البيت الصغير المفرد قد اندثر، وعسى أن يكون حلاله أيضا ~~قد لحقوا به، وكنت أرى هنا وها هنا مباني كالقصور ولكن البيت والكوخ - وهما من ~~مألوف المناظر في إنجلترا - اختفيا. # وحدثت نفسي أنها «الشيوعية.» # ودار في نفسي في أعقاب هذا خاطر آخر، فنظرت إلى الستة الصغار الذين تبعوني. ~~فألفيتهم جميعا يلبسون ثيابا واحدة، ورأيت أن وجوههم رقيقة لا شعر فيها، وأن ~~أعضاءهم أشبه بأجسام البنات وتكوينهن، وقد يكون مستغربا أني لم أتنبه لهذا من قبل، ~~ولكن كل شيء كان عجيبا. أما الآن فقد وضحت لي هذه الحقيقة، ففي الثياب، وفي كل ما ~~يتميز به الآن الجنسان، كان هؤلاء أبناء المستقبل سواء. حتى الأطفال خيل إلي أنهم ~~صورة مصغرة من آبائهم، وخطر لي أن أطفال ذلك الزمان أنضج من أسنانهم - إذا اعتبرنا ~~أبدانهم على الأقل - وقد وجدت فيما بعد تعزيزا كثيرا لرأيي. # وشعرت وأنا أتأمل سهولة العيش والاطمئنان، أن هذا التشابه الشديد بين الجنسين هو ~~المنتظر. ذلك أن قوة الرجل ورقة المرأة ولينها، ونظام الأسرة واختلاف الأعمال ~~والوظائف؛ كل أولئك من الضرورات في عصر القوة المادية أو البدنية، وفي حيثما يكون ~~الناس، كثرا ومتوازنين، يكون الإسراف في التناسل شرا لا خيرا للدولة، وفي حيثما ~~يندر العنف ويحيا النسل آمنا، تقل الحاجة - بل تزول - إلى الأسرة القادرة على ~~الاضطلاع بأعبائها، ويمحى الباعث على اختصاص كل من الجنسين بعمل في سبيل الأطفال. ~~ونحن نرى في ms226 زماننا بوادر التحول الذي تم في هذا المستقبل، وأحب أن أذكركم أن هذا ~~هو ما جال بخاطري في ذلك الوقت، وقد وجدت بعد ذلك أنه بعيد من الواقع. # وبينما كنت أفكر في هذه الأمور لفت نظري مبنى جميل صغير يشبه بئرا تحت قبة، ~~فاستغربت أن الآبار لا يزال لها وجود، ثم عدت إلى ما كنت أفكر فيه، وتناولت الخيوط ~~من حيث ألقيتها، ولم تكن ثم مبان كبيرة قرب القمة، ولما كان من الواضح أن قدرتي على ~~الصعود والتوقل خارقة للعادة، فقد تخلف عني الذين كانوا يتبعونني فصرت وحدي للمرة ~~الأولى، فثابرت على الارتقاء في هذا الجبل، وقد شعرت بالرضى عن مغامرتي وأفادتني ~~الحرية سرورا، وهناك وجدت مقعدا من معدن أصفر لم أعرفه، وكان قد تآكل في مواضع ~~وعلاه نوع من الصدأ القرمزي وكاد يغطيه العشب، وكانت ذراعاه مصنوعتين على صورة ~~شبيهة برأس الجريفين # 1 # فقعدت وأجلت عيني فيما ترامى أمامي من مناظر هذه الدنيا القديمة كما ~~تبدو في مغرب ذلك اليوم الطويل، وكان المنظر كأجمل وأحلى ما صافح عيني، وكانت الشمس ~~قد مالت وغابت وراء الأفق الغربي فكسته ورسا مذعذعا تشيع فيه خطوط أرجوانية ~~وقرمزية، وهناك في الوادي نهر التيمز كأنه شريط من المعدن المصقول. وقد أسلفت ~~الإشارة إلى القصور الكبيرة المنتثرة بين الزروع، وبعضها خرائب والبعض عامر بسكانه، ~~وكنت أرى - هنا وهنا - تماثيل فضية في الحدائق المهملة، ورءوس مسلات وقمم قباب، ولم ~~يكن ثم لا سور ولا سياج، ولا ما يشير إلى حق امتلاك، ولا أثر لزراعة، كأنما صارت ~~الأرض كلها حدائق وبساتين. # وشرعت وأنا أتأمل هذه المناظر أستجلي دلالتها، فخطر لي ما يأتي (وقد تبينت فيما ~~بعد أنه نصف الحقيقة، أو لمحة واحدة منها). # خيل إلي أني أدركت الإنسانية في منحدرها، وأغراني مغرب الشمس بالظن بأن هذا ~~أيضا مغرب الإنسانية، وأدركت لأول مرة النتائج الغريبة للجهد الاجتماعي الذي ~~نعالجه الآن، وهي نتائج منطقية إذا فكرت فيها فإن القوة نتيجة الحاجة، والأمن يولد ~~الضعف، وقد بلغ العمل على تحسين ms227 أحوال الحياة وجعلها أتم أمنا وأوفى اطمئنانا، ~~غايته على الأيام. وتوالت انتصارات الإنسانية المتحدة على الطبيعة، وصار ما هو الآن ~~من الأحلام مشروعات تدبر وتعالج وتنفذ. وهذا الذي أراه هو الحصاد. # وما زالت أحوالنا الصحية والزراعية اليوم في مراحلها الأولى، وما غزا العلم في ~~زماننا هذا سوى جانب صغير من ميدان الأمراض الإنسانية وإنه، على هذا، ليوسع نطاق ~~عمله باطراد، ونحن في باب الزراعة والفلاحة نعدم بعض الأعشاب ونستنبت طائفة من ~~الزروع الصالحة، ولكنا ندع أكثرها يكافح في سبيل الحياة على قدر طاقته، ونؤثر بعض ~~النبات والحيوان - وما أقل ذاك - بعنايتنا، ونحسنها شيئا فشيئا بالانتخاب، فتارة ~~نخرج خوخة أحلى، وتارة أخرى نخرج عنبا لا بذر له، وطورا تثمر جهودنا زهرة أكبر ~~وأجمل، وطورا آخر أنعاما أنفع وأصلح. ونحن نرقي هذه وتلك تدريجيا لأن غاياتنا ~~غامضة، ووسائلنا تجريبية، ومعارفنا نزرة محدودة، ولأن في الطبيعة خفرا وسذاجة. ~~وسيجيء يوم يكون فيه التنظيم أوفى وأتم، فإن هذا هو اتجاه التيار على الرغم من ~~خضربته واضطرابه وموج بعضه في بعض وتراكبه في جريه. وستكون الدنيا كلها ذكية، ~~متعلمة متعاونة، وتكون خطواتنا أسرع فأسرع، في سبيل إخضاع الطبيعة، ويتسنى لنا في ~~النهاية أن ندبر أمور الحيوان والنبات على وجه يكون أوفق لنا وأكفل بقضاء حاجاتنا ~~الإنسانية. # ولا بد أن يكون هذا الإصلاح قد تم على وجه حسن، وأصبح أمره مفروغا منه في مسافة ~~الزمن التي اجتازتها آلتي، فقد خلا الجو من الدويبات، والأرض من الأعشاب والفطريات، ~~وحفلت بالفواكه اليانعة والأزاهير الزهراء، وخفقت الفراشات الزاهية الألوان هنا ~~وهناك، وبلغ الإنسان غايته من العلاج الوقائي، فلا أدواء ولا أمراض، ولم أر أي أثر ~~لوجود أمراض معدية، في أثناء إقامتي، وسأحدثكم فيما بعد عن الانحلال والفساد وكيف ~~تأثرا بما حدث من التغير. # ووفق الإنسان كذلك، إلى كثير من وجوه الإصلاح الاجتماعي، فرأيت الناس يأوون إلى ~~مساكن فخمة، ويرتدون ثيابا رائعة، ولم أر أنهم يتعبون ويكدون، فلا أثر لكفاح ولا ~~لنضال اجتماعي أو اقتصادي. واختفى الدكان والإعلان، وانقطعت حركة ms228 التجارة التي يقوم ~~عليها عالمنا. وكان من الطبيعي في ذلك المساء الذهبي أن تتمثل لي صورة الفردوس ~~الاجتماعي، فقد عولجت زيادة السكان، على ما بدا لي فكفوا عن الزيادة. # وجاء مع انتقال الأحوال وتغيرها ما لا بد منه من التكيف الذي تتطلبه الأحوال ~~المتغيرة، وما هي علة الذكاء والنشاط، إذا لم يكن علم الحياة كوما من الأغاليط؟ ~~المعاناة والحرية - أحوال تجعل النشيط، القوي، الحاذق، يبقى، والذي هو أضعف يذهب - ~~أحوال تستوجب التآزر المخلص، بين الأكفاء القادرين، وتقتضي ضبط النفس والجلد ~~والحزم. وقد وجد نظام الأسرة وما ينشئه من العواطف، ويبعثه من الغيرة العنيفة، ~~والحب للنسل، والبر الأبوي، ما يسوغه من الأخطار التي يتعرض لها الصغار. والآن أين ~~هذه الأخطار؟ لقد بدأ الشعور، وسيقوى على الزمن، باستهجان الغيرة والأمومة العنيفة، ~~وكل ضرب من العواطف القوية، وصارت هذه حالات لا ضرورة إليها، حالات تورثنا المتاعب ~~وتجعل منا متخلفات وحشية، وشذوذا ونشازا في حياة طيبة مصقولة. # وفكرت في صغر أجسام الناس، وقلة حظهم من الذكاء، وفي هذه البنى الضخمة المهجورة ~~المتداعية، فزدت إيقانا بأن الطبيعة قهرت. وبعد المعركة يجيء السكون. وقد كانت ~~الإنسانية قوية نشيطة، واستخدمت حيويتها الزاخرة في تغيير الأحوال، التي تعيش فيها، ~~فالآن حدث رد الفعل الذي يتلو التغير. # وفي هذه الأحوال الجديدة - أحوال الرغد والأمن - ينقلب النشاط المتواصل - وهو ~~مبعث قوة لنا - ضعفا. وحتى في أيامنا هذه نرى بعض النزعات والأهواء التي كانت ~~لازمة للبقاء، مصدرا ثابتا للإخفاق؛ فالشجاعة وحب النضال مثلا لا يعدان عونا ~~يستحق الذكر للإنسان المتحضر، وقد يكونان عقبة في سبيله. وحتى صارت الأحوال إلى ~~الاتزان والأمن، فإن القوة - عقلية كانت أو بدنية - لا يبقى لها محل. وقد بدا لي أن ~~سنين لا يأخذها الإحصاء قد انقضت بلا حرب أو خوف من حرب أو عنف، أو خطر من وحش ضار، ~~أو مرض وبيل تحتاج مقاومته إلى قوة بدنية، أو حاجة إلى كد، وفي مثل هذه الحياة يكون ~~من نسميهم الضعفاء مهيئين لها كالأقوياء - بل هم لم يعودوا ms229 ضعفاء - ولعلهم أصلح ~~للحياة وأحسن تهيؤا لها، لأن الأقوياء يعذبهم النشاط الذي لا حاجة إليه ولا متنفس ~~له، وما أشك في أن جمال المباني التي رأيتها كان ثمرة آخر لجب في موج النشاط ~~الإنساني الذي لم يعد لازبا، قبل أن يوطن الإنسان نفسه على السكون إلى الأحوال ~~الجديدة التي يحيا في ظلها، وقد كان هذا أبدا مآل النشاط عند الاستقرار، يتحول إلى ~~الفن والجمال، ثم يجيء الفتور، والهمود، والاضمحلال. # وحتى هذا الدافع الفني يزول آخر الأمر، وقد شارف الزوال في الوقت الذي رأيته. فلم ~~يبق من الروح الفني أكثر من الميل إلى التزين بالأزهار، وإلى الرقص والغناء، في ضوء ~~الشمس. وسيظل هذا الميل يفتر، حتى ينقلب جمودا مرضيا، وإنا في عصرنا هذا لقائمون ~~على مسن الألم والضرورة، وقد خيل إلي - في رحلتي - أن هذا المسن البغيض قد تحطم ~~أخيرا. # وخطر لي، وأنا واقف في الظلام الزاحف، أني اهتديت بهذا التفسير إلى الحل الصحيح ~~لمسألة العالم، ووقفت على سر هؤلاء الناس الظرفاء. ولعل ما ابتدعوه لضبط النسل ومنع ~~الكثرة قد جاوز الحد المنشود، فهم يتناقصون، وعسى أن يكون هذا هو السبب في كثرة ~~المباني المتداعية المهجورة. وإنه لتعليل بسيط، قريب المتناول، ومقبول أيضا كأكثر ~~النظريات الخاطئة. ~~(7) صدمة مباغتة # وبينما كنت واقفا أفكر في هذا النصر المبين الذي ناله الإنسان طلع القمر باهتا ~~مقوسا من فيض ضوء فضي في الشمال الشرقي، فانقطعت الأشخاص الصغيرة المشرقة عن ~~الحركة في الوادي، ومرت بي بومة صامتة، وانتفضت من البرد في قبل الليل، فقلت ~~أنحدر وأنظر أين أنا. # وتلفت باحثا عن البناء الذي كنت فيه، ودارت عيني إلى تمثال أبي الهول الأبيض على ~~قاعدته البرونزية، وقد غمره نور القمر الطالع، ورأيت شجرة التامول الفضية قبالته، ~~وشجيرات الدفلي المتوشجة الأغصان، وقد اكتست السواد في الضوء الخافت، والممشى ~~الضيق، فرجعت بصري إلى الممشى، فخالجني شك غريب وقلت لنفسي: «كلا! ليس هذا ~~بالممشى.» # ولكنه كان الممشى الذي أعرفه، فقد كان وجه التمثال المجذوم إليه، فهل تستطيعون أن ~~تتصوروا ما ms230 شعرت به لما عمر صدري هذا اليقين؟ ولكنكم لا تستطيعون. لقد اختفت آلة ~~الزمان! # وخطر لي، بمثل وقع السوط على أديم الوجه، أن من الممكن أن أفقد زمني، وأن أترك ~~بلا حول أو عون في هذا العالم الجديد الغريب. وكان هذا الخاطر يورثني ألما بدنيا ~~مبرحا. وإني لأحسه يأخذ بمخنقتي ويحبس أنفاسي، وشاع في نفسي الخوف فانطلقت أعدو ~~بخطوات سريعة واسعة، وعثرت مرة فوقعت على وجهي وجرحته، فلم أضيع الوقت في حبس الدم ~~بل نهضت وذهبت أعدو ، والدم الحار يسيل على وجهي ويقطر من ذقني، وكنت، وأنا أجري، ~~أقول لنفسي: «لعلهم زحزحوها قليلا عن الطريق وألقوا بها بين الشجر.» ولكني مع ذلك ~~كنت أجري بكل ما في من قوة، وقد كبر في وهمي أن هذا الاطمئنان حماقة، وأن الآلة قد ~~أصبحت بعيدة عن متناولي. وكان التنفس يؤلمني، وأحسبني قطعت المسافة من ذروة التل ~~إلى الممشى - وهي ميلان - في عشر دقائق. وإني لكهل، ولكنت ألعن الحظ وأسخط، وأنا ~~أجري، على حماقتي إذ تركت الآلة، ورحت أصيح، ولا مجيب، وأنظر فلا أرى مخلوقا يبدو ~~في هذا العالم المقمر. # وبلغت الممشى فكان ما خفت أن يكون، ولم أجد أثرا للآلة، فأحسست بالضعف والبرد ~~وأنا أجيل عيني في هذا الفضاء بين الأشجار السوداء المتشابكة. وقد طفت بها ~~كالمجنون، لعل الآلة تكون مخبأة في ركن، ثم وقفت فجأة ويداي تشدان شعري. وكان أبو ~~الهول يشرف علي من فوق قاعدته البرونزية، بوجهه الأبيض المضيء المجذوم، تحت نور ~~القمر الطالع، وكان كأنما يبتسم ساخرا مما أصابني. # وكنت خليقا أن أعزي نفسي بالقول بأن هؤلاء الصغار قد حملوا الآلة إلى مكان حريز، ~~ليصونوها لي فيه، لولا أني كنت على يقين من ضعف عقولهم وأبدانهم. وهذا هو الذي ~~أرعبني؛ الشعور بقوة غير مرتقبة اختفت بسببها الآلة التي اخترعتها. على أني كنت ~~واثقا من أمر واحد؛ ذلك أن الآلة ما كان يمكن أن تتحرك وتنتقل إلا إذا كان عصر آخر ~~قد أخرج مثيلها بلا فرق. وكان نزع القضبان الرافعة يحول ms231 دون انطلاقها في الزمان - ~~وسأريكم الطريقة فيما بعد - فهي قد تحركت وانتقلت واختفت، ولكن في الفضاء فقط. فأين ~~يمكن أن تكون؟ # وأحسب أنه أصابني مس. وأذكر أني كنت أعدو بلا وعي، فأدخل هنا وأخرج من هنا، بين ~~الأشجار التي يضيئها القمر، حول أبي الهول وأفزع حيوانا أبيض ظننته في الضوء ~~الخافت غزالا صغيرا. وأذكر أيضا أني كنت في الهزيع الثاني من الليل أضرب ~~الشجيرات بقبضة يدي، حتى جرحت عقلهما الأغصان المكسورة. ثم رحت أبكي وأهذي من ~~مرارة الألم، وأنا أمشي إلى البناء. وكانت القاعة الكبيرة مظلمة ساكنة مهجورة، ~~فانطرحت على الأرض، فوقعت على إحدى المناضد، وكدت أكسر ساقي، فأشعلت عود ثقاب ومررت ~~بالأستار المعفرة التي حدثتكم عنها. # ووجدت قاعة كبيرة أخرى حافلة ~~بالوسائد التي نام عليها حوالي عشرين من هؤلاء الصغار، وما أشك في أنهم استغربوا ~~ظهوري لهم مرة أخرى، وقد دخلت عليهم فجأة من الظلام الساكن وأنا أتكلم بما لا ~~يفهمون، وفي يدي عود مشتعل، فقد نسوا الكبريت، وشرعت أسألهم: «أين آلتي؟» وأصيح ~~كالطفل المحنق، وأهزهم بيدي ولا بد أنهم تعجبوا لهذا، وقد ضحك بعضهم، وبدا الخوف ~~على البعض الآخر، ولما رأيتهم وقوفا حولي خطر لي أن أسخف ما أصنع في هذه الحالة هو ~~أن أوقظ في نفوسهم الشعور بالخوف، فقد كان سلوكهم في النهار يدل على أنهم نسوا ~~الخوف. # فرميت عود الكبريت، ودرت لأخرج، فأوقعت أحدهم وأنا أفعل ذلك، وارتددت متعثرا إلى ~~القاعة الكبيرة ومنها إلى الفضاء. وسمعت صيحات الذعر، ووقع أقدام صغيرة تجري وتتعثر ~~هنا وهناك، ولست أتذكر كل ما فعلت في تلك الليلة المقمرة، وأحسب أن ما منيت به من ~~الخسارة التي لم تكن مرتقبة أطار عقلي، وشعرت بانقطاع صلاتي ببني جنسي، وبأني حيوان ~~غريب في عالم مجهول. ومن المحقق أني كنت أهذي وأنا أروح وأجيء، وأصيح وأسخط على ~~الحظ والمقادير، وأتذكر التعب المبرح الذي انتابني، في تلك الليلة التي كان ينجاب ~~عني ظلامها ولا ينجاب يأسي فيها، وبحثي في كل مخبأ محتمل أو غير محتمل، ms232 وتسللي بين ~~الخرائب ولمسي مخلوقات غريبة في السواد الحالك، وارتمائي على الأرض بقرب التمثال ~~وبكائي من الحزن والغم، حتى الغيظ من جنوني إذ تركت الآلة، ذهب عني كما ذهبت قوتي. ~~ولم يبق لي إلا الكمد. ثم نمت، ولما استيقظت كان النهار قد ارتفع، وكان هناك ~~عصفوران ينطان حولي على الحشيش، على مسافة ذراع. # فجلست، وحاولت أن أتذكر كيف جئت إلى هنا، وما سر هذا الشعور العميق بالقنوط ~~والوحشة، فارتسم أمام عيني ما وقع لي، وجاءت مع النهار الواضح القدرة على التدبر ~~والنظر، فتبينت حماقتي وطيشي البارحة، وشرعت أجادل نفسي فقلت لها لنقدر الأسوأ، ~~ولنفرض أني فقدت الآلة، وأنها تلفت، فإن علي أن ألتزم الهدوء، وأصطنع الصبر، وأن ~~أتعلم أساليب هؤلاء الناس، وأن أعرف كيف أصبت بهذه الخسارة، وكيف أحصل على الأدوات ~~والمواد والآلات اللازمة، لأصنع آلة أخرى، فما بقي لي من أمل غير هذا، ولعله أمل ~~ضعيف، غير أنه خير من اليأس، وهذه، بعد كل ما يقال، دنيا جميلة حافلة ~~بالغرائب. # ولكن عسى أن تكون الآلة قد نقلت من ~~مكانها، على كل حال، ينبغي أن أسكن وأصبر، وأن أبحث عنها وأستردها بالقوة أو ~~الحيلة. واستقر عزمي على ذلك فوثبت إلى قدمي، وتلفت، وأنا أتساءل أين أستطيع أن ~~أستحم. وكنت أشعر بالتعب، والتكسر، وأستقذر نفسي، وأغرتني صباحة النهار بنشدان ~~الصباحة، وكنت قد استنفدت شعوري، وبلغت من ذلك مجهودي، حتى لقد صرت، وأنا ماض إلى ~~غايتي، أتعجب لما كان من اضطرابي البارحة فنفضت الأرض، وفحصتها بعناية حول الممشى، ~~وأضعت بعض الوقت عبثا في الاستفسار العقيم، بما وسعني من وسائل التعبير، ممن كنت ~~ألتقي بهم من هؤلاء الصغار، وكانوا جميعا لا يفهمون إشاراتي، وكان بعضهم يبدو لي ~~بليدا جدا، والبعض يحسبني أمزح فيضحك، فكنت أعاني جهدا عظيما في كبح نفسي عن ~~لطم وجوههم الجميلة الضاحكة، وكان ما أهم به من ذلك خرقا، ولكن ما أورثنيه الخوف ~~والغيظ كان لا يزال يحتاج إلى الكبح. وأوحت إلي الأرض خاطرا، فقد وجدت أخدودا في ~~منتصف المسافة ms233 بين قاعدة التمثال وبين آثار قدمي حين وصلت وعالجت النزول عن الآلة ~~المقلوبة. وكان هناك من الآثار ما يدل على النقل؛ آثار أقدام كالتي يمكن أن يتركها ~~من يمشي مسترخيا متخاذلا فلفتني هذا إلى القاعدة، وكانت - كما قلت - من البرونز، ~~ولم تكن كتلة مفرغة، بل محلاة بألواح عميقة ذات إطارات، على الجانبين، فدنوت منها ~~ونقرت عليها، فألفيتها فارغة الجوف، وفحصت الألواح فلم أجدها متصلة بالإطارات، ولم ~~تكن هناك مقابض أو ثقوب، ولكن الألواح - إذا كانت ألواحا كما خطر لي - ربما كانت ~~تفتح من الداخل. وأصبح من الجلي فيما رأيت، والذي لا يحتاج إلى جهد عقلي كبير، أن ~~آلة الزمان مخزونة في جوف القاعدة. أما كيف دخلت هنا، فمسألة أخرى. # ورأيت اثنين في ثياب برتقالية، مقبلين بين الشجيرات وتحت أشجار التفاح المنورة، ~~فنظرت إليهما وابتسمت، وأومأت إليهما أن أقبلا فجاءا، فأشرت إلى القاعدة وحاولت أن ~~أفهمهما أني أريد فتحها، ولكنهما تنكرا عند أول إشارة مني إلى القاعدة، ولا أدري ~~كيف أصور لكم تعبير وجهيهما - تصوروا أن أحدكم أشار إشارة قبيحة في حضرة سيدة ~~محتشمة - وتصوروا كيف تكون هيئتها وحالتها! وقد مضى الاثنان عني كأنما كنت قد ذهبت ~~في إهانتهما إلى آخر المدى. وجربت دعوة صغير آخر حلو الوجه، فلم تختلف النتيجة. ولا ~~أدري كيف كان هذا، ولكن هيئته أخجلتني من نفسي، ولكني كنت - كما تعلمون - أريد أن ~~أستعيد آلة الزمان، فكررت عليه بالدعوة إلى فتح القاعدة، فلما ولى عني، كما فعل ~~الآخران، غلبني الغضب، فعدوت وراءه، وتناولت ثوبه عند العنق، وجررته معي إلى ~~التمثال، فقرأت في وجهه الاستفظاع والاشمئزاز، فلم يسعني إلا أن أتركه. # غير أني لم أنهزم، وجعلت أدق الألواح ~~بيدي، وخيل إلي أني سمعت حركة من الداخل، وأفصح فأقول إني ظننت أني سمعت صوتا ~~كالضحك. ولكني كنت ولا شك مخطئا، ثم تناولت حجرا من النهر، دققت به اللوح حتى ~~أتلفت رسما ومحوته وتساقط الصدأ ناعما كالدقيق، ولا شك أن هؤلاء الناس الرقاق ~~الحساسين سمعوا ضجاتي من مسافة، ولكن شيئا ms234 لم يحدث، وقد رأيت لفيفا منهم على سفح ~~التل يخالسونني النظر، ثم تعبت واستحررت، فقعدت أراقب المكان، غير أن هذا لم يطل ~~لفرط اضطرابي، وإني لغربي لا أطيق طول التربص، وإن في وسعي أن أقضي سنين في علاج ~~مسألة، ولكن الانتظار أربعا وعشرين ساعة بلا عمل مسألة أخرى. # ونهضت بعد قليل، ورحت أتمشى على غير قصد بين الشجيرات إلى التل مرة أخرى، وناشدت ~~نفسي الصبر، وقلت لها: «إذا أردت أن تسترجعي هذه الآلة، فإن عليك أن تدعي هذا ~~التمثال ولا تقربيه. ولا خير في تحطيم الألواح وإتلافها، وإذا لم يردوه إليك، ~~فستحصلين عليه متى استطعت أن تطلبيه منهم، ومن العبث أن يعالج المرء لغزا بين كل ~~هذه المجهولات - هذا طريق يفضي إلى الجنون - ومن الواجب أن أواجه هذا العالم وأن ~~أتعلم طرقه وأساليبه وأراقبه، وأن أتجنب التسرع في استكناه كنهه، وسأجد في النهاية ~~المفاتيح لهذه المغاليق.» # وتمثل لي ما ينطوي عليه موقفي من السخر؛ فقد قضيت سنوات في مكتبي أجاهد أن أجد ~~وسيلة أمرق بها إلى هذا المستقبل، وها أنا ذا الآن أجاهد أن أنكفئ مرتدا عنه! وما ~~أرى إلا أني نصبت لنفسي فخا ليس أشد منه تعقيدا ولا أدعى إلى اليأس. وإني لواقع ~~فيه ولكنه لم يسعني إلا أن أضحك، فقهقهت. # وبينما كنت أجوس خلال القصر الكبير خيل إلي أن هؤلاء الناس يتحامونني، وقد يكون ~~هذا وهما، ولعل سببه راجع إلى دقي ألواح القاعدة. ولكني كنت على يقين من اتقائهم ~~لي، بيد أني حرصت على أن لا أبدي اكتراثا، وأن أكف عن تتبعهم. وبعد يوم أو يومين ~~عادت الأمور إلى مجاريها، وتعلمت من اللغة ما وسعني، ولم أقصر في ارتياد الأرض، ولا ~~أدري هل فاتتني دقائق في هذه اللغة، أم هي غاية في البساطة، فليس فيها إلا الأفعال ~~وأسماء المحسوسات؟ فقد خيل إلي أنه ليس فيها ألفاظ للمعاني ولا مجاز. وكنت أرى ~~جملهم في العادة بسيطة ومكونة من لفظين، ولم أستطع أن أفهمهم أو أفهم عنهم إلا أبسط ~~الأمور، ms235 فعزمت أن ألقي بآلة الزمان وسر الأبواب البرونزية تحت التمثال، في زاوية من ~~الذاكرة، على أن تصبح معرفتي أتم وأوفى وأقدر على ردي إلى ذلك من طريق ~~طبيعي. # ولكن إحساسا خاصا تستطيعون أن تدركوه ألزمني نطاقا من بضعة أميال حول نقطة ~~الوصول. ~~(8) شرح # على قدر ما وسعني أن أرى كانت الدنيا كلها تبدي زينتها كوادي التيمز، فكنت أرى من ~~قمة كل تل تلك الكثرة في البنى الرائعة المتنوعة المواد والأساليب، والنبات اليانع ~~المتوشج، والشجر المثقل بالزهر والنوار ، وهنا وهناك يجري الماء كالفضة، ويذهب صعيد ~~الأرض مرتفعا في غير استهواء حتى يغيب في الأفق. ولفت نظري على الخصوص وجود آبار ~~مستديرة، كثير منها عميق جدا، وكانت إحداها على طريق الجبل الذي ارتقيت فيه أول ~~مرة، وحافته من البرونز كغيره، وفيها صنعة، وفوقه قبة تقيه المطر. وكنت إذا جلست ~~إلى جانب هذه الآبار ونظرت في أجوافها المظلمة لا أرى بريق ماء، وإذا أشعلت عود ~~كبريت لا أرى لضوئه انعكاسا. ولكني كنت أسمع من هذه الآبار كلها صوتا غريبا ~~كالذي تحدثه حركة آلة كبيرة، وتبينت من اضطراب لهب الكبريت أن هناك تيارا من ~~الهواء مطردا يجري في عنقها، وقد ألقيت في إحداها قصاصة من ورق فلم تخفق وتضطرب في ~~سقوطها، بل امتصت بسرعة وغابت عن العين. # وبعد قليل بدا لي أن هناك اتصالا بين الآبار وبين الحصون العالية القائمة على ~~السفوح، فقد كان الهواء فوقها يرف كما يحدث عادة في يوم قائظ على الشاطئ، فخطر لي ~~أن هناك نظاما واسعا للتهوية تحت الأرض تعذر علي تصور الغرض منه، وقد ظننت في ~~أول الأمر أن له علاقة بالنظام الصحي، ولكني كنت مخطئا. # وهنا الموضع الذي ينبغي أن أذكر فيه أني لم أكد أر شيئا من المصارف ووسائل ~~النقل، وما إلى ذلك في أثناء مقامي في ذلك المستقبل الحقيقي، وقد قرأت تفاصيل مسهبة ~~عن المباني والنظم الاجتماعية، وما هو من ذلك بسبيل في الكتب التي حلم فيها أصحابها ~~بالمثل العليا للجماعات الإنسانية وتخيلوا فيها صور ms236 المستقبل، وهي تفاصيل يقرب ~~منالها حينما يكون العالم كله منطويا في خيال الإنسان، ولكنها لا سبيل إليها حين ~~ينشدها الرحالة بين الحقائق كما وجدت بالتجربة. وتصوروا ماذا عسى أن يقص زنجي من ~~أواسط أفريقيا بعد أن يعود إلى قبيلته من زيارة للندن! فماذا عسى أن يعرف عن شركات ~~السكك الحديدية والحركات الاجتماعية، وأسلاك التليفون والتلغراف، وشركة تسليم ~~الطرود، وأذون البريد وما يجري هذا المجرى؟ ولكنا نحن على الأقل نكون على استعداد ~~لشرح هذه الأمور له. وإذا عرف الزنجي شيئا فما مبلغ ما يصدق من وصفه صاحبه الذي ~~لم يسافر ولم يرحل؟ والشقة ضيقة مع ذلك بين الزنجي والرجل الأبيض في زماننا هذا، ~~ولكنها واسعة مترامية متقاذفة، بيني وبين أبناء ذلك العصر الذهبي. وقد كنت أحس ~~بكثير مما لا أرى، وإن كان من عوامل الراحة وأسباب الرغد، ولست أستطيع أن أنقل لكم ~~أكثر من الوقع العام في نفسي لنظام يعمل من تلقاء نفسه. # وأضرب مثلا بالمقابر فما رأيت شيئا يدل على وجودها أو يشير إلى وجود محارق ~~للجثث. وقد خطر لي أنه لعل هناك محارق أو مدافن وراء ما ارتدت من الأرض. # وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي فلم أفز في أول الأمر بطائل، وحيرني الأمر، وأفضى ~~بي ذلك إلى ملاحظة أخرى زادتني حيرة، فما رأيت بين هؤلاء الناس كهولا أو عجزة أو ~~مدنفين. # ولا يسعني إلا أن أعترف بأن رضاي لم يطل عن نظرياتي الأولى عن المدنية اللدنية ~~والإنسانية المنحلة. ولكنه أعياني التماس نظرية أخرى، ويحسن بي أن أعرض عليكم ~~المصاعب التي واجهتني، ذلك أن القصور الكبيرة العديدة التي ارتدتها لم تكن سوى ~~مساكن ليس إلا، أي قاعات كبيرة للطعام وحجرات للنوم، ولم أجد آلات ولا أجهزة من أي ~~نوع، ومع ذلك رأيت الناس يرتدون ثيابا حسنة النسج، ولا بد من تجديدها على الأيام، ~~وكانت أحذيتهم أو صندلاتهم # 2 # على الأصح نماذج معقدة وإن كانت غير محلاة. وهذه أشياء لا بد من صنعها، ~~ولم أر بين هؤلاء الناس مظهرا يشير ms237 إلى النزعة الإنشائية، فلا دكاكين، # 3 # ولا مصانع ولا أثر لواردات، وكانوا يقضون وقتهم في اللعب برفق، وفي ~~الاستحمام في النهر، وفي المغازلة التي تشبه اللعب، وفي أكل الفاكهة، وفي النوم. ~~وأعياني أن أعرف كيف تسير الأمور. # وثم أيضا الحادثة التي وقعت لآلة الزمان، فقد حملت، لا أدري كيف، إلى جوف ~~القاعة التي يقوم عليها أبو الهول فلماذا؟ لا أعلم ولا أستطيع أن أتصور باعثا أو ~~طريقة. وهذه الآبار أيضا، وهذه التيارات الهوائية، وقد أحسست وأنا أتدبر ذلك كله ~~أنه ينقصني الاهتداء إلى مفتاح السر. وشعرت - كيف أقول؟ - لنفرض أنكم عثرتم على ~~نقش، فيه جمل هنا وهنا بالإنجليزية الفصحى وبينها كلمات أو حتى حروف لا علم لكم بها ~~ولا عهد؟ هذه هي الصورة التي بدت لي عليها الدنيا في اليوم الثالث من زيارتي لها في ~~عام 802701. # وفي ذلك اليوم صار لي صديق. وشرح ذلك أني كنت أرقب بعضهم وهم يسبحون في الماء، ~~فرأيت أحدهم قد تصلبت عضلاته وشرع يغطس، وكان التيار قويا، ولكنه ليس أقوى من ~~سابح متوسط القوة، وهذا يريكم مبلغ النقص والضعف اللذين لحقا بهؤلاء الناس، ويزيد ~~الأمر بيانا أن أحدا منهم لم يحاول أن ينقذ الصائح المستنجد الذي يغرق، فلما رأيت ~~ذلك خلعت ثيابي وخضت الماء إلى حيث كانت الفتاة، وجررتها سالمة إلى الشاطئ، ودلكت ~~لها أعضاءها قليلا فأفاقت وسرني أنها كانت بخير حين تركتها، وقد بلغ من سوء رأيي ~~في قومها، أني لم أتوقع منها شكرا، ولكني كنت مخطئا. # حدث هذا في الصباح. وبعد الظهر التقيت بهذه المرأة الصغيرة، بينما كنت عائدا من ~~ارتيادي، إلى مركزي، فاستقبلتني بصيحات الفرح وقدمت لي باقة كبيرة من الزهر - كان ~~من الواضح أنها جمعتها لي - لي وحدي - فوقع ذلك من نفسي، وحرك خيالي، وأحسبني كنت ~~أشعر بوحشة. ومهما يكن من ذاك فقد حاولت جهدي أن أظهر لها اغتباطي بهديتها، وجلسنا ~~معا ورحنا نتحدث، بالابتسام على الأكثر. وكان تأثير مودتها في نفسي هو التأثير ~~الذي يحدثه الطفل. وتبادلنا الأزهار، ولثمت يدي، ms238 فلثمت يديها، ثم عالجت الكلام ~~فعرفت أن اسمها «وينا» وبدا لي أنه اسم موافق وإن كنت لا أدري ما معناه، وكانت هذه ~~فاتحة صداقة عجيبة ظلت أسبوعا، ثم انتهت على ما سأحدثكم به. # وكانت كالطفل في كل شيء، وكانت تحب أن تكون معي أبدا ولا تفارقني، فهي تتبعني ~~إلى حيث أذهب، فلما رحت أرتاد الأرض بعد ذلك آلمني أن أرهقها وأتركها أخيرا منهوكة ~~القوى تناديني وفي صوتها نبرات الأسف والتوجع، ولكنه كان لا بد لي من الوقوف على ما ~~أنشد الوقوف عليه من أمور الدنيا، وحدثت نفسي أني لم أجئ إلى هذا المستقبل لأغازل ~~فتاة مثلها، على أن حزنها لما خلفتها كان شديدا، وكان بثها عند الفراق شديدا، ~~وأحسب أن تعلقها بي أتعبني بقدر ما سرني. غير أنها كانت لي روحا وريحانا، وقد ~~حسبت أن الحب الصبياني هو الذي أغراها بي، ولم أفطن إلا بعد الأوان إلى ما كلفتها ~~لما تركتها، بل لم أدرك - إلا بعد الأوان - منزلتها عندي، فقد كانت تبدو محبة وامقة ~~لي، وكانت تظهر لي بطريقتها العقيمة أنها معنية بي، فلم تلبث هذه اللعبة الصغيرة أن ~~أكسبت عودتي إلى التمثال وما حوله، ما يشعر به المرء حين يرجع إلى بيته، فصرت أتطلع ~~وأتشوف باحثا عن جسمها الدقيق كلما رجعت من الجبل. # ومنها أيضا عرفت أن الخوف لم يزايل العالم، وكانت لا تهاب شيئا في النهار، ~~وكانت ثقتها بي أتم ما يكون، وقد غضبت