######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.Sanin.Hindawi96869297 #META# Tags: novels #META# ID: 96869297 #META# Title: سانين #META# AuthorID: 18483842 #META# Author: ميخائيل أرتزيباشيف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 42571753 #META# Translator: إبراهيم عبد القادر المازني #META# Related_books: 1345MikhailArtsybashev.Sanin (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # إهداء الكتاب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # | سانين # | سانين # تأليف # ميخائيل أرتزيباشيف # ترجمة # إبراهيم عبد القادر المازني # | إهداء الكتاب # إلى ذكرى من لا تزال ذكراها المحبوبة تجدد في قلبي حسرة الوجد وزفرة الجوى، إلى من كانت مصدر ~~إلهامي، وشريكة مجهوداتي في صفوة ما سطره يراعي، إلى الصديقة الوفية، والزوجة المخلصة التي كنت أجد ~~من راسخ إيمانها بالحق ورفيع تقديرها للصدق أحث مشجع ومهيب، كما كنت أجد في جميل استحسانها، وكريم ~~إعجابها، خير مكافئ ومثيب، أهدي كتابي هذا - شأن كل ما لبثت أكتب منذ سنين عدة - ليمت إليها بمثل ما ms001 ~~يمت إلي، وإن كان لم يحظ من نفيس تنقيحها بأقصى الكفاية، ولم يستوف من ثمين تهذيبها أبعد غاية، إذ ~~بقيت طائفة من أجل أجزائه كانت قد أعدت كيما تعيد فيها نظرة متثبت مستمهل، ولكن أبى القدر إلا أن ~~يحرم الكتاب تلك النظرة، ولو أني أوتيت سحر البيان مما أعبر به للناس عن نصف ما ضمنت حفيرتها من ~~رائع الخواطر وشريف العواطف، لأسديت إليهم أضعاف أضعاف ما يستفيدون من كل ما أنا كاتبه، غير مستحث ~~بهمتها الماضية، ولا مؤيد بحكمتها العالية. # المؤلف # | الفصل الأول # لم يقض فلاديمير سانين أهم أدوار حياته في بيته بين أبويه، وهو الدور الذي يتكون فيه خلق المرء ~~بالاتصال بالعالم والامتزاج بالناس. ولم يكن له من يتعهده أو يهديه، فتفتحت روحه كما ينمو الغراس في ~~أتم حرية وأكمل استقلال. # غاب عن بيته سنين، فلما آب كادت تنكره أمه وأخته «ليدا» ولم تكن معارف وجهه وصوته وشمائله قد ~~تغيرت إلا قليلا. ولكن شيئا غريبا جديدا ناضجا حدث على شخصيته فأجال في محياه ضوءا وأكسبه معنى ~~لم يسبق بهما العهد. وكانت أوبته مساء فدخل الغرفة دخول من زايلها منذ خمس دقائق. وكان يعييك أن تلمح ~~في وجهه الساكن - أو أن تستكنه من ركني فمه الناطق ببعض السخر - شيئا من أمارات الإعياء أو دلائل ~~تحرك النفس وهو واقف في الغرفة مديد القامة وسيم الطلعة عريض الكتفين، فقرت ضجة التحية التي ~~استقبلته بها أمه وأخته من تلقاء نفسها. # وجلس يأكل ويترشف الشاي وأخته قبالته تحدجه بنظرها وكانت مشغوفة به شأن مثيلاتها - أو جلهن - من ~~الفتيات الجامحات الخيال في الولولع بإخوانهن النائين عنهن. وكانت أبدا تتمثله شخصا غريبا بالغا ~~من غرابة الأمر مبلغ من تقرأ عنهم في الكتب، وتتصور حياته في دائرة الأرجاء بشتى الفواجع والمآسي. ~~وتحسب أن حظه من العيش الشجي والوحدة ككل روح ضخمة مستعجمة. # فقال لها سانين وهو يبتسم: «لماذا ترميني بهذه النظرة؟» # وكانت هذه الابتسامة الهادئة والنظرة الفاحصة مألوف ما يطالعك من وجهه، ولكن العجيب أنهما لم ~~يقعا ms002 من «ليدا» موقع الارتياح، وكأنما خيل إليها أن فيهما معنى الرضى عن النفس، وأنهما لا ينمان عن ~~شيء من الصراع والألم الباطن، فصرفت وجهها عنه ولم تنبس، ثم جعلت غير عامدة تقلب صفحات كتاب. # ولما قضوا من الطعام والشراب حاجتهم مسحت أمه شعر رأسه في حدب وحنو وقالت: «والآن حدثنا عن ~~حياتك وما صنعت هناك.» # فقال سانين وهو يضحك: «ما صنعت؟ لقد أكلت وشربت ونمت وكنت حينا أعمل، وحينا آخر لا أعمل ~~شيئا!» # فجرى في وهمهما بادئ الرأي أنه لا يريد أن يحدثهما عن نفسه، ولكن أمه لما شرعت تسأله عن هذا ~~الأمر بعينه أو ذاك ألفته يرتاح إلى قص تجاريبه. غير أن المرء لم يكن يسعه إلا أن يحس - لأمر ما - ~~أنه لا يعبأ شيئا بما يكون لقصصه من الوقع والأثر في نفوس سامعيها. ولم يكن في شمائله - على دماثتها ~~ورقة حواشيها - ما ينم على تلك الألفة التي لا تكون إلا بين أهل الأسرة الواحدة. وكأنما كان لطفه ~~ودماثته من عفو الطبيعة كالمصباح يريق ضوءه على كل شيء بلا تمييز. # وبرزوا إلى شرفة الحديقة وجلسوا على درجها وجلست «ليدا» دونه تصغي إلى حديثه في صمت، وأحست في ~~قلبها برد الجليد، وقالت لها غريزتها النسوية الذكية إن أخاها غير ما خالت. واستشعرت الخجل والارتباك ~~في حضرته كأنه أجنبي منها. وانتشرت على الأرض غيابات العشي وزحفت حولهم الظلال. وأشعل سانين سيجارة ~~فاختلط شذى الطباق (التبغ) بأرج الحديقة وقص عليهما سيرته، وكيف رمت به حياته المرامي وكيف طوى ~~كثيرا وتشرد، وكيف خاض لجج الجهاد السياسي وكيف أنه لما أدركه الونى والفتور أقلع عنها ونكص. # وكانت «ليدا» مائلة إليه بسمعها دون حراك وعليها من رقة الحسن والحلاوة ما تفيضه أصائل الصيف ~~على كل فاتنة عذراء. # وكانت كلما أوغل في الحديث تزداد اقتناعا بأن حياته، التي وشاها خيالها بأبهج الألوان وأشدها ~~لألاء، لم تكن في واقع الأمر إلا عادية كأبسط ما تكون، ولكن فيها على هذا شيئا عجيبا. وما ذاك؟ هذا ~~ما لم تستطع ms003 اكتناهه. على أنه مهما يكن من الأمر فإن حياته على ما جاء في روايته لم تعد أن تكون ~~بسيطة مملة فاترة، يظهر أنه عاش حيثما اتفق ولم يعتمد شيئا يفعله على التعيين، فيوما يشتغل ويوما ~~يتبطل. ومن الجلي كذلك أنه كلف بالشراب وأن له خبرة بالنساء. وأحر بمثل هذه الحياة أن تخلو من ~~الحلوكة أو الشر، وهي لا تشبه في دقيق أو جليل ما توهمته من سيرته، لا فكرة يحيا لها، ولا هو يكره ~~مخلوقا ولا تعذب في سبيل كائن ما. ولقد كربها حقا بعض ما صارحها به وبخاصة لما قال إنه بلغ من ~~خصاصته ورقة حاله مرة أن رقع سراويله الممزقة بيده. # فلم تملك إلا أن تسأله: «أو تعرف إذن كيف تحوك؟» وفي صوتها نبرات الدهشة والزراية. إذ كانت تعد ~~ذلك هوانا وضعة، وترى فيه ما ينافي الرجولة في الواقع. # فقال سانين باسما وقد فطن إلى ما دار في خاطر أخته: «لم تكن لي بذلك دراية في أول الأمر ولكني ~~ما لبثت أن تعلمت بكرهي.» # فهزت الفتاة كتفيها بلا احتفال ولزمت الصمت ورمت الحديقة بعينيها وخيل إليها كأنها كانت تحلم ~~بالشمس الضاحية، فلما فتحت عينيها لم تجد غير سماء عائمة مقرورة. # واكتأبت أمه كذلك وحز في نفسها أن ابنها لم يشغل المركز الذي هو أهل له بحكم منزلته في المجتمع، ~~وشرعت تقول له إن الأمور لا يمكن أن تظل جارية على هذا النحو، وإنه ينبغي له أن يكون فيما يستقبل من ~~أيامه أرشد وأحزم، وكانت تكلمه في بادئ الأمر على حذر ثم بدا لها أنه لا يكاد يجعل باله إلى ما تقول، ~~فأخذها الغضب شيئا فشيئا وألحت عليه بالكلام ذاهبة إلى العناد والمشادة شأن العجائز السخيفات من ~~نظائرها لتوهمها أن ابنها يتعمد أن يكايدها. ولكن سانين لم يعجب ولم يضجر وكأنه لم يفهم ما قالت، فظل ~~صامتا غير مكترث. # بيد أنه لما سألته: «كيف تنوي أن تعيش؟» قال مبتسما: «على نحو ما.» وكان صوته الهادئ المتزن ~~ونظرته السريعة يوقعان ms004 في الروع أن لهذه الكلمات - التي لم تفهم منها أمه لا قليلا ولا كثيرا - ~~دلالة عميقة محدودة عنده. # فتنهدت ماريا إيفانوفنا وقالت بعد فترة بشيء من القلق: «هذا شأنك على كل حال فقد شببت عن الطوق ~~ولم تعد طفلا. ينبغي أن تطوف الحديقة فإن مجلاها يروق النظر الآن.» # فقال سانين لأخته: «نعم تعالي لتريني الحديقة فقد نسيت شكلها.» # فانتبهت «ليدا» من خواطرها وتنهدت ونهضت ومشيا جنبا إلى جنب في الطريق المفضي إلى قلب الحديقة ~~الجهمة. # وكان البيت على الطريق الأكبر في البلدة، ولما كانت هذه صغيرة فقد امتدت أرض الحديقة إلى النهر ~~ومن ورائه الحقول. والبيت قصر عتيق في عمده على الجانبين رخاوة وله شرفة رحيبة، وكانت الحديقة على ~~سعتها مهملة هائجة حتى ليحسبها رائيها سحابة خضراء باهتة قد نزلت إلى الأرض. وهي بالليل كمثوى ~~الأشباح وكأنما يغشاها طيف حزين يسري بين أغراسها المتوشجة أو يروح ويغدو في قلق على البلاط الترب ~~بذلك البناء القديم. وفي الدور الأرضي جملة الحجر الفارغة تكسوها الأبسطة الحائلة والستائر الحالكة ~~ثوبا مظلما، ولم يكن يتخلل الحديقة إلا طريق واحد ضيق أو ممر، مبعثرة في نواحيه الأغصان المصوحة ~~والضفادع المسحوقة. وكل ما في الحديقة من دلائل الحياة الهادئة المطمئنة محشود في ركن واحد منها. وثم ~~على كثب من البيت يلتمع الرمل الأصفر والحصى وهناك - إلى جانب حوض أنيق من الزهر يومض في نوره الطل - ~~يرى المرء مائدة خضراء يجلسون إليها للطعام أو الشاي في الصيف. فكانت هذه الزاوية الصغيرة التي نفخت ~~فيها الحياة السلسة الساذجة من روحها على نقيض ذلك القصر الضخم المهجور، المقضي عليه بالتداعي ~~المحتوم. # ولما خفي البيت عن أعينهما وأحاطت بهما الأشجار الصامتة الساكنة كأنها الشهود تنظر وتروي. دفع ~~سانين ذراعه فجأة حول خصر ليدا وقال بلهجة جامعة بين الرقة والعنف: «لقد صرت آية! وسيسعد بك أول من ~~تحبين من الرجال.» # فأرسلت لمسة ذراعه وعضلاته الحديدية هزة نار في عود ليدا اللين الغض. وصبغ وجهها الخجل. واضطربت ~~فتنحت عنه كأنما قاربها وحش ms005 غير مرئي. # وكانا قد بلغا حافة النهر فصعدت إليهما رائحة بليلة رطبة من الأعشاب المطرقة المترنحة في الماء، ~~وبدت مما يلي النهر الحقول في رداء من غبش الغسق تحت سماء مترامية تومض فيها طلائع النجوم. # ومال سانين وتناول عودا جافا ذاويا ووقصه وألقى بكسره في تيار الماء، فانداحت في لجته ~~الدوائر وزالت بأسرع مما ظهرت، وحنت الأعشاب النابتة رءوسها كأنما أرادت أن تحيي في سانين ندها ~~ورفيقها. # | الفصل الثاني # كانت الساعة السادسة والشمس ما زالت وضاءة، ولكن الحديقة ارتمت فيها الظلال الرقيقة، وكان الجو ~~كله ضوءا وحرارة وسجوا، وكانت ماريا إيفانوفنا تصنع مربى، فانبعثت تحت شجرة الزيزفون الخضراء رائحة ~~قوية من السكر المغلي والتوت البري. وكان سانين يكدح نهاره في أحواض الزهر معالجا أن ينفث الحياة في ~~بعض أعوادها التي أضر بها التراب والحر. # فقالت له أمه مقترحة: «أولى لك أن تقتلع الحشائش أولا. قل لجرونكا تصنع ذلك لك.» # وكانت ترقبة وتنتحيه بعينيها من حين إلى حين من خلال اللهيب الأزرق المرتعش. # فرفع سانين رأسه وهو متقد وقال باسما: «ولماذا؟» ورد شعره المتهدل على جبينه «لتنم كما شاءت ~~فإني أحب كل أخضر.» ~~- «أما إنك لفتى مضحك!» # وهزت كتفيها باشة، وقد سرها جوابه لأمر ما. # فقال سانين بلهجة الجازم المقتنع: «إنكم أنتم المضحكون.» ثم انصرف إلى البيت ليغسل يديه، ولما ~~عاد تمطى على كرسي ذي ذراعين مصنوع من عيدان الصفصاف وشاع في جواب نفسه الاغتباط وفي صدره ووجهه ~~الانشراح، وأشعرته خضرة الروضة ونور الشمس وزرقة السماء لذة الحياة أيما إشعار. وكان نفورا من المدن ~~الكبرى يمقت ضجتها. أما هنا فليس إلا الشمس والحرية. ولم يكترث للمستقبل ولا أحس من أجله دبيب القلق، ~~إذ كان غير متبطر - يتقبل من الحياة ما شاءت أن تهديه إليه - وأغمض جفنيه كل الإغماض ومط جسمه واهتز ~~مسرورا لتوتر عضلاته القوية الصحيحة. # وهب النسيم عليلا وعادت الحديقة كلها وكأنها تزفر، وجعلت العصافير هنا وههنا تصخب متناغية عن ~~حيواتها المهمة وإن لم تكن بالمفهومة، وكان كلبهم «ميل» مستلقيا ms006 على الحشائش الطويلة منصتا وأذناه ~~مرهفتان ولسانه الأحمر متدل من فمه. وأوراق الشجر تتهامس وظلالها المستديرة ترتعش على الحصى ~~الأملس. # وهاج ماريا إيفانوفنا أن طائر ابنها ساكن، وكان حبها له جما كحبها لأبنائها جميعا، فنازعتها ~~نفسها لهذا أن تستثيره وأن تجرح احترامه لنفسه لتكرهه على الالتفات إلى كلامها ولتحمله على مشاطرتها ~~نظرها إلى الحياة. وكانت كالنملة قد قضت كل برهة من عمرها المديد في إقامة ذلك البناء الواهي ~~لسعادتها المنزلية. وما كان أطوله وأعراه وأخلاه من بواعث السلوى النافية للملال! بل ما أشبهه ~~بالثكنة أو المستشفى! شيد بما يخطئه الحصر من دقائق اللبنات. وتالله ما أعجزها من مهندسة تحسب هذه ~~مباهج الحياة، وإن لم تكن سوى متاعب ضئيلة غادرتها في حالة دائمة من الاضطراب والقلق. # قالت: «أتحسب أن الأمور ستظل سائرة على هذا المنوال فيما بعد؟» # وتضاغطت شفتاها وتظاهرت بأن المربى تستغرق عنايتها، فسألها سانين: «وماذا تعنين بقولك فيما ~~بعد؟» ثم عطس فظنت ماريا إيفانوفنا أنه عطس عامدا ليهيجها وقطبت وجهها على الرغم مما في هذا الخاطر ~~من وضوح السخافة. # ثم قال سانين وكأنه يحلم: «ما أجمل أن يكون المرء هنا معك!» فأجابته بلهجة جافية: «نعم فإن ~~المقام هنا ليس بالذميم جدا.» وسرها من ابنها إطراؤه البيت والحديقة، وكانا عندها كأنهما من ذوي ~~قرباها الملازميها. # ونظر سانين إليها ثم قال وعلى وجهه هيئة التفكير: «لو أمسكت عن مضايقتي بكل أنواع الحماقات لعاد ~~المقام خيرا وأحمد.» # ونطق هذه الكلمات بصوت لين المكاسر فخالفت رقة اللهجة جفوة المعنى، # فحارت ماريا إيفانوفنا ولم تدر أترتاح إلى ما سمعت أم تمتعض وتغضب وقالت وهي مكتئبة: «إني لأنظر ~~إليك وأذكر أنك في طفولتك كنت دائما غريب الحال والآن ...» # فقاطعها سانين جدلا: «والآن؟» كأنما توقع أن يسمع شيئا ليس أمتع منه ولا أبعث على ~~السرور. # فقالت بحدة وهزت ملعقتها: «والآن أراك أشد جنونا منك في أي عهد!» # فضحك سانين وقال «هذا خير!» ثم بعد هنيهة «هذا نوفيكوف.» # وأقبل رجل طويل وسيم الصورة ينسجم على قوامه المعتدل ms007 قميص من الحرير أحمر يتوهج في ضوء الشمس ~~وفي عينيه الزرقاوين نظرة فاترة واشية بسذاجته وخلوص سريرته. وقال بصوت الودود: «هذا أنتم! - أبدا ~~في خصام! وبالله عليكم فيم تختصمون؟» ~~- «حقيقة الأمر هي أن أمي ترى أن الأنف الإغريقي أليق بي وأنسب، ولكني راض أتم الرضى عن أنفي ~~الذي في وجهي.» # ونظر سانين إلى أنفه وضحك ثم مد يده إلى يمنى صاحبة الكبيرة الغضة. # فقالت ماريا إيفانوفنا: «كذلك أحسبني أقول!» # وضحك نوفيكوف، وارتد إليهم من جانب الحديقة صدى رقيق كأنما هناك من يشاطرهم جذبهم ~~ومرحهم. ~~«أظني أحزر ما أنتما فيه، إنكما من مستقبلك في لجاجة.» # فصاح به سانين ذاهبا إلى المداعبة ومتكلفا الفزع: «وأنت أيضا؟» ~~- «إنك تستحق هذا عدلا!» ~~- «إذا اتفقتما علي فخير لي أن أنصرف عنكما.» # فصاحت به ماريا إيفانوفنا وقد هاجت بغتة وغاظها أنها هاجت: «كلا! أنا التي أزايلكما.» واحتملت ~~قدر المربي وأسرعت إلى البيت ولم تتلفت. ووثب الكلب ونصب أذنيه وهو يراقبها ثم حك أنفه بيمينه ورمى ~~البيت بنظرة المستفسر ثم عدا إلى الحديقة. # فقال سانين وقد سره خروج أمه: «أمعك سجائر؟» # فأخرج نوفيكوف علبة وهو يتريث في حركته وقال بصوت رقيق نبرات العتب: «لا يجمل بك أن تكايدها ~~هكذا. إنها سيدة عجوز.» ~~- «كيف كايدتها؟» ~~- «إنك ترى ...» ~~- «ماذا تعني بقولك «إنك ترى»؟ إنها هي التي لا تزال ورائي. وما أعرفني سألت إنسانا شيئا فكان ~~ينبغي للناس أن يدعوني وشأني.» # وصمت كلاهما برهة ثم سأل سانين صاحبه: «وكيف الحال يا دكتور؟» وتأثر بلحظة الدخان المتصاعد من ~~سيجارته وهو يتأوى فوق رأسه. ~~- «الحال سيئ.» ~~- «كيف؟» ~~- «من كل وجه. كل شيء ممل وهذه البلدة الصغيرة تأخذ بمخنقي وليس ما يعمله المرء فيها.» ~~- «ليس ما تعمل؟ إنك أنت الذي شكوت من أن الوقت لا يتسع للتنفس؟» ~~- «ليس هذا ما أعني. إن المرء لا يستطيع أن يظل عمره يعود المرضى، ولا أحد غير المرضى، هناك ~~حياة أخرى غير هذه.» ~~- «وما يمنعك أن تحيا هذه الحياة الأخرى؟» ~~- «هذه مسألة فيها بعض التعقيد والإشكال.» ~~- «وما ms008 وجه الإشكال فيها؟ إنك شاب جميل معافى البدن، فماذا تبغي فوق هذا؟» # فقال نوفيكوف بتهكم خفيف: «هذا لا يكفي في رأيي.» # فضحك سانين وقال: «لا يكفي؟ إني أراه حظا عظيما.» ~~- «ولكنه لا يكفيني» قالها ضاحكا بدوره. # وكان من الجلي أنه ارتاح إلى ما قاله سانين عن صحته وقسامته على أنه استحيا كالفتاة. # فقال سانين وكأنه يفكر: «ينقصك أمر واحد.» ~~- «وما هذا؟» ~~- «صحة الإدراك للحياة. إن الملل يجثم على صدرك. ولو أن ناصحا أشار عليك مع ذلك أن تنفض نعلك ~~من هذا المكان وأن تخرج إلى الدنيا الرحيبة لأشفقت أن تفعل.» ~~- «وكيف أخرج؟ كمتسول؟» ~~- «نعم حتى كمتسول! إني كلما نظرت إليك قلت لنفسي: هذا رجل يستهين في سبيل إيتاء الدولة الروسية ~~دستورا بأن يسجن في قلعة شلوسلبرج # 1 # بقيمة عمره وبأن يعقد كل حقوقه وحريته كذلك. ومع ذلك فما هو والدستور؟ وماذا يجنيه منه؟ ~~أما إذا كانت المسألة مسألة تحول عن أسلوب ممل من الحياة وذهاب إلى جهات أخرى طلبا لمصالح ومتع أخرى ~~راح يسأل نفسه: كيف أرتزق؟ ألست على كل صحتي وقوتي عرضة للأذى إذا لم يكن لي مرتب معين وإذا لم أوفق ~~لذلك إلى الزبدة إلى جانب الشاي وإلى قمصان الحرير والياقات الصلبة وسائر ما هو من هذا بسبيل؟ لعمري ~~إن الأمر مضحك!» ~~- «لست أرى في الأمر شيئا مضحكا على الإطلاق، فإن المسألة في الحالة الأولى مسألة قضية، فكرة، ~~أما في الثانية ...» ~~- «ماذا؟» ~~- «لا أدري كيف أعبر عما أريد» وعالج نوفيكوف أصابعه. # فقال سانين مقاطعا: «تأمل الآن! هذه طريقتكم أبدا في الفرار من الموضوع. ولن أصدق أبدا أن ~~الشوق إلى الدستور أشد لحاجة في نفسك من الشوق إلى الانتفاع بحياتك على أتم وجه.» ~~- «هذه مسألة متنازعة. وقد يكون الأمر كما ذكرت.» # فلوح سانين بيده تلويح الضجر وقال: «لا تقل لي! لو أن رجلا قطع أصبعك لآلمك الأمر أكثر مما ~~يؤلمك لو أنه كان أصبع روسي آخر. هذه حقيقة. أليس كذلك؟» ~~- «أو أنانية» يريد نوفيكوف أن يتهكم فيخرف. ~~- «ربما. ولكنها ms009 الحقيقة على كل حال. ومع أنه ليس في روسيا ولا في كثير غيرها دستور ما، بل ليس ~~فيها أضأل دليل على وشك ميلاد الدستور- فإن حياتك المملة هي التي تقيمك وتقعدك لا عدم وجود الدستور. ~~وأقول لك أكثر من ذلك» وهنا لمع في عينه بريق السرور «إنك مكروب - لا من جراء حياتك بل لأن ليدا لم ~~تمل إليك بالحب بعد، والآن أليس الأمر كما أقول؟» ~~«أي هذيان هذا؟» وصار وجه نوفيكوف كقميصه حمرة وبلغ من ارتباكه أن الدموع وثبت إلى عينيه ~~الفاترتين الرقيقتين. ~~- «كيف ترى قولي هذيانا وأنت لا ترى غير ليدا في الدنيا؟ إن الرغبة فيها مسطورة بأحرف جليلة ~~على جبينك.» # فاضطرب نوفيكوف اضطرابا محسوسا وأخذ يسرع في خطواته جيئة وذهوبا، ولو أن امرءا غير أخيها ~~كلمه على هذه الصورة لتألم أبلغ الألم، ولكن هذه الكلمات من فم سانين أذهلته. والواقع أنه لم يكد ~~يفهم ما يقول في أول الأمر. # فتمتم قائلا: «اسمع إما أنك تتكلف أو ...» ~~- «أو ماذا؟» وابتسم. # فلوى نوفيكوف وجهه وهز كتفيه وصمت. وكان الذي جرى في ذهنه غير التكلف هو أن يعد سانين رجلا ~~مستهترا خبيثا، غير أنه لم يستطع أن يصارحه بهذا الخاطر إذ كان منذ أيام الدراسة في الكلية يخلص له ~~الحب ويصدقه إياه، ومحال أن يكون نوفيكوف قد اختار لصداقته امرء سوء. وكان وقع هذا الكلام كريها ~~مذهلا، وأوجعته الإشارة إلى ليدا، ولكنها كانت معبوده فلا يسعه أن يحس الغضب لأن سانين ساق ذكرها ~~وسره هذا، ولكنه آلمه كأن يدا متقدة أمسكت بقلبه وضغطت. # وصمت سانين قليلا وهو مبتسم منشرح ثم قال: «أتمم كلامك. فلست أتعجلك!» # فظل نوفيكوف يجيء ويروح كما كان مجروح النفس لا شك في ذلك. ودخل في هذه اللحظة الكلب يعدو وحك ~~جسمه بركبتي سانين كأنما يريد أن يرى الناس مبلغ سروره هو الآخر فلاطفه سانين وهو يقول: «يا لك من ~~كلب طيب!» # وحاول نوفيكوف أن يجتنب اتصال الحديث وأشفق أن يعود إليه سانين وإن كان أحب موضوع إليه وألذه ms010 ~~وأنداه، وكل ما لا شأن له ب«ليدا» عبث عنده لا يطاق. # ثم راح يسأل سانين عفوا «وأين ليدا بتروفنا؟» وإن كان مع ذلك يكره أن يلقي السؤال البارز في ~~ذهنه. ~~- «ليدا؟ وأين يمكن أن تكون؟ تتنزه مع الضباط حيث كل الفتيات في هذه الساعة من النهار.» # فسودت الغيرة وجه نوفيكوف وهو يقول: «كيف تنفق فتاة مثلها براعة وتهذيبا وقتها مع هؤلاء الحمقى ~~الفارغي الرءوس؟» # فقال سانين باسما: «يا أخي، إن ليدا فتاة جميلة موفورة الصحة مثلك بل هي فوق ذلك. إذ كانت قد ~~أوتيت ما ينقصك - أعني الرغبة الحادة في كل شيء وهي تريد أن تعلم كل ما يعلم وأن تجرب كل أمر - هذه ~~هي آتية وما عليك إلا أن تنظر إليها لتفهم هذا. أليست بالله جميلة؟» # وكانت ليدا أقصر من أخيها وأجمل، وعليها من العذوبة ولين القوة فتنة تميزها، وفي عينيها ~~السوداوين نظرة شامخة، ولصوتها الذي تباهي به رنة موسيقية ملأى. فأقبلت على مهل تخطر برشاقة وإحدى ~~يديها ممسكة بثوبها السابغ، وأقبل من بعدها ضابطان شابان. ~~- «من الجميل؟ أهو أنا؟» # وأشاعت في الحديقة سحر صوتها وجمالها وصباها. # ومدت إلى نوفيكوف يدها، وعينيها إلى أخيها وكانت أبدا في حيرة من أمره لا تدري أجاد هو أم ~~هازل. # وقبض نوفيكوف على يدها واضطرم وجهه، ولكن ليدا لم تلمح انفعاله وكانت قد ألفت منه نظرة الاحترام ~~والحياء التي لم تضايقها. # وقال أجمل الضابطين وهو ناصب قامته كالجواد المتفحل: «عم مساء فلاديمير بتروفتش ~~(سانين).» # وكان سانين يعلم أنه سارودين وأنه كابتن في فرقة الفوارس وأنه ألح عشاق ليدا. # وكان صاحبه «الملازم» تاناروف يعد سارودين مثال الجندي ويحكيه في كل شيء ويضرب على قالبه في كل ~~أمر، وكان صموتا ليس له رشاقة سارودين ولا قسامته. # فقال سانين مجيبا أخته في رزانة: «نعم أنت!» ~~- «إني لجميلة لا شك! ولقد كان ينبغي لك أن تقول إن جمالي لا سبيل إلى وصفه.» # وضحكت جذلة وهوت إلى كرسي وهي ترشق أخاها سانين بعينيها. ورفعت ذراعيها وبدت بذلك معالم ms011 صدرها ~~الجميل، وأخذت تخلع قبعتها فسقط دبوس طويل على الحصى فهدل شعرها ونقابها، فصاحت بالملازم الصموت بصوت ~~أجش: «أندريه بافلوفتش! أعني.» # وتمتم سانين كمن يفكر بصوت عال وعينه مصوبة إلى أخته: «نعم إنها جميلة.» # فمالت إليه ليدا بطرفها في حياء وقالت: «إننا كلنا حسان.» # فضحك سارودين عن ثناياه الناصعة البراقة وقال: «ما هذا؟ حسان!! ها ها! لسنا نعدو أن نكون ~~كالإطار يظهر وضاءة جمالك الباهر.» # فقال سانين دهشا: «أقول يا لها من فصاحة!» # وكانت في صوته نبرة خفيفة من التهكم. # فنطق تاناروف الصموت وقال: «إن ليدا بتروفنا تحيل الغبي فصيحا.» وكان يساعدها على نزع قبعتها ~~فهدل شعرها فادعت الغيظ وهي ماضية في ضحكها. # وقال سانين «ماذا؟ وأنت أيضا فصيح؟» # فهمس نوفيكوف في خبث ونفسه مرتاحة: «دعهم يتفصحون!» # وقطبت ليدا جبينها لأخيها وكأنما كانت عيناها السوداوان تقولان له بأصرح عبارة «لا تحسب أني ~~عاجزة عن استبطان هؤلاء النفر، إنما أبغي أن أمتع نفسي، وما أنا بالورهاء الحمقاء وإني لأدري ما أنا ~~فيه.» # فابتسم لها سانين. # وتم أخيرا نزع القبعة. ووضعها تاناروف في تؤدة ووقار على المنضدة، ولكن ليدا صاحت به مداعبة ~~مظهرة الحنق: «أندريه بافلوفتش! انظر! انظر ماذا صنعت بي! لقد أفسدت شعري فاختلط وسأضطر أن أدخل ~~البيت لأصلحه.» # فقال تاناروف مضطربا متلعثما: «إني آسف جدا.» # وهمت ليدا وجمعت ذلاذل ثوبها وعدت ضاحكة وعيون الرجال تتعقبها، وأحسوا لما خفيت عن أنظارهم ~~كأنما خلصت أنفاسهم واستراحوا من ذلك الشعور العصبي بالتقيد الذي يعانيه الرجال عادة في حضرة فتاة ~~جميلة. # وأشعل سارودين سيجارة وجعل يدخنها بالتذاذ واضح، وكان المرء يحس إذا سمعه يتكلم كأنما عادته أن ~~يحدو الحديث، وإن ما يجري بذهنه يخالف ما يجري به لسانه وقال: «لقد كنت أحاول أن أقنع ليدا بتروفنا ~~أن تدرس الغناء درسا جديا فإن مستقبلها مضمون ما دام لها هذا الصوت.» # فقال نوفيكوف مشمئزا: «تالله ما أبدعها من مهنة!» وأشاح بوجهه. # فسأل سارودين مستغربا ونحى السيجارة عن فمه: «أي ضير في ذلك؟» # فرد عليه نوفيكوف وقد ms012 حمي فجأة: «ما هي الممثلة؟ إنها ليست إلا مومسا!» # ومزقت قلبه الغيرة وقطع نياطه ما تصوره من منظر هذه الفتاة التي يشتهي جثمانها إذ تبدو أمام ~~سواه من الرجال في ثوب فتان يكشف عن مفاتنها ويهيج عواطفهم، # فقال سارودين رافعا حاجبيه: «لا شك أنك تذهب إلى أبعد مما يجب.» # وكانت نظرة نوفيكوف كلها حقدا وبغضا وكان يرى في سارودين لصا ينوي أن يخطف عشيقته وأمضه - ~~فضلا عن هذا - حسن وجهه فقال: «كلا ليس في قولي تجاوز للحد. وتصور بروز المرأة على الملعب كاسية إلا ~~أنها عارية - حاسرة في بعض الأدوار الشيقة عن مفاتنها الشخصية لأولئك النظارة الذين لا يلبثون أن ~~يزايلوا المكان بعد ساعة أو نحوها كما ينهضون عن مومس بعد أن ينقدوها أجرها المعتاد! الحق إنها مهنة ~~فاتنة!» # فقال سانين: «يا أخي، إن كل امرأة تحب أن يعجب الناس بمحاسنها الخاصة.» # فهز نوفيكوف كتفيه متململا وقال: «ما أخشن هذا القول وأسخفه!» # فقال سانين: «ليكن خشنا أو غير خشن. إنه الحق على كل حال وأحر «بليدا» أن يكون لظهورها على ~~الملعب أعمق وقع. وإنى لأشتاق أن أراها ثم ...» # وأحسوا كلهم بالقلق وإن كان هذا الكلام قد أثار في نفوسهم رغبة غريزية في الاستطلاع. # ولما كان سارودين يعد نفسه أذكى من زملائه وأحزم فقد بدا له أن يبدد جو الارتباك الغامض الذي ~~اكتنفهم فقال: «وماذا تظنون الفتاة حقيقة أن تصنع؟ أتتزوج؟ أم تأخذ في نهج دراسي أم تدع مواهبها ~~تأسن؟ إن هذا يكون جريمة ضد الطبيعة التي جادت.» # فقال سانين ولم يخف تهكمه: «آه إن فكرة هذه الجريمة لم تخطر لي قبل هذه الساعة.» # وضحك نوفيكوف ضحكة خبيثة، ورد على سارودين متوخيا الأدب: «لماذا تعدها جريمة؟ لأن تكون المرأة ~~أما صالحة أو طبيبة خير ألف مرة من أن تكون ممثلة.» # فقال تاناروف محنقا: «كلا.» # فسألهم سانين: «ألا ترون هذا النوع من الحديث مملا؟» # ولكن سؤاله ضاع في نوبة سعال، وكان الواقع أنهم جميعا يعدون هذه المناقشة مدعاة للضجر وهي بعد ~~لا ms013 ضرورة إليها، على أنهم مع هذا ساءهم قول سانين فلزموا صمتا بغيضا. # ثم ظهرت ليدا وأمها ماريا إيفانوفنا على الشرفة. وكانت ليدا قد سمعت آخر ما نطق به أخوها وإن لم ~~تدر ما يشير إليه، فقالت وهي تضحك: «أرى الملال اعتوركم بسرعة فلنمض إلى النهر فإنه الساعة ~~رائق.» # ومشت أمام الرجال وقوامها الأنيق يخطر قليلا وفي عينها نظرة مبهمة يخيل إليك أنها قائلة بها ~~شيئا أو واعدة بشيء. # وقالت أمها: «تمشوا إلى وقت العشاء.» فصاح سارودين: «يسرني ذلك.» وعرض على ليدا ذراعه. # وقال نوفيكوف متهكما: «أرجو أن تسمحوا لي بمرافقتكم.» # ولكن وجهه كانت عليه سمات من يهم بالبكاء. # فقالت ليدا: «ومن ذا يمنعك؟.» # وأرسلت إليه نظرة باسمة عن كتفها. # وقال سانين: «نعم اذهب أنت الآخر. وقد كنت أحب أن أرافقكم لولا أنها مقتنعة بأني أخوها.» # فاضطربت ليدا وأسرعت ناظرة إليه وأرسلت ضحكة قصيرة عصبية. # وبدا على ماريا إيفانوفنا الامتعاض وقالت: «لماذا تتكلم على هذا النحو السخيف؟ أظنك تحسبه ~~أسلوبا مبتكرا؟» # فقال سانين: «الحقيقة أني لم أفكر في هذا على الإطلاق.» # ونظرت إليه أمه وهي مذهولة. وكانت لا تفهم ابنها ولا تعرف أذاهب هو إلى الجد أم يقصد إلى ~~الدعابة. ولا تدري فيم يفكر وماذا يحس على حين ترى الناس المفهومين غيره يفكرون ويحسون مثلها. وعندها ~~أن الرجل يجب أن يفكر ويحس ويعمل كما يفكر ويحس ويعمل غيره من أنداده المماثلين له من حيث المنزلة ~~الاجتماعية والعقلية. ومن رأيها كذلك أن الناس ليسوا رجالا متمايزى الشخصيات والخصائص وإنما ينبغي ~~أن يصبوا جميعا في قالب واحد عام، وشجعتها البيئة على اعتناق هذه العقيدة وقررتها في نفسها، فذهبت ~~إلى أن التربية من شأنها أن تجعل الناس فريقين لا ثالث لهما: أصحاب العقول والجهلاء. وللفريق الثاني ~~أن يحتفظ بشخصيته إذا شاء، ولكن هذا مجلبة لامتهان الآخرين. وأول الفريقين ينقسم إلى طوائف ولكن ~~آراءهم لا تطابق صفاتهم الشخصية بل مراكزهم الاجتماعية، ومن هنا كان كل طالب ثوريا، وكل موظف ~~مدنيا، وكل فني ملحدا، وكل ضابط ms014 طالب رتبة، فإذا حدث مصادفة أن طالبا مال إلى مبادئ المحافظين، ~~أو أن ضابطا صار فوضويا، فلا بد أن يعد هذا أمرا شاذا باعثا على أشد العجب بل مستنكرا. وإذا ~~ذهبنا نعتبر سانين وأصله وتربيته رأينا أنه كان ينبغي أن يكون على خلاف ما هو، ولذلك أحست ماريا ~~إيفانوفنا - مثل ليدا ونوفيكوف وسائر من اتصل به - أنه خيب الأمل فيه. ولم يفت غريزة الأم ما يقع في ~~نفوس الناس من ابنها فتألمت. # ولم يكن سانين يجهل ذلك وكان يود لو طمأنها، غير أنه لم يدر كيف يعالج ذلك مبتدئا. وخطر له ~~أولا أن يرائي ويدعي المكذوب من العواطف ليهدأ روعها ولكنه لم يفعل شيئا سوى أن ضحك. # ثم قام وخرج وظل برهة في سريره مستلقيا يفكر وخيل إليه كأنما يريد الناس أن يحيلوا الدنيا ثكنة ~~عسكرية خاضعة لقائمة من القواعد والأصول المجهولة للقضاء على الشخصية أو يجعلوها طوع قوة ما غامضة ~~عتيقة. # وأخب به التفكير وأوضع حتى تناول المسيحية ومصيرها ولكنه مل هذا الشأن حتى أخذه النوم ولم ~~يستيقظ إلا بعد أن حال المساء ليلا حالكا. # ولاحظته أمه وهو يخرج وزفرت هي أيضا واستغرقها الفكر وحدثت نفسها أن سارودين يتحبب إلى ليدا ~~خاطبا ودها، وتمنت أن يكون الأمر جدا وقالت لنفسها: «قد بلغت ليدا العشرين، وسارودين رجل حسن على ~~ما يظهر، وقد سمعت أنه سيعطي قيادة في هذا العام - نعم إنه غارق في الدين - ولكن ... لماذا رأيت ذلك ~~الحلم الشنيع؟ وإني لأدري أنه خاطر سخيف غير أني لا أستطيع أن أخلي منه رأسي!» # وكان الحلم الذي رأته قد بدا لها في نفس اليوم الذي دخل فيه سارودين البيت لأول مرة، فخيل إليها ~~أنها رأت ليدا في ثياب بيضاء تسير في مروج خضراء متألقة الأزاهير. # وجلست ماريا إيفانوفنا على كرسي وثير وأسندت رأسها إلى كفها كما تفعل العجائز، وأتأرت نظرها ~~إلى السماء المظلمة وساورتها الخواطر السوداء وعذبتها ولم تدع لها راحة وأحست شيئا مبهما أثار ~~مخاوفها وأزعجها. # | هوامش # | الفصل الثالث # كان ms015 الظلام قد خيم لما انقلب القوم عائدين من الحديقة. وكانت أصواتهم الصافية الجذلة تدوي في ~~الغسق اللين الذي اكتنف الحديقة، فجرت ليدا إلى أمها ضاحكة متألقة الوجه وحملت معها طيب النهر مشوبا ~~بأرج جمالها وريا شبابها الغض تضوعه رفقة المعجبين ومصاحبة المفتونين. # وصاحت بأمها مداعبة لها وجرتها معها: «العشاء يا أماه! هات لنا العشاء! وفي خلال ذلك يغنينا ~~فيكتور سرجيفتش.» # فخرجت ماريا إيفانوفنا لتهيئ العشاء ونفسها تحدثها أن القدر لا يسعه على التحقيق أن يدخر غير ~~السعادة لفتاة جميلة ساحرة مثل ابنتها ليدا. # ومضى سارودين وتاناروف إلى البيانو في حجرة الاستقبال. واطرحت ليدا في فتور وكسل على كرسي هزاز ~~على الشرفة. # وجعل نوفيكوف يروح ويجيء صامتا على أرض الشرفة ويخالس النظر إلى وجه ليدا وصدرها الناضج ~~المكتنز وقدميها الصغيرتين في حذائهما الأصفر وساقيها الرشيقتين، وهي في غمرة من سحر الحب الأول ~~وسطوته لا تكترث إليه ولا تلتفت إلى لحظاته، فأغمضت جفنيها وابتسمت لما يطوف برأسها من ~~الخواطر. # وكان الصراع القديم دائرا في صدر نوفيكوف: يحب ليدا ولا يدري ما شعورها نحوه، ويخطر له أحيانا ~~أنها تحبه ويهجس بقلبه أحيانا أخرى أنها لا تعبأ به وإذ خال الجواب «نعم تحبك» قال لنفسه: ما أحلى ~~وأسهل أن يؤاتيه هذا الجسم النقي اللين. وإذا كان «لا» فيا له من خاطر بغيض بشع! وراح تغضبه شهوته ~~وذهب يعد نفسه نذلا غير أهل لليدا. # ولما أنضته هواجسه آلى أن يستهدي الحظ. «إذا دست بقدمي اليمنى على آخر مربع خطبتها لنفسي وإذا ~~دست بقدمي اليسرى ف ...» وجبن عن التفكير فيما يحدث في هذه الحالة. # وداس المربع الأخير بقدمه اليسرى! فتصبب العرق البارد ولكنه لم يلبث أن طمأن نفسه وهون الخطب ~~عليها. ~~«يا لها من سخافة! لقد أشبهت العجائز! والآن - واحد، اثنان، ثلاثة - في الثالثة أذهب إليها ~~وأكلمها، نعم ولكن ماذا أقول؟ هذا لا يهم فلأمض! واحد. اثنان. ثلاثة! كلا! بل ينبغي أن يكون العد ~~ثلاث مرات! واحد، اثنان، ثلاثة! واحد، اثنان ...» # والتهب ذهنه وعصب ريقه وبلغ ms016 من عنف دقات قلبه أن ركبتيه تخاذلتا وارتعشتا. # وصاحت به ليدا وفتحت عينيها: «لا تخبط الأرض كذلك! إني لا أسمع شيئا!» # في هذه اللحظة فقط أدرك نوفيكوف أن سارودين يغني. وكان الضابط الفتى قد اختار أغنية قديمة ~~مطلعها: # أحببتك مرة! # وهل يسعك أن تنسي؟ # وما زال الحب يلعج قلبي # ولم يكن غناؤه قبيحا ولكنه كان كأحداث الفن يعالج الأداء بالمبالغة في تخريج الأنغام. # ولم يلف نوفيكوف ما يلذه في هذا العمل فسألها بمرارة غير مألوفة: «ما هذا؟ أأغنية من ~~تأليفه؟» # فقالت بحدة: «كلا! لا تقلقنا من فضلك. اجلس. وإذا كنت لا تحب الموسيقى فاذهب وانظر إلى ~~القمر!» # وكان القمر في هذه اللحظة يصعد من وراء قمم الأشجار السوداء - كبيرا مستديرا متوهجا - ولمست ~~أشعته اللينة الدرج الحجري وامتدت إلى ثوب ليدا واستراحت إلى وجهها الباسم المفكر وكانت الظلال في ~~الحديقة قد تكاثفت وصارت لها جهامة ظلال الغاب وعمقها. # فتمم نوفيكوف: «أنت عندي خير من القمر.» ثم لنفسه: «إنها لكلمة سخيفة!» # فاستضحكت ليدا وقالت: «يا له من إطراء خشن!.» # فقال باكتئاب: «لست أحسن الإطراء.» ~~- «حسن. إذن فاجلس واستمع.» وهزت كتفيها متضايقة. # ومضى سارودين يغني: # ولكنك لا تعبأين بي فلماذا أحزنك بهمومي # وكانت أنغام البيانو تدوي فضية الرنة في جوانب الحديقة الخضراء الرطبة وأخذ ضوء القمر يزداد ~~تألقا والظلال سوادا. # ومضى سانين إلى شجرة الزيزفون وجلس في ظلها وهم أن يشعل سيجارة، ولكنه وقف فجأة وجمد كأنما سحره ~~سجو الليل الذي زاد في سكونه البيانو وذلك الصوت الطري الفتي ولم يزعجه. # وقال نوفيكوف مسرعا كأنما ينبغي أن لا تفلت هذه اللحظة: «ليدا بتروفنا!» # فقالت وهي تلحظ الحديقة والقمر والأغصان الحالكة بادية تحت قرصه الفضي: «ماذا؟» ~~- «لقد طال انتظاري - أعني أريد أن أقول لك شيئا.» # فأمال سانين رأسه مصغيا. # وسألت ليدا وهي غائبة الذهن: «أي شيء؟» # وكان سارودين قد فرغ من أغنيته ثم عاد يغني بعد فترة وكان يعتقد أن له صوتا باهر الجمال وكان ~~يحب أن يسمعه. # وأحس نوفيكوف أن وجهه يحمر ثم ms017 يمتقع كأنما يوشك أن يغشى عليه ثم قال: «إني - اسمعي يا ليدا ~~بتروفنا - هل تقبلين أن تصبحي لي زوجة؟» # وكان وهو يتمتم هذه الكلمات يحس أنه كان ينبغي أن يقول شيئا يخالفها وأن عواطفه كان يجب أن ~~تكون غير ذلك أيضا، وما كاد ينطق بها حتى أيقن أن الجواب سيكون «لا» ووقع في نفسه أن أمرا بالغا ~~غاية السخافة سيحدث. # فسألته ليدا: «زوجة من؟» # ثم ما عتمت أن صبغ وجهها الخجل فنهضت نهوض من يهم بالكلام ولكنها لم تقل شيئا. وانصرفت عنه ~~بوجهها وهي مرتبكة فاستقبلها القمر بنوره وقال نوفيكوف: «إني أحبك!» # ولم يعد القمر يضيء في عينه وأخذ بمخنقه النسيم وشعر كأن الأرض ستنشق تحت قدميه ثم قال: «لست ~~أحسن إلقاء الخطب - ولكن - هذا لا يهم - إني أحبك جدا.» # ثم حدث نفسه: «أأقول جدا؟ لكأني أحدثها عن القشدة المثلجة!» # وأخذت ليدا تعبث وهي مضطربة بورقة صغيرة هوت من الشجرة إلى يديها وحيرها ما سمعت إذ كان غير ~~متوقع ولا طائل تحته. هذا إلى أنه أشعرها إحساسا جديدا من الكلفة البغيضة بينها وبين نوفيكوف الذي ~~كانت تنزله منذ صباها منزلة القريب وتحبه على هذا الاعتبار فقالت: «لا أدري ماذا أقول؟ إني ما فكرت ~~في هذا قط!» # فأحس نوفيكوف ألما وفتورا يعتوران قلبه كأنما سيكف عن الخفقان ونهض مصفرا وتناول ~~قبعته. # وقال وهو لا يكاد يسمع صوته وتلوت شفتاه المرتجفتان عن ابتسامة لا معنى لها: «عمي ~~مساء.» ~~- «أذاهب أنت؟ عم مساء.» # وضحكت ضحكة عصبية ومدت يدها فصافحها نوفيكوف مسرعا وسار دون أن يغطي رأسه إلى الحديقة، ولما ~~بلغ الظل وقف جامدا وأمسك رأسه بكلتا يديه وخاطب نفسه: «رب! لقد قضيت لي مثل هذا الحظ! أأقتل نفسي؟ ~~كلا! هذه سخافة أأقتل نفسي؟» # ودار بذهنه كل خاطر ضال غامض بمثل خطف البرق، وأحس أنه أشقى الناس وأذلهم وأسخفهم. # وأراد سانين أن يناديه ولكنه رد نفسه واقتصر على الابتسام مرتئيا أن من الخرف أن يمزق نوفيكوف ~~شعره وأن يبكي لأن امرأة يشتهي جسمها لم ms018 تشأ أن تبذله له، وسره في الوقت نفسه أن أخته الجميلة لا ~~تحفل بنوفيكوف. # وظلت ليدا لحظة وهي جامدة في مكانها. وكان خيالها الأبيض في ضوء القمر قيد لحظ سانين. # ثم خرج سارودين من الحجرة المضاءة إلى الشرفة. # وكان سانين يسمع صوت مهمازه بوضوح. # وظل تاناروف في الغرفة يوقع لحنا شجيا عتيقا جعلت أنغامه المملة تسبح في الجو. # ودنا سارودين من ليدا ولف ذراعه بلطف وحذق حول خصرها. # ورآهما سانين يلتصقان حتى صارا شخصا واحدا يترنح في الضوء الغائم. وهمس سارودين في أذنها: «ما ~~بالك تفكرين؟» # والتمعت عيناه لما لامست شفتاه أذنها اللطيفة الجميلة. # وشاع في نفس ليدا الطرب والخوف معا ودبت في عودها هزة كانت تحسها كلما عانقها سارودين. وكانت ~~لا يخفى عنها أنه دونها ذكاء وتهذيبا وأنه لا قبل له بالاستبداد بها والغلبة عليها، غير أنها في ~~الوقت نفسه سرها وأفزعها أن تدع هذا الشاب الوسيم القوي يلامسها. وكأنها تنظر إلى هاوية سحيقة ملتاثة ~~الأمر وحدثتها نفسها أنها تستطيع أن تلقي بنفسها فيها إذا شاءت فقالت بصوت لا يكاد يسمع: ~~«سيروننا.» # ولم تشجعه على احتضانها ولكنها على هذا لم تنفر منه فهاجه منها هذا الإمكان السلبي. # فقال: - «كلمة واحدة - لا أكثر» - وشدها إلى صدره وعروقه تنبض بها الرغبة: «هل ~~توافينني؟» # فارتجفت ليدا ولم تكن هذه أول مرة سألها ذلك، وكانت كل مرة تحس رجفات غريبة تسلبها ~~إرادتها. # فسألته بصوت خافت وهي تحلم إذ تنظر إلى القمر: «لماذا؟» ~~- «لماذا؟ لتكوني قريبة مني ولأراك وأحدثك. آه إنه لعذاب؟ نعم يا ليدا إنك تعذبينني. والآن هل ~~توافينني؟» # قال ذلك وجذبها إليه بقوة الرغبة الجامحة به وكأنما لامسها منه حديد ملتهب سرت في أعضائها ~~وقدته، وكأنما لفها ضباب كثيف حالم ضاغط، فتوتر جسمها اللين المرن ثم مالت إليه والسرور والخوف ~~يرعشان منه. وعاد كل ما حولها وقد تغيرت وجوهه فجأة تغييرا عجيبا. ولم يعد القمر قمرا بل دنا ~~فحاذى مظلة الشرفة وصار كأنما هو معلق فوق بساط الروضة. وحالت الحديقة عما عهدته ms019 وتبدلت أخرى غامضة ~~مستبهمة زحفت إليها والتفت بها. وهاج ذهنها وتراجعت وتخلصت بفتور عجيب من عناق سارودين وتمتمت بصعوبة ~~وقد جفت شفتاها وابيضتا: «نعم.» # وانقلبت إلى البيت بخطى غير ثابتة وأحست أن شيئا مرعبا إلا أنه مغر يجرها إلى حرف الهاوية. ~~وقالت لنفسها وهي تفكر: «هذا كلام فارغ؟ وليس الأمر كذلك. إنما أمزح. ويلذ لي هذا ويسليني أيضا لا ~~أكثر ولا أقل.» # وهكذا حدثت نفسها لتقنعها وهي تواجه المرآة المظلمة في غرفتها. ولم تر في صقالها إلا ظلها ~~الأسود قبالة الباب الزجاجي لغرفة الطعام المضيئة. ورفعت ذراعيها في بطء فوق رأسها وتمطت في كسل ~~وفتور وجعلت وهي تفعل ذلك تتأمل حركات عودها اللين وتحس لذتها. # أما سارودين فإنه لما صار وحده اعتدل ونفض عن أعضائه فتورها، وكانت عيناه مفتوحتين كمغمضتين ~~وابتسم فالتمعت ثناياه تحت شاربه اللطيف. # وكان الحظ قد عوده أن يؤاتيه وتوقع في هذه المرة أن ينال من المتع واللذات ما هو أعظم في ~~المستقبل القريب. # وتمثلت لعينه ليدا وجمالها المثير ساعة تبذل له منه وعصفت به هذه الصورة فأحس لها ألما ~~جثمانيا. # وكانت ليدا في مبدأ الأمر - إذ هو لا يزال يتودد إليها وحتى بعد ذلك لما أذنت له أن يعانقها ~~ويقبلها - لا تنفك تشعره شيئا من الخوف. وكان يطالعه من عينيها السوداوين - وهو يمسح بيده شعرها - ~~شيء عجيب لا يفهمه كأنما تحتقره في سريرتها. # وكانت أبدا تبدو له أبرع من غيرها من النساء اللواتي لم يشعر في حضرتهن إلا بأنه أسمى منهن ~~وأرقى. وهي من الاختلاف عنهن ومن الشموخ بحيث كان يتوقع إذا قبلها أن تلكمه بجمع يدها على ~~أذنه. # فكادت فكرة احتيازها تبيت مزعجة ومرت به أحيان اعتقد فيها أنها إنما تعبث به، فكان موقفه في ~~نظره غاية السخافة والحمق. # أما اليوم بعد هذا الوعد الذي قطعته له مترددة متلعثمة كغيرها من النساء فقد صار على يقين من ~~قوته ومن وشك الظفر، ولم يبق عنده من ريب في أن الأمور ستجري على ما يحب. واختلط عنده ms020 الاحساس الناشئ ~~عن انتظار مواقعة اللذات بشيء من الكيد. هذه الفتاة الطاهرة المهذبة المزهوة ينبغي أن تبذل له نفسها ~~كما فعل سواها وسيستمتع بها وفق هواه كما استمتع بغيرها. # ومثلت لعينه مناظر مما صورت الشهوة والانحطاط: وصارت ليدا في خياله - عارية متهدلة الشعر حول ~~عينين ما من سبيل إلى سبر غورهما - الصورة البارزة فيما حرك أشباحه قصف الشهوة والقسوة المضطرب. ثم ~~بدت له فجأة على أوضح صورة منطرحة على الأرض وسك مسمعه هزم السوط وأخذت عينه خطا داميا على جسمها ~~العريان اللين الخاضع، فنبض رأسه لهذه الصورة وتطرح متراجعا ورقصت لعينيه شرارات نار، وعادت وطأة ~~الفكرة أثقل مما يطاق وارتعشت يده وهو يشعل سيجارة وتلوت أعضاؤه القوية تلوي التشنج ثم دخل ~~الغرفة. # وكان سانين لم يسمع شيئا إلا أنه رأى وفهم كل شيء فتبعه وفي نفسه مثل الغيرة وقال لنفسه: ~~«أمثال هذا الوحش يمالئهم الحظ دائما. ماذا ترى معنى هذا كله؟ ماذا يهمان به هو وليدا؟» # ولما جلسوا إلى العشاء كانت ماريا إيفانوفنا غير مرتاحة على ما يظهر ولم يقل تاناروف شيئا - ~~كعادته - ولكنه كان يتمنى أن يكون سارودين وأن تكون له عشيقة مثل ليدا تحبه. إذن لأحبها ولكن على ~~طريقة أخرى فإن سارودين - في رأيه - لا يحسن تقدير حسن حظه. # وكانت ليدا ممتقعة صامتة لا تنظر إلى أحد. # أما سارودين فكان جذلا طروبا متحفزا كالوحش استروح فريسته. # وجلس سانين يتثاءب على عادته، وأكل وشرب كثيرا من النبيذ، وكأنما كان يريد أن ينام، ولكن ~~العشاء لم يكد ينتهي حتى أعلن عزمه على مرافقة سارودين إلى مسكنه. # وكان الليل قد أوشك أن ينتصف والقمر يصب ضوءه على رأسيهما، وهما سائران في صمت إلى ثكنة ~~الضابط. # وكان سانين لا يفتأ من حين إلى حين يختلس النظر إلى سارودين ويفكر فيما ينبغي له أيلطمه على ~~وجهه أم لا يلطمه. ثم قال فجأة لما قاربا البيت: «نعم؟ إن في هذه الدنيا كل أنواع الأنذال؟» # فسأله سارودين ورفع حاجبيه: «ماذا تعني بهذا؟» ~~- «إن الأمر كذلك ms021 - على العموم - والأنذال أعظم الناس فتنة وأخذا.» # فقال سارودين باسما: «أوتعني ما تقول؟» ~~- «نعم هم كذلك، وليس أبعث على كرب النفس وضيق الصدر ممن يسمونهم الأعفة والفضلاء. ما هو الرجل ~~الفاضل؟ إن كل امرئ يعرف برنامج العفة والفضيلة. وعلى هذا فليس فيه من جديد: ومثل هذه الفضلات ~~العتيقة تسلب المرء كل شخصيته فيقضي حياته في حدود الفضيلة الضيقة المملة. لا تسرق، لا تكذب، ولا ~~تغش، كلا ولا تزن، والمضحك في هذا الأمر أن كل من يولدون سواء! فكل امرئ يسرق ويكذب ويغش ويزني على ~~قدر ما يستطيع.» # فقال سارودين محتجا نازعا إلى التعالي: «ليس كل أحد.» ~~- «نعم. نعم كل إنسان! وما عليك إلا أن تفحص حياة المرء لتعرف ذنوبه. خذ الغدر مثلا. فبعد أن ~~نؤدي ما لقيصر لقيصر ونئوي في سكون إلى فراشنا أو نجلس إلى المائدة نرتكب كل أصناف الغدر.» # فصاح سارودين وبه بعض الغضب: «ما هذا الذي تقول؟» ~~- «إننا نفعل هذا على التحقيق. نؤدي الضرائب ونقضي مدة الخدمة في الجيش. نعم ولكن معنى هذا أننا ~~نؤذي ملايين من الخلق بالحرب وبالظلم اللذين نمقتهما. ونذهب في سكون إلى الفراش، على حين ينبغي لنا ~~أن نبادر إلى إنقاذ من يقضون نحبهم في هذه اللحظة لأجلنا وفي سبيل آرائنا. ونصيب من الطعام أكثر مما ~~بنا حاجة إليه وندع غيرنا يموتون جوعا وكان واجبنا - ونحن رجال فضل وخير - أن نقف حياتنا كلها على ~~خيرهم. وهكذا تجري الأمور والمسألة واضحة. أما النذل - النذل الحقيقي الصميم - فخلق آخر. فهو أولا ~~مخلوق مخلص طبيعي الأحوال.» ~~- «طبيعي؟» ~~- «بلا شك! إنه لا يفعل سوى ما يفعله الرجل بطبيعته - يرى شيئا ليس له، شيئا تميل إليه نفسه، ~~فيأخذه. ويرى امرأة حسناء لا تريد أن تبذل له نفسها فيعالجها بالقوة أو بالحيلة وهذا طبيعي جدا، إذ ~~كانت الرغبة والغريزة التي تتطلب إرضاء النفس من المميزات القليلة بين الإنسان والحيوان. وكلما كان ~~الحيوان أكثر حيوانية كان أقل فهما للذة وأضأل إدراكا لها وأعجز عن نيلها إذ كان لا يعنيه إلا ms022 سد ~~حاجاته. ونحن متفقون على أن الإنسان لم يخلق ليتعذب وإن العذاب ليس قبلة المساعي الإنسانية.» # فقال سارودين: «بلا شك.» ~~- «حسن جدا إن اللذة هي غاية الحياة الإنسانية. والفردوس كلمة مرادفة للتمتع المطلق. وكلنا ~~يحلم بفردوس أرضي وليست أسطورة الفردوس بسخافة، وإنما هي رمز أو حلم.» # ومضى سانين في كلامه فقال بعد فترة: «نعم إن الطبيعة، ما أرادت قط أن يكون الإنسان زاهدا. ~~وأعظم الناس إخلاصا وصدق سريرة هم أولئك الذين لا يكتمون رغباتهم، أي أولئك الذين يعدهم المجتمع ~~أنذالا - أناسا مثل - مثلك مثلا.» # ففزع سارودين متراجعا مذهولا ومضى سانين في حديثة متظاهرا بأنه لم يلحظ ما بدر من صاحبه ~~وقال: «نعم مثلك. أنت خير رجل في هذا العالم. أو على الأقل أنت تحسب أنك كذلك. قل لي هل صادفت قط من ~~هو خير منك؟» # فقال سارودين مترددا: «نعم كثيرين.» ولم يكن في ذهنه أضأل فكرة عما يعني سانين ولا كان يعلم هل ~~ينبغي له أن يتظاهر بالسرور أم بالسخط. # فقال سانين: «حسن. سمهم أسماءهم. تفضل.» # فهز سارودين كتفيه كمن هو في شك فقال سانين متهللا: «هاذا أنت قد عجزت! إنك أنت خير الأخيار ~~وكذلك أنا. ومع ذلك فإنا نحن الاثنين لا نرى ما يمنعنا أن نسرق أو ننسج الأكاذيب أو أن نزني - وعلى ~~الخصوص أن نزني.» # فتمتم سارودين وهو يهز كتفيه للمرة الثانية: «يا له من رأي مبتكر.» # فسأله سانين وعلى نبرة صوته ظل خفيف من عدم الارتياح: «أتظن ذلك؟ إني لا أظنه! نعم. الأنذال كما ~~قلت هم أشد من يتصورهم العقل إخلاصا لأنهم لا يرون حدود الدناءة الإنسانية، ويسرني دائما على ~~الخصوص أن أصافح نذلا.» # ولم يكد يقولها حتى وضع يده في يد سارودين وهزها هزا عنيفا وعينه محملقة في وجهه ثم قطب وقال ~~بإيجاز فيه من سوء الأدب ما فيه: «عم مساء.» وانصرف عنه. # وظل سارودين برهة وهو جامد يرقبه ولا يدري على أي محمل يحمل مثل هذا الكلام من سانين، فحار وقلق ~~ثم فكر في ليدا ms023 وابتسم: إن سانين أخوها وما قاله صحيح في الواقع. وأخذ يحس نوعا من العلاقة الأخوية ~~به، وقال لنفسه وقد استشعر الرضى عنها: «إنه لرجل ممتع!» كأنما سانين بعض ما يملك. ثم فتح البوابة ~~واجتاز الفضاء المقمر إلى غرفته. # أما سانين فإنه لما بلغ البيت خلع ثيابه واستلقى على فراشه وحاول أن يقرأ «هكذا قال ~~زردشت» # 1 # وهو كتاب وجده في مكتبة ليدا، ولكن الصفحات الأولى كانت كافية لتزهيده فيه، وهو رجل لا ~~يحرك نفسه مثل هذا الأسلوب المنتفح فبصق ورمى بالكتاب جانبا وما عتم أنه أخذه النوم. # | هوامش # | الفصل الرابع # كان الكولونيل «نيقولا بجوروفنش سفاروجتش» المقيم بهذه البلدة الصغيرة ينتظر وصول ابنه الطالب ~~بمدرسة الصناعات في «موسكو»، وكان ابنه هذا تحت مراقبة البوليس فطردوه من موسكو لاشتباههم فيه ولظنهم ~~أن بينه وبين الثوريين تواطؤا. # وكان «يوري سفاروجتش» قد كتب إلى أبويه من قبل يبلغهما خبر القبض عليه وسجنه ستة شهور وطرده من ~~العاصمة فتهيأ لأوبته. # ومع أن أباه نيقولا عد الأمر من أوله إلى آخره حماقة صبيانية إلا أنه تألم إذ كان مشغوفا ~~بابنه، فاستقبله فاتحا له ذراعيه واجتنب أن يشير إلى هذا الموضوع المؤلم وكان «يوري» قد قضى يومين ~~كاملين مسافرا في الدرجة الثالثة، ولم تغتمض عيناه لحظة لفساد الهواء، ولما آذاه من كريه الروائح ~~وصياح الأطفال فخارت قواه ولم يكد يحيي أباه وأخته لودميلا «ويسمونها في العادة لياليا» حتى استلقى ~~على فراشه ونام. # ولم يستيقظ إلا مساء والشمس دانية من الأفق. نفذت أشعتها المائلة من زجاج النافذة ورسمت على ~~جدران الغرفة مربعات وردية. وسمع يوري في الغرفة المجاورة صوت الملاعق والأكواب وصافحت أذنه ضحكة ~~لياليا الجذلة وصوت رجل كذلك - لذيذ مصقول لا يعرفه. # وقام في نفسه ساعة استيقظ أنه ما زال في مركبة القطار وسمع ضوضاءه وصوت زجاج نوافذه والركاب في ~~الجانب الثاني، غير أنه لم يلبث أن عرف أين هو الآن فاعتدل في فراشه وهو يتثاءب: «نعم هذا أنا ~~هنا.» # ثم عبس وهو يزج أصابعه في شعره ms024 الكثيف الأسود القوي. # ثم خطر له أنه لم يكن ينبغي أن يعود إلى بيته ولقد تركوا له أن يختار مكانا يقيم فيه فلماذا ~~عاد إلى أبويه؟ # لم يستطع أن يعلل ذلك. # واعتقد، أو شاء أن يعتقد أنه اختار المكان الذي خطر له. ولكن هذا لم يكن الواقع فإن يوري لم ~~يضطر قط أن يكدح ليعيش، وكان أبوه لا يزال يمده بالمال وقد استهول أن يعيش وحده وبلا مورد بين قوم ~~أغراب. وأخجله هذا الإحساس واستكره أن يعترف به لنفسه. # والآن خطر له أنه أخطأ. ويمكن أن يفهم أبواه حكايته كلها أو أن يكونا رأيا ما في قصته - هذا شيء ~~واضح - وهناك إلى جانب هذا - المسألة المادية والأعوام العديدة الضائعة التي كلفت أباه. ومن شأن هذا ~~أن يجعل من المستحيل حصول التفاهم الودي المتبادل. يضاف إلى ذلك أن الحياة خليقة أن تكون ثقيلة ~~الإملال في هذه البلدة التي لم يرها منذ عامين. وكان يوري يعد أهل البلاد الريفية الصغيرة ضيقي ~~العقول، عاجزين عن أن يدركوا أو يكترثوا لتلك المسائل الفلسفية والسياسية التي يراها الشيء المهم ~~الوحيد في الحياة. # نهض يوري وفتح النافذة وأطل، وكان على طول جدار البيت حديقة زهر صغيرة يانعة من بين أحمر وأصفر ~~وأزرق وقرمزي وأبيض، فكأنها الكليد سكوب # 1 # ومن ورائها الحديقة الكبيرة الجهمة الممتدة إلى النهر كغيرها من حدائق هذه البلدة وهو ~~يلتمع كالزجاج الخابي باديا من خلال الأشجار. # وكان المساء ساكنا صافيا وخالج يوري اكتئاب غامض، وكان قد طال مكثه وإلفه للمدن الكبيرة ~~المشيدة بالأحجار، ومع أنه يحب أن يتوهم أنه يعشق الطبيعة فإنها لم تجد عليه بشيء: لا السلوى ولا ~~سكون النفس ولا الانشراح، ولم تثر في صدره إلا حنينا مبهما حالما مدنفا. # ودخلت (لياليا) الغرفة وقالت: «آها. لقد قمت أخيرا! وجاء قيامك في حينه.» # وكاد يوري - لثقل إحساسه بقلق مركزه وبشجى النهار - يقضي نحبه. ويضايقه مراح أخته وصوتها الطروب ~~فسألها على غير انتظار: «بأي شيء سرورك هذا؟» ~~- «إنى لا أضجر!» # وفتحت عينيها وضحكت ms025 مرة أخرى كأنما أذكرها سؤال أخيها أمرا ممتعا وقالت: «وتصور سؤالك إياي ~~ماذا يسرني؟ أنا لا أعرف السآمة. كلا، وليس عندي متسع من الوقت لهذا.» # ثم قالت بصوت وطيد وقد زهاها ما قالت: «إننا نعيش في أيام فيها من المتعة ما يجعل السآمة ذنبا. ~~وعندي العمال أعلمهم ثم المكتبة تستنفذ شطرا عظيما من وقتي، فقد أنشأنا في غيابك مكتبة عامة وهي ~~سائرة على منوال حسن.» # ولو أن هذا قيل له في أي وقت آخر لبعثه على الاهتمام ولكنه لم يكترث الآن لسبب ما. # وظلت لياليا جادة تنتظر انتظار الطفل ثناء أخيها. # فتمكن أخيرا من أن يقول: «حقيقة؟» فقالت بصوت الراضي المطمئن: «إذا كان هذا كله أمامك فهل ~~يسعك أن تمل!» # فلم يملك يوري أن يقول: «على كل حال أرى كل شيء يضجرني.» # فتظاهرت أخته بالاستياء وقالت: «ما ألطف هذا منك؟ إنه لم تمض عليك ساعتان في المنزل قضيتهما ~~نائما ومع ذلك فقد ضجرت!» # فأجابها بلهجة فيها بعض الشموخ: «إن هذا ليس خطئي ولكنه سوء حظي.» # وظن أن من دلائل الذكاء السامي أن يضجر لا أن يسر. # فقالت متهكمة: «سوء حظك حقيقة! ها ها.» # وداعبته بكفها على خده: «ها ها.» # ولم يفطن يوري إلى أن مزاجه اعتدل وأن صوت لياليا الطروب ومراحها قد أماطا عن نفسه الكآبة التي ~~كان يحسها حقيقة عميقة، ولم تكن لياليا تؤمن بكآبته هذه، ومن أجل هذا لم يقلقها ما قال. # ورفع يوري طرفه إليها وقال وعلى وجهه ابتسامة: «إني لا أعرف الجذل أبدا.» # فضحكت منه «لياليا» كأنما كان قال ما يغري بالاستغراق في الضحك وقالت: «حسن جدا أيها «الفارس ~~ذو الوجه العبوس» إذا لم تكن بالمنشرح فلست به. دعك من هذا وتعال معي لأعرفك بشاب فاتن تعال.» # وهزت يد أخيها وجرته معها وهي تضحك: «قفي. من هذا الشاب الفاتن؟» ~~- «خطيبي.» # قالت ذلك وهي فرحة مضطربة واستدارت بسرعة فانتفخ ثوبها. # وكان يوري يعلم من رسائل أبيه وأخته أن طبيبا شابا نزل بالبلدة وأنه يخطب ودها ولكنه لم ms026 يكن ~~يعلم أن خطبتهما صارت أمرا واقعا. # فقال وبه دهشة: «هل تعنين هذا حقا؟» # وخيل إليه أن من بواعث العجب أن يكون لأخته لياليا الصغيرة الحسناء النضرة عاشق وهي تكاد تكون ~~طفلة، وأن توشك أن تصبح عروسا وزوجة. وخالجه العطف على أخته والمرثية لها. فلف ذراعه حول خصرها ومضى ~~معها إلى غرفة المائدة حيث كانت تلتمع آنية الشاي الصقيلة في ضوء المصباح، فألفى بجانب أبيه شابا ~~وثيق التركيب، قوي معارف الوجه مليحها، حاد العينين براقهما إلا أنه ليس بالروسي في سحنته. وكانا ~~جالسين إلى المائدة فوقف الشاب لما أقبل يوري بهيئة المتودد وقال: «قدميني إليه.» # فقالت لياليا متصنعة الوقار المضحك في إيمائها: «أناتول بافلوفتش ريازانتزيف؟» # فأضاف أناتول إلى قولها مازحا بدوره: «وهو ينشد صداقتك وتسامحك.» # فتصافق الرجلان وهما صادقا الرغبة في التآخي، وكان من يراهما يقول إنهما يهمان بأن يتعانقا، ~~ولكنهما كبحا نفسيهما واجتزآ بأن يتبادلا نظرات الود الصريحة. # قال ريازانتزيف لنفسه مندهشا: «وهذا إذن أخوها؟» # فقد كان يتصور أن أخا لياليا القصيرة الجميلة الضحوك لا بد أن يكون قصيرا جميلا ضحوكا مثلها. ~~ولكن يوري كان على عكسها طويلا نحيفا أسمر وإن كان على هذا وسيما حسن الوجه. # ودار في نفس يوري وهو ينظر إلى ريازانتزيف هذا الحديث: «وهذا إذن الرجل الذي يحب المرأة في شخص ~~أختي الصغيرة لياليا النضيرة الجميلة كالفجر في الربيع، يحبها كما أحببت أنا النساء.» # وآلمه لسبب ما، أن ينظر إلى لياليا وريازانتزيف، كأنما أشفق أن يقرأ خواطره. # وأحس الرجلان أن في نفس كل منهما كلاما مهما يجب أن يقوله لصاحبه. # وود يوري لو استطاع أن يسأله: «أتحب لياليا؟ حبا صادقا حقيقيا؟ إن الأمر يكون محزنا بل ~~عارا إذا أنت خنتها فهي نقية الذيل بريئة العهد.» # وإذن لود ريازانتزيف لو يجيبه هكذا: «نعم أحب أختك حبا عميقا. ومن ذا الذي يستطيع ألا يحبها؟ ~~انظر كيف نقاؤها وحلاوتها وفتنتها! وتأمل كيف تحبني! ما أحلى خدها!» # ولكن يوري لم يسأله شيئا وسأله ريازانتزيف: «هل طردت إلى أمد طويل؟» ms027 # فكان جواب يوري: «لخمس سنوات.» # وكان أبوه نيقولا يقطع الغرفة جيئة وذهوبا، فلما سمع منه هذا وقف برهة ثم تنبه وعاد إلى سيره ~~بخطى الجندي المتزنة المنتظمة، وكان يجهل تفاصيل نفي ابنه فصدمه هذا النبأ الذي لم يكن يتوقعه، وقال ~~لنفسه: «ترى ما معنى هذا كله؟» # ولم يفت لياليا مدلول هذه الحركة من أبيها وكانت تخشى أن تقع المشادة بينه وبين أخيها فحاولت أن ~~تغير الحديث وقالت لنفسها: «كيف بلغ من حمقي أن أنسى أن أنبه أناتول؟» # ولكن ريازانتزيف لم يكن يدري حقيقة الأمر ولما دعته لياليا أن يتناول بعض الشاي أجابها إلى ذلك ~~ثم عاد إلى مساءلة يوري: «وماذا تنوي أن تصنع الآن؟» # فقطب نيقولا وجهه ولم يزد. # وأدرك يوري معنى صمت أبيه، وقال متحديا له قبل أن يفكر في عواقب جوابه: «لا شيء في الوقت ~~الحاضر.» # فسأله نيقولا ووقف: «ماذا تعني بلا شيء.» ولم يرفع صوته ولكن لهجته كانت تحمل في ثناياها ~~تأنيبا مستورا مؤداه: «كيف تقول مثل هذا الكلام؟ أمكره أنا دائما أن أتركك معلقا بعنقي؟ كيف تنسى ~~أني شيخ هرم، وأنه آن أن يكون لك مرتزق؟ لست أقول شيئا. عش كما بدا لك، ولكن ألا تستطيع أن ~~تفهم؟» # وعلى قدر إحساس يوري بأن أباه على حق فيما يجري بخاطره كان استياؤه فقال وهو محنق: «نعم لا شيء. ~~ماذا تنتظر أن أصنع؟» # وهم نيقولا أن يكر عليه بجواب مؤلم ولكنه لم ينبس ولم يزد على أن هز كتفيه وعاود خطاه المنتظمة ~~من ركن إلى ركن، وكان أحسن أدبا من أن ينازع ابنه في يوم أوبته. # وراقبه يوري بعينين متقدتين وهو لا يكاد يضبط نفسه، فلو سنحت له أضأل فرصة لنازل أباه. # وكادت لياليا تبكي وجعلت تنقل لحظها بين أخيها وأبيها مستعطفة راجية. # وفطن ريازانتزيف أخيرا إلى الأمر، وأدركه العطف على لياليا فحول الحديث إلى مجرى آخر تحويلا ~~ليس فيه حذق ولا خفة. # وزحف الليل بطيئا ثقيلا. # وكان يوري لا يريد أن يعترف بأنه ملوم، إذ كان لا ms028 يشايع أباه على أنه لم يكن من شأنه أن يشتغل ~~بالسياسة. # وذهب يعد أباه عاجزا عن فهم أبسط الأشياء لأنه هرم غبي وأخذ يلومه من حيث لا يشعر على شيخوخته ~~وآرائه العتيقة وراح تهيجه منه وتستفزه هذه الآراء. # ولم يلتذ ما طرقه ريازانتزيف من الأحاديث، بل لم يكد يلقي إليه سمعه وجعل يرصد أباه بعين لامعة ~~مظلمة. # ولما جاء وقت العشاء دخل نوفيكوف وإيفانوف وسمينوف. # وكان سمينوف طالبا مصدورا يعيش منذ شهور في البلدة حيث يدرس وهو نحيف دميم ضعيف، وعلى وجهه ~~الذي أدركه الهرم قبل الأوان ظل الموت الزاحف. أما إيفانوف فمدرس، وهو رجل مجتوي طويل الشعر، عريض ~~الكتفين لا تروقك شمائله. # وكانوا يتمشون في الشارع فسمعوا أن يوري عاد فوفدوا لتحيته، وصار المجلس بهم أنيسا وكثر الضحك ~~والمزاح، ودارت على الأكل الكئوس والأقداح وبذهم إيفانوف في هذا الباب. # أما نوفيكوف فإنه في الأيام التالية لخطبته المنحوسة لليدا هدأت نفسه قليلا وخطر له أن تأبي ~~ليدا قد يكون عارضا، وهو على كل حال خطأ تلزمه تبعته، فقد كان ينبغي أن يعدها لمثل هذه المكاشفة، ~~ولما كان يؤلمه مع ذلك أنه يزور أسرة سانين فقد جعل يتوخى أن يلاقي ليدا خارج بيتها - في الطريق أو ~~في منزل صديق له ولها - وجعلت هي ترثي له وتنحي باللائمة على نفسها واندفعت لذلك تبالغ في ملاطفته، ~~فتجدد الأمل في نفس نوفيكوف. # ولما هموا بالانصراف قال نوفيكوف: «ما قولكم في هذا؟ أقترح أن نخرج إلى الدير.» # وهذا الدير قائم على تل غير بعيد من البلدة، وإليه يذهب الناس كثيرا طلبا للنزهة وهو قريب من ~~النهر والطريق إليه حسن. # فارتاحت لياليا إلى الفكرة وحمست لها، وكانت ولوعة بكل أنواع الملاهي من استحمام وتجديف وسير في ~~الغابات وقالت: «نعم لنذهب. نعم بلا شك ولكن متى يكون هذا؟» # فقال نوفيكوف: «لماذا لا نذهب غدا؟» # وسأل ريازنتزيف: «ومن ندعو غيرنا؟» # وسره أن يخرج إلى الهواء الطلق ليهيأ له من بين الأشجار أن يضم لياليا بين ذراعيه وأن يقبلها، ms029 ~~وأن يحس أن الجسم الحلو الذي يشتهيه أدنى شيء إليه: «دعونا نفكر. نحن ستة. ما قولكم في ~~شافروف؟» # فسأل يوري: «من يكون هذا؟» ~~- «طالب شاب.» ~~- «حسن جدا. وعلى «لود مللا نيقولايفنا» أن تدعو كارسافينا وأولغا إيفانوفنا.» # فسأل يوري مرة أخرى: «من هذان؟» # فضحكت لياليا وقالت: «سنرى» ولثمت أطراف أصابعها ونظرت إليه كأنما في الأمر سر. # فقال يوري مبتسما: «آها! حسن. سنرى ما سنرى.» # وبعد تردد قال نوفيكوف بغير اكتراث: «ولا بأس من أن ندعو أسرة سانين أيضا.» # فصاحت لياليا: «آه لا بد لنا من ليدا.» ولم يكن ذلك منها عن إيثار خاص لليدا، بل لأنها تعلم حب ~~نوفيكوف لها وتريد أن تدخل السرور على قلبه، وهي سعيدة بحبها تود أن يسعد من حولها مثلها. # فلاحظ إيفانوف بخبث: «إذن يتحتم أن ندعو الضباط كذلك.» ~~- «ماذا يهم؟ لندعهم. فكلما كثر العدد زاد السرور.» # ووقفوا جميعا أمام الباب في ضوء القمر وقالت لياليا: «ما أجمل الليل!» # ودنت من حبيبها وهي لا تشعر وكانت لا تريد أن يفارقها الآن. # فضغط ريازانتزيف ذراعها الدافئ المفتول. وقال: «نعم إنها ليلة بديعة.» # وكان لهذه الألفاظ البسيطة معنى لا يدركه غيرهما. # فقال إيفانوف بصوته الضخم العميق: «ويحكم أنتم وليلتكم. إن النوم يغالبني فعموا مساء يا ~~سادتي.» # ومضى مخترقا للشارع وجعل يطوح بذراعين كذراعي الطاحون. # وتلاه نوفيكوف وسمينوف، وظل ريازانتزيف لحظة طويلة يودع لياليا متخذا من الكلام على النزهة حجة ~~له وعذرا. # ثم قالت لياليا لأخيها بعد أن ودعها حبيبها: «والآن يجب أن نذهب نحن أيضا.» # وأصعدت زفرة أسف على الانكفاء عن الليل المقمر والنسيم المترقرق في حواشي الظلام وكل ما يطلبه ~~جمالها وشبابها. # وذكر يوري أن أباه لم يذهب إلى مخدعه بعد. وخاف إذا هو لقيه ألا يلقيا بدا من الكلام الجارح ~~الذي لا خير فيه. # فقال وعيناه قيد الضباب الأزرق الخفيف حوالي النهر: «كلا لا أريد النوم. وسأتمشى ~~قليلا.» # فقالت له لياليا بصوتها الرقيق الحلو: «كما تحب.» # ومطت أعضاءها وثنت جفونها قليلا كالقطة، ومنحت القمر ابتسامة ودخلت. ms030 # ولبث يوري دقائق في مكانه يرصد الظلال الكثيفة التي ترميها المنازل والأشجار، ثم مضى على سمث ~~سمينوف. # ولم يكن سمينوف قد أبعد فقد كان مشيه بطيئا وكان ينحني كلما سعل. وفي أثره ظله يطارده على ~~الطريق المقمر، فأدركه يوري ولم تلبث عينه أن أخذت ما طرأ عليه من التغيير، فقد كان سيمينوف أثناء ~~العشاء يضحك ويمزح، كما لم يضحك سواه، ولكنه الآن يمشي مكتئبا غارقا في نفسه وفي سعلته الجوفاء شيء ~~من اليأس والوعيد، كالداء الذي يخامره فقال بصوت رأى فيه يوري نفورا: «أهذا أنت؟» ~~- «لم أطلب النوم إذا سمحت رافقتك.» # فقال سمينوف بدون احتفال: «نعم. افعل.» # وسأله يوري: «ألا تحس البرد؟» وإنما سأله لأن هذا السعال المزعج نبه أعصابه. # فأجابه متضايقا: «إني دائما بردان.» # وتألم يوري كأنه كان تعمد أن يلمس جرحا داميا. وقال: «هل تركت الجامعة منذ زمن طويل؟» # فلم يجب سمينوف مباشرة وقال بعد برهة: «زمن طويل.» # فشرع يوري يحدثه عن إحساس الطلبة، وما يعدونه جوهريا مهما وكان يتكلم في أول الأمر بهدوء ~~وسكون، ولكنه أرسل نفسه على سجيتها وحمس تدريجيا وأجاد الإعراب عن خواطره. # ولم يقل سمينوف شيئا وإنما أصغى. # ثم أخذ يوري يندب عدم وجود الروح الثورية بين الجماهير، وكان من الواضح الجلي أنه يتألم من ذلك ~~أعمق الألم. # ثم سأله صاحبه: «هل قرأت آخر خطبة ألقاها بيل؟» ~~- «نعم قرأتها.» ~~- «ما قولك فيها؟» # فلوح سمينوف بعصاه تلويح المتضايق، وكان لها رأس ملتو وحاكاه خياله فرفع ذراعا طويلة سوداء ثم ~~وضعها فمثلت لذهن يوري صورة أجنحة سوداء يخفق بها طير جارح ثائر. # ولوح بعصاه وحاكاه ظله. # ورأى سمينوف ذلك في هذه المرة فقال: «انظر! ها هنا ورائي يقف الموت يرصد مني كل حركة! ما أنا ~~وبيل؟ إن هو إلا ثرثارة يهذي في هذا. وسيجيء مائق غيره يهذر عن ذلك. وسواء على هذا وذلك؟ وإذا لم أمت ~~اليوم فسأموت غدا.» # فلم يجب يوري واضطرب وتألم. # ومضى سمينوف في كلامه: «وأنت مثلا تحسب هذا الذي يجرى في الجامعة ms031 وما يقوله بيل مهما، ولكن ~~الذي أراه هو أنك إذا أيقنت - كما أنا موقن - أنك ستموت، فلن تكترث لما يقوله بيل أو نيتشة أو ~~تولستوي أو غير هؤلاء.» # وصمت سمينوف وكان القمر لا يزال بريق ضوئه خلف الرفيقين الخيال الأسود يتعقبهما. # ثم قال سمينوف فجأة بصوت آخر هزيل شاك: «إني مقضي علي ... ولو كنت تدري كيف فزعي من الموت ... لا ~~سيما في ليلة قمراء رقيقة الحواشي كهذه.» # ولفت إلى يوري وجهه الدميم الغائر العينين اللامعهما: «كل شيء يحيا. أما أنا فلا بد أن أموت. ~~وإني على يقين من أن هذا الكلام لا يقع من نفسك إلا موقع القول المبتذل - لا بد أن أموت - ولكني لم ~~أقتبسه من رواية ولا أخذته من كتاب يطالعك أسلوبه بصدق الفن وبراعة التصوير، إني حقيقة سأموت، وهذه ~~الألفاظ في مسمعي غير مبتذلة. وستكف يوما عن حسبانها كذلك. إني أموت ... أموت وسيقضى الأمر.» # وسعل سمينوف مرة أخرى وقال: «وكثيرا ما يخطر لي أن الظلام سيشتمل علي بعد قليل وإني سأدفن في ~~الأرض الباردة، وأن أنفي سيغور في وجهي وتتعفن يداي، على حين يبقى كل شيء في الدنيا كما هو الآن، إذ ~~أمشي على طهرها حيا، وستكون حيا وتستنشق النسيم وتسبح في ضوء القمر وتمر بالقبر الذي يضم عظامي ~~النخرة الشنيعة البلى. ماذا تظنني أعبأ ببيل أو تولستوي أو بمليون آخر من هذه القرود ~~الهاذرة.» # وكان يوري أشد اكتئابا من أن يسعه أن يرد. # ثم قال سمينوف بصوت ضعيف خافت: «عم مساء فسأدخل البيت.» # فهز يوري يده وأدركه العطف الشديد على هذا الرجل الخاوي الصدر، المستدير الكتفين، ذي العصا ~~العوجاء المتدلية من عروة معطفه، وكان بوده لو استطاع أن يعزيه وأن يبعث فيه الأمل. ولكنه أحس أن هذا ~~مستحيل فلم يزد على: «عم مساء.» وتنهد. # ورفع سمينوف قبعته وفتح الباب وتضاءل وقع قدمه، وخفت صوت سعاله ثم عاد كل شيء ساكنا. # ورجع يوري يستقبل من طريقه ما استدبر وقد ماتت الدنيا في عينه - مات كل ما كان ms032 منذ نصف ساعة ~~فقط، وضيئا جميلا ساكنا - ضوء القمر ونجوم السماء والأشجار الفضية الروعة والظلال الغريبة - ~~وطالعه من كل هاتيك برد القبر وفظاعته وهوله. # ولما بلغ البيت قصد إلى غرفته وفتح النافذة المطلة على الحديقة، فجرى بذهنه لأول مرة في حياته: ~~أن كل ما استغرق حواسه ومدراكه وأظهر في سبيله من الحماسة والإيثار ما أظهر، ليس في الواقع بالمهم ~~ولا بالصواب. وإذا رفف الموت فوقه يوما مثل سمينوف فلن يقطع قلبه الأسف على أن جهوده لم تزد الناس ~~سعادة ولن يحزنه أن مثله العليا لم تتحقق. وإنما يكون حزنه لأنه سيموت ويحرم النظر والاحساس والسمع ~~قبل أن يتاح له أن يذوق كل مسرات الحياة ولذاتها. # ولكن هذا الخاطر أخجله فنحاه عن فكره وأخذ ينشد تعليل ذلك. # الحياة جهاد ~~«نعم ولكن جهاد في سبيل من، إن لم يكن في سبيل الذات، ومكان المرء تحت الشمس؟» # هكذا قال له صوت من داخل نفسه. # فتظاهر يوري بأنه لم يسمعه وحاول أن يفكر في أمر آخر، ولكن ذهنه كان يكر راجعا إلى هذه الفكرة ~~بلا انقطاع. فعذبه هذا حتى لقد أبكاه بكاء مرا. # | هوامش # | الفصل الخامس # لما تلقت ليدا بتروفنا دعوة لياليا أطلعت أخاها عليها وكانت تتوقع منه أن يرفضها. بل كانت ترجو ~~ذلك لأنها تعلم أنها هناك على النهر ستكون قريبة من سارودين فيعاودها ذلك الإحساس الجامع بين اللذة ~~والقلق، وأخجلها في الوقت نفسه أن يعلم أخوها أنها تحب - دون خلق الله - سارودين الذي يحتقره سانين ~~من أعماق قلبه. # ولكن سانين قبل الدعوة مسرورا. # وكان اليوم بديعا وضيئا، لا تضمر شمسه السحب، فلم يسع ليدا إلا أن تقول: «لا شك أنه سيكون ~~هناك بضع فتيات حسان قد يعنيك أن تعرفهن؟» ~~- «آه. هذا حسن. والجو كذلك رائق. فلنذهب.» # ولما جاء موعد الذهاب حضر سارودين وتاناروف في مركبة كبيرة من مركبات فرقتهما، يجرها جوادان ~~ضخمان من جيادها. # وكان سارودين في ثياب بيضاء معطرة فقال: «ليدا بتروفنا، إننا في انتظارك.» # وكانت ليدا في ثوب رقيق شفاف ms033 من المخمل الوردي، مشدود على خاصرتها فانحدرت إليهما ومدت إلى ~~سارودين كلتا يديها فأمسك بهما لحظة وعينه جائلة في جسمها مفتونة به. # فنالت منها هذه النظرة التي تعرف معناها واضطربت لها فصاحت: «فلنذهب. فلنذهب.» # وسرعان ما عدت بهم المركبة في الطريق المهجور بين السهوب، وكانت أغيصان التبت تنثني تحت العجلات ~~ويهب النسيم على رءوس أخواتها فتموج وتترنح. ولما جاوزوا البلدة أدركوا مركبة أخرى تقل لياليا ويوري ~~وريازانتزيف ونوفيكوف وإيفانوف وسمينوف متكدسين متزاحمين وإن كانوا على هذا جذلين مبتهجين، إلا يوري، ~~فقد حيره سلوك سمينوف بعد حديث البارحة ولم يستطع أن يفهم كيف يتهيأ له أن يضحك ويمرح كغيره واستغرب ~~منه هذا المرح بعد الذي سمعه وجعل يسأل نفسه: «هل كل هذا تصنع؟» ويسارقه النظر إلا أنه أحجم عن هذا ~~التفسير لما يبدو له من حال سمينوف. # وتبادلت المركبتان الفكاهة والدعابة، ووثب نوفيكوف عن مقعده إلى الأرض وراح يسابق ليدا على ~~الحشائش وكأنهما آليا أن يتظاهرا بأنهما خير الأصدقاء فقد جعلا يتداعبان طول الوقت. # وقاربوا التل القائم على ذروته الدير بقبابه اللامعة وجدرانه البيضاء، وعلى التل غابات تخال ~~أطراف بلوطها من الصوف، وإلى سفحه جزائر يتدفق حولها، النهر وفيها أشجار البلوط قائمة. # ومالت الخيل عن الطريق إلى الأرض اللينة وجعلت العجلات تحفر فيها أخاديد عميقة وسطع الأنوف من ~~الأرض والأوراق الخضراء عرف ذكي. # وكان ينتظرهم في الموعد المضروب على المرج طالب وفتاتان في ثياب «الروسيا الفتاة» وكانوا جالسين ~~على بساط الروض، وإذا كانوا أسبق من سواهم فقد اشتغلوا بإعداد الشاي والمرطبات الخفيفة. # ووقفت المركبة وجعلت الخيل تنفخ وتذود الذباب بذيولها ووثب كل من فيها عنها، وقد أنعشهم الركوب ~~وهواء الريف النقي، وطفقت لياليا تقبل الفتاتين اللتين تعدان الشاي قبلات رنانة، وقدمتهما إلى أخيها ~~وإلى سانين فجعلتا تتأملانه في خجل. # وأدركت ليدا أن الرجلين لا يعرف أحدهما الآخر، فقالت ليوري: «اسمح لي أن أقدم إليك أخي سانين ~~فلاديمير.» # فابتسم سانين وصافحه. # ولكن يوري لم يكد يلتفت إليه. # وكان سانين امرأ يلذه كل ms034 إنسان فهو لهذا مرتاح إلى معرفة الناس. # ولكن يوري كان يذهب إلى أن الناس قل أن يكون فيهم من يطيب مخبره. ومن أجل ذلك كان يزهد في لقاء ~~الغرباء وكان إيفانوف يعرف سانين قليلا وقد راقه ما سمعه عنه فذهب إليه قبل سواه، وأخذ يحادثه ~~وصافحه سمينوف محتفلا. # وقالت لياليا: «الآن نستطيع أن نتمتع جميعا بعد هذه الرسميات المتعبة.» # ولكن الكلفة ألقت ظلها على الجميع في أول الأمر، إذ كان كثيرون منهم لم يسبق لبعضهم ببعض عهد، ~~فلما شرعوا يأكلون وأصاب الرجال من الأشربة والنساء من النبيذ لم تلبث الكلفة أن أخلت الميدان للمرح، ~~فشربوا كثيرا وكثر الضحك والمزاح وتسابق البعض وصعد الآخرون على التل، وكان كل ما حولهم من السكون ~~والوضاءة والغابات الخضراء من الجمال بحيث لا يتأتى للكآبة أن تبسط ظلها على نفوسهم. # وقال ريازانتزيف وهو يلهث ووجهه متقد: «لو أن كل امرئ وثب وجرى على هذا النحو لاختفت تسعة أعشار ~~الأمراض من العالم ...» # فزادت لياليا: «والرذائل أيضا.» # وقال إيفانوف: «أما من حيث الرذائل فسيبقى منها الكفاية دائما.» # ومع أنه لم ير أحد أن في هذا القول فكاهة أو سدادا فقد ضحكوا جميعا. # ومالت الشمس للمغيب وهم يشربون الشاي وتوهج النهر ونفذت أشعة النور الدافئة الحمراء من خلل ~~الأشجار. # وصاحت بهم ليدا: «والآن إلى الزورق.» # وأمسكت بثوبها وانحدرت إلى الشاطئ وقالت: «من يكون أول واصل إليه؟» # فعدا بعضهم وراءها وتبعهم الباقون على مهل وبلغوا جميعا الزروق الكبير المنقوش ضاحكين. # فقالت ليدا بصوت الآمر الطروب: «اخرجوا به.» # فاندفع الزورق عن الشاطئ وخلف وراءه على سطح الماء خطين عريضين لم يلبثا أن تكسرا على حافة ~~النهر. # وسألت ليدا يوري: «ما لك صامتا.» # فابتسم وقال: «ليس عندي شيء أقوله.» ~~- «مستحيل!» # ومطت أرق شفتين ورمت رأسها إلى ظهرها فعل من يعلم أن الرجال لا يدرون لسحرها من ~~رقية. # فقال سمينوف: «إن يوري لا يحب أن يهذر. وهو يطلب.» # فقاطعته ليدا: «موضوعا جديا؟ أهذا ما يريد؟» # وقال سارودين وأشار إلى الشاطئ انظروا: «هذا ms035 موضوع جدي.» # وكان على صخور الشاطئ بين جذوع شجرة بلوط عتيقة معقدة مدخل ضيق تغطيه إلا قلة من الحشائش ~~والأكلاء. # فسأل شافروف وكان لا يعرف هذه الناحية: «ما هذا؟» # فأجاب إيفانوف: «غار.» ~~«أي نوع من الغيران هذا؟» ~~- «علم هذا عند الشيطان! على أنهم يقولون إنه كان في وقت من الأوقات مثوى نفر من مزيفي النقود ~~قبض عليهم جميعا كما هي العادة. أعمال خطرة أليس كذلك؟» # فقال نوفيكوف: «أظنك تود أن تضرب على هذا القالب وأن تزيف قطعا من فئة العشرين كوبيك؟» # فقال إيفانوف: «كوبيك؟ كلا! الروبلات يا صديقي الروبلات!» # فهمهم سارودين وهز كتفيه وكان لا يحب إيفانوف ولا يفهم نكاته. # وعاد إيفانوف إلى قصته فقال: «نعم قبضوا عليهم جميعا وامتلأ الغار ثم تداعى على الأيام وليس ~~يغشاه الآن أحد. بيد أنه مكان لذيذ.» # فصاحت ليدا: «لذيذ؟ أحسبه كذلك.» # وقال يوري: «فكتور سرجفتش. هلم إليه إنك أحد الشجعان المغاوير.» # فسأله سارودين وقد ارتبك: «لماذا؟» # فقال يوري وقد أخجله أن يظنوا به المباهاة الكاذبة: سأفعل وشجعه إيفانوف فقال: «إنه لمكان ~~عجيب.» # فسأله نوفيكوف: «أذاهب أنت أيضا؟» ~~- «كلا إني أفضل البقاء هنا.» # فضحكوا منه جميعا. # ودنا الزوق من الشاطئ. # وهبت على رءوسهم من الغار موجة هواء باردة. # وحاولت لياليا أن تحمل أخاها على العدول فقالت: «ناشدتك الله لا تفعل! إن هذا خرق ~~حقيقة.» # فقال يوري مبتسما: «خرق نعم بلا شك! ناولني يا سمينوف هذه الشمعة.» ~~- «أين هي؟» ~~- «خلفك. في السلة.» # فأخرج سمينوف الشمعة متريثا. # وسألته فتاة طويلة بديعة القوام رائعة التناسب: «أذاهب أنت حقيقة؟» # وكانت لياليا تسميها «سينا» ولقبها كرسافينا. ~~- «بلا شك. لماذا لا أذهب؟» # وتظاهر بعدم الاكتراث. وذكر أنه فعل مثل هذا مرة في بعض مخاطراته السياسية ولم تقع هذه الذكرى ~~موقعا حسنا من نفسه لأمر ما. # وكان مدخل الغار رطبا مظلما ونظر فيه سانين وانفرجت شفتاه عن «برررر» واستسخف من يوري أن ~~يرتاد مكانا خطرا يكرب النفس لا لسبب سوى أن الناس يشهدونه وهو يفعل ذلك. # وكان يوري شديد الإحساس بنفسه ms036 فأوقد الشمعة وهو يقول لنفسه: «إني أعالج ما يضحك مني الناس أليس ~~كذلك؟» # ولكن الواقع أنه بدل أن يثير سخرهم فاز بالإعجاب ولا سيما من النساء اللواتي راقهن منه ذلك ~~وأعجبهن إلى حد الإزعاج. # وتمهل يوري إلى أن أضاءت الشمعة ثم ضحك تفاديا من التضاحك وغاب في ظلام الغار وكأنما اختفى ~~النور معه فقلقوا عليه وودوا لو يعرفون ماذا عسى أن يقع له. # وصاح به ريازانتزيف: «احذر الذئاب.» # فتهدى إليه من جوف الغار صوت ضعيف غريب يقول: «لا خوف فإن معي مسدسا.» # تقدم يوري في بطء وحذر وكانت جوانب الغار قصيرة وعرة رطبة والأرض من الوعوثة وعدم الاستواء بحيث ~~كادت تزل به قدمه مرتين في جحر وخطر له أن الأحجى أن يعود وأن يبقى مكانه برهة ليؤاتيه أن يدعي أنه ~~توغل. # وفجأة وقع أقدام وراءه تخطو على الطين البليل ونفس مسرع فرفع يده بالشمعة وصاح مذهولا: «سينا ~~كرسافينا.» ~~- «هي بعينها» وأمسكت بثوبها وتخطت الجحر بخفة. # وسر يوري أن تكون هذه الفتاة الجميلة هي التي جاءت فحياها بعينين ضاحكتين. # وقالت سينا وهي خجلة: «دعنا نتقدم.» # فأطاع يوري ولم يعد تزعجه فكرة الخطر الآن. # وأخذ يعنى بإثارة الطريق لرفيقته ولمح مخارج عديدة كلها قد سدت ورأى في ركن بضع ألواح من الخشب ~~يحسبها الرائي آثار نعش قديم. # فقال يوري وخفض صوته وهو لا يدري: «ليس بالممتع جدا ...» # وأخذ نفسه الضيق في جوف هذه الكتلة الأرضية. # فهمست سينا: «بلى إنها لممتعة.» # والتفتت حولها فالتمعت عيناها في ضوء الشمعة. وكانت مضطربة فتوخت أن تكون قريبة منه ليحميها، ~~ولاحظ هو ذلك وأدركه العطف على رفيقته الجميلة الضعيفة. # وعادت إلى الكلام: «لكأن المرء هنا مدفون حيا. وإذا صرخنا لم يسمعنا أحد.» # فقال ضاحكا: «لا شك.» # وطاف برأسه فجأة خاطر دار له ذهنه؛ أن هذه الفتاة الجميلة النضيرة المشتهاة في قبضة يده وتحت ~~رحمته، وليس من يراهما أو يسمعهما، ولكن هذا الخاطر من الدناءة بحيث لا سبيل إلى وصفه فأسرع فنفاه ~~وقال: «ولنفرض أننا جربنا؟» # وارتعش صوته. ms037 أتراها أدركت ما دار بذهنه؟ # فقالت: «نجرب ماذا؟» # قال: «إني أطلقت مسدسي؟» وأخرجه. # قالت: «هل تسقط الأرض علينا؟» # قال: «لا أدري.» # وإن كان على يقين من أنه لن يحدث شيء من هذا ثم قال: «أخائفة؟» # قالت: «لا لا! أطلق!» # وتراجعت خطوة أو بعض خطوة، ومد ذراعه بالمسدس وأطلقه فأبرق المكان ولفتهما سحابة من الدخان ~~وتجاوبت الأصداء ثم فنيت تدريجيا. # فقال يوري: هذا كل ما حدث. # قالت: «دعنا نرجع.» # فعادا أدراجهما وسارت أمامه فأثار منظر ردفيها المكتنزين المستديرين في ذهنة خواطر جنسية كان من ~~الصعب عليه أن يغض عنها، فقال بصوت مضطرب: «اسمعي يا سينا. إني أريد أن أسألك سؤالا سيكولوجيا ~~لطيفا: كيف لم تخافي أن تأتي إلى هنا معي؟ لقد قلت إننا لو صرخنا لما سمعنا أحد. وأنت لا تعرفين عني ~~شيئا على الإطلاق!» # فخجلت في الظلام وصمتت ثم قالت أخيرا بصوت خافت: «لأني رأيت أنك يمكن الثقة بك.» # قال: «وافرضي أنك كنت مخطئة؟» # فقالت بصوت لا يكاد يسمع: «إذا كنت ... أغرق نفسي.» # فملأته هذه الألفاظ عطفا وسكنت نزعاته واطمأنت نفسه. # وقال لنفسه: «ما أطيبها من فتاة.» # ووقعت منه أعظم وقع عفتها البسيطة الصريحة. # وزهاها ردها عليه وأرضتها موافقته الصامتة عنه، فابتسمت له لما عاد إلى مدخل الغار. على أنها ~~كانت تعجب لماذا لم تر في سؤاله ما يسوء أو يفضح ولماذا ارتاحت إليه على العكس من ذلك؟ # | الفصل السادس # بعد أن انتظر الباقون برهة عند مدخل الغار وركبوا سينا ويوري بالنكات أخذوا يتمشون على شاطئ ~~النهر وأشعل الرجال السجائر وألقوا بعيدان الكبريت في الماء وجعلوا يرقبون اندياح الدوائر على سطح ~~التيار. # وراحت ليدا تخطر ويداها إلى جانبي خصرها مما يلي ردفيها وتغني وهي سائرة وقدماها الصغيرتان ~~الرشيقتان في حذاءيهما الأصفرين يرتجلان الرقص من حين إلى حين. # أما لياليا فكانت تقطف الأزاهر وترمي بها ريازانتزيف وتداعبه بعينيها. # وقال إيفانوف لسانين: «ما قولك في الشراب؟» ~~- «فكرة بديعة.» # فانقلبا إلى الزورق وفتحا عدة زجاجات من الجعة وشرعا يشربان. # فصاحت بهما لياليا: «ويحكما ms038 من سكيرين فظيعين!» وراحت ترميهما بخصل من الحشائش. # فقال إيفانوف ومص شفتيه: «إنها من الطراز الأول.» # فضحك سانين وقال مازحا: «كثيرا ما أعجب للناس ماذا ينحون على الكحول. وفي اعتقادي أن السكير ~~هو الذي يعيش كما ينبغي له.» # فأجابه نوفيكوف من الشاطئ: «أي كالبهيم!» # فقال سانين: «ربما! على أنه مهما يكن من ذلك فالسكران إنما يفعل ما يريد. فإذا خطر له أن يغني ~~غنى. وإذا طلبت نفسه الرقص رقص ولم يستحي أن يطرب ويمرح.» # فقال ريازانتزيف: «وقد يضارب أيضا.» # فأجاب سانين: «نعم يفعل، أعني إذا لم يعرف المرء كيف يشرب.» # فسأله نوفيكوف: «وهل تحب المضاربة وأنت ثمل؟» # فأجاب سانين: «كلا، بل أفضل أن أضارب وأنا صاح. فإذا سكرت عدت أطيب الناس قلبا لأني أنسى كل ما ~~هو حقير وضيع.» # فقال ريازانتزيف: «ليس كل الناس هكذا.» # فأجاب سانين: «إني آسف لهم. على أن غيري لا يعنيني على الإطلاق.» # فقال نوفيكوف: «لا يسع المرء أن يقول هذا؟» # فأجاب سانين: «لماذا لا يقوله إذا كان حقا؟» # فقالت لياليا وهزت رأسها: «إنه لحق بديع!» # فرد إيفانوف عن سانين: «هو أبدع ما أعرف على كل حال.» # وكانت ليدا تغني بصوت عال فسكتت فجأة وبدا على وجهها الضيق وقالت: «إنهما لا يستعجلان على ما ~~يظهر.» # فأجابها يوري: «ولماذا يستعجلان. إن من الخطأ العظيم أن يستعجل المرء في أي أمر.» # فقالت ساخرة: «وسينا فيما أظن هي البطلة المنزهة عن الخوف المبرأة من العيب.» # ولم يستطع تاناروف أن يكتم خواطره في هذه اللحظة فانفجر يضحك ثم استحيا. وكانت ليدا واقفة ~~ويداها على ردفيها وهي تميد يمنة ويسرة برشاقة فالتفتت إليه وقالت وهزت كتفيها: «أحسبهما قد ظفرا ~~بأمر ممتع.» # وقال ريازانتزيف وقد تأدى إليهم صوت طلق: «اسمعوا.» # فقال شافروف: «هذه طلقة مسدس.» # وتعلقت لياليا وهي مضطربة بذراع حبيبها وقالت: «ما معنى هذه الطلقة؟» # قال: «لا تنزعجي إن كان ذئبا فالذئاب أليفة في هذا الوقت من العام وهي على كل حال لا تهم ~~باثنين.» # وحاول ريازانتزيف أن يطمئنها وإن كان ms039 القلق قد ساوره من هذه النزوة الصبيانية التي نزت برأس ~~يوري. # وقال شافروف وبه مثل ما بهم من الغيظ: «حمق.» # ثم صاحت ليدا بلهجة المستخف: «إنهما آتيان، آتيان فلا تقلقوا!» # وكان وقع أقدامهما مسموعا الآن ولم يلبثا أن خرجا من الظلام فأطفأ يوري الشمعة وابتسم وهو ~~مضطرب إذ كان لا يدري كيف يستقبله القوم. وقد جلله الطين الأصفر. وكان منه آثار على كتف سينا فقد ~~احتكت بجانب الغار. # وسألهما سمينوف بفتور: «ما عندكما؟» # فقال يوري وكأنه يعتذر: «إن المكان رائق جدا لولا أن الممر لا يفضي إلى بعيد وهو مسدود وقد ~~رأينا ألواح خشب متعفنة ملقاة هنا وهاهنا.» # وقالت سينا والتمعت عيناها: «هل سمعتم طلقة المسدس؟» فقاطعها إيفانوف صائحا: «أيها الإخوان ~~لقد شربنا كل الجعة وانتعشت نفوسنا جدا فلنعد.» # ولما توسطوا النهر بالقارب كان القمر قد طلع. وكان الليل ساكنا صافيا والنجوم الذهبية تلتمع ~~فوقهم وحولهم وفي قبة السماء وفي صفحة الماء، فكأن الزورق معلق بين كونين لا يقاس لهما غور. وبدت ~~الغابة المظلمة على شاطئ النهر مستبهمة معجمة السر، وغرد عندليب فأصاحوا في سكون. ووقع في نفوسهم منه ~~أنه ليس بطائر بل حالم طروب يرسل الصوت في جوف الظلام. # وخلعت سينا كرسافينا قبعتها وانطلقت تغني أنشودة روسية عذبة شجية ككل الأناشيد الروسية. وكان ~~صوتها العالي الرنان هافيا ينال من القلب وإن لم يكن بالقوي. # فتمتم إيفانوف: «هذا عذب.» وقال سانين: «فتان.» # ولما فرغت من الغناء صفقوا لها جميعا وارتد إليهم الصدى من الغابات المظلمة على جانبي ~~النهر. # وقالت لياليا: «غنينا لحنا آخر يا سينا - أو افعلي ما هو خير - أنشدينا قصيدة لك.» # فقال إيفانوف: «وشاعرة أيضا؟ ما أكثر الهبات التي يجود بها الله الكريم على مخلوقاته!» # فسألته سينا وهي مرتبكة: «أو هذا شيء قبيح؟» # فأجاب سانين: «كلا. بل حسن جدا.» # وعاد إيفانوف فقال: «إذا أوتيت الفتاة الصبا والحسن فما حاجتها إلى الشعر؟ وددت لو ~~أدري!» # وجاش صدر لياليا لها بالحب والرقة فقالت: «دعينا من هذا وغنينا لحنا باسينوتشكا!» # فافتر ms040 ثغر سينا وانصرفت بوجهها معجبة بنفسها قبل أن تغني الأبيات التالية بصوتها الخالص ~~الموسيقي: # يا حبيب النفس يا خير حبيب! # لن أناجيك بسري أبدا # لا ولن أكشف عن حر اللهيب! # وإذا ما حنت العين إليك # وصبت، أرخيت جفني جلدا # فانطوى سر الهوى عن ناظريك # ليس بيديه سوى طول الحنين # ليس يدري حبي المنقدا # غير ساجي الليل لو كان بين # كل نجم - كل روض بهواي # حالم في الليل أما ابتردا # هامس - لو كنت تصغي - بجواي # هذه تدريه لكن لا تقول! # هي خرساء كتوم أبدا # فمن المبلغك السر المهول؟ # فشاعت في نفوسهم حماسة الطرب مرة أخرى وضجوا بالتصفيق لسينا لا لأن قصيدتها الصغيرة جيدة، بل ~~لأنها جاءت ناطقة بحالهم معبرة عن مزاجهم ولأنهم جميعا كانوا يحنون إلى الحب وشجاه اللذيذ. # وصرخ فيهم إيفانوف وقد أخذته نشوة الطرب بصوت عميق أفزعهم جميعا: «يا ليل! يا ليل؟ يا عيني ~~سينا البراقتين ناشدتكما ألا ما قلتما لي أني أنا ذلك الحبيب السعيد!» # فقال سمينوف: «إني أستطيع أن أؤكد لك أنك لست به.» # فتوجع إيفانوف نادبا: «آه، يا ويحي!» فلم يبق أحد لم يضحك. # وسألت سينا يوري: «أشعري رديء؟» # ولم يكن يرى أن فيه ابتكارا يذكر ولقد أذكرته قصيدتها مئات من أمثالها، ولكن سينا بارعة الحسن ~~وقد توسلت إليه عيناها فلم يسعه إلا أن يقول بوقار: «أراها على جانب عظيم من الفتنة ~~والحلاوة.» # فابتسمت وأدهشها أن يسرها مثل هذا المدح كل هذا السرور. # وقالت لياليا: «إنك لم تعرف سينا بعد! هي كل شيء جميل وحلو.» # فقال إيفانوف: «أتعنين هذا حقا؟» # فأصرت لياليا: «نعم أعنيه، إن صوتها مرن رخيم وكذلك شعرها وهي نفسها جميلة - حتى اسمها جميل ~~عذب.» # فصاح إيفانوف: «لعمري ماذا تستطيعين أن تزيدي على هذا؟ على أني أطابقك على رأيك.» # فاحمر وجه سينا خجلا وارتباكا من هذه المدائح. # وقالت ليدا فجأة: «قد آن أن نعود.» واستكرهت أن تسمع مدح سينا إذ كانت تعد نفسها أجمل وأبرع ~~وأمتع. # وسألها سانين: «ألا تغنينا؟» # فقالت: «كلا! إن صوتي ms041 لا يؤاتيني الآن.» # وقال ريازانتزيف: «لقد آن أن نعود حقيقة.» وذكر أن عليه في الصباح أن يكون في مشرحة المستشفى. ~~وود الآخرون لو يتلكئون قليلا ولازموا الصمت وهم عائدون وأحسوا بالتعب والرضى. وداست العجلات مرة ~~أخرى أغيصان الحشيش وإن لم ير ذلك أحد. ولم يلبث التراب أن استقر على أرض الطريق مرة ثانية وبدت ~~الحقول الحرة العارية هائلة لا حد لها في ضوء القمر الوافي. # | الفصل السابع # مضت ثلاثة أيام وفي مساء الرابع عادت ليدا إلى بيتها حزينة متعبة مثقلة القلب. ولما بلغت غرفتها ~~وقفت ويداها متشابكتان وعيناها إلى الأرض وأدركت فجأة أنها في علاقاتها مع سارودين قد جاوزت الحد ~~فاستهولت ذلك؛ وتبينت لأول مرة منذ تلك اللحظة - لحظة الضعف الذي لا يعالج - أي سلطان يذل صار لهذا ~~الضابط الفارغ العقل عليها وإن يكن دونها في كل شيء. ~~- لا بد لها الآن أن تلبيه إذا دعا وأن تذعن لقبلاته أو تتأبى ضاحكة، ولكنه لم يعد يسعها أن ~~تعبث به كما تشاء، ولم يبق لها إلا أن تحتمل وتطيع كالرقيق. # كيف حدث هذا؟ ذلك ما لم تستطع له فهما. لقد كانت أبدا وعليه سلطانها وكانت تطيق التفاتاته ~~وغزله وكان كل شيء رضيا لذيذا مثيرا كالعادة. ثم جاءت لحظة اتقد فيها كيانها كله وغشي ذهنها مثل ~~الضباب ولم تبق إلا الرغبة المجنونة في الاندفاع إلى الهاوية، كأنما انشقت الأرض تحت قدميها ولم تعد ~~تحكم أعضاءها أو تشعر إلا بعينين جاذبتين تحملقان في عينيها، وهزت العاطفة جثمانها وعصفت به وراحت ~~ضحية الشهوة الغالبة. على أنها مع ذلك شاقها أن تتكرر هذه التجارب العاصفة. ولما مثل لخاطرها كل ذلك ~~ارتجفت فرفعت كتفيها وخبأت وجهها في راحتيها ومضت إلى غرفتها متعثرة وفتحت النافذة ولبثت لحظة طويلة ~~ترمق القمر وكان طالعا فوق الحديقة - وثم بين الأشجار النائية بلبل يغني. # وجثم على صدرها الحزن ونال منها الإحساس بالندامه وبانجراح الكبرياء للقضاء على حياتها من أجل ~~رجل فارغ سخيف، ولأن زلتها كانت حمقاء حقيرة عرضية. وبدا لها المستقبل ms042 منذرا بالشر ولكنها عالجت أن ~~تنفي عن نفسها المخاوف بالمكابرة. # وقالت لنفسها وهي عابسة محاولة أن تجد شيئا من الارتياح في هذه العبارة المبتذلة: «لقد فعلتها ~~وقضي الأمر! ما أسخف هذا كله! لقد أردت ذلك فكان ما أردت. وأحسست بسعادة يا لها من سعادة! وكان من ~~الحمق أن لا استمتع وقد سنحت لي الفرصة. إلا أنه لا ينبغي لي أن أفكر في الأمر. فما من حيلة فيه ~~الآن.» # وابتعدت في تثاقل عن النافذة وشرعت تخلع ثيابها تاركة إياها تنزل عن جسمها إلى الأرض وقالت وقد ~~أرعشها برد الليل لما أصاب كتفيها وذراعيها العارية: «إن الإنسان على كل حال لا يحيا إلا مرة. وماذا ~~كان ينفعني أن أنتظر حتى أتزوج زواجا شرعيا؟ ماذا كان يفيدني هذا؟ سيان هذا وذاك، فماذا هناك مما ~~يزعج؟» # وخيل إليها فجأة أنها بهذه المخاطرة اعتصرت كل لذاذة ومتعة وخير، وأنها قد صارت الآن حرة كالطير ~~وأنها مقبلة على حياة حافلة بالحوادث مليئة من السعادة واللذة. # سأحب إذا شئت. وإذا لم أشأ لم أعشق! # هكذا غنت نفسها بصوت خافت وفي ذهنها أن صوتها خير من صوت سينا كرسافينا وأحلى. ~~«كل هذا كلام فارغ! وإن لي إذا شئت أن ألقي بنفسي في أحضان الشيطان نفسه!» # وكذلك كانت ترد على ما يخالجها من الخواطر وذراعاها العاريتان فوق رأسها وثدياها يهتزان. # وحمل النسيم إليها صوت سانين يقول لها من وراء النافذة: «ألم تنامي يا ليدا؟» # فتراجعت ليدا فزعة ثم سترت كتفيها بوشاح وهي تدنو من النافذة باسمة وقالت: «لقد أفزعتني ~~والله!» # فدنا منها سانين واتكأ بذراعيه على حافة النافذة وكانت عيناه تلمعان وثغرة يفتر وقال مداعبا ~~لها: «لم تكن ثم من حاجة إلى هذا.» # فتلفتت ليدا حولها وعاود الكلام بصوت منخفض مؤثر فقال: «لقد كنت بغير هذا الوشاح أجمل.» # فحملقت ليدا فيه مذهولة وشدت الوشاح على جسمها فضحك سانين ومالت هي الأخرى على حافة النافذة وهي ~~مرتبكة، وصارت منه بحيث كانت تحس أنفاسه على خدها. فقال: «واها لك من جميلة!» ms043 # فأرسلت إليه نظرة عجلى وأخذها الخوف مما خيل إليها أنها تقرؤه في وجهه وأحست كل جارحة في جسمها ~~أن عيني أخيها ترشقانها فلوت وجهها مستفظعة. وبلغ من استهوالها خواطرها وتقززها منها أن كاد قلبها ~~يجمد. إن كل رجل ينظر إليها هذه النظرة وهي ترتاح إلى ذلك. فأما أن يفعل أخوها هذا فمستحيل لا يحتمل ~~التصديق. على أنها ما لبثت أن ثابت إليها نفسها فقالت مجيبة: «نعم أعلم ذلك.» # وراقبها سانين في سكون وكان الوشاح والقميص قد زالا عن كتفيها لما انحنت على النافذة وبدا صدرها ~~الرقيق ملتمعا في ضوء القمر، فقال سانين بصوت خافت مرتعش: «إن الناس لا يزالون أبدا يقيمون سورا ~~من أسوار الصين بينهم وبين سعادتهم.» # فبهتت ليدا وسألته وعيناها إلى الحديقة مخافة أن يلتقي طرفها وطرفه: «وماذا تعني؟» # وخيل إليها أن سيحدث شيء لا تجرؤ على التفكير فيه، وعلى أنها لم يخالجها شك في ماهيته، شيء رهيب ~~فظيع إلا أنه لذيذ فالتهب ذهنها وعادت وما تكاد تبصر، وظلت واقفة مستيشعة مستغربة وهي تحس النفس ~~الحار على خدها يعبث بشعرها ويرسل الرعدة في جسمها. # فقال سانين وصوته يرتجف: «ماذا أعني؟ هكذا!» # فكأنما أصابت ليدا هزة كهرباء ففزعت إلى الوراء ومالت على المنضدة وهي لا تدرك ما تصنع ونفخت ~~الشمعة فانطفأت وأغلقت النافذة وقالت: «لقد آن أن أنام.» # ولما انطفأ النور خفت الظلمة خارج الغرفة وظهر شخص سانين في الحديقة واضحا بارزا وأكسب ضوء ~~القمر قسمات وجهه شيئا من الزرقة، وهو واقف بين الحشائش الطويلة المطلولة يبتسم. # وانصرفت ليدا عن النافذة، وجلست على السرير وهي ترجف من فرعها إلى قدمها وعجزت عن جمع خواطرها ~~وتنظيمها، وسمعت وقع قدمي سانين على الحشائش فزاد خفقان قلبها وجعلت تسأل نفسها وهي مكروبة: «أتراني ~~جننت؟ ما أفظع هذا؟ كلمة كهذه لعلها قيلت عرضا تحرك في ذهني مثل هذه الخواطر؟ أترى هذا جنون؟ ~~الشهوة؟ هل وصلت إلى هذا الدرك من السفالة والانحطاط؟ لقد هويت حقا إذا كان يجري ببالي مثل هذا ~~الخاطر!» # ودفنت وجهها ms044 في الوسادة وبكت بكاء مرا. # ثم سألت نفسها مستغربة علة البكاء شاعرة بالذلة والمهانة والشقاوة: «لماذا أبكي؟» # بكت لأنها بذلت نفسها لسارودين - لأنها لم تعد تلك العذراء النقية الذيل المزهوة الشامخة الأنف ~~- وبكت من جراء تلك النظرة الفظيعة المهينة التي رماها بها أخوها. ولم يكن عهدها به فيما مضى أن ينظر ~~إليها هكذا. وإنما فعل هذا - في رأيها - لأن قدمها زلت فسقطت. # ولكن أوجع ما مر بها من الخواطر وأمرها جميعا هو أنها أصبحت الآن امرأة! وأنها لا يسعها الآن - ~~ما دام لها صباها وقوتها وحسنها - إلا أن تجعل خير ما منحت تحت أقدام الرجال ووقف على إرضائهم، وأنها ~~على قدر المتعة التي تبذلها لهم يكون مبلغ احتقارهم لها. # فسألت نفسها محملقة في ظلام الغرفة: «لماذا يحتقرونني؟ من خولهم هذا الحق؟ أليس لي من الحرية ~~مثل ما لهم سواء بسواء؟ هل قضي علي أن لا أعرف حياة غير هذه وخيرا منها؟» # فقال لها جسمها بلسان الصبا والقوة إن لها الحق أن تقطف من الحياة كل ما هو ممتع وسار ولازم ~~لها، وإن لها أن تصنع ما تشاء بجسمها الجميل القوي الذي هو ملكها وحدها دون سواها. # ولكن هذه الفكرة ضاعت في تيه من الخواطر المختلطة المتضاربة. # | الفصل الثامن # ظل «يوري سفاروجتش» مدة يشتغل بالتصوير وكان كلفا يصرف فيه كل أوقات فراغه. ولقد كان يحلم فيما ~~مضى من عمره أن يكون مصورا ولكن الحاجة إلى المال - أولا - ومشاغله السياسية - ثانيا - حالت دون ~~ذلك فصار يعالج التصوير من حين إلى حين على سبيل اللهو وبلا غاية يرمي إليها. # ولهذا السبب - ولأنه ينقصه التدريب - لم يجد في التصوير مسلاة ترضي نفسه. بل صار على عكس ذلك ~~مصدر حسرة ومبعث خيبة. وكان كلما أخفق فيه اكتأب وهاج وإذا وفق فيما يعالجه منه سبح في بحر من ~~التفكير الساهم وتجسم له عبث مساعيه التي لا تنيله لا السعادة ولا النجاح. # وكان يوري قد كلف «بسينا كارسافينا» وكان يؤثر من النساء الطويلة المنسجمة الجميلة الصوت التي ms045 ~~تمور عينها بسحر الخيال. وكان يتوهم أنه ما جذبه إليها سوى جمالها وطهر روحها، وإن كان لم يدفعه إلى ~~تعلقها شيء سوى أنها جميلة مرغوبة. على أنه حاول أن يقنع نفسه بأن سحرها الذي يحسه روحي لا جثماني، ~~إذ كان يظن أن هذا أنبل وأرفع، وإن كانت هذه الطهارة العذرية بعينها هي التي ألهبت دمه وأثارت رغبته. ~~وما زال مذ لقيها مساء لأول مرة يحس بحنين قوي وشوق ملح غامض إلى تلويث طهارتها، والواقع أن هذا كان ~~إحساسه كلما رأى امرأة حسناء. # والآن وقد تعلقت خواطره فتاة جميلة مرحة مليئة بلذة الحياة فقد بدا له أن يصور «الحياة.» وتحمس ~~لهذه الفكرة كما هي عادته كلما عن له رأي جديد. وراح يعتقد أنه في هذه المرة سيوفق إلى ~~النجاح. # وبعد أن أعد لوحا كبيرا مضى في العمل بسرعة المحموم كأنما يخشى أن يعطله معطل. وما كاد يلمس ~~اللوح ببعض الألوان ويخرج من تواليفها أثرا سارا متجاوبا حتى اهتز سرورا وتمثلت لخياله الصورة ~~المزمعة بكل تفاصيلها، ولكنه لما توغل في العمل نشأت المصاعب الفنية وتعددت وأحس يوري أن لا قبل له ~~بتذليلها، وعاد كل ما هو براق جميل قوي في مخيلته هزيلا ضعيفا على اللوح، ولم تعد تفتنه التفاصيل ~~بل راح يلاقي منها البرح والضيق والكرب. والواقع أنه أغفلها وأنشأ يتوخى في الرسم الإجمال والإهمال ~~والسرعة. وبدل أن تخرج يده صورة قوية واضحة للحياة ارتسمت على اللوح أنثى فاترة مثقلة بالألوان لا ~~ينسجم عليها هندام. ولم يكن ثم شيء فاتن أو مبتكر في مثل هذه الصورة الفاترة المكررة. إن هو إلا رسم ~~تافه في فكرته وفي آدائه. فاكتأب يوري كالعادة. # ولولا أنه استحيا لأمر ما أن يبكي لبكى ولأخفى وجهه في الوسادة وراح يعول. ولقد أحس الحاجة إلى ~~أن يبث بعض الناس شكواه ولكن ليس من عجزه وقصور باعه. على أنه لم يفعل، بل جعل يرمق الصورة متحسرا ~~ذاهبا إلى أن الحياة على العموم ضنى وشجى وضعف، وأنها خالية مما يلذه. وراعه ms046 أن يفكر في أنه سيكون ~~عليه أن يقضي سنين عدة في هذه البلدة الصغيرة. # وابترد جبينه كالثلج وهو يقول لنفسه: «إن هذا هو الموت بعينه!» # ثم اشتاق أن يصور «الموت» وأمسك سكينا وشرع وهو محنق يكشط صورة «الحياة» وغاظه أن ما صنعه بمثل ~~تلك الحماسة يزول بمثل هذه الصعوبة. ولم يسهل عليه أن ينزع الألوان. ولقد أفلتت السكين ومزقت اللوحة ~~في موضعين، ثم وجد أن الطباشير لا يخلف أثرا على ألوان الزيت فملأه هذا ضيقا. # ثم إنه شرع يعمل بالفرشة ويخطط موضوعه وجعل بعد ذلك يرسم في بطء وقلة احتفال وبلا روح. غير أن ~~عمله لم يخسر بذلك شيئا بل أفاده التثاقل والإهمال والأخذ بالألوان الثقيلة الرازحة. واختفت فكرته ~~الأولى وذهب يصور «الشيخوخة» فجعلها عجوزا هزيلة متطرحة في طريق وعر، وقد غابت الشمس واحلولكت ~~السماء وارتمت ظلال الصلبان وانحني كتفا المرأة المحروقتان تحت ثقل نعش أسود، وارتسمت على وجهها ~~الكآبة واليأس وإحدى قدميها على حافة قبر مفتوح، صورة مرعبة للشقاء والجهامة. # وأرسلوا إليه يدعونه إلى الطعام ولكنه لم يذهب وظل يشتغل. # ثم جاءه نوفيكوف ليبلغه أمرا، غير أنه لم يصغ إليه ولا رد عليه. فتنهد نوفيكوف وجلس. # وكان نوفيكوف يحب السكون وإجالة الفكر فيما مر به وما جاء به إلى يوري إلا أن الوحدة في بيته ~~ترمضه. # وكان رفض ليدا أن تتزوجه لا يزال يحزنه ولم يكن يدري أحزن ما به من ألم المذلة. وكان رجلا ~~مستقيما متبطلا ولم يتصل به ما يتحدث به الناس عن ليدا وسارودين، ولم يكن يحس الغيرة بل الأسف على ~~حلم لم يكد يليح له بالسعادة حتى انتسخ. # وخطر لنوفيكوف أنه أخفق في حياته ولكنه لم يفكر في اختصارها وإن كان البقاء عبثا. بل على نقيض ~~ذلك رأى من واجبه الآن وقد صارت حياته عذابا له أن يقفها على الناس، وأن ينحي سعادته ويطرحها ~~جانبا. ونازعته نفسه لسبب لا يدريه أن ينفض يده من كل شيء في هذه البلدة وأن يمضي إلى بطرسبرج حيث ~~يستطيع ms047 أن يجدد علاقته «بالحزن» وأن يهجم على الموت. وقام في نفسه أن هذه فكرة سامية نبيلة ولطف من ~~حزنه علمه أن هذه فكرته بل لقد شرحت صدره، فضخم شأنه وعظم مقامه. في نظر نفسه، وكأنما صار على مفرقة ~~تاج من الذهب الوهاج. وكان موقف العتب الذي اتخذه حيال ليدا يدفعه إلى البكاء. # ثم أحس الملال فجأة يدب في نفسه وكان «يوري» ماضيا في التصوير لا يلقي إليه التفاتة. # فنهض نوفيكوف متثاقلا ودنا من الصورة ولم تكن قد تمت، ولهذا كان لها وقع الصورة القوية. # وكان يوري قد بلغ حد طاقته فاعتدها نوفيكوف آية وهو ينظر إليها وفمه مفتوح معجبا بالمصور إعجاب ~~الطفل. # وتراجع يوري وقال: «ما رأيك؟» # وكان رأيه أنها أمتع صورة رآها وإن كان لا شك في أن فيها عيوبا جلية كبيرة. ولم يكن يدري لماذا ~~كان هذا رأيه. ولو أن نوفيكوف استسخفها لجرحه ذلك وآلمه. # على أن نوفيكوف قال هامسا فرحا: «بديعة جدا.» # وأحس يوري كأنه عبقري يستخف بعمله فتنهد ورمى الفرشة فلوثت طرف المخدع وانصرف عن اللوح دون أن ~~ينظر إليه وقال مبتدئا: «آه يا صديقي!» # وهم بأن يعترف لنفسه ولنوفيكوف بالشك الذي ينغص كل سرور بالنجاح إذ كان يحس أنه لن يستطيع أن ~~يتم هذه البداية الحسنة، غير أنه بعد التفكير لم يزد على أن قال: «كل هذا لا طائل تحته.» # فظن نوفيكوف أن صاحبه يتكلف، وذكر ما لقيه هو من الخيبة المرة فحدث نفسه أن هذا صحيح. # ثم سأل بعد برهة: «ماذا تعني بقولك إن هذا لا طائل تحته؟» # ولم يستطع يوري أن يجيب عن هذا جوابا دقيقا فبقي صامتا. # وعاد نوفيكوف إلى الصورة يفحصها وجلس مرة ثانية ثم قال: «قرأت مقالك المنشور في جريدة «كراي» ~~وأراه حار!» # فأجاب يوري مغضبا لغير سبب يعلمه وذكر كلام سمينوف: «إلى الشيطان بها! أي خير فيها؟ إنها لن ~~تمنع الإعدام ولا السرقات ولا العنف. وستظل هذه كما كانت. إن المقالات لا تجدي. ما خيرها بالله؟ أن ~~يقرأها اثنان ms048 أو ثلاثة من البلهاء؟ خير عظيم حقا! ومع ذلك فما شأني أنا بهذا؟ لماذا أنطح الجدار ~~برأسي؟» # ونسرت الذكرى لعيني يوري مساعيه السياسية في صدر أيامه ومثلت له الاجتماعات السرية والدعوة التي ~~كان يعمل على إذاعتها وبثها، والأخطار والإخفاق وحرارة حماسته وبلادة من كانت الرغبة تجمع به إلى ~~إنقاذهم، فجعل يروح ويجيء في الغرفة مشيرا بيديه. # فقال نوفيكوف: «لا. إذن ليس ثم ما يستحق من المرء أن يفعل شيئا في سبيله.» وذكر سانين، فأضاف ~~إلى ذلك: «أنانيون! هذا أنتم جميعا!» # فأجابه يوري بحدة وقد تأثر بذكريات ماضيه وبالغسق الذي أحال لون كل شيء في الغرفة: «كلا ليس هذا ~~كذلك، إذا ذكرنا الإنسانية فأي خير في كل جهودنا المبذولة في سبيل الدساتير أو الثورات، إذا كان ~~المرء يعجز عن تقدير ما تحتاج إليه الإنسانية حتى على وجه التقريب؟ وما يدرينا؟ لعل في هذه الحرية ~~التي نحلم بها جرثومة الانحطاط في المستقبل، ولعل الإنسان بعد أن يتحقق مثله الأعلى يكر راجعا ~~القهقرى ويمشي على أربع. وهكذا يكون علينا أن نبدأ كل شيء من جديد. وهبني لا أكترث إلا لنفسي فماذا ~~إذن؟ ماذا أستفيد بذلك؟ إن أقصى ما يبلغني إياه طوقي هو أن أنال الشهرة بمواهبي وأعمالي، وأن يسكرني ~~احترام من هم دوني أي احترام من لا أحترمهم، ومن ينبغي أن يكون احترامهم لا قيمة له عندي. ثم ماذا؟ ~~أظل عائشا - عائشا إلى أبلغ القبر - ثم لا شيء بعد ذلك! ويعتدل إكليل الغار على جمجمتي ويبلغ من ~~فرط إحكام لفه عليها أني لا ألبث أن أحس منه الضيق والكرب!» # قال نوفيكوف متهكما ولم يسمعه يوري لفرط سروره بفصاحته: «نفسه أبدا!» # وكان لكلامه سهوم لذيذ في نظره، وكان ما يقوله يشرفه ويزيد في احترامه لنفسه وعاد فقال: «وشر ما ~~في الأمر أن أصير عبقريا يسيء الناس الحكم عليه، حالما مضحكا، ومدارا للأقاصيص الفكاهية وشخصا ~~سخيفا لا خير فيه لأحد.» # فصاح نوفيكوف وهو ينبض: «آها. لا خير فيك لأحد؟ أوتقر بهذا إذن؟» # فقال يوري: «تالله ms049 ما أسخفك! أوتظن أني لا أعرف ماذا ينبغي أن أحيا له وبمن أؤمن؟ من المحتمل ~~أن أقبل بسرور أن أصلب إذا اعتقدت أن موتي ينقذ العالم ويخلصه. ولكني لا أعتقد هذا. ومهما يكن ما ~~أصنع فلن يغير من مجرى التاريخ. أضف إلى ذلك أن معونتي من الهوان والضآلة بحيث لا يخسر العالم شيئا ~~لو أني لم أكن. بيد أني - من أجل هذه الذرة من المعونة - مكره أن أعيش وأن أتعذب وأن أنتظر الموت في ~~حزن!» # ولم يلاحظ يوري أنه اندفع يتكلم في أمر آخر، وأنه لا يرد على نوفيكوف بل على هواجسه الغريبة ~~المحزنة. # ثم ذكر سمينوف فجأة فسكت وسرت في ظهره رعده باردة وقال بصوت منخفض وهو ينظر إلى النافذة ~~المظلمة: «الحقيقة أني أخشى المحتوم وأني لأعلم أن هذا طبيعي. وأنه لا يسعني أن أفر منه. ولكنه على ~~هذا رهيب، مهول.» # فقال نوفيكوف وإن كان قد هاله صدق هذا الكلام: «إن الموت ظاهرة فسيولوجية لازبة.» # فقال يوري لنفسه: «يا له من خرف!» # ثم صاح بنوفيكوف وهو مغضب: «ماذا يهم إذا كان موتنا لازما لغيرنا أو غير لازم؟» # فقال نوفيكوف: «وما قولك في رضاك أن تصلب؟» # فأجاب يوري ببعض التردد: «هذا شيء آخر.» # فقال نوفيكوف بلهجة فيها بعض التعالي: «إنك تناقض نفسك.» # فتضايق يوري ودفع أصابعه في شعره الأسود المضطرب وقال بحدة: «إني لا أناقض نفسي أبدا! إذ من ~~المعقول أني إذا شئت أن أموت بمحض إرادتي الحرة ...» # فقاطعه نوفيكوف معاندا وبنفس اللهجة: «كل هذا سواء وأنتم جميعا تطلبون السهام النارية ~~والتصفيق وما إلى ذلك. وليس هذا إلا أنانية!» # قال يوري: «هبها كذلك! إن هذا لا يغير المسألة.» # وصارت المناقشة مختلطة وأحس يوري أنه لم يرد أن يقول هذا، ولكن الخيط أفلت منه بعد أن كان مجراه ~~واضحا ممتدا منذ برهة فجعل يقطع الغرفة رائحا جائيا. معالجا أن يغالب غيظه وهو يقول لنفسه: «إن ~~المرء أحيانا ينقصه المزاج المناسب. وأحيانا أخرى يتكلم بجلاء كأنما الألفاظ مخطوطة أمام عينيه. ~~وأنا أحيانا ms050 أكون كالملجم فلا أحسن العبارة عما في نفسي، نعم هذا كثيرا ما يقع.» # وصمت كلاهما، ثم وقف يوري بجانب النافذة وتناول قبعته وقال: «دعنا نتمشى.» # أجاب: «حسن جدا.» # ووافق نوفيكوف وفي مأموله أن يلاقي ليدا وسره أمله وأحزنه في آن. # | الفصل التاسع # ذهب يوري ونوفيكوف يتمشيان في الميدان ولم يقابلا أحدا يعرفانه فأخذا يستمعان إلى فرقة ~~الموسيقى التي كانت تعزف كالعادة في الحديقة وكان عزفها ضعيفا وألحانها خشنة متنافرة. # ولكن صوتها كان شجيا هافيا عن بعد. ولم يريا إلا رجالا ونساء يتمازحون ويضحكون، وكانت ضوضاء ~~سرورهم لا تناسب الموسيقى الحزينة والليل المتجهم فأمض ذلك يوري. # وانضم إليهما سانين في آخر الميدان وحياهما محتفلا وكان يوري لا يحبه ففتر الحديث. # وراح سانين يضحك من كل مخاوف تقع عليه عينه. # ثم قابلوا إيفانوف فمضى معه سانين. # وسألهما نوفيكوف: «أين تذهبان؟» # فقال إيفانوف: «أريد أن أشارب صديقي» # وأخرج زجاجة «فودكا» لوح لهما بها مباهيا، فضحك سانين. # وذهب يوري بعد هذا الضحك والفودكا في الحضيض الأوهد من عامية النفس وخشونتها ولوى وجهه عنهما ~~مشمئزا. # ولاحظ سانين ذلك منه ولكنه لم يقل شيئا. # ولكن إيفانوف قال متهكما: «أحمدك اللهم إذ لم تجعلني كغيري من الناس!» # فاحمر وجه يوري وقال لنفسه: «ونكتة مبتذلة أيضا تضاف إلى سابقتها!» # وهز كتفيه استخفافا وانصرف. # وقال إيفانوف: «نوفيكوف! أيها الفريسي الغرير تعال معنا!» # فسأله: «لماذا؟» # فرد عليه: «لنشرب.» # فأدار نوفيكوف عينه في المكان متحسرا، ولكن ليدا لم يكن لها أثر. # فضحك سانين وصاح به: «إن ليدا في البيت تكفر عن ذنوبها!» # فقال نوفيكوف مغضبا: «ما هذه السخافة؟ إن علي أن أعود مريضا ...» # فأجاب سانين: «يستطيع أن يموت بدون مساعدتك! ونحن نستطيع أن نشرب الفودكا بدون معونتك ~~أيضا.» # فقال نوفيكوف لنفسه «ولنفرض أني سكرت!» # ثم التفت إليهم وقال: «حسن سأذهب معكما.» # وكان يوري يسمع عن بعد صوت إيفانوف الضخم الخشن وضحكة سانين الجذلة المستخفة فعاد يتمشي في ~~الميدان وأهابت به ظلمة الليل أصوات فتيات ندية. # وكانت سينا كارسافينا ودوبوفا المدرسة جالستين ms051 على مقعد وهما في ثياب قاتمة، ورأساهما عاريان، ~~وفي أيديهما كتب يحملانها، ولم يكن يسهل أن يراهما المرء في الظلام. # فأسرع يوري ولحق بهما وسألهما: «أين كنتما؟» # فقالت سينا: «في المكتبة.» # وتحركت رفيقتها دون أن تتكلم لتفسح مكانا ليوري. # وكان يود لو جلس بجانب سينا ولكنه لخجله جلس إلى جانب دوبوفا المدرسة الدميمة. # وسألته دوبوفا: «ما لوجهك فيه كل آيات التعاسة؟» # وضمت شفتيها الجافتين كما هي عادتها. # فرد عليها: «ماذا يحملك على الظن بأني تعس؟ إني على العكس منشرح الصدر وربما كنت سأمان ~~قليلا.» # فقالت دوبوفا: «إن علة مثيلك أن لا عمل لك.» # قال: «أولديك أعمال كثيرة إذن؟» # قالت: «مهما يكن من الأمر فليس عندي وقت للبكاء.» # قال: «أترينني أبكي؟» # فقالت دوبوفا مكايدة: «إن بك نوبة سهوم.» # قال يوري بلهجة فيها من المرارة ما ألزمهم الصمت: «إن حياتي أنستني الضحك كيف يكون.» # ثم عاد إلى الكلام بعد فترة: «لقد أخبرني صديق لي أن في حياتي عبرة كبيرة.» # وإن كان لم يقل له أحد مثل هذا الكلام. # فسألته سينا بحذر: «كيف؟» # أجاب يوري: «هي مثال يريك كيف لا يعيش المرء.» # فقالت دوبوفا: «حدثنا عنها بالله لعلنا نستفيد من الدرس.» # وكان يوري يرى أن حياته إخفاق مطلق وأنه هو أتعس الناس وأشقاهم. وفي هذا الاعتقاد نوع من السلوى ~~الشجية، فكان يلذ له أن يبث الناس شكاته من حياته ومن الناس على العموم. ولم يكن يحدث الرجال بشيء من ~~هذا، إذ كان يشعر بغريزته أنهم لن يصدقوه. أما النساء - لا سيما الشواب الجميلات منهن - فكان على أتم ~~استعداد للإسهاب معهن في تحديثهن عن نفسه. # وكان يوري وسيما محدثا، ولم يعدم قط من النساء العطف عليه والمرثية له. # فشرع يحدثهما متفكها في أول الأمر، غير أنه لم يلبث أن عاودته نغمته المألوفة فأطال في الكلام ~~في نفسه، ويظهر مما قال أنه رجل ذو مواهب عظيمة سحقتها قوة الظروف، وأساء فهمها حزبه وقضى عليه نحس ~~الطالع وحماقة الناس ألا يكون أكثر من طالب منفي لا ms052 زعيم أمة. # وكان يوري ككل الراضين عن أنفسهم لا يستطيع أن يدرك أن هذا ليس من شأنه أن يثبت عظم مواهبه، وأن ~~ذوي العبقرية يلتف بهم مثل رفقائه وتعترض سبيلهم مثل هذه الكوارث والمصائب، ولكنه كان يتوهم أنه هو ~~وحده فريسة قدر لا يرحم. # ولما كان محدثا بارعا وكان في كلامه قوة وحياة فإن ما يقوله كان يكتسب رنة الصدق، فتصدقه ~~الفتيات ويعطفن عليه ويشاطرنه الأسى لما نزل به. # وكانت الفرقة لا تزال تعزف ألحانها الحزينة المتنافرة والليل حالك ثقيل الطل فاكتأبوا جميعا. ~~ولما كف يوري عن الكلام سألته دوبوفا وهي تفكر في حياتها المملة الفاترة وصباها البائد قبل أن تدري ~~ما الطرب أو الحب: «قل لي يا يوري؟ ألم تخطر لك فكرة الانتحار؟» # أجاب: «لماذا تسألينني هذا؟» # قالت: «لا أدري لماذا؟» # وصمتوا جميعا. # ثم سألته سينا بشيء من التلهف: «إنك عضو في اللجنة. أليس كذلك؟» # فأوجز يوري في الجواب مجتزئا بنعم. # كأنه يريد أن يعترف بهذه الحقيقة ولكنه في الواقع سره أن يعترف لأنه ظن ذلك يزيد اهتمام الفتاة ~~به. # ثم رافقهما إلى بيتهما وجعلوا يضحكون جميعا ويتحدثون كثيرا طول الطريق، وانقشعت عنهم سحابة ~~الكآبة. # ولما انصرف يوري قالت سينا: «ما ألطفه.» # فهزت دوبوفا أصبعها متوعدة: «حاذري أن تقعي في حبه.» # فقالت سينا: «أي خاطر هذا؟» # وضحكت وإن كان الخوف قد خامرها. # ووصل يوري إلى بيته وهو أكثر انشراحا وأعظم أملا، وذهب إلى الصورة التي كان قد بدأها وجعل ~~يتأملها فلم يجد لها في نفسه وقعا ما، فاستلقى ونام راضيا مطمئنا، وبدت له في أحلامه نساء جميلات ~~متأنقات مغريات. # | الفصل العاشر # وفي الليلة التالية عاد يوري إلى نفس المكان الذي التقى فيه سينا وزميلتها وكان نهاره كله يفكر ~~مسرورا فيما جرى له معهما من الحديث في الليلة السابقة. # فراح يرجو أن يلقاهما مرة أخرى وأن يحدثهما كما فعل، وأن يرى في عيني سينا الرقيقتين نظرة العطف ~~والحنو التي أنس بها في ليلته تلك. # وكان المساء ساكنا والجو دافئا والأتربة ms053 الخفيفة ثائرة، والميدان خاليا إلا من واحد أو اثنين ~~من السابلة. # فسار يوري وعيناه إلى الأرض، وجعل يخاطب نفسه قائلا: «ما أشد ملالي، ماذا أصنع؟» # وإنه لكذلك وإذا بشافروف الطالب يغذ السير ويطوح بذراعيه ثم دنا منه وعلى وجهه ابتسامة الودود ~~وسأله: «ما لك تمشى وئيدا؟» # فقال يوري بلهجة فاترة فيها شيء من التعالي: «لقد كاد يقتلني الملل ولا أدري ماذا أصنع. وإلى ~~أين؟» # وكان لا يكلم شافروف إلا بهذه اللهجة لأنه عضو سابق في اللجنة الثورية، أما شافروف فما هو في ~~نظره إلا فتى ثوري حديث العهد. فابتسم شافروف ابتسامة الرضى عن النفس وقال: «ستلقى اليوم ~~محاضرة.» # وأشار إلى حزمة من الرسائل مطوية في ملف ملون. # فتناول يوري إحداهما وفتحها وقرأ المقدمة الطويلة الحافة لخطبة اشتراكية مشهورة كان يعرفها ثم ~~نسيها الآن. # فسأله يوري: «وأين تلقى هذه المحاضرة؟» ورد إليه الرسالة وعلى فمه ابتسامة الاستخفاف. # أجاب شافروف: في «المدرسة.» # وكانت هي عين المدرسة التي تدرس فيها سينا كرسافينا ودوبوفا. فذكر يوري أن أخته لياليا حدثته ~~مرة عن هذه المحاضرات ولكنه لم يجعل باله إليها، فسأله: «أتسمح لي أن أرافقك؟» # أجاب: «بلا شك.» # وأظهر السرور بهذا الاقتراح وكان يعد يوري مهيجا صميما ويبالغ في تقدير كفاءته السياسية ~~ويكبره ويحبه. # وأحس يوري أن لا بد له من أن يقول: «إني عظيم الاهتمام بهذه الشئون.» # وسره أن عرف كيف يقضي ليلته وأنه سيلاقي سينا مرة أخرى. # فقال شافروف: «نعم تهتم بلا ريب.» # أجاب: «إذن فلنمض.» # وسارا مسرعين في الميدان واجتازا الجسر، وصافحهما من جانبيه الهواء البليل ولم يلبثا أن بلغا ~~المدرسة حيث كان الناس قد اجتمعوا. # وكانت القاعة مظلمة وقد صفت فيها المقاعد والأدراج وبدأ القماش الأبيض المعد للمصباح السحري. ~~وكان المرء يسمع أصوات الضحك المكتوم. # ووقفت لياليا ودوبوفا عند النافذة ومنها كان الناظر يستطيع أن يرى أغصان الأشجار الخضراء وعليها ~~من الظلام جهامته، فحيتا يوري فرحتين. # وقالت لياليا: «ما أعظم سروري بحضورك!» # وهزت دوبوفا يده بشدة. # فقال يوري مستفهما وأدار لحظه ms054 فيمن حوله لعله يرى شيئا: «لماذا لا تبدءون؟» # ثم قال وفي صوته دليل صريح على خيبة أمله: «أرى سينا لا تحضر هذه المحاضرات.» # وأشعل بعضهم في هذه اللحظة عود كبريت قريبا من منضدة المحاضر، فبدت في نوره قسمات سينا وأضاء ~~محياها النضير الجميل وكانت تبتسم في سرور، فقالت وانحنت ليوري ومدت إليه راحتها ... ~~- «ألا أحضر هذه المحاضرات؟» # فصافحها مسرورا دون أن يتكلم. # واتكأت هي قليلا ووثبت إلى جانبه فأحس نفسها العذب المنعش على خده. # وجاء شافروف من الغرفة المجاورة وقال: «قد آن أن نبدأ.» # فسار الخادم بخطى ثقيلة طائفا بالغرفة، وموقدا مصابيحها واحدا بعد واحد فشاع في الحجرة ~~نورها. # وفتح شافروف الباب المؤدي إلى الممر وقال بصوت عال: «تفضلوا من هنا.» # فدخل الناس وكان بهم في أول الأمر بعض الحياء ثم ما عتموا أن حثوا الخطى في جلبة وضوضاء. # وجعل يوري يفحص وجوههم ولما كان من مروجي الدعوة السياسية فقد تحركت نفسه واشتد اهتمامه. # ودخل الحجرة شيوخ وشبان وأطفال لم يجلس منهم أحد في الصف الأول فشغلته سبع سيدات لا يعرفهن يوري ~~وإلى جانبهن مفتش المدارس وأساتذة المدارس الابتدائية للبنين والبنات ومعلماتها، وغصت بقية القاعة ~~بلابسي الجلاليب والمعاطف الطويلة وبالجنود والفلاحين والنساء وبكثير من الأطفال في قمصان ملونة ~~عليها جاكتات واسعة. # وجلس يوري بجانب سينا إلى درج وأصغى إلى شافروف وهو يتلو في سكون - أردأ تلاوة - خطابا موضوعه ~~حق الانتخاب العام. # وكان صوته جافا مملا فما قرأ شيئا إلا خيل إلى سامعه أنه قائمة إحصاءات. # ولكن الناس أنصتوا مع هذا ما خلا المتعلمين الجالسين في الصف الأول، فسرعان ما قلقوا وراحوا ~~يتهامسون. # فساء يوري هذا منهم وأدركه العطف على شافروف والأسف لرداءة إلقائه، وكان هذا قد بدا عليه التعب ~~فقال يوري لسينا: «ما قولك في أن أنوب عنه؟» # فرمته بنظرة رقيقة من تحت أهدابها المرسلة. وقالت: «نعم. نعم افعل ذلك بودي لو فعلت.» # فهمس في أذنها مبتسما لها كأنما كانت شريكته: «أترين في هذا ضيرا؟» # فقالت: «ضير؟ كلا، كلنا حقيقون ms055 أن نغتبط.» # وسنحت فترة فعرضت ذلك على شافروف وكان قد نال منه التعب ولم يكن يغيب عنه سوء إلقائه فقبل ~~مسرورا وأخلى مكانه ليوري وقال: «بلا شك حبا وكرامة.» # وكان يوري مولعا بالإلقاء يحسنه ويجيده فتقدم إلى المنضدة دون أن ينظر إلى أحد وشرع يتلو بقية ~~المحاضرة بصوت عال متزن. # وسدد لحظه إلى سينا مرتين. والتقت عينه في كل منهما بعينها المتألقة الفصيحة فابتسم لها مسرورا ~~مرتبكا ثم رجع إلى كتابه واستأنف القراءة بصوت أعلى وأقوى وكان كأنما يباشر عملا ليس أسمى منه ولا ~~أمتع، ولما فرغ صفق له الجالسون في الصفوف الأولى فانحنى لهم يوري في أدب ووقار وانصرف عن المنضدة ~~وهو يبتسم لسينا كأنما يريد أن يقول لها: «لقد فعلت هذا من أجلك.» # وتهامس الناس قليلا ثم تجاوبت الحجرة بضوضاء الكراسي لما دفعها الجالسون عليها إلى الوراء وهم ~~ينهضون عنها. # وقدم يوري إلى سيدتين هنأتاه بحسن إلقائه. # ثم أطفئت المصابيح وعادت الغرفة مظلمة. # وقال شافروف وهو يهز كف يوري بحرارة: «أشكرك كثيرا. وبودي لو أن لنا دائما من يلقي ~~مثلك.» # وكانت المحاضرة شغل شافروف فأكبر صنيع يوري وطوق نفسه بفضله كأنما كان أحسن إليه في أمر يخصه ~~وإن كان كان قد جعل شكره باسم الشعب. وألح شافروف في ذكر «الشعب» وجعل يؤكد لفظه ويقول كأنما يودع ~~يوري سرا خطيرا: «إنهم لا يصنعون هنا شيئا للشعب وإذا هم فعلوا فبدون اكتراث أو احتفال. وغريب ~~أمرهم! يأتون بطائفة مختارة من خير الممثلين والمغنين والمحاضرين ليتلهى بهم المتطلبون من السادات. ~~فأما الشعب ففي محاضر مثلي الكفاية. كل امرئ راض. فماذا يطلبون فوق هذا؟» # وافتر ثغره سرورا بتهكمه الرقيق. # فقالت دوبوفا: «هذا صحيح. والصحف تفرد أعمدة برمتها للممثلين ولأعمالهم العجيبة، إن هذا مثير ~~حقا. أما هنا ...» # فقال شافروف باقتناع وهو يجمع أوراقه: «ولكن ما أصلح عملنا وأنفعه؟» # فقال يوري لنفسه: «يا لها من غرارة كغرارة الأطفال؟» # ولكن وجود سينا وما وفق إليه هو من النجاح جنحا به إلى التسامح. والواقع أن بساطة ms056 شافروف ~~وسذاجته وقعا من نفسه وأشعراه بعض العطف عليه. # ولما صاروا في الشارع سألتهم دوبوفا: «والآن أين نذهب؟» # وكان الظلام في الشارع مثله في الحجرة ولم يكن في السماء إلا بضعة نجوم مضيئة. # وقالت دوبوفا ليوري: «أنا وشافروف ذاهبان إلى أسرة راتوف، فهل لك أن ترافق سينا إلى ~~المنزل؟» # أجاب: «بسرور.» # وكانت سينا ودوبوفا يسكنان بيتا واحدا قائما وسط حديقة كبيرة مجدبة المنظر. وكان حديث سينا ~~ويوري أثناء رواحهما دائرا حول المحاضرة ووقعها في نفوس السامعين. # فزاد اقتناع يوري بأنه أتى عظيما وفعل شيئا مجيدا. # ولما بلغا البيت قالت سينا: «هل لك أن تمكث معي برهة؟» # فقبل يوري مسرورا وفتحت الباب واجتازا الفناء المعشوشب وكانت الحديقة تلوه. فقالت سينا ضاحكة: ~~«اسبقني إلى الحديقة. ولقد كان بودي أن أدخلك المسكن ولكنه ليس على ما ينبغي من النظافة والنظام، ~~فإني لم أعد مذ زايلته في الصباح.» # ودخلت البيت ومضى يوري متريثا إلى الحديقة الخضراء الأرجة ولم يوغل فيها بل وقف يلتفت في ~~أرجائها ويحدق في نوافذ البيت المظلمة كأنما قام بنفسه أن شيئا يجري هناك - شيئا غريبا جميلا غير ~~مفهوم - وبرزت سينا إلى عتبة الباب، ولكن يوري لم يكد يعرفها وكانت قد نضت ثوبها الأسود وارتدت ثوب ~~«الروسيا الفتاة» وهو صدرية إلى الخصر قصيرة الأكمام ينسدل من تحتها إلى الساقين قميص أزرق فقالت ~~باسمة: «هذا أنا.» # فأجابها يوري وفي صوته نبرة توكيد لا يقدرها غيرها: «وكذلك أراك.» # فابتسمت ثانيا ونحت عينها عنه وهما يسيران بين الحشائش الطويلة وأغصان الليلاج. وكانت الأشجار ~~صغيرة وأكثرها أشجار توت لأوراقها الصغيرة رائحة الصمغ. ومما يلي الحديقة مرج متفتحة فيه الأزاهير ~~بين الحشائش. # فقالت سينا: «دعنا نجلس هنا.» # فجلسا إلى جانب السور المتداعي وجعلا يتأملان الشفق الزائل من وراء المرج، وتناول يوري عود ~~ليلاج صغير فتساقطت عنه الأنداء. # وسألته سينا: «هل أغنيك؟» # أجاب: «نعم غنني!» # فأصعدت سينا نفسا عميقا كما فعلت ليلة النزهة وبرزت معالم صدرها البديع تحت صدريتها الرقيقة ~~وهي تغنيه: # آه يا نجم الحب الوضيء ms057 # وسبحت ألحانها النقية الحارة في جو المساء. # وظل يوري جامدا يرمقها ويحبس أنفاسه أن تطغى بصدره. # وأحست هي أنها قيد لحظه فأغمضت عينيها وانطلقت تغني أعذب غناء وأحره. # وكان السكون شاملا محيطا كأن كل شيء يصغي، ومثل في خاطر يوري سكون الغابات الرهيب في الربيع ~~إذا ما غرد بلبل. # وكانت خاتمة غنائها نغمة صافية عالية غادرت السكون أتم وأشد. # وكان الشفق قد زال وأمست السماء حالكة مهولة وارتعشت الأوراق والحشائش من حيث لا تراها عين، وهب ~~على المرج وجاز الحديقة نسيم أرج خفيف كالزفرة. # فأدارت سينا عينيها المتألقتين في الظلام إلى يوري وقالت: «ما لك صامتا؟» # أجاب: «ما أجمل هذا المكان!» وتناول عود ليلاج ندي آخر. # فقالت سينا بهيئة الحالم: «نعم إنه جميل.» # فقال يوري: «جميل جدا أن يعيش المرء.» وطاف برأسه خاطر غامض مقلق ولكنه لم يلبث أن زال قبل أن ~~يستبين ويتضح. وصفر بعضهم صفرتين عاليتين على الناحية الأخرى من المرج. # ثم سكنت كل نأمة فقالت سينا فجأة وقد سرها على ما يظهر هذا السؤال الذي لم يكن من داع له: «أتحب ~~شافروف؟» # فأحس يوري ألم الغيرة لحظة ولكنه أجاب بتؤدة بعد جهد لطيف: «إنه رجل طيب.» # فقالت: «ما أعظم انقطاعه لعمله.» # فسكت يوري وتصاعد من المرج ضباب رقيق أشهب وحال لون الحشائش تحت الندى. # وقالت سينا وهي ترتجف قليلا: «لقد اشتدت الرطوبة.» # فنظر يوري إلى كتفيها الرقيقتين المستديرتين واضطرب فجأة. # وأحست هي بنظرته فسرت إليها عدوى الاضطراب، وإن كان قد سرها ما لاحظت وقالت: «لنقم من ~~هنا.» # وعادا أدراجهما آسفين وقطعا ممشى الحديقة الضيق وكانا يحتكان أحيانا وهما سائران: وكل ما ~~حولهما مظلم مهجور. وخيل إلى يوري أن ستبدأ حياة الحديقة الآن - حياة مستسرة مجهولة - وأن ستتسلل بين ~~الأشجار وترتمي على الحشائش المثقلة بالأنداء ظلال غريبة متى احلولك الظلام، وأن أصواتا ستتهامس في ~~المخضر الساكن من أرجائها. # وأفضى إلى سينا بهذا الخاطر فشخصت بعينيها السوداوين إلى الظلام وهي تفكر وقام في نفس يوري أن ~~«سينا» لو نضت ms058 عن جسمها كل أرديتها وانطلقت تعدو على الحشائش المطلولة إلى حيث تتكاثف الأشجار - وهي ~~عارية بيضاء جذلة - لما كان في هذا شيء من الغرابة. بل أخلق به أن يكون أمرا طبيعيا حسن الوقع. ~~وليس من شأن هذا الحادث - إذا وقع - أن يزعج حياة الحديقة الخضراء المظلمة ولعلها تستوفي به حاجتها، ~~ونازعته نفسه أن يسر إليها بهذا الخاطر، ولكن شجاعته خانته فتحدث إليها عن المحاضرات والشعب، ولكن ~~الحديث كان مقطع الأوصال ثم كفا عن الكلام كأنما ضنا بالألفاظ أن يسوقاها عبثا. # وهكذا وصلا إلى الباب وهما صامتان باسمان ينفضان بأكتافهما الندى عن الأغصان. # وكان كل شيء ساكنا مفكرا سعيدا مثلهما. # وكان الفناء مظلما مهجورا كما ألفياه من قبل. ولكن الباب الخارجي كان مفتوحا وتأدى إليهما من ~~البيت وقع أقدام مسرعة وصوت أدراج تفتح وتقفل فقالت سينا: «لقد عادت أولجا.» # وسألت دوبوفا من البيت: «سينا! أهذا أنت؟» # وكان في نبرة صوتها ما يشعر بوقوع أمر سيئ وبرزت إلى الباب مضطربة حائلة اللون، وقالت وأنفاسها ~~منبهرة: «أين كنت؟ لقد كنت أبحث عنك. إن سمينوف يموت!» # فصاحت سينا فزعة: «ماذا تقولين؟» # أجابت: «نعم يموت. فقد انفجر أحد أوعية الدم. ويقول أناتول بافلوفتش إنه مقضي عليه وقد حملوه ~~إلى المستشفى. وكان كل ذلك بسرعة مرعبة فقد كنا في بيت راتوف نشرب الشاي وكان المسكين جذلا يجادل ~~نوفيكوف في كل مسألة. ثم أخذه السعال فجأة فنهض وتطرح ونفث الدم على كساء المائدة وفي طبق المربى ... ~~والدم أسود سائل.» # فسألها يوري باهتمام ساهم: «وهل هو يعرف ذلك؟» # وذكر الليلة القمراء والظل الحالك والصوت الضعيف المتقطع يقول له: «ستكون حيا وتمر بقبري وتقف ~~عليه وأنا ...» # فقالت دوبوفا وعلى يديها حركة عصبية: «نعم يظهر أنه يعرف، فقد دارت بنا عينه وسألنا: «ما هذا؟» ~~ثم أخذته الرعدة من فرعه إلى قدمه وقال: «أوقد قضي الأمر؟» أليس هذا فظيعا؟» # فقال يوري: «هذا أهول مما يطاق!» وصمتوا جميعا. # وكان الظلام الآن حالكا. ومع أن السماء صافية فقد توهموا فيها الكآبة والحزن. # ثم ms059 قال يوري ووجهه أصفر: «الموت شيء فظيع.» # فتنهدت دوبوفا ونظرت إلى الفضاء. وارتعشت ذقن سينا وابتسمت وهي لا تملك غير ذلك ولم تستطع أن ~~تحس ما أحساه من الهول. وهي غادة في عنفوان الصبا يجول في عودها ماء الحياة الدافق ولا يسعها أن تحصر ~~خواطرها في الموت. ولم يكن مما يصدقه خيالها أو يقوى على تصوره أن يتعذب أحد ويموت في ليلة صيفية ~~جميلة وضيئة كهذه. نعم إن الموت طبيعي لا شك فيه، ولكنه لسبب ما خطأ. وأخجلها هذا الإحساس فعالجت أن ~~تنفيه وأن تظهر على قسمات وجهها دلائل العطف. وراحت بفضل هذا الجهد وهي أظهر أسى من صاحبيها وسألت: ~~«مسكين! أهو حقيقة ...؟» # وكانت تريد أن تسأل: «هل سيموت عاجلا؟» # ولكن الألفاظ وقفت في حلقها. وجعلت تلقي على دوبوفا أسئلة فارغة مفككة. # فقالت دوبوفا بصوت فاتر: «إن أناتول بافلوفتش يقول إنه سيموت الليلة أو غدا صباحا.» # فهمست سينا: «أولا نذهب إليه؟ أم تريان أن البقاء خير؟ لا أدري!» # وكان هذا السؤال يدور في أذهانهم جميعا - أيذهبون ويشهدون سمينوف وهو يقضي نحبه؟ أيكون هذا خطأ ~~منهم أم صوابا - ورغبوا جميعا في الذهاب ولكنهم أشفقوا مما عسى أن يشهدوا. # فهز يوري كتفيه وقال: «فلنذهب. ومن المحتمل جدا أن لا يأذنوا لنا وربما ...» # فأضافت دوبوفا كأنما ارتفع عن كاهلها عبء: «ربما طلب سمينوف أن يرى بعضهم على الخصوص.» # فقالت سينا بلهجة جافة: «تعالوا بنا! سنذهب.» # وقالت دوبوفا وكأنها تريد أن تسوغ الأمر لنفسها: «إن شافروف ونوفيكوف هناك.» # وعدت سينا إلى البيت لتعود بقبعتها ومعطفها ثم مضوا جميعا في وجوم مخترقين البلدة إلى البناء ~~الضخم الأشهب ذي الأدوار الثلاثة، أي المستشفى الذي كان سمينوف يجود فيه بأنفاسه. # وكانت الممرات الطويلة ذات الأقبية مظلمة تتصاعد منها رائحة اليودوفرم والكاربوليك. # ومروا في طريقهم بقسم المجانين فسك أسماعهم صوت ثائر أجش، ولكنهم لم يروا أحدا ففزعوا وحثوا ~~الخطى إلى نافذة صغيرة معتمة. # وجاء إليهم فلاح هرم شائب الرأس واللحية وعلى صدره «فوطة» كبيرة وقدماه في حذائين عاليين ms060 ضخمين ~~يدب بهما على الأرض. فسألهم ووقف: «من تريدون أن تعودوا؟» # فقالت دوبوفا متلجلجة: «جيء بطالب إلى هنا - سيمنوف - اليوم!» # فقال الخادم: «رقم 6 في الدور الثاني.» # وتركهم وسمعوه يتسخط ويبصق على الأرض ثم يدهس البصاق بقدمه. # وكان الدور الثاني أضوأ وأنظف ولم تكن بالسقف عقود ورأوا بابا مفتوحا مكتوبا عليه «حجرة ~~الطبيب» ولمحوا فيها مصباحا يضيئها وسمعوا أصوات الزجاجات والأكواب. # فأدخل يوري رأسه ونادى من فيها فانقطعت الأصوات. # وظهر ريازانتزيف نضير الوجه مسرورا كعادته، وقال بصوت طروب إذ كان قد ألف هذه الحوادث التي ~~أحزنت زائريه: «آه إن دوري اليوم. كيف أنتم سيداتي؟» # ثم قطب فجأة وقال بلهجة جادة كبيرة الدلالة: «إنه لا يزال غائبا عن رشده على ما يظهر. فلنذهب ~~إليه، إن نوفيكوف وغيره هناك.» # وساروا واحدا وراء الآخر في الممر الضيق النظيف، وإلى يمينهم ويسارهم أبواب بيضاء عليها أرقام ~~سوداء وقال ريازانتزيف: «ولقد أرسلنا في طلب القسيس: ما أسرع ما جاءت الخاتمة! إني مستغرب! ولكنه ~~أصيب ببرد كما تعلمون وهذا هو الذي قضى عليه، هذه هي الغرفة.» # وفتح ريازانتزيف بابا أبيض ودخل منه وتبعه الآخرون يتصادمون على العتبة. # وكانت الغرفة نظيفة رحيبة وفيها أربعة أسرة خالية، وعلى كل منها غطاؤه الخشن مطويا يحضر في ~~الذهن صورة النعش، وفي السرير الخامس رجل هرم ضئيل الجسم جاف العود جالس يلحظ الداخلين، وعلى السرير ~~السادس سمينوف وفوقه غطاء خشن كذلك، وإلى جانبه نوفيكوف منحنيا إليه على حين كان إيفانوف وشافروف ~~واقفين عند النافذة. # وكانوا كلهم يرون من الأمور الغريبة المؤلمة أن يتصافحوا في حضرة رجل يموت وربكم أن لا يفعلوا ~~كأن في ترك المصافحة إشارة إلى أن المنتهى قريب. فسلم البعض وامتنع الآخرون ووقفوا جميعا يرمقون ~~سمينوف بعيون مستفسرة. # وكان يتنفس ببطء وجهد. وما أبعده عن سمينوف الذي يعرفونه، والواقع أنه لم يكن كالأحياء وقد ظلت ~~معارفه وأوصاله ولكنها صارت متصلبة مشدودة فظيعة المنظر. وكأن ذلك الذي يصب الحياة والحركة في أجسام ~~الآدميين غيره لم يعد له وجود، وكأن أمرا ms061 مرعبا يجري بسرعة وتكتم في هذا الجسم الجامد؛ أمرا ~~مهما لا سبيل إلى إرجائه، وكأنما لم يبق له من الحياة إلا تلك القوة المشتغلة بهذا العمل المتفرغة ~~لإتمامه باهتمام حاد لا يناله التفسير. # وكان المصباح المدلى من السقف يصب ضوءه على وجه ذلك المائت، وكل من في الغرفة يتئره النظر ويعلق ~~أنفاسه كأنما يخشى أن يزعج شيئا رهيبا. فكانت أنفاس المريض المحشرجة المخنوقة - وسط هذا السكون - ~~واضحة وضوحا مرعبا. # وفتح الباب ودخل قسيس بدين قصير يسير بخطى قصيرة ضعيفة، ومعه المرتل وهو رجل أسمر هزيل، ودخل ~~معهما سانين وسعل القسيس سعالا خفيفا وانحنى للطبيبين وللحضور فردوا عليه بأدب مبالغ فيه ثم عادوا ~~إلى الصمت التام. # أما سانين فلم يجعل باله إلى أحد. ومضى إلى النافذة ومن ثم أخذ يرصد سمينوف والحاضرين جميعا ~~منقبا في سرائرهم معالجا أن يستشف من الوجوه ما يحسه المريض ومن حوله ويفكرون فيه في ~~الواقع. # وظل سمينوف جامدا يتنفس كما كان. # وقال القسيس في رفق غير موجه سؤاله إلى أحد على التعيين: «إنه غائب عن رشده. أليس كذلك؟» # فأسرع نوفيكوف وأجابه: «نعم.» # وتمتم سانين شيئا غير مفهوم فنظر إليه القسيس مستفسرا غير أن سانين ظل صامتا فصرف القسيس ~~وجهه عنه ومسح شعره ورده إلى الوراء ولبس عباءته وشرع ينشد التراتيل للميت بصوت عال شجي. # وكان صوت صاحبه المرتل ضخما خشنا ثقيلا فصار الصوتان المختلفان مؤلمين في تنافرهما وهما ~~يتصاعدان إلى السقف العالي. # ولم يكد الترتيل يبدأ حتى اتجهت كل العيون في فزع إلى ذلك الذي يموت. # وكان نوفيكوف أدنى إليه فخيل إليه أن جفون سمينوف اختلجت قليلا كأنما تحرك من تحتها الإنسانان ~~المكفوفان في اتجاه الغناء. أما الآخرون فلم يروا إلا أن سمينوف بقي بلا حراك كما كان من قبل. # ولم يكد الترتيل يبدأ حتى بكت سينا بكاء ساكنا ملحا وانهمرت الدموع على محياها النضير الجميلن ~~فتحولت إليها العيون وشرعت دوبوفا تبكي كذلك وجالت العبرات في عيون الرجال ولكنهم قرضوا أسنانهم ~~ليمنعوا الدموع أن تسيل. وكانت ms062 الفتيات كلما علا الترتيل ازددن نحيبا. فعبس سانين وهز كتفيه محنقا ~~وجعل يقول لنفسه: ما أخلق سمينوف أن لا يطيق - إذا سمع - هذا العويل الذي يكرب نفس الأصحاب ثم قال ~~للقسيس في غيظ: «خفض من صوتك!» # فمال القسيس إليه ليسمع ما يقول فلما فهم معناه قطب وزاد في صوته علوا. وحملق رفيقه في سانين ~~ورماه الجميع بنظرهم كذلك وبهم مزيج من الخوف والدهشة كأنه قال شيئا يسوء فأعرب سانين عما به من ~~الضيق بإيماءة ولم ينبس. # ولما انتهي من الترتيل وطوى القسيس الصليب في عباءته ألح الانتظار على النفوس بالألم. وكان ~~سمينوف متصلبا جامدا كالعهد به. # ثم طاف بأذهان الجميع فجأة خاطر فظيع لا سبيل إلى مغالبته ونفيه: «أما لو أنه انتهى الأمر ~~بسرعة! لو أن سمينوف يعجل بالموت!» # ولكن الخوف والخجل دفعاهم إلى كتمان هذه الرغبة والاكتفاء بتبادل النظرات الضعيفة. # فقال سانين بصوت منخفض: «أما لو انتهى كل هذا! فظيع أليس كذلك؟» # فأجابه إيفانوف: «نعم.» # وكان كلامهما همسا، ومن الجلي أن سمينوف لم يكن يستطيع أن يسمعهما غير أن الحاضرين بدت عليهم ~~أمارات الاشمئزاز والاستفظاع. # وهم شافروف أن يقول شيئا ولكن صوتا جديدا شاكيا - لا سبيل إلى وصف ما انطوى عليه من ألم - ~~دوى في الغرفة وأرسل الرعدة في الموجودين. ذلك أن سمينوف أخرج هذا الصوت: «اي ... اي ... اي ...» # وكأنما اهتدى إلى طريقة يطلبها للتعبير والنطق فمضى يخرج هذا الصوت الممطوط لا يعوقه إلا نفسه ~~المحشرج المخنوق. # ولم يدرك الحضور في أول الأمر ماذا حدث له. ولكن سينا ودوبوفا بكتا. # واستأنف القسيس ترتيله في بطء واحتفال وظهرت على وجهه السمين الطيب دلائل العطف ~~والانفعال. # ومضت دقائق. وكف سمينوف فجأة عن التوجع وهمس القسيس أن قد قضي الأمر. # ثم حرك سمينوف ببطء وبجهد جاهد شفتيه المصمغتين وتقبض وجهه كأنما يبتسم وسمع النظارة صوتا أجوف ~~منكرا يخرج من أعماق صدره - وكأنه خارج من نعش - يقول: «أيها الشيخ الأحمق!» # وعيناه تنظران شزرا إلى القسيس وشاعت الرعدة في جسمه ودار حملاقاه كالمجنونين في ms063 كهفيهما وتمطى ~~... # وسمعوا جميعا كلماته الثلاث ولكن لم يتحرك منهم أحد وغاضت - لحظة - من وجه القسيس السمين الرطب ~~آية الحزن وتلفت حوله في قلق غير أن لحظه أخطأ كل عين. وكان سانين وحده يبتسم. # وحرك سمينوف شفتيه ثانيا غير أنه لم يخرج منهما صوت واسترخى أحد شاربيه الخفيفين وتمطى مرة ~~أخرى، وصار في رأى العين أطول وأفظع. وانقطع كل صوت وكل حركة. ولم يبك أحد الآن، فقد كان نزول الموت ~~أهول من ترنيقه، وكأنما كان من الغريب المعجب أن ينتهي منظر ملفت كهذا بمثل تلك السرعة ~~والبساطة. # فظلوا برهة وقوفا إلى السرير يتأملون معارف وجهه الميتة النافقة وكأنهم يتوقعون أن يحدث شيء ~~جديد وراحوا - لكي ينبهوا في نفوسهم الإحساس بالهول والمرثية - يرقبون نوفيكوف وهو يغمض أجفان الميت ~~ويضع له يديه على صدره. # ثم خرجوا في سكون وحذر. وكانت المصابيح قد أضيئت في الممر وبدا لهم كل شيء مألوفا فخلصت ~~أنفاسهم. # وكان القسيس أول الخارجين فمضى بخطوات قصيرة وأراد أن يقول شيئا على سبيل العزاء للإيضاع من ~~الحاضرين فتنهد وقال بصوت رقيق: «وا أسفاه! إنه لأمر محزن جدا! وفي مثل هذا الشباب أيضا. وا ~~أسفاه! ومن الواضح أنه مات غير تائب ولكن الله رحيم.» # فقال شافروف وكأنه يليه متوخيا الأدب: «نعم، نعم بالطبع.» # فسأل القسيس: «أتعرف أسرته ما حدث.» # فأجابه شافروف: «لست أدري.» # ونظر بعضهم إلى بعض في دهشة واستغربوا واستقبحوا أن لا يعرفوا من هم أهل الميت. # وقالت سينا: «أظن أخته في المدرسة العالية.» # فقال القسيس: «آه حسن! والآن عموا مساء.» ورفع قبعته قليلا بأصابعه السمينة. # فقالوا جميعا بصوت واحد: «عم مساء!» # ولما بلغوا الشارع تنهدوا كأنما تخلصوا. وسألهم شافروف: «أين نذهب؟» # وبعد تردد قليل ودع بعضهم بعضا ومضى كل في طريقه. # | الفصل الحادي عشر # لما رأى سمينوف الدم الذي نفث وأحس الفراغ الرهيب في نفسه ومن حوله، ولما احتملوه ومضوا به ~~ووضعوه وقاموا له بكل ما كان يفعله هو في حياته - حينئذ أيقن أنه سيموت وعجب كيف لا يشعر ms064 بأقل فزع من ~~الموت. # وقد قالت دوبوفا: إنه ريع لأنها هي نفسها ريعت وتوهمت أنه لما كان الصحيح المعافى يرهب الموت ~~فلا بد أن يكون المحتضر أعظم فزعا واستهوالا له. وحسبت اصفراره وشرود نظرته - وهما نتيجة الضعف ~~وخسارة الدم - دليلا على الخوف. ولكن الأمر لم يكن كذلك في الواقع. # وكان سمينوف يخاف الموت أبدا ويفرق منه لا سيما منذ عرف أنه مصاب بالسل. وكان في أول مرضه نهب ~~الفزع وفريسة الذعر شأنه في ذلك كشأن المحكوم عليه بالإعدام ضاع كل رجاء في العفو عنه. وكاد يصور له ~~الرعب أن الدنيا لم يعد لها وجود منذ تلك اللحظة، وأن كل مستملح جميل سار قد اختفى وزال، وأن ما حوله ~~يموت ويقضي نحبه، وأن كل لحظة بل كل ثانية قد تكر عليه بالمفزع الذي لا يسعه طوق والمستهول كالهاوية ~~السحيقة السوداء الفاغرة. وكان الموت يتمثل له كالهاوية الهائلة المظلمة كالليل. وكانت هذه الهاوية ~~أبدا ماثلة لعينه حيثما ذهب. وفي ظلامها الكثيف يختفي كل صوت وكل لون وكل إحساس. وأخلق بمثل هذه ~~الحالة النفسية أن تكون مرعبة ولكنها لم تطل وصار سمينوف كلما أخب به الداء وأوجف على مر الأيام يزيد ~~الموت في نظره بعدا وغموضا والتياثا. # واسترد ما حوله من الأصوات والألوان والعواطف قيمته الأولى عنده وعادت الشمس تشرق كأضوأ ما ~~كانت. ورأى الناس يباشرون أعمالهم كالعادة وأحس هو مثلهم أن ثم أمورا خطيرة وأخرى تافهة ينبغي له أن ~~يعالجها. وصار يقوم في الصباح ويتحرى العناية في غسل وجهه ويتناول غذاءه ويستمرئه أو لا يستمرئه ~~كسابق عهده، ويجد الغبطة بالشمس تطلع والقمر ينير والضيق بالمطر والرطوبة كما كان. ويلعب البلياردو ~~مساء مع نوفيكوف وغيره ويقرأ الكتب ويستجيد بعضها ويستسخف البعض ويسترذله كعهده قديما. # وضايقه - بل آلمه في أول الأمر - أن كل شيء ظل على حاله لم يلحقه تغيير، فحاول أن يبدل هذا ~~الحال بأن يدفع الناس إلى الاهتمام له والاكتراث لموته، وأن يكرههم على أن يقدروا موقفه المفزع وأن ~~يدركوا أن الأمر ms065 قد قضي ؛ غير أنه كان كلما أفضى إلى إخوانه بهذا عاد فرأى أنه لم يكن ينبغي له أن ~~يفعل ذلك، وكانوا يعجبون أولا ثم يتشككون ويذهبون إلى الريب في دقة تشخيص الطبيب للمرض. ثم جعلوا ~~يتوخون آخر الأمر أن يتقوا غضاضة وقع المسألة بأن يغيروا موضوع الكلام ويحولوا مجرى الحديث. وهكذا ~~ألفى سمينوف نفسه يحادثهم في كل شيء ما خلا الموت. # ثم نزعت نفسه إلى العزلة وأن يخلو أبدا بنفسه وأن يتعذب مستفردا إذ كان حيز إدراكه قد استغرقه ~~القضاء المنتظر. غير أن كل شيء بقي على حاله كما ظلت حياته وأوساطه كما كانت فبدا له أن من الخرف أن ~~يتصور أن الأمر يمكن أن يكون على خلاف ذلك، أو أنه هو سيصبح ولا وجود له، وصار خاطر الموت أقل لذعا ~~بعد إذ كان جرحا عميقا. ووجدت روحه المكروبة حريتها وتعددت لحظات النسيان التام وانبسطت أمامه وجوه ~~الحياة رائعة اللون والحركة والصوت. # ولم يعد يطوف بنفسه إحساس الهاوية السوداء إلا وهو وحده ليلا، فكان بعد أن يطفئ المصباح يرى ~~شبحا مسيحا لا شكل له ولا معارف يشارفه شيئا فشيئا في الظلام ويهمس في أذنيه «شش شش» بلا انقطاع ~~فيجاوبه صوت بشع كأنه خارج من جوفه ويحس أنه صائر بعض هذا الهمس وهذه الهيولي ويرى حياته فيها لهيبا ~~وانيا محتضرا قد ينطفئ في أي لحظة. # فاعتزم أن يدع المصباح يضيء الغرفة الليل كله، وكانت هذه الهمسات تنقطع في الضوء والظلمة تنتسخ. ~~وفارقة إحساسه بأنه معلق على فوهة هاوية فاغرة لأن النور أشعره وجود ألف شيء تافه مألوف في حياته ~~كالكراسي والنور والدواة وقدميه ورسالة لم يتم كتابتها والحذاء الذي نسي أن يتركه خارج الغرفة، وغير ~~ذلك من الأشياء اليومية المحيطة به. # على أنه مع ذلك كان يسمع همسات صادرة عن أركان الغرفة التي لم ينرها ضوء المصباح فتفغر الهاوية ~~فاها له، فكان يعرق من النظر إلى الظلام بل من التفكير فيه لأنه كان إذا فعل تكتنفه الحلوكة ~~المزعجة، وتحجب عن عينه ms066 المصباح وتخفي العالم كأنما أضمره ضباب بارد كثيف. وكان هذا هو الذي يعذبه ~~ويفزعه حتى لكانه يحس الحاجة إلى البكاء كالطفل أو أن ينطح الحائط برأسه. # ولكنه ألف هذه الإحساسات والهواجس على مر الأيام وكلما دنا من الموت. ولم تكن تلج به وتطغى إلا ~~إذا أذكره مذكر - من كلمة أو إيماءة أو منظر جنازة أو قبر - أنه هو أيضا لا محالة ميت فآلى - لكي ~~يتقي هذه النذر - أن لا يسير في سكة تؤدي إلى المقبرة وأن لا ينام على ظهره ويداه معلويتان على ~~صدره. # وكأنما كانت له حياتان: حياته الأولى الرحيبة المفهومة وهذه لا تتسع لخاطر الموت، بل تغضي عنه ~~إذ كانت في شاغل من شئونها، وهي متعلقة بالأمل في البقاء أبدا كائنا ما كان ثمن ذلك، وحياة آخرى ~~مستسرة غامضة غير معينة تقرض - كالدودة في التفاحة - قلب حياته الأولى وتسمها وتجعلها غير ~~محتملة. # وهذا الازدواج في حياة سمينوف هو الذي جعله لا يكاد يحس أي فزع لما واجه الموت وأيقن أن المنتهى ~~قريب. فلم يزد على أن سأل: «أوقد قضي الأمر؟» ليعرف على وجه التحقيق ماذا يجب أن ينتظر. # ولما قرأ في وجوه من حوله جوابهم عن سؤاله عجب الموت كيف يكون على هذه البساطة كأنه مهمة ثقيلة ~~أرهقت قواه وأدرك في الوقت نفسه بنوع من الإلهام الباطن أنه لا يمكن أن يكون إلا هكذا، وأن الموت ~~نتيجة طبيعية لاستنزاف حيويته ولم يتحسر على شيء سوى أنه لن يرى شيئا بعد ذلك. # ولما احتملوه في المركبة إلى المستشفى جعل يحملق وعيناه مفتوحتان كل الفتح محاولا أن يأخذ كل ~~شيء بنظرة وأسف، لأنه لا يستطيع أن يثبت في ذاكرته كل دقيق وجليل في هذه الدنيا بسمائها اللانهائية ~~وأناسيها وخضرتها وآفاقها القصية الزرقاء، وصار كل ما لم يكن قد فطن إليه حبيبا إلى نفسه عزيزا ~~عليها ككل ما كان يجده حافلا بالجمال والخطر الجليل، لا بل أحب من أن يناله وصف وأقوم من أن يفي ~~ببيانه تعبير؛ فمن السماء القائمة المترامية ms067 ونجومها الوهاجة إلى ظهر السائق الهزيل، ومن وجه نوفيكوف ~~المكتئب إلى الطريق الترب، ومن المنازل ونوافذها المضيئة إلى الأشجار الجهمة التي ظلت مكانها وراءهم ~~في صمت. ومن العجلات المضطربة إلى نسيم العشي اللين، كل أولئك رآه وسمعه وأحسه. # ولما صار في المستشفى دارت عيناه بسرعة في الغرفة الكبيرة ورصدتا كل حركة وشخص حتى صرفهما الألم ~~الجثماني الذي أشعره العزلة المطلقة عما حوله. وانحصرت مداركه في صدر منبع كل آلامه، ثم أخذ في بطء ~~شديد يفارق الحياة وصار إذا رأى شيئا يستغربه ولا يرى فيه معنى، فقد بدأ الصراع الحاسم بين الحياة ~~والموت واكتظ به كل كيانه وخلق له عالما جديدا غريبا موحشا، عالما من الفزع والألم والصراع ~~اليائس. # وكانت تعاوده من حين إلى حين لحظات انتباه وإفاقة فينقطع الألم ويهدأ ويعمق تنفسه وتستبين ~~الشخوص والأصوات من خلال النقاب الأبيض. غير أن كل شيء كان ضعيفا وباطلا كأنه آت من مكانه سحيق. ~~وكان يسمع الأصوات واضحة ثم لا يتبينها أما الأشخاص فلم يكن لحركاتها صوت كأنها أشباح الصور المتحركة ~~وأنكر الوجوه التي كان يعرفها ولم يستطع أن يذكرها. # وكان على السرير المجاور له رجل له وجه حليق غريب يقرأ شيئا ويرفع الصوت به. لماذا يقرأ؟ ولمن ~~يقرأ؟ لم يعن سمينوف بالتفكير في هذا. وسمع بأجلى وضوح أن الانتخابات البرلمانية أرجئت وأن بعضهم ~~حاول أن يقتل غراندوقا، ولكن الألفاظ كانت فارغة لا معنى لها كأنها الفقاقيع انفرجت وزالت ولم تخلف ~~وراءها أثرا. # وتحركت شفتا الرجل والتمعت أسنانه ودارت عيناه وخشخشت الورقة وأضاء المصباح المدلى من السقف ~~ودارت حوله فراشات كبيرة سوداء فظيعة المنظر. وكأنما اشتعل في ذهن سمينوف لهيب فأنار كل ما يحيط به، ~~وأحس فجأة أنه لا يعنيه شيء، وأن كل ما في الدنيا من قوة لا يستطيع أن يطيل حياته ساعة واحدة، وأنه ~~لا بد أن يموت. فهوى مرة أخرى في أمواج الضباب الحالك وعاد الصراع الصامت بين قوتين هائلتين خفيفتين ~~تحاول إحداهما بأقصى ما أوتيت من العنف أن تقضي ms068 على الأخرى . # وكانت إفاقة سمينوف للمرة الثانية لما سمع البكاء والترتيل فلم ير وجه الحاجة إلى هذا إذ كان لا ~~صلة له بما هو جار في جوفه، على أن ذلك أضاء ذهنه لحظه فرأى بوضوح وجه رجل مزيف الكآبة لا يعنيه من ~~أمره شيء على الإطلاق، وكانت هذه آخر دلائل الحياة. # أما ما تلا ذلك فيتجاوز مدى الفكر والإدراك. # | الفصل الثاني عشر # قال إيفانوف لسانين: «تعال عندي نحيي ذكرى الفقيد.» # فهز سانين رأسه دلالة على الموافقة واشتريا في طريقهما شيئا من الفودكا والخضر وأدركا يوري ~~وكان يتمشى مستمهلا في الميدان وعلى وجهه كآبة شديدة. # وكان موت سمينوف قد وقع من نفس يوري موقعا أليما مزعجا رأى معه من اللازم أن يحلله، وإن كان ~~قد أعجزه ذلك، فقال لنفسه محاولا أن يرسم خطا مستقيما قصيرا في ذهنه: ~~«إن الأمر بسيط على كل حال. لم يكن الإنسان موجودا قبل أن يولد وليس في هذا شيء مفزع أو غير ~~مفهوم. والإنسان ينتهي وجوده متى مات. وهذا - كسابقه - بساطة وسهولة إدراك؛ فالموت - وهو الوقوف ~~التام للأداة التي تخلق القوة الحيوية - فهمه ميسور على أتم وجه، وليس فيه ما يفزع الخاطر، ولقد ~~غبر زمن كان فيه غلام اسمه «يورا» ذهب إلى الكلية وضارب زملاءه وكان يتلهى ويروح عن نفسه بأن يقطع ~~رءوس الأشواك ويقضي حياته الخاصة الممتعة على النحو الخاص به. وقد مات «يورا» هذا وذهب في سبيل من ~~خلا، وحل محله رجل آخر يمشي ويفكر هو الطالب «يوري»، ولو أنهما التقيا لما وسع «يورا» أن يفهم ~~«يوري»، ولعله يمقته ويرى فيه أستاذا مربيا يحمله ما لا آخر له من المتاعب. لهذا كان بينهما بون ~~يتعاظم المجتاز. ولهذا أيضا أرى أني أنا قد قضيت نحبي بموت الغلام «يورا» وإن كنت لم أفطن لهذا من ~~قبل. هذا هو واقع الأمر. وإنه لطبيعي بسيط! وماذا يخسر الإنسان بأن يموت؟ إن الحياة على كل حال ~~يرجح فيها الشقاء بالسعادة. نعم إن لها مسراتها وما أقسى أن ينفض المرء ms069 يده منها ! ولكن الموت ~~يريحنا من كثير من البلايا والشرور فنحن في نهاية الأمر نستفيد به ونربح من ورائه. ما أبسط هذا ~~وأقل عناصر الفزع فيه! أليس كذلك؟» # قال يوري آخر جملة بصوت عال وتنفس الصعداء غير أنه فزع فجأة فقد طاف برأسه خاطر لداع. ~~«كلا! عالم بأسره، حافل بالحياة، معقد الأمر إلى حد يتجاوز المدارك، هذا العالم يحول فجأة إلى ~~عدم؟ كلا! ليس هذا في شيء من تطور الغلام «يورا» وصيرورته الرجل «يوري» إن هذا سخيف مثير وهو لذلك ~~مفزع غير مفهوم!» # وجاهد يوري بكل ما استطاع من قدرة أن يكون لنفسه فكرة عن هذه الحالة التي لا يرى أحد أن في ~~الطوق احتمالها، والتي يحتملها كل امرئ على الرغم من ذلك كما فعل سمينوف. # وعاد يوري إلى مخاطبة نفسه وهو يبتسم لغرابة الخاطر فقال: «ولم يمت خوفا مع ذلك! كلا! لقد كان ~~يضحك منا جميعا ويهزأ بقسيسنا وتراتيلنا وعبراتنا. ألا كيف وسع سمينوف أن يضحك وهو موقن أنه بعد ~~دقائق لا يكون؟ أتراه كان بطلا؟ كلا! ليست المسألة مسألة بطولة. إذن فالموت ليس من الهول بحيث ~~أتوهم!» # وإنه لكذلك وإذا بإيفانوف يحييه فجأة بصوت مرتفع فسأله يوري وهو يرجف: «آه! هذا أنت! أين تراك ~~ذاهب؟» # فقال إيفانوف بجذل وحشي: «إلى الصلاة على روح صديقنا الفقيد! والخير لك أن تمضي معنا. ما خير أن ~~تظل دائما مستفردا؟» # ولما كان يوري حزينا مهموما فإنه لم يجتنب سانين وإيفانوف كالعادة وقال: «حسن جدا. سأمضي ~~معكما.» # ثم ذكر فجأة بعد المدى بينه وبينهما وأنهما دونه مواهب وملكات فقال لنفسه: «أي جامعة بيني وبين ~~مثل هذين؟ أأشاربهما الفودكا وأروح أهدر مثلهما؟» # وهم أن ينصرف عنهما ولكن إشفاقه من الوحدة بلغ منه مبلغا دفعه إلى البقاء معهما. # ولم ينبث سانين ولا إيفانوف بشيء ووصلوا جميعا في صمت إلى بيت إيفانوف، وكان الظلام قد أرخى ~~سدوله وبدا لهم شبح رجل واقف عند الباب ومعه عصا غليظة معوجة اليد، فقال إيفانوف مغتبطا: «إنه العم ~~بيتر إيليتش.» ms070 # فأجابه الشيخ بصوت عميق رنان: «نعم هو بعينه.» # وذكر يوري أن عم إيفانوف شيخ سكير ينشد التراتيل في الكنيسة وكان شاربه أبيض فأكسبه ذلك منظر ~~الجندي على عهد نيقولا الأول. وشم من معطفه الأسود البالي رائحة كريهة. ~~«بوم. بوم» هكذا كان صوته فكأنه خارج من جوف برميل. # وعرفه إيفانوف بصاحبه يوري فصافحه وهو لا يدري ماذا يقول لمثل هذا الرجل. على أنه ذكر أن الناس ~~ينبغي أن يكونوا سواء عنده، فتأدب مع المغني الكهل وتركه يتقدمه في الدخول. # وكان بيت إيفانوف أشبه بمخزن أخشاب منه بمسكن إنسان لكثرة التراب وقلة الترتيب والنظام. # ولكن إيفانوف لم يكد يشعل المصباح حتى وجد يوري أن الجدران مغطاة بصور فامنتسوف وأن ما خاله ~~أقذارا ليس سوى كتب مكدسة أكواما على أن هذا لم يخفف من ضيقه فذهب يتأمل الصور ليخفي ما به. # وسأله إيفانوف: «أتحب فامنتسوف؟» ولم ينتظر الجواب بل غادر الغرفة طلبا للصحاف. # ونعى سانين صديقهم سمينوف إلى بيتر فقال هذا: «رحمه الله! آه! لقد قضي أمره!» # فرماه يوري بنظرة المستطلع وأدركه العطف على هذا الشيخ الهرم. # وعاد إيفانوف بخبز وكئوس وبشيء من الخضر المملحة ووضعها على المائدة وكانت مغطاة بجريدة. ثم فتح ~~زجاجة بسرعة لا تكاد تحس وبحذق بالغ منه مع السرعة أن لم تسل قطرة واحدة. # فقال بيتر معجبا موافقا: «يد صناع!» # فقال إيفانوف بلهجة الراضي عن نفسه وهو يملأ الكئوس بالشراب الأخضر. «إنك تستطيع أن تتبين في ~~لحظة: هل المرء عارف بما يعالج أم جاهل به» # ثم رفع صوته وهو يتناول الكأس وقال: «والآن أيها السادة لنشرب على ذكر الفقيد إلخ!» # وشرعوا يأكلون وأصابوا من الفودكا كثيرا وأقلوا من الكلام وأكثروا من الشراب، وما هي إلا برهة ~~حتى عاد جو الغرفة حارا ثقيلا. # وأشعل بيتر سيجارة فاختلط بالهواء الدخان الأزرق المتصاعد من الطباق الرديء. فدار رأس يوري من ~~الخمر والدخان والحرارة وجرى بباله سمينوف مرة ثانية فقال: «إن في الموت شيئا مفزعا.» # فسأله بيتر: «لماذا؟ الموت؟ هو هو هو! إنه ms071 لا بد منه، الموت؟ تصور أن يحيا الإنسان أبدا؟ هو ~~هو! لا ينبغي لك أن تتكلم على هذا النحو. الحياة الأبدية حقا ماذا عساها أن تكون؟» # فعالج يوري أن يتصور الحياة الأبدية كيف تكون، فارتسم لعينه خط أبيض ضارب إلى السواد ممتد إلى ~~غير غاية في الفضاء كأنما تقذفه موجه وتلقفه أخرى، واستعجمت كل صورة للألوان والأصوات والعواطف وتسرب ~~بعضها في خلال بعض وغابت في ثنايا جدول مريد ينحدر أبدا. وليس هذا في شيء من الحياة وما هو إلا ~~الموت الدائم، فاستهول هذا الخاطر وتمتم: «نعم لا شك.» # وقال إيفانوف: «يظهر أن الأمر عظيم الوقع في نفسك.» # فسأله يوري: «ومن ذا الذي لا يعظم وقع الموت في نفسه؟» # فهز إيفانوف رأسه هزة مبهمة المعنى وشرع يحدث بيتر عن آخر ساعات سمينوف. وكان الهواء في الغرفة ~~قد صار لا يطاق. وراقب يوري إيفانوف وهو يرشف الفودكا المتألقة في ضوء المصباح وبدا له أن كل شيء ~~يدور ويجول. وهمس في أذنه صوت غريب ضئيل: «آ آ آ» # فقال وهو لا يدري أنه إنما يرد على هذا الصوت العجيب الهامس: «كلا! إن الموت شيء فظيع!» # فلاحظ إيفانوف متهكما: «إنك تضطرب له أكثر مما يجب.» # فقال يوري: «أولست أنت كذلك؟» ~~- «أنا؟ كلا! لا ريب أني لا أشتهي الموت فليس فيه متعة كبيرة ترغب. والحياة أشهى منه وأمتع. ~~ولكن إذا كان لا بد من الموت فإني أحب أن يكون وحيا وأن تخلو موافاته من الجلبة والكلام ~~الفارغ.» # فضحك سانين وقال: «وإنك لم تجرب الأمر بعد!» # فأجابه إيفانوف: «كلا! هذا صحيح.» # فقال يوري: «لقد سمعنا كل هذا من قبل. قولوا ما شئتم فالموت هو الموت وهو فظيع في ذاته وكفى ~~هادما لكل لذة في الحياة أن يفكر المرء في هذه الخاتمة العنيفة التي لا مفر منها. ما معنى ~~الحياة؟» # فصاح به إيفانوف متضايقا: «لا معنى لها.» # فأجابه يوري: «كلا، هذا مستحيل، إن كل شيء أحكم نظاما وأبرع ترتيبا من ...» # فقال سانين مقاطعا: «إن رأيي أنه ما ms072 من خير في أي شيء.» # فقال يوري: «كيف تذهب إلى هذا؟ وما قولك في الطبيعة؟» # فضحك سانين ضحكة خفيفة ولوح بيده مستخفا وقال: «الطبيعة؟ ها ها، إني أعلم أن من المألوف أن ~~نقول إن الطبيعة بالغة حد الكمال. والحقيقة هي أن الطبيعة مثل الإنسان نقصا وعيوبا. وفي وسع كل منا ~~بدون جهد كبير أن يتصور عالما يكون خيرا من هذا مائة مرة. لماذا لا تكون الحرارة والضوء سرمدا ~~علينا والرياض خضراء نضيرة خلقة أبدا؟ أما عن معنى الحياة فلا أشك في أن لها معنى فإن الغاية في ~~مطاويها مجرى الأمور وأخلق بالفوضى أن تكون شاملة محيطة إذا لم يكن ثم من غاية. ولكن هذه الغاية ~~خارجة عن دائرة وجودنا إذ هي كائنة في أساس الوجود. هذا محقق. ونحن لا يمكن أن نكون أصل الوجود ولا ~~آخره كذلك. وليس دورنا فيه إلا سلبيا إضافيا. ونحن نؤدي مهمتنا بمجرد حياتنا، فحياتنا ضرورية. ~~وكذلك موتنا أيضا.» # فقال يوري: «لأي سبب؟» # فأجاب سانين: «أنى لي أن أعلم هذا؟ وماذا يعنيني منه، فضلا عن ذلك إن حياتي معناها خوالجي ~~لذيذة كانت أو غير لذيذة، وكل ما هو خارج عن هذه الحدود فإلى الشيطان به! ومهما تكن النظرية التي ~~نشاء أن نخترعها فهي لا تعدو أن تكون نظرية ولا يمكن أن تخرج عن كونها نظرية. ومن الخرف أن نبني ~~عليها فكرة عن الحياة. ومن شاء فليذهب ذهنه في ذلك أما أنا فإني معتزم أن أحيا!» # فقال إيفانوف مقترحا: «لنشرب جميعا على قوة هذا العزم!» # وقال بيتر لسانين وهو يتأمله بعينيه الضعيفتين: «ولكنك تؤمن بالله أليس كذلك؟ إنه لا يؤمن أحد ~~بشيء في هذه الأيام حتى ولا بما يسهل الإيمان به.» # فضحك سانين وقال: «نعم أؤمن بالله. ولقد آمنت به طفلا ولا حاجة إلى المنازعة في أسباب ذلك أو ~~تأييدها. والحقيقة أنه ليس أجدى علينا من الإيمان، فإذا كان الله موجودا تقدمت إليه بأصدق الإيمان ~~وأخلصه. وإذا لم يكن له وجود كان ذلك خيرا لي.» # فقال يوري: ms073 «ولكن كل حياة تقوم على الإيمان أو عدم الإيمان.» # فهز سانين رأسه وابتسم مغتبطا وقال: «كلا، إن حياتي ليست بقائمة على شيء من هذا ~~القبيل.» # فسأله يوري وقد تداعت قوته: «على أي شيء تقوم حياتك إذن؟» # وقال لنفسه: «آه، ينبغي أن أكف عن الشرب.» ومسح جبينه البارد الرطب بكفه ولم يسمع ما قال سانين ~~ردا عليه، فقد كان رأسه يدور وغلبته الخمر على أمره برهة. # وقال سانين: «إني أعتقد أن الله موجود وإن كنت لست على يقين جازم مطلق. وسواء أكان موجودا أم ~~غير موجود فإني عاجز عن تصوره، ولا أستطيع أن أعرف هذا حتى لو كنت أحر الناس إيمانا به، إن الله هو ~~الله ولما كان غير آدمي فلسنا نستطيع أن نجري عليه المقاييس الإنسانية، إن عالمه المخلوق المحيط بنا ~~شامل لكل شيء: للخير والشر، وللحياة والموت، وللجمال والقبح - كل شيء في الواقع - ولذلك يعجزنا كل ~~معنى وكل تعريف محدود لأن معناه غير إنساني وآراؤه في الخير والشر ليست بإنسانية، ولا معدى لنا عن أن ~~تكون فكرتنا عن الله وثنية في صميم أمرها وليس يسعنا إلا أن نكسو معبودنا السحنة والثوب الملائمين ~~للأحوال الجوية في بلادنا التي نعيش فيها - سخافة - أليس كذلك؟» # فقال إيفانوف: «بلى، أصبت. كل الإصابة!» # فسأله يوري ودفع كأسه مكروبا: «إذن ما الفائدة من الحياة؟ أو من الموت أيضا؟» # فأجابه سانين: «إني أعرف شيئا واحدا هو أني لا أريد أن تكون حياتي شقية. لذلك يجب على المرء ~~أن يرضي رغباته الطبيعية قبل كل شيء. إن الرغبة هي كل شيء. ومتى انقطعت الرغبة انقطعت الحياة معها. ~~وإذا قتل المرء رغباته فإنه يكون قد قتل نفسه.» # فقال يوري: «ولكن رغباته قد تكون شرا؟» # فأجاب سانين: «ربما» # فقال يوري: «إذن ماذا يكون من أمرها؟» # فأجابه سانين في رفق وحدق في وجهه بعينيه الزرقاوين الصافيتين: «إذن ... تكون شرا، لا أكثر ولا ~~أقل.» # فرفع إيفانوف حاجبيه غير مصدق ولم يتكلم. وصمت يوري كذلك وحيرته هاتان العينان الزرقاوان ~~الصافيتان لسبب ما وجعل ms074 يرنو إليهما . # وساد السكون لحظة فكان المرء يسمع فراشة هناك تصطدم مستيئسة بزجاج النافذة. وهز بيتر رأسه في ~~حزن وتدلى رأسه المخمور إلى الجريدة القذرة الملوثة. # فعاد سانين إلى الابتسام. وكانت هذه الابتسامة المرتسمة أبدا على ثغر سانين تثير يوري وتفتنه ~~كذلك فقال لنفسه: «ما أصفى عينيه.» # ونهض سانين فجأة وفتح النافذة وأخرج الفراشة واندفعت موجة هواء بارد عليل كأنما أرسلتها أجنحة ~~رقيقة. # وقال إيفانوف مجيبا على خواطره: «نعم ليس في الناس اثنان متشابهان، فلنشرب على هذا كأسا ~~أخرى.» # فقال يوري وهز رأسه: «كلا! لن أشرب شيئا آخر.» # أجاب إيفانوف: «ولماذا؟» # قال يوري: «إني لا أكثر من الشراب.» # وكانت الفودكا والحرارة قد صدعاه فطلبت نفسه الهواء الخالص وقال وهو ينهض: «لا بد لي من ~~الخروج.» # فقال إيفانوف: «إلى أين؟ تعال. اشرب كأسا أخرى.» # فقال يوري متلعثما باحثا عن قبعته: «كلا، يجب أن ...» # فرد عليه إيفانوف: «حسن عم مساء.» # وخرج يوري وأغلق الباب وراءه. وسمع سانين في هذه اللحظة يقول لبيتر: «نعم أنت لست كالأطفال. إن ~~هؤلاء لا يستطيعون أن يميزوا بين الخير والشر، لأن نفوسهم ساذجة على الفطرة. وهذا هو السبب في أنهم ~~...» # وكان يوري قد أتم إغلاق الباب فلم يسمع شيئا. # وكان القمر مضيئا في قبة السماء، وهب نسيم الليل البليل على محيا يوري وجلت له الطبيعة كل جميل ~~محرك للخيال وجرى بذهنه سمينوف وهو يجتاز الشوارع الساكنة المضيئة. فتصور سمينوف راقدا في قبر مظلم ~~ساكن على أنه مع ذلك لم تعاوده تلك الهواجس المحزنة التي كانت من قبل تجثم على صدره وتسود الدنيا ~~كلها في نظره. بل خامرته الكآبة الهادئة المطمئنة وأحس دافعا يغريه بالشخوص بطرفه إلى القمر. وذكر ~~سانين وهو يجتاز ميدانا مهجورا فسأل نفسه: «أي رجل هذا؟» # وغاظه أن في الدنيا رجلا لا يستطيع هو أن يحلل شخصيته في لحظة فراح يجد لذة في النيل منه وقال: ~~«إن هو إلا صواغ عبارات ليس إلا. وقد كان يتكلف الطيرة أولا ويدعي مقت الحياة ويرفه عن نفسه بالإعراب ms075 ~~عن المستحيل من الآراء، أما الآن فإنه يعبث بالحيوانية.» # وانتقل يوري من التفكير في سانين إلى تأمل نفسه وانتهى من الموازنة إلى أنه لا يعبث بشيء ما، ~~وأن كل خواطره وآلامه وشخصيته مبتكرة، وأنها لا تشبه خواطر الناس غيره وشخصياتهم في دقيق أو ~~جليل. # فارتاح إلى هذه النتيجة أعظم الارتياح، ولكنه أحس افتقاد شيء فانقلب يفكر في سمينوف وأحزنه أن ~~عينيه لن تقع عليه أبدا، واستوحشت نفسه وإن كان لم يشعر له بإعزاز في حياته، وترقرقت الدموع في ~~عينيه وتصور الطالب الميت مدرجا في قبره، وقد صار كتلة متعفنة وذكر هذه الكلمات له: # ستكون حيا تستنشق الهواء وتتمتع بضوء القمر وتمر بالقبر الذي يضم رفاتي. # فرمى يوري بلحظة إلى التراب وقال لنفسه: «إن ها هنا تحت قدمي آدميين أيضا. وإني أطأ بقدمي ~~عقولا وقلوبا وعيونا آدمية! آه وسأموت مثلهم ويمشي غيري فوقي وتخطر لهم ما يطوف بذهني الآن؛ آه، ~~يجب أن يحيا الإنسان قبل أن يخرج الأمر من كفيه. ألا إنه يجب أن يعيش المرء! نعم ولكن على الطريقة ~~الصحيحة حتى لا تضيع عليه لحظة من حياته ولكن كيف هذا؟» # وكانت السوق عارية بيضاء في ضوء القمر وكل ما في البلدة ساكت فغنى يوري نفسه: # لن يسمعنا المزمار عنه نبأ # ثم قال بصوت عال: «ما أثقل كل شيء وأشجاه وأرهبه!» كأنما يقول بشجوه لرفيق معه وأفزعه صوته ~~وتلفت ونفض المكان بعينه ليرى هل سمعه أحد وخطر له أنه «سكران» # وكان الليل مشرقا في سكون وجلال. # لما كانت سينا كارسافينا وزميلتها دوبوفا غائبتين في زيارة كانت حياة يوري مملة فاترة. وكان ~~أبوه أبدا في شاغل من «النادي» أو من شئون البيت. # ولم تكن لياليا وريازانتزيف يرتاحان إلى وجود شخص ثالث معهما فكان يوري يجانبهما. # وصار من عادته أن يبكر في الذهاب إلى مضجعه وأن لا يقوم إلا وقت الغداء، وكان يقضي نهاره كله ~~بين غرفته والحديقة مفكرا في أموره، منتظرا أن تساعفه موجة نشاط تدفعه إلى عمل جليل. # وكان هذا العمل ms076 الجليل يتخذ في كل يوم صورة، فيوما يكون صورة ويوما يكون سلسلة مقالات تكشف ~~للعالم عن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه [الديمقراطيون الاشتراكيون بأن لم يعقدوا ليوري الزعامة في ~~حزبهم]. وطورا تكون مقالا في الحث على معاضدة الشعب والتعاون معه، مقالا شاملا ضافيا في ~~الموضوع. ولكن كل يوم كان يمضي عليه ولا يخلف له سوى السآمة. # وجاء إليه نوفيكوف وشافروف مرة أو مرتين يزورانه. # وحضر يوري بعض المحاضرات وأدى بعض الزيارات، غير أن هذا كله كان في نظره فارغا لا خير فيه وليس ~~هو بالذي يفكر فيه أو يظن أنه يفكر فيه. # وفي يوم من الأيام ذهب لزيارة ريازانتزيف وكانت غرف هذا الطبيب رحيبة مهواة حافلة بكل ما يحتاج ~~إليه الرجل الصحيح الجسم المعافى البدن من وسائل التسلية؛ فمن عصى هندية إلى كتل حديدية وسيوف وأدوات ~~الصيد وحقائب للطباق، وغير ذلك مما هو بسبيل الملاهي التي يباشرها الرجال الأصحاء. # فرحب به ريازانتزيف وأحسن ملاطفته ومحادثته وقدم له السجائر ثم سأله أن يخرج معه للصيد. # فقال يوري: «ليس معي بندقية.» # فقال: «خذ واحدة من هنا فإن لدي خمسا.» # وإذ كان يوري أخا لياليا فقد أراد ريازانتزيف أن يلاطفه ما أمكنته ملاطفته. أصر على أن يأخذ ~~يوري إحدى بنادقه وعرضها كلها عليه ليختار من بينها وفككها وشرح له تركيبها، بل لقد أطلق إحداها على ~~هدف في الفناء. فاقتنع يوري وأخذ واحدة وبعض الخراطيش وهو يضحك. # فسر ريازانتزيف وقال: «هذا حسن جدا. لقد كان عزمي أن أخرج غدا لصيد البط فلنذهب ~~معا.» # فقال يوري: «هذا يسرني جدا.» # ولما عاد إلى بيته قضى نحو ساعتين يفحص بندقيته ويتحسس زندها ويسددها إلى المصباح ثم صقل حذائي ~~الصيد القديمين. وفي مساء اليوم التالي جاء إليه ريازانتزيف يهتز مسرورا في مركبة يجرها جواد مضمر ~~وصاح به من النافذة وكانت مفتوحة: «أنت مستعد؟» # وكان يوري قد احتمل حزمة الخراطيش وحقيبة الصيد والبندقية فخرج إليه مثقلا بها وقال: «إني ~~مستعد، مستعد.» # وكان ريازانتزيف قد أخف من هذه الأحمال فعجب ms077 ليوري وما تأهب به وقال مبتسما: «ستعاني البرح من ~~هذه الأثقال. اخلعها وضعها هنا. فما بك حاجة إلى لبسها قبل أن نبلغ المكان.» # وساعد يوري على التخلص منها ووضعها تحت المقعد ثم ألهبا الجواد فأخب بالمركبة، وكان النهار قد ~~أوشك أن ينقضي ولكن الجو كان لا يزال دافئا كثير التراب. # وجعلت المركبة تميل يمنة ويسرة حتى اضطر يوري أن يتشبث بمقعده. وكان ريازانتزيف يتكلم ويضحك طول ~~الطريق فلم يسع يوري إلا أن يشاطره جذله. # ولما برزا إلى الحقول كانت الأكلاء الطويلة تلمس أقدامهم وصار الجو ألطف وانقطع التراب. وبلغا ~~حقلا واسعا مستويا، فأوقف ريازانتزيف الجواد وكان يتصبب عرقا ورفع كفه إلى فمه وصاح بصوت رنان ~~صاف: «كوسما، كوسما» # وكان المرء يرى عند نهاية الحقل صفا من الرجال صغيري الأجسام فشخصوا بأبصارهم إلى مصدر ~~الصوت. # ثم اجتاز أحدهم الحقل متحرزا بين الأخاديد ولما دنا منهما رأى يوري فلاحا ضخما أبيض الشعر ~~طويل اللحية مفتول الساعدين. # فسار إليهما وقال مبتسما: «إنك تحسن الصياح يا أناتول بافلوفتش.» ~~«عم مساء كوسما كيف حالك؟ أتسمح لي أن أترك الجواد معك؟» # فقال الفلاح بصوت ساكن ودي وأمسك اللجام: «نعم ولا شك. جئت للصيد أليس الأمر كذلك؟ ومن هذا؟» ~~وألقى إلى يوري نظرة رقيقة فقال ريازانتزيف: «إنه ابن نقولا يجوروفتش» # أجاب: «آه نعم! إني أراه شبيها بلياليا! نعم. نعم!» وسر يوري أن هذا الفلاح الهرم المغتبط يعرف ~~أخته ويذكرها ذكر الصديق المخلص. # وقال ريازانتزيف بصوته الطروب وتقدم زميله بعد أن احتمل بندقيته وحقيبة الصيد: «والآن فلنمض في ~~سبيلنا.» # فقال كوسما: «أرجو أن يكون حظكما عظيما.» # وكان يسمعانه يلاطف الجواد وهو يجره إلى كوخه. # وكان عليهما أن يسيرا نحو ميل قبل أن يصلا إلى المستنقع، وكادت الشمس تغيب، وكانت الأرض مكسوة ~~بالحشائش والأعشاب تحس القدم بللها وتجد الأنف ريح رطوبتها والعين جهامتها، والماء تلمع صفحته في بعض ~~المواضع. # وكف ريازانتزيف عن التدخين ووقف ورجلاه منفرجتان وتجهم وجهه كأنما كان يهم بعمل عظيم ~~التبعة. # ووقف يوري إلى يمينه يبحث ms078 عن مكان جاف مريح. وكان أمامهما الماء صافيا عميقا تنعكس في صقاله ~~صفحة السماء المجلوة ومن ورائه الشاطئ كالخط الأسود. # وهب البط مثنى وثلاث وجعلت أفراخه تطير متريثة فوق الماء خارجة من الأعشاب محلقة فوق رأسي ~~الصائدين صفا من الأشباح السوداء باديا دون السماء، فأرسل ريازانتزيف أول طلقة فأصاب وهوت بطة ~~مكلومة إلى الماء وجناحاها يخبطان الأعشاب فقال ريازانتزيف وضحك عاليا: «لقد أصبتها.» # وقال يوري لنفسه وكان قد جاء دوره: «إنه رجل طيب حقيقة.» # وأطلق بندقيته فهوت ببطة ولكنها سقطت في مكان بعيد لم يصل إليه يوري وإن كان قد جرح كفيه وخاض ~~إلى ركبتيه في الماء ولم تزده هذه الخيبة إلا حماسة وظن الأمر لهوا طيبا. # وكان لدخان البنادق رائحة لذيذة في هذا الجو الصافي البليل، وكانت الطلقات تبرق في الظلام فيجد ~~المرء لبريقها وقعا حسنا. وجعلت الطيور الجريحة ترسم وهي تهوي أقواسا رشيقة تحت قبة السماء ~~الخضراء التي بدت فيها النجوم. وأحس يوري من النشاط والاغتباط ما لا عهد له به كأنما لم يمر به ما هو ~~أمتع من هذا وأعظم إنعاشا للنفس. وقلت الطيور الطائرة الآن وتعذر تسديد المرمى في الظلام ~~المتكاثف. # وصاح ريازانتزيف بزميله: «يوري! يجب أن نعود الآن!» # فأسف يوري لذلك وعز عليه أن يرجع ولكنه مضى إلى رفيقه إجابة لرغبته وكان يتعثر في سيره بين ~~الأعشاب ويخوض الماء الذي لم يعد يفترق في الظلام عن الأرض الصلبة. # فلما التقيا برقت عيونهما وكان كلاهما يلهث. # فقال ريازانتزيف: «هل مالأك الحظ؟» # فقال يوري وكشف عن حقيبته المكتظة: «أظن ذلك!» # فقال ريازانتزيف متبسطا: «إنك أشد مني ساعدا وأحكم رماية.» # فابتهج يوري بهذا الثناء وإن كان لا يفتأ يدعي قلة الاعتداد بالقوة الجثمانية أو المهارة وقال ~~بغير اهتمام: «لا علم لي بأني خير أو شر. وكل ما في الأمر أن الحظ ظاهرني.» # وكان الظلام قد اشتد لما بلغا الكوخ وغمرت الدياجي حقل الليمون فلم تكن العين تأخذ منه سوى ~~صفوفه الأولى تلتمع في ضوء النار وتلقي على الأرض ms079 ظلالا طويلة . # وكان الجواد واقفا ينفخ إلى جانب الكوخ حيث أوقدت النار من عيدان الكلأ الجافة، فجعلت تقعقع ~~وهي تحترق. # وسمعا أصوات رجال ونساء يتكلمون ويضحكون. وخيل ليوري أنه يعرف أحد الأصوات وكان لينا ~~جذلا. # فقال ريازانتزيف وقد أخذه العجب: «إنه سانين. ماذا جاء به إلى هنا؟» # واقتربا من النار وكان كوسما ذو اللحية البيضاء جالسا بجانبها فرفع طرفه إليهما وهز رأسه ~~مرحبا بهما وسألهما بصوت غليظ عميق يخرج من تحت شاربيه المتهدلين: «كيف كان حظكما؟» # فقال ريازانتزيف: «متوسطا.» # وكان سانين جالسا على جذع ضخم فرفع رأسه أيضا وابتسم لهما. # فسأله ريازانتزيف: «كيف جئت إلى هنا؟» # فقال سانين وزاد ابتساما: «أوه. إني أنا وكوسما صديقان قديمان.» # فضحك كوسما وانفرجت شفتاه عن بقايا أسنانه الصفراء المتداعية وجعل يربت ركبة سانين بيده الخشنة ~~وقال: «نعم نعم. اجلسا يا أناتول بافلوفتش وذوقا هذا البطيخ وأنت يا سيدي الشاب ما اسمك؟» # فقال يوري مسرورا: «يوري نيقولا بيفتش» # وأحس بعض الارتباك ولكنه أحب هذ الفلاح الشيخ الرقيق وارتاح إلى لهجته الودية. وقال كوسما: ~~«يوري نيقولا بيفتش. آها. يجب أن نتصادق. اجلس يا يوري.» فجلسا قريبا من النار على جذعين كبيرين ~~وقال كوسما: «والآن أريانا ما صدتما.» # فأفرغا من الحقيبتين كوما من الطيور المقتولة وتلوثت الأرض بدمها، وكان لها في ضوء النار ~~المضطرب منظر منفر وبدا الدم أسود اللون، وكأنما كانت المخالب تتحرك. # فرفع كوسما بطة وأمر يده تحت جناحيها متحسسا، وقال: «هذه بطة سمينة. يجب يا أناتول أن تدع ~~اثنتين. وماذا عساك تصنع بكل هذه؟» # فقال يوري في خجل: «خذها كلها.» # فضحك الشيخ قائلا: «لماذا آخذها كلها؟ إنك أكرم مما يجب. لا آخذ سوى اثنتين.» ودنا منهم في هذه ~~اللحظة فلاحون آخرون ومعهم نساؤهم ولم يستطع يوري أن يميز وجوههم لفرط ما أزاغت النار من نظره، وكان ~~الوجه تلو الوجه يخرج من الدجى ثم لا يكاد يظهر حتى يغيب. # ورمى سانين الطيور بعينه وهو عابس ثم أدار وجهه ونهض واستكره أن يرى هذه المخلوقات الجميلة ms080 ~~مكسورة الأجنحة ملطخة بالدم والتراب. # وراقب يوري كل شيء باهتمام وهو يمص بطيخة كبيرة ناضجة شهية قطعها له كوسما بسكين يدها من العظم ~~الأصفر وقال كوسما: «كل يا يوري. إن هذه البطيخة جيدة. إني أعرف أختك الصغيرة لياليا وأباك أيضا. كل ~~وتمتع.» # وشاع السرور في نفس يوري بكل شيء: برائحة الفلاحين والخبز الجديد وضوء النار والجذع الضخم الذي ~~كان جالسا عليه ووجه كوسما كلما أطرق. وكان إذا رفع رأسه يلفه الظلام ولا تظهر منه إلا عيناه، وكانت ~~الظلمة الطاغية فوقهم تكسب المكان المضاء بهجة وأنسا. # وكان يوري إذا رفع رأسه لا يرى شيئا ثم لا تلبث السماء الشاسعة الساكنة أن تبدو متألقة فيها ~~نجومها البعيدة. على أنه حيره أنه لا يعرف ماذا يقول لهؤلاء الفلاحين. # وكان كوسما وسانين وريازانتزيف يحدثونهم بلا كلفة وببساطة عن هذا الأمر أو ذاك ولا يهتمون بأن ~~يتخيروا موضوعا خاصا للكلام. ولما انقطع الحديث سألهم: «كيف حال الأرض؟» # وأحس أن سؤاله متكلف لا محل له فرفع كوسما لحظه وقال مجيبا: «سنصبر. سنصبر ونرى.» # ثم طفق يحدثهم عن حقول البطيخ وغيرها من الشئون الخاصة ويوري يزداد ارتباكا وحيرة وإن كان قد ~~سره أن يصغى إليه. # وسمعوا وقع أقدام مقبلة وظهر في الضوء كلب أحمر صغير ذنبه أبيض ملتو وجعل يشم يوري وصاحبه ويحك ~~جسمه بركبة سانين فمسح له هذا جلده الخشن. وجاء على أثر الكلب شيخ قصير له لحية خفيفة وعينان صغيرتان ~~لامعتان. وفي يده بندقية صدئة ذات خرطوم واحد فقال كوسما: «إنه الجد حارسنا.» # وجلس الشيخ على الأرض ووضع إلى جانبه سلاحه وأقبل يتأمل يوري وصاحبه. ثم قال وكشف عن لثاه ~~المجعد المشوه: «كنتما تصيدان؟ نعم. نعم. هاها! كوسما لقد آن أن تغلي البطاطس.» فالتقط ريازانتزيف ~~بندقية هذا الشيخ وأرى يوري إياها ضاحكا، وكانت قديمة علا الصدأ كل أجزائها، ثقيلة مشدودة بسلك ~~ملفوف عليها، وقال لصاحبها: «أي بندقية هذه؟ ألا تخشى أن تصيد بها؟» # أجاب الشيخ: «هاها. لقد كادت تقتلني مرة. قال لي ستيبان شابكا إن ms081 المرء يستطيع أن يطلقها بدون ~~إسطوانة. هاها. بدون أسطوانة. وقال إنه إذا كان في البندقية مقدار من الكبريت باقيا فإنك تستطيع ~~إطلاقها بغير أسطوانة، فوضعت البندقية المحشوة على ركبتي هكذا وأطلقت زنادها بأصبعي هكذا ... انظروا، ~~فانطلقت وكدت أقتل نفسي. هاها. حشوت البندقية وأطلقتها وكدت أقتل نفسي.» # فضحكوا جميعا وانحدرت دموع السرور من عيني يوري وما كان أمتع هذا الشيخ الضئيل ولحيته الخفيفة ~~وشدقيه الغائرين. # وضحك الشيخ كذلك حتى دمعت عيناه وجعل يردد قوله: «كدت أقتل نفسي! هاها» # وكان المرء يستطيع أن يسمع في الظلام وراء دائرة النور ضحكا وأصوات بنات نأى بهن الحياء عن ~~المجلس. # وكان سانين جالسا على بضعة أقدام من النار في مكان غير الذي توهمه يوري. # فأوقد سانين عود كبريت ورأى يوري في ضوئه الأحمر عينيه الساكنتين الودودتين وإلى جانبه وجه غض ~~عيناه الرقيقتان مرفوعتان إلى سانين وفيهما نور الجذل الساذج. # فنظر ريازانتزيف إلى كوسما وقال: «أيها الجد أليس خيرا لك أن ترقب بعينيك حفيدتك؟» # فأجاب كوسما عنه وأومأ إيماءة من لا يكترث: «ما الفائدة؟ إن الشباب هو الشباب.» وضحك الشيخ ~~والتقط بأصابعه جمرة متقدة من النار. # وسمع القوم ضحكة سانين في الظلام. وكأن الفتيات خجلن فقد انصرفن عنه وعادت أصواتهن وهي لا تكاد ~~تسمع. # وقال ريازانتزيف وهو ينهض: «لقد آن أن نذهب أشكرك يا كوسما.» # فقال كوسما: «لا شكر البتة.» ومسح بكمه بذور البطيخ التي علقت بلحيته البيضاء. وصافحهما وأحس ~~يوري استكراها لمس هذه الراحة الخشنة المعروقة. # وخفت الظلمة لما نأيا عن النار ورأيا فوقهما النجوم الزهراء المقرورة وقبة السماء الهائلة ~~الجليلة الجمال. # وبدا الجالسون حول النار والخيل وكوم البطيخ في شملة من الظلام وقال لهما سانين: «افتحا ~~عيونكما. عما مساء.» # فقال يوري: «عم مساء.» # وتلفت وراءه ليرى قوامه الطويل وخيل إليه أن امرأة رشيقة القد معتمدة على كتفه فخفق قلبه وذكر ~~سينا وأحس الغيرة تدب في صدره لسانين. # وانطلقت عجلات المركبة تخطف الأرض وجعل الجواد ينفخ وهو يجري وخفيت عنهما النار والأصوات ~~والضحكات وساد السكون، ms082 وتطلع يوري إلى السماء ورنا إلى نجومها المنثورة، ولما قاربا البلدة بدأت ~~الأضواء تسطع هنا وههنا والكلاب تنبح. # وقال ريازانتزيف ليوري: «إن كوسما هذا فيلسوف. ألا ترى ذلك؟» # وكان يوري جالسا خلف صاحبه ينظر إلى عنقه فنبهه السؤال وأيقظه مما كان غارقا فيه من الخواطر ~~السوداء وحاول أن يفهم ما ألقي إليه وأجاب بتردد: «آه، نعم!» # فقال ريازانتزيف وهو يضحك: «لم أكن أظن أن سانين فاجر إلى هذا الحد.» # ولم يكن يوري يحلم الآن فذكر منظر سانين ومحيا الفتاة الجميل في نور الكبريت وعاودته الغيرة، ~~وما عتم أن طاف برأسه أن معاملة سانين للفتاة وضيعة مستوجبة للاحتقار فقال مجيبا صاحبه: «كلا، ما ~~حسبته كذلك قط.» # وكان في صوته نبرة تهكم لم يلتفت إليها ريازانتزيف فألهب الجواد بالسوط وقال بعد فترة: «إنها ~~فتاة جميلة أليست كذلك؟ وأنا أعرفها. حفيدة الشيخ الهرم.» # فصمت يوري وانقشعت عنه سحابة التفكير واقتنع بأن سانين رجل سوء. # وهز ريازانتزيف كتفيه ثم قال: «إلى الشيطان بها! وفي ليلة كهذه أيضا؟ وأراني أخذت كذلك. أسمع. ~~ما قولك في أن نعود وأن ...» # ولم يفهم يوري في أول الأمر ما أراد صاحبه الذي عاد فقال: «إن هناك بضع فتيات حسانا كما تعلم. ~~ما قولك؟ أنعود؟» # فصبغ الحياء وجه يوري وشاعت في كيانه هزة شهوة حيوانية ومثلت لعينيه ولخياله الملتهب صور مغرية ~~ولكنه ضبط نفسه وقال بصوت جاف: «كلا! لقد آن أن نكون في البيت الآن.» # ثم زاد على ذلك بخبث: «لياليا تنتظرنا.» # فتداعى ريازانتزيف وقال: «نعم. نعم بالطبع. نعم يجب أن نكون في البيت الآن.» # وقرض يوري أسنانه وحدق في ظهر صاحبه العريض تنسجم عليه الجاكتة البيضاء وقال متحديا مناصبا: ~~«لست أحب المغامرات التي من هذا القبيل.» # فأجابه ريازانتزيف ضاحكا في فتور: «كلا! كلا! أعلم ذلك! هاها!» # ثم صمت. وقال لنفسه: «قاتلني الله. ما أغباني!» # وسارا بالمركبة إلى البيت دون أن ينبسا بحرف آخر، وكان يخيل إليهما أن الطريق لا آخر له ولما ~~وصلا قال يوري دون أن يرفع رأسه: ms083 «ألا تدخل معي؟» # فقال ريازانتزيف مترددا: «أ.. أ.. لا! إن علي أن أعود مريضا. والوقت متأخر كذلك.» # فنزل يوري ولم يعن بأن يأخذ البندقية أو الطيور وكأنما صار يمقت كل شيء مما يتعلق بريازانتزيف ~~فصاح به هذا: «لقد نسيت بندقيتك.» # فالتفت يوري وعاد فاحتمل البندقية والحقيبة بهيئة المتقزز وصافح صاحبه ودخل. # ومضى الآخر بمركبته في بطء مسافة قصيرة ثم انثنى فجأة وعطف على زقاق وكان يوري يسمع صوت العجلات ~~آتيا من ناحية أخرى غير التي درجت فيها المركبة أولا، فأصغى يوري وهو ثائر النفس إلا أنه غائر وقال ~~لنفسه: «حظ سيئ.» وأدركه العطف على أخته. # | الفصل الثالث عشر # أدخل يوري ما معه ولم يجد بعد ذلك ما يصنع فانحدر إلى الحديقة وكان الليل كظلمة القبر وزاد في ~~وقعه منظر السماء وما فيها من النجوم المتألقة، وكانت لياليا جالسة على إحدى درجات السلم وهي لا تكاد ~~ترى في الظلام فسألته: «أهذا أنت يا يوري؟» ~~«نعم هو أنا.» # وجلس إلى جانبها فأسندت رأسها إلى كتفه وهي كالحالمة وفاح منها عبير الصبا الغض فتحركت حواسه ~~وقالت: «هل آتاك الحظ في الصيد؟» # ثم سألته بعد قليل بصوت رقيق: «وأين أناتول بافلوفتش؟ لقد سمعت صوت المركبة.» # وود يوري- وقد هاج فجأة - لو يقول لها «إن أناتولك هذا بهيم قذر» غير أنه أجابها غير محتفل: «لا ~~أدري أين هو. لقد كان عليه أن يعود مريضا.» # فرددت لياليا لفظة «مريض» ولم تزد وشخصت بعينها إلى النجوم، ولم يسؤها أن ريازانتزيف لم يحضر ~~فقد كانت على نقيض ذلك تبغي الوحدة لتطلق لأحلامها وخيالاتها اللذيذة العنان ولا يكبحها وجوده، وكانت ~~العاطفة التي استولت على كيانها الغض غريبة حلوة رقيقة أشعرتها أنها تستقبل غاية منشودة محتومة إلا ~~أنها مقلقة تطوي بها صفحة ماضيها ويبدأ بها عهد جديد بالغا من الجدة مبلغا جعل لياليا تحسب أنها ~~ستصير كائنا آخر غير الأول في كل شيء. # وعجب يوري لأخته اللعوب الضحوك كيف تغري بالسكون والتفكير، وكان هو مكروبا مكتئبا فبدا له أن ~~كل شيء ms084 به مثل سهومه وفتوره - كل شيء حتى لياليا والحديقة المظلمة والسماء البعيدة الملتمعة النجوم - ~~ولم يفطن إلى أن هذه الحالة الحالمة لا تنطوي على الحزن بل على قوة الحياة نفسها. في السماء قوى ~~مجهولة لا حد لها تموج وتتصارع. والحديقة الغامضة تمتص من الأرض ما تحتاج إليه من العصير الحيوي. وفي ~~قلب لياليا غبطة تامة كاملة تضن بها أن تنفي سحرها أية حركة أو شعور. وفي صدرها الحب والحنين ~~يتجاوبان، وهي بما يختلج في نفسها منهما وضيئة كالسماء المزدانة بالنجوم وعليها كالحديقة المستسرة ~~نقاب يخفي ما تحته. # وسألها يوري مترفقا كأنما خشي أن يوقظها: «خبريني يا لياليا. أتحبين أناتول كثيرا؟» # فبدا لها أن تقول «كيف تسألني عن هذا؟» ولكنها كبحت نفسها ودنت منه حتى التصقت به وفي نفسها له ~~الشكر على أن لم يحدثها إلا عما يعنيها في حياتها - أي الرجل الذي تحبه - فقالت لياليا: «نعم أحبه ~~حبا جما.» # وكان صوتها من الرقة بحيث حزر يوري ما قالت إذ لم يكد يسمعه وهي تتكلم وتحاول أن تمنع دموع ~~الفرح. ولقد خيل إلى يوري أن في صوتها نغمة أسى فزاد عطفه عليها ومقته لريازانتزيف. # فسألها وأذهله أن يسألها ذلك: «ولماذا؟» # فرفعت طرفها إليه مستغربة وضحكت في رفق وقالت: «أيها الولد الخرف! لماذا حقا؟ لأن ... اسمع! ألم ~~تحبب مرة في حياتك؟ إنه طيب شريف مستقيم.» وكان بودها أن تزيد على ذلك «وهو جميل قوي ولكنها خجلت ولم ~~تزد شيئا.» # فقال يوري: «أتعرفينه حق معرفته؟» وخطر له أنه لم يكن ينبغي أن يسألها هذا لأنها بالبداهة تحسبه ~~خير من في العالم. # فأجابته بخجل وفي صوتها لهجة الظافر المنتصر: «إن أناتول لا يكتمني شيئا.» # فابتسم يوري، وإذ كان يدرك أن لا سبيل إلى التراجع فقد ألح عليها بالسؤال: «أأنت على يقين ~~جازم؟» # أجابت: «نعم واثقة بالبداهة. ولماذا لا أكون على يقين؟» وارتجف صوتها. # فقال يوري وبه شيء من الارتباك: «لا شيء. لا شيء. إنه سؤال لم أرد به شيئا خاصا.» # وصمتت لياليا ولم يستطع ms085 هو أن يحزر ما يجري في ذهنها من الخواطر، ثم سألته فجأة: «لعلك تعلم عنه ~~شيئا!» وكان في صوتها ما ينم على الألم. # فحار يوري وقال: «لا! لا! كلا ماذا يمكن أن أعرف عن أناتول بافلوفتش.» # فقالت لياليا ملحة: «لولا أنك تعلم شيئا لما قلت ما قلت.» # قال: «إن كل ما أعنيه هو ...» # ثم قطع الكلام فجأة واستحيا وعاد فقال: «إننا معشر الرجال كلنا فساق.» # فلزمت لياليا الصمت هنيهة ثم انفجرت ضاحكة وقالت: «نعم، أعرف ذلك.» # فلم ير أن لضحكها هذا محلا وقال بشيء من الغيظ: «لا يحسن بك الاستخفاف بالأمور إلى هذا الحد. ~~كذلك لا يسعك أن تحيطي بكل ما يجري. وأنت خالية الذهن مما في الحياة من حقارة. أنت أصغر سنا من أن ~~تلمي بهذا وأنقى وأطهر.» # فقالت لياليا ضاحكة وقد سرها كلامه: «أهذا كذلك حقا؟» # ثم اتخذت لهجة الجد فقالت: «أتحسب أني لم أفكر في مثل هذه الأمور؟ لقد فكرت وآلمني وأحزنني أننا ~~نحن النساء نكترث لسمعتنا وطهرنا وعفتنا كل هذا الاكتراث ونخاف أن نخطو خطوة لئلا ... لئلا ... نهوي ~~ونسقط، على حين يعد الرجال إغراء الفتاة من مظاهر البطولة. إن هذا ظلم شنيع، أليس كذلك؟» # فقال يوري بمرارة وإن كان على ذلك قد وجد شيئا من الارتياح إلى الاعتراف بمعايبه وذنوبه ولكنه ~~اعتراف يخالطه الشعور بأنه ليس كالناس في شيء: «نعم هذا أظلم شيء في الدنيا. سلي من شئت منا أيرضى أن ~~يتزوج من ... (وهم أن يقول مومسا ولكنه رد هذا اللفظ واعتاض منه) غنجة يقل لك «كلا» ومن أي الوجوه ~~يفضل الرجل المرأة الغنجة؟ إنها تبيع نفسها في مقابلة المال على الأقل لترتزق وتعيش، فأما الرجل ~~فيطلق لشهوته العنان بلا خجل ولا استحياء.» # فصمتت لياليا. # وكان هناك خفاش يطير تحت سقف البهو رائحا جائيا ولا يراه أحد واصطدم جناحاه مرات بالجدار ثم ~~رفرف واختفى. # وأصغى يوري إلى أصوات الليل الغريبة ثم استأنف الكلام وقد زادت مرارة لهجته وصار صوته نفسه ~~يدفعه ويستاقه فقال: «وشر ما في ms086 الأمر أنهم جميعا يعرفون ذلك وهم مع هذا متفقون على أن الحال يجب أن ~~يظل كذلك، ثم ترينهم يمثلون مآسي مضحكة فيسمحون بأن يتزوجوا ثم يكذبون على الله والإنسان. ولا يذهب ~~ضحية أحط الفساق وأدنأ المستهتكين إلا أنقى الفتيات وأطهرهن.» (قال هذا وهو يفكر في سينا ~~كرسافينا). # ولقد قال لي سمينوف مرة «كلما كانت المرأة أطهر كان صاحبها أقذر.» وأراه على صواب. # فسألته لياليا بلهجة مستغربة: «أهذا كذلك؟» # فقال يوري وعلت وجهه ابتسامة مرة: «نعم كذلك بلا مراء.» # فتمتمت لياليا وقد خنقتها العبرات: «لا أعرف، لا أعرف شيئا عن هذا.» # فصاح بها يوري ولم يكن قد سمع ما قالت: «ماذا؟» # أجابت: «لا شك أن توليا ليس كالباقين! إن هذا مستحيل.» # وكانت هذه أول مرة ذكرت فيها اسم حبيبها بلفظ الإعزاز ثم طفقت تبكي فجأة، فوقع من نفسه بكاؤها ~~وأمسك بيدها وقال: «لياليا! لياليا! ماذا جرى؟ لم أكن أقصد أن ... لا تبكي يا عزيزتي لياليا! ازجري ~~العين عن بكاها.» # ونحى يديها عن وجهها وقبل أصابعها التي بللها الدمع فقالت وهي تنشج: «لا! لا! إن الأمر صحيح ~~وأنا أعلم ذلك!» # وكان قولها أنها فكرت في هذا من قبل تخيلا محضا ولم تكن تدري عن حياة ريازانتزيف وسلوكه ~~شيئا. نعم إنها تعرف أنها ليست أول من أحب ولا تجهل معنى هذا ودلالته، ولكن وقع هذا الذي تعلمه كان ~~غامضا زائلا. # وكانت تحس أنها تحبه وأنه يحبها. وهذا هو الجوهر وما سواه لا قيمة له ولا وزن. فأما وقد قال ~~أخوها ما قال بلهجة التعنيف والازدراء فقد خيل لها أنها على حرف هاوية واستهولت ما تحدثا عنه، وحسبت ~~أن حلم سعادتها قد انتسخ وأنه لا سبيل إلى إصلاح ما فسد، وأنه لم يعد ثم محل للتفكير في حبها ~~لريازانتزيف. # وحاول يوري وهو يكاد يبكي أن يرفه عنها وجعل يقبلها ويمسح شعرها ولكنها ألحت في البكاء واستسلمت ~~للأسى والمرارة كالطفل. # وأسى يوري لحزنها وما بدا له من ألمها، فعدا إلى البيت وهو ممتقع اللون مضطرب ms087 فاصطدم رأسه ~~بالباب وعاد إليها بكوبة ماء أراق نصفها على الأرض وعلى يديه، وقال لها وهو يقدمها إليها. «لا تبكي ~~يا لياليا! لا ينبغي لك أن تبكي هكذا؟ ماذا جرى؟ ما خطبك؟ لعل أناتول بافلوفتش خير من الباقين يا ~~لياليا؟» # وجعل يكرر ذلك وبه من اليأس خاطر. # ولكن لياليا ظلت تعول وترجف رجفا عنيفا حتى لكانت أسنانها تصطك بزجاج الكوبة. # وجاءت الخادمة وقالت: «ماذا جرى يا سيدتي؟» # فنهضت لياليا واتكأت على سور البهو ومضت وهي باكية تنتفض إلى غرفتها. # فقالت لها خادمتها: «سيدتي العزيزة خبريني ماذا حدث؟ أأدعو سيدي والدك؟» # وخرج في هذه اللحظة أبوها نيقولا من المكتبة يمشي بخطى بطيئة متزنة، فلما أخذت عينه لياليا وقف ~~في الباب وقد أذهله منظرها وسأل: «ماذا حدث؟» # فأجابه يوري: «لا شيء! لا شيء! مسألة تافهة! لقد كنا نتحدث عن ريازانتزيف. كلام فارغ.» # وضحك ضحكة مستكرهة، فنظر أبوه إليه شزرا وارتسمت على وجهه دلائل الغضب وصاح به: «ماذا بالله ~~كنت تقول لها؟» وهز كتفيه واستدار وخرج. # فطار طائر يوري وهم بأن يجيبه جوابا عنيفا وقحا ولكن ما خالجه من الحياء أسكته وعقد لسانه. ~~وجاش بصدره الغيظ من أبيه والتوجع للياليا والاحتقار لنفسه، فلم يسعه إلا أن ينحدر إلى الحديقة وداس ~~وهو يمشي ضفدعة تنقنق فسحقها وكادت تزل قدمه فوثب صائحا محنقا. وجعل يمسح قدمة مدة طويلة على ~~الحشائش الطويلة وقد سرت في ظهرة رعدة باردة. # وعبس وأغراه الاشمئزاز الجثماني والعقلي باعتبار كل شيء مثيرا مستفزا حقيرا. وتلمس الطريق ~~إلى مقعد جلس عليه وشخص بعينه إلى الحديقة غير معتمد شيئا على التعيين بنظره، ولم ير إلا رقعا ~~عريضة سوداء في الظلام الشامل، واصطخت في صدره ورأسه الخواطر السوداء. # ورمى بعينه إلى حيث كانت تموت تلك الضفدعة الصغيرة المسكينة أو حيث ماتت بعد كرب وألم هائلين. ~~فكأنما ماتت دنيا بأسرها وزهق عالم برمته، فيالها من حياة مفردة مستقلة لقيت حتفها الشنيع ولم يحسها ~~أحد ولا سمع بها ديار! # واستطرد يوري من ذلك إلى خاطر مقلق ms088 غريب ، هو أن كل ما يكون الحياة من غرائز الحب أو البغض ~~الخفية التي تدفع المرء إلى قبول شيء بعينه ورفض آخر، وإحساسه الفطري بالخير والشر، كل هذا ليس إلا ~~ضبابا رقيقا يغطي شخصيته وحدها ويلفها ويحجبها. فأما أعمق تجاريبه وأوجعها فلا يكترث لها العالم في ~~جملته الهائلة كما لم يكترث لمصرع هذه الضفدعة الصغيرة. وكان قبل ذلك يتصور أن آلامه وعواطفه تعني ~~غيره، فنسج من هذه العلاقة شبكة معقدة بينه وبين الوجود؛ كان مصرع الضفدعة كافيا لتحطيمها والقضاء ~~عليها، فتركه ذلك مستفردا يعوزه العطف والغفران. # ثم كرت خواطره إلى سمينوف وإلى ما بدا له من استخفافه بالمثل العليا التي استغرقت نفسه هو ~~وملايين غيره من الناس، فراح يفكر في لذة الحياة الخالصة وفي سحر المرأة الجميلة وضوء القمر ~~والبلابل، وهو موضوع كان قد شغل خواطره في اليوم التالي لآخر حديث جرى له مع سمينوف، ولم يكن يومئذ ~~يفهم لماذا يهتم سمينوف بالتافه من الأمور كركوب زورق أو وجه فتاة حسنة، وكيف يأبى أن يكترث لأسمى ~~الآراء وأعمقها. فأما الآن فقد أدرك أن هذا لم يكن منه بد وأنه لا سبيل إلا إليه، إذ كانت هذه الأمور ~~التافهة هي التي تتكون منها الحياة - الحياة الحقيقية الغاصة بالإحساسات والعواطف والمتع واللذات - ~~أما تلك الآراء السامية العميقة فليست إلا عبارات جوفاء باطلة لا يسعها أن تؤثر أضأل تأثير في ذلك ~~السر الضخم المحجوب وراء الحياة والموت. وهب لهذه الآراء قيمة ووزنا فستعفى عليها وتحل محلها في ~~المستقبل آراء أخرى ليست دونها خطرا وأهمية. # ولما انتهى إلى هذه النتيجة التي نشأت على غير انتظار من آرائه في الخير والشر حار واضطرب وأحس ~~كأنما يواجه فراغا هائلا، وتحرر ذهنه لحظة وصفا وشعر بالقدرة التي يشعر بها الحالم على السبح في ~~الفضاء إلى حيث أحب دون أن تقعد به قيود المادة، فأفزعه هذا الإحساس وجاهد بكل ما وسعه من قوة أن ~~يجمع آراءه المألوفة في الحياة، فزايله هذا الإحساس المرعب وعاد كل شيء جهما ملتاثا ms089 في نظره كما ~~كان. # وكان يوري يقول إن الحياة هي تحقيق الحرية وإن من الطبيعي على ذلك أن يبغي المرء في حياته اللذة ~~وأن يعيش لها. وعلى هذا تكون وجهة نظر ريازانتزيف - على انحطاطها - منطقية معقولة، إذ كان لا ينشد ~~إلا سد حاجاته الجنسية ما أمكنه ذلك لأنها ألح الحاجات وأعنفها. ولكن هذا جره إلى القول إن الفسوق ~~والطهر ليسا إلا أوراقا ذاوية تكسو الحشائش النضيرة الجديدة، وإن لمثل لياليا وسينا كرسافينا من ~~الفتيات الطاهرات الحق كل الحق في الارتماء في تيار اللذة الجثمانية. فأحس لهذا الخاطر صدمة واستقذره ~~ورآه عبثا وصبيانية وعالج أن ينفيه عن ذهنه وقلبه بعباراته الحادة القاسية المألوفة. # وقال وهو ينظر إلى السماء: «نعم، إن الحياة هي الشعور ولكن الناس ليسوا بهائم لا تعقل وعليهم أن ~~يحكموا شعورهم وعواطفهم وأن يضبطوها وأن يوجهوا رغباتهم إلى ما هو خير. ولكن أثم إله فيما وراء ~~هذه النجوم؟» # وما كاد يسأل نفسه هذا حتى شاع في جوانب نفسه إحساس مضطرب مؤلم رهيب كاد يسحقه وألح بالنظر على ~~نجم وضيء في ذيل الدب الأكبر، وذكر أن كوسما الفلاح صاحب حقل البطيخ سمى هذه المجموعة الجليلة من ~~النجوم عجلة أثقال، وضايقه أن يذكر هذا الوصف المرذول الوضيع وشخص إلى الحديقة المظلمة السوداء بنظره ~~كأنما يريد أن يقابل بينها وبين السماء الوضيئة وأن يفكر فيهما ويتدبر أمريهما ثم قال لنفسه: «إذا ~~حرم العالم طهر المرأة وحسنها وهما باكورة أزهار الربيع فماذا عسى أن يبقى للإنسان مما هو مقدس ~~جليل؟» # وصور لنفسه وهو يقول ذلك سربا من الغادات الفاتنات كأزهار الربيع جالسات في ضوء الشمس على ~~المروج الخضراء في ظل الأغصان المتهدلة بالثمار والنوار، وجعلت صدورهن وأكتافهن الرقيقة البديعة ~~التكوين وأعضاؤهن اللينة تتحرك أمام عينيه وتشيع في جسمه هزات لذة سارة، وكأنما أدارت رأسه هذه ~~الصورة فأمر يده على جبينه يمسحه بها. # وجعل يسائل نفسه: «لماذا يثور ثائري لأن لياليا ليست بأول من أحب ريازانتزيف؟» # ولم يدر كيف يجيب عن سؤال كهذا ثم ms090 مثلت لعينه فجأة صورة سينا كرسافينا فقر ثائر نفسه، وحاول أن ~~ينيم إحساساته التي أيقظتها هذه الصورة، ولكنه كان كلما عالج ذلك ازداد شعورا بما يجعله ينشدها كما ~~هي: نقية لم تمسسها يد. # وقال لنفسه لأول مرة: «نعم ولكني أحبها.» # ونفى هذا كل ما عداه من الخواطر واستحوذ على نفسه حتى لجالت الدموع في عينيه. وما هي إلا برهة ~~ثم راح يسأل نفسه وعلى وجهه ابتسامة مرة: «لماذا إذن توددت إلى سواها من النساء قبلها؟ نعم إني لم ~~أكن أدري أنها موجودة. وكذلك لعمري لم يكن ريازانتزيف يعرف لياليا. وكان كلانا وقتئذ يحسب أن المرأة ~~التي يشتهي أن يفوز بها هي الوحيدة التي لا غنى له عنها، وكنا في ذلك على ضلال ولعلنا الآن مخطئون ~~أيضا. فلا معدى لنا عن إحدى اثنتين: أن نعف أبدا أو أن نتمتع بالحرية الجنسية دون قيد ما ونبيح ~~للنساء مثل ما أبحنا لأنفسنا. وعلى هذا لا يكون ريازانتزيف ملوما من أجل أنه أحب نساء غير لياليا بل ~~من أجل أنه لا يزال على صلة بعدة منهن، وليس هذا مما أصنع أنا في شيء.» # وزهاه هذا الخاطر وأشعره الطهر، ولكن هذا الإحساس لم يدم إلا هنيهة ثم ذكر ما تخيله من منظر ~~الفتيات الجميلات اللينات في ضوء الشمس، وغلبه ذلك حتى ملك عليه حواسه وصار ذهنه ميدانا تتدافع فيه ~~الخواطر المتناقضة وأتعبه النوم على جانبه الأيمن فانقلب وتمطى على الأيسر وقال يخاطب نفسه: «الحقيقة ~~أنه ما من امرأة عرفتها تستطيع أن ترضيني طول حياتي، والذي أسميته الحب الحقيقي مستحيل لا سبيل إلى ~~تحقيقه، ومن الهذيان أن يحلم المرء بشيء كهذا.» # ولم يجد للتمطي على جانبه الأيسر ما قدره من الراحة، فعاد إلى الأيمن وهو قلق يتصبب تحت الغطاء ~~الدافئ وتصدع رأسه: «إن العذرية مثل أعلى وفي تحقيقه فناء الإنسانية فهي إذن جنون - والحياة ماذا هي ~~إن لم تكن بالجنون كذلك؟» # وكاد ينطق هذه الكلمات بصوت عال وعض على نواجذه حتى أومضت لعينه نجوم صفر. # وهكذا ms091 ظل إلى الصباح يتقلب وقد أثقلت قلبه وذهنه الخواطر الموحشة، ولما أراد أن يتخلص منها راح ~~يقنع نفسه أنه هو أيضا أناني شهواني مستهتك وأن شكوكه ليست إلا نتيجة الشهوة المخبوءة، غير أن هذا ~~لم يزده إلا مضا ولم يرفه عنه إلا هذا السؤال البسيط: «لماذا أعذب نفسي هكذا؟» # وأحنقه عبث هذا التشريح لنفسه ونفدت قواه فنام. # | الفصل الرابع عشر # بكت لياليا في غرفتها طويلا ووجهها مخبوء في الوسائد حتى أخذ عينها الكرى، وقامت في الصباح ~~برأس متصدع وعين منتفخة، وكان أول ما خطر لها أن البكاء لا يجمل بها لأن ريازانتزيف سيتغذى معها، ~~وأخلق به إذا هي لجت في البكاء أن يروعه منظرها وهيئتها، ثم ذكرت أن الأمر انقضى بينهما فألهبت هذه ~~الذكرى حبها وأشعرتها ألما مرا فبكت من جديد، وقالت وحاولت أن تحبس دموعها: «يا لها من نذالة ~~وشناعة! ولماذا؟ لماذا؟» # وجعلت تكرر هذا السؤال كأنما غلبها البث والحزن على الحب الذي ضاع وأهاجها أن ريازانتزيف كان ~~يكذبها أبدا على هذا النحو. ~~«وليس هو بالكذوب وحده بل كل من عداه كانوا يكذبون مثله. كانوا يدعون أنهم أتم ما يكونون سرورا ~~بوشك زواجنا ويزعمونه رجلا شريفا طيبا! لا لا! إنهم لم يكذبوا في الواقع ولكنهم لم يروا أن زواجنا ~~خطأ. وما أشنع ذلك منهم!» # وهكذا خيل لها أن كل من حولها أشرار بغيضون، فأسندت جبينها إلى زجاج النافذة ونظرت إلى الحديقة ~~من خلال دموعها، وكانت الحديقة في ثوب من الجهامة. والمطر يضرب زجاج النافذة فلم تدر أيهما حجب ~~الحديقة عن عينها: المطر أم دموعها. وكانت الأشجار كاسفة ولم ينزل القطر عن أوراقها الصفراء، ولا ~~تكاد تبدو غصونها السوداء من خلال خطوط الديمة السحاحة السكوب التي أحالت ممشى الحديقة مستنقعا من ~~الطين. # وأحست لياليا أنها شقية وأرسلت طرفها إلى المستقبل فلم تر فيه نجم أمل واحد يومض وكرت إلى ~~الماضي فإذا هو مظلم. # وجاءت الخادمة تدعوها إلى الإفطار، سمعت لياليا ألفاظها ولكنها عجزت عن فهم معناها. # ولما جلست إلى المائدة ms092 ألفت نفسها مرتبكة كلما خاطبها أبوها، ولم يخامرها شك في أن كل الناس قد ~~أحاطوا علما الآن بغدر حبيبها وزيف حبه، فبادرت إلى العود إلى غرفتها وجلست مرة أخرى تنظر إلى ~~الحديقة الساهمة الموحشة. ~~«لماذا يغدر؟ وما الذي يدفعه إلى إيذائي وإيلامي؟ أترى يفعل هذا لأنه لا يحبني؟ كلا! إن توليا ~~يحبني وأحبه. إذن فماذا؟ إن الأمر هذا: لقد خدعني وكان في خلال ذلك يخطب وداد كل امرأة مقبوحة. فيا ~~عجبا، أ أحببنه كما أحبه؟» # سألت نفسها ذلك في دلال وحرارة ثم قالت: «تالله ما أحمقني، ما خير أن أقطع قلبي بالأسى والتفكير ~~في هذا؟ لقد خانني عهدي فانقضى الأمر بيني وبينه، آه، ما أتم شقاوتي! نعم يحق لي أن أقطع قلبي أسى، ~~لقد غدر بي، وكان يجدر به أن يعترف لي بذلك على الأقل ولكنه لم يفعل، فيا لها من نذالة، يقبل زمرا ~~من النساء غيري، ولعله أيضا ... يا للشناعة ويحي لقد صرت شقية!» # ثم غنت نفسها: # وثبت ضفدعة في الطريق ورجلاها ممدودتان # تلك كانت أغنيتها وهي تنظر إلى ضفدعة صغيرة تثب في الطريق الزل ثم عادت تحدث نفسها بعد أن اختفت ~~الضفدعة بين الحشائش: «نعم أنا شقية وقد قضي الأمر. وما كان أحلى ما مر بي من عهد حبي هذا وأحفله ~~بالغرائب الممتعة أما هو ... فلم يكن الأمر في نظره إلا مسألة عادية مألوفة! وأحسبه لهذا كان يحاذر أن ~~يحدثني عن ماضيه! وهذا أيضا فيما أظن سر ما كان يبدو لي من غرابة شأنه ومن هيئة التفكير التي كانت ~~تلازمه. كأنما كان يقول لنفسه أبدا: «إني خبير بهذا وأنا أعرف ما تحسينه وأستطيع أن أتكهن ~~بالنتيجة.» بينما كنت أنا طول هذا الزمن ... آه ما أفظع هذا وأشنعه! ألا لن أحب أبدا بعد ذلك!» # ثم بكت مرة أخرى وأسندت خدها إلى الزجاج البارد وشخصت بعينها إلى العماء السائر ولم تكف عن ~~مناجاة نفسها: «ولكن توليا سيحضر للغداء اليوم!» # وارتجفت لهذا الخاطر: «فماذا عسى أن أقول له؟ ماذا ينبغي لمثلي ms093 أن يقول لمثله في هذه ~~الأحوال؟» # وفتحت فمها وأتأرت نظرها إلى الحائط: «لا بد لي من سؤال يوري في هذا. إيه ما أطيب يوري ~~وأقومه!» # وجالت دموع العطف في عينيها. ولما كانت لم تألف أن ترجئ أمرا ما فقد خفت إلى أخيها في غرفته ~~حيث ألفت معه شافروف يناقشه في ما لا تعلم فوقفت مترددة في الباب وقالت بشيء من الذهول: «عما ~~صباحا.» # فأجابها شافروف: «عمي صباحا! تفضلي بالله يا لياليا! إنه لا غنى لنا عن عونك في هذا ~~الأمر.» # فلم يفارقها ارتباكها وأطاعت وجلست إلى المنضدة وجعلت تعبث بأصابعها ببعض الأوراق الخضراء ~~والصفراء المكومة فوقها. # والتفت إليها شافروف التفاتة من يهم بجلاء معضل وقال: «المسألة هي أن كثيرين من زملائنا في ~~كورسك في ضيق وكرب شديدين، ولا بد لنا من بذل كل ما يسعنا بذله لمساعدتهم، ومن أجل هذا فكرت إحياء ~~ليلة فهل توافقين؟» # فأذكرها سؤاله وعباراته المألوفة ما جاءت من أجله إلى أخيها فنظرت إليه بعين ملؤها الأمل وقالت ~~وهي تعجب لماذا يتقي يوري لحظها: «لم لا؟ إنها فكرة حسنة جدا!» # وكان يوري بعد الذي شهده من بكاء أخته وما كابده من الخواطر المقلقة طوال الليل، يحس أنه أشد ~~اكتئابا وحزنا من أن يستطيع أن يكلم أخته. ولقد توقع أن تقصد إليه طلبا لمشورته، ولكنه شعر أن ~~الإشارة عليها بشيء مرض مطلب بعيد. كذلك من المستحيل استرداد ما قاله ليرفه عنها ويسري أحزانها ~~وليدفعها إلى ذراعي ريازانتزيف ولم يشعر بالقدرة على القضاء على سعادتها الوليدة. # وعاد شافروف إلى الكلام ودنا من لياليا كأنما زاد الأمر تعقدا أو إشكالا: «حسن، إن الذي قررنا ~~أن نفعله هو هذا: نريد أن نطلب إلى ليدا سانين وإلى سينا كرسافينا أن يغنيا، كل منهما على حدة أولا ~~ثم بعد ذلك معا وليس أصلح من صوتيهما للغناء المشترك، فإذا فرغا عزفت على الكمنجا ثم بعد ذلك يغني ~~سارودين ومعه تاناروف.» # فسألته لياليا بلا تعمد وهي تفكر في شيء آخر: «إذن فسيشترك الضباط في الحفلة ms094 أليس كذلك؟» # فصاح شافروف ولوح بيده: «نعم بلا شك، وما على ليدا إلا أن تقبل فتلتف بها جمهرة منهم كالزنابير، ~~أما من حيث سارودين فهذا يسره أن يغني وهو لا يكترث للسكان ما دام يستطيع أن يغني وسيجتذب غناؤه ~~عددا جما من زملائه الضباط فيغص المكان.» # فرمت لياليا إلى أخيها بنظرة ذات معنى وقالت: «يجب أن تدعو سينا كرسافينا.» # وحدثت نفسها قائلة: «لا أحسبه قد نسي كيف يكلمني في شأن هذه الحفلة وأنا ...» # فقال شافروف: «لقد قلت لك منذ هنيهة أننا دعوناها!» # فقالت لياليا: «نعم قلت ذلك.» وابتسمت: «وهناك أيضا ليدا ولكنك ذكرت اسمها فيما أظن؟» # قال شافروف: «نعم فعلت ومن ندعو غيرهما؟» # فتمتمت لياليا: «لا أدري والله! ... إن برأسي صداعا.» # فنظر يوري إلى أخته مسرعا ثم استأنف الإكباب على الأوراق وحرك عطفه عليها إصفرارها وثقل جفونها ~~وقال لنفسه: «لماذا قلت لها كل هذا؟ إن المسألة غامضة مستبهمة المعالم في رأيي ورأي الكثيرين من ~~الناس. ولا مفر للمسكينة الآن من تعب القلب والخاطر فلماذا خبرتها؟» وأحس كأنما سيهم بتمزيق ~~شعره. # وفي هذه اللحظة دخلت الخادمة وقالت: «سيدتي إن المسيو أناتول بافلوفتش قد حضر!» # فأسرع يوري وألقى إلى أخته نظرة فزعة فالتقت عينه وعينها فأشاحت لارتباكها بوجهها عنه إلى ~~شافروف وقالت على عجل: «هل قرأت شارل برادلاف؟» # أجاب: «نعم قرأنا بعض كتبه مع دوبوفا وسينا كرسافينا إنها ممتعة!» # قالت: «نعم. أو قد عادنا؟» # أجاب: «نعم» # فسأل يوري وكتم انفعاله: «متى؟» # قالت: «منذ أول من أمس.» # فقال يوري: «حقا؟» # ونظر إلى أخته وخجل منها وأحس الخوف في حضرتها كأنما كان قد خدعها. # وظلت لياليا لحظة وهي واقفة مترددة تعبث بأصابعها بكل شيء ثم دنت من الباب. # فقال يوري مخاطبا نفسه: «ويحي ماذا صنعت؟» وأصغى وهو مكروب إلى وقع قدميها المتعثرتين. # ومضت لياليا إلى الغرفة الثانية مترددة حزينة وأحست كأنما جمد الدم في عروقها، وكأنما هي تائهة ~~في غابة مظلمة، فنظرت إلى مرآة ورأت في صقالها وجهها المقطب وقالت تحدث نفسها: «سيراني بهذا ms095 ~~الوجه !» # وكان ريازانتزيف واقفا في غرفة المائدة يقول لنيقولا بصوته الحلو: «بديهي أن هذا غريب ولكنه لا ~~بأس منه.» # فلما سمعت لياليا صوته خفق قلبها خفقا عنيفا كأنما يهم أن يتمزق وأبصرها ريازانتزيف فكف فجأة ~~عن الكلام وتقدم، إليها وذراعاه مفتوحتان ولم يكن أحد سواها يعلم أن هذه الإشارة دليل على أنه يريد ~~أن يحتضنها. # فرفعت إليه طرفها في حياء وارتجفت شفتاها ونزعت كفها من كفه دون أن تنبث، واجتازت الغرفة وفتحت ~~الباب الذي يفضي إلى الشرفة وجعل ريازانتزيف يرقبها وهي تفعل ذلك، وهو هادئ غير أن به بعض ~~الدهشة. # والتفت إلى أبيها وقال بوقار المازح: «إن لود ميللا نافرة!» # فانفجر الأب نيقولا يضحك وقال: «الأولى أن تذهب إليها وتتألفها.» # فتنهد ريازانتزيف وقال بهيئة مضحكة وهو يتبعها إلى الشرفة: «ليس ثم غير ذلك.» # وكان المطر لا يزال يهطل وفي الجو صوت قطراته المتساقطة المملة، ولكن السماء كانت أصفى والسحب ~~متقطعة. وكانت لياليا واقفة وخدها إلى أحد عمدان الشرفة والمطر يضرب يدها العارية وشعرها ~~مبتل. # فقال ريازانتزيف وهو يدنو منها: «إن سيدتي غاضبة ... لياليتشكا!» # ومنح شعرها العطر البليل قبلة خفيفة، فأحست كأن شيئا يذوب في صدرها ويتحلل وأقبلت عليه وهي لا ~~تدري ما تصنع وطوقت عنق حبيبها القوي بذراعيها وأمطرته وابلا من اللثمات وهي تقول بينها: «إني ~~مستاءة جدا جدا منك ... أنت رجل شرير.» # وكانت في خلال ذلك تقول لنفسها أن ليس في الأمر بعد كل ما يقال سوء لا سبيل إلى إصلاحه كما حسبت ~~من قبل، وماذا يهم؟ إن كل ما تريده هو أن تحب هذا الرجل الكبير الجميل وأن يحبها. # ولما جلسا بعد ذلك إلى المائدة آلمها من أخيها نظرة إليها مستغربة وما سنحت لها الفرصة حتى أسرت ~~إليه: «إن هذا مني فظيع وأنا أعرف ذلك.» # فلم يزد على أن ابتسم ابتسامة مجتواة. # وكان يوري في الواقع قد سره أن الأمر انتهى على هذا الحال الحسن، وإن كان على هذا قد ذهب يدعي ~~استنكار هذا التسامح العامي واحتقاره، فانسحب ms096 إلى غرفته ومكث بها وحده إلى المساء. # ولما آذنت الشمس بالمغيب ورأى السماء صافية احتمل بندقيته على نية الذهاب للصيد في حيث صاد هو ~~وريازانتزيف أمس. # وكان المطر قد أكسب هذه البركة حياة جديدة، فكان المرء يسمع أصواتا غريبة كثيرة والحشائش تترنح ~~كأنما تحركها قوة حيوية خفية والضفادع تنقنق جماعات، والطيور من حين إلى حين ترسل أصواتا حادة ~~متنافرة، والبط يصيح بين الأعشاب والأكلاء البليلة على مقربة من يوري وإن كان أبعد من مدى بندقيته. ~~ولم يحس الرغبة في الصيد فاحتمل بندقيته وانثنى آيبا يصغى إلى أصوات الصفاء البلوري في الغسق الساكن ~~ثم قال: «ما أجمل هذا، كل شيء جميل إلا الإنسان فهو وضيع.» # وأخذت عينه النار موقدة على بعد في حقل البطيخ، ولما اقترب عرف في ضوئها وجهي كوسما وسانين ~~فاستغرب ونزعت نفسه إلى استطلاع السر «ولماذا يدأب على المجيء إلى هنا؟» # وكان كوسما جالسا إلى جانب النار يقص حكاية وهو يضحك ويومئ وسانين يضحك كذلك، وكان لهيب النار ~~خفيفا كلسان الشمعة ورديا لا أحمر قانيا كما يكون في ظلمة الليل. وفي قبة السماء الزرقاء طلائع ~~النجوم تتوامض، وفي الجو رائحة الجدة غب المطر وشذى النبات المطلول. # وخاف يوري لسبب ما أن يرياه وأحزنه في الوقت نفسه أن لا يستطيع أن يلحق بهما ويكون معهما، ~~فكأنما قام بينهما وبينه حجاب كاذب غير مفهوم أو فضاء لا جو فيه أو بون لا سبيل إلى تخطيه. # وثقلت على نفسه وطأة هذا الإحساس بالعزلة. وتجسم له أنه مستفرد وحيد، وأنه واقف بمعزل عن هذه ~~الدنيا بأضوائها وألوانها ونيرانها ونجومها وأصواتها الآدمية كأنما هو ملقى به في غرفة حالكة، وبلغ ~~من جثوم هذا الشعور بالوحدة أن خيل له وهو يجتاز حقل البطيخ حيث كانت مئات منه أن هذه ليست سوى جماجم ~~آدمية مبعثرة فوق ظهر الأرض. # | الفصل الخامس عشر # جاء الصيف بالحرارة والدفء، فكان الجو بين الأرض الساخنة والسماء الزرقاء المشرقة الصفحة كأنما ~~يغشاه ويسبح فيه نقاب خفيف من البخار الذهبي، وكأنما أرهق ms097 الحر الأشجار فنامت وألقت أوراقها المتدلية ~~الساكنة ظلالا شفافة قصيرة على الثرى الظامئ الجاف. وفي البيوت الرطوبة. والحدائق ترسل ألوانا خضراء ~~باهتة ترسمها الأضواء على السقوف وكل شيء ساكن ما خلا الستائر المجموعة إلى جوانب النوافذ. هذه وحدها ~~كان النسيم الواني يعابثها. # وكان سارودين في جاكتة من التيل مفكوكة الأزرار يقطع أرجاء الغرفة في بطء وهو يدخن سيجارة في ~~كسل وفتور ويكشف عن أسنانه الكبيرة البيضاء. وعلى الكنبة تاناروف في ثياب الركوب متمطيا يلحظ ~~سارودين بعينيه الصغيرتين السوداوين. وكان في أشد الحاجة إلى خمسين روبلا، وقد طلب إلى سارودين ~~مرتين أن يسلفه إياها ولم يجرؤ على معاودة الكرة مرة ثالثة. فجعل ينتظر في قلق أن يعود سارودين من ~~تلقاء نفسه إلى الموضوع، ولم يكن سارودين قد نسي ولكنه كان قد قامر وأضاع سبع مئة روبل في الشهر ~~الماضي فضن على صاحبه بأي قرض آخر. وكان يقول لنفسه وهو ينظر إلى تاناروف إذ يمر به: «إن عليه لي ~~مئتي روبل وخمسين روبلا. وهذا مدهش حقا! نعم نحن صديقان حميمان إلخ، ولكني أعجب له كيف لا يخجل. ~~إنه على الأقل يستطيع أن يعتذر إلي من أنه مدين لي بكل هذا المبلغ. كلا. لن أقرضه درهما واحدا ~~آخر.» # ودخل في هذه اللحظة خادمه وهو جندي صغير الجسم منقط الجلد ووقف بشكل محتوى وحيا وقال وهو لا ~~ينظر إلى سارودين: «سيدي لقد طلبت جعة ولكنه لم يبق منها شيء.» # فنظر سارودين على غير إرادته إلى تاناروف واحمر وجهه وقال لنفسه: «حقا إن هذا أكثر مما يطاق! ~~إنه يعلم ما أنا فيه من الضيق ومع ذلك لا بد من الجعة!» # وزاد الخادم على خبره السابق: «والباقي من الفودكا قليل أيضا.» # قال: «حسن لعنة الله عليك إنه لا يزال معك روبيلان فاذهب واشتر ما تريد.» # أجاب: «عفوا سيدي فليس معي شيء على الإطلاق.» # فوقف سارودين وصاح به: «كيف هذا؟ ماذا تعني بالكذب علي؟» # قال «عفوا يا سيدي. لقد أمرت أن أنقد الغسالة روبيلا و70 كربيك ففعلت ms098 ووضعت الثلاثين الباقية ~~على المنضدة.» # فقال تاناروف متكلفا عدم الاهتمام وإن كان على هذا قد احمر خجلا: «نعم هذا صحيح. لقد أمرته ~~بهذا أمس، وكانت المرأة لم تزل تتعقبني منذ أسبوع وأنت تعلم ذلك.» # فبدت على خدي سارودين الحليقين المصقولين نقطتان حمروان وتقبضت عضلات وجهه واستأنف رواحه ومجيئه ~~في صمت، ثم ما عتم أن وقف بغتة أمام تاناروف وقال والغضب يرعش صوته: «اسمع. إني أكون شاكرا جدا ~~إذا تركتني أدير شئوني المالية في المستقبل.» # فاحتقن وجه تاناروف وتمتم وهو يهز كتفيه: «ه. م! ومسألة تافهة كهذه!» # فقال سارودين: «إنها ليست مسألة توافه، بل مسألة مبدأ. فهل تسمح لي أقول لك بأي حق ...» # أجاب: «أنا ...» # وقاطعه سارودين بنفس هذه اللهجة الجارحة وقال: «أرجوك أن لا تشرح لي شيئا وليس يسعني إلا أن ~~أرجوك أن لا تستعمل هذه الحرية مرة أخرى.» # فارتجفت شفتا تاناروف وتدلى رأسه وجعلت أصابعه تعبث «بفم» سيجارة. # وبعد لحظة استدار سارودين بحدة وأخرج مفاتيحه وفتح درج مكتبه وقال: «خذ واذهب واشتر ما ~~نريد!» # قال ذلك بصوت أهدأ وأعطى الجندي ورقة بمائة روبل. # فقال الخادم: «حسن يا سيدي.» وحيا وخرج. # ثم أغلق سارودين صندوق نقوده ورد الدرج وأدار فيه المفتاح واستطاع تاناروف أن يرى الصندوق الذي ~~يحتوي الخمسين روبيلا التي به الحاجة إليها، ثم تنهد وأشعل سيجارة وهو على أشد ما يكون ألما، ولكنه ~~خشي أن يظهر ألمه لئلا يزداد سارودين غضبا واكتفى بأن يقول لنفسه: «ما قيمة روبيلين عنده؟ إنه يعلم ~~علم اليقين أني في ضيق شديد.» # وظل سارودين يروح ويجيء في الغرفة والغضب باد عليه إلا أنه كان يهدأ شيئا فشيئا، ولما عاد ~~الخادم بالجعة كرع كوبا من هذا الشراب المرغي المثلج بالتذاذ واضح، وبعد أن مص حافة شاربيه قال ~~كأنما لم يكن قد حدث شيء: «لقد عادت ليدا إلي أمس! تالله ما أحلاها! حارة حامية!» # وكان تاناروف لا يزال متوجعا فلم يجبه ولم يلتفت سارودين إلى صمته. واجتاز الغرفة في بطء وفي ~~عينه ضحكة ذكرى مكتومة. ms099 وجعل الحر كيانه القوي الصحيح أحس بتأثير الخواطر المثيرة. ثم ضحك ضحكة قصيرة ~~فكأنما كان يصهل ثم وقف وقال: «تعلم أني البارحة حاولت ...» # وهنا استعمل لفظة خشنة وضيعة لا يليق أن يشار بها إلى امرأة واستأنف الكلام. ~~«فتأبت قليلا في أول الأمر، يا لنظرة عينيها أنت بالضرورة تعرف.» # فابتسم تاناروف ابتسامة الشهوان وقد ثارت غرائزه الحيوانية. # وقال سارودين والذكرى ترعش منه: «ولكن بعد ذلك لانت أعطاف الأمور. لم يمر بي مثل هذا الوقت في ~~حياتي كلها.» # فقال تاناروف حاسدا إياه: «ما أسعد حظك!» # وصاح بهما صوت من الشارع: «هل سارودين هنا؟ أندخل؟» # وكان السائل هو إيفانوف ففزع سارودين وأشفق من أن يكون ما قاله عن ليدا قد سمعه أحد ولكن ~~إيفانوف كان يناديه من السكة ولم يكن بحيث يرى فصاح به سارودين من النافذة. «نعم. نعم هنا.» # وعلت في الغرفة الأخرى جلبة ضحك ووقع أقدام كأنما غزا البيت جيش من أهل القصف، ثم دخل إيفانوف ~~ونوفيكوف والكابتن مالينوسكي وضابطان آخران وسانين. وصاح مالينوسكي وهو يدفع نفسه داخلا الغرفة: ~~«هوراه! كيف أنتم أيها الصبيان؟» # وهو رجل وجهه أحمر وخداه سمينان طريان وله شاربان تخالهما عودين من القش. # وقال سارودين يحدث نفسه مغضبا: «وستذهب أيضا ورقة بخمسة وعشرين روبيلا.» # ولكنه لم يكن يحب أن تسوء سمعته وأن يظن به إلا أنه غني كريم فصاح بهم وهو يبتسم لهم: «هالوا! ~~أين أنتم ذاهبون جميعا، آتون إلي؟ هيا يا شيريبانوف هات لنا فودكا وسائر ما نحتاج إليه. اجر إلى ~~النادي وائت بشيء من الجعة. إنكم تريدون جعة أليس كذلك يا سادة؟ في مثل هذا الحر؟» # ولما جاء الخادم بالجعة والفودكا زادت الضجة وعلت الجلبة وصاروا جميعا يضحكون ويصيحون ويشربون ~~كأنما آلوا أن يحدثوا أكبر صخب ممكن، ولكن نوفيكوف كان مطرقا مكتئبا وعلى وجهه الطيب أمارات منذرة. ~~ولم يكن قد عرف إلا أمس ما تلغط به البلدة فطغت به في أول الأمر الغيرة والشعور بالمهانة ثم قال ~~لنفسه: «إن هذا مستحيل! سخافة مطبقة وحديث خرافة.» ms100 # وأبى أن يصدق أن ليدا الجميلة المزهرة البعيدة المنال - ليدا التي يحبها من أعماق قلبه - يمكن ~~أن تكون قد تورطت على نحو مخز مع مخلوق مثل سارودين الذي يعده نوفيكوف دونه ذكاء ومواهب. ثم استحوذت ~~على نفسه الغيرة الجامحة الحيوانية ومرت به لحظات يأس مرة فكانت تمزق قلبه الكراهية لليدا ولسارودين ~~على وجه أخص. وهو إحساس لا يلائم مزاجه الهادئ اللين فكان لذلك يتطلب منفذا ومتنفسا، وظل الليل كله ~~يرثي لنفسه، بل لقد خطر له الانتحار غير أنه ما كاد الصبح يتنفس حتى نازعته رغبة جامحة طاغية غامضة ~~أن يرى سارودين. # ولما جاء انتحى ناحية وجعل يكرع الكأس إثر الكأس وعينه ترصد كل حركة لسارودين كما يرصد الوحش في ~~الغابة قرينه الوحش - متظاهرا بأنه لا يرى شيئا ولكنه على هذا أتم ما يكون استعدادا للوثوب - وكان ~~كل ما له علاقة بسارودين - ابتسامته وأسنانه البيضاء وقسمات وجهه المليحة وصوته - كل هذه كانت سهاما ~~أو خناجر في جرح رهيب فاغر. # وقال ضابط طويل نحيف له ذراعان طويلتان: «سارودين! لقد جئت إليك بكتاب.» # وسمع نوفيكوف وسط الصخب العالي اسم سارودين يذكر وصك أذنه صوته كذلك كأنما كانت ألسنة الحضور ~~خرساء وقال: «أي كتاب؟» # فقال الضابط الهزيل ورفع صوته كأنما يلقي بيانا: «إنه كتاب عن النساء بقلم تولستوي.» وكانت على ~~وجهه الطويل الهضيم آيات الزهو والمباهاة بأنه يقرأ تولستوي ويبحثه. # فسأله إيفانوف وقد لاحظ دلائل هذا الزهو: «أوتقرأ تولستوي؟» # وقال مالينوسكي مجيبا عنه: «إن فون دايتز مجنون بتولستوي.» # وتناول سارودين الكتاب الصغير وقلب بعض صفحاته وقال: «أهو لذيذ؟» # فقال فون دايتز بحماسة: «سترى. لعمري إنه لعقل! ويخيل لك بعد قراءته كأنما كنت تعرف هذا من ~~قبل!» # فسأل نوفيكوف بصوت منخفض وعيناه إلى الكأس في يده: «ولكن لماذا تطلب إلى فيكتور سرجيفنش ~~(سارودين) أن يقرأ تولستوي، مع أن له آراء خاصة عن النساء؟» # فقال سارودين بحذر وقد استروح نية الهجوم: «ما الذي يجعلك تظن هذا؟» # فصمت نوفيكوف وكان يود أن يلطم سارودين على وجهه الحسن ms101 الذي ينم على الرضى عن النفس وأن يطرحه ~~على الأرض ويلكزه لكز من طغى بصدره ورأسه جنون العاطفة. ولكن الألفاظ التي يطلبها خانته. وأدرك - ~~وآلمه أن يدرك - أنه ينطق بما لا يريد حين قال: «حسب المرء أن ينظر إليك ليعرف ذلك.» # فأحدثت لهجته الغريبة المنذرة سكونا مباغتا كأنما ارتكبت جريمة قتل وفطن إيفانوف إلى سر ~~المسألة وقال سارودين ببرود: «يخيل إلي أن ...» وتغيرت هيئته قليلا وإن كان قد ملك عواطفه ~~وضبطها. # فصاح بهما إيفانوف: «مهلا مهلا يا سادتي، ماذا حدث؟» # فقال سانين مقاطعا: «لا تدخل بينهما. دعهما يقتتلان ويفرغان من الأمر.» # وعاد نوفيكوف فقال مجيبا سارودين بنفس اللهجة وعيناه إلى كأسه: «ليس في الأمر تخيل وإنما هو ~~كذلك.» # ولم يكد يقولها حتى حال بين المتنافسين حائط من اللحم والدم وكثر الصياح والتلويح بالأذرع ~~وانطلقت الألسنة بعبارات المزاح والدهشة، وأمسك مالينوسكي وفون دايتز بسارودين ورد إيفانوف والضباط ~~الآخرون نوفيكوف وأترع إيفانوف الكئوس وقال شيئا غير معتمد أحدا بخطابه وصار السرور متكلفا لا ~~إخلاص فيه، وأحس نوفيكوف أن خروجه واجب ولم يطق البقاء، فابتسم ابتسامة خرقاء والتفت إلى إيفانوف ~~والضباط الذين كانوا يعالجون أن يلفتوا نظره إليهم، وقال يحدث نفسه: «ماذا دهاني؟ أحسب أن واجبي أن ~~أضربه ... أن أهجم عليه وألكمه في عينه، وإلا عدوني طفلا إذ لا بد أن يكونوا قد حزروا أني أحتك به ~~...» # ولكنه بدلا من أن يفعل هذا ادعى الإهتمام بما يقوله إيفانوف وفون دايتز. # وقال فون دايتز: «أما من حيث النساء فلست أوافق تولستوي كل الموافقة.» # فقال إيفانوف: «إن المرأة ليست إلا أنثى. وقد تجد في كل ألف رجل واحدا جديرا بأن يسمى رجلا ~~فأما النساء ... ويحهن إنهن جميعا سواء ولسن إلا قردة عارية حمراء ولكنها بغير أذناب.» # فقال فون دايتز موافقا: «ما أذكى هذا؟» # فقال نوفيكوف بمرارة: «بل ما أصدقه.» # واستمر إيفانوف ملوحا بيديه قريبا من أذن صاحبه فقال: «يا سيدي العزيز، اسمع. إذا ذهبت إلى ~~الناس وقلت لهم (إن المرأة إذا نظرت إلى الرجل نظرة ms102 اشتهاء فقد زنت معه في قلبها) كان الأرجح أن يعد ~~أكثرهم هذا القول صحيحا مبتكرا.» # فأخرج فون دايتز ضحكة جشاء كأنها نباح الكلب، ولم يكن قد فهم نكتة إيفانوف، غير أنه على هذا آسف ~~لأنه لم يقلها دونه. # وإنهم لكذلك وإذا بنوفيكوف يمد يده إلى فون دايتز فقال فون دايتز مستغربا: «ماذا؟ أذاهب ~~أنت؟» # فلم يحر نوفيكوف جوابا. وسأله سانين: «إلى أين؟» # فظل نوفيكوف صامتا وهو يحس كأن الألم المكتوم يوشك أن ينهمر دموعا. # فقال سانين: «إني أعرف ما بك. ابصق على كل ذلك.» # فرمى إليه بنظرة من يرثي له وارتجفت شفتاه وأومأ إيماءة الأسف وخرج في صمت والإحساس بعجزه ~~يخامره فقال ليتسلى: «ما خير أن ألطم هذا النذل على وجهه؟ إن هذا ما كان ليفضي إلا إلى قتال سخيف، ~~ولخير لي أن لا ألوث يدي.» # ولكن الغيرة الثائرة والإحساس بالعجز ظلا ضاغطين فعاد إلى بيته وهو في أشد حالات الغم والأسى، ~~وألقى بنفسه على الفراش وأخفى وجهه في الوسادة، وظل كذلك بقية النهار وبه ما به من مرارة الشعور بأن ~~لا حيلة له. ~~••• # وسأل مالينوسكي زملاءه: «ألا نلعب الورق؟» # فقال إيفانوف: «حسن جدا.» # وجاء الخادم بمنضدة اللعب وعليها غطاؤها الأخضر يستهويهم جميعا. وكان اقتراح مالينوسكي قد ~~أيقظهم فجعل ينقل الأوراق بكفيه الصغيرتين الكثيرتي الشعر وانتشرت على المائدة الخضراء الأوراق ~~الزاهية، وسمع رنين الروبيلات الفضية بعد كل دور أو صارت الأصابع تطبق عليها كالعناكب، ولم تند عن ~~الأفواه إلا عبارات وجيزة مصرحة عن السرور أو الكمد. # وخذل الحظ سارودين فذهب إلى العناد وأصر على المخاطرة في كل شوط بخمسة عشر روبيلا، وكان يخسرها ~~في كل مرة وصار وجهه ناطقا بالألم الشديد، وكان في الشهر الماضي قد قامر وخسر سبع مئة روبل يضاف ~~إليها كل ما ذهب اليوم وأعدى غيره بسوء خلقه، فلم يلبث فون دايتز ومالينوسكي أن تراشقا بالعبارات ~~الجارحة. # فصاح بهما سارودين وألقى ورقه: «ويحكم ما معنى هذا كله؟» # وفي هذه اللحظة ظهر قادم جديد في مدخل الغرفة، فخجل ms103 سارودين لانفجار مرجل غضبه وانطلاق لسانه ~~بعبارات العامة، ولوجود هؤلاء الضيوف المخمورين الصاخبين، ولأوراق اللعب وزجاجات الخمر وخيل إليه أن ~~غرفته قد صار لها منظر الخمارة. # وكان القادم رجلا نحيفا طويلا في بذلة بيضاء فضفاضة وأنيقة، غالية فوقف على العتبة مذهولا ~~وجعل يتأمل الحضور باحثا عن سارودين بينهم. # فصاح سارودين وتقدم لتحيته ووجهه كالجمر من الغيظ: «أهلا بك يا بافل لفوفتش! ماذا جاء ~~بك؟» # ودخل القادم بهيئة المتردد وصارت كل العيون قيد حذائيه الأبيضين الناصعين، وهو يخطو بهما على ~~حذر بين زجاجات الجعة وسداداتها وأعقاب السجاير، وكان من البياض والنظافة والتعطر وحسن الهندام بحيث ~~صار بين سحب الدخان المعقود في جو الغرفة ومرسليها السكارى أشبه شيء بالزنبقة في المستنقع لولا خوره ~~وذبوله، ولولا أن قسمات وجهه ضعيفة وأسنانه البادية تحت شاربيه الخفيفين الأحمرين متداعية. # فقال سارودين: ومن أين جئت؟ أغبت طويلا عن بتجر؟ # 1 # ثم أدركه الخوف من أن تكون بتجر لفظة لا يجمل بمثله استعمالها. # فقال الرجل ذو الثوب الأبيض بلهجة باتة، وإن كان صوته كصياح الديك المكتوم: «جئت أمس ~~فقط.» # فقال سارودين وقدمه إلى الحاضرين: «هذا هو المستر بافل لفوفتش فلوتشين.» # فانحني فلوتشين قليلا وقال إيفانوف وكان ثملا فأزعج سارودين: يجب أن تدون هذا! ~~- «تفضل واجلس يا فلوتشين. أتشرب نبيذا أم جعة؟» # فجلس فلوتشين ببطء وحذر على كرسي ذي ذراعين، فظهر نصوع ثوبه إلى جانب الغطاء القذر وقال ببرود ~~ودارت عينه في الحضور: «أرجوك لا تتعب نفسك إنما جئت لأراك هنيهة.» # فسأله سارودين: «كيف تقول هذا؟ سأطلب لك نبيذا أبيض. فإنك تحبة أليس كذلك؟» # وأسرع فخرج وهو يقول لنفسه: «لماذا شاء هذا الأحمق أن يأتي إلي اليوم؟ إنه سيروي عني في ~~بطرسبرج ما يجعل من المستحيل علي أن تطأ رجلي عتبة بيت محترم فيها.» وبعث خادمه ليشتري ~~النبيذ. # وفي خلال ذلك كان فلوتشين ينقد الحاضرين نقدا صريحا وينظر إليهم نظر الموقن أنهم دونه بمراحل. ~~ويقلب فيهم عينه الزجاجية تقليب من يعرض مجموعة من الوحوش، ووقع من نفسه على ms104 وجه الخصوص قامة سانين ~~ووثاقة تركيبه وثيابه فقال لنفسه: «هذا نوع ممتع! ولا بد أن يكون قويا!» # وبه إعجاب الضعيف الخوار للقوي الباطش. والواقع أنه ما عتم أنه انطلق يكلم سانين، غير أن سانين ~~كان متكئا على حافة النافذة ينظر إلى الحديقة، فكف فلوتشين عن الكلام وغاظه حتى صوته وحدث نفسه أن ~~هؤلاء ليسوا إلا حثالة الخلق. # وعاد سارودين في هذه اللحظة وجلس بجانبه، وجعل يسأله عن بطرسبرج وعن مصنعه ليفهم الحاضرين أن ~~زائره رجل ثري خطير الشأن، وبدت على وجهه الوسيم دلائل الزهو والغرور الحقير فأجابه فلوتشين بلهجة ~~السأمان: «كل شيء هناك كما كان! وكيف حالك أنت؟» # فقال ساردين وأخرج زفرة: «إني أعيش عيشة النبات.» # فصمت فلوتشين ورفع طرفه بازدراء إلى السقف حيث كانت تلتمع الأضواء المنعكسة عن الحديقة. # وعاد سارودين إلى الكلام: «إن سلوتنا الوحيدة هي هذا.» وأشار إلى الورق والزجاجات ~~والضيوف. # فقال فلوتشين: «نعم نعم.» # وخيل لسارودين أن صاحبه يقول له: «إنك لست بخير منهم.» # ثم وقف فلوتشين يودع صاحبه وقال: «يجب أن أذهب الآن. إني مقيم بالفندق القائم في الميدان وأرجو ~~أن أراك مرة أخرى.» # وفي هذه اللحظة دخل الخادم وحيا بهيئة رثه وقال: «سيدي إن السيدة الصغيرة هناك.» # ففزع سارودين وصاح به: «ماذا؟» # أجاب: «لقد حضرت يا سيدي.» # فقال سارودين: «آه! نعم سمعت.» وأدار لحظة في الغرفة مضطربا وأوجس خيفة وقال لنفسه: «أتراها ~~ليدا مستحيل!» # فالتمعت عين فلوتشين وكأنما استجد جسمه الصغير الضعيف في ثيابه الواسعة البيضاء حيوته المفقودة ~~فقال وهو يضحك: «حسن أسعد الله نهارك، أراك لا تزال على عهدك القديم ها ها!» # فابتسم سارودين وهو قلق وماشى زائره إلى الباب. ولما عاد سارودين قال لرفقائه: «والآن يا سادة ~~كيف يجري اللعب؟ خذ (البنك) عني يا تاناروف إذا سمحت وسأعود إليكم عاجلا.» # وكان يتكلم بسرعة وعيناه قلقتان. # فنبحه مالينوسكي وكان قد سكر: «وهذا كذب! لا بد أن نشبع من النظر سيدتك الصغيرة هذه.» فأمسك ~~تاناروف بكتفه ورده إلى كرسيه وعاد الباقون إلى أماكنهم حول ms105 المنضدة وهم لا ينظرون إلى سارودين، وجلس ~~سانين كذلك، ولكن ابتسامته كان فيها شيء من الجد، وكان قد أدرك أن ليدا هي التي جاءت، وخالجه إحساس ~~غامض بالغيرة والمرثية لأخته الجميلة التي صارت الآن في كرب شديد. # | هوامش # | الفصل السادس عشر # جلست ليدا على سرير سارودين يائسة تلوي المنديل لي الاضطراب، فلما دخل عليها لحظ تغير منظرها ~~وحئول هيئتها - فما بقي شيء من تلك الفتاة المزهوة الشامخة الرأس العالية الروح - ورأى أمامه امرأة ~~محزونة حطمها الأسى وأغار من خديها وأخمد لمعة عينيها، فحدقته هاتان العينان السوداوان ثم ما عتمتا ~~أن جانبتاه فأدرك بغريزته أن ليدا تخشاه، وفاجأه لذلك غيظ شديد فرد الباب بعنف ومضى إليها. وقال وهو ~~لا يكاد يغالب جماح رغبة أن يضربها: «إنك حقيقة عجيبة جدا! ها ذا أنا هنا في غرفة غاصة بالناس وفي ~~جملتهم أخوك. أما كان يسعك أن تتخيري وقتا آخر للمجيء؟ إن هذا مثير حقا.» # فانطلقت إليه من العينين السوداوين نظرة تداعى لها سارودين فتغيرت لهجته وابتسم وكشف عن أسنانه ~~البيضاء، وتناول يدا ليدا وجلس إلى جانبها على السرير وقال: «حسن حسن. إن الأمر غير مهم. وإنما كان ~~قلقي وإشفاقي عليك، ولقد سرني أنك جئت فقد كنت مشتاقا لرؤيتك.» # ورفع سارودين يدها الحارة المعطرة إلى شفتيه وقبلها مما يلي القفاز فسألته: «أتقول ~~حقا؟» # فأدهشته غرابة لهجتها، ثم نظرت إليه مرة أخرى وقالت له عيناها بأصرح ما تنطقان: «أصحيح أنك ~~تحبني؟ إنك ترى مبلغ شقوتي الآن. وكيف أني لم أعد في شيء مما كنت. وإني لأخافك وأشعر بكل ما في حالتي ~~من الذلة والمهانة ولكنه ليس لي معين سواك.» # فأجابها سارودين: «كيف يخامرك الشك في صدق ما أقول؟» ولكن صوته خلا من رنة الإخلاص بل لقد كان ~~باردا جافيا. # وتناول يدها مرة أخرى ولثمها وأحس أنه عالق بشبكة عجيبة من الإحساسات والخواطر؛ منذ يومين فقط ~~على هذه الوسادة بعينها كانت خصل شعرها متهدلة وهو يطوقها بذراعيه وشفاهما ملتقية في قبلة عن أحر ~~عاطفة وأجمحها، وفي ms106 تلك اللحظة خيل إليه أن كل ما استمتع به من النساء الأخر قد تحقق، وأنه بلغ سؤاله ~~من الإساءة إلى هذه المرأة التي جعلتها العاطفة درج يديه إساءة وحشية متعمدة - والآن ... شعر لها فجأة ~~بالمقت. وود لو استطاع أن يدفعها عنه وأن لا يراها أو يسمع صوتها بعد ذلك. وبلغ من قوة هذه الرغبة ~~وطغيانها أن الجلوس إلى جانبها صار مؤلما له. على أنه نازعه خوف مبهم منها فسلبه ذلك إرادته واضطره ~~إلى البقاء بجانبها. وكان يدرك أتم إدراك أنه ليس ثم ما يربطه بها، وأنه ما نال منها شيئا إلا ~~برضاها دون أن يعدها شيئا، فكأن كلا منهما قد أخذ كما أعطى، بيد أنه مع ذلك أحس كأنما لصق بمادة ~~لزجة لم يقو على التخلص منها وتوقع أن تطالبه ليدا بشيء وأنه سيكون بين أمرين: أن يوافق ويقرها على ~~ما تدعي أو أن يأتي عملا حقيرا دنيئا. وأحس أن كل قوة له مسترقة كأنما نزعت عظام رجليه وذراعيه، ~~وكأنما صار لسانه الذي في فمه خرقة مبلولة. وأراد أن يصيح في وجهها وأن يفهمها صراحة أن ليس لها حق ~~ما في مطالبته بشيء، ولكن قعد به عن ذلك الخوف والجبن، وندت إلى لسانه عبارة فارغة كان يعلم أنها لا ~~محل لها على الإطلاق. «آه. المرأة. المرأة.» # فنظرت إليه ليدا مستفظعة وكأنما أضاء لذهنها بارق فأدركت في لحظة أنها فقدت كل شيء، وأن كل ما ~~منحت من طهرها وشرفها إنما منحته رجلا ليس له وجود، وأن حياتها وصباها وطهرها وكبرها قد ألقت بها ~~جميعا عند قدمي بهيم جبان نذل لم يشعر لها بالشكران على ما بذلت له بعد أن لوثها، فهمت أن تلطم ~~كفا بكف وأن تسقط على الأرض يأسا وألما، غير أن الرغبة في الانتقام المنبعثة عن مرارة البغض حلت ~~محل ذلك الشعور بسرعة البرق، فقالت وأسنانها مطبقة وعينها محدقة به: «ألا تعلم أنك غاية في الغباء ~~والسخف؟» # فجاءت قحة هذه الألفاظ ونظرة الحقد التي لا تلائم ليدا اللينة السمحة، ms107 صدمة لسارودين تراجع لها ~~ولم يكد يفهم مدلولها وحاول أن يمزح ويضيع أثرها بالفكاهة، وقال وهو مستغرب مغيظ: «أي ألفاظ ~~هذه؟» # فردت ليدا بمرارة وخبطت كفا بكف: «لست في حالة تسمح لي بانتقاء الألفاظ.» # فقطب سارودين وسألها: «لماذا كل هذه السمات الحزينة؟» # واستهواه وهو لا يشعر جمال شكلها، فجعل ينظر إلى كتفيها الرقيقتين وذراعيها البديعتي التكوين، ~~وأشعرته إيماءات اليأس والضعف الثقة بقوته، فكأنما هما في كفتي ميزان إذا شالت إحداهما رجحت الأخرى، ~~ووجد سارودين لذة قاسية لعلمه أن هذه الفتاة التي كان يعدها أسمى منه قد صارت معذبة من أجله، وكان في ~~العهد الأول من علاقتهما يخافها، فسره الآن أنها هوت إلى حضيض العار. # فلان لها وتناول في رفق يديها الضعيفتين وجذبها إليه وتنبهت مشاعره وصار نفسه سريعا وقال: «لا ~~تراعي، سينصلح الأمر فما فيه شيء فظيع بعد كل ما يقال.» # فأجابته باحتقار: «أوتظن ذلك؟» وساعدها الاحتقار على أن تثوب إليها نفسها وقوتها فحدجته بنظرة ~~غريبة العنف. # فقال سارودين وهو يحاول أن يضمها إليه ضمة يعلم أن لها سحرا: «نعم بلا شك أظن ذلك.» # غير أنها ظلت باردة جامدة، فقال بلهجة العاتب المترفق: «تعالي تعالي. ما بالك نافرة يا ~~حبيبتي.» # فصاحت به ليدا وهي تدفعه عنها: «دعني! أقول لك دعني!» # فتألم سارودين وحز في نفسه أن عواطفه هاجت عبثا وحدث نفسه «إن المرأة هي الشيطان بعينه» وسألها ~~وقد حرج صدره واحمر وجهه: «ما خطبك؟» # وكأنما أطاف سؤاله بذهنها ذكرى فسترت وجهها بكلتا يديها، وبكت بكاء الفلاحات الساذجات، وأعولت ~~ووجهها مدفون في راحتيها وجسمها منحن وشعرها متهدل على محياها البليل المتهضم، فأسقط في يد سارودين ~~ولم يسعه الابتسام. وإن كان على هذا خشي أن يسوأها ابتسامه، وحاول أن ينحي كفيها عن وجهها فقاومته ~~مقاومة عنيدة وظلت تبكي. # فقال: «يا إلهي.» ونازعته نفسه أن يصيح بها وأن ينزع كفيها وأن يسبها ويشتمها وقال لها بخشونة: ~~«لماذا تبكين؟ لقد أخطأت معي وهذا من سوء الحظ ولا حيلة الآن، فلماذا كل هذه الدموع اليوم؟ ms108 أمسكي ~~بالله.» # وأمسك بإحدى يديها فاهتز رأسها يمنة ويسرة، فكفت عن البكاء بغتة ونحت كفيها عن وجهها المبلل ~~بالدمع ورفعت عينها إليه كما يرفعها الطفل الخائف، وطاف بذهنها بمثل سرعة البرق أن في وسع من شاء أن ~~يلطمها الآن، ولكن سارودين ألان من شدته، وقال بصوت المواسي: «اسمعي ياليدوتشكا، كفي عن البكاء، إنك ~~ملومة مثلي، فلماذا تحدثين ضجة؟ لقد خسرت الكثير ولا شك، وإني لأعلم ذلك ولكنا نلنا حظا كبيرا ~~أليس كذلك؟ ويجب علينا أن ننسى ...» # فانطلقت ليدا تبكي من جديد فصاح: «أوه، أمسكي عن هذا.» # ثم مشى إلى آخر الغرفة وجعل يشد شعر شاربيه بعنف وشفتاه ترجفان وصارت الغرفة ساكنة. وحط طائر ~~على أغصان شجرة مما يلي النافذة. فاهتزت في رفق وحاول سارودين أن يكبح جماح غضبه فدنا من ليدا وطوق ~~خصرها بذراعه، ولكنها أفلتت منه مسرعة وضربته بجمع يدها على ذقنه ضربة اصطكت لها أسنانه فصاح مغضبا: ~~«إلى الشيطان بها!» # وآلمته الضربة وغاظه صوت أسنانه المصطكة أكثر مما ألم للطمة. # ولم تسمع ليدا قوله هذا، ولكنها أدركت بفطرتها أن موقف سارودين مضحك فانتهزت هذه الفرصة بكل ما ~~أوتيت المرأة من قسوة وقالت تحاكيه: «أي ألفاظ هذه؟» # فأجابها مغيظا: «إن هذا يكفي لاستفزاز أي إنسان!» # ثم عاد فقال: «لو أني عرفت ما خطبك!» # فقالت ليدا بلهجة جارحة مرة: «أتريد أن تقول إنك ما زلت تجهل؟» # وصمتا برهة. وجعلت ليدا تنظر إليه شزرا ووجهها أحمر كالنار، فامتقع سارودين كأنما انسدل على ~~وجهه نقاب أصفر، ثم صرخت به صرخة المتشنج حتى لأفزعها صوتها: «ما لك صامتا؟ لماذا لا تنطق؟ تكلم قل ~~شيئا تعزيني به!» # أجاب: «أنا ...» وارتجفت شفته السفلى. # فصرخت مرة أخرى ودموع الحنق واليأس تكاد تخنقها: «نعم أنت، ولا أحد سواك!» # وسقط عنه كما سقط عنها نقاب الأدب والمجاملة وظهر الوحش الشارد الجامح في عيونهما ~~كليهما. # وطافت برأس سارودين خواطر كالجرذان والفيران ... وخطر له أولا أن ينقدها مالا وأن يقنعها ~~بالتخلص من الجنين، ورأى أن لا بد له من بت ms109 كل صلة بها ، وبذلك ينتهي الأمر، غير أنه لم يقل شيئا، ~~وإن كان يرى أن هذه خير وسيلة وتمتم: «لم يخطر لي قط ...» # فصرخت ليدا كالمجنونة: «لم يخطر لك قط! لماذا لم يخطر لك؟ بأي حق لم تفكر؟» # فقال والألفاظ تتعثر: «ولكني يا ليدا لم أقل لك أبدا إني ...» # وخاف أن يتم ما يريد فأمسك، وفهمت ليدا مراده دون أن يصارحها به، فاسود وجهها ومسخه الاستقطاع ~~واليأس وسقط ذراعاها إلى جانبيها وهوت إلى السرير، وقالت وكأنها تفكر بصوت عال: «ماذا أصنع؟ أأغرق ~~نفسي؟» # أجاب: «لا! لا! لا تقولي هذا!» # فرمته ليدا بنظرة قاسية وقالت: «هل تدري يا فيكتور سرجيفتش؟ أني واثقة أن هذا لا يحزنك أبدا.» ~~وكان في عينيها وعلى فمها الجميل المرتجف من الحزن والأسى ما جعل سارودين يدير وجهه عنها. # ثم وقفت وكانت تحسب في أول الأمر - ويعزيها حسبانها هذا - أنها ستجد فيه منقذا لها وعونا ~~وأنها ستعيش معه أبدا، فالآن كفلها ما أهداه إليها من خيبة الأمل بالمقت والتقزز منه، وودت لو هزت ~~له قبضة يدها وبصقت احتقارها في وجهه جزاء له على إذلالها وامتهانها، ولكنها شعرت أنها ستبكي قبل أن ~~ينطلق لسانها بحرف، وصدتها بقية من الكبر هي كل ما بقى من ليدا الحزينة الجميلة، وقالت له وأسنانها ~~مطبقة وفي لهجتها من الاحتقار العميق ما أدهشها كما أدهشته: «أيها الوحش؟» # وانطلقت كالسهم خارجة من الغرفة وعلق كمها برتاج الباب فتمزق، فاصطبغ وجه سارودين بالحمرة إلى ~~جذور شعره. ولو أنها قالت «أيها الشقي» أو «أيها النذل» لاحتمل منها هذا في سكون، ولكن لفظة «الوحش» ~~خشنة لا تتفق في رأيه مع شخصيته الساحرة، فأذهله ذلك واحمر حتى بياض عينيه فتلوى وهز كتفيه مضطربا ~~وزر جاكتته ثم فك أزرارها وهو على أتم ما يكون اضطرابا. # ولكنه ما عتم أن استشعر الارتياح الناجم عن الإحساس بالتخلص، فقد قضي الأمر. على أنه غاظه أنه ~~لن يظفر مرة أخرى بليدا وأنه خسر مثل هذه الرفيقة الجميلة المشتهاة، غير أنه نفى هذا الأسف ms110 بإيماءة ~~احتقار. ~~«إلى الشيطان بهن جميعا. إن في طوقي أن أنال ما أشاء ممن أشاء منهن.» # وسوى جاكتته وأشعل سيجارة وشفتاه لا تزالان ترتجفان ثم استعاد مألوف هيئته وكر إلى ~~ضيوفه. # | الفصل السابع عشر # لم يعد أحد من المقامرين - ما خلا مالينوسكي السكران - يلتذ اللعب. ولج بهم جميعا حب الاستطلاع ~~والرغبة في معرفة السيدة التي جاءت إلى سارودين من عسى أن تكون، وأدرك بعضهم أنها ليدا وخالجتهم لذلك ~~الغيرة وتصوروا جسمها الأبيض بين ذراعي سارودين. # وبعد برهة وقف سانين وقال: «لن ألعب أكثر مما لعبت. فإلى الملتقى.» # فسأله إيفانوف: «تمهل يا صديقي. إلى أين؟» # فأشار سانين إلى الباب الموصد وقال: «سأذهب لأرى ما يجري هنا!» # فقال إيفانوف: «لا تكن أحمق! اجلس واشرب كأسا!» # فأجابه سانين وهو يخرج: «إنك أنت الأحمق!» # ولما وصل سانين إلى منعطف تكثر فيه الأشواك الثابتة نفض المكان ليرى الموضع الذي تشرف عليه ~~نافذة سارودين، ثم مشى بحذر بين الأشواك وتسلق الحائط، ولما بلغ قمته كاد ينسى لماذا صعد لفرط ما ~~بهره جمال المنظر وهو يطل من مرقبه على النجائل والحديقة الفيحاء، والنسيم الرقيق يمسح أعضاءه الحارة ~~القوية، ثم وثب عن الحائط إلى الناحية الأخرى بين الأشواك وجعل يدلك جسمه حيث شكته واجتاز الحديقة، ~~وبلغ النافذة حين كانت ليدا تقول: «أتريد أن تقول إنك لا تزال تجهل؟» # فأدرك من غرابة لهجتها حقيقة الأمر، فاستند إلى الحائط وعينه إلى الحديقة وأرهف سمعه وأدركه ~~العطف على أخته الحسناء التي لا تلائم جمالها لفظة «الحبلى» الخشنة. ووقع من نفسه الاختلاف بين هذه ~~الأصوات الآدمية الصاخبة والسكينة الرائعة التي كانت تجلل الحديقة الزاهية. # وطارت فراشة بيضاء فوق الحشائش وقد أنعشتها الشمس فضحت لها فجعل سانين يرقبها بمثل اهتمامه ~~بالإصغاء. ولما صاحت ليدا: «أيها الوحش!» ضحك سانين جذلا وعاد أدراجه في تثاقل وإبطاء غير مكترث لمن ~~يراه أو لا يراه. # وعدت أمامه سحلية فلبث برهة يرصد حركاتها السريعة وهي تزحف بجسمها الصغير الأخضر بين الحشائش ~~الطويلة. # | الفصل الثامن عشر # لم تعد ليدا ms111 إلى البيت بل حثت خطاها في طريق ينأى بها عنه، وكانت الشوارع خالية والحر يأخذ ~~بالمخنق والظلال متقلصة إلى الحائط والسياج بعد أن هزمتها الشمس الظافرة وردتها، ففتحت ليدا مظلتها ~~بحكم العادة وقوتها، ولم تلتفت إلى الحر أو البرد ولا إلى النور ولا الظلمة، ولم تدر في أيها تسير، ~~فمضت مسرعة وتجاوزت الأسيجة المعفرة المكسوة بالأكلاء ورأسها مثني وعينها إلى الأرض، ولم تصادف في ~~طريقها إلا نفرا من الراجلين كان يخنقهم الحر، وفيما عدا ذلك كانت البلدة ساكنة كما تكون في ~~القيلولة. # وكان قد تبعها جرو أبيض شم رداءها ثم انطلق يعدو أمامها يلتفت إليها ويبصبص لها بذنبه كأنما ~~يريد أن يقول لها إنهما زميلان مترافقان. ورأت ليدا عند منعطف الشارع صبيا صغيرا بدينا مضحك ~~الهيئة أطل قميصه من جاكتته عند كتفه وخداه طويلان ملوثان بعصير بعض الفاكهة ويداه تعملان بقوة في ~~منفاخ خشبي. # فأومأت ليدا إلى الجرو وابتسمت للصبي غير معتمدة شيئا مما فعلت، فقد كانت روحها سجينا، وكانت ~~تدفعها إلى الأمام قوة غامضة تفصل ما بينها وبين الدنيا، وتجوز بها ضوء الشمس والخضرة وكل ما في ~~الحياة من مفارح ومتع وتسوقها إلى هاوية سحيقة مظلمة أشعرها الألم أنها منها قريبة. # ومر بها ضابط تعرفه على جواده فلما أبصرها وقف وسألها بصوت طروب: «ليدا بتروفنا! إلى أين في هذا ~~القيظ» # فارتفعت عينها بلا عمد إلى قبعته المشدودة إلى جبينه الملوح الرطب ولم تتكلم، ولكنها منحته ~~ابتسامة الدلال المألوفة وجعلت تردد سؤاله «إلى أين؟» وهي تجهل ما عسى أن يقع لها. # وزايلها غضبها على سارودين، ولم تكد تفهم لماذا قصدت إليه، فقد كان يخيل لها أن من المستحيل أن ~~تحيا بدونه أو أن تحتمل حزنها وحدها. أما الآن فكأنما اختفى وغاب ولم يعد له وجود في حياتها ومات ~~الماضي ولم يبق إلا ما يعنيها وحدها، وهذا ما يسعها أن تبت فيه دون أن ترجع في ذلك إلى أحد. # وكان ذهنها يفكر بسرعة المحموم، غير أن خواطرها كانت على هذا واضحة ms112 جلية ولكن أهول ما كان ~~يهولها هو أن ليدا الجميلة المزهوة ستذهب وتخلف وراءها مخلوقا شقيا مضطهدا ملطخا ضعيف الحول. ~~كلا! لا بد أن تبقى النفس المزهوة والوجه الجميل، وإذن لا بد لها أن تمضي إلى حيث لا تعلق بها ~~الأوحال. # ولما تقرر هذا في ذهنها أحست كأنما أحاط بها فراغ وغابت الحياة والشمس والناس وصارت مستفردة ~~بينهم كل الاستفراد، ألا لا مفر! لا معدى لها عن الموت! يجب أن تغرق نفسها. وما عتمت أن استولت عليها ~~هذه النية واستغرقتها هالة الفكرة، فبدا لها كأن سورا من الحجر التف بها وحجبها عن كل ما كان وكل ما ~~عسى أن يكون. # وقالت: «ما أبسط هذا في الحقيقة!» ودارت بعينها ولم تر شيئا ... # وصارت خطاها أسرع، ولولا سعة ثوبها لجرت فقد كانت تحس أن بطأها لا يطاق. ~~«هنا بيت وها هنا آخر له نوافذ خضراء ثم هنالك الفضاء!» # والنهر والجسر ثم ما سيحدث ... فلم تتمثل لها صورة واضحة لهذا، فكأن ثم سحابة أو ضبابا يحجب كل ~~شيء، غير أن هذه الحالة النفسية لم تدم إلا ريثما بلغت الجسر. ولما حنت على سور الجسر ترمق الماء ~~المربد زايلتها ثقتها بنفسها وتملكها الخوف وإرادة الحياة، وعاودها إحساسها بكل شيء حي وسكت سمعها ~~الأصوات وتناغي الأطيار، ورأت نور الشمس والأزاهير في الرياض والجرو الأبيض يتطلع إليها تطلع من ~~يعدها سيدته بلا مراء، وكان مقعيا قبالتها يرفع لها كفه ويضرب الأرض بذيله. # فرنت إليه ليدا واشتاقت أن تضمه على ساعديها إلى ثدييها، واغرورقت عيناها وغلبها الأسى والأسف ~~على حياتها الجميلة التي درست، فمالت إلى السور وهي تكاد تفقد رشدها واتكأت على حافته الملتهبة، فسقط ~~لسرعة انحنائها أحد قفازيها في الماء، فجعلت ترقب في فزع صامت هوية الساكن إلى صفحة الماء واندياح ~~الدوائر فيها، فرأت قفازها الأصفر يحلولك شيئا فشيئا ويملؤه الماء وينقلب كأنما لواه ألم النزع ثم ~~يهوي إلى أغوار النهر الخضراء، فحددت ليدا نظرها لترى غوصه، ولكن النقطة الصفراء لم تزل تتضاءل حتى ~~غابت، ولم ms113 تعد تأخذ عينها إلا صفحة الماء المصقولة. # وإنها لكذلك وإذا بصوت أنثى على كثب منها يسألها: «كيف حدث هذا أيتها السيدة؟» # ففزعت متراجعة ورأت فلاحة مفرطحة الأنف ترمقها مستطلعة بعين عطوف، ومع أن هذا العطف لم يكن ~~المقصود به إلا القفاز المفقود، إلا أن ليدا شعرت كأنما هذه الفلاحة السمينة الطيبة القلب تعرف كل ~~شيء وترثي لها، فهمت أن تقص عليها خبرها وأن ترفه بذلك عن قلبها، غير أنها نحت هذه الفكرة وطاردتها ~~مستسخفة إياها واحمر وجهها وتمتمت: «لا شيء!» وهي تتطرح متراجعة عن الجسر. ~~«هنا! مستحيل، لو أغرقت نفسي هنا لأنقذوني.» # وسارت مسافة أخرى على شاطئ النهر متوخية طريقا ممهدا إلى اليسار بين النهر والحقول وعلى ~~جانبيه الأشواك والأزهار وأشجار الصفصاف منحية إلى النهر، وكان الشاطئ المنحدر مكسوا بالخضرة ~~ومغمورا بنور الشمس والنباتات تترنح نواراتها اللزجة فوق الأكلاء والأشواك التي علقت بأهداب ليدا، ~~ولمست وهي سائرة نباتا هائجا فانتثرت فوقها حباته البيضاء. # وكانت ليدا تدفع نفسها دفعا وتغالب القوة التي تحاول أن تثنيها وتقول وتكرر: «لا بد من ذلك! لا ~~بد منه!» وهي تجر نفسها وكأن رجليها أنبت ما بينهما لما نأت عن الجسر ودنت من الموضع التي اعتزمت أن ~~تنتهي إليه. # ولما بلغته ورأت الماء الأسود البارد في ظل الأغصان المتهدلة والتيار يندفع ويزخر عند زاوية ~~ناتئة من الشاطئ أدركت لأول مرة كيف شوقها إلى الحياة وفزعها من الموت، ولكنه لم يكن لها مفر من ~~الموت إذ كان البقاء مستحيلا. فرمت بقفازها الثاني ومظلتها دون أن تنظر حولها، وعاجت عن الطريق ~~ومالت إلى النهر بين الحشائش ومر بذهنها في تلك الهنيهة ألف خاطر وتنبه إيمانها من أعمق أعماق روحها ~~حيث ظل راقدا، فجعلت تردد هذه الصلاة: «رب انقذني! رب ساعدني.» وما أتمتها حتى ذكرت من حيث لا تحتسب ~~قطعة من أنشودة كانت تدرسها في الأيام الأخيرة، فارتد ذهنها إلى سارودين ثم بدا لها وجه أمها وزاد ~~حبها لها في تلك الآونة، فلم يثنها ذلك بل زاد عزمها مضاء ms114 فاندفعت تعدو إلى النهر، ولم تكن ليدا تدرك ~~حتى الساعة أن أمها وسائر من يحبونها إنما يحبون منها ذلك الذي يودون أن تكونه لا ليدا على حقيقتها ~~وبكل عيوبها ونقائصها وشهواتها. فالآن وقد حادت عن الطريق الذي لا يعدون غيره مستقيما فإن هؤلاء ~~الوامقين وأمها على وجه أخص سيقسون عليها بقدر حبهم لها. # ثم اختلط كل شيء في نظرها اختلاط الحلم في مخيلة المحموم وتنازعها الخوف والشوق إلى الحياة، ~~والإحساس بالقدر المحتوم والإنكار والاقتناع بأن الأمر قد قضي والأمل واليأس، والشعور المفزع بأنها ~~ها هنا ستموت، ثم مثلت لعينها صورة رجل شبيه بأخيها يثب بين الأكلاء إليها. ~~«لم يكن يسعك أن تفعلي أسخف من هذا!» هكذا قال سانين وهو يلهث. # ومن عجيب الاتفاق أن ليدا كانت قد انقلبت إلى نفس الموضع الذي أمكنت فيه سارودين منها لأول مرة، ~~وهو موضع تحجبه الأشجار الضخمة عن ضوء القمر، فرآها سانين وفطن إلى ما عقدت عليه نيتها، فخطر له بادئ ~~الرأي أن يدعها وشأنها، ولكن حركاتها العصبية المضطربة حركت عطفه فتخطى مقاعد الحديقة وحواجزها وأسرع ~~إلى إنقاذها. # فكان لصوت أخيها تأثير مفزع في نفسها، فتداعت أعصابها بعد أن شدها الصراع الباطن ودارت بها ~~الأرض، وصار كل شيء يسبح أمام عينيها، ولم تعد تدري أفي الماء هي أم على الشاطئ. وكان سانين قد أمسك ~~بها ولما يكد، وتراجع عن الماء وقد سرته قوته ومهارته وقال: «هذا أنت!» وأجلسها إلى سياج الحديقة ~~وأدار عينه فيما حوله وهو يقول لنفسه: «ماذا أصنع لها؟» # ثابت إلى ليدا روحها في هذه اللحظة وشرعت تبكي بكاء أليما وهي مصفرة مضطربة، وتقول وهي تعول ~~كالطفل: «يا إلهي! يا إلهي!» # فقال سانين ناهرا في رفق: «سخافة مطبقة!» # ولم تسمعه ليدا ولكنها لما أخذ يتحرك تعلقت بذراعه وزاد عويلها ثم قالت لنفسها خائفة: «آه! ماذا ~~أنا صانعة؟ لا ينبغي لي أن أبكي، يجب أن أضحك وإلا فطن إلى الأمر.» فسألها سانين وربت كتفها بحنان: ~~«ما لك مضطربة؟» فرفعت إليه طرفها تحت القبعة ms115 وبها مثل حياء الطفل وكفت عن البكاء فقال سانين: «إنى ~~أعرف كل شيء. القصة كلها. أعرفها من زمن مديد.» # وكانت ليدا تعلم أن أناسا كثيرين قد فطنوا إلى نوع علاقاتها مع سارودين، ولكنها أحست لما قال ~~سانين هذا كأنما لطمها على وجهها، فتقبض جسمها اللين ونظرت إليه بعين فاض منها الدمع، فقال سانين وهو ~~يضحك: «ماذا دهاك الآن؟ إنك تنظرين إلي كأني دست على قدميك.» # ثم أمسك بكتفيها المستديرتين المصقولتين فارتجفتا للمسته وردها في رفق إلى مجلسها الأول وهي ~~مذعنة طائعة وقال: «تعالي! ماذا يحزنك؟ أهو أني أعلم كل شيء؟ أم تحسبين خطيئتك مع سارودين من الفظاعة ~~بحيث تخافين أن تقري بها؟ الحق أني لا أفهمك يا ليدا، إذا كان سارودين لا يريد أن يتزوجك، حسن ... هذا ~~شيء يجب أن تحمدي الله عليه. لقد عرفت الآن - ولا بد أنك كنت تعرفين من قبل - أي حقير دنيء هو على ~~الرغم من قسامته ومن صلاحه لمواقف العشق، إذ كل ما له هو الوسامة، وأحسبك الآن أصبت منها ~~كفايتك.» # فقالت ولسانها يتعثر: «لقد أصاب هو كفايته مني ... لا أنا منه! آه! ربما كنت قد أصبت كفايتي! آه! ~~يا إلهي ماذا أصنع؟» # فقال سانين: «والآن أنت حبلى ...» # فأغمضت ليدا عينيها وأطرقت. فمضى سانين في كلامه مترفقا: «لا شك أن هذا أمر سيئ، فالوضع - ~~أولا- عمل ثقيل مؤلم والناس - ثانيا وهو المهم - قد يضطهدونك. على أنك يا ليدوتشكا لم تسيئي إلى ~~أحد، ولو أنك جئت إلى هذه الدنيا بعشرة أطفال لما أضر هذا بأحد سواك.» # وأمسك سانين ليفكر وطوى ذراعيه على صدره وجعل يعض أطراف شاربه وقال: «وفي وسعي أن أشير عليك بما ~~ينبغي لك أن تصنعي ولكنك أضعف وأسخف من أن تعملي برأيي. إنك أجبن من ذلك! ومهما يكن من الأمر ~~فالمسألة لا تستحق أن تنتحري من جرائها. انظري إلى الشمس المشرقة وإلى النهر المنحدر الساكن، واذكري ~~أنك إذا مت عرف كل إنسان ماذا أماتك، فأي خير لك في هذا؟ إنك لا تريدين الموت من ms116 أجل أنك حبلى، بل من ~~أجل أنك تخافين ما سيقوله الناس. فشر ما في مصيبتك ليس في المصيبة نفسها بل في أنك تضعينها بينك وبين ~~حياتك التي ترين أنها يجب أن تنتهي. ولكن هذا في الحقيقة لن يغير من الحياة شيئا. إنك لا تخافين ~~البعداء بل القريبين منك، ولا سيما من يحبونك ويعدون بذلك نفسك إحدى الكبر، لأن البذل كان في غابة أو ~~مرج لا في سرير شرعي. وهؤلاء لن يتلكئوا في عقابك على زلتك، فأي خير في هؤلاء لك؟ إنهم قوم أغبياء ~~غلاظ القلوب فارغو الرءوس. ولماذا تموتين من أجل قوم أغبياء غلاظ القلوب فارغي الرءوس؟» # فسألته بصوت أجش: «ولكن ماذا ينبغي أن أصنع؟ خبرني ماذا ... ماذا؟» # فقال سانين: «أمامك طريقان: أن تتخلصي من هذا الطفل الذي لا يريده أحد والذي لا يفيدك ميلاده ~~إلا المتاعب كما لا بد أن تعرفي.» # فأعربت عينا ليدا عن الاستفظاع، وعاد سانين إلى الكلام فقال: «من الظلم الشديد أن يقتل المرء ~~مخلوقا يقدر لذة الحياة ويعرف هول الموت. ولكن جرثومة ... كتلة جامدة من اللحم والدم ...» # فوجدت ليدا إحساسا عجيبا وشعرت في أول الأمر بالعار حتى لكأنها نضت عنها ثيابها جميعا وراحت ~~أصابع وحشية تجسها وتلمسها. ولم تجرؤ أن تنظر إلى أخيها وخشيت أن يميتهما العار كليهما. ولكن عيني ~~سانين الزرقاوين كانتا ساكنتين وكان صوته متزنا هادئا كأنما يحدثهما عن أمور مألوفة، وهذه القوة ~~الهادئة وعمق الصواب هما اللذان أزالا خجل ليدا وخوفها، غير أنها ما لبثت أن غلبها اليأس، فأمسكت ~~بجبينها وجعلت أطراف ثوبها الرقيق تخفق كجناحي الطائر الفزع وقالت: «لا أستطيع كلا. لا أستطيع! أحسبك ~~مصيبا ولكن لا أستطيع! إن هذا فظيع!» # فقال سانين وهو يركع وينحي كفيها في رفق عن وجهها: «حسن حسن، إذا لم تستطيعي هذا فلا بد لنا أن ~~نحتال على إخفائه على نحو ما، وسأرى لي رأيا في حمل سارودين على الخروج من البلدة: وأنت - حسن - ~~ستتزوجين نوفيكوف وتسعدين. إني أعرف أنك كنت حقيقة أن تقبلي نوفيكوف لولا ms117 أن لاقيت هذا الضابط اللهج! ~~إني على يقين من هذا.» # فلما ذكر اسم نوفيكوف بدا لليدا النور في الظلمة، وخيل إليها لحظة أن من السهل إصلاح ما فسد لأن ~~سارودين أشقاها، وهي مقتنعة أن نوفيكوف لم يكن ليصنع بها ما صنع ذاك. ولم يبق عليها إلا أن تنهض ~~لتوها وأن تعود وأن تقول كلمة أو اثنتين لتعود الحياة وضيئة الجمال. وستحيا مرة أخرى وتحب ~~ثانية. # ولكن حياتها في هذه المرة ستكون خيرا وحبها أعمق وأطهر، بيد أن هذا الحلم لم يطل، فذكرت أن هذا ~~مستحيل، وأن الحب السخيف الحقير قد لوثها وهوى بها. # وخطرت ببالها كلمة خشنة لم تكن تدري أنها تعرفها ولم تنطق بها قط، فنعتت بها نفسها فكأنما لكمها ~~لا كم على أذنيها وصاحت: «ويحي. هل صرت حقا ...؟ نعم نعم لا شك.» # ثم تمتمت وقد أخجلها رنين صوتها: «ماذا قلت؟» # فسألها سانين: «حسن علام عولت؟» # ونظر إلى شعرها الجميل المتهدل على جيدها الناصع المتألق في ضوء الشمس النافذ إليه من خلل ~~الأوراق، وتملكه الخوف من أن يعجز عن إقناعها، وأشفق أن تغيب في فراغ الموت المظلم هذه المرأة ~~الجميلة التي خلقت لتنشر السرور والغبطة، وكانت ليدا صامتة تعالج أن تصرع رغبتها في الحياة، وكانت ~~هذه الرغبة قد طغت بها على رغم إرادتها واستولت على كيانها المرتعد. وحسبت أن من العار بعد الذي جرى ~~لا أن تعيش فقط بل أن ترغب في الحياة. غير أن جسمها القوي المملوء حيوية رفض هذه الفكرة الممسوخة ~~كأنها السم الزعاف. # وسألها سانين: «ما لك صامتة!» # قالت: «لأن هذا مستحيل. إنه يكون دناءة! إني ...» # فقال سانين وقد نفد صبره: «لا تنطقي بهذه السخافة!» # فرفعت ليدا طرفها إليه مرة أخرى وفي عينيها المغرورقتين بارقة أمل، وكسر سانين غصنا صغيرا عضه ~~ثم ألقى به وقال: «دناءة! ألفاظي تذهلك. ولكن لماذا؟ إن المسألة لا يسعني لا أنا ولا أنت أن نجيب ~~عنها جوابا صحيحا. جريمة؟ ما هي الجريمة؟ إذا تعرضت حياة الأم للخطر وهي تضع طفلا وأميت ms118 هذا الطفل ~~الحي لتنجو أمه لم يعد الناس هذا العمل جريمة بل ضرورة منحوسة! فإما أن نقضي على شيء لم يوجد بعد ~~فهذا جرم شنيع! نعم جرم شنيع حتى ولو كانت حياة الأم بل سعادتها وهي أكبر من حياتها رهن بذلك! لماذا ~~يكون هذا هكذا؟ لا يدري أحد! ولكن كل امرئ يذهب إلى هذا ويصيح: مرحى! - وضحك سانين ساخرا - ويحكم ~~معاشر الرجال يخلقون لأنفسهم خيالات وأشباحا وأوهاما هم أول من يروح فريستها. على أنهم يقولون إن ~~الإنسان أشرف الكائنات وأعلاها وأنه تاج الخليقة وملكها وأراه ملكا لم يحكم قط، ملكا معذبا يفزعه ~~ظله!» # وأمسك سانين هنية ثم عاد يتكلم: «على أن هذا ليس بسبيلنا الساعة. تقولين إن هذا يكون عملا ~~دنيئا. لا أدري لعل الأمر كما تقولين. وأحسب أن لو سمع نوفيكوف بما أنت فيه لأمضه جدا وأحزنه، ~~وربما قتل نفسه، على أنه مع ذلك سيحبك كما أحبك من قبل. ولئن قتل نفسه ليكونن هو الملوم. أما إذا كان ~~لبيبا ذكيا فأخلق به أن لا يكترث لكونك (معذرة من هذه العبارات) ضاجعت سواه، فإن جسمك لم يفقد ~~شيئا بذلك - لا ولا روحك. ويا عجبا له! أما يمكن أن يتزوج أرملة مثلا؟ إذن فليس هذا بالذي يمنعه ~~أن يتزوجك وإنما تمنعه - إذا منعته - آراؤه المشوشة المختلطة التي حشى بها رأسه، وأما أنت يا ليدا ~~فلو أنه كان ممكنا أن لا يحب الآدمي إلا مرة في حياته كلها لكانت معاودة الحب عبثا لا يسر ولكن هذا ~~ليس هكذا. والحب متعة مشتهاة دائما وستألفين نوفيكوف وتحبينه، فإذا لم تفعلي رحلنا معا يا ~~ليدوتشكا، إن المرء يستطيع أن يعيش حيثما اتفق أليس كذلك؟» # فتنهدت ليدا وحاولت أن تغلب ترددها وتمتمت: «ربما ... صلحت الأمور ... ونوفيكوف ... طيب رقيق القلب. ~~وجميل أيضا أليس كذلك؟ نعم ... لا، لا أدري ماذا أقول.» # فقال سانين: «ولو كنت أغرقت نفسك ... ماذا إذن؟ إن قوى الخير والشر ما كانت لتكسب أو تخسر بذلك، ~~وكل ما كان يحدث هو أن جثتك المشوهة الممسوخة ms119 الملطخة بالأوحال كانت تطفو وتجر إلى الأرض وتدفن. هذا ~~كل ما كان يحدث.» # فتصورت ليدا الماء المربد والأوحال والأعشاب والفقاقيع سابحة حولها وقالت واصفرت: كلا. كلا. ~~أبدا. أهون من ذلك أن أحتمل كل عار ... ونوفيكوف ... كل شيء ... «أي شيء سوى هذا» # فقال سانين ضاحكا: «انظري كيف تفزعين.» # فابتسمت ليدا بين دموعها وعزتها ابتسامتها وقالت بقوة: «مهما يكن ما يحدث فإني مصممة على ~~الحياة.» # فصاح سانين ووثب: «حسن، إنه ليس أفظع من فكرة الموت، وما دام المرء يستطيع أن يحتمل العبء وأن ~~لا يفقد إحساسه بمناظر الحياة وأصواتها فليحيا. ألست على صواب؟ والآن ناوليني يدك.» # فمدت إليه ليدا يدها شاكرة. # وقال سانين: «هذا حسن ... ما أحلى يدك وأجملها.» فابتسمت ليدا ولم تقل شيئا. # ولم يذهب كلام سانين سدى، فقد كانت ليدا قوية الحيوية زخارتها، وكانت الأزمة التي مرت بها قد ~~وترت أعصابها إلى أقصى حد، فلو زاد الضغط لتمزقت، ولكن الضغط لم يزد وعاد كيانها يتجاوب بالرغبة في ~~الحياة زاخرة قوية. فنظرت فوقها وحولها وهي ثملة وأحست السرور تنبض به كل جارحة، وكل شيء أحسته في ~~ضوء الشمس وفي المروج الخضراء وفي النهر المؤتلق وفي وجه أخيها الساكن المبتسم وفي نفسها فكأنما كانت ~~ترى ذلك وتسمعه لأول مرة، وصاح بها صوت طروب من أعماق صدرها: «الحياة. الحياة». # وقال سانين: «حسن، سأكون عونك في متاعبك وظهيرك وساعدك في معاركك، والآن لما كنت فتانة الجمال ~~فهاتي قبلة.» # فابتسمت ليدا ابتسامة عرائس الغاب ولف سانين ذراعيه حول خصرها وضمها، فاهتز جسمها الحار اللين ~~للمسته وهمرها وعانقها عناقا حارا وشاع في نفسها السرور وحنت إلى الحياة الرحيبة القوية، ولم تك ~~تكترث لما تصنع فطوقت عنق أخيها بكلتا ذراعيها في بطء وزمت شفتيها لتتلقى قبلته وعيناها مفتوحتان ~~كمغمضتين. # وأحست سعادة لا تدانيها سعادة بين ذراعي سانين ونسيت في هذه اللحظة من يقبلها أهو أخوها أو ~~أجنبي منها، مثل الزهر تدفئها الشمس ولا تسأل من أين كل هذه الحرارة. # ثم قالت مغتبطة: «ماذا جرى آه! نعم! لقد ms120 أردت أن أغرق نفسي ... ما أحمقني ولماذا؟ أوه، إن هذا ~~جميل! هات أخرى وأخرى والآن سأقبلك أنا؛ ما أحلى هذا! ولن أكترث لما يحدث ما دمت أحيا.» # فقال سانين وأطلقها: «هذا أنت فانظري إن كل شيء حسن في الدنيا حسن، ولا ينبغي لنا أن نحيله ~~قبيحا ونمسخه.» # فابتسمت ليدا ابتسامة المفكر ورتبت شعرها وسوته وناولها سانين المظلة والقفاز فأدهشها في أول ~~الأمر أن قفازها الثاني لا وجود له، ولكنها لم تلبث أن ذكرت السبب وأضحكها اهتمامها العظيم بذلك ~~الحادث لما وقع وقالت: «حسن حسن، لقد مضى هذا وانقضى.» # وسارت مع أخيها على شاطئ النهر وأرسلت الشمس أشعتها القوية على صدرها الناضج المكتنز. # | الفصل التاسع عشر # لما فتح نوفيكوف الباب بيده لسانين لم تكن لمحته تدل على الارتياح إلى هذه الزيارة لأن كل ما ~~يذكره ليدا وحلمه المنتسخ كان يحرك آلامه. # ولاحظ سانين هذا ودخل الغرفة يبتسم، وكان كل ما فيها مبعثر على غير نظام كأنما ثارت به زوبعة، ~~وكانت الأرض مغطاة بالأوراق والقش وغير ذلك، والسرير والكراسي عليها الكتب والثياب وأدوات الجراحة ~~وحقيبة. # فسأله سانين مستغربا: «أمسافر أنت؟ وإلى أين؟» فتحاشى نوفيكوف نظرة سانين ومضى في جمع أشيائه ~~وهو مرتبك مغيظ لارتباكه ثم قال أخيرا: «نعم لا بد لى من مغادرة هذا المكان. فقد أمرت بذلك ~~رسميا.» # فنظر إليه سانين ثم إلى الحقيبة. وبعد نظرة أخرى انبسطت أسارير وجهه عن ابتسامة، وكان نوفيكوف ~~صامتا يجثم على صدره إحساسه بالوحدة وحزنه العميق وشرع - وهو غارق في خواطره - يلف حذاءين مع بعض ~~الأنابيب الزجاجية. فقال سانين: «إذا كنت تحزم أمتعتك على هذه الطريقة فستصل إلى حيث تقصد بدون ~~الأنابيب أو بدون الحذاءين.» # فأرسلت عين نوفيكوف المغروقة ردها وقالت: «آه! دعني أما ترى كيف حزني وألمي؟» # ففهم سانين هذا الرد الصامت وسكت: وكان الأصيل قد جاء وصارت السماء صافية كالبلور ثم قال سانين: ~~«أظن أن الأرشد لك والأولى بك بدلا أن تذهب إلى حيث لا يدري - إلا الشيطان - أن تتزوج ليدا.» # فاستدار نوفيكوف ms121 وهو يرجف وقال: «لا يسعني إلا أن أطلب إليك أن تكف عن هذا المزاح ~~السخيف.» # قال ذلك بصوت عال شديد فرن صداه وتجاوبت به الحديقة الحالمة فسأله سانين: «لماذا هذا ~~الغضب؟» # فأجاب نوفيكوف بصوت مخنوق: «اسمع؟» # وكان في عينه وعلى وجهه من الغضب ما جعل سانين ينكره ولا يعرفه على أنه مع ذلك سأله ضاحكا: ~~«أتريد أن تقول إنه لا يكون من حسن حظك أن تتزوج ليدا؟» # فصاح به نوفيكوف: «اخرس» # وتطرح إليه وفي يده حذاء قديم يلوح به فوق رأس سانين، فقال سانين بعنف وهو يتراجع: «تمهل! لا ~~تغضب أمجنون أنت؟» # فرمى نوفيكوف الحذاء ساخطا وأسرعت أنفاسه وعاد سانين يتكلم فقال: «لقد هممت فعلا بهذا الحذاء ~~أن ...» # وأمسك وهز رأسه ورثى لصديقه وإن كان قد استخف سلوكه هذا فقال نوفيكوف وهو مرتبك: «إن هذا ~~خطؤك.» # ثم شاعت في نفسه الثقة بسانين والاطمئنان إلى قوته وسكونه، وكان هو كالتلميذ الصغير يود لو قال ~~بشجوة الحال موافق وجال الدمع في عينه وقال وهو يغالب عواطفه: «لو أنك عرفت كيف ينفطر قلبي؟ ...» فقال ~~سانين بعطف: «يا صديقي العزيز إني أعرف كل شيء.» فأجابه نوفيكوف وجلس إلى جانبه: «كلا، إنك لا تستطيع ~~أن تعرف كل شيء.» # وأحس أنه ما من أحد به مثل حزنه وكمده فقال سانين: «نعم نعم أعرف. وأقسم على ذلك. وإذا وعدت أن ~~لا تحمل علي مرة أخرى بحذائك القديم هذا أثبت لك ما أقول. فهل تعدني؟» أجاب: «نعم سامحني يا ~~فولودكا!» # وسمى سانين أول أسمائه وهو ما لم يفعله من قبل، فتأثر سانين وزادت رغبته في مساعدة صديقه فقال ~~ووضع يده على ركبة نوفيكوف: «إذن فاسمع ولنكن صريحين. إنك مسافر لأن ليدا رفضت أن تتزوجك ولأنك لما ~~كنا عند سارودين ظننت أنها هي التي جاءت إليه سرا.» # فأطرق نوفيكوف ولم يسعه الكلام لفرط حزنه وكأنما نكأ سانين جرحا رجيعا ولاحظ سانين اضطراب ~~صاحبه فقال لنفسه: «يا لك من أبله طيب القلب.» ثم استأنف الكلام: «أما من حيث العلاقات بين ms122 ليدا ~~وسارودين فلا أستطيع أن أجزم بشيء لأني لا أعرف شيئا ولكني لا أعتقد ...» # ولم يتم الجملة لما رآه من اسوداد وجه صاحبه ثم عاد فقال: «إن علاقتهما من حداثة العهد بحيث لا ~~يمكن أن يكون قد حدث شيء خطير لا سيما إذا اعتبرنا أخلاق ليدا. وأنت بالضرورة تعرف كيف أخلاق ~~ليدا.» # فمثلت لعين نوفيكوف صورة ليدا كما عرفها وأحبها - ليدا المزهوة العالية الروح المؤتلقة العين ~~وعليها من الجمال الناضج إكليل وضيء - فأغمض عينيه واستراح إلى كلام سانين الذي عاد فقال: «وهبهما ~~تعابثا قليلا فقد مضى هذا وانقضى الآن، وعلى أنه ماذا يهمك إذا كانت فتاة شابة مجنحة الخيال مثل ~~ليدا قد تسلت قليلا؟ أحسبك بلا جهد كبير تستطيع أن تذكر على الأقل اثنتي عشرة حادثة خلعت فيها ~~العذار وفعلت ما هو أخطر من هذا.» # فنظر نوفيكوف إلى سانين نظرة الواثق وخاف أن يتكلم لئلا تخبو بارقة الأمل الوانية الباقية ثم ~~تمتم: «إنك تعرف أني إذن ...»، ووقف وخانته الألفاظ وخنقته العبرات فسأله سانين بصوت عال والتمعت عينه: ~~«إذن ماذا؟ إني أستطيع أن أقول لك هذا. وهو أنه ليس بين ليدا وسارودين ولم يكن بينهما شيء.» # فنظر نوفيكوف إليه مذهولا وشرع يتكلم: «أنا. لقد ظننت ...» وأحس أنه لا يسعه أن يصدق سانين. فقال ~~سانين بحدة: «لقد ظننت سخافات كثيرة! وكان ينبغي أن تكون أعرف بليدا. أي حب هذا مع كل ذلك ~~التردد؟» # فطار نوفيكوف فرحا ودفع يده إلى سانين. ولكن وجه سانين تصلب وهو يرصد تأثير كلماته في نفس ~~صديقه. # وبدا على نوفيكوف السرور الواضح والارتياح البين إلى كون المرأة التي يشتهيها نقية طاهرة ونطقت ~~عيناه الحزينتان الصريحتان بالغيرة الحيوانية، فنهض سانين وقال بصوت مهدد: «أوهو. إذن فإني أقول ~~لك: إن ليدا لم تجب سارودين فقط بل كانت لها به علاقات غير شرعية وهي الآن حبلى.» # فسكنت الغرفة سكون الموت وابتسم نوفيكوف ابتسامة مريضة غريبة وفرك كفيه وخرجت من شفتيه ~~المرتجفتين صرخة ضعيفة. ودل تقبض ركني فمه على الغضب المكتوم فسأله ms123 سانين: «لماذا لا تتكلم؟» # فرفع نوفيكوف يمينه ولكنه جانب عين صاحبه وكان وجهه لا يزال تشوهه هذه الابتسامة. فقال سانين ~~بصوت منخفض كمن يحدث نفسه: «لقد عانت ليدا تجربة هائلة. ولولا أني أدركتها مصادفة لما كانت الساعة ~~حية. ولعادت الفتاة الجميلة القوية جثة ممسوخة غارقة بين أوحال النهر تأكل منها الحشرات. وليس المهم ~~مسألة موتها فإننا جميعا سنموت يوما ما، ولكن ما أوجع أن يفكر المرء في الغبطة والوضاءة التي ~~تمنحهما شخصيتها للغير يذهبان بذهابها. نعم إن ليدا ليست منقطعة النظير في الدنيا، ولكن ويحنا لو خلت ~~الدنيا من مثل هذا الجمال لعادت مظلمة كالقبر. أما أنا فإني مستعد أن أرتكب جريمة القتل إذا رأيت ~~فتاة مسكينة تتقوض حياتها بهذه الطريقة السخيفة. وليس يعنيني على الإطلاق أن تتزوج ليدا أو أن تذهب ~~إلى الشيطان، ولكنه لا يسعني إلا أن أقول لك إنك مغفل أبله! ولو أنه كانت في رأسك فكرة صحيحة واحدة ~~أكنت تعني نفسك وسواك من أجل أن امرأة حرة في الاختيار قد أحبت رجلا ليس بأهل لها وأطاعت غريزتها ~~الجنسية واستوفت تمام نضوجها؟ ولست - فاعلم - بالأبله الوحيد. فإن في الدنيا ملايين مثلك يحيلون ~~الحياة سجنا مزويا عن ضوء الشمس وحرارتها! وكم من مرة أطلقت فيها العنان لشهوتك برفقة مومس تشاطرك ~~فسوقك؟ وأما ليدا فما دفعها إلا العاطفة وإلا شعور الشباب والقوة والجمال. فبأي حق تنفر منها أنت يا ~~من تدعو نفسك رجلا رشيدا ذكيا؟ ما شأنك بماضيها؟ أهي أقل جمالا؟ أم أقل صلاحا لأن تحب وأن ~~تحب؟ أم المسألة أنك كنت تريد أن تكون أول من ينالها؟ تكلم!» # فقال نوفيكوف وشفتاه ترتجفان: «إنك تعلم حق العلم أن هذا ليس كذلك.» # فصاح سانين: «نعم هو كذلك، وإلا فما السبب من فضلك؟» # فصمت نوفيكوف واسود كل شيء في نفسه، ولكن خاطر العفو والتضحية طاف برأسه كما يومض شعاع النور في ~~الظلمة. # وكان سانين يرقبه وكأنما قرأ ما يدور في ذهنه فقال بصوت مضبوط متزن: «أراك تفكر في التضحية ~~بنفسك من ms124 أجلها. وكأني أسمعك تقول لنفسك «سأهبط إلى دركها وأحميها من الرعاع.» هذا ما تقوله الآن ~~لنفسك الفاضلة فيضخم شأنك في عينيك كما تضخم الدودة تغتذي بالجثة. ولكن هذا كله زور. وليس هو إلا ~~أكذوبة؟ إنك لست مطيقا لتضحية الذات. ولو أن ليدا مثلا شوهها الجدري لكان من المحتمل أن تستطيع أن ~~ترفع نفسك إلى مستوى هذه البطولة، ولكنك كنت خليقا بعد يومين اثنين أن تسقي حياتها العلقم وأن ~~تنبذها أو تهملها أو تمطرها التأنيب كل ساعة. أما الآن فإنك تقف من نفسك موقف العبادة. نعم لقد ~~استحال وجهك وصار من يراك خليقا أن يقول «انظروا! هذا قديس.» ولكنك لم تفقد شيئا كنت تبغيه. إن ~~أعضاء ليدا ما زالت كما كانت ولم تزايلها قوة العاطفة ولا أصابها جزر في حيويتها البديعة. ولكن من ~~المرغوب فيه جدا أن يروح المرء يستمتع ويقطف أزاهير اللذات، وهو يوهم نفسه أنه إنما يأتي عملا ~~شريفا!!» # فلما سمع نوفيكوف هذا الكلام فارقه عطفه على نفسه واستولى على روحه شعور أنبل وأشرف فقال ~~معاتبا: «إنك تجعلني أسوأ مما أنا في الواقع، ليس ينقصني الشعور كما تظن. وما أنكر أن لي آراء معينة ~~وأن بي بعض التحرج، ولكني أحب ليدا بتروفنا، ولو أني على يقين من أنها تحبني أكنت تظن أن يطول بي ~~التردد من أجل أن ...» # وخانه صوته. وهدأ سانين فجأة واجتاز الغرفة ووقف أمام النافذة المفتوحة غارقا في بحر من الفكر ~~وقال: «إنها في هذه الساعة حزينة جدا لا يسعها أن تفكر في الحب. وكيف أعرف هل تحبك أم لا تحبك؟ ~~ولكن يخيل لي أنك إذا ذهبت إليها وكنت بذهابك ثاني رجل لم يضطهدها من أجل حبها القصير ... على كل حال ~~لا أستطيع أن أعلم ماذا عسى أن تقول!» # وكان نوفيكوف جالسا كأنه يحلم وأشعره الحزن والسرور نوعا من السعادة لطيفا كالضوء في السماء ~~مساء. # وقال سانين: «لنذهب إليها. ومهما يكن ما يحدث فإنه سيسرها أن ترى وجه إنسان وسط هذه الوحوش ~~المسيخة المنتقبة. إن بك ms125 يا صديقي بعض الغباء ولكن في غبائك شيئا ينقص سواك. تالله ما أغرب أن ~~الدنيا كانت وما تزال تبني آمالها وسعادتها على مثل هذا الغباء! تعال نذهب.» # فابتسم نوفيكوف وقال: «إني على أتم استعداد للذهاب إليها، ولكن أتهتم بأن تراني؟» # فقال سانين ووضع يده على كتفي نوفيكوف: «لا تفكر في هذا. إذا كنت تريد أن تفعل خيرا أو صوابا ~~فافعله ودع المستقبل يعنى بنفسه.» # فقال نوفيكوف بلهجة البت: «حسن فلنذهب.» # ولما صارا في حرم الباب وقف وقال بلهجة التأكيد وعينه محملقة في وجه سانين: «اسمع سأبذل أقصى ~~وسعي لإسعادها. وقد يبدو لك هذا الكلام مبتذلا ولكني لا أعرف كيف أعرب عما في نفسي بما هو خير من ~~هذا.» # فأجابه سانين بلهجة الودود: «لا يكربك هذا يا صديقي، فإني فاهم ما تريد.» # | الفصل العشرون # كان الصيف وهاجا. والليل يسجو إذا طلع القمر المنير ويعود الجو مثقلا بشذى الرياض والحقول ~~فتأنس النفوس وتجد الروح والغبطة. # وكان الناس يكدحون نهارهم أو يشتغلون بالسياسة أو بالفنون وبالأكل والشراب والاستحمام والحديث، ~~حتى إذا فتر الحر وخفت وقدته وسكنت الضوضاء، وأخذ قرص القمر يطلع في الأفق ويطل على المروج والحقول ~~ويريق على سطوح المنازل والحدائق ضوءه البارد خلصت أنفاس الناس واستأنفوا الحياة كأنما نفضوا عنهم ~~ثوبا ثقيلا، وصارت الحياة في حيث تكون للشباب الغلبة أوسع وأكثر حرية، فتتجاوب الحدائق بأصوات ~~البلابل وتعمق الظلال وتعود العيون أشد تلماعا والأصوات أعذب رقة ويبيت الجو مشربا أنفاس الحب ~~وطيبه. # وكان يوري وشافروف عظيمي الاهتمام بالسياسة، وكانت قد تألفت جماعة التهذيب، فطالع يوري كل الكتب ~~الحديثة، وراح يعتقد أنه وفق إلى العمل الصالح له. واهتدى إلى وسيلة يمحو بها كل شكوكه. ولكنه لم يكن ~~يجد الحياة إلا عقيمة جافة لا فتنة فيها على كثرة ما كان يقرأ وعلى الرغم من مشاغله جميعها، ولم تكن ~~الحياة تعود مشتهاة إلا حين كانت الصحة والعافية يضفوان عليه، وإلا حين ينبه حواسه الحب، وكانت كل ~~الفتيات سواء في نظره من قبل فانتقى واحدة منهن ms126 رآها جمعت مفاتن أترابها واستبدت دونهن بحسنها ~~ورونقها. # وكانت طويلة القامة بارعة التكوين يعتدل رأسها الجميل على كتفيها المصقولتين الناصعتين حديثها ~~تغريد وغناؤها سحر. ولها في الشعر والموسيقى باع تستطيلها وتزهى بها، ولكن حيويتها الدافقة لم يكن ~~لها مظهر أقوى ولا صورة أتم من جهدها الجثماني، فكان يلج بها الحنين إلى شيء تضمه إلى صدرها، وإلى أن ~~تضرب الأرض بقدمها، وأن تضحك وتغني وأن تتأمل ذوي الوجوه الصبيحة من الشبان، وكانت ربما اشتاقت - في ~~وقدة الظهيرة أو في الليلة القمراء - أن تخلع كل ما عليها من ثياب وأن تعدو على الحشائش وتقذف بنفسها ~~في النهر بحثا عمن تحن إلى اجتذابه واستهوائه إليها بأعذب نغمة، وكان محضرها يحرك نفس يوري فيعود ~~أفصح لسانا وأسرع نبضا وأحضر خاطرا. وكان نهاره يفكر فيها ويحلم بها حتى إذا جاء الليل راح ~~يبغيها، وإن أبى أن يقر بذلك لنفسه. ولا ينفك يحلل إحساساته فتذوي على التعاقب كالنورة في الصقيع. ~~وكلما سأل نفسه ماذا يجذبه إلى سينا كرسافينا أجاب: «إنها الغريزة الجنسية لا شيء سواها.» فيثير هذا ~~التعليق أعمق الاحتقار لنفسه. على أنه كان بينهما تفاهم ضمني فكأنهما مرآتان تنعكس في صقال كل منهم ~~عواطف الآخر. # ولم تكن سينا تعنى بأن تحلل خوالجها بل كانت تستلذها وإن أقلقتها، وكانت تكتمها ولا تبيحها ~~أحدا، وكربها أنها لم تستطع أن تعلم ما ينطوي عليه لها صاحبها، وكانت ربما خيل إليها أنه ليس بينهما ~~شيء فتأسى لذلك كأنما افتقدت ثمينا، على أنها لم تكن تكره أن تكون موضع احتفال غيره من الرجال ~~وأكسبها اعتقادها أن يوري يحبها دالة جعلتها أفتن لسواه من المعجبين بها. وكان يسحرها وجود سانين كل ~~السحر ويسبيها منه كتفاه العريضتان وعيناه الساكنتان وشمائله الهادئة المستقرة. ولما تنبهت إلى عمق ~~ما يتركه سانين من الوقع في نفسها اتهمت بضعف الإرادة إن لم يكن بالخفة وقلة الحشمة. ولكنها على هذا ~~ظلت تمنحه أعظم الالتفات والرعاية. # وفي نفس الليلة التي كانت فيها ليدا تجوز ذلك الامتحان القاسي التقت ms127 سينا ويوري في المكتبة ~~فاقتصرا على تبادل التحية وانصرف كل منهما إلى شأنه، ومضت هي تنتقي الكتب واشتغل هو بمطالعة الصحف ~~الواردة مع البريد الأخير من بطرسبرج. على أنه اتفق أن زايلا المكان في وقت واحد فترافقا في الطريق ~~واجتازا معا الشوارع الموحشة في ضوء القمر، وكان كل شيء ساكنا سكون القبر ولم يكن الساري يسمع إلا ~~صوت الحراس من حين إلى حين وإلا نباح الكلاب عن بعد. # ولما بلغا الميدان رأيا نفرا جلوسا يضحكون تحت الأشجار واستطاعا في ضوء سيجارة تشعل أن يلمحا ~~شاربا جميلا، وورد على سمعهما صوت يغني «إن قلب الحسناء قلب كالريح» ولما اقتربا من بيت سينا جلسا ~~على مقعد وكان الظلام طاغيا وأمامهما الشارع العريض يضيئه القمر، والكنسية على قمتها صليب ملتمع ~~كالنجم باديا من فوق قمم الصفصاف. # فقالت سينا وأشارت إلى الكنيسة: «انظر! ما أجمل هذا!» # فنظر يوري إلى كتفها البيضاء الحاسرة نظرة الإعجاب واشتاق أن يضمها بين ذراعيه وأن يقبل شفتيها ~~الحمراوين الناضجتين، وكأنما لم يكن له بد من ذلك، وكأنما كانت هي تتوقع ذلك وتشتهيه، ولكنه ترك ~~الفرصة السانحة تمر وجعل يضحك من نفسه ساخرا في رفق فسألته: «لماذا تضحك؟» # فقال يوري وهو مضطرب وحاول أن يخفي انفعاله: «لست أدري! لا شيء.» # وصمت كلاهما وأنصتا إلى أصوات ضعيفة يحملها النسيم إليهما في الظلام ثم باغتته سينا بهذا ~~السؤال: «ألم تحب قط؟» # فأجابها يوري ببطء: «نعم.» وقال لنفسه: «وهبني صارحتها فماذا يكون؟» # ثم قال لها: «إني الآن أحب.» فسألته: «وتحب من؟» وأشفقت أن تسمع الجواب وإن كانت على يقين ~~منه. # فأجابها يوري: «أحبك أنت.» # وحاول عبثا أن يقول ذلك بلهجة المازح وهو مائل إليها يحدق في عينيها المؤتلقتين وكانتا ناطقتين ~~بالدهشة والانتظار، واشتاق يوري أن يعانقها ولكن شجاعته خانته مرة أخرى فتظاهر بأنه يعالج بأن يكتم ~~الثؤباء. # فحدثت سينا نفسها «إنه إنما يمزح» وخمدت في نفسها الحرارة، وآلمها هذا التردد من يوري وأرادت أن ~~ترد الدموع فقرضت أسنانها ثم قالت بلهجة غريبة: «هذا ms128 كلام فارغ .» # ونهضت فقال يوري بجد غير طبيعي: «إني جاد جدا. صدقيني فإني أحبك حبا طاغيا.» # فتناولت كتبها ولم تنبث وسألت نفسها: «لماذا يتكلم على هذا النحو؟ لقد أريته أني أعنى به فلما ~~بدا له هذا أخذ يحتقرني.» # فانحني يوري ليلتقط كتابا سقط وقالت له هي ببرود: «لقد آن أن أذهب إلى البيت.» # فأحزن يوري أنها تريد العود إلى بيتها في هذه اللحظة، ولكن رأى أنه قام بدوره على أحسن وجه ~~وأنجحه وأنه لم يصنع شيئا مبتذلا ثم قال بصوت مؤثر: «إلى الملتقى.» # فمدت إليه يدها فأسرع فانحنى ولثمها ففزعت سينا وانفرجت شفتاها عن صيحة خافتة وقالت: «ماذا ~~تصنع؟» # ولم تكد شفتاه تلمسان يدها الرخصة الصغيرة ولكن صدره جاش مع ذلك حتى لم يسعه أكثر من الابتسام ~~الخفيف وهي تسرع نائية عنه، ثم ما لبث أن سمع صوت بابها ولم تفارقه هذه الابتسامة السخيفة وهو ماض ~~إلى بيته وراح يحس القوة في جسمه والغبطة في قلبه. # | الفصل الحادي والعشرون # لما بلغ يوري غرفته الضيقة كالسجن وجد الحياة أبعث ما تكون على السآمة وخيل إليه أن حادثته ~~الغرامية التي وقعت له مبتذلة أتم الابتذال. ~~«لقد سرقت منها قبلة! فأي نعمة! وما أعظم بطولتي! إن البطل يستهوي في ضوء القمر فتاته الحسنة ~~بالألفاظ الملتهبة والقبل النارية! رباه! أي سخافة! إن المرء ليعود مغفلا فارغا جدا في هذا الجحر ~~الصغير اللعين!» # وكان يوري وهو في المدن يتصور أن الريف هو المكان الصالح له حيث يستطيع أن يعايش القرويين ~~ويشاطرهم كدهم تحت الشمس المحرقة. فلما أتيحت له الفرصة بدا له أن حياة القرى لا تطاق وأحس الحاجة ~~إلى منشط من المدن التي لا يتسع سواها لقواه ومواهبه، وكان لا يفتأ يقول: «ما أحلى جلبة المدن ~~وضوضاءها! وهزة الفصاحة المنبعثة عن قوة العاطفة!» بيد أنه لم يلبث أن كبح هذه الحماسة ~~الصبيانية. ~~«وبعد فما معنى هذا؟ أي شيء هذه السياسة والعلم؟ إنها لكبيرة ما بقيت مثلا عليا نائية ولكنها ~~في حياة كل فرد ليست إلا ms129 تجارة ككل شيء سواها! النضال؟ جهود تيتان؟ إن ظروف الحياة الحديثة تجعل هذا ~~مستحيلا. إني أعاني وأجاهد وأتخطى رقاب الموانع! حسن وماذا إذن؟ أين المنتهى؟ إنه ليس في حياتي على ~~كل حال! لقد أراد برومثيوس أن يهدي النار إلى الناس وأن يعلمهم قدحها ولقد فعل. ولك أن تعد هذا نصرا ~~كبيرا وفتحا مبينا إذا شئت. ولكن ما الرأي فينا نحن؟ إن أقصى ما يسعنا هو أن نضيف عيدانا موقوصة ~~إلى نار لم نوقدها ولن نكون نحن المخمديها؟» # وخطر له أنه إذا كانت الأمور على غير ما ينبغي فذلك لأنه ليس من طراز برمثيوس! وهو خاطر محزن في ~~ذاته كل ما أفاده هو أن أتاح له فرصة جديدة لتعذيب نفسه. ~~«أي برومثيوس أنا يا ترى؟ إني لا أزال أنظر إلى الأشياء من وجهة شخصية أنانية. «أنا» دائما ~~«وأنا» في كل شيء. ألا أني لضعيف مهين كغيري من الناس الذين أحتقرهم من أعماق قلبي.» # وساءته هذه المقارنة حتى اختلطت خواطره فجلس برهة يفكر في الموضوع ويعالج أن يلتمس مبررا ما، ~~فقال وارتاح قليلا إلى هذا الخاطر: «كلا لست مثل سواي لأني على الأقل أفكر في هذه الأمور، وهو ما ~~يحلم بأن يفعله أمثال ريازانتزيف ونوفيكوف وسانين. إنهم لا يجري ببالهم قط أن ينقدوا أنفسهم إذ كانوا ~~أتم ما يكونون سعادة ورضى عن نفسوهم كخنازير «زردشت» إن الحياة كلها تتلخص في ذاتيتهم الذرية، وتالله ~~لقد أعدوني بهذه السطحية! آه نعم! إذا كان المرء بين الذئاب فليعو مثلها. إن هذا ~~طبيعي.» # وجعل يوري يقطع الغرفة جيئة وذهوبا فحدث - وذلك مألوف - أن تغير اتجاه خواطره بتغير ~~المكان. ~~«حسن جدا. هذا كذلك وعلى كل حال فالواجب النظر في أمور كثيرة. مثال ذلك ما هو موقفي حيال سينا ~~كرسافينا؟ وليس المهم هل أحبها حبا جما أم قليلا، بل المسألة متعلقة بالنتيجة. ولنفرض أني ~~تزوجتها أو اتصلت بها اتصالا وثيقا، فهل تراني أعود بذلك سعيدا؟ إن الغدر بها جريمة وأنا أحبها ... ~~حسن إذن فإني أستطيع ... الأرجح في الاحتمال ms130 أن ترزق مني أبناء ... «وأخجله هذا الخاطر» وليس في هذا عيب ~~سوى أنه قيد يفقدني حريتي، فأعود رب أسرة. تقول النعيم المنزلي؟ كلا ليس هذا بسبيلي.» ~~«واحد. اثنان. ثلاثة» هكذا كان يعد وهو يحاول أن يتخطى مربعين ويضع قدمه على الثالث. # لو استطعت أن أكون على يقين من أن لا تحمل أو من أن أحب أبناءنا إذا رزقناهم وأقف حياتي لهم! ~~كلا! ما أرذل هذا وأصغره! وريازانتزيف سيكون له أبناء يحبهم فأي فرق يكون بيننا؟ حياة تضحية بالذات؟ ~~ويزعم الزاعم أن هذه هي الحياة الحقيقية؟ نعم هي كذلك ولكن تضحية لمن؟ وبأية طريقة؟ ودع عنك الطريق ~~الذي أختاره والغاية التي أرمى إليها وأرني المثل الأعلى الذي يستحق أن أموت في سبيله. كلا! إن السبب ~~ليس راجعا إلى ضعفي بل مرده إلى أن الحياة نفسها ليست بأهل للتضحية أو الحماسة. وعلى هذا فلا معنى ~~البتة لأن يعيش المرء.» # ولم يتفق له من قبل أن اقتنع بصحة هذه النتيجة مثل هذا الاقتناع. وكان على منضدته مسدس كلما مر ~~به وهو سائر أخذت عينه حديده المصقول. # فتناوله وفحصه بعناية، وكان محشوا وصوب فوهته إلى صدغه وقال لنفسه: «هكذا! بانج، ثم ينقضي ~~الأمر! فهل من الحكمة أو الغباء أن يقتل المرء نفسه؟ هل الانتحار جبن؟ إذن فأحسبني جبانا!» # وأحس للمس الحديد البارد لجبينه الملتهب لذة وفزعا وسأل نفسه: «وماذا عن سينا! دعني من هذا فلن ~~أفوز بها ولهذا فإني أدع لغيري هذه المتعة.» # وأيقظ خاطر سينا ذكريات سارة حاول أن ينفيها لأنها حمق وضعف وقال: «لماذا لا أفعل؟» # فكأنما كف قلبه عن الخفقان. ثم سدد المسدس إلى جبينه في احتفال وإصرار ورفع الزناد فجمدت دماؤه ~~في عروقه وطن في أذنه شيء ومادت به الغرفة. # ولكن الرصاصة لم تنطلق فلم يسمع سوى صوت الزناد فهوت يده إلى جانبه، وهو يكاد يغشى عليه، ~~وكانت كل شعرة ترتجف ورأسه يدور وشفتاه معصوبتان ويده من الاضطراب بحيث سقط المسدس على المنضدة. فقال ~~وعادت إليه نفسه: «ما أغرب شأني.» ms131 # ومضى إلى المرآة ليرى فيها وجهه وقال: «أجبان أنا إذن؟ كلا! لست به. لقد فعلتها كما ينبغي وماذا ~~أصنع إذا كانت الرصاصة لم تشأ أن تنطلق؟» # ورامقه خياله في المرآة وكان فيما يرى بادي الجد. ثم أخذ يقنع نفسه بأنه لا يعلق أية أهمية بما ~~حدث ولأجل هذا أخرج لسانه لخياله! ونأى عن المرآة وقال بصوت عال: «إن القدر لم يشأ أن يتم ما ~~أردت.» # وكأنما أنعشه صوته، ثم سأل نفسه: «ترى هل أبصرني أحد؟» وتلفت مذعورا ولكن كل شيء كان ساكنا ~~ولم يسمع حركة وراء الباب. فكأنما لا موجود سواه ولا معذب في هذه الوحدة غيره. وأطفأ المصباح فأذهله ~~أن رأى أولا آشعة الفجر الحمراء ثم استلقى لينام وأحس في نومه شيئا هائلا ينحني فوقه ويخرج ~~أنفاسا من النار. # | الفصل الثاني والعشرون # زحف الأصيل في رفق ولين وقد ترفق في حواشيه أرج الأزهار. وكان سانين جالسا إلى منضدة قريبا من ~~النافذة يطالع - أو يحاول أن يطالع - في الضوء الكابي قصة يحبها وهي وصف لمصرع أسقف هرم قضى نحبه وهو ~~لابس ثيابه اللاهوتية وفي يده صليب مرصع والبخور يعقد في الجو سحابات. # وكان الجو في الغرفة باردا مثله خارجها، ونسيم المساء العليل يمسح جسم سانين القوي ويملأ رئتيه ~~ويعبث بشعره، فمضى في قراءة القصة، وكانت شفتاه تتحركان من حين إلى حين، فلو رأيته لحسبته صبيا ~~كبيرا يلتهم حكاية من حكايات المخاطرة بين الهنود، على أنه كان كلما أوغل في الكتاب اسودت خواطره، ~~وتعجب للدنيا كيف حشيت كل هذه السخافة وللناس وكثافتهم ووحشيتهم ولنفسه كيف بذهم وسبقهم! # وفتح الباب ودخل منه زائر فرفع سانين طرفه وقال وهو يطوي الكتاب: «آها، ما عندك من ~~الأخبار؟» # فافتر ثغر نوفيكوف عن ابتسامة حزينة وصافح سانين وقال وهو يدنو من النافذة: «لا شيء! إن كل شيء ~~كما كان.» # ولم يكن سانين يستطيع أن يرى من نوفيكوف إلا شخصه الطويل. فظل برهة طويلة ينظر إليه ولا ~~يتكلم. # وكان سانين قد مضى قبل ذلك بصديقه إلى ليدا ms132 التي تغيرت وزايلها الزهو والشموخ فلم ينبثا بحرف ~~عما هو أدنى إلى قلبيهما وأعلق بهما، وكان سانين يعلم أنهما سيشقيان بعد أن يتصارحا وإنهما خليقان أن ~~يكونا أشقى وأتعس إذا ظلا صامتين، وأن ما يستسهله هو لا يسعهما إلا بجهد جاهد فقال لنفسه: «ليكن ~~الأمر كذلك فإن الألم ينقي الروح ويرفعها، فأما الآن فقد سنحت الفرصة الملائمة لهما.» # وكان نوفيكوف واقفا قبل النافذة ينظر في صمت إلى مغرب الشمس، وكان ينازعه الأسى على ما فقد ~~والشوق إلى اللذة المنتظرة، فصور لنفسه ليدا حزينة مطوقة بالعار فلو آتته الشجاعة لركع أمامها الساعة ~~ونفث بلثماته الحرارة في يديها الباردتين وبحبه الضخم الغفور حياة جديدة في عروقها، ولكن أنى له ~~بالقوة والقدرة على المضي إليها؟ # وكان سانين يدرك ذلك فنهض في بطء وقال: «إن ليدا في الحديقة فهل نذهب إليها؟» # فأسرعت دقات قلب نوفيكوف وامتزج في نفسه الفرح والحزن أغرب امتزاج وتغير وجهه قليلا وجعلت ~~أصابعه تعبث بشاربيه. فأعاد سانين سؤاله في هدوء كأنما آلى أن ينهض بأمر خطير: «ما قولك في؟ هنا ~~أنذهب؟» # فأحس نوفيكوف أن سانين يعرف كل ما في نفسه فاستحيا كالصبي وإن كان قد أراحه هذا الإحساس قليلا. ~~فقال سانين في رفق: «هيا بنا!» # وأمسك بكتف نوفيكوف ودفعه إلى الباب فتمتم «نعم، أنا ...» وكاد يعانق سانين ولكنه لم يجترئ ولم ~~يسعه إلا أن يرمقه بعين عبرى، وكانت الحديقة الدافئة العطرة مظلمة، وأغصان الأشجار فوق جذوعها تكون ~~فيما بينها أقبية تحت السماء الخضراء، وعلى سطح الأرض الظامئة ضباب خفيف خافق، فكأنما هناك شبح غير ~~مرئي يجوب مسالك الحديقة الصامتة ويسري بين الأشجار الجامدة فترجف لطيفه الأوراق والأزهار الناعسة، ~~وكان الشفق لا يزال وهاجا فيما وراء النهر المنحدر بين المروج الحالكة، وعلى حرفه تجلس ليدا مكبة ~~عليه مائلة إليه كأنه روح حزين ظفره الطفل، فلما سمعت صوت أخيها ملأها يقينا لم يلبث أن ولى أسرع ~~مما جاء واستحوذ عليها الخوف والخجل، وأحست كأنما لا حق لها في السعادة لا ولا في ms133 الحياة، وكانت لذلك ~~تقضي النهار كله في الحديقة وفي يدها كتاب، إذ كانت عينها لا تقوى على النظر إلى أمها. وتحدث نفسها ~~مرة بعد أخرى إن ألم أمها لا يكون شيئا مذكورا بالقياس إلى ما تعانيه هي الآن، ولكنها على هذا ما ~~اقتربت من أمها إلا تلعثم لسانها وارتسمت في عينها نظرة المذنب، فأثارت خجلاتها واضطرابها العجيب ~~ظنون أمها وحركت شكوكها، ولمحت ذاك ليدا فصارت تلوذ بالحديقة فرارا من نظراتها الفاحصة وأسئلتها ~~القلقة. وهكذا كانت الليلة جالسة على حافة النهر تنظر إلى المغرب وتفكر في مصابها، وكانت الحياة لا ~~تزال في نظرها مستعجمة وكأنما يحول بينها وبين استجلائها شبح بشع، فاستعانت بضعة كتب وسعت أفق فكرها ~~وحررته فجنحت إلى الاعتقاد بأن سلوكها طبيعي بل حقيقي بالثناء؛ ذلك أنها لم تسئ إلى أحد، وما فعلت ~~شيئا سوى أن أمكنت نفسها وشخصا آخر مثلها من اللذة الجسمية التي لا شباب بغيرها والتي تعقم الحياة ~~بدونها وتقفر وتعود كالشجرة العارية في الخريف. # واستسخفت أن علاقتها بذلك الرجل علاقة لم تمنحها الكنيسة موافقتها بعد، ذلك أن حرية الفكر قد ~~نقصت هذه الضرورات من زمن بعيد، وأنها لحقيقة أن تغتبط بهذه الحياة الجديدة اغتباط الزهرة استيقظت ~~صباحا على مس اللقاح يحمله إليها النسيم، ولكنها مع هذا أحست أنها صارت أحط وأسفل من كل منحط ~~وسافل. # وذابت كالشمع كل هذه الآراء النبيلة الجليلة والحقائق الأبدية لاقتراب يوم الفضيحة، وصارت تفكر ~~في أن تدوس بقدمها من يمتهنونها، بل همها الوحيد وشغلها الشاغل هو كيف تجانبهم أو تخدعهم. # على أنها مع رغبتها في إخفاء حزنها عن غيرها أحست جاذبا إلى نوفيكوف كما تجذب الشمس الزهرة. ~~وخيل إليها أن من الحقارة بل من الإجرام أن يراد منه إنقاذها. وحز في ضلوعها أن يتوقف أمرها على حبه ~~وصفحه، ولكن الرغبة في الحياة كانت أقوى من الكبر. # وكان خوفها من غبائه أعظم من احتقارها له، فلم تكن تستطيع أن تنظر إلى نوفيكوف، بل كانت ترجف في ~~حضرته كالعبد أمام ملك رقه، ms134 فما أشبهها بالطائر المهيض الجناح الذي لا يسعه أن يطير مرة أخرى. # وكانت إذا جاوز الألم طاقتها ربما فكرت في أخيها بشيء من الدهشة. وكان لا يخفى عنها أنه لا يقدس ~~شيئا، وأنه ينظر إليها وهي أخته نظر الذكر إلى الأنثى، وأنه أناني لا يكترث للعرف والعادة، ولكنه ~~الرجل الوحيد الذي كانت تحس الحرية المطلقة في محضره والذي تستطيع أن تصارحه بأخفى أسرار حياتها. لقد ~~أخطأت ... حسن. وماذا في هذا؟ ولقد أمكنت رجلا من نفسها. حسن جدا وهل كان هذا إلا بمشيئتها؟ ~~وسيحتقرها الناس ويمتهنونها فماذا يهم إن أمامها الحياة وضوء الشمس والدنيا الطويلة العريضة، وأما من ~~حيث الرجال فهم كثر وستأسى أمها وتحزن. حسن إن هذا شأنها هي إذا شاءت ذلك. وإن ليدا لتجهل شباب أمها ~~ولا تعرف عنه لا قليلا ولا كثيرا ومتى ماتت فلن يبقى مجال للبحث والتنقيب. ولقد التقيا مصادفة في ~~طريق الحياة وترافقا مسافة فهل هذا سبب يدعوهما إلى تبادل المقاومة والمعارضة؟ # وتبينت ليدا أنها لن ترزق حرية أخيها، وإنما خطرت لها هذه الآراء بتأثير هذا الرجل القوي الساكن ~~الذي تعجب به وتحبه فطافت برأسها خواطر غريبة ... خواطر ليست مشروعة الصبغة وحدثت نفسها أن «آه لو كان ~~غريبا ولم يكن أخي!» # وبادرت فعالجت أن تخنق هذا الخاطر الفاضح المغري. # ثم ذكرت نوفيكوف فاشتاقت كالرفيق العزيز أن يمنحها عفوه ورضاه، وسمعت وقع أقدام فتلفتت، وجاء ~~إليها سانين ونوفيكوف في سكون ولم تستطع أن تتبين وجهيهما في الظلام، ولكنها أحست أن اللحظة المرهوبة ~~قد دنت فاصفر وجهها وكأنما أوشكت الحياة أن تنتهي. # وقال سانين: «هذا أنت؟ لقد جئت إليك بنوفيكوف وسيقول لك كل ما عنده فامكثا هنا ريثما أذهب وأعود ~~بشيء من الشاي.» # وانقلب عنهما مسرعا فظلا هنيهة يرقبان قميصه الأبيض يغيب في ظلمة الليل، وكان السكون من العمق ~~بحيث ظناه لم يجاوز ظلال الأشجار المحيطة بهما. # وقال نوفيكوف بصوت رقيق متهدج وقع من قلبها أعمق وقع: «ليدا بتروفنا؟» # فقالت لنفسها: «مسكين! ما أطيبه!» # ومضى هو فقال: ms135 «إني أعرف كل شيء يا ليدا بتروفنا. ولكن حبي لك باق على عهده. وربما أحببتني ~~يوما ما فقولي لي هل تقبلينني زوجا؟» # وقال لنفسه: «خير لي أن لا أكثر من الكلام في هذا إذ لا ينبغي أن تعرف أي تضحية أبذلها من ~~أجلها.» # فصمتت ليدا فكان المرء يسمع خرير الماء في هذا السكون وعاد نوفيكوف إلى الكلام فقال: «إننا ~~شقيان يا ليدا. ولعل الحياة تعود أخف محملا إذا كنا معا.» وكانت هذه الكلمات خارجة من أعماق قلبه ~~ففاضت عينا ليدا بدموع الشكر وهي تميل إليه وتقول: «لعل وعسى.» # على أن عينيها قالتا له: «ويعلم الله أني سأكون زوجة صالحة وأني سأحبك وأحترمك.» # ففهم نوفيكوف ما قالت العينان فهوى إلى ركبتيه وتناول يدها وأمطرها قبلات حارة، فأجاشت هذه ~~العاطفة نفس ليدا فنسيت عارها وحدثت نفسها «أن قد انقضى ومضى ذلك الأمر وسأسعد مرة أخرى. فيا لك من ~~رجل طيب!» # وأبكاها الفرح فآتته كلتا يديها وانحنت على رأسه ولثمت شعره الناعم الحريري الذي كانت تعجب به، ~~ومثلت لعينها صورة سارودين ولكنها لم تظهر حتى غابت. # ولما عاد سانين بعد أن أفسح لهما الوقت للتفاهم ألفاهما جالسين وأيديهما مشتبكة وهما يتحدثان ~~بصوت خافت هادئ. # فقال سانين بهيئة الجاد: «آها! اشكرا الله واسعا.» # وكان يهم أن يقول شيئا آخر ولكنه عطس بدل أن يتكلم ثم قال ومسح عينيه: «إن الجو هنا رطب فاحذر ~~البرد.» # فضحكت ليدا وتجاوب ما وراء النهر بصدى صوتها الفاتن ثم قال سانين بعد فترة: «سأذهب ~~عنكما.» # فسأله نوفيكوف: «إلى أين تذهب؟» # قال: «إن سفاروجتش وذلك الضابط الذي يعجب بتولستوي - ما اسمه؟ - قد دعواني.» # فقالت ليدا ضاحكة: «أتعني فون دايتز؟» ~~- «هو بعينه. ولقد أرادا أن نكون جميعا هناك ولكني قلت لهما إنك لست في البيت.» # فسألته ليدا ضاحكة أيضا: «لماذا قلت له ذلك؟ ربما كنت أذهب.» # فقال سانين: «كلا. ابقيا هنا. ولو كان معي رفيق لبقيت مثلكما.» ثم تركهما. # وزحف الليل وارتمت على الأرض غيابات الطفل وبدأ أول نجم يرتعش في ms136 مرآة النهر المتدفق. # | الفصل الثالث والعشرون # كانت الليلة داجية والسحب يطارد بعضها بعضا فوق الأشجار وكانت تمضي مسرعة كأنها مرسلة إلى غاية ~~خفية والنجوم تتلامح لحظة وتختفي أخرى، وكل شيء في السماء كأنه في هرج ومرج، على حين كانت الأرض كمن ~~ينتظر شيئا وهو معلق الأنفاس، فكانت الأصوات الآدمية المتنازعة وسط هذا السكون مستثقلة ~~عالية. # قال فون دايتز وهو يتعثر تعثرا شديدا: «مهما يكن من الأمر فإن المسيحية نعمة باقية وبركة ~~خالدة على الإنسانية إذ كانت هي النظام الوحيد التام المفهوم للأخلاق.» # فقال يوري وكان سائرا خلفه ورمى برأسه يمنة على سبيل التحدي وعينه إلى ظهر الضابط: «هذا صحيح. ~~ولكن المسيحية في صراعها مع الغرائز الحيوانية في الإنسان ظهر أنها عاجزة كغيرها من الأديان.» # فصاح فون دايتز مغضبا: «ماذا تعني بقولك ظهر أنها كذلك؟ إن للمسيحية المستقبل وفي الإشارة إلى ~~أنها عتيقة ...» # فقاطعه يوري بحدة: «ليس للمسيحية مستقبل. وإذا كانت لم تنتصر وهي في أوج نشوئها بل صارت آلة في ~~أيدي عصابة من الدجالين، فمن السخافة المطبقة أن نتوقع منها معجزة في هذه الأيام التي عاد حتى اسم ~~المسيحية فيها مضحكا. إن التاريخ لا يرحم وكل ما يخرج من الميدان لا يسعه أن يكر إليه.» # فصرخ فيه فون دايتز: «هل تريد أن تقول إن المسيحية خرجت من الميدان؟» # فمضى يوري في كلامه معاندا: «أعني ذلك على التحقيق. وأراك تعجب لذلك كأن مثل هذه الفكرة ~~مستحيلة. كما أن شريعة موسى قد بادت وكما أن بوذا وآلهة الإغريق قد غبروا كذلك ذهب المسيح. هذا قانون ~~النشوء فماذا يدهشك؟ أتؤمن بألوهيته؟» # فقال فون دايتز وقد ساءته لهجة يوري أكثر مما ساءه السؤال: «كلا لا أؤمن بألوهيته.» # فسأله يوري: «إذن فكيف تقول إن إنسانا يستطيع أن يخلق سننا أبدية؟» # وحدث نفسه إن فون دايتز «قدم غبي» وارتاح إلى الاقتناع بأنه دونه ذكاء بمراحل وأنه يعجز عن فهم ~~ما هو واضح وضوح الشمس. # فقال فون دايتز وقد تحمس بدوره: «لنفرض أن هذا كذلك، فإن المستقبل ms137 على الرغم من هذا الفرض ستكون ~~قاعدته المسيحية. ذلك لأنها لم تفن. ولكنها كالبذرة في التربة ...» # فقاطعه يوري وبه بعض الارتباك والغضب لارتباكه: «لم أكن أتكلم عن هذا، وإنما أردت أن أقول ~~...» # فقال: «عفوا فإن هذا هو ما قلته.» # فقاطعه يوري مرة ثانية وقد هاجه أن هذا الغبي يظن نفسه أذكى الاثنين: «إذا كنت قد قلت كلا فإني ~~أعني ما أقول. ما أسخفك! أريد أن أقول ...» # فقال: «قد يكون هذا كذلك. وأنا آسف إذا كنت قد أسأت الفهم.» وهز فون دايتز كتفيه الضيقتين هزة ~~المتنازل إلى التسامح وكأنه يقول إنه فاز على مناظره. # ولم يفت يوري هذا المعنى فكاد يخنقه الغضب وقال: «لست أنكر أن المسيحية قامت بدور عظيم ~~...» # فصاح فون دايتز: «آه! إنك الآن تناقض نفسك.» والتز هذا النصر وسره جدا أنه يفوق يوري ذكاء ~~وفطنة. # فقال يوري بحرارة: «ربما خيل إلى مثلك أني أناقض نفسي ولكن الواقع أن فكرتي منطقية وليس ذنبي ~~أنك لا تريد أن تفهم. ولقد قلت وأقول الآن إن المسيحية قد غبر عهدها وإن من العبث أن نتطلع إليها ~~لخلاصنا.» # فسأله فون دايتز قائلا: «نعم نعم. ولكن هل تريد أن تنكر التأثير الحسن الذي أحدثته المسيحية ~~باعتبارها قاعدة النظام الاجتماعي؟» # أجاب: «كلا! لا أنكر ذلك.» # فقال سانين: «ولكني أنكره.» وكان يسير إلى الآن صامتا وراءهما وكان صوته هادئا لذيذا على ~~العكس من المتناظرين، فصمت يوري وغاظته هذه اللهجة الساخرة المضبوطة النبرات، ولكنه لم يجد الرد ~~حاضرا ولم يكن يحب أن يناظر سانين لأن معجم ألفاظه المألوف لم يكن يجديه في هذا النزال، وكان يخيل ~~له إذا قارعه كأنما هو واقف على الجليد يحاول أن يهدم حائطا. غير أن فون دايتز صاح مغضبا: «أتسمح ~~لي أن أسألك لماذا؟» # فقال سانين بلهجة جافية باردة: «لأني أنكر ذلك.» # أجاب يوري: «لأنك تنكر ذلك؟ إذا قرر المرء شيئا فيجب عليه أن يثبته.» # أجاب: «لماذا يجب أن أثبته. إنه لا حاجة إلى إثبات أي شيء! هذه عقيدتي وليس لي أقل ms138 رغبة في ~~إقناعك. وعلى أن هذا عبث.» # فقال يوري بحذر: «إذا سايرناك في أسلوب تفكيرك كان الأولى أن نحرق كل كتب الأدب.» # فأجابه سانين: «لا لا! لماذا تفعل هذا؟ إن الأدب شيء جليل جدا وممتع جدا. والأدب الصحيح ~~الذي أعنيه ليس جدليا وليس صاحبه كذلك الدعي الذي لم يكن يجد ما يصنع ذهب يعالج أن يقنع كل إنسان ~~بأنه آية في الذكاء وتوقد الذهن. إن الأدب يجدد الحياة ويعيد إنشاءها ويتغلغل وينفذ حتى إلى دم ~~الإنسانية جيلا بعد جيل. ففي القضاء عليه سلب لكل لون للحياة وكل طعم وروح لها.» # فوقف فون دايتز وترك يوري يمر به ثم قال لسانين: «أرجوك أن تزيدني! إن ما قلته الآن ممتع لي ~~جدا.» # فاستغرق سانين في الضحك ثم قال: «إن ما قلته بسيط جدا وفي وسعي أن أفيض في البيان إذا شئت. ~~وعندي أن المسيحية قامت بدور ضئيل في حياة الإنسانية. ذلك أنها في الوقت الذي أحس فيه الناس أن حالهم ~~لا يطاق وصمم فيه المضطهدون والمستعبدون لما ثابت إليهم مداركهم على أن يقلبوا نظام الحياة الجائر ~~وأن يعصفوا بالطفيليات الآدمية - أقول في هذا الوقت ظهرت المسيحية وديعة متواضعة تعد الجزيل، فانحت ~~على النزاع واستنكرته وألاحت للناس بصورة النعيم المقيم، وعللت الإنسانية بأنغامه حتى أتعستها ~~وانطلقت تنشر دين الإذعان والتسليم لسوء المعاملة، وقصارى القول أنها جاءت بمثابة «متنفس» للحنق ~~المكتوم، فعاد بها ذوو الشخصية القوية الذين درجوا ونشئوا وسط روح الثورة، وكانوا يحنون إلى خلع نير ~~القرون - أقول عادوا - وقد فقدوا كل حرارة كانت تحفزهم، فساروا كالحواريين إلى ميدان الفناء يطلبونه ~~بشجاعة خليقة بغرض أسمى. ولم يكن خصومهم يبغون بالبداهة غير هذا. والآن فسيحتاج الأمر إلى قرون ظلم ~~فاضح قبل أن توقد نيران الثورة مرة أخرى. ولقد خلعت المسيحية على الشخصية الآدمية العنيدة التي لا ~~تصبر على الرق ثوبا من التوبة والندم يخفي تحته كل ألوية الحرية. وخدعت الأقوياء الذين كان يسعهم ~~الآن أن يستحوذوا على الثروة والسعادة بأن نقلت مركز ثقل الحياة ms139 إلى المستقبل - إلى عالم أحلام لا ~~وجود له - عالم لن يراه أحد منهم. وهكذا اختفت روعة الحياة وفتنتها وماتت الشجاعة والعاطفة والجمال. ~~ولم يبق إلا الواجب وحلم العصر الذهبي في المستقبل - ذهبي للآتين - نعم لقد كان دور المسيحية صغيرا. ~~واسم المسيح ...» # فقاطعه فون دايتز صارخا ووقف: «أبدا! إن هذا يتجاوز الحد!» # وجعل يلوح بذراعيه الطويلتين في الظلام. # فسأله يوري مضطربا: «ولكن ألم يخطر لك قط أي عصر فظاعة وإراقة دماء كان خليقا أن يكون لولا أن ~~حالت المسيحية دون ذلك؟» # فأجابه سانين بإيماءة استخفاف: «ها! ها! حدث في بادئ الأمر أن «الميدان» - تحت ثوب المسيحية - ~~تلطخ بدماء الشهداء، ثم حدث بعد ذلك أن الناس كانوا يذبحون أو يلقون في السجون أو محابس المجانين. ~~والآن يسفك كل يوم من الدم أكثر مما يمكن أن تريقه ثورة عامة. وشر ما في الأمر أن كل تحسين في حياة ~~الإنسانية لا يتم إلا بسفك الدماء والفوضى والانتفاض، وإن كان الناس لا يفتئون يدعون أن حب الإنسانية ~~وإيثار الجار هما قاعدة حياتهم وأعمالهم. والأمر كله ينتهي بمأساة سخيفة كاذبة ليست من هذا ولا ذاك ~~في شيء. أما أنا فإني أوثر أن تنزل بالعالم كارثة عامة وحية تقضي عليه، ذلك خير عندي من وجود نباتي ~~فاتر يمتد على الأرجح ألفي عام أخرى.» # فصمت يوري ومن الغريب أن ذهنه لم يكن موجها إلى ما يقول سانين بل إلى شخصيته. وساءه من سانين ~~يقينه المطلق ولم يطق أن يحتمل هذا منه، فقال وهو مدفوع بعامل قوي إلى إيلام سانين: «هل لك أن تتفضل ~~علي فتخبرني لماذا تتكلم دائما كأنك تعلم أطفالا صغارا؟» # فقلق فون دايتز لهذا السؤال وقال شيئا على سبيل التوفيق. # وسأله سانين بحدة، «ماذا تعني بذلك؟ ولماذا تغضب؟» # فأحس يوري أن كلامه جارح وأنه لا ينبغي أن يتمادى ولكن كرامته المثلوبة دفعته فقال: «إن هذه ~~اللهجة ثقيلة الوقع جدا.» # فأجابه سانين وبه بعض الغيظ إلا أن به رغبة في التسرية عن صاحبه: «إنها لهجتي المألوفة.» # فقال ms140 يوري ورفع صوته: «إنها ليست موافقة دائما ولا أدري ماذا يكسبك مثل هذا اليقين ~~الجازم!» # فأجابه سانين وقد عاد إلى سكينته: «لعل السبب شعوري أني أذكى منك.» # فوقف يوري وهو يرعد من فرعه إلى قدمه وصاح بصوت متهدج: «انظروا ماذا يقول!» فقال سانين: «لا ~~تغضب! إني لم أرد أن أسيء إليك وإنما أعربت عن رأيي الصريح، وليس رأيي فيك إلا كرأيك في وكرأي فون ~~دايتز فينا وهكذا وذلك طبيعي.» # وكان سانين يقول ذلك بلهجة ودية صريحة لا تدع محلا للغضب، فصمت يوري ولكن فون دايتز ظل قلقا ~~عليه. فتمتم يوري: «مهما يكن من الأمر فإني لا أصارحك برأيي وأرميه لك في وجهك.» # فأجابه سانين: «كلا! إنك لا تفعل هذا وذلك حيث تخطئ، ولقد كنت أصغي إليك وأنت تناظر صاحبك الآن ~~فرأيت روح الغضب والإساءة يحفز كل كلمة يجري بها لسانك. والمسألة مسألة شكل. أنا أقول ما أرتئي وليس ~~في هذا ذرة من الامتناع. ولو أننا كنا كلنا صرحاء مخلصين لكان هذا أمتع لنا جميعا.» # فضحك فون دايتز وقال: «يا له من رأي مبتكر!» # ولم يجبه يوري وكان غضبه قد سري عنه، بل لقد استشعر شيئا من السرور، وإن كان قد آلمه أنه ~~قد خرج من المعركة مهزوما وإن لم يشأ أن يعترف بذلك. # فقال فون دايتز: «إن مثل هذه الحالة تكر بنا إلى الحياة الساذجة.» # فسأله سانين: «وهل ترى الأفضل أن تكون الحياة مبهمة معقدة.» فهز فون دايتز كتفيه واستغرقه ~~التفكير. # اجتاز ثلاثتهم الميدان ومن بعده السكك المقفرة خارج البلدة وهي أضوأ من الميدان وأكثر نورا، ~~وكان الإفريز الخشبي واضحا حيال الأرض السوداء، وفي السماء الصافية الزرقة تلتمع النجوم. # وقال فون دايتز: «ها نحن هؤلاء قد وصلنا.» وفتح بابا قصيرا اختفى فيه ولم يكد يغيب حتى سمعنا ~~نباح كلب وصوتا يقول له: «ارقد يا سلطان.» وأبصر فناء واسعا فارغا وفي جانب منه كتلة سوداء هي ~~طاحونة بخارية ذهبت مدخنتها الضيقة في الهواء وحولها خصاص، ولم تكن ثم أشجار إلا في ms141 رقعة ضيقة من ~~الأرض أمام البيت الثاني، وقد أضاء أوراقها الخضراء نور منبعث من نافذة مفتوحة. فقال سانين: «ما ~~أظلمه من مكان!» فسأله يوري: «أحسب الطاحون قديمة.» فأجابه فون دايتز: «قديمة جدا.» ولما جاوز ~~النافذة المضيئة أطل منها ثم قال بلهجة المرتاح: «لقد حضر خلق كثير.» فأطل سانين ويوري مثله ورأيا ~~رءوسا تتحرك في سحابة من الدخان، فمال إلى النافذة رجل عريض الألواح مجعد الشعر وسأل: «من هنا؟» ~~فقال يوري: «أصدقاء!» # ولما صعدوا السلم اصطدموا برجل صافحهم مصافحة الأوداء وقال بنبرة يهودية بارزة: «لقد خشيت أن لا ~~تحضروا.» وقام فون دايتز بواجب التعريف قائلا: «سولوفتشك - سانين.» فضحك سولوفتشك ضحكة المضطرب ~~وقال: «يسرني أن ألقاك، لقد سمعت عنك كثيرا وأنت تعرف ...» وتطرح إلى الوراء دون أن يخلي كف سانين، ~~فاصطدم بيوري وداس على قدم فون دايتز فقال: «عفوا يا جاكوف ادولفوفتش (دايتز)» وأخذ يهز كفه بقوة. ~~وهكذا طال الأمر قبل أن يبلغوا الباب وكان في الردهة صفوف من المسامير دقها سولوفتشك لاجتماع الليلة ~~وبها القبعات معلقة، وبجانب النافذة زجاجات خضراء ملأى بالجعة. وسحب الدخان معقودة حتى في جو ~~الردهة. # وبدا سولوفتشك في الضوء يهوديا شابا أسود العينين مجعد الشعر صغير القسمات قبيح الأسنان ~~بديها إذ كان لا يزايله الابتسام. # فاستقبلهم القوم بضجة عالية وأبصر يوري سينا جالسة على حافة النافذة، فعاد كل شيء في عينه ~~وضاحا سارا كأن الاجتماع لم يكن في حجرة مرذولة غاصة بالدخان، بل حفلة بين المروج الخضراء في ~~الربيع. # فابتسمت له سينا وهي مرتبكة. وقال سولوفتشك وهو يحاول أن يرفع صوته الضعيف الحوار ويداه تتحركان ~~على نحو زري مضحك: «أيها السادة، أحسبنا جميعا قد حضرنا، أرجوك العفو يا يوري! إني دائما أصطدم ~~بك.» وضحك وهو يدفع نفسه إلى الأمام محاولا أن يتوخى الأدب، فضغط يوري على ذراعه وقال له: «لا ~~شيء!» # وصاح طالب حسن الوجه: «لسنا جميعا هنا لعنة الله على الباقين.» وكان صوته العالي يشعرك أنه ألف ~~أن يأمر سواه، فوثب سولوفتشك إلى المنضدة ودق جرسا ms142 صغيرا وابتسم مرتاحا إلى أنه فكر في استعمال ~~الجرس. # فصاح به الطالب: «أوه! لا تفعل هذا! إنك مولع بكل أنواع السخافات! ليس بنا أدنى حاجة إلى ~~هذا.» # فتمتم سولوفتشك: «لقد ... ظننت ... أن ...» وارتبك ووضع الجرس في جيبه فقال الطالب: «ينبغي أن تكون ~~المنضدة في وسط الحجرة.» # فأجاب سولوفتشك: «نعم نعم سأجرها حالا.» وأسرع فأمسك بطرف منها فصاحت ديبوفا قائلة: «حاذر أن ~~تكسر المصباح.» # وقال الطالب ودق ركبته: «إنها لا تنقل بهذه الطريقة.» # فقال سانين: «دعني أساعدك.» ~~- «أشكرك.» # فوضع سانين المنضدة في وسط الحجرة، وكانت كل عين تنظر إلى ظهره القوي وعضلات كتفيه التي كان ~~قميصه الرقيق يشف عنها. # وقالت ديبوفا: «والآن يا جوشنكو من حيث إنك مقترح هذا الاجتماع فإن عليك أن تلقي الخطاب ~~الافتتاحي» وكان من الصعب أن تعرف من عينيها أجادة هي أم ضاحكة بالطالب. # فقال جوشنكو ورفع صوته: «أيتها السيدات. أيها السادة. إنكم جميعا تعرفون لماذا اجتمعنا الليلة ~~هنا، وعلى ذلك نستطيع أن نستغني عن خطاب تمهيدي.» # فقال سانين: «الواقع أني لا أعرف لماذا جئت، ولكن ربما كان السبب أنهم قالوا لي إن هنا جعة!» ~~وضحك. # فنظر إليه الطالب باحتقار ومضى في كلامه: «إن جماعتنا مؤلفة لتهذيب النفس بواسطة المطالعة ~~المتبادلة والمحاضرات والمناقشات المستقلة ...» # فقاطعته ديبوفا: «المطالعة المتبادلة؟ لست بفاهمة!» قالت ذلك بلهجة قد تعد ساخرة، فاحمر وجه ~~الطالب وقال: «أردت أن أقول مطالعة نشترك فيها جميعا، فالغرض من جماعتنا هو تربية الرأي الفردي ~~تربية تفضي إلى أن يتألف في هذه البلدة اتحاد يعطف على الحزب الديمقراطي الاشتراكي.» # فقال إيفانوف: «آها!!» وحك رأسه. ~~«ولكنا سنتناول هذا الموضوع فيما بعد. أما في مبتدأ الأمر فلن نتولى حل شيء من هذه المسائل ~~الكبيرة ...» # فلقنته ديبوفا: «أو الصغيرة.» # فتظاهر جوشنكو بعدم الالتفات إليها وقال: «وسنبدأ بوضع برنامج يتضمن بيانا بالكتب التي ننوي أن ~~نطالعها وأقترح أن نقصر اجتماع الليلة على هذا العمل.» # فسألت ديبوفا: «سولوفتشك. هل سيحضر عمالك؟» # فوثب سولوفتشك كأنما كان لدغ وقال: «نعم سيحضرون ولقد أرسلت في طلبهم.» ms143 # فصاح الطالب : «لا ترفع عقيرتك هكذا!» # وقال شافروف وكان يصغي إلى خطاب جوشنكو باحترام: «ها هم أولاء قد حضروا.» # وصر الباب وسمع نباح الكلب وانطلق سولوفتشك من الغرفة وهو يقول: «لقد حضروا.» وصاح بالكلب أن ~~«ارقد يا سلطان.» وسمعوا وقع أقدام ثقيلة وسعالا وأصوات رجال، ثم دخل طالب هندسة شبيه بجوشنكو لولا ~~أنه أسمر وأقل وسامة ودخل معه الحجرة عاملان مستحييان مرتبكان أكفهم خشنة وعلى كل منهم جاكتة قصيرة ~~تحتها قميص أحمر قذر، وكان أحدهما طويلا عريضا تقرأ في وجهه الحليق النحيل آيات الجوع سنين والكمد ~~الباطن المخامر والبغض والسخط المكتومين. أما الثاني فله هيئة الرياضي وهو عريض الكتفين حسن الوجه ~~مجعد الشعر وكان يتلفت حوله كالفلاح إذ يرى مدينة لأول مرة فتقدمهما سولوفتشك وقال بجد ووقار: «أيها ~~السادة هؤلاء ...» # فقاطعه جوشنكو كعادته: «كفى كفى! عموا مساء أيها الرفاق.» # فقال طالب الهندسة مقدما رفيقيه: «بتسوف وكودريافجي.» # فدخل العاملان بحذر وصافحا الأيدي الممتدة للترحيب بهما، وابتسم بتسوف وهو مرتبك أما زميله فكان ~~يلوي عنقه الطويل كأنما كان الزيق «الياقة» يخنقه. ثم جلسا إلى النافذة قرب سينا. # فسأله جوشنكو: «لماذا لم يحضر نيقولايف؟» # فأجاب بتسوف: «لم يستطع الحضور.» # وزاد كودريافجي: «لقد شرب حتى عمي.» # فقال جوشنكو وهز رأسه: «آه! فهمت.» # فأثارت هذه الحركة التي أراد بها جوشنكو أن يعرب عن عطفه حنق يوري ووجد في الطالب خصما شخصيا ~~له. # وعاد الكلب إلى النباح فقالت ديبوفا: «لقد حضر آخرون.» # فقال جوشنكو وتكلف الاستخفاف: «لعلهم الشرطة.» # فصاحت ديبوفا: «إني على يقين من أنك لا تكترث إذا كان الطارقون هم الشرطة!» # فنظر سانين إلى عينيها الذكيتين وإلى جدائل شعرها الجميلة المرسلة على كتفيها وقال لنفسه: «إنها ~~فتاة ذكية الفؤاد.» # ووثب سولوفتشك كأنما يهم بالخروج ولكنه استعاد صوابه فتظاهر بأنه يتناول سيجارة على المنضدة. ~~ولم تفت جوشنكو هذه الحركة فقال ولم يجب ديبوفا: «ما أكثر قلقك وحركاتك يا سولوفتشك.» # فاحمر وجه سولوفتشك وتجهم وخالجه الأسف على حماسته التي لا تستحق أن يكون جزاؤها هذا التعنيف، ~~ثم ms144 دخل نوفيكوف وهو باش مبتسم: «هذا أنا.» فقال سانين: «وكذلك نراك.» وتصافحا. وهمس نوفيكوف في أذن ~~سانين على سبيل الاعتذار: «إن ليدا تستقبل زوار اليوم.» # وعاد طالب الهندسة إلى موضوعه فسأل: «هل جئنا لنتكلم؟ ألا دعونا نبدأ!» # فقال نوفيكوف والسرور باد عليه: «إذن فأنتم لم تبدءوا بعد؟» وصافح العاملين اللذين وثبا على ~~أقدامهما وارتبكا لمقابلته هنا مقابلة الند والزميل وهو لا يعاملهما في المستشفى إلا معاملة من هم ~~دونه. # ثم أخذ جوشنكو يتكلم وبه بعض الغيظ وقال: «أيتها السيدات، ويا أيها السادة. إننا كلنا نريد ~~بطبيعة الحال أن نوسع آفاقنا ونعمق نظرنا إلى الحياة، ولما كنا نعتقد أن خير وسيلة لتهذيب النفس أن ~~نضع طريقة منتظمة للمطالعة وتبادل الآراء فيما نقرأ فقد رأينا أن ننشئ هذا النادي. والمسألة الآن هي: ~~أي كتب نقرأ؟ ربما استطاع بعضكم هنا أن يقترح شيئا.» # فوضع شافروف نظارته على عينيه ونهض في بطء وفي إحدى يديه مذكرة صغيرة وقال بصوته الجاف المنفرد: ~~«أرى أن نقسم برنامجنا قسمين. ولا بد في تهذيب عقولنا وصقلها من أمرين؛ دراسة تبدأ بأول أطوارها، ~~ودراسة الحياة كما هي في الواقع.» # فقالت ديبوفا: «إن شافروف قد بدأ يتفصح.» # واستمر شافروف: «فأما الأول فيتم بقراءة الكتب العلمية والتاريخية القيمة والثاني طريقه كتب ~~الأدب ومنها نواجه الحياة.» # ولم يسع ديبوفا إلا أن تقول وفي عينيها لمعة خبيثة: «إذا مضيت في كلامك على هذا النحو فسيأخذنا ~~النوم.» # فقال شافروف بلطف: «إني أجتهد أن يكون كلامي مفهوما من الجميع.» # فقالت ديبوفا وأومأت إيماءة التسليم بقضاء الله: «حسن جدا قل ما بدا لك.» # وضحكت سينا أيضا من شافروف وأعادت رأسها إلى الوراء فبدا للعين جيدها الأتلع الناصع وكانت ~~ضحكتها موسيقية منغمة. # فقال شافروف وعينه إلى ديبوفا: «لقد وضعت برنامجا، ولكني أخشى أن تملكم قراءته وأرى أن نبدأ ~~بكتاب «أصل الأسرة» مع مؤلفات داروين. أما من حيث الأدب فلنبدأ بتولستوي.» # فصاح فون دايتز وهو راض عن نفسه وفي يده سيجارة يشعلها: «تولستوي بكل تأكيد!» # وانتظر شافروف حتى ms145 أشعل صاحبه السيجارة ثم قال: «ثم بتشكوف وأبسن وكنوت همسون.» # فصاحت سينا: «ولكنا قرأنا كل هؤلاء!» # فاهتز يوري لصوتها وقال: «بالطبع! إن شافروف ينسى أننا لسنا في مدرسة وما أعجب هذا الخلط! ~~تولستوي وكنوت همسون!» # فساق شافروف بعض الحجج تعزيزا لرأيه ولكنه بعثرها فلم يفهمه أحد، فقال يوري وسره أن سينا تنظر ~~إليه: «كلا! لا أوافقك.» وراح يشرح رأيه في الموضوع وأكثر ما يعنيه من الكلام أن يفوز بموافقة سينا ~~فحمل على مشروع شافروف حملة شعواء، وأنحى حتى على ما يوافق عليه منه، وتلاه جوشنكو فأدلى برأيه وكان ~~يعد نفسه أذكاهم وأنصحهم وأعظمهم تهذيبا، وكان يتوقع أن يفوز بالمحل الأول فغاظه ما وفق إليه يوري ~~من النجاح فعارضه في رأيه، وتلت ذلك مناقشة طويلة لا آخر لها، وشرع نوفيكوف وجوتشكو وإيفانوف يتكلمون ~~جميعا في وقت واحد، واختلطت الأصوات اختلاطا لم يعد معه مجال للفهم. ولزم سولوفتشك الصمت في هذه ~~الحرب وجلس في زاوية يصغي، وكان في أول الأمر عظيم الاهتمام ثم لم يلبث الشك والأسى أن غضنا وجهه ~~ورسما خطوطا حول فمه وعينيه. # وكان سانين يشرب ويدخن ولا يقول شيئا وعلى وجهه دلائل الملل، ولما علت الضجة ولم تعد محتملة ~~وقف وأطفأ سيجارته وقال: «ألا تشعرون أن هذه حالة لا تطاق؟» # فقالت ديبوفا: «إنها لكذلك حقا!» # وسأله جوتشنكو: «كيف ذلك؟» # فلم يلتفت إليه سانين وقال ليوري: «هل تعتقد أنك تستطيع أن تستخلص فكرة الحياة عن الحياة من ~~الكتب؟» # فأجابه يوري بدهشة: «أعتقد ذلك بلا شك.» # فقال سانين: «إذن فأنت مخطئ! إذا كان هذا صحيحا فإن المرء يستطيع أن يصب الإنسانية كلها في ~~قالب واحد بأن يجعل الناس يقرءون كتبا تنزع إلى منحنى واحد. إن فهم الحياة لا يتأتى إلا من ملابسة ~~الحياة نفسها في جملتها، وليس الأدب أو مظاهر العقل الإنساني إلا ذرة ضئيلة فيها. وليس في وسع أي ~~نظرية عن الحياة أن تعينك عن تكوين فكرة عنها، لأن هذا رهن بمزاج كل فرد وخليق أن يختلف ذلك ما دام ms146 ~~الإنسان حيا . وعلى هذا فمن المحال عليك أن تكون فكرة محدودة مضبوطة عن الحياة كما تريد أن ~~...» # فصاح يوري مغضبا: «ماذا تعني بقولك (من المحال)؟» # فقال سانين: «محال ولا شك! لو أن تكوين فكرة عن الحياة نتيجة نظرية محدودة تامة لوقف تقدم الفكر ~~الإنساني. بل لانقطع. وهذا كلام لا يقبل. إن كل لحظة تنطق بكلمة جديدة، وواجبنا أن نصغي إليها وأن ~~نفهمها دون أن نضع لأنفسنا قيودا وحدودا سابقة. وعلى أنه ما خير الجدل في هذا؟ رأيك ما تشاء. إنما ~~أسألك يا من قرأت مئات من الكتب لماذا عجزت إلى الآن عن تكوين فكرة محددة عن الحياة؟» # فسأله يوري وبدا الغضب في عينيه: «لماذا تفرض أني لم أفعل ذلك؟ ربما كانت فكرتي عن الحياة كلها ~~خطأ ولكن لي فكرة.» # فقال سانين: «حسن جدا. إذا كانت لك فكرة فلماذا تبغي غيرها؟» # وقالت سينا لنفسها: «ما أذكاه!» وأعجبت به أيما إعجاب، وجعلت تلحظه هو ويوري وأحست شيئا من ~~الخجل، ولكنها كانت على هذا فرحة مسرورة، فكأنما كان الاثنان يتجادلان في أيهما يفوز بها. # ومضى سانين في كلامه فقال: «فأنت لا حاجة بك إلى ما تطلبه عبثا. وأرى كل امرئ هنا يحاول أن ~~يكره غيره على الاقتناع برأيه ويخشى أن يقنعه الآخرون بآرائهم. الحقيقة بصراحة أن هذا ممل ~~جدا.» # فقال جوتشنكو: «لحظة واحدة! اسمح لي!» # فأجابه سانين بضجر: «كفى كفى! لا بد أن لك فكرة رائعة عن الحياة وأن تكون قد قرأت أكواما من ~~الكتب! هذا واضح لا خفاء به! ومع ذلك فإنك تغضب لأن غيرك لا يوافقك على رأي لك! وشر من ذلك أنك تسيء ~~معاملة سولوفتشك وهو لم يسئ إليك في حياتك!» # فذهل جوتشنكو ولزم الصمت. وقال سانين: «يا يوري لا يغضبك أني صارحتك الآن. إنه لا يخفى عني أن ~~في صدرك عراكا!» # فصاح يوري: «عراك؟» واحمر وجهه ولم يدر أيغضب أم يحتمل هذا القول، ووقع في نفسه صوت سانين ~~الساكن وقعا عميقا كما حدث وهما آتيان إلى هذا الاجتماع. # فأجابه ms147 سانين: «إنك تعلم أن الأمر كذلك. ولكنه لا ينفع المرء أن يعنى بهذا الهذر الصبياني. ~~الحياة أقصر من ذلك». # فصاح به جوتشنكو مغضبا: «اسمع. إنك تدعي لنفسك أكثر مما يجب!» # فقال سانين: «ليس أكثر مما تدعي أنت.» # أجاب: «كيف ذلك؟» # فقال سانين: «فكر في الأمر وحدك. إن ما تقوله وتفعله أخشن وأسوأ أدبا من كل ما أقول!» # أجاب: «لست بفاهم.» # فقال سانين: «ليس هذا بذنبي.» # أجاب: «ماذا؟» # فلم يجبه سانين وتناول قبعته وقال: «سأخرج فقد ضجرت.» # فقال إيفانوف: «هذا حق وقد فرغت الجعة.» # فقالت ديبوفا: «لن نتقدم خطوة إذا سرنا على هذا النحو، هذا واضح.» # وقالت سينا: «رافقني في الطريق يا يوري»، ثم التفتت إلى سانين وقالت: «إلى الملتقى.» # والتقت عيناها وعيناه فسرت في جسمها هزة سرور وقالت ديبوفا في الطريق: «وا أسفاه! لقد تداعى ~~نادينا قبل أن يقوم.» # فقال صوت حزين: «ولكن لماذا؟» وكان صاحبه سولوفتشك يتطرح ويصطدم بكل واحد وكانوا قد نسوا وجوده ~~فراعتهم كآبته. فقال سانين وكأنه يفكر: «اسمع يا سولوفتشك سأزورك يوما لنتحادث.» # فانحنى سولوفتشك وقال: «بكل تأكيد أرجوك أن تتفضل.» # ولما خرجوا من الحجرة المضاءة كان الظلام على أشده فكانوا يتعارفون بالأصوات دون الشخوص، وسار ~~العاملان على مسافة من الباقين ولما ابتعدا قال أحدهما: «هذه حالهم أبدا. يجتمعون ويتحدثون عن عجائب ~~ومعجزات ينوون إتيانها ثم يأبى كل منهم إلا أن يكون الأمر على هواه ومشيئته. إلا أنه لم يعجبني غير ~~هذا الرجل الضخم (سانين).» # فقال صاحبه: «ما أكثر ما نفهم حين يتجادل أمثالهم!» ولوى عنقه كأنما يخنقه شيء فصفر رفيقه ~~ساخرا بدل أن يجيبه. # | الفصل الرابع والعشرون # وقف سولوفتشك عند الباب برهة ينظر إلى السماء الغائمة ويفرك أصابعه النحيلة. وكانت الريح تزمر ~~حول الأبنية الخشبية وتحني رءوس الأشجار المتقاربة كأنها جند من الأشباح. وكانت السحب في سباق دائم ~~كأنما تدفعها قوة قاهرة إلى الأمام. أو كأنما تنتظرها جيوش يخطئها الحصر رفعت رايتها السوداء وخرجت ~~في كل قوتها الرائعة إلى ميدان تتصارع فيه العناصر. وكانت الريح ms148 كأنما تحمل من حين إلى حين ضجة ~~المعركة النائية. # وقف سولوفتشك ينظر إلى السماء وقد ملأت روعة المنظر نفسه. فلج به الإحساس بضآلته وأنه لا شيء ~~إزاء هذه الهيولى الهائلة. فتنهد وقال: «يا إلهي! يا إلهي!» وكان إذا أضواه الليل يعود شخصا آخر غير ~~الذي يعرفه الناس. وكذلك زايله القلق والارتباك الآن. واختفت أسنانه الدميمة وراء شفتيه الحساستين ~~وارتسمت في عينيه السوداوين نظرة الجد والشجن. # ودخل البيت في بطء وأطفأ مصباحا لا ضرورة إليه ورد المنضدة والكراسي إلى مواضعها، وكانت الغرفة ~~لا تزال ملأى بدخان الطباق والأرض مبعثرة عليها أعقاب السجائر والكبريت. فتناول مكنسة وشرع ينظف ~~الغرف وكان يحب أن يرى مأواه نظيفا مرتبا. ثم جاء بدلو ووضع في مائه كسرا من الخبز وحمل هذا في ~~يمينه ومد يسراه ليحفظ توازنه واجتاز الفناء بخطى قصيرة، وكان قد وضع مصباحا صغيرا قرب النافذة ~~لتضيء له طريقه، ولكن الظلام مع ذلك كان طاغيا، فلما وصل إلى مبيت الكلب تنفس الصعداء وتقدم كلبه ~~«سلطان» ليقابله. ~~«آه. سلطان! كوش كوش!» أخرج هذه الأصوات ليتشجع ودفع الكلب أنفه البارد البليل في كف سيده فوضع ~~له الدلو وقال له: «هذا أنت.» فشم الكلب الدلو ثم انطلق يأكل بنهم وسيده واقف بجانبه يتأمل الظلام ~~المحيط ويقول لنفسه: «ماذا أصنع؟ كيف أستطيع أن أحمل الناس على تغيير آرائهم؟ لقد كنت أنا نفسي أتوقع ~~أن يعلمني الناس كيف أعيش وكيف أفكر. ولقد ضن علي الله بصوت النبي فكيف أساعد الخلق؟» # وزام الكلب راضيا. فقال سيده: «كل واشبع. لقد كنت أود أن أطلقك لتعدو قليلا ولكن المفتاح ليس ~~معي وأنا متعب مجهود ... إيه ما أذكى من كانوا هنا الليلة وأعلمهم وأمهرهم! إنهم يعرفون شيئا كثيرا. ~~نصارى طيبون على الأرجح! وهذا أنا ... من يدري؟ لعل هذا خطئي وحدي. لقد كنت أحب أن أقول لهم كلمة. ~~ولكني حرت كيف أقولها.» # وحملت الريح من وراء المدينة صفيرا طويلا هافيا فرفع الكلب رأسه وأصغى وسقطت قطرات كبيرة من ~~كمامته في الدلو. فقال صاحبه: «كل ms149 واشبع إن هذا صوت المطر.» # فتنهد الكلب وقال سيده: «ترى هل يعيش الناس أبدا على هذا النحو؟ ربما أعياهم ذلك.» وهز كتفيه ~~يائسا. وبدت له في الظلام صورة حشد هائل من الخلق لا آخر له كالأبد يغيب ويختفي في الظلام - سلسلة ~~قرون لا مبدأ لها ولا منتهى - سلسلة متصلة الحلقات من آلام وأوجاع لا دواء لها ولا شفاء منها وفوقها ~~حيث عرش الله سكون أبدي! # واصطدم الكلب بالدلو فقلبه وأخذ يبصبص بذنبه، وسمع صوت سلسلته فمسح سولوفتشك ظهره وربته وأحس ~~هزة السرور تسري في كيان الكلب ثم انقلب إلى البيت، وكان يسمع منه صوت سلسلته، وبدا الفناء أقل ظلمة ~~والطاحون أشد جهامة بمدخنتها الطويلة والتمع في السماء خط عريض من النور أضاء المدينة هنيهة، فبدت ~~للعين أزهارها الصغيرة الضعيفة مطرقة تحت السماء الثائرة وأعلامها السوداء المنذرة التي نشرها ~~الليل. # وغلب الحزن سولوفتشك وراخى أعصابه الشعور بالوحدة وبخسارة لا عوض عنها، فدخل غرفته وجلس إلى ~~المنضدة وبكى. # | الفصل الخامس والعشرون # كتب سارودين رسالة إلى ليدا وقعت في يد أمها ماريا إيفانوفنا، وفيها يطلب إليها أن تأذن له في ~~الحضور ليراها، ويشير إلى أن هناك أمورا يمكن أن تسوى على نحو مرضي، فرأت ماريا إيفانوفنا أن هذه ~~الصفحات تلقي ظلا مخجلا على ابنتها الطاهرة، فارتبكت وذكرت معاشقها في صدر أيامها وما كان فيها من ~~خدع، وزواجها وما تخلله من آلام، وكانت حياتها سلسلة طويلة من الأوجاع صاغتها قوانين الأخلاق الحرجة ~~ومدتها إلى حدود الشيخوخة. # وهاجت لما خطر لها أن ابنتها كسرت الحائط الذي يدور بهذه الحياة القذرة، وانغمست في الدوامة ~~التي تختلط فيها اللذات والأحزان والموت. وقالت لنفسها: «يا لها من فتاة خسيسة خبيثة!» وهوى ذراعاها ~~إلى جانبيها. ثم خطر لها فجأة أن الأمور ربما كانت لم تبلغ هذا المدى فعزاها ذلك، وتلت الرسالة ثم ~~تلتها غير أنها لم تستخلص شيئا من أسلوبها الجاف المتكلف، ولما أعياها الأمر بكت بكاء مرا ثم سوت ~~قبعتها وسألت الخادمة: «دونيكا! هل فلاديمير سانين هنا؟» فصاحت ms150 دونيكا: «ماذا ؟» أجابت: «أيتها ~~الحمقاء إني أسألك هل فلاديمير سانين هنا؟» # قالت: «لقد ذهب إلى المكتبة! وهو يكتب رسالة!» # وانبسطت أسارير الخادمة كأنما كانت كتابة الرسالة مبعث سرور غير عادي، فحملقت ماريا في الفتاة ~~والتمع في عينيها الدابلتين نور الشر وقالت: «أيتها الورهاء (الحمقاء)! لئن اجترأت أن تحملي رسائل ~~مرة أخرى لألقننك درسا لن تنسيه عمرك!» # وكان سانين جالسا إلى مكتب ولم تألف أمه أن تراه يكتب، فارتاحت إلى هذا المنظر على الرغم من ~~حزنها وسألته: «ماذا تكتب؟» فقال سانين ورفع رأسه إليها باسما: «رسالة.» # قالت: «لمن الرسالة؟» # أجاب: «لصحفي أعرفه. فإني أفكر في الالتحاق بجريدته.» # قالت: «وهل تكتب مقالات للصحف؟» # فابتسم سانين وقال: «إني أصنع كل شيء.» # فقالت أمه: «ولكن لماذا تريد أن تذهب إلى هناك؟» # فقال سانين بصراحة: «لقد مللت العيش معك يا أماه.» # فتألمت أمه لذلك وقالت: «أشكرك.» فرامقها سانين ونازعته نفسه أن يقول لها لا ينبغي لك أن يبلغ ~~من حمقك أن تتصوري أن رجلا ليس له عمل يمكن أن يرتاح إلى البقاء أبدا في مكان واحد، ولكنه لم يكن ~~يحب أن يقول شيئا من هذا فسكت. # فأخرجت أمه منديلها وفركته بين أصابعها ولولا رسالة سارودين وحزنها وقلقها من جرائها لساءتها ~~خشونة ابنها ولكنها لم تزد على أن قالت: «نعم! واحد يتسلل من البيت كالذئب والأخرى.» # وأتمت الجملة إيماءة التسليم بالقضاء. # فرفع سانين رأسه إليها بسرعة وألقى القلم وسألها: «ماذا تعرفين عن هذا.» # فخجلت ماريا إيفانوفنا من أنها قرأت رسالة ليدا واحمر وجهها وأجابته بصوت المتردد يشوبه شيء من ~~الغيظ: «الحمد لله لست بالعمياء! وإني لأستطيع أن أرى.» # فقال سانين بعد أن فكر هنيهة: «ترين! إنك لا تستطيعين أن تري شيئا. ولكي أثبت لك ذلك دعيني ~~أهنئك بخطبة ابنتك! وكانت ستخبرك بهذا بنفسها.» # فصاحت ماريا إيفانوفنا واعتدلت قامتها: «ماذا؟ ليدا ستتزوج؟ تتزوج من؟» أجاب: «نوفيكوف ~~بالبداهة.» # قالت: «نعم، ولكن ما القول في سارودين؟» # فقال سانين بغضب: «أوه! إنه يستطيع أن يذهب إلى الشيطان وما شأنك بهذا؟ ms151 لماذا تتدخلين في شئون ~~غيرك؟» # فقالت أمه وبها بعض الدهشة إلا أنها أحست هزة الفرح: «نعم ولكني لم أفهم تماما يا فولودجا. إن ~~ليدا ستتزوج؟» # فهز سانين كتفيه وقال: «ما هذا الذي لا تفهمينه؟ لقد كانت تحب رجلا وهي الآن تحب غيره، وغدا ~~تحب ثالثا. حسن. بارك الله في معاشقها!» # فصاحت ماريا إيفانوفنا مغضبة: «ما هذا الذي تقوله؟» # فمال سانين إلى المكتب وطوى ذراعيه وسألها بغضب: «هل لم تحبي في حياتك إلا رجلا ~~واحدا؟» # فنهضت ماريا إيفانوفنا وارتسمت على وجهها المغضن أمارات الشموخ والتعالي وقالت بحدة: «لا ينبغي ~~للمرء أن يخاطب أمه بهذا اللسان.» # فسألها: «لا ينبغي لمن؟» فقالت: «ماذا تعني بمن؟» # فقال وصعد نظره فيها وصوبه: «من الذي لا ينبغي أن يتكلم.» ولحظ لأول مرة فراغ نظرة عينيها ~~وسخافة هيئة القبعة على رأسها، فقالت بصوت مخنوق: «لا ينبغي لأحد أن يوجه إلي مثل هذا ~~الكلام.» # فقال سانين واستعاد سكينته وأمسك القلم: «مهما يكن من ذلك فقد فعلته وانقضى الأمر. لقد فزت ~~بنصيبك من الحياة، ولا حق لك في منع ليدا من طلب نصيبها.» # فلم تجبه بشيء وراحت تحدجه بنظرات الدهشة وأسرعت فنفت ذكريات شبابها وكل ما كان في ليالي حبه ~~الفرحة وعلق بذهنها هذا السؤال وحده: «كيف يجرؤ أن يخاطبني بهذا اللسان؟» وقبل أن تهتدي إلى جواب ما ~~التفت إليها سانين وتناول يدها في رفق وقال: «لا يؤلمك هذا أو يزعجك وإنما يجب عليك أن تمنعي سارودين ~~من دخول البيت لأنه يستطيع أن يلعب معنا دورا قذرا.» # فهدأت ماريا إيفانوفنا وقالت: «بارك الله فيك يا بني. وإني لمسرورة جدا فقد كنت دائما أحب ~~ساكا نوفيكوف، نعم لا نستطيع أن نستقبل سارودين. هذا لا يمكن من أجل ساكا.» # فقال سانين وفي عينيه نظرة فكهة: «كلا! هو كما تقولين! من أجل ساكا.» # وسألته أمه: «وأين ليدا؟» أجاب سانين: «في غرفتها.» # فقالت: «وساكا؟» ونطقت مختصر اسمه هذا بعطف فقال سانين: «لا أدري: لقد ذهب إلى ...» # وفي هذه اللحظة دخلت دونيكا الخادمة وقالت: ms152 «فيكتور سارودين وسيد آخر معه.» # فقال سانين: «اطرديهما من البيت.» # فابتسمت دونيكا ابتسامة صبيانية وقالت: «سيدي كيف أستطيع ذلك؟» # فقال سانين: «تستطيعين بالطبع! ما شأنهما هنا؟» # فأخفت دونيكا وجهها وخرجت. ومدت ماريا إيفانوفنا قامتها حتى صارت في رأي العين أصبى وأصغر لولا ~~أن في عينيها نظرة شر. وكانت قد غيرت وجهة نظرها إلى الموضوع بسرعة مدهشة وسهولة عجيبة، فبعد أن كانت ~~تحس لسارودين رقة في قلبها لما كانت ترجو أن يتزوج من ابنتها عادت فأحست له شنآنا لما أدركت أن غيره ~~سيتزوج منها وأن سارودين لم يكن إلا طالب حب. # واستدارت لتخرج ولحظ سانين تحجر وجهها وصلابة نظرتها فقال لنفسه: «ها هنا دجاجة عتيقة لك يا ~~سارودين!» وطوى الرسالة التي كان يكتب وتبعها ليرى على أي حال ينتهي الأمر. # وبالغ سارودين وفلوتشين في تحيتها ولكن سارودين فقد سلاسة شمائله، وقلق فلوتشين قليلا إذ كان ~~قد جاء لغرض واحد هو أن يرى ليدا فاضطر أن يكتم غايته. # وبدا الاضطراب على سارودين على رغم تكلفه، وأحس أنه لم يكن يجمل به أن يأتي، وأشفق من لقاء ~~ليدا، ولكنه لم يكن يحب أن يطلع فلوتشين على هذا السر إذ كان يريد أن يظهر أمامه في مظهر الفاتك ~~اللهج فقال وتصنع الابتسام: «عزيزتي ماريا إيفانوفنا. اسمحي لي أن أقدم إليك صديقي بول ~~فلوتشين.» # فقالت ماريا بأدب جاف: «مسرورة» ولمح سارودين جفوة النظرة التي في عينيها فاضطرب وأدرك أنه لم ~~يكن ينبغي له أن يحضر بعد أن كان قد غفل عن هذا في حضرة صديقه، وقد تدخل ليدا في أي لحظة - ليدا أم ~~طفله - فماذا يقول لها! كيف يواجهها؟ وربما كانت أمها على علم بما وقع بينهما! فاضطرب في كرسيه وأشعل ~~سيجارة وهز كتفيه وحرك رجليه وتلفت يمينا وشمالا. # فقالت ماريا لصاحبه بصوت بارد متكلف: «هل تطول إقامتك هنا؟» # فقال «كلا!» وجعل ينظر إلى هذه السيدة الريفية نظرة الارتياح والرضى عن النفس وزج سيجارته في ~~زاوية فمه، فكان الدخان يصعد إلى وجهها مباشرة فقالت: «لا ms153 شك أن الحياة هنا مملة بعد ~~بطرسبرج.» # قال: «إنها على العكس لذيذة في هذه البلدة الصغيرة.» # قالت: «يحسن أن تزور الجهات المجاورة فإنها متنزهات بهيجة وفيها أماكن للسياحة ~~والتجديف.» # فقال فلوتشين وبدأ يسأم: «بالطبع يا سيدتي بالطبع.» # وتعثر الحديث وصاروا جميعا كأنما على وجوههم صور مستعارة باسمة تخفي تحتها عيونا متعادية. ~~ونظر فلوتشين عن عرض إلى سارودين نظرة لا سبيل إلى الخطأ في فهم مدلولها، ولم تفت سانين دلالتها، ~~وكان يرقب كل شيء من الركن الذي وقف فيه. # ولكن خوف سارودين أن يستصغر أمره صاحبه ولا يرى فيه ما زعمه من اللباقة والجرأة والفتك رد إليه ~~شيئا من عازب ثقته بنفسه وجرأته فسأل ماريا: «وأين ليدا بتروفنا.» # فنظرت إليه ماريا غاضبة مذهولة وقالت له عيناها: «ما أنت وهذا إذا كنت لن تتزوجها.» ثم قالت ~~بجفاء: «لا أدري! لعلها في غرفتها.» # فرمى فلوتشين نظرة أخرى إلى زميله معناها: «ألا تستطيع أن تستنزل ليدا بسرعة؟ إن هذه العجوز ~~مملة.» # ففتح سارودين فمه ولوى شاربيه. وقال فلوتشين باسما وفرك كفيه ومال إلى ماريا إيفانوفنا: «لقد ~~سمعت ثناء طيبا على ابنتك فطمعت أن أتشرف بمعرفتها.» # فعجبت ماريا إيفانوفنا لهذا الوقح ماذا سمع عن ابنتها وقام في نفسها أن ابنتها زلت وهوت. ~~فاضطربت ولانت نظرتها. فقال سانين لنفسه: «إذا لم يطردا الآن فسيسببان متاعب لليدا ونوفيكوف» ثم قال ~~فجأة لسارودين وهو ينظر إلى الأرض مفكرا: «سمعت أنك مسافر.» # فعجب سارودين كيف لم يخطر له هو هذا العذر واستحسن الفكرة وقال لنفسه: «لقد وجدت تكئة! إجازة ~~شهرين.» قبل أن يجيب بسرعة: «نعم لقد كنت أفكر في السفر لأن الإنسان محتاج إلى الانتقال وطول مقام ~~المرء في مكان واحد خليق أن يكسوه طبقة من الصدأ.» # فضحك سانين ضحكا عاليا وسره هذا الحديث الذي ليس فيه كلمة واحدة صادقة معبرة عن حقيقة ما في ~~النفوس، وهذا الخداع الذي لم يخدع أحدا. # ووجد ارتياحا وحرية فنهض وقال: «إذن فكلما كان ذلك أسرع كان خيرا.» # فتمزق الحجاب في لحظة واحدة، ms154 وتغير الثلاثة الآخرون، واصفرت ماريا إيفانوفنا ونطقت عين فلوتشين ~~بالخوف الحيواني، ونهض سارودين في بطء وتردد وسأل بصوت مبحوح: «ماذا تعني؟» # وتطرح فلوتشين وجعل يتلفت باحثا عن قبعته. # ولم يجب سانين على سؤال سارودين، بل ناول فلوتشين قبعته بخبث وكان هذا مفتوح الفم فخرج منه صوت ~~مخنوق وصاح سارودين مغضبا: «ماذا تعني بهذا؟» وقال لنفسه: «فضيحة!» # فأجاب سانين: «أعني أن وجودك هنا لا ضرورة له على الإطلاق، وأنه يسرنا أعظم السرور أن لا ~~نراك.» # فتقدم سارودين خطوة وهو مضطرب وأسنانه تلمع مهددة كأسنان الوحش وتمتم وأنفاسه مسرعة: «آه! أهذا ~~كذلك؟» # فقال سانين باحتقار: «اخرج.» ولكن لهجته بلغ من هولها أن حملق سارودين وتراجع. # وقال فلوتشين بأخفت صوت: «لا يدري إلا الشيطان معنى هذا.» ورفع كتفيه ومضى إلى الباب. # ولكن ليدا كانت واقفة في حرم الباب وفي ثياب غير مألوفة، وكان شعرها مضفرا والضفيرة مدلاة على ~~ظهرها وثوبها واسع مرسل فزادت بساطته في جمال شكلها. # وابتسمت فظهر الشبه بينها وبين أخيها وقالت بصوتها الرخيم الغض: «هذا أنا. لماذا تسرعان؟ فيكتور ~~سارودين ضع قبعتك.» فصمت سانين ونظر إلى أخته مذهولا وقال لنفسه: «ماذا ترى تعني؟» # وما كادت تظهر حتى وجدوا لها تأثيرا خفيا رقيقا لا سبيل إلى مقاومته، فكأنها وهي واقفة هناك ~~مروضة أمام قفص غاص بالوحوش الضارية، فهدأ الرجال وأذعنوا. # وتمتم سارودين: «هل تعلمين أننا ...» # فلما سمعت صوته ارتسم على وجهها الألم فنظرت إليه وخامرها الأسى والرقة والأمل، ولكن هذه ~~الإحساسات لم تلبث أن عفت عليها الرغبة الوحشية في أن تري سارودين مبلغ خسارته، وأنها ما زالت ~~جميلة وضاءة على الرغم من كل أساها وعارها اللذين كلفها إياهما. # فأجابته بصوت الآمر: «لا أريد أن أعرف شيئا.» وأغمضت عينيها فأحدث وجودها تأثيرا غريبا في ~~نفس فلوتشين فبرز لسانه الصغير الحاد من بين شفتيه الجافتين وصغرت عيناه واهتز كيانه. وقالت ليدا ~~لسارودين: «لقد نسيت أن تعرف بعضنا ببعض.» # فتمتم: «فلوتشين بافل لفوفتش.» وقال لنفسه: «وهذه الجميلة كانت عشيقتي.» # والتذ هذا الخاطر وأراد أن ms155 يتظاهر أمام فلوتشين بغير الواقع وإن كان قد أمضه الشعور بخسارته ~~التي لا تعوض. # فقالت ليدا لأمها في فتور: «إن أناسا يريدون أن يقابلوك.» # فأجابت ماريا إيفانوفنا: «لا أستطيع الذهاب إليهم الآن.» # فألحت ليدا: «ولكنهم ينتظرون.» # فنهضت ماريا إيفانوفنا مسرعة وراقب سانين أخته وقالت هذه: «ألا تذهبون إلى الحديقة؟ إن الجو هنا ~~حار لا يطاق.» ومضت الحديقة دون أن تتلفت وراءها. # وكأنما سحرتهم فتبعوها، وكأنما كانوا مقيدين إليها بخصل شعرها، فلو شاءت لجرتهم إلى حيث راقها، ~~وكان أسبقهم فلوتشين الذي سباه حسنها ونسي كل ما عداه. # وجلست ليدا على كرسي هزاز تحت شجرة الزيزفون، ومدت قدميها الصغيرتين الجميلتين في جوربيها ~~الشفافين الأسودين وحذائيها القصيرين، وكأنما كانت لها طبيعتان؛ إحداهما كلها أدب وخجل، والثانية ~~كلها إحساس بنفسها وحسن دلالها. وكانت الأولى تغريها باستفظاع الرجال والحياة ونفسها. # ثم قالت وهي مطرقة: «والآن يا فلوتشين أي أثر كان لبلدتنا الصغيرة الفقيرة النائية في ~~نفسك؟» # فأجابها فلوتشين وهو يفرك كفيه: «تأثير الزهرة المونقة تصافح عين الموغل في قلب الغابة ~~المظلمة.» # ثم بدأ حديث فارغ متكلف، كل ما يجري به اللسان منه كاذب راجف، وكل ما يطوونه هو الصادق. وجلس ~~سانين في صمت يصغي إلى أحاديث النفوس الصامتة المخلصة التي كانت تنطق بها الوجوه والأيدي والأقدام ~~واضطراب نبرات الصوت. وكانت ليدا شقية، وفلوتشين يشتاق جمالها، وسارودين يمقتها ويمقت سانين وفلوتشين ~~والدنيا جميعها، وكان يحب أن يفارقهم ولكنه لم يستطع أن يتحرك، ونازعته نفسه أن يأتي أمرا فاضحا ~~غير أنه لم يسعه إلا أن يدخن سيجارة بعد أخرى وهو أشد ما يكون رغبة أن يعلن إلى الحضور أن ليدا ~~عشيقته. # وعادت ليدا فسألت فلوتشين: «وكيف تحب المقام هنا؟ ألا تأسف لتركك بطرسبرج وراءك.» ونفسها تتقطع ~~حسرات وهي تعجب لأمرها لماذا لا تنهض وتدعهم. # فقال فلوتشين بالفرنسية ولوح بيده وحدق في ليدا: «على العكس!» # فقالت ليدا بدلال: «اسمع! اسمع! دعنا من الخطب الجميلة.» وكان جسمها يقول لسارودين: «إنك تظنني ~~شقية أليس كذلك؟ وأنني سحقت؟ ولكنك يا صاحبي ms156 مخطئ! انظر إلي!» # فقال سارودين: «يا ليدا بتروفنا! كيف تسمين هذا خطبة جميلة.» # فسألته ليدا بجفوة: «عفوا يا سيدي ماذا تقول؟» كأنما لم تكن سمعته ثم عادت إلى كلام فلوتشين ~~بلهجة أخرى: «حدثنا عن الحياة في بطرسبرج. إننا هنا نعيش كالنبات.» # ورأى سارودين أن فلوتشين يبتسم لنفسه ابتسامة من لا يصدق أن سارودين كانت له بها علاقة متينة ~~فعض شفتيه وتوجع. # فتعلقت عين فلوتشين بجمال ليدا وانطلق يهضب وكأنه القرد الصغير يهذي بما لا يفهم وقال: «حياة ~~بطرسبرج الشهيرة؟ إني أؤكد لك بشرفي أن حياتنا مملة لا لون لها. ولقد كانت هذه الحياة إلى ما قبل ~~اليوم كذلك في بطرسبرج وفي غيرها.» # فقالت ليدا وأطبقت جفونها: «أكذلك تقول؟» # وأتم فلوتشين كلامه فقال: «إن الذي يجعل للحياة قيمة ... هو المرأة الجميلة. وما ظنك بالنساء في ~~المدن الكبرى؟ آه لو ترينهن! وصدقيني إني مقتنع بأنه لن ينقذ الدنيا ويخلصها - إذا كان شيء من ذلك ~~مقدورا لها - سوى الجمال.» ولم يكن يريد أن يقول هذا ولكنه نطق به فجأة لظنه أنه أليق ما يكون، ~~وكانت لمحة وجهه ناطقة بالغباء والشره، وهو يكر في حديثه إلى موضوع المرأة الذي لم يكن أشهى منه ~~عنده. وكان سارودين يحمر تارة ويصفر أخرى من الغيرة فلم يطق الجلوس في مكان واحد فنهض وجعل يتمشى ~~وقال فلوتشين: «إن نساءنا كلهن سواء، كل واحدة منهن صورة طبق الأصل من الأخرى، فمن طلب امرأة يستحق ~~جمالها العبادة فليذهب إلى الأقاليم حيث الأرض بكر تخرج آنق الأزهار.» # فحك سانين قفاه ووضع إحدى رجليه فوق الأخرى. # فقالت ليدا: «وما خير أن تنفتح هذه الأزهار هنا إذا لم يكن ثم من هو أهل لقطفها؟» # فاهتم سانين فجأة وقال لنفسه: «آها! أهذا ما تقصد إليه.» والتذ هذا التلاعب بالألفاظ. # فسألها فلوتشين: «أهذا ممكن؟» # فأجابته ليدا بحرارة: «نعم هو كذلك! وإني لأعني ما أقول من الذي يقطف أزهارنا السيئة الحظ؟ ما ~~هؤلاء الرجال الذين نحسبهم أبطالا؟» # فسألها سارودين: «ألا تظنين أنك قاسية علينا في هذا ms157 الحكم؟» # فقال فلوتشين: «كلا! إن ليدا بتروفنا مصيبة!» ونظر إلى سارودين فانقطع تيار فصاحته، فضحكت ليدا ~~ضحكا عاليا وأثارت نظرها إلى سارودين، وقد امتزجت في نفسها عواطف الخجل والأسى والانتقام، وعاد ~~فلوتشين إلى الكلام وجعلت ليدا تقاطعه بالضحك لتخفي دموعها. # فقال سارودين: «أظن أن الوقت قد أزف فلنقم.» وأحس أن الموقف لا يحتمل ولم يكن يدري لماذا. ولكن ~~كل شيء - ضحك ليدا ونظراتها الساخرة واضطراب يديها - كان له وقع اللكم على الأذن وأضناه بغضه ~~المتزايد لها وغيرته من فلوتشين وشعوره بما فقد فسألته ليدا: «بهذه السرعة؟» # فافتر ثغر فلوتشين ولحس شفتيه بطرف لسانه وقال بلهجة المتهكم وقد زهاه انتصاره: «لا حيلة لنا. ~~إن فيكتور سارودين على ما يظهر متغير.» # وودعوا ولما انحنى سارودين على يد ليدا همس: «إن هذا فراق بيني وبينك.» ولم يشعر لليدا بمثل هذا ~~المقت. # ونازعت ليدا نفسها هنيهة أن تودع تلك الساعات الحالية ساعات الحب التي نعما بها ولكنها خنقت هذه ~~الرغبة وقالت بصوت خشن عال: «الوداع، سفر سعيد! لا تنسنا يا بافل لفوفتش!» # ولما انصرفا كانت ليدا وأخوها يسمعان فلوتشين وهو يقول: «ما أفتنها! إنها تسكرني مثل ~~الشمبانيا!» # وجلست ليدا على الكرسي الهزاز وتغيرت هيئتها ومالت إلى الأمام وأطرقت وجعلت ترجف ودموعها ~~تتساقط. # فقال سانين وتناول يدها: «تعالي! تعالي ما الخبر؟» # فقالت ليدا: «آه، دعني، ما أفظع الحياة!» وتدلى رأسها وغطت وجهها براحتيها وكانت ضفيرتها ~~الناعمة المصقولة قد زلت عن كتفها إلى صدرها. # فقال سانين: «ما خير أن تبكي لمثل هذه التوافه؟» # فتمتمت ليدا: «أوليس في الدنيا إذن من هم خير من هؤلاء الرجال؟» # فابتسم سانين وقال: «كلا! على التحقيق. إن الإنسان سافل بطبيعته، فلا تتوقعي منه شيئا من الخير ~~وإذا وطنت نفسك على هذا لم يحزنك ما يصيبك من شره.» # فرفعت ليدا إليه عينيها الجميلتين المغرورقتين وسألته: «أولا تنتظر أنت كذلك شيئا من الخير من ~~أبناء جنسك؟» # فأجابها سانين: «كلا! بالبداهة. إني أعيش في هذه الدنيا وحدي.» # | الفصل السادس والعشرون # في اليوم التالي ذهبت ms158 دونيكا تعدو إلى سانين ورأسها عار وكذلك قدماها، وكان في الحديقة، وصاحت ~~به وفي عينيها آيات الفزع: «فلاديمير بتروفتش! قد جاء الضباط وهم يطلبون أن يحادثوك!» ورددت هذه ~~الكلمات كأنما كانت درسا حفظته عن ظهر قلب. # فلم يعجب سانين إذ كان يتوقع ذلك من سارودين وسألها بلهجة المغتبط المازح: «هل يشتاقون جدا أن ~~يقابلوني؟» # ولا بد أن تكون دونيكا توقعت شيئا مزعجا ذلك أنها لم تخف وجهها بل طفقت تحدق في وجه سانين ~~وترنو إليه رنو العطف والذهول. # فأسند سانين فأسه إلى شجرة وشد حزامه ومضى إلى البيت في تؤدة على عادته، وكان يقول لنفسه: «ما ~~أسخفهم وأشد غباءهم!» وهو يفكر في سارودين ورسوليه ولم يكن يقصد بهذا إلى الطعن فيهم بل إلى مجرد ~~الإعراب عن رأيه الصريح المخلص في سلوكهم. # ولقي في طريقه ليدا خارجة من غرفتها فوقفت على العتبة ووجهها باهت ممتقع وعيناها قلقتان ~~محزونتان وشفتاها تختلجان دون أن ينبثا، وكانت في هذه اللحظة تحس أنها أشقى النساء في العالم وأعظمهن ~~جرما. # ورأى ماريا إيفانوفنا جالسة على كرسي ذي ذراعين أشد ما تكون فزعا ويأسا وعلى رأسها قبعتها ~~مائلة إلى أحد خديها، فألقت إلى سانين نظرة فزعة وخانها الكلام فابتسم لها وهم بأن يقف معها هنيهة ~~ولكنه آثر أن يمضي لشأنه. # وكان تاناروف وفون دايتز جالسين في غرفة الانتظار جلسة صلبة، ورأس كل منهما إلى زميله كأنما ~~كانت تضايقهما ثيابهما المشدودة، فلما دخل سانين وقفا في بطء وتردد كأنهما في شك مما يجب عليهما ~~نحوه. فقال سانين بصوت عال: «عما صباحا.» ومد إليهما كفه فتردد فون دايتز وانحنى تاناروف وبالغ في ~~الانحناء حتى لاستطاع سانين أن يرى قفاه وعاد سانين فقال: «أي خدمة أستطيع أن أقدمها لكما؟» ولم تفته ~~مبالغة تاناروف في التأديب وعجب له كيف وسعه أن يقوم بدوره السخيف بهذا الاطمئنان. # فاعتدل فون دايتز وأراد أن يكسب وجهه الممطوط كوجه الحصان هيئة الجد والوقار إلا أنه لم يفلح في ~~هذا الذي عالجه لفرط اضطرابه. ومن الغريب ms159 أن تاناروف - وهو في العادة سخيف حيي - هو الذي خاطب سانين ~~بلهجة حاسمة متزنة فقال: «إن صديقنا فيكتور سارودين قد أولانا شرفا بأن طلب إلينا أن نمثله في أمر ~~معين بعينكما.» ألقى هذه الجملة بإحكام الآلة وضبطها. # فقال سانين: «أهو!» بوقار مضحك وفتح فمه على آخره ومضى تاناروف في كلامه معبسا قليلا: «نعم يا ~~سيدي. إنه يرى أن سلوكك نحوه لم يكن ... أحسن ... أ ...» # فقاطعه سانين وقد بدأ صبره ينفد: «نعم نعم، فهمت. لقد كدت أطرده من البيت لكزا برجلي فقولك لم ~~يكن «أحسن» أقل العبارات صلاحا للعبارة عما حدث.» # فلم يلتفت تاناروف إلى هذا الكلام وقال: «حسن يا سيدي. إنه يصر على أن تسحب ألفاظك.» # وأيده فون دايتز بنعم نعم وكان ينقل رجليه كالجواد فابتسم سانين وقال: «أسحب ألفاظي؟ كيف أستطيع ~~أن أفعل ذلك؟ إن الكلمة كالطائر خرج من قفصه!» # فحار تاناروف وارتبك وحدق في وجه سانين بدل أن يرد عليه وقال سانين لنفسه «وا سوأتا لعينيه!» ثم ~~استأنف تاناروف الكلام وهو مغضب: «إن هذه ليست بالمسألة التي يجوز فيها المزاح فهل أنت مستعد لسحب ~~كلامك أم غير مستعد؟» # فصمت سانين برهة وجيزة وقال لنفسه: «ما أغباه» وهو يتناول كرسيا ثم جلس وقال بلهجة الجد: ~~«ربما كنت مستعدا أن أسحب كلامي لأرضي سارودين وأسكن نفسه لا سيما وأنا لا أعلق أضأل أهمية بما قلت ~~له. ولكن سارودين أولا لغبائه أبى أن يفهم الباعث لي على كلامي، ثم هو يأبى الآن إلا أن يلغط بالأمر ~~بدل أن يضبط لسانه، ثم إني ثانيا أمقت سارودين كل المقت ولست أرى في هذه الظروف أي مبرر لسحب ~~كلامي.» # فقال تاناروف بصوت أشبه بالصفير: «حسن جدا. وإذن ...» # وحملق فوق دايتز مذهولا واصفر وجهه الطويل. # وعاد تاناروف فقال بصوت عال أراد به الوعيد: «في هذه الحالة.» # فزاد كره سانين لهذا المخلوق وهو ينظر إلى جبهته الضيقة وثيابه المشدودة وقاطعه قائلا: «نعم ~~نعم. إني أعرف كل ذلك. ودعاني أقل لكما شيئا واحدا وهو أني أنوي أن ms160 لا أبارز سارودين.» # فاستدار فون دايتز بحدة ومط تاناروف جسمه وسأله بلهجة المحتقر: «ولماذا من فضلك؟» # فانفجر سانين ضحكا وزال كرهه له بأسرع مما جاء وقال: «حسن أذكر لك السبب. إني أولا لا أريد أن ~~أقتل سارودين، وأنا - ثانيا - أقل رغبة في أن يقتلني أحد.» # فقال تاناروف باحتقار: «ولكن ...» # فقاطعه سانين ووقف: «لن أبارزه والسلام. لماذا؟ إني لا أميل إلى تعليل شيء أو تفسيره لكما، وإن ~~ما تطلبان لأكثر مما لكما الحق فيه.» # وكان احتقار تاناروف لهذا الرجل الذي يأبى أن يبارز ممتزجا باعتقاده أن الضابط وحده هو الذي ~~رزق الشجاعة والإحساس بالشرف اللازمين لهذا العمل. ومن أجل ذلك لم يدهشه أن يرفض سانين بل لعل الرفض ~~سره. فقال بلهجة زارية: «هذا شأنك ولكني لا أرى بدا من تحذيرك ...» # فضحك سانين وقال: «نعم نعم، ولكني أنصح لسارودين أن لا ...» # فقاطعه تاناروف وهو يتناول قبعته سائلا: «أن لا يفعل ماذا؟» # فقال سانين: «أنصح له أن لا يلمسني وإلا جلدته حتى ...» # فصاح فون دايتز هائجا: «اسمع إني لا أستطيع أن أحتمل هذا ... إنك ... إنك إما تضحك منا. ألا تعلم ~~أنك برفضك أن تبارز ...» # وكان وجهه أحمر وعيناه جاحظتين، والزبد على فمه، فنظر سانين إلى فمه مستغربا وقال: «وهذا هو ~~الرجل الذي يعد نفسه من تلاميذ تولستوي!» # فقلق فوق دايتز وطوح رأسه وتمتم وهو مستح من أن يخاطب بهذه اللهجة من كان صديقا له إلى آخر ~~لحظة: «إني مضطر أن أرجوك أن لا تذكر هذا. فإنه لا شأن له بموضوعنا.» # فأجابه سانين: «أوليس لهذا شأن بما أذكرتك؟ حقيقة؟ إن له لدخلا كبيرا.» # فنعق فون دايتز: «ولكني مضطر أن أرجوك ...» # وقال تاناروف: «إن هذا كثير حقيقة.» # فقال سانين وتراجع مشمئزا من فون دايتز وكانت شفتاه تنثران ريقه: «أوه. كفى كفى! ظنا ما شئتما ~~فما يعنيني ظنكما وقولا لسارودين إنه حمار.» # فصاح فون دايتز: «ليس لك حق يا سيدي. أقول ليس لك حق.» # وقال تاناروف مقتنعا: «حسن جدا. دعنا نذهب.» # فصاح فون دايتز ولوح بذراعيه: ms161 «كلا! كيف يجرؤ؟ ... أي حق ... إن هذا ...» # فنظر إليه سانين هنيهة وأومأ محتقرا وخرج من الغرفة، فصاح به تاناروف: «سنبلغ رسالتك إلى ~~زميلنا الضابط.» # فقال سانين: «افعل ما شئت.» ولم يلتفت وراءه وكان يسمع تاناروف يعالج أن يهدئ روع فون دايتز ~~فقال لنفسه: «إن هذا الفتى سخيف في العادة ولكنه بصير عاقل إذا كانت المسألة من اختصاصه.» # وصاح فون دايتز وهما خارجان: «إن المسألة لا يمكن أن يسمح لها بالانتهاء عند هذا الحد.» # ونادت ليدا أخاها من غرفتها: «فولودجا.» # فوقف سانين وسألها: «ماذا؟» # أجابت: «تعال فإني أريد أن أحادثك.» # فدخل سانين غرفة ليدا وكان العطر يفغم الأنف فيها فقال سانين: «ما أحلى أن يكون المرء هنا!» ~~وكانت ليدا تواجه النافذة والأضواء المعكوسة عن الحديقة تضطرب على خديها وكتفيها. # فسألها سانين برفق: «ماذا تريدين مني؟» # فصمتت ليدا وأسرعت أنفاسها. # فسألها ثانية: «ما الخبر؟» # فقالت بصوت أجش ولم تلتفت إليه: «ألا تنوي أن تبارزه؟» # أجابها: «كلا.» فصمتت ليدا وقال سانين: «وماذا إذن؟» # فاضطربت ذقن ليدا والتفتت إليه بسرعة وقالت: «إني لا أفهم هذا ... لا أستطيع أن ...» # فقاطعها سانين متجهما وقال: «إذن فإن أسفي عليك عظيم.» # وأحس أن الغباء والشر يحيطان به من كل جانب، وغاظه أن يجد هذه الصفات في الأشرار والأخيار ~~والقباح والحسان على السواء، فاستدار وخرج. # وراقبته ليدا وهو يخرج ورأسها بين يديها، ثم ألقت بنفسها على السرير وامتدت ضفيرتها السوداء ~~الطويلة على الغطاء الأبيض، فبدت في هذه اللحظة على الرغم من يأسها أصبى وأينع. # وكانت النافذة ترسل النور والحرارة والعطر، ولكن ليدا لم تلتفت إلى شيء من هذا. # كان الوقت أصيلا بارع الجمال ومساء من تلك المسى التي تفيضها على الأرض في أخريات الصيف قبة ~~السماء اللازوردية، وكانت الشمس قد مالت صوب المغرب، ولكن الضوء كان وضاحا والجو صافيا رائقا ~~والندى كثيرا والتراب الذي ثار في بطء يعقد شفوفا دون السماء. والأصوات تسبح هنا وها هنا كأنما ~~تحملها أجنحة سريعة. # وكان سانين يسير في الطريق المعفر ورأسه عار، وعلى ms162 جسمه قميصه الأزرق حائل اللون قليلا عند ~~الكتفين ثم مال إلى درب كثير النجائل ميمما بيت إيفانوف. # وكان إيفانوف جالسا عند النافذة عريض الكتفين بادي الجد وشعره الطويل مرسل عن جبهته إلى ~~يافوخه، وأمامه الطباق يصنع منه لفائف، والحديقة ترسل إليه النسيم رطبا بليلا، وأوراق الأشجار ~~أمامه يومض فيها الطل، ورائحة الطباق القوية تغريه بالعطاس. فقال سانين ومال على حافة النافذة: «عم ~~مساء لقد طلب إلي اليوم أن أبارز.» # فأجابه إيفانوف غير محتفل: «أي فكاهة هذه؟ تبارز من؟ ولماذا؟ فقال سانين: «سارودين. فقد طردته ~~من البيت فعد هذه إهانة.» فقال إيفانوف: «إذن فسيكون عليك أن تلاقيه. دعنى أكون شاهدك وطير له ~~أنفه.» # فقال سانين وهو يضحك: «لماذا؟ إن الأنف عضو جميل من وجه الإنسان. كلا، لن أبارزه.» # فهز إيفانوف رأسه موافقا وقال: «هذا شيء حسن. والمبارزة بعد لا ضرورة إليها أبدا.» # فقال سانين: «ولكن أختي ليدا لا ترى هذا الرأي.» # فأجابه إيفانوف: «ذلك لأنها أوزة ورهاء (حمقاء). ما أكثر السخافات التي يؤمن بها الناس!» # وفرغ من آخر لفافة وأشعلها ووضع الباقية في علبة ونفخ بقايا الطباق عن النافذة ووثب منها وانضم ~~إلى سانين وسأله: «ماذا نصنع هذا المساء؟» فقال سانين مقترحا: «لنذهب إلى سلوفتشك.» فقال إيفانوف: ~~«لا لا!» # فقال سانين: «لماذا؟!» فقال إيفانوف: «لا أحبه؛ إنه كالدودة.» فهز سانين كتفيه وقال: «ليس شرا ~~من غيره، هيا بنا.» فقال إيفانوف: «حسن، هيا بنا.» وكان لا يمتنع عن شيء يقترحه سانين فمضيا معا. ~~ولكن سلوفتشك لم يكن في البيت، وكان الباب موصدا والفناء موحشا وليس به إلا «سلطان» يجرجر سلسلة ~~طوقه فنبحهما فقال إيفانوف: «يا له من مكان موحش. دعنا نذهب إلى الميدان.» # فعادا ونبحهما الكلب مرتين أو ثلاثا ثم أقعى أمام مبيته. # وراح ينظر إلى الفناء المهجور الموحش وإلى الطاحونة الصامتة وإلى آثار الأقدام على الحشائش ~~المعفرة. # وكانت فرقة الموسيقى تعزف في الميدان على عادتها والنسيم يهب عليلا والمتنزهون كثر تسير جموعهم ~~إلى الحدائق الظليلة تارة وإلى المدخل الحجري الضخم أخرى. ms163 # وما كان سانين وإيفانوف يدخلان وذراعاهما مشتبكتان حتى لقيا سلوفتشك وكان يسير وهو مطرق ويداه ~~وراء ظهره فقال سانين: «لقد مررنا الساعة بدارك.» # فاحمر وجه سلوفتشك اإبتسم وقال مجيبا: «أسألك العفو. وإني لعظيم الأسف ولكنه لم يخطر لي قط أنك ~~ستزورني اليوم وإلا للزمت البيت. لقد خرجت طالبا للرياضة قليلا.» والتمعت عيناه. # فقال له سانين بلهجة العطف وأمسك بذراعه: «تعال معنا.» وكأنما ابتهج سلوفتشك فأطبق على ذراعه ~~ودفع قبعته إلى قفاه، وسار معهما وكأنه ممسك بشيء ثمين لا بذراع سانين، وكان يخيل إليك أن فمه يصل من ~~أذن إلى أذن. # وكان رجال الفرقة حمر الوجوه منتفخي الخدود يرسلون أصوات آلاتهم النحاسية المصمة ويحثهم رئيسهم ~~ملوحا بعصاه بحماسة. وحول الفرقة طوائف من الكتبة وعمال الحوانيت والصبيان والبنات وعلى أجيادهم ~~مناديل زاهية الألوان. وفي طرقات الحديقة وممراتها طائفة مرحة من الضباط والطلبة والسيدات. # وما لبث أصحابنا الثلاثة أن قابلوا ديبوفا وشافروف ويوري فتبادلوا معهم البسمات. وبعد أن طافوا ~~بأرجاء الحديقة كلها قابلوا سينا كرسافينا فانضمت إليهم وسألتها ديبوفا: «لماذا تسيرين وحدك؟» وقال ~~بعضهم: «تعالي معنا.» # واقترح شافروف: «ميلوا بنا إلى ناحية منعزلة؛ فإن الزحام هنا شديد.» فمالوا إلى مكان أهدأ وأكثر ~~ظلا وهم يضحكون ويتحدثون. ولما بلغوا آخره وهموا أن يعرجوا على سواه التقوا بسارودين وتاناروف ~~وفلوتشين، وأدرك سانين أن سارودين لم يكن يتوقع أن يلتقي به هنا وأنه اضطرب اضطرابا شديدا، فقد ~~تجهم وجهه ومط جسمه. وضحك تاناروف ساخرا. # وقال إيفانوف لسانين: «إن هذا القرد الصغير لا يزال هنا.» ونظر إلى فلوتشين وكان هذا لم يرهم إذ ~~كان في شاغل من سينا، وكانت سائرة في طليعتهم حتى لقد التفت وراءه لينظر إليها. # فقال سانين: «نعم لا يزال هنا.» # وظن سارودين أن تاناروف إنما يقصده هو بضحكه فتلوى كأنما كان جلد وثارت ثائرة غضبه وترك ~~زميليه واندفع إلى سانين. # فقال سانين: «ماذا؟» وجد جده وعينه إلى سوط صغير في يد سارودين المرتجفة وقال لنفسه: «ما ~~أحمقك!» وخامره العطف عليه والغضب منه، فقال ms164 سارودين بصوت مبحوح: «أريد أن أقول لك كلمة. هل تلقيت ~~دعوتي؟» # فقال سانين وعينه ترصد كل حركة ليد الضابط: «نعم.» # فسأله سارودين: «وهل استقر رأيك على أن ترفض ... أن تعمل ما ينبغي لكل رجل محترم أن يعمله في مثل ~~هذه الظروف؟» # وكان صوته متهدجا مخنوقا وإن كان عاليا حتى لأنكره هو نفسه، ولم تؤاته الشجاعة على التحول عن ~~الطريق الذي أمامه. # فسكنت الحديقة فجأة كأنما لم يعد بها هواء ووقف الباقون من الناحيتين سكوتا مرتبكين ~~منتظرين. # وحاول إيفانوف أن يتدخل فقال: «أوه! أي شيطان ...» # فقاطعه سانين موجها كلامه إلى سارودين وقال بصوت غريب في هدوئه واتزانه وهو يحدق في عينه: ~~«أرفض بالطبع.» # فأسرعت أنفاس سارودين كأنه يرفع ثقلا جسيما، وسأله مرة أخرى بصوت رنان: «أسألك مرة أخرى - هل ~~ترفض؟» # فاصفر سلوفتشك وقال لنفسه: «وا أسفاه إنه سيضربه.» # ثم تمتم وهو يحاول أن يحمي سانين: «ماذا؟ ماذا جرى؟» # فلم يلتفت إليه سارودين ودفعه عنه بخشونة ولم ير أمامه إلا عين سانين الهادئتين ~~الباردتين. # وقال سانين بنفس هذه اللهجة: «لقد قلت لك هذا مرة.» # فماج كل شيء في نظر سارودين وسمع خلفه أقداما سريعة الخطى وصرخة امرأة وأحس من اليأس ما يحسه ~~من يسقط في هاوية فلوح في الهواء بسوطه. # وفي هذه اللحظة نفسها جمع سانين كل قوته ولكمه في وجهه بجمع يده فصاح إيفانوف ولم يملك نفسه: ~~«حسن!» # فتدلى رأس سارودين على كتفه وفاض على أنفه وفمه شيء حار أحس له وخزا في دماغه وعينيه، وتوجع ~~وسقط على يديه، وأفلت السوط من كفه وزلت قبعته عن رأسه ولم ير شيئا ولا سمع شيئا. ولا شعر إلا ~~بالفضيحة الشنيعة وبالألم الكاوي في عينيه. وصرخت سينا: «يا إلهي!» وأمسكت رأسها بكلتا يديها وأغمضت ~~عينيها. واستفظع يوري منظر سارودين وهو راقد على يديه ورجليه. فاندفع إلى سانين ووراءه شافروف. أما ~~فلوتشين فزلت نظارته عن أنفه لما تعثر وعدا بأسرع ما يستطيع على النبات البليل حتى اسودت سراويله ~~البيضاء الناصعة إلى الركبتين. # وقرض تاناروف أضراسه ms165 هائجا وتقدم مثل يوري، ولكن إيفانوف أمسك بكتفه ورده. فقال سانين باحتقار: ~~«هذا حسن، دعه يقبل.» وكان واقفا ورجلاه منفرجتان وأنفاسه بطيئة والعرق يتصبب عن جبينه. # ونهض سارودين بطيئا وندت عن شفتيه الوارمتين المرتجفتين ألفاظ وعيد خافتة غير مفهومة رآها ~~سانين غاية السخافة والبله. # وكان الجانب الأيسر كله من وجه سارودين قد انتفخ وورم ولم تعد عينه ترى والدم يسيل من فمه وأنفه ~~وجسمه كله يرعد كأنما ترعشه الحمى. ولم يبق شيء من ذلك الضابط الرشيق الوسيم. # فقد سلبته هذه اللكمة الفظيعة كل مظهر إنساني، ولم تدع إلا كتلة مشوهة مستبشعة تبعث على العطف ~~والمرثية، ولم يحاول أن يمضي أو أن يدافع عن نفسه، وجعلت أسنانه تصطك وهو يبصق الدم ونفض الرمل عن ~~ركبتيه ثم دار رأسه فمال إلى الأمام وسقط على الأرض مرة أخرى. # فصاحت سينا: «ما أفظع هذا! ما أشنعه!» وأسرعت فغادرت المكان. وقال سانين لإيفانوف: «هيا بنا.» ~~ونظر إلى السماء حتى لا تقع عينه على هذا المنظر البشع. # فقال إيفانوف: «وتعال معنا يا سلوفتشك.» # ولكن سولوفتشك لم يتحرك بل ظل يحدق في سارودين وفي الدم والرمل القذر على ثيابه البيضاء وهو ~~يرجف وشفتاه تختلجان. # فجره إيفانوف بعنف ولكن سلوفتشك دفعه بحدة عجيبة ثم التصق بجذع شجرة كأنما يريد أن يقاوم من ~~يجره بالقوة. # وقال: «لماذا؟ لماذا فعلت هذه الفعلة؟» # وصاح يوري في وجه سانين: «ما أنذل هذا العمل!» # فأجابه سانين وعلى فمه ابتسامة ساخرة: «نعم نذالة! هل كان يكون خيرا في رأيك لو تركته يضربني؟» ~~ثم أشار بيده وحث خطاه ورمى إيفانوف إلى يوري نظرة ازدراء وأشعل سيجارة وتبع سانين على مهل، وقال له ~~ظهره العريض وشعره المصقول: «ما أقل ما أثر فيك هذا المشهد!» وقال هو لنفسه: «ما أقدر الإنسان على أن ~~يصير وحشا!» # ونظر سانين وراءه مرة ثم مضى مسرعا. # وقال يوري وهو يمضي: «مثل الوحوش تماما.» # وتلفت وراءه فإذا الحديقة التي كانت جميلة لطيفة قد صارت بعد الذي وقع مكانا موحشا جهما ~~معزولا عن ms166 سائر العالم . # وتنفس شافروف الصعداء وتلفت من وراء نظارته في كل جهة كأنما يتوقع أن تتكرر هذه الفظيعة في أية ~~لحظة. # | الفصل السابع والعشرون # تغيرت حياة سارودين كل التغير في لحظة، كانت رحبة سلسة كلها مرح، فعادت الآن مشوهة لا تحتمل، ~~وسقط القناع الضاحك وبدا وجه الوحش الدميم. # وكان تاناروف قد حمله إلى مسكنه في مركبة، فجعل في الطريق يبالغ في التألم والتظاهر بالضعف حتى ~~لا يفتح عينيه، وبذلك ظن أن يجتنب تعيير آلاف العيون له كلما وقعت عليه، وكان يخيل إليه أن ظهر ~~السائق والمارة والوجوه المتطلعة من النوافذ وذراع تاناروف حول خصره. كل ذلك ليس إلا عبارات صامتة عن ~~الاحتقار. ولج به هذا الشعور المؤلم حتى كاد يغشى عليه، فأحس أن رشده يكاد يعزب وتمنى الموت، وأبى أن ~~يعترف بالواقع وظل يعالج أن يتصور أن هناك خطأ أو سوء تفاهم وأن خطبه ليس من الهول بحيث يتصور. ولكن ~~الحقيقة الواقعة بقيت كما كانت، فصار يأسه أظلم. # وشعر سارودين بأن أيديا تساعده وأنه يتألم، وأن يديه ملوثتان بالدم والأقذار، وعجب لنفسه كيف ~~لا يزال يشعر بهذا، وكانت المركبة ربما مالت إلى طريق آخر عند ركن حاد فيفتح عينيه ويرى ما ألف من ~~الشوارع والمنازل والناس والكنيسة، كل شيء كما كان لم يلحقه تغيير، ولكن كل شيء كان يبدو له غريبا ~~مناصبا. وكان المارة يقفون ويحملقون فيغمض سارودين عينيه خجلا ويأسا. وكأن الطريق لا آخر له، ثم ~~تصور وجوه خادمه وربة البيت والجيران، فود لو يطول الطريق إلى غير نهاية وأن يظل ماضيا هكذا إلى غير ~~غاية وعيناه مغمضتان. # وكان تاناروف أعظم ما يكون استفضاحا لهذا الموكب، فجعل ينظر أمامه وهو مضطرب أحمر الوجه، وحاول ~~أن يوقع في روع النظارة أنه لا شأن له على الإطلاق بهذه المسألة. وكان في أول الأمر يدعي العطف على ~~سارودين ثم لم يلبث أن لزم الصمت، وربما استحث السائق من حين إلى حين وأسنانه مطبقة، فأدرك سارودين ~~من هذا ومن تراخي ذراعه حوله بل ms167 من دفعه به أحيانا، ما يحسه تاناروف، وجاء إدراكه هذا أن رجلا ~~كتاناروف دونه بمراحل صار يخجل منه مغريا له بالاعتقاد أن كل شيء قد انقضى. ولم يستطع سارودين أن ~~يجتاز فناء الدار بغير معين، فكان على تاناروف والخادم المذهول أن يحملاه، ولم ير سارودين غيرهما، ثم ~~وضعاه على الفراش ووقفا أمامه مترددين لا يعلمان ماذا يصنعان، فهاج ذلك سارودين، ولما عادت إليه نفسه ~~جاء الخادم بماء ساخن ومنشفة وغسل له وجهه ويديه، وكان سارودين يتجنب عينه، ولكن وجه الخادم لم يكن ~~فيه شيء من دلائل الشر أو الزراية، ولم يكن المرء يقرأ فيه سوى آيات العطف والقلق وهو يتمتم: «كيف ~~حدث ذلك يا سيدي؟ وا أسفاه! وا أسفاه؟ ماذا فعلوا به؟» فصاح تاناروف مغضبا: «هذا ليس شأنك.» وتلفت ~~حوله مضطربا ثم مضى إلى النافذة وأخرج سيجارة ولكنه تردد ولم يدر أيليق به وسارودين ملقى هناك أن ~~يشعلها فردها إلى موضعها من العلبة ودفعها في جيبه. # وقال الخادم ولم يصدمه ما أصابه من سوء الرد: «هل أدعو الطبيب.» فمد تاناروف أصابعه مترددا ~~وقال: «لا أدري» بصوت آخر غير الأول وأدار وجهه، وسمع سارودين هذه الكلمات واستهول أن يرى الطبيب ~~وجهه المحطم فتمتم بضعف: «لا أريد أحدا.» كأنما يعالج أن يقنع نفسه وغيره أنه سيموت. ولما طهر وجهه ~~من الدم والأقذار لم يعد بشعا بل لعله صار أبعث على العطف. فنظر تاناروف مسرعا ثم صرف عنه عينه، ~~ولمح سارودين هذه الحركة على خفائها وناله منها ألم ويأس لا سبيل إلى العبارة عنهما، فأطبق جفونه ~~وصاح بصوت متقطع تخنقه العبرات: «اتركاني أوه! أوه!» # فرماه تاناروف بنظرة أخرى وتملكه السخط عليه والاحتقار له وقال لنفسه بارتياح خبيث: «إنه يهم ~~فعلا بالبكاء.» # وكان سارودين مغمضا عينيه هادئا فنقر تاناروف بأصابعه على حافة النافذة ولوى شاربيه وتلفت ~~حوله ثم أطل من النافذة واشتاق أن يخرج ولكنه قال لنفسه: «لا أستطيع ذلك الآن. ما أمله! الأوفق أن ~~أبقى حتى ينام.» # ومضى ربع ساعة أخرى وسارودين لا ms168 يهدأ وتاناروف على أحر من الجمر قلقا. وأخيرا هدأ ولم يعد ~~يتحرك فسر تاناروف وقال: «آها! لقد نام. نعم وأنا واثق من ذلك.» # ومشى بحذر وخفة حتى لم يسمع صوت مهمازه، ولكن سارودين فتح عينيه فجأة. فوقف تاناروف وأدرك ~~سارودين ما انتواه صاحبه وعرف تاناروف أنه افتضح. ثم حدث أمر غريب: أغمض سارودين عينيه وادعى النوم ~~وحاول تاناروف أن يقنع نفسه بأن صاحبه نائم وإن كان على يقين جازم بأنه يراقبه ويرصد حركاته. وهكذا ~~زحف من الغرفة وهو منحن يحس كأنه خائن محكوم عليه. # وأغلق الباب وراءه في رفق. وكذا انبتت روابط الصداقة التي كانت بينهما إلى الأبد. وأحس ~~كلاهما أن هاوية لا سبيل إلى تخطيها قد احتفرت بينهما. وأنهما صارا غريبين. # ولما صار تاناروف في الغرفة الخارجية تنفس بحرية، ولم يأسف على انقطاع الصلة بينه وبين من قضى ~~كثيرا من سني حياته معه. وقال للخادم على سبيل المداراة: «اسمع. سأذهب الآن. وإذا جد شيء ... إنك تفهم ~~...» # أجاب: «حسن جدا يا سيدي.» ~~- «أنت الآن تعرف، غير الضمادات كثيرا.» # وأسرع إلى السلم ومنه إلى بوابة الحديقة ثم أخرج نفسا عميقا طويلا لما رأى الشارع الساكن ~~العريض، وكان الظلام قد زحف فسره أن لا يستطيع أحد أن يرى احتقان وجهه. # وقال لنفسه: «من يدري! قد يزجون بي في هذه المسألة الفاضحة؟ ولكن ما شأني بها؟» # وهبط قلبه في صدره لما بلغ الميدان وحاول أن يهدئ روعه وأن ينسى أن تاناروف دفعه بقوة حتى كاد ~~يسقط إلى الأرض. ~~«إلى الشيطان بها! ما أشأمها حادثة! إن سببها كلها سارودين لماذا راح يصاحب مثل هذا ~~الوحش؟» # وكان مستعدا أن يلمح في وجوه المارة أمارات السخرية والتهكم، فلو تعرض له أحد لاستل سيفه. ~~ولكنه لم يلق إلا قليلين كأنهم الظلال المتنقلة يمضون مسرعين. ولما بلغ البيت صار أهدأ وكر ذهنه إلى ~~صدمة تاناروف فقال: «لماذا لم أضربه؟ لقد كان يجب علي أن ألكمه على فكه. وكنت أستطيع أن استعمل ~~سيفي. وكان في جيبي مسدسي أيضا. ولقد ms169 كان يجب أن أقتله به كالكلب. ألا كيف نسيت المسدس؟ من يدري عسى ~~أن يكون هذا خيرا ولنفرض أني قتلته؟ إذن كانت المسألة تصبح في أيدي البوليس ولعل بعض الموجودين كان ~~معه مسدس أيضا. حالة لطيفة أليس كذلك؟ وعلى كل حال فلا يعلم أحد أنه كان معي سلاح. وستنسى المسألة ~~تدريجيا.» # وتلفت تاناروف بحذر وهو يخرج مسدسه ويضعه على المنضدة وقال: «يجب أن أذهب إلى الكولونول حالا ~~وأن أفهمه أن لا شأن لي بهذا الموضوع ولا دخل لي فيه.» وأغلق الدرج على المسدس ثم نازعته نفسه أن ~~يذهب إلى نادي الضباط وأن يصف الحادثة وصف شاهد عيان، وكان الضباط قد سمعوا بها في الحدائق العامة ~~فارتدوا مسرعين إلى ناديهم ليطلقوا العنان لسخطهم. وكانوا في الحقيقة قد سرهم ما أصاب سارودين لأن ~~رشاقته وأناقته في ملبسة وهيئته كثيرا ما ضيعتاهم. # فاستقبلوا تاناروف بالترحيب وبالرغبة الصريحة في الاستطلاع، وأحس هو أنه بطل الساعة وهو يفصل ~~الحكاية لهم، وكان المرء يلمح في عينه نظرة مقت لصديقه الذي كان دائما يفوقه. وذكر حادثة القرض ~~ووقوف سارودين منه موقف المتنازل فانتقم لنفسه منه بأن أفاض في وصف ما أصابه من الهزيمة. ~~••• # وفي خلال ذلك كان سارودين وحده على فراشه. وعلم خادمه بما أصابه من الناس فجعل يتنقل في سكون ~~ورفق وهو قلق حزين. وأعد أدوات الشاي وجاء بقليل من النبيذ وطرد الكلب الذي جعل يثب فرحا بعودة سيده ~~ثم قال بعد برهة: «سيدي يحسن بك أن تتناول قليلا من النبيذ.» # ففتح سارودين عينيه وقال: «ماذا؟» وأغمضهما، وبجهد ما استطاع أن يحرك شفتيه وأن يطلب ~~المرآة. # فتنهد الخادم وجاءه بها ورفع له شمعة أمامها. وقال لنفسه: «ترى لماذا يريد أن ينظر إلى ~~وجهه؟» # فنظر سارودين في المرآة ثم صرخ مكرها، فقد رأى أمامه وجها مشوها مسيخا أحد جانبيه أسود أزرق ~~وعينه منتفخة وشاربه كالأشواك على خده الوارم. «خذها عني! خذها!» وبكى «إلي بشيء من الماء.» # فقال الخادم وهو يقدم إليه الماء في كوب لزج تفوح منه ms170 رائحة الشاي : «سيدي لا تأس على ما نزل، كل ~~شيء سيعود كما كان.» # ولم يستطع سارودين أن يشرب وجعلت أسنانه تصطك بزجاج الكوب وأريق الماء على ثيابه. # فتوجع وقال بضعف: «اذهب» وخطر له أنه ما من أحد في الدنيا يعطف عليه غير هذا الخادم، ولكن الرقة ~~التي أحسها قلبه نحو خادمه عفى عليها الشعور بأنه محل للمرثية حتى من الخادم. # فخرج الخادم وعيناه مغرورقتان وجلس على السلم المؤدي إلى الحديقة. وتمسح به الكلب وحك أذنه ~~بركبته ورفع إليه وجهه مستفسرا، فمسح الخادم شعره في رفق، وكانت النجوم مضيئة في السماء فتوجست نفسه ~~خيفة وأحس أن كارثة ستقع. وذكر قرينه وأهله فقال: «إن الحياة كلها أسى وكرب.» # وانقلب سارودين في فراشه ولم ينتبه إلى أن الضمادة زلت عن وجهه لما دفئت وتمتم: «قد انقضى كل ~~شيء! حياتي كلها ذهبت. لماذا؟ لأني أهنت - ضربت كالكلب - ضرب وجهي بلكمة! ألا لن أستطيع ~~البقاء في فرقتي. أبدا، أبدا.» # ومثلت لعينه صورته كأوضح ما تكون وهو يحبو على يديه ورجليه، ذليلا مهينا مضحك الهيئة. يخرج ~~وعيدا سخيفا. وظل مرة بعد أخرى يحضر إلى ذهنه تفاصيل ما جرى له، وكلما تمثله طغى به الألم ولكن ~~أوجع ما آلمه تذكر ثوب سينا كرسافينا وكان قد لمحه في اللحظة التي كان يقسم فيها أن ينتقم. # ثم حاول أن يدفع خواطره في مجرى آخر فقال: «من الذي رفعني؟ أهو تاناروف؟ أم ذلك اليهودي الذي ~~كان واقفا معه؟ لا بد أن يكون تاناروف على أن هذا لا يهم. إنما المهم أن حياتي انهارت وأن علي أن ~~أترك فرقتي والمبارزة، ما القول في هذا؟ لقد انتصر علي. فلا بد من تركي الفرقة.» # وذكر سارودين أن لجنة إحدى الفرق أكرهت ضابطين متزوجين على الاستقالة لأنهما رفضا ~~المبارزة. ~~«وسيطلب إلي أن أستقيل كذلك بكل أدب، بدون مصافحة، لن يباهي أحد الآن بأن يرى معي في الميدان. ~~أو يحسدني أحد أو يحاكيني. ولكن هذا لا شيء. إنما المهم هو العار. لماذا؟ ألأني لكمت على ms171 وجهي؟ لقد ~~جربت ذلك من قبل لما كنت تلميذا في المدرسة الحربية فضربني ذلك الرجل الضخم - شفارتز - وأطار أحد ~~أسناني. ولم ير أحد في هذا عارا. ولكنا تصافحنا بعد ذلك وصرنا خير الأصدقاء. ولم يحتقرني أحد يومئذ. ~~فلماذا يكون الأمر الآن غير ذلك؟ إن الحادثتين سواء على التحقيق. ولقد سال دمي يومئذ وسقطت على ~~الأرض. وعلى هذا ...» # ولم يجد سارودين جوابا مريحا على هذه الأسئلة التي يبعثها اليأس: «لو أنه كان قبل دعوتي وضرب ~~وجهي بالرصاص لكان هذا شرا وأوجع. ولكنه لم يكن يحتقرني أحد حينئذ بل على العكس كنت أفوز بالعطف ~~والإعجاب، فهناك فرق بين الرصاصة واللكمة. أي فرق؟ ولماذا يكون هناك فرق؟» # وتتابعت خواطره سريعة غير منتظمة ولكن آلامه ومصيبته حركت على ما يظهر شيئا جديدا كامنا في ~~نفسه لم يكن يشعر به في أيام هنائه ومرحه. ~~«إن فون دايتز مثلا كان دائما يقول: «إذا ضربك أحد على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.» ولكن ~~على أي حال من الهياج عاد من بيت سانين اليوم؟ عاد يصيح مغضبا ويلوح بذراعيه لأن سانين أبى أن ~~يبارزني! إن الحقيقة أنه غير ملوم على تقصيري في جلده وقد أخطأت في أني لم أجلده في الوقت المناسب. ~~إن الأمر كله ظلم. على أن هذا هو الواقع والفضيحة باقية. وسيكون واجبي أن أترك الفرقة.» # وضغط سارودين بكلتا يديه على جبينه المتصدع وجعل يتقلب ويتلوى لأن ألم عينه كان مما يطير له ~~العقل، ثم تمتم وهو هائج: «أتناول مسدسا وأهجم عليه وأطلق على رأسه رصاصتين. وهناك وهو ملقى على ~~الأرض أدوس بقدمي على وجهه وعينيه وأسنانه ...» # وسقطت الضمادة إلى الأرض وسمع سارودين صوتها ففزع متراجعا وفتح عينيه فأبصر حوض ماء ومنشفة ~~ورأى النافذة المظلمة كأنها العين المرعبة تحدق فيه. فقال: «لا لا! لم تعد في الأمر حيلة الآن. لقد ~~رأى الناس جميعا ما حدث وأبصروني وأنا أزحف على يدي ورجلي آه! يا للفضيحة والعار! ضربت على وجهي! ~~كلا! إن هذا أكثر مما يحتمل. ولن ms172 أكون حرا أو سعيدا مرة أخرى.» # ثم أضاء في ذهنه خاطر جديد حاد. ~~«ومع ذلك فهل كنت حرا في يوم من أيام حياتي؟ كلا! هذا هو السبب فيما يكربني ويحزنني الآن لأن ~~حياتي لم تكن حرة، لأني لم أعش على النحو الذي يروقني. ولو أن إرادتي كانت حرة طليقة أكنت أطلب أن ~~أبارز رجلا أو كانت نفسي تنازعني أن أجلده بالسوط؟ لو كنت حرا لما لكمني أحد. من أول من تخيل ومتى ~~تخيل أن الإهانة لا يغلسها إلا الدم المراق؟ لست أنا على التحقيق. ولقد غسلتها أو هي غسلت في الحقيقة ~~بدمي أليس كذلك؟ ولست أدري ما معنى هذا كله، ولكن الذي أدريه أني مضطر أن أترك فرقتي.» # وكان يود لو اتجهت خواطره إلى ناحية أخرى ولكنها كانت كالطيور المهيضة المقصوصة الأجنحة لا تزال ~~ترجع وتكر إلى حقيقة واحدة مركزية هي أنه أهين وأنه مضطر أن يغادر الفرقة. # وذكر أنه رأى مرة ذبابة سقطت في شراب مراق فجعلت تزحف على الأرض وتجر أرجلها اللزجة وأجنحتها ~~بأقصى صعوبة، وكان من الواضح أن الذبابة المسكينة لا مفر لها من الموت، وإن كانت لا تزال تجاهد وتبذل ~~جهودا عنيفة لاسترداد حرية أرجلها. ولقد أشاح يومئذ عنها بوجهه مشمئزا، فالآن مثلت لعينيه كأنه ~~محموم يحلم. ثم ذكر قتالا دار بين فلاحين أهوى أحدهما على وجه صاحبه بضربة مرعبة طرحته على الأرض ~~وكان شيخا أبيض الشعر. # فنهض ومسح أنفه الدامي بكمه وصاح: «يا لها من حماقة.» # ثم قال نعم أذكر أني رأيت هذا وأنهما شربا معا في حان «الكرون.» # ومضى الليل إلا قليلا، فكأن سارودين في سكونه الثقيل الوطأة الحي الشقي الوحيد فوق ظهر الأرض، ~~وكانت الشمعة لا تزال موقدة على المنضدة. ولكنه كان غارقا في ظلام خواطره المضطربة فكان يرمقها بعين ~~محمومة. # وكان في هذه الفوضى - فوضى الذكريات والخواطر - يرى شيئا واضحا هو الإحساس بوحدته إحساسا له ~~وقع الخنجر في قلبه. وكان يحدث نفسه أن ملايين من الناس في هذه اللحظة يقطفون أزهار الحياة ms173 ويضحكون ~~ويمزحون ، ولعل بعضهم يتحدثون عنه وليس وحيدا سواه. وحاول عبثا أن يذكر الوجوه التي ألفها، فلم تبد ~~له إلا صفراء باردة منكرة وفي عيونها نظرة استطلاع وشماتة. ثم ذكر ليدا فمثلت لخياله كما رآها آخر ~~مرة؛ عينها الواسعة الحزينة، والصدرية الرقيقة التي تشف عن ثدييها الناعمين وشعرها ضفيرة واحدة. ولم ~~ير سارودين في وجهها لا مقتا ولا احتقارا. بل كانت عيناها تنظران إليه نظرات العطف والأسى. وذكر ~~كيف ردها في أظلم ساعات حزنها، فأحس لفقدها وقع السكين واتجهت إليها روحه كأنها آخر ملجأ ومعاذ ~~واشتاق عطفها وحنانها، وخيل إليه هنيهة أن آلامه ستعفى على الماضي وتمحوه، ولكنه لم يكن يخفى عنه أن ~~ليدا لن تعود إليه، وأن ما بينهما قد مضى وانقضى، وأنه لم يبق أمامه سوى فراغ هائل. # فرفع ذراعه وضغط بكفه على جبينه، وظل كذلك لا يتحرك وعيناه مغمضتان وفمه مطبق وراح يعالج أن لا ~~يرى شيئا وأن لا يسمع شيئا وأن لا يحس شيئا، ولكن يده انحدرت عن جبينه بعد قليل فجلس واشتد ~~الصداع، وعاد لسانه وكأن فيه نارا وارتجف من فرعه إلى قدمه ثم نهض ومشى إلى المنضدة وهو يقول: «لقد ~~فقدت كل شيء؛ حياتي وليدا ... كل شيء.» # وخطر له أن هذه الحياة التي قضاها لم تكن لا صالحة ولا سعيدة ولا رشيدة بل حياة خرق وسفالة وشر. ~~وأن سارودين - الوسيم الخليق بخير متع الدنيا وأحلاها - لم يعد له وجود، وأنه لم يبق منه إلا جسم ~~ضعيف يحمل كل هذا العار والألم. ~~«إن البقاء مستحيل لأن معناه إمحاء الماضي ولا بد لي من حياة جديدة، ومن أن أصبح رجلا آخر، ~~وهذا ما لا طاقة لي عليه.» # وسقط رأسه على المنضدة وظل كذلك - في ضوء الشمعة الضعيف المضطرب - لا يتحرك. # | الفصل الثامن والعشرون # ذهب سانين إلى سلوفتشك في نفس هذه الليلة، وكان هذا اليهودي جالسا وحده على سلم بيته ينظر إلى ~~المكان الموحش العاري الذي أمامه. وما كان أشجى منظر الخصاص الفارغة الصدئة الأقفال ونوافذ الطاحون ms174 ~~السوداء! لقد كان المنظر كله ناطقا بنضوب الحياة والجزر في مدها الأول. # ولم يفت سانين هذا التغير في ملامح سلوفتشك، فقد كان لا يبتسم، وكانت نظرته قلقة مضطربة وعيناه ~~تتساءلان وقال: «آه! عم مساء.» وتناول يد سانين ثم استأنف التحديق في السماء الساكنة. وجلس سانين إلى ~~جانبه على السلم وأشعل سيجارة وجعل يراقب سلوفتشك في صمت ويجد لذة في درس هذه الحالة الغريبة، ثم قال ~~بعد برهة: «ماذا تصنع بنفسك هنا؟» # فإذا سلوفتشك يحرك عينيه الحزينتين الواسعتين إليه في فتور ويقول: «إني أعيش هنا، وكانت عادتي ~~أن أكون في المكتب أيام كانت الطاحون دائرة. ولكنها الآن مغلقة وقد ذهب كل امرئ سواي.» فسأله سانين: ~~«ألا تحس وحشة الوحدة هنا؟» # فصمت سلوفتشك ثم هز كتفيه وقال: «سواء عندي كل شيء.» وسكتا برهة فلم يكن يسمع إلا صوت سلسلة ~~الكلب ثم قال سلوفتشك بحدة مفاجئة: «إن المكان ليس موحشا بل الموحش هو هذا وهذا.» وأشار إلى رأسه ~~وصدره. # فسأله سانين في هدوء «ما خطبك؟» # فقال سلوفتشك وزاد حماسة: «اسمع لقد ضربت اليوم رجلا وحطمت له وجهه. وربما كنت قد قضيت على ~~حياته. ولا يسوءك كلامي هذا. لقد فكرت كثيرا في هذا كله وأنا جالس هنا كما ترى أعجب وأعجب، والآن هل ~~إذا سألتك عن شيء تجيبني؟» فقال سانين بعطف: «سلني ما بدا لك. أتخشى أن تسيء إلي؟ إني أؤكد لك أن هذا ~~لا يسيئني. إن ما وقع وقع. ولو كنت أعتقد أني أسأت لكنت أول من يقر ويعترف.» # فقال سلوفتشك وهو يرتعش: «أريد أن أسألك: هل تدرك أنك ربما كنت قد قتلت هذا الرجل؟» # فأجابه سانين: «لا يكاد يكون هناك شك كبير في هذا، فإن من الصعب على رجل مثل سارودين أن يتخلص ~~من هذه الورطة دون أن يقتلني أو أن أقتله. أما حيث قتله لي فقد أفلتت منه اللحظة المناسبة، وهو الآن ~~في حالة لا تسمح له بإيذائي، ولن تؤاتيه الشجاعة فيما بعد، لقد انتهى دوره.» ~~- «وتقول لي هذا بكل هدوء؟» ms175 # فسأله سانين : «ماذا تعني بالهدوء؟ إني لا أستطيع أن أنظر في هدوء إلى فرخ يقتل فضلا عن إنسان. ~~ولقد آلمني أن أضربه، نعم إن شعور الإنسان بقوته لذيذ، ولكنها على هذا تجربة فظيعة، فظيعة لأن مثل ~~هذا العمل في ذاته وحشي. غير أن ضميري هادئ، لأني لم أكن إلا أداة القدر، وإنما حاق بسارودين ما حاق ~~به لأن تيار حياته كلها كان لا بد أن ينتهي إلى كارثة. والعجيب أن غيره من أمثاله لا يصيرون إلى مثل ~~مصيره. إنهم قوم يتعلمون أن يقتلوا أبناء جنسهم ولا يعرفون لماذا. إنهم مجانين بله! إذا خليت حبالهم ~~على غواربهم قطعوا رقاب الناس ورقابهم كذلك، فهل ألام على أن حميت نفسي من مجنون من هذا ~~النوع؟» # فأجابه سلوفتشك بعناد: «نعم ولكنك قتلته.» # فقال سانين: «إذن فتوجه إلى الله الذي قدر لنا اللقاء.» ~~«كان يسعك أن تمنعه بأن تمسك كلتا يديه.» # فرفع سانين رأسه وقال: «إن المرء في هذه اللحظة لا يفكر. وكيف كان ذلك خليقا أن يمنع وقوع ~~الشر؟ إن قانون الشرف عنده يطلب الانتقام بأي ثمن. ولم يكن يسعني أن أظل قابضا على يديه إلى الأبد. ~~وما كان ذلك ليكون إلا إهانة جديدة.» # فلوح سلوفتشك بيديه ولم يجب وأطبق الظلام عليه وزال الشفق وعمقت الظلال، وصار المكان كأنما ~~يتأهب لاستقبال كائنات مرعبة خفية، ولعل خطاهم الصامتة أقلقت الكلب فقد خرج من مبيته فجأة ورقد ~~أمامه. # وقال سلوفتشك: «ربما كنت مصيبا. ولكن ألم يكن من ذلك مفر؟ ألم يكن خيرا أن تحتمل أنت ~~اللطمة؟» # فقال سانين: «خيرا! إن الضرب شيء مؤلم فلماذا أحتمله؟ في أي سبيل؟» # فقاطعه سلوفتشك: «استمع إلي من فضلك كان هذا يكون خيرا.» فقال سانين: «لسارودين على ~~التحقيق.» # فقال سلوفتشك: «لا بل لك. لك أنت.» # فأجابه سانين: «إيه يا سلوفتشك دعك من سخافة القول بالانتصار الأدبي. إنها فكرة غير صحيحة. ليس ~~النصر الأدبي في أن تقدم خدك للضارب، بل في أن تكون على حق أمام ضميرك. فأما كيف يتأتى ذلك فمسألة ms176 ~~مرجعها إلى المصادفة والظروف. إنه ليس أفظع من الاستعباد. وهو أفظع ما يكون حين تثور الروح على ~~الإرغام والقوة، ولكنها تذعن على رغم ذلك باسم قوة أعظم منها وأعلى.» # فأمسك سلوفتشك برأسه كأنما يهم أن يطير عن جسمه وقال بلهجة شاكية: «ليس لي العقل الذي أفهم به ~~هذا. ولست أدري كيف ينبغي لي أن أعيش.» # فقال سانين: «وما حاجتك أن تدري؟ عش كما تعيش الطيور؛ إذا أرادت أن تحرك جناحها الأيمن فعلت، ~~وإذا شاءت أن تطير حول شجرة طارت وحومت.» # فأجابه سلوفتشك: «قد يستطيع الطائر ذلك ولكني لست بطائر بل إنسان.» فضحك سانين ورنت ضحكته في ~~الفناء الموحش وهز سلوفتشك رأسه وقال: «كلا! هذا ليس إلا كلاما. وأنت أعجز من أن تبين لي كيف أعيش ~~والناس مثلك عجزا وقصورا.» فقال سانين: «هذا صحيح وما يستطيع ذلك أحد. إن فن الحياة يتطلب الموهبة ~~اللازمة له. وأحر بمن حرمته الطبيعة هذه الموهبة أن يفنى أو أن تعود حياته كالسفينة المحطمة.» ~~فقال سلوفتشك: «ما أعظم هدوءك وأنت تقول هذا كأنك تعرف كل شيء! لا يسوءك قولي هذا - ولكن هل كنت ~~دائما هكذا - هادئا دائما.» # فقال سانين: «كلا! وإن كان مزاجي هادئا في العادة، ولقد مر بى وقت تنازعتني فيه الشكوك من كل ~~نوع. ولقد كنت أحلم في بعض أيامي بأن الحياة المسيحية هي المثل الأعلى.» # وأمسك سانين ومال إليه سلوفتشك كأنما يتوقع أن يسمع شيئا على أعظم جانب من الأهمية فقال سانين: ~~«وكان لي في ذلك الوقت زميل - طالب رياضة - اسمه إيفان لاند وكان رجلا عجيبا نصيبه من قوة الروح ~~عظيم، وكان مسيحيا بفطرته لا عن اقتناع، فكانت حياته مرآة للمسيحية وصورة مجسدة لتعاليمها. إذا ~~لطمه أحد لم يكر عليه باللطم، ولم يجاره في التعدي، وكان يعد كل رجل أخا له، ولا تثير المرأة في ~~نفسه الإحساس الجنسي. هل تذكر سمينوف؟» # فهز سلوفتشك رأسه أن نعم وبه مثل اغتباط الطفل ومضى سانين في كلامه فقال: «كان سمينوف في ذلك ~~الوقت مريضا جدا، وكان ms177 يعيش في القرم حيث يشتغل بالتدريس، فرمت به الوحدة وتوقع الموت، فسمع ~~«لاند» بخبره فآلى أن يذهب إليه وأن ينقذ روحه، ولم يكن معه مال، ولم يكن ثم من يرضى أن يقرض مجنونا ~~مشهورا شيئا من المال. ولكنه ذهب إليه مع ذلك مشيا على رجليه، وبعد أن قطع أكثر من ألف فرسخ قضى ~~نحبه في الطريق، وهكذا ضحى بحياته في سبيل الناس.» # فصاح سلوفتشك وعيناه تلتمعان: «قل لي هل تقدر عظمة هذا الرجل؟» فأجابه سانين وعلى وجهه هيئة ~~المفكر: «لقد تحدث الناس عنه كثيرا في ذلك الوقت. وكان البعض لا يعدونه مسيحيا وينحون عليه لهذا ~~السبب. وقال غيرهم بل هو مجنون لا يخلو من الزهو، وأنكر آخرون أن له نصيبا من قوة الروح، ولما رأوه ~~يأبى أن يقاتل فقد أنكروا أنه نبي أو فاتح! أما أنا فرأيي فيه غير ذلك. كان له في ذلك الوقت أعظم ~~تأثير في نفسي. حتى لقد لكمني طالب على أذني فثار ثائري وكدت أجن. ولكن لاند كان واقفا أمامي فنظرت ~~إليه، ولا أدري كيف حدث هذا، ولكني نهضت دون أن أتكلم وخرجت من الغرفة، وأحسست في أول الأمر شيئا من ~~الزهو والمباهاة بما فعلت، ثم انقلبت أمقت هذا الطالب من أعمق أعماق نفسي، لا لأنه لكمني، بل لأن ~~سلوكي معه لا بد أن يكون أرضاه كل الرضى، ثم اتضح لي شيئا فشيئا كذب موقفي وزوره، فشرعت أفكر، ~~وقضيت أسبوعين وأنا كالذي ضاع عقله، وبعد ذلك زايلني الإحساس بالزهو والمباهاة بهذا النصر الأدبي ~~الكاذب، وحدث أن هذا الطالب تهكم علي فجلدته حتى غاب عن رشده، فأفضى هذا إلى وقوع الجفوة بيني وبين ~~لاند، ولقد فكرت في حياته تفكيرا نزيها فألفيتها فقيرة شقية إلى أقصى حد.» # فقال سلوفتشك: «كيف تقول هذا؟ كيف استطعت أن تقدر ثروة عواطفه الروحية؟» # فأجابه سانين: «إن عواطفه هذه واحدة مملة، ولقد كانت سعادته في حياته في تقبل كل مصيبة بدون ~~تململ. وأما ثروته كلها فكان قوامها رفض لذات الحياة والمنافع المادية. لقد ms178 كان متسولا باختياره، ~~وكان شخصا مضحكا ذهبت حياته في سبيل فكرة لم يكن يدركها على صورة واضحة.» # فضرب سلوفتشك كفا بكف وقال: «إنك لا تستطيع أن تقدر ألمي لسماع هذا الكلام.» # فقال سانين بلهجة المستغرب: «إنك يا صاحبي مضطرب الأعصاب جدا. لم أقل لك شيئا غريبا فلعل ~~الموضوع مؤلم لك.» # أجاب: «مؤلم جدا. إني دائم التفكير حتى ليخيل إلي أحيانا أن رأسي سينفجر. فهل كان كل هذا ~~خطأ لا أكثر؟ إني أتلمس طريقي كأني في غرفة مظلمة ولا أجد من يقول لي ماذا أصنع. لماذا نعيش؟ ~~أجبني.» # فقال سانين: «لماذا؟ هذا ما لا يعرفه أحد.» # أجاب: «ألا نحيا للمستقبل ليفوز الناس في الأجيال الآتية بعصر ذهبي؟» # فقال سانين: «لن يتأتى هذا العصر الذهبي أبدا. ولو أن الدنيا صلحت والناس صلحوا في لحظة واحدة ~~لكان من المحتمل أن يطلع فجر عصر ذهبي. ولكن هذا مستحيل؛ إن السير في طريق التحسن بطيء. والإنسان لا ~~يستطيع أن يرى إلا الخطوة التي أمامه والخطوة التي وراءه مباشرة. ونحن لم نجرب حياة الرقيق الروماني ~~ولا حياة المستوحشين في العصر الحجري، ولذلك لا نستطيع أن نقدر نعمة مدنيتنا، فإذا حدث أن عصرا ~~ذهبيا مر بالعالم فإن أهله لن يجتلوا أي فرق بين حياتهم وحياة أجدادهم. إن الإنسان يسير في طريق لا ~~آخر له يعرف، وليس من يريد أن يمهد الطريق ويسويها للسعادة إلا كمن يريد أن يضيف أرقاما إلى ~~اللانهاية.» فسأله سلوفيتشك: «إذن فأنت تعتقد أن كل هذا لا معنى له. وأن كل شيء عبث؟» # أجاب سانين: «نعم هذا ما أرى.» فقال سلوفتشك: «ولكن ما قولك في صديقك لاند؟ لقد قلت إنك ~~...» # فقال سانين بلهجة الجد: «لقد كنت أحب لاند، لا لأنه كان مسيحيا، بل لأنه كان مخلصا، ولم ~~يحد قط عن طريقه ولا أرهبته العقبات الكأداء أو السخيفة، فأنا كنت أقدره باعتباره شخصية، فلما مات ~~لم يعد لقيمته وجود.» # فسأله سلوفتشك: «وهل تظن أن لمثل هؤلاء الناس تأثيرا في الحياة يجعلها أنبل؟ ألا يكون لأمثالهم ms179 ~~أتباع أو تلاميذ.» # فقال سانين: «ولماذا تريدون أن تجعلوا الحياة أنبل؟ قل لي ما الداعي إلى ذلك أولا؟ واعلم ~~ثانيا أن المرء لا يحتاج إلى التلاميذ، وإنما يكونون كذلك بفطرتهم مثل «لاند»، لقد كان المسيح رجلا ~~رائعا، ولكن المسيحين نوتية مساكين. وما أجمل فكرته غير أنهم أحالوها شيئا جامدا لا حياة ~~فيه.» # وتعب سانين من الكلام فسكت ولزم زميله الصمت كذلك، وكان السكون عميقا حولهما والنجوم فوقهما ~~كأنما تديران حديثا صامتا لا آخر له. ثم همس سلوفتشك بشيء فزع له سانين وسأله: «ما هذا الذي ~~تقوله؟» # فتمتم سلوفتشك: «قل لي رأيك. لنفرض أن رجلا لم يعد يرى الطريق واضحا وأنه لا يكف عن التفكير ~~وتقطع قلبه به، وأن كل شيء يحيره ويفزعه، فقل لي ألا يكون خيرا له أن يموت؟» # فأجاب سانين وقد استشف ما في ذهن صاحبه: «ربما كان الموت في هذه الحالة خيرا، فإن التفكير وكد ~~الذهن لا طائل تحتهما، ولا ينبغي أن يعيش سوى من يجد لذة في الحياة. أما الشقي فالموت خير له وأرفق ~~به.» # فصاح سلوفتشك: «هذا رأيي أيضا.» ودفع يده إلى سانين وكانت عيناه في الظلام أشبه شيء بثقبين ~~مظلمين. فقال سانين وهو ينهض: «إنك رجل ميت، وخير مكان للميت هو القبر. الوداع!» # وكأنما لم يسمعه سلوفتشك فظل لا يتحرك وتريث سانين قليلا ثم مضى في بطء. ولما بلغ البوابة وقف ~~وأصغى ولكنه لم يسمع شيئا، وقال لنفسه وكأنما يرد على شعور باطن: «سواء أن يعيش هذا الرجل أو يموت. ~~وسيموت غدا إذا لم يمت اليوم.» # وأغلق الباب فصر ومضى هو إلى الميدان، فأخذت عينه شخصا يعدو وهو يبكي فوقف سانين، وبرز من ~~الظلام رجل دنا منه فصاح به: «ما الخبر؟» # فوقف الرجل هنيهة فرأى سانين جنديا كئيبا فسأله: «ماذا حدث؟» فتمتم شيئا ثم عدا وهو يعول ~~وغاب في الظلام كالأشباح فقال سانين: «هذا خادم سارودين.» ثم طاف بذهنه مثل البرق «إن سارودين قد ~~انتحر.» # فحدق في الظلام برهة وابترد جبينه ودار عراك وجيز ms180 - إلا أنه هائل - في صدر هذا الرجل ~~القوي. # وكانت البلدة نائمة والطرقات عارية والنوافذ كالعيون الفاترة محملقة في الظلام، فهز سانين رأسه ~~وابتسم وقال بصوت عال: «لا ذنب لي!» ونصب قامته واستجمع قوته وسار شبحا رائعا في الليل ~~الساكن. # | الفصل التاسع والعشرون # استفاض في البلدة الخبر بأن اثنين انتحرا في ليلة واحدة، وكان إيفانوف هو الذي أبلغ يوري ذلك، ~~وكان يوري قد عاد من المدرسة وجلس يصور أخته لياليا، فقال إيفانوف ووضع قبعته على كرسي: «عم ~~صباحا.» # فسأله يوري باسما: «أهذا أنت؟ ما عندك من الأخبار؟» # وكان مزاجه معتدلا ووجهه باشا، ذلك أنه صار مدرسا، فقلت حاجته إلى أبيه، وتكفلت أخته ~~المليحة الفتانة بشرح صدره. # فقال إيفانوف وفي عينه نظرة غامضة: «أخبار كثيرة: واحد شنق نفسه، وثان نسف دماغه، وثالث استحوذ ~~عليه الشيطان!» # فصاح يوري: «من تعني؟» # فأجابه إيفانوف: «إن الكارثة الثالثة مما اخترع خيالي لزيادة التأثير، وأما من حيث الأولى ~~والثانية فالخبر صحيح؛ فقد انتحر سارودين البارحة، وسمعت الساعة أن سلوفتشك شنق نفسه.» # فصاحت لياليا ونهضت: «مستحيل» ودنا يوري من إيفانوف وقال: «أهذا مزاح؟» # فقال إيفانوف: «كلا!» وأظهر عدم الاكتراث، وإن كان على هذا قد راعه ما حصل. وسأله يوري: «لماذا ~~انتحر؟ ألأن سانين لكمه؟» # وسألت لياليا: «هل اتصل الخبر بسانين؟» # فأجابها إيفانوف: «نعم لقد علم سانين البارحة.» # فقال يوري: «وماذا يقول؟» # فهز إيفانوف كتفيه ولم يشأ أن يتحدث مع يوري عن سانين وقال بشيء من الضجر: «لا شيء! ما شأنه ~~بهذا؟» # فقالت لياليا: «إنه السبب.» # فرد عليها إيفانوف: «ولكن لماذا اعتدى عليه ذلك الأحمق؟ إن هذا ليس خطأ سانين. والمسألة كلها ~~مما يؤسف له، ولكن مرجعها إلى سخافة سارودين.» # فقال يوري: «إني أظن أن السبب أعمق من ذلك. لقد عاش سارودين بين زمرة ...» # فهز إيفانوف كتفيه وقال مقاطعا: «نعم، ولحياته بين هذه الزمرة السخيفة وتأثره بها دليل قاطع ~~على أنه كان سخيفا.» # ففرك يوري كفيه ولم ينبث، وآلمه أن يبسط إيفانوف لسانه في رجل مات وقالت لياليا: «قد ms181 أفهم لماذا ~~قتل سارودين نفسه. فأما سلوفتشك! لم يخطر لي قط أن هذا محتمل! هل تعرف السبب؟» فأجابها إيفانوف: ~~«الله أعلم! لقد كان دائما شاذا.» وجاء في هذه اللحظة ريازانتزيف في مركبته والتقى بسينا كرسافينا ~~على السلم فصعدا معا ودخلت سينا أمامه وقالت: «لقد جاء أناتول بافلوفتش من هناك.» # وتبعها ريازانتزيف ضاحكا كعادته وفي يده سيجارة كان يشعلها وهو داخل وقال: «شيء حسن جدا. إذا ~~استمر هذا لم يبق في المدينة شبان على الإطلاق.» # وجلست سينا دون أن تتكلم، وكان وجهها الجميل مكتئبا فقال إيفانوف: «قص علينا ما تعرفه.» # فقال ريازانتزيف: «كنت خارجا البارحة من النادي فاندفع إلي جندي وقال: «قد انتحر سعادته» فوثبت ~~إلى مركبة وذهبت إلى هناك بأسرع ما أستطيع، فألقيت الفرقة كلها تقريبا في المنزل وكان سارودين على ~~الفراش وعرى ثوبه محلولة.» # فسألته لياليا وتعلقت بذراعه: «وفي أي موضع أطلق الرصاص على نفسه؟» فقال ريازانتزيف: «في رأسه، ~~اخترقت الرصاصة دماغه ونقلت إلى السقف.» # فسأله يوري: «هل كان المسدس من طراز بروفنج؟» # فقال ريازانتزيف: «نعم. وما أفظع المنظر! لقد كان الحائط ملوثا بالدم وعليه بعض عظام رأسه وكان ~~وجهه ممسوخا، لقد فعلها سانين! تاالله ما أقوى هذا الشاب!» # فهز إيفانوف رأسه موافقا وقال: «أؤكد لك أنه قوي جدا.» # فقال يوري: «وحش خشن!» # فالتفتت إليه سينا وقالت: «رأيي أن هذا ليس بخطئه ولم يكن من المستطاع أن ينتظر حتى ...» # فقاطعها ريازانتزيف: «نعم نعم. ولكنه لكمه لكمة فظيعة. لقد تحداه سارودين ودعاه إلى ~~المبارزة.» # فصاح إيفانوف ضجرا وهز كتفيه: «هذا أنت تهذي.» # وقال يوري: «الحقيقة أن المبارزة لا معنى لها.» # فوافقت سينا: «لا شك في ذلك.» # ولاحظ يوري أن سينا يسرها أن تنتصر لسانين فقال: «على كل حال هذا ...» وخانته الألفاظ. # فاقترح ريازانتزيف: «عمل وحشي.» # ومع أن يوري لم يكن يعد ريازانتزيف إلا وحشا آخر فقد سره أن يفدح في سانين أمام سينا. ولكن هذه ~~لاحظت غيظ يوري فكفت عن الكلام، وكانت في الواقع معجبة بقوة سانين وشجاعته، ولم تكن ms182 مستعدة أن توافق ~~ريازانتزيف على اعتبار المبارزة عملا عادلا. وقال إيفانوف متهكما: «إن من التمدين ولا شك أن ينسف ~~المرء أنف صاحبه أو أن يبقر بطنه.» فقال ريازانتزيف: «وهل لكم الوجه خير؟» # فقال إيفانوف: «لا شك أنه خير. أي أذى تستطيع القبضة أن تلحقه بالرجل؟ إن الجرح يشفى بسرعة. وما ~~من لكمة آذت أحدا أذى بليغا.» # فقال ريازانتزيف: «ليس هذا في الموضوع!» # فقال إيفانوف: «إذن ماذا فيه من فضلك!» وزم إيفانوف شفتيه ازدراء. فقال ريازانتزيف: «لقد كاد ~~يفقأ له عينه. وأحسبك لا ترى هذا ضررا بليغا!» # فأجابه إيفانوف: «لا شك أن فقد العين خسارة، ولكنه ليس كدخول رصاصة في جسمك. إن فقد العين ليس ~~قتلا.» # فقال ريازانتزيف: «ولكن سارودين مات!» # فقال إيفانوف: «آه! ذلك إنما كان لأنه أراد أن يموت!» # فقال يوري وسرته صراحته: «يجب أن أعترف أني لم أنته إلى رأي في هذا الموضوع. ولا أعلم ماذا كنت ~~أصنع لو أني كنت في موقف سانين. ولا شك أن المبارزة سخيفة ولكن التلاكم ليس خيرا.» # فقالت سينا: «ولكن ماذا يصنع المرء إذا اضطر أن يقاتل؟» # فقال ريازانتزيف: «إن أسفنا يجب أن يكون على سلوفتشك.» # فقالت: «أين شنق نفسه؟ هل تدري؟» # فقال ريازانتزيف: «في الخص المجاور لجحر الكلب، أطلقه ثم شنق نفسه.» فخيل ليوري وسينا أنهما ~~يسمعان صوتا عاليا يقول: «ارقد يا سلطان!» # ومضى ريازانتزيف في قصته فقال: «وقد كتب ورقة قبل موته نسختها، إنها وثيقة إنسانية.» وأخرج من ~~جيبه مذكرته وقرأ: «لماذا أعيش إذا كنت لا أدري كيف ينبغي أن أعيش؟ إن أمثالي لا يستطيعون أن يجعلوا ~~إخوانهم سعداء!» # فساد سكون رائع وترقرقت عينا سينا واحمر وجه لياليا وجاشت نفسها، وابتسم يوري ابتسامة حزينة ~~والتفت إلى النافذة وقال ريازانتزيف: «هذا كل ما فيها!» # فقالت سينا وشفتاها ترجفان: «ماذا تريد أكثر من ذلك؟» # ونهض إيفانوف واجتاز الغرفة إلى المنضدة طلبا للكبريت وقال: «إن هذا ليس إلا سخافة.» # فاحتجت سينا وقالت: «يا للعار!» # والتفت يوري إليه مشمئزا وقال ريازانتزيف: «لقد كنت دائما ms183 أعتقد أن سلوفتشك صبي يهودي سخيف ~~فانظروا الآن ماذا فعل؟ إنه ليس أجل من الحب الذي يدفع المرء إلى التضحية بنفسه في سبيل ~~الإنسانية.» # فأجابه إيفانوف: «ولكنه لم يضح بنفسه في سبيل الإنسانية.» # قال: «نعم ولكنه يستوي أن ...» # فقاطعه إيفانوف وفي عينيه لمعة الغضب: «إن الأمرين لا يستويان. إنه عمل أبله لا أكثر ولا أقل.» ~~فكان لبغضه الغريب لسلوفتشك أسوأ وقع في نفوسهم. ونهضت سينا وهمست في أذن يوري: «سأذهب إنه لا ~~يطاق.» # فوافق يوري وقال بصوت خافت: «وحش.» # وخرج في أثر سينا، لياليا وريازانتزيف وجلس إيفانوف برهة يدخن ثم خرج أيضا. وقال لنفسه وهو ~~سائر في الطريق يطوح ذراعيه على عادته: «إن هؤلاء السخفاء يظنون أني عاجز عن فهم ما يفهمون ويلذ لي ~~ظنهم هذا! ألا إني لأدرى بخواطرهم وإحساساتهم منهم أنفسهم، وأعلم كذلك أنه ليس أجل من الحب الذي يأمر ~~المرء أن يبذل حياته للناس. فأما أن يشنق رجل نفسه لا لسبب سوى أنه لا خير فيه لأحد ... كلام ~~فارغ!» # | الفصل الثلاثون # كان يوري مطلا من نافذته يشهد جنازة سارودين وهم سائرون به إلى المقبرة على ألحان الموسيقى ~~الحربية، فرأى الخيل مجللة بالسواد وقبعة الفقيد على غطاء النعش، وكانت الأزهار كثيرة، وبين المشيعين ~~عدد كبير من السيدات. فأحزنه هذا المنظر. # وفي مساء ذلك اليوم سار مسافة طويلة مع سينا كرسافينا، غير أن جمال عينيها وفتنة محضرها لم ~~ينفضا عنه الكآبة وقال وعيناه إلى الأرض: «ما أهول أن يتصور المرء أن سارودين لم يعد موجودا! ضابط ~~وسيم مرح مثله يصبح لا شيء! لقد كان المرء يخيل إليه أنه سيعيش أبدا، وأنه لا يعرف متاعب الحياة ~~وآلامها وشكوكها وأن هذه لن تمسه. فانظري! في صبيحة يوم رائق ذهب كأنه التراب المكنوس بعد أن عانى ~~تجربة فظيعة لا يدري بها سواه. والآن قد مضى ولن يعود أبدا. أبدا. ولم يبق منه غير القبعة على ~~النعش!» # وسكت وكانت سينا تصغي إليه ويداها تعبثان بمظلتها ولم تكن تفكر في سارودين بل كان قربها ms184 من يوري ~~مثار لذة حادة لها، غير أنها مع ذلك شاطرته كآبته وقالت: «نعم إن الأمر محزن وهذه الموسيقى ~~أيضا!» # فقال يوري بلهجة التأكيد: «لست ألوم سانين. فما كان يسعه أن يفعل غير ما فعل. وأفظع ما في الأمر ~~أن طريقي هذين الرجلين تعارضا وصار لا بد لأحدهما من أن يخلي الطريق للثاني. ومما هو فظيع أيضا أن ~~المنتصر لا يدرك أن نصره مروع: يزيل رجلا من فوق ظهر الأرض في سكون ويكون مع ذلك على حق.» # فقالت: «نعم إنه على حق ...» ولم تكن قد سمعت كل ما قاله يوري وجعل صدرها يعلو ويهبط، فصاح يوري ~~مقاطعا وهو ينظر إلى جمال جسمها ووجهها: «ولكني أقول إن هذا فظيع!» فسألته سينا بصوت رقيق واحمر ~~وجهها فجأة وفقدت عينها لمعتها: «لكن لماذا؟» # فأجابها يوري: «غير سانين كان حقيقا أن يندم أو أن يعاني شيئا من ألم الروح، ولكنه لم يظهر أي ~~دليل على ذلك، وكل ما قاله هو أني آسف جدا ولكن هذا ليس خطئي. خطأ حقا! كأنما كانت المسألة مسألة ~~خطأ أو ملامة!» # فسألته سينا: «إذن ماذا هي؟» وارتجف صوتها وأطرقت مخافة أن تؤلم رفيقها فقال: «هذا ما لا أعرفه. ~~ولكن الإنسان لا حق له في أن يكون مثل الوحش في أخلاقه.» # وسارا مدة في صمت وآلم سينا ما بينهما من الجفوة الوقتية، وأسفت لانقطاع هذه الصلة الروحية التي ~~لم يكن أعذب منها ولا أحلى، وراح يوري يظن أنه قصر في إيضاح خواطره فجرح هذا الظن إحساسه ~~بكرامته. # ثم افترقا وكانت سينا مكتئبة متألمة، ولاحظ يوري اكتئابها فسره كأنما انتقم لنفسه من إهانة ~~شخصية. وزاد سوء خلقه لما صار في البيت. وقصت لياليا على المائدة ما قال لها ريازانتزيف عن سلوفتشك. ~~وخلا يوري بنفسه في غرفته وشرع يصحح كراسات تلاميذه ويحدث نفسه: «ما أعظم نصيب الإنسان من الوحشية! ~~وهل مثل هذه الوحوش البليدة تستحق أن يموت في سبيلها المرء؟» ثم خجل من عدم تسامحه وقال: «إنهم غير ~~ملومين! ولا يعرفون ما ms185 يفعلون. وسواء عرفوا أم لم يعرفوا فهم وحوش ولا شيء غير ذلك.» # ثم كرت خواطره إلى سلوفتشك فقال: «ما أشد وحدتنا في هذه الدنيا! هذا سلوفتشك كان بين ظهرانينا، ~~عظيم القلب مستعدا أن يبذل كل تضحية في سبيل غيره. ومع ذلك لم يحسه أحد ولا قدره أحد. بل الواقع ~~أننا كنا نحتقره. وذلك لأنه لم يكن يحسن العبارة عن نفسه، ولم يكن لرغبته في إرضاء الناس من أثر سوى ~~إسخاطهم، وإن كان في الحقيقة قد حاول أن يوثق صلاته بنا وأن يساعدنا. ألا لقد كان قديسا نظنه قدما ~~غبيا.» # واشتد ندمه حتى لترك عمله وجعل يقطع الغرفة ثم جلس إلى المنضدة وفتح الإنجيل وقرأ فيه: «كما ~~تنفد السحابة وتغيب كذلك من يهبط إلى الأرض لا يصعد أبدا، ولا يعود إلى بيته لا ولا يعرف مكانه بعد ~~ذلك.» # ثم قال: «ما أصدق هذا وأحكمه! حتم فظيع! هذا أنا أعيش ويلج بي الظمأ إلى الحياة واللذات. ثم ~~أقرأ هذا القضاء المبرم ولا يسعني حتى أن أحتج عليه!» # ثم ثار يأسه فأمسك بجبينه وناشد القوة الخفية: «ماذا جنى الإنسان عليك حتى تسخري منه هذا السخر؟ ~~إذا كنت موجودة فلماذا تخفين نفسك عن عينه؟ لماذا تجعليني إذا آمنت بك لا أؤمن بإيماني؟ وإذا أجبتني ~~كيف أعرف أأنت المجيبة أم نفسي؟ وإذا كنت على حق في رغبتي في الحياة وطلبي لها فلماذا تسلبيني هذا ~~الحق الذي منحتني إياه؟ إذا كانت بك حاجة إلى آلامنا فدعينا نحملها من أجل حبنا لك. ولكنا لا نعرف ~~أيهما أعظم قيمة الشجرة أم الإنسان.» ~~«إن الشجرة دائمة الأمل. إذا قطعت استطاعت أن تقوم مرة أخرى وأن تسترد الخضرة وتفوز بحياة ~~جديدة، أما الإنسان فيموت ويزول؛ يرقد فلا ينهض كرة أخرى، ولو أني كنت على يقين من أني سأحيا مرة ~~ثانية بعد ملايين السنين لرضيت أن أنتظر في صبر كل هذه القرون في الظلام.» # ثم قرأ: أي ربح يجنيه الإنسان من كل تعبه تحت الشمس؟ «جيل يمضي وجيل غيره يأتي ولكن ms186 الأرض تبقى ~~إلى الأبد.» «والشمس أيضا تطلع وتنحدر وتسرع إلى مكانها الذي طلعت منه.» «والريح تهب صوب الجنوب ثم ~~تكر إلى الشمال وتدور أبدا.» «ما رأيناه أمس نراه اليوم وسنراه غدا. لا جديد تحت الشمس.» «ليس ثم ~~ذكرى لما مضى. ولن تكون ثم أي ذكرى لما سيأتي في نفوس من سيتلوننا.» «أنا الواعظ كنت ملكا على بني ~~إسرائيل في أورشليم.» # ولما وصل إلى هذه الجملة رفع بها صوته مغضبا يائسا ثم تلفت حوله مخافة أن يكون قد سمعه أحد ثم ~~تناول ورقة وشرع يكتب: «أبدأ هذه الوصية التي تنتهي حياتي بانتهائها ...» # ثم قال: «رباه! ما أسخف هذا!» ودفع الورقة بعنف فسقطت على الأرض ثم عاد فقال: «ولكن ذلك المسكين ~~الشقي سلوفتشك لم ير من السخافة أنه يعجز عن فهم معنى الحياة!» # ولم يفطن يوري إلى أنه يتمثل برجل يصفه بأنه مسكين شقي. «وعلى كل حال فهذا مصيري عاجلا أو آجلا ~~لا مفر من ذلك! ولكن لماذا؟ لأن ...» # ووقف. وخيل إليه أن الجواب الدقيق المضبوط حاضر ولكن الألفاظ تنقصه. وكان ذهنه قد تعب واضطربت ~~خواطره وقال: «لماذا لم أمت وأنا طفل لما مرضت بالتهاب الرئتين؟ إذن لارتحت!» وارتعد لهذا الخاطر ~~«ولو حدث هذا لما رأيت ولا عرفت ما أعرف الآن. وهذا فظيع أيضا.» # ورد رأسه إلى الوراء ونهض «إن هذا كفيل بأن يجن المرء.» # ومضى إلى النافذة وحاول أن يفتحها ولكن مصراعيها كانا مقفلين من الخارج، فاستخدم قلما وفتحهما ~~ودخل الهواء البارد فنظر إلى السماء ورأى ضوء الفجر في الأفق. وكان الفجر وضيئا ونجوم الدب الأكبر ~~السبعة بادية، وفي الشرق المتوهج يومض كوكب الصباح. وهب نسيم عليل فحرك أوراق الشجر ومزق الضباب الذي ~~كان يحجب صفحة الغدير حيث الأزاهير يانعة. وكانت السماء موشاة بالسحب والنجوم هنا وهنا تتلامح. وكل ~~شيء جميل رائع كأنما كانت الأرض تتأهب لاستقبال الفجر. # ثم انقلب إلى فراشه ولكن الضوء حال بينه وبين النوم فظل مستلقيا ورأسه موجع وعيناه مفتوحتان ~~كمغمضتين. # | الفصل الحادي والثلاثون # خرج إيفانوف وسانين ms187 في صباح ذلك اليوم مبكرين، وكان الطل يومض في أشعة الشمس والحجاج يدلفون إلى ~~الدير وكانت نواقيسه تدق وتجلجل والريح تحمل أصواتها على السهوب إلى الغابات الحالمة فقال إيفانوف: ~~«لقد بكرنا.» فتلفت سانين حوله مغتبطا مسرورا وقال: «إذن فلنجلس قليلا.» فجلسا على الرمل وأشعلا ~~سيجارتين، وكان الفلاحون السائرون وراء مركباتهم يتلفتون لينظروا إليهما والنساء، والبنات يشرن ~~ويتضاحكن، ولم يلتفت إيفانوف إلى شيء من هذا، ولكن سانين كان يبتسم ويهز رأسه لهن. # ثم بدا على سلم بيت صغير أبيض سقفه أخضر لامع صاحب خمارة «الكرون» وهو رجل طويل قصير كمي القميص ~~وفتح الباب وهو لا يكف عن التثاؤب، ودخلت في إثره امرأة على رأسها منديل أحمر فقال إيفانوف: «دعنا ~~ندخل.» ففعلا واشتريا قليلا من الفودكا وبعض البقل والخضر والخبز. فقال إيفانوف لما رأى سانين يخرج ~~كيسه: «آها! إن مالك كثير على ما يظهر يا صديقي.» # فقال سانين ضاحكا: «لقد أخذت دفعة مقدما. وذلك أني على نقيض رغبة أمي قبلت أن أكون سكرتيرا ~~لشركة تأمين، وبهذه الطريقة استطعت أن أظفر بشيئين: قليل من المال واحتقار أمي.» # ولما صار في الطريق مرة أخرى قال إيفانوف: «أوه! إني أشعر أني الآن أحسن وأسعد!» # فقال سانين: «وكذلك أنا وما قولك في أن نخلع نعالنا؟» # فقال إيفانوف: «حسن جدا.» # وخلعا نعالهما وجواربهما وسارا حافيين على الرمل البليل الدافئ واستلذا ذلك بعد أن نزعا ~~أحذيتهما الثقيلة. وقال سانين وتنفس تنفسا عميقا: «بديع أليس كذلك؟» # وكانت الشمس قد زادت حرارتها وهما ماضيان عن البلدة صوب الأفق الأزرق، وكانت الأطيار على أسلاك ~~التلغراف، ومر بهما قطار ركاب، مركباته خضراء وصفراء وزرقاء ووجوه الركاب المتعبين مطلة من نوافذها، ~~وفي آخر مركبة منه فتاتان جميلتان جعلتا تتأملان هذين الحافيين وفي عيونهما أمارات الدهشة، فضحك ~~منهما سانين وارتجل رقصة عنيفة. # ورأيا على كثب منهما مرجا ترتاح القدم إلى السير على نجائله فقال إيفانوف: «ما أبدع ~~هذا.» # فقال صاحبه: «إن الحياة اليوم تستحق أن تحيا.» فنظر إيفانوف إلى سانين وخطر له أن هذه ms188 الكلمات ~~تذكره بسارودين وبالمأساة الأخيرة، ولكن خواطر سانين كانت على ما يظهر أشد ما تكون انصرافا عن هذا، ~~فعجب إيفانوف إلا أن ذلك لم يسؤه. # واجتازا المرج إلى السكة الكبرى الحاشدة بالفلاحين ومركباتهم وفتياتهم، ثم بلغا الأشجار ومن ~~ورائها النهر وإلى ناحية أخرى الدير قائما على تل وفوقه صليب يلتمع كالنجم المتوهج. وكانت على ~~الشاطئ زوارق موشاة فاستأجرا منها واحدة، وكان إيفانوف يحسن التجديف، فانطلق الزورق يشق الماء ويفرق ~~تياره، وكانت المجاديف ربما لمست أعشابا أو أغصانا غائصة إلى قريب من رءوسها فتظل تضطرب وترتعش على ~~سطح الماء بعد كل لمسة. وكان سانين يجدف بحدة حتى صار الماء يرغي ويزبد ويتدفع حول الدفة. وبعد لأي ~~ما بلغا مكانا ظليلا بليلا، وكان الماء من الصفاء بحيث يستطيع المرء أن يرى قاعه وما فيه من الحصى ~~والأسماك فقال إيفانوف: «هذا مكان يحسن أن ننزل فيه.» فدفعا الزورق إلى الشاطئ ووثبا عنه وقال سانين: ~~«لن تجد خيرا من هذا المكان!» وغاص إلى ركبتيه في الحشائش فقال إيفانوف: «كل مكان حسن تحت الشمس.» ~~وجاء بالشراب والخبز والخضر ووضع كل ذلك على الحشائش تحت شجرة ثم استلقى، وكانا قد نسيا الأكواب ~~فتسلق سانين شجرة وقطع غصنا وقور جزءا منه اتخذه كأسا، فقال إيفانوف وكان يراقب سانين باهتمام: ~~«ولنستحم بعد ذلك.» فقال سانين: «فكرة حسنة.» وقذف الكأس في الهواء والتقطها ثم جلسا ووقعا على ~~الشراب والطعام، ولما أصابا كفايتهما قال إيفانوف: «لا أستطيع أن أنتظر الآن وسأذهب إلى الماء ~~لأستحم.» وخلع ثيابه، ولما كان لا يحسن السباحة فقد اختار موضعا قريبا للفور، وكان سانين يراقبه ثم ~~نضا عنه ثيابه في بطء وهدوء واندفع إلى أعمق مكان في النهر، فصاح به إيفانوف: «حاذر أن تغرق.» فضحك ~~سانين وقال: «لا تخف.» بعد أن طفوا على وجه الماء وكان الجو يتجاوب بأصواتهما الطروبة ثم خرجا من ~~الماء ورقدا على الحشائش وهما عاريان وجعلا يتقلبان فوقها، ثم صاح إيفانوف «هورا» وشرع يرقص رقصا ~~عنيفا خشنا، فضحك سانين ووثب على قدميه ms189 وانطلق يرقص مثله، وكان جسماهما يلتمعان في ضوء الشمس وكل ~~عضلة ظاهرة، ثم كف إيفانوف وقال لصاحبه: «تعال وإلا شربت كل ما بقي من الفودكا.» فلبسا ثيابهما وأتيا ~~على ما بقي من الطعام والشراب وتمنى إيفانوف شربة ماء مثلجة. وقال: «دعنا نعد.» فراحا يعدوان بأسرع ~~ما يستطيعان إلى الشاطئ وانحدرا إلى الزورق ودفعاه. # ثم قال سانين وكان راقدا في قاع الزورق: «ألا تحس لسع الشمس؟ فأجابه إيفانوف: «هذا نذير المطر ~~فانهض وجدف بالله.» # فقال سانين: «إنك قادر على هذا وحدك.» فضرب إيفانوف الماء بالمجدافين ضربة أطارت الرشاش إلى ~~سانين فقال: «أشكرك» ومرا بموضع تكسوه الخضرة فسمعا ضحكا وأصوات فتيات مرحات فقال إيفانوف: «فتيات ~~يستحممن.» فاقترح سانين: «دعنا نذهب لننظر إليهن.» فقال إيفانوف: «ربما أبصرننا.» # أجاب سانين: «كلا لن يستطعن. وفي وسعنا أن ننزل هنا وأن ندخل بين الحشائش.» فخجل إيفانوف وقال: ~~«دعهن.» # فأجابه: «تعال.» فقال: «لست أحب أن ...» # فأجابه: «لست تحب ماذا؟» # فقال: «إنهن فتيات صغيرات، ولا أظن هذا يجمل بنا.» أجاب سانين: «إنك مجنون. هل تريد أن تقول إنك ~~لا تشتهي أن تراهن؟» فقال إيفانوف: «ربما كنت أشتهي ولكن.» # أجاب سانين: «إذن فلنذهب إليهن ودع عنك هذا الحياء الكاذب، من ذا الذي لا يفعل ما نفعل إذا ~~أتيحت له الفرصة؟» # فقال إيفانوف: «ولكنك إذا كنت تذهب إلى هذا فلماذا لا تراقبهن علنا؟! لماذا تختفي؟» # أجاب سانين مسرورا: «لأن الاختفاء ألذ وأمتع.» # قال: «ربما كان كذلك ولكني أنصح لك ...» # أجاب: «احتراما للعفاف على ما أظن؟» قال: «نعم.» # أجاب: «ولكن العفاف هو عين ما ينقصنا.» # فقال إيفانوف: «إذا أذنبت عينك فاقلعها.» # فصاح سانين: «أوه! أرجوك أن تكف عن هذا الكلام الفارغ وأن لا تكون مثل يوري. إن الله لم يعطنا ~~عيوننا لنقلعها.» فابتسم إيفانوف وهز كتفيه، وقال سانين وأدار الدفة بحيث يمضي الزورق إلى الشاطئ: ~~«اسمع يا فتى! إذا رأيت فتيات يستحممن ولم يحرك منظرهن في نفسك أية شهوة كنت في حل من أن تدعي ~~العفاف. ومع أني آخر من يحاكيك ms190 في ذلك فإن مثل عفتك هذه تفوز عندئذ بإعجابي واحترامي، فأما وقد فطرنا ~~على هذه الشهوات الطبيعية فإن محاولة خنقها تكون رياء ونفاقا.» # فقال إيفانوف: «إن هذا حسن، ولكن إذا لم يكن ثم كابح للرغبات وجماح الشهوات أفضى الأمر إلى ~~الشر.» # فأجابه سانين متهكما: «أي شر يا ترى؟ إن للشهوانية آثارا سيئة أسلم لك بها ولكن هذا ذنب ~~الشهوانية.» # فقال إيفانوف: «ربما كان الأمر كذلك ولكن ...» # فقاطعه سانين قائلا: «حسن جدا إذن فهل تأتي معي؟» # أجاب: «نعم ولكني ...» قال سانين وهما يتسللان وسط الحشائش والأعشاب: «مغفل! هذا أنت اتئد ترفق. ~~لا تحدث هذا الصوت.» فقال إيفانوف بحماسة: «انظر هنا! بأمل!» وكان ظاهرا من الثياب والقبعات المكومة ~~على الحشائش أن السابحات أتين من البلدة، وكانت بعضهن تضرب بيدها مرحة في الماء، وكانت قطراته تزل ~~كالفضة عن أعضائهن اللينة الناعمة. وكان إحداهن واقفة على الشاطئ طلقة وضاحة، والشمس تضاعف جمال ~~جسمها الذي كان يهتز وهي تضحك! # فقال سانين وفتنه هذا المنظر: «تأمل هذا!» # ففزع إيفانوف متراجعا وسأله سانين: «ما خطبك؟» # فأجابه: «إنها سينا كرسافينا!» # وقال سانين: «نعم هي بعينها. ولكني لم أعرفها. ما أفتن جمالها!» فقال إيفانوف: «نعم هي ~~كذلك!» # وعلت الأصوات وكثر الضحك في هذه اللحظة، فعلما أن الفتيات قد سمعتهما وفزعت سينا فألقت بنفسها ~~في الماء. ولم يعد باديا منها سوى وجهها الوردي وعينيها اللامعتين. وفر سانين وصاحبه إلى الزورق ~~وقال سانين لما بلغاه: «ما أحسن أن يكون الإنسان حيا!» ومط جسمه وغنى فتجاوب الفضاء بصوته الرنان ~~الصافي، وكانت ضحكات الفتيات لا تزال تسمع، فتطلع إيفانوف إلى السماء وقال: «ستأخذنا السماء.» وأظلمت ~~الأشجار واكفهر الأفق وارتمت الظلال الحالكة على المروج، فقال إيفانوف «يجب أن نعجل بالهرب.» # فقال سانين وهو مغتبط: «أين؟ إنه لا مفر لنا الآن!» # وركدت الريح وزاد السكون والجهامة فقال إيفانوف: «سيغمرنا المطر فأعطني سيجارة أتسلى ~~بها.» # وأشعل عودا من الكبريت كان ضوءه كابيا في هذه الظلمة، فثارت هبة من الريح مباغتة فأطفأته، ~~وسقطت قطرة كبيرة في الزورق ms191 وأخرى على جبين سانين ثم هطل المطر وخشخشت الأشجار، وكان للقطر وهو ينهمل ~~على النهر صوت الصفير، وفتحت ميازيب السماء، ولم يعد يسمع إلا صوت تدفق المطر فقال سانين: «بديع هذا ~~أليس كذلك؟» وحرك كتفيه وكان القميص قد لصق بهما فقال إيفانوف: «ليس بالسيئ جدا.» وتجمع في قاع ~~الزورق. # وما لبث المطر أن انقطع، وإن كانت السحب لم تنقشع، بل ظلت مكدسة وراء الغابة حيث كانت ترسل ~~سهاما من البرق إلى حين فقال إيفانوف: «يجب أن نرجع.» فوافق سانين وخرجا بالزورق في وسط التيار، ~~وكانت السحب السوداء الكثيفة معلقة فوقهما، والبرق لا يكف عن الإثخان في كبد السماء. ولم يكن ثم مطر، ~~ولكن الإحساس بالرعد كان شائعا في الجو، وجعلت الطيور تخطف في الجو فوق سطح الماء وهي مبتلة الريش ~~فصاح إيفانوف: «هو هو!» # ثم نزلا وسارا على الرمال وكان الظلام قد اشتد، وجعلت السحب تدنو وتسف هيادبها إلى الأرض، وهبت ~~الريح فجأة، فثارت زوابع من التراب وأوراق الأشجار، ثم جلجل الرعد فكأنما انفطر كمد السماء وتعاقب ~~البرق والرعد فصاح سانين: «أو هو! هو هو.» كأنما يريد أن يعلو صوته ضجة الطبيعة، ولكنه لم يكن يسمع ~~حتى صوته. # وبلغا الحقول وكان الظلام قد أسلف والبرق يضيء لهما طريقهما ولم ينقطع الرعد فصاح سانين: «أوه! ~~ها! هو!» # فسأله إيفانوف: «ما هذا؟» # وفي هذه اللحظة أضاء البرق فلمح إيفانوف وجه سانين وكان متوقدا هاشا ثم أضاء مرة أخرى فإذا ~~سانين مفتوح الذراعين يناجي العاصفة! # | الفصل الثاني والثلاثون # كانت الشمس مضيئة والجو ساكنا صافيا إلا أن فيه ريح الخريف، وكان يوري يتمشى في الحديقة وهو ~~غارق في خواطره، ينظر إلى السماء وإلى الأوراق الخضراء والصفراء وصفحة الماء المصقولة وكأنه يودعها، ~~ويريد أن يعلق صورها بذاكرته حتى لا يعفي عليها النسيان. وكان يحس شيئا من الكمد كأن كل ساعة ~~تمضي بشيء ثمين لا سبيل إلى استرداده، شبابه الذي لم يغتبط به ومكانه باعتباره رجلا نافعا عظيما ~~في العمل الذي وقف عليه كل حياته. ولم ms192 يكن يدري كيف انخذل. وكان مقتنعا بأن له قوى كامنة يسعها أن ~~تقلب العالم وعلما واسعا لا يدانيه عقل سواه، غير أنه لم يكن يعرف تعليلا لاقتناعه هذا، وكان يخجل ~~أن يصارح به حتى أصدق أصفيائه. # وقال وهو يتأمل ظلال الأشجار في الماء: «آه! حسن، لعل ما أفعل الآن هو أحكم ما يمكن. والموت ~~يعفي على كل شيء مهما عاش المرء أو حاول أن يعيش. أوه! هذه لياليا آتية! ما أسعدك يا لياليا إنك ~~تعيشين كالطائر من يوم إلى يوم لا تطلبين شيئا ولا ينغص عليك حياتك شيء! ألا ليتني أستطيع أن أحيا ~~حياتها ...!» # على أن هذا لم يكن إلا خاطرا زائلا لأنه لم يكن في الحقيقة يتمنى أن يعتاض من آلامه الروحية ~~هذا الوجود الضيق الذي يتمثل في شخصية لياليا. # ونادته ليا «يوري! يوري!» بصوت عال، وإن لم يكن بينهما إلا ثلاث خطوات، وضحكت بخبث ورمت إليه ~~برسالة وردية اللون، فتوقع يوري أمرا وسألها بحدة: «ممن؟» # فقالت لياليا: «من سينوتشكا كرسافينة.» وهزت له إصبعها. # فصار وجه يوري كالجمرة المتقدة، وخيل إليه أن من الحمق إن لم يكن من السخافة المطبقة أن يتلقى ~~رسالة وردية اللون معطرة عن طريق أخته. وكربه ذلك جدا وانطلقت لياليا وهي سائرة بجانبه تتحدث عن ~~حبه لسينا على عادة الأخوات اللواتي يعنيهن معاشق إخوتهن، وجعلت تصف له حبها لسينا ومبلغ سرورها إذا ~~تزوج منها، وما كادت تفوه بكلمة الزواج المنحوسة حتى احتقن وجه يوري وطار الشر من عينه، وتمثلت له ~~الصورة المبتذلة المألوفة البيت والزوجة والبنون، وكان لا يفزع من شيء فزعه من أن يكون له ~~بنون. # فقال بصوت حاد أذهل أخته: «كفى هراء من فضلك!» # فأجابته مغضبة: «ما لك تكبر الأمر إلى هذا الحد؟ وماذا يهم إذا كنت عاشقا؟ إني لا أفهم لماذا ~~تتظاهر بأنك بطل غريب؟» # وكان في الجملة الأخيرة أثر من المكايدة النسوية، فنفذ السهم إلى القلب، وما كادت تفرغ من ~~الكلام حتى انصرفت عنه، ودخل البيت، # فجعل يوري يراقبها والغضب يتطاير ms193 من عينيه وهو يفض غلاف الرسالة وكان هذا ما فيها: # عزيزي يوري # إذا سمح لك الوقت وآتتك الرغبة فإني أنتظر أن أراك اليوم في كنيسة الدير، وستكون معي عمتي ~~وستظل في الكنيسة الوقت كله. وأخشى أن يفدحني الملل وبودي أن أحدثك عن شئون كثيرة، فوافني هناك. ~~ولعلي أخطأت في الكتابة إليك ولكني على كل حال في انتظارك. # فطار في لحظة واحدة كل ما كان يشغل خواطره ويكظ ذهنه، وجعل يتلو الرسالة مرة بعد أخرى فرحا ~~مسرورا، فقد كشفت هذه الفتاة الطاهرة الفتانة بجملة واحدة عن سر حبها له، فكأنها جاءت إليه يحدودها ~~الحب وبذلت له نفسها، وأحس أن غايته دنت فأخذته الرعدة لما تصور أنه مالكها، وحاول أن يبتسم متهكما ~~ولكن جهده ذهب عبثا، فقد شاعت الغبطة في نفسه حتى أحس أنه كالطائر يستطيع أن يحلق فوق رءوس الأشجار ~~ويسبح في الهواء المشمس تحت السماء الزرقاء. # ولما همت الشمس بالمغيب اكترى مركبة إلى الدير، وكان دونه النهر فركب زورقا عبر به إلى الشاطئ ~~الآخر، ولم يشعر إلا وهو في عرض النهر أن سعادته مبعثها تلك الرسالة الوردية فقال يحدث نفسه: «الأمر ~~بسيط لقد عاشت عمرها في دنياها هذه. وإنها لرواية غرامية ريفية وماذا إذا كانت كذلك؟» # وكان الماء يضرب جانبي الزورق في رفق وهو يدنو من التل الأخضر، وما كاد يصل إليه حتى أنقد ~~الملاح نصف روبل ثم شرع يصعد التل، وكانت الشمس قد دلفت إلى مغربها وانبسطت الظلال عند سفح المنحدر، ~~وتصاعد الضباب الكثيف فخفيت وراءه ألوان الأشجار، وكان فناء الدير ساكنا جليلا، والأشجار كأنها ~~تصلي، والرهبان يروحون ويغدون كالأشباح، والمصابيح تضيء فوق باب الكنيسة، ورائحة البخور ~~ساطعة. # وناداه صوت من ورائه: «مرحبا بك يا يوري!» # فالتفت فإذا شافروف وسانين وإيفانوف وبيتر الليتش يجتازون الفناء ويتحدثون بصوت عال والرهبان ~~ينظرون إليهم وجلين، حتى الأشجار عادت وكأنما فقدت شيئا من سكون العبادة. فقال شافروف ودنا منه وكان ~~يجل يوري: «لقد حضرنا جميعا.» فقال يووي: «نعم أراكم.» فسأله شافروف: «ألا ترافقنا؟» ms194 ودنا ~~منه . # فأجابه يوري: «كلا! أشكرك إني مرتبط بموعد.» # فصاح إيفانوف: «أوه! هذا حسن سترافقنا إني أعرف ذلك.» وأمسك بذراعه فحاول يوري أن يتخلص وصاح: ~~«كلا! لعن الله هذا! لا أستطيع. ربما لحقت بكم فيما بعد.» # ولم ترقه خشونة إيفانوف. فقال هذا: «حسن سننتظرك فلا تنس أن توافينا.» # فافترقوا وعادت السكينة فخيمت على الفناء، فخلع يوري قبعته ودخل الكنيسة وبه حياء وزراية، ووقعت ~~عينه على سينا على مقربة من أحد العمدان فأسرعت دقات قلبه، وما كان أحلاها وأفتنها وأجمل شعرها ~~الأسود المجموع إلى جيدها الأتلع، وكأنما شعرت بنظرته فتلفتت حولها والتمعت في عينيها الغبطة ~~والحياء. # فقال يوري بصوت خفيض: «كيف أنت؟» ولم يدر أيصافحها في الكنيسة أم يمتنع عن ذلك، وتلفت كثيرون من ~~الحضور فقلق يوري، بل لقد خجل، ولمحت سينا خجله فابتسمت له ابتسامة الأم وفي عينها نور الحب، ويوري ~~واقف هناك سعيدا طائعا. ولم ترم إليه سينا بنظرة أخرى، بل جعلت ترسم الصليب على صدرها بحماسة وورع، ~~ولكن يوري كان على يقين من أنها تفكر فيه، فكان يقينه هذا بمثابة عروة سرية وثقت ما بين قلبيهما ~~فاضطربت دماؤه في عروقه، وبدا له كل شيء عجيبا خفي الأمر - قلب الكنيسة والتراتيل والأضواء وزفرات ~~المتعبدين ووقع أقدام الداخلين والخارجين - كل ذلك لاحظه يوري، وكان يسمع في هذا السكون العميق خفقان ~~قلبه وهو واقف لا يتحرك وعيناه قيد حد سينا وقدها، وكأنما كان يجب أن يقول لكل إنسان إنه لا يؤمن ~~بالصلاة ولا الترتيل ولا الأضواء، ولكنه مع ذلك لا يقاومها، فأفضى به هذا إلى المقارنة بين غبطته ~~الحالية واكتئابه في صبيحة هذا اليوم. # وسأل نفسه: «إذن فالمرء يستطيع أن يكون سعيدا؟ لا شك أن كل آرائي الخاصة بالموت وعبث الحياة ~~منطقية، ولكن الإنسان يستطيع على رغمها جميعا أن يسعد ويهنأ. وإذا كنت سعيدا فإن ذلك من فضل هذه ~~الفتاة الجميلة التي لم أرها إلا منذ زمن قريب.» # ثم خطر له فجأة أنهما ربما كانا قد التقيا وهما طفلان ثم افترقا، ms195 ولم يكن أحد منهما يحلم بأن ~~سيعشق الآخر، ولا بأنها ستبذل له نفسها وهي عارية مشرقة فاحمر خداه وخاف أن ينظر إليها. وكانت سينا - ~~التي عراها خياله - واقفة أمامه في قميصها الرمادي وقبعتها المستديرة تدعو الله أن يجعل حبه لها ~~عميقا كحبها له، ويظهر أن حشمتها العذرية وقعت من نفس يوري فقد زايلته خواطره الشهوانية واغرورقت ~~عيناه بالدموع فرفعهما وناجى ربه: # رب إن كنت موجودا فاجعل هذه العذراء تحبني واجعل حبي لها عظيما أبدا. # ثم قال لنفسه وقد أخجلته عاطفته: «إن هذا كله كلام فارغ.» وهمست في أذنه سينا أن «تعال» وكان ~~صوتها كأنه الزفرة، ومضيا إلى الفناء وخرجا من الباب الصغير المفضي إلى سفح الجبل، ولم يكن ثم أحد ~~فكأن السور العالي قد حجبهما عن عالم الرجال، وكانت غابة البلوط تحت أرجلهما والنهر هناك يلتمع كأنه ~~مرآة من الفضة، فتقدما إلى حافة المنحدر وكلاهما يشعر أن عليه أن يفعل شيئا ولكن الشجاعة تنقصه، ثم ~~رفعت سينا رأسها فالتقت شفتاها وشفتا يوري فاضطربت واصفرت وهو يحتضنها، وأحست لأول مرة أن جسمها ~~الدافئ اللين بين ذراعيه. ودق ناقوس في هذا السكون، فخيل ليوري أنه إيذان بالاحتفال بهذه اللحظة التي ~~وجد فيها كل منهما صاحبه ثم ضحكت سينا وتخلصت منه وقالت: «ستعجب عمتي مني ماذا أصنع! انتظر هنا ~~فسأعود إليك.» ولقد ظل يوري لا يدري أقالت ذلك بصوت عال تجاوبت بأصدائه الغابة أم سبحت إليه الألفاظ ~~كالهمسة على أجنحة النسيم، فجلس على الحشائش وسوى شعره وسمع سينا تقول: «إني آتية يا عمتي!» # | الفصل الثالث والثلاثون # تجهم الأفق ثم خفي النهر وراء الضباب وحملت الريح من المراعي صهيل الخيل هنا وهناك وتوامضت ~~الأضواء الضعيفة. وكان يوري جالسا ينتظر أن تعود سينا فجعل يعد هذه الأضواء: «واحد. اثنان ثلاثة. ~~أوه. إن هناك رابعا عند طرف الأفق كأنه النجم الضئيل، والفلاحون جالسون حوله يصنعون طعامهم ~~ويتحدثون. أما النار التي هناك فقرية عالية اللهيب والخيل إلى جانبها تنفخ، ولكنها ليست مع هذا البعد ~~إلا شعلة ضئيلة ms196 قد تخمد أو تغيب في أية لحظة.» # وصعب عليه أن يفكر في شيء ما لأن إحساسه بالسعادة والهناء استغرق كل مشاعره، وكان ربما تمتم من ~~حين إلى حين تمتمة الفزع: «ستعود حالا.» # وهكذا ظل ينتظر على قمة التل ويصغي إلى الخيل وصيحات البط فيما وراء النهر، وإلى ألف شيء آخر ~~عرضي مما يحمله إليه النسيم عن الغابة. ثم سمع وقع أقدام تسير وراءه وحفيف ثوب تعبث به الريح، فعلم ~~وإن كان لم يتلفت أنها هي قد جاءت، فارتجف لما تصور ما عسى أن يحدث. ووقفت سينا ساكنة بجانبه ~~وأنفاسها معلقة، فأمسك بها يوري وحملها بين ذراعيه وسرته جرأته، وانحدر بها إلى سفح التل وكادت قدمه ~~تزل فأسرت إليه «ستقع» واحمر وجهها وهي على هذا مغتبطة. وكان الظلام طاغيا فوضع يوري سينا وجلس إلى ~~جانبها، ولما كانت الأرض منحدرة فإنهما كانا كالمستلقيين جنبا إلى جنب، فألصق يوري فمه بفمها في ~~قبلة عن أحر عاطفة وأجمحها، ولم تتأوب أو تتمنع ولكنها كانت تضطرب اضطرابا عنيفا. # ثم تمتمت وهي تلهث وكان صوتها خافتا كأنه همسة من الغابات: «أتحبني؟» فسأل يوري نفسه وهو ~~مذهول: «ماذا أنا صانع؟.» # فجاء هذا الخاطر كالثلج وحار كل شيء في لحظة وصار كنهار الشتاء تنقصه القوة والحياة، وكانت عينا ~~سينا تستجوبانه وتحاولان أن تستشفا من وجهه ما انطوت عليه ضلوعه، فلما رأت محياه وتغير سحنته تراجعت ~~عنه وتخلصت من عناقه، وصار صدر يوري ميدانا للعواطف المتدافعة، فأحس أن التراجع سخيف، وشرع من جديد ~~يلاطفها في فتور وضعف وهي تقاومه بمثل فتوره وبروده، وعاد الموقف وليس أسخف منه في نظر يوري فأخلى ~~سبيلها وكانت تلهث كالطريدة. # وساد سكون أليم ثم قال فجأة: «عفوا ... لا بد أني جننت!» فأسرعت أنفاسها وخطر له أنه لم يكن ~~ينبغي أن يقول هذا الكلام الذي لا بد أن يكون قد آلمها وجرح نفسها، فأخذ على غير إرادته يعتذر بما ~~يعلم أنه كاذب مزيف، ولم تكن له إلا رغبة واحدة هي أن يعود أدراجه لأن الموقف ms197 صار لا يحتمل. # ويظهر أنها لمحت ذلك فقد قالت: «ينبغي ... أن أذهب.» # فنهضا ولم ينظر أحد منهما إلى صاحبه، وحاول يوري للمرة الأخيرة أن يوقظ نائمة إحساساته فعانقها ~~عناقا فاترا، فتحركت في نفسها عاطفة الأمومة وكأنما أحست أنها أقوى منه فدنت منه ولصقت بصدره ونظرت ~~إلى عينيه وابتسمت ابتسامة رقيقة عذبة وقالت: «عم مساء تعال إلي غدا.» ثم طبعت على فمه قبلة حلوة ~~أذهلت يوري ودار لها رأسه ووقف منها موقف العابد من ربه. # ولما انصرفت عنه ظل برهة طويلة يصغي إلى وقع قدميها، ثم التقط قبعته ونفض عنها أوراق الشجر ~~الذاوية قبل أن يضعها على رأسه، ومضى إلى الدير من طريق طويل تفاديا من لقاء سينا. # وقال لنفسه: «آه! ألا بد لي من تدنيس هذه الفتاة الطاهرة النقية؟ أينتهي الأمر بأن أفعل ما ~~يفعله أي رجل غيري من الأوساط؟ بارك الله فيها! إن هذا يكون خسة ودناءة. ويسرني أني لم أهو إلى ~~هذا الحضيض. وما أفظع ذلك! في لحظة واحدة، بدون كلام ... ينقلب الإنسان حيوانا!» # وهكذا كان يفكر مشمئزا مما كان قبل لحظة مبعث سرور وقوة له. وتنازعه الإحساس بالخجل والسخط، ~~حتى رجلاه كان يجرهما، وحتى قبعته كانت على رأسه، وكأنها على رأس ممرور أبله. # ثم سأل نفسه يائسا: «وبعد فهل أنا في الحقيقة كفء للحياة؟» # | الفصل الرابع والثلاثون # كان الممر المفضي إلى الدير يفوح برائحة البخور والخبز ولمح يوري راهبا قويا نشيطا وفي يده ~~وعاء فصاح به يوري: «أيها الأب!» واضطرب لمخاطبته بهذه العبارة وظن الراهب سيحار مثله ويرتبك. # فسأله الراهب بأدب وكانت بينهما سحب من البخور: «ماذ تبغي؟» فقال يوري: «أليس هنا طائفة من ~~الزوار آتون من المدينة؟» فأجابه الراهب على الفور كأنما كان يتوقع هذا السؤال: «نعم في رقم ~~7.» # ففتح يوري الباب فألقى غرفة يتلوى في جوها دخان الطباق ورأى ضوءا قريبا من شرفتيها وسمع أصوات ~~الكئوس والشاربين وضحكاتهم وكان شافروف يتكلم ويقول: «إن الحياة داء عياء.» فصاح به إيفانوف: «وأنت ~~مغفل لا شفاء لك! ألا ms198 تستطيع أن تكف عن صوغك الأبدي لهذه العبارات السخيفة.» # ودخل يوري فاستقبلوه بأعظم الترحيب وأصخبه ووثب شافروف إلى قدميه وكاد يجر غطاء المائدة عنها ~~وهو يصافح يوري ويقول له: «ما أعظم سروري بحضورك! الحق أن هذا فضل كبير منك! أشكرك كثيرا.» # فجلس يوري بين سانين وبيتر الليتش وجعل ينظر حوله، وكان في الشرفة مصباحان مضيئان وكأنما ~~وراءهما من الظلمة جدار، ولكنه مع ذلك استطاع أن يرى النجوم تومض في قبة السماء وأن يلمح الجبل عند ~~الأفق ورءوس الأشجار العالية وسطح الماء اللامع، وكانت الفراشات تأتي من الغاب وتدور بالمصباح ثم ~~تسقط على المائدة وتموت موتا بطيئا، فقال يوري لنفسه وكأنه يرثي لمصرع هذه الفراشات: «ونحن أيضا ~~كهذه الفراشات نرتمي على النار ونحوم حول كل فكرة براقة لنقضي نحبنا آخر الأمر، ونتوهم أن الفكرة هي ~~مظهر إرادة الحياة، على حين ليست إلا النار التي تذيب عقولنا.» # فقال سانين ومد إليه يده بالزجاجة: «والآن فلتشرب.» # فقال يوري: «بكل سرور.» وخطر له أن هذا يكاد يكون خير ما يسعه أن يصنع بل هو في الواقع كل ما ~~بقي عليه أن يفعله. # فشربوا جميعا، وكان مذاق الفودكا في فم يوري بشعا حارا مرا كالسم فعالجه بالخضر، ولكن هذه ~~أيضا لم تكن أحسن طعما فلم يسغها حلقه. وقال لنفسه: «كلا! سواء علي الموت وسيبريا، إنما المهم أن ~~أزايل هذا المكان كله! ولكن أين أذهب؟ إن الحياة سواء في كل مكان ولا مهرب لي من نفسي، ومتى شرع ~~المرء يفكر في الحياة فأخلق بها أن لا تعود أي صورة منها مرضية سواء أعاش في جحر كهذا أم في ~~بطرسبرج.» # وقال شافروف: «إني أرى أن الإنسان لا شيء من حيث هو فرد.» فنظر يوري إلى وجهه الغبي وعينيه ~~المتعبتين الصغيرتين الباديتين من وراء النظارة، وقال لنفسه: «إن مثل هذا لا شيء في الحقيقة.» ومضى ~~شافروف فقال: «إن الفرد صفر، وما يرزق القوة الحقيقية إلا الذين يخرجون من صفوف الجماهير ولا يفقدون ~~الاتصال بها ولا يقاومونها كما يفعل ms199 أبطال الطبقات الوسطى.» # فسأله إيفانوف بلهجة المتحفز: «وفي أي شيء تكون قوتهم من فضلك؟ أتظهر قوتهم في محاربة الحكومة ~~الفعلية؟ ربما؟! ولكن كيف تساعدهم الجماهير في جهادهم في سبيل السعادة الشخصية؟» فقال شافروف: «آه! ~~هذا أنت! إنك رجل ضخم من طراز السوبر مان. ولذلك تنشد نوعا من السعادة يلائمك، ولكننا نحن الأوساط ~~نرى أن جهادنا في سبيل الغير هو السعادة. انتصار الفكرة هو قوام السعادة!» # فسأله إيفانوف: «وهب الفكرة كانت خطأ؟» # فقال شافروف: «هذا لا يهم! إن الإيمان هو كل شيء.» وهز رأسه معاندا. فقال إيفانوف بازدراء: ~~«ياه! إن كل امرئ يعتقد أن عمله أهم عمل وأن الدنيا لا يسعها الاستغناء عنه، حتى حائك ثياب السيدات ~~يظن ذلك ويتوهمه! وأنت تعلم هذا حق العلم، وإن كنت قد نسيته على ما يظهر وإذ كنت صديقا لك فليس ~~يسعني إلا أن أذكرك!» ~~- فنظر يوري إلى إيفانوف نظرة البغض والمقت وسأله بلهجة الزراية: «وما هو قوام السعادة في ~~رأيك؟» # فقال إيفانوف: «إن قوامها على التحقيق ليس الزفرات والأنات التي لا آخر لها ولا التساؤل الذي لا ~~ينتهي كأن يظل المرء حياته يقول: «لقد عطست الآن. فهل كان هذا صوابا؟ أليس ذلك خليقا أن يضر بعضهم؟ ~~هل أديت واجبي وقمت بمهمتي إذ عطست؟» فغاظ يوري أن يلمح أن إيفانوف يظن نفسه أذكى منه وأن يتضاحك به ~~فأجابه: «إن هذا ليس برنامجا.» وحمل لهجته ما استطاع من الازدراء. # فقال إيفانوف: «أبك حقا حاجة إلى برنامج؟ إني إذا شئت واستطعت أن أفعل شيئا فعلته. هذا هو ~~برنامجي.» فقال شافروف بحدة: «ما أجمله من برنامج!» وهو يوري كتفيه ولم يجب. # وظلوا لحظة أخرى يشربون في صمت ثم التفت يوري إلى سانين وشرع يشرح له آراءه في الله تعال، وكان ~~يقصد إلى إسماع إيفانوف ما يقول وإن لم ينظر إليه. وكان شافروف يصغي باحترام وحماسة. أما إيفانوف ~~فأولاه ظهره وجعل يقول بعد كل بيان يلقيه يوري: «لقد سمعنا هذا من قبل!» # فتدخل سانين في آخر الأمر وقال لإيفانوف: ms200 «أرجوك أن تكف عن هذا! ألا ترى أن تكريرك عبارتك هذه ~~ممل جدا؟ إن لكل إنسان الحق في إبداء رأيه والحرية في اعتناقه.» ثم أشعل سيجارة وخرج إلى الفناء ~~فخفف سكون الليل من حرارة جسمه، وكان القمر قد طلع من وراء الغابة وأراق ضوءه السلس اللين على عالم ~~الظلام، ثم سمع وقع أقدام عارية على الحشائش، ورأى غلاما يخرج من الظلام فسأله: «ماذا تريد؟» # فقال الغلام: «إني أبحث عن المدموازيل كرسافينا المدرسة.» # فسأله سانين: «لماذا؟» وذكر سانين منظرها وهي عارية على حافة النهر ونور الشمس يغمر جسمها فقال ~~الغلام: «إن معي رسالة إليها.» فقال سانين: «أها! لا بد أنها هناك عند الممر لأنها ليست هنا فاذهب ~~إلى هناك.» # فمضى الغلام وغاب في الظلام وتبعه سانين في بطء وهو ينشق النسيم الرقيق الحواشي ويكرع منه ~~كرعا، وسار حتى دنا من المسكن وصار الضوء المرسل من النافذة على وجهه الهادي المفكر، فلمح سينا عند ~~النافذة واقفة في ثياب النوم وعلى كتفها المستدير الرقيق نور المصباح وكانت غارقة في خواطرها، ويظهر ~~أنها كانت سارة إلا أن فيها ما تستحي منه، فقد كانت أجفانها تختلج وعلى شفتيها ابتسامة مرتسمة، فرأى ~~فيها سانين ابتسامة العذراء الناضجة الملتهبة لقبلة ساحرة طويلة، فوقف جامدا مكانه وجعل يحدق ~~فيها. # وكانت سينا تفكر فيما مر بها في يومها وفي تجاربها التي سرتها وأثارت على هذا حياءها وخجلتها ~~فقالت لنفسها: «يا إلهي! أوقد هويت إلى هذا الدرك؟» ثم ذكرت للمرة المائة ما فازت به من الغبطة، ~~وهي بين ذراعي يوري وهمسه «واحبيبتاه!» ولحظ سانين اختلاج جفونها مرة أخرى وابتسامتها، ولم تشأ أن ~~تفكر فيما تلا ذلك مما دفعت إليه العاطفة الجامحة. ودق الباب فسألت سينا «من الطارق؟» ورأى سانين ~~جيدها الناصع الرقيق كأوضح ما يكون، فقال الغلام: «هذا خطاب إليك.» # ففتحت سينا الباب ودخل الغلام وقدماه تحملان طوائف شتى من الأوحال ونزع قبعته عن رأسه وقال: «قد ~~أرسلتني سيدتي.» # ففضت سينا الرسالة وقرأت: «عزيزتي سينوتشكا! إذا استطعت فاحضري الليلة فقد ms201 جاء المفتش وسيزور ~~مدرستنا غدا صباحا ولا يحسن أن تكوني غير موجودة.» فسألتها عمتها: «ماذا؟» فقالت سينا: «قد أرسلت ~~ديبوفا في طلبي لأن المفتش حضر.» وحك الغلام قدميه وقال: «لقد أمرتني أن أرجوك أن تبادري إلى ~~الذهاب.» فسألتها عمتها: «أذاهبة أنت؟» # أجابت: «كيف أذهب وحدي في الظلام؟» # فقال الغلام: «إن القمر في كبد السماء والليل منير.» # فقالت سينا مترددة: «لا بد لي من الذهاب.» # فقالت عمتها: «نعم نعم. اذهبي لئلا يحدث ما لا تحبين؟» # فهزت سينا رأسها وقالت: «حسن سأذهب إذن.» # ولبست ثيابها ووضعت قبعتها على رأسها وودعت عمتها والتفتت إلى الغلام وقالت: «أوعائد معي ~~أنت؟» فأطرق الغلام وارتبك وحك قدميه وقال: «لقد حضرت لأبقى مع أمي الليلة وهي تغسل ثياب الرهبان ~~هنا.» # فقالت سينا: «ولكن كيف أذهب وحدي؟» # فأجابها الغلام: «حسن جدا. فلنذهب معا.» # وخرجا إلى الظلام فقالت: «ما أبدعه من منظر!» # ثم ما عتمت أن ندت عنها صرخة إذ اصطدمت بإنسان في الظلام، فقال سانين ضاحكا: «إنه أنا.» # فمدت سينا إليه يدها المرتجفة وقالت على سبيل الاعتذار: «إن الظلام طاغ لا تنفذ فيه العين.» ~~فسألها سانين: «أين تذهبين؟» # أجابت: «إلى المدينة، فقد أرسلوا في طلبي.» # قال: «وحدك؟» أجابت: «كلا! معي الغلام وهو الليلة فارسي.» فقال الغلام ضاحكا: «فارس! ~~هاها!» # وسألته سينا: «وماذا كنت أنت تصنع هنا؟» فقال سانين: «كنا نشرب قليلا.» فسألته سينا: «قلت كنا ~~فمن هم؟» # أجاب: «نعم شافروف ويوري وإيفانوف و...» # فقالت سينا: «أوه! وهل يوري معك؟» واحمر وجهها وسرت في جسمها لذكر اسمه هزة جعلتها تحس كأنها ~~واقفة على حرف هاوية. فسألها سانين: «لماذا تسألين؟» # فقالت وزاد خجلها «لأني ... قا ... قابلته. والآن إلى الملتقى!» فصافح سانين اليد الممدودة إليه ~~وقال: «إذا شئت فإني مستعد أن أحملك في زورقي إلى الشاطئ الآخر. لماذا تقطعين كل هذه الدورة على ~~قدميك؟» # فقالت سينا: «كلا! لا تتعب نفسك من فضلك!» وقال الغلام: «دعيه بالله يفعل فإن الشاطئ كله أوحال ~~تغوص فيه الرجل إلى الركبة.» فقالت: «حسن إذن. ولتذهب إلى ms202 أمك الآن .» # فسألها الغلام: «ألا تخافين أن تجتازي الحقول وحدك؟» # فأجاب سانين: «سأرافقها إلى البلدة.» # فسألته سينا: «ولكن ماذا عسى أن يقول إخوانك؟» # فأجابها: «هذا لا يهم! سيظلون إلى الفجر على كل حال وحسبي ما عانيته من الملل إلى الآن.» # فقالت: «إن هذه منة أحفظها لك ... اذهب يا جريشكا.» # فقال سانين: «امسكي بذراعي وإلا تعثرت.» # فلفت سينا ذراعها بذراعه وخالجها إحساس غريب لما لمست عضلاته الحديدية، وهكذا مضيا في الظلام ~~واخترقا الغابة إلى النهر، وكان الليل في الغابة أسحم طاغيا كأنما لفت كل الأشجار في ضباب دافئ لا ~~تنفذ العين منه. فقالت: «ما أشد الظلام!» # فهمس سانين في أذنها وكان صوته يرجف قليلا: «هذا لا يهم إني أحب السرى في الغابات لأن المرء ~~حينئذ يتضرعه ثوب للرياء ويعود أجرأ وأمتع.» وكانت سينا تجد صعوبة في السير، وشاع في جسمها الاضطراب ~~لملامستها في هذه الظلمة جسم سانين القوي المتين الذي كان يجذبها أبدا، واحمر وجهها وعاد كالجمرة ~~المضطرمة وأعداها سانين بحرارة جسمه، فصار ضحكها متكلفا لا ينقطع. وكان الظلام أخف عند سفح التل ~~والقمر يريق ضوءه على صفحة الغدير والنسيم البليل يصافح خديها، وأخذت الغابة تنأى عنهما وتغيب في ~~الظلام كأنما أسلمتها إلى النهر. # فقالت: «أين زورقك؟» أجاب: «هذا هو.» # ثم أخذا مقعدهما فيه وأكسبها القمر والتماع الماء وضاءة وروعة ودفع سانين الزورق فانطلق يفرق ~~الماء ويعوم على ضوء القمر مخلفا وراءه خطا طويلا. # فقالت سينا وأحست فجأة قوة لا تغالب: «دعني أجدف فإني أحب ذلك.» أجاب: «إذن فاجلسي هنا.» ووقف ~~هو في وسط الزورق. فاحتكت به وهي تنتقل إلى مكانها الجديد ولمست بأطراف أصابعها يده الممدودة إليها ~~لمساعدتها وبدت أمامه في حسنها الرائع. وهكذا سبحا على متن الغدير. والقمر يرسل أشعته على وجهها ~~الباهت وحاجبيها السوداوين وعينيها البراقتين، فخيل لسانين أنهما مقبلان على أرض مسحورة منعزلة عن ~~الناس بعيدة عن منازلهم خارجة عن دائرة القانون والعقل الإنساني، وقالت سينا: «ما أجمل هذه ~~الليلة!» # فقال بصوت خفيض: «نعم أليست كذلك!» # فانفجرت ms203 ضاحكة وقالت : «لا أدري كيف هذا ولكني أحس رغبة شديدة في أن ألقي بقبعتي في الماء وأرسل ~~شعري.» # فقال سانين: «إذن افعلي.» # ولكنها قلقت وصمتت. وكرت خواطرها إلى ما مر بها في يومها من التجاريب، وخيل لها أن من المستحيل ~~أن لا يكون سانين عارفا بما جرى، فزاد هذا الظن في حدة سرورها ونازعتها نفسها أن تقول له إنها ليست ~~دائما ساكنة حيية محتشمة وإنها أحيانا تلقي عن وجهها قناع الرياء وتعود شخصا آخر مختلفا ~~جدا. # وسألته بصوت مضطرب: «هل عرفت يوري منذ زمن طويل؟» فأجاب: «كلا! لماذا تسألين؟» # قالت: «مجرد سؤال. ألا تظنه ذكيا؟» # وكانت في صوتها نبرة حياء صبياني كأنما كانت تريد أن تنتزع شيئا ممن هو أسن منها ومن له أن ~~يلاطفها أو يعاقبها. # فابتسم سانين لها وهو يقول: «نعم!» وعلمت سينا من صوته أنه يبتسم فزاد حياؤها وقالت: «إنه حقيقة ~~ذكي ... ولكنه شقي على ما يظهر!» فأجابها سانين: «ربما كان الأمر كما تصفين. فأما شقاؤه فلا شك فيه. ~~وهل أنت آسفة له؟» # فقالت سينا بدلال متكلف: «نعم بلا شك.» # فقال سانين: «هذا طبيعي ولكن للشقاء معنى عندك غير معناه الحقيقي. إنك تظنين أن الرجل الساخط ~~الذي لا ينفك يحلل ويشرح حالته النفسية وأعماله - مثل هذا الرجل - تظنينه لا شقيا مسكينا بل ~~تحسبينه قوة وشخصية نادرة فذة، لأنك تتوهمين أن هذا التحليل المستمر من شأنه أن يخول المرء أن يظن ~~نفسه أرقى من سواه وأحق بالعطف والحب والإجلال.» # فسألته سينا: «حسن ولكن ماذا هو إذا لم يكن كذلك؟» # ولم تكن قد كلمت سانين طويلا من قبل، وكانت تسمع أنه فذ فريد في بابه، فوجدت لذة في ملاقاة مثل ~~هذه الشخصية الجديدة الممتعة وضحك سانين وقال: «مضى زمن كان الإنسان فيه يعيش عيشة الوحش ولا يحمل ~~نفسه تبعة أعماله أو إحساساته، ثم تلا ذلك عهد الحياة المحسة المدركة، فبالغ الإنسان في مفتتحها في ~~تقدير عواطفه وحاجاته ورغباته. وهنا عند هذا الطور - يقف يوري فهو آخر «الموهيكان» - آخر من ms204 يمثل ~~عصرا من النشوء الإنساني مضى وانقضى ولا سبيل إلى عوده. وكأنه قد أشرب خلاصة ذلك العصر فتسممت روحه، ~~فهو لا يحيا حياته في الحقيقة. يسائل نفسه عن كل عمل وكل فكرة «هل أحسنت؟ هل أساءت؟» وهذا غاية ~~السخف. وهو في السياسة لا يدري هل يليق بكرامته أن يقف في صف مع الآخرين أم لا يليق، وإذا نفض يده من ~~الاشتغال بالسياسة عاد يعجب لنفسه أليس اعتزاله إياها مهانة له وأمثاله كثر، وإذا كان يوري شاذا ~~فذلك راجع إلى أنه أذكى.» # فقالت سينا بحذر: «لم أفهم مرادك تماما. إنك تتكلم عن يوري كأنه هو الملوم عن كونه كذلك. وإذا ~~كانت الحياة عاجزة عن إرضاء رجل فهذا الرجل لا بد أن يكون فوق الحياة.» # فأجابها سانين: «إن الإنسان لا يمكن أن يكون فوق الحياة لأنه ليس إلا جزءا منها. وقد يسخط ولكن ~~مرجع السخط إلى نفسه. فهو إما لا يستطيع أو لا يجرؤ على أن يأخذ من كنوز الحياة ما يسد حاجته. ومن ~~الناس من يقضون حياتهم في السجون وهناك غيرهم آخرون يخافون أن يفروا منها كالطائر الأسير يفرق من ~~الطيران إذ يطلق له. والجسم والروح معا يكونان كلا متجاوبا لا يزعجه إلا دنو الموت الرهيب، ~~ولكننا نحن الذين نقضي على هذا التلاؤم بسوء فكرتنا عن الحياة. فقد زعمنا أن رغباتنا الطبيعية ~~حيوانية وصرنا نحس العار والخجل منها ونخفيها في صور وضيعة. والضعاف منا لا يفطنون لهذا بل يقطعون ~~حياتهم في الأغلال المضروبة عليهم. أما الضحايا فأولئك الذين تقعد بهم آراؤهم المقلوبة. ولا شك أن ~~القوى المحبوسة تتطلب منفذا، وأن الجسم ينشد السرور واللذة وأنه يتعذب من جراء عجزه وقصوره. فهؤلاء ~~وأمثالهم حياتهم صراع دائم وشك مستمر يتعلقون بكل ما يقدرون أن يعينهم ويقضي بهم إلى نظرية أخلاقية ~~أحدث وأجد، ولا يزالون كذلك حتى يعودوا وهم يخافون أن يعيشوا وأن يحسوا.» فقالت سينا مبتهجة: «نعم ~~نعم.» وغزت رأسها كتائب من الخواطر الجديدة، وتلفتت حولها وعينها تضيء وتغلغل إلى أعماق نفسها جمال ms205 ~~الليل وحسن الغدير الساكن والغابات الحالمة، وعاودها الشوق إلى تجربة القوة التي تؤتيها ~~السرور. # ومضى سانين في كلامه فقال: «إني أبدا أحلم بعصر ذهبي لا يحول فيه شيء بين الإنسان وسعادته ~~فيباشر كل ما يستطيع من المتع في جرأة وحرية.» فسألته سينا: «ولكن كيف يصنع ذلك؟ أبالرجوع إلى ~~الهمجية؟» قال: «كلا! إن العصر الذي كان فيه الإنسان وحشا كان عصرا منحوسا. وعصرنا الحاضر الذي ~~يتحكم فيه العقل في الجسم ويخفيه عصر تنقصه الهمة والرشد. ولكن الإنسان لم يعش عبثا فقد خلقت له ~~حياته حالات جديدة لا تدع مجالات لخشونة الهمجية ولا للرهبانية.» # فسألته: «وماذا عن الحب؟ ألا يفرض علينا قيودا؟» # فقال: «كلا! إن الحب إذا كان يفرض قيودا مؤلمة فذلك من جراء الغيرة. والغيرة نتيجة العبودية. ~~والرق في أي صورة ضار وينبغي للناس أن يستمتعوا ما يتيح لهم الحب بلا خوف ولا قيد، فإذا فعلوا عاد ~~الحب أمتع وأحفل في كل صورة وأكثر تأثرا بالمصادفات والفرص.» فقالت لنفسها: «لم يخالجني أي خوف في ~~هذه اللحظة.» ثم نظرت فجأة إلى سانين نظرة من يراه لأول مرة وكان جالسا أمامها أزرق العينين عريض ~~الكتفين يشوق الناظر إليه ويروق فقالت لنفسها: «ما أجمله!» # وبدا لعينها عالم بأسره من القوى والعواطف فهل تدخله؟ فابتسمت لهذا الخاطر وهي ترتجف ولا بد أن ~~يكون سانين قد أدرك ما يجول في خاطرها فقد أسرعت أنفاسه وعاد وكأنه يلهث. ومر الزورق بنقطة يضيق فيها ~~مجرى النهر فالتصق المجدافان بالأعشاب وأفلتا من كفيها فقالت: «لا أستطيع أن أجدف هنا إن المجرى ~~ضيق.» وكان صوتها رقيقا منغما كخرير الماء. فوقف سانين وسار إليها فسألته وهي فزعة: «ماذا؟» فقال: ~~«لا شيء إني أريد ...» # فوقفت مثله وحاولت أن تصل إلى الدفة واضطرب الزورق اضطرابا عنيفا ففقدت توازنها ومالت إلى ~~سانين وأمسكت به ووقعت بين ذراعيه. وفي هذه اللحظة - وبدون أن يجري في خاطرها أن هذا ممكن - أطالت ~~التصاقها به، فاندلعت النار في دماء سانين وخرجت من بين شفتيه آهة دهشة وسرور واحتضنها ms206 وردها إلى ~~الوراء حتى سقطت قبعتها وزاد اضطراب الزورق فصاحت به: «ماذا تصنع؟ دعني بالله! ماذا تصنع؟» وكان ~~صوتها ضعيفا خافتا. وحاولت أن تتخلص من ذراعيه الحديديتين ولكن سانين ضم صدرها إليه ضما أزال ما ~~كان بينهما من الحواجز. # ولم يكن حولهما إلا الظلام، وإلا رائحة النهر والأعشاب البليلة، وجو يسخن تارة ويبرد أخرى وسكون ~~عميق، ثم فقدت فجأة وهي لا تدري كل إرادة لها أو فكر فتراخت أعضاؤها وأسلمت نفسها لإرادة ~~غيرها. # | الفصل الخامس والثلاثون # أفاقت سينا أخيرا فأبصرت صورة القمر الوضاء مرتسمة على صفحة الماء ووجه سانين مكبا عليها ~~بعينيه اللامعتين، وأحست أن ذراعيه حول خاصرتها وأن أحد المجدافين يحك ركبتها. # ثم طفقت تبكي بكاءا رقيقا ملحا دون أن تحاول التخلص من عناق سانين، وكان بكاؤها على ذلك الذي ~~لا يرد ودموعها دموع الخوف والمرثية لنفسها والحب له. فرفعها سانين ووضعها على ركبته وهي مستسلمة له ~~كالطفل، وكانت تسمعه يرفه عنها بلهجة الوامق الشاكر وكأنها تحلم فقالت لنفسها: «سأغرق نفسي.» وكأنما ~~كان هذا الخاطر جوابا على سؤال شخص ثالث يقول لها: «ماذا صنعت؟ وماذا تنوين أن تصنعي الآن؟» # ثم سألت سانين بصوت عال: «ماذا أصنع الآن؟» فأجابها سانين: «سنرى» فحاولت أن تنهض عن ركبته، ~~ولكنه أمسك بها فبقيت في مكانها وهي تعجب كيف لا تشعر له بمقت أو اشمئزاز، وحدثت نفسها إن لم يعد ~~يعنيها ما عسى أن يحدث وخالجها شعور خفي بالعجب لهذا الرجل الأجنبي الحبيب ماذا ينوي أن يصنع ~~بها. # وبعد برهة تناول سانين المجدافين واستلقت هي إلى جانبه وعيناها مغمضتان وجسمها يضطرب كلما لامست ~~يده صدرها وهو يجدف، ولما بلغ الزورق الشاطئ فتحت عينيها فأبصرت الحقول والماء والضباب والقمر باهتا ~~كالشبح يهم بالفرار من الفجر، وكان الفجر قد تنفس وهب النسيم باردا فسألها سانين: «هل أذهب معك؟» ~~فقالت: «كلا! إني أفضل أن أمضي وحدي.» فحملها سانين وسره أن يحملها، فقد كان يحس أنه يحبها وأنه مدين ~~لها بالشكر ووضعها على الشاطئ بعد أن ضمها وقال: ms207 «يا لك من حسناء!» فابتسمت ابتسامة الزهو. وتناول ~~سانين يديها وجذبها إليه وقال: «قبليني» فقالت لنفسها وهي تطبع على فمه قبلة حارة طويلة: «لا يهم ~~الآن! إن كل شيء لا يهم!» وهمست في أذنه: «إلى الملتقى.» وهي لا تكاد تدري ما تقول فناشدها سانين: ~~«لا تغضبي علي يا فتاتي!» وجعل يراقبها وهي تصعد الشاطئ مترنحة متطرحة وهو يرثي لها وأحزنه ما هو ~~مذخور لها من الآلام التي لا ضرورة إليها والتي لا قبل لها باحتمالها، وكانت تسير في بطء إلى مطلع ~~الفجر ولم تلبث أن لفها الضباب في شملته البيضاء. # ولما خفيت عن عينه وثب سانين إلى الزورق وجلد المساء بمجدافيه فأرغاه، واندفع به الزورق حتى ~~توسط النهر، وكان ضباب الفجر قد غشي ما حوله فترك المجدافين ووقف في وسط الزورق وأطلق صيحة فرح ~~عالية، فتجاوبت بصيحته الغابات والضباب كأنما كانت حية مثله. # | الفصل السادس والثلاثون # نامت سينا كأن ضربة أصابتها، ولكنها بكرت في القيام وكانت مهدودة القوى باردة الجسم كالجثة. ولم ~~ينم يأسها لحظة ولم تستطع أن تنسى ما حدث، فجعلت وهي حزينة صامتة تفحص ما في الغرفة كأنما تريد أن ~~ترى هل لحق شيئا تغيير، ولكن كل شيء كان على العهد به، وكانت ديبوفا على السرير الثاني مستغرقة في ~~نومها، وليس غير الثوب الملقى على كرسي بدون احتفال يقص عليها قصتها. وزاد وجهها اصفرارا وأحضرت ~~لذهنها كل ما مر بها ثم نهضت ولبست ثيابها وجلست إلى النافذة تنظر إلى الحديقة، وكان رأسها يموج ~~بالخواطر المضطربة المبهمة كالدخان إذ تعبث به الريح. ثم استيقظت ديبوفا فجأة وقالت: «ماذا؟ أوقد ~~قمت؟ ما أعجب هذا؟» # وكانت لما حضرت سينا صباحا قد سألتها والنوم يغالبها: «وكيف استطعت أن تحضري في هذه الليلة؟» ~~ثم نامت ولم تنتظر الجواب، ولكنها لما تبينت الآن أن في الأمر شيئا أسرعت حافية وسألتها: «ما الخبر؟ ~~أمريضة أنت؟» فقالت سينا وعلى شفتيها الورديتين ابتسامة: «لالا! ولكني لم أذق النوم.» # وهكذا نطقت بأول أكذوبة أحالت عذريتها الصريحة المزهوة ذكرى ms208 وجعلت تنظر إلى ديبوفا وهي تلبس ~~ثيابها فبدت لها نقية وضاءة، ورأت نفسها بغيضة كالأفعى، وبلغ من ذلك أن خيل لها أن الجانب الذي كانت ~~ديبوفا واقفة فيه مشمس ضاح على حين بدا لها ركنها مغمورا بالظلام. ولكن ذلك كله كان مكتوما ولم يكن ~~ظاهرها الطاهر ينم على شيء، ثم لبست حلتها وقبعتها وتناولت مظلتها وذهبت إلى المدرسة جذلة على ~~عادتها، وبقيت ثم إلى الظهر ثم عادت وقابلت في الطريق ليدا، فوقفتا تتحدثان عن أمور تافهة كثيرة، ~~وكانت ليدا تمقت سينا لظنها أنها سعيدة حرة فارغة القلب من الهموم، على حين كانت سينا تنفس على ليدا ~~حياتها السلسلة الممتعة، وكانت كل منهما تعتقد أنها ذاهبة ضحية الظلم وتقول لنفسها: «إني ولا شك خير ~~منها فلماذا تسعد وأشقى؟» # وتناولت سينا بعد الغداء كتابا وجلست قرب النافذة تقرأ، وكانت ساعة الانفعال قد انقضت فصارت ~~الآن لا تحفل بشيء وجعلت تردد من حين إلى حين: «آه! لقد قضي الأمر. وخير لي أن أموت.» ورأت سانين قبل ~~أن يراها، وكان سائر صوبها يخترق الحديقة وينحي عنه الأغصان المتهدلة كأنما تريد أن تحييه بلمسها ~~فاضطجعت في كرسيها وجعلت ترقبه بعينين شاردتين. # وقال ومد إليها يده: «عمي صباحا.» وقبل أن تستطيع أن تنهض أو تفيق من دهشتها حياها مرة أخرى ~~بصوت رقيق فتمتمت: «عم صباحا.» فمال إلى النافذة واتكأ عليها وقال: «تعالي إلى الحديقة برهة نتحدث.» ~~فنهضت تدفعها قوة سلبتها إرادتها وقال سانين: «سأنتظرك هناك.» فلم تزد على أن هزت رأسها. # وكانت سينا تشفق من النظر إليه وهو يتراجع إلى الحديقة، فظلت بضع ثوان جامدة في مكانها ويداها ~~متصافقتان ثم خرجت، وكان سانين واقفا ينتظرها في بعض جهات الحديقة فأقلقتها ابتسامته، فتناول كفها ~~وجلس على جذع شجرة وجذبها برفق إلى حجره وقال: «لست واثقا من أنه كان يليق بي أن أحضر لأني أخشى أن ~~تظني أني أسأت إليك، ولكني لم أستطع البقاء بعيدا عنك وأريد أن أشرح لك بعض الأمور حتى لا تذهبي إلى ~~مقتي وكرهي. ms209 وبعد ... فماذا كنت أستطيع أن أفعل غير ما فعلت؟ كيف كان يسعني أن أقاوم؟ لقد مرت بي لحظة ~~شعرت فيها أن كل حاجز بيننا تداعى وأني إذا أفلتتني هذه اللحظة فلن تعود وأنت رائعة الجمال وضيئة ~~الشباب ...» وكانت سينا صامتة وأذنها الرقيقة الشفافة يغطيها شعرها إلا أقلها فاحمرت واختلجت أهداب ~~أجفانها فقال سانين: «إنك شقية الآن. أما البارحة فما كان أجمل كل شيء! وإنما تنشأ الأحزان لأن ~~الإنسان فرض ثمنا لسعادته، ولو أن أسلوب حياتنا كان مختلفا لبقيت ليلتنا هذه في ذاكرتينا أنفس ما ~~جربناه وأجمل ما استمتعنا به.» فقالت: «نعم لو أن ...» ثم ابتسمت فجأة فأنعشتها ابتسامتها التي لم تكن ~~مقدرة ولكن ذلك لم يطل إلا برهة. ثم تراءت لها حياتها المستقبلية تكتنفها الأحزان والعار فأثارت في ~~نفسها هذه الصورة الحقد والمقت وقالت بحدة: «اذهب عني! دعني!» وصرت أسنانها وتصلب وجهها ونطق بالبغض ~~وهي تنهض. # فرق لها قلب سانين ونازعته نفسه هنيهة أن يعرض عليها اسمه وحمايته ولكن شيئا صده وصرفه، وأحس ~~أن مثل هذا الإصلاح لما أفسد أحط وأسفل من أن يعالج. ثم قال: «إني أعلم أنك تحبين يوري فلعل هذا ما ~~يكربك؟» فتمتمت سينا وشدت كفا على كف: «لست بعاشقة أحد.» فقال سانين مستعطفا: «لا تحملي لي ضغنا ~~إنك كما كنت جمالا وحسنا وقدرة على إيتاء يوري ما أوليتني إياه من السعادة، وإني لأتمنى لك من ~~أعماق قلبي كل غبطة ميسورة ونعمة ممكنة، وسأتمثلك دائما كما رأيتك البارحة. فالوداع وابعثي في طلبي ~~إذا إحتجت إلي. واعلمي أن حياتي مبذولة لك إذا أردت.» فنظرت إليه سينا وهي صامتة وأحست عطفا عجيبا ~~وقالت لنفسها: «من يدري؟ ربما استقامت الأمور.» وتجرد المستقبل من البشاعة في نظرها ووقف الاثنان ~~وجها لوجه وهما يعلمان أن في صدريهما سرا لا سبيل لأحد إليه، وأن ذكراه ستبقى على الأيام سارة. ~~وقالت سينا: «إلى الملتقى.» بصوت رقيق عذب، فأضاء السرور وجه سانين ومدت إليه كفها فقبلها وقبلته ~~قبلة الأخوين ورافقته إلى بوابة الحديقة، ثم وقفت ms210 وجعلت تراقبه آسفة وهو يمضي عنها، ثم كرت راجعة إلى ~~الحديقة واستلقت على النجائل وأغمضت عينيها وفكرت فيما وقع وتساءلت: أينبغي لها أن تطلع يوري عليه أم ~~تكتمه. وقالت: «كلا! لن أفكر في هذه مرة أخرى، ويحسن أن ننسى بعض الأمور.» # | الفصل السابع والثلاثون # استيقظ يوري صباح اليوم التالي متوعكا مصدع الرأس مر الفم. ولم يذكر في أول الأمر إلا صيحات ~~وأصوات كئوس وضوء مصابيح خابية قرب الفجر، ثم ذكر كيف أن شافروف وبيتر الليتش مضيا وأنه بقي مع ~~إيفانوف، وكان هذا قد اصفر من كثرة الشراب ولكنه ظل متماسكا وأنهما وقفا يتحدثان فوق الشرفة. # ولم تدع لهما الخمر عينا تفطن إلى جمال الفجر والمروج والنهر وظلا يتناقشان، وأثبت إيفانوف ~~ليوري أن أمثاله لا قيمة لهم إذ كانوا يخافون أن يقطفوا ثمار الحياة، وأن خيرا لهم أن يموتوا وذكر ~~قول بيتر الليتش: «إني على التحقيق لا أدعو هؤلاء الأشخاص رجالا.» وضحك وتوهم أنه هدم يوري وقضى ~~عليه، ولكن يوري لم يسؤه ذلك ولم يعبأ من كلامه إلا بقوله إن حياته شقية، وذهب يعلل ذلك بأن أمثاله ~~أدق حسا وألطف شعورا، ووافق على أن خيرا لهم أن يخرجوا من الدنيا، ثم طغى حزنه حتى كاد يبكي، وهم ~~بأن يخبر إيفانوف بحبه لسينا وما وقع له معها وأن يلقي بشرفها تحت قدمي هذا الوحش. # وذكر أيضا أن إيفانوف عاد بعد برهة ومعه سانين، وأن سانين كان منشرح الصدر كثير الكلام، وأنه ~~كان ينظر إلى يوري نظرة ود مشوبة بالزراية ثم انتقلت خواطره إلى سينا فقال لنفسه: «لقد كان من الخسة ~~أن أنتهز فرصة ضعفها. ولكن ماذا أصنع الآن؟ أنالها ثم أرمي بها. كلا! هذا لا سبيل إليه فإني أرق ~~قلبا من ذلك، إذن ماذا أفعل؟ أأتزوج منها؟» # الزواج! إن هذا مبتذل إلى حد شنيع. وكيف يستطيع من كان مثله معقد المزاج أن يحتمل فكرة المعيشة ~~الزوجة العامية! إن هذا مستحيل: «على أني أحبها، فهل أنبذها وأمضي؟ ولماذا أقضي على سعادتي؟ إن هذا ms211 ~~فظيع ومضحك !» # ثم وصل إلى البيت وحاول أن يصرف خواطره عن هذا الموضوع، فجلس إلى المكتب وشرع يقرأ بعض عبارات ~~فخمة كان قد كتبها أخيرا. «ليس في هذه الدنيا خير ولا شر. يقول البعض إن الطبيعي خير وإن الإنسان ~~حقيق أن يرضي شهواته لأنها طبيعية ولكن هذا خطأ لأن كل شيء طبيعي. وما من شيء يولد في الظلام أو ~~الفراغ. وأصل كل شيء واحد.» ~~«ويقول آخرون كل شيء يخرج من يد الله حسن. ولكن هذا أيضا خطأ لأن الله إذا كان موجودا مصدر كل ~~شيء حتى الكفر. وهناك آخرون يقولون: «إن الخير هو فعل الخير والإحسان إلى الناس. وكيف يكون ذلك؟ إن ~~ما ينفع واحدا يضر غيره، يطلب الرقيق حريته. ويستبقيه سيده عبدا رقيقا والغني يبغي بقاء ثروته، ~~والفقير ينشدها وينشد المظلوم الإنصاف والحرية والظافر أن لا يهزم، والمشنوء أن يحب، والحي أن لا ~~يموت والإنسان أن يقضي على الوحوش، والوحوش أن تفترس الإنسان، هكذا كانت الحالة في البداية وهكذا ~~ستظل إلى آخر الدهر، وليس من حق إنسان كائنا ما كان أن يستأثر بما هو خير له وحده.» ~~«ويقول الناس إن الحب خير من البغض، وهذا أيضا خطأ لأنه إذا كان ثم جزاء فخير على التحقيق ~~للمرء أن لا يذهب إلى الأثرة والأنانية، ولكن إذا لم يكن ثم جزاء فخير له أن يفوز بنصيبه من السعادة ~~تحت الشمس.» # ومضى يوري في تلاوة هذا الذي كان كتبه وهو يظن أن خواطره هذه مدهشة العمق وقال لنفسه: «إن هذا ~~صحيح.» واستشعر الزهو ثم مضى إلى النافذة وأطل على الحديقة حيث كانت الأرض مغطاة بالأوراق الصفراء، ~~فأحس أن لون الموت يطالعه من كل ناحية، وصار حيثما أدار بصره يرى أوراقا ذابلة وحشرات ارتهنت حياتها ~~بالحرارة والدفء ولم يستطع يوري أن يفهم هذا السكون وملأ الصيف المنصرم قلبه بالسخط فقال: «لقد زحف ~~الخريف وسيتلوه الشتاء والجليد ثم الربيع فالصيف فالخريف كرة أخرى وتدور الأعوام دورتها الأبدية ~~المملة. وماذا أصنع طول هذا الزمن؟ ما أنا ms212 صانعه الآن ؟ كلا فسأكون أبدا حيا وأكل ذهنا ثم يوافيني ~~الهرم وفي عقبه الموت.» # وغزت ذهنه الخواطر التي كانت تربكه أبد، فراح يتوهم أن الحياة قد مرت به وأنه ليس في الدنيا ~~وجود خاص - حتى حياة الأبطال تكون مفعمة بدواعي الملل والشجن في مفتتحها وخالية من بواعث السرور في ~~ختامها - ثم صاح: «عمل! نصر من أي نوع! أتقد ثم أخمد بلا خوف ولا ألم! هذه هي الحياة الحقيقية ~~الوحيدة.» وخطر لذهنه ألف عمل كل منها أفحل من الآخر، فأغمض عينيه فمثل لخياله منظر الصباح في ~~بطرسبرج وبدت أسوار مرتفعة بينها مشنقة. وتصور فوهة مسدس ملتصقة بجبينه وخيل له أنه يسمع صوت انطلاقه ~~على وجهه فقال: «هذا هو الذي يدخره القدر لي! هذا مصيري!» فخفيت أعمال البطولة وحل محلها إحساسه ~~بالعجز، وخيل له أن ما يحلم به من الأعمال المجيدة ليس إلا أوهاما صبيانية. فقال: «لماذا أضحي بنفسي ~~أو أحتمل الإهانة والموت لتتقي طبقات العمال في القرن الثاني والثلاثين آلام الجوع والفقر الجنسي؟ ~~إلى الشيطان بكل من في الدنيا من العمال وغير العمال! بودي لو ضربني بعضهم برصاصة! نعم أود أن يقتلني ~~بعضهم بضربة من خلفي حتى لا أحس شيئا. ما هذا الكلام الفارغ؟ ولماذا أطلب أن يفعل غيري هذا؟ ألا ~~يمكن أن أفعل أنا ذلك؟ هل بلغ من جبني أن لا أستطيع أن أختصر هذه الحياة التي أعلم أنها حياة شقاء ~~محض؟ إن المرء يموت لا محالة فخير ...» ودنا من المكتب الذي فيه مسدسه وأخرجه منه وقال: «لنفرض أني ~~جربت! لا لأقتل نفسي فعلا بل على سبيل التلهي والمزاح ...» ووضع المسدس في جيبه وخرج إلى الشرقة ~~المؤدية إلى الحديقة وكانت الأوراق الصفراء منتشرة على الدرج فرفسها برجله وأطارها في كل ناحية وصفر ~~لحنا شجيا حزينا. فسألته لياليا: «ما هذا اللحن؟ أهو رثاء لشبابك الراحل؟» وذهبت إليه فقال: «لا ~~تهذي.» وأحس منذ هذه اللحظة أن شيئا يدنو منه وأن لا طاقة له على دفعه فراح يتنقل في أرجاء الحديقة ~~وهو مضطرب، ms213 ومضى إلى النهر حيث كانت الأوراق الذاوية عائمة على صفحته. وظل برهة يرقب الدوائر تنداح ~~على سطح الماء والأوراق ترقص ثم كر إلى البيت، ووقف في طريقه يتأمل أحواض الزهر، وكانت فيها بقية منه ~~ثم انقلب إلى الحديقة. كانت فيها شجرة بلوط خضراء الأوراق وعلى مقعد في ظلها قط فرمقه يوري واغرورقت ~~عيناه، وجعل يكرر: «إن هذا هو المنتهى.» وكانت هذه الألفاظ تقع من نفسه موقع السهم فعاد يقول: «كلا! ~~ما هذا الهراء؟ إن حياتي كلها لا تزال أمامي وإني ما زالت في الرابعة والعشرين من عمري. كلا ليس هذا ~~بالذي يقضى، وما هو؟» وذكر سينا فجأة وخطر له أنه من المستحيل عليه أن يقابلها بعد ذلك المنظر الفاضح ~~في الغابة والخير له أن يموت ... وقوست القطة ظهرها وماءت فراقبها يوري باهتمام ثم جعل يمشي جيئة ~~وذهوبا ويقول: «إن حياتي مملة جافة، ولا أدري ... كلا! إن الموت أهون من لقائها!» # فزايلت سينا حياته وانبسط أمامه المستقبل باردا فارغا موحشا فقال: «خير لي أن أموت.» وفي ~~هذه اللحظة مر السائق وفي يده دلو ماء تغطي سطحه الأوراق الذاوية الصفراء وبدت الخادمة في حرم الباب ~~ونادت يوري، فمكث برهة لا يفهم ما تقول ثم قال لما أدرك أنها تدعوه إلى الطعام: «نعم نعم» وحدث نفسه: ~~«الطعام؟ أتناول طعاما! ما أفظع هذا! كل شيء سيكون على العهد به: أعيش وأقطع قلبي بالتساؤل عما ~~ينبغي لي أن أصنعه لسينا ولحياتي وأعمالي؟ إذن فلا بد من التعجيل وإلا لم تبق في الوقت فسحة إذا ذهبت ~~إلى الطعام.» وغلبته الرغبة في الإسراع فراح كل عضو من أعضائه يرعد، وأحس أنه لن يحدث شيء، ولكنه كان ~~على هذا يشعر أن الموت يرنق فوقه، وكانت الخادمة لا تزال واقفة في الشرفة ويداها تحت منشفتها تنشق ~~نسيم الخريف الرقيق، فتسلل يوري كاللص وراء شجرة البلوط حتى لا يراه أحد من الشرفة، وأطلق مسدسه ~~بسرعة مدهشة على صدره، وخيل له أن النار أخطأته ففرح وعاوده الشوق إلى الحياة والفزع من ms214 الموت، فصرخت ~~الخادمة وارتدت إلى البيت وما هي إلا برهة ثم رأى يوري حوله جمهور من الناس، وصب أحدهم ماء باردا ~~على رأسه ولصقت ورقة ذاوية بجبينه وضايقته، وسمع أصواتا عالية من حوله وبكاء ونداء: «يوري! يوري! ~~لماذا؟ لماذا؟ فعرف أنها أخته لياليا وفتح عينيه وأخذ يغالب الموت بعنف وصاح: «إلي بطبيب عجلوا.» ~~ولكنه أحس مع هذا أن الأمر قد قضي وأنه لا سبيل إلى نجاته، وثقلت الورقة الصفراء على جبينه وضغطت على ~~ذهنه، فمط عنقه مستوضحا، ولكن الأوراق ظلت تكبر في رأي عينه حتى دون النظر ولم يدر يوري ماذا حدث ~~بعد ذلك. # | الفصل الثامن والثلاثون # آسف كل امرئ على يوري سواء في ذلك من أحبوه ومن أبغضوه ومن احتقروه ومن لم يفكروا فيه. ولم يفهم ~~أحد منهم باعثه على الانتحار، وإن كانو يظنون أنهم يعلمون أن في أعماق نفوسهم بعض ما خامر نفسه. ولم ~~يشيعه من أهله أحد لأن أباه كان قد أصيب بالفالج، ولم يسع أخته لياليا أن تتركه فناب ريزانتزيف عن ~~الأسرة، وتولى الإشراف على الجنازة والدفن، وكان لهذا وقع محزن في نفوس المشيعين، وغمر النعش بورود ~~الخريف الجميلة ووسد يوري بين بيضائها وحمرائها هادئا ساكنا ليس على وجهه أقل أثر للعراك أو ~~الألم. # ولما مرت الجنازة ببيت سينا لحقت بها هي وديبوفا، وكانت سينا مكسورة القلب مضطربة كأنما يسوقها ~~سائق إلى إعلان فضيحتها، وكانت على يقين من أن يوري لم يسمع بما أصاب عفافها ولكنها على هذا رأت ~~علاقة بين هذا وموته، وكانت قد قضت الليل في البكاء وفي تقبيل وجه حبيبها المرتسم في خيالها، وطلع ~~الصبح فاكتظ قلبها بحبه ومقت سانين، واستفظعت كل ما قاله لها سانين، وكانت قد آمنت به، فلما دنا منها ~~وهي سائرة في الجنازة نظرت إليه نظرة فزع واستبشاع وانصرفت عنه، وأدرك سانين لما سلم عليها كل ما ~~تحسه وتفكر فيه، وعلم أنهما بعد اليوم غريبان فعض شفته وانضم إلى إيفانوف وقال له: «اسمع! إن يبتر ~~الليتش سيموت ترتيلا!» فقال ms215 إيفانوف: «ما أغرب هذا الضعف! يقتل نفسه في لحظة!» فأجابه سانين: «إن ~~اعتقادي أنه قبل أن يطلق مسدسه بثلاث دقائق لم يكن يدري أينتحر أم يحيا. لقد مات كما عاش.» فقال ~~إيفانوف: «إنه على كل حال قد وجد لنفسه مكانا.» وتلقت الأرض يورى في هذه اللحظة. وحين كاد النعش ~~يخفى عن النظر وتفصل الأرض إلى الأبد بين من عليها ومن تحتها صرخت سينا، فتجاوبت المقبرة بصرختها ~~وعويلها ولم يعد يهمها أن تكتم سرها فمضوا بها عن القبر، وهيل التراب وسوي ورفعت عليه بعض الصوي. ~~وقلق شافروف وقال: «أليس من يرثيه؟ أيها السادة إن هذا لا يليق! لا بد من تأبينه.» # فقال إيفانوف مقترحا بخبث: «اطلب من سانين ذلك.» # فقال شافروف: «سانين؟ وأين هو؟ آه فلاديمير سانين هل تتفضل بإلقاء كلمتين؟ إننا لا نستطيع أن ~~نمضي دون أن نرثيه.» # فقال سانين بجفوة: «إذن فارثه أنت.» وكان يصغي إلى سينا هي تبكي بعيدا عنهم فقال شافروف: «لو ~~استطعت لفعلت إنه كان حقيقة رجلا نادرا، أليس كذلك؟ قل من فضلك كلمة!» فنظر سانين إليه شزرا وقال ~~بلهجة المغضب: «ماذا عسى أن أقول؟ لقد نقصت الدنيا مجنونا. هذا كل ما في الأمر.» فوقعت هذه الكلمات ~~أوضح ما تكون على مسامع الحاضرين وبلغ من ذهولهم أن لم يجدوا جوابا، ولكن ديبوفا صاحت بصوت عال: ~~«يا للفضيحة!» فسألها سانين وهز كتفيه: «لماذا؟» فهمت ديبوفا بأن تصيح في وجهه وأن تهدد بقبضة يدها، ~~ولكن رفيقاتها منعنها وتفرق الجمع بغير نظام، وكانت عبارات الاحتجاج تخرج من كل فم، وتشتت المشيعون ~~كالأوراق الذاوية عصفت بها الريح، وجرى شافروف ثم ارتد ووقف ريازنتزيف مع بعضهم يومئ إيماءات عنيفة. ~~وكان سانين غارقا في خواطره يحدق في وجه رجل على عينه نظارة ثم التفت إلى إيفانوف، وكان مرتبكا ولم ~~يكن يقدر حين أحال شافروف عليه أن يكون هذا رده فأسف، وكان إلى جانبه شاب يتكلم بحرارة فسمره إيفانوف ~~بنظرة وقال له: «يظهر أنك تظن أنك حلية وزينة.» فخجل الشاب وقال: «ليس في ms216 هذا ما يضحك.» فصاح به ~~إيفانوف: «لعنك الله اذهب عني!» وكانت نظرته من العنف بحيث لم يسع الشاب إلا المضي وكان سانين يراقب ~~ذلك فابتسم وقال: «ما أحمقهم جميعا!» # فقال إيفانوف: «هيا بنا! إلى الشيطان بهم.» # ومرا في طريقهما بريازانتزيف، ورأى سانين زمرة من الشبان لا يعرفهم واقفين ورأس كل منهم إلى رأس ~~صاحبة، وفي وسطهم شافروف يتكلم ويومئ، فلما دنا منهم سانين سكت والتفتوا جميعا لينظروا إلى سانين ~~وفي وجوههم أمارات السخط والغضب والاستغراب، فقال إيفانوف: «إنهم يأتمرون بك.» واستغرب نظرة سانين ~~الحزينة وتقدم شافروف ودنا من سانين فالتفت هذا إليه بحدة كأنما يتهيأ لأن ينفض به الأرض. ويظهر أن ~~شافروف أدرك ذلك فقد اصفر ووقف على بعد وحف به الطلبة والفتيات كالأغنام وسأله سانين: «ماذا تريد غير ~~ذلك؟» فقال شافروف وهو مرتبك: «إننا لا نريد شيئا ولكن كل زملائي يريدون أن أعرب عن سخطهم ...» فقال ~~سانين وأسنانه مطبقة: «ما أعظم اهتمامي بسخطكم! لقد سألتني أن أقول كلمة عن الميت فلما صارحتكم برأيي ~~جئت تعرب لي عن سخطك. وهذا حسن منك. ولولا أنكم زمرة من الصبيان الحمقى الممرورين لأثبت لكم أني مصيب ~~وأن حياة يوري كانت حياة سخيفة لأنه قضاها في التساؤل عن كل ما لا يجدي ثم مات ميتة الحمقى، ألا إنكم ~~جميعا لأكثف ذهنا وأضيق عقلا من أن تستحقوا الكلام. فإلى الشيطان بكم جميعا اذهبوا عني!.» ولم ~~يقلها حتى انطلق يشق لنفسه طريقا بينهم فقال شافروف: «لا تدفعني من فضلك.» وصاح بعضهم: «لم أر أوقح ~~...» ولم يتم عبارته. وسأله إيفانوف: «ما الذي يخيف الناس منك! إنك تفزعهم أشد الفزع!» # فقال سانين: «لو ضايقك هؤلاء الشبان بآرائهم الخرقاء في الحرية لعاملتهم بأحسن من معاملتي لهم ~~فليذهبوا جميعا إلى الجحيم.» # فقال إيفانوف: «دعنا من هذا يا صديقي. هل تدري ماذا يجب أن نصنع؟ نشتري شيئا من الجعة ونشربها ~~على ذكرى يوري.» # فقال سانين بدون اكتراث: «إذا شئت.» # ومضى إيفانوف في تفصيل اقتراحه فقال: «لن يكون هناك أحد حين نعود. ms217 فلنشرب الجعة بجانب القبر ~~وللفقيد احترامنا ولأنفسنا المتعة.» فقال: «حسن جدا.» ولم يكن على القبر أحد حين عادا فجلسا، وما ~~كادا يفعلان حتى خرج من التراب ثعبان أسود فظيع فصاح إيفانوف وهو يرعش: «ثعبان» ثم شربا وألقيا ~~بالزجاجات الفارغة على الحشائش المغروسة على القبر الجديد. # | الفصل التاسع والثلاثون # قال سانين لإيفانوف وهما يجتازان الشارع في المساء: «اسمع»! قال: «ماذا؟» قال: «تعال معي إلى ~~المحطة فإني مزمع رحيلا.» فوقف إيفانوف وسأله عن السبب فقال سانين: «لأني مللت هذا المكان.» فقال ~~إيفانوف: «أترى أخافك شيء؟» أجاب: «أخافني أني راحل لأني أريد ذلك.» قال: «نعم ولكن ما ~~السبب؟» # أجاب: «يا صديقي لا تسأل عن هذه الأسئلة السخيفة. إني راحل وكفى وما دام المرء لم يستبطن الناس ~~فقد يبقى له أمل فيهم. ولكن تأمل بعض من نعايشهم هنا: خذ مثلا سينا أو سمينوف أو ليدا نفسها التي ~~كان يمكنها أن لا تكون عامية النفس أوه! إنهم يضجرونني الآن وقد مللتهم وأضنتني معاشرتهم وطال صبري ~~عليهم واحتمالي لهم ولم تعد لي طاقة على ذلك.» # فحدق إيفانوف في وجهه قليلا وقال: «تعال! إنك لا شك ستودع أهلك؟» قال سانين: «كلا! لست من يفعل ~~ذلك فإنهم هم الذين أملوني.» أجاب: «ولكن أين أمتعتك؟» # قال: «ليس عندي شيء كثير. وإذا انتظرتني في الحديقة ذهبت إلى غرفتي وألقيت إليك بالحقيبة من ~~النافذة حتى لا يكثروا من السؤال عن الأسباب والدواعي، وعلى أي سبب هناك ما أقوله لهم؟» # فقال إيفانوف «حسن. وإني لآسف جدا لسفرك يا صديقي ولكن ... ماذا أستطيع أن أصنع لك؟» أجاب: ~~«تعال معي.» # فقال «أين؟» أجاب: «إن المكان لا يهم وفي وسعنا أن نفكر في هذا فيما بعد.» فقال: «ليس معي مال.» ~~فضحك سانين وقال: «ولا أنا» أجاب: «كلا! إذن فاذهب وحدك وستبدأ الدراسة بعد أسبوعين فأعود إلى المجرى ~~القديم.» ونظر كل منهما إلى صاحبه ثم صرف إيفانوف وجهه وهو مرتبك كأنما كان رأى صورة مشوهة لوجهه في ~~مرآة. واجتاز فناء البيت ودخل سانين من الباب وانتظر ms218 صاحبه في الحديقة المظلمة تحت النافذة. # أما سانين فإنه لما مر بغرفة الاستقبال سمع أصواتا آتية من الشرفة فأصغى فإذا ليدا تقول: «ولكن ~~ماذا تريد مني؟» # فقال نوفيكوف: «لا أريد شيئا. ولكن يخيل لي أنه من الغريب أن تظني أنك ضحيت بنفسك يا ليدا من ~~أجلي على حين أني أنا ...» فقالت ليدا بصوت متهدج: «نعم نعم. أعلم ذلك وأعلم أنك أنت الذي يضحي بنفسه ~~لا أنا. فماذا تريد أكثر من ذلك؟» # فتضايق نوفيكوف وقال: «ما أقل فهمك لما أعنى! إني أحبك فليس في الأمر تضحية، ولكن إذا كنت تظنين ~~أن في زواجنا تضحية بك أو بي فكيف نستطيع أن نتعايش؟ أرجوك أن تفهمي. إننا لا نستطيع الحياة معا إلا ~~على شرط واحد، وهو أن لا يجري في وهم أحد منا أن في الأمر تضحية ما. وأما أن نكون متحابين حينئذ يكون ~~زواجنا معقولا وطبيعيا، وإما أن لا نكون متحابين وحينئذ ...» فشرعت ليدا تبكي فجأة، فصاح نوفيكوف: ~~«ماذا دهاك؟ إني لا أفهمك. لم أقل شيئا يسيئك لا تبكي. الحق أن المرء لا يستطيع أن ينطق كلمة ~~واحدة.» # فقالت ليدا وهي تبكي: «لا أدري ... ولكن ...» # فقطب سانين أساريه ودخل غرفته وقال لنفسه: «وهذا كل ما وصلا إليه؟ لعله كان خيرا أن تغرق ~~نفسها!» # وكان إيفانوف منتظرا تحت النافذة يسمع حركة سانين وهو يجمع أمتعته فقال: «أسرع» فقال سانين ~~ودلى إليه الحقيبة: «خذ» ولما تناولها وثب سانين وراءها وقال: «هيا بنا.» # وأسرعا فاجتازا الحديقة وكانت الشمس قد انحدرت، ولما بلغا محطة السكة الحديدية ألفيا المصابيح ~~مضاءة ووجد قاطرة تنفخ والناس يعدون ذات اليمين وذات الشمال وبصر بزمرة من الفلاحين يشغلون جانبا من ~~الإفريز بأشخاصهم وحزمهم الكبيرة. # وشرب سانين وإيفانوف كأسي وداع وقال إيفانوف: «رحلة سعيدة إن شاء الله.» فابتسم سانين وقال: «إن ~~كل رحلاتي سواء لست أنتظر من الحياة شيئا أو أسألها شيئا. أما من حيث الحظ والسعادة فلن يبقى من ~~ذلك كثير حتى شارفتنا النهاية - الهرم والموت - يكاد يكون هذان كل ما ms219 دخر لنا .» ثم خرجا إلى الإفريز ~~وانتحيا منه ناحية خالية ساكنة وقال إيفانوف: «الوداع مع السلامة!» أجاب: «الوداع!» وتلاثما وهما لا ~~يدريان الدافع لهما وصفرت القاطرة وبدأت تتحرك فقال إيفانوف: «يا صديقي لقد أصبحت كلفا بك. إنك ~~للرجل الوحيد الذي صادفته في حياتي.» فقال سانين وهو يبتسم: «وأنت الرجل الوحيد الذي اهتم بي.» ووثب ~~إلى إحدى المركبات وهي مارة به وصاح: «هكذا أرحل فالوداع.» وأسرعت المركبات أمام إيفانوف كأنها قررت ~~أن ترحل مثل سانين، وبدا من آخرها الضوء الأحمر في ظلام الليل، ولما نأى خيل لرائيه أنه جامد في ~~مكانه. وظل إيفانوف يرقبه برهة وبنفسه حسرة ثم كر إلى الشوارع المضاءة وقال لنفسه: «أأغرق همي؟» ثم ~~دخل حانة ودخلت معه صورة حياته الشوهاء المملة وكالشبح. # | الفصل الأربعون # كانت المصابيح فاترة الضوء في جو القطار الخافق وجلس سانين بجانب ثلاثة من الفلاحين وكانوا ~~يتحدثون ساعة دخل عليهم وأحدهم يقول: «إن الأحوال سيئة.» فقال ثانيهم وكان جار سانين: «لا يمكن أن ~~تكون أسوأ إنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم أما نحن فلا يكترثون لنا أو يعبئون بنا، قل ما بدا لك، متى ~~وصل الأمر إلى الدفاع عن النفس فالساعة للأقوى.» # فسألهم سانين: «إذن فما فائدة هذه الضجة؟» وكان قد حذر موضوع الكلام فالتفت إليه أكبرهم سنا ~~ولوح بيده، وقال: «ماذا نصنع غير ذلك؟» # فنهض سانين وغير مكانه وكان خبيرا بهؤلاء الفلاحين الذين يعيشون كالدواب، ولا يستطيعون أن ~~يدفعوا الظلم أو يقضوا على الظالم ويعلقون أملهم بمعجزة يموت في انتظارها الملايين منهم. # وكان الليل قد بسط رواقه ونام كل امرئ ما عدا تاجر قبالة سانين كان معه امرأة صغيرة لم تقل ~~شيئا ولكن عينها كانت فزعة، وكان الرجل ينظر إليها شزرا ويقول: «أيتها البقرة! سأريك!» # ونام سانين فترة من الليل حتى أيقظته صرخة من المرأة فنحى زوجها يده عنها ولكن سانين أدرك أنه ~~كان يضربها فصاح به: «يا لك من وحش!!» # فتراجع الرجل وهو فزع وخرج سانين إلى مؤخرة القطار، ورأى في طريقه ms220 إليها كثيرين من الفلاحين ~~رءوس بعضهم على أجسام البعض، وكان الفجر قد أوشك أن يطلع فوقف سانين ينشق نسيم الصباح العليل وقال: ~~«ما أحقر الإنسان!» ونازعته نفسه أن يعتزل الناس ولو برهة قصيرة وأن يترك القطار وجوه الملوث ~~ودخانه وضجته. ولج به الشوق إلى الخلاص من كل ذلك. # وكان الأفق في الشرق قد احمر وغابت ظلال الليل في زرقة الأفق. فلم يضيع سانين الوقت في التفكير ~~بل ترك حقيبته ووثب من القطار على الأرض. # ومر به القطار بمثل صوت مرعد وهو ملقى على الرمال البليلة اللينة، فلما نهض كان المصباح الأحمر ~~قد بعد عنه فأخرج سانين صيحة فرح وقال: «هذا حسن.» # وكان كل ما حوله طليقا شاسعا والحقول والمزارع منبسطة على الجانبين إلى الأفق، فتنفس سانين ~~نفسا عميقا ورمى هذا المنظر بعينين وضاءتين ثم سار ووجهه إلى الفجر اللامع، وخيل لسانين وهو يري ~~السهول تستيقظ وتكتسي حلتها البيضاء تحت قبة السماء وأشعة الشمس تنطلق كالسهام النارية التي يطلقونها ~~في ليالي الأفراح. # خيل إليه أنه سائر إلى لقاء سعيد في جنة فيحاء. ms221