######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.SabilHayat.Hindawi63082470 #META# Tags: literature #META# ID: 63082470 #META# Title: سبيل الحياة #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - بلدتي القاهرة‏ # 2 - أمي‏ # 3 - أساتذتي‏ # 4 - بركة العجز‏ # 5 - سبيل الصحافة‏ # 6 - في طريق الحياة‏ # 7 - من ذكريات عابر سبيل‏ # 8 - حي ولا كالأحياء‏ # 9 - الابتسام‏ # 10 - لعب الطاولة‏ # 11 - الأدب وتحصيله‏ # 12 - هل كانت أسعد لحظة‏ # 13 - ظمأ النفس إلى المعرفة‏ # 14 - الإيحاء والسرقة الأدبية‏ # 15 - قرائي الذين يحبونني‏ # 16 - اللغة والقوالب الموروثة‏ # 17 - الكتابة وحالات النفس‏ # 18 - خواطر في مرقص‏ # 19 - الرجل والمرأة‏ # 1 - بلدتي القاهرة‏ # 2 - أمي‏ # 3 - أساتذتي‏ # 4 - بركة العجز‏ # 5 - سبيل الصحافة‏ # 6 - في طريق الحياة‏ # 7 - من ذكريات عابر سبيل‏ # 8 - حي ولا كالأحياء‏ # 9 - الابتسام‏ # 10 - لعب الطاولة‏ # 11 - الأدب وتحصيله‏ # 12 - هل كانت أسعد لحظة‏ # 13 - ظمأ النفس إلى المعرفة‏ # 14 - الإيحاء والسرقة الأدبية‏ # 15 - قرائي الذين يحبونني‏ # 16 - اللغة والقوالب الموروثة‏ # 17 - الكتابة وحالات النفس‏ # 18 - خواطر في مرقص‏ # 19 - الرجل والمرأة‏ # | سبيل الحياة # سبيل الحياة # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازنى # الفصل الأول # بلدتي القاهرة # كان ينبغي أن تكون بلدة «كوم مازن» - مركز تلا، على ما أظن، من أعمال المنوفية - مسقط ~~رأسي. فإن فيها أهلي وعشيرتي.. ولكن المقادير بخلاف ذلك. فلا رأسي سقط في كوم مازن، ولا كتب ~~لي قط أن أزورها أو ألم بها. # وشاءت إرادة الله - لحكمة ولا شك - أن أكون قاهريا، مولدا، ونشأة، وإقامة، وأنا أطوف ما ~~أطوف ثم آوي إلى القاهرة، ولا يخطر لي أن أرى هذه البلدة - الطيبة على ما سمعت - التي نزل ~~فيها أجدادي ونسبوها إليهم وكنت أظن لفظ «كوم» محرفا عن «قوم»، ولكن الدكتور زكي مبارك - ~~وهو أدرى - يقول إن الصواب «الكوم» بالكاف، وأنه لا تحريف هناك، لأن أهل القرى التي تقع على ~~النيل، كانوا يؤثرون الأرض المرتفعة حتى لا يغمرها الماء في موسم الفيضان.. # والقاهرة التي عرفتها - أو قل الرقعة التي عرفتها منها - في صدر حياتي، شيء مختلف جدا عن ~~هذه القاهرة الحديثة التي أشابتني.. والرقعة التي أعنيها هي التي لا تزال معروفة بأسمائها ~~وإن كانت معالمها القديمة قد عفى ms01 عليها الزمن، وهي تشمل أحياء الجمالية، والأزهر، والسكة ~~الجديدة، وغيرها مما يتفرع عليها. # وكانت طرقها ضيقة، وأرضها غير مرصوفة، ودورها واسعة ذات أفنية رحيبة، وفي بعضها شجر ذو ~~ثمر وزهر ونافورة جميلة، ومصلى. وفي إحدى هذه الدور الجميلة - وكانت لزوج عمتي لا لنا - ~~ولدت.. ولكن أبي كان قليل الاستقرار، فكان لا ينفك ينتقل بنا من دار إلى دار، حتى لأحس أني ~~أكلف ذاكرتي شططا حين أحاول أن أتذكر صور هذه البيوت كلها.. ولكن شيئا واحدا أتذكره ~~بوضوح وهو فناء كل بيت، أو «الحوش». أما المسكن نفسه - حيث يأكل الناس، وينامون - فإن أمره ~~يعييني. وأحسب أن هذا غير مستغرب، فإن «الحوش» هو ملعب الطفل ومرتعه، وفيه يقضي معظم نهاره ~~فصورته خليقة أن تثبت ولا تبرح ذهنه. # وكان بعض الطرق مسقوفا، مثل شارع «القرنية»، ليحجب الشمس، والبعض درب ضيق فوقه بناء: فهو ~~أشبه بالسرداب، مثل الذي كان، ولعله مازال بين «بيت المال» وساحة مسجد الحسين، رضي الله ~~عنه، وفيه تكثر الوطاويط.. وكانت «الحارات» في الأغلب ضيقة جدا، والبيوت فيها متقاربة، ~~فالطريق لا يتسع لأكثر من اثنين يسيران جنبا إلى جنب. # وللبيوت «مشربيات» جميلة دقيقة الصنع، من خشب، تبرز من المنازل المتقابلة وتكاد تتلاصق، ~~وفيها توضع القلل ليتبرد الماء. ومازلت أذكر كيف كنت أمد يدي إلى مشربية الجار، فأشرب من ~~قلله إذا وجدت قللنا فارغة، أو ماءها غير بارد، أو لمجرد العبث والشيطنة!.. # وكان الترام قد ظهر في قلب المدينة، ولكني لم أره إلا بعد أن اجتزت مرحلة التعليم ~~الابتدائي، ودخلت المدرسة التوفيقية الثانوية - أقول لم أره قبل ذلك، ويحسن أن أضيف أني لم ~~أركبه إلا بعد ذلك بسنوات، لا لأنهم خوفوني منه - وقد حاولوا تخويفي فعلا - بل لأننا كنا ~~افتقرنا بعد موت أبي، واستطاع قريب لي أن يحصل لي على «أبونيه» مجاني «لعربات سوارس»، وهي ~~مركبات طويلة ضيقة تتسع لعشرة ركاب أو خمسة عشر، ويجرها بغلان أو ثلاثة بغال، وتستطيع أن ~~تسبقها وأنت راجل! # وكانت الحمير والبغال، و«عربات الكارو»، التي لا تزال ms02 لها بقية لا يستهان بها، هي وسائل ~~النقل والتنقل. فأما البغال فكان يركبها «الذوات» والموسرون من طلاب العلم في ~~الأزهر. # وأما الحمير فيتخذها «أولاد البلد» وبعض أهل الوجاهة. وكانوا يعنون بتدريبها ويحرصون على ~~أن يبدو الحمار في حفل من الزينة، فالسرج بديع الفرش واللجام محلى بالفضة. فإذا كان يوم ~~الأحد، وهو يوم الزيارة الأسبوعية لمسجد السيدة نفيسة، أو يوم الخميس وهو يوم زيارة ~~«المحمدي» بالعباسية، لبس أصحاب الحمير أفخر ما عندهم من الثياب الحريرية، وامتطرا هذه ~~الحمير المضمرة المحلاة، وخرجوا في موكب باهر يتسابقون، ويعرضون مزايا دوابهم. ونقف نحن ~~الصغار على جانبي الطريق نتفرج، ونعجب، ونتمنى على الله أن يرزقنا حميرا كهذه. # وكانت الحارات الواسعة - نسبيا - ملعبنا نحن الصغار. وكنا نعرف ونزاول من الألعاب أربعة ~~ضروب. فأما الصغار جدا فيلعبون «البلي» - وهي كرات صغيرة في حجم الفولة إلا أنها مستديرة - ~~وأما الأوساط فيلعبون «النطة» وهي القفز من فوق أحدهم وهو منحن، وأما الكبار فيلعبون الكرة ~~أو يتسابقون وكانت الكرة هي «كرة الشراب» أما الكرة «الأمبوبة» أي المنفوخة، فما كانت لنا ~~قدرة على اقتنائها، لأن «مصروف» الواحد منا كان لا يزيد على خمسة ملاليم، وكانت كافية للب، ~~والحمص، والفول السوداني. ولم نكن قد سمعنا في ذلك الزمان بالشكولاتة! # والمهرة من الصغار كانوا يتبارون في الرماية، وسلاحهم «الرايقة» وهي حجر دقيق جدا ~~ومستدير، كنا نجمعه من التلال المحيطة بحي الأزهر، فيقف الفريقان أحدهما في أول الحارة. ~~والآخر في آخرها، وبينهما أكثر من ثلاثين مترا، لأن الإصابة بهذه «الرايقة» - كالإصابة بحد ~~السيف - تقطع وتدمي! # وكان لكل حي «فتواته»، وكل جماعة من الفتوات تهاجم كل جماعة أخرى، أو تثأر لنفسها، وكنا ~~نحن الصغار نستطيع أن نعرف سلفا أنباء الغارات المنوية، فنحذر فتوات حينا، ونخرج لنتفرج. ~~أو نتفرج من النوافذ، على العصى وهي تهوي على الرؤوس، ونشترك في المعركة «بالرايقة» من ~~النوافذ، والجريء منا ينزل إلى الشارع ويخوض القتال، على ألا يصيب إلا خصوم حيه. # على أن حياة الصغار لم تكن كلها لهوا، فقد كنا ms03 نصلي الفجر في مسجد الحسين، ونقيم الصلاة ~~في مواقيتها في البيت، ونحضر الأذكار، ونحفظ الأوردة ونذكر مع الذاكرين، وفي الصيف - في ~~الإجازة المدرسية - يرسلنا أهلنا إلى «الكتاب» في الأزهر لنحفظ القرآن الكريم. # وكانت على بعضنا واجبات عجيبة ، فكنت أنا - مثلا - مكلفا أن أعلف لجدي حماره، وكان - جدي ~~لا الحمار - ضعيف النظر، فكنا نجئ له بالحمار مسرجا ملجما فيركبه ويتوكل على الله، ويخرج ~~من جيب القفطان «التغييرة» أو الملزمة ويدنيها من وجهه ويقرأ، حتى يبلغ به الحمار باب ~~«المزينين» وهو أحد أبواب الأزهر فيقف، فيعرف جدي أنه وصل، فيترجل، ويترك الحمار لمن يعني ~~به، ويلقي درسه أو دروسه ثم يعود كما جاء! # فحدث ذات يوم أني أهملت إطعام الحمار، فجاع، فلما ركبه جدي لم يذهب به إلى الأزهر، بل كر ~~به راجعا إلى الاسطبل، فلما ترجل جدي لم يجد ما ألف، ولم يدر أين هو؟ فما دخل الاسطبل قط! # وقد ضربت في ذلك اليوم علقة - لا من جدي، فقد كان أحنى علي من أن يضربني - بل من أخي ~~الأكبر رحمه الله! # هذه هي القاهرة كما عرفتها في حداثتي، وهي صورة مجملة، وموجزة ناقصة للحياة فيها. أما ~~القاهرة الحديثة فلا حاجة بي إلى وصفها لأن كل قارئ يراها ويعرفها. # الفصل الثاني # أمي # لا أعرف الأمهات كيف يكن، ولكني أعرف أمي كيف كانت، وأجمل التعريف بها وأوجز الوصف فأقول: ~~أنها كانت «رجلا» وأحسب أن النساء لا يرضيهن ثناء كهذا يسلبهن أنوثتهن، وإن سرهن ما فيه من ~~معنى الاكبار ولكن أمي لم يكن لها بال تجعله إلى شيء من هذا؛ فقد اضطرت أن تمحق أنوثتها في ~~سن يبدأ فيها النساء - أو معظمهن - يعرفن معنى الأنوثة الكاملة؛ فقد مات أبي وهي في ~~الثلاثين من عمرها؛ وأذاقها في حياته ما سود الدنيا في عينيها وأنساها أنها امرأة كالنساء، ~~وكان أبي - رحمه الله - مزواجا، وكان حبه للتركيات وافتتانه بهن عجيبين، ومن فرط حبه لهن ~~كرهتهن أنا؛ وكان يذهب كل بضعة أعوام إلى الآستانة فيبقى فيها ما شاء ms04 الله أن يبقى ثم يعود ~~بزوجة من هناك يعايشها سنوات ثم يملها ويشتهي غيرها، فيسرحها بإحسان ويردها ويجيء بغيرها، ~~وهكذا. # وتركنا أبي ذوي مال فأكله أخي الأكبر - أعني أنه أنفقه باليمين وبالشمال حتى أتى عليه - ~~فلولا لطف الله لتسولنا، أو على الأقل لما أمكن أن نتعلم، ولكان المازني الآن - على الأرجح ~~- نجارا غير حاذق، أو شيئا من هذا القبيل، ولكن أمي كانت حازمة مدبرة، فوسعها بالقليل ~~الذي أسعفها به حسن الحظ أن تربينا وتقينا المعاطب. # ولست أذم أبي أو أنتقصه، وما يسعني أن أفعل ذلك وقد كانت أمي تثني عليه، ولا تني تذكره ~~بالخير؛ ولم تنقطع قط عن زيارة قبره في اثنتين وثلاثين سنة عاشتها بعده؛ وكنت ربما مازحتها ~~فأقول لها: «وماذا كان يعجبك في هذا الرجل؟» # فتبتسم وتزجرني بلطف، ثقة منها بأني أهزل ولا أتكلم جادا؛ فأتعمد الإثقال عليها وأقول: ~~«صحيح والله! - ماذا كان يعجبك فيه؟» # فتقطب وتقول: «عيب يا ولد!» وتنظر إلى سبحتها بين أصابعها. # فأقول: «ولكنه كان مزواجا». # فتقول: «يا بني هذا قضاء الله وقدره؛ وما كنت أكره له هذا إلا خوفا عليه». # فأقول معبثا: «أو غيرة منهن؟» # فتقول: «يا قليل الحياء - اذهب عنى اذهب». # فأبقى ولا أذهب؛ وأقول: «لقد رأيت آخر زوجاته تلك؛ وأشهد أنها كانت جميلة وأبي كان ~~معذورا». # فيضيق صدرها وتقول: «ألا تنوي أن تستحي؟» # فأسألها: «من أي شيء؟» # فتقول: «إنه أبوك..». # فأقول لأهيجها: «سلمنا يا ستي..». # فتصيح بي: «سلمت! يا قليل الحياء.؟» # وتتناول الحذاء لتضربني به ولكني أكون قد ذهبت أعدو؛ فتقذفني به وتعلن إلي أنها لا تريد ~~أن ترى وجهي بعد اليوم. # ولكني لا ألبث أن أسترضيها واستغفرها وأقبل يديها ورأسها. فما كنت أطيق أن أدعها عاتبة أو ~~ساخطة أو متألمة، ولو وسعني أن أجعل حياتها نعيما خالدا وسرورا دائما وجذلا لا تنضب ~~ينابيعه ولا تجف موارده لما قصرت ولا كنت صانعا إلا بعض ما يجب لها فتعفو عني وتدعو لي ~~وتدنيني منها وتمسح لي رأسي كأني مازلت طفلا. # ولما نجحت في ms05 امتحان الشهادة الابتدائية جاء أخي وابن عمتي مهنئين، وأشارا عليها بأن ~~تكتفي من تعليمي بهذا القدر، لما كنا فيه من العسر، فأبت، فألحا فأنكرت ذلك منهما وزجرتهما ~~عن اللجاجة فيه، فلم ينهزما. وأنذرها أخي - وكان غير شقيق - أنه قابض يده عن كل معونة. ~~وكانت معونته متقطعة لا خير فيها ولا اعتماد عليها لضآلتها وقلة الانتظام فيها، فلم تعبأ ~~بذلك وأصرت على المضي في تعليمي إلى نهايته المقدروة. # وكانت أمي - على صغر سنها - زعيمة الأسرة. وكان أهلي جميعا يلجأون إليها يطلبون رأيها ~~فيما يعرض لهم، وفصلها فيما يقع بينهم من المشاكل. وقد كان موت أبي؛ وأنا في التاسعة من ~~عمري. وكنت - ومازلت مع الأسف - أكبر ابنيها، فصارت تعاملني على أني رب الأسرة وسيد البيت ~~وتعودني احترام النفس والتزام ما يقتضيه مقامي في البيت وتستجوبه زعامتي للأسرة. وتنتهي إلى ~~«مسئولياتي» وإلى التبعات التي يحملها «رجل» مثلي. وكانت حاذقة كيسة في سلوكها فلا نهر ولا ~~زجر، ولا أوامر ثقيلة ولا نواهي بغيضة. ولا شطط أو إسراف، ولا تقصير أو تفريط، ولا إشعار ~~بأن لحريتي حدودا ضيقة غير معقولة أو محتملة وإن كانت الرقابة على هذا دقيقة وافية، أذكر ~~وأنا في المدرسة الثانوية أني عوقبت مرة بالحضور إلى المدرسة في منتصف الساعة السابعة ~~صباحا (السادسة والنصف) وكان هذا عقابا جائزا في ذلك الوقت وكان البيت في حي السيدة زينب ~~والمدرسة في شبرا، وبينهما «أبعد مما بين بصرى والحرم» فأخبرتها وخرجت من البيت قبيل الفجر ~~وأنا أخشى أن أكون قد تأخرت، فقلقت وذهبت بها الظنون كل مذهب، ولكنها لم تقل شيئا. فلما ~~كان الضحى ركبت إلى المدرسة وسألت البواب فأخبرها أن تلميذا جاء في الفجر وأيقظه ليدخل ~~فرده فظل يتمشى حتى طلع النهار، فعادت مطمئنة ولم تخبرني بما فعلت إلا بعد عدة أعوام ~~لمناسبة عرضت. # وكنت وأنا صغير أدخن. خفية، وكانت على غير علم مني تراقبني. فإذا نمت تأخذ ما يكون معي من ~~السجاير، فإذا أقبل الصباح لم أجد شيئا وظللنا على هذا المنوال أياما ms06 - أشتري السجاير ~~كلما ساعفتني الموارد، وهي محدودة جدا وهي تسرقها بالليل ولو أخفيتها في بئر، ثم خفت أن ~~تسألني فلا أستطيع أن أكذب وخجلت أن أعترف بهذه الحماقة الصبيانية وحالت رقة الحالة دون ~~الاحتمال، فأقلعت. حتى كبرت . # ومن حنانها العجيب أنها كانت إذا مرضت ووصف لي الطبيب دواء لا تدعني أجرع منه إلا بعد أن ~~تجرع هي منه. وكثيرا ما كنت أقول لها: «يا أمي كفي عن هذا!»، فتقول: «يا بني إنه قلب الأم» ~~فأقول: «ولكنه عمل لا نفع منه» فتقول: «نعم، ولكن ليطمئن قلبي». # ولما أتممت التعليم الثانوي، حرت إلى أي مدرسة عالية أذهب. فسألتني أيها أوثر، فقلت: ~~الطب، قالت: «فاذهب إلى مدرسته وقدم أوراقك» ففعلت ولكن ناظرها المستر كيتنج رمى بأوراقي ~~إلى الشارع لأني يوم الكشف الطبي دخلت قاعة التشريح فرأيت جثة منتفخة تفوح منها رائحة نتن ~~خبيث، فدار رأسي وأغمي علي، وكان الناظر مقبلا فرآني فقال هذا لا يصلح. فاطردوه. # وعدت إليها فأخبرتها الخبر. فلم تجزع كجزعي وهونت علي الأمر وقالت: «لم يبق إلا «الحقوق» ~~فاذهب بأوراقك إليها» ففعلت وضمنت القبول ولكن الوزارة زادت «المصروفات المدرسية» من خمسة ~~عشر جنيها إلى ثلاثين. فاسترجعت أوراقي فما كان لي قبل بهذه الثلاثين كل عام. وشاء الله أن ~~تفتح مدرسة المعلمين العليا فدخلتها. # واستقلت من وزارة المعارف بعد أن اشتغلت بالتدريس فيها خمسة أعوام، وكانت الحرب الكبرى قد ~~استعرت. فجئتها يوما بقراطيس فيما مرتبي نقودا فضية فألقيتها في حجرها وقلت: «هذا آخر ما ~~أقبض من مال الحكومة». # قالت: «يعني؟» قلت: «إني استقلت» قالت: «على بركة الله». # ولكني أرقت ليلتي. فقد كانت الدنيا قائمة قاعدة. والأحوال مضطربة. وكانت الحكومة قد أعلنت ~~«الموراتوريام» - أي تأجيل الدفع الجبري - فجاءت تسألني عن سر هذا الأرق فأفضيت إليها بما ~~يساروني من المخاوف وندمي على الاستقالة وجزعي من هذا الغمار الجديد الذي أقدمت على خوضه ~~فقالت: «لا تقدر البلاء قبل نزوله. قم فنم وتوكل على الله لقد كنت أنا مستعدة أن أعمل بيدي ~~في سبيل تربيتك، ms07 فكن أنت مستعدا أن تعمل حتى بيديك إذا احتاج الأمر، وثق أنك لن تخيب، فإني ~~داعية لك راضية عنك». فوالله لقد صرت بعدها إنسانا ثانيا. # وكانت - عليها رحمة الله - تتوخى أن تعفيني من المنغصات وتتجنب أن تحملني الهموم فتستقل ~~بها دوني وتتحرى ما يدخل على نفسي السرور ويشيع فيها الغبطة والرضى، ويفيض على البيت ~~الايناس والبهجة. وكانت ذاكرتها قوية، فكانت إذا جلست للسمر تتدفق بأحاديث الأيام السوالف ~~وكأنها تحياها من جديد، فلا يغيب عنها حرف ولا يفوتها لون. وكانت لقوة ذاكرتها سجلا عاما ~~للأهل والصواحب، فمن نسي شيئا فما عليه إلا أن يلجأ إليها. وكانت صديقاتها يستودعنها ~~حسابهن، وكثيرا ما كان يحدث أن تجئ الواحدة منهن فتقول لها: «إن فلانة الدلالة تزعم أن علي ~~لها مبلغ كذا، فما هي الحقيقة؟» فتخبرها الحقيقة فتقوم عنها ويكون هذا هو القول ~~الفصل. # وكانت قوية الشكيمة فلا رأي إلا رأيها في الأسرة كلها، وإن كانت صغرى أخواتها، وكثيرا ما ~~كانت نفسي تحدثني أن أنازعها السيادة، ولكنني كنت لا أكاد أهم بذلك حتى أرتد، وكان يكفي أن ~~ترمي إلي نظرة وتقول: «استح يا ولد»فيتحلل العزم وأهوي على راحتها باللثمات. # وكانت تكتفي بالنظرة الأولى إذا أمكن أن تستغني عن الكلمة، فكنا نتفاهم بالعيون والذين ~~حولنا غافلون لا يفطنون إلى شيء، فمن ذلك أنها لما حضرتها الوفاة قالت: «أعطني ثلاثين ~~قرشا» ولم تكن بحاجة إلى ذلك. # وكنت قد أعددت عدتي لذلك اليوم، فأدركت أنها تريد أن تطمئن على أن معي ما يكفي لنفقات ~~المأتم، وكانت جريدة السياسة معطلة والأزمة مستحكمة فأخرجت ما معي وقلت لها: خذي ما تشاءين، ~~فأخذت جنيها دسته تحت الوسادة فظل حيث وضعته حتى ماتت. # وكانت قد أصيبت فجأة، وفي منتصف الليل، بذبحة وكانت من شدة التمزيق الذي تحسه في صدرها ~~تخبط بيديها في الهواء كالذي ألقي به في الماء وهو لا يعرف السباحة، وظلت تقاوم الداء تسعة ~~أيام بقوة إرادة الحياة. ولم أر منها ما يدل على التضعضع والانهزام إلا قبيل الوفاة بدقائق. ms08 ~~وكنت أناولها الدواء، فأشاحت بوجهها عنه، فألححت، فقالت: إرضاء لك فقط». وشربته، ثم نامت ~~فوضعت يدي على فمها فلم أشعر بنفس. # وقد ظل أخي زمنا لا يغفر لي أن خدعته وكذبت عليه. # تلك هي أمي، أو تلك هي بعض خطوط الصورة. وإني لجليد في العادة، ولكن موتها هدني. فقد كانت ~~لي أما وأبا، وأخا وصديقا. # الفصل الثالث # أساتذتي # أكبر أساتذتي. وأولاهم بالتقديم، وأحقهم باستيجاب التعظيم، اثنان. وقد علمني غيرهما أشياء ~~كثيرة بعضها نافع، وبعضها لا أعلم - ولعلي مخطئ - أني انتفعت منه، من مثل القراءة والكتابة ~~والحساب والتاريخ والرطانة بلسان أجنبي. إلى آخر هذا وقد نسيت أكثره لأني لم أحتج إليه بعد ~~أداء الامتحان فيه أما دروس هذين الأستاذين الجليلين فإنها مما لا ينسى. # ولابد من تمهيد للتعريف بهما فإنهما أسمى مقاما وأجل شأنا وأعمق أثرا في حياتي من أن ~~أضن عليهما بكلمة تقديم وجيزة. # كان أبي في سعة من الرزق، وكان محاميا ومكتبه في بيته، على عادة أهل ذلك الزمان وكنت ~~أخرج إلى الطريق ومعي أخي الأصغر لنلعب، فننفق ما معنا ونحتاج إلى سواه، فأدخل على أبي في ~~مكتبه وهو مكب على الورق فأقف ساكنا ساكتا حتى يرفع رأسه، فأغتنم الفرصة وأقول «أبويا! ~~أبويا. هات قرش» - وكان «بابا» لفظا لا نعرفه ولا سمعنا عنه فيدخل أصبعين في جيبه ويخرج ما ~~يقعان عليه، وقد يكون قرشا، أو نصف فرنك، أو «واحدة بخمسة». # ثم مات عليه الرحمة، وأنا مازلت طفلا في السنة الأولى الابتدائية وخلف مالا ليس بكثير ~~ولكنه فوق الكفاية، ومضى عام أو نحوه، ونحن لا نشعر بأن شيئا تغير من حياتنا سوى أن أبي ~~خلت رقعته، وجاء يوم دعتني فيه أمي إليها وكانت على الرقة المفرطة في قلبها تستطيع أن تكون ~~صارمة الجد حادة قاطعة كالسيف، غالبة كالقدر. وقالت لي وهي تغالب التمزيق الذي في قلبها ~~وصدرها التمزيق الذي قضت به نحبها بعد ثلاثين سنة وزيادة لم تخلع فيها السواد إلا قبل ~~وفاتها بشهور - قالت: «يا إبراهيم! لا كرة بعد ms09 اليوم». # وكنت مغرى بلعبها في الحارة مع لداتي، من أبناء الجيران، وكنت أنا الذي يشتري الكرات ~~للعبنا وكنت أوثر الملونة المخططة لا لألوانها بل لأنها أغلى. فدهشت وسألتها عن السبب، وقد ~~كبر في وهمي أني لعلي أسأت الأدب أو أتيت ما يعاب، ولكنها قالت: «أخنى علينا الدهر يا ~~إبراهيم وان الدهر يا ابني لمظلوم، ولكن لا داعي لكثرة الكلام فما في ذلك فائدة، والذي أريد ~~أن تعرفه هو أننا افتقرنا». ~~••• # فكان أول ما خطر لي هو أن أسألها: (هل معنى هذا أننا سنجوع؟) فطمأنتني وقالت: (لا أظن! إن ~~عندي أشياء لا حاجة بي إليها - مصوغات، وأثاثات وما إلى ذلك - وسأبيع منها ونقتات، والله ~~المسئول أن يسترنا، وأن يلهمنا حسن التدبير). # واختفى شبح الجوع الرهيب، فتنفست الصعداء ووسعني أن أرتد طفلا فأسألها: (كيف ألعب إذن؟) # قالت: يا ابني إن الكرة ليست أكثر من مشجع على النط والجري والحركة على العموم، فنط، واجر ~~وتحرك بغير كرة». # وهو كلام معقول، ولكنه لم يعجبني وكيف أكف فجأة عن اللعب بالكرة وأنا الذي كان يزود بها ~~أترابه؟ ورأت سهومي وتقطيبي فلم تترفق بي، على فرط حنوها بل زادت علي شدة وقالت: (واسمع يا ~~إبراهيم. إنك لم تجاوز العاشرة، ولكني أحب أن تعد نفسك من الآن، رجلا فتسلك سلوك الرجال لا ~~الأطفال). ~~••• # في هذه اللحظة قطعت الطفولة كلها وثبا - وما كنت إلا ابن عشر، ولكن أمي تقول لي إني ~~أصبحت رجل البيت وسيده والمسئول عنه - عن أخي الصغير وعن أمي وجدتي لأبي. كل هؤلاء مسئولون ~~مني أنا الذي لا يزال يتعلم الجمع والطرح والضرب وكلمات من الإنجليزية لا يحسن أن ينطقها! ~~مسئول عن هؤلاء وبي حاجة إلى من يتعهدني، ويبرني ويسرني ويهذبني ويؤدبني! # وكان هذا أول أستاذ لي - أعني الفقر - وإنه لأستاذ السواد الأعظم والجمهور الأكبر من ~~الخلق ولكنه كان يلقي علي دروسه كما تهوي العصى على أم الرأس! ~~••• # فقدت الثقة بالناس، وانطويت لهم على سوء الظن، والتحرز، وإذا كان أخ أكبر - غير شقيق - ~~يستطيع وهو ms10 آمن، أن يجني على إخوته وأمهم وجدتهم، فما ظنك بالغريب، وصار همي بعد ذلك أن ~~أتوخي الستر، ورضت نفسي على الاحتشام، وجنحت إلى العزلة. شيئا فشيئا، وتوخيت الأدب حتى لا ~~يسيئه معي أحد. وأبيت أن أرفع الكلفة مع الإخوان لتظل العلاقة قائمة على المودة والاحترام. ~~وجعلت للساني لجاما من نار، حتى لا يجري بكلمة يجرؤ غيري علي بمثلها. وأوجز فأقول؛ إن ~~الفقر المباغت أورثني عقدة نفسية ما زلت أعالجها إلى اليوم، فأقول لنفسي فيما أقول إن هذا ~~الفقر حماني تطري المدللين، وأكسبني جلدا، وأفادني قوة نفس، وجرأة في الكفاح، وصبرا عليه. ~~وإني لفخور بما قدرت عليه من الوقوف على قدمي بلا معين سوى الله، وأمي بعده، ولكن الضعف ~~يعروني أحيانا فأتساءل: ما ضر لو زادت الدنيا مرفها مدللا متطريا آخر؟؟ أكانت تخرب أكان ~~لابد لصلاحها أن أشقى وأتعذب هذا العذاب الغليظ. ~~••• # يدور بنفسي هذا المعنى إذا تخلل بي الإعياء، ثم أتذكر أني لما كبرت، وتخرجت، وصرت معلما ~~يتقاضى في الشهر اثنى عشر جنيها مصريا ذهبا لا ورقا تصوروا هذه الثروة الضخمة في سنة ~~1909! - وطبعت الجزء الأول من ديوان شعري - تالله ما كان أحمقني! - أخذت أول نسخة منه ~~أخرجتها المطبعة وزرت أخي الأكبر الذي جنى علينا ما جنى، وكنت - على نقمتي عليه - أحبه ~~وأحترمه ولا أجرؤ أن أناديه باسمه، فإذا احتجت إلى النداء قلت: «أخويا! أخويا!» ذلك كان ~~أدبنا قديما - فأخذها مني وفتحها، وقرأ الإهداء، وهو أبيات ليست فيه ولا له، وإذا الدموع ~~تتساقط على خديه ولحيته. فجزعت، وكنت وأنا أقدم له هذه الهدية. وعليها كلمة بخطي، أشعر ~~بشماتة مضمرة أو بأني أدركت ثأري كأنما أقول له، هذا أخوك الصغير الذي أفقرته، وكدت تلصق ~~بطنه بالتراب قد استطاع أن يغالب الفقر وأن يصبح شيئا له حساب وقدر، وأن يكون شاعرا، وأما ~~أنت فماذا؟ ضيعت مالنا، وكسبت مالا غيره. ولكنك مع هذا لست بشيء: من يعرفك من ~~يذكرك؟». # ولكني خجلت حين رأيت دموعه. والدم لا يكون ماء، فنهضت إليه وقبلته بين عينيه، ms11 ولثمت ~~لحيته، وانصرفت بلا كلام. لقد غفرت له دموعه فما رأيته يبكي قبل ذلك قط، ولو كان لي دمع ~~يراق لبكيت في ذلك اليوم. ~~••• # أي نعم أستاذي الأول الفقر - هو الذي آتاني القوة والمقدرة على الكفاح وعلمني التسامح ~~والترفق، والعطف، وإيثار الحسنى وعودني ضبط النفس وتوخي الاتزان، وجنبني العنف والقسوة ~~والفظاظة، وحبب إلي الفقراء، وفتح عيني على القيم الحقيقية للناس والأشياء والحوادث، ودربني ~~على نشدان الخبر من وراء المظهر، وجنبني أن أحترم المال لذاته، وحماني أن أغمط الفضل والحق، ~~والحمد لله! ~~••• # أما الأستاذ الثاني - بورك فيه - فهو الضعف، وأقول بإيجاز - فقد أطلت - إنه علمني أن ~~الإنسان ليس حمارا أو بغلا أو فيلا، وإن المعول ليس على قوة بدنه ومتانة أسره، فتلك قد ~~تكون مزية الحيوان، ولكنها ليست مزية الإنسان، وإنما قيمة الإنسان بعقله وفضله، وسعة حيلته، ~~وحسن تأتيه وسداده وتدبيره، وقدرته على الابتكار، وعلى أن يستطيع أن يقول في غير زهو - إنه ~~لم يعش عبثا، وإنه نهض بعبء الحياة، وأدى فرائضها. على قدر ما تيسر له والحمد لله مرة ~~أخرى. # وإني الآن لأعرض على عيني ما كان في حياتي، فأقول إني لو كنت خيرت، لكان الأرجح أن أضل ~~وأسيء الاختيار، وإن حياتي كانت كما ينبغي أن تكون ولهذا تراني راضيا شاكرا لله فضله ~~ومنته. # الفصل الرابع # بركة العجز # أرجو أن لا يظن القراء أني أتواضع أو أقول غير الحق حين أقول إني أخيب صحفي على ظهر هذه ~~الأرض، ومازلت بعد ثلاثين عاما من اشتغالي بالصحافة عجز خلق الله عن استقاء خبر، وليس أبغض ~~إلي ولا أثقل على نفسي من الاضطرار إلى مقابلة أحد ممن يظن أن عندهم العلم بأمر من الأمور، ~~ولقد احتجت مرة إلى زيارة وزير العدل - وكان يسمى وزير الحقانية - فلما قابلت «الوزير» ~~وحادثته فيما جئت له، تبينت أني خلطت، وأن هذا وزير «الداخلية» وحسبي هذا في بيان جهلي حتى ~~بدور الوزارات! # ولكني على جهلي وخيبتي فزت مرة بثناء طيب من المغفور له سعد زغلول. رأيت سعد باشا ms12 أول مرة ~~وأنا طالب في مدرسة المعلمين، وهو وزير أو «ناظر» للمعارف، وقد زار المدرسة، ودخل علينا ~~وراءه المستشار الإنجليزي (دنلوب) وغيره من كبار الموظفين، فخلفهم وراءه - واقفين في أدب - ~~وتقدم إلى الصف الأول وأقبل علينا يناقشنا في معنى «الحرية» ومأخذها. وأحسب أن هذا كان أول ~~درس لي في «الحقوق» و«الواجبات».. # وقد رأيت بعد ذلك - وأنا معلم - وزراء للمعارف كان المستشار (دنلوب) يزور المدارس ~~فينحيهم، ويؤخرهم، ويتقدمهم غير عابئ بهم، حتى لقد كبر في وهمي مرة أن أحد هؤلاء الوزراء» ~~«سكرتير» أو موظف صغير فلم أحفل به! ولم يسوئه سوء أدبي! # ودارت الأيام وقامت الثورة، ونفي سعد زغلول، ثم أطلق سراحه وذهب إلى باريس ثم عاد إلى ~~مصر، فأوفدتني جريدة «الأخبار» التي كان يصدرها المرحوم أمين الرافعي بك إلى الإسكندرية، ~~لأكتب لها وصف استقبال سعد.. وعدت في القطار الخاص معه، واضطررت أن أحمل حقيبتي من محطة مصر ~~إلى ميدان الفلكي، لأني ل أجد لا سيارة ولا مركبة خيل، ولا رجلا يجملها عني، لأن الدنيا ~~كلها مضت وراء ركب سعد.. # ومضى الليل، وطلع النهار فحدثت معجزة.! # ذلك أني كنت قبل ذلك بعام قد نزل بي مصاب رجني رجة شديدة، وأتلف أعصابي، فآثرت أن أتخذ ~~مسكنا لي بين المقابر، وكان موقعه موحشا، والقبور حوله تقبض الصدر، وكانت لي قريبة كلما ~~زارتني تقول لي: «يا ابني ما هذا؟ كلما نظرت من النافذة اضطررت أن أقرأ الفاتحة! ولكنني كنت ~~أجد في هذه الوحشة أنسا، وكنت لا أكاد أطيق رؤية الناس، وبلغ من تلف أعصابي أني كنت إذا ~~تناولت الصابون لغسل يدي مثلا، أشعر أن فيه «شعرا» فخفت على نفسي وطلبت الراحة والسكون، ~~وأي سكون أتم من سكون الموت؟ وطبيعي أني كنت أعرف «التربية» - بضم التاء - وفي صبيحة اليوم ~~التالي لعودة سعد، خرجت من بيتي في نحو الساعة العاشرة لأستقل الترام إلى جريدة «الأخبار» ~~على عادتي كل يوم، ووقفت أنتظر الترام، وإذا بشيخ «التربية» المرحوم الشيخ عبد الخالق ~~الطحاوي يخرج في سيارته مسرعا، فلما رآني ms13 تمهل وأخبرني أن سعد باشا آت لزيارة مقابر ~~الشهداء وأنه ذاهب لاستقباله عند القلعة وان هذا الخبر سر لا ينبغي أن يذاع، وهذه رغبة ~~سعد. # وتركت الترام وانتظرت، وبعد قليل أقبلت سيارات في الأولى سعد وواصف غالي باشا، وفي ~~الثانية أمين بك يوسف والمرحوم سينوت بك حنا، فأشرت إليهما وركبت معهما، وزرنا مع سعد مقبرة ~~المرحوم مصطفى باشا فهمي صهره ثم مقبرة الشهداء المسلمين. وفيها ألقى سعد خطبة وجيزة كتبتها ~~على ركبتي، فما كان ثم مقعد أو حائط، ثم انطلق الجمع إلى مقبرة الشهداء الأقباط في شارع ~~الملكة نازلي، وهناك خطب سعد أيضا مترحما على الشهداء، حاضا على الجهاد بالمال والنفس في ~~سبيل الوطن، وهناك أيضا. سلم علي سعد، وشكرني ولم يزد، وعاد إلى سرادق مضروب بجوار بيت ~~الأمة وخطب أيضا، ثم ذهبت إلى «الأخبار» ودخلت على المرحوم أمين بك الرافعي اعتذر من ~~التأخر فضحك رحمه الله وقال: «لقد أبلغني سعد باشا أنك رافقته في زيارته لمقابر الشهداء، ~~وهو يستغرب جدا أنك علمت بأمر هذه الزيارة مع أنه أخفاه حتى عمن رافقوه، وهو يثني عليك ~~ويقول أنك أبرع صحفي، وإن ما كان منك يشبه السحر!». # وضحك أمين بك وقال: «طبعا لم أفضح السر، ولم أقل له إن بيتك بين المقابر!». # وهكذا فزت بثناء لا أستحقه، ولا فضل لي فيما استدعاه وإنما الفضل لمجاورتي يومئذ لأهل ~~القبور! # وأذكر أن سعد قال لي فيما قال: إن الرقيب قد حذف من خطبة له في الإسكندرية بعض الكلام ~~فقلت له: إن هذا غير صحيح، والحقيقة أني أنا الذي حذف العبارة التي ظهر في مكانها بياض، ~~وذلك لأن «فلانا» - ولا داعي لذكر اسمه الآن - أخبرني أنك أنبته عنك في مراجعة خطبك لأنك ~~ترتجل الكلام وقد تقول ما لا يحسن نشره الآن، أما الرقيب فقد أخبرني أن رئيس الوزراء - وكان ~~عدلي باشا - أمره أن لا يقرأ خطبك أو أحاديثك أو تصريحاتك، قبل نشرها. # فقال سعد رحمه الله. لقد أحسنت إذ أنبأتني بهذا، لأنه يكون مستغربا أن ms14 يحذف موظف صغير من ~~كلام سعد. # ودعينا إلى الغداء عند سعد باشا - أمين بك الرافعي والعبد لله - جزاء لي على براعتي في ~~«سكني القبور»! فأدهشني وأنا جالس إلى المائدة أن يعود سعد باشا إلى سؤالي عما حذف الرقيب ~~من كلامه! وخفت أن يكون قد شك في صدق ما رويته له فاضطررت أن أقص عليه الحكاية مرة أخرى، ~~وأن أعيد أن «فلانا» - وكان حاضرا - طلب مني حذف ما حذف، لأنك - أي سعد - كلفته أن يراجع ~~خطبك. # فالتفت سعد إلى «فلان» هذا، وقال له فيما قال «مجنون مثلك يكون رقيبا على عاقل!» # فشعرت بندم وأسف وخجل، لأني عرضت «فلانا» هذا لغضب سعد أمام نحو عشرين على مائدته! ولكن ~~ماذا كان يسعني غير ذلك؟ لقد حذفت من كلام سعد نحو سطرين بأمر «فلان» هذا الذي ادعى أن ~~سعدا وكله وأنابه عنه ي مراجعة خطبه، وكان لابد أن أذكر الحقيقة، لأن سعدا كان يهم بأن ~~يؤاخذ الوزارة - وكانت تسمى يومئذ «وزارة الثقافة» - بهذا الحذف، ويتخذ من ذلك سببا ~~لمجافاتها، وله الحق، ولكنها كانت غير ملومة، وإنما كان الملوم عضوا من أعضاء ~~الوفد. # بعد ذلك أم أقابل سعدا إلا مرة أخرى يطول الكلام فيها، لأني خالفته في سياسته وإن كانت ~~الغاية واحدة، ولم تمنعني مخالفته قط من إجلال صفاته وعرفان قدره والاعتراف بفضله. # وأحسب أن مما جعلني أخيب الخياب أني عملت في أول عهدي بالصحافة في جرائد أصحابها من ذوي ~~المنازل الملحوظة وممن لهم مشاركة كبيرة في الحركة الوطنية والمساعي القومية. # فقد كان كل ذي رأي ومقام في هذا البلد يومئذ، يزور «الأخبار» مثلا فلا نحتاج أن نسعى ~~إليهم لنقف على الحقائق، ونطلع على الأسرار حتى لقد كنا نمسي بعضهم مازحين «مدير مكتب إفشاء ~~أسرار مجلس الوزراء»، وكانوا يحتشدون في غرفنا وفيهم الوفدي والدستوري والمستقل، ويتناقشون ~~ويتجادلون ويذيعون المطوي، بالتفصيل الوافي الشافي، فنحيط بكل شيء وما تكلفنا جهدا ولا ~~نهضنا عن مكاتبنا واعتدت أن يسعى الناس إلينا ولا نسعى إليهم، فنفرت - أو زدت نفورا - من ms15 ~~السعي والبحث والتقصي. # وأضرب مثلا آخر لما يصح أن أسميه «بركة العجز»، ذلك أني كنت أتولى تحرير جريدة لا داعي ~~لذكر اسمها، فتلقى صاحبها رسالة بالبريد بغير إمضاء يسرد فيها كاتبها قصة تعد من الفضائح ~~بتفصيل يوقع في الروع أنها صحيحة، فأبيت نشرها معتذرا بأن الواجب هو أن نتحرى «تحري الرجل ~~الرشيد» قبل النشر، فقال صاحب الجريدة أنه لو كان هو المحرر المسئول لنشر الرسالة فإنه ~~مقتنع بصحتها، فقدمت له استقالتي ليكون حرا في تصرفه فأباها ووكلني إلى رأيي. # وكان اليوم التالي يوم عطلة، فركبت سيارتي وانطلقت بها إلى طنطا وفي نيتي السفر إلى ~~الإسكندرية، واسترحت قليلا في مقهى وإذا بمحام من أصدقائي يقبل علي ويدعوني إلى الغداء معه ~~فاعتذرت، فألح، وكان يعرف صاحب الجريدة ويحبه فقصصت عليه ما جرى بيننا، وقلت إني آسف لسوء ~~التفاهم ولكنه لا يسعني إلا ما فعلت، فهون الأمر علي؛ ومضى بي إلى مكتبه، وفتح خزانة وأخرج ~~منها ملف قضية دفع به إلي وقال «هنا تجد الموضوع كله» وكان هذا صحيحا، فقد كان في الملف كل ~~ما يثبت صحة الرسالة التي أبيت نشرها.. # ولا أحتاج أن أقول أني كنت أرقص من الفرح بهذا التوفيق العجيب الذي يسر لي أن أقوم بحملة ~~شعواء أدت إلى خروج الرجل من مصبه! # وهكذا ترى أن العجز له بركة فاللهم أدمها علينا! # الفصل الخامس # سبيل الصحافة # فرغت من عملي، فوضعت القلم، ونهضت عن المكتب ورحت أتمشى، فلقيني زميل فسألني: «كيف ترى ~~الخبر الفلاني؟» # قلت: «عظيم. وقد جعلته موضوع مقالي اليوم». # قال: «أنا جئت به». # قلت: «أهنئك. فمن أعطاكه؟» # قال: «قد والله سرقته!» # فضحكت وقلت: «اللص الشريف!» # وهممت بالانصراف عنه، بعد أن أثنيت عليه بالذي هو أهله. فقال: «بودي أن أعرف رأي الوزير ~~فيما صنعت، وما أظن إلا أنه مغيظ محنق». # فقلت: «إن الخبر للنشر على كل حال، والخلاف بينك وبين الوزير على موعد النشر، وليس هذا ~~الخلاف بالذي يثير الغضب». # وأقبل في هذه اللحظة زميل آخر فألقيت إليه خلاصة الحديث ms16 وقلت: إن الجريمة ليست في ~~ارتكابها، بل في افتضاحها. ونحن اليوم نحرم السرقة، وتقول قوانيننا إنها محظورة، وإن عقابها ~~كيت وكيت، ولكن (ليكرغ) في إسبارط القديمة كان يذهب مذهبا آخر فيقول بأن لك أن تسرق على ~~ألا ينكشف أمرك، فإذا انكشف كان عقابك صارما. والنتيجة واحدة، فإن السارق الذي يستطيع أن ~~يستر فعله لا يصيبه شيء. وما يعاقب إلا الذي يعجز عن إخفاء ما صنع، ويثبت عليه ارتكاب ~~الفعل. # ووجه آخر للمسألة: زميلنا هذا قد سرق شيئا، لم يسرق خبزا ليأكل، ولا مالا لينفق على ~~نفسه وعياله، أو يوسع رزقه، ولكنه مع ذلك سرق شيئا في سبيل رزقه، فإن رزقه يتطلب منه أن ~~يوافي الجريدة بطائفة صالحة من الأخبار التي تعني القراء، وصاحب الجريدة لا يكلفه السرقة، ~~ولو فعل لكان هذا منه شططا غير مقبول، وأمرا لا يطاع، ولكن الزميل مع ذلك رأى أن قيامه ~~بواجبه يبيح له استقاء الأخبار بهذه الطريقة العوجاء، وهو - كما تعلم - سني متدين، غير أن ~~كونه سنيا ومتدينا لم يمنعه أن يقدم على سرقة صريحة لا سبيل إلى المكابرة فيها، من أجل ~~الرزق. ولو أنه كان قد سرق رغيفا أو بيضة لكان جزاؤه ما بينه قانون العقوبات. وعذر الذي ~~يسرق الرغيف ليسكت «معدة ثعلبها لا حس، وتارة أرنبها ضاغب» كما يقول ابن الرومي في قصيدته ~~المشهورة لابن الحاجب، أوضح ممن يسرق ولا جوع له ولا خلة، وإنما يريد أن يستديم الرضى من ~~صاحب عمله. ولو جئت بسارق الرغيف، أو سارق المذكرة من الوزير أو أعوانه وسقتهما إلى القضاء ~~لكان للمحقق أن يحكم على سارق الرغيف، وأن يبرىء سارق المذكرة. وقد نرى القاضى أن الفاقة ~~«ظرف مخفف» - كما يقول رجال القانون - ولكن لن يكون عنده «ظرفا مبرئا». # وسارق المذكرة يستطيع وهو آمن أن يباهي بعلمه، وأن يتخذ من قدرته على مثله شهادة مزكية ~~له، ووسيلة للرفع من شأنه. وكل صاحب جريدة يسمع بجريمته يتمنى لو أن أخانا المجرم كان يعمل ~~له؛ بل يتمنى لو كان كل ms17 من يعمل في جريدته على مثاله. ولكن سارق الرغيف بماذا يباهي؟ ~~أبفقره؟ أم بعجزه عن الكسب؟ أم بما وصمه به القانون؟ أم بما نزل من السجن؟ وكل صاحب عمل ~~يزهد فيه ويخاف منه ويتقي أن يكون عند مثله، وقد يدركه عليه العطف، ولكنه لا يطمئن إليه. ~~وإنه ليعلم أنه ما أرغاه بالسرقة إلا الجوع وقلة الحيلة وانقطاع الوسيلة؛ وإنه ما كان ليفعل ~~ما فعل لولا ذاك؛ ولكن الشكوك مع ذلك تظل تساوره وتقاوم شعور العطف وتغالب رحمة القلب، بل ~~منطق العقل. # وأحسب أن الصحافة مدرسة لتعليم هذا الضرب من السرقة، ولست أعرف صحفيا واحدا أتيحت له ~~فرصة سرقة وأحجم عنها أو تردد. وما أبرئ نفسي ولا أنا أستثنيها. هذا وليس عملي في الصحافة - ~~ولا كان قط - أن أستقي الأخبار، ولكن كل عمل في الصحافة رهن بالأخبار، فصلته بها أوثق مما ~~يبدو للمرء، وإن خيلت غير ذلك. وإنك لترى الصحفي «حنبليا» في كل شيء إلا حين يحتاج إلى ~~الوقوف إلى خبر، وإذا بالذمة تتسع، وإذ كل شيء جائز في سبيل الوصول إلى هذا المستور أو ~~المكتوم، ثم لا أسف ولا ندم ولا توبة. وأكبر الظن أن تسقط الأخبار في الطباع، وأن الإنسان ~~فضولي بفطرته. فإذا كان هذا هكذا فإن الصحافة لا تصنع أكثر من تنظيم الأمر وتوجيهه وجهة ~~المصلحة العامة لخير الجماعة. والصحافة من ثمرات الحضارة، فهي تصنع كالحضارة - أعني أنها ~~تعمد إلى الغرائز والفطر الساذجة فتصقلها وتهذبها وتنظمها وتجريها في مجار معينة فيصلح أمر ~~الجماعة ويستقيم حالها. مثال ذلك أن الرجل كان يخطف المرأة التي كانت تروقه أو يسبيها، ثم ~~يحتازها مادام راغبا فيها ويحارب دونها، وهوالآن يتزوجها، ولا يحتاج إلى الخطف أو الحرب ~~دونها، وإن كان ربما احتاج أن يعانى متاعب المناقشة من الخاطبيها، أو الراغبين فيها غيره. ~~ومثاله أيضا أن الأثرة والأنانية قد اتخذا مظهر الوطنية أو القومية، ولم تذهب الأثرة ولم ~~يبرأ منها الفرد، ولكن المدنية استطاعت أن تنتفع بروحها في الفرد وتسخرها لخير ~~الجماعة. # كذلك تفعل ms18 الصحافة، حين تستغل فضول الإنسان فتتولى جمع ما يعنيه وتنشره على الناس.وقد خرج ~~الأمر عن أصله، حتى لصار يبدو كأنه منقطع الصلة به. ومن الذي يجرؤ أن يقول: إن الصحافة لا ~~هم لها إلا إرضاء فضول الإنسان بعد أن أصبحت تسمى «السلطة الرابعة»؟ ومن ذا الذي يذمها من ~~أجل أنها تصل إلى أخبارها بما يسع رجالها من حيل، ويدخل في طوقهم من وسائل وإن كان بينها ~~السرقة، بل شراء الذمم بكل ما تشتري به من طيب وذميم، أي بالخداع، والملق، والمدح، ~~والصداقة، وتبادل المنافع، لا بالمال وحده كما قد يتوهم البعض، فإن الرشوة الصريحة وسيلة ~~يندر الالتجاء إليها ... # وهكذا جعلت الصحافة من السرقة عملا محمودا، ومن مرتكبها لصا شريفا! ولا عجب فإن خدمة ~~الأمة تكلف أبناءها تعاطي ما يعده العرف رذائل وآثاما، وتحمد منهم ذلك، وتجزيهم عليه أحسن ~~الجزاء. # الفصل السادس # في طريق الحياة # كانت عادتي - إلى بضع سنوات - ألا أبرح بيتي إلا وفي يدي كتاب، وكنت لا أكاد أستقر في ~~«الترام» حتى أفتح الكتاب وأقبل عليه وأنصرف عن الدنيا التي حولي حين أخرج للرياضة. كنت ~~أتخير الطرق المهجورة فأميل إليها ليتسنى لي أن أقرأ في كتابي وأنا آمن، وقلما كنت أقرأ ~~مؤلفا حديثا، أو كتابا أو ديوانا لست على يقين جازم من جودته، فكان علمي بالدنيا ~~ومعرفتي بالحياة قاصرين على ما يفيده المرء من الكتب، وكنت أشعر - من أجل ذلك - كأني مغرب ~~عن الناس وأن الذي بيني وبينهم خراب لا عمار فيه. # وكنت أتصور الحياة معنى لا ألمس له حقيقة ولا أضع يدي على صور لها محسوسة، وكان فهمي ~~للحياة وإحساسي بوقعها عن طريق النظر في جوانب نفسي، وذلك لأني اعتدت أن أرد عيني عن النظر ~~إلى ما هو أمامي وأن أديرها في سريرتي، وكانت تجاربي هي ما تمثله الكتب لإحساسي وتحضره ~~لذهني وتكشف لي عنه من وجوه الألم والحزن والخطأ والإثم. # وعشت خير عمري لا أعرف حقيقة الفزع والهول ولا السرور واللذة وإنما أعرف ما يوصف لي من ms19 ~~وقعها، فكان قلبي أبدا يخفق بالوهم على جناح الخيال ولا يزال يفتنه سحر العواطف والخواطر ~~المدونة، وكنت أزهى بذلك وأخادع نفسي فيه وأقول: وما حاجتي إلى التجريب الشخصي لتتحرك في ~~هذه العواطف؟ # وهبني جربت وجربت فهل أطمع أن أجرب كل شيء؟ # ومادام أن بي حاجة إلى الكتب لتسد لي النقص في تجاربي فمالي لا أجعل هذه الكتب معولي كله ~~ومعتمدي في التجريب؟ # إن الغرض من التجريب العاطفة والمعرفة، وليس أقدر من الكتب على إثارة تلك العواطف التي ~~تجعل حوادث الحياة أشد تحريكا للنفس وتجعلها - أي النفس - أتم استعدادا لقبول المؤثرات ~~على اختلاف أنواعها ودرجاتها، فبحسبي «ظاهر» التجريب الذي تهيئه لي القراءة، وسواء على كل ~~حال أن تؤثر في المرء الحقيقة الواقعة بالذات، أو يأتي التأثير من طريق آخر كالرموز اللفظية ~~التي تمثل صفات هذه الحقيقة وتصور وقعها. # كذلك كنت، فما أغرب ما حدث! لست أحمل الآن الكتب معي حيث ما أكون ولا أنا أغالي بقيمتها ~~أو أستغني بها عن حقيقة التجريب الشخصي، فقد ظلت الحياة تصدمني وترجني وتدفع في وجهي وصدري ~~حتى ردتني إليها وفتحت عيني على مظاهرها، ثم أفقت من دهشتي وأجلت بصري في نفسي وفي الدنيا ~~ثم ذهبت أتساءل: كيف حدث هذا؟ لقد كانت قدمي ثابتة وأنا أقطع طريقي في الحياة، ولم يكن ~~يخالجني شك في دقة علمي بالطريق وكفاية إحاطتي بطبيعته فمن أين جاءت هذه الزحاليق؟ ماذا جرى ~~حتى رحت أتدحرج وتتلقفني الصخور؟؟ # وأردت أن أعرض على ذهني ما أمدتني به الكتب من الهداية وأن أبسط تحت عيني المصور الذي ~~رسمته لنفسي بمعونتها، فإذا الذي في رأسي من الكتب ضباب وإذا المصور تتداخل دروبه ومسالكه ~~وتختلط حتى لا سبيل إلى التمييز بينها. وإذا «ظاهر» التجريب لا يغني عن التجريب، وتوهم ~~الفهم ليس معناه الفهم الصحيح، وإذا بي قد شارفت الأربعين ومازلت في مبلغ علمي بالدنيا ~~وفهمي للحياة وإدراكي لحقائقها، طفلا يمد أصابعه إلى الجمرات يحسبها لعبة أو ~~طعاما. # وأنا الآن أعلم نفسي من جديد، وأعالج تنشئة ابني ms20 معي. كلانا طفل يتخبط ويجرب، وكل ما بيني ~~وبينه من الفرق أن ورائي تجربة مرة لا تنفك تزجرني عن الكرة إلى مثل ما أوقع فيها، وأن ذهنه ~~جديد لم يزحمه شيء وأن نفسه صافية لا يشوبها رنق ولا كدر؟ ووالله ما أدري وأنا أسير معه في ~~الحياة - ويده في يدي - أينا الذي يسير بصاحبه أو أينا الذي يأخذ بيد رفيقه. # وكثيرا ما يخيل لي إذ أراه مقبلا علي في الطريق وفي يسراه حقيبته التي يحمل فيها كتبه ~~وكراساته، كأنه يعالج أن يحل مسألة حسابية أو يتذكر حقيقة جغرافية فأصافحه وأقول له: «فيم ~~كنت تفكر؟» # فيقول: «لا شيء» فأقول له: «ليت هذا يكون صحيحا. وماذا أبصرت في الطريق؟» # فيكرر كلمة «لا شيء» فأدعوه أن يرجع معي ويرافقني مسافة، وأحمل عنه الحقيبة تخفيفا عنه ~~وإنصافا له، وأروح ألفته إلى أن الناس لا يحسنون السير في الطريق. وأبين له بعبارة يسهل ~~عليه فهمها أن أكثر من نرى في الطريق من عابريه تبدو عليهم مظاهر القلق والعجلة. حتى الذين ~~لا يدعوهم شيء إلى العجلة ولا موجب لاضطرابهم أو قلقهم، كأنما يعديهم سواهم بذلك، وهناك ~~آخرون يجتلي المرء في وجوههم ضربا من الكسل المرذول والفتور الثقيل لا يدلان على سكون ~~النفس ولا ينمان عن استقرار واطمئنان. فهذان طرفان متناقضان تؤدي إليهما حالة نفسية واحدة. ~~كلا الفريقين مضطرب، ولكن واحدا يجعله اضطرابه كالذي يساق في حياته بالسياط، والآخر يفتره ~~الاضطراب ويرخي أعصابه. # وهذا الرجل الذي يتهادى ويختال في مشيته ويدق الأرض بعصاه ولا يفتأ يرفع يسراه إلى ربطة ~~رقبته ليثبت «الدبوس» في الظاهر وليلفتنا إلى بريق الزجاج الذي يريد أن يوهمنا أنه ماسة ~~كريمة، والذي يتظاهر بعدم الاكتراث لأحد، لا يزال مع ذلك ينظر إلى الناس خلسة - تأمله.. ~~ألست تحس أن تحت قناع السكون وقلة المبالاة حمى قلق تشي بها اختلاجات جفونه وشفتيه وجانبي ~~منخريه؟ أتعلم ماذا هو؟ إنه سمسار. وهو لا يتمشى وإنما هو يتحفز! يتحفز للوثوب على ~~فريسة. # ولست أعرف ظاهرة للمدينة الحاضرة أبرز ms21 من هذا القلق أو إذا شئت فقل من افتقار عناصرها ~~المكونة لها، إلى السكون، فالناس يذهبون إلى المسارح ويخرجون منها، ويدخلون المدارس ~~وينصرفون عنها. ويزاولون أعمالهم ثم يكفون - وكأنهم جميعا معجلون، وتراهم يؤثرون الركوب ~~ويفضلون أن يخطفوا بسياراتهم، لأن الركوب أسرع من المشي، ولأن الوقت ضيق. فلماذا هو ضيق؟ ~~يجب أن نعده واسعا غير ضيق. وأن نشعر أنفسنا هذه السعة وأن نقنع عقولنا بانتفاء الضيق ~~لتستقر أعصابنا وتهدأ وليتيسر لنا بعد ذلك أن نجود عملنا وأن نخرجه ناضجا. إن فكرة ضيق ~~الوقت وهم ليس إلا، وهي تؤثر في أعصابنا وتفسدها، وما على الإنسان إلا أن ينحي عن نفسه خاطر ~~الزمن وإلا أن ينسى هذا الوقت وثق أن عمله حينئذ يكون أسره وأجود، لأن رأسه في هذه الحالة ~~يكون خاليا من التفكير في وجوب العجلة فلا يعود يزعجه شيء، فيطرد الفكر ويستقيم وتتسق ~~الخواطر. # ويتفق أحيانا أن نرى في الطريق رجلا يستوقف آخر لا لأنه يريد أن يفضي إليه بشيء ولا ~~لأنه أوحشه - فلعله كان معه أمس أو قبل ساعات - بل لغير سبب ظاهر، ويقول أحدهما وهو يهز يد ~~صاحبه: «كيف الحال؟» وكأنه يرجو أن يكون قد حدث شيء. فيقول الآخر: «الحمد لله» أو «لا بأس» ~~أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهو يشعر بأن للفراغ الذي في رأسه مشبها لما في رأس ~~سائله. وتعلو ذلك فترة صمت وجيزة تتلاقى في خلالها العيون متكلفة الابتسام وتتضاغط في ~~أثنائها الأكف إذا كانت لم تفترق، ثم يرسل أحدهما نفسا طويلا وينظر إلى يمينه، ويذهب ~~صاحبه ينظر إلى الناحية الأخرى وتكون الكفان قد ارتدتا إلى الجانبين، والرأسان مشغولين ~~بالبحث عن كلام يصلح أن يقال وإذا بأحدهما يقول فجأة، وكأنه ذكر شيئا: «أستأذن» فيقول ~~الآخر: «تفضل» ويفترقان ليكررا هذه السخافة كلما التقيا. وقد اتفق لي أنا مثل ذلك. ولكن سوء ~~حظي كان يطيل الوقفة حتى كان يخيل لي أن الأمر قد صار يتطلب أن يدعى «البوليس» ليفصلنا. وقد ~~علمتني التجربة أن خير وسيلة للفكاك ms22 من هذا الأسر في وسط الطريق العام أن تلقي إلى آسرك ~~بنكتة، ولا تجعل بالك إلى قيمة النكتة ولا تعن نفسك ببراعتها أو موافقتها فإنه يكفي أن تقول ~~شيئا وأن تضحك ليضحك صاحبك فتخلص يدك وتستطيع بعد ذلك أن تفر. # على أن هذه العادة مغتفرة إذا لم تكن متخذة سلما إلى غرض خفي، فقد وجدت البعض يستوقفني ~~ويمطرني وابلا من الأسئلة يشغلني بالإجابة عنها، ولاحظت في كل مرة أنه كان في أثناء تجشمي ~~تعب الإجابة، يلقي بالنظرة تلو النظرة إلى نافذة أمامه ويحني رأسه ويستر هذا الإحناء بحركات ~~شتى، فلما أيقنت أنه يتخذ من وجودي مسوغا لوقوفه قبالة النافذة صرت أتعمد كلما لقيته هناك ~~أن أحاوره وأداوره حتى أواجه أنا النافذة وأتركه هو بظهره إليها، وبذلك استأثرت بالنظر ~~دونه. # وعلى ذكر العيون والنظر أقول إني بينت لإبني أن في وسع الإنسان أن يعرف حظ من يلقاهم في ~~الطريق، من حسن التربية والتهذيب، وذلك من طريقة نظرهم إليك أو اجتنابهم النظر. فالرجل ~~المهذب تراه هادئ النظرة ساكنها، وهو ليس شاردها ولكن في عينه ما ينم على شخصيته وما يكفي ~~للدلالة على قدرته على الانصراف إلى التفكير في النفس، من غير أن يمنعه ذلك من أن يلاحظ كل ~~ما يجري أمامه. وهو لا يحدج الناس بنظره ولا يتكلف أن يتهرب من مواجهتهم. إنما يحملق في ~~الوجوه المتنطع أو المغرور، ولا يهرب من النظر سوى الحيي أو الخبيث. ومن الناس من إذا لقيته ~~تغيرت نظرته عما كانت قبل بضع ثوان، ولعل هذا راجع إلى فرط الشعور بالذات أو إلى توهم المرء ~~أن نظرته السابقة تشي بما في نفسه وهو يؤثر أن يكتمه.. ومنهم من يرد على نظرتك متحديا، ~~وهذا أيضا ينبئ بالشعور بالذات. # ومن الناس من يأبى أن يسير إلا في منتصف الطريق غير متق أن يصادم أكتاف المارة فهذا رجل ~~لا يتحرج أن يأكل ما أمامك. ومنهم من يمشي متحككا بالبيوت مؤثرا المواضع السهلة اللينة أو ~~الخالية، فهذا ممن يعالجون أن يسيروا ms23 في حياتهم على هذا النحو مجتنبين فرائضها المتعبة. ~~وآخرون لا يزالون يتلوون في الطريق وقد يقف أحدهم في وجهك وهو موليك ظهره فترتد حتى لا ~~تصطدم به فيلقيك ارتدادك المباغت على صدر من يكون سائرا خلفك فيضطرب نظام الشارع كله. فهذا ~~على الأرجح رجل لا يبالي أن يصنع مثل ذلك في ميدان السياسة أو الاجتماع. # وثم أناس يحلو للواحد منهم إذا رأى اثنين يتحادثان في الطريق ن أن يتلكأ ويقصر خطوه ~~ليسترق السمع فهذا امرؤ ألفت عينه ثقوب الأبواب ولا يستغرب منه أن يتنزى إلى كل سوء. وهناك ~~الصاخب الذي يتكلم في الطريق وكأنه يخطب حشدا عظيما، فهذا الأناني المقتحم، وأخيرا هناك ~~الذين يكلمون أنفسهم وهم لا يشعرون، ولهم مع الكلام تلويح وتشوير. وقد حدث لي أن كنت سائرا ~~فإذا برجل يقول في وجهي: «يا حفيظ! يا مغيث!» # فبهت ولكنه مضى عني كأن لم يرني. # بحسبي أن أفتح لابني عينيه لينظر، فإذا كان في رأسه خير فأخلق به أن ينفذ إلى ~~الأعماق. # الفصل السابع # من ذكريات عابر سبيل # كان أحد الأخوان يصحح قول الشاعر: «وسافر ففي الأسفار خمس فوائد» فيقول - بعبارة لا ~~أستطيع أن أرويها بحروفها - إن الفوائد ثلاث فقط: البعد عن المرأة، والنوم كيفما اتفق، ~~وتكليم الناس بلا معرفة. فأما البعد عن المرأة - أي الزوجة - فإني لم أعد أدري أهو مزية ~~وخير أم ضرورة وعيب وشر؟ ولكن الذي أدريه أني حاولته مرة بلا لف أو مداورة، ثم عدلت عن ~~التماسه ووطنت نفسي على اليأس منه، ورضتها على السكون إلى القرب والمودة. وتجاربي في هذا ~~الباب تخولني أن أنصح لمن يريد أن يسافر وحده أن يجازف ويلح على زوجته أن تكون معه، فإذا ~~أبت كان هذا هو المراد من رب العباد، وإلا فلن يصيبه إلا ما كان مكتوبا عليه. على أنه يجب ~~أن يكون مفهوما أن المعول في هذا الأمر على أسلوب الحوار وطريقة الكلام. والزواج - كما هو ~~معروف - من مزاياه أنه يكسب الإنسان مرونة في التعبير، وقدرة على الاحتياط، ms24 وبراعة في ~~التحرز، وسعة في الحيلة. وإني لأذكر أني كنت في سوريا مع أسرتي منذ نحو سنتين، فذهبنا مرة ~~إلى بيروت لنشتري أشياء نهديها إلى أهلنا ومعارفنا عند عودتنا، فرأت زوجتي معطفا من الفرو ~~ثمينا جدا فأعجبها واشتهت أن يكون لها، ولكني نظرت إلى ثمنه فدار رأسي، وأيقنت أنا إذا ~~اشتريناه سنضطر إلى الاستجداء والتسول، فأصابتني نوبة عصبية حادة لم ترها زوجتي قط من قبل، ~~ففزعت ودعت أصحاب المحل أن يدلوها على طبيب بارع في الأمراض العصبية. فقد خيل إليها أن هذا ~~الذي أصابني لابد أن يكون ضربا من الصرع أو التشنج أو لا أدري ماذا غير هذا، فحملوني إلى ~~طبيب فرنسي قالوا لها إنه هو الإحصائي الوحيد هنا، وإنه من آيات الله ومعجزاته في طب ~~الأمراض العصبية، فأدخلوني عليه فاتضح له من استجوابي ومما عرفه من تاريخ آبائي وأجدادي من ~~قبلى أن أهلي - في حداثتي - خوفوني مرة بدب صناعي له فرو كثيف، وكانت صدمة الفزع الذي ~~انتابني في صغري شديدة جدا، فأنا من ذلك الحين أضطرب جدا جدا إذا وقعت عيني على الفرو ... ~~فسألته زوجتي التي لم تكن تعرف هذا الجانب من تاريخ حياتي الحافل بالمفاجآت - سألته عن ~~العلاج فقال: «أوه.. لا شيء.. لا داعي للقلق.. ولكن يجب ألا يرى الفرو أبدا..» والحق أقول ~~إنه كان طبيبا بارعا جدا، فغن مرضي العصبي لم يعاودني بعدها أبدا.. والفضل بعد الطبيب ~~هو بلا شك لزوجتي التي حرصت أعظم الحرص على ألا أرى الفرو.. # وأما النوم كيفما اتفق فهذا أشهد انه صحيح.. وأذكر بسرور أن قطارا سافرت فيه مرة كان ~~غاصا بالركاب. وكانت المسافة طويلة والشقة بعيدة تستنفد الليل كله ولابد من النوم ولو كانت ~~الجلسة مريحة لنمت وأنا قاعد، ولكني كنت كالبلحة في قفة عجوة. فحرت ماذا أصنع. ثم فتقت ~~الضرورة لي حيلة فنحيت الحقائب عن الشبكة الممدودة لها فوق رؤوسنا ورقدت مكانها، ونمت أهنأ ~~نوم إلى الصباح، ولو كنت ضخم الجسم لما تيسر لي ذلك فالحمد لله على الضآلة. # وأما ms25 تكليم الناس على غير معرفة فهذا هو قانون السفر، ولست تحتاج أن يعرفك أحد بأحد في ~~رحلة، وما عليك إلا أن تبدأ من تشاء بالكلام كأنما كنت تعرفه من عهد آدم، وكل هذا لا يخلو ~~من خطر، فقد تقع على ثقيل أو ثرثار فينغص عليك وقتك ويحرمك كل متعة يمكن أن تفوز بها وأقلها ~~متعة الراحة وخلو البال من المنغصات؛ ولكثرة ما أصابني من ذلك صرت أكره السفر بالقطار وأوثر ~~السفر بالسيارة؛ فإذا اضطررت إلى القطار عمدت إلى الحيلة وهي أن أضع حقيبتي في أي مكان حتى ~~يتحرك القطار ثم أتركها وأذهب أبحث عن مكان آخر أتوسم في أهله الظرف والإيناس، وهذا يتطلب ~~فراسة صادقة، والفراسة استعداد ولكنها تكتسب إلى حد ما بالتجربة. # ومن الفوائد المجربة في الأسفار أن يستصحب المرء معه كتابا في فن الطبخ، ولست أعني أنه ~~قد يحتاج أن يصنع طعامه بيده وإن كان هذا محتملا، ولكني أقص ما وقع لي في هذا الباب - أو ~~بعضه على الأصح - فقد كنت مرة في فلسطين وكنت ضيفا على صديق لي. فأصابني برد شديد من كثرة ~~التنقل بين البلاد فوق الجبال بالسيارة في الليل وعاودني مغص الكليتين، فلم يبق بد من ~~الرقاد والحمية وانتظار مشورة الطبيب، وإن كنت عارفا بدائي ودوائه. # ومضى يوم ثان وثالث وطلع الرابع وأنا لا آكل إلا الموصوف من الأطعمة الخفيفة المأمونة، ~~وهذه لا طعم لها ولا لذة لآكلها، وكل طعام يفرض على المريض يكون بغيضا إليه، فاشتهت نفسي ~~أشياء قالوا لي إنه لا سبيل إليها لأن الطبيب منع أن تقدم إلي، فاعترضت على هذا وقلت لهم إن ~~الألم قد زال وإن الصحة قد عادت ولله الحمد، وإني أستطيع الآن أن أفعل ما أشاء وآكل ما أحب ~~فقالوا «حتى يراك الطبيب» فقلت إن هذا طعن في ذمتي لا أقبله ولاسيما في أمر يعنيني وحدي، ~~وأنا على كل حال أدرى من الطبيب بنفسي بل أدرى من أطباء الدنيا جميعا. وهل كان الطبيب قد ~~أحس بالألم حين جاءني ms26 المغص.. عل عرف أني ممغوص إلا مني.. إذن انتهينا.. أنا أنبأته أني ~~مريض ولولا ذلك لما عرف.. وأنا أيضا أنبئه أني شفيت وانه صار من حقي أن أتمتع بمزايا ~~الصحة.. وإذا كان الطبيب قد صدقني في واحدة فيجب حتما أن تصدقوني في الثانية، فروحوا هاتوا ~~كذا وكذا من الآكال، وكيت وكيت من الأشربات.. # فضحكوا وأبوا أن يجيبوني إلى ما طلبت قبل أن يأذن لي الطبيب، فلم يسعني إلا أن أذعن ~~للحرمان - فإني في بلد غير بلدي - ولكني طلبت أن يجيئوني بكتاب في فن الطبخ فاستغربوا ~~وسألوني عما أنوي أن أصنع به فلم أعبأ بهم، فجاؤوني به فقلت لهم: «ألا تستطيعون أن تذهبوا ~~عني إلى حيث تشاؤون فحسبي هذا الكتاب وكفى به أنيسا في وحدتي ومسليا لي في غربتي». # وفتحته في موضع الفهرس وانتقيت الألوان التي أشتهيها وانطلقت أقرأ بنهم. وصدقوني حين أقول ~~إن ريقي كان يجري وإني كنت أنعم بأقوى من لذة الشره المبطان وأنا أقرأ فيه. ~~«كفتة الدجاج» - تسيح الزبدة ويضاف الدقيق ثم اللبن بخفة مع استمرار التقليب حتى يصير ~~المزيج في قوام القشدة، ثم يضاف الملح والبقدونس والفلفل، ثم تغلى مدة ثلاث دقائق، ويضاف ~~لحم الدجاج ويخلط جيدا، ثم يضاف هذا فوق طبق مسطح حتى يبرد ويؤخذ من المخلوط بملعقة كبيرة ~~ويوضع في دقيق ويعمل على هيئة كور أو أقراص أو أشكال بيضاوية وتوضع في مكان بارد حتى تتجمد ~~تماما، ثم تتبل في فتات خبز، وتغطس في بيض مخفوق مخلوط باللبن، ثم في فتات الخبز ثانيا ~~وتقلى في سمن ساخن جدا حتى تحمر ثم تنشف على فرخ ورق غير مصقول. تنبيه - هذه الكمية تصلح ~~أن يعمل منها أربعة عشرة قطعة «ولكني نسيت أن أذكر الكميات والمقادير. لا بأس.. فليس هذا ~~كلاما عن الطبخ. ولا عجب أن أذوق بالوهم والخيال مثل لذات الحقيقة فإن هذه حياتنا معشر ~~الأدباء وما أكثر ما نترك الحقائق ونروح نجري وراء الظلال! ثم نحاول أن نعزي أنفسنا بأن ~~الحقائق المشتهاة كثيرا ما أثبتت التجربة ms27 أنها دون ما كان متوقعا، وأن الخيال أفسح رحابا ~~وأوسع آفاقا؛ فهو أقدر على إمتاعنا. وأن الحقيقة نفسها إنما تكون ممتعة وجميلة بفضل ~~الخيال، ولولاه لما كان لها طعم ولا فيها متعة فعمل الخيال لابد منه للإمتاع على كل حال ~~سواء أكنت أكلا بالفعل أم متوهما أنك تأكل؛ والفضل والمزية للخيال لا للمادة فإنها ~~بمجردها لا شيء، وإنما تكون شيئا بما يفضيه عليها الخيال من السحر والفتنة وما يضفيه عليها ~~ويفضيه إليها ويزينها به. # ومن الغرائب التي لا أظن أن كثيرين وقع لهم مثلها أني كنت مرة في جزيرة مع إخوان لي، ~~فقلنا: نصيد سمكا نشويه ونأكل منه يومنا هذا، فاخترنا شر ما يضرب الماء فيه ويمعن في البر ~~لأنا قدرنا أن يكثر فيه السمك، وجئنا بديدان اتخذناها طعاما وجلسنا ننتظر أن يخدع السمك، ~~فمضت ساعة وأخرى ونحن لا نظفر بشيء، فنفد صبر أحدنا فتركنا وغاب شيئا ثم عاد بفونوغراف ~~أداره وهو يقول مازحا: لعل السمك يحب الموسيقى.. من يدري. أليس له حاسة فنية؟» فسرنا أنا ~~وجدنا شيئا نتسلى به في هذه الجلسة المملة. وإذا بالسنارة التي كانت معي تضطرب وتنجذب إلى ~~الماء، فشددتها فخرجت سمكة حسنة، فصحت بصاحبي (أعد! أعد. أعني للسمك فما جاء إلا على ~~الموسيقى) كنت أنا أيضا أمزح، ولكنا ما لبثنا أن وجدنا هذا حقيقة، فكان السمك يكثر ويشتد ~~إقباله على الناحية التي نكون فيها إذا أدرنا الفونوغراف، ويقل ويذهب عنا إذا سكت ولو كانت ~~معنا مجموعة وافية من الاسطوانات لا استطعت أن أجرب أي الأدوات أحب إلى أي أنواع السمك. ~~ولعرفت أي الأسماك تحب التانجو وأيها يؤثر الفوكس تروت وهكذا. وقد اتفق وأنا في العراق أن ~~كنا مدعوين إلى الغداء في بيت على نهر دجلة - والعراقيون يسمون كل مسكن على النهر قصرا أو ~~سراي ولو كان كوخا - وكان بيت صديقنا هذا ضخما فخما وفيه جهاز للراديو، وكانت الساعة ~~الأولى مساء - وهي بحساب الوقت في مصر الساعة الثانية عشرة - فخطر لي أن أجرب تأثير ~~الموسيقى في ms28 السمك، فرجوت من صديقنا أن يفتح الراديو وأن يسمح لنا بالانحدار إلى الحديقة، ~~وهي متصلة بالنهر، واتفق أنه كان مغرما بالصيد ولكنا لم نسمع من مصر إلا شريطا مسجلا ~~لأحد المغنيين، ويظهر أن السمك لا يحب المعاد أو لعله لم يعجبه الغناء وإن كان يطربنا نحن ~~الآدميين فقلت أعود في المساء وأرى. غير أني لم أستطع أن أعود إليه قبل الساعة التاسعة مساء ~~- أي الثامنة بحساب الوقت في مصر، واتفق أن كان الذي يذاع حديثا فنفرت الأسماك جميعها ~~نفورا ظاهرا. وفي اعتقادي أن محطة الإذاعة تستطيع أن تساعد على ترقية المصايد المصرية - ~~فتخدم السمك والناس - إذا هي عنيت بأن تدرس طبائع الأسماك وأمزجتها وما يوافقها من ضروب ~~الموسيقى، وفي وسعها بالإذاعة المتخيرة أن تنظم صيد السمك، وأن تجعل لكل نوع منع وقتا ~~معينا. فإذا كان المراد مثلا صيد ما يسمى البوري وما يماثله أذاعت للصيادين بعض الأغاني ~~الشجية التي تفتر النفس. وإذا كان المطلوب صيد ثعابين الماء أو حياته أسمعتها أغنية (هاتشي ~~بشي) وهكذا فيكثر المحصول بلا عناء وينتظم الأمر كله. ويعرف الناس ماذا يستطيعون أن يأكلوا ~~من السمك في كل يوم بمجرد الاطلاع على برنامج الإذاعة ومن غير خوف من أن يغشهم التاجر ويدخل ~~عليهم صنفا باسم صنف آخر. # والحجاز وانجلترا هما - فيما أعرف - البلدان الوحيدان اللذان تستطيع فيهما أن تترك حقائبك ~~أو أشياءك في الطريق فلا تمسها يد غير يدك ولا يسطو عليها سارق فأما في الحجاز فذلك خوفا ~~من قطع يد السارق فقد سقطت مني عصا في الطريق بين جدة ومكة فتعطل السير من الجانبين وانقطع ~~المرور حتى اهتدى الشرطة إلى أني صاحبها فخاطبوني في التليفون وأنا في الشمسية - قرب مكة - ~~فرجوت منهم أن يردوا العصا إلى جدة مخافة أن ترتكب إثما آخر فيأخذوني بذنبها وأما في ~~انجلترا فقد تركت حقائبي ساعة وصلت إلى لندن على الرصيف أمام البيت الذي اختاره صديق لي ~~لأنزل فيه وذهبت معه - أي مع الصديق - إلى بيته حيث اغتسلت وحلقت ذقني وشربت ms29 القهوة واسترحت ~~ثم عدت إلى الحقائب بعد ساعتين فوجدتها في مكانها كما كانت. وأغرب من ذلك أني راهنت صديقي ~~هذا أن أقضي يوما في لندن لا أتكلم فيه إلا اللغة العربية فخاف أن نتورط فيما لا يحمد ~~واقترح أن نقتصر على السعي للوصول إلى وستمنستر من غير أن ننطق كلمة بغير لغتنا. فوافقت ~~وتوكلنا على الله وخرجنا من البيت - هو وزوجته وأنا - وكنا نعرف الطريق ولكنا تجاهلناه، ~~فراقني منظر رجل واقف بجانب حانة ينتظر على الأرجح وقت السماح ببيع الخمر - فإن لذلك وقته ~~المعين حوالي الظهر وفي المساء - فدنوت منه وحييته التحية المصرية - أي برفع يدي ثم مدها ~~إلى يده لمصافحته وسألته - بالعربية طبعا - عن وستمنستر، وتعمدت أن أحرفها تحريفا شديدا ~~فنطقتها «وستمنصته»، وأقول الحق إن الرجل فزع واعتدل بعد الميل ونسي الخمر التي يحلم بها ~~وينتظر أن يسعد باحتسائها، فأعدت السؤال برفق فلم يفهم طبعا على الرغم من صدق رغبته في ~~ذلك، فلما يئس قال تعالى معي، وقادني إلى الشرطي وهو شيء ضخم جدا وأنا شيء ضئيل جدا أو ~~كما يقول ابن الرومي: # أنا من خف واستدق فلا يث # قل أرضا ولا يسد فضاء # وقال إن هذا الغريب يبدو لي أنه يسأل عن شيء لا أستطيع أن أتبينه، فمال على العملاق ~~الإنجليزي وقال يستحثني: نعم؟! فسألته عن «وستمنصته» فجعل يهز رأسه ويستعيدني وأنا أهز له ~~رأسي أيضا كأني غير فاهم وألح في السؤال عن «وستمنصته» فأحس أن في الكلمة شيئا يمكن أن ~~يهديه إلى مرادي وقال: «قل هذا مرة أخرى» ولكني تغابيت وجعلت أتلفت ثم قلقت وخفت، فقد رأيت ~~صديقي وزوجته قد تركاني وذهبا فوقفا على الرصيف. # وليت هذا كل ما حدث إذن لما كان فيه بأس ولكنهما كانا يضحكان حتى خيل إلي أنهما سيقعان ~~على الأرض. وكان ضحكهما عال فخفت أن يفطن إلى أن في الأمر مزاحا فيستثقله أو يعده سخرية ~~منه فتسوء العاقبة، فخففت التحريف فلم يلبث أن فطن إلى مرادي فاستوقفني حتى مرت سيارة ~~أمنيبوس معينة، ms30 فأمرني أن أصعد وتبعني صديقي، وأمر الكمساري أن يأخذ منا الأجر إلى وستمنستر ~~وأن يحرص على أن ينزلنا هناك فأخرجت نقودا ومددت بها يدي إلى الكمساري ليأخذ منها ما يشاء ~~تظاهرا بالجهل باللغة الإنجليزية . وهكذا كسبت الرهان. # وأعود إلى فلسطين فأقول أن في عكة مسجدا كبيرا وقد بناه - على ما أظن - أحمد الجزار ~~باشا الوالي التركي في ذلك الزمان وهو رجل مشهور فلا أحتاج أن أتحدث عنه ولكني أقول إني ~~وجدت مكتوبا على باب المسجد من الداخل هذا البيت العجيب في مدح الجزار باشا: ~~«ذاك الوزير الشهم أحمد من غدا # جزر أعناق العباد كما يجب» # وأظن أن هذا البيت يستحق التدوين ... # وفي بغداد دعانا شيخ عربي إلى أكلة على الطريقة البدوية، فاستحسنا ذلك جدا، وآثرناها على ~~وليمة أخرى؛ فلما ذهبنا ألفينا السماط ممدودا.. وأصف ما رأيت فأقول إن السجادة غطيت بملاءة ~~بيضاء وضع عليها جفنة ضخمة فوقها صينية عظيمة لا أدري من أين جاءوا بها وقالوا إن عندهم ما ~~هو أكبر منها بكثير، وفوق الصينية طشت هائل مليء أرزا مخلوطا بالزبيب واللوز والفستق وعلى ~~الأرز خروف عظيم مشوي - هذا في الوسط، وحول الجفنة وعلى مستدارها أطباق عديدة لا يأخذها ~~الحصر، فيها أنواع شتى من الطعام ... كالدجاج والخضر والعصيدة والولائق المختلفة، وهي من دقيق ~~وسمن ولبن، وقد عرفوا أننا لن نستطيع مجاراتهم، فأعدوا لنا أطباقا وملاعق وسكاكين ~~وأشواكا. فجعلنا نحن نأكل على طريقتنا، أي أن نأخذ ما نشتهي في أطباقنا. أما هم فأكلوا على ~~الطريقة البدوية الصرف، وهي أن يتناول الواحد قبضة من الأرز ويطوي عليها أصابعه ويضغطها حتى ~~تصير كالكفتة؛ وبعد أن يفتلها على هذا النحو يقذف بها في فمه. وهذا يبدو هينا سهلا، ولكن ~~المصيبة أن الطعام يكون كالنار فيحرق الكف. فكيف بالفم واللسان؟ أما اللحم فيهبر منه ما ~~تستطيع أصابعه أن تقطعه أو تمزقه ويرمي به في فمه وما يرمي في الحقيقة إلا جمرا مضطرما، ~~وعلى ذكر الجمر أقول إن للعرب - أو على الأصح للبدو - طريقة عجيبة في ms31 علاج الجروح وقد ~~جربتها فأنا أتكلم عن خبرة ويقين، ذلك أن راحتي أصابتها النار، فجعلت أوحوح وأنفخ فيها ولا ~~أدري ماذا أصنع لتسكين الألم على الأقل، فصاح أحد النجديين الذين كانوا حاضرين هناك فى ~~الحجاز: «ملح ... ملح..» فجاءوه بقليل من الملح الخشن فمد يده إلي وقال «خذ قبضة» «فتناولت ~~منه بيدي السليمة وأنا أضحك في سري وأقول لعله يظن أن الحروق يفيد فيها السحر، فصاح بي: ~~«بيدك المحروقة»، ففهمت وأخذت قبضة بيدي المحروقة فقال: «اطو عليها أصابعك» ففعلت فقال: ~~«ابق هكذا» فظللت قابضا على الملح الخشن دقائق ثم نظر في وجهي وقال: «استرحت الآن.. زال ~~الألم..» ففتحت كفي وأنا أبتسم ولا أكاد أصدق، فما كنت أشعر بأي ألم ولا رأيت أثرا للحرق! ~~فما قول الأطباء في هذا وليكن رأيهم ما يكون فإني أنا لا أنوي أن أداوي الحروق التي تصيبني ~~- وعسى ألا يصيبني شيء - إلا بالملح.. # وفي لبنان أنقذتني فتاة لا أعرفها من هلاك محقق، وهذه الفتاة من أعاجيب الخلق، فإن لعينها ~~نظرة تنيم الحية - كما عرفت بالتجربة المرعبة - وأنا قوي النظرة حادها وفي وسعي أن أحدق في ~~قرص الشمس، ولكني لم أستطع أن أحدق في وجه هذه الفتاة العجيبة. وكنت كلما وقعت عيني عليها ~~لا أزال أطرف ثم لا أجد بدا من تحويل عيني إلى ناحية أخرى. # وكنا قد لقيناها في الصباح ونحن نصعد في جبل في رأسه ينبوع أردت أن أرى الموضع الذي يتفجر ~~منه ماؤه. وكانت تحمل جرة فيها من ماء هذه العين، وكنا نخاف أن نضل، فسألناها عن الطريق ~~واستملحناها فاستسقيناها وأردت أن أنقدها بضعة قروش فأبت، وأنبأتها أني أريد أن أرى مفجر ~~العين فنهتني عن ذلك. فسألتها عن السبب فقالت وهي تهز كتفيها. «هيك» ولم تزد ولما ودعناها ~~عادت فحذرتني، فضحكت وشكرتها وأبيت إلا أن أصعد إلى حيث ينبثق الماء، وصعدت وحدي فقد رأى ~~إخواني وعورة الطريق فانصرفوا عن مرافقتي، فوجدت كهفا على بابه عشب ونبات طويل ورأيت الماء ~~يخرج من الكهف، فقلت أدخل لأرى ms32 فنحيت النبات وإذا بي أرى عينين لامعتين فظيعتين ثابتتين ~~تحدقان في عيني وكانت نظرتهما من القوة بحيث لم أستطع أن أحول وجهي، وزاد فظاعة النظرة وعمق ~~تأثيرها أن العين لا تطرف والجفون لا تتحرك وأن البريق شديد جدا في ظلام الغار. وكانت ~~العينان ترتفعان عن الأرض شيئا فشيئا وتدنوان مني على مهل وأنا أنظر إليهما ويداي إلى ~~جانبي وقد جمدت في مكاني وشعرت بالخدر في أعضائي. وكنت قد أدركت أن هذه حية وأنها من النوع ~~الوثاب الذي تتحرك عيناه ولا تطرف جفونه. ومن هنا عمق تأثير نظرتها، ولم يخالجني شك في أني ~~مقضي علي بالهلاك. وكيف أنجو وأن مسمر في مكاني لا أستطيع حراكا؟ ولو وسعني أن أتحرك لوثبت ~~الحية علي وأنشبت في أنيابها قبل أن أدور على عقبي. وكانت نفسي تنازعني أن أصرخ مستنجدا ~~ولكن شفتي كانتا مطبقتين لا تنفرجان. وإذا بالعينين المرعبتين تراجعان في الظلام وتهبطان ~~إلى الأرض بعد أن كانتا ترتفعان عنها وتزحفان إلي، وأحسست أن نظرتهما تفتر وأن تأثيرهما في ~~نفسي صار أقل وأصأل، وشعرت بأني صرت أملك أن أحرك أعضائي بعد طول الجمود، فتلفت فإذا الفتاة ~~التي لقيناها في الصباح تحدق في عيني الحية بأقوى من نظرة الحية. ويكفي أنها ردتها بعينها. ~~واختفت الحية فتشهدت وملت على الفتاة لأشكرها بقدر ما كان يسعني أن أفعل في مثل هذه الحالة. ~~فلامتني على مخالفتها وذكرتني أنها حذرتني وقالت إنها أشفقت علي من المصير الذي كان لا مفر ~~منه فأدركتني قبل أن أقضي نحبي فسكت ولم أقل شيئا.. وماذا أقول؟ # الفصل الثامن # حي ولا كالأحياء # كان أبواه صالحين، إلا أنهما جاهلان. وغير منكور أنهما كانا يعدان من الذين يقرأون ~~ويكتبون، ويحسبان عن الإحصاء من المتعلمين، ولكن من الممكن أن نقول - ومن الممكن أن يصدق ~~القارئ أنهما ارتدا إلى الأمية أو ما هو في حكم الأمية ومنزلتها فأما الأم فقد صار كل ما ~~احتفظت به هو الأرقام - قراءة وكتابة - وأما الأب فكل ما بقي له هو القدرة على قراءة ms33 القرآن ~~الكريم «ودلائل الخيرات» و«الأوراد» وما يجري مجراها مما حفظ قديما. ولعله كان يقرأ ~~بذاكرته دون عينيه، فقد كانت ترده الرسالة من البلدة فيرسل يده تتحسس ثيابه ويقول إنه لا ~~يجد «النظارة» ويرجو ابنه أن يتلو عليه الرسالة لأن نظره ضعيف. ومع ذلك كان يرى الشخص من ~~مسافة ميل فيقول هذا فلان! # وقد حرصا - على جهلهما - على أن يربيا ابنهما أحسن تربية، فلم يضنا على تعليمه بمال، وإن ~~كانت مواردهما شحيحة غير ثرة، ومازالا به حتى تخرج في الجامعة وكان ذكيا حاد الفؤاد، ~~ولكنهما أرهقاه وكلفاه شططا، ونحن نظلمهما حين نسوي بينهما في ذلك، فقد كان الأب مشغولا ~~بصلاته ونسكه، وكان ضعيفا فزمامه في يد امرأته، وكانت امرأته قوية أو قل طاغية، طغت بزوجها ~~فألزمته البيت وجعلته قعيده، كلما فرغ مما يخرج له - ولم يكن ذا عمل لأن له أرضا يأتيه ~~إيجارها في مواسمه، فهو لا يحتاج إلى السعي والتصرف وعلى أنه لو كلن احتاج لما قدر على ~~كثير، فقد كان قليل الحيلة، وفيه غباء، وفيه مع الغباء حقد يمنعه أن تسلس علاقته بالناس، أو ~~تطيب معاشرته لهم، فنفر وجنح إلى العزلة، وحمل الناس التبعة، وأعان ذلك زوجته عليه، فانقاد ~~لها وقبع معظم الوقت في البيت. # ولو اقتصر الأمر على هذا لهان، ولكنها طغت بابنها أيضا، وعاملته شرا من معاملة فتاة ~~يخشى عليها شر الاختلاط، وكانت تجلس أمامه وهو يدرس، وتحدق فيه فيثقل تحديقها على نفسه، ~~ويضطرب، ولا يستطيع أن يفهم شيئا مما يقرأ، ويبدو عليه القلق فتنهره، فيكتم حتى زفرة الضيق ~~لخوفه منها، أو رهبته لها، لشدة وطأتها عليه، فقد ورث عن أبيه الضعف، وزاد ضعفه أن رأى أباه ~~مستخزيا لها، وأعانها عليه أيضا أنه نشأ في بيئة يوقر فيها الصغير الكبير، ويتقي الولد أن ~~يرفع عينه إلى وجه أبيه أو أمه من شدة الاحترام، فكان لا ينهض عن مكتبه وكتبه وكراساته إلا ~~بإذن، منها لا من أبيه، فما له حساب كحسابها، وإن كان له احترامه. # واتفق أن أحب ms34 الفتى فتاة من قريباته، ولكن طبقتها - إذا اعتبرنا المال والجاه - فوق طبقته ~~في المجتمع، وقد أيأسته الفتاة من هذا الحب، وتلطفت معه وترفقت به، فأقصر عن التودد إليها ~~وطوى نفسه على حقد ورث عن أبيه الاستعداد له، ولم يفض إلى أحد بهذا السر مخافة أن يرقى ~~الخبر إلى أمه فتسود عيشه وتنغص حياته، وفي البث راحة ولكنه حرمها. # وانتهى من التعليم، وآن أن يجد عملا؛ ولكنه فتى لم يألف مخالطة الناس ومعاشرتهم ~~والاجتراء عليهم، لأنه قضى معظم حياته - في غير المدارس تحت عين أمه، وذلك ضرب من الحياة لا ~~تعرفه حتى البنات في هذا الزمان، ومن هنا عظم حياؤه الطبيعي، وكان يرى أباه نافرا من الناس ~~معتزلا لهم، ساخطا عليهم، فقلده - وراثة أو اكتسابا - وكان قد نقم من قريبته فإنها ~~أقنطته من حبه لها واعتقد أنها تراه دونها ولا تعده أهلا لها، أضطغن عليها وعلى أهلها، ~~وكان أهلها بفضل جاههم هم الذين يستطيعون أن يبلغوه مناه من الوظيفة في زمن لا يرجو فيه ~~الإنسان أن يبلغ شيئا بحقه، وقد يبلغ فيه كل مرام بفضل الوسطاء؛ فلم يظفر إلا بوظيفة هينة ~~الشأن ضئيلة الأجر، لم تكن تستحق أن يقضي في سبيلها كل ما قضاه من العمر في التعليم، فزاد ~~سخطه على الناس وامتلأ صدره إيمانا بالظلم في الحياة، وكان له من عجز أبيه عن التصرف ~~والسعي نصيب؛ وكانت نشأته من شانها أن تزيده قلة حيلة فقنع بالوظيفة الهينة، أو تلقى الأمر ~~فيها بالتسليم؛ وإن كان قلبه مملوءا مرارة وقيحا. # ومات أبوه، فلم يشعر بالراحة والفرج، لأن أمه هي المرهوبة، وأحب جارة له في مثل سن أمه أو ~~أكبر، لأنها كانت تعطف عليه وتدعوه إليها فيقضي عندها ساعة أو بعضها ينعم بالحديث والمودة ~~والعطف، ويتسلى، ثم يعود إلى محبسه، فيحس الفرق، فيشتهي أن يكون مع هذه الجارة نهاره وليله، ~~فلم يكن حبه لها حبا بالمعنى الصحيح، وإنما كان مظهرا لضيق صدره بما يجن، وللتعلق بقشه ~~وهو غريق، فما كانت المرأة الجميلة، وأقصى ms35 ما يمكن أن يقال فيها إن على وجهها مسحة من ~~ملاحة، وتحت الثياب التغضن والترهل، اللذان لا تجدي فيهما المساحيق والأدهان، ومن أين تجيء ~~بمساحيق وأدهان كافية لكل هذا البدن؟ فقد كانت بدينة ، واضطر أن يطوي صدره مرة أخرى على سره، ~~خوفا من أمه، وإشفاقا مما عسى أن تنزله به من العذاب. # ولحقت الأم بزوجها، ولكن موتها لم ينجه ولا أعفاه مما هو فيه، فقد ألف هذا الضرب من ~~الحياة أكثر من ثلاثين سنة، واعتاد الكبت الخانق لكل شعور حتى إنه ما كان يجرؤ أن يعرب عما ~~يدور في نفسه ولا لإخوانه إذا صح إنه استطاع أن يتخذ له إخوانا. وما قصر في نشدان ~~الأصدقاء، ولكن أنداده كانوا يرون طول صمته وانطواءه على نفسه، وكثرة قعوده في بيته. ~~ويعرفون خوفه من أمه، فزهدوا في صداقته لأنه لا بشيء فيها يسرهم. # ومع خلو البيت، بعد وفاة والديه، إلا من خادم هرم لا يحسب أحد له حسبانا، كان فتانا لا ~~يستطيع أن يتحرر حتى في البيت مما ألزمته أمه في حياتها. وكان إذا ضاق صدره وعجز عن ~~الاحتمال، وأراد أن يشعر أنه إنسان له في نفسه حق، يوصد على نفسه بابي غرفته وينضو ثيابه ~~كلها حتى يعود كما كان آدم في الجنة، ويقف أمام المرآة وينظر إلى صورته في صقالها ثم يرقص ~~ويفرقع بأصابعه، ويدندن - أي يغني دون أن يرفع الصوت بالغناء - حتى إذا تعب انطرح على أريكة ~~أو سرير، وقد ينام هو عار، ولا يتغطى إلا إذا شعر بالبرد. # ولم يطل صبره على الوظيفة، ولا صبر رؤسائه عليه، فقد كان ظاهر الاستخفاف بها وبهم، وكانوا ~~يرون منه ما يعدونه بلادة شعور، وقلة توقير، فاغتنموا فرصة خطأ وقع فيه وإن كان غير جسيم، ~~فنقلوه إلى بلد قصي، فلم يذهب إليه، ففصل. # ولم يشق عليه الفصل فقد بقيت له أرض أبيه، وفيها الكفاية لعيش، وإن كانت لا تسمح بالرغد، ~~ومازالت جارته ترحب به وتحتفي بمقدمه، ولعلها راغبة فيه، وما انفك هو يختلف إليها ms36 ويكون ~~عندها كأنه في بيته - يطلب الطعام إذا جاع، ويستلقي على أريكة إذا تعب، ويأمرها أن تصنع له ~~قهوة أو شايا، ولو قدر لنام عندها أيضا، ولكنها هي تخشى على سمعتها، وإن كانت لا تخشى على ~~نفسها منه، فما يخرج معها عن الحشمة، ولا يجاوز المزاح المقبول باللسان، ولكنه لم يكلمها في ~~زواج فكأنه متردد، أو لعله يستحي أن يقول بما في نفسه، لو عسى أن يكون مشفقا من كلام الناس ~~ولغطهم بمثل هذا الزواج، وربما كانت العلة أخفى من ذلك - أي راجعة إلى ما أورثه وأغراه به ~~طول الكبت من العادات التي لا تجعل علاقة الزواج أطيب وأمتع علاقة لمثله، ومن يدري؟ قد يكون ~~في قلبه خوف من أن يصير معها إلى مثل ما صار إليه أبوه مع أمه، فهو يؤثر طول الزمان على ~~دوام العبودية. والله أعلم بالحقيقة على كل حال. # وإن صاحبنا لحي يرزق، ولكنه لا يعد في الأحياء بأي معنى صحيح إلا حين تقوم الدولة بإحصاء ~~النفوس، وصحيح أنه يأكل ويشرب وينام ويدخل ويخرج، ويذهب إلى السينما أحيانا، ويطرب للسماع ~~إذا أتيح له عفوا، ولكنه لا يحيا، فإنه لا يعمل لا بجسمه ولا بعقله وقد ركدت عواطفه ~~وإحساساته، أو جرت في بحار خفية فما يتبدى منها شيء إلا حين يكون في خلوة تامة مع نفسه، وفي ~~أمان من عيون الرقباء وآذانهم. # وتسأله ماذا يرجو؟ وإلى أي شيء يتطلع؟ فيحدق في وجهك كأنه غير فاهم، ويسألك «أرجو؟ تقول ~~أرجو؟» ويهز رأسه وقد ينهض عن المجلس الذي أنت فيه - لا غاضبا فإنه لا يغضب - أو على الأصح ~~لا يراه أحد يغضب - بل لأنه يعني بالجواب، ولعله يقضي الليل مسهدا يتساءل عما يرجو، ثم يمل ~~التساؤل، فينهض ويضيء أنوار البيت كلها، ويغلق عليه غرفة، ويخلع ما عليه ويقف أمام المرآة ~~يرقص ويدندن! # ماذا يرجو؟ أما أن هذا لسؤال! # الفصل التاسع # الابتسام # منذ بضع سنين - عشرين أو نحو ذلك - أصبت بالنورستانيا، فاحتجت إلى الأطباء وكان علاجهم ~~جرعا أو حقنا والراحة ms37 التامة والكف عما يتوهمونه يضنيني من القراءة والكتابة، فأما الحقن ~~أو الجرع فكان أمرها هينا، وأما الراحة فكان معناها انقطاع الرزق لأنه لا رزق بلا عمل، ~~وأما الكف عن القراءة والكتابة فقد كان هذا خليقا أن يورثني الجنون لا أن يشفيني لأنه ~~يجعلني أبدا في خلوة بنفسي ويفسح الوقت والمجال للتفكير فيما كنت أعاني من الأوهام، وهذا ~~ما كنت أهرب منه وما كان ينبغي اتقاؤه، لأن المرض يستفحل به ولا يخف على ما جريت، وكانت ~~النورستانيا في أول الأمر خفيفة محتملة، ولكنها تفاقمت على أثر سقوطي في ظلمة الليل في قبر ~~خرب تعلقت بى فيه العظام النخرة فخرجت منه حين خرجت بوجه ميت وأعصاب مخبول. # وصرت بعدها أتوهم الموت في كل شيء حتى لكنت أدعو أهلي أن يحفوا بي ويمسكوني لأنه كان يكبر ~~في وهمي في تلك اللحظات المشئومة أن شيئا مرعبا سيحدث لي ويجري علي، وأن قوة مخفية ~~ستخطفني وكان شر ما أخشاه وأتقيه أن أصاب بالحمى لا لأنها طريق الموت فإن كل شيء طريقه بل ~~لأنها تكون أحيانا مصحوبة بالهذيان، وقد يفشي المرء وهو يهذي بعض ما كان يحرص على كتمانه. ~~وليس من الضروري أن يكون ما يكتمه سوءا وشرا فقد يحب المرء كتمان الخير أيضا. # وأخيرا وفقني الله إلى طبيب فيه شذوذ غير قليل، وكان يشكوني لإخواني لأني أتكلم بلا ~~مناسبة تدعو إلى الكلام، ويشكوني إذا سألني عن شيء من التاريخ أو الأدب لأني لا أجيبه بما ~~يحب، فحرت معه وآثرت الصمت، وقلت فليحسبني في عداد الصم البكم. # وكان يحقنني بما لا أعلم فدخلت عليه يوما وكشفت له عن ذراعي فأومأ إلي فجلست وجلس هو ~~قبالتي وجعل يحدجني بنظره وطال هذا منه فلم أرتح إليه وخامرني الشك في أمره وحدثتني نفسي ~~بالهرب فقد قام في ذهني أن الرجل تعتريه نوبات من الجنون، وإذا به يقول لي وهو معبس: ~~«تبسم». # فقلت في نفسي «لقد صح ظني وليته ما صح. والمثل يقول جاءك الموت يا تارك الصلاة، فهل كان ms38 ~~من الضروري أن أقع في قبضة هذا «المجنون» وقلت له بصوت يسمعه «ايه». # فقال: وهو يزداد عبوسا «تبسم». # فخطر لي أن أحاوره وأداوره حتى يفتح الله علي بجلية أنجو بها وقلت له «اتبسم ». # فهز رأسه أن نعم.. # فقلت أطاوله وسألته: «هل تعني أنك تريد مني أن أتبسم». # فنطق وقال: هذا ما أعني.. تفضل. # فسألته: «ولكن كيف أبتسم وأنا لا أشعر بما يدعو إلى ذلك». # قال: «تبسم والسلام.. حاول.. ألا تعرف كيف تبتسم». # قلت: «أعرف كيف يكون الابتسام ولكني لا أستطيعه إلا بدافع من النفس. نعم يسعني أن أفتح ~~فمي وأوسع حنكي ولكن عيني.. كيف أقسرها على الالتماع الذي لا يكون الابتسام ابتساما إلا ~~به». # قال: «حاول أن تبتسم ولا تحاول أن تتفلسف». # ففعلت ما وسعني وقلت له: «هل هذا يكفي» ولم يبق عندي أي شك في جنونه. # فقال: «حاول مرة أخرى». # فحاولت - لا مرة أخرى بل مرات، وماذا أصنع غير أن أجاريه؟ # فقال: «إنك لست مريضا ولكنك نسيت الابتسام.. فقدت القدرة عليه.. هذا هو خطبك.. وأنا من ~~الآن فصاعدا لن أصف لك أي دواء لأنه لن ينفعك مثل الابتسام فاستعد القدرة عليه، وإذا عجزت ~~عنه فما عليك إلا أن تنظر في المرآة وتتكلف الابتسام فسيضحكك المنظر لا محالة وتظل بعد ذلك ~~تضحك حتى يوجعك رأسك وبطنك». # فقلت له: «أشكرك» قال: «لا تحسب أني أمزح حين أقول أنظر إلى المرآة لتضحك، فلست أقصد إلى ~~النكتة وإنما أنا أعني ما أقول. وأنا أيضا إذا أعياني الابتسام أفعل ذلك. إن ابتسامة أو ~~ضحكة واحدة تستطيع أن تغير الحالة النفسية للإنسان كما لا يستطيع أي شيء آخر.. جرب وانظر.. ~~قابل كل شيء بابتسامة ولو مستكرهة فإنك لا تلبث أن ترى العجب.. والآن تفضل فإن المرضى غيرك ~~كثيرون». # خرجت من عند الطبيب في ذلك اليوم أبتسم متعجبا، وقد بدا لي أن ما سمعته منه لا يخلو من ~~صواب. وأحسست وأنا عائد إلى بيتي أني أشتهي السمك. تعجبت فما أعرفني اشتهيت طعاما بعينه ~~قط، وعهدي بنفسي ms39 أني آكل ما أجد وأحمد الله. فقلت خيرا وملت إلى حيث يباع السمك فأعجبتني ~~سمكة كبيرة راقني منظرها، وإن كنت لا أدري كيف مخبرها، فإني أجهل الناس بأمور الطعام، ~~وحملتها إلى البيت وأنا فرح بها وقلت لهم اصنعوا لنا منها شيئا فإني جوعان فبادروا إليها ~~وأقبلوا عليها يصنعون منها ما لا أدري وهم مستبشرون بما رأوا من هذه الرغبة التي أظهرتها ~~والتي لم يألفوها مني، ثم قالوا تفضل فتفضلت وجلست إلى المائدة معهم وهممت بأن أتناول من ~~السمك المشتهى، وإذا بي أشعر أن الحمى مقبلة، وعراني فزعي المعهود منها فرددت يدي عن الطعام ~~ونهضت إلى السرير وقلت هاتوا شربة، فجستني أمي ونظرت إلى وجهي الممتقع ونظرتي التي ارتسم ~~فيها الفزع والأسف والألم وقالت: «يا بني ما هذا الحال ... لست أدري بك شيئا» قلت: «إنها ~~الحمى آتية لا ريب فيها هذه المرة؛ وإني لأجد صهدها من بعيد كأني أتقلب على اللهب» فهزت ~~رأسها آسفة وجلست على كرسي جانبي وتركتني لخواطري وأوهامي، ومضت دقائق وأنا أفكر في هذا ~~الحال فبدا لي أن من سخر الأقدار أن أشتهي طعاما لأحرمه، وتذكرت نصيحة الطبيب وخطر لي أن ~~هذه القدرة على السخر تستحق الإعجاب، وأن في وسع الإنسان أن يكبر الناحية الفنية في تصاريف ~~الأقدار وإن كان يألم ويتوجع بل في وسع الإنسان أن يجرد من نفسه شخصا ثانيا ينظر نظرة ~~فنية إلى المقادير غير الشخص الذي يتوجع لوقعها، وسألت نفسي: أليس هذا الذي حدث لي شبيها ~~بالفصول التي يعابث بها الإخوان بعضهم بعضا ليضحك العابث مما يقع في صاحبه.. ثم يضحك الذي ~~كان غرضا لهذا العبث حين يعرف حقيقة التدبير.. ولم لا أنظر هذه النظرة إلى سخرية الأقدار.. ~~لم أتهمها بالقسوة.. ولا أقول أنها تلاعبنا وتعابثنا ولكنا لا نفهم مرادها فنحسب مزاحها ~~جدا ونروح نتألم.. وخيل إلي أن من غير المعقول أن تعني الأقدار بأن تحرمني من قطعة من ~~السمك أشتهيها. وما قيمة سمكة آكلها أو لا آكلها عند الأقدار حتى تصدني عنها.. ولم ms40 لا أقابل ~~هذا المزح بالروح التي تناسبه.. وإذا كنت لا أستطيع أن أتبسم مسرورا فإن من الواجب أن ~~أتبسم مكلفا محافظة على أصول المزاح. # وابتسمت - أعني أني رسمت ابتسامة على فمي وتركتها هناك تشبثا بها وإصرارا عليها. ورأت ~~أمي ذلك فعدتها بشرى وقالت: «أحسن» قلت وقد شعرت بالخجل «نعم» قالت «ألا تأكل الآن» قلت ~~«ليس الآن» قالت «قم بنا إلى مدينة الفسطاط فإن الجو الآن جميل» فوافقت وقمنا جميعا - ~~النساء كبارهن والصغار، والخدام والأطفال وأنا. والطريق إلى الفسطاط خال فأرسلنا أنفسنا على ~~السجية وجعل كل من شاء يجري أو يضحك كما يشاء فأنعشني الهواء وأضحكتني بعض المناظر، فلما ~~بلغنا الفسطاط كنت أحس أني أتضور، وكانت أمي قد قدرت ذلك فأرسلت من يسبقنا بالطعام فأكلنا ~~هنيئا. # صرت بعد ذلك كلما عاودني مثل هذا الحال لا أستسلم له بل أبتسم كما أمر الطبيب. ولا أرقد ~~على السرير كما كنت أصنع، بل أتناول العصا وأذهب أمشي بسرعة حتى يذهب عني البأس ويخرج مع ~~العرق المتصبب فاستطعت بعد قليل أن أستغني عن طب الأطباء وجرعهم وحقنهم. # وجرت فائدة الابتسام وفضله في التداوي فصارت قاعدتي أن أبتسم لكل شيء لأرى ما يكون، فما ~~لبثت حياتي كلها أن تغيرت فقد كنت حاد الطبع سريع الغضب، فصرت أراني إذا ابتسمت لما يغضبني ~~يزول عني الغضب وأشعر بسكينة غريبة، وأحس أني أستطيع أن أفكر بهدوء وأن أضع نفسي في مكان ~~الذي أغضبني وأنظر إلى ما فعل من ناحيته هو فأعذره، وإذا أصابني ما أكره وابتسمت له أرى ~~وقعه يخف وأمره يهون جدا ولا أجد ما كنت أجد قديما من مرارة السخط أو لذع الألم فكأن ~~الابتسام مهلة تمنحها النفس وتمنعها أن تنساق أو تندفع أو تتسرع فيما تستجيب به لوقع ~~الحوادث. # فمثلا - أحس أني أوشك أن أتنهد أسفا على شيء فاتني أو حرمته، فأبادر إلى الابتسام ~~وأراني أحدث نفسي بأن الأسف على شيء فات لا معنى له لأنه فات وانتهى أمره ولن يرده نفس طويل ~~يرتفع له الصدر ms41 كالموجة العالية، وإذا كنت حرمت شيئا فما حرمت كل شيء وليس الذي حرمته ~~بالشيء الذي تستحيل الحياة بدونه وليست الحكمة في المغالاة إنما الحكمة أن يدرك المرء ~~القيمة الحقيقية لكل شيء فلا يعدو بشيء مكانه ولا يجاوز به قيمته. وتنتهي هذه النجوى بأن ~~تذهب الرغبة في التنهد وكل ما ينطوي عليه من الأسف والشعور بالخيبة أو الحرمان أو غير ~~ذلك. # ويسؤوني فعل صديق أو قوله فتحدثني نفسي أول ما تحدثني بأن أكر عليه بمثل ما قال أو فعل، ~~ولكني أبتسم أولا فيتغير مجرى خواطري واتجاه إحساسي وأراني أقول لنفسي «من الذي قال إن هذا ~~الصديق أساء بالفعل أو القول ... # وبماذا أساء.. وكيف يعقل أن أنتظر من الناس ألا يقولوا أو يفعلوا إلا ما يرضيني أنا.. ومن ~~أكون حتى ألزمهم ذلك.. وعلى أن احتمالات العفو كاحتمالات العمد فيما يصدر عن الناس ويسوء ~~بعضهم من بعض، فلماذا أجزم بأن الصديق تعمد الإساءة ولا أقول إنها كانت منه عفوا.. ثم أين ~~هي الإساءة على كل حال.. إنه غروري أنا لا إساءته هو». # ويعتريني الأرق لخاطر ملح أو حاجة لم تقض فأبتسم وأقول مناجيا نفسي «لقد صار أمر حياتك ~~رهنا بشيء يسير على ما أرى، فما أهون هذه الحياة إذن وما أضأل قيمتها.. إذا كانت الحاجة لم ~~تقض فهي لم تقض ولن ينفع في قضائها هذا التحسر الذي يورثني الأرق. ومن يدري.. ألا يمكن أن ~~يكون هذا خيرا ألا يتفق أن تكون الخيرة في الواقع.. وأوجه الأمر الذي يشغلني من هذه ~~الناحية الجديدة التي لم أكن أنظر إليها فيأخذني النوم وأنا أفكر. # وقد وجدت للابتسام مزايا أخرى وفضلا في الإطلاع على ما لم أكن أطمع أن أطلع عليه وألم ~~به، فقد اتفق مرة أن كنت مدعوا إلى عقد زواج والعادة أن توزع على المدعوين بعد كتابة العقد ~~علب من الحلوى وليس بالنادر أن يكون منظر الزوج في هذا الموقف مغيرا بالضحك: وكان العريس ~~في هذه المرة ممن لا يعنون في العادة بحسن الهندام وأناقة ms42 الملبس، وكثيرا ما رأيته يترك ~~لحيته أربعة أيام أو خمسة وهو لا يحلقها، فإذا فعل بدا لي كأنه إنسان جديد وكان في تلك ~~الليلة - أو على الأصح ذلك المساء - يلبس ثياب السهرة - لا أدري لماذا - وكان دائم التأفف، ~~وكان لا يكف عن تحريك رقبته فعل من يشعر بالضيق والكرب من ضغط الياقة المنشاة المكوية، ~~فأغراني منظره في غير مألوفه من الثياب بالابتسام فجعلت أنظر إليه وكان واقفا وراء صف من ~~الجلوس فلمحت واحدا منهم كانت معه علبتان من العلب المهداة يضع واحدة منهما على كرسي خال ~~إلى جانبه وينهض فيمشي إلي ويقول وهو يبتسم - متكلفا ولا شك - فما كانت هذه ابتسامة مهما ~~بلغ من تسامح المرء في التعبير - «أ ... أ.. أظن أنك تدرك أن هذا مزاح». # فنظرت إليه مستغربا فما فهمت من كلامه شيئا، ولم أقل لأني عودت نفسي أن أنتظر حتى يفرغ ~~محدثي من الكلام، إذا كنت قد وجدت مرارا أن محدثك يهم بأن يقول لك شيئا يظن أنك تعرفه أو ~~تدركه فإذا تكلمت تبين من كلامك أنك غير عارف شيئا فيعدل بالحديث عن مجراه وتخسر أنت ما ~~كدت تسمع منه. ورآني الرجل أنظر إليه ولم أقل شيئا فمضى في كلامه وقال «هذه العلب ... لقد ~~أردت أن أداعب صديقا لي وأخفي عنه علبته لأضحك منه.. بالطبع كنت معتزما أن أردها.. مزاح ~~بين أصدقاء ليس إلا ...» وضحك ومضى عني وهو يتلفت إلي ويحرك رأسه مبتسما فلم يسعنى أنا أيضا ~~إلا أن أبتسم لهذا الاعتراف وإلا أن أحمد الابتسامة التي حالت دون السطو والسرقة. # وفي مرة أخرى قصدت إلى قهوة يجلس فيها إخوان لي، وكنت أريد أن آخذ واحدا منهم، وكان ~~إخواني هؤلاء مولعين بعلب الورق وأنا لا أعرف من لعب الورق شيئا، وقد حاول بعض إخواني أن ~~يعلموني فأخفقوا ولم يفلحوا فظللت على جهلي بهذا اللعب. ودخلت على أخواني وكانوا حول ~~المائدة الخضراء يلعبون على عادتهم، وكان معهم رجل لا أعرفه أو لا أذكر أني رأيته، فإن ~~ذاكرتي خوانة فسلمت ms43 ودعوت صاحبي الذي جئت له أن يخرج معي فاستمهلني قليلا فجلست على كرسي ~~أقرأ في صحيفة ثم مللت فوقفت أنظر إليهم وإلى ما في أيديهم من الورق وإن كنت غير فاهم ~~شيئا، ولكن تداول الورق وما يحدث من الربح والخسارة وما يرتسم على الوجوه من المعاني ~~المختلفة المتعاقبة لا يخلو من تسلية حتى لمن كان جاهلا مثلي، فطال وقوفي وكانت هناك مرآة ~~أمامي وراء الرجل الذي قلت إني لا أعرفه فجعلت أنظر إليها تارة وإليهم تارة وأنا واقف لا ~~أعمل شيئا، وانتهى دور من الأدوار فنهض الرجل الغريب وقال «دقيقة واحدة» وأشار إلي وقال ~~«هل تسمح لي بكلمة». # فدرت حول المائدة إلى حيث هو وأنا لا ادري ماذا يريد مني فمشى بي إلى المرآة وجعل يخرج ~~أصواتا غريبة على سبيل التمهيد للكلام وأنا صابر منتظر لا أقول شيئا على عادتي التي يندر ~~أن أخالفها في حديث لا أعرف اتجاهه ولا مراميه ولا الغرض منه، ولكنه لم يسعني إلا أن أبتسم ~~له كما كان يبتسم لي وإلا كان جمودي جفوة لا داعي لها، فظللنا لحظة هكذا - هو يقول «هه هه» ~~وأنا أقابل قهقهته المضطربة المتقطعة بالابتسام فما ثم ما يدعو إلى القهقهة من ناحيتي ~~وأخيرا استطاع أن يقول لي أن اللعب كله لعب، ولم أكن أظن أنه غير ذلك، ولكنه كان يعني أنه ~~لعب للتسلية وتضييع الوقت وملء الفراغ الذي لا يدري على ما يظهر بأي شيء غير ذلك يشغله وأن ~~الغرض ليس الربح وإن كان كل رابح سيرد إلى إخوانه ما أخذ منهم، فإذا كنت قد رأيت منه ما ~~حملته على محمل آخر كالغش مثلا فهذا تأوليه ولو كانوا يلعبون جادين لكان إخفاؤه الورق ~~وإبداله خفية غشا لا شك فيه، وكنت أنا قد لمحت يده تنزل تحت المائدة بورق ولكني لم أعر ~~الأمر التفاتا لجهلي بالأمر كله فجاء هو يعترف لي أنه كان يغش زملاءه ويزعم أن هذا كان ~~مزاحا والفضل في اعترافه للابتسامة التي لم يكن معنيا بها. # والحوادث ms44 التي من هذا القبيل كثيرة وهي جميعا تبدأ باللجلجة والتلعثم وتنتهي بالاعتراف ~~وسردها جميعا لأن الابتسام يكون مقرونا بوقوع العين في العين وطول التحديق والنظرة القوية ~~الطويلة تسبب الارتباك والاضطراب للمرء، وكون المرء غير مقصود بها هو يكسبها القوة ويطليها ~~لأن المرء يخجل في العادة أن يحدق في وجوه الناس ولكنه يتفق أن يكون ناظرا إلى شيء وراءهم ~~وان يكونوا هم في طريق النظرة فتقع بكل قوتها في عيونهم والناظر إليهم غير شاعر بذلك أو ~~دار بما يصنع أو متنبه للأمر ويطول ذلك على الذي تقع في عينه النظرة فيرتبك ويضطرب ويجد ~~الناظر يبتسم فيدور في نفسه أن شيئا فيه هو الذي يبعثه على الابتسام وأن الناظر لابد أن ~~يكون قد وقف على أمر أو فطن إلى شيء أو أدرك حاله فأغراه ذلك بالابتسام ويقوم في ذهنه أن ~~الابتسام ابتسام سخر وعلم في آن معا وإلا فلماذا يطول ويظل مرتسما على الشفتين، والمعهود ~~أن الإنسان إذا رأى غيره ينظر إليه نظرة من يلاحظ عليه شيئا قدر أن يكون ما لاحظه هو العيب ~~أو الخطأ الذي يعرفه هو من نفسه ويشعر به ولو كان تافها أو خفيفا فأنا مثلا إذا وجدت ~~واحدا ينظر إلى الأرض قريبا مني لم أشك في انه يتأمل ساقي المكسورة العرجاء، وإذا كانت ~~نظرته إلى فوق توهمت مثلا أن عينه على الزرار الناقص من القميص أو الربطة التي قلما تستقيم ~~حول رقبتي أو تكون غير مائلة إلى اليمين أو اليسار هكذا. # والابتسام يكون من العين لا على الشفتين وحدهما، ولمعته في العين هي التي تفيد المنظور ~~إليه معنى الضحك منه أو السخرية به، وميض السرور يحمل على الظن بأن المبتسم وجد ما يبعث على ~~الضحك من النقائص أو الحالات التي لم تكن له في حساب، ولولا هذه اللمعة في العين لصارت ~~النظرة مع طولها قوية جافية وعنيفة صارمة، ولكان الأرجح أن يكون أثرها غير إشعار المرء بنقص ~~فيه أو عيب أو مأخذ، ولكان من المحتمل أن تؤدي ms45 إلى تنويم المنظور إليه إذا كان ممن يسهل ~~التأثير فيهم على هذا النحو، وإذا لم تؤد النظرة إلى التنويم في هذه الحالة فقد تفضي جفوتها ~~وعنفها إلى الفزع والرعب. حدث مرة أني كنت جالسا أفكر، وكنت ذاهلا عما حولي وكنت أنظر ~~أمامي لا إلى شيء والحملاق يكون في مثل هذه الحالات ثابتا، وكانت أمامي فتاة من أقربائي ~~ولم أكن أشعر بها أو أراها ولكن عيني كانت على ما يظهر في عينها، فتنبهت على صوتها وهي تلوح ~~بيديها وتدعوني أن أكف عن النظر لأنها تشعر بالخوف، فدهشت أولا ثم أدركت ما حدث ولا احتاج ~~أن أقول إني حولت عيني فقد تحولت من تلقاء نفسها وبغير جهد مني لأن الأمر كله كان عفوا لا ~~عمد فيه. ومعروف أن قوة النفس كلها تتدفق من العين، ومن هنا كانت العين هي أداة التنويم ~~المغناطيسي، ولن تجد منوما أعمش أو ضعيف البصر أو فاتر الحدقة، لأن ضعف العين يحول دون نفاذ ~~القوة منها والعين مفتاح النفس، فيها تقرأ أكثر المعاني أو الخواطر أو الخوالج أو الإحساسات ~~التي تدور في الرأس أو النفس، ومن العين تتلقى النفس أكثر ما تتلقاه من وقع الحياة، فتأثير ~~العين في العين يكون كأنه تأثير في النفس مباشرة بلا واسطة. فلا تستغربوا أن يكون الابتسام ~~في وجه إنسان مع طول النظر إليه ولو عن قصد مؤديا إلى ارتباكه واضطرابه ومغريا له بأن ~~يتقدم إليك ويبدأك بالكلام فإن هذا أشبه بأن يكون وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس ليخلص من ~~حالة تثقل عليه ولا يكاد يطيق الصبر عليها والثبات لها وليكسر من حدة النظر بتحويلها، ولا ~~عجب إذا انتهى الأمر به إلى شيء من الاعتراف. # وكما يتفق أن أضايق الناس بنظراتي وابتساماتي وانا غير مدرك لذلك يتفق أيضا أن يضايقني ~~الناس بمثل ذلك، ولكن وسيلتي إلى الدفاع عن نفسي والتخلص من ثقل هذه النظرة والابتسامة ليست ~~الاعتراف، بل وسيلتي أن أقابل المثل بالمثل. فإذا كان ينظر إلي ويحدق في عمدت إلى وجهه ms46 ~~فأوسعته تحديقا وحملقة حتى يخجل ويرد عينه ويقعد كسائر خلق الله، وإذا كان يبتسم لي ابتسمت ~~لد وزدت وبالغت وذهبت أوسع له شفتي حتى أبلغ بطرفيهما شحمتي الأذنين فيستغرب وينكر هذا ~~المنظر القبيح الذي أقابله به ويتجهم ويزوي ما بين عينيه، فاضطجع في مقعدي وأقول لنفسي هذا ~~أحسن، وأرضى عن نفسي. والمثل يقول إنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأنا أعمل بهذا المثل ~~فالذي يبتسم لي أبتسم له والذي يحملق في وجهي أو عيني أحملق في وجهه أضعاف ما يفعل فمن كان ~~لا يريد أن ينتهي به الأمر إلى الاعتراف للناس بما فيه فعليه بتقليدي فسيحمد النتيجة ويرضى ~~عن العاقبة. # الفصل العاشر # لعب الطاولة # ليس لي شغف بالألعاب، فإن حياتي كلها لعب: فما حاجتي إلى لعبة معينة على الخصوص. ولكن لي ~~إخوانا ألقاهم في حيث ألفوا أن يكونوا - أي في القهوات - وليس من العدل أن أكرههم على أن ~~يلقوني في حيث أحب أنا وأوثر ولأن ينتقل واحد إلى جمع أيسر من أن ينتقل جمع إلى واحد. ولست ~~أعرف عملا لرواد القهوات إلا أن ينظروا إلى المارة وهم مقبلون ومدبرون فإذا اتفق أن كانت ~~الصفوف الأمامية مزدحمة ولا محل لطالب الجلوس إلا في الداخل، فماذا يمكن أن يكون علمه إلا ~~قراءة الصحف - إذا كان وحده - أو تدخين «الشيشة» - أو كما تسمى أيضا «الأرجيلة» ~~و«النرجيلة» - ولعب الطاولة أو الشطرنج أو «الدومينو» فأما الشطرنج فيحتاج إلى عقل يكده ~~اللاعب، وهو لم يجيء إلى القهوة ليتعب بل ليتسلى. وأما «الدومينو» فآفتها الحساب، فلم يبق ~~إلى الطاولة يفتحها الصديقان ويقبلان عليها ليخرجا به امن الصمت الثقيل، وليختصرا الوقت ~~الذي يريانه أطول من أن يحتمل وإن كانت شكواهما - كغيرهما - أن العمر في هذه الدنيا قصير، ~~أو ليتقيا الحديث في أمر نافع أو جدي. # ولم أجد إلى الآن لاعبا للطاولة أستريح إلى منازلته وأفيد متعة من ملاعبته، فهذا واحد لا ~~يحلو له أن يروي قصة حياته إلا وهو يلعب! وتكون قد حمست وكبر أملك في الفوز، فتضطر ms47 أن تضطجع ~~وتصغي، أي أن تدع حماستك تفتر ودمك يبرد. وليته مع ذلك يقص حكايته ويفرغ منها فإن البلاء ~~أنه يقطع الحديث ويقول لك: «دوري يا سيدي. شيش بيس.. خذ» ويلقي إليك حجرا «مضروبا» أو ~~يضعه لك في كفك تأكيدا لاغتباطه بسوء حظك فتتمنى لو وسعك أن تقذف بالحجر.. فلا أنت سمعت ~~القصة، ولا أنت مضيت في اللعب بالروح التي كانت مستولية عليك. وليس هذا لعبا وإنما هو.. ~~هو.. لا أدري ماذا أسميه، أو كيف أصفه، فقل أنت فيه ما تشاء! # وثان لا يلاعبك إلا برهان، وهذا ضرب من القمار لا أطيقه، وقد حاول كثيرون من إخواني أن ~~يعلموني لعب الورق فأخفقوا - أو أخفقت أنا على الأصح - وماذا عندي مما يمكن أن أقامر به غير ~~حياتي؟ وأقول لصاحبي (هذا قمار فالعب بغير رهان) فيقول: (قمار؟ استغفر الله. هذه تسلية. ~~زيادة تصلح بها روح اللعب، فيصبح أحمى وأمتع فأصر وأقول (كلا. إذا أردت اللعب فليكن بغير ~~رهان) فلا ينهزم ويقول (قرش واحد!) فأقول: (ولا مليم) فيهز رأسه آسفا ويقبل. # ونشرع في اللعب ويتفق أن يؤاتيه الحظ فيضيق علي الخناق ويعظم أمله في النصر فيميل على ~~الطاولة ويقول «ما رأيك؟ هذا الدور لي أم لك؟» فأدير عيني في مواضع الحجارة فلا أرى داعيا ~~لليأس فأقول «إني أرجو أن يكون الدور لي» فيقول «حسن.. تراهن؟» فأقول محتجا «رجعنا؟ لا يا ~~سيدي» فيقول «إذا كنت واثقا من الفوز، فماذا يمنعك أن تراهن؟» فأقول «لست واثقا.. ثم إن ~~الأمر عندي مرجعه إلى كراهتي للقمار، لا للخوف من الخسارة «فيتنهد آسفا على الفرصة التي ~~أضعتها عليه ببلادتي وجمودي. # وثالث لا يترك الأمر للحظ كما هو الواجب في لعبة كهذه بل «يقرص كما يقولون - أي يسوي» ~~«الزهر» واحدا فوق الآخر ثم يلقيهما برفق وتؤدة لتجيء الأعداد أو الأرقام التي يطلبها وهذا ~~شيء لا يليق لأن مؤداه أن ملاعبك قد وثق من الفوز بالغة ما بلغت قدرتك ومهارتك وبراعتك في ~~اللعب ولا أدري أية متعة يستفيدها المرء من ms48 «القرص» إلا إذا كانت المتعة هي التنغيص عليك. # وأعوذ بالله من لاعب لا يزال يحوجك إلى النهوض عن كرسيك لتبحث عن «الزهر» الذي قذف به لا ~~تدري أين وتمضي دقائق في البحث والتحديق وأنت منحن - تحت الكراسي وبين أرجل الناس الذين لا ~~تعرفهم. وكثيرا ما يتفق أن يكون «الزهر» الضائع في طية البنطلون. وليس بالنادر ألا تجده لا ~~انت ولا صاحبك فتصفق ليجيئك عامل القهوة «بزهر» جديد. وقد يكون العامل سمجا أو قليل العقل ~~فيروح يبحث أولا، وتنقضي دقائق أخرى وأنت تتبعه بعينك. ثم يجيء «الزهر» الجديد فيتناوله ~~صاحبك - لأن هذا دوره - ويقلبه في كفيه ويقول «لا. هذا كبير.» أو لا هذا صغير «فيضيق صدرك ~~وتقول» يا أخي العب. كله زهر وتستأنفان اللعب فتزهق روحك لأن صاحبك ممن يأبون إلا أن يقدروا ~~كل احتمال، ويحسبوا كل حساب، ويحتاطوا لكل أمر، كأنما صار مصير العالم رهنا بهذه اللعبة، ~~فينفد صبرك وتقول له «يا أخي العب» فيقول «حلمك يا سيدي.. بقى إن سحبنا هذا «القشاط»؟ من ~~يدري؟ ربما ضربنا وعطلنا. طيب.. وإذا خرجنا فماذا يكون؟ والله هذا أحسن. أقول لك.. ننتظر ~~ولا نخرج.. نسد عليه هنا.. لا والله.. الخروج أحسن.. لكن يمكن يساعده الحظ فماذا يكون ~~العمل؟» وهكذا إلى غير نهاية. # وشر من هذا الذي يعقب على كل لعبة منك بالاستحسان أو الاستهجان ولا ينفك يقول لك «كان ~~أولى أن تصنع كيت وكيت» فتقول «ومالك أنت؟ أنا المسئول عن لعبي وأنا الذي يخسر لا أنت» ~~فيقول «لا يا سيدي، المسألة هي أن اللعب مع غير الحاذق لا لذة فيه». # وقد لا يكتفي بالتعليق والتعقيب، بل يحاول أن يلعب لك لعبك، ويردك عما تريد، أو ما تهم ~~به، من تنقيل الحجارة على الوجه الذي يبدو لك، وينقلها هو لك على هواه وأولى بمثل هذا أن ~~يلاعب نفسه، ولكن لذته هي أن يفرض عليك إرادته، مدعيا أن هذا هو ما يقضي به الفن، وأن ~~الغيرة على الفن لا تسمح له بالتساهل، ويتركك تخلط وتغلط ms49 وتخالف الأصول. # وآه لو وقعت مع واحد من المبتدئين لا يزال يعد - ويشير أيضا - بإصبعه في كل لعبة. وآه ~~وآه وآه - ثلاث آهات طويلة يمتد بها النفس إلى الليلة التالية من المغالط الذي يدعي أن ~~الرقم خمسة وأربعة، على حين رأيته بعينيك ثلاثة وستة. ويزعم أنه جاء بالحجر من هنا وهو قد ~~جاء به من آخر الدنيا، وتراه «أكل» أربعة، فتنظر إليه عاتبا فيبتسم، ولا يتلعثم، ويرفع بين ~~إصبعيه حجرا ويقول لك «والله ما أكلت إلا واحدا فقط» فلا تستطيع أن تقول له إنه كاذب ~~ويعييك أن تدرك الباعث على هذه السرقة في لعبة يراد بها التسلية وتزجية الوقت ليس ~~إلا. # وأحيانا يحلو لصاحبك أن يمازحك. ولكن أي مزاح فيتلف لك أعصابك ويطير عقلك. لأنه يزيغ بصرك ~~بكثرة عبثه «الظريف» ويا ويلك ممن يغضبه أن يرى نفسه مشفيا على الهزيمة فيعيث بيديه في ~~الحجارة ويفسد نظامها وترتيبها، ويغلق الطاولة في وجهك، ثم يلويك ظهره أو جنبه، ويضع رجلا ~~على رجل - أعني ساقا على ساق - وهو لا يبرطم بما لا يسرك أن تسمع، وقد ينهض ويتركك بلا ~~كلام أو سلام. # ومن بلاء الطاولة أنها تجمع عليك الناس، ويندر أن يكونوا ممن تعرف، فتراهم قد التفوا بكما ~~- والبعض جالس والبعض واقف ينظرون ولا يسكتون ليهون احتمالهم، بل يستجيدون أو لعبك ~~يستضعفونه، بصوت مسموع، وقد يراهنون عليكما كأنما أنتما جوادان في ميدان السباق. # فتسمع أحدهم يقول «أنا أحط على هذا (ويشير إليك فما يعرف اسمك) ريالا. تجي يا ~~ألفريد؟». # فتسمع ألفريد يقول «يكفي نصف ريال ...». # فيلتفت الأول إلى غيره ويقول «تجي يا جاك؟» # فيمط جاك بوزه ويقول: «لا ما يستاهل». # فتعلم أنك لا تساوي مليما في رأي جاك، وأنك من الجياد التي لا تستحق المخاطرة عليها بمال ~~ولو قل. # ومن المستحيل أن يستطيع أحد أن يصف لعب الطاولة، وكيف كسب دورا أو خسره «ولكن بعضهم ~~يتكلف ذلك ويحاوله ويقول لك كلاما لا يمكن أن تفهم منه شيئا، أو تعرف له مدلولا. وأمثال ~~هذا ms50 ليس من سوى الإلحاح في المقاطعة، واللجاجة في إسكاتهم يما أقول أنا. يبدأ الواحد منهم ~~وصفه الذي لا يصف شيئا فأشعر - سلفا - أن رأسي تحطم فأقول «اسمع.. حدث أمس شيء ~~غريب». # فيقول «وبعد ذلك ضربته وهربت وسددت عليه..». # فأقاطعه وأقول «كنت راكبا الترام رقم 70 (وليس ثم ترام بهذا الرقم، ولكن هذا لا يهم لأن ~~المراد هو أن أتكلم بأي كلام والسلام) فجاءت فتاة صغيرة لا شك أنها من تلميذات المدارس فقد ~~كانت تحمل حقيبة..». # وأسكت لآخذ نفس، فيغتنم الفرصة ويقول «ثم يا سيدي بدأت الأكل.. أكلت.. أكلت..» فأعود إلى ~~المقاطعة وأقول «وكان الترام مزدحما فوقفت لها لتجلس في مكاني.. الأدب واجب أليس ~~كذلك». # فيقول «وظللت آكل حتى..». # فأسرع فأقول «فشكرتني برقة، الحقيقة إنها فتاة مؤدبة. هنا حدث شيء عجيب فقد وقف الترام في ~~محطة اختيارية من غير أن يطلب أحد من الركاب ولا من الواقفين على الرصيف». # ويشعر هو أن لا فائدة في محاولة التغلب علي فيضطجع وينظر إلي شزرا، ويخرج سيجارة ~~ويشعلها، ويروح يدخن غير ملتفت إلي، أو عابئ بي، ولكني لا أدعه يهملني مخافة أن يستأنف ~~الوصف الذي قطعته عليه، فأقول «سامع؟ حدث شيء أغرب. سار الترام بسرعة ومررنا بمحطات كثيرة ~~لم نقف عليها لا بل وقعنا فيها كلها، وأخيرا وصلنا إلى الموسكي.. أعني المغربلين.. بعد ربع ~~ساعة من قيامنا.. أليس هذا جميلا؟ ما قولك؟ ألا تقول شيئا؟ # فيقول «شيء بديع جدا». # فأقول «أشكرك.. ليلتك سعيدة». # فيقول وهو معبس «سعيدة». # وأنهض منصرفا وقد نجوت من الوصف. # كلا. لن ألاعب أحدا الطاولة. وإذا شاء إخواني أن ألقاهم فليكن في مكان لا طاولة ~~فيه.. # الفصل الحادي عشر # الأدب وتحصيله # عرفنا القراءة والإطلاع ونحن تلاميذ في المدارس الثانوية؛ وأدع غيري وأتحدث عن نفسي فأقول ~~إن مواردي كانت محدودة جدا؛ وكان حسبي أن أؤدي نفقات التعليم. وكنت أحمد الله إذا وجدت بعد ~~ذلك قرشا في اليوم. # وكان فريق منا يعني بأن يحضر دروس الإمام الشيخ محمد عبده، والشيخ سيد المرصفي، وانتقلنا ms51 ~~إلى التعليم العالي، وكتب الله لي - على خلاف ما كنت أريد - أن أدخل مدرسة المعلمين العليا، ~~فكان مرشدي فيها وأستاذي، زميلي وصديقي الأستاذ عبد الرحمن شكري، فقد كان شاعرا ناضجا ذا ~~مذهب في الأدب يدعو إليه، وكنت أنا مبتدئا، فصرفني عن البهاء زهير وابن الفارض وابن نباتة ~~ومن إلى هؤلاء، ووجهني إلى الأدب الجاهلي والأموي والعباسي، ودلني على ما ينبغي أن أقرأ من ~~الأدب الغربي. وكانوا ينقدوننا في هذه المدرسة بضعة جنيهات في الشهر: ثلاثة في السنة ~~الأولى، وأربعة في الثانية والثالثة، فكنت أقسم هذه الجنيهات قسمة عادلة، فأدفع للبيت نصفها ~~وأستأثر بالنصف، وأذهب إلى مكتبة فأنتقي منها «مؤونة الشهر». وكنت أعود إلى البيت بهذا ~~الحمل فتسألني أمي، «أنفقت فلوسك كلها! وتظل طول الشهر تقول لي: هاتي! هاتي أي تدبير ~~هذا؟» # فأقول: «يا أمي.. لك مؤونتك من السمن والعسل والأرز والبصل والفلفل والثوم، ولي مؤونتي من ~~المتنبي والشريف الرضي والأغاني وهازليت وتاكري وديكنز وماكولي؛ ولا غنى بك عن سمنك وبصلك ~~ولا بي عن هؤلاء؟» # فتبتسم وتقولي: «طيب..» وتدعو لي بالتوفيق. # وكنت أشتري ديوان الشعر ورقا، أعني بغير غلاف أو تجليد، ليتسنى لي حين أخرج من البيت أن ~~أحمل معي ملزمة أو ملزمتين، أقرأ فيهما وأنا جالس في مقهى، أو إذ أتمشى على شاطئ النيل. ~~وكان حديثنا إذ نجتمع في الأدب والكتب؛ وكانت رسائلنا التي نتبادلها في الصيف حين نتفرق لا ~~تدور إلا على ما نقرأ؛ وكان أحدنا يلقى صاحبه في الطريق اتفاقا فيقول له: «لقد عثرت على ~~كتاب نفيس بغلاف فتعال نقرأه» لا يدعوه إلى طعام، أو شراب، أو سينما، أو لهو، بل إلى قراءة ~~كتاب وكان كل من يقع على كتاب قيم يخف به إلى صاحبه فينبئه به ويلخصه له ويحضه على اقتنائه. ~~وكان أساتذتنا في مدرسة المعلمين يحثوننا على التحصيل وييسرون لنا أسبابه، ما وسعهم ذلك، ~~فلما تركنا المدرسة وفرغنا من الطلب «الرسمي» كنا قد عرفنا أمهات الكتب في الأدبين العربي ~~والإنجليزي؛ وغيرهما أيضا من الآداب، ودرسنا أكثر ms52 شعراء العرب والغرب، وكان لكل منا مكتبته ~~الخاصة المتخيرة. # وتزوجت وفي صباح ليلة الجلوة ودخلت مكتبتي ورددت الباب وأدرت عيني في رفوف الكتب، فراقني ~~منها ديوان «شيللي» فتناولته وانحططت على كرسي وشرعت أقرأ ونسيت الزوجة التي ما مضى عليها ~~في بيتي إلا سواد ليلة واحدة وكانوا يبحثون عني في حيث يظنون أن يجدوني - في الحمام - وفي ~~غرفة الاستقبال وفي «المنظرة - حتى تحت السرير بحثوا، ولم يخطر لهم قط أني في المكتبة لأني ~~(عريس) جديد لا يعقل في رأيهم أن يهجر عروسه هذا الهجر القبيح الفاضح وكانت أمي في (الكرار) ~~أو المخزن تعد مالا أدري لهذا الصباح السعيد فأنبأوها أني اختفيت كأنما انشقت الأرض ~~فابتلعتني، وأنهم بحثوا ونقبوا في كل مكان فلم يعثروا لي على أثر، فما العمل؟ # فضحكت أمي وقالت: ليس في كل مكان - اذهبوا إلى المكتبة فإنه لا شك فيها. # فقالت حماتي وضربت على صدرها بكفها: في المكتبة؟ يا نهار أسود! هل هذا وقت كتب وكلام ~~فارغ؟ # فقالت أمي بجزع، اسمعي.. كل ساعة من ساعات الليل والنهار وقت كتب.. افهمي هذا وأريحي ~~نفسك، فإن كل محاولة لصرفه عن الكتب عبث. # فقالت حماتي: «لو كنت أعرف هذا ... مسكينة يا بنتي ... وقعت وكان ما كان». # فقالت أمي: «هل تكون مسكينة إذا وطدت نفسها على هذه المعرفة؟ ويحسن أن تكبحي لسانك، وأن ~~تدعي الأمر لبنتك فإنه من شأنها». # فلم تكبح لسانها بل قالت: «لو كانت ضرة.. لكان أهون!» # فقالت أمي: (إنك حمقاء.. وليس في الأمر ما يحوج إلى هذا الهراء ... اذهبي إليه وناديه ~~...». # فارتدت إلي، وفتحت الباب علي، وكنت ذاهلا، فلما شعرت بالباب يفتح أزعجني ذلك، فأشرت ~~إلى الداخل أن يرجع من غير أن أنظر إليه وكنت مقطبا وكان لساني يخرج أصواتا كهذه: «شش! ~~شش». # فخرجت المسكينة وأغلقت الباب، وذهبت تقول لأمي والدموع تنحدر من عينيها إني طردتها وصحت ~~بها: (هشش!) كما يصاح بالدجاج؟ # وقد عرفت هذا كله فيما بعد فطردتها، لأني خفت أن تخرب لي البيت؛ ثم إني تزوجت بنتها، ولم ms53 ~~أتزوجها هي، فما مقامها عندي ولها بيت طويل عريض وزوج كريم؟ وكان رأي بنتها فيها مثل رأيي، ~~فلم يسؤها مني ما فعلت. وأراحنا الله من دوشتها ولكن زوجتي كانت تقول إلى آخر أيام حياتها ~~رحمها الله: «ليس لي ضرة سوى هذه الكتب» - كانت تقولها مازحة، فقد راضت نفسها على احتمال ~~هذا الجنون مني، واستطاعت أن تدرك أنه ليس لها ولا لسواها حيلة، وأن في الوسع صرفي عن أي ~~شيء إلا عن الكتب والدرس. وياما أذكى المرأة!! تكون لها حاجة تريد مني قضاءها، وتخشى رفضي ~~وعنادي، فتكتمها ولا تكاشفني بها، وتنتظر حتى تراني غارقا في كتاب، وذاهلا به عن الدنيا، ~~وآية الذهول أن تدخل مرات فلا أشعر بها. فتقبل علي وتلاطفني وهي عارفة بما سيكون مني فأعبس، ~~كما كانت تتوقع، فتقول كلمة واحدة.. لن أعطلك..». # فأقول متململا متأففا: «لا حول ولا قوة إلا بالله! قوليها يا ستي ولا تعطليني» فتطيل ~~عامدة لتضجرني: كلمة واحدة بس.. لماذا تغضب هكذا؟ ألا يتسع صدرك لكلمة ليس إلا؟» # فأكاد أجن وأقول: «يا ستي قوليها، وأريحيني!» # فتقول: «المسألة الفلانية..». # وأنهض وأمضي بها إلى الباب وأنا أقول: اصنعي ما تشائين. كل ما بدا لك اصنعيه، ولكن لا ~~تعطليني.. أنا محتاج لعقلي كله الآن.. ألا تفهمين؟ هذه نسخة مخطوطة، منسوخة.. من ديوان ابن ~~الرومي.. نسخها حمار كلها غلط وتحريف وتصحيف.. ليس فيها بيت واحد له معنى. فكيف يمكن ~~أن.أصلح غلطة واحدة إذا كنت تطيرين لي عقلي بالفساتين والخياطة والركامة..؟؟» # فتبتسم، فقد بلغت سؤلها، وتعدني أن تحرس هذا الباب فلا تترك أحدا يدخل منه أو ~~يقربه. # ومن العناء الذي تكلفته أني اشتريت الأغاني الذي طبعه «الساسي» - اشتريته ورقا على ~~عادتي، فكنت أراجع الأبيات التي ترد فيه، في دواوين الشعراء أو كتب الأدب الأخرى، فأصلحها ~~أو أتمم القصيدة - أنسخ ذلك في ورقة وألصقها في الكتاب، وكلما فرغت من جزء جلدته، وقد أصبح ~~ضعف ما كان وهذا هو الكتاب الوحيد الذي بعته بأضعاف ثمنه، فقد اشتريته بمائة قرش وخمسة ~~قروش، فلما ms54 بعت مكتبتي في سنة 1917 أو 1918 - لا أذكر - ابتاعه مني وراق بخمسين وسبعمائة ~~قرش، وقد ندمت علي بيعه، فما أستطيع أن أصنع الآن ما صنعته قديما، ولكن العناء الذي تكبدته ~~نفعني، فقد أحوجني إلى مراجعات لا آخر لها، وأطلعني على ما كنت خليقا أن أخطئه فيفوتني ~~العلم به. # وأنا مع ذلك أقل الثلاثة - العقاد وشكري - إطلاعا وصبرا على التحصيل. وأدع للقارئ أن ~~يتصور مبلغ شرههما العقلي، ولا خوف من المبالغة هنا، فإن كل ظني دون الحقيقة التي أعرفها ~~عنهما. وأنا أجتر كالخروف، ولكنهما يقضمان قضم الأسود، ويهضمان كالنعامة، فليتني ~~مثلهما. # الفصل الثاني عشر # هل كانت أسعد لحظة ~~«ذكرى لا يخلو السرور بها من عرق من الأسى والأسف..!» # من الصعب أن يقول المرء إن هذا اليوم، أو هذا الحادث، كان أسعد يوم أو حادث في حياته، لأن ~~الشعور بالرضى، والسكينة، والاغتباط - وذلك غاية ما يحق للمرء أن يطمع فيه - ليس رهنا بما ~~يتفق أن يقع للإنسان، ليس إلا، بل كذلك بنوع تلقينا له، وبحالة العقل، والنفس، والإرادة، ~~فالمسألة في الحقيقة نفيسة. وما من شيء بمجرده يعد خيرا أو شرا في ذاته، وإنما يكون كذلك ~~بأن يدخل في نسيج حياتنا العقلية، وبأن يأخذ لون مزاجنا ونزعتنا، وبأن تطبعه الإرادة ~~بطابعها. # وكثيرا ما تكون ذكرى الشيء أبعث منه على الرضى أو السخط، لأنك حين تلقى ما تلقى، تشغل ~~به، ولكنك بعد ذلك تكون في فسحة من أمرك، فتستطيع أن تحضر إلى نفسك، ما كان على مهل، وأن ~~توحي إليها أيضا، أو تعمق هذا الشعور، إذ ذاك. مثال ذلك أن يشتد بك الظمأ، والوجد بالماء، ~~حتى إذا وجدت الماء كرعت منه كرعة روية، ولا هم لك إلا إطفاء الحرقة، ثم تتذكر بعد ذلك ~~بقليل أو كثير كيف جف لسانك، وعصب ريقك، وكيف كانت لهفتك على قطرات، وكيف كان الشراب البارد ~~في فمك، وكيف تشهدت، ورضيت، وحمدت الله! # وأنا ذاكر في هذه الكلمة حادثا لا يزال مائلا حاضرا، بعد أن مضى أكثر من أربعين ms55 عاما، ~~وكنت يومئذ طفلا في العاشرة أو الحادية عشرة، وكانت عادتنا أن نقضي إجازة المدرسة - في ~~الصيف - في بيت جدي لأمي في حي الإمام الليث بن سعد، وعلى مقربة من «عين الصيرة».. وكان ~~جارنا له بنا صلة قرابة، وكان أنيقا رقيق الحاشية، وفي سعة من الرزق، وكانت امرأته كريمة، ~~وكان لها «فنوغراف» من الطراز القديم - وكان جديدا يومئذ - فكنت أذهب إلى بيتها، وأجلس ~~أمام البوق كما يجلس في الصورة «الكلب» يسمع صوت سيدة! فأسمع غناء عبد الحامولي، وعثمان، ~~والشيخ يوسف المنيلاوي وغيرهم. # ودعانى جارنا هذا يوما إليه، وقال إنه سيأخذنى معه إلى رحلة قصيرة إلى بلدته، وأمرنى أن ~~أستأذن أمى، فأذنت، ولفت لى «جلابية» فى ورقة. # وأوجز فأقول إننا ذهبنا إلى البلدة - وهي في مركز طنطا - وتغدينا عند العمدة، وألح الرجل ~~أن نقضي الليلة عنده، وأصر الشيخ الشاب الذي صاحبته أن يعود إلى طنطا، فعدنا بعد العشاء ~~بقليل، والعمدة والخفراء معنا وحولنا، وكان الشيخ يمتطي جوادا، وأنا على ظهر حمار هزيل. ~~واعترضنا قناة ضيقة، فتخطاها قريبنا بسهولة، وما كاد يفعل حتى أصابه طلقان، فأردياه على ~~المكان. # وأوجز مرة أخرى فأقول إن التحقيق لم يسفر عن شيء سوى أن الفاعل مجهول! ولكن قريبنا القتيل ~~كان ابن شيخ جليل من المتصوفة، فتناولت الصحف الموضوع - جريدة الظاهر تهاجم، وجريدة المؤيد ~~تدافع. وعاد البوليس يجد في البحث، والعمدة معه، فضبطت بندقيتان مطمورتان في مكان الحادثة، ~~ووجد اسم أحد الأعيان محفورا عليهما، فاستؤنف التحقيق، وقدم هذا العين واثنان من رجاله إلى ~~المحاكمة. # وذهبنا جميعا إلى طنطا - الشيخ الصوفي الجليل وآله ومريدوه، وأنا معهم ونزلنا في بيت ~~(الليثية) وهو قريب من المسجد الأحمدي، وهو بيت كان له شأن غريب في ذلك الزمان. فقد أوقفه ~~صاحبه (الليثية) أي المتصوفة من أتباع الشيخ الليثي - نسبة إلى الإمام الليث بن سعد - فإذا ~~احتفل بمولد السيد أحمد البدوي، فتح البيت على مصراعيه لليثية ولكل طارق.. يتلون القرآن، ~~ويقيمون الأذكار، ويقرأون الأوراد - وقد حفظت من ذلك كثيرا - ويأكلون وينامون، والخير ~~كثير، ms56 ولا يعلم أحد من أين يجيء، والبركة في المحبين والمريدين. # وذهبنا إلى المحكمة، وتخلف الشيخ الكبير في مقهى قريب من البيت، وكانت الدائرة برئاسة ~~قاسم أمين بك، وكان يتولى الدفاع إبراهيم الهلباوي بك، وكان وكيل المدعي بالحق المدني أحمد ~~عبد اللطيف بك، وكانت هذه أول مرة أرى فيها هؤلاء الثلاثة الفحول. # وصدر الحكم بالأشغال الشاقة على العين ورجليه، وبألف جنيه. ونهض قاسم بك وزميلاه، وإذا ~~بأحد الرجلين يضرب عمامة العين ويصيح: (كده خربت بيتنا؟) فابتسم قاسم بك! # وقفزت من النافذة؛ فقد كان الزحام شديدا، وذهبت أعدو إلى الشيخ لأبلغه وأهنئه، ويظهر أنه ~~كان يتوقع ما كان، فقد أعد طشوتا أذاب فيها السكر مع الماورد، وجاء صاحب المقهى بالأكواب ~~من كل صنف وحجم، وتوليت أنا أن أسقي الناس هذا السكر، وكنت أصيح بكل عابر وأدعوه أن يشرب. ~~وكلما فرغ طشت جئت بغيره! # ومازلت أذكر فرحتي يومئذ. ولو أن أحدا سألني وأنا واقف على رصيف المقهى أملأ الأكواب ~~وأقدمها إلى الناس، ولا أكاد أستقر على قدمي، عن سبب فرحي، لكان الأرجح أن أعيا بالجواب. ~~ولكني أعلم الآن أنها كانت فرحة امتزج فيها الحزن على القتيل، بالاغتباط بإمضاء حكم العدل ~~في الجناة، وباشتفاء النفس بفضل القضاء بعد طول اليأس قبل الاهتداء إلى القتلة. # فهي ذكرى - كما ترى - لا يخلو السرور بها من عرق من الأسى والأسف، ولعل كل شعوري بالسعادة ~~كذلك - مزيج من عناصر شتى بعضها أقوى من بعض! # والله، وغيري، أعلم. # الفصل الثالث عشر # ظمأ النفس إلى المعرفة # من ديوان المازني # أحس كأن الدهر عمري وأنني # أخو مغرق الأرضين بالفيضان # أقلب طرفي في السماء كطرفه # وأرصد ما رعاه قبل زماني # كلانا على بعد المسافة بيننا # تلاقى على ألحاظه القمران # وأقرأ في صحف السماوات أسطرا # منهن دنا خفاقة اللمعان # تخذت فضاء الله مثوى لخاطري # ليشرد في الدنيا بغير عنان # يمر به مر البروق وينثني # وقد جهدته حدة الطيران # أعالج سرا لا يماط حجابه # ومأرب قلبي ذلكم وجناني # وسعت لغات الريح والبحر خبرة # وكل ms57 شهاب لامع الخفقان # ولكنه ما خير علمي وكلها # ضموم على السر المغيب حاني # سئمت شرود الفكر في غامض الفضا # وهيض جناحاه من النهضان # وعادت إلى النفس مهدودة، القوى # تئن من الإسفاف والشولان # تحن إلى ظل من الرخووارف # وطول جمام رافه وليان # ومن لي بأن لا ترفع العين لحظها # ولا تجتلي في الناس أي هوان # غرضت بملك واسع لا يحده # سوى أفق دان وليس بدان # أروني قيدا يعرق الجسم مسه # ويضوي كأضلاع على حوان # الفصل الرابع عشر # الإيحاء والسرقة الأدبية # أبدأ بسؤالي عن الإيحاء ما هو؟.. # وسأحاول تبسيط الجواب واجتناب العبارات العلمية التي لا تساغ. فلا يؤاخذني العلماء ~~الأجلاء فإني لست منهم وكلامي ليس موجها إليهم فإن بهم غنى عنه. وأقول بإيجاز السؤال إن كل ~~حركة مبعثها الإرادة وإن الإرادة تؤدي إلى بذل الإنسان لجهود يشعر بها ويدرك مداها، والغاية ~~منها، أو لا يشعر ولا يدرك، فإذا كان الباعث على هذا المجهود مصدره النفس، كانت الإرادة ~~شخصية، أما إذا كان المجهود مبعثه إرادة شخص آخر، أو بعبارة أخرى إذا جعل الإنسان نفسه طوع ~~إرادة غيره وهن عقله أو عواطفه ففي هذه الحالة يقال أن أعماله موحى بها إليه أو أنه يعمل أو ~~يفكر أو يحس بتأثير الإيحاء من الغير. # وأوضح مظهر للإيحاء هو التنويم المغناطيسي. وبعض الناس طبيعته «هستيرية» فيسهل تنويمه، أي ~~التأثير في أعصابه وإخضاعها لإرادة الموحي أو المنوم. ولا أدري هل جرب أحد من القراء ~~التنويم أو لم يجربه، ولكني أذكر بعض ما اتفق لي في هذا الباب بمحض المصادفة، فإني لا أشغل ~~نفسي بهذا. # كان عندي خادم، وكان بيتي يومئذ في الصحراء، فحدث يوما أن كنت نازلا لأخرج وكان شيء ~~يشغلني - لا أذكر الآن ماذا كان - فوقفت على رأس السلم وأنا شارد الذهن ويدي على الدرابزين ~~وعيني تحدق في لا شيء - وأقول على الهامش إن لفظ الدرابزين صحيح وليس عاميا - ويظهر أن ~~حملاق العين كان ثابتا والنظرة قوية أو حادة. وكان الخادم واقفا على باب غرفته، ولكني لم ms58 ~~أكن أرى سوى شبحه من فرط ذهولي واستغراق خواطري، وإذا بي أرى هذا الشبح يتمايل، ويهم ~~بالسقوط فتنبهت وأسرعت فانحدرت إليه لإدراكه وسألته: مالك؟ مريض؟.. فلما استطاع أن يتكلم ~~قال إني كنت أنظر إليه فدار رأسه وغامت الدنيا في عينه. # ولم أكن أنظر إليه ولكن عيني على ما يظهر كانت واقعة في عينه، وكانت النظرة ثابتة حادة. ~~فمضيت وأنا أفكر في هذا، وتذكرت حوادث كثيرة من هذا القبيل جرت لي. منها أن زوجتي دخلت علي ~~مرة وأنا مضطجع أفكر فوقفت أمامي لحظة وأنا من ذهولي لا أراها. ثم خرجت مضطربة فزعة تقول ~~إني «أزغر» لها. ومنها أن تلاميذ لي - أيام كنت مدرسا - كانوا إذا بادلتهم النظر لا يطرفون ~~ولا يستطيعون أن يحولوا عيونهم عني. ومنها أن فتاة من أقربائي صاحت بي مرة «لا تنظر إلي ~~هكذا فإني خائفة». وما كنت أراها وأنا قاعد ولا كان نظري إليها فيما أعرف أو أشعر. # وأوجز فأقول أنه خطر لي أن هذا الخادم يسهل تنويمه وإن كنت لا أعرف عن التنويم إلا ما ~~قرأت عنه في الكتب. وقد كان.. نام الخادم فقلت له: «لا تقم من النوم إلا بعد صلاة الجمعة» ~~وتركته وخرجت، وتوخيت أن أرجع بعد الصلاة مباشرة، فإذا به يفرك عينيه ويقوم متثائبا وينهض ~~في فتور. وسألت عنه فقيل لي إنه كان نائما فتركوه. # فقلت أجرب تجربة أخرى. فأمرته وهو نائم أن يذهب في ساعة معينة بعد ثلاثة أيام إلى مكتبي ~~في الجريدة التي كنت أعمل فيها ويفتح الدرج الثالث من اليمين ويجيئني بكل ما فيه من الورق ~~ولما كان مفتاح المكتب في جيبي فإن عليه أن يأخذه من جيبي قبل الذهاب. وفي اليوم الثالث ~~وقبيل الساعة المعينة أخذ المفتاح واختفى ثم عاد وألقى إلي بالورق. وكان غبيا فلما أبديت ~~له الاستغراب وألححت عليه بالأسئلة اعترف لي بكل ما فعل ولم يستطع أن يعلل إقدامه على ذلك ~~وراح يبكي ويسألني الصفح فأغضيت فما له ذنب. وكنت قد قرأت أن مجرد التلميح يكفي ms59 في الإيحاء ~~إلى النائم، وأنه ليس من الضروري أن يتخذ الإيحاء صيغة الأمر الصريح، وأنه يكفي أن تظهر ~~أمرارات السرور فإذا بالنائم يشرق وجهه، أو تبدى الحزن فإذا هو يبكي أو تنقبض أسارير وجهه . ~~فقلت أجرب هذا ما دامت الفرصة قد أتيحت لي. فنومته مرة وناولته كوب ماء - كما قرأت في ~~الكتاب تماما - وقلت له اشرب هذا النبيذ فبدت عليه دلائل السكر وغن كان لم يشرب إلا ماء ~~قراحا. # ثم خفت على نفسي أن تغرني هذه السطوة ويغريني سلطاني على هذا المسكين بما لا يحسن ~~فاستغنيت عنه وكففت عن هذه التجارب التي تغري بالاسترسال فيها. واجتنبت أن «أزغر» ~~لأحد!! # وقد شهدت بعد ذلك تجارب خاصة أجراها أمامي منومون مشهورون بعضها من الدجل الصريح الذي ~~يجوز على الجماهير الساذجة، ولكن بعضها من المعقول الذي يسهل تعليله، فأما ما هو من الدجل ~~فمثل الإنباء بالمستقبل والعلم بالغيب، وأما ما هو من الحقائق فمن أمثلته أن تكتب كلمة ~~فيأمر الموحي وسيطه أن يقرأ ما في الورقة وهو غير ناظر إليها. وتفسير ذلك أن الموحي يطلع ~~على ما في الورقة ويوحي ما فيها إلى الوسيط النائم فينطق بما أوحي إليه وأن كان لا يرى ~~شيئا. # وقد ذكرت هذا كله على سبيل التمثيل للإيحاء في أوضح الصور وأجلى الحالات والآن ما هو ~~تعليل الإيحاء.. وكيف يحدث؟ ما الذي يجعل إنسانا يتأثر بإرادة إنسان آخر فيحاكي فعله وقوله ~~ويحس مثل عواطفه وتدور في نفسه نظائر لخوالجه؟ وهذا بحث غيري من علماء النفس أو سواهم أقدر ~~عليه، وأنا «لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء» كما يقول الشاعر. ولكني مع ذلك لا أخشى الخطأ لأني في ~~هذا الشرح ناقل لا أكثر ولا أقل. والعلماء يقولون إن الإيحاء هو نقل ذرات الحركة التي تحصل ~~في ذهن إلى ذهن آخر. وشبيه بذلك أن يكون هناك سلكان متقاربان مشدودان فإذا أحدثت في أحدهما ~~هزة انتقلت الهزات إلى السلك المجاور. ولاشك أن الهزات في السلك الذي كان ساكنا تكون أضعف ~~منها في السلك ms60 الآخر الذي صدرت عنه الهزات ولكن المهم الذي يعنينا هو أن الاختلاجات الحاصلة ~~في سلك تسري إلى السلك الآخر. ونظير هذا أيضا أن يكون قضيب من الحديد محميا. وآخر إلى ~~جانبه ولكنه بارد لم تمسسه النار فإذا كانا متجاورين لم تلبث الحرارة التي في القضيب المحمي ~~أن تنتقل إلى القضيب البارد. وانتقال الحرارة هنا معناه انتقال حركة الذرات. فالذي يحدث هو ~~أن حركة الذرات في جسم تنتقل إلى جسم آخر فتصبح حركتها فيه مشابهة لحركتها في الجسم الذي ~~انتقلت منه. ولما كانت الآراء والخواطر والإحساسات والعواطف والخوالج على العموم عبارة عن ~~حركات لذرات الذهن فإن انتقال هذه الحركات إلى رأس آخر يؤدي حتما إلى انتقال الآراء أو ~~الخوالج التي تكونها هذه الحركات. # وأنا آسف لاضطراري إلى التقيد - ولو إلى حد ما بما يشبه لغة العلماء - فليس أثقل منها وإن ~~كنا نجلهم ونعرف لهم قدرهم ولا نغمطهم حقهم أو نبخسهم فضلهم علينا. وسأحاول أن أجعل لغتي ~~أبعد ما تكون عن لغتهم وأقرب شيء إلى الكلام العادي. فأقول إننا معشر المخلوقات ليس لنا إلا ~~وسيلة واحدة للإعراب والإفصاح عما يدور في نفوسنا من الآراء أو الإحساسات أو الخوالج وتلك ~~الوسيلة هي الحركة. وأعني بالحركة كل شيء. فاختلاج الجفن حركة، وكذلك تحرك الشفة، وتقبض ~~الوجه عند الغضب أو الحزن، واتساع الشدقين عند الضحك والإطراق، والسهوم، والتنهد، ونظرة ~~العين، كل هذه وما إليها حركات. وهي مظهر ما يدور في نفوسنا. وقد ألفنا هذه الحركات واعتدنا ~~أن نستدل بها على ما في النفس، فإذا رأينا رجلا تجهم وجهه، وانزوى ما بين عينيه. وتقبضت ~~كفه، وارتفعت ذراعه أدركنا أنه مغيظ وأنه يهم أو يحدث نفسه بضرب إنسان آخر. وإذا رأينا ~~إنسانا يرتج من الضحك علمنا أنه مسرور وإذا رأينا آخر مطرقا يتنهد فمهنا أنه محزون، أو ~~أنه يفكر في أمر يثقل على نفسه ولا يسره. # وإذا رأينا واحدا يتثاءب أدركنا أن به كسلا. وهذه كلها حركات طبيعية أي أنها تقترن ~~دائما ببواعثها بحكم التكوين الإنساني وهناك ms61 حركات أخرى رمزية تواضع عليها الناس وألفوا أن ~~يقرنوها بمعاني معينة. مثال ذلك هز الرأس من فوق إلى تحت، معناه الموافقة، وهزها من اليمين ~~إلى الشمال، يكون معناه الرفض أو الأسف أو التعجب حسب الأحوال. الإشارة بالأصبع معناها ~~«تعال» واللغة من الحركات الرمزية المتواضع عليها للدلالة على المراد. وكل حركة ذرية في ~~الرأس تؤدي إلى حركة عضلية ولو ضئيلة. وهذه الحركات العضلية يتلقاها الغير بواسطة الحواس - ~~بالعين أو السمع أو اللمس - فأنا مثلا حينما أرى رجلا يضحك أرسل هذه الصورة التي رأتها ~~عيني إلى رأسي لتترجم هنا، ومعنى ترجمتها أن تنشط بعض المراكز التي في رأسي لتحويل هذه ~~الصورة التي تلقتها عيني إلى فكرة فتحدث عندي في رأسي، نفس الحركة الذرية التي حصلت في رأس ~~الضاحك، ولكن قوتها أو ضعفها يرجع الأمر فيهما إلى أحوال كثيرة لا داعي للخوض فيها وهكذا ~~تنتقل حالة إنسان على إنسان آخر أو هكذا يحصل الإيحاء. # ولكي يتيسر أن تنتقل الحركة من ذهن إلى آخر وتتكرر فيه بشيء من القوة ينبغي ألا يكون هذا ~~الذهن الآخر مشغولا بما يمنع التأثر. ولنعد إلى مثال السلكين فنقول إن اهتزازات أحدهما لا ~~تنتقل إلى السلك الثاني إذا كان السلك الثاني أقوى أو كان يهتز بعنف، فلا يستطيع أن يتلقى ~~اهتزاز سواه ويتقبله. ونطبق هذا على الإنسان فنقول إن الذهن الضعيف، أو الذي يعاني ضعفا ~~طارئا يكون أشد استعدادا للتأثر بذهن غيره من الذهن القوي. # ولذلك لا يمكن أن تجد وسيطا لمنوم من أصحاب الإرادة القوية، أو الشخصية المستقلة، لأن ~~قوة الإرادة أو شدة النزعة إلى الاستقلال، والاحتفاظ به! تمنع أن يتيسر التسلط عليه من ~~الغير. وقوة الشخصية أو الإرادة، ونشاط الحركة العقلية وقوتها تؤدي إلى المقاومة. على أن ~~الكثرة تغلب الشجاعة، كما يقول المثل، فقد يكون المرء قويا ناضج العقل، مثقفه جدا، ويكون ~~ماضي الإرادة شديد الشكيمة ولكن الضعف المجتمع يغلبه، وكم من مرة عجز الأقوياء عن مقاومة ~~الجماهير. وهي أضعف منهم وأقل فهما!! بل كم من مرة ms62 اضطر صاحب الإرادة القوية والذهن الخصيب ~~النشيط أن يخضع للجماهير المؤلفة من الضعفاء المهازيل الذين لا يستطيع واحد منهم أن يرفع ~~رأسه أمام ذلك القوي الذي يهزمونه بجمعهم، أي بالضعف المضموم إلى الضعف، ولهذا كانت روح ~~الجمهور أقوى من روح الفرد، إلا إذا وسع الفرد أن يحولها بغير المقاومة الصريحة ولن يستطيع ~~تحويل جمهور مصمم على شيء، إلا إذا أبدى له المسايرة، وحمله على الاطمئنان أولا. ~~والاطمئنان معناه ترك التفكير في المقاومة، وعدم التحفز لها، ثم بعد أن يغريها بالاطمئنان، ~~يشرع في تحويلها عن وجهتها، شيئا فشيئا، ومن حيث لا تشعر إلى الوجهة التي يريدها هو. ~~وأبدع مثال لذلك خطبة أنطونيو على جثة قيصر في رواية شكسبير، وكان قيصر قد قتل - قتله لفيف ~~من المتآمرين على رأسهم بروتوس، وصار الشعب معهم، فجاء أنطونيو، والتمس من بروتوس أن يأذن ~~له في تأبين قيصر، فأذن وكان الشعب مع القتلة المتآمرين، لأنهم استطاعوا أن يوسوسوا إليه ~~ويخدعوه، فوقف أنطونيو في هذا الحشد المتنمر، وشرع يطمئنهم، ويقول إنه جاء ليدفن قيصر لا ~~ليرثيه، وإن الخير الذي يصنعه الإنسان يدفن معه، وإن الشر هو الذي يحيا بعده، ومدح بروتوس ~~القاتل، وأثنى عليه، ثم تدرج من ذلك إلى التلميح بحسنات قيصر، وكان كلما ذكر طرفا مما أحسن ~~به قيصر إلى الشعب خاصة، يعرج على بروتوس القاتل ويقول إنه رجل شريف، يعني أنه لا يسعه إلا ~~أن يصدقه، وإن كانت الحقائق تشهد بأنه كاذب. وهكذا راح يوحي إلى الشعب الاطمئنان إليه، ~~أولا، ثم الشك في صدق قتله قيصر، حتى وسعه أخيرا أن يصارح الحشد الذي يستمع إليه بلعنة ~~القتلة والتحريض عليهم، فانقلبت الجماهير وثارت على القتلة، بعد أن كانت تؤيدهم وتنصرهم على ~~جماعة قيصر. # ولو أن أنطونيو صدم هذه الجماهير من أول الأمر برأيه السيئ في بروتوس وإخوانه لما أجدت ~~عليه فصاحته وذلاقة لسانه، ولكان المحقق أن يلحقوه بقيصر، أي أن يقتلوه. وهذه من براعات ~~شكسبير وآياته الخالدة الناطقة بدقة فطنته إلى نفيسة الجماهير ووسائل الإيحاء إليها. ms63 # وليس من الضروري أن يكون المرء ضعيفا، ليتأثر بغيره، ويتقبل الإيحاء فإن المعول في ~~الحقيقة على الحالة النفسية التي يكون فيها الإنسان، والتي تساعد على تقبل الإيحاء، أي على ~~التأثر بالغير. وفي كل إنسان جانب ضعف وكل نفس تعتريها حالات من الفتور، أو الكسل، أو ~~التهافت أو غير ذلك. وما أكثر الأقوياء الذين يؤثر فيهم من هم دونهم قوة وذكاء إذا عرف ~~هؤلاء الوسيلة التي يملكون بها أذن الرجل القوي، ويستولون بها على هواه، أي إذا فطنوا إلى ~~موضع الضعف في نفسه، وعرفوا كيف يستغلونه والمثل العامي يقول «الدوى على الأودان أمر من ~~السحر» وليس بالنادر أن ترى ضعيفا هزيلا يهتدي إلى موطن الضعف من الرجل القوي، ويتمكن ~~بذلك من أذنه، ثم يروح ينفث فيها ما يشاء ويلح به حتى يبلغ هواه. وما هي الشهرة؟ أهي أكثر ~~من إيحاء الاسم إلى الناس أي أن تظل تدق الطبل وتقرعه بهذا الاسم حتى يتقرر في الأذهان ~~ويثبت ويبرز ويصبح ماثلا أبدا أمام الناس؟ ويندر أن يعرف الناس نوع الفضل الذي استحق ~~الشهرة - والكلام هنا على السواد لا على الخاصة وكل ما يعرفونه أن هذا الاسم يصافح أسماعهم ~~كل صباح وكل مساء فصاحبه لابد أن يكون عظيما، حتى تلهج به الألسنة على هذا النحو. والإنسان ~~يعتريه الفتور على الرغم من قوته، والكسل وإن كان نشاطه موفورا في العادة، فيكون في هذه ~~الحالات - حالات الفتور أو الكسل - قابلا للتأثر الشديد بغيره، والانقياد له. على أن ~~الإيحاء يكون خفيا، كما يكون ظاهرا، وفي كل شيء، جل أو دق. وفي وسع المرء أن يقول، بلا ~~تحرز، إن كل إنسان يتأثر على الدوام، وبغير انقطاع بغيره من الناس، سواء أكان يشعر بذلك أم ~~كان لا يفطن إليه. بل هو يتأثر بالأشياء تأثره بالناس، وليس الإيحاء الذي يفطن إليه المرء ~~بأهم من الإيحاء الذي يحصل من غير أن يشعر به الإنسان بل هو إذا شعر بالإيحاء، جدير أن ~~يحاول المقاومة. والإيحاء هو قوام الحياة في الواقع، فما يستطيع ms64 الإنسان أن يعيش غير متأثر ~~بما حوله، ومن حوله. من الأشياء والناس، ولو كان أنبغ النوابغ وأعظم العظماء وما هو تأثير ~~ما يسمى البيئة، أي الوسط الذي يعيش فيه الإنسان؟ هو إيحاء هذه البيئة .. وما هو التعليم ~~والتربية.. هما إيحاء المعلم والمربي. وكل إنسان يصاغ له عقله في صغره، وتطبع نفسه إلى حد ~~كبير على هوى المعلم والمربي، في المدرسة وفي البيت. وما هي القدوة الحسنة أو السيئة؟؟ هي ~~إيحاء سيرة معينة أو سلوك. فالمرء في الحقيقة ليس إلا ثمرة الإيحاء. الظاهر والخفي، ومن حيث ~~يشعر ولا يشعر. والذي يستطيع أن يزعم بحق أنه لم يتأثر في حياته بشيء أو إنسان في سلوكه، ~~وفي طريقة تلقيه للحياة، وتأثره بوقعها، وفي تفكيره وفي عواطفه، وتكوينها وتغذيتها - هذا لم ~~يخلقه الله، لأن الله سبحانه جعل الإيحاء من قواعد الحياة وسننها التي لا تتعطل ولا تبطل في ~~حال من الأحوال. # وما هو الروح العام في أيه أمة؟ وما هي الخصائص القومية في الشعوب؟ إن الحياة قائمة على ~~التغير والتحول، لأن الركود والثبات على حالة واحدة لا سبيل إليه في الحياة «إذ كانت الحياة ~~معناها الحركة. والحركة انتقال وتحول، حتى الموت نفسه ليس إلا مظهرا من مظاهر التغير ~~والتحول، وهو يؤدي إلى تغير آخر لا ينتهي، فالروح العام في الأمة لا يكون في كل العصور على ~~حالة واحدة والخصائص القومية تتغير جيلا بعد جيل إلى حد كبير. وأقول إلى حد كبير لأن لكل ~~بلد طبيعته وأثر هذه الطبيعة في النفوس ولماذا يتغير الروح القومي وتختلف الخصائص العامة؟؟ ~~لأن رجالا يظهرون فيوحون إلى الأمة الروح الجديد ويوجهون النفوس الوجهة التي يبغونها، فإذا ~~كان هؤلاء القادة أهل فضيلة وبطولة صار الشعب أمة من الأبطال، وإذا كانوا رجال سوء وعيارين ~~فساقا فسدت الأخلاق، وإذا كانوا أهل إخلاص وأصحاب مثل عليا، رفعوا الشعب معهم ذلك أن الرجل ~~العظيم - وفي الناس العظيم في الخير كما أن فيهم العظيم في الشر - يجعل الأمم التي يظهر ~~فيها صورة منه ويوحي إليها ms65 آراءه وعواطفه ونزعاته وأساليب تفكيره، فإذا كانت الأمة طينتها ~~قوية تلقت الإيحاء بقوة، وإذا كانت ضعيفة تلقته بفتور، ويعجبني قول بعضهم إن الفرق بين ~~الأمم كالفرق بين آلة قوتها ألف حصان وآلة أخرى قوتها حصان واحد. فأما الأمة التي تشبه ~~الآلة التي قوتها ألف حصان فإن العظيم يستطيع أن يصنع بها المعجزات، ولكن ماذا يصنع بأمة ~~كالآلة التي قوتها حصان واحد؟؟ # والآن ننتقل إلى الأدب فأقول لاحظوا أن الأديب يدرس بشغف، وأن موضوع درسه يستغرقه، والأثر ~~الذي يخلفه درسه لا يمكن إلا أن يكون عميقا، وإن كان هو لا يحس ذلك ولا يفطن إليه، أو لا ~~يجعل باله إليه. وعقل الإنسان لا يكف عن العمل في ليل أو نهار، ولا تنقطع حركته، في يقظة أو ~~منام، وليس ما يبدو أو ما نحسه من عمله، هو كل عمله، فإن عمله الخفي أكثر، ولعله أعظم من ~~عمله الظاهر الواضح، وهذا الذي يحصله الأديب يختلط في رأسه بما فيه، ويتزاوج معه، ويتولد من ~~هذا التزاوج والاختلاط ما يبدو جديدا، ولكنه في الحقيقة مولد، ولو أمكن أن نتتبع الحركة ~~العقلية التي أثمرت ذلك لعرفنا نسب المعاني والآراء والإحساسات والخوالج المختلفة، ولظهرت ~~لنا الشجرة كلها بأصولها وفروعها وأوراقها وثمارها ولحائها أيضا. ولكن الحركة خفية ومعقدة، ~~فلا سبيل إلى هذا العلم بنسب الخواطر والإحساسات وما إليها، أريد أن أقول إن من الخطأ أن ~~يتوهم أحد أن ما ينشأ في النفس من الخواطر والخوالج وما يحصل من الصور مبتكر، أو أنه شيء ~~خلقته النفس خلقا وابتدعته من عندها وحدها، وبلا معونة من غيرها وإنما هو مولد فيها، ونسبه ~~لو أمكن أن يعرف ينتمي إلى ما تلقته النفس من الخارج: ويحدث كثيرا أن يخطر للمرء شيء فجأة ~~بلا مناسبة ظاهرة ومن غير أن يشعر أن ذهنه يجري في هذا المجرى أو يتجه إلى هذه الناحية، ~~وتراه يعبر عن ذلك بقوله أنه ألهم شيئا، ولكنه لم يلهم وإنما كان الخاطر المفاجئ الذي لا ~~تبدو له صلة بشيء معروف، وليد ms66 حركة طويلة، لا يحسها هو وإن كان عدم الإحساس لا يمنع وجودها. ~~ويحدث في بعض الأحيان أن يطفو على السطح خاطر أو صورة أو خالجة أو نحو ذلك وتكون مما قرأ ~~الإنسان أو سمع ولكنه لا يدري. لأن الذاكرة لا تحتفظ في الحقيقة إلا بالأقل، أما الأكثر ~~فتلقي به فيما وراء الوعي. والقاؤه فيما وراء الوعي ليس معناه ضياعه، فإنه يطفو لأسباب تخفى ~~علينا ولا سلطان لنا نحن عليها. وقد نعرف أنه هو الذي كان غائبا عنا، وهذا هو التذكر، وقد ~~يخفى علينا ذلك ويختلط الأمر فنحسب أن هذا الذي طفا نتيجة جهدنا العقلي، فيقال سرق لكن ~~السرقة غير مقصودة وإنما جاءت عفوا بلا عمد. # على أنه يحدث أحيانا أن يستبد المعنى أو الفكر بالخاطر، وتستولي عليه وتتسلط كما تتسلط ~~إرادة رجل على آخر وتتحكم فيه، فلا يعود يملك أن يخرج عنها، أو يهرب منها، وقد يدرك أن فكرة ~~غيره أسرته واستبدت به، أو لا يدرك، فأن المهم هو هذا الأسر، فيحصل ما يسمى السطو، وترى ~~الشاعر أو الكاتب أخذ المعنى الذي هو لغيره وأدخله في كلامه. وهذا السطو لا ينفي أن الذي ~~أخذ قادر على ابتداع معنى كالمعنى الذي أخذه، وإنما معناه أن المعنى استبد به فلم يستطع أن ~~يتحول عنه أو يتخلص من أسره نفيه. ومؤدى هذا الكلام أن السرقة الأدبية إذا لم تكن من معابثة ~~الذاكرة فهي من نتيجة الإيحاء، سواء أكان الإيحاء خفيفا أو قويا، وظاهرا أو خفيا ولا ~~يستغرب أحد أن يكون في عالم الأدب إيحاء من القوة بحيث يشبه التنويم المغناطيسي، فما أعرف ~~ما يمنع ذلك. ولست أحب أن أكون قاضيا يحكم، وإنما أنا مفسر، فهذا تفسيري أو تعليلي للسرقة ~~الأدبية وأحب أن يكون مفهوما أن هذا التفسير لا يدخل فيه عمل الذين يتعمدون السطو على آثار ~~غيرهم ليغشوا الناس ويزعموا أنفسهم أدباء، فإن هذا عبث صبيان، إنما أتكلم عمن لا يعجزهم أن ~~يبتكروا ما هو أرفع مما أخذوا أو اقتبسوا أو علق بأذهانهم. ms67 أو على الأقل مثله. # الفصل الخامس عشر # قرائي الذين يحبونني # لكل كاتب قراؤه. وما من كاتب يعدم قارئا من كل طبقة، ولكن المعول على الأوفياء الثابتين ~~على الولاء، فإن هؤلاء طريق الرزق، ووسيلة الاطمئنان والدعة، ولولاهم لما عرف المرء متى ~~يمكن أن يتاح له أن يأكل، وإن كان لا يجهل كيف يجوع. ولست أعرف ماذا يصنع غيري ليهتدي إلى ~~طبقات قرائه، ولكني أعرف أن مصلحة البريد أغنتني عن عناء السعي ومشقة التفكير في الوسائل ~~المعينة على الاهتداء، فإن رسائل كثيرة تأتيني منها فأستخلص منها العلم الذي أطلبه والمعرفة ~~التي أشتهيها. وما أكثر ما قلت لنفسي إن الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب ومن إليهم ~~من هؤلاء الزملاء والرصفاء، كانوا مساكين. - أوه جدا - فما عرفت الدنيا في أيامهم مصلحة ~~البريد. وقد كان من الصعب ولاشك أن يعرفوا مبلغ حب الجمهور لهم وإعجابه بهم وماذا كان يمكن ~~أن يبلغ من رواج كتبهم لو أنها كانت تطبع وتباع في المكاتب، وقد حرمهم هذا الحال الاستقلال ~~عن الأمراء ومن إليهم. ومن الصعب أن يعمل المرء في الظلام. نعم كان الواحد منهم لا يعدم ~~تشجيعا من الشعب، ولكن هذا كان فلتة لا تحسب ولا يعول عليها. ومن السهل أن يتصور المرء أن ~~الجاحظ مثلا كان يلقى في الطريق واحدا يتقدم إليه ويقول له: «اسمح لي.. هل أنت الذي يسمى ~~الجاحظ؟» # فيهز رأسه أن «نعم» وهو واجف القلب لأنه يخشى الاعتراف الصريح المقيد، لئلا يكون هذا ~~السائل من الشرطة. # فيقول الرجل: «لقد صدقوا.. أعني أن اسمه في محله.. على كل حال.. ثابر يا بني!.. فإني ~~أتنبأ لك بمستقبل باهر..». # ويربت على كتفه ويمضي عنه مبتسما، وعينه إلى الملك الذي ينبغي أن يكون محتفظا بمكانه ~~على يمينه؛ مرهف الأذن مقيما سن القلم على الدفتر المفتوح ليقيد له هذه الحسنة - حسنة ~~التبرع الكريم بالتشجيع. # وإذا كانت الرسائل التي ترد إلى دليلا على شيء فإني أكون أحب الناس - أعني الكتاب - إلى ~~ثلاث طبقات: - المرضى، واللصوص، وقد نسيت الطبقة الثالثة.. ms68 لا بأس من يدري؟.. ربما تذكرتها ~~أثناء الكلام. وقد عرفت هذا من الرسائل التي يحملها إلى البريد، كما قلت. وهذا نموذج منها: ~~«... وبعد فإني لم أسمع باسمك من قبل، ولكن مرضت ودخلت المستشفى، وجاءني زائر فترك لي كتابا ~~أتسلى به، غير أني لم أستطع أن أتصفحه في أول الأمر لشدة وطأة المرض. فلما خف قليلا مددت ~~يدي إليه وبدأت أطالع. وأؤكد لك أنه سرني جدا. وأنا صحيح الجسم في العادة، ولكن الأمراض لا ~~أمان لها، كما تعرف، فأرجو أن تبعث إلي بمجموعة من كتبك كلها - ومعها جملة ثمنها - ~~استعدادا للطوارئ فإن الحيطة واجبة وإن كان الأمر كله بيد الله. # وتقبل سلام المعجب بك المعتمد بعد الله عليك». # وفي وسع القارئ أن يدرك مبلغ حيرتي، فإنه لا يسعني إلا أن أتمنى لمثل هذا الرجل الصحة ~~والسلامة، ولكن المصيبة والبلاء العظيم أنه إذا صح وسلم كان خليقا ألا يعود إلى كتبي ~~ليقرأها، فما العمل؟.. هذه هي المسألة - كما يقول هملت - وليس ذنبي أن الأمراض تحبب الناس ~~في كتبي، فإذا كنت أسر حين أقرأ في الصحف أن الملاريا انتشرت فإن لي العذر، فما كان هذا ~~ظني، ولا خطر لي قط على بال، ولكن مشيئة الله جعلتني مثل «الحانوتي» الذي يسره ويفرحه ما ~~يحزن الخلق ويبكي المفجوعين. ولهذا ترونني إذا سمعت بفشو مرض أدخل مسرورا على أهل بيتي ~~وأقول لزوجتي: «خذي يا امرأة.. (وألقي إليها بكل ما يكون معي، قل أو كثر) خذي وأنفقي بلا ~~حساب، فإن ما عند الله أكثر». # فتعجب وتسألني: «ماذا جرى؟ هل ربحت ورقة يانصيب؟» # فأقول منكرا عليها هذا الخاطر: «وهل مثلي يعني بورق اليانصيب؟ سبحان الله يا امرأة في ~~طبعك!» # فتقول ضاحكة: «ولكن ألا تخبرني؟.. إنني أكاد أموت شوقا إلى المعرفة». # فأقول وأنا أرمي إليها بالصحيفة التي قرأت فيها خبر المرض المتفشي، وعجز وزارة الصحة عن ~~مكافحته: «خذي واقرئي، واشكري الله، وقبلي يدك بطنا وظهرا، فلن نجوع أن نفتقر، مادام في ~~الدنيا شيء اسمه وزارة الصحة. لقد جعلوها وزارة.. ms69 رفعوها ورقوها ووسعوها.. أليس هذا باعثا ~~قويا على الاطمئنان والثقة بالله؟» ~~••• # وقد بالغت حين قلت إني محبوب من اللصوص وما أردت إلا أن لصا واحدا - على ما يظهر لي ~~الآن - هو الذي يحبني، فلقد تلقيت مرة كتابا يذكر لي فيه انه سمع باسمي وشهرتي، فعرف أني ~~كاتب عظيم جدا، فهو يكتب إلي مستنجدا فقد اتهموه بسرقة كلب. والقضية معروضة على القضاء، ~~وكان محبوسا رهن التحقيق، ثم أفرجوا عنه بالكفالة الشخصية، وهو يحتاج إلى محام يدافع عنه ~~ولكنه لا مال معه فهل أستطيع أن أدله على محام كريم، أو أعينه بطريقة أخرى..؟ وهو يرتك ~~الأمر بين يدي واثقا من مروءتي وكرمي فإن مثلي لا يخيب من يقصده. # هذا هو الزبون الجديد، وقد قلت لنفسي لما تلقيت هذا الكتاب العجيب: «والله نجحت يا ~~مازني!.. بلغت شهرتك أخفى الزوايا وتغلغلت إلى لصوص الكلاب.. ما شاء الله!. أحسب أن اللص، ~~حين يخرج إلى السرقة بعد اليوم، ستقول له زوجته أو أمه أو لا أدري من غيرهما: «هل أنت متأكد ~~أن معك كل ما تحتاج إليه؟» # فيقول: «أيوه.. أيوه». # فتقول: «احذر أن تكون نسيت الطفاشة!.. العدة كلها معك؟..». # فيقول: «قلت لك.. أيوه.. ألا تسمعين؟» # فتقول: «والمازني؟.. هل أخذته معك؟..». # فيقول: «أوه.. طول الليل وأنا أقرأ كتابه.. وهل أستطيع أن اعمل دون أن أقرأه؟.. أتظنينني ~~مغفلا؟ أم تحسبين أني حديث عهد بالفن؟» # فتقول: «لا.. إنما أردت أن أطمئن.. وأسمع.. امش بحساب.. والبس القفاز قبل أن تلمس أي باب ~~أو مفتاح أو حائط.. حاذر!» # فيقول: «اطمئني.. كل شيء على ما يرام.. ومعي المازني فلا تخافي ولا تقلقي». # ويلمس صدره حيث وضع الكتاب تحت ثوبه. ~~••• # ولكل قاعدة شذوذ واستثناء. وقد حدث منذ بضعة أيام ما كاد يغريني بتغيير رأيي في طبقات ~~القراء الذين يحبونني ويؤثرونني على من عداي من كتاب هذا الزمان. ذلك أني كنت مدعوا إلى ~~مأدبة عشاء فاتفق أن أجلسوني إلى جانب سيدة عجوز شمطاء، ودار الكلام على الأكل وكان بعض ~~الذين يخاطبونني يدعونني: (الأستاذ) والبعض ms70 يؤثر أن يرفعني درجة فيقول: (يا بك) ولكنه لم ~~يدعني باسمي أحد كأنه عيب لا يليق أن يذكر ولاسيما على مسمع من السيدات. # ثم التفتت إلي العجوز وقالت: «إني سعيدة». # فقلت باختصار: «أهنئك». # فألحت في صرفي عن جارتي الأخرى، وكانت فتاة هيفاء نضير الحسن وصوتها كالتغريد. ~~«صحيح.. سعيدة جدا.. كل كتبك قرأناها». # فتركت الفتاة وأدرت وجهي إلى هذه العجوز وسألت باهتمام: «صحيح؟» # فقالت باضطراب رابني: «كلها كلنا». # فقلت مرددا قولها: «كلكم؟.. كلها..؟ شيء جميل؟» # فقالت: «ابني على الخصوص.. إعجابه بك لا حد له». # فأردت أن أستوثق وسألتها: «هل هو مريض؟» # قالت: «أعوذ بالله.. إن صحته جيدة جدا». # فقلت لنفسي إن هذا جديد، فيحسن أن أتقصى الأمر وسألتها: «ألم يصبه مرض قط؟» # قالت: «أبدا.. أبدا.. قوي جدا.. كسيد نصير». # قلت: «عجيب هذا..». # فقالت: «كتبك كلها عندنا تراها في كل غرفة..». # فسألتها: «أهي حسنة التجليد؟» # قالت: «لا.. كما اشتريناها.. كل بناتي وأحفادي يقرأونها ويحملونها معهم حيثما ~~يكونون». # قلت: «شيء جميل». # قالت: «أوه. لشد ما يفرحون الليلة حين أقول لهم إني كنت جالسة إلى جانب تيمور بك». # الفصل السادس عشر # اللغة والقوالب الموروثة # كنت ذات يوم أكتب رسالة إلى صديق فجرى القلم بهذه العبارة المألوفة «ومما زاد الطين بلة ~~...» وهممت بأن أمضي في الكتابة ثم رددت نفسي وألقيت القلم ونهضت إلى الشرفة ورحت أدخن وأنظر ~~إلى الناس. ولكن النظر إلى الناس لم يكن همي ولا كان كل شغلاني؟ فقد كنت أحادث نفسي ~~وأحاورها وأقول لها إن عبارة «زاد الطين بلة» ليست هي الوحيدة التي ورثناها في جملة ما ~~ورثنا من لغتنا وقد صارت على الأيام «كليشيها» أو قالبا مصبوبا نستعمله في الحديث ~~والكتابة من غير أن نفكر في الصورة التي يرسمها هذا «الكليشية» الموروث الذي يغرينا به أن ~~الجري على العادة أسهل وأقل عناء. # وقد نبتت هذه العبارات الموروثة في زمان كان زمانها - أعني أنها كانت في الزمن الذي ~~أخرجها وثيقة الصلة بمظاهر الحياة، وكانت تحدث في ذهن مستعملها صورة تحصل بلا عناء ms71 وترتسم ~~بغير جهد. ولكنها الآن قد امتد بها العمر إلى زمان آخر مختلف جدا ولم تبق لها تلك الصلة ~~القديمة بحياة العصر ولسنا نحس حين نستعملها أنها ترسم لنا صورة ما. # وسألت نفسي: «وهل ثم ضرر من استعمال هذه القوالب الموروثة؟» وهززت كتفي ومططت بوزي - فعل ~~المتردد الذي يحاول أن يهتدي أو أن يتقي التورط في رأي يجزم به. وبدا لي - وأنا أفكر في هذا ~~السؤال - أن الضرر لا يجيء من استعمال هذه القوالب، بل من الاقتصار على استعمالها، أي دون ~~العناية بجعل لغتنا صورة لحياتنا. ولاسيما إذا كانت قد ركدت زمنا ما - تصبح عبارة عن ~~مجموعة من القوالب، ولكن اللغة الحية لا تزال تتسع بما يدخل فيها ويضاف إليها من العصور ~~التي تتعاقب عليها. وحياة اللغة مستفادة من حياة أهلها ولا ذنب إذا جمدت وإنما يكون الذنب ~~لهم؛ فإذا رأيت أناسا من أبناء عصر حديث له مظاهر حياة جديدة يكتبون بلغة قديمة في قوالبها ~~- أي كالتي كان يكتب بها من سبقوهم بعشرة قرون أو عشرين قرنا بلا اختلاف ومن غير أن يحدثوا ~~فيها جديدا يدل على أنهم تأثروا بعصرهم - إذا رأيت ذلك فاعلم أن هؤلاء الناس متخلفون وأنهم ~~أشبه بالآثار الباقية منهم بالأحياء، وأن الأدب واللغة لا يكسبان شيئا بهم سوى زيادة ~~الجمود إذا كان هذا مكسبا. # وغير منكور أننا لا نستطيع أن نفكر إلا بالألفاظ. وقد يجيء زمان يستغني فيه المرء عن ~~الاستعانة بالألفاظ على التفكير بل أنا أومن بأن هذا الزمان لا محالة آت وان الإنسان ~~سيستغني عن الكتابة والكلام في نقل ما يدور في نفسه من المعاني والخواطر والآراء والإحساسات ~~إلى آخر ذلك - إلى نفس أخرى، ويكتفي بإرسال موجات يتلقفها غيره ويترجمها كما ترسل محطات ~~الإذاعة موجاتها فتتلقفها آلات الراديو. ولكن إلى أن يجيء ذلك الزمان الذي يتيسر فيه ~~الاتصال اللاسلكي بين نفوس الأفراد لا يسعنا إلا أن نفكر بواسطة اللفظ. فاللغة لا تزال أداة ~~التفكير الذي لا نعرف له سواها؛ فإذا ظلت لغة من اللغات ms72 جامدة لا تتغير قوالبها ولا تتجدد ~~ولا يدخل عليها جديد ولا يحدث فيها طريف ولا يؤثر فيها كر العصور ولا يترك فيها مر هذه ~~العصور آثارا من حياتها فإن معنى هذا يكون أن أبناء هذه اللغة يفكرون على نحو ما كان يفكر ~~أبناء زمان متوغل في القدم فهم يعيشون بأجسامهم في عصر ولكنهم بعقولهم يعيشون في عصر مضى ~~وانقضى وانقرض واندثر. # وقد يكون العصر الماضي جميلا ولعل كل ما فيه كان حميدا ولكنه زال وجاء غيره بمظاهر حياة ~~وأساليب تفكير وآمال ومخاوف وآداب وعادات مختلفة، فكيف لا يظهر هذا في لغة الكتابة ~~والكلام؟.. وكيف يعقل أن تظل القوالب لا تتجدد ولا تتغير ولا تطرأ عليها زيادة من العصر ~~الحاضر المؤثر بوجوده؟؟ أيكون ذلك من الكسل؟ أم هو من ضعف التأثر بهذا العصر؟ أم ترى ~~الأحياء فيه جثث محنطة لها وجود ولكن ليس فيها حياة؟ # ورأيتني وأنا أفكر في هذا أسأل نفسي سؤالا لا يخلو من غرابة «أتراني أشبه أبي؟» وضحكت ~~لما قلت ذلك، وقلت بالطبع أشبه أبي! ما هذه السخافة؟ وكيف أستطيع ألا أشبهه؟ على أني لم أكن ~~أعني المشابه العادية التي تكون بين الآباء والبنين فإن معمل الطبيعة لا يدعي ما تدعيه ~~مصانع السيارات من إخراج طراز جديد في كل عام لا شبه له ولا صلة بطراز العام السابق، وإنما ~~أعني هل أنا أحور شيئا فشيئا حتى أصبح صورة طبق الأصل من هذا الأب الفاضل؟؟ وناديت زوجتي ~~وسألتها: «أين صورة الوالد المحترم؟» فقالت: «إيه؟.. الوالد المحترم؟.. أي والد؟» # فقلت وأنا أضحك: «وهل لي غير والد واحد؟ إن كنت تعرفين لي غيره فقولي، ولك الأمان، ورحم ~~الله الوالد والوالدة جميعا» فقالت: «لا تمزح هذا المزح ... عيب ... وإنك لتعرف أني أسألك عمن ~~تعني - والدك أم والدي؟» فقلت: «كلا. لا حاجة لي بأبيك.. ولا بأبي أيضا في الحقيقة، ولكني ~~أريد أن أراجع صورته أو على الأصح أن تراجعيها أنت» فجاءت بالصورة وهي غير فاهمة، فقلت: ~~«تأمليها وتأمليني. إنهما منظران ليس فيهما سرور ms73 لأحد، ولكن تجلدي.. فهل ترينني مثله؟: هل ~~لو لبست مثل هذه السترة الاستامبولية؛ وهذا الطربوش الطري، وتركت شاربي ينبتان، ويطولان، ~~ويتهدلان، ودخلت عليك في ضوء خافت، تظنيني أبي، نفض عنه كفنه وخرج من قبره ، أو تحسبينني على ~~الأقل عفريته؟» # فقالت: «لا أدري لماذا هذه المقارنة ولكني أقول إن فيك منه مشابهة ... كثيرة ولكنك مختلف.. ~~حتى النظرة مختلفة.. نظرته نظرة رجل حليم كريم وديع أما أنت..» فصحت بها: «احترسي!. ليست ~~هذه فرصة لبسط لسانك الطويل في..» فقالت: «لا.. ولكن الحقيقة أن نظرتك مختلفة.. فيها شيء ~~آخر.. الشبه موجود ولاشك، والذي يراكما يعرف، وإن كان لا يعرفكما، أنه لابد أن يكون أخا ~~أكبر، أو أبا أو جدا، على التحقيق ... ولكن هناك اختلافا لا أدري كيف أصفه» قلت: «لا تتعبي ~~نفسك ... يكفي أني مختلف ... ولو كان حيا لاستطعت أن أتبين في أي شيء من الحقائق المطوية ~~نختلف، ولكنه تسرع.. عل كل حال أحمد الله.. لقد كنت أخاف.. كيف أقول؟ أخاف أن أظل أرتد ~~وأرتد، حتى أصير مثله تماما بلا فرق» فسألتني: «ولماذا تخاف هذا؟» قلت: «لو حدث هذا لأصبحت ~~صورة مكررة.. نسخة معادة.. طبعة ثانية لا تختلف عن الأولى إلا في زمن الصدور.. أي زيادة لا ~~داعي لها ولا مزية ... ولكان وجودي تكلفا لا مسوغ له، وإسرافا غير جائز، وعناء باطلا لا ~~جدوى منه.. وسبحان ربي عن ذلك وكنت أخاف شيئا آخر. أن يضطرني ما يحوجني إلى العجلة إلى ترك ~~أسلوبي الكتابي يفسد وينحط بأن يفقد صلته بالحياة، وبأن يصبح عبارة عن قوالب قديمة مرصوصة ~~فأكون كالمقاول الجاهل الذي لا يعرف غير طراز واحد من هندسة البناء.. أتعرفين أن عندنا في ~~مصر «مقاولين» أخصائيين في بناء المقابر؟ لو تركت أسلوبي يفسد بالإهمال والكسل لأصبحت كهذا ~~الذي لا يبني إلا القبور وما إليها.. ولكني تنبهت والحمد لله فسأكون من هذا بعد اليوم على ~~حذر.. ولو اتسع وقتي لراجعت ما كتبت؛ أو كتبته من جديد، ولكن ما فات مات، والعبرة بما هو ~~آت، وعليك يا ms74 امرأة أن تجدديني، أو على الأقل أن تحثيني على التجدد، كلما رأيتني أهم بأن ~~أجمد وأركد، وهذا خير ما تستطيعين شيئا». # الفصل السابع عشر # الكتابة وحالات النفس # كتب إلي بعضهم يسألني: هل صحيح ما روته إحدى المجلات من أني لا أكتب حديثا للإذاعة ~~اللاسلكية إلا قبيل موعده بوقت قصير، وإني إذا كتبته قبل ذلك بزمن طويل فالأغلب والأرجح أن ~~أمزقه وأكتبه مرة أخرى؟ وما سبب ذلك أو داعيه؟ # فأما أني أمزق شيئا مما أكتب - حديثا كان أو مقالا أو قصة - فغير صحيح، ولست أعرف أني ~~راجعت كلاما أكتبه أو عنيت به بعد أن أفرغ منه. فقد غدوت كالثور المشدود إلى الساقية ~~وعيناه معصوبتان، حتى لا يدور رأسه من كثرة الدوران واللف، وكلما وقف يستريح صاح به صاحبه: ~~«عا» ولمسه بالعصا أو السوط، فيتحرك الثور ويستأنف الدوران، لأنه أخف مؤونة وأسلم عاقبة من ~~الوقوف. وكذلك أراني، في حياتي، وإذا كان الثور يدري لماذا يجشم عناء هذا اللف كله فإني ~~ادري لماذا تكلفني الحياة هذا الجهد. وليست على عيني عصابة وإني لأنظر بهما وأرى، ولكني لا ~~أدرك ما وراء ذلك، وليس ثم سوط يلهب ظهري، ولا عصا هناك تقع عليه، ولكن الحياة تدفعني من ~~حيث أشعر ولا أشعر، ولحياة زخز وحفز وإغراء محسوس وغير محسوس، ولعل الذي لا نفطن إليه أفعل ~~وأقوى من الذي ندركه من وسائلها. وكثيرا ما أشعر أني مدفوع إلى الكتابة وأني لا أملك ~~التحول عنها أو إرجاءها، وأني سأشقى وأسقم إذا لم أذعن لهذا الدافع الغامض، فأجلس إلى ~~المكتب وليس في رأسي شيء سوى الإحساس العام الثقيل بالحركة وبأنها توشك أن تتمخض عن خاطر ~~معين أو خالجة بينة، ويكون القلم في يدي في تلك اللحظة فأخطط به على الورقة وأنا حائر، ~~ذاهل،لا أحس ما حولي، بل لا قدرة لي على الإحساس بشيء مما يحيط بي إلا إذا حملت نفسي على ~~ذلك حملا، وخرجت بها من ضباب الحيرة والذهول والسهو بجهد واضح، ثم تخطر لي عبارة فأخطها، ~~وأنا لا ms75 أدري إلى أين تفضي بي، ويغلب أن يطول ترددي في البداية ثم يمضي القلم بعد ذلك بلا ~~توقف ويستغرقني الموضوع وتستولي روحه علي؛ فلا يبقى لي بال إلى شيء، حتى إذا انتهى الأمر ~~ونضب المعين ألقيت القلم والورقات ورحت أتثاءب وأتمطى كأنما كنت نائما، ويكون هذا آخر عهدي ~~بما كتبت في يومي. # وقد استعملت لفظ «التمخض» وأنا أعنيه، فليس ثم أدنى فرق فيما أعلم وأحس بين التمخض ~~بالجنين، وبين حركة التوليد في النفس؛ وكما تفتر المرأة بعد أن تضع طفلها، ولا ينازعها في ~~ذلك الوقت شوق إليه أو تحس فرحا به، وإنما يكون إحساسها بالفرج بعد الضيق الذي كانت فيه ~~والكرب الذي كانت تعانيه، والراحة بعد الجهد والمشقة والعذاب. والتفتير الذي يورثها إياه ما ~~تجشمت، كذلك يكون الأديب بعد أن يستريح من أزمة النفس أو الفكر. # ويخطر لي أحيانا أني كالمسافر الذي لا يذهب إلى المحطة إلا والقطار يوشك أن يتحرك، فما ~~أراني أكتب إلا في اللحظة الأخيرة؛ وقد ألفت أن أرجئ الكتابة مادام في الوقت فسحة، وأحسب ~~أنه لو وسعني أن أكف عن الكتابة لفعلت، فإني أوثر الراحة على هذا العناء الباطل، وبي مثل ~~بلادة التلميذ الذي لا يذهب إلى المدرسة إلا محمولا على ذراع الخادم، فليت من يدري أهذه ~~عادة اعتدتها أم هي طباع وفطرة واستعداد؟ على أني أعرفني من المرجئين في كل شيء: الدين أفر ~~من أدائه ما وسعني الفرار، والنوم أكره أن أستيقظ منه، والفراش يشق علي أن أترك نعيمه، ~~واليقظة أستثقل أن أنزل عنها - كل حالة أكون فيها أشتهي أن تطول وتدوم، إلا التنغيص والألم ~~كما لا أحتاج أن أقول. # وقد جربت أن أكتب ولا أنشر، فكتبت رواية «طويلة» ودسستها في درج المكتب، ومضت شهور، ~~وسافرت إلى لبنان فحملتها معي لأراجعها هناك قبل طبعها، فلما أجلت فيها عيني وجدت أن الحالة ~~النفسية التي كتبتها بها قد ذهبت، وأن حالة أخرى قد استولت علي، فحاولت أن أستعيد تلك ~~الحالة الأولى فأعياني ذلك، فأجريت القلم في الرواية ms76 بالتبديل والتغيير، والتقديم والتأخير، ~~والحذف والإضافة، وإذا بالرواية قد صارت شيئا جديدا فقلت لا بأس، وطويتها، وفي عزمي نشرها ~~بعد الأوبة إلى مصر. فلما صرت في بيتي خطر لي يوما أن أخرجها وأتصفحها ، فإذا بي في حالة ~~نفسية جديدة لا تسمح لي بالرضى عن الرواية في صورتها الثانية.. فأعملت فيها القلم ومسختها ~~مرة ثانية ومازلت بعد ذلك أرجع إليها بالمسخ كل بضعة شهور حتى يئست فانتزعت منها فصولا ~~تصلح أن تكون قصصا قصيرة ومزقت الباقي. وحمدت الله على الراحة بعد طول العناء. وأيقنت أنه ~~خير لي ألا أكتب إلا إذا وثقت من النشر بعد أن أضع القلم. # وأذكر أن بعضهم سألني مرة «أي كتبك أحب إليك؟» فلما قلت: «ولا واحد» استغرب جوابي وأنكره، ~~وذكرني بأني قلت مرة إن هذه المفاضلة عسيرة لأن الكتب كالأبناء، والوالد لا تخفى عليه مزايا ~~أبنائه وعيوبهم ولا يجهل أن هذا ذكي وذاك غبي مثلا، ولكنه مع ذلك يحبهم جميعا على السواء ~~وإن كان يعرف فضل بعضهم على بعض. وهذا صحيح، على الجملة، وفي الأغلب والأعم، ولكني رجل دأبي ~~أن أراجع نفسي، ولا تنفك حالاتي النفسية تتغير فنظرتي إلى الشيء وإحساسي به يختلفان من يوم ~~إلى يوم. وثم أمر آخر هو ما يتمثل لي من صور الكمال وما يبدو لي في عملي من وجوه النقص ~~والقصور، وليس لي حيلة إلا أن أقيس ما أخرجت إلى ما كنت أحب أن يكون، وإلا أن أحدث نفسي أنه ~~كان في مقدوري أن أصنع خيرا مما صنعت، ولو كنت أعتقد أن هذا هو غاية ما يبلغه الجهد ويصل ~~إليه الإمكان لرضيت وقنعت واغتررت، ولكني أحس أني أقدر على خير مما أفعل؛ وقد يكون هذا ~~إحساسا كاذبا، كالجوع الكاذب، وقد يكون خدعة من خدع الغرور، فإن يكن كذلك فإنه ولاشك ~~بلاء، ولكنه الواقع على كل حال. وما أكثر ما أسمع من يثني على كتاب لي، فأتركه يثني فإن ~~الثناء حبيب إلى النفوس، وأتعجب له فيما بيني وبين نفسي وأسألها: ماذا أعجبه ms77 يا ترى؟ أما لو ~~أن رجلا نقد نفسه..؟ وأزداد غرورا، وأشعر أني فوق هذا المادح.. ولكني أتواضع وأقول له ~~وأنا مطرق - ووجهي فيما أعتقد وأرجو مضطرم من فرط الحياء - «أستغفر الله! أستغفر الله ! يا ~~شيخ قل كلاما غير هذا!» الخ الخ. # فإذا كنت لا أكتب إلا قبيل أوان النشر بأوجز فترة لأني بليد ولأن نفسي تتعاقب عليها حالات ~~مختلفة فأسخط على ما كنت أرضى عنه وأذم ما حمدت؛ وأستضئل ما أكبرت، ولا حيلة لي في ذلك. ~~وماذا أصنع إذا كنت أحس أني مسوق إلى جس نفسي وقياس قدرتها إلى ما ينبغي مما ترتسم صوره في ~~نفسي وتتمثل لي في خواطري؟ # الفصل الثامن عشر # خواطر في مرقص # بعد سنوات طوال ذهبت إلى معهد من معاهد الصبى، وبي - وأنا الكهل المجرب - مثل حياء الغرير ~~وخجلة الحدث واتخذت لي مكانا قبل المرآة وقريبا من فرقة الموسيقى وعلى مستدار المرقص، ~~وكنت أول الداخلين وأسبقهم في تلك الليلة. وكأنما نكر مني الخدم لمتي الموخوطة وقامتي ~~القميئة العرجاء ونظرة الحيرة والقلق، فجعلوا يصوبون عيونهم ويصعدونها في، وضايقني أحدهم ~~بكثرة لحظانه رجلي أو بما توهمته من ذلك وكبر علي أن أرى هذا الزنجي يتغفلني ويدور من ورائي ~~ليتسنى له أن يتأمل - وهو آمن - حذائي واختلافهما، فمددت له ساقي في كبر وغطرسة، ودعوته إلي ~~بإشارة ملؤها العجرفة وأمرته أن يسقيني شيئا،فمضى عني وهو يبتسم فزاد ذلك في حنقي وأقسمت ~~لأهجونه. # نعم وقد بررت بقسمي وقلت فيه أو في نفسي هذه الأبيات: # النجاء النجاء يابن ... # من سيوف الهجاء ذات المضاء # لا لعمري وأين تهرب مني # ومناياي طي هذا الهواء؟ # أنا كالموت مدرك كل حى # أتحداه بالأذى والهجاء # أنا كالشمس مدرك ليلك الأس # ود بالنور واللظى الكواء # أتوخاك حيث كنت من الأر # ض ولو غبت في حبال الهباء # لو تخذت الرياح خيلا لما أفل # ت فارضخ لرغبتي وقضائي # ولئن طرت في السماء فإني # بالغ منك مأربي في السماء # ويمينا لأجعلنك أحدوثة # كل الركبان والإملاء # ناشرا كل سوأة لك تطويها # دؤوبا، ms78 وفعلة شنعاء # ومعيدا من حفرة القبر أشلا # ءك أنتن بهن من أشلاء # فإذا كنت ما زعمت من الإنس # ان أطرقت شدة استحياء # سيقول اللعين قزم يلاقيك # بساق عرجاء ذات التواء # إن أكن قزمة فإن قوافي # طوال جدا بغير انتهاء # كل ذي عاهة ولا شك جبار # فحاذر من رجلي العرجاء # كان تيمور أعرج الساق فافطن # لمعاني العاهات والأدواء # وتأمل مثال ما نحن فيه # قصة سقتها عن القدماء # زعموا أن معشرا ركبوا الماء # وحثوا سفينهم بالغناء # ورآهم قزم فنادى مهيبا # أن دعوني أكن من الشركاء # أنا قزم كما ترون فلا تخشوا # زحامي مجالس العظماء # فرضوا وانبرى إليه سفيه # حسب الفضل كله في الرياء # ذو لسانين، بل بوجهين ملاق # ووجه يعيب بالإيماء # يتلقاك خاشعا باسم الثغر # ويلقي حبائل الحقراء # وإذا ما سمعته قلت سبحانك # ربي ذا أوحد الفضلاء # وإذا ما بلوته لم تصدق # أنه ينتمي إلى حواء # ورآه القصير يضحك منه # حاسبا أنه من الأغبياء # وإذا بالسفين جاش بها التيار # والقزم آخذ في النماء # وأحس الرفاق بالضيق حتى # عالجوا غمرة الردى والفشاء # وأخونا القصير يكبر أضعا # فا ولكن عن صحة وامتلاء # وانثنى سائل يقول من العملاق # أنا من كربه في بلاء # قال كنت القصير قدما فأما الآ # ن فالضخم هائل الانحناء # ذا مثالي لو كنت تفهم يا غر # ولكن حرمت فضل الذكاء # ذا مثال العظيم يظهر في النا # س ويمضي بأوفر الأنصباء # يحرم الناس ما ينالون لولاه # فهم من وجوده في عناء # ألخ.. ألخ ... # واسترحت بعد أن أعملت فيه هذه السيوف الضاربة في الهواء، ولم أعد أبالي هذا الزنجي ~~المسكين بعد أن عرفته «مقامي» ورميت إليه بهذا «البلاغ النهائي» واستطعت أن أدير عيني فيما ~~حولي وأن أرى، وكان الناس قد بدأوا يفلون، ورجال الموسيقى يصلحون آلاتهم، وقد كنت ومازلت ~~أمرأ بلذ له أن يراقب إصلاح هذه الآلات وإعدادها للعزف وتهيئتها لإخراج الأصوات المنشودة، ~~ولذلك عندي وفي ملتي عملية سيكولوجية، وللنفوس كما لهذه الآلات أوتار تحتاج إلى المعالجة ~~والإصلاح والإعداد ولكم عجبت لمن يحسب ms79 أن في وسع الكاتب أو الشاعر أن يكتب أو ينظم في أي ~~موضوع وفي أية ساعة من ساعات الليل أو النهار وفي كل حالة من حالات النفس، وقد يتخذ بعضهم ~~ذلك دليلا على القدرة وما هو بدليل إلا على أن النفس ضيقة محدودة الجوانب كالبيانو ~~والميكانيكي الذي يحمله المتسولون والذي لا يحتاج إلى ضارب أو لاعب ولا يتطلب منك إلا أن ~~تدير مفتاحه فيخرج لك أنغاما معينة لا يعدوها أبدا، على خلاف البيانو العادي أو الكمنجا ~~التي تستطيع أن تنطقها بما تشاء وتوقع على أوتارها ما تحب والتي يسعها أن تؤدي لك كل ما ~~تستطيع ابتكاره من التوافيق والتواليف الموسيقية. # ولم يدهشني، وأنا أنظر إلى المرآة في تلك الليلة وأتأمل الشيب الذي انطلق في رأسي، وأفكر ~~فيما أسلفت عليه القول أن أحس بالهرم وأشعر كأني شيخ هرم محطم الأعصاب مهدود الكيان، ألست ~~صحفيا؟ ألا تتقاضاني هذه الحرفة التي أدركتني كل يوم. وأن لا أستريح يوما. أليس معنى هذا ~~أني في كل يوم حين أريد الكتابة، أقسر أعصابي على أنتكون في حالة لم تتهيأ لها من تلقاء ~~نفسها تهيؤا طبيعيا؟؟ وإذا كان المرء لا يفتأ كل يوم يثني أعصابه ويكرهها على حالات مختلفة ~~ويصبها فيها.. أفيكون عجيبا بعد ذلك أن يشفى الجهاز العصبي على التحطم من توالي هذا ~~الإجهاد والإرهاق؟ وهذا شر ما في الصحافة وأقسى ما نرجو منها، ولقد صدق من قال - ولعلي أنا ~~القائل ذلك «فما أدري على التحقيق «إنها مهنة يجب أن يكون أمل المرء ومطمحه من ورائها أن ~~يعجل بالخروج منها وتطليقها». # وابتسمت إذ عرفت من بين الموسيقيين واحدا لم تغيره هذه السنين التي غيرتني ولم تشب في ~~رأسه شعرة ولم تتركه إلا غضا بضا كما كان. وكدت أومن بالخلود في الدنيا وأنا أنظر إليه ~~وأعجب له وأقول: أتراه ذوى وذبل ثم عاد فربا واهتز كالشجرة، وعاد أخضر بعد أن كان أصفر؟؟ ~~أسبع سنين لا شيء حتى تدع إنسانا كما كان ولا تخلف أثرا في وجهه أو ms80 هيئته أو مظهر قوته؟ ~~وفكرت في طبيعة الزمن وسره المحجب وفي قول تنيسون في زهرة: لو استطعت أن أعرف ماذا أنت من ~~أصلك إلى فرعك لعرفت ما الله وما الإنسان، أو شيئا بهذا المعنى، وهذا صحيح فإن في أدق ما ~~في الكون كما في أجله وأضخمه جماع السر، فالقطرة من الماء اختزال للمحيط، وفي الذرة من ~~الرمل معنى الصحراء ومن فهم «لحظة من الحياة» فأخلق به أن ينفتح له معجم الحقائق كلها ولكن ~~ما هي اللحظة؟ إن الزمن استمرار غير منقطع وليس هو بسلسلة من اللحظات المنفصلة منظومة ~~كالعقد، وإنما هو لحظة واحدة وحركة واحدة لا ابتداء لها ولا نهاية يستطاع تصورها والحياة ~~تغير مستمر وليس بصحيح أن شيئا فيها - لا التاريخ ولا غيره - يعيد نفسه. # وبدا لي وأنا غارق في هذه الخواطر كأن صاحبنا الموسيقي يقول لي على سبيل الاعتراض - ولكن ~~حياتي أنا ليست سوى إعادة مكررة. وكل يوم عندي ككل يوم. فأنا أقوم عند الظهر وأحلق وأفطر - ~~أو أتغذى إذا شئت - وأراجع بعض الأصوات أو الأدوار ثم في المساء أركب الترام إلى قريب من ~~هنا وأقضي الليل إلى الفجر في هذا العزف، فهل من شك في أن ركوبي الترام ما بين منزلي وهذا ~~المرقص تكرار وإعادة؟؟ إن العوامل كلها واحدة فكيف تكون النتيجة مختلفة؟ # قلت دفعا لهذا الاعتراض - كلا يا سيدي ليست العوامل واحدة فإنها جميعا مختلفة متباينة، ~~وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان ولكني رغبة مني في إقناعك أغفل من حسابي كل ما هو عرضي ~~وأفرض جدلا وإكراما لخاطرك أن المعجزة تقع كل يوم وأن كل شيء في الترام يبقى كما هو يوما ~~بعد يوم، فلا يتغير مقعدك فيه ولا ينقص أو يزيد أحد من راكبيه، ولكنه يبقى بعد ذلك أن عمرك ~~زاد يوما بمضي يوم، وإذا أسقطنا هذا أيضا ولم نر قيمة فإنه يبقى أن حادثة السبت مقترنة ~~بالسبت لا بالأحد لأنها سابقة له وهو لاحق بها، وفي وسعك أن تركب هذا الترام مائة مرة ms81 أو ~~مائتي مرة ولكنك لا تستطيع أن تركبه مرتين للمرة الأولى أو مرتين للمرة الثانية أو للثالثة ~~وفي قدرتك أن تقلد عملا صدر عنك ولكنك لا تقدر أن تعيده أو تكرره، لأن «الآن» حقيقة فذة ~~ينطوي فيها كل الماضي الذي لا يعيش إلا في الحاضر، وليت ثم لا ماض ولا مستقبل إلا تخيلا، ~~ولا شيء حقيقي أو شبيه بالحقيقي غير الحاضر. والماضي لا يتمثل للذهن إلا بالذكرى أو الأثر، ~~والمستقبل لا يستطاع تمثله إلا فكرة. # وخفت إذا أن استرسلت في هذه الخواطر أن يتغير عنواني وينتقل إلى «العباسية» فجعلت بالي ~~إلى الموسيقى وإلى صاحبنا الذي يرمقني بعين ويرمق النوتة التي يعزف منها بالأخرى من غير أن ~~يؤدي ذلك إلى تفكك في شخصيته، وأدرت عيني في جمهور الراقصين المتخاطرين فأثار المسمع ~~والمنظر ذكريات وألمح إلى نبوءات وأنشأ رغبات وأوجد مخاوف، ولم يسعني إلا أن أعجب للحاضر - ~~وأنا أعني به اتصال الشخصية أو ما يسمونه ال«ايجو» بما يحيط بها في هنيهة من الزمن - أقول ~~لم يسعني إلا أن أعجب للحاضر وكيف أنه لا يشغل إلا حيزا ضئيلا جدا من وعينا، وللعقل ~~الإنساني وكيف أنه لا يستطيع أن يفطن للحادثة أو يدركها حق الإدراك إلا بعد أن تمضي ولو ~~بثانية واحدة أو بعض الثانية، أي بعد أن يكون العقل قد لحق بها وكون لها صورة معينة. ذلك أن ~~الحادثة عبارة عن حركة أو تدفق ونحن لا ندرك الحادثة ولكن صورتها والجانب الأكبر من حياتنا ~~العقلية عبارة عن تذكر للماضي - أي ما كان - وتوقع دقيق أو غير دقيق للمستقبل أي ما سيكون. ~~ويمكن تقريب ذلك بمثال - صديقان - محمد وعلي - يلتقيان فتقوم عينا كل منهما بتبليغ هذه ~~الحادثة ويتولى العقل تسجيلها ولا يستغرق ذلك شيئا يذكر من الزمن، ولكن المهم والذي يعنينا ~~هو أن هذه الحادثة لا تدرك إلا بعد تمامها ووقوعها. أي أن كلا من محمد وعلي لا يشعر بلحظة ~~اللقاء إلا بعد أن تمر وتلحق بالماضي. وشرح ذلك أن محمدا يرى بعينيه صورة ms82 من صاحبه على ~~فيما نسميه الحاضر، ولكنه بعين عقله يرى أيضا صورة مؤلفة من ذكريات اجتماعاته السابقة ~~بعلي. ومقدار التوافق بين الصورتين هو الذي يجعل محمدا يعرف أن هذا هو علي وكذلك مبلغ ~~سروره بلقائه أو كراهيته له مرجعه إلى ذكر ما كان علي قد قال أو فعل فيما مضى، وإلى ما ~~ينتظره - استنادا إلى الماضي - أن يفعل أو يقول في المستقبل. # وقس على هذا غيره، فالذي يدخل غرفة مثلا دخلها قبل ذلك تسعا وتسعين مرة يدخل في الحقيقة ~~ما يصح أن نصفه بأنه مائة «رواية» لهذه الغرفة، والذي يدخلها لأول مرة لا يعرف أي شيء هي ~~إلا بفضل تجربته السابقة لغيرها من الغرف. ذلك أن الإدراك مستحيل بغير الذاكرة وربما كانت ~~الحياة نفسها مستحيلة بغير الذاكرة الواعية «التي تكون وراء الوعي» إذ كانت الغريزة ليست ~~إلا نوعا من الذكرى. والعقل يعيش في الماضي لأنه يعجز عن إدراك الحاضر ولا يستطيع أن يدرس ~~إلا ما وقع أي تم أو بعبارة أدق لا يدرك إلا صورة يستريح إلى التسليم بأنها مطابقة للحقيقة، ~~ومعنى ذلك أننا نعيش ونحيا بين الصور التي نرسمها لتيار الحياة، وليست صورة المستقبل في ~~أذهاننا إلا مرقعة من صورة الماضي. # ولما وصلت إلى هذا الحد وجدتني أسأل نفسي: إذا صح ذلك أفلا يكون التفكير الإنساني كله ~~خرافة؟ وإذا كانت درجة التطابق بين هذه الخرافة وبين الحقيقة ليست مما يمكن تعيينه أفلا ~~يمكن تعيينه أفلا يكون الشك مطلقا؟! # وهربت من الجواب بنظرة إلى المرقص، وكرعة روية من الشراب قلت بعدها لنفسي: إن فلسفة هؤلاء ~~الراقصين أمتع من هذه الفلسفة التي لا آمن أن تؤدي بي إلى الشك في وجودي إذ كيف أستطيع أن ~~أثق بحواسي وبما تنهيه لي إذا أطردت هذه الأقيسة وجرى بي هذا المنطق إلى غايته؟ وما لي إلا ~~أن أستنيم إلى مثل فلسفة هذه الخلائق المغتبطة؟ وبأي شيء تفضل فلسفتي فلسفاتهم؟ وإلى أي مدى ~~أبعد تبلغ بي؟ اسمح لي إذن بقدح آخر أيها الزنجي المحترم وصفحك ms83 عن هجائي الذي لم يضرك ولم ~~تشعر به. # الفصل التاسع عشر # الرجل والمرأة # 1 # أمر النساء في كل حال عجيب. وإذا كان أحد من الرجال يفهمهن - كما ينبغي أن يفهمهن - ~~فأنا والله بهن جاهل. ولي العذر، فما أراهن يفكرن في شأن على نحو ما أفكر أنا أو ~~يتناولنه من الناحية التي أتناوله منها. وأحسب أن هذا الضرب من الجهل هو الوحيد الذي لا ~~يعيب المرء أو يسقط قيمته أو يزري به. قالت لي مرة فتاة من معارفنا: «ما قولك؟» قلت: ~~«خير إن شاء الله! نعم يا ستي!» قالت: «هل يشغلك شيء غدا؟» قلت: «إذا كنت تعنين بالشيء ~~العمل فإنه لا ينقطع، على أن أمري بيد الله ثم بيدي فأشيري كيف تأمرين، والعوض على الله ~~قالت: «اسمع. نريد..». # فقاطعتها: «نريد؟ هكذا؟ بلفظ الجمع؟» # قالت: «لا تقاطع من فضلك. اسمع.. نعم أختي وبنت عمي وأنا». # قلت: «أهلا وسهلا تفضلي..». # قالت: «الجو في هذه الأيام بديع.. تهيئ لنا زورقا حسنا نظيفا مريحيا، نركبه في ~~النيل ونقضي يومنا كله على متن الماء، ونتغدى فيه أو في إحدى «المقاتات» التي نمر بها ~~في طريقنا». # قلت: «اقتراح جميل، ولكن.. أنا وحدي أكون معكن؟ وفي خدمتكن؟ ارحمن يتمي يا ~~فتيات!» # فقالت: «تستطيع أن تدعو فلانا وفلانا». # فدعوتهما وأعددنا الطعام ومررنا بهن فحملناهن إلى قصر النيل حيث كان الزورق ينتظر، ~~ولم ألق إليهن نظرة حتى نزلن من السيارة وشرعن ينحدرن إلى مكان الزورق، فدهشت، فقد كانت ~~ثيابهن زاهية نظيفة مكوية، بل كانت أفخر وأبرع ما رأيتهن فيه، فتناولت ذقني بيدي وقلت: ~~«هيه.. نهارك أسود يا أبا خليل» ولم أكد أهز رأسي هزتين حتى نادتني إحداهن فنظرت إليها ~~مستفسرا فقالت: «خذ بيدي فإني أخشى أن أزل وأقع على التراب أو تغوص قدمي فيه» فسألتها ~~وأنا أتناول يدها: «أين تحسبين نفسك؟ في سباق الخيل؟ ما هذه الثياب التي لبستها؟» # قالت وهي تحني رأسها لتنظر إلى قدميها: «ما لها؟ ألا تعجبك؟» # قلت: «تعجبني تعجبني. ولكنها لن تعجبك بعد نصف ساعة في ms84 الزورق». # ولا أطيل. ركبن، ووثبنا نحن وراءهن فأشرنا إليهن أن يجلسن فنظرن إلى المقاعد - ولم ~~يكن بها سوء والله - متأففات مترددات فنفضنا لهن التراب الموهوم عن الحشايا المطروحة ~~على المقاعد. وصحيح أنها ليست وثيرة جدا، ولا جميلة المنظر، ولكنها نظيفة. غير أن ~~فتياتنا تبادلن نظرات تنبئ بالامتعاض ولا تنبئ بالرضى، ثم انتهين بأن جلسن متلاصقات ~~جدا محاذرات أشد الحذر؛ وكان لابد أن أغضي عن ذلك فليس ذنبي أنهن جئن في ثياب لا تصلح ~~إلا على الأرض اليابسة. وناولت أحد إخواني مجدافا وأخذت أنا الآخر، وتركنا الدفة ~~لثالثنا. وقام الملاح فدفع الزورق عن الشاطئ بالمردى، ثم بدأنا نجدف وكنت أضرب الماء ~~برفق شديد حتى لا يطير منه شيء، ولكن رشاشا منه كان يصيبهن على الرغم من ذلك فيصرخن ~~ويتلاغطن ثم يتدانين ويعبسن ويمسكن عن الكلام ولا تبقى لهن عين يدرنها في المناظر التي ~~جئن لينعمن بالنظر إليها. # وأخيرا قال الذي بيده الدفة: «خذ أنت الدفة وأعطني المجداف». # فلم أتردد في القبول فما كان يسرني أن أكون سبب التنغيص. واتخذ صاحبي مقعده وراح يضرب ~~الماء بعنف فيتعالى الصراخ فلا يعني بأن يلتفت إليهن ولا يزيد على أن يقول وهو يضحك: ~~«لا بأس! سينشف الماء ثم يفرك الوحل فلا يبقى شيء..» وقد حرن ما يصنعن لاتقاء هذا ~~المطر. وكنت ربما ضحكت إذ أراهن يخرجن مناديل في سعة الكف وينشرنها على حجورهن كأنما من ~~الممكن أن تستر شيئا. # وأخيرا بلغنا مكانا دنونا من شاطئه، وقال الملاح: إن الأحسن أن يجر الزورق بالحبل. ~~وقام فأخرج حبلا طويلا شده على الزورق ووثب إلى الشاطئ وراح يجر، وقعد أحدنا عند ~~الدفة ليضبط الزورق فلا يجنح أو يلصق بالأرض. فعاد إلى الفتيات البشر وانطلقت ألسنتهن ~~وإن كن لم ينسين موجدتهن علينا لما أصابهن من البلل. ثم تهامسن ونهضن وجعلن يصحن ~~بالملاح وهو بعيد لا يسمع ونحن نسألهن ماذا يبغين وهن لا يباليننا أو يجبننا. وسمع ~~الملاح فوقف وارتد إلينا، وإذا بهن يردن أن يتولين هن جر الحبل أو ms85 «اللبان» كما يسميه ~~النواتية. فنصحنا لهن ألا يفعلن وحذرناهن وأنذرناهن فأبين إلا أن يفعلن، وفي ظنهن أن ~~هذا أسلم لثيابهن، وأشرح لصدروهن وأجلى للصدأ وأجلب للصحة أيضا، فتركناهن يفعلن ~~وأدنينا لهن الزورق من الشاطئ وحملناهن واحدة واحدة إلى الأرض. فذهبن يجرين إلى أول ~~الحبل حيث تركه الملاح ودفعنا نحن السفينة إلى الماء مرة أخرى وكنا نراهن فإذا باثنتين ~~منهن تتناولان الحبل معا، وكانت الثالثة تدور حولهما ولا تصنع شيئا، فمرة تكون ~~أمامهما وتارة تكون خلفهما وهكذا، فانتهى الأمر بأن التف الحبل على سيقانهن جميعا ~~فصرخن ووقفن يحاولن تخليص أرجلهن مما أحاط بها فخلصت أرجلهن ولكن الحبل صار على صدورهن ~~وأعناقهن، والزورق يضطرب بنا ونحن نحاول أن نضبطه بالمجداف. واستطعن أخيرا وبعد لأي ~~وصراخ فظيع أن يتجنبن شنق أنفسهن، فتهامسنا بأن الأولى بنا أن نسكت وندعي الجهل بما حدث ~~وأن ننظر ماذا يصنعن بعد ذلك. ويظهر أنهن خجلن أن يقلن شيئا فعدن إلى الحبل واستأنفن ~~جره فحمدنا الله ولكنهن كن يمشين شيئا، ثم يقفن فجأة وعلى غير انتظار منا، فيضطرب بنا ~~الزورق فناديناهن، فلما تنبهن إلى أننا نريد أن نكلمهن وقفن وأقبلت علينا واحدة منهن ~~وقفت بعيدا وأشارت إلينا تسألنا عما نريد، فصحت بأعلى صوتي: «لا تقفن». # فقالت ويدها على أذنها. «إيه» فقلت لصاحبي: «صوتكما أقوى فكلماها وأفهماها أن الوقوف ~~يضايقنا ويتعبنا، ففعلا. فلما عرفت ما نريد بدأت تسألنا هل نحن مسرورن، وهل هن يحسن جر ~~الحبل؟ فأثنينا على براعتهن، وامتدحنا حذقهن، وأكدنا لهن أن الدولة حين تحتاج إلى ~~ربابنة ونواتية للأسطول فإنهن سيكن خير المرشحات أو خير أساتذة المدرسة البحرية. وكنا ~~نرجو أن تعود إلى زميلتيها فيستأنفن جر «اللبان» ولكنها تذكرت أن بها حاجة إلى منديل ~~مما في حقيبتها فأخرجناه لها وحملناه إليه فذهبت به وإذا بثانية تعود وتصيح بنا أنها هي ~~أيضا تحتاج إلى منديل فناولناها إياه، وبدا لها أن الثالثة قد تطلب منديلها فيحسن أن ~~تأخذه على سبيل الاحتياط، فأجبناها إلى ما طلبت، فذهبت ثم عادت وقالت إن ms86 الثالثة لا ~~تريد المنديل فهي ترده لنضعه حيث كان فأطعنا ومضت، وبعد دقائق أخرى عادت الثالثة تقول: ~~إنها رأت أن الأحسن على كل حال أن تأخذ المنديل، فدعونا الله أن يعيننا على الصبر ~~وأعطيناها المنديل فذهبت وأوعزنا إلى الملاح أن يلحق بها وأن يتولى هو الحبل ولا يدع ~~للفتيات إلا المظهر. # ولما جاء وقت الطعام تخيرنا رقعة من الأرض خضراء ظليلة وتأهبنا للجلوس فنظرت الفتيات ~~إلى الأرض مشفقات من البلل كأنما بقي ما يخشين على ثيابهن التي خططها الحبل بالوحل ~~فنشرنا لهن مناديلهن فإن مناديلهن لا تصلح لشيء إلا للزينة فجلسن عليها كالرماح ~~استقامة، وكنا نشعر أنهن غير مرتاحات وأن الجلسة متعبة لهن، وأن خوفهن البلل ينغص عليهن ~~ولكن ماذا كان يسعنا أن نصنع؟ ولو كان يسعنا أن ننقل لهن بعض أثاث البيت من سجاجيد ~~وحشايا ومتكآت وما على ذلك لفعلنا. ولكنا لم نكن نعلم أنهن سيرتدين هذه الثياب التي ~~تصلح للعرض ولا تصلح لرحلة على النيل. # وانحدرت الشمس قبل أن نعود إلى قصر النيل فكدن يبكين لأنهن تأخرن وكن على موعد مع ~~الخياطة، فعجبنا لاتعادهن معها في يوم يخرجن فيه لمثل هذه الرحلة التي طلبنها وأردن أن ~~تستغرق النهار كله. ولكن المرأة هكذا أبدا. تكون لها عين في الجنة وعين في النار. ولست ~~ألومها أو أعيبها فإنها طبيعتها التي لا حيلة لها فيها، ولكني أرجو ألا ألام - وأن أعذر ~~- إذا كنت أشعر بالحيرة والعجز في كثير من الأحيان عن الفهم الصحيح والتقدير المرضي ~~المريح، وأحسب أن الرجال جميعا مثلي جهلة مساكين. ولاشك أن المرأة يحيرها كذلك ملا ~~تفهم من طباع الرجل وسلوكه، فالعجب بعد ذلك أن الجنسين يستطيعان أن يقنعا أنفسهما ~~بأنهما متفاهمان، وأن كل شيء بينهما على ما يرام. # 2 # يندر أن تجد امرأة تستطيع أن تصادق رجلا من غير أن تخلط الصداقة بالحب أو ما هو منه ~~بسبيل - أعني حين يكونان في سن - وعلى حال - تسمح بإمكان هذا الخلط أو توقعه. وعسى أن ~~أكون قد تجنيت على ms87 المرأة فما أعرف أن الرجل أقدر منها على إبقاء هذا التحول إلا ~~قليلا.. ومن يدري.. لعل نظام الحياة الذي أقامه الإنسان وكظه بالمواقع والحواجز بين ~~الرجل والمرأة قد زحزح هذه العلاقة عن مكانها الطبيعي وجعل لها عندنا صفة خاصة ومقاما ~~بمجرده لا تتصل فيها بغيرها من العلاقات الإنسانية العاجية - كأن تلك غير عادية - وأقام ~~للصداقة حدودا وللحب حدودا لا تتداخل ولا تتقارب فاضطرب تفكيرنا جدا من جراء هذا ~~الشطط في التعمل والإغراق في التكلف. فنحن نتخير الألفاظ التي نصف بها العلاقات بين ~~الناس وفق ما يوحيه إلينا النظام الذي ألفنا أن تقوم عليه حياة جماعتنا الخاصة فنجعل ~~هذه العلاقات على ضربين - ضرب عادي - كالذي يكون مثلا بين الرجل والرجل أو الرجل وأمه ~~أو أخته أو بنته الخ وضرب آخر جنسي كالذي يكون مثلا بين الرجل وزوجته أو غيرها من ~~النساء - في الأغلب والأعم - ولست أرى هذه العلاقة الجنسية إلا عادية جدا بل لعلها هي ~~وحدها العادية وسواها هو الذي نجم منها ونشأ عنها وتفرع عليها ولا أرى أي موجب لأن نجعل ~~لها كل هذا الشأن الخاص الذي يميزها ويفردها ويبرزها ويدير الخواطر عليها إدارة لا ~~تستحقها ولا نحمد أثرها لأنها تفقد المرء القدرة على الاحتفاظ بالقيم الحقيقية لضروب ~~العلاقات وتمسخ تفكيره وتحول دون استجلاء الحقائق على وجهها وصورتها الصحيحة. # على أن هذا استطراد أغراني به أن الكلام يفتح بعضه بعضا والذي أردت أن أقوله لما ~~تناولت القلم هو أن لي صديقة متزنة تعجبني منها قدرتها على إبقاء هذا الخلط كائنا ما ~~كانت علته وهي تزورنا ونزورها كلما سنحت لنا ولها الأحوال ونأنس بحديثها فإنها محدثة ~~بارعة ولولا أن الأمر لا يعدو بيننا هذا الحد لصح فيها قول ابن الرومي. ~~«وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز» ولكن البيت الثاني يصدق ~~وذلك حيث يقول: «إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز» غير أنا لا نتفق ~~أبدا على رأي ولا تلتقي نظرتانا إلى شيء ms88 «في ملتقى منه واحد» وتلك هي المزية فما ثم أي ~~خير في صداقة بين اثنين متماثلين متطابقين حتى ليعد أحدهما نسخة من صاحبه. وبمضي الوقت ~~في الجدل فإذا نحن قد سلخنا نصف نهار أو هزيعا أو اثنين من ليل ويخشى الذي يرانا ولا ~~يعرفنا أن تقع الجفوة وتحل النبوة وتحدث القطيعة ولكن الواقع أن هذا الجدال الحامي لا ~~يزيد الحال بيننا إلا وثاقة. وأنا لا أزال أقول لها أن المرأة مخلوق غير الرجل وأنه ليس ~~بصحيح أنها خلقت من ضلع في جنبه الأيسر - أي قريب من القلب - وانه لو كتب علي أن تكوني ~~زوجتي لكنت أشقى الناس بك وكنت أنت أشقى الناس بي وليس ذلك لنقص في جمالك - وهو ما ~~تعتزين وتعتز به كل امرأة - بل لأن الحياة معك تكون كالسير بين الوعور والحفر فتقول لي ~~إنك كاذب أو أنت تغالط نفسك فليس أحب إليك من هذا الجدل الذي لا ينتهي إلى اتفاق ولذلك ~~تأنس بمجلسي كما لا تأنس بمجلس سواي وأني لأستطيع أن أحلف إنك تستأنف حوارنا وجدلنا ~~فيما بينك وبين نفسك وتود لو عدت إلي أو عدت أنا إليك لتفضي إلي بما خطر لك أن حجتك ~~تعلو به على حجتي. # وصفحة وجهها كتاب مفتوح فما نظرت إليها إلا عرفت ما يجول في رأسها الصغير - فإنه صغير ~~وإن كان عقلها كبيرا - قلت لها مرة وقد زارتنا في يوم صيفي وساعة لا يطيب فيها للإنسان ~~إلا أن يكون في ثلاجة أو برميل ماء بارد «هذه الزيارة ليست لله» فضحكت وقالت كن ملاكا ~~واصحبني إلى دكان ... فإني أريد أن أشتري بضعة أشياء قلت: «قولي كن مجنونا.. إن الذي ~~يصحب امرأة حين تريد أن تشتري أشياءها لا يكون إلا مسلوب الرشد قليل العقل.. جنس لطيف.. ~~والله ما أعرف اسمك من جلد المرأة ... تذهب إلى الدكان فيخف الرجل المسكين إليها ويحتفي ~~بها ويقدم لها الكرسي ويتلطف ويسألها هل تسمح له أن يطلب لها ليمونا باردا أو قهوة ... ~~ويفرك الأبله يديه ويسألها في أدب ms89 جم وبابتسامة عريضة تصل فمه بأذنيه بماذا تأمر.. ~~فتأمر حضرتها بأن يعرض عليها كل ما عنده فوق الرفوف فيحمل الرجل ويضع.. لا تضحكي.. إنما ~~أعني أنه يحمل إليها ما تشير إليه أو تصفه ويضعه أمامها وينشره على عينها فتجسه وتقلبه ~~وتمط بوزها وتشير إلى غيره وتخرج مرآتها من المحفظة وتنظر إلى صورتها فيها برهة ثم تعود ~~إلى التقليب وهكذا والرجل يتصبب عرقا وبعد ساعة أو اثنتين والمسكين صابر، تبتسم وتقول ~~لا مؤاخذة.. إنما كنت أريد أن أتفرج فقط.. تتفرج.. فقط وتخرج تخطر وتدعه ينفلق ويطق ~~ويلعن الوجه الذي أصبح عليه في يومه وهي مسرورة لا تباليه ولا تدرك ما كلفته ولا ترحمه ~~ولا تشعر أنها خليقة أن تخجل.. لا يا ستي.. خذي زوجتي إذا شئت فإنها امرأة مثلك واعفيني ~~بالله من شرف السير في ركابك العالي فإني لا أريد أن أصاب بالفالج وإذا كنت لا ترحمينني ~~فارحمي أولادي فإنهم مازالوا زغب الحواصل..». # فتضحك ولا ترى في خطبتي الطويلة هذه إلا أنها مثال لأسلوب الرجل في التفكير. # وكانتا - هي وزوجتي - معي مرة خرجنا لنشتري ملاءات مما يفرش على السرير فشرطت عليهما ~~أن تدعاني أتولى أنا أمر الشراء وأن تبقيا في السيارة وإلا فأن مستعف فقبلتا على مضض ~~وبعد جدال طويل ولم يقنعهما الكلام ولكنهما رأتاني وضعت رأسي على كفي وأصررت وأضربت عن ~~ذكر العواقب فرضيتا - على مضض كما قلت - وذهبت بهما إلى محل.. وتركتهما في السيارة ولو ~~وجدت سبيلا لإيصادها عليهما لفعلت ولكن اليوم كان حارا وقد خفت أن أتهم بخنقهما. ~~وقصدت إلى حيث توجد هذه الملاءات فانتقيت منها أمتنها وأجودها وأكبرها - وأغلاها أيضا ~~- وأديت الثمن ولم أغب عنهما إلا دقائق فما كان منهما إلا أنهما صرختا في وجهي.. صرختا ~~لأني رجعت بهذه السرعة.. إذن لابد أن تكون الملاءات أسخف ما يمكن أن تكون نسجا وثمنها ~~قد رمي في التراب.. ولكن يا ستي أنت.. وأنت أيضا يا ستي.. جساها شداها.. انظرا متانة ~~نسجها.. تأملا طولها وعرضها.. لا فائدة.. لابد أنه كان ms90 هناك ما هو خير من هذه الملاءات ~~وإذا لم يكن ما هو خير فالمحلات الأخرى كثيرة فماذا كان داعي هذه العجلة وإلقاء الفلوس ~~في التراب فلما ضجرت ويئست من إقناعهما بأن المعول في هذا الأمر ليس على ما يضيع من ~~الوقت في الانتقاء قلت لهما أن حل المشكل بسيط.. دعوا لي هذه الملاءات وخصوا بها سريري. ~~أم أنت يا زوجتي الفاضلة فاشتري لنفسك ولولديك ملاءات أخرى متى رزقني الله بثمنها وعوضي ~~على الله. # أترى الوقت لا قيمة له عند المرأة.. تقول الصديقة الفاضلة إن هذا كلام فارغ وأن ~~المرأة تعرف قيمة الوقت كما يعرفها الرجل فأقول ولكني أرى المرأة تقضي ساعة وساعات في ~~زينتها ومن الممكن أن تتزين في دقائق فترد علي بأن من الرجال من يضيع وقتا طويلا في ~~لبس ثيابه. فأقول إن هؤلاء كالنساء فارغون أو أنهم لا يدركون قيمة الوقت إدراكا ~~صحيحا. وليس كل الرجال كذلك ولكن كل النساء كذلك وينقصني أن أعرف المرأة التي تستطيع ~~أن تثب من سريرها وتتجهز للخروج في دقائق معدودات كما يفعل معظم الرجال ولست أنحي على ~~المرأة من أجل ذلك فإنها معنية بجمالها - ولو كانت أقبح من قرد - والرجل معني بعمله ~~وسعيه في الحياة فليست الزينة مطلبه لأنه ليس ثم ما يبغيه بها ولكنها مطلب المرأة لأنها ~~عندها أداة لتأكيد جمالها وإبرازه ولفت النظر إليه ولإرضاء إحساسها هي بما تتوهمه من ~~جمالها. وأقول ما تتوهمه لأنه ليس كل امرأة جميلة ولكنه ما من واحدة تشك في أنها كذلك ~~مهما بلغ من دمامتها في نظر الرجال ولا رد لصديقتي على هذا وأمثاله إلا أننا معشر ~~الرجال مغرورون مستبدون وأننا نرى الرأي في المرأة فنظن أنه كل الصواب ونحاول أن نفرضه ~~عليها. # فأقول إن هذا ذنبكن.. لماذا لا تبين لنا ماذا أنتن وكيف تفكرون ومن أية ناحية تنظرن ~~إلى الأمور إذا كنتن تعتقدن أننا مخطئون فيما نرى فيكن؟ افعلن ذلك وأرحن واسترحن. فتقول ~~إنما قصرنا في ذلك لأنكم معشر الرجال استعبدتم النساء وألزمتموهن ms91 حالة لا يقبلنها وقد ~~شرعنا نتحرر من ربقتكم فانتظروا. فأقول أنا مع المنتظرين وخيرا إن شاء الله. # 3 # سأحاول أن أصف للقارئ يوما سعيدا قضيته ي الهواء الطلق مع الصديقة التي حدثته عنها ~~وزوجتي الفاضلة وإحدى القريبات العزيزات وكلبها. وقد ذكرت الكلب في الآخر وأن كان حقه ~~التقديم لأني أخشى إذا أن أنصفته أن أظلم أنا وكان الاتفاق أن تمر بنا القريبة العزيزة ~~فنحملها إلى الصديقة التي تعهدت لنا من قبل أن تكون قد تهيأت للخروج ووقفت رشيقة أنيقة ~~تطل من الشرفة فلا تكاد ترانا مقبلين حتى تهبط إلينا ولو بمظلة فلا تحوجنا إلى الصعود ~~وإضاعة الوقت. # وبكرت في النوم في تلك الليلة وتركت لزوجتي الفاضلة إعداد القليل الذي عسى أن نحتاج ~~إليه في نهارنا وكان المتفق عليه أن يتحرك الركب من منزلنا العامر في الساعة السابعة ~~صباحا ولكن الزوجة بارك الله فيها تحسب لكل احتمال حسابه فقد تتعطل السيارة مثلا ~~وتأبى أن (تسير) فيحتاج إصلاحها ساعة أو بعض ساعة وقد يورثني هذا نوبة عصبية تتطلب ~~إفاقتي منها ساعة أخرى وهكذا فما لهذه الاحتمالات آخر كما ترى ومن أجل ذلك أيقظتني في ~~الساعة الرابعة - أي الثالثة بحساب التوقيت في الشتاء - فقمت مذعورا وفي ظني أن الشمس ~~قد ارتفعت وفركت عيني وأنا أتمتم بما حضرني من ألفاظ الاعتذار فابتسمت وقالت: «لا يزال ~~في الوقت متسع» فمددت يدي إلى الساعة ونظرت فيها وصرخت. ألست معذورا يا ناس ... فنهرتني ~~عن الصياح وقالت: «لا تصح هكذا لئلا تقلق الجيران» فهززت رأسي يائسا وقلت: «صحيح.. لا ~~يجوز إقلاق الجيران.. الشهادة لله يا امرأة أنت أرفق الناس بالجيران وأحرص خلق الله على ~~راحتهم.. ليتني كنت جارا لك» ولم تبق لي حيلة لأن النوم لا يواتيني بعد أن أستيقظ. ~~ولكن ماذا بالله أصنع في ثلاث ساعات طويلات. واستبشرت خيرا بهذه البداية الحسنة ~~والفاتحة السعيدة. ورحت أتباطأ وأتلكأ حتى مضى ربع قرن فيما أحس وإذا بالساعة لا تزال ~~منتصف الخامسة ... نهايته من يدري بما كانت السيارة قد خرجت ms92 فلنخرج إليها ولنر ماذا ~~أصابها. وذهبت إلى مكانها وبي خجل أن أزعجها في مثل هذه الساعة وأدرتها فدارت واستجابت ~~لي كالجواد الأصيل وأعترف أنها خيبت أملي وغن كانت قد أفرحتني وخطر لي خاطر فصرفت خادم ~~«الجراج» الذي كان قد أقبل عليها يمسحها وأسكت المحرك ودخلت في السيارة وقلت لنفسي ~~اضطجع هنا وأحاول أن أنام إذا استطعت والبقاء هنا على كل حال خير من البيت ~~وضجيجه. # ولكن الزوجة فاضلة ورقيقة القلب أيضا وقد أقلقها غيابي فجعلت تبعث إلي بالخادمة ~~الصغيرة كل ربع ساعة لتطمئن على صحتي وصحة السيارة وكنت أقول للخادمة الصغيرة كلما جاءت ~~أن بالسيارة خللا هينا وقد بعثنا في طلب رجل يصلحه. وكان إقلاق الخادمة لي أهون على ~~كل حال مما قدرت أن يكون حظي في البيت. وأزفت الساعة أخيرا بعد أن كادت روحي تزهق ~~فمضيت بالسيارة إلى رصيف البيت وما كدت غاصا بالحقائب، والسلال، والكراسي الصغيرة التي ~~تطوى وما إلى ذلك من أدوات فما يستطيع السائر أن يجتزه ألا بدبابة. وأقبلت الزوجة ~~والقريبة ومعها كلبها فقلت (انظرا ... هذا جار فقدناه فكن عساه يكون يا ترى) فقالت الزوجة ~~- غفر الله لها - جار أي جار ... هذه أشياؤنا.. قلت أشياؤنا.. شيء جميل.. وماذا بقي في ~~البيت.. ألا ترين أن الأصوب أن نأتي بالقليل الباقي ونضع الجملة في لوري يتبعنا.. قالت: ~~كلام فارغ. في السيارة متسع وزيادة. فملت إلى السيارة وقلت لها (قواك الله وزادك صبرا ~~اوسعة فإن بك اليوم حاجة إلى السعة لقد كنت أحسبك مجعولة للركوب بس. فإذا بك تصلحين ~~أيضا أن تكوني (مخزن فراشة) للأفراح والليالي الملاح. # ولا أطيل ولا أقول كيف اجتمع الناس ووقفوا ينظرون ونسوا ما كانوا خارجين إليه من عمل ~~أو غيره فإني أنا أيضا أحب أن أنسى ذلك الصباح الجميل ومضينا إلى الصديقة - بارك الله ~~فيها أيضا - ووقفنا على رصيف بيتها وصعدنا بعيوننا إلى الشرفة فألفيناها عاطلة - أعني ~~فارغة - فنفخنا في البوق مرة وأخرى وثالثة - عبثا كما لا أحتاج أن أقول - فاقترحت ~~زوجتي أن أصعد ms93 إليها وأستعجلها فهززت رأسي غير موافق وقلت «تذكري يا امرأة أنه الدور ~~الرابع وإن الدرجات أكثر من ستين واعتبري أني جار وترفقي بي وارحميني» قالت: «كلام ~~فارغ.. مالك.. إنك كالحصان» قلت: «إذا جئتك بشهادة من طبيب بأن قلبي مسكين ضعيف وأن هذه ~~السلالم تؤذيه وقد تودي به فهل تقتنعين..». # قالت «كلا..! ولا بألف شهادة». قلت «عن الجيران يحزنون جدا إذ أصابني مكروه فهل ~~يرضيك أن ينزعج الجيران المساكين ويحزنوا ويلطموا ويندبوا وتقوم في بيوتهم القيامة» ~~قالت: (لا فائدة. إذا لم تصعد أنت فمن يصعد؟ عيب يا شيخ) قلت «أصحيح.. إذن فلنصعد ~~جميعا فالظلم الشامل ضرب من العدل» وقد أغراني بهذا الاقتراح أني أيقنت أننا سنصعد ~~جميعا على كل حال. وقوبل الاقتراح بالموافقة وتوكلت على الله ورحت أصعد خلفهما - أو ~~خلفهن إذا حسبنا الكلبة - فألفينا الصديقة العزيزة جالسة إلى مرآتها وشعرها يقطر ماء ~~وفي يدها مشط تسرحه به وهي تبتسم لنا أو لصورتها لا أدري. # ووقفت في مدخل الباب أنظر إلى هؤلاء النسوة وهن يثرثرن ويلغطن - جميعا في وقت واحد ~~حتى ليشق عليم أن تعرف أيهن التي تتكلم وأيهن التي تصغي ولم أسمع كلمة واحدة من كلمات ~~العتاب على إخلاف الموعد، وكدت أطق حين سمعت الصديقة تقول أن النوم كان حلو جدا ~~وتتساءل لماذا يكون النوم حلوا حين يكون على الإنسان أن يبكر في القيام، ولم تقتصر ~~الزوجة في إسماعي عفوا لا عمدا بالطبع - ما يجعل انفلاقي أسرع وأتم فقد جعلت تشكو من ~~أنها استيقظت قبل الفجر بساعة أو اثنتين وحياة صديقتها - بلهجة توقع في روع السامع أني ~~أنا المسئول عن هذا التبكير. # وفكرت برهة وأنا واقف كالتمثال - وليتني كنت تمثالا.. إذن لما سمعت ولا انفلقت - ~~فبدا لي أن خير ما يمكن أن أصنع هو أن أذهب إلى المطبخ لعلي أجد فيه ما يؤكل فما كنت ~~ذقت شيئا في نهاري الأبيض. وكانت أدوات المطبخ من الطراز الحديث - كهرباء وغاز وما إلى ~~ذلك فتذكرت «لوريل وهاردي» وكيف أن أحدهما - لوريل إذا لم ms94 تخني الذاكرة - ترك الغاز ~~مفتوحا وذهب ليجيء بعود كبريت فلما عاد وأشعله حدث انفجار عظيم قذف به إلى غرفة ~~مجاورة. وقلت لنفسي قد يكون هذا مبالغة ولكن الذي أعرفه أني في حياتي ما لمست كهرباء أو ~~نقطة غاز خوفا من سوء العاقبة فيحسن أن أكتفي بقطعة من الجبن الطري وبيضة أو اثنتين ~~كما باضتهما الدجاجة أو كسرة من الخبز ولو ناشفة فإن هذا أسلم ولكني لم أستطع العثور ~~على شيء - حتى ولا كسرة من الخبز - في هذا المطبخ فتعجبت للصديقة ومطبخها أهو منظر يا ~~ترى ليس إلا، وهل تعيش على الهواء، وبينما أنا أبحث ولا أجد نادتني الصديقة فذهبت إليها ~~فقالت لي بابتسامة حلوة «مادمت لا تصنع شيئا فهل تصنع معروفا وتبشر لي هذه الصابونة ~~لأرقد بها شعري» وهممت بالخروج لأفعل ما أمرت به فقالت الزوجة «وبعد أن تفرغ من هذا ~~أرجو أن تنزل وتجيئني بقطرات من البنزين لأن بياض حذائي اتسخ ولابد من تنظيفه فما ~~أستطيع أن أخرج به هكذا» وأرادت القريبة ألا تكون متخلفة فأدركتني قبل أن أخرج وقالت ~~«ما دمت ستنزل على كل حال - تأمل - فاذهب إلى أقرب صيدلية وهات لي حق «كريم» فإني لم ~~أجد وقتا لذلك في البيت والكريم الذي هنا لا أحبه.. أنت تعرف الصنف الذي أستعمله.. ~~هيه». # وعدت بعد ساعة. وما داعي للعجلة إن النهار كله أمامي على ما أرى فألفيتهن جالسات إلى ~~مائدة حافلة بألوان مغرية فوقفت أتعجب من أين جاء هذا كله. وجلست معهن في صمت وبعد أن ~~تناولت قدرا يسرا من الطعام حمدت الله الذي لا يحمد على المكروه سواه وفركت كفي وقلت ~~لهن ألا ترين أن الأوفق أن نبقى ونقضي النهار هنا بدلا من قضائه في الحر الذي بدأ ~~يلفح؟ فصحن بي صيحة واحدة وقلن إن الجو بديع وأنهن قد رتبن كل شيء. سيقضين أولا بعض ~~الحاجات البسيطة.. البسيطة جدا. وأمامهن بعد ذلك بقية النهار الطويل للفسحة والنزهة ~~والسرور. # فخطر لي وأنا أرشف القهوة أني سأكون تعيسا معهن - وحدثت ms95 نفسي أن الهرب هذا أوانه. ~~فاستأذنتهن في بضع دقائق وعدت بالسيارة إلى البيت ونمت. # وهكذا قضيت يوما سعيدا في الهواء الطلق فقد تركت الشباك مفتوحا له وللحر.. والذباب ~~أيضا.. أي نعم! ms96