######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.QissatHayat.Hindawi92790962 #META# Tags: biographies #META# ID: 92790962 #META# Title: قصة حياة #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قصة حياة‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # قصة حياة‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # | قصة حياة # | قصة حياة # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازنى # | قصة حياة # هذه ليست حياتي، وإن كان فيها كثير من حوادثها. والأولى أن تعد قصة حياة. # ابراهيم عبد القادر المازني # | مقدمة # فتحت عينى أول ما فتحتها فى حداثتى على دنيا تنتزع الكرة من يد الطفل وتقول له: «أتظن ~~نفسك طفلا، له أن يلهو، ومن حقه أن يرتع ويلعب؟ لشد ما ركبك الوهم يا صاحبى! لا كرة ولا ~~لعب. وعليك أن تثب الآن وثبا من هذه الطفولة التى كان ظنك أن ترتع فى ظلها إلى الكهولة ~~دفعة واحدة! حتى الشباب يجب أن تتخطاه وثبا أيضا». # وأنكفى إلى أمى أسألها عن الكرة لماذا حرمتها دون غيرى من لذاتى فلا تقول إنها آسفة ولا ~~إنها ترثى لى، أو أن قلبها يعصره الألم من أجلى، بل تضع راحتها الرخصة على كتفى وتقول لى ~~بصوت متزن: «اسمع يا ابنى إنك لم تعد طفلا، وإنما أنت رجلنا الآن، وسيد البيت ورأس الأسرة ~~وكبيرها! أى نعم. فقد ترك لنا أبوك مالا كان فوق الكفاية ولكن المال ذهب. ولم يبق لنا ~~شىء». # فسألتها: «هل معنى هذا أننا سنجوع ونعرى»؟ # فلم ترحمنى. وقالت: «قد نجوع ونعرى! من يدرى؟ ولكن أملى فى الله كبير. وعندى حلى ومتاع لا ~~حاجة بى إليه. فسأبيع من هذا ونقتات ونكتسى. وستواصل ms01 التعلم - ما من هذا بد - حتى ينفد ~~المال، وينضب المورد. وعسى أن يكون بعد العسر يسر فما يئست من رحمة الله ولكننى لا أرى أن ~~نعتمد على غير ما بأيدينا، وهو قليل فاعرف هذا، روض نفسك على السكون إليه والنزول إلى ~~حكمه». # قلت: «ولا اللعب»؟ # قالت: «بلى، ولكن بغير كرة نضيع فيها مالا بنا حاجة إليه لقوتنا. إن الكرة تشجع على ~~الركض، وتغرى بالنط. فاركض بدونها، ونط بغيرها وسترى أنك لن تخسر شيئا». # فصرت أركض لأن هذا واجبى، وما تتطلبه الحيوية التى لاتزال مقصورة على أعضائى. على حين كان ~~يركض غيرى للهو والتسلية. # فعرفت فى التاسعة من عمرى - وهى سن غضة جدا - أن هناك واجبات تؤدى لذاتها، وحقوقا ~~تقضى لأنها حقوق، لا لأن فيها متعة ولذة. وأحسست من صغرى أن شأنى غير شأن الناس، وإنى فقير ~~وإن كنت مستور الحال. ولكن الستر لا ينفى الشعور بالفقر وغضاضته ومضضه. فأرهف ذلك إحساسى، ~~حتى صار ينحى بمثل حد المبراة على قلبى فيحزه ويقطعه. فنزعت شيئا فشيئا إلى الانقباض عن ~~الناس، واتقاء الخوض معهم فيما يخوضون، مما يستدعى نفقة وتكون فيه كلفة. # وقوى هذا الميل فى نفسى وعمقه أنى بعد الذى سمعته ووعيته من أمى. قصدت إلى أخى الأكبر - ~~وهو من غير أمى - وسألته عن مال أبينا أين وكيف ذهب؟ فقال وهو يكاد يشرق بدمعه - وأنا أنطر ~~إليه جامد العين: إنه هو الذى أضاعه، وجر علينا هذه المحنة، ولكنه يرجو أن يعوضنا خيرا مما ~~أتلف. فأحسست أنى شببت جدا عن الطفولة فى تلك اللحظة! # وانصرفت وأنا أتساءل: «أليس لكل امرئ حقه؟ فكيف يتسنى لواحد أن يجنى على جماعة! وكيف ~~ولماذا يجد الوسيلة إلى ذلك»؟ # وصرت أخاف الناس وأنظر إليهم شذرا. وإذا كان الأخ يجنى على إخوته وأمهم وجدتهم، فما ظنك ~~بالغريب الذى لا تصلك به رحم، ولا تعطفه عليك عاطفة من قرابة أو نسب»؟ # وأقبل علينا قريب لنا يقول إن فى وسعه أن يرفع عن كاهلنا عبء نفقات التعليم ولكن ~~«الواسطة» يطمع فى ms02 جزاء أو «رشوة» فأبت أمى كل الاباء. فما زال بها حتى ملت إلحاحه، فدفعت ~~إليه ما يطلب. وغاب شهور الصيف. ثم جاءنا يقول إن الوزارة أعفتنى من نصف نفقات التعليم، ~~فقلنا شىء خير من لا شىء. ولكنه كان كاذبا. وتبينا أنه لم يرش أحدا، وإنما استحل أن يسرق ~~مالنا نحن الفقراء بهذه الخدعة. # فزاد سوء ظنى بالناس، وانزويت عنهم، وأقبلت على دروسى لأفرغ من التحصيل بأسرع ما يستطاع، ~~فيتسنى لى بعد ذلك أن أكسب رزقى، وأنقذ نفسى وأهلى من هذه الفاقة التى منينا بها لغير ذنب ~~جنيناه. # وترك هذا كله أثره فى نفسى، فاجتنبت أن أعاشر إلا الذين أرى حالهم يشبه حالى أو يقاربه، ~~وصرت أشعر أنى غريب إذا ألقت بى المصادفات بين قوم من السراة أو الأثرياء أو المتظاهرين ~~بالغنى، كأنهم ناس من شاكلة أخرى، وخلق مختلف. فكنت أنفر أشد النفور من مجالستهم أو ~~مخالطتهم. ويكبر فى وهمى أنهم لا يخفى عليهم أنى نشأت فقيرا. وأنى امتحنت فى صباى أقسى ~~امتحان، وأن ما أراه من مظاهر غناهم ليس إلا مخايلة مقصودة يشقون لى بها جفونى ويطلعونى على ~~ما بينى وبينهم من بون. # وكنت قد كبرت وأصبحت معلما، وعندى فوق الكفية من الرزق فأشفقت أن يورثنى هذا عقدة نفسية ~~أو «مركب نقص» كما يسمى. فعالجت ذلك بالتمرد، ورحت أعد الذين نشأوا فى حجر النعمة وظل ~~اليسار، من المنبوذين، لأنهم متكلفون غير مخلصين لأنفسهم ولآدميتهم، ولأنهم مترفون، متطرون ~~خرعون، لا يعرفون شرف الكد، ولا يدركون مزية الكدح والسعى، وإنما يعيشون عيشة الفضول ~~والتطفيل، ولا يحيون حياة صحيحة، ملأى بحركة الشعور والعقل، فلا احتفال بهم ولا اكتراث لهم، ~~وأنا وأمثالى أحق منهم بالكرامة وأولى باستيجاب التعظيم. # وارتفعت بى السن شيئا فشيئا، وزادت التجربة، ورحب الأفق على الأيام. فأدركت أنى أسرفت ~~على نفسى وعلى الناس. وتبينت أن لا داعى للمرارة، فقد أفادتنى المحنة صلابة وعزما وثقة ~~بالنفس وجرأة على الحياة والمغامرة فيها، ولو كنت نشأت فى نعمة سابغة لكنت حريا أن يفسدنى ~~التدليل ms03 ، ولا ذنب للناس جميعا فيما كان من أحدهم أو بعضهم وفى الدنيا الصالح والطالح، ومن ~~الظلم أن يبوء البرىء بإثم المذنب، وأن تؤخذ الجماعة بجريرة واحد، وكل امرئ يزل، والعصمة لم ~~يؤتها إنسان وحتى ما جنى أخى قمن بالغفران. فما هو فى ذاته بالذى توصد دونه أبواب العفو، ~~وما عدا المسكين أنه طاش طيشة كان من الجائز أن أطيشها لو كنت مكانه وكان حبلى على غاربى ~~كما كان على غاربه، وما أعرفه أفاد إلا متعة قصيرة وحسرة طويلة على ما ضيع، وما أهداه إلينا ~~من الكرب الجسام، فهو جدير بالرثاء والرحمة والنقمة. وما شهدت النعمة التى تقلب فيها زمنا ~~وجيزا، ولكنى شهدت الندامة التى ظلت تأكل قلبه بقية حياته، وكنت على الرغم مما أساء أوقره ~~وأنزله منزلة الوالد لأنه أسن منى، ولكنه هو كان أشد توقيرا لى منى له، وأعظم بى تحفيا. ~~ولما نشرت أول كتاب لى - وكان ديوان شعر - حملت إليه أول نسخة منه أخرجتها المطبعة. ~~فتناولها معجبا، وقلبها جذلا، وشرع يقرأ، فما راعنى إلا دمعه المنهمر، من فرط الحنو والزهو. ~~فنهضت إلى زوجته وتشاغلت بالحديث معها، فما أطيق البكاء، ولا أعرفه، وإنى لأدرى أن الدمع ~~رحمة وأنه كما يقول ابن الرومى: # لم يخلق الدمع لامرئ عبثا # الله ادرى بلوعة الحزن # ولكن قسوة الكفاح ومرارة الصبر على طول الحرمان، جففتا عبراتى وعلمتنى أن أبكى بقلبى دون ~~عينى، وأن أستر ضعفى عن الناس، فلا أبدو لهم إلا بصفحة وجه يقرأون فيها آيات الرضى ~~والاستبشار والثقة. والفضل فى ذلك لأمى. فقد جئتها يوما أبكى لأن غلاما ضربنى فأوجعنى، ~~فنظرت إلى باسمة ولم تربت على كتفى، ولم تكفكف دمعى، ولا واستنى وإنما قالت لى: «رجلنا ~~يبكى؟ فماذا عسانا نصنع نحن النساء الضعيفات»؟ فخجلت، ولم أكن خبرتها الخبر. فقلت - كأنما ~~كنت فعلت - «ولكنه أكبر منى» قالت: «لا شك، ولكن حيلتك ينبغى إذن أن تكون أوسع» فما غلبنى ~~بعد ذلك اليوم غلام أسن أو أكبر جسما، حتى خافنى صبية الحارة وحرصوا على اتقاء شرى ms04 . # والعبرة بالخواتيم - وقد انتقلت بى الحال بعد طول الضنك إلى سعة مرضية وخير كثير فالحمد ~~لله على ما أنعم ويسر. # ورضيت عن الدنيا وانشرح صدرى للحياة ووجدت أن التسامح الذى مبعثه الفهم وصحة الإدراك أجلب ~~لسرور القلب وطمأنينة الخاطر، وسكينة النفس، من تلك المرارة القديمة التى كان ينضح بها ~~الوجه ويقطر اللسان. وألفيتنى أغتبط بأن أتلمس ما يروق ويسر من جوانب الحياة، وأن أبرز هذه ~~الجوانب الوضيئة للناس وأشركهم معى فى نعيمى بها، وأحاول أن أفتح لهم كوى تدخل منها الشمس ~~فتضىء لهم وجوه العيش وتمنحهم الدفء، وتشيع الابتسام والجذل فى وجوههم وقلوبهم، وأن أقطف ~~لهم من أزهار الحياة ريحانا وآسا ونرجسا، وأن أجمل ما كان يبدو لى ولهم دميما، وأزين ~~العاطل، وأرقرق الماء فى حواشى النسيم ليعود أندى على القلب وأثلج للصدر. # وتوسعت فى هذا وتعمقت. فقلت: إنى مثل الناس غيرى ومنهم، وكلنا مجبول من طين واحد، ولست ~~خلقا قائما بذاته، أو بدعا فى هذه الدنيا، ومن الممكن أن أعرف الناس معرفتهم إذا أنا وسعنى ~~أن أعرف نفسى، فصار دأبى بعد هذا أن أخلو بنفسى، وأحاسبها، وأراجعها، وأغوص فى أعمق أعماقها ~~على بواعثها، وعلى ما تغرى بها غرائزها المهذبة أو الساذجة، وأن أقف على دواعى ضعفها ~~ونقصها، وأسباب قوتها، وجعلت كدى كلما بدا لى ما يسوء، أو يريب أو يسخط، من أحد أن أحاول أن ~~أضع نفسى فى مكانه، وأن أنظر ماذا كنت خليقا أن أصنع لو أننى كنت محله، وكان يحيط بى ما ~~يحيط به، وكان لى مثل حظه الكثير أو القليل من العلم والتجربة؟ فأصبحت فيما أعتقد - غير ~~مغرور أو مخدوع فيما أرجو - أعدل وزنا وأكثر إنصافا، وأسرع إلى تمهيد العذر منى إلى سوء ~~الرأى. # وليس معنى هذا أننى الآن أرى أن الدنيا وأحوالها على خير ما يمكن أن تكون، أو أنه ليس فى ~~الإمكان أبدع مما كان، أو ما هو كائن. كلا ولكنى أرى أن معالجة الأسواء والفساد بحسن ~~الإدراك، وصحة الفهم، والرفق والحسنى، أجدى وأرشد ms05 . وماذا يفيد تعذيب النفس بالتسخط وتلهب ~~الغضب واحتدام النقمة؟ إن الذى له قيمة هو أن ندرك أن هناك ما يستوجب الإصلاح والتقويم، وأن ~~نهتدى إلى وسيلة الإصلاح ومداه وليست ثورة النفس بالتى تعين على هذا وتيسره، فإنها خليقة أن ~~تورثنا اضطرابا فى التفكر، وأن تجمح بنا إلى غير ما يشير به العقل، وتصفه الحكمة. وإنما ~~الذى يعين على الصلاح والخير، والتفكير الهادئ والتدبر الرصين، وقياس مبلغ القدرة إلى ~~الأمل، وأصالة الرأى، والحذق فى التدبير، ولا سبيل إلى شىء من هذا إذا اهتاجت النفس، وقامت ~~قيامتها وثارت كاللجة المزبدة. # ولماذا أكتب كل هذا؟ ما صلته بموضوع الكتاب؟ لا أدرى! سوى أنى لطول اعتبارى أن أتدبر نفسى ~~وأدير عينى فى جوابها، أصبحت أعتقد أنى أستطيع أن أعرف الناس بنفوسهم إذا وسعنى أن أكشف لهم ~~عن عيونهم صورة صافية - لا مزورة ولا مموهة - من هذا الإنسان الذى هو أنا، والذى هو أيضا ~~كل امرئ غيرى. وليس هذا بالمطلب الهين، وما كان مناله قط، ولن يكون دانيا. غير أن ما لا ~~يدرك كله، لا يترك كله، وعلى المرء أن يسعى جهده وعلى الله التوفيق، وإن طاقة الإنسان ~~لمحدودة ولكنه ليس عاجزا كل العجز، ولو أن كل إنسان أخلص وصدقت سريرته وبذل ما يدخل فى ~~وسعه، لعادت الحياة أطيب وأبعث على الرضى. # وأحسب أن من بواعثى على هذا الاستطراد، أنى أقول لنفسى إذا أنا لم أنفع بتجربتى وفهمى هذا ~~الجيل الذى يغذ الخطى وراء جيلى، فما خير أنى كنت وعشت، وفهمت أشياء وجربت أمورا، وألممت ~~الحقائق؟ إن من ألأم اللؤم أن تبخل بعلمك على غيرك. وقد يعذر الذى يضن بالرغيف - وهو جائع - ~~على رفيقه، وفى الطباع الإنسانية أن يؤثر المرء نفسه، فى خصاصته، على غيره وقد يبلغ المرء ~~من الحرص على الذات فى المحنة أن يخطف اللقمة من فم ابنه وهو ضنئوه وفلذة كبده لان التضور ~~وخوف التلف الوحى يثيران غريزة حفظ الذات فيذهل الإنسان عن واجب المروءة، وواجب الأبوة، ~~ولكن المعرفة ليست مادة يحفظ ms06 بها البدن من الوبال، وهى لا تنقص بالشيوع والاستفاضة ونصيبك ~~منها لا يقل إذا بلغ فيها غيرك مبلغك، وفى وسعك أن تهدى منها ولا تخشى عليها النقص، ومن ~~المحقق أنك أحرى أن تكون أسعد إذا صار الناس أعلم وأفطن وأوسع مدارك وألطف حسا. # فالضن بالمعرفة ضيق عقل وسوء رأى، ولؤم نفس وخسة طباع - بلا مسوغ ما، ولا فائدة ما - لأن ~~الناس يصلون إلى المعرفة أردت أو لم ترد، وبمعونتك أو بغيرها. فما أنت فى الدنيا بالوحيد ~~الذى ينظر فيجد، ويبحث فيهتدى، ويعالج فيوفق. # وأمر آخر أردته - وأظنه مما ساقنى فاستطردت - ذلك أن الناس أشباه متماثلون وإن تفاوتت بهم ~~الأموال، وليس اختلاف النشأة بمانع أن تكون التجربة من معدن واحد، وإن كان المظهر يوقع فى ~~الروع لأول وهلة أن المخبر شىء آخر. # | الفصل الأول # تلك كانت حياتى - فقد نشأت فى بيت صارم التقاليد فى ساحته الواسعة مصلى وميضاة، وعلى ~~جانبى مدخله غرف لإقامة الأتباع والتلاميذ والمريدين، وكانت آخر هذه الحجرات، مما يلى ~~الساحة مباشرة - غير مسقوفة، وكانت تتخذ اصطبلا لمن له بغلة أو فرس أو حمار، وبعد المغرب من ~~كل خميس يجتمع المفرقون من هؤلاء الأتباع فى المصلى، ويتلون «الورد» وهم قعود ثم يذكرون ~~الله، ثم يقومون إلى صلاة العشاء، ثم إلى الطعام فالخلوة، وفى الفجر يخرجون إلى مقبرة الشيخ ~~الكبير.. وهناك يتلى «الورد» مرة أخرى، وتعقد حلقة الذكر.. ثم يؤكل «الفول النابت» ~~والخبز. # وكان يروقنى هذا ويستولى على خيالى، فأشاركهم فيه، وأتلو الورد الذى يتلونه، وأصلى على ~~النبى كما أراهم يصلون، وأهز رأسى وجسمى فى الصف عند «الذكر» كما يفعلون، وأحاول - عبثا - ~~أن أجعل صوتى غليظا عميقا، وأرافقهم فى الفجر إلى المقبرة، وأزيد عليهم فأعرج على قبر ~~أبى فأزوره ثم أرتد إلى الحارة واللعب، والقلب راض والنفس ساكنة. # ولم يكن هذا بيت أبى، وإنما كان بيتا يسع من شاء من الأسرة أن يذهب إليه ويقيم فيه، فقد ~~كان واسعا كبيرا، فلما مات أبى وساءت حالنا بعده، اتخذنا لنا فيه شقة ms07 اقتصادا فى النفقة، ~~وعز على ذلك فى أول الأمر فقد كان لنا بيت خاص لا يشاركنا فيه مشارك، وكان عندنا الخادم ~~والخادمة والبواب والبستانى، ومن العجيب أنى أذكر مدخل البيت وساحته الرحيبة وحديقته ~~والنافورة والحجرات من حول ذلك، وفيها مكتب أبى ومكاتب الوكيل ومساعديه ولكن ماعدا ذلك بهتت ~~صوره، وأذكر أنى كنت أدخل على أبى فى مكتبه وعنده أصحاب القضايا، فأقف إلى جانبه وهو منكب ~~على الورق، وأنا ساكت لا أقول شيئا ولا أتحرك، حتى يرفع رأسه ويمد يده إلى فنجان القهوة، ~~فأقول بصوت خفيض «أبويا. أبويا. أبويا هات قرش..» فيضع يده فى جيبه ثم يخرجها بما تخرج به - ~~بقرش أو نصف فرنك، أو أقل أو أكثر - فأتسلل بما أعطيته، فألفى أخى الأصغر ينتطرنى عند ~~الباب، فنخرج إلى الحارة حيث نجد بائع الدندرمة.. فندفع إليه ما معنا، ونأكل حتى نشبع ونحمد ~~الله، أو لا نحمده فنميل على دكان مجاورة لبيتنا فنشترى كرات وبليا وما إلى ذلك - نبدد ~~الفلوس والسلام وكان أخى أصغر منى وكان جميلا مشرق الديباجة سمينا وبضا غضا، فكان أبى ~~يخاف عليه أن تصيبه العين، ومن هنا أمر ألا يدخلوه عليه فى المكتب لئلا يراه ذو عين فيحسده، ~~فاتفق يوما أنى كنت عند عمتى، فلما مر «بائع الدندرمة» أقبل عليه الغلام بالطلب كالعادة، ~~فناوله من مثلجاته، ولم يجد أخى معه ثمن ما أكل، فخلع طربوشه. وعرض على الرجل أن يقبله ~~بديلا من الثمن وكان أخى ولا يزال عظيم الرأس، فطربوشه يصلح للكبار، فمضى الرجل به ولم يعد ~~بعدها لسوء حظه. # ومن الصور التى لا تزال ماثلة أمام عينى، أن جدى دخل على أبى فى مكتبه يتوكأ على عكازه، ~~فنهض له أبى واقفا وأفسح الزباين له ليقعد ولكنه لم يفعل والتفت إلى أبى وطلب منه شيئا، ~~فاستمهله هذا فما كان من الجد إلا أن رفع «العكاز» وأهوى به على كتف أبى، فتأوه واختبأ تحت ~~المكتب، وانصرف جدى غاضبا ساخطا يلعن العقوق، وعاد إلى كرسيه فى مدخل البيت. # وكنت أنا ms08 حاضرا هذا الذى حدث، فشق على أن أرى جدى يضرب أبى بهذه الهراوة الضخمة، فخرجت ~~إليه فنادانى وأدنانى منه وأجلسنى على حجره وشرع يلاطفنى ويدعو لى، ولكنى كنت مغيظا محنقا ~~فتناولت شعرات من لحيته الكثة وشددتها وفى نيتى أن أنتفها كلها عقابا له، فزجرنى وأدار ~~وجهه ورفع يده له لتخليص لحيته، فبدا لى قذاله فصفعته فطار عقله ودفعنى فارتميت على الأرض ~~ورأيته يميل على هراوته ويتناولها فوضعت ذيلى بين أسنانى وانطلقت أعدو. # وقد ظل جدى شهرا يأبى أن يكلمنى أو ينطر إلى، وأنا أكاد أجن من ثقل الشعور بالحرمان من ~~عطفه، فلما فاءت نفسه إلى الرضى كتب لى حجابا وجلده - حفظا له من التلف - وعلقه على جنبى ~~الأيسر ليقينى الله سوء الأدب، إذا كان قد وقع فى روعه ووقر فى نفسه أن الناس حسدونى فكان ~~منى هذا الذى أسخطه على. # وكان شر ما يمكن أن يعاب به الواحد منا نحن الصبيان، أن يراه أحد واقفا يحدث بنتا أو ~~يلاعبها. يا حفيظ! ولد يلعب مع بنت ... هذا إثم كبير ومعصية توصد من دونها أبواب الغفران، ~~فإنه عيب وسوء أدب وقلة حياء وفساد تربية وأشنع من هذا وأبلغ فى العيب وسوء الأدب أن تلعب ~~البنت فى الشارع أو فى ساحة البيت، ألا تكفيها حجرات البيت التى تطل نوافذها على الطريق ~~وعلى فناء الدار؟ وصحيح أن الشبابيك مسمرة؛ ولكن النظر من الثقوب ميسور وهذا يكفى؟ بل كان ~~من العيب أن يرى الرجل زوجة أخيه إذا كانت غريبة أو من غير قريباته. # وتغرب الشمس فيجمعنا الخادم من الشارع، ويهش علينا كما يهش على الغنم أو الدجاج، ويردنا ~~إلى البيت والحجرات ذات الشبابيك المسمرة مخافة أن يخطفنا أحد إذا بقينا نلعب فى الحارة؛ أو ~~يصادفنا «السماوى» فيميتنا، أو يظهر لنا عفريت فيركبنا أو يرعبنا أو يفعل بنا غير ذلك مما ~~تفعل العفاريت، ويكون الحر شديدا والليل جميل وتزهق أرواحنا فى الغرف المكتومة ونشتهى أن ~~ننعم بالليل والسماء الحافلة بالنجوم الخفاقة اللمعان، ولكن لا سبيل إلى ms09 ذلك. # وكانت بنت خادمتنا فى مثل سنى، فكنت أتوق إلى ملاعبتها بعد إذ نهش إلى الغرف فى الليل ~~فتأبى أمى وأمها ذلك علينا وتصرفاننا عنه لأنه عيب، وتجر الخادمة بنتها إلى حجرتها - تجرها ~~من أذنها وتشد عليها وتقرصها وقد تضربها علقة، وتجرنى أمى فى يدى أو من شعرى إذا حزنت، أو ~~تحملنى وأنا أضرب بيدى ورجلى من الهواء وأصرخ وأصيح وترقدنى برغم أنفى على السرير وتغطينى ~~باللحاف وتروح تحدثنى عن العفاريت وتصف لى ما تصنع بالأطفال الذين «لا يسمعون الكلام» ولا ~~يفعلون ما يؤمرون، وتروى لى قصصا يقف لها شعر الرأس ويتقبض الجلد عن «المريرة المؤتزرة» ~~و«أبى رجل مسلوخة» وغيرهما وغيرهما فأتضاءل ويدخل بعضى فى بعض، وتهم بأن تتركنى وقد اطمأنت ~~إلى سكونى ووثقت أنى غير مفارق فراشى فى ليلتى تلك، فأصيح بها وأناديها وأدعوها أن تبقى إلى ~~جانبى لأن «اللحاف» يحدق فى بعينين تقدحان شررا، أو لأن دهان الحائط يبدو لى عليه رسم يشبه ~~ما سمعت من أوصاف أبى رجل مسلوخة فأنا أخاف أن يتجسد ويخرج من الجدار ويميل على بأسنانه ~~وأظافره. # وبعد لأى يغلبنى النعاس فأنام وأنا أحلم بالعفاريت والإمساخ والليل المخوف والنهار الذى ~~يعيد الطمأنينة، والسلالم المظلمة وما يختبئ لى عندها، ولم تكن أحلامى تخلو من متع منغصة، ~~وما أكثر ما رأيت فى منامى أنى لاعبت هذه أو تلك من البنات وأن أهلى دهنونى بالسمن والعسل ~~وقيدونى ورمونى فى ركن حالك السواد وتركونى للحشرات وغيرها من المؤذيات والمرعبات. # ويصبح الصباح فأحمل إلى «الكتاب» حملا، وهناك توضع قدماى فى «الفلقة» ويهوى عليها ~~«سيدنا» - فقيه الكتاب - «بالجريدة» أو «المقرعة» أو بكل ذلك إلى مساعده «العريف» وبهذا ~~يبدأ النهار. # | الفصل الثاني # لم يطل مكثى فى «الكتاب» لأن أمى أصرت على المدرسة. وكان أبى مشغولا عنا بزوجة جديدة ~~وكان عمله يضطره إلى السفر إلى «استنبول» فكان يقضى هناك ماشاء الله أن يقضى - شهورا أو ~~عاما أو قرابة ذلك - ثم يعود ومعه زوجة. وأحسبه كان يضطر إلى الزواج اتقاء من الإثم . ولكن ms10 ~~الغريب أنه كان إذا احتاح إلى السفر مرة أخرى، يحمل معه الزوجة ويسرحها هناك ويجىء بغيرها ~~وأظنه كان يحب التركيات ويؤثرهن على سواهن، وعسى أن يكون قد راقه منهن بياضهن وحسن التدبير ~~والنظافة والطاعة والأدب فإن يكن ذاك فما ورثت عنه إلا نقيضه ولست أعنى - كما لا أحتاج أن ~~أتول - إنى احب الوساخة وسوء التدبير وقلة الأدب والعياذ بالله، وإنما أعنى أن اللون الأسمر ~~آثر عندى وأحب إلى، وأنه إذا اجتمعت اثنتان واحدة بيضاء والأخرى سمراء، وكانتا من الحسن فى ~~منزلة واحدة، فالسمراء عندى أجمل وأندى على القلب، وعسى أن يكون هذا من التعصب لأمى ولنفسى، ~~فإنى أسمر - أو إلى السمرة أقرب - ولعلى أكره أن تزهى على واحدة ببياض جلدها، ولكن هذا شطط ~~فلأرجع إلى ما كنت فيه. # ولم تكن الزوجة الجديدة من استنبول وإن كانت تركية، وكان لها ولد من زوج سابق ترك على ~~أرنبة أنفها آثار أسنانه، ذلك أنه عض أنفها فى ساعة من ساعات الغضب أو الجنون، وكانت أسنانه ~~نضيدة فتركت حزا واضحا. ولبعض الناس ولع بالأنوف فى ساعة الغضب، فقد كان لى قريب يتناول ~~أنف زوجته إذا ساءه منها فعل أو قول ويهزه يمنة ويسرة فيدور رأس المسكينة، وتتساقط ~~دموعها. # ولم يهجر أبى (البيت الكبير) فى سبيل هذه الزوجة الجميلة - فقد كانت جميلة - والشهادة لله ~~- وكان الرجل معذورا - ولكنه كان يقضى عندنا ليلة، وعند هذه الزوجة ليلة، فأما ليلته فى ~~البيت الكبير فكان يقضيها مطرقا يسمع التقريع والتأنيب من جدى تارة، ومن أمى تارة أخرى، ~~وكان عظيم الحلم، طويل