مرة فتوعدتها بإشارة، فضحكت، ولكنها كانت ~~تخاف الظلمة، وتخشى الظلال، وتفزعها الأشياء السوداء، وكان الظلام أشد ما يرعبها، ~~وكان خوفها هذا من القوة بحيث أغراني بالتفكير والملاحظة، فوجدت أن هؤلاء القوم ~~يتجمعون في البيوت الكبيرة بعد دخول الليل وينامون زرافات وأسرابا. وكان مجرد ~~الدخول عليهم بغير ضوء يزعجهم ويخيفهم، وما رأيت قط أحدا منهم خارج الأبواب في ~~الليل، أو نائما وحده في البيت، ولكني كنت أغبى من أن أفقه درس هذا الخوف، وأصررت ~~على الرغم من حزن وينا على النوم وحدي بمعزل عن هذه ms239 الجماعات الراقدة. # وكان هذا مني يزعجها ويقلقها، ولكن حبها لي تغلب آخر الأمر على خوفها، فكانت في ~~الليالي الخمس التي ترافقنا فيها - وفي جملتها الليلة الأخيرة - تنام إلى جانبي ~~متخذة من ذراعي وسادة. ولكني أراني أستطرد عن الموضوع في الليلة التي سبقت إنقاذها، ~~استيقظت في الفجر وكنت مضطربا، أحلم بأني غرقت وأن شقائق الماء تمسح وجهي بغلائلها ~~ونواراتها الرقيقة، فقمت من النوم فزعا وقد خيل إلي أن حيوانا انطلق خارجا من ~~الغرفة، وعالجت النوم مرة أخرى، ولكني كنت قلقا لا استقرار لي ولا راحة، وكانت تلك ~~هي الساعة التي تزحف فيها الأشياء خارجة من الظلام، ولا لون لها ولا حقيقة وإن كانت ~~واضحة المعالم، فنهضت ومضيت إلى القاعة الكبيرة ومنها إلى المقاعد الحجرية أمام ~~البيت، وخطر لي أن أتخذ من الضرورة مزية فأشهد طلوع الشمس. # وكان القمر يغيب، وسواد الليل يختلط ببياض النهار، وكانت الأشجار سوداء كالحبر، ~~والأرض عليها الظلال، والسماء لا لون لها ولا بهجة، وخيل إلي، وأنا فوق التل، أني ~~أرى أشباحا، ووقعت عيني ثلاث مرات، وأنا أديرها فيما حولي، على أشخاص بيض، وبدا لي ~~- مرتين - أني رأيت مخلوقا أبيض على هيئة القرد يصعد في الجبل بسرعة، وبصرت مرة ~~بعدد منهم يحملون جسما مظلما، وكانوا يغذون الخطى، ولا أدري أين ذهبوا به فقد ~~اختفوا بين الأشجار، ولم تكن الظلمة قد انجابت، ولا النهار طلع، وأحسست بالبرد ~~والقلق وغير ذلك مما يشعر به المرء في البكرة الندية. وشككت في قدرة عيني على ~~الرؤية. # وانبلج الفجر، وطلع النهار، وأفاض نوره على الدنيا مرة أخرى فرميت ما حولي بنظرة ~~فاحصة، غير أني لم أر أثرا للأشخاص البيض، فما كانوا إلا من مخلوقات الخيال في ~~الطفل، وحدثت نفسي أن هؤلاء لا بد أن يكونوا أشباحا، وتمنيت لو دريت من أين جاءت ~~ومن أي عصر خرجت؟ وخطرت لي فكرة لجرانت اللان فقد قال: إذا كان كل جيل يموت يترك ~~في الدنيا أشباحه، فإن الدنيا خليقة أن تكتظ بهم، وعلى هذا الحساب يكون عددهم ms240 قد ~~صار لا يحصى بعد ثمان مائة ألف سنة، فغير مستغرب أن أرى أربعة منهم في وقت معا، ~~ولكن هذا المزاح لم يرقني، فظللت أفكر في هذه الأشخاص طول الصباح حتى أنسانيهم ~~إنقاذي للفتاة وينا. وخطر لي أن لعل لهم صلة بذلك الحيوان الأبيض الذي أزعجته في ~~أول بحثي عن آلة الزمان. وكانت وينا نعم العوض عن هؤلاء، ولكنهم، على هذا، كان ~~مقسوما لي أن يستولوا على نفسي ويستحوذوا على خاطري. # وأظن أني قلت لكم إن الجو في هذا العصر الذهبي أدفأ من جونا، وأشد حرارة، ولا ~~أستطيع أن أعلل ذلك، فلعل الشمس كانت أحمى، أو الأرض قد صارت أدنى إلى الشمس، ونحن ~~قد ألفنا السكون إلى الرأي القائل بأن الشمس ستقل حرارتها باطراد في المستقبل، ولكن ~~الذين لا اطلاع لهم على نظريات رجال من أمثال داروين الصغير ينسون أن الكواكب لا بد ~~أن ترجع في آخر الأمر إلى أمها ومصدرها، ومتى حدثت هذه الكوارث زادت الشمس إشراقا ~~وتوهجا بما يضاف إليها ويتجدد منها، ولا يبعد أن يكون أحد الكواكب قد صار إلى هذا ~~المصير، ومهما يكن من ذاك فإن الحقيقة باقية، وهي أن الشمس في هذا المستقبل البعيد ~~أحمى منها في زماننا. # ففي صباح يوم قائظ - اليوم الرابع فيما أظن - كنت أنشد ظلا أتفيؤه من وقدة الحر ~~في خرابة ضخمة قريبة من البيت الذي آكل فيه وأنام، فوقع لي حادث غريب؛ ذلك أني كنت ~~أخطو فوق أكوام الأنقاض فوجدت دهليزا ضيقا سدت نهايته ونوافذه الجانبية كتل ~~الأحجار الواقعة، وكان الظلام في هذا الدهليز لا تنفذ فيه العين في أول الأمر ~~بالقياس إلى النور الساطع في الخارج، فكنت أتحسس طريقي لأن الانتقال من النور إلى ~~الظلمة جعل ومضات خافقة من النور تسبح أمام عيني، ثم وقفت فجأة وقد أذهلني ما رأيت ~~فقد كانت هناك عينان براقتان تراقباني. # وخامرني الخوف الغريزي القديم من الوحوش، فتقبضت كفاي ورحت أحدق في هاتين العينين ~~اللامعتين. وكنت أخاف أن أدور على عقبي، ثم خطر لي ms241 أن الإنسان في هذا العصر يعيش في ~~ظل الأمن المطلق، ثم عدت فتذكرت فزع القوم من الظلام، واستطعت أن أغالب خوفي وأن ~~أقهره إلى حد ما، فتقدمت خطوة وتكلمت، وأعترف أن صوتي كان أجش، وغير متزن، ودفعت ~~يدي فلمست شيئا طريا، فتحولت نظرة العينين وصارت عن عرض، وانطلق جسم أبيض يعدو ~~إلى جانبي، فدرت وقلبي في فمي، فرأيت مخلوقا غريبا كالقردة، ورأسه مثني على ~~صدره، يجري ويقطع المسافة التي كان عليها الضوء، وتعثر واصطدم بحجر، وتطرح ثم اختفى ~~في ظل كوم من الأنقاض. # ولم يتسع الوقت لتأمله، ولكني أذكر أن بياضه لم يكن ناصعا، بل أقرب إلى السمرة، ~~وأن عينيه كانتا حمراوين داكنتين، وعلى رأسه وظهره شعر كالكتان. ولكنه، كما قلت، ~~كان أسرع من أن يتسنى لي تدبره فلست أستطيع حتى أن اقول إنه كان يجري على أربع، أو ~~على اثنتين فقط، وبعد أن وقفت لحظة التمسته بين الأنقاض التي اختفى في ظلها، ~~فأخطأته في أول الأمر ولكني بعد قليل وقعت على ما يشبه فوهة بئر من هذه الآبار التي ~~حدثتكم عنها وقد سد نصفها عمود وقع عليها، فدار بنفسي أن لعل الحيوان انحدر من فوهة ~~البئر، فأشعلت عود الكبريت وصوبت عيني إلى عنق البئر فرأيت حيوانا أبيض يتحرك، ~~وعيناه البراقتان تنظران إلي وهو يتقهقر. فسرت في بدني رعدة، فقد كان منظره أشبه ~~بعنكبوت بشري. وكان ينزل على جدار البئر، فرأيت لأول مرة مواضع للقدم واليد على ~~جدار البئر كأنها درجات سلم. ولسعت نار الكبريت إصبعي فسقط ما بقي من العود وانطفأ، ~~فلما أشعلت عودا آخر كان الحيوان قد اختفى. # ولا أدري كم من الوقت قضيت وأنا أحدق في هذه البئر. وظللت وقتا لا أستطيع أن ~~أقنع نفسي بأن هذا المخلوق الذي أبصرته، آدمي. غير أن الحقيقة ما لبثت أن طالعتني؛ ~~لم يعد الإنسان نوعا واحدا، بل صار نوعين، وحيوانين متميزين، فهؤلاء الأطفال ~~الرشيقون الذين رأيتهم ليسوا النسل الوحيد لجيلنا، فإن هذا المخلوق القذر الذي يأوي ~~إلى الظلام والذي لمع ms242 كخطف البرق أمامي، وارث كل العصور أيضا. # وعاد بي التفكير إلى نظرية التهوية تحت الأرض، وبدا لي أني اهتديت إلى الصواب، ~~ويا ترى ما محل هذا الحيوان في النظام التام الاتزان والتكافؤ الذي ذهبت إلى وجوده؟ ~~وما صلته بجمال أبناء الدنيا الآخرين الذين يعيشون عيشة الكسل؟ وماذا تخبئ هذه ~~الآبار؟ وقعدت على فوهة البئر وقلت لنفسي إنه ليس ثمة ما يدعو إلى الخوف، وأن ~~النزول في البئر هو وحده الذي يحل لي المعضلات. ولكني مع ذلك كنت أتهيب الإقدام على ~~ذلك! وبينما كنت أتردد، وأقدم رجلا وأؤخر أخرى، أقبل اثنان من أبناء الأرض الفوقية ~~يعدوان من النور إلى الظل وهما يلعبان ويتغازلان، وكان الذكر يجري وراء الأنثى ~~ويرميها بالزهر. # وبدا عليهما الامتعاض لما رأياني، وأبصرا ذراعي على العمود المقلوب وعيني تحدق في ~~جوف البئر، والظاهر أنه ليس من اللائق عندهم أن يجعل المرء باله إلى هذه الآبار. ~~فقد أشرت إلى البئر وحاولت أن ألقي عليهما سؤالا يلفتهما فازداد امتعاضهما ~~وأولياني ظهرهما. ولكنه سرهما أن يريا عود الكبريت يشتعل، فأشعلت لهما بضعة عيدان ~~لأسرهما، وحاولت مرة أخرى أن أسألهما عن البئر، فأخفقت ثانية، فتركتهما وفي نيتي أن ~~أجد وينا وأن أرى ماذا أستطيع أن أستخلصه منها، وكان عقلي يدور ويدور، وظنوني ~~وآرائي تنزلق وتتحول إلى اتجاه جديد، فقد صار عندي الآن مفتاح لسر هذه الآبار ~~ولأبراج التهوية، وللأشباح التي تراءت لي، فضلا عن دلالة الألواح البرونزية ومصير ~~آلة الزمان. وبدأ يدور في نفسي شرح للمسألة الاقتصادية التي حيرتني. # وهذا هو الرأي الجديد، هذا النوع الثاني من الإنسان يسكن باطن الأرض، وقد مالت بي ~~ثلاثة أمور على الخصوص إلى الاعتقاد بأن ندرة ظهوره فوق ظهر الأرض نتيجة لطول ~~اعتياده الحياة في جوفها. وأول هذه الأمور تلك النظرة المعهودة في أكثر الحيوانات ~~التي تعيش في الظلام مثل السمكة البيضاء في كهوف كنتكي. وثانيها كبر العين واتساع ~~حدقتها وقدرتها على عكس الضوء، وهي من خصائص الحياة في الظلام؛ تأملوا القط والبومة ~~مثلا. وآخرها ذلك ms243 الاضطراب الذي يعرو الحيوان في ضوء الشمس، والارتباك والمبادرة ~~إلى الهرب إلى سواد الظل، وثني الرأس حين يكون في النور؛ كل أولئك أقنعني بأن ~~الحدقة حساسة جدا. # فلا بد أن تكون الأرض تحتي حافلة بالسراديب التي صارت مألوف النوع الإنساني ~~الجديد، وكفى بوجود الآبار وأساطين التهوية على سفوح التلال - وفي كل مكان إلى ~~جانبي النهر - دليلا على تشعب هذه السراديب وشيوعها، ومن الطبيعي إذن أن يفترض ~~المرء أنه في هذه الدنيا التحتية الصناعية يؤدي كل عمل يحتاج إليه النوع الذي يعيش ~~في النور. وقد أخذت بهذا الرأي الذي بدا لي أنه معقول وذهبت بعد ذلك أتصور كيف تم ~~انقسام النوع الإنساني، وأحسبكم قد فطنتم إلى نظريتي وإن كنت أنا نفسي ما لبثت أن ~~رأيتها أبعد ما تكون من الصواب. # وقد بدا لي في أول الأمر أن من الواضح أن اتساع مسافة الخلف الاجتماعي والوقتي ~~بين الرأسماليين والعمال في عصرنا هذا هو مفتاح السر في هذا الذي انتهى إليه الأمر. ~~وأنتم حريون أن تسخروا من ذلك وتنكروه وتأبوا تصديقه، ولكنه حتى في عصرنا هذا يوجد ~~من الأحوال ما يشير إلى هذا الاتجاه، فإن هناك ميلا إلى استخدام جوف الأرض فيما لا ~~يدخل في باب الزينة من مظاهر المدنية، فهناك الخط الحديدي الذي يجري تحت الأرض في ~~لندن، وثم أيضا خطوط حديدية كهربائية، وطرق، وحجرات للعمل، ومطاعم، وهي تزداد ~~وتتعدد. وقد خطر لي أن هذا الميل إلى الانتفاع بباطن الأرض قد قوي على الأيام حتى ~~فقدت الصناعة مكانها تحت قبة السماء وانطوت في جوف الأرض. وأعني أنها انتقلت إلى ~~باطن الأرض وتغلغلت فيه إلى أن انتهى الأمر بأن ... حتى الآن في عصرنا هذا ألسنا نرى ~~العامل في الحي الشرقي من لندن يشتغل في أحوال تكاد تحول بينه وبين سطح ~~الأرض؟ # وتأملوا بعد ذلك نزعة الأغنياء - وهي راجعة ولا ريب إلى زيادة الصقل في تربيتهم، ~~واتساع المسافة بينهم وبين خشونة الفقراء وعنجهيتهم - فإنهم يسورون مساحات عظيمة ~~من الأرض ليصدوا عنها غيرهم. فحول لندن، ms244 مثلا، نرى حوالي النصف من رقعة الأرض ~~الجميلة مقصورة على أصحابها لا يدخلها سواهم، وهذا الجون الذي يزداد اتساعا - وهو ~~يرجع إلى طول ما يستغرقه التعليم العالي من الزمن وكثرة ما يتطلبه من نفقات، وسهولة ~~ما تغري به عادات الترف - أقول إن هذا الجون يقلل التبادل بين طبقة وطبقة، ويعطل ~~ارتقاء الواحد منها إلى الأخرى بالتزاوج، ويجعله أندر. وأخلق أن ينتهي الأمر بأن ~~يعيش فوق ظهر الأرض المالكون، وأن يطلبوا اللذة والراحة والجمال، وأن يقنع بباطن ~~الأرض المعدمون، وأن يتكيف العمال شيئا فشيئا على مقتضى الأحوال التي يعملون ~~فيها، ومتى صاروا في جوف الأرض، فسيكون عليهم بلا شك أن يؤدوا أجرا - غير قليل - ~~في مقابلة التهوية لكهوفهم وغيرانهم، فإذا أبوا أميتوا جوعا أو اختناقا بما تأخر ~~عليهم من الأجر، وأخلق بالتعساء والمتمردين منهم أن يموتوا، ثم يعتدل الميزان، ~~ويألف الباقون أحوال المعيشة تحت الأرض وينعمون بها كما يألف الآخرون المعيشة ~~فوقها. ومن أجل هذا كان الجمال المصقول، والشحوب والكمدة # 4 # من النتائج الطبيعية فيما أرى. # وصار لانتصار الإنسانية العظيم الذي كنت أحلم به صورة أخرى عندي، فما كان فوزا ~~للتربية الأخلاقية والتعاون العام كما كنت أتخيل، بل رأيت بدلا من ذلك أرستقراطية ~~حقيقية مسلحة بالعلم، وصلت بالنظام الصناعي الحاضر إلى غايته المنطقية، ولم يكن هذا ~~انتصارا على الطبيعة وحدها، بل عليها وعلى الإنسان معها. ويجب أن أذكر أن هذه كانت ~~نظريتي في ذلك الوقت، فما كان لي مرشد يدلني ويهديني، وعسى أن أكون مخطئا، ولكني ~~ما زلت أعتقد أني مصيب. وحتى إذا سلمنا بهذا الرأي وأخذنا به، فإن من الجلي أن هذه ~~المدنية المتوازنة قد جاوزت الذروة من زمان طويل، وذهبت في الانحدار مسافة طويلة. ~~فقد أفضى الأمن التام بالأعلين إلى الانحطاط البطيء فتضاءلت أجسامهم وقواهم، ~~وذكاؤهم، وكان هذا من أوضح ما شهدت، أما ما كان من أمر الأسفلين فقد كان ينقصني أن ~~أعرفه، على أن ما رأيته من هؤلاء المورلوخ - وهذا هو الاسم الذي يطلق عليهم - حملني ~~على القول ms245 بأن تطورهم كان أعمق من تطور النوع العلوي، ذلك النوع الجميل الذي ~~عرفته. # ثم ساورتني الشكوك المتعبة: لماذا أخذ المورلوخ آلة الزمان؟ فقد كنت واثقا من ~~أنهم هم الذين أخذوها. ولماذا لا يستطيع «العلويون» - إذا كانوا هم السادة - أن ~~يردوا علي آلتي؟ وما سر خوفهم الشديد من الظلام؟ وذهبت أستفسر من «وينا» عن هذا ~~العالم السفلي، فخاب أملي، ذلك أنها لم تفهم أسئلتي في بداية الأمر، فلما فهمتها ~~أبت أن تجيبني. وراحت تنتفض وترعد، كأن الموضوع مما لا يحتمل، فلما ألححت عليها بكت ~~- وكانت دموعها بعد دموعي هي الوحيدة التي رأيت عينا تذرفها في ذلك العصر الذهبي - ~~فكففت عن السؤال عن السفليين، وصار همي أن أزجر عينها عن البكاء، وأن أعفيها من ~~مظاهر ميراثها الإنساني، فما لبثت أن ضحكت وصفقت، بينما كنت أنا أشعل عود ~~كبريت. ~~(9) المورلوخ - أو - السفليون # قد تستغربون أني تركت يومين يمضيان قبل أن أقتفي الأثر الجديد، بالطريقة الصحيحة، ~~ولكن الحقيقة أني كنت أنفر من هذه الأجسام الشاحبة؛ فقد كان لها ذلك اللون المربد ~~الكميد الذي نراه في الديدان والأجسام المحفوظة في الكحول في متاحف الحيوان. يضاف ~~إلى ذلك أنها كانت باردة الملمس قذرة، وعسى أن يكون نفوري منها راجعا في الأكثر ~~إلى لطف تأثير العلويين، الذين بدأت أدرك دواعي اشمئزازهم من السفليين. # ولم يكن نومي هنيئا في الليلة التالية، ولعل ذلك لاضطراب صحتي، وقد ألحت علي ~~الحيرة والشكوك، وخامرني - مرة أو مرتين - خوف شديد لا أعرف له باعثا، وأذكر أني ~~تسللت بلا صوت، إلى القاعة الكبرى التي كان العلويون الصغار نائمين فيها في ضوء ~~القمر - وكانت وينا في تلك الليلة بينهم - وقد اطمأن قلبي بوجودهم. وخطر لي حتى في ~~ذلك الحين أن القمر سيدخل في المحاق بعد بضعة أيام، فتسود الليالي، وتعم الظلمة، ~~وتبرز هذه المخلوقات السفلية الكريهة. وكنت في هذين اليومين أكابد من القلق ما ~~يكابده من يعالج أن يدفع واجبا لا مهرب منه، وكنت على يقين من أنه لا سبيل إلى ~~استرداد آلة الزمان ms246 إلا بالإقدام على كشف الأسرار المحجوبة في جوف الأرض. ويا ليتني ~~كان معي رفيق! إذن لاختلف الحال جدا، ولكني كنت مستفردا مستوحشا، وكان يهولني ~~أن أنحدر إلى ظلام هذه السراديب. وقد تستطيعون أن تفهموا شعوري، أو لا تستطيعون، ~~ولكني أعترف لكم بأني ما كنت أشعر بالأمن والطمأنينة. # وكان هذا القلق وقلة الاطمئنان هما الباعث، على الأرجح، على الإبعاد في طوافي ~~لارتياد ما حولي، وقد مضيت جنوبا بغرب إلى الهضبة التي تسمى الآن «كوم وود» فأبصرت ~~على مسافة بعيدة، وفي اتجاه «بانستيد» مبنى ضخما أخضر لا يشبه شيئا مما رأيته إلى ~~الآن، فقد كان أكبر من أكبر القصور أو الخرائب التي عرفتها، وكانت واجهته شرقية ~~الطراز، تشبه في لمعتها ولونها الأخضر الباهت بعض المواعين «الصينية»، فأوحى إلي ~~اختلاف المنظر أنه مجعول لغاية أخرى مختلفة، ونازعتني نفسي أن أمضي على سنني حتى ~~أتبين ولكن المغيب كان قد دنا، وكنت قد بلغت هذا الموضع الذي أرى منه البناء بعد ~~لفة طويلة مضنية، فعزمت أن أرجئ الارتياد إلى اليوم التالي وعدت إلى وينا الصغيرة ~~وحفاوتها بي، وملاطفاتها لي، غير أني في الصباح أدركت على أوضح صورة أن شوقي إلى ~~استطلاع كنه هذا القصر «قصر الصيني الأخضر» ليس إلا مظهرا لمغالطة النفس وصرفها، ~~يوما آخر، عما أتهيب الإقدام عليه، فآليت لأنزلن إلى السراديب بلا تلكؤ، وذهبت إلى ~~بئر قديمة من خرائب الصوان والألومنيوم. # وكانت وينا تعدو معي، وترقص إلى جانبي حتى بلغت البئر، فلما رأتني أنحني على ~~فوهتها وأنظر فيها اضطربت، فقلت لها: «وداعا يا وينا الصغيرة.» ثم وضعتها على ~~الأرض، وشرعت أتحسس جوانب الفوهة باحثا عن خطاطيف السلم. وأعترف أني كنت أفعل ذلك ~~بسرعة، فقد كنت أخشى أن ينضب معين شجاعتي، وكانت وينا في أول الأمر ترقبني وهي ~~ذاهلة، ثم أطلقت صيحة جزع وأقبلت علي تجذبني بيديها الصغيرتين، وما أظن إلا أن ~~اعتراضها سبيلي قواني، وجعل عزمي أصح على المضي، فنفضتها عني بشيء من العنف، وبعد ~~لحظة كنت في عنق البئر، وقد رأيت وجهها ms247 وما ارتسم عليه من الجزع والألم، ولكنها ~~تبسمت لي تطمئنني. ثم اضطررت أن أصوب عيني إلى ما تحتي لأرى مواقع رجلي على السلم ~~القلق الذي تعلقت به. # وقد انحدرت مسافة مائتي ذراع تقريبا. وكان ذلك بواسطة قضبان معدنية ناتئة من ~~جوانب البئر، ولما كانت هذه مجعولة لمن هم أدق أجساما، وأخف وزنا، فقد أتعبني ~~النزول، ولم يقتصر الأمر على التعب، فقد انثنى أحد القضبان فجأة تحت ثقلي، فكاد ذلك ~~يلقيني في الهوة السوداء، وقد تعلقت لحظة بإحدى يدي، ولم أعد أجترئ بعد هذه التجربة ~~على التماس الراحة وأنا أنزل، وآلمني ظهري وذراعي جدا، ولكني تجلدت وثابرت على ~~الهبوط بأسرع ما أستطيع، وصعدت طرفي فرأيت الفوهة، ورقعة صغيرة من السماء الزرقاء ~~ونجما فيها، وكان رأس وينا الدقيق يبدو كأنه نتوء أسود مستدير، وصار صوت آلة تدور ~~في ناحية ما أعلى وأقوى، وأثقل على النفس، وكان كل شيء ما خلا تلك الرقعة الصغيرة ~~في السماء حالك السواد، فلما صعدت عيني مرة أخرى كانت وينا قد اختفت. # وكنت في عذاب غليظ من قلة الراحة، وطاف برأسي أن أصعد وأترك هذا العالم السفلي، ~~ولكني كنت وأنا أفكر في هذا أواصل النزول. وأخيرا رأيت - وتشهدت حين فعلت - إلى ~~اليمين، وعلى بعد قدم واحدة، فجوة صغيرة في الحائط، فدخلت فيها فألفيتها تفضي إلى ~~سرداب ضيق أستطيع أن أنطرح فيه وأستريح، ففعلت ولما أكد، فقد ألح الألم الذي في ~~ظهري، وصار ظهري يوجعني، وكنت أرعش من طول الخوف من السقوط، زيدوا على ذلك أن ~~الظلمة الطاغية التي لا ينسخها شيء أورثت عيني وجعا شديدا، وكان الجو يدوي فيه ~~ضربان الآلة التي تمص الهواء من عنق البئر. # ولا أدري كم بقيت هكذا، ولكن الذي أدريه أني أفقت على يد طرية تلمس وجهي، فنهضت ~~جالسا في الظلام، ودفعت يدي إلى حيث الكبريت، وأشعلت عودا فرأيت ثلاثة من ~~السفليين - على صورة الذي رأيته في الخرابة من قبل - حانين علي، فلما أضاء النور ~~ذهبوا يتراجعون أمامه بسرعة، وكانت عيونهم لطول ما ms248 ألفوا العيش في هذه السواد ~~الحالك كبيرة حساسة، تعكس الضوء. ولم يخالجني شك في أنهم كانوا يرونني في هذا ~~الظلام الذي لا ينفذ إليه شعاع واحد من النور، ولم يكن يبدو عليهم أنهم يخشون مني ~~شيئا سوى هذا النور، وما كدت أشعل عودا حتى لاذوا بالفرار وولوا الأدبار إلى ~~السراديب المظلمة التي كانت عيونهم تطالعني منها بالوميض الغريب. # وحاولت أن أدعوهم إلي، لكن لغتهم كانت، على ما يظهر، غير لغة العلويين، فتركني ~~هذا بغير عون يرجى منهم، فجرى ببالي أن أهرب وأرتد إلى حيث كنت ولا أعني نفسي ~~بالارتياد، ولكني قلت لنفسي «لا بد مما ليس منه بد» وتحسست طريقي في السرداب، فصار ~~صوت الآلة أعلى، ثم تباعدت الجدران فدخلت في رقعة فسيحة، وأشعلت عودا، فإذا بي في ~~كهف واسع ذي عقود، يغيب آخره في ظلام لا يخففه النور الضئيل الذي معي، فلم أر منه ~~إلا بقدر ما يضيء العود. # ولا أحتاج أن أقول إن ما أذكره قليل الوضوح، فقد كانت تتمثل لي صور ضخمة غامضة ~~لآلات كبيرة، وتلقي ظلالا سودا عظيمة كانت تلوذ بها أشباح السفليين من وهج الضوء. ~~وكان المكان محبوس الهواء ثقيل الوطأة على الصدر، وكنت أشم رائحة خفيفة لدم مراق ~~حديثا، وكان في الوسط منضدة صغيرة من معدن أبيض وعليها طعام. ومهما يكن من أمر ~~السفليين فإنهم على كل حال من أكلة اللحوم! وحتى في ذلك الوقت أتذكر أني سألت نفسي ~~يا ترى أي حيوان كبير هذا الذي اقتطع منه هذا الفخذ الأحمر الذي أراه؟ وكان كل شيء ~~غامضا؛ الرائحة الثقيلة، والصور الكبيرة التي لا يتضح لها معنى، والأشباح القذرة ~~التي تلوذ بالظلام وتتربص بي! ثم فني العود، فلسع أصابعي، وسقطت بقيته المضطرمة في ~~الظلام. # وقد تمثلت لي، بعد ذلك، ضآلة عدتي لمثل هذه التجربة، فقد ركبت آلة الزمان، وأنا ~~أعتقد أن أبناء المستقبل لا بد أن يكونوا قد تقدمونا جدا في كل باب، فرحلت بغير ~~سلاح، وبدون دواء، وبلا سجاير - ولشد ما افتقدت الطباق! - بل ms249 حتى بغير الكفاية من ~~الكبريت. أما لو كانت معي آلة تصوير (كوداك)؟ إذن لوسعني أن ألقط صورا للعالم ~~السفلي في ثانية، ثم أتدبرها وأفحصها فيما بعد على مهل. ولكنه لم يكن معي هناك من ~~السلاح والقوة إلا ما حبتني الطبيعة - اليدان، والقدمان، والأسنان - وأربعة عيدان ~~من الكبريت كانت باقية معي. # وكنت أخاف أن أمضي في طريقي بين كل هذه الآلات في الظلام، وأشفت ذخيرتي من ~~الكبريت على النفاد، ولم يخطر لي قط من قبل أن بي حاجة إلى الاقتصاد فيها ، فبددت ~~نصف علبة لأدهش العلويين الذين لا يعرفون النار. والآن صار كل ما بقي معي أربع علب. ~~وبينما كنت واقفا في الظلام لمستني يد، وتحسست وجهي أصابع نحيفة، وشممت رائحة ~~كريهة، وخيل إلي أني أسمع تنفس جمهرة من هذه المخلوقات الفظيعة حولي، وأحسست أن ~~علبة الكبريت التي في يدي تنزع مني برفق، وأن أيديا أخرى ورائي تجذب ثيابي. ولم ~~يكن أثقل على نفسي من الشعور بأن هذه المخلوقات المحجوبة تفحصني وتجسني، وراعني أني ~~أجهل أساليب تفكيرهم وعملهم، فصحت بهم بأقوى صوت، ففزعوا وتفرقوا عني، ثم شرعوا ~~يقتربون مرة أخرى، وزادوا جرأة في اللمس والتحسس وراحوا يتهامسون فيما بينهم ~~بأصوات منكرة فسرت في بدني رعدة، وصرخت فيهم مرة ثانية، فلم يذعروا هذه المرة ~~كذعرهم من قبل، ولم يجفلوا، بل ندت عنهم أصوات غريبة وأقبلوا علي، وأعترف أني خفت، ~~وعزمت أن أشعل عودا وأن ألوذ بالفرار على ضوئه. وأشعلت العود، وووقيت لهبه برقعة ~~أخرجتها من جيبي، وانكفأت إلى السرداب الضيق، وما كدت أبلغه حتى انطفأ العود، فسمعت ~~السفليين في الظلام يعدون ورائي، ولهم مثل صوت الريح بين الشجر ووقع المطر على ~~الأرض. # وقبضت علي أيد كثيرة، ولم يخالجني شك في أنهم يريدون أن يردوني إلى حيث كنت، ~~فأشعلت عودا آخر وحركته أمام وجوههم المروعة، ولا أكاد أتصور مبلغ خلوها من السمات ~~الإنسانية - هذه الوجوه الشاحبة التي ليس على عوارضها شعر، ولا لعيونها الواسعة ~~جفون - وهي تحدق في مذهولة وقد أعماها النور. ولكني ms250 لم أتلكأ أو أتمهل، بل تقهقرت ~~مرة أخرى، ولما انطفأ العود الثاني أشعلت ثالثا وكاد ينتهي حين بلغت المنفذ إلى ~~عنق البئر، فانطرحت على الحافة لأن صوت الآلة الماصة أدار رأسي، ثم دفعت يدي باحثا ~~عن خطاطيف السلم، وإذا بالقوم يتناولون رجلي ويجذبونني بشدة، فأشعلت آخر عود معي، ~~فانطفأ ... ولكن يدي كانت على القضبان الآن، فرقت بعنف، وتخلصت من قبضة هؤلاء ~~السفليين، وذهبت أصعد بسرعة وهم ينظرون إلي، ما خلا واحدا منهم تبعني مسافة وكاد ~~يسلبني حذائي ويعود به غنيمة له! # وكان الصعود، فيما أحس، لا ينتهي، وجشأت نفسي ونهضت في المرحلة الأخيرة، وكابدت ~~عناء شديدا، وكاد يعييني أن أظل قابضا بيدي على القضبان ولم آل جهدا في مقاومة ~~اضطراب النفس وضعفها، وكانت رأسي تدور ويعتريني الإحساس بالسقوط. وأخيرا خرجت من ~~البئر وتطرحت بين الأنقاض إلى نور الشمس. وارتميت على وجهي. وكانت رائحة الأرض ~~جميلة نظيفة، وأتذكر أن وينا أقبلت علي، تلثم راحتي وأذني، وكنت أسمع أصوات أناس ~~غيرها من العلويين، ولكني غبت عن وعيي لحظة. ~~(10) في الليل # صار خطبي فيما أرى أدهى، فقد كنت من قبل - فيما خلا ما أورثنيه فقد آلة الزمان من ~~الألم - أتشبث بالرجاء في النجاة آخر الأمر، ولكن ما وقفت عليه رجني وزعزع أملي. ~~وكان ظني أنه لا يعوقني غير السذاجة الصبيانية التي رأيتها في هؤلاء ~~القضاف # 5 # وأن تخطي الموانع لا يكلفني إلا أن أعرف ما أجهل من العوامل، ولكن ~~هؤلاء السفليين عنصر جديد لم يكن لي في حساب، عنصر سوء وشر ليس فيه شيء من صفات ~~الإنسانية، فأحسست لهم بالمقت. وكنت أشعر بما يشعر به المرء إذا وقع في جب، وكان ~~همي هذا الجب وكيف أخرج منه. أما الآن فقد صرت كالحيوان الذي وقع في شرك، وسرعان ما ~~يخف إليه صائده. # وقد يدهشكم العدو الذي خفته، فما كان إلا ظلام الليلة الأولى من الشهر ~~الجديد # 6 # وكانت وينا هي التي أوحت إلي هذا الخوف بما قالته - وإن كنت لم أفهمه ~~- عن الليالي المظلمة. ms251 ولم يكن من العسير علي الآن أن أخمن ما عسى أن تجيء به ~~الليالي السوداء. وكان القمر يدخل في المحاق، فالعتمة في كل ليلة تجيء، أطول. وقد ~~فهمت إلى حد ما سبب الخوف الذي يعتري هؤلاء العلويين الصغار من الظلام. وتمنيت لو ~~عرفت ماذا عسى أن يرتكب هؤلاء السفليون من الخسة والأسواء في مطلع الشهر الجديد. ~~وصرت موقنا أن نظريتي الثانية خطأ في خطأ. ولعل العلويين كانوا فيما مضى هم السادة ~~والطبقة الأرستقراطية المفضلة، على حين كان السفليون خدمهم وخولهم. ولكن هذا عهد ~~مضى وانقضى وصار النوعان اللذان أثمرهما تطور الإنسان على الأدهار يمضيان - أو عسى ~~أن يكونا قد انتهيا - إلى حال جديدة وعلاقة أخرى، فالعلويون قد انحطوا فصاروا عبثا ~~جميلا ليس إلا، وما زال لهم ملك الأرض، ولكن على التسامح، لأن السفليين الذين ~~ألفوا باطن الأرض من أحقاب مديدة أصبحوا لا يطيقون ظهرها المضيء، وقد استخلصت أن ~~السفليين يصنعون لهم ثيابهم، ويمدونهم بحاجاتهم المألوفة، ولعلهم يجرون على ذلك ~~بحكم العادة القديمة كما يضرب الجواد الأرض بحافره، أو كما يلتذ الإنسان قتل ~~الطريدة حين يخرج للصيد، لأن ضرورات عتيقة تركت أثرها في كيان المخلوق. ولكن النظام ~~قد انقلب، وأخذ يوم الحساب والعقاب يدلف من هؤلاء الصغار الرقاق. ولقد استطاع ~~الإنسان قبل آلاف من الأجيال أن يدفع أخاه الإنسان عن نور الشمس ونعيم العيش. فالآن ~~يرتد هذا الأخ المدفوع، وقد تغير، ولقد شرع العلويون يتعلمون من جديد درسا قديما، ~~فقد بدأوا يعرفون الخوف مرة أخرى. وطافت برأسي فجأة وأنا أفكر في هذا ذكرى اللحم ~~الذي رأيته في العالم السفلي، وكان من المستغرب أن أتذكر ذلك، فما أثاره تداعي ~~الخواطر، ولا أدى إليه تيار التفكير، بل خطر الأمر كأنه سؤال يلقى علي من الخارج، ~~فحاولت أن أتذكر صورة اللحم، وخيل إلي أن فيه شيئا مألوفا، ولكني لم أستطع أن ~~أعرف في ذلك الوقت ماذا هو. # ومهما يكن من أمر هؤلاء الصغار وعجزهم حيال ما يخافون فإن شأني غير شأنهم، وأنا ~~ابن عصري، ms252 وثمرة شباب الإنسانية، فالخوف لا يشل المرء، والأسرار الخفية لا تفزع. ~~وأنا، على الأقل، سأدافع عن نفسي. ولم أضيع وقتا، فعزمت أن أصنع لنفسي أسلحة، وأن ~~أتخذ حصنا أنام فيه. ومتى صار الحصن قاعدة لي فإنه يسعني أن أواجه هذا العالم ~~العجيب بشيء من الاطمئنان الذي أفقدنيه إدراكي لأي ضرب من الخلائق أتعرض ليلة بعد ~~ليلة. وشعرت أن من العسير أن أنام بعد ذلك ما لم أكن في أمان منهم. وارتعدت وأنا ~~أذكر كيف فحصوني. # وذهبت بعد الظهر أتمشى في وادي التيمز ، فلم أجد شيئا يصلح في رأيي أن يكون ~~معقلا، فقد كانت المباني والأشجار كلها لا تعيي متسلقين حذاقا كهؤلاء السفليين، ~~وكفى بآبارهم شاهدا. ثم تذكرت البروج العالية في قصر الصيني الأخضر وجدرانه ~~المصقولة اللامعة، فلما كان المساء حملت وينا على كتفي كما يحمل الطفل، وذهبت أصعد ~~في التل في اتجاه غربي جنوبي. وكانت المسافة - فيما أقدر - سبعة أميال أو ثمانية، ~~ولكني وجدتها أقرب إلى ثمانية عشرة. وكنت قد رأيت القصر أول مرة في المساء والضباب، ~~فالأبعاد تخدع. وكان عقب حذائي قد تخلخل. وكان في النعل مسمار، فصرت أظلع. فلما صرت ~~على مرأى من القصر كان النهار قد ولى، فصار القصر أسود أمام الشفق. # وكانت وينا قد سرها جدا أني حملتها، ولكنها بعد قليل طلبت أن أحطها عن كاهلي، ~~وراحت تجري بجانبي، وتعرج يمينا وشمالا، لتقطف لي أزهارا تدسها في جيوبي. وكانت ~~جيوبي هذه مبعث حيرة لوينا، وأخيرا هداها التفكير إلي أنها نوع شاذ من الزهريات، ~~أو هي، على الأقل، صارت تتخذها لوضع الزهر فيها. وهذا يذكرني ... فقد وجدت وأنا أغير ~~سترتي ... ~~(وأمسك الرحالة في الزمن، ودس يده في جيبه، وأخرج زهرتين ذابلتين وضعهما، بلا ~~كلام، على المائدة. ثم وصل ما انقطع من حديثه.) # وسكن الليل، وواصلنا الإصعاد في التل في اتجاه وملبدن فتعبت وينا، وأرادت العودة. ~~ولكني أشرت إلى بروج القصر وأفهمتها بطريقة ما أننا سنجد فيه معاذا مما يخيفها. ~~وأحسبكم تعرفون ذلك السكون الذي يشمل الدنيا قبل ms253 الغسق؟ حتى النسيم يقف، في الشجر، ~~وما زلت أرى في هذا السكون معنى الانتظار، وكانت قبة السماء صافية، بعيدة، فارغة، ~~فيما خلا بضعة خطوط أفقية في حيث غربت الشمس، وقد اكتسى ما أتوقع في تلك الليلة، ~~ثوب الخوف والحذار، فصارت حواسي في ذلك السكون المظلم مرهفة، وكان يخيل إلي أني أحس ~~أن الأرض التي أطؤها بقدمي، مجوفة، محفورة، بل أكاد أرى من خلال قشرتها هؤلاء ~~السفليين يذهبون ها هنا وها هنا متربصين، حتى يجيء الظلام، وخيل إلي أنهم سيعدون ~~تطفلي عليهم في سراديبهم بمثابة إعلان للحرب عليهم. ولماذا أخذوا آلة ~~الزمان؟! # وهكذا مضينا في هذا السكون، وانتقلنا من الشفق إلى العشوة، وغابت الزرقة الصافية، ~~وبرزت النجوم واحدا بعد واحد، وخفيت معالم الأرض، واحلولكت الأشجار، وزادت مخاوف ~~وينا، وتحلل بها التعب، فحملتها بين ذراعي، وذهبت أحدثها وألاطفها، فلما طخطخ ~~الظلام طوقت عنقي بذراعيها، وأغمضت عينيها، وأراحت خدها على كتفي، وانحدرنا، ونحن ~~هكذا إلى واد، وجئنا إلى جدول صغير خضته إلى الناحية الأخرى من الوادي، مارين ~~بعدد من المساكن وتمثال بلا رأس، وكانت هناك أشجار سنط، ولم أر أحدا من السفليين ~~ولكنا ما زلنا في أول الليل، وأمامنا ساعات حالكة قبل أن يطلع القمر القديم. # ورأيت من ذروة التل التالي غابة كثيفة، فترددت فما بدا لي آخر لها، إلى اليمين أو ~~إلى اليسار. وأحسست بالتعب - وبالحفى في قدمي خاصة - فأنزلت وينا عن كتفي، وقعدت ~~على الخضرة. وكنت لا أرى القصر من مكاني فشككت في النهج الذي أنا ناهجه، أهو مستقيم ~~أم أعوج؟ ونظرت إلى الغابة الملتبسة، وفكرت فيما عسى أن يكون مخبوءا فيها، ومتى ~~دخل المرء تحت هذه الغصون المتوشجة، فإن النجوم تغيب عنه، وحتى لو أنه لا خطر كامن ~~فيها - خطر أبيت أن أطلق لخيالي العنان فيه - فإنه يبقى التعثر بالأعواد والاصطدام ~~بالشجر، وكنت قد تعبت جدا بعد الذي تجشمته في النهار فقلت أتقي الغابة، وأقضي ~~الليل على التل. # وسرني أن وينا كانت مستغرقة في النوم، فلففت عليها سترتي وجلست إلى ms254 جانبها أنتظر ~~طلوع القمر، وكان جانب التل ساكنا مهجورا. ولكني كنت من حين إلى حين أحس بحركة من ~~ناحية الغابة. وكانت النجوم تومض وتتلامح فوقي، فقد كان الليل ساجيا، والسماء ~~صافية، فكنت أجد في ذلك أنسا وروحا، على أن العقود القديمة قد ولت، وأعادت نظمها ~~في صور جديدة تلك الحركة البطيئة التي لا تحس في مائة عمر إنساني، ولكن نهر المجرة ~~بقي على العهد به فيما بد لي. ورأيت في ناحية الجنوب - فيما رجحت - نجما أحمر ~~مشرقا لا أعرفه، وهو أبهر من الشعرى. وكان هناك بين هذه الأضواء البراقة كوكب ثابت ~~النور رقيقه، كأنه وجه صديق قديم. # وقد تضاءلت همومي، وأنا أنظر إلى هذه النجوم، وخفت أثقال الحياة الأرضية، وفكرت ~~في الأبعاد المهولة لهذه النجوم، وفي دلوفها البطيء من الماضي المجهول إلى المستقبل ~~المجهول، وفي دورة الاستقبال التي يصنعها القطب الأرضي، وكيف أن هذه الدورة الصامتة ~~لم تحدث سوى أربعين مرة في كل هذه السنين التي قطعتها، وفي خلال هذه الدورات ~~القليلة زال وامحي من الوجود كل النشاط، وكل التقاليد، والنظم المعقدة، والأمم ~~واللغات والآداب والآمال، بل زالت ذكرى الإنسان كما عرفته. وجاء هؤلاء الضعاف الذين ~~نسوا أسلافهم الأماجد، وهذه المخلوقات البيضاء التي أمشي منها على حذر. ثم فكرت في ~~الفزع الذي يفصل ما بين النوعين، فتبينت لأول مرة معنى اللحم الذي رأيته، فسرت في ~~بدني رعدة، ونظرت إلى وينا الراقدة بجانبي، ومحياها الأبيض، وكأنه النجم تحت ~~النجوم، فجاهدت حتى نفيت هذا الخاطر من رأسي. # وظللت ذلك الليل الطويل أصرف ذهني عن التفكير في السفليين على قدر ما يسعني ذلك، ~~وأتسلى بأن أحاول أن أتصور أني أرى ما يدل على وجود العقود والمنظومات القديمة في ~~الاضطراب السماوي الجديد، وقد ظلت السماء صافية، ولم يغشها إلا سحابة رقيقة. ولا شك ~~أني كنت أغفي من حين إلى حين، ولما تقضى الليل إلا أقله، ظهر غشاش في الأفق الشرقي، ~~كأنه انعكاس نار لا لون لها، وطلع القمر هزيلا مقوسا، وفي بياضه كدرة، ومن ms255 ورائه ~~بلجة الفجر. وكان شاحبا في أول الأمر ثم احمر وسطع. ولم يقترب منا أحد من ~~السفليين، ولم أر منهم واحدا فوق التل في تلك الليلة، وأعاد اليوم الجديد ما كان ~~ضاع من الاطمئنان والثقة، فخيل إلي أن مخاوفي لم يكن لها موجب، فنهضت فإذا قدمي ~~الذي انفصل كعب حذائها قد ورم رسغها، وصار عقبها يؤلمني، فقعدت ثانية، وخلعت حذائي ~~ورميته. # وأيقظت وينا، وانحدرنا إلى الغابة التي صارت خضراء زهراء، بعد أن كانت في الليل ~~سوداء مخوفة. ووجدنا ثمارا أفطرنا عليها، وما لبثنا أن التقينا بكثير من العلويين ~~يضحكون ويرقصون في نور الشمس، كأنما لم يعد لليل في هذه الحياة وجود، ففكرت مرة ~~أخرى في اللحم الذي رأيته ولم يبق عندي شك في أمره، وأدركني العطف القوي على هذا ~~الجدول الآخر الضعيف من فيض الإنسانية العظيم. ولا شك أنه حدث في الماضي السحيق من ~~عهد انحطاط الإنسان أن عانى السفليون القحط، وعسى أن يكونوا قد اقتاتوا الجرذان وما ~~إليها، وحتى في عصرنا هذا نرى الإنسان أقل عناية بطعامه واقتصارا على لون واحد من ~~أي قرد، وليس كرهه للحم البشري براجع إلى غريزة عميقة القرار وهكذا صار أبناء ~~الإنسان الذين فقدوا الصبغة والصفات الإنسانية ... وحاولت أن أنظر إلى الأمر نظرة ~~علمية، وهم على كل حال أقل إنسانية وأنأى من أجدادنا المستوحشين الذين عاشوا قبل ~~ثلاثة آلاف من السنين أو أربعة آلاف وقد ذهب الذكاء الذي كان خليقا أن يحيل هذه ~~الحالة عذابا غليظا، ولماذا أعني نفسي؟ إنما هؤلاء العلويون أنعام مسمنة، يتحفظ ~~بها، ويفترسها السفليون، ولعلهم يعنون بتربيتها وتوليدها، وهذه وينا ترقص إلى ~~جانبي! # وحاولت أن أقي نفسي ما يهجم عليها من الاستفظاع، بأن أعد هذا جزاء وفاقا للأثرة ~~الإنسانية، فقد كان الإنسان راضيا قانعا بأن يعيش في رغد وهناءة بفضل العمل الذي ~~يتجشمه أخوه الإنسان، وقد اتخذ من «الضرورة» كلمة سر وعذرا، فالآن تدور الدائرة ~~عليه، ويلزمه «أخوه» حكم الضرورة! وقد حاولت أن أتكلف مثل احتقار «كارليل» ~~للأرستقراطية المتداعية التعيسة، ms256 ولكن هذه النظرة كانت مستحيلة. # فمهما يكن مبلغ الانحطاط العقلي الذي صار إليه العلويون، فإن مسحتهم الإنسانية ~~التي احتفظوا بها تستدر عطفي وتجعلني شريكا في انحطاطهم وفي خوفهم. # ولم أكن في ذلك الوقت على بينة من النهج الذي أنهجه، وكان همي الأول أن أجد ملجأ ~~أحتمي به، وأن أصنع ما يسعني صنعه من السلاح؛ من المعدن أو الحجر. وكان هذا أمرا ~~لا يحتمل الإرجاء، وكنت أرجو أن أهتدي إلى وسيلة أوقد بها نارا ليكون في يدي هذا ~~السلاح، فليس أمضى منه في مكافحة السفليين. وكنت أرى أيضا أن أدبر وسيلة لكسر ~~ألواح البرونز تحت قاعدة التمثال. وخطر لي المنجنيق، وكنت مقتنعا بأني حري إذا ~~اقتحمت هذه الألواح ومعي نور أن أجد آلة الزمان وأنجو. ولم أستطع أن أتصور أن يكون ~~السفليون من القوة ومتانة الأسر بحيث يسعهم أن يبعدوا بآلة الزمان، أما وينا فآليت ~~أن أكر بها راجعا إلى زماننا. وقد أدرت هذه الخواطر في نفسي، وأنا أمضي على سنني ~~إلى القصر الذي آثرت أن ألجأ إليه وأعوذ به. ~~(11) قصر الصيني الأخضر # وجدت قصر الصيني الأخضر - لما شارفته حوالي الظهر - مهجورا متهدما. ليس في ~~نوافذه إلا بقايا زجاج، وقد سقطت ألواح كبيرة من الواجهة الخضراء فظهر إطارها ~~المعدني المتآكل. وهو يذهب في الهواء فوق مرج، وأدهشني - وأنا أتأمله قبل الدخول - ~~أن أرى خليجا أو خورا حيث أظن أن «وندسورث» و«بترسي» كانتا فيما مضى. ففكرت - وإن ~~كنت لم أتتبع هذا الأمر - فيما عسى أن يكون قد حدث أو ما لعله يحدث للأحياء ~~المائية. # وتبينت بعد الفحص أن المادة التي صنع منها القصر هي «الصيني» ورأيت على ظاهرها ~~كتابة بلغة مجهولة، وخطر لي - لجهلي - أن وينا ربما استطاعت أن تترجم لي هذا، فإذا ~~«الكتابة» لم تجر لها قط في بال! وكانت تبدو لي دائما أجزل حظا من الإنسانية مما ~~كانت، وأحسب أن هذا راجع إلى أن عاطفتها إنسانية. # ووجدنا وراء مصراعي الباب - الذي كان مفتوحا ومحطما - بدلا من القاعة ~~المألوفة، دهليزا طويلا ms257 يدخل إليه النور من نوافذ عديدة على الجانبين، فأذكرتني ~~النظرة الأولى بالمتاحف، وكان البلاط مغطى بطبقة من التراب، وكذلك ما كان هناك من ~~الأشياء. ثم رأيت النصف الأسفل من هيكل عظمي كبير قائما في وسط القاعة، وأدركت من ~~هيئة القدمين المنحرفتين أنهما لمخلوق منقرض، وكانت الجمجمة والعظام العليا ملقاة ~~في التراب الكثيف، وقد أتى ماء المطر الذي رشح من السقف على بعضها. ورأيت في موضع ~~آخر من الدهليز هيكلا ضخما للبرونتوسوروس فصح عندي أن هذا متحف، فملت إلى جانب، ~~فألفيت ما خيل إلي أنه رفوف مائلة، فأزلت عنها التراب فوجدت الصناديق الزجاجية ~~المألوفة في زماننا، ومن الواضح أنها محكمة لا ينفذ إليها الهواء فقد كان بعض ~~محتوياتها سليما. # نحن إذن بين آثار عهد متأخر من عهود كنسنجتون الجنوبية، وهذا هو قسم المتحجرات، ~~ولا شك أنه كان فيه معرض بديع من البقايا العضوية المتحجرة، وإن كان الفساد الذي ~~أرجئ زمنا ما، والذي فقد - بفضل انقراض الجراثيم وما إليها - تسعة وتسعين في ~~المائة من قوته، قد أخذ يدب في هذه الكنوز مرة أخرى، ببطء شديد، ووجدت هنا وهنا، ~~آثارا من هؤلاء الأناسي الصغار في صورة بقايا عظام مكسرة أو منظومة في خيوط على ~~أعواد. وقد نقلت الصناديق جملة في بعض الحالات - نقلها السفليون في رأيي - وكان ~~المكان ساكنا، والتراب الكثيف يمنع أن يكون لخطواتنا صوت، وكانت وينا تدحرج على رف ~~الزجاج المائل، حيوانا بحريا، ثم ارتدت إلي وأنا أجيل عيني فيما حولي، وتناولت ~~يدي في سكون، ووقفت إلى جانبي. # وأدهشني في أول الأمر هذا الأثر القديم المتخلف من عصر مثقف، فلم أفكر في ~~الاحتمالات التي يعرضها علي عقلي، بل لقد فتر اشتغال بالي بآلة الزمان. # وكانت ضخامة القصر توقع في الروع أنه أكثر من متحف للبقايا العضوية ولعل فيه ~~متاحف تاريخية، بل ربما كانت فيه مكتبة، وكان هذا - في الأحوال الحاضرة - أمتع لي ~~وأولى بعنايتي فذهبت أرود المكان فوجدت دهليزا آخر قصيرا، وكان هذا مقصورا، على ~~ما يظهر، على المعادن، وكانت فيه ms258 كتلة من معدن الكبريت أخطرت البارود ببالي، ولكني ~~لم أجد ملح البارود، ولا نترات من أي ضرب. ولا شك أنها ذابت من زمان طويل، ولكن ~~معدن الكبريت تشبث بعقلي، وأغراني بفكرة، أما سائر ما كان في هذا القسم من المتحف، ~~فلم أعبأ به، وإن كان - بالقياس إلى غيره - في حالة جيدة. ولست إخصائيا في ~~المعادن، فانحدرت إلى جناح خرب محاذ للدهليز الأول وكان هذا مفردا، على ما يظهر، ~~للتاريخ الطبيعي، ولكن كل ما فيه كان قد زالت معارفه، وكانت هناك آثار قليلة مما ~~كان؛ حيوانات محنطة محشوة، وأعضاء جافة في أوعية كان فيها كحول، وتراب نباتات عفى ~~عليها الزمن، وهذا كل ما بقي! وقد أسفني هذا فقد كان يسرني أن أتتبع المراحل ~~البطيئة المتعاقبة التي انتهت إلى التغلب على الطبيعة الحية. ثم انتقلنا إلى قاعة ~~مهولة الأبعاد ولكن الضوء فيها كأسوأ ما يكون، وكانت أرضها مائلة قليلة، وكنت أرى ~~كرات مدلاة من السقف - كثير منها محطم - فالمكان إذن كان يضاء بالكهرباء أو ما ~~إليها، وكانت هذه القاعة أقرب إلى نفسي، وأشبه بمألوفي، فقد وجدت فيها على الجانبين ~~آلات كبيرة، وكانت كلها متآكلة، وكثير منها مكسر، ولكن البعض على جانب من السلامة. ~~وأنتم تعرفون كلفي بالآلات، وقد نازعتني نفسي أن أتلكأ هنا، وشوقني إلى البقاء أن ~~هذه الآلات لها متعة الألغاز والأحاجي، وإن كنت لا أستطيع أكثر من تخمين الغرض منها ~~وما كانت مجعولة له. وخيل إلي أني لو استطعت أن أحل هذه الألغاز فإني حري أن أفيد ~~قوة تنفعني في مغالبة السفليين. # ولصقت بي وينا فجأة حتى لأفزعتني، ولولاها لما فطنت إلى أن أرض القاعة منحدرة، ~~وكان الطرف الذي دخلت منه فوق سطح الأرض، وكان الضوء يؤدي إليه من روازن، وكلما ~~تقدمت في الردهة علت الأرض وظهرت من النوافذ، حتى لا ينفذ من الضوء إلا خيط ضئيل. ~~فسرت على مهل وأنا أعالج ألغاز الآلات، واستغرقني التفكير فلم ألاحظ أن الضوء يقل ~~شيئا فشيئا، حتى لفتني خوف وينا، فرأيت عندئذ أن ms259 