######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimCabdQadirMazini.ThalathatRijalWaImraa.Hindawi25714191 #META# Tags: novels #META# ID: 25714191 #META# Title: ثلاثة رجال وامرأة #META# AuthorID: 42571753 #META# Author: إبراهيم عبد القادر المازني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # | ثلاثة رجال وامرأة # | ثلاثة رجال وامرأة # تأليف # إبراهيم عبد القادر المازني # | الفصل الأول # 1 # لعل من العبث أن يحاول المرء أن يرسم بالقلم صورة لإنسان أو شيء ما، ولا سيما إذا ~~كان الكاتب رجلا والموصوف امرأة؛ فليس أجهل من الرجل بالمرأة ولا من المرأة بالرجل، ~~وإن كانا يعيشان معا، ويتحابان - لا أدري كيف؟ - ويتزاوجان ويعمران الأرض بنسلهما، ~~ويبذران ذريتهما كالحب، ولا تسألني كيف يأتلف هذان المختلفان، ويتواطن هذان الإنسانان ~~- إن صح أن كليهما إنسان - وكل منهما لصاحبه لغز لا حل له؟ فما كنت خلقتهما أو شهدت ~~خلقهما، أو عاصرت جديهما الأعليين حتى أدري. # على أن التصوير بالقلم - وإن كان لا يفيد أحدا صورة واضحة المعارف بينة السمات ~~متميزة اللمحات - يتيح لكل قارئ أن يرسم لنفسه صورة، يؤلفها خياله مما توحي به الأوصاف، ~~وكفى بهذا مغنما، والله أرحم بالكتاب من أن يجعل عناءهم باطلا وتعبهم لا خير ~~فيه. # فلنتشجع إذن، ولنتوكل على الله الحنان المنان. # كانت الليلة ساجية طلقة، والقمر متسقا مضحيا في سماء تبدو في رأي العين ~~كالمخمل، والدنيا المسحورة من نوره الواضح اللين في فوف منسوج من خيوط سود وأخر ~~فضية، وقد أفضلت لها فضول، والأشجار تذهب في الهواء كأنها عمد مدهونة، وتلقي ~~ظلها مونرا على الأرض، وتعطر الجو، والنوافذ والشبابيك كلها مفتوحة يهفو منها ~~ترجيع شجي يمتد به صوت أنثوي ينتقل من نغمة إلى نغمة في غير تكلف أو جهد. # وكان في حديقة البيت جوسق (كشك) سداسي الشكل مصنوع من أعواد الخشب، وقد تعلق به ~~وارتقى فيه وظلله النبات، وفيه مائدة عليها بقية من لحم، وجزلات من رغفان، وقطع من مخلل ~~الخيار واللفت والجزر والباذنجان، وقرص متصدع من جبن حالوم، وزجاجات جعة بعضها نصفان أو ~~دون ذلك، والبعض لا يزال في الثلج وعليه سداده لم ينزع، وقد جلس إلى المائدة ثلاثة ~~أمامهم الأقداح وقد أبطئوا بها بعد أن ms01 كادوا يمتلئون من الطعام والشراب. # وأول هؤلاء الثلاثة وأولاهم بالتقديم - وإن لم يكن أحقهم بالتعظيم - عياد وهو شركسي ~~الأصل، يؤمن بالشارب المفتول، والعين الحمراء والبرجمة في الكلام، والزعقة الشديدة حين ~~ينادي خادما أو غيره، وإن كان الجرس قريبا، وزره يتدلى فوق المائدة من سقف الجوسق. ~~ولا نحتاج أن نقول إنه شخيص لحيم، وإنه شديد الوطء على الأرض، وإنه لا خير فيه ولا شر، ~~إلا أن يجيء الخير عفوا، أو يجيء الشر من قلة العقل أو النفخة الكذابة. # والثاني في هذا المجلس: الأستاذ حليم، وهو مدرس قديم ناهز الخمسين، وآثر الراحة، ~~فاعتزل العالم مكتفيا بدخل خاص يسير، ومعاش يقبضه كل شهر من الحكومة وهو قاعد، وهو ~~ضاوي الجسم خفيف اللحم معروق الوجه، دقيق عظام اليدين والرجلين، يأكل كثيرا ولا يرى ~~أثر ذلك عليه في بدنه، وحديثه طويل فلنرجئه إلى أوانه. # والثالث شاب في العقد الثالث، بتع شديد المفاصل، سريع خفيف حسن الصورة، بياض وجهه ~~تعلوه حمرة، وعلى جلده نمش قليل، وهو خطيب محاسن بنت عياد، وقد آثره على غيره لبياض ~~وجهه، زاعما أن هذا يسلكه مع الشراكسة والأتراك، ويرفعه عن طبقة الفلاحين الغبر ~~الوجوه، وإن كانت الحقيقة أنه فلاح ابن فلاح جلا عن قريته بعد أن أضاع أرضه فيها، فشب ~~ابنه حضريا صرفا وقاهريا محضا، وتعلم الهندسة وفاز بوظيفة في الحكومة، واسمه في ~~شهادة الميلاد محمود، ويدلله أهله تدليلا سمجا فيقولون: «حودة»، ومن الإنصاف أن ~~نقول إنه يستسخف هذا الاسم، وكان يثور على من يدعوه به، ثم رأى أن هذه حكاية شرحها طويل ~~فاكتفى بألا يجيب كأن المنادى غيره. # وكان عياد أكولا شريبا، ولم يكن هذا يعني أحدا سواه، ولكنه كان إذا آكل أحدا أو ~~شاربه، لا يزال يحضه ويستحثه، ويزين له الطعام ويغريه به، ويوالي عليه الكأس دراكا، ~~وكان من السهل على محمود أن يسايره؛ فإنه شاب قوي لا يتعذر عليه - بل لعله يباهي بأنه ~~يستطيع - أن يكثر مخلطا من صنوف الطعام مستقصيا لها. # أما الأستاذ حليم فكان رجلا قد ms02 كبر ، فهو يؤثر أن يكون زهيدا لا يأكل إلا دون الشبع، ~~ويأبى له ما عودته مهنة التعليم من المحافظة على وقاره واحتشامه، أن يشرب حتى يتطرح، ~~كان إذا ألحف عليه عياد يرفع الكأس ويميلها على فمه، فعل الشارب، ثم يردها وما حسا إلا ~~قطرة أو بلة ريق، على حين يعب عياد العبة الروية ويضع الكأس كأنما يدق بها ~~المائدة ويقول: «اهح» ممطوطة ممدودة، وكان هذا دأبه حين يشرب؛ يعكف على الشراب جزافا ~~غير حافل بالكيل كأنما هو في سباق أو رهان، ولا يرضيه إلا أن يرى غيره عاكفا مثل ~~عكوفه، فإذا استأنوا كبر في ظنه أنه قصر في التحفي والإكرام، وكان واسع الخلق؛ لا ~~يدع عنده شيئا من الجهد في إكرام ضيفه، ويجد في انبساط نفسه بالكرم راحة ولذة وزهوا، ~~ولكنه كان إذا شرب يثقل على ضيفه ويضجره بالإلحاح عليه أن يقبل على ما قدم له. # وعبثا كان الأستاذ حليم يقول لعياد: يا أخي كن منصفا؛ إن معدتي حوصلة دجاجة، فأين ~~تريد أن أدس كل هذا الطعام والشراب؟ وهو لو وضع في كفة ميزان ووضعت أنا كلي بما ~~علي من ثياب في كفة أخرى، لرجح علي. # فيقول عياد وهو يلمس شاربيه المصمغين - أو هكذا يخيل إلى المرء؛ فما كانت شعرة ~~واحدة تنفلت عن محلها في هذين الشاربين المبرمين بل المجدولين، أو تنطفئ لمعتها: كلام ~~فارغ؛ أنا والله رأيت شابا أصغر منك جسما يأتي على قصعة فت ويجرفها جرفا، وكانت ~~لأربعة فسبقهم إليها ومسحها ولحسها. # فيقول الأستاذ حليم: نعم، معدة جيدة قوية تحتمل الكظة، ولكن معدتي طاعنة في ~~السن، فهي أشبه بمخلاة قديمة. هات لي معدة فتية وأنا أريك كيف أقش ~~وأجرف. # ولكن عيادا يأبى أن يقتنع، بل يأبى أن يجعل باله إلى ما يقال، أو يسمح للحجة بأن ~~تدخل رأسه وتكلفه عناء التفكير فيها؛ لأن معدته هو هي المحك، والمقياس حجة، وما دامت ~~هذه دائبة كالعصرين من دهره في غير كلال أو فتور، فلا عذر لمعدة أخرى إذا قصرت أو ms03 ~~ونت ، ولو كانت أقدم من هرم خوفو أو جبل المقطم. # وكان التطريب الذي قلنا إنه كان يهفو في تلك الليلة الساكنة الضحياء إلى الجلوس في ~~الحديقة، مصدره محاسن، وهي فتاة غضة السن صغيرتها، تدلف إلى العشرين، ولكنها فيما ~~يرى أبوها عياد قد صارت إحدى المصائب الكبرى، وكانت دقيقة الطول ممشوقة القد، أو ~~نحيفته إذا اعتبرت خفة اللحم على الذراعين والصدر والبطن، ولكنها كانت عريضة الألواح ~~كالغلام، وثدياها صغيران وإن كانا راسخين كالكمثرى الصغيرة، وحلمتاهما ناشزتان طويلتان ~~وحولهما من السواد أكثر من المألوف في العذارى، كأنما كانت قد ولدت وأرضعت، فأما ~~محياها فأسيل الخدين وإن كانا متهضمين قليلا، وأما شفتاها فرقيقتان جدا، يفتران ~~حين تبتسم عن ثنايا عذاب، إلا أنها ليست بالناصعة البياض؛ لإفراطها في التدخين بكره ~~أبيها ورغمه، وأما عيناها فنجلاوان ظمياوان، ولكنهما تبدوان حين يعروهما فتور أو كمد أو ~~اضطراب ثابتتين، ويخيل إليك أنهما أظلمتا، وكان حاجباها سابغين مهللين كأنهما خطا ~~بقلم، وجبينها عريضا واسعا، وشعرها أسود فينانا في طول واسترسال ونعومة، تفيئه كيف ~~شاءت بغير احتفال أو عناء، وكانت تؤثر أن ترسله ولا تجمعه. # أما أنها إحدى المصائب الكبر؛ فذاك لأنها عرفت من سيرة أبيها ما كان يكره أن تعرف ~~هي أو أمها، ولكنها كتمت سره واكتفت بإذلاله به، فأرخى لها الحبل على الغارب، فركبت ~~رأسها، ولم تعد تحفل غير أمها، وكانت هذه ضعيفة بطيئة الجسم والعقل معا، لا متصرف ~~لها ولا حيلة عندها. # على أن الفتاة لم تكن سعيدة بهذه الحرية أو موفقة فيما تعالج أو تدبر أو تطلب من ~~الأمور، وقد ورثت عن أبويها ضعف الرأي، وقلة الإحكام للمراد، والاستعداد للرضى بالكلام، ~~والاستنامة إلى كل أحد، وشيئا من الزهو والغطرسة والميل إلى التظاهر والتفاخر بالباطل ~~أو بأكثر مما هناك. # وكان جانب الغفلة فيها يكاد يلقيها على المعاطب، فلا يقيها إلا بقية حذر مستفاد من ~~الكبر الموروث والأنفة أن يقال غوت وضلت بنت عياد، ومما أكسبتها الحرية من اعتياد ~~الاعتماد على نفسها في أمورها وإيقاظ ما في ms04 رأسها من عقل ليعينها ويمدها بالرأي فيما هي ~~ماضية إليه. على أن الأرجح أن هذا كله ما كان ليجديها ويحميها لولا أن ساعفها حسن ~~حظها. # على أن حسن الحظ أمر نسبي؛ فقد كانت حسنة الحظ إذا اعتبرت ما آلت إليه في كل مرة ~~من السلامة، ولكنها كانت سيئة الحظ إذا اعتبرت أن أملها خاب في كل مرة حتى كادت تصير ~~إلى اليأس في كل ما تطمع فيه وتحرص على إدراكه؟ فاضطربت أعصابها وأتعبها وأقلقها قلبها ~~بنوبات من الخفقان الشديد لا مثيل لها إلا هذا الاضطراب، وقللت طعامها، لا زهادة فيه، ~~ولا عن ضعف اشتهاء له، بل من الضجر والحيرة وقلة التوفيق وكثرة الإخفاق وخفاء ما ينعش ~~من العثرات، ويصلح هذا البخت المقلوب. # وزاد الطين بلة لما تعلق أبوها بحسانة يهودية راح يحملها معه إلى المصايف ~~والمشاتي ويزعم لأهل بيته أنه مندوب لمهمات تستوجب هذا السفر والغياب؛ فأنزفت هذه ~~المهمات أكثر ماله، وقتر على أهله في النفقة، وأصارهم إلى ضنوكة غير معهودة، وإن كانت ~~في ذاتها محتملة ولكن وطأتها ثقلت بالقياس إلى ما كان من السعة، وشق على محاسن أن ~~تلقى نفسها تروم الشيء فلا يتهيأ لها، وأنها اضطرت إلى الكف عن التعلم، وكان مرجوها ~~أن تواصله حتى تبلغ به مناها فتصبح شيئا له قيمة وبه استقلال، فتفيد بذلك مزية ~~تضيفها إلى مزايا الحسن والشباب وكرم الأرومة؛ فقد كانت تعتز بأرومتها الشركسية وإن ~~كانت رقة الحال قد خففت من غلوائها وطامنت من كبريائها. # وكان كل هذا - مضافا إلى ما يهتف به شبابها، وما تجده من الرغبة فيها والإقبال عليها ~~- ربما أغراها بالإطماع في نفسها دون التمكين، فاعتقد الشبان الذين اتصلت بأسبابهم ~~أسبابها نوعا ما، أنها مخادعة عابثة، تظهر خلاف ما تبطن، وتعطيهم باللسان ما ليس في ~~القلب، وتجريهم وراءها لتلهو بهم وتسخر منهم، فانصرفوا عنها ساخطين محنقين، وبسطوا ~~ألسنتهم فيها، فصارت لها سمعة لا تطيب لامرأة، وإن لم تكن من الحق في شيء. # ومع ذلك خطبها غير واحد قبل محمود، فأما ms05 أول الخطاب فعلق خطبته على شرط أن يزوج ~~أخته، وكانت تصغره؛ لأنه كان أبر بها من أن يختص نفسه بنعيم الزواج دونها، ولكن ~~عزوبة الأخت طالت فضجر عياد أفندي ومحاسن، ونقضا الخطبة. # وجاء ثان من إخوان عياد أفندي وجلسائه وسماره، ولم يخطب البنت، ولكنه تحبب إليها، ~~وصفت هي إليه بودها؛ فقد كان أنيس المحضر لطيف الفكاهة سخي اليد، وخيل إلى عياد أفندي ~~وامرأته أن المسألة مسألة أيام، ولكن الأيام والشهور تقضت وهو لا يزيد على التودد، ولا ~~يجاوز ما يبدو من إقباله إلى الخطبة والطلب، ولا حتى إلى الوعد، وما زالت نيته مضمرة ~~لا يتحدث بها أو يكشف عنها، وإن كان لا يكف عن إظهار المودة والإعجاب، والغيرة ~~أحيانا. # ثم كان محمود، وهو يحبها، ولا يجهل ما قيل فيها وشاع عنها، وكان يعلل هذا بأنه قدح ~~شبان لم ينالوا منها منالا فذهبوا يشنعون، وللذي قالوا فيها أدعى إلى فخرها، وبحسبها ~~أنها امتنعت عليهم واستعصت على المغريات، ولكن أشياء بقيت مع ذلك تحك في نفسه وتدور في ~~صدره، ولا سيما حين يرى قلة مبالاتها بما يكون منها؛ كأن تذهب إلى السينما مع رجل لم ~~تعرفه إلا في يومها، بل قبل ساعة واحدة من الاقتراح، أو حين تقبل على الأستاذ حليم ~~إقبال الألفة والثقة وتسارره وتضحك، ويساررها ويبتسم كأن بينهما ما يكتمان أو ما ~~يتساقيان تذكره. # ولم تكن محاسن تبادل محمودا حبا بحب، بل لعلها لم تكن تباليه أو تعبأ شيئا ~~بإقباله أو إدباره، إذا صح ما كانت تفضي به إلى الأستاذ حليم حين يخلو لها وجهه، ولو ~~كان محمود حصيفا لكان الأرجح أن يسلس في يده قيادها، ولكنه أثقل عليها ونفرها بأن ~~كان عيابة لا يزال يقع فيها ويذكرها بما يشنع به عليها أهل الحي وعارفوها من ~~غيره، ولا ينفك يسمعها من الكلام كل سوار يأخذ بالرأس كلما رآها طاشت أو نبت في ~~العنان، فتثور به وتكايله وتقول له أوجع مما قال لها؛ فتقع الجفوة وتحل النبوة، ~~ويفسد الحال، ويعجز عياد ms06 أفندي عن إصلاحه، فيستجير بصاحبه الأستاذ حليم، فيشكره محمود ~~وهو كاره وفي قلبه غيرة تضطرم؛ لما يراه من سلطانه عليها وطاعتها له. # 2 # وكان أمر الأستاذ حليم عجبا، وهو رجل يتمثل فيه «نقص القادرين على التمام» كما يقول ~~أبو الطيب؛ فقد كان محيط علم، وكان إلى علمه فهما نجيبا و«لوذعيا يرى بأول ظن آخر ~~الأمر من وراء المغيب»، ومع ذلك أبى أن يكون أستاذا في الجامعة وآثر الإخلاد إلى ~~الراحة؛ ولو شاء مع الراحة وخلو الذرع وانفساح الوقت لجاء الناس بجناة طيبة وثمار ~~يانعة من شجرة علمه المحلال، ولكنه ترك الخلفة واللحق من ثمرها يهمد في موضعه ولا ~~يدرى أو ينتفع به الناس، وكان ماله كافيا للسعة والخفض ونعيم البال، ولكنه كان يعيش ~~عيشة الشظف والضيق كأنه مخفق مخف من المال أو مسكين، وكان أخوف ما يخاف الفقر ~~والحاجة، فهو يضيق على نفسه وأهله خشية الضيق، وكان معافى في بدنه، ولكن طول إكبابه ~~على التحصيل ومواظبته على الدرس والمطالعة مع قلة الطعام وسوئه، أورثاه ضعفا في جسمه ~~وفسادا في معدته وحشاه وتلفا في أعصابه، ومع ذلك لا يستشير طبيبا ضنا بأجرته وثمن ~~الدواء، واكتفاء بما يصفه له إخوانه من العقاقير «البلدية» مثل المصطكا والحلتيت وما ~~يجري هذا المجرى، فلم يصح قط مما به. # ووقع له في عنفوان شبابه ما زاد تلف أعصابه؛ فقد أحب جارة له معلمة مثله، وكانت ذات ~~حسن وشورة، طيبة النفس ضحوكا، وأريبة موثوقا بفضلها وعقلها، ولكنها كانت أيضا ~~ذات فلسفة وعناد، وأحبته سميحة كما أحبها، غير أنها لما عرض عليها الزواج ترددت، ~~وسوفت، وكانت تقول لأختها كلما جادلتها ونهتها عن هذه المماطلة التي لا خير فيها ولا ~~حكمة: إني أحب الأستاذ حليما؛ أحب مظهره ومخبره؛ فإنه سمح واسع الأفق رحيب النفس، وأحب ~~مشيته التي لا تكلف فيها ولا جهد، وأحب صوته ونبرته المرتعشة، وأحب فوق ذلك لمعة ~~عينيه وذلك الإدراك التام الذي لا أخطئه فيهما حين أنظر إليه، ولكن هناك شيئا يخيفني، ~~لا أدري ماذا، وإن ms07 في نفسي لشكا عجيبا؛ فأنا أحبه، ما في هذا شك، ولكن أشك في قدرتي ~~على مبادلته حبه لي، فإنه عميق مستغرق، ويفزعني شكي هذا، فأحس كأني أتحسس في الظلام ~~باحثة عما لا أدري. # وأخيرا تم الزواج. # وقالت لها أختها ليلة الجلوة - وكانت أحكم طبعا: إن في حليم كل مشتهى المرأة؛ ~~وأعتقد أنك ستكونين معه سعيدة، ولكني أرجو أن تذكري دائما أن عليك أنت بذل أقصى ما ~~يدخل في طاقتك لإسعاده؛ فإن على المرأة أن تمنح بعلها فوق ما ترجو وتتوقع أن ~~يمنحها. # وكان هذا أشبه بالإنذار، أو التحذير. وكانت سميحة تريد إسعاد حليم، وقد أسعدته؛ ~~ولكنها كانت تبدو شاردة ساهمة كأن بها شيئا، ولم يفت صواحبها هذا، ولكنهن حسبنه من ~~نشوة السعادة، فرحن يركبنها بالفكاهة، وهي لا يسعها إلا أن تبتسم متكلفة، فما كانت ~~تستطيع أن تصارحهن بأنها دهشة فزعة، وأنها تخاف شيئا مجهولا خفيا لا تدري ما يهجم ~~عليها منه. # وقال لها حليم لما انفض الجمع وخلا بها: إنك ما زلت طفلة، وسيكون عليك أن تعرفي ~~الحياة، وتفهمي معناها، وإنه ليسرني أني سأكون معلمك. # فأحست أن هذا تأنيب؛ فكأنه قال لها إنه وجدها دون ما كان يتمثل، ومن أجل هذا يتكلف ~~هذا التعليل لما تبينه من النقص، ولعل الأرجح أنه لم يكن يدرك - ولا هي أيضا - أنها ~~كانت غير ناضجة من الوجهة الجنسية، وكان شعورها بنقص ما فيها يرتسم على وجهها، حتى لقد ~~قال لها بعد يومين من زواجهما: ألا تستطيعين أن تبتسمي لزوجك؟ أتذكرينني؟ إنني الرجل ~~الذي شرفته بأن تكوني امرأته. # فأكرهت وجهها على الابتسام لتستر ما يخالجها. # ثم استقرت الأمور، واطردت الحياة على نحو لا شذوذ فيه عن المألوف، وجاء يوم أحست ~~فيه بدوار واضطربت معدتها، ونهضت فاستشارت طبيبا ثم عادت تحمل أشياء مما يعد ~~للولدان، فلما رأى حليم ذلك أبرقت عينه وسألها: ما هذا؟ قالت: لولدك، فجمعها في ذراعيه ~~مترفقا وقال بصوت خفيض كالهمس: أنت والولد! هذا كل ما ينشد رجل من دنياه. # وكانت تحدث نفسها ms08 أنها ينبغي أن تكون سعيدة، وتحاول أن تعتقد أنها كذلك، ولكنها على ~~فرط ما جاهدت وطوله لم تستطع أن تتخلص من ذلك الخاطر المخامر الذي كان لا ينفك يقول ~~لها: إن الزواج غير ما كانت ترجو وتتخيل. # وطال عليها الانتظار وثقل، وملت استشارة الطبيب كل بضعة أسابيع، واجتوت الطعام ~~الموصوف، وتقززت عنه، وشقت عليها إدارة أمور البيت وتكلف البشاشة وهي تحس أن ~~أعصابها كالشوك الحديد، ثم جاءها المخاض في منتصف الليل فذعرت وأيقظت حليما، وأصرت أن ~~ينقلها إلى المستشفى. # وآلت سميحة أن يكون هذا آخر طفل تلده. # وأقبل عليها حليم ذات ليلة يقول لقد كنت جميلة قبل أن تحملي ولكنك الآن ... لا أدري، ~~كأنما تم حسنك، لا أعني أنه كان ناقصا، وإنما أعني أن فيه شيئا جديدا يخونني التعبير ~~عنه. # فقالت: هذا خيال، لقد طال سقمي حتى نسيت كيف كانت هيئتي قبل ذلك. # قال: كلا، فإن لك لوضاءة، وإن بشرتك لتبدو لي كأنما من الشمع، وأنت الآن زهرة يانعة، ~~وكنت قبل ذلك كما. # وانحنى على الطفل وداعب راحته الصغيرة المطبقة بأصبعه الكبير ثم التفت إليها وقال هذه ~~بداية طيبة، وإني لأرجو أن يكون إخوته وأخواته مثله صحة وصباحة. # فقالت له وهي مقطبة: اسمع، إني لا أريد أن أجيئه بإخوة أو أخوات، هذا حسبي، وهو ~~الأخير، فاعرف ذلك. # فقال: لا أظن أنك جادة! وبعد السعادة التي فزنا بها؟! # قالت: التي فزت أنت بها. # وأصرت على أن تنقل سريرها ومهد ابنها إلى غرفة أخرى، كأنما كان هذا لا بد منه ولا ~~غنى عنه، أو كأنما أرادت أن يكون مظهرا حاسما لعزيمة ماضية وإرادة حذاء. # من ذلك اليوم صار الأستاذ حليم كأنه مقيم في فندق لا يربطه بمن فيه غيره سوى الجوار، ~~وفقد لفظ الأسرة معناه، والزواج مدلوله، وانطوى الرجل على نفسه، ولاذ بمكتبته، وانزوى ~~فيها، ولم يقصر في مناشدة سميحة أن تفيء إلى القصد، وأن يفهمها أن اتقاء الحمل لا يقتضي ~~هذا الذي هو فراق في حقيقته، ولا يمنع أن يعيشا زوجين ms09 وإن كان لا محيد عن الحذر واتخاذ ~~ما يشير به الطبيب من الحيطة الوافية. غير أنها أبت كل الإباء أن تكون له أكثر من جارة، ~~فقطع الأمل، وأضمر اليأس، وصار يتشمم ولا يذوق، ويشتهي ولا ينتهي له اشتهاء، ويجزع على ~~الحرمان ويضنيه جهد التصبر والتجلد، ولا يجد السلوة وطيب النفس عن الزوجة العصية إلا ~~بالخيال يلجأ إليه والكتاب بين يديه أو على ركبتيه، فيزوده ويغني خياله بصور مما يتلهف ~~عليه من المتع التي فاتته بعد أن ذاقها واستطابها، واعتاض ذلك مما حرمه على إغراقه في ~~الرغبة فيه والطلب له حتى صار ذلك له عادة وديدنا. # وكان ذلك في البداية أشبه بأحلام اليقظة؛ فكان يجلس في حجرة كتبه، ويتناول كتابا ~~يفتحه بين يديه، كيفما اتفق، ثم يذهب يحاول أن يحضر إلى ذهنه صورا مما استحلاه في ~~حياته الزوجية، ولم يكن يتمثلها على حقيقتها وكما كانت أو وقعت، بل كان يتلكأ عند بعض ~~مناظر هذا الشريط الوهمي، ويتريث أو يستوقفه ليطلي متعته به، أو يؤكده ويبالغ في إبراز ~~الصور، ويعمق ألوانها أو يخففها على هواه، ويحسنها على العموم ويطمس أو يحذف جملة ما لم ~~يكن يرتاح إليه، غير أن هذه الصور المستمدة من حياته مع سميحة كانت لا تخلو من تنغيص؛ ~~لأن سميحة لم تكن تثبت في علاقتها به على خلق واحد، ولا كانت تعنى بأن تبدي له اللطف ~~والرقة والإقبال أو اللين والمراضاة، ولعلها لم تكن تستطيع ذلك لدخل في أنثويتها، وكانت ~~معه في الأكثر والأغلب على حال المستسلم على كره ومضض، المزدري لما يضطر إليه، لا على ~~حال الراغب المبتهج ببلوغ سؤل نفسه، فيبوخ مرة وتصيبه من بادي ضجرها وجفوتها قرة ~~تتركه مع ذلك يتفصد عرقا. # من أجل هذا لم يلبث الأستاذ حليم أن زهد في هذه الصور التي يشوبها ويشوهها من كل ~~ناحية ما ينفر منها، ولكن من أين له بصور أخرى ولا عهد له بسواها؟! وألفى نفسه عاجزا ~~عن خلق شيء من لا شيء، أو الإبداع من غير ms10 توليد ، وأبت صحراء تجاربه إلا أن تظل سباسب؛ ~~يسبر طولها ولا يلفي سوى رمضائها متقلبا له فيها؛ فاشترى مجهرا قوي العدسات، وكانت ~~الحجرة التي اتخذها مكتبا على الطريق، فصار يوارب الشباك وينظر بالمجهر من الفرجة التي ~~بين المصراعين، وكانت أمام البيت محطة للترام، وعلى كثب منها محطة للأتوبيس، وقلما ~~يخلو الرصيفان من فتيات أو نسوة ينتظرن ليركبن ويتلفتن يمنة ويسرة، ويمشين ~~خطوات من القلق أو الملل: فتبدو له صدورهن، وظهورهن، وجنوبهن، وسيقانهن كأوضح وأقرب ما ~~تكون بفضل المجهر، فإذا جاء الليل وخلا بنفسه، حاول أن يتمثل الصور التي رآها في نهاره، ~~واعتاد من جراء هذا حين يكون على الطريق أو في الترام أن ينظر إلى كل سيدة أو فتاة ~~وهي مقبلة ثم وهي مدبرة، ولكن الفتيات الناهدات كن أحب إليه؛ لأنه وجد أنهن أقدر على ~~ابتعاث نفسه وتحريك شعوره المكبوت، وعلى الرغم من إقباله على النظر وطول تحديقه في ~~القدود، كان يجد عناء في إحضار صورهن إلى نفسه في خلواته، فقد كانت القدود المتخيلة ~~تختلط وتتداخل ويتسرب بعضها في بعض، فيزوغ بصره، ولا يستطيع أن يتشبث أو يحتفظ - على ~~فرط التوضيح - بصورة قوام واحد لا يموج أو يضطرب أو يتداخل في غيره، فيعود وكأنه ناظر ~~إلى إحدى تلك المرايا التي تشوه الشخص فتجعله كله رأسا أو كرشا، وتفعل به غير ذلك من ~~المسخ للتسلية. # ولم يكن الأستاذ حليم همه التسلية، وإنما كان همه سد خلة حقيقية وإخماد ضرم ~~يشتد منه حر جوفه من طول الفطام. # وكان لفرط حيائه، ولما نشأ عليه من الاحتشام والتعفف، ولبخله أيضا، لا يخطر له، ولا ~~يقدر حتى لو خطر له، أن يتخذ له خليلة، أو أن يعرف إحدى هؤلاء الطوافات اللواتي ~~ينقدن لمريدهن ويقررن لما يصنع بهن. أما الزواج بأخرى غير سميحة فمسألة ليس ~~فيها مجال للنظر. # وعلى الأيام صارت أحلام يقظته، مقرونة بأحلام منامه، وكانت أحلامه في أول الأمر ممعنة ~~في الغمض، فإذا استيقظ لم يجد ما يذكر منها، وكان معظمها يدور على ما ms11 تشتهي نفسه ولا ~~يجد الوسيلة إليه؛ ثم برز من بينها حلم صار يتكرر من حين إلى حين، ويزداد مع التكرار ~~وضوحا وجلاء حتى كأنه خاطر مخامر، وسر هو به، فراح يعيده على ناظره في يقظته؛ ذلك ~~أنه كان يرى نفسه في منامه يلتقي بأنثى على صورته هو، وكانت تشبهه في كل شيء إلا في ~~الدمامة وفيما يتميز به رجل من امرأة، فكأنها العنصر الأنثوي الذي لا يخلو منه كيان ~~رجل، قد انتزع وتجسد بشرا، وكأن الأستاذ حليما قد آض بذلك إنسانين: واحدا مكتملا ~~يجتمع فيه ويتسق عنصرا الذكورة والأنوثة على نسبة ما في اليقظة، وواحدا ينشطر في ~~المنام شطرين منفصلين: ذكرا وأنثى، متحابين متواصلين متراضيين متوافقين على الاستغناء ~~بنفسيهما عما عز مطلبه في حياة اليقظة وثقلت عليهما وطأة حرمانه؛ فلا حاجة به بعد ذلك ~~إلى تألف النافرة منه، أو مراجعة الممسكة عنه. # وكان أطيب ما وجد من هذا الحلم الذي طال ترداده حتى صار عنصرا ثابتا في حياته ~~الخاصة المحجوبة، أنه كان يفيد منه شعورا مزدوجا، أي شعور عنصريه المتبديين في ~~المنام، فازدهاه ذلك، وخيل إليه أنه بذ الرجال الذين لا يرون ما يرى بوجدانه ما لا ~~يجدون، بفضل هذا الازدواج في شخصيته، وإدراك ما لا يستطيعون أن يدركوه ولا ~~تخيلا. # على أن هذا كان ربما أقلقه وأزعجه؛ فقد كان يخشى أحيانا أن يكون مظهر شذوذ منكر، أو ~~آية ضعف، أو عرضا لمرض، وكان كثيرا ما يهم أن يعرض أمره على طبيب، فيصده الحياء إذا ~~لم يصده البخل، ويعود فيقول لنفسه إنه ليس من فعله، وإنه يحدث له عفوا، وفي منامه حين ~~يضعف سلطان الإرادة، أو يستقل العقل الباطن عن العقل الواعي، وإنه على كل حال لا حيلة ~~له فيه ولا قدرة على منعه، ثم إنه لا يرى منه ضيرا؛ فما زال هو هو في حياته العامة، ~~وعلى العهد به مع الناس، وما أنكر الناس منه شيئا، ولا بدا عليهم أنهم يفطنون إلى هذا ~~التحول الباطني الذي اعتراه، بل ليس ms12 هناك ما ينبئ أنهم واقفون على حقيقة ما بينه وبين ~~امرأته، فقد كانت هي بادية السعادة بما صارت إليه من الرهبانية، وبولدها الوحيد الذي لا ~~تبغي من الولد غيره. # غير أن هذا لم يطمئنه، وكيف السبيل إلى اطمئنان من لا يدري، ومن لا يزال يقول في ~~صفة حاله وفي تعليلها وفيما عسى أن يكون لها من آثار بالظن والتخمين؟! وقد ألح عليه ~~خاطر أفضى به إلى ضعف محسوس؛ ذلك أنه قال لنفسه: إن تمثل عنصر الأنوثة في الرجل - ~~ذلك الشطر المكنون أو المغلوب على أمره في اليقظة - في المنام له بشرا، ليس بالأمر ~~المألوف أو الشائع، وإن كان العلم لا يعيا بتفسيره، والعنصران: الذكورة، والأنوثة ~~مندمجان لا ينفصلان، وتفاعلهما على نسبتهما في كيان الرجل هو الذي يكسبه شخصيته الخاصة ~~وما تتميز به من خصائص القوة أو الضعف أو غير ذلك، وهما كموجتين غابت إحداهما في ~~الأخرى، فصارتا موجة واحدة وكلا لا يتجزأ، أو كمصباحين متفاوتين اجتمع ضوءهما، ~~فالنور المنبعث منهما معا وحدة وجملة يستحيل أن تتبين معظمها من أقلها، فإذا أمكن ~~انفصال هذين العنصرين فيما يحس الرجل - ولو في منامه - أفلا يكون هذا تصدعا في ~~كيانه، وإن بقي ثابتا متماسكا فيما يرى ويحس في اليقظة؟! وإذا أمكن أن نتصور تيارا ~~مغنطيسا يلم ذرات أحد العنصرين ويجمعها ويعزلها عن ذرات العنصر الثاني، أفلا يكون ~~مؤدى هذا نقض الشخصية التي كان قد أثمرها اتحاد العنصرين واندماجهما؟ واقتنع الأستاذ ~~حليم بهذا المنطق، وراح يقول لنفسه: إنه كان كائنا حادثا من امتزاج عنصرين وتزاوجهما، ~~فصار ينقصه على الأقل متانة الامتزاج، فهو كالبناء المتصدع المشفي على الانهيار، ولا ~~مفر من أن تحدث هذه الركاكة الطارئة في بناء الإنسان؛ ركاكة في قوته وفتورا في قدرته ~~على العمل والاحتمال، ورخاوة وقلة غناء، ولم يمنعه أن يقتنع بهذا أنه في يقظته يبدو كما ~~خلقه الله، ولا نقص أو تهافت فيه ولا تغير؛ فقد قال لنفسه - كأنما كان مغرى بإقناعها: ~~إن كل ما بين اليقظة والنوم من الفرق أن ms13 سلطان العقل الواعي يفتر في أثناء النوم، وأن ~~الإرادة تضعف، فيسع ما وراء الوعي أن يتبدى، والأحلام راجعة إلى هذا، فدلالتها عظيمة، ~~ومن الضلال والحمق الاستخفاف بها أو إهمال أمرها. وهكذا ظل يلح على نفسه بهذا وما إليه ~~حتى أيقن أن به ضعفا جنسيا لا مراء فيه ولا حيلة، ووطن نفسه على ذلك فسكنت أعصابه ~~إلى هذا اليقين، لطول ما ألح في رياضتها عليه. # وكان في وسعه أن يريح نفسه ويستعيد الثقة بها والاطمئنان إلى سلامته وبرئه من هذا ~~الضعف لو قصد إلى طبيب؛ فما خلق الله الأطباء عبثا، ولكن حياءه وبخله أبيا عليه إلا ~~أن يغرياه بالتفلسف على نفسه حتى فسد الأمر. # ومن الغريب مع ذلك أن حياءه لم يمنعه أن يسر إلى صديق له أنه يجد نفسه في هذه ~~الأيام فاترا لا نشاط له؛ فزعم له صديقه أن هذا طبيعي؛ لأنه يعيش بين الكتب لا في ~~الدنيا، وجره معه مرة إلى مجلس لهو لا كلفة فيه عليه، فألفى نفسه أميل إلى الصغيرات ~~منه إلى غيرهن، وآنس بهن، وأقدر معهن على إرسال نفسه على السجية، وتناسي ما يعانيه من ~~توهم الضعف. # ولم يتجاوز الأمر حد المؤانسة والمجالسة والمفاكهة، ولكن الأستاذ حليما انصرف من هذا ~~المجلس وهو يعتقد أن علاجه أن يلتمس مجالسة الفتيات الصغيرات في خلقهن وأسنانهن؛ فإن ~~الدقة في خلقهن توحي إليه معني القوة، وصغر سنهن يشجعه ويرد إليه الثقة بنفسه لغرارتهن ~~وقلة تجربتهن - على الأقل نسبيا، وسره أن فتح الله له هذا الباب وهيأ له مخرجا يعفيه ~~من ثقل وطأة الشعور بالضعف، وما من أحد إلا وهو ينشد القوة والبأس والسطوة، أو يدعيها ~~على صورة من الصور إذا لم تكن مما وهبه الله وآتاه، وقد كان حسب الأستاذ حليم ما آتاه ~~الله من العقل والعلم، ولكن ذلك الضعف الحقيقي أو المتوهم كان يثقل عليه وينغص عيشه، ~~ويأخذ على عقله كل متوجه؛ بل هو الذي كان يوحي إليه ما يصدر عنه من قول أو فعل، ~~فهمه في حياته ms14 أن يداريه، أو يعوضه إذا أعياه أن يتغلب عليه، أو يقويه. # وقد انتهى به المطاف إلى محاسن؛ لأنه شام منها عقلا وفطنة تعرف بهما قدره، وغرارة ~~تجعلها تتطلع إليه، وقد طمست شهرته العلمية ضعفه الخفي، وتخيل القليل منه كثيرا عظيما ~~في نظرتها، وآنس منها ثقة به أغرتها بالبث والقول بشجوها، ومصارحته بأخفى الأسرار، ~~وكانت تجد من بساطته وحسن فهمه وسرعة فطنته وإقباله عليها مع سنه وأدبه ما يسهل عليها ~~ذلك، فاتخذت منه قسيسا تعترف له، واتخذ هو منها تلميذة، وارتضت هي هذا المحل، فأقبل ~~عليها يعلمها ويعرفها بالحياة وهو جاهل بها، أو لعل الصحيح أنه كان يمتحن فيها نظرياته ~~وآراءه، وقد يكون الأصح أن نقول: إن نوع استجابتها له كانت دروسا يتلقاها عنها ~~ويستفيدها منها. # ولم يكن أعجب من منظر هذا الأستاذ الضاوي المعروق الذي جلله الشيب - أو كاد - وهو ~~يتأبط ذراع الفتاة الصغيرة ويرتاد بها منازه المدينة، ولم يكن في منظرهما أو حالهما ما ~~يدل على علاقتهما، فكان الذي يرى وقار الشيب واحتشام الرجل ويؤثر حسن الظن يحسبها بنته، ~~والذي يرى رقته لها وتحفيه بها وضحكه إليها ولطفه في مخاطبتها يستريب وينكر، أو ~~يتردد على الأقل بين طرفي الاعتقاد غير قادر على الترجيح أو الجزم. # وكان إذا لقي - وهي معه - بعض زملائه القدامى، لا يضطرب ولا يتكلف، بل يقول لصاحبه في ~~بساطة: بنتنا محاسن، ويبتسم، فينصرف الرجل وأكبر ظنه أنها بنت أخ أو أخت. # على أنه كان يؤثر المكان البعيد الذي لا يطرأ فيه عليهما من يعرف ومن لا يعرف، وكان ~~في ضاحية نائية، فيقصد إليها بها في آخر النهار ومعه زجاجة صغيرة مبططة كانت لدواء، ~~فيها شراب، حتى إذا بلغه وجد عبد الفتاح بائع القازوزة، فألقى عصاه عنده، ويجيئهما عبد ~~الفتاح بكرسيين، وبالثلج والماء لشرابهما، وبخبزات مستديرة يابسة مخلوطة بالسمسم، وقطع ~~رقاق من الجبن لطعامهما، وكان هو يشرب قدحه ويستطيبه ويتمطق أيضا، أما هي فكانت تذوقه ~~وتزوي وجهها وتقبضه، فيضحك، وكان يحرص على أن يدعها تتحدث، مكتفيا بحسن ms15 الإصغاء ~~والابتسام المشجع، وهز الرأس من حين إلى حين علامة الموافقة أو الفهم، فتفتح له قلبها ~~وتدلق كل ما فيه، وقلما كان يثقل عليها برأيه وكلامه، ولكنه كان لا يسعه أحيانا إلا ~~أن ينصح لها متلطفا معها ويوجهها إلى ما هو أرشد وأحجى وأولى بأن ينيلها مبتغاها، أو ~~راحة القلب من وجع الدماغ، ويسره منها ويغره أنها كانت تصدر عن رأيه في كل ~~حال. # وكانت محاسن مزاحة طيبة الحديث تقبل الملاعبة ولا تضن بالقبل، ولكنها لا تطاوع على ~~ما سوى ذلك، وكان هو قانعا بهذا القدر، لا ينشد ما جاوزه - وإن كان يشتهيه - ولا يخطر ~~له أن يغافلها، أو يغالطها أو يستدرجها أو يشجعها على ترك التحصن؛ لأنه كان يجد الكفاية ~~من الاستمتاع في هذا القدر من التقارب للغزل، ويرى أن إخلادها إليه بالثقة والاطمئنان ~~قد حمله أمانة، وقد اعتاد الكبح والحرمان، فأيسر الأمرين أن يمضي على ما ألف، ~~وأعسرهما أن يتعرج، ثم إنه كان يخشى عاقبة الطمع، ويتقي أن يهجم - لو أن في طبعه أن ~~يهجم - فيقعد به ما يتوهم أنه صار إليه؛ فقد كانت ثقته بنفسه مضعضعة. # غير أنه كان من العسير أن يلتقيا مرة بعد مرة، وأن تكون بينهما هذه الصحبة المتينة ~~الطويلة، وأن يكون كل منهما للآخر ناموسه وصاحب سره، لا ينشرح للكلام أو يتبسط فيه إلا ~~معه، دون أن يقع شيء ما، وقد أعان على ذلك ويسره اطمئنان محاسن إليه وثقتها بعقله وما ~~تتوهمه من خبرته ومعرفته، ولينها له طول تقاربهما للغزل، وغلبته هو على عقله لهفته ~~على امتحان نفسه، وخيلت إليه اللهفة أن في وسعه أن يغالطها ويستر ضعفه بحيلة ما، إذا ~~أخفق؛ فإنها غريرة، خليقة أن تحسب كل شيء منه هو الغاية التي ليس وراءها غاية، وشجعه ~~اطمئنانه إلى سلامة العاقبة، وظل أياما مترددا مترجحا، ولكن ما يدفعه كان أقوى مما ~~يصده. # وجاءته يوما تقول إنها لم تقر في شهرها وأنه لو لم يمسسها لما أوجست خيفة، فذعر ~~المسكين ولم يعد يدري ماذا ms16 يقول أو يصنع، وأنحى على حظه، ولعن نحس طالعه، على أن خوفه ~~كان عليها وجزعه من أجلها، ومن العجب أنها - على قلقها - كانت هي التي تطمئنه وتحاول أن ~~تذهب عنه الروع. # وذهبت إلى طبيب تعرفه، ولم تزد على أن قالت إنها لم تقر، فوصف لها حقنا وعقاقير؛ ~~منها ما يفيد القوة، ومنها ما هو للتنظيم، فلم يفد ذلك. # وكان هو لا يستقر، ولا يدري بمن يعوذ، ومن يشاور؛ فإن المشاورة تقتضي البث والمصارحة، ~~وذلك ما لا يقوى عليه، ومن سخر القضاء أن عيادا كان هو الذي أنقذه؛ ذلك أنه لاحظ عليه ~~الاضطراب والوجوم والكمد، فسأله عن خطبه، فتلجلج، وماذا تراه يستطيع أن يقول لأبي ~~محاسن؟! ولم يفته ما في الموقف من تهكم الأقدار، فضحك - وشر البلية ما يضحك - وألهمه ~~الله أن يلفق قصة طويلة عريضة اخترع كل ما فيها إلا ما يقيمه ويقعده، فطيب عياد خاطره، ~~ودله على طبيبة نظارة مدققة، وعرض أن يرافقه إليها، ولم يكن عياد خالص النية فيما عرض، ~~فقد نازعته نفسه أن يرى هذه الفتاة ويعرفها، وطمع أن تتصل أسبابه بأسبابها، غير أن ~~الأستاذ حليما أبى المرافقة، وهل كان يسعه غير ذلك؟ وقصد إلى الطبيبة وحده أول الأمر ~~ليستوثق من أنها لا تعرف محاسن، لما اطمأن مضى بها إليها، فعالجتها علاجا حكيما فيه ~~بعد نظر واحتياط لكل ما هو محتمل، حتى لا تسيء إلى الفتاة من حيث تريد أن تحسن، وكانت ~~تطلب حقنا وتصف وصفات بلدية تعرف من خبرتها أنها نافعة شافية، وكان الأستاذ حليم يدور ~~على الصيادلة والعطارين ينشد عندهم ما يؤمر أن يجيء به، وقد أنساه الجزع بخله وكزازته ~~فانبسطت يده بعد طول الانقباض، وقضى أسابيع ثلاثة لا يذوق النوم إلا غرارا، وإن كان ~~ثقيل النوم كأنما يشرب مرقدا، وكان يصحب محاسن كل يوم إلى الطبيبة، وينتظر في ~~مقهى قريب، وفي ظنه أن كل جالس أو عابر ينظر إليه ويتعجب، وربما كبر في وهمه أنهم ~~يتهامسون أو يتغامزون عليه بلحظ العين وإيماءة الأصبع، ويتساءلون ms17 فيما بينهم عمن يكون؟ ~~وماذا قذف به على هذا الحي؟ فكان يلهج في سره بالابتهال إلى الله أن يتوب عليه ويعفيه ~~من الحاجة إلى غشيان هذا المقهى. # ودعته الطبيبة إليها يوما وأنبأته أنه لم تبق لها حيلة، وأن عليه أن يقصد إلى طبيب ~~أخصائي، فما يسعها هي فوق ما صنعت، وأنها تخشى على نفسها، وعلى محاسن أيضا، إذا هي ~~حاولت شيئا آخر، فتوسل إليها، والدمع يجول في عينيه، أن ترشده إلى هذا الأخصائي، فهزت ~~رأسها وقالت بلهجة الأسف والإشفاق، إنها لو كانت تعرف أحدا لما اجترأت أن تتوسط له في ~~مثل هذا الأمر، ولكنها دلته على طبيبة أجنبية قد يهديها الله فتسدي إليه هذه ~~اليد. # فمضى بمحاسن إليها، ودفعه اليأس وخوف الإخفاق إلى مصارحتها بالأمر كله، فما بقي من ~~هذا بد، عسى أن ينفعه عندها الصدق ويعطفها على الفتاة في محنتها، وكانت تصغي إليه وهي ~~مطرقة تزوم، وهو يتفرس في وجهها لعله يلمح فيه ما يستبشر به، ولما انتهى قال: هذه هي ~~الحكاية، واضطجع وفوض أمره إلى الله. # فقالت له: اسمع يا بك، أنا طبيبة، نعم، ولكني لا أستطيع أن أتكلف مثل هذا الأمر، لا ~~جهلا بل خوفا. غير أن الفتاة جديرة بالرحمة، فإذا شئت استشرت في أمرها طبيبا، ~~وسنرى ما يكون، فعودا غدا في مثل هذه الساعة. # وخرج لا يدري أيطمئن أم يقلق، وثقلت وطأة هذه الجرة عليه، حتى لتمنى أن يقنط؛ فإنه ~~أرحم، وكانت محاسن تضحك منه، فيزجرها ويروح يهول عليها بما يقدر أنه سيكون ويسهب في ~~الوصف ويتوسع في البيان كأنما يجد لذة في تعذيب نفسه، حتى يكاد يخلع قلب ~~المسكينة. # ولكن الله لطف بعبديه، والله يضع رحمته حيث يشاء، وتشهد أستاذنا حليم، ولكن ما عانى ~~من الكرب جاوز طاقته، فآلى ألا يعود. # وصارت محاسن بعد ذلك أهدأ، وأكثر اتزانا، وأقل خفة، فلو رآها الذين كانوا يقولون ~~إنها طامحة الطرف لا تبالي أن تدنو من الرجال لتعجبوا، وأنى لهم أن يعلموا أنها ~~امتحنت أقسى امتحان، وأن عزمها ms18 كان مستقرا على الانتحار، وأن تكلفها أن تظل ضاحكة ~~السن قد كلف أعصابها شططا؟ # وأنى لمحمود أن يعرف السر فيما صارت تتعمد أن تبديه من التبرم به والإعراض ~~عنه؟ # | الفصل الثاني # 1 # ولم تكن محاسن أول من عرف محمود أو أحب أو كاد يتزوج، أو خاب له فيها أمل؛ فقد سبقت ~~له علاقة بفتاة مدنرة مدرهمة، ولم يكن يعرف حين عرفها أن لها مالا، أو يعبأ ~~بذلك. وننصف محمودا فنقول: إنه يؤمن بشيئين: أن من المهانة أن يكون الزوج فقيرا ~~وامرأته غنية، وليس معني هذا أن على المرأة الغنية أن تنزل عن مالها لبعلها حتى يعتدل ~~الميزان في رأي محمود، وإنما معناه أنه ليس مما يحفظ مروءة الرجل ويصون كرامته أن يتزوج ~~امرأة لمالها، وقد يكون هذا رأيا عتيقا، ولكنه رأيه الذي يذهب إليه بدافع من إدراكه ~~الخاص لمعني الكرامة، والثاني: أنه كان - على كونه مهندسا - يؤثر أن يكون «صحافيا»، ~~ويظن ذلك خيرا له وأجدى عليه من تطبيق العلم على العمل، وأبى أبوه له هذا كل الإباء، ~~وأنكر أن ينفق على تعليمه ما أنفق ليكون شيئا محسوبا في الدنيا فيصير «جورنالجيا»، ~~ووفق محمود بين هواه وهوى أبيه، واتفق مع صحيفة على أن يكون مراسلها من ميدان السباق، ~~وفاز بفضل ذلك ببطاقة تخوله دخول الميدان من غير أن يؤدي الرسم المفروض، والآن نجيء ~~إلى ما صار يؤمن به؛ وهو أن الصحافي - فقد أصبح صحافيا بشهادة بطاقة السباق - لا يجوز ~~له أن يتزوج؛ ولو كان أمر التشريع إليه في ذلك الوقت لجعل الصحافة من موجبات العزوبة ~~كبعض الأمراض. # ولم يكن يعرف عن الخيل شيئا، ولا كان مطالبا بهذا العلم، وكان حسبه وحسب الصحيفة ~~أن أندية السباق معارض جمال وأزياء وملتقى كل من هب ودب، ولم يكن عليه إلا أن يجعل باله ~~إلى مناظر الناس لا إلى الخيل وإلى ما يكون منهن، وكفى بهذا تعليقا على السباق. # وقد لقي مرة واحدا من الأجلاف الذين تراهم في كل مكان يحسن أن يخلو منهم، فسأله ms19 - ~~أي الجلف - بلا سلام أو تحية: أشر علي؛ على أي حصان ألعب؟ # قال محمود: وهل أنا أعرف؟! # وكان صادقا في نفي العلم بالجياد وقيمتها في السباق؛ نعم كان يراهن، ولكنه لم يكن له ~~في الاختيار فضل؛ فقد كان له صديق من المدربين لا يزال يتحفه بأسماء الجياد التي ~~يتوقع لها الفوز، فيراهن بما شاء على ما شاء، ويجعل عينيه كما أسلفنا، لا على الجياد، ~~بل على الناس؛ لأن القول فيهم هو العمل الذي يؤديه للصحيفة التي منحته البطاقة - أو ~~الكارنيه - ويربح أو يخسر - يربح في الأغلب - بفضل هذا المدرب، وهو غير فاهم لماذا ربح ~~أو خسر. # فقال - أي الجلف أيضا - بابتسامة ثقيلة: سم أي حصان، ولو بثلاث أرجل، يكفي أن ~~تختاره ليكسب. # قال محمود: ماذا تعني؟ # قال الجلف - وهو يضحك: إنه يسأل ماذا أعني! أعني أنك ولدت وفي فمك ملعقة من ~~فضة. # ومضى عنه وهو يطرف ويغمز بعينه، فلو استطاع محمود أن يخنقه وهو آمن لفعل. # 2 # ولم يكن محمود في ذلك الوقت قد فاز بوظيفته في الحكومة، فإن أباه كان لا يزال يسعى، ~~فوسعه - أي محمود - أن يعد نفسه صحافيا محترفا لا هاويا، ولما انتقلت الخيل إلى ~~الإسكندرية انتقل معها. # واتفق يوما أنه كان يستريح على رمال الشاطئ في جليم بعد أن سبح حوالي ساعة، وكاد ~~النعاس يغلبه، وهو مستلق على ظهره وذراعه على عينه، وإذا بصوت ناعم موسيقي النبرات ~~يقول: والله عال، كأنه في بيته، وفي غرفة نومه، وعلى سريره! ترى بأي شيء يحلم؟ # ولم يخطر له أنه هو المقصود، فإن الناس كثر، ولكنه تنبه ونحى يده عن عينه ورفع ~~رأسه قليلا لينظر، ثم استوى جالسا، فقد رأى فتاة عليها برنس جاثية على ركبتيها وعاكفة ~~عليه تتأمله كأنه حيوان غريب قذف به الموج. # وقال: معذرة، من أنت؟ هل أعرفك؟ # قالت وهي ترد الضحك وتغالبه: كلا، ولكن المظلة تعرفني. # فصعد طرفه إلى فوق، فإذا هو تحت مظلة كبيرة مخططة لم يفطن إلى وجودها، ولم يشعر بها ~~حين ارتمى على ms20 الأرض وقد تحلل به الإعياء وأنهكه جهد السباحة، ولم يسعه إلا أن يعتذر ~~للفتاة ويرجو منها الصفح، وهم بالنهوض فردته بإشارة وقالت: لا تذهب، ولكن تنح ~~قليلا فإن الشمس حامية. # فوسع لها، فدخلت تحت المظلة وقالت: كلا، لا تذهب فإن لك فائدة؛ إن ها هنا شبانا ~~يلاحقونني ويضيقون علي. # قال: مجانين. # فرمت إليه بنظرة فيها بعض الحدة، ولكنها لم تخل من ابتسام، ومضت في كلامها فقالت: ~~وقد خطر لي حين رأيتك ممددا تحت المظلة أن أتخذ منك مجنا يقيني تطفل هؤلاء ال ~~... # فقال على سبيل التلقين: المجانين. # فابتسمت وأطرقت، وجعلت أصابعها تعبث بالرمل. # وسألها: أليس معك هنا أحد؟ # قالت: أمي، ولكنها لا تفارق الكابين؛ يمكنك أن تراها من هنا (وأشارت إلى صف ~~الكابينات) وبالها طويل، وصدرها واسع وصبرها لا ينفد ... # قال مقاطعا: مسكينة. # قالت: من؟ # قال: أمك. # قالت مستغربة: وما الذي يجعلك تظن أنها مسكينة؟! # قال: يظهر أنها احتاجت أن تروض نفسها على الصبر. # قالت: آه. # ثم كأنها تنبهت إلى معني فاتها فسألته: إيه؟ ماذا تعني؟ # قال: لا شيء. لا شيء. استمري، فقد أعرناك أذننا. قالت بابتسام: أشكرك. ما اسمك؟ ~~ومعذرة فلست أستطيع أن أظل أدعوك: يا حضرة. # قال: هل تصدقينني إذا قلت لك إن اسمي محمود؟ # قالت (ورفعت حاجبيها المرسومين بالقلم، مقدار ملليمتر): ولم لا أصدق؟! محمود ~~ماذا؟ # قال: ألا يكفي اسم واحد؟! أقسم لك أني لست هاربا من البوليس، ولا من هؤلاء ~~ال ... # وأشار بيده إشارة عامة شملت كل من على الشاطئ، أو في الماء، فقالت: المجانين. ~~هه؟ # فلم يفته مرادها، ولكنه تجاهله وتغابى وقال: على كل حال اسمي ليس سرا، وإن كنت لا ~~أرى أن أكتبه على لوح وأرفعه على سارية، وما أظنه ينفعك العلم به، فما هو أكثر من بطاقة ~~أعرف نفسي بها، فتفضلي، محمود فهمي. # قالت: وأنا اسمي سميرة. # قال: اسمعي، إن خير وقاية لك من هؤلاء ال ... ال ... # قالت: المجانين. # قال: أشكرك، المجانين، هي أن تنزلي إلى الماء وتسبحي. # قالت: هذا هو الذي يجمع ms21 الذئاب على الحمل ؛ فإني لم أتعلم السباحة، وكل ما أستطيعه هو ~~أن أقف أو أقعد في مكان غير عميق وأخبط الماء بيدي، فيجيء هؤلاء ويحتاطون بي، ويعرض ~~بعضهم علي أن يعلمني السباحة. # فقال محمود: أنت أخيب الخياب، أعوذ بالله! # فقهقهت ثم قالت: لماذا؟ هل السباحة ضرورية جدا؟ # قال: أظنك لا تستطيعين أيضا حتى ولا أن تقلي بيضا؟ # قالت: اسمع يا محمود! سأسميك محمودا بلا كلفة، فإن حديثك يعجبني، وأكبر ما يعجبني ~~منك أني لا أعجبك، هذا واضح ... # قال مقاطعا: إن قوامك جميل. # قالت وهي تفحص قوامها بعينها: ألا تظن أني أنحف مما يجب؟ # قال وهو يدير عينه فيها: نعم، قليلا. لقد كان لي زميل في المدرسة له مثل قوامك، وكنت ~~أضربه علقة كل بضعة أيام، ولكن ساقيك أجمل، لا محل للمقارنة في الحقيقة، وصدقيني إذا ~~قلت لك إنه ما من فتاة في هذا الزمن تستطيع أن تصل إلى شيء بغير ساقين جميلتين. # قالت: هذا ما أقول لأمي كلما قالت لي إن ثيابي قصيرة؛ يظهر أننا سنتفق. # قال: لا تتسرعي. # قالت: لا تخيب أملي من فضلك، بماذا تشتغل؟ # قال: صحافي، وإذا أردت الدقة فإن كل عملي هو أن أذهب إلى نادي السباق وأصف لصحيفتي ~~جماعة الإنسان لا جماعة الخيل المحتشدة هناك. # قالت لا يبدو عليك ذلك؛ هل تعلم أن الصحافيين ثقلاء؟ ولكن الحق على أمي، فإنها لا ~~تزال تدعوهم إلى حفلاتها - لا أدري لماذا؟ أظنها تتوهم أن ما يكتبونه عن حفلاتها يساعد ~~على تزويجي بسرعة؟ ولكن المسألة هي أنني لا أريد أن أتزوج، هل تعرف ماذا أتمنى أن أصنع ~~اليوم؟ أذهب إلى السينما مع واحد مثلك لا أعجبه فلا يغازلني، ثم أتعشى بسندوتش فول ~~مدمس. # قال: ولم لا؟! إني غير مشغول في هذا المساء. # قالت: لا أستطيع، مع الأسف، لقد دبرت لي ماما عشاء مع عمدة من معارفنا، وابنه، يا ~~حفيظ! له أسنان بارزة وعين حولاء وتمتمة، وإني لأخشى أن أضطر إلى التزوج بواحد كهذا ~~لأستريح من هذه المحاورات والمداورات. # قال: ms22 وهل تريدين أن تكوني عمدة؟ # فضحكت ثم قالت: إنما أريد ألا أقابل أحدا يريد أن يتزوجني. # قال: لا بد أن هناك كثيرين لا يريدون، فلا تيأسي. # قالت: ولكن كثيرين يا محمود يعدونني جميلة. # قال: لا تصدقيهم، فإنهم يخدعونك، وربما كانوا يجاملونك، ولعلهم يظنونك غنية، فهم ~~يطمعون في مالك. # قالت: ولكني غنية. # قال: آه، انحل اللغز. # فسألته: ألا تراني على شيء من الجمال؟ # قال: لا أدري، على كل حال لست أحب اللون الأسمر. # كانت هذه هي البداية. # وقد التقيا بعد ذلك مرات على الشاطئ، في جليم أيضا، فإنه حيث يكون الكابين يكون ~~صاحبه أو صاحبته والذين يحومون حولها. # وفي إحدى المرات استبقته، وجاءت بحقيبة كالتي يتخذها التلاميذ سوى أنها من جلد نفيس، ~~وأخرجت منها طائفة من السندوتش ودعته إلى مؤاكلتها وقالت له وهي تقضم: اسمع. # قال: كلي أذن، هاتي. # قالت: خطرت لي فكرة، إنك تريد أن تقضي بقية الصيف في لبنان، هه؟ # قال: أتمنى. # قالت: ولكنك لا تستطيع. # قال: صدقت، العين بصيرة، واليد قصيرة، وأبي يهيئ لي وظيفة لأكسب رزقي بعرق هذا الجبين ~~العريض. # قالت: تستطيع. # قال: ماذا؟ # قالت: أن تترك لي السندوتش بالبطارخ فإني أحبه. # قال: الضيف مفضل يا آنسة سميرة. # قالت: اسمع. اذهب إلى لبنان. # قال متمثلا: ملنا أم بنا بنا، أم جفانا وقلانا واعتاض منا سوانا؟ ألم أقل لك أن ~~العين بصيرة ... # قالت: ولكنك تستطيع، ألا تفهم؟! # قال: أتراك تعرضين علي قرضا حسنا أو هبة؟ # قالت: بل أعرض عليك الزواج. # قال: هذه هي التي لا تريد أن تتزوج؟! الاقتراح مرفوض، والرفض مقرون بنصيحة؛ أن تذهبي ~~إلى الطبيب حالا. # قالت: اسمع لا تكن متعجلا. # قال: أنا؟! أنا المتعجل؟! # قالت نعم، اسمع، تتزوجني وأتزوجك. # قال: مفهوم، زواج متبادل، لا من ناحية واحدة فقط! مرة أخرى أقول: يفتح الله. # قالت: ولكن ماما موافقة. # قال: شيء جميل، إذن فلتتزوجك هي. # قالت: أنت أناني، وقاس، وقلبك كالحجر. # فلم يسعه إلا أن يضحك فقالت: إني أعرف أنك لا ... لا ... إني لا أعجبك، ولكني لا ms23 أطالبك ~~بشيء، ستكون بعد الزواج حرا، تحيا وحدك، وتذهب إلى حيث تشاء، وتصنع ما يحلو لك، وكل ~~ما أبتغيه هو أن أستريح من الذئاب التي تحوم حولي وتلوب، ومن المداورات التي لا تنتهي، ~~وإذا شاء الله ووجدت الرجل الصالح، دعوتك أن تطلقني لأتزوجه، فأي بأس في هذا؟! ألا تحب ~~أن تساعدني؟ ألا تريد ... # فقاطعها قائلا: إن كل ما أريده الآن - حالا - هو جرعة من الكونياك لو كان إليها هنا ~~سبيل. # ولم يتزوجها؛ لأنه لم يستطع أن يقنع نفسه بهذا التمثيل الجنوني، ورأى بعد ذلك أن ~~ينأى عنها ويتقي لقاءها؛ واتقاء الفتنة خير من التعرض لها. # وذهب الصيف، وجاء الشتاء، وانتقل ميدان السباق إلى الجزيرة ومصر الجديدة، وهناك كان ~~يلقاها برغمه، وكان يرافقها شاب لا يعرفه ولا يستخف ظله، ودعته مرة إلى الشاي في ~~منزلها، فاعتذر، فألحت، وقالت إنها تريد أن تعرفه بخطيبها، وإنها حدثت خطيبها عنه ~~كثيرا فسألها: من عسى أن يكون؟ # فأشارت إلى الشاب. # فقال محمود مستغربا: هذا المخلوق؟! # قالت: ليس بمخلوق، إنه حمدي، ثم إنه يحبني ويعبد التراب الذي أمشي عليه. # قال: ظاهر، ظاهر، فهل تريدين أن أهنئك؟! # قالت: ولم لا؟! ألا يمكن أن تقول لي كلمة ظريفة؟ # قال: على عيني ورأسي، ما أرخص الكلام، مبروك، مبروك، وهنيئا له. # قالت: لا تتهكم. # قال: وماذا أصنع إذا كنت ترمين نفسك على هذا القواد؟! # قالت: إنه ليس قوادا، إنه موظف، ثم إني لم أرم نفسي عليه، هو الذي ... # قال: هذا ألعن، يضحك عليك هذا البراد؟ # قالت ودبت برجلها: ليس برادا فلا تكن فظا، ثم إنه يحبني. # قال: وأنت؟ # قالت: خطيبته. ولم تزد. # وذهب إلى بيتها إجابة لدعوتها، ولم يكن خطيبها هناك، فاستغرب محمود رغم أنه سره أن ~~لم يجده، واستقبلته أمها، وشرعا يتكلمان الكلام المألوف، ويتبادلان الملاحظات المعتادة ~~عن الجو وما إليه، ثم استطردا - بطريقة ما، والحديث ذو شجون - إلى سميرة وخطيبها، ~~فغاظه وأحنقه أن يسمع من هذه السيدة التي كان يظنها عاقلة حصيفة، ثناء على الخطيب، ولا ~~ندري ماذا ms24 كان يتوقع غير هذا؟ ولكن الذي ندريه أن الأم نظرت إليه نظرة لم يفهمها وقالت ~~له: إن سميرة في الحديقة، فاذهب إليها، وقبل أن تذهب أحب أن أقول لك إني لم أر في ~~حياتي أغبى ولا أعمى ولا أطرى ولا أضعف منك، ويخيل إلي أن جسمك مصنوع من الجبن ~~الحالوم لا من اللحم والعظم، والآن اذهب. # فخرج إلى الحديقة وقد فتحت له هذه النعوت الجميلة بابا من التفكير كان ~~موصدا. # وألفى سميرة مسندة ظهرها إلى جذع شجرة، وساعداها مطويان على صدرها، تحت ثدييها ~~الناهدين، وهي شاخصة لا تطرف، فوقف إلى جانبها يتأملها وهي كأنها لا تشعر به، ولا تدرك ~~أنه موجود، فتعجب، وكأن في وقفتها من السحر، وفي خطوط قوامها من الجمال والفتنة ما لم ~~يفطن إليه إلا الساعة، كأنه ما رآها قط من قبل. # وتمثل له، وهو واقف حيالها، شخصان: جده الأعلى الذي كان يسكن الكهوف ويعمل بالفأس، ~~ولا يرتدي إلا جلد الحيوان، وشخص آخر منتزع من ثقافة الزمن وحضارة العصر، عرف فيه ~~نفسه. # وكان الأول يقول له وهو يحرك الفأس: أقدم يا شيخ، ما هذا الجبن؟! ألم أنصح لك من قبل ~~مرات أن تعامل هذه الفتاة بالطريقة التي جربت واختبرت ملايين المرات ونجحت في كل مرة؟ ~~ولكنك لم تسمع ولم تطع، ولهذا فقدتها. # وكان الآخر يقول: مهلا، مهلا؛ قد تكون هذه طريقة صالحة في عصور الاستيحاش والهمجية، ~~ولكنا اليوم في القرن العشرين، والفتاة على كل حال مخطوبة، فكيف تشير عليه بأن ~~... # فيقاطعه الجد الأعلى ويصيح به: مخطوبة أو غير مخطوبة، هذا لا قيمة له، إني أقدم له ~~نصيحة ثمينة، وأشير عليه بالخطة المثلى. # فيقول الآخر: لا يسعني إلا أن أحتج وأعترض على هذه النصيحة وتلك الخطة، وإن على ~~صاحبنا هذا أن يتقبل حظه بالصبر والرضى. # فيصيح الجد الأعلى: كلام فارغ، إن الذي عليه أن يفعله هو أن يجذب هذه الفتاة إليه ~~ويطوقها - ولو كان لها ألف خطيب وخطيب - ولو كنت في زمني، وفي سني ومبعثي، لما رأيتني ~~أتردد، ms25 فاسمع مني يا هذا، وأطعني فلن تندم. # وفي هذه اللحظة تنبهت سميرة إلى وجوده، أو أظهرت أنها تنبهت، وجعلت تتمتم: محمود! ~~محمود! # ولا يدري محمود كيف حصل هذا، ولكنه شعر أن الحديقة رقصت، فأما الأشجار فكانت تطول ~~وتقصر، وأما بساط الروض فكان يدور، ويدور، ولكنه هو كان ثابتا - لا يدور ولا يضطرب - ~~وبين ذراعيه سميرة. # وسمع نفسه يسألها: وحمدي هذا ما الرأي فيه؟ ماذا عسى أن تقولي له؟ # قالت: ألم تقل لك ماما؟ # قال: نعم، قالت لي إني غبي وأعمى ومصنوع من الجبن الطري. # قالت وهي تضحك: إنها ظريفة، أليست كذلك؟! # فسألها: أهذا رأيك في الظرف، ما هو؟ # فضحكت وقالت: لقد كادت تجن لأنك أعمى، وغبي، و... # قال متمما: ومصنوع من الجبن الطري. # قالت: حمدي هذا ناظر الزراعة، وقد استقدمته ماما لتفتح لك عينيك به، ولكنه كان لا ~~بد من استعمال السكين على ما يظهر لشق جفونك. # فصاح محمود: هل تعنين ... # قالت: أعني أني أعددت لك سندوتشا بالبطارخ، تعال. # وجرته من يده. # وتنهد ممثل الثقافة والحضارة في القرن العشرين، وغاب، أما الجد الأعلى فكان يهز رأسه ~~مسرورا، ويحيي محمودا بالفأس. # 3 # ودارت الحياة بعد ذلك دورتها المألوفة؛ بضعة أيام وأفضى محمود إلى أهله بخطبته، فأما ~~أمه فسرها أن ابنها يوشك أن يكون زوجا ورب أسرة، وإن كان قد أقلقها غنى الفتاة، ~~وتحسرت على ما كان لبعلها من مال ضيعه، وكانت قبل ذلك قانعة راضية قريرة العين، لا ~~تأسف على ما فات، ولا تتبرم بحاضر، ولا يعنيها إلا أن ابنها أتم تحصيله وأنه سيكون ~~موظفا ويعيش في دعة وخفض، ويرتقي، ثم يرتقي، ويفخر بالمال والسعة والأهل، وإذا به ~~ينبئها أنه خطب فتاة ذات ضياع عظيمة، قبل أن ينال الوظيفة المشتهاة ويضع قدمه على أولى ~~درجات السلم الذهبي، وإنه لجدير بالسعادة وأهل لكل خير، وقد يكون صحيحا ما خبرها به ~~من أن الفتاة تحبه. المحقق أن هذا هو الصحيح، وإلا لما اختارته وآثرته على عشرات من ~~الشبان كلهم أحسن منه حالا، غير ms26 أنها مع ذلك خشيت أن يصغر أهله في عيون أهلها إذا لم ~~يصغروا في عين الفتاة؛ من جراء هذا التفاوت في الرزق. # وأما أبوه فلم يسره أن فتاه ذهب فأحب فخطب من غير أن يشاوره، وصحيح أنه لم يكن يملك ~~أن يرجئ الحب حتى يسأله، ولكنه كان خليقا أن يدرك أن له أبا يراجع في مثل هذه الشئون ~~الكبيرة، وألا يغيب عنه أنه ما زال مكفيا - ولا يقول عاطلا - لا مال له يعيش منه، ~~أفلا انتظر حتى تسلم الوظيفة ثم فكر في اختيار الزوجة؟ وما سر جعل فتاة واسعة ~~الثراء تؤثر فتى لا عمل له ولا مال وليس ينقصها المعجبون ولا الطامعون؟ ولو أن أرض ~~الرجل كانت قد بقيت له لما عبأ شيئا بضياع الفتاة، ولا اكترث لما بين الثروتين من ~~التفاوت؛ فإن شيئا ولو قليلا خير من لا شيء، والعبرة بالاستغناء، وبأن المرء يحور ~~إلى شيء فيه كفاية وعليه اعتماد، وبهذا يسعه أن يحتفظ بكرامته ويكفل الاحترام لنفسه، ~~فيواجه الفتاة وهو ثابت على قدميه، ويقول لها بلسان الحال: إني لا أبالي كثرة مالك ~~وإرباءه على مالي؛ فإن ما جاوز مقدار الحاجة - حتى مع التوسع - زيادة لا انتفاع بها، ~~وبحسبي ما عندي؛ فنحن كفؤان في ذلك النصيب من المال الذي إليه الحاجة وبه يطيب العيش، ~~ولو كان لك فوق ذلك مال قارون لما فضلتني به. # أما الآن ... # وهز الرجل رأسه آسفا متحسرا منكرا على ابنه أن يزج به بغتة في هذا المأزق ~~الحرج. # ولم يعجبه مما قصه عليه محمود وهو يضحك، ما توهمه ائتمارا به من سميرة وأمها، ~~أوهكذا تصنع البنات الطيبات، وأمهاتهن الصالحات؟! # أفلو كانت لنا بنت كسميرة أكانت أم محمود تطاوعها هذه المطاوعة، وتملي لها هذا ~~الإملاء، وترخي لها الحبل على هذا النحو، وتشجعها على التحبب إلى الفتى الذي عليه ~~العين، وتزيد فتدعو إليها ناظر الزراعة أو الضيعة وتأمره أن يمثل دور الخطيب المنافس ~~لمحمود، وتتركهما معا؟ ومن يدري؟! ألا يمكن أن يكون هذا الناظر قد قبلها وعانقها ms27 ~~نزولا على مقتضيات التمثيل وما يتطلبه إتقان الدور؟! ألا يمكن أن ينقلب التمثيل حقيقة، ~~والهزل جدا؟! سبحان الله العظيم! وأي فتاة تكون هذه التي تأمر الرجل أن يقبلها؟! بل ~~التي تجيء بموظف من عندها وخادم لها وتقول له: هذا فمي فقبله، وهذا صدري ضمه إلى ~~صدرك، وأحطني بذراعيك وشد على خصري؟! أعوذ بالله! وأي أدب هذا الذي أدبتها أمها؟! وبأي ~~عقل تسمح بهذه المهزلة التي لا يبعد ولا يستغرب أن تنقلب فاجعة؟! # ولكن أبا محمود لم يصارح محمودا بما ساوره من الهواجس، وحاك في صدره من الشكوك، ودار ~~في نفسه من بواعث القلق، واكتفى بأن يعاتبه ويلومه في رفق على هذه المباغتة، وينصح له ~~بالتريث والأناة زمنا كافيا حتى يفوز بوظيفة من جهة، ويدرس أخلاق الفتاة وسيرتها ~~درسا أوفى من جهة أخرى، ثم دعا له بخير. # ولكن الشباب هو الشباب، فلم يتريث محمود ولم يتأن، ولسنا نعني أنه عقد العقد، وإنما ~~نعني أنه صار لا يفارق سميرة في ليل أو نهار أو في معظمهما، وكان لا بد أن تتعارف ~~الأسرتان، وتتزاوران؛ فأما أسرة سميرة فرحبت بالأمر، ولم يخطر لها أن غناها مبعث قلق ~~لأسرة محمود، فلعل الذي حبب محمودا إليها أنه كان بادي الزهادة في مالها، قليل ~~الاحتفال به، وأما أسرة محمود فاضطربت للقاء الأول والزيارة الأولى. # وقال محمود لأمه ذات مساء: لماذا لا تجيئين معي إلى بيت سميرة؟! # قالت: كلا. اذهب وحدك، وخذ معك المعطف؛ فإن الليلة باردة. # قال: سأفعل. # فسألته: ماذا تصنع هناك كل ليلة؟ # قال: أجلس معها، أو نخرج معا إلى سينما أو غير ذلك. # قالت: من يؤدي النفقات؟ # قال: ماذا تعنين؟! # قالت: أعني أنه لا يليق أن تؤديها هي عنك. # قال: من قال لك إنها تؤدي عني شيئا؟! وهل أحتاج إلى مالها لأدخل معها دارا ~~للسينما؟! # قالت: لا تغضب، فإنما كنت أخشى ... # قال: إنك لا تحبينها؟ # قالت: إنك مخطئ، فليس الذي بي لها أني لا أحبها، وكل ما في الأمر أني لا أراها تصلح ~~زوجة لك. ms28 # فنهض مستاء، وخطف المعطف ، وقال بحدة وهو يخرج: لا فائدة من هذا الكلام، سأتزوجها ~~والسلام. # ولم يطلع محمود سميرة على شيء من هذا، وما عسى أن يقول لها؟! أيقول لها إن أبويه لا ~~يرضيان بها زوجة له؟! وإذا تشجع وفعل؟ ولكن هذا مستحيل. # ووطن نفسه على الصبر حتى ينال الوظيفة فيسعه حينئذ أن يكون حرا فيما يفعل ~~ويترك. # وسألته سميرة مرة في أعقاب سهرة طويلة: ماذا عساك تقول لماما حين تدخل عليها في مطلع ~~الفجر؟ # قال: إننا كنا نتحدث. # قالت وهي تضحك: ولكن هذا لم يكن كل ما نفعل. # وتعانقا، وكانت تضحك وهي تدني فمها من فمه، وكان جسمها كله ينتفض، وإذا به يجمد ~~ويتخشب، ويقصيها عنه ويحدق في عينيها ويسألها: ماذا تعنين؟ # فتعجبت، وهزت رأسها مستفسرة، فقال وهو يدع ساعديها يهويان: يظهر أنك مللت صحبتي، ~~وإلا فما سؤالك عما أقول لأهلي حين أعود إليهم من عندك؟! ماذا يدعو أن أقول أنا شيئا ~~أو أن يسألوا هم عن شيء؟! # فاعتذرت، وأسفت لأنها قالت ما يمكن أن يحمل على هذا المحمل. # وألفاها بعد ذلك أكثر جدا وتحرزا في الكلام، وقل ضحكها، وبدت كأنما يدور في نفسها ~~شيء، وصارت تصمت، وتنطوي على نفسها، فتزداد جمالا وفتنة، وبعدا أيضا. # وأحس محمود أن هذا جانب لم يكن يتكشف له من قبل، وأشفق أن تظل ناحية من نفسها محجوبة ~~عنه مزوية عن عينه، لا يطلع عليها ولا يستطيع أن ينفذ إليها. # ورافقها ذات ليلة إلى البيت بعد أن شهدا معا رواية سينمائية وكانت يدها في يده، لم ~~تتخل عنها وهي تفتح الباب، كأنما تدعوه بذلك إلى الدخول فقال: أخشى أن نزعج ماما ~~(يعني أمها). # فقالت: لا تخف، ولا تخافت بكلامك، فإن نومها ثقيل. # ودخلا، فقالت وهي تخلع معطفها: لقد قابلت ماما (تعني أمه هو) اليوم في متجر. # فسبقه لسانه وسألها: ماذا كان منها؟ ألم تكن لطيفة معك؟ # قالت نعم؛ فإنها سيدة مهذبة، ولكنها يا محمود لا تحبني، ولا ترضى عني، لا أدري لماذا؟ ~~ولا أعرف ms29 كيف أفوز برضاها وأكسب حبها؟ مشكلة! # ونحت وجهها كأنها تستحي أن تنظر إليه، أو تخشى أن تقرأ في وجهه مصداق كلامها، وهي ~~تقول ذلك. # فجذبها من ذراعها، وطوقها، فلم تلن له، وانثنى رأسها على صدرها، ورأى عينيها ~~مغرورقتين، فلثم جفونها وخديها وشفتيها وجبينها، وجعل يهمس: إن أمي لا يسعها إلا أن ~~تحبك، لا مفر من ذلك، إنما يخيفها غناك وفقرنا، ولكن هذا لا قيمة له، فما لنا بمالك ~~شأن، ولن أتخلى عنك أبدا. # فتفلتت من عناقه بلطف، وقالت بصوت هادئ متزن النبرات: ليس يطيب لي أن أفسد ما بينك ~~وبين أمك. # ليس يطيب لي أن أفسد ما بينك وبين أبيك. # قال: ولكن هذا لن يكون، فلماذا تتوهمين أن هذا يمكن أن يقع؟! ألست سأتزوج يوما ما؟! ~~وكيف يعنيهما أن تكون زوجتي غنية أو فقيرة؟! إنها حياتي لا حياتهما، وقد كاد يتم أمر ~~الوظيفة، فلا حاجة بي إلى معونة منهما. # وكأنما جرى ببالها شيء فضحكت وقالت: لن تتخلى عني يا محمود؟ أينا الذي قنص ~~صاحبه؟ # فضمها إليه ضمة قوية، وأهوى على شفتيها بالقبلات الحرار، وكانت تضحك وتعالج أن تفلت ~~وهو يأبى أن يدعها؛ فقد كانت كالخائف من مجهول لا يدري ما يهجم عليه منه، ثم أفرج عنها ~~وخلاها، فخيل إليه أنها تخفي عنه شيئا؛ ذلك الجانب المستتر الذي لا يتبدى ولا ~~ينكشف، فعاد يجذبها ويضمها، وهو يشعر أن بينهما حاجزا على الرغم من هذا التداني، وكانت ~~تبادله قبلاته، وتلتقم فاه كأنما كانت هي الرجل، وتقر له وهو يهصرها، وتتمتم بما لا ~~يتبين، ولكنه كان يشعر أن بها الليلة غموضا واعتياصا وبعدا. # ثم قالت له وهي تسوي شعرها: يحسن بك أن تذهب الآن. # وكان يفرك عينيه، كأنما يستيقظ من سنة، وإن كان تام الإدراك لقربها والشعور ~~بحرارتها، وفتنة صباها، وهم بتقبيلها مرة أخرى، ولكنها أسرعت فنهضت قبل أن يلف ذراعه ~~على خصرها، وقالت: أرجو، أرجو أن تذهب، لقد كاد الليل أن ينتصف. # فقال: إني آسف يا سميرة، كان ينبغي أن أخرج قبل ms30 ذلك. # قالت: لا تقل هذا، ولكن يحسن أن تعود إلى ... إلى البيت، فقد أصبحت أخشى أن تظن أمك ~~الظنون بنا لطول ما نقضي من الليل معا. # فأقبل عليها بلهفة يقول: وماذا يعنينا ظنها خيرا أو شرا؟! ألسنا سنتزوج؟! # قالت: أرجو أن تذهب الآن. # ولثمت بنانها له وهي تودعه عند الباب، وأحس أن على صدره حجرا وهو يخرج، وخيل إليه ~~أنها لم تكن مصغية حين قال: ألسنا سنتزوج؟! وجعل يردد وهو يمشي: أترانا سنتزوج؟! ثم ~~صارت عبارة السؤال: هل نتزوج؟! وصار خطوه على مقاطعها، كأنها لحن موسيقي. # وزارها في الضحى فلم يجدها، فترك لها رسالة. # وفي المساء كانت أمها جالسة إلى المائدة وحدها تتعشى، فأشارت إليه أن اقعد. # فأراح كفيه على المائدة وسألها: أين سميرة؟ # فتمهلت شيئا قبل أن تجيب: سافرت. # وكانت هادئة ساكنة، لا يبدو على وجهها شيء، كأنه درهم مسيح. # قال: سافرت؟! إلى أين؟ ومتى؟ ولماذا؟ # فاعتمدت على المائدة بكوعيها، وقالت: ألا تجلس؟! ما هذه الوقفة المزعجة؟! # قال: أريد أن أعلم وأطمئن. # قالت: تطمئن؟! هه، أي رجل أنت! وحركت رأسها يمنة ويسرة. # فانحط على الكرسي، وهم بكلام، ولكنها سبقته إليه، فقالت: هذا أحسن. أستطيع على ~~الأقل أن أريح عنقي. # فسألها: ألا تريحيني أنا أيضا؟! # قالت: أما متى سافرت ففي بكرة الصباح، عرفت هذا من الخدم، وأما إلى أين، فلا أدري، ~~وأما لماذا فعلمه عند الله، فهل استرحت؟ # قال: كيف أستريح وأنا لا أعلم أين هي ولا ... # قالت: إيه، افعل ما بدا لك، الدنيا واسعة، اذهب فابحث عنها فيها. # فصاح بها: كيف تقولين هذا؟! # فقاطعته قائلة: يا حبيبي ماذا تريد أن أصنع؟! إنه لا سلطان لي عليها، وإن كنت أمها. ~~وقد كنت أنت القادر على أن تمسكها، ولكنك تركتها تطير، بل حضضتها على الطيران، هل ~~تستطيع أن تقول لي لماذا يعارض أهلك في الزواج منها؟! ولماذا ينفرون منها هذا النفور؟! ~~ودع أهلك وقل لي أنت لماذا كنت تأبى كل هذا الإباء السخيف أن تدعها تنفق مليما وهي ~~معك؟! أمن أجل ms31 أنك لست كفؤا لها في الثروة يجب أن تنزل هي عن كل ما ألفت، وأن تروض ~~نفسها على حياة الضنوكة إرضاء لك؟! أليست هذه أنانية صارخة حمقاء؟! كيف يمكن أن تعيشا ~~معا راضيين ناعمين إذا كنت تستكبر هذا الاستكبار المر المتعب؟! أي حياة تكون ~~حياتها معك؟! ما خير مالها إذن؟! ماذا تفيد منه؟! وتجيء وتسألني: أين هي؟ ولماذا سافرت؟ ~~ضجرت يا سيدي، طقت، انفلقت، أيقنت أن حياتها معك ستكون جحيما لها ولك، ولأمك، ~~ولأبيك. هل استرحت الآن؟ هل فهمت يا غبي، يا أعمى؟ لشد ما خيبت أملي فيك! أنا التي لم ~~أزل أحتال حتى حسبتني ظفرت بك لها. لا حول ولا قوة إلا بالله! # فأطرق برهة ثم رفع رأسه وسألها: وبماذا تشيرين علي؟ أرجو أن تظلي حليفة لي. # فقهقهت ثم قالت: يسألني هذا المصنوع من الجبن الطري بماذا أشير؟! تزوجني أنا، عسى أن ~~أذكرك بها. وقهقهت مرة أخرى: اسمع يا حبيبي. إما أن تأكل معي وأنت ساكت، وإلا فاذهب أنت ~~أيضا عني. # ولم يكن يطيق السكوت، ولا كان لسانه يقوى على الدوران، فنهض ومضى إلى الباب في صمت، ~~فلما صارت يده عليه سمعها تقول: إذا أسرعت فقد تدركها، ولست أظنك فاعلا. # فدار وصاح بها: إيه؟ وقد عاد الأمل ينبض. # فقالت، وهي تهز رأسها: كلا. لا أظنك مدركها، عوضي على الله. # فارتد إليها وأقبل عليها يتوسل أن تفصح، ويلثم رأسها وكفيها بطنا وظهرا. # فتنهدت واضطجعت وقالت: إذا كان لا بد أن تعلم، فاستعد لصدمة، كنت أشفق عليك منها ~~لأنك «خرع»، مصنوع من الجبن الحالوم، هذا رأيي فيك كما تعلم، ولكنك ولد طيب، شريف، ~~عفيف، ولقد كنت أطمع أن تكون لي ابنا، فخيبت أملي، الأمر لله، كل حياتي سلسلة آمال ~~خابت، حتى أصبحت لا أبالي شيئا، استوى الخير والشر عندي، والسعادة والشقاء، أظنك تقول ~~إنها عجوز ثرثارة، الحق معك؛ فإنك لا تدري، تراني في نعمة وتسمعني أقول ... أوه ما ~~الفائدة؟! وهل مثلك يمكن أن يفهم شيئا؟! # وأمسكت، فتحامل محمود على نفسه، وألح ms32 عليها أن تنتجيه فتبسمت ، وهزت رأسها وأراحت ~~يمناها على كتفه وقالت: الشباب قليل الصبر، إنه لا عمل لي فيما بقي لي من عمر إلا ~~الحديث، وفي الوقت متسع؛ فلنتكلم عن سميرة، فاعلم أنها سافرت إلى الضيعة، وقد استقر ~~عزمها على الزواج من ناظر الزراعة. # فوثب قائما، وجعل يهزها ويصرخ: إيه؟! ماذا تقولين؟! فانتهرته وصاحت به: أمجنون أنت؟ ~~ألا يمكن أن تقعد كخلق الله؟! نعم ناظر الزراعة، وما له؟! إنه على الأقل رجل موثوق ~~بعقله وحزمه، دخال في الأمور. # قال، وأمسك رأسه بيديه: ولكن ناظر الزراعة؟! كيف تقدم على هذا وهي لا تحبه؟! # قالت: تحبه أو لا تحبه، ما قيمة هذا؟! أنا تزوجت أباها ولم أكن رأيته ولا رأيت خياله، ~~ومع ذلك عشت معه سعيدة، إيه! # قال: لست أصدق، مستحيل. # قالت: تصدق أو لا تصدق، هذا شأنك. # فسأل: يجب أن نمنعها، ليس المهم أن تتزوجني، بل المهم ألا تتزوج هذا ... هذا ~~البغل. # فابتسمت وسألته: وكيف بالله تنوي أن تمنعها؟! # قال: أسافر من الغد، وأحاول أن أرد لها عقلها. # قالت: سافر. وهزت كتفيها. # قال: كيف تركتها تسافر ولم تمنعيها؟! # قالت: آه. هذه هي المسألة، كيف لم أمنعها، فاعلم يا سيدي أنه لا سلطان لي عليها؛ فإن ~~أمرها بيدها كله، وما أنا إلا ... ولكن ما الفائدة؟! سافر أو لا تسافر، كما تشاء، ولكن من ~~فضلك لا تقلب لي دماغي، حسبي ما أعاني. # فخرج على وجهه، واستقل القطار في الصباح إلى الضيعة، ولكنه لم يكن يعلم أن القطار ~~الذي التقى به في الطريق كان يعود بسميرة وناظر الزراعة، ليقضيا في القاهرة شهر عسل ~~طويلا، يعدل عمرا مديدا إذا قيس بما يجد القلب وما تؤديه الأعصاب ثمنا ~~للعسل. # وكانت تلك أول خيبة أمل له، وأول زلزلة لنفسه التي لم تكن تعرف غير الاستبشار والثقة ~~والاطمئنان. # وهيهات أن يقتنع الشباب الغرير بأن: «لو اطلع أحدكم على الغيب لاختار الواقع»، وأن ~~ثمار الطيش وصفة نافعة لمن يركب الحياة بجموح الشباب. ~~••• # عاد الأستاذ حليم فقبع في بيته، ولاذ ms33 بكتبه، وعاد بخيالاته وأحلامه ، ما اطرد منها ~~وما شذ، ولكن الأمر لم يستقم له، والحياة لم تطب كما كان الحال من قبل، فصار كالفرس ~~الذي يمشي في أرض ذات حجارة، فهو يجري كأنه يتقي، ويتردد كأنه منفلت، ويضجر فيمد رأسه ~~كأنه يريد أن يغالب اللجام، فهو لا يزال يجتهد ولا يستقر، ولا يمر مرا سهلا غير ~~مضطرب؛ ذلك أنه خالف مألوفه ودخل في غيره، مستخفيا محاذرا حتى اطمأن واستطاب ما هو ~~فيه وفضله على ما ترك، فانقبض، وارتد متواريا، وضرب القدر الكأس التي رفعها إلى ~~شفتيه وراح يمص منها، فأطارها وتركه صديان يجمع ريقه تحت لسانه، ويتلهف على رشفة أخرى ~~يبل بها لسانه، ويصر صماخه من الظمأ إلى عذوبة ما حسا منه، ولا يصبر على ما عرف ~~بعد أن جرب أنه كان محلا عنه، وذاك حال كل من يأكل من شجرة المعرفة، وما زال صحيحا ~~أن الحياة إنما تصفو لغافل أو جاهل أو قادر على مغالطة نفسه. # ولم يتغير حاله مع عياد؛ فكان يجالسه ويسامره، ويؤاكله ويشاربه كما كانا يفعلان؛ فقد ~~اتقى الأستاذ حليم أن ينقطع عنه أو يتخلف عن لقائه، ولم يكن يدري ماذا يخاف على وجه ~~الدقة، وإنما كان يشعر أن عليه أن يلازمه على قدر ما يستطيع؛ لعله يحول بذلك دون كشف ~~المستور. # وحرص أيضا على لقاء محاسن، فقد صار بينهما سر ينتجيان به ويتساران، ولا يزالان ~~يتساقيان تذكر فجعته، ونعمة الله عليهما إذ سترهما ولم يفضحهما، وكان يشعر أنه يعطف ~~عليها ويرثي لها، وأنه يخافها، ويبغضها أيضا، فلم يسعه إلا أن يظل على اتصال بها؛ ~~ليجنبها الطيش ويقيها مغبة الخفة، ويدفع عنها عوامل اليأس، ويمنع أن يقع هو في بلية ~~جديدة. # ولم تكن محاسن خيرا منه حالا أو أقل حيرة واضطرابا، وكانت قبل الذي وقع لها، تجترئ ~~على أبيها ولا يجترئ عليها، فأصبحت تغض الطرف حين تراه، وتتلعثم إذ تخاطبه، فرضي هو عن ~~هذا الأدب الجديد ولم يكلف نفسه عناء التفكير فيما فاء بها إليه. # ولم ms34 تكن تحب محمودا، ولكنها كانت لا تنفر منه، وارتضت ما ارتضاه لها أبوها، ووطنت ~~نفسها على حياة زوجية معه، كانت هي تزعم أنها ستكون مملة لا محالة، وكان الأستاذ حليم ~~يزينها لها ولا ينفك يقول لها فيما يقول: إن المرأة قد تحب الرجل قبل أن تصبح زوجة ~~له، ولكن هذا حب لا يكون إلا مشكوكا فيه؛ لأن مرجعه إلى الخيال، وإنما العبرة بما تلقى ~~نفسها تحن له بعد الزواج وتجربة حياته وتلقي أثره، وما أكثر النساء اللواتي فتر ~~حبهن، بعد أن يبني بهن بعولتهن! بل انقلب كراهية صريحة؛ لأنهن لم يجدن ما كن يتطلعن ~~إليه ويطمعن فيه ويتخيلنه، فخاب أملهن وثقلت وطأة الاحتمال على أعصابهن التي لا تفتأ ~~تتنبه ولا تسكن. ويا رب امرأة لم تكن تعرف الرجل ولا رأته، أو كانت تعرفه وتراه ~~ولكنها لا تصفو إليه بود، فلما عرفته زوجا لها أرضاها منه ما يرضى، فأحبته، وصار ~~منية النفس كلها وهوى القلب جميعا؛ ذلك أن الزواج هو الامتحان الصحيح، والمرأة في هذا ~~على خلاف الرجل؛ فالرجل الذي لا يشبع من المرأة يقبل ولا يعرض، أما المرأة فإنها إذا ~~ألح عليها هذا السغب تتلف أعصابها وتصب غضبها على من كان علة حرمانها الشبع. # كذلك كان يقول لها الأستاذ حليم، فتصدقه؛ أليس أسن منها وأخبر؟ أليس مشهورا بالعلم ~~والتبحر في المعرفة؟ # فلما كان ما كان، صار يحدث لها رعبا أن تتصور أن تكون يوما ما زوجة محمود، وساورها ~~الشعور بأنها خانته، وإن بقي عقلها مدركا أن هذا شطط في التهمة وإسراف على نفسها في ~~الظلم، وخيل إليها أنها لم تعد أهلا له أو جديرة به، وإن كانت لا ترى له مزية تفرده ~~بين أنداده، وكانت كلما ألحت على نفسها بالاتهام والتحقير تثور وتتمرد وتتساءل عن محمود ~~هذا، ما الذي يجعلها تتوهم أنه خير منها وأقوم سيرة وأنظف ذيلا وأعف عينا وقلبا و... ~~ماذا تعرف عنه سوى ما أطروه به وقالوا فيه من الخير؟! ومتى قال أحد في طالب زواج ~~إلا ms35 كل حسن وجميل؟! # وكان يثقل عليها جدا اضطرارها إلى كتمان سرها، فتحس بالحاجة إلى البث، وتود لو ~~استطاعت أن تبيح أمها صدرها، وتطلعها على خبيئة نفسها، وكثيرا ما همت بذلك متشجعة ~~بأن قلب الأم أحنى قلب، فيتحرك لسانها، فتجبن وتفزع وتعض عليه. # وقد علمت من الطبيب أن الأثر الذي بقي مما يسهل علاجه، ووعدها خيرا حين تشاء، أو حين ~~تدعو الحاجة إلى الإصلاح، ولكنها مع ذلك بقيت مرة النفس، مشمئزة من هذا التلفيق ~~الميسور والترقيع السهل لما كانت تعتز به وتحرص عليه من آية العفة، وزادها هذا نفورا ~~من محمود، لا كراهة له؛ فقد كان من أغرب النقائض أن شدة تفاعل ما يدور في نفسها ويضطرب ~~به صدرها أفضى بها إلى رقة له في قلبها، وإنما كان نفورها عن استنكاف منها لمخادعته ~~والكذب عليه وستر الحقيقة عنه، ولما كانت لا تأنس من نفسها شجاعة كافية تعينها على ~~مصارحته، وإن كانت تأنف من الكتمان، فقد ألفت نفسها لا تقدر على كف نفورها منه ~~وجفوتها له، ورأى هو من تغير حالها وعسرها في عنادها ووضوح ضجرها منه وزهدها فيه ما نشر ~~المطوي مما أورثته سميرة من سوء ظنه بالمرأة، وسرعة تقلبها، وقلة ثباتها على خلق أو ~~عهد، وسئم أن يكون هذا حظه كل مرة، وأيقن أن في الأمر رجلا آخر، إذا لم يكن ناظر زراعة ~~فأكبر الظن أنه هذا الأستاذ حليم الملعون، وثار على خسة نصيبه من وفاء المرأة، فقطع ~~زيارته لبيت عياد. # ولم يكن بال عياد إلى هذا؛ فقد كان في شاغل من صاحبته الأجنبية؛ فإذا لم يكن معها، ~~فهو في طعام وشراب، وصياح وزعيق، وما جعل الله لامرئ إلا قلبا واحدا في بدنه، وقد ~~استأثرت بقلبه وعقله صاحبته، واستبدت بلبه، وما بقي من ذلك - وهو أقل من القليل - ~~استنفده الشعور بأنه ظالم لأهله، والاجتهاد في خنقه وتلطيف لذعه بالغطرسة، والعجرفة ~~وسوء الخلق. # | الفصل الثالث # 1 # وجدت محاسن أنها لم تعد تطيق الصبر على ما هي فيه، وأنه لم يبق لها ms36 ما تتعزى به، أو ~~تتطلع إليه، وتشدد بالأمل فيه؛ فأبوها لا يفتأ يغيب عن بيته ليلة أو ليلتين كل بضعة ~~أيام، ويبيت في حيث لا تعلم، مع صاحبته، ويزعم أنه إنما كان في «مهمة»، وتبلع هذه ~~المهمات معظم ماله، فلا يدع لبيته إلا القليل الذي ليس به اكتفاء، وإذا عاد من «مهمة» ~~برم بالبيت ومن فيه، وأظهر الشكاسة والشراسة، وأبى إلا أن يكون بركانا منزليا في ~~صورة آدمية، واتسعت الهوة على الأيام بين عياد وأهل بيته، وكانت محاسن تجاهد ما وسعها ~~أن تلقي من ناحيتها على هذه الهوة جسرا، غير أنها أخفقت؛ لأن أباها لم يتكلف من ~~ناحيته شيئا من التمهيد أو المعاونة، ولج في نهجه الأعوج، فكان يفسد كل ما هيأت، ~~ويهدم كل ما بنت. # وكانت أمها ضعيفة وهنانة، لا خير فيها ولا اعتماد عليها، غير أنها كانت صابرة لا تشكو ~~ولا تتذمر، وكانت محاسن كثيرا ما تقول لها إن طراوتها هذه هي التي أطمعت فيها زوجها ~~وشجعته على ركوب رأسه، وإهمال حق بيته عليه، فكانت الأم تؤمن على كلامها وتتأوه، ~~وتتنهد ثم تسأل: وماذا يسعني؟! ما حيلتي؟! الصبر طيب. ولم يكن صبرها عن حكمة وبعد نظر، ~~بل عن ضعف ورخاوة وبلادة. # واستشارت محاسن الأستاذ حليما؛ فما كانت تعرف أحدا غيره تستطيع أن تفضي إليه بهذه ~~الأمور؛ فعجز عن أن يشير عليها بما فيه خير أو يدلها على ما هو خليق أن يكشف الغمة ~~ويفرج الكرب. # فسألته: وما رأيك؟ ألا أستطيع أن أزاول عملا أكسب به رزقا؟ إنه لا بد لنا من مال ~~أفيده، وأعوض به النقص؛ فإن أبي يزداد كل يوما ضنا وتقتيرا؛ لأنه يزداد كل يوم ~~تورطا مع صاحبته. # قال: وأي عمل تستطيعين أن تؤديه؟! # قالت: أستطيع أن أتلقى دروسا في الكتابة بالآلة الكاتبة، ثم أعمل في مكتب محام أو ~~في شركة، فما قولك؟ # قال: والله إنه لرأي، ويبدو لي أن هذه هي الوسيلة الوحيدة، ولكني أخشى عليك. # فتعجبت وسألته: مم؟ # قال: أخشى أن يوقعك سوء الحظ ms37 ... تعرفين ما أعني، فقد يتفق أن يكون الذي تعملين عنده أو ~~له خنزيرا فيستغل حاجتك إلى عملك، وأنت مع الأسف ثرثارة طيبة القلب؛ إذا آنست رقة ~~وعطفا من إنسان أقبلت عليه وأفرغت له كل ما في قلبك. # وكان هذا صحيحا، كما عرف الأستاذ بتجربته الشخصية؛ فما كادت تجلس إليه ساعة، وتطمئن ~~إلى عقله وعلمه حتى أطلعته على ما ينبغي أن يستر من دخائل البيوت وأسرارها. # فابتسمت محاسن وقالت بلهجة واشية بمرارة النفس: إذا كان هذا كل ما تخاف، فاطمئن، فقد ~~علمتني ما فيه الكفاية. # فأطرق وقال كأنما يحدث نفسه: هذه وخزة أليمة، وأعترف أني أستحقها، ولكن ما كان جاء ~~عفوا وعلى غير قصد، والحمد لله الذي وقاك - ووقانا - سوء العاقبة، وإنه ليخيل إلي ~~أن كل شيء في هذه الدنيا قضاء وقدر؛ من كان يظن أن الذي لا يحدث إلا في الفلتات ~~النادرة، وفي مرة من كل خمسين ألف مرة، يحدث لنا من أول مرة؟ وعلى الرغم من هذا التحرز ~~والاحتياط؟! سوء حظ ليس إلا، أو قدر جرى به القضاء؛ كنت ذات يوم واقفا في شرفة بيتي، ~~فرفعت عيني إلى البناء المواجه لنا، وهو عمارة ضخمة عالية فرأيت غلاما منحنيا على ~~حافة الشرفة، وكان في الطبقة الرابعة، فذعرت؛ فقد كان نصف الغلام متدليا، وهممت بأن ~~أصيح به ولكن الصوت وقف في حلقي فلم يخرج من فمي شيء، ورأيت أمه مقبلة تعدو، ولكنه ~~انقلب وهوى قبل أن تدركه، تصوري هذا؛ غلام يسقط من الطبقة الرابعة على الرصيف المبني ~~من الحجر، أو من الأسفلت، سيان، وبصرت برجل يمشي على الرصيف وقد قارب أن يكون في طريق ~~الغلام إلى الأرض، فأيقنت أن الغلام سيتفتت عظمه، وأن الرجل سيصيبه أيضا سوء، وتصوري ~~غلاما يقع من هذا الارتفاع على أم رأس رجل، ألا يمكن أن يدق عنقه؟! # وضحك الأستاذ، فجذبته محاسن من كتفه، وسألته بلهفة: وماذا جرى؟ # قال وهو لا يزال يرتج من الضحك: جرى؟! جرى؟! لا شيء، نجا الغلام، ونجا الرجل، هل ~~تصدقين هذا؟! # قالت: ms38 الحمد لله، ولكن كيف؟ كيف ؟ # قال: اسمعي يا ستي، لو كان الغلام وقع من الشرفة إلى الأرض مباشرة لكان قد قتل، ما ~~في هذا شك، ولكن القدر شاء أن تحدث المعجزة؛ فساق هذا الرجل الغافل الذي كان يمشي على ~~الرصيف ولا يدري أن غلاما يهوي، ولم يسقط الغلام على رأس الرجل، وإنما سقط أمامه، على ~~مسافة شبر أو شبرين منه، فاضطرب الرجل ورد رأسه إلى الوراء، ودفع يديه إلى الأمام، وهو ~~لا يدري ماذا يتقي بهما، دفع يديه فدفعتا الغلام، فانقطع خط السقوط وزالت قوته؛ لأن ~~الغلام تحول عن طريق الهبوط؛ كان يهوي من أعلى إلى أسفل، فانتهى هويه باندفاعه في خط ~~أفقي، فلما سقط بعد ذلك على الأرض كان سقوطه من ارتفاع متر أو حوالي ذلك ليس إلا، فلم ~~يضره ذلك، إي نعم، كل شيء في هذه الدنيا قسم وحظوظ وأرزاق؛ هل تعرفين كيف عرفت أباك؟ ~~(وضحك مرة أخرى) قصة لطيفة: كنت سائرا في الطريق وعيني على الأرض، وإذا بكف تلطمني ~~وتكاد تلقيني على الأرض، وكان أبوك هو الذي لطمني، ولم يكن يتعمد ذلك، لكنه - كما تبينت ~~- كان يتحدث ويلوح بيديه، فأصابتني كفه، وأسرف في الاعتذار كما كان يسرف في التلويح ~~بذراعيه، وأبى إلا أن يسقيني شايا في مقهى، وهكذا عرفتك أنت، فهل آمنت أن كل شيء في ~~دنيانا قدر وقسمة؟ # فربتت له على كتفه وقالت: ثق أني لا ألومك على شيء، ولكنه لا يسعني إلا أن أشعر ~~بألم ومرارة؛ لأني كنت ضحية هذا القدر؛ فاعذرني إذا فاضت المرارة على لساني. # قال: إني عاذر وشاكر، ولا تحسبي أنك أنت وحدك الضحية - وإن كان أمرك أبين وأوضح؛ ~~فإني أنا أيضا أصبحت إنسانا آخر، ولكن دعي هذا، ولنعد إلى العمل الذي تنشدين. # وأمدها بقدر يسير من المال تستعين به على التدرب على الآلة الكاتبة في أحد المكاتب أو ~~المعاهد المعدة لذلك، فلما أتقنت الكتابة بها بسرعة كافية، قدمها إلى مدير شركة تجارية ~~كبيرة، وأوصاه بها خيرا، ورشحها حسن وجهها قبل أن ms39 ترشحها الكفاية، فأفرد لها حجرة ~~قريبة، فيها سجادة نفيسة، وكراسي مكسوة بالجلد الثمين، ومكتب ضخم عليه لوح من البلور، ~~ومروحة كهربائية للصيف، ومدفأة للشتاء، وعنقود من مصابيح الكهرباء يتدلى من السقف، وقال ~~لها إن مرتبها في البداية سيكون ستة جنيهات، وإنه يزيد مع الاجتهاد، وغمز بعينه وهو ~~يضيف إلى ذلك أن حظها بين يديها. # وفي اليوم التالي دعاها إليه، فوقفت بين يديه، فأومأ إليها أن تقعد، وشرح لها ~~واجباتها، وهي هينة، لا تتجاوز كتابة بضع صفحات أو رسائل على الآلة الكاتبة، وإثبات ~~تواريخها وأرقامها في دفتر، والاحتفاظ بصور منها في الملفات الخاصة بموضوعاتها ~~المختلفة، وسألها عن أبيها وعمله، ومسكنها، والطريق الذي تسلكه، وكان يهش لها ويتلطف في ~~الحديث معها، ويكرر لها ألا حد لتجزية المجتهد على اجتهاده، وقال لها وهو يصرفها ~~بلطف إن في وسعها إذا شاءت أن تستلف من مرتبها، واقترح عليها أن تقترض نصف مرتب شهر، ~~على أن ترده أقساطا، فشكرت له عطفه. # ولكن الأستاذ حليما نصح لها بألا تفعل، وقال إنه خير لها أن تأخذ مرتبها كاملا في ~~أول كل شهر، ليتسنى لها حسن التدبير، وإقامة الأمور على حدود مضبوطة، والتصرف بغير ~~اضطراب، وحذرها من المدير؛ فما يعرفه معرفته، ولا هو مطلع على دخائله، وقد يكون المراد ~~من اقتراحه التعسير لا التيسير، لتضطرب أمورها فلا تنقطع حاجتها إليه للاستئذان في ~~الاستلاف، فيبدو كأنه يغمرها بفضله، وهو ما عدا أن شجعها على التطلب، حتى لا يبقى لها ~~آخر الشهر سوى «شوية» يسيرة لا تبلغ أن تكون كافية، وهكذا تظل في عسرة دورية وحاجة إليه ~~لا تنتهي، ومن يدري حينئذ ماذا يحاول، وبماذا يهم؟! وختم محاضرته بقوله: إني أراه ~~فخا فحاذريه. # فتحرزت، وصبرت على قلة الخير، واستحقت في آخر الشهر مرتب عشرة أيام، فلم يحمل إليها ~~أحد شيئا، ومضت أيام وهي لا تسأل ولا تعطى، فعادت إلى الأستاذ حليم فقال لها: لعلهم ~~آثروا أن يضموا الأيام العشرة إلى الشهر الحالي، أو عسى أن يكونوا قد أسقطوها من حسابهم ~~وعدوها ms40 أيام تجربة، ومرانة على العمل . على كل حال يحسن أن تنتظري وتتأني، وافرضي أنك ~~لم تلتحقي بهذه الشركة إلا اليوم، وأجرك على الله، وحذار أن تظهري اللهفة، أو أن ~~تقولي أو تفعلي ما يدلهم على أنك لست بخير، فما أراني أطمئن إلى هذا المدير، وإن صدري ~~لتحك فيه أشياء منه، لا أدري لماذا؟ فما أنبأتني بشيء يوجب هذا، ولكنه شعور غامض لا ~~أعرف له باعثا وأرجو أن يكون كاذبا. # وكان المدير مقتصدا في ملاطفتها، غير مسرف في حفاوته بها، فزال ما كان يهجس في ~~خاطرها من كلام الأستاذ حليم وسوء ظنه، أو فتر على الأصح، وكان ربما دخل عليها غرفتها ~~فتنهض، فيشير إليها أن تقعد، ويقول: لا داعي لهذا، ثم إني لن أطيل الوقوف، ويحدثها فيما ~~جاء له، فإذا امتد نفس الكلام قعد على ذراع كرسي واعتمد على مكتبها، ويسألها أحيانا ~~وهو يهم بالانصراف عن عملها، أهو ثقيل؟ وهل هي راضية عنه؟ فتشكره، فيهز رأسه ~~ويخرج. # 2 # ومضت الأيام، ولم يحدث شيء، وأقبل الشتاء فكثر العمل وقلت فترات الراحة، ولكنه كان ~~على الجملة أطيب وأخف على النفس من العمل في الصيف، وكانت تعود إلى مكتبها في الشركة ~~بعد الظهر في الساعة الرابعة وتمكث إلى السادسة، وكثيرا ما كان المدير يصرفها قبل ذلك ~~رفقا بها، إذا لم يكن ثم ما يستلزم بقاءها. # وانتظمت حياتها، واطردت على وتيرة واحدة؛ فكانت تخرج من بيتها كل صباح - ستة أيام ~~في الأسبوع - في منتصف الساعة الثامنة، فتبلغ الشركة حوالي التاسعة، فتدخل غرفتها ~~الدافئة، وتنضو معطفها، وتنظر في مرآتها الصغيرة وتسوي شعرها، وتصلح ثيابها، ويمر بها ~~الموظفون الآخرون فيحيونها وهم في مدخل الباب، أو يدخل منهم واحد يثرثر معها لحظة، ~~ويقدم المدير حوالي الحادية عشرة، فيدعوها إليه، ويناولها بعض الرسائل، فتشتغل بها إلى ~~الظهر، ثم تتهيأ للخروج في منتصف الساعة الأولى، وفي المساء يكون عملها أكثر، إلا أنه ~~لا يكلفها شططا. # 3 # وكان معها في الشركة شاب ظريف أنيق الملبس رطب اللسان، يسمونه نسيم بك لسخاء ms41 يده ~~ومروءة قلبه، لا مجاملة وتلطفا، وهو شاب أبى له والده الثري إلا التجارة دون الزراعة ~~التي كان مبتغاه أن يشتغل بها في ضيعته الواسعة، وكان والده صديقا للمدير راتب بك ~~فألحقه بشركته ليتدرب، ووضعه عند أولى درجات السلم ليرقى فيه ويتعلم، فلم يمتعض نسيم بك ~~ولم يتسخط، بل أقبل على ما وكل إليه من الأعمال - تسجيل الرسائل الصادرة والواردة ~~وتوجيهها - بنشاط وخفة ومرح، وكان يقول لزميله في الغرفة: اقتد بي يا صاحبي، فإنك خليق ~~إذا ثابرت مثابرتي، وأخلصت كإخلاصي أن ترتقي، حتى تتولى إدارة هذه الشركة العظيمة، إي ~~نعم؛ فإنك أولى من صاحبنا راتب بحجرته الوثيرة ومكتبه الطويل ومقعده الدوار، ولست أحب ~~أن أذكر إنسانا إلا بخير، ولكن الحقيقة أني لا أرضى عن صاحبنا راتب كل الرضى، انظر ~~مثلا إلى الصدرية التي كان يرتديها أمس! أو لا تنظر؛ فإنها تؤذى العين، هل يليق أن ~~يلبس إنسان صدرية كهذه؟! يخيل إليك أنها من ألوان غروب الشمس لولا أننا نعلم أنها من ~~صوف، وتأمل ربطة الرقبة، والحذاء ... أوه! لا لا لا، وإني لأحاوره وأداوره وأعالج أن أصلح ~~ذوقه، ويبدو لي أحيانا أني سأنجح، ولكنه يبدو لي في أحيان كثيرة أخرى أنه يفلت مني ~~ويرتد وينأى، على أني لست يائسا من قدرتي على تهذيبه وتثقيفه، الصبر طيب يا صاحبي، ~~كما كانت جدتي تقول، تالله ما كان أحكمها - عليها رحمة الله - ولكني أضيع وقتك ~~وأشغلك عن عملك، وهذا لا يجوز، كلا، لا يجوز؛ فإننا هنا - أنا وأنت - لنجعل من هذا ~~المكتب الذي نحن فيه نموذجا، أما كيف فمسألة أخرى، ننظر فيها حين يجيء أوانها، وسيجيء ~~هذا الأوان ولا شك، وسيجيء يوم تسير فيه مصلحة السكة الحديدية قطرا مخصوصة بأجور ~~مخفضة للمتلهفين على رؤية هذا المكتب النموذجي وزيارته، على نحو ما تسير قطار الآثار ~~في الشتاء، وقطار البحر في الصيف، والآن يجب أن أكف عن الكلام، وإن كان لا يسعني إلا ~~الاعتراف بأن حديثك ممتع؛ فقد آن أن نعمل، فإن منافسينا في التجارة لا ms42 يغمض لهم جفن، ~~وهم ساهرون متربصون، ليغتنموا فرصة إهمالنا، وقد شاع وذاع وملأ الأسماع أن نسيما وعزت ~~صديقه الحميم يقولان ولا يعملان. فأخوف ما أخاف أن تثب الشركات الأخرى وتخطف من أيدينا ~~تجارتنا، هيا بنا إذن إلى العمل. # ولم يكن المدير يدري ماذا خبأ له القدر حين قبل أن يلحق نسيم بك بالشركة مرضاة ~~لوالده؛ فقد راح يطارده، ويقفو أثره في كل مكان، وعرف أنه عضو في ناد فدخل فيه أيضا، ~~والتقى به ذات ليلة في النادي فأنغض إليه رأسه بالتحية ومضى إلى المكتبة، فدعا المدير ~~أحد الخدم وأسر إليه شيئا. # ودخل الخادم على نسيم بك في المكتبة وقال له: معذرة يا سيدي، هل حضرتك عضو؟ # قال: أنا نسيم. # فعاد يسأل: يعني أنك عضو؟ # قال: برافو، ما أذكاك! ولست أشك أنك سررت سرور الجميع حين طير النادي الخبر إلى ~~أرجاء المعمورة وأعلن إلى الأملاء قاطبة أني أصبحت عضوا، أم تراك كنت في شاغل من ~~عملك حينئذ؟ إذا كان هذا هكذا فإني أقدم لك احترامي، فإني أنا أيضا أعمل، نعم أنا ~~عضو، فهل لك أن تبلغ سعادة راتب بك أسفي، وأني عضو، وأني أديت ما يجب أداؤه من رسم ~~الدخول والاشتراك؟ # وفي ليلة أخرى دخل على راتب بك في النادي وهو جالس وبين يديه صحيفة، فهوى إلى كرسي ~~إلى جانبه بقوة، فالتفت راتب بك، فقال نسيم: آه، هذا نحن، إنها دنيا صغيرة، فنحن لا ~~نزال نلتقي فيها، فلم يجب المدير بشيء، فنادى نسيم خادما وقال له: أرجو أن تتفضل علي ~~بفنجان من القهوة، وأنت يا راتب بك؟ # قال راتب بك: لا شيء. # قال: ولا شيء لراتب بك. # وانصرف الخادم وعكف راتب بك على الصحيفة، فتركه نسيم لحظة ثم قال: لقد تلقيت اليوم ~~رسالة من والدي. # فارتمت الصحيفة على حجر راتب بك، وقال وهو ينظر إلى نسيم شزرا: وما لي أنا؟! # فتكلف نسيم الدهشة والألم وقال: إيه يا دنيا! من كان يظن أن رجلا كوالدي - ينطوي لك ~~على الإكبار والحب - ورجلا له ms43 مثل مواهبك العظيمة تقع بينهما النبوة وتحل ~~الجفوة؟! على أني مستعد لإصلاح ما لعله فسد إذا سمحت لي. # قال هذا لظهره، فقد ألقى الصحيفة، ونهض وخرج. # ولم يزل نسيم يلج في تعقب المدير حتى كف عن الذهاب إلى النادي. # وشكا نسيم إلى زميله عزت بثه وخيبة أمله فقال: إني لا أدري ماذا أقول في صاحبنا ~~راتب؟ ولعلي مخطئ، ولكني كنت أتوقع أن يرحب بابن صديقه، ويتلقاه في كل مكان مفتوح ~~الذراعين، ولكني أرى وجودي في النادي يثقل عليه، وقد بذلت كل ما وسعني لأكسب رضاه وأفوز ~~بحسن رأيه ومودته، ولكنه كان يقابل جهودي بالسخط والاستنكار ومغادرة المكان، لم تبق لي ~~حيلة يا صاحبي إلا الصبر، وهو كما علمتك، طيب. # وكان نسيم هذا هو الذي حمى محاسن من الملل، ورد وجه الحياة وضيئا، وأشاع في نفسها ~~الرضى والاستبشار؛ فقد كان لا يفتأ يدخل عليها ويتحدث إليها فيضحكها ويسليها، وقد ~~يدعوها إلى العشاء فيقول لها مثلا: تواترت إلي الإشاعات بأن على مقربة من شركتنا ~~العظيمة التي تعتمد علينا في أعمالها الجليلة النافعة، مطعما يتكفل بأن يوفر للإنسان ~~ما أتلف الكد في العمل من أنسجة البدن، بثمن زهيد، وقد نظرت الساعة إلى وجهي في ~~المرآة، فراعني ما عراه من الذبول والتغير، فقلت لنفسي: إنك يا نسيم ضحية الإخلاص في ~~العمل، وإني لأخشى أن يقتلك اجتهادك، وحينئذ ماذا يكون؟ كيف تقف هذه الشركة على قدميها ~~بدونك؟! فما قولك؟ أليس هذا حقا؟ # فتضحك محاسن، وتسأله: ثم ماذا؟ # فيقول: وأنت أيضا، صاحبنا راتب يرهقك بما يكلفك فوق طاقتك، وسأخاطبه في هذا، وأؤنبه ~~عليه، ولكنه لا يجوز - ولا يفيد - أن أفعل هذا ومعدتي فارغة، وجسمي هزيل، ولوني ممتقع، ~~وصوتي خافت من الضعف، فتعالي نجرب هذا المطعم الذي يقول عنه رواده إنه هو المطعم الذي ~~يحتاج إليه، وكان يبحث عنه، أساطين التجارة وأقطابها وعمدها وأسنادها مثلنا، وسننظر في ~~أمر صاحبنا راتب فيما بعد، وإنه ليعز علي أن أدعه ينتظر، وما أشك في أنه سيقضي ليلته ~~حائرا قلقا مسهد ms44 الجفن، ولكنه لن يضيره أن يتعلم الصبر ، كما تعلمناه نحن العاملين ~~المجدين، فتعالي. # وكان خير ما فيه أنه لا يحاول أن يغازلها، كأنها رجل مثله، فكانت تحمد له سيرته معها، ~~وتخلد إليه بالثقة ولا يساورها قلق، وإن كان لا يرضيها في سريرتها أنه لا يبدو عليه أنه ~~يشعر بأنها فتاة لها جمال وفتنة. على أنها كانت تتعزى بأنه ما كان ليقبل عليها ويطيب ~~نفسا بصحبتها لولا أنه يرى أن لها حظا من الجمال، وحدثت نفسها أنها تؤثر أن يظل كما ~~هو، لا يقاربها بغزل. # 4 # وكان نسيم متكئا على مكتبه ذات مساء على عادته بعد أن يفرغ من عمله، فقال له عزت: ~~اسمع يا نسيم. # وكان الموظفون جميعا يحرصون على تلقيبه بالبكوية، فاستغرب إسقاطها الآن، وأحس أن ~~أمرا جللا أنساه ذلك، ولم يكن يعبأ بهذا، أو يبالي كيف يخاطبه الناس، ولكن مخالفة ~~العادة تلفت النظر. # فقال: هات ما عندك يا صاحبي، فقد أعرناك السمع؛ قل، وأفض، فإنه يخيل إلي أن ~~على صدرك أكثر من هذا القميص الذي أستأذنك في القول إن ألوانه شتى لا تعجبني، وإذا ~~كان ما بك من الهم ثقيلا كألوان قميصك، فإن لك أن تثق بعطفي، فألق بكل ذلك أمامي؛ ~~بالهم وبالقميص جميعا. # قال عزت: إن محاسن في غمرة. # محاسن في ... ماذا تعني على وجه الدقة؟ # أعني أن صاحبنا يصب على رأسها وابلا من التأنيب والتوبيخ. # هل تريد أن تقول إن زفيفا من غضبه هب عليها؟ # فضحك عزت وقال: إنه إعصار؛ لقد دخلت عليه الساعة، وأؤكد لك أنه كان يرمي بكل ما على ~~مكتبه، ويزمجر، ويزأر، وينفخ، ولا يتيح لها فرصة للكلام. # فقال نسيم: مسكين، وإني لأرثي له. # فتعجب عزت وقال: ترثي؟ أولى أن ترثي لها، لقد نهرني وطردني، ولا أكتمك أني خرجت ~~أعدو. # وماذا كان يقول لها؟ # لم ألبث لأسمع، فقد رماني بنظرة تشك كذبابة السيف. # فقال نسيم: إني مع إعجابي بقوة حنجرته، وبراعته في بعثرة الأشياء، وعلو لسانه في ~~التقريع، لا يسعني إلا أن آخذ ms45 علما رسميا بما أبلغتني، فإن محاسن فتاة حساسة رقيقة ~~الشعور، ولست أقبل أن يتلف لها صاحبنا راتب أعصابها على هذا النحو، وسأنظر في الأمر، ~~وسأسأل محاسن، ولن أتهور أو أطيش، فإذا وجدت أن لصاحبنا راتب عذرا في انفجار بركانه ~~الآدمي، فإنه سينجو من العقاب، أما إذا تبينت أنه أساء إلى محاسن بلا موجب، فإني أكون ~~مضطرا إلى إنصافها منه. # وكانت محاسن، لما دخل نسيم، مذهولة، ولم يكن يخفى عليها أنها أخطأت خطأ فاحشا، في ~~كتابة ما وكل إليها، وزادت في خطئها ووضعت بعضا مكان بعض، وعنونتها إلى جهات غير ~~جهاتها، فدق الذين تلقوها التليفون للمدير مستغربين، ولكنها كانت قد قضت ليلة سوداء ~~لم يغمض لها فيها جفن، فقد انتاب أمها مغص كلوي شديد، وقد تركتها تتلوى، فكان ما كان من ~~الخطأ والتخليط. # واطمأنت على أمها في المساء، فلما كان اليوم التالي، وجاءت إلى المكتب وراجعت صور ~~الرسائل، فطنت إلى ما وقعت فيه من أخطاء شتى، وهمت أن تطلع المدير على الحقيقة، ~~ولكنه سبقها فدعاها إليه، وكان أكبر ظنها أن يلفت نظرها ويسألها عن علة هذا الخطأ، حتى ~~إذا عرف عذر، والأمر على كل حال هين، وليس من شأنه أن يضر الشركة أو يجر عليها ~~خسارة. ولكن الذي لم تكن تتوقع هو أن تتلقى كل هذا التوبيخ الأليم واللعن الوجيع، وفوقه ~~الطرد من الشركة، على ذرى أمواج كالجبال المتقلعة من البذاءة. # وماذا تصنع الآن؟ أي عمل آخر يمكن أن تظفر به؟ وما العمل إذا لم توفق إلى وظيفة وقد ~~بالغ أبوها في التقتير في النفقة لما علم أن لها مرتبا؟ # أدارت كل هذا في نفسها وهي حائرة واجمة، وطحنت بأضراسها نصف القلم الذي كان في يدها ~~وهي لا تدري، وإذا بنسيم يدخل ويقول بلا تمهيد: اتصل بي أن صاحبنا راتب كان يمتحن أمامك ~~مقدرته الخطابية أو مبلغ ذلاقة لسانه وقوة بيانه، فهل أقنعك بفصاحته وبلاغته؟ # فوثبت إلى قدميها، وقد خطر لها أن نسيما هو الرجل الذي يسعها أن تعوذ به في ms46 ~~محنتها. # وقالت بسرعة: اسمع يا نسيم - وأهملت هي أيضا البيكوية؛ (كل امرئ يهملها اليوم) - إني ~~في مأزق، وقد تستطيع أن تشير علي كيف أصنع، فهل لك أن ترافقني إلى مكان أشرب فيه ~~فنجانا من القهوة؟ # قال: اقتراح سديد، ولا شك أن الشركة ستفتقدني، وتبحث عني فلا تجدني، ولكن صاحبنا عزت ~~كفء لتصريف الأعمال في فترة غيابي، وأنا أثق به، ففي وسع الشركة أن تطمئن، فلنذهب إذن ~~لتشربي قهوتك، ثم تقصي علي القصة بالحرف الواحد، يعني من غير أن تنسي براعات صاحبنا ~~راتب، فإنه - كما تعلمين بالتجربة، وأعلم بالسماع - من فحول البلغاء، وقد اتصل بي اليوم ~~من مصادر شتى لا يرتقي إليها الشك أنه كما يقول الفرنجة: قد فاق نفسه. # قال بعد أن سمع القصة: هذه الحدة المباغتة من أجل غلطة يسيرة تبدو لي غريبة، وقد ~~درسنا - أنا وأنت - الطبيعة الإنسانية درسا عميقا، وغصنا في بحرها اللجي ~~طويلا، فنحن لا نستطيع أن نسلم بأن خطأ ما، من آنسة رقيقة مهذبة، يمكن أن يهدم سدود ~~الأدب كلها ويطلق كل هذا السيل المتدفق من السلاطة، ولا شك أن صاحبنا راتب غليظ الطبع، ~~وقد أتعبني ترقيقه، ولولا ما تعرفين من طول أناتي وحلمي وحبي لخيره لقنطت، ولكن آل نسيم ~~براحهم بطيء، ولكنا نتحدث عنك لا عن آل نسيم، وإن كان الكلام فيهم يطيب ويحلو، ويعز ~~علي أن أحرمك لذة الاستماع إلى وصف ما وهبهم الله من السؤدد والنجابة وآتاهم من العزم ~~والحزم، ولكنه ما كل ما يتمنى المرء يدركه يا صديقتي، فاصبري وتجلدي، وحسبك عزاء عن ~~هذا الحرمان أن فرعا من هذه الدوحة الكريمة الأصول، يجلس معك ويؤنسك ويطربك، ويطيب ~~خاطرك، كلا، لا داعي للشكر، والآن نعود إلى مولانا راتب، فهل تظنين أن الأصوب أن أدخل ~~في هذا الأمر أو أخرج؟ # قالت: لست فاهمة. # قال: معذرة، إنما أعني أن من السهل أن أذهب إلى مولانا راتب وأقول له: اسمع يا صاحبي! ~~لقد كنت عنيفا، واسمح لي أن أقول: سليطا طويل اللسان، مع ~~صديقتي محاسن، ms47 من أجل غلطة تافهة ميسورة التدارك، ~~وأنا لا أسمح لإنسان أن يخاطبها بهذه اللهجة التي تفرق الشعر الجميل المسدل على أذنها ~~الصغيرة وتجرحها، فعجل بالاعتذار إليها، والتمس الصفح منها، واجث على ركبتيك بين ~~يديها، فإن فعلت فإني أعدك أن أعينك على تألفها من نفرتها، وإلا فأنت الجاني على ~~نفسك، يا «براقش» هذا العصر، وبعد أن أفرغ في كلتا أذنيه هذه الخطبة البليغة ... # فضحكت محاسن وقالت: عفوا وشكرا؛ ما يدريني ويدريك؟! لعله أصم ... # فقاطعها وهو يلوح بيمناه: إذن نهمل مولانا راتب، ولا نعني أنفسنا بتهذيبه وإصلاحه، ~~الحق معك، فإنه ليس أهلا لكل هذا العناء، ولقد ساورتني الشكوك من زمان طويل؟ ولكني كنت ~~أشفق عليه وأقول لنفسي: مهلا يا نسيم، إذا كنت ستنفض يدك منه فمن ذا غيرك يتولى ~~إصلاحه؟! على كل حال ... # فقالت محاسن: اسمع، إني أرجو ألا تشغل نفسك بهذا الأمر؛ فقد انتهى، وكان ما كان، ~~ولن أعدم وظيفة في مكان ما. # قال: وما حاجتك إلى وظيفة وأنت موظفة؟! يخيل إلى من يسمع كلامك أنك عاطلة! # قالت: ولكني طردت، فكيف أكون موظفة؟ # فهز رأسه وهو يبتسم ثم قطب وقال: ومن هذا الذي يجرؤ أن يطردك وأنا حي ~~أرزق؟! # فوضعت يدها على يده وقالت: خلنا في الجد، أرجوك. # قال: وهل أنا أهزل؟! ألا تعلمين - أم تراني نسيت أن أخبرك - أنك مستشارة خصوصية لي؟ ~~لقد كنت أظن أن الواقع من الأمر يغني عن التبليغ الرسمي. # قالت: شكرا لك، وإنك لظريف، وعطوف، ولا أدري ماذا كنت أصنع لولاك، ولكنك تعلم كما ~~أعلم أني لا أستطيع أن أدعك تفعل هذا، إنها لمروءة عظيمة، ولكن ... # فقال: إنك تؤلمينني يا صديقتي، وهذا الذي تقولينه لم يجر لي قط في خاطر، أنا وأنت ~~من رجال الأعمال - أعني أني أنا من رجال الأعمال وأنت من ... من ... انظري كيف تخذلني ~~الألفاظ، فكيف بمن هم دوني امتلاكا لناصيتها؟! نعم كلانا تاجر شاب، وقد عرضت عليك ~~عملا، فإن التجار لا ينفقون أموالهم جزافا؛ عرضت عليك هذا بالفعل لا بالقول، فرحبت ~~به، ms48 بالفعل أيضا لا بالقول، ويسرني أن أبلغك رضاي عن حسن أدائك لواجباتك وإن كانت ~~خفيفة هينة إلى الآن؛ فما زادت على رفض الدعوات التي ~~تلقاك من أصحاب التيجان، والإصغاء إلى آرائي القيمة في الحياة والناس، وقد كان أجرك ~~زهيدا أيضا؛ فنجان قهوة، أو تذكرة سينما، أو عشاء خفيفا ... # فقالت: لا تمزح، فإني ... # قال: لا تقاطعي من فضلك؛ فإن حسن الإصغاء في صمت وسرور هو أول واجب على المستشار ~~الخاص، كنت أقول إن واجباتك إلى الآن هينة وكذلك أجرك، ولكني قررت أن أضيف إليها واجبات ~~جديدة، وأن أزيد الأجر؛ فإنه ينبغي أن يكون على قدر المشقة، وعلى قدر الاجتهاد تكون ~~الترقية، نعم ترقيتك من مستشارة إلى ... # قالت: لا أدري كيف أشكرك، ولكنك تعلم أن هذا إحسان. # قال: إحسان؟! يا له من لفظ ثقيل قبيح! وإن كان الفعل في ذاته جميلا! ولكن ما لنا ~~وللإحسان الآن ونحن نتكلم في أعمال تجارية؟! أرجو ألا تقحمي هذا اللفظ مرة أخرى في ~~أحاديثنا الجدية، واسمعي، لقد هداني التفكير الطويل العميق إلى أن فلاحا مثلي لا ~~يفيده ما تعلم من التجارة التي حذقها علما وعملا، وأحاط بها خبرا، إلا إذا طبق ما ~~أفاد من المدرسة ومن تجاربه في الحياة، وقد تعلمين أو لا تعلمين أن لي ضيعة عظيمة، كانت ~~أمي بعيدة النظر صادقة الفراسة في نجابتي، فأورثتني إياها، وخلفتها لي، وفلاحونا لا ~~يحسنون الزراعة، فمن واجبي أن أتعلم وأعلمهم كيف يتقنونها؛ لتكون الغلة أوفر، وهناك ~~واجب آخر؛ ذلك أن فلاحينا قد يجيدون زرع الأرض ولكنهم لا يحسنون عرض المحصول للبيع، وما ~~أكثر ما يوكسون ويبخسون، ويغبنهم سماسرة السوء، وهم إذا ربحوا مرة يخسرون مرات، ~~لجهلهم بالتجارة، فواجبي - وأنا الخبير الحاذق - أن أعلمهم كيف يبيعون، لأستفيد ~~ويستفيدوا، ومن هذا البيان ترين يا صديقتي أن واجباتك كمستشارة لي ستكون عديدة وشاقة، ~~وأنا واثق من قدرتك على الاضطلاع بهذه الأعباء الجسيمة، بفضل ما اكتسبته من الخبرة في ~~هذه الشركة، وما استفدته مني في أحاديثنا الكثيرة. # وعلى ذكر الشركة أقول: ms49 إنه يحسن أن نذهب للقاء مولانا راتب؛ فما أشك في أنه الآن قلق ~~مضطرب يتساءل عني أين اختفيت؟ وماذا يصنع بغيري؟! # فسألته: نذهب إليه؟ وأنا ... وأنا ... ما الداعي؟ قال: وجودك ضروري، لا بد منه، وأول ~~درس يجب أن تتعلميه في وظيفتك الجديدة، وإن كانت قديمة، هو طاعة الرئيس، تعالي. # وذهبت معه إلى النادي وهي قلقة، فألفيا راتب بك في حجرة المكتبة يدخن سيجارا ضخما، ~~وكان قد علم أن نسيما انقطع وكف عن الحضور، فاطمأن وعاد يختلف إلى النادي في أوقات ~~الفراغ. # وقبل أن يدخلا عليه، دعا نسيم الخادم وأمره أن يجيئه بكأس من الكونياك المعتق، وقال ~~لمحاسن وهو يدخل بها وبالكأس في يده: لا تحسبي أن هذه الكأس لي؛ فإني لا أشرب خمرا، ~~ولكنها لمولانا راتب؛ فإنه يوشك أن يتلقى صدمة، وقد يحتاج إلى منعش، وما أظن به إلا أنه ~~ضعيف القلب وإن كان عالي الزعقات، على كل حال، لا ضير من الاحتياط. # ودخل ويده ممدودة بالكأس، ورأى راتب بك هذا الموكب، فدهش وقطب، ووضع نسيم الكأس ~~برفق على المنضدة أمام راتب بك وجلس إلى جانبه، وجلست محاسن إلى الخلف قليلا، وتكلف ~~المدير قلة الاكتراث، وتظاهر بأنه لا يراهما، وأقبل على سيجارته يمص وينفخ ~~الدخان. # ولكن نسيما لم يتركه، فقال بلهجة الأسف: إن واجبي ثقيل، وأنا أؤديه وأنا كاره له. ~~فهل أنت مصغ يا راتب بك؟ # فقال راتب بك: قابلني غدا في المكتب. # فقال نسيم: آسف، فلن تراني غدا في المكتب. # وقرب الكأس من راتب بك. # ومضى هو في كلامه فقال: خذ رشفة من هذا. تشجع، وثق أن الصدمات لا تلبث أن يفتر أثرها ~~وإن كانت تدوخ في أول الأمر، وبعد أن تفيق تجد أن الشمس لا تزال تشرق، وأن الدنيا ما ~~زالت بخير. # فضجر راتب بك وسأله بحدة: ماذا تريد؟ # قال: العجلة من الشيطان. لقد كنت أريد أن أخفف من وقع الخبر الأليم بالتلطف فيه، ولكن ~~كما تشاء، اعلم إذن أننا قررنا - أنا والآنسة محاسن - أن نستقيل من عملنا ms50 بالشركة، وإني ~~آسف، ولكن للضرورة أحكاما، ونصيحتي لك أن تتلقى هذا بالصبر. # فكاد الرجل يثب من الغيظ، وهم بكلام، ولكن الله لم يفتح عليه بأكثر من: من أنت يا ... ~~يا ... ولعله خشي أن يخسر المعركة إذا هو جازف بمنازلة هذا الفتى الذرب اللسان، فأمسك ~~وانحط على الكرسي. # وقال نسيم وهو يخرج ويجر محاسن: ليس هذا ما كنت أتوقع، وإني لأعلم أنها صدمة قوية، ~~فإن الخسارة لا تعوض، ولكني كنت أظن أنك أعقل وأذكى من أن تحاول إقناعنا بالبقاء، لا ~~لا، كان ظني بك غير ذلك. # وخرجا. # وتركا الرجل ينفخ، ويضرب كفا بكف. # 5 # هنئني يا أستاذي. # مبروك، ولكن ما هي الحكاية؟ # أصبحت مستشارة. # مست ... مست ... تعنين ... ماذا تعنين؟ # ألا تعرف ما هو المستشار؟ يطرح عليك الموضوع، فتبحثه، وتدرسه ثم ترى فيه الرأي، فيؤخذ ~~بما ترى. # فهمت، أعني ... ألا يمكن أن تبدئي من البداية؟ # فقصت عليه محاسن القصة، فهز رأسه وقال: يخيل إلي أن هذا أمر له ما بعده. # قالت: إنك سيئ الظن. # قال: ليست المسألة مسألة سوء ظن أو حسن ظن، وكل امرئ - إلا أنت على ما يظهر - يستطيع ~~أن يفطن إلى الآخر من هذا الأول، ومن الجلي أن نسيما هذا يرمي إلى الزواج. # قالت: ولكن هذا مستحيل، من أنا حتى يتزوجني؟! أما قلت لك إنه واسع الغنى؟ # قال الأستاذ: لا تكوني بلهاء؛ الرجل يحبك، ما في هذا شك، وفقرك لا يعنيه؛ لأنك أنت ~~همه لا المال الذي عنده منه فوق الكفاية. # قالت: ربما، ولكن هذا لم يخطر لي قط، ماذا أصنع الآن؟ # قال: لا شيء، تبقين كما أنت، ولا تغيرين شيئا من حالك معه، حتى يخطو هو الخطوة ~~الثانية. # قالت: وماذا يكون العمل حينئذ؟ # قال: الأمر واضح؛ ترجعين إلى الطبيب لينجز لك وعده. # قالت: لا أستطيع أن أخدع نسيما، وأنت تعلم أن هذا هو الذي دفعني إلى مجافاة ~~محمود. # قال: يا محاسن أطيعيني ولا تركبي رأسك، إنك فتاة حصان قاصرة الطرف ولست بغرور ~~فاجرة، والذي كان إنما كان بسوء ms51 الحظ، وكان الذنب كله لي، وليس من العدل أن تبوئي أنت ~~بإثمه، وأن تظلي طول عمرك ضحية له، فما جنيت شيئا، وإنما أنا الذي جنيت، وقد يسر الله ~~النجاة، ومن العسير أن تقنعي شابا يحبك ويكبرك ويعرف فيك العفة والتحصن، ببراءتك، ~~وإن كان لا شك فيها، وعهدنا بالرجل يكون كريما رحيب النفس واسع العقل، يؤثر على نفسه ~~في كل شيء، إلا فيما يتعلق بامرأة يحبها ويريدها لنفسه، فإنه ينقلب أنانيا فظا لا ~~يغضي عما يرى أو يسمع من هناتها ولو كان لا ذنب لها فيها، ولا يتغافل عما كان أو ~~يكون منها، ولو كان فلتة وبرغمها، وهذا هو الأغلب والأعم، وهناك من لا غيرة لهم، وهؤلاء ~~قلة، ولا يقاس عليهم، فاسمعي مني، ولا تحملي نفسك وزرا ليس من العدل أن تحمليه، ولا ~~تضيعي نفسك وتشقيها بقلة العقل، وبالإسراف عليها في الظلم، ولا تخيبي أيضا أمل هذا ~~الشاب. ولو كان أسن، أو أكثر تجربة للحياة وعثرات الحظ فيها لأشرت عليك بخلاف ذلك، أي ~~بالمصارحة، ولكنه غني مرفه؛ لم يعرف إلا التوفيق، ولم يشعر بغير الاطمئنان والثقة، ~~ولم يبل ما في الدنيا من ظلم ونكد طالع وعرك ووطء وتفتيت، وقد يكون على خلاف المعهود ~~في أمثاله، ولكن السلامة في الاحتياط والتحرز، فأطيعيني من فضلك تسعدي. # فقالت: إن عقلي مقتنع، ولكن قلبي يحدثني أن الأكرم والأشرف - إذا تكلم، ولست أظنه ~~فاعلا - أن أصارحه بكل ما كان، بلا زيادة أو نقص، ولم لا؟! لست متزوجة رجلا إلا بعد ~~أن يعرفني على حقيقتي بلا تمويه أو تزوير. # قال: هذا أكرم ولا شك، ولن تعدمي رجلا يفهم ويعذر ويهمل الأمر كله، ثم يجيء يوم يغضب ~~فيه لأمر ما، فيتحرش بك ويعيرك بزلة يحمل تبعتها سواك في الحقيقة، ويمن عليك ~~بالصفح عنك، فيفسد الأمر كله ويسود عيشك بعد ذلك، كلا إن الذي أشير به أسلم وأحكم، حتى ~~نرى أي رجل هو؛ أعني نسيما هذا. # فردت وقالت: على كل حال، لا يزال أوان ذلك بعيدا. # قال: لست أراه ms52 بعيدا، ومع ذلك يجب أن توطني نفسك من الآن على أحد النهجين. # فوعدت أن تفكر، وتنبئه. ~~••• # وأقلق الأستاذ حليما ما سمع منها، وكان هو في سريرته يؤثر المصارحة، فإنها أقوم ~~وأسلم في النهاية، ولكنه أشفق عليها أن تكفر بالعدل في هذه الدنيا. # واستغرب أنه فاته في حديثه معها أن يسألها عما تطوي لنسيم هذا، أهو يبلغ أن يكون ~~حبا؟ أو هو يقاربه ويسهل أن ينمو، كالماء يعمق تحدره مجراه؟ ولا شك أن محاسن ~~تستظرفه؛ فإنه على ما يستفاد من كلامها خفيف على الأفئدة، فوق أنه كريم معوان، غير ~~منان، يعطي مبتدئا وكأنه هو الذي يأخذ، ويصنع معك الجميل ويزجي إليك الشكر كأنك صاحب ~~الفضل فيه، وأخلق بمن كان خفيف الروح، سخي اليد، ذرب اللسان، حلو الفكاهة، حسن ~~المعاشرة ظريفها، أن تفتح له القلوب. ولا ريب في أنه يحبها، وإلا لما صنع كل هذا لها، ~~ولكن هل هي تحبه؟ ولعلها لو سئلت لترددت، فقد خيل للأستاذ حليم أن نسيما حملها وطار ~~بها بجناحين من ظرف الشخصية وحلاوة اللسان، فهي مدار بها، لا تدري إلى أين يمضى ~~بها؛ لا بل لا ترى أن في طاقتها حتى أن تفكر لسرعة الكر والخطف فيه، ولما يشغلها من ~~فتنة القول والعمل، وتعجبها لجدتها عليها أيضا، فما رأت من قبل أحدا كنسيم. # وما له؟ ألا أثر له في الموضوع؟ أليس المال كل شيء في دنيانا هذه؟! أليس هو الخير ~~والشر، والفضيلة والرذيلة؟! أليس كل أمر مرتهنا به إذا اعتبر الواقع؟! من يدري؟! فإن ~~للمال لسحرا، وقد رثت حال محاسن، وعانت ضنوكة غير هينة؛ لا لفقر بأبيها، فما أنزف ولا ~~أكدى، وإنما طاش وماق، وكان ما كابدت وثقل عليها من الشدة والشظف هو الذي دفعها إلى ~~التماس الكفاية من طريق الوظيفة؛ فالتقت بهذا الشاب، وما كادت تخفق حتى دفع يده ~~فانتشلها وأنقذها من العود إلى الحاجة والتطلب، فماذا يمنع أن تطمع في خصب العيش ~~ونضارة الحياة ووفرة الخير والاستراحة من هذا الهم؟! ولن تحتاج إلى تكلف التحبب ms53 إلى مثل ~~نسيم؛ فإنه محبب إلى القلوب. # وخطر للأستاذ حليم أنه قد يستطيع أن يمتحن مروءة نسيم، ورحابة نفسه، وسعة عقله، ومبلغ ~~استعداده للتسامح والإنصاف، فيقص عليه قصة محاسن معزوة إلى غيرها، ثم ينظر وقعها في ~~نفسه؛ فإذا ساء الوقع ظل على ما أشار به عليها من الكتمان، وإذا رآه يتلقى الأمر بصدر ~~واسع وإدراك صحيح، كان لا بأس مما تذهب إليه محاسن من المصارحة، في أوانها. غير أن هذا ~~يتطلب أن يعرفه أولا، وأن يخالطه زمنا متريثا متربصا؛ فما يعقل أن يروي له الخبر ~~في أول لقاء لهما. # وصار السؤال: هل ترضى محاسن أن تمهد له هذا التمهيد، وأن تدعه يمضي في هذه ~~التجربة؟ # ودار في نفسه أن لو كان هو أصغر سنا، وغير ذي زوجة وولد ... لماذا قسم له أن تكون ~~زوجته مستعصية عنيدة؟ لقد كان يحبها، وما زال غير كاره لها، وما انفك مستعدا أن يصل ~~ما انقطع، ويستأنف ما مضى، وصار كأنه من أخبار القرون الأولى، ولكن هيهات! وسيظل ولا ~~معاذ له غير خياله وأحلامه، وإنها لأطيب من الواقع؛ فإن الحقيقة محدودة بحدود الطاقة ~~التي لا سبيل إلى مغالطة النفس أو الغير فيها، وما يستفاد منها من المتعة ينقصه - ~~وكثيرا ما ينغصه - ما تخطئه ولا تجده عند شريكك مما تطمع فيه، وتتطلع إليه، ولعلك كنت ~~تحلم به. أما في الخيال فإنك تتصور ما شئت كيف شئت، على هواك، وتنحل نفسك من الطاقة ~~ما حلا لك، وليس للمرء سلطان على الأحلام، ولكن الراسب فيما وراء الوعي يطفو فيها، ~~والكامن يبرز، ويتمثل ويتجسد، وتتألف منه صور بعضها مما يشتهى، ففيها قدر من العوض ~~عما حرمه بسوء حظه. # وحدث الأستاذ حليم نفسه أن أكبر ظنه أنه لطول ما عاش بين خيالاته وأحلامه، خليق أن ~~لا يرضى عن الحقيقة لو تيسرت له، فإنها لن تكون إلا دون ما يرتسم في ذهنه من الصور، ثم ~~راجع نفسه وقال: إن هذا شأن كل إنسان، فما من إنسان إلا وهو يحلم ويتخيل، إلا ms54 أن يكون ~~بليدا مغلق النفس؟ وما من أحد إلا وهو يدرك - إلى حد ما - بعد ما بين الحقيقة ~~والخيال، وبعض الناس لا يبالي هذا الفرق، ولا تعنيه إلا الحقيقة وما يفيد منها، والبعض ~~يلوذ بخياله ليسد له النقص ويعوض ما فاته، وهؤلاء مساكين؛ فإنهم إذا لجوا في التخيل ~~أو لجت بهم الحاجة إليه، كانوا خلقاء أن يتبرموا بالحياة ويتسخطوا حظهم ويستقلوا ~~نصيبهم من خيرها، وأشقى الناس من كانوا مثله؛ قد سلبوا الحقيقة كلها وحرموها أجمعها، ~~ولم يبق لهم من مسعف سوى هذا الخيال، وإنه ليسعف ولكنه لا يرضي ولا يقنع، وما ~~تزداد به النفس إلا اشتهاء لما عز مناله، ولا تزداد به الأعصاب إلا تعبا وإعياء، ولا ~~تزداد به الطبيعة إلا تشويها ومسخا. # ورثى الأستاذ حليم لنفسه، وتنهد، وأحس أنه مشف على البكاء، ثم كبح نفسه واستحى أن ~~يتلقى - حتى فيما بينه وبين نفسه - ما تجيء به الحياة بغير الصبر والجلد، وقال إن له ~~أسوة حسنة فيمن يعيشون رهبانا وزهادا؛ ثم عاد يقول: إن هؤلاء لا يكون حالهم خيرا من ~~حالي إذا كانوا قد حملوا على الزهادة، أما إذا كانت الزهادة عن رأي أو عقيدة فذاك ~~حري أن يعينهم على الاحتمال، ويشغلهم ويصرفهم عما أشاحوا عنه، ثم هز رأسه وقال: ومع ~~ذلك ما أظن بهم إلا أنهم يحتاجون إلى رياضة شاقة طويلة، بل دائمة، وإلى التلهي عما ~~تركوا - إي نعم، التلهي - بالعكوف على ما انقطعوا له، وتساءل: أترى لا تخايلهم صور ما ~~زهدوا فيه؟! لا بد أنها تلوح لهم أحيانا فتقض مضاجعهم وتؤرق جفونهم، وكيف يستقيم بال ~~من يخالف آيين الحياة؟! # وسندعه لخواطره هذه؛ فما لها انتهاء، وإنه ليتفرج ويذهب بها هنا وهناك، ثم يكر إلى ~~رأس أمره، ولا حيلة له يعرفها، ولا مخرج يهتدي إليه، إلا أن يتخذ خليلة، وقد خطر له هذا ~~مرارا فنحاه، واستعاذ بالله منه، واستبشع أن يطوف برأسه، وحدث نفسه أنه حتى لو ~~كانت نفسه تطاوعه لما عرف الوسيلة، وضحك وقال: ثم إن الخليلة تكلف ms55 مالا، يفتح الله يا ~~سيدي؛ الأحلام أرخص. # 6 # كانت أعمال «المستشارة» هينة طفيفة، لا تأخذ من وقتها إلا قدر ما يضيع من وقت ~~المترفات المنعمات في المنازه والمطاعم ودور السينما؛ فهي في بيتها معظم النهار إلا إذا ~~دعاها إلى الغداء، ثم تلقاه فيتنزهان ساعة، أو يدخلان ملعبا، أو ينتحيان ناحية في ~~«جروبي» أو «صولت» وما ماثلهما، ويتعشيان في الأغلب ويفترقان. # وكان معها على ما عودها من الحذلقة الظريفة، واللطف والتحفي في غير مبالغة، ودون ~~تكلف للتودد، وكان مرتبها عشرة جنيهات غير ما تحتاج إليه لثيابها وزينتها، وقد اعترضت ~~على هذا وقالت إنها لا تستحق منه قرشا، وإنه يعودها البذخ، فماذا عساها تصنع إذا ~~فقدت وظيفتها الجديدة؟! # فقال لها: تعالي نتفاهم؛ فإني أراك تجورين علي، وتوسعين نطاق حقوقك، وتعتدين بذلك ~~على حقوقي، نعم، فإن عمل المستشار هو أن يشير لا أن يعترض، والاعتراض هو عملي أنا، ويجب ~~أن يعرف كل منا وظيفته ويقف عند حدودها، فإني أخشى أن تتداخل الحدود ويختلط الأمر، ~~ويضطرب الحال، وقد عرضت عليك وظيفة مستشار، وقبلت، ففرغنا من هذا، وأنا أقر وأعترف أن ~~المرتب قليل، بل ضئيل، إذا قيس إلى الجهد المضني الذي تبذلينه، وإنها لمروءة منك أن ~~ترضي به، وستتسع أعمالنا وتعظم بفضلك، فيتسنى حينئذ أن نجزيك التجزية العادلة ... # فقاطعته ضاحكة: أنا أقول إنه كثير، فتعتذر لي من قلته كأني كنت ... # فقال: آه! اختلاف رأي، فلنبق مختلفين إذا شئت؛ فإن رقي العالم لا يتيسر إذا كان ~~الناس كالنسخ العديدة من صحيفة أو كتاب؛ فخلك على رأيك في الاستكثار، وسأبقى على رأيي ~~في الاستقلال، وكلما لاحت فرصة تجادلنا، ومن يدري؟! لعلنا نتفق آخر الأمر، ~~ربما ... # فلم تجد فائدة من الكلام. # وكانت إذا خلت بنفسها تتساءل عن نوع شعورها نحوه؛ أهو حب؟ وتهز رأسها، وتقول إنها ~~تستظرفه جدا، وتعده صديقا حميما، وتحله من نفسها محلا لا ينازعه فيه منازع، ~~وتشكر له حسن صنيعه معها، ولا تجحد فضله، بل نعمته عليها، ولكنها لا تنطوي له على ذلك ~~الحب الذي ms56 يلقي بالمرأة على الرجل ويستغرقها ويأخذ عليها كل متوجه. # واستغربت ، وهي تدير عينها في قلبها، أن تجد أن للأستاذ حليما علوقا ونوطة بقلبها، ~~لا تشبهها ولا تدانيها مودتها لنسيم؛ فإن نسيما أقرب إلى الأخ أو الخدن، أما حليم ~~فإنها تشعر له بحنة - خفيفة، نعم، ولكنها حنة - تورث قلبها خفقة، وقد سايرت حليما ~~وانقادت له، ولكنها لا تشعر أنها يمكن أن تنقاد على هذا النحو لنسيم، وإن كانت غارقة في ~~نعمته. # وكانت لها جارة في مثل سنها، رأتها تتمشى عصر يوم في الحديقة الواسعة المهملة، فأقبلت ~~عليها تحادثها، كما تفعل أحيانا. # وكانت الجارة قد راقبت محاسن بعد أن لفت نظرها أنها صارت أنفس ثيابا وأكثر احتفالا ~~بزينتها، فما لبثت أن استطردت إلى ما جاءت من أجله وقالت: هذا يوم جميل لا ينقصه إلا ~~... # وأمسكت وحدقت في وجه محاسن، فقالت هذه: إلا ماذا؟ # قالت الجارة: إلا الحبيب. # فأدهشت محاسن هذه الصراحة، ولم تزد على أن زامت. # فضحكت الجارة: أيدهشك قولي يا محاسن؟ ربما، ولكن ألا تتمنين، عندما تنقشع السحب، ~~وتصفو السماء، وتسطع الشمس، وتحمى الأبدان، أن يقبل عليك حبيبك، والحب يطل من عينيه، ~~وذراعاه مفتوحتان، وشفتاه متهيئتان للتقبيل والهمس الحلو؟! # فاضطرم وجه محاسن، فما خاطبها أحد - رجل أو امرأة - بمثل هذا الكلام الصريح من ~~قبل. # وقالت الجارة: ليس في هذه المنى شيء منكر؛ فإنها طبيعية، وإذا لم يشعر الشاب والفتاة ~~بهذه الحاجة، فلن يكون زواج، وإذا امتنع الزواج انقطع النسل وخربت الأرض. # فقالت محاسن محتجة: أي كلام هذا؟! # قالت الجارة: ما له؟ إن الحب طبيعي، وقد خلقنا له، فلماذا تخجلين منه؟! # فلم تجب محاسن، فألحت عليها جارتها وسألتها: هل تزعمين أنك لم تفكري قط في الحب، أو ~~لم تحلمي بحبيب؟! # قالت محاسن: ربما، أحيانا، ولكن ... # قالت: إذن لماذا كل هذا التكلف؟! # قالت محاسن: ليس هذا تكلفا ولكن الكلام ... عيب. # قالت: عيب؟! كلا، إن الحب - الحب الحقيقي - شيء مقدس لا عيب فيه، وإلا فلماذا يتزوج ~~الناس؟! # فسكتت محاسن، وخطر لها أن لعل فريدة ms57 جارتها الجريئة أعلم منها وأفهم وأدرى، وقد ~~تستطيع أن تفتح لها عينيها، وتخرجها من حيرتها، فسألتها: قولي لي يا فريدة: كيف تتصورين ~~الحبيب الذي تتمنين؟ # قالت فريدة: الحبيب الذي أتمنى، ما أكثر ما رأيته بعين خيالي؛ طويل، نحيل، جميل الشعر ~~ناعمه، أسود العينين، خفيف الدم، بسام، مليح الفكاهة، يعيش من يوم إلى يوم، ولا يصدع ~~رأسه بالتفكير في الغد، ويداه طويلتان صغيرتان رقيقتان، ووجهه شاحب قليلا، ولكنه غير ~~متهضم أو دميم، وحديثه يحرك الخيال. # فقالت محاسن، قبل أن تستطيع كبح لسانها: كلا، إنه لا يشبه ما أتخيل، فالرجل الذي أراه ~~في أحلامي - أحلام اليقظة - طويل عريض الكتفين، متين البنيان، أسمر اللون، حسن الصورة، ~~وذقنه فيها نقرة صغيرة، وهو مرهوب البأس، ولكنه رقيق القلب، عطوف على الضعفاء، ولا يهاب ~~شيئا، وهو مرح، يقهقه حين يضحك، ولكن في صوته نبرة حزن؛ لأنه قاسى في حياته شدائد وذاق ~~آلاما. # وأمسكت فجأة، فقد كانت كأنها تتكلم وهي نائمة. # فقالت فريدة: أنا لن أرضى عن حبيبي هذا إلا إذا كان حسن الهندام؛ فإني أكره الرجل ~~الذي يهمل مظهره، ويترك شعره يطول أو لحيته تنبت، ولا يكوي ملابسه، وعندي أن الرجل ~~ينبغي أن يعنى بثيابه كالمرأة. # فقالت محاسن: حسبنا أحلاما. # ولما قابلت نسيما في ليلتها خجلت؛ فما كان فيه شيء من صفة الحبيب الذي تتخيله وتحلم ~~به. # | الفصل الرابع # 1 # ألحت على محاسن صورة الحبيب المتخيل، بعد حديثها مع جارتها، وكانت قبل ذلك سابحة ~~على متن التيار، وهي في شاغل من شئون البيت، ومشقة التدبير، والسخط على أبيها، واستهجان ~~سيرته مع صاحبته، وإشفاقها على أمها، وما جرت عليها علاقتها بالأستاذ حليم، وما ~~احتاجت إليه من كسب الرزق بعرق الجبين. وكان مما ساعدها على الانصراف عن التخيل أنها ~~وطنت نفسها على الرضى بالعزوبة والسكون إليها بعد تلك التجربة الأليمة التي جرها ~~عليها سوء حظها، وكانت تعود كل ليلة إلى بيتها مهدودة القوى، وإن كان عملها في الشركة ~~قبل فصلها منها كان هينا، لأنها لم تألف العمل، ومواعيده ms58 المنتظمة التي لا تختلف في ~~صباح أو مساء، فكانت تضطرب إذا فاتها ترام، وتشفق أن تتأخر ولو دقيقة واحدة، فمشيها ~~أشبه بالهرولة، وأعصابها لا تهدأ، وقلبها لا يكف عن الخفقان، وكانت إذا انقضى اليوم ~~بسلام وبلغت بيتها تتشهد، ولا تكاد تنطرح على الفراش حتى يأخذها النوم، فإذا حلمت لم ~~تر إلا المدير المرهوب أو الوالد الأخرق وإلا صورا لا تطيب من البأساء ~~والضراء. # وجاء نسيم، فطاب العيش، واستراحت من العمل، ولكن الزواج ظل لا يجري لها في خاطر؛ لما ~~وقر في نفسها، حتى فتح لها الأستاذ حليم عينها ونشر المطوي من الأمل، وعرفها أن ما ~~كانت تظنه مستحيلا قريب المنال، وأنه ما من معضل إلا وله حل ما، فتهيأت نفسها تهيؤا ~~جديدا، وعادت الأرض التي أصارها الإهمال والترك مواتا وجمادا كنودا، حرة جيدة ~~التربة مرجوة الريع، ثم كان حديث الجارة فريدة، وقد تلقته أول الأمر بالامتعاض مما ~~ينطوي عليه من تطلع، ثم ما لبث على قصره أن أيقظ خيالها الذي كان قد بدأ يتقلب ~~ويتنبه؛ فطافت برأسها، فجأة، تلك الصورة لما كانت - في قرارة نفسها وأطواء ضميرها ~~المحجوب عن ناظرها أو إدراكها، بما هي فيه من الهم والكرب - تشتهي أن يكون عليه ~~الحبيب. # وصارت، بعد ذلك، في غدوها ورواحها مع نسيم، لا تزال تنقل عينها منه وتديرها في ~~قلبها، وتقيس الحقيقة الإنسانية الماثلة أمامها في صورة حية من اللحم والدم، إلى الصورة ~~التي كانت مكنونة في أصداف من لأواء العيش، فشق عنها وبرزت، وأخذت معارفها تتجسد، ~~وألوانها تتبدى وتعمق، وسماتها تنجلي، وكثر على الأيام تأملها لها، وطالت إجالة العين ~~فيها، حتى صار يخيل إليها أنها تنظر إلى رسم بارز أو مجسم، وألفت - شيئا فشيئا - ~~أن يرف لها قلبها، ويفتر لها ثغرها، وترق لها نظرة عينها وتلين، وأن تناجيها في ~~خلوتها، وتحاورها، وتنشئ معها أحاديث تفيض عذوبة وحلاوة، وتتخيل لقاءها مع صاحبها، في ~~الحقيقة، على أشكال شتى وفي أماكن عدة، وفي ضروب من الثياب متعددة الألوان، متفاوتة ~~الوشي والتفصيل، مختلفة النسيج، ms59 وكانت ربما فتنتها هذه الصور التي تتعاقب على عينها، ~~وهي مع نسيم، فتشرد نظرتها وتشخص وقد ثبت حملاقها، فتبدو له كأنها قد نأت عنه وهي إلى ~~جانبه، وغابت وهي قيد لحظه، فيتعجب، ويحمل هذا منها على محمل الرضى بما هي فيه، ~~ويؤوله أحيانا بأنه هو سهوم الحب، ويتساءل: حب من يا ترى؟ حبه هو؟ أم حب سواه؟ ومن ~~يكون سواه هذا وما يعرف أنها تلتقي بغيره، ولا عهد منها إلا الصدق والصراحة في إطلاعه ~~على أحوالها وأمورها جميعا؟ # ولكنه كان امرأ فيه أناة، وميل إلى أخذ الأمور مأخذ التهوين، فكان يقول لها مفاكها ~~على عادته: ممم! يظهر أن مستشارتنا تعبت، وبرح بها فرط اجتهادها لنا، أما والله إن ~~آل نسيم لأنانيون، كيف يتركون مستشارتهم المخلصة ترهق نفسها هذا الإرهاق؟! كلا، هذا لا ~~يجوز، فيجب يا آل نسيم أن تعطوها قسطا من الراحة، وإني بلسانهم - أو ألسنتهم جميعا - ~~أسألك: ما قولك في إجازة؟ إجازة لا تطول حتى تعطل الأعمال، ولا تقصر فيقل بها ~~الانتفاع؟ # فتفيق، وترتد إليه، وتبتسم له، وتسأله: ماذا كنت تقول؟ معذرة؛ فقد كنت كأني في عالم ~~آخر. # فيقول: تالله، ما أذكاك يا نسيم وأحد فؤادك! ولا عجب؛ فإن آل نسيم كلهم لوذعيون، إي ~~نعم يا صديقتي المستشارة، فإن الذي كنت أقوله - وفاتتك البراعة فيه لسوء حظك - ليس إلا ~~شاهدا واحدا من آلاف من الشواهد على هذه اللوذعية التي شاعت في آل نسيم علوا وسفلا ~~كالوباء، وتمثلت خاصة في المتشرف بخطابك. كنت أقول - ولا بأس من أن أعيد؛ فإن أمثال هذه ~~البراعات تحلو على التكرار - إن بك حاجة إلى أن تجدي نفسك في عالم آخر، كما قلت تماما، ~~وبعبارة أخرى يجب أن نتعطف فنمنحك إجازة من هذه الواجبات التي تضنيك، تعودين بعدها أنضر ~~وأنشط، وأقدر على الاضطلاع بأعبائك الجسام، فما قولك؟ # قالت وهي تضحك: إجازة؟ من قال إني محتاجة إلى إجازة؟! ومن أي شيء وأنا في إجازة ~~دائمة؟! # قال: شكرا لك على هذا اللطف، فإنه دليل الإخلاص في العمل، ms60 ولكن فراستنا الصادقة تقول ~~لنا غير ذلك، ومن أجل هذا قررنا أن نمنحك إجازة بمرتب مضاعف، أو غير محدود، للاستجمام ~~والراحة من عناء الأعمال، وقد وقع اختيارنا لك على الإسكندرية، تعرفينها؟ سمعت ~~بها؟ # قالت: وهي لا تزال تضحك: ما رأيتها قط. # قال: هي ثغر صغير، صغير جدا، ولكنه على صغره، يقف سدا منيعا في وجه البحر، فلا ~~يزال البحر يكر عليه بأمواج كالجبال، ولا يزال هذا الثغر الصغير الباسل يدفعه ويرده ~~ويترك لججه المتعاقبة متكسرة على صخورها، والمعركة لا تنتهي، ولا تفتر في ليل أو نهار؟ ~~ولكن الثقة وطيدة بهذا الثغر الباسل، وبقدرته على صد كل كرة، وتمزيق كل حملة، فما ~~قولك في أن تقلدي المراسلين الحربيين، وتذهبي إلى هذه الساحة الأبدية لتوافينا بأحدث ~~أنباء هذا النضال؟ # فسألته: هل مللتني؟ # قال: إنها المرأة لا تكون أبدا إلا كما خلقها الله، لا كما يريد نسيم أن تكون، على ~~أن هذا لا يسوءنا؛ لأنا ندرك بفطرتنا الذكية أن المرأة المخلصة لطبيعتها هي التي تستحق ~~أن يعنى بها الرجل، ولهذا نعنى بك؛ لأنا نراك مخلصة لأنثويتك. كلا، لم نملك يا ~~مستشارتنا العزيزة، وإنما نؤثر لك الراحة، أو نرجو أن تعودي إلينا من معركة ساحل بحر ~~الروم وأنت أشوق إلى مجلسنا الظريف، وأطلب لحديثنا اللذيذ، وأحرص على الاستماع إلى ~~آرائنا النفيسة، وأنشط في أداء واجباتك الكثيرة الأخرى. # فأطرقت شيئا ثم رفعت رأسها ونظرت إليه جادة وقالت: ألا تمهلني؟ # قال: لماذا؟ القطار حاضر، والإسكندرية تنتظر مقدمك السعيد بلهفة. # قالت: لكأني بك تريد أن تحملني الساعة وتضعني في القطار وتدفعه بيديك، ما الداعي إلى ~~العجلة؟! # قال: لا داعي سوى أني أخشى على الوردة الذبول في هذا الجو الثقيل. # وكانت هذه أول عبارة جرى بها لسانه مما يشبه أن يكون إعرابا عن إعجاب، أو يقرب أن ~~يكون غزلا، وكانت هي تحمد الله على اتقائه أن يقول شيئا يجري هذا المجرى؛ فقد كانت ~~تخشى أن تضطر إلى تخييب أمله، وحينئذ يكون ماذا؟ # بأي لسان تقول: لا، وهو رب ms61 نعمتها؟ وكيف تطيق أن يظن بها الجحود، وهي غير جاحدة؟ ~~وإنها لتعلم - على الأقل مذ نبهها الأستاذ حليم - أن هذا حال لا يمكن أن يدوم، وأنه لا ~~معدى عن الانتقال إلى حال أخرى، وها هو ذا قد أجرى لسانه بأول كلمة تشير إلى قرب ~~الانتقال ووشك التحول، أفلا يحسن أن تغتنم الفرصة التي أتاحها لها وتفر إلى الإسكندرية ~~وتقضي فيها أياما توسع فيها هذا الأمر تفكيرا وتدبرا؟! # ولقد تلطف فأشار إلى أنه سيدعها وحدها، ويتخلف هو في القاهرة، ففي مقدورها وهي بعيدة ~~عنه، أن تنظر في أمره وأمرها معه، وأن تتأمل ما تحسه له وهي نائية عنه، وأن تشاور نفسها ~~فيما عدا ذلك أيضا؛ في مستقبلها معه، أو بمعزل عنه، إذا استقر رأيها على التأبي ~~والنفور، وفيما ينبغي أن تحدثه أو لا تحدثه به إذا آثرت الرضى بما يخطو إليه ببطء ~~وعلى حذر. # دار هذا كله بنفسها في مثل لمح البصر، فقالت له: إذا كنت تبغي جادا أن أسافر، فأنا ~~أفعل ما تأمر، وإن كنت لا أشعر أن بي حاجة إلى ذلك، ولا أعرف لماذا تبغيه، على كل حال، ~~أمرك، وماذا أقول غير ذلك؟! # وكان نسيم تخير لها مكانا خاليا في القطار ولبث معها حتى دق الجرس إيذانا بالرحيل، ~~ثم وقف على الرصيف يودعها ضاحكا. # ولم تجد محاسن مشقة في إقناع أمها بأنها ندبت لعمل في الإسكندرية، أما أبوها فلم تكن ~~بها حاجة إلى استئذانه، وإن كانت في سريرتها تخشاه، ولكنه كان يبيت في حيث لا يعلم أحد، ~~ويغيب يوما أو يومين أو أياما، ثم يئوب على غير انتظار، ويكتفي بأن يقول إنه كان في ~~«مهمة»، ولا يسأل عن شيء أو أحد، كأنما يشفق أن يسأل هو أيضا إذا فتح هذا ~~الباب. # ولبثت محاسن وحدها دقائق، فتناولت قصة بوليسية وهمت بالقراءة، وإذا برجل يدخل ويضع ~~حقيبة ضخمة على الرف، وينحط على المقعد أمامها، فثقل عليها أن يتطفل على وحدتها غريب، ~~ورفعت رأسها وألقت إليه نظرة استهجان لتطفله واستثقال لوجوده، وما ms62 كادت تصعد طرفها ~~إليه حتى دهشت وشخصت، فقد كان الرجل تمثالا حيا لمن قالت لجارتها فريدة إنها تحلم ~~به؛ طويلا، أسمر اللون، ملوحا، عريض الكتفين، أرسخ، حاد العين كالصياد، قوى الفم، ~~بارز الذقن متينها. # أخذت عينها هذا كله في أسرع من رد الطرف، لولا أنها لم ترد طرفها؛ لفرط دهشتها، ~~فظلت عينها عليه، والراجح أن محياها فضحها، ونم على ما خالجها من العجب والسرور، فقد ~~خلع الطفيلي طربوشه وحسر عن رأسه، وكان قصير الشعر منتصف المشيب. # معذرة، هل بيننا معرفة؟ # فهزت محاسن رأسها أن لا، ووجهها كالجمرة. # وهمت لما سألها هل بينهما معرفة أن تقول: نعم؛ فإنك أنت بطولك وعرضك الذي أراك بعين ~~خيالي حين أحلم بالرجل الذي أشتهي أن يكون بعلي. ولكنها عضت على لسانها ولم تنبس ببنت ~~شفة، وهزت رأسها منكرة أن تكون ثم معرفة، وصبغ وجهها الحياء فزاده وضاءة. # وأمسك الرجل واضطجع، ومضت ثوان أو دقائق أو حقب، وإذا بها تقول له: أحسب أنك تقول في ~~سرك أني جريئة أو سيئة الأدب، ولك العذر، ولكن الحقيقة أنك توأم رجل أعرفه - نعرفه - من ~~زمان طويل. # ولو طاوعت نفسها لقالت له إنها لم تعرف هذا الرجل المزعوم إلا في أحلامها. # فتبسم الرجل - الحقيقي - وقال: صحيح؟ واثقة أني لست به؟ اسمي حمدي؛ حمدي ~~الديناري. # فاتقد محياها مرة أخرى، وهزت رأسها ثانية - ولكن لسانها لم يخذلها فقالت: واثقة، ~~ولكن اسمك أيضا يخيل إلي أنه مألوف، لا أدري لماذا؟ # فقال: كلا، لا أظن أننا التقينا من قبل، فما كنت لأنسى هذا الوجه لو كنت ~~رأيته. # فعاد الدم القاني فتدفق إلى وجنتيها. # وآنست منه رغبة في الحديث، فلم تصده، فقالا في الجو، ثم فيما يمران به خطفا من ~~الحقول، وعلمت من كلامه ولهجته أنه يؤثر الريف على المدن، وخيل إليها أن بينهما ~~اتفاقا في الذوق والميول. # وقالت لنفسها لما دنا القطار من بنها: هنا سينزل، ولن أراه بعدها أبدا. وكان هو يسأل ~~نفسه: أترى يليق أو يحسن أن أسألها عن عنوانها قبل أن ms63 تنزل في بنها، وينتسخ الحلم إلى ~~الأبد؟ # ولكن بنها جاءت ومضت ، وهما جالسان يتحدثان، وقد تنفس كل منهما الصعداء، أو تشهد، في ~~سره. # وأشرفا على طنطا، فأيقن كلاهما أن صاحبه مفارقه فيها، ونفد صبرها قبل صبره، فأخبرته - ~~لتستدرجه - أنها ذاهبة إلى الإسكندرية وأنها ستقضي فيها بضعة أيام، وأن أحد معارفها ~~دلها على نزل حسن في الرمل على ساحل البحر - في جليم - فأشرق وجهه والتمعت عيناه ~~وقال إنه هو أيضا ذاهب إلى الإسكندرية، ولكنه سيكون فيها ضيفا على صديق له. # ونزلا في محطة سيدي جابر، وقال لها وهما يخرجان: هذه السيارة العتيقة لصديقي، فهل ~~تأذنين لي في إبلاغك حيث تريدين؟ # قالت: هذا لطف منك، فشكرا. # وكانت تود لو استطاعت أن تظهر التردد، أو أن تقول له إنها لا تحب أن تكلفه عناء أو ~~تؤخره، ولكنها أحست أنه لا محل لهذا التكلف معه. # ولما بلغا النزل الذي اختاره نسيم لها وقف معها على بابه هنيهة ويدها في يده ~~وسألها: هل لي أن أطمع في لقائك مرة أخرى؟ # قالت: لم لا؟ إذا شئت، إني هنا وحدي ولست أعرف أحدا. # قال: أشكرك، فما رأيك في أن نقضي النهار غدا في أبي قير؟ # قالت: أنت أدرى بهذا البلد، فاختر ما يحلو لك. # قال: حسن، وسأمر بك في منتصف الساعة العاشرة، يوافقك هذا؟ # وهكذا دخلت محاسن هذا النزل، وقلبها يغني ويرقص، والسرور يلفها في شملة ~~وردية. # ومر الأسبوع يخطف كأنه ساعة، وكانت تكتب إلى نسيم، تصف له بهجتها واغتباطها بمقامها، ~~فجاءها منه كتاب ينبئها أنه ذاهب إلى بلدته وأن في وسعها أن تقضي أسبوعا آخر، فأحست ~~أنها وهبت أسبوعا ثانيا من حياة الفراديس. # وارتفعت المعرفة إلى مرتبة الصداقة، وتحولت الصداقة بسرعة إلى ما هو أدق وأعمق، ولا ~~عجب إذا ذكرنا أن هذا كان رجل أحلامها، وأنها كانت تعرفه طول حياتها. # وكانت محاسن ربما قلقت أحيانا، فجفاها الرقاد؛ فقد كانت تحبه حبا مستغرقا، وتعرف ~~أنه يعرف ذلك، ولا يخفى عليها أنه يبادلها حبا بحب، كأنما كانت تشعر ms64 بالتيار النفسي ~~الذي يجري بينهما حين يلتقيان، أو تلمس يده يدها ، أو تنظر عينه في عينها، ولكنه كان لا ~~ينطق، ولا يفصح، وكان يبدو أحيانا ساهما واجما شارد اللب كأنما يطوي أضلاعه على ~~هم، فكانت تتعجب وتقلب الفكر فلا تهتدي، حتى كان يوم قصدا فيه إلى موضع صخري قصي ~~على ساحل البحر، فمد يده إليها ليعينها على الانتقال من صخرة إلى صخرة، فأهملتها، وصعدت ~~فوق صخرة كبيرة أشرفت منها عليه، وكانت الشمس على محياها الصابح والهواء يعبث بخصل ~~شعرها ويردها عن جبينها الواضح، فراعه حسنها، وقال: إنك هكذا أجمل من ملكة على ~~عرشها. # فأطلقتها ضحكة فضية، وصوبت إليه عينها فزلت قدمها، فصرخت وارتمت بين ذراعيه، فأحاطها ~~بهما، وطوقت هي عنقه، ولبثا هكذا هنيهة أو دهرا فيما يحسان، ثم إذا بالشفاه تلتقي ~~عفوا في قبلة طويلة، ثم تحاجزا قليلا، ونظر كل منهما إلى صاحبه. # قال: كنت أحس أن هذا سيكون لا محالة. # قالت: وأنا أيضا، والحمد لله. # فما راعها إلا أنه أقصاها عنه بلطف وقال: لا تقولي هذا. تريثي حتى تعرفي، فإن هناك ~~أشياء يجب أن تعرفيها أولا. # وتناول ذراعها مترفقا بها، ومضى بها إلى السيارة التي تركاها على الطريق فدخلا فيها، ~~وقلبها يعصره الأسى، ووجهه ناطق بالألم المر. # وانطلق بالسيارة ينهب الأرض ولا يبالي أين يذهب، وهي إلى جانبه لا ترى شيئا مما ~~حولها أو أمامها، حتى خرجا إلى الطريق الذي ينثني إلى الريف فوقف. # وقال لها: قلت لك إن هناك أشياء يجب أن تعرفيها قبل. # قالت: يكفيني ما أعرف وتعرف، وما عدا ذلك لا قيمة له عندي، وليس يعنيني أن أطلع ~~عليه. # قال: كلا، وستعرفين أني على صواب بعد أن تسمعي ما سأقصه عليك. # وسكت برهة، وأرسل عينه أمامه، وبدا كأنه يعالج أن يجمع متفرقا، أو يختصر مطولا، ~~ثم التفت إليها، وأراح أنامله على راحتها وقال: كان ينبغي أن أقول لك هذا من قبل، ولكني ~~لم أكن أظن أن الأمر يبلغ بك هذا، وقد نظرت إليك في القطار فأحببتك، ms65 ولكن لم يدر لي في ~~خلد أن تحبني فتاة رائعة مثلك ، ولقد فاجأني حبك فأحسست لحظة أني ميت بعث من قبره، ~~غير أني ما لبثت أن عدت إلى قبري؛ لفت الحقائق المرة كفني علي مرة أخرى وردتني إلى ~~التراب والظلمة، لا تقاطعي فإنك لا تعلمين، إي نعم، فإني رجل ولا كالرجال، رجل باع ~~نفسه، تتعجبين؟ لا أعني أني بعت نفسي للشيطان، وإنما أعني أن امرأة تزوجتني، هي التي ~~تزوجتني لا أنا، وأحسب أني أدير لك رأسك بهذا الكلام الغامض، فيحسن أن أقص عليك القصة: ~~أنا رجل فلاح متوسط الحال، أملك بضعة فدادين، ليس معولي عليها؛ فإنها قليلة وغلتها ~~ضئيلة، وكان في وسعي إصلاحها فيكثر ريعها، وكان من الميسور أن أستأجر غيرها من الأرض ~~الجيدة، وأعمل في هذه وتلك فأعيش في رفاهة، ولكني آثرت الأسهل، فعملت في ضيعة كبيرة ~~لرجل من السادات، وقف أرضه على بنته دون زوجته، وإن كانت سيدة يضن الزمان بمثلها، ومات ~~الرجل، فصار الأمر كله إلي، فأنا المشرف على الزراعة، ولكني لم أخن الأمانة، فبقي ~~مالي الذي أعيش منه هو أجري، والقليل الذي تغله أرضي، وكبرت الفتاة، وصارت من ~~الحوريات الرعابيب، وأنا أزداد كل يوم تعلقا بها ووفاء لها، وقدمت يوما موقومة. لا لا ~~لا، ينبغي أن أوجز مخافة أن تظني أني أحملها التبعة وأبرئ نفسي من الضعف والطمع، ~~ولهذا أقول بإيجاز إنها تزوجتني، إي نعم، قالت لي: كن زوجي، فكنت. وقالت إنها ستحتفظ ~~بالعصمة في يديها، فقبلت عن طيب خاطر، فقد حسبتها تخشى على مالها، ولكن الحقيقة التي ~~عرفتها بعد ذلك أنها لم تتزوجني لرغبة في، بل فرارا ممن تحبه هي، لا تستغربي فإن لها ~~لحكاية، وحكايتها أنها أحبت فتى وأحبها أيضا، وهو جدير بها وإن كان لا مال له، فقد ~~رأيته وعرفته، ولكن قومه فيهم إباء، فهم يستثقلون أن يكون ابنهم فقيرا وامرأته ذات ~~ثراء، ويخشون أن يشقيه ويشقيهم ذلك، وهو أيضا شديد التحرج لا يرضى أن ترضخ له مالها، ~~فألفت نفسها مقبلة على حياة ms66 لن يكون نصيبها منها إلا الشظف - بالقياس إلى ما تعودت - ~~والمال عندها مثل التراب في الكثرة وفي الزهد فيه، ولست ألومها؛ فما من شك في أن إسراف ~~صاحبها في التعفف كان خليقا أن يشقيها، ولكنه كان من حقي عليها، وقد اعتزمت أن تهرب ~~منه إلي، أن تفضي إلي بالحقيقة، على أني لا أبرئ نفسي، فقد كان ينبغي أن أتريث ~~وأفكر وأستجلي سر إقبالها علي بغتة، وأحسبني طمعت في رغد العيش ولينه وإن لم أطمع في ~~مالها، على كل حال، هذا ما كان، ولست أشكو، ولكني أقول ما أقول تقريرا للواقع، وما زلت ~~زوجها، ولكن بالاسم، وهي تحملني معها وتبديني للناس هنا وها هنا، وتخلطني بأصحابها، ~~ولكني لا أختلط؛ لأني لست منهم، ولا هم مني، ولست فيما أعلم ضيق الصدر، وأستطيع أن أقول ~~إني لست فظا ولا شكسا، ولكن هؤلاء الذين تجرني إلى مجالسهم وتدور بي معهم ~~وتكلفني أن أنهز معهم بدلوهم، أولى بهم أن يكونوا في المحابس وعليهم القضبان؛ فإنهم لا ~~أكثر ولا أقل - فيما أرى وأحس - من قردة، وعسى أن أكون ظالما لهم، وأعترف أنهم ~~يكرمونني ويلاطفونني، ويحتفون بي، لا أدري لماذا؟ لأجلها على ما أظن، ولكني مللت، ولم ~~أعد أطيقهم، وقد صارحتها بذلك، وآذنتها بالفراق، ولكن الفراق ليس معناه الطلاق؛ فإن ~~الأمر لها وليس لي، وأحسبها ستجري علي نفقة، (وقهقه) ولم يبق أمامي إلا البحث عن ~~عمل آخر أكسب به رزقي، والآن وقد عرفت الحقيقة كلها، وتبينت أي رجل أنا، فهل لا تزالين ~~تحمدين الله؟! # وكانت محاسن - ككل بنات حواء - تستطيع، وتحسن أن تتكلف، ولكنها لم تتكلف في هذا ~~الموقف شيئا، فقد غضبت - له - وتغير وجهها من الحرد وقدحت عينها شررا؛ مما يحتدم ~~في جوفها، وكان هذا مظهر رقة وعطف لم يعرفهما حمدي من قبل، فلا عجب إذا كان حبه قد شب ~~فجأة عن الطوق. # وانطوت يده على أناملها، وانثنى رأسه، ولثمت شفتاه كفها، وهمس: أحسبك تعرفين أني ~~مجنون بك. # قالت: أعرف ذلك، حمدا لله، فإني أنا أيضا ms67 مجنونة بك. # فانتفض، فقد كان حسبه منها ما بدا من عطفها ، أما ... # وقال يزجرها: محاسن! # فهزت رأسها، وهي شاخصة لا تطرف، وقالت: صحيح. صدقني. # فطوقها، وأراح خدها على خده، وقال كأنما يحدث نفسه: إني لا أكاد أصدق، وبعد أن كاشفتك ~~بكل هذا! ونحاها قليلا لينظر في عينيها: أما أني أحبك فطبيعي ومعقول؛ فإنك حنانة عطوف، ~~وجميلة رقيقة كالزهرة، أنت كلك من فرعك إلى قدمك طاقة أزهار شتى، لم أر أحدا مثلك، ~~ولا أظن أن لك من يماثلك أو يدانيك، ولكن أنت واثقة أن هذا حب لا عطف؟ # قالت: واثقة جدا؛ لقد أحببتك في اللحظة التي رأيتك فيها تدخل القطار. # فهمس: محاسن! محاسن! (وشد على خصرها فارتد رأسها إلى الوراء): إني خائف يا محاسن؛ ~~فإنك نرجسة، لماذا لا أموت الساعة؟ فقد بلغت مناي. # قالت: آه لو كنا نموت الساعة معا! وتعلقت أنفاسها: كلا، ليس حبي لك عطفا عليك ~~متنكرا في صورة حب، فإنه حب، ثم إني أحوج منك إلى العطف، وأولى به، فاسمع أنت أيضا، ~~واعذر واصفح، إذا استطعت، أو أنكر وانفر، فلن ألوم أو أستغرب. # وقصت هي أيضا قصتها، كما وقعت، ولم ترحم نفسها، ولم تحاول أن تبرئها، أو تلطف من ~~وقعها. # ولما انتهت قالت: والآن هات الحكم. # فابتسم وقال برقة: لم يكن هذا ذنبك يا محاسن، فإنك ساذجة عطوف، ومن السهل خداعك ~~وإيقاعك في الشرك. # قالت: لم يكن هناك خداع ولا شرك، ولا كان ما كان شيئا متعمدا، وإنما جاء كله عفوا، ~~كما بينت لك، وما أظن الآن به إلا أنه كان أكثر مني سذاجة، ولعله أولى مني بالعطف ~~والرحمة، مسكين. # قال: ليس لهذا قيمة، فتناسيه كله، وليتني أستطيع أن أنحي ماضي أنا بمثل هذه ~~السهولة، أو أراه أهون من أن أعيره فكرة، ولست أدري الآن ماذا يجمل بي أن أصنع، فإني ~~أحبك حبا لا عهد لي به، ولا كان ظني أن قلبا واحدا يتسع له ويحتمله، ولست أطيق أن ~~أدعك معلقة، وإنه لصعب أن نتحاب هكذا على غير ms68 أمل. # 2 # وعادت محاسن إلى حجرتها في النزل، وراحت تتمشى من النافذة إلى الباب، وقلبها مترع ~~حبا وحزنا، لقد وجدت ضالتها، أخيرا، ووجدت عنده ما كانت تحسب أنه بعيد بل لا سبيل ~~إليه، الفهم والإدراك والصفح أو التجاوز، ولكن يا له من موقف! وأي حال مقلوب! متزوج، ~~ولكن امرأته هي التي تسرحه أو تمسكه، وإن كان يسعه أن يتزوج غيرها، وإنه لمن حسن حظها - ~~أي محاسن - أن حمدي يعد ما كان منه زلة قبيحة وضعفا يزري بالرجولة، ولعل هذا هو الذي ~~وسع صدره لها فغفر زلتها، ولكن انتظارها سيطول ولا ريب، ولكن لماذا؟ وما خير أن تمسكه ~~امرأته هذه، وهي لا تعاشره معاشرة المرأة لبعلها؟ ولم تستطع - على فرط ما أجهدت رأسها - ~~أن تهتدي إلى تعليل هذا، فنفضت يدها منه يائسة وراحت تتساءل عما عسى أن تقول لنسيم، ~~نسيم الذي سخا بماله، وتعهدها وبرها وسرها؟ ولا شك أنه يتطلع إلى اليوم الذي يأنس ~~فيه ميلا منها إليه فيخاطبها، تالله ما أكرمه! فهل يسعها أن تعاجله بهذا الخبر الجديد؟ ~~أو ترى يحسن أن تتريث؟ وما الداعي إلى العجلة؟ أليست ستنتظر الفرج المأمول؟ العمل الذي ~~يطلبه حمدي، فلتنتظر إذن، وإذا احتاجت إلى البث والقول بشجوها، فإن هناك الأستاذ ~~حليما، وابتسمت وقد طاف برأسها أنه سيسره أنها صارحت حمدي ولقيت منه عطفا وفهما ~~وتسامحا، فما كان ينهاها عن مصارحة نسيم إلا إشفاقا عليها، ولكن الكتمان عن نسيم قد ~~يعقد الأمور، ويخلق لها معضلات جديدة بها عنها غنى، فالأوفق والأصوب والأكرم أيضا أن ~~تخبره بما كان، وعلى الله الاتكال. # وآن أن تعود إلى القاهرة، فقد تلقت رسالة من نسيم يقول فيها بأسلوبه المعهود إنه أعد ~~«مشروعا»؛ أمر بأن يفرش رصيف المحطة بالسجاد العجمي النفيس، والطريق رملا أصفر ضاربا ~~إلى الحمرة، وأن تصطف فرق الموسيقى في الميادين لتحيتها والترحيب بها، فكان لا بد أن ~~تكتب إليه تنبئه بموعد إيابها، فترددت واشتهت أن تقضي أياما أخرى مع حمدي تنعم في ~~خلالها بحبه، فهل تطاوع نفسها وتبقى، ms69 أو تعجل بالرحيل؟ # وأرجأت الرد إلى المساء، حتى تشاور نفسها، وكانت على موعد مع حمدي في سيدي بشر، فقد ~~كرهت أن يمر بها كل يوم في النزل فيلاحظ النزلاء ذلك، ويلغط ذوو الألسنة الطويلة ~~منهم، ولم تكن تجعل بالها إلى هذا أو تخشى القال والقيل، أو تتقي أن يخوضوا فيهما قبل ~~أن يتصارحا، ولكنها بعد ذلك صارت تحس أن كل عين عليها، وكل أصبع ممدود يومئ إليها، وكل ~~همس يجري بقول فيها لا حسن ولا قاصد. # وبارحت الترام في محطة قريبة من سيدي بشر، ومضت إلى حيث تقف السيارات التي تقل الركاب ~~إلى الشاطئ، ووجدت مقعدا خاليا إلى جانب النافذة، وصعد السائق إلى مقعد القيادة وتهيأ ~~للسير، وانطلقت الصفارة فمضت السيارة تخطف في طريقها، وإذا بمحاسن تبصر رجلا وامرأة ~~على الرصيف؛ فأما الرجل فعرفته من ظهره، فما كان غير أبيها، وأما المرأة فما خالج محاسن ~~شك في أنها صاحبته الأجنبية التي أنسته زوجته وابنته وأذهلته عن حقوقهما عليه، وأكلت ~~أكثر ماله، ونازعتها نفسها أن تتوضح هذه المرأة وتحد النظر إليها، وأشفقت أن يراها ~~أبوها، فآثرت التحرز، فحجبت جانب وجهها بكفها، وهي تدير رأسها، وغضت شيئا من بصرها مع ~~إدامته والاستثبات فيه، وكانت النظرة سريعة قصيرة، كما كان لا بد أن تكون؛ ولكنها ~~أرتها ما فيه الكفاية، فأما أبوها فكان على خلاف العهد به في البيت، مشرق الديباجة ~~بشوشا حفيا بصاحبته، وأما المرأة فلم يسع محاسن إلا أن تعترف أنها خود رقراقة ~~حسنة دوائر الوجه، واقتضاها الإنصاف أن تقر لها بالحسن ولأبيها بحسن الذوق، غير أن ~~إقرارها بهذا جعل موجدتها أشد وحقدها أعظم تلهبا، وحدة غيظها أعنف، وحدثت نفسها أن هذا ~~هو الرجل الذي لا ينفك يزعق ويصيح ويزعم أنه يؤدبنا ويقيمنا على طريق الهدى والفضيلة، ~~ويحمينا أن نضل ونغوى، وتجيء امرأة - حسانة، نعم، ولكن من يدري أي امرأة هي؟ - فتظهر ~~له الود، فتنتزعه من أهل بيته، وتذهب به أنى شاءت، فلا يبالي ما صنع أو ترك، وإذا ~~ركبت أنا أمرا ms70 على غير هداية، بالغا ما بلغ من التفه، قامت القيامة، فأين العدل ~~هنا؟! وأي قدوة هذه؟ وكانت تستولي عليها الحجة إذا واجهها بغلطة هينة، فالآن ماذا تراه ~~يصنع إذا تركت السيارة وأقبلت عليه وقالت له: آه، بابا؟ ماذا جاء بك إلى الإسكندرية، ~~وكان الظن أنك في مهمة كما تقول كلما غبت وعدت؟ ومن هذه السيدة الجميلة التي تتأبط ~~ذراعها وتضحك إليها؟ ألا تعرفني بها عسى أن أستفيد منها خلقا حسنا فوق ما استفدت من ~~حسن تأديبك باللسان والقدوة الصالحة؟ وماذا تراه يقول إذا ابتسمت له وقالت إن بي حاجة ~~إلى شيء من المال أنفق منه كما ينفق؟ أيضن أم يسخو؟ أيكون هذا ابتزازا؟ أيسخط ويلعن في ~~سره ويدعو الله أن يقبضني إليه وهو يمد يده بما أعطى مضطرا؟ أم تهش لابنته نفسه ~~وترتاح إلى البذل كما ترتاح إذ يخرج عما معه لهذه المرأة التي لا تدع لنا إلا الرقعة ~~من العيش؟ وهبه رآني مع حمدي على شاطئ البحر نتمشى ونتناجى بحبنا، كما يتمشيان ~~ويتناجيان فماذا تراه يجرؤ أن يقول لي، وما أفعل إلا ما يفعل، ولا أحتذي إلا مثاله، بل ~~هو يركب بكهولته - التي كان حقها أن تكون رزانا حافظة لمروءتها تاركة للقبيح والحرام - ~~ما لا أركب أنا بشبابي على فرط ما يهم بأن يجمح بي؟ ولو انقدت لشبابي لكان لي عذر منه ~~ومن غرارته، فما ذقت من نعيم الحياة شيئا إلا تخيلا، على حين امتلأ هو، وكان حريا ~~ألا يشتهي فريدا أو يتصدى له، فإذا به لا يزال مسعورا حريصا على اللذة، يسيم سرح ~~اللهو حيث يتاح، ولا ينفك كالمنهوم الذي ينتصب قاعدا كلما اكتظ، ليوسع مكانا في ~~بطنه لقدر جديد. # وبلغت سيدي بشر، وهذه الخواطر الثقيلة تدور في نفسها، فألفت حمدي في مدخل تلك الرقعة ~~من الشاطئ ينتظرها ويتلفت، فلما رآها أقبل عليها يعدو، ولم يفته تغير وجهها وإشفاؤها ~~على البكاء، فسألها، مالها؟ ماذا جرى؟ قالت: لا شيء، ولكني لا أستطيع أن أبقى هنا، ~~فامض بي إلى أبعد ms71 موضع تعرفه، أبعد موضع والسلام. # وكان حكيما فلم يقل شيئا، ولم يسألها عن شيء، ومرت سيارة فارغة فأشار إليها، وأمر ~~سائقها أن يمضي بهما إلى محطة فكتوريا، وهناك انتظرا إحدى السيارات التي تغدو وتروح بين ~~الإسكندرية وأبي قير، واستقلاها إلى تلك الضاحية القصية. # وكان كلاهما صامتا؛ هي تدير في نفسها ما أثارته رؤية أبيها مع صاحبته، وإن كان لا ~~جديد عليها إلا الرؤية، فقد كانت تعرف سره ولا تجهله، ولكن العيان غير السماع، وهو ~~يتساءل فيما بينه وبين نفسه عما اعتراها من الغم والزهق، ما علته؟ وعن رغبتها في ~~الذهاب إلى أقصى مكان، ما داعيه؟ أهي تفر من شيء؟ ولكن هذا وجوم الحزين، لا امتقاع ~~الخائف، ولم ير من اللائق أن يستفسر وهما في السيارة بين الناس، فهل ترى يليق أو يكون ~~من الحكمة أن يسألها عما بها بعد خروجهما من السيارة وافتراقهما عن الناس؟ وكان رجلا ~~طويل السكوت، وقد ألف أن يلم من الأخبار بطرف بعد طرف دون سؤال، وأن يحفظ السر ويتقي ~~أن يبدو أنه ينقب، فكان من أجل هذا ربيئة القرية كلها ومجمع أسرارها، يحدثه كل امرئ ~~بما عنده ولا يحدث هو بشيء، وينظر لغيره في أمره، ولا ينظر له أحد في أمر له. # وبلغا أبا قير فأخذا طريقهما إلى الشاطئ، وهو غير ممهد ومعظمه رملة يتعقد بعضها على ~~بعض، وتنقاد في مواضع وتغيب فيها الأرجل في مواضع أخرى، فشغلت محاسن بالوعس وما كان ~~يدخل في حذائها عن همها الذي تجنه، حتى بلغا البحر، فألفيا هناك كازينو دخلاه وجرا ~~كرسيين إلى النافذة المطلة على الماء وقعدا ينظران إلى البحر، ويسمعان صوته ولا ~~يقولان. # وبعد أن شربا قهوة قالت محاسن: معك سيجارة؟ # فهز رأسه، وقال: آسف، لا أدخن، ولكن إذا شئت اشتريت لك سجاير. # قالت: لا بأس. شكرا. # فخرج، ثم عاد بسجاير، وقال لها دون أن يقعد: تعالي انظري. # وتقدمها خارجا، فنظرت إلى حيث أشار فرأت بيتا من خشب ذا طبقتين، مشرفا على البحر ~~وعليه رقعة كتب عليها: ms72 للإيجار. # فقالت محاسن: يا له من موقع! إني لأحسد من يقسم له أن يسكنه. # قال حمدي: ما دام أنه للإيجار فلنزعم أننا نبحث عن بيت؛ لندخل ونرى، ونقف برهة في هذه ~~الشرفة الرحيبة الجميلة، ومن يدري عسى أن يأذنوا لنا في البقاء فيها حتى نتغدى، وما ~~المانع؟! # فسرت محاسن وقالت: عسى ولعل، ولقد أجدت لي هذه الشرفة منى، فإن قضينا فيها نهارنا ~~فذاك حسبي من إدراكها. # فصار هم حمدي أن يبلغها سؤلها، ويحقق لها مناها، وسأل صاحب الكازينو عن البيت أهو ~~كله للإيجار أم بعضه فقط؟ فأخبره الرجل أن الطبقة العليا - التي عليها عين محاسن - هي ~~وحدها الخالية، ونادى ربة البيت وأخذ منها المفتاح وصعد قدامهما، ودخلا فإذا بيت فيه من ~~الغرف والأثاث ما لا حاجة بمصطاف إلى أكثر منه. # ووقفوا في الشرفة، فسأل حمدي عن أقصر مدة لاستئجار هذا البيت؟ # قال الرجل: إنه لا مستأجر اليوم، ومن شاء أن يستأجره بضعة أيام فله ذلك. # فالتفت حمدي إلى محاسن، فأطرقت، وقد صبغ وجهها الحياء، وطافت برأسها صور لها إغراؤها، ~~وأخرى تخاف وتتقى، وكان يغريها طيب المكان، وإمكان الإخلاد إلى حمدي بالثقة، ولكن ~~الحذر لا يمنع القدر كما لم يمنعه من قبل، وإن حمدي ليحبها، ولكن هل لها أن تأتمنه؟ وفي ~~خلوة تامة كهذه؟ أو هل تأمن نزق نفسها؟ وإذا بدا له منها أنها قد لا تبالي التضييع ~~فماذا يكون رأيه فيها؟ وهبه احتج عليها بأنها ضيعت فلا خوف من زيادة التضييع فماذا ~~تصنع؟ # وهاجت حرقاتها على سوء حظها وعلى أبيها، هذا رجل كأنما صاغه الله على هواها، ولكن ~~سوء الحظ يأبى إلا أن تكون له زوجة لا يملك أن يفارقها حتى تطلقه، وأن له إذا شاء أن ~~يتزوج؛ فما انقلب امرأة بأن صار الطلاق لامرأته، ولكنه لا يقدم على ذلك حتى يقع على ~~عمل يغنيه عن عمله في ضيعة امرأته، وما هو بمسحت؛ فإن له لخربة يعيش منها إذا راض ~~نفسه على القناعة، ولكنه يتحرج أن يتزوج وهو مخف، فهل ms73 تستطيع يا ترى أن تقنعه ~~بالاكتفاء بهذا القليل، حتى يأتي الكثير؟ هذا أمل تسأل الله أن يتحقق، ولعله إذا تحقق ~~يفتح باب الفرج، فتطلقه تلك الزوجة التي تكتفي من الزواج بوثيقة، لا يدري أحد لماذا، ~~إلا أن يكون بها حب من فرت منه، وهل كان لا بد أن تتزوج هذا لتفر من ذاك؟ أما ~~إنها لخرقاء مدلهة! # وأبوها ما الرأي فيه؟ إنه إن يعلم أن خطيبها زوج أخرى يأب ويركب رأسه، ولهو أحرى أن ~~يلج في العناد إذا علم أن العصمة بيد الزوجة؛ فإنه متكبر متجبر - على أهله على الأقل ~~- والرجل عنده هو الرجل، والمرأة هي المرأة، وما عدا ذلك كلام فارغ، فهل تخفي هذا ~~وتكتمه عنه؟ لم لا؟! وما شأنه هو؟! وهل يقبل حمدي أن يغالط أباها؟ أم ترى الرأي أن ~~تتزوجه أولا ثم تواجه أباها بالأمر الواقع؟ فهل تؤاتيها الشجاعة يا ترى؟ نعم، تؤاتيها، ~~وما عليها إلا أن تصكه بالحجر الذي وضعه في يدها في هذا الصباح ... وأمها المسكينة؟ ~~تتركها تحتمل الإهمال والضنك والشكاسة وحدها؟ إن أمها صابرة أواهة، ولكن محاسن لا ~~تقوى على تركها تكابد هذه الشقوة بلا معين، أفلا سبيل إلى تدبير يرفه عن هذه ~~المسكينة؟ ألا يمكن أن تشاور في أمرها حمدي؟ ولكن المشاورة تحوج إلى الكشف عن سيرة ~~أبيها، وهذه فضيحة يجب أن تستر وتطوى وإذا كان أبوها غير أهل للرحمة؛ فإنها هي قد ~~تضرس بالحصرم الذي يأكله هو. وهو أبوها، كائنا ما كان ما يصنع، وإنها لمن لحمه ~~ودمه، وليس الدم ماء، ولقد حرصت على كتمان خبره عن أمها؛ حتى لا تزيد حرقة كبدها، ولأنه ~~يعز عليها - ولا يهون - أن تكون هي التي تفضح أباها، ولكن هذا لا يوجب أو يسوغ أن تشقى ~~هي وتحرم حقها في الحياة. # والخلاصة؟ إن عين حمدي في عينها، بل في قلبها، فماذا توحي إليه؟ ماذا يكون جواب ~~عينها، أو قلبها، أو ... لا تدري، فإن الجواذب من هنا وها هنا تتركها متحيرة، ضالة، لا ~~تهتدي. # ولم تجب عينها ms74 بشيء؛ لأنها خرجت من لا، ونعم، بأن دارت على عقبها، ومضت إلى حافة ~~الشرفة، ووقفت تنظر إلى البحر. # وأقبل حمدي عليها بعد هنيهة يقول: بعد الغداء أذهب وأجيء بحقبتك وحقيبتي، فإن هذا خير ~~من الفنادق، وفي البيت ثلاث غرف للنوم، ثلاثة، فاهمة؟ # فما راعها هي إلا أنها دارت وواجهته، ودفعت يديها فطوقت عنقه، وتعلقت به، فأهوى على ~~فمها بالقبلات. # وكان صاحب الكازينو قد نزل، وصعد عينه، فرآهما متعانقين فهز رأسه الذي أخذ من جبينه ~~أكثر مما يأخذ نهار الصيف من ليله وتمتم: شباب، شباب، إيه، يا خسارة. # | الفصل الخامس # 1 # لم يكن أحد يعرف عمر جبران، ولكن الذين استوطنوا أبا قير كانوا يستطيعون أن يخبروك ~~أنهم جميعا جاءوا في أوقات شتى فألفوه هناك، كأنما كان بعض وجوه الأرض، وأنه منذ ~~عشر سنوات، أسن من أن يعمل عملا، وقد يبالغ بعضهم فيقول: إنه هو والبحر توأمان، ~~ولعله هو كان أجهل الناس بسنه؛ فقد ولد قبل أن تعرف شهادات الميلاد، وكان هو إذا روى ~~ما وقع له في شبابه يرده تارة إلى عهد إسماعيل، وتارة أخرى إلى عهد عباس الأول، ~~وتتفاوت سنه في الرواية الواحدة بين خمس عشرة وخمس وعشرين أو ثلاثين، وتلك مسافة من ~~العمر لا تعين على ضبط الحساب. # غير أنه - على تخبخب جلده، وذهاب أسنانه، وضموره وانحنائه - لم تخب عينه ولم تغرورق ~~من الكبر، وكانت فيه بقية جلد، وكان يستطيع أن يمشي وحده، مضطربا، ولكنه ما كان يقعد ~~أو ينهض إلا بمعونة. # وقد قضى حياته كلها في الإسكندرية، ورملتها، ولم يتعلم القراءة والكتابة، ولم يركب ~~قط قطارا أو تراما، أو سيارة، ولكنه على هذا رأى ووعى ما لم ير غيره ممن جابوا ~~الأرض وركبوا البحر، فكان على فقره غنيا. # وكانت له عين سريعة الفطنة إلى الجمال في مظاهره جميعا، فلا عجب إذا كان غنيا، وقد ~~ناهز المائة إذا صح حساب الحاسبين، وفي صباح كل يوم من أيام هذا العمر المديد كان يرقب ~~ميلاد هذا المشهد الجليل الذي يتكرر ولا ms75 يسأم على ساحل بحر الروم، ويتأمل اختضاب البحر ~~بأشعة الشمس الطالعة، ثم زرقته السحرية عند الظهيرة، وخضرة الحقول السندسية والظلال ~~الواضحة التي يلقيها كل ذاهب في الهواء، وفي كل مساء كان يشهد آية الغروب ويرقب غموض ~~أسطورتها واستسرارها. # وكان كلما ارتفعت به السن، وقعد به الكبر، يزداد حبا لهذه المشاهد التي لا تتغير ~~كالإنسان، ولا ينقص جمالها أو يعدو الزمن على جدتها كما يعدو على السفائن والثياب ~~والبنى، حتى النساء لم يعد لهن في نظر جبران ما كان لهن من ظرف ورشاقة، وفتنة وإغراء ~~في شبابه. # وهكذا صار جبران لا يصلح لشيء، إلا أن يأخذ بيده واحد من حفدته إلى ظل شجرة عتيقة ~~مثله على مقربة من الساحل، ويتركه هناك على كرسي وعلى ساقيه شملة مخططة من صوف، ينظر ~~إلى البحر الذي لا يهدأ ولا يستريح، حتى يدخل الليل فيرتد به وقد فاز بالمتعة التي لا ~~تبلى جدتها. # ولم تره محاسن أو حمدي، ولم يعرفا قط هذا الأثر المتخلف من زمان غبر، ولكنه هو ~~رآهما مقبلين يدلفان إلى صخور الشاطئ ويقفان عندها - تحت عينه النافذة - وللمرة الأولى ~~منذ سنوات طويلات المدد، هم بأن ينهض وحده، فقد أحس أن هذين لا ينبغي أن يتطفل على ~~حبهما إنسان، ولكن ساقيه خذلتاه، فبقي حيث هو، لا يريم مكانه ولا يتحرك غير إنسان ~~عينه، كأنه أصل شجرة عادية لم يبق منها إلا بعض ساقها. # ورق قلبه الكبير لهما، واشتهى - وقد عزه النهوض - أن يظلا حيث يراهما؛ فما أخذت ~~عينه منذ زمان طويل عاشقين كهذين على ساحل البحر الأبدي. # هذه فتاة حرة، عارية الرأس ممشوقة القوام، جميلة الهندام؛ انظر يا جبران إلى هذه اليد ~~البضة الصغيرة التي تريحها على كتف حبيبها، تأمل بنانها وجمال هذا الإبهام، ومرونة ~~هذا الرسغ، وحسن هاتين الساقين، ورأسها المرفوع فوق هذا العنق الأسطع، والخصل الملتوية ~~التي كأنما يومض فيها ألف نجم ونجم، الله تعالى هو الذي أبدع هذا الشعر، لا الحلاقون، ~~والشمس هي التي غذته بنورها مذ كانت صغيرة. # والفتى ms76 الواقف إلى جانبها أهل لها، ما في هذا شك؛ طويل عريض معتدل القامة ، وقوي ~~متين؛ رجل، رجل كما ينبغي أن يكون الرجل؛ تأمل ذراعيه وكتفيه وصدره الواسع العميق ورأسه ~~العاري أيضا يعتدل فوق كتفيه، وعينه صريحة، ووجهه ناطق بالنبل والخير، فهي معه في أمان ~~من المخاوف، رجل صريح قوي القلب وفي، كلا لا يتغير مثل هذا لعزته، كما لا يتغير البحر ~~الذي ينظران إليه. # وسر جبران وشرح صدره أن حمدي تناول راحة محاسن ورفعها إلى شفتيه ولثم بنانها، ثم ~~قعدا وظهراهما إلى جبران المعجب المغتبط وعيونهما على البحر الذي يحبه حبا ~~جما. # وقال حمدي: هذا ما لم أكن أجرؤ حتى أن أحلم به. # قالت، التي لو سئل عنها جبران، وهو يرمقها، لقال إنها خلقت أحسن مما يقول من يصف: ~~ولا أنا كنت أحلم بهذا، ولكني من فرط السعادة أخشى ... # قال: لا تخشي شيئا، سنتزوج، الساعة إذا شئت، ما عليك إلا أن تأمري فأجيء بمأذون، فما ~~أظن إلا أن ها هنا مأذونا. # قالت: كلا، ليس الآن، أقول لك الحق إني لا أدري ماذا ينبغي أن أصنع، ولا أكتمك أني ... ~~تعلم ما أعني، ولماذا لا أفصح؟! إني أحبك، وأخشى أن تطير مني، أخشى من هذا الحب أن ~~يقصيك عني، ولكني أحسب أن التريث أولى؛ لا من أجلي أو أجلك، ولا من أجل أبي، بل، ~~الحقيقة أني لا أدري من أجل من، لا تضحك مني، فإن هذا أول حب لي، وأحسبها أول حيرة ~~أيضا، لا ليست أول حيرة، ولكنها أول حيرة سارة. # قال: لا داعي للحيرة، ألسنا قد اتفقنا؟! # قالت: وماذا تنوي أن تصنع مع ... # قال: مع التي تزوجتني؟ لا شيء، وماذا عسى أن أصنع؟ هي التي بيدها الأمر فلتفعل ما ~~تشاء، وليس يسعها أكثر من تطليقي، وا خجلتاه! ولكنك تعذرينني؟ أرجو ألا ~~تحتقريني. # وتناول كفها بين كفيه، وهي تبتسم له ابتسام العطف والفهم، ومضى هو في كلامه فقال: ~~إنها ما اتخذتني إلا تكأة، وجعلت الأمر بيدها لتكون حرة حينما تريد، وليست بحريصة ms77 ~~علي؛ فما كنت زوجها إلا بالاسم، ولا عرفتها كما يعرف الرجل امرأته، ولا عبأت هي ~~شيئا بفراري، أو لعله ينبغي أن أقول: نشوزي؛ فإني - وأنا الرجل - أصبحت في مكان المرأة ~~المستعصية الكارهة النافرة، وضحك ثم قال: لا أخشى على كل حال أن تطلبني إلى محل ~~الطاعة. # فقالت محاسن: لماذا هذه المرارة؟! أرجو ألا تحمل على نفسك هذه الحملة؛ كان ما كان، ~~فليكن أيضا ما يكون، عدني ألا تفكر على هذا النحو أبدا. # فوعدها، ونهضت، فهم بالنهوض، فلمست كتفه وأومأت إليه أن يبقى، وقالت: سأسبقك، ودعني ~~نصف ساعة، ثم الحق بي. # وكانت هذه أول مرة تزينت فيها محاسن لحبيب، فلما صعد إليها حمدي ورآها وقف، كأنما ~~صده شيء، وفتح فمه من الدهشة وندت عنه آهة إعجاب بحسنها، وكانت في ثوب أبيض من ~~الحرير مطرز بفصوص من خرز بنفسجي، ومفتوح الجيب، يكشف عن أعلى الصدر والظهر، وحول جيدها ~~عقد من اللؤلؤ زاده رقة ونصاعة، وفي أذنيها قرطان - من لؤلؤ أيضا - وفي شعرها هلال ~~مكلل بفصوص شتى الألوان على هيئة النجوم، وعلى يمناها سوار مفتول من فضة، وقد طاف ~~برأسها وهي تضع هذه الحلي أنها بعض ما أهدى إليها نسيم. # ودنت منه ولصقت به حتى شعر بدقات قلبها السريعة، فجمعها بين ذراعيه، وضمها إليه بقوة، ~~فطوقت عنقه بيديها وتعلقت به وثنت رأسه إليها، فالتقت الشفاه في قبلة حارة تركتهما ~~ينتفضان، فحملها على يديه كأنها طاقة زهر، ومضى بها إلى الطارقة وقعد وهي في ~~حجره. # وهمس في أذنها: هل تعلمين أنك من وزن الريشة؟ فضحكت، وثنت إليه وجهها، واستدارت ~~شفتاها للقبل. # 2 # وكل شيء في هذه الدنيا اتفاق، أو حظوظ وقسم، وقلما يغني التدبير والسعي والطلب غناء ~~المصادفة، وما أكثر ما «تأتي المقيم - وما سعى - حاجاته، عدد الحصى، ويخيب سعي ~~الطالب.» # وقد سعت أم سميرة سعيا حثيثا لتحمل سميرة على تطليق زوجها، أو على معاشرته معاشرة ~~الأزواج، بعد أن طاشت، وتسرعت، وسلكت سلوك المأفون الأخرق، فما كان لكل هذا داع، وكان ~~في وسعها أن ms78 تنأى عن محمود دون أن تتزوج غيره، وأن تصرفه وهي خافضة وادعة، فإن جهد ~~النفس واحد، وما تتجشم من مرارة القطيعة لا يختلف في الحالين، فأما وقد دفعتها خفة ~~العقل والسفه إلى ما فعلت، فإن عليها أن تراجع نفسها وتشاور عقلها، فإما أن تحيا حياة ~~طبيعية، وإما أن تكف عن هذا العبث الذي تتكلفه وتضيف به عذابا إلى عذاب، وتفيء إلى ما ~~هو أرشد وأولى بأن يبلغها سؤلها؛ فما من شك في أن محمودا انتسخ أمله وقنط لما رآها ~~تزوجت، ولعله زاد نفورا لما علم أنها جعلت العصمة في يدها، فإنه شاب فيه إباء مر، ~~وله خلق وعر، وقد كان يثقل عليه أن لها مالا، فلا بد أنه كره منها أن تستعلي على ~~الرجال، ولكنه خليق إذا علم أنها أصبحت حرة طليقة غير موثقة - وإن كان الزمام في يدها - ~~أن تخايله صورتها، ويعاوده طيفها، وتمثلها المنى لقلبه بعد أن أشاح بوجهه عنها يأسا ~~منها، فما يموت الحب هكذا، ولو كان لهو ساعة لبقيت له بذكراه نوطة في القلب وعلوق ~~بالضمير، وما تنقصه إلا قدحة زناد تطير شرارة ترده مسجورا، والأرجح أن محمودا ~~حاني الجوانح والقلب على حبه مذ حدث ما حدث، ولعله يتجلد ويعاند، ويكابر، ونفسه - وهو ~~يدري أو لا يدري - موكلة بسميرة، مملوءة من حبها، وعسى أن تكون ما زالت عنده مرعى ~~الأماني، ورضى النفس، وحسب الهوى، يراها بالود وإن لم يرها بالعين، ويدنيها الفكر ~~المفجوع حتى تتراءى له توهما. ولكن هذا كله يظل علة شقوة لهما كليهما ما دامت موثقة ~~بهذا الوثاق السخيف، وإن كليهما لمحل عما هو حقه، فإما أن تسكن سميرة إلى الواقع الذي ~~اختارته بفساد عقلها ونزقها، وإما أن تتنكب لتهيئ فرصة جديدة لمحمود ولنفسها. # ولكن منطق الأم الحكيمة المجربة لم يقنع سميرة التي كبر عليها أن تقر بالغلط بل ~~بالنزق والخفة، فظلت معاندة جامحة، حتى كان يوم. # وكان محمود قد كف عن حضور السباق، مخافة أن يلتقي في حلبته بسميرة، فتهيج حرقاته، ~~ويصدر عنه ms79 ما لا يحمد أو يليق، ثم ألحق بخدمة الحكومة وصار ذا وظيفة، فرد البطاقة ~~إلى الصحيفة التي كان يكتب إليها مكتفيا بالاعتذار بأن «صاحب بالين كذاب»، ولم تكن ~~الوظيفة تستنفد وقته أو مجهود شبابه، وإنما كان يخشى أن يشهد السباق - كما قلنا - فيتفق ~~أن تكون سميرة هناك، وحينئذ ماذا يصنع؟ يتحمل؟ يغضي؟ يظهر الفتور وقله الاكتراث؟ ~~يحييها؟ يجتنبها؟ وهي، ماذا عساها تصنع؟ # ثم خطب غيرها؛ فصنع كما صنعت، وإن كانت هي البادئة، والبادئ أظلم، ولا جناح عليه، ~~ولكنه يحسن أن تطوى تلك الصفحة القديمة طيا ليس له من نشر، ولما لم يكتب له أن يكون ~~مع محاسن أكثر توفيقا، كفر بالمرأة، واعتقد أنها مبنية على الغدر، وأنها حول ~~قلب، لا وفاء لها ولا عهد، وأن من الخير أن يظل حياته مستفردا واحدا. # وصار يتسلى عما ساءه من زمانه بالاختلاف مع إخوانه إلى المراقص ودور اللهو الأخرى، ~~إلى أن كان يوم أقيمت فيه حفلة راقصة لمساعدة معهد خيري، فذهب مع صاحب له، فانتحيا ~~ناحية وراحا يرمقان الناس - والنساء على الخصوص؛ فما كان بين الرجال تفاوت يذكر، ~~وكلهم يرتدي ما يسمى ثياب السهرة، أما النساء فكانت ثيابهن وزينتهن معرض أزياء ~~وأذواق. # وإنه لجالس يدير عينه في هذا الحشد الذي لا يسكن إلا ليموج، وإذا بسميرة داخلة على ~~ذراع فتى وسيم قسيم يشق بها الجمع، ويقبل على الناحية التي هو فيها، وكانت مرتفعة بضع ~~درجات، فكأنما شك في خاصرته سيف، فانتفض واقفا، واندفع هاربا بغير تفكير، فعلقت ~~قدمه بطرف البساط فانكب على وجهه، وهوى على الدرجات، وأصابت سن إحداها ساقه، ~~فهاضتها، فبقي منطرحا لا يقدر على حركة. # وكان صاحبه قد دهش، ثم أفاق، فلما رآه طريحا خف إليه، وكان خلق كثير قد اجتمع حوله ~~وحف به، فجعل صاحبه يدفع الناس ويفرقهم عنه، حتى وصل إليه، فألفى سميرة - وإن كان لا ~~يعرف أن اسمها سميرة - جاثية على ركبتيها، وقد أحاطت ظهره بيسراها وأراحت رأسه على ~~صدرها، وهي تدعو الناس - وتشير إليهم بيمناها - أن يتفرقوا ms80 ليتنفس. # وجثا صاحبه مثل جثوها، وقال وهو يمد يديه ليرفعه عن صدرها: عنك يا هانم، وشكرا ~~لك. # قالت: لا لا لا، هذا شأني أنا، ما شأنك أنت؟! اذهب عنا، تعال يا نسيم واحمله ~~معي. # قال صاحبه: إني معه، وأنا صديقه. # قالت: قلت لك إن هذا شأني أنا، ألا تفهم؟! تعال يا نسيم. # فدنا منهما نسيم وقال: بل هو شأن الإسعاف الذي يمثل آل نسيم روحه في كل موقف يدعو ~~إليه. وأشار إلى خادمين واقفين ينظران مع الناظرين، ويزيدان الزحام والضيق ولا يصنعان ~~شيئا، وقال: إن وقفتكما جميلة، ولكني مضطر أن أحرم الجمهور جمال هذا المنظر، فهل ~~لكما أن تتفضلا بمعاونتي على حمله إلى السيارة، شكرا، لم يخب أملي في شهامتكما. # وحملوه برفق إلى السيارة، وكانت سميرة لفرط اضطرابها تعترض طريقهم وتدور حولهم، وتسير ~~مرة أمامهم ومرة خلفهم، وتارة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم كالكلب الوفي، حتى أرقدوه في ~~السيارة، وقعد على الأرض فيها معه نسيم، واتخذت هي مقعد القيادة، وانطلقت إلى بيتها ~~وخلفت صاحبه على الرصيف فاغرا فمه كالأبله. # ولما بلغوا البيت تركت السيارة ومن فيها وذهبت تعدو إلى أمها حتى إذا لقيتها صاحت بها ~~وجدته، وجدته. # فقالت لها أمها: وجدته؟! من عسى أن يكون هذا؟! # وكان لها عذرها إذا لم تفهم؛ فما كانت اطلعت على الغيب، فقالت سميرة: ومن عسى أن ~~يكون سواه؟! # قالت الأم: حلمك، إن الله مع الصابرين، ألا تقولين ... # قالت سميرة: صابرين؟! أهذا وقت الصبر وهو مكسور في السيارة؟! # فضحكت الأم وقالت: وجدته! وليس هذا وقت الصبر! لأنه مكسور في السيارة! ومع ذلك تتركه ~~وتجيء تتكلم بما لا يفهم! طيب. # ونهضت الأم ودعت الخدم وأمرتهم أن يحملوا «المكسور» وأمرت وصيفتها أن تعد له غرفة، ~~وقصدت هي إلى التليفون فدعت طبيبا. # وكان محمود لا يزال فيما يشبه الغيبوبة، من الألم الحاد، والذهول، واعتلاج العواطف في ~~صدره الذي صار كالخضم، فكان ينظر ولا يكاد يدرك ما يجري حوله وما يصنع به، ولكنه ~~كالمدار به، لا قدرة له على ms81 قول أو عمل. # ورأته الأم فابتسمت وهزت رأسها، وقالت لنفسها: ما أقل غناء التدبير ! # وقال لها نسيم: يا سيدتي، كوني منصفة، ألا أستحق على الأقل فنجانا من القهوة، ودعي ~~الشكر، وإن كنت أهلا له، وليست هذه ساعته على كل حال؛ على أني بذكائي المعهود، ~~وفراستي التي لا أظنك إلا معترفة بأنها صادقة، أرى أني سأكون أهلا لشكر أعظم، في ~~أوانه، وما أرى أوانه إلا قريبا، إي نعم. # فقالت الأم: ماذا تقول؟ عن أي شيء تتكلم؟ ومن أنت أولا؟ # قال: لكل سؤال جوابه عندي، فأنا - ولا فخر - نسيم، رفيق السهرة المنبوذ، أو المنسي ~~بعد أن وجد العصفور عشه، فهل اقتنعت الآن بما وصفت لك من ذكائي؟ أما ماذا أقول، فأظن ~~أنك سمعته، ولا بأس مع ذلك من الإعادة؛ فقد تكون فيها إفادة، نعم سمعتني يا سيدتي ~~أقول: إني أستحق فنجان قهوة بما قدمت من معونة مشكورة على رد العصفور إلى قفصه. # قالت: آه، فهمت، لماذا لم تقل هذا من الأول؟ # قال: معذرة إذا كنت قد وثبت إلى النهاية وتخطيت البداية، وهذه آفة آل نسيم جميعا؛ ~~كلهم وثاب الذهن كما ترين، ولكني أرى جرسا يتدلى من هذه النجفة البديعة، فحبذا لو ~~ضغطت زره بأصبعين من يدك الجميلة. # وكانت سميرة في أثناء ذلك قاعدة على السرير الذي أرقدوا عليه محمودا، وكانت لا ~~تنفك تحنو عليه وتقبل ما بين عينيه وجبينه وخديه ورأسه حتى أذنيه وأنفه، وكلما هم ~~بكلام وضعت راحتها على فمه لتمنعه، وكلما أدار وجهه ردته إليها برفق وعادت إلى التقبيل ~~والتنهد والتشهد. # وأخيرا ابتسم، لم يسعه إلا أن يبتسم، وقد هدأ الثبج المربد، والموت المعتلج، وتسنى ~~أن تبصر عين الضمير ما كان اصطخاب الأواذي يحجبه ويطويه. # وقالت له: لن أدعك تفر مني مرة أخرى، والحمد لله على ما أصابك؛ فلن تستطيع أن تغافلني ~~وتهرب. # فهم بأن يقول إنه لم يكن هو الذي فر منها، ولكنه عدل عن الجدل والخلاف في مثل هذه ~~الساعة، وأشار إلى فمه، فمالت عليه، وأراحت صدرها على ms82 صدره، وضمته وقبلته. # فلم يزد على أن قال: آه، من حلاوة القبلة ورضى النفس . # وكانت أم سميرة قد بقيت مع نسيم ولم تصعد؛ لتتيح للشتيتين أطول اجتماع، وعرفت منه أن ~~أخته من صديقات سميرة، واستطاعت بعد عناء أن تقف على ما وقع؛ فقد كان لا يفتأ يحاورها ~~ويداورها. # وقالت له أخيرا: لماذا تتكلف هذا الأسلوب؟ أتراك خاب لك أمل؟ # قال: آل نسيم يخيب لهم أمل؟! كلا، إنما يخيب أمل من يخيب فيه أملهم. # قالت: إنك تدوخني، فلماذا لا تتكلم كخلق الله؟! # قال: سمعا وطاعة، وسترين أني أقدر على هذا أيضا، وهاك مثالا، أظن أن القادم هو ~~الدكتور. ~~(وكان هذا صحيحا.) # وقال الدكتور لنسيم بعد أن سلم وعرف ما دعي له: ألا تصحبني؟ # قال نسيم: كلا، بل تصعد وحدك، ولا تخف؛ فإني هنا. # فألقى إليه الطبيب نظرة مبتسمة، وصعد. ~~••• # لو درت محاسن بما حاق براتب بك بعدها، لكان أول ما هو خليق أن يجري لها بخاطر أن الله ~~قد انتقم لها من هذا الظلوم الشرس الطويل اللسان، ثم لكانت حرية أن تبتسم ويدركها ~~عليه العطف وتقول: مسكين! # ذلك أن راتب بك انحدر ضحى نهار مشمس من أيام الربيع يزينه زهر حديقته، فلولا أن هذا ~~مستحيل - في مصر على الأقل، وفي القاهرة على وجه أخص - لقلنا مع أبي تمام إنه كان يبدو ~~- النهار لا راتب بك: «كأنما هو مقمر.» # وكان راتب بك يدير عصاه، وينفخ الدخان ووجهه إلى السماء، والسيجار الغليظ بين أصبعين ~~من يده ليسا أقل غلظا، ولكنه لم يكن يشعر بالرضى المعتاد عن نفسه وعن الدنيا، وخيل ~~إليه وهو يدخل في السيارة أن فطوره في هذا الصباح لم يكن مريئا، بل كان بشعا عسر ~~الابتلاع، كأنما كان بغير إدام أو كان فيه حصى، وأن القهوة أيضا كانت لها زهومة، ~~كأنما كانت قد خلطت بشحم. # ولم يستغرب ألا يشعر بقضض الطعام، وزهومة القهوة، إلا بعد أن أكل وشبع، وارتوى ~~بل تضلع، وأتى على نصف السيجار الأسود - أو البني - الغليظ، وإنما كان ms83 يستغرب، ~~وهو مضطجع في سيارته الفخمة، أنه يشعر بامتلاء غير معهود ولا معقول - إذا اعتبرنا سخطه ~~على طعامه في هذا الصباح - وهو امتلاء يمنع أن يواصل التفكير المنتظم فيما كان يشغله مذ ~~فتح عينه على النهار. # ودخل مكتبه ممتلئا، وكان عهده بنفسه أنه يدخل منتفخا، والنفخة - ولو كانت كذابة - ~~تفيده لذة، أما هذا الامتلاء فلا يفيده إلا كربا واضطرابا وارتباكا. # وانحط على كرسيه الدوار، وما كاد يفعل حتى زوى ما بين عينيه وأرسل يده تحته ~~تتحسس، وكان مقعد الكرسي من خيزران فأنى له هذه الوثارة والطراوة، كأنما طرحت عليه ~~وسادة؟ # ورد الكرسي - دفعه إلى الخلف بفخذيه - ونهض واقفا، وذهبت يداه تتحسسان بدنه، ثم رفع ~~إحدى قدميه ودس يده في ساق البنطلون، فلمست شيئا ما كان ينبغي أن يكون هناك، فما اعتاد ~~أن يرتدي تحت البنطلون سوى السراويل القصيرة الساقين، ووقف هنيهة، ويده مدسوسة تحت ~~الساق، وفمه فاغر، وعيناه شاخصتان لا تطرفان من فرط الدهشة. # ثم استوى واقفا وأعمل يديه - بلا تفكير - في أزرار البنطلون يفكها بسرعة، فكان ما ~~خاف أن يكون؛ ذلك أنه نسي أن يخلع المنامة (البيجامة) فارتدى البنطلون فوقها. وأوسع ~~نفسه ذما ولعنا، وهو يخرج رجليه من الساقين، ويلقي بالبنطلون على المكتب ريثما يخلع ~~سراويل المنامة. # ولو أن الله كان قد أراد به خيرا لفكر قليلا قبل أن يفعل ذلك، أو لخطر بباله إما أن ~~يتجلد ويصبر على أن يظل بنطلونه محشوا بأكثر من جذعه حتى يئوب إلى بيته فيصنع بثيابه ~~ما شاء، ويطرح عن بدنه منها ما يكره، وإما أن يتحول إلى الحمام فيوصده على نفسه، ويفعل ~~ما هو فاعل في مكتبه بغير عقل، ومن غير أن يكلف نفسه أن يستوثق من الباب، وصحيح أن هذه ~~غرفته الخاصة، وأن بابها غير مفتوح، وأنه لا يدخل عليه فيها داخل بغير استئذان، ولكنها ~~ليست حصنا منيعا لا ينال؛ وآية ذلك أن الآنسة ريا التي حلت محل محاسن، فتحت الباب ~~بخفة، ثم ردته برفق ودخلت تمشي على أطراف أصابعها - أو ms84 ذنابة حذائها الدقيق - وعلى ~~ذراعها طائفة من الأوراق، وبين أصبعيها قلم، وعلى فمها وفي عينيها ابتسامة خفيفة، ~~تمهيدا لتحية اللسان. # ولم تخط سوى خطوتين اثنتين - أو خطوة ونصف خطوة، فقد ظلت قدمها اليسرى متخلفة؛ رأس ~~حذائها على الأرض وكعبه مرفوع في الهواء - وغاضت الابتسامة، وثبت الحملاق، وتدانى ما ~~بين الجفون، وما بين مخطي الجبين أيضا، وتحركت الشفتان بكلام لم يتبينه راتب بك ~~ولكنه سمع صوته، فرفع رأسه مرتاعا، وهوى شخصه فغاب في الفضاء القليل بين الكرسي ~~والمكتب - ما خلا رأسه فقد ظل فوق خط الماء - وصاح: اخرجي، اخرجي، ألا ترين أن هذا ليس ~~وقت الدخول؟! # قالت بهدوء: إني أرى كثيرا مما لم أكن أتوقع أن أراه، وقد سلبني ما رأيت الإرادة أو ~~القدرة على الحركة. # فعاد يصيح: أقول لك: اخرجي، ألا تسمعين؟! ماذا يقول الناس إذا دخل داخل ووجدك ~~هنا؟ # قالت: لا تخف علي؛ فإنهم سيقولون فيك أولا. # وأحس راتب بك أن هذا الشطر من المنامة قد تدلى إلى قدميه واختلطت جملته بهما، فشرع ~~يرفع قدما بعد قدم ليخرجهما ويخلصهما، عبثا؛ فقد كانت الحركة غير ميسورة وهو قاعد ~~القرفصاء برغمه، وفخذاه إلى بطنه ويداه على ركبتيه. # وأتعبه تكلفه حركة ليست في خير الأحوال بالهينة، فكيف على طرف المكتب! فضاق صدره ~~وانطلق لسانه يقول: ألا تنوين أن تخرجي؟! ماذا عسى أن يقول الناس؟ # وكانت ريا فتاة خبيثة، تحسن اغتنام الفرص اللائحة، فقالت: إنهم خليقون أن يقولوا إنك ~~دعوتني لشهود هذا المنظر وآثرتني به في غرفتك الخاصة. # فكاد عقله يطير وزعق: امشي، اخرجي، فأنت مطرودة. # قالت: صحيح؟! وما قولك في أن أصيح كصياحك، وأخرج كالقنبلة، وأجمع موظفي الشركة ~~عليك؟ # وكانت وهي تقول ذلك تبدو لراتب بك كأنها تستحلي الكلام، وتستطيب المنظر الذي رسمت له ~~خطوطه الكبرى، وتركت له العناية بالتفاصيل. # قال بصوت ضعيف: أعوذ بالله منك! طيب اخرجي، فلن أطردك، ودعيني أفعل ما أنا ~~فاعل. # قالت ببرود: وهذه الأوراق؟ # فأسعفه صوته وصاح: أهذا وقته؟! سبحان الله العظيم! # قالت: سؤال قبل أن أخرج، ms85 لماذا لبست المنامة تحت البنطلون؟ # قال: لا أردي، وما شأنك أنت؟! أقول لك: اخرجي . # قالت: إنه منظر لا تراه الواحدة منا كل يوم، وفي شركة تجارية، ومكتب كهذا. # فقال محتجا: هل يتصور عقلك الوسخ أن هذه عادة لي؟! # قالت: يحسن ألا تعتادها. # وخرجت بخفة كما دخلت، وردت الباب وراءها، فنهض الرجل وأتم ما كان بدأ، ولعن نفسه ~~والوجه الذي أصبح عليه في يومه، وجرأة ريا وقلة أدبها، وحدث نفسه أنه سيلقى منها ~~ويلا. وطوى المنامة ورمى بها - لقلة عقله مرة أخرى - في سلة الورق المهمل. # ودق الجرس فدخلت عليه ريا مرة أخرى، فألفته جالسا إلى مكتبه على عادته فقالت: هذا ~~أحسن. # وهم بأن يزجرها عن العود إلى الموضوع، ولكن فراش المكتب دخل في هذه اللحظة بالصينية ~~وعليها كوب ماء بارد وفنجان قهوة، ووضعها على المكتب، ودار لينصرف فلمحت عينه المنامة ~~فانحنى، ومد يده فأخرجها ورفعها، وتأمل ألوانها الزاهية، ولمسها وفركها بأصابعه، وهز ~~رأسه معجبا بحريرها الطبيعي النفيس، ثم حول وجهه إلى راتب بك وسأله: هل هذه لك يا ~~بك؟ # وكان راتب بك قد غض بصره عجزا منه عن النظر إلى الفراش وهو يقلب المنامة أو شطرها ~~الأسفل - أطرق وأبقى عينه على المكتب، فقال: لا. ولم يرفع رأسه. # قال الفراش: وماذا جاء بها إلى هنا؟ لقد كنست المكتب ونظفته ولم تكن هذه في ~~السلة. # فأحس راتب بك أن رأسه يدور، فقد صار كل امرئ يجترئ عليه بالخلاف والمجادلة، حتى ~~الفراش. # وتشدد وقال: أراك لا تصدقني؟! شيء جميل يا حسنين! اخرج وارمها حيث شئت ولا تكلمني ~~فيها مرة أخرى، سامع؟ # وانصرف الفراش، فقالت ريا: أتظن أنك كنت حكيما؟! # فسألها راتب بك: ماذا تعنين؟ # قالت: تركت المنامة لحسنين. # قال: وماله؟ ماذا أصنع بها؟! إني لا أطيق أن أراها مرة أخرى، ولا أنت أيضا. # قالت: شكرا، ولكن كل موظفي المكتب سيرونها الآن، وسيعرضها حسنين عليهم واحدا ~~واحدا، ويقول لهم إنه وجدها ملقاة في السلة وأنا معك ... # فصاح بها مقاطعا: ألا تخجلين؟ # قالت: هذا شأني ms86 أنا، وقد كنت أبين لك شأنك، أنت حر. # فوضع رأسه بين يديه وقال كمن يحدث نفسه: يا له من نهار أسود! ما العمل الآن؟ # قالت: ألا ترى أنه يحسن بك أن تكون لطيفا معي؟ # فنظر إليها نظرة ملؤها الحقد والمرارة، وقال: لطيف معك؟! أهو ذاك؟! # قالت بهدوئها الذي لا يفارقها: نعم، وتذهب بي مرة إلى السينما، أو إلى ... # قال، بلهجة الزراية: ويراني الناس معك؟! مع مثلك؟! # فأطرقت ريا تتدبر قوله هذا، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت: ولم لا؟ إنك لست دميما ~~جدا. # فصاح: إيه؟! # قالت: لا تزعق، فما أظن بموظفيك إلا أنهم قريبون من الباب. # قال - بصوت خافت: إنك أوقح من رأيت في حياتي. # قالت: لست أوقح منك؛ ألم تخلع منامتك أمام عيني؟! # قال: ما حيلتي؟! أنت دخلت بلا استئذان، فرأيت ما رأيت، لماذا لا تدعين هذا الموضوع؟ ~~إن عملي معطل. # قالت ونتغدى اليوم عند الحاتي؟ # قال: طيب، طيب. # وكانت هذه هي البداية، وهي حسب القارئ، وفيها عبرة كافية سقناها غير باخلين بها على ~~من يطيل لسانه على البنات الطيبات. ~~(انتهت) ms87