البال قليل الكلام، فكان لا يزيد على الابتسام، وهذا ما خالفته فيه ~~أيضا، فإنى أحمق طياش سريع الغضب حاد الطبع وثرثار لا يفرغ الناس من هذره، ومن الإنصاف ~~لأبى أن أقول: إنه ما بين شغله بزوجته الجميلة وما يكابده فى البيت الكبير فضلا عن عمله ~~المضنى، لم يبق له وقت يعنى فيه بنا نحن - بنيه الصغار - وكان لنا أخ كبير غير شقيق أذاق ~~أبانا الأمرين وأراه النجوم ms11 فى الشهر الأحمر، ومن حوادثه التى تروى أنه كان يصلى الفجر فى ~~مسجد الحسين، فخرج مرة إلى صلاة الفجر على عادته فألفى باب المئذنة مفتوحا، وكان المؤذن ~~شيخا هرما ضخم الجسم، كالفيل الصغير، وكان أعمى، فخطر لأخى أن يعابثه فصعد على أطراف ~~أصابعه ووقف وراء المؤذن المسكين الذى لا يدرى أن وراءه هذا الشيطان، وأنه ليرفع الصوت ~~بالأذان ويصيح فى سكون الليل (حى على الصلاة) وإذا بصوت من ورائه يرتفع فجأة ويصيح متمما ~~(حى على الفلاح) فريع الرجل وله العذر، وكان ضخما كما قلت، وعلي صدره قنطار من الشحم، وكانت ~~صدمة المفاجأة عنيفة فسقط مغشيا عليه وميتا على قول، ولم يضطرب الأخ المحترم بل أتم الآذان ~~وانحدر إلى المسجد للصلاة ثم احتال فأغرى خدم المسجد بالبحث عن المؤذن المسكين وانصرف هو ~~إلى بيته قرير العين راضيأ عن نفسه ونام نوم الصالحين. # وكان أبى فى وقت من الأوقات مدرسا للغة العربية فى المدرسة الخديوية فألحق بها ابنه ~~ليكون تحت عينيه، فكان هذا الابن البار هو الذى زهد أبى فى التعليم فنفض يده منه واشتغل ~~بغيره، ولم يطل بقاء أخى فى هذه المدرسة فقد طردوه فأدخله أبوه مدرسة صناعية، أو زراعية لا ~~أذكر وكان يبيت فيها. فصار يغرى الطلبة زملاءه بالخروج فى فحمة الليل، وكان يربط البطاطين ~~بعضها ببعض، ويدليها من النافذة ويتخذ منها هو وزملاؤه حبلا يتعلقون به، ويتدلون وبه يصعدون ~~أيضا حين يعودون مع «الديكة» وظهر الأمر فاشتجر أخى مع ضابط المدرسة، وتماسكا وتضاربا ~~فانكسرت رجل الضابط ولا آخر لحوادث هذا الأخ وقد ظل إلى آخر لحظة من حياته مولعا ~~بالعبث. # وكنت فى السادسة أو حوالى ذلك لما أخرجتنى أمى من «الكتاب» وبعثت بى إلى مدرسة عجيبة ~~الحال، تمهيدا لإدخالى مدرسة حكومية، ذلك أنها كانت مدرسة بنات، ولكن فيها «فصلا» واحدا ~~للصبيان، وكانت صاحبة المدرسة «خياطة» ومن هنا كانت معرفة أمى بها، وإرسالى إليها وكان ~~يساعد هذه السيدة رجل قصير نحيف ولكنه غليظ الكبد، وكل ما أذكره أننا لم نكن ms12 نرى البنات أو ~~نختلط بهن، بل كنا نوضع فى حجرة ضيقة، توصد علينا بالمفتاح؛ فكانت هذه الحجرة هى المكان ~~الذى نتلقى فيه الدروس وهى الساحة التى نلعب فيها، وإليها يجيئنا طعامنا ظهرا وكنا إذا ~~تركنا المعلم نزحزح الأدراج عن موضعها. لنفسح مكانا لنا ونحن نتقاذف الكرة أو نجرى «البلى» ~~على البلاط، وما أكثر ما كسرنا زجاج النوافذ وغرم آباؤنا ثمنه. # وكان مساعد المديرة رجلا فظا - كما قلت - إذا أخطأنا أو قصرنا يأمر الواحد منا أن يخلع ~~الطربوش ثم يضربه على رأسه العارى بالخيزرانة. وكنا فى الفصل سبعة أو ثمانية، فحدث يوما أن ~~أوسعنا ضربا على رءوسنا فثرنا به من فرط الألم، وتمردنا عليه وأشبعناه لكما وركلا، ومزقنا ~~له سترته الطويلة - الاستانبولين - وخطفنا العصا من يده وأذقناه وقعها على أصابع يديه وعلى ~~ركبتيه ولا أحتاج أن أذكر أننا طردنا وأن المدرسة استغنت بالبنات الوديعات عن الصبيان ~~الملاعين. # وكان ابن زوجة أبى معى فى هذه المدرسة، فلما طرد كما طردت، وكان الوقت قبل الظهر خاف أن ~~يذهب إلى أمه بالخبر، فأشرت بأن لا يفعل، واقترحت أن نبحث بقية يومنا عن مدرسة أخرى ندخلها، ~~فنخرج من هذا المأزق، فوافق ففعلنا، واهتدينا إلى مدرسة فى شارع «تحت الربع» أو «درب سعادة» ~~لا أذكر، وكان من الغريب أن صاحبها قبلنا بلا كلام أو سؤال أو مراجعة. # وبعد نحو أسبوع عرف أبى ما كان، فلم يقل شيئا ولكنه أخرجنا من هذه المدرسة وألحقنا ~~بمدرسة أخرى فى شارع محمد على، على مقربة من القلعة وتسمى مدرسة «القرشوللى» وأظن أن زوجته ~~هى التى هدته إليها وأشارت بها، فقد كان صاحبها تركيا، وفى هذه المدرسة كان الضابط - وهو ~~تركى أيضا - يجلدنا بالسوط، ولا نكران أنه كان يترفق بالصغار أحيانا ولكن السوط كان فى ~~يده، وكان يكفى أن يلمسنا بطرفه وقد بقيت بهذه المدرسة إلى آخر العام واجتزت امتحانها، ولكن ~~صاحبها أبى أن ينقلنى إلى «فصل» أرقى، لأنى صغير السن، فبقيت فى السنة الأولى عاما آخر ~~بلا موجب سوى حذلقة ms13 هذا المدير أو الناظر الذى استضأل جسمى واستصغر سنى، واستكثر على السنة ~~الثانية من أجل ذلك. # وكنت أعود عصر كل يوم فأرمى كتبى وكراساتى، وأخرج إلى الشارع لألعب مع أقرانى، فأزجر عن ~~اللعب فأصعد وأطل على اللاعبين من الشرفة، وبى حسرة ولهفة. وأسمعهم يصفوننى، «بالعقل» ~~و«الهدوء» فألعن «العقل» وأذم «الهدوء» فقد كنت مكرها على ذلك لا مدفوعا إليه بطباعى ~~وميولى، ومتى رأيت طفلا ساكنا قليل الحركة، فاعلم أنه مريض أو ضعيف أو ممسوخ ومتى يلعب ~~الواحد ويجرى وينط إذا لم يفعل ذلك فى طفولته؟ # ويدخل الليل فأجلس قريبا من المصباح وأفتح الكتاب وأقرأ خوفا من السوط لا رغبة فى ~~التعليم، ويرانى أبى فيشفق على عينى أن تؤذيهما القراءة فى الليل، فينهانى عنها، فأطوى ~~الكتاب وأسكت، وأضيق ذرعا بهذا الصمت، فأفتح فمى وأهم بكلام فينهانى أبى وينهرنى، ويقول لى: ~~«لا تقاطع الكبار، ولا تحشر نفسك معهم» فأقول: إنه ليس هنا صغار أحشر نفسى معهم فمع من ~~أتكلم؟ فيعبس ويضع أصبعه على فمه، فأسكت ثم ينفد صبرى فأعود إلى الكلام فيقول لى: ألم أقل ~~لك إن هذا الكلام لا يليق؟ فأعترض بأبى أراه يتكلم وأرى أمى تتكلم فلماذا يليق بهما مالا ~~يليق بى؟ فيبتسم ولا أدرى لماذا؟ ويربت لى على كتفى وخدى، وقد يقبلنى ويمسح لى شعرى، ~~فأتململ وأقول له إنى أريد أن أتكلم وألعب فمع من؟ بنت الخادمة لا يليق أن ألاعبها لأنها ~~بنت، وأخى أصغر منى بأربع سنوات وهو على كل نائم. # فتحملنى أمى إلى الخادمة، وتوصيها بى، وتتركنى معها، فتسرى عنى بحكاياتها وأحاديثها حتى ~~يغلبنى النعاس. # وكنت أرى أبى يدخن وهو متكئ بكوعه على مخدة فيتلوى الدخان فى جو الغرفة ويتلوى خياله على ~~الحائط، فأتتبعه بعينى تارة، وبأصبعى تارة أخرى. واشتهيت مرة أن أقلد أبى: فجئت بورقة ~~ولففتها على صورة سيجارة وجعلت أضعها فى فمى وأنا متوكئ على الوسادة وأنفخ كما يفعل أبى، ~~ولكنه لم يكن هناك دخان يتصاعد ويتلوى، فأشعلت عود كبريت وأضرمت النار فى اللفافة واتفق أنى ms14 ~~وضعتها على الوسادة فاتصلت بها النار وامتدت إلى حشوها من القطن تحت الكسوة ففزعت وخرجت ~~أعدو، واختبأت وبعد قليل كانت النار مندلعة فى البيت، وكان كل من فى البيت يجرى بالطشوت ~~والأباريق والقلل لإطفاء الحريق فلم يجد ذلك شيئا وامتدت النار إلى غرفة أخرى ولم تكن ~~شركة الماء قد مدت أنابيبها إلى البيوت. وكان السقا يمر بنا كل يوم فيملأ لنا الأزيار ~~والطشوت وما إلى ذلك من الأوعية وكانت وسائل الاتصال بطيئة، ولا سيما فى الأحياء الوطنية، ~~فلا تليفون ولا ترام ولا سيارات ولا شىء إلا الدواب ومركبات الخيل، وكانت إدارة المطافئ ~~تتقاضى خمسة جنيهات إذا دعيت لإطفاء حريق. على أنى لا أدرى بماذا كانت تطفئ الحرائق ولا ماء ~~هناك يجرى فى الأنابيب. فإذا قلت إن البيت احترق، وأن الحارة كلها شبت فيها النار فلا ~~يصدقنى القراء، والمثل يقول «يعملها الصغار ويقع فيها الكبار» أى والله. # | الفصل الثالث # كان لأخى الأكبر زوجتان من قريباته تقيمان معنا فى بيت واحد لهما منه الدور الأوسط، ولنا: ~~جدتى وجدى وأبى وأمى - الدور الأعلى - وللمكتب الغرف - أو المناظر - التى كانت فى ساحة ~~البيت، أو فنائه. وكان أخى - كأبى - مزواجا. فأما أبى لا أعرف لماذا كان هكذا، فما أعرف فى ~~أسرتنا كلها من كانت له زوجتان فى وقت واحد، أو من طلق زوجته أما أخى فقد يبدو من المستغرب ~~أن يتخذ امرأتين فى حياة أبيه، وهو لا يكسب قرشا بعرق جبينه، ولا مورد له إلا ما يجود به ~~عليه الوالد، ولهذا يحسن أن أقول، إن أباه زوجه وهو صغير - كما كانت العادة فى ذلك الزمان ~~- ليفرح به، وكانت ليلة الجلوة ليلة سوداء أعنى أن السرادق أقيم، وأضيئت الأنوار ونشرت ~~الرايات، ومدت الموائد، وراحت الموسيقى تعزف، وشرع المغنى يصعد إلى «التخت» وإذا بنبأ يجىء ~~من سمخراط أن المرحوم إبراهيم أفندى الوكيل توفى فجأة، فأطفئت الأنوار، وانفض السامر وشرع ~~الذين كانوا فى جذل وسرور وحبور، يتهيأون للسفر إلى المأتم. # ومضت سنوات فلم يعقب أخى نسلا فقلق أبى، ms15 وقال قائل: إن الزوجة عاقر، وقال آخرون قد يكون ~~العقم علته من «الولد» فما العمل؟ العمل أن يزوجوه من أخرى على سبيل التجربة وعند الامتحان ~~يكرم المرء أو يهان وقد كان، ولكن «الولد» - أعنى أن أخى - ظل لا يعقب شيئا، ولم يفد من ~~هذه التجربة، إلا أنه صار ذا زوجتين. # وعلى ذكر العقم، أقول إن أخى هذا وشقيقته - عليهما رحمة الله - من أخرى ماتت قبل أن يتزوج ~~أبى أمى، وقد شاءت الأقدار أن يكون نسلها عقيما، وأن يحرم أبناها - أخى وأختى - بعض زينة ~~الحياة الدنيا وأن يقاسيا من جراء ذلك ما يقاسيه كل راغب فى الذرية، وكان بلاء أعظم، فقد ~~اضطرت أن تصبر على الحرمان، وأن تحتمل ما يبديه بعلها من اللهفة على البنين وأن تنصح له ~~بالزواج، فلما فعل ورزق طفلا طلق أمه - أو ماتت لا أدرى، فتولت هى تربيته وتبنته وتعهدته ~~وأولته ما انطوت عليه نفسها من عطف الأمومة المخنوقة وحفظ لها هو ذلك، فكان أبر الناس فى ~~حياته وأحناهم عليها وأعمقهم حزنا لما وافاها الأجل. # وأعود إلى أخى بعد هذا الاستطراد فأقول إنه كان على هذا لا يجرؤ أن يسهر، أو أن يدخن أمام ~~أبى، فقد كان السهر والتدخين محرمين على غير جدى وأبى، فأما جدى فكان يتخذ ما يسمى ~~«الشبك» - بضم الشين والباء - وهو قصبة طويلة جدا نحو ذراع ونصف ذراع يتصل باخرها شىء ~~يحشى بالدخان وتوضع عليه الجمرة. وأما أبى فكان يتخذ السجاير ولكن ما كان مباحا لهما، كان ~~محرما على سواهما - لا أدرى لماذا؟ وإن كان أخى ذا زوجتين. # وقد رأيت أخى مرة يدس السيجارة فى جيبه وقد خرج عليه أبى فجأة فتحرق الجيب، فيطبق عليه ~~أصابعه ليخمد ما اضطرم. # وما أكثر ما كان أبى يضربه، لأنه يسهر، ويدخن! ولكن العلقة الكبرى كانت لما هو أدهى من ~~السهر والتدخين، حدثنى أخى بعد أن كبرت وأصبحت رجلا مثله لى شاربان أفتلهما ولحية أحلقها، ~~قال: (لم يكن باقيا على العيد إلا بضعة أيام، فخطر لى أن ms16 أقص شعرى قبل أن أذهب إلى الحمام) ~~- وكان أخى مغرما بحمام السوق أو الحمام التركى، يؤثره على ما عداه - وكنت قد مللت حلاقنا، ~~وكان شيخا وقورا له لحية كثة هائجة لا يعنى بتشذيبها وتقليمها، وسئمت فوطته الحمراء ~~المخططة، والطشت الذى يضعه لى عند رقبتى ويترك لى حمله، فيسيل الماء الذى يصبه على رأسى بلا ~~حساب، على ثيابى وينفذ إلى بدنى، فقلت ألتمس حلاقا آخر، وذهبت أجوب الشوارع وعينى على ~~دكاكين الحلاقين، حتى خرجت من الأحياء الوطنية ودخلت فى الشوارع التى يكثر فيها الأجانب، ~~واهتديت إلى حلاق أجنبى، فتوكلت على الله ودخلت فأقبل على يرحب بى، وأجلسنى على كرسى وثير ~~لا عهد لى بمثله ونشر على صدرى فوطة بيضاء مكوية، لها كمان يدخل فيها ذراعاى، وقص شعرى، ~~ثم نفض الفوطة وجاء بغيرها وحلق لى ذقنى بماء الكولونيا، ثم راح يقترح على أن يصنع كيت وكيت ~~مما لم أكن أعرف مثل «الماساج» و«الشامبو» إلى آخر ذلك، وأنا جذل أهز له رأسى أن نعم، كلما ~~عرض على شيئا من ذلك، ثم قال: «مانيكور» فهززت رأسى موافقا وإن كنت لا أعرف ماذا يعنى، ~~فدعانى إلى ماوراء ستار ونادى فتاة شقراء حلوة لا أدرى من أى الفراديس جاءت، وقال لها ~~كلاما فابتسمت لى وتناولت كفى الكبيرة الخشنة التى يغطى ظهرها الشعر، وعكفت على أظافرى ~~تنظفها وتقصها، ثم تناولت شيئأ جعلت تدهنها لى به وأنا أكاد أموت من الخجل، وصدقنى حين أقول ~~لك إن هذه أول فتاة غريبة لمست كفها كفى، فإذا أضفت إلى هذا أنها كانت ساحرة الجمال، ذهبية ~~الشعر، وضاءة المحيا، مشرقة الجبين، نظيفة الأسنان، وأن ابتسامتها فاتنة، وفى صوتها عذوبة ~~تذيب المرء، وأنها هيفاء ممشوقة، وخفيفة لطيفة، وأن فى نظرتها لينا يغرى بتطويقها وضمها، ~~وأنى ماعرفت من النساء إلا البدينات اللواتى يخنق روحهن ما عليهن من أكداس اللحم - إذا أضفت ~~هذا كله - فإن فى وسعك أن تدرك عذرى حين أقول لك إنى عشقتها ولم أستطع أن أقول لها ~~شيئا. # وكنت أنظر إليها كالأبله، ms17 ثم فتح الله على، وأطلق لسانى من عقاله فقلت وأنا مضطرم الوجه ~~من الخجل: إنى لم أكن أدرى أن المانيكور هو هذا، وإنى آسف فإن كفى كبيرة كالرغيف وعليها ~~غابة من الشعر، وأحسب أنه لا يليق بى أن أدعها تصبغ لى أطافرى، فإنى أخشى أن أضطر إلى إخفاء ~~يدى حتى يذهب هذا اللون، وهممت بأن أنزع يدى من يدها، فشدت عليها ولم تتركها لى، وقالت ~~بأعذب ابتسامة رأيتها فى حياتى: # إنه يسرها أن تنظر إلى هذا الكف الكبيرة الخشنة، وإن أكثر ما ترى من الأكف لين ~~بض غض كأكف النساء، فلم أدر ماذا أقول لها فى جواب ذلك، ولكنى أنفت أن تصبغ لى ~~أصابعى، وأبيت أن أناولها يدى الأخرى وقلت حسبى واحدة، وسألتها: متى يزول ذلك؟ ~~فقالت: «أوه! إنه لا يدوم.. لا تخف» فاشتهيت أن أقول لها أنى أحب أن أراها مرة ~~أخرى، ولكن لسانى وقف فى حلقى، فلم أنطق بحرف، واكتفيت بأن أمد لها يدى مصافحا، ~~فوضعت فيها راحتها الصغيرة فهززتها كأنما كنت أصافح رجلا فأدهشنى أنها قالت: «أرجو ~~أن أراك» فكان جوابى السخيف: «ولكنى لا أستطيع أن أقص شعرى كل يوم» فابتسمت وخيل ~~لها أنها تكاد تميل على وقالت: «إنى أخرج من هنا كل يوم الساعة السابعة مساء»، قلت: ~~«آه! إذا كان هذا فسأنتظرك على الرصيف الآخر.. كل يوم». # قال أخى وهو يقص على هذا الخبر: «وقد كان. تعلقت بها، وصرت أراها كل يوم فنذهب نتمشى، ~~وعرفتنى أشياء كثيرة لم أكن أعرفها، ولو استطعت أن أتزوجها لفعلت، وقد أطلعتها على كل شىء ~~ولم أخف عنها شيئا، ففهمت وعذرت، وبقينا صديقين حوالى عامين حتى خطبها واحد من أبناء ~~جنسها، وأحسست منها زهدا فيه، فأقنعتها بالرضا به إشفاقا عليها، ورغبة فى الاطمئنان على ~~مستقبلها. # ولكن هذا موضوع آخر، فلنرجع إلى المانيكور، وكانت يمناى لسوء الحظ هى التى صبغت أظافرها، ~~فلما عدت إلى البيت وقابلت أبى تناولت يده لأقبلها، فسألنى: ما هذه الحناء التى فى اصابعك؟ ~~فأخبرته بما حدث، وفى ظنى ms18 أنى لم أصنع سوءا، وما كنت أعرف ما هو المانيكور، وقد قلت له: ~~إنى لما عرفت ما هو أبيت أن أصبغ أظافر يدى الأخرى، ولكن وجهه اربد وهو يقول: «وما فرق ما ~~بينك وبين النساء الآن»؟ ونهض فدعا إليه الخادم «العم محمد» كما نسميه وأسر إليه شيئا ~~فخرج، وما لبث أن عاد ووراءه ثلاثة من الزبالين الأقوياء، فأشار إلى فربطونى بالحبال، ~~وألقونى على الأرض، وأنا من فرط الذهول لا أقاوم. وجاء أبى بخيزرانة طويلة وأهوى بها على، ~~لا يتقى شيئا ولا يبالى أين وقعت وماذا أصابت من بدنى ولم ينقذنى إلا خالتى (يعنى أمى، فقد ~~كان يدعوها خالتى) فقد أسرعت وانحدرت إلى ولم تبال هؤلاء الزبالين، ولم تعبأ بظهورها ~~أمامهم سافرة وفى ثياب البيت، وارتمت على، وجعلت نفسها بينى وبين الخيزرانة فاضطر أبى أن ~~يكف ولكنه أمر فسجنت فى إحدى «المناظر» ثم خرج. # وأتم أنا الحكاية فأقول إنى توجعت لأخى وحزنت لما أصابه من الضرب الأثيم، وما هو فيه من ~~السجن ولم يكن أحد يستطيع أن يصنع شيئا، وإلا حل به غضب أبى، ولكنى كنت طفلا لا أدرك هذا ~~إدراكه، فصممت على إخراج أخى من محبسه وفك وثاقه. وكان لابد من الحيلة، ولكن الأطفال شياطين ~~فدبرت الأمر مع أخى الأصغر، وجليلة بنت خادمنا، وكان مفتاح «المنظرة» مع الخادم فلم نزل به ~~نلاعبه ونتحين منه غفلة حتى سرقت المفتاح، وأوعزت إلى أخى وجليلة أن يبعدا به عن فناء البيت ~~ففعلا، ففتحت الباب وأعيانى حل الحبال فجئت بسكين وقطعتها، وأطلقت سراح أخى وقد ظل يحفظ لى ~~هذا الجميل طول عمره. # وهنا ينبغى أن أذكر أنى عدت إلى الخادم فدسست له المفتاح فى جيبه وهو لا يدرك ولا يزال ~~هذا الخادم حيا ولا يزال يتعجب لأخى كيف وسعه أن يقطع الحبال الغليظة التى كان موثقا بها، ~~وأن يفتح الباب ويخرج، وكلما ذكر هذه الحادثة، هز رأسه وقال: الله يرحمه! لقد كان عفريتا». # وكان هذا أول سر حرصت فى طفولتى على كتمانه. # | الفصل الرابع ms19 # قلت لنفسى بعد أن كتبت الفصول السابقة، وسردت فيها بعض ما أذكر من عهد الطفولة: «اسمع يا ~~هذا، لقد رأيت أباك يضرب أخاك، ويلهب له جلده بالخيزرانة الطويلة، ولم يضربك - كما كان ~~يضربه - لأنك كنت أصغر من أن تحتمل ذلك، أو لأنك كنت أشبه بالقطة الأليفة أو كلب البيت الذى ~~يقبل منه أصحابه العبث ولا يرضون عنه أو يسرون به إلا إذا لعب وتشيطن وأظهر لهم نشاطه ~~وذكاءه أو لعل اتقاءه ان يضربك ويشويك بالعصا، راجع إلى أن أمك حية ترزق، وفى البيت معك وأن ~~أم أخيك لحقت بمن غبر فلك دونه من يحامى عنك وأخوك كان قد بلغ مبلغ الرجال فكان أبوكما ~~لايسعه الا أن يثقل عليه الشعور الخفى بأن هذا الشاب يزحزحه شيئا فشيئا عن مكانه: وينزله ~~يوما بعد يوم عن سلطانه، وأنه هو الذى سيحل محله عاجلا أو آجلا، كما حل هو محل أبيه - أى ~~جدنا - وإن كان على قيد الحياة، وعسى أن تكون بواعث الضرب لا هذا ولا ذاك بل تصادم ~~الشعورين، شعور الابن بأنه هو الشاب، وأن أباه قد شيخ، كائنة ما كانت سنة فى الحقيقة وشعور ~~الأب بأن ابنه هو ابنه فهو طفل بالغا ما بلغ طوله وعرضه، أو لا أدرى ما العلة والباعث ~~الصحيح، وإنه ليخطر لى مائة تعليل وتعليل ولا أرى واحدا منها وحده يقنعنى. # وخطر لى وأنا أحدث نفسى بهذا أن هذا التفاوت بين الأب والابن من المصائب. فنحن الاباء، ~~قد كبرنا فى نطر الأبناء، ولا يمكن أن يعد الابن أباه إلا شيخا هرما، تقضى شبابه من زمان ~~طويل، ولا يمكن أن عليه أن يتعرى هو منه، فلا يجوز له ما يجوز للشاب ويعقل منه، ولا يليق به ~~إلا حال الشيوخ الفانين ولو كانت الحقيقة أنه ما انفك قويا كفئا للحياة. # وذكرت - وأنا أدير هذا المعنى فى نفسى - أنى لم أسمع ولم أر قط: فى طفولتى، شيئا - كلمة ~~أو ايماءة أو نظرة - تشى بالحب بين أمى وأبى. وكان يخيل إلى أن ms20 العلاقة بينهما قوامها ~~الاحترام المتبادل أكثر مما كان قوامها الحب. وهذا خطأ. ولكنه هو الذى كان يبدو لى فى تلك ~~السن الغضة. ولقد مات أبى وأنا صغير وخلف لى أمى فحزنت عليه اثنتين وثلاثين سنة، لم تخلع ~~فيها السواد يوما واحدا، وقد يكون هذا من الإكبار لا الحب، ومن أجل ماطابت به نفسا فى ~~حياته، ولكنى أظنهما كانا متحابين أيضا فقد كنت أسألها فتبتسم وتطرق استحياء ويضطرم وجهها ~~حتى فى كهولتها الذاوية، وألح عليها بالسؤال فتنهرنى، وتزجرنى عما تظنه عبثا منى، وكنت ~~أغالطها أحيانا وأفاجئها بالسؤال على هذا النحو «ماذا كنت تحبين فى هذا الرجل المزواج ~~المتعب الذى جعل حياتك معه جحيما فائرا بالغيرة»؟ فكانت تؤخذ على غرة وتقول - قبل أن تفكر: ~~«إنك لاتساوى الظفر الذى كان المقص يطيره من أصبعه». وترانى أبتسم فتدرك أنها اعترفت فتغضب ~~أو تتكلف الغضب، وأحيانا تطردنى من مجلسها، وهى تجاهد أن تعبس ويأبى وجهها إلا أن يضحك ~~وتقول لى: «قم، طيب قم، كفى قلة حيا». فأنهض طائعا وأميل على رأسها فأقبله فترضى عنى وتدعو ~~لى فأقول لها ويدى على الباب. ~~«اسمعى.. لم أعرف أبى كما ينبغى أن أعرفه، فقد مات قبل أن أكبر، ولكن القليل الذى عرفته ~~مضافا إلى الكثير الذى سمعته منك، يقنعنى بأنه «هو» لم يكن يساوى الظفر الذى يطيره المقص من ~~أصبعك وعزيز على أن أقول هذا عن أبى؛ فقد كان على العموم رجلا فاضلا ذا كرامة، وإذا كنت ~~أبخسه حقه فذاك لأنك عندى بمنزلة لا تدانيها منزلة، أنت خير الناس وسيدة الدنيا؛ وكل من ~~عداك هباء. واسمعى أيضا: أنا أحاول أن أحيا حياة فاضلة لأنك معى فى الدنيا. مجرد شعورى ~~بوجودك يرفع نفسى، ويعصمنى من كثير، وما هممت بشىء إلا رأيتنى أسأل نفسى: هل ترضى عنه أمى ~~لو علمت أو لا ترضى؟ فأقدم أو أحجم تبعا لجواب السؤال. ولو خلت منك دنياى لما بقى شىء يصدنى ~~عن الشر والرذيلة، ولست أطيق البعد عنك لحظة ولكنى مقتنع أنه لو كان أبى ms21 حيا لما أمكن أن ~~أحتمله، ولا أطقت أن أعيش معه تحت سقف واحد، ولعل ذاك لأنك - وأنت سيدتى - تدعيننى أشعر آنى ~~أنا السيد ولكنى أظن السبب أنى أحبك وأجلك، وأنى مدين لك بكل ما جعلنى كما أنا، أطال الله ~~عمرك. # ولكن - سبحانه وتعالى - لم يشأ أن يفعل كلا، لم يكن للحب ذكر، فى بيتنا ونحن أطفال. ولكنه ~~كان معى - هذا - موجودا، بين أبوى على الأرجح، وإن كنت أنا لا أرى دلائله ومظاهره، وبين ~~جدى وجدتى على التحقيق. وكان جدى قد قارب المائة، وجدتى قد ناهزت السبعين، ولكنهما كانا ~~كالطفلين ولم يكن أحلى من تناجى هذين القديمين اللذين ردهما الهرم إلى مثل حال الطفولة ~~وسذاجتها وطيبتها، وكانا لايعبآن شيئا بوجودى، وهما كما يقول الشريف الرضى: # تساقينا التذكر فانثنينا # كأنا قد تساقينا الطلاء # وكان الذى يتناجيان به سهل الفهم فقد كان قصصا وحكايات قديمة، مما وقع لهما وجرباه، ولكن ~~الحنو، وعذوبة الصوت، والذوبان، وحلاوة اللمعة فى العين التى انطفأ نورها أو كاد، واضطراب ~~الشفتين إذ يقول الشيخ برقة: «هل تذكرين ياحاجة..» فتهز رأسها المصبوغ بالحناء ويفتر ثغرها ~~الأدرد ويومض السرور فى عينيها ويشرق به وجهها الأحمر - فقد كانت بيضاء حلوة - وتقول «إيه» ~~ممطوطه طويلة، ولكنها «آية» الرضى والحمد لله والاغتباط بجمال الذكرى. لا الأسف والأسى، فقد ~~كان حب هذين المتهدمين من الدنيا، إنهما معا فيها، وأن غرفة واحدة تجمعهما، وأن لهما بنين ~~وحفدة، كلهم أحياء وبخير ولله المنة، وكنت أرى منهما ذلك فأدرك أنهما مسروران وإن كنت لا ~~أدرك كنه السرور، وأحس بفرحة غريبة بهذين الوجهين اللذين غضنهما السن وحفرت فيهما أخاديد ~~عميقة، فأرتمى على جدتى وأطوقها وأقبلها، فتضمنى وهى تقول ضاحكة: «إوع تفعصنى يا ولد» ثم ~~تهوى على رأسى أو خدى بفمها الفارغ وتقبلنى فيكون لقبلتها صوت كقولك «مق». # وأنا الآن رجل، ولى زوجة وبنون، لا بنات، فقد أبت مشيئة الله أن يكون لى بنات على إيثارى ~~لهن، وأنا ابن هذا الزمن، لا ذاك الذى عاش فيه أبى وجدى من قبله ms22 ومع ذلك أرانى أستحى أن ~~أقول لزوجتى إنى أحبها، وأشعر أنه لا يليق بى أن أقول ذلك، ولى كل هؤلاء البنين، وأحس أن ~~زمن الكلام فى ذلك قد فات وهو لم يفت فى الحقيقة، لكنا جربنا وعانينا وفكرنا، فعرفنا - ~~عرفنا ماذا يحق للمرء أن ينتظر، سحره، وزالت فتنته، وفقد الحب تلك القدرة على خداع النفس ~~ومغالطتها وإيهامها. # ويا ربما قلت لنفسى، حين أخلو بها وتتدفق خواطرى فى هذا المجرى: «لماذا أخجل أن أقول ~~لزوجتى إنى أحبها، أمام هؤلاء الأبناء»؟ وأقول فى جواب السؤال إن هؤلاء الأبناء يروننا ~~كبارا، ولا يتوقعون منا ما هو متوقع من الشبان، ولعلهم يظنون بنا أننا كنا فى صدر حياتنا كل ~~شىء إلا شبابا، ويهيجنى ذلك ويثير نفسى فأقول ساخطا معاندا: «ولكنى لا أنوى أن أجعل حياتى ~~وفق ما يظنون، قاتلنى الله إن فعلت. وأدخل على زوجتى ويكون معها هؤلاء البنون وغيرهم من ~~الضيفان - من الأهل أو الغرباء - فأتعمد أن أنثنى بالحديث إلى ذكر الحب، وأهم بأن أجرى مع ~~العناد، فأحس كبح الخجل، فأضطرب وأخرج من المأزق بمزحه، فيظن السامعون أنى أهزل؛ وتعرف هى ~~أنى أجد.» # فلا فرق بينى وبين أبى، وإن كان بين زمنينا كل فرق وما زلنا، تحس اللجام على أشداقنا، ~~والأعنة الخفية التى تصدنا وتلوى رءوسنا، وتوجهنا وجهة غير التى تدفعنا إليها طباعنا ~~وغرائزنا، وبعد عشر سنين من الزواج والألفة والحال الوثيق يحمر وجه الزوجة إذا همست فى ~~أذنها بكلمة حب أو لفظ يشى به وإن كان لا يصارح، وما أعرفنى استطعت قط أن أقول لواحدة إنى ~~أحبها بالغا ما بلغ جنونى بها، فإذا شق على الكبح ونازعتنى نفسى أن أقول، قلت ولكن مازحا، ~~أو متظاهرا بالمزاح متصنعا له لأشككها، ولأنى أستحى أن أنطق باللفظ، أو على الأصح لأنى ~~أشعر أنى إذا قلت الكلمة فقد صرت عبدها - أعنى عبدا للمرأة لا للكلمة - وأنها حقيقة إذن أن ~~تتخذ منى حصانا تركضه بين الوعور، وأنا لا أطيق أن أحس بقيد ما، ولو كان من حرير، ms23 وما ~~أحسست قط بقيد إلا نفرت وشردت وتمردت. وأنا فى كل يوم أقيد نفسى وألزمها أشياء شتى، ولا ~~أزال قابضا على اللجام أشده وأصرفه إلى هنا وههنا، ولكن هذا لا يتسنى إلا إذا كان زمامى ~~فى يدى، والأمر كله إلى إرادتى، فإذا شعرت أن يدا أخرى تريد أن تقبض على الزمام طار عقلى، ~~وفقدت اتزانى وركبت رأسى، وأكون واثقا أن هذا خطأ، وأنه عناد صبيانى، وأنى لو وكلت إلى ~~نفسي ورأيى لما فعلت إلا مايراد منى أن أفعل ولكن طبيعتى تغلبنى فأشقى، بين دعوة العقل ~~العاجز ودعوة الطبع الجامح. # والناس لا يضربون بنيهم فى هذه الأيام كما كان أبى يضرب أخى. وهم فى هذا على حق، فإن ~~الضرب ليس تأديبا وإنما هو ترفيه عن الوالد، ووسيلة لإراحته من ثقل الشعور الذى يجيش ~~بصدره، فهو شىء ينفع الأب ولا ينفع الابن. # ودأب الناس فى زماننا أن يترفقوا بالأبناء ويجنبوهم التنغيص، وهذا جميل ولكنى أحس أنهم ~~يبالغون فى الرفق ويسرفون فى اللين، ويجعلون حياة الطفل أرغد مما ينبغى وأخلى من المشاكل ~~والعقد، ومن كل ما يستدعى إجهاد الفكر أو مايستثير الشعور ويوقظ النفس، فليتهم يضربون ~~أحيانا - برفق أيضا - ولا بأس من أن يخرجوهم إلى العناد ويدفعوهم إلى التمرد، ليعرفوهم ~~بأنفسهم ويكتشفوا لهم عن بعض خفاياها. # جرى هذا ببالى وأنا أكلم شابا فى الثانية والعشرين من عمره، ولم أكن أعرف ماذا تعلم أو ~~يتعلم وكان كلامنا فى شىء من الهندسة فوافقنى على رأى كان يعرف - كما تبينت فيما بعد - أنه ~~خطأ محض فقد كان طالبا فى مدرسة الهندسة وكان فنه ما خضنا فيه، ومع ذلك لم يخالفنى، ولم ~~يصحح لى غلطى فإذا كان هذا لا يضرب حتى يدمى جلده ويتسلخ ليتعلم احترام النفس وليفهم أن ~~المخالفة ليست عيبا وأنها ليست من سوء الأدب بل من الواجب ما دام يعتقد أنه على حق - فمن ~~غيره الجدير بالضرب؟ وكيف تكافح هذه النعومة وذاك التطرى لتجعل من ابنك رجلا يعرف قدر نفسه ~~ويكرم عقله؟ أما أنا ms24 فسبيلى كسبيل أبى، ولست أستعين «بالزبالين» ولا أنا أقسو قسوته، ولكنى ~~لا أحجم عن قرص آذانهم ولكمهم إذا رأيتهم يجبنون أو يكذبون أو يبكون الغير «ما يبكى الرجل» ~~وقد جاءنى واحد منهم وقال إن تلميذا معه فى المدرسة ضربه، فسألته عنه أهو أكبر منه.. وهل ~~هو أضعف من أن يضربه كما ضربه.. فكانت نعم هى جواب السؤالين، فتناولت أذنه الصغيرة وقرصتها ~~قرصا وجيعا وقلت له «ألم يكن فى الشارع حجر تتناوله وتقذفه به فتفتح له قرنه..» قال «بلى» ~~قلت «لماذا تجيئنى باكيا وفى وسعك أن تنصف نفسك منه»؟ وأنذرته أنى لا محالة قاتله إذا تكرر ~~منه ذلك، ولم يكن القتل ما أعنى، وإنما عنيت الضرب الأليف، وقد فهم عنى الطفل، وأثبت لرفاقه ~~أنه كفء لهم، فكفوا عنه وهابوه، وقد احتجت بعد ذلك أن أجعل جرأته غير راجعة إلى مجرد الخوف ~~منى. # أظن أن هذا خير وأهدى من هذه التربية الطرية التى تفضى إلى التخنث. # | الفصل الخامس # حليمة وعم محمد # كان خادمنا رجلا يدعى «عم محمد» لا يعرف أحد من أين جاء؟ حتى ولا هو يعرف، وقد سألته من ~~أى بلاد الدنيا هو؟ فشور بيديه وهز رأسه ولم يجب، ولعله نسى، فقد علت سنه جدا، والأرجح ~~أنه جاء إلينا وهو صبى لا يفقه، فقد كان لكل أسرة خادمها الذى نشأ وترعرع، - وشاب أيضا - ~~فى ظلها، ولم يكن أحد ينضو عنه ثوب هذه العمومة إلا ثلاثة: جدى وأبى، من الرجال، وجدتى من ~~النساء أما سائر أهل البيت فكان اسمه عندهم «عم محمد» وكان هذا بعض ما يكرم به الناس خدمهم ~~فى ذلك الزمان. # ولا أذكر كيف كان وجهه فى حداثتى، فإن مسافة الزمن بعيدة، ولكنى أنظر إليه الآن - فإنه لا ~~يزال حيا يرزق - وأرى كيف كان يمشى معتدل القامة كالسيف يأبى أن يتخذ الترام أو غيره أو ~~يقطع المسافات بين أرجاء القاهرة إلا على رجليه، وكيف أنه لا يمرض ولا يرقد ولا يشكو شيئا ~~حتى فى هذه الشيخوخة العالية ، وكيف أنه لا ms25 يزال يشرب «البوظة» التى أعرفه - مذ عرفته - ~~كلفا بها لا ينصرف عنها أو يتوب - ولو قطعوا رأسه وأوصاله - فيخيل إلى أنه كان دائما هكذا ~~- بشاربيه الخفيفين، وأسنانه القوية التى لم تسقط ولم تتزعزع منها واحدة، ووجهه المغضن ~~الحافل بالأخاديد والحفر، وحذائه الأصفر الباهت الذى يحرص مع ذلك على صقله فيمسحه بطرف ~~المعطف العتيق الذى خلعته عليه منذ خمسة عشر عاما، ويأبى مع ذلك أن يبلى أو يتمزق. # وكان عمله مقصورا على ساحة البيت وما فيها من غرف أو «مناظر» - كما كانت تسمى - وعلى ~~قضاء الحاجات من السوق، ولا يجوز له أن يصعد إلى حيث السيدات فإن لهن خادمتهن التى لا ينبغى ~~لها تجاوز السلم إلى ساحة البيت وكانت حليمة هذه فتاة سمراء واسعة العينين مقوسة الحاجبين، ~~طويلة الأهداب وممشوقة رشيقة، وكانت هى التى تنزل إلى عم محمد إذا احتاج البيت إلى شىء فتقف ~~على آخر درجات السلم وتنقر على الباب فيجىء إليها، فحدث ما كان لابد أن يحدث - أحبها ~~وأحبته. # وأقبل عم محمد يوما على جدى، وهو جالس على كرسيه فى الدهليز وفى يده نبوته وشفتاه ~~تتحركان بالتلاوة، ووقف إلى جانبه يفرك كفيه ويتحين من الشيخ التفاته إليه، فلما فعل، مال ~~عليه وأسر إليه أنه يطلب يد «حليمة» فهش له الشيخ لأن الزواج نصف الدين، ووعد أن يخاطب أبى ~~فى الأمر وأن يحمله على الموافقة. # وقد كان - تزوجا - وصارت حليمة، تنتقل فى الليل إلى غرفة «عم محمد» فى البدروم كما يسمى ~~فى مصر، أو السرداب كما يسمى فى العراق. # وقد جهزوها له بسرير وخزانة وصندوق أحمر، وحصيرة ملونه وبساط قديم مما كان فى البيت، ~~وكانت حليمة هذه قوية جليدة لا تفتر ولا تهن، فكانت تعمل طول النهار وشطرا من الليل، فى ~~البيت - تكنس وتمسح وتغسل، وتنفض وتشيل وتحط، وترتب، وتغربل وتعجن وتخبز وتساعد فى المطبخ، ~~وتطلع وتنزل، حتى إذا جاء وقت النوم انحدرت إلى «عم محمد» وبقيت معه إلى الفجر، فتنهض لتوضئ ~~الشيخ وتعد له «الشبوك» والقهوة . # وحملت حليمة، فعظمت ms26 بطنها، فأرادوا أن يترفقوا بها، وأن يعفوها من عملها الشاق حتى تضع ~~حملها، ولكنها أبت وظلت تروح وتجىء وتشيل وتحط وتقوم وتقعد. وهى مسرورة وزاد وجهها إشراقا ~~ولمعت عينها بنور البشر والجذل. # وكان جدى يصعد بعد الغروب بقليل. أما أبى فكان يترك المكتب ليصعد أو يخرج، بعد صلاة ~~العشاء، وينصرف الكاتب، ويوصد الباب، ويصفق عم محمد فتطل عليه حليمة من إحدى النوافذ - فما ~~بقى من هذا بأس بعد انصراف الرجال - فيسألها «عاوزين حاجة..» فتستفسر ثم تخبره، ويطمئن ~~فيخرج متسللا ويغيب ساعتين أو ثلاثا ثم يعود وهو يتطرح من السكر، وكان لا يشرب إلا ~~البوظة وكان جدى ينهاه ويعظه، وأبى يضربه وهو لا ينتهى ولا يرعوى، حتى يئسا من صلاحه فأهملا ~~أمره وتركاه للأيام، فلم تزده إلا حبا «للبوظة». # وقد سألته مرة «ألا يمكن أن يزهدك شىء فى هذه البوظة»؟ # فأجابنى بسؤال «أهى حرام»؟ # قلت «من عاشر القوم أربعين يوما صار منهم». # فنظر إلى مستفسرا مستوضحا فقلت أعني أنك أصبحت تفنى. من طول ما عاشرت أهل القلم. ولكن ~~قل لى. إنك تشربها منذ نحو سبعين سنة، أفلم تسأمها. سبعون سنة طويلة. إن المرء خليق بعدها ~~أن يمل الحياة، فكيف بالبوظة؟ # فقال معترضا «سبعين سنة إيه يا سيدى»؟ # قلت «معذرة. لندع السن، ولكن ألم تسأم»؟ # قال «لم يبق لى ما أتسلى به سواها». # قلت «وحليمة»؟ # قال «حليمة. الله يطيل عمرها ويخليها لأولادها ويبارك لها فيهم» فأقصرت، وبودى أن أسأله ~~«ألا يزال يحبها»؟ # وكانت ليلة أحياها «عم محمد» بالسهر فى البوظة وهو آمن، فقد كان جدى نائما، وأبى فى بيت ~~زوجته الأخرى، فلما عاد وتطرح إلى غرفته، ألفى حليمة راقدة، ولكن عينيها مفتوحتان، وإلى ~~جانبها شىء مغطى بملاءة، فوقف عند السرير، ونظر إليها مستغربا ابتسامتها وكانت عادتها أن ~~تنهض له حين يدخل عليها لتكون فى خدمته حتى ينام فلما طال تحديقه فيها، تحت الملاءة ورفعت ~~ما تحتها، على كفيها ليراه، فأفاق وذهب عنه خمار السكر، وهوى على ركبتيه، وأسند جبينه إلى ~~مرتبة السرير ms27 وراح يبكى - بكاء الفرح لا الحزن، فوضعت حليمة طفلتها، وجلست، ومدت يدها إلى ~~رأسه لترفعه وتمسح له دموعه فتناول كفها ولثم راحتها، ونظر إليها وقال: «لو كنت أعلم لما ~~خرجت». # قلت: «خروجك كان أحسن.. ماذا يصنع الرجل فى هذه الحالة»؟ # فسألها «كيف.. من كان معك»؟ # قالت «لا أحد.. لم أخبر أحدا.. ما الداعى»؟ # فدهش ولكنها ابتسمت ونهضت، لتقوم بخدمته كعادتها، وحاول هو أن يمنعها، فسخرت منه، وسخنت ~~له الطعام وقدمته إليه ليأكل، وكان لا يأكل إلا قبل النوم مباشرة، وبعد أن يرتوى من البوظة ~~فعكف على طعامه وهو يتعجب لحليمة وقوتها وجلدها، حتى ليجيئها المخاض فتتشدد وتحتمل آلامه فى ~~صمت، وتضع وحدها وبلا معين، وبعد ساعة أو ساعتين ترجع كما كانت، لا فاترة ولا متهافتة ولا ~~مسترخية وجال بخاطره أن حليمه آية من آيات الله، وأنه سعيد بأن تكون زوجته، وحدثته نفسه، ~~على ما روى لى أن يجعل مظهر شكره لله وإقراره بنعمته عليه، أن يكف عن معاقره البوظة، ولكنها ~~كانت نجوى ليس إلا. # وقال لها وهو يمسح يديه فى الفوطة: «يجب أن تستريحى غدا على الأقل.» # فاستغربت هذا الاقتراح وقالت «أستريح. أنت مجنون»؟ # ولم تسترح حليمة ولا دقيقة واحدة، فكانت ترضع طفلتها وتتركها وتواصل عملها ~~المتنوع. # ولا تزال حليمة إلى اليوم - وقد جاوزت الستين - أقوى وأقدر على العمل من عشر فتيات فليس ~~أعجب من «عم محمد» إلا امرأته التى لاتكل ولا تفارقها ابتسامتها - كأنها مرسومة - ابتسامة ~~العطف والرضى والتسامح، وما أكثر ما افتقرت إلى عطفها، ورضاها وتسامحها، وكان حسبى منها فى ~~كل حال أن تنظر إلى بعينيها النجلاوين، وأن أرى ثغرها المفتر فتسكن نفسى ويشيع فى صدرى ~~الاطمئنان، ويعمر اليقين قلبى، ولا يسعنى إلا أن أجيبها بابتسامة، فتهز رأسها على مهل وتربت ~~لى على كتفى وتمضى. # صدق عم محمد فان حليمة آية .... # | الفصل السادس # الحادثة الثالثة أن «جليلة» بنت حليمة وعم محمد - أكلتها النار وأنا أنظر إليها مسحورا. ~~وبعد سنوات وسنوات طويلات المدد، قرأت أن نيرون أضرم النار فى ms28 رومية - عروس الدنيا يومئذ ~~ووقف على تلها فى حاشيته المستهترة، وفى يده قيثارته يعزف عليها، وعيناه على الضرم المتأجح ~~والدخان المتكاثف، فاستطعت أن أفهم، ولم يعينى أن أدرك سحر النار وفتنة هولها، وكان الذى ~~تمثل لخاطرى وأنا أقرأ ذلك.. لا رومية وبناها العالية وقصورها الضخمة بل «جليلة» وقد ضربت ~~النار عليها سرادقا. # ولم تطلق المسكينة إلا صيحة جزع واحدة، ثم وقفت كالتمثال، وذهبت النار تأكل ماعليها من ~~خفيف الثياب وتحيل جسمها الأسمر الطرى جمرة مضطرمة. # وكنت واقفا على سلم البدروم - مسمرا هناك - وعينى عليها لا تتحول عنها، وفى مسمعى من ~~اللهب الخفاق اللمعان مثل الدمامة والتدويم، وفى أنفى رائحة اللحم المشوى وعلى وجهى صهد ~~الحر. # وكان الوقت شتاء، والبدروم يكون فى الصيف رطبا فكيف به في زمهرير الشتاء.. وكانت جليلة قد ~~سبقت أمها إلى هذه الغرف التى تشبه القبور، فشرعت تضرم الفحم - أو السن كما يسمى تراب الفحم ~~- فى الموقد لتدفأ به، ولم تكن عندها منفاخ تعجل به إيقاد النار وكانت ترتعد وتنتفض من ~~البرد، وكان مصباح الغاز مضاء، فتناولته وانحنت به على الموقد ورفعت غطاءه النحاسى الذى ~~يتدلى منه الشريط فى الغاز ولم تر أن تنزع الزجاجة وتطفئ الشريط قبل أن تصب الغاز على ~~الفحم، فسال منه شىء على ثوبها وهى لا تدرى، أعادت الغطاء إلى مكانه من المصباح، ووضعته ~~إلى جانبها على الحصيرة وأشعلت عودا وأدنته من البترول فى الموقد فارتفع منه اللهب فجأة، ~~وكانت حانية عليه، فردت وجهها بسرعة، ونسيت أن تتناول المصباح وهى تنهض قائمة، فانقلب ~~المصباح واشتعل طرف الثوب الذي كان مسفسفا بالبترول. # وليس هذا خيالا أتخيله فقد رأيته كله بعيني، وكنت قد غافلت أمى وحليمة، وانحدرت وراء ~~جليلة، وفى مأمولي أن أجالسها وألاعبها وأسامرها قليلا، فقد كنت مشوفا بها، وكانت هى تأنس ~~بى وتهش لى، ولا تضن على بما تعلم - مما سمعت أو رأت أو خطر لها. وكنت على عتبة الباب، وكنت ~~أهم بأن أضع قدمى على درجة السلم نازلا إليها ، فرأيتها تمشى إلى ms29 «الصفة» وتعود بالمصباح فى ~~يدها، وألهمت أن أقف حيث كنت - على العتبة - فلم يفتنى شىء من الفاجعة. # وألقيتها تهوى إلى الارض، والنار حولها، فأفقت وارتددت راجعا إلى ساحة البيت: ورحت أصيح، ~~وأزعق وأدعو كل من يسمع أن يدرك جليلة فإنها تحترق. وسرى الخبر سريان النار فى الهشيم ~~اليابس، وكان أخي الأكبر فى البيت، فنزل مع النازلين، ورأوا أن جليلة قد أكلتها النار، فصار ~~هم الجميع أن يطفئوا الحريق، فقد امتد لسان النار إلى الحصير والسرير وسائر ما فى ~~الغرفة. # وكنت بينهم، أروح وأجىء إلى حيث أراهم يروحون، ومن حيث يجيئون، ولا أعمل شيئا، وكانوا ~~مضطربين وكان لغطهم كثيرا وعاليا، وكان النساء يبكين ويولولن وفى أيديهن الطشوط والأباريق، ~~وأخى يتناولها منهن مترعة ويصب على النار، ولا يفتأ يسأل عن «محمد» - «ابن الكلب» أين غطس ~~فى هذه الليلة السوداء، ويتوعده بعلقة، ويقول ليته كان هو الذى احترق، وبقيت جليلة، فتقول ~~حليمة - عفى الله عنها «آه والنبى». وترسل الصوت مجلجلا فى سكون الليل بالنواح على بنتها، ~~ولا تكف عن ذلك، وعلى الرغم من الحرقات، التى تعانيها لاتتوانى عن ملء الطشوت وحملها إلى ~~أخى. # ورآنى أخى كالكلب الذى لا يترك قومه ولا ينفك يجرى معهم ويطوف بهم ويدخل من بين سيقانهم ~~ويربكهم وهو يريد أن يعرب بخفة حركته بينهم عن مشاركته لهم فيما هم فيه، فزجرنى وطردنى ~~وأمرنى أن أصعد. # ولكنى لم أطع - نعم نأيت عن البدروم، ولكنى بقيت فى فناء البيت وكيف أصعد إلى فوق. وكل من ~~فى البيت قد ترك هذا الفوق إلى تحت؟ وكيف أكون وحدى فى مأمن من المخاوف التى كظوا لى رأسي ~~بصورها فيما كانوا يقصون على كلما أرادوا تنويمى.. كأنما كان خير ما ينيم الطفل هو هذه ~~المفزعات. # وجاء أبى: فقد دعى من البيت الصغير ورآنى فى الساحة وحدى، فأقبل على يسألنى بصوته الهادئ ~~المتزن النبرات «أنت هنا»؟ فبكيت.. كأنما فتح لى هذا السؤال منفسا فتفجر ما كان محتبسا ~~فربت على كتفى، ومضى عنى إلى البدروم، فألقي أهل ms30 البيت جميعا جالسين على درجات ~~السلم. # وكان لابد أن تأتى الشرطة، وأن يجرى التحقيق، وكانت النار قد أطفئت، فذهب بى أبى إلى ~~المكتب ولحق أخى بنا، بعد أن غير ثيابه وهناك قصصت عليهما ما رأيت، وكان الشرطى أخوف ما ~~نخاف نحن الصغار، بعد العفاريت والأمساخ، وغير هذه، وتلك من المرعبات. وكان الذى نعرفه هو ~~أن العسكر عدو لدود لخلق الله، وأنه مجعول للقبض عليهم والزج بهم فى المحابس، وأن «الكركون» ~~- كما كنا نسمى مركز الشرطة - ليس أكثر ولا أقل من سجن فظيع، وأن العاقل من يتقى أن يمر من ~~أمامه، فشرع أبى يذهب عنى الروع ويطمئنى، ويروضنى على السكون إلى لقاء هؤلاء الشرطة وغيرهم، ~~ويفهمنى أنه ليس على أكثر من أن أروى لهم ما رأيت، ويؤكد لى أنى سأكون موضع عطفهم، وأنى ~~سألقى منهم كل خير، وأنه لن يصيبنى منهم سوء، فنسيت وذهلت عن النار التى اشتوت بها جليلة، ~~وعن فجيعتى فيها، ولم أعد أفكر إلا فى هؤلاء الشرطة المخوفين الذين سأقف أمامهم وأسأل ~~وأجيب. # مضت على هذه الحادثة أربعون عاما، ولكنى لا أرى أثرها يمحى أو يبهت، وليس أبغض إلى ولا ~~أقدر على إفزاعى وإطارة عقلى من النار، ويمضى شتاء بعد شتاء، وتحتاج إلى أضرام النار فى ~~الموقد للتدفئة فيسألنى أهل البيت فأصيح بهم «يا خبر أسود! لا لا لا.. حاذروا» وترتفع قبل ~~عيني جليلة «فى سرادق من اللهب الخفاق ...». # ويلحون على ويقولون إن البرد قارس، فأروح أتفلسف وأقول لهم إنهم بله، وإنهم يضعفون ~~أجسامهم بتعويلهم فى المقاومة على الثياب والنار، وأن قدرة أجسامهم على المقاومة تزيد إذا ~~خففوا ولم يسرفوا فى التوقى، ولم يجعلوا معولهم فى التماس الدفء على شىء أجنبى منهم، وأقول ~~لهم أيضا إنى أضعف منهم جميعا، وأنحف وأحوج إلى وسائل الوقاية، ولكنى أحتمل ما لا يحتملون. ~~فلماذا؟ لا سر هناك كل ما فى الأمر أنى لا أكثر من الثياب، ولا أتخذ المعاطف إذا وسعنى أن ~~أستغنى عنها، ولا أستعين بالنار. وأذكر لهم أنى كنت فى ms31 صدر أيامى ألف رأسى عند النوم فى ~~فوطة كبيرة وألبس ثيابا من الصوف حتى فى وقدة الصيف المحرقة، فكنت لهذا طول عمرى مزكوما، ~~وكان السعال لا يترك لى راحة فى ليل أو نهار، ثم ضاق صدرى، وحزنت على نفسى وقلت، إذا كان ~~هذا حالى فى شبابى، فماذا عسى أن أكون فى الكهولة والشيخوخة؟ وكان هذا يسود الدنيا فى عينى ~~ويغرينى بالتشاؤم. # وكانت المرارة تقطر من قلبى على الورق، فى شعرى ونثرى، ويئست فتمردت وقلت إنه لن يصيبنى ~~شر مما أعانى، فخففت، وصرت إذا نمت أخلع ثيابى جميعا ولا أبقى منها إلا الكفاية للستر، ~~أى الجلابية ليس إلا، وكان الأوان يسمح بذلك، فقد كان الوقت صيفا، فلما جاءت مقدمة الشتاء، ~~وسعنى أن استغنى عن الملابس الثقيلة التى اعتدت أن أتخذها، ودخلنا فى الشتاء فلم أشعر بحاجة ~~إلى المعطف، ولكن بقية من الحذر القديم جعلتنى أحرص على حمله، ولكن على ذراعى، عسى أن أحتاج ~~إليه فى الليل. وكنت إذا شعرت بهذه الحاجة، أظل أدافعها وأقاومها، وأرجئ الالتجاء إلى ~~المعطف والدخول فيه، وأقول لنفسى «نصف ساعة آخر. لن يقتلنى نصف ساعة من البرد» ثم أرجئ ~~الأمر مرة أخرى وهكذا، حتى أصبحت أحس أن المعطف حمل لا معنى له مادمت لا ألبسه، فصرت أتركه ~~فى البيت، وأن لى الآن لمعطفا، ولكنه قديم.. قديم حتى لقد نسيت من طول عمره متى فصلته، وهو ~~للزينة أكثر مما هو للمنفعة، بل ليس حتى للزينة، فقد أكلت منه الفيران نحو شبر فى شبر وخجلت ~~أن أبعث به إلى الرفاء، ولم أر أن أكلف نفسى ثمن معطف جديد لا ضرورة إليه فتركته، وأمرى ~~إلى الله، وأمره إلى الفيران. # أما الشرطة فقد زايلنى الخوف الصبيانى منهم. فما يسع من يشب عن الطوق إلا أن يدرك أن ~~الشرطة لا يملكون ضرا ولا نفعا، وأن الأمر فيهم إلى القانون وأنهم ليسوا أداة إرهاب - أو ~~لا ينبغى أن يكونوها - بل أداة حماية للناس. ولكنى مع ذلك أكره أن أدخل مركزا من مراكز ~~الشرطة ms32 وأنفر من الحاجة إليهم وأحب أن أستغنى عن الالتجاء إليهم ولقد سرقت خادمة كانت عندى ~~أشياء - أو هذا هو المرجح والذى تشير إليه القرائن جميعا - فقلت غفر الله لها ولا أحوجنا ~~إلى الشرطة، وهنيئا لها ما أخذت ولا عذبها الله به، فما هى بعد كل ما يقال فيها إلا مسكينة، ~~وهل ينفعها ما حملت إلا قليلا؟ وسينتهى بها الأمر إذا اعتادت ذلك، إلى الشقاء المحقق. فهى ~~أحق بالعطف. وأولى بالرحمة ولو أنها لم تهرب بما حملت، لحاولت أن أعالجها وأن أفىء بها على ~~الخير، ولكن الأمر خرج من يدى بفرارها، فالله هو القادر علي إنقاذها من ذلك المآل المخيف ~~الذى أتوقعه لها. # ولى بين رجال الشرطة معارف وإخوان أحبهم وأكبرهم، ولكنى لا أحب أن أحتاج إليهم، ولست أكره ~~مجالسهم، ولكنى أحس غضاضة حين أكون مع واحد من رجال «السلطة» وأحب أن يكون غيرى مثلى - لا ~~سلطان لهم على خلق الله - ولعل هذا بقية من أثر النشأة الأولى. على أنى لست على يقين من هذا ~~فقد تكون لهذا الشعور علل أخرى خفية راجعة إلى آرائى ومزاجى. # | الفصل السابع # لا أعرف ما سر حبي للحى فى وجوه الناس، غيرى، ولكنى أعرف أنى مارأيت قط لحية طويلة تتدلى ~~كالمخلاة إلا نازعتنى نفسى أن أجعل لها من أصابعى مشطا. وقلما أرى الآن لحية تستحق أن أعبث ~~بها، فإن الناس فى زماننا يحلقونها أو يقصونها، ولا يرسلونها، اكتفاء بالمظهر واستفتاء به ~~عن الحقيقة الخشنة أو الشائكة ولن تجد أحدا فى هذا الزمن يغضب إذا أحفى الحلاق له لحيته ~~كما غضب شيخ من أصدقائنا كانت له لحية كثة منفوشة ذهب بها إلى برلين ليشترك فى تشيع جنازة ~~زعيم من زعماء الترك قتل هناك. وقد احتفظ بجبته وقفطانه وعمامته فكان كل من يراه يتوهمه من ~~أفتك البلاشفة وأخطر الفوضويين. قالوا. فذهب به صديق له إلى دكان حلاق، وذهب صاحبه يتمشى ~~على الرصيف حتى يفرغ من هذا الأمر، فما راعه إلا صياح وزعيق لا يكونان فى برلين إلا ms33 من مثل ~~الشيخ، فارتد إلى الدكان فألفى الشيخ واقفا وسط الدكان والفوطة على صدره وهو يرسل الصوت ~~مجلجلا بالعربية الفصحى، والحلاق مبهوت فسأله صاحبه عن الخبر فقال: «خير، انظر..» وأشار ~~إلى خده الأيمن فنظر صاحبه فإذا الغابة الكثيفة اللقاء قد ذهبت بقدرة قادر، ولم يبق إلا ~~وسم، على حين بقيت الغابة على خده الأيسر هائجة كما كانت، فلم يسعه إلا أن نضحك، ثم عالجه ~~حتى رده إلى الهدوء والسكينة وسأله (ماذا قلت للحلاق..). # قال الشيخ. (إنه رطن لى ولكنى فهمت أنه يسألنى ماذا أبغى، ولم أدر كيف أجيبه فأومأت إلى ~~لحيتى وأشرت بيدى أن سوها - هه - أى بعض الشىء قليلا جدا، ولكنه لم يفهم فأجرى فيها ~~الماكينة فذهبت بمعظمها). # وسأل الحلاق كيف حدث هذا الغلط فقال إنه سأله عما يريد أن يصنع بلحيته ويقصه منها فأشار ~~الشيخ إليها وقال (هاف) أي النصف فهو لم يجر عليها ولم يجاوزها ما طلب. # كلا: لا يغضب أحد فى هذه الأيام كما غضب صديقنا الشيخ، إذا ما جار المقص على لحيته، فيندر ~~أن أنعم بمنظر لحية حقيقية، أو تتاح لى فرصة للعبث بها وتمشيطها، على أنه لا أسف، فقد فزت ~~من ذلك فى حداثتى بأكثر من نصيبى العادل، وكان حسبى لحية جدى. أفتل شعراتها أو أثنيها ~~وأدسها فى أذنه فينتفض ويصيح بى ويطردنى فأذهب أعدو وأنا أكاد أموت من الضحك فلما مات جدى ~~شعرت بأن خسارتى جسيمة، وأنى فقدت ما لا أرى عنه عوضا، ولكن الله كان أرحم وأكرم من أن يطيل ~~عذاب الحرمان، فقد جاء أخو جدتى ليعزينا، فأمسكناه وكنت أنا أشدهم إلحاحا عليه وتعلقا به، ~~وكان قصيرا فلحيته تبدو أطول مما هى فى الحقيقة فتسليت بها أسابيع حتى كان يوم وكنا جلوسا ~~على وسائد وحشايا مبعثرة على البساط وكان هو مطرقا والسبحة فى يديه! وإذا به ينتفض قائما ~~ويعلن إلينا عزمه على السفر. فاستغربنا وسألته جدتى: «ما هذه المفاجأة»؟ # فقال «الحقيقة يا حاجة أنى سمعت صوتا كصوت أبى يدعونى ». # فزاد تعجبنا وقال ms34 إنى «أبوك يا خال.. أبوك يدعوك.. كيف تقول.. أين أنت من أبيك وبينكما ~~ركوب خمس ساعات فى القطار»؟ # فقال «نعم يدعونى: لقد سمعت صوته واضحا جليا ينادى: يا عمر ولا بد لى من السفر فما أشك ~~فى أن به حاجة إلى..». # وأصر على السفر، وأبى أن يبقى، فاستودعناه الله وأرسلنا معه «عم محمد» بالحقيبة إلى ~~المحطة وفى مساء اليوم التالي جاءتنا منه برقية ينعى إلينا فيها أباه أى جد أبى. # ومن تمام القصة أقول إنهم تحدثوا فيما بعد بأن هذا الجد كان راقدا ثم اعتدل فجأة وأطلقها ~~صيحة قوية «يا عمر» ولم يزد. # وكان هذا الجد معدودا من القوم الصالحين، وكان يلبس عمامة - كما لا أحتاج أن أقول، فإن ~~الصالحين لا يكونون على ما يظهر، إلا من أصحاب العمائم ولكن لفتها كانت خضراء، لأنه شريف من ~~نسل الرسول - عليه الصلاة والسلام. # وكان السيد محمد هذا قويا، وقد احتفظ بقوته حتى في شيخوخته العالية، فقد جاوز التسعين أو ~~قارب المائة. ولم يركب فى حياته قطارا ولا تراما ولا مركبة. وكان إذا زارنا فى القاهرة ~~يجىء على قدميه، وعلى كتفه الخرج الذى فى شق منه ثيابه، وفى الشق الثانى هدية من التمر أو ~~الجبن «الحلوم» أو غير هذا وذاك مما يرى أن يهديه إلينا. وكان أبى قد رزق قبلى بولدين. ~~ماتا. فلما جئت أنا إلى الدنيا، خاف أبواى أن أموت أيضا. وصارا يجزعان كلما أصابنى برد أو ~~غيره. وأنى لهما أن يعلما الغيب وأن يعرفا أنى ممن قيل فيهم إن «عمر الشقى بقى» واتفق ~~أن جاء هذا الجد المبروك فاستكتبوه لى حجابا، فخطط شيئا فى ورقة، أو كتب آيات من القرآن ~~الكريم. لا أدرى وطواها وأمر بها أن تغلف ونهى عن فتحها. وقال: علقوها له جنبه. فغلفوها فى ~~قماش للتنجيد - أى لكسوة المراتب - وبعثوا بها إلى حذاء. ولم يكن حذاء فى الحقيقة. وإنما ~~كان رجلا يصنع المراكيب فجلد الحجاب، وجعل له عينين للحيط. وعلقوه لى فصار كالحجر فيما أحس ~~حين أرقد على ms35 جنبى. # ولم يفارقنى هذا الحجاب إلا بعد أن انتقلت جدتى إلى رحمة الله. حتى بعد أن كبرت ودخلت فى ~~مداخل الرجال وتزوجت، كانت تصر على لبسه. وكنت أغافلها وأخلعه وأدسه تحت الوسادة. فإذا عرفت ~~ذلك نظرت إلى نظرة أسف وعتاب وإشفاق. وكان لبس الحجاب يثقل على نفسى وكنت أنفر من ذلك ~~نفورا شديدا. ولكنى كنت أقول لنفسى إن جدتى كبيرة السن وإنها فجعت فى ابنها وأنها تجزع ~~كلما خطر لها أنها قد تفجع فى حفيدها الذى تتعزى به. فماذا على لو أرضيتها وسررتها وتركتها ~~تقضى ما بقى من عمرها فى راحة واطمئنان. ثم إنى ما أحببت أحدا قط مقدار حبى لها ولأمى فكنت ~~أشعر أن قلبى تعصره يد قوية غليظة حين أرى على وجهها آيات الفزع. ومن أجل هذا استخرت الله ~~وتوكلت عليه وتركتها تفرح وتطمئن بالحجاب على جنبى. وكانت إذا رأتني مقبلا عليها لتحيتها ~~كالعادة تبتسم لى بفمها الأدرد، وتمد يدها إلى جنبى لتتحسسه، فأضحك وأقول: «لا تخافى» إنه ~~ما زال فى مكانه. وما أبقيه إلا لأنه يسرنى أن أراك راضية قريرة العين «فتمسح لى رأسى وتدعو ~~لى بخير». # فلما ماتت، تركت الحجاب. وكانت أمى تقوم فى أول الأمر مقامها في الإلحاح على أن أحتفظ به ~~فقلت لها يوما: «يا ستى. أنك عاقلة، فبينى لى لماذا ينبغى أن ألبس هذا الحجاب». # قالت: «إنه بركة من جدك». # قلت: «صدقنا وآمنا. وأنعم بجدى وأعظم ببركته! ولكن ما جدوى أن أضع حجرا.» # فأطرقت فقلت: «أنا أعلم أنك تخجلين أن تقولى إنه يقينى السوء ويحمينى من الموت لأنك أعقل ~~وأذكى من ذلك. أليس الرب واحد والعمر واحد. أليس ما قدر يكون»؟ # قالت: «آمنت بالله». # قلت: «كنت أعلم أنك ستوافقين على اطراح هذا الحجاب. ولكنى أحب أن احتفظ به للذكرى ~~فاحفظيه لى عندك». # فأخذته، وبقى عندها مصونا حتى ماتت فقيل لى أنهم وجدوا حجابا بين أشيائها. وسألونى ماذا ~~يصنعون به.. فأوصيت به أن يحفظوه فإنه أثر له تاريخه الطويل وصلته الوثيقة بأقوى العواطف ~~الإنسانية ms36 ففعلوا، ولكنى لم أطلب أن أراه، والحق أقول إنى لم أقو على النظر إليه يومئذ. فقد ~~كان موت هذه الأم الصالحة أوجع ما أصابنى فى حياتى وأعمقه أثرا فى نفسى، ولقد أبيت إلا ~~البقاء فى البيت الذى وافاها الأجل فيه، لأن كل مافيه يذكرنى بها ولكنى كدت أجن، فقد كنت ~~أتشدد وأظهر الجلد، ولكنى كنت أراها فى كل مكان، وأبصرها تروح وتجىء وأسمع صوتها، فكأنها لم ~~تمت وإن كان غيرى لايعرف ذلك ولا يفطن إليه، وتلفت أعصابى فكانت هذه الخيالات تسرنى ~~أحيانا، وأحيانا أخرى تفزعنى فأضطرب وأرتعد، وثقلت على وطأة الهواجس والوساوس وطال الأمر ~~فلم أر علاجا أحسم به هذا البلاء إلا أن أفارق البيت، وأنأى بنفسى عن مواطن الذكرى ومثارها ~~على قدر الإمكان، وأقول على قدر الإمكان لأن المرء يستطيع أن يهرب من بيت أو بلد ولكن أنى ~~له أن يهرب من نفسه؟ # | الفصل الثامن # بعد وفاة جدى أدخلنى أبى المدرسة القربية - لقربها من حينا، وإمكان الوصول إليها بلا ~~حاجة إلى قطع الشوارع التى يجرى فيها الترام «الجديد» والتعرض لأخطاره، فقد كانت ضحاياه ~~كثيرة فى تلك الأيام. # وكانت للمدرسة بوابتان - واحدة على شارع القربية - أى صانعى الخيام. وكانت رحيبة ولكنها ~~عتيقة جدا. وقد بقيت بها أربع سنوات. ولا أذكر أن أحدا خطر له أن يجعل لأبواب الحجرات ~~فيها مشابك، فكان المعلم إذا أراد أن يترك الباب مفتوحا، يجىء بحجر يسند به الباب. ولكن ~~كان للحجر منافع أخرى لبعض المعلمين وأخص بالذكر منهم شيخا أعور كان يعلمنا «الخط» فإذا ~~أساء أحدنا الكتابة أو تشاغل عنها بالكلام أو ضحك أو لعب، أو فعل غير ذلك مما يفعل الصبيان، ~~ناداه الشيخ ودق له أصابعه بهذا الحجر. # ويكفى للتعريف بالمدرسة أن أقول إن ناظرها كان «وقفا» عليها وكان الكبار منا يروون عنه ~~أنه كان يقول عن نفسه إنه «جاهل جاهل، لكن أدارجى» - أي إداري. وأنصفه فأقول إنه كان رجلا ~~طيبا، وإنه لم يسئ قط إلى معلم أو تلميذ أو عامل - أى خادم - وقد ms37 أنعم عليه فى السنة التى ~~دخلت فيها مدرسته، برتبة بك من الدرجة الثالثة وهى لا تخول لصاحبها لقب البك ولكنه فرح بها ~~وانتحل اللقب وصار يغضب، إذا لم يطلقه عليه مخاطبه. # وقد جمعونا يومئذ صفوفا فى ساحة المدرسة، وأبلغونا خبر الإنعام على «سعادة البك» وهتفوا ~~فهتفنا وراءهم «أفندى مزشوك يشا» وهى عبارة تركية معناها الحرفى «يعيش أفندينا كثيرا أو ~~طويلا». # وكان الناظر جارنا فهو يعرف أبى، ولهذا كان يسمينى «ابن عبد القادر» ولكنه كان أخنف فكان ~~ينطق الباء ميما فيما يخيل إلينا. وكنت على صغري قد فطنت إلى مواطن الضعف فى نفسه. # وأدركت أن «سعادة البك» مفتاح كل باب مغلق، فلا يكاد يسمعنى أقول «يا سعادة البك» حتى يهش ~~لى ويهز لى رأسه راضيا ويعفو عن ذنبى أو يجيبنى إلى ما أطلب. وكنت دقيق الجسم صغير جدا - ~~ومازلت كذلك إلى اليوم - ولكنى كنت حركة دائمة فكنت لهذا لا أطيق الجلوس ساعة كاملة على تلك ~~المقاعد الخشبية الناشفة. وكان قلقى واضطرابى يثقلان على المعلمين فيضربوننى أو يشكوننى إلى ~~الناظر فتنجينى «سعادة البك» من العقاب. # وكان معلمنا فى السنة الأولى شيخا قصيرا عظيم الوجه مغضنه جاحظ العينين واسعهما - وكان ~~وجهه الضخم - فيما يبدو لى - فى حجم صدره. وكان يعلمنا القراءة والكتابة والخط والحساب ~~ويحفظنا القرآن. وكانت لنا ألواح من الخشب نكتب عليها الايات الكريمة بالحبر، ثم نعود بعد ~~حفظها فنمحوها بالإسفنجة ونكتب غيرها. وهكذا. فجمع الشيخ منا ملاليم اشترى بها «ماجورا» ~~أخضرا كان يملؤه ماء لنغمس فيه الأسفنج ونمسح الألواح. وكانت أدراجنا دكة كبيرة تسع ستة من ~~الصبيان تتصل بها أدراج بعددهم. وكانت قديمة مفككة وقوائمها متخاذلة ولم يكن من النادر أن ~~تقع بنا فنتصايح ونضوضئ، فيخف إلينا الشيخ ويرى أن الدكة قد تفككت فيخرج ثم يعود بالمسامير ~~يدقها فيثبت القوائم والأرجل فى مكانها من مقعد الدكة أو لوحها. # وكانت حجرتنا هذه تطل على حجرة المعلمين وكان كثيرا ما يتفق أن يكون الشيخ قد خرج من ~~بيته على ريق النفس فينادى الفراش ms38 ويناوله قرشا فيشترى فولا مدمسا وزيتا ورغيفا ~~ومخللا. ويضع له ذلك كله على النافذة التى بين الحجرتين ويظل الشيخ مترددا بين طعامه ودرسه ~~حتى يفرغ من الأكل. وكان ربما نطق وفمه محشو. فنضحك. فلا يبالى. فقد كان حليما رحيما لا ~~يقسو علينا ولا يعنف بنا، وأحيانا يلمح الناظر مقبلا من بعيد فيشير إلى أحدنا وهو يحاول أن ~~يبلع اللقمة العظيمة ويتكلم فى آن معا، ويدرك الصبى مراده فيتخطى النافذة إلى حجرة المعلمين ~~وينقل إليها ما بقى من طعام الشيخ ثم يرتد - وثبا من النافذة - إلى مقعده ويمر الناظر ~~بسلام، فيقول الشيخ لأحدنا، وهو يشير إلى النافذة «هات. هات». # وكانت ساحة المدرسة واسعة جدا، فكنا فى أوقات الفراغ نتبعثر فيها ونلعب ما بدا لنا أن ~~نلعب - الكرة أو سواها - وكنا نتخذ الكرة من الجوارب القديمة أو من بذور «ثمر الدوم» وهو ~~ثمر ليفى قليل الحلاوة ولكن نواته عظيمة تصلح أن تكون كرة صغيرة نتقاذفها أو نضربها ~~بأرجلنا. # أما فريق كرة القدم، فكان شيئا رهيبا. ذلك أن أعضاءه جميعا رجال كبار. وكان بعضهم لا ~~يعد تلميذا بالمدرسة إلا على المجاز. وأذكر أن الناظر جمع من تلاميذ المدرسة نفقات التعليم ~~لأحدهم، وكان لاعبا مشهورا، وكان اسمه «سليمان» ولكنا كنا ندعوه «سللى مان» لأن وجهه كان ~~أبيض مشربا بالحمرة كوجوه الإنجليز. وكان يدخن «البيبة» فما كنا نراه إلا وهى بين شفتيه ~~ولا أدرى ماذا كان مبلغ علمه بالإنجليزية، فقد كنت صغيرا. ولكنى أدرى أنه كان يتكلف رطانة ~~كرطانة الإنجليز. وكان له زميل فى فريق الكرة اسمه «أبو تيفه» - أى توفيق - وكنا نحن الصغار ~~نسمع أنهما لا يلعبان إلا إذا شربا خمرا. فأما «سيللى مان» فلا يبعد أن يكون هذا شأنه ~~ولكنى لا أصدق أن «أبا تيفه» كان يفعل ذلك أى يسكر قبل اللعب، فقد كان وديعا كريم الشيم، ~~وهادئا رزينا. ولا نكران أن هذا لا ينفى الولوع بالشراب، ولكنى لم أر الرجل قط - فقد كان ~~رجلا لا صبيا مثلنا خارجا عن طوره، لا فى ms39 ساحة اللعب ولا فى المدرسة. وبعيد - فيما أرى - ~~أن يكون مثله سكيرا. # وكانت للمدرسة عناية خاصة بطعام فريق الكرة، فكانت مائدتهم حافلة مثقلة، بل كانت المدرسة ~~تشترى لهم «المخلل» فى سلطانيات صغيرة لتشحذ رغبتهم فى الطعام وكان عملها هذا يستدعى منها ~~التساهل مع بقية التلاميذ، فكان كل من معه قرش منا يقف عند حاجز البوابة قبيل وقت الطعام ~~وفى يده القرش أو الملاليم ويصيح بعم أحمد «الطرشجى» هكذا «هات شوية بنكلة» أو بأكثر أو ~~أقل، فيناوله سلطانية فيها ما طلب فيرتد بها، ويظل يحملها حتى يدق الجرس فيدخل بها حجرة ~~الطعام، ولم أر مثل هذا فى مدرسة أخرى من مدارس الحكومة. # | الفصل التاسع # مرض أبى بعد شهور قليلة من دخولى مدرسة القربية الحكومية، وصار كل من فى البيت يلغط بأن ~~زوجته التركية سمته، أو هى لم تسمه، وإنما دأبت على إطعامه لحم الأرنب بعد أن يعالجه رجل ~~مشعوذ، بما لا يعرف أحد، ليحبب أبى فى هذه الزوجة، ويبغض إليه أمى، وكان أبى يعتقد أن هذه ~~خرافات وأباطيل، وأنها مما يلفقه الخيال بتأثير الغيرة ولكن أمى كان قد أصابها سقم شديد ~~واضطراب عصبى عنيف فعنى أخى الأكبر بما أشيع من أن هذا بعض ما جره سحر المشعوذ عليها، ~~فراقب بيت هذه الزوجة التركية فرأى يوما شيخا يدخل، فتبعه من حيث لا يشعر فصعد الشيخ إلى ~~غرفة فوق السطح، وأوقد نارا، وذبح أرنبا، وكتب على لحمه كلاما وعلقه فى الهواء، ورمى فى ~~الموقد بخورا فأطلقه وراح يقرأ ويعزم، وأخى يرقبه، ثم خطر له أن يطلع أبى على ذلك فأغلق ~~عليه الغرفة وأوصد باب البيت أيضا وحمل مفتاحه معه وذهب فجاء بأبى وأراه ما رأى فشق الأمر ~~على أبى فطلق المرأة. # ولكنه مرض بعد ذلك لا أدرى بماذا؟ ولزم البيت بضعة شهور كان الطبيب يعوده فيها كل بضعة ~~أيام مرة، ولكنه كان فيما يبدو لى صحيحا معافى، لا سقم به، فقد كان يشرب القهوة علي ~~عادته، ولا ينفك يدخن سجائره المألوفة ويأكل طعامه ms40 المعهود - السمك المسلوق والأرز والفاكهة ~~- وكل ما تغير من أمره واختلف من حاله أنه كف عن النزول إلى المكتب. وأن الكاتب وأخى كانا ~~يصعدان إليه بالأوراق فيطلع عليها ويشير بما يرى. # وعدت من المدرسة عصر يوم، فلقينى الكاتب على الباب وسألنى «أين عم محمد» فقلت لم أره، ~~فأخبرنى أنه ذهب ليجىء بى من المدرسة لأن أبى يريد أن يرانى فيظهر أنه ذهب من طريق وعدت أنا ~~من طريق. # ودخلت البيت فألفيت فى فنائه نفرا من أقاربنا جلوسا على الكراسى فسلمت فقال أحدهم «اصعد. ~~اصعد. أبوك يطلبك.» # فلم أفهم، وصعدت على مهل، ودخلت على أبي، وأنا أنتظر أن أراه قاعدا على «الكنبة» فإذا به ~~راقد على مرتبة مفروشة له فى وسط الغرفة، وعند رأسه مصحف، فأدرت عينى فى الغرفة، فألفيت ~~النساء من أهلى قاعدات حول المرتبة، مطرقات، وفى أيديهن مناديل، يرفعنها إلى عيونهن ويكفكفن ~~بها الدموع، فنطرت إلى أبى، فأشار إلى بعينيه فانحنيت عليه فقبلنى، ونهضت، وأنا غير فاهم ~~وهممت بأن أدور وأخلع ثيابى، وإذا النساء يصحن ويولولن، وإذا بأمى تتناولنى وتميل على رأسى ~~وهي تقول «أبوك مات». # أبى مات! # لم أفهم هذا، ولم يحدث الخبر فى ذهنى صورة ما، فقد رأيت أبى، كما اعتدت أن أراه، لم ~~يتغير وجهه، ولا نظرته، ولا ابتسامته، ولم يختلف شىء سوى أنه راقد على مرتبة، بدلا من ~~السرير حتى بعد أن ولولت النساء، رددت عينى إليه، فرأيت ابتسامته مرتسمة على شفتيه وفى ~~عينيه، فثنيت طرفى إلى الباكيات النائحات، ثم عدت أنظر إلى أبى فراعنى أن الابتسامة ثابتة، ~~كأنها متحجرة، وأن العين لا بريق فيها ولا ضوء، وأنها كالزجاجة، وأن المعنى الذى لمحته لما ~~انحنيت عليه ليقبلنى قد خبا وانطفأ فبهت ولكن منظرا جديدا شغلنى وصرفنى عما وقع فى نفسى ~~من هذا الموت العجيب فقد تشددت جدتى وتحاملت على نفسها، وركعت إلى جانب ابنها وأدنت أصابعها ~~برفق من عينيه فأطبقت عليهما الجفون ولثمت جبينه ونهضت تشهق وتكاد تختنق. # ولم يبق لى مقام بين هؤلاء الباكيات، ms41 فانحدرت إلى فناء البيت حيث الرجال وكانوا يبكون ~~ولكن في صمت، ففى الوسع احتمالهم، وضمنى أخى الأكبر وأجلسنى إلى جانبه ويده على كتفى ~~والدموع تنهمر من عينيه، وأنا كالصنم وأذكر أنى خجلت، وحاولت أن أبكى ودعكت عينى بأصابعى ~~ولكن العبرة لم تسعفنى ولم تنجدني وكنت لا أزال غير فاهم هذا الموت الذى أثار هذه الضجة ~~الشديدة فى بيتنا - فوق وتحت - وترك النساء يلطمن والرجال يبكين مثل النساء. # ولا أطيل: أقيم المأتم واقتصر فيه على يوم واحد، وكان مأتما ككل المآتم فلا حاجة إلى كلام ~~فيه ولكن أخى بعد انقضاء الأيام الثلاثة صعد إلى حيث كانت أمى جالسة، وأنبأها أن المأتم ~~تكلف خمسمائة جنيه فدهشت ولم تصدق وقالت إن هذه ثروة ففى أى شىء أنفقها بل بددها فى يوم ~~واحد.. # فنادانى وكنت قريبا منهما أسمع وأرى ودفع إلى ورقة فيها أرقام وقال «هذا ابنك يذهب إلى ~~المدرسة ويعرف الحساب فليقل لك جملة الأرقام ماذا تبلغ.. فجمعت الأرقام فإذا هى كما قال ~~خمسمائة جنيه لا تنقص مليما واحدا». # ولم يتغير شىء من حالنا فى الشهرين التاليين سوى اختفاء أبى فقد كان المال الذى تركه ~~كثيرا ولكن أخى بعد ذلك طلق زوجتيه وسرحهما وتزوج جارة لنا كانت عينه عليها - ولا شك - ~~واتخذ لها بيتا مستقلا فاحتجنا أن ننتقل إلى بيت صغير بعد انتفاء الحاجة إلى البيت الكبير ~~الذى كنا فيه فبدأت متاعبنا من ذلك اليوم فقد أهملنا أخى وبخل علينا بالمال وصار يقتر علينا ~~ويغدق على زوجته الجديدة حتى بدد كل ما ترك أبى فى نحو ثمانية شهور. # وكان لجدي أرض وكانت أمى هى الوصية علينا فزور أخى توكيلا منها له وباع الأرض وبعثر ثمنها ~~فيما كان يلهو به ونحن لا نعلم فلما علمت أمى لم تصنع شيئا وقالت إنها لاتستفيد شيئا من ~~أن تنزل به ما يستحق. # وجاء يوم خلا فيه البيت من الطعام واللبن والسكر والسمن فلو جاءنا ضيف لكانت فضيحة وكنت ~~واقفا على عتبة الباب أنظر إلى صبيان الحارة وهم ms42 يلعبون فرحين مسرورين لا يكربهم شىء ولا ~~يفكرون في بن أو سكر ينقصهم، وإذا بشيخ فاضل من زملاء أبى فى الأزهر مقبل على ففزعت وهممت ~~بأن أتوارى عنه عسى أن لايرانى فيمضى فى سبيله ولكنه لمحنى فنادانى، وقبلنى وقال «ستك ~~الحاجة: كيف حالها»؟ قلت «بخير ولك الشكر». قال: «اصعد إليها وقبل لى يدها وقل لها إنى أريد ~~أن أقابلها». # ولم يكن فى هذا غرابة، فقد كان أيام الدراسة ملازما لجدى، وكان ربما أقام فى بيتنا - مع ~~أبى - الأسبوع والأسبوعين. وكانت جدتى تعده كابنها، ولكنى أشفقت من زيارته، فما فى البيت ~~شىء يقدم لضيف كريم مثله، فماذا نقول له. وبأى شىء نعتذر. # ولم أر لى حيلة فأنبأت أمى وجدتى، ثم انحدرت إليه وصعدت به فجلس يحدث جدتى وأنا واقف ~~وظهرى إلى الحائط، وعقلى شارد وإذا بى أسمعه يقول إنه كان قد خطف من أبي مبلغا آخر، فثالثا ~~فرابعا ليشترى بذلك أرضا لنا، ولكن الأجل وافى أبى. فبقى المبلغ معه، ولا علم لغير الله ~~بذلك وقد خاف الشيخ أن ينزل به قضاء الله فيضيع مالنا، فهو يريد أن يبرئ ذمته ويرده ~~إلينا. # وقد كانت هذه بداية الفرج، فقد وسعنا بعد ذلك أن نعيش بهذا المبلغ وتيسر الإنفاق على ~~تعليمنا، والفضل لله ثم لهذا الشيخ الكريم، وإنصافا له، واعترافا بفضله، أقول: إنه المرحوم ~~الشيخ إبراهيم بصيلة من كبار العلماء - رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء - فما وسع أحدا منا ~~فى حياته أن يرد له ذرة من هذا الجميل الذى لن ننساه ولا نجحده. # | الفصل العاشر # انتقلنا من اليسر إلى العسر، ومن السعة إلى الضيق، واستغنينا عن «عم محمد» وامرأته ~~«حليمة».. أو استغنيا هما عنا، سيان، فما كانا خادمين، وإنما كانا منا فيما نحس ونعلم، ~~وأحكمنا تدبير أمورنا فى حدود المورد الذى أسعفنا به حسن الحظ، وزايلنا الشعور الأول بالسخط ~~والألم، وألفنا حياتنا الجديدة وإن كانت حافلة بضروب الحرمان مما كنا ننعم به فى حياة أبى، ~~وكل شىء فى الدنيا عادة ، حتى النسك والعبادة، ms43 كما يقول النواسى، من قصيدة فى ابن ~~الربيع: # أنت يا ابن الربيع علمتنى النسك # وعودتنيه، والخير عادة # ومضت الأيام، وانتظمت الأمور واستقرت الأحوال بعد القلق والاضطراب، وكانت نفقات التعليم، ~~على ضآلتها، فقد كانت ستة جنيهات فى العام أثقل ما نضطر إلى الاحتياط له وتدبيره وفى وسع ~~القارى أن يتصور حياة من تثقل عليه ستة جنيهات فى العام. فجاءنا يوما قريب لنا، واقترح ~~علينا أن نطلب من الوزارة أن تعفينى من نفقات التعليم، فاستحسنا ذلك وقلنا عسى ولعل، وشرعنا ~~نعين الوجوه التى ينبغى أن نحول إليها ما كان يأخذه التعليم. وكتب قريبى الطلب وأرانيه ~~فقرأته على أمى فسرتها عبارته وما فيها من القصد والترفع عن الاستجداء والضراعة، قالت حسبنا ~~التعليم بالمجان مذلة. # وغاب قريبنا أياما ثم جاءنا بنبأ قال «يا ستى». # قالت أمى «نعم. خير إن شاء الله». # قال «الغاية تبرر الواسطة». # قالت «يعنى»؟ # قال «إن هذا الطلب لا يرجى أن يجاب إلا إذا عززناه بقرشين». # فصاحت به «إيه.. هل تريد أن تقول أن فلانا - تعنى ناظر المدرسة - يطلب رشوة»؟ # فقالت أمى معترضة «إذا كنا سنرشو الناس، ونحن فقراء، فأولى أن نؤدى نفقات المدرسة ونستريح ~~ونعفى ضمائرنا من هذا الإثم». # قال «ولكن الإعفاء سيظل طول مدة التعليم». # قالت «ولو». # فانصرف قريبنا ساخطا على هذا العناد متعجبا لهذا التحرج الذى لا موجب له فى رأيه، ولكنه ~~لم يقنط، فأعاد الكرة مرة أخرى، حتى كرهت إلحاحه وآثرت أن تريح نفسها من لجاجته، فأنقدته ~~أربعة جنيهات زعم أنه سيفرقها على رجلين. # ومر شهر، ودنا موعد افتتاح المدارس ونحن كل بضعة أيام نسأل قريبنا عن الطلب ماذا صنع الله ~~به، وهو يقول إنه يتعقبه فى كل مرحلة من مراحله، ثم فجأنا يوما بالبشرى، ففرحت جدتى واغتمت ~~أمى، واضطربت أنا فلم أعد أدرى أينبغى لى أن أفرح كجدتى أم أحزن كأمى. # وفتحت المدارس، فأهملنا أن نعد مقدار القسط الأول، وهو جنيهان وجاءنا قريبنا يقول إنه ~~أخطأ، وأن الوزارة إنما قبلت أن أتعلم «بنصف مصروفات» فقالت أمى ms44 بعد انصرافه «ضيعنا أربعة ~~جنيهات وارتكبنا إثما لنقتصد ثلاثة جنيهات» وناولتنى جنيها - قيمة نصف القسط الأول - وقالت: ~~«اذهب به إلى المدرسة والأمر لله». # وذهبت إلى المدرسة وفى جيبى الجنيه - ولكن الله ألهمنى ألا أذهب إلى كاتب المدرسة ~~فاستأذنت على الناظر وقدمت له الجنيه فسألنى وهو ينظر إليه وإلى «ما هذا يابنى». # قلت «جنيه». # قال «ظاهر، ولكن لماذا تعطينيه». # قلت «إن فلانا قريبنا أخبرنا أن الوزارة قبلت أن أتعلم بنصف المصروفات فهذا هو القسط ~~الأول». # وكان الرجل رقيق القلب عظيم الحنان، وكانت بينه وبين أبى صداقة فرأيت الدمع يترقرق فى ~~عينيه وهو يقول. ~~- «أنا آسف يا بنى، لقد رفضت الوزارة الطلب، ووالله ماقصرت فى السعى لك ولكن هذا ما ~~كان». # فشكرته وأعدت الجنيه إلى جيبى، ورجعت به وبالخبر، آخر النهار إلى أمى. # ودفعنا القسط كاملا. # وسألت أمى قريبنا عن الحقيقة فاعترف لها بأنه كذب عليها وأنه أخذ الجنيهات الأربعة لنفسه، ~~ووعد أن يردها عند الميسرة، وقد مات وهى فى ذمته. # وقالت لى أمى يوما: «لست آسفة إلا على خديعتنا، وما أثمرته من زيادة الضيق الذى كنا فيه، ~~أما التعليم فإنى أحمد الله الذى مكننى من أداء نفقاته فى مراحله كلها، فما كان يسرنى أن ~~تشعر أنك دون أندادك وإنك رقيق الحال، وهم فى سعة، وكنت أخشى أثر هذا فى نفسك فالحمد لله ~~الذى حماك هذا الشعور». # وأخذت الشهادة الإبتدائية، فقالت أمى: «تذهب إلى المدرسة الخديوية وتقدم إليها طلب التحاق ~~بها» ولكن أخى وقريبى الذى أسلفت ذكره جاءا ليقنعا أمى بأن تقبل توظيفى فاستغربت وقالت: ~~«ولكنه طفل». # قال قريبى «إن نفقات التعليم الثانوى كبيرة فمن أين تجيئين بها». # وعزز أخى رأيه. وألح الإثنان عليها إلحاحا شديدا وهى تأبى وتقول إنها لا ترضى بذلك، وإن ~~ابنها يجب أن يتعلم، وإن أوان التوظيف وكسب الرزق لا يزال بعيدا فأغلظ أخى لها فى الكلام ~~وعنف معها قريبى فطردتهما وأمضت مشيئتها وأدخلتنى المدرسة. وقد بقيا زمنا غير قصير ~~لايجترئان على دخول بيتنا، ولكنها كانت تبعث بى ms45 إليهما لأزورهما، وتوصينى ألا أقطعهما، ~~وتقول إنه خلاف أدى الى جفوة بينها وبينهما، وقد فعلت ماتريد وقواها الله عليه فلا مسوغ ~~لبقاء النبوة ولا موجب لها على كل حال فيما بينى وبينهما، وهى لا تضمر لهما بغضا، ولكنها ~~تخاف لعبهما ودخولهما مرة أخرى فيما لا يعنيهما، فخير لى أن يبقيا بعيدين حتى أفرغ من ~~التعليم. # واعترضت الحمى طريقى فى السنة الأخيرة من التعليم الثانوى وكادت تضيعنى بل تقتلنى. وكان ~~قريب لنا من الأطباء يتولى علاجى، ولكن العلاج لم يكن يبدو له أثر فقضيت الصيف كله أوجله ~~راقدا لا أكاد أعى شيئا، من شدة الحمى. # وفى إحدى الليالى ثقلت على وطأة المرض جدا، حتى جزعت أمى - على ما أخبرتنى بعد ذلك - ~~وكادت توقن أنى هامة اليوم أو الغد، لولا أن الأم لا تفقد أملها، وكنا فى بيت كل غرفة فيه ~~تصلح أن تكون ساحة أو ملعبا، وكانت نوافذ الحجرة التى أرقد فيها تطل على فناء البيت وفيه ~~شجرة جميز عظيمة، تصل أغصانها الذاهبة فى الهواء إلى النوافذ، وكنا نضع قلل الماء على أحد ~~هذه الشبابيك لتبرد، فحدث أن مدت أمى يدها إلى قلة تريد أن تشرب، فقلبت القلة من بين ~~أصابعها وهوت إلى أرض الفناء ففزعت أمى واضطربت جدا، وكبر ظنها أن هذا نذير بموتى، وخطر ~~لها أن تنحدر إلى الفناء فى فحمة الليل لترى أسلمت القلة أم تحطمت. # وكانت لا تشك فى أنها تكسرت فما يعقل أن تقع من أعلى طبقة فى البيت وأن تنجو من التهشم، ~~ولكنها نزلت مع ذلك، لأن القلة لم تكن عندها فى تلك اللحظة إلا رمزا، وكانت سلامة القلة ~~معناها البشرى بنجاتى. # ومن العجائب أن القلة لم يصبها سوء ولعل ذلك لأنها وقعت على أرض رخوة طرية كثيرة البلل ~~تحت ظل الشجرة، أو لا أدرى كيف أعلل هذه النجاة من العطب الذى كان ينبغى أن يكون ~~محققا. # ولقد حدثتنى أمى بعد ذلك بزمان طويل وهى تروى لى هذه القصة، أنها بكت، وأنها عجزت عن ~~القيام، ms46 فظلت قاعدة على الأرض غير عابئة بالبلل والرطوبة والوحل، وفى يدها القلة والدموع ~~تنهمر من عينيها دموع الأمل والاستبشار. # وقضت ساعة فيما تحس، ثم نهضت فصعدت، ودنت منى وأنا نائم، ولمست وجهى بكفها، مترفقه ~~محاذرة، مخافة أن توقظنى، فإذا أنا أتصبب عرقا، وإذا بثيابى كلها - كما قالت - ~~عصرة. # وأصبحت وقد ذهبت عنى وقدة الحمى وأخذت أتماثل .... # | الفصل الحادي عشر # ذكريات مدرسية # سأقتصر فى هذا الفصل على طائفة من الذكريات تخيرتها من عهد كنت فيه تلميذا، وعهد تال كنت ~~فيه مدرسا. # وسأكتفى بالمعالم الكبرى والخطوط الرئيسية التى تغنى عن التفاصيل ولست أرمى إلى غاية من ~~هذا التصوير سوى ما يمكن أن يستفاد من مقابلة عهد بعهد ومواجهة ماض بحاضر. فمثلا يمكن ~~بسهولة أن تتصوروا حال التعليم الابتدائى إذا قلت إن تلميذا كان معنا فى المدرسة نال ~~الشهادة الإبتدائية فعين فى السنة التالية مدرسا لنا فى السنة الرابعة التى تعد لنيل ~~الشهادة الابتدائية، وأبلغ من هذا فى الدلالة أنه كان يدرس لنا ما كان يسمى «الأشياء» وهى ~~عبارة عن معارف عامة وكان تدريسها يومئذ باللغة الانجليزية. وأرسم خطا آخر تتم به الصورة - ~~فأقول ما قلت فى فصل آخر: إن ناظرنا كان يقول عن نفسه: إنه جاهل جاهل ولكنه إدارى. # والآن انتقل إلى طائفة أخرى من الصور للمدارس الثانوية. # كان التعليم الثانوى انتقالا بأدق المعانى فقد صار كل ما فى المدرسة انجليزيا - الناظر ~~والمدرسون والتعليم - ما عدا اللغة العربية. # وأنا إلى هذه اللحظة لا أعرف كيف كنت أنجح فى الامتحانات، وأكبر ظنى أنهم كانوا يترفقون ~~بنا ويعطفون علينا، ويتساهلون معنا، ويتركوننا ننجح على سبيل الاستثناء. وأدع غيرى وأقتصر ~~على نفسى فإنى أعرف بها، فأقول: إنى ما استطعت قط أن أفهم علوم الرياضة، أو أن أقدر فيها ~~على شىء، ومع ذلك كنت أنتقل من سنة إلى أخرى بلا عائق. وكان الأساتذة يختلفون فمنهم الفظ ~~ومنهم الرقيق. وأذكر أن أحدهم كان يذكرنى درسه بالكتاب الذى حفظت فيه القرآن الكريم فقد ~~كان يملى درس الجغرافيا، فإذا ms47 كان الدرس التالى طالبنا به محفوظا عن ظهر قلب، وكان يقف ~~أمامه التلميذان والثلاثة دفعه واحدة وعلى مكتبه الكراسة والتلاميذ يتلون وهو يسمع، ثم يضع ~~فى كل ركن واحد من الحافظين ليمتحن زملاءه. وكنت لا أستطيع أن أحفظ شيئا عن ظهر قلب فكنت ~~أحبس بعد كل درس فى الجغرافيا حتى كرهتها وكرهت حياتى كلها بسببها. # وكان لنا مدرس آخر من أظرف خلق الله وأرقهم حاشية وأعفهم لفظا، فكان إذا ساءه من أحدنا ~~أمر وأراد أن يوبخه قال له. تهج كلمة بليد مثلا أو مجنون أو غير ذلك كراهة منه لإسناد الوصف ~~إلى التلميذ مباشرة. ولم يكن تدريس اللغة العربية خيرا من تدريسها فى الوقت الحاضر ولكنا ~~كنا أقوى فيها من تلاميذ هذا الزمان، لا أدرى لماذا؟ وكان المفتش الأول للغة العربية ~~المرحوم الشيخ حمزة فتح الله، وكان من أعلم خلق الله بها وبالصرف على الخصوص، وكان رجلا ~~طيبا ووقورا مهيبا، فكان إذا دخل علينا يسرع المدرس إليه فيقبل يده ويدعو له الشيخ ولا ~~نستغرب نحن شيئا من ذلك بل نراه أمرا طبيعيا جدا. # وأعتقد أن منظر أساتذتنا وهم يقبلون يد الشيخ حمزة كان من أهم ما غرس فى نفوسنا حب ~~معلمينا وتوقيرهم، فإنى أرانى إلى هذه الساعة أشعر بحنين إلى هؤلاء المعلمين ولا يسعنى إلا ~~إكبارهم حين ألتقى بواحد منهم وإن كنت لم أستفد منهم شيئا يستحق الذكر. # ومن لطائف الشيخ حمزة أنه كان يقول ملاحظاته على المعلم على مسمع منا، ولكنه كان لا يكتب ~~فى تقريره إلى الوزارة إلا خيرا. وقد اتفق لى بعد أن تخرجت من مدرسة المعلمين وعينت مدرسا ~~فى المدرسة السعيدية الثانوية أن جاء الشيخ حمزة للتفتيش فاغتنمت هذه الفرصة وقلت: «يا ~~أستاذ» ما هو الاسم العربى لهذا الدخان والتبغ تارة أخرى؟ «فقال»: انتظرنى يا سيدى حتى أنظر ~~فى «الكناشة» وأخرج مما يلى صدره تحت القفطان كراسة ضخمة لا أدرى كيف كانت مختبئة غير بادية ~~وقلب فيها ثم أنشد هذا البيت: # كأنما حثحثوا حصا قوادمه # أو ms48 أم خشف بذى شت وطباق # ومضى عنى. وفكرت أنا فى كلمة الطباق التى جاءنى بها الشيخ، فاستحسنتها ورأيت أنها على ~~العموم خير من كلمة تبغ نعرب بها اللفظ الانجليزى أو الفرنسى «توباك أو توباكو». # ومن حوادث الشيخ حمزة معى أنى كنت أؤدى الامتحان الشفوى فى الشهادة الثانوية وكان هو ~~رئيسا للجان اللغة العربية، فلما جاء دورى اتفق أنه كان موجودا، فلما انتهت المطالعة وجاء ~~دور المحفوظات وكان لها مقرر مخصوص سألنى ماذا أحفظ. وكنت فى صباح ذلك اليوم قد قرأت خطبة ~~قصيرة للنبى # صلى الله عليه وسلم # فعلقت بذهنى وألهمنى الله أن أقول إنى أحفظ خطبة للنبى، ففرح الشيخ ~~جدا وخلع حذاءه وصاح: «قلى يا شاطر الله يفتح عليك» وسترنى الله فلم أخطئ، فاكتفى الشيخ ~~بهذا وأعفانى من النحو والصرف والإعراب. # ولكنه فى مرة أخرى كاد يضيع على سنة. وكنت طالبا فى مدرسة المعلمين وكانت لجنة الامتحان ~~فى اللغة العربية برياسته فقال أحد إخوانى بعد خروجه من الامتحان: إن الشيخ حمزة يفتح كتاب ~~النحو والصرف ويطلب من الطالب أن يتلو الفصل الذى يقع عليه الاختيار، ولم نكن ندرس نحوا ~~ولا صرفا فى المدرسة لأن الدراسة كانت مقصورة على الأدب فأيقنا بالفشل وجاء دورى فدخلت وأنا ~~واثق من الرسوب وجلست أمامه وناولنى كتاب مقدمة ابن خلدون فقرأت، ولا أزال أذكر فاتحة ~~الكلام وهى: «اعلم أن العدوان على الناس فى أموالهم ذاهب بآمالهم فى تحصيلها» الخ. فقال: ضع ~~الكتاب. فوضعته، فسألنى عن العدوان والفعلين عدا واعتدى وانتقلنا إلى الصيغ المختلفة التى ~~يكون عليها الفعل «واعتدى» مثل «اعتديا» للماضى المثنى «واعتديا» للأمر، فسألنى لماذا كان ~~الماضى بالفتح والأمر بالكسر فلم أعرف لهذا سببا وقلت إنه لا سبب هناك سوى أن العرب نطقوا ~~بهما هكذا، فدهش لهذا الجواب وقال: «ولكن لهذا سببا»، قلت: «إن اللغة سبقت النحو والصرف، ~~وكل هذه القواعد موضوعة بعدها، وما دمت أنطق كما كان العرب يفعلون فإن هذا يكفى ولا داعى ~~للبحث عن سبب مختلق». فغضب وظهر هذا على وجهه ms49 فلم أبال بغضبه وحدثت نفسي أنه خير لى وأكرم ~~أن أسقط بخناقة من أن تكون علة سقوطى الجهل. وأصررت على رأيى وكاد يحدث مالا يحمد، لولا أن ~~المرحوم الشيخ شاويش - وكان عضوا فى اللجنة - تدارك الأمر، فقد نظر فى ساعته ثم التفت إلى ~~الشيخ حمزة وقال: «العصر وجب يا مولانا». فنهض الشيخ وهو يقول «أى نعم» وذهب للصلاة ونسينى ~~فكان فى هذا نجاتى. وقد حفظت هذا الجميل للشيخ شاويش، وكانت هذه الحادثة بداية علاقتى ~~به. # ولم تكن المواد كثيرة أو طويلة فى مدرسة المعلمين، ويكفى أن أقول إنه كانت لنا فى الأسبوع ~~ثمانى ساعات لا نتلقى فيها أى درس، فترك هذا التخفيف وقتا كافيا للمطالعة الخاصة.. وكان ~~أساتذتنا وناظرنا يشجعوننا عليها بكل وسيلة ولا يفوتهم مع التشجيع والحث أن يوجهونا وينظموا ~~لنا الأمر، وأحسب أن هذا نفعنا جدا. # وقد صرت معلما بعد ذلك وظللت أشتغل بالتعليم عشر سنين: خمس منها فى الوزارة، وخمس فى ~~المدارس الحرة، وفى هذه السنوات العشر لم أحتج أن أعاقب تلميذا أو أوبخه أو أقول له كلمة ~~نابية. ولم يقصر التلاميذ فى محاولة المعاكسة ولكنى كنت حديث عهد بالتلمذة وبشقاوة ~~التلاميذ، فكنت أعرف كيف أقمع هذه الرغبة الطبيعية فى الشقاوة، وكانت طريقتى أن أتجاوز عن ~~الذى لا ضير منه فلا أشغل به نفسى والتلاميذ، مثال ذلك أن يحتاج التلميذ إلى قلم أو نشافة ~~فيطلبها من جاره ويكلمه فى ذلك فلا أعد هذا الكلام الذى لا يباح، ولا أقيم ضجة من أجله وقد ~~حدث يوما وأنا مدرس فى المدرسة الخديوية أن دخلت فرقة فألفيت على مكتبى كل أدوات الرياضة ~~مرصوصة على نحو لاشك أنه متعمد وكان تلاميذى لا يجهلون كرهى للرياضيات، وكنت أنا لا أكتمهم ~~أنى أعد نفسى جاهلا بها حمارا فى علومها، وكان غرضهم من رص هذه الأدوات أن يعابثونى عسى أن ~~أثير الضجة التى يشتهونها ولا يفوزون منى بها ولكنى لم أفعل بل اكتفيت بأن دعوت العامل فحمل ~~هذه الأدوات ووضعها فى مكانها ثم بدأ ms50 الدرس. واتفق يوما آخر أن دخلت الفصل فإذا رائحة كريهة ~~لا تطاق، وكان الوقت صيفا والجو حارا جدا فضاعف الحر شعورى بالتنغيص من هذه الرائحة ~~الثقيلة. وأدركت أنها هى المادة التى كنا ونحن تلاميذ نضعها - فى الدواة مع الحبر فتكون لها ~~هذه الرائحة المزعجة. فقلت لنفسى أنهم ثلاثون أو أربعون وأنا واحد وإذا كانت الرائحة ~~القبيحة تغثى نفسى فإنها تغثى نفوسهم معى أيضا. فحالهم ليس خيرا من حالى، والإحساس المتعب ~~الذى أعانيه ليس قاصرا على ولا أنا منفرد به، وأنهم الأغبياء لأنهم أشركوا أنفسهم معى وقد ~~أرادوا أن يفردونى بهذه المحنة. والفوز فى هذه الحالة خليق أن يكون لمن هو أقدر على الصبر ~~والاحتمال. فتجاهلت الأمر وصرت أغلق النوافذ واحدة بعد أخرى لأزيد شعورهم بالضيق والكرب فلا ~~يعودوا إلى مثلها بعد ذلك، وقد كان. تصبرت وتشددت ودعوت الله فى سرى أن يقوينى على ~~الاحتمال، ومضيت فى الدرس بنشاط وهمة لأشغل نفسى عما أعانى من كرب هذه الرائحة الملعونة. ~~وكنت أرى فى وجوههم أمارات الجهد الذى يكابدونه من التجلد مثلى فأسر واغتبط وأزداد نشاطا ~~فى الدرس وإغضاء عمن يرفعون أصابعهم ليستأذنوا فى الكلام فقد كنت عارفا أنهم إنما يريدون ~~أن يستأذنوا فى فتح النوافذ عسى أن تخف الرائحة ويلطف وقعها. # وظللنا على هذا الحال نصف ساعة كادت أرواحنا فيها تزهق، ورأيت أن الطاقة الإنسانية لا ~~يسعها أكثر من ذلك، وأن التلاميذ خليقون أن يتمردوا إذا أصررت على عنادى المكتوم، واغتنمت ~~فرصة أصبع مرفوعة وسألت صاحبها عما يريد، فقال إنه يريد أن يفتح النافذة لأن الحر شديد، قلت ~~افتحها، وفتحت النوافذ كلها. وتشهدنا جميعا واستأنفنا الدرس ولكن بفتور لشدة ما قاسينا من ~~رياضة النفس على احتمال مالا يطاق. وانتهى الدرس وخرجت فخرج ورائي ثلاثة أو أربعة من ~~التلاميذ ولحقوا بى، وقال لى واحد منهم إنهم يأسفون لما حصل وأن الأمر كان مقصودا به غيرى، ~~وأنهم يطلبون الصفح، فسررت ولكنى تجاهلت وسألتهم عما يعنون. قالوا. الرائحة الكريهة التى ~~كانت فى الفصل. قلت: «رائحة. ms51 أى رائحة.. إننى مزكوم ولهذا لم أشم شيئا فلا محل لاعتذاركم» ~~ومضيت عنهم، وكان هذا درسا نافعا لهم ولو أنى عاقبت أحدا لما أثمر العقاب إلا رضاهم عن ~~نفوسهم لأنهم استطاعوا أن ينغصوا على، وأن ينجح معى عبثهم الطبيعى فى مثل سنهم. # وفى آخر سنة من اشتغالى بالتدريس توليت أمر مدرسة ثانوية فقلت للأساتذة: إننى ألغيت ~~العقوبات جميعا فلا حبس ولا عيش حاف ولاشىء مما اعتاد المعلمون أن يعاقبوا به ~~التلاميذ. # ونظريتى هى أن المدرس الذى يحتاج إلى معاقبة تلميذه لا يصلح لهذه المهنة وخير له أن يشتغل ~~بغيرها وأن العلاقة بين المعلم وتلميذه ينبغى أن تقوم على المودة والاحترام، وأن يكون أكبر ~~وأقوى عامل فيها هو شعور التلميذ بأن المدرس والد له يبغى له الخير ويخدمه، ويفتح له نفسه ~~ويقوي مداركه وينمى استعداده، وأنه لا يلزمه بدرس ولا يفرض عليه شيئا بل يرغبه فى الدرس ~~ويحبب إليه التحصيل. # وعلى هذا فليس لأحد من المعلمين أن ينتظر منى معونة على ضبط النظام، وقد كان. قضينا فى ~~هذه المدرسة سنة كاملة لم يشعر فيها التلاميذ بسلطان أو سطوة، وإنما شعروا أنهم أبناء لنا ~~وأننا إخوان كبار لهم وأصدقاء نافعون. # ولم أكتف بهذا بل ألغيت «الجرس» الذى يدق إيذانا بابتداء الدرس أو انتهائه لانى لم أر ~~حاجة إليه بعد أن أصبح التلاميذ يحرصون على الحضور والمواظبة من تلقاء أنفسهم وبدافع من ~~حبهم للمدرسة ورغبتهم فى الوجود بها مع إخوانهم المدرسين، حتى لقد كان الواحد منهم يمرض ~~فيحضر، وبهذا استغنيت أيضا عن الدفاتر الكثيرة التى تستعمل فى المدارس والتى تحتاح إلى ~~موظفين كثيرين لا داعي لهم. # وقد كنت أحب أن أظل فى هذه المدرسة لأرى نتيجة التجربة، ولكن الحركة الوطنية بدأت فى صيف ~~ذلك العام وجرفنا تيارها الزاخر فهجرت التعليم إلى الصحافة. # ولو عدت إليه الآن لكان من المحقق أن أخفق فقد اختلف الحال جدا وانقلبت الأوضاع. # | الفصل الثاني عشر # كان عزائى فى تلك الأيام قول القائلة: ~~«راح يبغى نجوة # من هلاك فهلك ms52 # والمنايا رصد # للفتي حيث سلك # كل شىء قاتل # حين تلقى أجلك» # أى والله! فقد تبينت أن مصر توشك أن تثور، فقلت أعفى أهلى من المتاعب التى تجر إليها ~~الثورات واضطراب حبل الأمور، فحملتهم إلى بيت جدى - لأمى - «على حدود الأبد»، وأصلحت فيه ~~شقة اتخذتها لنا، ومضت شهور والثورة لا تقوم، حتى خالجنى الشك فى صحة رأيى، وكادت ثقتى ~~بقومى تذهب، وكنت فى تلك الأيام أعانى أشد البرح، فقد كان عملى فى قلب العاصمة، وبيتى فى ~~الصحراء، والمسافة بينهما أكثر من عشرة كيلو مترات أقطع نصفها وزيادة على قدمى غاديا رائحا ~~كل يوم، ومعى ما يكفى لغذائى، فإنى أكره طعام السوق، وكتاب أقرأ فيه فى فترات الراحة من ~~العمل، فلما هبت الأمة زاد العناء واشتد البرح، فقد بطل العمل. وخرج التلاميذ إلى الشوارع ~~مواكب مواكب وكانوا يعتقلون بالمئات، ويحشرون فى كل مكان يخطر على البال، حتى فى مسجد ~~محمد على بالقلعة، وكان الناجون من تلاميذى يرتدون إلى فى المدرسة التى كنت ناظرها يومئذ، ~~ويقصون علي ما جرى، ويذكرون لى أسماء المعتقلين من زملائهم، ومكان اعتقالهم، وكانت ~~العلاقة بينى وبين تلاميذى علاقة أخ كبير بإخوة صغار، فكانوا لهذا لا يكتموننى شيئا، ولا ~~يحجمون عن مصارحتى بما يدور فى نفوسهم، وما تضطرب به صدورهم، ولا يترددون فى مشاورتى حتى فى ~~أخص الأمور الشخصية، فكنا نعقد كل يوم اجتماعا لتدبير ما يمكن تدبيره من وسائل الراحة ~~لإخواننا الصغار المعتقلين من أبناء مدرستنا وكانت عقدة العقد أن المال لدينا قليل، وأن ~~الوصول إلى المعتقلين عسير، فكيف نبعث إليهم ما عسى أن تكون بهم حاجة إليه من طعام أو ثياب ~~أو فراش؟ # ومن حسن الحظ أن الوقت كان صيفا، ففى الوسع الاستغناء عن الأغطية واحتمال النوم على ~~الأرض، فيبقي الطعام والثياب، ويطيب لى أن أروى أن بعض التلاميذ كان يرتدى عدة أكسية ويدس ~~فى جيوبه ما تتسع له من الآكال الناشفة، ويقصد إلى المعتقل الذى يعلم أن فيه إخوانا له ~~فيقدم نفسه على أنه شريك فيما ms53 جر الاعتقال على زملائه، أى فى المظاهرات وما إليها فيلقون به ~~معهم - وقلما كانوا يصرفونه - فيخلع على زملائه أكثر ما كوم على بدنه ويطعمهم مما حمل، ~~وكان هذا يزيد المعضل تعقيدا، لأنه يزيد عدد المعتقلين الذين نحاول تزويدهم بما يفتقرون ~~إليه، غير أن الوقت كان أضيق من أن يتسع لطول التردد، فكنا نفعل كل ما يخطر على البال بلا ~~حساب للعواقب، ما دام له غناء إلى حين، وسهل الأمر قليلا أن المعتقلات كانت تضيق بمن فيها ~~فيسرح بعضهم ليكون فيها محل لمن يقبض عليهم فى كل يوم. # وليس من همى أن أتحدث عن الثورة وما كان فيها، وإنما أريد أن أقول إنها زادت عنائى وضاعفت ~~ماكنت أكابده من مشقات، وكل شىء عادة، فألفنا التعب كما كنا نألف الراحة والرغد، وسكنا إلى ~~الأحوال الجديدة الحافلة بالمنغصات والمتعبات، وانقطع التبرم والضجر ووطنا أنفسنا بسرعة على ~~احتمال كل ما عسى أن تجيء به الأيام. # وكان كل طريق إلى بيتى، يحوج إلى اجتياز المقابر، فكنت أسلكها كل يوم، وأرى الاجداث ~~المبعثرة فى كل صباج ومساء، وتحت ضوء القمر، وفى قدة الظهر، وفى الظلمة الحالكة، وفى البكرة ~~المطلولة فنفعنى هذا وبلد شعورى بالموت، ومحا استهوالى له وجزعى منه، وجعله فيما أرى وأحس، ~~أمرا عاديا لا غرابة فيه ولا جدة له، حتى لقد صار يتفق لى بعد ذلك أن أحتاج إلى الراحة بعد ~~طول المشى، فأقعد على صوى قبر من القبور الكثيرة فى طريقى، وأشعل سيجارة، وأروح أدخن، ~~وأدندن، بصوت خفيض، أو أرسل الصوت بالغناء، ولا أشعر بحرج أو استنكار. # وكان بدء التحول فى حياتى أن زوجتى ماتت، وإنى لأومن أن لكل أجل كتابا، ولكنى إلى هذه ~~الساعة لا أستطيع أن أعفى نفسى من ثقل الاعتقاد أن الطبيب قتلها، وهو سكران، وقد مات هو ~~أيضا بعد سنوات: فإلى حيث ألقت، وما أعرفني شمت بميت سواه، ولم يعتمد قتلها، ولكنا ~~دعوناه - وقد جاءها المخاض - فشممت رائحة الخمر من فمه، وفحصها ثم قال لى إن الحالة طبيعية، ~~ولم ms54 يكن ثم موجب لدعوتى، وسيحصل الوضع في أوانه، ولكنى جئت فلا داعى للانتظار (كذلك قال ~~والله) وكنت أعاونه، فطهر الآلات وشرع فى العمل، وجر الجنين فإذا الآلة التى طوق بها رأسه ~~قد حفرت فيه إخدودا يسع الخنصر، وشغل نفسه دقائق بالجنين، والتنفس الصناعى على غير جدوى، ~~فألححت عليه أن يتركه ويعنى بالأم، فما ثم شك فى أن الجنين مات، فرجع إلى الأم ليخرج ~~«الخلاص» فكان والله يشده كما رأيت الفرق الرياضية تتجاذب شد الحبل بينها بأعظم ما يملك من ~~قوة، ثم رأى أن هذا لم يجد، فدس يده وأخرج الخلاص مقطعا إربا، ثم لفها، وقال ترقد ولا ~~تسقوها ماء، وأخذنى معه، فقال لى إن الحالة خطرة، وإنه آسف. فلم أطق هذا اللف وسألته: «متى ~~تتوقع أن تكون الوفاة..؟ إنى أسألك عن هذا لأنى أوثر أن أكون على بصيرة، ولا تخش جزعى، فإن ~~واجباتى الآن لا تدع لى وقتا للجزع، فلم يجبنى جوابا صريحا، وقال: سترى ما يكون صباح الغد. # وعدت إلى زوجتى فأدركت مما رأيت أن النزف يلح عليها، وأنها تموت شيئا فشيئا، فبقيت إلى ~~جانبها أقوى نفسها - وأنا يائس - وأشد من عزيمتها، وأبتسم لها وقلبى يتفطر، وبالغت في ~~التظاهر بالاطمئنان حتى لقد خلعت ثيابى وارتديت ملابس النوم، ولكنها كانت تحس من نفسها ما ~~لا أحس، فأوصتنى بولدنا خيرا، وودعتنى، وجادت بالنفس الأخير ويدى على يدها. # وكاد عقلى يطير، وهممت بأن أشكو الطبيب، ولكن ما الفائدة؟! وكيف أثبت تقصيره أو خطأه أو ~~سكره؟ وشق على الأمر حتي لقد تغير رأيى فى الناس والحياة الدنيا، والخير والشر، وحدثت أكثر ~~من طبيب بما كان ووصفت له ما حدث فكانوا يتعجبون، ولكن هذا لم يجدنى، ولم يمنع أن طبيبا ~~ثملا قتل امرأتى، وأين العزاء فى أنه غير عامد، وأن هذا قضاء وقدر على كل حال. # ولم ينجنى من الجنون إلا إكبابى على ابن الرومى والاشتغال بتصحيح الأخطاء فى ديوانه الذي ~~كنت أستنسخه قبل ذلك وهذه أول مرة نفعنى فيها شاعر . # تغيرت جدا بعد ms55 هذه الحادثة فأنا فيما أحس وأرى مخلوق آخر غير الذى عرفته فى ثلاثين سنة، ~~على أنى مع ذلك ظللت قادرا على كبح النفس فلم يفلت من يدى العنان أو لم أدعه يفلت. # وانقضت الأربعون - وأحسب أن عادة استمرار المأتم أربعين يوما موروثة من أيام الفراعنة ~~الذين كانوا يبقون الجثة أربعين يوما لتحنيطها - فلم أعد أطيق بيت جدى بعد أن خرجت زوجتى من ~~دنياى فيه، فتركت فيه ما كانت زوجتى قد جاءتنى به فى جهازها واستأجرت بيتا آخر حملت إليه ~~أثاثنا القديم وعكفت فيه على ديوان ابن الرومى لأصححه على قدر الطاقة. # واتفق فى ذلك الوقت أن عقدت محكمة عسكرية لمحاكمة كثيرين فيما زعموه مؤامرة كبرى، وكان ~~المتهمون أكثر من عشرين بينهم سكرتير اللجنة المركزية للوفد المصرى الذى كان يفاوض لجنة ~~ملنر بلندن، وكنت أعمل يومئذ فى «الأخبار» مع المرحوم أمين الرافعى بك فسألنى: من نبعث إلى ~~المحكمة لحضور جلساتها؟ قلت سأحضرها أنا. قال إنه عمل طويل شاق، فدعه لغيرك، قلت كلا، وإن ~~بى لحاجة إلى عمل مضن يشغلنى عن نفسى، ويصرفنى عن التفكير فى أمرى، وما أصبت به فى حياتى. ~~فوافق ودعا لى بخير، ولم تدع لى المحكمة العسكرية وقتا لسواها؛ وكانت تعقد فى اليوم جلستين، ~~وظللت كذلك من يوليو إلى سبتمبر، وكنت فى مساء كل يوم أعود إلى البيت فأرتمى على الفراش ~~وأنام كالميت، فنفعنى هذا أيضا وإن كان أسقمنى. # ومن المضحكات أن جريدة الأخبار دعت الأمة إلى الاكتتاب لإقامة تمثال نهضة مصر للمرحوم ~~مختار المثال وبلغت جملة ما جمعته حوالى ستة آلاف من الجنيهات وكانت الاكتتابات تودع بنك ~~مصر أولا فأول. # ولكن بعض البلهاء ظن أن ما تتلقاه الأخبار من الاكتتاب يحفظ فى بيتى أنا، وكان البيت طبقة ~~واحدة، وله فناءان، واحد قدامه وآخر خلفه، وفيه الفرن وما إليه، وكان الجدار الخلفى واطئا، ~~فأيقظنى ذات ليلة صوت جسم وقع فى الفناء الخلفى فتوهمت فى أول الأمر أن حجرا مزعزعا أسقطه ~~قط أو نحوه، ولكني سمعت بعد ذلك حركة ms56 كحركة من يعالج فتح باب، فنهضت، ومضيت إلى الباب ~~الموصد، وفتحت شباكه ونظرت فإذا واحد من أهل الحى ولم يخطر لى أنه جاء ليسرق، فما فى البيت ~~ما يستحق أن يطمع فيه أشد اللصوص قناعة، وظننته جاء يطلب شيئا، فحييته وإن كان قد أسخطنى ~~عليه أن يجىء فى هذا الوقت المتأخر، وفتحت له الباب وقلت له «تفضل» وحملت ما بدا لى من ~~تردده واضطرابه على محمل الخجل فألححت عليه فدخل، فمضيت به إلى المكتبة، وناولته سيجارة ~~وقمت لأصنع له قهوة، فاستغرب سلوكى معه، وأعجبه على ما يظهر، فأقر لى بالحقيقة وسألنى ~~الصفح، فضحكت، وقلت له والله إنى لجدير بأن أخجل منك، فإن البيت فارغ، ودرت به على الغرف ~~ليرى بعينيه مبلغ فراغها فزاد خجله، وطال اعتذاره وعظم أسفه، فخطر لى أن من نقص المروءة أن ~~أرده خائبا، صفر اليدين، ولم أجد غير الكتب، فتناولت طائفة منها، وقلت له خذ هذه وبعها، ~~وإذا احتجت إلى سواها فتعال إلى فقد مللت عبادة الأصنام، وكتبت له رقعة وقلت فيها إنى ~~أعطيته هذه الكتب، حتى لا يزعجه الشرطة. # والطريف بعد ذلك أنه صار صديقى فقال لى يوما إن هذا البيت غير مأمون لأنه «منطة» وأن ~~الأولى أن أتخذ حارسا، ولولا أنه مشغول بكسب رزقه لتولى الحراسة الواجبة. ولكنه سيجىء برجل ~~أمين يقظ، يؤدى هذا الواجب. # وبعد بضعة أيام جاءنى بفقيه أعمى وقال هذا حارسك، فلم أر أن أرده، فكان يبيت كل ليلة عندى ~~على الشرفة، وإلى جانبه نبوته. وكان خفيف النوم فكل شىء يوقظه، وإذا استيقظ ضرب الأرض ~~بنبوته وصاح «من القادم»؟ فأستيقظ أنا أيضا! فلم أجد لى فى هذه الحراسة راحة فحولته إلى ~~المقبرة، وقلت له اقرأ على هذا القبر كل يوم ما تيسر من القرآن الكريم. # وانتقلت إلى بيت آخر آمن وأقل حاجة إلى هذه الحراسة. # | الفصل الثالث عشر # منذ مئات من السنين، أو الحقب فما أبعد هذا الماضى فيما أحس، وما أقربه أيضا! قرأت قصة ~~هيبسيا لشالز كنجزلى ، وكان صديقى العقاد ms57 هو الذى دفع بها إلى وأوصانى، وأنا أقرأها، أن أحضر ~~إلى ذهنى قصة تاييس لأناتول فرانس ففعلت، ورأيت - كما رأى - أن من الممكن أن يقول المرء أن ~~القصة الانجليزية هى التى أوحت إلى الأديب الفرنسى بموضوع تاييس، وأنا أفضل القصة ~~الانجليزية، وإن كان أناتول فرانس أبرع فنا وأسحر أسلوبا، على أن هذا موضوع آخر، وكل ما ~~أريد أن أقوله أن في هيبسيا - على ما أذكر - رجلا عجيب الأطوار غريب الفلسفة، يكون في زورق ~~أو سفينة - فما أدرى الآن - فيروح يتفلسف في ضعف دلالة الحس على وجود المحسوس، حتى ينتهى ~~إلى إمكان القول بأنه هو غير موجود على الرغم من إحساسه بنفسه، وشعوره بوجوده. # وقد راقنى هذا الرجل يومئذ وأعجبتنى فلسفته، وإن كانت تؤول إلى لا شىء، وبعد كل هذه ~~السنين لا يزال منطقه يدور فى نفسى، ومع ذلك لا أستطيع أن أتذكر اسمه، أو ماذا هو فى ~~الرواية، وكنت فى صباى - أى نعم فى صباى - أحببت فتاة كانت جارة لى، وكانت فى مثل سنى ومن ~~أجلها كففت عن اللعب فى الحارة مع الغلمان ومن أجلها كنت أسقط من سطح بيتنا على سطح بيتها ~~لأنعم بحديثها وأتملى بالنظر إلى حسن وجهها، فقد كان أهلى يزجروننى عن لقائها وأهلها لا ~~يرضون عن حبنا الصبيانى، وهؤلاء وأولئك جميعا يخشون العاقبة ولا يطمئنون إلى النهاية. وكنت ~~لا أكتم حبي لها، بل أشعر به وأنا جذل مسرور وأحدث به غلمان الحارة؛ فيستغربون، وخادمنا ~~فيدعو لى بطول العمر والسعادة، والشيوخ الوقورين من أصدقاء أخى الأكبر فيضحكون، ويتسلون، ~~ويربتون على كتفي ويقولون: «عال عال، ما شاء الله ما شاء الله». # وكنت أقول لأمى حين تنهرنى عن هذا الذى كان فى رأيها عبثا: «ماذا يضير أحدا أن ~~أحبها». # فتقول: «اختشى يا ولد عيب»! # فأتعجب وأسألها: «عيب؟ أى عيب فى حبى لها؟ إنى لا أصنع شيئا سوى أنى أحبها». # فتقول: «هذا هو العيب». # فأسألها: «ألست تحبينى»؟ # فتبتسم وتقول: «يا بنى كيف تسأل»؟ # فأقول: «لست أسأل، فإنى أعرف أنك تحبيننى، ms58 وأنا أحبك وليس حبك لى عيبا، ولا حبى لك، ~~فلماذا يكون ذلك عيبا»؟ # فتقول: «هذا شىء آخر أنت ابنى وأنا أمك ولكن هذه.. هذه ليست منا». # فأسألها: «إن أبى لم يكن منك. ولكن تحبينه، ومازلت تلبسين السواد حدادا عليه منذ ~~سنوات». # فتقول: «ولكنك صغير لا تفهم». # فأقول: «صحيح إنى صغير، وإنى لا أفهم، ولكنى أحس يا أمى.. ألا يكفى أن أحس؟ وصدقينى ولا ~~تغضبى أو تستائى حين أقول إنه أشهى إلى أن أكون جالسا إليها الآن وإن قلبى يرف صبوة ~~إليها». # فتطرق شيئا ثم ترفع رأسها وتضع يدها على كتفى وتقول «وبعد؟ ما هى النتيجة؟ ما هو ~~المآل»؟ # فأقول: «لست أعرف ماذا تعنين؟ كل ما أعرفه أنى أحبها وأنا فرح بذلك». # فتسأل «ولكن النتيجة؟ ماذا بعد هذا الحب؟ ما آخرته»؟ # فأقول «لا شىء.. أحبها، وهذا هو الأول والآخر.. ثم لماذا يكون له آخر»؟ # فتقول «إنك طفل.. وهذا غير معقول». # وكان حب هذه الفتاة ينمو على الأيام. كما ينمو شعر رأسى. وقد تحولنا إلى بيت آخر وبعدت ~~الشقة جدا ولم يكن هذا ليمنعنى أن أقطع المدينة من أولها إلى آخرها سيرا على القدمين كل ~~يوم لأزورها. وثابرت على حبها أعواما طوالا ثم زوجوها فى الأرياف فغابت عنى، فغاب الخير ~~والأنس، وغاض السرور من نفسى، وأظلم القلب. # كان هذا وأنا صبى فى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، وقد مضى ثلث قرن وزيادة على هذا الحب ~~الأول، وزحفت المدينة، وهدم الحى الذى كان فيه بيتها. هدم كله، ورفعت عمائر جديدة، وشقت ~~طرقا، ووسعت ميادين، وغرست أشجارا؛ ومدت قضبانا، وأجرت تراما. وإذ بى فى يوم الأيام أزور ~~هذا الحى وأجوبه شبرا شبرا، وأتمثل ماضيه كيف كان، حتى أهتدى إلى الرقعة التى كان بيتها ~~قائما عليها فأرجع مغتبطا قرير العين، وأزداد اعتزازا بذكرى ذلك الحب. # ولم تبهت ولن تبهت صورة الفتاه وإنى لأراها الآن، كما كنت أراها فى ذلك العصر الحالى، ~~واقفة إلى جانبى وأمامنا على النافذة طبق فيه «لب» تقشره لى ، وتعطينه، لأنى لا ms59 أحسن قشره، ~~أو جالسة على حشية تسرح شعرها الدجوجى، وترجله وتضفره، فأميل على رأسها، وأدنى أنفى من ~~شعرها الوحف، وأشمه. وإنى ليخيل إلى أنى أجد طيبه الآن أنفى! وما أقول «يخيل إلى» إلا اتقاء ~~لإنكار القارئ فإن شعورى بذلك أصدق ما يمكن أن يكون شعور إنسان بشىء.. وما زلت أراها، تجرى ~~فى الحارة وراء دجاجة لها شاردة، وأنا أدعوها أن تتريث وتقف هناك، وتخطو مترفقة، على حين ~~أقف أنا فى ناحية أخرى لنحصر الدجاجة بيننا، ونزحف ونضيق على الدجاجة المارقة، وهى تصيح ~~وتضرب بجناحيها، وتحاول الإفلات، فتنحنى الفتاة عليها بغتة لتمسكها، فتأخذ عينى ثدييها ~~الناهدين الراسخين وقد ثقلا بالثوب وأحس هزتهما تحته؛ فيدور رأسى وأذهل عن الدجاجة ولا أعود ~~أدرى أفلتت أم وقعت، فتصيح بى وقد اعتدلت «مالك وقفت وسكت؟ ألا تساعدنى»؟ فأفيق وكأنى عدت ~~من عالم آخر، ولا نزال بالدجاجة حتى نمسكها». # وصورتها وهى على السطح تنشر الثياب على الحبال الممدودة وتثبتها بالمشابك، وقد كشفت عن ~~ساعديها وطوت الكمين فوق المرفق، فبدت البشرة السمراء مضطرمة من أثر الغسل، وجهد الدعك وفعل ~~الصابون. # وصورتها وهى واقفة بفناء البيت تودعنى، وباب السكة موارب، وقد ضممتها إلى صدرى وطوقتها ~~بذراعى، وعكفت على فمها بالقبل الحرار، وكان وجهها إلى الباب، وظهرى إليه فمر رجل من أصدقاء ~~أخى، نعرفه ثرثارة تماما، وتراه فتحاول أن تفلت من عناقى، وأحسبها ضجرت، أتوهمها فترت، ~~فأكتئب، فتصيح «لالا.. هذا الرجل» وتقص على الخبر وتعيد لى بشاشتى وترد إلى روحى ~~الإشراق. # وصورتها وهى راقدة ورأسها على وركى، ويدى على شعرها أمسحه وأتخلله بأصابعى، وألمس خدها ~~الأسيل، وأداعب شفتها الرقيقة بأصبعى، فتغافلنى وتعضه. # كلا، لن تبهت هذه الصور أبدا، ولن تكبر الفتاة أو ترتفع بها السن، أو يزداد عمرها عندى ~~يوما، وستظل على الأيام غضة صغيرة. # ولكنى نسيت اسمها، فكأنى ما عرفته قط ولا سمعت به. # ترى ماذا كان؟ وكيف كان فى السمع؟ وفى وسعى أن أسميها شيئا وأن أطلق عليها أعذب ما أعرف ~~من الأسماء، ولكنها عندى أحلى هكذا ms60 بلا اسم، ولا عنوان. وماذا يزيدها أن يكون لها اسم وماذا ~~أصنع به وليس ينقص الصورة شىء؟ # نسيت اسمها كما نسيت اسم ذلك الرجل المتفلسف فى قصة هيبسيا. # | الفصل الرابع عشر # بعد أن كتبت الفصل السابق شق على أنى نسيت لماذا سقت قصة هذه الفتاة التى أحببتها وأنا ~~صبى، ولا يزال لحبها - أو لذكراه - نوطة فى الفؤاد، وعلوق بالنفس، وقضيت أياما أحاول أن ~~أتذكر، حتي وأنا أعمل أو أتكلم، أرى خواطرى تنثنى إلى هذا الذى تفلت منى وغاب عنى، وكان ~~يخيل إلى أحيانا أن السجف المسبل ينمحى قليلا، قليلا، أو ما يشبه السحاب المعقود يرق ويشف، ~~وأن نجما يوشك ومضه الخفاق أن يطالعنى، فأبتسم، وأطمع، وأتشوف، ولكن ما كاد يرق يعود ~~فيتكاثف ويتراكب، فأرتد بالخيبة والأسف، وأتعزى بقولى من يدرى؟ إن للذاكرة معابثاتها، وقد ~~يتفق لى يوما بعد أن أكف عن تعنية النفس بما نسيته، أن أكون فى مجلس شراب أو فى السينما، ~~أو أكون ناهضا من رقاد، فيحضر الغائب ويظهر المحجوب أو المتوارى، ويطفو الراسب، ومن يدرى ~~أيضا؟ لعلى حينئذ أتذكر اسم الفتاة! # ولكن أيمكن أن أكون على يقين أن هذا اسمها؟ هل يسعنى أن أطمئن إلى أن هذا الاسم هو الذى ~~كنت أعرفها به، كلا، فما إلى هذه الثقة أو الاطمئنان من سبيل، وعجيب أن أنساه. # وأعجب منه أن ما يدور في نفسى من الأسماء لا أجد له فى جوانبى صدى ولا أحس منه هزة أو عسى ~~أن تكون هى قد نسيت اسمى، بل نسيتنى جملة، فما كنا إلا طفلين نلعت بما لا نفهم، وما أحسبها ~~غالت بحبها لى وضننت به على العفاء كما غاليت وضننت، وأكبر الظن أن شئون الحياة وشجونها ~~وأفراحها وأتراحها أذهلتها عن ذلك العهد على ما كان فيه من حلاوة، وله من سحر، وإنه ليخطر ~~لى أحيانا، وأنا أرى بنى أن هؤلاء كان يمكن أن يكونوا بنى منها، ولو رأيت أبنائها - أترى ~~صار لها بنون؟ لما وسعنى أن أتصور أنهم بنوها دونى، أو على ms61 الأقل أن خاطرى الماثل فى نفسها ~~لم يطبعهم بشىء منى، ولكن أنى لى أن أعرف - بل أكون واثقا - أن خاطرى يتمثل، أو كان يتمثل، ~~لها؟ ويشق على أن أتصور أنها تنسى. ولعل حبها لم يكن كفاء حبي، ولكن أحسبها تنسى كل شىء إلا ~~أني فزعت إليها واختفيت عندها وفى بيتها، وفى حجرة مظلمة رطبة مهجورة منه، يومين ~~كاملين. # وكان أخى الأكبر - رحمه الله فإن به حاجة إلى الرحمة - قد أراد أن يبرنى ويسرنى فدعانى ~~إلى مرافقته فى يوم «شم النسيم» فذهب بى، ومعنا من أصدقائه ذلك الشركسى الثرثار الذى أشرت ~~إليه فى الفصل السابق - والذى رآنى أعانق فتاتى فذهب يقص الخبر على كل من يلقاه ويقهقه ~~فسمعت به أمى واغتمت له جدا - إلى روض الفرج، وكانت هناك سفن راسية. # وقد صفت عليها الكراسى والطولات على هيئة المقاهى، فجعل أخى وصاحبه يشربان «بيرة ستوت» ~~وجاءت امرأة سمينة، ولكنها جميلة فسلمت وجلست، وأديرت عليها الراح التي تدار عليهما، ونظرت ~~المرأة السمينة إلى بعينها المكحولتين وسألت «ألا تشرب»؟ فتبسمت ولم أرد، فقال أخى وكان من ~~أظرف الناس إذا شرب - «خد.. إن هذا لا يضر» فهززت رأسى أن لا، فمال على وهمس فى أذنى: «لا ~~تخف اشرب وأنت آمن» فهززت رأسى مرة أخرى، فعاد يهمس فى أذنى: «اشرب بالله، وسأقول لخالتى» ~~يعنى أمى - ولم تكن خالته ولا أمه: «إنى اسقيتك سوبية» وهى شراب يصنع من الأرز فقبلت وأقبلت ~~على الكوب الكبير أكرع منه كما يكرعون، وكان هذا أول عهدى بالشراب، فدار رأسى قليلا، وأحسست ~~بالدم يصعد إلى ما وراء عينى ويتجمع هناك وانطلق لسانى وراح هذا الشركسى الثرثار يغمز أخى ~~فيسألنى هذا عن فتاتى، فأقول بحبى فيضحكون ويقهقهون، وتكون المرأة السمينة الجميلة أعلاهم ~~ضحكا وأشدهم قرقعة صوت، وكانت صورة هذا المجلس ماثلة لخاطرى، لما نظمت بعد سنوات طويلات ~~المدد - قصيدة مطلعها. # حثا شرابهما فى ظل حسان # رياه ريحاننا فى مجلس الحان # ريا الحبيب، ولا شىء كنفحته # وهنا يهيج أطرابى وأشجانى # حثا شرابهما حتي رأيتهما ms62 # لايسمعان، وإن كانا يقولان # هما أثيران علانى على ظمأ # وبالشراب على سرى يغوصان # ولم أكن أعنى هذه السمينة الجميلة، ولكن صورة مجلس الشراب الأول ألحت على، فمضى القلم ~~يرسمها فى التى يطربنى منها ما نثيره من الذكرى. # ولا أحتاج أن أقول أنى سكرت، وقد دخلت على أمى، وشمت من فمى رائحة الخل، فغضبت غضبا ~~شديدا ودعت جدتى «لأبى» وقالت انظرى ما صنع خيرى بأخيه؟ فنادت جدتى أخى، فأقبل عليها يبتسم ~~لها، فصاحت به: «يا قليل الحيا يا مزبلح.. خد» وخلعت القبقاب، وأهوت به على أخى وهو يضحك ~~فيلاطفها ويعتذر ويسألها الصفح، ويحاول أن يطمئنها على، وكنت أنا قد تسللت إلى غرفتي، ~~وارتميت على السرير، ولم أكد أفعل حتى ألقيت ما فى جوفى على البساط، فخجلت. # ولم أعد أطيق أن أنظر إلى وجه أمى أو جدتى، فصعدت إلى السطح وانحدرت منه - على السلم ~~المعهود - إلى سطح الفتاة ونزلت إلى الفناء، وأهبت بها أن تؤوينى، وتخفينى عن العيون - حتى ~~عيون أمها وأختها - فحارت كيف اصنع، ورأيت أنا باب الحجرة المهجورة فدفعته ودخلت وقلت هنا ~~أختبئ، ولم يكن فى الحجرة شىء يصلح للجلوس أو الرقاد، فسرقت الفتاة كرسيا قعدت عليه حتى ~~نتدبر الأمر، ثم جاءتنى بحصير ومخدة فارتميت ونمت ساعات، ولما أفقت كانت قد هيأت لى طعاما ~~- بيضا مسلوقا وقطعة من الجبن وبضع زيتونات وخبزا - فأكلت هنيئا وشربت ماء ~~كثيرا. # فى هذه الحجرة قضيت ليلتين، وكنت فيها كأنى فى سجن، فما كنت أبرحها إلا دقائق حين آمن ~~العيون، وكانت الفتاة تؤنسنى بوجودها، وتجيئنى بأخبار البحث عنى، وقد ضحكنا جدا لما روت ~~لى أنهم أطلقوا مناديا يصيح فى الشوارع «ياللى شاف ولد تايه عمره اتناشر سنة لابس جلابية ~~بيضة وراسه عريانة اسمه إبراهيم ... الخ الخ». # وكان ضحكنا لأنى لست طفلا حتى يظنوا أنى تهت وضللت الطريق وكان قلبى يعصره الألم كلما ~~تصورت جزع أمى وجدتى، وبكاءهما، وقد هممت مرارا أن أبعث إليهما بخبر مطمئن، ولكن الوقت كان ~~يمضى ولا أفعل، وكان التردد فى هذا ms63 والحيرة شر ما أعانى، ولكنى كنت راضيا مغتبطا بقرب ~~الفتاة وحسن رعايتها لى، وصدق سريرتها فى كتمان سرى، حتى عن أمها وأختها. ولم أكن أبالى ~~الرطوبة أو الظلام فقد كان الوقت صيفا، والظلام جنة، وألفت عيناى النظر فيه فكان حسبى أن ~~أرى محيا الفتاة. # ولكن الحب - بالغا ما بلغ من القوة والعمق - لا يمنع أن يضيق المرء صدرا بهذا الحب، وأن ~~تلح الرغبة فى الخروج من مثل هذا المحبس على ما كان فيه من الأنس، ولم تنكر الفتاة منى ما ~~كان يبدو من تململى وضجرى واشتهائى الخروج إلى النور، بل تطوعت فكانت رسولى إلى أمى تطلب لى ~~منها الصفح، فما كان من أمى إلا أن ائتزرت وخفت إلى، وضمتنى إلى أحلى صدر وأرق قلب كأنما ~~كنت قد غرقت أو خطفت..! # كلا، قد تنسى الفتاة كل شىء إلا هذه الحادثة ولكن أين هى؟ فوق الثرى أم تحته ياترى؟ قد ~~تكون ماتت! أو تكون الآن عجوزا شمطاء! فهل أنا أحب اليوم أن أراها، وأن أعرف كيف صارت من ~~بعدى؟ لا! # وإنى لأذكر أنى كنت يوما أتمشى مع صديقى الأستاذ العقاد، فرأيت رجلا قصيرا مرسل اللحية ~~أبيضها، مقوس الظهر، مغضن الوجه، فقلت لصديقى «انظر.. هذا هو المازنى فى السبعين من العمر! ~~تالله ما أقبح ما نحن صائرون إليه من الضعف والتهدم والدمامة! لا ياسيدى، خير من هذا المصير ~~عمر قصير مع الصحة والقدرة.» # نعم؟ أكره أن أرى الفتاة فى حاضرها، وأن أفسد على نفسى صورة صباها النضير، وشبابها ~~الريان، وهبها ماتت، فما ماتت عندى، وإنى ليموت منى كل شىء، ولكنها هى عندى ومعى حية لاتموت ~~ولاتهرم مابقيت. # | الفصل الخامس عشر # أراني منذ بضع سنوات أزداد كل يوم انقباضا عن الناس، وفتورا عن لقائهم، ومخالطتهم، ~~ونفورا من الاتصال بهم، وكنت قبل ذلك أحس الضيعة إذا لم أجد من أجالس وأحادث، وكان يسرني ~~أن أسمع صوتى - لا شاديا بل متحدثا - وكانت لذة الحديث لاتعادلها عندى لذة، وكنت في سبيل ~~هذه المتعة البريئة أصنع كل ما ms64 يراني الإخوان ذا ولوع به أو طلب له، من برىء، وكانت الوحدة ~~تتلف أعصابي، وتعصف باتزاني، وتكلفنى شططا، ثم ألفيتني - من حيث أشعر، ولا أشعر، أضيق ~~الدائرة، أو أوسع لنفسي المخرج من محيطها، وأتسلل شيئا فشيئا، حتى أصبحت أتلفت فلا أجد ~~حولى أحدا، وصرت إذا احتجت إلى لقاء صديق قديم، أتردد، وبى من التهيب والخجل مثل ما يحس ~~المرء عادة عند لقاء غريب لاعهد له به. # وقلت لنفسي مرة: «ياهذا، إنك لتمشي فى شارع غاص بالخلق مائج بالرائحين والغادين والرائحات ~~والغاديات، وتروح وتجيء مثلهم أو مثلهن ساعة أو بعض ساعة، وتقطع خمسة فراسخ فى الذهاب ~~والإياب فلا يتفق أن تلقى وجها تعرفه. نصف المدينة القارئة تخرج إلى هذا الشارع وتسير فيه. ~~وكل من ترى معه صاحب أو صاحبة، ولا تزال يده ترتفع بالسلام أو رأسه يهتز بالتحية لهذا وذاك، ~~إلا أنت فما يمر بك من تعرفه أو يعرفك. ومع ذلك أنت أشهر من يمشى فى هذا الشارع ولعل ~~كثيرين ممن تأخذهم عينك قد قرأوا لك، وأعجبوا بك أو سخطوا عليك فهم يعرفونك إذا كانوا ~~يعرفونك - ورقات مغلفة أو مجلدة ولا يعرفونك فى الأحياء من أمثالهم، ومن يدرى، لعلهم ~~يستغربون، بل يستنكرون أن يروك في الطريق! فكثيرا ما تحصل في نفوس القراء صور للكتاب ليس ~~أغرب منها ولا أعجب. وقد خابت لى أنا آمال كثيرة فى أدباء عرفتهم قبل أن أراهم، لأنى وجدتهم ~~علي خلاف ما كنت أتخيلهم مما أقرأ لهم. والصورة التى يرسمها المرء للمجهول تكون على هواه، ~~وقلما يكون الأصل على حقيقته كذلك. والنفس بعد أن تفرغ من رسم الصورة وتلوينها وإنطاقها ~~بالتعابير المستوحاة من الآثار المنشورة يعز عليها أن تتناولها بالتنقيح والتبديل بل ~~بالتغيير التام فى أحيان كثيرة وهذه الصورة المتخيلة تكون من جهد النفس، والنفس لايطيب لها ~~أن يذهب جهدها عبثا، وأثقل من ذلك على المرء أن يعترف بأن فراسته لم تكن صادقة، وأن ~~التوفيق أخطأه فيما تعب فيه، وباهي فيما بينه وبين نفسه به، وما أكثر ms65 ماسمعت من الناس فى ~~أول لقاء «غريب»! لقد كنا نتخيل المازني شيئا جسيما له طول وعرض. «أو قولهم» لقد كنا نتصور ~~أنك تكور على رأسك عمامة عظيمة وترسل لحية كثة. «أو قولهم» أأنت المازنى أم اختزاله؟ «ومتى ~~كان هذا هكذا أفلا يكون الأمثل أن أبقي في أذهان الناس كما يشاءون أن يتخيلونى، وأن أظل ~~عندهم كتابا يقرأونه ويرضون عنه فيما أرجو - أو لا يرضون فقد استوى هذا وذاك عندي؟ # وقلت لنفسي أيضا «إنك لم تعش إلى الآن» كما تحب وتؤثر أن تعيش، ولا سبيل إلى حياة ~~تشتهيها مادمت تخوض العباب مع الخائضين وتضرب فى اللجة مع الضاربين، لأنه لا يسعك إلا أن ~~تنزل فى الأغلب على حكم الجماعة، ولكل جماعة قواعد حياتها، والأمر في جد الحياة مثله فى ~~لعبها ولهوها. وكما أن للعب أصوله ونظامه، كذلك للجد، ولا مفر من التزام هذه الأصول إلى حد ~~كبير والنزول على حكمها؛ وإن كان كل خاضع لها يتسخطها ولا يرتاح إليها، إذ القيد قيد على كل ~~حال فإذا أردت أن تحيا حياتك على النحو الذى هو آثر عندك فلا مهرب من التعزل ليتسنى لك أن ~~تكون على هواك». # وقلت لنفسى أيضا - على سبيل التشجيع: «واعلم أنك لا تخسر شيئا تتحسر عليه، وتألم فقدانه ~~إذا أنت انصرفت عن الناس وزهدت فى مخالطتهم، فسيكون عندك خير عوض عما يفوتك، ذلك أنك تكون ~~كالذى يشرب عصارة ولا يمص، فهل من الخسارة أن تعفى نفسك أن تعب التقشير والمص، ومنظر ~~النفاية التى لم يبق فيها خير، وأن تقنع بالعصارة التى هى الخير كله»؟ # وصحيح أن بذل الجهد لذة، وأن ما يتعب فيه الإنسان يكون أحلى وأمتع مما يجىء بلا عناء، ~~ولكنى لن أحرم لذة الجهد، حين أستغنى بالكتب عن الناس. وقد صرت آكل ما يريح وينفع، لا ما هو ~~أشهى وأمتع، وأشرب ما يفيدنى لا ما هو أعذب فى فمى أو ما أنا إليه أميل وإنى لأرد نفسى عن ~~كثير مما يتحلب عليه الريق ، لأن طاعة النفس ms66 فيه يجىء فى أعقابها ما لا يطاق من الآلام ~~والأوجاع وهذا كله رياضة على الحرمان وعلى أن الحرمان لا يكون إلا من الطلب، ولا أعرف لى ~~الآن مطلبا عند الناس، فقد بعد ما بينى وبينهم جدا، وإنى لأرانى مع الواحد منهم فأحس أنه ~~فى كوكب آخر وعالم غير عالمى. ليس همى همهم، ولا أنا منهم ولا هم منى فى قليل أو كثير، ومتى ~~ذهب الشعور بالمشاركة فماذا يبقى؟ ولست أعنى أنى خير منهم أو أفضل، ولكنى أعنى أنى أرانى ~~مختلفا، والاختلاف ليس مزية، ولا أفضل فيه ولا رجحان. # وقلت لنفسى أيضا: «لقد ثار بى صديق مرة لأنى سألته ألا تشتهى أن تتمرغ كالحمار على ~~الأرض؟ وحسب أنى أقول إنه حمار، وأنه لا ينقصه إلا أن يتمرغ وأعترف أنى أسأت العبارة عما ~~أريد ولكنى إنما عنيت أن النفس تنزع إلى الحرية، وما دام لا ضير فيها على أحد فماذا يمنع ~~منها؟ ولماذا نحيط أنفسنا بأسلاك شائكة لا ضرورة لها ولا منفعة منها؟» # وهبنى تمرغت على التراب، وتقلبت على الأرض، كما يفعل الحمار، فأين البأس هنا؟ إذا كان ~~ثم بأس فهو على لا على أحد غيرى، وثيابى هى التى ستتسخ، ووجهى هو الذى سيتعفر، وإذا كانت ~~نفسى تنازعنى أن أفعل ذلك، فإنى أنا الذى يؤذيه الإحجام عنه، وأنا الذى ترتاح أعصابه وتسكن ~~نفسه إذا فعل. ولكن صاحبى غضب، وإن كنت لم أقصر فى الشرح والبيان، وفى الاعتذار من سوء ~~العبارة وقبح الاختيار للمثل. ولا يزال يذكرنى بالسوء كلما عرض ذكرى فى مجلسه، ولاينفك يقول ~~إنى وقح قليل الأدب، ولاشك أنى كما يقول، مادام الأدب هو ما يعرف. وقد يسره ويخفف من سخطه ~~على أن يعرف - إذ أمكن أن يحمل نفسه على قراءة شىء لى - أنى أخرج فى بعض الأحيان، إلى ~~الصحراء وأتمرغ كالحمار على رمالها، وأعوى كالكلب وأموء كالقط، وأصرخ وأصيح فى هذا الفضاء ~~الشاسع، ثم أنهض وأنفض عن ثيابى الغبار، وأمسح وجهى ويدى. وأعود إنسانا محتشما ذا سمت ~~ووقار، ولكن بعد ms67 أن أكون قد أرضيت نفسى وأشعرتها أنى حر ولى فى هذا الذى لا قيمة له عند ~~الأكثرين، وأن فى وسعى أن أفعل ما أشاء، وأكون على ما أحب. ولا نكران أن هذا لا يتاح لى إلا ~~وأنا منفرد وحدى، ولكنه ليس بالقليل أن تستطيع أن تكون متفردا وحدك وأن تنعم بذلك، ولا ~~تستوحش نفسك ولا تصبو إلى الناس. # ولعل المتعة مستفادة من القدرة على مغالبة الصبوة إلى المجتمع لا مما عسى أن تفعل وأنت ~~وحدك. ولكن كثيرين يكونون وحدهم، ولا عين عليهم، ولا خوف من أن يراهم أو يسمعهم أحد ومع ذلك ~~لا يجرأون أن يفعلوا ما تحدثهم به نفوسهم. # | الفصل السادس عشر # وقلت لنفسى أيضا: «لا أدرى لم هذا الموت؟ وإنى لأشتهى أن أرى حياة من لا يموتون، وبودى ~~لو يمتد بى الأجل إلى زمان يسع الإنسان فيه أن يغالب هذا الردى العادى. وأحسب أن الموت هو ~~مصدر ما نعده فضائل فى الإنسان، وقد شرحت هذا فيما كتبته عن المتنبى فى «حصاد الهشيم» فلا ~~أعود إليه، ولكنى أحسبه أيضا علة ما ألفنا أن نسميه الرذائل. غير أنه ما الخير والشر؟ وما ~~الفضيلة والرذيلة؟ أخشى ألا يكون هذا وما إليه أكثر من ضوابط للسلوك، ووسيلة لتنظيم الجماعة ~~والانتفاع بما فى الطباع. وإنا لفى زمن يعد فيه الخير فى مكان شرا فى مكان غيره، والفضيلة ~~هنا مرذولة هناك. ولقد أدركت عهدا كان ذكر الحب فيه عيبا؛ وكان تقبيل الفتى لأمه التى ~~نجلته، قلة حياء، فالآن نعلم أولادنا أن الرجل والمرأة ما لم يتحابا لا يجوز أن يتعايشا، ~~ونطلب لغير الشرعى من الأبناء مثل ما لصنوه الشرعى من الحق والكرامة، ونرى الخطيبين أو ~~الزوجين، أو الصاحب والصاحبة يتلاثمان على قارعة الطريق وفى المجلس الحافل، ونحس الرضى ~~والاغتباط من الناظرين، ونشعر أنهم يدعون لهما، ولا نحس أنهم يستهجنون أو ينفرون وليكن هذا ~~كيفما شاء الله أن يكون، فأين العزاء فيه لحى لا يلبث أن يصبح «هالكا وابن هالك، وذا نسب فى ~~الهالكين عريق»؟ ms68 # وطال تفكيرى فى هذا الموت، وخامرنى خاطره، فهو لا يفارقنى فى يقظة أو منام، وإنى لأحلم به ~~وإن كنت - بلطف الله - أصبح ناسيا ما تراءى لى من الصور والحوادث فى رقادى، وما غمضت عينى ~~ليلة إلا وأكبر ظنى أن أفقد نفسى فلا أعود إلى الشعور بها، وقد أحب أن أهون على نفسى الأمر ~~فأتساءل متغابيا أو مغالطا: «أترى كل ما فى الموت هو هذا الفقدان للشعور بالذات»؟ ولا ~~ينفعنى هذا فأرتد وأقول: «وكيف يعد حيا من لا يعرف أنه حى ولا يحس بنفسه؟ وماذا تكون إذن ~~جدوى استمرار حياة لايحسها الحى ولا يفطن إليها ولا يدرك بها أنه موجود؟ أطبق الجفن على ~~الجفن وأنا أحدث نفسى أن ما لا حيلة لى فيه لا حيلة لى فيه، فلأقصر عن تدبره، ولكن على ~~واجبا هو ادخار القوة والدفاع بها إلى آخر رمق. ولكن قلبى يظل يخفق ويدق، ويكبر فى وهمى أنى ~~إذا نمت قد تختلس منى الحياة وأنا ذاهل غافل لا أقدم دفاعا ولا أقوم بكفاح، وأحس دقات قلبى ~~فى رأسى قوية تكاد تفلق العظم، وأسمعها بأذنى مدوية تعصف بسكون النفس واتزان الأعصاب، وأشعر ~~كأن كيانى كله يرتج، بل يزلزل، فاحتال لاستعادة السكون، وأوثر لهذا أن أنام وأنا قاعد فإن ~~القعود، فيما جربت، يعفينى من حدة الشعور بدقات القلب، وأروح أقول لنفسى: يا هذا إن الدقات ~~منظمة وإن كنت أسمعها عالية، وكل إنسان يستطيع أن يسمعها ويستهولها كما نفعل إذا هو جعل ~~باله إليها، فقلبك بخير ولا خوف عليه - على الأرجح - من سكتة مفاجئة، يجمد من جرائها تيار ~~الحياة، وقد قال لى طبيب - استشرته: إن القلب سليم وإن جسمك الضئيل لا يكلفه جهدا وأن أيسر ~~عمله كاف جدا لإدارة الدم فى البدن كله وهذه أعصابك قد أتلفتها بهذا التفكير الدائم فى ~~الموت، فهل تستطيع أن تبين لى على أى شىء تحرص فى الحياة حتى تجزع من الموت هذا الجزع؟ ~~وأشغل نفسى بجواب هذا السؤال، وأروح أعرض على نفسى وجوه حياتى، ولا أبخس ms69 الحسن حقه ولا ~~أغالى بالقبيح أو أهول به، ويطول بى ذلك فيأخذنى النوم وأستريح من هذا العناء الباطل. # ولكن الخاطر يظل حاضرا أبدا، على الرغم مما أحاول أن أدافعه به، فأنا أقعد للطعام وأحس ~~من نفسى الإقبال عليه والرغبة فيه، ولكن كل لقمة أتناولها يصحبها إنذار: «حاذر من الكظة» ~~فأنهض عن المائدة وما شبعت وتقول زوجتى - وهى تقوم معى: «لا أراك تأكل الكفاية» فأقول ~~متمثلا: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع؛ وإذا أكلنا لا نشبع» وأتقى أن أعديها بما ينغص ~~عيشى. # وأكون كما يقول الشاعر القديم: # ولما نزلتا منزلا طله الندى # أنيقا، وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه # منى، فتمنينا فكنت الأمانيا # ولكنى أنظر إلى هذه التى هى منى النفس، وروح الحياة وريحانها فأرى بأول الظن «آخر الأمر ~~من وراء المغيب» فتبدو لى ملفوفا عليها كفن وقد شاعت الصفرة فى محياها المتوهج، وآضت عينها ~~التى تنفث السحر كقطعة من زجاج، وشاع فيها البلى علوا وسفلا، وصارت غضارتها ونضارتها صديدا ~~سائلا تسد من نتنه الأنوف. # وأرد نفسى إلى عينى وأترفق بها وأنا أتصور مآلها، فأراها شجرة يذوى نورها، وتذهب زهرتها ~~ويجف ورقها ويسقط عنها، فتتعرى، ثم يجىء الحطاب ويهوى على أصلها بالفأس.. وكانت هنا شجرة ~~ثم غابت.. هذا كل شىء. # ويحضرنى بيت للخيام مما ترجمته عنه: # وأين، لا أين، بلبل غرد # كان يغنى على الغصون لنا؟ # فأديره فى نفسى وأدهوره فى شدقى، بلا صوت، وأظل مع ذلك أتبسم للجالسين وأحادثهم وأمازحهم ~~وأجد معهم وهم لا يدرون أنى قبر مظلم، وأنى أستر نفسى وأحجبها عنهم بأزاهير الضحك المتكلف، ~~أى نعم، فما أعرفننى ضحكت ضحكة من القلب.. ضحكة سرور حقيقى عميق.. ولكن مالهم هم أقول لهم ~~ذلك، وأغش به نفوسهم وأفسد نعيمهم وأسود الدنيا فى عيونهم؟ # ويلقانى الشبان، ويسألوننى، ويرهفون السمع لما أقول، وفى ظنهم أنى أحكم منهم وأعلم، وإنى ~~لكذاك ولكنها حكمة خير منها الطيش وعلم أفضل منه الجهل، فأقول لنفسى. يا هذا. إنك مسخ كريه ، ~~وإن كان هؤلاء ms70 الشبان لا يعلمون، فلا تنزع القناع، ولا تكشف لهم عن الخراب والقبح اللذين ~~فى نفسك، ولا تدع عيونهم تأخذ الديدان التى تمرح فى جوفك وترفق بهم فإن حسبهم ما لابد أن ~~تصدمهم به الحياة عاجلا أو آجلا بل آجلا - كما أرجو لهم وأحب - وإنى لأتمنى لهم السلامة ~~والنجاة، ودوام الاغترار بالعيش، وإن قلبى ليعصره عاصر حين أتخيلهم وقد فتحوا عيونهم على ~~حقائق أخرى غير التى يعرفونها أو يأملونها، وأروح أرسم لهم صورة للحياة الزاهية وأضع نفسى ~~فى موضعهم وأتكلم بمثل لسانهم ويكلفنى هذا شططا، فليس أقسى من ثنى الأعصاب وإكراهها على ~~حالة غير حالتها ويخيل إلى وأنا أبذل هذا الجهد من نفسى أنى أوقدت نارا تحت أعصابى لتحمى، ~~وأنى أدقها بمطرقة لتلين وتتخذ الصورة التى أريدها ويؤسفنى أنى لا أجد ما آمرهما به بعد ذلك ~~لتخمد الجذوة وتبترد، ويذهب عنها الحر. # وأسأل نفسى «أتراك تتمنى أن تستأنف حياتك وتبدأها من البداية كرة أخرى؟» ولا أكذب نفسى ~~فأقول (لا) وأحس أنى فى حيرة، فلا أستطيع أن أقول (نعم) وما خير التكرار إذا كانت النهاية ~~واحدة؟ وإذا تسنت العودة من جديد واستئناف الحياة فى الدنيا مرة ثانية، فهل يكون ذلك بهذه ~~النفس التى ألفتها؟ وأرى الجواب كلا على التحقيق، فأزهو فى فراق النفس، ولا أرى هذا ~~الاستئناف للحياة، أو ابتداءها من جديد، إلا ضربا من الموت، فكأنى سأموت ميتتين بدلا من ~~واحدة. وأحيانا هذا الخاطر بالتهكم والسخرية، أركب بهما نفسى والناس والحياة وكل ما فيها، ~~وتستغرقنى العاطفة الفنية فترة، فأذهل، وأهنأ، لأن بالى خلا من التنغيص، ولأن عاطفتى الفنية ~~جعلتنى فيما أحس أقوى من الحياة نفسها؛ لأنها انتزعتنى من اللجة، ووقفت بى على الشاطئ ~~وأتاحت لى أن أتأمل صورة الحياة من ناحيتها المسلية، وأنا بمعزل عنها فكأنى محلق فوقها، غير ~~خاضع لها ... ومن يدرى؟ لعلى أدخل السرور على نفس أخرى مظلمة كنفسى، بما أعالج من فكاهة ~~الحياة. وليس قليلا أن أستطيع ذلك وإنه ليسعدنى أن أتوهم أنى استطعت إسعاد غيرى ولو دقائق ms71 ~~معدودات وقد أكون واهما ولكنه وهم جميل، بل جليل، وأنه الذى يغرينى بتلمس الجوانب الفكاهية ~~فى الحياة، ولا أنكر أن هذا يسرى على نفسى أيضا، ولكن ما ينفعنى ويشفينى ساعة ولا يخلو من ~~نفع لغيرى. وما أظن بى إلا أنى أصبحت كذاك الذى شفاه دواء لا يعرفه الأطباء؛ فهو يعد منه ~~ملء زجاجات يهبها للشاكين المتوجعين لوجه الله وشكرا لله. # وقلت لنفسى أيضا: «يا هذا، لقد جاوزت الخمسين، فأنت الآن فى المنحدر، كنت على جانب آخر ~~من جهل الحياة، تصعد وتتوقل، ويصرفك ما فى الصعود من مشقات وما يتقاضاك من جهد، وما تأخذه ~~عينك من صور ومناظر - عن التفكير فى الذروة وما بعدها، فالآن أشرفت على الجانب الآخر، ولا ~~مفر لك من النزول. وعبث باطل ليس يجدى أن تخادع نفسك، وتوهمها خلاف ذلك. وقد يتيسر لك أن ~~تقف هنا قليلا، وتتلبث هناك لحظة، ولكن الانحدار مهما طال الوقوف، لا مهرب منه، ثم إنك وأنت ~~لا تستطيع أن تجعل عينك إلى فوق، فهى أبدا - أو فى الأغلب الأعم - إلى تحت ... إلى المصير ~~المحتوم ... وهو محتوم ... محتوم، ما فى هذا أدنى شك فما قولك فى رياضة النفس عليه؟ تروض نفسك ~~على الموت.. على الاطمئنان إليه.. على السكون إلى ما يهولك منه، والرضى به؟ واعلم أن هذا لا ~~ينفي حرصك على الحياة وضنك بها، وكل ما فيه أن يعدك لما بعدها، فأنت كالذي يذهب إلى مدرسة ~~ليهيئ نفسه لغده المأمول، فهذا غدك الذى لا ريب فيه، فمن أصالة الرأى أن تتهيأ له. وسينفعك ~~هذا، ومواجهة الحقائق أولى وأرد على المرء من تجاهلها والمكابرة فيها ...». # وراقنى هذا، فصح عزمى على رياضة النفس على السكون إلى الموت. # | الفصل السابع عشر # سألت نفسى: «لو أمكن أن أبدأ حياتي من البداية، مرة أخرى، فهل ترانى أسير فيها كما سرت» ~~؟ # وخطر لى، وأنا أدير هذا السؤال فى نفسى أن الأولى أن أسأل: هل يسرنى أو أنا أشتهى، أو ~~أتمنى أن يرتد عقربا الساعة، وأن أكر راجعا إلى تلك ms72 البداية؟ # ولا أدعى أني كرهت هذا، ونفرت منه، ولكنى أقول. لأنى ترددت وصحيح أنها كرة - لو أتيحت - ~~يكبر بها الأمل فى طول البقاء فى هذه الدنيا، والتلبث على الأرض، ولكن المعول فى الحياة ليس ~~على الطول والعبرة ليست بالمدة، وعدد السنين، بل الامتلاء والسعة، ولولا شهادة الميلاد لما ~~صدقت أنى تجاوزت الخمسين، فإنى - كما قلت قديما أيام كنت مغرى بالنظم: # أحس كأن الدهر عمرى، وأننى # أخو مغرق الأرضين بالفيضان # ويضحكنى الآن أنى قلت هذا، فما أعرف أخى المزعوم هذا ما عسى أن يكون؟ وقد كنت أعنى نوحا، ~~ولكن نوحا لم يغرق أرضا، ولم يفجر ماء، وكل ما كان منه أنه صنع فلكا حمل فيه من كل شىء ~~زوجين حتى أقلعت السماء، وبلعت الأرض ماءها، فليته ما فعل؟ وهذا البيت مثال للتأليف السخيف ~~الذى لا دقة فيه ولا إحكام. وبعد أن يقول المرء إن الدهر كله، عمره، لا يقبل منه هذا القياس ~~المحدود، بأن يكون أخا نوح أو حتى أخا لآدم، فإن مسافة هذا الزمن مهما طالت لا تعدو أن تكون ~~جزءا من الدهر. وقد كنت فى هذا البيت شبيها بالعامة أو الأطفال حين يقيسون ما لا حد له ~~إلى ماله حدود قريبة. وللعامة عذر من أنهم محدودون، وأن فجاج الفكر والخيال والشعور مسدودة ~~عليهم، وليس كذلك الأديب الذى يزعم أنه واسع، وأنه عالم صغير «يسع السبعة الأقاليم طرا» ~~كما يقول ابن الرومى فى بيت يهجو به ابن بوران، أو أمه، ويقول بعد: # كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا # وتحويه دفتا حيزوم # والذي يزعم نفسه قادرا على أن يطوى العالم كله فى ضميره، وأن فؤاده يتسع للدنيا لا يجوز ~~له أن يكون قاصرا محدود الخيال، ضعيف التصور كالطفل والجاهل العامى النفس. # وكان بعض الإخوان قد أشار على أن أعيد طبع ديوانى بعد أن أضيف إليه ما لم ينشر، فقلت له ~~إنى لا أرضي الآن عما قلت من الشعر في صدر حياتى - وأنه يحتاج إلى مراجعة طويلة متعبة، ~~ليصبح فى رأيى صالحا للنشر، ولا ms73 صبر لى على هذا، ولا وقت له عندى، ومن الخطل أن أنشر ما لا ~~أستجيد، فقال إن رأيك فيه ليس من الضرورى أن يكون رأى الناس مثله، وأن ما لا يعجبك قد يعجب ~~غيرك، وأن ما يروقك قد لا يروق سواك. # فقلت هذا صحيح، ولكنه شعرى، ونشرى له معناه رضاى عنه وارتياحى إليه، وغير مقبول أن أشتم ~~الناس بأن أقول لهم خذوا هذا الشعر، فهو حسبكم وإن كان ليس حسبى، ثم إن رأيى أنا فى كلامى ~~هو الذى يعنينى، وما قلته إلا للتعبير عما في نفسى.. # فإذا كنت أرانى لم أجد العبارة ولم أوفق في التصوير، وأنى تشابه الأمر على، لجهلى، وخلطت ~~بين العرض والجوهر، وركبنى الغلط حتى فيما توهمته حقيقة إحساسى وخوالجي، فكيف أستبيح أن ~~أعرض هذا الخلط والغلط والعجز على الناس؟ # وكما لا أحب أن أنشر ما قلت من الشعر بعد أن أدركت مافيه من قصور، كذلك لا أحب أن أبدأ ~~حياتى - كرة أخرى - من البداية، وأكبر الظن أن ذكرى الشباب أحلى من حقيقته، وأعذب. وإنى ~~لأغوص فى أعماق نفسى الآن، فأجد أنى فى شبابى لم أسعد به كما أسعد بذكراه، وأنى لم أجعل ~~بالى فى عهده إلى الحلاوة التى أتذوقها الآن من عرض أيامه على خاطرى، ونشر المطوى من زمانه، ~~وأحسب أن الذى يكسب ذكرى الشباب هذه الحلاوة ويرقق القلب له ويعطفه عليه، ويعصره أيضا، هو ~~أن الإنسان ينتقي منه وينتخب، ويغربل وينخل، ويبرز ما يحب، ويحجب ما يكره ويقول هذا هو ~~الشباب! كلا، ليس هذا بالشباب، وما كانه قط، ولن يكونه، وإنما هو الحميد منه، مستخلصا، ~~ومصفى، ومعروضا على نفس تحس دبيب الفناء، وتشعر بأنها مولية عن الدنيا، وكل ما يذهب ولا ~~يرجع يلتفت إليه القلب، وما ينفرد الشباب بما يدعو إلى الصبوة إليه والرغبة في استعادته، ~~فما يخلو عهد من عهود العمر من بواعث الرضى، وللكهولة لذاتها ومتعها، كما للشباب، بل لعل ~~متع الحياة ولذات العيش فى الكهولة أقوى وأعمق، فإن للتجربة مزيتها وللمعرفة فضلها، ms74 والمرء ~~يغالط نفسه حين يقول إن ما مر به كان أطيب مما هو فيه، فما كان كذلك، ولكن الذى فى الماء لا ~~يستطيع أن ينعم بمرأى البحر ومناظر السابحين فيه، كما ينعم بذلك الواقف على الشاطئ، والماضى ~~أوقع فى النفس لأن ذكراه تثير السرور بما كان فيه من حسن، والأسف على انقضائه، وتمنى عودته، ~~ولكن الحاضر يشغل بمعاناته عن التفكير فيه والإحساس به من نواحيه جميعا. كالسابح في الماء ~~يشغل بجهد السباحة عما حوله من المناظر. وإذا وسع الإنسان أن يكون فى اللحظة الحاضرة وأن ~~ينأى عنها ويلاحظها من بعيد، ويتأملها ويوقظ لها نفسه وحسه وعقله، كما يفعل حين يتدبر ~~الماضى - إذا وسع المرء أن يفعل هذا، فإنه يستطيع أن يضيف إلى لذة الحاضر المتع المستفادة ~~من رجع البصر أو التذكر. # والأمر يحتاج إلى رياضة، وقد استطعت أن أروض نفسى على هذا، فأنا حين أكون على حال ما، لا ~~أعجز عن انتزاع نفسى منه، والوقوف بمعزل عنه بحيث يتسني لى أن أراقب ما يجرى - كأنه يقع ~~لسواى - وأن أدير فيه خاطرى فأكون فى الحاضر وكأنه مضى وظفر بالمتعة المحسوسة والمتعة ~~المتخيلة وأضرب مثلا فأقول هبنى أعانق فتاة وأقبلها، فأنا حين أفعل ذلك أشعر بمتعة القبلة ~~ولذة الضمة، ولكنى أزيد على ذلك أنى أستطيع أن أسبق هذه اللحظة بسنة أو سنتين. وأتصور نفسى ~~جالسا أتذكر حلاوة القبلة التى فزت بها من تلك الفتاة ويكون تصورى هذا فى أثناء التقبيل. ~~فهما قبلتان - واحدة أحسها بفمى ويرف لها قلبى وأخرى يجسدها لى خيالى كما ستكون بذكراها بعد ~~انقضاء عام أو عامين وهكذا فى غير ذلك. # لهذا لا أرى مزية للعودة إلى الشباب. # | الفصل الثامن عشر # سألنى «بعضهم»: هل تعتزل الناس، أو تروم أن تعتزلهم، لأنك مللت الحياة، وزهدت في العيش؟ ~~أو أنت تفعل ذلك لأنك لا تأنس من نفسك القدرة على خوض الغمار، ومصارعة التيار، أي لفتور ~~عراك وضعف أدركك؟ # وليست هذه ألفاظ السائل، فقد نسيت الموضع الذى كنت أدخر فيه رسالته إلى ms75 أوان الرد عليها، ~~والنسيان آفتى التي تكاد تذهب بلبى فإنى أنسى كل شىء إلا أنى أكلت، وما أذكر الشبع إلا بما ~~أعانيه من كربة الثقال، وأحسب أنه - وأعنى النسيان، لا الشبع - هو الذى حمانى أن أحب وأعشق، ~~وكيف بالله يكون حب من يمسى عاشقا ويصبح ساليا؟ # أى والله، وإن الحسن لفتنة، وإن القلب ليصبوا. # ولكنى أنسى أني صبوت. وتطير من رأسى الأسماء والأحاديث، كما تطير العصافير عن ~~أعشاشها. # وقد اتفق لى أن خرجت يوما بالسيارة وحدى إلى آخر مصر الجديدة، فأوصدت أبواب السيارة ~~وذهبت أتمشى في الحدائق الممتدة إلى حدود الصحراء، وكنت مطرقا أنظر إلى الأرض وأنا أخطو، ~~وكان بالى إلى الفرق بين وقع قدمي - قدم رجلى السليمة، وقدم رجلى المهيضة - وإلى مسافة ~~الزمن التى يستغرقها الخطو بكل منها وأيهما أثقل وأبطأ فيما أحس وأرى. # وكان الداعى إلى هذا أنه خطر لى أنى مخطئ فى اجتناب الرقص، وأنه عسى أن تسعفنى ساقى ~~المهيضة ولا تعبأ بالحركة الخفيفة السريعة المطلوبة فلا يبقي موجب للصبر على هذا الحرمان ~~ومسوغ لتوطين النفس عليه، وأنا أحب الرقص، ولكنى لا أحب أن أكون حجر طاحون، وأخشى أن تخذلنى ~~ساقي، فأتلكأ وأبطئ، أو دوس قدم التى أراقصها وأدور بها، وأخجل أن أجرب قبل أن أتبين ~~وأستوثق، وإنى لهكذا وإذا بي أصدم بفتاة داخلة من بعض أبواب الحديقة، فاتقيت الوقوع بإسناد ~~كتفى إلى كتفيها، واتقته هى براحتيها على صدرى وأفقنا فشرعت أعتذر، فقاطعتنى وقالت «أهو ~~أنت»؟ # فابتسمت وقلت «ليس عندى أدنى شك فى أنى أنا، فهل يكفيك هذا الجواب؟ إنه على كل حال من نوع ~~السؤال». # قالت «إنما أعنى أن هذه مصادفة عجيبة. أين كنت كل هذا الزمن»؟ # فتأملتها، وأطلت التحديق فى وجهها الصابح، ولكن رأسى لم يختلج فيه شىء. فهززت رأسى وقلت ~~«كل هذا الزمن؟ هل؟ هل أقص عليك تاريخ حياتى من البداية»؟ # قالت «ألا تذكر»؟ # قلت «هذه هى المسألة - كما يقول هملت، فهل سمعت به»؟ # قالت «كيف تنسى؟ كيف يمكن أن تنسى »؟ # قلت «اسمعى» وجررتها ms76 من ذراعها إلى مقعد «هذا موضوع يحتاح إلى تقص طويل، فقولى لى: هل أنا ~~مدين لك؟ هل اقترضت منك مالا، أو استعرت شيئا»؟ # فضحكت وقالت «لا مال لى أقرض منه، وليس عندى ما يستحق أن يعار». # قلت: «هذا حسن. فإنى الساعة أدنى ما أكون إلى الإفلاس. سؤال آخر ...». # فقاطعتنى وقالت: «لاتسأل.. سأذكرك بكل شىء». # قلت: «خيرا إن شاء الله، هاتى ما عندك». # قالت: «أتذكر السويس»؟ # قلت: «أعرف السويس، مصيف جميل وشتى أجمل فهل تلاقينا هناك على ساحل البحر، أو فى ~~الكازينو، أو على الباخرة التى ركبتها إلى الحجاز أو ...». # قالت - وهي تضحك - انتظر لا، لم نتقابل فى السويس، بل فى طريق السويس، عند الكيلو ~~الخمسين، وكنا عائدين إلى مصر..». # فقاطعتها «كنا؟ من تعنين»؟ # قالت «ألا تنتظر؟ أخى وصديقتان وصاحب لهما، وأنا، فانكسر غطاء المحرك فوقفنا ننتظر نجده، ~~وكاد يدخل الليل، وكدنا نيأس، فقد كانت السيارات التى تمر بنا، لا تقف، وهى صغيرة لا تتسع ~~لنا، ولا تقوى على جرنا وإذا أنت مقبل فاعترضت طريقك وأشرت إليك فوقفت، وسألتنا عما نريد، ~~فأخبرناك، فاقترحت أن تحملنا جميعا فى سيارتك، ولكننا اعترضنا، وقلنا إننا لا نستطيع أن ~~نترك سيارتنا واقترحنا عليك أن نربط السيارتين فتجرنا، ففعلت وركبت أنا معك فقلت لى: «ستخرب ~~سيارتى، وسينهكها هذا العبء، ولكن حسبى عوضا أن ست عيون كفت عن البكاء، وثلاث وجوه عاد ~~إليها الإشراق».. # وقد عرفتنا وعرفناك، وكتبت أسماءنا كلها فى رقعة، ولقيتك أنا وأخى بعد ذلك مرتين، دعوتنا ~~فى أولاهما إلى السينما، وفى المرة الثانية قضينا أكثر من ساعتين فى (الأمريكين)، وقد ~~أخبرتك فى ذلك اليوم أنى مسافرة إلى الإسكندرية لقضاء شهر فيها، وأعطيتك عنوانى فوعدت أن ~~تزورنى، وأن تكتب إلى، قبل الحضور، ولكنك لم تفعل لا هذا ولا ذاك». # قلت «الحمد لله». # فقطبت وقالت «إيه؟ ماذا تعنى»؟ # قلت «اسمعى. إن رأسى هذا غربال واسع الخروق، كما يعرف كل من يعرفنى، وقد كنت أخشى، وأنت ~~تقصين على الحكاية، أن أكون قد قلت أو فعلت شيئا.. الحمد ms77 لله على كل حال، فقد اقتصر الأمر ~~على هذا القدر». # قالت: «ولكن لماذا لا تنتظر؟ لقد وعدتنى أيضا ...». # فقاطعتها قائلا: «هل تريدين أن تضحكى على ذقنى؟ لأنك عرفت أنى سريع النسيان، تخترعين ~~وعودا و...». # قالت «ولماذا أخترع»؟ # فتناولت ذراعها وسألتها «سأوجه إليك سؤالا قد يبدو لك محرجا أو ثقيلا، ولكن عذرى هو هذا ~~النسيان، هل قلت لك إنك جميلة»؟ # قالت «نعم» قلت: «إن عينى زرقاوان كالبحر، وعميقتان مثله». # قلت «هذا صحيح» ففرحت وصاحت: «هل تذكرت»؟ قلت: «كلا» إنما أعنى أن عينيك هكذا تماما وأن ~~هذا الوصف هو الحقيقة على كل حال - وهل.. هل..»؟ # قالت: «نعم». # قلت: «ماذا تعنين بنعم» (بعبوس). # قالت: «منتظرة سؤالك». # فتشهدت وسألتها «هل قبلتك؟؟ معذرة»! # قالت «أوه.. هذا ... نعم ثلاث مرات ... مرة فى الطريق وأنا معك فى السيارة ومرة ...». # قلت «كفى.. كفى.. إنى آسف.. ولم يبق إلا أن أسأل هل كانت القبلة حلوة؟ أظن أنى سأجن ~~...». # فقالت - وهى تضحك: «إنك مدهش. ولكن هل صحيح أنك تنسى إلى هذا الحد؟ أم تراك تتكلف ~~لتعابثنى»؟ # قلت: «لا والله ما أذكر أنى رأيتك فى حياتى». # وغريب أن أنسى الأصل وأذكر الهوامش! # فهذه حادثة تريك كيف يكون من المستحيل على أن أعشق، لأنى أنسى كل حب، بل كل عاطفة، لا ~~يزيد عمرها على أربع وعشرين ساعة، على الأكثر، ثم تنطوى. # وأعود إلى السؤال الذى بدأت به هذا الفصل، فأقول: إنى لم أسأم الحياة ولم أزهد فيها، ولا ~~فترت عنها، بل أنا أطلب لها، وأقوى رغبة فيها مما كنت فى أى عهد مضى، ولست آنس من نفسى ~~عجزا عن مسايرة الدنيا، أو الناس، فإن الأمر على النقيض، وأحسب أن الرغبة فى الحياة تقوى ~~مع ارتفاع السن وقلما يلتفت الشاب إلى الحياة وطولها أو قصرها، أو يفكر فى أنها إلى زوال، ~~لأن ما يحسه من فيض الحيوية لا يجعل له بالا إلى شىء من ذلك، ولأنه يكون مشغولا بإنفاق هذه ~~الحيوية الزاخرة عن كل أمر أو حال آخر، فهمه أن يريح نفسه من ms78 ثقل الضغط، وأن يفتح ~~«البوابات» كلها لينحدر منها ويخرج ما يجاوز طاقته، ويزيد على قدرته على احتمال ضغطه ثم ~~ينقضى الشباب فيسلس التدفق وتخف وطأته ويزداد شح المعين على الأيام، فيتسنى للمرء أن يفكر ~~بعقله وينظر بقلبه وأن يدير عينه فى الماضى، والحاضر، وأن يمد بصره فى المستقبل ويرى أنه ~~يدلف إلى النهاية، فيفرق ويشفق وقد يجزع. # وتحدثه نفسه أن النهاية قد تكون أدنى إليه مما يرجو فيشتهى أن يفوز فيما بقى له من العمر. ~~بأضعاف أضعاف ما فاز به فيما مضى وانقضى ويطلب أن ينعم أعظم نعم فى أوجز وقت لأنه من يدرى؟ ~~قد لا يطول العمر. وقد يتخونه الموت. وهبه طال فقد لا تبقى الصحة. وما خير حياة بلا صحة ولا ~~قدرة على العمل والاستمتاع؟ # فهو لهذا يقبل على الحياة، لم يكن يفعل فى شبابه، لأنه كان مغترا بالعباب الزاخر فى ~~شبابه، ومفتونا به، ومصروفا، عن التأمل والتدبر، أما فى الكهولة فلماذا يغتر؟ وماذا يتوقع، ~~وهو يحس النضوب يوما بعد يوم؟ ومن أجل هذا يخطئ من يتوهم أن الشباب هو وحده سن الإقبال على ~~الحياة. فما ينقطع أو يفتر الإقبال، ولكن المرء فى صغره يركب الحياة بالجهل، أما فى الكهولة ~~فإنه يركبها بالإرادة. وهو فى شبابه يكون محمولا على متن تيار لا يستطيع أن يقاومه أو يصده، ~~وفى كهولته يكون كراكب السفينة المطاوعة، يمخر بها إلى حيث يبغى، وقد صارت فى عونه تجربته، ~~وسكون التيار. كذلك يخطئ من يحسب الكهولة أضأل استمتاعا بالحياة، فإنها أدرى بالمتعة، وأحس ~~بها، وأفطن لها، وأعرف بوجوهها، وأخبر بالوسيلة إليها. # كلا، لست أنشد الاعتزال لشىء من هذا الذى سأل عنه بعضهم، بل لأسباب أخرى أعمق، أحاول أن ~~أجلوها، وأرانى كلما عالجت ذلك أذهل عنها، أو أستطرد، أو أغرق خطر أنها فى بحر من الذكريات ~~والتأملات. # | الفصل التاسع عشر # قلت إن من الخطأ أن يتصور أحد أن الشباب أشد إقبالا على الحياة، وطلبا لها ورغبة فيها، ~~أو أن الكهل أقل تشبثا بالحياة أو أكثر ms79 فضيلة أو آثر لها وللعفة والزهادة في سيرته. وقد ~~أثار هذا القول اعتراض بعض الإخوان، فأنشأوا يجادلوننى فيه، فكان مما قلته لهم إنكم لا ~~تواجهون الحقائق بل تهربون منها، وتشيحون بوجوهكم عنها، لأنكم ترون هذا أكرم لكم وأبعث على ~~توقيركم، أو أنتم تجهلون نفوسكم، أو تغالطونها أو لا أدرى ماذا غير هذا وقد كنت شابا كما ~~كنتم؟ ولعل الفرق بينى وبينكم أنى كنت - وما زلت - مغرى بإدارة عينى فى نفسى، والغوص فى ~~لجتها على ما عسى أن يكون فيها من طيب وخبيث، وأنى لا أحب أن أسمى الأشياء أحسن أسمائها بل ~~أسماءها الحقيقية، وأنى قد أغالط الناس، وأخدعهم ولكنى أصدق نفسى. وليس أحلى عندى وأمتع ~~ولا أوقع وأروع، من أن أتناول نفسى، كله، تيسرت لى الخلوة بها، وأحطها على كرسى أمامى، ~~وأتدبرها، وأجيل فيها عينى، وأفحصها وأجسها، وأسبر أغوارها، وأمتحن نزعاتها وبواعثها، ~~وألتمس المصادر الأولى لأهوائها فى أعماقها، وإصلاحها بحقيقة ما أرى وأعتقد، بلا تلعثم، أو ~~مصانعة، أو مغالطة، وعسى أن يكون هذا مدعاة للإسراف والشطط ولعله يحمل على التجنى، ولكنه ~~خير عندى من المغالطة على كل حال. # والقول بأن الإنسان يركب الحياة بشبابه غلط، والصواب أنها هى التى تركبه فى شبابه تركض به ~~من غير أن يكون له رأى أو إرادة، ومن غير أن تدع له فرصة للراحة والاستمتاع، وما يركب ~~الحياة بالرأى والإرادة إلا الكهل على خلاف المظنون والشائع. أو هذا - على الأقل - ما بلوته ~~من نفسي، وعرفته وأيقنت أنه الصحيح. # كنت شابا. فكيف كانت حياتى؟ وكيف كان الشعور بها؟ أرد عينى إلى هذا الماضى وأحدق، ~~وأستشف، وأستجلى، وأستوضح. # ثم أهز رأسى ولا يسعنى إلا أن أقول: لا أدرى! كل ما أدريه أنى كنت محمولا على متن تيار ~~قوى، وكنت أقرأ، وأعمل، وأجد وألعب، وأشتهى وأطلب أو أقصر ولكن بغير فهم صحيح، أو إدراك ~~تام لما أنا فيه، أو لبواعثه أو لمصائر الأمور، كانت الكتب تعدينى وتسحرنى، فأنظر إلى ~~الدنيا بعيون أصحابها لا بعينى، وأحسها بقلوبهم لا بقلبى، ms80 وأتصور حياتى وأقيسها على ما ~~يروقنى من صور الحياة فى هذه الكتب، وأنتحل آمال أصحابها ومخاوفهم، وهماتهم وعزماتهم، ~~ومثلهم العليا، وصور الكمال عندهم، وأوحى ذلك كله إلى نفسى، ثم أزعمنى ندهم وقريعهم فأزهى ~~وأتكبر، وأغتر، لأنى أرى نفسى كما رسمها خيالى الذى استمد من هذه الكتب لا كما هى فى ~~الواقع، وكنت أفعل الشىء أو أتركه بوحى هذه الكتب. # وأضرب مثلا: عشقت مرارا، وقال فى صديقى الأستاذ العقاد قصيدة بعث بها إلى، فى ذلك ~~الزمان: # أنت فى مصر دائم التمهيد # بين حب عفى، وحب جديد # وأذكر أنه بعث إلى يومئذ برقعة كتب فيها أسماء المعشوقات وإلى جانبها أرقامها، وكان الرقم ~~الأخير 17 وسلسل الأرقام تحتها ووضع أمامها أصفارا لا أسماء، إشارة إلى أن معاشقى لا ~~تنتهى، وأنه ينتظر أن يعرف الأسماء ليقيدها قبالة أرقامها. # وإذا قلت عشقت، فإنما أعنى الآن أنى اشتهيت، وأنى عانيت هذا الضرب من الجوع الذى يسميه ~~الناس الحب، ولكنى لم أكن أدرك هذا يومئذ، أو أنظر إلى حقيقة الأمر فيه، وإنما كان ما أقرأ ~~من الشعر يغرينى بنشدان الحال، ويطلقنى كالنحلة بين أزاهير الحسن، ويدفعنى إلى إيحاء الشعور ~~بالحب إلى نفسى، فأتوهم أنى محب، وأنى عاشق، فأقضى الليل مسهد الجفن مؤرق النفس، أنظم الشعر ~~وأقول فى هذا المحبوب أو ذاك. # وألقى المحبوب، فماذا كنت أصنع؟ لا شىء أكون معه كما أكون مع أى واحد من خلق الله، ولا ~~يخطر لى حتى أن أتملى بهذا الحسن وأسعد بنضارته ورونقه، أكلمه كما أكلم غيره، وأجد أو ~~أمزح، على نحو ما أفعل مع إخوانى بلا أدنى فرق وأرجع إلى بيتى، وأقعد بين كتبى، فأروح أتصور ~~هذه الجلسة العادية على نحو آخر، وأخلع عليها من الخيال حللا ذات ألوان شتى، وأستبعد ما دار ~~من الحديث وما كان من إشارات أو نظرات لم أعبأ بها فى حينها، وأحملها المعانى التى أريدها، ~~فأسر بهذا، وأتألم لذاك، وأرى فى هذه الكلمة والإشارة أو النظرة، معنى الرضى أو التشجيع، ~~وفى تلك معنى التدلل أو ms81 الملل، أو القصد إلى الإيلام ولا أزال هكذا حتى تجتمع مادة كافية من ~~ضروب الإحساسات لنظم قصيد! # لا، لم أكن أعيش، أو أشعر بالحياة، وإنما كنت أنظم شعرا، وكنت وأنا أنظمه أتمثل الإحساس ~~الذى أريد العبارة عنه، والعاطفة التى أتخيل الصدور عنها، وأوحى لنفسى هذا كله، وأنتهى بأن ~~أعتقد بأن هذا هو الذى شعرت به حقيقة لا توهما، وأنه هو الذى خامر نفسى لا الذى أنشأته أنا ~~لها بقوة الايحاء. # ولا يخلو من فائدة فى بيان هذه الحقيقة، وأن أقول إن قرض الشعر هو الذى كان المقصود والذى ~~اتجهت إليه الرغبة وتعلقت به الإرادة وإن ما كان من حب متوهم وإنما كان ثمرة هذه الرغبة فى ~~قرض الشعر، أى أن قول الشعر كان يبعث على التماس المادة له، كما يريد النجار أن يصنع كرسيا ~~فيطلب الخشب وما إليه، والدليل على أن هذا كله كان بفعل الإيحاء، أن من أعرف الآن من نفسى ~~أنى صغوت بقلبى إليها لم تكن قط موضوعا لشعرى، فإذا كنت قد نقلت قلبى مرات وطرت عن زهرة ~~إلى زهرة فى بستان الحسن، فذاك لأن العاطفة لم تنشأ نشوءا طبيعيا، بل بإيحائها إلى ~~النفس. # وفى وسع القارئ أن يقيس على هذا. فأنا لم أكن فى شبابى أتلقى وقع الحياة مباشرة، بل عن ~~طريق الكتب، وكنت لهذا كالذى نومه غيره تنويما مغنطيسيا، فرأيه، وشعوره، وعاطفته، وهواه، ~~وأمله وخوفه، وحبه وبغضه، هو ما يحدثه فى نفسه إيحاء منومة. # وقد شببت عن هذا الطوق. وما زال ولوعى بالكتب كما كان، ولكنه لم يبق لها شىء من ذلك السحر ~~القديم، فقد استطعت بفضل معاناتى للحياة أن أقى نفسى وأجنبها تلك الفتنة، فأنا أنظر فى ~~الكتب، وفى الحياة، بعينى، لا بعين الكاتب أو الشاعر، وأحس بقلبى لا بقلب سواى وأتلقى وقع ~~الحياة منها لا من إيحاء الكتب، وأطلب الشىء لأنى أريده وأراه جديرا بالطلب، وأقيس قدرتى ~~إلى رغبتى، وأوازن جهد السعى وثمرته المرجوة وأقدم أو أحجم بعد القياس المضبوط، والموازنة ~~الدقيقة . # وأحاول أن ms82 لا أغالى بقيمة شيء، أو أن أبخسه حقه، ولا يستخفنى هوى، أو يغرنى حال، أو ~~يخرجنى عن طورى أمر، أو يفقدنى اتزانى فرح أو حزن، ورضى أو غضب، ولا تجمح بى شهوة، ولا تركض ~~بى صبوة، لأنى أصبحت أعرف القيم الحقيقة للأشياء، ولا أعدو بها مكانها. ولا أخلط بها ~~الأوهام، ولأنى أسير فى الحياة بالإرادة الصارمة لا طوع الجواذب، فإذا سألتنى لماذا أفعل ~~الشىء، فإنى أعرف الجواب الصحيح، إذ كنت لم أفعله إلا بعد الروية والحساب والوزن، وكذلك ما ~~أترك أعرف علة تركه. # ويمكن أن أقول - ويمكن أن يصدق القارئ: أنى كنت فى شبابى أواقع الحياة مواقعة الهواء، أما ~~الآن، فإنى أواقعها مواقعة المحترف، وقد صارت الحياة عندى حرفة، تعلمتها، وحذفت منها الجانب ~~الذى طلبته ورأيته أوفق لى، والفرق بين الهاوى والمحترف لا يحتاج إلى بيان. # وكل عواطفى وأهواء نفسى، طوع إرادتى، وإرادتى لا تخضع إلا لتقديرى لما ينبغى - ويحق لى فى ~~رأيى - أن أفوز به من الحياة. والعمد فى سيرتى محقق، إلى الحد الذى يتيسر للمخلوق الخاضع ~~لسنن الخلق. وهذا العمد من بواعث السعادة لنفسى. لأنه يكسبنى حظا من الاستقلال ويجعل لى ~~فيما أشعر نصيبا من الحرية فى الحياة، ولا شك أنه يجعل شعورى بالتبعات أقوى وأثقل، ولكن ~~هذا هو الأكرم، إذ أى قيمة لإنسان لا يشعر أنه مسئول عما يصنع؟ # | الفصل العشرون # كانت حياة الشباب، حياة كبت، وحرمان وحيرة ولم أكن أعرف لى يومئذ معادا غير الإكباب على ~~القراءة والإكباب على قرض الشعر وكنت أقول - ولا يخفى على عبث ما أحاول: # وما نظمى من الأشعار إلا علالة # لو أن سلوا بالقريض يكون! # وكنت أقول لمن يذكرون شعرى: # فلا تنفسوا شعرا، على، مفوفا # له - لوعلمتم - جانب متخوف # كما نظمت هذه الرياح غمائما # لها من غروب الشمس وشى مطرف # يهددها مما يضم، ممزق، # ومما يوشيها، مذيب ومتلف # لنا الله من قوم تذوب نفوسنا # ويجنى سوانا ما نشور ونقطف # ويصدر عنا الناس ريا قلوبهم # ونحن عطاش، بينهم نتلهف # نذوق شقاء العيش ms83 دون نعيمه # على أننا بالعيش أدرى وأعرف # وأحب أن أتعزى بالوهم فأردف ذلك بقولى: # ولكنه ما أخطأتنا لذاذة # إذا بلغ السؤل القريض المثقف # إذا هو سرى عن لهيف مفجع # وآنس قلبا موحشا يتشوف # فما تحفل الدنيا إذا جل ظلمها # ونحن من الأيام والعيش ننصف # ولم يكن زعمى أنى أحد الذين ينصفون نفوس الناس من الأيام وظلمها، بعزاء صادق أو دائم، ~~فكانت وطأة الحرمان والكبت تثقل على كاهل صبرى فأصيح: ~~«لبست رداء العيش عشرين حجة # وثنتين، ياشوقى إلى خلع ذا البرد! # عزوفا عن الدنيا، ومن لم يجد بها # مرادا لآمال تعلل بالزهد» # فيوم كان فيض الحياة زاخرا، كنت أقول يا ليتنى ما كنت، ولم يكن هذا طبيعيا، ولكنه كان ~~ثمرة الكبت، وجنى الحرمان، وقطاف الحيرة، والآن، وأنا أدلف إلى الخمسين، لشد ما أتمنى أن ~~يثقل الزمان رجله، ليطول التلبث، وتقضى النفس وطرها من التزود قبل أن يستأنف الركب مسيره ~~إلى «فجر لا شىء» كما يقول الخيام فى إحدى رباعياته. وقد صار ما كان يشق على أن أراه، باعثا ~~على التسلية ومجلبة للسرور، ولم يصدق ظنى حين توهمت فى أيام الشباب الكاذب، أنى سأقضى حياتى ~~ثائر النفس، هائجا، أنه ليس لى عن ذاك معدى أو مهرب فقد قلت: # سكنت، فما أدرى الفتى كيف يغتدى # تجد به الأشجان طورا وتلعب # كما قلت على لسان غيرى. # بل لم أسكن، ولكنى نظرت إلى الحياة من ناحية أخرى، فقد تغيرت الدنيا، واختلفت أحوال ~~الحياة، فراجعت نفسى، ورضتها على غير ما ألفت وانعطفت بها إلى سبل أخرى. فقد عرفت أن شعورى ~~القديم بالمقت للحياة كان غير صادق، وأنه لم يكن سوي مظهر لحالة عارضة أعانيها، وأن حب ~~الحياة والتعلق بها أعمق من ذلك، لكن حب الحياة كان يصطدم أحيانا بالجزع من الموت، فكان ~~يرجني هذا ويخرجنى عن طورى، ويعصف باتزانى فأرانى أثور وأحاول فى مثل هذه الحالة الوقتية ~~أن أنغص على الناس كأن لهم ذنبا، أو كأنهم ليسوا مثلى سواء بسواء، فأروح أقلد «هينى» ~~الشاعر الألمانى، وأكتب ms84 وصية ليس أكشف منها عن جنون الثورة، أقول مثلا: # سترخى على هذى الحياة الستائر # وتطفأ أنوار، ويقفر سامر # فهل راق هذا الناس قصة عيشتى؟ # وماذا يبالى من طوته المقابر؟ # تركت لهم من قبل موتى وصية # نظير التي وصت بها لى المقادر # وهبت لأعدائى - إذا كان لى عدى - # همومى وما منه، أنا الدهر، ثائر # وأوصيت للمحبوب بالسهد والضنى # وبالدمع لا يرقا، ولا هو هامر # وبالجدرى فى وجهه ليزينه # وبالعرج المشنوء، والله قادر # وبالضعف، والإملاق، والبأس، والجوى # وبالقسم حتى تتقيه النواظر # وللشيب بالأوجاع فى كل مفصل # وبالثكل فى الأبناء والجد عاثر # وكل سقام قد تركت لذى الصبا # وما كنت منه فى الحياة أحاذر # وللناس ألوان الشقاء، وإننى # إذا مت: لا آسى على من يخامر # ولم يكن لى فى ذلك الحين بنون ومن أجل هذا فاتنى أن أوصي لهذه الطبقة بشىء من تلك الثروة ~~البغيضة! # وكان عقلى يثوب، فأطوى هذا الهراء، ولا أنشره فيما كنت أنشر من شعرى.. على أنى كنت هادئا ~~ساكنا، لما عثرت - وأنا أحاول عبثا أن أتعلم الألمانية وحدى - على بيتين فيهما غير قليل من ~~خبث المكايدة ففرحت بهما وترجمتهما فيما يلى - والمفروض أنهما يكتبان على قبر ~~صاحبهما: # أيها الزائر قبرى: # اتل ما خط أمامك # ههنا، فاعلم، عظامى # ليتها كانت عظامك! # وترجمتى هذين البيتين، وأنا هادئ، دليل على أن الثورة كامنة في النفس وإن كانت لا تبدو في ~~العادة. # ثم صرت لا يعزينى علمى أن غيرى لا محالة ذاهب، إلى حيث أذهب وإن المآل واحد، ولا يقنعنى ~~إلا أن أصور لنفسي فناء العالم كله، بل العوالم أجمع، حتى هذا لم يكن فيه مقنع، فكنت أشتهى ~~أن أكون آخر من في الدنيا لأشهد مصرعها بعينى، وأطمئن. وربما غالطت نفسى فزعمت لها أن هذه ~~شهوة فنية، ولكنى لا أصدق! كلا، لا أصدق. # وكان مظهر هذا قصيدة تصورت فيها ثلاثة نساجين (ولا أدرى لماذا لم أجعلهم أربعة أو عشرين!) ~~يصنعون كفنا للعالم. # تعاقب أيديهم على النول، دهرهم، # ولست أراه غير أنى عالم # وما ms85 بى، إلى أن تبصر العين، حاجة # أليس سوي ما أنت بالعين شائم؟ # هنالك، لو تدري، تسدى أكفهم # وتلحم ثوبا عهده متقادم # وفى مسمعى منهم وإن كنت لا أرى # وجوههم - أصواتهم والزمازم # يحوكون ثوبا ناصعا فيه تنطوي ~~- متى عريت - هذى الدنا والعوالم # من البرد الخزى بيض خيوطه # ومن بلورات القر فيه نمانم # ومن نفس الريح المديد خطوطه # ومن قطع السحب الثقال مراقم # ألا ليتنى فى الأرض آخر أهلها # فأشهد هذا النحب يقضيه عالم! # وقد خلفت ورائى هذه المرحلة أيضا، فلست ألتمس عزاء، أو أنشد ما أغالط به نفسى فى الحقائق. ~~وسيان عندى اليوم أن يذهب الناس أو لا يذهبون، فما أحفل شيئا من هذا، وإنه لآثر عندى أن ~~يبقوا - لو كان إلى هذا سبيل - على أنى لا أعنى نفسى بأمرهم، وحسبى أمر نفسى، وهمى في هذه ~~الآونة أن أروضها رياضة جديدة على سكون لا يفسده اضطراب، لا على الركود فإن هذا شر من ~~الموت؟ بل طعمه يذاق في الحياة، والسكون قوة لأنه ابن الإدراك الصحيح والإرادة. ms86