الردهة تلف من طرفها هذا في ~~ظلام دامس فترددت، ثم أدرت عيني، فرأيت أن التراب أخف، وأن سطح الأرض أقل استواء. ~~ورأيت أمامي آثار أقدام صغيرة فتجدد شعوري بقرب السفليين مني، ودار بنفسي أني أضيع ~~وقتي بهذا الفحص العلمي للآلات، وذكرت نفسي بأن العصر قريب، وأنا ما زلنا بغير سلاح ~~أو مأوى، وأنه ليس عندنا ما نوقد به نارا. وإذا بي أسمع من ناحية الظلام البعيد ~~نفس الأصوات التي سمعتها في البئر والسرداب. # فتناولت يد وينا، ثم خطر لي خاطر، فتركتها وقصدت إلى آلة يبرز منها قضيب شبيه بما ~~يكون في صناديق الإشارة، ووثبت إلى الدرجة، وتناولت القضيب بكلتا يدي، وملت عليه ~~بكل ما في من قوة. ورأت وينا أنها صارت وحدها في وسط الردهة فأنشأت تنشج، وكان ~~تقديري لقوة القضيب دقيقا، فما لبث أن نزع من مكانه، فعدت إلى وينا ومعي حديدة هي ~~فوق الكفاية لفلق يافوخ من عسى أن ألاقي من السفليين، وأقول الحق إني كنت أشتهي قتل ~~بعضهم، وقد تذهبون إلى أن مما ينافي الإنسانية أن يشتهي المرء قتل نسله! ولكنه كان ~~من المستحيل أن يخالج المرء شعور إنساني فيما يتعلق بهؤلاء. وما صدني عن مواصلة ~~السير في الردهة وقتل هؤلاء الوحوش الذين سمعت أصواتهم إلا كراهتي لترك وينا، وأن ~~آلة الزمان قد يصيبها تلف إذا ذهبت أشفي غليلي وأروي ظمئي من دماء هؤلاء. # خرجت من هذه الردهة، والحديدة في يد، ووينا في اليد الأخرى، إلى ردهة أخرى أكبر ~~منها، أذكرتني النظرة الأولى إليها معرضا عسكريا علقت على جدرانه أعلام مهلهلة، ~~وعرفت من الخرق والرقع الحائلة أنها بقايا كتب. وكانت قد فسدت من زمان طويل وتمزقت ~~وتخرقت وامحى منها كل أثر للكتابة، ولكنه كان هنا وهنا ألواح معوجة، ومشابك معدنية ~~مكسورة، تقص على الناظر إليها قصتها، ولو كنت أديبا لفكرت في عبث الطموح، ولكن ~~الذي كان له أعمق وقع في نفسي هو ما يشهد به هذا الورق الذي عاث فيه الفساد وشاع، ~~من العبث الشديد. وأعترف أني ms260 كنت أفكر في ذلك الوقت على الأكثر في «العمليات ~~الفلسفية» وفي رسائلي السبع عشرة عن البصريات الطبيعية. # وارتقينا في سلم عريض فبلغنا ما لعله كان متحفا للكيمياء ولم أكن أرجو أن أعثر ~~على شيء نافع. وكان المتحف سليما فيما خلا جانبا منه انقض عليه سقفه فدرت بكل ~~صندوق سليم، وأخيرا وجدت في صندوق محكم علبة كبريت! فجربتها، فألفيتها لا تزال ~~صالحة، وليس بها أثر للرطوبة، فالتفت إلى وينا وصحت بها بلغتها «ارقصي!» فقد صار ~~معي سلاح ماض أقاوم به هؤلاء السفليين الذين نخافهم. وهكذا - في ذلك المتحف ~~المهجور، وعلى بساط التراب الكثيف - رحت أرقص وأغني وأدخل على نفس وينا سرورا ~~عظيما، وكانت الرقصة خليطا من رقصات شتى، ولكن بعضها مبتكر، فإني كما تعلمون، ~~نزاع إلى الاختراع. # وما زلت أرى أن نجاة هذه العلبة من الكبريت من الفساد على الرغم من بقائها ما لا ~~يحصى من السنين، كان من أغرب ما رأيت، ومن أسعد ما وقع لي. على أني عثرت على مادة ~~كان بقاؤها أضأل في الاحتمال وأبعد في الإمكان - وأعني بها الكافور - وجدته في وعاء ~~مختوم وقد ظننت في أول الأمر أنه شمع البارافين فكسرت الوعاء، ولكن رائحة الكافور ~~لا سبيل إلى الغلط فيها أو خلطها بسواها. وقد استطاعت هذه المادة الطيارة أن تبقى ~~وسط هذا الفساد العام عدة آلاف من القرون، وقد هممت أن أرميها، ولكني تذكرت أنها ~~سريعة الاحتراق وأن لهبها قوي صاف - فهي تصلح أن تكون شمعة بديعة - فدسستها في ~~جيبي، ولكني لم أجد مفرقعات، ولا شيء غيرها أستطيع به تحطيم الألواح البرونزية في ~~قاعدة التمثال. وكانت الحديدة التي معي أنفع ما وقعت عليه إلى الآن، غير أني مع ذلك ~~غادرت هذه القاعة مسرورا. # ولا أستطيع أن أسرد عليكم كل ما كان في ذلك المساء، فإن ذلك يتقاضاني جهدا ~~كبيرا لتذكر طوافي في هذا القصر كما حدث، وأتذكر أني دخلت دهليزا طويلا فيه ~~أسلحة شتى صدئة، فترددت بين الحديدة التي معي، وبين فأس أو سيف، وكنت لا ms261 أستطيع أن ~~أحمل آلتين، فآثرت الحديدة لأنها فيما رجوت أخلق بأن تكون أجدى علي حين أعالج بها ~~ألواح البرونز. وكان هناك عدد من المدافع والمسدسات والبنادق، وأكثرها عبارة عن كتل ~~من الصدأ، ولكن كثيرا منها مصنوع من ضرب من المعدن جديد، وفي حالة جيدة، غير أن ~~الرصاص أو البارود الذي لعله كان هناك قد صار ترابا. ورأيت ركنا مسودا مهدما، ~~من جراء انفجار، على ما بدا لي، من بعض هذه النماذج. ورأيت في مكان آخر معرضا ~~كبيرا للأصنام، من بولينزيا والمكسيك وفينيقيا واليونان، ومن كل قطر على الأرض ~~فيما أرى. ولم أستطع أن أكبح نفسي فكتبت اسمي على أنف صنم من أمريكا الجنوبية راقني ~~على الخصوص. # وقل اهتمامي بهذه المتاحف مع انحدار الشمس إلى المغيب، وكنت أنتقل من متحف إلى ~~آخر، وما فيها إلا ما هو معفر صامت، وخرب في الأغلب، والآثار فيه كوم من الصدأ ~~والفحم، وفي بعضها رأيت على كثب مني نموذج منجم قصدير، وإذا بي أعثر في صندوق محكم ~~القفل على قطعتين من الديناميت، فصحت: «وجدتها!» وكسرت الصندوق وبي من السرور ما لا ~~يوصف. ثم خالجني شك فترددت، ثم اخترت قاعة صغيرة وقمت بتجربة. وما أعرفني منيت قط ~~بمثل هذه الخيبة في أمل لي، وأنا أنتظر خمس دقائق، ثم عشرا، ثم خمس عشرة، أن يحدث ~~الانفجار الذي يأبى أن يحدث! وقد كان ينبغي أن أدرك أنها زائفة، ولو كانت صحيحة ~~لكان الأرجح فيما أعتقد أن أندفع إلى التمثال وأنسفه هو وقاعدته وألواح البرونز ~~التي عليها، وأملي أيضا - كما ظهر - في الوصول إلى آلة الزمان، فأمحو كل ذلك ~~محوا. # وبعد ذلك - على ما أذكر - وصلنا إلى صحن داخل القصر فاسترحنا وأنعشنا أنفسنا، ~~ولما قاربنا المغرب شرعت أفكر في أمرنا، وكان الليل يزحف علينا، وما زلت أنشد ملجأ ~~أتحصن فيه، ولكن هذا لم يعد يقلقني فقد كان معي أمضى سلاح أدافع به عن نفسي؛ ~~الكبريت! وكان معي الكافور أيضا إذا احتاج الأمر إلى نار تشعل، ورأيت أن خير ما ms262 ~~نصنع هو أن نقضي الليل في الهواء الطلق على ضوء نار، وفي الصباح أحاول استرداد آلة ~~الزمان. وما كان معي ما أستعين به على ذلك غير قضيب الحديد، ولكني زدت معرفة فاختلف ~~شعوري بهذه الأبواب البرونزية، وكنت إلى الآن أتقي أن أقتحمها عنوة، من أجل ما عسى ~~أن يكون مخبوءا وراءها. ولم تكن الأبواب فيما أحس متينة جدا، فرجوت أن يكون ~~القضيب الذي معي وافيا بالحاجة. ~~(12) في الظلام # خرجنا من القصر، وما زال جانب من قرص الشمس فوق الأفق الغربي وكنت قد آليت أن ~~أكون عند التمثال في فجر اليوم التالي، وأن أجتاز الغابة التي صدتني البارحة، قبل ~~الغسق، وكانت خطتي، أن أغذ السير فأقطع أكثر ما يسعني قطعه في تلك الليلة ثم أوقد ~~نارا وأنام في حمى وهجها، ومن أجل ذلك جمعت وأنا أسير ما وجدت من الأعواد والحطب ~~والعشب الجاف فصار على ذراعي حمل كبير من ذلك، فصار سيري أبطأ مما كنت أتوقع لثقل ~~ما أحمل، وكانت وينا قد أدركها التعب، وكنت أنا أيضا أشعر بالحاجة إلى النوم، ~~وأعاني تفتيرها للجسد، فجنح الليل قبل أن نبلغ الغابة، وكانت وينا تؤثر أن تبقى على ~~السفح المعشوشب لخوفها من مواجهة العتمة، ولكن شعورا غريبا بكارثة يوشك أن تحل ~~بنا - وكان ذلك ينبغي أن يكون نذيرا لي - دفعني إلى المضي في السير، وكنت لم أذق ~~النوم ليلة ونهارين، فكنت لهذا محموما مضطربا، وأحسست بالنوم يهجم علي، ومعه ~~السفليون. # وبينما كنت مترددا رأيت بين الشجيرات السوداء وراءنا ثلاثة أشخاص رابضين، ولكنهم ~~غير واضحين في هذا السواد، وكان العشب مرتفعا حولنا، فلم آمن زحفهم علينا وقتلهم ~~لنا، وقدرت أن يكون بيننا وبين الغابة دون الميل، فإذا استطعنا أن نجتازها إلى التل ~~العلوي وراءها فإن الأرجح أن نكون هناك في أمان من المخاوف، وحدثت نفسي أن في وسعي ~~أن أنير طريقي في الغابة بما معي من الكبريت والكافور، ولكني أضطر إلى التخلي عما ~~جمعت من الحطب إذا أنا ذهبت ألوح بعيدان الكبريت المشعلة، فوضعت ms263 حملي عن ساعدي، ~~وخطر لي أن أذهل متعقبي بإيقاد النار، وقد تبينت فيما بعد مبلغ جنوني في هذا العمل ~~ولكنه بدا لي في وقته حركة ذكية لستر رجوعنا. # وأحسبكم لم تفكروا قط في ندرة النار في مكان معتدل الجو وليس فيه إنسان، فإن ~~حرارة الشمس يندر أن تكون من القوة بحيث تحرق، حتى ولو جمعتها قطرات الندى كما يحدث ~~أحيانا في الأقاليم الاستوائية. وقد يصعق البرق ويسود ولكنه قلما يحدث حريقا، وقد ~~يدخن النبات الفاسد من حرارة ما به من التخمر ، ولكن هذا قلما يحدث لهبا، وقد أدى ~~الانحطاط إلى نسيان فن إيقاد النار على الأرض، فلما أضرمتها كانت الألسنة الحمراء ~~التي ارتفعت إلى كوم الحطب شيئا جديدا غريبا في نظر وينا. # وقد أرادت أن تذهب إليها وتلعب بها، وأعتقد أنها كانت خليقة أن ترمي نفسها عليها ~~وتلقي بها فيها لولا أن رددتها وكبحتها. وقد تناولتها فحملتها، ومضيت على سنني إلى ~~الغابة، على الرغم من مقاومتها، وكان وهج النار يضيء لي الطريق مسافة، ورجعت البصر ~~فرأيت من خلال الشجر أن اللهيب امتد من كوم الحطب إلى بعض الشجيرات القريبة، وأن ~~خطا متقوسا من النار يزحف إلى الحشيش على التل، فضحكت ورددت لحظي إلى الأشجار ~~السوداء أمامي، وكان السواد حالكا فلصقت وينا بي، ولكنني بعد أن ألفت الظلام ~~استطعت أن أرى طريقي بين الشجر، وكانت الظلمة طاغية فوق رأسي إلا في حيث كانت تبدو ~~رقع من السماء الزرقاء هنا وهنا، ولم أشعل كبريتا لأن يدي كانتا مشغولتين، فقد كنت ~~أحمل وينا على ساعدي الأيسر، وكان في يمناي قضيب الحديد. # وظللت شيئا لا أسمع إلا صوت تقصف الأعواد تحت قدمي، وخشخشة الشجر إذ يصافحه ~~النسيم، وإلا أنفاسي ونبض عروقي في أذني، ثم خيل إلي أني أسمع وقع أقدام حولي، ~~فواصلت السير غير عابئ، وزاد الصوت وضوحا وسمعت نفس الأصوات الغريبة التي كنت ~~سمعتها في السراديب، فلم يبق شك في أن حولي كثيرين من السفليين وأنهم يطبقون علي، ~~وشعرت بعد دقيقة بشيء يجذب ms264 سترتي، ثم ذراعي، فسرت الرعدة في بدن وينا، ثم قرت ~~وسكنت. # وكان هذا هو وقت الكبريت، ولكن إشعاله يضطرني أن أضع وينا ففعلت، ودفعت يدي في ~~جيبي، فشعرت بعراك عند ركبتي، وكانت وينا صامتة، لا تنبس، وكان السفليون يلغطون، ~~وذهبت أيديهم الصغيرة الطرية تتحسس ظهري وتلمس عنقي، ثم اشتعل العود، فمددت به يدي، ~~ورأيت ظهورهم البيضاء وهم يعدون بين الشجر، وأسرعت فأخرجت شيئا من الكافور وتهيأت ~~لإضرام النار فيه حين يشفي العود على الخمود. ثم صوبت عيني إلى وينا وكانت ممسكة ~~بساقي، لا تتحرك، ووجهها إلى الأرض، ففزعت، وانحنيت عليها، وكانت لا تكاد تتنفس، ~~فأشعلت النار في الكافور ورميت به على الأرض، فما تناثر وارتفع لهبه، ورد السفليين، ~~ونسخ الظلال، ركعت ورفعت وينا، وكانت الغابة حولي كأن فيها همسا وحركة من جمهور ~~كبير. # وكانت وينا كالمغمى عليها، فحملتها على كتفي برفق ونهضت لأمضي، وإذا بي أفطن إلى ~~حقيقة مزعجة. ذلك أني وأنا أعالج الكبريت ووينا، درت عدة مرات فلم أعد أدري في أي ~~اتجاه أنا ماض، وعسى أن أكون منكفئا إلى القصر، فتصببت عرقا، وكان يجب أن أفكر ~~بسرعة وأن أستقر على رأي فيما ينبغي أن أصنع، فعزمت أن أوقد نارا وأن أبقى حيث ~~أنا، فوضعت وينا - وكانت لا تزال مغشيا عليها - وشرعت أجمع العيدان وأوراق الشجر ~~قبل أن يخمد الكافور، وكانت عيون السفليين تومض، من هنا وهنا، في الظلام المحيط بي، ~~كالعقيق أو الجمر. # وهب لسان النار من الكافور ثم همدت، فأشعلت عودا وبينما كنت أفعل ذلك فر اثنان ~~كانا يدنوان من وينا، وأعمى أحدهما النور حتى لقد ارتمى علي، فأحسست بعظامه تطحن ~~من قوة اللكمة التي سددتها إليه، فشهق شهقة جزع، وتطرح قليلا ثم خر على الأرض. ~~فأشعلت بعض الكافور وذهبت أجمع الحطب. ولاحظت أن الشجر جاف، فما نزل شيء من المطر ~~مذ قدمت على آلة الزمان، فعدلت عن البحث عن الأعواد ورحت أثب وأنط وأشد الأغصان ~~وأكسرها، فما لبثت أن أوقدت نارا ذات يحموم خانق، وصار في ms265 وسعي أن أدخر ما بقي ~~معي من الكافور، ثم التفت إلى وينا وكانت راقدة إلى جانب حديدتي وحاولت أن أرد ~~إليها نفسها ولكنها ظلت كالميتة، حتى لقد أعياني أن أتبين أنفاسها ألا تزال تتردد ~~أم انقطعت. # وكان الدخان يميل علي، فثقل رأسي فجأة، وكانت رائحة الكافور في الجو أيضا، ولم ~~تكن بالنار حاجة إلى تذكية أو تقوية قبل ساعة أو نحوها، وشعرت بالتعب، بعد الجهد ~~الذي تجشمته، فقعدت على الأرض. وكان في الغابة همس منوم لم أفهمه. وخيل إلي أن ~~رأسي خفق، ففتحت عيني، وكان الظلام شاملا، وأيدي السفليين علي، فدفعت أيديهم عني، ~~ودسست كفي في جيبي طلبا لعلبة الكبريت، وإذا بها قد ذهبت! وارتد إلي السفليون ~~وتناولوني وأطبقوا علي، فأدركت ما حدث. فقد نمت، وهمدت النار، فغمرت نفسي مرارة ~~الموت. وكانت الغابة تسطع فيها رائحة الحطب المحروق، وأخذ السفليون بعنقي وشعري ~~وذراعي، وجذبوني إلى الأرض، وكان من أبشع البشاعة في هذا الظلام أن أشعر بهؤلاء في ~~بدني، وأحسست كأني في نسيج عنكبوت جبار، وغلبوني، فهويت إلى الأرض، وشعرت بأسنان ~~دقيقة على عنقي فتمرغت، فلمست يدي قضيب الحديد، فقواني هذا، وجاهدت أن أنهض، وطرحت ~~عني هذه الجرذان البشرية، وضربت بالقضيب في حيث قدرت أن تكون وجوههم. وكنت أشعر ~~بانعصار اللحم وانطحان العظم تحت ضرباتي، فنجوت إلى حين. # وغمرتني النشوة التي يحدثها الكفاح الشديد. وكنت أعلم أني أنا ووينا مقضي علينا، ~~ولكني آليت ليؤدين السفليون ثمن هذا اللحم، فأسندت ظهري إلى شجرة وذهبت ألوح ~~بالقضيب أمامي، وكانت صيحاتهم وحركاتهم تملأ الغابة. ومضت دقيقة، ولكن أحدا منهم ~~لم يقترب. فوقفت أحدق في الظلام، ثم تجدد الأمل فجأة. فلعل السفليين خائفون، وحدث ~~شيء غريب في عقب هذا، فقد خيل إلي أن الظلام يشف وينجلي، وبدأت أرى، في غير وضوح، ~~السفليين حولي - وكان ثلاثة منهم