######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.SunduqDunya.Hindawi85938393 #META# Tags: literature #META# ID: 85938393 #META# Title: صندوق الدنيا #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # شذوذ الأدباء‏ # الصغار والكبار‏ # الحقائق البارزة في حياتي‏ # اللغة العربية بلا معلم‏ # أشق المحادثات‏ # من ذكريات الصبا: بين رجال الليل‏ # أبو الهول وتمثال مختار‏ # الحب الأول‏ # حلاق القرية‏ # سحر مجرب‏ # الفروسية‏ # الطفولة الغريرة‏ # مقتطفات من مذكرات حواء‏ # عاطفة الأبوة‏ # كيف كنت عفريتا من الجن‏ # رجل ساذج‏ # ابن البلد‏ # صورة وصفية لصحفي‏ # حلم بالآخرة‏ # مقدمة‏ # شذوذ الأدباء‏ # الصغار والكبار‏ # الحقائق البارزة في حياتي‏ # اللغة العربية بلا معلم‏ # أشق المحادثات‏ # من ذكريات الصبا: بين رجال الليل‏ # أبو الهول وتمثال مختار‏ # الحب الأول‏ # حلاق القرية‏ # سحر مجرب‏ # الفروسية‏ # الطفولة الغريرة‏ # مقتطفات من مذكرات حواء‏ # عاطفة الأبوة‏ # كيف كنت عفريتا من الجن‏ # رجل ساذج‏ # ابن البلد‏ # صورة وصفية لصحفي‏ # حلم بالآخرة‏ # | صندوق الدنيا # | صندوق الدنيا # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | مقدمة # كنا نفرح «بصندوق الدنيا» ونحن أطفال ... نكون في لعبنا وصخبنا فيلمح أحدنا «الصندوق» ~~مقبلا من بعيد فيلقي ما بيده من «كرة» أو نحوها ويطلقها صيحة مجلجلة ويذهب يعدو متوثبا ~~ونحن في أثره، ونتعلق بثياب الرجل أو مرقعته على الأصح، فما هي بثياب إلا على المجاز، فهذا ~~ممسك بكمه، وذاك بحزامه وآخر يده على الصندوق، وهو سائر وظهره منحن تحت حمله، ولحيته الكثة ~~الغبراء مثنية على صدره، ونحن نتلاغط حوله وتتوثب، حتى يصير بنا إلى الظل، فيضع «الدكة» ~~الخشبية على الأرض فنكون فوقها نتزاحم ونتدافع ونتصايح ونتشاتم قبل أن تستقر على أرجلها، ~~والرجل ساكن الطائر لا يعبأ بنا ولا يولينا نظرة ولا يحفل من بقي منا على «دكته» ومن ~~زحزح عنها فوقع على الأرض فقام يلعن ويسب أو يبكي ويتوجع، أو يمضي إلى الحائط فيلصق به ~~كتفه ويعمل يده في عينه. # ويخلع الرجل الحوامل عن كتفه ويقيمها أمامه ويرفع «الصندوق» ويحطه عليها، فنزحف نحن ~~«بالدكة» إليه وندني وجوهنا من العيون الزجاجية الكبيرة، وننظر وننتظر. فإن صاحبنا لا ~~يعجل، ويطول بنا النظر إلى لا شيء. والانتظار على غير جدوى، فنرتد برءوسنا عن عيون الصندوق، ~~ونرفع إليه وجوهنا الصغيرة، فيبتسم ويبسط كفا كالرغيف ويقول «هاتوا ms001 أولا» فتندفع الأيدي ~~إلى الجيوب تبحث عن الملاليم وأنصافها فتفوز بها أو تخطئها، فتبيض وجوه وتسود وجوه ~~وتلمع عيون وتنطفئ عيون، وتفتر شفاه وتمط أخرى أو تتدلى، ويقبل «المعدم» على «الموسر» ~~يستسلفه مليما، ويحدث في عالم الصغار ما يحدث في عالم الكبار، من جود وبخل، ومن مسارعة إلى ~~النجدة أو اغتنامها فرصة للانتقام، ومن مساومة ومشارطة ومطل، ومن تعبير بجحود يد سلفت، ~~ومحاسبة على دين قديم، ويرجع المحرومون كاسفين آسفين، أو ناقمين ثائرين، أو راضين غير ~~عابئين، ويقعد السعداء ويقبلون على «الصندوق» وقد نسوا إخوانهم، فكأنهم ما خلقوا ولا ~~كانوا منذ دقائق قليلة أندادا يتلاعبون ويفرح بعضهم ببعض ويجد في قربه الروح والغبطة ~~والأنس، ويطل الرجل من عين في جانب «الصندوق» ويدير «اليد» فتبدو لعيوننا المشرئبة صور ~~«السفيرة عزيزة» ربة الحسن والجمال، و«عنترة بن شداد» الذي كان: # يهزم الجيش أوحديا ويلوي # بالصناديد أيما إلواء # و«الزير سالم» و«يوسف الحسن». # ويكف اللسان عن الوصف والتحدث، واليد عن الإدارة والعرض، فقد انتهى «الدور» واستوفينا ~~حقنا، فإما «دور» آخر بملاليم جديدة، وإلا فالقناعة كنز لا يفنى. # وقد شببت عن الطوق جدا، وخلفت ورائي طفولتي التي لا تعود. # وصرت غيري فليس يعرفني # إذا رآني الشباب ذو الطرر # ولو بدا لي لبت أنكره # كأنني لم أكنه في عمري # كأننا اثنان ليس يجمعنا # في العيش، إلا تشبث الذكر # مات الفتى المازني ثم أتى # من مازن غيره على الأثر # 1 # ولكني ما زلت أمت إلى طفولتي بسبب قوي، وما انفكت أخراي معقودة بأولاها. كنت أجلس إلى ~~الصندوق وأنظر ما فيه، فصرت أحمله على ظهري وأجوب به الدنيا، أجمع مناظرها وصور العيش فيها ~~عسى أن يستوقفني نفر من أطفال الحياة الكبار، فأحط الدكة وأضع الصندوق على قوائمه، وأدعوهم ~~أن ينظروا ويعجبوا ويتسلوا ساعة بملاليم قليلة يجودون بها على هذا الأشعث الأغبر الذي شبر ~~فيافي الزمان، وما له سوى آماله وهي لوافح، ونجم - سوى ذكرى نورها - خافت. # لهذا سميته «صندوق الدنيا». # ولا أزال أجمع له وأحشد، وما فتئ السؤال الأبدي ms002 عندي مذ حملت الصندوق على ظهري «ماذا ~~أصور؟» هذه هي المسألة كما يقول «هملت» في روايته الخالدة، والفرق بيني وبين هملت أنه ~~معني بالحياة والموت، وبأن يكون أو لا يكون، وبأن يبقي على نفسه أو يبخعها، أما أنا ~~فلا يعنيني شيء من هذا، ولست أراني أحفل بالحياة ولا الموت، ولا الوجود ولا العدم، أو لعل ~~الأصح والأشبه بالواقع أن أقول: إني لا أرى وقتي يتسع للتفكير في هذا. ذلك أني صرت كالذي ~~زعموا أنه كانت له زوجة ترهقه بالتكاليف وتضنيه بالأعمال التي تعهد إليه فيها وتأمره ~~بأدائها، قالوا: فأشفق عليه صاحبه ورثى له، فأشار عليه أن يطلقها لينجو بنفسه من هذا ~~العناء، فطأطأ الرجل رأسه ثم رفعه وقال: «ولكن متى أطلقها؟ لا أرى وقتي يتسع ~~لهذا.» # كذلك أنا - أنا زوج الحياة الذي لا يستريح من تكاليفها - أقوم من النوم لأكتب، وآكل وأنا ~~أفكر فيما أكتب، ألتهم لقمة وأخط سطرا أو بعض سطر، وأنام فأحلم أني اهتديت إلى موضوع، ~~وأفتح عيني فإذا بي قد نسيته، فأبتسم وأذكر ذاك الذي رأى في منامه أن رجلا جاءه فنقده تسعة ~~وتسعين جنيها فأبى إلا أن تكون مائة، فلما انتسخ الحلم ورأى كفه فارغة عاد فأطبق جفونه ~~وبسط راحته وقال: «رضينا فهات ما معك.» # وأشتاق أن ألاعب أولادي فيصدني أن الوقت ضيق لا ينفسح للعب والعبث، وأن علي أن أكتب، ~~وأرى الحياة تزخر تحت عيني فأشتهي أن أضرب في زحمتها وأسوم سرحها، ولكن المطبعة كجهنم لا ~~تشبع ولا تمل قولة «هات» وأكون في المجلس الحالي بحسان الوجوه رقاق القلوب وبكل ما كان ~~يتحسر «مهيار» على مثلها ويقول: # آه على الرقة في خدودها # لو أنها تسري إلى فؤادها # فأشرد عنهن وأذهل عن سحر جفونهن، وأروح أفكر في كلام أكتبه صباح غد، وأشرب فلا أسهو، ~~وأضحك لا أراني ألهو، ويضيق صدري فأتمرد وأخرج إلى الطرقات أمتع العين بما فيها مما تعرضه ~~الحياة، فإذا بي أقول لنفسي: إن كيت وكيت مما تأخذه العين يصلح أن يكون موضوع مقال، ms003 فأقنط ~~وأكر راجعا إلى مكتبي لأكتب ... وهكذا كأني موكل بفضاء الصحف أملؤه، كما كان ذلك الشاعر ~~القديم المسكين موكلا بفضاء الله يذرعه. # وشر ما في الأمر أن يجيء إلي صديق فيقول: أقترح عليك أن تكتب في «كيت وكيت» وتحاول أن ~~تفهم أن كيتا وكيتا هذين لا يحركان في نفسك شيئا، ولا يهزان منها وترا فلا يفهم؛ لأنه ~~- على الأرجح - يظن أن الكتابة لا تكلف المرء جهدا، وأن القلم هو الذي يجري وحده بما يقطر ~~من مراعفه، وأن العقل والنفس لا دخل لهما فيما يخطه. # وإذا ظللت أكتب وأكتب هكذا فماذا يكون؟ لا أقول: إني سأفلس، فإن الحياة لا تنفك أبدا ~~جديدة في رأي العين والعقل، وهي لا تزال تسفر كل يوم عما يحرك النفس، ولكني خليق أن أجن ... ~~نعم، وماذا عسى أن يكون آخر هذا النصب؟ ودع الجنون، فلو كان إنسان يجن من كثرة ما كتب ~~لكان عنواني قد تغير منذ أعوام جديدة، ولكن تعال نجر حسابا صغيرا نسقط منه كل ما ~~ليس بالأدبي. # أنا أكتب في الأسبوع مقالين، فجملة ذلك في العام تبلغ المائة، وكل مائة مقال تملأ خمسة ~~كتب كهذا، فسيكون لي إذن بعد عشرة أعوام - إذا ظللت هكذا - ثلاثون كتابا غير ما أخرجت ~~قبل ذلك، أي إن كتبي أنا وحدي تملأ مكتبة صغيرة يجد فيها القراء ما يشتهون ولا يعدمون منها ~~متعة أو سلوى، وصاحبها لم يستفد إلا العناء. # والبلاء والداء العياء أن تكتب مرة مقالة فكاهية، والطامة الكبرى أن تكون المقالة جيدة، ~~وأن تكون الفكاهة فيها بارعة. لا أمل لك بعد هذا أبدا ... لأن الناس يذهبون ينتظرون منك بعد ~~ذلك أن تطرفهم بالفكاهات في كل مقال آخر. فإذا أخطئوا عندك ما يطلبون من الفكاهة فالويل لك، ~~وأنت عندهم قد أصفيت، أو ضعيف لا تحسن أن تكتب، أو غير موفق فيما تحاول، حتى ولو كنت تكتب ~~جادا ولا تحاول أن تمزح أو تتفكه. والناس معذورون. فإن وطأة الحياة ثقيلة، وما دمت قد ~~عودتهم أن تسليهم وتضحكهم أو ms004 أطمعتهم وأنشأت في نفوسهم الأمل في هذا فماذا تريد أن ~~تتوقع؟ ولكن الناس - أيضا - خلقاء أن يذكروا أن الحياة قد تكون ثقيلة على الكاتب، وأنه لعل ~~في نفسه جرحا وفي صدره قيحا، وأنه عسى أن يكون ممن يودون لو يضحكون ويضحكون غيرهم، ~~ويتمنون لو استطاعوا أن يجعلوا الدنيا جنة رفاقة البشر، ولكن هموما تجثم على الصدور ~~تقلص الوجه وتطفئ لمعة العين وتحبس البشر الذي يريد أن ينطلق، وترد الضحكة التي كانت تهم ~~أن تقرقع. # لقد صدقت فيما كتبت به إلى صديق على صورة لي: # أخوك إبراهيم يا مصطفى # كالبحر لا يهدأ أو يستريح # كالبحر حي الموج يقظانه # لكنه من نفسه في ضريح # من حوله الشطآن لا تنثني # تحبه دون انسياج الفتوح # خلت من المعنى لحاظ له # وكانت البرق المضيء المليح # حواء يا أماه أنت التي # أورثتني هذا البلاء الصريح # كم آدم أخرجت يا أمنا # من خلده، بعد أبينا الطليح # إلخ إلخ إلخ. # وكما أن «صندوق الدنيا» القديم كان هو بريد «الفانوس السحري» وشريط «السينما» وطليعتهما، ~~كذلك أرجو أن يقسم لصندوقي هذا أن يكون - في عالم الأدب - تمهيدا لما هو أقوى وأتم ~~وأحفل. وليبن غيري القصور، فقد أضناني قطع الصخور، وتفتيت الوعور ... # | شذوذ الأدباء # الناس متفقون على أن الأديب على العموم، والشاعر على الخصوص، صنو المجنون ونده وقريعه، ~~وقد لا يقولون ذلك بألسنتهم ولكنهم يقولونه بسلوكهم نحوه، فهم يفترضون فيه الشذوذ عن ~~المألوف ويتوقعونه ولا يستغربونه ويحملون كل ما يصدر عنه على هذا المحمل ويردونه إلى هذا ~~الأصل عندهم، وليس في هذا إكبار منهم له، فإنه بسبيل من سلوكهم نحو صنوف الملتاثين الذين ~~يطلقون عليهم وصف «المجاذيب» كلا الفريقين مقبول عندهم على التسامح والعطف والمرثية، ولو أن ~~الناس رأوا رجلا يلبس ثيابه مقلوبة، أو يمشي على رأسه وقيل لهم إنه شاعر لاقتنعوا ولبطل ~~العجب، كأن المشي على الرأس شيء يوائم الشاعرية أو هو مما تستلزمه حين يزخر عبابها ... # عرفني مرة أحد الإخوان باثنين من الأعيان كانا معه في مجلس ، فكان مما ms005 وصفني لهما به أني ~~شاعر، فأبرقت أساريرهما، وغمر البشر وجهيهما واستغنيا عن «تشرفنا» واعتاضا منها «ما شاء ~~الله» و«سبحان الفتاح» وأقبل علي أحدهما يربت لي ظهري ويمسحه لي بكف كمضرب الكرة ويقول: ~~«أسمعنا شيئا» كأنما كنت مغنيا على الربابة، ولو أني كنته لاستحييت أن أجيبهما إلى ما ~~طلبا على قارعة الطريق، ولشد ما خفت - وهما يلحان علي - أن يمد أحدهما يده إلي بقرش ~~... # وقد يتفق لي أن أكون مع جماعة من الإخوان فأفضي بالملاحظة أو الفكرة، أحسبني وفقت فيها ~~وكشفت عن أستاذية وبراعة ودقة فلا أكاد أفرغ منها حتى أسمع من أحدهم أن هذا «خيال شاعر»، ~~وليته مع ذلك يعني شيئا سوى الفوضى والهذيان، وقد أسكت وأشغل نفسي عنهم بشيء أفكر فيه ~~فأنتبه على التغامز. # والبلاء والداء العياء أن المرء يتحرى أن يجعل سلوكه مطابقا - على أدق وجه - للعرف ~~والعادة في كل صغيرة وكبيرة، فلا يرى أن هذا يزيده إلا شذوذا في رأيهم. كان هذا الشذوذ ~~المفروض فيه يبيح لهم أن يشذوا هم معه. كنت ليلة مستغرقا في النوم - ولعلي كنت أغط ~~أيضا. وإذا بالباب يقرع كأن الواقف به قد استقر عزمه على تحطيمه، ففزعت وقمت إلى النافذة ~~أسأل عن هذا الطارق فقال: فلان. فحل العجب والحيرة محل الفزع، ولم يكن فلان هذا ممن أتوقع ~~زيارتهم في النهار فضلا عن الليل، وفي الصيف فضلا عن الشتاء ببرده القارس ومطره المنهمر، ~~وكانت الساعة الثانية بعد نصف الليل، فلولا دهشة المفاجأة ولجاجة الرغبة في الوقوف على سر ~~هذه الزيارة المزعجة لقذفته من النافذة بكل ما في الغرفة من أحذية ومخدات، بل لفككت السرير ~~وهشمت له رأسه بأعمدته، من النافذة أيضا. فقد كان فوق ذلك كله من أثقل خلق الله. # ونزلت إليه والمصباح في يدي، وفتحت الباب ووقفت في مدخله «حجر عثرة» في سبيله وبودي لو ~~أستطيع أن أكون «حجر منية»، فجرى بيننا هذا الحديث: # هو ~~: # ليلتك سعيدة. # أنا ~~(مصححا) ~~: # نهارك سعيد. # هو ~~: # آه صحيح ... نهارك سعيد. هل كنت نائما ؟ # أنا ~~: # نائما؟ وماذا ms006 كنت تظنني فاعلا غير ذلك؟ أكنت تتوهم أنني هنا ~~حارس؟ # هو ~~: # ها ها ... هأهأهأ ... # أنا ~~: # ها ها؟؟ ماذا تعني بهاهاك هذه؟ ألا تشعر أن من واجبك أن تبين لي ~~السبب في إزعاجي في ساعة كهذه؟ ألا ترى أن ها ها التي تملأ بها طباق الجو لا تكفي، ~~وأن خيرا لك أن تضم فكيك قليلا وتتكلم بلغة مفهومة؟ # هو ~~: # لقد كنت أظن أنك ... # أنا ~~: # كنت تظن ماذا؟ # هو ~~(وعلى وجهه ابتسامة جعلته كجمجمة الميت) ~~: # لم يخطر لي والله أنك نائم. # أنا ~~(بصوت هادئ ولهجة مرة) ~~: # ولماذا بالله؟ # فترك الجواب على هذا وقال: لست أستغرب أن تتركني واقفا بالباب في هذا البرد وإن كنت قد ~~قطعت إليك أربعة كيلو مترات مشيا على قدمي، فإن لكم - معاشر الشعراء - لأطوارا وبدوات غير ~~مأمونة. # فأطار صوابي تحميله إياي اللوم على ذنبه، ولم أعد أحفل أهو أقوى مني أم أضعف، فقبضت على ~~عنقه وصحت به: لقد كان ينبغي أن تمشي إلى جهنم. وسأدفنك حيا إذا رأيتك هنا ليلا أو ~~نهارا. أسمعت؟ # ودفعته عني فانطلق يعدو كالقنبلة. # وثم من يراني أنسى شيئا أو أضعه في غير موضعه أو أهمل أمرا أو أطيل الصمت أو أفعل ~~حتى ما يفعله الناس ... آكل أو أشرب أو أنام، إلا أحالوا علي الأدب وتخيلوا فيما أنا فاعل ~~أو تارك شذوذا ملحوظا حتى ضقت ذرعا بهذه الحال وصار وكدي أن أقنع كل من يتيسر لي إقناعه ~~أني لست بالأديب، وأن قرض الشعر لم يكن مني إلا لهوا وتسلية، وعسى أن أكون أفلحت فليس ~~أمض للإنسان من أن يرى الناس يعدونه غير مسئول. # | الصغار والكبار # قلت لابني عصر يوم، وفي نيتي أن أزجره زجرا قويا عن العبث بكل ما تصل إليه يده: «أتحب ~~أن تخرج معي اليوم؟» وسبقته إلى الباب الخلفي المفضي إلى الصحراء، وقلما كنت أستصحبه لتعذر ~~السير عليه في الرمال، فرمى الكرة ومضى يعدو خلفي ليلحق بي. فلما اطمأن بنا السير شرعت ~~أستقصي معه ما يعلم وما يجهل وما ينبغي أن يعلم، ms007 وكانت خلاصة دفاعه - بألفاظي أنا لا ~~بألفاظه هو - أنه يكلف العلم بأشياء عديدة يجد عسرا في فهمها وإدراكها، مضافا إلى ذلك أنه ~~لا يدري كيف يمكن أن تعنيه هذه المعارف التي يطلب منه الإلمام بها؟! وأن كثيرا مما يشتهي ~~أن يعرفه ويلذ له ويمنعه أن يحيط به، لا يجد من يدله عليه. # هذا فيما يتعلق بالعلوم ~~والمعارف، أما من حيث السلوك والسيرة، فالمسألة أدق والمشكل أشد تعقدا، ذلك أنه لا يزال ~~يلقن - في المدرسة وفي البيت - أن للخير والشر آثارا ونتائج تحيره جدا حين يتأملها أو ~~يحاول أن يردها إلى أسبابها، مثال ذلك: أنه غافلنا مرة واقتطف من الكرمة عنقودا اضطره ~~اقتطافه إلى المخاطرة بالتسلق، وأكله، ولم يكتمني أنه كذب حين سئل في ذلك فقال: إن العنب ~~كان يثب إلى فمه. ومن العجيب - في رأيه هو - أنه كان في ذلك اليوم أصح وأنشط وأنه لم يصبه ~~سوء ما، وأن الله لم يعاقبه لا على الكذب ولا على أكل العنب خلسة، ولا على الخطأ في كظ ~~معدته وإدخال طعام على طعام. ولم أكن أتوقع من ابني هذه المحاضرة التي باغتني بها وعارض لي ~~فيها الواقع بما في الكتب وما على ألسنة المربين، فحرت ولم أدر ماذا أقول له. وتحلل العزم ~~على تأنيبه وألفيتني أفكر في الطفولة وطبيعتها، وفيما نمسخ به هذه الطبيعة بما نحاول من ~~إكراهها عليه وصبها فيه، ثم تملكني روح العبث الذي أنكره عليه والذي كنت أهم أن أزجره عنه، ~~فقعدت على الرمل وأقعدته أمامي وقلت له بعبارة أقرب من هذه إلى مستوى إدراكه: «اسمع. إني ~~أفكر الآن في تأليف كتاب على نمط جديد، كتاب مدرسي ولكنه يخالف كل ما في المدارس من الكتب، ~~كتاب لذيذ ممتع جدا، ولكني لا أستطيع أن أضعه وحدي، بل لا بد لي من معين، فما قولك في ~~معاونتي؟ هل تقبل أن تشاركني في تأليف هذا الكتاب؟» # فنهض إلى ركبتيه وأقبل على وجهي يربت لي خدي بكفيه الصغيرتين ويسألني وهو يضحك : «يا بابا ~~ماذا ms008 تقول؟» # أقول: «إني أريد - بمعونتك - أن نصلح هذه الدنيا التي نراها - أنا وأنت - مقلوبة.» # قال: «وكيف تفعل ذلك؟ وكيف أساعدك أنا؟ وماذا يسعني؟» # قلت: «يسعك شيء كثير جدا، فليس كونك صغيرا بمانع أن يكون لك عمل كبير. ولكن لا تربكني ~~بكثرة الأسئلة، وخير لنا وأنجح لقصدنا أن نتقصى الموضوع على مهل. ويجب قبل كل شيء أن أكون ~~واثقا من استعدادك لمعاونتي ومن أنك ستفكر تفكيرا جديا فيما يستقر عليه رأينا.» # فتعهد لي بذلك. فقلت له: «أليست شكواك أن الكبار من أمثالي ...» ~~- «ليسوا من أمثالك يا بابا ...» ~~- «حسن، أليست شكواك أن الكبار - غيري - لا يحسنون تعليم الصغار أمثالك؟» # قال: «نعم.» # قلت ماضيا في كلامي: «وأن الكبار يلزمون الصغار سلوكا يبدو للصغار غير معقول ~~ويعاملونهم معاملة يمكن أن نسميها غير عادلة؟» # قال: «نعم. وأنا أقول لك لماذا ينبغي دائما أن أنام في الساعة الثامنة، لماذا لا يسمح ~~لي بالسهر أحيانا مع الكبار إلى أن أحس بالحاجة إلى النوم؟ وإذا لم أنم كما تريد جدتي - ~~حتى في النهار - فإنها تقول لي: إني ولد عنيد.» # قلت: «هذا صحيح، وإذا اتفق أن دار أمامك حديث وبدا لك أن تقول كلمة كغيرك من الجالسين، ~~زعموا أن هذا منك قلة أدب وسوء سلوك، أليس كذلك؟» # فهز رأسه مرات وهو لا يستطيع النطق من الإغراق في الضحك ومضيت أنا في ملاحظاتي التي شاقته ~~وأعجبته وأرضته فقلت: «وإذا رأوك تلعب بالكرة قالوا لك: إنك شقي وإن اللعب بالكرة غير ~~محمود، وإذا سكت ولم تلعب ولم تتكلم، زعموا أنك سيئ الطبع، أو ادعوا أنك مريض وسقوك على ~~كره منك ملء فنجان من زيت الخروع ...» # فقاطعني متمما لي ملاحظاتي: «وإذا كانوا يبحثون عن شيء ولا يجدونه ظنوا أني أنا الذي ~~خبأته، ثم إذا وجدوه حيث وضعوه نسوا أنهم هم الذين فعلوا ذلك واتهموني أنا، وأجادلهم ~~وأبين لهم أن لا دخل لي في ذلك كله، فيختمون حوارهم معي بأنهم تعبوا من الكلام معي كأني ~~أنا لم أتعب أيضا من سماع كلامهم.» # فقلت ms009 بدوري مقاطعا: «وإذا كسروا قلة أو كوبا لم يسألوا عيونهم لماذا لم ترها؟ كأن ~~عيونهم ليست مكلفة أن تبصر شيئا أبعد من أنوفهم، بل راحوا يتساءلون عمن وضع القلة هنا. كأن ~~واضعها هو المسئول ...» # قال: «أما إذا كسرتها أنا فالويل لي من شيطان يجب أن يحبس في غرفته منفردا.» # قلت: «وإذا كلفوك أن تأتي بشيء ولم تجده لأنه ليس في المكان الذي بعثوا بك إليه، أو لأن ~~شخصا نقله، فإنك تكون في رأيهم ولدا خائبا وغبيا لا يفهم.» # قال: «وأنا دائما المخطئ وهم أبدا على صواب حتى صرت واثقا أني لا يمكن أن أكون مصيبا ~~في عمل أو قول، وهذا يحيرني جدا ويربكني يا بابا.» # قلت: «أظن الآن أن موضوع الكتاب صار واضحا ظاهر الحدود بين المعالم، وسنقلب فيه ~~المسألة ونجعل الصغار هم العقلاء الحكماء الذين لا يخطئون أبدا، والكبار هم الأغبياء ~~البلداء الذين لا يصيبون والذين يحتاجون إلى الرقابة والإرشاد والتأديب والزجر.» # فطار الغلام من الفرح، ووثب على رجليه وانهال علي تقبيلا وألح علي بالسؤال: «أصحيح ~~ما تقول يا بابا؟» # قلت: «نعم. وسنسميه «المختار في تهذيب الكبار»، ونجعل الصغار هم الذين يبقون في البيت ~~لتدبير شئونه، والكبار هم الذين يذهبون إلى المدرسة ونلبسهم ما يلبس التلاميذ والتلميذات ~~الآن من البذلات القصيرة ونقص لجدتك شعرها ونخرجها في قبعة من قبعات البنات الصغيرة ونضع ~~لها على صدرها «مريلة» ونبعث بها إلى المدرسة، وإذا لم تحفظ دروسها عاقبناها بالوقوف ووجهها ~~إلى الحائط، وإذا أكثرت من اللعب حرمناها الحلوى، وإذا لم تنم في الساعة الثامنة عددناها ~~سيئة الخلق عنيدة ولم نخرج بها للرياضة يوم الجمعة.» # قال: «ويجب أن نحرم عليها اللعب إلا مع لداتها من الجدات نظائرها، وإذا وجدناها تلاعب ~~واحدة من الشواب عاقبناها بالحبس في غرفتها، وإذا جلست ساكتة أو لم تتناول طعامها بإقبال ~~أنمناها في سريرها وجرعناها ملء كوب من زيت الخروع، وإذا كرهت طعمه أو تقززت من مذاقه قلنا ~~لها: إنه يفيدها وإننا نحن نعرف ما يصلح لها وما لا ms010 يصلح، وإذا جلست معنا واشتركت في الحديث ~~انتهرناها بنظرة، فإذا لم تكف أفهمناها أن الكبار لا يصح أن يقاطعوا الصغار ...» # قلت: «وإذا سألتنا - أعني إذا سألت الصغار - عن شيء نجهله قلنا لها: إن هذا الأمر لا ~~تستطيعين فهمه وإدراكه الآن، والسيدة المهذبة يجب ألا تكثر من الأسئلة أو تحشر أصابعها ~~فيما لا تفهم.» # قال: «وإذا أكلت من الشيكولاتة أكثر مما يوافقها لا نأخذها إلى السينما وحرمناها مناظر ~~شارلي شابلن وأضرابه.» # ثم رفع إلي وجهه وقد بدت عليه أمارات التفكير الجدي وسألني: «ولكن هل نسمح لها ~~بالاختلاط بالرجال وملاعبتهم؟» # قلت: «بقدر. وعلى أن يكون لنا - أعني للصغار - حق المراقبة والتدخل إذا وجدنا أن الضرورة ~~تقتضي ذلك.» # قال: «والدروس التي نتلقاها الآن ألا يتغير منها شيء؟» # قلت: «أكثرها يبقى كما هو، ولكن الموضوع من كتب المطالعة والمحفوظات يتغير؛ لأنه في الأصل ~~مجعول للأطفال، وهذا يعود بنا إلى مشروعنا، فإن الذي أفكر فيه وأريد منك أن تعينني عليه، هو ~~كتاب يحتوي طائفة متخيرة من القصص والموضوعات يتعلم منها الكبار آداب السلوك وما لهم وما ~~عليهم في الحياة، والواجبات المفروضة عليهم نحو الصغار أولياء أمورهم، ولذلك ينبغي أن يلغى ~~من الكتب أمثال «سمير الأطفال» و«القراءة الرشيدة» للأطفال، فإنها جميعا لا تصلح ~~لمشروعنا.» # قال: «ومن يؤلف هذه القصص؟» # قلت: «أنا وأنت، ولسنا نحتاج إلى تعب كبير؛ لأن الأمر لا يتطلب فيما أقدر إلا تحويرا ~~قليلا يجعل القصة للكبار بدلا من الصغار.» # قال: «وهل نطبع الكتاب ونبيعه؟» # قلت: «ولم نتكلف وضعه إذا لم نطبعه ونبيعه؟» # قال: «وهل يشتريه الكبار ويقرءونه؟» # قلت: «إذا لم يفعلوا فإن في وسعي أن أوعز إلى نفر من أصدقائي بأن يحملوا في الصحف على ~~الكتاب حملة عنيفة، وبأن يصفوه بأنه مخالف للآداب ومناف لكل ما درجت عليه الإنسانية، وهذا ~~وحده كفيل بترويجه.» # قال: «وهل كل ما يخالف الآداب يطلبه الناس؟» # قلت: «لا أستطيع أن أقول: نعم أو لا، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن حب الاستطلاع يدفع ~~الناس إلى طلب هذا ms011 الكتاب الفريد في بابه.» # قال: «وكيف تقرأه جدتي وهي أمية؟» # قلت: «إن الأمية الفاشية بين الكبار من أمثال جدتك مما يسوغ مشروعنا ويجعله ضروريا، ~~أليس الواقع الآن في الأغلب والأعم أن الجهلاء هم الذين يتولون تربية المتعلمين أمثالنا أو ~~توجيههم في الحياة واختيار ما يصلح لهم؟ والأمر ينبغي أن يكون على نقيض ذلك.» # قال: «ولكن إذا لم نحسن تدبير المنزل أو إذا لم تجد الصغيرات مثلا طهي الطعام وتذمر ~~منه الكبار؟» # قلت: «لن يعوزنا كلام نسكتهم به كما يفعلون بنا الآن، وما علينا إلا أن نتهمهم بالبطر ~~والتدلل القبيح ونزجرهم عن ذلك.» # فضحك وقال: «إنك ماهر جدا يا بابا، ولا بد أن يكون الكبار قد ضايقوك جدا في صغرك فأنت ~~الآن تريد أن تنتقم منهم.» # ثم ألقى إلي نظرة خبيثة وهو يسأل: «هل كان أبوك ثقيلا يا بابا؟» # فتماسكت بجهد وسألته بدوري: «ثقيلا مثل من؟» # قال: «لا أعني مثل أحد ولكنه سؤال، فهل أخطأت فيه؟» # قلت: «كلا، ولم يكن أبي ثقيلا فيما أذكر، وعلى أنه لم تتح له معي فرصة كبيرة لذلك، ~~فقد مات وأنا صغير.» ~~••• # وهنا رأيت أن الأحزم أن نعود مخافة أن يسترسل في مثل هذه الأسئلة المحرجة، التي جرها ~~علي التبسط معه في هذا الموضوع. والأطفال - كما يعرف ذلك من كابدهم - لا يستطيع المرء أن ~~يتكهن بما يجري في رءوسهم أو يعرف ماذا يتوقع منهم، فإن لهم وثبات غير مأمونة. # فنهضت وطلبت منه أن يفكر في الموضوع، وبينما كنا عائدين سألني فجأة: «وأنت يا بابا هل ~~نضعك مع الكبار أم مع الصغار؟» # فدفعت الباب ولم أحر نطقا. # | الحقائق البارزة في حياتي # تمهيد: حدث منذ عامين، أو نحو ذلك ... أن حرمت الجريدة التي كنت أتولى رياسة التحرير فيها، ~~حقا، ولا داعي هنا لبيان الموضوع فقد مضى أوانه، وليس هذا على كل حال محله، فكتبت على أثر ~~ذلك مقالا قويا - أو لعل الأصح أن أقول: إنه عنيف - نقلته صحيفة فرنسية بفصه ونصه، وبعد ~~يوم وجدت على مكتبي بطاقة «دكتور» ms012 يراسل صحيفة نمسوية وكلاما في ظهر البطاقة حسبته في أول ~~الأمر ألمانيا، ثم قيل لي إنه فرنسي، ثم تبين أنه إنجليزي، فاقتنعت ولم أواصل البحث مخافة ~~أن يتضح أنه عربي وأوجز فأقول: إني استقبلت الزميل الفاضل في مكتبي في الساعة التي اتفقنا ~~عليها تليفونيا. ولم يتجاوز الفرق بين ما فهمته أنا وما فهمه هو أربع ساعات لا أكثر، فكنت ~~أنا جالسا أمام مكتبي في الساعة الثالثة مساء ووافاني هو في الساعة السابعة مقدما بين ~~يديه اعتذاره من حضوره قبل الموعد بنصف ساعة، ودار الحديث بيننا فأفضيت إليه بجواب ما أعتقد ~~مخلصا أنه سألني عنه، وبإيضاح ما أشكل عليه فهمه من موضوع الخلاف السياسي ومواقف الأحزاب ~~في ذلك الوقت وما إلى ذلك مما يتصل به من قريب أو بعيد، واعتقدت أن الأمر انتهى عند هذا ~~الحد ولم يخالجني شك في أن الله أرحم من أن يبلوني بحديث آخر. # ولكن المقادير جرت - لسوء ~~الحظ أو لحسنه - بغير ذلك، فعاد الدكتور الفاضل يرجو مني شيئا آخر لا أقل من أن أتفضل عليه ~~بترجمتي أو تاريخ حياتي، وكان الدكتور أظرف وأكبر من أن أرفض له طلبا، ولكن تاريخ حياتي! ... ~~تصور هذا؟ فأحلته أولا على ترجمة كنت قد كتبتها منذ سنوات تمهيدا لمختارات من شعري، وقد ~~نشر ذلك كله في كتاب «شعراء العصر»، ولكنه اعتذر وقال إنه فهم من كلامي أن الترجمة ~~مكتوبة باللغة العربية وأن الكتاب مطبوع في سوريا، ووقته أضيق من أن يسمح له بالسفر إلى ذلك ~~القطر وإن كان لا شك عنده في أنه لو تيسر له السفر لألفى الترجمة التي أشير إليها وافية ~~بالغرض، ثم تفضل فذكر لي أنه علم من بعض من اتصلت أسبابه بأسبابهم من المصريين أني من رجال ~~المدرسة الحديثة في الأدب، وأن هذا هو الباعث له على الإلحاح علي في الرجاء أن أوافيه ~~بترجمتي، فسرني هذا ورأيت فيه فرصة لانتشار اسمي إلى ما وراء مصر واستفاضة ذكري على ألسنة ~~الغربيين. وتوقعت بعد أن أجيبه إلى سؤاله أن ms013 يتقدم إلي واحد أو اثنان أو ثلاثة من ناشري ~~الكتب في أوروبا يطلبون السماح لهم بترجمة كتبي وإذاعتها في العالم الغربي، فلا يعود ~~المازني بعد محتاجا إلى وظيفة ثقيلة مضنية كرياسة التحرير في صحيفة يومية. ففركت يدي ~~مغتبطا وقلت له: إني طوع أمره ورهن مشيئته، ولكن بي حاجة إلى يوم أو يومين أجمع فيهما ~~الحقائق البارزة وأحضرها إلى ذهني استعدادا للإجابة، وفي اليوم المعين تلاقينا فدار ~~بيننا الحديث الآتي: # هو ~~: # إني مستعد يا سيدي. تفضل. # أنا ~~: # أرجو أن تغفر لي لهجة الزهو التي قد تحسها من كلامي، ولا شك أن ~~التواضع فضيلة ولكن الحقيقة أسمى وأجل. أليس الأمر كذلك؟ # هو ~~: # بلا ريب. # أنا ~~: # والحقيقة أني من بيت قديم عريق جدا يستطيع أن يحدثك عنه آلاف من ~~الناس لو كلفت نفسك سؤالهم. # هو ~~: # لا شك عندي في ذلك يا سيدي ~~(وانحنى لي) ~~. # أنا ~~: # وأنتم - معشر الأجانب - تشمخون علينا بأنوفكم كأن بلادكم هي وحدها ~~التي تعرف الأرستقراطية؛ لأن فيكم من يستطيع أن يعد عشرة أو عشرين من الجدود. ~~ولعل أكثرهم كان من الفتاك وقطاع الطرق. فأنا في مقدوري أن أتلو عليك أسماء مئات من ~~الجدود لا عشرة ولا عشرين ليس من بينهم إلا من هو مستفيض الذكر. ولن تجد أعتق من ~~هذا النجار ولا أعرق من ذلك الفخار. # هو ~~: # آه؟ # أنا ~~: # نعم يا سيدي، فإن جدي الأعلى رجل لا شك عندي في أنك سمعت به وقرأت ~~عنه إن كنت قد قرأت شيئا. ~~(فبدا عليه الاهتمام ورفع سن القلم عن الورقة ومنحني أذنه - واحترامه أيضا - وقال، وقد ~~رأى سكوتي ريثما يتم أهبته: «إني مصغ.») # أنا ~~: # وهو لا أقل من آدم نفسه. ~~(فوقع القلم من بين أصابعه وهوت يده إلى جانبه وخيل إلي لحظة أنه سيسقط عن كرسيه عجزا ~~عن احتمال كل هذا المجد، وسرني أن أرى فعل كلامي في نفسه، ولكنها لم تكن سوى لحظة ثم نهض ~~فجأة ومد إلي يده، فنهضت مثله ومددت له يدي وقد ظننت أنه سيستأذن، غير أنه خيب ms014 أملي ~~وقال): # هو ~~: # لي الشرف يا سيدي بأن أقول لك: إني أيضا أمت إلى هذا الشيخ ~~الجليل بسبب، وتحقيقا لذلك أقول: إن جدتي العليا حواء فنحن إذن قريبان. ~~(فهززت يده سرورا بهذه القربى، وقلت): # أنا ~~: # لقد سهلت علي الأمر جدا فما أظن بك - وأنت غصن من هذه الدوحة ~~الفينانة - إلا أنك تعرف كيف كانا في الجنة وماذا أخرجهما منها، وكيف قتل جدي ~~قابيل جدي هابيل وإن كانت الكتب تقول إن أحدهما مات ولم يعقب ولدا، وأظن جدك ~~القتيل، وغير ذلك من الحوادث البارزة التي لا تزال طبقة ترويها عن طبقة وجيل ~~يتلقفها من جيل إلى يومنا هذا، فلنمض إلى من هم أقرب إلينا. # هو ~~: # إن أسرتنا الكريمة أشهر من أن تحتاج إلى تعريف، فأرجو ألا تجشم نفسك ... ~~(فلم يعجبني أن يحشر نفسه في أسرتي بعد أن أخرجته منها ونويت ألا أعده - فيما بيني وبين ~~نفسي - إلا من سلالة معاتيق جدي قابيل، بيد أني كتمت هذا وقلت مقاطعا له): # أنا ~~: # سأقتصر على واحد أو اثنين من مشاهير أجدادي الأقربين لتعرف من أية ~~أيكة كريمة خرج هذا الفرع الذي يتشرف بأن تراه أمامك ~~(انحناء منه ومني) # فمنهم: مالك ~~بن الريب بن حوط المازني، وكان زعيما لقومه وبلغ من قوته وسطوته أنه كان ورفقاؤه - ~~أعني أتباعه - يقطعون الطريق على رعايا الخليفة ويسومون الناس ما شاءوا، غير أن ~~الخليفة لم يحتمل هذه المنافسة ولم يطق صبرا على هذا المزاحم فطلبه، وكان مالك ~~قد رأى أن البلاد لم يبق بها ما يستحق أن يؤخذ فتركها للخليفة ومضى بثلته إلى ~~فارس حيث لم يكف عن ركوب الناس بالأذى حتى أجرى الوالي عليه مبلغا شهريا، فلم ~~توافقه هذه الحياة الوديعة فمات بعد الكف بقليل. # ومن مشاهيرهم: هلال بن الأسعر المازني، كان رجلا فيه فكاهة عملية وكان يحلو له ~~أن يركب الناس بالدعاية، فكان يشحذ سيفه القديم ويخرج في الظلام فإذا مر به أحد شكه ~~بالسيف في بطنه، فيثب ثم يقع على الأرض فيغرب جدي في الضحك ويذهب ms015 إليه ويلاطفه ~~ويخفف عنه حمله، ألا لقد كان مفطورا على الفكاهة. # ومن أكرمهم أيضا: مسعود بن حرشة المازني، كان شديد العطف على الناس والمرثية لهم ~~فعاش عمره لا عمل له إلا إراحة إخوانه في الإنسانية من الإبل ومما يحملون، ولكن ~~حساد فضله وشوا به لعامل الخليفة فقطع له نصفه الأعلى وعلقه في مكان ظاهر في ~~سوق كبير، وأتاح له بذلك أن يشرف على الناس ويتأملهم زمنا كافيا. # هو ~~: # قد اقتنعت يا سيدي بأن فرعكم أنبل وأشرف، وبودي لو تسمحون لي بطائفة ~~قليلة من الأسئلة عن شخصكم الكريم مخافة أن تنسوه في وسط هذا العباب الطامي من ~~المجد التليد. ~~(فلم أرتح إلى هذه المقاطعة التي لا شك عندي في أن الحسد هو المغري بها. كنت أريد أن ~~أغمره بسيل من هذه الحقائق التي ترفع الرأس وتطيل القامة، غير أني قدرت أن الفرصة لم ~~تضع، وأنها لا محالة سانحة، فقلت له: تفضل.) # هو ~~: # كم عمرك؟ إذا جاز أن أتقدم إليكم بمثل هذا السؤال. # أنا ~~: # سيكون في أغسطس المقبل - في 9 أغسطس - عشرين سنة. # هو ~~: # كيف؟ عشرون سنة فقط! # أنا ~~: # نعم. # هو ~~: # وهل تسمح لي أن أسألك في أي سنة ولدت؟ # أنا ~~: # إذا لم تخني الذاكرة فإني ولدت في سنة 1790 ميلادية. # هو ~~: # 1790؟! كيف يكون هذا ممكنا؟! # أنا ~~: # لا أدري وهذا بعض ما أعجب له؟ # هو ~~: # ألم تقل: إن عمرك عشرون سنة؟ # أنا ~~: # نعم. # هو ~~: # ولكن عمرك - إذا حسبناه من تاريخ ميلادك - يكون مائة وستا وثلاثين ~~سنة، فكيف تعلل هذا التفاوت؟ # أنا ~~: # لا أعلله. وكثيرا ما عجبت له. وإذا كان هناك تفاوت فلا شك أن مرجعه ~~إلى أنه فاتني أن أدون هذه الحادثة السعيدة ساعة وقوعها. ~~(ورأيت فرصتي سانحة فاغتنمتها لأكر إلى مجد أجدادي فقلت): # أنا ~~: # أزيد على ذلك أني ولدت بغير أسنان، فأنا لهذا أفضل كثيرين من ~~الآدميين، غير أن هذا حرمني القوت زمنا طويلا فلبثت لا أطعم غير اللبن، وهذا ~~تعليل ضآلة جسمي واضطراري بسبب ذلك إلى القعود عن المعالي التي ms016 كلف بها أجدادي ~~الأماجد من أمثال ابن أبي سعيد المازني. فقد ولد بأسنانه كاملة وكان مبطانا ~~أكولا وفحلا عظيما مرهوب الجانب، وعرف له الخليفة فضله فاختصه بغرفة في قصره ~~وأقام له عليها اثنين من الحجاب وأمرهما ألا يدعاه يجشم نفسه حتى الخروج من ~~الغرفة وأن يقوما هما بخدمته فبقي في هذا القصر مكرما مبجلا مخدوما تسعة عشر ~~عاما، ومنهم أيضا أبو هلال بن ... # هو ~~: # مهلا يا سيدي، فإن الرجوع إلى هذا معناه الشك في صدق ما جاهرت به ~~من اقتناعي بكرم محتدك، فهل تسمح لي بأن أسألك متى اشتغلت بالصحافة؟ # أنا ~~: # في 1819. # هو ~~: # كيف؟ وعمرك كما تقول دون العشرين؟ # أنا ~~: # لا أدري! وهذا أيضا بعض ما يحيرني. # هو ~~: # إن هذه التواريخ لا أمل في إصلاحها على ما يظهر، فلنسأل عن شيء آخر، ~~هل لك إخوة؟ ~~(فاغتنمت هذه الفرصة لأطير له صوابه.) # أنا ~~: # دعني أفكر، نعم، كان لي أخ ... في الرضاعة. # هو ~~: # ماذا تعني؟ # أنا ~~: # أعني أنه كان ابن مرضعتي. # هو ~~: # وهل مات؟ # أنا ~~: # لا أدري. # هو ~~(بتأثر) ~~: # اختفى فلم تسمعوا عنه خبرا؟ # أنا ~~: # كلا. بل دفناه. # هو ~~: # دفنتموه؟ هل تريد أن تقول إنه دفن دون أن تعلموا أحي هو أم ~~ميت؟ # أنا ~~: # كلا. فما من شك أنه كان ميتا. ~~(فضحك وقال: مات ودفن فماذا تريد؟ أظن أن المسألة واضحة جدا فماذا يحيرك فيها؟) # أنا ~~: # أتظن أن المسألة واضحة؟ ربما. أما أنا فأخالفك. # هو ~~: # لماذا؟ # أنا ~~: # لأني لا أدري إلى هذه الساعة أينا الذي مات أنا أم هو؟ أفهمت ~~الآن؟ ~~(فانطلق يقهقه كأنما كان في جوفه رعد مخزون وصبرت عليه حتى فرغت الذخيرة، ثم قلت له ~~بلهجة غريبة مرعبة: «هل تستطيع إذا قصصت عليك القصة وأفضيت إليك بالسر أن تنبئني عمن يحدثك ~~الآن، أهو المازني أم من كان ينبغي أن يكون خادمه وإن كان أخاه في الرضاعة؟») ~~(فارتبك وبدت عليه دلائل الحيرة والدهشة وعلا وجهه السهوم. فاغتبطت وأقسمت لأزيدنه ~~ارتباكا ولأطيرن من رأسه هذا الولع بتراجم الناس، فقلت: «اسمع يا صاحبي، ms017 لقد كان لمرضعتي ~~طفل في مثل سني وكان شديد الشبه بي، وكان يلبس من ثيابي فيزيد الأمر بيننا اختلاطا، وما ~~أكثر من كان يتوهم أننا توءمان، وكثيرا ما كان يقضي هذا الولد لياليه في غرفتي على أنه ~~أنا، بينما أكون أنا نائما مع الخادمة، وهكذا نشأنا، فشببت أنا على أنني المازني وشب هو ~~على أنه الخادم، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، وما يدريني ويدريك أن الأمر لم يختلط على ~~ظئري وهي تغسلنا في الحمام؟ ولا أطيل. كبرنا نحن الاثنين، المازني وخادمه محمد، أو محمد ~~وخادمه المازني، فما أدري الآن من أنا على التحقيق؟ كبرنا إذن وسرق الخادم مرة من الجار ~~فحبس لذلك بضعة شهور لا أذكر عددها، وعسى أن يكون المازني هو الذي سرق وحبس خادمه، ربما، ~~ولكن هذا لا قيمة له، فكثيرا ما كنت أنا أخطئ ويضرب خادمي عني، أو بعبارة أخرى ربما كانت ~~أصح وأقرب إلى الحقيقة، كثيرا ما كان هو يخطئ وأضرب أنا عنه، هذا إذا ذهبنا نعتبر الخلط ~~الذي لعله أصاب عنوانينا أو اسمينا.») # هو ~~: # أرجو المعذرة، ولكن هل من عادة المصريين أن يضربوا خدمهم إذا أخطأ ~~أبناؤهم؟ # أنا ~~: # لست أعلم أن هذه عادة أحد من المصريين، ولكني أريك بعض آثار التشابه ~~بيني وبين الخادم واحتمال التصاق الاسم بغير صاحبه. # هو ~~: # ولكني لا أفهم ... # أنا ~~: # ستفهم كل شيء إذا تريثت قليلا، ولم يقلع الخادم عن السرقة ~~والتلصص، أو لم يكف المازني عنهما، فما يعلم الحقيقة غير الله، ومن لعله خلطني ~~به في الحمام ونحن طفلان رضيعان؟ فألف الإجرام، واتفق في ليلة أنه كان يسطو على ~~بيت فأحس به السكان ففر إلى السطح على نية الوثوب من سطح إلى سطح وهكذا حتى يهتدي ~~إلى طريق مأمون للهبوط إلى الأرض، وبينما كان ماشيا على سور أحد السطوح زلزلت ~~الأرض، فهوى ومات والآن نبئني - إذا استطعت - أينا الذي مات؟ أهو أنا أم هو؟ أهو ~~المازني أم خادمه؟ # هو ~~: # ألم يكن هناك شيء - علامة مثلا - تميزكما؟ # أنا ~~: # وإذا تذكرت ms018 ما قصصته عليك عن آبائي وأجدادي الأماجد، وما كانوا ~~يتوخونه جميعا من الأساليب لاكتساب رزقهم، وبعبارة أخرى أخشى إذا تذكرت أنهم كانوا ~~جميعا بفضل الله فتاكا وقطاع طرق ولصوصا، ألا يكون الأقرب إلى المعقول ~~والأشبه أن يكون الخادم المتلصص هو المازني وأكون أنا الذي وقعت من فوق السطح ~~ومت؟ # هو ~~: # لا أنكر قوة منطقك ولكني أسألك مرة أخرى - ألم تكن ثم علامة ~~تميزكما؟ # أنا ~~: # هل تحسبني أبله؟ وفيم إذن قلت لك: إن للمسألة سرا؟ ~~(فأبرقت أسارير وجهه ولمع السرور في عينيه وقال: لا أحسبك تضن علي بحل هذا اللغز بعد أن ~~أوجعت رأسي بعقده؟) # أنا ~~: # كلا! لقد كان هو أسود زنجيا وأنا كما ترى أسمر. # فنهض وانحنى وقال: «أشكرك.» # ولم أر بعد ذلك وجهه. # | اللغة العربية بلا معلم # وقفت مرة بباب مكتبة أتأمل معروضاتها من وراء الزجاج، فأخذت عيني كتيبا صغيرا يعلم ~~الأجانب «اللغة العربية بلا معلم» فراعتني هذه الجرأة، وتمثل لخاطري ما يكابده الأساتذة ~~من العناء في تدريس هذه اللغة، بل ما نعانيه نحن الذين نزعم أنفسنا أدباء وشعراء من البرح ~~والجهد ولا أطيل، اشتريت الكتاب بثمن باهظ ثم انتحيت ركنا في قهوة ورحت أقلبه فإذا هو لا ~~أكثر من ألفاظ ومحادثات باللغة الإنجليزية وما يقابلها باللغة العربية، فتحسرت على ما ~~بذلت فيه، وساءلت نفسي: ماذا أصنع به؟ كيف أعوض خسارتي؟ # والله أكرم من أن يضيع على فقير مثلي ماله إذا صح أن تسمي القروش مالا. فألهمني أن ~~أنتزع منه متعة لا أظن مصريا غيري حلم بها أو طمع فيها. ذلك أني فرضت - جدلا - أني ~~(مالطي) واتخذت هذا الكتاب مرشدا لي وقلت أتقيد بجمله وعباراته في المحادثات التي أضطر ~~إليها في تجوالي في المدينة. # ولما كنت «سائحا» وشوارع المدينة متداخلة تضل الغريب فقد وجب - طبقا لمشورة الكتاب - أن ~~أركب «عربة» وأن أحتمل هذا الترف الضروري، ففتحت الصفحة الثانية عشرة حيث الحديث مع سائق ~~العربة ودنوت من «الموقف» وأشرت بعصا اشتريتها خصيصا لهذه المناسبة السعيدة، وصحت بلسان ~~ملتو : «أربجي»، فألهب ms019 السائق جواديه وعدا إلي بهما، فلما صار عندي عدت إلى الكتاب ~~أستوحيه الجملة الثانية التي ينبغي أن تتلو النداء، ثم رفعت إليه رأسي وقلت: «روه هات ~~أربه.» # فكأني لطمت الرجل على وجهه. فانطلق يمطرني وابلا من الكلام لم أفهمه كما هو المفروض؛ إذ ~~كنت غريبا عن هذه الديار، ولكني تبينت من لهجة الرجل وإشاراته أن المعاني جميلة جدا وأن ~~جملتي راقته كما لم يرقه شيء في حياته. # وعدت إلى الكتاب أستمليه الجملة الثالثة لعلها تحل الإشكال فقلت: «يا أربجي أنت ~~فاضي؟» # فرماني بنظرة مغيظ محنق لم أدر ما مسوغها، ثم رفع طرفه وكفه إلى السماء، ثم صاح ~~بالناس فالتف حولي منهم اثنان كلمني أحدهما بالفرنسية فهززت له رأسي فخاطبني باليونانية، ~~فظللت أهز له رأسي، فجرب الثاني الإيطالية فأشرت له بإصبعي أن لا. وخفت أن يطول الأمر ~~فرددت عليه بالإنجليزية فاستغرب وجعل يرفعني ويخفضني بعينه. وأوجز فأقول إني حسما للنزاع ~~ركبت وقلت للسائق، بعد أن تجاوزت عن جملتين من الكتاب: «طيب اذهب بي إلى المهطة.» # فانطلقت العربة، وبديهي أني كنت أوثر مكانا آخر ولكني كنت مقيدا بالكتاب، فلما انتهينا ~~لم أنزل وصحت به، نقلا عن مرشدي: «كم تريد أجرة لك؟» # وكان ينبغي أن يقول - طبقا للكتاب - واحد شلن. ولكنه طلب نصف ريال، فدهشت وبحثت في غلاف ~~الكتاب عن تاريخ طبعه فألفيته 1926، فقلت لنفسي لعل الأجور ارتفعت في هذا البلد بعد صدور ~~الكتاب، وكان علي أن أناقشه كما يحتم الكتاب فقلت: «لا، هذا كثير.» # وكان ينبغي - على ما رسم الكتاب - أن يكون رده على ملاحظتي «كما في التعريفة»، غير أنه ~~بدلا من أن يفعل ذلك مضى يشتمني ويسبني ويلعن لي آبائي وجدودي وهو آمن مطمئن إلى جهلي ~~بلغته البذيئة على الأقل. فلم أر مناصا من أن أعد لعناته مرادفة للرد الواجب، ونقلت له ~~من الكتاب «ستة كروش أبيض بس.» # فحصبني بملء صحراء من اللعنات والشتائم ثم قال: «هات بقى.» # ففهمت هات لأنها من الكتاب، وتجاوزت عن باقي «بقى» على اعتبار أنها على ms020 الأرجح كلمة شكر ~~أو دعاء، وناولته القروش الستة البيضاء. وإذا به يثب على الأرض ويجذبني من جيب سترتي ويصب ~~علي من السباب ما يكفي شعبا بأسره جيلا كاملا. فما أشد إسرافه قاتله الله. وتنازعني ~~الضحك والغضب والخوف. ولكني ضبطت عواطفي وصوبت عيني إلى الكتاب ثم رفعت له وجهي وقلت: ~~«وديني الكشلة.» # 1 # فقال: «القشلة؟ يا خبر أسود يا ناس. تعالوا انظروا هذا يريد أن يدعي أني كسرته ...» وهكذا ~~وهكذا مما يستطيع القارئ أن يتصوره ولا حاجة بنا إلى وصفه. # ولم أدع أنا شيئا من هذا، ولا خطر لي أن أفعل، ولكنه الكتاب استوجب مني أن أذهب إلى ~~القشلة بعد أن حملني إلى المحطة، ولا موجب لهذا ولا ذاك، ولكن هكذا شاء فكان ما أراد، فرأيت ~~الأحزم أن أنتقل إلى الجملة التي تلي «القشلة» فقلت: «طيب اعمل فسهة في البلد.» # فلم يدر أيشتم أم يضحك. وبعد أن تأملني قليلا قال: «يا بن ... من القشلة للفسحة؟» # وبينما كان هو يصعد إلى مقعده كنت أنا أترجل. فالتفت إلي مذهولا، فأنقدته القروش ~~العشرة وقلت له: «لا مؤاخذة لقد كنت أمزح.» فحار كيف يعتذر عن شتائمه ولعناته ... # سأجرب فضل الكتاب في نزوة أخرى استخلاصا لحقي. # | أشق المحادثات # محادثة الصم أشق شيء بعد محادثة النساء. إذا صح أن الرجل يتحدث أو تتاح له فرصة الكلام ~~وهناك امرأة. والفرق بين الحالتين - أعني بين محادثة الصم ومحادثة النساء - أن المرء في ~~الحالة الثانية لا يزال يفتح فمه، كلما توهم أن الحظ قد أسعفه بفرصة، ولكنه - فيما أعلم - ~~لا يجاوز التأتأة أو الفأفأة أو غير هذه وتلك مما هو منهما بسبيل، ولا يكاد يزيد على «أ أ ~~أ»، ثم لا يرى معدى عن إطباق فمه، وهكذا فلو أتيح لك أن تراه وهو يفتح فمه ثم يطبقه مرة ~~بعد أخرى - دون أن تعلم أن هناك امرأة تتحدر كالسيل - لظننته يتثاءب من فرط الملل والوحدة، ~~وشر ما في الأمر أن المرأة لا تنفك تنكر على الرجل صمته وتستهجنه منه أو تعده ms021 دليلا على ~~أن في نفسه شيئا من ناحيتها. وليس من الميسور أن يقول الرجل منا لأمه أو زوجته أو أخته أو ~~لأية سيدة محترمة: إن علة صمته أنها هي لا تكف عن الثرثرة. كلا، هذا لا سبيل إليه فإن ~~عاقبته أوخم، فهي ورطة كما ترى لا مخرج منها. # فرص الكلام معدومة أو هي في حكم المعدومة، والمصارحة مستحيلة والصبر على اللوم والتأنيب ~~والاتهام عسير، فماذا يصنع المرء؟ توهمت مرة أني اهتديت إلى تعليل للصمت المفروض علي ~~والمستهجن مني في وقت معا. فقلت لمن كانت تلومني: «ألا تعلمين أني مدرس؟» # قالت: «وما دخل هذا؟» # قلت: «إذا أكثرت من العمل بيديك ألا تتعبان؟» # قالت: «نعم ذلك ...» # قلت: «وإذا مشيت بضعة أميال ألا تتعب رجلاك؟» # قالت: «هذا صحيح ولكن ...» # قلت: «تمهلي، وإذا تعبت يداك أو رجلاك فكيف تريحينهما؟» # قالت: «بالكف عن العمل أو المشي.» # قلت: «انتهينا. أنا مدرس وليس لي من عمل طول النهار إلا إدارة لساني في حلقي، فمن حق هذا ~~اللسان أن يستريح بعد الجهد الشاق الذي بذله.» # فاقتنعت يومئذ، وبعد بضعة أيام كنت جالسا معها، صامتا كما هو مفهوم بالبداهة فدنت مني ~~وقالت: «اللسان يتعب، أليس كذلك؟» # فأدركت أن وراء هذا السؤال أمرا، وقلت: «نعم. شأنه شأن كل عضو آخر.» # قالت: «فما لفلانة المعلمة لا تكف عن الكلام في ليل أو نهار؟» # والخلاصة: أنني أشك في أن آدم هو الذي سمى الأشياء. وما أظن إلا أن حواء هي التي يرجع ~~إليها الفضل في ذلك، فما أحسبها تركت له فرصة يفتح فيها فمه ولا سيما إذا ذكرنا أن آدم كان ~~الإنسان الوحيد الذي كانت تستطيع أن تكلمه في الجنة، وأنه لم يكن معها سواه فكيف استطاع أن ~~يجد الوقت اللازم للتفكير فيما يناسب الحيوان والنبات من الأسماء؟! بل ما أظن أن آدم قد أكل ~~من الشجرة المحرمة؛ لأن حواء أغرته أو لأن الشيطان وسعه أن يزين ذلك له، بل لأن الأكل من ~~هذه الشجرة له عواقبه، ومنها الموت وانتفاء الخلود ، وتلك ms022 وسيلة للخلاص يمكن ارتقابها مع ~~الصبر. فما أعظمها من تضحية يجب أن نذكرها لأبينا الشيخ المسكين! ~~••• # أما محادثة الصم فشيء آخر مختلف جدا، هي صياح من جانب وبعثرة من الجانب الآخر، وأعني ~~بعثرة المواضيع التي يمكن أن يدور عليها الحديث زمنا معقولا؛ إذ لا سبيل إلى حصر الذهنين ~~في موضوع واحد وقتله - أعني قتل الموضوع - ولنضرب مثلا: تضع يدك إلى جانب فمك وتصيح في أذن ~~صاحبك: «متى اشتريت هذه النظارة؟» # فينظر إليك أولا كأنما يريد أن يقرأ في عينك أو في وجهك كله ما سمع، ثم يقول بصوت لا ~~تكاد تسمعه ولعله يحسب أنه يصيح مثلك: «أي نعم وزارة المعارف.» # فتصيح مرة أخرى وتصنع من كلتا يديك بوقا لأذنه. «النظارة. النظارة. أنا أسأل عن ~~النظارة.» # فيقول: «آه. ربما. ربما. فإن الأزمة حقيقة حادة.» # ويخطر لك أن تغير الحديث فتصب هذه الصيحة في أذنه أو تطلقها في الهواء، سيان: «هل قرأت ~~مقالتي الأخيرة؟» # فيقول: «لعنة الله عليها لقد كادت تخنقني. وقد غشني من مدحها لي.» # فتبدي أمارات الدهشة وتلعنه بصوت عادي فيقول: «لا تعجب فإنها جهة مشبعة بالرطوبة، والبعوض ~~فيها كالنحل. كلا. لقد شبعت من المنيرة وسأنتقل إلى جهة أخرى.» # وهكذا. تنتقل من موضوع إلى موضوع بلا فائدة حتى يبح صوتك. والنساء شر لا بد منه، ~~وكثيرا ما تنسيك حلاوته مرارته ولكن المرأة الصماء ... هنا يحسن السكوت. # | من ذكريات الصبا: بين رجال الليل # وقعت مرة على عصبة من اللصوص، وكنت في ذلك الوقت صبيا في الثالثة عشرة من عمري الذي ~~أراه ينوي أن يطول بلا مسوغ، وكنت عائدا من مكان قريب من مسجد عمرو إلى الإمام عن طريق ~~الصحراء الفاصلة بينهما، وكان الليل قد أمسى وانتشر الظلام على الأرض، ولم يكن شارع ~~«كتشنر» # 1 # قد شق وعبد. فكان الساري لا يجد ما يهتدي به في هذه البيداء المبسطة سوى ~~النجوم إذا كان ممن يستطيعون أن يميزوا بينها. # وكنت أعرف من الكتب أن هناك «دبين» واحد ~~منهما أكبر من زميله، ولكني لم ms023 أوفق إلى رؤيتهما في هذا التيه السماوي إلا منذ عهد قريب، ~~وكان شكي يومئذ في وجودهما عظيما، ولكنه شك لم أكن أدعه يند عن صدري إلى لساني ~~ولاسيما إذا كان أحد من المدرسين حاضرا، تلك جرأة كنت قد تعلمت ضبطها وكتمانها بعد أن ~~جرت علي ما لا أزال - كلما تذكرت - أرى يدي ترتفع إلى خدي. وشرح ذلك أنا كنا نطالع ~~كتابا نسيت اسمه، فمرت بنا هذه الجملة المشهورة: «إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو ~~عالم بركوبه» وأخذ المدرس يضرب الأمثال، فكبر في عيني هذا «المضطر» الذي يبلغ من مخاطرته ~~ألا يركب إلا الصعب «ويتعمد ذلك» ولا يعبأ شيئا بالأهوال التي يقذف بنفسه عليها، وأعجبتني ~~هذه الشجاعة وملأت نفسي إجلالا له، فاشتقت أن أراه وعانيت من إلحاح هذا الشوق أشد البرح، ~~فلم يكد المدرس يفرغ من الشرح - وكنت في شغل عنه بتصور «المضطر» وتمثل «الصعب» الذي يركب - ~~حتى وثبت عن الدرج كالقذيفة وقلت بلا استئذان: «أفندي! أفندي!» # فتغاضى المدرس عن مخالفتي للأصول المرعية وقال لي وعلى فمه ابتسامة الراضي عن نفسه ~~المطمئن إلى بلوغ غايته من الإيضاح والبيان: «نعم يا عبد القادر؟» # فجازيته ابتساما بابتسام ولم أكن أقل منه رضا عن نفسي وفرحا بالانفراد - دون بقية ~~التلاميذ - بهذه الرغبة الملحة، واغتباطا بشجاعة النهوض بلا استئذان للإعراب عنها فقلت: ~~«أين يعيش المضطر؟» # فتجهم وجهه وانزوى ما بين عينيه وطالعتني أمارات الغضب حسبتها دلائل حيرة، فأسفت لتقدمي ~~بهذا السؤال وإحراجي إياه به أمام التلاميذ وقلت لنفسي: إن معلمنا هذا معذور إذا جهل مكان ~~«المضطر» واستعصى عليه الجواب، وأنى له أن يعرف - وهو رجل عادي - ذلك «المضطر» الذي لا ~~يبالي بالصعب ويأبى إلا أن يركبه؟ وانتبهت من هذه المناجاة، التي يظهر أنها طالت أكثر مما ~~ينبغي، على التلاميذ يدفعونني وعلى المدرس يصيح بي. «أقول لك تعال هنا، ألا تسمع؟» # فلم أدع الابتسام وذهبت إليه وأنا أقول لنفسي: «سيعاتبني الآن على تسرعي وعدم انتظاري ~~انتهاء الدرس لأسأله على انفراد، وسيهمس في أذني عتابه فأهمس ms024 في أذنه اعتذاري ~~وأنتظر.» ~~«ماذا تقول؟» بصوت عال. # ولم يكن هذا ما توقعته فارتبكت، وحدثت نفسي أن هذا مأزق ظريف. أرجو أن أنقذ الرجل ويأبى ~~هو إلا أن يغرق، ورفعت له وجها يستطيع أن يقرأ فيه إذا لم يكن أعمى، أني آسف وأني مدرك ~~خطئي وكان عليه أن يخفض صوته قليلا، ولكنه لم يحفل رجائي وتوسلي فصرخ مرة أخرى: «ماذا ~~تقول؟ أجب.» # فالتفت إلى التلاميذ كالذي يريد أن يقول: أتسمعون هذا المجنون؟ لست ملوما إذن وأنتم ~~شهودي. ولكني لم أكد أرد وجهي إليه حتى خطر لي كوميض البرق أنه لعله لم يسمع سؤالي فهو يجهل ~~مداه ومبلغ ما ينطوي عليه من الخطر على سمعته ومركزه بين التلاميذ. واستولى علي هذا ~~الخاطر فسرني أن فرصة الإنقاذ لم تضع، فشببت عن الأرض ورأيت يمناي تمتد إلى كتفه ~~لتدنو بأذنه إلى فمي، وإذا بي على الأرض أقيسها إلى آخر الفصل دائرا حول نفسي ومتخذا ~~رأسي محورا، وقعدت أبكي وبي من الغيظ والحقد أكثر مما بي من الألم، ولكن المدرس كان قد لحق ~~بي فكتمت الغيظ ورفعت طبقة البكاء فجأة حتى صار إعوالا، فجعل يصيح بي: «اخرس يا كلب اخرس. ~~أقول لك اخرس.» # ويشفع كل كلمة بلطمة أو لكمة فأزداد إعوالا. # ويظهر أن هذا الصخب نبه «الناظر» - وكانت غرفته قريبة منا - فدخل علينا ورأى المدرس ~~متلبسا بجريمة الضرب - وهي محرمة - وكان الناظر رجلا طيبا ساذجا يخرج الكلام من أنفه ~~أخن أغن ممطوطا لينا، وكان صديقا لأبي - أعني قبل موته - وحديث عهد بالبكوية، وكانت ~~لي عليه دالة بفضل تملقي «بكويته» لا بفضل صداقته لأبي، وكان التلاميذ يعرفون لي هذه الدالة ~~فإذا أرادوا شيئا بعثوا بي إليه. أوفدوني إليه مرة. # فقلت: «يا سعادة البك. نريد أن تأذن سعادتك لنا في الذهاب إلى حديقة الحيوانات.» # فاعتدل في مقعده وهز رأسه وهو يقول: «حونات. حونات إيه يا ابني. أسد فك السلاسل نهش ~~عيل منكم نبقى نقول يا مين؟ يا ابني يا عبد القادر لا.» # فاقتنعت واقتنع التلاميذ بأن ms025 الذهاب إلى حديقة الحيوانات خطر ليس بعده خطر. ولا أذكر أني ~~دخلتها إلا بعد أن صرت مدرسا في المدرسة السعيدية الثانوية وعلى مقربة منها، وإلا بعد أن ~~تحققت أن الأسود تحبس في أقفاص ولا تربط بالسلاسل - إن صح أنها كانت تربط - كما كان ~~الحال على عهد ناظرنا طيب القلب ... # وأعود إلى «المضطر» وقصتي معه فأقول بإيجاز: إن المدرس - على الرغم من اعتدائه علي وعلى ~~القانون ممثلا في شخصي المحطم المجرح - زعم أني هممت بصفعه. يا للكذب! وأصر على وجوب ~~طردي من المدرسة. ولم تجد دموعي ولا ما أقسمت من الأيمان على أني لم أرتكب هذه الجريمة ~~التي لم تخطر لي على بال قط، وأنني ما أردت إلا الاستفسار عن مكان «المضطر» لأراه، وشهد ~~التلاميذ الملاعين أني رفعت يدي إلى كتف المعلم، فأيقنت أني ضائع لا محالة، ويئست فكففت عن ~~البكاء، وقلت: «أتلقى هذا الظلم بما يستحقه من الاشمئزاز والاحتقار.» وجرني الناظر معه إلى ~~غرفته وشرع يسألني في هدوء وعطف فسردت عليه القصة على حقيقتها ورأيت فرصتي سانحة فاغتنمتها ~~وأكثرت من «سعادة البك»، وأضفت من عندي كذبة صغيرة فزعمت أن المعلم شتم أبي، وأبي - كما ~~يعلم سعادة البك الناظر - ميت. وفعل التملق والأكذوبة فعلهما الذي توقعت فنهض سعادة البك ~~وقال لي بصوت خفيض: «اسمع يا ابني أطردك من باب تيجي من باب. فاهم؟» # قلت: «نعم يا سعادة البك»، فتركني وخرج وأسر شيئا إلى فراش بينما كنت أتوثب في ~~الغرفة وأطوي يدي ورجلي في الهواء من فرط الفرح، ثم ناداني فخرجت وبعد قليل حضر المدرس ~~أيضا فمضى بنا جميعا إلى الباب الكبير - وكان هناك باب آخر - وقال: «يا عم محمد. افتح ~~البوابة. اخرج من مدرستي. امش من هنا. مبسوط بقى يا عم الشيخ ...؟» هذا للمدرس. # ولا يحتاج القارئ أن أقول له إني درت ودخلت المدرسة من الباب الثاني، وإن المدرس وجدني ~~جالسا على درجي في اليوم التالي، ولكن القارئ قد ينقصه أن يعلم أن المدرس عاد إلى الشكوى ~~فقال له الناظر: «وماذا ms026 أعمل إذا كان هؤلاء الأولاد كالعفاريت ربما كان قد هبط إلى فناء ~~المدرسة من فوق سطوح الجيران.» # والآن إلى اللصوص بعد هذا الاستطراد الطويل الذي دعت إليه المناسبة العارضة، مناسبة ~~الذكرى الأليمة. # لم أزل أغرس قدمي في الرمال وأقتلعها - فما يسمى المشي في هذه الصحراء مشيا إلا على ~~المجاز - حتى دنوت من عين الصيرة، # 2 # فأبصرت أشباحا على ضوء نار، وكان الليل دامسا فلم أستطع أن أكون على يقين من ~~مكان القوم، وخفت إن أنا مضيت في طريقي أن أقع عليهم وأنا لا أعرف أي ناس هم، وكنت أسمع أن ~~هذه الرقعة الجدباء من الأرض مأوى اللصوص وعش الفتاك، فقلت: أميل عن الطريق حتى أبلغ ~~«عين الصيرة» فأنحدر إليها ثم أعود فأصعد على حذر ناشرا أذني في الليل المحيط، مرهفا ~~سمعي كل صوت ونأمة عسى أن أفلت، فإذا تعذر الإفلات عدت فوسعت الدائرة. فما كاد رأسي ~~يبلغ مستوى الطريق المشرف على «العين» إذا بالقوم تحت عيني. # فأسرعت ورددت رأسي وتواريت خلف الصخرة التي كانوا جالسين إليها من الناحية الأخرى. وجلست ~~أفكر وقد شاع في الرعب وكادت عيناي تخرجان. غير أني لم ألبث أن سمعتهم يغنون ويتضاحكون ~~فعاد إلي بعض ما عزب من الطمأنينة، وتشجعت فدنوت من حرف الصخرة وجعلت أبرز من وجهي بقدر ~~وأخفي بقدر، فألفيتهم على بضعة أمتار، نحو عشرة، منهم الضخم الهائل الأنحاء والطويل الهزيل ~~والقصير والبدين، وكان أحدهم يغني والباقون يصخبون حوله ويضحكون ويتندرون عليه ويركبونه ~~بألذع أنواع المجون. ويظهر أن هذا استفزه وأحنقه فانتفض عن الأرض ومضى يلعنهم ويقذفهم بأقبح ~~النعوت، فهموا به جميعا ولكن رجلا ضخما من بينهم حسبته فيلا صغيرا صدهم وأهاب بهم أن ~~«دعوه لي فإنه طعامي الليلة.» # فسرت رعدة خفيفة في بدني ومططت وجهي لعلي أرى ذيله وراءه. وتناول الرجل عصا غليظة تبلغ ~~المترين أو قراب ذلك، وجعل يتوثب في الهواء ويلوح بها في كل ناحية ويهوي بها على الرءوس حتى ~~إذا كاد يطيرها عن أكتافها أو يحطمها حرك يده، فمرت العصا ms027 فوقهم تقطع الهواء وتقول «فووو»، ~~والرجل يقول في أثناء ذلك كلاما كهذا: «دعوه لي. إنه طعامي! ألا ترونني؟ انظروا إلي ~~وراعوني إني أنا الذي يسمونه الموت الوحي والخراب العاجل! أمي العاصفة وأبي الزلزال وأختي ~~الكوليرا انظروا إلي وراعوني. إني أفطر بقافلة وبرميل من البلح، # 3 # وإذا مرضت كان حسبي ملء سلة من الأفاعي. أفتت الصخر بنظرة وأخرس الرعد ~~بصيحة. وسعوا لي وسعوا لي. الدماء شرابي وأنين القتلى موسيقاي. انظروا إلي وراعوني ~~وعلقوا أنفاسكم فإني موشك أن أنطلق.» # فعلقت أنا أنفاسي وقد ملأ الرعب والإعجاب والسرور قلبي، الرعب مما سمعت ورأيت، ~~والإعجاب بقوته وحذقه، والسرور بما أنا موشك أن أراه بين المتنازلين، وحدثت نفسي أني سأشهد ~~منظرا لن أنساه ما حييت، منظرا ينطوي - من دواعي الإعجاب والإجلال - على أعظم وأهول مما ~~ينطوي عليه ركوب ذلك «المضطر» للصعب من الأمور. # ثم نهض الذي كان يغني وكانوا يسخرون منه، وفي يده «نبوته» لا كما ننهض نحن أبناء آدم، بل ~~كما يطير النسر عن الصخرة، وهوى على نبوته قائما على الأرض وهو معتمد عليه ببطنه وناشر ~~يديه ورجليه في الفضاء طلبا للاتزان، ثم وثب بين صيحات الإعجاب وانطلق يضرب في الهواء ~~بنبوته كما صنع زميله، ويقول كلاما كهذا: «احنوا ظهوركم لركوبي ولا تنظروا إلي بعيونكم ~~فتذهلوا، إني أحك جلد رأسي بالبرق، وأنيم نفسي بالرعد، وأروح على وجهي بالعواصف، ~~وإذا ظمئت مصصت السحاب وإذا جعت سار القحط في ركابي. واتقوا أن تنظروا إلي فتبهتوا! ~~إني أحجب الشمس بكفي وأقد من القمر قطعة فينتهي الشهر، وأرتج لتندك الجبال، احنوا ~~الظهور لأبي الخوارق!» # فصارت روحي في فمي. ونهض الأول وذهبا يتوثبان ويضربان الهواء بنبوتيهما ويصرخان كالشيطان ~~ويتسابان بأوجع الكلام حتى غلى الدم في رأسي أنا، وأيقنت أن الدماء ستكون أمامي بركة. ثم ~~طير الأول عمامة الثاني بنبوته، فقلت قد صرنا إلى الجد الرائع فالتقطها الثاني بنبوته ~~أيضا، وضرب عمامة الأول فأطارها عن رأسه فوقعت قريبا مني، فجرى الأول في أثرها وتناولها ~~وقال «لا بأس، دقة بدقة والبادي ms028 أظلم، ولكن هذا لن يكون آخر ما بيننا، فخير لك أن تكون على ~~حذر وأن تجنب طريقي فإني لا أصفح ولا أرحم، وسيأتي اليوم الذي تكفر فيه عن ذلك ~~بدمك.» # فقال الثاني - أبو الخوارق - إنه مستعد لذلك اليوم، وإنه ينذر الأول من الآن، فإنه لن ~~يستريح ولن يهدأ له بال إلا إذا خاض برجليه في دمه، وأنه يدعه الآن إكراما لأولاده ~~الصغار. وهم كلاهما أن يذهب في طريق، وكانا لا يزالان يتقاذفان بالوعيد والشتائم، ولكن ~~رجلا قميء الجسم - بالقياس إلى هذين الفيلين - قفز وصاح بهما: «قفا لعنة الله عليكما من ~~جبانين، وإلا أطعمتكما هذه العصا.» # ولم يكذب فقد جذب كلا منهما بذراع قوية أطعمه التراب، ثم أوسعهما ركلا برجليه حتى ~~أشبعهما تمريغا وضربا، ولم تمض دقائق حتى انقلبا كلبين ذليلين عند قدميه. فدوى الفضاء ~~بضحكات الجالسين وتهكماتهم، وعانيت الأمرين من كتمان الضحك. # وبدا لي أن قد آن أن أفكر في الرجوع والهروب من هذه الحيرة، ولكن أحد الذليلين - وأحسبه ~~أبا الخوارق - قام ليغسل وجهه ويديه في العين فرآني، فوقف وصاح «هوا من هذا؟» ووثب الباقون ~~فكانوا حولي في أسرع من لمح البصر، وقبل أن أفكر في جواب. وتصايحوا بي فقال الأول: ماذا ~~تفعل هنا؟ قل وإلا أغرقناك في العين. # وقال الآخر: شدوا رجليه ومزقوه! # وقال ثالث: لص بطربوش! ها ها! تعال نعلمك: هاتوا الفرشاة لندهن له وجهه باللون الأزرق ~~السماوي من فرعه إلى قدمه. # فضحكوا جميعا وقالوا: «فكرة بديعة» غير أن الرجل القميء الذي مرغ الفيلين في التراب ~~صدهم جميعا وقال: إنه ليس إلا طفلا؟ ارفعوا عنه أيديكم! ويمينا لأدفنن من ~~يلمسه. # فوضع أحدهم الجردل وترك الفرشاة تهوي إلى الأرض وتتعفر بترابها، وقال المنقذ: تعال إلى ~~النور لنرى ماذا جاء بك إلى هنا، اقعد! كم لك هنا؟ # قلت: «دقيقة واحدة.» # قال: «ما اسمك؟» # ولا أدري لماذا لم أقل اسمي، ولا لماذا أجري لساني بما جرى به، ولكن الذي أدريه أني قلت ~~بلهجة الجاد «أبو الخوارق.» # فانفجر القوم ضاحكين ما عدا ms029 سميي الذي استعرت منه هذه الكناية، ويظهر أن هذا راق منقذي. ~~فقال: «هذا حسن، ولم أكن أنتظره من طفل مثلك.» ولكنك يا صاحبي كذبت علي حين قلت: «إنك هنا ~~منذ دقيقة، فقل الحق ولا تخف فلن يصيبك سوء.» # فأخبرته الحقيقة وتعمدت - وقد اطمأنت نفسي لهذا الوعد - أن ما سمعت ورأيت من الفحلين ~~الجبانين اللذين مرغمهما منقذي في التراب؛ لأن أحدهما هو الذي توعدني بالإغراق وثانيهما ~~هو الذي أراد أن يدهنني. وهكذا انتقمت لنفسي وأدخلت السرور على نفس منقذي، فرافقني إلى أول ~~الطريق المأنوس ثم أطلقني فمضيت أعدو إلى البيت! # وكان هذا أول عهدي «برجال الليل». # | أبو الهول وتمثال مختار # رأيت تمثال «مختار» كما لم يره غيري. ولست أعني أني دخلت في جوفه، أو صعدت إليه، وركبت ~~أبا هوله، أو نظرت إليه بأربع عيون، ولكنما أعني أني لم أكد أقف أمامه وأهم بأن أرفع إليه ~~عيني حتى أحسست طفيليا إلى جانبي يتأبط ذراعي، كأنما كنت أعرفه قبل أن يولد، ويقول لي: ~~إن صانعه «مختار محمد مختار» ... فصرفت نظري عن التمثال وانصرفت إلى هذا الذي اختار أن يكون ~~صديقي دفعة واحدة وآثرني على غيري من الواقفين بصحبته وراقني الموقف جدا، وقلت له وأنا ~~أفحصه بعيني وأبحث في وجهه عبثا عن مخايل «النشالين»: سبحان الله! أصحيح ما تقول؟! # قال: وهل أنا أكذب عليك؟ سل من شئت من الواقفين. # قلت وقد زاد اغتباطي بالموقف: أستغفر الله! فما أعرفك كذبت قبل اليوم. # وخطر لي أن أستخلص من هذا الموقف كل ما فيه من متعة فقلت: معذرة، ولكن صاحبه عبد الغفار، ~~هل ... # فقال بلهجة من يريد أن يدركني لينقذني: لا لا لا. مختار ... مختار محمد مختار. ~~- معذرة مرة أخرى - مختار - وهل هو صاحبه؟ # قال: نعم. # فقلت: ومن أين اشتراه؟ # قال: اشتراه! إنه هو الذي نحته. # قلت: وهل كان هنا جبل نحته منه؟ # فضحك ملء شدقيه ثم قال: جبل؟ أي جبل؟ ألست من أهل القاهرة؟ # قلت: كلا إني من الريف. وهذا أول يوم لي في القاهرة. # فزال ms030 عجبه ولم يسرني أن أراه يضحك مني أنا الذي يريد أن يضحك منه، غير أنه لم يسعني أن ~~أتراجع بعد أن ذهبت معه إلى هذا المدى، ورددت الحديث إلى مختار فسألته: وهل مختار هذا من ~~قدماء المصريين؟ أقول هل - معذرة إذا كنت غلطت في اسمه مرة أخرى - ولكن هل هو - أعني صاحب ~~التمثال - من قدماء المصريين؟ # فافتر فمه عن ابتسامة عطف على كتلة الجهل المجسد الذي كان يتأبطه واستل ذراعه، فحمدت ~~الله ووقف أمامي يتأملني وقد شك في أمري على ما أظن، وتوقعت أنا أن أنفجر بالضحك المكتوم ~~فيحدث بيننا ما لا تحمد - أو ما لا أحمد أنا على الأقل - عقباه. # فأشرت إلى اسم التمثال المكتوب بالخط الكوفي على القاعدة وسألته: ما هذا؟ # قال: ألا تستطيع أن تقرأ؟ # قلت: أقرأ! وهل هذه كتابة؟ # قال: نعم، وماذا كنت تظنها؟ إنها اسم التمثال، نهضة مصر. # قلت - وتجهمت له - اسمع يا صاحبي. لا يليق بك أن تغشني. # فراح يقسم بالله أن الأمر كما يقول، وينطق الاسم وهو يشير إلى الحروف بإصبعه. فقلت: وهل ~~هذا خط عبد الغفار ... لا لا ... مختار. أليس كذلك؟ إن خطه قبيح جدا. إن أبلد تلميذ في بلدتنا ~~يكتب خيرا من هذا الخط ألف مرة. # وأحسبني حيرته وأدرت له رأسه بهذه الملاحظة فقد تلعثم، وسرني جدا أن أشهد ارتباكه، ~~وأقسمت لأمطرنه وابلا من هذه المدهشات، فلم أمهله ريثما يفكر في جواب، بل رميته بسؤال آخر ~~عن المصرية الواقفة إلى جانب أبي الهول: وهل تعرف هذه السيدة؟ # فرفع رأسه بسرعة وقال بلهفة: نعم. لا. إنها من التمثال. # فقلت: شيء جميل والله! وهل هذه أول مرة تقف فيها هذه السيدة هنا؟ # فحملق في وجهي ولم يفهم وضاعت النكتة، واحتجت إلى سؤال آخر فقلت: وهل ستظل هذه السيدة ~~واقفة هنا؟ # ففتح الله عليه بهذا: يا أخي هذه ليست سيدة. إنها حجر. تمثال. ألا تفهم؟ # فقلت: فهمت. فهمت ولكن أتظل هكذا؟ ألا تتعب؟ # فقال - ودق كفا بكف: كيف تتعب؟ ألم أقل لك إنها حجر؟ ms031 # قلت: آه صحيح. وأي حيوان هذا الذي جانبها؟ # قال: حيوان؟ هذا أبو الهول ينهض. # قلت: وهل كان راقدا قبل الآن؟ # فخيل إلي أنه سيدعني ويجري، ولكني كنت واهما فقد ثبت وكان أشجع وأجلد مما ظننته، وقال ~~بصوت خفيض، وفي تؤدة: اسمع. ألم أقل لك: إن اسم التمثال نهضة مصر؟ أجبني. # قاطعته وأجبته أن نعم. # فقال: فهذا أبو الهول ينهض. يعني أن مصر تنهض. أفهمت الآن؟ # قلت: بودي أن أكون فهمت حتى لا أتعبك. ولكن أين مصر هنا؟ # قال: أبو الهول يا أخي. # قلت: ومن هذه السيدة الواقفة بجانبه؟ # قال: مصر. # قلت: هل هما مصران؟ # قال: سبحان الله العظيم! لا يا أخي. # قلت: لا تؤاخذني. ولكنك أفهمتني أن أبا الهول هو مصر وأن السيدة هي مصر، وقد تعلمت أن ~~واحدا وواحدا اثنان. # قال: لا لا. إن هذا ليس حسابا. إن هذه مصر تنهض أبا الهول. قلت: أليس معنى ذلك أن مصر ~~تنهض مصرا؟ # قال: لقد بدأت تفهم. هذا هو المعنى. # قلت: ولكني - ولا مؤاخذة - لم أفهم. # قال - وهو مغيظ - كيف لم تفهم؟ # وبدا لي أن في حديثنا من الجد أكثر من المقدار الذي يحتمله هو، فعدت إلى التباله ~~وسألته: ولكني لا أرى الهرم هنا فهل نقله مختار؟ # قال: نقله كيف؟ أين أنت من الهرم؟ # قلت: هكذا قرأت في الكتب أن الهرم إلى جانبه أبو الهول فأين ذهب الهرم؟ # ويظهر أن نقل الهرم كان أكثر مما يطيق. فلوح بيده في وجهي، وتمتم شيئا لم أفهمه؛ لأني ~~شغلت بنظارتي التي هوت إلى الأرض وتكسرت عدستها وأولاني ظهره ومضى. # بعد هذا الحديث الذي استطبته والذي شغلني عن التمثال وعن الوقوف به أتدبره كما ينبغي، ~~مضيت إلى أهرام الفراعنة، فلما سرت عند أبي الهول وددت لو أن صاحبنا معي. إذن لسألته من ~~صنع هذا؟ أهو مختار أيضا؟ # وتخيلته وهو يهز كتفيه أمامي - تحت أنفي - ويقول: لا يا أخي. الفراعنة. # فأعود أسأله: وهل هم أحياء؟ # فيستعيذ بالله من هذا الجهل المطبق ويقول: أحياء كيف؟ لقد ماتوا ms032 منذ آلاف من ~~السنين. # فأبدي له العجب من أن يكونوا أمواتا كل هذه الآلاف من السنين أسأله: وبأي شيء ~~ماتوا؟ # فيقول: لا أدري. لا يدري أحد. # فأكر عليه بقولي: أتظن أنهم ماتوا بالطاعون؟ # فيقول: لا أدري. ربما. من يدري؟ # فألح عليه وأقول: أترجح أنهم ماتوا بالكوليرا؟ # فيقول بلهجة السأمان: ربما، ربما، قلت لك لا أدري. # فلا أدعه ولا أرحمه وأقول: أو لعلهم ماتوا حسرة؟ # فيقول، وقد انتفخت مساحره من فرط الضجر: ربما، قلت لك ألف مرة لا أدري، ماتوا ~~والسلام. # فأزداد عليه شدة وأسأله: وأبناء الفراعنة ألا يزالون أحياء؟ # فينقذني بلفظة «مستحيل» ويعض حروفها بأسنانه، فلا يردعني هذا وأسأله عن أبي الهول وأين ~~القاعدة وأين أبو الهول؟ # فيعود إلى كفيه يدق إحداهما بالأخرى، وبعد أن يقضي مأربه ويرفه عن نفسه يبينهما لي ~~فأقول: «ما أوقره، وأشد سكونه! وهل هو ... هل هو ميت؟» # فيهيج برهة ثم يبين لي أنه حجر، أو لا يستطيع معي صبرا فيلوح بذراعه ويمضي ~~عني. ~~••• # كلا، تمثال مختار - «محمود» مختار - على براعته لا شيء حين يقيسه المرء إلى أبي الهول ~~الفرعوني، فإنه على هذا الوجه من الكآبة والجد والتشوف والصبر والجلال والنبل، ما ليس له ~~شبه في وجه الإنسان، وهو حجر ولكنه فيما يبدو للعين يفكر، ينظر إلى الدنيا حوله ولكن ~~نظرته تتخطاها إلى الفراغ الذي يلفها في طياته، وتتطلع إليه فيخيل إليك أنه يرد عينه إلى ~~الماضي متجاوزا محيط الزمن وأمواج أجياله وقرونه، أو متراجعا بها ومطبقا بعضها على بعض، ~~حتى تعود وقد امتزجت وآضت مدا واحدا عند أفق القدم، نعم يفكر أبو الهول هذا في ~~الحروب التي دارت أرحاؤها في الأزمنة الغابرة، وفي الدول التي شهد قيامها وسقوطها، وفي ~~الأجيال التي رأى مولدها وراقب نهضتها ولاحظ فناءها، وفي المسرات والأحزان والحياة والموت ~~والرفعة والذلة التي دارت بها أربعة آلاف من السنين البطاء. # ودع ما أرادوا أن يرمزوا له به، إن كانوا قد قصدوا إلى شيء من ذلك، فما أراه أنا إلا ~~تجسيدا لتلك الملكة الإنسانية ms033 التي يسمونها «الذاكرة» في صورة بارزة محسوسة، وما من أحد ~~عرف أي شعور تحركه في النفس ذكرى الأيام السوالف، وماذا ترسم على الوجه، إلا وهو يستطيع ~~أن يقرأ ذلك كله في هاتين العينين اللتين يديرهما أبو الهول فيما عرفه وشهده قبل أن يولد ~~التاريخ. # وهو لا يقيس الزمن بالسنين، فإنها هنيهات، ولا بالأجيال فإنها لحظات، وإنما يقيسه ~~بالدول التي قامت ثم تقوضت تحت عينه التي لا تتعب ولا تشبع من النظر، ذلك أن فيه معنى من ~~معاني الخلود، فقد رأى منف وطيبة وشاهد مجدهما، وعاش ليبصر الخراب يعفي عليهما ويوكل ~~بهما البوم والوطاويط، ورأى أبناء إسرائيل يقومون ثم يسحقون، والأغارقة ينهضون ثم يموتون، ~~ورومية تشاد ويرتمي ظلها على الأرض ثم تفنى، والعرب يستفيضون في الدنيا أسرع من العاصفة ثم ~~يذهبون في سبيل من غبر. # وكما أخذت عينه عظام مئات من الدولات كذلك ستأخذ قبور مئات أخرى قبل أن يفتر لحظها ~~وتطبق الجفون. # والمرء ينظر إلى أبي الهول الساهد ويفكر في آلاف السنين التي قضاها هنا على حافة الصحراء، ~~فلا يستغرب ولا يخالجه شيء من الشعور بالتنافي بين هذه الدهور الطويلة وبين مقامه هذا، وذلك ~~أن ربضته تشيع في النفس معنى الاستقرار التام. وقد أحسن القدماء بإيثار الربوض له، فإنه ~~جلسة مريحة تقترن في الذهن بمعنى الاستمرار، وليس كذلك «النهوض» كما هو مصور في تمثال ~~مختار، والمرء خليق حين يعود إليه مرة بعد أخرى أن يحس أن لهذا الوضع ما بعده، إما أن يثب ~~إلى الأرض، وإما أن يعود إلى الجثوم والراحة والسهوم مرة أخرى، أما البقاء هكذا يوما بعد ~~يوم. وشهرا في إثر شهر، وعاما في عقب عام، فليس من السهل على العقل أن يأنس إليه ويقتنع ~~به، وقد تكون هذه مزية للتمثال، وعسى أن يكون المقصود بها أنها نبوءة أو أمل أو نحو ذلك. ~~ولست أعيب أو أنقد، فما أعني أكثر من أني حين أنظر إلى التمثال لا أحس أني قد رأيت كل شيء، ~~وقد أتوهم أنه سيثب عن ms034 القاعدة إلى الأرض. # وهذا الذي عليه أبو الهول الجديد إقعاء لا نهوض، فإن الحيوان - من البعير إلى الهرة - حين ~~يريد أن ينهض، يقوم على رجليه الخلفيتين أولا ثم الأماميتين، أما القيام على رجليه ~~الأماميتين فحسب، فهذا هو الإقعاء، وهو جلسة للحيوان يتخذها أحيانا، وأكثر ما يراه الإنسان ~~في الكلاب، حين تقعد ناشرة آذانها راصدة عيونها، وأحسب أن مختارا إنما آثر هذا الوضع؛ لأن ~~منظر أبي الهول يكون غريبا ثقيلا إذا أنهضته على رجليه الخلفيتين، كما ينبغي أن يفعل إذا ~~كان يقصد إلى النهوض، ولعل عذر مختار أن أبا الهول هذا خليط من الإنس والحيوان فله أن ينهض ~~كيف يشاء حتى على رأسه. # وهذه الفتاة المنصوبة إلى جانب أبي الهول لا أفهم معناها ولا أدري لماذا يقيمها المثال ~~هناك ويضنيها بهذه الوقفة المتعبة؟ ولو كنت أنا مختارا لاستغنيت عنها جملة ولاجتزأت بأبي ~~الهول وحده؛ لأنه إذا كان المراد الرمز إلى أن مصر تنهض، فإن أبا الهول بمفرده حسب من ~~شاء أن يرمز إلى ذاك. ولن يركب الجهل أحدا فيتوهم أن المراد به رومية أو قرطاجنة، ففي ~~نهوضه وحده ما يكفي رمزا لنهوض البلاد التي اقترن اسمه بتاريخها. زد على ذلك أن قيام ~~الفتاة إلى جانبه تخليط؛ وذلك أنها - على ما فهمت - رمز لمصر الحديثة. وعلى هذا يكون أبو ~~الهول عنوانا على مصر القديمة، وكان المعنى - على هذا - أن مصر الحديثة توقظ مصر القديمة، ~~أو أن مصر القديمة تنهض إلى جانب الحديثة وفي كنفها، وكلا المعنيين مستحيل يرفضه العقل ~~ولا يسيغ معناه، وأصح من ذلك أن هناك - أو هنا على الأصح - مصرا واحدة تاريخها سلسلة ~~متصلة الحلقات، وأنها كانت نائمة أو متفترة أو ما شئت غير ذلك، ثم هي الآن تستيقظ أو تنفض ~~عنها غبار القرون وتهم بالنهوض، وهو معنى لا يحتاج إلى هذه الفتاة التي تفسده ولا ~~تؤيده. # ولست أستريح إلى وقفة الفتاة فإنها كالعصا، ويمناها التي على رأس أبي الهول غريبة في ~~وضعها؛ فإنها لا يسندها في الحقيقة إذا تأملتها ms035 إلا أصابعها ، أما ذراعها فكالمعلق في ~~الهواء إن كانت الشملة - أو لا أدري ماذا هي - تحجب هذا التعليق عن عين الناظر، وهي لا تفعل ~~بيمناها هذه أكثر من هذا الاستناد بأطراف الأصابع دون باطن الراح، ولا أدري لماذا جعلها ~~كذلك ولم يدعها تريح ذراعها؟ ثم ما معنى هذا الوضع؟ وما الذي قصد به إليه؟ أتراه أراد ~~الإيقاظ؟ فهذه ليست حركة إيقاظ، وليس في وجه الفتاة أدنى التفات إلى الذي بجانبها إن صح ~~أنها تريد أن توقظه. أم ترى المراد أن مصر الجديدة تحسر عن وجهها وتبرز للعالم معتمدة ~~على مصر القديمة، فإن كان هذا هو المقصود وأحرى به أن يكون؛ فإن رمز النهوض واليقظة هو ~~الفتاة لا أبو الهول، ولا داعي إذن لإقامة أبي الهول على رجليه ما دام أن الناهضة سواه، ~~وأنه ليس إلا تكأة ووسيلة للرمز إلى الاتصال بالماضي، وحينئذ يكون المعنى أتم وأقوم بأن ~~يظل أبو الهول هذا رابضا على العهد به والفتاة حاسرة على جانبه. # والخلاصة أن التمثال كان حقيقا أن يكون أوفى بالغرض فيما أرى لو أن أبا الهول ظل رابضا ~~إلى جانب الفتاة المعتمدة عليه؛ إشارة إلى اتكاء مصر الحديثة على ماضيها واعتزازها به ~~واستيحائها إياه، أو لو أن التمثال خلا من الفتاة. والأولى عندي أفضل؛ اجتنابا للإقعاء، ~~وتفاديا من الوقوع في هذا الغلط. أما التمثال في شكله الحالي فلا أكتم القراء أني أحس كأني ~~أحمله وقاعدته على ظهري. ولا يسوء مختارا قولي هذا فإنه يعلم أني من أجهل الناس بالفنون، ~~وأن ليس لي من الوسائل المعينة على حسن التقدير سوى رأس واحد وعينين اثنتين ليس إلا. # | الحب الأول # كنت صغيرا لم أدخل - بعد - في حدود الشباب، وكان الوقت صيفا، وأكثر ما أقضي النهار ~~أمام البيت ألاعب الصبية من لداتي، فمرة نكون قطارا بخاريا مؤلفا من بضع عشرة قاطرة ~~- ليس بينها مركبة واحدة - ننفخ جميعا ونقول: «أومف أومف بفو بفو» وأخرى نكون خيلا تصهل ~~وتتوثب وتضرب الأرض بحوافرها وتزعج المارة وتصطدم بهم، وطورا نتقاذف ms036 بالكرة ونحطم بها ~~زجاج النوافذ فيثور السكان ويجلوننا عن الحارة، وتارة نقسم أنفسنا فريقين: عصابة من ~~اللصوص وضباطا، وأحيانا نعصب لواحد منا عينيه ونتوارى عنه وينطلق هو وراءنا باحثا، فمن ~~لقي منا عصبنا له عينيه بدلا منه، وهكذا إلى آخر هذه الألعاب الصبيانية إن كان لها آخر ~~يعرف أو حد تقف عنده ولا تعدوه. # وكنت أنا - بفضل الله - أحمقهم جميعا وأشرسهم خلقا ~~وأسرعهم إلى الشجار، وكنت إذا ضاربني أحد لا أبالي أين وقعت يدي، ولا أتقي أن أصيب عينه أو ~~أنفه أو أسنانه، وقد أتناول الحفنة من التراب وأعفر به وجهه وأرده كالأعمى، ثم أنهال عليه ~~لطما ولكما وركلا. فقد كنت واسع الحيلة كما ترى، فعوضني ذلك من ضعفي، وصارت لي بفضله ~~منزلة بين هؤلاء الصبيان. وكانت لي جارة - فتاة صغيرة كالنرجسة في مثل سني - وكنت أكثر ما ~~أراها مطلة من النافذة علينا أو واقفة إلى بابها تنظر إلينا ولا تشترك معنا، ولا أستطيع أن ~~أصفها، فقد بهتت صورتها بعد كل هذه السنين الطويلة، وإن كنت لا أزال أرى لها نوطة في ~~القلب وعلوقا بالفؤاد كلما كرت بي الذاكرة إلى تلك الأيام، وكانت لا تفتأ تنكر مني ~~طيشي ومغامراتي. رأتني مرة مقبلا على البيت بعد الغروب بقليل، وعلى جلبابي الأبيض طوائف ~~شتى من الأوحال فاستوقفتني وسألتني: «ما هذا؟ ماذا أصابك؟» # قلت: اعترضتني حفرة واسعة فأردت أن أعبرها وثبا فقصر الوثب عن الغاية، فكان ما ~~ترين. # قالت: لو فكرت قبل أن تثب لعلمت أنك لا تستطيع أن تعبر الحفرة. # قلت: ولكني عبرتها. # قالت: كلا! لم تعبرها بل وقعت فيها، وهذه ثيابك تشهد عليك. # قلت: ولكني اجتزتها والسلام. ألا ترينني أمامك؟ # قالت: عنيد ولا خير في الكلام معك. # وتركتني. # واتفق بعد شهور من ذلك أن لقيتها عائدة إلى بيتها وكنا على مسافة مائتي متر منه، فلما ~~صرنا في «الحارة» إذا هي زحلوقة لا تثبت فيها القدم من كثرة الماء المرشوش، ولم يكن ثم ~~طريق آخر، فأسندت يدها على الحائط وناولتني يدها الأخرى، ms037 وقلما كنت ألمس يدها. فلما صارت ~~كفها في كفي شعرت بشيء من الزهو ممزوج بالغبطة، وخفت على يدها اللينة البضة أن تؤذيها ~~قبضتي - التي خيل إلي أنها قوية - فجعلت أصابعي حول رسغها حيث العظام فيما بدا لي أقوى ~~على الاحتمال، وجعلت أخطو بحذر مخافة أن يطير إلى ثوبها النظيف رشاش من الماء القذر، وكانت ~~مضطرة أن تعتمد علي بجسمها، وتلك أول مرة دنت مني أو دنوت منها إلى هذا الحد، وكان شعرها ~~محلولا ومرسلا من فوق كتفها على صدرها، فجعلت أدني أنفي منه وأشمه، ولم يكن معطرا ولكني ~~كنت أجد له ريحا طيبة، فلحظت ذلك مني وسألتني وقد جذبت يدها قليلا: «ما هذا الذي ~~تفعله؟» # قلت: إني أشمك. # قالت: تشمني! إنك أوقح من رأيت من غلمان حارتنا. # قلت: لست أقصد أن أكون وقحا، ولكن لشعرك رائحة طيبة فهل من بأس أن أشمه؟ # قالت: كلا، لا تفعل. # قلت: لقد فعلت وانتهى الأمر. # وبعد قليل قلت: «هل تعلمين أن على وجهك وشعرك سبعة، ثمانية نجوم؟» # فابتسمت ولم ترد، فقلت ومددت إصبعي وأشرت به: «حقيقة. نجمان على شعرك، هنا وهنا، ونجم على ~~جبينك هنا - ثلاثة - ونجم في كل عين - خمسة - ونجم على طرف أنفك - ستة - واثنان على فمك هنا ~~وهنا - ثمانية نجوم - ليت معك مرآة! إذن لأريتك!» # فضحكت، وكنا قد صرنا على الأرض الناشفة فعدنا إلى وسط الطريق وسرنا، ولكن يدها بقيت ~~في يدي، حتى بلغنا بيتها فشكرتني ودخلت. # ومنذ ذلك اليوم صار لهذه الفتاة تأثير في نفسي، لا أعرف له مشبها، ولم يخطر لي قط أنه ~~راجع إلى أية عاطفة خارجة عن حياتي العادية، فكنت كلما رأيتها أشعر بشيء من الدهشة ويعاودني ~~الحنين إلى شمها، أعني شم شعرها. # ولقد عرفت بعد ذلك فتيات كثيرات أجمل منها أو أفتن، ولكن أخطأت فيهن جميعا ذلك العبق ~~الذي كانت تستريح إليه حواسي، والذي كان يفتر له جسمي، كانت تغيب عني أسبوعا وأسبوعين ~~فأنساها، وإن كنت أحيانا أرى صورتها ماثلة في ذهني وفي أحلامي، وصرت أحب ms038 أن أراها وهي لا ~~تراني؛ لأرنو إليها مطمئنا وأرى شفتيها الدقيقتين تفتران عن ابتسامة خفيفة، وأشتاق أن ~~أساعدها وأحميها كما ساعدتها يوم تخطيت بها تلك الأرض المبللة، وأن أسمعها تشكرني كما ~~شكرتني يومئذ. # وقلت على الأيام ملاعبتي للصبيان، وكثرت وقفاتي معها على بابها، ثم غابت أسابيع في ~~قرية فيها بعض أقاربها، فشعرت بوحشة لا عهد لي بمثلها، وثقلت الحياة على كاهل صبري، فذهبت ~~أنا أيضا إلى أقاربي وقضيت عندهم شهرا كان من أطيب ما مر بي وأحلى وأندى. ثم عدت ~~ولقيتها مساء يوم على باب دارها كعادتها، وكانت مطرقة وفي يمناها عود من ثمر الحناء تقطع ~~بيسراها أكمامه التي لم تنور، وتفركها بأصابعها وتدعها تسقط على الأرض، فدنوت منها وهي لا ~~تحسني ووقفت برهة، ثم قلت بصوت خفيض مرتعش: «فيم تفكرين؟» # فلم ترفع عينها ولم تولني نظرة واحدة، وقالت وهي مطرقة وأصابعها لا تزال تعبث بما في ~~يدها: «فيم أفكر؟ في مثل هذا، في النور الأصفر تحت أكمامه الخضر، في سحائب التراب على ~~الطريق، في الأغيصان الصغيرة الخضراء النابتة على فروع الشجر، في الأطيار تلقط القش ~~وخيوط الصوف التي ألقيها لها لتحملها بمناقيرها وتصنع منها أعشاشها، في ألوان الفجر على ~~الأشجار والحقول الندية الملتمعة، في الأمساء الصافية الحالية بالنجوم المرتعشة في الغدران ~~يترقرق فيها الماء حول قدمي المدلاتين.» ثم رفعت وجهها إلي وقالت: «في هذا ~~أفكر.» # وكانت تتكلم بصوت متئد متزن النبرات كأنما تحدث نفسها فدهشت، لا بل بهت، ووقفت ~~صامتا كأنما أستل لساني من حلقي، وظللنا كذلك لا أدري كم، ثم قالت: «والآن ~~سأدخل.» # ولكنها كانت بالذي يهم بالدخول أشبه، فوجد لساني الكلام وقلت: «لا تذهبي هكذا بغير تحية ~~أو سلام.» # فوقفت مكانها وأمالت ووضعت يدها في خصرها كأن هنا شيئا يؤلمها فدنوت منها فإذا بلمعة ~~عينيها تنطفئ ووميضها يخبو، فقلت: «ماذا كنت تقولين؟» # فلم تجبني ومدت يدها إلي بثمر الحناء فقلت: «هذا حسن. تحية طيبة. سأذكرك بها دائما. ~~والآن ماذا كنت تقولين؟ أثم شيء يحزنك؟» # قالت: «أي شيء ms039 يحزنني؟ لا شيء.» # قلت: «إني أرى هذا في عينيك، في وميضهما ثم انطفأ هذا اللمعان.» # قالت وعلى ثغرها الدقيق طيف ابتسامة: «ماذا ترى في عيني؟» # قلت، وكأني ألهمت الألفاظ: «أرى كأنك كنت تنتظرين شيئا ثم لم يحدث.» # فقالت: «فقط؟ لا أكثر؟» # قلت: «فقط. وأريد أن أعرف ما هو؟ ولماذا؟» # فأطلقت ضحكة صغيرة فضية النبرات، وبدا عليها شيء من السرور وفتحت ذراعيها وقالت: «كلا، ~~لعل قلبي أطل من عيني هنيهة كما يطل الطفل من النافذة ثم عاد إلى مكانه ...» # فابتسمت وقد زدت بها إعجابا وقلت: «وماذا أراد قلبك أن يرى من نافذة عينيك؟» # قالت: «ألا تطل أحيانا من النافذة فتبصر طفلا يعدو وهو مسرور؟» # قلت: «نعم.» # قالت: «كذلك القلب أحيانا يجري أمام العين فرحا مسرورا، أظن قلبي فعل ذلك حين رأيت ~~عيني تلمعان.» # ثم بعد ثانية أو اثنتين: «والآن دعني أدخل، إن معك هذه الزهرة فاحفظها.» # ومضت عني وتركتني واقفا كالأبله لا أكاد أفقه من كل ما قالت شيئا وإن كنت قد وعيته كما ~~لم أع في حياتي شيئا غيره. # ومر عام وكنا قد انتقلنا إلى بيت آخر، فمررت بدارها يوما بعد الغروب، كان الباب مواربا ~~فرأيتها تسقي أصص الزهر في فناء البيت، فوقفت أتأملها لحظة وهي تقبل الورد والأزاهير ~~بعد سقيها ورشها، ثم دخلت في رفق وهمست باسمها فلم تسمع، فأعدت الهمس فانتبهت كالمذعورة، ~~وقالت: «إبراهيم؟» وكررت ذلك. # فاقتربت منها وقلت: «نعم هل أفزعتك؟» # ووقفت. شفتاها مفترقتان، ووجهها تصبغه الحمرة من أثر المفاجأة. ولم أكن أعرف ماذا ساقني ~~إليها سوى أني اشتقت أن أراها وأن أقف معها لحظة أحادثها، وقالت: «لقد كان يجب أن أفزع، ~~فما سمعتك تدخل، لكن من الغريب أنك خطرت ببالي وأنا أسقي هذه الأصص.» # فكدت أصيح لا أدري لماذا، وقلت: «أصحيح هذا؟ إنه يسرني.» # فقالت: «لم أكن أفكر فيك تفكيرا يسرك (وضحكت) لقد كنت ساخطة عليك.» # فضحكت مثلها وقلت: «ماذا جنى هذا الشقي يا ترى؟» # فقالت: «لست ساخطة لأنك فعلت شيئا، لقد كنا عندكم أنا ووالدتي ms040 وأختي وقضينا النهار كله ~~تقريبا، وأنت لا أثر لك في البيت، ولا يدري أحد أين ذهبت، وفي وسعك أن تتصور مللي بين ~~السيدات العجائز.» # فضحكت مرة أخرى وقلت: «إني أفضل أن ألقاك هنا ويسرني أن أجدك وحدك.» # قالت: «وهل كنت واثقا أنك ستلقاني هنا؟» # قلت: «كلا.» # قالت: «إذن لماذا جئت الآن؟» # قلت: «لا أعلم، اشتقت أن أراك لا أدري لماذا، فجئت.» # ولم أكن أكذب، فما كنت أستطيع أن أعلل الشعور الذي يدفعني إليها، ولا جرى ببالي أن ~~أعلله ولكني بهذا التصريح وبالسكون الذي تلاه، شعرت أني دنوت خطوة من الحقيقة المجهولة، أو ~~هكذا يخيل إلي الآن، وانعقد لساني فسكت وأعديتها فسكتت مثلي، وأحسسنا كلانا - فيما نظن ~~- كأن هناك شيئا جديدا يخفق به الجو، شيئا لا يناله إدراك ولا يرقى إليه العقل، غير ~~محسوس كالطيب يحمله النسيم. # ومر بخديها طيف من الحمرة ما جاء حتى ذهب ففتحت عليها عيني وأتأرتها النظر، فتراجعت ~~خطوة وهي تقول: «ينبغي أن أدخل.» فوقفت أرمقها وهي تدور لتمضي عني، ثم كأنما انشق عني سور ~~فاندفعت إليها ووقفت إلى جانبها، وجعلت أدير لساني في حلقي بلا كلام وقلبي يخفق وتناولت ~~يدها وذهبت بها إلى الباب حيث ظللنا برهة صامتين، ثم صاحت: «يدي. يدي ستحطمها.» # فانتبهت وأطلقت كفها وأسفت، فقالت بصوت عذب: «دعني أدخل بالله.» # فتناولت يدها مرة أخرى وعدت أطلب أن تغفر لي إيذائي يدها، وقلت: إني لا أستطيع أن أعود ~~إذا لم تقل لي إنها ليست حانقة علي. وكنت أحس أصابعها تتحرك في كفي فقالت: «كيف أحنق؟ لقد ~~نسيت. دعني أدخل.» # قلت: «وأعود مرة أخرى لأراك؟» # قالت: «نعم.» # قلت: «ولا تعجلين بالدخول؟» # قالت: «كلا، دعني الآن.» # ولكني لم أعد لا اليوم التالي ولا الأسبوع التالي ولا الشهر التالي لسبب طبيعي جدا هو ~~أني لم أكد أسير إلى آخر الطريق حتى برز لي شاب من الظلام وصاح بي: «ماذا كنت تفعل ~~هناك؟» # قلت: «أين؟» # قال: «هناك»، وأومأ برأسه وبإبهامه إلى بيتها. # قلت: «كنت أزورهم.» # قال: «تزورهم؟ هيه؟ ms041 تزورهم سأعلمك أن تزورهم مرة أخرى.» # ودفعني في صدري فانطرحت على الأرض، وقمت ألعنه وأسبه، وأقبل علي ودق رأسي بجميع يده ~~فهويت إلى الأرض على ركبتي، وركلني برجله، وذهب وهو يتوعدني إذا فكرت في العودة إلى هذا ~~الطريق. # ولم أكن أعرف هذا الوحش ولا وقعت عيني عليه من قبل، ولم أفهم - إلى هذه الساعة - سر هذا ~~العدوان. فرجعت إلى البيت بصدر موجع ورأس يكاد يكون مهشما وعظام مرضوضة. # ولزمت الفراش أياما وخفت بعدها أن أرجع، ثم صرت أستحي أن ألقاها مخافة أن تسألني عن سر ~~غيبتي، أو أن تكون قد علمت به. # وبعد شهور عدت من المدرسة يوما فإذا هي ووالدتها في بيتنا ففرحت وخجلت، ولما سلمت كانت ~~يدي ترتجف، وعيني إلى الأرض، وذهبت إلى غرفتي فأدركتني في الصالة وقالت: «خذ»، وناولتني ~~عودا من ثمر الحناء فأخذته في صمت وأدنيته من أنفي، ووقفت أشمه وأشمه وقد غاض معين الكلام ~~وانقطع عني مدده. فلما رأت صمتي وارتباكي قالت: «سنذهب إلى الريف.» # فأنطقتني هذه المباغتة وقلت: ستذهبين؟ وكم تظلين هناك؟ # قالت: «عاما. أتستكثر ذلك؟» # قلت: «بالطبع، إني آسف جدا.» # قالت: «ولكنك لا تزال تهرب مني.» # فأغضيت عن هذه الملاحظة، وسألتها: «وماذا تنوين أن تصنعي هناك هذا العام؟» # قالت: «يا له من سؤال! وكيف يعنيك أن تعرف؟» # وضحكت فجلت ضحكتها صدري ونفت مخاوفي ونظرت إليها معجبا، وأحسست بالدم يتدفق في عروقي، ~~وبأنفاسي تسرع، وحمل إلي النسيم الواني طيب شعرها فمددت يدي إلى كفها، وكانت شفتاها ~~مفترقتين وعيناها في عيني، وصدرها يكاد يلمسني، فألفيت نفسي أنحني عليها وألمس شفتيها بفمي، ~~فصار وجهها كالجمرة، ولكنها لم تتحرك ولا تكلمت، ودار رأسي كالمخمور فتقهقرت خطوة، وهي ~~واقفة كالتمثال، وما أظنها كانت تتنفس أو تفكر، فما رأيت صدرها يتحرك أو أجفانها تختلج: ~~كلا لا شيء إلا هذا الجمر في خديها ينبئ أنها حية. # وأفاقت ثم أصعدت زفرة كأنما كنت لطمتها ولم أقبلها، ثم هتفت بي، فأسرعت وأخذت يديها في ~~كفي، ثم رفعتهما وقبلتهما وقلت لها: «أغاضبة أنت؟ ms042 قولي إنك لست غاضبة.» # فأجابتني بهزة خفيفة لرأسها، فقلت: «لست غاضبة. أعلم ذلك، وإلا فما قبلتك، ~~تكلمي.» # فقالت همسا: «دعني أذهب إني خائفة.» # فقلت: «إنك جميلة. جميلة»، وانهلت على يديها مرة أخرى ألثمهما ظهرا وبطنا ثم سحبت يديها ~~ببطء، ووضعتهما على صدرها وقالت وهي تتلعثم وترتجف: «قل لي ما هذا؟» # قلت، ووضعت يدي على يديها فوق صدرها: «هذا! ألا تعلمين؟ إنه الحب؟» # فتنهدت، وأرخت يديها وتركتهما تهويان وقالت: «سأذكرك دائما.» # قلت: «كلا هذا لا يكفي. سيحبك غيري.» # ولم تكد شفتاها تفترقان، وهمست كأنما تتنفس: «سأحبك دائما.» # وكان هذا آخر لقاء، فقد زوجوها في الريف. # | حلاق القرية # وقعت لي هذه الحادثة في الريف منذ سنوات عديدة، قبل أن تتغلغل المدنية إلى أنأى قراه، ~~وكنت أنا الجاني على نفسي فيها، فقد عرض علي مضيفي أن أستعمل موساه فأبيت، وقلت: ما دام ~~للقرية حلاق فعلي به، فحذرني مضيفي وأنذرني ووعظني، ولكنني ركبت رأسي وأصررت أن يجيء ~~الحلاق. فجاء بعد ساعات يحمل ما ظننته في أول الأمر «مخلاة شعير» وسلم وقعد وشرع يحييني ~~ويحادثني حتى شككت في أمره واعتقدت أن الحلاق شخص آخر، وأن هذا الجالس أمامي ليس سوى ~~«طلائعه»، ولما عيل صبري سألته عن حلاق القرية، فابتسم ومشط لحيته بكفه وأنبأني أن ~~الحلاق محسوبي (يعني نفسه)، فلعنته في سري وسألته متى ينوي أن يحلق لي لحيتي؟ أم لا بد أن ~~يضرب بالرمل والحصى أولا ويصحب الطالع قبل أن يباشر العمل؟ فلم يفهم وأولاني صدغا كث ~~الشعر وقال: «هيا» فظننته أصم وصحت به: «أ ... ر ... يد أن ... أ ... ح ... ل ق»، فسره صياحي ~~جدا، وضحك كثيرا، وأقبل على «مخلاته» فأخرج منها مقصا كبيرا جدا، فدنوت من أذنه ~~وسألته: هل في القرية فيل؟ # فقال: فيل؟ لماذا؟ # فأشرت إلى المقص. فضحك. وقال: «هذا مقص حمير ولا مؤاخذة.» فقلت: «ولماذا تجيئني بمقص ~~الحمير؟ أحمارا تراني؟» # ويظهر أن معاشرة الحمير بلدت إحساسه فإنه لم يعتذر لي ولا عبئ بسؤالي شيئا، ثم أخرج ~~موسى من طراز المقص و«مكنة» من ms043 هذا القبيل أيضا، فعجبت له لماذا يجيء إلي بكل أدوات ~~الحمير؟ وسألته عن ذلك فقال: إن الله مع الصابرين. وبعد أن أفرغ مخلاته كلها انتقى أصغر ~~الأدوات، وأصغرها أكبر ما رأيت في حياتي. ثم أقبل علي وقال: «تفضل.» # قلت: «ماذا تعني؟» قال: «اجلس على الأرض.» قلت: «ولماذا بالله؟» قال: «ألا تريد أن تحلق؟» ~~قلت: «ألا يمكن أن أحلق وأنا قاعد على الكرسي؟» قال: «وأنا؟» قلت في سري: وأنت تذهب إلى ~~جهنم ونعم المصير، وهبطت إلى الأرض كما أمر، ففتح موسى كالمبرد، فقلت: «إن وجهي ليس ~~حديدا يا هذا»، قال: «لا تخف إن شاء الله»، ولكني خفت بإذن الله ولا سيما حين شرع يقول: ~~«باسم الله، الله أكبر»، كأنما كنت خروفا، ويبصق في كفه ويشحذ الموسى على بطن راحته، ثم ~~جذب رأسي، فذعرت ونفرت ووليت هاربا إلى أقصى الغرفة، فقال: «ماذا؟» # قلت: «ماذا؟ أتريد أن تحلق لي بمبرد، ومن غير صابون؟» # قال: «ماذا يخيفك؟» # قلت: «يخيفني؟ لقد دعوتك لتحلق لي لحيتي لا لتبرد لي شعرها.» # قال: «يا فندي لا تخف.» # ثم قرأ من الكتاب الكريم # فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع وجاءته البشرى # إلى آخر الآية الشريفة، وأظنه أراد أن يرقيني ~~بها، فيا لها من حلاقة لا تكون إلا برقية! # وأسلمت أمري لله وعدت فقعدت أمامه، فنهض على ركبتيه وتناول رأسي بين كفيه وأمال صدغي ~~إليه، ثم وضع ركبته على فخذي ولف ذراعه حول عنقي، فصار فمي مدفونا في صدره فصحت أو على ~~الأصح جاهدت أريد الصياح لعل أحدا يسمعني فينجدني، غير أن طيات ثوبه كانت في فمي، أما ~~رائحة الثوب فبحسب القارئ أن يعلم أنها أفقدتني الوعي. # ولا أطيل على القارئ. فقد أهوى الرجل بموساه على وجهي فسلخ قطعة من جلدي فردني الألم إلى ~~الحياة، وأتاني القوة الكافية للصراخ على الرغم من الكمامة، ووثبت أريد الباب، ولكنه كان ~~على كبر سنه أسرع مني، وما يدريني لعله كان يتوقع ذلك، وعسى أن يكون المران قد علمه أن ~~يكون يقظا لأمثال هذه المحاورات، ms044 فردني بقوة ساعده. فتشهدت وتذكرت قول المتنبي: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تموت جبانا # كلا سأسدل الستار على هذا المنظر الذي يقشعر منه جلدي على الرغم من كر السنين الطويلة. ~~ثم جاء هذا السفاح بطشت يغرق فيه كبش، ووضعه تحت ذقني وصب ماءه على وجهي وفي صدري وعلى ~~ظهري، ليغسل الدم الزكي الذي أراقه، وأخرج من مخلاته «منشفة» هي بممسحة الأرض أشبه، فاعتذرت ~~وأخرجت منديلي وسبقته به إلى وجهي. فهي معركة لا تزال بجلدي منها ندوب وآثار. # | سحر مجرب # لا أدري كيف أسوق للقارئ حكاية هذه التجربة بحيث لا يتوهم أني أهزل، ولكن الذي أدريه أنه ~~قل بين الصبيان من اتفق له ما اتفق لي من التجارب، ولو أنه قدر لي أن أكتب تاريخ ~~حداثتي ... ولكني هزيل الصبر، ولعل مما هو حقيق أن يعين القارئ على فهم البواعث التي تغري ~~حدثا في مثل سني يومئذ بما فعلت، أن أقول له: إني نشأت نشأة دينية، وأعني بذلك أن أهلي من ~~أهل الورع والتقوى والصلاح، وأن بيتنا كان في فنائه مصلى أو مسجد صغير عامر أبدا بالمصلين ~~ليلا ونهارا. والآن إلى القصة بعد هذا التمهيد الوجيز الذي لم أر منه بدا اتقاء لسوء ~~التأويل ونفيا لمظنة المغالاة. # عثرت في باكورة حياتي على أوراق مخطوطة استولت على هواي واستبدت بخاطري، وقد اعتقدت ~~يومئذ أنها بخط جدي لأبي وإن كنت لا أذكره إلا كالحلم، فقد مات في طفولتي ولحق به أبي، ~~ولم أره قط يكتب ولا ثبت عندي أن هذا خطه، وكنت أكبر جدي وأجل ذكراه لغير سبب سوى ما ~~كان تلاميذه يحدثونني به عن علمه وتبحره وتقواه، فقوى اعتقادي هذا ثقتي بما في الأوراق وثبت ~~يقيني فيها، وكان من عادتي أن أقضي الصيف في الإمام حيث تقيم طائفة كبيرة من أهلي، وكان ~~لأحدهم حمار مليح القسمات لين الخطوات، فكنت أركبه حين أشاء إلى حيث أشاء، وأبى الحظ إلا أن ~~أعشق، وما أكثر من عشقت في تلك السنوات الأولى من ms045 شبابي . ولقد صدق أخي «العقاد» حين قال ~~يصفني بعد ذلك بأعوام عدة: # أنت في مصر دائم التمهيد # بين حب عفا وحب جديد # بين ماض لم يذبل الحسن منه # وطريق كاليانع الأملود # أنت كالطير ربما شالت الطي # ر عن الأيك وهو جم الورود # ولم يكن الحظ يلقيني إلا على كل فتاة «عسيرة البذل» كما يقول الشاعر - ولا أذكر من هو - ~~فحرت ماذا أصنع، ولم أر أن أستشير أحدا من الصبيان الذين كنت أختلط بهم؛ لأني كنت أراهم ~~دوني معرفة، ثم تذكرت الورقات التي كنت أعتقد أنها مما خلف جدي، فوجدت فيها «فائدتين» ~~طرت بهما فرحا، فأما الأولى فتقول: «من أراد الارتقاء إلى الدرجات العلا فليتطهر ظاهرا ~~وباطنا، وليصم سبعة أيام وليواظب دبر كل صلاة على هذه الأسماء - يا هادي يا خبير يا متين ~~يا علام الغيوب - ألف مرة، فإنه يكشف له عن كنز الأرض وينادى به في ضمائر الناس، وإن ~~أكمل ثلاثة أسابيع في الرياضة كشف له عن ملكوت السموات والأرض بإذن الله تعالى، وأما صفتها ~~للإخفاء فهي أن تقرأ الآية الشريفة سبعمائة وخمسين مرة، ثم تقول بسم الله الرحمن الرحيم # يس * والقرآن الحكيم ~~- إلى قوله ~~تعالى: # فهم لا يبصرون ~~- ثلاثمائة وثلاث عشرة مرة، فلو ~~اجتمع أهل السموات والأرض على أن يبصروك لم يقدروا ويعمي الله أبصارهم عنك فلا يرونك، ~~وأكثر من ذلك أن يحول الله قلوبهم إليك بالرأفة والمجد والعطف.» # وكان هذا كل ما في الورقة، فأما كنوز الأرض فلم يكن يعنيني منها يومذاك شيء، فما كان لي ~~هوى إلا مع تلك الفتاة، أو رغبة إلا في إلانة قلبها. وأما الكشف عن ملكوت السموات والأرض ~~فشيء مرعب خفت أن أعالجه فأصعق. وأما الاختفاء عن الأبصار فهذا ما سحرني واستولى على لبي، ~~وتشبث به خيالي. ألست أستطيع إذا فزت بذلك ووفقت إليه ببركة هذه الفائدة، أن أكون أدنى شيء ~~إلى الفتاة وأن أراها ولا تراني وأتملى بحسنها وقربها وهي ذاهلة عني لا تحسني؟ # ألست أستطيع بفضل هذا السر الجليل أن أكون ms046 حيث أشاء، وأن أفعل ما بدا لي بلا تثريب، لا ~~تراني الأبصار؟ وا فرحتاه! أي شيء أتقي بعد ذلك؟ أي شيء يصعب علي؟ تالله ما أولاني بحمد ~~الله على أن كان لي مثل هذا الجد الصالح؟ # ولكن الورقة لم تذكر الآية التي لا بد من تلاوتها سبعمائة وخمسين مرة، فماذا أصنع؟ حرت ~~قليلا ولكني كنت فتى عمليا، فتناولت المصحف الشريف وقلبته حتى وقعت عيني على قوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # وأقنعت نفسي بأن كلام الله كله في منزلة واحدة من ~~الجلال، وأن كل آية ككل آية، وليست كلمة منه بأفضل من أخرى غيرها. وما أرى حتى الآن إلا أن ~~منطقي كان مستقيما وتفكيري كان سليما سديدا. # وأما «الفائدة» الثانية فتقول ما يأتي: «ومن أراد إقبال الناس عليه بالمحبة والهيبة ~~والتعظيم له في قلوبهم فعليه بقراءة هذه الآية الشريفة عقب الصلاة أربعمائة وخمسين مرة، ثم ~~يتلو بعدها هذا الدعاء الجليل سبعة آلاف مرة، فإنه يحصل له من الخير ما لا تدركه الأفهام ~~وهي هذه: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، يا ~~ألله (ثلاثا)، يا رحمن (ثلاثا)، يا رحيم (ثلاثا)، لا تكلني إلى نفسي في حفظ ما ملكتني مما ~~أنت أعلم به مني، وامددني برقيقة من رقائق اسمك الحفيظ الذي حفظت به نظام الموجودات واكسني ~~بدرع من كفايتك، وقلدني سيفا من نصرك وحمايتك، وتوجني بتاج عزك ومهابتك وكرمك وركبني ~~مركب النجاة في المحيا وبعد الممات بحق خجش ثطخذ، وامددني برقيقة من رقائق اسمك القهار تدفع ~~عني بها من أرادني بسوء من جميع المؤذيات، وتولني بولاية العز يخضع لي بها كل جبار عنيد ~~وشيطان مريد يا الله يا عزيز يا جبار (ثلاثا)، ألق علي من زينتك ومن محبتك وكرامتك ومن ~~حضرة ربوبيتك ما تبهر به العقول وتذل به النفوس وتخضع له الرقاب وترق له الأبصار وتبدد ~~دونه الأفكار ويصغر له كل متكبر جبار، وتسخر له كل ملك قهار يا ms047 ألله يا ملك يا عزيز يا جبار ~~(ثلاثا)، يا الله يا واحد يا أحد يا قهار (ثلاثا)، اللهم سخر لي جميع خلقك كما سخرت ~~البحر لسيدنا موسى عليه السلام ولين لي قلوبهم كما لينت الحديد لداود عليه السلام ~~فإنهم لا ينطقون إلا بإذنك، نواصيهم في قبضتك وقلوبهم في يدك تصرفها كيف شئت يا مقلب القلوب ~~(ثلاثا) يا علام الغيوب (ثلاثا)، أطفأت غضبهم بلا إله إلا الله، استجلبت محبتهم بسيدنا ~~ومولانا محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلما رأينه أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ~~ملك كريم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.» ويكون ذلك في ~~جوف الليل، ثم تصلي ست ركعات فإذا سلمت تقرأ الدعاء تسعمائة وخمسين مرة، وفي حال قراءتك ~~للدعاء تصور المطلوب بين عينيك كأنك تجذبه إليك، فإذا وفيت العدد المطلوب تقرأ هذه الآيات ~~سبعا وهي # يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ~~، # لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ~~، # وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني # تقرأ هذه الآيات سبعا وأنت في كل ذلك تبخر بالجاوي واللبان ~~الذكر. # ثم طويت الورق ووضعته في جيبي وخرجت إلى السوق، وقد بدأت أشعر كأني فوق الناس، أو كأني ~~أمشي في السحاب، واشتريت قليلا من الجاوي واللبان والفحم، وخرجت على الفتاة وأنا عائد إلى ~~البيت، فلما رأتني أحمل هذه الأشياء ضحكت وقالت «أتراك صرت خادما؟ مبروك إن شاء الله»، ~~فألقيت إليها نظرة عطف مشوبة بالكبر، وقلت ملغزا ويدي على جيبي «أترين هذا الجبل؟ - ~~وأشرت إليه - سيحمل الليل إليك صوتا منه» ومضيت غير عابئ بضحكها وسخرها. # ولا أطيل، خلوت بقية النهار إلى نفسي حتى فرغت مما فرضت «الفائدة الأولى»، ثم قمت بعد ~~العصر بقليل وفي اعتقادي أني قد اختفيت عن أعين الناس، وقصدت إلى حيث الحمار مقيد ففككت ~~القيد وأسرجته وألجمته ووضعت عليه «خرجا» فيه ما يلزمني من مواد البخور وأعواد ms048 الثقاب ~~والفحم وسبحة وموقد صغير وإبريق فيه ماء، ووضعت فوق «الخرج» فروة صغيرة لجلوسي، ثم ركبت ~~الحمار بعد أن صار أعلى من البغل وسرت به بين المساكن إلى الجبل، وكان الناس قد ألفوا مني ~~هذا الخروج، فلم يلتفت إلي أحد، ولكني كنت أعجب لهم في ذلك اليوم كيف لا يدهشهم أن يروا ~~الحمار سائرا وحده وليس عليه راكب؟ وعللت ذلك بأن السر الذي أخفاني عن أبصارهم لا بد أن ~~يكون قد امتد إلى الحمار أيضا فتوارى مثلي عن العيون، فجعلت أتلفت يمينا وشمالا ~~وأضحك، واتفق أني مررت بشيخ كليل البصر وإن كان فيما ترى العين سليم النظر، ولكني لم أكن ~~أعرف ذلك - فحككت له أنفي بسبابتي ورحت أخرج له لساني وأمط شفتي تحت أنفي، فلما لم ~~أجده التفت إلي صفقت من فرط الجذل، ففزع الرجل قليلا، فقلت لنفسي سمع الصوت، ولم ير ~~الشخص فحق له أن يفزع، فطغى بي الطرب ولم أعد أطيق هذه المشية الهينة، فضربت الحمار فمضى ~~يعدو بي إلى الجبل. وهناك في سفحه ترجلت وربطته إلى حجر على باب كهف صغير كنا - وأعني ~~غلمان الحي - نقيل فيه إذا حميت الشمس، وفرشت الفروة في جوف الغار ووضعت الفحم في ~~الموقد، وأشعلت فيه النار وتركته للريح قليلا لتضرمه، واستلقيت أنا على الأرض، ~~وانطلقت أفكر فيما سيكون من أمر الفتاة معي بعد أن أفرغ من العمل، وجمح بي الخيال فبدا ~~لي كأني في التهليل والتسبيح والدعاء فجاءني رجل وجلس عن يميني لم أر في زماني أحسن منه ~~ولا أطيب ريحا، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الخضر جئتك حبا في الله عز وجل، وعندي هدية ~~أريد أن أهديها إليك فقلت: وما هي؟ قال: هي أن تقرأ. فقاطعته وقلت: كفى. كفى. لقد بح صوتي ~~من القراءة فدع هذا وهات لي ... # ولم يعجبني هذا، فاختصرت الحكاية وجعلت الخضر يقوم مغضبا وأنا لا أعبأ شيئا، وعدلت ~~بالخيال إلى سواه فتصورت الفتاة تهب من النوم مذعورة تلهج باسمي ويهتف بها هاتف أن ~~اخرجي إلى مكان ms049 كذا في سفح الجبل، فتخرج في ظلام الليل حافية عارية الرأس في ثياب النوم ~~ولا تزال تجري حتى تبلغ الكهف دامية القدمين من وخز الحصى والرمال، فتقف بالباب وتناديني فأدع ~~القراءة وأصيح: من؟ # فتقول: فلانة (أو لعل الأحسن أن تقول حبيبتك فلانة). # فأقول: «ماذا يجيء بك إلى هنا؟» # فتقول: «لم أطق صبرا.» # بل أجعلها تقول: «رأيتك في نومي ناظرا إلي محدقا في فجذبتني عيناك ولم أزل أسير على ~~ضوئهما حتى جئت إليك.» # فأقسو عليها وأنتصف لنفسي منها وأؤدبها غير أدب الصباح حين تهكمت علي وهنأتني بأن ~~صرت خادما أقول لها: «ارجعي من حيث جئت فما بي حاجة إليك.» # فتجثو على ركبتيها وتتوسل إلي أن أدعها ولو عند قدمي ... # ولم يعجبني أن أتصورها تجثو عند قدمي، فقد كنت رقيق القلب مهذب النفس فغيرت الموقف ~~واعتضت منه آخر، فشرعت أغازلها تلميحا لا تصريحا، وأصف لها جارة دميمة الساقين ضخمة ~~القدمين فتسألني: ماذا تعني؟ # فأقول: أعني أن للساق الجميلة سحرها. # فتقول: «ولكن ماذا يعنيك من ساقي هذه الفتاة؟» # فأقول: «إنها تفسد علي اليوم كله حين أراهما، وأخشى جدا أن تفسد لي صحتي.» # فتقول: «إنك مضحك ولست أفهمك.» # فأقول: «تصوري هذه الفتاة التي سلبتها الطبيعة كل مفاتن المرأة كيف يكون ألمها لو أن ~~الشهرة (المودة) كانت تقضي بأن تكون ثياب النساء قصيرة؟ كيف تجرؤ أن تبدي ساقيها لعيون ~~الناس؟!» # ثم أطرق برهة فتردني إليها بسؤالها عني: ماذا بي؟ # فأقول: «بي هذه الطبيعة التي تأبى إلا أن تخرج إلى الدنيا مثل هذا التشويه.» # فتقول: «لعل الفتاة سعيدة لا تفطن إلى عيبها.» # فأقول: «سعيدة؟ أتكونين أنت سعيدة لو كنت مثلها؟» # فتسري في بدنها رعدة خفيفة فأكر عليها بقولي: «بأي حق تمنحك الطبيعة كل ما حبتك من ~~المفاتن وتسلب تلك المسكينة كل هذا الذي ضنت به عليها؟» # فتتهلل أسارير وجهها وتقول: «ولكن لعلها لا تكترث لذلك.» # فأقول جادا: «أين الفتاة التي لا تحفل أن تكون دميمة؟ تصوري ما لا بد أن يصيبها من ~~الألم حين تراك؟» # فترفع ms050 عينها إلي وتحدق في وجهي لتقرأ فيه المعنى الذي أرمي إليه والذي يغالطها صوتي ~~في حقيقته وأمضي أنا في حديثي فأقول: «إن كل ما جادت به الطبيعة عليك ينقصها ...» فتقاطعني ~~وتقول: «ولكن ما ذنبي أنا حتى تحطم لي رأسي بها؟» # فأقول معتذرا: «هل ضايقتك بحديثها؟ إني آسف. ولكن هذه المناظر تستفز نفسي وتثير سخطي ~~كأني وحش.» # فتقول: «ألا تظن أنك قد تفيء إلى السكينة والهدوء إذا تركتك وحدك؟» # فأنهض وأقول: «لا لا لا! يا لها من فكرة شنيعة!» # فتقول: «إنك على ما يظهر ...» # فأقاطعها وأقول: «سأنسى ساقيها ولا أفكر إلا ...» # ولكني لم أشأ أن أعترف لها حتى في الخيال ولم يرقني هذا الحوار وما فيه من اللف ~~والدوران، فغيرت المنظر وحولت الصحراء المحيطة بي جنة فيحاء حافلة بالشجر حالية بالزهر، ~~وتصورت نفسي أطوف فيها باحثا عن فتاتي، ثم إذا بي أرى ثوبها فأمضي إليها على أطراف ~~أصابعي، فيعترضني حاجز من النبات الكثيف الشائك فيخطر لي أن أتسلل إليها حتى أصير إلى ~~جانبها قبل أن تشعر بي، ولكن النبات المتشابك تحيط بي أشواكه وأنا أعالج اختراقها، وتسمعني ~~هي فتدير وجهها إلى ناحيتي فتراني، فتصبغ الحمرة وجهها - ومن عنقها إلى جبينها - ويعبث ~~النسيم بشعرها ويطير على وجهها وكتفيها فتمسحه بكفها وترده عن جبينها، ثم تقف ويداها في ~~جانبي خصرها، وشفتاها مفترقتان من المفاجأة، وكأنها تحاول أن تعلق أنفاسها مخافة أن تذهب ~~زفرة بالسرور المباغت الذي شاع في كيانها حين رأتني. # ثم تهمس «إبر ... اهيم.» # فأصيح وأنا أعالج من أسر الأشواك: «لقد سجنت هنا.» # فتقول: «لقد قلت لي: إنك لن تأتي قبل أسبوعين ثم هذا أنت.» # فأقول «إذا لم تأتي إلى نجدتي فلن أجيء إليك قبل عام.» # فتضحك ويسرها ما أنا فيه فأصيح بها: «مهلا ريثما أتخلص.» # وأحاول الخلاص فأزيد تورطا، فتصفق وقد أمتعها منظر اعتقالي وتقول: «لن تنفذ أبدا من ~~هنا. فارجع. ذلك خير وأسرع.» # وتخزني شوكة فأهيب بها أن تنجدني فتضحك وتقول: «إن منظرك ظريف. ليت هناك مرآة فترى نفسك ~~فيها.» ms051 # فأضحك من نفسي وأقول لها: «إني لم أمش كل هذه المسافة ليكون منظري مضحكا. وما أراني ~~أستطيع الآن أن أحرك إصبعا فإن الشوك يتلقاني من كل ناحية. بالله نحي هذه الشوكة عن ذقني ~~فإنها تكاد تقتلني.» # وترى الدم سائلا من ذقني فيدركها العطف علي، فتنحي الشوك بيديها عن وجهي وتضغطه ~~بكفيها فيدنو وجهها مني، وتصبح عيناي في عينيها، وأنفي قبالة أنفها، وفمها أمام فمي، ويقرأ ~~كل منا في عيني صاحبه من آيات الحب ما لا سبيل إلى العبارة عنه، ثم يدور رأسها، وتهيم ~~نظرتها وتهوي على فمي بفمها، ويحط في هذه الساعة عصيفير على غصن وينطلق يغرد. # ولما بلغت إلى هنا فيما تخيلت وبينما أنا أتذوق القبلة التي تصورتها مطبوعة على فمي، ~~نهق الحمار! فانتبهت مذعورا من حلمي اللذيذ! ومحيت الصور الفاتنة وانتسخت الخيالات ~~الأنيقة المعجبة وردني الصوت المنكر إلى ما جئت من أجله، فقمت متثاقلا وفرشت الفروة ~~في أرض الكهف وأطلقت البخور في الموقد، وقمت إلى الصلاة، ثم شرعت في التلاوة على نحو ما ~~حتمت الورقة. ~~••• # ولا أدري ماذا أصابني، ولكن الذي أدريه أني ظللت أقرأ وأقرأ في جوف الليل وأطلق بخور ~~الجاوي واللبان، ثم لم أعد أعي شيئا. ولما قمت في الصباح كان ضوء الشمس قد غمر السهل ~~والجبل، فخرجت من الغار وأنا لا أفهم، وأدرت عيني في كسل وفتور ثم تذكرت الحمار، فجمد دمي ~~في عروقي، وأحسست العرق البارد يتصبب. أين ذهب؟ وكيف يفك القيد عن أرجله ويحل اللجام عن ~~الصخرة؟ # ولا خير في الإطالة فقد سرقه اللصوص وأنا ملقى كالجثة في جوف الغار، بارك الله في جدي ~~وفوائده ...! # | الفروسية # دعينا مرة - أنا وطائفة من الإخوان - إلى قضاء يومين في ضيعة أحدهم، وكانت قريبة من إحدى ~~الضواحي فركبنا القطار إلى ... وهناك وجدنا طائفة شتى من الخيل والبغال والحمير، فتوهمت في ~~أول الأمر أن هناك سوقا للدواب أو معرضا لها. ثم علمت أنها لركوبنا. فاخترت من بينها ~~حمارا صغيرا وهممت بامتطائه، ولكن صاحب الضيعة وداعينا عز عليه أن ms052 يركب «المازني» ~~حمارا، وجاءني بجواد أصيل وأقسم علي لأركبنه. فاستحييت أن أقول له إني أخاف ركوبه، ~~وإنه لا عهد لي بالخيل، ودنوت من بعض الخدم وهمست في أذنه هذا السؤال: «قل لي: كيف تركب هذا ~~الحصان؟» # فتأملني مليا ثم قال وعلى فمه طيف ابتسامة: «على ذيله!» # قلت: «على ماذا؟» # وأشاح عني بوجهه. فذهبت إلى الجواد وأدرت عيني في ذيله ثم هززت رأسي وعدت إلى الخادم ~~أسأله: «ألا تظن يا صاحبي أن الأحزم أن أمتطيه قريبا من العنق لأستطيع عند الحاجة أن أطوقه ~~بذراعي؟» # فلم يزد الرجل على أن قال: «ربما» وانصرف عني إلى سواي، وكنا جميعا في هرج ومرج نصيح ~~ونضحك، وكان لا بد أن أفعل شيئا فناديت مضيفنا وقلت له: «أريد سلما.» # قال في دهشة: «سلما؟ ما حاجتك إليه؟» # قلت: «حاجتي إليه أني أريد أن أصعد إلى ظهر هذا المجلي يا صاحبي.» # فضحك وقال: «أنا أساعدك» ودفعني على ظهر الجواد دفعة خيل إلي أنها ستلقيني على الأرض ~~من الناحية الأخرى. # وسرنا مسافة على مهل ثم وخز أحدنا دابته فمضت تعدو واستحث آخر مطيته، وانطلق بها ~~وراءه، واقترب مني ثالث وأهوى على جوادي بعصا معه، فوثب الجواد وراح يسابق الريح - أو هكذا ~~خيل إلي - وأنا أعلو وأهبط فوقه، حتى أحسست أن أمعائي ستتقطع، وأتلمس بيدي شيئا أمسكه ~~وأتعلق به فيفلت من قبضتي كل ما تصل إليه، فارتميت على عنقه وطوقتها، وجعلت أنادي من ~~حولي وأناشدهم الذمة والضمير والمروءة أن يوقفوا هذا الشيطان. وأدرك أحد إخواني العطف ~~علي، فصاح بي «ولكن كيف نوقفه ونحن راكبون؟» # فغاظني منه هذا البله ولم يفتني ما في الموقف من فكاهة على الرغم من الألم الذي أعانيه ~~وما أتوقعه إذا ظل الجواد يركض بي، فقلت له: «يا أبله انزل واقبض على ذيل حصاني ~~وشده.» # وكان أحد الخدم قد أدركني وأمسك باللجام ورد الجواد، فما أسرع ما انحدرت عنه، وكأنما ~~أعجبتني جلستي على الأرض، فأخرجت سيجارة وأشعلتها وذهبت أدخن، وجاءني مضيفنا على أتانه ~~فسألني: «أتنوي أن تقعد ms053 هنا إلى الأبد؟» # فأغضيت عن سؤاله وقلت: «إن بي حاجة إلى الشعور بثبات الأرض بعد كل هذا التقلقل وتلك ~~الزعزعة.» # قال: «ولكنك لا تستطيع أن تظل جالسا هكذا. إن أمامنا سير ساعة.» # قلت: «سألحق بكم إذن، أو أرجع إذا كان لا بد من ركوب هذا الزلزال.» # قال: «ولكن لا يليق أن تركب حمارا.» # قلت، وقد صار في وسعي أن أضحك: «في وسعك أن تعلق ورقة تكتب فيها أنه جواد ~~مطهم.» # قال: «لا تمزح، قم اركب حماري هذا.» # قلت: «إذا كان الحمار عاليا فما الفرق بينه وبين الجواد؟» # قال بلهجة اليائس أو المنتقم: «إذن خذ هذا.» # وأشار إلى جحش قميء مهين يركبه خادم، لا سرج عليه ولا لجام له، فقمت إليه وامتطيته بوثبة ~~واحدة وبلا معين. # واعترضتنا قناة عريضة عليها ألواح مثبتة تقوم مقام الجسر، وبين الألواح والماء تحتها متر ~~على الأقل، فلما توسطها الجحش بدا له أن يقف، وراقه منظر الماء، فأجال فيه عينيه برهة ثم ~~خطا إلى حافة الجسر - ولم يكن له حاجز - ومد عنقه إلى الماء، فظننت أنه قصير النظر وأنه ~~يفعل ذلك ليكون أقدر على رؤية خياله في الماء واجتلاء طلعته البهية في صقاله، ولكنهم قالوا ~~لي: إنه كان يريد أن يشرب. فنزلت عنه وقلت له: «يا عزيزي إن من دواعي أسفي أني مضطر أن ~~أتركك إلى الماء وحدك. فإن ثيابي يفسدها الماء وهي غالية إذا كانت حياتي رخيصة.» # ولكنه بعد أن فكر قليلا غير رأيه، إما لأن الصورة التي طالعته في صفحة الماء كانت ~~مضطربة مشوهة وعجز الماء عن أداء ما فيها من جمال وروعة، أو لاعتبارات حمارية أخرى لم ~~يكاشفني بها. فأدار وجهه ومضى غير ملتفت إلي، غير أني لحقت به بعد أن اجتاز الجسر، وقلت ~~له: «تعال لا تهرب مني يا صاحبي» وكنت على ظهره قبل أن يتمكن من الاعتراض أو الاحتجاج أو ~~الإفلات. # ويطول بنا الكلام إذا أردت أن أصف كل ما أمتعني به من الفكاهات العملية، فقد كان فيه عناد ~~وصلف، وكان ms054 يأبى أن يتوسط الطريق ولا يرضيه إلا أن يحك جنبه في كل ما يلقاه من شجر أو عربة ~~أو حائط، وكان ربما وقف وغرس رجليه في الأرض. ونام. وتعودت منه ذلك وفطنت إلى أنه ذو مزاج ~~مستقل، فكنت أتركه واقفا حتى ينتبه من هذه الإغفاءات، أو يعود إلي من سبحات عقله ~~السقراطية، فنستأنف المسير وحسبي وحسب القراء أن أقول لهم: إني أسفت على فراقه لما انتهت ~~الرحلة، وتمنيت لو أن صحبتنا كانت أطول. # | الطفولة الغريرة # أظنني كنت في الرابعة أو الخامسة، فما أذكر على التحقيق كم كانت سني، والطفل عندنا - أعني ~~في بلادنا - لا يفكر، أو على الأصح لا يسمح له أن يفكر في مثل هذه السن، ويخيل إلي الآن ~~وأنا أدير عيني في تلك الأيام كأن وظيفة الآباء والأمهات كانت صرف الأبناء عن النظر ~~والتفكير، وإلزامهم الجمود ونهيهم عن كل حركة جسمية أو عقلية. والطفل - كما تعلم الآن - ~~أكثر ما تكون حيويته في أعضائه، فرغبته في الجري والوثب وما إلى ذلك طبيعية، وهو أشد من ~~الكبار صبرا على ذلك ولجاجة فيه لقلة ما يشغله غيره، وهو جديد في هذه الدنيا، فشوقه إلى ~~معرفتها معقول، ومن هنا مد يده إلى كل ما تقع عليه عينه وتناوله وتقليبه وتحطيمه أو ~~إفساده، وليس التحطيم أو الإفساد غايته، ولكنها المعرفة، والآباء يشفقون على أشيائهم من ~~مغبة هذا التناول، فيمنعون التجربة ويأخذون على المعرفة طريقها. # ولست أذكر أني هممت مرة باللعب إلا زجرني عنه واحد من الكبار، أو مددت يدي إلى شيء إلا ~~نهيت عن لمسه، وما كان أصعب السكون المقضى علي به، بل ما أقل ما كان الجمود يرضيهم! ~~فأنا إذا لعبت «شقي»، وإذا سكنت فلا شك أني مريض! وكان ملجئي الوحيد أبي، هو وحده الذي كان ~~يبدو لي أنه يفهم. وقلما كنت أجالسه لأنه رجل، والرجل في ذلك العصر، مكانه بين الرجال لا ~~بين الأطفال والنساء، حتى الأكل كان يتناوله وحده، أو مع ضيوفه في «منظرة» الرجال. حتى ~~القهوة تصنع وترسل إليه. ms055 فهو في منزله وحده، وكل من في البيت يخدمه حتى أمي. بل حتى أمه ~~هو. يستيقظ أهل البيت ويكون هو لا يزال نائما. فالكلام همس، والسير على أطراف الأصابع، ~~والأطفال يحملون إلى مكان قصي من تلك الدور القديمة الواسعة لئلا توقظه ضوضاؤهم. ثم يفتح ~~عينيه ويتثاءب فينقلب السكون جلبة، هذه تجيء بالطشت والإبريق للوضوء، وهذه تعد الشاي، ~~وتلك تهيئ الطعام، وكأنما يتعمد كل إنسان أن يسمعه صوته ويثبت له أنه يتحرك في خدمته، ~~فالأصوات عالية، والنداءات متتابعة، «والقباقيب» ملبوسة والأرجل تدب، ويكون الشيء المطلوب ~~تحت أنف الطالب فيقطع المكان ذاهبا وآيبا عشر مرات قبل أن يمد يده إليه، ويصيح وينادي ~~ويسأل عنه كل مخلوق قبل أن يتفضل ويراه، ويحاسب كل من في البيت على اختفائه ويتوعد ~~وينذر، حتى إذا ظهر - وهو أدنى شيء منهم جميعا - انطلق طالبه المتعامي عنه يصف الإهمال ~~والعمى بما يفتح الله به عليه. ثم تقص هذه الحكاية بتفصيل واف شاف لأبي وهو يفطر أو يشرب ~~القهوة على سبيل الاعتذار من الإبطاء، عليه والشكوى من الخدم وسائر أهل البيت، والتذمر من ~~الدنيا وسوء الحظ فيها، والتبرم بهذه المتعبات التي تحفل بها ساعات الليل والنهار. # ولا أزال أذكر «علقة» من أجل هذا، وكانت أمي تطلب الطشت من الحمام والإبريق على بابه، ~~فاحتملت الخادمة الطشت وذهبت به ولم تر الإبريق، فذهبت تسأل عنه خادمة أخرى أصغر منها ~~وتصيح بها: «أين وضعت الإبريق يا ملعونة؟» # فقالت الصغرى في ذلة وخوف: «لم أره والله!» # فصرخت الكبرى: «كيف لم تريه؟ لقد وضعته بيدي في الحمام فهل أخذه العفاريت؟!» # الصغرى ~~: # والله العظيم والله العظيم ... وحياة النبي ... # الكبرى ~~: # لا تحلفي يا ملعونة. سيصيبك العمى يوما من الأيام من كثرة الحلف ~~كذبا. أقول لك هاتي الإبريق وإلا صار يومك أسود! # أمي ~~(بصوت عال جدا) ~~: ~~«أجننتما؟ ما هذه الضجة؟ ألا تستحيان أن تتصايحا هكذا وسيدكما في البيت؟» # الكبرى ~~: # يا سيدتي لقد أضاعت هذه البنت الإبريق. وانظري كيف تحلف أنها لم ~~تره. # أمي ~~: # أين يا بنت الإبريق؟ ms056 # الصغرى ~~: # والله العظيم والله العظيم ... والله ... و... # أمي ~~: # ألم أقل لك كفي عن الحلف. # ودفعتها بيدها وأطلقتها لتبحث عن الإبريق فدخلت المسكينة ووقفت بباب الحمام وأسندت كتفيها ~~إلى الحائط ولكنها لم تبحث عن الإبريق، وكان بجانبها على مسافة شبرين منها، بل وقفت تبكي لا ~~كما يبكي الناس، بل بحنجرتها دون عينيها. أعني أنها كانت تخرج مثل صوت الباكي المعول ولكن ~~عينيها جامدتان. # ودخلت في أثرها الخادمة الأخرى وأمي وراءها. وعلا الضجيج وكثر الكلام، وكنت أنا أشاهد هذا ~~كله وأرى الإبريق، ولكني كنت مفتونا بهذا الحوار الذي يدور على لا شيء، فلم أدلهم على ~~مكانه، ولو أني تكلمت لضاع صوتي الصغير ولغرق في طوفان هذه الضوضاء، على أني لم ألبث أن ~~شعرت كأن رأسي سيتهشم وعجزت عن احتمال هذه الحال، وبدا لي - لسوء الحظ - أني حقيق بأن يكون ~~لي من احترام النساء للرجال حظ ولو قليلا قياسا على ما أراه من إجلالهن لأبي، فصحت بهن، ~~وأمي في جملتهن. ~~«يا للعمى! ألا ترين الإبريق وهو تحت أنوفكن؟ ما هذه الضجة الفارغة؟ لقد أوجعتن ~~رأسي!» # فكان جزائي - كما أسلفت - علقة. ~~••• # نعم، كان المنزل جحيم الطفل. فهو مطالب بأن يكون له عقل الكبار واتزانهم وفهمهم، ولكنه ~~محروم من مزاياهم ولا يعامل معاملتهم. وكل شيء يصدر عنه معيب وخطأ. فاللعب عيب، والصمت ~~عيب، والتهويم في المجلس عيب، والأرق عيب، والاستفهام عيب، ولا شيء فيما يرى الطفل محمود ~~مشكور. ماتت بنت خادمتنا - وكانت في مثل سني - ولم أعلم أنها ماتت؛ لأنهم أجلوني عن البيت ~~وأرسلوني إلى عمتي، فلما عدت ولم أجدها سألت عنها لأني افتقدتها، فكان كل من أستفسر منه ~~عن اختفائها يتجهم لي وينهرني عن السؤال لأنه عيب. فذهبت إلى أبي، وكان حليما صبورا رضي ~~الخلق، فسألته عنها فأخبرني أنها ماتت. فعجبت ولم أفهم كيف تجرؤ أن تموت. فسألني أبي بدوره ~~عن سر عجبي. فقلت له: «لأنها صغيرة.» # قال: «ولكن الموت ينزك بالكبار والصغار على السواء.» # فألححت وقلت: «ولكن يا أبي إنها لا تزال صغيرة ms057 فكيف يجوز أن تموت؟» # قال: «يا بني لا اعتراض على قضاء الله.» # قلت مصرا: «ولكنها صغيرة وهذا عيب.» # فضحك ومسح رأسي بكفه فلم أزد إلا لجاجة وقلت: «يا أبي. هل تسمح لي أن أفهمها أن هذا عيب ~~وأنها لا يصح أن تموت؟» # قال وقد ضجر على ما يظهر، وإن ظل يبتسم: «يا بني كيف يكون الموت عيبا؟» # قلت مستغربا: «أليس الموت عيبا؟» # قال: «كلا. إنها آجال.» # فأعجبني أن يكون الموت آجالا وطربت جدا. ودنوت منه ووضعت كفي على خديه وقلت وقد خيل ~~إلي أني ظفرت بملهاة جديدة: «إذن ليس من العيب أن أموت أنا أيضا.» # فصاح بي: «أعوذ بالله!» واكفهر وجهه لا أدري لماذا «إياك أن تقول كلاما كهذا مرة ~~أخرى.» # لا أدري لماذا! ... لقد فهمت ... ولكن بعد سنوات، ترى ألم يكن في الوسع اختصارها. # وصار لي أخ صغير. لم أره حين جاء لأني أجليت عن البيت، فلم أكن في استقباله. ولما عدت ~~وأخبروني وسألت عنه من أين جاءوا به، قالوا، أو فهمت أنا منهم: إنه من عند الله، وإن الله ~~هو الذي يرزق الآباء، فاقتنعت ورحت بعدها أتوقع أن أتلقى كل يوم من عند الله أخا جديدا ~~وساءني أن يرزقني الله أخا لا أختا. # فسألت أبي: لماذا لم يرسل الله لي أختا بدلا من هذا الأخ؟ # قال: هذه مشيئة الله ولا حيلة لنا فيها. # قلت: ولكني أريد أختا ... # فقال: ادع الله. # فلبثت بعدها أدعو الله ولاسيما قبيل النوم، وكنت أتوقع في كل مرة أن أصبح فأجد الأخت ~~المرجوة تحت السرير أو في الدولاب أو بجانبي، ولكن الله لم يستجب لي قط. ~~••• # وكان في البيت اثنان لا أراهما أبدا وإن كان ذكرهما على لساني أبي وأمي، وهما «الست» و ~~«الأفندي»، فأبي يقول للخادمة مثلا قولي كذا أو كذا «للست»، ويتحدث في أوقات شتى ولاسيما ~~حين يكون معه رجال من أقربائنا عن هذه «الست»، وأمي لا تفتأ تقول «الأفندي قال، أو الأفندي ~~أتى، أو الأفندي خرج» فأعجب أين هما؟ ولماذا لا ms058 أراهما ؟ وأصعد إلى السطح باحثا عنهما فلا ~~أجدهما، وأدخل كل غرفة فلا أهتدي إلى أثرهما، وأنزل إلى فناء الدار فلا ألتقي بهما. أين ~~ينامان يا ترى؟ ماذا يأكلان؟ ألا يظهران أبدا؟ وعلى كثرة ما فكرت في أمرهما وبحثت عنهما ~~لم يفتح الله علي بخير من أنهما لا محالة يلبسان «طاقية الإخفاء»، ولشد ما كان يلج بي ~~الشوق إلى رؤيتهما، يدركني العطف عليهما أيضا! وكثيرا ما كنت أقوم من النوم على صوت - ~~لعله موهوم - فأتخيل أنهما داخلان، وأرهف سمعي وأنشر أذني في الليل وأفتح عيني جدا ~~وأحدق في الظلام، وقد قمت على ذراع وربما تسللت إلى كل غرفة لعلي أبصرهما، ناسيا في ~~سبيلهما مخاوفي وما تثيره الظلمة، في نفوس الأطفال. # واتفق مرة أنا كنا جميعا جلوسا في غرفة أبي وكان مريضا - فدخلت الخادمة فأسرت ~~شيئا إلى أمي، فقالت لها هذه «أخبريه أن الأفندي مريض»، فصعدت روحي إلى حلقي وشعرت بالأسف ~~على «الأفندي» والألم له، والفرح أيضا؛ لأن مرضه قد يتيح لي أن أراه أخيرا ... # ودنوت من أبي - وكنت عليه أجرأ - فابتسم لي ومد يده فوضعها على كتفي فأطرقت برهة ثم رفعت ~~عيني إليه وقلت: «بابا.» # قال: «نعم» وجذبني إليه في رفق وعطف. # قلت: «كيف صحة الأفندي.» # فضحكوا جميعا، أبي وأمي وجدتي وعمتي و... لا أدري من أيضا. # وقبلني أبي، ولكنه لم يجبني لا هو ولا سواه. فلم أفهم هذا، وأحسست بالغيظ، ورحت أنظر في ~~وجوههم نظر المحنق. ثم تولني العناد، فعدت إلى أبي أسأله عن صحة «الأفندي»، فنظر أبي ~~إلى أمي فتناولت هذه يدي وقالت: «عيب، الأولى كانت عفوا. وقد فاتت ولكن لا يليق أن ~~تكررها.» # فكدت أجن. لماذا يخفون عني الأفندي والست، وهما يراهما كل إنسان سواي، ويحادثهما على ~~ما يظهر لي مما أسمع؟ لماذا أحرم وحدي أن أبصرهما وأكلمهما؟! # فقلت: «ولكني أريد أن أرى الأفندي.» # فقالت أمي: «عيب قلت لك عيب.» # وفي هذه اللحظة دخل جدي على مهل، ويظهر أنه سمع أمي تنهرني، وكان شديد الحنو علي ~~فسأل «ما ms059 له ؟» # فقصوا عليه الحكاية. فابتسم وأجلسني على ركبتيه ولم يزل بي حتى سرى عني، وجفت دموع ~~الغيظ التي كانت تترقرق في جفني فشرحت له المسألة وكشفت له عن جهودي التي بذلتها في ~~الاهتداء إلى «الست والأفندي»، ولم يبق في الغرفة أحد لم يضحك مني. ولكني كنت فرحا بإصغاء ~~جدي وتشجيعه لي، وما كان يبدو على وجهه من الاغتباط والجذل، فلم أعبأ بالضحك، ولما فرغت ~~سألته: «والآن هل ستخفيهما أنت أيضا عني؟» # قال: «لا. لقد أخطئوا معك يا بني. وكان حقهم أن يدلوك.» # واستغنيت بعد ذلك عن البحث والتنقيب، فقد عرفت «الست والأفندي» وضحكت أيضا لما ~~عرفتهما. # | مقتطفات من مذكرات حواء # تنبيه # هذه المذكرات موضوعة على نسق «مذكرات آدم» للكاتب الأمريكي مارك توين (سامويل كيمينز) ~~وهي تشبهها في الأسلوب الفكاهي، وقد جاريته في أشياء لم أدر كيف أخالفه فيها، مثل ~~إنكار آدم أن حواء مخلوقة من ضلع من جنبه، واستغرابه بكاءها - والبكاء أشبه بالأنوثة - ~~وعدم فهمه الأمومة إلخ. إلخ. # وقد أردت أن أمثل بهذه المذكرات لما يأتي: # أولا: أن الخلود يمتنع معه الإحساس الجنسي، وأن قضاء الموت هو الذي يثير هذا ~~الإحساس وينشئ غيره أيضا. # ثانيا: أن المرأة مخلوقة للنوع، فالغريزة الجنسية فيها أقوى منها في ~~الرجل. # ثالثا: أن المرأة أقدم معجم للغة، فهي التي وضعت الأسماء ونحتت واشتقت ~~وصقلت الألفاظ بكثرة الاستعمال. # رابعا: أن الخجل من مقتضيات المعرفة والإدراك. # خامسا: أن الأمومة أقوى وأبرز من الأبوة؛ لأن المرأة هي الأداة لحفظ ~~النوع. # وقد تناولت هذه المعاني من قبل في مقالات عدة، نشر بعضها في «حصاد الهشيم»، مثل: ~~«الجمال في نظر المرأة» و«مقتضيات الخلود»، وفي «قبض الريح» مثل: «المرأة واللغة أول معجم ~~وأقدم ديوان»، ومقالات أخرى نشرتها في «السياسة الأسبوعية» ولم تجمع بعد في كتاب. ~~(1) في الجنة # السبت، وجدت أن ما أغراني به آدم من كتابة المذكرات اليومية قد شغلني عنه، وأتاح له ~~أن يطوف في الجنة وحده، وهو لا يفتأ يصبحني بالسؤال عن مذكرات اليوم السابق هل ~~دونتها، وينصح لي ms060 بأن أكتبها قبل أن أنسى ما حدث، ولا أكاد أشرع في الكتابة حتى أراه ~~ينسل ويذهب لا أدري إلى أين، ومن أجل هذا عقدت النية على ألا أكتب إلا في الليل بعد أن ~~ينام. # الاثنين، آدم لغز لا أكاد أفهمه، لم يكن يعرف حتى أن اسمه آدم، ومن قوله أنه لا يشعر ~~بالحاجة إلى اسم ما، ولما قلت له يوما إن اسمي حواء قال: «ربما!» أليس هذا منه عجيبا؟ ~~وأعجب من ذلك أني قلت له إن عليه من الآن فصاعدا أن يدعوني باسمي، فإنه أعذب في أذني ~~من «هش هش» التي لا يزال يفتح فمه بها علي، فقال: إنه يقصد حين يصيح بي «هش هش»، أن ~~أذهب عنه لا أن آتي إليه، وأنه لا يحتاج أن يناديني أو يدعوني لأني لا أكاد أفارقه، فمن ~~العبث أن يكون لي اسم إذا كانت فرصة استعماله لا تعرض أبدا، فلما احتججت عليه بأن لكل ~~شيء في الجنة اسمه الذي يعرف به، زعم أني أنا التي اخترعت هذه الأسماء وأطلقتها على ~~مسمياتها، وأنه لا يدري لماذا أجشمه حفظ هذه الأسماء كلها وتصديع رأسه بها، وزاد على ~~ذلك أنه لا يرى هذه الأسماء منطبقة على الأشياء أو موافقة لها، ودليله على هذا أنه ما ~~من حيوان يجيبني حين أدعوه باسمه، ولكن هذا مع ذلك لا يعنيه، وإذا كان يروقني أن أكلف ~~نفسي مشقة التسمية فأنا وما اخترت لنفسي، غير أنه يرجو مني ألا أشركه في هذا ~~العبث. # وهذه أول مرة سمعت من آدم مثل هذه الكلم فحز في نفسي وآلمني فبكيت وتوجعت، ولشد ما ~~كانت دهشتي حين نهض آدم ودنا مني ورفع وجهي إليه وجعل يتأمل عيني! بل لقد هم بأن يضع ~~إصبعه في عيني، فنحيت يده عن وجهي وقلت له وقد غيض الغيظ والغضب عبراتي: «ألا ~~تكفيك قسوة لسانك حتى تريد أن تفقأ عيني؟» # فادعى أنه لا يفهم كلامي وزعم أنه إنما كان يبغي أن يرى من أين يجيء الماء الذي ~~يسيل من هذين ms061 الثقبين في وجهي. وقال: إنه لم ير حيوانا آخر غيري يفيض الماء من ~~ثقوب وجهه، فصدفت عنه وبي من الألم ما لا أحسن وصفه. فلم أر أنه عبئ بصدي عنه ~~شيئا، وطال انتظاري أن يعود إلي ليعتذر، فخرجت من الكوخ أطلبه فألفيته ممسكا هرة ~~يحاول أن يعصر لها عينيها وهي تجاهد تريد التخلص من قبضته القوية، فاختطفتها منه ~~وسألته: «ما هذا الذي تصنع؟» # فلم يجبني على سؤالي، ورفع إلي وجها قرأت في أساريره الدهشة والملل وقال: «ها ها! ~~أو جئت ورائي؟» # فأعدت عليه السؤال فكان جوابه أنه أراد أن يعرف من أين يجيء الماء إلى هذه الثقوب ~~التي أسميها العيون. فأيقنت أنه لم يكن يروم أن يفقأ عيني، وصفحت عنه وزدت تعلقا ~~به. # الثلاثاء، لا يزال آدم يضحك مني كلما خرجت إلى البركة لأنظر فيها إلى نفسي، ولاسيما ~~بعد أن وقعت فيها وأنا أتأمل خيالي في صقالها. ليته ينظر في مائها الصافي مرة. إذن ~~لكف عن هذه السخرية. وما أنسى يوم قمت فألفيتني راقدة في ظل وارفة الأظلال لفاء، ~~وكيف ذهبت أعجب لنفسي من عسى أن أكون؟ وأين أنا؟ وماذا جاء بي إلى هنا؟ وكيف كان ذلك؟ ~~وكان على مقربة مني كهف يتدفق منه الماء إلى بركة. فقصدت إليها وانطرحت على بساط ~~الروض، وجعلت أنظر في الماء وإذا تحت عيني - في جوف الماء - صورة تنحني وترمقني، ~~فتراجعت فارتدت مثلي، فعدت أنظر، فعادت تحدق في وجهي بعينين جميلتين يفيض منهما العطف ~~والحب، فلولا صوت رحيم هفا به النسيم إلي «إن ما ترين ليس إلا صورتك وخيالك»، لما ~~انصرفت عن الماء إلى هذه الساعة، وإن آدم لقوي وجميل، ولكن ذلك الخيال الذي يتراءى لي ~~في الماء ألين وأعذب. # الخميس، كل يوم يبدو لي من آدم خلق عجيب. كنت ألومه وأشكوه إلى نفسي وأؤنبه على ~~هروبه مني واختفائه بين الأشجار، وأقول له فيما أقول: «إني أنسى كل شيء حين أكون معك، ~~حتى الجنة لا أباليها ولا أحفل ما فيها، وإن نسيم الصبح حين ms062 يهب بأصوات العصافير ~~لذيذ، وإنه ليس أطيب من ريا الأرض بعد أن يجودها من السماء هاضب، ولا أرق من مقدم الليل ~~علينا بنجومه الزهر وقمره الساري، ولكن ما من شيء في الأرض ولا في السماء يروقني أو ~~يفتنني إذا لم تكن معي. فالعجب لك كيف تطاوعك نفسك على مجافاتي والفرار مني وأنا ~~بعضك؟» # ففتح عينيه جدا وقال: «بعضي، ماذا تعنين؟» # فقلت: «نعم بعضك! ألست قد خلقت من ضلع في جنبك الأيسر؟» فوثب إلى قدميه وقال: «من ~~ضلع في جنبي؟ من قال هذا؟» # قلت: «إنها الحقيقة.» # فرفع يده إلى صدره وجعل يمر بأصابعه على ضلوعه ويتحسسها بعناية، ثم نظر إلي وقال: ~~«هذا غير صحيح. إن ضلوعي كاملة لا نقص فيها وقد عددتها أمامك.» # الجمعة، قال لي آدم إن في هذه التي أسميها «جنة عدن» أشياء كثيرة تسترعي النظر والسمع ~~أيضا، ولكني لا أنتبه إليها؛ لأن لساني لا يكف عن الدوران، وأضاف إلى ذلك أني أنا ~~المخلوق الوحيد الذي لا ينتفع بعينيه وأذنيه. وأني أفسد عليه الطواف في «الجنة» ~~وأحيل المقام فيها كالمقام في «ذلك المكان الآخر.» # وقد اغتنمت هذه الفرصة ونبهت آدم إلى أني «أنثى»، وأن عليه أن يكف عن مخاطبتي أو ~~الإشارة إلي بضمير المذكر، فهز رأسه وقال: إنه يشك فيما أقول، ولكن الأمر لا يعنيه ~~وإنه سيتحرى مرضاتي ما دام أن هذا يسرني، عسى أن يكف هذا الرضا من غرب لساني الذي ~~لا ينفك يعترض. # السبت، لم أكن أنوي أن أكتب اليوم شيئا. ولكني عثرت بقصاصة بخط آدم قرأت فيها هذه ~~العبارة: «لقد كانت أيام الأسبوع كلها جمعا قبل أن يأتي هذا المخلوق الجديد الذي نفى ~~عني الراحة وهدوء البال ...» ~~«بقية الكلام رديئة. ويظهر أن حواء كتبت تعليقها على عبارة آدم بسرعة وانفعال. على ~~أني مع هذا استطعت أن أقرأ الكلام ولكني أعتذر للقراء فإني أعلى بأبينا الشيخ عينا ~~وأعمق إجلالا له من أن أسمح بنشر ما خطته أمنا المسكينة عنه في ساعة من ساعات ~~الغضب.» # الأحد، مواظبة آدم ms063 على الكتابة تدهشني، وتعليله لذلك أبعث على الدهشة. فهو يقول إنه ~~يقتل الوقت بذلك وينفي عن نفسه الملل. الملل حقا؟ ألست معه أونسه؟ # الثلاثاء، كان اليوم مطيرا عاصفا فامتنع آدم عن الخروج من الكوخ، فتركته ومضيت إلى ~~البركة، غير أن المطر المنهمر شوه صورتي جدا، فانكفأت عنها آسفة، وأدركني العطف ~~على جرو صغير وجدته في طريقي فحملته معي إلى الكوخ، ولم أكد أدخل حتى انتهرني آدم ~~وأنبني على ما يسميه حماقة الخروج في مثل هذا الجو والرجوع بقدمين مثقلتين بالأوحال ~~وتوسيخ الكوخ بها. ثم سألني عما أحمل فقلت له: إنه جرو صغير أشفقت عليه من المطر ~~والبرد. فقال: «لست أفهم هذا الولع بالحيوانات الصغيرة وضمها إلى صدرك وتقبيلك إياها ~~ومناجاتها بأصوات لا معنى لها، وإزعاجي بعوائها ونباحها وموائها.» ثم انتزع مني الجرو ~~وقذف به إلى الخارج. # الأربعاء، لست أنسى ما عشت نظرة الاحتقار التي رماني بها اليوم آدم. كنت عند شجرة تين ~~أقذف ثمرها بالحجارة. وحانت مني التفاتة فإذا آدم يرشقني بهذه النظرة كأنه سمرني بها ~~إلى الأرض، ثم دنا مني وهو يقول: «هكذا ترمين»، وتناول حجرا وراح يقلدني ويتثنى ويتعوج ~~ويلقي الحجر فيقع عند قدميه. وبعد أن شبع من الزراية علي والسخرية مني اعتدل وقال: ~~«هكذا يجب أن تفعلي»، وسدد ساعده القوي وقذف الحجر فانطلق من يده يقول «فوو»، وهوى ~~التين إلى الأرض وتركني ومضى. # الخميس، يقول آدم إنه أخطأ حين علمني «الرماية» كما يسميها ويزعم أن تعليمه إياي ~~أغراني بأشجار الفاكهة، وأني الآن أفرط في أكلها، وإننا مهددون بنفاد هذا الغذاء أو ~~«بالقحط» كما يقول على طريقته في المبالغة. وإنه على أي حال لا يتوقع خيرا من وراء حبي ~~للفاكهة. # السبت، مر اليوم بلا حادث يذكر سوى أن آدم وجدني أتسلق الشجرة المحرمة فجذبني ~~بعنف وحذرني من الدنو منها. # الأحد، قمت من النوم فلم أجد آدم، فذهبت أبحث عنه فلم أهتد إلى مخبئه. وهذه رابع مرة ~~يهرب فيها مني. فعدت إلى الكوخ متعبة وارتميت على الفراش الذي صنعته ms064 له من ورق التين، ~~إلا في سبيل الله ما كلفت نفسي من أجله. # الاثنين، لا يزال آدم هاربا وقد حفيت قدماي. وأقلقني هذا الغياب الطويل الذي لا عهد ~~لي ولا له به. أتراه ضل الطريق؟ إنه غريب الأطوار فلا يبعد أن يكون قد خرج من ~~الجنة. # الاثنين، بعد أسبوع كامل قضيته في البحث وجدت آدم في أقصى الشمال. لقد بنى له كوخا ~~صغيرا هناك، له الله! فلولا الحية دلتني على مكانه ... ولكن صبرا. # الثلاثاء، لم أكن أحسب أن الحية تتكلم، وتا الله ما أطيبها وأعذب لسانها وأحلى ~~حديثها. لا أكاد أضمها إلى صدري حين يصافح سمعي قولها «يا فتنة الدنيا ويا أجمل ما في ~~السموات والأرض ويا أم البشر»، ولكن آدم يكرهها ويخافها ويحذرني منها، ويقول: إنها ~~نذير سوء، وإن كان لا يكتمني سروره بأن وجدت من يحادثني غيره. # الأربعاء، كان آدم يتمشى اليوم وهو مطرق ويداه خلفه، ويتمتم بكلام غير مسموع وليست ~~هذه عادته فما رأيته يفعل ذلك من قبل. فتواريت خلف شجرة أراقبه، فلما دنا مني سمعته ~~يقول لنفسه «وماذا أخشى من الموت إذا أكلنا من الشجرة وحل الموت في الدنيا؟ إن الموت ~~مرغوب فيه من أجل بعضهم على الأقل.» # فمن بعضهم هذا؟ سأسأله عنه. # الخميس، قالت لي الحية إنها لم تكن تتكلم ولم يكن لها عقل، ولكنها مرت بشجرة استطابت ~~رائحتها فصعدت إلى أثمارها والوحوش ترمقها وتمد أعناقها فتقصر عن بلوغ الثمر، وكانت ~~جائعة فالتهمت منها ما لا يحسب الحاسب، فتغير كل شيء في عينها، ووجد لسانها السبيل ~~إلى الكلام، وإن كان قد بقي لها شكلها، فوجهت عقلها إلى التفكير والتدبير في كل ما في ~~السماء والأرض وما بينهما، وأضافت إلى ذلك - شكرا لها - أن كل ما في الدنيا من خير ~~وجمال مجتمع في وجهي الملائكي، وأنها لم تر لي نظيرا، وأن هذا السحر الذي في عيني هو ~~الذي جرأها على الظهور لي وأغراها بإدمان النظر إلي. فسألتها عن الشجرة أين هي، فلما ~~دلتني عليها إذا بها ms065 الشجرة المحرمة، فأنبأتها بأن ثمرها محرم علينا. فأعربت عن ~~استغرابها بأن تحرم علينا فاكهة الجنة، فبينت لها أن لنا أن نأكل ما نشاء من فاكهة ~~الجنة ما خلا ما تحمل هذه الشجرة، وإلا كتب علينا الموت. فقالت الحية كلاما كثيرا ~~معجبا مطربا شربته أذناي بلهفة، فجعلت أرمق الشجرة، ومنظرها وحده غواية، وفي أذني من ~~الحية عذوبة حديثها، ومضى الوقت وأنا أستمع إلى الحية وأرى الشجرة موقرة بحملها الناضج ~~وأشم عبقه الطيب. وعضني الجوع فامتدت يدي إلى الثمرة فقطفت واحدة ثم ثانية ثم ثالثة ~~فتفتحت عيناي، وأبصرت العري الذي أنا فيه، وقلت لنفسي: في أية صورة أبدو لآدم؟ أؤنبئه ~~بما وقع لي وطرأ علي من التغير وأشركه معي؟ أم أنفرد دونه بالعلم وأسد بذلك النقص ~~الذي مني به جنسي حتى أساويه وربما فقته، فإني أرى ضعفي يسترقني له؟ وهذا حسن، ولكن ~~الله هو الذي رآني وعلم أني عصيته؟ والموت لا بد آت بعد ذلك ولا مهرب منه الآن، وهكذا ~~سأذهب أنا ويخلق الله لآدم حواء أخرى تعيش معه وتسعد بجواره. كلا. كلا إني أحب آدم ~~وأستطيع أن أحتمل كل صنوف الموت معه، ولكني لا أقوى على الحياة بدونه. # وثنيت خطواتي إلى الكوخ ولكني لم أجد آدم، فدرت في الجنة أبحث عنه فلم أعثر له على ~~أثر، واضطررت إلى الاختباء مرارا؛ لأن الوحوش كانت تتقاتل ويأكل بعضها بعضا، ولم تعد ~~تطيعني كالعهد بها، ففررت من الجنة بعد أن اختل فيها الأمن واضطرب حبل النظام، وأصبحت ~~فيها فوضى، وجاوزت حدودها إلى الأرض. # الأربعاء، بعد أربعة أيام طوال وجدت آدم فألقيت عند قدميه الغصن الذي قطعته من الشجرة ~~المحرمة مثقلا بالتفاح الشهي، فنظر إلي نظرة استغراب وسألني عن هذا الورق الذي أستر ~~به جسدي فقلت ستعرف هذا متى أكلت من التفاح، فانتزعه مني وعراني فخجلت فقال: لقد ~~علمت أنك أكلت منه فقد هاجت الوحوش وهمت بأكلي، فركبت حمارا فارها لم يزل يعدو بي ~~حتى عدا عليه نمر فنجوت بجلدي ولما أكد، ورأيت المقام في ms066 هذه الجنة مستحيلا، فخرجت ~~منها وسيان عندي الآن أن آكل أو لا آكل فهاتي ما عندك فإني جوعان. # وقضم قضمة وجعل يتذوقها ويقول ما أطيبها والله وإن كانت في غير أوانها! ثم نظر إلى ~~نفسه فأدرك أنه عار واستحيا فستر نفسه بالورق الذي نزعه عن جسدي، ونظر إلي ثم أرخى ~~طرفه وهو يقول: «ماذا تعنين بالوقوف عارية هكذا؟ اذهبي واستري نفسك.» ففعلت. # الخميس، اعترف لي آدم بأنه كان لا يحسن معاملتي ونحن في الجنة وقال: إن عذره هو أن ~~المرء لم يكن يستطيع أن يحسن شيئا في تلك الجنة، وقد كان يخشى ألا ألحق به ويتوقع أن ~~تضنيه الوحدة وتسقمه الوحشة وقبلني «وعرفني»، لقد خسرت الجنة ولكني ربحت آدم ~~... ~~(2) بعد الخروج من الجنة # الثلاثاء، تالله ما أقسى آدم في هذه الأيام! إنه لا يفتأ يعنفني ويلعنني ويحمل ~~علي من أجل أن أكلنا من الشجرة المحرمة وخرجنا من الجنة، وهو الذي أثنى على ذوقي لما ~~أطعمته من التفاح، وقال لي فيما قال: «هاتي، ما أطيب هذه الفاكهة التي حرمناها! وإذا ~~كان هذا طعم ما حرم علينا فليت الشجرة المحرمة كانت عشرا! وهلم بنا نلعب بعد هذا ~~الطعام الشهي، فما أعرف جمالك قبل اليوم ألهب حواسي كما يفعل الآن.» # ولم يدخر نظرة حب ولا تجميشة غزل، وأعداني وألهبني فقاذفته نارا بنار، ثم تناول ~~يدي ومضى بي إلى غدير ظليل الشاطئ فاضطجعنا على البساط السندسي، ونثرنا حولنا وتحتنا ~~وفوقنا عبق الزهر - الفل والياسمين والنرجس والقرنفل - وروينا من الحب، ثم عقد النعاس ~~أجفاننا فنمنا ملء عيوننا. ويا ليتنا لم نقم! فقد غدا علي يلومني ويتوجع مما صار ~~إليه، ويحن إلى ما كان فيه، فقلت له: إنه لو كان مكاني لفعل مثلي، وذكرته بأنه كان في ~~الجنة يرمي إلي بالزمام ويلقي حبلي على غاربي، وسألته لماذا تركني أفعل ما بدا لي ولم ~~يأمرني - وهو الرجل وأنا المرأة - أن أجتنب الشجرة ولا أقربها؟ لقد كان سلوكه مغريا ~~لي ومشجعا على اقتطاف هذه الثمرة المحرمة. # فثار بي ms067 يلعنني ويقول: «أهذا جزاء حبي لك أيتها المرأة الكنود؟ ألم يكن يسعني أن أدعك ~~وحدك للموت الذي جلبته على نفسك، وأن أنجو بنفسي فلا أتبعك؟ أما والله لأنت والحية ~~سواء، وأنك لألم منها وأبغض، وما ينقصك إلا أن تكوني على مثل صورتها وألوانها؛ ~~ليحذرك الخلائق جميعا، ولتتقيك ولا تغتر بصورتك السماوية! ألا لماذا شاءت حكمة ~~الله أن يخلق هذه البدعة ولم يشأ أن يخلق الناس كلهم ذكرانا ويملأ الدنيا بهم إذا كان ~~لا بد من خلقهم؟» # فبكيت واسترحمته وعكفت على ركبتيه أقبلهما وأمسح عليهما وجهي، فرثى لي ولان لي قلبه، ~~فتشجعت وأدليت إليه برأيين يكفلان لنا الراحة ويقيان ذريتنا المصائب التي كتبت عليهم ~~بذنبنا. فسألني عنهما فقلت: الرأي عندي - ما دام الموت لا مفر منه الآن - أن ننتحر، ~~فنستريح ونترك الدنيا كما كانت، لا يعمرها أحد من نسلنا، أو أن نتحرى ألا نجيء إلى ~~الدنيا بنسل، فنحرم الموت حقه ونقضي عليه هو بالموت جوعا. # فقال آدم: يا بلهاء أتحسبين أن الله يتركنا نفعل شيئا من ذلك؟ لقد أخرجتنا مشورتك من ~~الجنة وهوت بنا إلى هذه الأرض، فأين يا ترى تقذف بنا مشورتك الجديدة؟ اذهبي ~~اذهبي! # بعد شهر، لست أمل التجواب في هذه الغابة الكثيفة. فإن لها لسحرا شديد الأخذ. ~~وقد ظللت فيها أمس وإن كنت لم أبعد عن الكوخ أكثر من فرسخ، فنشط خيالي وراح يريني ~~أشباحا ها هنا وها هنا بين الأشجار الغليظة الذاهبة في الهواء التي تحجب الشمس فلا ~~ينفذ منها شعاع. فوقفت برهة أفكر وأتخيل وأشرب نفسي روح المكان، فنعق فوق رأسي غراب ~~ففزعت ثم غضبت على نفسي؛ لأني فزعت ورفعت طرفي فأبصرت الغراب على غصن فوقي يصوب نظره ~~إلي، فاستحييت أن يراني كأنما كان قد فاجأني في خلوتي، فحدجته بنظري فحدجني بنظره، ~~ولم يحول عني عينه، وكان كلانا صامتا لا يقول شيئا، ثم تقدم الغراب بضع خطوات على ~~الغصن ليكون أقدر على تأملي، ورفع جناحه ودلى رأسه من بين كتفيه، ونعق مرة أخرى نعقة ~~أحسست أن ms068 لهجتها مهينة مبطنة بالزراية، فلو أنه كان يتكلم مثلي ومثل آدم ومثل الحية لما ~~قال لي بأفصح مما قال: «ماذا تصنعين هنا بالله؟» وليس هذا من شأنه ولا كانت هذه الغاية ~~له، وما من حقه أن يخاطبنا بمثل هذه اللهجة، ولكني لم أرد عليه؛ استنكافا مني للمنابذة ~~مع غراب أسحم، وترفعا عن المهاترة معه، فلبث برهة يدير عينه في، ورأسه ممدود إلي ~~من تحت كتفيه ثم قذفني بإهانتين أخريين لم أفهم معناهما على وجه الدقة، وإن كانت ~~دلالتهما واضحة. فلم أشأ أن أجاريه في بذاءته وأمسكت عن دفع الإهانة. ويظهر أن حلمي ~~أطمعه فقد رفع رأسه وأطلق في الغابة نعقة تبينت أنها نداء، فقد أجابه غراب آخر من قلب ~~الغابة، وراح ذاك يسأل وهذا يشرح له الموقف، حتى ترك الغراب المدعو ما كان فيه وطار ~~إليه وحط إلى جانبه فوقي، ومضى الغرابان الأسودان يتناعبان عني ولا يحفلان بوجودي، فلو ~~أني كنت بعيدة عنهما بحيث لا أسمعهما ولم أكن تحت أعينهما لما أساءا الأدب في حقي إلى ~~هذا الحد، فحرت وارتبكت، ثم بدا أن أدعهما وأمضي في سبيلي وأحسب أن الغرابين الوقحين ~~قد سرتهما هزيمتي فقد مطا عنقيهما وراحا يضحكان مني ويرسلان خلفي الشتائم والإهانات ~~حتى تواريت عنهما، وإني لأعلم أنهما غرابان لا أكثر، ولكنه من المؤلم على كل حال، بل ~~مما يكوي غرور الإنسان أن يرى حتى الغراب يهزأ به ويتماجن عليه ويصيح به: «ما أطول ~~شعرك! أوليس لك ثوب تلبسينه غير هذا الجلد القديم؟ ارفعي ذيله فإنه يكنس الأرض ~~ويثير الغبار.» # ومن الغريب أني ألفيت نفسي عند باب الكوخ قبل أن أفكر في الطريق الذي أسلكه، وهكذا ~~اهتدت رجلاي بعد أن ضل رأسي، لقد كدت أهم بالبكاء ولكن فرحي بالرجوع سالمة أنساني ~~الدموع. # بعد أسبوعين، آدم يحمل علي ويرهقني بالعمل ويكتفي هو منه بالإشراف. ولا أدري ماذا ~~يكلفه «الإشراف»، ولكن الذي أدريه أني مستعدة أن أقوم به عنه وأن أدع له ما أنا فيه، ~~وقد ثقلت وأراني أميل إلى ms069 التمرد، وسأدعي المرض غدا فإن لم تصلح الحال بعد فسأهرب ~~وأختفي في بعض الأدغال ليعرف قدري. # بعد خمسة أيام، هربت ثلاثة أيام ثم لم أطق البعد عنه فرجعت إليه وادعيت أني كنت ~~تائهة، وقلت: «إني منهكة ولا أكاد أقوى على النهوض.» فخرج آدم متذمرا وغاب عني اليوم ~~كله فكدت أجن من الشوق إليه، وتبت من ذنبي واعترفت له بالحقيقة. # بعد ثمانية شهور، سميته قابيل، وهو حلو أحمر لا شعر عليه غض اللحم، وأكاد من فرحي به ~~وحبي له آكله! وكان آدم قد خرج للصيد فلما عاد بعد أيام سألني عنه ما هو؟ فلم أدر كيف ~~أقول، وحملته إليه وأدنيته من فمه ليقبله، فظن أني أقدمه له طعاما، ونحى وجهه ~~وصدني بيده وقال: أوحش أنا حتى آكله حيا؟ ولما قلت له: إني «وضعته» وأنا عائدة ~~إلى الكوخ لم يصدقني وزعم أني «وجدته»، وقال: إن به مشابهة مني ولكنه صغير جدا فهو ~~على الأرجح حيوان جديد، وتناوله وجعل يقلبه ويفحصه فبكى وصاح فاختطفته واحتملته ~~وضممته إلى صدري ولاطفته حتى ثاب إلى السكون. # ولما جاء الليل وبكى زعم آدم أن من الحماقة أن أسجن هذا الحيوان معنا، وأنه إنما ~~يبكي ويصيح ويخرج هذه الأصوات المنكرة؛ لأنه يريد أن يعود إلى جماعته، وهم بأن ~~يلقيه خارج الكوخ فعدوت وراءه وصددته. فقال آدم إنه لا يفهم سلوكي هذا، وإنه لم يألف ~~مني هذه العناية بالحيوانات الأخرى. # من مذكرات آدم ~~«لقد تغيرت حواء حتى لأكاد أنكرها، مذ وجدت هذا الحيوان الغريب الذي حفيت قدماي ~~على غير جدوى في البحث عن واحد آخر من مثله، فهي لا تخرج الآن للصيد أو للاحتطاب ~~ولا تكاد تعنى حتى بإعداد الطعام. ولا تخطو خطوة إلا وهذا الحيوان الغريب مضموم ~~إلى صدرها أو محمول على كتفها، وهو لا يكلفنا شيئا؛ لأنه لا يأكل ولا يشرب، وهذا ~~أغرب ما فيه. وأحسب حواء قد جنت فإنها لا تفتأ من حين إلى حين تلقمه ثديها ~~فيعكف عليه بفمه الفارغ كأنه يأكل ولا شيء هناك ms070 ؛ فليس أجن منها سواه! وما أغرب ~~منظرها وهي تداعبه وتناجيه وتوهمه أنها تعض أنامله فيضحك، ولم أر قبل هذا حيوانا ~~يضحك. لقد حيرني جدا هذا المخلوق العجيب الذي تسميه حواء «قابيل» والذي لا ~~أدري ماذا هو؟ فهو ليس منا إذا كان لا يمشي مثلنا ولا يتكلم، وليس من الطير فما ~~له أجنحة ثم هو لا ينهض فكيف بالطير، وليس من الحيوان فإن جلده أملس لا شعر عليه ~~وليس له ذيل، وأكثر ما أراه مستلقيا على ظهره ورافعا رجليه في الهواء، ولست أفهم ~~لغته، ولكن حواء تزعم أنها تفهمها وتجيبه إلى ما يطلب فيكف عن الصياح ويضحك وينام، ~~أما أنا فقد تقطع نومي مذ جاءتنا بهذا اللغز، سأغافلها يوما وأسرقه وألقيه في ~~الغابة أو في الغدير فإني في شك منه عظيم.» # بعد بضعة شهور، لا أزال عاجزا عن فهم هذا اللغز الذي كنا في غنى عنه، والذي ~~يشرد عني النوم، ولم أستطع أن أسرقه؛ لأن حواء لا تتركه لحظة وقد نما بسرعة فصار ~~خمسة أضعاف ما كان عليه لما جاءنا، وكان في أول الأمر لا ينفك مستلقيا على ظهره، ~~فالآن يحبو على يديه ورجليه، وقد يباغتني وأنا نائم فيضع يده الصغيرة في فمي أو ~~يقبض على أنفي أو يجذبني من لحيتي، ليست حواء وحدها المجنونة فسيلحق بها سواها ~~قريبا، ولقد أشفقت على هذا اللغز وقلت آتيه برفيق يؤنسه في وحدته ويسليه في غربته ~~بيننا، فجئت بدب صغير ولكنه لم يكد يراه حتى ريع وملأ الدنيا صياحا فلم أجد ~~بدا من طرد الدب ورده إلى حيث كان. # أي شيء هو؟ هذا ما يحيرني! هو قط؟ لا! أو دب؟ لا! أو قرد؟ ربما، ولكن أين ~~الذيل والشعر؟ سنرى. # بعد شهور أخرى، لا يزال هذا اللغز ينمو وهو الآن يقف على قدميه الخلفيتين ويمشي ~~خطوات ثم يقع، وقد ظهر الشعر في رأسه وهو كشعرنا نحن لولا أنه أنعم وأخف وأقل ~~سوادا وألين ملمسا، وكنت أتوقع أن يظهر له ذيل ولكن خيب أملي. وأقول الحق ms071 : لقد ~~بدأت أخافه فإن هذا النمو الشاذ الذي لا عهد لي به في حيوان آخر يوقع في روعي أني ~~لم أر آخر هذه الحكاية. وما يدرينا غدا ماذا يكون منه؟ وقد رأيت أن الأحزم أن ~~أنام خارج الكوخ من الآن فصاعدا، وأن أدع حواء وحدها معه، وليس هذا من الشهامة ~~والمروءة في شيء، ولكن ماذا أصنع وهي لا تريد أن تفرط فيه ولا ترضى أن تعتاض منه ~~دبا أو قردا؟ فعليها إذن أن تحتمل وحدها عواقب طيشها وحماقتها. # بعد أربعة شهور، عدت من الجبل بعد غيبة طويلة فألفيت اللغز يمشي على قدميه ~~مثلنا ويذهب حيث يشاء وحده، وينطق بما يشبه كلامنا فيقول «بابا، ماما، أومبو»، فهل ~~علمته حواء؟ لا أدري، وقد نبتت له أسنان ولم ينبت الذيل. ولما كنت سأعود إلى ~~الجبل غدا فسأشير على حواء بأن تكممه. # بعد خمسة شهور أخرى، في كل طوافي وتجوالي في الجبال والغابات والأدغال والأودية ~~والسهول لا أعثر على ند لهذا اللغز، وحواء تجد في الكوخ - نعم في الكوخ ومن غير ~~أن تنقل قدما - لغزا آخر شبيها بالأول من كل الوجوه، فهو من فصيلته ولا ريب، وقد ~~سمته هابيل، وحسنا فعلت، فإن اللغزين شبيهان فما أحقهما بأن يكون اسماهما ~~متقاربين. وقد سرني أنها وجدت للغزها الأول مؤنسا، فما أشك في أنه كان يألم هذه ~~الوحدة ويحن إلى قومه. # اقترحت على حواء أن تدع لي اللغز الجديد أجري فيه تجاربي لعلي أهتدي إلى نوعه ~~وأن تجتزي هي بالأول فأبت أن تصغي إلي، ولم تطق كلامي واحتملتها وخرجت، ~~وتوعدتني بالنزوح عن هذه البقعة من الأرض إذا لم أكف عن التفكير في ذلك. ولست ~~أفهم ذلك من حواء وما أراها إلا جنت تماما؛ لأنه إذا كان قد ثبت أن هناك ~~ألغازا كثيرة، وكانت هي قد وجدت منها اثنين - وجدتهما وحدها وبلا معين - فماذا ~~يضيرها أن تلقي إلي بأحدهما وهي لا محالة واجدة غيره في يوم من الأيام قياسا على ~~ما حدث؟ الحق أن منطق المرأة غريب. ولم ms072 أكن أريد إلا أن أفحصه في أوقات الفراغ، فقد ~~خطر لي من حسن تقليده لحواء ولي أيضا أنه ربما كان نوعا طريفا من القرود. ولكن ~~حواء فقدت عقلها، فهي لا تعبأ بشيء من هذه الدنيا سواهما، ولا تأتمني عليهما ~~لحظة. # بعد ثمانية شهور، قالت لي حواء اليوم وعينها تلمع إنها «ستضع» واحدا آخر، ولم ~~أفهم منها قولها أنها «تضع» هذه الألغاز، وهذه الأكاذيب بعض ما يسخطني ويثيرني ~~عليها، ولكني أحسب المرأة لا تكون امرأة إذا لم تكذب، فسألتها عمن أدراها أنها ستجد ~~لغزا جديدا فقالت: بالتجربة. قلت: أية تجربة؟ فمضت بي إلى ركن مظلم في الكوخ ~~وأسرت إلي بصوت خفيض جدا، كأنما كان هناك أحد يسمعنا: إن اللغز معي الآن. ~~فنهضت مذعورا وقلت: معك كيف؟ ودرت حولها أنفضها بعيني فلم أجد معها شيئا. فقالت: ~~إنه في جوفي. فارتعت وقلت: أتراك يا ... قد أكلت أحدهما؟ وتراجعت عنها فضحكت ... إن ~~حواء تخيفني. فلن أنام في الكوخ معها بعد اليوم. # بعد بضع سنين، لقد حللنا اللغز وعرفنا أن هذه الخلائق الجديدة بنونا. وهم الآن ~~أربعة: قابيل وهابيل وبنتان. ولنا العذر إذا كان الأمر قد خفي علينا في مبدئه، فما ~~سبق لنا بمثل ذلك عهد. وهابيل صبي وديع رضي الخلق وهو أحب إلينا من أخيه قابيل الذي ~~أوثر أن يبقى كما كان يوم جاءنا دبا أو قردا أو غير ذلك مما توهمته في صدر ~~حداثته. وقد أدركت الآن أن حواء أصدق مني فراسة وأذكى غريزة وقد زاد حبي لها وعطفي ~~عليها. هي التي تنسيني الجنة وماذا كانت الجنة قبل أن أعرفها. # | عاطفة الأبوة # 1 # قلت مرة لزميل من المدرسين الإنجليز، رزق غلاما: أتحب غلامك هذا؟ # فأدهشه سؤالي ولم يخف تعجبه له، وتوهم بادئ الأمر أني أتكلف التشكك، فلما بدا لي ~~منه هذا الريب في صدق سريرتي سألته: أتظن أن فقد الأبناء في طفولتهم يكون كفقدهم بعد أن ~~يرشدوا، ويدخلوا في مداخل الرجال من حيث وقع ذلك في النفس؟ # قال: كلا. وإن كنت ولله الحمد ms073 لم أجرب هذا أو ذاك. # قلت: وكيف تعلل ذلك؟ # فأطرق لحظة ثم قال؟ إني أرد الفرق بين الوقعين إلى مبلغ الجهد والعناء في تنشئة ~~الطفل ورعايته حتى يكبر، فعلى قدر ما نبذل في تربيته يكون حرصنا عليه وضننا به ~~وشعورنا بالخسارة حين نفقده. # قلت: إنكم معشر الإنجليز هكذا دائما، حتى العواطف تقدرونها بالأرقام، على أن تعليلك ~~- مع ذلك - صحيح إلى مدى كبير، وإن كنت لا أشك أنه كان يسعك أن تهتدي إلى عبارة أخرى ~~غير هذه. والآن سؤال آخر: هبك رزقت غلاما ورحلت عن بيتك زمنا ثم عدت وقد شب ~~الطفل وترعرع وأصبح فتى يافعا، أيكون شعورك نحوه كشعورك لو أنك كنت إلى جانبه، تراه ~~في كل ساعة وتراقب نموه وتفتح عقله؟ # قال: كلا. # قلت: أتظن أن من الضروري لنمو الشعور بالأبوة أن يكون لجهدك الذي تبذله مظهر مادي، ~~كأن تتولى أنت مثلا الإنفاق عليه والسهر على تعليمه ومراقبة تدريبه بنفسك إلى آخر ذلك ~~مما يجري هذا المجرى؟ # قال: وكيف يكون الجهد غير ذلك؟ # قلت: ألا يكفي مثلا أن يكون جهد «عاطفة» يحركها ويثيرها قربه منك؟ # قال: وما أشك في أن هذا يكفي. # قلت: «نستطيع الآن أن نستخلص أن حياة الطفل هي التي تتيح للشعور الأبوي فرصة النمو، ~~وبعبارة أخرى أن للعادة دخلا لا يستهان به في قوة هذا الشعور. وليس معنى هذا أن ~~العادة تخلق هذا الشعور خلقا ولكن معناه، أنه يكون كامنا في النفس فتظهره، وضعيفا ~~فتقويه، وفاترا فتكسبه الحرارة. والأبوة ماذا هي؟ أليست مظهرا من مظاهر حب الذات ~~والرغبة في تخليدها بتكريرها وإعادتها في شخص آخر هو بعضها؟» # قال: أحسبها كذلك. # قلت: ولكن التخليد معنى، أو إن شئت فقل إنه وهم وخيال تتعلق به النفس وتتعزى عن ~~الفناء الذي تعلم أنه لا محالة مدركها، ولما كان كذلك، فرب نفس تكون أطلب له - ~~بطبيعة استعدادها - من نواح أخرى غير الأبوة، وعلى طريقة غير طريقة التكرير والإعادة - ~~إذا صح أن الأبناء صور معادة من الآباء، وهو غير صحيح، فما ms074 أظن بك إلا أنك ترى معي أن ~~هذه الإعادة تكون إسرافا لا معنى له، وسفها لا تسوغه حكمة، وأخلق بالجيل الواحد ~~من الناس أن يغني عن كل الأجيال التي تتلوه إذا كانت ستجيء مطابقة له غير مختلفة عنه، ~~وما أحق الطبيعة في هذه الحالة بأن يحجر عليها. # قال: هذا كله صحيح، بل بديهي ... # قلت: أشكرك! # قال: عفوا. إنما أردت أن أسأل عن النتيجة؟ # قلت: أريد أن أقول إن عاطفة الأبوة قد تكون في بعض النفوس أضعف منها في البعض ~~الآخر. # قال وهو يبتسم: ما أراك جئت بجديد. # قلت: بل أريد أن أقول إن بعض الناس لا يصلحون أن يكونوا آباء أو بعبارة أخرى أنهم ~~بطبيعة تكوينهم لا يستطيعون أن يخدموا «النوع» من هذا الطريق، وهؤلاء هم الذين نسميهم ~~النوابغ، ونعني بهم طلاب المجد الأدبي أو الحربي أو العلمي، فكأن مساعيهم تستنفد ~~حيويتهم وتردهم غير صالحين لغيرها، ومن هنا ما يلاحظ من عقمهم أو قلة نسلهم أو سرعة ~~انقراضه على خلاف السواد الأعظم من الناس، وهذا السواد هو الذي يعمر الدنيا ويحفظ ~~النوع الإنساني فيها. ~~••• # والناس أكثرهم لا يفكرون، سألت مرة واحدا من إخواني: لماذا تحب أبناءك؟ فكان جوابه: ~~إنهم بعضه وفلذة من كبده. # ألم يقل الشاعر: # وإنما أبناؤنا بيننا # أكبادنا تمشي على الأرض # إلى آخر هذا الهراء الذي يعذب في السماع وتأنس إليه النفس وإن كان لا محول وراءه، ~~وقد أردت أن أنبه صاحبي هذا إلى ما بتعليله من المآخذ فقلت: وهل أنت آسف على أبنائك ~~الذين أخطأهم التوفيق ولم يتمكنوا من الانحدار إلى هذه الدنيا؟ # قال في وجوم: ماذا تعني؟ من هم؟ # قلت: إن الجواب الذي تطلبه يستوجب مني أن أصارحك بحقيقة علمية لا أحسبك تجهلها، فأنا ~~أذكرك بأن الرجل منا ينفث في المرة الواحدة مئات من الملايين من الجراثيم، وكل جرثومة ~~منها كافية لأن تخرج إلى الدنيا طفلا لو ساعفتها الأحوال وآزرها الحظ، ولكنه قلما يكون ~~هناك أكثر من جرثومة واحدة هي السعيدة الموفقة، وما خلاها يذهب كما ms075 يراق الماء في ~~الصحراء فالإنسان - إذا اعتبر هذه الحقيقة العلمية - يفقد في كل مرة ملايين من الأبناء ~~بقدر ما يضيع سدى من ملايين الجراثيم، ولولا هذا الاقتصاد في التلقيح لاستطاع فرد واحد ~~أن يعمر لا الكرة الأرضية وحدها، بل مئات من الكرات الأرضية بنسله. # وهذه الجراثيم الضائعة، أو إذا اعتبرت ما كان يمكن أن يكون، هؤلاء الأبناء الذين لم ~~يجيئوا بعضك أيضا، وهم أفلاذك أو أكبادك كما تقول أو يقول الشاعر، فلماذا لا نراك أو ~~نرى أحدا يأسى على فقدهم وهم بعضك، كما تفرح لغلام ترزقه، وتحبه لأنه بعضك؟ # الحقيقة أن المسألة ليست أن الأب لا يحب أبناءه إلا لأنهم بعضه، فإن غريزة حفظ النوع ~~قد تكفلت بنشوء العاطفة وبدفع الناس إلى طلب النسل، وهي عاطفة يسهل على الرجل - كما لا ~~يسهل على المرأة - أن يحولها إلى مجرى آخر تخرج منه شيئا مختلفا جدا، وعاطفة جديدة ~~وإن كانت مولدة من عاطفة الأبوة. وهبها لم تتحول فإن من الميسور أن تنمو وأن تستوفي ~~حظها على التبني، كما هو معروف ومألوف. # على أن الرجل والمرأة ليسا سيين في هذه العاطفة، وأكثر الفرق بينهما راجع إلى أن ~~غريزة حفظ الذات أقوى في الرجل من غريزة حفظ النوع، أما المرأة فعلى خلاف ذلك، الغريزة ~~النوعية فيها أقوى من الغريزة الفردية، إذ كانت هي بطبيعة تكوينها، أداة المحافظة على ~~النوع، وليس الرجل سوى عون لها على ذلك، ومن هنا كانت الأمومة وحواشيها أقوى وأبرز من ~~العواطف المنبعثة من الأبوة. ~~••• # بعد هذا الذي أسلفناه لا نظن القارئ يستغرب أن نقول إن عاطفة الإخاء عادة ليس إلا، ~~وإلف لا أكثر ولا أقل، وما أحسبها تختلف في حقيقتها عن عاطفة الصداقة، وكل ما في الأمر ~~أن اشتراك المصالح والنشأة الواحدة تجعل الروابط أمتن والأواصر أوثق. وليس أسهل من ~~فسادها ولا أيسر من تفكك عراها إذا وقعت النبوة بين الأخوين لسبب من الأسباب، فلا ~~مبالغة إذا قلنا إنها عاطفة لا تتميز إلا في الظاهر وإلا من حيث الاعتقاد العام ms076 فيها ، ~~عن أية عاطفة تنشأ بين اثنين من أبناء آدم. وليس بالنادر ولا من الفلتات أن تؤدي أعاجيب ~~ما تحدثه الوراثة إلى جعل الأخوين أشد ما يكون اثنان تنافرا، وقلما يفقد الوالدان ~~حب بنيهما أو الولد حب أبويه، ولكن ما أكثر ما يقع من التعادي بين الأخوين ويتباغضان؛ ~~ذلك أن للأبوة أو الأمومة أصلا تحور إليه ويبقى لها إذا فقدت كل معزز أو مقو، ولكن ~~ما بين الأخوين لا يرجع إلى أكثر من المصادقة. # والناس يدركون هذا ويفطنون إليه بالسليقة وإن كانوا قل أن يفكروا فيه، فتراهم ~~يطلقون لفظ الإخاء والتآخي على الصداقة، ولا يستكثرون أن ينزلوا الصديق منزلة الأخ، ~~ولا يحسون أنهم هبطوا بمرتبة الإخاء من أجل ذلك، ولكن الأبوة عندهم وعلى ألسنتهم في كل ~~لغة لها مقامها الذي تنفرد به ومنزلتها الملحوظة التي لا تدانيها منزلة. وليس أصدق من ~~فطرة الجماعات ولا أصح أو أدق من تقديرها لهذه الصلات بما تجريه على ألسنتها - عفوا ~~ومن غير تدبر - من العبارات الواسعة الدلالة العميقة المغزى. # 2 # قال لي صاحب قديم خلطته بنفسي زمنا: أصحيح هذا؟ # قلت: ماذا؟ # قال: هذا الذي كتبته عن عاطفة الأبوة. # قلت: وما سؤالك أنت، أإنكار هو أم أسلوب جديد في الإعراب عن الموافقة؟ # قال: أما ما ذكرت عن عاطفة الإخاء وأنها لا تختلف عن الصداقة في أصولها، وأن الناس ~~يفطنون إلى ذلك بالسليقة فينعتون الصديق بالأخ، فصحيح، وكذلك ما أشرت إليه من أعاجيب ~~الوراثة قد تقضي إلى التنافر بين الأخوين. # قلت: إن التعادي قد يقع بين الأخوة حتى من غير أن يكون للوراثة دخل، وما أكثر الأسباب ~~التي تؤدي إلى انفراج الحال ووقوع النبوة، كأن يكونوا من أم واحدة أو أب واحد - أي ~~غير أشقاء - أو يكون أحدهم أكثر توفيقا في الحياة، أو آثر عند أبويه وأحب إليهما. ~~وأحسبك تذكر قصة يوسف - عليه السلام - وحسد إخوته له لأنه أحب إلى أبيهم منهم: # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا ms077 منا ~~ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا ~~يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة إن كنتم فاعلين ~~. # وهذه الآية الكريمة تريك كيف يتحدث الأخوة بقتل أخيهم ويأتمرون به ويتفقون على ~~إلقائه في الجب وتركه لمن عسى أن يلتقطه من المارة، ويذهب به إلى حيث يشاء من الأرض، ~~ويبيعه أو يتخذه عبدا له أو يصنع به ما يحب، كأنما لا يجري في عروقه نفس الدم الذي ~~يجري في عروقهم، وكأنما لا تربطهم به صلة ولا تعطفهم عليه آصرة، وكل هذا لماذا؟ لأن ~~أباهم فيما يرون أحنى عليه منه عليهم وأكثر شغفا به ورقة له! # وأدل من ذلك وأولى بالملاحظة أن أباهم نفسه يدرك بفطرته السليمة وبإلهام حبه ليوسف، ~~أن كون يوسف أخا لهؤلاء ليس يمانعهم أن يسيئوا إليه ويكيدوا له غيرة وحسدا، تأمل ~~هذه الآية: # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ~~* قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ~~. # والتاريخ حافل بقصص الأمراء الذين لم يتحرجوا أن يقتلوا إخوانهم ليتبوءوا عروشهم أو ~~ليحلوا محلهم في ولاية العهد أو ليتقوا تآمرهم عليهم، لا بل ليستولوا على زوجاتهم، ~~وقل أن يقتل الولد أباه، وأقل من ذلك وأندر أن يغتال الوالد ولده، وعلى أي شيء تدور ~~قصة هاملت الخالدة؟ أليس محورها كله أن عمه اغتال أباه وأفرغ السم في أذنه وهو نائم ~~في الحديقة، ليخلفه على الدولة، ثم لم يرعه شيء أن يتزوج من كانت امرأة أخيه؟ والناس ~~لا يستفظعون أن يتخذ المرء زوجة أخيه زوجة له بعد أن يسرحها أو يموت عنها، ولكن ما أشد ~~استفظاعهم لأن يبني المرء بمن كانت زوجة لابنه وأفظع من ذلك أن يتزوج امرأة أبيه؛ ~~لأنها في منزلة الأم، حتى لقد حرمت الشرائع ذلك، على حين كان المصريون يتزوجون ms078 الأخت ~~ولست أذكر هذا إلا على أنه مظهر للشعور الفطري العام الذي تقوم على قاعدته الشرائع ~~والقوانين، وتدور عليه الآداب الصادقة لا التقليدية المتكلفة. # قال صاحبي: هذا صحيح، ولكن ألا ترجع عاطفة الأبوة إلى أكثر من العادة والإلف؟ # قلت: من قال إنها عادة ليس إلا؟ # إن الشعور الأبوي مرجعه إلى غريزة حفظ النوع كالحب، وأساسه في الرجل والمرأة واحد، ~~غير أن الرجل أقوى تمثيلا في حياته الفردية منه للنوعية، أعني بذلك أن غريزة حفظ الذات ~~أقوى فيه من غريزة حفظ النوع، ذلك أنه هو الذي يتولى مكافحة الطبيعة بما فيها من قوى ~~وكائنات من جنسه وغير جنسه، وهو المتكفل بالسعي والذي يتعرض بسبب هذا كله للأخطار، ~~فلا غنى له عن الاحتيال لدفعها بالقوة إذا تهيأ له ذلك، وبالحيلة والتدبير وحسن التصرف ~~وما إلى ذلك إذا أعوزته المنة، والحياة ليست باللقمة السائغة فهو محتاج إلى مغالبة ~~الصعاب ومعالجة تذليلها، وهو في كل خطوة يخطوها يصادف ما ينبه غريزة حفظ الذات أو ~~صيانة النفس، ومن أجل هذا - كما قلت في «حصاد الهشيم» - صارت هذه الغريزة أقوى وأنضج ~~وأسرع تنبها وأكثر عملا؛ لأن حياته تجعل أعماله متصلة بها أكثر من اتصالها بغريزة حفظ ~~النوع، وهو لذلك أحس بها وأسرع تأثرا من ناحيتها، ومن هنا كانت الأنانية في الرجل ~~أظهر وأقوى. والعامة يلاحظون ذلك ويفطنون إليه ويذهبون فيما وضعوه من أمثالهم إلى أن ~~الأم أحنى على طفلها من أبيه. وقد ترى الرجل يداعب طفله برهة أو ساعة، ولكنك قل أن ~~تجد رجلا يقوى على ما تقوى عليه المرأة من ملازمة الطفل، والمثابرة على مداعبته والصبر ~~على التحدث إليه، ومن توهم فهم ما لعله يرتسم على صفحة وجهه من الحركات أو يند عنه ~~من الأصوات، واحتمال ذلك وما هو أشق منه ساعة بعد أخرى، ويوما بعد يوم، وشهرا تلو ~~شهر، وحولا عقب حول. # أما المرأة فخلقت للنوع قبل أن تخلق لنفسها، وهي في سبيل النوع تحمل وتضع وتتعرض ~~للموت الوحى ساعة يجيئها المخاض. وتكوين جسمها ms079 شاهد بأنها مجعولة أداة للنسل ووسيلة ~~لحفظ النوع، ففي جوفها مكان معد للجنين تحمله فيه تسعة أشهر كوامل، ولها ثديان ~~يدران اللبن، وجسمها مركب بحيث يتحول الغذاء إلى لبن ترضعه طفلها وتغذيه به حولا ~~كاملا على الأقل. # فالعاطفة موجودة، ومردها عند الرجل والمرأة إلى هذه الغريزة النوعية، ولكن اختلاف ~~الرجل والمرأة من حيث التكوين وما أعدتهما الطبيعة له، ومن حيث طبيعة الحياة يجعل هذه ~~العاطفة أقوى في المرأة وأنضج منها في الرجل، ثم تجيء الصور الذهنية التي تحصل لكل ~~منهما فتزيد هذه العاطفة وتضرمها. وهذه الصور عند المرأة حشد حاشد وبحر زاخر لا آخر له ~~ولا نهاية، فهي لا يسعها إلا أن تذكر ما عانت في شهور الحمل وما جربت في أطواره ~~وأحست من حركات الجنين في جوفها، ثم ما كابدت من عذاب الوضع، وكم ألف ألف صورة تحصل ~~في ذهنها بعد ذلك، مذ كان طفلها وليدا إلى أن يشب عن الطوق ويدخل مداخل الرجال أو ~~النساء، وكل حركة ومصة من ثديها وابتسامة ونظرة وتعبيسة وعولة وصوت ونهضة وعثرة وخطوة، ~~كل ذلك منقوش على صفحة قلبها مرتسم على لوح صدرها مذخور في رأسها، وجوها حافل بهذا ~~الطفل، وحياتها كلها دائرة عليه غير منفصلة عنه، وماضيها كان تمهيدا له، وحاضرها ~~مستغرق فيه، ومستقبلها آمال منوطة به، وأخلق بهذا أن يعيننا على تصور روعة الأمومة ~~وعمقها وسعتها وانطواء كل أحساس فيها، وتسرب كل شعور إليها ومنها. ولما كان نصيب الرجل ~~من هذه الصور التي تحصل في نفس المرأة أقل وأضأل، فلا عجب أن يكون غذاء العاطفة الأبوية ~~أتفه جدا مما يغذي عاطفة الأمومة. وهل الحياة إلا الصور التي تحصل في الذهن؟ # يقول ابن الرومي في رثاء ابنه: # توخى حمام الموت أوسط صبيتي # فلله كيف اختار واسطة العقد! # على حين شمت الخير من لمحاته # وآنست من أفعاله آية الرشد # طواه الردى عني فأضحى مزاره # بعيدا على قرب قريبا على بعد # لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها # وأخلفت الآمال ما كان من وعد # لقد قل ms080 بين المهد واللحد لبثه # فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد # ألح عليه النزف حتى أحاله # إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد # وظل على الأيدي تساقط نفسه # ويذوي كما يذوي القضيب من الرند # إلى أن يقول: # وإني، وإن متعت بابني بعده # لذاكره ما حنت النيب في نجد # وأولادنا مثل الجوارح أيها # فقدناه كان الفاجع البين الفقد # لكل مكان لا يسد اختلاله # مكان أخيه في جذوع ولا جلد # هل العين بعد السمع تكفي مكانه # أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي # أريحانة العينين والأنف والحشا # ألا ليت شعري هل تغيرت من عهدي؟ # كأني ما استمتعت منك بضمة # ولا شمة في ملعب لك أو مهد # محمد ما شيء توهم سلوة # لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد # أرى أخويك الباقيين كليهما # يكونان للأحزان أورى من الزند # إذا لعبا في ملعب لك لذعا # فؤادي بمثل النار من غير ما قصد # فما فيهما لي سلوة بل حزازة # يهيجانها دوني وأشقى بها وحدي # ولم نورد القصيدة كلها وإن كانت أبياتها جميعا من هذا الطبق الرفيع، وإنما اقتصرنا ~~على ما فيه تمثيل لما نريد، والذي نريد هو أن «نمو» عاطفة الأبوة أو الأمومة رهن ~~بالصورة الحاصلة في الذهن وبجهد النفس وبالأمل الناشئ. وفي هذه الأبيات المتخيرة صور ~~عدة - صور قبلات يذكر الأب حلاوتها، وشمات لا تزال تتضوع إلى أنفه، وضمات لا يفتأ ~~يحسها، وملاعب للطفل وعين أبيه ترعاه وتلاحظه، وذكريات شتى يهيجها الغلامان اللذان ~~أخطأهما الموت، بل كل شيء يهيج الشاعر إلى التذكر، وللمهد صورة وللحد أخرى، ولما كان ~~للآمال فيه صور شتى ولما صار إليه في التراب صور غيرها، يتخيلها الشاعر ويتساءل عنها ~~مشفقا موجعا فيقول: ~~... ... ... ... # ألا ليت شعري هل تغيرت عن عهدي # ولصحته صور محببة ولسقامه ~~وذبوله وما أصابه من النزف وذواه على الأيدي، صور تكوي الفؤاد وتلعج القلب، وللمحاته ~~وبشائرها وأفعاله وما كان يأنس منها، وللرجاء فيه والفرح به وانتظار ما سيكون عليه ~~ويصير إليه، لكل ذلك صوره العالقة بالنفس المتشبثة بالضمير، وهكذا ms081 إلى غير نهاية. وأين ~~تكون نهاية هذا العالم الحافل بالذكريات المحشودة الزمر؟ وما ظنك بالأم وعالمها أحفل، ~~وزمر ذكرياتها أحشد! # والذين تتحول هذه العاطفة الأبوية في نفوسهم إلى مجرى آخر، أعني الذين يتبنون الآداب ~~أو الفنون أو العلوم أو ما شاكل ذلك، يستغرقهم حب ما انصرفوا إليه وتخلوا له، ويدري ~~الناس مبلغ استغراق ذلك لنفوسهم واستيلائه على هواهم فيعجبون ويعدونه شذوذا ويحصونه ~~عليهم، ولو أنهم فكروا في أنهم اعتاضوا من الأبناء هذا الذي شغفوا به، وأنها هي عاطفة ~~الأبوة في صورة أخرى ومظهر جديد، لما بدا لهم في أمرهم وجه غرابة أو شذوذ، ومن الذي ~~يستغرب من الأب حب بنيه ووقف حياته عليهم وإفراغ جهده في سبيلهم وقصر سعيه على ~~خدماتهم؟ لا أحد! بل هذا هو المعقول، فمم يدهشون ويعجبون حين تلبس هذه العاطفة ثوبا ~~آخر أو تتدفق في مجرى جديد أو تتخذ صورة غير المألوفة؟ # | كيف كنت عفريتا من الجن # كان ذلك وأنا فتى يافع أسوم كل سرح، وأنهز بكل دلو، ولا أفكر في غير الساعة التي أكون ~~فيها، ولا أبغي إلا أن أستوفي حظي في الحياة، وأن أستوثق من أن كرعتي منها راوية. وفي ليلة ~~من ليالي الصيف الحميدة، ثنيت الخطا إلى البيت - وكان في حي «الصليبة» - بعد أن قضيت وطري ~~من شراب وسماع، فلما بلغته ووقفت على عتبته، ذكرت أن ليس به أحد سوى جدتي التي أوفت على ~~التسعين، وأن المفتاح ليس معي، فقلت لنفسي «أيليق أن أزعج الجدة وهي تقوم مجهدة ولا تسير ~~إلا إلى جانب الحيطان لتضع يدها عليها وتسند نفسها؟ كلا، أولى بي أن أدعها مستريحة وأن ~~ألحق ببقية الأسرة - أمي وأخي - والجو رائق والمشي منعش.» # وأوليت الباب ظهري وانصرفت. ولم يكن الطريق إلى الإمام، في تلك الأيام معبدا، ولا ترام ~~هنا ولا نور، فليس طريق بأحسن أو آثر من طريق، فاخترت أقصر مسلك وهو الذي يمر بمسجد «السيدة ~~نفيسة» ويخترق المقابر المبعثرة وراءه، ويتصل بالطريق العام المطروق عند آخره ومضيت أخبط ~~فيه، وأتخبط ms082 أيضا؛ لأن كثرة المقابر وانتثارها وتزاحمها تضل ولا سيما في الظلام، غير ~~أني لم أكترث لذلك ولا فكرت فيه، وفوضت الأمر لرجلي تدبان حيث ألفتا أن تدبا ~~في أوقات شتى من النهار والليل، وانطلقت أفكر فيما كنت فيه، وأردد فيما راقني سماعه ~~وأرجع ما شجاني من الأنغام، وأعيتني «مقطوعة» وأحسست أن المشي لا يعينني على ضبط الصوت ~~فيها وإخراجها كما ينبغي، فوقفت وأسندت ظهري إلى قبر وذهبت أغني، وهي صورة لا تزال ماثلة ~~بذهني إلى هذه الساعة وإن كنت في ليلتي تلك لم ألتفت إليها، ولا جعلت بالي لها، وكيف يعبأ ~~شاب ثمل بالقبور وما انطبقت عليه؟! وعلى أنه متى كان المرء في صدر العمر يفكر في الموت ~~على أنه حقيقة قريبة لا مهرب منها ولا معدى عن مواجهتها؟ إن الإنسان منا ينظر في شبابه إلى ~~الموت - حين يجريه شيء بباله - كما ينظر إلى شيء وراء الجبل، لا يفهمه ولا يدركه ولا يعرف ~~كنهه ولا يتصوره إلا على أنه المجهول البعيد. ويشغله صعود الجبل وما يلقاه على هذا الجانب ~~منه، وما يفتنه وهو يتوغل حتى يدنو من القمة، فتتزاحم في رأسه الخواطر والتكهنات عما وراء ~~هذه الرباوة التي قضى الشطر الجميل من حياته في الصعود إليها، ويحضر إلى ذهنه شيئا ~~فشيئا معنى الموت ومؤداه، ثم يستبد بخاطره ولا يخاطره، ويكون الإصعاد قد هد القوى كثيرا ~~وأنهك الجسم فيتبلد إلى حد كبير من فرط التعب، ويواجه فكرة الموت في شيء من الذهول يذهب ~~برهبة الفناء ويسلبه الفزع. # وقفت إذن أغني على القبر وأرسل الصوت في ظلمة الليل غير حافل بما حولي من القبور ~~المتزاحمة أو عابئ بما تحتي من الرفات الدفين. رفات قوم كانوا مثلي في ميعة العمر ~~وعنفوان الحياة وجهل الشباب يمرحون ويغنون ولا يفكرون فيما يصير إليه كل حي من الفناء ~~الشامل. وما فتئت على هذه الساعة أعجب لذهولي إذ ذاك عن الموت وأنا في وسط لجته الراكدة. ~~إن الشباب رحمة، وكيف كانت الحياة تكون لو أن فكرة الموت ms083 كانت تخامر النفس من المهد إلى ~~اللحد؟ كان حريا بها إذن ألا تطاق وكان خليقا بالمرء أن يكف عن كل سعي، وأن ينفض يده ~~من كل جهد يبذله في سبيل أية غاية بالغة ما بلغت من السمو والفتنة، وما خير الحياة أو جدوى ~~المساعي أو عزاء الغايات وهذه الهاوية مفتوحة لابتلاع الإنسان؟ إن الموت هو اليأس، ومن رحمة ~~الله بالخلق أن الحياة أقوى، وأن إحساس المرء بها أعظم، وأن وقعها في نفسه أشفع وأن ~~استيلاءها عليه أتم، والشباب قوة دافقة، والحياة معه تكون جديدة، فلها كل حلاوة الجدة ~~وسحرها، ولكنها في الكهولة تكون شيئا مألوفا وتجارب معهودة معادة، ومن هنا لا يحس ~~الإنسان بالفزع حين يخطر له أنه سيكف عن هذه الحياة التي ظل يذوقها حتى كاد يحتويها، ولولا ~~أن الحياة عادة ككل شيء في الدنيا، وأن المرء يألف أن يعيش وأن يتنفس الهواء لما استثقل ~~أن يموت وأن ينقطع عن الدنيا، فالعادة والخيال الذي ينمو مع العمر، والإحساس بالنفس، هذا هو ~~الذي يجعل الموت صعبا وتجعل لمفارقة الحياة ألما. وعلى خلاف ذلك الأطفال والحيوان. # وبينما أنا واقف أغني لمحت شبحا مقبلا ولم أشك في أنه رجل، فما تجرؤ المرأة - إلا ~~في الندرة القليلة - أن تسير بين القبور في الليل فكففت عن الغناء وساورتني الشكوك. وخطر لي ~~أن القادم قد يكون لصا، وقد لا يكون ذلك، ولكن وحشة المكان وسكون الليل قد يغريانه ~~بالتلصص. غير أني طمأنت نفسي، وقلت - وماذا أخشى وليس معي شيء يستحق السرقة؟ إن هي إلا ~~بضعة قروش لا تغنيه إذا فاز بها، ولا تفقرني إذا خسرتها، وأنا بعد خفيف الوزن سريع العدو ~~وعارف بالمداخل والمخارج، وما أحسبه يستطيع أن يدركني إذا أطلقت ساقي للريح، فلا خوف من ~~القادم، وليكن من يشاء، وليس من الحكمة أن أدع الخوف يشيع في نفسي فتظهر دلائله في صوتي ~~وحركاتي، فيطمعه ذلك في إن كان رجل سوء، على أن الحزامة مع ذلك أن أتوارى خلف قبر ~~منزو، لأراه دون أن يراني، ms084 ولا أعرف ماذا هو، وليسر أمامي وأكون أنا وراءه فذلك أدعى إلى ~~الاطمئنان. # ودنا القادم فإذا هو شيخ كهل، أبيض اللحية وفي يده سبحة، وهو يذكر الله أو يتلو من ~~القرآن أو لا أدري ماذا كان يتمتم، وبأي كلام كان يحرك شفتيه، فغاظني أن هذا الشيخ الضعيف ~~قد أفزعني، وكأنما تحركت نفسي للانتقام منه، فغافلته في بعض الطريق وظهرت له فجأة من وراء ~~قبر، فريع المسكين وكاد يتهافت إلى الأرض، وأسرعت فتواريت وعدت أدراجي مسافة قبر أو ~~قبرين - أي بضعة أمتار - وكان الرجل يتلفت حوله فلا يبصر شيئا ولا يسمع حسا فشد بعضه ~~إلى بعض وتفل يمنة ويسرة ورفع صوته باستعاذة من كل شيطان رجيم، واستأنف التلاوة ~~والسير، وأنا أتسلل بين القبور وراءه، وصارت خطاه أسرع، فأدركت أن الخوف لا يزال في قلبه، ~~ووثبت إلى جانبه مرة أخرى، ومددت يدي بخفة فجذبت شعر لحيته فصرخ واختفيت، ودرت من وراء ~~القبور فسبقته وأنا أكاد أجن من السرور والجذل، وصدري يكاد ينفجر بالضحك المكتوم، ~~وصبرت حتى مر بي فدفعت يدي إلى خصره ودغدغته، فأقسم لقد وثب الرجل عن الأرض كأنما ~~كنت قد غرزت في جنبه سيفا أو حديدا محميا ورأيت فرصتي سانحة؛ فقد بلغ الاضطراب بالرجل ~~غايته، وصار يخلط في كلامه كالذي لا يعي ما يقول، فكان يصيح «أعوذ بالله من ...» من فرط ما ~~أصابه من الفزع. وجئته من ورائه ورفعت صوتي بالزمزمة وبكل ما أستطيع إخراجه من الأصوات ~~المنكرة فانطلق الرجل يعدو! # وهكذا أفلت مني ... وكنت قد تعبت فلم أحاول أن ألحق به، فمشيت متمهلا ونفضت التراب عن ~~ثيابي وخرجت إلى الطريق العام المطروق وبعد قليل - ربع ساعة أو نحو ذلك - بلغت مسجد الإمام ~~الشافعي، وكان المؤذن يمهد للأذان بغناء سخيف، والناس يخرجون إلى المسجد ليتهيئوا لصلاة ~~الفجر، فرأيت جماعة يحيطون بصاحبي الشيخ وهو يقول لهم: «وكان كالقط الأسود، يثب على كتفي ~~ويلحس لي خدي وينفذ من بين رجلي، ويدخل بين الجبة والقفطان، وكنت أستعيذ بالله فتنشق ~~الأرض ويغيب في جوفها، ms085 ولكنه كان يعود فيظهر لي أحيانا في صورة الدبة راكضا على يديه ~~ورجليه، وأحيانا أخرى في مثل كفن الميت خارجا من تحت أحجار القبر، وقد تمزق اللثام عن ~~وجهه وبرزت عيناه تقدحان بالشرر فأتلو ما تيسر من القرآن فيلتف الوجه في خرقة ويهوي ~~الجسم إلى جدثه. ولست أنسى ما حييت أسنانه! لقد كانت كالجمرات لامعة حمراء وكانت تضطرب في ~~فمه وتخفق كالنجوم والحمد لله الذي أنجاني من عناقه ...» # فقال أحدهم: «أتراه هم أن يعانقك؟» # فقال الشيخ: «هم؟ هم يعني ماذا؟ أقول لك: إنه مد ذراعين كأنهما مئذنتين ودنا مني ~~ليطوقني بهما، ولمع الشوك الذي في صدره كأسنان الحراب فلولا أن ألهمني الله أن أقرأ آية ~~الكرسي لكنت أنا الذي مت.» # قال آخر: وهل مات؟ غريب! # فقال الشيخ: «لقد احترق، أحرقته آية الكرسي. ثم استأنفت السير حتى بلغت هذا الطريق عند ~~...» # ودار بوجهه ليشير إلى المكان الذي نفذ منه إلى الطريق العام فأبصرني وراءه فاضطرب وصاح ~~وهو يشير إلي بيديه: «أهه. أهه ... أهو ...» # فلم يفهم أحد سواي معنى صيحته وإشارته، ورددت الضحك الذي ازدحم في حلقي والتفت ورائي، ~~كأنما أريد أن أنظر إلى حيث يشير، وكان الرجل يتراجع ويلصق بالناس فسأله بعضهم: «أين؟ إنا ~~لا نرى شيئا!» # فمسح الشيخ وجهه بكفه وفاء إلى الهدوء وقال: «غريب! غريب! إن هذا الأفندي يشبهه ~~جدا.» # فلم أر مانعا من الضحك وقلت: «أترى لي وجه عفريت؟» # وكان بين الواقفين رجل أعرفه ذكيا خبيثا ويظهر أن الشك خالجه في الحكاية أو أنه فطن ~~إلى بعض الحقيقة فقال لي: «اسمع. من أين جئت؟» # قلت، وقد أدركت ما يرمي إليه: «جئت من هذا الطريق.» # وكان هذا كذبا أو بعض الحقيقة. ولكني خفت أن يجر الصدق علي الفضيحة. فعاد يسأل: ~~«هل جئت من السيدة نفيسة أو من القلعة.» # قلت: «من القلعة ولا شك. ومن الذي يجرؤ أن يمشي بين القبور؟» فتمتم شيئا لم أسمعه ومضى ~~عني ونجوت. # وهكذا عرفت أني كنت في ليلتي عفريتا من الجن! # | رجل ساذج # كان ms086 لنا - ونحن شبان - رجل ساذج لم يعرف سوانا. كأنما قد هبط علينا من السماء. وكان ~~الواحد منا يذكر معارفه أو يصف القرية التي هو منها، أو يقص علينا مغامراته، أو يحدثنا ~~بمعاشقه، ويعرض ما عسى أن يكون محتفظا به من مثل خصلة شعر أو منديل أو نحو ذلك، وهو واجم ~~كئيب لا يفتح فمه. وكان يخشى ركوب الماء ويجزع من اضطراب الزورق على متنه، ولا يزال ينتقل ~~من جانب كلما مال، ولقد اضطررنا مرة أن نشده إلى سارية الزورق لنستريح من قلقه. # وأنشدته مرة قصيدة ابن الرومي التي يصف فيها ما لقي في البر والبحر من التباريح ~~والمخاوف. فلما بلغت قوله: # ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة # لوافيت منه القعر أول راسب؟ # ولم أتعلم قط من ذي سباحة # سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب # وأيسر إشفاقي من الماء أنني # أمر به في الكوز مر المجانب # وأخشى الردى منه على كل شارب # فكيف بأمنيه على مر راكب؟ # صفق وتحمس وقال: إن هذا «رجل عاقل»، وبعد أيام انتحى بي ناحية وسألني أتعرف ابن ~~الرومي؟ فلم أعجب لسؤاله وقلت: «نعم.» قال: «أرجو منك أن تعرفني به.» فوعدته أن أفعل. ~~وشاورت إخواني كيف أصنع؟ ولما اتفقنا، قدمته إلى شيخ وقور كث اللحية إلا أنه أحمق سريع ~~الغضب وفي وسع القارئ أن يتصور ما وقع. وبحسبي أن أقول: إن صاحبنا خرج من مجلسه وقد أصابته ~~عكازة الشيخ على رأسه وركبته، وكانت إصابة الركبة أوجع فظل يظلع أياما. وسألته بعدها عن ~~ابن الرومي كيف وجده؟ فكاد الدمع يطفر من عينه وقال في سذاجة محببة إلا أنها مغرية: «الحق ~~علي. إن التهجم على كبار الناس سوء أدب ...» # ولست أنسى ما حييت حادثة أردنا أن نركبه بالدعابة فيها، فأفضت إلى مأساة أو ما هو في ~~حكمها. ذلك أننا أوهمناه أن فتاة رومية تعمل في «بار» شهير تحبه، وألححنا عليه بذلك حتى ~~صدق، وكنا نجيئه بقليل من الفستق أو الشكولاتة ونزعم ذلك هدية منها إليه، وكان هو حييا ~~يخجل حتى ms087 من مخاطبة الأغراب من الرجال فكيف النساء! فجعل يغشى هذا «البار» في الساعة التي ~~يكون على الفتاة أن تجلس فيها إلى «الكيس» ويجلس بحيث يراها ولكن على بعد، فندعه أحيانا، ~~وأحيانا أخرى نلحق به ونثني على جمالها ونتنافس في وصف مفاتنها، فيشرق وجهه وتومض عيناه، ~~كأنما يحمد منا الثناء على حسن اختياره! ونروح نسأله: ألا ترى كيف تغمز بعينيها؟ أليس من ~~الواجب أن تبادلها غمزة عين بغمزة عين؟ فيفعل المسكين ونجاهد نحن أن نخترع سببا لما ننفجر ~~به من الضحك. وما زلنا نحثه على استعمال إشارات الحب حتى صار يدخل البار ومعه طاقة شتى من ~~الورود ما بين حمراء رمز الحب المتقد، وبيضاء عنوان الطهر والعفاف، وصفراء للدلالة على ما ~~أصاره إليه السهر والبكاء واللهفة من ذبول لونه، فيجلس ويشرع يخاطبها بهذه اللغة الدقيقة، ~~حتى إذا فرغ من هذا المعجم استعمل المناديل يضعها على فمه، أو يكفكف بها الدمع الموهوم أو ~~يفكر ما بين أصابعه. ولم يعد يبالينا أو يحفل بغيرنا من الناس، فقد اضطرمت نفسه ~~ولعجه حب هذه الفتاة. # والحق أقول: إننا أسفنا لما تبينا ما صار إليه الأمر، ولكنا لم نستطع أن نثنيه عن ~~هذيان قلبه، وكان كما قلت ساذجا جدا حييا إلى درجة تفسد الحياة وتحيل الانتفاع بها من ~~المستحيلات، ولكن الحب خلق شخصا جديدا وأسعفت السذاجة الحب وأعانته على الاستبداد ~~بنفسه، وما راعني يوما إلا هذا المسكين يعود إلي ويقول: «هنئني.» # قلت، وقد طاف برأسي أن المستحيل قد وقع: «بأي شيء؟» # قال: «لقد خطبتها!» # قلت، ولم أستطع أن أخفي دهشتي: «خطبتها؟ أنت؟» # قال: «نعم، ألست أحبها؟!» # فلم أدر أؤهنئه أم أرثي له؟ وخرجت من هذه الحيرة باجتناب الاثنين جميعا وسألته: ~~«ومتى الزواج إن شاء الله؟» # فطال وجهه فجأة وحاول أن يبتسم، ولكنه لم يوفق إلا إلى جعل وجهه مفزعا وقال: لن ~~أتزوجها. وكأنما أحس أن الأمر يحتاج إلى إيضاح، فزاد على ذلك «أعني أني أظن خيرا لي ولها ~~ألا أتزوجها.» # فلم أرني زدت بإيضاحه إلا حيرة ms088 فصحت به بلهجة قاسية: «إنك مغفل.» # فأدهشني أن تنبسط أسارير وجهه وأن يقول: «نعم أنا مغفل ولم أكن قط أجهل ذلك. وأنت تعلم ~~أني أحبها وقد خاطبتها في الزواج. فكانت كريمة جدا مؤدبة جدا. لم ترفض ولكنها لم تقبل ~~أيضا. والحق أقول يا صاحبي. لم يسعني إلا أن أصارحها بأني ... كما تعلم مغفل، وأنها تكون ~~أسعد لو تزوجت رجلا ... رجلا ... غير مغفل ... يجب - ما دمت أحبها - أن أقدم خيرها على ~~رغبتي. أليس كذلك؟ إن من حقها علي وواجبي نحوها أن أراعي مصلحتها ... قل لي أليس هذا ~~خيرا؟» # فلم أقل شيئا ومضيت عنه لا ساخطا ولا ناقما، ولكن فائض النفس جائش الصدر وماذا عسى أن ~~أقول لهذا المسكين الطيب القلب؟ # ولم نضحك بعدها منه أبدا. # | ابن البلد # البلد القاهرة أو مصر - كما كانت، وكما لا تزال تسمى هذه العاصمة - أو طائفة من ~~الأحياء هي الواقعة بين العباسية والسيدة زينب، وابنها شخصية شاع فيها الفناء علوا ~~وسفلا، وعفت عليها المدنية فلا يكاد المرء يلتقي بها في هذا العصر، وما أسرع ما تداعت ~~الأسوار وطغى عباب الحياة! قبل عشرين سنة فقط كنت ترى ابن البلد هذا «مستفيضا» وتلقاه في ~~حيثما تكون ولا تخطئه عينك وهي تدور بلحظها، فهو رجل دنياه مصر أو تلك الأحياء القديمة ~~منها، لا يعرف غيرها ولا يكاد يدري أن فوق ظهر الأرض سواها، وهبه يدري فما أقل ما يعبأ ~~بذلك أو يحفله، والزمن عنده اللحظة التي يكون فيها، وهو ذكي إلا أنه جاهل، وظريف سوى أنه ~~مغرور، وحي ولكنه لا يحيا إلا بحراسة، تدور الدنيا حوله على محورها أو على قرن الثور الذي ~~يحملها ويدور رأسه معها ولكنه لا يعرف ولا يرى شيئا ولا يسأل عن شيء ولا يكترث لشيء ويحتقر ~~الريف لأنه يجهله، ويزدري المدنية لأنه لم يألفها، ويعتز بنفسه ويستضخم أمرها؛ لأنه سهر ~~الليالي وأحياها بالغناء والشراب والعربدة، وهو مثال الرضا عن النفس والجود الذي يخلفه هذا ~~الرضا، وإذا كان يرى كل شيء من قريب فما من ms089 شيء يدعوه إلى العجب أو يبتعث الرغبة في ~~الاستطلاع، وكل إحساس له يصل إليه عن طريق الفكاهة، وأشد ما يبغض أن يضطر إلى الجلد ~~والوقار، وليس في نفسه محل للاعتراف بالجميل، والأمر عنده مجاملة متبادلة أو حق له أن يجيبه ~~وعليك أن تؤديه، هو المثل الأعلى لنفسه - أو لعله جار سابع أو ثامن - فليس لغير نفسه ~~احترام ولا مطمح له إلا أن يظل قادرا على التحفظ بمظهره، فلا عناية له بالسياسة أو شئون ~~الحكم، وبحسبه من العلم بالحكومة ومهماتها أن يرى مواكب رجالاتها، ومن التطلع إليها أن ~~يتصور نفسه راكبا مركبة المحافظ أو أن يكون ممن يحظون بالدخول على «رياض باشا». # يفتح عينه ~~على الدنيا كل يوم قبيل الظهر، فتنحى الستائر عن النوافذ ويؤذن لنور النهار أن يدخل، وبعد ~~أن يقضي ما يشاء من الساعات التي تأبى إلا أن تكر في التمطي والتثاؤب وتناول الطعام والقهوة ~~المرة مذابا فيها العنبر، يقوم إلى ثيابه فينتقي منها جبة وقفطانا منسجمين متجاوبين ~~ثم يلف العمامة - ولفها مهمة شاقة قد يستغرق بقية النهار إلى العصر - ثم ينزل إلى ~~المنظرة ويتلبث بها ريثما يشرب القهوة ويشد أعصابه، ثم يخرج إلى دكان بدال أو حلاق أو عطار ~~أو غير هؤلاء، ويتوافى الرفاق وتروى أنباء السهرات. ويسأل السائلون عن «عبده» أو «عثمان» ~~أين يغني الليلة؟ ويتفق الإخوان على مكان يجتمعون فيه وشراب يجلسون إليه. ثم يتحاملون بعد ~~أن يقضوا وطرا من النهار إلى المغنى ولعلهم غير مدعوين فيظلون إلى طلوع الشمس في آهات ~~صاخبة وضوضاء ترجع ما بقي من الرأس وتزلزل الكيان. # ومجالس أبناء البلد نكات خشنة وضحك مقرقع. وأعذب ما يكون طعم الحياة في أفواههم حين ~~يركبون صاحبا لهم بدعاية عملية. أعرف واحدا من أظرف أبناء البلد وأكرمهم وأرقهم حاشية لا ~~يرضى عن نفسه إلا إذا استطاع أن يوقع واحدا ممن يسهل التماجن عليهم في مأزق أو يزج به في ~~ورطة. وكان يستثقل ظل واحد من حراس المقابر. وكان هذا لا يفتأ يغشى مجلسه وينغص عليه ms090 ~~لذاته البريئة بتذكيره بالموت وإحضاره إلى ذهنه. فأراد أن ينفيه عن هذا المجلس فأوعز إلى ~~خادم فاستأجر هذا مكاريا وبعثه برسالة إلى صاحبنا الحارس مكتوبة على لسان تاجر معروف، ~~والدته مريضة يدعوه فيها إلى الحضور إليه بأسرع ما يستطيع للاتفاق على بناء مقبرة، فجاء ~~المكاري إلى الحارس بالرسالة ففضها فتهلل وجهه وراح يحسب الربح المنتظر من وراء ~~هذه «المقاولة»، فلم يصرف المكاري بل ركب الحمار ومضى إلى التاجر ودخل عليه وحياه ودار ~~بينهما حديث: # الحارس ~~: # إن شاء الله تكون الوالدة بخير. # التاجر ~~: # بخير، بارك الله فيك. # الحارس ~~: # هل هي مريضة جدا؟ # التاجر ~~: # نعم، ولكن الله المسئول أن يخفف عنها ويلطف بها. # الحارس ~~: # إن شاء الله. لقد بعثت لي حضرتك برسالة وقد جئت حسب أمرك. # التاجر ~~(مستغربا) ~~: # رسالة لماذا؟ # الحارس ~~: # نعم، ألست حضرتك فلانا؟ # التاجر ~~: # هو بعينه. # الحارس ~~: # إذن الرسالة منك. # التاجر ~~: # ولكن ... هل تسمح لي بمعرفة اسمك؟ # الحارس ~~: # آه! يظهر أن حضرتك لم تعرفني، ولهذا تستغرب أن تكون قد بعثت إلي ~~برسالة. أنا فلان. # التاجر ~~: # أرجو ... أن تزيدني بيانا، فلست أذكرك ولا مؤاخذة. # الحارس ~~: # هذا غريب! # ورأى أن يحل الإشكال ويحسم الخلاف بتقديم الرسالة التي تلقاها. وتصور موقف الرجلين حين ~~فض الرجل الخطاب واطلع على هذه «البشرى» في الصباح الباكر. # ومن نوادر صاحبنا أنه وصف مرة لبخيل طريقة لصنع «الكنافة» وأقنعه بتجربتها. وجاءنا البخيل ~~بعد أيام - وكان ذلك في رمضان - يشكو ويسخط ويلعن ويقول: «اشتريت أربعة أرطال من الكنافة، ~~وناولتها امرأتي وقلت أعديها، وجئت بثلاثة أرطال من اللبن الحليب كما أوصاني اللعين - ~~خيبة الله عليه - وغلينا اللبن قبل المغرب بدقيقتين، وكانت «الكنافة» قد نضجت. فلما سمعنا ~~مدفع المغرب صببنا اللبن عليها وأغرقناها فيه، وأقبلنا على الطعام نتناول منه بقدر لنترك ~~مكانا «للكنافة» وإذا بها عجين لا يؤكل ولا يصلح لشيء إلا أن يرمى للكلاب! وهكذا ضاع ~~علي ما أنفقته في الكنافة من السمن والسكر واللبن والزبيب والصنوبر والبندق والجوز واللوز ~~وثمن الوقود، وضاع علي سائر ألوان الطعام التي لم أكد ms091 أمسها ترقبا للكناقة. فبماذا ~~أدعو عليه؟» # وابن البلد لا يعرف الريف ولا يصبر عليه، وإذا خرج إليه استغرب أن الطريق ليس غاصا ~~بالمساكن المتلاصقة، وأن الأشجار قائمة هنا وهناك، وأن الدنيا أرحب مما كان يظن، وأحس ~~بالميل إلى الضحك، ولكن ثقته بنفسه تفارقه مع المدينة التي غادرها، ويرى نفسه بين الفلاحين ~~غريبا ويسمعهم يتكلمون فيما لا يفهم، ولا يسعه إلا أن ينهز معهم بدلوه، ويخطئ عندهم ~~سهراته ومجالسه، ويحتاج أن يغير عاداته وأن ينزل عنها وأن يحتمل الاضطراب الناشئ عن ذلك، ~~ولا يحس في الريف ذلك التعاطف القريب، ولا يفهم أن ينام على ظهر الفرن ومع النساء والأولاد ~~والطيور والبهائم؛ لأن له «مزاجا» والناس في الريف أكثر ما يكونون بعداء بعضهم عن بعض، ~~وهم يقضون أوقاتهم مبعثرين في الحقول فليس في مجالسهم ذلك الصقل ولا تلك النعومة التي تكون ~~لمجالس أهل المدن، فهي لا تخلو من جفوة طبيعية وتكلف محسوس، وصخب مرجعه إلى اعتياد أهل ~~الريف أن يتخاطبوا بأصوات عالية لبعد المسافات بينهم، وقلما يشعر الحضري بحرارة الترحيب ~~إلا حيث يكون قدوم الغريب «حادثة» يندر أن تتكرر، فيتدفق الكرم المحبوس إذا لم يكن له مجال! ~~ولظهوره فرصة كبيرة فيقبل الناس عليه ويفرحون به إقبالهم على التحفة النادرة أو المنظر ~~الذي لا يجود به الزمن مرارا، وهكذا كان الحال قبل أن توثق المدنية ما بين القرية ~~والمدينة من الروابط، وتسهل عليهما الاتصال والتبادل والتفاهم والتقارب. # وابن البلد قد يكون أديبا أو فنانا - إذا كان قد جاور في الأزهر في صدر شبابه - وأدبه ~~البيت أو البيتان من الشعر يضمنهما نكتة لفظية أو معنوية، يداعب بهما صديقا، وأكثر ما ~~يكون نظمه للأزجال والمواليات، وربما نظم التوشيح ودفع به إلى ملحن أو مغن، وهو لا يحفظ ~~من الشعر إلا ابن الفارض ومن إليه، وإذا كان فنانا فهو من هواة «العود» على الأخص، تبتدئ ~~وتنتهي دنياه بالشراب والسماع والوجه الحسن، وفيما عدا ذلك لا وجود للدنيا. # ولا يعرف ابن البلد الحب ولا يحسن أن يعشق، ms092 والجمال عنده يوزنه أرطالا أو قناطير، ~~والمرأة مخلوق يداعب ويغازل ويجمش إلى آخر ذلك، وليست إنسانا يبادلك العواطف ويعاونك في ~~الحياة ويقاسمك متعها ومتاعبها ويؤدي مثلك وظيفته التي خلق لها. وقد ترى ابن البلد ~~عاشقا ولكنه عاشق بحواسه، لا يعرف صبوة النفس إلى النفس وحنة القلب للقلب. # وهو يجود في غير كرم، ويمسك في غير بخل، ويتكلم بغير علم. ويضحك بغير جدل. ويحتشم في غير ~~أدب. ويسير في الدنيا غير محتفل. ويقضي الحياة غير عابئ بما كان أو مكترث لما يكون. همه أن ~~يأكل وينام ويسر ويضحك. فالضحك وما يعين عليه من الشراب ومجالس الإخوان غرض يسعى إليه ~~وغاية تعتمد. والحياة آخرها الموت. فما خير التعب فيها وإرهاق النفس بالعمل والطلب؟ أليس كل ~~شيء إلى فناء؟ فما أولاه باغتنام الساعة التي يكون فيها وما أسخف من يعنون أنفسهم ~~ويحرمونها لذاذات العيش ومتع الوجود؟ ألم تر إلى فلان الذي قضى عمره يجمع المال ويطلب ~~المناصب ويريق ماء وجهه على الأعتاب ويقتر على نفسه ليغنى ويضيق على ذويه ليتسع؟ ألم ~~تر إليه كيف قضى نحبه وهو جالس على باب الحلاق؟ فماذا أجدى عليه تعبه وسعيه وتقتيره ~~وحشده؟ إن فيه لعبرة لسواه. فهات الكأس وأصلح الأوتار، وأطلق صوتك بالغناء ينفي عن النفس ~~وحشتها وتجل صداها وتنسها أن الحياة إلى انقضاء. # فابن البلد فلسفة عملية تجهل نسبها العريق في الأبيقورية المشوهة، ولم يعف عليها الزمن ~~حين عفا عليه. # | صورة وصفية لصحفي # قضى «م» سنة كاملة يعمل في سكون في الصحيفة التي التحق بها، ويؤدي الواجب الذي وكله إليه ~~رئيسه بإخلاص ودقة، وكان واجبا شاقا، ولكنه كان يجد فيه ملهاة عن هموم الحياة. وعرف له ~~رئيس التحرير فضله فكان لا يفتأ يثني عليه ويشجعه ويبلغه حسن رأي الناس فيه وحمدهم ~~مجهوده، وكان يخجله أن يسمع هذا المدح ولا يدري بماذا يجيب فيقطب - وهو يريد أن يبتسم - ~~ويتلفت يمينا وشمالا كأنما يبحث عن نافذة يثب منها. وطلب منه رئيس التحرير يوما صورته ~~فريع المسكين وقال: «صورتي؟» ms093 # قال: «نعم صورتك. نحن في ديسمبر كما تعلم.» # قال وقد زادت حيرته: «أعلم هذا، ولكن ما العلاقة بين كوننا في ديسمبر وبين صورتي؟» # فابتسم رئيسه وقال: «قد اعتزمت أن أعطيك جواز ركوب مجاني للترام. هذا ما أستطيع أن ~~أكافئك به الآن، وقد كان بودي أن أزيد مرتبك، ولكن لا أرى هذا ميسورا في الوقت الحاضر. وفي ~~مرجوي أن أستطيع بعد قليل.» # ولبث أياما يخجل أن يبرز الجواز أو ينبئ عمال الترام أنه «أبونيه» ويؤدي أجر ~~الركوب، ذلك أنه أحس بشيء من الحرج؛ لأن الجواز مجاني، وخيل إليه لغير ما سبب معقول أن ~~«الأبونيه» منحة من الشركة، فلا يبعد أن يخطر لها يوما أن تسترده، وتجسم له وهمه فكان ~~يتصور أن العامل جاءه يطلب ثمن التذكرة، فقال له «أبونيه» فطلب رؤية «الأبونيه» وفتحه ثم ~~طواه ودسه في جيبه وقال «تذكرة من فضلك»، ومع اطمئنانه إلى استحالة هذا، صار يستدرج ~~إخوانه الذين يحملون مثل جوازه ليركبوا معه. أو على الأصح يركب معهم وإن كان طريقهم غير ~~طريقه ليطمئن ويتشجع، حتى ألف هذه الحالة الجديدة. وعلى أنه مع ذلك ظل زمنا كلما مر به ~~عامل الترام وهو راكب، يتوخى أن يكون سلوكه وهيئته على خير ما ينبغي. فإذا كان واضعا ~~رجلا على رجل أنزلها، وإذا كان يتكلم صمت، وإذا كان ناظرا إلى اليمين أو الشمال رمى ~~بعينه إلى الأمام كأنه تلميذ لمحه المدرس يتشاغل عن الدرس. # وكتب يوما مقالا ودفعه إلى رئيسه فما راعه في اليوم الثاني إلا رؤية المقال في صدر ~~الجريدة وفي ذيله اسمه. فألقى القلم وأسرع إلى رئيسه يؤكد له أنه لم يذيل المقال باسمه، ~~وأن المسئول سواه عن هذا الخطأ أو التصرف المعيب. # فقال رئيسه: «ألم يخطر لك أن من الغبن أن جمهور القراء يجهل اسم كاتب مقالاتك؟» # فدهش واستحيا أن يخالف رئيسه لا جبنا؛ بل لأنه لا يحب أن يتهمه رئيسه بقلة الفهم، ومضى ~~الرئيس في كلامه فقال: «لقد وضعت اسمك في آخر المقال حتى من غير أن ms094 أستأذنك.» فتمتم «العفو. ~~أستغفر الله.» ~~«لأني رأيت أن من الواجب إنصافك. إن أسلوبك فيه فن وقوة لا أرى لهما مشبها في كتابات ~~غيرك. ومن العدل أن يعرف القراء أنك أنت صاحب هذا الفن الرائع ومبتكر هذا الأسلوب ~~المحكم.» # فوجد قوة كافية للاعتراض فقال: «ولكني لا أعرف أن لي أسلوبا ...» # فقاطعه رئيسه: «إن هذا تواضع يزيد قدرك.» # فتحامل على نفسه وقال: «أؤكد لك أني صادق.» «لا شك في ذلك.» ~~«ليس لي أسلوب أو فن، وليس في قولي هذا شيء من التواضع إنها الحقيقة.» # قال الرئيس «إذن هو كبر أن يكون بك كبر.» # قال: «كلا. كلا. ولا هذا.» # قال الرئيس وقد ضجر: «إذن أعصابك متعبة استرح بضعة أيام.» ولكنه لم يسترح، وحاول بعد هذا ~~الحديث أن يكتب فصار يمزق ورقة بعد أخرى ولا يزيد على سطر في واحدة منها. فوضع القلم يائسا ~~وقال ما أظنني أستطيع أن أكتب شيئا بعد هذا، وراح يعجب كيف كان يؤاتيه الكلام وكيف صار ~~يستعصي عليه الآن، أسلوب؟ فن؟ ماذا يعني؟ إن كل ما يعرفه أنه كان يتناول القلم ويجريه على ~~الورقة، وكانت الألفاظ تسعفه ولم يكن يجد عناء في تخيرها، بل لم يكن يتخير أو ينتقي، فما ~~له الآن لا يقدر أن يخط حرفا؟ # وتناول طائفة من أعداد الجريدة وجعل يقرأ مقالاته من جديد لعله يقع على ما فيها من الفن ~~ويتبين ذلك الأسلوب الذي يذكرونه، فلم يهتد إلى أسلوب أو فن، وألقى الصحف ونهض عن المكتب ~~واستأذن في الخروج، وقد أيقن أن مستقبله في الصحافة قد قضي عليه. ~~••• # وبعد بضعة أسابيع دعاه رئيس التحرير وطلب منه أن يتحرى مسألة من المسائل. فقال: «أرجو ~~أن تدع لي مفاتيح المكتبة.» # فذهل رئيس التحرير وقال: «المكتبة؟ أو تحسب أن هذا مما يوجد في الكتب؟» # فسأل: «أين إذن أجده؟» # قال: «لو أمهلتني لما أحوجتني إلى هذا.» وشرح له الموضوع ثم قال: «فعليك الآن أن تقابل ~~وزير الخارجية في مكتبه.» # فسأل: «متى أستطيع ذلك؟» # فضجر الرئيس وقال: «لا تكن طفلا ms095 يا «م » ...» # وفي صباح اليوم التالي ركب سيارة حملته إلى الوزارة المقصودة، فلما دخل لم يدر إلى أين ~~يذهب ولا إلى أي ناحية يقصد، ووقف لحظة يدير عينه في البناء ويرجو أن يلقى أحدا تكون له به ~~معرفة، ولما طال الأمر راح يتمشى، ثم خشي أن يضيع الوقت فعاد إلى الجندي الواقف بباب ~~الوزارة وقال: هل تستطيع أن تدلني على غرفة صاحب المعالي الوزير؟ # فصعد الجندي فيه نظره وصوبه ثم قال: «ادخل من هنا وامش في خط مستقيم.» # ففعل ولم يزل داخلا حتى صار في حجرة واسعة فاخرة الأثاث، ولكنه لم يجد فيها لا مكتبا ~~ولا وزيرا والتفت فرأى بابا مواربا فمد عنقه وأطل منه فرأى مكتبا وليس أمامه إنسان، ~~فشجعه خلو المكان فالتفت وراءه فلم يجد أحدا، فتقدم خطوة وأطل مرة أخرى فأخذت عينه ما ~~أيقن معه أن الغرفة غرفة الوزير، ولكن الشك خامره. إذن أين الوزير والساعة الآن الحادية ~~عشرة؟ وكيف يخلو المكان من حجاب وشرطة وموظفين قائمين في خدمته؟ كلا. بل أكبر الظن أن ~~الوزير في مكان آخر. ورجع فالتقى بشرطي فسأله. فقال بل هي الغرفة وهنا (وأشار إلى غرفة ~~صغيرة) سكرتير الوزير. فحمل بطاقته مستأذنا في الدخول عليه وخطر له وهو يناوله البطاقة أن ~~مخبري الصحف مساكين؛ لأنه ظنهم لا يدخلون على موظف إلا إذا بعثوا إليه بطاقاتهم مقدما. ~~وأذن له في الدخول فحياه بلسانه ورفع به بالسلام فلم يزد السكرتير على أن هز رأسه، ~~وقال: نعم. قال هل أستطيع أن أقابل معالي الوزير؟ # قال السكرتير: «إنه مريض.» # فقال صاحبنا: «مريض؟ لا بأس عليه. أرجو أن تبلغه سلامي.» فابتسم السكرتير وخرج «م». وقد ~~سره أن الوزير مريض وأنه نجا من لقائه أكثر مما ساءه أن عاد بلا جدوى. # وخيل له أن رئيس التحرير يدرك ما انتابه وأنه يتعمد أن يصرفه عن الكتابة ويكلفه ~~مهمات من هذا القبيل، فقد بعث به في اليوم التالي إلى وزير الحقانية، فخرج ولم يركب في هذه ~~المرة سيارة؛ لأنه تفقد ما ms096 في جيبه فاستقله، ولم يشأ أن يرهق الجريدة بكثرة النفقات، ~~وخجل أن يطلب أجرة الركوب مقدما. ولم يكن قد احتاج من قبل أن يذهب إلى وزارة من الوزارات، ~~فسأل بعض من لقيهم في الطريق فدلوه، وكان وهو سائر يفكر في ثقل هذه التكاليف وفي هذه ~~الضرورات المتعبة، وانتقل من هذا إلى التفكير في الموضوع الذي يقصد إلى الوزير من أجله، فلم ~~ير أن المسألة تحتاج إلى استفهام أو لقاء وزير، وكيف يبدأ الكلام؟ وماذا يفعل إذا رفض ~~الوزير أن يجيب؟ ولماذا لا يذهب رئيس التحرير بنفسه؟ # وكان في أثناء ذلك قد دخل من باب وزارة وقطع الفناء ووصل إلى السلم فصعد وهو لا يزال ~~يحاور نفسه، وسأل عن غرفة السكرتير فسار به شرطي إليها، فأعرب له عن رغبته في مقابلة ~~الوزير، وكان السكرتير يعرفه فأكرمه ورحب به وطلب له قهوة، وبعد نحو ساعة مضى به إلى باب ~~فتحه وأشار إليه أن يدخل. # فقال الوزير: «أهلا وسهلا ... زيارة نادرة، تفضل.» # فجلس على حرف الكرسي وافتر فمه عن ابتسامة بلهاء، وكان يدرك أن عليه أن يتكلم، ولكن ~~لسانه خانه كأنما قد استل منه، ولم يكن ينقصه أن يحدث له هذا ليزيد ارتباكه، وكان الوزير ~~دمثا رضي الخلق، فابتسم وقال له وهو يميل إليه: أتشرب القهوة؟ ~~- كلا! ~~- إذن خذ سيجارة. ~~- ولا هذه! ~~- ألا تدخن؟ # فأومأ المسكين برأسه أن نعم، فقال الوزير «إذن يجب أن تدخن!» # وقدم له العلبة فأخذ منها واحدة وأسقط واحدة أخرى على المكتب واستطاع فضلا عن ذلك أن ~~يطير بكمه بضع أوراق، وانحنى يريد أن يلتقطها ويعيدها إلى مكانها، فصدم المكتب برأسه ونزل ~~الطربوش إلى أذنيه، فضحك الوزير وقال: «لا بأس، والآن ماذا أستطيع أن أفعل لك؟» # فجر صاحبنا الكرسي ودنا به من المكتب وتنحنح ثم استطاع بجهد أن يفضي بالموضوع، وكان ~~الوزير في أثناء ذلك يقطب حاجبيه أو يرفعهما أو يستعيده بعض ما يسمع منه، وهو مستغرب، ~~وصاحبنا لا يفطن إلى آيات الدهشة في وجهه ولا يدرك أمارات العجب ms097 ولا يلتفت إلى دلائل الملل، ~~وأخيرا قال: «وقد جئت راجيا أن تتفضلوا علي بيان واف على قدر المستطاع في هذا ~~الموضوع.» # فقال الوزير ولم يخف امتعاضه: «ولكن هذا من اختصاص وزير الحقانية!» # ولو كان صاحبنا حاضر الذهن لفطن إلى الغلط الذي وقع فيه ولاستطاع أن يحسن التخلص. ~~ولكن لسانه سبق رأسه فقال: «ولهذا جئت لمعاليكم.» # قال الوزير وقد اشتد امتعاضه: «ولكني لست وزير الحقانية»، فبهت المسكين، ووقف لسانه في ~~حلقه، ودارت به الأرض، ورثي الوزير له وأدركه العطف عليه، فلاطفه وقال: «لا بأس، الغلط ~~مردود (وضحك) لم يضع الوقت، يمكنك أن تقصد إلى وزير الحقانية الآن، لقد سرتني زيارتك ~~على كل حال وأرجو أن أراك مرة أخرى، نهارك سعيد.» # وخرج «م» وهو لا يرى ولا يفهم شيئا. ماذا عسى أن يقول عنه رئيس التحرير أو أي إنسان حين ~~يعلم أنه يخلط بين وزير الحقانية ووزير ... أي وزارة هذه التي كان فيها؟ حتى هذا لا يعرفه ~~أو هل يجرؤ الآن أن يستخبر أحدا؟ وهل يجرؤ أن يعود إلى جريدته جاهلا أي وزير قابل، فوق ~~ما كان من جهله وتخليطه. # ولم يكن يخفى عليه أن الحل الوحيد هو أن يقصد إلى الحقانية ويقابل وزيرها. ولكن اضطرابه ~~بلغ مبلغا احتاج معه إلى علاج، فقصد إلى قهوة قريبة وألهم أن يطلب كأسا من الويسكي ~~جرعها صرفا، ولم يلبث أن سكنت نفسه قليلا، فشرب كأسا ثانية وثالثة، ثم قام إلى بغيته وبه ~~من الثقة بالنفس ما لا يذكر أنه أحسه من قبل، ورأى من الأمانة أن يكاشف رئيس التحرير بما ~~كان من غفلته. فضحك حتى كاد يقع من فوق كرسيه وقال: يا صاحبي. إنك كاتب لبق يسعك ما لا يسع ~~فرقة بأسرها من الكتاب حين تجلس إلى مكتبك، ولكن حين تلقى الناس لا تعود صالحا لشيء أو ~~قادرا على شيء. فاذهب إلى مكتبك ولا تزايله فما نستطيع أن نخلقك خلقا جديدا. # | حلم بالآخرة # (1) وادي الأشباح # عدت من هياكل «الكرنك» # 1 # مكدودا معفرا، وكان الجو دافئا ms098 والسماء صافية لا أعرف لزرقتها في غير ~~«الأقصر» مشبها، فغيرت ثيابي وبدا لي أن خير ما أصنع - لأريح جسمي التعب وذهني ~~المكظوظ - أن أركب زورقا أسبح به على النيل. ولما استويت فيه دليت يدي إلى الماء ~~وانثنيت أفكر فيما رأيت وأستعيد ما شهدت، ولكن صورة «سخت» في حجرتها المظلمة أفسدت ~~علي هذه الفكرة التي كنت أرجو أن أستمتع بها في زورق على النيل، ومن ذا الذي يراها ~~ولا تعود أبرز ما يطيف برأسه، رأس لبؤة وجسم امرأة، وعينان ليستا بعين امرأة ولا عين ~~سبع، تحدقان في الظلام وتبحثان عن الفريسة، وذلك أنها هي الموكلة بالتهام الأرواح ~~المذنبة في الآخرة. # وأغفيت وأنا أفكر فيها، ورأيت وأنا نائم على النيل حلما مضطربا كله تخليط على عادة ~~الأحلام. وانقلب النيل نهرا آخر - ستيكس - نهر الأغارقة الذي تقول أساطيرهم إن الموتى ~~يعبرونه إلى وادي الأشباح، وآض الملاح الذي يجدف به على النيل «شارون» # 2 # وإذا على الشاطئ حشد عظيم من الأموات يسوقهم «هرمز» بالعصا وهم يبكون ~~ويولولون ويندبون الحياة التي خلعوا ثوبها ويبغون الرجعى إليها، ولا يطيقون الحقيقة ~~العارية الباقية التي صاروا إليها، ولا يتعزون عن أحلام الدنيا التي كانت تفيض لهم على ~~الوجود بريقا مستعارا خادعا؟ آه لقد ذهب سماؤهم كلها مع تلك الأحلام! # وحشروا جميعا في الزورق الذي اتسع لهم جميعا، الأطفال حزمة واحدة بلا سؤال أو ~~مراجعة، ثم الشيوخ والعجائز الذين لم يبكهم أحد، ثم قتلى بعض المعارك في جهات من ~~الأرض لم أسمع بها في حياتي - فما أحوج علم الجغرافيا إلى بعثة تذهب إلى هناك - ثم رجل ~~قتلته امرأة وعشيقها، ثم الذين أفنتهم الحميات ومعهم طبيب هرم، ودفع شارون الزورق ~~على اللجة، وتركني على الشاطئ فأحسست بالوحشة وخفت أن أتعفن إذا بقيت وحدي إلى ~~الغد، فصحت بشارون أن يحملني معه فأبى وقال: إن الزورق غاص وليس فيه موضع لقدم، فيئست ~~غير أن واحدا من الركاب أهاب بي أن ألقي بنفسي في الماء وأسبح فقلت له: إني لا أحسن ~~السباحة وقد ms099 ... أغرق. # فقهقه وقال: ماذا تخشى من الغرق وقد مت؟ # فرميت بنفسي في الماء وعمت إليه، ومد يده فجذبني ودار بعينه فلم ير لي مكانا ~~فأطرق قليلا ثم رفع رأسه وقال وهو يبتسم: أنا - أيضا - قلق في موضعي هذا، فتعال بنا ~~ننتقي لنا اثنين من هؤلاء المعولين المنتحبين نجلس على أكتافهما! # وفعلنا ودار شارون بالركاب يتقاضى أجرة النقل، وتنبهت إلى ذلك فقلت لصاحبي: «ولكني ~~معدم وقد جردوني من كل شيء لما مت فماذا أصنع؟» # قال: «لا بأس عليك! فما أنا بخير منك، فاسكت أنت ودع الأمر لي.» # وجاء شارون يطلب الأجر، فقال له زميلي: «ماذا تنتظر ممن ليس معه شيء؟» # قال شارون: «كيف؟ أهناك أحد ليس معه أجرة النقل إلى الوادي؟» # قال: «لا أعلم، ولكنا هنا اثنان لا نملك مليما، فأشر ماذا تأمر؟» # قال شارون: «واثنان أيضا؟ وحق بلوتو أخنقكما!» # قال زميلي: «خذ الأجرة ممن بعثوا بنا إليك!» # قال شارون: «ولكنك كنت تعرف أن عليك أن تؤدي لي هذا الحق، فلماذا لم تستعد قبل هذا ~~المجيء؟» # قال: «لم يكن معي شيء، فهل كان ينبغي أن نظل أحياء وألا نموت من أجل ذلك؟» # قال شارون: «أتريد أن تكون الوحيد الذي يحمل إلى الوادي بلا مقابل؟» # قال: «كلا! لست الوحيد، فإن لي رفيقا ومؤنسا إلى جانبي كما بينت لك، وعلى أنا لا ~~نحمل مجانا، فإنا وحدنا دون جمعك هذا لا نبكي ولا نندب، ثم إنا خفيفان لا نثقل ~~زورقك، وإذا شئت عاوناك ولم نقاسمك الربح ولم نطلب منك الأجر.» # قال شارون: «ولكن هذا لم يحدث قط من قبل فهو غير جائز!» # قال: «إذن ردنا إلى الحياة.» # فالتفت شارون إلى هرمز # 3 # وقال: «من أين جئت بهذين الحمارين؟ وانظر كيف يضحكان، على حين يبكي كل ~~إنسان؟ لقد كان أولى أن يبقيا هناك على ظهر الأرض، فما هما بجديرين بالموت.» # ومضى عنا وهو يسبنا ويتوعدنا بقبضة يده، فأسر إلى زميلي: «ما أسخف وعيده! ~~أيموت المرء مرتين ويحمل إلى الزورق مرتين؟» # ثم قال لي بعد برهة: ms100 «لقد هبطت أنغام العويل والنحيب ، فما قولك؟ أليس من الواجب أن ~~نضطرهم إلى رفع طبقتها؟» # قلت: «ولكن كيف يسعك ذلك؟» # قال: «انتظر.» # وتنحنح ثم انطلق يغني: # أقبل الليل علينا بدجاه # فاسقنا، فالعمر آيات الشباب # غننا صوتا كأمواج الحياه # بين لين واعتلاج واصطخاب ~~••• # ولم يكد يفرغ من هذه المقطوعة حتى علا الصياح والنشيج. فواحد يقول: «وا أسفاه على ما ~~خلفت!» وثان يصرخ: «ويحي! سيبدد أخي ما ورث عني»، وثالث يصيح: «ألا من لصغاري!» ~~وهكذا. # ومضى صاحبي في غنائه: # أقبل الليل فهات القدحا # أوليس العمر أيام الصبا؟ # غننا لحنا نديا فرحا # يطلق الأوصال من قيد الحجى ~~••• # وارقصوا بين المنايا واطربوا # أوليس العمر أيام النعيم؟ # وإذا ما لامكم مستغرب # فدعوا اللائم يذهب للجحيم # فدنا «هرمز» منه وأومأ إليه أن كف ثم قال: «إن هذا لا يليق، ومن واجبك أن تندب ~~كالباقين.» # قال مستغربا: «أندب؟ أأندب الحظ الذي أتاح لي هذه النزهة الظريفة؟» # قال هرمز: «إن سلوكك شائن. فأرسل عولة أو اثنتين على الأقل فما يجوز أن تشذ عن ~~المألوف.» # قال زميلي: «حسن. سأفعل.» # ثم وضع كفه على خده وانطلق يصيح: «وا أسفاه على ثوبي المرقع الذي لا يقي في شتاء ~~ولا ينفع في صيف! وا حزاناه على الحفا! لن أجوب الطرقات بعد اليوم متضورا من الصباح ~~إلى المغيب، ولن أنام على الأفاريز وأتوسد الحجارة وأسناني تصطك من البرد، من ترى ~~سيرث عكازتي التي كنت أتوكأ عليها؟ ويختال في مرقعتي التي كنت أخطر في ~~هلاهيلها!» # فمضى هرمز عنه ساخطا لاعنا ورحنا نحن نضحك. # وإنا لكذلك وإذا «بشارون» ينادي هرمز ويصيح به: إن الزورق يوشك أن يغرق من ثقل ما ~~يحمل. فماذا يفعل؟ # فوقف هرمز كالأبله حائرا، ثم وثب رفيقي وقال: «تعال ننقذ شارون فإنا مدينون ~~له.» # قلت: «إن الغرق شيء أفهمه وقد أحسه. أما ما عداه فلا علم لي به يا صاحبي.» # قال: «ولكنك تستطيع أن تشاركني على الرغم من ذلك»، ثم قال لشارون: «اسمع. جرد هؤلاء ~~الموتى مما يحملون وألق به في الماء. ms101 انزع هذه الحلي عن أصحابها . لقد كانت تنفعهم في ~~الدنيا أما هنا فهي مثقلة بالغش والتضليل. ودعاوى التقوى والوقار والحشمة.» # قال شارون: «صدقت.» ونزعها جميعا ورمى بها، «وماذا أيضا؟» ~~- ألا ترى هذا الرجل الذي يبكي ويختلس النظر إلى من حوله؟ قال شارون: «نعم. ما ~~له؟» # قال: «أخرج من تحت إبطيه الكذب والنفاق والدهان تتخلص من خمسة قناطير على الأقل. ~~وهذه المرأة الجميلة، عر وجهها وجرده من المساحيق فإن وزنها يجاوز الطن، افعل ~~وعجل.» ففعل. ~~«وهذا الغرور الذي تنطق به عينا هذا الرجل، ألا تحس ثقله؟ إنه يكفي شعبا ~~بأسره!» ~~«والفلسفة التي في رأس هذا إنها أثقل من الحديد. ألق بها في الماء. أسرع.» # فأطارها شارون عن رأسه. # وهذا الأديب هناك. ماذا يصنع بكل هذه الألفاظ والمجازات والاستعارات والخيالات ~~والسخافات؟ إنها كافية وحدها لإغراق زورقك يا شارون. # قال شارون: «نعم والله! أين كنت مخبئا كل هذه الأثقال؟» # ثم التفت إلى زميلي وقال: «كفى كفى يا صاحبي! إن الزورق الآن أخف من الريشة. ~~وأحسبني مدينا لك بإنقاذ سفينتي.» # قال زميلي مقاطعا: «أمسك، لا ثقلها مرة أخرى بشكرك إياي.» وعدنا إلى مكاننا وانطلق ~~الزورق خفيفا يشق النهر ويفرق أمواجه الراكدة، ودنونا من الشاطئ عند الفجر وحاذيناه ~~فوثب صاحبي إلى الأرض وأنا وراءه. # ثم أهوى على الباب العتيق بحجر ضخم وراح يدقه كالذي يريد أن يحطمه فهب ~~«أتروب» # 4 # وقد طار كراه وأقبل على الباب يتعثر في مشيته، ورمى مصراعيه وسأل: من ~~الطارق؟ # قال زميلي: «أنا.» # قال «أتروب»: «أنت؟ أنت ماذا؟ ما شأنك هنا؟ ما اسمك؟» فمال إلى زميلي وقال: «كأنما ~~كنت شيئا في الدنيا فيعنيه أن يعرف من أكون.» ثم التفت إلى الحارس وقال: «ومن عسى أن ~~أكون؟ أتراك تتوهمني بروميثيوس قد فك أصفاده وجاء يعتق البشر من أسر ~~الموت؟» # ثم لوح بيده مشيرا إلى الركب الذي في الزورق ورفع صوته مغنيا: # حي يا أتروب ألوان الصباح # طلع الفجر عليكم بالرمم # بين ندب وعويل وصياح # جاء وفد الموت من كل الأمم ~~••• # جاء وفد ms102 الموت يحدوه الدليل # ويغني سوطه فوق الظهور # ويميل الصف في كل مميل # وهو خلف الصف وثاب يدور ~~••• # لست خيرا منهمو وا أسفاه # أوكان «الخير» إلا شططا # غلط جاد به، ثم أباه # دهر سوء لا يعيد الغلطا ~~••• # بل يعيد الغلط المترذلا! # أوليس الناس أغلاطا تعاد؟ # ولو أن الدهر شاء إلا مثلا # لخلت منهم قراهم والبلاد # وكان هرمز وشارون في خلال ذلك قد أفرغا حمولة الزورق، فلما سمع الموتى هذه الأغنية ~~تصايحوا وضجوا وهموا بزميلي ولكنه تلقاهم بابتسامة استخفاف وقال لهم: أيسوءكم أن ~~يلحق بكم من خلفتم فوقها؟ # فارتدوا ساكنين، وتقدم هرمز بورقة فيها بيان مجمل بعدد الموتى، فتسلمها أتروب ~~وبدأ يعد ثم كف وهو يقول: ما أظن ميتا يفلت أو حيا يجيء قبل الأوان. امض بهم يا هرمز إلى ساحة رادا مانتيس. # 5 # فساقنا هرمز أمامه، وتقدم صاحبي الصفوف وسرت معه في طليعتها وانطلق يغني: # دارنا مغرب أنوار الحياة # من رآها لم ير الضوء الطليق # ما لمن يهوى إليها من نجاه # ما لما يغرب فيها من شروق ~~••• # وهي في الأكوان دنيا عافر # كل زخار له فيها ركود! # ضرب السحر عليها ساحر # فهي عنوان على عقم الوجود! # وطال بنا الانتظار على باب رادامانتيس إلى أن جاء دوري فتقدمت، وزاحم زميلي فدخل معي ~~ولما صرت أمام القاضي سألني: ما اسمك؟ # قلت: «المازني.» # قال: «ماذا؟ ال ... ال ... ماذا؟» # فلو كنت حيا لاحمر وجهي وقلت: «المازني. لقد كنت أحسب شهرتي قد سبقتني.» # قال: دع هذا المزاح. من أين جئت؟ # قلت: «من مصر.» # قال: «مصر؟ ولماذا جئت إلينا؟» # قلت: «وأين كان ينبغي أن أذهب؟» # قال: «إنك من أفريقية فاذهب إلى قسمك.» # قلت: من أين؟! عهدي حديث بهذا الوادي. # قال: «لا بأس، سيدلونك عليه. يا هرمز، أرشد هذا التائه إلى سومبور.» # فألقيت إلى صاحبي نظرة أسف على فراقه، فجذبني إلى الوراء وأسر إلي: «سأذهب ~~معك.» # قلت: «ولكنك لست من مصر.» # قال: «ماذا يهم؟ من أنا حتى يعرفوا أمن مصر أنا أم من غيرها! هيا بنا.» ~~(2) بين أيدي ms103 القضاة # انصرفنا من ساحة رادامانتيس، وثنينا الخطا إلى الشاطئ - وكان هرمز قد سبقنا - وفي ~~مرجونا أن يحملنا شارون إلى القسم الأفريقي، فألفينا هرمز وشارون مختلفين. يقول هرمز: ~~«لقد آن جدا يا شارون أن تؤدي إلي ذلك الدين القديم فما بقي لك عذر.» # فيقول شارون: «ما أحسبني أنكرت قط يا صديقي أني مدين لك.» فيهز هرمز كتفيه ويمط شفتيه ~~ويقول: «لشد ما نفعني أنك لا تقصر في الاعتراف! هذه عملة لا أعرف أحدا سواي يقبلها، ~~فهات ما عليك وأنكر إذا شئت أنك مدين لي.» # فيبتسم شارون ويفرك كفيه ويقول: ولكنك لم تبين لي قط مقدار هذا الدين، فيقبل ~~عليه هرمز ويقول: «إن البيان حاضر فليتك مثلي استعدادا لتقديم الحساب. المرسى والحبل ~~بسبعين قرشا.» فيقاطعه شارون: «سبعون قرشا. وحق بلوتو لقد خدعك! أو أنت تضحك على ~~شيبتي!» # فينتفض هرمز واقفا ويقول بصوت عال: «أضحك عليك! أنا؟ أهذا جزائي منك؟ لا مال ولا ~~شكر؟» # شارون ~~: # هون عليك يا صاحبي فما إلى هذا قصدت. سبعون قرشا إذن وماذا ~~أيضا؟ # هرمز ~~: # وإبر لترقيع القلع، وشمع لسد الخروق، ومسامير، وجلد للمجاديف ~~بعشرين قرشا. # شارون ~~: # صفقة حسنة. وماذا؟ # هرمز ~~: # هذا كل ما أذكر، تسعون قرشا. وبسط يده. # شارون ~~: # الآن يا صديقي يتعذر علي أن أنقدك هذا القدر، فإن العمل قليل ~~والربح ضئيل. لا وباء يفتك بالناس، ولا حرب تحصدهم، ولكني أعدك أن أؤدي إليك ~~دينك إذا نشطت الحركة. # هرمز ~~(ممتعضا) ~~: # الأفضل عندي أن يظل دينك مطولا. # ثم نظر إلينا وقال: «هيا بنا.» # فقال شارون: هذان المفلسان لا عجب أن يعودا وأن ترفضهما حتى الجحيم. # فقال صاحبي: «ألا تنقلنا إلى ...» # فقاطعه شارون ولم يمهله ريثما يتم كلامه: «أنا؟ أتراني جننت؟ اذهب أنت وصاحبك فما ~~فيكما خير.» # وهكذا رددنا، وذهبنا سيرا على الأقدام، وجعل هرمز يشكو في الطريق ويتسخط ويعرب عن ~~تبرمه بحياته وكثرة الواجبات الموكولة إليه. فهو يقوم في الفجر ويعد المائدة ~~السماوية ويرتب حجرتها، ثم يقف بجانب زيوس ليتلقى أوامره وليؤدي رسائله إلى أصحابها ~~النهار كله، وفي ms104 الليل لا ينام بل يذهب بالموتى إلى بلوتو ويقف في ساحة القضاء حاجبا، ~~ثم إنه يدرب الخطباء ويشهد الاجتماعات ويفعل غير ذلك أشياء يخطئها الحصر. حتى لقد كان ~~يؤدي وظيفة الساقي لزيوس قبل أن يتزيا «زيوس» في زي نسر ويخطف الغلام «جانيميد» ~~ويتخذه ساقيا له يأخذ من كأسه رشفة، ومن شفتيه البضتين أخرى، ويكايد به زوجته ~~«هيرا». # وأخيرا بلغنا سهلا فسيحا أمام «الكرنك»، وسرنا مسافة في ظل أشجار الليمون، حتى ~~خرجنا من تحتها، ووقفنا مع آلاف الموتى من أمثالنا، وكان القضاة خمسة وقد جلسوا صفا ~~واحدا، فأسر إلي صاحبي أن تعال نشهد الرواية من أولها، وجذبني وزاحم بي حتى صرنا ~~إلى الصف الأول، فسمعنا من عرفنا ممن حولنا أنة «سومبور»، وهو رجل نحيل هزيل الجسم ~~متهضم الوجه أسود العينين براقهما وفي يده زهرة من زهرات البردي يقول: «أيها الزملاء، ~~إن «سخت» تنتظر!» # فسرت في أجسامنا رعدة، ونودي الأول فتقدم وسمعنا كلاما كهذا. سومبور - وهو ~~يعبث بزهرة البردي - قل الحق الذي تعرفه ولا تحاول أن تكذب. أهي الخمر؟ # قال الرجل: نعم. # ديارناك ~~(وهو مديد القامة معتدلها كالجندي لا يلتفت يمنة أو يسرة، ~~وحول وجهه لحية كثة) ~~: # هل حوكمت من قبل على الشراب؟ # الرجل ~~: # لا يا سيدي. # ممبرون ~~(وهو عريض الوجه لماع الجلد كأنما كان قد دهنه بالليل، يبتسم ~~تارة ويتجهم أخرى، وفي إحدى كفيه قطعة من الذهب وفي الأخرى صرة ~~صغيرة) ~~: # كيف تقول؟ من أي بلد أنت؟ # الرجل ~~: # من قرية اسمها ... # بوتا ~~(وهو بدين قصير أحمر الوجه أبيض الشعر، له عينان كعيني الخنزير ~~وأمامه ختم ذهبي كبير) ~~: # دع هذا، وقل لنا: لماذا أولعت بالشراب؟ # الرجل ~~: # لأنه مرض. # بوتا ~~: # لست أفهم. إني أحب الكأس أو الاثنتين من الويسكي مشعثا ~~بالصودا ولكن الإفراط ... هذه هي المسألة. # الرجل ~~: # إن المسألة هكذا، كلما ألح علي الإحساس بالشقاء أفرطت في ~~الشراب، وكلما أفرطت في الشراب زاد إلحاح الإحساس بالشقاء ... # ممبرون ~~: # الحلقة المفرغة مرة أخرى. # موروسكن ~~(رجل مثقف مغضن الوجه على ذراعه قطة يمسح لها شعرها بيده ms105 ~~الأخرى) ~~: # وماذا عندك غير هذا على سبيل الدفاع عن نفسك؟ # الرجل ~~: # لا شيء. ولقد يخيل إلي الآن بعد أن مت، أني كنت أستطيع أن ~~أنقذ نفسي لو أني اشتغلت في الدنيا بوصف السعادة للناس حين أحس أنا ~~بالشقاء. # موروسكن ~~: # أتقصد أنك كنت تريد أن تكون روائيا؟ هذا جميل الحق أقول يا سومبور. إني أعتقد أن التفاؤل لا يزال يقوم في الدنيا على قاعدة من مرض الفنان ~~أو شفائه. أليس كذلك؟ # سومبور ~~: # قد يحلو لك هذا البحث. أما أنا فأطلب أصواتكم. # ديارناك ~~: # إن الشرب أفقد الدنيا جنديا. فليقذف به إلى «سخت». # ممبرون ~~: # سخت. # موروسكن ~~: # ولكن الرجل يكاد يكون فنانا، إن التماس السعادة ... # سومبور ~~: # ليس عندنا وقت لهذا. هاتوا بقية الأصوات. # بوتا ~~: # سخت. # سومبور ~~: # خذوه إليها - بأربعة أصوات. ~~••• # وجروه إلى شجرة ليمون وهمس صاحبي في أذني: «جاروا ولم يعدلوا.» # قلت: «ولكن موروسكن.» # فقاطعني صاحبي: «إنه مغفل.» # ونودي الثاني، فتقدمت فتاة وسيمة شاحبة اللون مقدودة قد السيف، ولكن عينيها، على ~~جمالهما، كالكهفين. # وقال سومبور: كم سنك يا هذه؟ # الفتاة ~~: # اثنتان وعشرون سنة. # موروسكن ~~: # قبل الأوان. قبل الأوان. # بوتا ~~: # لماذا مت؟ # الفتاة ~~: # فزعا. # موروسكن ~~: # فزعا؟ ما أقسى هذا! # سومبور ~~: # من أي شيء؟ # الفتاة ~~: # من الشرطة. # ممبرون ~~: # آه، أمنهن أنت؟ # الفتاة ~~: # نعم يا سيدي، ولكن مهما يكن ذنبي فقد شاركني في إثمه ~~رجل. # موروسكن ~~(متأثرا) ~~: # هذا حق، وإنها لمن الفظائع الكبر، أن يضع الرجال ~~الشرائع وأن يتحيزوا فيها لأنفسهم. # بوتا ~~: # ولكن ماذا دفعك إلى هذا؟ # الفتاة ~~: # تزوجت رجلا كانت حياتي معه جحيما، ثم أحبني آخر وظننته ~~«الرجل الموافق» ولكن الغريزة خانتني، ولقيت ثالثا قلت لعله هو الموافق ~~ولكنه لم يكن، وهكذا حتى لم أعد أعبأ من يجيء ومن يروح وإن كنت لم أزل أرجو ~~أن أفوز «بالرجل». # موروسكن ~~: # آه! طلب الكمال والسعي إلى المثل الأعلى ... # بوتا ~~: # ماذا تقول امرأتي لو سمعتها؟ إن لي فتيات ... دعوها، أخلوا ~~سبيلها. # ممبرون ~~: # إن روابط المجتمع تتفكك إذا أطلقناها. فلنذهب إلى «سخت». # ديارناك ~~: # سخت. # سومبور ~~: # صوتان يطلبان لها الخلاص، وآخران ms106 يبعثان بها إلى سخت، فعلي أن ~~أوازن وأن أرجح أحد الرأيين. إذا أطلقناها فكأننا أبحنا الخطيئة، فبأي وجه ~~بعد ذلك ننهى الناس عنها ونزجرهم عن مواقعتها وننذرهم سوء المصير؟ إن هذا يكون ~~خطرا بينا، نعم إن الرحمة والعطف يدركان النفس على مثل هذه المسكينة، غير ~~أنا خلقاء ألا نطمئن إلى الصوت الذي يدعونا إلى الشفقة ويغرينا بالرحمة، ولا ~~أكتمكم، إن نفسي لا تطاوعني على الحكم عليها، ولكني على الرغم من ذلك أحس أني ~~أكون منكرا لنفسي ومعطلا لسلطاني ومبطلا لوجودي إذا أعفيتها من العقاب، ونحن ~~هنا قضاة الآداب فياصلة الأخلاق، أفننكر أنفسنا ونعطل وظائفنا؟ كلا! فبكرهي ~~أقول «سخت»، فلتؤخذ إليها بثلاثة أصوات. ~~••• # فسارعت باسمة وإن ظلت عيناها زائغتين، وحطت على كتفها وهي سائرة حمامة بيضاء ~~فأمالت إليها خدها. # وقال صاحبي: «جاروا للمرة الثانية، والحمامة شاهدي.» # ونودي الثالث، وكان إلى جانبي. فرفعت إليه عيني وعجبت كيف يكون صاحب مثل هذا الوجه ~~شريرا؟ # وسأله سومبور: ماذا جاء بك إلينا؟ # الرجل ~~: # طردت عن كل باب؟ # موروسكن ~~: # يوشك أن يكون هذا ممتعا، فماذا أنت؟ # الرجل ~~: # أنا كالريح تهب بشجرة بعد شجرة. # ديارناك ~~: # قل وأوجر لماذا طردت؟ # الرجل ~~: # لأنه لا خير في؛ لأني جاهل ولا مزية لي إلا حب كل ما هو حي؛ ~~لأن كل من يلقاني يقول: إذا تقبلناه فقدنا القوة والمال ولم يبق لنا سوى ~~الحب، وما جدوى الحب؟ # ممبرون ~~: # إنك عامل من عوامل الانحلال والتفكك. # الرجل ~~: # كالريح أيضا، هي التي تحلل وهي كذلك التي تؤلف ~~وتجمع. # سومبور ~~: # وهل في وجودك ما يعارض وجود القضاء؟ # الرجل ~~: # إن من يتقبلونني، لا يعودون يعنون بالحكم على شيء؛ لأن قلوبهم ~~تكون أحفل بالحب من أن تفكر في سواه. # ديارناك ~~: # أنت متمرد. # الرجل ~~: # كلا، ولكن حيث أكون لا يبقى محل للأمر والنهي؛ لأن كل شيء ~~يكون في خدمة الحب. # بوتا ~~: # هذه فوضى. # موروسكن ~~: # إني معجب بك، ولكني أحب أن أطمئن، فقل لي: هل وجودك يضر براحة ~~الحياة ونعيم العيش؟ # الرجل ~~: # ما هي الراحة؟ وأي شيء هذا النعيم؟ ms107 أهما شيء غير الإيثار وكف ~~الأذى، وأن يخفق القلب بالغبطة وأن ... # موروسكن ~~: # دعني من فضلك. # بوتا ~~: # ماذا يكون مصيري لو أشركت الناس في مالي؟ وآثرتهم على ~~نفسي؟ ~~- كلا! يا سيدي، إن خير الدنيا أن تفتح سخت فمها لتبتلعك. # سومبور ~~: # إذا بقيت أنت فلن يبقى محل لي ولا لقضائي. # ديارناك ~~: # ولا لجنودي. # ممبرون ~~: # ولا لشرائعي. # موروسكن ~~: # ولا لراحتي، فأنا آسف. # واجتمع الخمسة على أن يلقموا سخت هذا المسكين. # قال صاحبي: «لقد أصابوا.» # قلت: «ماذا تعني؟ بأي حق يرسلونه إلى سخت؟» # فقال: «ليس هذا وقت الجدال، فإنهم يشيرون إليك.» # قلت: «إلي أنا؟» # والتفت إلى الخمسة فوجدت عيونهم علي، فتقدمت في اضطراب ووجل. # قال سومبور: من أنت؟ # أنا ~~: # أنا المازني. # بوتا ~~: # أنت ماذا؟ # أنا ~~: # أقول إني المازني. # ديارناك ~~: # بأي لغة تتكلم؟ أسرع. # أنا ~~: # إنه اسمي. # موروسكن ~~: # مسكين إن صبرك على حمل هذا الاسم يرفع عنك أوزارك. # أنا ~~: # ليس هذا ذنبي. # موروسكن ~~: # قد غفرناه لك، فماذا أنت؟ # أنا ~~: # أديب. # بوتا ~~: # أديب؟ إذن فأنت عاطل وطفيلي. # أنا ~~: # كلا، لقد قتلني العمل وما كانت شكواي إلا قلة الراحة. # موروسكن ~~: # اسمعوا. سمعوا! # سومبور ~~: # مهلا. أتيحوا له فرصة. بأي شيء كنت تشتغل؟ # أنا ~~: # بالصحافة. # الجميع ~~: # الصحافة؟! # وانتفضوا جميعا واقفين يشيرون إلى شجرة الليمون حيث وقف الثلاثة المقضى ~~عليهم. # وقال سومبور: سخت بالإجماع. # ثم التفت إلى زملائه وقال: وحسبنا اليوم هذا، وأعفوني من شهود التنفيذ، فلن أقوى ~~عليه بعد هذه الصدمة. ~~••• # ووقفت تحت الشجرة مع رفاقي الثلاثة أنتظر «سخت»، وإذا بصاحبي يجذبني ويقول: «تعال يا ~~أبله.» # قلت: «إلى أين؟» # قال: «ماذا يعنيك وقد نجوت من سخت؟» # قلت: «نجوت؟ كيف كان ذلك؟» # قال: «لقد عز علي أن تكون بين الفرائس فذهبت إلى حيث قيدوا «سخت»، فلما صار ~~القضاة عندها سبقت الحارس فأطلقتها عليهم فالتهمتهم بدلا منكم، ولكني والله آسف على نجاة جارك! على ~~أني - على العموم - أراني أعدل من هؤلاء القضاة يرحمهم الله.» # فأرسلتها صيحة فرح عالمية فتحت عيني على النيل وحقائق الدنيا على شاطئيه. ms108