يدقون قدمي - ورأيت، وأنا في دهشة أن الباقين ~~يجرون - في خط متصل غير منقطع - خارجين من ورائي وذاهبين في جوف الغابة أمامي، ~~وصارت ظهورهم حمراء لا بيضاء. وبينما كنت ms266 واقفا وفمي فاغر رأيت شعلة صغيرة تخترق ~~بين الأغصان وتختفي، فعرفت من أين جاءت رائحة الحطب المحترق، والصوت المنوم الذي ~~صار الآن زئيرا ورعدا، والوهج الأحمر، وفرار السفليين. # وخرجت من تحت الشجرة ورددت البصر فرأيت من بين الأشجار القريبة لهيب الغابة ~~المحترقة. هي ناري التي أوقدتها تتبعني إذن! وتلفت باحثا عن وينا، فلم أجدها. وكان ~~زفير النار وكصيص العيدان ورائي، وفرقعة الشجر كلما اندلعت فيه النار، لا يدع لي ~~وقتا للتفكير، فتبعت السفليين وفي يدي قضيب الحديد، وكان سباقا شديدا، وقد ~~اندلعت النار مرة في الحشيش بسرعة على يميني وأنا أجري حتى لأخذت علي طريقي، فملت ~~يسرة، ولكني خرجت أخيرا إلى فضاء، فرأيت واحدا من السفليين يتطرح ويمضي عني إلى ~~النار! # وكتب علي أن أرى أفظع ما شهدت في ذلك العصر المستقبل. وكانت هذه البقعة كلها ~~مضيئة كأننا في النهار بما ينعكس عليها من وقدة النار. وكان في الوسط كثيب تحيط به ~~عضاة أذواها حر اللهب، ووراء ذلك جانب آخر من الغابة المحترقة يتصاعد منها أوار ~~يحيط المكان بسور من الضرم. وكان على جانب التل ثلاثون أو أربعون من السفليين وقد ~~أعماهم النور والحر، وهم يتخبطون من حيرتهم، ولم أفطن أول الأمر إلى عماهم فأهويت ~~عليهم بالقضيب أضرب فيهم بلا رحمة، وبي فزع من اقترابهم مني، فقتلت واحدا وأقعدت ~~كثيرين، ولكني لما لاحظت حركات واحد منهم وهو يتحسس تحت النبات، والسماء من فوقه ~~متلظية، وسمعت أنينهم، أيقنت أنهم لا حول لهم ولا طول، فكففت عن ضربهم. # ولكن بعضهم كانوا من حين إلى حين يقبلون علي، فتسري في بدني رعدة من الاستبشاع ~~فأتنحى عن طريقهم، وخفت حدة النار لحظة، فخفت أن يستطيع هؤلاء القذرون أن يروني، ~~وحدثت نفسي أن أبدأ المعركة بقتل بعضهم قبل أن يتسنى لهم أن يهجموا علي، ولكن ~~ألسنة النيران ارتفعت مرة أخرى، فرددت يدي عنهم، ورحت أمشي على التل وأجنبهم، ~~وأبحث عن وينا، ولكن وينا ذهبت! # وأخيرا قعدت على ذروة الكثيب، ورحت أراقب هؤلاء العميان وهم يتخبطون، ms267 ويتلاغطون، ~~في النورالذي أعشاهم، وكان الدخان المتلوي يرتفع إلى السماء، وكانت النجوم الصغيرة ~~تومض من خلال هذا الستر الأحمر كأنها في عالم آخر. واندفع نحوي اثنان أو ثلاثة من ~~السفليين فدفعتهم عني باللكمات، وأنا أنتفض. # وظللت طول تلك الليلة أعتقد أن هذا كابوس، فعضضت نفسي وصحت لأستيقظ. وضربت الأرض ~~بيدي، ونهضت واقفا وقعدت، وذهبت هنا وهنا، ثم قعدت مرة أخرى، ثم فركت عيني ودعوت ~~الله أن يوقظني. ورأيت السفليين ثلاث مرات، يحنون رءوسهم من الألم ويندفعون إلى ~~النار، وأخيرا طلع النهار فوق اللظى الذي مال إلى الخمود، وكتل الدخان الأسود ~~المتموجة، وبقايا الأشجار. # وبحثت مرة أخرى عن وينا، ولكني لم أعثر لها على أثر، وكان من الجلي أنهم تركوا ~~المسكينة في الغابة، ولا أستطيع أن أصف لكم شعور الارتياح إلى أنها نجت من المصير ~~الذي كان مقدورا لها، وكدت وأنا أفكر في هذا أنهض لتقتيل هؤلاء الأمساخ، ولكني ~~كبحت نفسي، وكان الكثيب كالجزيرة في الغابة، وكنت أستطيع من قمته أن أرى قصر الصيني ~~الأخضر من خلال سحب الدخان، وبهذا وسعني أن أعرف وجهتي إلى التمثال. وهكذا تركت ~~بقية هؤلاء الملاعين يذهبون ويجيئون ويتأوهون ويأنون، في النهار المرتفع، وربطت ~~شيئا من الحشيش على قدمي، وذهبت أظلع فوق الرماد وبين الأعواد السوداء التي كانت ~~النار ما زالت تخفق في جوفها، إلى مخبأ آلة الزمان، وكنت أمشي على مهل فقد كنت ~~منهوك القوة، وكنت أعرج أيضا، وكنت أشد ما أكون أسى على مصرع وينا، وبدا لي هذا ~~كأنه كارثة. وأن الأمر ليبدو لي الآن في غرفتي المألوفة أشبه بأسى الحلم منه ~~بالخسارة الحقيقية، ولكن موتها أورثني في ذلك الصباح وحشة شديدة، فرحت أفكر في بيتي ~~هذا، وفي هذه النار التي ندفأ بها وفيكم، فصبوت إلى حياتي هذه صبوة كلها ~~ألم. # ولكني اكتشفت شيئا، وأنا أمشي فوق الرماد تحت السماء الصافية، فقد وجدت في جيب ~~البنطلون عيدان كبريت! فيظهر أن العلبة انكسرت قبل أن أفقدها. ~~(13) معلاق # 7 # التمثال # حوالي الساعة الثامنة أو التاسعة صباحا، ms268 كنت على نفس المقعد المصنوع من المعدن ~~الأصفر الذي أشرفت منه على العالم ليلة وصولي، فلم يسعني إلا أن أفكر فيما تسرعت ~~بالذهاب إليه من الآراء في ذلك المساء، وإلا أن أضحك ضحكا كله مرارة وسخط، من ثقتي ~~واغتراري. هنا نفس المنظر الجميل الذي صافح عيني ليلتئذ، والأرض المحوارة # 8 # المنورة، والقصور البديعة، والخرائب الرائعة، والنهر الفضي بين شاطئيه ~~الخصيبين، والثياب الزاهية، على هؤلاء الأناسي اللطاف الحسان وهم يمشون بين الشجر. ~~وكان بعضهم يستحم، في حيث أنقذت وينا من الغرق، وقد أورثتني هذه الذكرى شكة أليمة. ~~وكانت القباب على أفواه الآبار إلى السراديب، كاللوثة على جمال الأرض. وتبدى لي، ~~وأنا أراها، ما يحجبه جمال هذه الدنيا العلوية، وكان يوم هؤلاء العلويين سجسجا، ~~كيوم الأنعام في مراعيها، وكانوا هم كالأنعام، لا يدرون أن لهم عداة، ولا يدبرون ~~شيئا يقضون به حاجاتهم ويدفعون به المضرة عنهم، وما أظن مصيرهم إلا أنه كمصير ~~الأنعام! # وأحزنني أن أفكر في قصر الحلم الذي حلم به العقل الإنساني، فقد انتحر؛ ذلك أنه ~~ألح في طلب الرغد والراحة، واعتدل حال الجماعة في ظل الأمن والثبات. وقد بلغ ما ~~اشتهى فكان مصيره هذا! ولا بد أن الحياة والمال كانا في وقت ما في أمان تام، فاطمأن ~~أن الغنى إلى ما هو فيه من اليسر والنعيم، وسكن العامل المكدود إلى حياة العمل، ولا ~~شك أنه لم يكن في ذلك العالم الفاضل مشاكل للبطالة وما إليها من المعضلات ~~الاجتماعية، فساد السكون. # ومن سنن الطبيعة التي نغضي عنها أن خصب العقل هو جزاء التغير والخطر والمشقة، ~~والحيوان الذي يكون على حال من المطابقة التامة لبيئته يعود آلة ليس إلا، والطبيعة ~~لا تبعث العقل وتوقظه إلا إذا صارت العادة والغريزة عديمتي الجدوى. ولن تجد ذكاء ~~حيث لا تغير ولا حاجة إلى التغير، وما يفيد الذكاء إلا علاج الحاجات والمخاطر ~~المتنوعة. # وهكذا - كما بدا لي - دلف الإنسان العلوي إلى الجمال الضعيف، والإنسان السفلي إلى ~~العمل الآلي. ولكن هذه الدنيا الكاملة أعوزها شيء واحد ms269 لتبلغ حالتها الآلية الكمال ~~- أعني الثبات والدوام - والظاهر أنه على مر الأيام، اضطرب إحساس العالم السفلي، ~~وعادت الضرورة تفعل فعلها بعد احتجابها بضعة آلاف من السنين، ولما كان العالم ~~السفلي محتكا بالآلات التي تحوج مهما بلغ من كمالها إلى شيء من التفكير خارج نطاق ~~العادة، فقد احتفظ بحظ من الاقتدار والجرأة، دون العالم العلوي، ولما أعوزه لحم ~~الحيوان طلب ما كانت العادة القديمة تحرمه، هذا ما بدا لي، وأنا أودع العالم الذي ~~سيقوم في سنة 701-802، وعسى أن أكون قد ركبت من الخطأ والشطط شر ما يركب، ولكن هذه ~~هي الصورة التي طالعتني، وها أنا ذا أنقلها إليكم كما رأيتها. # وكان هذا المقعد، والسكينة والدفء من أمتع ما نعمت به، بعد المشقات والمثيرات ~~والمفزعات التي كابدتها في الأيام الأخيرة. وكنت مكدودا، وكان النعاس يغالبني، ~~فأغفيت، ثم انطرحت على العشب ونمت نوما طويلا منعشا. # واستيقظت قبل المغرب بقليل، وكنت أشعر أني في أمان من السفليين وأنا راقد، ~~فتمطيت، وانحدرت عن التل إلى التمثال الأبيض، وكان قضيب الحديد في يدي، ويدي الأخرى ~~في جيبي تعبث بعيدان الكبريت. # ولما دنوت من قاعدة التمثال لم يرعني إلا أن أرى الألواح البرونزية مفتوحة! فقد ~~نزلت في مجار لها. # رأيت ذلك فوقفت مترددا محجما عن الدخول. # وكان في جوف القاعدة غرفة صغيرة، وفي ركن منها على ارتفاع قليل آلة الزمان. وكان ~~معي، في جيبي، الرافعتان، فبعد كل ما اتخذته من الأهبة والعدة لمحاصرة التمثال ~~الأبيض واقتحامه يجيء هذا الاستسلام! فرميت القضيب وأنا آسف لأني لم أستعمله. وطاف ~~برأسي خاطر مباغت وأنا أنحني لأدخل، فقد أدركت على الأقل أسلوب التفكير الذي يجري ~~عليه هؤلاء السفليون. وغالبني الضحك ولكني كتمته ودخلت من الفتحة إلى حيث آلة ~~الزمان، فأدهشني أني وجدتها مزينة منظفة! وقد كبر في ظني بعد ذلك أن السفليين فكوا ~~بعض أجزائها وهم يحاولون أن يعرفوا ما هي وما الغرض منها. # وبينما كنت واقفا أفحص الآلة، وأنعم بلمسها بمجردها، حدث ما توقعت أن يحدث، ~~وصعدت الألواح فجأة ms270 واستوت في إطارها ووقعت، فيما توهم السفليون، في الفخ، فضحكت ~~مسرورا. # وسمعت همهمات ضحكهم وهم يقبلون علي، فحاولت أن أشعل عود كبريت، ولم يكن علي إلا ~~أن أضع الرافعتين في مكانهما ثم أختفي كالشبح؟ ولكني غفلت عن أمر، ذلك أن الكبريت ~~كان من النوع البغيض الذي لا يشعله إلا الاحتكاك بطبته! # وفي وسعكم أن تتصوروا كيف عصف ذلك بسكينتي. وكان هؤلاء الوحوش الصغار قد دنوا ~~مني، ولمسني أحدهم فأهويت عليهم في الظلام بالرافعتين، وشعرت أمتطي سرج الآلة. ~~وامتدت إلي يد أخرى ثم ثالثة ورابعة . واضطررت أن أدافعهم لأقصي أصابعهم الملحة، عن ~~الرافعتين، وأتحسس في الوقت ذاته مكانهما لأثبتهما، وكادوا ينزعون مني إحداهما. ~~وأحسست بها تخرج من يدي فدفعت رأسي في الظلام لاستردادها، فسمعت صوت جمجمة ترن من ~~صدمة رأسي بها. وكانت هذه المعركة شرا من التي دارت في الغابة، ولكني ثبت ~~الرافعة، وجذبتها، فذهبت عني الأيدي المتعلقة بي، وانتسخ الظلام، وألفيت نفسي في ~~الضوء الخافت الذي أسلفت وصفه. ~~(14) امتداد البصر # وقد حدثتكم من قبل عما يعاني المطوف في الزمن من الدوار والاضطراب، وكنت في هذه ~~المرة غير مستقر في سرجي، فلبثت زمنا متشبثا بالآلة وهي تترنح وتهتز، وكنت لا ~~أبالي كيف أذهب، فلما ألقيت نظرة على العدادات أذهلني ما وصلت إليه. وكان أحدها يعد ~~الأيام والثاني يعد آلافها، والثالث يعد ملايينها، والرابع يعد آلاف الملايين. وكنت ~~بدلا من دفع الرافعتين وضغطهما قد جذبتهما لأمضي في المستقبل، فلما نظرت إلى هذه ~~العقارب المشيرة وجدت عقرب الآلاف يدور بمثل السرعة التي يدور بها عقرب الثواني على ~~وجه الساعة - في المستقبل - وبينما كنت أمضي تغير وجه الأشياء، تحول الطفل إلى ~~غشاش فعتمة، وكنت ماضيا بسرعة عظيمة، فرأيت الليل والنهار يتعاقبان، وهذا دليل ~~البطء، وقد صار هذا أوضح، فتعجبت أول الأمر، فقد صار توالي الليل والنهار أبطأ ~~فأبطأ، وكذلك اجتياز الشمس قبة السماء حتى لخيل إلي أن مسافة الزمن تمتد حتى لتصبح ~~قرونا، وأخيرا لفت الأرض في سواد شامل لا يضيء فيه إلا ما ms271 يتهاوى من الشهب، فقد ~~غاب واختفى ذلك الطوق المنير الذي كان يدل على الشمس، لأن الشمس كفت عن المغيب، ~~وأصبحت تطلع وتغرب في الغرب، وتزداد إلى هذا جرما وتوهجا، وامحى كل أثر للقمر، ~~وحلت نقط من الضوء محل الكواكب الدوارة التي ازدادت بطأ في سيرها، وقبل أن أقف، ~~وقفت الشمس في الأفق، وكانت قبة عظيمة من نار كابية، يعتريها الهمود لحظة من حين ~~إلى حين، وقد عادت مرة فتلظت جمرتها، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى سكونها، وأدركت من ~~هذا البطء في الطلوع والغروب أن الزمان قد فعل فعله، وكانت الأرض قد صارت بأحد ~~وجهيها إلى الشمس، كما يواجه القمر في زماننا، الأرض، فشرعت، بحذر شديد - فما نسيت ~~وقعتي السابقة - أعكس اتجاهي، وأتحول عنه، فصارت العقارب الدائرة أبطأ فأبطأ، حتى ~~بدا عقرب الآلاف كالثابت، ولم يعد عقرب اليوم كالضباب على وجه العداد، وزاد البطء ~~حتى وضح لعيني ساحل مهجور. # فوقفت برفق، واعتدلت في سرجي، وأدرت عيني حولي، فرأيت السماء قد زايلتها زرقتها، ~~وغدا الأفق الشرقي أسود كالحبر، وكانت النجوم الباهتة تومض فيه، أما ما فوقي من قبة ~~السماء فكان أحمر ولا نجوم فيه، وأما جنوبا بشرق فكان الوهر يزداد حيث دارة ~~الشمس حمراء لا حراك بها، وكانت الصخور التي حولي حمراء وفيها وعورة، وكل ما رأيته ~~من مظاهر الحياة هو نضارة الخضرة التي تكسو كل بارز على وجه الأرض في هذه ~~الناحية. # وكانت الآلة واقفة على ساحل مائل، والبحر يمتد جنوبا بغرب ويرتفع عند الأفق في ~~رأي العين، فيختلط بالسماء الشاحبة، ولم تكن فيه أمواج تعتلج، فقد كان الهواء ~~راكدا، لولا رائحة زيتية تجيء وتروح كالنفس المتردد، لما أدرك الإنسان أن البحر لا ~~يزال حيا يتحرك، وعلى الساحل حيث تتكسر المياه أحيانا، طبقة سميكة من الملح تبدو ~~قرمزية تحت السماء المصفرة. وكنت أحس برأسي مثقلا، وأنفاسي سريعة، فأذكرني ذلك ~~المرة الوحيدة التي جربت فيها التوقل في الجبال، وعرفت من هذا أن الهواء أصفى مما ~~هو الآن. # وسمعت صرخة من فوق ms272 المرتفع، ورأيت شيئا كأنه فراشة عظيمة تخفق وتذهب صاعدة في ~~الهواء، وتدور وتغيب وراء بعض الكثبان، وقد سرت لصوتها رعدة في بدني، فاعتدلت في ~~سرجي على الآلة، وأدرت عيني فإذا الذي حسبته كتلة من الصخر الأحمر يتحرك ببطء ويدلف ~~نحوي، وتبينت أنه مخلوق هائل يشبه سرطان الماء. وتصوروا سرطانا في مثل حجم هذه ~~المائدة، وأيديه العديدة تتحرك ببطء واضطراب، وأظافره العظيمة تضطرب، ومجساته ~~الطويلة كالسياط تهتز وتتحسس، وعيناه تلمعان وهما تحدجانك على جانبي وجهه المعدني! ~~وكان ظهره مغضنا ومحلى بعقد كثيرة، وعليه في مواضع شتى طبقات خضراء، وكنت أرى ~~ألسنته العديدة وفمه المعقد، وهو يتحسس ويجس إذ يتحرك. # وبينما كنت أنظر إلى هذا الوحش الزاحف نحوي شعرت بشيء على خدي كأنما حطت عليه ~~ذبابة، فذبيتها عني بيدي، ولكنها عادت، وعاد غيرها أيضا، قريبا من أذني، فأهويت ~~عليها بيدي، فعلق بها شيء كالخيط، ولكنها انتزعت من يدي، فالتفت مذعورا، فعلمت ~~أني إنما أمسكت جساسة سرطان آخر ورائي، وكانت عيناه البشعتان تهتزان على جذعيهما، ~~وفمه يتحلب علي، وأظافره العظيمة الملوثة تهبط علي، فأسرعت إلى الرافعة أضغطها، ~~وجعلت بيني وبين هذه الوحوش مسافة شهر، ولكني كنت ما زلت على هذا الشاطئ، فلما وقفت ~~كنت أراهما كأوضح ما يكونان، وكانت عشرات منها تزحف هنا وهنا في الضوء الخافت بين ~~النبات المتوشج. # ولست أستطيع أن أنقل إليكم الإحساس بما كان يغمر الدنيا من وحشة ودروس، فهذا ~~الأفق الشرقي المتوهج، والعتمة الشمالية، والبحر الملح الميت، والشاطئ الصخري ~~الحافل بهذه الزواحف القذرة البطيئة، وهذه الخضرة السامة - في رأي العين - لنبات ~~البحر، والهواء الرقيق الذي يتعب الرئتين ويؤذيهما، كل أولئك كان وقعه مروعا. وقد ~~قطعت مائة عام فلم يتغير المنظر، وبقيت الشمس الحمراء - وكانت أكبر بقليل، وأدنى ~~إلى الهمود - والبحر الميت، والهواء الرقيق والزواحف بين الأعشاب والصخور الحمراء، ~~ورأيت في الغرب خطا متقوسا باهتا كأنه قمر جديد كبير. # وهكذا ظللت أرحل وأقف، بعد فترات تبلغ ألف عام وزيادة، ومصير العالم يجتذبني، ~~وأرقب الشمس تكبر وتخمد، وحياة هذه الأرض ms273 العتيقة تنضب، وأخيرا - بعد أكثر من ~~ثلاثين مليونا من السنين - صار قرص الشمس الكبير الأحمر يحجب نحو عشر السماء ~~المظلمة، فوقفت مرة أخرى، فقد غابت الزواحف وصار الشاطئ الأحمر، فيما خلا نباته، ~~لا حياة فيه، وبدت فيه نقط بيضاء، وأصابني برد قارس، وكانت رقائق بيض تتساقط من حين ~~إلى حين، وكان الثلج في الشمال الشرقي يلمع تحت ضوء النجوم الخفاقة في السماء ~~السوداء، وقد رأيت هضبة متموجة بيضاء قرمزية، وكان على شاطئ البحر هوامش من الثلج، ~~أما عباب هذا البحر الملح المخضب بالغروب الأبدي فلم يتجمد بعد. # وتلفت باحثا عن أثر لحياة الحيوان، وكانت بقية من الحذار تلزمني البقاء في سرجي، ~~ولكني لم أر شيئا يتحرك على الأرض ولا في السماء أو البحر، وكان الطحلب على الصخور ~~هو كل ما يدل على أن للحياة بقية لم تندثر، ورأيت كثيبا ناتئا من البحر الذي ~~انحسر عنه، وخيل إلي أني أرى شيئا أسود يتحرك عليه، ولكنه جمد لما نظرت إليه، ~~فاعتقدت أن عيني خدعتني وأن هذا الجرم الأسود صخرة، وكانت نجوم السماء ناصعة الضوء، ~~ولكن ضوءها فيما بدا لي لم يكن خفاق اللمعان. # ورأيت فجأة أن نطاق الشمس الغربي تغير، وأن فجوة ظهرت في قوسه، وأخذت تزداد ~~وتتسع، فحملقت مذهولا من هذا السواد الذي يزحف على النهار، ثم أدركت أن الشمس تدخل ~~في الكسوف، وأن القمر أو المشتري يمر أمام قرص الشمس، وكان طبيعيا أن أحسبه ~~القمر، في أول الأمر، ولكن هناك ما يحملني على الاعتقاد بأن كوكبا آخر كان يمر على ~~مقربة من الأرض. # وأخذ الظلام يشتد، وهبت ريح صرصر من الشرق، وكثرت الثلوج في الجو، وارتفعت من ~~ناحية البحر همسة وحركة، وكانت الدنيا فيما خلا ذلك ساكنة. أأقول ساكنة؟ إن من ~~العسير أن أصور لكم سكونها ووقعه، فما بقي شيء من أصوات الإنسان والحيوان والطير ~~والحشرات والهوام، أو من الحركة المألوفة في حياتنا، وجعل الثلج المتساقط يزداد مع ~~الظلام، ويأتي من كل أوب، واشتد البرد وهرأني واختفت أخيرا القمم البيضاء ms274 ~~للتلال النائية، ولفها الليل في سواده، وصارت الرياح تنوح وتهجهج، ورأيت غبرة ~~الكسوف تدنو مني، ولم يبق ما يرى غير النجوم الشواحب، واحلولكت السماء فما يلمع ~~فيها شعاع واحد. # وثقلت على نفسي وطأة الظلام الكثيف، واشتد علي البرد وقف منه جلدي، وتعذر ~~التنفس فانتفضت، وعانيت من ذلك كربا شديدا، ثم ظهر قوس الشمس، فنزلت عن السرج حتى ~~تثوب نفسي إلي، فقد كان رأسي يدور وكنت أحس أني غير قادر على رحلة الإياب، ورأيت ~~وأنا واقف ذلك الشيء الذي لاحظت حركته على الشاطئ، ولم يبق عندي شك في أنه جرم ~~يتحرك، فقد كان احمرار الماء يبدي حركته. وكان كالكرة وفي حجمها، أو أكبر، وله ~~خيوط تمتد منه وتذهب في الأرض، وكان أسود اللون بالقياس إلى لون الماء المضطرم، ~~وكان ينط، فشعرت بالإغماء، ولكن الفزع من الارتماء هنا بلا حيلة ولا حول في هذا ~~الغسق البعيد الفظيع قواني، فامتطيت الآلة وقعدت على السرج. ~~(15) أوبة الرحالة # وهكذا عدت. وأحسب أني فقدت وعيي زمنا طويلا. وقد عاد الليل والنهار يخطفان وهما ~~يتعاقبان، وارتد إلى الشمس وهجها الذهبي، وإلى السماء زرقتها، وخلصت أنفاسي، وصارت ~~معارف الأرض في مد وجزر، وراحت عقارب العدادات ترجع، وبدت لي في غموض صور المساكن ~~ودلائل انحطاط الإنسانية. ثم تغيرت هذه المناظر أيضا وولت. ولما بلغ عداد الملايين ~~الصفر قللت السرعة وبدأت أرى مبانينا الصغيرة المألوفة، ورجع عقرب الآلاف إلى ~~المبتدأ فصار تعاقب الليل والنهار أبطأ فأبطأ، ثم أحاطت بي جدران المعمل، فخفضت ~~حركة الآلة برفق. # ورأيت شيئا استغربته. وأذكر أني قلت لكم إني لما بدأت رحلتي، وقبل أن تعظم ~~سرعتي، رأيت السيدة «واتشيت» تقطع الغرفة كالشهاب، فلما عدت اجتزت الدقيقة التي ~~كانت تقطع فيها المعمل مرة أخرى. ولكنه خيل إلي الآن أن كل حركة لها نقيض حركاتها ~~السابقة، فقد انفتح الباب، وانسابت منه في المعمل، مرتدة بظهرها واختفت من الباب ~~الذي رأيتها تدخل منه. وقبل ذلك خيل إلي أني أرى «هيليار» ولكنه كان كومض ~~البرق. # ثم وقفت الآلة، ورأيت حولي ms275 مرة أخرى معملي القديم المألوف، وآلاتي ومعداتي كما ~~تركتها، فترجلت عن السرج خائر القوى، وقعدت على دكتي، وظللت عدة دقائق أرعد وأنتفض، ~~ثم هدأت، ونظرت فرأيت حولي معملي كعهدي به، وكأني كنت قائما وكأنما كل ما بدا لي ~~لم يكن سوى حلم. # ولكن لا! لقد بدأت رحلتي وكانت الآلة في الجنوب الغربي من المعمل، وهي الآن قائمة ~~في الشمال الغربي، إلى جانب الحائط حيث رأيتموها. وهذه هي المسافة من الممشى إلى ~~قاعدة التمثال حيث خبأ السفليون آلتي. # وركد ذهني لحظة، ثم نهضت وقطعت الدهليز إلى هنا، وكنت أظلع لأن قدمي تؤلمني، وقد ~~رأيت جريدة «البول مول غازيت» على المنضدة بجانب الباب، وألفيت تاريخها هو تاريخ ~~اليوم، فصعدت عيني إلى الساعة فوجدتها الثامنة تقريبا. وسمعت أصواتكم وأنتم ~~تأكلون، فترددت، فقد كنت مضنى. ثم شممت رائحة اللحم الشهي ففتحت عليكم الباب. ~~والباقي تعرفونه. اغتسلت، وأكلت، وقصصت عليكم القصة.» ~~(16) بعد القصة # وقال بعد لحظة صمت: «إني أعلم أن هذا كله لا يحتمل التصديق. ولكن الشيء الوحيد ~~الذي لا أكاد أصدقه أنا هو أني هنا في هذه الليلة، في هذه الغرفة القديمة المعهودة، ~~أنظر إلى وجوه أصدقائي وأقص عليهم غرائب ما وقع لي.» ونظر إلى رجل الطب وقال: «كلا! ~~لست أتوقع منك أن تصدق. فاعتبر الحكاية من الخيال، أو عدها نبوءة. أو قل إني حلمت ~~بها في المعمل، أو ازعم أني كنت أفكر في مصائر جنسنا حتى تجسدت لي هذه الأسطورة، ~~وقل إن تأكيدي صحتها أسلوب فني لزيادة قيمتها ووقعها، فعلى اعتبار أنها قصة، ما ~~رأيك فيها؟» # وتناول بيبته، وشرع على عادته ينقر بها نقرا مضطربا على قضبان الموقد، وكانت ~~فترة صمت، ثم بدأت الكراسي تتحرك، والأقدام تمسح السجادة، فحولت عيني عن الرحالة في ~~الزمن إلى السامعين، وكانوا في الظلام وكان رجل الطب يتأمل مضيفنا وقد استغرقه ذلك. ~~والمحرر يحدق في عقب سيجارته - السادسة - والصحفي ينشد ساعته، أما الباقون فكانوا - ~~على ما أذكر - بلا حراك. # ونهض المحرر واقفا وهو يتنهد وقال: «ليتك كنت كاتب ms276 قصص!» وأراح يده على كتف ~~الرحالة في الزمن. ~~- «ألا تصدق؟» ~~- «إن ...» ~~- «ظاهر.» # والتفت إلينا الرحالة وقال: «أين الكبريت؟» وأشعل عودا وقال وهو يدني البيبة من ~~شفتيه: «الحق أقول إني أنا لا أكاد أصدق ... ومع ذلك ...» # وصوب عينيه في صمت، إلى الأزاهير الذابلة على المنضدة، ثم بسط يده التي فيها ~~البيبة، فرأيته ينظر إلى جروح على عقل أصابعه لم يتم التئامها. # ونهض رجل الطب، ودنا من المصباح، وفحص الأزاهير وقال: إن بعضها غريب، فانحنى ~~النفساني لينظر، وهو يمد يده طالبا واحدة منها. # وقال الصحفي: «لقد صارت الساعة الأولى إلا ربعا. فكيف نذهب إلى بيوتنا؟» # فقال النفساني: «المركبات كثيرة عند المحطة.» # وقال رجل الطب: «غريب! ولكني لا أعرف الترتيب الطبيعي لهذه الأزهار، فهل تسمح لي ~~بها؟» # فتردد الرحالة في الزمن ثم قال فجأة. ~~- «كلا!» # فسأله رجل الطب: «من أين جئت بها؟» # فرفع الرحالة يده إلى رأسه، وقال وكأنه يحاول أن يمسك فكرة تحاوره وتتفلت منه: ~~«لقد وضعتها وينا في جيبي لما رحلت إلى المستقبل» وأدار عينه في الغرفة، وقال: «أرى ~~كل شيء يتسرب من ذهني ... هذه الغرفة ... وأنتم ... والجو العادي ... أكثر مما تحتمل ذاكرتي ~~... أحق أني صنعت آلة للزمان؟ أو نموذجا لآلة زمان؟ أم ترى كل هذا حلم ليس إلا؟ ~~يقولون إن الحياة حلم - حلم سقيم في بعض الأحيان - ولكني لا أقوى على حلم آخر لا ~~يستقيم مع سواه. جنون! ومن أين جاء هذا الحلم؟ يجب أن أرى هذه الآلة ... إذا كان هناك ~~آلة ...!» # ورفع المصباح بسرعة وحمله وخرج به من الباب إلى الدهليز، ونحن في أثره، فإذا ~~الآلة تطالعنا في ضوء المصباح المضطرب، وهي رابضة ماثلة دميمة المنظر، وكلها صلب ~~وعاج وأبنوس وحجر لماع شفاف، ولكنها متينة فقد لمحتها، وعليها أقذار، وعلى عاجها ~~لوثات، وقد علق بأسافلها بعض الحشائش، وأحد قضبانها ملتو. # ووضع الرحالة المصباح على الدكة وأمر يده على القضيب المعوج وقال: ~~- «الآن أيقنت أن القصة التي رويتها لكم صحيحة، وإني لآسف لتعريضكم هنا ~~للبرد.» # وتناول المصباح، وعدنا في صمت ms277 تام إلى غرفة التدخين. وخرج معنا إلى الردهة وساعد ~~المحرر على ارتداء معطفه ونظر إليه رجل الطب نظرة المتردد، وقال له: إن الإفراط في ~~العمل أرهق أعصابه، فضحك. وما زلت أراه بعين الذاكرة واقفا بالباب يودعنا ويتمنى ~~لنا ليلة طيبة. # وركبت مع المحرر الذي قال لي إن القصة «أكذوبة منمقة» أما أنا فلم أستطع أن أستقر ~~على رأي في الأمر، فقد كانت القصة غير قابلة للتصديق لفرط غرابتها، ولكن أسلوبه في ~~روايتها معقول ورزين متزن، وقد أرقت أكثر الليل من جهد التفكير فيها، فعزمت أن أزور ~~الرحالة في اليوم التالي، فقيل لي، لما زرته، إنه في المعمل، ولما كنت من الأصدقاء ~~فقد صعدت إليه فوجدت المعمل خاليا، فحدقت هنيهة في آلة الزمان، ومددت يدي فلمست ~~الرافعة، فترنحت هذه الكتلة المتينة ترنح العود عصفت به الرياح، فأفزعني اضطرابها ~~وتذكرت ما كانوا ينهونني عنه في طفولتي من الدخول فيما لا يعنيني. وخرجت من الدهليز ~~فالتقيت بالرحالة في غرفة التدخين، وكانت معه آلة تصوير صغيرة وحقيبة، فضحك لما ~~رآني، وأدنى مني كتفه على سبيل التحية، وقال: «إني مشغول جدا بهذه الآلة.» # فسألته: «أليست إذن خدعة؟ أتراك حقيقة تطوف في الزمن؟» # فقال: «نعم، حقا وصدقا.» ورماني بنظرة صريحة، ثم تردد، ودارت عينه في الغرفة، ~~وقال: «إن بي حاجة إلى نصف ساعة. وأنا أعرف ما جاء بك وأشكرك وهناك بعض المجلات، ~~فإذا بقيت للغداء، فإني أستطيع أن أثبت لك أن الطواف في الزمن حقيقة - بالنماذج وما ~~إليها - فهل تأذن لي في الانصراف عنك الآن؟» # فقبلت، وأنا لا أكاد أدرك ما تنطوي عليه كلماته من المعاني، وهز رأسه ومشى في ~~الدهليز. وسمعت باب المعمل يغلق، فقعدت على كرسي وتناولت صحيفة يومية، ترى ماذا ~~عساه يريد أن يصنع قبل الغداء؟ ثم تذكرت فجأة أني وعدت أن أقابل ريتشاردسون الناشر ~~في الساعة الثانية، فنظرت في ساعتي فوجدت أن الوقت أزف، فنهضت ومشيت في الدهليز ~~لأعتذر للرحالة. # ولما تناولت يد الباب سمعت صوتا، وحركة ودبة، ومرت بي نسمة من ms278 الهواء وأنا أفتح ~~الباب وسمعت من داخل الحجرة صوت تكسر الزجاج على الأرض، ولم أجد الرحالة. وخيل إلي ~~أني أرى شبحا غامضا في كتلة دائرة من السواد والبياض، وكان هذا الشبح شفافا حتى ~~لكنت أرى الدكة وما عليها من خلاله بوضوح ولكن هذا الشبح غاب لما فركت عيني، واختفت ~~الآلة، ولم يبق في هذه الناحية من المعمل سوى التراب الذي يستقر. # وأذهلني ذلك، وكنت أدرك أن شيئا عجيبا قد حدث، ولكن ما هو؟ لا أدري! وإني لواقف ~~أحدق إذ فتح الباب ودخل الخادم. # فتبادلنا النظرات، ثم بدأت الخواطر تجري ببالي فسألته: «هل خرج المستر من ~~هنا؟» # قال: «لا يا سيدي. لم يخرج أحد من هذه الناحية، وقد كنت أتوقع أن أجده ~~هنا.» # ففهمت، وخاطرت بإغضاب ريتشاردسون، وبقيت انتظارا لعودة الرحالة ولقصته الثانية ~~التي لعلها تكون أغرب، ولما عسى أن يعود به من النماذج والصور. ولكني بدأت أعتقد ~~أني سأضطر إلا الانتظار عمرا كاملا، فقد ذهب الرحالة في الزمن منذ ثلاث سنوات، ~~وكل إنسان يعرف الآن، أنه لم يعد. # الخاتمة # لا يسع الإنسان إلا أن يتساءل: أتراه يعود يوما ما؟ وعسى أن يكون قد كر راجعا ~~إلى الماضي، فوقع على أهل العصر الحجري، المستوحشين شاربي الدماء، أو في أعماق بحر ~~الكلس، أو بين الزواحف المهولة أو ... أو ... أم تراه قد مضى إلى المستقبل، واختار ~~عصورا أقرب إلينا وأدنى منا، عصورا سيظل الرجال فيها رجالا ولكنهم يكونون قد ~~حلوا ألغاز زماننا ومعضلاتنا المضنية؟ أي إلى عصر الرجولة المكتملة في الجنس ~~الإنساني؟ فما أعتقد أن هذه الأيام الأخيرة - أيام التجارب الضعيفة، والنظريات ~~الجزئية، والخلاف المتبادل هي غاية ما يصل إليه الإنسان - أقول فيما أعتقد أنا. أما ~~هو فإني أعرف - فقد تجادلنا في هذا قبل أن يصنع آلة الزمان - أنه لم يكن عظيم ~~التفاؤل بتقدم الإنسان، وكان يرى في تضخم كوم المدنية تكدسا سخيفا ينتهي بأن يقع ~~على الرءوس ويحطمها ويسحقها. فإذا كان هذا هكذا، فإن علينا أن نحيا كأن الأمر ليس ~~كذلك، ولكن ms279 المستقبل فيما أرى لا يزال أسود وفارغا، جهل عظيم تلطفه في بعض المواضع ~~ذكرى قصته. وإلى جانبي، للتعزي والتأسي، زهرتان غريبتان - وقد ذبلتا - تشهدان بأنه ~~حتى بعد أن يزول العقل وتذهب القوة، يبقى العرفان والرقة في قلب الإنسان. # | هوامش ms280